إنجيل مرقس، بشارة يسوع المسيح

 

تقديم

لم يكتب يسوع كلمة واحدة في حياته. عاش، عمل، علّم، فكان كل شيء فيه كلمة الله المتجسّدة. رافقه تلاميذه، رأوه بعيونهم، سمعوه بآذانهم، لمسوه بأيديهم. وبعد القيامة تأمّلوا في ذاك الذي تكلّم بسلطان لا مثل الكتبة، في ذاك الذي أحسن في ما عمل على مثال الله في الخلق، في ذاك الذي طلب منهم أن يتركوا كل شيء لكي يتبعوه. وعاشت الجماعات المسيحية التي انتشرت سريعاً في الشرق والغرب، هذه الخبرة مع الرسل الذين كانوا شهوداً له.
وتشتت الرسل، ومات بعضهم في سبيل المسيح. واختفى الشهود العيان شيئاً فشيئاً. فطلب الناس من مرقس، وطلبوا من لوقا ومتى أن يدوّنوا هذه الأشياء لكي يعرف المؤمنون الجدد قوة التعليم الذي وعظوا به. 
ودوّن مرقس إنجيله بعد موت بطرس وبولس، فكانت كلماته صدى لما وعظ به هذان الرسولان في رومة، عاصمة العالم الوثني آنذاك. دوّنه من أجل كنيسة يعرفها ويعايشها، فحاول أن يجيب على تساؤلاتها. دوّنه في جو من الإضطراب والضيق، فدعا المسيحيين ليعودوا إلى جذور إيمانهم ويعرفوا ما يفرض عليهم مثل هذا الإيمان من أجل يسوع ومن أجل إنجيله. دوّنه فجمع خبرة كنيسة أورشليم حيث نبت، مع خبرة كنيسة رومة حيث نضج فكان لنا كتيِّب رأى فيه مسيحيّو فلسطين صورة عمّا عرفوه وشهدوه، ومسيحيّو رومة نوراً من أجل كنيستهم التي تحاول أن ترسم طريقها. إنطلقت من العالم اليهودي، وها هي تحاول أن "تسبي" العالم الوثني إلى المسيح.
من أجل هذه الكنيسة دوّن مرقس إنجيله فكان كتابه رفيق الواعظ والمبشر. كتاب صغير نستطيع أن نقرأه كله في ساعة واحدة. ولكن كلماته ما زالت تشغل بال الشرّاح وتملأ قلوب المؤمنين حرارة. إنجيله كان أوّل إنجيل عرفته الكنيسة. وعلى مثاله ستظهر أناجيل ثلاثة فيما بعد: متى، ولوقا، ويوحنا. كان كالقديس بولس معلّمه، فوضع الأساس، وقدّم جوهر التقليد عن حياة يسوع وأعماله وأقواله. وتبعه سائر الإنجيليين ولم يبدّلوا الشيء الكثير من التصميم الذي وضعه: من بشارة يوحنا إلى الوقت الذي فيه رُفع يسوع إلى السماء.
هذا هو الإنجيل الذي نحاول أن نفسرّه في مجموعة الدراسات البيبلية، بعد يوحنا ولوقا. الأسلوب هو هو. بعد مقدّمات تعرّفنا بهذا الإنجيل، نتوقّف عند المقطوعات الإنجيلية واحدة واحدة كما نقرأها في الليتورجيا أو نتأمّل فيها خلال حلقات المشاركة. نحن لا نشرح الفصل بكامله، بل نقسّمه إلى مقطوعات، وهكذا نسهّل العودة إليه من أجل حلقة دراسية أو سهرة إنجيلية، أو عظة ومقاسمة.
ويتميّز هذا التفسير بأننا درسنا بعض النصوص دراسة دقيقة تصل بنا إلى كل كلمة من كلمات النصّ. فكّرنا هنا بصورة خاصة بالدارسين يا معاهد اللاهوت، أو بأولئك الذين يريدون أكثر من نظرة شاملة ورعائية إلى نصوص الإنجيل، يريدون الدراسة الحرفية. ونرجو أن نكون فتحنا الطريق في هذا المضمار.
ويتميّز هذا التفسير أيضاً بمحاولات تقديم إنجيل مرقس لا من خلال نصوص متقطّعة، وكأن لا رباط بينها، بل من خلال نظرة إجمالية. قسمنا الإنجيل، أو قسمه مرقس قسمين كبيرين: يسوع هو المسيح، يسوع هو ابن الله. واكتشف العلماء ست مراحل في إنجيل مرقس. فتوسّعنا في كل مرحلة من هذه المراحل وجعلناها مدخلاً للمقطوعات التي تتألّف منها. وهكذا نستطيع إذا قرأنا المراحل، الواحدة بعد الأخرى، أن نتعرّف إلى مسيرة مرقس مع يسوع منذ عمّده يوحنا إلى وقت صعوده إلى السماء. لا شك لا أن لهذا الأسلوب حسناته وسيّئاته. أما حسناته فنجدها حين يصبح الإنجيل أمامنا صورة عن يسوع الذي عاش في زمن هيرودس وبيلاطس ولا يزال حياً اليوم في كنيسته. فلا يبقى منجماً نستخلص منه عبارة نجادل فيها، أو مقطعاً نسند به عقيدة لاهوتية أو فكرة دينية. أما سيّئات هذا الأسلوب فأهمها تكرار الأفكار والشروح داخل الكتاب الواحد. هناك أمور أخرى، قد نكون قلناها في شرح مقطوعة من المقطوعات، لا نكتفي بأن نردّدها في مقطوعة أخرى، بل أيضاً في تقديم المرحلة التي تشرف على عدة مقطوعات في الإنجيل. ولكن يبقى هدفنا مساعدة "الباحث" في أسهل الطرق وأقصرها للإفادة من هذا التفسير في حياته الشخصية وفي عمله الرسولي.

 

 

 

القِسم الأول
مقدّمَات إلى انجيل مُرقس

يتألّف هذا القسم من أربعة فصول:
الأول: مدخل إلى إنجيل مرقس.
الثاني: إنجيل مرقس في الكنيسة الأولى.
الثالث: البنية اللاهوتية في مرقس: القسمات الست. 
الرابع: البنية اللاهوتية في مرقس: قسمان كبيران.

 

 

الفصل الأول
مدخل إلى إنجيل مرقس

مرقس هو أول مثالا عن هذا الفن الأدبي الذي إسمه الإنجيل. عُرف قبل متى ولوقا، فحدّثنا عن يسوع ساعة كادت الكنائس المزروعة خارج فلسطين تفقد جذورها. وأعطانا جواب المؤمنين الأولين على السؤال المطروح حول ذلك الإنسان الذي بشّر في الجليل قبل أن يحكم عليه رؤساء الكهنة بالموت. صلبوه ولكنه قام في اليوم الثالث.
مرقس هو الإنجيل الثاني بين الأناجيل الأربعة. دوّنه مرقس تلميذ بولس وبطرس من أجل المسيحيين في رومة. فإليه سوف نتعرّف. نقرأه. نتركه يطرح علينا سؤالاً. وهكذا نلتقي من خلال قراءتنا وتأمّلنا شخص يسوع الذي هو المسيح وابن الله.

1- إنجيل مرقس في أيامنا
يعرف إنجيل مرقس اليوم اهتماماً خاصاً. فلقد دخل على خشبة المسرح وفي الراديو والسينما. لماذا كل هذا الاهتمام بالذي حسب أقلّ الإنجيليين شأناً وآخرهم؟
أ- كان مرقس منسياً
نسي مرقس سريعاً. فمنذ القرن الثاني خسر مركزه. قالوا: أين لغته القاسية من يونانية لوقا المهذّبة والمنمّقة؟ قالوا: أسلوبه موجز، جاف، وبعض المرات غامض. لهذا فضّل الآباء عليه متى بجُمله الواضحة والمهيبة، وقالوا: كل ما كتبه مرقس نجده في متى أو لوقا أو يوحنا. والإنجيليون الثلاثة الآخرون أغنى منه في ايرادهم لأقوال يسوع وأمثاله. 
وهناك واقع أكيد: لا تستفد الكنيسة من إنجيل مرقس في الليتورجيا والفقاهة خلال القرون الأولى. وإذا عدنا إلى الشروح، منذ القرن الثالث حتى القرن التاسع، لا نجد إلاّ تفسيرين لهذا الإنجيل. في اللغة اللاتينية نجد فقط بعض المقالات لإيرونيموس، وتفسيراً متواصلاً لباديوس المكرّم. عند اليونان، نجد بعض النتف. وفي الآداب السريانية سننتظر ايشوعداد المروزي وديونيسيوس الصليبي.
ب- في العالم الحديث
توقّف الشرّاح في العالم الحديث على العلاقات بين مرقس، متى ولوقا. وهكذا وُلدت "المسألة الإزائية". كان أوغسطينس قد قال إن مرقس لخّص متى. وهذا الإرث الذي تركه معلّم أفريقيا الشمالية منع الدارسين قروناً عديدة من اكتشاف أولوية أقصر الأناجيل، بالنسبة إلى متى ولوقا.
ولما حلّ القرنان التاسع عشر والعشرون في أوروبا، عاد مرقس لكي يحتلّ مكانته السابقة. واكتشف النقد الحديث السلطة الحقيقية التي كانت لنصّ مرقس في القرن الأول. لاحظوا مثلاً انه إن تعامل متى ولوقا ويوحنا مع لغة مرقس بحرّية، إلا أنهم راعوا مراعاة خاصّة تأليفه. ما يجعلنا نفهم هذه السلطة هو ارتباط الإنجيل الثاني ببطرس الرسول. ففي القرن الثاني، وساعة تكوين "قانون" (أو: لائحة) الأسفار المقدّسة، لم يجعل إنجيل مرقس على هامش الأسفار. فذكرُ العلاقة التي تربط ما دوّنه مرقس بشهادة بطرس، ظلّ فاعلاً في القلوب.
أقرَّ معظم الشرّاح الغربيين منذ سنة 1930 أن مرقس هو أقدم الكتب الإنجيلية التي حفظت لنا، ولكنه لم يُفهم على حقيقته. كانوا يقرأونه وينتقدونه بالنسبة إلى الأناجيل الثلاثة الأخرى. وقد درسوه بشكل خاص لكي يصلوا إلى المستويات السابقة للتدوين النهائي. إنصبّ الإهتمام أولاً على "مراجعه" وعلى سيرة يسوع التي ترجّوا أن يعيدوا بناءها انطلاقاً من الإنجيل الثاني. وتميّز النصف الأول من القرن العشرين، باكتشاف جديد ليسوع التاريخي عبر مرقس، لا بواسطة اكتشاف غنى مرقس.
لا شكّ في أن مرقس أفاد من هذا الإهتمام بيسوع التاريخي، لأنه وجب على الشرّاح أن يمرّوا بمرقس لكي يصلوا إلى يسوع. ولكنهم تعلّقوا قبل كل شيء بما لم يكن منه في شهادته، بما جاء من غيره. فمرقس كنصّ مدروس لذاته لم يكن موضوع اهتمام. فالوقت لم يحُن بعد.
ومنذ السنوات السبعين صار مرقس إنجيلاً لزمننا الحاضر. هنا يُطرح سؤالان: الأول، لماذا نُسي مرقس بسرعة ونسُي مدة طويلة؟ الثاني، لماذا عاد إلى الظهور في هذا العصر الذي بدأ يقدّره حقّ قدره؟ إن الجواب على هذين السؤالين سيعطينا فهماً أفضل للوضع التاريخي الذي فيه دوّن إنجيل مرقس وللاطار الحالي الذي نقرأه فيه اليوم.
ج- إعادة اعتبار
لا شك في أن الجواب على هذين السؤالين يتحدّد موقعه في حياتنا نفسها. نحن نتعرّف إلى مرقس لأننا نعيشه. عاد مرقس الى "الوراء" منذ عرفت الجماعات المسيحية وضعاً مماثلاً للذي ولّد نصاً مثل نصّ متى ولوقا. من هذا القبيل، كان الوضع الكنسي لمرقس حوالي سنة 70، مشابهاً لوضع بعض الكنائس في الربع الثالث من القرن العشرين. لهذا ظلّ نصّه خفياً، ممحواً، منسياً.
إذن، سنقدم رسمة سريعة وموجزة للوضع التاريخي لمرقس. بعد هذا، نكتشف في تاريخ الكنيسة في القرن الأول كل ما يفصل هذا الزمن عن الحقبة التي فيها دوّنت الأناجيل الثلاثة الأخرى. والضوء الذي تلقيه هذه المقابلة يؤكّد تفسيرنا لنسيان مرقس في الماضي ولإعادة اكتشافه اليوم.
د- مرقس
دوّن إنجيل مرقس حوالي سنة 70، حوالي نهاية الحرب اليهودية الرومانية (66-70). يبدو أنه دوّن في رومة. شابهت جماعة مرقس معظم جماعاتنا بعددها، بل بدت أصغر منها. أما موضع الإجتماع فكان غرفة كبيرة- العلية في بعض البيوت (رج أع 20: 8 في ترواس)- أو الفناء الداخلي في بعض المنازل (رج مر 1: 29، 33؛ 2: 1؛ 3: 19- 20؛ أع 12: 12). خلال الإجتماعات الكبرى، كان هناك على الأكثر خمسون أو ستون شخصاً قد التأموا لسماع الكلمة والاحتفال بالعيد.
وعت هذه الجماعة أنها أقلّية ضئيلة وسط مدينة كبيرة، أقلّية تعيش على هامش المجتمعِ الرفيع في العالم الروماني. أقلّية مضطهدة. وقد احتفظت في حياتها بتذكّر موت معظم رؤسائها: في رومة، استشهاد بطرس وبولس. في أورشليم، اسطفانس ويعقوب، وربما يوحنا إبن زبدى. بما أنها أقليّة، حُسبت جزءاً من الأقلّية اليهودية، فقاست الاضطهادات مثلها خلال الحرب في اليهودية. فحقدُ الرومان كان معروفاً لا سيما ضدّ "الشيع" الجديدة الآتية من الشرق. كانوا يقولون: يصب العاصي (في سورية) في التيبر (يمّر في رومة)، وهكذا كانوا يدلّون بازدراء على كل ما كانت سورية تحمل إلى رومة من شيع ونظريات.
وبسبب الحرب في اليهودية، عرفت كل الجماعات اليهودية المشتّتة في الإمبراطورية الرومانية، الملاحقات والاضطهادات بدرجات متنوّعة. والمسيحيون (حتى الذين من أصل يهودي) لم يتضامنوا، على ما يبدو مع الحرب الإستقلالية. وهذا ما جعلهم مُبغضين في نظر اليهود الثائرين على سلطة رومة. مقابل هذا، أظهر بعض أعضاء الجماعة اليهودية الذين اندمجوا في المجتمع الروماني الرفيع، أظهروا لهذه السلطة أنهّم غير موافقين للثورة في اليهودية.
غير أن هؤلاء اليهود لم يتعاطفوا أيضاً مع المسيحيين. كانوا يعتبرون الشيعة الجديدة الآتية من الجليل، شكلاً من أشكال الثورة الشعبية التي تستلهم حركة الغيورين، التي يُعتبر وجودُها تهديداً لثبات العلاقات بين اليهود والرومان في الإمبراطورية كلها. فقد كان بين السنوات 65 و75 حرب ضروس بين الأقلّيتين، لأن كل أقلية أحسّت أنها مهدّدة في وجودها. كانت العلاقات بينهما شرسة، فتستعمل الواحدة الأخرى ككبش محرقة تجاه السلطة الرومانية.
في هذا المنظار نستطيع أن نفهم دور الهيرودسيين لا إنجيل مرقس (3: 6؛ 12: 12- 13). ودور يهوذا (يوضاس) الخائن "وأحد الإثني عشر". مثّل الهيرودسيون اليهود الذين دخلوا في المجتمع الروماني الرفيع. وكان يهوذا عضواً من الجماعة، فخان جماعته بلا سبب. جعله الإنجيلي "على المسرح" كمجرّد إمكانية خفية في حياة الكنيسة. فكل إنسان معرّض لأن يكون الخائن، وعليه أن يتساءل: "هل أنا هو" (14: 10- 11، 18-21)؟
الخيانة سلاح رهيب وهي في متناول كل أحد في مجتمع فاسد ومليء بالظنون كما كان المجتمع الروماني في ذاك العصر. ولا بعض الأوقات كاظما التجربة قويّة لدى المسيحيين المتهوّدين لكي يخونوا: هم يُلاحَقون تارة لأنهم يهود، وطوراً لأنهم مسيحيون. فلو نعموا بالحقوق التي ينعم بها اليهود في الإمبراطورية، فهم سيخسرونها حين يجاهرون أنهم مسيحيون، ولا يبدون تضامنهم مع العالم اليهودي ولا مع الحرب في فلسطين. وهكذا نرى بشكل أفضل خطر الإختيار في ذلك الوقت بالنسبة إلى تلميذ المسيح. يجب أن يكون الواحد مستعداً "ليحمل صليبه". هذا ما قاله يسوع في منتصف الإنجيل. وهذا يعني أن المسيحي يُستبعَد من المجتمع ويُحكم عليه بالموت كعبد ذليل...
تعرّض مسيحيّو مرقس للإحتقار وللملاحقات العنيفة، ولكنهم لم ييأسوا. فالإنجيل يشهد لنظرة قوية تستطيع أن تضمّ الماضي البعيد الى المستقبل حتى نهاية الكون. ولا تحسّ هذه المجموعة الصغيرة أنها منعزلة، أنها في طريق الزوال. فهي عبر التعارضات وبالرغم منها، تشارك في وعي مسكوني يعني "جميع الشعوب". هذا يوافق كل الموافقة حلقة الجماعات المسيحية التي وُجدت في ذلك العصر، وانتشرت في كل أنحاء الإمبراطورية. فقبل سنة 70، وصل شهود يسوع إلى أعظم الحواضر حوله حوض البحر الأبيض المتوسط: رومة، انطاكية، أفسس، كورنتوس، والإسكندرية...
هـ- الأناجيل الأخرى
حين دوّن متى ولوقا إنجيليهما بعد عشر أو خمس عشرة سنة، كان وضع المسيحيين قد تطوّر تطوّراً ملحوظاً في الإمبراطورية الرومانية.
دوّن متى إنجيله في سورية، وربما في قيصرية البحرية، لجماعة امتزج فيها اليهود و"الوثنيون"، الأبرار والخطأة، الأقوياء والضعفاء. وبدا المسيحيون كوحدة معروفة في المدينة. لم يعد هناك من قلق على حياة المؤمنين. أعلن متى الكنيسة الكبيرة التي قبلت بها "الدولة"، بل ساندتها. 
وتوجّه إنجيل لوقا (تبعه أعمال الرسل) عبر الجماعة المسيحية، إلى العالم اليوناني والرومانيِ، والى عالم اليهود الهلنستي (تحضّر بالحضارة اليونانية). وهكذا نقرأ مؤلَّف لوقا المؤرخ كمقال دفاعي (ابولوجيا). يجب أن يعرف الجميع أن "الطريق" (أو الطريقة، طريقة الحياة) المسيحية ليست شيعة جديدة، غامضة، شأنها شأن سائر الشيع التي خرجت من زاوية مشبوهة من عالم الإمبراطورية. فهي تستحقّ تقدير الجميع، لأنها ترتبط بتقليد موسى والآباء والملوك والأنبياء. وهذا ما يجعلها أهلاً للتكريم قبل الديانة اليهودية. هذا من جهة.
ومن جهة ثانية، إن مثال الحياة الذي تقدّمه هذه الطريق يضاهي معظم الفلسفات التي عرفتها بلاد اليونان وآسية الصغرى ورومة. والجماعة الأولى في أورشليم تعطي فكرة حقيقية عن مستوى حياة المسيحيين، وهو مستوى يضاهي أجمل ما عرفه الأقدمون على مستوى الصداقة والمحبة. هذا هو مقال لوقا الذي يفتح الدرب أمام الكتّاب المدافعين عن المسيحية في القرن الثاني. إن كلامه يدلّ على أن وضع المسيحيين في الإمبراطورية، ليست وضع أقلية محتقرة، وإن كان المؤمنون لم ينالوا بعد كل حقوقهم.
دوّن إنجيل يوحنا بعد ذلك الوقت، فلم يعكس الوضع الذي عرفه مرقس خلال الحرب اليهودية. لا شكّ في أن الجماعة اليوحناوية انطبعت برذل وحرم من قبل المجمع (أي: العالم اليهودي). وقد احتفظ النص بأثر واضح لهذا الوضع في يو 9: 22، 34؛ 12: 42؛ 16: 2. ولكن المسائل المطروحة تغيرّت خلال التدوين الأخير. فالمحيط اليوحناوي يحاول أن يدخل في حوار مع الجماعات التي ارتبطت ببطرس. وهو مهتمّ بالخروج من "هامش" ينعزل فيه، فيصبح مقبولاً لدى الكنيسة الكبرى التي تمثّلها نصوص مرقس، متى ولوقا. إنجيل يوحنا هو رسالة توصية: إنه يقدّم التقاليد الخاصّة بهذه الجماعة، ويدلّ على مراعاته لتقاليد تعود إلى بطرس. 
دوّن مرقس ليُستعمل داخل الجماعة. ودوّن لوقا ليُقرأ خارج حلقة المسيحيين. وجمع متى كنزاً عظيماً من التعليم والأخبار قدّمها بشكل مرجع له سلطته للذين ينتمون إلى المسيح. إنه فكّر بأعضاء جماعته، ولكنه أراد أن يحاور الذين في الخارج، خصوصاً معلّمي العالم اليهودي الراباني الذي أعاد تنظيما صفوفه بعد كارثة السنوات 66-70. وعكسَ يوحنا عادات وتقاليد خاصّة بمحيطه، ولكنه أقام حواراً مع سائر المسيحيين. إنه قبل كل شيء نص الجماعات المتعدّدة.
منذ نهاية القرن الثاني، عرفت الجماعات المسيحية نفسها في أناجيل متى ولوقا ويوحنا. فكأنها لم تحتجْ إلى إنجيل مرقس.
و- علامة الأزمنة
إذا كان عالمنا الحاضر قد اكتشف مرقس، فلأنه يعيش الوضع الكنسي الذي عرفه مرقس والذين حوله. فالجماعات المسيحية تعرف الضيق والاضطهاد. والجماعات المؤمنة و"الممارسة" صارت أقلية وسط أكثرية لا تعرف عن المسيح الشيء الكثير. صارت الكنيسة "في خطر" على حياتها كما يقول البعض. ولهذا نستطيع أن نعتبر إنجيل مرقس كعلامة من علامات الأزمنة. إن مرقس يوجّه كلامه إلينا عبر قرون تفصلنا عنه، فيجتذبنا في الرجاء الذي كان يعمر قلبه وسط الأزمة، ويقول لنا: "من يصبر (يثبت) إلى المنتهى يخلص" (13: 13).

2- إنجيل مرقس كتاب فريد
يبدو إنجيل مرقس بشكل خبر يختفي راويه منذ أول كلماته. هو لا يحسّ بالحاجة إلى أن يقدّم نفسه أو يشير إلى مراجعه. نحن نصدّقه حين نسمع كلامه. نحن نعرف أنه يقول الحقيقة، ونتعرّف إلى ما يرويه. لا أحد يعارضه. وهو نفسه لا يحاول أن يبرّر نفسه ولو مرّة واحدة. يتكلّم بسلطان ولا يهتم إلا بنقل ما يجده جديراً بأن يُذكر.
ما هو الهدف الذي توخّاه؟ ما هي علاقاته مع "مراسليه" أو "قرّائه"؟ هل أراد أن يقنعهم؟ أن يحذّرهم؟ أن يشجّعهم ويعزّيهم؟ هل أراد أن يقدّم إليهم تعليماً؟
أ- كتاب أملته الظروف
رغم كل ما قلناه حول الاطار التاريخي لمرقس، يجب أن نؤكّد على أن هذا الإنجيل ليس كتاباً أملته الظروف. فالكاتب لا يتوجّه إلى جماعته كما يكتب بولس إلى الكورنثيين أو الغلاطين. وليس خبره بشكل مباشر كلمة "تعزية" أو "تحريض" ترتبط باضطهادات تحمّلها المؤمنون (رج عب 13: 22). لا شكّ في أن مرقس لا ينسى التاريخ المؤلم الذي عاشته الجماعة. كما يستحيل عليه أن يقدّم لمعاصريه مستقبلا من الهدوء والطمأنينة، مستقبلاً لا صعوبات فيه. لقد علّمته الحياة أن المضايق ترافق الشهادة، بل قالت إن التبشير يتمّ لا رغم الاضطهادات، بل عبر الاضطهادات وبفضل الاضطهادات (13: 10). بيد أن كلامه ليس كلام تعزية وتحريض ينطلق من الظروف الملحّة التي تعيشها الجماعة. فلو كان الأمر كذلك، لكان أخبرنا به منذ البداية، وأشار إليه في المقاطع المهمة، وذكرنا به الخاتمة.
ب- قراءة في أيام العيد
لم يكتب مرقس كتاب مناسبة يشرف عليه رجوعٌ إلى الظروف الخاصة بالكاتب أو بالقارىء. بل كتب "إنجيلاً" لتقرأه الجماعة وتعيد قراءته بشكل منتظم. ليس بالقصير ولا بالطويل. دوّن ليُقرأ في احتفال واحد. ويبدو أنه كان يقرأ في اجتماعات العيد. نتخيّل الجماعة المسيحية مجتمعة ليلة السبت وساهرة حتى صباح الأحد. فخلال الأعياد الكبرى كانوا يسهرون أقله حتى نصف الليل. وإن سفر الأعمال يحدّثنا عن مثل هذا الاجتماع للصلاة، حين مرّ بولس في ترواس، في زمن الفصح (أع 20: 5- 12). ونعرف أيضاً أن بعض النصوص كانت تقرأ كاملة بمناسبة بعض الأعياد. هكذا كانت تقرأ اللفائف في الأعياد اليهودية. مثلاً، يقرأ سفر راعوت في عيد العنصرة والحصاد. أما إطار العيد الذي فيه يُقرأ إنجيل مرقس فهو عيد الفصح والقيامة.
كان اليهود يجتمعون في عيد الفصح داخل العائلة ويسهرون أقله حتى نصف الليل، وهي الساعة التي فيها قد يجيء المسيح. بعد الليل كان يتغلّب على المؤمنين النعاس أو الخمر. كانوا يقضون القسم الأول من الليل في سرد معجزات الربّ في أخبار مؤلّفة بالنظر إلى هذه الليلة. كانوا يتذكّرون ليلة الخروج العظيمة، ويتذكّرون فيها كل الليالي التي فيها تدخّل الله لكي يخلّص، منذ ليلة الخلق حتى ليلة مجيئه الأخير. وكانوا ينتظرون فوق كل شيء أن تأتي في هذه الليلة، الليلةُ الأخيرة التي فيها يأتي ايليا كسابق للمسيح. دوّن الخبر بالنظر إلى الليلة الفصحية فسمّي "ها غاده" (خبر، سرد اخباري).
كان المسيحيون الأوّلون كلهم من أصل يهودي. فاستلهموا طريقة الاحتفال بالعيد من محيطهم اليهودي. ولهذا استعادوا في عيد الفصح خير الخروج أو العهد مع إبراهيم (تك 15). ولكنهم تذكّروا بشكل خاص موت يسوع وقيامته. ونقول الشيء عينه عن انتظار اليهود للمسيح في تلك الليلة التي يسهرون فيها. لقد دلّت بالنسبة إلى المسيحيين، على رجاء عودة الربّ في المجد (رج 1 تس 1: 10؛ مر 13: 24-27).

3- خبر فصحي مسيحي
حين نضع نصّ مرقس في هذا الإطار من العيد، نستطيع أن نعتبره "خبراً" (ها غاده) مسيحياً. فهو يذكر أولاً وقبل كل شيء "عبور" يسوع، وفصحه الأخير وسط "أخصّائه". هنا نعود إلى عشائه الأخير في أسبوع الفطير (14: 12-28)، وما تلا ذلك كما أعلنته أقوال وفعلات يسوع: موته وقيامته. ولكن النص المنسوج بتذكّرات كتابية، يشير في الوقت عينه الى الخروج، إلى المسيرة في البرية بقيادة موسى، إلى دورة إيليا أو إلى ذبيحة اسحق (تك 22).
في الليلة التي فيها أسلم يسوع، رأت الجماعة المسيحية تلاقي وتجمّع كل الليلات. لسنا فقط أمام استعادة للماضي. فمرقس وجماعته (شأنهم شأن معاصريهم اليهود في سهرة الفصح) يسهرون وينتظرون حدثاً يقع في نهاية التاريخ وقد يحصل في هذه الليلة. "الحق أقول لكم: إن في القائمين (الحاضرين) ههنا، من لا يذوقون الموت حتى يعاينوا ملكوت الله آتياً في قدرة" (9: 1).
في السرد المرقسي، تتلاقى كل النظرات المستقبلية وتتوجّه إلى حدث أخير هو مجيء ابن الإنسان في المجد. ونحن نجد هذه النظرة حقاً في قلب إنجيل مرقس (8: 38-9: 1). وهي تحتلّ الخطبة الكبرى في ف 13 (وهي الخطبة الوحيدة المتكاملة في مرقس). كما نجدها في بعض الأوقات الهامة في خبر الآلام والقيامة (14: 62؛ رج 14: 25؛ 16: 7).

4- خبر من أجل التنشئة المسيحية
ويُضاف على هذا الإطار الفصحي، إطارُ المعمودية. فطوال القرن الثاني، كان "المناضلون" الجدد يعمّدون خصوصاً في نهاية السهرة الفصحية. إن طقس العماد وفقاهته قد انتقلا بدون انقطاع منذ نهاية القرن الأول حتى يوستينوس ابن نابلس في فلسطين الذي صار معلّماً في رومة، وهيبوليتس الذي كان معه من أول الشاهدين على الليتورجيا العمادية في بداية الكنيسة. في هذا الإطار العمادي كان يُقرأ إنجيل مرقس.
حين نحلّل طريقة تدوينه، نكتشف العلاقة بين مرقس ومراسليه. نلاحظ بشكل مقتضب الخطّ العام في التأليف. فالمطلع مكرّس كله للعماد الذي يتخذ كل خاصّيته المسيحية ويتميّز عن عماد يوحنا المعمدان. والبرهان (6: 13- 10: 5) الذي يشكّل محور الإنجيل، قد جعل من أجل التنشئة في وجهتيها الأساسيتين: القسم الأول يشير إلى معرفة سّر المسيح. والقسم الثاني يستخرج ما يفرضه اكتشاف هذا السر من أمور عملية. وأخيراً تأتي الخاتمة (16: 1-8) فتتضمن تلميحاً إلى العماد يأخذ بمجامع القلوب.
إن كل المسيرة التي يجعل إنجيل مرقس التلميذَ يسيرها، تطابق مسيرة رسمتها كرازة العماد في روم 6 (رج كو 2: 12). من اعتمد غطس مع المسيح في آلامه وموته. دُفن معه لكي يقوم معه. وهكذا تستلهم الحياة العملية (هلكة أي السلوك) حسب مرقس هذا النموذج الفريد الذي نجده بشكل خاصّ في النصوص الإرشادية (9: 30- 10: 45؛ رج 19:2-21).

5- الخبر في أولى تمتماته
لا يمتلك مرقس إلا عبارة واحدة يقولها، بل لفظة واحدة، بل إسماً واحداً. إنجيله هو يسوع، فكل لفظة وكل جملة وكل خبر وكل قسم يتلفّظ بدون انقطاع بهذا الإسم الفريد الذي ينطلق منذ الكلمة الأولى التي تخرج من فم الراوي. هذا الإسم هو أولاً تاريخ وخبر وموضوع "دراماتيكي". فمرقس هو راوٍ كبير قبل كل شيء. بعد هذا هو يعلن ويعلم.
كل خبر مهما كان قصيراً يدل على رحلة. تنتقل من محطة إلى أخرى. من زمن أولا تبدأ فيه الدراما حتى النهاية. هذا ما نكتشفه في إنجيل مرقس.
أ- الإفتتاح
الزمن الأول عند مرقس يفاجئنا، يحرّكنا كأنه قوّة تكشف عن نفسها بدون مقّدمات فلا نقدر أن نقاومها. تبدأ أخباره كإعلان عيد مع لهجة الفرح والانتصار، مع نفحة حياة تملأنا دهشة وتتحدّانا: "خرج الزارع ليزرع زرعه" (4: 3 ي). زرَعَ ولم يتعب. زرعَ في كل مكان. ما اكتفى بأن يبذر بل بذّر وبدّد الحب في كل مكان. يا للوفرة والسخاء!
كان لرجل كرم (12: 1 ي). ما الذي لم يفعله لهذه الكرمة؟ حوّطها بسياج، بنى برجاً، حفر معصرة. ماذا يستطيع أن يفعل أكثر من هذا لكرمه؟
إنطلق يسوع إلى الجليل وأعلن: "تمّ الزمان واقترب ملكوت الله" (1: 14- 15). منذ البداية (في مرقس)، إنفتحت السماء، بل "تمزّقت" ونزل الروح. لقد بدأ زمن الأنبياء، لقد بدأ الزمان المسيحاني، إنهزمت قوى الشر. بداية الإنجيل والبشرى، بداية الخبر السعيد. منذ بدأ مرقس كلامه يجب أن يتمزّق شيء ليترك ملء الله يسكن فينا.
ب- الإنتقال
ولكن السخاء الأول وجد أمامه الصدّ والرفض. هناك أزمة، هناك خسارة. هذا ما شدّد عليه مرقس حين قال بأن المحن والمعارضات سوف تتكرّر. إن الزرع "سقط على الطريق، فجاء الطير وأكله". وهناك زرع سقط على أرض حجرة. لا جذور له. حرقته الشمس. وهناك بذار ارتفع بين الشوك. وارتفع الشوك معه وخنقه. أكل الطير "كل" ما وقع على الطريق، وأحرقت الشمس "كل" ما كان على أرض قليلة العمق. وخنق الشوك "كل" ما نبت في وسطه.
أرسل ربّ الكرم خدّامه (12: 1- 11). فاستُقبلوا استقبالاً سيِّئاً. ضربوا، أُهينوا، قُتلوا. وما زال يرسل غيرهم. فكانت المعاملة التي تلقّوها أسوأ من التي تلقّاها الذين جاؤوا قبلهم. هناك انحدار عند مرقس: من سيء إلى أسوأ. الخادم الأولى أوسعوه ضرباً. الثاني شجوا رأسه. الثالث قتلوه. لم يبقَ لسيد الكرم أحد يرسله. لم يبقَ له إلا ابنه الوحيد. أرسله وخاطر به... وما زال يخاطر.
عرف مرقس الآلام الكثيرة. لهذا، لن يتكلّم "بخفّة" عن التي يتحمّلها كل الذين ينتمون إلى يسوع.
وفي ذروة الأزمة، يندلع كل العنف مع تبادل مخيف. فبعد "اختطاف العريس" (2: 12) كان حديث عن تمزّق القماش (الرقعة الجديدة تأخذ من العتيقة ملئها)، وعن تمزّق الجماعة. ونقول الشيء عينه عن الزقاق العتيقة والخمرة الجديدة. فالخمر تشقّ الزقاق، وهكذا تضيع الخمر مع الزقاق. هذا يعني أن يسوع يخسر حياته، والعالم اليهودي "يمزَّق"، "يتلَف".
حين دوّن مرقس إنجيله، كانت الجيوش الوثنية قد اجتاحت المدينة المقدّسة ودمّرت الهيكل... وحين مات يسوع على الصليب، روى مرقس أن حجاب الهيكل "تمزّق من أعلى إلى أسفل، تمزّق إثنين" (15: 38). فالهيكل كموضع مقدّس ومفصول عما هو دنيوي، قد تدمّر وزال. وفي ذروة مثل الكرّامين القتلة، قُتل "الابن الوحيد" "وطُرح خارج الكرمة". ولكن سيّد الكرمة "سيأتي ويهلك الكرّامين ويسلّم الكرمة إلى آخرين".
مثل هذا العنف المتبادل نجده مراراً في خبر مرقس (رج 3: 1-6؛ 11: 12- 14؛ 11: 17، 14: 46-47؛ 15: 37-38). وهذا ما يدهشنا لأننا لا ننتظره.
كيف نفسّر هذا العنف؟ بخبر الآلام التي احتملتها الجماعة المسيحية. إن مرقس يشبه شخصاً تألّم، لهذا فهو لا يحاول أن يُعمل الفكر. إنه يرى فقط علاقات بين آلام احتملت من أجل اسم يسوع ودمار الهيكل سنة 70. لهذا يؤكّد أن دينونة الله قد أعلنت حكمها في هذا الوقت من التاريخ. بعد أربعين سنة مرّت على صلب "الإبن"، أرسل الله جوابه إلى الذين رفضوا مرسل نهاية الأزمنة. كان مرقس يهودياً فانطلق في تفكيره من الكتب المقدسة ومن مقولات تسلّمها في محيطه اليهودي، وآمن بيسوع آخر الأنبياء وابن الله الوحيد. هذا الإيمان الذي مرّ في بوتقة الاضطهاد، يقوده الآن لكي يترك العالم اليهودي. "تُجعل الخمر الجديدة في زقاق جديدة" (2: 22).
ج- المرحلة الأخيرة
مرّت الأزمة بخساراتها المتعدّدة، وتنامى العنف ولم يوفّر أحداً (رج 13: 30). كل هذا صبّ عند مرقس في خلفية لم نكن نتوقّعها، خلفية مجانية ومنتصرة.
زرع الزارع فبدا ما عمله خسارة تامة. ولكن ها إن ما سقط في الأرض الطيّبة قد "أعطى ثلاثين، ستين، مئة" لقاء كل حبة. ونحسّ بالراوي يهتف هتاف الفرح. والكرم سيُعطى "لآخرين". أجل. "بيتي يدعى بيت صلاة لجميع الشعوب". "الحجر الذي رذله البناؤون صار رأساً للزاوية. هذا هو عمل الرب وهو عجيب في عيوننا". في هذه المقاطع يشعّ المسيحي فرحاً، ويستعيد أنفاسه على ضوء الكتب المقدسة (أش 56؛ مز 118).
فمن خلاله الموت على الصليب وتمزّق حجاب الهيكل، نرى قائد المئة الوثني، ونسمعه يتفوّه بأمانة الجماعة (النؤمن): "في الحقيقة كان هذا الرجل ابن الله" (15: 39).
وتتوزّع إنجيل مرقس هذه النصوص التي فيها نتجاوز نفوسنا فنندهش، التي تقدّم فتحة دائماً جديدة رغم الطرق المسدودة. هناك انتقالات تبدو للوهلة الأولى بسيطة، ولكنها في الواقع انعكاس أمين لهذه الدينامية المنتصرة التي تمرّ في الخبر كله.
* في 3: 6، تآمر الفريسيون مع الهيرودسيين وعزموا على قتل يسوع. ولم تتأخر ردّة الفعل على هذا "الحكم الأول" بالإعدام. في 3: 27 إنطلق يسوع بكل حماس، فجاء الناس إليه من كل مكان: هنا قدّم مرقس أوسع منظر في كل إنجيله. في حلقة دائرية جال في كل سورية الغربية. وبعد النظرة إلى الموت أطلّت قيامة عجيبة.
* في الناصرة فشل يسوع. إصطدم "بالاإيمان" (6: 6). ولكن الخبر انطلق من جديد. "وكان يجول في القرى المحيطة وهو يعلّم". وفي هذه المرة تضاعفت النتيجة. "دعا الإثني عشر وشرع يرسلهم إثنين إثنين".
* في نهاية المطلع، ساعة بداية كل شيء، نقرأ: "بعد أن أُسلم يوحنا، جاء يسوع إلى الجليل، وأخذ يكرز بإنجيل الله" (1: 14). ويخرج الخبر من أزمة حتى في تفجّره الأول: أسلم يوحنا. هذا ما يعكس مباشرة خبرة الكنيسة: فإعلان الإنجيل في نظر مرقس يتمّ عبر المثول أمام الحكّام والملوك، ومن خلال خيانة الأخ لأخيه والإبن لوالديه (13: 9- 13). هكذا يُعلَن الإنجيل على جميع الشعوب (13: 10).
* في كل الخبر، لا شيء يسجن يسوع، لا شخص يوقف يسوع. فالراوي يجعله "يقوم" في كل مرة. هنا نقرأ في البداية المقطع الذي فيه يذهب "سمعان ورفاقه" ليبحثوا عن يسوع خلال الليل (1: 35-39): "الجميع يطلبونك". يريدون أن "يمتلكوا" يسوع فيكون لهم وحدهم. يريدون أن يحتكروه. ولكنه يتطلّع إلى مكان آخر. "لأجل هذا خرجت" (آ 38). وها هو يجول في الجليل كله (آ 39). ما يحدث في هذا الصباح الأوّل من الإنجيل، سيتكرّر في كل صباح (16: 1-8). بحثت عنه النسوة ليمسحنه بالطيب. ولكن من يستطيع أن يحتفظ به حتى في الموت؟ "ما هو هنا. إنه يسبقكم إلى الجليل". إنه دوماً في مكان آخر لا نتوقعه. إنه يفلت من أيدينا كما من أيدي تلميذي عماوس. لا نستطيع أن نرى وجهه بل ظهره.
* ومن اللافت أن مرقس لا ينظر في نهاية التاريخ إلى "الدينونة الأخيرة"، حسب ما في متى الذي يفصل الخراف عن الجداء. لم يعد هناك من محنة أخيرة عند مرقس. فالمحنة العظمى التي يتحدّث عنها دانيال ستتمّ بالتاريخ (13: 19- 24). ولكن عندما تأتي النهاية، "في تلك الأيام، بعد المحنة"، سيظهر ابن الإنسان وسيقوم بدوره بأن يرسل الملائكة الذين يجمعون المختارين من كل مكان، الأحياء والأموات (13: 24- 27). إن الرجاء العظيم في نهاية التاريخ كله هو تجمّع المختارين في بهاء الله.

خاتمة
يبقى علينا أن نقرأ النص ونعيد قراءته ونتركه يجتذبنا في دينامية روحية عاش منها مرقس وما زال يولّدها فينا. حين يتحدّث عن يسوع يتوقّف نظرنا على ما دوّنته يدُ الإنجيلي، ولكننا ننجذب إلى ذاك الذي يمرّ أمامنا. يقودنا مرقس إلى يسوع فنحسّ أن سرّ شخصه يتوجّه كله نحو أبيه: هذا هو ابني الحبيب. في هذا الانفتاح المطلق الذي لا حدود له ولا قياس، تدعونا كل آية من آيات الإنجيل إلى أن نسير ولو ببعض الخوف (10: 32؛ رج 16: 8). ففي ذروة الصليب نكتشف نور القيامة.

 

 

 

الفصل الثاني
إنجيل مرقس في الكنيسة الأولى

نتطرّق في هذا الفصل إلى ثلاث نقاط: أولاً: من هو مرقس، ومتى كتب إنجيله. ثانياً: تاريخ الإنجيل الثاني لا الكنيسة الأولى. ثالثاً: إنجيل مرقس في نصوصه القديمة.

1- من هو مرقس
لا شك في أن الإنجيل الثاني هو من تأليف مرقس، رفيق بطرس. هذه هي شهادة الكنيسة منذ بابياس. في عهد مال التقليد المسيحي إلى أن ينسب "أبوّة" الأناجيل إلى الرسل، سمّي مرقس كاتباً إنجيلياً. لو لم يكن هناك سبب أساسي، لكان من الصعب نسبة الإنجيل الثاني الى مرقس. مرقس هو يوحنا مرقس رفيق بولس، الذي يتحدّث عنه سفر الأعمال. هذا ما يتّفق عليه اليوم شرّاح الكتاب المقدس. تردّد بعضهم وأعطى برهانين. الأول، لا يُذكر التماثل بين يوحنا ويوحنا مرقس قبل القديس ايرونيموس. الثاني، هناك صعوبات تجعله يعتقد أن مرقس وُلد في أورشليم. لا شك في أن مرقس ذكر بيت فاجي وبيت عنيا وجتيسماني والجلجلة، وأشار إلى دار رئيس الكهنة في 14؛ 54، 66، 68. كل هذا يدل على معرفة بأورشليم وجوارها. بيد أن هذه المعرفة قد تكون جاءت إلى مرقس من التقليد البطرسي. وقد زاد مرقس أسماء بعض الأماكن (رج 11: 4، 16، 27؛ 12: 41؛ 13: 3؛ 15: 8، 16) لا نجدها في النص الموازي من متى أو لوقا. وقد يكون 15: 7 قد تأثّر بنص لو 23: 19.
في نهاية القرن الرابع، كان إيرونيموس يفسّر آية تشير إلى مرقس في فلم 24 فأضاف: "الذي أظن أنه كاتب الإنجيل". وسيعلن التقليد فيما بعد هذا التماثل بين يوحنا ويوحنا مرقس، فلا يعود القول يحتاج إلى أي برهان.
أ- يوحنا مرقس.
في أعمال الرسل، يتحدّث لوقا ثلاث مرّات عن "يوحنا الملّقب بمرقس". في 12:12 يقول: "حين خرج بطرس من السجن، ذهب إلى بيت مريم، أم يوحنا الملقب بمرقس" (أو اسمه الآخر هو مرقس). إذ أراد الكتاب أن يحدّد هوية "مريم" هذه، ذكر ابنها الذي يعرفه قرّاؤه. كان في البيت دهليز له باب، وكانت تحرسه جارية اسمها رودي. وهكذا يظنّ أن مريم هذه كانت أرملة تملك بعض الخير. وقد صار منزلها فيما بعد موضع اللقاء (= كنيسة قبل الكلمة) للمسيحيين الأولين في أورشليم. ومن الطبيعي أن نفترض أن العليّة التي اجتمع فيها التلاميذ بعد الصعود (أع 1: 13) كانت في ذلك المنزل. وأن "العلية الكبيرة المفروشة" التي فيها احتفل الرب بالعشاء السري (15:14؛ رج لو 12:22) كانت في ذلك المنزل.
هناك تقاليد أخرى ليست ثابتة كل الثبوت. مثلاً، إن صاحب البيت (14: 14: قولا لربّ البيت) توفّي خلاله الفترة الواقعة بين العشاء السري والصعود، لأننا لم نعد نسمع اسمه بل اسم مريم. ثانياً، إن مرقس شارك في العشاء السري، من بعيد وبعينيه (كان صبياً، والعشاء تمّ في بيته). ثالثاً، إن مرقس هو ذاك الشاب الذي هرب عرياناً حين أُمسك يسوع (14: 51- 52). كل ما نعرفه عن مرقس هو أنه ابن أرملة لها تأثيرها في كنيسة أورشليم.
ونجد التلميح الثاني إلى مرقس في أع 12: 25: "ورجع برنابا وشاول (أو: بولس) من أورشليم. وأخذا معهما يوحنا الملقّب مرقس". وفي أع: 15: 37- 39 نعرف أن مرقس رافق الرسولين (بولس وبرنابا) في الرحلة الرسولية الأولى ولكنه افترق عنهما في بمفيلية. يعود بنا هذا الخبر إلى أع 13:13 حيث يقال أن يوحنا فارق بولس وبرنابا وعاد إلى أورشليم. هناك من يشدّد على أن مرقس لم يرسله الروح أو الكنيسة، كما كان الأمر بالنسبة إلى برنابا وشاول. ثم إنه خاف في المقاطعة الشمالية لجبل طورس، وهو شاب لا خبرة له. يبدو أن برنابا لم يعتب على مرقس لأنه فارقهما. فحين بدأ التحضير للرحلة الرسولية الثانية، أراد أن يأخذه معه.
ما كانت واجبات مرقس في عمل الرسالة؟ كل ما يتعلّق بالسفر من طعام وسكن، من حمل رسائل ومقابلات مع الناس وما شابه ذلك. فلمّا أراد أن يعود إلى الفريق الرسولي، لم يكن رأي شاول مثل رأي برنابا. فقد اعتبر عودة مرقس تخاذلاً وتراجعاً. فاستحسن "أن لا يصحبهما من كان قد فارقهما في بمفيلية ولم يرافقهما للعمل" (أع 38:15). وهكذا نشب خلاف حادّ. فأخذ برنابا مرقس معه، وذهبا إلى قبرص. أمّا بولس فطاف سورية وكيليكية برفقة سيلاس. تلك هي الظروف التي سجّلها لوقا في أعمال الرسل.
سيشير بولس في رسائله إلى مرقس دون أن يذكر اسم يوحنا. في كو: 4: 10، يُرسل إلى المؤمنين سلامات مرقس الذي هو "نسيب برنابا". نحن هنا أمام توافق غير منتظر بين أعمال الرسل والرسائل البولسية، يقودنا إلى أن نماثل بين يوحنا ومرقس. فالاهتمام الخاص الذي أظهره برنابا تجاه مرقس، وذهابهما معاً إلى قبرص، كل هذا تفسّره علاقات القرابة والاحترام المتبادل. ويزيد بولس: "طلبت منكم أن ترحّبوا به" (بولس يوصيّ بمرقس، أرسل توصية بشأنه). هل هذا يعني أن مرقس احتاج إلى توصية لأن كنيسة كولسي رفضت أن تستقبله؟ هل ذهب إلى مصر في ذلك الوقت؟ ما هو أكيد هو أن مرقس كان مع بولس وأرسترخس، وأن المصالحة تمّت بينهما. هذا القول يثبّته فلم 24 حيث نقرأ: "مرقس وارسترخس وديماس ولوقا" هم رفاق بولس في العمل (الرسولي)، هم معاونوه. إذا كانت هاتان الرسالتان قد دوّنتا من أفسس، يكون تاريخ هذه الكتابة سنة 55 أي بعد ض أو ست سنوات من إنطلاق بولس وسيلاس إلى سورية وكيليكية. وإذا كان من رومة، فهذا يقودنا إلى سنة 62.
والإشارة الأخيرة إلى مرقس في الرسائل البولسية، نجدها في 2 تم 4: 11: "خذ مرقس وجىء به لأنه يفيدني كثيراً في خدمة (الرب)". كلمة مؤثّرة في بساطتها وعاطفتها وهي تتوافق مع نوعية الخدمة التي نجدها في سفر الأعمال. وهكذا يكون مرقس قد جاء إلى رومة.
ويبقى مرجع في العهد الجديد يشير إلى مرقس. 1 بط 13:5: "كنيسة بابل، وهي مثلكم مختارة من الله تسلّم عليكم. ويسلّم عليكم مرقس ابني". علاقة شخصية، علاقة حنان. قد تعود إلى أولى أيّام الكنيسة في أورشليم. وهذا الارتباط بين بطرس ومرقس امتدّ حتى سنة 64 أو ربما قبل، سنة تدوين الرسالة. من المدهش أن الذي ارتبط ارتباطاً وثيقاً ببولس كما يقول سفر الأعمال والرسائل البولسية، يصوَّر هنا في علاقة مع بطرس. فسفر الأعمال نفسه يربط ببطرس بيت مريم أم مرقس. وهكذا لا ندهش حين نفترض أن مرقس سمع الرسول في أول أيام أورشليم يتكلّم عن أحداث حياة يسوع، عن موته وقيامته. فإن أنكرنا هذه العلاقة لم نستطع ألن نقول أي شيء حول العلائق الشخصية في الكنيسة الأولى. وعلاقة مرقس وبطرس تبقى أكيدة حتى لو اعتبرنا مع البعض أن بطرس لم يكتب 1 بط بل كتبها أحد تلاميذه.
إنطلق البعض من فلم 24 (سونارغوس) فتحدثوا عن العمل الاداري الذي قام به مع بولس. ولكن لا شيء يسند هذا التفسير للكلمة التي تعني العمل الرسولي (هناك أيضاً التعب الرسولي). كما أنّ لا شيء يسند هذا التقليدي عن مرقس. أما علاقته بالاسكندرية فتبقى موضع شك. وقيل انه مات شهيداً كما تقوله كرونيكة فصحية وأعماله مرقس المنحولة. ولكن هذه الأخبار تعود إلى القرن الرابع أو القرن الخامس.
ب- متى دوّن مرقس إنجيله وأين دوّنه
هناك إتفاق شبه عام يقول إنه دوّنه في السنوات 60- 70، أي خلال الحرب اليهودية الرومانية التي انتهت بدمار أورشليم والهيكل سنة 70 ب. م. كانت محاولة تقول إنه دوّن قبل ذلك الوقت، سنة 39- 40، لأنّ "نجاسة الخراب" (13: 41) تشير إلى أننا قبل مقتل الأمبراطور كاليغولا (24 كانون الثاني سنة 41). ولكن هذه الفرضية تبقى غير ثابتة.
ما الذي يدفع العلماء إلى هذا القول؟ شهادة إيريناوس، المطلع المناوىء لمرقيون الذي يقول إن مرقس كتب بعد موت بطرس وبولس. يبدو أن خطبة مرقس الجليانية (كما 13) تعكس الوضع حول أورشليم في السنوات 64- 66. إنّ مرقس يشدّد على الألم والاضطهادات. ويهتم بحريّة الوثنيين. وهكذا يكون تدوين إنجيل مرقس قد تمّ في إطار من القلق والضيق والحرب والاضطهاد فجاء قريباً من نهاية الحرب الرومانية اليهودية، أي سنة 70.
أين كتب إنجيل مرقس؟ الرأي الأصح: في رومة. أما شهادة يوحنا فم الذهب (في مقدمته إلى متى) على أن الإنجيل ألّف في مصر، فهي تتعارض مع أقوال اكلمنضوس الأسكندراني واوريجانس، وهي تستند إلى فهم خاطىء لقول ملتبس عند أوسابيوس (التاريخ الكنسي 2: 16): "يقولون إن مرقس الذي أرسل إلى مصر كرز أولاً بالإنجيل الذي طلب منه أن يكتبه".
وكان رأي ثانٍ يقول: انطاكية. وذلك لاعتبارات منها: إن بابياس يورد شهادة يوحنا الشيخ الذي عاش في الشرق. ارتباط بطرس بانطاكية. الإشارة (15: 21) إلى سمعان القيريني (أع 11: 20؛ 13: 1: لوكيوس القيريني). موقع انطاكية كمركز مميّز للحضارة الرومانية. إستعمال متى ولوقا لإنجيل مرقس، وهما قد كتبا في انطاكية أو في جوارها. إستعمال أسماء الأمكنة في الجليل واليهودية دون أي شرح. الحاجة إلى أقدم شهادة للأصل الروماني للإنجيل.
كل هذه البراهين لا تكفي. وتبقى رومة الموضع الأفضل لتدوين مرقس. فشهادات المطلع المناوىء لمرقيون وايريناوس واكلمنضوس الاسكندراني واضحة.
دوّن إنجيل مرقس من أجل الوثنيين (3:7 ي؛ 13:11؛ 12: 42) لا من أجل اليهود. فضمّ شروحاً لكلمات أرامية (5: 41). كما نجد إستعمالاً لكلمات وتعابير لاتينية.
منذ القرن الثاني سمّي الإنجيل الثاني "الإنجيل بحسب مرقس". ومنذ ذلك الوقت لم يتوقّف التقليد عن نسبة هذا الإنجيل إليه. في نظر ايريناوس (140- 202؟) هو يوحنا الملقب مرقس الذي تتحدّث عنه أعمال الرسل. يوحنا هو اسمه العبري (الله يتحنّن) ومرقس هو اسمه الروماني (يعني: المطرقة). هذا ما يجعل مرقس قريباً من بولس: أصل يهودي، ارتباطات رومانية. من يدري؟ قد يكون قضى أيامه الأخيرة في رومة كما سيفعل بعده مثلاً يوستينوس الفيلسوف المسيحي الذي عاش في القرن الثاني. وهكذا نفهم علاقته ببطرس وبولس حسب ما تقول الرسائل البولسية والبطرسية.

2- إنجيل مرقس في الكنيسة الأولى
نحن نمتلك عدداً من الأقوال حول إنجيل مرقس تعود إلى بداية القرن الثاني. أوّلها ما قاله بابياس أسقف هيرابوليس (منبج) في "تفسيره لأقوال الرب" (120- 130 ب. م.). ضاع الكتاب، ولكن بقيت منه مقاطع في التاريخ الكنسي لأوسابيوس القيصري. لم يتكلّم بابياس عن مرقس باسمه، بل أورد شهادة شيخ عاصر يوحنا الشيخ. بعد هذا بقليل نمتلك شهادة يوستينوس ومقدّمة إنجيل عرفت مؤخراً أنها مناوئة لمرقيون. وقانون موراتوري الذي يعود إلى سنة 170- 180. وإلى الحقبة نفسها تنتمي أقوال ايريناوس في كتابه ضد الهراطقة، وأقوال اكلمنضوس الاسكندراني في كتابه "نبذات". وجاءتنا من النصف الأولى من القرن الثالث شهادة أوريجانس، وفي النهاية ما قاله ايرونيموس في مقدّمة إلى متى في نهاية القرن الرابع.
أ- شهادات من القرن الثاني
أولاً: بابياس.
إليك كلماته كما وردت في التاريخ الكنسي (39:3، 15): "وهذا ما كان الشيخ يقول. كان مرقس ترجمان بطرس، فكتب باهتمام، ولكن بغير ترتيب، كل ما تذكّره من أقوال وأعمال الرب. هو لم يسمع الرب ولم يتبعه، بل تبع بطرس بعد ذلك الوقت بكثير. أعطى بطرسُ تعليمه حسب الحاجة، دون أن يجعل أقوال الرب تتوالى بترتيب. وهكذا لم يخطىء مرقس حين كتب ما تذكّره. لم يكن عنده إلاّ إهتمام واحد: أن لا يهمل شيئاً سمعه وأن لا يورد خطأ واحداً".
يتوقف قول الشيخ مع الجملة الأولى. كان عمل مرقس عمل الترجمان، وهذا لا ينفي مرافقته لبطرس كما رافق بولس وبرنابا (أع 13- 14). نعرف من الإنجيل نفسه أنه كان معلّماً، ولكن ليس هذا ما يقوله الشيخ. والعودة إلى بطرس تذكّرنا بـ 1 بط 5 :13 حيث نجد صورة عن عمل مرقس خلال إقامة بطرس في العاصمة الرومانية.
حين يتحدّث الشيخ عن مرقس يقول: كتبَ "بدون ترتيب". فقد يقابل الإنجيل الثاني مع الإنجيل الرابع وربّما الإنجيل الأول. أو قد يكون احتفظ في فكره بتعليم شفهي. على كل حال، هو يدافع عن مرقس الذي انتُقد ترتيبه للإنجيل في أفسس. وما تبقى من قول يعود إلى بابياس نفسه. فهو يفسّر أن مرقس لم يسمع يسوع ولم يكن تلميذاً له. بل ارتبط ببطرس الذي وجّه كلامه حسب الحاجة. وأكّد بقوة أن لا خطأ في ما كتبه مرقس. هكذا دافع بابياس عن انتقادات توجّهت ضد الإنجيل الثاني فاستند إلى شهادة الشيخ.
ثانياً: المطلع المناوىء لمرقيون
منذ زمن بعيد عرفت مقدمات لعدد من الرسائل، تعارض نظرة مرقيون الذي استخرج قانون (لائحة) الكتب التي يعتبرها صحيحة ورسولية. واكتشفت أخيراً مقدمة إلى مرقس في اللاتينية العتيقة: "إليك أقوال مرقس صاحب الاصابع المبتورة. فمع أنه كان طويل القامة، فقد كانت أصابعه قصيرة. لقد كان ترجمان بطرس. وبعد موت بطرس نفسه، دوّن هذا الإنجيل عينه في مناطق إيطاليا".
يعود هذا القول إلى النصف الثاني من القرن الثاني (160- 180). وقد كتب في الأصل في اليونانية (الكلمة التي تتحدّث عن أصابعه هي يونانية). يبدو مرتبطاً بتقليد بابياس ولكنه يزيد عليه معلومة جديدة. عرف التقليد المتأخّر (هيبوليتس، صاحب مقدمة كودكس تولستانس) أن مرقس كان قصير الأصابع. ولكن حين نعلم قِدَم عهد المطلع المناوىء لمرقيون، نحسّ بثقل هذا التقليد. هناك من قال إن أصابعه "قطعت"، أو تعني الكلمة أنه هرب من الجيش! بل قد نكون أمام "عاهة" طبيعية بسيطة.
فأهمّ من ذلك هو القول بأن مرقس كتب إنجيله في إيطاليا وبعد موت بطرس. هذه شهادة أقدم من شهادة ايريناوس وتثبّت كلامه حول موت بطرس وبولس. هذه أقدم شهادة عن الأصل الروماني لإنجيل مرقس.
ثالثاً: يوستينوس الشهيد
لم يذكر يوستينوس الإنجيل الثاني مباشرة، ولكنه تحدّث عن "مذكرات بطرس" التي تتضمن كلمات: ابن الرعد (بوانرجس) كما في مر 17:3 (الحوار 106). وهناك عودة في الحوار 88 إلى مر 6: 3 (أليست هو النجّار). ويمكننا أيضاً أن نعود إلى الحوار (حوالي 161) 103 وإلى الدفاع الأول (حوالي 145- 146. الثاني حوالي 161) 1: 66.
"مذكرات بطرس" لا تعني إنجيل بطرس، كما قال بعضهم، بل إنجيل مرقس.
رابعاً: ايريناوس
أخذت هذه الشهادة من القسم الذي فيه يتحدّث إيريناوس عن كل الأناجيل (ضد الهراطقة 3: 1/ 2). بعد أن صّرح أن متى كتب ساعة كان بطرس وبولس يبشّران بالانجيل ويؤسّسان كنيسة رومة، قال: "وبعد موتهما، نقل إلينا مرقس تلميذ بطرس وترجمانه، نقل أيضاً كتابة ما وعظه بطرس".
أراد إيريناوس أن يقول لنا إن تعليم الرسولين لم يمت بموتهما. وهكذا لا تعارض مع تقليد اكلمنضوس الاسكندراني الذي يقول إن مر دوّن خلال حياة بطرس لا بعد موته. إستعمل إيريناوس "اكسودس"، كما في لو 9: 31، فدلّ على موت الرسولين في مجد يشابه مجد يسوع في التجلّي. ويشير النص إلى رومة كموضع لتأليف الإنجيل.
خامساً: قانون موراتوري
نشره موراتوري (فسمّي باسمه) سنة 1740 عن مخطوط بوبيو المشوّه والموجود في المكتبة الامبروسية في ميلانو. والذي يعود إلى القرنين السابع- الثامن ب. م. إنه يتضمن لائحة الكتب المعترف بها في رومة سنة 170- 180. هناك عبارة غير كاملة وهي تشير بوضوح إلى مرقس، لأن ما يتبعها هو: كتاب الإنجيل الثالث بحسب لوقا.
نقرأ العبارة: "كان حاضراً بعض الأمور، وهكذا تذكّرها". هناك ولا شك عودة إلى تعليم بطرس، كما في تقليد بابياس.
ب- من القرن الثالث وما بعد
أولاً: اكلمنضوس الاسكندراني (150- 251)
نجد هنا ثلاثة مقاطع لاكلمنضوس. إثنان يردان في أوسابيوس والثالث في اللغة اللاتينية.
* "حين كرز بطرس بالكلمة علناً في رومة وأعلن الإنجيل بالروح، طلب الحاضرون من مرقس، وكانوا كثراً: بما انه قد تبع بطرس منذ زمان طويل وتذكّر ما قيل، فليسجّل هذه الكلمات. هذا ما فعله مرقس وأوصل الإنجيل إلى الذين طلبوه منه. ولما عرف بطرس بالأمر، لم يمنع ولم يشجّع" (التاريخ الكنسي 6: 14/ 6 ي).
* "قالوا: حين عرف الرسول بما صُنع، جاءه وحي من الروح، فرضي على غيرة الرجال (الذين طلبوا)، ووافق على ما كتب ليُقرأ في الكنائس" (التاريخ الكنسي 2: 15/ 2).
* "تبع مرقس بطرس ساعة كان بطرس يعلن الإنجيل في رومة بحضور وجهاء رومة، وقدّم لهم البراهين العديدة عن المسيح". طلبوا إليه أن يدوّن الأمور التي قالها (بطرس). فكتب مما قاله بطرس إنجيلاً هو "بحسب مرقس".
نرى في هذه المقاطع ولا سيما في المقطعين الثاني والثالث كيف نما التقليد البطرسي. كتب مرقس تلبية لطلب الناس وهو الذي عرف ما وعظه بطرس. ولكن أن يكون كتب قبل موت بطرس فهذا لا يبدو معقولاً على ضوء شهادة ايريناوس والمطلع المناوىء لمرقيون. وعلى ضوء النقد الداخلي، أي نص مرقس نفسه.
ثانياً: أوريجانس
تحدّث أوريجانس عن الأناجيل الأربعة وأكّد على تعليم بابياس وأسنده بنص 1 بط 13:5: "والثاني الذي بحسب مرقس الذي صنعه حسب تعليم بطرس، والذي أعلنه ابنه في الرسالة الكاثوليكية بهذه الكلمات: تلك المختارة التي في بابل، تسلّم عليكم، ومرقس ابني" (التاريخ الكنسي 6: 25/ 5).
ثالثاً: ايرونيموس
قال ايرونيموس: "حسب مرقس، ترجمان بطرس الرسول، وأول أسقف على كنيسة الاسكندرية. هو نفسه لم يرَ الرب المخلّص، بل روى الأمور التي سمع معلّمه يعظ بها، روى بأمانة هذه الأعمال دون الاهتمام بترتيبها" (مقدمة إلى تفسير إنجيل متى، 6).
من الواضح أن هذه الشهادة ترتبط بتقليد بابياس. النقطة الجديدة هي أن مرقس كان أسقف الاسكندرية. هذا التقليد لا نجده عند يابياس ولا ايريناوس ولا اكلمنضوس ولا اوريجانس. ويستحيل علينا أن نوفّق هذا مع التقليد الروماني حيث يشهد عدد من الكتّاب وخصوصاً منذ أيرونيموس وما بعد على أن مرقس توفيّ في السنة الثامنة لحكم نيرون (54- 68)، في الاسكندرية. هذا يعني أنه مات قبل بطرس وبولس (ايرونيموس، الرجال العظام 3: 8).
وخلاصة القول، يتّفق التقليد منذ بداية القرن الثاني على نسبة الإنجيل الثاني إلى مرقس. وعلى القول إنه دوّن في رومة بعد استشهاد بطرس لا قبله.

3- إنجيل مرقس في نصوصه القديمة
نقدّم هنا الشواهد الرئيسية، ونحن عالمون أن المخطوطات التي ترد فيها الأناجيل، تربو على خمسة آلاف مخطوط.
أ- المخطوطات اليونانية
أولاً: المكتوبة بالخط الاسفيني. السينائي. يتضمّن الإنجيل كلّه. نجده في المتحف البريطاني ويعود إلى القرن الرابع. الاسكندراني. يعود إلى القرن الخامس (لندن) ويتضمن الإنجيل كله. ونجد الإنجيل الثاني كاملاً في الفاتيكاني (الفاتيكان، القرن الرابع). أما الافرامي الذي يعود إلى القرن الخامس (المكتبة الوطنية، باريس) فيشمل 1: 17- 6: 31؛ 8: 5- 12: 29؛ 13: 18- 16: 20). والكودكس البازي (كمبريدج، القرن الخامس، نسخ في بيروت وانتقل إلى صيدا) يتضمّن الإنجيل كله. وهناك مخطوطات أخرى في باريس ولننغراد وفيننا وبطمس وواشنطن والبندقية كتبت بالخط الاسفيني (أو الخط الكبير). ضمّت الإنجيل كلّه أو أجزاء كثيرة أو قليلة.
ثانياً: المكتوبة بالحروف الجرارة (أو: الصغيرة، والموصولة). نذكر أولاً كحالة خاصة بردية رقم 45 (شستر بني). تعود إلى القرن الثالث وتتضمّن 36:4- 40؛ 5: 15- 26؛ 38:5- 6: 1؛ 16:6- 25، 36- 50؛ 3:7- 15؛ 25:7- 8: 1؛ 10:8- 26؛ 34:8- 8:9؛ 18:9- 31؛ 11: 28- 33؛ 12: 1، 5- 8، 13- 9، 24- 28.
الأسرة الأولى في الحروف الجرارة: أوكسفورد 118، رومة 131، البندقية 209، باريس 22. تتراوح بين القرن الخامس والقرن الخامس عشر. الأسرة الثالثة عشرة: باريس 13، ميلانو 346. ميشيغان 543، فيينا 124، أثينة 788، جبل أتوس 983. تتراوح بين القرن الثاني عشر والقرن الخامس عشر.
ب- مخطوطات في ترجمات مختلفة
أولاً: الترجمات السريانية. هناك السينائي- القرن الرابع. دير القديسة كاترينة في جبل سيناء. يتضمّن 1:12- 44؛ 2: 21- 17:4؛ 4: 41- 26:5؛ 6: 5- 8:16. والكيورتونية هي في لندن. سمّيت باسم مكتشفها (كيورتون). تعود إلى القرن الخامس وتتضمّن مرقس كلّه وتعود إلى الفرن السابع. والفلسطينية (أو: أورشليم): تتضمّن تقريباً الإنجيل كله بشكل قراءات، وهي تعود الى القرن السادس.
ثانياً: الترجمات اللاتينية. هناك مخطوطات اللاتينية العتيقة. فرسالي. تعود إلى القرن الرابع وتتضمن أجزاء قليلة من إنجيل مرقس. الفيرونية تعود إلى القرن الخامس وتضمّ الإنجيل كلّه. موجودة في فيرونا (إيطاليا). والكولبارتية (باريس، القرن 12). تتضمّن أيضاً الإنجيل كلّه. وهناك مخطوطات عديدة في دوبلن، ستوكهولم، براشيا، تورينو، نابولي، ميونيخ... وهناك اللاتينية الشعبية التي سيطرت في الكنيسة الغربية فكثرت مخطوطاتها.
ثالثاً: ترجمات أخرى، الصعيدية (القرن 3- 4). البحيرية (القرن 6) الأرمنية (القرن 5) الحبشية (القرن 5).
ج- ترتيب المخطوطات
أسرة الاسكندرية. ينتمي إليها الفاتيكاني، السينائي، الملكي (باريس، 8)، الصعيدي، البحيري.
أسرة انطاكية: تنتمي إليها السريانية بكل فروعها: السينائي...
أسرة قيصرية. بردية 45، مخطوط تفليس (روسيا، 7- 9؟)، الجيورجاني، الأرمني.
أسرة ايطاليا وغالية (أو: فرنسا): البازي، فيرونا، طاطيانس، ايريناوس.
أسرة قرطاجة: تورينو (القرن 4- 5)، الكولبرتي، قبريانس.
نشير هنا إلى النص الغربي الذي يتميّز عن النص الشرقي بإتجاه إلى تنسيق بين نص وآخر من أجل الغاء التنافر، ثم الاسهاب أي زياد لفظة أو جملة على النص الأصلي. ما يمثل النص الشرقي هو السريانية السينائية والكيورتونية ومخطوط تفليس. ونشير أيضاً إلى النص القيصرياني (قيصرية، على شاطىء فلسطين) الذي يبدو فرعاً من النص الشرقي. وأخيراً كان لاكتشاف مخطوطات شستر بتي في التايمس (19 ت2 1931) أثره الكبير في العالم الكتابي، ولا سيما البردية 45 التي تتضمن أجزاء من مرقس. تعود بردية 45 إلى النصف الأول من القرن الثالث وتتوافق مع نصّ قيصرية.

 

 

الفصل الثالث
البنية اللاهوتية في مرقس
القسمات الست

عوّدنا التاريخ التكويني على تحليل الوحدات الأدبية، علّنا نصل إلى تقليد أقدم، سبق العالم الإزائي. وجاء بعد هذا التاريخُ التقليدي ليكتشف أقلّ تصحيح قام به "المدوّن". وتوقّف التحليل البنيوي بالأحرى عند كل وحدة أدبية، سواء كانت مثلاً أو جدالاً. أما الطريق المتخذ الآن فهو طريق التاريخ التدويني: إنه يدرس بشكل منظّم كل إنجيل مرقس. فالبنية الأدبية واللاهوتية وحدها تستطيع أن تكشف لنا هدف مرقس الحقيقي، أسلوبه، تعليمه. فنرى فيه مؤلفاً حقيقياً لا مقمّشاً أو جمّاعاً. هو أول كاتب لإنجيل، فلم يسبقه مؤلّف آخر. وبه يرتبط متى ولوقا ويوحنا.
يتوزّع عملنا على سبع مراحل.
الأولى: جردة بالمواد المرقسية.
الثانية: السلسلات التدوينية.
الثالثة: الإجمالات: نحن هنا أمام عنصر بنيوي هام.
المرحلة الرابعة هي حاسمة وهي تقدّم حصيلة تحليلنا: قسمة مرقس ستة أجزاء.
المرحلة الخامسة تعود إلى وجهة معروفة وهي قسمة مرقس إلى قسمين. 
المرحلة السادسة تتطرّق إلى التوازي بين الأجزاء.
والمرحلة الأخيرة التي هي مرحلة جوهرية تتوقّف عند كرستوفانيات (ظهور المسيح) ثلاث.

1- جردة بالمواد المرقسية:
نتوقف في فصل أول على المراحل الأربع الأولى التي تقسم إنجيل مرقس ست قِسمات. ونترك لفصل ثانٍ قسمته في جزئين كبيرين يتحدّث الأول عن المسيح والثاني عن ابن الله.
أ- المعجزات
- 1: 23- 28: مجنون كفرناحوم.
- 1: 29: 31: شفاء حماة سمعان (آ 32- 34: أشفية متعددة).
- 1: 40- 45: شفاء أبرص.
- 2: 1:- 12: مخلّع كفرناحوم.
- 3: 1- 6: رجل يده يابسة.
- 4: 35- 41: تسكين العاصفة.
- 5: 1- 17: مجنون الجراسيين.
- 5: 21- 43: شفاء النازفة وإقامة إبنة يائيرس.
- 6: 30- 44: تكثير الأرغفة الخمسة.
- 6: 45-52: يسوع يمشي على البحر (آ 53-56: أشفية).
- 7: 24- 35: إبنة المرأة الكنعانية.
- 7: 31-37: شفاء أصم منعقد اللسان.
- 8: 1- 15: تكثير السبعة الأرغفة.
- 8: 22- 26: أعمى بيت صيدا.
- 9: 14-29: ولد يقع في داء الصرع.
- 10: 46- 52: أعمى أريحا.
- 11: 12- 21: التينة العقيمة.
نلاحظ 18 معجزة تحتلّ الحيّز الأكبر في القسم الأول من إنجيل مرقس (1: 14-8: 26). ولا نجد في القسم الثاني (8: 27-16: 20) سوى ثلاث معجزات لا ترتبط بالعاطفة الشعبية كما في الأولى. يبدو وكأنها محفوظة للتلاميذ وحدهم (رج 9: 28؛ 10: 52: أخذ يتبعه في الطريق؛ 11: 21؛ تذكّر بطرس). يتّفق الشرّاح على القول إن المعجزات هي عنصر أساسي في إنجيل مرقس. إنها ابيفانيا وظهور إلهي.
ب- خبر حول قول إنجيلي
- 1: 16- 20: إتبعاني أجعلكما صيادي ناس...
- 2: 1- 12: لإبن الإنسان سلطان...
- 2: 13-17: ليس الأصحاء في حاجة إلى طبيب...
- 2: 18- 22: الخمر الجديدة في زقاق جديدة.
- 2: 23-28: إبن الإنسان هو رب السبت.
- 3: 1-6: ماذا يحل في السبت؟ فعل الخير أم الشر؟ 
- 3: 22-30: كل شيء يُغفر لبني البشر...
- 3: 31-35: من يعمل مشيئة الله هو أخي...
- 6: 1-6: ليس نبي بلا كرامة إلا في وطنه...
- 7: 1-23: جميع الأطعمة نقية.
- 7: 24- 30: لا يؤخذ خبز البنين...
- 8: 11-12: لن يعطى آية لهذا الجيل.
- 9: 33- 37: من أراد أن يكون الأول...
- 9: 38-40: من ليس علينا فهو لنا.
- 10- 1-12: ما جمعه الله لا يفرّقه إنسان.
- 10: 13- 16: دعوا الأطفال يأتون إليّ...
- 10: 17- 31: ما أصعب الدخول إلى ملكوت الله!
- 10: 35- 40: شرب الكأس.
- 11: 12-14، 20-23: ليكن لكم إيمان...
- 11: 27-33: سلطان يسوع.
- 12: 1- 12: الحجر الذي رذله البناؤون...
- 12: 13-17: أعطوا ما لقيصر...
- 12: 18- 27: ليس إله اموات...
- 12: 28- 34: أولى الوصايا.
- 12: 35- 37: المسيح إبن داود.
- 12: 41- 44: الأرملة.
- 13: 1-2: لن يترك هنا حجر...
- 14: 3-9: أنا لست معكم كل حين.
تحتلّ هذه "الأخبار" مكانة لاهوتية ملحوظة في إنجيل مرقس. ووظيفتها مشابهة لوظيفة المعجزات: إنها تدل على طابع المفارقة في تجلّي يسوع.
ج- خطبتان
هناك خطبتان في إنجيل مرقس. واحدة في البداية والثانية في النهاية. قيلت الخطبة الأولى (4: 1 ي) "في أمثال، لكي لا يفهم الناس". وحُفظت الثانية (13: 1 ي) للتلاميذ وحدهم. هذا ما أراده مرقس وهو "يزعجنا". هما خطبتان متوازيتان وتقولان الشيء عينه في ألفاظ مختلفة.
د- خبر الآلام
يحتلّ خبر الآلام خُمس إنجيل مرقس. وهذا يعني أن أهميته حاسمة بالنسبة إلى لاهوت مرقس.
بيّنت هذه الجردة السريعة وجهة خارجية لدى مرقس. ولكن المواد التي اختارها الكاتب دلّت على هدفه. وستأتي المراحل التالية فتبرز بنية الإنجيل.

2- السلسلات التدوينية
نحن أمام سلسلة أو سلسلات من الأحداث ترتبط فيما بينها رباطاً تدوينياً. مثلاً، أعلن يسوع الإنجيل، وقسّم (أي أخرج الشيطان) على المجنون في المجمع (1: 21-28). خرج من المجمع ودخل إلى بيت سمعان بطرس. في المساء (كان اليوم سبتاً) إجتمع جمهور كبير عند باب بطرس فشفاهم يسوع. في الصباح الباكر، خرج من المدينة... على المستوى التدويني الذي يهمّنا الآن، هناك تواصل بين هذه الأحداث المختلفة. لسنا هنا على مستوى التاريخ (هذا ما حدث بالفعل) بل على مستوى التدوين (هكذا قدّم مرقس النصوص).
على هذا المستوى هناك رباط بين مختلف الأحداث. قد يكون غير ثابت كما في "سلسلة" المجادلات الخمس (2: 1-3: 6). قد نكون هنا أمام مجموعة مصطنعة، ولكنها تمثّل في نظر مرقس مجموعة على مستوى التدوين. هذا التجميع "لا ينقسم" بمعنى أننا إذا أردنا أن نبحث عن "مفاصل" في مرقس، يجب أن نبحث عنها قبل هذه المجموعة أو بعدها، لا في وسطها. مثلاً لا نستطيع أن نجعل فاصلاً بين 7: 23 و7: 24 لأننا في قلب "كتاب الخبز" الذي يشكّل وحدة تدوينية جوهرية في إنجيل مرقس.
وإليك هذه السلسلات التدوينية كما في تايلور (شارح إنكليزي).
أ- 1: 1-13
مقدمة الإنجيل. تجمع كرازةَ يوحنا والعماد والتجربة كما في التقليد القديم. هناك رباط في آ 9: وفي تلك الأيام قدم يسوع. في آ 12: وعلى الأثر. بعد هذه المجموعة نقرأ اجمالة (1: 14 ي) تذكر الظروف التي فيها بدأ يسوع رسالته وكرازته بالإنجيل. ونداء التلاميذ الأولين (1: 6- 20) هو خبر أقحم في هذا المكان ليهيّىء الطريق من أجل 1: 21-39.
ب- 1: 21- 39
تتضمن هذه المجموعة: شفاء في المجمع (21-28)، شفاء حماة بطرس (29- 31) أشفية في المساء (32- 34) وانطلاقٌ إلى موضع قفر (35-39). ارتبطت هذه الأخبار معاً إرتباطاً وثيقاً فشكّلت حقبة تمتد على 24 ساعة (قد تكون هذه المجموعة تنظّمت قبل مرقس). إرتبطت المجموعة بكفرناحوم (سميت: يوم كفرناحوم).
ج-2: 1-6:3
مجموعة أخبار بشكل جدال جمعها مرقس (أو مرجع سابق له) فدلّ على أن يسوع ذهب إلى الموت عبر صراع مع الرادان. هناك حاسة أشار: غفران الخطايا (2: 5- 10 أ)، أكلٌ مع العشّارين والخطأة (2: 15- 17)، الصوم (2: 18- 20)، السبت (2: 23- 26)، صاحب اليد اليابسة (3: 1-6). وأقحم في داخلها دعوة لاوي (2: 14) كمقدمة لـ 2: 15- 17 وقول في أقوال وردت في 2: 21 ي، 27 ي. استعمل في البداية (2: 1- 4، 10 ب- 12) وفي النهاية (3: 1- 5) تقليد بطرسي. إذا وضعنا جانباً 2: 13، لا نجد رباطاً بين هذه الأخبار.
د-19:3 ب-35
خبر قصير يقول إن يسوع فقد صوابه (19 ب- 21)، وخبر آخر يتّهمه بأنه في خدمة بعل زبول وفي وفاق مع الشيطان (22-26). ثم أقوال عن الرجل القوي والتجديف على الروح القدس (27-30). وفي النهاية، وفي خط آ 19 ب- 21 خبر حول قرابة يسوع الروحية (31- 35). كيف اتهّم يسوع وكيف ردّ على اتهامات وجّهت إليه.
هـ-4: 1- 34
تتضمّن هذه المجموعة مثَل الزارع (3- 9)، قولاً حول هدف الأمثال (11- 12)، تفسير مثل الزارع (13- 20)، سلسلة من الأقوال (21- 25)، مثل الزرع الذي ينمو سراً (26-29)، مثل حبة الخردل (30- 32) وقولاً حول استعمال الأمثال (33- 34:).
و- 4: 35- 5: 43
نجد في هذه المجموعة أربعة أخبار: العاصفة على البحيرة، مجنون الجراسيين، شفاء نازفة الدم وإقامة إبنة يائيرلس. نستطيع أن نسمّيها أحداث السفر. وقد تكون حصلت في 24 ساعة. مع قمة في إحياء إبنة يائيرس.
ز-30:6-56
نجد قبل هذه المجموعة ثلاثة أخبار منعزلة: رفض الناصرة ليسوع (6: 1- 6 أ)، المهمة المسلّمة إلى الإثني عشر (6: آ ب-13)، خوف هيرودس (6: 14- 16). وترتبط بالخبر الثالث، رواية مقتل يوحنا المعمدان (6: 17- 29).
مقابل هذا نقرأ 6: 30- 56 الذي يذكر إطعام الخمسة آلاف (35- 44) وعبور البحيرة (45- 52) والنزول إلى شاطىء جنسارت (53-56). هذه المجموعة لها مقدّمتها في خبر رجوع التلاميذ (30- 34) الذي يعود بنا إلى إرسالهم في 6 ب-13. بما أن 7: 1- 23 هو مجموعة (كما سنرى)، أما تكون 7: 24- 37 امتداداً لـ 6: 30- 56؟ أو أما تكون 8: 1- 26 تكراراً لـ 6: 30- 7: 37؟
في 6: 30- 56، يرتبط إطعام الجميع إرتباطاً غامضاً بـ "موضع مقفر" (آ 31، 35)، ولكنه يتعلّق بخبر عبور البحيرة، لأن يسوع أجبر تلاميذه على الذهاب إلى بيت صيدا (آ 45). ويرتبط العبور أيضاً في آ 53: "ولما أفضوا إلى البر، جاؤوا إلى جنسارت، وأرسوا هناك". نحن هنا أيضاً أمام التواصل التاريخي نفسه الذي وجدناه في 1: 21-39 و4: 35- 5: 43، والذي لم نجده في 2: 1-3: 6؛ 3: 19 ب-35؛ 4: 1- 34؛ 7: 1- 23.
ح- 7: 1- 23
نجد هنا: غسل الأيدي (5- 8) ومسألة القربان (أو النذر) (9: 13). ثم ثلاثة أقوال عن النجاسة (14- 15، 17-19، 20-23) تسبقها مقدمة إخبارية مقتضبة (1- 2) وتفسير لعادات اليهود حول غسل الأيدي والكؤوس (3- 4). وُضعت هذه المجموعة هنا لتعليم المسيحيين. وما يثبت هذا هو تفسير نقرأه في آ 19 (جعل كل الأطعمة نقية)، ولائحة بالخطايا (21- 23: الفجور، السرقة، القتل، الزنى...) تشبه ما نقرأ في رسائل العهد الجديد (روم 1: 29- 31؛ غل 5: 19- 21؛ أف 5: 3- 4...). وقد جعل مرقس هذه المجموعة هنا كمقدمة (7: 24- 37 و8: 1- 26) حيث تمارس الرسالة لدى الوثنيين (كما كانت أكثرية كنيسة رومة). هل ستبقى المسيحية شيعة، شأنها شأن سائر الشيع اليهودية، أم هي ديانة تتوجّه إلى الكون كله؟
ط- 7: 24- 37
قد تكون هذه المجموعة امتداداً لـ 6: 30-56. هي تصوّر انطلاق يسوع عبر حدود الجليل، إلى منطقة صور (24)، وحدث المرأة السورية الفينيقية (25- 30)، والسفر الى دكابوليس (أو المدن العشر، آ 31) وشفاء الأصم المنعقد اللسان (32- 37).
ي-8: 1-26
تتضمّن هذه المجموعة: إطعام الأربعة آلاف والعبور إلى دلمانوتا (1: 10)، طلب آية (11-13)، سر الخمير (14- 21) وشفاء أعمى بيت صيدا (22- 26). هناك أساس تاريخي، واهتمام ليتورجي وتعليمي أثّرا على تكوين هذه المجموعة: هناك "كنيسة" مثل كنيسة كورنتوس، كتب مرقس من أجلها خبر تكثير الأرغفة ليفهمها معنى الافخارستيا. لا آية للفريسيين. أما التلاميذ فنالوا آية "الخمير" أو بالأحرى "الخبز" وبالتالي الافخارستيا. أُخذوا باهتمامات مادية، فلم يفهموا الآية. لهذا قال لهم يسوع: أفلا تفهمون؟ ولكن يسوع ما زال يعطي النور كما في أيام حياته على الأرض بالجسد. وضع يده مرة، بل مرتين، على عيني الأعمى. هكذا سيحتاج التلاميذ إلى أكثر من شفاء على يد يسوع. وهكذا سبقت الفقاهة والكرازة تدوين الإنجيل.
ك-8: 27- 9: 29
هذه المجموعة تضم الأخبار والأقوال: اعتراف بطرس وأول إنباء بالآلام (27- 33)، أقواله عن حمل الصليب والذبيحة والملكوت (8: 34-9: 1). التجلي (9: 2-8)، حديث خلال النزول من الجبل (9-13)، شفاء الولد الذي يقع في الصرع (14-29). إرتبط إعتراف بطرس بتوبيخ يسوع له وبالنبوءة حول المسيح المتألم، وارتبط بهما التعليم عن حمل الصليب. والقول في 9: 1 هيّأ الطريق لخبر التجلي "بعد ستة أيام".
ل-30:9-55
أدخل مرض هنا مادة تعود إلى مرجع الأقوال الذي استقى منه: الإنباء الثاني بالآلام (30- 32) والخبر حول العظمة الحقيقية (33- 37). بدأ الخبر الأول: "ومضوا من هناك، ومرّوا بالجليل ولم يكن يريد أن يدري أحد" (آ 30). والخبر الثاني: "وذهبوا إلى كفرناحوم" (آ 33). بعد هذا تأتي أقوال يسوع (آ 38- 50).
م-10: 1-31
تبدأ هذه المجموعة، شأنها شأن سابقتها، بإشارة مكانية: "وانطلق من هناك، وشخص إلى أرض اليهودية وعبر الأردن". وبدأ التعليم أمام جمهور كبير حول الطلاق (2- 12) والأولاد (13- 16). بعد هذا يأتي سؤال الشاب الغني (17- 22) وحوار حول الغنى (23- 27) وسؤال حول المجازاة (28- 31).
ن- 10: 32- 52
وتظهر هنا السمات عينها. إفتتاحية قصيرة تقول: "وكانوا في الطريق صاعدين إلى أورشليم". الإنباء الثالث بالآلام (32 ب- 34)، طلب يعقوب ويوحنا (35- 40) الذي يرتبط به توبيخ العشرة الآخرين (41-45). وفي النهاية، خبر شفاء ابن طيما قرب أريحا (46- 52). ذروة هذا المقطع آ 45: "لم يأتِ ابن البشر ليُخدم بل ليخدم ويبذل نفسه فداء عن كثيرين".
س-11: 1-25
تتضمّن هذه المجموعة خبرين عن يسوع: دخوله إلى أورشليم (1: 11)، تطهيره للهيكل (15-19) وخبر لعن التينة (12- 14، 20: 22) وأقوال حول الإيمان والصلاة (23- 25). نحن هنا في حقبة ثلاثة أيام: "وفي الغد" (آ 12). ولما أقبل المساء (آ 19). "في الغداة" (آ 20).
ع- 11: 27- 12: 44
أخبار خمسة حول السلطة، الجزية لقيصر، القيامة، الوصيّة الأولى، ابن داود. وإقوال عن الكتبة (12: 38- 40). هذه صورة عن صراع يسوع مع الكتبة.
ف- 13: 5- 37
قد يكون أساس الخطبة نبوءة جليانية حول المجيء (باروسيا) (5-8، 24-27).
ص-14: 1-20:16
خبر الآلام والقيامة.
نحن هنا أمام 18 وحدة تدوينية، كما قال تايلور (سارفو مثلا يقول إن 6: 30-8: 26 هي وحدة كبيرة). هذا يعني أننا نستطيع أن نجد 17 علامة قطع تدوينية. وإذا تبعنا سارفو احتجنا إلى 14 علامة قطع...

3- إجمالات تدوينية
نحن نجد بنية القديس مرقس بشكل خاص في "الإجمالات". هي ملخّصات تدوينية ألّفها مرقس ليربط الأحداث بعضها ببعض. قال دود: إذا وضعنا هذه الإجمالات الواحدة قرب الأخرى، حصلنا على ملخّص لكل خبر يسوع ورسالته. وقال مينات ده تيلاس إن الإجمالات تدلّ على مسيرة تحركات يسوع في مراحل. لنتعرّف إذن إلى هذه الإجمالات.
- 1: 14- 15: كرازة بحصر المعنى. ملخّص لكل نشاط يسوع المسيحاني، خصوصاً في الحقبة الأولى من الإنجيل: أعلن يسوع الإنجيل ومجيء الملكوت. أما ما تبقّى من معجزات وجدالات، فهي تعطي صورة عن هذا المجيء بما فيه من قوة ومفارقة.
- 1: 21- 22: بداية الرسالة في كفرناحوم. طابع القوة (طرد الشياطين) والمفارقة (يختلف تعليمه عن تعليم الكتبة).
- 1: 28: أول نتائج لتعليم يسوع وعمله: وفي الحال، ذاع خبره في كل مكان...
- 1: 39: رسالة يسوع في الجليل: تعليم في المجمع وطرد شياطين.
- 1: 45 ب: اعتزل يسوع في البرية. موقف غريب يستبق ما سوف نعرفه عن السر المسيحاني.
- 2: 1-2: نجاح لدى الجموع: التعليم هو نشاط أساسي في حياة يسوخ. ولكن مرقس لا يذكر مضمونه (التعليم هو ملكوت الله).
- 2: 13: نشاط يسوع على شاطىء بحر الجليل. تعليم.
- 3: 7-19: إجمالة مهمّة جداً. تدل على مرحلة جديدة في مهمة يسوع المسيحانية. هو يعلّم، هو يشفي، هو يقسّم (يطرد الشياطين). هذه الوجهات الثلاث تحدّد نشاط يسوع في نظر مرقس. غير أن يسوع لا يعمل وحده، بل يضمّ إليه الكنيسة. هو لا يبشّر وحده. فالكنيسة تبشّر معه. 
- 4: 1-2: مقدمة لخطبة الأمثال: وأخذ يعقم من جديد بجانب البحر...
- 4: 33-34: خاتمة خطبة الأمثال. تعميم تعليم يسوع: لم يكن يكلّمهم إلا بالأمثال.
- 6: 6 ب-7: استعداد للرسالة كما في 3: 7-19.
- 6: 12-13: حصيلة الرسالة التي قام بها الرسل: كرزوا بالتوبة، أخرجوا شياطين كثيرة...
- 6: 55-56: ملخّص نشاط يسوع المسيحاني: قدرة على الشفاء: كل من لمسه كان يبرأ.
- 7: 24- 31: سفر إلى خارج الجليل.
- 8: 10، 27: سفر إلى خارج الجليل.
- 9: 30: سفر إلى أورشليم، على ما فيه من خطر.
- 10: 1، 32، 46: سفر إلى أورشليم. ثلاث مرات. إذن، ثلاث سنوات من الحياة العلنية.
نلاحظ أن الإجمالات كثيرة في القسم الأول (ف 1-8) من الإنجيل، وقليلة في القسم الثاني. بل هي تكاد تختفي بعد اعتراف بطرس بيسوع. ومع ذلك، فهذه الإجمالات غنية بالمضمون الإخباري واللاهوتي. إنها تمثّل العمود الفقري في إنجيل مرقس فتبدو كعنصر البناء الأساسي.
4- أقسام إنجيل مرقس
وهنا نخطو الخطوة الحاسمة وندلّ مع بعض اليقين، على الأقسام الكبرى في إنجيل مرقس.
أ- "مقال الخبز"
بيّن سارفو أن "مقال الخبز" (6: 31-8: 26) كان وحدة تدوينية كبيرة. فكل الأحداث تلمّح إلى الخبز والأرغفة. ويعود الموضوع في خاتمة تدوينية (8: 14- 21). هذه الإستعادة تدلّ على وحدة كتاب الخبز.
يورد 6: 30- 44 أول تكثير للأرغفة، فيدلّ على اللهجة، وعلى المضمون الإجالي. إن 6: 45 (وفي الحال) تربط رباطاً تدوينياً بين معجزة الأرغفة والسير على المياه. وما يثبت هذا أيضاً هو الخاتمة: "فدهشوا في أنفسهم أشدّ الدهش، لأنهم لم يفهموا شيئاَ من أمر (معجزة) الأرغفة" (6: 51- 52). هذه الخاتمة تدلّ بوضوح على الرباط اللاهوتي بين الحدثين. ثم يقدّم 6: 53 جملة تدوينية: "ولما أفضوا إلى البرّ، جاؤوا إلى جنسارت، وأرسوا هناك".
تبدأ في 7: 2 مجادلة مع الفريسيين تنطلق من التلاميذ الذين أكلوا "خبزاً" بأيدٍ نجسة. وفي الخلاصة الأخيرة (8: 14- 15) نجد معارضة لاهوتية بين "خمير" الفريسيين و"خبز" التلاميذ. إنطلق يسوع من الخبزات المأكولة بدون الإغتسال اليهودي التقليدي، فتوسّع في تعليمه حول الطاهر والنجس في أسلوب يشبه ما في 2: 18- 22. إن ف 7 هو توسيع لاهوتي لتكثير "الأرغفة" تجاه "خمير" الفريسيين.
في 7: 24 بدأت دورة ثانية لتكثير الأرغفة تشبه الدورة الأولى. فالسورية الفينيقية أرادت هي أيضاً أن تأكل. إن لم يكن من خبز البنين، "قله من الفتات المتساقط عن مائدة البنين (7: 27-28). فنالت أيضاً تكثيراً ثانيا للإرغفة من أجل اليونانيين (الوثنيين) (7: 24، 31: صور، دكابوليس. نحن في أرض وثنية). وسيكون حدث السورية الفينيقية وصلة تجمع بين معجزتَي تكثير الأرغفة.
إن تكثير الأرغفة الثاني يكرّر سيناريو التكثير الأولى. الوضع هو هو. والسؤال عينه والجواب عينه. والعبارة الافخارستية (التي تعد الطريق أمام 14: 22) تدلّ على المعنى اللاهوتي في إلحاح مرقس وذكره تكثير الأرغفة مرتين. وإن الملخّص التدويني (8: 14- 21) يبرهن على الوحدة التدوينية في كل "مقال الخبز"، ويعطي مدلوله اللاهوتي.
إذن، يجب أن نقوله إن "مقال الخبز" (6: 31-8: 26) يشكّل عند مرقس وحدة تدوينية تتركّز حول موضوع مسيحاني ولاهوتي هو موضوع "الخبز". ولكن يجب أن نزيد على هذه المجموعة 6: 6 ب-30 بسبب التضمين الذي نجده بين إرسال الإثني عشر وعودتهم من الرسالة التي تبدو بشكل مقدمة لتكثير الأرغفة الأول (6: 30- 34). وهكذا نحصل على أول قسمة واضحة في الإنجيل: 6: 6 ب-8: 26.
ب- الإنباءات الثلاثة بالآلام
يبدو لنا ولأسباب مماثلة ان 8: 27- 10: 52 تشكّل قسمة متماسكة وشبيهة بمقالة الخبز. تشرف عليها الإنباءات الثلاثة بالآلام وتعطيها وجهتها. هذه القسمة هي مكرّسة كلها للتلاميذ.
نقطة انطلاق هذه القسمة هي اعتراف ايمان الكنيسة بلسان بطرس (8: 27-30). كانت مسيحانية يسوع حتى الساعة موضوعاً محرّماً وممنوعاً. أما الآن، فيسوع هو الذي يحرّك الجدال: "من يقول الناس إني هو"؟ ودفع إعلان ايمان بطرس الإنباء الأولى بالآلام. نحن هنا في دينامية لا رجوع عنها. لا يستطيع بطرس ولا غيره أن يوقفها أو يخفّف مسيرتها إلى أن يتمّ كلّ شيء. وهذا ما يجعلنا نشعر لدى قراءة مر أننا أمام دينامية لا تقاوَم، فتصل بنا إلى الصليب.
إن أول إنباء بالآلام قد حرّكه اعتراف بطرس (8: 31- 32 أ): وبدأ يعلّمهم... وكان يقول ذلك صريحاً. شدّد مرقس على أننا أمام "لخطبة" جديدة ليسوع، أمام موقف يختلف عن سابقه، أمام بداية مرحلة جديدة في مهمّة يسوع الرسولية. تحدّث بصراحة عن آلامه. حدّث تلاميذه عنها "في السّر" وتوجّه بعزم نحو أورشليم حيث يتمّ مصيره. لقد انتهى كل شيء. وهكذا أتمت الإنباءات الثلاثة الكرازة الأولى وكمّلتها (1: 14- 15).
وطبّق 8: 34-9: 1 على التلاميذ (على الكنيسة) مصير يسوع المسيحاني. وارتبط التجلّي بهذه الرسمة: "بعد ستة أيام". موسى وايليا (الشريعة والأنبياء، العهد القديم كله). الصوت السماوي. كل هذا أكّد مصير يسوع الذي لا تراجع عنه. والمشهد في 9: 14-28 (شفاء مصروع) هو نقيض التجلّي، كما كانت عبادة العجل الذهبي نقيض الوحي في سيناء ("هذا الجليل"، مر 9: 19؛ رج تث 32: 5، 20؛ مر 78: 8...).
في هذا الوقت أطلق الإنباءُ الثاني بالآلام الخطبة الكنسية (9: 33- 50). وأعطي التعليم عن الزواج والغنى للتلاميذ بنوع خاص (في البيت سأله تلاميذه) (10: 10- 11، 26- 31). إن موضوع "الأطفال" (9: 33-37؛ 10: 13-16) هو تضمين يدلّ على الوحدة الموضوعية في القسمة كلّها. وهو يجد امتداده في "ابن الإنسان" في ألفاظ استلهمت "عبد الله المتألم" في أش 53 (1: 11). وإن 10: 43- 45 يمثّل تضميناً واضحاً يتجاوب وسؤال البداية في 9: 34- 35. والجواب الأخير على هذا السؤال نجده في 10: 43- 45 الذي يدلّ على الوحدة الموضوعية والتد وينية في "الخطبة" كلها (9: 33- 10: 45).
وبما أن هذا السؤال البدئي قد حرّكه الإنباء الثاني بالآلام، وبما أن الخطبة تتضمّن الإنباء الثالث بالآلام كجزء لا يتجزّأ فيها، يجب أن نستنتج أن القسمة في 8: 27- 10: 45 هي وحدة تدوينية ولاهوتية كبيرة. وهي تنتهي مثل قسمة (مقال) الخبز بشفاء أعمى يمثّل التلاميذ الذين استطاعوا بعد هذه المعجزة أن "يتبعوا" يسوع على طريق آلامه. كما استطاعوا أن يتعرّفوا إليه بعد شفاء أعمى بيت صيدا (8: 22-26).
وهكذا جعلنا حدوداً واضحة في قسمتين من إنجيل مرقس: 6: 6 ب-8: 26؛ 8: 27- 10: 52.
جـ- القسمتان الأولى والثانية
إذا أردنا أن نحدّد سائر القسمات، علينا أن نلجأ (بشكل سلبي) إلى السلسلات التدوينية التي تتقسّم، و"بشكل إيجابي" إلى الإجمالات التدوينية. فالسلسلات تمنعنا من وضع قسمة داخل سلسلة لا تتقسّم.
هنا نعود إلى 1: 1- 6: 6 أ. يكاد الشرّاح يتفقون على القول بأن 1: 1-13 يشكّل مطلع الإنجيل كله. وهكذا يبدأ النشاط المسيحاني حصراً مع 1: 14-15 الذي يشكّل له برنامجاً. إذن، سوف نحلّل 1: 14- 6: 6 أ. فإذا عدنا إلى تحليلنا للمجموعات، نرى أننا إمام خمس سلسلات تدوينية بين 1: 14 و6: 6 أ.
- 1: 21- 39: يوم في كفرناحوم.
- 2: 1- 3: 6: خمس مجادلات.
- 3: 20- 35: تضمين واحتواء.
- 4: 1- 34: الخطبة في الأمثال.
- 4: 35- 5: 43: سفر حول البحيرة.
إن 1: 14 يشكّل بداية قسمة رئيسية في الإنجيل. بعد هذا نستطيع أن نتوقّف بعد 1: 39؛ 3: 6؛ 3: 35؛ 4: 34. كيف نختار علامة القطع؟ نعود إلى الإجمالات التدوينية التي هي إشارة إيجابية إلى مرحلة جديدة في الإنجيل. كما أن المطلع (1: 1-13) هو مقدمة لاهوتية وموضوعية للإنجيل كله، كذلك تبدو كل إجمالة بشكل "مطلع" يقدّم لنا موضوع القسمة التي يفتتحها.
إن الإجمالات في 1: 14-6: 6 أ هي كما يلي: 1: 14-15، 21- 22، 28، 39، 45 ب؛ 2: 1- 2، 13؛ 3: 7-19؛ 4: 1- 2، 33- 34. من الواضح أن الإجمالة الأولى (1: 14- 15) تمثل البرنامج المسيحاني ليسوع وتحدّد عمله. إنها ترسم حقبة جديدة: بعد أن سُجن يوحنا، ذهب يسوع إلى الجليل وأعلن إنجيل الله. هناك تعاقب اسكاتولوجي بين يوحنا ويسوع: بعد أن أتمّ يوحنا مهمته كالسابق، بدأ يسوع مهمته. مع سجن يوحنا بدأت رسالة يسوع. وهكذا نكون أمام بداية جديدة، أمام بداية مطلقة لرسالة يسوع المسيحانية (بعد اختتام رسالة يوحنا). يوحنا هو "بداية الإنجيل" أي تهيئته. يسوع هو إعلان الإنجيل. يوحنا هو ما قبل الإنجيل. يسوع هو الإنجيل.
بعد هذا نجد إجمالة في 1: 21-22. هناك صيغة الجمع: "في السبوت" (أيام السبوت) كان يدخل إلى المجمع (كفرناحوم). وبعد هذا يأتي الحدث المروي في 1: 21-28. غير أن عبارة "أيام السبوت" هي برنامج طويل. كل يوم سبت، كان يسوع يذهب إلى المجمع (كما كان يفعل بولس في أعمال الرسل). هذا هو برنامج القسمة الأولى في مرقس (1: 21؛ 3: 6؛ 6: 2). لقد فهم لوقا هدف مرقس هذا، فجعل منه برنامج كل التبشير حتى رومة (لو 4: 16، 33؛ أع 13: 14- 15، 44-46؛ 14: 1؛ 17: 1-2، 10؛ 18: 19...).
إن التبشير يبدأ في المجمع، لأن الإنجيل هو تحقيق الكتب المقدسة التي تقرأ في المجمع خلال السبوت (أع 13: 27). وبعد أن طُرد يسوع (والمسيحيون الأولون) من المجمع، تحوّلوا إلى "الآخرين" (أع 13: 46: لكم كان ينبغي أولاً أن تقال كلمة الله، ولكن بما أنكم ترفضونها... نتوجّه إلى الأمم). إننا نجد الفكرة عينها في مرقس. 1: 19: وخرجوا من المجمع؛ 1: 35: "خرج إلى موضع قفر"؛ 1: 38: لأنني لأجل هذا خرجت؛ 1: 45 ب؛ 3: 7؛ 11: 11، 19. رج مت 23: 38 (أردت أن أجمع بنيك، فلم تريدوا). وهكذا حصل أول ظهور مسيحاني يا المجمع. وسيكون الظهور الحاسم في أورشليم.
ويتّضح لنا أن 1: 14-15 و1: 21- 22 هما في الواقع إجمالة واحدة. نحن هنا أمام موضوع خاص في مرقس، كما كانت الإنباءات الثلاثة بالآلام موضوع القسمة 8: 27- 10: 052 الأسلوب هو هو. ومرقس يريد أن يحدّد موقع القسمة الأولى من إنجيله في إطار "الدعوة". هذا يعني أن الكنيسة (وكنيسة مرقس بشكل خاص) تجد نفسها في قلب الإنجيل. فنقول: إن القسمة الأولى التي تبدأ مع إجمالة 1: 14- 21 تدخل في إطار التبشير. إن يسوع نفسه يبشّر. ولكنه يضمّ إليه الكنيسة منذ البداية. يدعوها (كما دعا التلاميذ). والميزة الخاصة بالتلاميذ هي أنهم ظهور يسوع الأول، ولكنه لا يمثّل مرحلة جديدة. إذن لا تدلّ هذه الإجمالة على قسمة رئيسية في الإنجيل، بل على خاتمة خاصة. ونقول الشيء عينه عن 1: 39، 45 ب. وان 2: 1-2 هو مقدمة لسلسلة من خمس مجادلات. ولكنه لا يدلّ على اننا عند منعطف في نشاط يسوع.
أما 3: 7-19 فهو أكبر إجمالة في مرقس وهو يدلّ على مَوحلة حاسمة. كان 3: 6 الخاتمة الأخيرة في القسمة الأولى مع رذل نهائي ليسوع، رذل يضع حداً للمرحلة الأولى نشاط يسوع المسيحاني، ويدشن 3: 7-19 بشكل احتفالي مرحلة جديدّة. إعتزل يسوع: هذا الموقف الجديد كان قد سبقه خروج وخروج يسوع (1: 29، 35...). أما الآن، فقد انتهى كل شيء. إعتزل يسوع وبدأ يكوّن شعب الله الجديد الذي يتألف من يهود ووثنيين (غير يهود) (3: 7-8: من اليهودية، من صور وصيدا). سيجعل من هؤلاء الناس "شعباً" (مثل الشعب الأول)، ويقيم اثني عشر رسولاً على مثال آباء الأسباط الإثني عشر. من الواضح أننا هنا أمام انقطاع عن المجمع (والعالم اليهودي) وتكوين كنيسة مسيحية منفصلة. ويتمّ ضمّ الكنيسة إلى يسوع بتأسيس الإثني عشر.
إذن، تشكّل هذه الإجمالة الكبيرة (3: 7-19) بداية قسمة رئيسية جديدة. إنها برنامج يحدّد القسمة كلها: 3: 7-6: 6 أ. إن 3: 20- 35 يرينا أهل يسوع الذين ظنوا أنه "فقد عقله". والفريسيين الذين اعتبروا أن فيه شيطاناً (تضمين: إتهام أهل يسوع واتهام ابناء الناصرة يتقابلان. رج 6: 4 وخاتمة كل هذه القسمة). حين رُذل يسوع، رذل عائلته وأبناء وطنه وأسّس عائلة جديدة وشعباً جديداً (شعب الله): الذين يسمعون ويقبلون مشيئة الله.
بعد هذا، تكلّم يسوع "في أمثال" لئلا يفهم أولئك "الذين من الخارج" (4: 11؛ ق 3: 31-32). ولكنه فسَّر كل شيء لتلاميذه على انفراد (4: 34). ويبدو أن "السفر" حول البحيرة هو خاص بالتلاميذ لا بالجمع عامة، والخاتمة تؤكد هذا القول (6: 1- 6 أ). هذا ما يقابل 3: 6 الذي اختتم القسمة الأولى. وهكذا نستطيع أن نقدم لائحة واضحة بالقسمات الأربع الأولى في مرقس:
- 1: 1-13: المطلع.
- 1: 14- 3: 6: القسمة الأولى: دعوة الكنيسة.
- 3: 7- 6: 6 أ: القسمة الثانية: تأسيس الكنيسة.
- 6: 6 ب- 8: 26: القسمة الثالثة: الخبزات (رسالة الكنيسة).
- 8: 27- 10: 52: إنباءات الآلام الثلاثة (إعتراف الكنيسة).
إن الإجمالتين 4: 1- 2 و4: 33- 34 كانتا إجمالتين خاصتين تحيطان بخطبة الأمثال. هما لا تدلاّن على بداية قسمة ولا على نهايتها.
في بداية القسمة الثالثة (6: 6 ب-8: 26: الخبزات) وجدنا وضعاً مشابهاً لما في القسمة الأولى: إجمالتان (6: 6 ب-7 و6: 12-13) تفصل بينهما خطبة رسولية (6: 8- 11). ولكن هذه العبارة "خطبة رسولية" تعود إلى مقابلة ضمنية أو واضحة مع مت 10. هل يمثل 6: 8- 11 في بنية انجيل مرقس "خطبة رسولية" حقيقية؟ أم ان 6: 6 ب-13 يمثّل "برنامج" قسمة الخبز؟ نلاحظ أن 6: 6 ب-13 هو قريب جداً من 3: 7- 19. إنه امتداد له. وهكذا توجز الإجمالة الأولى (1: 14- 21) "دعوة الكنيسة". والإجمالة الثانية (3: 7- 19) "تأسيس الكنيسة". والإجمالة الثالثة (6: 6- 13) توجز "رسالة الكنيسة" (قسمة الخبزات).
وإذا تابعنا طريقنا، لاحظنا أن بداية القسمة الرابعة (8: 27- 31) هي اعتراف بطرس. وهنا أيضاً، تجد إجمالةٌ صغيرة (8: 127) تتمّتَها في عمل الكنيسة: اعتراف بطرس الذي دفعه إليه يسوع دفعاً. وهكذا ندرك منذ الآن بوضوح بنية إنجيل مرض وأسلوبه وتعليمه ومراحله الكبرى. هذا يبرهن على أن تحليل البنية الأدبية في مرقس تحليلاً دقيقاً، أمر مهم لكي نفهم هدفه اللاهوتي. وهذا التدرجّ الكنسي في إنجيل مرقس يجعل تعليمه شفافاً. كما يجعلنا نستشفّ في الوقت عينه صورة عن كنيسة مرقس. 
د- القسمتان الخامسة والسادسة
حدّدنا حتى الآن أربع قسمات ووصلنا إلى نهاية ف 10 (10: 52). إذن يبقى علينا أن نحلّل 11: 1-16: 8. نعرف في هذه الفصول الأخيرة أن خبر الآلام يشكل مجموعة تدوينية متواصلة (14: 1- 16: 8). إذن، سنجد قسمة رئيسية قبل ف 13 أو بعده. بما أننا تعوّدنا على قراءة الأناجيل وكأنها سيرة يسوع، يبدو من الواضح أن نحدّد موقع القسمة بين ف 13 الذي هو نهاية رسالة يسوع، و14: 1-16: 8 الذي هو الآلام. ولكن هل كان هدف مرقس أن يقدّم لنا سيرة يسوع؟ أم أن هدفه كان هدفاً رعائياً محدّداً؟ هل الإنجيل الثاني هو مقال عن يسوع أو مؤلَّف أملته الظروف في وضع خاص بكنيسة رومة؟
قالت ليتفوت إن الخطبة الاسكاتولوجية هي موازية لخبر الآلام. وفي الواقع، إن خبر الآلام يجد هدفه في تطبيق ملموس على وضع الكنيسة كما صوّرها ف 13. ونجد الموازاة عينها في 8: 1 3- 38. إن الآلام تصوّر مصير يسوع الذي مات وقام. وتبين الخطبة الاسكاتولوجية أن ذاك كان مصير الكنيسة أيضاً. هذا يفترض أن كنيسة مرقس لاقت إضطهاداً قاسياً يشبه آلام معلّمها. وإليك بعض التوازيات بين ف 13 و14: 1- 16: 8. 
- في ف 13، نجد ثلاث مرات كلمة "أسلم". ونجدها عشر مرات في ف 14- 15 (ق 13: 9 مع 14: 53؛ 15: 15).
- في 13: 22-23، نرى المسيح الدجال (انتيكرست، ضد المسيح) يشتّت المختارين. في 14: 27، تشتّت التلاميذ، ويبدو ان يهوذا يمثل الانتيكرست خلال الآلام (ق يو 13: 27؛ 17: 12؛ 2 تس 2: 3).
- في 13: 32- 33، نقرأ عن اليوم والساعة. أما 14: 35 فيطلب أن تبعد الساعة. ويعلن 14: 41: لقد جاءت الساعة.
- نقرأ في 13: 35: المساء، نصف الليل، الديك، الصباح. في 14: 17: المساء. في 14: 35- 41، ينتظر يسوع "الساعة": بعد النزاع، نحن تقريباً في نصف الليل. في 14: 72: صياح الديك. في 15: 1: الصباح. بعد هذا، تتوزع ساعات الآلام ثلاثاً ثلاثاً (14: 68، 72؛ 15: 1، 25، 33، 42).
- إن الإنباء الإحتفالي بالمجيء (باروسيا) (13: 26) يقابل التصريح أمام السنهدرين (14: 62).
- كل ما أعلنه مرقس في ف 13 قد تمّ في نظره خلال الآلام: الهيكل المدمَّر (13: 2) هو موضوع الإتهام (14: 58). إن النبوءة بدأت تتحقّق بشكل رمزي في 15: 37 (تمزّق حجاب الهيكل). وآيات الشمس والقمر (13: 24- 25) بدأت تصبح أمراً ملموساً في 15: 33. ومتّى الذي أدرك هدف مرقس أضاف الزلزال (أو: الهزة الأرضية) (مت 27: 51؛ ق مر 13: 8= مت 24: 7).
بعد هذه المقابلة نعتبر أن 13: 1-8:16 يشكّل قسمة واحدة، هي النقطة الأخيرة في إنجيل مرقس. إذن، تكوّن الخطبة الاسكاتولوجية وخبر الآلام عنصرين تدوينيين لا ينفصلان: فالموازاة بين الإثنين دلّت على أن آلام المسيح تفسّر الاضطهاد الحاضر الذي تعاينه كنيسة مرقس. إن ف 13 (مع الإجمالات) هو صورة واضحة عن كنيسة مرقس (رج 4: 13- 20).
ويبقى لنا 11: 1- 12: 44. إنه القسمة الخامسة في مرقس. وهكذا نحصل على ست قسمات في مرقس، وكل قسمة تبدأ بتأسيس متدرجّ للكنيسة. هذا ما يبيّن الطابع الكنسي للإنجيل ويدلّ على أنه كتاب أملته الظروف. كان جواباً على ضرورة خاصة في كنيسة مرقس، هي الاضطهاد. 
وهكذا نحصل على ترتيب أدبي ولاهوتي للإنجيل في مطلع وست قسمات:
- 1: 1-13: المطلع.
- 1: 14- 3: 6: القسمة الأولى: دعوة الكنيسة.
- 3: 7- 6: 6 أ: القسمة الثانية: تأسيس الكنيسة.
- 6: 6 ب- 8: 26: القسمة الثالثة: رسالة الكنيسة (الخبزات). 
- 8: 27- 10: 52: القسمة الرابعة: إعتراف الكنيسة.
- 11: 1- 12: 44: القسمة الخامسة: الانتصار المسيحاني.
- 13: 1- 16: 8: آلام المسيح والكنيسة.

 

 

 

الفصل الرابع
البنية اللاهوتية في مرقس 
قسمان كبيران

تحدّثنا في فصل سابق عن قسمة الإنجيل ست قسمات تشدّد على حضور الكنيسة. وها نحن نتوقّف عند القسمين الكبيرين اللذين نجدهما في عنوان إنجيل مرقس: بداية إنجيل يسوع الذي هو المسيح، الذي هو ابن الله.

1- بنية لاهوتية في قسمين
وهناك قسمة أخرى جذرية وأساسية يكاد يتّفق عليها جميع الشرّاح: قسمان. وما يسند هذه القسمة هو إعتراف بطرس الذي يتلاحم مع الانباء الأول بالآلام (27:8- 31). يحتلّ هذا الانباء في إنجيل مرقس موقعاً بنيوياً: إنه رأس السقف الذي عنده يلتقي المنحدران ويتحدان. إنه حجر الغلقة الذي يتوجّه إليه البناء كلّه. إنه النقطة الأساسية التي عندها يجد السر المسيحاني تفسيره.
يشرف على كل القسم الأول في مرقس (1: 14- 26:8) سؤال ملحّ يشغل البال: من هو هذا الرجل؟ منذ أول ظهور في مجمع كفرناحوم دهشت الجموع والسلطات اليهودية وتساءلت: من هو هذا الرجل؟ من أين له هذه القدرة وهذا السلطان (1: 22؛ ق 11: 27- 33)؟ الشياطين يعرفون، ولكن يسوع يسكتهم بشكل لا تردّد فيه (24:1- 25، 34؛ 12:3).
تصرّف يسوع بسلطان وقدرة أدهشت السلطات وشكّكتها (2: 7، 10). أدهشت الأهل والمواطنين (3: 21- 22؛ 6: 2- 3). إجترح يسوع معجزات عديدة في هذا القسم الأول (1: 14- 26:8) ولكنه فرض على الذين نعموا بها بالصمت. أراد أن لا ينكشف سّر شخصه. في القسمة الثالثة (6: 6 ب- 8: 26) بدأ يظهر شخص يسوع في "إعتراف" هيرودس (وما فيه من مكر) الذي هيّأ إعتراف الكنيسة الحقيقي (14:6- 16= 27:8- 30).
بعد إعتراف بطرس (باسم الكنيسة) يبدو أن الستار سقط وتوجّه الإنجيل كله إلى نهاية الدراما. فاعتراف بطرس حرّك السفر إلى أورشليم، إلى الآلام. لم ينتظر يسوع إلاّ هذا حتى يُتمّ مصيره. وهذه القسمة في قسمين تنعكس في الإطار الجغرافي: حصل القسم الأول في الجليل وجواره. وتركز القسم الثاني (8: 27- 16: 8) حول أورشليم.
إن الاعتراف المسيحاني حرّك الإنباء الأوّل بالآلام (8: 27- 31). لا نجد تواصلاً بين 8: 30 و 8: 31. بل إن 8: 31 يعطي السبب الذي لأجله يجب عليهم أن يسكتوا الآن. وبعد القيامة، لن يعود لهذا السكوت من داع (9: 9). هناك رباط لاهوتي بنيوي بين 8: 30 و 8: 31: فالإنباء الأول بالآلام يوضح إعتراف إيمان الكنيسة. فالإنباء بالآلام في نظر مرقس، قد تضمّنه بشكل ضمني إعتراف بطرس. وعرفت الكنيسة أن يسوع هو المسيح الذي أنبأت به الكتب. بيد أن الكتب أعلنت مسيحاً مصلوباً. إذن، تضمن إعتراف الإيمان بشكل ضمني الإنباء بالآلام.
إن 8: 31 أوضح المضمون الحقيقي لاعتراف الكنيسة. وهكذا حرّك إيمان الكنيسة بشكل لا تراجع عنه كل الدراما المسيحانية حتى الموت والقيامة. واكتفى الباقي بأن يحقّق المصير المسيحاني الذي أعلنته الكنيسة. إن إعلان إيمان الكنيسة يشارك في ذات فاعلية كلمة الله التي تفعل ما تقول ولا تتراجع إلى الوراء (أش 55: 10- 11). إن إعلان إيمان الكنيسة هو كلمة الله وهو يفعل ما يعلن (أع 43:10- 45). هكذا لفظة "يجب" في مر 8: 31 تعبرّ عن ضرورة لكلمة الله لا مردّ عنها. فالانباء الأول نتج عن إعتراف الكنيسة فكان تحقيق الكلمة في نتائجها الأخيرة.
كل هذا يدلّ على أن إنجيل مرقس يقسم قسمين كبيرين. الأول (1: 14- 8: 26) هو الظهور المسيحاني السّري في الجليل، الذي يهيّىء الاكتشاف الكبير (8: 27- 30). وهذا الاكتشاف أوصل القسم الثاني إلى نهاية الدراما في أورشليم (8: 27- 16: 8). إنجيل مرقس هو دبتيكا كبيرة مع اعتراف بطرس في الوسط كخاتمة القسم الأول وبداية القسم الثاني. إنجيل مرقس هو دراما تنتهي بسؤال يطرح على الكنيسة: هل فهمَتْ إعتراف إيمانها حقاً (16: 8)؟

2- القسمات المتوازية
إن قسمة مرقس إلى ست قسمات بدت لنا متينة. والقسمة في قسمين واضحة. وها نحن نقدّم فرضية تساعدنا على إدراك البنية الداخلية في إنجيل مرقس. لا شك في أن القسمين الكبيرين (14:1- 26:8 و27:8 - 8:16) يتقابلان تقابلاً تاماً. فهل نجد تقابلاً بين قسمة وأخرى.
أ- القسمة الأولى (1: 14- 3: 6) والقسمة الخامسة (11: 1- 44:12)
إن المجادلات الخمس في 2: 1- 6:3 تقابل بلا شك المجادلات في 11: 27- 12: 37. فالسلسلة الأولى من المجادلات تفتتح رسالة يسوع المسيحانية. والسلسلة الثانية تختتمها. هاتان السلسلتان هما تضمين لاهوتي ومسيحاني كبير في كل إنجيل مرقس. وها نحن نقابل بين مجادلة ومجادلة.
- 2: 1- 3: 6 11: 27- 12: 37
-2: 1-12 سلطة يسوع 11: 27-32: سلطة يسوع
- 2: 13- 14: دعوة لاوي 12: 1- 12: الكرّامون القتلة
- 2: 15- 17: أصحاب الضرائب 12: 13- 17: الضريبة لقيصر
- 2: 18- 22: العريس حاضر/ غائب 12: 18- 27: امرأة مع 7 أزواج
- 2: 23- 28: رب السبت (داود) 12: 28- 34: الوصية الأولى
- 3: 1- 5: خلاص او قتل 12: 35- 37: رب داود
- 3: 6: قرار بقتل يسوع 38:12- 44: الكتبة ضد الأرامل.
يرى معظم الشرّاح أن المجموعة الأولى متصاعدة: في الجدال الأول: "ظن الكتبة في قلوبهم"، فكّروا في قلوبهم (2: 6). في الجدال الثاني: توجّهوا بكلامهم إلى التلاميذ حول موقف يسوع. في الثالث وجّهوا حديثهم إلى يسوعْ حول تصّرف تلاميذه (الصوم). ونجد الشيء عينه في الجدال الرابع مع تدرّج في جواب يسوع: إنه ربّ السبت. وفي الجدال الأخير، يسوع هو موضوع التساؤل. والمعارضة تصل إلى ذروتها بقرار اتخذ بقتل يسوع.
نتخيّل أن المعارضة تبدأ بشكل تدريجي. تمثّل المجموعة الأولى أولى "المعارك" مع خصوم يسوع. والثانية تقود إلى القرار الأخير. ولكن العكس هو الذي نجده هنا. فالمجموعة الأخيرة تصل بنا حالاً إلى الحكم بالموت على يسوع. أما المجموعة الثانية فهي تراجعية: تبدأ بالحكم على يسوع (18:11: يلتمسون كيف يهلكونه). الجدال الأول في المجموعة الثانية هو الأكثر عدوانية (28:11) ولكنه ينتهي بدون خاتمة. هو لا يجيب على السؤال، فتكتفي السلطات بهذا الجواب المتهرّب لدى يسوع. ويحرّك المثل موقف عنف لدى السلطات ولكنه لا يتخذ شكلاً ملموساً (12:12). وأحاط الجدال الثاني تملّق يشبه تملّق العبيد (12: 14). في الجدال الثالث، "سخر" يسوع من الخصوم بشكل علني (17:12- 28). بعد الجدال الرابع، لم يتجرّأ أحد من الخصوم أن يناقش مع يسوع (12: 34). والذي يحرّك الجدال الأخير ليس الخصوم الذين صمتوا، بل يسوع نفسه. وهذا الجدال يصل بنا إلى الانتصار المسيحاني: ليس المسيح فقط "ابن داود". إنه رب داود.
إذن، المجموعة الأولى من المجادلات عرفت معارضة متصاعدة، وصلت بالخصوم إلى اتخاذ قرار بقتله. أما المجموعة الثانية فهي ظهور ينفتح شيئاً فشياً (هنا لم يعُد من سّر) حول سلطة يسوع السماوية (من السماء، 11: 30)، حول الابن الوحيد (12: 6) حول الملكوت الذي لا يمتزج مع مملكة قيصر (17:12)، حول قيامة الموتى كتعليم أساسي في الإنجيل (26:12)؛ حول متطلّبة الملكوت الأساسية (حتى الكاتب يودّ أن يدخل إلى ملكوت يسوع، 12: 34: لست بعيداً عن ملكوت الله). وتجد المجادلة الأخيرة ذروتها في مسيحانية متسامية.
فإذا كانت المجموعة الأولى تقود المعارضة إلى الذروة، ففي المجموعة الثانية، ستزول المعارضة تدريجياً (43:12: لم يجسر أحد من بعد أن يلقي عليه سؤالاً). أما الوحي المسيحاني الذي ظلّ خفياً بسبب "السّر"، فقد انكشف بشكل لا يُقاوم. إذن، تتقابل المجموعتان ولكن بترتيب معاكس، بشكل تصالب (خياسما) يدخل في الإنجيل بشكل مفارقة.
ونتساءل: هل هناك موازاة بين ما تبقّى من القسمة الأولى (1: 14- 45) والقسمة الثانية (11: 1- 33)؟ كلتاهما تتحدّثان عن يوم كامل (24 ساعة) في كفرناحوم أو في أورشليم. دخل يسوع إلى مجمع كفرناحوم في يوم سبت (1: 21). وما إن خرج من المجمع حتى دخل إلى بيت بطرس وأندراوس (1: 29). وعند المساء، عند غياب الشمس (1: 32). وفي الصباح، قبل طلوع النهار قام وخرج (1: 35) ونقول الشيء عينه عن يوم أورشليم (24 ساعة): أقبل المسيح فخرج ليذهب إلى بيت عنيا مع الاثني عشر (11: 11). وفي الغد، كان خارجاً من بيت عنيا فجاع (12:11). ولما أقبل المساء خرج من المدينة (19:11). وفيما هو مجتاز في الصباح (20:11).
إن هذا التقابل بين القسمتين يدل على أن الواحدة تجد تفسيرها في الأخرى. ونشدّد هنا بشكل خاصّ على نقطتين. الأولى: كشف يسوع عن نفسه للعالم اليهودي أولاً. وبعد أن "رذل" ذهب إلى بيت تلاميذه. الثانية: إن القسمة الأولى (1: 14- 3: 6) جرت في إطار (تدويني) أسبوع (1: 21؛ 2:3: من سبت إلى سبت). وهذا ما نقوله أيضاً عن الاسبوع الأخير (11: 11؛ 12: 19، 20، 27؛ 14: 1، 12، 17، 72؛ 15: 1، 42؛ 16: 1). هذه الفكرة قد أخذ بها يوحنا الإنجيلي فشدّد على طابعها الليتورجي.
وهكذا نكون أمام موازاة بين القسمة الثانية والقسمة الخامسة. تدل الثانية على تدشين رسالة يسوع في الجليل: 24 ساعة في كفرناحوم ومجموعة من خمس مجادلات متصاعدة. وتدلّ الخامسة على تدشين رسالة يسوع في أورشليم وسلسلة من خمس مجادلات منحدرة على مستوى العنف ومتصاعدة على مستوى الكشف المسيحاني. يقدّم لنا مرقس في هاتين القسمتين، يسوع أمام السلطات الرسميّة (المجمع، الهيكل). رُذل يسوع، فخرج مع تلاميذه، وهذا ما يدّل على إنفصال بين الكنيسة والمجمع، بين المسيحية واليهودية.
ب- القسمة الثانية (3: 7- 6: 6 أ) والقسمة السادسة (13: 1- 8:16)
إن الخطبة بالأمثال (ف 4) والخطبة الاسكاتولوجية (ف 13) هما خطبتا يسوع الوحيدتان في إنجيل مرقس. توجّهت خطبة الأمثال إلى الجميع. والخطبة الاسكاتولوجية إلى أربعة تلاميذ مميّزين، هم الأربعة الذين دعاهم يسوع في البداية (16:1- 20).
في ف 4، تحدّث يسوع بأمثال لئلا يفهم الذين من الخارج، وكان يفسّر لتلاميذه كل شيء على إنفراد (10:4- 12، 34). في ف 4، يكشف يسوع السّر لتلاميذه، وفي ف 13 يكلّم بعض تلاميذه. مضمون ف 4 هو سّر ملكوت الله (4: 11). لا يتلفّظ ف 13 بهذه العبارة، ولكن الموضوع واضح وهو سر مجيء الملكوت (ق 9:9 و26:13). هذا هو معنى سؤال التلاميذ الذين أرادوا أن يعرفوا متى يحصل كل هذا.
دلّ ف 4 على أن الغلات ستكون كثيرة رغم الظواهر. ودلّ ف 13 على أن انتصار ابن الإنسان أكيد رغم الحروب والاضطهادات ودمار أورشليم. هناك تواز واضح بين زرع ينبت وحده (4: 28) وتينة 13: 28: كلاهما يدلاّن في السّر على الدينونة الآتية. والدعوة إلى السهر في 28:4 تقابل ما في 13: 33- 37.
والموازاة في القسم السردي (4: 35- 6: 6 أ؛ 14: 1- 16: 8)؟ نلاحظ أن مرقس اختار ثلاثة أمثال (مع أن الأمثال كثيرة، 4: 33) تتحدّث كلها عن الزرع الذي يسقط في الأرض لكي يعطي ثمراً كثيراً، وذلك رغم "ضياع الأمل" (يو 24:12: إن حبة الحنطة التي تقع). وهذه الخطبة لا تفهمها الجموع الآن. غير أنها ستصبح شفّافة بعد موت يسوع وقيامته. ويتبع خطبة الأمثال حالاً عبوُر البحيرة حيث يجد يسوع نفسه في وضع مشابه لوضع يونان. إن هذا التلميح سيصبح واضحاً في مت 39:12- 40. وامتداد "السفرة" مع تبشير اليونانيين (في الدكابوليس، أي: الوثنيون) والانتصار على الشياطين الذين سقطوا في اللجّ، وإقامة ابنة يائيرس، كل هذا يرسم أمامنا موت يسوع وقيامته كشرط للدخول إلى الملكوت أو كسّر الملكوت.
ج- القسمة الثالثة (6: 6 ب- 8: 26) والقسمة الرابعة (8: 27- 52:10)
هناك توالي بين تكثيرَيْ الأرغفة: واحد لليهود وواحد لليونان. ويتبع كل تكثير عبور على البحر (6: 45؛ 8: 15) وجدال مع الفريسيين (7: 1-23؛ 8: 11-13). وشفاء أصم ألكن (7: 1- 37) يوافق شفاء أعمى بيت صيدا (8: 22- 26). صَمم في المعجزة الأولى وعمى في المعجزة الثانية.
وهناك توازٍ أوسع بين قسمة الأرغفة كلها (6: 6 ب- 8: 26) والقسمة الرابعة التي دشّنها إعزاف بطرس وأشرفت عليها انباءات بالآلام ثلاثة (8: 27- 10: 52). إن اعتراف بطرس يقابل "إعتراف" هيرودس. ومقتل يوحنا المعمدان هو صورة مسبقة عن موت يسوع (9: 12- 13)، وربما عن إستشهاد بولس في رومة خلال اضطهاد نيرون. والإشارة إلى "قيامة" المعمدان ليست غائبة (6: 16؛ ق 9: 9- 13).
وتنتهي القسمتان بشفاء أعمى يمثّل في الحالتين التلاميذ: في 18:8، التلاميذ هم عميان وصمّ. بعد شفاء الأصم الألكن وأعمى بيت صيدا صار بإمكانهم أن يعترفوا بالمسيح. وفي 10: 52، تبع الأعمى بعد شفائه، يسوع في الطريق (طريق الآلام). يبدو أن هناك تلميحاً إلى موت بطرس في 8: 34، 10: 52 (ق يو 21: 19) وإلى موت يعقوب ويوحنا في 10: 38- 39. وهكذا تتحدّث هاتان القسمتان عن وضع الكنيسة بما فيه من اضطهاد.

3- ظهور مثلّث للمسيح
نود أن نلفت الانتباه إلى ثلاثة ظهورات ليسوع المسيح (كرستوفانيات) تحيط بإنجيل مرقس كلّه وتعطيه معناه ومكانته المسيحانية. هذه الكرستوفانيات جُعلت في بداية الإنجيل، في الوسط، وفي النهاية، فبدت بشكل ملخَّص للتعليم الذي فيه. فما نكتشفه فيها، نكتشفه أيضاً في نشاط يسوع وفي معجزاته. فمعجزات يسوع أيضاً هي كشف جزئي عن مجده وسلطانه كمسيح، وهي تتّخذ نورها وبهاءها من الظهورات الشفّافة التي تكشف المضمون الخفي في الإنجيل الثاني.
أ- المعمودية (1: 9- 11)
أول مرة نرى فيها يسوع عند مرقس، نراه في تيوفانيا (ظهور إلهي). بدأ يسوع فعُمّد (صيغة المجهول). وهذا العمل له أهميته اللاهوتية: فقبول عماد التوبة من يد يوحنا (1: 4) هو برنامج كل مصيره كمسيح. ففي كل العهد الجديد (روم 3:6؛ كو 2: 13) وخصوصاً في مرقس (10: 38)، العماد هو رمز الموت والدفن. وبما أن يسوع عمّد ساعة دخل على "المسرح"، فهذا يدلّ على نبوءة عملية تحكي عن مهمته المسيحانية. لا يأتي يسوع، مثل داود جديد، لكي ينتصر على أعدائه ويفنيهم. بل جاء (رسالة إلهية) كحمل الله الذي يحمل خطايا العالم كلّه ويكفّر عنها.
لا يشدّد مرقس فقط على العماد، بل على الرباط الأساسي بين العماد والتيوفانيا (وفي الحال، عند صعوده من الماء، رأى السماوات تنشق والروح ينزل عليه مثل حمامة). إن التيوفانيا ترتبط بالمعمودية. هنا نجد اللقاء بين الآلام والمجد. ونحن أمام برنامج من أجل الإنجيل كله.
الكرستوفانيا هي تتويج حقيقي للمسيح. وهذا ما تدلّ عليه المسحة في الروح القدس (1 صم 10: 10؛ 11: 6؛ 16: 13) والقول الإلهي (مز 2: 7-9؛ 110: 1- 4؛ 1 صم 10: 1؛ 2 مل 9: 1-3). هكذا فهمه أع 10: 38. إن القول الإلهي يمنح للمختار كرامته ورسالته. وروح الله يعطيه قوة علوية لكي يقوم بهذه المهمّة. والسماوات "الممزّقة" (أش 19:63) تشير إلى الطابع السماوي للتتويج كما في مز 110: 14؛ أع 2: 33- 35.
أما القول الإلهي ففيه تلميح إلى أش 42: 1 (عبد أو فتى، صار عند المسيحيين "الابن"). بل هناك مزج بين مز 2: 7 وأش 42: 1. يدلّ إيراد أشعيا على يسوع في وظيفته كعبد الله (مع تلميح إلى أش 53). أما التلميح إلى مز 7:2 فيدلّ على أن مهمة عبد الله وتتويجه في المجد هما شيء واحد (أش 13:52؛ 53: 11- 12؛ فل 8:2- 9). إن موت يسوع لا ينفصل عن تمجيده منذ البداية، بالنظر إلى مهمة يسوع المسيحانية وبالتوافق مع الكتب المقدسة. هذا هو برنامج الإنجيل الذي تكمّله تجربة الشيطان (12:1-13).
ب- التجلي (2:9-8)
تبدو كرستوفانية العماد جزءاً من المطلع. هذا يعني أنها برنامج كل مصير يسوع المسيحاني. ويدشنّ التجلّي القسم الثاني في مرقس (27:8- 8:16)، وينير كل الصعود إلى أورشليم حتى الصليب.
إن إعتراف بطرس هو ذروة السّر المسيحاني. إتجّه القسم الأول كله (8: 27- 16: 8) إلى هذا الاعتراف الذي فيه أدرك الإنجيل غايته: "بداية إنجيل يسوع (الذي هو) المسيح" (1: 1). في اعتراف بطرس، إنكشف السّر للكنيسة. لهذا، ما إن عرف بطرس (والجماعة الكنسية) يسوع، حتى أثبتت التيوفانيا الاعتراف فقالت: "هذا هو ابني الحجاب". فإعلان الكنيسة والصوت الإلهي قد تجاوبا وقادا الكتاب إلى نهايته. ومع ذلك، لم ينته كل شيء هنا: فالظهور المسيحاني في مرقس هو دوماً ظهوران: المجد والصليب. لهذا ارتبط اعتراف بطرس بالانباء الأول بالآلام كتكملة له. والنصوص المتوسّطة (8: 34- 9: 1) توحّد بين الانباء الأول والتجلي، وتطبّق على الكنيسة (وعلى بطرس) ما قيل عن يسوع.
وهكذا إتجه القسم الأول كله نحو اعتراف بطرس وهناك كانت الذروة. غير أن هناك بالضبط، قد تبع الإنجيل طريقاً آخر. لقد انتهى بعد الآن كل ظهور للجموع، بعد أن عرفت الكنيسة يسوع. واتخذ يسوع حالاً طريق الآلام. لقد انتظر اعتراف الكنيسة واستعجل هذا الاعتراف. وما دامت الكنيسة لم تتعرّف إليه، فهو لا يستطيع أن يواجه الآلام. فاعتراف الكنيسة يفتح (بشكل من الأشكال) طريق الآلام. هذا الرباط يعطي تعليم مرقس كثافة يرثها يوحنا حين يجمع بين المجد والصليب (يو 14:3؛ 28:8؛ 12: 32).
كل إنجيل مرقس يتلخّص في هذين الخطين. الأول (1: 14- 26:8) هو زمن الظهور السري للمسيح، يصل إلى إعتراف بطرس والتجلي. ويجتذبنا القسم الثاني (27:8- 8:16) إلى الصليب الذي يُتمّ مصير المسيح. هذا هو سّر ملكوت الله (1 كور 7:2- 8). يجب أن يتوّج يسوع في المجد والسلطان، ولكن هذا التتويج يتمّ على عرش الصليب الملكي. إن الصليب والمجد يجتمعان في مرقس في جذورهما. لهذا وضع في بداية القسم الأول (الذي هو تقديم يسوع كمسيح) كرستوفانية العماد التي ترينا الملك بشكل عبد الله المتألم. وللسبب عينه استتر ظهور المسيح المجيد للجموع في سر مسيحاني هو ظلّ الصليب الذي يخيّم على مصير يسوع.
نحن هنا في تصالب (خياسما): فالقسم الثاني، الذي هو طريق الصليب، يبدأ بالتجلّي المجيد الذي يفسّره ويوضحه. والقول الذي سمعناه هو ذاك الذي سمعناه في العماد. والفرق الوحيد، هو أن الصوت توجّه في التجلّي إلى التلاميذ ليدلّهم على مجد يسوع المسيح ويثبت الآلام بشكل إلهي. أما في العماد فتوجّه الصوت إلى يسوع لكي يسلّمه المهمة التي انتدب لها. 
التجلي هو استباق للقيامة. وهذا ما تدلّ عليه الثياب البيضاء التي هي رمز للقيامة (رؤ 4: 4؛ 6: 11؛ 7: 9...). ووجهتا المجد والآلام تتّحدان ولا تنفصلان في تيوفانية العماد وفي تيوفانية التجلّي. إنهما تُلقيان ببهائهما الخفي على الإنجيل الثاني. فنحن نستشفّ من خلاله يسوع الناصري، المسيح القائم من الموت.
وهناك تفاصيل تدلّ على التوازي بين الابيفانيا الأولى والثانية. فالقسمة الأولى (1: 14- 3: 6) تلي حالاً تيوفانية العماد فتبدو في إطار (تدويني) أسبوع: تبدأ يوم السبت (1: 21) تمتد إلى الصبح (1: 35) وبعد بضعة أيام (2: 1) تنتهي في يوم السبت في نهاية القسمة (23:2؛ 3: 4). وهناك كتّاب عديدون اكتشفوا أسبوعاً أيضاً في نهاية حياة يسوع: اليوم الأول في 11: 1- 11؛ اليوم الثاني في 12:11- 19؛ اليوم الثالث في 11: 20- 13: 37؛ اليومان الرابع والخامس في 14: 1- 2؛ اليوم السادس في 14: 12، 17؛ اليوم السابع في 15: 1. ونجدّ الترتيب عينه بمناسبة التجلّي: 8: 27- 9: 1: اليوم الأول. ويقول 9: 2 بوضوح: بعد ستة أيام. ويوحنا الذي يرتبط بمرقس في نقاط عديدة قد استعاد الإطار الأسبوعي الذي يذكّر بالخلق (يو 1: 29، 35، 43؛ 2: 1، 12؛ 1:13، 3؛ 31:19؛ 1:20).
ونجد تفصيلاً يدلّ على التوازي بين العماد والتجلي هو: التجربة. ما شدّد في العماد على حضور التجربة الشيطانية هو الروح القدس الذي تقبّله يسوع من الآب ككفيل لمهمته المسيحانية، والذي "دفعه" إلى البرية لكي يجرّبه الشيطان (1: 12- 13). وفي الاعتراف- التجلي، هو بطرس نفسه الذي عرف المسيح والذي صار أداة في يد الشيطان، لكي يبعد يسوع عن تحقيق مهمته المسيحانية.
ج- الصلب (25: 33- 39)
لا يذكر إنجيل مرقس في نسخته الأصلية ظهورات القائم من الموت. فهو ينتهي بشكل غريب في 8:16. ويتّفق الشرّاح على القول إن 9:16- 20 قد زيدت فيما بعد. يبدو أن مرقس لم يُرد أن ينهي إنجيله بظهورات القائم من الموت. ونجد الحالة عينها في العهد القديم: فهناك كتب نبوية زيدت عليها فيما بعد أقوال "عن السعادة". وهذا ما حدث لمرقس. رأى كاتب لاحق أن الإنجيل لا يمكن أن ينتهي على هذه الصورة الغريبة كما في 8:16. غير أن مرقس أراد أن ينهي كتابه بصلب يسوع، لأنه رأى هنا ذروة التعليم الذي أراد أن يقدّمه.
أولاً: إن الظلمة التي تغطّي الأرض كلها من الساعة السادسة إلى الساعة التاسعة، تشير إلى غمام التجلّي (7:9؛ 15: 33؛ رج 4: 32). هي فكرة نجدها في العهد القديم (1 مل 12:8؛ خر 20:14). وهي تدل على "يوم يهوه" (يوء 4:3؛ عا 19:8). في تيوفانية العماد لم يكن هناك من غمام، بل الروح القدس، روح الله.
ثانياً: إن موضوع التتويج الأساسي كان هنا. إن ف 15 يذكر 5 مرات لقب "ملك اليهود" (15: 2، 9، 12، 18، 26). والكتابة على الصليب تعلن هذا اللقب بشكل رسمي. في 15: 32 سمّاه الكتبة "ملك اسرائيل". وهكذا صار الصليب في مرقس عرش المسيح الملكي. وهكذا يرتبط يوحنا بمرقس حين يربط بين الصلب والصعود المجيد.
ثالثاً: إن القول الإلهي يميّز كرستوفانية المعمودية والتجلّي. هنا قد وُضع "القول" على شفتي ضابط وثني: "في الحقيقة كان هذا الرجل ابن الله" (39:15). هذا هو إعلان إيمان نهائي وشامل يرى حقيقة الأقوال في 1: 11؛ 9: 27 ويثبّت عنوان كتاب مرقس: "إنجيل يسوع، المسيح، وابن الله". وصل تعليم مرقس إلى ذروة اولى مع اعتراف بطرس، وها هو يصل إلى ذروة ثانية مع إعلان إيمان هذا الرجل الوثني. إذن، يستطيع إنجيل مرقس (بل يجب) أن ينتهي. فالظهور الأخير للمسيح يتمّ على الصليب. قدّم لنا مرقس مسيحاً مصلوباً وممجّداً في آن واحد، فاستلهم أش 13:52. إن صليب المسيح هو عرش مجده.
رابعاً: المعمودية هي أول تقديم ليسوع في مرقس. والصلب هو ظهوره الأخير. فالصورة الأولى والصورة الأخيرة هما نهايتان في نظر مرقس. العماد هو البرنامج والدعوة ونقطة إنطلاق الإنجيل. والتجلي هو الذروة التي تستبق القيامة. والصلب هو النقطة الأخيرة.
خامساً: يتّخذ العماد بحضور المعمدان الذي يتمثّله مر 1: 2 بواسطة ملا 23:3- 24، إيليا (رج 1: 6 ولباس يوحنا. ق 2 مل 1: 8). في التجلّي اتخذ إيليا مكانة مميّزة (في 9: 4: إيليا وموسى). ويسوع سوف يماثل بين إيليا والمعمدان، فيجعل من إيليا "السابق" بالنسبة لآلامه (9: 11- 13). وفي الآلام، إيليا حاضر من خلال سخرية الجنود التي يردّدها مرقس مرتين (15: 34- 36).
سادساً: هيّا المعمودية إعترافُ يوحنا المعمدان، والتجلي إعتراف بطرس، وكرستوفانية الصلب اعتراف يسوع (14: 62) الذي تبعه إعتراف القائد الروماني (15: 39).
سابعاً: سبق العمادَ قوله يوحنا معلناً الأقوى الذي يعمّد في الروح القدس (1: 7: يأتي). وبعد عماد يسوع تأتي حالاً عبارة ملحاحة: وحصل أن يسوع جاء (9:1). هذه العبارة هي تتمة نبوءة يوحنا. لهذا نقرأ في 1: 10: وأبصر.
وسبق التجلّي أيضاً وعد "بأن بعض التلاميذ (بعض الحاضرين) لن يموتوا قبل أن يروا ملكوت الله آتياً بقوة" (9: 1). ربط مرقس هذا الوعد بالتجلي فقال: "بعد ستة أيام" (9: 2). هذا يدلّ على أن مرقس اعتبر التجلّي أول تحقيق لهذا الوعد (وقد تبع يو 1: 51؛ 2: 1، 11 مرقس).
وفي كلمة مشابهة تقريباً، تنبأ يسوع أمام المجلس الأعلى أنهم "سيرون" ابن الانسان جالساً عن يمين القدرة و"آتياً" على سحاب السماء. وهزءُ اليهود في 15: 31- 32 دلّ على أنهم انتظروا هذه النبوءة الشهيرة (15: 32: لكي نرى ونؤمن). يرى مرقس أن هذه النبوءة قد تحقّقت الآن في كرستوفانية الصلب. إن اليهود لم يعرفوه. أما قائد المئة الذي كان حاضراً (ف 9: 1) فقد "رأى" وأعلن إيمانه (15: 39).
ثامناً: وهناك تفصيل آخر مهمّ: ستار الهيكل تمزّق (38:15). إذا كان مرقس لاحظ هذا الواقع في هذا المكان، فلأنه رأى رباطاً لاهوتياً بين موت يسوع على الصليب وتمرّق ستار الهيكل. إذا أردنا أن نفهم هذا الرباط اللاهوتي فهماً أفضل، نقابل بين 38:15 و14: 58: فالاتهام الرئيسي ضد يسوع هو أنه أعلن أن موته بيد اليهود سيضع حداً للتدبير اليهودي الذي رمز إليه الهيكل (مت 37:23- 38، يو 2: 19، 21). إن نبوءة يسوع تكرّر نبوءة إر 15:7. لهذا السبب حُكم على يسوع بالموت (ق إر 26: 11). ظنوا أنهم إن أغلقوا فم النبي، أبعدوا الشّر عنهم. ولكن ما تحقّق هو عكس ذلك: دمّر اليهود جسد يسوع فعجّلوا بنهاية التدبير اليهودي. والله الذي أقام يسوع، خلق له جسداً آخر "لم تصنعه الأيدي" مر 58:14؛ رج يو 19:2- 22). إن تمزّق الستار في عب 10: 20، يدلّ على انفتاح المعبد السماوي والأزلي الذي هو جسد يسوع القائم من الموت، أي الكنيسة.
وهناك اتصالا أدبي مهمّ بين الحجاب الذي تمزّق والسماء التي تمزّقت في 1: 10. تعود بنا هذه العبارة الغريبة إلى أش 19:63. ولكنها تلمّح أيضاً إلى مر 38:15. فالهيكل يمثّل السماء (عب 9: 24). وحجاب الهيكل تزيّنه النجم السماوية (سي 50: 5- 6). إن تمزّق الحجاب من أعلى إلى أسفل يدلّ على أن السماء، الهيكل الحقيقي، صارت منذ الآن مفتوحة (عب 9: 12؛ رؤ 11: 19). وأن الهيكل الأرضي الذي كان ظلّ السماوي (عب 8: 5؛ 10: 1) خسر علّة وجوده. تمزّقت السماوات في 1: 10 وحجاب الهيكل في 38:15، فكوّنا تضميناً كبيراً وكملّ الواحد الآخر في الإنجيل الذي أعطيا رمزهما: إن موت يسوع على الصليب ينهي التدبير القديم ويفتح لنا المعبد الأبدي (أف 2: 18).
والتقابل مع خبر التجلّي؟ تتم الكرستوفانيا على جبل عالٍ جداً كما في خر 25: 40؛ عب 8: 5. فالرؤية هي في حدّ ذاتها مشهد سماوي.
تاسعاً: ويبقى عنصر هام في هذا التوازي بين تيوفانية العماد وتيوفانية التجلي وكرستوفانية الصليب هي: الشيطان والتجربة الحاضران في 1: 12- 13 و 33:8 والغائبان ظاهراً في 15: 33- 39 إلا إذا كانت الظلمة ترمز إلى سلطان الظلمة (15: 33؛ ق لو 53:22).
ولكن مرقس يرى أن الآلام كلها تمثل "التجربة" المسيحانية الكبرى (لو 13:4؛ ق لو 53:22). هذا هو تطبيق تث 2:8- 3. يقول الإنجيل الرابع إن يهوذا الخائن هو عامل للشيطان (يو 6: 70؛ 27:13). عند مرقس، تُذكر التجربة في ارتباط مع خيانة يهوذا (14: 38، 41- 42). الساعة التي يجب فيها أن نسهر لئلا نقع في التجربة هي ساعة الخيانة التي أنبأ بها يسوع بشكل علني (14: 10- 21). فالتجربة تدلّ على حضور "المجرّب"، الشيطان. وفي الخطبة الاسكاتولوجية الموازية لخبر الآلام، هناك حديث عن "الضيق" (13: 19). إنه يشير إلى دا 12: 1 الذي يعود إلى المعركة الاسكاتولوجية بين الملاك ميخائيل والشيطان (رج زك 3: 1- 2؛ يهو 9). وقد نجد في 2 تس 2: 34 تماثلاً بين يهوذا والانتكيرست (أي المناوىء للمسيح).
ثلاث كرستوفانيات تمثّل قوساً يُشرف على إنجيل مرقس كله: من العماد إلى التجلّي حتى الكرستوفانية الأخيرة التي تكشف كل الغنى اللاهوتي في مرقس. أما الباقي فهو ظهور جزئي وخفّي (السر المسيحاني) لهذا النور الساطع. وبعبارة أخرى، إن يسوع الذي يُعلن مسيحاً مصلوباً (1 كور 1:17- 25) هو نموذج يدعو الكنيسة المضطهدة لكي تسير وراءه.

خاتمة
هذا التحليل للبنية التدوينية لمرقس هو مفتاح تعليمه اللاهوتي. ندرك حالاً إلى أي حدّ كان مرقس إنجيلاً كنسياً، إنجيلاً أملته الظروف. إنجيلاً دوّن ليتجاوب مع وضع خطر في الكنيسة التي توجّه إليها (رومة؟). قيل مراراً ان مت هو الانجيل الكنسي العظيم. فإن كان كذلك، فارتباطاً بإنجيل مرقس. فالقسمات الست في مر تصوّر الكنيسة في وضع خاص: الكنيسة كما دعاها يسوع (14:1- 6:3)0 الكنيسة كما أسّسها المسيح (3: 7- 6: 6 أ). الكنيسة كما أرسلها المسيح إلى اليهود والوثنيين (غير اليهود) (6:6 ب- 26:8). الكنيسة التي تعترف بالمسيح ربهّا (27:8- 10: 52). الكنيسة التي تهيّىء انتصاراً لملكها (11: 1- 44:12) الكنيسة التي تشارك في آلام فاديها (13: 1- 16: 8).
غير ان في كل مرحلة من مراحل الكنيسة الأساسية هناك لفظة "لكن". دعا يسوع الكنيسة، ولكن حُكِم عليه بالموت (6:3). أسّس يسوع الكنيسة، ولكن رذله أهل بيته، أهل بلدته الناصرة (3: 20- 35؛ 6: 1- 6 أ). أرسلت الكنيسة ولكنها لم تفهم بعد تعليم الإنجيل (52:6؛ 14:8 - 21). إعترفت الكنيسة بالمسيح ولكنها رفضت تعليم الخلاص بالصليب (33:8؛ 9: 10، 32- 34؛ 10: 32، 35- 45)0 الكنيسة هي شاهدة لآلام ربها، ولكنها هربت (14: 50- 52)، أنكرت (14: 66- 72)، خانت (14: 10، 43- 45).
إن المرحلة الأخيرة هي التي تقدّم لنا كثافة تعليم مرقس لكنيسته (وهذا أمر طبيعي). إنه تعليم قريب من تعليم عب 5: 11- 12؛ 4:6- 6؛ 25:12 في عنفه. فالكنيسة التي يكلّمها تختلف كل الاختلاف عن الجماعة التي توجهت إليها عب. غير أن هذه الجماعة (أو الكنيسة المحليّة) وجدت نفسها في وضع خاص لم يختلف عن وضع قرّاء عب. فإنجيل مرقس، هو أيضاً، قد كتب في ظرف معه. وقد نستطيع أن نقدّم رسمة عن الكنيسة التي كتب إليها: هناك سمات لهذه الكنيسة نجدها في 13:4 - 20 (كيف تنمو فيها الكلمة)؛ 4: 35- 41 (الصعوبات)؛ 8: 14- 21 (قلوب عمياء)؛ 33:9- 37؛ 38-40 (محبة المراكز الأولى)؛ 10: 1- 12، 13- 16، 17- 22، 41- 45 (كل الحياة الاخلاقية)؛ 13: 9- 13 (الاضطهاد)...
نرى أن الكنيسة التي يتوجّه إليها مرقس هي كنيسة مضطهدة، بل كاد يزعزعها الاضطهاد. فبيّن لها مرقس أن هذا وضع طبيعي وضروري ولا مفر منه، لمن يريد أن يتبع يسوع. هذا ما نبّه إليه يسوع تلاميذه. وهو لا يتعارض مع الوعد بالمجيء، لأنه لا بد أن يحصل هذا "أولاً" (13: 10- 24 بعد هذا الضيق). كان الاضطهاد في البرنامج وقد أنبأ به يسوع. وهو يوازي الآلام. وهناك تفاصيل تدلّ على أن الصغار (صغار القوم) والوضعاء والفقراء احتملوا الاضطهاد أكثر من الأغنياء. فالاغنياء خافوا أن يحرمهم الاضطهاد من أموالهم (17:4، 19؛ 10: 21- 22، 23- 27، 28- 31).
إن إبراز البنية اللاهوتية لمرقس يجعل تعليمه شفّافاً وهدفه واضحاً. إن مر مبنيّ بناء محكماً حتى في التفاصيل من أجل كرازة غنية توجّه إلى كنيسة خاصة. هذا يعني بشكل عملي أن مرقس استعمل مراجعه بحرّية كبيرة. لم يكن "جماعاً" ولا "مقمّشاً"، بل كاتباً حقيقياً وكاتباً عظيماً.
إنه لواضح أن مرقس لا يتعلّق "بإنجيل" سابق له. ظلّ مدى أجيال ذلك المنسي بين سائر الأناجيل. ولكن لم يكن الأمر دوماً كذلك. بل إن مرقس الذي استنبط هذا الفن الادبي الجديد الذي اسمه "إنجيل" كان له تأثير حاسم في الكنيسة الأولى. وكان له تأثير كبير على الأناجيل الثلاثة الباقية التي ترتبط به ارتباطاً جوهرياً. كلّ إنجيل كيّف انجيل مرقس وحوّر فيه من أجل هدف معيّن. ولكنه احتفظ بالاطار الأساسي والبنية الأولى وكأنهما سلطة لا تناقش. وتأثر سفر الأعمال أيضاً بمرقس.
كل هذا دفعنا لكي نكتشف بنية مرقس اللاهوتية. فهي تساعدنا على فهم أمور عديدة لا في مرقس وحسب، بل في العهد الجديد كلّه.

 

 

القِسم الثاني
مَطلع الإنجيل

يتضمن هذا القسم الفصول التالية:
1- من يوحنا المعمدان إلى يسوع الإبن الحبيب، 1: 1- 13. 
2- بداية الإنجيل، 1: 1- 5.
3- عماد المسيح، 1: 6- 11.
4- وجرّب الشيطان يسوع، 1: 12- 13.

 

 

الفصل الخامس
من يوحنا المعمدان
الى يسوع الإبن الحبيب
1: 1- 13

يبدأ إنجيل القديس مرقس بمطلع يبرز حركة الإنجيل كله، المواضيع الأساسية، التوتّرات الدراماتيكية. مع هذا المطلع نبدأ بخطبة جديدة وندخل في عالم ما كنا لنتوقّعه. نكتشف صدى لصوت دوّى في الجليل واليهودية منذ ألفي سنة تقريباً، وامتدّ عبر الأجيال قبل أن يصل إلينا.
كم تمتدّ هذه المقدمة؟ هناك رأي أول يجعلها تمتد على ثماني آيات (على أساس تقسيم ليتورجي أو لأسباب لغوية). وهناك رأي ثانٍ يصل حتى آ 13. ورأي ثالث يضمّ الآيات الخمسة عشرة الأولى في وحدة صريحة ولاهوتية. نترك الآن هذه المسألة ونتقبّل النص كما وصل إلينا. ما إن يُرفع الستار حتى يأتي صوت لا يعلن عن اسمه فيعبرّ عن ذاته. فيعرض في إيجاز قاطع: العنوان، تقديم سريع ليوحنا المعمدان، تقديم ليسوع الذي ذهب يكرز في الجليل بعد عماده ومحنته في البرية.
كيف تكوّن النص؟
هل يتيح لنا مرقس أن نكتشف الشهادة التي يعطينا إياها عن خبر يسوع عبر استعمال مراجعه؟ إن مقابلة مع متى ولوقا تعلمنا أن الايراد المتشعّب في 1: 2-3 يرجع إلى تقاليد تعني يوحنا المعمدان. وهي ستظهر مرة ثانية بعد أن تقسم إلى عنصرين تتقدّمهما عبارة مختلفة في متى (3: 3 و11: 10) كما في لوقا (3: 4 و7: 27). إن 1: 4-8 يتفرّع من الينبوع الإزائي المشترك الذي أخذه مرقس وكيّفه: أقحم مقطعاً حول نوعيّة حياة يوحنا (آ 6) بعد تقديم الجموع، لا قبله، كما فعل متى (3: 4)، وكرّر فعل "كرز" "بشّر" في آ 4 وآ 7.
إن متتالية المعمودية والتجربة (1: 9-13) تجعلنا نتساءل إن كان التقليد الذي استعمله مرقس يفصل الخبرين. إن مت 4: 1 يقيم قطعاً (حينئذ). ولوقا (3: 23-28) أقحم بين الإثنين سلسلة نسب يسوع. أما مرقس فضمّ الحدثين بعبارة "وفي الحال" والإشارة إلى الروح (آ 10، 12). غير أنه يصعب علينا أن نحدّد الإرتباط بين التقليد المرقسي وذاك الذي يدلّ عليه متى ولوقا. يبدو أن مرقس استعمل مرجعاً جهله المعين الذي استعاده متى ولوقا.
أخيراً، إن آ 1 تدلّ على يد الإنجيلي التي اهتمّت بهذه الآية التي لا نجد ما يقابلها عند متى ولوقا. ونقول الشيء عينه عن آ 14-15. فهاتان الآيتان تتيحان انتقالاً طبيعياً من يوحنا إلى يسوع مع التذكير بالعنوان. وقد ضمّتا المعطيين التقليديين، إنطلاق يسوع إلى الجليل (آ 14 أ= مت 4: 2؛ لو 4: 14 أ)، والبشارة التي حمل (آ 15= مت 4: 17).
كيف تبدو الوحدات الأدبية التي تفحصناها؟
نحن أولاً أمام إيراد (آ 2-3) يكشف لنا كيف كانت الكنيسة الأولى تعيد قراءة العهد القديم على ضوء تتمّته في يسوع. نحن هنا أمام خبر قصير يُبرز إعلاناً مهماً حول مدلول معنى يسوع (آ 4-7). نجد جذوره في الجدالات بين تلاميذ يسوع وتلاميذ يوحنا. مع التشديد على سموّ يسوع وتفوّقه. أما حدثا العماد والتجربة فيدلاّن على نوع جلياني: هي رؤية تفسيرية ترتبط بليتورجيا المعمودية في الجماعات الأولى التي ربطت العماد المسيحي والحضّ على التغلّب على التجربة، بعماد يسوع وتجربته في البرية (1 كور 10: 1-13 هي صدى لهذه الليتورجيا العمادية مع وجهتها التعليمية).
ما هي نظرة مرقس إلى خبر يسوع؟
أولاً، قدّم لنا الإطار الديني والحضاري في عصره حيث حرّك الإنتظار المسيحاني تيارات عمادية تدعو إلى التوبة. وفي الوقت عينه بيّن أن يسوع أخذ بهذه النظرة قبل أن يستخلص كل بعدها كما أمل بها معاصروه واستشفّها المعمدان. عرف مرقس أن هذا الجديد انكشف شيئاً فشيئاً في حياة يسوع: إن رفاقه الدائمين لاحظوا أن قوة كانت تفعل في ذلك الإنسان الذي لم يتهرّب يوماً من المعارضات أو الصعوبات التي تجابهه. فعلى ضوء القيامة، أدرك مرقس هويّة هذا الكائن الخارق: هو ابن الله الحبيب. وتعلّم الإنجيلي في قلب الجماعات الأولى التي تجادل تلاميذ يوحنا الأمناء لمعلّمهم (رج أع 19: 1-7)، أن العماد المسيحي يماثل المؤمن مع روح يسوع ويجعله مشاركاً له في بنوله الإلهية فيعطيه أن يتغلّب على قوى الشر.
هذا هو التاريخ الذي يشهد له مرقس.
ولكن كيف نظّم الإنجيلي الثاني هذه العناصر في مطلع داخل هذا الفن الأدبي الجديد (إنجيل) الذي يبدو أنه استنبطه؟
على المستوى الأدبي، هناك التضمين بين "يسوع" و"إنجيل" في آ 1، 14. إنه يكشف الواقع الفريد الذي يبدأ مع يسوع: الخبر المفرح لتتويجه مسيحاً وابن الله. فما إن ظهر على الأرض حتى دلّ على قرب ملكوت الله وطلب تعلّق الإيمان. ثم حرّك المؤمن فكشفه لذاته في دعوته كابن الله وكمسيحي.
وهناك تضمين آخر تدلّ عليه لفظة "ملاك" (رسول. من لأك في العربية) في آ 2 و"ملائكة" في آ 13، وتكرار عبارة "في البرية" (آ 3، 13 مع إستعادة في آ 4، 14). كل هذا يحدّد مجموعة أدبية نستطيع أن نقدّمها في خمس مراحل، وذلك حسب ورود الألفاظ البارزة.
وإليك بنية النص.
* إن العنوان الذي يتحدّث عن إنجيل يسوع (الذي هو) المسيح، (الذي هو) ابن الله، يجد ما يقابله في الخاتمة الوصلة التي تقدّم يسوع معلناً إنجيل الله. فملكوت الله قد اقترب وهو يدعونا لكي نؤمن بالإنجيل (آ 14-15).
* في البرية حصل حدثان يتجاوبان:
أ- صوت ملاك (رسوله) يدعونا لتهيئة طريق الرب (آ 2- 3).
أ أ- جعل الروحُ يسوعَ يواجه إبليس. ثم جاءت الملائكة وقدّمت خدمتها لها.
ب- وصل المعمدان فعمّد في الأردن. وهكذا خلق تيّاراً في شعب أورشليم واليهودية (آ 4- 6).
ب ب- ووصل أيضاً يسوع آتياً من ناصرة الجليل وعُمّد في الأردن: صعد من الماء، فرأى الروح ينزل عليه، وسمع صوتاً من السماء يدلّ عليه أنه الإبن الحبيب (آ 12- 13).
ج- في قلب الخبر، حدّد يوحنا موقعه بالنسبة إلى يسوع (أنا/ هو) وقابل بين عماد ماء وعماد روح يمنحه الذي هو أقوى منه (آ 7-8). 
لنوضح هذه الرسمة بإيجاز. قلبها (ج) هو مفتاح فهمها. فالإعلان النبوي يصل بنا إلى تسمية "الأقوى" الذي يستطيع وحده أن يتمّ قيامة الشعب كما استشفّها حزقيال في رؤيته للعظام اليابسة التي عادت إليها الحياة (حز 37). أمام هذه التتمة، أعلن النبي عجزه: لقد دعا إلى التوبة، ولكنه لا يستطيع أن يمنح الخلاص: فعليه هو أيضاً أن يتعلّم من الذي يغطّس الإنسان في الروح.
ورث يوحنا الأنبياء فنادى باجتماع شامل في الأردن، من أجل الدخول في أرض الموعد الجديدة (ب). والذي يقود البشر المصالحَين إليها هو ابن الله الخاصّ الذي دلّ عليه الصوت السماوي: في شخصه تمزّقت السماوات فكشفت عن ملء حب الآب وحنانه للبشر (ب ب).
لا يلبّي يسوع إنتظاراً آخر سوى انتظار التحرير النهائي من الخطيئة، الذي كان الخروج والعودة من المنفى صورة عنه (أ). هذا هو طريق الرب: وسط برية الحياة وصعوباتها وشقاواتها، وسط تجاربها وسقطاتها، بدا يسوع على أنه رجاء العالم لأن قوة الروح المنتصرة هي التي تحرّكه (أ أ).
بدا يسوع مسيح إسرائيل ومحرّر البشر لأنه ابن الله الذي تجسّد في التاريخ (العنوان). بدا أنه بشرى الله الجديدة التي تتوجّه معه إلى الجميع. بعد هذا، يستطيع كل واحد أن يكتشف دعوته لكي يجعل هذه البشرى بشراه (الخاتمة الوصلة).
كيف يترتّب النص على المستوى البنيوي؟
ننظر إلى النصّ في ذاته (سنكرونيا، نظرة إجمالية)، لا حسب تاريخ تدوينه (دياكرونيا، أو نظرة تفصيلية). يُفرض علينا عملان. أولاً، نبحث عن التقابلات بين عناصر الخبر. ثانياً، نرتّبها فنستخرج الحركة العميقة التي تحدّد هذه العناصر وتُوحّدها.
نلاحظ أولاً الأشخاص في هذا المطلع. المبادرة تعود إلى الله: إنه يسمّى "الرب" (آ 3). هو الذي يرسل يوحنا يكرز بمعمودية التوبة (آ 4). ويسمع صوته (آ 11). البشرى هي بشراه وقد جاءت من عنده (آ 14). إنتقل تعليمه بواسطة الأنبياء وتسلّمه يوحنا، فوصل إلى سكّان اليهودية وأورشليم (آ 5) قبل أن يتوجّه مباشرة إلى يسوع (آ 11). إذن، وصلت كلمة الله إلى هدفها بفضل عدد من "الوسطاء": أشعيا النبي (آ 2-3). يوحنا النبي (آ 6) الذي يعمّد في الماء (آ 5، 8). وأخيراً الروح (آ 8، 10، 12). وقد تذكرنا خدمة الملائكة بعطية الشريعة (رج غل (3: 9؛ أع 7: 38، 53؛ عب 2: 2).
وهكذا نعرف منذ البداية أن الرب سيأتي، غير أن طريقه ليس معدّاً (آ 3). بدأ يوحنا يمهّده (يزيل الحواجز والعراقيل) بمعمودية الماء والنداء إلى التوبة (آ 4- 5). وخصوصاً، بالدلالة على الأقوى الذي أمامه سيمّحى (آ 7). وظهر يسوع: مرّ في الطريق الذي فتحه له السابق إلى مياه الأردن (آ 9). هنا تمزّقت السماوات (آ 10) وأطلقت الروح الذي نزل، والصوت الذي اعترف بالإبن الحبيب (آ 11). هل صار الطريق حراً الآن تماماً بعد الآن؟ كلا. فلن يفتح الطريق حقاً نحو التوبة الموصلة إلى الملكوت (آ 14- 15)، إلاّ بعد مواجهة الإنتصار ضدّ إبليس الذي هو الخصم الشخصي (آ 13).
أسلم يوحنا وجُعل في السجن، لأن مهمته كانت لزمن محدود. ولكن يسوع أخذ المشعل وتابع العمل متوجّهاً إلى الجليل. وهكذا تمّ تحوّل حقيقي: فبالفتحة التي تمّت في السماء وصل إلى الأرض غفرانُ الخطايا الذي أعلنه العمادُ بالماء إعلاناً نبوياً. فحبّ الآب لابنه يسوع بدّل وضع الإنسان. لا شك في أن التجربة والخيانة لم تُلغَيا، ولكن العلائق بين الله والإنسان قد تبدّلت. وبعد اليوم، صار الإيمان بالإنجيل ممكناً.
على مستوى المكان. بدا الوضع في شكل مماثل. فيوحنا قد قرّب، بعمله وكرازته في الأردن، اليهودية من الجليل دون أن يحقّق المصالحة الحقيقية. فهو سيسلّم في الجليل. ما لم يستطع أن يحقّقه الإنسان، قد حقّقه الإبن الحبيب حين صعد يسوع من الماء صار الموضع الذي فيه يتمّ من أجل الإنسان اللقاء مع الله بإرسال الروح. لم يعد طريق الله على الأرض طريقاً أفقياً (من إنسان إلى إنسان). لقد دخل في عمودية العلاقات بين الله والإنسان. والمؤمن يعبر البرية لا بكلمة تنادي وحسب، بل بانتصار يحرّك الخدمة والإيمان.
على مستوى الزمان. إن المعلومات الكرونولوجية هي غامضة ونادرة، وهي تحدّد موقع الأحداث بالنسبة إلى "تلك الأيام" (آ 9) من جهة، وبالنسبة إلى "الزمان" الذي تمّ (آ 14) من جهة أخرى. إذن، هو زمن يرتّب الواقع الزمني ويرافق كرازة يسوع نفسه.
على مستوى الحركة في هذا الخبر. على مستوى أول من الفهم، نستطيع أن نقرأ ظاهرة نبوية: أعاد يوحنا قراءة قول أشعيا، فأسّس تياراً عمادياً يدعو إلى التوبة. وخضع يسوع لهذا العماد. غير أن عمله سيمتدّ أبعد من عمل المعمدان: ترك الإطار المعيق، إطار الأردن واليهودية، وذهب يكرز في الجليل. في هذا المنظار، ظلّ يسوع إنساناً من الناس، نبيّاً في خط الأنبياء الذي سبقوه: مثلهم أرسله الله. مثلهم عرف المحنة.
قرأنا النص بهذه الطريقة، فلم نحتفظ إلا بالعناصر السردية. ولكن إذا انتبهنا إلى الكلمات الواردة، ندرك أن الحديث يدور حول طريق الرب الذي يحمل مجيئُه غفران الخطايا. يسوع هو أقوى من يوحنا لأنه يعطي الروح الذي حلّ عليه في مسحةٍ تُوليه كل سلطان. من هذا القبيل أتمّ قول أشعيا (40: )، وصورة المسيح التي صوّرها مز 2، ونداء عبدالله المتألم (أش 42: 1). ورؤية الحيوانات المصالَحة تتسجّل عند ذاك في منظار الأزمنة المسيحانية التي دشّنها إعلان ملكوت الله بفم يسوع. إذن، يسوع هو المسيح كما أعلنه عنوان الإنجيل (1: 1). غير أن هذا اللقب يتحمّل تفسيرات مختلفة في العالم اليهودي. لهذا يبدو خطراً.
ونخطو خطوة في هذا الإطار لنكتشف التوازي الذي رسمه مرقس بين يوحنا ويسوع. فالأول يتحرّك حسب خطّ أفقي: أعلن في البرية معمودية ماء، فقاد الناس إلى الأردن، ودعاهم إلى الإقرار بخطاياهم. وهكذا دلّ على أنه نبيّ. أما يسوع فقد تبع الخط الأفقي نفسه حتى الأردن، ثم راح في خطّ عمودي يصل الماء بالسماء. وهكذا تمّ تحوّل جذري: لقد حصلنا بالفعل على غفران خطايانا لأن الله رأى في هذا المعمَّد ابنه الحبيب. وهكذا انتقلنا على مستوى المكان والزمان من واقع عادي إلى واقع جديد لم تسمع به إذن: لم تعد المياه مياه الأردن، بل صارت الموضع الذي فيه تمتدّ بنوّة الله بواسطة الروح.
ونطرح سؤالاً هاماً: إلى من يتوجّه هذا الخبر الذي رأينا فيه حدثاً يحصل أمامنا وخارجاً عنا؟ بدأ مرقس بإيراد ثلاثة نصوص من العهد القديم نسبت إلى أشعيا. هناك شخص يتكلّم في صيغة المتكلّم المفرد إلى شخص آخر لا يذكر اسمه: "ها أنا أرسل ملاكي أمام وجهك فيهيّىء طريقك" (آ 2). وفي الآية التالية، ينتقل التصريح إلى صيغة المخاطب الجمع: "أعدوا... قوّموا (أنتم)". ولكننا نجهل من يعني هذا الكلام، حتى آ 5 حيث نشاهد خروج "كل منطقة اليهودية وكل أهل أورشليم"، إلى يوحنا. إليهم يتوجه الإعلان المركزي للوهلة الأولى: "أنا عمّدتكم بالماء. أما هو فيعمّدكم بالروح القدس" (آ 8). ومع هذا، فنجد يسوع معمَّداً بالروح القدس (آ 10) والصوت السماوي يناديه بطريقة شخصية: "أنت هو إبني الحبيب، بك رضيت (سررت)" (آ 11).
هو الآب منذ البداية يتحدّث إلى ابنه. وكل البشر قد لامستهم كلمته فاكتشفوا نفوسهم معنيّين بهذا الحوار بقدر ما يتركون الآب يغطّسهم مع الإبن في الروح. ويقوم غفران الخطايا بأن يترك المعمّد الآب يرى فيه ابنه الحبيب وموضوع رضاه. أن يؤمن بالإنجيل الذي هو خبر جديد ونداء جذري. إلى من توجّه هذا الكلام؟ إلى سامع الإنجيل أو إلى قارئه كما إلى يسوع أيضاً. وما هي العلاقة بين الواحد والآخر؟ هذا ما سيحاول الإنجيلي أن يبرزه على مدّ النص الذي يقدّمه إلينا.
أي تعليم نجد؟ ماذا نكتشف في هذه البنية الخاصة بمرقس؟
إن هذه المجموعة تدلّ على هدف لاهوتي محدّد نكتشفه من خلال أسلوب مدراشي (درس وتأمّل) غذّته تلميحات إلى الكتاب المقدّس، ولغة رمزية ثابتة، وتأليف دقيق كل الدقة. والضوء يتركّز كلّه على يسوع الذي سمّته الآية الأولى: المسيح، ابن الله. وهكذا بدا المطلع نهجاً ورفيق درب من أجل قراءة الإنجيل كله: فالروح يعطينا أن ندرك واقع ابن الله الحبيب عبر ظهوره في العالم ومسيرته في تاريخ البشر.
منذ السطور الأولى نبّه القارىء إلى هويّة يسوع الناصري الحقيقية: هو المسيح وابن الله. هل سيفهم هذين اللقبين في الحال؟ كلا. ولكن عبر هذين اللقبين، وعبر الشخص الذي يحملهما، وعبر ما يقوله لنا الإنجيلي، "يبدأ" بسماع صوت الآب (بداية إنجيل). فأمام يسوع الذي يأتي، تتّخذ النبوءة في إسرائيل وقد تمثّلت في إيليا وأشعيا، وجهها التاريخي في يوحنا المعمدان. فأمام يسوع، كل إنسان مدعوّ منذ الآن لأن يحدّد موقعه: فالمعمودية تتوجّه إلى الجميع، وكل من يخرج من عياه العماد يرى مع يسوع الروح ينزل عليه، ويسمع صوت الآب.
إستعاد يسوع "خروج" أبوينا الأولين اللذين طردا من الفردوس وبدأا يسيران نحو الموعد، و"خروج" العبرانيين من مصر إلى أرض الموعد، و"خروج" المنفيّين المتّجهين إلى أورشليم، وبدأ يجمع أولئك الذين يدعوهم لكي يصيروا كنيسته فيقيم فيهم. وعلى ضوء آلام المسيح وقيامته (يدل عليهما العماد المسيحي) نفهم هذا المطلع الإنجيلي. إنه يهيّىء المؤمن لقراءة حياة يسوع التي ينكشف معناها شيئاً فشيئاً في هذا الإنجيل.

 

 

الفصل السادس
بداية الانجيل
1: 1- 5

إذا كان لوقا الانجيليِّ الوحيد الذي وازى بين طفولة يوحنا المعمدان وطفولة يسوع، فالانجيليون يتفقون على وضع صورة السابق (يوحنا الذي سبق المسيح وهيّأ له الدرب) على عتبة حياة المخلّص العلنية. فالكنيسة تستعدّ في الفرح والتوبة للاحتفال بمجيء يسوع الأول، بانتظار مجيئه الثاني وعودته كالديّان السامي. وسنعود إلى عماد يسوع في الأردن. كم نحتاج إلى قراءة هذه "الأخبار" المتعلقة بخدمة الذي كان شاهداً للفرح المسيحاني (يو 3: 29)، معلناً للدينونة القريبة (مت 3: 7- 10)، ذاك الذي سار امام يسوع قبل أن يعمّده. ويخبرنا مرقس في كلمة حاسمة عن أهمية هذه الخدمة: كانت بداية الانجيل، بداية هذا الخبر السعيد الذي يرافقنا على مدى فصوله الستة عشرة.

1- بداية الإنجيل مع يوحنا (آ 1)
"بداية انجيل (بشارة) يسوع المسيح ابن الله"
أ- بداية الإنجيل
يبدأ مرقس فجأة بجملة لا فعل فيها. وقد رأى فيها الشرّاح عنوان آ 1- 8 حول كرازة يوحنا المعمدان، أو عنوان المقدمة الكبرى (1: 1-13) أو عنوان الإنجيل كله. وبحسب هذا الرأي الأخير تكون رسالة يسوع وموته وقيامته بداية البشارة التي ستمتدّ في رسالة الكنيسة.
فكرة لا بأس بها. ولكن لا شيء يشير أن مرقس يعتبر نشاط الكنيسة جزءاً من الإنجيل، وكأن على الكنيسة أن تكرز بنفسها. فعلى الكنيسة أن لّعلن البشارة، أن تعلن الحدث الخلاصي الذي سبقها والذي كان في أساس ولادتها، أن تكرز خدمة يسوع وفصحه فتكتشف ما هو في ذاته وما هو بالنسبة إلينا.
وقد نستطيع أن نقرأ هذه الآية الأولى كمقدّمة لمطلع مرقس: فنشاط يوحنا سابق المسيح ومعمدّه، هو بداية هذا الحدث الاسكاتولوجي الذي تشكّله رسالة يسوع وحياته المتألمة وتمجيده.
نحن نعرف أن كلمة "انجيل" أخذت من العهد القديم (أش 40: 9؛ 52: 7؛ 61: 1) وهي تعني الكرازة والاعلان والتبشير بخبر سعيد وطيّب. فمتّى ومرقس ولوقا ويوحنا يتوسّعون في هذه الكرازة الأولى، الكرازة الرسولية التي نجد موضعها المميّز في أعمال الرسل. ومرقس الذي لم يتحدّث عن طفولة يسوع ولم يحتفظ إلاّ بكلمات قليلة ليسوع، هو أقرب الأناجيل إلى رسمة أعمال الرسل. فالكرازة الرسولية (أع 1: 21- 22؛ 10: 37؛ 13: 24) تبدأ، شأنها شأن انجيل مرقس، بخدمة يوحنا المعمدان. إذن، هذه الخدمة تشكّل "بداية الإنجيل". ويثبت المعنى المحصور للعبارة عبارة مشابهة في هو 1: 2. فبعد عنوان أوّل يعني كل كتاب هوشع، نجد عنواناً ثانياً يبدأ الفصل الأولى: "بداية ما قاله الرب بواسطة هوشع...".
ولكن يبقى أن هذه الآية الأولى تعطينا الرسمة لكل انجيل مرقس فتبين لنا في مرحلتين: يسوع هو المسيح. وهذه المرحلة... تنتهي باعلان بطرس (8: 29). يسوع هو ابن الله. وتجد هذه المرحلة ذروتها في صرخة قائد المئة عند الصليب: "بالحقيقة كان هذا الرجل إبن الله" (15: 39).
ب- إنجيل يسوع المسيح إبن الله
إذن، يبدأ مطلع انجيل مرقس بذكر الإنجيل. وسيذكر الإنجيل أيضاً في 1: 15 حيث قال يسوع: "توبوا وآمنوا بالانجيل". فنحن أمام تضمين (أو احتواء) حيث نعيدها النهاية ما قلناه في البداية.
إن كلمة "انجيل" تعود مراراً عند مرقس الذي يتفرّد باستعمالها ويكرّرها بصورة مطلقة، أي بدون ضمير (انجيله مثلاً) ولا مضاف إليه (انجيل يسوع مثلاً). فبمناسبة كرازة يسوع الذي يطلب من الجموع أن "تؤمن بالانجيل" (1: 15) فعبارة "انجيل الله" في 1: 14 تدلّ في الوقت عينه أن البشارة تأتي منه وأنّه موضوعها حين يحرّك الحدث الاسكاتولوجي. هذا ما يدعونا إلى قراءة آ 1 في معنيين: الإنجيل الذي موضوعه يسوع المسيح وابن الله. ثم: بانتظار أن يكشف الدور المركزي لشخصه، هذا الشخص الذي نكتشفه عبر معجزاته و"سلطان" تعليمه.
والموازة بين "من أجل المسيح" و"من اجل الإنجيل" (8: 35؛ 10: 29؛ 13: 9- 10) تؤكّد أن الانجيل في نظر مرقس هو يسوع: حدث يسوع الذي يكشف على عيون الإيمان سر كيانه كمسيح مخلّص وابن الله. يكشف التعليم الذي موضوعه هذا الحدث الذي هو يسوع، أي تاريخ ظهور المسيح كما كشف عن نفسه، وكما كشف عمّا أتمّه الله بيده بيننا. 
وأخيراً، إن الحديث عن اعلان الانجيل في العالم كله (13: 10؛ 14: 19) على يد تلاميذ اختارهم المسيح ليسيروا على خطاه (1: 16- 20؛ 3: 13- 15؛ 6: 7)، يذكّرنا بواجب المشاركة في مهمة الكنيسة الرسولية. قد يكّلفنا هذا العمل تضحيات كبيرة (8: 35؛ 10: 29). هذا ما يعرفه يسوع. وقد اراد مرقس ان يلعب دوره في هذه المهمة، فتوسّع في أول كلمات الكرازة، تلك التي تعني رسالة يسوع وتهيئة هذه الرسالة بواسطة يوحنا المعمّد، وتلك أمور لم تتوقف عندها كرازة الرسل بعد الفصح.
إذن، أراد مرقس أن يبّين في حياة يسوع السابقة للفصح، أن يسوع هو المسيح وابن الله في المعنى الوظيفي (ذاك الذي اختاره الله ومسحه بالزيت المقدس وأرسله) وفي المعنى المتعالي المرتبط بهذين اللقبين في الكنيسة في أيامه. فعلى ضوء الفصح والقيامة، فهم التلاميذ في أي معنى يسوع هو المسيح الذي أعلن عنه العهد القديم، وهو "إبن الله" الذي تكلّم عنه مز 2: 7 (رج أع 13: 33؛ عب 1: 5): لا ذاك المسيح الأرضي والوطني 2: 36)، الذي "مسح" بالروح (أع 4: 26- 27؛ 10: 38) بالقيامة، فاستطاع أن يحرّر الناس من الشيطان والخطيئة والالم والموت.
حين يستعيد المؤمنون قراءة الخبر القبل فصحي الذي يرويه لهم مرقس، يفهمون أن يسوع دشّن في البرية وفي حياته العامة (لاسيما في التقسيم وطرد الشياطين) هذا النصر المحرّر الذي حازه حيازة كلّية بآلامه وقيامته، فدلّ على لقبه كمسيح. ويفهمون ايضاً أن يسوع فرض الصمت على الجميع، فما أراد أن يسلم إلى اليهود لقب المسيح هذا قبل الوقت المحدّد. ولقب المسيح قد أعلنه بطرس، ولكنه دلّ حالاً أنه لم يفهمه على حقيقته. قال: "انت المسيح" (8: 29-33). ولكنه حالاً عارض يسوع حين تحدّث عن آلامه وموته (إنفرد بطرس بيسوع وأخذ يعاتبه، 8: 32). 
ولقب ابن الله الذي اعتادت عليه الكنيسة في زمن القديس بولس (رج غل 1: 16؛ أع 9: 20؛ روم 1: 3-4؛ يو 4: 15) قد أعلنه صوت الآب (1: 11؛ 9: 7) ولكنه ظلّ خفياً على البشر حتى القيامة (9: 9؛ رج 3: 11-12). ولكن يسوع لم يطالب بهذا اللقب إلاّ في وقت آلامه (14: 61: هل أنت المسيح إبن المبارك؟ أنا هو)، وقد أعلنه ممثل العالم الوثني (15: 39: في الحقيقة كان هذا الرجل ابن الله)، وذلك ساعة حُكم بالموت على ابن الله فألقاب يسوع مثل عبد الله المتألم، وألقاب يسوع المجيدة لا تُفهم في معناها الحقيقي إلاّ عبر سّر آلامه. وسيعرف المسيحيون أنهم لا يستطيعون حقاً أن يعترفوا بيسوع كالمسيح، وابن الله، إلاّ اذا تبعوه على طريق الآلام (8: 34- 35؛ 10: 35- 45).
وهكذا يعطي مرقس اسم الإنجيل لآلام يسوع وقيامته، للخبر السابق للفصح الذي من خلاله نستشفّ البعد المتعالي لشخص يسوع. ما أراد أن يرويه هو بشرى الإنتصار على قوى الشّر. هذا النصر قد دشنه يسوع كاملاً حين كشف عن نفسه كالمسيح وابن الله قبل جلوسه على عرشه السماوي. وتشكّل خدمة (يوحنا الذي أعلن يسوع اعلاناً مباشراً) بداية هذا الإنجيل، كما تقول الكتب المقدسة (آ 2-3). كما يقول نحطّط خلاص الآب الذي أسمع صوته ساعة عمّد يوحنا ابنه الحبيب.

2- دخول يوحنا على مسرح الأحداث (آ 2- 6)
نجد في هذه القطعة لوحتين متوازيتين. لا الأولى، يكرز يوحنا معمودية توبة لغفران الخطايا (آ 4). وفي الثانية، الجموع تأتي إلى يوحنا لتتقبّل العماد وتقرّ بخطاياها (آ 5). هاتان اللوحتان تشكّلان النواة المركزية الواقعة بين بداية (آ 2- 3) تورد أقوال الانبياء (صوت صارخ في البرية) ونهاية (آ 6) تشير إلى اللباس النبوي الذي يرتديه يوحنا (مع طعام خاصّ بالبرية).
أ- شهادة الانبياء (آ 2- 3)
"كما كتب في أشعيا النبي: ها أنا أرسل رسولي قدّامك ليهيّىء طريقك. صوتُ صارخٍ في البرية: هيّئوا طريق الرب، واجعلوا سبله مستقيمة".
هذان الايرادان من ملا 3: 1 وأش 40: 3 قد وضعا في فم أشعيا بشكل تقريبي. هما يطرحان أسئلة على النقّاد من جهة الموضوع ومن جهة المضمون. فإيراد ملاخي خاص بمرقس في هذا الموضع، ولكننا نجده في مت 11: 10 ولو 7: 27 حول الشهادة التي يؤدّيها يسوع عن يوحنا بعد أن ارسل إليه وفداً يقول له: "أأنت الآتي أم ننتظر آخر"؟ هذا التوافق بين متّى ولوقا ضد مرقس، والموضع الطبيعي الذي يجده الاستشهاد عندهما، وبداية الايراد (مر 1: 2 أ وز) حيث يذكر اسم اشعيا وحده، والواقع الذي يجعل يوحنا يذكر اسم أشعيا وحده (يو 1: 23)، كل هذا يدعونا إلى القول: إن نصّ ملا 3: 1 أ في مر 1: 2 ب هو زيادة وضعها مرقس في مرجع مشترك مع الإزائيين. حين رفض مرقس أن يذكر خبر الوفد الذي أرسله يوحنا، لم يُرد أن يخسر هذا العنصر التقليدي في صورة يوحنا، فاستعمله هنا ليغني مقدمته. وما دفعه إلى هذه "الزيادة" هو أن للايرادين (ملا 3: 1؛ أش 40: 3) موضوعاً واحداً وهو تهيئة طريق الرب.
ومرقس هو الذي بدّل الترتيب الاولاني الذي نجده في لوقا ومتّى والذي يبدو طبيعياً: فالاعلان عن دور يوحنا يأتي بشكل منطقي بعد الشاهد الكتابي. إذن، نقل مرقس الإيراد الكتابي وجعله في رأس القطعة. وهكذا حصل على مقدّمة احتفالية لم يحتج إليها متّى ولوقا اللذان تحدّثا طويلاً عن طفولة يسوع. كما أنه استطاع بذلك أن يبرز فكرة هامة وهي أن بداية بشرى الخلاص قد حدّدها الأنبياء وربطوها بمجيء يوحنا المعمدان. وهذا السبب الرئيسي لترتيب مرقس يحتفظ بقيمته حتى ولو أخذنا برأي القائلين إن متّى ولوقا أعادا صياغة نصّ مرقس ليجعلاه أكثر منطقياً (قد يكون متّى ولوقا نقلا إيراد ملاخي إلى الحديث عن وفد يوحنا إلى يسوع).
ونعود إلى الايراد في آ 2. إذا جعلنا الضمير "أنا" الذي لا نجده عند لوقا ولفظة "أمامك" التي لا نجدها عند مرقس، فالايراد هو هو في مر 1: 2، في مت 11: 10 وفي لو 7: 27. فجوهر الكلام يرجع إلى ملا 3: 1 "ها أنا أرسل ملاكي وهو يتفحّص الطريق أمامك". هذه هي قراءة اليونانية السبعينية. ولكن الشقّ الثاني من النصّ الإنجيلي هو أقرب إلى العبرية منه إلى اليونانية: "ويهيىء الطريق امامك". والطريقة المماثلة التي بها يمزج الازائيون اليوناني في ملا 3: 1، اليوناني في خر 23: 20، والعبراني في ملا 3: 1، تفترض مرجعاً مشتركاً قديماً جداً.
هنا نتذكّر خر 23: 20 (حسب السبعينية): "ها أنا ارسل رسولي أمام وجهك (أمامك) لكي يحفظك في الطريق". أثّر هذا النصّ على الاستشهاد فجعل الانجيليين يكتبون "وجهك" بدل "وجهي". هكذا جعلوا المرسل سابقاً لا لله، بل لذلك الذي يتوجّه اليه الله، "للرب" الذي يتكلّم عنه ملا 3: 1 ب، والذي هو يسوع في نظر الانجيليين. يوحنا المعمدان هو المرسل الذي يوفده الله أمام يسوع ليهيىء له الطريق: هذا ما يريد مرقس أن يقوله فينسبه إلى الله نفسه الذي يحدّثنا بواسطة الكتب.
بإلاضافة إلى ذلك، يبدو من الصعب أن لا نفكّر في نهاية ملاخي (3: 23-24) حيث طبّق الكاتب الملهم على شخص أيليا دور السابق الذي حدّده ملاخي في بداية ف 3: إن مر 9: 12 يورد هذه النهاية فيؤكّد أن إيليا قد جاء. والنص الموازي في مت 17: 11-13 (رج أيضاً لو 1: 17؛ مت 11: 14) يقول بوضوح إن يسوع عنى يوحنا المعمدان. يوحنا ليس إيليا (يو 1: 21). ويتجنّب لوقا أن يماثل بين الاثنين. ولكن بما أن يوحنا "أرسل أمام المسيح" (يو 3: 28) "بروح إيليا وقوته" (لو 1: 17) لكي يعلن المسيح ويعمّده ويهيىء الشعب داعياً إياه الى التوبة، فهو يحقّق الرجاء اليهودي بعودة إيليا كسابق أوكلت إليه مهمة اعلان مجيء المسيح، الديّان الاسكاتولوجي (الآتي في آخر الزمان)، ومنحه المسحة كما قالت القديس يوستينوس.
وإذ أراد مرقس أن يحدّد منذ البداية مهمّة يوحنا كمهمّة إنسان جاء ليعدّ طريق الرب، فقد كان في يده أيضاً نص أش 40: 3 (حسب السبعينية). وهنا، وجد نفسه أيضاً في رفقة الانجيليين الآخرين. يبدو أنهم كلّهم فسّروا "الرب" على انه يدلّ على يسوع المسيح. وقد أعاد الازائيون (أو المرجع الذي استقوا منه) صياغة النصّ في هذا المنظار فكتبوا "طرقه" لا "طرق إلهنا". ثم، إن عبارة "في البرية" ستعود في الآية التالية كصدى لهذا النصّ. وبما أن "رهبان" قمران الذين اتصل بهم يوحنا (استعملوا مراراً أش 40: 3) اعتزلوا إلى البرية ليفتحوا طريقاً لله حسب القول النبوي، هكذا كرز يوحنا في البرية ليهييء الطريق للرب يسوع، فيدفع الناس إلى التوبة ويعدّهم بهذا الشكل ليتبعوا "ذلك الآتي".
هنا نورد ما قالته "قاعدة الجماعة" (في المغارة الأولى): "وحين تحصل هذه الأمور للجماعة في اسرائيل، في تلك الأزمنة المحدّدة، ينفصلون من وسط سكن البشر الاشرار ليذهبوا إلى البرية ليفتحوا "له" طريقاً كما كتب: "افتحوا في البرية طريقاً... مهّدوا في الفيافي سبيلاَ لإلهنا". نلاحظ في النصّ العبري الذي استعمله أهل قمران ويوحنا المعمدان، أن عبارة "في البرّية" لا ترتبط بفعل "صرخ" (صارخ في البرية)، بل بفعل "هيّا"، "مهّد": لا بدّ من أن نهيّىء في البرية طريق الرب من أجل خروح جديد.
ب- يوحنا المعمدان وموضوع كرازته (آ 4)
"فظهر يوحنا المعمدان في البرية، يكرز بمعمودية التوبة من أجل غفران الخطايا".
تشكّل هذه الآية جملة واحدة مع الايرادات السابقة. ولهذا نضع الفاصلة: "كما كتب...، كان يوحنا". ما يقال الآن عن يوحنا يحقّق النبوءات ولا سيّما نبوءة أش 40: 3: "هو في البرية"، "هو يصرخ"، ويحضّ الناس على التوبة. وهكذا يعدّ طريق الرب يسوع.
بدأ مرقس فأعطاه لقبه: ذاك الذي يعمّد (رج 6: 25؛ 8: 28) وهو يقابل الاسم "المعمدان" كما في مت 3: 1 مع تشديد على عمل التعميد. فمعمودية التوبة هي في نظر مرقس ولوقا الموضوع الخاص بكرازة يوحنا. وهكذا يدلّ النص على عملين متميّزين ومترابطين في عبارة واحدة: كرازة تحضّ على التوبة. وممارسة عماد (غسل، تغطيس) يرتبط هو ايضاً بالتوبة. 
إن هذا الجمع بين العملين يفسرّ ايجاز مرقس واغفاله معطيات طوبوغرافية (متّى يتوسّع). لن نتساءل كيف كرز يوحنا "في البرية" (آ 4) ثم عمّد" في نهر الأردن (آ 5). لا يتوقّف مرقس عند هذه الامور الجغرافية. قد نفترض أن المعمدان كرز اولاً في البرية، ثم انتقل إلى الاردن. أو أن الاردن هو جزء من البرية، لأنه على حدود البرية. بل، أما نستطيع ان نتوقّف عند المعنى الروحي للبرية فنقرأه في خط أش 40: 3؟
ما هي العلاقة بين التحريض على التوبة والعماد؟ لن نقرأ اولاً ما كتبه مرقس لا إطار مسيحي. لسنا أمام عماد مسيحي. ولا نستطيع ان نتحدّث عن فاعلية العماد المسيحي. ولسنا فقط أمام توضؤ طقسي: فقد تجاوزنا مع يوحنا هذا الافق الضيّق. نحن نعلم أن العالم اليهودي عرف معمودية ينالها المرتدون. كان لها قيمة تطهيريية طقسية، ثم ارتدت فيما بعد بُعداً آخر، بُعد التنشئة للعالم اليهودي. نشير إلى ان النصوص لا تتحدّث عن هذا "العماد" قبل القرن الأول المسيحي. ولكن ممارسته سابقة لهذا التاريخ.
أما الاسيانيون الذين تكلّم عنهم فلافيوس يوسيفوس واكتشفت آثارهم في مغاور قمران، فقد مارسوا الاغتسال، وهو عمل عبادة يومي يجعل المؤمن حقاً على المستوى الاخلاقي، كما على المستوى الطقسي. هدْا لا يعني أن الاغتسال يمنح في ذاته الحياة الأخلاقية. فهذه الحياة هي في الوقت عينه عطيّة من الله وثمرة مجهود التائب الذي يعيش حسب شريعة موسى. إن هذه الحياة هي مفروضة على المؤمن قبل الاغتسال الذي هو علامة وختم، والذي يطفر الجسد المعتبر ملطخاً بنجاسة طبيعية بفعل الخطيئة. 
أيكون يوحنا انتمى إلى حركة الاسيانيين في قمران أم لم ينتمِ، فعماده يشبه عماد الاسيانيين. فالطقس الذي يعطيه يعبرّ عن توبة داخلية هي في الوقت نفسه عمل بشري وعطيّة إلهيّة. وهي تعدّ النفوس لتدخّل الله القريب تدخّلاً اسكاتولوجياً. غير أن هناك اختلافات هامة. فمهما قالت فلافيوس يوسيفوس، لا يبدو أن يوحنا اهتمّ بالنجاسة الجسديّة التي تنتج عن الخطيئة. ثم، إن التائبين لدى يوحنا يقومون بفعل توبة بمجرّد أن يخضعوا للعماد ويقرّوا بخطاياهم. وكان يوحنا يلعب دوراً إيجابياً فيغطّسهم في الماء، وهكذا يعينهم في طريق الارتداد التي هي نعمة. أما الاسيانيون فكانوا يخضعون المرتدّين عن الخطيئة لسنة اختبار قبل أن يسمحوا لهم بأن يغطّسوا نفوسهم في حوض الذين نالوا التنشئة. وكانت رائحة الشيعة تفوح من جماعة قمران فيُبعد الخاطئون وفئات أخرى. أما عند يوحنا فلا أثر لهذا (رج لو 3: 10- 14؛ مت 3: 9 وز)
أخيراً، كان عماد يوحنا يعطى مرة واحدة. فهو أكثر من رجاء ونداء إلى الأمل، انه الاستعداد الأخير لمجىء المسيح. وهذا ما يميّزه عن كشف "عماد" آخر. ليس عماد يوحنا تطهيراً منتظماً من أجل تجديد الحياة. إنه يتخذ معنى تنشئة واستعداد مباشر "لمسيح" سيعمّد في النار وفي الروح القدس.
هل نفسّر في هذا المعنى عبارة "من أجل غفران الخطايا"؟ اذا عدنا إلى لوقا رأينا أننا حقاً (في هذا المكان كما في لو وأع) أمام عطيّة الغفران، عطية يعدّ لها الدرب العمادُ اليوحنّاوي. ولكن قد لا يكون فكر مرقس محصوراً ومحدّداً مثل فكر لوقا: ففي النظرة اليهودية نفسها، يتوجّه ارتداد القلب الذي يدّل عليه الاقرار بالخطايا، إلى الغفران الإلهي كعطية حاضرة منذ الآن. عْير أن مرقس عرف ايضاً النبوءات (إر 31: 24؛ حز 36: 25) التي احتفظت بوفرة الغفران المنقّي للحقبة المسيحانية التي بدأها يوحنا المعمدان. كما تحدّث عن رسالة يوحنا على أنها بداية "تتمة الزمن" (15:1).
ج- يوحنا والجموع (آ 5)
"وكانوا يخرجون إليه أن جميع بلاد اليهودية وأورشليم فيعتمدون في نهر الاردن، معترفين بخطاياهم".
لا نعود إلى الشقّ الثاني من هذه الآية التي تدلّ على العماد الذي يمنحه يوحنا، فيرافقه أو يسبقه غفران الخطايا. يكفي أن نلاحظ النجاج الذي تنسبه بداية هذه الآية إلى عماد يوحنا، فيدّل على علوّ شأن السابق. ورغم الطابع "المضخّم" لهذه الآية (تحرّكت كل اليهودية وكل سكان أورشليم)، تتأكد معطية مرقس عن هذا النجاح وهذه المهابة بما نقرأ عند يوسيفوس وفي وثائق العهد الجديد. والإشارة الخاصة إلى أهل اورشليم قريبة مما نقرأ في يو 1: 19 حيث قيل: أرسل اليهود من اورشليم كهنة ولاويين ليسألوا يوحنا.
بيد أن مرقس لم يرد في أربع أو خمس جمل أن يورد سيرة يوحنا التي يفترض أن قرَّاءه يعرفونها. فهدفه كما يشير إليه الايرادان النبويان في البداية (مع أن مرقس لا يعود مراراً إلى الأسفار المقدّسة)، هو أن يرينا في رسالة المعمدان، عناية الله التي دشّنت المرحلة الاخيرة في مخطّط الله الخلاصي. في هذا السياق نفهم أهمية ذكر اليهودية بشكل احتفالي، واورشليم عاصمة العالم اليهودي. مع العلم أن هناك إشارة ضمنية إلى أورشليم في ملا 3: 4، وإلى الخبر السعيد الذي يوجّهه أش 40: 9- 10 إلى أورشليم ومدن يهوذا. لقد بدأت المغامرة الاسكاتولوجية الكبرى: يبقى ان نعرف هل سيتعرّف شعب الله الى "المسيح وابن الله" (آ 1) في ذاك الذي هو "أقوى" (آ 7) والذي مهدّ له الطريق يوحنا المعمدان.
د- حياة المعمدان (آ 6)
"وكان يوحنا يلبس ثوباً من وبر الجمال، وعلى وسطه حزام من جلد، ويقتات من الجراد والعسل البرّي".
هناك مخطوطان يتحدّثان عن "جلد الجمال"، لا عن "وبر الجمال". نحن هنا أمام تقارب مع زك 13: 4 (يتكلّم عن وبر الجمال). ويرى بعض الشرّاح ان عبارة "وعلى وسطه حزام من جلد" قد وضعت هنا بتأثير مت 3: 4. وهكذا نكون أمام تلميح إلى لباس إيليا كما في 2 مل 1: 8: "رجل عليه عباءة من شعر، وعلى وسطه حزام من جلد".
إن تصوير يوحنا على أنه إيليا الجديد يأتي مكانه بعد إيراد ملاخي في آ 2. ومهما يكن من أمر، يبدو يوحنا هنا على أنه نبي. أما طعامه فليس طعام النسّاك بقدر ما هو طعام الناس القاطنين في البرية. فهذا الرجل الذي يعلن في البرية معمودية التوبة، هو نبي. إذن يجب أن نسمع له بانتباه حين يعلن (في آ 7-8) مجيء "الاقوى": إنه يتكلّم باسم الله.

3- يوحنا المعمدان ومجيء المسيح (آ 7-8)
"وكان يبشر فيقول: يجيء يعدي من هو أقوى مني، من لا أحسب نفسي أهلاً لأن انحني وأحلّ رباط حذائه. انا عمّدتكم بالماء، أما هو فيعّمدكم بالروح القدس".
وهكذا نصل إلى ذروة القطعة التي ندرس. هنا بدأ المعمدان يتكلّم ودلّ (دون أن يسمّي) على ذاك الذي سبقه يوحنا ويهيّىء له الدرب.
إن "مجيء" الاقوى يلمّح إلى نص أش 40: 10 الذي هو قريب جداً من النصّ الذي يورده مرقس (1: 4): "ها هو الرب يجيء بقوة، وذراعه تسود". كان يوحنا قوياً بقوة الله. وكان نبياً أوكل إليه ان يعدّ اعداداً مباشراً شعب الله لمجيء الرب. ولكن كم هو أقوى منه ذاك الذي يأتي بعده! والتعارض قوي بين الاثنين كما تدلّ عليه الآية اللاحقة. فيوحنا أمام هذا القوي، لا يتجاسر ان يقابل نفسه بعبد يُجبر على الانحناء ليحلّ سير حذاء سيّده.
ويعود هذا التعارض مراراً بين يوحنا ويسوع، وبطريقة ملّحة في العهد الجديد (رج مت 3: 11؛ لو 3: 16؛ يو 1: 15، 27، 30؛ 3: 30؛ أع 13: 25). وعلى هذا التعارض بنى لوقا انجيل الطفولة. أما مرقس فابرز هذا التعارض حين أغفل كل كرازة المعمدان الاخلاقية (رج مت 7:3-10؛ لو 7:3-14).
يرى الازائيون أن تفوّق المسيح يتركّز في تفوقّ معموديته: يوحنا يطهّر بالماء، ويسوع يعمّد بالروح القدس، وهكذا يدلّ على انه الأقوى. غير ان مرقس يختلف عن متى ولوقا ويقترب من يوحنا (1: 33) وأعمال الرسل (1: 5؛ 11: 16) في أنه يتجاهل أو يلغي الاشارة إلى النار بعد الاشارة إلى الروح القدس. كما يلغي المقابلة مع الفلاّح الذي ينقّي بيدره ويحرق التبن في نار لا تطفأ (مت 3: 12؛ لو 3: 17)
إن اعلان يوحنا عن عماد في النار (وهذا يعني العقاب الهائل الذي ينتظر الخطأة) يتوافق مع تيار من تيارات الاسكاتولوجيا اليهودية (رج عا 7: 4؛ أش 31: 9؛ 66: 15؛ صف 1: 18؛ ملا 3: 2، 19). كما يتوافق مع دهشة يوحنا القريبة أمام اسلوب يسوع في الدلالة على نفسه بأنه المسيح (مت 11: 2-6؛ لو 7: 18-23). فإعلانه عن معمودية في الروح القدس يحمل المعنى عينه ويتناسق مع النبوءات التي تشير إلى "النسمة" او "روح" الله الموقّر الذي يشبه النار الآكلة (أش 30: 27- 28، 40: 7، 24؛ حك 5: 23). إذن، ينعكس فكر يوحنا الاصيل في متّى ولوقا: فمعموديته تنقّي النفوس الطيبة. ومعمودية الأقوى تحدّد مصير كل البشر وتدشّن ملكوت الله. وبين الاثنين، هناك مسافة بعيدة كتلك التي تفصل الماء عن الروح الالهي، والنار عن قدرة الله وغضبه (كما نراهما عند "المسيح" في نظر يوحنا).
أما مرقس فعارض بين طقس يوحنا الاستعدادي وإقامة الملكوت بواسطة نشاط يسوع. وأبعد الموازاة بين المعموديتين عن سياق الانتقام النهائي. وهكذا أعطى "العماد بالروح القدس" معنى إيجابياً وبيبلياً (رج أش 32: 15- 16؛ 44: 3- 4؛ حز 36: 25 ي؛ 39: 29؛ يو 3: 1- 2)، معنى التجديد الداخلي والولادة الثانية. واذ فعل مرقس هذا، شدّد على وجهة حقيقية من كرازة يوحنا حيث تقابل الدينونة الاخيرة (كما في قاعدة قمران) بصورتين ممزوجتين: صورة تنقية المعادن في البوتقة. صورة الغسل المطهّر بروح القدس.
إنطلق مرقس من العماد اليوحناوي فوصل بنا إلى العماد المسيحي. الشكل الخارجي هو هو: تغطيس في الماء. ولكن المفعول الباطني يختلف اختلاف فعل بشري عن فعل من هو المسيح وابن الله.

خاتمة
وهكذا نستطيع ان نفهم فهماً افضل كيف أن رسالة يوحنا (بحسب مرقس) تشكل بداية هذه البشرى، هذا الخبر السعيد، الذي ينحصر اعلانه الأول في يسوع (1: 17). كل شيء يستنير إذا فهمنا أن الانجيل هو حدث قبل أن يكون تعليماً. ومرقس لا يهتّم بالمعمدان إلا من زاويتين: عبره يحقّق الله مواعيده (آ 2- 3). ثم إن اعلان يوحنا يعني يسوع الاقوى (بقوة الله) الذي يعمّد في الروح القدس (أي: في قدرة الله ايضاً) (آ 6-8). من هذا القبيل، صارت رسالة يسوع جزءاً لا يتجزّأ من الحدث الاسكاتولوجي الذي يتثبّت في اعلان يسوع جما الجليل، وتلاميذه في العالم. 
ينطلق مرقس من حاضر زمانه في بداية هذا التاريخ الذي فيه يتدخّل الله ليقيم ملكوته. وقبل ان يظهر يسوع، فها هو انجيل يسوع المسيح. ليس فقط لأن يسوع اعلنه بل لأن زمن الخلاص تدشّن مع كرازته.
كان يوحنا آخر "أنبياء" العهد القديم، فكان مرسلاً "أمام وجه" الرب (آ 2). وجاء بعده من هو أقوى منه (آ 7). وفي هذا المعنى "الصغير في ملكوت السماوات" (مت 11: 11). ولكن فخره قام في أنه كتب مقدّمة انجيل يسوع المسيح وابن الله. لهذا "لم يقم في مواليد النساء من هو أعظم من يوحنا المعمدان" (مت 11: 11).

 

 

 

الفصل السابع
عماد المسيح
1: 6- 11

جاء يسوع من الناصرة في الجليل، فعمّده يوحنا في الاردن. سجّل مرقس ولوقا الحدث من دون تفسير. أما متّى فأورد حواراً بين الرجلين يدلّ على "انزعاج" الكنيسة الأولى أمام هذا العماد الذي يطلبه "الأقوى" من ذاك الذي لا يستحقّ ان يحلّ له سير حذائه. ونكتشف هذا "الانزعاج" عند متّى لأنه اختلف عن مرقس ولوقا فلم يحدّد أن عماد يوحنا هو فقط لغفران الخطايا.
تحدّث متّى عن اجتياح الانجيل عبر هذا العماد الخفي لابن الله. أما نصّ مرقس فترك القارىء امام صدمة السّر. ولوقا راح أبعد من مرقس، فأورد عماد يسوع عبر اسم فاعل بسيط: "وحدث حين كان كل الشعب يعتمد، أن يسوع "معتمدٌ" أيضاً صلىّ فانفتحت السماوات" (لو 3: 2). 

1- التقليد السابق للازائيين
أ- اعلان يوحنا المعمدان
كان يوحنا يكرز ويعمّد. وحسب "المعين" العتيق الذي استعمله متّى ولوقا، أعلن قرب حلول الدينونة الاسكاتولوجية: الغضب الآتي الذي يحلّ بالخطأة. إذن هذا العماد هو مرحلة تسبق إقامة الملكوت من أجل الأبرار. لهذا بدت ضرورة التوبة والارتداد. وكان الجواب على هذا التعليم يتّخذ شكلاً ملموساً في تقبل العماد: يغطّس الانسان بحضور يوحنا في ماء الاردن، على مثال الاستحمام الطقسي الذي عرفه اليهود في ذاك الزمان.
هذا العماد يشهد بصورة علنية على إرادة الانسان بالتطهير الداخلي انتظاراً لمجيء الرب. في هذا الإطار يدخل التصريح الذي نقرأه عند مرقس ولوقا حيث السابق يجعلنا نستشفّ المسيح الآتي، كرامته السامية، ونشاطه العمادي الخاص: "يأتي بعدي من هو أقوى مني. أنا عمدتكم بالماء، أما هو فيعمّدكم بالروح القدس" (مر 1: 7؛ لو 3: 16).
"يأتي". هذا هو آخر مرسلي الله. هو "أقوى" من يوحنا المعمدان، ولا مقارنة. فهو يعمل في الروح القدس. أي حسب العقلية البيبلية المعروفة، "يتصرف" بقوة الله نفسه. فاللفظة "اسخيروتيروس" (أقوى، اسخيروس، قوي) تستعمل هنا ولا تستعمل مع المعجزات (ديناميس). فنجدها في الحديث عن حرب يسوع ضد الشيطان ومملكته (مت 12: 29 وز). يسوع هو الاقوى وهو يطرد الشياطين بروح الله: تلك هي علامة مجيء ملكوت الله.
إن عماد يسوع يتجاوز عماد يوحنا. هكذا يتجاوز عمل الله عمل الإنسان. هكذا يتجاوز الروح القدس كل عنصر مادي كالماء مثلاً.
ونجد صورة عن سموّ كرامة يسوع وتفوّق شخصه المطلق في مثل شعبي. فالسابق بالنسبة إليه لا يستحقّ أن يعمل ما يعمله العبد تجاه سيده: لا يستحقّ أن يحلّ سير نعليه.
"هو يعمّد". عند متّى ولوقا (إطار إسكاتولوجي أولاني) تستعمل هذه اللفظة استعارة ومجازاً. نحن ننتقل من شخص إلى شخص. فالآتي يمارس نشاطاً يشبه بعض الشيء نشاط السابق. اللفظة هي هي: تغطيس. تغطيس في الماء مع يوحنا المعمدان. تغطيس في الموت والقيامة مع المسيح.
كما أن العماد (الاستحمام) ينفي الجسد، ينزع الأوساخ المادية، هكذا يأتي المسيح وينقّي شعب الله. ينزع منه الاوساخ الادبية. وبشكل عملي يزيل الخطأة ويفنيهم في نار لا تطفأ. وبكلمة أخرى، هو يحقّق الدينونة الاسكاتولوجية التي يتحدّث عنها سياق النصّ الذي لا يشدّد على "يعمّد"، بل على الكلمات التالية.
هو يعمل "بالروح القدس"، بالقوة المقدسة التي تُمنح له (رج أش 11: 2- 4). وفي هذا، سيكون فاعلاً بطريقة تختلف عن طريقة السابق مع طقسه الرمزي البسيط: "أنا أعمّدكم بالماء".
"وبالنار". قال مر 1: 8: "هو يعمّدكم بالروح القدس" ولم يذكر "النار" كما فعل متّى (2: 1) ولوقا (3: 16). إن تصريح يوحنا المعمدان قد تضمّن هذه اللفظة. فتذكّر النار يعود مرتين أيضاً في السياق المباشر (في متّى ولوقا): هناك نار تحرق التبن بعد أن ينقّي "المسيح" بيدره ويجمع القمح في مخزنه (مت 3: 12؛ رج لو 3: 17). هناك نار تحرق كل شجرة لا تثمر ثمراً صالحاً (مت 3: 10؛ لو 3: 9). صور تتلاقى وهي تعود إلى الأنبياء (ملا 3: 2: مثل نار الممحّص؛ زك 13: 9: أدخل هذا الثلث في النار واصهره صهر الفضة) فتدلّ على العقاب الكامل الذي يزيل في نهاية العالم الخطأة الذين يرفضون أن يتوبوا. "العماد بالروح والنار" قد يعني في هذا الإطار القديم "دينونة تدلّ على قدرة الله وعقابه". أجل، تدلّ النار على عمل الله الذي ينقّي (1 بط 1: 7).
وهكذا لا يعلن يوحنا المعمدان بشكل مباشر معمودية المسيح ولا معمودية المسيحي (هذه النظرة ستعود فيما بعد). فما يعلنه في معنى أول هو مقابلة بين عماده الخاص الذي هو طقس مادي ورمزي محض، والدينونة الرهيبة التي تأتي فينفّذها بكل قدرته المسيح الآتي قريباً.
إن التعارض بين "عماد الماء" و "عماد الروح" الذي نقرأه هنا (مت، لو) في إطار مسيحي أصيل يعلن موضوعاً تقليدياً جدّاً. نحن نجده في عدة مقاطع من العهد الجديد في قرائن مختلفة مع تطبيقات متنوعة. في مت 3: 11 (أعمّدكم بالماء للتوبة، هو يعمّدكم بالروح والنار)؛ مر 1: 8 (أنا اعمدكم بالماء، هو يعمّدكم بالروح القدس)؛ لو 3: 16 (كما في متّى)؛ يو 1: 26-33 (أنا أعمد بالماء وبينكم من لا تعرفونه... هو سيعمّد بالروح القدس)؛ أع 1: 5 (يوحنا عمّد بالماء أما أنتم فتتعمّدون بالروح القدس، رج 11: 16).
في الأناجيل ترد العبارة في فم يوحنا، أما سفر الأعمال فيجعلها في فم يسمع، وإذ يدلّ العماد بالروح عند متّى ولوقا على الدينونة الاسكاتولوجية، فهو يعني في مرقس ويوحنا الطقس الاسراري كما نراه في العماد المسيحي. وفي أع هو يعني فيض الروح القدس بشكل مباشر لا أسراري. هذا ما نفهمه من أع 1: 5 مع وعد يسوع لتلاميذه، و11: 16 مع ارتداد كورنيليوس القائد الروماني. عماد الروح في سفر الأعمال هو عنصر جوهري في تتمة النبوءات (أع 1: 8؛ 2: 33). يدلّ على عطية الروح ومجيئه وقبوله. مع توسّع الكنيسة، صار لعماد الماء معنى آخر: العماد باسم يسوع (أع 2: 38؛ 8: 16؛ 19: 15). ودعاء الاسم وعطية الروح التي تلي المعمودية (2: 38؛ 8: 15؛ 17؛ 9: 17؛ 19: 6) أو تسبقها (أع 10: 44-48) تميّز العماد المسيحي وتفصله عن عماد يوحنا. هذا ما فنجده في حدث التلاميذ الذين تعمّدوا في أفسس على يد بولس (أع 19: 5).
وهكذا نرى أن موضوع عماد الماء وعماد الروح قد استعمل بحرية تامة في أسفار العهد الجديد. ونذكر ما في قمران. إنتظر الاسيانيون "عماداً" اسكاتولوجيا، عماد روح النقاوة والحقّ والقداسة. هو عماد يتعارض مع الاستحمامات الطقسية اليومية. ونتذكّر ايضاً أن رمز الماء والروح يجد جذوره في العهد القديم منذ تك 1: 2. ولكننا لا نتوقّف عنده.
ب- عماد المسيح
في الأصل صوّر الخبر المشهد بشكل بسيط جداً وفي مرحلتين. الأولى: تقدّم يسوع وجاء الى السابق فقبل منه الطقس العمادي. الثانية: التيوفانيا أو ظهور الله. وهي تتضمن حلول الروح القدس على يسوع. كلمات وجهها الآب إلى ابنه. ويبدو أن مرقس هو الذي احتفظ بالمضمون الاولاني للمعطى التقليدي.
اولاً: مبادرة يسوع
يروى الازائيون الثلاثة أن كرازة يوحنا جمعت شعباً كبيراً. وكثر عدد اليهود الذين كانوا يتقدّمون من العماد لديه. وجاء يسوع أيضاً فتقبّل هذا الطقس الذي يعلن الزمن الاسكاتولوجي. بعد هذا، سنرى يسوع مراراً يبينّ تواصل رسالته مع رسالة السابق. في مت 4: 12: "وسمع يسوع باعتقال يوحنا، فرجع الى الجليل" (رج مر 1: 14). في مت 11: 11 ي: "ما ظهر أعظم من يوحنا.. ولكن اصغر الذين في ملكوت الله..." (رج لو 7: 28). في مت 17: 12-13 وز؛ 21: 25 ي.
وسوف ترى التقوى المسيحية فيما بعد في فعلة يسوع الآتي إلى "عماد التوبة" تضامن يسوع مع الخطأة. إن النصوصْ التي بين أيدينا لا تفصح عن نوايا يسوع في ذلك الوقت. إنها تورد مبادرته في بضع كلمات. وهذه المبادرة تُذكر بالنظر إلى التيوفانيا التي ستعطيها حالاً بُعداً مختلفاً كل الاختلاف. تعطيها معنى جديداَ بالنسبة إلى أي عماد أعطي حتى ذلك الوقت، وبشكل مطلق.
ثانياً: التيوفانيا
حصلت التيوفانيا حين "صعد يسوع من الماء" (مت- مر). قد تستلهم هذه العبارة يش 3: 19: "صعد الشعب من الاردن". وذلك قبل الدخول إلى أرض الموعد (وهو حدث يوازي بشكل واضح عبور البحر الأحمر، رج يش 4: 23). جاء المسيح إلى الاردن (مت- مر) فتقبّل الروح القدس واعلن ابن الله، فظهر أنه الممثل الحقيقي لشعب الله. بعد هذا الحدث ستأتي تجربة يسوع التي تُروى في خلفية تجارب شعب اسرائيل في البرية.
ان نصوص مرقس (1: 12- 13) ومتّى (3: 21- 22) تحتفظ بسمات خاصة بالاسلوب الجلياني (كما في سفر الرؤيا). هذا يعني أنها تعود إلى سرد أولاني للحدث: انفتاح السماوات، نزول الروح بشكل ملموس، "الرؤية" التي رآها يسوع، سماع الصوت الالهي، عودة إلى لغة محفوظة للاتصالات السماوّية. فالتيوفانيا في مضمونها ترتبط بهذا النوع من المشاهد، مشاهد الوحي التي تسعى لأن تكتشف بشكل احتفالي مخطّط الله السرّي حول تحقيق الخلاص في نهاية الازمنة. ويتضمّن هذا الفن الادبي عادة وجهة "خيالية" وموقفاً "مسرحياً" متفقاً عليه، وهو يحاول أن يمثّل بشكل "ملموس" وجهة متعالية من التدّخل الإلهي..
إذا عدنا إلى الشكل الأصلي للخبر، نرى أن هذا الوحي (الكشف) توجّه إلى يسوع شخصياً: هو الذي رأى السماوات تنفتح والروح ينزل عليه (مت- مر). هو الذي ناداه صوت الآب: أنت ابني الحبيب (مر- لو).
(1) مجيء الروح
إن مجيء الروح بشكل حمامة لم يلق تفسيره لدى الشرّاح. فلا نجد في أي مكان من التوراة أن الحمامة ترمز إلى الروح القدس. إلا أن هناك بعض النصوص الرابانية التي تتمثل بشكل حمامة (مثل تك 8: 8-12 وحمامة مياه الطوفان) الروح (تك 1: 2) يرفّ على مياه الخلق. وفي التقليد الانجيلي، نحن أمام خلق من نوع آخر. أمام خليقة جديدة تبدأ مع يسوع، بكر جميع الخلائق.
إن الروح يعني للنفوس التي تغذّت بالكتاب المقدس، حضور الله نفسه الذي يجتاح مختاره فيملأه قوة وحكمة، ويغمره بالعطايا العلوية التي تهيئه لرسالة مهمة جداً. ففي خط أش 42: 1 (نجده لا خلفية النصّ الذي ندرس) وأش 61: 1 (يرد في لو 4: 18 مع عودة الى العماد. على ما يبدو)، يرى يسوع حلول الروح عليه، وعون الله القدير الذي يرسله يعلن البشارة ويفيض علامات الخلاص. إن يسوع يتقبّل بشكل احتفالي مهمته، يتولّى وظيفته المسيحانية. بهذه الطريقة السامية هو "الأقوى" الذي أعلنه المعمدان، وسينتصر على الشيطان في "حدث" التجارب فيكون عمله مقدّمة لإقامة ملكوت الله.
(2) القول السماوي
مت 17:3 مر 1: 11 لو 22:3
وإذا صوت من السماء وصوت من السماء وصوت (سمع) من السماء
يقول:
هذا هو ابني انت ابني انت ابني
الحبيب الحبيب
به سررت بك سررت انا اليوم
ولدتك
يتضمّن القول الآتي من السماء بعض الاختلافات من انجيلي إلى آخر: استعمل مرقس ولوقا صيغة المخاطب (أنت). ولجأ متّى إلى صيغة الغائب (هذا هو). كان نصّ متّى ومرقس قريباً من أش 42: 1. أما لوقا (حسب أفضلى الشهود) فأورد مز 2: 7. ثم إن هذا القول سيُستعمل مرة أخرى بشكل شبه مقولب في "حدث" التجلّي. إن هذه الاشارات تدفعنا إلى الإعتقاد أن هذا القول يستعيد لا كلمات الله كما سمعها الناس، بل عبارة ترتبط بأول تفكير مسيحي (مع عودة منظمة إلى التوراة) فتعبرّ عن مضمون رأت فيه الكنيسة الاولى تدخلاً لله ساعة دخول يسوع على مسرح حياته العلنية.
إذا عدنا إلى الشكل الأساسي المعقول (انت ابني الحبيب، بك سررت، مرقس) نجد أن هذا القول يدمج ثلاثة نصوص من العهد القديم. أولا، أش 42: 1 الذي هو بداية أول نشيد من أناشيد عبد يهوه الاربعة. في هذا المقطع يدلّ الله على عبده: إنه ذاك الذي اختاره بمحبّة، ذاك الذي سرّ به، ذاك الذي منحه روحه لكي يحمل إلى جميع الناس بشرى الخلاص. وهذه العودة إلى المقطع الأشعيائي في المقطوعة الإنجيلية، يدلّ منذ بداية حياة يسوع العلنية على برنامج مسيحي خاص سوف يفرض نفسه بحسب مخطّط الله الذي اعلنته الكتب: سيكون يسوع "المسيح". ولكنه سيكونه كعبد الله المتألم (لا المجيد المنتصر خصوصاً على المستوى المادي). نجد هنا بداية التصريح في هذا البرنامج. مع تشديد على رضى الله وسروره ومحبته، التي يعطيها الله لعبده حين يسلّمه هذه المهمة.
النصّ الثاني الذي يذكره هذا القول الالهي (انت ابني الحبيب) يعود إلى مز 2 الذي هو مزمور ملكي فسّره التقليد اليهودي في معنى مسيحاني. وان آ 7 تعلن عبارة تبنٍ ملوكي: فيوم يتولّى المسيح الملك يولّيه الله في وظيفته ويجعله ممثلاً له، يعلن أنه جعله ابنه (انت ابني، أنا اليوم ولدتك، تبنّيتك). وهكذا يعبرّ الله عن حبه "لمسيحه". عن قدرته التي يمنحه إياها، عن العون الذي يكفله له. حين طبّقت هذه الآية على عماد يسوع، إمحت المسحة الملوكية. ولكننا حقاً أمام تولية التكريس من أجل مهمة سامية مع توصية إلهية، وتولية مسيحانية (في معنى عام: مهمة خلاص). إنضم هذا النصّ إلى أش 42: 1، فانتقلت الجملة إلى صيغة المخاطب وصارت اللهجة حميمة وعطوفة. وحلّ لقب ابن الله محلّ لقب عبد الله. جعل في إطار احتفالي وفي وقت رئيسي من حياة يسوع. مثل هذا اللقب يتضمّن سراً. منذ الآن هو يعبرّ عن علاقة فريدة وحميمة بين يسوع والله أبيه.
وهناك نصّ ثالث يترك تأثيره على القول الالهي: تك 22: 2، 12، 16 (حسب السبعينية) حيث يعلن الله ثلاث مرات تسمية "الابن الحبيب" (خذ ابنك وحيدك، يقول الرب لابراهيم). قد تبدو العبارة طبيعية ونحن نجدها في إر 38 (31 حسب اليونانية): 20. ولكننا لا نشكّ بعودة هذا النصّ إلى تك 22. فالله طلب من ابراهيم أن "يذبح" له ابنه. وإذ أراد أن يدل على عظم الذبيحة التي طلبها فقبل بها ابراهيم، شدّد النصّ على حبّ ابراهيم وحنانه تجاه ابنه الحبيب، تجاه وحيده. في عماد يسوع، تبقى النظرة إلى الذبيحة في الظلّ. وهنا نرى أن تك 22 يشدّد، شأنه شأن أش 42: 1 ومز 2: 7 على تعلّق الآب بابنه الحبيب، على محبته له (رج مر 12: 6؛ لو 13:20)
إذن، يبدو أننا نفهم الحدث على المستوى قبل الازائي، على أنه مشهد تولية او تكريس مسيحاني. مشهد تولية مع تشديد على حضور (الحميم والقدير) الله مع يسوع من أجل هذه المهمة: إمتلأ يسوع من الروح القدس. هو ابن الله بشكل مميّز. وفي عمل الخلاص الذي سيقوم به، إنطبع بعلاقة وثيقة توحّده بالله (بالروح، بالآب). انه ينتمي إلى نظام علوي، سماوي.
مسيح، ابن الله، علاقة مع الروح القدس. مثل هذه النظرة إلى شخص يسوع تستبق المعرفة التي وصل إليها الرسل بعد القيامة والعنصرة. ولذا، فهذه المعرفة اللاحقة قد أثرت على تفسير حدث العماد في الكنيسة الأولى. ومشهد التجلي الذي "روي" على ضوء القيامة، يتصل اتصالاً واضحاً بحدث العماد. نحن هنا أيضاً أمام مشهد وحي وجِّه إلى شهود مختارين. تدخل فيه الآب كما في العماد فدّل على أن يسوع هو المسيح الخادم، النبي والابن الحبيب الذي نسمع له. وجاء إعلان الآب في منعطف خطيرة رسالة يسوع العلنية، ساعة بدأ انتباه التلاميذ يتوجّه إلى آلام 

2- نص مرقس
إحتفظ متّى بالمعنى الاولاني للحدث، ولكنه أعطاه وجهة ظهور علني، وبيّن فيه أساس العماد المسيحي. وخفّف لوقا الطابع الجلياني للمشهد. إنه المؤرخ وانجيلي الصلاة. أرانا المسيح يتقبّل العماد وهو في موقف صلاة. كما شدّد على تكريس يسوع كمسيح وابن الله. هو لا يلمّح إلى العماد المسيحي، بل يبرز واقع بنوّة المسيح: أنت إبني، أنا اليوم ولدتك. فما هو موقف مرقس؟
أ- كرازة يوحنا المعمدان
أوجز مرقس بشكل واضح المعلومات التي أوردها التقليد حول المعلم السابق. وقد ألغى بشكل خاص ما قاله يوحنا المعمدان عن الدينونة الاسكاتولوجية القريبة. فأول مشهد مهّم في انجيله هو عماد المسيح. وما يحتفظ به عن المعمدان يتوخّى أن "يهيّىء" هذا المشهد الذي يدشن حياة يسوع. وإن اعلان كرازة يوحنا يتلخّص في جملتين: أعلن ذاك الآتي، القدير، الاقوى. أعلن عماداً خاصاً به وهو غير عماد يسوع المسيح.
"أعلن يوحنا في كرازته: يأتي بعدي من هو أقوى مني. لست أهلاً أن انحني لدى قدميه وأحلّ سير نعليه. أنا عمدتكم بالماء، أما هو فيعمّدكم بالروح القدس" (آ 6 ب- 8).
إن الجملة الاولى تجعلنا نحس مسبقاً بالمسيح القريب: "يأتي (حالاً) بعدي". هو يتبعني بصورة مباشرة، وصورة العبد لدى قدميّ سيده ترافقها إشارة بسيطة (أنحني) تدلّ على اسلوب مرقس ولا تبدّل المعنى في شيء.
أما الجملة الثانية التي تستعيد (لإيجاز) التعارض التقليدي بين عماد الماء وعماد الروح، فهي تحوّل معناه تحوّلاً واضحاً. هي تلغي كل ذكر للنار. ويتخلى الإطار عن كل تلميح إلى الدينونة الاسكاتولوجية. مثل هذا الإلغاء المنظّم، يفرض علينا أن نفهم التعارض كما يبرز أمامنا بمعزل عن قرائنه الاصلية. نفهمه فقط على أساس ما استطاع أن يعرفه سامعو يوحنا المعمدان.
لم يكن سامعوه يجهلون النبوءة عن المسيح الذي يحمل الروح (أش 11: 1-3؛ 42: 1؛ 61: 1)، ولا أقوال الانبياء الذين يعدون بفيض الروح كقوة من العلاء تنتشر في الأزمنة المسيحانية من أجل تجديد شعب الله تجديداً خلقياً وروحياً (أش 32: 15- 16؛ 44: 3- 4؛ 59: 21؛ حز 11: 19؛ 36: 25-29). ولكن حتى الآن، لم نجد ما يقول إن هذا الفيض سيكون عطية المسيح نفسه. فإعلان السابق أقام هذه العلاقة (سيتوسّع فيها الانجيل الرابع): فالمسيح الآتي قريباً هو الذي يفيض الروح القدس.
واذا حرمنا كلمات المعمدان من قرائنها الأولى، نرى ان لفظة "عمّد" تفهم بطريقة طبيعية في المعنى عينه داخل عنصري التعارض (عماد بالماء، عماد بالروح). نحن نعارض هنا بين طقس وطقس: طقس قديم، إعدادي، منقي. طقس جديد، نهائي، مقدِّس. لا الواقع، حين يتكلّم الانجيلي هنا عن العماد في الروح دون تحديد آخر، فهو يفكر في العماد المسيحي الذي هو طقس أسراري يعرفة قرّاءه أفضل معرفة. وما يعد به السابق هو نشاط المسيح الذي (في العماد المسيحي) يفيض الروح القدس، فيحقّق (بشكل ملموس) النبوءات القديمة حول فيض روح القداسة في نهاية الأزمنة.
وبمختصر الكلام إن كرازة يوحنا المعمدان كما يقدّمها مرقس تعلن ما يلي:
أولاً: مجيء قريبٌ للمسيح الذي ينعم بقدرة الله والذي هو أقوى من يوحنا المعمدان. هذا ما يقوله التقليد المشترك.
ثانياً: فيض الروح القدس بواسطة المسيح في نهاية العالم، وذلك بواسطة العماد المسيحي: هذه نظرة خاصة بمرقس.
ب- عماد المسيح
حين روى مرقس خبر العماد، ظلّ (كما قلنا) أقرب الازائيين إلى التقليد الاولاني فيما يخصّ التعبير عن الحدث واللاهوت.
"وحصل في تلك الأيام أن يسوع جاء من ناصرة الجليل واعتمد على يد يوحنا في الاردن، وفي الحالة، عند صعوده من الماء، أبصر السماوات تنشقّ والروح القدس ينزل عليه كحمامة. وكان صوت من السماء: أنت إبني الحبيب، بك سررت" (آ 9- 11).
اولاً: مبادرة يسوع
"وحصل في تلك الايام". عبارة لم نتعوّد عليها عند مرقس. هذا المطلع المقولب الذي لم يصحّحه الانجيلي، يدّل على بداية "وحدة أدبية" كانت في الاصل مستقلة: فللخبر أصل آخر غير الخبر السابق الذي دلّ يوضوح على طقس يوحنا "كعماد توبة لمغفرة الخطايا". أخذ هذا التعبير من العهد القديم فقدّم الأحداث التي تحصل بإرادة الله حسب الأقوال النبوية. 
"جاء يسوع في ناصرة الجليل". أورد مرقس هذه التفاصيل، لأنها المرة الاولى التي فيها يتكلّم عن يسوع. فنحن لم نزل معه في بداية الأنجيل. 
"واعتمد بيد يوحنا في الاردن". واقع دقيق ولكنه موجز. لا تفسير آخر عن عماد يسوع إلا خبر التيوفانيا. إن الجملة تستعيد عمداً ألفاظ آ 5: إن دور يوحنا العمادي يجد هدفه الحقيقي في عماد يسوع.
ثانياً: التيوفانيا
"وفي الحال". هذه اللحمة ترد مراراً عند مرقس. نجدها هنا عند متّى، وهذا يعني أن مرقس قد أخذها من مرجع سابق له. لقد أراد أن يربط "في الحال" قبول يسوع للعماد بالتيوفانيا التي تقدّم مدلوله في مخطّط الله في تاريخ الخلاص.
"أبصر" هذه إشارة أولانية. يسوع هو الشاهد لمجيء الروح. وإليه سيتوجّه صوت الآب. فمن اجله حصلت التيوفانيا.
أبصر يسوع السماء "ممزّقة، مشقوقة" (مفتوحة كما يقول مت ولو). قد تعود هذه الكلمة إلى لغة مرقس المعبرّة والملوَّنة. وقد يكون هناك تلميح إلى أش 63: 19: هي صلاة طويلة ومؤثرة تتوجَّه الى الله، أبي اسرائيل، فتتوسّل اليه (باسم أبوّته) أن يقطع هذا الصمت الطويل وينزل من السماء، نحو شعبه لكي يخلّصه. ونرى الشيء عينه في عماد يسوع، في بداية انجيل مرقس، حيث وضع الله حداً لصمت طويل، فمزّق أخيراً السماوات وبدأ عهد النعمة النهائي بإرسال روحه وبالتعبير عن مسّرته (رضاه) عن ابنه الحبيب الحاضر وسط شعبه.
"وكان صوت". حرفيا: "وصوت". يتخذ العرض شكل سرد سريع. تتوالى الجمل قصيرة سريعة. متلاصقة بكل بساطة وبدون تفنّن. والنتيجة التي نحصل عليها تأخذ بمجامع القلب.
"أنت ابني" نُقل القول بشكله الاولاني كما حلّلناه أعلاه. يكشف لنا الانجيل الثاني الوجه الحميم لهذه البنوّة الالهية في لهجة صلاة المسيح إلى الله: "أبا، أيها الآب" (14: 36). هي عبارة تدلّ على محبة بنوّية وحنان أين منه حنان الطفل مع أمه.
هذا المشهد هو أول مشاهد حياة يسوع حسب مرقس. إنه مشهد تدشيني وتولية مسيحانية: كُرّس يسوع وأرسل من أجل عمل الخلاص بقوة الروح وفي جو بنوي حميم يربطه بالله رباطاً وثيقاً. وفي الوقت عينه، هو أول انفتاح على سّر شخص يسوع. نحن في أول صورة احتفالية عن عنوان انجيل مرقس: بدء انجيل يسوع الذي هو المسيح، الذي هو ابن الله (1:1).

خاتمة
إن معنى عماد يسوع ينكشف في التيوفانيا التي ترافقه. هذا ما لفت انتباه التقليد الانجيلي. وهنا يجب أن يتوقّف تأمّلنا في سر المسيح.
أول مبادرة علنية قام بها يسوع فربطته بآخر الأنبياء وأعظمهم، صارت بشكل احتفالي وبقوة علوية، تكريسه المسيحاني: أعطي قوة الروح القدس، تثبت في وعي تام لحياته الحميمة مع الله واتحاده الفريد مع أبيه. وهكذا تقبّل يسوع بشكل نهائي مهمّة ليقوم بعمل الخلاص حسب مخطّط الله المرسوم في الكتب المقدسة. ومن خلال العمل المسيحاني، ينفتح المشهد على سّر أعمق، هو سّر شخص يسوع المسيح وابن الله. هذا هو المدلول الأساسي الذي نكتشفه في حدث البدايات. وقد تفهمّنا هذا المدلول عبر تذكّرات كتابية في إطار سيناريو جلياني: فتحت السماوات، جاء الروح بشكل منظور، صوت الآب: هذه هي أفضل الأطر التي تعرّفنا بما هو موضوع وحي علوي: رسالة يسوع الخلاصية المؤسّسة على وضعه كابن الله..
روى الانجيليون هذه الخبر على عتبة رسالة المخلّص العلنية، فدلّوا على أنه يجب منذ الآن ان نفهم كل حياة يسوع العلنية في هذا النور الذي يستبق استنارة الفصح والقيامة. ومنذ أول فيض للروح القدس، وأول دخول لابن الله الحاضر وسط البشر، على المسرح، نرى بداية الزمن الاسكاتولوجي وتدشين مجيء الملكوت.
وذكّرتنا تصحيحات تدوينية متعدّدة بالرباط بين عماد المسيح وعماد المسيحي. فبهذا الرباط الضمني إلى عماد يسوع، يكوّننا السرّ المسيحي أبناء الله وحملة روحه.

 

 

الفصل الثامن
وجرب الشيطان يسوع
1: 12-13

قدّمت لنا الأناجيل الإزائية ثلاثة أخبار عن تجارب يسوع. ولكن الذاكرة عندنا مزجت بين عناصر هذه الأخبار: جبل عالٍ، عزلة، الشيطان، ثلاث محن انتصر فيها يسوع في بداية حياته العلنية.
لا بدّ من إكتشاف هذه النصوص الثلاثة في تنوّعها، كما وردت في متّى ومرقس ولوقا، لكي ندرك الهدف الخاص بكل إنجيلي، وكيف جعل الخبر في خدمة هذا الهدف. حينئذ نتساءل: كيف يتحدّد كل "تعليم" في عمل الإنجيلي، وبالنظر إلى مراجعه.

1- قراءة إزائية
يرد خبر تجارب يسوع في متّى (4: 1- 11) ومرقس (12:1- 13) ولوقا (4: 1- 13). وحين نعود إلى الإزائية، يلفت انتباهنا حالاً إيجاز خبر مرقس حتى حدود الإيجاز، وتوسّع متّى ولوقا في خبرين متوازيين. ويلفت انتباهنا أيضاً ترتيب التجربتين الثانية والثالثة في متّى ولوقا. جعل متّى تجربة يسوع في أورشليم (ألقِ بنفسك إلى الأسفل) في الدرجة الثانية، وفي الدرجة الثالثة "أخذه إبليس إلى جبل عالٍ جدّاً". أما لوقا فجعل تجربة أورشليم في الدرجة الثالثة، وهمه أن ينتهي خبر التجارب في أورشليم، كما تنتهي حياة يسوع في المدينة المقدسة. فهناك ستكون التجربة الحقيقية والنهائية (لو 4: 13: فارقه الشيطان إلى حين) التي ستنتهي بانتصار يسوع على الشّر من خلال آلامه وموته وقيامته.
وإذا عدنا إلى التفاصيل، رأينا أن بداية خبر مرقس (آ 12- 13 أ) توافق تقريباً ما نجد في مقدّمة كل من متّى ولوقا (مت 4: 1- 2؛ لو 4: 1 - 2). أما آ 13 ب في مرقس فتوافق بالأحرى خاتمة متّى (4: 11) ولا تجد ما يوازيها عند لوقا.
ندرك في قراءة أولى أن خبر تجارب يسوع يأتي عند الإزائيين الثلاثة، حالاً بعد عماد يسوع والتيوفانيا التي فيها دلّ الصوت السماوي على ابن الله. غير أن لوقا يقحم بين العماد (3: 22) والتجارب (4: 1- 13) سلسلة نسب يسوع (23:3- 38) التي تبدو أصيلة بالنسبة إلى السلسلة التي نقرأها في مت 1: 1 ي (لا يعطي مرقس هذه السلسلة).
وأخيراً، في الأناجيل الثلاثة، يسبق خبرُ التجربة حالاً عودة يسوع إلى الجليل وبداية حياته العلنية.
من الواضح إذن أنه يجب أن نقرأ من جهة متّى ولوقا، ومن جهة ثانية النبذة القصيرة في مرقس. وهكذا نجد نفوسنا أمام برنامج يفرض نفسه: نميّز أقله بشكل مؤقت ما ينتمي إلى مرقس وما يبدو مادة مشتركة بين متّى ولوقا وقد أخذاها من المعين.
الإطار السيروي هو هو. وكذلك الظروف: يرتبط عمل الروح بإقامة تدوم أربعين يوماً في البرّية التي هي موضع التجربة والغلبة. هذا ما شدّد عليه مرقس ومتّى حين تحدّثا عن خدمة الملائكة ليسوع.
والنبذة المرقسية التي تبدو بشكل إطار وحي تتلخّص في ثلاث نقاط: عمل الروح الذي يقود يسوع الى البرية. هناك يخضع للتجربة. ثم يأتي الملائكة فيخدمونه. بساطة في العرض، ولكن التحليل لن يبدو سهلاً.
نحسّ مسبقاً بصعوبة في تجاور موضوعين يمكن أدن يكونا مستقلين: التجربة في البرية والإقامة الهادئة في هذه البرّية عينها: فالابن أقام في هذه البرية مع حيوانات تصالحت معه وملائكة خضعت له. أين التماسك بين هذين الموضوعين؟
قدّم متّى ولوقا التجارب الثلاث في خبر طويل هو صورة عن موضوع مرقس الأولى (آ 13): "كان الشيطان يجرّبه".

2- نبذة مرقس ومسألة المراجع
أراد متّى أن يبيّن في يسوع الابن الأمين، والانسان الخاضع كل الخضوع للكتب المقدسة التي يفهمها. وهكذا يتم دعوة إسرائيل التي خانها الشعب دوماً. وأفهمنا لوقا المدلول اللاهوتي لبنوّة يسوع الإلهية كما ظهرت في خدمته التي انتهت في الآلام. هذان التفسيران يرتبطان بخبر تقليدي عرفه متّى ولوقا. كما أن أخبار متّى ومرقس ولوقا تعود إلى ينبوع مشترك كان في بدايته مدراشاً (درس وتعليق وتأمّل) موجزاً نقله مرقس في شكله القديم وربّما أوجزه.
يفترض البعض أنه كان في يد مرقس مرجع قصير ظلّ أميناً له. أما "المعين" فزاد التجارب الثلاث. ورأى آخرون أن مرقس أوجز خبراً طويلاً تضمّن التجارب الثلاث. وفكّرت فئة ثالثة في تقليد واحد حول تجربة يسوع، وقد وصل إلى الإنجيليين في عدة أشكال قد تكون مستقلّة.
حينئذ تصبح المسألة المطروحة: ما هي علاقة هذه التقاليد مع يسوع نفسه؟ أو: مع المراجع الأولى؟ يقول بولتمان مثلاً إن مرقس أوجز لوحة سطُرية للبرية الفردوسية وأقحم فيها خبر التجربة الشيطانية. ثم تدخّل لوقا ومتّى مع خبر (هاغاده) هجومي على شعب إسرائيل الذي خان ربّه على مدّ تاريخه. أما يسوع فكان أميناً له. أما جاك دوبون فرأى أن الأصل الحقيقي للتقليد يعود ولا شكّ إلى خبرة يسوع كما فسرّها (متّى بشكل خاص) على ضوء العهد القديم. يجب أن نرى في حدث اعتراف بطرس بيسوع (أنت المسيح ابن الله الحي)، وردّ بطرس على يسوع المتحدّث عن آلامه (يجب على ابن الانسان أن يتألم... حاشا لك يا رب، مر 27:8- 33)، مناسبة تفسير للتلاميذ تضمّنت هذا الخبر.
ونعود إلى خبر مرقس. فعنده تبدو الإقامة في البرية بتأثير (عنيف، دفعه) من الروح الموضوع الحقيقي للخبر، وشبه خاتمة لخبر العماد نفسه الذي هو جزء منه. وأيام التجربة الأربعين هي عودة واضحة إلى نمطية خروج شعب إسرائيل. والإشارة إلى خدمة الملائكة تذكّرنا بخبرة نبوية (مثلا، حلقة إيليا) أو برؤية لأزمنة الفردوس حيث تصالحت الخليقة فخضعت من جديد للانسان حسب إرادة الله (خر 28:34؛ 1 مل 19: 5-8). ونذكر في هذا المجال أن لوقا مزج، حين تحدّث عن عودة السبعين من رسالتهم، موضوع الشياطين الخاضعين، موضوع إبليس الساقط من السماء، والسلطان الذي أعطي لهم بأن يدوسوا الحيّات والعقارب (17:10- 20). وكل هذا نجده قبل نصّ فيه يبارك يسوع الابنُ أباه (10: 21- 22).
إن هذه الحيات والعقارب (أو: الأشبال) هي جزء من العالم الاسكاتولوجي التقليدي. سنجده في مز 91 (آ 11- 12) الذي سيستعمله إبليس لكي يحارب به يسوع.
إذن، يبدو لنا أن مرقس حين دمج موضوعَيْ التجربة وخدمة الملائكة في البرية، لم يجعل الواحد مجاوراً للآخر. بل أراد أن يعبرّ عن منطق ووضع قديم لتفكير الكنيسة حول عماد يسوع ونتائجه المباشرة.
نستطيع أن نقرأ هنا 1 كور 10: 1-13 حيث يستعيد بولس في تحريض عمادي، مواضيع تنتمي إلى الكرازة التقليدية: تذكّرُ خروج اسرائيل إلى البرية (و"عماده،) حيث أكلوا كلهم طعاماً روحياً واحداً وشربوا شراباً روحيا واحداً (آ 2- 5). دعوة بأن لا "يصيروا عبدة أوثان كما كان قوم منهم" (آ 7). ويأتي خاصة فعل الأمر: "لا نجرّب الرب... لا تتذمّروا" (آ 9- 10). وفي الخاتمة، يرد تعليم وتحريض عن التجربة: "لم يُصبكم من التجارب إلاّ ما هو بشري (تقدرون عليه كبشر)، فإن الله أمين فلا يدعكم تجرّبون فوق طاقتكم، بل يجعل أيضاً مع التجربة وسيلة للخروج منها وقوة لتحمّلها" (آ 13).
كل هذا يستند إلى يقين يعبرّ عنه بولس في رسالته إلى الكولسيين (2: 14- 15): إن يسوع قد "جرّد الرئاسات والسلاطين وشهّرهم إذ سيرّهم في موكبه الظافر".
وفي الكرازة البولسية نجد مواضيع متماسكة: صليب يسوع كموضع انتصار على قوة الشيطان، العماد المسيحي الذي نفهمه عبر نمطية "عماد" إسرائيل في البرية، تحريض حول التجربة التي ما زال المؤمن خاضعاً لها. ونجد التماسك عينه في مواضيع الأناجيل الإزائية حول الآلام، مع حدث جتسيماني الذي ترافقه تعليمات للتلاميذ حول التجربة والسهر. فالآلام هي نهاية رسالة بدأت في عمادٍ تلته تجاربُ تغلّب يسوع عليها.
إن مخطّط تحريض بولس إلى الكورنثيين يوافق تصميم متّى (الطعام، الشراب ومياه مسّة، تجربة الرب) كما يوافق نبذة مرقس في زمنيها: التجربة، الأمر، النصر. جتسيماني، الصراع، خدمة الملائكة.

3- المحنة في البرّية
نحن هنا في مرقس أمام حدث جديد. يبدأ "وفي الحال" كما في رؤية المعمودية (آ 10). كان المعمدان قد أعلن أن "الأقوى" سيغطّس الناس في الروح القدس. ولكن ها هو الروح القدس يطرد يسوع، "يرميه خارجاً" نحو البرية. هذا الفعل يرد مراراً عند الإزائيين (28 مرة في متّى. 18 في مرقس، 20 في لوقا) ويعني خروج شيطان أو عنصر ليس في محلّه. تفرّد مرقس في استعماله في إطار تجربة يسوع قبل أن يدلّ به على طرد الشياطين (34:1، 39، 43). يرى بعض الكتّاب ان هذه اللفظة تحيلنا إلى نمطية تستلهم سفر التكوين: هناك الرجل والمرأة اللذان "طردا" من جنة عدن ودخلا إلى عالم معادٍ (تك 3: 24)، وهناك يسوع، آدم الجديد. واجه قبضة الشر التي تدلّ عليها الحيوانات المفترسة، وبدأ عودة البشرية إلى الله. ويرى آخرون نمطية سفر الخروج: "طرد" الشعب العبراني من مصر إلى البرية (خر 6: 1؛ 11: 1؛ 33:12) التي اعتبرت أرض التجربة. لقد استعاد يسوع مسيرة شعبه فانتصر حيث اسرائيل سقط في التجربة. وقد نستطيع العودة إلى الطريقة التي بها اقتيد حزقيال إلى اخوته في المنفى (حز 3: 14)، ثم إلى أورشليم (حز 11: 1). حينئذ يكون يسوع ذاك الذي يقوم بالوساطة التي وجب على اسرائيل أن يقوم بها بين الأمم ولم يفعل. قد تكون هذه التذكرات التوراتية وراء نص مرقس فتدلّ على غنى تأمّلِ كنيسة رومة في أحداث حياة معلّمها.
حين نقرأ نصّ مرقس نحسّ كأننا أمام ملخّص. هي نمطية الخروج كما نجد في عد 14: 33- 34: "وبنوكم يكونون رعاة في البرية مدة أربعين سنة، ويتحمّلون عاقبة خيانتكم إلى أن تفنى آخر جثثكم البرية...". وفي تث 7:2: "أربعون سنة كان الرب إلهكم معكم وما أعوزكم شيء" (رج تث 8: 1- 6). وفي مز 8:95- 10: "ولا تقسّوا قلوبكم كما عند مريبة، كما في ذلك اليوم عند مرة في البرية حيث جرّبني آباؤكم وامتحنوني مع أنهم شاهدوا أفعالي. أربعين سنة أبغضت فيها ذلك الجيل وقلت فيهم: هم شعب قلوبهم في ضلال، وهم لا يعرفون طرقي". هذه النمطية قد طبّقت على إيليا (1 مل 8:19) وموسى (خر 18:24؛ 28:34؛ تث 9:9) اللذين عاشا محنة الأربعين يوماً ما عدا الصوم. ورمزية الحيوانات نجدها أيضاً في موضوع دانيال الذي نجّاه ملاك من الأسود (دا 6: 23؛ 14: 36). ونستطيع أن نفكّر في موضوع الخليقة المصالحة كما في أش 6:11- 9 وفي مدراش تك 19:2- 20 الذي يتكلّم عن تجربة ثانية خضع لها أبوانا الأولان وصلّى الملائكة والحيوانات من أجل ثباتهما أمام التجربة. نقرأ في حياة آدم وحواء (نهاية القرن الأول المسيحي. كتاب منحول): حين كانت حواء تطلب المغفرة وسط النمورة، تغطّس آدم في الأردن وفي الصوم مدة أربعين يوماً لينال نعمة الله. فظهر الشيطان من جديد لكي يجرّبه. فانضمت الحيوانات إلى الملائكة وصلوا إلى الرب لكي يحفظهما من السقوط.

خاتمة
هناك تقاربات عديدة، ولا سيما على مستوى الملائكة والوحوش والشيطان. ولكن الطابع السري لهذا المشهد يشدّد على غياب أي شاهد بشري. لهذا السبب تحفّظ مرقس حين تحدّث عن تجارب يسوع. فهذه البرية هي أرض لا يدخل إليها الإنسان. وفكره لا يستطيع أن يتوقّف على الدراما التي جرت فيها، إيمانه وحده يستطيع أن يتأمّل. هذا ما حدث في جتسيماني (14: 32- 34) حيث حضور ثلاثة أشخاص يجعلنا ندرك في الاعماق كم كانت وحدة يسوع كبيرة.

 

 

القِسم الثّالث
المَرحَلة الأولى

يتضمّن هذا القسم المرحلة الأولى التي ستتبعها مرحلتان أخريان في هذا الجزء الأول من إنجيل مرقس. وسنكتشف في الجزء الثاني ثلاث مراحل أيضاً.
أما المرحلة الأولى فتتألف من الفصول التالية:
1- إقتراب الملكوت ومجيء المسيح، 1: 14-3: 6.
2- يسوع والتلاميذ الأولون، 1: 14- 20.
3- صيحة الإنسان وسرّ الله، 1: 21-28.
4- من الإعجاب إلى الإيمان، 1: 29- 39.
5- شفاء أبرص، 10: 40-45.
6- مخلع كفرناحوم: غفران وشفاء، 2: 1- 12.
7- دعوة لاوي: نداء إلى التوبة والإيمان، 2: 13- 17. 
8- صوم أهل العرس، 2: 18- 22.
9- السبت للإنسان، 2: 23- 3: 6.

 

 

الفصل التاسع
إقتراب الملكوت ومجيء المسيح
1: 14-6:3

أدخل يوحنا المعمدان يسوع في تاريخ زمانه واختفى فجأة بعد أن أُسلم فاعتقل. هذا هو مصير الأنبياء. وعرف الآب في يسوع ابنَه الحبيب، فأرسله إلى العالم يحمل رسالة المغفرة. لقد اقترب ملكوت الله. فكيف سيظهر؟ في مراحل ثلاث متعاقبة (1: 14-6:3؛ 3: 7-6: 6 أ؛ 6: 6 ب-8: 30). وسيبينّ لنا مرقس كيف ينزرع هذا الملكوت ويمتدّ ليدرك الإنسان في أعماقه: هذا هو القسم الأول في الإنجيل، حقبة وحي يسوع الذي هو المسيح، الذي يتجاوب مع انتظار البشر.
كان المطلع قد ركّز النور كله على مجيء يسوع: فالأنبياء ويوحنا المعمدان قد تكلّموا عنه. ثم توجّه إليه صوت الآب مباشرة. والآن، إنطلق يسوع إلى حقل العمل، إلى الجليل. بدأ يتكلّم. لم يحدّد الإنجيلي السامعين الذين لهم أعلن الخبر السعيد، الإنجيل. ولكن ما إن انطلقت الكلمة حتى ظهرت فاعليتها. فيسوع هو "صيّاد" ماهر يلقي الشصّ في البحر ويستخرج السمك. هذه الصورة تنقلنا إلى شاطىء بحيرة الجليل، لنشهد نداء الرفاق الأربعة الأوّلين. وفي الحال، حرّكت كلمته أولئك الذين لامستهم. وهكذا لم يعد يسوع وحده. ففي إيجاز مذهل، جعلنا مرقس ندرك قوة الإنجيل في "الهجوم" والإمكانيات التي فيه من أجلى جمع البشر.
ويمرّ حدثان طويلان نرى فيهما يسوع يعمل في الجليل حيث وصل، وبالأخص في كفرناحوم حيث "أقام". نراه يعمل في المجمع، في البيت، على ضفاف البحيرة. كيف يلتقي باناس عصره، وما هي ردّة الفعل عندهم على نداءاته؟ هذان هما السؤالان اللذان وضعهما مرقس نصب عينيه حين رسم لوحتين تتجاوبان: نشاط يسوع في الجليل، ولمحة عن مجادلاته مع معاصريه. بدا يسوع فيهما صاحب سلطان في القول وفي العمل.
تبدأ هذه القسمة بمقطعين قصيرين يحدّدان نقطة الإنطلاق: إجمالة عن يسوع (1: 14- 15)، خبر نموذجي مكرّس للرفاق الأولين (1: 16- 20). حينئذٍ نرى يسوع في كفرناحوم في الجليل (1: 21- 45) وفي سلسلة من المجادلات (2: 1- 3: 6). بعد هذا، يدخلنا مرقس في مرحلة جديدة( 3: 7- 12).
نتوقّف عند مسيرة الإنجيلي. ونقوم بعملين. الأول، نبحث عن بعض المحطّات في تاريخ التقليد، تقليد الذكريات عن يسوع كما نستشفّها في مرقس. الثاني، نكتشف خطوط اللاهوت الذي توسّع فيه مرقس في هذه القسمة الأولى، المرحلة الأولى من إنجيله.
ونبدأ في تكوين النصّ
حين كتب مرقس خبره على ضوء القيامة، أراد أن يبيّن للجماعات المسيحية الأولى أن تعليم يسوع كما أعلنته الكنيسة، هو شخص يسوع فيسوع هو إنجيل الله.
والمقطع الذي يفتتح هذه القسمة (1: 14- 15) ينتمي إلى الإجمالات، وهي نبذات دوّنها الإنجيلي وجعلها في أماكن هامة من إنجيله. هذه النبذة (آ 14- 15) مهمّة لأنها تقدّم لنا برنامج يسوع. إن الألفاظ المسيحية في هاتين الآيتين تدل على تقليد كرازي يحرّض الناس على التوبة بالإيمان بإنجيل ظهر في يسوع المسيح (رج أع 5: 31؛ 11: 18؛ 20: 21). في هذا الخطّ يذكّر نصّ مرقس الجماعة كيف أبصرت النور في الجليل (14: 28؛ 16: 7) بعد أن أسلم يسوع للصلب. هكذا بدأ يسوع عمله في الجليل بعد أن أُسلم يوحنا (1: 14). وُلدت الكرازة من الإيمان. والذي فهمّه أكّد عملياً أن الزمان قد تم، والتزمَ بأن يعمل في هذا "التمام". لسنا هنا أمام كلام وصل إلينا حرفياً من فم يسوع. بل أمام ملخَّص أمين لعمل يسوع المسيحاني وتعليمه الذي أوضح هذا الكلام.
لا يقدّم لنا مرقس خطبة طويلة عن يسوع، بل الإنجيل في العمل: أفعاله، أشفية، طرد شياطين. كل هذا يدلّ على اقتراب ملكوت الله ورجاء الخلاص الشامل الذي يحمله. إن مسيحيّي القرن الأول قد ارتدّوا وآمنوا بيسوع انطلاقاً من تبشير الرسل. لقد اعتقدوا مثل الرسل أنهم تلقّوا دعوة شخصية من قبل ذاك الذي "سحرهم" فقبلوا أن يقطعوا كل رباط مع المحيط العائلي، مع الوظيفة والمهنة.
إن خبر دعوة التلاميذ الذي استلهم خبر اليشاع، يبدو بشكل نموذج يبيّن شرعية رسالة سمعان واندراوس، يعقوب ويوحنا، ويحرّض المؤمن على أن يترك كلمة المعلّم القدير تحرّكه وتحوّله. فهو الذي بادر وجعل هؤلاء الرجال يتبعونه (عكس العادة عند الرابانيين الذين يأتي إليهم التلاميذ). هو الذي حوّلهم إلى "صيادي بشر"، فجعلهم جديرين بمهمة تتجاوزهم.
على المستوى التاريخي، دُعي التلاميذ الأوّلون في الجليل. وكان إرسالهم إثنين إثنين (رج أع 11: 30)، مبدأ وضعه يسوع (6: 7؛ لو 10: 1؛ رج مر 11: 1؛ 13:14؛ لو 7: 18) في خطّ سفر التثنية الذي يفترض وجود رجلين لتصحّ الشهادة.
إذن، نحن هنا أمام خبر نموذجي يتجذّر في تاريخ التلاميذ فيؤسّس الرسالة البعد فصحية في الكنيسة، على قرار اتخذه يسوع نفسه. صوّر متّى بإيجاز بداية كل حياة مسيحية مع يسوع. أما متّى فأبرز تأثير تعليم يسوع ونشاطه الشفائي على الجموع (مت 4: 23- 25). واهتم لوقا بالحقبات الكرونولوجية (تسلسل الأزمنة) فلم يروِ خبر نداء الرفاق الأولين إلا بعد أن جعلهم يختبرون قدرة المعلّم (لو 5: 1- 11).
تعود متتالية مجيء يسوع إلى الجليل إلى مرقس. فمن خلال نصّه، نجد خبراً أولانياً بسيطاً يروي في إطار كفرناحوم (1: 21) شفاء حماة سمعان (1: 29- 31)، ثم تجمّع المرضى أمام الباب (1: 32-34)، وبعدها صلاة يسوع وجوابه إلى التلاميذ بأن عليه أن يزور القرى الأخرى (1: 35- 38). زاد الإنجيلي في البداية وفي النهاية حدثين: الأول يورد طرد شيطان من إنسان (1: 21-28). الثاني يخبرنا عن تطهير الأبرص (40:1-45).
إستعاد لوقا هذه المجموعة وأبقاها في ترتيبها (ما عدا خبر دعوة التلاميذ الذي تبدّل موضعه). ولكنه تردّد حوله المكان بين الجليل (لو 4: 14، 31، 37؛ 5: 1) واليهودية (4: 44). لم يورد متّى من هذه المجموعة إلا بعض العناصر، مثل إعجاب الجموع أمام كلام يسوع (مت 7: 28- 29) وشفاء الأبرص (مت 8: 1- 4) وحماة بطرس (8: 14- 15) والمرضى والممسوسين (8: 16). ولكنه جعل كل هذا في أطر مختلفة تعود إلى تنظيم إنجيل متّى.
إنطلق مرقس من الوثيقة التقليدية التي انبثقت من تذكّرات جليلية حول طرد الشياطين والأشفية التي قام بها يسوع، فأعاد كتابتها في منظار كرازي. وهذه التحوّلات التي قام بها تشدّد على ارتباط نشاط يسوع بتاريخ كان الجليل مسرحه. وفي الوقت عينه، هي تجعل الجماعات المسيحية الأولى تدرك أن هذا النشاط يبقى حاضراً الآن. فالقائم من الموت قد سبق أخصّاءه إلى الجليل، أي إلى العالم كله. هذا هو المعنى الرمزي الذي اتخذته هذه المنطقة على ضوء القيامة.
إن مجيء يسوع إلى الجليل قد دشَّن الخلاص المسيحاني: فحقيقة إعلانه صارت أمراً ملموساً يخبر بأعمال قدرته. وهذه الأعمال تشكّل نداء إلى الإيمان. غير أننا نستطيع أن نخطىء حول بُعدها، فنجعلها تعبيراً عن شفقة إنسانية، أو نتحدّث عن يسوع كذاك المحرّر المثالي. لهذا أدخل مرقس "التوصية بالصمت" التي تلزم السامع أو قارىء الإنجيل بالسير في طريق الآلام مع يسوع، التي تجعله يموت عن نظراته المسيحانية الخاصة لكي يترك المسيح يستولي على كلماته فيحوّلها إعلاناً إنجيلياً. هذه هي خبرة الأبرص الذي طهر (1: 45: طفق ينادي).
لا يُفهم عمل يسوع إلاّ كبشرى وإنجيل. فإذا أراد المؤمن أن يدركه، وجب عليه أن يمرّ في التنقية مثل الأبرص، ويذهب إلى الجماعة البشرية فينال معها الخلاص. يناله كنعمة بموت يسوع المسيح وقيامته، لا بإعلان يتخذ هو فيه المبادرة.
نجد متتالية المجادلات الجليلية الخمس (2: 1-3: 6) في إنجيلي متّى ولوقا. أبقى لوقا على الترتيب عينه. أما متّى فقسّم المتتالية قسمين. ماذا نقوى عن التاريخ السابق لنص مرقس؟ إن تحليلاً لتأليفه يجعلنا نفترض أننا أمام رسمة بسيطة وجدت فيما قبل، فضمّت إما المجادلات المحمس، وإمّا المجادلات الأربع الأخيرة. ضمّت إلى بعضها ولم يهتم الذي ضمّها بتسلسلها. دارت حول موضوع المعارضة الفريسية ليسوع في موضوع السبت بشكل خاص.
كانت المجموعة "رفيق" المبشّرين المسيحيين الأولين حول استقبال الخطأة والصوم والسبت. كانوا يواجهون إعتراضات الجماعات اليهودية، فيعودون إلى أجوبة قدّمها يسوع لمعارضيه في أيامه. نكتشف يد مرقس في الرباطات التدوينية التي تحدّد في كفرناحوم موقع هذه الأخبار (2: 1). فهذه السلسلة من الأخبار لم تكن مواقعها محدّدة. ذكّرتنا بشكل متحفّظ بمجيء المعلّم إلى الجليل واختياره رفاقه الأولين.
أما الجديد الذي قام به مرقس، فهو أنه ربط بين هذه المجادلات "المدرسية" وحمّلها بُعداً كرازياً واضحاً. وإذ جعل أمامها حدث المخلع، ركّز المناقشة منذ البداية على مستواها الحقيقي: قدرة يسوع هي قدرة إلهية في أصلها. بعد هذا، بدت المجادلات بشكل معارضة متنامية من لدن الخصوم. وخفّت أهمية نقاط المناقشة، وبرز السبب العميق لآلام يسوع وموته. وأخيراً، نحن لا نفهم متتالية المجادلات إلا إذا وضعناها في المحيط الحياتي الخاص بالجماعات المسيحية الأولى: فيها طرحت أسئلة حول معنى مغفرة الخطايا بعد المعمودية، حول استقبال الخاطئين للمشاركة في الإفخارستيا، حول مدلول الصوم، حول إحلال "يوم الرب" (الأمر) كل السبت اليهودي، حول الاحتفال بيوم الرب. أسئلة طُرحت وهي تنتظر جواباً يتأسّس على موقف يسوع وأقواله.
ونعود إلى بنية النصّ.
نستعيد هنا مختلف معطيات النصّ، لنكتشف البنية الإجمالية لهذه الفصول على المستوى الأدبي، ثم على مستوى منطق الخبر. وهكذا نستوضح الرؤية اللاهوتية لدى الكاتب.
يضمّ التأليف الأدبي كل المرحلة الأولى في إطار "مجيء يسوع إلى الجليل"، كما أعلنته الإجمالة الأولى. وفي النهاية، سيضع مرقس على خطى يسوع "جمهوراً كبيراً" جاؤوا يطلبون الشفاء من المرض والتحرّر من الشياطين، فيفرض يسوع عليهم الصمت (3: 7- 12). كيف تمّ هذا العبور، وإعلان يسوع الأولاني (1: 14- 15) توجّه إلى سامعين لا نعرف هوّيتهم؟
هناك محطة أولى مع دعوة الرفاق الأربعة (بطرس وأخوه، يعقوب وأخوه) "عند شاطىء البحر". وهناك أيضاً سوف يدعو يسوع لاوي (2: 13) ويعود مع تلاميذه (3: 7) ليبدأ المرحلة الثانية في رسالته. فذكر القارب (3: 9) يدلّ على أن مسرح الأحداث سيكون البحر. إن كلمة يسوع ناشطة. سلطتها لا تناقش. وهي تدرك الإنسان حتى أعماق الشّر الذي فيه. تنزع القناع عن الشر، وتعطي الإنسان وعياً (1: 24، 34، 45؛ 3: 11) وتمييزاً (2: 6، 8؛ 3: 5) لم يكن ليصل إليهما في السابق. 
ويقدّم مرقس قدرة هذه الكلمة في لوحتين متوازيتين ومتعارضتين: في كفرناحوم، يوم السبت (1: 21) عارض يسوع القوات المعادية التي سكنت في ذاك الرجل، وانتصر عليها، بحيث لم يعد يستطيع الظهور في المدينة، فأقام في أماكن مقفرة (1: 45). وفي كفرناحوم أيضاً (2: 1) وفي سلسلة مجادلات انتهت يوم السبت (3: 2)، لقي يسوع معارضة شديدة من قبَل الكتبة والفريسيين. ولما أسكتهم (3: 4) قرّروا موته (3: 6) بالاتفاق مع أصحاب هيرودس (3: 6) الذين لا يجهلون اعتقال يوحنا المعمدان (1: 14). ولنقدّم رسمة سريعة لهاتين اللوحتين.

1- سلطة تعارض
أولاً- محطة أولى: في كفرناحوم، يوم السبت (1: 21- 34)
أ (1: 21-27) في المجمع. يسوع يعلّم ويطرد الروح النجس من إنسان منتهراً إياه. التوصية بالصمت. نجد هنا تضميناً: دهشوا جميعهم من تعليم يسوع الذي يُلقى بسلطان (آ 22، 27).
ب (1: 28): شهرة يسوع في الجليل كله.
ج (1: 29- 31): عبور يسوع من المجمع إلى بيت سمعان. تدخّلَ الرفاق الأربعة، فأُقيمت الحماة من الحمّى. نجد هنا وصلة الخبر: قرب الباب. نهاية السبت.
د (1: 32-34): إجتمعت المدينة كلها. وجاء المرضى والمتشيطنون إلى يسوع. التوصية بالصمت.
ثانياً- محطّة ثانية: في الجليل، غداة السبت (1: 35- 45)
ج ج (1: 35-38): إنطلاق يسوع إلى موضع قفر. تدخّل الرفاق الأربعة الذين ذهبوا في إثره. قال: يجب أن نذهب إلى أماكن أخرى.
ب ب (1: 39): وجاء يسوع إلى الجليل كله.
أ أ (1: 4-45): طهّر يسوع أبرص جاء إليه، ثم انتهره (توصية بالصمت). أعلن الرجل ونادى بالكلمة، فاعتزل يسوع الناس وذهب إلى الأماكن المقفرّة.
هنا نجد تضميناً: جاء إلى يسوع (آ 40، 45).

2- سلطة تلقى المعارضة
أولاً: محطة أولى: مرة ثانية في كفرناحوم (2: 1- 17).
أ (2: 1-9): في البيت جمهور كبير، ألقى يسوع الكلمة، وغفر خطايا المخلّع الذي حمله إليه أربعة رجال. قال له: "قم". وسأل الكتبة الذين فكّروا في قلوبهم وظلّوا صامتين. إنهم الخصوم.
ب (2: 10-12): تصريح يسوع حول ابن الإنسان: شفاء المخلّع ودهشة الجميع.
ج (2: 13-17): وانطلق يسوع من جديد إلى جانب البحر حيث علّم الجموع. دعوة لاوي، مشاركة في الطعام مع الخطأة. ردّة فعل الكتبة تصل إلى التلاميذ: الحاجة إلى طبيب.
وصلة الخبر: في كل وقت، في ذلك اليوم.
د (2: 18- 22): سؤال حول الصوم وعدم الصوم. العريس هو مع التلاميذ ولكنه سيؤخذ منهم. (الصمت) الجديد على مستوى الثوب والزقاق.
ثانيا: محطة ثانية: يوم السبت (2: 23- 3: 6)
ج ج (2: 23- 26): عمل التلاميذ أمراً "محرّما". ردّة فعل الفريسيين تصل إلى يسوع. خبر داود والذين كانوا معه. إحتاجوا فأكلوا من خبز التقدمة.
ب ب (2: 27-28): تصريح يسوع حول ابن الإنسان: إنه ربّ السبت. والسبت هو للإنسان.
أ أ (3: 1-6): دخل يسوع مرة ثانية إلى المجمع يوم السبت. حدّث رجلاً يده يابسة. "قم". وسأل خصومه. فظلوا صامتين بقلوب قاسية. وعادت اليد صحيحة مثل أختها. حينئذٍ تشاور الفريسيون والهيرودسيون ليهلكوا يسوع.

1- المتتالية الأولى (1: 21- 45)
هكذا ارتسم البناء، وهو يساعدنا على إبراز خصائص النصّ. ففي المتتالية الأولى (1: 21- 45)، تجاوب الخبران البعيدان (أ، أ أ)، خبر طرد الشيطان في المجمع، وخبر تطهير الأبرص. ففي كلا الحالين ينقلب الوضع ساعة يفرض يسوع الصمت على الإنسان الذي طهر (1: 25، 1: 44). في ب وب ب، تأتي نبذة معمّمة فتفتتح عمل يسوع في الجليل كله. إن شهرته أعلنت مجيئه. وفي المقطعين المتوازيين الأخيرين (ج وج ج) تقلّص المشهد فانحصر في بيت سمعان واندراوس، وفي الموضع القفر حيث ذهب يسوع يصلّي. هنا ظهرت وظيفة الرفاق الأربعة الأولين كوسطاء بالنسبة إلى حماة سمعان (1: 30). وبالنسبة إلى الجموع (1: 36). وأخيراً، في قلب هذا المقطع نجد يد مرقس: جاء الجمع إلى يسوع وحمل إلى يسوع جميع المرضى (ج) وكل الممسوسين (فيهم شيطان) (أ).
في بداية الخبر، جاء يسوع إلى الجليل. أما في نهايته، فالناس جاؤوا إليه. إن عمله الرافض للشر هو الذي جعل الجموع تلتئم عند باب المدينة (1: 33)، جعل الجميع يطلبونه (1: 37). لا شك في أن يسوع يشفي الذين يأتون إليه، ولكنه في الوقت عينه يرفض "النجاح السهل". فكلامه يزيل القناع عمّا في الحماس الشعبي من التباس: فرض الصمت على الأبرص... هرب إلى الأماكن المقفرة... وعارض معرفة الشياطين له في واقعها وفي كذبها (1: 25، 34). رفض أن تعلن فعلاته الخلاصية بشكل قد يضّر برسالته (1: 43- 45).
إن هذا الصمت المفروض وهذا الإعتزال للناس، سيحرّران "الكلام" الحقيقي، ويثيران "الإعلان" الذي لا غشّ فيه (1: 45). إذن، يتركّز مجمل الخبر على شخص يسوع: من هو إذن؟ من أين له هذا السلطان؟ كيف يمكن أن يكون "قدوس الله"؟

2- المتتالية الثانية (2: 1- 3: 6)
في بداية المتتالية الثانية نجد يسوع "يلقي الكلمة" (2: 2). جيء إليه بمخلّع يحمله أربعة رجال، تشبه وظيفتهم وظيفة الرفاق الأربعة "الوسطاء" (1: 3، 36). هنا حلّت الخطيئة محلّ الأرواح النجسة أو محلّ الشياطين. جاء الكتبة الذين تجاوز تعليمُ المسيح تعليمهم (1: 22) وبدأوا المعارضة (2: 6) التي سيكمّلها الفريسيون (2: 16، 24) حتى القرار بالقتل (6:3).
وهنا أيضاً نجد في الطرفين مشهدين (أ وأ أ) يتجاوبان. إنهما يعنيان كسيحَين (كسيح كامل، كسيح اليد) يأمرهما يسوع فيقول لكلّ منهما: "قم" (2: 9، 3: 3). إنقلب الوضع في شخص المريض الذي غُفر له وشُفي في الحالة الأولى. وفي الحالة الثانية، وُضع في الوسط ثم أعيد إلى ملء الصحة. وانقلب الوضع خاصة في "قلب" المعارضين الذين لاذوا بالصمت في كلا الحالين (2: 9؛ 3: 4). ولكن الخاتمة تختلف بين حالة وحالة. بعد شفاء المخلّع دهش الناس كل الدهش (جُنَّ جنونهَم لما رأوا). وبعد شفاء اليد اليابسة، تآمر الخصوم ليقتلوه (3: 6).
في ب وب ب جاء تصريح ليسوع حول سلطان ابن الإنسان ليغفر الخطايا، وليجعل السبت في خدمة الإنسان، فعمّم عمله وأثبت أصله الإلهي. أما التوازيان التاليان (ج وج ج) فينقلاننا من شاطىء البحر إلى البيت (2: 13، 15)، ومن حقول القمح إلى هيكل الله (2: 23، 26)، ويركّزان الإنتباه على شخص يسوع.
أبرز مرقس وظيفة التلاميذ مرة أخرى: فالكتبة سألوهم عن موقف معلّمهم (2: 16). ثم إنّ تصّرفهم جعل الفريسيين يطرحون سؤالاً على يسوع (2: 24). أما يسوع فيتضامن مع تلاميذه الخاطئين والمحتاجين إلى طبيب، كما تضامن داود مع رفاقه حين احتاجوا إلى طعام. وأخيراً، نجد في قلب المتتالية (د) الجدال حول الصوم الذي يضع على المحكّ موقف تلاميذ يوحنا والفريسيين تجاه جماعة يسوع. ويدلّ على حاضر الملكوت على أنه عبور من قديم مؤقت إلى جديد مطلق.
في بداية الخبر، أعلن يسوع تحريراً جذرياً كاملاً للكسيح، غافراً له خطاياه. وفي نهايته، تآمر الخصوم على هذه القدرة التي تعيد إلى الإنسان حريته وإمكانية العمل لديه. وتدخّل يسوع يثير مرة أخرى معارضة عليه حتى الموت، فتكشف القلوب بما فيها من خبث وعمى. وإذ أراد يسوع أن يكشف عن نفسه حقاً، وجب عليه أن يمرّ في الصمت: ينزع منهم حضور العريس، فيعرفون كم كان يحبّهم. ولكن هذا "الإنتزاع" سيصبح كشفاً يتميّز بما فيه من جديد: إن موت يسوع يحرّر الإنسان "الكسيح" في خطيئته، شرط أن يتركه يغفر له، "يقيمه"، شرط أن يقبل بأن يمدّ يده إلى القوة المحيية التي تنبعث من يسوع. وهنا أيضاً يُطرَح السؤال حول يسوع: من هو ابن الإنسان؟ كيف يستطيع الله أن "يخاطر" بسلطانه في تاريخ البشر؟
وتأتي الإجمالة الختامية فتركّز النور كلّه من جديد على يسوع، لتهيّىء القسمة التالية. بعد أن تلخّص مرة ثانية عمل يسوع المسيحاني، فهي تقدّمه لبشرية التي ترمز إليها المناطق السبع المذكورة في 3: 8. إن حقيقة الأشفية وولوج الأرواح النجسة إلى السرّ، يجب أن يُمتَحَنا: من هو "ابن الله" (11:3)؟
هل نستطيع أن نحدّد كيف يتوزعّ نص مرقس من الوجهة البنيوية؟
هناك الزمان والمكان والأشخاص.

1- الإشارات الزنية
ليست الإشارات الزمنية عديدة، ولكن أهميتها تلفت النظر. فبعد دعوة الرفاق الأولين يدخل يسوع على "المسرح" يوم السبت. وينتهي ذاك اليوم "عند المساء" (1: 32). وفي الغداة ننفتح على الجليل كله، حيث يمدّ يسوع نشاطه منذ الصباح. ونجده "بعد بضعة أيام" في كفرناحوم. في الجدال المحوري (حول الصوم) يتحدّث عن "كل الوقت"، وقت حضور العريس. ولكن تأتي أيام يرفع العريس عنهم، في ذلك الوقت يصومون. هل يهدّد الموتُ هذا الحضور؟
ويجري وليْ الخبر في يوم السبت. هناك من ينتقد عمل يسوع وعمل التلاميذ لأنهما ممنوعان في ذلك اليوم المقدّس. وفي اللغة المسيحية، أما نستطيع أن نربط هذا التجمّع المسائي بتجمّع العشاء السّري الذي يسبق غياب يسوع، وقبل أن يشرق الغد الذي فيه يسبق القائم من الموت أخضاءه إلى الجليل (1: 32 و14: 17؛ 1: 35 و 16: 2)؟ إن القول عن العريس يدعونا إلى التأمل في هذا الواقع نفسه. فالعريس ينسّق أيام الإنسان إنطلاقاً من حضوره وغيابه. ومن سبت إلى سبت، تبدّل معنى التاريخ البشري كله لأن ربّ السبت قد دلّ بموته على الجديد الجذري الذي فيه.

2- مستوى المكان
تمّ مجيء يسوع في الجليل. ونعود ثلاث مرّات إلى شاطىء البحر (1: 16؛ 2: 13؛ 3: 7)، موضع النداء الرسولي لصيّادي البشر. وفي كفرناحوم نحضر عبوراً من المجمع حيث انتشر خبرٌ وصلَ إلى كل الجليل، إلى بيت سمعان حيث تتحقّق الخدمة الحقة وتجتمع المدينة كلها. ولكن هذا الإجتماع ملتبس (يكاد يضيع معناه الحقيقي)، فيصحّحه يسوع بهرب نحو الأمكنة المقفرة حيث يصلّي فيجعل الناس يتّصلون بأبيه.
في هذه المدينة حيث تتجابه رغبات البشر وأحكامهم، إرتسمت حركة "داخلية" أربع مرات: في كفرناحوم، يسوع هو "في البيت"، وهو يرسل المخلّع "إلى بيته" بعد أن يشفيه. من البحر، نتبع يسوع "إلى بيته" حيث يأكل مع الخطأة. من حقول القمح، نمرّ مع يسوع، داود الجديد، "إلى بيت الله". وفي النهاية، نجد نفوسنا في المجمع وسط الجميع. نستطيع أن نقوم ونمدّ يدنا مثل صاحب اليد اليابسة. من لا يدرك في هذه الحركة حضور القائم من الموت، الذي يجمع البشر وسط كنيسة يتم فيها تمييز القلوب، وفيها يستعيد كل إنسان حريته في غفران الخطايا والمشاركة في سبت الله من أجل خدمة الإنسان؟
3- الأشخاص
في هذا العمق المكاني والزماني، ماذا يعني الواقع الملموس لكل حياة بشرية؟ يسوع يروح ويجيء فيدعو رفاقاً ليتبعوه، يشركهم في مصيره، يجعلهم يعيشون على إيقاع حضوره وغيابه. هو يشفي الناس ثم يختفي، وهكذا يتبعه الناس حتى في صلاته المنفردة، وهكذا ينتقده الناس فيجعلهم يدركون أنهم يعارضون الهّ نفسه حتى يقرّروا موت مرسله. وعبر هذا الرواح والمجيء، هذه اللقاءات والمجادلات، يظهر عمل الله ويقترب ملكوته: وُلدت جماعة على خطى المعلّم، جماعة من الوسطاء بينه وبين الجموع، جماعة فيها نختبر الخلاص عبر ارتداد يتكرّر دوماً، وإيمان يتجدّد باستمرار، جماعة يُكشف فيها الشّر لنطهّر منه، يُقام القناع عن الخطيئة التي فينا لكي ننال الغفران.
هذه الكنيسة التي تشقّ طريقها عبر الحقول فترسم طريق الإنجيل، تعود إلى أسفار العهد القديم لتدلّ على أنها تمّت في يسوع حين أعلن أن الزمان قد تمّ. فابن الإنسان قد فجّر معارضة الخطيئة فجعل غفران الله حاضراً على الأرض. كما حطّم فرائض الشريعة التي فيها يسعى الإنسان دوماً لكي يسجن زمن الله.
هذه الملاحظات على المستوى البنيوي تؤكّد تحليلنا للنصوص. وتظهر الواقع الذي رسمه المطلع بشكل نبوي حيث الخط العمودي المرسوم بين الأرض والسماء بواسطة صوت الآب ونزول الروح، سيقطع الخط الأفقي في البرية حيث يبحث الإنسان في الصحراء عن طريق خلاص. غير أن الفرق هو أن يسوع ليس وحده هنا. معه رفاق (ف 1) سيصبحون تلاميذ (ف 2). فيه اقترب ملكوت الله من شقاء البشر، وغطس حتى جذوره الخاطئة فأخذه على عاتقه في عهد يكتشف التباسه ويحرّره في الوقت نفسه من هذا الإلتباس.
ما هو تعليم النص؟
إذا أردنا أن نفهم تعليم النص الذي تجوّلنا فيه، يجب أن نعيد قراءته على ضوء سّر القيامة (والفصح) الذي يكشف لنا المعنى العميق الذي يحمله. فبداية إنجيل يسوع، المسيح، ابن الله (1: 1) تواجهنا. فما فعله يسوع مرة في كفرناحوم، في الجليل، يمتدّ اليوم في جليل حياتنا اليومية، حيث الكنيسة ما زالت تدعو الشعوب "إلى يسوع" القائم من الموت. فتقدّم له المرضى والمتشيطنين لكي يجلسوا إلى المائدة معه لأنه الطبيب الذي يغفر. 
في حياة يسوع الناصري على الأرض، لم يكن التلاميذ ولا الجموع يستطيعون أن يدركوا بُعد عمله وكلمته القديرة. ولهذا فرض عليهم الصمت إلى أن تُكشَف حقيقة شخصه عبر موته، عبر صمته الخاص الذي سيتيح للبشر أن يتكلّموا. وسيعلن الرسل بدورهم الكلمة، وسيأخذ الإنجيليون في كتابتها: للعالم أجمع، لليهود وللأمم الوثنية. ولكن صمتاً يبقى ضرورياً هو الذي يُسكت الإتهامات والأحكام البشرية، صمت الإنسان أمام إلهه.
إن حضور "الشياطين" و"الأرواح النجسة"، لا يتركنا في راحتنا اليوم. نريد أن نزيلهم من تصوّراتنا ومخيّلتنا. ولكنهم حقيقة وواقع. فهم يحرّفون معنى أقوال يسوع وأعماله. هم يظهرون بحضور "قدّوس الله" (1: 24). فالله حين ينزل إلى عالم البشر يكشف هذه النجاسة التي لا تدركها نظراتنا الأرضية. البشرية هي موضع المواجهة بين قوّتين لا تتوافقان: قوة الله التي تخلّص الإنسان كله من الشّر: جسده المريض ونفسه المغتربة والخاطئة. إن استطاع الأطباء أن يشفوا من البرص والشلل، فهذا يعني أن الله بواسطتهم يصيب الشّر في جذوره ويطهّر الإنسان فيجعله يرجع إليه.
إن نصّ مرقس يواجهنا لأن صوته حي. وما يجعله حياً هو الكلمة التي يتفوّه بها. حلّ إنجيل الملكوت الذي يقترب منّا لأنه في يوم من الأيام رنّ في آذان أهل الجليل. والتعليم الذي يحمله إلينا هذا النصّ هو أن الزمان قد تمّ، أن رجاء البشر قد اكتمل بما نستطيع أن ندركه من حضور الله بيننا.
هذا الحضور يُعطى لنا في يسوع. فبكلمته يشفي المرضى ويطرد الشياط. يجمع الجماهير حوله، ويدخلهم في سبته النهائي، في راحة الله العظمى. بكلمته الخلاّقة يعيد الإنسان إلى الصحة الكاملة, صحة الجسد والقلب والروح. لا شيء يفلت بعد اليوم من عمله الشامل، الذي يعمّ الكون. لقد صار الجليل عالم البشر. هذا ما أدركته الأرواح النجسة فرفضته: إن معرفتها التي تدلّ عليها بالصياح، ليست تعبيراً عن الإيمان، بل معارضة لله. أما الذين يؤمنون مثل حماة سمعان أو المخلّع، فيُطلَب منهم الصمت: يخدمون أو يطيعون.
إن هذا الحضور يقدّم الجديد الكامل التام. أمامه كل شيء يصبح عتيقاً بالياً. ولكن هنا تكمن الصعوبة: من اعترف بالخليقة الجديدة، قبل أن يموت فيه يقينه وفرحه. نحن نرفض كلمة من يقول لنا: الله هو هنا. فنحن نرفض أن يكون الله حاضراً في هذه الأمور التافهة من الحياة مثل السبت، أن يكون حاضراً في هذه الزاوية الحميمة التي يخفي فيها كل واحد خطيئته. فالجديد لا يكشف شبابه إلا في الإنسلاخ. كما أن العريس لا يستطيع أن يسلّم ملء حبّ الله الأمين، إلاّ إذا تركناه يذهب ولم نمسكه بين أيدينا (كما حاولت أن تفعل المجدلية، يو 20: 17). إن الكتبة والفريسيين يعيشون اليوم أيضاً في المؤمنين الذين لا يفهمون، أو يرفضون أن يؤمنوا أن الزمان قد تمّ، أن الإنجيل قد تفجّر وسط البشر، ان تاريخ الكون صار حقل عمل الله الحاسم الذي يخلق ويمنح غفرانه.
إن بنية نصّ مرقس تجعلنا نكتشف أن حضور يسوع في كل الأزمنة والأمكنة يمتدّ في أحداث ملموسة حصلت في زمن التقى فيه يسوع بمعاصريه. وهذا الحضور يُعطى لنا بالطريقة عينها: إن الله يلج إلى واقع حياتنا أكان ثميناً أو بسيطاً. وملكوت الله الذي اقترب مرة، ما زال يقترب. نحن أولئك الذين ننعم بحضوره: خطأة، مرضى وممسوسون، جموع، كتبة وفريسيون، أرواح نجسة...

 

 

الفصل العاشر
يسوع والتلاميذ الأولون
1:14-20

نجد في هذا المقطع جزئين مختلفين: إجمالة حول كرازة يسوع الأولى (آ 14- 15). ثمّ، خبر نداء التلاميذ الأربعة (آ 16-20). سيستعيد متّى ترتيب مرقس مع بعض التحويلات. أما لوقا ففصل بين الجزئين وجعل نداء التلاميذ يتأخّر إلى الفصل الخامس. قرّب مرقس بين الجزئين فأظهر أن يسوع يعمل بواسطة تلاميذه، أنه يعمل مع تلاميذه.

1- يسوع والإنجيل (آ 14- 15)
تتضمّن الأناجيل الإزائية (وأعمال الرسل) إجمالات عديدة. إن هذه الملخّصات التي تتميّز بعبارات عامة وأفعال في صيغة الماضي، تلعب دورين اثنين. من جهة، هي تشكّل إنتقالة في الخبر، فتربط بين المقطوعات، وهذا ما يلقي ضوءاً على بنية الإنجيل. ومن جهة ثانية، تتيح هذه "التدوينات" الحرة للكاتب أن يعبرّ عن لاهوته، أن يقول لماذا اختار هذه المقطوعات ولماذا رتّبها كما رتّبها.
ولإجمالة مرقس الأولى أهمية كبيرة بسبب الطابع الاحتفالي، وبسب ب مرافقتها لدخول يسوع في الحياة العلنية. وهي تتألّف من شقين: آ 14 أ: تقدم لنا معلومات عن الزمان والمكان. آ 14 ب- 15: تشكّلان الإجمالة بحصر المعنى مع جدال حول كل تفصيل في هاتين الايتين. كيف نفهم عبارة "إنجيل الله"؟ هل الله هو موضوع الإنجيل؟ أو هل الإنجيل يأتي من الله؟ ما معنى كلمة "إنجيل" وعبارة "تمّ الزمان؟" كيف نترجم فعل "انغيكان"؟ صار قريباً، اقترب، وصل. وهناك من يقول: هو هنا. قد حضر.
أ- كرازة يسوع الأولى في مرقس
إذا ربطنا آ 14- 15 بما سبق أو بما يتبع، نحصل على ضوئين مختلفين في النصّ.
إعتاد الشرّاح أن يعتبروا "المثلّث" يوحنا المعمدان- العماد- التجربة كمقدّمة للإنجيل، وأن يعتبروا الإجمالة كبداية حياة يسوع العلنية. والمجموعة التي تقابل ما نقرأ الآن تشكّل تدشين رسالة يسوع مع بداية كرازته ودعوته التلاميذ. فهناك عدة نصوص موازية (3: 7- 12، 13؛ 6:6 ب، 7- 12) تقدّم المتتالية عينها: نشاط يسوع ورسالة التلاميذ. مثل هذه الطريقة في النظر إلى الأمور تبرز نقطة مهمة في إنجيل مرقس. 
وهناك طريقة أخرى. هي أقل تواتراً وأقل طبعية، ولكن فائدتها تكمن في أنها تنير زوايا أخرى. تقوم هذه الطريقة بأن نربط الإجمالة بالمثلّث حينئذ تشكّل آ 16 بداية جديدة تلفت الانتباه الى "بحر الجليل" كموضع نشاط يسوع. هذا ما يذكّرنا به القسم الأول من الإنجيل (16:1؛ 13:2؛ 7:3؛ 4: 1؛ 35:4؛ 5: 21). واهتمام مرقس هذا ببحر الجليل ليس فقط اهتماماً جغرافياً. بل هو يرتدي مدلولاً دينياً نكتشفه في أخبار عديدة: الحدود بين العالم اليهودي والعالم الوثني. والبحر يرمز أيضاً إلى قوى الشّر التي يجب التغلّب عليها. ثم إن الربط بين آ 14- 15 وآ 1- 13 يجعلنا أمام مجموعة متماسكة تحيط بها لفظة إنجيل وكأنها إطار (آ 1، 15) حسب أسلوب التضمين. وهكذا يقدَّم الانجيل بشكل إجمالي ثم بشكل "مفصّل". 
ب- بنية النص ومقابلة مع الازائيين
تقدّم آ 14- 15 باحتفال مهيب أولى الكلمات التي تلفّظ بها يسوع في الإنجيل الثاني. من هنا أهميتها. ففي متّى ولوقا، قد تكلّم يسوع قبل أن يدخل في الحياة العلنية: الحوار المثلّث مع إبليس (مت 4: 3- 10؛ لو 3:4- 12)، الذي أغفله مرقس (1: 12- 13) في خبر التجربة. وقبل هذا، أورد متّى في 3: 14- 15 حوار يسوع مع يوحنا المعمدان في مشهد المعمودية، ولو 48:2- 49 حوار يسوع مع أمه في الهيكل. لا شك في أن كلمات يسوع هذه تدلّ على لاهوت كل من متّى ولوقا، فتُعتبر موازية لما في مرقس. ولكن من الواضح أن الموازاة الحقيقية نجدها مع أول كلمة علينة تلفّظ بها يسوع حسب الازائيين الثلاثة. كيف يبدو نصّ متّى تجاه نصّ مرقس؟
متّى (4: 17) مرقس (1: 14- 15)
وبدأ يسوع يعلن: أعلن يسوع
إنجيل الله:
تم الزمان
توبوا اقترب ملكوت الله
فقد اقترب ملكوت السماوات توبوا
وآمنوا بالإنجيل
فالعبارة التي وضعها متّى على شفتي يسوع هي قصيرة وباهتة بالنسبة الى ما في مرقس. نجد فقط عنصرين مشتركين ومقلوبين: ملكوت الله، التوبة. ويحيط بهذه النواة المركزية لدى مرقس، عنصران آخران: تم الزمان، آمنوا بالإنجيل.
وفي داخل نصّ متّى نجد نقصاً ظاهراً في الأصالة: ففي الجملة القصيرة عنصران سبق وتلفّظ بهما يوحنا المعمدان. أما أصالة مرقس فتظهر حين يضع في فم يسوع كلمة "إنجيل". أما لوقا فقال في الآيات الموازية (4: 14- 15) بأن يسوع علّم، ولكنه لم يورد كلمة من كلماته. ولكن حالاً بعد حدث مجمع الناصرة (لو 16:4- 30) الذي هو خاص بلوقا، يقرأ يسوع مقطعاً شهيراً من أشعيا (61: 1- 2) يعتبره الإنجيلي برنامجاً كاملاً. ويستعمل لوقا فعل "أنجل" (بشّر. يفضل الفعل على الإسم "إنجيل"). نحن هنا أمام موازاة مع نصّ مرقس. وفي الحالتين يبدو المشهد التدشيني العظيم في حياة يسوع العلنية على أنه إنجيل وبشرى.
ونعود إلى نص مرقس لكي ندرسه. إنه يتميّز بلفظة "إنجيل" التي ترد مرتين في آيتين. يشدّد مرقس على أهميّة اللفظة حين يرتّب نصّه: هناك عبارتان تحيطان بالإجمالة: "أعلن إنجيل الله". "آمنوا بالإنجيل". نجد هنا أسلوب التضمين الذي أشرنا إلـ في آ 1، 15 ووجدناه مجموعاً في هاتين الآيتين. فما هو معنى هذا التضمين المضاعف؟ تتكرّر لفظة "إنجيل" ثلاث مرّات فتبدو الكلمة الأساسية في مطلع إنجيل مرقس وفي الإجمالة التي تبدأ الإنجيل.
نلاحظ أولاً أن "إنجيل يسوع المسيح" صار "إنجيل الله". ونلاحظ ثانياً أنه إن أحاطت لفظة "إنجيل" باولى كلمات يسوع، فهذا يعني أنه يجب أن ننطلق من كلمة إنجيل لنفهمها. وفي أي حال، فالنصّ يدل على رباط وثيق بين "الإنجيل" ودخوله يسوع الاحتفالي على المسرح، وهو دخول تحدّده لفظة "إنجيل". فوظيفة النص الأساسية هي إعلان الإنجيل الذي هو إنجيل يسوع وإنجيل الله.
ج- ما هو الإنجيل
مع مطلع إنجيل مرقس نحن أمام ثلاث عبارات: "إنجيل يسوع المسيح". "إنجيل الله". "إنجيل" (بدون شيء آخر). نجد العبارتين الأولى والثانية في نص مرقس، أما الثالثة فقد وُضعت في فم يسوع. وسيستعمل مرقس خمس مرات كلمة إنجيل بشكل مطلق، ويجعلها دوماً في فم يسوع. ونستطيع أن نرتّب هذه الاستعمالات الخمسة في فئتين: بالنسبة الى الرسالة لدى الوثنيين (13: 10: إعلان الإنجيل إلى جميع الشعوب؛ 14: 9؛ 16: 5). بمناسبة الحديث عن اضطهاد التلاميذ أو التجرّد الرسولي (35:8: من يخسر حياته في سبيل الإنجيل؛ 10: 29: من أجل الإنجيل). وما يعطي وزناً للكلمة في هذين الايرادين الأخيرين، هو أنها وضعت مع "يسوع": "من أجلي ومن أجل الإنجيل". هناك تماثل بين الاثنين. الإنجيل هو شخص حيّ. هو يسوع.
لا نجد هذه الكلمة إلاّ ثلاث مرات في متّى (في عبارة: إنجيل الملكوت). ولا نجدها أبداً عند لوقا. هذا ما يدلّ على أننا أمام نقطة هامة لاهوت مرقس الذي أدخل هذه اللفظة (إنجيل) في التقليد الإنجيلي. قد تكون اللفظة وصلت إليه من بولس التي استعملها زهاء 60 مرة في مواضع مختلفة. نجد مثلاً كما في مطلع مرقس: "إنجيل الله، إنجيل يسوع المسيح". ونجد زهاء 30 مرة لفظة "إنجيل" بشكل مطلق. إن اللفظة تدلّ على إعلان خبر سعيد، كما تدلّ على نشاط بولس الرسولي لدى الوثنيين. وتدل على القيمة السميا التي فرضت نفسها على بولس وتجاوزته. نحن دوماً أمام واقع حي وديناميكي، أمام حدث يسير مسيرته ولا يتوقّف، هو: ظهور المجد (2 كور 4: 4)، وحيُ برّ الله، قدرة الله العاملة لخلاص الانسان (روم 1: 16). ويستطيع بولس أن يقول إن يسوع "هو ابن الله في القدرة بقيامته" (روم 1: 4). أو يقول: إن الإنجيل هو "قدرة الله للخلاص" (روم 1: 16). فبولس يماثل، شأنه شأن مرقس، بين يسوع والإنجيل حين يتحدّث عن الخلاص (ق مر 1: 14- 15؛ روم 1: 1- 5، 16).
حين يستعمل بولس لفظة "إنجيل" بهذا الشكل، فهو يعطيها معنى محدّداً لقرّائه. فهي جزء من اللغة الرسمية في الإيديولوجيا الرومانية التي تجعل الأمبراطور كائناً مؤلّهاً يمنح الخيرات لعبيده. فمولده، ومجيئه إلى القصر، وتنصيبه على العرش، ودخوله الرسمي إلى مدينة (باروسيا)، كل هذا يدشّن حقبة جديدة من السعادة والسلام والعدالة. كل هذا هو ينبوع فرح وقد ترافقه عطايا مثل العفو الشامل عن الأسرى والمسجونين. كل هذا يسمّى إعلان (كاروغما) الإنجيل بفم المنادي.
لا يجهل بولس هذا الإطار وتأثيره على طريقته في الكلام والكتابة. ولكن الينبوع المباشر لفكره ليس كتاب "طقوس" الامبراطورية، بل الكتاب المقدس: خبر شاول (1 صم 10)، خبر داود وسليمان (1 صم 31؛ 2 صم 1؛ 4؛ 1 مل 1). في هذه النصوص تعني كلمة إنجيل: النصر، الخلاص، مجيء الملك.
عاد بولس الى التوراة ولا سيما إلى أشعيا في كتاب "تعزية إسرائيل" (أش 40- 55)، فأخذ من هناك كلمة إنجيل. فهو يحيلنا مرتين إلى أش 52: 7. في روم 10: 15: "ما أجمل أقدام المبشرين بالخير". وفي أف 6: 15: "إعلان إنجيل السلام".
إستعاد أشعيا الثاني بشكل متماسك كل ما تصوّره عالم عصره حول كلمة "إنجيل"، فطبّقه على حدث محدّد: تحرير المسبيّين؟ عودتهم من المنفى بعد انتصار كورش على البابليين وإصدار قرار يسمح بإعادة بناء الهيكل. بعد هذا "الموت" الذي شكّله زمن المنفى، بدت العودة بشكل قيامة. حين حرّر الله شعبه، دلّ الوثنيين على قدرته الخلاصية، على برّه وحبّه. هذا ما يعنيه النص الشهير: "ما أجمل على الجبال أقدام المبشرين، المنادين على مسامعنا بالسلام، الحاملين بشارة الخير والخلاص، القائلين لصهيون: قد ملك إلهك" (أش 7:52). إن الله يقيم ملكه حين يتدخّل بشكل ناشط ليخلّص شعبه ويكشف له عن ذاته. إذن، الإنجيل هو إعلان هذا التنصيب الملكي على عيون الأمم.
الإنجيل هو في نظر بولس ومرقس تنصيب ملكي، ملكوت قد بدأ (روم 1: 1- 4). إن بولس حدّد موقع الحدث التدشيني في موت المسيح وقيامته. أما مرقس، فجعله قبل ذاك الوقت. جعله في حياة يسوع العلنية. فمرقس يرى أن قدرة القائم من الموت تنكشف منذ الآن بشكل خفيّ في كلمات يسوع وأعماله حين كان على الأرض. وما تعلنه الإجمالة التدشينية، "الإنجيل" سيمتدّ في الأخبار اللاحقة: تعليم يُلقى بسلطان. حرب ضد إبليس. إختيار التلاميذ ومعجزات. إن حدث الخلاص الذي يدشّن ملكوت الله (إنجيل الله: مر 1: 14) هو شخص يسوع بالذات (إنجيل يسوع المسيح: مر 1: 1) الذي يعمل ويعلن. سماه أوريجانس: الملكوت شخصياً، الملكوت كشخص حي وفاعل. قال بولس وفهم مرقس إنّ إنجيل الله هو ابنه. واستطاع يسوع أن يقول إن "الملكوت هو هنا" (هو حاضر)، لأنه نفسه هو هنا.
إن الموازاة بين بولس (روم 1: 1- 5؛ 1: 16- 17) ومرقس (1: 14 - 15) تكشف عنصراً آخر: إن جواب الانسان على حدث الخلاص يكمن في موقف واحد، هو موقف الإيمان. فمن تاب آمن بالإنجيل أي تقبّله وتجنّد لخدمته. هذا ما نجده في المقطوعة التالية.

2- يسوع وتلاميذه
إن الإجمالة التي تقدّم يسوع والإنجيل تسبق بشكل مباشر (في إنجيل مرقس) نداء التلاميذ الأربعة على شاطىء بحر الجليل: بطرس واندراوس، يعقوب ويوحنا. هذا ما يفعله متّى أيضاً فيقدّم لنا نصاً مماثلاً مع بعض الاختلافات الطفيفة التي لها معناها. أما عند لوقا فالوضع يختلف: لا نجد نداء الاربعة، بل إجمالة أدبية مبتكرة تتضمن ثلاثة عناصر: تعليم للجموع، الصيد العجيب، دعوة خاصة توجّه إلى بطرس. إن خبر نداء التلاميذ وُجد في البدء في شكل مستقلّ. إذن، يجب أن نتساءل عن معناه في التقليد الأولاني، عن قيمته التاريخية، عن الدور الذي يلعبه في إنجيل مرقس الذي أخذه من التقليد وجعله في هذا الموضع.
أ- خبر دعوة في التقليد
للوهلة الأولى، نحس حين نقرأ النص أننا أمام خبر من الأخبار المتفرّقة التي دوّنت ساعة حدثت. ولكن حين نتعمّق في النص نجد أن الأمور ليست بهذه البساطة. هناك في الواقع خبران صغيران ومتشابهان. نستطيع أن نقرأ كل واحد على حدة. والخبران مرتبطان على مستوى الزمان والمكان والظروف بحيث يؤلّفان مجموعة موحّدة توحيداً تاماً.
أولاً: خبران متوازيان
نستطيع أن نتكلّم عن خبرين لأنهما مبنيان حسب النموذج الواحد والرسمة الواحدة. وهذا واضح إن وضعنا الواحد بإزاء الآخر. وسنزيد نص دعوة لاوي (2: 14) الذي يرينا الميزات عينها. فقراءة النصوص الثلاثة ترينا عناصر مختلفة وأخرى ثابتة (وإن اختلفت وسائل التعبير).
بطرس واندراوس يعقوب ويوحنا لاوي
1- مرّ تقدّم مرّ
على شاطىء بحر (قليلاً)
الجليل
2- رأى رأى رأى
سمعان يعقوب بن زبدى لاوي بن حلفى
وأندراوس أخاه ويوحنا أخاه
3- يلقيان الشبكة يصلحان شباكهما جالساً
في البحر في القارب على مكتب
(لأنهما كانا صيادين) الجباية
4- قال لهما: حالاً قال له:
تعاليا ورائي دعاهما اتبعني
(أجعل منكما
صيادي بشر)
5- في الحال تركا تركا
شباكهما أباهما زبدى
(في القارب
مع معاونيه)
6- وتبعاه وسارا وتبعه
وراءه
نلاحظ أولاً الأمور الثابتة: مرّ يسوع فرأى شخصاً صاحب صنعة. دعا هذا الرجل، فترك صنعته وتبع يسوع. وهكذا نكون أمام رسمة ثابتة نزيد فيها اسم المدعوّ ونوع عمله.
ومع هذا، فالموازاة ليست دقيقة جداً. إذا قرأنا النص من اليمين إلى الشمال، رأينا أن هناك عنصراً يختفي من عمود إلى آخر. وعد يسوع بأن يكون بطرس واندراوس صيادي بشر (مهمة يقومان بها). ذكر واضح لترك المهنة (لا يقال ان لاوي ترك مكتب الجباية). وفي النهاية، يبدو الخبر الثالث مختلفاً عن الخبرين الأولين. ونحن نتركه الآن جانباً.
ثانياً: خبر موحّد
يخضع الخبران لرسمة واحدة، وقد ميّزناهما. إلاّ أن الواحد ملتحم بالآخر التحاماً وثيقاً. بل نحسّ أن الواحد لم يُكتب بمعزل عن الآخر (لم يكن مستقلاً عن الآخر). والواحد يكمّل الآخر بشكل عجيب بحيث يجب أن نقرأهما معاً لنحصل على نظرة مُرضية إلى الأمور.
لا تذكر عبارة "كانا صيادين" إلاّ في الحديث عن بطرس واندراوس. ولكن القارىء يفهم أن يعقوب ويوحنا مارسا المهنة ذاتها. يصوّر كل خبر وجهة من نشاط الصيادين (واحد يرمي الشبكة وآخر يصلح الشباك)، ولكن الحْبرين معاً يقدّمان لوحة كاملة عن المهنة.
ماذا سيترك الرجال الأربعة؟ يجب أن نجمع ما يقوله كل خبر بمفرده: الشباك، القارب، الأب. ويختصر الكلام: المهنة والأسرة. ثم إن آ 17 تفسرَّ بالنسبة إلى آ 20 والعكس بالعكس. فالوعد (أجعلكما صيادي بشر) أعطي لسمعان واندراوس. ولكن من الواضح أنه يعني أيضاً يعقوب ويوحنا: لا حاجة إلى الإيضاح. نقرأ "دعاهما" في الخبر الثاني، فنتجنب التكرار في الخبر الأول: تعاليا ورائي.
إن آ 20 تفسّر الدعوة إلى إتباع يسوع: نحن أمام دعوة تعلن آ 17 موضوعها (مهمة، رسالة). كل شيء يبدو متماسكاً: فالعنصر الذي بدا زائداً في الخبر الأول، يشرف على المجموعة كلها. وهكذا يدل 1: 16- 20 على طابعه المبتكر. فإذا أردنا أن ندرك المعنى، نحدّد موقع العناصر المختلفة بعضها بالنسبة إلى بعض. إن الإشارة إلى المهنة قد تجعلنا نظنّ أننا أمام تفصيل سيروي (سيرة الرسول). غير أن الطابع المقولب للخبر يدلّنا على أننا أمام فنّ أدبي، ويدعونا إلى رؤية الأمور بطريقة أخرى. فهذا الخبر الذي اتخذ "شكله" في التقليد الشفهي في الكنيسة الأولى، قد استلهم نموذجاً من العهد القديم هو دعوة اليشاع.
ثالثاً: دعوة اليشاع
ماذا نقرأ في 1 مل 19:19- 21؟
فذهب إيليا من هناك، فلقي اليشاع بن شافاط يفلح الأرض وأمامه اثنا عشر فدان بقر... فمرّ إيليا بالقرب منه ورمى عليه عباءته. جرى اليشاع وراء إيليا وقال: "دعني أقبلّ أبي وأمي ثم أذهب وراءك". أجابه إيليا: "إذهب، عد. ماذا صنعت بك"؟... وقام اليشاع وتبع إيليا كخادمه.
نجد تشابهات لافتة بين هذا النص ونصّ مرقس، وقد يكون التقليد الإنجيلي استلهم العهد القديم. ولكن هناك اختلافات دقيقة تدلّ على المسافة بين نص مرقس ونموذجه.
ونبدأ بالتشابهات. نجد في النصين البنية عينها مع الكلمات ذاتها. مرّ إيليا (مثل يسوع). إلتقى برجل يعمل، دعاه لكي يتبعه. تخلّى التلميذ الجديد عن مهنته وعن أبيه وسار على خطى المعلّم. وهناك عنصر خاص يتوسّع فيه خبر اليشاع: دمّر كل ما يربطه بالماضي، وودّع والديه. هذا العنصر يتيح لنا أن نرى الاختلافات. هنا نعود إلى نداء لم يجد جواباً. أورده لوقا (9: 61- 62) وحده بعد متتالية احتفظ متّى (18:8- 22) منها بالحدثين الأولين. قال الرجل: "أتبعك يا سيد، ولكن دعني أولاً أودّع أهلي". أجاب يسوع: "ما من أحد يضع يده على المحراث...". وهكذا يبدو أن التقليد المتعلّق بدعوة اليشاع، قد لعب دوراً هاماً في تأليف الأخبار الإنجيلية عن الدعوة، وأثّر تأثيراً مباشراً فأبان الاختلافات التي هي أهم من التشابهات. هناك ثلاثة اختلافات رئيسية.
* الاختلاف الأول. توديع الوالدين (نجده في أخبار أخرى). بدا جواب إيليا ملتبساً. ولكن العالم اليهودي فسّرها كسماح لاليشاع بأن يذهب ويودّع والديه. ولكن لو 57:9- 62 الذي يورد ثلاثة أخبار دعوة، فهو يستبعد كل تأخير، كل مساومة، كل تراجع. وفي نداء الصيادين، لم يطلبوا من يسوع أن يودّعوا والديهم. "حالاً" ترك بطرس واندراوس شباكهما. وترك يعقوب ويوحنا والدهما. أما العمّال فظلوا معه.
* الاختلاف الثاني. إن إيليا "وجد" (لقي) أليشاع صدفة. دعاه. أشار إليه بأن يتبعه. أما يسوع "فيرى" الذين يدعوهم. ينظر إليهم نظرة تعبرّ عن اختياره لهم. ثم إنه يتفوّه بكلمة سامية (إتبعني) تدل على سلطته التي لا مثيل لها.
* الاختلاف الثالث. إن أليشاع تبع إيليا كخادم. ولكن يسوع أعلن للرجال الأربعة الذين دعاهم لكي يتبعوه بأنه يسلّمهم مهمة ورسالة. إنتقلوا من مهنة إلى مهنة. فتبدّلت وجهة حياتهم في الخطّ الجديد الذي رسمه يسوع لهم.
أدخل الوعد في رسمة تحوّلت لتتقبّله، وهو وعد بأن يجعل من أربعة مدعوّين صيّادي بشر. شكّل هذا الوعد نواة مركزية تنظّم النصّ حولها فصار خبر دعوة من أجل رسالة. قابلنا مرقس مع العهد القديم، فجاءت المقابلة تثبّت نتائج التحليل النصوصي. وهكذا نستعد لاقتطاف المعنى الذي جعله التقليد في هذا النصّ.
رابعاً: نداء، جواب، إرسال
إن هذا الخبر الذي تكوّن في كرازة الكنيسة الأولى (إنطلق من نموذج توراتي)، قد أبرز النقاط التالية: إن مبادرة يسوع تكشف سلطته السامية وفاعلية كلمته. ليس التلميذ هو الذي يبحث عن معلّم. بل يسوع هو الذي يبادر فيدعو. هكذا رأى الرب موسى وارميا. وهكذا رأى يسوع واختار ودعا الذين أرادهم له (3: 14).
وبعد هذا يأتي جواب المدعو: طاعة مطلقة لكلام يسوع، على مثال الأنبياء. إنقطاع تام عن الوضع السابق، عن الوالدين والمهنة. عطاء تام لذلك الذي يدعونا لكي نعيش معه حياة جديدة.
يدعو يسوع من يتبعه ويحمّله رسالة.
إن الكنيسة الأولى رأت في هذا الخبر أساساً لسلطة التلاميذ الرسولية. فرسالتهم لا تنبع من ذاتهم بل من نداء وصل إليهم. وهي تتجذّر في اتباعهم ليسوع.
ب- التلميذ في حياة يسوع
إذن، لهذا الخبر مدلول لاهوتي. ولكن، أية قيمة تاريخية له؟ هناك أمور غير معقولة. كيف يستطيع إنسان أن يترك فجأة مهنته ويتبع شخصاً مجهولاً؟ وكان على آباء العصور المسيحية الأولى أن يردّوا على كتّاب وثنيين وصفوا الرسل بخفّة العقل! ولوقا نفسه قد أحسّ بالصعوبة، فلم يجعل نداء بطرس في بداية إنجيله: كان يسوع قد "وعظ" في مجامع الناصرة وكفرناحوم... وصنع عجائب عديدة مثل شفاء حماة بطرس. وسيُذكر قارب بطرس مراراً خلال حياة يسوع العلنية. أما الإنجيل الرابع فدوّن الوقائع بشكل مغاير. فالتلاميذ العتيدون (ليسوا بالضبط أولئك المذكورين في مر 1). إلتقوا بيسوع في أيام يوحنا المعمدان. وتعلّموا شيئاً فشيئاً أن يتعرّفوا إلى يسوع. هم الذين اتخذوا المبادرة (يو 1: 35- 51). إن هذا العرض يعكس الواقع. ولكن كل شيء ليس من قبيل الخيال في مرقس. والجماعة لم تخلق كل شيء من لا شيء بحيث لا قيمة تاريخية لما نقرأ في الإنجيل الثاني. لا شك في أن هناك الرسمة اللاهوتية. غير أن الخبر يتجذّر تجذّراً حقيقياً في حياة يسوع، فيلقي نوراً ساطعاً على وضع التلميذ خلال حياة يسوع العلنية.
هنا نسوق الملاحظات التالية:
* عاش التلاميذ حقاً حول يسوع خلال حياته على الأرض. وعبارة "تبع"، "سار وراء" هي جزء من اللغة التي تحدّد علاقة مجموعة من التلاميذ بالرابي. لا شك في أن معاصري يسوع رأوا فيه رابي يحيط به تلاميذه. هذا ما تدل عليه مقاطع إنجيلية عديدة، وما يثبته لقب رابي الذي أعطي له مراراً.
* غير أن الجموع "اندهشت لأنه كان يعلّم بسلطان، لا مثل الكتبة". إذن، هو أكثر من رابي. فالوجهة المواهبية في شخص يسوع، بما فيها من سحر وجاذبية، تدلّ على تعلّق غير مشروط لدى الذين تبعوه من أجل ملكوت الله. وهذا ما لا نجده في علاقة بين تلميذ ومعلّم يعملان في خدمة الشريعة.
* إن "اتبّاع" يسوع الذي هو منادٍ بالملكوت أكثر منه معلماً للشريعة، يتجاوز الانتماء إلى الجماعة. فيدلّ على انطلاقة في مغامرة تتطلّب التزاماً تاماً وتجنّداً كاملاً.
* وهناك إشارة أخيرة في الخبر تجعلنا نلتقي في الحقيقة مع حياة يسوع على الأرض: الكلمة على "صيادي البشر". هي عبارة أصيلة، ولا شيء يوازيها في عالم الرابانيين ولا في العالم الهليني. نستطيع أن نعتبرها كلمة حقيقية تفوّه بها يسوع. ولكن ما هو معنى هذه الصورة؟ إذا كانت وعداً بمهمة، فما هو نوع هذه المهمة؟ هناك من يرى فيها معنى سلبياً لأنها تقابل البشر بسمك خرج من محيطه الحياتي. إذا توقفنا عند الاستعمالات النبوية، نفهمها على الشكل التالي: جمع الشعب من أجل الدينونة. إذن، يجب وضع كلمة يسوع في علاقة بإعلان ملكوت الله القريب، وهذا ما يوافق كرازة يسوع الأولى، وما يوافق رسالة التلاميذ الأولى في العالم اليهودي. ولكن كيف نفهم كلمة يسوع حول "صيد البشر"؟
ج- المسيحي بحسب القديس مرقس
حين دوّن مرقس إنجيله، كانت الأحوال قد تبدّلت تبدّلاً عميقاً: تلميذ يسوع ليس فقط ذاك الذي يمشي معه على طرقات فلسطين، بل ذاك الذي هو عضو في جماعة المؤمنين الواسعة والمنتشرة عبر العالم. والبشارة التي خرجت من العالم اليهودي، قد أعلنت في أربعة أقطار الأمبراطورية الرومانية. وهذا الانفتاح وهذا الانتشار هما ثمرة موت يسوع وقيامته. وخبرة الرسل الوحيدة والتي هي أساس مهمتهم الرسولية، تقدر أن تلقي ضوءاً على الوضع الجديد، شرط أن نجعل كلام يسوع حاضراً. هذا ما يفعله مرقس حين يلتقط خبر نداء الصيادين الأربعة، فيعيد تفسيره، ويجعله في بداية الحياة العلنية فيدّلى على معنى العبارة: اتّباع يسوع.
أولاً: نتبع يسوع حين نذهب الى الوثنيين، نذهب إلى الموت
لقد صار خبر دعوة الرسل نداء يتوجّه إلى كل إنسان. ولقد جعل مرقس الإشارات العديدة في نصّه لكي نقرأه في هذا المنظار. بدأ فطبّق رسمة الدعوة نفسها على خبر نداء توجّه إلى لاوي الذي ليس من مجموعة الاثني عشر والذي لم يتسلّم مهمة خاصة شأنه شأن بطرس واندراولس... 
دعا يسوع لاوي لكي يتبعه. وبعد هذا حالاً أكل مع العشّارين والخطأة. وأوضح مرقس: كثيرون منهم تبعوه. أعلن يسوع أنه "يدعو الخطأة" (الذين لاوي منهم، رئيسهم) ليصيروا تلاميذه. وفكّر مرقس بهذا التوسّع الذي شكّل في عصره الخروج من العالم اليهودي والذهاب إلى الوثنيين. وهذا العبور إلى الوثنيين قد عبرّ عنه بواسطة الجغرافيا في الفصول الأولى من الإنجيل. إجتذب يسوع تلاميذه دوماً إلى خارج الحدود، إلى الجهة الثانية من بحر الجليل (38:1؛ 35:4؛ 5: 1؛ 6: 45؛ 32:7؛ 8: 27)، أو إلى صور وصيدا (3: 8؛ 7: 24). أن يكون الواحد تلميذاً، أن يتبع يسوع، فهذا يعني الذهاب معه نحو الوثنيين. وهذا يتحقّق في حياة الجماعة المسيحية بعد الفصح والقيامة.
حين أغفل مرقس في خبر دعوة لاوي التخلّي عن الخيرات والمهنة، فقد أراد أن يبيّن لنا أن اتّباع يسوع لا يفرض علينا أن نأخذ بحياته التي عاشها في فلسطين. بل أن نقاسمه مصيره بشكل أو بآخر. ماذا يعني هذا الكلام؟ لاحظنا أن مرقس استعمل مرتين في معرض حديثه عن الرسل فعل "ترك، تخلّى". قال في خبر الدعوة: "تركا الشباك وأباهما". وفي 14: 5: "تركوه كلهم وهربوا" (ساعة أوقف يسوع). لا نستفيد حين ترك الخيرات إذا كنا سنترك يسوع أيضاً أمام الموت أو "نتبعه من بعيد" (15: 54). فبعد اعتراف قيصرية (أنت المسيح) والانباء الأول بالآلام، أدخل مرقس موضوع الطريق، موضوع الدرب (8: 27) الذي يتوزعّ المسيرة إلى أورشليم (33:9؛ 10: 32). ولكن التلاميذ الذين يسيرون على هذا الطريق، الذين يسيرون في المؤخرة، يخافون من اتباع يسوع نحو الموت والقبول بالآلام. أما التلميذ الحقيقي فهو ابن طيما الأعمى: حين أبصر تبع يسوع في الطريق (52:10). فاتباع يسوع يعني بعد اليوم أن نحمل الصليب.
نستطيع القول إن خبر 1:16- 20 يكشف خبرة حقيقية ويقدّم استباقاً للحياة المسيحية. "تبعوه". إن بطرس واندراوس ويعقوب ويوحنا لم يتبعوا يسوع حقاً إلاّ حين حملوا الإنجيل إلى الوثنيين وبذلوا حياتهم من أجل يسوع ومن أجل الإنجيل (8: 35).
ثانياً: موضع الخبر: يسوع لا يصنع شيئاً من دون التلاميذ
لماذا تحدّى مرقس كل معقول وجعل هذا الخبر في بداية حياة يسوع العلنية؟ لأنه لا يستطيع أن يتصوّر يسوع وحده إلاّ خلال الآلام. فأول نشاط قام به يسوع في إنجيل مرقس هو أنه أحاط نفسه بتلاميذ. وبعد هذا سنراهم معه في كل أحداث حياته العامة (1: 21، 28؛ 15:2؛ 7:3؛ 37:5؛ 6: 1؛ 27:8...). فيسوع لا يستطيع (ولا يريد) أن يصنع شيئاً من دون تلاميذه. وهذا يعني أمرين:
* ما إن ظهر يسوع حتى كوّن جماعة، كوّن عائلة (20:3- 35) التلاميذ ليكونوا معه وليرسلهم (3: 14).
* عملهم هو امتداد عمله. وسيكونون شهوداً على أعماله.
حين قدّم مرقس إنجيله على هذا الشكل، أبرز التواصل نجين حياة يسوع والكنيسة. وهكذا نفهم الآن لماذا ربط الاجمالة حول كرازة يسوع واختيار الأربعة مع الإشارة إلى إعتقال يوحنا والحياة في الجليل. فيسوع دشّن الرسالة في إطار ما فعله السابق الذي سلّم إلى الموت كما سيسلم هو: في الجليل وحيث سيدعو القائم من الموت صيادي البشر ليرسلهم إلى العالم أجمع. هذا هو الإرسال الحقيقي، والدعوة الأولى كانت له رسمة سريعة وغير واضحة. في النهاية، هو القائم من الموت قد ظهر فجأة على شاطىء بحر الجليل، فضمّ البشر إلى إنجيله بفضل كلمته السامية.
بعد الآن، صار الجليل الارض كلها. وصار الأربعة جماعةً عظيمة من الذين آمنوا بيسوع، وتركوا كل شيء وتبعوه.

 

 

الفصل الحادي عشر
صيحة الإنسان وسرّ الله
1: 21-28

مسرحية في فصلين، تحتلّ يوم السبت في مجمع كفرناحوم. مشهد يُطرَد فيه الشيطان من قلب رجل مريض. يشير النص إلى شيطان "يمتلك إنساناً" (هو ممسوس)، وإلى ممارسة طرد الشياطين، إلى حوار يسوع مع الشيطان. "أنا أعرف من أنت". قال يسوع: "أسكت". كل هذه أمور غريبة بالنسبة إلينا.
ويبدأ الخبر بمقدّمة في آيتين سريعتين. يقول لنا مرقس إن يسوع كان يعلّم. ويلاحظ سلطان هذا التعليم وتأثيره على الجموع، ولكن لا يقول لنا شيئاً عن مضمون هذا التعليم. وظهر الرجل الممسوس وبدأ مشهد طرد الشيطان. حين رأت الجموع هذا المشهد، أخذ منها العجب كل مأخذ. والأسئلة التي طرحتها قد تدخلنا في قراءة أعمق للنصّ. إذا عدنا إلى المنطق، كان على الجموع أن تندهش من سلطان يسوع على الشياطين. فإذا بها تعبّر عن إعجابها بتعليم يوصف أنه "جديد". ثم تعجب بطرد الشيطان.
تشير مقدّمة الخبر وخاتمته إلى تعليم يُعطى بسلطان، فنجد نفوسنا أمام تضمين (واحتواء) يحيط بطرد الشيطان. هذه الطريقة (مع إشارات أخرى) تدلّ على يد مرقس في تدوين خبر تسلّمه من التقليد. فنحن أمام مستويين، أمام مرحلتين. وهذا ما يتيح لنا أن نقوم بقراءتين متواليتين لهذه الصفحة الإنجيلية فنستجمع كل غناها.

1- يسوع يطرد روحاً نجساً (آ 23-27)
أ- قراءة النص
يبدأ هذا الخبر كما يبدأ خبر معجزة. فيقدم لنا "الوضع": "وكان هناك رجل". نستطيع أن نقابل مع الحدث التالي: "وكانت حماة سمعان طريحة الفراش بالحمّى" (1: 30). أو في 1: 40: "واقترب أبرص". وفي 2: 3: "جاؤوه بمخلّع".
بعد هذا، تتبدّل الأمور حالاً. نجد حالاً مبادرة (أو: تصّرف) تدلّ على إيمان المريض أو الحاضرين. أما هنا، فلا يتدخّل أحد. ويسوع لا يتحرّك. وفجأة يحدث "إنفجار". فوجود الشيطان أمام يسوع جعل الرجل "يصيح"، ومن خلاله الروح النجس. وهذا ما نلاحظه بوضوح أكبر في خبر آخر من طرد الشياطين، هو شفاء الولد الذي يقع في الصرع: "فلما رأى الروح النجس يسوع، صرع الصبي فوقع على الارض يتلوّى ويزبد" (9: 20). من الواضح أن اللقاء مع يسوع يحدث صدمة. لا يستطيع الشيطان أن يظلّ لامبالياً. وهو يفسّر سبب تصّرفه في عبارتين لا شكّ فيهما. أولاً: "ما لنا ولك"؟ ماذا تريد منا؟ أو: لماذا تتدخّل هنا؟ هذه العبارة التي نجدها في حدث قانا الجليل، ترد مراراً في العهد القديم. نستطيع أن نرتّب النصوص في فئتين. الأولى: ما الذي صنعته لك؟ ما الذي حدث لكي تتصّرف بهذا الشكل؟ ما الذي حدث لكي تفعل بي ما تفعل؟ قض 11: 12؛ 2 أخ 35: 21؛ 2 صم 16: 10؛ 19: 23؛ 1 مل 17: 18. والفئة الثانية: أية علاقة بيني وبينك؟ أما يجب عليك أن تهتم بأمورك؟ يش 22: 24؛ 2 مل 3: 13؛ هو 14: 9.
في كلا الحالين، هي تدل على مسافة موضوعة بين شخصين. هناك سوء تفاهم وعدم توافق بين شخصين كانا مرتبطين الواحد بالآخر. أو هناك رفض لكل علاقة، لكل مساومة بين عدوّين إثنين. هنا يفرض المعنى الثاني نفسه. نحن أمام إعلان حرب. أو بالأحرى أمام إعلان عداء ورفض لحرب يعرف الضعيف مسبقاً نهايتها. لهذا قال الشيطان: "أجئت لتهلكنا"؟ ونجد التسلسل عينه في مشهد آخر شهير رواه مرقس: متشيطن الجراسيين. بدأ الشيطان بعبارة الرفض. ثم أخذ يتوسّل لأنه خاف مسبقاً من هزيمة أكيدة. "ما لي ولك" أي: في ماذا تتدخّل؟ ثم: "أستحلفك بالله، لا تعذّبني" (7:5).
في هذه الحوارات المدهشة، يعطي الشيطان لقباً ليسوع. هنا: "قدوس الله" (1: 24). في 5: 7: "ابن الله العلي". إن عبارة "قدوس الله" نادرة في العهد الجديد. نجد في سفر الأعمال عبارة "القدوس والبار" (أع 3: 4). أو: "فتاك القدولس" (أع 4: 27- 30). وكل هذه عبارات كرستولوجية قديمة. في لو 1: 35 يرتبط "القدوس" مع "ابن الله". ولكننا نجد عبارة "قدوس الله" في يو 6: 69، في اعتراف إيماني يعلنه بطرس فيقابل ما نجده من اعتراف في متّى، في قيصرية فيلبس (مت 16: 16). إن هذا النص يدلّ على أن يسوع هو ذاك الذي يأتي من الله ويعود إلى الله (يو 13: 3؛ 16: 30). الله أرسله وكرّسه (وقدّسه) (يو 10: 36).
إن لقب "قدوس الله" لا يدلّ على لقب مسيحاني في العالم اليهودي. هو يتحدّث عن يسوع ككائن ينتمي إلى حلقة القداسة الإلهية، يرتبط إرتباطاً خاصاً بالله. وهكذا يدلّ هذا اللقب على التعارض، على عدم توافق تامّ بين يسوع والشيطان الذي يسمّيه مرقس "الروح النجس" (في إطار طقسي أو ديني. ما يعارض كل ما هو مقدّس. هو القوة المعادية لعالم الله، لعالم القداسة).
حين رأى الروح النجس يسوع أحسّ بالعدوان، ولهذا كان الإنفجار. وسيؤكّد وليْ الخبر مخاوف الشيطان. هدّده يسوع. هذا الفعل يستعمله مرقس مراراً. وهو يدلّ في العهد القديم على أمر إلهي لا يقاوَم. أعطى يسوع هنا أمرين. الأول: اخرس، اصمت. حرفياً: ضع الكمامة على فمك (هذا ما قاله يسوع أيضاً للبحر: 4: 38). يبدو الشيطان وكأنه وحش لا بدّ من ترويضه لئلا يؤذي أحداً فيما بعد. وجاء الأمر الثاني قاطعاً: "أخرج". نجد هذه الكلمة عينها في 5: 8: "أخرج من هذا الرجل". وفي 9: 25: "أخرج من الصبي ولا ترجع إليه". خروج نهائي. 
وكانت النهاية السعيدة. فالتلوّي والصراخ العظيم يدلاّن على أن يسوع حصل على النتيجة التي أرادها (كما في 9: 26) دون حرب. ولكن هذا لم يحدث في تعزيمات أخرى (مجنون الجراسيين، الولد المصاب بداء الصرع) حيث سيلقى يسوع بعض المقاومة. أما هنا، فالنصر كان سريعاً. وهذا ما جعل الحاضرين يتعجّبون، لأن الأمر ليس بعادي: إن الأرواح النجسة تخضع لكلمة واحدة قالها يسوع.
ب- مقسّم ليس كالآخرين
كانت ردّة الفعل سريعة تجاه أسلوب يسوع وما يعنيه بالنسبة إليهم. لقد شاهدوا تقسيمات (أي: صلوات تُتلى على شخص فيه شيطان) عديدة. فقد انتشرت هذه الممارسة في العالم الديني القديم، في العالم اليهودي كما في العالم اليوناني. وكان لها طقوس يتبعها المقسّمون. وقد بقي لنا بعض نصوصها مع اختلافات ترتبط بالمحيط الذي وُلدت فيه. نستطيع أن نتحدّث عن رسمة مشتركة تتبعها الأخبار الإنجيلية خصوصاً شفاء مجنون الجراسيين والولد الذي يقع في الصرع.
ماذا نجد؟
- تقديم الحالة مع وفرة التفاصيل حول خطورة الوضع (كما في تصوير مرض لا شفاء له).
- يتعرّف الشيطان إلى الذي جاء يقسِّم عليه.
- حوار بين المقسّم والشيطان.
- يطرد الشيطان بأمر: أخرج. أو بعبارة تقنية: كمّ فاه.
- براهين لا شك فيها تدلّ على النتيجة.
- وأخيراً، دهشة الحاضرين أو السامعين.
كان السحر يحتلّ مكانة كبيرة في مشاهد التقسيم هذه، وكان لذكر الإسم أهمية كبرى. فالمقسّم لا يستطيع أن يسيطر على الشيطان إن لم يعرف إسمه. ويقوم فنّه كله بأن يحصل على هذا الإسم. ولكن الصعوبة تزداد إذا كان أمام روح أصمّ وأخرس: فالنجاح في هذه الحالة يدلّ على أننا أمام مقسّم عظيم. ومقابل هذا، إن عرف الشيطان اسم المقسّم وتلفّظ به، تخفّ فاعلية عمل المقسّم. لهذا على المقسّم أن يكتم فاه الشيطان ويسكته.
كل هذه التفاصيل تدلّ على الحدّ الذي اتخذته الأخبار الإنجيلية لتكون قريبة من الرسمة المعروفة، كما تدلّ على أنها تفترق عنها افتراقاً كبيراً. فنحن لا نلاحظ في "تقنية" يسوع عبارات سحريّة ولا إشارات خارقة تدلّ على الحصول على نتيجة. كل ما نجده هو المقاومة مع شيطان الجراسيين. ما نلاحظه هو فاعلية كلمة يسوع وتأكيد بسيط للنتيجة التي حصلت.
وهذه التقسيمات لا تبدو كحوادث متفرّقة تتكرّر ولا تبدّل شيئاً في حياة الإنسان (يُطرَد الشيطان اليوم فيعود غداً). بل هي تشكّل (وهذا ما اعترف به الشيطان نفسه) واقعاً "جديداً" في تاريخ الخلاص. لقد بدأ عهد جديد. وترك العالم سيّده القديم. إنتهى سلطان الأرواح النجسة. لقد هلكوا وبادوا. لقد تهدّدت سلطتهم على العالم كما قال لجيون (5: 10). بدأ عذابهم (وحرمانهم من سلطتهم) قبل الأوان (مت 8: 29).
إذن، هذا يبيّن أن "يسوع الناصري" ليس مقسّماً صغيراً في قرية من القرى. إنه مرسل الله. إنه "القدّوس" الذي يدلّ بحضوره وعمله على أن الله قد أقام ملكه. ويسوع نفسه يفسّر أعماله بهذا الشكل في مقطع شهير (3: 22- 30) يردّ فيه على الكتبة الذي يتّهمونه بأنه يطرد الشياطين برئيس الشياطين. قال: ظنّ الشيطان نفسه قوياً. لقد وجد الآن سيّده. وانتهت سلطته. ولقد احتفظ لنا متّى ولوقا بقول ثمين حول الوجهة الإيجابية للتقسيمات: "إذا كنت بروح الله أطرد الشياطين، فملكوت الله حلّ بينكم" (مت 12: 28؛ رج لو 11: 20). إذن، لتقسيمات يسوع بُعد اسكاتولوجي.
ج- تحرّر المؤمن فاعترف بيسوع المخلّص
إن المقابلة بين الأخبار الإنجيلية والتقسيمات عند اليهود أو الوثنيين، نطبّقها على المشهدين في ف 5 (مجنون الجراسيين) وف 9 (المصاب بداء الصرع) حيث الطابع الشعبي واضح جداً: أخبار موسّعة، قوة دراماتيكية. أما التقسيم في ف 1 فيلفت نظرنا بإيجازه: إنه يخفّف من وجهة المقاومة، ويزيل كل تفصيل يجعلنا في عالم الأخبار المتفرّقة. في خبر مجنون الجراسيين والمصاب بداء الصرع، نحسّ أننا نعرف بعض الشيء عن المتشيطن (فيه شيطان)، عن الطفل (أو: أبيه). أما هنا، فالشخص الذي امتلكه الروح النجس يبدو نموذجاً عاماً، حيث سقطت التفاصيل وبقي الحدث في جوهره.
لقد لاحظ الشرّاح منذ زمن بعيد أنّ طرد الروح النجس (1: 23- 27) قد بُني حسب نموذج العاصفة المهدَّأة. أو بالأحرى اعتبرت تهدئة العاصفة وكأنها معجزة طرد الشياطين، والماء يدلّ على الشّر في عالم الشرق القديم.
طرد الشيطان (1: 23- 27) تهدئة العاصفة (4: 37- 41)
آ 23- وكان رجل فيه روح آ 37- فهبّت عاصفة شديدة
نجس، فأخذ يصيح: وأخذت الأمواج تضرب القارب...
آ 38- أيقظوه وقالوا له:
آ 24- ما لنا ولك يا يسوع الناصري أما يهمّك أننا
أجئت لتهلكنا نهلك
(= لقد هلكنا) (= لقد هلكنا)
آ 25- فانتهره يسوع آ 29- فقام وانتهر الريح
وقال للبحر:
كمّ فاك واخرج اسكت. كمّ فاك
آ 26- فخرج الروح النجس فسكنت الريح وحدث
وهو يصرخ صراخاً عظيماً هدوء عظيم
آ 27- فتعجّوا كلّهم (أمسكوا) آ 41- فأمسكهم خوف شديد
وتساءلوا وقال بعضهم لبعض:
ما هذا؟ من هذا إذن؟
ها تعليم جديد يُلقى بسلطان
يأمر حتى الأرواح النجسة حتى الرياح والبحر
فتطيعه تطيعه
نستطيع أن نستخلص من هذه الإزائية الرسمة التالية:
- إن حضور يسوع يحزك القوى المعادية (الشيطان أو البحر). نحن في حالة حرب.
- والتحدّي يصيب يسوع. يتحدّاه الشيطان ليتراجع، والتلاميذ ليفعل. وفناك فعل "هلك".
- يعبرّ النص انتصار يسوع التام بلفظتين: "انتهر" (أو: هدّد)، "كمّ فاه".
- يتأثَّر الناس ويطرحون سؤالاً حول يسوع الذي يُطاع.
تختلف البنية الأدبية لهذين الخبرين بعض الشيء عن أخبار المعجزات بحصر المعنى. في البداية، هجوم يحلّ محل مسيرة الإيمان. وفي النهاية، سؤال حول يسوع نفسّره لا كسؤال بسيط، بل كتعبير عن سّر شخصه كما تكشفه فاعلية كلمته.
هناك فعل "ابينيمان" بمعنى هدّد، انتهر. هو يعلن في العهد القديم انتصار الرب على البحر أو على العناصر في الخلق أو في عبور البحر الأحمر (أي 26: 11- 12؛ مز 104: 7؛ 106: 9؛ أش 50: 2؛ نا 1: 4)، انتصاره على الشيطان (زك 3: 2). ونجد هذا الفعل أيضاً في الأناجيل، وهو يدلّ على حرب يسوع ضدّ البحر (كما في 4: 34)، وضد الشياطين (1: 35؛ 9: 25)، وضدّ الحمّى (لو 4: 34)، وضدّ بطرس الذي تشبّه بالشيطان (8: 33)، وضد التلاميذ (8: 30). وهذا الأمر يعني عادة هويّة يسوع.
وتساءل الشرّاح عن هدف هذا الخبر الذي يبرز طابع يسوع المتعالي وانتصاره على كل قوى الشّر. هناك افتراضات. الأولى: نحن لا نعرف إلى أي حدّ كان العالم القديم خاضعاً للسحر ولكل قوى الشّر من أي جهة جاءت. الثاني: حين نقرأ أعمال الرسل، نفهم أن الكنيسة عملت الكثير لنشر الإنجيل، فبدأت بتحرير العالم من أمراضه وتغرّباته. بدأت تقسّم على العالم لتخرج منه الشياطين. الثالث: كان المسيح المحرّر الحقيقي ومدمّر قوى الشر. الرابع: حيث كان الوثني يحسّ في الأعماق بالخلاص الذي أدركه، كان يطرح عن نفسه السؤال الآتي: من هو هذا الذي يخلّص أكثر من الشفّائين والسحرة والكهنة الوثنيين والأباطرة؟ لهذا لعبت أخبار طرد الشياطين دوراً كبيراً في كرازة المرسلين. وهذا ما تدلّ عليه كرازة بطرس الأولى للوثنيين: "مسح الله يسوع بالروح والقدرة، فسار في كل مكان يعمل الخير ويشفي جميع الذين سقطوا في قبضة إبليس" (أع 10: 38). 
ولكن إن تحرّر المسيحي، فالحياة المسيحية تبقى صراعاً ضدّ قوى الشر. ونصوص الرسائل تشدّد على هذه الناحية (روم 13؛ أف 6: 10- 17؛ 1 بط 5: 6- 10). وهي ترد في علاقة مع الفقاهة (التعليم) العمادية. في هذا المنظار، لعبت أخبار التقسيم دوراً كبيراً في التنشئة المسيحية (وهذا ما نجده في رتبة العماد حسب بعض الطقوس). مع المسيح، المسيحي هو أيضاً منتصر.
نحن لا نطرح السؤال في العمق، ولكننا نلاحظ تاريخية خبر طرد الشياطين: لا شكّ في أن يسوع أخرج الشياطين. وترك في عقل معاصريه صورة رجل شفى المرض وطرد الشياطين. ونرى إشارة إلى ذلك في شفاء مجنون الجراسيين والمصاب بداء الصرع. بل إن أعداءه قالوا عنه إنه يطرد الشياطين برئيس الشياطين فأجبر على الردّ عليهم. إتهمه الكتبة بأنه يمارس السحر لأنه يطرد الشياطين. يبقى علينا أن نتبع مثال يسوع والإنجيليين ونفسّر هذه الصورة التفسير الصحيح.

2- مرقس يفسّر "طرد الشياطين"
تسلّم مرقس هذا الخبر من التقليد واهتمّ به اهتماماً خاصاً. ولكنه حوّله بعض الشيء ليتوافق مع مشروعه في كتابة الإنجيل.
إن طرد الشياطين وبصورة عامة الحرب ضدّ الشياطين، يحتلاّن حيّزاً هاماً في إنجيل مرقس، إن من جهة الكمية وإن من جهة النوعية: فنحن نجد الموضوع في ثلاثة أخبار (وهناك خبران موسّعان جداً)، وفي إجمالات عديدة حول نشاط يسوع بقلم مرقس (1: 34، 39؛ 3: 11- 12)، وفي مناسبة إرسال التلاميذ (3: 15: سلطان يطردون به الشياطين؛ 6: 7، 13). في كل هذه النقاط، يبتعد متّى ولوقا عن مرقس.
إحتفظ لوقا بالخبر الذي أوردناه، وبإجمالة وحيدة قريبة مما في مرقس. وجهل متّى طرد شيطان كفرناحوم. ثم إن متّى ولوقا خفّفا (أو ألغيا) بشكل عادي الوجهة "الشيطانية" من أخبار عديدة (الكنعانية، رسالة الإثني عشر، الولد المصاب بالصرع). وهكذا ظهر تحوّل بسيط من الإمتلاك (الشيطان يمتلك إنساناً) إلى المرض، من التقسيم (طرد الشياطين) إلى الشفاء. وفي النهاية لا يتّفق الإنجيليون الثلاثة إلا على خبر مجنون الجراسيين، فيخفي متّى ولوقا الوجهة الشعبية والدراماتيكية.
ويهتمّ مرقس بالحرب ضدّ الشيطان، فيحدّد موقع مشاهد التقسيم في النقاط "الستراتيجية" من إنجيله. فقسما الإنجيل يبدآن بظهور (تيوفانيا) يتبعه انتصار على الشّر (البرية، المصاب بالصرع). وفي القسم الأول، يبدأ كل جزء بطرد الشيطان: بعد دعوة التلاميذ الأربعة الأولين، نجد تقسيم كفرناحوم، ثم نشاط يسوع العلني الأول. وإجمالة حيث التقسيم مهم، تسبق تكوين مجموعة الإثني عشر التي يتبعها الجدال حول بعل زبول (3: 22-30). وأخيراً، في الجزء الثالث، يتسلّم التلاميذ مهمة طرد الأرواح ويمارسونها (6: 7، 13).
إن مرقس يستعيد بطريقته الخاصة تفسير أخبار التقسيم فيخضعها لشيء آخر ليعبرّ عن قصده في كتابة إنجيله.
أ- "أعرف من أنت"... "أسكت"
ما هو قصد مرقس الإنجيلي؟ هو كشف عن شخص يسوع، واكتشاف تدريجي لهذا المعلّم. إذا أردنا أن نجيب عن السؤال الأساسي "من هو يسوع"؟، نطرح سؤالاً آخر: "من يستطيع أن يقول من هو يسوع"؟ إن خبر التقسيم هذا، وإن انتهى بعلامة استفهام (من هو يسوع؟)، يتضمّن جواباً. إذن، للتوتر الذي يمرّ في إنجيل مرقس معناه العميق. فهذا الإنجيلي يريد أن يقود القارىء إلى إعلان الإيمان المسيحي، إلى التعرّف إلى يسوع المسيح وابن الله. هذا ما أعلنه في الآية الأولى من انجيله: "يسوع المسيح وابن الله".
يسوع هو ابن الله. هذا هو سرّ الآب الذي سلّمه إلى يسوع وحده حين العماد في الأردن. وكشفه على جبل التجلّي لثلاثة مميّزين ستتجاوزهم الرؤيا وسيطلب منهم أن لا يخبروا أحداً بما رأوه. وطوال الإنجيل، لا يستطيع أحد أن يتلفّظ بهذه الكلمات "يسوع ابن الله". يجب أن ننتظر الآلام. فعند الصليب رأى قائد المئة (الوثني) كيف مات يسوع. كان هنا صدفة، ولكن النعمة جعلته يعلن: "حقاً هذا الرجل هو ابن الله". وهكذا التقى وسّر الآب. إذن، إن التعرّف إلى سّر يسوع ليس ممكناً ولا مفيداً إلا بعد مسيرة طويلة نقوم بها بشروط. فكل ما يحدث قبل هذا وبدل هذا، يبقى غير مقبول. فهناك طرق خاطئة. هناك فخاخ. ويهتم مرقس بأن يجعلنا نتجنّبها.
إن الأخبار التقليدية عن التقسيم هي وسيلة تربوية شرط أن نفسّر في معنى آخر عنصرين من تقنية التقسيم وجدناهما في أخبار التقسيم: التلفّظ بالإسم والسكوت (أو كمّ الفمّ). فالتلفّظ بالإسم في التقسيمات الوثنية أو اليهودية، يشكّل دفاعاً للشيطان، ومجهوداً ضروريا ليزيل سلطان الذي يريد أن يطرده. ولكن حين يتلفّظ المقسّم بدوره باسم الشيطان، فهو يكمّ فاه الخصم ويسيطر عليه ويستطيع أن يطرده.
من الواضح أن هذه الوجهة السحرية من الصراع قد زالت (زال قسمٌ كبيرٌ منها) من الخبر التقليدي، ولم تعد تهمّ مرقس. لهذا سيلغيها ويحوّل معناها. وهذا ما يظهر بوضوح في إجمالات يستهلمها مرقس من الخبر (1: 34؛ 3: 11-12). فكمّ الفمّ صار أمراً بالسكوت والتوقّف عن الكلام. وستستعمل اللفظة لمرضى نعموا بالشفاء (1: 44؛ 5: 43؛ 7: 36؛ 8: 26)، كما تستعمل للتلاميذ (8: 30؛ 9: 9). عرف الشياطين هويّة يسوع، فأسكتهم يسوع. فالإسم الذي تتلفّظ به الأرواح النجسة هو أوضح في الإجمالة الموسّعة (3: 11- 12) أكثر منه في الأخبار: "ابن الله". أي: الحقيقة التي كشف عنها الآب، واعترف بها قائد المئة.
لا نتخيّل أن الجموع استطاعت أن تسمع صيحة الشياطين، وأن الأمر بالصمت الذي فرضه يسوع لا جدوى منه. فمرقس يتوجّه إلى القارىء ليدخله في تدبير الوحي. فيلمّح بأن تكرار اسم "يسوع ابن الله" من الخارج، دون أن ندخل في السرّ، يجعلنا في إطار شيطاني يسيء في النهاية إلى مهمة يسوع ومعرفة شخصه الحقيقية. من هو يسوع؟ أساء الشياطين معرفته، وتكلّموا قبل الأوان. فالآب وحده يعرفه معرفة حقيقية. والناس سيتعرّفون إليه عند الصليب. لا يكفي أن نعرفه معرفة علوية بالدرس والبحث. بل نتقبّل هذه المعرفة في الإيمان كعطيّة من الآب. ولا نخبر عن هذه المعرفة قبل الأوان. فقد نخطىء. فالأعمال التي تجعل الجموع تتراكض إلى يسوع فتطرح أسئلة (ما هذا؟ من هو هذا؟) لا تجد معناها إلا في الآلام: لا نستطيع أن نعرف حقاً من هو يسوع إلا إذا تبعناه حتى الصليب.
هنا نتساءل: أليس لمرقس طريقة خاصة في رسم خط ينطلق من هذا "التقسيم" إلى الآلام؟ إن الشياطين يصرخون دوماً عند مرقس. والروح خرج وهو يصيح صيحة عظيمة. ويسوع، حين مات، صاح صيحة عظيمة (15: 34، 37). هذا ما يذكره النص مرتين. وهكذا يدلّ مرقس على أن موته هو الصراع النهائي والكبير، هو التقسيم الأخير الذي يجعل سّر هويته حراً والإعلان عن ابن الله ممكناً.
ب- تعليم جديد يُلقى بسلطان
لقد فسّر مرقس التقسيم بشكل آخر فأخضعه لتعليم يسوع. سبق ولاحظنا ما في هتاف الجموع من أمر غير عادي: فقبل أن تُنشد نجاح التقسيم وطرد الشيطان، تتعجّب من تعليم يُلقى بسلطان، وهذا التوالي بين التعليم والتقسيم نجده مرتين: أولاً في الخبر، ثم في الخبر النهائي. ومن جهة ثانية، فذكر التعليم بسلطان يشكّل تضميناً. إذن، هذا يعني أن مرقس يريد أن يشدّد على التعليم. إن يسوع يدلّ على سلطانه بتعليمه أكثر منه بسلطته على الشياطين.
نسمع عادة أن مرقس لا يهتمّ بتعليم يسوع، فيختلف عن لوقا، ويختلف عن متّى الذي تشكل خطبه عناصر كرازية وتعليمية هامة. ولكن الواقع هو أكثر تشعّباً. فإذا كان مرقس لا يحس مراراً (2: 13؛ 6: 2، 34؛ 10: 1؛ وخصوصاً 1: 21) بالحاجة إلى أن يقول لنا ما الذي علّمه يسوع، فهو يستعمل أكثر من متّى كلمة "علّم"، "تعليم". ما يهمّه في تعليم يسوع ليس المضمون، بل النشاط في ذاته لأنه يدلّ على هوية يسوع. ويشير مرقس إلى ميزتين: الجدة (جديد) والسلطان. هو جديد لا بما يحمله بل بنوعيّته. هو جديد لأنه يُعطى بسلطان. والسلطان لا يدلّ هنا على كفاءة "المعلم" الذي يمتلك موضوعه أو سامعيه: فالكتبة كانوا كفوئين، ولكن "يسوع لا يعلّم مثل الكتبة". يرتبط الرابي بمعلّميه ويهتمّ قبل كل شيء بتفسير حرفيّة الشريعة. وإن أظهر براعة لا تأويل الكتب المقدسة، حاز على احترام عظيم بسبب أمانته في نقل ما تسلّمه، ولأنه أعلن جهله أمام أمور من الشريعة لا تفسير لها. فالشريعة وتفسيرها هما السلطة في نظره.
أما يسوع فما تعلّم في المدارس (يو 7: 15)، ولا هو رجع إلى أحد، وليس عبداً للحرف. إنه يقدّم نفسه فوق الشريعة. إنه يفسّرها. له سلطان عليها: "ابن الإنسان هو سيّد السبت أيضاً" (2: 28). حين شفى يسوع الأبرص، دلّ على أنه أقوى من الشريعة: هي لا تستطيع إلا أن تلاحظ المرض وتطرد المريض من المجتمع. أما يسوع فيزيل النجاسة ويعيد الإنسان إلى الجماعة. والسلطة التي يمارسها هي سلطة تحرير الإنسان من كل العبوديات، حتى عبودية الخطيئة (هذه السلطة سيعارضها الكتبة بعد شفاء المخلّع، 2: 6، 16؛ 3: 22، 7: 5...) إذن، هو سلطان إلهي يظهر في تعليمه.
والطريقة التي بها يسوع يعلّم، تطرح السؤال حول شخصه. هذا ما يعبرّ عنه أهل الناصرة بشكل لافت. أعجبوا به فطرحوا السؤال عن أصله: من أين جاءه كل هذا؟ لا، يسوع ليس الرابي الذي تعوّد عليه الناس. بل هو يتصرّف كنبي يتّصل اتصالاً مباشراً بالله. إنه "قدوس الله" كما قال الشيطان، "وكان على حق فيما قال". وهذا النبي يستقي من اتصاله بالله حرية الروح وينبوع سلطانه: هذا السلطان بأن يكشف سر الله ويحرّر الإنسان. نلاحظ هنا أنه سيكون حديث عن تعليم يسوع في الأمثال والإنباءات بالآلام. وفي الحالتين، هناك وحي عن شيء خفي لا يستطيع الإنسان أن يدركه بنفسه: سّر الملكوت (4: 11) وضع عبد الله المتألم (8: 33؛ 9: 31).
في النهاية، ليس لخبر التقسيم المقحم في هذا التقديم للتعليم، إلا هدف واحد: إعطاء صورة عن سلطان التحرير الذي يمارسه يسوع على جميع المستويات وفي كل المجالات. لهذا، يجب أن نفسّره في منظار ما يظهره التعليم، لا خارج إطاره وكأنه معجزة خارقة.
ج- عمل في جميع الأمم
حدّد مرقس موقع هذا الحدث حالاً بعد نداء الصيادين الأربعة، على أنه أول نشاط علني قام به يسوع برفقة تلاميذ سيكونون دوماً معه. والحال أن يسوع أعلن في الإنجيل والخبر السعيد بأن ملكوت الله هو هنا، بأن قدرة الخلاص بدأت تعمل، بأن عالماً جديداً تدشّن. ففي الكلمة التي تحرّر، الله يفعل. ويسوع النبي القدير بالكلام والأعمال يعني أن الإنجيل بدأ مسيرته.
إن هذا الحدث هو جزء من مجموعة تسمّى "يوم كفرناحوم" (1: 21- 43). ففي وحدة الزمان (يوم السبت) والمكان (كفرناحوم) جمع مرقس عدّة أحداث: تعليم، طرد شيطان، شفاء حماة سمعان. وعند المساء لوحة إجمالية. وتحصل هذه الأحداث على التوالي في المجمع، في البيت، عند باب المدينة (أو: الساحة العامة). غير أن هذه المتتالية تنتمي الى مجموعة أوسع (1: 14- 39) حيث يظهر يسوع في الجليل، ويأتي إلى شاطىء البحر، ويدخل إلى كفرناحوم، ويذهب إلى المجمع، ويخرج من المجمع، ويذهب في المساء إلى "الساحة". وفي الغد يترك المدينة ليجول في الجليل فيكرز في المجامع ويطرد الشياطين. وبمختصر الكلام، إنه يفعل في كل مكان ما فعله في مجمع كفرناحوم: تعليم وتقسيم.
والحدث الذي ندرس هو نواة حركة تركيز وتوسيع، وهو يشكّل تكثيفاً له معناه لنشاط يسوع. فما يظهر في موضع يهودي عام، في بيت الشريعة (تحرير إنسان بيد يسوع) سينتشر في كل الجليل الذي سيصبح بعد القيامة موضع الرسالة إلى الأرض كلها. وهكذا لا نندهش حين نقرأ خاتمة المقطوعة: "وذاع صيت يسوع" (آ 28). ولكن لا ننسى التنبيه والأمر بالصمت: فهذه الشهرة لن تجد أساسها الحقيقي إلا بعد الآلام.

 

 

الفصل الثاني عشر
من الإعجاب إلى الإيمان
1: 29-39

يتضمّن هذا النص الذي ندرس ثلاث مقطوعات متمايزة: خبر شفاء حماة بطرس (آ 29- 31)، إجمالة حول الأشفية (آ 32- 34)، خطوة جديدة في رسالة يسوع (آ 35- 39). إن تحليل هذه المقطوعات سيأخذ بعين الإعتبار الفنّ الأدبي الخاص بكل واحدة.
إن حماة بطرس تجسّد وضع كل مريض. والجموع التي تطلب يسوع (آ 32، 33، 37) تجعلنا نرى بشكل ملموس ردّة فعل الإنسان أمام الذي يستطيع أن يشفيه. ونطرح السؤال: هل تحرّرنا حقاً من أمراضنا؟ هل تجاوزنا ردّة فعل معاصري يسوع؟ هل انتقلنا من الإعجاب بمعجزات يسوع إلى الإيمان بشخص يسوع؟

1- من المجمع إلى بيت سمعان (آ 29)
إن خبر شفاء المتشيطن (إنسان فيه شيطان) جعلنا في مجمع كفرناحوم (1: 23-28). لهذا تابع مرقس كلامه فقال: "ولما خرج من المجمع". ومع ذلك فالإنجيلي يفترض فسحة طويلة من الوقت بين المعجزتين لكي تنتشر شهرة يسوع في الجليل. من الواضح أن مرقس يقدّم رسمة سريعة. نحن نعرف أنه يستعمل مراراً لفظة "حالاً" دون أن يحمّلها معنى محدّداً (11 مرة في ف 1 وحده: آ 10، 12، 18، 20، 21، 23، 28، 29، 30، 42، 43). لم يهتمّ مرقس بالتسلسل المنطقي، فأراد أن يقدّم لنا هنا (آ 21- 39) يوماً نموذجياً في رسالة يسوع: "يوم كفرناحوم".
ثخلّى متّى ولوقا عن هذا الإطار، وتركا لفظة "حالاً". كيف يبدو التسلسل الزمني الحقيقي؟ هذا ما لا نعرفه. غير أننا نستطيع أن نؤكّد أن المتتالية التي تتضمّن شفاء حماة بطرس والأشفية في المساء، تعود إلى تقليد سابق لتدوين الأناجيل. فعبارة "جاء مساء" (اليوم نفسه) نجدها عند مرقس وعند متّى. ألغى لوقا الظرف "حالاً"، ولكنه احتفظ بذكر المجمع، وسيتوسّع في مدلوله ليصبح موضوعاً لاهوتياً ونبوياً يستعيده مراراً في سفر الأعمال: حين يكرز يسوع في مدينة أو في قرية، فهو يبدأ تعليمه في المجمع. وهذا ما سيفعله بولس الرسول.
"خرج يسوع من المجمع" لا لأن ساعة إقفال الأبواب قد دقّت، ولكن لأن سامعيه لم يفهموه بعد. فهم يشبهون التلاميذ الذين شهدوا تهدئة العاصفة، وطرحوا السؤال حول شخص يسوع: "ما هذا" (1: 27)؟ "من هو هذا" (4: 14)؟ ولكنهم لم ينالوا بعد جواباً. نحن هنا أمام رمز وصورة. إذا بقينا في المجمع لا نستطيع أن نكون تلاميذ يسوع. يجب أن نخرج. أن نقوم بخروج جديد. وسيكتب مرقس في آ 39: "مجامعهم" (هم، أي اليهود).
وبعد هذا بقليل، وبعد معجزة صنعها يسوع في المجمع، أشار مرقس إلى تشاور الفريسيين مع الهيرودسيين. لهذا، ذهب إلى شاطىء البحيرة واعتزل هناك. ثم خرج فتبعه كثيرون (3: 7). وسيبتعد يسوع أيضاً بعد تكثير الأرغفة، فتأتي الجموع إليه (6: 32- 33). وسيخرج أيضاً من الهيكل (11: 11) ومن أورشليم (11: 19؛ 13: 1). في هذا المجال، بدا لوقا أكثر إيجازاً من مرقس: فقد صوّر يسوع وهو يقوم بأول كرازة له في مجمع الناصرة. وبعد هذه الكرازة، لن يفهمه الناس، فيجبر على ترك المجمع. بل عليه أن يهرب لئلا يُقتل (4: 16-30): "مرّ من بينهم ومضى".
جعل مرقس هذا الموضوع أمامه. بل عارض بين المجمع وبيت سمعان بطرس الذي يرمز إلى الكنيسة. لا شك في أن هذا البيت يحتلّ مكانة هامّة في الإنجيل الثاني. غير أن مرقس يذكره هنا بشكل عابر: "جاء مع يعقوب ويوحنا إلى بيت سمعان". أما متّى ولوقا فلا يذكران إلا بطرس فقط. إن التلاميذ الأربعة الذين كانوا أوّل المدعوين (1: 16- 20) والذين ظلّوا أقرب الناس إلى يسوع، قد شهدوا المعجزة. هنا لا ننسى أن تأسيس الإثني عشر تمّ فيما بعد في 13:3 ي؛ 7:6 ي.

2- شفاء حماة سمعان (آ 30-31)
أ- الحدث
هناك من يميّز في معجزات يسوع، معجزات "الحرب" ومعجزات "الحنان". فطرد الشياطين هو معجزة حرب. وهذا ما يشدّد عليه مرقس (1: 23، 28، 39): "أجئت لتهلكنا"؟ أما شفاء حماة بطرس فهو معجزة حنان. توسّلوا إلى يسوع من أجلها (آ 30). ولكن مرقس يرى في كل معجزة، في كل شفاء، انتصاراً على إبليس، على الشّر. فلا تمييز قاطعاً بين طرد الشياطين والشفاء (1: 39؛ 3: 15؛ 6: 7، 13). أما لوقا فيصوّر شفاء حماة بطرس وكأنه طرد شياطين. "هدّد" يسوع الحمّى (لو 4: 39). 
نعرف من خلاله مرقس أن المريضة طريحة الفراش بالحمّى. ولكن ما هو مرضها، وما هي درجة خطورته؟ هذا ما لا نستطيع أن نحدّده. حين نقرأ أخبار مرقس، نجد ما قاله بطرس نفسه الذي كان شاهداً مباشراً. قد نستطيع أن نضع صيغة المتكلّم الجمع موضع صيغة الغائب. قد نقوله: أخبرناه، بدل: أخبروه. قد نجد أيضاً أسلوباً تنقصه السلاسة. مثلاً، يُذكر يعقوب ويوحنا كما بين قوسين، وكأن الكاتب نساهما.
إن المقابلة مع نصّ متّى الموازي تساعدنا على التعرّف إلى غنى مرقس في تصويره للمشهد. لا يذكر متّى التلاميذ الذين يبدون وكأنهم غائبون: دخل يسوع، رأى المريضة، أمسك بيدها، لمس يدها فأحست بهذه اللمسة (مت 8: 15). هذه المواجهة تجعل التعليم الفقاهي أكثر وضوحاً وعمقاً. ثم إن الشخص هو وحده أمام يسوع، فعليه أن يتّخذ موقفاً، ولا مهرب له. ولكن أيعقل أن يسوع كان وحده؟ بدا مرقس أقرب إلى الواقع، ومع ذلك ظل نصه موجزاً، وهذا ما نكتشفه حين نقابله مع أخبار الأشفية لدى الوثنيين.
ب- مدلول المعجزة
لا تتيح لنا الأخبار الإنجيلية عن شفاء حماة بطرس، أن نحدّد قصة يسوع حين صنع هذا العمل، ولا المعنى الدقيق الذي رآه الشهود الأولون. غير أننا نعرف أن اليهود كانوا يعتبرون الحمّى عقاباً من الله. وهي ترافق السلّ والوباء (تث 28: 22؛ 32: 24؛ لا 26: 16؛ حب 3: 5). وفي فترة متأخرة، نسبوا الحمّى إلى إبليس. في هذا المنظار، دلّت معجزة كفرناحوم بالنسبة إلى الناس، على أن يسوع هو مرسل الله كما وُعد به في أشعيا: سيخلّص الناس من ضيقاتهم التي هي نتيجة الشّر والخطيئة. "نداك ندى النور يا رب. ليسقط على أرض الأشباح" (أش 26: 19). "في ذلك اليوم، يسمع الصم أقوال الكتاب، وتبصر عيون العمي بعد انغلاق على السواد والظلام" (أش 29: 18). "عيون العمي تنفتح، وكذلك آذان الصم. ويقفز الأعرج كالغزالي ويترنّم لسان الأبكم" (أش 35: 5- 6).
قد جعل مرقس من شفاء حماة بطرس أحد عناصر "يوم كفرناحوم"، وهو يوم نموذجي في الحقبة الأولى من رسالة يسوع العلنية. وهو يقدّم صورة عن الإجمالات حول الأشفية التي اجترحها يسوع. وهكذا تصبح المعجزة علامة عن مجيء الزمن الاسكاتولوجي أو الزمن المسيحاني في شخص يسوع: إنه يعمل بقدرة الله نفسها. ولكنها ليست إلا علامة. فيحتاج الإنسان كثيراً ليكتشف مدلولها ويتقبّله (رج مت 11: 4- 6). غير أن المقصد الخاص بمرقس سيظهر بشكل أوضح حين نتفحّص في العمق آ 31 وما يوازيها في مت 8: 15.
ج- يسوع يقيم الإنسان
هناك شيء غير عادي في بناء آ 31. نقرأ حرفياً: "إقترب يسوع فجعلها تقوم حين أخذ بيدها، فتركتها الحمّى". كان من الطبيعي أن نجد: "أخذها يسوع بيدها، فتركتها الحمّى، فقامت...". لا يهتم مرقس بالمنطق، بل بالمعنى اللاهوتي. ففعل "اغايرو" الذي استعمله مرقس هنا صار لفظة تقنية تدلّ على القيامة.
إن عبارة "جعلها تقوم" قد أقحمها الإنجيلي لا خبر بطرس. فالبناء خاص بمرقس (قال متّى ولوقا: قامت). وهكذا أقحم مرقس هذه العبارة من أجل الكرازة. واختيار فعل "اغايرو" يدل على معنى رمزي. كما أن المسيح أنهض حماة بطرس من حمّى تسمّرها على الفراش كالميتة، هكذا ينهضنا، يقيمنا، لكي نخدم الكنيسة، نخدم الآخرين.
ونجد أيضاً "فعل "اغايرو" في خبر شفاء الولد المتشيطن (9: 26- 27) حيث الرمز أكثر وضوحاً. صرخ الروح وصرع الصبي صرعة عظيمة وخرج منه. فصار الصبي كالميت، حتى قال كثير من الناس إنه مات. فأخذه يسوع بيده وأنهضه فقام. يستعمل مرقس هنا لفظة "اغايرو" (أقام) و"انإستامي" (قام) ليجعلنا في جوّ القيامة التي نستعدّ لها عبر الإنجيل كله (1: 31؛ 8: 31؛ 9: 2، 7، 9- 10؛ 10: 34).
د- قامت للخدمة
في إطار المعجزة، أو بالأحرى في إطار الضيافة التي تلقّاها يسوع في بيت بطرس، "خدم" يعني قدّم الطعام. في هذا المعنى عينه، وفي نهاية تجارب البرية نقرأ أن الملائكة خدموا يسوع (1: 13). أي: قدّموا له طعاماً. وفي لو 8: 55 نرى أن يسوع أمر بأن يُعطى الطعام لابنة يائيرس. إن يسوع لا يهمل الواقع البشري البسيط. ولكنه يذهب أبعد منه. وقد يكون مرقس تذكّر كلمة الرب، "فابن الإنسان نفسه لم يأتِ ليُخدم، بل ليَخدُم" (دياكوناساي) (10: 45). فالخدمة لا تعني فقط خدمة المائدة. بل بذل الذات من أجل الكثيرين، إذا طُلب منا. هذا هو المثال الذي يعرضه يسوع على الذين يقيمهم من موت الخطيئة.
في نسخة متّى القصيرة والتي تشدّد على التعليم، يظهر يسوع وحده. لهذا نقرأ: "وكانت تخدمه" (هو). لم نعد أمام تقديم الطعام للمعلّم ولتلاميذه الذين تعبوا من عمل رسولي منعهم من الراحة، بل أمام إشارة عامة. فوضع المريضة السابق يرمز إلى الإنسان الخاطىء الذي لم يخلّصه المسيح بعد. والشفاء الجسدي يدل على العمل الروحي الذي قام به يسوع. وسيتوسّع الإنجيل الرابع في الرمز عينه حين يتحدّث عن مقعد بركة بيت زاتا (أو: بيت حسدا).

3- الإجمالة (آ 32- 34)
أ- طابع الإجمالة
نستطيع القول إن ما يمتز الفن الأدبي للإجمالة هو أنها تبسّط الأمور وتظهرها في شكل عام، فتنزع التفاصيل.
من الواضح أننا لا نقرأ هذه التأكيدات المطلقة على حرفيتها: "وجاؤوه بجميع المرضى والممسوسين" (آ 32). وقال مت 8: 16: "شفى جميع المرضى" (رج لو 4: 40: وضع يده على كل واحد منهم فشفاه). نحن نعرف كل المعرفة أن يسوع لم يشفِ جميع المرضى. وأنه كان يطلب الإيمان ويفرضه. لهذا سيقول مرقس في آ 34: "شفى كثيراً من المرضى".
هناك تضخيم في التعبير: "تجمّع أهل المدينة كلهم على الباب" (آ 33). نحن هنا أمام تعميم لواقع حصل أكثر من مرة فلفت الإنتباه: فالتقليد يتحدّث مراراً عن الناس الذين لم يكونوا يستطيعون الدخول إلى البيت بسبب الجمع. لهذا وجب على الناس أن يوصلوا الخبر إلى الداخل (3: 32: أمك وإخوتك) أو ينزلوا المريض في فتحة السقف (2: 1- 4: نقبوا السقف).
ب- الشياطين
نقرأ كلمة "شياطين" ثلاث مرات في هذا النصّ (آ 32-34، 39)، فنتعرّف إلى اهتمام خاص بمرقس. لقد جاء يسوع يحارب إبليس ويخلّص الناس من سلطته. منذ البداية تحدّث المعمدان عن المسيح على أنه "الأقوى" (1: 7)، وبدأ يسوع رسالته بهجوم مباشر على الشيطان فقهره (1: 12- 13). وما إن بدأ يسوع كرازته حتى حاول ممسوس أن يستوقفه. ولكن طُرد الشيطان: "أخرس وأخرج" (1: 23- 27). وفي نهاية انجيل مرقس، أول آية خاصة يقوم بها التلاميذ هي "طرد الشياطين" (16: 17). في هذا المنظار، يرجع كل مرض إلى الشيطان، ويتمّ الشفاء بالتقسيم الذي هو انتصار على إبليس.
ج- السرّ المسيحاني (آ 34 ب)
تعتبر خاتمة الإجمالة من تدوين مرقس. فهو لا يترك مناسبة إلا ويتحدّث عن موضوعه المفضّل: نحافظ على السر، السر المسيحاني. لا نعلن أن يسوع هو المسيح.
كنا نفهم الجملة فهماً أفضل لو جاءت في نهاية التقسيم في المجمع. صاح الممسوس: ما لنا ولك؟ أنا أعرف من أنت: "قدوس الله" (مر 1: 24). حينذاك كنا نستطيع أن نتحدّث عن السّر. ولكن مرقس قال فقط في آ 34: "منع الشياطين أن تتكلّم". وزاد ليكون واضحاً: "لأن الشياطين عرفته". ولكن لوقا كان أوضح فكرّر كلمات الشياطين: "هي تصرخ: أنت ابن الله. فكان يسوع ينتهرها ويمنعها من الكلام، لأنها عرفت أنه المسيح".
كان الشياطين أكثر نباهة من البشر، فعرفوا حالاً عدوّهم، وأعلنوا الحرب وهم يصيحون (1: 24؛ 5: 7). لا يمثّل صراخهم فعل إيمان بيسوع، بل تعبيراً عن الخوف والهزيمة أمام ذاك الذي رأوا فيه مرسل الله والحامل قدرة إلهية لا يستطيعون أن يقاوموها (3: 22- 27). هنا نتذكّر يع 2: 19: "الشياطين تؤمن وترتعد".
كشف يسوع للبشر عن ذاته بشكل تدريجي، فأعطى علامات عن سلطته على الأمراض التي لا شفاء منها (كما يقول)، وعلى الخطيئة التي يستطيع الله وحده أن يغفرها (2: 5- 12)، عن يوم الرب (2: 28= السبت)، عن الحياة.
حين نطرح السؤال: "من هو يسوع"؟ نكون قد خطونا خطوة في الطريق الذي يقود إلى معرفة شخصه معرفة تامة، إلى الإيمان. ومرقس يريد أن يقود قارئه خطوة خطوة ليكتشف يسوع المسيح. حين رأى الناس المعجزات التي أتمّها (ومنها شفاء حماة بطرس)، لم يفكّروا إلا بالخيرات المادية المباشرة التي ينتظرونها لنفوسهم أو لأقربائهم. هذا هو وضع أهل الناصرة (لو 4: 23). لهذا توارى يسوع ومضى.
لا نستطيع أن نستعيد هنا كل ما قيل عن السّر المسيحاني. فيكفي إن نشدّد على الوجهة التربويّة في هذا الموضوع: لن يكون فعل الإيمان بيسوع كافياً إلا إذا تضمّن معرفة لرسالته وعمله، معرفة بأن عليه أن يموت ويقوم ليتمّ هذا العمل. هذا ما قاله الإنجيل الرابع بطريقته الخاصة: "كثيرون آمنوا باسمه حين رأوا الآيات التي كان يصنعها، ولكن يسوع لم يكن يثق بهم" (يو 2: 23-24). من أعلن أن يسوع هو المسيح دون أن يؤمن بموته وقيامته، تكلّم بما لا يعرف بانتظار أن ينكر المسيح حين يكتشف الواقع.

4- في كل الجليل (آ 35-39)
يشكّل الخبر في آ 35-38 نقطة وصل: حتى الآن بدا يسوع وكأنه يحصر أفقه وخيراته لا أهل كفرناحوم. بعد الآن ستمتدّ رسالته إلى كل الجليل (آ 39).
تعب التلاميذ من يوم رسولي طويل فكانوا نائمين، أما يسوع فقام قبل شروق الشمس. لا يكفيه أن يكون مع البشر، لا يكفيه شفاء بعض الناس. لهذا اعتزل في البرية ليصليّ. أي ليطلب حياة حميمة مع أبيه. هذا ما يشدّد لوقا عليه مراراً.
لم يفهم سمعان بعد معنى رسالة يسوع: لقد أراد أن يستغلّ نجاح المعلّم. لم يرَ إلا معجزات، وظنّ أن معجزات أخرى ستتبع من أجل أهل كفرناحوم. وهو يرجو أن يعيد يسوع إلى البيت. فالجموع التي شتّتها الليل عادت يدفعها الأمل بأن تعاين معجزات جديدة: هي تنتظر أشفية. أما يسوع فيعتبر هذه الخيرات تهيئة لتقبّل الإنجيل ولوَحي سّره الشخصي.
لا يقول لنا مرقس شيئاً عن موضوع صلاة يسوع ولا عن مضمونها، ولكن الحوار الذي يتبعها يجعلنا نستشفّ الخط الذي توجّهت فيه. هو لا يطلب نعماً، بل يتحاور مع من أرسله في شأن مهمته على الأرض. فعند عماده سمع صوت أبيه (1: 11؛ رج لو 3: 21) ونال الروح القدس الذي دفعه إلى قتال إبليس (1: 12-13).
ما معنى هذه العبارة: "لأني لهذا خرجت"؟ هل يعني أنه خرج من كفرناحوم (المعنى الأول)؟ أم خرج من الآب ليأتي إلى العالم (المعنى اليوحناوي، يو 16: 28)؟ التفسيران مقبولان. لقد فهو لوقا كلمة يسوع في هذا المعنى الثاني لأنه جعل محل هذه العبارة "لأني لهذا أرسلت" (4: 43)، وهذا ما يحيلنا إلى الآب. ولكن قد نرى في هذا الكلام ثمرة تأمّل لوقا في رسالة يسوع، وقصداً في إلقاء الضوء على مهمة الكنيسة والتلاميذ: عليهم أن ينتقلوا من مرحلة إلى مرحلة فيتجاوزوا كل الحدود ويحملوا الإنجيل إلى أقاصي الأرض (أع 1: 8). لم يصل لوقا إلى هذا التفكير في رسالة الكنيسة، فظلّ قريباً من الواقع كما حدث: إن يسوع لا يريد أن "يسكر" بمثل هذا النجاح. وسيفعل الشيء عينه بعد تكثير الأرغفة: إعتزل في البرية ليفلت من التحرّك الشعبي ويجعل نفسه في مخطّط الآب (6: 46؛ مت 14: 23؛ يو 6: 15 ب). ونستطيع أن نقرّب نزاع جتسيماني من هذين الحدثين. فيسوع يعتزل في الليل للصلاة. والتلاميذ (وبطرس بشكل خاص) سيبدون متحيرّين لأنهم لم يفهموا بعد رسالة معلّمهم.
أ- إلتزام الإيمان
قالوا إن الإنجيل الثاني هو كرازة والإنجيل الرابع فقاهة وتعليماً. هذا لا يعني أننا لا نحتاج إلا إلى قليل من الإيمان لكي نتبع مرقس. بعد هذا نتعمّق في تعليم متّى. ثم نعود إلى تعليم بولس أو يوحنا.
مرقس هو متطلّب جداً. وهو لا يرضى بالتزام يبقى على مستوى الكلام. لهذا فهو لا يطرح حالاً السؤال الحاسم. هذا هو معنى السر المسيحاني: نحن هنا أمام تربية عجيبة. فالكارز بالإنجيل يتحدّث عن المسيح ولكنه يتحفظ في الكشف عن شخصه وسره إلا بطريقة تدريجية وذلك بآيات وعلامات وأقوال خفية. ومن وقت إلى آخر يلقي بعض الضوء على السر ثم يخفيه، كما فعل يسوع مع الجموع أو بعد التجلّي حين كشف عن مجده لحظة واحدة. إن سر المسيح هو أعظم من أن نكتشفه في يوم واحد.
واحتاج الإثنا عشر إلى وقت كثير ليؤمنوا حقاً بيسوع، ليعرفوه على حقيقته. لا شك في أنهم تعلّقوا به باكراً، ولكنهم لم يدركوا ملء الإيمان إلا بعد الموت والقيامة والعنصرة. حتى ذلك الوقت ظلّ إيمانهم ناقصاً وضعيفاً، وهذا ما بدا واضحاً حين أوقف يسوع وحُكم عليه بالموت.
لماذا هذه المتطلّبة عند مرقس، هذا التدرّج البطيء؟ لأنه فهم أن الإيمان يُلزم الإنسان في أعمق أعماقه. إستنار بطرس بخبرته الشخصية (إنكاره ليسوع) فشدّد على هذه الفكرة. والظروفُ التي عاشت فيها كنيسة رومة حين دوّن الإنجيل الثاني فرضَتْ مثل هذه المتطلّبة: ففي وقت الإضطهاد لا نستطيع أن نقبل في الكنيسة إلا موعوظين استعدوا الإستعداد الوافي، وعزموا على التعلّق بيسوع المسيح حتى الموت إذا لزم الأمر.
ب- النداء الإرسالي
إن يسوع كان مثلنا، فأحب قريته (الناصرة) ومدينته (كفرناحوم). هناك بدأ رسالته، ولكن الآب دعاه إلى أبعد. ويبيّن لنا لوقا بإيجاز كيف ترك يسوع الناصرة. أما مرقس فيخبرنا كيف ترك كفرناحوم. يشدّد الناس اليوم على دور الرسالة في محيطنا المسيحي، ولكنهم ينسون وجهة أساسية من رسالة الكنيسة: أن تصل إلى أقاصي الأرض. هذا ما يقوله لنا الإنجيل الذي نتأمّل فيه.
وهناك نظرة أخرى لدى "أهل كفرناحوم" الذين نمثّلهم نحن. هم لا يطلبون من يسوع (ومن الكنيسة) إلا خيرات الأرض. ويحكمون عليه انطلاقاً من هذا المعيار. وتجاه هذا الوضع تحاول الكنيسة أن تحصر عملها في المجال الروحي، فتنتقل من نقيض إلى آخر.
تهرّب يسوع عندما كان الإنتظار ملتبساً. ولكنه "مرّ وهو يعمل الخير ويشفي كل الذين سقطوا في قبضة إبليس" (أع 10: 38). وقد طلب من تلاميذه أن يعملوا مثله فيتكيّفون مع حاجات عصرهم الحقيقية. هم في العالم فلا يتهرّبون منه. ليسوا من العالم فلا يغرقون فيه.

خاتمة
إن هذه الصفحة الإنجيلية تتوجّه إلينا اليوم، لا في ما تخبرنا عن طرد الشياطين وشفاء المرضى، بل في أنها تتجاوب مع اهتماماتنا في تربية الإيمان وعمل الرسالة إلى أقاصي الأرض. لهذا نحتاج اليوم أن نسمع أيضاً كلام القديس مرقس بفم يسوع الذي خرج من الآب وأتى إلى العالم. ولكن عليه أن لا يبقى في الناصرة أو في كفرناحوم. بل عليه أن يطوف في الجليل، الذي يرتبط بالعالم الوثني، الذي منه انطلق الرسل ليصلوا إلى العالم كله ويحملوا البشارة إلى الخلق أجمعين.

 

 

الفصل الثالث عشر
شفاء أبرص
1: 40- 45

ما زال يسوع يلتقي بالبشر. إلتقى برجل فيه روح نجس فشفاه. زار حماة بطرس فأزال عنها الحمّى. وها هو يسمع توسّل أبرص: إن شئت فأنت قادر على أن تطهّرني. شفاه يسوع وأمره بأن يسكت، أما الأبرص فنشر الخبر في كل مكان بحيث تعذّر على يسوع أن يدخل علانية إلى أية مدينة.

1- إطار المعجزة
أ- البرص
لا نفهم ما تعني كلمة برص لليهودي إلا إذا قرأنا نصوص العهد القديم التي تتحدّث عن هذا المرض المرعب. كُرِّس له فصلان كاملان في الشريعة، في سفر اللاويين الذي هو كتاب كهنوتي في الدرجة الأولى (لا 13-14).
ويعلمنا تعداد أنواع البرص أن اللفظة لا تدل فقط على المرض كما نسميه اليوم، بل على مختلف أمراض الجلد. مثلاً بعض آثار "الفطر". وعلى طريق القياس، جعلوا مع البرص الذي يصيب البشر، العفن الذي يظهر على جدران البيت. إن هذا التوسّع في الحديث عن هذا المرض يدلّ على الخوف الذي يثيره في المجتمع. بالإضافة إلى ذلك، اعتُبر البرص معدياً، فاهتموا بتجنّب كل شيء يساعد على انتقاله. لهذا، وجب عزل المرضى مهما كلّفهم ذلك. ولم يكتفوا بمنع بسيط، بل زادوا تحريماً فربطوا البرص بنجاسة طقسية.
نقرأ في لا 13: 45-46: "والأبرص الذي به البلوى يلبس ثيابه مشقوقة، ويكشف رأسه، ويغطّي شاربه وينادي: نجس، نجس. ما دامت به هذه البلوى يبقى نجساً، ويسكن منفرداً وفي خارج المحلة (أو: المدينة)". وفي عد 5: 2-3: "وكلّم الرب موسى فقال: توصي بني اسرائيل أن ينفوا من المحلّة كل أبرص... ذكراً أو أنثى ينفونهم إلى خارج المحلة لئلا ينجّسوا المحلة حيث أنا مقيم فيما بينهم". لا يتنجّس المجتمع وحسب، بل والله أيضاً. ولكن سنرى في الإنجيل عكس ذلك. فالأبرص لم يؤثّر على يسوع، بل يسوع أثّر على الأبرص. ليس الأبرص هو الذي نجّس يسوع، بل يسوع هو الذي طهّر الأبرص وأعاده إلى حياة الجماعة بعد أن فرضت عليه حياة العزلة.
وفي إطار لاهوت المجازاة على الأرض كما عرفه العالم اليهودي، أي إن الأبرار يجازون خيراً والأشرار يعاقبون، إعتبر هذا المرض عقاباً عن خطيئة، فهو شر الأمراض وأخطرها. وهكذا بدل أن يقولوا "شُفي" من البرص، كانوا يقولون: "طهر". هذا ما يدلّ عليه التلاعب على الكلام حيث "نجع" في العبرية تعني: ضرب، ضربة، كما تعني لطخة البرص أو إنساناً مصاباً بالبرص. هذا ما نعرفه مثلاً عن الملك عزريا. "رمى الرب الملك بالبرص (عقاباً على تعدّيه على شعائر العبادة) فعاش معزولاً إلى يوم وفاته" (2 مل 15: 5؛ 2 أخ 26: 19- 20).
ويصوَّر عبد يهوه (عبد الله) كأبرص. رأه الناس فظنّوه خاطئاً. "حسبناه مصاباً مضروباً من الله ومنكوباً" (أش 53: 4). لا ينكر النبي أن سبب هذا المرض هو الخطيئة، ولكن عبد الله يكفّر لا عن خطيئته بل عن خطايا شعبه. "هو مجروح لأجل معاصينا، مسحوق لأجل خطايانا" (أش 53: 5). وهكذا يتصوّر أصدقاء أيوب مرض صديقهم. سأل أليفاز: "أتذكر واحداً بريئاً (من الخطيئة) هلك أو رجلاً مستقيماً أبيد؟ أما رأيت أن من يفلح الاثم ويزرع الشقاء إياهما يحصد" (أي 4: 7- 8)؟ ويقول بلدد: "هكذا يكون مصير من نسي الله" (أي 8: 13). يُقطع كما تقطع الشجرة.
حينذاك نفهم لمذا جعل تمييز مرض البرص في أيدي الكهنة. لا بدّ من إخصائي متمرّس. ثم إن النجاسة التي ترتبط بهذا المرض، تتطلّب تطهيراً. إذا شُفي المريض تُقدّم ذبيحة يقوم بها الكاهن. فهو من يصدر الحكم في حالات البرص أو الشفاء منه: "إحرصوا في داء البرص أن تعموا بكل ما يعلّمكم الكهنة" (تث 24: 8). فحين يُشفى الأبرص، عليه أن يذهب إلى الكاهن الذي يتحقّق من وضعه ويعطي شهادة (قد تكون مكتوبة). وبعد هذا تتمّ طقوس التطهير التي هي ذبيحة عن الخطيئة ومحرقة (لا 14: 19).
غير أن البرص الحقيقي اعتبر مرضاً عضالاً لا شفاء منه. الله وحده هو الذي يشفيه. وقد أعطى سلطته للأنبياء. أعطاها لموسى فشفى اخته مريم (عد 12: 9- 14)، أعطاها لاليشاع فشفى نعمان السوري (2 مل 5: 9-14). وفي المستقبل، إنتظر الناس شفاءهم من البرص على يد المسيح. بواسطته "العميان يبصرون، والعرج يمشون، والبرص يطهّرون..." (مت 11: 5؛ رج أش 35: 5-6).
ب- الإطار التاريخي
أين هو موقع شفاء الأبرص في حياة يسوع؟ وفي أي مكان تمّ هذا الشفاء؟ إذا قابلنا نص مرقس مع نص متّى ولوقا، وجدنا بعض الإختلافات في هذا المجال.
لا يربط مرقس الحدث بما سبق إلا بشكل غامض ومصطنع. يربطه بيوم كفرناحوم، ذاك اليوم النموذجي في رسالة يسوع. كما لا يربطه بما يلي، أي بشفاء مخلّع كفرناحوم، إلا بشكل مفكّك. نقرأ في 2: 1: "وبعد أيام دخل إلى كفرناحوم". ولكن في آ 39، حدّد مرقس موقع المعجزة خلاله عمل يسوع في الجليل.
إذا عدنا إلى لوقا، عرفنا أن المعجزة تصّت "في إحدى المدن" (5: 12). لا تحديد بل إشارة إلا ما في لو 4: 43 (أبشّر سائر المدن) الموازي لمرقس 1: 38-39. نحن إذن في إحدى مدن الجليل. أن تكون المدينة مسرح هذه المعجزة، هذا ما استقاه لوقا من نهاية خبر مرقس: فيسوع بعد أن شفى الأبرص طرده (آ 43) فخرج (آ 45). إذن نستطيع أن نستنتج أن المعجزة تمّت في أحد البيوت المعزولة عن القرى، وإلا لما استطاع الأبرص أن يأتي إلى هناك (2 مل 7: 3).
أما متّى فبدا دقيقاً. بعد خطبة الجبل، نزل يسوع من الجبل يتبعه جمع غفير. في هذا الوقت، إقترب الأبرص منه. يلاحظ الشرّاح أننا أمام إطار مصطنع. فلو كانت الجموع الكبيرة تحيط بيسوع لما استطاع الأبرص أن يقترب منه. ولكن قد يكون يسوع سائراً في المقدمة، وبعيداً بعض الشيء عن الناس. ثم، يجب أن لا نتوقّف عند هذا المعنى المادي، فما يريد أن يقوله متّى هو أن عدداً كبيراً من الناس شهد هذا العمل المسيحاني.
وهناك تفصيل آخر. طلب يسوع من الأبرص أن لا يخبر أحداً. ما معنى هذا المنع اذا كانت المعجزة قد تمّت أمام الجموع؟ هناك ارتباط لاهوتي بين خطبة الجبل وشفاء الأبرص سنعود إليه.
في النهاية، يبدو خبر شفاء الأبرص في التقليد الإزائي، مقطوعة منفصلة عن الإطار الزماني والمكاني. إستعادها كل انجيلي وأعاد كتابتها في خط اهتماماته اللاهوتية.

2- الخبر في إنجيل مرقس
"وجاء أبرص يتوسّل إليه...". لا مقدّمة، لا إشارة إلى زمان أو مكان. دخل مرقس في الموضوع وأعطى حالاً للخبر وجهته. يكفي أن نلقي نظرة سريعة إلى إزائية لكي نلاحظ أربع جمل خاصة بمرقس ومرتبطة بعضها ببعض ارتباطاً حميماً: توسّل الأبرص إلى يسوع (آ 40). أشفق عليه يسوع (آ 41). وما إن منح البائسَ الشفاءَ المطلوب حتى بدا وكأنه ندم على ما فعل. إنتهر الرجل المسكين وطرده (آ 43)، ومنعه أن يقول شيئاً ممّا حدث. ومع هذا، ما إن خرج الأبرص حتى أذاع الخبر في كل مكان (آ 45 أ).
للوهلة الأولى تبدو ردة فعل يسوع الثانية معارضة للأولى. ولكن لا. فإذا أردنا أن نفهم المنطق الخاص بمرقس نتذكّر السر المسيحاني الذي هو أحد مواضيعه المفضّلة. فإذا جعلنا جانباً صوت الآب الذي سُمع في العماد، فالروح النجس هو أول من هتف (حسب مرقس): "أعرف من أنت، أنت قدوس الله" (1: 24). في نظر يسوع، إن ترك أحد يعلنه المسيح قبل أن يكشف موتُه الطبيعةَ الحقة لرسالته، كان وكأنه يدخل في لعبة الشيطان. فالشيطان يدفع اليهود لأن يخلطوا بين ملكوت الله ومملكة أرضية. بين مسيح يحمل أوجاعنا وآلامنا ويتألم ويموت قبل أن يمجّد، وبين مسيح أرضي يحمل السيف ويقاتل الرومان، أعداء شعبه. لهذا قرّر يسوع أن يفرض الصمت على الأبرص كما سيفرضه على الأعمى...
ولكن حدث للأبرص ما حدث للكنعانية أو لقائد المئة. جاء طلب الرجل خاشعاً ومليئاً بالإيمان فتأثّر يسوع، ونكاد نقول "رغماً عنه". لا يليق بأن نبهر الجموع بمعجزات قد لا يفهمونها. ولكن كيف نقاوم حين نرى مثل هذا الضيق وهذا الألم؟ فأمام ضرورة ملحّة مثل هذه، لن يبقى قصد من المقاصد واقفاً. ونقول الشيء عينه أمام إيمان عميق مثل إيمان قائد المئة: آمن أن كلمة واحدة من يسوع تكفي ليُشفى عبده عن بُعد. فكيف يستطيع يسوع أن يرفض طلبه (مت 8: 8-13)؟ وكيف يقاوم أمام إيمان وضيع، إيمان الكنعانية الوثنية التي تقبل بأن تسمّى "كلبة صغيرة" (مر 7: 26-29)؟ أجل، لقد انتصرت الرحمة على مخطّط عمل وُضع مسبقاً (آ 24). لقد كلّف يسوع بأن يبشّر أولاً الشعب المختار: "لم أرسل إلاّ إلى الخراف الضالّة في إسرائيل" (مت 15: 24). إذا كان الإيمان القليل (أو اللاإيمان) يجعل يسوع عاجزاً أمام الخطيئة (الألم الجسدي (6: 5- 6)، فالإيمان الحقيقي ينتزع منه المعجزات. قال للكنعانية التي "انتصرت" عليه: "إيمانك عظيم أيتها المرأة. فليكن لك ما تريدين" (مت 15: 28).
في وضع قائد المئة وفي وضع المرأة الكنعانية، تتمّ المعجزة عن بُعد مع الخادم المريض والفتاة التي "يمتلكها" الشيطان. لهذا على الطالبين أن يبتعدا عن يسوع ليتحقّقا من الشفاء. ولكن الأمر يختلف مع الأبرص: تمت المعجزة بشكل متحفّظ ودون علم الجموع. فقد يكون من الممكن أن نمنع الخبر من الإنتشار. حين انتهر يسوع الأبرص، أفهمه أنه تجاوز القرار الذي اتخذه (آ 43. لا يريد أن يعرف به أحد). وحالاً، طلب منه بحدّة أن يبتعد لئلا يعرفه الجمع فيحتشد حوله (آ 44: ق يو 9: 8 ي؛ أع 3: 9- 11). لهذا السبب عينه، طلب من أعمى بيت صيدا وفي ظروف مماثلة أن يعود إلى القرية (8: 26).
أمر يسوع. ولكن الأبرص لم يمتثل. هو لا يستطيع أن يحتفظ بفرحته لنفسه (آ 45). فجاءت الجموع. حينئذ ذهب يسوع إلى الأماكن المقفرة.
من الواضح أن مرقس لا يريد أن يلفت انتباهنا إلى الآية المسيحانية التي تمّت في هذه المناسبة، بل إلى الرحمة التي أظهرها يسوع تجاه إنسان بائس أصيب بالبرص. إن أعمال الخير هذه لا تشكّل الموضوع الأساسي في رسالته. الموضوع الأساسي هو روحي: لقد جاء يسوع يعلن بشارة ملكوت الله. جاء يدعونا لكي نحمل صليبنا. ولكن الخلاص الذي يعرضه ليس فوق طاقة الإنسان. إنه يتوجّه إلى كل واحد منا. فليسوع قلب وقلب يعرف الشفقة والحنان. في هذا المنظار، تبدو الفعلة التي بها لمس الأبرص بيده، فعلة حنان قبل كل شيء.
وتشدّد هذه الفعلة أيضاً على دور بشريّة يسوع (يسوع هو إنسان حقيقي). حين يتّصل المؤمن بجسد يسوع فهو يتصل باللاهوت وينال نعمة الله. لقد شدّد مرقس ولوقا على فاعلية هذا اللمس من أجل شفاء المرضى. يقول مر 3: 10: "كان كل مريض يشقّ طريقه إلى يسوع ليلمسه". وقال لو 6: 19: "وحاول جميع الناس أن يلمسوه، لأن قوة كانت تخرج منه وتشفيهم كلهم". فيسوع يشفي المرضى فيضع يده عليهم، ويبارك الأطفال (6: 5؛ 7: 32- 33؛ 8: 22- 25؛ 10: 13-16؛ رج 16: 18). تلمس النازفة طرف ثوبه (5: 28-29) بل المرضى في الساحات (6: 56: أن يلمسوا طرف ثوبه). أمسك ابنة يائيرس بيدها (5: 41)، ووضع أصابعه في أذن الأصم الأخرس (7: 33).
غير أن سلطان يسوع ليس مشروطاً بحضوره الجسدي: فكلمته وحدها تكفي لتشفي المريض عن بعد (مت 8: 5-13 وز). ومقابل هذا، قد يكفي الإتصال بدون حاجة إلى كلمة (5: 25-29). ولكن اعتاد يسوع أن يضمّ الإثنين في فعلة واحدة لكي تكون الآية كاملة، ويكون اللقاء مطبوعاً بالطابع الإنساني.
وهذا ما حدث هنا. قال يسوع: "شئت، فكن طاهراً" (آ 41). هناك مقابلة مباشرة. "إن شئتَ". "شئتُ". يشدّد النص على موافقة يسوع على طلب الأبرص. أما الشيء المطلوب فيتوضّح في الشقّ الثاني من الجملة: "كن طاهراً".
"فزالت عنه البرص في الحال وطهر" (آ 42). جملة متعثّرة. كان يمكن أن تُكتب: طهر حالاً من برصه. لهذا حاول متّى ولوقا أن يكتبها كل بطريقته. قال مت 8: 3: "فطهر من برصه في الحال". وقال لو 5: 13: "فزال عنه البرص في الحال".
حصل الأبرص على الشفاء. ولكنّ يسوع فرض عليه الصمت: "لا تخبر أحداً بشيء. ولكن إذهب إلى الكاهن وأره نفسك، ثم قدّم عن شفائك ما أمر به موسى شهادة عندهم" (آ 44). طلب يسوع من الأبرص أن يكون شاهداً له في "الهيكل" وبين الكهنة. ليس له أن يشهد في هذا الجمع الذي لن يفهم الآية إلا في إطار مسيحانية زمنية. شأنه شأن متشيطن الجراسيين. أراد أن يكون مع يسوع (5: 18). ولكن مخطّط يسوع غير مخطّط "لجيون". أرسله شاهداً إلى بيته وأهله: "أخبرهم بما عمل الرب لك وكيف رحمك" (5: 19).
ماذا تعني عبارة "شهادة عندهم"؟ قد نفهمها على الشكل التالي: أمر يسوع الأبرص بأن لا ينسى أن يحضر أمام الكاهن، فيقدّم الذبيحة المطلوبة في الشريعة من أجل تطهير الأبرص، ويطلب من الكاهن شهادة (مكتوبة) ستكون له ضرورية ليعود فيعيش بين البشر. في هذا الوضع يكون يسوع طائعاً للشريعة، وقد أمر الأبرص بأن يخضع لها. يذهب المريض فيحمل شهادة ويريها للشعب فيدلّ على أنه شُفِيَ حقاً. ولكن هل يحتاج الإنسان إلى شهادة ليعلن فرحته؟ هذا ما حدث، للبرص العشرة (لو 12:17-18).
لا شك في أن يسوع أرسل الأبرص إلى الكاهن وذكّره أن عليه أن يقدّم ذبيحة بحسب لا 14: 1-32. وهكذا تكون الشهادة عند الكهنة لا عند الشعب. وهذا العبور من المفرد (الكاهن) إلى الجمع (لهم، أي الكهنة) يدلّ على أن الشهادة تتجاوز الفرد لتصل إلى الحلقة الكهنوتية كلّها. هم لم يأتوا إلى يسوع. فأرسل إليهم يسوع شاهداً في هذا الأبرص. هل سوف يؤمنون؟
كلّف يسوع الأبرص بمهمة لدى الكهنة، كما كلّف متشيطن الجراسيين بمهمة لدى أهله. سيشهد الأبرص أمام الكهنة، والشفاء من البرص هو إحدى العلامات التي تدلّ على المسيح. لقد استفاد يسوع من فريضة سفر اللاويين ليقوم بمحاولة لدى الكهنة. طبّق قرار الصمت على الجميع (لا تقل لأحد). ولكن استثنى منه الكهنة. إنهم المسؤولون الرئيسيون في إسرائيل، فيجب أن يتنبّهوا إلى ظهور الآيات المسيحانية. وهكذا يكونون بلا عذر إن ظلّوا على عماهم. يكونون بلا عذر حين يقسّون قلوبهم ويتآمرون على يسوع. نقرأ كلام يسوع في يو 15: 22: "لو لم أكن جئت وكلّمتهم، لما كانت عليهم خطيئة. أما الآن، فلا عذر لهم في خطيئتهم".
لم يسمع المخلَّص لتوصية يسوع، فنشر خبر الشفاء في كل مكان (حرفياً: أذاع الكلمة. بشّر). بعد هذا، ما إن يدخل يسوع إلى مدينة حتى تتراكض الجموع إليه وهي ترجو أن يحمل إليها الخير المادي (يو 4: 15؛ 6: 26) والحرية السياسية (ق يو 6: 15؛ ا صم 8: 15). ولكن يسوع لم يأتِ من أجل هذا الهدف. إذن سيتحاشى التجمّعات ولن يدخل علانية إلى أية مدينة. بعد الآن، سيقيم "في الأماكن المقفرة" (آ 45). ولكن انجذاب الشعب إليه هو من القوّة، بحيث يلاحقونه في كل مكان.
إن عبارة "في الأماكن المقفرة" قد استعملت فيما قبل وتلتها عبارة أخرى: "وكان يصلّي هناك" (1: 35). إذا كان يسوع قد ذهب إلى القفر بعد شفاء الأبرص، فلم يكن هدفه فقط بأن يعتزل الجمع والضجة، بل ليجد الصمت الضروري للصلاة والحوار مع أبيه السماوي.

3- الأخبار الموازية
أ- خبر متى
وجّه متى (8: 1- 4) خبر شفاء الأبرص توجيهاً مختلفاً عمّا في مرقس. فربط الحدث بخطبة يسوع الأولى. جعل بين الخطبة والمعجزة رباطاً لاهوتياً لا كرونولوجياً.
ففي العظة على الجبل (مت 5- 7) أكّد يسوع أنه ما جاء يلغي الشريعة وكتب الأنبياء بل يتمّها. وها هو يقدّم براهينه: أمر الأبرص أن يذهب إلى الكاهن ويريه نفسه، ثم يقدّم القربان الذي أمر به موسى (مت 8: 4). إن يسوع يشفي المرضى فيتمّ أقوال الأنبياء: "أخذ أوجاعنا وحمل أمراضنا" (مت 8: 17؛ رج أش 53: 4). وإذ أراد متى أن يبرز خضوع يسوع للشريعة، أغفل ما فعله الأبرص بعدما وجّه إليه يسوع ما وجّهه من كلام (آ 45). وكان هدف متى هو هو حين ترك جانباً سلسلة القطع التي جعلت رواية مرقس تعجّ بالحياة: توسّل الأبرص. شفقة يسوع. وغضبه حين انتهر الأبرص.
غير أن يسوع ليس فقط ذاك الذي يخضع للشريعة. إنه سيد الشريعة. فكما أنه سيد السبت (مت 12: 8)، فهو سيد الشريعة التي تمنع الإنسان من أن يلمس أبرص. هو لا يخاف من أن يتنجّس إن لمسه. فالأبرص هو الذي طهر. ولن يخاف أيضاً أن تنجّسه إمرأة لمست طرف ثوبه. لن يخاف أن تنجّسه إمرأة خاطئة تغسل له قدميه في بيت سمعان الفريسي: فالمرأة هي التي طهرت من خطاياها (لو 7: 39- 49). حين تصرّف يسوع بهذه الطريقة، "أتمّ" الشريعة أيضاً. أي قادها إلى كمالها. جعلها تتجاوز نفسها (مت 5: 21، 27، 31)، فتوصل الإنسان إلى أخيه الإنسان، وتوصله حقاً إلى الله.
أغفل متى الباعث الأساسي على شفاء الأبرص: أن يخفّف يسوع من شقاء هذا البائس. بل شدّد على مدلول المعجزة. جعلها في رأس سلسلة من عشر معجزات، فجاءت تثبت السلطان الذي به يتوجّه يسوع إلى الجموع، واتخذت بعداً مسيحانياً واضحاً. ثم إن هذه المعجزة هيّأت وعداً سيُعطى للتلاميذ بأن يحقّقوا الآيات التي حقّقها معلّمهم: هذه الآيات تدلّ على صدق الرسالة (مت 10: 8؛ رج يو 14: 12). وإن يسوع سيلمّح إلى هذه المعجزة في جوابه إلى من أرسلهم يوحنا يسألونه: أأنت (المسيح) الآتي أم ننتظر آخر؟ جعلها بين الآيات المسيحانية فقال: "العرج يمشون، والبرص يطهَّرون..." (مت 11: 3- 5).
ويذهب متّى أبعد من ذلك فيرينا في إيمان الأبرص باكورة إيمان المسيحيين الذين يرون ابن الله في شخص يسوع. صوّر مرقس البائس على الشكل التالي: سجد أمام يسوع في وقفة توسّل، وقال: "إن شئت فأنت قادر على أن تطهّرني". إذن، يشدّد مرقس على الطلب من "شخص عظيم"، وإن عبّرت لفظة "سجد" في الإطار المسيحي على أن يسوع هو أكثر من "الملك المسيح" الذي يحمل الخير إلى شعبه. أما متّى فسيشدّد على السجود والعبادة كما أمام الله. توجّه الأبرص إلى يسوع وأعطاه لقب القائم من الموت. قال: "يا رب، إن أردت...".
هنا نتعرّف إلى اهتمامات متّى الكنسيّة. حين سمعت الجماعة المسيحية هذا الخبر، قرأته في حاضرها، أوّنته بشكل صلاة تتوجّه إلى الرب يسوع: إن شئت يا رب، فأنت قادر أن تجعلني طاهراً. "قلباً نقياً أخلق في يا الله".
ب- أبعد من الإزائيين
الموازاة بين الأناجيل الإزائية وثيقة جداً، وهذا ما يمنعنا أن نتحدّث عن ثلاثة أخبار مستقلة أوردها كل من مرقس (1: 40-45)، متّى (8: 1-4)، لوقا (5: 12-16). بل نحن أمام خبر واحد طبعه كل إنجيلي بطابعه. المرجع الأساسي هو مرقس أو ينبوع قريب من مرقس استقى منه متّى ولوقا. والبرهان الواضح هو الطريقة التي كتبا فيها آ 42 فجاءت في شكل أدبي واضح. ثم يبدو أن لوقا يتبع متّى.
ومهما يكن من أمر، فقبل تدوين الأناجيل الإزائية الثلاثة، حمل التقليد خبر شفاء الأبرص، وما تبع هذا الخبر من ردّة فعل لدى يسوع. فالإشارات التي أوردها مرقس لم تكن وليدة استنباط الجماعة، بل هي جاءت تبرز الوجه البشري في يسوع المسيح. وتاريخية هذه التفاصيل تكفل نقاطاً أخرى مشتركة بين الأناجيل الثلاثة: واقع الشفاء، الإرسال الى الكاهن مع هدف محدّد، شهادة الأبرص. فإذا تركنا جانباً هذه النقاط الأساسية، صارت التفاصيل الخاصة بمرقس من دون سند.
أما الفكرة الأساسية التي نستخرجها من النواة الأولى، فهي أولاً العلامة المسيحانية. ثم جاءت تعاليم أخرى، شدّد كل من الإنجيليين عليها بطريقته الخاصة.
* أبرز متّى سلطة يسوع. وأبرز التعارض بين الكهنة الذين رفضوا الشهادة التي أرسلت إليهم، وبين الأبرص البائس الذي آمن فكان مثالاً للمسيحيين.
* وشدّد مرقس على خطر كبير: أن لا يفهم الناس مسيحانية يسوع والخلاص الذي يحمله. ثم بيّن الوجه البشري عند ذاك الذي هو الرب الذي تجثو له كل ركبة في السماء وعلى الأرض.
* وحاول لوقا أن يقدّم إلى الوثنيين صورة مخلّص يستطيع أن يخلّصهم من خطاياهم. فيبقى عليهم أن يذهبوا إليه ليسمعوه ويُشفوا من أمراضهم (لو 5: 15).

خاتمة
لم يروِ الأبرص ما حصل له. بل أخذ "يعلن مطوّلاً"، "يذيع الكلمة في كل مكان". هذا الإعلان يدلّ على أمانة الإنسان لكلمة دخلت إلى أعماقه فأتاحت. له أن يعيش، حرّرته، وحّدته، أعادته إلى جماعة الحياة والصلاة. صار هذا الأبرص نبياً فأعلن الكلمة التي يحملها لا على لسانه فقط وفي شفتيه، بل في كل جسده. أعلن ما اختبره.
ولكن هذا الإعلان (الذي يريده يسوع ولكن لا قبل وقته) يبقى ملتبساً. فقد يخلق تياراً شعبياً بدا يسوع متحفّظاً بالنسبة إليه. لهذا، إبتعد عن الدعايات، عن حماس الجماهير. هو "قدوس الله". لهذا لا يستطيع أن يقدّم نفسه فقط كذاك المحسن الذي يجعل الناس أشخاصاً قاصرين يحتاجون كالأطفال إلى من يطعمهم ويسقيهم ويشفيهم. يجب أن نبحث عن يسوع حيث نكتشف قدرة الله بالذات. هكذا "جاء إليه" الأبرص (آ 40). هكذا كان الناس "يجيئون إليه من كل مكان" (آ 45). وهكذا نجيء إليه. هو يطهّرنا ويغمرنا بنعمه. ولكنه يختفي فيجتذبنا إلى القفر حيث ندركه في عمق علاقته مع الآب.

 

 

الفصل الرابع عشر
مخلّع كفرناحوم: غفران وشفاء
2: 1-12

كان الفصل الأول من إنجيل مرقس صعوداً إحتفالياً، صعود الإنتصار. فخلال العماد، تلقّى يسوع شهادة الآب وعون الروح. وفي البرّية، تغلّب على إبليس وجاءت الملائكة تخدمه. ثم هناك أربعة تلاميذ تركوا كل شيء وتبعوه، وكرازته التي تعلن بشارة (إنجيل) مجيء الملكوت، وعجائبه الساطعة التي تجتذب إليه الجموع. كل شيء يسير في خطّه الصحيح، وما من سحابة تلوح في الأفق.
غير أن شفاء مخلّع كفرناحوم يشكّل منعطفاً خطيراً. بعد اليوم، لن يكون ليسوع معجبون فقط، سيكون له خصوم وأعداء. ويبدأ القتال. يبدأ أولاً على مستوى المجادلات في خمسة أخبار متتابعة نقرأها في 2: 1-6:3.
أول هذه الأخبار هو شفاء مخلّع كفرناحوم. وهو يبدو على الشكل التالي:
* آ 1- 2: مقدّمة دوّنها الإنجيلي.
* آ 3- 5 أ: خبر الشفاء.
* آ 5 ب- 10: خبر الغفران.

1- المقدمة (آ 1- 2)
بدأ مرقس فشدّد على حضور جمع غفير. "تجمّع منهم عدد كبير ملأ المكان حتى عند الباب". إن شهرة يسوع جذبت إليه الجموع، وهذه الشهرة قد وصلت إلى الذروة. حتى الآن بدا يسوع كمجترح معجزات. يأتي إليه الناس ولا يخافون. ينتظرون منه حسنات مادية زمنية. وما يحصلون عليه لا يلزمهم في شيء.
ما هو الوقت الذي مضى بين بداية حياة يسوع العلنية وهذا الحدث؟ لا نجد جواباً في الأناجيل. والعبارة التي بها يبدأ مرقس خبره هي: "وبعد بضعة أيام". هي لا تعلمنا بشيء. أما لوقا فأشار إلى حضور "الفريسيين وعلماء الشريعة الذي جاؤوا من كل الجليل، من اليهودية وأورشليم" (لو 5: 17). ولكن يجب أن نتجنّب استنتاج كل خلاصة كرونولجية، لأن مقدّمة لوقا هي توسّع في معطيات مر 1: 5: "وكانوا يخرجون إليه من جميع بلاد اليهودية وأورشليم".
أين حصل الحدث؟ تبقى معلوماتنا ضئيلة. تفترض آ 4 أنه حصل في بيت. وتوضح آ 1: في كفرناحوم، "في البيت". ما هو هذا البيت؟ ليس بيتاً من البيوت، بل بيتاً معروفاً. هو بيت سمعان واندراوس المذكور في الفصل السابق (1: 29). هو البيت الذي أقام فيه يسوع بعد أن ترك الناصرة.
وقد يكون الإنجيلي قد أعطى هذا البيت بعداً رمزياً: هو الموضع الذي فيه يسوع يعلّم ويغفر الخطايا. وسيكون فيما بعد الموضع الذي فيه يجتمع أولئك الذين "يعملون مشيئة الله" فيشكّلون عائلة يسوع الروحية (3: 20- 35). ويُذكر البيت في 7: 17 حين يسأله تلاميذه عن مغزى المثل، وفي 9: 28 حين يسأله التلاميذ عن عجزهم أمام الروح النجس. أما يكون البيت هو الكنيسة مع وجود بطرس والإثني عشر. وسيدّل على الكنيسة أيضاً القاربُ الذي منه انطلقت دعوة سمعان بطرس في لو 5: 1- 11 (رج مت 8: 23- 27: الأمواج تهاجم القارب أي الكنيسة). لقد أراد مرقس أن يقول بشكل همسة ما قاله متّى بوضوح في 16: 17-19: "أنت صخر وعلى هذا الصخر سأبني كنيستي" (رج مت 9: 8: "أعطى الله البشر، أي الكنيسة، هذا السلطان، سلطان غفران الخطايا").
واحتشدت الجموع حين عرفت بمجيء يسوع. فعلّمهم "الكلمة"، الكلمة التي ما بعدها كلمة، بشارة الإنجيل. إن هذه الطريقة في استعمال لفظة "كلمة" بدون مضاف إليه، للدلالة على الإنجيل، ليست أمراً عادياً. فهي خاصة بمرقس (على مستوى الإنجيليين). نجدها مراراً في تفسير مثل الزارع (4: 14- 20)، ومرة واحدة في الإجمالة التي تختتم خطبة الأمثال (4: 33: يكلّمهم الكلمة). أما في سفر الأعمال، فنجدها مراراً (أع 4: 4، 17: 11). فالكلمة شخص حي (مشخصنة): لها خدّام (أع 6: 4؛ 20: 24). هي تنمو كما ينمو إنسان (أع 6: 7: وكانت الكلمة تنمو؛ 19: 20؛ رج لو 1: 80؛ 2: 40) تنمو كحبّة من الحنطة (رج مر 4: 14- 20).
ويستعمل بولس أيضاً لفظة "الكلمة" بشكل مطلق (1 تس 1: 6: قبلتم الكلمة؛ 2 تم 4: 2: إكرز بالكلمة). غير أنه يزيد المضاف إليه ليحدّد معناها: كلمة الله (1 تس 2: 13؛ رج 2 كور 2: 17؛ روم 9: 6؛ أف 6: 17). كلمة المسيح (روم 10: 17؛ كو 3: 16)، كلمة الحق، كلمة المصالحة، كلمة الحياة. وحين يريد بولس أن يصوّر قدرتها الداخلية، يستعمل بالأحرى لفظة "إنجيل" (روم 1: 16: أنا لا أستحيي بالإنجيل). وفي كو 1: 6 يستعيد الصورة الإنجيلية: "الكلمة تثمر وتنمو" مثل حبة الحنطة.

2- الشفاء (آ 3- 5 آ، 11- 12)
حين روى مرقس شفاء المخلّع، لم يوجز مقاله. أما متّى فقدم خبره ملخصاً وجعله في رسمة سريعة. لقد احتفظ مرقس بعدد كبير من التفاصيل التصويرية التي تدلّ على أن "الكاتب" هو شاهد عيان.
ألغى متّى سلسلة من الإشارات تجعل نص مرقس حيّاً جداً. الجمع محتشد بحيث يستحيل الإقتراب من الباب مع مخلّع محمول على فراش. ولكن الحاملين صعدوا إلى السطح على السلّم الذي موضعه خارج البيت. ونقبوا السقف. أي: رفعوا الغطاء عن الفتحة الموجودة في وسط البيت. ودلّوا المريض بدون صعوبة. كان ضيف الشرف يجلس تحت الفتحة فتنيره الشمس. هناك جلس يسوع. وحين دلّوا الكسيح كان أمام يسوع.
لم يحتفظ متّى من هذا المشهد إلا بالكلام عن إيمان الناس. من هم هؤلاء الناس؟ هذا ما لا يقوله متّى. ويجب أن نعود إلى مرقس لنعرف أنه يعني أربعة رجال (العدد 4 مهم. هو عدد التلاميذ الأربعة الذين دعاهم يسوع. يمثّلون الكون بأقطاره الأربعة. يحملون هذا العالم الكسيح ليشفيه يسوع ويغفر له خطاياه).
يستعيد لوقا عناصر مرقس، ولكنه لا يذكر عدد الناس الذين حملوا الكسيح. ثم إنه كيّف الخبر مع بناء البيت اليوناني: أنزلوا المخلّع بين القرميدات.
"رأى يسوع إيمانهم". الإيمان شرط للمعجزة. هذه فكرة عزيزة على قلب مرقس، وهو يعود إليها مراراً: في ختام رسالة يسوع في الناصرة، لا يترّدد في أن يقول: "لم يقدر أن يصنع أية معجزة هناك بسبب قلّة إيمانهم" (6: 5-6). تأكيد قاس جداً. وسيخفّف متّى من حدّته: "ما صنع هناك كثيراً من المعجزات لعدم إيمانهم" (مت 13: 85). لو قال متّى مثل مرقس، لجعل قدرة المسيح على المحكّ!
وتفرّد مرقس أيضاً فاحتفظ لنا بالحوار بين يسوع ووالد المصاب بداء الصرع، وهو حوار تعليمي غني حول العلاقة بين الإيمان والعجائب (9: 21-24). قال يسوع: "إن كنت قادراً أن تؤمن، فكل شيء ممكن للمؤمن". فصاح الوالد في الحال: "إني أؤمن! فأعن قلّة إيماني"!
هذا لا يعني أن الإنجيل الثاني تفرّد في الإشارة إلى دور الإيمان في الحصول على المعجزات (رج مت 8: 13: ليكن لك على قدر إيمانك؛ 9: 22، 28-29؛ 15: 28) أو على غفران الخطايا (رج لو 7: 48- 50؛ أع 10: 43؛ 13: 38). ولكنه شدّد عليه في بعض الظروف بشكل خاص.
وينتهي خبر شفاء مخلّع كفرناحوم بشكل يوافق الرسمة المعروفة لأخبار المعجزات. تعجّب الذين شاهدوا الشفاء ومجدّوا الله قائلين: "ما رأينا مثل هذا قط". هذه الدهشة هي الخطوة الأولى نحو الإيمان. هذا ما يشير إليه مرقس مرتين. ان سير يسوع على المياه ملأ التلاميذ دهشاً "لأنهم لم يفهموا معجزة الأرغفة، فكانت قلوبهم عمياء" (6: 52). ثم، حين تكلّم يسوع عن التجرّد وأنبأ بآلامه، كان التلاميذ منذهلين، فلم يفهموا شيئاً (10: 32-33). فلا بدّ من مسيرة داخلية طويلة ونور إلهي لكي ينتقل الإنسان من الدهشة إلى الإيمان (8: 27- 29؛ 9: 22- 24). وسيبيّن لوقا بشكل أوضح من مرقس المسافة التي تفصل الدهشة عن الإيمان. مثلاً نقرأ في لو 2: 17-18 عن موقف الحاضرين المليء بالدهشة وموقف مريم المتأمّل. وفي أع 2: 7، 12، 37: إحتار الحاضرون وتعجّبوا... كانوا حائرين مذهولين... وفي النهاية: إنصرعت قلوبهم وقالوا لبطرس ولسائر الرسل: ماذا علينا أن نصنع؟
حين نقرأ نصّ مرقس نجد أن موضوع دهشة الناس وشكرهم هو شفاء المخلّع (الكسيح)، ويبقى القارىء عند هذا المستوى فينسى غفران الخطايا. لهذا يحوّل متى نهاية مرقس فيلفت انتباهنا إلى معنى الحدث. أراد مرقس أن يبيّن أن الناس لم يفموا الآيات التي صنعها يسوع. أما متّى، فشدّد على دور الكنيسة في غفران الخطايا: "أعطى الله الناس مثل هذا السلطان".

3- سلطان غفران الخطايا (آ 5 ب- 10)
أ- غفرت خطاياك
تدهشنا كلمة يسوع حين نقرأها في نص مرقس: "يا ابني (يا ابن) غُفرت (تُركت) لك خطاياك". وكان الكتبة جالسين. فبحثوا عن معنى هذا الكلام الذي بدا كاللغز بالنسبة إليهم.
لعب الكتبة دوراً هاماً عند مرقس. يُذكرون هنا أكثر مما يذكرون في سائر الأناجيل. ويظهرون في كل قسم على أنهم هم الذين يوجّهون المقاومة ضد شخص يسوع وتعليمه. تعمّقوا في الكتب المقدسة فاكتشفوا بسرعة المبادىء التي على ضوئها سيحكمون على يسوع: الله وحده يستطيع أن يغفر الخطايا (مبدأ معرفوف عند اليهود، لهذا لم يذكره متّى).
الخطيئة هي إساءة إلى الله. هتف داود بعد زناه مع بتشابع: "خطئت إلى الرب" (2 صم 12: 13 ب). فاكتفى النبي ناتان بأن يعلن أن الله غفر خطيئة داود. ليس ناتان هو الذي يغفر الخطيئة. واذا عدنا إلى كلمة يسوع للمخلّع من الوجهة الفيلولوجية، نجد أنها تعني ما عنت كلمة ناتان لداود. لم يقل يسوع: "أنا أغفر لك خطاياك". بل "خطاياك قد غفرت" (مغفورة). هذه هي صيغة المجهول. لا يذكر نائب الفاعل. ونحن نعرف أن العالم اليهودي في زمن يسوع قد تحاشى التلفّظ باسم الله إكراماً وإجلالاً. لهذا استعملوا صيغة المجهول. أو استعارات. مثل السماء (لو 15: 7: خطئت إلى السماء، أي إلى الله. ملكوت السماء أو ملكوت الله). القدرة (مر 14: 62: عن يمين القدرة أي عن يمين الله). ملائكة الله (لو 15: 10: يكون الفرح عند ملائكة الله، أي الله). ملاك الرب (لو 2: 9). المبارك (مر 14: 61: المسيح، ابن المبارك أي ابن الله). 
إذن، كان على الكتبة أن يفهموا جملة يسوع كما يلي: غفر الله خطاياك. ولكن من الواضح أن كلمة يسوع تذهب إلى أبعد من هذا. لأن يسوع طالب حالاً بسلطان غفران الخطايا: "سأريكم أن ابن الإنسان له سلطان (اكسوسيا) على الأرض ليغفر الخطايا" (آ 9).
ب- سلطان غفران الخطايا
هناك أقوال نبوية عديدة تعد المؤمنين بغفران خطاياهم للأزمنة الاسكاتولوجية. قال هو 14: 3: "إغفر لنا كل خطايانا وتقبلنا برضاك". وفي مي 7: 18-19: "من مثلك ينسى ذنوبنا ويعفو عن كل معاصينا، نحن بقية ميراثك، لأنك يا رب تحبّ الرحمة ولا تحفظ إلى الأبد غضبك. الرب يرجع ويرحمنا، ويستر لنا ذنوبنا، وفي أعماق البحر يطرح جميع خطايانا". وفي إر 31: 34: "سأغفر ذنوبهم ولن أذكر خطاياهم من بعد". هذا ما يقوله الرب في ارميا. ويقول في حز 16: 36 لأورشليم: "أغفر لك جميع ما فعلت". كما يقول في أش 43: 25: "أنا أنا الماحي معاصيك (يا شعبي)، وخطاياك لا أذكرها لأجلي".
ولكننا لا نجد في العهد القديم نصاً واحداً ينسب الى المسيح سلطان غفران الخطايا. لا شك في أن أناشيد عبد الله تربط بين "عبد يهوه" وخطايا البشر. فعبد الله يحمل عقاب هذه الخطايا، يكفّر عنها بموته (أش 53). ولكن لا يُقال أن له السلطان ليغفرها. وحين يشفي يسوع المخلّع، لا يلمّح إلى هذه النبوءة في جداله مع الكتبة. فيسوع يستند إلى نبوءة مسيحانية أخرى، بحيث لا نستطيع أن نفهم كلماته دون العودة إليها. أما النص فهو قول دانيال العظيم حول ابن الإنسان (دا 7: 13- 14). فيسوع يسمّي نفسه للمرة الأولى "ابن الإنسان" في هذا الجدال، في كفرناحوم (آ 10). أما في متّى فنجد لقب ابن الإنسان في مت 8: 20 (لطيور السماء أوكار، أما ابن الإنسان فليس له موضع يسند إليه رأسه).
يصوّر دانيال ابن الإنسان آتياً على سحاب السماء. إقترب من عرش الله ونال سلطاناً على كل أمم الأرض.
قال دانيال: "ورأيت في منامي ذلك الليل، فإذا بمثل ابن إنسان آتياً على سحاب السماء، فأسرع إلى الشيخ الطاعن في السنّ. فقُرِّب إلى أمامه وأعطي سلطاناً ومجداً وملكاً حتى تعبده الشعوب من كل أمة ولسان ويكون سلطانه سلطاناً أبدياً لا يزول، وملكه لا يتعدّاه الزمن" (دا 13:7-14).
نلاحظ أن كلمة "سلطان" ترد ثلاثة مرات في هاتين الآيتين. فالسلطان الذي ناله ابن الإنسان هو سلطان الديان الإسكاتولوجي، ديّان آخر الأزمنة. أورد يسوع نبوءة دانيال حين أعلن عودته كديّان في نهاية الأزمنة. أولاً، في الخطبة حول دمار الهيكل (13: 26 وز؛ رج مت 16: 26؛ 25: 31). ثانياً، في كلامه أمام المجلس الأعلى (14: 62). وصنع السنهدرين مثل كتبة كفرناحوم: حسبوا كلام يسوع كلام تجديف وحكموا عليه بالموت. هناك رباط وثيق بين جدال كفرناحوم ومحاكمة أورشليم: فالصراع الذي بدأ في كفرناحوم انتهى في أورشليم.
إذا كان يسوع قد أشار أمام الكتبة إلى قول دانيال، فلأنه رأى فيه إعلاناً خفياً عن سلطان يمتلكه بأن يغفر الخطايا: فالدينونة الاسكاتولوجية ستكون قبل كل شيء دينونة دينية. وستدلّ على الخطايا. والديّان هو ابن الإنسان الذي يمسك سلطان الحلّ والربط (رج مت 16: 19؛ 18: 18). وسيكون لابن الإنسان في اليوم الأخير السلطان بأن يحكم على الخطأة أن يغفر الخطايا. إنطلق يسوع من هذه النبوءة فأكّد أنه يمتلك منذ الآن هذا السلطان.
إن سلطان ابن الإنسان يتحدّد كسلطان أعطي للديّان السامي. وهذا السلطان يمتدّ الى جميع أمم الأرض فيكلّفه بأن يدين الكون كله. وبفضل هذا السلطان المحدّد طالب يسوع بحقّه بأن يغفر الخطايا. منذ الآن هو يمتلك السلطة السامية التي تجعله يرأس محكمة الدينونة الأخيرة. وها هو يستبق الحكم الذي يتلفّظ به في آخر الأزمنة. وإن أراد أن يستبق، فهو لا يفعل ليدين ويحكم، بل ليغفر ويحلّ من الخطايا. لم يأتِ زمن الحساب. بل سيسبقه زمن النعمة والرحمة.
وإذ يمتلك يسوع منذ الآن سلطان غفران الخطايا، فهو يمتلكه على الأرض. وها قد بدأ يمارسه وهو الذي جاء من أجل الخطأة لا من أجل الأصحّاء.

4- امتداد الخبر الإنجيلي
أ- معجزة وآية
إن معجزة شفاء المقعد تحيط بقول يسوع حول غفران الخطايا، وتتقبّل منه بُعداً كبيراً. لم نعد فقط أمام إحسان كبير ناله هذا البائس، ولا أمام سلطان هذا النبي وصانع المعجزات، ولا أمام برهان بأن يسوع هو المسيح. بل نحن أمام آية (وعلامة) تدل على أكثر من هذا.
أكّد بعض الشرّاح أن الجدال ألّف فيما بعد داخل الكنيسة ليلقي الضوء على المدلول العميق للمعجزة. واعتبر آخرون أن يسوع تلفّظ حقاً بهذه الكلمات قبل أن يجترح المعجزة، فربطوا المعجزة بالجدال. ولكن مهما كانت الفرضية، فالتعليم الذي نستخلصه من هذا النصر يبقى هو هو. فهدف الخبر الأولى ليس الشفاء، بل غفران الخطايا: فيسوع له سلطان غفران الخطايا.
هذا ما فهمه متّى، فحوّل خاتمة مرقس ليلفت الإنتباه إلى هذه الفكرة. بل ذهب أبعد من ذلك. فما اكتفى بأن يجعل الترتيب أكثر منطقياً. ما اكتفى بأن يلغي دهشة الشهود. ما اكتفى أن يتحدّث عن ردّة فعلهم أمام مغفرة الخطايا. بل طرح هذا الغفران الذي منحه يسوع للمخلّع، والذي يمنحه البشر (في صيغة الجمع) داخل الكنيسة. ففي وضع المخلّع، إستشف متّى أن سلطان غفران الخطايا بيد يسوع نفسه الآن، قد انتقل إلى البشر: "ما تربطونه في الأرض يكون مربوطاً في السماء، وما تحلّونه في الأرض يكون محلولاً في السماء" (مت 18:18).
أما الإنجيل الرابع فقد انطلق في خطّ آخر. لقد اكتشف في هذا المرض رمزاً إلى وضع الخاطىء الذي لا يستطيع أن يقوم بعمل يتوافق "والحياة الأبدية". لقد رأى يوحنا في يسوع المخلّص الذي يستطيع أن يشفي الإنسان من هذا الوضع، إما بكلمته القديرة وإما في حوض العماد. "إذهب واغتسل... فذهب واغتسل" (يو 9: 7).
وقد يكون مرقس رأى الرمز عينه في هذا المرض، في هذا المريض الذي يحتاج إلى يسوع ليسنده. وإذا كان لشفاء المخلّع قيمة في نظره، فبسبب السلطان العلوي الضروري لكي يتم الشفاء، ومن خلال الشفاء غفران الخطايا.
ب- سرّ شخص يسوع
في كفرناحوم، بدأ يسوع يكشف سر شخصه للذين يتمّيزون بُعد الآيات. لم يفهموا كلّهم. فلا بدّ من نور علوي "لنعرف" يسوع حقاً. "ما من أحد يعرف الإبن إلاّ الآب، ولا أحد يعرف الآب إلا الإبن ومن شاء الإبن أن يظهره له" (مت 11: 27).
أورد مرقس سلسلة من الآيات كشفت بشكل تدريجي سلطات يسوع الإلهية. فشفاء المتشيطن بدت برهاناً على حقّ يسوع بأن يتكلّم بسلطان (1: 21-27). وشفاء الرجل صاحب اليد اليابسة (3: 1-6) وُضع هنا ليدل على أن يسوع هو سيّد الشريعة. قال: "إبن الإنسان هو رب السبت أيضاً" (2: 28). ومعجزة شفاء المخلّع تتسجّل في هذا الإطار.
لقد أسند التقليد إلى آيات وعجائب أقوالَ يسوع السماوية. وهذه الأقوال الكبرى حرّكت الجدال، ثم بُغض الفريسيين ورؤساء الكهنة. لم تصدمهم معجزات يسوع، بل ما تعنيه هذه المعجزات: إنها تدلّ على سرّ شخص يسوع.
إن شفاء المخلّع يقع على مفترق في لحمة الإنجيل الثاني. لقد بدأت طريق يسوع تتوجّه إلى الآلام. وقد جعل هذه الطريق تتدرّج من الحيرة والدهشة إلى البغض: "خرج الفريسيون وتشاوروا مع الهيرودسيين ليقتلوا يسوع" (6:3).
وأراد لوقا أن يدلي على هذا الإتجاه منذ بداية رسالة يسوع العلنية، منذ خبر زيارته إلى الناصرة (4: 28- 30): غضب الحاضرون على يسوع. فقاموا وأخرجوه خارج المدينة (سيموت يسوع خارج مدينة أورشليم) وجاؤوا به إلى حافة الجبل الذي كانت مدينتهم مبنيّة عليه ليلقوه منها. هكذا صوّر لوقا مسبقاً الحكم على يسوع وموته.
أما متّى فانطلق من خبر المجوس، وقتل أطفال بيت لحم، فرسم أحداث الجلجلة. وفي مرقس بدأت رسالة يسوع في خمسة جدالات (2: 1- 2: 6). وستنتهي في خمسة أخرى (11: 27- 12: 37).
إن التعليم الذي شكك الكتبة والفريسيين بعنفه، صار للمسيحيين عنصراً هاماً من إيمانهم بالمسيح، رأوا في مغفرة الخطايا عمل المسيح الأسمى. وفي هذا السبيل قال القديس بولس: "إن الآب نجانا (إنتزعنا) من سلطان الظلمة، ونقلنا إلى ملكوت ابنه الحبيب الذي لنا فيه الفداء ومغفرة الخطايا" (كو 1: 13- 14).

خاتمة
والنتيجة: كلهم تعجّبوا. كلهم خطفوا من ذواتهم. مجّدوا الله وتعرّفوا إلى حقيقة كلمة يسوع. شاهدوا ظهور الله في كلام إنسان، في عمل إنسان. فحضور الله الخلاصي قد أدرك البشرية حقاً، لأن إنساناً مثلنا، هو يسوع المسيح، يتصرّف بسلطان الله ويوقظ النفوس والأجساد. تعجّبوا من فاعلية كلمة يسوع. وسوف يؤمنون بشخص يسوع الذي دلّت عليه كلمته الفاعلة في مريض شفاه وخاطىء غفر له خطاياه.

 

 

الفصل الخامس عشر
دعوة لاوي: نداء إلى التوبة والإيمان
13:2-17

هل يستطيع خبر دعوة لاوي أن يساعدنا على فهم دعوة كل مسيحي فهماً أفضل؟ قبل أن نجيب على هذا السؤال، نلاحظ أن تصوير هذا النداء لا ينحصر في آ 13- 14. فالوليمة التي تلي هاتين الآيتين هي جزء من المقطوعة كما نقرأها الآن. ففي نظر الإزائيين الثلاثة، بدعوة لاوي هي فقط مرحلة أولى لحركة ستوسّع هذا النداء ليصل أولاً إلى عدد كبير من الخطأة والعشّارين (2: 25- 16 وز)، ثم إلى جميع الخطأة (مر 17:2 وز). هذه هي المجموعة التي سوف ندرسها.

1- السير على خطى يسوع
إن هذا المقطع الذي يعيد الخبر إلى دعوة خاصة قد ألّف في هذا المنظار ليصوّر نداء يوجّه إلى كل إنسان، وخصوصاً كل إنسان خاطىء حتى يعيش حياة اتحاد مع المسيح المخلّص. ومقابلة قصيرة مع سائر أخبار "الدعوة" خصوصاً عند مرقس، تثبّتنا في هذا التفسير.
فالتقليد المسيحي الأولاني لم يتوخَّ أن يصوّر في أخبار "الدعوة" هذه، ظروفاً فردية أو سيكولوجية. بل أراد أن يبرز مركّبات "السير على خطى" يسوع. هي مركّبات تتعدى الزمن. هي مركّبات لاهوتية وإرشادية. والعلامات التي تميّز كل "مسيرة على خطى" يسوع، يجب أن تبرز في الأخبار النموذجية التي تتعلّق بالتلاميذ الأوّلين: يسوع يدعو. والذي يُدعى يقبل في الإيمان متطلّبة يسوع كنداء من الله، يدلّ على إيمانه بطاعته، ويبرهن عنه في التخلّي عن كل الرباطات الأرضية التي يمكن أن تكون عائقاً في مسيرة غير مشروطة على خطى يسوع أو في تتميم مهمته. 
حين نقابل بين الإزائيين وإنجيل يوحنا، خصوصاً في ما يتعلّق بالتلاميذ الأولين (مر 1: 16- 20 وز؛ يو 1: 35- 51) نرى أن يوحنا يقدّم الأمور بشكل أكثر معقولية، ويبرز للمسيحيين الجدد أهمية الشهادة (التي تكون واسطة) لنقل الإيمان. أما الإزائيون فلا يأخذون بعين الاعتبار المعقولية السيكولوجية، فيصوّرون تدخّل يسوع بشكل مفاجىء و"عنيف"؛ لا استعدادات، لا مقدّمات، لا اعتبارات لصفات سابقة ولا تشديدّ على عدم الاستحقاق بكل شيء يبدأ مع مبادرة المسيح. فما على الإنسان إلاّ أن يطيع ويسلّم أمره ليتبع ربّه. وفي أخبار أخرى تعاكس ما يحدث هنا، نجد الفشل عادة، حين يحاول الإنسان بقواه الخاصة أن يضع يده على الخلاص ويتبع المسيح. "قال ليسوع إنسان في الطريق: اتبعك حيث تمضي". أجابه يسوع: "للثعالب أوجرة..." (لو 9: 57-60). وهناك مثل الشاب الغني (مر 10: 17- 27 وز). وساعة اعتدّ بطرس بقواه وأراد أن يتبع يسوع، كان جواب يسوع: سوف تنكرني (مر 14: 29- 31 وز). 
هذه الناحية من الدعوة التي تأتي بشكل مفاجىء من الوجهة اللاهوتية، نجدها في مقطوعة دعوة لاوي. وهي تساعدنا على تجاوز الإطار الخاص الذي قد نحصر فيه الخبر. ثم، إننا نستطيع أن نتساءل: إلى أين بلغ نداء لاوي؟ هل قدّم هذا النداء بشكل واضح كدعوة لمصير خاص أو كدعوة إلى الحياة المسيحية؟ الخبر واضح: يجب أن نمرّ من "المرض" إلى "الصحة" (2: 17). يجب أن نتبع المسيح (آ 14) ونشاركه في طعامه (آ 17). كل هذا يصوّر الارتداد والإيمان والحياة المسيحية. ثم، حين بدأ مرقس المقطوعة بإجمالة فيها يعلّم يسوع الجموع (آ 13)، فقد أراد أن يبيّن أن هذا النداء، وهذه الوليمة، وقول يسوع تعتبر معاً تعليماً يتوجّه إلى الجموع.
سيشدّد متّى أيضاً على صفة التعليم هذه بشكل آخر: فعنده يسمّى يسوع "المعلّم". وهو يقول لمحاوريه: "فاذهبوا إذن وتعلّموا" (مت 9: 11- 12). وإذ أبرز الإنجيل الأول هذه الوجهة، أراد أن يربط بين شفاء المخلع والمقطع الذي ندرس (مت 13:9). فبعد أن امتدح متّى الله الذي بالمسيح سلّم إلى البشر خدمة (سلطان) غفران الخطايا (مت 8:9)، قدّم لنا أحد هؤلاء الناس (مت 9:9: أبصر إنساناً. واسم متّى الذي يعطى لهذا العشار يردّنا إلى لائحة الرسل في 3:10). ولكن هذا الرسول (الذي أعطي له أن يحلّ على الأرض، رج مت 18:18)، شأنه شأن كل مسيحي، قد دُعي أولاً إلى الغفران والخلاص. وبهذا، إن هذا "الإنسان" يمثّل كل إنسان.

2- تصوير النداء بحصر المعنى
أ- النص الإزائي
مت 9:9 مر 13:2-14 لو 5 :27-28
وعاد فخرج وخرج بعد ذلك
إلى شاطىء البحر
فأقبل اليه الجمع
كله وكان يعلّمهم
ويسوع و و
مجتاز من هناك فيما هو مجتاز
أبصر أبصر شاهد
إنساناً لاوي بن حلفى عشاراً اسمه لاوي
جالساً الى مائدة جالساً إلى مائدة جالساً إلى مائدة
الجباية الجباية الجباية
اسمه متّى
فقال له: اتبعني! فقال له: اتبعني! فقال له: اتبعني!
و و فترك كل شيء،
قام وتبعه قام وتبعه وقام وتبعه.
هناك ثلاث مراحل: شخص فرد، كثير من العشارين والخاطئين، الخاطئون بشكل عام. هذه الطريقة قد أرادها الإنجيليون، وهي تنتج عن عمل تدويني استفاد من مواد متنوّعة لكي يصل إلى هدف معيّن. فهناك إشارات تساعدنا على اكتشاف ثلاثة عناصر قديمة ومستقلة في هذا الخبر: 2: 14؛ 16:2- 17 أ؛ 17:2 ب. نحن هنا أمام إمكانية معقولة وبراهينها ليست قويّة. أما ما هو مقنع فالبرهان الذي بحسبه يبدو خبر مرقس أقدم من خبر متّى ولوقا داخل التقليد الإزائي.
هي طريقة بسيطة وشعبية وفاعلة. لسنا أمام صورة فوتوغرافية، بل أمام فكر رمزي يستند إلى تذكّرات ويعبّر عن ذاته بالصور. مثلاً، هناك تعارض واضح بين موقف لاوي الجالس، المقيّد بمكتبه، المربوط بخيراته، وبين الحركة التي تطرحه خارج حدوده الخاصة لتجعله في خطى يسوع. إن الصورة مكيّفة أكثر من خطبة طويلة لتعبّر عن العمق الحياتي واللامحدود، عن فكرة لاهوتية تحتانية. إن حركة لاوي تتضمّن على مستوى النظر أن نترك كل شيء ليس المسيح. هذه الفكرة الحاضرة عند مرقس ومتّى، قد شدّد عليها لوقا وأوضحها: "ترك كل شيء".
وبين العناصر المشتركة بين الإزائيين الثلاثة، نشير إلى نظرة المسيح (وإن لم تكن المفردات هي هي) الذي يتطلّع إلى لاوي ويختاره. لا شكّ في أنه كان هناك ربما عشّارون (موظفون) غيره. أما يسوع فأبصر لاوي. حطّ نظره على لاوي.
هذه الفكرة ليست باهتة. فهي تطبّق على يسوع موضوع نظر الله في العهد القديم. حين يتناسى الله في ساعة إهمال، حين يغضب على شعبه، تسير الأمور بالنسبة الى الشعب من سيء إلى أسوأ. ولكن يكفي أن يوجّه الله نظره إلى شعبه لكي يشعر شعبه أنه محبوب ومختار ومخلص. مثلاً في مز 10: 11: "قال في قلبه: الله نسي. لقد حجب وجهه فهو لا يرى شيئاً". وفي 2 مل 20: 5: "هكذا قال الرب: سمعت صلاتك، رأيت دموعك وأنا سأشفيك".
هكذا نظر يسوع إلى لاوي. وهو سينظر إلى الشاب الغني فتدلّ نظرته على حبّ خاصّ له (10: 21). وكان قد سبق له وأبصر سمعان واندراوس، يعقوب ويوحنا. قال لهم كما قال للاوي: اتبعوني (1: 16- 20).
ب- عناصر خاصة
أولاً: مرور يسوع
حسب مرقس (2: 14) ومتّى (9:9)، إن المسيح الذي أبصر لاوي ودعاه هو مسيح يمرّ (كان مجتازاً؛ رج 1: 16؛ يو 9: 1). لماذا حافظ التقليد على هذه الإشارة البسيطة والتي لا لون لها خلال تكوين الخبر وانتقاله إلى مرقس؟ هل أراد الكاتب أن يحدّد موقع المشهد؟ فالعشّارون يقيمون بصورة خاصة في "نقاط المرور" (أو: العبور). ونلاحظ على هامش الإنجيل اهتمام الكتابات الغنوصية (أنجيل توما 42. قال يسوع: كن ماراً) بموضوع المرور. ولكننا لا نعرف المدلول الذي أعطوه لهذه اللفظة، وهل هناك من تواصل بين الاناجيل والأدب الغنوصي؟ وقد نرى هنا تلميحاً إلى مرور الله في بعض التيوفانيات. مثلاً، خر 33: 19- 22. قال الرب لموسى: "حين يمرّ مجدي أجعلك في فجوة الصخر وأغطّيك بيدي حتى أمرّ". و1 مل 19: 11: قال الرب لإيليا: "قف على الجبل أمامي". ثم مرّ الربّ (رج خر 23:12: ويمرّ الرب). قد لا تكون المفردات هي هي، ولكننا نستطيع أن نقرّب بين هذه النصوص. حينئذ نكون أمام ظهور يسوع على مثال ظهور الرب (أبيفانيا).
ثانياً: نظر المسيح
على من يتوقّف نظر المسيح؟ هنا نجد اختلافات تميّز الإزائيين الواحد عن الآخر. فالمسيح في مرقس يبصر شخصاً محدّداً هو لاوي بن حلفى. والمسيح في متّى يرى إنساناً. لا شك في أن لهذا الانسان مهنة وإسماً. ولكننا منذ الآن في الطريق نحو التعميم: البشرية هي مدعوّة هنا لتتبع المسيح، لتشاركه في وليمته، وربما لتتقبّل منه سلطان غفران الخطايا (مت 9: 8). والمسيح في لوقا يلاحظ، يشاهد عشاراً أي خاطئاً. هذا العنصر ليس بغائب في متّى ومرقس. ولكن لوقا شدّد عليه بشكل خاص. لكل إنجيلي منظاره الخاص الذي يقابل إتجاهاً عميقاً وعاماً. شدّد مرقس على اسمه. ومتّى على انه إنسان يمثل الانسانية. ولوقا على مهنته.
ثالثاً: هدف النداء
في خبر يرد في صيغة الماضي، يلفت انتباهنا فعل في صيغة الحاضر. لن نتوقّف عند فعل "قال" الذي يستعمل مراراً في الحاضر. ولكن اختلف متّى ومرقس عن لوقا، فركّزا خبرهما الصغير على كلمة يسوع مع فعل قال في الحاضر: "إتبعني". هذا هو العنصر المهمّ في الجملة. وهذا النداء الموجّه إلى لاوي هو حاضر دائماً وهو ينادي الآن كل إنسان يسمع الإنجيل. في الجملة التالية، يعود الفعل إلى صيغة (وإذ قام تبعه) تصوّر قرار الانسان الذي ينطلق.
أما لوقا الذي يستعمل صيغة الماضي ليتحدّث عن نداء المسيح، فهو يشدّد على "الحاضر" في هذا الخبر. بل يبرز شيئين: التخلّي عن كل شيء (يترك كل شيء)، مدى غير محدود لعمل صار حالة، صار جزءاً من الشخص. كان يتبعه بصورة مستمرة، متواصلة. صار تابعاً له. جعلنا متّى ومرقس أمام لاهوت النداء والقرار. وقدّم لنا لوقا لاهوت متطلّبات النداء.

3- وأكل المسيح مع الخطأة
أ- النصوص الموازية
مت 9: 10-13 مر 2: 15-17 لو 5 :29-332
وحصل (الماضي) وحصل (الآن) و
صنع له لاوي مأدبة عظيمة
أنه كان متكئاً انه اتكأ (الآن)
في البيت في بيته في بيته
وهوذا و وكان
جمهور
كثير من العشارين كثير من العشارين كثير من العشارين
والخاطئين والخاطئين وسواهم
جاؤوا
واتكأوا اتكأوا اتكأوا
مع يسوع وتلاميذه مع يسوع وتلاميذه معه.
لأن كثيرين منهم
كانوا يتبعونه
وإذ رأى ذلك و وتذمّر
الفريسيون الفريسيون
كتبة الفريستين وكتبتهم
رأوا أنه يأكل
مع الخاطئين والعشارين
قالوا قالوا
لتلاميذه لتلاميذه لدى تلاميذه
قائلين
لماذا معلّمكم لماذا لماذا
يأكل يأكل تأكلون
وتشربون
مع العشارين مع العشارين مع العشارين
والخاطئين؟ والخاطئين؟ والخاطئين؟
أما هو ويسوع ويسوع
فسمع، قال فسمع، قال لهم أجاب، قال لهم
الاصحّاء الاصحّاء المعافون
لا يحتاجون الى طبيب لا يحتاجون الى طبيب لا يحتاجون الى طبيب
بل المرضى بل المرضى بل المرضى
فاذهبوا إذن وتعلّموا:
أريد الرحمة
لا الذبيحة
فإني
ما أتيت لأدعو ما أتيت لأدعو ما أتيت لأدعو
الابرار بل الخطأة الابرار بل الخطأة الابرار بل الخطأة
الى التوبة
إن الرباط بين النداء والطعام يؤمّنه شخص العشار الذي يقدّم وليمة في بيته. هل نقص التماسك في الخبر؟ أخذ لاوي يتبع المسيح. وحالاً بعد هذه الصورة نجده من جديد في بيته الخاص. ويشدّد لوقا على التعارض بشكل أقوى: ترك لاوي كل شيء. وها هو يولم وليمة في بيته. إذا أردنا حلاً لهذه الصعوبة، لن نأخذ النصّ بشكل حرفي، ولا نوقّت كل حركة من حركات لاوي.
هذا "اللاتماسك" الصغير ليس بالشواذ في الأناجيل: حين تبع التلاميذ الأولون يسوع، تركوا كل شيء (لو 5: 11). ولكننا سنجدهم فيما بعد مرات عديدة في بيت هو بيت بطرس (مت 24:17- 25؛ مر 1: 29؛ 2: 1: 9: 33). والقوارب هي حاضرة دوماً ساعة يحتاج إليها الرسل (مر 3: 9؛ 4: 35- 36؛ 5: 1- 2، 18؛ 6: 32- 45؛ 8: 10، 13- 14؛ يو 3:21). ولا يبدو مستحيلاً بحسب تفسير لا يزال موضوع مناقشة (1 كور 9: 5) أن كيفا (بطرس) ورسل آخرين رافقتهم نساؤهم في رحلاتهم الرسولية. وفي سفر الاعمال، جاء تأكيد على المشاركة في جميع الخيرات (أع 2: 44- 45؛ 4: 32، 34- 35) فعارضه نصّ آخر (4:5).
نجد عند الإنجيليين، ولا سيما عند لوقا، إتجاهاً للتشديد على متطلّبات يسوع وعلى تعميمها: تعلّق سريع (مر 1: 18، 20= لو 5: 11؛ مر 2: 14؛ لو 52:9- 62)، التخلّي عن كل شيء (لو 5: 11؛ 28:5؛ 23:9؛ 14: 26؛ 14: 32)، نداء ومتطلبات تتوجّه لا إلى التلاميذ المهيّئين لمهمّة خاصّة وحسب. بل لكلّ إنسان يجتذبه الإيمان المسيحي (مت 7: 28؛ لو 6: 17؛ 7: 1؛ 9: 23؛ 14: 25- 27؛ مر 8: 34).
كيف نفسّر هذا الاتجاه الذي نجده في هذا النص الذي ندرس؟ كيف يجب أن نفهم أن المتطلّبات المطلقة تتوجّه إلى الجميع؟ هل تختفي الدعوات الخاصة أمام النداء العام إلى الإيمان؟
ما المطلوب من كل مسيحي؟ تعلّق مباشر وتامّ ومطلق (إلتصاق بالمسيح). يجب أن نفضّل المسيح على كل شيء وعلى كل شخص. هذا هو معنى مت 37:10 (فمن أحبّ أباه وأمه أكثر مني). فمن فكّر غير هذا التفكير، قدّم مسيحية من المستوى "الدنيء" بل لا معنى لتفكيره. وهذا الحب التفضيلى للمسيح يجب أن يكون عند كل مسيحي. ولكن ليس من الضروري دائماً أن نعبّر عنه بشكل ملموس وبخيار دراماتيكي. لا شك، في زمن الاضطهاد مثلاً، أن على المسيحي أن يترك خيراته إذا دعت الحاجة إلى ذلك، أن يترك أرضه ووطنه، أن يترك حياته ليبقى أميناً للمسيح.
ونستطيع أن نفهم أيضاً أن المسيحي الذي يُدفع إلى دعوة خاصة ويُدعى إلى بعض المهمات، قد يعبّر عن هذا الحبّ التفضيلي دون أن تكون هناك حاجة خارجية، حينئذ يعبّر عما يحسّ به سائر المؤمنين ويريدونه في أعماق قلوبهم، فيكون آية معبّرة تعبيراً خاصاً عن المتطلّبات التي ترافقه. وهذا، ربط الإنجيليون رباطاً وثيقاً بين دعوات خاصّة توجّه إلى التلاميذ والنداء العام إلى الإيمان. ففي هذه النظرة الموحّدة نستطيع أن نفهم المقطوعة التي ندرس: إن نداء لاوي هو خبر دعوة خاصة، ولكنه يصوّر من أجل قيمته التعليمية حول النداء إلى كل إنسان خاطىء، حول النداء إلى الإيمان المسيحي.
ب- طعام مع الخطأة
أولاً: مدلول الطعام
حين نحاول أن ندرك مدلول الطعام الذي أخذه يسوع مع الخطأة، يُطرح سؤال أول: هل يمكن أن نكتشف هنا تلميحات إلى العشاء الافخارستي؟ إذا تفحّصنا اللغة بتمعّن، لا نستطيع أن نسند هذه الفرضية. وبما أن لوقا زاد على فعلة الطعام فعلة الشراب (تأكلون وتشربون)، فهذا قد يوجّهنا إلى مناخ الافخارستيا ولكنه لا يكفي في الواقع. حين نطرح السؤال بهذا الشكل، يصبح بلا حلّ. لهذا نطرحه بطريقة أخرى. كل طعام مع المسيح يدلّ على اتحاد حميم بين المؤمن ومخلّصه. في هذا المعنى، كل طعام مع المسيح له في جوهره قيمة اسكاتولوجية. إنّه يعبّر ويستبق ويهيّىء المشاركة في الحياة التي ستتحقّق تحقّقاً كاملاً في عرس الحمل. إذن، نفهم كل طعام مع المسيح الأرضي على ضوء هذه الوليمة الاسكاتولوجية (رؤ 19: 7- 9).
هذا هو معنى أهمّ النصوص البيبلية التي تصوّر الطعام: أش 6:25؛ أم 9: 1- 18؛ مت 8: 11 (أقول لكم إن كثيرين يأتون من المشرق والمغرب ويتكئون مع إبراهيم وإسحق ويعقوب في ملكوت السماوات)؛ مت 22: 2- 14؛ لو 14: 15- 24 (مثل المدعوين)؛ رج مت 29:26 رؤ 20:3-21.
إن لم نجد في نصّ دعوة لاوي تلميحات واضحة إلى الافخارستيا، إلاّ أننا نكتشف هنا بُعد خلاص واتحاد، بعد مشاركة حميمة بين المسيح والخطأة، جعل الفريسيّين يتشكّكون. وربما نحن.
ثانياً: العشارون والخطأة
هذا هو هدف الخبر. ونحن نرى بسهولة ما يشغل بال المدوّن الإنجيلي، ولا سيّما مرقس. إذا أراد أن يشدّد على شيء، فهو لا يحتاج إلى خطب كبيرة ليفسّر أهمية هذا الشيء. بل يكتفي بأن يستعمل التكرارات ليلفت الانتباه. وهنا عبارة "العشارين الخطأة" ترد ثلاث مرات في آيتين اثنتين كما أن هناك تشديداً على عددهم الكبير. ويؤكّد مرقس أيضاً على أنهم متكئون مع يسوع، يأكلون معه، يرافقونه: وهو يعبّر أربع مرّات عن هذه العلاقة.
في هذا الخبر الذي اعتدنا على قراءته، يجب أن تدهشنا وتصدمنا فعلة يسوع الذي يتعامل مع "رجال المال" الذين يخونون بلدهم و"يسرقون" الفقير والضعيف. إن ابن الله يتوجّه إلى الخطأة، بدلاً من أن يشجّع الذين يعيشون حسب شرائع العهد أو حسب ضميرهم. نكاد نقبل أن يشفق يسوع على بعض فئات من الخطأة هم في أغلب الأحيان ضحايا بريئة. أما هنا، فنحن أمام خطأة حقيقيين لا يشفق عليهم عالمنا الفريسي الحديث. أن يقبلهم يسوع في حياته الحميمة، هذا ما لا يُحتمل. كيف لا تستطيع مثل هذه الفعلة أن تشككنا وتؤلمنا؟ ولكن حين نلاحظ إلى أية درجة هذا الخبر يصدمنا بشكل طبيعي، في ذاك الوقت ندخل في فهمه. إن موقف المسيح الذي كان شيئاً جديداً في إسرائيل، لا يزال شيئاً جديداً بالنسبة إلينا، لأننا لم نزل بعيدين عن قبول الإنجيل.
نستطيع أن نلاحظ بسرعة الاختلافات القليلة التي نجدها بين إنجيل وإنجيل. كان اهتمام متّى ولوقا اهتماماً أدبياً، فتحاشيا التكرارات المرقسية بما فيها من تعبير عميق. فمرقس جعل على "المسرح" كتبة الفريسيّين. هذه التسمية ليست بعادية. حاول لوقا أن يميّز بين الكتبة والفريسيّين. أما متّى فأبقى على الفريسيّين. ونلاحظ أخيراً أن الفريسيّين، حسب متّى ومرقس، يعبّرون عن لومهم ويوجهونه إلى يسوع (لماذا يأكل المعلّم مع العشّارين؟). أما لوقا فيجعل اللوم يتوجّه إلى التلاميذ: "لماذا تأكلون وتشربون مع العشارين والخاطئين"؟ إن الإنجيل الثالث يجعلنا في مرحلة من التقليد حيث الجدال أدرك التلاميذ في الجماعة الأولى، لأنهم يخالطون الخطأة والوثنيين (أع 28:10؛ غل 2: 11- 21). ولكن في كلا الحالين، يسوع هو الذي يجيب.
ج- ما جئت لأدعو الأبرار
إن الخبر كله يجتذبنا إلى القول الأخير الذي يفهمنا موقف المسيح. "ليس الأصحاء هم الذين يحتاجون إلى طبيب، بل المرضى. ما جئت لأدعو الأبرار بل الخطأة" (مر 2: 17). هذا التعبير المرقسي يتحمّل تفاسير عديدة. من هم هؤلاء الأبرار؟ أناس مخلّصون أم الفريسيون؟ لقد حاول متّى ولوقا أن يوضحا هذا القول. ندرس نظرتهما قل أن نعود إلى مرقس.
ونبدأ بتعبير لوقا: "ما جئت لأدعو الأبرار، بل الخطأة إلى التوبة". إن التوضيح الذي حمله لوقا والذي قال فيه إن الخطأة مدعوّون إلى التوبة، يبعد كل تفسير "تحرّري" لهذا القول (لهذا لم يتكلّم لو 29:5 عن الخاطئين بل عن "العشارين وسواهم". لم يعودوا خاطئين لأنهم قبلوا نداء المسيح مع متطلّباته). نحسّ بنفوسنا وكأننا نسمع القديس بولس في الرسالة إلى رومة (6: 15): "فماذا إذن؟ أنخطأ لأننا في حكم النعمة لا في حكم الشريعة؟ كلا". لم يكن التوضيح بدون جدوى. ولكن من الواضح أن تفسير لوقا هذا لا يختلف في هذه النقطة عن تفسير مرقس ومتّى. بل هو يوضح ما تضمّنه التقليد الإزائي. وعكس ذلك يكون كلاماً لا أساس له، بل يصطدم بمجمل العهد الجديد (رج مر 1 :14- 15). يبقى أن لوقا يحبّ بصورة خاصة أن يشدّد على موضوع التوبة والارتداد. 
من يمثّل هؤلاء الأبرار في نظر لوقا؟ أولئك الذين يظنون نفوسهم أبراراً، ولا يحسّون بأية حاجة إلى خلاص يحمله المسيح. أو أولئك الذين هم متحدون حقاً مع الله بعلاقة مستقيمة وحقيقية وصادقة؟ لا مجال للتردّد هنا: فكلمة "بار" عند لوقا تبدو دوماً في وجهها الصحيح. فإذا وضعنا هذا النص جانباً، نجد عشرة استعمالات لهذه اللفطة. في ثمان منها يدل الإنجيلي على أشخاص يُعتبرون أبراراً حقيقيين (يعتبرون قديسين) مثل والدي يوحنا المعمدان (لو 1: 6 كانا بارين؛ 1: 17) وسمعان الشيخ (لو 2: 25: كان هذا الرجل باراً تقياً) ويوسف الرامي (لو 23: 50) ويسوع نفسه في لسان قائد المئة (47:23: في الحقيقة كان هذا الرجل باراً؛ رج 12: 57؛ 14: 14). وهناك استعمالان للفظة "بار" يدلاّن على الفريسيين وأعداء يسوع. ولكن في هاتين الحالتين أوضح لوقا بصريح العبارة: "هم أناس يثقون من أنفسهم بأنهم أبرار" (18: 9). أو: "يتظاهرون بأنهم أبرار" (20: 20). إذن، لا شك ممكناً في النص الذي نقرأ: الأبرار، مثل الاصحاء، يمتلكون ملء الحياة. الأمور هي على ما يرام بالنسبة إليهم. أنهم مخلّصون منذ الآن. فعليهم أن يتركوا الحسد ويقبلوا أن يهتمّ المسيح بالخطأة. بل عليهم أن يساعدوه في اهتمامه.
وقدّم متّى تفسيراً مختلفاً. "فاذهبوا إذن وتعلّموا معنى هذه الكلمة. أريد الرحمة لا الذبيحة. فإني ما جئت لأدعو الأبرار بل الخطأة". يبدو أن التعارض يقع بين برارة خارجية محضة، برارة شريعانية بما في هذه الكلمة من معنى سيّء (تعلّق أعمى بالشريعة ولو حجّرتنا وأغلقتنا على القريب)، والتقديس الحقيقي الذي يوافق القلب الصالح والمستقيم. قد نكون هنا أمام وسيلة تتيح لنا أن نفهم "الكمال" الذي يقدّمه إنجيل متّى: فعلى الذي يرغب في هذا الكمال الداخلي، أن يقبل أولاً (كما في هذا النص) بأن يدعوه المسيح، أي بأن يحرّره من الخطيئة، ويهبه الحياة. عليه أن يترك كل شيء ويسير على خطى المسيح في هذه الطريق طريق التقديس الحقيقي. ويمكن أن نكتشف أيضاً وراء خبر متّى مسألة عملية ولاهوتية طرحت على المرسلين الأولين: حين كانوا يتّصلون بالوثنيين كانوا "يتنجّسون" حسب الشريعة. هل نتجاوز هذا الوضع أم نتوقّف عنده؟ إذ أراد متّى أن يساعد المسيحيين المتهوّدين (ظلوا متعلّقين بالممارسات اليهودية) لكي يتجاوزوا هذه الأزمة التي تظهر في أع 10- 11 وفي غل 2: أي، إختار أن يقدّم المسيح كمثال لهم.
جاء نصّ مرقس موجزاً ومجموعاً، ولكنه ظلّ ملتبساً: "ما جئت لأدعو الأبرار، بل الخطأة". هل يتوافق هذا التعارض بين الأبرار والخطأة، مع التعارض بين الفريسيّين والعشارين (الذين هم خطأة)؟ حينئذ تكون صفة "بار" مستعملة بشكل سخرية وتنطبق على الذين يحسبون نفوسهم أبراراً. أو يجب أن نفكّر بأن التعارض بين الأبرار والخطأة يتوافق مع التعارض بين الأصحّاء والمرضى، وذلك حسب المقابلة التي سبقت مباشرة؟ في هذه الحالة، يصبح موقف مرقس قريباً من موقف لوقا. قد يكون من المفيد أن نختار التفسير الأول فنرى بعض "السخرية" ضد الفريسيّين. ولكن البراهين الحاسمة غير موجودة. لهذا نفضّل أن لا نضخّم بُعد هذه اللفظة (بار) التي جُعلت هنا لتسند العبارة السرية "جئت" وتبرز الهدف الحقيقي "الخطأة".
هناك رباط بين هذه العبارة في التقليد الإزائي (جئت) وتأكيدات المسيح في يوحنا (مثلاً، 42:8: ما جئت من تلقاء ذاتي: 47:12: ما جئت لأدين العالم). ولكن ما هي الطبيعة الصحيحة لهذا الرباط؟ ما هي المراحل التي اتخذها معنى هذا الفعل؟ ما هو بُعد هذه العبارة في الخبر الذي ندرس؟ إن التأويل الحديث يرى أن الكرستولوجيا في مرقس هي أكثر تطوّراً مما يبدو للوهلة الأولى (رج 14: 62). حين نستند إلى هذا المفهوم العام لمرقس، وحين نأخذ بعين الاعتبار بعض النصوص الموازية (38:1) التي تسير في الخطّ عينه، نستطيع القول إن لهذه العبارة المرقسية معنى عميقاً يدلّ على أصل يسوع السرّي. إذا كان الأمر صحيحاً، فالمهم في مر 17:2 ليس التعارض بين الأبرار والخطأة، ليس البحث عن المعنى الحقيقي للفظة "أبرار"، بل الرباط بين مجيء المرسل الإلهي والخطأة. وان هذه المقطوعة عن نداء الخطأة تقع عند مرقس في ذروة مجموعة أخبار تظهر في خبرة يسوع من خلال نشاطه الرحيم: بعد أن صلّى أراد أن يمدّ نشاطه، لهذا خرج (1: 35- 38. خرج أيضاً من عند الآب). شفى أبرص يرمز مرضه إلى الخطيئة (1: 40- 45). ثم شفى المخلّع نفساً وجسداً (2: 1- 12)0 أخيراً دعا لاوي وخطأة آخرين (13:2- 17). حينئذ نستطيع أن نتحدّث عن الجديد الجذري الذي حمله يسوع (18:2- 22)، عن هذا النبيذ الجديد الذي سيجمع حول المسيح المدعوّين إلى الوليمة الاسكاتولوجية.
إذا نظرنا إلى هذا الجديد على نور الإيمان، أدهشنا وسيطر على مشاعرنا. نحن هنا في ذروة وحي يعني نشاط يسوع الخلاصي. إنه يستطيع أن يخلّص لأنه يأتي من الآب. وهو يخلّص حقاً كل إنسان خاطىء يقبل أن يسمع نداءه ويتبعه، مع كل ما يتطلّبه هذا النداء. في هذا النداء نحن أساساً أمام دعوة إلى الخلاص بالإيمان. ولهذا، كل دعوة خاصة تفهم في علاقتها مع هذا الندء. اتبعني، قال يسوع. فقام لاوي وتبعه.

 

 

الفصل السادس عشر
صوم أهل العرس
2: 18- 22

كان جدال أول حول غفران الخطايا للمخلّع، وجدال ثانٍ حول مشاركة الخطأة في الطعام والشراب. وها نحن أمام جدال ثالث حول الصوم. متّى كان هذا الجدال وأين حدث؟ هذا ما لا نعرفه. كل ما يذكر هو ظرف صام فيه تلاميذ يوحنا والفريسيون. أوقف يوحنا المعمدان وقُتل، فصام تلاميذه حزناً. وصام الفريسيون أيضاً. فلماذا رفض تلاميذ يسوع أن يصوموا. أين شريعة التضامن؟ هذا هو موقف بعض الشرّاح. ولكن يبدو أننا أمام حديث عام عن الصوم. وسيرفعنا يسوع من ممارسة عملية إلى مستوى موته وقيامته. ليست الإستعدادات البشرية هي التي تحدّد الصوم وأيامه، بل حضور العريس أو غيابه.

1- إطار النص الإنجيلي
أ- الإطار الأدبي
رأى الشرّاح في هذا المقطع الإنجيلي حول الصوم، مجادلة من خمس مجادلات بين يسوع وخصومه خلال رسالته في الجليل (2: 1-3: 6). أما السلسلة الثانية من المجادلات فتقع في أورشليم، وفي نهاية حياة يسوع العلنية (11: 27- 12: 40). هذا القول صحيح شرط أن لا نجعل من هذا التقسيم إطاراً قاسياً يستبعد كل إطار آخر: يجب أن نزيد على هذه المجادلات تلك التي تجعل من يسوع بعل زبول (3: 22- 30) وتلك التي تتحدّث عن عوائد اليهود (7: 1- 23).
إستطاع التقليد أن يجمع المجادلات الخمس الأولى قبل تدوين الأناجيل. فالإزائيون الثلاثة عرفوا هذه المتتالية المؤلفة من خمسة مقاطع: شفاء المخلّع (2: 1- 12). دعوة لاوي (2: 13-17). الصوم (2: 18- 22). السنابل يوم السبت (2: 23- 28). رجل يده يابسة (3: 1- 6). تبع لوقا مرقس في المتتالية كلها. أما متّى ففصل الجدالات الثلاثة الأولى (9: 1- 17) عن الجدالين الأخيرين (12: 1- 14). إذا أخذنا بعين الإعتبار واقع متّى ومرقس اللذين وضعا جانباً الجدال حول تقاليد الفريسيين (أطعمة، غسل أيدي) (7: 1- 23؛ مت 15: 1- 20)، نستطيع القول بوجود مجموعة من المجادلات استقى منها الأنجيليون ما شاؤوا. إختار مرقس بين هذه المجادلات، واهتم بتنشئة المؤمنين بطريقة تدريجية للتعرّف إلى يسوع من خلال أقواله وأعماله كما كشفها لنا. 
مجادلات سبع حول سلطة يسوع. سلطته على الخطيئة والمرضى. سلطته على الخطأ ليصالحهم مع الله. سلطته على النظم اليهودية من ممارسة الصوم واحترام السبت والتعامل مع الطاهر والنجس (7: 1-23). كل هذا يصل بنا إلى السؤال حول أساس سلطان يسوع (3: 22-30): هل هو من الشيطان، هل هو من الله؟ قال خصومه: "من الشيطان"، فجدّفوا على الروح القدس. ظلّت خطيئتهم فيهم فحرموا من الغفران لأنهم أعموا عيونهم وأغلقوا قلوبهم.
ب- الإطار التاريخي
هل نستطيع أن نلقي الضوء على كلمات يسوع فنكتشف الظروف التاريخية التي قالها فيها؟ يتوافق الإزائيون على ربط الجدال حول الصوم بدعوة لاوي ثم بالوليمة التي شارك فيها يسوع العشّارين والخطأة في بيت لاوي. هذا الاتفاق يدلّ على تقليد مشترك سابق لتدوين الأناجيل. وهكذا يبدو التسلسل طبيعياً. ولكن في الواقع هناك تحوّل ظاهر: في أخبار الوليمة التي تلت دعوة لاوي، شدّد النص على أن يسوع أكل مع الخطأة (2: 16 ب). أما في المقطع اللاحق، فهو يشدّد على أن يسوع وتلاميذه لا يصومون. إذن، يبدو الرباط مصطنعاً. وهو لا يستطيع أن يكشف لنا الظروف التاريخية للحوار. ويظنّ معظم الشرّاح أن التقارب بين النصين يعود إلى التقليد، مع العلم أن تلاميذ يوحنا غابوا عن الجدال عند لاوي، وكانوا في المقدّمة خلال الجدال عن الصوم.
ويقدّم لنا مرقس طريقاً أخرى: "كان تلاميذ يوحنا والفريسيون يصومون" (حرفياً: كانوا صائمين في ذلك اليوم). ولكن أي صوم يعني؟ هذا ما لا يوضحه الإنجيلي. نحن لا نعرف صوماً خاصاً بالفريسيين وبتلاميذ يوحنا. وقدّم بعضهم تفسيراً يلفت النظر: زيد "الفريسيون" بقلم مرقس، لأنه اعتاد أن يجمعهم مع سائر خصوم يسوع: الهيرودسيين (3: 6؛ رج 12: 13). الكتبة (7: 1، 5). اليهود (7: 3). هيرودس (8: 15). قد يكون صام تلاميذ يوحنا حزناً على موت معلمهم (رج 6: 29). ولكن هذه مجرّد فرضية وهي لا تلقي الضوء على كلمات يسوع.
ولكن أهمّ من ذلك هو أن نعرف هوية "الشخص" (أو الأشخاص) الذي سأل يسوع. هذا ما ليس بواضح في مرقس. "كان تلاميذ يوحنا والفريسيون صائمين، فجاؤوا وقالوا له: لماذا تلاميذ يوحنا...". يبدو أن محاوري يسوع هم تلاميذ يوحنا والفريسيون الذين يتحدّثون عن نفوسهم في صيغة الغائب. على هذا الأساس، ظن بعض الشرّاح أننا في صيغة المجهول: قيل له، جاء من قال له. فكأني بالجمع هو الذي يطرح السؤال على يسوع.
أما في متى، فتلاميذ يوحنا هم الذين يطرحون السؤال (مت 9: 14). وفي لوقا، السائلون هم الفريسيون والكتبة (لو 5: 30، 33). وحاول الشرّاح بواسطة البراهين الفيلولوجية أن يبيّنوا أن متى يمثّل التقليد الأقدم والأصح تاريخياً. ولكننا ظللنا على مستوى الفرضيات. سوف نرى أن جواب يسوع لا يُفهم إلا بالرجوع الى تلاميذ يوحنا المعمدان، وبالرجوع إلى مجموعة سيتحوّل عداؤها إلى بغض قاتل. وهذه المجموعة تتألف حسب مرقس من الكتبة (2: 6) والفريسيين والهيرودسيين (3: 6).
لا يجعل الإنجيليون تلاميذ يوحنا بين خصوم يسوع. فحين يقتربون منه ليسألوه، فهو يعطيهم جواباًَ إيجابياً (مت 11: 1-6؛ مر 2: 18 ي). ولقد كانوا موضوع "عداءه من قبل الفريسيين، شأنهم شأن تلاميذ يسوع (يو 1: 19-25؛ مت 11: 16-19؛ لو 20: 3-6). ولا ننسى أن يسوع اختار بعض تلاميذه من بين تلاميذ يوحنا. وإذا كان الآخرون ظلّوا مع يوحنا ولم يتبعوا يسوع فلأن يسوع تركهم في طريقهم: هذا هو سرّ الله وخياره. على كل حال، سوف نرى بعضاً منهم يتقبّلون معمودية الروح القدس بعد أن قبلوا معمودية يوحنا، وذلك في أفسس (أع 19: 1-7).
ومهما يكن من أمر الناس الذين سألوا يسوع، من الواضح أن يسوع قدّم الجواب إلى الفريسيين والكتبة كما قدّمه إلى تلاميذ يوحنا. في هذه الظروف نستطيع القول إن الحدث قد يكون حصل بعد اعتراف قيصرية فيلبس (رج مت 21:16).
ج- تأليف النص
يتّفق الشرّاح على القول بأن المثلين الصغيرين حول الثوب العتيق والمرقّع (آ 21)، وحول الخمر الجديدة (آ 22) قد جُعلا قرب الجدال حول الصوم بواسطة مرقس أو بواسطة التقليد السابق له. فبُعد هذين المثلين يتجاوز مسألة بسيطة حول الصوم. نجدهما وقد وُضعا قرب المقطوعة السابقة وهما يفسّران آ 19 لا آ 20. إذن، ليس التسلسل طبيعياً. ولكن ليس المهمّ هنا. فنحن أمام تأمّل كنيسة رومة حول بطرس كما دوّنه مرقس فقدّم أول إنجيل للكنيسة.
وتساءل الشرّاح حول موضوع الصوم وإعلان "اختطاف" يسوع. لا شك في السؤال الذي طُرح على يسوع (آ 18 ب). فنحن في عالم سامي، لا يوناني. لم يقل متّى ومرقس: "لماذا تلاميذك لا يصومون بينما تلاميذ يوحنا...". بل قالا: "لماذا تلاميذ يوحنا (وتلاميذ) الفريسيين يصومون، ولكن تلاميذك لا يصومون"؟
أكّد أصحاب المدرسة التكوينية أن "الكنيسة" ألّفت الحوار كله لتبرّر ممارستها للصوم. وقدّموا براهينهم. ولكننا لا نعرف ممارسة الكنيسة لشعائر التوبة (ومنها الصوم) في أيام تدوين إنجيل مرقس. ثم إن الكنيسة لم تظهر كجماعة "حداد وبكاء". إنها حاملة بشرى وإنجيل. إنها حاملة فرح المسيح. لا شكّ في أن سفر الأعمال يتحدّث عن بعض أصوام، ولكنها كانت ظرفية. وقد دُفع إليها الرسل بسبب حالة خاصة. مثلاً، الإستعداد لحدث كبير هو اختيار المرسلين وانطلاقهم إلى العمل (أع 13: 2-3). وهكذا نجد أن الكنيسة لم تحتج إلى تبرير ممارسة لا شيء يشهد على وجودها كممارسة عادية.
واتخذ يسوع استعارة فسمّى نفسه "العريس". هذه اللفظة كانت خاصة بيهوه (الرب) في العهد القديم. "هل يستطيع أصحاب (أهل) العريس أن يصوموا ما دام العريس معهم" (آ 19 أ)؟ سمّى يسوع نفسه العريس ليدعو تلاميذه إلى الفرح. ثم إن لفظة العريس قد اعطيت معنى مسيحانياً في العصور الأخيرة للعالم اليهودي. هذا ما نجده في ترجوم المزامير ولا سيّما مز 45. ويسوع نفسه اتخذ اسم العريس في مثل العذارى (مت 25: 1 ي). وهو العريس الحقيقي في عرس قانا الجليل، يدعو الكنيسة إلى أفراح لا تنتهي فيسقيها من خمرة مسيحانية فاضت ولم تزل تفيض حتى نهاية العالم (يو 2: 1- 12). ونقرأ في فم يوحنا المعمدان هذا القول عن يسوع: "من له العروس فهو العريس، وأما صديق العريس، القائم بقربه، فإنه يهتزّ فرحاً لصوت العريس. فذلك هو فرحي وقد اكتمل" (يو 3: 29). ويستغلّ بولس الرسول رمزية العرس هذه في الرسالة الى افسس (5: 21- 32: هو عريس الكنيسة) وإلى كورنتودس (2 كور 11: 2). ولا ننسى أن سفر الرؤيا يتحدّث عن عرس الحمل (رؤ 19: 7- 9؛ 21: 2، 9). إنه العريس الذي تدعوه العروس (أي الكنيسة) والروح ويقولان له: تعال (رؤ 22: 17). يهوه هو العريس. ويسوع هو العريس. وهذا يدلّ على الوهية يسوع المساوي لله الآب كما عرفه العهد القديم.
أما آ 19 ب-20 (يجيء وقت يُرفع، يُختطف العريس) فهما تأمل الكنيسة في ما قاله يسوع وتطبيق على وضعها كجماعة مضطهدة في رومة حوالي سنة 70. ستأتي أيام يُرفع فيها العريس (آ 20 أ). تلك الأيام هي أيام آلام يسوع وقيامته. يُرفع يسوع على الصليب، ويُرفع في مجد الصعود. وهكذا تُرفع الكنيسة في "الإضطهاد" ولكنها ستعرف مجد يسوع وقيامته.

2- موضوع الصوم (آ 18- 20)
أ- معنى الصوم في العهد القديم والعالم اليهودي
لم تكن ممارسة الصوم خاصة بشعب إسرائيل. فنحن نجدها في ديانات عديدة، حديثة وقديمة. قد نفسّر هذه الممارسة في نظرتنا الحديثة على أنها "نسك" ينمّي السيادة على النفس والاستقلالية عن الخيور المادية. أو: عمل "إمانة" وتضحية. ليس هذا هو المدلول الديني الأول للصوم.
إذا عدنا إلى العهد القديم وجدنا ظرفين رئيسيين يُطلب فيهما الصوم: حصلت مصيبة كبيرة فنصوم توبة وحداداً. هناك حدث مهمّ، نستعدّ له بالصوم. يموت عندنا شخص فنصوم ونمارس الحداد. وهكذا صار فعل "عنا" في الارامية يعني الصوم والحداد. وقد يكون مت 9: 15 استعمل. فعل "بنتاين" الذي يعني مارس الحداد في معنى "صام".
بعد معركة الجلبوع، صام أهل يابيش سبعة أيام، هي أيام الحداد العادية (1 صم 31: 13). وحين علم داود بموت شاول ويوناتان، مزّق ثيابه وبكى وصام حتى المساء (2 صم 1: 12). وصام أيضاً حتى المساء بعد موت ابنير، قائد جيش شاول (2 صم 3: 35). أما يهوديت فستفعل أكثر من ذلك: ستصوم "كل أيام ترمّلها" (يه 8: 5-6). وسارت حنة النبية على خطاها (لو 2: 37). وصام اليهود أيضاً ليتذكّروا أحزانهم الوطنية (زك 8: 19؛ رج 2 مل 25: 1- 4).
ويصوم المؤمن أيضاً استعداداً للقاء بالرب (أش 58: 2- 3). فالحرمان يخلق الجوع والعطش إلى أكثر من الطعام أو الشراب. ويحرّك الانتظار. هكذا كان موسى في سيناء، ثم إيليا. والصوم قبل المعركة يدلّ على التوسّل، بل على الإستعداد: الله سيقاتل مع شعبه ويكون في المقدمة (1 صم 14: 24؛ 1 مك 3: 47). وصام دانيال ليستعد للإقتراب من الله، لينال أنواره (دا 10: 1- 3). وإذا كان يوم التكفير (يوم كيبور) يوم صوم، وهو الصوم الوحيد الذي تفرضه الشريعة، فليس لأن الصوم يكفّر عن الخطايا، بل لأنه يهيّىء المؤمنين للإقتراب من الرب الذي وحده يغفر الخطايا (لا 16: 29؛ عد 29: 7). وهكذا نفهم لماذا جُمع الصوم مع الصلاة (مت 6: 5- 18؛ لو 2: 37؛ أع 13: 2- 3).
ولكن قد يصبح الصوم في بعض المرات ممارسة خارجية محضة: لا نصوم حباً بالله (زك 7: 5) بل لنجعل ضميرنا "مرتاحاً" بدون تعب (أش 58؛ إر 14: 12). أو لنستجلب إعجاب الناس بنا. لهذا وبّخ يسوع الفريسيين لأنهم يتباهون بصيامهم (مت 6: 16؛ لو 18: 12).
وكان يوحنا المعمدان قد فرض على نفسه الأصوام القاسية (رج مت 3: 24)، وعلّم تلاميذه هذه الممارسة، ليجعل نفسه في خطّ الإستعداد الاسكاتولوجي والمسيحاني (وهكذا يكون منطقياً مع كرازته). في هذا المنظار نفهم جواب يسوع عن الصوم. فالذين تشكّكوا لأنهم رأوا أن تلاميذ يسوع لا يصومون، لم يفهموا المعنى الحقيقي للصوم. لقد نسبوا إليه قيمة مطلقة ومستمرة. أصاب سؤالهم التلاميذ. ولكنهم أرادوه أن يصل إلى المعلّم نفسه. فهناك مقطع آخر يخبرنا على أن عدداً من الناس تشكّكوا حين رأوا أن يسوع ليس ذاك الناسك الذي عرفوه في يوحنا المعمدان: يقبل الدعوات المتواترة إلى ولائكم كبيرة: عرس قانا، وليمة عند لاوي... (2: 16؛ لو 15: 2). بل دعا نفسه في يوم من الأيام عند زكا، رئيس العشّارين (أي: السارقين، كما يقولون) في أريحا، فسمّي "أكولاً وسكيراً" (مت 11: 19).
ولكن طريقة تصرّف يسوع هي علامة. علامة مشاركة مع الآخرين. علامة مصالحة مع الخطأة باسم الله: إفرحوا معي (لو 15: 6، 9. هناك وليمة ولا شك). لنأكل ونفرح (لو 15: 23- 24: ذبح العجل المسمّن). إنها علامة أنبأ بها الأنبياء وتحدّث عنها الحكماء: إن الوليمة المسيحانية مفتوحة للجميع (رج أش 25: 6؛ 55: 1- 2؛ أم 9: 1-6). لهذا كان يسوع يفرح عندما يأكل على عيون الجميع مع العشّارين والخطأة. فهم أيضاً مدعوون إلى وليمة الله.
كان الصوم في مكانه في زمن الإستعداد لمجيء المخلّص. "لقد بقي الناموس والأنبياء إلى يوحنا. ومنذئذ يبشَّر بملكوت الله" (لو 16: 16). أما والمسيح هو الآن هنا، فلم يعد الوقت وقت الصيام. فالذين ما زالوا يتعلّقون بالصيام بهذه الروح، لم يتعرّفوا بعد إلى "علامات الأزمنة" (مت 3:16).
إن المعجزات التي أتمّها يسوع (شفاء الأبرص: مر 1: 40-45؛ المخلّع: 2: 1-12) هي علامة عن الملكوت. وأكلُ يسوع مع الخطأة ووضعُ تلاميذه الذين لا يصومون، يصبحان علامة للذي يعرف أن يقرأها ويفهمها. فيسوع لا يعلّم فقط بأقواله: فسلوكه نفسه هو تعليم. إن أعماله هي فعلات رمزية، على مثال الأنبياء القدماء. لهذا يبدو وكأنّه يشكّك الناس على مثال هؤلاء الأنبياء. مثلاً، مشى أشعيا حافيا عارياً في شوارع أورشليم ليدلّ على وضع البلاد بعد زحف الأشوريين (أش 20: 1- 6؛ رج حز 4: 1 ي). ويسوع شكّك الناس حين ذهب إلى بيت زكا العشّار الخاطىء. أين أهل التقى والورع في إريحا؟ وعلى خطاه سار التلاميذ: مثله ذهبوا إلى الولائم. بل اقتلعوا السنابل وفركوها يوم السبت (2: 23- 24). وأكلوا طعاماً دون أن يغسلوا ايديهم (7: 1- 5).
ب- العريس
الوليمة المسيحانية هي وليمة أعراس. لهذا لم يخف يسوع من أن يسمّي نفسه العريس. وتلاميذه هم أصحاب العريس. سمّى يوحنا المعمدان نفسه صديق العريس الذي يترك المكان حالما ينتهي العرس. وعرس يسوع قد احتفل به في قانا الجليل. فيسوع مع تلاميذه هو علامة عن اتحاد يسوع مع الجماعة المسيحانية (شعب الله) التي هيّأها يوحنا. 
وسيقول متّى في هذا المجال: "يشبّه ملكوت السماوات بملك صنع عرساً لإبنه". هو الرب يدعو شعبه، يدعو البشرية إلى أعراس ابنه، ولكن المدعوين اعتذروا (مت 22: 1- 10). وهكذا صارت المأدبة العادية وليمة في ملكوت الله (لو 14: 15)، وليمة المسيح ويسوع المسيح.
قابل يسوع الوضع الذي يعيش فيه مع عرس، فبرّر عدم صوم تلاميذه. ولكنه لم يرد أن يبرّر نفسه. فهو ليس بحاجة إلى ذلك. ففي حديثه عن العرس، أراد أن يعلن بشارة الملكوت. ليس جوابه دفاعاً يتأسّس على براهين كتابية كما في عالم الفتاوى. إنه كرازة تفوّه بها بسلطان كما يفعل الأنبياء. واستعمل لغة مليئة بالصور حسب فن أدبي عرفه الأنبياء والرابانيون، هو المثل.
ج-" إختطاف" العريس
إستعمل يسوع فعلاً لم نعتد عليه. "رُفع، أُخِذ، اختُطِف".
هنا نتذكّر ما في نشيد عبد الله في أش 53: 8: "إختطفت، انتُزعت حياته من الأرض" (حسب الترجمة السبعينية). في اللغة البيبلية، الخطف أو الإختطاف يعني الموت المأساوي. قال خصوم أرميا: "ننتزعه من أرض الأحياء" (إر 11: 19). ونقرأ في مت 24: 40: "يكون إثنان في حقل، فيؤخذ الواحد ويُترَك الآخر". ثم إن الجموع طلبت من بيلاطس موت يسوع فقالت: "إرفعه" (لو 23: 18؛ يو 19: 15). وسيطلق اليهود الصراخ عينه ضد بولس (أع 21: 36؛ 22: 22). إذا رُفع يسوع أو اختطف، هذا يدلّ على موته. ولكن حياة يسوع لا تنتهي بالموت.
لهذا لا نستطيع أن ننسى فعل "أخذ" أو "رفع" أو "اختطف" فيما يتعلّق بأخنوخ (تك 5: 24: سلك اختوخ مع الله، سار بحسب وصاياه، فأخذه الله إليه عبر موت في حياة سعيدة)، وإيليا (2 مل 2: 3 ي). وسيقول مز 49: 16: "الله يفتدي حياتي من الموت حين يأخذني (إليه)". ومز 73: 24: "بمشورتك تهديني، وإلى المجد تأخذني من بعد".
في المعنى الأول نجد تشديداً على الموت، وفي المعنى الثاني تشديداً على المجد. ولكن في الحالتين نجد الموت العنيف الذي ينتظر يسوع. ثم إننا لا نستطيع أن نفصل المجد عن الموت حين نذكر سرّ الفصح. هذا ما نفهمه من لو 9: 51: زمن اختطاف يسوع وارتفاعه يدل على موته في أورشليم وصعوده إلى السماء (رؤ 12: 5).
إن كلمة يسوع في الصوم هي إعلان خفي عن انفصاله عن التلاميذ. انفصال بموت مأساوي لا بموت طبيعي. سيخطفون له حياته وهذا الإعلان هو في مكانه، لأن يسوع يلاقي المعارضة العنيفة، لا سيما وأن الفريسيين هم من الذين يطرحون عليه السؤال لكي "يحرجوه".
د- في ذلك اليوم يصومون
إن الصوم الذي يليق بالمؤمن إستعداداً لمجيء المسيح، لم يعد في مكانه بعد أن يأتي المسيح. ولكن سنعود إلى الصوم فيما بعد كعلامة للحداد. هل نحن أمام صوم بالمعنى الحرفي للكلمة أم أمام استعارة تدلّ على حزن التلاميذ وجهادهم بعد ذهاب معلّمهم؟ المعنيان موجودان.
هناك أولاً المعنى الحرفي. فيسوع لم يُلغِ الصوم. ولو أراد لما أعطى قواعد حول طريقة ممارسته (مت 6: 16-18: متّى صمتم). بل هو نصح به للحصول على نعم خاصة: "هذا الجنس (من الشياطين) لا يخرج إلا بالصلاة والصوم" (9: 29. قد تكون لفظة "الصوم" حاشية زيدت فيما بعد، هذا حسب عدد من المخطوطات). ويشهد سفر الأعمال أن الكنيسة الرسولية مارست الصوم في مناسبات خاصة (أع 13: 2؛ 14: 23؛ رج 2 كور 6: 5؛ 11: 27).
وهناك ثانياً المعنى المجازي. وهكذا نلتقي بصور موازية استعملها يسوع حين تحدّث عن الاضطهادات التي سيتحمّلها التلاميذ بعد ذهابه (يو 15: 20): دموع وآلام الولادة (يو 16: 20- 21)، سيف نشتريه (لو 22: 36-38).
"في ذلك اليوم". هذه صيغة المفرد وهي تتعارض مع صيغة الجمع في الجملة السابقة: "ستأتي أيام" (صحّح متى ولوقا ما اعتبراه "إهمالاً" في نص مرقس). ما أراده مرقس هو أن يشدّد على البعد النبوي لكلمة يسوع: ذلك اليوم هو يوم الرب كما تحدّث عنه عاموس (5: 18- 20) وزكريا وسائر الأنبياء.

3- ثوب عتيق وزقاق عتيقة (آ 21- 22)
مثلان متوازيان توازياً دقيقاً. فلا نفصل الواحد عن الآخر. هما معاً في التقليد الإزائي، بل حتى في إنجيل توما المنحول حيث الزقاق العتيقة تأتي قبل الثوب العتيق. ولكن ما اختاره يسوع من رموز يتكامل. يشدّد المثل الأول على الثوب العتيق، ويبرز المثل الثاني الخمرة الجديدة.
إن صورة الثوب العتيق تبدو شفافة في إطار الأناجيل الإزائية: إنها تدلّ على كل عناصر التدبير القديم (العهد القديم) التي هيّأت مجيء المخلّص. حين نقرأ مز 102 نجد أنه يُقابل بين العالم وثوب بالٍ سيحلّ محلّه ثوب جديد: "من قديم أسّست الأرض، والسماوات من صنع يديك. فهي تبيد وأنت تبقى، وكلها كالثوب تبلى، وكاللباس تغيّرها فتتغيّر. أما أنمت فلا تتغيّر، وسنوك يا رب لا تفنى" (آ 26-28).
هذا هو موضوع الخليقة الجديدة في أشعيا (51: 6؛ 65: 17؛ 66: 22). ونجد الصورة عينها في رؤية بطرس قبل ذهابه إلى كورنيليوس، القائد الروماني (أع 10: 11- 12؛ 11: 5- 10).
إذا رقّعنا ثوباً عتيقاً بقطعة قماش جديدة، يتمزّق الثوب من جديد. هذه هي الخبرة اليومية. ويطبّقها يسوع. لا فائدة من استعادة ممارسات من التدبير القديم ووضعها في التدبير الجديد. وسيعود بولس إلى هذا الموضوع، خصوصاً حين يتحدّث عن الختان (غل 5).
ومثل الزقاق يرتبط برمز الخمر الذي له تاريخ طويل في الكتاب المقدس. فالخمر (مع الحنطة) هو موضوع بركات منحها اسحق لابنه يعقوب (تك 27: 28، 37)، وموسى لأشير (تث 33: 28). والرب لإسرائيل (تث 11: 14؛ 28: 5) شرط أن يكون أميناً للعهد. ومقابل هذا، العقاب الكبير الذي يصيب الخطأة هو أن لا يشربوا من خمر كرمتهم ومعصرتهم، أن لا يقطفوا الحنطة التي زرعوها (تث 28: 39، 51؛ عا 5: 11؛ هو 2: 10- 11؛ مي 6: 15). من امتلك الخمر كان سعيداً، لأن الخمر يفرح قلب الإنسان (مز 104: 15، جا 10: 19؛ سي 31: 27-28). يرتبط وجود الخمر بالفرح (إر 31: 12)، وغيابه بالحزن (أش 16: 10؛ إر 48: 33). ووفرة الخمر هي جزء من المواعيد الاسكاتولوجية (عا 9: 14؛ هو 2: 24؛ 4: 8؛ إر 31: 12) والمواعيد المسيحانية (تك 49: 10- 11: رج مر 14: 25 حيث يتحدّث يسوع عن الخمر الجديد الذي يشربه في ملكوت الله).
وقد يتّخذ الخمر مدلولاً مجازياً: هو الخمر الروحي الذي تقدّمه الحكمة في الوليمة الاسكاتولوجية (أم 9: 25؛ سي 24: 17- 18). هو خمر عطايا الله الذي يقدّم مجاناً للجائعين إلى الخيرات الروحية الحقيقية (أش 55: 1). هو رمز العرس، وبه ينشد الكتاب حبّ الله لشعبه في الأزمنة الاسكاتولوجية (نش 1: 2، 4؛ 4: 10).
ومعنى نصّ مرقس (آ 22) واضح: لا حاجة إلى إعطاء نظم العهد القديم كإطار لتفجّر العهد الجديد. حينئذ سنخسر العتيق والجديد. نقرأ في مت 25: 29: "من ليس له (خيرات العهد الجديد) يؤخذ منه ما له (خيرات العهد القديم)".
ونجد التعليم عينه في خبر عرس قانا. تحوّلت مياه تطهير اليهود إلى خمر جيّد من أجل النهاية. وخبر السنابل المقتلعة والرجل اليابس اليد يعلن تبديلاً على مستوى السبت: انتقال من القديم إلى الجديد.

الخاتمة
نجد في هذا المقطع الإنجيلي لوحة متوازنة فيها الفرح والمحنة، القديم والجديد: فرح يرمز إليه العرس، ومحنة يدلّ عليها الصوم. الحرف يقتل (2 كور 3: 6). والممارسات القديمة التي نقوم بها بروح شريعانية تثق بالأعمال هي زقاق بالية وأثواب عتيقة. ولكن الروح يحيي. فيدلّ الكنيسة كيف تعيش الإنجيل في الزمن الحاضر، كيف تعلن الإنجيل فتشهد لموت الرب وقيامته بالكلمة وبكل حياتها، تعلنه بفرح يشعّ وتفاؤل أقوى من الموت.

 

 

الفصل السابع عشر
السبت للإنسان
2: 23- 3: 6

إن حدث السنابل المقطوفة (23:2- 28) وحدث شفاء رجل يده يابسة (3: 1- 6) يحصلان كلاهما يوم السبت. ما معنى كل من هذين الخبرين؟ هل يقدّمان جواباً على أسئلة محدّدة طرحتها جماعة مرقس؟ إذا أردنا أن نكشف نظرة الإنجيلي، نبدأ فنضع هذين النصين في إطارهما! ثم نحاول أن نتبع تاريخ كل من هذين الخبرين؛ وهكذا نكتشف بعض المواضيع الهامة في إنجيل مرقس.

1- السياق الإنجيلي
إستعاد مرقس تقاليد قديمة، فدوّنها بطريقته الخاصة، لا سيّما في بداية إنجيله. ففي العنوان أعطانا جوهر إنجيله: إنجيل (بشرى) يتحدّث عن يسوع المسيح وابن الله (1: 1). ثم يقدّم لنا شخص يسوع عبر ثلاثة أشخاص: بواسطة أشعيا النبي: هو الرب الذي نعد له الطريق (1: 2- 3). بواسطة يوحنا المعمدان: هو الذي يعمّدنا بالروح القدس (آ 6- 8، اختلف مرقس عن متّى ولوقا فقال إن المعمدان هو رسول أمام وجه الرب. إنه لا يعلن إنجيل الملكوت). بواسطة الروح القدس: هو يمثّل شعب الله (هذا هو معنى الحمامة) الذي يحلّ عليه الروح ويرسله إلى البرية لكي يحارب إبليس (آ 8- 21). وتأتي إجمالة تلخّص إنجيل الملكوت الذي أعلنه يسوع المسيح (آ 14- 15): "تمّ الزمان واقترب ملكوت الله. فتوبوا وآمنوا بالإنجيل". وأخيراً نجد نداء التلاميذ الأربعة، فيعطينا صورة عن قدرة يسوع وفاعلية هذه البشرى التي يحملها (آ 14- 20).
وبالإيجاز عينه جمع مرقس في إطار يوم في كفرناحوم (1: 21- 39) سلسلة من "التعاليم" حسب المعنى الذي يعطيه مرقس لهذه اللفظة. التعاليم هي أقوال وأعمال تدلّ على يسوع العامل بقدرته وسلطانه. فإذا جعلنا جانباً صياح الشياطين المقهورين، نرى أن يسوع أثار إعجاب سامعيه. علَّم فتعجَّبوا من تعليمه (آ 22). أخرج شيطاناً فذاع صيته في البلاد (آ 28). شفى حماة بطرس فتوافد إليه جميع المرضى (آ 32)، بل تراكض الناس وراءه يطلبونه (آ 37). وشفى الأبرص، فأخذ هذا يذيع الخبر في كل مكان (آ 39).
ولكن هذا الوضع لا يدوم. فجاءت خمس مجادلات (2: 1- 6:3) تكشف أولى المعارضات. والمقطع الذي ندرس (2: 23- 3: 6) يروي المشهدين الآخرين في هذه السلسلة من المجادلات. المقطوعات المركزية (أكل مع الخاطئين، 2: 15؛ جدال حول الصوم، 2: 18؛ السنابل المقطوفة، 2: 23) تشكّل وحدة قديمة: بُنيت حسب الرسمة الواحدة (ترد كلمة "لماذا" ثلاث مرّات: آ 16، 18، 24)، فتطرّقت إلى مسائل الطعام وتصرّف يسوع أو تلاميذه في المجتمع. وجُعلت قبل هذه المقطوعات رواية شفاء المخلّع (2: 1- 12)، وبعدها شفاء رجل يده يابسة (3: 1-6)، وتوسّع فيهما مرقس بشكل جدال بين يسوع وخصومه. من يغفر الخطايا إلاّ الله وحده؟ هل يشفي "رجل الله" مريضاً يوم السبت؟
وطبع مرقس هذه السلسلة القديمة بطابعه، فأقحم دعوة لاوي ليعطي صورة عن موقف يسوع الذي جاء يدعو الخطأة لا الأبرار: إنه يفكّر في جماعة من أصل وثني. إختلف مرقس عن متّى (فجّر وحدة هذه المتتالية وقسّمها قسمين: 9: 1- 13 ثم 12: 1- 14) ولوقا (ترك لفظة "لماذا" التي ترد ثلاث مرّات عند مرقس)، فحافظ على هذه الوحدة وقوّاها حول محور تشكّله أقوال يسوع حول العريس الذي يُرفع (18:2- 22).
وتتّخذ هذه السلسلة أهمية خاصة في إنجيل مرقس، لأنها تحتلّ بداية رسالة يسوع العلنية. ولكن سيتمّ الانقطاع سريعاً بين يسوع والسلطات اليهودية (3: 6). وقبل الآلام حالاً، ستنتهي رسالة يسوع العلنية بسلسلة أخرى من خمس مجادلات (11: 27- 12: 37). كل رسالة يسوع تتمّ داخل مشاهد تكون فيها المواجهة قاسية بينه وبين خصومه.
نحن هنا حقاً في مناخ "قتال". سنجد الخصوم مندفعين كما سيكونون في خبر الآلام. كلهم يراقبون يسوع، والواحد بعد الآخر. هناك الكتبة (6:2)، ثم الكتبة من حزب الفريسيين (16:2). ثم الفريسيون (2: 23) وأخيراً الفريسيون والهيرودوسيون (3: 6).
يسوع هو محور هذا القسم. يواجه ببعض عبارات قاطعة أسئلة خصومه وما فيها من سقم: "إن لإبن الإنسان سلطاناً به يغفر الخطايا" (2: 10). "ما جئت أدعو الصديقين". "لا يضع أحد خمرة جديدة". "جُعل السبت للإنسان". "هل يحل فعل الخير أم فعل الشّر يوم السبت"؟ هذه الأجوبة تدلّ على شخصه ورسالته، فتكوّن نواة كل جدال.
وهناك مجموعتان تبدوان حكَماً في هذا الصراع: الجمع والتلاميذ. فالجمع "معجب" (2: 12) وهو يأخذ جانب يسوع. والتلاميذ يتصرفون بحرية وعدم اهتمام، يقومون بفعلات مشكّكة: لا يتدخلون في المجادلات. وفي النهاية يتركون "المسرح".
إذن، الإطار العام هو إطار مواجهة عنيفة بين يسوع وخصومه. والكلمة الأخيرة هي ليسوع. أقلّه في الوقت الحاضر.

2- تاريخ الخبرين
أ- السنابل المقطوفة
أولاً: اختلافات في النصوص الإزائية
هناك اختلاف بين نص وآخر، يتيح لنا أن نتتبع تاريخ الخبر.
* لا نجد آ 27 (الله جعل السبت للإنسان) إلاّ في مرقس. يعتبر الشرّاح أن مرقس زادها على النصّ الذي جاءه من التقليد. لا شك في أن يسوع احترم الشريعة اليهودية (مت 5: 17). ولكن الانسان أعظم من السبت. وقد تدلّ هذه الآية على صراع بين اليهود واليونان داخل كنيسة رومة.
* ولوم التلاميذ عند متّى ولوقا يفترق عمّا نجد في مرقس. عند متّى ولوقا اقتلع التلاميذ السنابل ليأكلوا: إنهم جائعون. ولقد سمح تث 23: 26 للإنسان أن يقتلع سنابل بيده، لا أن يستعمل المنجل. ولكن يبدو أن هذا التسامح زال مع الأيام. أما عند مرقس، فالتلاميذ يقتلعون السنابل ليفتحوا لهم طريقاً في الحقل. عملهم عمل "تخريب". في هذا المجال، يمثّل جواب متّى ولوقا تقليداً قديماً. فجواب يسوع يستند إلى ما فعله داود ورفاقه: أكلوا خبز التقدمة، أكلوا طعاماً لا يسمح لهم بأكله.
* ولكن ما يجعل الأمر خطيراً ويبرّر اللوم، هو أن ما عمله التلاميذ عملوه يوم السبت. في الوضع الحالي للنص، هذا العمل يحدّد ما فعله خصوم يسوع، ويربط بين هذا المشهد والذي سبقه. ولكن لا يبدو أن ذكر السبت وُجد في أول تدوين. هذا هو الوضع بالنسبة إلى خبر المخلّع عند يوحنا (ف 5). ولكن كيف نفسّر وجود الفريسيين يوم السبت. فالمسافة المسموح بقطعها يوم السبت هي قصيرة. هل نحن أمام فريسيين يعيشون في الريف؟ ثم إن جواب يسوع الذي يورد الكتاب لا يشير إلى السبت حين يتحدّث عن تجاوز داود للشريعة.
ثانياً: مراحل الخبر
إنطلاقاً من هذه الملاحظات الثلاث، نستطيع أن نرسم مختلف مراحل الخبر.
* في المرحلة الأولى. إقتلع التلاميذ سنابل لأنهم كانوا جائعين. ولما فعلوا هذا، إستاء الفريسيون. أجابهم يسوع مقدّماً مثال داود: لا تقف شريعة أمام ضرورة حياتية. وتجاه قساوة ضيقة تعطي الأولوية للشريعة، أظهر يسوع وسع تفكير مدهش، وأعطى الأولوية لحاجات الإنسان الأساسية. بعد هذا، أقامت الجماعة المسيحية الأولى توازياً ضمنياً بين داود ويسوع: إذ كان داود قد تجاوز الشريعة وسمح لرفاقه بأن يتجاوزها، فلماذا لا يستطيع تلاميذ يسوع أن يقتلعوا سنبلاً يوم السبت؟ فمعلّمهم أعظم من داود وهو يحميهم بسلطانه وحضوره.
* في مرحلة ثانية، ولكن سابقة لتدوين الأناجيل، تحدّد زمن هذا الحدث في يوم سبت. وهكذا صار الذنب خطيراً. فالسبت في نظر اليهودي يدلّ على دخول زمن الله في زمن البشر. فمن احتفل بالسبت شارك الله في عمله الخلاّق. ومن احتقر السبت احتقر هذا العمل. وكل تعدٍّ على السبت يعتبر ذنباً خطيراً.
في هذا الإطار يصبح لجواب آ 28 (ابن الانسان هو سيد السبت) معنى عميق جداً: فالجماعة الأولى رأت في يسوع ابن الإنسان (حسب دانيال) وأقرّت ان له سلطاناً يغفر به الخطايا في المجادلة الأولى (2: 10). ويتبدّل بُعدُ المشهد: لم نعد أمام إعجاب واقتداء باتساع نظرة يسوع. يسوع هو ابن الانسان، هذا الشخص السري والسماوي، الذي يدشن دينونة نهاية الأزمنة حسب دا 13:7- 14 والتقليد اليهودي. بما أن الله وحده هو سيد السبت، هذا يعني أننا نرى في شخص يسوع كرامة إلهية.
* خبر متّى. توسّع متّى في موضوع ابن الانسان، سيّد السبت (قط 12: 5- 7): إذا كان يحق للكهنة أن يتعدّوا شريعة السبت، لأن خدمة الرب في الهيكل أهمّ من شريعة السبت، فكم بالأحرى يستطيع يسوع أن يتجاوز هذه الشريعة لأنه "أعظم من الهيكل". وهكذا يشير متّى إلى مسيحانية يسوع الفريدة.
وحين زاد متّى قول هو 6:6 (أريد رحمة لا ذبيحة)، جدّد موقع يسوع في التقليد النبوي العظيم، تقليد العبادة بالروح والحق: فعبادة يهوه الحقيقية لا تقوم أولاً بممارسة شكلية للفرائض، بل بتقدمة القلب ومحبّة الآخرين. هذا المستوى الأخير يعكس جماعة مسيحية من أصل يهودي تصارع الفريسيين حول ممارسة الشريعة اليهودية ولا سيّما في ما يتعلّق بالمحافظة على السبت.
وهذا واضح، لأن البراهين التي جاء بها النصّ عن داود وممارسة الكهنة، هي صدى لجدالات تفسيرية بين الصادوقيين والفريسيين: كان الصادوقيون قساة على الآخرين، ولكنهم سمحوا لنفوسهم بتجاوز شريعة السبت في الهيكل (مت 12: 5). أما الفريسيون فاستندوا إلى ما فعله داود فأكّدوا أنهم يستطيعون تخليص حياة من الموت يوم السبت. وهكذا يردّ متّى على الفريسيين بلباقة، فيستعمل براهينهم ضدّ الصادوقيين.
إن الجماعة المسيحية المتهودة التي إليها يتوجّه يسوع، ظلّت في البداية أمينة للممارسة اليهودية الدينية كالختان والسبت. ولما اكتشفت تدريجياً الجديد الحقيقي الذي أدخله يسوع المسيح، وعت أصالتها وجديد عبادتها. وما كانت لتستطيع أدن تخطو هذه الخطوة لو لم تجد في حياة يسوع نفسها أساساً يسند هذا الاكتشاف.
وجاء عرض مرقس موازياً لعرض متّى. أخذ خبره من المرحلة الثانية في التقليد وحوّله في خطين.
توجّه مرقس إلى مجتمع وثني لا يفهم إلاّ بصعوبة الفرائض المتعلّقة بالسبت. فاختار ذنباً يلفت النظر وهو المرور في حقل وتخريب مزروعاته. ولكن تأثّر منطقُ الخبر بهذا التبديل وما عاد يفيد مثل داود وما فعله في أيام أبياتر، عظيم الكهنة.
وزاد مرقس آ 27: "جعل السبت للإنسان، لا الإنسان للسبت". "وهكذا أعطى المشهد بعداً جديداً، وأبعده عن مواقف الرابانيين حتى المتطوّرة منها. لا شك في أن بعض الرابانيين أعلنوا مبادىء واسعة: "سلّم السبت إليكم، وما سلّمتم إلى السبت". ونصح معلّم آخر بأن "ينجّس الإنسان سبتاً واحداً ليستطيع أن يحفظ سبوتاً عديدة". ولكن مثل هذه المواقف كانت نادرة لا سيما في زمن يسوع حيث كان الإتجاه العام تصليب الفرائض المتعلّقة بالسبت. كما أنها لم تضع يوماً على المحك الطابع المميّز لاختيار اسرائيل. فالاختيار وأن طُبع بالسبت، يبقى الأول، يبقى سابقاً للسبت: وباسم هذا الامتياز العرقي يكون بعض التنازل في قاعدة السبت.
إن يسوع كما يقدّمه لنا مرقس، يعلن مبدأ انفتاح وشمول شكّك اليهود. لم نعد أمام شواذ خاص تبرّره أمثلة بيبلية، ولا أمام امتيازات لشعب محدّد. نحن أمام الانسان، كل إنسان: منذ اليوم، السبت (ومن خلال السبت الشريعة الآتية من الله أو من البشر) هو في خدمة الإنسان وليس العكس. وهذا يشكّل للعالم اليهودي في ذاك الوقت، ثورة حقيقية، ثورة جذرية.
مثل هذا القول نفهمه في جماعة تحرّرت من مسائل الممارسة اليهودية، وانفتحت على كل إنسان مهما كان عرقه. وهذا ما يقابل الجماعة المسيحية في رومة. فإليها وجّه مرقس إنجيله.
نورد هنا قولاً يتجادل الشرّاح في صحته لأن المخطوط البازي وحده يذكره. نقرأ في لو 6: 5: في اليوم عينه، رأى إنساناً يقوم بعمل في يوم السبت. فقال له: "أيها الرجل، إن كنت تعلم ما تصنع فطوباك. ولكن إن كنت لا تعلم فأنت ملعون ومتجاوز للوصية".
ب- شفاء رجل يده يابسة (3: 1- 6)
أولاً: مراحل الخبر
إن هذا الخبر الثاني (3: 1- 6) تبع تطوّراً شبيهاً بما في الخبر الأول (23:2- 28).
* في الأصل، خبر شفاء. هناك إشارات تجعلنا نفترض أن الطبقة القديمة لم تتضمّن ذكر السبت. لا يُذكر السبت في آ 1. ثم إن الأقسام التي يتوازى فيها متّى ومرقس، لا تذكر السبت ولا تكوّن خبراً متماسكاً جداً. "ودخل في المجمع. وكان هناك رجل يده يابسة. فقال للرجل، مدّ يدك. فمدّها فشفيت".
ونستطيع أن نلخّص الخبر: دخل يسوع إلى المجمع. يد يابسة. مراقبة يسوع. سؤال. عمل الخير. عمل الشر. خلّص. قتل. صمت. نظر حوله. يد شُفيت. خرج الفريسيون من المجمع.
* قبل مرقس. توسّع التقليد في خبر الشفاء هذا في إطار السبت وجُعل بشكل جدال. وفي النص الحالي احتلّ خبر الشفاء حيّزاً صغيراً. وتركّز كل شيء على المواجهة بين يسوع وخصومه: تمّ الشفاء في قلب المجمع (الفريسيون هم هنا في بيتهم، في بيت الشريعة). وتمّ يوم السبت (ربّما) خلال إجتماع ليتورجي. إطار هذه المواجهة إطار مقدّس. وقد تمّ في الجليل. إنه يعطي صورة مسبقة عن المواجهات الأخيرة في أورشليم، في الهيكل، حالاً قبل الآلام.
* نص مرقس. أبرز مرقس عنف هذه المواجهة. وقد بُني خبره على سلسلة من التعارضات. أزيل الأشخاص الثانويون (الشعب، التلاميذ). فظلّ يسوع وحده تجاه خصومه الذين سنتعرّف إليهم في نهاية الخبر. كانوا يراقبونه بصمت. لا يهمّهم أمر المريض، بل ينتظرون شفاء ليمكنهم اتهامه. صمتوا خلال المقابلة كلها. أما يسوع فعمل وتكلّم في وضح انهـار، وتجنّب كل التباس في تصرّفه. هو الذي اتخذ المبادرة، وهذا ما لم يفعله في المشهد السابق حيث لم يهاجمه الخصوم بل هاجموا تلاميذه. إتخذ المبادرة فبدا موقفه تحدّياً.
طالب يسوع بمسؤولية ما سيتبع (هو المسؤول). جاء بالمريض إلى وسط القاعة. ثم طرح سؤالاً علي خصومه، كما اعتادت "المدارس" أن تفعل: "هل يحقّ..."؟ سؤال طُرح بفنّ مع بعض التباس: لا شك، يحقّ للإنسان أن يتجاوز السبت ليخلّص حياة (طرح يسوع سؤالاً ينتظر أن يكون الجواب الإيجاب). ولكن هذا التجاوز لا يسري حسب الرابانيين إلاّ في حالة الموت القريبة. ولكن الوضع هنا ليس كذلك.
لم يترك يسوع خصومه يسجنونه في براهين الفتاوى. بالنسبة إليه، السبت هو الساعة التي فيها الله يخلّص. هو وقت التحرير. فمن لم يشفِ مريضاً كان وكأنه قد قتله. لقد بدّل يسوع تبديلاً كاملاً الطريقة العادية للمجادلات في هذا الموضوع: إن هذه المقابلة مع أحداث أخرى جرت يوم السبت، تبرز أصالة هذا المقطع الذي ندرس (رج لو 13: 10- 17؛ 14: 1- 6؛ يو 5: 1- 19؛ 9: 1- 41). ويشكّل جواب يسوع إنتقالة بين سائر الأخبار الإزائية والأخبار اليوحناوية.
في الأخبار الإزائية (بما فيها نسخة متّى التي تجمع خبر مرقس مع لو 14: 5)، نجد رسمة عن سؤال يسوع في مثل ملموس: "من لا يحلّ ثوره أو حماره...." (لو 12:13)؟ "من منكم سقط أحد خرافه في حفرة" (مت 9:12)؟ "من منكم يقع ابنه أو ثوره في بئر" (لو 14: 5)؟ في هذه السلسلة الأولى ظلّت البراهين المذكورة تلك التي يوردها الرابانيون. وجواب يسوع ليس "ثورياً" في حدّ ذاته. فقد يلتقي مع تفاسير مدارس منفتحة وباقية على إستقامة الإيمان. ولكن ليس هذا وضع الخبر الذي ندرس: فمرقس يتجنّب أن يعطي مثلاً ملموساً. ليست القضية أن نختار بين مختلف الآراء اللاهوتية الممكنة. بل نحن أمام خيار جذري: عمل الخير أو عمل الشر. خلاص نفس أو هلاكها. كل هذا يرتبط بوصيّة أساسية: "لا تقتل".
وتفرّد مرقس في التشديد على موقف الخصوم: سكتوا ساعة طلب يسوع منهم جواباً واضحاً. "أجال يسوع نظره وهو غاضب حزين لقساوة قلوبهم". كم يحبّ مرقس أن يلاحظ ردّات الفعل عند يسوع (1: 41، 43؛ 34:7؛ 12:8...). ولكن هذه النظرة عنيفة جداً. وهي تتألّف من الغضب والحزن لأن قلب الخصوم قاس. هذه اللفظة النادرة في العهد الجديد (ما عدا بولس) تبدو في معناها القوي. إنها تدلّ على عمى التلاميذ (6: 25؛ 8: 17) وعمى اليهود (يو 12: 40؛ 2 كور 3: 14؛ روم 11: 7، 25) وعمى الوثنيين (أف 18:4). إنها تدلّ على استحالة جذرية بأن ندرك واقع الله: فالانسان المتروك لذاته، والإنسان الذي يختار الظلام، لا يستطيع أن يعرف ما فعله الله من أجل شعبه. منذ فرعون، صارت قساوة القلب أصل كل رفض للإيمان.
وتأتي "الجوقة" (أي الشعب) فتختم الخبر بنشيد الإعجاب، ولكنها تتحوّل هنا إلى تشاور من أجل الموت، تشاور يقرّر إلغاء يسوع. وتفرّد مرقس فأوضح هذا الجمع الغريب بين الفريسيين والهيرودسيين. نحن نعجب لذلك "الحلف" حين نعرف العداوة التي تفصل بين هاتين الفئتين: فالفريسيون يعارضون الرومان. والهيرودسيون هم حلفاء الرومان. لقد تحالفت القوى السياسية والقوى الدينية على يسوع. هكذا ميّز مرقس بين هاتين الفئتين، وهكذا فعل متى.
وترك الفريسيون المجمع. هذه الحركة المعارضة لدخول يسوع إلى المجمع، تحمل معنى رمزياً. فيسوع ظلّ في المجمع بعد أن كشف القناع عن الذين بدوا المدافعين الأمناء للشريعة. ولكنهم في الواقع أولئك الذين يتجاوزونها.
وبدا قرار قتل يسوع في بداية الإنجيل سابقاً لوقته. وذلك لدى أول ظهور للفريسيين. قد يتعارض هذا القول والواقع التاريخي. مثل هذا القرار يبرّر وجوده في 18:11 بعد دخول يسوع المسيحاني إلى أورشليم. كان ذلك بعد طرد الباعة من الهيكل. "تشاوروا كيف يقتلونه. ولكنهم خافوا من الشعب". نحن هنا بالأحرى أمام نظرة لاهوتية، وأسلوب أدبي يجعل التشاور على قتل يسوع يتوزّع في أنحاء الكتاب فيعطيه طابعاً دارماتيكياً. والذين وجدناهم في 18:11 سنجدهم في 15: 1: تشاور رؤساء الكهنة والشيوخ... وسلّموه إلى بيلاطس.
أجل، إن الموازاة بين سلسلَتَيْ الجدال اللتين أشرنا إليهما، واحدة في بداية رسالة يسوع، والأخرى في نهايتها، هذه الموازاة تدلّ بوضوح على أن مرقس لا يقدّم أولاً ردّة فعل محدّدة في الزمن (مثل تقرير صحافي). بل يرسم أول مواجهة جذرية تجعل يسوع منذ البداية وجهاً لوجه أمام رؤساء الأمة. لا مكان للخمرة الجديدة في الزقاق البالية. وسيكون الفصل الأخير في هذه المواجهة موت يسوع وقيامته. كم نحن بعيدون عن جدال بسيط في "مدارس لاهوتية"!

3- المواضيع الرئيسية
حين نقرأ عرض مرقس لهذين الحدثين (قطف السنابل، شفاء اليد اليابسة يوم السبت) نكتشف خطوطاً هامة. فمرقس لا يهتمّ أولاً بعرض مجادلات بين رابانيين، ولا يريد أولاً أن يقدّم خبر معجزة بسيط. إن اهتمامه الأول في هذين المشهدين هو اهتمام كرستولوجي.
أ- شخص يسوع وعمله
بدا يسوع رجلاً يتمتعّ بحرّية كاملة وسيادة على النفس تامة. هو حرّ حين يلاحقه خصومه: فمراقبتهم له لا تجعله يزيح قيد أنملة عن طريقه. وهو حرّ بالنسبة إلى النظم والمؤسّسات المقدّسة مثل السبت.
ويسوع هو رجل تحمل قدرته الخلاص والتحرير. هو يحرّر من المرض والموت. في ذلك الزمان، كان المريض يعتبر "ميتاً" ينتظر "تنفيذ الحكم": إن كلمة الله أعادت خلق الانسان في كل أبعاده. فمن أجل هذا العمل، عمل الشفاء والخلاص، "خرج" يسوع (38:1) من عند الآب. وهو يحرّر بصورة خاصة من الشريعة التي تقتل، لا سيّما شريعة السبت. وهو يعيد الشريعة كلّها إلى مكانها الحقيقي، أي خدمة الإنسان.
ب- الشريعة علامة حياة لا موت
"جُعل السبت للانسان، لا الإنسان للسبت". لم يقل أحد في تاريخ البشرية عبارة محرّرة من الشريعة مثل هذه العبارة. عبارة جذريّة في بساطتها، لأن كل إنسان يستطيع أن يفهمها، أكان يهودياً أم وثنياً. وحين قالها يسوع، لم يرد أن يدمّر الشريعة، بل أن يعيد لها مدلولها الكامل: لا تقوم العبادة الحقة بأن نمنع نفوسنا من بعض النشاطات، بل أن نعمل الخير لا الشر، بل أن نخلّص نفساً بدلاً من أن نهلكها. السبت الذي هو علامة حبّ الله لشعبه هو بالضرورة في خدمة الإنسان، ولم يكن الإنسان يوماً في خدمته. جاء يسوع من الله، إنّه "إله الأحياء لا إله الموتى" (27:12)، فلا يمكن أن يكون عمله إلاّ من أجل الحياة.
وسيحدّد مرقس بفم أحد الكتبة أن محبة الله "من كل القلب وكل العقل وكل القدرة، ومحبة القريب كالنفس، أفضل من كل المحرقات وكل الذبائح" (33:12). وهكذا أدخل يسوع الشعب في العبادة الحقّة التي تتوجّه إلى كل إنسان. لهذا هو ابن الانسان (هو أسمى من داود)، وسيّد السبت بعد أن أعاد إليه وجهته الحقيقية: أن يكون علامة حب الله الخلاّق للبشر.
ج- دينونة مسبقة
إن حرية يسوع تخلّص الانسان. وهي في الوقت عينه تكشف القناع عن قساوة قلب خصومه. "فحريته المحرّرة" تثير البغض كما نرى في المشهد الثاني. شفى يسوع الرجل فأبان له حبّ الله الخلاّق. أما الرؤساء فقادهم بغضهم إلى بداية القتل.
أجل، إختار الفريسيون والهيرودسيون طريق الموت لهم. وهم في يوم السبت يتجاوزون إحدى الشرائع الأساسية: لا تقتل. فضّلوا أن يتركوا مريضاً من دون شفاء، فضّلوا أن يتركوه يموت ولا يتعدّوا ممارسة من ممارسات الآباء. بل زادوا على هذا حين تشاوروا على قتل يسوع.
أرادوا أن يدينوا ابن الإنسان. ولكن ولْي إنجيل مرقس سيدلّ على أنهم هم الذين دينوا. فهذا المشهد يكشف أول فصل في الدينونة الاسكاتولوجية التي يقوم بها ابن الانسان. نحن أمام استباق لدراما موت يسوع وانتصاره بالقيامة. حينئذ يُرفع السر المسيحاني، ويَفتح يسوع أمام الوثنية طريق العبادة التي تعطي الحياة.

خاتمة
في خلفيّة هذين الخبرين نجد ولا شكّ مجادلات بين الجماعة المسيحية الأولى واليهود حول السبت. وهذا واضح بشكل خاص من خلال نصّ متى. ولكننا نخطىء إن حوّلنا هذه النصوص إلى مجرّد جدالات حول الشريعة، إلى مجرّد محاولات لكي نحلّ يوم الأحد محل يوم السبت. فجماعة مرقس التي كانت من أصل وثني، لم تهتمّ كثيراً بما يقوله اليهود في هذا الشأن. ومرقس يعلن بشارة (إنجيل) يسوع المسيح ابن الله، ذاك الذي جاء يُدخل في تاريخ البشر جديدَ الله الحالي والأزلي. ذاك الذي جاء يحقّق الهدف الحقيقي للسبت: "لم يأتِ ابن الإنسان لكي يشجب، بل ليخلّص ما قد هلك".
حين تسمع الجماعة المسيحية هذا الإنجيل، تعود إلى ينابيع إيمانها بيسوع المسيح ابن الله وابن الإنسان والمخلّص الوحيد للإنسان. تكتشف من جديد من هو الإنسان ومن هو الله. وتتساءل عن نوعية عبادتها: تقدّس "يوم الرب" فتدخل بشكل ملموس في هذه الحرّية المُحبة، حرّية يسوع الذي يخلّص البشر اخوته فيمجّد الآب الذي في السماء.

 

 

القِسم الرابع
المَرحَلة الثّانيَة

يتضمّن القسم الرابع المرحلة الثانية وعنوانها: سر الملكوت: يسوع وأخصاؤه. نجد هنا الفصول التالية:
1- سرّ الملكوت: يسوع وأخصاؤه، 3: 7- 6: 6 أ.
2-- نشاط يسوع، 3: 7-12.
3- اختيار الإثني عشر، 3: 13- 19.
4- يسوع وأهل بيته، 3: 20- 35.
5- مثل الزارع، 4: 1- 20.
6- السراج والمكيال، 4: 21- 25.
7- مثلان عن الملكوت، 4: 26- 34.
8- تسكين العاصفة، 4: 35- 41.
9- مجنون الجراسيين، 5: 1- 20.
10- النازفة وابنة يائيرس، 5: 21- 43.
11- يسوع في الناصرة، 6: 1- 6 أ.

 

 

الفصل الثامن عشر
سر الملكوت: يسوع وأخصاؤه
7:3-6:6 أ

قدّمت لنا المرحلة الأولى في الإنجيل يسوع: إنه كلمة الله في تاريخ البشر: كلمة قديرة وفاعلة، لأنها تحرّر الإنسان من الشرّ. وهي تعمل في حياتنا الحاضرة، على مرّ اللقاءات، وتثير وسط الجموع حركة أمل، فيزحفون كلهم إليه: "الجميع يطلبونك" (1: 37). هذا ما قاله سمعان ليسوع حين كان غارقاً في صلاته.
هذه الكلمة تكشف نشاط قوى الشرّ وتخرجها من مخابئها. لهذا، فهي تسبّب المعارضة. هذه الكلمة تهاجم الإنسان في معاقله الخفية، فتفضح التباسات تصوّراته، ومكر نواياه، وعمى قلبه. وهي تستطيع أن تشفي الإنسان من خطيئته وتفتحه على ملكوت الله مانحة إياه الغفران. غير أن الإنسان لا يرضى بأن "يتعرّى"! هو يتمرّد على هذا الغفران الآتي من "خارج"، ويقاوم ذاك الذي يقدّمه له. حين نسمح لله بأن يلمسنا، هذا يعني أننا تخلّينا عن اكتفائنا بذاتنا. ومع ذلك، فالخبرة تبيّن أننا حين نترك الله يلمسنا، تجد أجسادُنا شباباً جديداً وتصل قلوبنا إلى الحرية الحقّة. الله كبير جداً فلا يستطيع الإنسان أن يدركه. وحين يصبح قريباً فهو يعكّر "طمأنينة" الإنسان واستقلاليته. حينئذ لا يبقى له إلا أن يطرد "المزعج" ويتشاور من أجل إهلاكه (3: 6).
هل سيتوقّف يسوع لأن هناك مقاومة أو معارضة؟ هو الذي واجه الشيطان في البرية وانتصر عليه، هل يبرهن على أنه ابن الآب الحبيب؟ سوف نراه في هذه المرحلة الثانية منكبّاً على رسالة الوحي التي يحملها: ما زال يصل إلى القلوب والعقول والأجساد. انفتحت دائرة نشاطه فحطّمت الحدود. وولجت كلمته إلى أعماق أولئك الذين كشفوا عن نفوسهم أنهم أهله الحقيقيون. أي أولئك الذين نالوا "آذاناً ليسمعوا" (4: 9، 23) وقبلوا أن يكونوا حقاً "معه" (3: 14). كيف سيشقّ الإيمان طريقه عبر الخوف؟ كيف ستُنتج الكلمة ثمرة في أرضنا المزروعة؟ كيف يتقدّم الخلاص إلى انسان يقاومه؟ تلك هي الأسئلة التي يعالجها مرقس الآن، وهي أسئلة تطرحها علينا كلمة يسوع وعمله: صار الملكوت قريباً، فمن صار قريباً من الملكوت؟ ذاك الذي يدخل في قرابة يسوع الحقة، ويترك كلمته تمتحنه مثل البوتقة.
كان ذاك موقع النص في الإنجيل. فكيف يقدّمه مرقس بالنسبة إلى متّى ولوقا؟
أورد متّى ولوقا مجمل الأحداث وأقوال يسوع المجموعة في هذه القسمة، في هذه المرحلة. ولكن الترتيب اختلف عمّا في مرقس. فنستطيع أن نكتشف للوهلة الأولى مجموعتين مهمتين حاضرتين لدى الإزائيين الثلاثة. من جهة، مجموعة أمثال الملكوت الذي ينمو (4: 1- 34= مت 13: 1-53= لو 8: 4-؛ 18). ومن جهة ثانية، متتالية تضم أعمال قدرة يسوع (4: 35- 5: 43= مت 8: 23-9: 26= لو 8: 22-56).
قد توحّدت هاتان المجموعتان في مرقس ولوقا، وانفصلتا في متّى. وفي أي حال، يرتّب مرقس موادّه بشكل شخصي. فالتقديم الأدبي يدلّ على نيّة لاهوتية سوف نحاول أن نكتشفها.
هناك إجمالة مرقسية (3: 7- 12) تفتتح هذه المرحلة الثانية: نجد يسوع وتلاميذه عند شاطىء البحر وهم يستقبلون الجموع. حينئذ نقلنا مرقس "إلى الجبل" حيث عيّن يسوع الإثني عشر رسولاً (3: 13-19). ثم "إلى البيت" حيث تتزاحم الجموع حول يسوع. أما "أخصّاؤه" فيرون أنه أضاع رشده (3: 20- 21). بعد هذا، نشهد جدالاً جديداً حرّكه الكتبة حول أصل سلطة يسوع كمقسّم على الأرواح النجسة (3: 22- 30). وأخيراً، نشاهد محاولة أهله لكي يزوروه (3: 31- 35).
ويعود بنا الإنجيلي إلى شاطىء البحر حيث نسمع مع الجموع تعليم يسوع بالأمثال، وحيث نحضر أسئلة أخصائه والإثني عشر ليستوضحوا معنى الأمثال (4: 1- 34). أخيراً، هناك سفر في البحر، ورحلة قصيرة في دكابوليس (المدن العشر) وعودة في القارب. كل هذا يشكّل إطاراً لسلسلة من أعمال يسوع التي تدل على قدرته فتثير الخوف والرعدة (4: 35- 5: 43). ويختتم مرقس هذه المرحلة فيورد زيارة يسوع الى بلدته، واللقاء المزري الذي لقيه فيها (6: 1- 6 أ).
عبر التنظيم الأدبي الذي قام به مرقس في هذه المرحلة، نكتشف أن الإثني عشر والتلاميذ اتخذوا مكانة خاصة بالنسبة إلى الشعب. ونرى المعارضة ليسوع تتّخذ أوجهاً متنوّعة. نحن هنا أمام تنظيم موجّه في خطّ كرازة الإيمان. سنأخذ تاريخ هذا النص في تدوينه النهائي، ونعود إلى يسوع الحيّ الذي أنتجه وأعطاه معنا. وهكذا نقتطف التعليم الذي يقدّمه إلينا.
ونبدأ في تكوين النصّ
يرى مجمل الشرّاح في الإجمالة التي تفتتح المرحلة الثانية، تأليفاً خاصاً بمرقس يدلّ على ما فعله إنطلاقاً من معطيات تقليدية. ويرون أيضاً إرتباط هذه الإجمالة بخبر النازفة. تذكّر مرقس تأثير يسوع على الجموع (وعمّمه) مشيراً إلى الأشفية التي تمّت في المرحلة الأولى، وعمّم مسبقاً حدث المرأة التي انفصلت عن الجمع، فقدّم للقارىء معلومتين إثنتين. الأولى هي أن عمل يسوع التاريخي هو حاضر في انطلاقة الجماعات المسيحية الأولى، التي تقبّلت اليهود والوثنيين معاً: ما صنعه يسوع مرة يعيد صنعه دوماً من أجل الذين يتبعونه. والمعلومة الثانية هي المسافة التي يجعلها يسوع بينه وبين الجموع. هذه المسافة تدلّ على صعوبة مسيرة الإيمان، وعلى التمييز الضروري من إجل إعلانه.
بعد هذا نفهم أن يكون مرقس أقحم في هذا الموضع تسمية الإثني عشر (3: 13-19). إستعاد لائحة قديمة لأعضاء الجماعة الرسولية التي عليها أسّس يسوع كنيسته. واستلهم بلا شك "خبر دعوة" فاستعمل عناصر عدّة أخذها من التقليد مثل موضوع "الإثني عشر"، وإعطاء سمعان اسم بطرس، ويعقوب ويوحنا لقب "إبني الرعد"، وهوية الرسل، وقربهم من يسوع ووظيفتهم الرسالية. كل هذه السمات تدلّ على شخصية مرقس ككاتب: على هدفه الدفاعي في إطار الكنيسة الأولى.
إن مقطع الجدال حول بعل زبول الذي تحيط به محاولتا أقارب يسوع (3: 20-35)، يبدو كقطعة مأخوذة من المعين استعملها متّى بحرية (مت 12: 22- 32، 46، 50) ولوقا بشكل دقيق (11: 14-23؛ 12: 10؛ 8: 19- 21). وبدا هنا مرة أخرى نشاط مرقس التدويني. إستعاد الوثيقة التي امتلكها وصاغها من جديد، فحوّل وأوجز وأعاد ترتيب المعطيات وبناها بناء محكماً. ألغى الخبر القصير الذي يتحدّث عن طرد شيطان (مت 12: 22-23؛ لو 1 ب: 14) والذي يسبق الجدال، وأقحم هذا الجدال في إطار يتحدّث عن يسوع وأخصّائه. بدا مرقس هنا صدى لمواجهات ومجادلات حول شخص يسوع داخل الجماعات التي يبشّرها. غير أن هذا لا يعني أنه يشير إلى خلاف بين كنيسة مرقس وكنيسة أورشليم على مستوى التعليم والسلطة، كما رأى بعض الشرّاح. وفي أي حالة، إن تشديد الإنجيلي على القرابة الروحية التي أسّسها يسوع مع "إخوته وأخواته" المسيحيين، يدلّ على حسّ عميق للروح القدس الذي يعمل في الكنيسة ويوقظ الناس إلى الإيمان.
والخطبة الأمثالية (4: 1- 34). ماذا ندرك منها؟ صنع يسوع مثل الرابانيين في عصره، فاستعمل هذا الفن الأدبي ليدعو سامعيه إلى الإلتزام. غير أن تعليمه أشار إلى نقطة جوهرية هي: إن مجيء ملكوت الله في شخصه يتطلّب تجنّداً حاسماً. وفهمت كنيسة القرن الأول سريعاً هذا النداء الآتي والملحّ على ضوء قيامة يسوع. فكل حياته، أقوالاً وأعمالاً، صارت "مثلاً" وقولاً عن الملكوت. في هذا المعنى الدقيق فهمَ مرقس الأمثال التي تصبّ في فنون أدبية مختلفة. إنها تقدّم طريقة بها نسمع كلمة يسوع، فتتيح لهذه الكلمة بأن تتجذَّر وتكبر وتنمو. فيجب على الواعظين أن يوقظوا ملكة الإصغاء ويحرّكوا السامعين سواء كانوا مؤمنين أو لا مؤمنين.
إن مجموعة الأمثال التي نقلها إلينا الإنجيليون، تفترض استعمالاً جارياً لمثل هذه المجموعات في كرازة الكنيسة الأولى. ففي نهاية العهد الرسولي، تشكّك المؤمنون من عدم إيمان إسرائيل، وواجهوا العراقيل ضد إعلان الإنجيل، فطرحوا السؤال. لهذا بيّن مرقس للمؤمنين، مستنداً إلى تعليم يسوع، أن هذه الصعوبات تجد مكانها في مخطّط وحي الله: إن فهم التعليم يرتبط بالإستعدادات الروحية لدى كل إنسان. فالله لا يفرض نفسه على حرّياتنا. والذين يتأثّرون بالنعمة يصبحون بدورهم مسؤولين عن الكلمة.
إنطلق مرقس من المواد التي جمعها التقليد، فشملت مجموعة الأمثال الثلاثة وشرح مثل الزارع. وزاد عليها بعض العناصر لكي ينير المسألة اللاهوتية المطروحة على كنيسة عصره بسبب رفض اليهود أن يروا المسيح في شخص يسوع. وهكذا أقحم قولاً يدل على السامعين وعلى عمى البعض (4: 11-12: الذين ظلوا في الخارج ولم يدخلوا الى الكنيسة). وأقحم مثل السراج والكيل وقولاً عن "الذي له والذي ليس له" (4: 21- 25). كل هذا أخذه من مراجع أخرى، وهذا ما يدلّ عليه نصّ متّى ولوقا. ثم إن إيراد نص أشعيا هو قريب جداً من النسخة الأرامية أو الترجوم المستعمل في فلسطين. وهذا يعني أنه يعود إلى جماعة مسيحية متهوّدة.
أعاد مرقس تنظيم هذه المجموعة بالنظر إلى اهتمامات الكرازة عنده، فدوّن الفصل الرابع في بناء يختلف عن ذاك الذي ألّفه متّى (ف 13). في بناء متين يبرز "لاهوت المثل" الذي هو لاهوت الحرّية والنعمة.
أما أعمال يسوع التي تدلّ على قدرته، والتي اجترحها خلال سفر في البحر وفي الدكابوليس، فقد وصلت إلى مرقس بشكل مجموعة. أوردها لوقا في الترتيب عينه (لو 8: 22-56). وجعلها متّى في جزئين (8: 23- 34 و9: 18- 31) داخل لوحة واحدة حوله عمل يسوع، فرافقت مختلفَ الألقاب الكرستولوجية عشرةُ أعمال تدلّ على قدرة يسوع (مت 8-9).
تختلف هذه المجموعة، مجموعة الأخبار الملوّنة والحية والمفصّلة، عن أحداث الشفاء التي روتها المرحلة الأولى: لم نعد أمام تعليم أو جدال. فمرقس يتبع هنا مرجعاً وجد فيه تقليداً ثابتاً فلم يبدّله. ولكنه طبع هذه المجموعة بطابعه. وهذا ما نكتشفه حين نقابله مع متّى ولوقا: لمسات تدوينية، تكرار بعض الكلمات الخاصة، إشارة إلى المنظار الذي وجّه التدوين. فسفَر يسوع إلى أرض وثنية جُعل لتعليم التلاميذ الذين سيرسلهم قريباً. لقد ذكّر مرقس المسيحيين أن تبشير الوثنيين يجد ينبوعه في نشاط يسوع التاريخي. وأن العواصف ورفض البشر لا تخيف ذاك الذي يؤمن.
وتداخل خبرا شفاء النازفة وإحياء إبنة يائيرس، فجعلا مضمون الكرازة الرسالية يمتدّ وينتشر. إنهما حدّثانا عن الإيمان بالقيامة. فكل التفاصيل الخاصة بمرقس في هذه المتتالية، ترسم مختلف أوقات الإيمان في مسيرته داخل الخبرة المسيحية: فنور الفصح والقيامة الذي أنار مسبقاً طريق يسوع على الأرض، ينير الآن طريق المؤمن الذي بدأ يتميّز سر الملكوت.
وفي النهاية يأتي حدث زيارة يسوع إلى "وطنه" (قريته). إنه تذكّر لحدث مؤلم في رسالة يسوع الجليلية. هذا ما تدلّ عليه أسماء العلم والمعطيات الملموسة في الخبر. إن هذا الحدث يستعيد لا إيمان الشعب اليهودي كما دلّ عليه التعليم بالأمثال والجدال حول بعل زبول. ولكن الإنجيلي يعرف كل المعرفة أن المسيحيين هم أيضاً مهدّدون في إيمانهم حين يتصوّرون المسيح تصوّراً بشرياً مفرطاً. فدهشة يسوع تتوجّه إلى كل أخصائه، لأن عدم الإيمان يجعل عمله مستحيلاً مهما كان المستوى الذي وقف عليه.
ونعود إلى بنية النصّ
نحاول الآن أن نكتشف العناصر التي تدلّ على الخطوط الرئيسية في التدوين المرقسي، فندرك تماسكه ووحدته في العمق. كيف تترابط، على المستوى الأدبي، مختلفُ الأقسام التي تشمل هذه المرحلة الثانية؟
إن الإجمالة حول نشاط يسوع (3: 7- 12) ترينا المعلّم وتلاميذه أمام جمهور كبير يأتي من سبع مناطق (يهودية ووثنية، 7 هو عدد الكمال) فيدل على شمولية الكنيسة. ويتحدّث النصّ عن الأشفية وطرد الشياطين في ألفاظ استعملت في خبرَيْ النازفة ومجنون الجراسيين.
بعد هذا، تجمع متتالية أولى عدداً من المقاطع تعني الذين يجدون نفوسهم قريبين من يسوع (3: 13- 35). هناك تضمين خفي حول "مشيئة": مشيئة يسوع (3: 13: أرادهم). مشيئة الله (من يعمل مشيئة الله، 3: 35). وهناك بناء يبرز التعارض داخل هذا القرب: قرب الشيطان الذي يقهره يسوع بقوّة الروح القدس. في هذا المعنى نلاحظ توالي التكرار: "كانوا يقولون". "كان يقول".

1- المتتالية الأولى (3: 13- 35)
أ (3: 13-19): يسوع يعيّن الإثني عشر، على الجبل: "صنع الإثني عشر" (آ 14، 16). دعا إليه أولئك الذين أرادهم ليكونوا معه. دورهم: الكرازة، طرد الشياطين.
ب (3: 20- 21): يسوع وذووه. جاؤوا إلى البيت. إجتمعت الجموع. حاول ذووه أن يمسكوه. قالوا: فقد رشده.
ج (3: 22): حُكْمُ الكتبة الآتين من أورشليم: قالوا: يمتلكه بعل زبول. إنه ممسوس.
د (3: 23-29): بيت مقسوم على نفسه. تجديف وغفران. دعاهم إليه وقال لهم: كيف يستطيع الشيطان أن يطرد الشيطان؟ للشيطان نهاية: بيت الرجل القوي. ولكن يسوع هو الأقوى. الحق أقول لكم: كل خطيئة تغفر ما عدا التجديف على الروح القدس. هي خطيئة أبدية.
ج ج (3: 30): حكم يتكرّر. كانوا يقولون: إمتلكه روح نجس...
ب ب (3: 31- 32): يسوع وذووه، الذين من الخارج... طلب أمه وإخوته. كان الجمع جالساً حوله كالتلميذ على قدمَيْ معلّمه.
أ أ (3: 33-35): سمّى يسوع قرابته، في البيت. من هي أمي... من يعمل مشيئة الله.
نستطيع أن نوجز هذه المسيرة باختصار. في البداية، قام يسوع بمهمته، فأسّس الإثني عشر، وأعطاهم سلطانه الخاصّ: هو الذي "يصنع" جماعته كما يريد (أ). ولكن هذه الجماعة لا تتجاوب. فحياة يسوع وعمله يحيّرانها: قال بعض ذويه باسم رباط الدم: إنه أضاع رشده (ب). وقال الكتبة الذين ظلّوا سجناء براهينهم: يمتلكه بعد زبول (ج). يجب على يسوع أن يكشف عن القوة التي تحرّكه: الروح القدس، ينبوع كل مغفرة (د).
مثل هذا الكشف ضاعف المعارضة: نزع القناع عن عمى البعض (ج ج) والإلتباس في البحث عند البعض الآخر (ب ب). غير أن يسوع ولد الرجاء في قلب المقاومة البشرية، لأنه رأى في الذين يتبعونه ويصغون إليه أقاربه الحقيقيين. بقدر ما يتقبّلون روحه، "يصنعون" مشيئة الله (أ أ).

2- المتتالية الثانية (4: 1- 34)
تتضمّن المتتالية الثانية يوم الأمثال (4: 1- 34). وهنا يدلّ البناء أيضاً على ما قام به مرقس من تعديلات بالنسبة إلى مرجعه. نلاحظ بشكل خاص تكرار عبارة "وقال (لهم)" ثماني مرات (4: 2، 9، 11، 13، 21، 24، 26، 30). هذا شيء يتفرّد به مرقس. وهكذا نكون أمام تصميم منتظم جداً.
أ (4: 1-2 أ): مقدمة: تعليم على شاطىء البحر. إجتمع الشعب على الأرض بالقرب منه. تعليم بالأمثال.
ب (4: 2 ب- 9): الزرع والأرض. وقال لهم: إسمعوا. الذي يزرع... وحصل... قليل من الأرض/ لا ثمر... أرض طيّبة/ أعطت غلة متصاعدة... أعطت ثمراً. وقال: من له أذنان سامعتان فليسمع.
ج (4: 10- 13): السرّ في أمثال: الذين كانوا حوله مع التلاميذ... وقال لهم: لكم أعطي سو الملكوت. أما الذين في الخارج، فكل شيء يصل إليهم بأمثال (بألغاز) فينظرون... يسمعون... لئلا. وقال لهم: ألا تعلمون هذا المثل؟ كيف تعلمون كل الأمثال؟
د (4: 14- 20) الكلمة وثمرتها. الكلمة (8 مرات) التي نسمع (4 مرات). تكون بدون ثمر... في الأرض الطيبة تحمل ثمراً (سماع الكلمة المزروعة).
ج ج (4: 21- 25): السراج (النور) وكيل السماع. وقال لهم: السراج. ما هو خفي/ ظاهر. من له أذنان سامعتان فليسمع. وقال لهم: أنظروا إلى ما تسمعون: بالكيل الذين تكيلون به يكال لكم. من له يُعطى ويُزاد...
ب ب (4: 26- 32): ثمرة ملكوت الله. وقال: ملكوت الله هو زرع زُرع في الأرض. حملت الأرض ثمراً. بعد الثمر الحصاد. وقال: ملكوت الله هو حبة خردل تُرمى في الأرض. نمت: أغصان، عصافير، ظلّ...
أ أ (4: 26- 32): خاتمة: الأمثال وتفسيرها على انفراد. تكلّم الكلمة بأمثال/ بغير أمثال لم يكن يتكلّم. وعلى انفراد كان يفسّر كل شيء لتلاميذه.
نرى في قلب هذا البناء (د) الأهمية الأولى للكلمة التي هي يسوع: إتخذ المبادرة وتوجّه إلى كل إنسان في حرّيته. وقدّم نفسه على أنه المثل الذي يفسّر أمثال العالم. وكل واحد يقدَّر حسب درجة سماعه للكلمة، لأنها تميّز نوعين من السامعين: إلى البعض يُعطى سر الملكوت، وإلى الآخرين يبقى لغزاً (ج). من قبله صار بدوره مسؤولاً وذلك بقدر استعداداته (ج ج).
هناك أشكال من السماع، كما هناك أنواع من الأرض (ب). ولكن المهم هو التقاء الزرع بالأرض، هو انتقال التعليم: في أي حال، إن بذار الملكوت ينتظره خصب مدهش يهيّأ للجميع (ب ب). هذا هو تعليم يسوع: سلسلة من الأمثال (أ). يجب أن ندرك أنه هو التفسير الحاسم. وان كل حياة تتخذ معناها منه وتنكشف أمام الديان (أ أ).

3- المتتالية الثالثة (4: 35- 5: 43)
إن التمييز بين سامعين وسامعين قد استُغل في متتالية ثالثة: بدأ التلاميذ فرافقوا يسوع في مسيرته وحدهم. ولن تظهر الجموع إلا في العودة. وسيحافظ يسوع على المسافة التي تفصله عنها. هنا نرى تركيب هذه المتتالية مع أربعة أعمال تدلّ على قدرة يسوع.
أ (4: 35- 41): طاعة البحر. جاء البحرَ... إلى الشاطىء المقابل. عاصفة شديدة. كان نائماً... أيقظوه: يا معلّم، لقد هلكنا. وحدث هدوء عظيم. لماذا انتم خائفون، لماذا ليس لكم إيمان. وخافوا خوفاً عظيماً.
ب (5: 1-17): اللقاء الذي يحرّر. رجل فيه روح نجس. ما استطاع أحد أن يقيّده. ركض وسجد أمام يسوع. ما اسمك؟... جاؤوا يرون ما حصل. جاؤوا إلى يسوع... خافوا...
ج (5: 18- 19): توسّل المجنون الذي شُفي من الروح النجس. إذ صعد يسوع إلى السفينة، توسّل إليه المجنون أن يكون معه (أن يكون من الإثني عشر). لم يدعه يسوع، بل قال له: إمضِ إلى بيتك وخبّر ذويك...
د (5: 20): الإعلان في المدن العشر. فأخذ يذيع كل ما صنعه له يسوع. وكان الجميع يتعجّبون.
ج ج (5: 21- 24): توسّل رئيس المجمع. كان يسوع قد عبر إلى الشاطىء المقابل... الجموع... توسّل إليه يائيرس، رئيس المجمع... ذهب يسوع معه.
ب ب (5: 25- 34): اللمس الشافي. إمرأة بها نزف دم. لم تجد مساعدة لدى أي طبيب. جاءت من ورائه، وسط الجمع. من لمسة ثيابي، أجاب التلاميذ. خائفة مرتعدة. عرفت ما حصل لها فجاءت وخرّت أمام يسوع: إيمانك خلّصك.
أ أ (5: 35-43): إستيقاظ الميتة. إبنتك ماتت، فلا تزعج المعلّم. قال يسوع: لا تخف. آمِنْ وكفى. في البيت: لماذا هذا الضجيج. الإبنة لم تمت. إنها نائمة. أخذ معه الوالد والوالدة. أقول لك: قومي، إستيقظي... فاعتراهم في الحال دهش عظيم.
لنوضح هذا العرض. في طرفَيْ المتتالية حدثان مدهشان يثيران الخوف لدى الشهود.
وهكذا يُطرح السؤال: من هو هذا الرجل الذي يستيقظ فيكمّ فمّ العاصفة (أ)؟ الذي يوقظ فتاة من رقاد الموت (أ أ)؟ لكي نتعرّف إليه نلتقيه وجهاً لوجه مثل مجنون الجراسيين، الذي تغرّب ولم يفعل فيه دواء، فحرّره يسوع (ب). ومثل المرأة التي تألمت من نزف دمها، فشُفيت حين لمسته (ب ب).
ولكن يجب أن نحسّ برعدة مقدّسة فيها ندرك حضور الله، برعدة تصل بنا إلى التوسّل والابتهال. فنعمة الرب تحيّرنا: أعاد يسوع إلى بيته "المتشيطن" الذي شُفي فطلب "أن يكون معه" (ج). ولكنه رافق يائيرس في مسيرة بدت وكأنها بلا جدوى (ج ج). بيد أن الذي يقبل أن يحيا مختلف مراحل هذه الخبرة ويخضع لعمل المعلّم (الدرفة الثالثة) كما يقبل تعليمه بالأمثال (الدرفة الثانية) ويصنع مشيئة الله (الدرفة الأولى)، يصل إلى الإيمان الحقيقي وتصبح حياته بالنسبة إلى ذويه "إعلاناً لما صنعه يسوع له".
تتيح لنا هذه الرسمة أن نفهم مرة أخرى التعارض المتواصل بين كلام يسوع وكلام البشر الذين يلتقوه وهم بعيدون عنه: في هذا الوقت يحرّك يسوع الإيمان: بالنسبة إلى مجنون الجراسيين، يتّخذ هذا الإيمان شكل إعلان هو شهادة "وسط ذويه"، وحيث رُفض يسوع و"طُرد". وتتركّز في الوسط عدّة ابتهالات يستجيبها يسوع بشكل محيّر. وحول نقطة الوسط حيث يحدّد يسوع الطريقة التي نكون بها معه، تمتدّ قوة المعلّم الذي ينقل من الموت إلى الحياة، من النجاسة إلى الصحة والخلاص.
وتأتي الخاتمة متجاوبة مع المتتالية الأولى المركّزة على أقارب يسوع (6: 1-6) فتستعيد موضوع التعارض: في هذه المرة، جاء يسوع بنفسه إلى "وطنه"، ولكن قدرته كانت كلا شيء بسبب قلّة الإيمان. وترد لائحة بأقاربه: أمه، إخوته، أخواته. إنها تقابل لائحة الإثني عشر الذين جعلهم يسوع أقاربه الحقيقيين.
وهكذا، وبعد أن تفحّصنا البنية الأدبية في المرحلة الثانية، بدت أمامنا فكرة مسيطرة: إن الكلمة وأعمال يسوع القديرة تتوجّه إلى الإنسان في أعماقه، فتضع فاصلاً بين ناس وناس، بل حدوداً في قلب كل واحد منا بين ما هو خارج عن يسوع وما هو قريب من يسوع. هذه الحدود لا يعبرها إلاّ الإيمان الذي هو انفتاح على سرّ الملكوت.

والتحليل البنيوي للنصّ يصل بنا إلى خلاصات مماثلة.

1- الإشارات الزمنية
الإشارات الزمنية نادرة. يجب أن ننتظر نهاية التعليم بالأمثال لكي ندرك أن مرقس أفهمنا أننا أمام نهار كامل. "وفي ذلك اليوم، عند المساء، قالت لهم" (4: 35). هنا نتذكّر التعليم التدشيني في مجمع كفرناحوم وفي بيت سمعان (1: 32). ليلي يوم يوماً آخر، فيفتحنا على الجديد.
إن عبور البحيرة، والإقامة في المدن العشر، والعودة إلى الشاطىء الذي انطلق منه، كل هذا لا تتوزّعه عودة إلى الزمن. فالأعمال تجري الواحد بعد الآخر. كل ما نجده، ملاحظة حول مدة مرض النازفة، وهي تقابل عمر إبنة يائيرس: 12 سنة (5: 25؛ 5: 42). هذا العمر هو عمر النضوج الديني عند اليهود، عمر العبور إلى جديد الإلتزام في ممارسة إيمان اسرائيل والتعلّق بجماعة العهد.
وسنعرف فيما بعد أن زيارة يسوع إلى بلدته تمّت يوم السبت. تلك ملاحظة غائبة في متى (مت 13: 54). أما لوقا فاستغلّها استغلالاً وافراً (لو 4: 16- 21). نحن هنا أمام تذكير بالسبت الأول في كفرناحوم (1: 21)، وبذلك الذي أتمّ المرحلة الأولى، ساعة كان "رب السبت" موضوع جدال (2: 28).
كل هذا يجري في خلفية حياة بشرية يتوالى فيها النهار والليل (4: 27؛ 5: 5)، الرقاد واليقظة (4: 27، 38، 39؛ 5: 39، 41). أيام عمل ويوم السبت (6: 2). فعمل يسوع يدخل إلى واقع البشر اليومي. وتدخّل الله هو حدث يتجسّد في كثافة التاريخ البشري وتواصله. 

2- الإشارات المكانية
أما الإشارات المكانية فهي وفيرة. في بداية المرحلة الثانية نجد تراكض الناس قرب البحر الذي هو موضع انطبع بدعوة الرفاق الأولين (1: 16؛ 2: 13). تراكضوا لا من الجليل فحسب، بل من العالم كله (3: 7-8: هذا ما يرمز إليه رقم 7 الذي يعدّد المناطق التي جاء منها الناس). ثم ننتقل من الجبل (3: 12) إلى البيت (3: 20) لنعود إلى شاطىء البحر (4: 1) من أجل تعليم بالأمثال يتضمّن أوقات انفراد مع الإثني عشر (4: 10، 34).
وُضعت السفينة بتصرّف المعلّم (3: 9)، فكانت له منبر وعظ (4: 1) وأمّنت في الوقت عينه المسافة بينه وبين الجموع التي بقيت على الشاطىء (لا يريد لها أن تعرف الخطر المتمثّل بالبحر)، بقيت على الأرض (4: 1، 35؛ 5: 18). بعد السفر على البحر مع التلاميذ وحدهم (4: 35- 5: 21)، نعود إلى البيت، بيت رئيس المجمع الذي أحيا يسوع ابنته. أخيراً، عاد يسوع إلى "وطنه" وإلى المجمع في يوم السبت.
بدت كل هذه الرحلة الطويلة وكأنها تعيدنا إلى نقطة إنطلاق نشاط يسوع العلني: "جاء يسوع من ناصرة الجليل" (1: 9؛ رج 1: 14). ولكن لفظة "وطنه" تفتح الناصرة والجليل على أبعاد الكون. ففي النهاية، كل انسان صار قريباً من يسوع لأن ملكوت الله قد اقترب. ورفضُ استقبال الناصرة ليسوع يدلّ على موقف عام يصيب التلاميذ كما أصاب معلّمهم (6: 10- 11): "أي موضع لا يقبلونكم فيه"...
إذن، يجري كل شيء وكأن الجموع ظلّت على الأرض، تنتظر أن يثمر زرع الكلمة عند شاطىء البحر، أي على شاطىء الإلتزام بالمكافحة ضد القوى المعادية. أي على شاطىء المواجهة مع العالم الوثني الذي تمثّله النجاسة. أما على البحر، فيجب أن نقاسي هجمات جامحة من العاصفة والأمواج، وأن نختبر كيف يخضعها يسوع.
في الأرض الوثنية، نلتقي تيهان إنسان، وقبوراً في الجبال. ونشهد اندحار الأرواح النجسة، لأن ابن الله العلي قد رسم خطاً عمودياً يثبّت مسيرة البشر وإعلان المجنون الذي تحرّر من الشيطان. فالذين مرّوا من هنا (5: 37) مع يسوع، يستطيعون أن يكتشفوا إلى أين تصل قدرة هذا الرجل. فيده ذهبت إلى أعماق الموت تطلب إبنة يائيرس، لكي تقيمها وتجعلها تمشي بقوة عمرها (12 عاماً).

3- الأشخاص: دورهم ووظيفتهم
نلاحظ أن يسوع وتلاميذه (الإثنا عشر الذين دعوا ليكونوا معه، 3: 13-14؛ 5: 40) ينفصلون عن الجمع شيئاً فشيئاً. نجد تجاههم الخصوم: أولئك الذين عارضوا يسوع خلال المرحلة الأولى (2: 1- 3: 6). وهناك الكتبة الذين جاؤوا من أورشليم (3: 22). وهناك أقرباء يسوع الذين جهلوا سرّه (3: 20- 21)، فظلّوا في الخارج (3: 31- 32) أو انغلقوا على ذواتهم (6: 3- 6). ونجد ايضاً الجموع التي بقيت متحيّرة: تارة تسمع كلمة يسوع (4: 1، 11، 33؛ 5: 21) فتصبح قرابته الحقيقية (3: 34-35)، وطوراً تزحم المعلّم في تسارع يمرّ قرب السرّ (3: 9؛ 5: 24، 31).
إن الذين دعاهم يسوع في بداية خدمته كوّنوا مجموعة ترافقه في كل تنقّلاته، فهاجمها خصومه (2: 16، 18. 23؛ 3: 7). والآن، جعل من هذه المجموعة "رسلاً"، أي مسؤولين معه عن إعلان الكلمة وطرد الشياطين. مثّلوا الجماعة النموذجية التي تشير إلى تجمّع الأسباط الإثني عشر، فارتدوا سلطة يسوع نفسه ليصنعوا ما صنع، ليكونوا امتداداً لرسالته في إعلان كلمة تدعو الى التوبة والإيمان، وتحرّر الناس من أمراضهم والأرواح النجسة التي فيهم.
هؤلاء التلاميذ بدأ يسوع يكوّنهم. هيّأهم إلى رسالة عامة، شاملة (3: 7-8)، وأراهم عمله الخيّر من أجل الناس، وجعلهم يدركون في الوقت عينه المسافة التي تفصله عنهم. وقد رمز إلى هذه المسافة القاربُ الذي وضع في تصرّفه (3: 9). علّمهم أن يتمّيزوا في هذه الجموع التي تتبعه، التي تلتئم حوله، التي تسمعه وتزحمه (3: 7، 20، 32؛ 4: 1؛ 5: 21، 24، 31)، الخصوم الحقيقيين (كتبة أورشليم، أهل بيته وعشيرته، أهل بلدته) (3: 27، 35؛ 6: 4). هؤلاء الخصوم يدلّون على تجربة حاضرة في كل واحد منا، وهي تدفعنا لأن نسجن يسوع في أبعاد بشرية ونجرّده من رسالته. فمن منا لا يريده رفيقاً له في هذا العالم الملتبس حيث يسود حقّ القويّ على الضعيف؟ من لا يرغب في أن يرى يسوع في الصف، شأنه شأن غيره، وكأن لا فرق بينه وبين الآخرين، وكأن لا خلاف بين الشر والخير؟ ولكن يسوع يكشف القناع عن التجديف على الروح القدس. والتلاميذ الذين أحسّوا بالمسافة التي اتخذها المعلّم تجاه الناس، دُعوا لكي يدخلوا الى عائلته حيث يعمل "أخصاؤه" مشيئة الله (3: 34-35).
شهدوا مع الجمع مثلاً عظيماً لا بدّ من إدراك معناه: يسوع نفسه زارع الكلمة في أرض بشر يستمعون إليه. يصبح هذا المثل نيّراً أو مظلماً، يملأ أو يفرغ، يحمل الهدوء إو القلق، وذلك حسب استعدادات كل واحد منّا. فسرّ الملكوت ليس خارجاً عن يسوع: إنه هو نفسه "الموقد" الذي يشع منه وحي يعلنه فيصبح معيار التمييز الوحيد بين الذين يحيطونه فيحملون ثمراً، وبين الذين في الخارج الذين يبقى كل شيء لهم لغزاً. إنّ الكلمة تدين كل إنسان فتلامس حريته في وضع يعي فيه مسؤوليته ومتطلّبات خيار يتّخذه (4: 33-؛ 34). إن التلميذ هو ذاك الذي تجعله هذه الخبرة يخرج من بين الجموع المتردّدة والمتحيّرة. ومع ذلك، يلبث بلا فهم (4: 13)، فلا يستطيع أن يجعل حياته على مستوى ما أدرك من تعليم.
وشهد التلاميذ في وقت قصير أربعة أعمال قدرة اجترحها يسوع في إطار ذهاب إلى المدن العشر وعودة منها. صارت المسافة بين يسوع والجموع واضحة (4: 36). ومسافة مع التلاميذ حين سيطر على البحر الهائج الذي أخافهم. حينئذ كشف لهم قلة إيمانهم، ودعاهم إلى الدخول في مخافة قد تولّد الإيمان. حدث شفاء "المتشيطن" بعيداً عن الشعب. ولكن التلاميذ هم هنا: يشاهدون مسيرة النعمة المحرّرة في هذا الإنسان. وعليهم أن يختبروا هذه المسيرة في نفوسهم لكي يستطيعوا أن يساعدوا الآخرين (بمن فيهم الوثنيون) على الخروج من نجاسة تجعلهم على حدود الموت. وحين جاء الجراسيون، خافوا بدورهم. وحرَّكتهم أسباب اقتصادية فأبعدوا يسوع عن تخومهم. وأخيراً رأى التلاميذ كيف صار المتشيطن الذي شُفي، منادياً بالكلمة لا حيث شاء هو بل حيث أرسله يسوع.
ولما عاد يسوع من المدن العشر، استقبله جمع يزحمه حتى يكاد يسحقه: قرب على مستوى الجسد، قد يُضيع اقتراباً حميماً اكتشفته إمرأة: تجرّأت فلمسته، فشاركته في قدرته الداخلية. وتدخّلَ التلاميذ وهم لا يفهمون (5: 31)، فظلّوا كأنهم "في الخارج". أبعد يسوع الجموع (5: 37) وأبعد البكّاءات (5: 38- 39)، فدلّ التلاميذ المميزين (بطرس، يعقوب، يوحنا، والدَي الصبية (5: 40) على موقع القرب الحقيقي من الملكوت: في إيمان بالله الذي يقيم الموتى.
وفي النهاية، رافق التلاميذ يسوع "إلى وطنه"، فلمسوا لمس اليد كيف أن العلاقات البشرية قد تكون حاجزاً بوجه الإتصال الحقيقي بالمسيح. حيث يصبح العالم لغزاً، يجب أن يكون لنا آذان لنسمع صوت الكلمة النبوي. "هناك" (6: 15) ينتظرهم يسوع، حيث يكونون مع البشر، فقراء ومتجرّدين، ومستعدّين أن يتركوا "الأقوى" يوجّه حياتهم.

ما هو تعليم النص؟
بدت كل هذه المرحلة الثانية موجّهة لكي تزيل الإلتباس الذي فيه يتحرّك التاريخ البشري، تاريخنا. ففي خطبنا وعلاقاتنا واهتمامنا بالحياة ومواجهتنا للموت، يسوع حاضر من أجل تمييز جذري. كانت الأرواح النجسة وحدها واعية: طُرحت لدى قدَميْ يسوع وخضعت لقدرة قادتها إلى نهايتها. وإذا كان يسوع قد فرض عليها الصمت فلأنها تضلّل الجمع الذي يميل إلى أن يرى فيه مجرّد مجترح معجزات. والنجاسة التي يمثّلها الشياطين تتفجّر من كل مكان وبأشكال متنوّعة: خصوم يسوع ونواياهم السيئة. ذووه، سجناء رباطات اللحم والدم، ظنّوه مجنوناً. الجراسيون المهتمون بخيراتهم، طلبوا منه أن يبتعد عن تخومهم، لأنه شخص غير مرغوب فيه. والجموع تزحمه بفضول في غير محلّه.
ووسط كل هؤلاء الناس، تأسّس التلاميذ فصاروا رسلاً، ودُعوا إلى حياة حميمة معه. إن الرسل والذين معهم سيفهمون إختيار الله لهم تجاه معارضة ولا فهم من قبل الآخرين، بل من قِبَل أنفسهم.
كوّنتهم إرادة يسوع ليشكّلوا عائلته الحقيقية، فاكتشفوا شيئاً فشيئاً أن رباطات اللحم والدم لا تحدّد الإنتماء إلى الملكوت، بل الإتحاد بمشيئة الله. وعليهم أيضاً أن يعوا البعد المتعالي لهذا الملكوت. فالجدال حول بعل زبول كشف لهم إلى أين يصل عمى الذين يرفضون طوعاً أن يروا الروح في عمل يسوع. فمن أنكر حضور الله، ونسب إلى روح الشر كل ظهور لهذا الحضور، يكون قد رذل الغفران وجعل نفسه خارج الخلاص. والموقف الروحي لدى الكتبة يترجم عملياً في تصرّف أهل الناصرة الذين حاولوا أن يستولوا على يسوع ليمنعوه أن يغشّ نفسه ويسيء إلى الآخرين. ولكنه يرفض أن يُحصر في رباطات أرضية يقرّ بها. منذ الآن، تتحدّد العلاقات البشرية بالنسبة إليه، ولا يتحدّد بالنسبة إليها: "فذووه" هم الذين يعيشون حوله، يسمعون ويعملون تحت نظره. ذووه هم المختارون مجاناً لكي يعملوا معه مشيئة الله.
هذه الدعوة تتطلّب تمرّساً طويلاً: نلج شيئاً فشيئاً إلى سر الملكوت الذي ينير "مثَل" العالم، ونشعر بقوة النعمة التي يدلّ عليها هذا الوحي: هاتان هما المسيرتان اللتان نسير فيهما في رفقة حميمة مع المعلّم.
إكتشفنا الأهمية التي يعلّقها مرقس على سماع (الإصغاء، الطاعة. يرد الفعل 14 مرة في المرحلة الثانية، 10 مرات في فصل الأمثال، 43 مرة في كل إنجيل مرقس) الكلمة. من هنا ضرورة "الآذان" (4: 9، 23؛ رج 7: 16، 33؛ 8: 18) الجاهزة. هذه الكلمة هي أكثر من خطبة تصل إلى طبلة الأذن: إنها إعلان الإنجيل الذي هو يسوع. فمن سمع أعلن أنه معنيّ، فهم أن الكلمة تتوجّه إليه وتدعوه إلى طاعة القلب.
إن المثل الذي يفسّره ذاك الذي هو سرّ الملكوت، يحرّك فينا هذا السماع. فهو يدلّ على حضور لا يعبّر عنه. يدلّ على اسكاتولوجيا لا نستطيع أن نرسلها إلى نهاية الأزمنة. يدلّ على مجيء يسوع مع الحدث الحاسم الذي يتمّ بموته وقيامته. سرّ الملكوت ليس واقعاً نعرفه من الخارج. وهو لا يعطي ذاته إلا اذا عشنا مع يسوع المسيح إتحاداً وثيقاً يحقّق مخطّط الله. فيه يتمّ اللقاء بين السماء والأرض، بين الحقل والبذار، لأنه الكلمة الآتية من عند الله وأرض البشر التي تثمر. غير أن هذا اللقاء يبقى سرّياً، لأن حدث الصليب الذي لم يكشف بعد عنه يسوع كشفاً واضحاً، لا يسيطر عليه روح الإنسان. أعطي لنا في يسوع كل شيء، ولا شيء يستطيع أن يوقف حبه الذي لا يقاوَم للإنسان، حبه الذي ظهر عبر الأشفية التي اجترحها لكي يحرّر البشر.
وهكذا يتمّ كل شيء في لقاء الحرّيات عبر تقبّل الكلمة. فالسرّ هو أن النعمة تستطيع أن تردّ قلب الإنسان إلى الله وتجعله يثمر ثمر الإيمان. ولكن ليس من واقع واضح مثل هذا السرّ الذي تعطيه القيامة كل ثقله دون أن تلغيه. فمن فهم ذلك بنعمة الإختيار والدعوة، صار مع المسيح جزءاً من هذا السرّ وقبل بأن يسحقه هذا السرّ: هذا هو مصير الرسل، والكنيسة بعدهم. غير أن هذه الخبرة تتطلّب وقتاً طويلاً، لأن يسوع لا يُكره أحداً: ما يحرّك هذا السرّ هو صبرُ الله وطول أناته. وحبّ الله للإنسان هو حياة وتفتّح وتحرّر.
إن هذا المثَل السري الذي يتحدّث عن تحرّر الناس تجاه مصيرهم، تجاه كل تهديدات الموت، قد ربطه مرقس فيما بعد بأربعة أعمال تدلّ على قدرة يسوع. فكلمته تواجهنا عبر الواقع اليومي، خصوصاً حين يتجاوز هذا الواقعُ الإنسانَ الذي يحسّ نفسه أمامه ضعيفاً. حينئذٍ نستطيع أن نرى ما يعنيه لمس يسوع، أي لقاء الحبّة بالأرض. فالأوضاع التي يلتقي فيها يسوع في المدن العشر هي كلها أوضاع يائسة يحسّ فيها الناس أنهم مهدّدون في قواهم الحية وعواطفهم العزيزة: عاصفة، تغرّب، مرض لا شفاء منه، إبنة وصلت إلى حافة الموت. ولكن جاء تدخّل يسوع فهزّ بصورة أقوى هؤلاء الناس الذين جاؤوا إليه. فما الذي حدث؟
حين نندهش مما في الأخبار من أمر "عجيب"، نجعل نفسنا خارج السرّ، نسمع الكلمة ولا نفهمها، ننظر ولا نبصر. ذاك كان موقف أهل الناصرة وذوي يسوع الذين انحصروا في أفقهم الخاص. علينا بالأحرى أن نصغي إلى ما يحدث بين يسوع والشهود، بين يسوع والذين نعموا بقدرته. إنهم يواجهوننا عبر العصور مثل مجنون الجراسيين الذي أعلن بين ذويه ما صنعه يسوع له (5: 20). كان يسوع يستجيب الطلبات الموجّهة إليه وما زال يفعل بقدر ما يجد آذاناً تسمع وقلوباً تؤمن.
الإنسان الضعيف هو في قبضة الخوف، وهذا الخوف يجعله عنيفاً، عدوانياً، متهوّراً، منغلقاً على ذاته. فإن أحسّ في أعماقه بتدخّل المعلّم، ينتزعه من خوفه ويجعله لا أمام واقع الموت، بل أمام واقع الحياة، حينئذ يتجرّد من ذاته ويذهب إلى لقاء ربّه ولقاء الآخرين. هذا ما حدث في هذه الأخبار الإنجيلية الأربعة.
لا حقَّ للتلاميذ بأن يرتعدوا أمام العاصفة، لأن يسوع سكّنها. ومجنون الجراسيين الذي نجا من الأرواح النجسة قد أرسل ليعلن ما اختبره على ذويه. إنتقل خوفه إلى قلب الناس الذين تخلّصوا من هذا الخوف يلج قلوبهم فتخلّصوا من يسوع. ما أرادوا أن يواجهوا الخوف ويتجاوزوه، فعاشوا رفض الإيمان. وذهبت النازفة بثقة إلى يسوع. جعلها شفاؤها خائفة مرتعدة. ولما أجبرت على قول الحقيقية، تجاوزت وهلتها فأتاحت ليسوع أن يكشف لها سر شخصها وحقيقة إيمانها. ولما هدأت تقبّلت خلاصاً أعطي لها فيه سرّ الملكوت. وطلب يسوع من يائيرس الذي حضر شفاء النازفة، أن لا يخف، بل أن يؤمن. وسار معه عبر خوفه، وأزال الحواجز التي تكدّست في طريق الأب اليائس: حاملو الأخبار السيئة، شعب يملأ المكان، ضجيج البكاءات، واقع الموت. أعيدت إليه ابنته فانتقل الخوف إلى الحاضرين، فخرق القلوب وسلّمها إلى السرّ. لم نصل بعد إلى السلام، ولكن كان "تزلزل" عميق قد يفتح الطريق أمام وحي لاحق.
وهكذا تقود النعمة كل واحد منا، في حقيقة كياننا، في ما نستطيع أن نقوم به. وضعفُ يسوع أمام عدم إيمان أهل بلدته هو أكبر برهان على أنه يحترم كل الإحترام حرية البشر.

 

 

الفصل التاسع عشر
نشاط يسوع
3: 7- 12

إهتم مرقس بالاجمالات التي فيها يلخّص وجهة من وجهات حياة يسوع. هي مت اجمالات تتوقف عند نشاط يسوع، عند مصير يسوع، عند علاقة التلاميذ بيسوع. كل اجمالة تتكرّر في بداية القسم وفي نهايته فتلخّص الوضع وتلفت الانتباه إلى شخص يسوع، وترسم التوجيه الجديد الذي يعرضه على تلاميذه. نستطيع أن نعطي القسم الاول العنوان التالي: اقتراب الملكوت ومجيء يسوع (1: 14- 3: 6). إنه يبدأ بإجمالة تقدّم يسوع وهو يعلن الملكوت (1: 14-15). القسم الثاني يتوسّع حول قطبين: سر الملكوت، يسوع واخصاؤه (3: 7- 6: 6 أ). وتأتي في بداية هذا القسم إجمالة تلخّص نشاط يسوع وسط الجموع على شاطىء البحيرة. هذه هي الاجمالة التي نتوقف عندها في 3: 7- 12.

1- اجمالة في انجيل مرقس
إن 3: 7-12 تدخلنا في حقبة جديدة من نشاط يسوع، وتوسّع الإطار: لم تعدُ الجموع تتراكض إلى يسوع من الجليل وحسب، بل "من اليهودية وأورشليم وأدومية وعبر الاردن ونواحي صور وصيدا". فمن خلال منطقة كفرناحوم والجليل يتطلّع مرقس إلى العالم الوثني، وهكذا يشدّد على البعد الشامل لرسالة يسوع وتلاميذه (هم حاضرون هنا في آ 7، 9 ويتميّزون عن الجموع، رج 1: 32- 34). ويصوَّر عمل يسوع كمجترح معجزات هنا كما في 1: 32- 34 (أحضروا إليه جميع المرضى) بشكل أشفية وطرد شياطين. وبشكل أوضح مما في 1: 34 الم يدع الشياطين يتكلّمون لانهم عرفوه) هناك حديث حول سر يحيط بشخصه. أعلنته "الأرواح النجسة" إبن الله، فحاول يسوع أن يسكتها، ولكن عبثاً كما يبدو. هنا يبدو هدف الانجيلي بشكل أوضح: يريد أن يدلّ على أن يسوع يعمل كابن الله. في 1: 24 يحدّث الممسوس يسوع على أنه "قدوس الله"، وهكذا يستعيد مرقس عبارة من التقليد. وفي 3: 11، وفي مقطع من تدوينه، استعمل لقب "إبن الله"، الذي بدا له أكثر وضوحاً وموافقة (رج 15: 39). إن استعمال هذا اللقب في مقطع تدويني يدلّ على اهتمام الانجيلي بهذا الموضوع.
أجل، إن يسوع يعمل كابن الله، ولكن هذه الصفة لا يدركها الجميع خلال رسالته على الأرض. لهذا يرفض أن يكشفها، ولكنه لا يستطيع أن يمنع الناس من استشفافها من خلال أقواله وأعماله.
ألف مرقس هذه الاجمالة (3: 7- 12) كما ألّف غيرها من الاجمالات (1: 32- 34؛ 6: 53-56). ما كان هدفه حين ألّفها، وما كان البعد الذي قصده حين جعل هذه الاجمالة في هذا الموضع من انجيله؟
نحن هنا أمام صورة أكثر وضوحاً من 1: 32- 34. نحن أمام صورة عن السرّ المسيحاني عن "الابيفانيا الخفية" للمسيح. ولكن مرقس يعبّر عن هذه "النظرية" كما في مقاطع أخرى من انجيله، فيضمّ في المقطع الواحد مواضيع تتضارب في الظاهر: طلب يسوع العزلة، ولكنه لم يتمكّن من أن يفلت من الجموع التي سحرتها معجزاته. يريد يسوع أن يخفي مسيحانيته، ولكن الشياطين يعلنونها رغم كل شيء.
سنتفحّص هذه الاجمالة في جوّ المفارقة التي تحدّثنا عنها: من جهة، أراد يسوع أن يبقى "متخفياً" حول هويّته الحقيقية. ومن جهة ثانية هناك "الدعاية" التي يتحملّها رغماً عنه من قبل الناس والشياطين. وهكذا نقسم هدْه المقطوعة قسمين: علاقة يسوع بالجموع (آ 7- 10)، علاقة يسوع بالشياطين.
ولكن قبل التوسّع في هذين القسمين، نتساءل عن موقع الجليل في إنجيل مرقس. إنه موضع لاهوتي أكثر منه جغرافي. ننطلق من 14: 28 (يقول يسوع لتلاميذه: متّى قمت أسبقكم إلى الجليل) ومن 16: 7 (قال الملاك للنسوة: إذهبن وقلن لتلاميذه ولبطرس إنه يسبقكم إلى الجليل) اللتين تعلنان أن يسوع يسبق التلاميذ إلى الجليل بعد قيامته. لسنا هنا فقط أمام مجيء يسوع الثاني. بل أمام ظهورات القائم من الموت. ففي 16: 7 تضمّ نهاية مرقس في إيجاز جريء ثلاثة أبعاد في الزمن: ماضي الظهورات، مستقبل المجيء الثاني (باروسيا)، حاضر الرسالة "الجليلية". فبالنظر إلى هذه الرسالة، نفهم سائر المواضع التي يذكر فيها الجليل. إنها تنتمي كلها (ما عدا 6: 21: بيلاطس واعيان الجليل) إلى مقاطع أعاد مرقس تدوينها (1: 9، 4 1، 16، 28، 39؛ 3: 7؛ 7: 31؛ 9: 30؛ 15: 41). تسعة من هذه الايرادات العشر لكلمة الجليل في "الأخبار" نجدها في الفصول التسعة الأولى. أراد مرقس أن يبرز تعارضاً عنيفاً بين الجليل موطن المعجزات، وبين أورشليم مدينة السلطات اليهودية التي فيها سيتألّم يسوع.
ولكن الجليل في رؤية مرقس لا يوافق فيما بعد منطقة محدّدة في زمن يسوع أعطيت لهيرودس انتيباس سنة 4 ب. م وتميّزت عن مناطق واقعة شرقي بحيرة جناسرت. فحين دوّن الانجيل، وعلى أثر الثورة اليهودية التي انتهت بدمار أورشليم سنة 70 ب. م، إختفت هذه التقسيمات السياسية القديمة، وذابت في مقاطعة رومانية سُميت "سورية- فلسطين" (في 7: 26 يتكلّم مرقس عن سورية- فينيقية). هذا الوضع دفع مرقس إلى أن ينتقل من المدلول الجغرافي القديم للجليل، إلى مدلول لاهوتي، هو "جليل الأمم". فهو يرى أن الجليل الذي يضمّ مناطق تقع غربي بحيرة جناسرت وشرقيها ("دولة" هيرودس انتيبابس ودولة فيليس القديمتان) تحدّه فينيقية في الشمال الغربي والدكابوليس (المدن العشر) في الجنوب الشرقي. وهكذا صار الجليل الكبير جسراً بين منطقتين يسكنهما وثنيون. حمّلهما اسمه. بسبب طابعهما الوثني (فينيقية، دكابوليس) تثبّت لقبه الخاصّ "جليل الأمم". بعد هذا دلّت رسالة يسوع في الجليل على عمله لدى الأمم الوثنية... بل لدى جماعة رومة بواسطة التلاميذ الذين حملوا الإنجيل إلى "أقاصي الأرض" (أع 1: 8).

2- عزلة يسوع وهجمة الجموع (3: 7- 10)
ونعود الآن إلى 3: 7- 10 مع علاقة يسوع بالجموع.
يتكّرر الموضوع مراراً في مرقس، ولاسيّما في 1: 45 (كان الناس يأتون إليه من كل جهة) وفي 6: 31- 32 (فإن القادمين والذاهبين كانوا كثيرين). في المقطع الأول انتهى أمر يسوع بالصمت (1: 44 أ: إياك أن تقول لأحد شيئاً) بالنتيجة المعاكسة: "ما إن شُفي الأبرص وذهب حتى طفق ينادي في كل مكان ويذيع الخبر بحيث لم يعد في وسع يسوع أن يدخل مدينة في العلن". والمقابلة بين 3: 7- 10 و6: 31-33 هي أكثر وضوحاً. فأمام توافد الناس، أراد يسوع أن يأخذ تلاميذه الراجعين من الرسالة، إلى "موضع منعزل" (آ 31). إنطلقوا إلى هناك (آ 32)، ولكنهم لم يتمكّنوا من أن يمنعوا الناس أن يركضوا إلى هناك ويسبقوهم (آ 33). لم تشدد 3: 7-8 على موضوع عزلة يسوع. ولكن لائحة المناطق المختلفة أبرزت بصورة قوية وملموسة شهرة يسوع. نحن لا نكتشف حالاً ما يريد مرقس أن يقوله بتعداد المناطق هذا. لا نستطيع القول إن هذا التعداد يدلّ حقاً على مناطق مارس يسوع فيها حقاً رسالته. فالتقليد لم يحتفظ بأي تذكّر لنشاط يسوع في أدومية. تقول 7: 24، 31 إن يسوع مارس عملاً رسولياً في نواحي صور وصيدا. ولكن الشرّاح يقولون إن هاتين الجملتين هما من تدوين مرقس. أتراه فكّر في مناطق أقامت فيها الجماعات المسيحية ساعة تدوين الانجيل، أو في مدى انتشار البرنامج الرسولي؟ مهما يكن من أمر، إن الانجيلي يتجاوز حدود اسرائيل. وإذ يورد مرقس أسماء مناطق وثنية، فهو يريد أن يبيّن البعد الشامل لرسالة يسوع على الأرض.
نقدّم هنا ملاحظتين. الأولى، لا تُذكر السامرة في هذه اللائحة (رج لو 3: 1-2 حيث لا تذكر السامرة أيضاً). ربما لأنها لم تكن قد دخلت بعد في مدى الانتشار الرسولي ساعة دوّن الإنجيل. وقد يكون لوقا تبع عمل الرسل. هل اعتبر لوقا السامرة على حدود العالم الوثني فلم يرد أن يذكرها قبل أعمال الرسل؟ ربما.
والملاحظة الثانية: لا تتوقّف نظرة مرقس عند الأرض المقدسة، ولا عند الأراضي المحيطة بها، ولا عند الشعب اليهودي الذي جاء يسوع يجمعه. تحدّث مرقس (ومثله لوقا) عن مناطق يسكنها كلها أو جزءاً منها أناس يهود. وترك جانباً السامرة على أنها لم تكن جزء من "اسرائيل" التقليدي. هنا نشير إلى أن نشاط المعمدان لم يصل صداه إلاّ إلى اليهودية وأورشليم (1: 5).
"أوّن" مرقس المشهد الذي أورده (3: 7- 10) وربطه بنشاط الكنيسة الرسولي. وحدّد السبب الذي لأجله جاء الناس إلى يسوع: "سمعوا أنه صنع (بوياين). ينطبق هذا الفعل في مرقس على نشاط يسوع. لاسيّما في 5: 19، 20 (ما صنع الرب اليك، ما صنع إليه يسوع) حيث يدلّ على شفاء مجنون الجراسيين بيد يسوع ويكوّن موضوع الاعلان الرسولي. وفي 6: 30 يتحدّث النص عمّا صنع التلاميذ: قاموا برسالتهم وشفوا المرضى (13:6).
"سمعوا بكل ما صنع". نحن أمام عبارة من اللغة الرسولية: فالكرازة هي التي تجتذب الناس إلى يسوع (أقبلوا إليه، جاؤوا إليه). كما أن في 1: 45 كانت نتيجة ما أعلنه (كاروسو) الأبرص الذي شفي من خبر، أن الناس جاؤوا إلى يسوع من كل مكان. فكنيسة مرقس ما زالت تسمع اليوم بما صنعه يسوع، وإليه تأتي من كل مكان.
وفي النهاية يشدّد النص على تجمّع الشعب حول يسوع، وتأثير يسوع على هذا الشعب. يشدّد النص أيضاً على الأشفية التي صنعها يسوع في ذلك الوقت، والتي تشكّل في حدّ ذاتها كرازة وتعليماً. كان الناس قد سمعوا "خبر المعجزات" فيما ما مضى، ولكن لا يروي النصّ أية معجزة هنا (عكس ما في 1: 32- 34). عرف الناس أنه شفى الكثيرين فتهافتوا عليه. إن الأشفية التي تمّت بلمس يسوع، قد حصلت قبل أن يصعد يسوع إلى القارب لئلا يزحمه الجمع.
يرى بعض الشرّاح أن الوجهة العجائبية وجدت هنا كخلفيّة تنبّهنا إلى السحر الذي لا يقاوم على الجموع. ونزيد: لا شكّ في أن مرقس لا يورد هنا أية معجزة جديدة، بل يشير إلى معجزات اجترحها يسوع في السابق. غير أننا نقول في الوقت عينه، إن مرقس يبرز استمرارية قدرة يسوع العجائبية وحضورها الآن في الكنيسة: فالجموع التي تتراكض إليه من الجليل، ترمز إلى مؤمني الجماعات المسيحية الذين يأتون إلى يسوع بعد أن سمعوا بما صنع، يأتون لينعموا في حياتهم الحاضرة بعمله الخلاصي. فهذا "العمل" لا ينتمي إلى ماضٍ قد زال، بل يتواصل اليوم في إعلان الإنجيل.
وهناك وجهة أخرى في هذا الاجمالة نودّ أن نشدّد عليها. قدّم مرقس استباقاً في حياة يسوع عن الخبرة الرسالية في الجماعة. وفي الوقت عينه حافظ على المسافة بين يسوع والجموع. فهي لا تعرف بعد من هو: لا تعرف هويته التي أفصح عنها الشياطين، هويته التي لا تنحصر في معجزاته، وإن ظهرت عبر هذه المعجزات وحرّكت الجموع. من هنا هذا التوالي الذي أشرنا إليه أعلاه بين عزلة يسوع وشعبيّته. نقرأ في آ 7 أنه "اعتزل" (انصرف). ولكن الجموع تتراكض إليه من كل مكان، تتزاحم حوله لكي تلمسه، بل هي تكاد تسحقه (آ 9- 10). غير أن يسوع لا يتركها تفعل. نقرأ في آ 9: "أمر تلاميذه أن تلازمه سفينة" (تكون في تصرّفه). إذن، هو يتهرّب من الناس، ويمنعهم من أن "يلمسوه". وهكذا يضع حدوداً لنشاطه العجائبي.
إن موضوع "اعتزال" يسوع عند "شاطىء البحر" وتوافد الجموع قد قرّب هذه الاجمالة (3: 7- 12) من مقدّمة تكثير الخبزات الأول. وكذا نقول عن موضوع السفينة، فهو يقرّبنا أيضاً من هذه المقدّمة (6: 31- 33) حيث انطلق يسوع وتلاميذه إلى "موضع منعزل"، يكونون فيه على انفراد (آ 32). فهنا وهناك، ساعدت السفينة يسوع على تجنّب ضغط الجموع (في 3: 10 و 6: 31). نحن هنا مرة أخرى أمام ملاحظة أخذها مرقس من التقليد (رج 4: 35- 36؛ 6: 45- 46)، ولكنه أعاد استعمالها في منظار تدوينه الخاصّ.
هناك من يعتبر 6: 31-32 من تأليف مرقس، فيظنّ في الوقت عينه أن مرقس إستعمل عناصر تقليدية مشتّتة. وتكون 6: 32 أحد هذه العناصر. ثم إن 3: 9 تهيّىء الطريق أمام 4: 1. ففي المقطعين، يعود النصّ إلى الكاتب. ولكن في 4: 1 ليس استعمال السفينة هو هو: فهي تتيح ليسوع بأن يعلّم الجموع (4: 1-2: ركب سفينة وكان يعلّمهم). نحن هنا أمام تحويل لموضوع أولاني نجد شهادة عنه في 6: 32، والذي بحسبه تُستعمل السفينة لكي تحمي يسوع من زحمة الناس.
إن مقدّمة تكثير الخبزات الأول هي من تدوين مرقس، وموضوع السفينة يدلّ أساساً على المسافة بين يسوع والجموع (في 4: 1 كما في 3: 9 و6: 32). في البداية، لا يريد يسوع أن يقطع كل اتصال مع الجموع: "جعل يعلّمهم أشياء كثيرة بأمثال" (4: 2). ولكن بعد ذلك، سوف ينعزل ويحتفظ بتفسير الأمثال "للذين يحيطون به مع الاثني عشر". فـ "سرّ الملكوت" ليس في متناوله "الذين من الخارج" (رج 4: 10- 12).
نلاحظ في هذه القرائن الثلاث التي تتحدّث عن السفينة، أن التلاميذ يتميّزون تميّزاً واضحاً عن الجموع ويشاركون يسوع في اعتزاله (3: 7، 4: 10؛ 6: 31- 32). فهم وحدهم قد اختيروا "ليكونوا معه" (3: 13). هم وحدهم قد شاهدوا معجزتَي يسوع على البحر: ساعة هدّأ العاصفة (4: 35 ي)، وساعة مشى على البحر (6: 45 ي).
هل ينسب مرقس إلى الجموع فهماً خاطئاً ليسوع؟ هل يحسّ يسوع نفسه مجبراً على الابتعاد عن استغلال "سحري" لقدرته من جهة الجموع؟ هناك من يجيب بالنفي ويقول: إن التوازي بين خبر النازفة (5: 24 ي) واجمالة 6: 55 ي التي ترتبط به، لا يجعلنا نعتقد أن الناس اعتبروا يسوع فقط مثل ساحر ومجترح معجزات. ففي الحالتين، نال الناس الذين "لمسوه" لا الشفاء وحسب، بل "الخلاص" والحياة الأبدية. وإذا كان يسوع قد ابتعد عن الجمع، فهذا لا يتضمّن حكماً يقلّل من اعتبار الحماس الشعبي. ولكن هذا التفسير لا يرضي الجميع.
لا شكّ في أن مرقس يستلهم خبر النازفة ليصوّر تصرّف الجموع التي تزحم يسوع، والمرضى الذين يريدون أن "يلمسوه" لكي يشفوا. ولكن لا يجب أن نعتبر حالة مرضى الاجمالة في 3: 9- 10 صورة طبق الاصل عن حالة النازفة. فإن "إيمان" المرأة يُذكر بشكل واضح وينال لها "الشفاء" (آ 29) و"الخلاص" (آ 34: إيمانك خلّصك؛ رج 10: 52). غير أن مرقس لا يستعيد في اجمالته هذا العنصر الأساسي. نحن لا نستطيع أن نهمل هذا "الاستبعاد"، ولا نظنّ أنه جعل على مستوى واحد إيمان النازفة ومبادرة الجموع، مسيرة "الخلاص" وشفاء المرضى.
إذا عدنا إلى المستوى التقليدي للخبر، فإيمان المرأة بيسوع وبقدرته الشفائية، لا يتضمّن إشارة كرستولوجية، لا يعبّر عن اعتراف بمسيحانية يسوع كما يراها مرقس ويتوسّع فيها في 8: 27-9: 1. فالانجيلي يرى أن المخلَّص الحقيقي هو الذي يعرف أن يسوع هو "المسيح" (8: 29). وفي المعنى الذي يفهمه يسوع نفسه (8: 31)، أي: حين يحمل صليبه على خطى يسوع (8: 34)، حين يقبل أن يخسر حياته من أجله ومن أجل الإنجيل (8: 34). هذا ما لا تستطيعه الجموع، لأنها تجهل مسيحانية يسوع. وتسارعُها للذهاب إليه من أجل لمسه وانتزاع أشفية منه، يدلّ على مسيحانية يسوع دون أن يدلّ على وعيها لهذ المسيحانية. إذن، هي لم تصل بعد إلى مستوى الإيمان.
هذا ما يريد الإنجيلي أن يعلّمه لقرّائه. فإن كانت الجموع المتقاطرة من الجليل وسائر المناطق، تدلّ مسبقاً على جماعة المؤمنين، غير أنها لا تتماشى معها بشكل من الأشكال في رؤية مرقس. فالاعتراف الحقيقي بمسيحانية يسوع ليس ممكناً حتى للتلاميذ، إلا بعد موت يسوع وقيامته (رج 9: 9). إذن ردّة فعل الجموع هي ملتبسة هنا كما أمام معجزات يسوع: إن مسيحانية يسوع قد كُشفت، وجاء البرهان عنها ساطعاً في نظر الانجيلي وفي نظر قرّائه، إلا أنها ستظلّ خفية على الجموع خلال حياة يسوع على الأرض.
كل هذا لا يفرض حكماً يقلّل من قيمة الجموع لدى مرقس. فهو يرينا إياها تتسارع لتستفيد من معجزات يسوع، كما يريها مستعدة لسماع تعليمه (1: 21 ي؛ 2: 1- 2، 13؛ 3: 32- 35، 4: 1 ي؛ 6: 34؛ 10: 1؛ 11: 18؛ 12: 12، 37). فالجمع بعيد كل البعد عن السلطات اليهودية التي أعلنت بسرعة عداءها ليسوع (2: 6 ي...). ولكن هذا الجمع لم يصل إلى شخصية يسوع الحقيقية، ولم يرَ فيها "المسيح" (8: 29) و"ابن الله" (15: 39). وحين الدخول إلى أورشليم، أعلنت الجموع يسوع "ذاك الآتي باسم الرب" (11: 9). ولكن عظماء الكهنة سيقنعونها بان تطلب من بيلاطس اطلاق برأبا وصلب يسوع (15: 11-14).
وتقديم مرقس للجمع بهذه الطريقة، لا يدهشنا ولا يتضمّن أية قساوة خاصة. هذا ما نفهمه حين نقابله مع موقف مرقس من التلاميذ: هم رفقاء يسوع ومرسلوه. يشاركونه في سلطان شفاء المرضى وطرد الشياطين (3: 13-19؛ 6: 7-13). "سرّ الملكوت" أعطي لهم (4: 11)، ويسوع فسرّ لهم أمثاله (4: 34). كانوا كلهم أو بعضهم شهوداً حصريّين لبعض الأحداث التي تدلّ على قدرة يسوع أو كرامته (4: 35- 41؛ 6: 45- 52؛ 9: 2- 10). ورغم كل هذا، أبرز مرقس (أكثر مما فعل للجمع) عماهم، عجزهم عن أن يفهموا معلّمهم (6: 51- 52؛ 7: 17-18؛ 8: 14- 21). وبعد أن أعلن بطرس أن يسوع هو "المسيح" (8: 29)، لم يتورّع مرقس من التشديد على جهل التلاميذ لمسيحانية يسوع، ومتطلّبات اتباع يسوع في طريق آلامه (8: 31 ي؛ 9: 30 ي؛ 10: 32 ي). وأخيراً، وفي وقت الآلام، سنجد تلميذا (يهوذا) يخونه (14: 10- 11). وأعلن الباقون أمانتهم له (14: 29- 31) ولكنهم وقت الشدّة تركوه وهربوا (14: 52)، وبطرس أنكره (14: 66- 72).

3- سرّ يسوع وكشف هذا السرّ بفم الشياطين (3: 11- 12)
أ- الشياطين يعرفون من هو يسوع
إذ أراد مرقس أن يصوّر تصرّف الشياطين تجاه يسوع، عاد إلى لغة أخبار التقسيم (أو: طرد الشياطين). تحدّث عن الأرواح النجسة (1: 23، 26، 27؛ 3: 30؛ 5: 2، 8، 13؛ 6: 7؛ 7: 25؛ 9: 25). غير ان إجمالة مر 3: 11-12 لا تتحدّث عن أي تقسيم قام به يسوع ولا عن أي ممسوس. في سائر الأمكنة، يحافظ مرقس على التمييز بين الشياطين وضحاياهم. أما هنا فلا نرى إلا الشياطين ويسوع، ثم، إننا نجد في الشقّ الأول صيغة فعلية تدلّ على عمل حدث مرة وعبر. أما في آ 11- 12 فالافعال هي كلها في صيغة الماضي، وهذا ما يعطي طابع الاستمرارية والتكرار للمجابهة بين يسوع والشياطين.
إن الشياطين يعرفون من هو يسوع. وهذا ما نجده في أخبار تقليدية عن طرد الشياطين، تنتمي إلى العالم الهلنستي أو العالم اليهودي. في هذا النمط من الأخبار نجد حرباً بين المقسِّم والروح النجس: كل واحد منهما يحاول أن يتلفّظ باسم الآخر لينتصر عليه. هذا هو الوضع في 1: 25: وجّه الشيطان كلامه إلى يسوع وسماه "قدوس الله" محاولاً أخذ المبادرة وتجريد يسوع من قوته. في 3: 11، بدّل مرقس الموضوع تبديلاً تاماً: فالشياطين لا يحاولون أن يواجهوا عمل يسوع، بل أن يكشفوا شخصيته الحقيقية: "أنت إبن الله". يجب أن نفسّر هذا اللقب انطلاقاً من مجمل الإنجيل، وهو يعبّر عن إيمان الكنيسة الأولى (1: 1؛ 15: 39).
يأتي بعد هذا، الأمر بالصمت: لا يريد يسوع أن يعرفه أحد، يعلن شهرته (آ 2). إن القرائن المباشرة لا تعطي السبب. ولكنها تبرز ردة فعل من يسوع ضد صراخ الشياطين، على مثال ما في آ 9- 10 حيث يلجأ يسوع إلى السفينة بسبب الجموع التي تزحمه. نجد التوتّر نفسه الذي وجدناه أعلاه بين معطيات لا تتوافق في الظاهر. ونقدّم تفسيرين عن إرادة يسوع بالإعتزال.
ب- تفسير أول: لا ظهور للمسيحانية قبل الأوان
هناك تفسير أول لما ينسبه الإنجيلي إلى يسوع من إرادة الاعتزال والتخفّي، نكتشفه انطلاقاً من الموضع الذي تحتلّه الإجمالة في مخطّط الإنجيل. إنها في بداية 3: 7-6: 6 الذي موضوعه يسوع والتلاميذ والذي يتحدّث عن "قطع العلاقات" بين يسوع من جهة، وأخصائه واليهود من جهة ثانية. فالموضوع يظهر منذ 3: 7 أ: "وأعتزل يسوع مع تلاميذه". وهم في 3: 9 يحعلون السفينة بتصرّفه، فيبتعدون معه عن الجمع. وحالاً بعد الاجمالة، سبقوم يسوع باختيار "الاثني عشر" "ليكونوا معه" (3: 14). إن ذات العلامة الوثيقة بين يسوع والتلاميذ تنكشف في مقطوعة الناصرة حيث سيُرذل يسوع من قبل أهل بلده (اختلف مت 12: 15؛ 13: 53 عن مرقس 3: 7؛ 6: 1، فلم يذكر التلاميذ).
حدّد عدد كبير من الشرّاح القسم الثاني من انجيل مرقس (3: 7-6: 6 أ). وفيه يسيطر أحد المواضيع: تكوين مجموعة "الاثني عشر" حول يسوع (3: 14). هم سينفصلون بشكل واضح عن الجموع، ويتبعون يسوع في اعتزاله عنها. تضامنوا معه ساعة رفضت عائلته واهل بلده أن يؤمنوا به (6: 1- 6 أ؛ رج 3: 21) وساعة اتهمه الكتبة بتحالف مع بعل زبول، رئيس الشياطين (3: 22- 30). نالوا تعليماً على انفراد، فدخلوا في "سر الملكوت" الذي لا يصل إليه "الذين من الخارج" (4: 10- 12؛ رج 4: 33- 34).
ولكن يجب أن لا نشدّد فقط على هذه الوجهة من القسم الثاني (3: 7- 6: 6 أ). من جهة، إن موضوع اعتزال يسوع وحواره الخاص مع تلاميذه يعود مراراً في مواضع آخرى من الإنجيل (مثلاً، 6: 31- 33). من جهة ثانية، إن هذا الموضوع لا يرد باستمرار في هذا القسم: فيسوع يواصل كلامه وعمله بشكل علني، وهناك أشخاص ليسوا من الاثني عشر يدلّون على موقف إيجابي تجاهه: هناك غيرة مجنون الجراسيين (5: 18- 20، أخذ يذيع ما صنع إليه يسوع)، وإيمان النازفة (5: 34). مقابل هذا، هناك عجز التلاميذ عن فهم الامثال (4: 13) وقلة إيمانهم خلال تسكين العاصفة (4: 40).
أما المثل اللافت فهو الحدث الذي يرد في 3: 31-35 (قرابة يسوع). فيه يسمّي مرقس "الجموع" "أولئك الذين جلسوا حوله بشكل حلقة" (آ 32- 34) فدلّوا على أنهم قرابته الحقيقية. وذلك تجاه "أمه واخوته" "الذين أرسلوا إليه يدعونه"، وظلوا "خارجاً" (آ 31- 32؛ رج 4: 11). لا نجد هنا أي تلميح إلى التلاميذ (عكس مت 12: 49) ولا إلى "الاثني عشر". يبدو أن مرقس يرتبط ولا شكّ بتقليد سابق حيث حلقة الناس الجالسين حول يسوع والمكوّنين عائلته الحقيقية، لا تتماهى مع "الاثني عشر". نلاحظ أن 4: 10 تتحدّث عن "الذين حوله مع الاثني عشر". وهكذا نكون أمام مجموعة أوسع من "الاثني عشر". في 4: 34، لن يتحدّث مرقس إلاّ عن التلاميذ الذين ينعمون وحدهم بالشرح الذي يقدّمه عن الامثال.
أما الصمت الذي "فرضه" يسوع على الشياطين، فنحن نفهمه في موازاة مع اعتزال يسوع. ولكنه ليس خاصاً بالقسم الثاني (3: 7- 6: 6 أ) حيث أن نجده بعد هذا. مثلاً، لا يُسكت يسوع مجنون الجراسيين حين يناديه "إبن الله العلي" (5: 7).
يجب أن نلاحظ أيضاً التعارض مع الاجمالة الأولى: في 1: 34 ج، "لم يسمح يسوع للشياطين بأن يتكلّموا، لأنهم عرفوه". ولكن يبدو هنا أنهم لم يتجاوزوا أمره ولم يكشفوا سرّ شخصيّة يسوع، وهو سرّ يفلت من البشر. نحن هنا أمام وحي مستبق ولكن خفي. وهو لن يجد له صدى لدى الجمع، ولا معنى له إلاّ لقارىء الانجيل المؤمن. ونستطيع أن نقول الشيء عينه عن الصمت الذي فرضه يسوع على الشياطين بعد فوات الأوان: فأمره لا يتوخّى أن يمنعهم من نشر مسيحانيّته، بل من إظهارها على حقيقتها. فيسوع هو حقاً من يعلنون هويته، ولكنه لا يريد أن يؤكد ذلك ولا أن يُعرف كذلك إلا في ساعة الآلام (14: 62؛ 15: 39).
ج- تفسير ثان: لاهوت إبن الله المتألّم.
هنا نصل إلى التفسير الثاني عن اعتزال يسوع وفرضه الصمت على الشياطين. إنه لاهوت مرقس عن حياة يسوع، إبن الله المتألم. ففي الجزء الأول من الإنجيل (1: 1-8: 26) دلّ يسوع على مسيحانيته من خلال عدة "ابيفانيات سرية" شكّلت اجمالة 3: 7- 12 مثالاً لها. في النهاية، عرف التلاميذ وحدهم من هو يسوع (8: 27-30). ولكن يسوع فرض عليهم الصمت أيضاً حول شخصه (8: 30). وطوال الطريق الذي قاده إلى أورشليم (8: 27- 10: 52)، عرفّهم وحدهم إلى ضرورة آلامه. ولكنهم لم يستطيعوا أن يدخلوا في هذا المنظار. وسوف تنتهي حالة اللافهم عندهم بعد موت يسوع وقيامته. لا يورد مرقس أي ظهور للقائم من الموت فيه يفتح يسوع عيون التلاميذ ويفهمهم معنى آلامه كما في لو 24: 5، 31. ففي نظر مرقس، إن حدث قيامة يسوع يتحقّق في أن أعماله وأقواله التي ظلّت غامضة وغير مفهومة خلال حياته على الأرض، قد وجدت تأوينها الكامل ومدلولها التام في كرازة الإنجيل بفم الكنيسة. 
إن مر 3: 7-12 يدلّ على نظرة الانجيلي التي بحسبها لا تُفهم مسيحانية يسوع ولا تُعلن إلا انطلاقاً من آلامه وقيامته. وما دام وقت الافصاح عنها لم يأت، يعتزل يسوع الجموع التي تجتمع حوله. وما دام لم يُعرف بعد كابن الله المتألم، فهو يمنع الاعلان عنه أنه إبن. ومن الممكن أخيراً أن يكون الانجيلي قد أراد في 3: 7- 12 أن يحذّر قرّاءه من صورة ناقصة عن يسوع. فتجمّع الشعب يرمز إلى الكنيسة، وصراخ الشياطين يدلّ على إيمانها. ولكن الخطر يقوم بأن لا ترى فيه إلاّ إبن الله الذي يجترح المعجزات، لا إبن الله المتألم. في هذه الحالة قد ينفصل يسوع عن الكنيسة كما انفصّل في الماضي عن الجموع ومنعها من أن تعلنه.
خاتمة
هذه الاجمالة التي درسناها (3: 7- 12) هي تكثيف للمرحلة الأولى من انجيل مرقس: إن كلمة يسوع تدحر قوى الشرّ. شهدت على نفسها بالأعمال فدلّت في الوقت عينه على ما في القلوب من التباس والتواء. وبما أن الله يدرك الإنسان في جذور كيانه، فالإنسان يخاف مثل هذا "القرب"، فهو يستبعد الله من طريقه. هناك تعارض لا بدّ من التعمّق فيه. حدّد الكتبة والفريسيون موقع الكلمة على مستوى الجدال. أما يسوع فولج بها إلى القلوب. من أين جاءت قوتها، وبالتالي كيف تساعد الإنسان على البلوغ إلى الإيمان؟
واعتزل يسوع الجموع. هذا لا يعني أنه تراجع أمام هجمات الفريسيين والهيرودسيين المعادية. ولكن حين "تراجع" واختفى، حرّك في القلوب بحثاً عميقاً. لم يسمح للجموع بأن تزحمه من الخارج وحسب. بل هو يريد أن يعلّمها، وهذا ما سوف يعمل (4: 1).
إن إعتزال يسوع، وتحفّظه بالنسبة إلى الجموع، وفرضه الصمت على الأرواح النجسة، كل هذا يرتبط بعزمه على أن يترك هذه الحركة تسير مسيرتها ولا تتوقّف. هذه الحركة سوف تقود يسوع إلى الموت (رج 3: 6). فمخطّط الله لا يُدرك. بل هو يدركنا. فيا ليتنا نفهم كيف يدعو البشر للدخول إلى سرّه.

 

 

الفصل العشرون
اختيار الاثني عشر
13:3-19

يسوع هو حدث كلمة الله في تاريخ البشر: إنها كلمة قوية وفاعلة لأنها تحرّر الانسان من الشرّ. وهي تعمل في قلب الوجود، من خلال اللقاءات، فتحرّك عند الجموع تيار أمل يعبّر عنه سمعان حين يقول ليسوع: "الجميع يطلبونك" (37:1). ولكن يسوع لا يتوقّف عند الجموع وحسب، بل يتوجّه إلى الأفراد الذين لهم "آذان سامعة"، والذين قبلوا حقاً أن يكونوا معه (3: 14).
من الجموع إلى التلاميذ، من البحر إلى الجليل. هناك سيتمّ إختيار الرسل الذين يسمّيهم مرقس للمرة الأولى والأخيرة: الاثنا عشر. هؤلاء سيكونون أكثر فأكثر بالقرب من يسوع، سيصبحون "أهل الداخل"، أهل البيت الذين سينعمون شيئاً فشيئاً برفقةٍ تدخلهم في سرّ يسوع الحميم، سر آلامه وموته وقيامته.

1- إطار النصّ
يبدأ هذا القسم من إنجيل مرقس بإجمالة تشتمل على تكثيف للحقبة السابقة: إن كلمة يسوع القديرة تهزم قوى الشر. برزت هذه الكلمة في أعمال يسوع، لا في أقواله، ومرقس هو الذي أورد أقل من كل الأناجيل خطب يسوع. يكفي أن يكون يسوع حاضراً لكي يعلّم. يكفي أن يطرد الشياطين ليتعجّب الناس من هذا التعليم الذي يُلقى بسلطان.
هذه الكلمة تدلّ على قدرة الله، ولكنها تكشف في الوقت عينه ما في قلب الإنسان. فالله يدرك الإنسان في أعماق كيانه. غير أن الإنسان يخاف أن يكون قريباً من الله. هذا ما أراد يوسف، خطيب مريم، أن يفعل حين وجد نفسه أمام طفل ليس مثل أطفال البشر: وجد نفسه غير مستحق أن يكون قرب هذا الطفل الألهي، فعزم على الابتعاد أو الإبعاد (مت 1: 19). فالدنوّ من الله نار محرقة. هذا ما شعر به بطرس أيضاً بعد ذاك الصيد العجيب: "إبتعد عني يا رب، لإني رجل خاطىء" (لو 9:5: يسوع هو "الرب" بقدرته الإلهية). على القدوس أن يهرب من الخاطىء لئلا يتجنّس. ولكن القدوس يريد أن يأتي إلى الخاطىء، "فنعيمه أن يسكن وسط البشر" (أم 8: 31).
إذن، هناك تعارض بين قداسة الله التي يمثّلها يسوع، وخطيئة الإنسان التي قد تصبح مكراً وحيلة ورفضاً لله. ظلّ الكتبة والفريسيون على مستوى الجدال، وشدّدوا على الأمور الخارجية، على الطاهر والنجس بحسب الشريعة. أما يسوع فقد ولج إلى القلب الذي منه يخرج الخير كما يخرج الشرّ مثل الفسق والسرقة والقتل والزنى والطمع والغش... (7: 20- 22). ولجت كلمته إلى الأعماق، فيبقى على الإنسان أن يعرف كيف يصل إلى الإيمان.
بدأ مرقس فأرانا كيف اعتزل يسوع الجمع (7:3)، وذهب إلى شاطىء البحر الذي بدا لنا حتى الآن كموضع النداء لاتباع يسوع. فعلى شاطىء البحر دعا التلاميذ الأربعة الأولين (16:1)، كما دعا لاوي بن حلفى (13:2). بل هناك على شاطىء البحر تبعه "جموع كثيرة". ليس فقط من الجليل بل من المناطق السبع (رقم الكمال التي هي مناطق الأزمنة المسيحانية. يقول أش 27: 12- 13: في ذلك اليوم يلتقطكم الرب واحداً فواحداً من مجرى نهر الفرات إلى وادي مصر. في ذلك اليوم يُنفخ في بوق عظيم فيجيء المشتتون في أرض أشور والمشرّدون في أرض مصر فيسجدون للرب في الجبل المقدس وفي أورشليم. ويقول زك 9: 10 إن سلطان الملك المسيحاني سيكون من البحر المتوسط إلى الخليج الفارسي، ومن نهر الفرات إلى أقاصي الأرض (رج مز 7:72- 11). هذا هو العالم المعروف في ذلك الزمان. ويسوع الذي هو المسيح، قد أرسل إليه. وسيذهب لا هو بنفسه، بل بواسطة رسله الاثني عشر (والرقم 12 هو عدد الكمال ويدلّ على رقم الألوهة، الذي هو 3، الذاهبة إلى أربعة أقطار الأرض).
إعتزل يسوع عند جانب البحر ولوقوفه بجانب البحر معناه. هو اعتزال الحارس الذي يراقب موج البحر الذي يدلّ على الشر. هو لا يهمه عداء الفريسيين والهيرودسيين، بل عداء عالم الشر الذي يهدّد سفينة سمعان بطرس (التي تدلّ على المسيحيين الآتين من العالم اليهودي) وهذه السفينة الأخرى (التي تدلّ على المسيحيين الآتين من العالم الوثني) (رج لو 7:5). إعتزل يسوع الجمع طالباً أباه في الصلاة (35:1- 37). واعتزل أيضاً الجموع التي تزحمه طالبة المعجزات والآيات. فهو يريدها أن تطلب شيئاً آخر، أن تطلب التعليم (4: 1) على مثال عائلة يسوع الحقيقية.
ولكن هذه الجموع بقيت على المستوى الخارجي، فتصرّف يسوع كما تصرّف الأنبياء قبله: جمعوا حولهم تلاميذ. إكتشف أشعيا أن هذا الشعب قد رفض مياه شيلو التي تدلّ على مواعيد الرب، وفضّل ما يقدّمه التحالف البشري. هم لا يريدون الله والملك الذي أرسله الله إليهم. فماذا سيفعل النبي؟ نال أمراً من الرب بأن يتوجّه إلى تلاميذه: "أدّوا الشهادة (وثيقة بأقوال النبي)، واحفظوا التعليم الذي سمعتموه" (أش 8: 16). وهكذا فعل إرميا الذي سلّم كلمته إلى تلميذه "باروك". وسيكون لتلاميذ الأنبيار دور كبير في تدوين الأقوال النبوية وتطبيقها على الوضع المستجدّ بعد موت النبي. وهكذا فعل يسوع. اختار تلاميذ وأرادهم أن يدخلوا في سرّه.

2- اختيار الاثني عشر
تزايد طلب الناس على يسوع، توافدوا عليه من كل مكان وزحموه، فاحتاج أن يصعد إلى السفينة (تمثّل الكنيسة) ومن هناك يعلّم الجمع. يتحدّث النص عن "جمهور كبير" (7:3) وقد جاؤوا من المناطق السبع التي ترمز إلى البشرية كلّها. كثُر الناس فوجب على يسوع أن يختار له مساعدين يقاسمونه سلطته ومسؤوليته في حمل الكلمة. هذا ما فعله موسى بناء على نصيحة يترو حميه. "وقف الشعب أمامه من الصباح إلى المساء"، فأخذ يقضي له (خر 13:18). ولكن حميه أشار عليه أن يختار من الشعب رجالاً أكفاء ويوليهم على الشعب (آ 21). وهذا ما سيفعل الرسل يوم تكاثر عليهم العمل، فبدأ "اليونانيون" يتذمّرون. إختاروا السبعة لكي يعينوهم (أع 6: 1- 6).
ابتعد يسوع عن البحر وصعد إلى الجبل. لا نتساءل هنا عن اسم هذا الجبل، ولا نحاول أن نحدّد موقعه. فالجبل عند مرقس يدلّ بشكل خاصّ على مواضع الوحي الخاص (6: 46؛ 9: 2، 9؛ 11: 1؛ 3:13؛ 14: 26). أما البحر فيبدو كموطن المحنة والواقع الإنساني المؤلم.
على الجبل "دعا يسوع إليه الذين أرادهم". إتخذ المبادرة في خلق حركة تنطلق من شخصه. وما يشدّد على هذه المبادرة هو التكرار لعبارة "أقام منهم". في (آ 14: أقام) اثني عشر. في آ 16: أقامهم (أما كلمة اثني عشر فغائبة لدى شهود عديدين)، وقد زيدت على ما يبدو بتأثير من لو 13:6.
ان الرقم 12 يرتبط بوضوح بعدد أسباط اسرائيل الاثني عشر. حملوا أسماء أبناء يعقوب واجتمعوا حول جبل سيناء ليقطعوا عهداً مع الله (خر 4:24؛ رج تث 1: 23؛ يش 3: 11؛ 2:4...). وأعطى يسوع هؤلاء الاثني عشر أسماً: هم الرسل. هذا اللقب سيعود أيضاً في مر 6: 30 (اجتمع الرسل وأخبروا يسوع بكل ما عملوا وعلّموا). إنهم مرسلون، حاملو رسالة. وتحدّدت وظيفتهم حالاً: "ليكونوا معه" (3: 14). وهكذا يستطيع أن يرسلهم "ليعلنوا"، أن يعطيهم "سلطاناً" لكي يطردوا الشياطين. هاتان الكلمتان حدّدتا عمل يسوع في المرحلة الأولى (1: 39: وطاف يبشّر في مجامعهم ويطرد الشياطين). إذن، سلّمهم يسوع كلمته الخاص وولاّهم سلطته العجيبة (1: 21،27: تعليم جديد؛ 2: 10: سلطان غفران الخطايا).
حين دعا يسوع رفاقه الأوّلين على شاطىء البحيرة، وعدهم بأن يجعل منهم "صيادي بشر" (17:1)، وها هو الوعد بدأ يتحقّق: فلقد تكوّن الاثنا عشر فصاروا جماعته. أما اللائحة التي نجدها في أماكن أخرى مع اختلافات (مت 10: 2- 4؛ لو 6: 14- 16: أع 1: 13)، فهي تدل على اهتمام الكنيسة الأولى بأن تثبت تأسيسها بيد يسوع نفسه.
سمعان هو بطرس في متّى وفي لوقا أيضاً، لا في سفر الأعمال. يرد اسم اندراوس حالاً بعد بطرس في متّى ولوقا وأع. أما في مرقس، فيفصل بينهما يعقوب ويوحنا. ثم إن لهذين الأخيرين لقب "إبني الرعد". نجد تداي في متّى ومرقس. أما في لو وأع فنجد: يهوذا بن يعقوب. سمعان هو الكنعاني أو القانوي أي الذي من قانا والغيور (من قنا في العبرية).
هناك ثلاثة رسل أعطاهم يسوع أسماء جديدة، فمنحهم في شكل من الأشكال شخصية جديدة. هذا ما صنعه الرب في ابرام. أي: الأب رفيع. قال له الله: سيكون اسمك ابراهيم (أو: ابراهام) أي: أب جمهور كبير (17: 15- 16). واسم يعقوب يتبدّل فيصبح اسرائيل أي الله يسهّل (تك 35: 10). كان يعقوب ذلك المحتالة الماكر، فغيّر له الرب طريقة حياته، وغيّر له في الوقت ذاته اسمه. وأعطى الرب اسماً لابني أشمعيا (3:7؛ 3:8- 4) ولأولاد هوشع (3:1 ي). وفعل يسوع الشيء عينه مع تلاميذه. سمعان صار بطرس أو الصخر. وابنا زبدى صارا ابني الرعد بسبب طبعهما العنيف (54:9)، بل بسبب الزخم النبوي في كرازتهما (لو 54:9).
هناك يعقوب بن حلفى مثل لاوي بن حلفى (14:2) الذي يسمّيه الإنجيل الأول: متّى. ويتفرّد متّى فيقول: متّى العشّار (لا تذكر هذه الصفة في مر، لو، أع). سمعان هو الغيور في المعنى اليهودي وفي المعنى المسيحي. أما في المعنى اليهودي، فهو واحد من هؤلاء المدافعين عن شريعة الله. وقد كان بولس منهم. قال في دفاعه: "كنت غيوراً على خدمة الله" (أع 3:22- 5، 18- 20؛ رج غل 1: 13- 14، 23؛ فل 3: 5- 6): "في الغيرة أنا مضطهد الكنيسة، وفي التقوى حسب الشريعة أنا بلا لوم".
وهناك يهوذا (يوضاس) الاسخريوطي. قد يكون من قرية "قريوت" القريبة من شيلو في أرض يهوذا (يش 25:15؛ عا 2:2). وقد نكون أمام إشارة إلى طبعه الكذّاب (خرّط). وقد تدلّ الكلمة على التزامه السياسي "سيكاريوس، حامل السيكا أي الخنجر الصغير. ويبدو أن ما يفرض نفسه هو اللغة الآرامية: يشكر يوته الذي يعني: الذي أسلمه. هذه اللغة التي تطبّق مراراً على يهوذا تدلّ على تعصّبه ضدّ كل من يتجاوز الشريعة ولو كان معلمه نفسه. كما نشير في هذا المجال أن لفظة "غيور" التي طبّقت على سمعان، يجب أن تفهم في المعنى الديني لا في المعنى السياسي. وإلاّ طبّقنا على زمن محدّد فكرة مأخوذة من زمن آخر. فالغيور في المعنى الوطني هو الذي قاوم الرومان خلال الحرب اليهودية التي انتهت بدمار أورشليم سنة 70 ب. م.
وهكذا أخذ يسوع هؤلاء الرجال كما هم، مع خصائص كل واحد منهم. فلا ننظر إليهم نظرة مثالية وكأنهم كانوا منذ البداية "قدّيسين": ومن هؤلاء الأشخاص المتنوّعين، إنطلق يسوع لكي يبني كنيسته بالحجارة التي وصلت إلى يده.

3- حياة الاثني عشر
أ- جبل الاختيار
وصعد يسوع إلى الجبل... لا يشير الإنجيليون بشكل واضح إلى جبل سيناء أو جبل صهيون، إلاّ أن مكانة هذين الجبلين في الفكر اليهودي وتقواه، قد أثّرت ولا شك على فكرة الجبل، سواء جبل التجلّي، سواء الجبل الأخير (مت 16:28: الجبل الذي عيّنه يسوع)، جبل الزيتون أو هذا الجبل الذي عليه اختار يسوع تلاميذه. جبل مجهول الاسم بالنسبة الينا، ولكنه جبل رمزي. نحن أمام عهد جديد على جبل سيناء جديد مع موسى جديد هو يسوع المسيح.
الجبل هو المكان الذي فيه يعتزل يسوع الجموع ليكون وحده مع تلاميذه، أو لكي يصلّي. الجبل هو مكان نصعد إليه. إذن هو صورة عن صعود نحو الله: جبل سيناء، جبل الهيكل... لا يذكر النص الذي ندرس صلاة يسوع. ولكن النص الموازي عند لوقا يذكر الصلاة (6: 1: قضى ليلته في الصلاة). وكذا نقول عن مرقس نفسه في 46:6 (قبل السير على المياه: ذهب إلى الجبل ليصلي)؛ 14: 35.
يبدو أن ذهاب يسوع إلى منطقة التلال المحيطة بشمالي البحيرة، قد حدّدته نيّة يسوع بأن يعيد تركيز رسالته التي هدّدها ضغط الجموع. واختيار التلاميذ يجد هنا موقعه الطبيعي.
ذكّر يسوع تلاميذه (يو 15: 16) أنه هو الذي اختارهم. ولم يختاروه هم. نحن هنا في خطّ العهد القديم، حيث التزام البشر هو ثمرة مبادرة الله، وحيث الله هو الذين يقطع العهد (تك 15: 17 الله هو الذي مرّ بين قطع الذبائح عبر النار التي ترمز إليه). وحتى عند مرقس حيث الحدود ليست دوماً واضحة بين الجموع والتلاميذ، جاء وقت اختار فيه يسوع من بين الذين تبعوه، أولئك الذين اختارهم وأرادهم أن يكونوا معه.
إن حدث التلاميذ الأربعة في 1: 16- 20، يجعلنا نفترض أننا لسنا أمام نداء جماعي. فكل واحد دعي باسمه. بل نحن أمام تنظيم الاثني عشر في مهمتهم الرسولية. جعلهم يسوع اثني عشر رسولاً. خلق مجموعة محدّدة، وخلقها بشكل رسمي، وحدّد لها مهمتها.
لم يقرّر هؤلاء الرجال أن يضعوا نفوسهم تحت إمرة معلّم، ولا أن يتعلّقوا بتعليمه. إنهم دعوا (بروسكاليوماي). نتذكر هنا "دعا" (كاليو) الذي يرتبط بلفظة "اكلاسيا" (الكنيسة) (نشير إلى أن لفظة كنيسة لا ترد في الأناجيل إلاّ في مت 18:16؛ 17:18). ويرتبط الرقم 12 بقبائل اسرائيل. هذا يعني أننا نجد في هذه المجموعة نواة الجماعة المسيحانية التي لا يمكن أن تتصوّر مجيء المسيح خارجاً عنها داخل العالم اليهودي.
ب- لماذا هذا الاختيار
إختار يسوع الاثني عشر لكي يكونوا معه (رج 18:5: مجنون الجراسيين). تفرّد مرقس فأشار إلى هذه النقطة التي تميّز إنجيله. فهذا الإنجيل يعطي التلاميذ مكانة هامة، بحيث إننا لا نجد يسوع مرة واحدة بدون تلاميذه. هنا نكتشف حاجة يسوع إلى الصداقة، وإلى طلب العون من البشر. لم يتبع متّى ولوقا مرقس في هذا السبيل. فهما لا يبرزان، كما فعل مرقس، مكانة التلاميذ في حياة يسوع، كما أنهما لم يبرزا عدداً من التفاصيل البشرية حول شخص يسوع.
ومن الواضح أيضاً أن هذه العبارة (ليكونوا معه) تدلّ على نية المعلّم بأن يعطي لنفسه معاونين، وهذا ما تدلّ عليه الكلمات التالية. يكونون معه، أي "يتربّون" على يده، يأخذون التعليمات الخاصة التي تتطلّبها المهمة التي يسلّمهم إياها. وإن كان التلاميذ يحتلّون مكانة مرموقة عند مرقس، فنحن لا نجد في الإنجيل الثاني تعاليم عديدة تعنيهم. هذا يعود إلى شكل كتاب تبدو فيه العناصر التعليمية أقل من العناصر الإخبارية. ولكن لا ننسى أيضاً أن الحدود بين التلاميذ والاثني عشر، بل بين التلاميد والجموع ليست واضحة عند مرقس كما هي عند متّى (ق مر 34:8؛ مت 24:16).
أرسلهم لكي يكرزوا. أعطاهم سلطاناً على طرد الشياطين. مهمة الرسل هي امتداد لمهمة معلّمهم. وهنا يستعمل فعل "كاروسو" للمرة الأولى لهم. هو يدلّ في المعنى العام على تصريح احتفالي وعلني للبشرى، على إعلان لمجيء الملكوت ونداء إلى الخلاص. أما التعليم فسيأتي بعد ذلك.
سيتوضح مضمون مهمتهم واشكالها في 6:6- 13. والتمييز بين هذه المهمة ومهمة يسوع نجدها في لفظتين: ابوستالو (أرسل)، اكسوسيا (سلطان). هذا لا يعني أن هاتين اللفظتين لا تعنيان يسوع. فهو يتكلّم في 27:9، عن "الذي أرسله". وشدّدنا في 1: 22، 27؛ 2: 10 على أن سلطته جاءت من الله. ولكن الطابع الفريد ليسوع يعود إلى أنّه ينقل إلى الآخرين ما يستطيع الله وحده أن يعطيه. وإن كان هناك من نقل سلطة بين إنسان وإنسان فهي تتمّ بوساطته وحضوره.
لا شكّ في أن مرقس يفكّر هنا برسالة الكنيسة، وليس فقط بمهمة الاثني عشر. ولكن بعد الفصح، كما قبل الفصح، فهذا "السلطان" لا يتأكد إلاّ إذا كان التلاميذ معه وفيه.
وهناك فرق آخر بين رسالة يسوع ورسالة تلاميذه، وهو يرتبط بما هو في سرّ دعوته العميق: موته. فعزلة يسوع في آلامه، والواقع الذي يبرزه مرقس عن التلاميذ: يكونون حاضرين بنيامهم وهربهم ونكرانهم وخيانتهم. كل هذا يدلّ على أنهم لم يقاسموه وجهة مهمة من رسالته. ولكن التنبيه والنداء اللذين أعطيا في 34:8- 38 سيقولان للتلاميذ إنهم يستطيعون أن يشهدوا لعمق حياة معلّمهم، بحياتهم وموتهم. 
نلاحظ برنامج العمل الذي يعطيه يسوع لهذه الجماعة الأولى: إعلان الكلمة، طرد الشياطين. إنه يرسلهم إلى إخوتهم وبالتالي إلى معلّمهم الذي يبقون معه لكي يتموا مهمتهم. لا يتحدّث النداء عنهم، عن طهارة يحافظون عليها، عن خلاص شخصي يؤمّنونه لنفوسهم، عن استحقاق يأملون به. كل هذا يُعطى مجّاناً، يُعطى بعد ذلك. أو إن الرسول المأخوذ بغيرته الرسولية لا يعود يفكّر بنفسه، بل يستسلم كلياً إلى يد معلّمه: حياتي هي المسيح والموت ربح لي.
لن نجد في الإنجيل شيئاً عن "واجبات الانسان تجاه نفسه". فيسوع لا يجمع أناساً ليقتلعهم من مخاطر العالم، ليعمل منهم كنيسة من "القديسين"، ليعطيهم تعليماً باطنياً يكشف لهم أسرار الله فيعزلهم عن الآخرين. هو يجمعهم لكي يرسلهم. لا يذكر خلاصهم. لقد اختيروا وأرسلوا من أجل خلاص الآخرين، وعندئذ يتخذ خلاصهم شكله ويتمّ. 
هذا ما يقودنا بعيداً عن الجماعات اليهودية في أيام يسوع، بل عن عدد من الجماعات المسيحية. فقد عرف تاريخ الكنيسة مراحل شدّد فيها الناس على الاهتمام بخلاص الانسان، باقتناء الفضائل، بالاماتات التي نصنعها. قد نجد جذور كل هذا في الإنجيل، ولكن الهدف الأول للرسالة هو ارتباط بيسوع ومهمّة لدى الآخرين تجعل المرسل "لا ينام" بسبب هم الرسالة. "الويل لي إن لم أبشّر".
ونشدّد أخيراً على القول إن الكلمة والعمل لا ينفصلان الواحد عن الآخر. فيرى بولس إحدى العلامات التي تميّز رسالته في الآيات والمعجزات والعجائب (2 كور 12: 12). ومسألة استمرارية خدمة الشفاء وطرد الشياطين، ما زالت تُطرح في الكنيسة. في أي حال، المعجزة تبقى كلمة الله التي تحدّثنا اليوم. وحين تصبح وسيلة تدلّ على قوة المسيحي في محيط يسيطر عليه. وحين تصبح تعويضاً عن حضور مسيحي وشهادة مسيحية صارت باهتة. وحين تصبح تعبيراً عن حاجات نفسية وجماعية أو لا سمح الله طلباً للكسب، كل هذا يفقد المعجزة طابعها الحقيقي: إنها أولاً وآخراً كلمة الله الحاضرة في حياة الانسان. وهذه الكلمة لا تتوجّه فقط إلى العاطفة أو الشعور الشخصي. إنها تتوجّه إلى المؤمن وتفهمه أنه سيأتي يوم تكون الكنيسة الجامعة والكنيسة المحلية علامة عن حضور الله في العالم. "طوبى للذين لم يروني وآمنوا".
ج- مصير التلاميذ
الرسل هم اثنا عشر. وقد أورد مرقس في البداية اسم الثلاثة الأول الذين هم أقرب التلاميذ إلى يسوع. وهكذا فصل اندراوس عن أخيه بطرس (رج أع 1:13). نجد لقب سمعان هنا للمرة الأولى وبطريقة منطقية، أما يوحنا فتفرّد باستعمال لقب "سمعان بطرس". لا يتّفق التلاميذ على الوقت الذي فيه سمّي سمعان "بطرس" (مت 18:4؛ 18:16؛ مر 18:3؛ لو 5 :8؛ 14:6؛ يو 1 :40-42).
أعطى يوحنا لسمعان لقب "كيفا" وترجمه بطرس. نجد في اليونانية لفظة "بتروس" كاسم جنس (حجر، صخر) واسم علم. كما نجد "بترا" في معنى صخر (من هنا البتراء). فاللفظتان تدلاّن على القساوة والصلابة. لماذا سمّى يسوع سمعان بطرس، مع أنه لم يدلّ دوماً على الثبات اللازم، وهذا ما يلومه عليه بولس (غل 2: 11- 14). كان في المقدمة وتكلّم باسم التلاميذ ولكنه تسرّع بعض المرات. ولكننا نقول انه سمّي بطرس لأن طبعه "كالصخر" لا ينكسر. وخصوصاً لأن عليه سيبني يسوع كنيسته.
تحدّثنا عن ابني الرعد اللذين طلبا من الرب ناراً على قرية سامرية لم ترد أن تستضيف يسوع. وهنا تلاميذ آخرون وردت أسماؤهم مرة أو مرات عند الإزائيين أو في الإنجيل الرابع. لا شك في أن الجميع تكلّموا عن يهوذا. وهناك بعض الأسماء لا نعرف عنها إلاّ اسمها في هذه اللائحة.
ما نلاحظه هو الحيّز القليل الذي أعطي لهؤلاء الرجال في الأناجيل، الاختلاف في بعض الأسماء، حضور خائن بينهم، اختيار الجماعة الأولى لمتتيا (أع 1: 15 ي) ليكون الرقم 12 كاملاً، تسمية البعض باسمهم (بولس وبرنابا هما رسولان، أع 14: 24). ومع هذا، فيسوع هو الذي أسّسهم وأرادهم أن يكونوا اثني عشر. هذا ما وجده الإنجيليون، وهذا ما أوردوه وإن وجدت بعض الاختلافات الطفيفة بينهم، وإن لم يحصلوا على معلومات عن كل رسول من الرسل.
وحاول التقليد المسيحي أن يعوّض عن صمت العهد الجديد. فجعل اندراوس يبشّر أخائية وغيرها قبل أن يستشهد في باتراس مصلوباً. وذهب فيلبس إلى فريجية وسقيطية ومات مصلوباً في هيرابوليس (منبج). ووصل توما إلى الهند... لم يقل الإنجيل شيئاً عن هؤلاء "الرسل". هذا لا يعني أنهم لم يكونوا أصدقاء أمناء ليسوع، وخدّاماً فاعلين في الجماعات المسيحية. ولكن هذا الصمت يجب أن يعلّمنا أن هناك أشخاصاً لا تكاد تُعرف اسماؤهم في جماعاتنا، مع أن الكنيسة تعيش من خدمتهم وصلاتهم. وحين جعل التقليد لكل رسول منطقة من مناطق العالم، شدّد على أن الاثني عشر انطلقوا إلى العالم كلّه كما قال الإنجيل (مت 19:28؛ مر 15:16). وإذ جعل منهم كلهم شهداء مجيدين، أظهر انهم حقاً حملوا صليبهم وساروا على خطى المسيح: لا تلميذ أفضل من معلمه، ولا عبد أفضل من سيده.

 

 

الفصل الحادي والعشرون
يسوع وأهل بيته
3: 20- 35

"وجاء يسوع إلى البيت"، بيت بطرس، بيت الكنيسة. وجاء إليه أهله وأقاربه بالجسد وهم يريدون أن يوقفوه عند حدّه. ولكن هؤلاء ليسوا أهل بيته. أمّه وإخوته هم الذين يعملون بمشيئة الله. وهؤلاء يدافع عنهم يسوع ضدّ الشيطان. بل هو يدخل إلى "بيت" الشيطان ويقيّده لأنه أقوى منه. 

1- تأليف النصّ
هذه المجموعة المؤلفة من آ 20-35 تتألّف من حدثين متداخلين الواحد في الآخر: خبر عن أقرباء يسوع تقطعه اتهامات كتبة اورشليم ضدّ يسوع (آ 22- 30). بهذا الأسلوب الأدبي المعروف لدى مرقس (رج 5: 21-43؛ 11: 11- 21؛ 14: 1- 11)، يدعونا الإنجيلي لكي نبحث عن الرباط الذي يجمع بين هذين الحدثين.
أ- يسوع والشيطان (آ 22- 30)
قدّم مرقس تعليم يسوع حول ملك الشيطان كجواب على أقوال الكتبة: "فيه (يمتلكه) بعل زبول، وهو برئيس الشياطين يطرد الشياطين" (آ 22). غير أن جواب يسوع لا يوافق كل الموافقة هذا الإتهام، لأن كلمته لا تتطرّق إلى أصل سلطانه. ولكن الأمر يختلف في تدوين متى (12: 27-28) وتدوين لوقا (11: 19- 20) اللذين يلمّحان تلميحاً مباشراً إلى اتهام الكتبة. عندهما نجد الجواب الفعلي ليسوع. قال مت 12: 28: "إذا كنت بروح الله أطرد الشياطين، فملكوت الله حلّ بينكم" (رج لو 11: 20). هل جهل مرقس قول يسوع هذا، أو هل أغفله لأنه لا يتوافق مع موضوع السرّ المسيحاني؟ التفسيران معقولان.
تشكّل آ 27 في مرقس قولاً منفرداً رُبط بالسياق السابق عبر التعليم الذي يتضمّن، وعبر كلمة "بيت" التي لعبت دور الكلمة العاكفة (آ 25). هنا لا ننسى أن الكلمة عينها نقرأها في آ 20 (عاد إلى البيت) ونجدها بشكل متضمن في آ 31-35.
تكوّن آ 28-30 قولاً ثالثاً مستقلاً. إذن، جمع مرقس هنا ثلاثة تعاليم ليسوع حوله ملك الشيطان، وأعطاها مقدمة هي اتهام الفريسيين.
ما أراد متّى ولوقا إلا أن يحافظا على متتالية مرقس (3: 22-26). فاستفادا من الفاصل بين 3: 26 و3: 27 ليعيدا القول حول أصل سلطان يسوع (بروح الله). ثم زاد لوقا آية من تدوينه ليجعل التسلسل منطقياً: "تقولون إني ببعل زبول أطرد الشياطين" (11: 18 ب).
وجواب يسوع في مز 3: 23 ب- 26 يوازي في معناه مت 12: 27-28 ولو 11: 19-20. من المعقول أن تكون هذه الكلمات قيلت في ظروف مشابهة.
دوّن مرقس المقدّمة (آ 23 أ: فدعاهم وكلّمهم بأمثال) والخاتمة (آ 30: وبهذا الكلام ردّ على الذين قالوا: "فيه روح نجس") اللتين لا نجدهما في متى ولوقا. ثم إن يسوع لم يعتَد أن يجمع حوله الكتبة. ويتحدّث النص عن أمثال. نحن هنا في المعنى الواسع لكلمة مثل. ولكن المقابلة مع 4: 11 تدعونا إلى أن نرى في آ 23 أ إعلاناً عن خطبة الأمثال، وعن موضوع مختلف درجات التعليم حسب استعدادات السامعين.
ب- السياق التاريخي
وجّه يسوع منذ بداية رسالته نداء خاصاً إلى بعض الناس. آمنوا به ثم تبعوه. هم تلاميذه. بطرس، اندراوس، يعقوب، يوحنا... وترك قرية الناصرة وجاء يقيم في كفرناحوم فوصل إشعاعه إلى الجليل كله.
يبدو أنه اتخذ له في كفرناحوم مقاماً في بيت بطرس (رج 1: 29؛ 2: 1). ويذكر مرقس هذا "البيت" وهكذا يسميه. فيه منح يسوع حسناته الزمنية (1: 30- 34). فيه قدّم تعليمه (2: 1- 2؛ 3: 20، 33- 35؛ 9: 28، 33؛ 10: 10). إن بيت بطرس هذا قد صار بيت يسوع وبيت التلاميذ. إنه صورة عن الكنيسة.
وتراكضت الجموع فيما بعد، فلم يعد هؤلاء المدعوون الأربعة يستطيعون أن يلبّوا حاجات هذا الموج المتنامي من المرضى والسامعين. فوسّع يسوع حلقة "أصحابه". إختار "إثني عشر" ليكونوا معه، ليعينوه، وسلمهم بعض سلطاته ومنها طرد الشياطين (3: 13- 19). ورغم ذلك، ما إن عاد إلى "البيت" حتى تسارع الناس، فما عادت الأيام تكفي لاستقبالهم. "تعذّر عليهم أن يأكلوا" (3: 20).
إن سحر شخصية يسوع قد حرّك تياراً شعبياً قوياً. وهكذا انتشر خبره في كل البلاد فوصل إلى أورشليم كما وصل إلى الناصرة. فهل تستطيع سلطات أورشليم أن تبقى لا مبالية أمام هذا التحرّك الذي قد يقود إلى ثورة تبرّر تدخّل الرومان؛ وهل يستطيع أهل يسوع أن يبقوا مكتوفي الأيدي و"ابن القبيلة" قد "فقد صوابه"؟!

2- يسوع وبعل زبول
لقد أتمّ يسوع معجزات عديدة لكي يشكّ أحد بأمره. ولكنهم تساءلوا لا عن حقيقتها، بل عن مدلولها. وطرح أهل الناصرة السؤال بوضوح: "من أين له هذا؟ وما هذه الحكمة المعطاة له وهذه المعجزات التي تجري على يده" (6: 2؛ رج11: 28)؟
الجواب بسيط بالنسبة إلينا اليوم: هذا السلطان العلوي الحقيقي لا يأتي إلا من الله. أما بالنسبة إلى اليهود فلم يكن الأمر هكذا. فهناك جوابان ممكنان: قد يأتي هذا السلطان من الله. وقد يأتي أيضاً من الشيطان. مال الناس البسطاء إجمالاً إلى الحلّ الأول فتراكضوا جماعات جماعات (1: 32- 33؛ 2: 1- 3؛ 3: 7- 8، 20). أما الكتبة وعظماء الكهنة والشيوخ ورؤساء المجمع والفريسيون فمالوا إلى الحلّ الثاني: رأوا أن سلطان يسوع هو سلطان الشيطان الذي يقيم فيه (رج يو 7: 20؛ 8: 48؛ مت 10: 25). وبين هاتين الفئتين نجد الجهّال والموسوسين: رأوا فيه نبياً قديماً قد قام: إيليا، ارميا، أو أحد الأنبياء (6: 14- 15؛ رج 8: 28). أما هيرودس فاعتقد أن يسوع هو يوحنا المعمدان الذي قطع له الملك رأسه: "قد قام من بين الأموات" (6: 16).
أ- يسوع وإبليس
هذا لا يعني أن الشعب لم يكن يعتقد بالشيطان. بل كان ينسب إليه عدداً من الأمراض (رج لو 13: 16؛ أع 10: 38). ففي نظر اليهود، تدلّ حالة الممسوسين العديدين لا على وجود الشيطان وحسب، بل على سلطانهم وعملهم في البشر (مت 4: 8-9؛ رج لو 4: 5-6). ولقد وجد الناس في الفصول الأولى من سفر التكوين تفسيراً لهذا السلطان (رج حك 2: 24؛ يو 8: 44؛ 2 كور 11: 3، 14- 15). وإن قوة الشيطان كانت قوية، فتحدّثوا عن "ملكه". ويسوع نفسه لم يكذّب هذه النظرة، بل أخذ بها مراراً في تعليمه. وهذا ما تشهد له الأناجيل الإزائية، كما يشهد الإنجيل الرابع (يو 12: 31؛ 14: 30؛ 16: 11) الذي يسمّي الشيطان "أركون هذا العالم"، رئيس هذا العالم.
يرى اليهود أن قوة الشيطان لا تُقلب ولا تُغلب إلا بقوة المسيح. ونجد جذور هذه الفكرة في خبر الخطيئة "الأولى"، لأن الكاتب الملهم لم يرد أن يفصل بين إعلان العقاب وإعلان الخلاص. بل جعلنا نفهم أن نسل المرأة سوف يلعب دوراً إيجابياً في النصر على الحية، أي على الشيطان (تك 3: 15)، ولكننا سننتظر القرنين الأخيرين ق. م. لنرى أسفار الرؤيا تتوسّع في فكرة مواجهة بين المسيح وإبليس (رج دا 2: 31- 45، صورة التمثال الذي أسقطه حجر صغير هو المسيح). ولكن ستبقى الممالك المعارضة لملك الله (في النصوص الجليانية) مماثلة للممالك السياسية. وهذا ما نجده بصورة خاصة في وصيات الآباء الإثني عشر.
وتوسّع مرقس في موضوع الصراع بين يسوع وإبليس، وموضوع قدرة يسوع. منذ بداية الإنجيل الثاني، تحدّث يوحنا المعمدان عن الذي يأتي بعده وسمّاه "أقوى" منه (1: 7). وحين ظهر يسوع سمّي ابن الله الذي حلّ عليه الروح. وهذا الروح سيدفع يسوع إلى مواجهة إبليس. ولا يتوقّف مرقس مطوّلاً على تجارب يسوع. بل يكتفي بالقول إن إبليس قد فشل، غير أن تقليد متّى ولوقا يعطينا تفاصيل أكثر. وإذا عدنا إلى "رواية" متّى، رأينا أن التجربة الثالثة تدلّ على الطريقة التي بها ينتقل الملك على العالم كله: ينتقل من يد إبليس إلى يد المسيح. جرّ الشيطان يسوع وعرض عليه أن يسلّم إليه الملك شرط أن يخضع له، يعترف به سيداً له (مت 4: 9). إن يسوع ينال الملك على العالم كله، ولكن بطريقة أخرى.
وأول الأعمال القديرة التي أتمها يسوع هو طرد الشياطين (1: 22-27، 33). وهكذا دلّ يسوع على أنه "الأقوى"، حين قاوم وسوسات الشيطان، وانتزع منه "عباده". ويبدو أن الشياطين تفوّقوا على البشر فعرفوا معنى فشلهم وأعلنوا: "ما لنا ولك، يا يسوع الناصري؟ هل جئت لتهلكنا" (1: 24)؟ "ما لنا ولك يا ابن الله؟ هل جئت إلى هنا لتعذّبنا قبل الوقت" (مت 8: 29؛ رج مر 1: 33؛ 3: 11- 12)؟
قدّم مرقس بطريقته الخاصة ردّة فعل الشياطين. ولكن أقوالهم تدلّ على الدرس الذي نجده في الأناجيل: إنتصار المسيح أكيد. لقد بدأت الحرب ولكنها لم تنتهِ بعد. وشفاء المتشيطن الذي يقع في داء الصرع مسألة صعبة. ما أراد الروح النجس أن يخرج بسرعة. هذا ما يشدّد عليه الأناجيل الثلاثة. لا ننسى أن هذا الحدث يتمّ بعد الإنباء الأول بالآلام ومحاولة بطرس أن يبعد يسوع عن الطريق التي رسمها له الآب (قال يسوع لبطرس: "إذهب خلفي يا شيطان". بطرس يعمل عمل الشيطان). وإذ جعله الإنجيليون هنا، دلوا على أن المعركة ستكون شرسة. ولن تنتهي إلا بتحقيق ما جاء يسوع يعلنه: موت وقيامة: فالولد مرّ في "موت" قبل أن ينهض (يشفى)، قبل أن يقوم (9: 26-27).
وظهر قدرة يسوع أيضاً بالتعليم التي يعطيه بسلطان (= بقدرة)، وذلك من خلال أعماله وتصريحاته: هو يغفر الخطايا (2: 5- 12). يسمّي نفسه سيد السبت (2: 28)، ويثبّت كلامه بمعجزاته.
ولا يكتفي مرقس بأن يؤكّد قدرة يسوع ويظهرها فاعلة. بل يساعدنا على اكتشاف معنى كل هذه الأحداث. حاول الشيطان أن يخبر عنه لكي يكون هذا الإعلان حاجزاً له. ولكن يسوع فرض عليه الصمت. فهو الذي سيكشف عن سره تدريجياً "وفي الأمثال" (3: 23). إن تقسيماً واحداً، بل عدة تقسيمات لا تمثّل إلا انتصاراً جزئياً. أما البعد الكوني لطرد الشياطين الذي تمّ بيد يسوع، فسنكتشفه من خلال حواره مع "الكتبة". 
إتهموا يسوع (3: 22)، فلم يجبهم مبرّراً نفسه. بل حذّرهم من التجديف على الروح القدس عبر خيارين (مت 12: 27- 28؛ لو 11: 19- 20): إن طردت الشياطين ببعل زبول أو بقدرة الله، فانتبهوا: "ملكوت الله حلّ بينكم". إذا كان بروح الله الذي تقبّله في الأردن، فطردُ الشياطين هو علامة مباشرة عن مجيء الملكوت. وإن كان برئيس الشياطين، فهذا يعني أن مملكته انقسمت على نفسها.
ب- ملكوت منقسم (آ 23-26)
قدّم يسوع صورتين متوازيتين فدعا محاوريه لكي يكتشفوا من خلال تقسيماته علامة الملكوت، ويستخلصوا النتائج: إذا انقسمت مملكة إلى حزبين متنافسين، ماذا يحصل؟ وإذا انقسم بيت (أو عائلة) أو عائلة ملكية حيث تحاول كل فئة أن تستولي على السلطة، فماذا يحصل؟
الجواب على السؤالين الأولين واضح. والتطبيق على الثالث يتم بلا صعوبة: يطبّق المثل على حالة خاصة: إذا انقسم "بيت" الشيطان- أو بعل زبول (رئيس الشياطين)، سيسقط كبيت تشقّقت جدرانه. صارت نهاية ملك الشيطان قريبة. "كيف يمكن للشيطان أن يطرد الشيطان؟... إذا ثار الشيطان على ذاته وانقسم، فهو لا يثبت" (آ 23 ب، 26). هكذا يكون الوضع إذا كان يسوع يطرد الشياطين بواسطة بعل زبول. لقد انتهى ملكه. هذا ما يعتقده الكتبة، ولكن اعتقادهم لا منطق فيه.
نجد هنا بشكل غير مباشر تعليماً أعطي واضحاً في مت 28:12 ولو 11: 20 (إذا كنت بإصبع الله أطرد الشياطين، فملكوت الله أقبل عليكم). هل نستطيع أن نكتشف الصورة التي استعملها يسوع؟ هل نحن أمام مثل شعبي؟ الأمر ممكن. ولكن يبدو أن يسوع استلهم صورة التمثال الضخم والمركّب في سفر دانيال (ف 2). إن التمثال يدلّ على كلّ الممالك العظمى المعادية لشعب الله. إنها مخيفة مثل جليات، وسريعة العطب مثله. جزء من أساسه حديد والجزء الآخر تراب. هي مملكة قوية في جزء وضعيفة في جزء آخر (هذه هي مملكة الإسكندر الكبير التي قسمت بين قوّاده). سيمتزج الجزئان ولكنهما يسقطان معاً. في زمن هؤلاء الملوك أقام إله السماء مملكة لن تدمّر أبداً... وهي ستزيل سائر الممالك (دا 2: 41- 44؛ رج 4: 22- 29؛ 5: 26- 27؛ 9: 4). 
إستعاد مرقس موضوع انقسام أعداء ملكوت الله في الخطبة الاسكاتولوجية (13: 8: تقوم أمة على أمة، ومملكة على مملكة). وهذا الموضوع هو أقدم من سفر دانيال. فهو يعود إلى خبر برج بابل الذي هو أول رمز للمالك التي لا تخضع لله: "كان لهم لغة واحدة وكلام واحد. قال الرب: ننزل ونبلبل (نقسّم) لغتهم... فشتّتهم الرب من هناك على وجه الأرض" (تك 11: 1- 8).
تجاه انقسام الممالك المعادية، هناك الوحدة التي هي عطية مسيحانية تميّز ملكوت الله: لقد جاء المسيح يصالح البشر مع الله، وبعضهم مع بعض. جاء ليجمع أبناء الله المشتتين "فتكون الرعية واحدة والراعي واحداً" (يو 10: 16). جاء يجمع البعيدين والقريبين ويهدم الحاجز الفاصل (أف 2: 14).
ج- مثل الرجل القوي (آ 27)
لعبت لفظة "بيت" دور كلمة عاكفة بين مثلين. هنا لا يعني البيت العائلة الملكية، بل بيتاً من البيوت. وسيعود الموضوع عينه مع صورة البيت في مثل آخر يورده متّى فيما بعد (مت 12: 43-45: أرجع إلى بيتي، يقول الروح) ولوقا حالاً بعد هذا المقطع (لو 11: 24- 26). 
ويصور يسوع رجلاً يدخلا البيت "بالكسر والخلع". يا لروح المداعبة. فهو نفسه السارق. هو الذي ينهب ويسرق. فيستخلص تارة تعليماً عن مجيء الملكوت بصورة مفاجئة (مت 24: 43: في أية ساعة يجيء اللص)، وطوراً درساً عن "أموال الأرض التي لا نعرف كيف نحافظ عليها من السرقة" (مت 6: 19- 20؛ رج 12: 30).
والفكرة الأساسية في المثل هنا، هي قدرة (يسوع). يصوّر يسوع هجوماً على بيت. لا يتصرّف السابق بالحيلة، بل بالقوّة والعنف. يلتقي صاحب البيت مسلَّحاً، فلا يهرب منه، بل يطرحه إلى الأرض ويقيّده. هو يحتاج حقاً الى الشجاعة ليهاجم "رجلاً قوياً". ويزيد لوقا: "رجلاً قوياً ومسلحاًَ" (لو 11: 21). ويقدّم ملاحظة أخلاقية: "كان واثقاً بسلاحه" (11: 22)0 الرجل القويّ هو إبليس. وقد وضرب ثقته في نفسه. هل يكون المسيحي مثله؟ كلا.
يشير مرقس إلى "السارق" بصورة خفرة. يجب أن نستنتج فكرته. هكذا كان المثل في التقليد الأولاني: "لا يقدر أحد أن يدخل بيت رجل قوي...". يبدو أن الشخص الرئيسي هو الرجل القوي. صحّح متّى النص وجعل السارق في المقام الأول. قالت: "كيف يقدر أحد أن يدخل بيت رجل قوي ويسرق أمتعته..." (مت 12: 29)؟ وسيكون لوقا أكثر وضوحاً: "عندما يحرس الرجل القوي... ولكن إذا هاجمه رجل أقوى منه وغلبه..." (لو 11: 22). الرجل الأقوى هو المسيح قاهر الشيطان. إذا قابلنا الشيطان مع الإنسان بدا قوياً جداً، وبدا سلطانه ثابتاً. فالعالم هو بيته، هو ملكه الذي يخصّه. ولكن علامات الأزمنة تكشف عن دينونة. ان سلطان الشيطان يتأخّر. سيُطرَد تبّاعه. قد حُكم عليه منذ الآن فخسر كل ما يملك.
إن للحقيقة التي يعلمها يسوع في هذه الأمثال بعداً كونياً. وستعود هذه النظرة في خبر خاص بلوقا، وسيتوسّع به يوحنا. حين عاد السبعون (أو: 72) من الرسالة، أخبروا يسوع فرحين: "يا رب، حتى الشياطين خضعت لنا"! أجابهم يسوع: "رأيت الشيطان يسقط من السماء كالبرق" (لو 10: 17-18). ويقول يوحنا: جاء يسوع، لا ليحمل بعض الخطايا، لا ليحمل خطايا العالم، بل ليرفع خطيئة العالم، ويطرد رئيس هذا العالم خارجاً (خارج هذا العالم الذي كان بيته ومملكته) (يو 1: 29؛ 12: 31؛ 14: 40؛ 16: 11). إنه يحمل الخلاص إلى العالم، إلى البشر (4: 42). إن ملكوت الله يحل محلّ ملكوت إبليس. غير أن هذا "الإنقلاب" لن يتمّ من دون حرب هائلة: هذا، يدلّ عليه مثل البيت الذي دخله "الأقوى"، دخله يسوع المسيح.

3- الذين في الخارج والذين في الداخل
أ- الكتبة
كان السؤال خطيراً حول جذور سلطان يسوع. نوقشت مراراً خلال حياته العلنيّة وكانت موضوع جدال. فالنتيجة مهمة. وطُرح السؤال عينه على يوحنا المعمدان (يو 1: 19-28؛ رج مر 11: 30)، ولكنه لم يكن بذات الأهمية. فمتطلّبات يوحنا لا تتجاوز متطلّبات موسى. وأقواله لم تكن أقسى من أقواله الأنبياء الأقدمين. أما متطلّبات يسوع فتذهب بنا بعيداً. إن تعليمه يبتعد عن تعليم الكتبة من جهة مضمونه ومن جهة الطريقة التي بها يُعطى (1: 22، 27). ثم إن هذا التعليم تثبته معجزات عديدة وخصوصاً طرد الشياطين. لقد تهدّدت سلطة الكتبة، وتوجّهت الجموع إلى يسوع (رج مت 5: 20 ي).
وأرسلت لجنة تحقيق إلى أورشليم (ق يو 1: 19-28)، لا لتدرس الوضع، بل لتحكم مسبقاً. فبدأت تعمل لتقتلع من قلب الجموع ثقتها بيسوع: قد حلّ فيه بعل زبول لا شيطان عادي، بل رئيس الشياطين ومعه جنوده. إذن، هو رجل خطر. إذا كان يطرد الشياطين فهذا يعني أنه أداة في يد رئيس الشياطين، ولا يعني أنه يتمتعّ بسلطان شأنه شأن الأنبياء الحقيقيين (3: 22).
وقال مرقس: كان هؤلاء المرسلين من الكتبة (رج 7: 1؛ مت 15: 1). هل نأخذ هذه اللفظة في المعنى الدقيق؟ يتحدّث متّى عن الفريسيين (12: 24؛ رج 9: 34). ويكتفي لوقا بعبارة مبهمة: "لكن بعضهم قال" (11: 15). يبدو أن مرقس يذكر الكتبة مراراً، ومتى الفريسيين، ويذكر لوقا وحده معلّمي الشريعة (ما عدا مت 22: 35). أما يوحنا فيقول عادة: اليهود. لقد كان لكل إنجيلي تسمية خاصة يدلّ بها على خصوم يسوع، على الرؤساء الدينيين إجمالاً: عظماء الكهنة، الكتبة، الشيوخ، الفريسيون... هذه الألفاظ قابلت شيئاً محدّداً لقرّاء متّى. أما قرّاء مرقس الآتون من العالم الوثني، فتكفي لفظة "كاتب" (أي: متعلّم، مثقّف) لتدل على "رؤساء اليهود" (رج مت 11: 25).
أولاً: نبي صادق أو نبي كاذب
لم يقرّ الكتبة بعلامات رسالة يسوع (لم يريدوا أن يروها على حقيقتها) وحسبوها معجزات شيطانية. ما رأوا في يسوع إلا "ساحراً ودجّالاً" (رج يو 7: 12: يضلّ الجميع؛ مت 27: 36). رأوا فيه نبياً كاذباً مثل كهنة بعل الذين وعدوا الشعب بسلام مزيّف وخيرات سرابية، فأبعدوهم عن العهد، ومالوا بملوكهم عن الأمانة للرب. مثل هؤلاء الكهنة، هؤلاء الأنبياء الكذبة، قد حاربهم الأنبياء الحقيقيون ولقد أعطت الشريعة مقاييس تساعد على تمييز الأنبياء. أما الكتبة ففسّروها بطريقتهم الخاصة.
* حسب تث 13: 2-6، كل نبي يقود إخوته إلى عبادة الأوثان هو نبي كاذب. يجب أن يُقتل. بما أن يسوع لا يشرح الشريعة مثل الكتبة مشدّداً على الممارسات الخارجية. بما أنه يقدّم "تعليماً جديداً" (1: 27)، لا يمكن أن يكون إلا مخالفاً للشريعة (يو 9: 29)، فهو يستحقّ القتل. ولكن يسوع أعلن أنه ما جاء لينقض الشريعة وأقوال الأنبياء بل ليكمّلها (مت 5: 17). غير أن الكتبة اعتبروا نفوسهم المدافعين الحقيقيين عن الشريعة وعن حقوق الله (2: 6-7؛ 7: 15؛ 9: 14). إعتبروا أنه يجب أن نلتصق بالشريعة فنضع ثقتنا في أعمالنا، لا في أعمال يسوع التي تدلّ على رسالته. لهذا عادَوا يسوع وأرادوا قتله.
* كان المقياس السابق غامضاً. فزادت الشريعة قولاً آخر: النبي الحقيقي هو الذي يرسله الرب نفسه (مت 18: 9-10). ولكن كيف نتحقّق من هذا الشرط؟ على النبي أن يبيّن صدق رسالته بالآيات: إما بمعجزات يجترحها (خر 4: 1- 9؛ 1 مل 18: 36-40). وإما بإعلان أمور ستتحقّق فيما بعد (تث 18: 21-22؛ إر 28: 9؛ حز 332: 33: عندما يصدق كلامك، يعلمون أن نبياً كان بينهم). كم مرة تحدّى اليهود يسوع بأن يعطيهم آية تدلّ على رسالته (8: 11-13؛ مت 12: 38- 39؛ 16: 1- 4؛ يو 2؛ 18؛ 4: 48؛ 6: 30...). لقد أعطى يسوع عدداً من الآيات. لهذا حين طلبوا منه رفض طلبهم. فالله يقدّم الآية كعطية مجانية، وإلاّ صار اليهودي مثل الشيطان حين جرّب يسوع وطلب منه أن يحوّل الحجر إلى خبز.
ثانياً: تجديف على الروح القدس.
أعطى يسوع آيات، ولكنهم جعلوا هذه الآيات تعارض يسوع ولا تساعده. نسبوها إلى بعل زبول. وهكذا انغلقوا على الخلاص الذي قدّمه الله إليهم. لقد جدّفوا على الروح القدس الذي به يتمّ يسوع المعجزات (مت 12: 28).
كل خطيئة حتى التجديف (مع أن التجديف يُعاقب بالموت حسب الشريعة، خر 22: 27؛ لا 24: 11- 16) تُغفر، إذا عرفنا في يسوع مرسل الله وطلبنا غفرانه. قد ننكر يسوع، ولكننا نستطيع أن نخلص إذا تبنا (14: 72، لو 22: 61). ولكن إن رفضنا أن نؤمن بيسوع، فنسبنا إلى روح نجس (يمتلك يسوع) أعمالاً يتمّها بالروح القدس، نجدّف على الروح القدس. وهكذا نستبعد نفوسنا من الخلاص، لأن يسوع هو الوسيط الوحيد (1 تم 2: 5)، ولأن لا خلاص خارجاً عنه (أع 4: 12). 
ب- أهل يسوع (آ 21، 31-33)
تحرّك أهل يسوع، كما تحرّكت سلطات أورشليم، لما وصل إليهم من أخبار. من كفرناحوم (رج لو 4: 23). ولم تكن ردّة الفعل راضية عن يسوع. فهو في نظرهم قد أضاع رشده. إندفع بمواهب الشفاء، فلم يعد يعرف أن يضع حدوداً لنفسه. وقرّروا أن يمسكوه ويعيدوه إلى الحياة العادية، إلى "القبيلة". مرة أولى، وساعة كان يسوع إبن 12 سنة، أفلت يسوع من والديه في أورشليم خلال حجّ الفصح. طرحت أمه عليه سؤالاً فقدّم جواباً سرياً. ولكنه عاد إلى الناصرة يعيش حياة عادية لصبيّ خاضع لوالديه (لو 2: 41- 51). ولكن هذه المرة...
إنه متهوّس. قد فقد صوابه. لم يعد يمتلك نفسه. إن مرض يوازي بين ما قاله أهل يسوع وما قاله الكتبة: "إنه ممسوس. قد امتلكه شيطان" (آ 22). إن يسوع قد تحمّس فوق العادة، وقد يسبّب هذا الحماس ضرراً عليه وعلى "القبيلة". فلا بدّ من إيقافه.
فذهبت أم يسوع "وإخوته" إلى كفرناحوم. كلنا يعرف أن كلمة أخ تعني أيضاً ابن العم وإبن القبيلة. مثلاً، يقول ابراهيم للوط ابن أخيه: "نحن رجلان أخوان" (مك 13: 8)، ويقول تك 14: 14: "لما علم ابراهيم أن أخاه (أي: إبن أخيه) في الأسر". في مت 13: 55 نعرف أن يعقوب ويوسف هما من إخوة يسوع. وفي مت 27: 56 هما أبناء مريم التي ليست أم يسوع (رج 8 : 2- 3؛ ويذكر مت 13: 56: أخوات يسوع).
ويروي مرقس انهم وصلوا إلى كفرناحوم، فوجدوا المكان مزدحماً: تعذّر عليهم أن يدخلوا حيث كان يسوع (رج 2: 2 وشفاء المخلّع). ونقلوا الخبر إلى يسوع من فم إلى أذن: "أمك وإخوتك في الخارج يطلبونك" (آ 32). أرسلوا إليه يستدعونه.
لم يقل لنا الإنجيل إن كان يسوع لبّى نداءهم أو رفضه. لا شيء يمنع من أن يكون رافقهم إلى الناصرة بعد أن قال ما قالت من أقوال عن الذين هم عائلته الحقيقية. ففي مت 13: 54-58 نعرف أن يسوع عاد إلى الناصرة وأخذ يعلّم في المجمع. ويذكر الإنجيلي في هذا المقطع أمه وإخوته وأخواته. ويلمّح لوقا إلى معجزات اجترحها يسوع في كفرناحوم قبل ذهابه إلى الناصرة. "إعمل هنا في وطنك ما سمعنا أنك عملته في كفرناحوم".
ج- الذين هم في الداخل
إن الجواب الذي وجّهه يسوع إلى "أمه وإخوته"، يتحمّل مدلولاً سلبياً الست أمي، لستم إخوتي). وإذا توجَّه إلى "الجالسين حوله" فهو تعليم إيجابي (آ 32، 34). فالجلوس على الأرض حول شخص، يدلّ عند اليهود على جلوس التلاميذ حوله معلمهم. هكذا جلس شاول (بولس) عند قدَمَيْ جملائيل فتعلّم لديه (أع 22: 3). وهكذا جلست مريم عند قدَمَيْ الرب يسوع تستمع إلى كلامه، فكانت تلميذة حقيقية (لو 10: 39). وهكذا كان أهل الناصرة يسمعون إلى يسوع وهو جالس (لو 4: 20؛ رج مت 23: 2؛ 26: 55). 
واستفاد يسوع من هذا الظرف (مجيء أهله) فأعطى تعليماً شدّد على أهميته حين طرح السؤال بشكل مثل: "من هي أمي؟ من هم إخوتي" (آ 33؛ ق 18:10)؟
"وأجال يسوع نظره في الجالسين حوله...". أشار مرقس مراراً إلى نظر يسوع. نظرة حزن وغضب (3: 5؛ 11: 11). نظرة محبة (10: 21؛ رج 1 صم 1: 11؛ لو 1: 48). نظرة مراقب (5: 32؛ 12: 41). نظرة من يريد أن يُعطي وزناً لأقواله (10: 23، 27). إستعاد مت 19: 26 ما قاله مر 10: 27. أما لو 6: 10 (= مر 3: 5) فتحدّث عن نظرة يسوع دون أن يقوله مثل مرقس: نظرة غضب وحزن. وسوف يتفرّد لوقا (22: 61) فيذكر نظرة يسوع إلى بطرس بعد نكرانه له: "فالتفت الرب ونظر إلى بطرس".
نظرة يسوع هنا هي نظرة محبة وحنان. فالذين يحيطون به هم أم وإخوة وأخوات. قال يسوع: "من يعمل مشيئة الله هو أخي وأختي وأمي" (آ 35). حين أطاع يسوع أباه، دلّ على أنه ابن الله (مت 4: 3- 10). بهذه الطريقة عينها نكون أبناء الله، نكون إخوة وأخوات يسوع المسيح، الإبن البكر. ونحن نعمل مشيئة الله حين نؤمن بيسوع مرسله وابنه والمخلّص (يو 6: 29).
لقد كشف يسوع عمق الرباطات التي تجمعه بالذين يعملون مشيئة الله. نحن أمام مشاركة في حياة الله الآب (قال مرقس: مشيئة الله. قال متّى: مشيئة الآب). إن كلماته عن ضرورة الولادة الجديدة تكمّل هذا التعليم وتعطيه كل قوّته وكل واقعيته (يو 3: 3- 5؛ رج 1: 13؛ تي 3: 5). وهكذا كشف لنا يسوع وسيلة نتّحد فيها به بشكل أعمق مما برباطات الولادة بحسب الجسد.
لا يقول مرقس إن أم يسوع وإخوته لا يعملون مشيئة الله. ولكننا لا نستطيع إن ننكر أنّه جعل معارضة بينهم وبين الذين يحيطون به. واستعمل مرتين بشكل واعٍ عبارة لها معناها الدقيق في الكنيسة الرسولية: "الذين من الخارج". إنها تدلّ على الذين ليسوا مسيحيين. مثلاً، يقول بولس لمسيحيّي تسالونيكي: "تكون سيرتكم حسنة عند الذين هم في الخارج" (1 تس 4: 12). ويقول لمسيحيّ كورنتوس: "أما الذين من الخارج فليس لي أن أدينهم" (1 كور 5: 12). وفي كو 4: 5: "أسلكوا بحكمة تجاه الذين في الخارج" (رج 1 تم 3: 7). إن أم يسوع وإخوته "يقفون خارجاً (آ 31). "هم هنا خارجاً" (آ 32). أما التلاميذ فهم في الداخل وهم يسمعون. هؤلاء (ومنهم الإثنا عشر) يؤمنون به ويعينونه في رسالته. أما أولئك فلا يؤمنون به ويضعون الحواجز أمام رسالته.
وسيعود مرقس فيما بعد إلى هذه القسمة، قسمة الناس أمام يسوع. قال يسوع للذين هم حوله مع الإثني عشر: "لكم أعطي سر ملكوت الله. أما الذين هم في الخارج، فيسمعون كل شيء بالأمثال" (4: 11).
لم يلغِ متّى تمييز مرقس بين الذين هم في الداخل والذين هم في الخارج. بل أقحم بين جواب يسوع إلى الكتبة ووصول أهل يسوع، قولاً يبرز القسمة: "من ليس معي فهو ضدّي" (مت 12: 30). ولكنه أغفل مقدمة مر 3: 20- 21 التي طرحت سؤالاً صعباً. واستشفّ لوقا نتائج قد يستخلصها القارىء عن دور مريم، فصحّح سابقَيه. ألغى "ها هم" (امي وإخوتي) من مر 3: 34، فلم يعد يستثني أمه وإخوته من عائلة يسوع الحقيقية. وحوّل عبارة "من يعمل مشيئة الله"، فصارت: "الذين يسمعون كلام الله ويعملون به" (لو 8: 21). ومن أفضل من مريم سمع كلام الله وتجاوب معه؟ ثم إن هذا المقطع ارتبط بمثل الزارع فتبدّل إطاره.
ولكن يبقى خبر مرقس هنا. وهو يطرح سؤالاً صعباً. ولا نستطيع أن نتهرّب من فصل أم يسوع عن إخوته. فالنص واضح: "جاءت أمه وإخوته" (آ 31). غير أن مرقس لا يدين أم يسوع وإخوته، بل يشدّد على ما يقدّمه المسيح للمؤمنين. فتلميذ يسوع يسكن معه ويقاسمه حياته. لن يكون رفيقه وحسب، بل عضواً في عائلته، عائلة أبي يسوع المسيح (مت 50:12).
إن مرقس يعرف أن أم يسوع وإخوته صاروا تلاميذ يسوع. إنه يعرف مكانة إخوة يسوع في كنيسة العنصرة (أع 1: 14؛ 1 كور 9: 5؛ غل 1: 19). وهل جهل مكانة مريم عند الصليب (يو 19: 25)؟ وهو يجبرنا على تصوّر إيمان مريم إيماناً نما وكبر. هي لم تفهم حالاً. بل ستفهم تدريجياً. ولماذا لا نعتبر أنها خافت على ابنها من السلطات الدينية والسياسية، فأرادته أن يعود إلى البيت في الناصرة؟ وحين تسمع كلمة الله وتتمّ مشيئته، ستتّحد في إيمان يشعّ شيئاً فشيئاً. وهكذا ستجد أمومتها بُعداً جديداً بانتظار أن تصير أم الكنيسة.

4- في حياة الكنيسة
أ- الحرب باقية
قال الشياطين ليسوع: "هل جئت لتهلكنا" (1: 24)؟ لقد أتمّ يسوع رسالته، فحارب ضدّ الشيطان خلال حياته العلنية (أع 10: 38: يشفي جميع الذين استولى عليهم إبليس). وجاءت القيامة فكرّست انتصاره (يو 16: 33). غير أن الخصم لن يقهر بشكل نهائي إلا في نهاية الأزمنة. وبعد يسوع، سيتابع تلاميذُه الحرب (لو 22: 36: السيف علامة الحرب التي لم تنتهِ ضد قوى الشرّ) وهو متيّقن أنهم نالوا النصر بواسطة الرب، وأنهم نالوا سلطات أعطاهم إياها. لقد اختار يسم ع الإثني عشر وأرسلهم ليبشّروا وأعطاهم سلطاناً ليطردوا الشياطين (3: 14- 15). وهذا السلطان سيكون أولى العلامات التي ترافق المؤمنين بعد ذهاب يسوع (17:16؛ ق يو 35:13).
ولكن العدوّ لا يبقى مكتوف الأيدي: هو يحاول أن يضع العراقيل إمام الكارزين بالإنجيل. حاول أن يمنع بولس من الذهاب إلى تسالونيكي (1 تس 2: 18: أردنا أن نجيء اليكم فعاقنا الشيطان). وزرع الزؤان في حقل ربّ البيت (مت 13: 39). وانتزع الكلمة المزروعة في قلب البشر المتقلّبين (4: 15). إنه المجرّب (1 تس 3: 5) وسبب الشكوك. وهو يحاول بكل الوسائل أن يفصل عن المسيح أولئك الذين تعلّقوا به بالإيمان.
ب- في رومة
حين دوّن مرقس إنجيله، كانت رومة (الأمبراطورية الرومانية) تضطهد الكنيسة. مات بطرس وبولس. وسعى المضطهدون إلى جعل المسيحيين يجحدون إيمانهم. صارت رومة القوية والمسَيطرة على "كل المسكونة" (لو 2: 1) المملكة العدوة لملكوت الله. هذا ما تتوسّع فيه أسفار الرؤى. 
فعلى المسيحيين أن لا يخافوا ولا يضعفوا: يسوع هو الأقوى. إذن، سيكونون هم أقوياء. غير أن بعضاً سيسقطون، سيجحدون. ولكنهم لم يخسروا بعد كل شيء: إن تابوا غُفر لهم هذا التجديف.
وينقسم البشر أمام الضيق. فالإيمان بالمسيح يقسم أعضاء العائلة الواحدة: منهم من يكون مع المسيح، ومنهم من يكون ضدّ المسيح وضدّ المسيحيين (مت 10: 34-36). سيتمزّق التلاميذ في لحمهم ودمهم (لو 2: 35: سيف الأحزان)، ولكن يجب أن لا ييأسوا. بل يتذكّرون أن يسوع نفسه لاقى المقاومة في بلدته نفسها (6: 1- 6) وبين أهله وأقاربه (20:3-21).
والمسيحي الذي ترفضه عائلته، سيجد عائلة أخرى (3: 33-35) يرتبط بها برباطات أعمق من رباط الجسد. وسينال مئة ضعف في هذا العالم (10: 29- 30). لهذا سيكون الاضطهاد مكافأة (10: 30). مكافأة وعد بها المسيح بطرس (يو 21: 18-19). هي المكافأة السميا لأنها توحّدنا بالمسيح.
من خسر عائلة، حصل على عائلة أفضل. من خسر حياته من أجل المسيح ربحها (8: 35). من خسر بيتاً نال أمتن منه. لقد صار بيت بطرس في كفرناحوم "البيت"، بيت يسوع، هذا البيت الذي فصل بين الذين هم في الخارج والذين هم في الداخل. هذا البيت هو رمز الكنيسة التي سيكون بطرس أساسها (مت 16: 18)0 البيت هو تلك الكنيسة التي بناها بطرس في رومة، هي الجماعة المسيحية التي تقاوم قوى الشر والموت، والتي لأجلها كتب مرقس إنجيله.

خاتمة
لا تزال المعركة حاضرة. وهي تتخذ أشكالاً مختلفة: إضطهاد مفتوح هنا. إضطهاد خفي يستعمل كل الوسائل من مال ومضايقة، ووعد ووعيد. والمسيحي يعرف أين هو العدو (1 بط 5: 8) فيقاومه. لن يكون إنتصاره طرداً لشيطان، ولكنه يكون إنتصاراً حقيقياً. وهو يستقي ثقته من الإيمان بالمسيح القائم من الموت. ويجده في الكنيسة عائلته وأهل بيته.

 

 

الفصل الثاني والعشرون
مثل الزارع
4: 1- 20

إحتفظت الجماعة الأولى بخطبة يسوع بالامثال. سمّيت أيضاً "خطبة البحيرة"، وتركّزت على "أسرار الملكوت". إن أهمية هذه الخطبة تختلف حسب الانجيليين. فلوقا يقدّم النصّ الأقصر (لو 8: 14-18). ومتّى يقدّم النصّ الأطول الذي يشكّل في كتابه الخطبة الثالثة بين خطبه الخمس (مت 13- 1:-23). أما في مرقس، فالخطبة تمثلّ نهاراً كاملاً (4: 1- 40)، ولكن السامعين يتبدّلون والاماكن تتبدّل. ففي 4: 1، نجد يسوع في مركب صغير تجاه الجموع المحتشدة على الشاطىء. في 4: 10، نجده وسط تلاميذه على انفراد وبعيداً عن الشعب. وتنتهي خطبة الامثال في مر 4: 35، فترينا يسوع مرة ثانية في المركب الصغير.
بعد أن نتوقّف عند المثل في تعليم يسوع، والمثل في الكرازة الرسولية، نعود إلى تفسيره في أقسامه الثلاثة: الزرع والأرض، سرّ في الامثال، الكلمة وثمرتها.

1- المثل في تعليم يسوع
إن مثل الزراع في مر 4: 3-8 هو أقدم من متى ولوقا. ننطلق منه لنعرف ماذا أراد يسوع أن يقول لنا حين رواه. نتحدّث أولاً عن الخبر الامثالي (أي: داخل مثل)، ثم عن هدف الخبر الأساسي، وأخيراً عن التنبيه الذي يوجّهه يسوع إلينا.
أ- الخبر الامثالي
يشرف على بنية الخبر تمييز بين أربعة أنواع من الأرض تلقّت الزرع. ما سقط على جانب الطريق، أكله طير السماء. ما سقط على أرض حجرة لا تراب كثيراً فيها، نما بسرعة كبيرة ولكنه ما عتّم أن يبس. وقسم سقط في الشوك. ولكن نما الشوك بسرعة وما عتّم أن خنق الحنطة. وبعد هذه الانواع الثلاثة من الأرض العقيمة، جاءت الأرض الطيبة. وقد رأى فيها المثل ثلاثة أنواع من الغلال: ثلاثون، ستون، مئة حبة لقاء حبة زُرعت في الأرض.
نرى حالاً أن تعداد أربعة أنواع الأرض يرافق نقيضة تجعل النوع الرابع يعارض الأنواع الثلاثة الأولى. هذه البنية تشبه بنية مثل الاشجار التي بحثت عن ملك (قض 9: 8-15): بعد أن وجّهت سؤالاً إلى ثلاث أشجار مثمرة هي الزيتونة والتينة والكرمة، وجّهت نداءها إلى العليقة. أما مثل يسوع فيعيد بشكل من الأشكال التوازن بين جزئي التعارض فيميّز ثلاث انواع من الغلال.
إن التعارض الذي يشرف على الخبر يرافقه تدرّج في مسيرة النموّ. هناك اولاً الحبة التي يستولي عليها الطير حالاً. ثم تلك التي تفرخ وتعطي نبتة صغيرة لا تعتّم أن تيبس. بعدها الحبة التي ترتفع وتنمو، ولكنها تُخنق قبل أن تعطي ثمراً. أخيراً، الحبة التي يقودها نموّها إلى حصاد رائع. وهكذا ننطلق من الفشل التام إلى أجمل نجاح مع تدرّج صاعد أراده الكاتب. وهذ الحركة تؤمّن للنصّ الذي نقرأه قراءة اجمالية وجه التفاؤل. يبدأ الخبر بشكل سيّء، ولكنه ينتهي حسناً، بل حسناً جداً.
إن الملاحظة حول الطابع التعارضي للمثل وحركته الصاعدة، تقودنا إلى خاتمة عامّة جداً: يجب أن نشدّد على النهاية. هذه هي القاعدة العامة في الامثال التناقضية: فالقسم الثاني من التناقض هو الذي يجب أن يلفت انتباهنا. هذا ما نقوله عن مثل الأشجار التي طلبت ملكاً (قض 9: 8- 15). وعن مثل الوزنات (مت 25: 14- 30) والفريسي والعشّار (لو 18: 9- 14) والرجل الغني ولعازر المسكين (لو 16: 19- 31). عن مثل الابنين (مت 21: 28- 31) والاخوين الشاطر و"البار" (لو 15: 11-32).
من الواضح أن الحركة التصاعدية للخبر تبرز ما يشكّل ذروته. وهذا الشعور تثبته الأرقام التي تجعلنا في جوّ المعجزة: ثلاثون، ستون، مئة لقاء حبة واحدة. لا شكّ في أن اسحق "حصد مئة ضعف" ببركة الرب (تك 26: 12). ولكن فلاح بيت لحم وحبرون يكتفي باثنين أو اربعة أضعاف لقاء حبّة واحدة. وقد يصل فلاّح حوران إلى 6 أو 10. ومع الاساليب الحديثة يصل بعضهم إلى 13 في سهل شفالا. وفي سهل يزرعيل الغنية قد نصل إلى 20. حين يتحدّث يسوع عن حقل فيه أرض صخرة فهو لا يفكر في أرض مميّزة. والارقام التي أعطاها حرّكت مخيلة السامعين وهم العارفون بما تنتجه أرضهم بالحقيقة.
إذا أردنا أن نعطى هذه الملاحظات وجهاً ملموساً، نفترض أن يسوع روى أولاً الفشل المثلّث في الزرع. وتوقّف ليسأل السامعين رأيهم: أترى الزارع عمل فراح تعبه خسارة، ولم يحصل على غلّة ممّا زرع؟ هنا تبرز الخاتمة بكل قوّتها: ما همّ خسارة بعض الحبّ، فالذي سقط في الأرض الجيدة وإن كان واحداً مقابل ثلاثة، فهو سيعطي غلّة مدهشة.
ب- هدف المثل الاساسي
بما أن هدف الخبر هو في الإشارة الأخيرة، ننطلق منها لنكتشف هدف يسوع. فصورة الغلّة أو الحصاد، صورة معروفة في التوراة وفي العالم اليهودي لتدلّ على السعادة في نهاية الأزمنة. وتخيّلت النصوص بعض المرات وبشكل مادي، أن الزمن المسيحاني سيعطي الأرض خصباً عجيباً. "تكثر السنابل في الأرض، تتمايل على رؤوس الجبال، وتثمر كما في لبنان" (مز 72: 16). إن أصحاب النظريات الالفانية (ملك ألف سنة مع المسيح) يستمتعون بأحلام من هذا النوع. ولكن قد تصبح اللغة رمزية فيدلّ الحصاد على شيء آخر: "وأنت يا بيت يهوذا، فإني أعدّ لك حصاداً حين أعيد شعبي من السبي" (هو 6: 11). وفي الأيام الآتية، يمدّ يعقوب جذوره، ويزهر اسرائيل ويثمر ويملأ وجه الأرض ثماراً (أش 27: 6).
إذا عدنا إلى العناصر التقليدية، تدلّ هذه الصورة بشكل طبيعي على وضع سيخلقه الحدث الأخير، حدث ملكوت الله. وإذ أراد يسوع أن يثبت هذا الشعور عند سامعيه متحدثاً عن هذه الغلّة، إستعمل أرقاماً تفوق بكثرة كل الارقام التي اعتاد عليها الناس في غلالهم: فالغلّة التي يتحدّث عنها هي غلّة ملكوت الله.
فينتج عن هذه الملاحظة أن مثل الزراع كان في الأصل مثل الملكوت، شأنه عدد من الأمثال في الإنجيل. ونوضح الأمر فنفترض أن الخبر بدأ بعبارة يبدأ بها هذا النوع من الأمثال: "مثل ملكوت الله مثل زارع خرج ليزرع". في هذا المنظار تساعد طريقة عمل الفلاح الفلسطيني السامعين لكي يفهموا الطريق الذي يسلكه الرب لكي يقيم ملكه. فمجيء الملكوت هو عمل الله وحسب. غير أن هذا لا يعني أن الزارع هو شخص خيالي. فعمله هو عمل فلاّح عادي، وهو يدّل على عمل الله. هكذا دلّ أيضاً على عمل الله صاحبُ الكرم الذي يرسل يطلب الغلّة من العملة (مر 12: 1- 12= مت 20: 1-19). والسيد الذي هيّأ وليمة (مت 22: 1- 14= لو 14: 15- 24). والرجل الذي زرع حبّة خردل (مر 4: 30- 32 وز). والراعي الذي أضاع خروفه (لو 15: 3-7). والمرأة التي فقدت درهمها (لو 15: -10). والأب الذي استقبل ابنه الذي بدّد أمواله (لو 15: 11- 32). والصديق الذي ازعجه صديقه في الليل (لو 11: 5-8). والقاضي الظالم الذي حكم في النهاية من أجل الارملة (لو 18: 1- 5). مثل الزراع هو مثل من أمثاله الملكوت، وهو يتكلّم عن الله.
يبدو هدف المثل في التعارض بين سلسلة الغلاّت الفاشلة والنتيجة النهائية الرائعة. نظنّ أن مظاهر الفشل التي توسّع فيها يسوع مطولاً، توافق الوضع الذي فيه يتكلّم، الوضع الذي يعيش فيه. إنه يتوجّه إلى سامعين خاب أملهم من نجاح رسالته. وقد ترجع خيبة الأمل هذه إلى الطريقة التي بها تصوّر يسوع مهمته: أعلن حدث ملكوت الله. غير أن عنايته الكاملة بالفقراء والمرضى، جعلته لا يعمل على إتمام تطهير إسرائيل الذي يساعد على تدشين هذا الملكوت (مت 3: 10- 12 وز: فأس على أصل الشجرة). من هنا كان سؤال يوحنا المعمدان الذي عيل صبره هو أيضاً: "أأنت الآتي أم ننتظر آخر" (مت 3:11 وز. اذا كنت الآتي ماذا تنتظر لكي تضرب الخطأة!)؟
وقد تنتج خيبة الأمل من نجاح قليل حصلت عليه رسالة يسوع: هو لم ينجح في أن يحرّك لامبالاة الشعب. وبين الذي تعلّقوا به، كم هم الذين تراجعوا! وعداوة الرؤساء الروحيين ما زالت تتزايد. بعد هذا، هل يمكن أن تكون علاقة بين هذا العمل الرسولي ومجيء الملكوت؟ ففي هذه الخدمة المليئة بالفشل كيف نستطيع أن نرى مرحلة تهيّي مجيء ملكوت الله؟
تشكّك السامعون بهذا التعارض بين آمال عجيبة أيقظها تعليم الملكوت وواقع خدمة يسوع مع ما فيه من صغر ووضاعة. فأجاب يسوع بمثل الزارع. أنظروا إليه كيف يرمي حبّه. هناك بعض الحَبّ يضيع، ولكن هذا لا يمنعه من أن ينتظر غلّة تعوّض عليه تعبه. هكذا يكون مجيء الملكوت. فالله الذي ارسل ابنه ليهيئه، عرف كل المعرفة أن مهمته ستلاقي فشلاً كبيراً، وأن مجهوده سيكون عقيماً في قسم منه. غير أن النتيجة الأخيرة هي أكيدة. وحين يأتي ملكوت الله، سنفهم أن خدمة يسوع آتت أفضل الثمار.
حين كشف يسوع بمثل الزارع فكرةَ الله في خدمته، دلّ في الوقت عينه على السبب العميق لتفاؤله المليء بالثقة، وقد عبّر عن هذا التفاؤل بالحركة التصاعدية في المثل: ثلاثون، ستون، مئة. فيه وفيه وحده بدأ الله عمله العظيم وهو تحقيق الملكوت في نهاية الأزمنة. وعمل الله هذا سوف يؤتي ثماره.
وأقام يسوع بين خدمته المتواضعة في ظاهرها ومجيء ملكوت الله المجيد، علاقة هي علاقة العلة بنتيجتها، على مثال العلاقة بين الزرع والحصاد. فمجيء ملكوت الله المنظور والمجيد، يفترض حقبة إعدادية سيكون فيها الملكوت على الأرض بشكل وضيع وخفي. نحن الآن في الحقبة التدشينية. لا شكّ في أن الحقبة المجيدة والنهائية ستأتي بعدها.
حين نفهم مثل الزارع على هذا الشكل نستطيع أن نفهم مكانة خدمة يسوع في مخطط الله الخلاصي.
ج- تنبيه وتحذير
إن الدرس الرئيسي لا يستبعد الدرس الثانوي. وفي كرازة يسوع لا يستبعد اعلانُ مجيء ملكوت الله النتيجة المباشرة التي يعبّر عنها نداء يوجّه إلى السامعين: "توبوا" (مر 1: 15؛ مت 4: 17).
فالمثل لا يكتفي بأن يبيّن أن على الزارع أن لا يحزن لخسارة قسم من الحب. بل هو يمتدّ ليفسّر سبب الفشل. وهكذا يلفت الانتباه إلى الحواجز التي يجدها عمل الله في قلب الإنسان. هذه الصورة هي تنبيه وتحذير. لا يكفي أن نسمع إعلان الخلاص لنشارك مشاركة فعلية في هذا الخلاص. "فالمدعوّون كثيرون، غير أن المختارين قليلون" (مت 22: 14). إن عمل الله يتطلّب جواباً من قبل الإنسان.
هيّأ الله مجيء ملكوته، فأعلنه لنا بواسطة يسوع. ولكن الاستعدادات السيّئة عند العدد الكبير، ستمنع هذا الملكوت من "المجيء"، بل ستحرم هؤلاء الناس من السعادة في الملكوت الآتي. إذن، يجب أن نتوب، أن نتوب حقاً فنثمر ثمراً يقابل توبتنا (لو 3: 8). فتعليم يسوع سيكون بلا فائدة من أجل المهملين الذين لا يرون فيه نداء من الله. ومن أجل "السطحيين" الذين ينسون بسرعة هذا النداء الذي تأثّروا به اولاً. ومن أجل الذين لا يريدون مقاومة شهواتهم واهتماماتهم الأرضية المباشرة. يجب أن نسير إلى النهاية في التجاوب مع متطلّبات الله.
أعلمنا الانجيليون أن يسوع قدّم هذا المثل للجمع. فالمعلومة توافق كل الموافقة الدرس الذي نستخلصه من الخبر. يبدو أن يسوع يتوجّه إلى أناس لم يقرّروا بعد ما يجب عليهم أن يفعلوا بالنسبة إلى الملكوت، قبل أن يتوجّه إلى تلاميذه الذين سبق لهم وتعلّقوا به. فبين الجمع أناس لامبالاون يجب أن نحرّكهم من "نعاسهم". وهناك متعاطفون فاترون يجب أن ندفعهم إلى التزام ثابت فنجعلهم يعون ما يطلبه تعليم الملكوت منهم. أجل، لا يكفي أن نسمع كلمة الله، بل يجب أن نحفظها ونعمل بها (مت 7: 24-27؛ لو 8: 21؛ 11: 28).

2- المثل في الكرازة الرسولية
نقدّم هنا بعض الملاحظات حول تفسير المثل كما نقله مر 4: 14- 20. نتوقّف أولاً عند جذور التفسير. وبعدها نعود إلى طريقة الكنيسة الأولى في تطبيق كلمة يسوع في حياتها.
أ- جذور تفسير المثل
حين نتفحّص هذا التفسير داخل الكرازة الرسولية، قد يظنّ البعض أن يسوع ليس صاحب التفسير. لا شكّ في أن يسوع شرح هذا المثل لتلاميذه، كما يقول الإنجيل. مثل هذا التفسير أمر طبيعي وهو يوافق عادة التعليم عند الرابانيين. لقد لجأ يسوع إلى هذا الأسلوب. ولنا في هذا إشارة واضحة في القول الملغز حول ما ينجّس الإنسان (مر 7: 15-23). والطريقة التي بها طبّق الشرح على الواقع الديني صوراً من الخبر الامثالي، توافق أيضاً العادات اليهودية. ففي كتاب صموئيل (2 صم 12: 1- 4) روى النبي ناتان للملك داود خبر الغني الذي سرق نعجة الفقير. ثم أعلن للملك، "انت هو هذا الرجل". هذا الخبر تحوّل إلى خبر مجازي في اليونانية. وهذا ما سيحدث لمثل الزارع حين يماهي "الكاتب" مختلف تفاصليه مع الواقع الذي يوافقها.
شرحٌ يعود إلى يسوع وقد طبّقته الكنيسة على نفسها. فجاءت لغة المثل في إطار رسالة يسوع العلنية، ولغة الشرح في أسلوب الكنيسة الأولى.
لقد تبدلّ "الهدف" الأساسي وابتعد الشرح عن إطار المثل. وهذا التبدّل يرجع في جزء منه إلى تبدّل السامعين: روي المثل للجمع، واحتفظ بالشرح للتلاميذ. ولكن التبدلّ جاء كبيراً لنكتفي بهذه الإشارة السريعة. لهذا نقول إن التفسير هو تكيّف مسيحي لشرح أعطاه يسوع. قد يعود هذا التدوين إلى مرقس أو إلى مرجع سابق لمرقس. ولكن يبقى أن يسوع أعطى الطريقة التي بها يفسّر المثل. فلم يردّد التلاميذ بشكل آلي ما سمعوه من تفسير. فاستعادوه بالنظر إلى الوضع الجديد الذي هو وضع سامعين مسيحيين. تصرّفوا وهم متيّقنون أن تعليم المسيح تعليم حالي وليس تعليماً من الماضي فقط. حينئذ طبّقوه على أوضاع لم تكن بالضبط أوضاع حياة يسوع الرسولية.
من أجل هذا، يجب أن نقف في منظار الكرازة الرسولية لكي ندرك الوجهة الخاصة لهذا التفسير في الوضع الذي يقدّم لنا.
ب- تحوّل في السياق
حين قرأنا المثل في حدّ ذاته، بدا لنا قبل كل شيء وحياً موضوعه الله والطريقة التي يتّخذها الله لكي يقيم ملكه. تصرّف كالزارع. بدأ بالزرع قبل أن يحصد. وعرف قبل وقت الحصاد أن جزءاً من الحب سيضيع لا محالة. ولكن هذا لم يمنعه من انتظار حصاد وفير. بعد هذا التعليم الرئيسي الذي يعطي معنى للفشل الظاهر الذي عرفه يسوع خلاله رسالته، برز هدف ثانٍ هو نداء إلى السامعين لئلا يتركوا المبادرة الالهية من دون ثمر. وأن يحذروا خطراً يمنعهم من التجاوب مع ما ينتظره الله منهم. 
وخضع الدرس الرئيسي لتطبيقات ملموسة. شدّد البعض على البعد الكرستولوجي كما في بداية تفسير مثل الزؤان. "الذي زرع زرعاً جيداً هو ابن الإنسان" (مت 13: 37). واستخلص آخرون تعليماً حول السلوك الذي يجب أن يتبعه أولئك الذين كلّفوا بنشر كلمة الله. هذا هو الخطّ الذي سار فيه القديس يوستينوس: بما أننا نرجو أن هناك في مكان من الامكنة أرضاً طيبة، يجب أن نتكلّم. فحين مجيء ربي القوي القدير، يطلب خيره من الجميع ولا يحكم على وكيله إذا عرف أن هذا الوكيل (تصرّف حسناً): علم أن ربه قدير وأنه سيطالب بما له، فوضعه في جميع المصارف ولم يُخفه لسبب من الاسباب.
في الواقع يركّز الشرح الانتباه حصراً على الامثولة الثانوية في المثل ولا يهتمّ بالاراضي المختلفة، أي بالاستعدادات الفردية التي بها ترتبط "الغلّة" الروحية بعد زراعة كلام الله. ما يهّم في الشرح هو أسباب الفشل أكثر منه اليقين بأن الغلّة ستكون رائعة. وتفسّر هذه الاسباب مطوّلاً. ولا يقال شيء عن سبب النجاح ومختلف درجات النجاح. فالاهتمام المسيطر هو تنبيه المرتدّين الجدد إلى اهمية المثابرة، وحضّهم على الأمانة.
لا شكّ في أننا لا نستطيع أن نعارض الشرح بالمثل. فالدرس الذي يتوسّع فيه الشرح موجود حقا في المثل نفسه، ولكنه يترك جانباً ما بدا أنه التعليم الرئيسي. التبدّل هنا ليس عميقاً كما في مثل الخروف الضال. فحسب لو 15: 2-7 روى يسوع هذا المثل ووجّهه إلى الفريسيين ليفهمهم بمثل الراعي، عناية الله وحنانه تجاه الخطأة، وفرحه حين يعود أحدهم إليه. في مت 18: 2- 14، ورد المثل في تعليم للتلاميذ ليفهمهم بأي عناية عليهم أن يحيطوا هم أصغر إخوتهم. شدّد يسوع على سلوك الله. وشدّدت كرازة متّى على سلوك المسيحيين. وحصل شيء مشابه في الحالة التي ندرس: مالت الكرازة في اهتماماتها المباشرة إلى "ترك" التعليم "اللاهوتي" (الذي يعني الله) في الظلّ، هذا التعليم الذي علّق عليه يسوع أهمية كبرى. تبدّلت النظرة، فدلت على الاهتمام الرعائي الذي فيه كيّف الرسل تعليم يسوع حسب الحاجات الدينية لسامعيهم المسيحيين. ولم يفعلوا ذلك وحدهم. فالروح القدس الذي حلّ عليهم، يتابع العمل الذي بدأه يسوع فيهم.

3- تفسير المثل.
يدخل هذا المثل في سرّ ملكوت الله الذي جاء يسوع يعلنه. بدا يسوع أمام الجموع وأمام أهله وأمام الكتبة، ذاك الذي يطلب خياراً وموقفاً داخلياً. لا يذكر النصّ الرسل، ولكننا نحسّ بهم حاضرين طوال الخبر. فعليهم هم أيضاً أن يسمعوا الآن وينزلوا إلى أعماق قلوبهم ليكتشفوا إن كانوا حقاً "اخوة يسوع"، إن كانوا يعملون بمشيئة الآب الذي في السماوات (مر 3: 35؛ مت 12: 5؛ لو 8: 21)
أ- الزرع والأرض (4: 1- 9)
عاد يسوع إلى جانب البحر وبدأ يعلم الجموع التي احتشدت "حوله" (رج 3: 13). كانوا قد هيّئوا له فيما مضى قارباً (3: 9). وها هو يحتاج إليه الآن. صعد إليه لكي يكلّم الشعب الذي ظلّ "على الأرض" (4: 1. أي: على الشاطىء). ستعود لفظة أرض تسع مرّات خلال تعليم يسوع بالامثال (4: 5، 8، 20...). فالحديث يدور كله عن الطريقة التي بها تتقبّل "الأرض" زرع الكلمة وتجعلها تثمر. ويذكر البحر ثلاث مرات في آ 1- 2. هذا البحر الذي يهدّد شعب الله الواقف على الأرض المنتظر كلمة الله. هذا البحر الذي يهدّد الكنيسة (أي القارب) دون أن يضرّ بها لأن يسوع هو فيها.
وبدأ المثل في آ 2 ب: "قال لهم في تعليمه: إسمعوا". أجل بدأ التعليم بشكل مفاجىء، فدعا الجموع الى الانتباه، إلى الإصغاء (4: 3). يجب أن نصغي إلى ما يقوله يسوع. سوف تتكرر عبارة "قال لهم" خلال كل خطبة الامثال (4: 2، 9، 11، 13....)، وبهذا يتفرّد مرقس عن متّى ولوقا. المهمّ هو ما سيقوله يسوع. المهمّ حبة الحنطة التي يزرعها في"الأرض".
وانطلق المثل بشكل خبر واضح: "خرج الزارع ليزرع". في إطار هذا العمل، أو انطلاقاً من هذا العمل، حصل حدثٌ. ماذا حصل؟ دخل الزرع الأرض أو لم يدخل، فهناك ظروف تعيق نموّ الزرع. إذن، هذا هو الحدث الذي يدعونا إلى التأمل. في الحالات الثلاث الأولى، أنماط من الأرض تمنع عمل الزرع. أرض داسها الناس والبهائم فصارت قاسية، حجرة (كالقلب القاسي). أرض نتأ فيها الصخر فلم يكن فيها عمق تراب (كيف تتجذّر كلمة الله؟). أرض تملأها الاشواك فتنمو أسرع من الحنطة. خنقت الزرع وحرمته من الثمرة. أما الحبة في الأرض الطيبة فنمت نمواً عجيباً واعطت غلالاً لا يحلم بها فلاّح في أرضه الفلسطينية.
قد نفسّر موقف الزارع بأساليب الزراعة في ذلك الوقت، وبطبيعة أرض فلسطين وضيق مساحتها. ولكن لماذا يبدّد الزرع بهذ الطريقة، فتضيع ثلاث حبات وتبقى حبة واحدة؟ ما يريد أن يبرزه مرقس هو اللقاء بين الزرع والأرض. إذن، المهمّ هو أن نعرف ما هي أفضل ظروف "الانتاج". وتدعونا آ 9 أيضاً إلى الاصغاء: "من له أذنان سامعتان فليسمع".
أي سماع يعني النصّ؟ هناك عودة ولا شك إلى آ 3. وهكذا نكون أمام تضمين وعودة أيضاً إلى صلاة اليهودي اليومية "إسمع يا اسرائيل". بهذه الصلاة التي تعود إلى تث 6: 4- 5، يعلن المؤمن إرادته بأن يخضع لنير الله، ويحفظ فرائض شريعته. هذا الاصغاء الطائع قذ ذكّرنا به أشعيا في كلمات قريبة من كلمات مثل الزراع: "أميلوا آذانكم وتعالوا إليّ. إسمعوا فتحيا نفوسكم... الكلمة التي تخرج من فمي لا ترجع فارغة إليّ، بل تعمل ما شئت أن تعمله" (أش 55: 3، 16). إن كلمة الله تدرك الإنسان الذي يصغي إليها. هي تعمل في قلبه فتعلّمه ماذا يختار وكيف يلتزم بما يختار.
ب- سرّ الملكوت في أمثال (4: 10-13)
إن المثل الذي توسّع فيه يسوع يشكّل بطريقة ملموسة زرعاً رُمي في الأرض. منذ الآن قد حدث شيء ما. فالحدث الذي تكّلم عنه المثل (وكان، وحصل في 4: 4) قد حصل في مجموعة الذين يحيطون بالمعلّم مع الاثني عشر (ولمّا حصل، أنه كان وحده وحدهم، معهم، 4: 10). 
ذكر مرقس الاثني عشر وحده في هذا الموضع (آ 10؛ قال مت 13: 10 التلاميذ. وقال لو 8: 9 تلاميذه). جاؤوا مع التلاميذ وسألوا يسوع عن الامثال: لماذا يستعمل فجأة هذا الاسلوب؟ يبدو أن الزرع قد وجد أرضاً طيبة. والدليل هو الاسئلة. قال متّى: لماذا تحدّثهم بأمثال؟ وقال مرقس: سألوه من الامثال. وقال لوقا: سألوه عن معنى المثل.
بدأ يسوع جوابه فميّز نوعين من السامعين، كما سبق له وفعل في مثل الزارع (أرض طيبة تثمر 30، 60. 100، أرض لا تحمل ثمراً لأسباب وأسباب): "أنتم قد أوتيتم سرّ ملكوت الله. وأما أولئك الذين في الخارج، فكل شيء لهم بأمثال" (آ 11). قال لو 8: 10: "أوتيتم أن تعرفوا أسرار ملكوت لله". وقال ت 13: 11: "أن تعرفوا أسرار ملكوت السماوات". زاد مت 13: 12 (من يُعطى ويزاد)، فجعلها مر 4: 25 (وتبعه لو 8: 18) في فم يسوع مع مثل السراج والمكيال.
ما هو الخطّ الفاصل الذي يقسم السامعين إلى فئتين؟ هنا نقرّب مر 4: 11 من حدث زيارة أقارب يسوع له: هم أيضاً موجودون في الخارج (إكسو، 3: 31، 32). أما الجمع فهو جالس (مثل التلميذ الذي يسمع) "حوله" (3: 32، 34). ما يدّل على الاختلاف في السماع هو اختلاف في القرب: هناك الذين يكلّمهم يسوع في صيغة المخاطب (أعطي لكم) فيتقبّلون "العطية" التي تصل إليهم عن سرّ ملكوت الله. وهناك الذين يبقون على بعد. إليهم "يصل كل شيء في أمثال". بالنسبة إليهم تبقى الحقيقة مثلاً يجب أن يكشفوه ولغزاً يجب أن يفهموه.
السرّ (في صيغة المفرد. في متّى ولوقا في صيغة الجمع) هو انتشار حضور الله وسط البشر. وفهم السرّ يُعطى للذين هم قريبون من يسوع، بحيث يقع نظرهم على نظره. هذا لا يعني أن الله يخلق حواجز تفصل الناس بشكل اعتباطي. ولكن حريّته الخلاّقة جاءت للقاء حرياتنا البشرية حيث هي. فوحي الله هو مجانية مطلقة. وعمى الانسان يدلّ على هذه المجانية: بما أن الانسان يستطيع أن ينظر (يفتح عينه) دون أن يرى، فهذا يدّل على أن الله يراعي الضمائر، كما يعني أننا لسنا أسياد مخطّطه الخلاصي. فالذين أعطي لهم سر الملكوت، يتحمّلون في الوقت عينه مسؤولية تجاه الكلمة الموحاة.
وإستعاد مرقس هنا كلمة بها أرسل الله أشعيا من أجل مهمة نبوية. استعادها بكل قوتها (لم يحفّف من حدتها): "إذ ينظرون، ينظرون ولا يرون. إذ يسمعون يسمعون ولا يفهمون لئلا يرتدوا فيُغفر لهم" (أش 6: 9-10). تبع لو 8: 10 مرقس، ولكنه أهمل الآية الاخيرة من الاستشهاد (لئلا يرتدّوا). وفعل مت 13: 14- 15 مثل لوقا، ولكنه حوّل "لئلا" بـ "لأن". "لأن قلب هذا الشعب غلظ". هو واقع يراه متّى: شعب أعمى، وتلاميذ يتقبّلون.
لغة الامثال هي في نظر مرقس "وسيلة" تعمية: سرّ الله يتجاوز الإنسان على كل حال. وهو لا يستطيع أن ينكشف له إلا حين يلاقى حريته. فالذي لا "يتحرّك" يبقى في عالم ملغز: كل شيء يصبح له مثلاً غامضاً يطلب من يوضحه. أما من انفتح بما فيه الكفاية يتقبّل في ذاته عمل كلمة الله المحركة، يدرك أن سرّ الله هو النور الوحيد لحياته. وأن كل شيء فيه يتّخذ معناه انطلاقاً من هذا السرّ. دُعي أشعيا، شأنه شأن سائر الأنبياء (إر 1: 9- 10؛ 20: 7- 11؛ حز 3: 7، 27؛ 12: 2) ليحمل كلمة "تعمي"، لأنها طرحت السؤال الجذري، سؤال الله. هو السؤال المحرّر الذي يكشف خطيئة الإنسان ويكشف معها عمق الخلاص الذي يحرّك له حريته. وهكذا وجب على الاثني عشر والذين يحيطون بيسوع. وجب عليهم بواسطة إيمانهم، أن يكشفوا عمى "الذين في الخارج"، ويدفعوهم إلى البحث عن الجواب.
وبانتظار هذا، تحدّى يسوع تلاميذه: "أما تفهمون هذا المثل، إذن، كيف تفهمون سائر الامثال" (4: 13)؟ المثل هو فن استعمل في العهد القديم. يتكوّن من لغة رمزية تشير إلى الوحي (رج تث 28: 37؛ مز 69: 12). يتوّخى أن يطرح سؤالاً أو يكشف معنى خفياً. قد يتخذ المثل شكل قول مأثور (أم 1: 1، 6؛ 25: 1؛ سي 3: 29؛ 6: 35)، أو يكون تفكيراً في مسألة حياتية (أي 27: 1؛ 29: 1) أو تأملاً في معنى التاريخ (مز 78: 2).
تجذّرت أمثال يسوع في هذا الحضارة، فاتخذت وظيفة وحي. فيجب أن نكتشف الهدف أو السؤال الذي يطرح علينا. إذا رحنا إلى العمق، لا تكشف "كل الامثال" معناها إلاّ انطلاقاً من "هذا المثل". إنه مثل الزارع. بل مثل حيّ عن الملكوت ووحيه. مثل عن يسوع.
ج- الكلمة وثمرتها (4: 14- 20)
وانتقل يسوع مباشرة إلى تفسير مثل الزارع: فكلمة الله تشهد لنفسها. سبق وطرحنا السؤال: هل يسوع نفسه هو الذي قدّم التفسير أم هي الجماعات المسيحية؟ في الواقع، قوة التفسير تأتيه من أنه خرج من فم المعلّم: فالكنيسة الأولى وعت مسبقاً أن الكلمة التي تنقلها قد تقبّلتها من ذاك الذين زرعها في أرض البشر وجعلها تحمل ثمراً.
"الزارع يزرع الكلمة" (4: 14). يزرعها في كل مكان: فالوحي يقدّم إلى الجميع من دون استثناء. وتبرز أهميّة عطاء الكلمة المجاني على المستوى الأدبي: تتكّرر لفظة "الكلمة" (لوغوس) ثماني مرات (4: 14، 15، 16...). ويرد فعل "زرع" (سبايراين) سبع مرات (4: 14، 15، 16...). نجد في المثل "ألفاظ" تدلّ على المصير المحفوظ لمختلف الحبّات (4: 4، 5، 7، 8: البعض، غيره، منه ما). أما في تفسير المثل، فنحن أمام صيغة المذكّر الجمع. أمام صيغة تدلّ على أشخاص "شبه محدّدين" (4: 15، 16، 18، 20: الذين على الطريق... الدْين). وجدت في المثل أربع فئات من الأرض يقابلها في المثل أربعة أشكال سماع (أكوو) واستعداد لتقبّل الكلمة حتى تحمل ثماراً (4: 15، 16، 18، 20).
ما الذي يجعل السماع يفشل؟ إبليس الذي ينتزع على الفور الكلمة المزروعة، فيمنعها من الوصول إلى من توجّهت إليهم. وقد يكون السماع سطحياً: تقبل الكلمة بسرعة وفرح. ولكنها تلاقي صخرة المقاومة البشرية. وإذا ما حدثت شدّة أو اضطهاد من أجل الكلمة، نعثر حالاً. لا نؤمن أن الكلمة تستطيع أن تعطي الشجاعة والأمانة اللتين توحي بهما. 
وقد يكون السماع حقيقياً، ولكنه يموت خنقاً. يموت موتاً بطيئاً بسبب هموم العالم، وسراب الغنى، وكل أنواع الشهوات (4: 19). كل هذا يعيق عمل الكلمة فتصبح عقيمة: إنهزم الإنجيل أمام صعوبات الإنسان. واجهت الكنيسة صعوبات ملموسة خلال كرازتها بالانجيل، فقرأت حالاً تاريخ حياتها في هذا التفسير. وعرفت أيضاً أن الكلمة تحمل من الثمار بقدر القبول الذي تلقاه: ثلاثون، ستون، مئة مقابل حبّة واحدة.
الكلمة المزروعة في الأرض هي إنجيل ملكوت الله الذي جاء إلى الانسان ليعطيه خصباً سرياً. فمن "تعرّف إلى الامثال" وعى هذا الخصب العجيب الذي جعله يسوع في كنيسته وفي العالم.

 

 

الفصل الثالث والعشرون
السراج والمكيال
4: 21- 25

نحن أمام قولين يرتسمان أمامنا من خلال صورة السراج وصورة المكيال (أو: الكيل). يبدو القولان والصورتان في تعبير عام بحيث ننتظر أن نراها مستعملة في أطر مختلفة ومع مدلولات متنوّعة.

1- الوجه الأدبي للمثلين
نستطيع أن نتحدّث هنا عن مثلين، والمثل يعطي تعليماً في صورة. فنحن هنا في "خطبة الأمثال" كما بدأت عند مرقس (4: 1 ي) وهي تنتهي في 35:4 مع الذهاب عند المساء إلى الشاطىء الآخر. ولكن هذين المثلين يختلفان بشكلهما عن الأمثلة الرئيسية التي في هذا الفصل وهي: مثل الزارع، مثل الزرع النابت من ذاته، مثل حبة الخردل. ثمّ إنّ التشبيهات المستعملة هنا (السراج، الكيل) لا ترتبط بالتشبيه الذي يضمّ الأمثلة الثلاثة الباقية، وهو الزرع.
من المعقول أن يكون مرقس أدخل هنا أربعة أقوال كانت في الأصل مستقلّة. وهكذا يثبت آ 10- 12 (حول مغزى الأمثال) وآ 13- 20 (حول تفسير مثل الزارع). مثلان مستقلان، وكل واحد يبدأ بعبارة تتكرّر: وقال لهم أيضاً (آ 21- 24). إذن لم تكن آ 21- 25 في الأصل مجموعة واحدة، وسوف نرى موادها مبعثرة عند متى ولوقا.
أ- آ 21: أيؤتى بسراج
يبدو أن آ 21 (أيؤتى بالسراج) توجّه في البداية إلى الذين كانوا مسؤولين عن الكلمة في إسرائيل: أين يوضع السراج؟ هل نخفي التعليم عن المؤمنين؟ قال يسوع في هذا الصدد: "الويل لكم، أيها الكتبة والفريسيون المراؤون، لأنتم تغلقون في وجه الناس ملكوت السماوات. فلا تدخلون أنتم ولا تدعون الداخلين يدخلون" (مت 23: 13). ونقرأ في لو 11: 52: "أخذتم مفاتيح المعرفة".
نجد في لوقا نصين يوازيان آ 21. الأول (16:8): "ما من أحد يوقد سراجاً ويغطيه بإناء أو يضعه تحت سرير بل يضعه على منارة ليبصر الداخلون نوره". إنه يقع في السياق عينه، ويرد حالاً بعد تفسير مثل الزارع (لو 8: 11- 15). إذاً معناه هنا يشبه ما نجد في مر 4: 21. والنص الثاني (11: 33) يقع بين المقطوعة حول آية ابن الانسان (11: 29- 32) وقول حول "العين سراج الجسد" (11: 34- 36). "ما من أحد يوقد سراجاً ليضعه في مكان خفي أو تحت المكيال، بل على المنارة ليبصر الداخلون النور". كيف نفسّر هذا الكلام؟ إن الإشارة إلى السراج في آ 33 تثبّت الفكرة القائلة إن الحقيقة لا تحتاج إلى علامات. إنها نور في حدّ ذاتها ومعناها هو في داخلها. ولكن النقطة الهامة في الصورة (سراج موضوع على منارة) لا تجد لها تطبيقاً واضحاًَ. فيمكن أن تدلّ آ 33 وآ 29- 32، آ 34 على ما هو ضروريّ للإنسان لكي يرى نور آ 33. ومن الممكن أن لا يكون هناك علاقة بين آ 33 وآ 29- 32 وأن تكون آ 33 قريبة من آ 34 بسبب وجود مفردة مشتركة هي "لوخنوس" (سراج).
ويرد النص في متى، ولكن في سياق آخر (خطبة الجبل). يرد في 15:5 (لا يوقد سراج ويوضع تحت المكيال، بل على المنارة فيضيء لجميع من في البيت) وفي خط مر 4: 21. يجب أن يُبصر النور. ولكن تكلّم مرقس ولوقا عن السراج في حدّ ذاته، فتكلّما عن الإنجيل. أما متى فحدّد فيما بعد (5: 16) أنه يعني "النور" الذي ينشره التلاميذ بأعمالهم.
ب- آ 22: لا خفي إلاّ سيظهر
نجد عند متى نصاً موازياً لهذه الآية، وهو يقع في إطار إرسال التلاميذ (10: 26). عليهم أن لا يخافوا (آ 26- 28) لأن الوحي الذي سلّم إليهم، يتضمّن دينامية داخلية. إذن، على التلاميذ أن يعلنوا بالصوت العالي وفي كل مكان ما قاله لهم يسوع في السرّ. من الواضح أننا في هذا الإطار أمام إعلان للإنجيل ليسمعه الجميع ويستنيروا بنوره.
أما عند لوقا فنجد نصين موازيين لهذه الآية. الأولى (17:8) يقع في السياق عينه ويحمل المعنى الذي قدّمه مر 4: 22. أما الثاني (12: 2) فهو يقابل نص متى (26:10)، فيدخل في الإطار عينه، ويدلّ على إعلان الإنجيل. غير أن الإشارة إلى رياء الفريسيين في آ 1 (إحذروا من خمير الفريسيين) والشكل المعطى للتقليد في آ 3 (ما نطقتم به في الظلمة، في مت 27:10) يجعلاننا نطرح السؤال التالي: هل عنى لو 2:12 في الأصل رياء الفريسيين ثم إعلان الإنجيل؟ الأمر ممكن. فالشكل العام لهذه الأقوال التي نجدها في آ 2- 3 لا تساعدنا على التأكيد ولا على الرفض أمام هذه الفرضية.
ج- آ 24- 25: انتبهوا لما تسمعون
كتب مرقس في آ 24: "إنتبهوا لما (للشيء الذي) تسمعون". وكتب لوقا في النص الذي يوازيه (18:8 أ): "إلى الطريقة التي بها تسمعون، كيف تسمعون". هي اختلافة قليلة الأهمية، لا سيما وأن نهاية آ 24 ستعود بنا إلى الطريقة التي بها نسمع.
غير أننا نجد مرة أخرى في آ 24 ب قولاً يمكن أن يطبّق على أوضاع مختلفة. وقد يدلّ هنا على أن الكلمة تُعطى بقدر ما نعرف أن نتقبّلها. ويضيف مرقس: الله سيزيد: يكال لكم وتزادون (لا ننسى أن صيغة المجهول تدلّ على الله الذي سيزيد نعمة على نعمة). أما مت 2:7 ولو 37:6، فقد استعملا هذا القول في إطار آخر وفي معنى آخر. إنه يرتبط بعلاقاتنا مع القريب. في متى، نجد المعنى السلبي: ندين الآخرين ونقسو عليهم، فتكون دينونتنا مضاعفة والحكم علينا قاسياً من قبل الله (لا تدينوا لئلا تدانوا... يُكال لكم: صيغة المجهول). وفي لوقا نجد المعنى الإيجابي. حين نعطي نُعطى (من الله) عطاء مضاعفاً، بل مئة ضعف: "كيلاً جيّداً، ملبّداً، مهزوزاً، فائضاً".
ونجد في آ 25 قولاً مأثوراً آخر. يعود إلى جذور شعبية وهو يقابل ما في الحضارات المختلفة حيث لا يقرض الناس إلاّ "الأغنياء". طبّقه يسوع على المجال الروحي. إن القول في آ 25 هو تأكيد شعبي لما في آ 24. وقال لوقا الشيء عينه وإن بشكل مختلف في ذات الإطار النصوصي (لو 18:8). وورد هذا القول في مت 12:13، ولكن في إطار موازٍ لنص مر 4: 10- 12 حيث لم يستعمل مرقس هذه العبارة. ثم إن اللفظة المستعملة في متى بعد "أعطى" هي: يكون له وفر وكثرة. وهي تقابل ما في مر 24:4 ب: يضاف لكم أكثر.
وأخيراً، إن هذا القول قد استعمله متى في مثل الوزنات (مت 29:25) ولوقا في مثل الدنانير (لو 26:19). أورده يسوع في هذين المثلين ليبرّر ما فعله حين أخذ الوزنة من صاحب الوزنة الواحدة وأعطاها للذي معه عشر وزنات. وهكذا دلّ على قساوة الدينونة من جهة، كما دلّ على سخاء الله الذي لا حدّ له.

2- عودة إلى النصّ.
إن هذه الآيات تخفي في ذاتها أقوالاً مأثورة يمكن أن تطبّق على حالات متعدّدة وعلى مواضيع متفرّقة. وقد يكون يسوع تفوّه بها أكثر من مرّة ليلقي ضوءاً على تأكيدات مختلفة لا رابط يربطها على مستوى المعنى. وقد يكون قال قولاً في هذه المناسبة، وقولاً آخر في تلك... وجاء التقليد الأولاني فجمعها، وهكذا وصلت إلى الإنجيليين.
وإذا عدنا إلى مرقس، وجدنا أن مجموعة آ 21- 25 ترتبط بلا شكّ بالتعليم بالأمثال. كرّر في آ 24 وآ 26 "وقال لهم أيضاً". كان بإمكان الإنجيلي أن يستغني عن هذه العبارة. ولكننا كما قلنا أمام مثلين مستقلّين جُمعا وأدخلا في ف 4 بسبب ارتباطهما مع معنى آ 10- 20.
إن غياب هذه التوازيات عند متى في ف 13 (ما عدا آ 25 التي استعملت في موضع آخر)، وعدم وجود الكلمة عن الكيل عند لوقا، يدلاّن على ترتيب خاصّ بمرقس. إختلف مرقس عن متى ولوقا، وربّما اختلف مع نفسه إذا أردنا أن نسمّي هذه الأقوال بعضاً من أمثال يسوع.
من الواضح أن آ 21 تؤكّد أن ملكوت الله يجب أن يظهر، وسوف يظهر. فنور الكلمة لا يأتي ليُسلب من البشر، بل لكي يبصره البشر (يريد البشر أن يبصروا النور، لو 8: 16 ب). واستعمال "جاء" (ارخوماي) هو استعمال شعري ولكنه جريء وغريب للتحدّث عن سراج. فالمسيح هو الذي يجيء، والسراج يدلّ على رسالته (7:1: يجيء بعدي؛ 17:2: ما جئت لأدعو الصديقين). ولكن هل نستطيع القول إن آ 21 تتماشى مع آ 11- 12 (أولئك الذين في الخارج لا يبصرون)؟
وهل تتماشى آ 22 مع آ 11- 12؟ إن آ 22 هي جواب على اعتراض قد تولده آ 11- 12. هناك في الواقع أمور خفية، والله هو الذي يخفيها، وهو الذي أرادها أن تبقى خفية. والأمثال حسب آ 11 هي في خدمة هذا "الهدف الإلهي": "لكي ينظروا ولا يبصروا" (آ 12). ولكن آ 22 تقدّم لنا الجواب: كل خفي هو هنا لكي يُعلن، كل مكتوم هو هنا لكي يُعلم.
لا يعني هذا النصّ وبطريقة باهتة: في النهاية كل خفي سوف يعلم: هذا هو منطق الأشياء. أو أن الله سوف يكشفه (صيغة المجهول في الكتاب المقدس). كلا. هناك رباط بين ما هو خفي وما هو معلن. فما هو خفي، هو خفي بإرادة الله (آ 11: كل شيء بأمثال، بألغاز). هو خفي في منظار الوحي وهدفه. ولكن سيأتي وقت فيه يعلن.
إن مجيء الملكوت هو مكتوم على الكثيرين. ولا يظهر إلاّ في إنسان "جاء بشكل لا يلفت النظر" (لو 20:17- 21). ولكن هذه الطريق "المُغْفلة" والخفية التي جاء بها يسوع، ترتبط إرتباطاً عميقاً بهذا الملكوت، والله نفسه يراعي هذا الوضع (هو المربّي الذي يرافق بطء أبنائه). إذن، تبقى الأمور خفية، للحفاظ على حقيقتها لا لحرمان الناس منها. ولكن هدف الله النهائي هو أن يوحي بها. ولكن في وقتها، لا قبل الوقت المحدّد.
تستعيد آ 23 ما قيل في آ 9، وهي نداء لكي نفهم هذا الوضع وهدف الله؟
إن ملكوت الله هو سرّ (آ 11). ولكن السرّ الذي يبدو لغزاً (في العهد الجديد)، هو مدعو في النهاية لكي يصبح وحياً. السرّ ليس جدار نرتطم به. هو بحر نغوص فيه. البداية صعبة، ولكنها بداية، وهي تقودنا بطريقة تدريجية إلى كمال الوحي. في آ 10- 12، قدّم مرقس سرّ الملكوت على أنه مفتوح على البعض، مُغلق على الآخرين، وذلك بشكل نهائي. أما النص في آ 23 فيقول بوضوح إنه أخفي لكي يُعلن. لم يعد التمييز على مستوى الأشخاص (الذين من الخارج، الذين من الداخل) بل على مستوى الزمن. لا شكّ في أن البعض نالوا سرّ الملكوت، وأن كل شيء يتم بالألغاز للآخرين. ولكن لا شك أيضاً أن ما هو خفي الآن للذين في الخارج سيبقى لهم كذلك ما داموا في الخارج. يجب أن يصيروا مع الذين في الداخل، مع الذي حول الاثني عشر. حينئذ يُعلن لهم سر الملكوت.
ربط مرقس تأكيدات آ 21- 22 مع التعليم بأمثال. ولكننا لا نرى كيف نربط هذه التأكيدات بما في آ 11- 12 من تعليم.
إن آ 21- 23 حدّدت موقع هدف الله بالنسبة إلى الكلمة. وكانت آ 24- 25 تنبيهاً على مستوى المسؤولية البشرية تجاه هذه الكلمة، تجاه عطايا الله.

3- نور السراج وكيل السماع
نحن هنا أمام مقابلتين قصيرتين ترتبطان بعبارة: "وقال لهم أيضاً". ليس لهاتين المقابلتين الطابع الخاص بالأمثال، بل هما تحدّدان وظيفة اللغة الامثالية. تشدّد المقابلة الأولى على مسؤولية أولئك الذين أعطي لهم سر الملكوت (4: 11: "أوتيتم أن تعرفوا سر الملكوت". فماذا تفعلون بهذه المعرفة؟)، فعليهم أن يبقوا متنبهين وحكماء. لأن عليهم أن يؤدّوا جواباً عن حب الله الذي يسلّم ذاته للانسان كما الحبّة في الأرض. لقد صاروا السراج الذي يضيء.
غير أن هذه النعمة التي تجعلهم "مستودعاً" للنور، تلزمهم بأن ينيروا العالم: فما ظلّ خفياً حتى الآن، يجب أن يعلنوه تدريجياً، أن يكشفوه على عيون الملأ. لقد اختار يسوع أولئك الذين أرادهم لكي يعلنوا الكلمة ويكون لهم سلطان على الأرواح النجسة (3: 14- 15). فيجب عليهم الآن أن يجعلوا عمق التعليم بمتناول الجميع، بشهادة إيمانهم وحقيقة عملهم.
إن التحريض الأخير في مثل الزارع (29:4)، يستعاد هنا في جملة شرطية: "إن كان لأحد أذنان للسماع فليسمع" (23:4). لقد صار المعنى واضحاً بالنسبة إلى الذين سألوا المعلّم (4: 10): نحن أمام خيار حرّ يتجاوب مع نداء. لا شكّ في أن يسوع جاء من أجل الجميع وتكلّم من أجل الجميع. هكذا نفهم مثل الزارع الذي رمى بذاره في كل الحقول، حتى القاسية والصخرية منها. ولكن يجب على الزارعين الآخرين أن يكرّروا ما عمله بلا ملل، حتى نهاية العالم. ظلّ تعليمه خفياً لعدد كبير من الناس. فيجب أن يملأ أفواهاً أخرى ليترجَم في مختلف لغات البشر.
إذن، لينتبه كل واحد إلى طريقة سماعه للكلمة. فالسماع هو "مكيال" التعليم الذي نتقبّله: فكل إنسان يسمع ما يقدر على سماعه، أو ما يريد سماعه. والإنسان يحكم على نفسه بطريقة سماعه واتساع هذا السماع. ويصبح هذا التصريح مشخصناً في الحال: إنه يتوجّه إلى شخص محدّد، إليّ وإليك. فكما توجّه يسوع في آ 11 إلى الذين يحيطون به (أنتم قد أوتيتم، كانت لكم نعمة عظيمة من قبل الله)، ها هو الآن يوجّه كلامه بشكل مباشر إلى تلاميذه ليجعلهم يعون مسؤوليتهم أمام الكلمة: "بالكيل الذي تكيلون به، يكال لكم وتزادون" (4: 24. نلاحظ هنا صيغة المخاطب الجمع: أنتم). وأردف مرقس بواسطة قول أشار إليه متى ساعة ميّز يسوع بين فئتين من السامعين (مت 12:13): "من له يُعطى، ومن ليس له يؤخذ منه ما هو له" (مر 25:4). إن هذه الآية تستنير بنور السياق: ما هو لنا هو آذان تسمع، هو قلوب تتقبّل الكلمة وإلاّ جاء الطير وأكلها، جاء الشيطان وانتزعها (4: 4، 15).
نكتشف هنا من جديد الموضوع الحكميّ حول إمكانية تقبّل المعرفة. وهذه المعرفة تنمو بالنسبة إلى استعداداتنا. الحكمة الإلهية هي مبدأ فهم يتعمّق يوماً فيوماَ، لمن يريد أن يتقبّل التعليم منها. نقرأ في أم 1: 2- 7 عن الحكمة التي تبيّن لنا معنى الكلام وتعلّمنا المشورة والتعقّل. "يسمعها الحكيم فيزداد علماً والفهيم فيكتسب هداية". ونقرأ في أم 9:9: "أفد الحكيم فيزداد حكمة، وعلّم الصديق فيزداد علماً". غير أن هذه الحكمة الإلهية تصبح صعبة الفهم على من يرفضها، وتنغلق تدريجياً على من ينغلق عليها. نقرأ في أم 8: 35- 36: "من وجدني وجد الحياة، ونال رضى من الرب. ومن أخطأني (أو: أغاظني) أضرّ نفسه، ومن أبغضني أحبّ (فضّل) الموت". وفي أم 6:14: "الحكمة عبثاً يطلبها الساخر، والمعرفة للفهيم سهلة المنال".
وهكذا نرى كيف تتغلغل شيئاً فشيئاً بذار المثل: إن وجدت أرضاً طيبة، نمت وأثمرت. إن سقطت على الطريق، في أرض صخرة وبين الأشواك، أجهضت وماتت. وهكذا نفهم أن لغة الأمثال ليست فقط نقلاً خفياً لمضمون وتعليم. إنها طريقة بها نكتشف كيف نسمع. وإذا سمعنا نعمل.

 

 

الفصل الرابع والعشرون
مثلان عن الملكوت
4: 26- 34

يتضمّن فصل الأمثال (4: 1-34) قسمين كبيرين: قسم يرد فيه مثل الزارع (آ 3-8) مع تفسيره (آ 14- 20). وقسم يرد فيه مثل الزرع الذي ينمو وحده (آ 26- 29) ومثل حبة الخردل (آ 30- 32). بالإضافة إلى هذا، نجد إعلاناً حول هدف الأمثال (آ 11- 12) ومثلين صغيرين (السراج، الكيل) يتحدّثان عن مسؤولية السامعين (آ 21- 25). وفي النهاية نجد خاتمة تدلّنا كيف استعمل يسوع أسلوب الأمثال في تعليمه (آ 33- 34). إن هذه الأقسام الصغيرة المتكاملة تدلّ على الطريقة التي بها نظر الإنجيلي إلى الأمثال.
نتساءل: ماذا أراد يسوع أن يقول لنا في هذين المثلين؟ ثم نفهمهما في إطار رسالة يسوع. وننتهي عند نظرة القديس مرقس حين أورد مثل الزرع الذي ينمو (آ 26-39) ومثل حبة الخردل (آ 30- 32).

1- الزرع الذي ينمو وحده
أ- الخبر
ونبدأ بعبارة المقدمة: هكذا هو ملكوت الله: مثل رجل. إذا عدنا إلى لغة الرابانيين، نفهم أن المثل لا يقابل الملكوت برجل، بإنسان. إنه يقدّم حقيقة ترتبط بالملكوت بواسطة خبر يلعب فيه هذا الرجل دوراً هاماً. في مثل هذه الأمثال، تقدّم نهايةُ الخبر صورةً تشير بشكل مباشر أو غير مباشر إلى الملكوت. وفي الحالة التي ندرس، يشبه مجيءُ الملكوت ما يحدث في زمن الحصاد (آ 29).
إن البذار (الزرع) المذكورة في آ 26 تشكّل مقدّمة بسيطة. لهذا لا نتوقف عندها. فالانتباه يتركّز كله على حقبة نموّ الزرع (نموّ القمح) (آ 27-28). ويطيل الكاتب حديثه عن المراحل المختلفة (العشب، السنبل، القمح). غير أن الإهتمام يتعلّق بتصرف الزارع أكثر منه بالنموّ المتدرّج. فبعد أن قام بعمل الزراعة، عاد إلى حياته العادية: "نام في الليل، قام في النهار". ليس مجبراً أن يهتمّ بالقمح. فهو ينمو وهو "لا يدري كيف"، دون أن يهتمّ له. فالأرض تعمل عملها. فهي من ذاتها تثمر (تخرج الثمر). ويشدّد النصّ: خلال وقت النمو لا يعمل الفلاّح شيئاً في حقله. كل شيء يسير دون أن تحتاج الأرض إليه.
ويتبدّل الوضع فجأة في آ 29. "ولكن حين ينضج القمح". ثم تأتي أداة: "في الحال . فبعد فترة طويلة لم يفعل فيها الفلاّح شيئاً، ها هو يتدخّل حالاً في وقت الحصاد. يبقى الإنتباه مركّزاً على الفلاّح، على التحوّل الذي تمّ عنده: لم يفعل شيئاً خلال النموّ. ولكنه سيتدخّل وقت الحصاد.
ب- تطبيق المثل
إذا أردنا أن نفهم إلى أين يقودنا الخبر، ننطلق من الإشارة الأخيرة التي تبدو شفّافة. نقرأ كلمات الخاتمة: "يُعمل المنجل حالاً لأن الحصاد هو هنا" (قد جاء أوانه). نجد في هذه الكلمات إيراداً ضمنياً من يوء 4: 13: "أعملوا المنجل فالحصاد هنا" (نضج). نحن في مقطع معروف يعلن فيه النبي الحكم الذي يعلنه الله في وادي يوشافاط ضدّ الأمم الوثنية (يوء 4: 12- 16). ويلمّح رؤ 14: 14- 16 إلى هذا النصّ أيضاً: "خذ منجلك واحصد لأن ساعة الحصاد جاءت، لأن حصاد الأرض نضج. فألقى الجالس على السحابة منجله على الأرض فحصد الأرض". يكفي ما أوردناه الآن. ساعة الحصاد التي تتكلّم عنها نهاية المثل هي الدينونة العامة في نهاية الأزمنة. وتدخّل الفلاّح في ذاك الوقت يشير إلى تدخّل الله في نهاية الأزمنة (الاسكاتولوجيا).
وننتقل الآن إلى الفترة الطويلة التي تسبق الحصاد والتي فيها لا يهتمّ الفلاّح بحقله. فانطلاقاً مما رأينا، سيساعدنا تصرّف الفلاح على فهم تصرّف الله. ونجد تأكيداً على ذلك حين نعرف أننا أمام مثل من أمثال الملكوت: كما أن مجيء ملكوت الله لا يمكن أن يكون إلا عمل الله، فالشخص الرئيسي في هذه الأمثال يعطينا صورة طبيعية عن الطريقة التي بها يتصرّف الله لكي يقيم ملكوته.
إذن، يفترض مثل الزرع الذي ينمو وحده، أن يسبق تدخّلُ الله ساعةَ الدينونة. هي حقبةٌ فيها يترك الله الأمور تسير مسارها، فنحسّ وكأنه لا يبالي بما يحدث في حقل هذا العالم. فالأهمية المعطاة لهذا الوقت الذي فيه ينعدم النشاط (في المثل)، تجعلنا نفكّر أن ما قاله يسوع يتلاقى واهتمامات سامعيه. فالوضع الذي يفترضه هذا المثل نجده في مقاطع عديدة من الإنجيل، وخصوصاً ذاك المقطع الذي فيه يندهش يوحنا المعمدان من تصرّف يسوع (مت 11: 2-6). أعلن يسوع أن مجيء ملكوت الله صار قريباً. والناس يعرفون كلهم أن إقامة الملكوت تبدأ بدينونة تقتلع من أرض اسرائيل كل الخطأة، لأنهم لا يستحقّون أن يشاركوا في خيرات الملكوت. إذن، إن كان الله قد قرّر إقامة ملكوته على الأرض (كما قال يسوع)، لماذا لم نرَ بعد شيئاً من الدينونة الرهيبة التي تهيّىء الطريق لهذا الملكوت؟
وإذ أراد يسوع أن يجيب على هذه الصعوبة، لجأ إلى مقابلة. الله يفعل مثل الفلاّح الذي لا يتدخّل في حقله قبل ساعة الحصاد. ولكن لا نخطىء: فهذه الحقبة من رسالة يسوع التي فيها يبدو الله وكأنه يهمل العمل الذي بدأه، هي تلك التي تسبق الحصاد الاسكاتولوجي. فحين فسَّر يسوع لسامعيه "جمود" (لا يفعل شيئاً) الله الذي يدهشهم ويشكّكهم، فهو يدعوهم في الوقت عينه لئلاّ يرتابوا في أن المرحلة الحالية، مرحلة رسالته على الأرض، تشكل الحقبة الأخيرة في تاريخ الخلاص. وهذه الحقبة تسبق بشكل مباشر تدخّل الله النهائي لكي يمارس الدينونة ويقيم ملكه بشكل نهائي.
إن التعارض الذي يقابل صغر الزمن الحاضر مع الطابع الكبير للأحداث الاسكاتولوجية، لا يختلف عن التعارض الذي يقابل جمود الفلاّح خلال نموّ الحنطة مع التدخّل المفاجىء في زمن الحصاد. وهذا التعارض هو تعارض بين زمنين متعاقبين. وخطورة الساعة التي نعيشها في تاريخ الخلاص تأتي من العلاقة التي توحّد رسالة يسوع بأحداث النهاية. هذا يعني أن المصير النهائي لكل إنسان يرتبط بموقف يتخذه من رسالة يسوع.

2- حبّة الخردل
أ- الخبر
وصل إلينا هذا المثل في شكلين مختلفين. شكل يمثّله مرقس، وآخر يمثّله لو 13: 18- 19. أما نصّ مت 13: 32، فهو على ما يبدو حصيلة الدمج بين الشكلين. أما الإختلاف الجوهري فيعود إلى طريقة مرقس في استعمال الفن التصويري: هو يتحدّث عن الطريقة التي بها تحصل الأمور بشكل عادي. أما لوقا فاستعمل الفن الإخباري: روى ما حصل مرة من المرات لإنسان رمى في بستانه حبة خردل.
إن الحكم على أسبقية شكل على آخر يرتبط بالفكرة التي نكوّنها عن العلاقة بين هذا المثل ومثل الخمير في مت 13: 33 ولو 13: 20- 21. يبدو مثل الخمير بشكل خبر. إذا كان المثلان قد ضمّا منذ البداية، وجب أن يكون لهما الشكل الإخباري الواحد. وإذا كانا قد تقاربا خلال مسيرة التقليد، فهذا يعني أن الشكل الإخباري في مثل الخمير قد أثَّر على مثل حبّة الخردل. يبدو أن الفرضية الأولى توافق بشكل أفضل عوائد يسوع التربوية. كان يعطي صورتين متكاملتين ليفسّر فكره. هنا صورة رجل يضع في الأرض حبة خردل، وهناك صورة إمرأة تضع في العجين كمية من الخمير. إذن، نقوله إن نصّ لوقا سابق لنصّ مرقس.
وتبيّن بنية المثل اختلافاً آخر مهماً. إن مرقس يشدّد على التعارض بين حبة الخردل في البداية (أصغر كل ما في الأرض من حبوب) والنهاية (صارت أكبر من جميع البقول، ثم أفرعت أغصاناً كبيرة). واستعمال صيغ الفعل يبرز التعارض أيضاً: تحدّث النص عن الزرع في صيغة الماضي: حين زُرعت (آ 31، 32). وعن النموّ في صيغة الحاضر (تصير أكبر النبات، تمدّ). أما عند لوقا، فالأفعال كلها هي في صيغة الماضي. والخبر يتبع حركة مستقيمة، فيشدّد على ضرورة المسيرة التي تحوّل الحبة إلى شجرة.
في هذا المجال نختار مرقس. فنصّه يبرّر إختيار حبة الخردل: أصغر جميع الحبوب. إن صغر هذا البذرة صار مثلاً عند اليهود. في هذا السبيل نقرأ في مت 17: 20: "لو كان فيكم إيمان مقدار حبة خردل..." (رج 17: 6). لا شيء أصغر منها. إذن، نحن في جوّ يهودي وفلسطيني. وهذا ما يدلّ على أن الصغر في البداية قد يصبح كبيراً في النهاية.
والبنية التعارضية في نصّ مرقس يؤمّن تقارباً وثيقاً بين هذا المثل وأمثال أخرى: مثل الزرع الذي ينمو وحده. مثل الزارع. وهكذا نرى أن هذه البنية توافق مسألة طُرحت مراراً على يسوع خلاله رسالته العلنية، فحاولت أن ينير سامعيه في شأنها. أما بنية لوقا التي تهمل التعارض، وتهتم بنمو النبتة العجيب، فهي تتوافق مع النموّ المسيحي في نهاية العصر الرسولي.
ب- تطبيق المثل
الإشارة الأخيرة هي التي توجّه التفسير. إذ أراد مرقس أن يعطي صورة عن قامة نبتة الخردل العالية، أرانا "طيور السماء التي تعشّش في ظلّها" (أو: في أغصانها، حسب متى ولوقا). هذا التعبير يذكّرنا بحلم نبوخذنصّر في دا 4. نحن أمام شجرة باسقة: "تحتها تستظلّ وحوش البرّية، وفي أغصانها تقيم طيور السماء" (آ 9)، وتابع دانيال: "هذه الشجرة التي تحتها تقيم وحوش البرّية، وفي أغصانها تسكن طيور السماء" (آ 18)، تمثّل الملك نبوخذنصّر نفسه.
الصورة تقليدية، ونحن نجدها مثلاً في حز 31: 6. يصوّر النبيُّ فرعون، ملك مصر، بشكل أرزة عالية: "في أغصانها عشّشت كل طيور السماء، وتحت فروعها ولدت كل وحوش البرّية، وفي ظلّها سكنت جميع الأمم العظيمة". الملك القدير يؤمّن الطمأنينة لعبيده، فيأتون يستظلّون في ظلّه (قض 9: 15). "يعيشون تحت ظلّه" (مر 41: 20؛ با 1: 12).
إن الشجرة التي تؤمّن ملجأ للعصافير، تدل على ملك يحمي عبيده بسلطانه. وتظهر الصورة مرة أخرى في 17: 22-23 في وعد بناء يعلن المجد المقبل المحفوظ للشعب المختار. يزرعه الله على جبل إسرائيل العالي "فيطلع أغصاناً ويثمر ويصير أرزاً رائعاً، فيأوي تحته كل طائر. ويرتاح في ظلّ أغصانه كل حيوان مجنّح". لا يشدّد النص هنا على الملك، بقدر ما يشدّد على حالة الإزدهار التي ترافق ملكوت الله في نهاية الأزمنة. وهذا ما تشير إليه نهاية المثل الإنجيلي إذا أخذنا بعين الإعتبار مقدّمة المثل والإطار العام لكرازة يسوع: فالشجرة التي يلجأ إليها عصافير السماء تمثّل الوضع الذي سيسود حين يقيم الله ملكوته على الأرض.
قد تبدو نبتة الخردل صغيرة لكي تدل على عظمة ملكوت الله. إذا كان يسوع قد اختارها، فلأنه أراد أن يشدّد على صغر الملكوت في نقطة الإنطلاق. فساعة بدأت المسيرة التي ستؤول إلى مجيء الملكوت المجيد، نحس كأننا أمام حدث صغير جداً، حدث نكاد لا نراه. هذا هو شعور سامعي هذا المثل. أية علاقة بين صغر رسالة يسوع التي تجري أمام عيونهم والقدرة العظيمة التي نفكّر بها ساعة تدشين ملكوت الله. فالتعارض في المثل بين حبة الخردل الصغيرة والشجرة التي خرجت منها، يوافق التعارض بين صغر رسالة يسوع و"الإنقلابات الكبيرة" التي تهيّىء الدرب لمجيء ملكوت الله.
الكبير يخرج من الصغير. ورسالة يسوع هي المرحلة الأولى في تدخّل الله من أجل إقامة ملكه على الأرض. فليعرف السامعون أن الله يعمل وقد بدأ تدخّله الحاسم الذي يصل بنا إلى الظهور التام لملكه. والتعرّف إلى المدلول الحقيقي لرسالة يسوع يعني أن نعي أن الموقف الذي نتخذه من هذه الرسالة، هو قبول أو رفض لسلطة الله في نهاية العالم. بهذا الموقف يرتبط مصير كل واحد منّا في العالم المقبل. من هنا أهمية الساعة التي نعيش فيها. وهكذا نجد في هذا المثل (حبة الخردل) التعليم الذي وجدناه في مثل الزرع الذي ينمو وحده.

3- نظرة القديس مرقس
أ- المثلان
لا نجد مثل الزرع الذي ينمو وحده إلا عند مرقس. ولهذا لا نستطيع مقابلته مع أي نصّ موازٍ. وتفحّص النص لا يتيح لنا أن نكتشف أي تصحيح يدل على تفسير شخصي. وإذا عدنا إلى مثل حبة الخردل، نجد أن نص لوقا سابق لنصّ مرقس. ما الذي حصل من تبدّل في الإنجيل الثاني؟ إختفى الرجل الذي وضع الزرع في الأرض. وتركّز الإنتباه حصراً على الزرع. قد يكون مرقس نظّم المثل على هذا الشكل، وقد يكون وصل إليه من التقليد.
لم نعرف الشيء الكثير من النص. ماذا سيعطينا السياق؟ إن المثلين اللذين درسناهما هما امتداد لمثل الزارع مع تفسيره الموسّع. لم يؤلّف مرقس هذا التفسير، بل تسلّمه من التقليد. ولكنه أعاد كتابة آ 17 حول المسيحيين الذين لا عمق فيهم، بل هم لا يثبتون إذا حدث ضيق أو اضطهاد. ويحدّد مرقس: "إضطهاد من أجل الكلمة". وقد أدخل مرقس تفاصيل مشابهة في 8: 35 (من يخسر حياته) و 10: 29 فدلّ على أنه يهتمّ بالخطر الذي تسبّبه الإضطهادات للمسيحيين فلا يثبتون. ويمكننا أن نتساءل عن آ 19 التي تورد سلسلة من العقبات في طريق الأمانة. هذه الإشارات تتيح لنا أن نفترض أن مرقس قرأ الأمثال مفكّراً في وضع الكنيسة ساعة كان يدوّن إنجيله.
وإن مجموعة آ 14- 20 توجّهنا في الخطّ عينه. فالزرع هو "الكلمة". هذه الطريقة في تسمية التعليم الإنجيلي توافق بشكل خاص زمن الرسل. نحن بشكل مباشر أمام الكلمة التي هي موضوع كرازة الكنيسة. فهي التي تجد الفشل بسبب استعدادات غير كافة عند الذين يسمعونها.
ونعود إلى مثلَي الزرع الذي ينمو وحده، ومثل حبة الخردل. لاحظنا أنهما يشدّدان على أهمية الزمن الحاضر بالنسبة إلى سامعي يسوع. وهما تدعوانهم لكي يروا في رسالة يسوع بداية تدخّل الله في نهاية الزمن. في خطّ هذه الملاحظات، يبدو من السهل أن نعي تحوّل النص في خطّ الفقاهة المسيحية وفي منظار القديس مرقس. سنرى في الأمثال تعليماً عن الزمن الحاضر. ولكن هذا الزمن لم يعد زمن رسالة يسوع العلنية، بل زمن حياة الكنيسة وكرازتها.
في هذا المنظار يتّضح أن زمن نموّ الزرع هو زمن الكنيسة الذي نعيش فيه. فالزرع الذي بذرَه المسيح ينمو الآن في غياب الزارع الذي سيعود في وقت الحصاد. والحبة الصغيرة التي وضعها المسيح في الأرض تنمو الآن لتصبح شجرة عظيمة، وتشهد عظمتها على قوّة التعليم الذي حمله يسوع إلى العالم.
ويجب أن نأخذ بعين الإعتبار مثلَي السراج والكيل (آ 21- 25) اللذين جعلهما مرقس بين تفسير مثل الزارع وبين المثلين اللذين ندرسهما. ففي السياق الحالي، تشدّد هذه الآيات على واجب التلاميذ أن ينقلوا التعليم الذي سُلِّم إليهم. وفي إطار هذه المسؤولية الإرسالية، يزيد مثلا الزرع الذي ينمو وحده وحبة الخردل أمثولةَ الثقة والإتكال على الله: فالكلمة التي حملها الرسل ستنمو بدون شكّ وستعطي ثمراً عجيباً. وهكذا يصحّح هذان المثلان ما تركه تفسير مثل الزارع من تشديد على فشل الكلمة في أن تحمل ثمراً. ولكن هذا الفشل لا يمنع الكلمة من أن تظهر فاعليتها التي لا تُقاوَم. وهذا اليقين هو الذي يشجّع الكارزين بالكلمة فلا ييأسون ولا يتراخون.
ب- التعليم بالأمثال
للوهلة الأولى، لا تطرح خاتمة خطبة الأمثال (آ 33- 34) أية مشكلة. فيسوع يعلن الكلمة للناس، للجمع المذكور في آ 1-2. وهو يتحدّث بالأمثال على قدر فهم كل واحد منهم. إذن، تبدو الأمثال في نظر يسوع وسيلة تجعل السامعين يفهمون كلامه بسهولة. ثم، هو يعطي تفسيراً لاحقاً لجماعة التلاميذ المذكورين في آ 10. أما يبدو هذا واضحاً؟ 
لا تبدو المشكلة بهذا الوضوح حين نعرف أن مرقس أراد أن ينهي كلامه في الموضوع الذي تطرّق إليه في آ 10-12 (مغزى الأمثال). فيسوع لا يتكلّم بدون أمثال (آ 34) للجمع، للذين هم من الخارج (آ 11). "كل شيء يصل إليهم بأمثال" (آ 11). "وفي الخلوة" (آ 34)، وعلى انفراد (آ 10) يفسّر لتلاميذه الأخصّاء كل شيء (آ 34). من هم تلاميذه؟ هم الذين يحيطيون به مع الإثني عشر (آ 10). هم الذين أعطي لهم سرّ ملكوت الله (آ 11). وعلى ضوء الشروح التي أعطاها مرقس عن هدف الأمثال، يتّخذ التشديد في آ 34 كل معناه: الأمثال هي لغة ملغزة (مثل الشيفرة). لا يفهمها إلا التلاميذ الذين أعطي لهم أن يفهموها. أما الشعب الذي لم يرد يسوع أن يكلّمه لغة واضحة، فلا يستطيع أن يدرك المعنى الحقيقي لتعليمه. إن سرّ ملكوت الله لم يُعطَ للذين هم في الخارج. لهذا لم يكلّمهم يسوع إلا بالأمثال.
هذه الخاتمة تجعلنا إذن أمام ما سمي: نظرية الأمثال، التي هي جزء من نظرية السرّ المسيحاني عند مرقس. كيف نتصوّر فكرة مرقس؟ حين دوّن مرقس إنجيله، جاء واقع فرض نفسه عليه فشكّكه: إن الشعب اليهودي بمجمله لم يقبل الإنجيل. كيف نفسّر هذا الفشل؟ أما فشل مخطّط الله؟ هل نرى في هذا الوضع شهادة على أن رسالة يسوع لم تكن من الله؟ إعتراض عنيف. وقد وجد له مرقس جواباً لاهوتياً في نص أش 6: 9- 10 كما يورده مر 4: 12. ففي رسالة يسوع تمّ الترتيب الإلهي الذي عبّر عنه النبي: طلب منه أن يكلّم الشعب بحيث ينظرون بعيونهم ولا يرون ويسمعون بآذانهم ولا يفهمون.
إذن، وجب على مرسل الله أن يتكلّم بشكل لا يُفهَم: هذا هو قصد الله الذي أراد أن يعمل من رسالة يسوع دينونة ضد شعب أعمى وقاسي القلب. ولكن كيف نرى في هذا القول برنامج رسالة يسوع؟ لقد وجد مرقس الحلّ في استعمال يسوع للأمثال: إن يسوع يتكلّم بالأمثال للجموع أو لخصومه الذين لا ينتظر منهم أن يفهموه. فالمثل يبدو في نظر مرقس وسيلة تجعل التعليم فوق إدراك الناس، تخفي معناه الحقيقي وراء الصور. إن التفسير ضروري لكي نفهم. ولكن لا يُعطى تفسير إلا للتلاميذ. هل نحن في عالم الباطنية؟ كلا. فالتلاميذ قد تقبّلوا وحياً لكي يخبروا به، لكي يكرزوا به على السطوح (4: 21-25).

خاتمة
إن مؤلّف مرقس يغرز جذوره في أوضاع عصره ومشاكله. وقد فكّر الإنجيلي بالكرازة المسيحية وبالمهمّة الملقاة على عاتق المسؤولين عن حمل الكلمة. فكّر بهم حين دوّن الأمثال التي ترمز إلى الكلمة من خلال الزرع. وحاول أن يجد تفسيراً لاهوتياً لفشل رسالة يسوع لدى الشعب اليهودي فقدّم تعليمه بالأمثال. فشاهدُ الكلمة ليس ذاك الذي يكرّر بطريقة آلية ما سمعه من فم معلّمه. بل ذاك الذي يبحث عن جواب لحاجات عصره وللناس الذين يعيشون في أيامه.

 

 

الفصل الخامس والعشرون
تسكين العاصمة
4: 35- 41

خبر العاصفة خبر واضح ومليء بالمعاني. ولكن إن أردنا أن ندرك كل غناه الروحي واللاهوتي فنحن نحتاج إلى الشروح. من الضروري هنا، أكثر مما في مقطوعات أخرى، أن نكتشف عالم التصوّرات والأفكار التي يتضمن هذا الخبر. بعد هذا نحاول أن نتبيّن التلميحات البيبلية التي تحيط به وتنيره. وفي مرحلة أخيرة نستطيع أن ندرك التقديم الأدبي واللاهوتي في إنجيل القديس مرقس.

1- موضوع البحر في العالم السامي
يقع المشهد على بحيرة، على بحيرة بسيطة، بحيرة صغيرة وضيّقة. والمقطع الذي ندرس يحدّثنا عن البحر! هل نحن أمام خطأ فادح من قبل الإنجيليين؟ هل جهلوا إلى هذا الحدّ طوبوغرافية بحيرة الجليل، أم راحوا يضخّمون الأمور بطريقة تجعل الناس يهزأون بهم؟ ويعارض لوقا متى ومرقس فيتكلّم فقط عن "البحيرة" وعن "الماء". لقد استبعد كل ذكر للبحر. هكذا أراد لوقا أن يصحّح ويقوّم التقليد الإنجيلي. يبدو أن لوقا لم يتشرّب، شأنه شأن مرقس ومتى، غنى التصوّرات السامية، فكيّف خبره مع روح قرّائه اليونان وخضع للعقلية الهلنستية (الحضارة اليونانية). وإذا كان مرقس قد احتفظ بموضوع البحر مع كل غناه، لا بدّ لنا في دراستنا هذا المقطع، أن ندخل في هذا العالم من التصوّرات السامية، إلى مجمل المدلولات الحسية والعقلية والرمزية والروحية التي تعطي هذه الكلمة (البحر) لوناً خاصاً في العقلية اليهودية.
في العقلية العبرية، كل مساحة مياه، سواء كانت بحراً أم بحيرة، تسمّى بالتسمية عينها. إذن، من الطبيعي أن نطبّق على البحيرة اللفظة التي بها نسمّي البحر عادة. ثم إننا نجد في كل مخيّلة سامية تصورات قديمة خاصة بالحضارة التي عاشت فيها هذه الشعوب. وهذا ما نعرفه بواسطة الكوسموغونيات (ولادة الكون) البابلية والفينيقية، ونجد له آثاراً أدبية في التوراة. لا شكّ في أن الكتاب الملهم ظلّ بعيداً عن السطر (فكرة في صورة) الوثنية. في هذا الإطار نقرأ نشيد الخلق في تك 1، ولا سيما آ 21 التي تتحدّث عن خلق التنانين البحرية (خلق الله الحيتان الضخمة. كانت مؤلّهة عند بعض الشعوب).
ولكن إذا أردنا أن نفهم كل التلميحات البيبلية إلى البحر الذي هو الغمر العظيم بتنانيه الهائلة، نعود إلى هذه الكوسموغونيات القديمة التي تصوّر الخواء الأولاني بشكل مياه تغمر كل شيء، وتصوّر عمل الخلق بشكل صراع الآلهة ضدّ الوحوش التي خرجت من البحر فصارت جزءاً من قوّته. حينئذٍ ندرك أهمية ومدلول المياه المذكورة في تك 1: 2: توه وبوه، أي تيامات، وهو اسم البحر عند البابليين بصفته شخصاً فاعلاً. ونفهم عمل الله الخلاّق الذي يمارس سلطانه على البحر (تك 1 :6- 10: لتجتمع المياه. الله يأمرها وهو سيّدها. يبعد الفوضى عن الكون). ونستشفّ المعنى الديني للوحوش البحرية التي تذكر باسم لاويتان. نقرأ في أش 27: 1: "في ذلك اليوم يعاقب الرب بسيفه القاسي العظيم الشديد لاويتان الحية الهاربة (أو: المدهشة، أو: المؤذية)، لاويتان الحية الملتوية، ويقتل التنين الذي في البحر". لاويتان هو لوتان في أناشيد أوغاريت (القرن الرابع عشر ق. م.). والتنين يبدو بشكل حيّة هائلة (عا 3:9). ونقرأ في مز 73: 13- 14: "شققت البحر (يم في الميتولوجيات هو إله) بقدرتك (أي: أخضعته)، وكسرت رؤوس التنانين على المياه. أنت رضضت رؤوس لويتان، وجعلته (كالسمكة) مأكلاً لحيتان البحر".
وما قلناه عن لاويتان نقوله عن رهب ذاك التنين الاسطوري (أش 7:30؛ 9:51- 10). وهنا نفهم قساوة سفر الرؤيا على البحر الذي يوازي الموت والجحيم (أي: مثوى الاموات). فهو سيزول ليترك المكان للخليقة الجديدة. "وألقى البحر الأموات الذين فيه، وألقى الموت والجحيم الأموات الذين فيهما... ورأيت سماء جديدة وأرضاً جديدة، لأن السماء الأولى والأرض الأولى قد زالتا. والبحر لا يكون من بعد" (رؤ 13:20-1:21).
إذن من بداية البيبليا إلى نهايتها، يمثّل البحر كالخواء الذي تخرج منه، القوى المعادية لله والإنسان. فإذا أراد الله أن يخلق أو يعيد خلق العالم، عليه أولاً أن يتغلّب على هذا العنصر ويسيطر عليه. وهذه الغلبة تتعدّى كل قوى البشر. فقوّة الله الخلاّقة وحدها تستطيع أن تفرض "قانونها" على الأمواج الهائلة وتخلّص البشر من العاصفة. "أمر فثارت ريح عاصفة وهيّجت أمواج البحر، فكانت تعلو إلى السماء وتهبط بهم إلى الأعماق، فترجّحت حياتهم في الخطر. ترنّحوا ومالوا كالسكارى، وكل حكمتهم ذهبت عبثاً. فصرخوا إلى الرب في ضيقهم، فأنقذهم من سوء حالهم. هدّأ الزوبعة فسكنت وسكتت أمواج البحر. ففرحوا حين سكنت وهداهم إلى ميناء أرادوها" (مز 107: 25- 30).
أمام هذا الضيق وهذه الصلاة لدى شعب يخاف من البحر، نكتشف الخوف من القوى المعادية للإنسان، والثقة التامة بالله الخالق والمخلّص.
هذه الملاحظات كانت ضرورية لنفهم ما يثيره موضوع البحر من صور وأفكار وعواطف في قلب الإنجيليين. وهكذا لن يعود خبر العاصفة المهدّأة خبراً بين الأخبار يروي إحدى عجائب يسوع. بل هو يتقبّل مدلولاً خاصاً. لقد شدّد مرقس حسب عادته ثلاث مرات على اتّساع العاصفة، على الهدوء والخوف، فأبرز عظمة هذا الحدث غير العادي. لا شكّ في أن فعلة المسيح هذه دخلت في قلب الرسل والإنجيليين ففهموها ورووها كدلالة على قدرة الله التي تخلق وتستعيد عمل الخلق. فالحرب ضدّ الخواء، ضدّ البحر والغمر العظيم، والإنتصار على قوى الشرّ اللاجئة إلى المياه، كل هذا ينتمي إلى عمل الله الخالق والفادي. هنا نكتشف المسيح الخالق، ذاك الذي هو الابن الذي جاء يفتقد كرمة أبيه (12: 1- 12)، والمسيح الذي يتصرّف كسيّد مطلق في هيكل الكون (15:11- 17)، وصورة الله غير المنظور الذي به وفيه خُلق كل شيء (كو 1 :15 ي)، والكلمة (لوغوس) الذي به كان كل شيء (يو 1: 1 ي). هنا نكتشف أيضاً ابن الله ومخلّص الخليقة كلها (15:16): فهو بفعلة محدودة ولا شك، ولكنها فاعلة ونبوية، يأمر بسلطانٍ الرياحَ والبحر. فبهذا العمل الخلاصي أعلن وهيّأ ودشّن الحرب الحاسمة التي يشنّها على قوى الشرّ والموت. في هذا المنظار نفهم كيف أن المسيح توجّه إلى البحر بذات الكلمات التي استعملها لكي يحارب الشياطين (25:1). ونفهم أيضاً دهشة الرسل أمام هذه الفعلة التي تشكّل بالنسبة إليهم تيوفانيا (ظهور الله) حقيقية.

2- آية يونان
هناك مشابهات عديدة بين خبر العاصفة وبداية سفر يونان. ولهذا سوف نقرأ هذه الآيات التي تدلّنا على التقارب بين الاثنين: "نزل يونان فوجد سفينة سائرة إلى ترشيش... فنزل فيها. فحرّك الرب ريحاً شديدة على البحر فثارت زوبعة عظيمة كادت تحطّم السفينة، فخاف الملاّحون وصرخوا، كل واحد إلى إلهه... أما يونان فنزل إلى جوف السفينة واضطجع واستغرق في النوم. فاقترب منه القبطان وقال له: ما بالك مستغرقاً في النوم؟ قم ادعُ إلهك لعلّه يفكّر فينا فلا نهلك... خاف الملاّحون خوفاً عظيماً... كان البحر يزداد هياجاً... فصرخوا إلى الرب وقالوا: أيها الرب، لا تهلكنا بسبب هذا الرجل... ثم حملوا يونان وألقوه في البحر، فوقف البحر عن هياجه. فخاف الرجال الرب خوفاً عظيماً" (يون 1: 3-16).
لا شكّ في أننا حين نروي خبر عاصفة نستعمل ذات الكلمات. ولكن التقاربات بين سفر يونان والخبر الإنجيلي هي عديدة جداً بحيث يبدو من الصعب أن نرجع كل شيء إلى مجرّد صدفة. نحسّ أن الإنجيليين رووا خبر تهدئة العاصفة وهم يفكّرون في يونان. وهذا الشعور يصبح واقعاً حين نتذكّر أن التقاليد الإنجيلية عرفت مقابلة واضحة بين يسوع ويونان: "فكما بقي يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليالي، كذلك يبقى ابن الانسان في بطن الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ (مت 39:12- 40؛ رج 4:16؛ لو 11 :30).
وهكذا يعيدنا النصّ بهذه التلميحات إلى صراع المسيح ضدّ قوى الموت. ويرى الإنجيلي، عبر هذا الخبر، العاصفة الكبرى التي تهدّد يوم الجمعة العظيمة، بأن تبتلع يسوع الذي نام في الموت، والرسل الذين صار إيمانهم كنار كادت تنطفىء!
3- إيمان بالمسيح سيّد العاصفة
والآن نستطيع بواسطة مقابلات منيرة بين متى ومرقس، أن ندرس قرائن النص في الإنجيل الثاني ونحلّل غناه الأدبي واللاهوتي.
أ- قرائن النص
قبل أن يروي متى خبر تهدئة العاصفة، فهو يصوّر الموقف المتردّد لدى تلاميذ عديدين لا يستطيعون أن يوافقوا حياتهم مع متطلّبات المسيح (مت 8: 19- 22). إن هذا السياق المباشر والعبارات العديدة (مثلا، تبع) المشتركة بين المقطعين، تظهر بوضوح أن متى أراد أن يعطينا هنا تعليماً عن إيمان التلميذ: حين يتبع يسوع عبر العاصفة، فهو يضع فيه كامل ثقته.
إننا لا نجد هذا الإطار المتاوي الواضح والمعبّر عند مرقس بشكل مباشر. ولكن إذا أردنا أن نفهم كل مدلول هذا الحدث في الإنجيل الثاني، يجب علينا أن نحدّد موقعه في القسم الأول من إنجيل مرقس (14:1- 30:8). فهذا القسم يتركّز على سؤالا يجب أن يطرحه كل إنسان على يسوع: "من أنت"؟ ويهدف هذا القسم إلى أن يكشف سرّ يسوع من خلال رسالته. وهو يجد ذروته في اعتراف بطرس بالمسيح (27:8- 30) قبل أن يعرف إنطلاقة جديدة مع شك الآلام (8: 31- 33: وبدأ يعلّمهم أن ابن الانسان يجب أن يتألم كثيراً). غير أن هذا الاعتراف تهيّئه المقطوعة التي ندرس (تهدئة العاصفة) والتي تشكّل قطعة أساسية في كشف يسوع عن نفسه. فهتاف التلاميذ في 4: 41 (من هذا؟ حتى الريح والبحر يطيعانه) يفسّر لا كتساؤل بسيط، بل كإعجاب ودهشة أمام سر يسوع الذي يتصرّف بقدرته الإلهية.
غير أن هذا القسم الأول من إنجيل مرقس ينقسم إلى ثلاثة أجزاء: الجزء الأول (1: 14- 3: 7) يصوّر يسوع الذي يسعى إلى إظهار رسالته الحقيقية أمام الجموع. في الجزء الثاني (3: 8- 6: 6 أ) "صنع" يسوع تلاميذه ليمدّوا رسالته إلى البعيد. في الجزء الثالث (6: 6 ب- 8: 30) أطعم يسوع الجموع الكبيرة، وكان موت يوحنا المعمدان مقدّمة لموته. أما المقطوعة التي ندرس فهي في الجزء الثاني: إن التعليم بالأمثال الذي يسبق تهدئة العاصفة يضع حداً فاصلاً بين الذين هم في الخارج فيبقى كل شيء لهم لغزاً (سراً) وبين الذين هم في الداخل، أي التلاميذ الذين يقدّم إليهم المعلّم تفسير أمثاله ويفتحهم على سرّه. وفي خبر العاصفة الذي يبدو "مثلاً" به يعلّم يسوع تلاميذه من خلال عمله (هناك لقب "معلّم" في آ 38. قال الرسل ليسوع: "يا معلّم")، يشبه التلميذ الحقيقي الأرض الطيّبة التي تتقبّل الزرع وتنفتح بشوق على وحي السرّ. بالإضافة إلى ذلك، على التلميذ أن يتبع المعلّم بإيمان، وذلك عبر الأخطار التي يرمز إليها البحر والريح.
ب- تحليل المقطوعة
أولاً: خوف من العبور
ما يلفت انتباهنا في الآيات الأولى من هذا الخبر، هو تكديس العبارات والصور التي تخلق مناخاً من الضيق والخوف (هناك أزمة في القلوب). فعبارة "في ذلك اليوم" ليست عبارة حيادية. بل هي تدلّ على يوم الرب (في التوراة) مع كل الكوارث والمحن التي تسبق إنتصار الله في نهاية الأزمنة. "عند المساء". هي ساعة الظلمة، والدعوة للعبور إلى الشاطىء الآخر. هو العبور إلى العالم الوثني. لا نبقى في العالم اليهودي مهما كانت الصعوبات التي تعيق هذا العبور.
وفي آ 37: العاصفة تهب. الأمواج تضرب السفينة (القارب) التي تمتلىء ماء. نحن في مناخ المحنة والخطر. ولكننا لسنا أمام حادث عادي: فالمشهد يحصل على البحر، على الغمر الأولاني الذي تلجأ إليه قوى الشرّ. وها هي تتحرّك لتبتلع ابن الله والرجال الذين جاؤوا معه، تبتلع ابن الله الذي جاء يخلّص العالم. وتقف بوجه هؤلاء الذاهبين إلى العالم الوثني ليحملوا إليه الإنجيل.
حين نعرف إلى أيّ حدّ تغذّت مقاطع الإنجيل خلالا الكرازة الأولى وتأثّرت بأخبار الآلام والقيامة، نرى في هذا المشهد العاصفة الحقيقية التي هبّت على يسوع والتلاميذ يوم الجمعة العظيمة. وإذا عدنا إلى نفوسنا، هناك عاصفة نواجهها كل يوم حين نواجه محن الحياة. وحين يأتي المساء فتهدّد قوى الموت بابتلاعنا وجرفنا إلى الغمر العظيم، نصرخ إلى الرب، ولا نخاف العبور إلى الشاطىء المقابل.
ثانياً: رقاد المسيح وموت الله
ساعة كان القارب والراكبون فيه في خطر، كان يسوع نائماً. هناك نظرة أولى إلى يسوع الذي يستطيع أن ينام وسط العاصفة. هناك التعب، وهناك بنية رجل يتحدّى صعوبات الحياة. ولكن النظرة الثانية هي أعمق بكثير. فنوم المسيح هو صورة عن موته، ورمز إلى غيابه بالجسد (بعد قيامته وصعوده، سيكون يسوع غائباً بالجسد عن كنيسته).
إن التوراة تتكلّم مراراً عن الموت بلغة الرقاد. مثلاً، إبتهل المرتّل إلى الله فقال له: "أنر عيني فلا أنام نومة الموت" (مز 13: 4). ونقرأ في دا 12: 2: "كثير من الراقدين في تراب الأرض يستيقظون... للحياة الأبدية" (يستيقظون، يقومون من الموت). ويستعيد العهد الجديد هذه الإستعارة. فيتحدّث بولس عن الذين "رقدوا (ماتوا) في، يسوع" (1 تس 4: 14). ويقابل بين الأحياء والراقدين (آ 15)، بين الساهرين والنائمين (5: 10) أي بين الأحياء والموتى (رج أف 5: 14؛ يو 11: 11- 14؛ مر 5: 39- 41). وإذا أخذنا بعين الاعتبار هذه الناحية، نجد نفوسنا مرة أخرى أمام آلام المسيح وموته.
بيد أن موضوع الرقاد (النوم) يُستعمل في التوراة أيضاً ليدلّ على لامبالاة الله وغيابه الظاهر. مثلاً، يحاول المرتّل الذي أحسّ نفسه متروكاً، أن يوقظ الله: "أفق. لماذا تنام يا رب؟ إنهض. لا تخذلنا إلى الأبد" (مز 44: 24). وفي مكان آخر يلمّح النبي إلى الخروج من مصر (يصوّره بصور كوسموغونية) فيربط بين قدرة الله الخلاّقة (وخصوصاً انتصاره على المياه، على الغمر الأولاني وتنانينه البحرية) وعمله الخلاصي في وقت الخروج و"استيقاظه" الآن (بعد أن كان نائماً): "إستفيقي! إلبسي الجبروت يا ذراع الرب. إستفيقي كما في القديم، كما في غابر الأجيال. أنتِ التي قطعتِ رهب وطعنت التنين طعناً. أنت التي جفّفت البحر، مياه الغمر العظيم، فجعلت أعماقه طريقاً ليعبر فيه المفتدون" (أش 51: 9- 10).
إذن نلاحظ أن لاهوت "رقاد الله" (أو: موت الله) يعود إلى العهد القديم. نحن هنا أمام موقف يوافق وضع البشر في كل مكان: فالإنسان الديني هو ضعيف، جاهل، مهدّد من كل جهة. يدعو الرب. ولكن يخيب أمله حين لا يتجلّى الله في الأسباب الطبيعية. حينئذ يظنّ أن الله نائم. وبعد أن ينتقل من سراب إلى سراب يطرد من قلبه كل عاطفة دينية ويحصر نفسه في هذه الأرض.
ولكن بدل هذا السراب وهذه الآمال الخائبة وهذه الحلول المحدودة هناك طريق أكيدة ولكنها صعبة. طريق يقدّمها الكتاب المقدس وخصوصاً هذه المقطوعة التي ندرس. حين نتبع حركة وحي الله، لا بدّ من أن ننقّي موقفنا لنقود إلى الإيمان المسيحيَّ الحقيقي. ننظر مثلاً إلى موسى: أراد أن يسجن نفسه داخل المقولات الحسية. فطلب من الله أن يريه مجده. طلب بجرأة دينية تكشف عن توق الإنسان العميق إلى الله. فجاءه الجواب: "لا تستطيع أن ترى وجهي. فالإنسان لا يستطيع أن يراني ويبقى على قيد الحياة" (خر 33: 20). ولكن الرب حمى موسى بيده، وقَبِل أن يمرّ أمامه. قال له: "ثم أزيح يدي فتنظر ظهري. أما وجهي فلا تراه" (خر 33: 23).
شعب إسرائيل هو مثل موسى. أراد من الله أن يخلّصه، أن يتدخّل بشكل بشري. وسيحتاج إلى خبرات ومحن عديدة لكي يفهم أن الخروج الحقيقي، الخلاص الحقيقي، ليس عبور البحر الأحمر، بل العبور إلى الله. وسيفهم الرسل في العاصفة أن العبور الحقيقي إلى الشاطىء المقابل هو موت المسيح المتروك وحده (ظاهراً) بين الأرض والسماء. وهناك عبور سيعيشونه حين يعرفون الإضطهاد الذي أشار إليه مرقس مراراً حين دوّن إنجيله.
في هذه الظروف، هل نحسب الله غائباً، نائماً، مائتاً؟ كلاّ ثم كلاّ. هو حاضر وفاعل أكثر من أي شيء وأي شخص في العالم. وحضوره عميق جداً، ونحن لا ندركه إن لم يتحوّل إندفاعنا إلى إيمان بعد أن يتنقّى في كل مراحله. ولا نتحدّث عن أي إيمان، بل عن إيمان يتجذّر في المسيح، أي يتقبّل الموت ليبلغ إلى القيامة. وبكلمة أخرى، إن الخلاص الذي نؤمن به لا يجعلنا نفلت قبل الوقت من المحن التي تلازم وضعنا البشري. بل يجعلنا عبر العالم وعبر حرّيتنا نتعلّق بالله ونستسلم له. الله ليس ميتاً. ولكن يجيب أن "نميت" (ننقي) فكرتنا عنه وعن عمله. لقد مات كلمة الله المتجسّد، ولكنه قام. إختفى من عالمنا المحسوس ولكنه يفعل الآن بكل قوة الروح. في هذا المنظار نفهم المدلول اللاهوتي لرقاد المسيح.
ثالثاً: إيمان بالمسيح الذي مات وقام
هناك صرخة الرسل الذين أيقظوا يسوع: "يا معلّم، أما يهمّك أننا نهلك" (آ 38)؟ قد نفهم هذه الصراخة لوماً جريئاً وعتاباً محباً. ولكن يجب أن نفسّرها "قلة إيمان". خاف التلاميذ: فيسوع النائم لا يستطيع أن يخلّصهم! بل أكثر من ذلك: لم يفهموا أن الخلاص الذي يحمله المسيح، لا يلغي المخاطر والعواصف، بل يمرّ حتماً عبر الآلام والموت.
عند متى، صرخ التلاميذ: "يا ربّ، خلّصنا. فقد هلكنا" (8: 25). هذا التعبير القريب من دعائنا "كيرياليسن" (أي: يا رب إرحم) ويعكس تأثيراً ليتورجياً يعطي هذه الصرخة بُعداً شاملاً وحالياً. ولكن صلاة الرسل (وصلاتنا الآن) قد تفسرّ في شكلين مختلفين: إما تعبّر عن ثقة تامة بالمسيح المخلّص. وإما تدلّ على قلق واضطراب، على رغبة بالنجاة دون مرور في المحنة.، يبدو أن مرقس يتوقّف عند الشكل الثاني: فالمسيح يوجّه توبيخاً إلى تلاميذه. هذا يدلّ على أن اتكالهم عليه كان ضعيفاً.
وهذا التوبيخ قاس جدّاً عند مرقس: "أما عندكم إيمان بعد" (آ 40)؟ (أين إيمانكم؟). يعبّر متى ولوقا عن هذا اللوم بشكل يختلف بعض الشيء عما في مرقس، وبطريقة أقلّ قساوة. قال لو 8: 25: "أين هو إيمانكم"؟ فدلّ على أن هذا الإيمان موجود ولكنه لا يعرف كيف يظهر. وقال مت 8: 26: "يا قليلي الإيمان"! وهذا يعني أن للرسل بعض الإيمان (عند مرقس: لا إيمان عندهم!).
إذا قابلنا مرقس مع متى ولوقا، نرى قساوة كلمة يسوع. ولكن هناك أوقاتاً في حياة الرسل استحقوا فيها مثل هذا التوبيخ: أما هربوا وشكّوا حين أوقف المسيح وحُكم عليه بالموت؟ وكان ارتيابهم عميقاً جداً بحيث رفضوا أن يصدّقوا أول الشهود على ظهورات المسيح القائم من الموت. حين صوّر لوقا (24: 21-24) موقف تلميذي عمّاوس بما فيه من إرتياب وخيبة أمل، دلّ في الوقت عينه على الحالة السائدة بين الرسل. ونهاية مرقس (16: 9- 20) ستشدّد على شكّ الرسل وحيرتهم وضياعهم: كرّر مرتين أن أول الشهود للقيامة حملوا البشرى إلى الرسل، ولكن الرسل لم يصدّقوا أحداً. حينئذ ظهر المسيح نفسه "ولامهم على قلّة إيمانهم (على لا إيمانهم) وقساوة قلوبهم، لأنهم لم يصدّقوا الذين شاهدوه بعدما قام" (16: 14). إذا كان مرقس قد فكّر في لا إيمان الرسل حين أورد حدث تسكين العاصفة، حينئذ نفهم أن يكون وضع في فم المسيح توبيخاً قاسياً بسبب قلّة إيمانهم.
وعبر هذا الحدث نستشفّ عاصفة كبرى، هي عاصفة الآلام التي ضربت قارب الجماعة الرسولية (الصغير)، هي حيرة الرسل حين رقد المسيح رقاد الموت. ولكن تجاه قوى الخواء، تجاه الشرّ والموت الذي يدلّ عليه البحر، تجاه كل هذا، قام يسوع بقدرته الإلهية. نحن ننتقل معه في القارب إذ يهاجمنا خطر الموت والغرق. وحين ينهض المسيح من نومه ويسكت العدو، يخلّصنا كلنا معه. ولكن عبر هذه الآية العجائبية، يجب أن نرى كيف يتحقّق خلاصنا.
نتيقّن هنا أولاً أننا مخلّصون، لأن مصيرنا مرتبط بمصير المسيح. ونعرف ثانياً ضرورة الانتقال روحياً وحقيقياً عبر عاطفة الموت لنصل إلى الخلاص.

خاتمة: المسيح والإيمان الحقيقي
وهكذا نكتشف إتجاهين في هذه المقطوعة التي درسناها. الأول كرستولوجي. استعمل مرقس الخلفية البيبلية، وصوّر يسوع الذي يحقّق آية يونان في أعماق الغمر ويهدىء البحر بقدرته الخلاّقة، فقدّم لنا موت المسيح ومجده الفصحي. والثاني هو ضرورة الإيمان. في جزء مخصّص لتربية التلاميذ، بدا الرسل يقاذفهم الشك ويوبّخهم يسوع.
شدّد متى على الوجهة الكرستولوجية. تحدّث عن العاصفة فسماها "سايسموس" ولكنه استعمل هذه الكلمة ليصوّر أحداث النهاية (مت 24: 7) ولا سيما موت المسيح (مت 27: 54) وقيامته (مت 28: 2). وحين صوّر يسوع ناهضاً استعمل فعل "اغايرو" الذي يدلّ أيضاً على قيامة المسيح (أع 13: 22، 23، 30، 38؛ أف 5: 14). وشدّد أيضاً على تربية إيمان التلاميذ الذين دعوا ليتبعوا يسوع عبر العاصفة. فمن خلال عاصفة على بحيرة الجليل، وبعد موت يسوع وقيامته، هناك عاصفة أخرى هي الاضطهادات الأولى التي يعرفها المسيحيون.
إن اتّباع يسوع في العاصفة، اليوم وغداً، يعني أن نتبعه في موته وقيامته. من خلال قدرة الله الخلاقة والتلميحات إلى يونان ونهاية الخبر، نكتشف شخص المسيح ورسالته. ولكن تمجيد يسوع كالمخلّص والرب يبدو كشهادة إيمان الرسل. ويشكّل في الوقت عينه دعوة إلى الإيمان المسيحي الذي يمرّ بالصليب والقيامة.

 

 

الفصل السادس والعشرون
مجنون الجراسيين
5: 1- 20

خبر فيه نكهة ونكتة: فالشياطين لا يكتفون بأن يخضعوا لأمر المسيح فيتخلّوا عن تعذيب ضحيّتهم البشرة. فبعد أن حصلوا على السماح بأن يلجأوا إلى هؤلاء الخنازير التعساء، طُرحوا في البحر مع ضحاياهم الجدد. مرات عديدة نحتار أمام هذه المجموعة من العناصر الخارقة والشعبية، فلا نحتفظ من الخبر إلا بأربع أو خمس مسائل نتجادل حولها ولا ننتهي: هل التقى يسوع ممسوساً واحداً ام ممسوسين إثنين؟ ما هو رأينا بهذه الحالة التي فيها "يمتلك" الشيطان إنساناً؟ ما هو المرض العقلي الذي أصاب هذا الممسوس؟ كيف نبرّر هلاك الخنازير؟ أي مكان من الشاطىء يرتفع عن سطح المياه فيتيح للحيوانات أن ترتمي في البحيرة؟ ما هي القيمة التاريخية لهذا الخبر؟
نحن لا ننكر أهمية هذه الأسئلة. ولكننا نودّ أن نوجّه دراستنا في خط آخر. ولنقلها مرة واحدة: يبدو هذا الخبر، لا سيما عند مرقس، في شكل تصويري وشعبي. وقد يتشكّك البعض من حيوية الرواية وما فيها من نكتة. أما نحن فنندهش أمام المزيج الشيّق الذي يقدّمه هذا الخبر: فبعد أن نشارك المسيح حربه ضدّ الشياطين، وبعد أن نضحك بملء أواهنا من حيلة يسوع على الشياطين. نستعدّ لنفهم بجدية من أي خطر قاتل نجّانا يسوع وكيف أن ابن الله الذي جاء لمساعدتنا قد طرده البشر.
إذن، لنحاول أن نتذوّق جمال الحدث، وأن نستشفّ عمقه الروحي. وخلال دراستنا سنميّز المعنى الذي نسبه كل من الإزائيين الثلاثة إلى هذا الخبر. ففي نظر مرقس، إنتصر يسوع بصعوبة على قوى الشر وغلبها بالحيلة. أما أمام إرادة البشر السيئة، فظلّ ابن الله اعزل بلا سلاح: طرد بعد أن غُلب في الظاهر، فابتعد. ولكنه ترك وراءه شاهداً على هذه الأرض الوثنية. وأرانا لوقا هذا الإنسان الذي هو ضحية الشياطين، وبيّن الخلاص الذي يحمله إليه يسوع القدير. أما متى فرأى في هذا المشهد صورة مسبقة عن الآلام.

1- خبر مرقس
أ- رفيق القبور ومسكن الشيطان
للوهلة الأولى تظهر بداية الخبر عند مرقس بشكل غير مرتّب. ففي سلسلة من الجمل المتداخلة حيث تتكوّم التكرارات والتوكيدات، حاول الكاتب أن يصوّر نزول يسوع على الأرض، وصول المتشيطن، قوته وجنونه. أسلوب مرقس أسلوب حدسي ومليء بالصور. لهذا يأتي ما يكتبه تصويرياً ومتحرّكاً. فتأليف كل نظرة من نظراته، وترتيب كل من متتالياته يتضمّن لاهوتاً عميقاً. فكلمة "قبر" ترد تحت قلمه ثلاث مرات في بضعة أسطر. هل نرى في هذه الظاهرة إشارة إلى تعدّد المراجع (تظهر لفظة "قبر" في لفظتين مختلفتين)، أو نتهم الكاتب بتقصير في الكتابة؟
في التدوين الحالي نحن بالأحرى أمام صورة تسيطر على القارىء وتحمل معنى لاهوتياً: فهذه "القبور" التي تتكاثر على خلفيّة الخبر تدلّ بوضوح على أن الشياطين يرتبطون بالموت. فالإنسان "المملوك" لم يعد ينتمي إلى عالم الأحياء. وعبر هذا الإنسان المهدّد، هي قوة الشياطين والموت تظهر بشكل يفوق الطبيعة، هذه القوة يصوّرها لنا مرقس (آ 3- 4) بأسلوب معبّر: يلفت انتباهنا بتكراراته وتوكيداته. فالسلاسل والقيود تتلاقى فتحيط بنا وتسجننا فتؤثّر علينا أكثر من خطبة مجرّدة.
هذا التصوير الذي يحيط به تكرار "القبور" (آ 3 أ، 5 أ) يتضمّن عدداً من الكلمات تعود مراراً: السلاسل (3 مرات)، القيود، ربط، أحد (مرتين لكل من هذه الألفاظ). ثم فعل "قطع"، حطّم، القريبان الواحد من الآخر. وتكويم علامات النفي يشكّل حشواً ولغواً. وتعود "القيود" و"السلاسل" في آ 4 أ ثم آ 4 ب بشكل معاكس. وأخيراً في آ 4، وبعد "لأن" انتظرنا تفسيراً أول. في الواقع، جاءت الجملة التالية تدخلنا في التفسير الحقيقي الذي نجده في آ 4 ب.
إن أول ردّة فعل عند الممسوس حين رأى يسوع من بعيد، كانت أنه ركض وسجد له. هل نحن أمام حيلة من العدوّ يتظاهر بأنه مسالم ومليء بالإحترام، أم أن الممسوس أحسّ بنفسه مجبراً رغماً عنه أن يخضع لانجذاب سرّي في يسوع؟ ماذا نختار، وهل يجب أن نختار؟ كان مرقس قريباً من التباسات الحياة فلم يتطرّق إلى تفسير سيكولوجي لا يحيط بتشعبّات الواقع المعاش. فالناظر، شأنه شأن الممسوس، لا يعرف شيئاً عن الدوافع العميقة التي دفعت هذا الإنسان المسكين إلى المسيح. فليست السيكولوجيا هي التي تعلّمنا، بل نتيجة العمل الذي قام به يسوع. والكلمات الأولى التي تلفّظ بها الممسوس تدلّ على مزيج من الخوف والحيلة: "مالي ولك، يا يسوع ابن الله العلي! ناشدتك الله أن لا تعذبني"! ها هو هذا الشيطان الخبيث يستحلف يسوع باسم الله. أي مكر، أي مداعبة تجديفية! ولكن حين دلّ يسوع على أنه يعرف اسمه وصفته، جعل نفسه في موضع القوة وتقدّم يرافقه تهديد خفي.
عبر كل ما هو هزء وتهديد ونوايا سيّئة، يجعلنا مرقس نكتشف حقيقة الأحداث والأشخاص. ففي نظر الإنجيلي وقارئه، إن الذين يهزأون بيسوع ويسمونه "النبي" (14: 65). والجنود الذين يضعون على رأسه إكليلاً (تاجاً من الشوك!) (15: 17- 18). والعابرون الذين يطلبون منه أن يعيد بناء الهيكل في ثلاثة أيام (15: 29). كل هؤلاء يعبّرون عن حقيقة عميقة جداً. وقد نكون هنا أمام الوضع عينه: ما يقوله الشيطان تملّقاً وتهديداً، يشكّك في الواقع اعترافاً بسرّ يسوع وإعلاناً له. وفي ساعة المعمودية والتجلّي كان قد أعلن الصوت الإلهي بنوّة يسوع الإلهية (1: 11: انت ابني الحبيب عنك رضيت؛ 9: 7: هذا هو ابني الحبيب فله اسمعوا). أقرّ الشياطين بهذا القول على طريقتهم (3: 11: انت ابن الله؛ 5: 7). يجب أن ننتظر موت يسوع وارتداد الأمم (15: 39: قائد المئة: هذا بالحقيقة إبن الله) لكي تشارك الأرض والسماء والجحيم في هذا الإعلان الشامل: يسوع هو الرب لمجد الله الآب (فل 2: 10).
قال الممسوس: ما لنا ولك؟ إلى من ننسب هذا الإعلان؟ إلى الممسوس أم إلى الشيطان؟ سؤال باطل بالنسبة إلى مرقس الذي لا يميّز الواحد عن الآخر: إن الراوي يصوّر ما يرى وما يسمع. ولكن في الواقع، هو الشيطان يجعل الممسوس يتكلّم. شيطان يعرف أنه في بيته في هذه الأرض الوثنية، فلماذا يهاجمه يسوع في عقر داره؟
كانوا يعتبرون أن العالم مقسوم قسمين: القسم العلوي (الفوقي) يخصّ الله العلي. أما الجحيم والغمر والمياه العميقة فهي مواطن الشياطين. وقسمت الأرض أيضاً قسمين فتوزّعت بين قوتين: أعطيت أرض إسرائيل لله وأرض الأمم للشياطين. وهكذا نفهم ردّة الفعل عند الشيطان: "مالي ولك"؟ لا علاقة بيننا وأنت في أرضك وأنا في أرضي؟ لماذا تتدخّل، لماذا العداء؟ تملّق وتهديد أيضاً. هناك فصل بين أرض وأرض، بين قوّة وقوّة. لماذا يأتي ابن الله العلي إلى منطقة لا تخصّه. هناك "معاهدة ضمنية"! أن يجترح معجزات، أن يقوم بطرد الشياطين في أرض إسرائيل، فهذا أمر عادي! ولكن لماذا يأتي إلى هذه الأرض الوثنية لكي يعذّب الشياطين؟
إن سفر الرؤيا يصوّر العذاب الذي ينتظر الشياطين: "وأما إبليس... فطُرح في بحيرة النار والكبريت، حيث الوحش (يدلّ على ما هو شرّير وألحق الضرر بالكنيسة) والنبي الكذاب أيضاً. هناك يعذّبون ليلاً ونهاراً إلى دهر الدهور" (رؤ 20: 10).
لا ننسى أننا هنا في أرض وثنية. هذا الأمر واضح بالنسبة إلى الإنجيلي وبالنسبة إلى قرّائه. نحن في الجهة المقابلة من البحيرة (هناك جهة يهودية سنعود إليها مع إبنة يائيرس، 5: 22، وجهة وثنية)، في بلاد الجراسيين (5: 1). فاليهودي سواء كان مجنوناً أو ممسوساً لن يقبل يوماً أن يعيش في القبور (5: 3). ثم إن اسم "العلي" قد استعمله الوثنيون ليدعوا إله إسرائيل (5: 7). الشياطين يطلبون أن لا يتركوا هذه المنطقة، فهي أرض وثنية وبالتالي تخصّهم (5: 10). أخيراً إن وجود قطيع الخنازير يدلّ بما فيه الكفاية أننا لسنا في أرض اسرائيل (5: 11).
وإذا أخذنا بعين الإعتبار الرنّة السرية للكلمات، نتساءل: حين صوّر مرقس الممسوس (رأى يسوع من بعد فأقبل إليه 4، 5: 6) أدخل تلميحاً رمزياً إلى وضع الوثنيين الذين هم "في البعيد". نجد هذه العبارة في تكثير الخبز الثاني، الذي يهتمّ بالوثنيين: "بعضهم قد جاء من بعيد" (8: 3). أخيراً يشير هذا النص إلى أف 2: 13 حيث المسيحيون الآتون من العالم الوثني يسمّون: "أنتم الذين كنتم بعيدين".
مهما يكن من أمر هذه التقاربات الدقيقة، من الواضح أن مرقس يصوّر لنا هنا عمل يسوع الخلاصي من أجل إنسان وثني. وبعد وقت قليل، وفي الخط عينه، سيورد مرقس "تقسيماً" (طرد الشيطان) على ابنة امرأة سورية فينيقية (7: 21- 30)، ثم شفاء أخرس ألكن في قلب منطقة الدكابوليس (المدن العشر) (7: 31- 37). وأخيراً، تكثير الخبز الثاني من أجل الوثنيين (8: 1- 10). إن هذه الأحداث "الأممية" (توجّه إلى الأمم الوثنية الموزّعة في العالم) قد رتبت بشكل متصاعد كما في أسرار التنشئة: دعوة يسوع من خلال مجنون الجراسيين، طرد الشيطان (التقسيم في المعمودية) من إبنة المرأة الكنعانية. حفلة المعمودية مع الأصمّ الألكن ولفظة "افاتا" أي انفتح، المرتبطة بسر العماد. وأخيراً حفلة الإفخارستيا من أجل الجموع الوثنية التي جاءت من بعيد، فأكلت وشبعت.
ب- يسوع يهاجم الشرّ
منذ البداية بدأ يسوع هجومه: "أخرج من هذا الرجل، أيها الروح النجس". ولكن هذا الأمر يعطى في صيغة الماضي: "كان يقول له". لا شكّ في أن الماضي يُستعمل مراراً مع فعل "قال" وما يشبهه. ولكن أن يستعمله مرقس وهو الذي يفضّل الحاضر التاريخي، ويستعمله ثلاث مرات في هذه المقطوعة (آ 7، 9، 19) فهذا ما يدلّ على أنه يجب أن نأخذ هذه الصيغة بكل قوتها. ففي كل هذا الخبر إستعمل مرقس صيغاً تدل على عمل يدوم ويتكرّر، صيغاً تصوّر عملاً لا يصل إلى هدنة في الوقت المباشر. لهذا نحن ننتظر الفشل أو أقله صراعاً طويلاً (رج شفاء أعمى بيت صيدا). إذن، يستطيع يسوع أن يكرّر أمره. فالنتيجة تتأخّر، والأمر لا "ينفَّذ" في الحال. لا عجب في ذلك، فنحن في أرض وثنية. ثم، إذا عدنا إلى عقلية ذاك الزمان، نفهم أنه من الضروري أن نعرف إسم المحاور لكي يكون لنا سلطة عليه. أما هنا فالشيطان يعرف اسم يسوع، أما يسوع فيجهل اسم الشيطان. ورغم الأمر الذي تكرّر، رفض الروح النجس أن يطيع لأنه متأكّد من قوته. هل سيكون الفشل نتيجة هذه الحرب؟!
على يسوع أن يأخذ خصمه بالحيلة، أي أن يجبره على البوح باسمه. والماضي المستعمل هنا يجعلنا نستشفّ مقاومة العدو (سأله أكثر من مرة، آ 9)، ويصوّر إلحاح يسوع الذي ينتصر في النهاية. ولكنه انتصار قصير لأن القوة الشيطانية الظاهرة بدت وكأنها لا تُقهر: "إسمي لجيون لأننا كثيرون". ما نستغربه في هذه الجملة هو وجود مزيج من المفرد والجمع. هل يدلّ المفرد على الإنسان "المملوك"؟ أم نحن بالأحرى أمام الكائن الشيطاني؟ أما اسم "لجيون" فيدلّ على قوة التقسيم والتفكيك التي تعمل في هذا الممسوس. بل يدلّ بالأحرى على أن الكيان الشيطاني الحاضر هنا يشكّل قوة عظيمة ومنظّمة (في مت 53:26 تستعمل كلمة لجيون فتدلّ على هذه القوة، على هذا الجيش المنتظم). من يستطيع أن يقهر هذا "اللجيون"؟ أما خاطر يسوع حين هاجمه؟ ولكن يسوع سيفكّك هذا الجيش ويلقيه في البحر. هو جيش من الشرّ صعد من البحر، وها هو يعود إلى موضعه فلا يؤذي الإنسان من بعد.
غير أن "لجيون" بدأ يتوسّل إلى يسوع. انتظرنا حرباً قاسية، فإذا العدوّ يقرّ سريعاً بقدرة الذي أجبره على أن يبوح باسمه. وهكذا بدا يسوع، كما صوّره مرقس، شخصاً يملك قوة لا تنازع. ومع ذلك فهو يُعمل فكره و"حيلته" الروحية ليستعمل قدرته حيث يجب أن تُستعمل.
نجح يسوع في التعرّف إلى اسم الشياطين، فتفوّق عليهم. حينئذ لجأوا إلى التوسّل، كما تقول صيغة الماضي هنا: طلبوا وكرّروا طلبهم، ألحّوا عليه بأن لا يطردهم من خارج أرضهم، من هذه الأرض الوثنية: ولكن يسوع ليس مستعداً للتنازل. ولكن كانت هناك تسوية أملها الشياطين في سؤال جديد (آ 12). تقوم هذه التسوية بأن يبدّل الشياطين موضع إقامتهم. والغريب هو أن يسوع قبل طلبهم. هل مزج بين العطف والضعف؟ هل سيترك الشياطين يغشّونه ويضلّلونه؟ في هذا الهجوم المليء بالحيلة والفخاخ، بدا يسوع في وضع سيّء، وبدا الشياطين وكأنهم سينجحون بأقل ما يكون من التعب. ها هم يفلتون من قبضة يسوع. 
يجب أن نتبع تحرّكهم في هذه الجملة المرقسية: هناك حروف الجرّ المنفصلة أو تلك المتّصلة بالفعل، وهي تجعلنا نشاهد انتقال الشياطين. ولكن هذا التحرّك الذي لا يقاوَم، راح أبعد مما كان متوقعاً: إندفع الشياطين وجرّوا في اندفاعهم الخنازير. سقطوا مع الخنازير في البحر. بعد هذا المشهد الذي يصوّر بصيغة فعلية تدلّ على حدوث الأمر مرة واحدة، يرد فعل الماضي لكي يقول لنا إن الخنازير كانت 2000، فاختنقوا كلهم في البحر.
خبر جدّي، ولكنه يتضمّن عنصراً هزلياً وشعبياً. يجب أن نترك الراوي يقودنا، فنحسّ مع السامع أو مع القارىء. أولاً، قلقنا من أجل المسيح، وحاربنا (في قلبنا) معه ضدّ الشياطين. واستشففنا النصر، ولكن بدا العدو وكأنه يفلت، وتوقّف الخبر قليلاً فحبسنا أنفاسنا. وفي النهاية كانت صيحة النصر قوية جداً لأن الضربة القاضية لم تكن متوقّعه على هذا النحو. فالإذن الذي أعطاه المسيح للشياطين بأن يدخلوا الخنازير، كان حيلة عادلة: ظنّوا أنهم يفلتون. فهلكوا وعادوا إلى البحر الذي هو في العقلية السامية موطن القوى الشرّيرة.
لم يكن من قبيل الصدف أو الخطأ أن يكون مرقس قد سمّى بحيرة الجليل "البحر". ففي اللغة العبرية، كل مساحة مياه، سواء كانت بحيرة أو بحراً، تسمّى باسم واحد. إذن، كان من الطبيعي أن يطبّق على البحيرة ما يقال عن البحر. فهناك تصوّرات سامية نعرفها من الكوسموغونيات (نشوء الكون) البابلية والفينيقية، ونجد آثاراً لها في التوراة، لا شك في أن الكاتب الملهم عرف أن يأخذ حذره من السطر الوثنية (رج تك 1: 21: خلق الله "حيتان البحر" التي كانت مؤلّهة). غير إننا إذا شئنا أن نفهم كل التلميحات البيبلية إلى البحر، إلى الغمر العظيم، إلى التنانين البحرية، يجب أن نعود إلى الكوسموغونيات القديمة التي تصوّر الخواء الأولاني بشكل مياه تغمر كل شيء، وتتحدّث عن حرب الآلهة ضد التنانين الخارجة من البحر أو التي تمثل البحر. حينئذ ندرك مدلول المياه المذكورة في تك 1: 2 (توه وبوه= الخواء، الفراغ). ونستشفّ المعنى الديني للوحوش البحرية المذكورة باسم لاويتان (أش 27: 1: مز 74: 13- 14) ورهب (أش 30: 7؛ 51: 9- 10؛ مز 87: 7؛ 89: 10- 11، أي 9: 13؛ 26: 12- 13) أو المصوّرة بشكل تنانين (أي 7: 12؛ دا 7؛ رؤ 12-63). ونحن نكتشف معنى حدث تسكين العاصفة في هذا الإطار: إن المسيح قد كشف بفعلته عن قدرته الخلاّقة وعن سلطانه على قوى الشر (مر 4: 35- 41). ونفهم قساوة سفر الرؤيا على البحر: هو يسير مع الموت والجحيم، ولهذا عليه أن يزول فتحلّ محله الخليقة الجديدة (رؤ 20: 13- 21: 1).
وحين يثب إلى البحر الشياطين مع هذه الحيوانات النجسة التي هي الخنازير (5: 13)، فهذا يعني أنهم عادوا إلى حيث يجب أن يكونوا بقوّة المسيح: إن قوى الشرّ والنجاسة قد حاولت أن تجتاح أرض (تفيض عليها مثل الماء لتغرقها) البشر، فأجبرت على العودة إلى البحر الذي هو موطنها الأصلي. أرجعت إلى الغمر العظيم، وما كان لها أن تخرج منه. نستطيع الآن أن نستخرج من هذه التصوّرات أقله تعليمين: الشر ليس في بيته حين يكون في الإنسان. إنه في جوهره قوّة تدمير: دفع الشياطين الممسوس لكي يهشّم نفسه. وما ان دخلوا (احتلوا) إلى الخنازير حتى قادوها إلى هلاكها.
إذن، عاشت الأرواح النجسة في إطار من الموت. عذّبت الممسوس وجعلته يهشّم نفسه. وفي النهاية قادت ضحاياها الجديدة إلى الموت. ولكن المسيح الذي هدّأ العاصفة وقهر كل القوى الشيطانية في الخواء (أو الغمر العظيم) (4: 35- 41)، قد توصّل أيضاً إلى إخراج قوى الموت هذه من حيث تقيم. طردها من هذا الممسوس المسكين، وأخرجها من الأرض الوثنية ورماها في أعماق البحر.
إن مرقس يشدّد على الرباط بين الموت والشيطان في حدث الإبن المصروع (داء الصرع). فهذا الروح النجس "رمى الصبي مراراً في النار أو في الماء لكي يهلكه" (9: 22). وقبل أن يخرج الشيطان من الصبي، هزّه بعنف فصار الولد كالميت فقال الناس: لقد مات" (9: 26).
ج- وأقبل الناس
وتأتي نهاية آ 14 (أقبلوا ليروا) وآ 15 (جاؤوا إلى يسوع، رأوا المجنون، ارتاعوا) فتصوّران تصويراً كاملاً تحرّك الجموع، وعمليّة التحقيق في ما حدث. إن مرقس يصوّر المشهد بعين الجموع: ها هو المتشيطن (كان فيه شيطان) الذي لم يزل في نظرهم "مملوكاً" (ممسوساً). ها هو جالس، لابس، محتشم، صحيح العقل. بيد أنهم متأكدون أنه هو ذاك الرجل الذي كان خاضعاً كل الخضوع لقبضة لجيون. أي تعارض بين ما يعرفون عن هذا المجنون "المملوك" وما يرون الآن. لهذا أحسّوا بالرهبة والخوف. ولكن هذه العاطفة بدأت تتبدّل حين فُتح موضوع الخنازير. هذا ما يلمّح إليه مرقس بنحافة، فيقطع سياق الجملة ويغيّر اللهجة: "روى لهم الناظرون ما جرى للمجنون... وخبر الخنازير". فجاءت ردّة الفعل سريعة. ألحّوا على يسوع أن ينصرف عن تخومهم. هو الذي قهر لجيون، ها هو يخضع لإرادة البشر وما فيها من سوء. ولكن مع يسوع الذي أظهر كل رجاحة عقله وقوة حيلته في الحرب السابقة، نحن نتساءل: أما يكون خضوعه مرتبطاً بفهم عميق لرسالته المسيحانية؟ طرده الناس وها هو ينصرف الآن في الظاهر. ولكنه لم يقل كلمته الأخيرة. وعلى الذين لاحقوه أن يحذروا من هذا الإله الذي يسلّم نفسه بلا قيد ولا شرط.
أما الآن وحسب الظواهر، فالفشل كامل. غير أن الممسوس القديم طلب في صلاة بسيطة وعميقة أن يكون مع المسيح، شأنه شأن سائر التلاميذ. لم يستجب يسوع طلبه كما عبّر عنه الممسوس. ولكن هذا الرجل الذي نعم بالخلاص قد كلّف بمهمة في بلاده، في الدكابوليس. إنه باكورة المرسلين الذاهبين إلى العالم الوثني: أخذ يذيع جميع ما صنع إليه يسوع وكان الجميع معجبين. تلك كانت أيضاً ردّة الفعل عند الذين يسمعون يسوع.
لماذا لم يسمح يسوع لهذا التلميذ الجديد أن يتبعه؟ لا شكّ في أن ساعة الوثنيين ما دقّت بعد. فلا بدّ من تهيئة الطريق. وأبعد من هذا السبب المباشر، نفهم مع مرقس أن يسوع الذي طرده البشر من هذه الأرض الوثنية، قد ترك له شاهداً في بلاد الجراسيين. هكذا كانوا يقولون عن بولس الذي ارتدّ إلى المسيح. وقد يقولون الشيء عينه عن مجنون الجراسيين.
وهذا الشاهد الذي أمره يسوع بأن يخبر بما صنعه الرب له، أخذ يذيع ما صنعه يسوع له. فالموازاة بين يسوع والرب الإله، قد أرادها مرقس ليلمّح إلى دور يسوع كمخلّص، وإلى اتحاده بالله أبيه. ما يعمله الآب يعمله الإبن مثله. وحملت كرازة المجنون ثمارها وانتهى الخبر كما قلنا: "كان جميع الناس يتعجّبون".
وقد نلقي ضوءاً على هذا النصّ فنكتشف التأثرات التي عملت في تكوينه. هناك مثلاً موازاة بين هذه المقطوعة وأش 65: 1- 5 (ظهرت لمن لا يسألون عني، ووجدت لمن لا يطلبونني، وقلت ها أنا هنا لأمة لا تدعو باسمي... يجلسون ويبيتون في المدافن... يأكلون لحم الخنزير). فعبر تقرّبات مباشرة (في القبور، لحم الخنازير، يقولون: إبتعد، لا تقترب)، نجد في هذين النصّين تشابهاً حقيقياً. فنحن في كلا الحالين أمام دراما واحدة: يتقدّم الله متوسّلاً إلى أناس متمرّدين. أما هم فيرفضون حضوره ويطردونه. وتنتهي هاتان المقطوعتان بشكل مختلف جداً: عبّر أش 65 بوضوح عن غضب الله (سألقي على رؤوسهم عقابي، آ 6). أما في مرقس فالأمور جرت على ما يرام بفضل كرازة الشاهد الذي أرسله يسوع.
وهذه النهاية الرسالية والكرازية والكنسية في مقطوعة مرقس لها معناها العميق وأهميتها. وهي تعطي الخبر كله وجهته الرئيسية. فلا يجب أن ننسى أن هذا الجزء من مرقس (3: 8-6: 6) الذي يقع فيه مر 5: 1- 20 يتركّز على تكوين التلاميذ.
لهذا، نحن نجهل موقف مرقس. ففي هذا الخبر الذي فيه تمتزج امتزاجاً عجيباً البلادة والنحافة، العناصر الشعبية والعمق اللاهوتي، يصوّر لنا مرقس يسوع في وجه القوى الشيطانية وفي وجه البشر. فالشياطين قُهروا رغم قوّتهم. أما البشر فتحريرهم صعب بسبب تمرّدهم وشهواتهم. هكذا يكون الوضع في وقت الآلام. فوراء هذا الفشل الظاهر، ها نحن أمام وحي ساطع لإله يسلّم نفسه "مقيّداً" في يد البشر. فكيف يستطيعون أن يسمعوا شهادة مرسلي المسيح دون أن يتعجّبوا؟ كيف يستطيعون أن يكتشفوا حنان الرب المدهش دون أن يتعجّبوا؟ هكذا كان زمن المسيح وهكذا سيكون زمن الكنيسة.

2- رسالة في الدكابوليس
ونعود إلى النص نستقرئه على ضوء سر ملكوت الله. ذهب يسوع يبشر في منطقة وثنية فيطرد منها، فيذهب إلى منطقة أخرى (6: 11: إذا اضطهدوكم في مدينة)، ويترك وراءه من يشهد له في عالم يُعتبر "مملكة الشيطان"!
أ- لقاء محرّر (5: 1-17)
نجت المجموعة المؤلفة من يسوع وتلاميذه من الموت (بسبب العاصفة، 4: 35-39)، فوصلت إلى الشاطىء المقابل من البحيرة. وصلوا إلى أرض الجراسيين. إذن، انتقل يسوع إلى أرض غريبة، إلى أرض كانوا يقولون عنها إن الله لا يصل إليها (خاف داود أن يموت في أرض وثنية. ويونان هرب إلى ترشيش لأنه ظن أن يد الله لا تصل إلى هناك).
وواجه يسوع الأرواح النجسة لا في مخبأها البحري، بل على الأرض حيث هي السيدة. والعلامة على ذلك: رجل يقيم في القبور. قطيع من الخنازير على رأس الجبل. لو نظر يهودي إلى هذه الصورة، لقال: إنقلب العالم رأساً على عقب: كيف يستطيع الحي أن يقيم بين الموتى (مز 88: 4- 10)؟ وكيف يستطيع خنزير، وهو حيوان نجس، أن يرعى على الجبال التي هي مكرّسة للصلاة والعبادة؟
رجل يعيش على هامش المجتمع. لا شخصية له. لا إسم له، فاسمه من اسم الشياطين الذين يسكنونه. رجل هو خطر على نفسه وعلى الآخرين: يهشّم نفسه بالحجارة ويحاول دوماً أن يقتل نفسه. لا يستطيع أحد أن يضبطه. ومن يستطيع أن يقيّد الموت؟
ومع ذلك، يا للمفارقة! هذا الرجل هو حرّ أكثر من الذين رذلوه فعاشوا لا ينتظرون شيئاً غير حياة ماديّة مؤمّنة. أما هو المنبوذ فهو صرخة وجرح. إنه علامة عن نجاسة العالم البعيد عن الله: كلّ الزمان الذي يعيش فيه (ليلاً ونهاراً، آ 5؛ رج 4: 27)، كل المكان الذي يتحرّك فيه (القبور التي هي عالم الموت، والجبال التي هي موضع العزلة) يعيدان إليه صوته وصراخه ويزيدان ألمه ألماً. حين ننظر إليه نتذكّر وضع البار المتألّم: "في النهار أدعو فلا تجيب، وفي الليل فلا تحرّك ساكناً، امتنعت عن نجدتي وسماع أنيني" (مز 22: 2- 3؛ أش 52: 14؛ 53: 3).
رأى الرجل يسوع فأقبل إليه. وصرخ بصوت جهير. هكذا فعل الروح النجس في مجمع كفرناحوم (1: 26). وهكذا فعل يسوع على الصليب (15: 34، 37). هذه هي صرخة الموت. ولكن يسوع يريد لهذا المتألّم الحياة.
الأرواح النجسة تخاف من يسوع في أرض يهودية أو في أرض وثنية. ممسوس كفرناحوم رأى في يسوع "قدّوس الله". نحن في عالم يهودي. ومجنون الجراسيين استعاد لقب الإله الفينيقي: الإله العلي أو إله الأعالي (رج تك 14: 18- 20). من عمق قبره وجّه صلاته إلى ذاك الساكن في الأعالي (مز 121: 1- 2؛ 130: 1- 2). وسيكشف له يسوع "إبن الله العلي" أصل آلامه وانفصام شخصيته.
وانكشفت الأرواح النجسة. فالإنسان والشيطان موحّدان في شخصية مفكّكة. اسم الشيطان لجيون هذا يدلّ على الحرب، على حضور المحتلّ. اسمه لجيون. ولكن هذا ليس باسم علم. إنه مجموعة لها قوتها. ألا يخاف يسوع منها وهو فرد أعزل؟ وقدّم يسوع إلى هذا الإنسان المقسَّم إمكانية حياة جديدة: يجب عليه أن يتجاوب مع نداء المسيح بحرّية، ويخرج من انفصامه الداخلي. ومقاومته تدلّ على أن قدرة الله قد أصابته في الصميم.
وانكشفت الأرواح النجسة، وصار طردها قريباً. ودخولها في الخنازير واندفاعها إلى القبر كشفت في صورة "منظورة" خلاص الإنسان من عالم الشرّ الذي كان يقيّده. أجل، يسوع هو حقاً الأقوى الذي يهزم "الرجل القوي" (رج 3: 27) الممثّل هنا بلجيون أو بألفين من الخنازير. 
وتدخّل رعاة الخنازير بعد أن حرموا من لقمة عيشهم النجسة. تجاوزتهم الأحداث فلاذوا بالفرار وحملوا الخبر الذي هو "إعلان" وبشرى (فعل أنجل، الإنجيل) إلى المدينة والمزارع. جاء الناس ورأوا. خافوا مثل التلاميذ بعد تسكين العاصفة (4: 41). وهذا الخوف يعني أنهم تزعزعوا في آرائهم وفي رخاء حياتهم. فأخبرهم الشهود بما جرى. طلبوا من يسوع أن يتحوّل عنهم. فهو يهدّد قطعانهم، بل يهدّدهم هم أنفسهم. من هو هذا الرجل الذي يبلبل إلى هذا الحدّ وجودهم وحياتهم؟ لماذا لا يزيلونه؟
ب- انصرف يسوع وترك شاهداً له (5: 18- 20)
من هو هذا الرجل؟ سؤال لم يطرحه الناس. بل طرحه الإنسان الذي تحرّر من الأرواح النجسة. طرحه بشكل سؤال يريد، أن يوجّه حياته الجديدة. توسّل إليه "أن يكون معه". أراد أن ينضّم إلى الإثني عشر الذين اختارهم يسوع ليكونوا معه (3: 14). ولكن رسالة التلميذ هي نعمة مجانية. والمبادرة فيها تعود كلها إلى يسوع. فهي لا ترتبط بإرادة انسان من الناس. هذا ما حدث للمخلّع الذي شفي من خطيئته ومن مرضه. قال له يسوع: إذهب إلى بيتك (2: 12). وهذا ما طلب من "لجيون" أن يفعل: أن يذهب إلى بيته وإلى أهله ويخبرهم. بدأ الرعاة "البشرى" (5: 14) من حيث لم يدروا ولم يريدوا. أصابهم ما أصاب يونان الذي حمل حضور ربّه مع الملاّحين في السفينة غصباً عنه (يون 1: 9 ي). أصابهم ما أصاب الأبرص الذي أرسله يسوع ليري الكاهن نفسه ويعمل ما تطلبه منه الشريعة. أذاع الأبرص الخبر لا في الهيكل وحسب، بل في كل مكان (1: 45). بدأ رعاة الخنازير، وتابع مجنون الجراسيين، فنادى برحمة الله وإحسانه إليه.
مع آ 20 نصل إلى ذروة الخبر. إن اليهودي الأبرص الذي طهّره المعلّم من برصه، لم يُدعَ ليتبع يسوع، بل لأن يذهب ويعلن (كاروسو) الكلمة مطوّلاً (1: 45). يعلنها في العالم اليهودي، بل في قلب العالم اليهودي، في الهيكل. وها هو وثني يرسل الى الدكابوليس ليعلن (كاروسو) أيضاً ما عمله يسوع له. هو لا يستطيع بعد أن يحمل الإنجيل، ولكنه يهيّىء الناس ليسمعوه. إنه يشبه أبلوس الذي أخذ يعلّم ما يختصّ بيسوع. أخذه اكيلا وبرسكلة وأكملا تربيته الدينية (أع 18: 24 ي). ومن يدري؟ قد يكون هذا الذي لا اسم له أول من حمل البشارة في الأرض الوثنية.

3- الخبر في لوقا ومتى
أ- الخبر في إنجيل لوقا (8: 26-39)
حين نقرأ نصّ لوقا عن مجنون الجراسيين (8: 26-39) للمرة الأولى، يبدو الخبر قريباً مما في مرقس. في الواقع، إحتاج لوقا إلى بعض التعديلات الطفيفة لكي يُعطي الخبر اتجاهاً مختلفاً. سيطر على خبر مرقس موازاة بين حرب المسيح ضدّ الشياطين (وانتصاره عليهم) وفشله أمام البشر. أما لوقا فركّز خبره كله على الإنسان الذي تحرّر من الشياطين وخلصته قدرة يسوع.
في بداية الخبر، قال لوقا (آ 26) إننا في بقعة الجراسيين "التي تقابل الجليل": إذن هو وثني يعيش على أرض وثنية، سوف يستفيد من قدرة يسوع. وهذا التقسيم (= طرد الشياطين) هو صورة مسبقة عن الخلاص الذي يُحمل إلى جميع الأمم. وصورة الممسوس (آ 27) لا تدلّ على وحشية الشياطين بقدر ما تدلّ على الحالة اللاإنسانية التي يعرفها هذا الكائن المسكين. إنفصل عن أهله، استبعد عن عالم البشر، عاش بدون لباس، فلا منزل له إلا موطن الموت. لا يحتفظ لوقا هنا إلا ببعض السمات التي تنطبق بشكل مباشر على الممسوس. وهكذا يجعلنا ننتبه إليه، نشفق عليه. أما بقية الصورة التي نجدها عند مرقس، فقد نُقلت إلى موضع تبرز فيه قدرةُ الشياطين (التي تفوق البشر) قدرة يسوع الإلهية (آ 29- 30). أما الآن فيقدّم إلينا قسم من الحوار بين يسوع والممسوس (8: 28-29 أ). إن نصّ لوقا هو قريب من نصّ مرقس، غير أنه يتحاشى المداعبة التجديفية التي وجدناها في نصّ مرقس. ورفض الطاعة الذي تشير إليه صيغة الماضي في آ 29 أ، يفسّر بصورة عن قدرة الروح النجس التي لا شيء يقيّدها (آ 29 ب). ولكن لوقا يستبعد في هذه الآية كل مزج بين الروح الشرير وضحيّته البشرية: في بداية آ 29، يتوجّه يسوع بصريح العبارة إلى الروح النجس. وفي وسط هذه الآية عينها، يوضح النصّ أن الروح سيطرت على هذا الرجل. وفي النهاية، هو الشيطان الذي يجتذب الممسوس إلى الأماكن المقفرة.
وفي النهاية خضع الشياطين لقدرة يسوع فكشفوا عن اسمهم. وها هم يتوسّلون إلى يسوع "بأن لا يأمرهم بالذهاب إلى الهاوية". فلفظة "الهاوية" خاصة بلوقا، وهي مع فعل "خلّص" أحد مفاتيح الخبر. إذ كان لوقا يكتب لقارئين يونانيين (في أكثريّتهم)، تحاشى أن يسجن نفسه في عالم من التصوّرات السامية: فموضوع البحر مع رنّته البيبلية (كما نجده عند مرقس) قد تحوّل معناه. فمساحة المياه التي تُستعمل كإطار للخبر، لم تعد هنا "البحر" بل فقط "البحيرة" (آ 33). غير أن الفكرة الأساسية (موضع القوى الشيطانية) قد استعيدت في لفظة "الهاوية". هي لفظة غنية بالتصورات كما يشهد على ذلك رؤ 20: 1 ي: "ورأيت ملاكاً هابطاً من السماء ومعه مفتاح الهاوية، وبيده سلسلة عظيمة. فقبض على التنين، الحية القديمة، الذي هو إبليس والشيطان، وقيّده لألف سنة. وطرحه في الهاوية وأقفلها وختمها عليه" (رج رؤ 9: 1، 2، 11؛ 11: 7؛ 17: 8، تعني الهاوية البحر في خر 15: 5؛ أش 44: 27؛ 51: 10؛ 63: 13؛ يون 2: 6، كما تعني عالم الأرواح ومثوى الموتى في مز 71: 20؛ روم 10: 7).
إذن، الهاوية تمثّل (على ما يبدو) الموضع الذي فيه تسود الأرواح الشريرة. خرجوا من هناك لكي ينجّسوا الأرض. ولكن يسوع انتصر عليهم فأجبرهم على العودة إلى مساكنهم، وهكذا تنفتح أمامنا مع هذه اللفظة نظرة إلى الصراع الأساسي بين يسوع وقوى الشرّ. نحن الذين نعرف أن يسوع لن يتوقّف عند هذه المعركة الصغيرة، بل يتابع عمله حتى النهاية في إرجاع قوى الشر إلى الهاوية وتخليص البشر، نفهم مع لوقا أن هذا الخبر يوجز الفداء المسيحي وينيره بضوئه.
وبانتظار الساعة الحاسمة، إنتصر يسوع على أعدائه. ولكن في هذا الخبر (يختلف عن مرقس) الذي أنار صراع يسوع مع الشياطين، صوّر لوقا هزيمة الشياطين وزوالهم في البحيرة، وفي الوقت عينه شدّد على تحرير الإنسان. "خرج الشياطين من الرجل" (آ 33).
ونجد هذا الإنتباه إلى مصير الإنسان في الصورة التالية (آ 34- 36). لا يشركنا الخبر (كما في مرقس) في دهشة الناس الذين وصلوا، بل يجعلنا حاضرين بشكل مباشر أمام واقع مهمّ وهو: قد تخلّص هذا الرجل الآن من الشياطين. وعادت إليه كل صفاته الإنسانية (لابس، سليم العقل). وقد جلس عند قدمَي يسوع في وضع التلميذ (آ 35). وهناك كلمة يضعها لوقا في فم الشهود، وهي تفهمنا كل شيء: "أخبروهم كيف خلص ذاك الذي كان متشيطناً" (مجنوناً) (آ 36). لسنا فقط أمام شفاء، بل أمام خلاص حمله ابن الله. الآن، هذا الخلاص ما زالت محدوداً. ولكن بعد وقت قصير، سوف يمتدّ إلى جميع البشر الذين ينجون من قبضة الشر. يصيرون سليمي العقل ويجلسون عند قدمَي يسوع ليتعلّموا مثل مريم التي اختارت النصيب الأصلح (10: 42).
أمام هذا الحدث النبوي الذي يعلن خلاص الحاضرين، ما هي ردّة فعلهم؟ إن الشهود الذين يخبرون بما حدث (في لوقا) لا يلمّحون إلى الخنازير: لقد تركّز كل شيء على الإنسان الذي خلص (آ 36؛ ق مر 5: 16؛ مت 8: 33). وهذا الخوف (عند لوقا) لا يرتبط أبدأ بخسارة مادية تتعلّق بالخنازير. بل هي صدى لمخافة مليئة بالاحترام استولت على الجموع حين رأت المتشيطن القديم قد تحوّل، قد شُفي، قد خلُص (آ 35). ونستنتج من هذه الإغفالات وهذه التلميحات أن لوقا أراد أن يفهمنا بلباقته أن الجراسيين لم يطردوا يسوع من أجل منفعة مادية. بل أحسّوا بتواضع عميق، ودفعتهم مخافة مقدّسة، فطلبوا منه أن يبتعد عن أرضهم. وهكذا جاءت فعلتهم تشرّفهم. أراد لوقا ورفاقه أن يردّوا هذه الشعوب وكل الأمم الوثنية إلى المسيح، فقدموا لنا عنهم هذه الصورة الجميلة.
والحدث الأخير في الخبر (آ 38-39) يشبه ما في مرقس (5: 18- 12). أراد المتشيطن القديم أن يتبع يسوع، ولكن يسوع سلّمه مهمّة لدى أهله. لم يتكلّم لوقا عن المتشيطن القديم (رج مر 5: 18)، بل عن الرجل "الذي خرجت منه الشياطين! (آ 38). الفرق بعيد. وأخيراً لم يحتفظ لوقا بما قاله مرقس (5: 20) عن تعجّب الجموع بعدما أخبرهم المتشيطن القديم بما عمل له يسوع. لقد سبق له وأشار مرتين إلى خوف الجموع، وفسّر هذا الخوف كعاطفة إعجاب متواضع. لهذا لم يحسّ بالحاجة إلى العودة إلى هذا الموقف. وهذا الإلغاء أتاح للوقا أن ينهي خبره بفكرة كرستولوجية. كان قد وازى مرقس بين الرب ويسوع. قال يسوع: أخبرهم بكل ما صنع الرب لك وكيف اشفق عليك. فذهب وأخذ يذيع في الدكابوليس كل ما صنعه له يسوع (مر 5: 19-20) (يسوع هو الرب). حسّن لوقا الموازاة بين العبارتين فقال: كل ما صنع الله لك. كل ما صنعه له يسوع. وهكذا شدّد بوضوح أكبر على الرباط بين الله ويسوع. فالمسيح يعيد كعادته كل شيء إلى أبيه. ولكن الخلاص يصل إلينا بواسطة المسيح. ففي الموازاة بين تعبيرَي لوقا، نجد وحدة العمل بين الآب والإبن.
إذن نستطيع أن نجمل خبر لوقا في ثلاث كلمات أساسية: الهاوية، خلّص، المخافة. إختلف لوقا عن مرقس الذي وازى بين انتصار المسيح على الشياطين وفشله الظاهر أمام البشر، فقدّم لنا إنساناً مسكيناً عبر القوى الشيطانية. نجّاه يسوع وخلّصه. إن هذا الخبر يعلن ويقدّم صورة مسبقة عن العمل الفدائي الذي قام به المسيح القدير: سيرمي في الهاوية أرواح الشرّ، سيخلّص البشر بمن فيهم الوثنيون، وسيحرّك عند الجميع هذه المخافة المليئة بالإحترام لله في شخص يسوع.
ب- الخبر في إنجيل متى (8: 28-34)
إن مقطوعة متى لا توازي نصف مقطوعة مرقس. ونصف الألفاظ التي يستعملها نجدها عند مرقس. فما هي العلاقة الأدبية بين الإنجيلين؟ يبدو أن متى لا يرتبط هنا مباشرة بمرقس. وإذا أخذنا بعين الإعتبار فرضية الينبوعين، نستطيع أن نرى في خبر متى نموذجاً عن مقطوعة تنتمي إلى الينبوع الثاني الذي هو إنجيل متى الأرامي (الينبوع الأول هو مرقس). كان لهذا الإنجيل الأرامي ولتقليد مرقس أصل مشترك في الكرازة الأولانية، وهذا ما يفسّر التشابه بين مت 8: 28- 34 ومر 5: 1-20. هل يمكن مع هذه المقطوعة أن نعيد تكوين هذا التقليد الأولاني الذي ينحصر في ما هو مشترك بين متى ومرقس؟ هذه المحاولات لا تقنع أحداً رغم فائدتها، لأن متى لم يعتد أن يبسّط التقاليد التي يتسلّمها، ولا أن يوجزها في رسمة بسيطة.
أجل، متى هو أقصر من مرقس، وأقصر من لوقا أيضاً. ولكن يجب أن لا نتوقف عند نظرة سطحية. فلوقا القريب جداً من التقليد المرقسي أعطى لخبره توجيهاً مختلفاً عن توجيه مرقس. أما متى الذي هو من الناحية المادية بعيد عن التقليد المرقسي، فقد تلاقى مع لوقا في اهتماماته. لا شك في أن متى تألّم من موقف الرفض الذي وقفه البشر (خاصة أبناء وطنه) من آلام المسيح، كما من الكرازة الإنجيلية. لقد لاحظ هنا أن إقناع الشياطين أسهل من إقناع البشر.
لا يورد متّى طلباً وجّهه إلى يسوع المتشيطنُ القديم الذي رغب في أن يكون مع مخلّصه. وهكذا تبسّط خبر متّى فانقسم قسمين واضحين: يسوع والشياطين، يسوع والبشر.
أولاً: يسوع والشياطين (8: 28- 32)
منذ البداية بدا الإختلاف الواضح بين متى والتقليد الذي اتبعه مرقس ولوقا. فهما لا يعرفان إلا متشيطناً واحداً. أما متى فيحدّثنا عن متشيطنين إثنين (كيف نتخيّل حياة مشتركة بين هذين المتشيطنين المتوحّشين). نلاحظ بعض المرات أن متى يقدم شخصين (أعميان قرب اريحا، مت 20: 30) أو حيوانين (في دخول يسوع إلى أورشليم، مت 21: 2، 7، كيف يركب الإثنين معاً؟) حيث لا يقدّم مرقس ولوقا إلا شخصاً واحداً (أو حيواناً واحداً). نحن هنا أمام إهتمام لاهوتي. فالرقم إثنان هو العدد المطلوب لكي تكون الشهادة صحيحة بحسب الشريعة. والعدد إثنان يشير إلى الشعبين (اليهودي والوثني) اللذين جاء يسوع يخلّصهما وينيرهما (اغوسطينس مع أعميي اريحا، مت 20: 30).
إرتبطت القوى الشيطانية (كما عند مرقس ولوقا) بالقبور يعني بالموت. ثم إنها منعت الناس من المرور. وموضوع الطريق متجذّر تجذّراً عميقاً في العقلية السامية. فعلاقات الإنسان مع الله تصوّر بشكل طريق نسير فيه (مت 20: 17 ي وطريق يسوع إلى اورشليم. ولا ننسى صعود يسوع إلى أورشليم، في لو 9: 51 ي). والخلاص يعتبر خروجاً (عبوراً، طريقاً) جديداً. والمسيح يقدّم نفسه على أنه الطريق (يو 14: 16). وأول المؤمنين سمّوا "أهل الطريق" (أع 9: 2؛ 18: 25- 26، أو طريقة حياة).
إذا أخذنا بعين الإعتبار هذه العقلية وهذه الطريقة في التعبير. إذا لاحظنا وجود هذه الصور في كرازة يسوع وإنجيل متى (7: 14). إذا أعطينا قوتها للأداة المفخمة "تلك" (الطريق، آ 28)، سوف نعطي لتصوير متى معنى رمزياً أو روحياً: إن قوى الشرّ التي هي قوى موت تغلق الطريق أمام البشرية. إنها تمنعنا من العبور إلى الله ومشاركته في حياته السعيدة.
والسؤال الذي طرحه المتشطينان يشبه ما نجده في مرقس ولوقا: "ما لنا ولك يا ابن الله؟ أجئت إلى هنا لتعذّبنا قبل الأوان"؟ غير أن العبارة "قبل الأوان" (كايروس) تعطي الجملة والتقسيم كله علامة مميّزة (رج لو 4: 3: إبتعد الشيطان عن يسوع حتى الأوان المحدّد. رج مت 16: 3 وعلامات الأزمنة. مت 26: 18 حيث يعلن يسوع: زماني قد اقترب؛ رج مر 1: 15؛ يو 7: 6-8). بهذا التلميح، يبدو عمل يسوع استباقاً لصراعه وانتصاره في آخر الأزمنة. لا شك في أن مجرّد عودة ابن الإنسان في المجد يضع حدّاً لقوى الشر. غير أن متى يرى (ومعه القارىء المسيحي) أن انتصار الفصح يجعلنا في نهاية الأزمنة. فالمسيح قد دشّن بموته وقيامته الأزمنة الجديدة، وقهر قوى الشرّ. وقبل هذه "الساعة" الحاسمة، ورغم تواضع يسوع في امحائه، فهو يواجه الشياطين وينتصر عليهم لأنه شخصياً سرّ هذا الملكوت الجديد. وهكذا يقوم تواصل عجيب بين عمل يسوع على الأرض، وعمل المسيح القائم من الموت، وعمل الرب في نهاية الأزمنة.
طرد يسوع الشياطين بسهولة. هذا ما يظهر عند متى: حضور يسوع وحده يكفي ليحرّك القلق والتوسّل عند الشياطين. ثم إن كلمة واحدة من يسوع تكفي لكي يذهبوا إلى حتفهم (8: 32).
إن متى يشدّد عبر أخبار حياة يسوع على الأرض، على صورة المسيح الممجّد. ونلاحظ هنا تشديده على سقوط الخنازير في البحر وموتهم في المياه. أما نستطيع أن نرى في ذكر المياه تلميحاً إلى مياه المعمودية التي تبتلع في الموت قوى الشرّ في الإنسان.
ثانياً: يسوع والبشر (8: 33- 34)
كان انتصار يسوع سهلاً (نسبياً) ضد قوى الشر. ولكنه ماذا يستطيع أن يفعل أمام إرادة البشر السيئة؟ اذا كان حرّاس الخنازير قد انطلقوا الى المدينة "ليخبروا بكل شيء وبأمر المتشيطنين"، يجب أن نفهم أن "كل شيء" يتميّز تمييزاً واضحاً في نظرهم عن "أمر المتشطينين". إذن، ما يهمّهم هو فقط مصير قطيعهم. وهكذا تعلّقوا بأموالهم فكانوا صورة مسبقة عن الأغنياء الذين تمتلكهم ممتلكاتهم فيطلبون من يسوع أن "يتحوّل عن تخومهم".
اللفظة المستعملة هنا لتدلّ على طرد يسوع لها معناها. فهي تشكّل كلمة أساسية ثانية بعد "كايروس" في آ 29. نحن نجد هذا الفعل في إطار الساعة الاسكاتولوجية في بداية الآلام حسب القديس يوحنا: "قبل عيد الفصح، عرف يسوع أن ساعته جاءت لكي ينتقل من هذا العالم إلى الآب" (يو 13: 1). إن ذكر الفصح في بداية هذه الآية اليوحناوية، يعني أن الإنجيل الرابع رأى في هذا "العبور" (الإنتقال) تحقيق فصحه الحقيقي (رج خر 12: 27). ودلّ متى على. أن طرد يسوع هو "عبور" "قبل الزمن"، وهذا العبور يعلن عبوره من هذا العالم إلى الآب، ويرسم مسبقاً الفصح الحقيقي.
استبعد متى تفاصيل عديدة من الخبر، وجهل الحدث الأخير في تقليد مرقس ولوقا، فأبرز ما في طرد المخلّص من مأساوية، وأبرز التعارض بين انتصار المسيح على الشياطين وهزيمته أمام البشر الأحرار. طريق الوصول إلى الله مفتوحة، ولكن البشر لا يريدون أن يأخذوها. وإذ ربط متى هذا الخبر بآلام المسيح حاول أن يفهم سامعيه عقوقهم وبلادتهم حين يرذلون المخلّص القدير. إن أفضل شرح لهذا الحدث المتاوي نجده في يو 1: 10- 11: "لقد كان في العالم، والعالم به كوّن، والعالم لم يعرفه. جاء إلى خاصته، وخاصته لم تقبله".

خاتمة
طُرد المسيح بأيدي البشر فدلّ على ضعف الله العجيب. سلّم نفسه إلى البشر، فدلّ على حبه اللامحدود. فكيف لا يتعرّف البشر إلى هذا الحب! وأرانا لوقا إنساناً لم يبقَ له شيء يدل على أنه انسان. من أجله (ومن أجل الأمم الوثنية) مارس المسيح عمله التحريري والخلاصي. ومع متى قرأنا عبر هذا الحدث حياة وموت المسيح. إنتصار سهل على قوى الشر، يعارضه بشكل مأساوي هزيمة أمام البشر. إنطلاقاً من هذا التلميح الذي يتوقّف فجأة دون نهاية سعيدة، يتوجّه إلى كل واحد منا سؤال ملحّ: وأنت، أتريد أن تطرد ذاك الذي يحرّرك من الشرّ ويفتح لك الطريق إلى الله؟

 

 

الفصل السابع والعشرون
النازفة وابنة يائيرس
5: 21- 43

طلب الجراسيون من يسوع أن يتحوّل عن ديارهم، ففعل. ركب القارب واتجه إلى الشاطىء المقابل، إلى "أرض اليهود" بعد أن كان في "أرض الوثنيين" حيث حمل البشارة. والجمع الذي علّمه بالامثال (4: 1) وتركه على الشاطىء (4: 36)، بدأ يحتشد حوله من جديد. فجاءه يهودي، رئيس المجمع. أي ذلك الذي يرأس الجماعة هناك. إسمه يائيرس أي ذاك الذي ينير (يائير في عد 32: 41؛ قض 10: 3- 5) أو ذاك الذي يوقظ (يعير. رج في العربية: أعار).
ما فعله يشبه ما فعله مجنون الجراسيين (5: 6). إرتمى على قدَمي يسوع (5: 22). وأخذ يتوسّل إليه مطوّلاً لأن ابنته صارت على فراش الموت.

1- شفاء مريض وإقامة ميت
نجد في التقليد الازائي خبراً في خبرين، خبر إقامة ميت وخبر شفاء امرأة. فشفاء نازفة الدم يقع بين طلب يائيرس من أجل ابنته، وقيامة الإبنة بيد يسوع: "طليتا قومي". إعتاد الإنجيليون أن يعالجوا كل معجزة بشكل مستقلّ، أما هنا فتتداخل المعجزة في اختها، ويبدو أن هذا التداخلِ يتوافق مع تذكر تاريخي. هذا مع العلم أن بعض الشرّاح يعتبر أن المعجزتين كانتا مستقلتين قبل أن تصبحا خبراً واحداً، وذلك بالاستناد إلى فوارق لغوية ولاهوتية.
ثم إننا نلاحظ ان تلك هي طريقة مرقس: إدخال خبر في خبر. هذا ما نجده في 3: 21-35. يأتي أقرباء يسوع ليأخذوه (آ 21-22). ثم يكلّم يسوع الناس "بأمثال". وفي آ 31، يعود مرقس فيقول: "جاءت أمه واخوته..." (آ 31-35). ونجد الشيء عينه في 6: 7-33. يدعو يسوع تلاميذه ويرسلهم (آ 7- 12). هنا يأتي خبر موت يوحنا المعمدان (آ 14-29). بعد هذا، يعود مرقس إلى الرسل الذين عادوا إلى يسوع وأخبروه بكل ما عملوا وعلّموا (آ 30-33). وفي 11: 11- 21، نجد طرد الباعة من الهيكل (آ 15-19) بين لعن شجرة التين (آ 12-14) والعبرة من شجرة التين (آ 20- 21). وفي 14: 1- 11، نقرأ عن المرأة التي سكبت الطيب على يسوع (آ 3-9) بين محاولة قتل يسوع (آ 1-2) وخيانة يهوذا (آ 10- 11) التي هي امتداد للقسم الأول. وحين يفعل مرقس هذا فهدفه هدف لاهوتي. وهذا، واضح بصورة خاصة في 3: 21-35. هناك مقابلة بين الكتبة وأهل يسوع. هؤلاء أقاربه باللحم والدم، وأولئك أقاربه على مستوى الإيمان الواحد والعقيدة الواحدة. وواضح في 11: 11- 21. حال الهيكل ستكون مثل حال هذه التينة.
نجد موازة بين المعجزتين، شفاء النازفة وإقامة إبنة يائيرس. فالرقم 12 نقرأه هنا هناك. فابنة يائيرس عمرها 12 سنة، وهو سنّ الزواج. والنازفة مريضة منذ اثنتي عشرة سنة. ستبدأ حياة جديدة بالنسبة إلى الاثنتين. الأولى تقوم من الموت، والثانية تستعيد امكانية الأمومة. ثم نلاحظ أن الشفاءين تمّا بواسطة اتصال جسدي. شفيت النازفة حين لمست طرف ثوب يسوع. وقامت الفتاة حين أمسك يسوع بيدها. والمعجزتان تمتّا في السرّ لا في العلن. شُفيت النازفة ولم يعرف أحد بشفائها. هي أخبرت. وقامت الصبية ولم يكن في البيت أحد سوى والد الصبية ووالدتها، وثلاثة من التلاميذ هم بطرس ويعقوب ويوحنا. هكذا أراد يسوع أن يحافظ على "السرّ" المسيحاني. وهناك أخيراً موضوعان أساسيان: خلّص وآمن. حين شُفيت النازفة قالت لها يسوع: "إيمانك خلّصك". وحين أخبر الناس يائيرس أن ابنته ماتت، قالت له يسوع: "لا تخف. يكفي أن تؤمن".
أورد متّى (9: 18- 26) ومرقس (5: 21- 43) ولوقا (8: 40- 56) هذا الحدث المضاعف. لخّص متّى كعادته الخبر، فألغى "الوسطاء" الذين قد يحوّلون انتباهنا على حساب يسوع: لا وجود للجمع الذي يحيط بيسوع حتّى "يخنقه". لا وجود لوفد جاء من عند يائيرس يخبره بأن ابنته ماتت. لا وجود لتلاميذ يشهدون للمعجزة. وهكذا يشدّد متّى على إيمان يائيرس الذي لا يطلب شفاء مريضة، بل إقامة ابنته التي ماتت. مقابل هذا، لا نفهم كيف استطاعت النازفة أن "تسرق" العجيبة دون أن يعرف بها أحد، في غياب الجميع. أما لوقا فهو قريب جداً من مرقس، وسيشدّد على الرباط بين الإيمان والخلاص في جواب يسوع إلى يائيرس: "لا تخف. يكفي أن تؤمن وهي ستخلص". (لو 8: 5).
في مرقس نحن على شاطىء البحر (5: 21-22). في متّى، ما زال يسوع على المائدة مع العشّارين. وتأتي عبارة انتقالية (وفيما هو يكلّمهم بهذا) فتجعلنا في خط الأخبار البيبلية (1 صم 17: 23). في 5: 30، سأل مرقس: "من لمسني"؟ أما متّى فألغى هذا السؤال، لإنه يعتبر أن يسوع يعرف كل شيء فلا يحتاج أن يسأل. قال (9: 22): "والتفت يسوع ورآها، فقال".

2- شفاء النازفة
يتضّمن خبر مرقس عشر آيات (5: 25-34)، بينما لا يتضّمن خبر متّى سوى ثلاث (9: 20- 22). وهكذا نرى أن متّى أوجز الخبر ليوجّه كل انتباهنا إلى هذه المرأة التي ترمز الى مسيرة المؤمن الآتي يطلب من المسيح الخلاص (إيمانك خلّصك). أما مرقس فجعل في نصّه عدداً من التفاصيل، سنحاول أن نفهم معناها.
أ- إيمان سطحي في الظاهر
أدخلنا مرقس في عواطف الأشخاص لكي نحيا الحدث في العمق. نحن نغطس في مناخ جموع فلسطين الضاجّة، تدفعها الرغبة إلى مشاهدة معجزة جديدة، هي شفاء إبنة يائيرس. وسار يسوع وسط هذا الصخب يحيط به تلاميذه. ووسط هذا الجمع الذي يزحم المعلّم، ميّز مرقس امرأة جاءت من وراء يسوع. هي امرأة فطنة، ولكنها جريئة في الوقت عينه. هي نجسة، فكيف تدخل وسط الجمع، وكيف تقترب من يسوع؟
وإذ هي تحاول أن تفتح لها طريقاً وسط الجموع إلى يسوع، روى لنا مرقس مرضها الطويل الذي يجعلها نجسة بحسب الشريعة (لا 15: 25: وإذا سال دم امرأة، فلتكن نجسة)، ويحرّم عليها الإتصال بالناس ولمس أي شيء. فكل ما يلمسها يصبح نجساً. ثم يقدّم مرقس اعتباراته حول الأطباء، وثقة هذه المرأة بقوة تخرج من هذا الصانع المعجزات، والشعور السريع بالشفاء. لم يعرف أحد بما فعلت، لم يعرف أحد أنها شُفيت. إلا يسوع.
هذه المرأة تموت ميتة بطيئة. ولكنها سمعت أخبار، يسوع. فقامت بفعلة "قريبة من السحر" لتستولي على قوة سرّية تنبعث من شخص يسوع وتقيم في رداء يلبسه. بل فعلة فيها الثقة الممزوجة بالخوف من هذا النبيّ العظيم: هل يقبل يسوع بأن تلمسه امرأة نجسة؟ وإن عرف الجمع بها فسوف يبتعد عنه. ومهما يكن من أمر، فقد وضعت نصب عينها شيئاً واحداً: الخلاص. وستحاول أن تستقي من قدرة يسوع لتنال الشفاء. قامت بفعلتها. لمست يسوع، فوقف حالاً نزف دمها.
تحدّث مرقس عن عواطف المريضة. وها هو يورد ردة الفعل الداخلية لدى يسوع: أحسّ أن قوة خرجت منه. لم يعرف التلاميذ شيئاً ممّا فعلته المرأة، ولم ينتبهوا إلى المعجزة التي تمّت أمامهم. وسؤال يسوع (من لمسني؟) يبدو في غير محلّه. غير أن يسوع نظر حوله "وبدا مغضباً". بحث عن تلك التي لمسته.
نظر يسوع حوله. ألقى نظرة دائرية. هذا ما فعل مع خصومه (3: 5) ليكشف أفكارهم الخفيّة. هذا ما فعل حين جاءت أمه واخوته (3: 34)، لكي يكتشف القرابة الحقيقية. وهذا ما فعل هنا. ما يريده ليس أن يذلّ المرأة، بل أن يقيم معها اتصالاً شخصياً يجعلها تتجاوز الفعلة السحرية لتدخل في مسيرة الإيمان. نظر، ولكن المرأة لم تستطع أن تتحمل نظره. تزعزعت في جسدها بل في أعماق كيانها. خافت، إرتجفت حين عرفت ما حصل لها. ما حدث في هذه اللحظة صار مبدأ معرفة جديدة، فجعلها تخرّ عند قدميه. وأعاد إليها امكانية النطق: "أخبرته بالحقيقة كلها". ما خلّصها هو إتصال تمّ بين حرية الله وحرية الإنسان. إتصال تمّ في الشفافية. هذا هو إيمانها الذي نبت في أعماق خوفها.
تكلّمت المرأة، فشرح لها يسوع كما شرح للتلاميذ مدلول الفعلة التي قامت بها. ما دفعها إلى فعل ما فعلت هو إيمانها. وبسبب هذا الإيمان نالت الخلاص.
ولكن حين نتعرّف إلى العواطف التي دفعت المرأة إلى لمس يسوع، نحسّ وكأننا أمام موقف ديني بدائي يمزج بين الإيمان والسحر. فما فكّرت فيه المرأة يجعلنا نظن أنها اعتبرت هذا الإنسان الخارق (يفعل المعجزات) كإناء يتضّمن قوى خيّرة قد وضعت في خدمة المحتاجين وهي تعطي نتائج بصورة آلية. هذه نظرة قريبة جداً من السحر. إن الانجيليين قد تحدّثوا مراراً عن هذه القدرة الموجودة في يسوع (لو 5: 17: كانت قدرة الرب تجري على يده الاشفية؛ 6: 19: إن قوة كانت تنبعث منه وتشفي الجميع). وهذه القدرة أعطاها للاثني عشر (لو 9: 1: قلّدهم قدرة وسلطانا). وبمناسبة الأشفية الجماعية، تلاحظ النصوص أيضاً (6: 56؛ مت 14: 36) أنهّم كانوا يبتهلون إلى يسوع لكي يسمح لهم أن يلمسوا طرف ثوبه. فكان كل من يلمسه يُشفى. وحسب أع 5: 15، كان ظلّ بطرس يشفي المريض. وكذلك كانت تفعل المناديل والمآزر التي لامست جسد بولس (أع 19: 12).
ب- إيمان حقيقي بحسب مرقس
قد لا نظهر كل احترام لمثل هذه الأعمال التي ترتبط بأعمال "السحر" أكثر منه بالإيمان بشخص يسوع. ومع ذلك، احتفظ لنا مرقس بهذا التقليد، فلم يحكم عليه كما نحكم عليه. شدّد على ايمان هذه المرأة التي اخترقت سرّ شخص المسيح. ففيه قدرة خفية ولكنها حقيقية، لا يستطيع اللامؤمن ان يكتشفها، ولكنها تنكشف للمؤمن (6: 5-6). هذا التعليم يرافق مجمل لاهوت مرقس: عرف الشياطين قدرة يسوع الالهية، أما الجموع، أما التلاميذ فجهلوها. وحده الإيمان يتيح لنا أن نتعدّى الظواهر. حينئذ يُعطى الخلاص للذي يقترب من المسيح.
وإيمان هذه المرأة مدهش، بل أكثر من مدهش، لاسيّما وأن يسوع هو مسيح خفيّ وغير معروف. تحيط به جموع لا يهمّها إلاَّ المعجزات، وتلاميذ لا يميّزون بين أناس يزحمونه وامرأة مؤمنة تلمسه. لقد ظهر المسيح حقاً وسط البشر. لقد ظهر انساناً وسط أبناء بلدته الذين رأوا فيه إبن النجّار (6: 3). هو يجهل من لمسه، كما سيجهل ساعة الدينونة (13: 32). فالمسيح لم يمتلك بعد قدرة القيامة. ولكن هذه القوة التي تنبعث منه، بل نكاد نقول رغماً عنه، تعلن الخلاص الممنوح لكلّ من يؤمن به.
لم يقل مرقس بوضوح إن شفاء هذه المرأة التي تحدّت شريعة اليهود التي تمنعها من الاقتراب من الناس، لم يقل إن هذا الشفاء يعني أيضاً عودة إلى جماعة المؤمنين الذين ظلوا خارجاً بسبب شرائع طهارة خارجية (لا: 1 ي). هكذا عاد الأبرص إلى الناس، بل ذهب إليهم مبشّراً (1: 45). وهكذا استطاعت هذه المرأة أن تعلن عن نفسها من دون خوف. فاعلان يسِوع الذي ينهي الخبر: "يا ابنتي، إيمانك خلّصك. إذهبي بسلام وتعافَيْ من دائك"، يكشف بُعد المعجزة. لسنا فقط أمام شفاء جسدي نالته هذه المرأة بفضل اتصال خارجي محض مع شخص يسوع. بل نحن أمام خلاص تعلنه كلمة الله وتمنحه لكل الذين يأتون إلي الربّ بإيمان.
وننهي بملاحظة صغيرة حول كلمة يسوع. قال يسوع: تعافي من دائك. وكان مرقس قد قال إن الشفاء تمّ في الوقت الذي فيه لمست المرأة رداء يسوع. صحّح متّى ما كتبه مرقس. قال: "ثقي يا إبنتي، إيمانك شفاك". وهكذا لم يتحدْث متّى عن القدرة السرية التي تنبعث من يسوع. أما مرقس، فتحدّث عن هذه القدرة، ولكنه عاد فربط شفاء المرأة بكلمة يسوع، قال لها: تعافي. فتعافت.

3- إقامة إبنة يائيرس
أ- نداء يائيرس
وأعطانا مرقس هنا أيضاً خبراً مليئاً بالتفاصيل (5: 21- 24، 35-43). جاء يائيرس يطلب شفاء ابنته التي بلغت الثانية عشرة (آ 42). يائيرس هو أحد رؤساء المجمع، أحد المسؤولين فيه. إذن، هو وجيه يهودي يقيم في إحدى المدن الواقعة على شاطىء البحيرة. إن موقفه أمام يسوع يعبّر عن إيمانه: خرّ أمام يسوع. هكذا فعل الشياطين حين إكتشفوا أن يسوع هو ابن الله (3: 11؛ 5: 6). هكذا فعل كل الذين جاؤوا يبتهلون إلى يسوع: الأبرص (1: 40)، المرأة الكنعانية (7: 25). كل الذين رأوا فيه مرسل الله (10: 17: الرجل الغني؛ رج 19:15).
إبنة يائيرس هي في ساعاتها الأخيرة: يجب أن يخلّصها يسوع لكي تحيا (حرفيا: تخلص وتحيا). إذا عدنا إلى متّى نرى أن الفتاة قد ماتت حين يأتي الأب إلى يسوع. فهو إذن يطلب منه أن يقيم ابنته. وهكذا يشدّد الإنجيلي بصورة أقوى على عظمة إيمان يائيرس. غير أن الألفاظ التي استعملها مرقس (تحيا، تخلص، على آخر رمق) تشدّد أيضاً على اقتراب ساعة الموت. لم يعد هناك أمل بشري بالشفاء. عملياً، الابنة قد ماتت.
وطلب يائيرس من يسوع أن يأتي ويضع يديه عليها. إعتاد يسوع أن يضع يديه على المرضى (6: 5: وضع يديه على بعض المرضى فشفاهم). هكذا فعل مع الأصمّ (7: 32) ومع أعمى بيت صيدا (8: 23- 25). وستواصل الكنيسة هذه الممارسة على خطى مؤسّسها (16: 18: يضعون أيديهم على المرضى فيشفون). ونحن نجد هذه الفعلة في أخبار أشفية قديمة. مثلاً، إنتظر نعمان السوري من النبي أليشاع أن يأتي ويضع يده فوق موضع البرص ويشفيه (2 مل 5: 11). الاتصال الجسدي هو ضروري لكي تفعل قدرة النبي (مجترح المعجزات) في المريض. وهكذا نرى كيف أن يسوع أخذ بأعمال البشر العادية، ولكنه حمّلها معنى روحياً كبيراً وسوف يظلّ وضع اليد الذي مارسته شعوب عديدة، هو الذي تمارسه الكنيسة في مناسبات عديدة لتعطي قدرة الله إلى من يتسلّم الأسرار المقدسة، أو إلى مريض يحتاج إلى شفاء.
ب- مؤمنون ولامؤمنون
واختفى يائيرس فترة قصيرة وسط الجموع التي ترافق يسوع. في هذه المسيرة تمّ شفاء النازفة. فجاء أناس يخبرون الأب يموت ابنته، ويقنعونه بأن لا يزعج المعلم بعد الآن: "لا حاجة إلى إزعاج المعلّم". فهم يرون أن محاولة الأب للحصول على شفاء ابنته قد تأخّرت. فالموت قد فعل فعله ولا عودة عنه. "أضاع" يسوع وقته مع هذه المرأة. لو أسرع. ولكن يسوع أراد أن يكون له حوار معها. فهناك أكثر من شفاء جسدي. نظرته بحثت عنها، وها هو يكلّمها.
تكلّم هؤلاء الناس الذين جاؤوا إلى يائيرس فعبّروا عن لا إيمان يضع حداً لقدرة يسوع. ولكن صمت الأب عبّر عن استمرار الإيمان في قلبه. هو لم يستسلم مثلهم، ولم يعتبر أن الأمور انتهت. وإن نقصَه بعضُ إيمان، فسيعطيه إياه يسوع. شجّعه وقال له: "لا تخف. يكفي أن تؤمن". إن يائيرس يحتاج إلى أن يتجاوز خوفه، لأنه سيكون شاهداً لظهور (ابيفانيا) قدرة الله في يسوع.
شدّد مرقس مراراً على الخوف، على الدهشة، على الرعدة المقدسة التي تمسك بالناس الذين يشهدون عجائب يسوع. طرد يسوع الشيطان، فانذهل الناس كلهم وتساءلوا (1: 27). وحمل المخلّع سريره "فخرجوا من نفوسهم" ومجّدوا الله (2: 12). وسكّن يسوع العاصفة، فخاف التلاميذ خوفاً عظيماً. هذه هي عاطفة الإنسان أمام ظهور الله. وبعد شفاء "لجيون، جاء الناس فرأوه "جالساً، لابساً، سليم العقل، فخافوا". هذه هي نتيجة عمل الله (5: 15).
ولكن مثل هذا الخوف قد لا يقود إلى الإيمان، بل يبقينا على مستوى الدهشة والإعجاب والحيرة. لهذا يحضّ يائيرس على أن لا يتردّد في إيمانه، "فكل شيء ممكن للذي يؤمن" (9: 23). هذا ما يقوله يسوع لوالد الابن الذي يقع في داء الصرع.
إن عدم إيمان الناس الذين أرادوا أن يمنعوا يائيرس من إزعاج المعلّم، يشبه عدم إيمان الذين "يبكون وينتحبون"، ويضجّون على موت الصبية. ولهذا هزئوا من كلمات يسوع: "لماذا تضجّون وتبكون؟ ما ماتت الصبية. لكنها نائمة"! ففي نظرة يسوع، ليس الموت شيئاً نهائياً لا مردّ له. إنه رقاد يخرج منه الإنسان بقدرة الله. ولكن من يرفض أن يرى في يسوع قدرة الله، سيصل به هذا الانكار إلى الهزء ثم إلى البغض.
ج- الظهور الخفي
أبعد يسوع عنه كل هؤلاء "اللامؤمنين". اولاً، بعد تدخّل اولئك الذين أرادوا أن يمنعوا يائيرس من عيش إيمانه، ترك يسوع معه بطرس ويعقوب ويوحنا فقط. ثم، لم يستطع إن يدخل إلى البيت إلاّ هؤلاء التلاميذ الثلاثة ووالد الصبية. إن موقف يسوع هذا والأمر بالصمت الذي سيُعطى فيما بعد (آ 43) يوافقان السرّ المسيحاني الذي كان موضوعاً مهماً في إنجيل مرقس. يجب أن تبقى خفية مظاهُر قوّة يسوع: المعجزات (1: 44؛ 7: 36). التجلي (9: 8). وهذا ما يدهش القارىء.
إن كان يسوع قد شدّد على هذا الأمر (حين أقام كل من إيليا والبشاع ميتاً، لم يسمحا لأحد أن يشهد الحدث. 1 مل 17: 19؛ 2 مل 4: 33) فلكي يجعلنا ندرك أن أعمال يسوع وعجائبه المدهشة التي تدلّ على قدرة الله ومجده، هي إعلان خلاص تام يمنحه المسيح في سرّ موته. وموت يسوع وحده ينير مدلول هذه المعجزات. لهذا يتوقّف السرّ مع القيامة. قال يسوع لتلاميذه بعد التجلّي في أن "لا يخبروا أحداً بما رأوا إلا متى قام ابن الإنسان من الأموات" (9: 9). ونزيد هنا ملاحظة ثانية. هناك أعماله تدلّ بصورة خاصة على مسيحانية يسوع حسب أقوال الانبياء وهذه الاعمال يجب أن تبقى سرّية: شفاء الأبرص (1: 43: لا تخبر أحداً بشيء)، شفاء الأعمى، (8: 26: لا تدخل القرية). شفاء الاصمّ (7: 36: اوصاهم أن لا يخبروا أحداً بشيء)، إقامة الموتى (5: 43): "أوصاهم يسوع بشدة أن لا يعلم أحد بما حدث". ولكن كيف يستطيعون أن يخفوا مثل هذه المعجزة؟ المهم هو أن لا يعتبر الناس يسوع مسيحاً مثل سائر المسحاء "السياسيّين". فهو يحمل خلاصاً من نوع آخر. وتمرّ مسيرته في الألم والموت قبل أن تصل إلى القيامة والمجد.
إن حضور بطرس ويعقوب ويوحنا ساعة إقامة إبنة يائيرس، يدخل في تفكير مرقس اللاهوتي. سيكون هؤلاء الثلاثة شاهدين لنزاع يسوع في بستان الزيتون والضيق الذي عاناه خلال الآلام (14: 33). وكان لهم قبل ذلك أن يكتشفوا مجده المقبل على جبل التجلّي (9: 2). وها هم يكتشفون هنا القدرة التي يعطيها هذا المجد الخفي ليسوع على الموت مندْ الآن. هذه القدرة هي استباق للتي سينالها في القيامة.
د- إعلان الحياة الجديدة
في هذا المستوى يتّخذ الخبر كل بُعده. فبساطة فعلة يسوع الذي أخذ الصبية بيدها، وإيجاز الكلام الذي رافق هذه الفعلة، لا ينسيانا أهمية الحدث. أورد مرقس كلمة يسوع في الارامية: طليتا قومي. يا صبية، قولي! قد يكون في جماعة رومة بعض اليهود (أو غيرهم) الذين يفهمون الأرامية. وقد تكون هذه العبارة انتقلت من فم إلى اذن، فأراد مرقس أن يحتفظ بها كما خرجت من شفتي المسيح نفسه. وسيحتفظ مرقس أيضاً بعبارة مماثلة حين يشفي يسوع الاصمّ: "إفاتا" أي انفتح (7: 34). ولا ننسى كلمته على الصليب في الأرامية إيضاً "ايلوئي، ايلوئي، لما شبقتاني، أي: إلهي إلهي لماذا تركتني" (15: 34).
إقامة الموتى حدث مهم، وهو جزء من الآمال المسيحانية. نقرأه في أش 26: 19: "تحيا موتاك وتقوم أشلاؤهم، فاستفيقوا ورنّموا يا سكّان القبور". وفي دا 12: 2: "كثير من الراقدين في تراب الأرض يستيقظون. بعضهم للحياة الأبدية وبعضهم للعار والذعر الأبدي". إذا كان التعليم لم يكن بعد ثابتاً في مجمل الجماعة اليهودية (رفضه الصادوقيون)، فقد كان من العناصر الأساسية في كرازة يسوع (12: 18-27). لقد أعلن يسوع لتلاميذه مراراً عن موته كما أعلن قيامته. قال في الإنباء الأول: "إن ابن الإنسان يموت قتلاً ويقوم بعد ثلاثة أيام" (8: 31). ويقول الشيء عينه في الانباء الثاني (9: 31) والانباء الثالث (10: 34). وحين جاء وفد يوحنا المعمدان، أورد يسوع قيامة الموتى من بين الآيات التي تبرهن على مجيء الزمن المسيحاني (مت 11: 4-5؛ لو 7: 22) وعرفت الجماعة المسيحية أن يسوع أعطى رسله هذا السلطان: "أقيموا الموتى" (مت 10: 8). وهذا ما سيفعله بطرس حين يقيم طابيتة (أع 9: 36 ي، وبولس حين يقيم افتيخوس في ترواس أع 20: 9- 12). والإنتصار الكامل على الموت، آخر عدوّ يقهره يسوع (1 كور 15: 26) يدلّ على قيام الملكوت في ملئه. وقيامة ابنة يائيرس هي باكورة هذا الإنتصار الذي يجد ذروته في قيامة يسوع
بعد أن أقام يسوع الصبية، "أمر بأن يطعموها". من جهة، نرى لطافة يسوع وشدّة اهتمامه. ومن جهة ثانية (وهذا الاهم)، نجد في هذا الكلام البرهان على واقع قيامة الصبية. لا ننسى ان يسوع طلب من الرسل الذين لم يصدّقوا قيامته: "أعندكم شيء يؤكل؟ فناولوه قطعة سمك مشوي. فأخذ وأكل أمام أنظارهم". وهكذا دلّ على أنه قام حقاً، على أنه حي. ونزيد على تدوين مستوى مرقس لإنجيله، أي في إطار كرازة المسيحية، أننا على مستوى أسرار التنشئة. ماتت الفتاة وقامت فكأنها تقبّلت سرّ المعمودية. وها هي تستعد للافخارستيا (6: 30- 44؛ 8: 1- 9). فالخبز الذي سيكثّره يسوع، يعلن مسبقاً الطعام الروحي الذي يناله المعمّد في موت المسيح وقيامته.
إن إقامة الموتى والحرب على الشياطين وشفاء المرضى، هي آيات تدلّ على عمل الله بواسطة يسوع، وعلى الخلاص الذي يُعطى للبشر. ولكن قيامة المسيح وحدها تستطيع أن تلقي ضوءاً كاملاً على هذه المعجزة. فأي معنى لقيامة مؤقته إن لم يكن في الوقت عينه رجاء بقيامة على مثال قيامة المسيح، وبحياة أبدية؟ فالاعلان الملتبس: "لم تمت الصبية. إنها نائمة"، يفهمنا رأي يسوع في المعجزة التي سيجترحها: نحن نفسّرها بالنظر إلى قيامته. فالحدث لا يظهر منذ الآن على أنه قيامة. لهذا أخفى يسوع المعجزة وتحدّث عن رقاد الصبية. فالذين هزئوا بيسوع، لا يستطيعون أن يؤمنوا بقيامة الموتى إن لم يؤمنوا بقيامة يسوع. لا يقول لنا مرقس في نهاية الخبر ردّة الفعل عندهم، ولا خزيهم، ولا إعجابهم: فهؤلاء الناس لا يستطيعون بعد أن يفهموا.
أما بطرس ويعقوب ويوحنا، فيكونون كرسل الشهودَ الرئيسيين لقيامة يسوع. لهذا كان لهم هذا الحدث دلالة على انتصار المسيح على الموت. منذ ذاك الوقت، كانوا الشهود الممّيزين لانتصار المسيح، فرأوا في قيامة ابنة يائيرس اعلاناً عن قيامة جميع المسيحيين في المسيح. ولكن سننتظر الفصح والقيامة لكي يظهر عمل يسوع وشخصه في ملء نور الله.
نكتشف التفسير المسيحي للحدث في ألفاظ استعملها مرقس: كاتادين (رقد، نام)، اغايرو (استيقظ)، اناستامي (قام). نجد هذه الالفاظ في نشيد مسيحي قديم استعمل في ليتورجية العماد: "إستيقظ أيها النائم وقم من بين الموت، والمسيح يضيء لك" (أف 5: 14). هذه الكلمات التي تصوّر الكرازة المسيحية عن قيامة المسيح، وقيامة المسيحيين في المعمودية، تلقي ضوءاً على المعجزة التي صنعها يسوع. فهذا العمل يدّل على قدرة ابن الإنسان على الموت، ويعلن انتصاره النهائي عليه. وفعلة يسوع حين أخذ الصبية بيدها، تدلّ على أكثر من اتصال جسدي منظور. إنها تدلّ على تدخّل يد الله القديرة في عمل الخلاص (أش 41: 13).
لم يعد الموت يسيطر على الإنسان. إنه رقاد. وستأتي قدرة الله الظاهرة في يسوع، فتنتزع الإنسان من الموت وتعيده إلى الحياة.

خاتمة
نحن هنا أمام الخلاص الذي يحمله يسوع إلى الإنسان. هذا ما تدلّ عليه المعجزتان. فيائيرس جاء يطلب من يسوع لكي "تحيا ابنته وتخلص". وحاولت النازفة أن تلمس يسوع لأنها متأكدة أنها ستخلص. كلاهما اختبرا ضعف الإنسان لكي يمنح لنفسه الخلاص. في هذا الوعي سيتفجّر الإيمان بالمسيح، هذا الإيمان الذي يستطيع وحده أن ينتزع الإنسان من يأسه. ولكن الإيمان ليس يقيناً لا تردّد فيه. فالمسيح "يختبىء" وسط جمع "يهزأ" به ويستعدّ لكي يتركه. هو وحده يستطيع أن يخلّص. ولكن المؤمنين وحدهم يقدرون أن يكتشفوا في ضعف هذا الإنسان (يسوع) قدرة الله وينالوا الخلاص.
أرانا مرقس في يائيرس والنازفة مثلين من مسيرة المؤمن إلى يسوع، وعن جواب يسوع على هذا الإيمان. ولقد أراد الإنجيلي أن ينقلنا إلى أبعد من المعجزة "الجسدية" ليجعلنا ندرك ملء الحياة الذي يعطيه المخلّص للمسيحي بعد أن يتمجّد في آلامه وقيامته.

 

 

الفصل الثامن والعشرون
يسوع في الناصرة
6: 1- 6 أ

جاء يسوع إلى أخصّائه يحمل تعليم الخلاص، ولكن أهل قريته رفضوه، فتعجّب من قلة إيمانهم. هذا الخبر الذي أورده مرقس (6: 1- 6) يبدو غريباً. ونحن لا نفهم لماذا أراد الإنجيلي أن يذكّرنا بهذا الحدث الذي لا يشرّف أهل الناصرة ولا يشرّف يسوع نفسه. قد يقال: "لم يعرف أن يفرض نفسه في قريته"! تعذّر عليه أن يصنع أية معجزة هناك، سوى أنه شفى بعض المرضى. وتعجّب من قلة إيمانهم، وكأنه كان بالإمكان أن ننتظر شيئاً آخر. فمتى أكرم نبي في بلدته؟!
أما كان من الأفضل أن يسكت مرقس عن هذا الحدث التعيس؟ ولماذا أورد خبراً لم يكن يسوع ناجحاً فيه؟ الجواب هو أن هذه المأساة هي مأساة كل الإنجيل الذي ينتهي في فشل الصليب. إن رفض أهل الناصرة يعلن مسبقاً سر الآلام. ودهشة يسوع المسمّر على الصليب هي دهشة إله جاء يحمل إلى البشر كل شيء، فإذا بهم يرفضون أن يعطوه أي شيء.
وهناك أيضاً دهشة حاملي الإنجيل عبر العصور. يحملونه بالقول والعمل فيكونون موضوع شك ومناسبة عثار للذين يسمعون الكلمة ويرفضونها. ليس تلميذ أفضل من معلّمه: هذا ما أحسّ به مرقس، وهو يشير في بداية الخبر إلى حضور التلاميذ الذين يشاركون يسوع في فشله. والكنيسة ستصطدم باللاإيمان عينه.
لندخل في فهم هذا الخبر المليء "بالألغاز". ولنذكر الصعوبات قبل أن نقدّم الأجوبة على المستوى الأدبي والتاريخي. ولنكن متحفّظين. فقد لا نستطيع أن نفهم كل شيء، لكننا لا نلغي الصعوبات. حينئذ نشبه أهل الناصرة الذين ظنوا أنهم عرفوا كل شيء فغاب عنهم الجوهر. توقّفوا عند النجار ابن مريم، لم يصلوا إلى ذاك النبي، إلى المسيح ابن الله.

1- وثيقة أدبية
يدهشنا بناء خبر مرقس هذا، بحيث لا ندرك سبب وجوده كل الادراك كما يفلت منا مدلوله ووظيفته في مجموعة مرقس الاخبارية. وهكذا نستطيع أن نكدّس الاسئلة بالنسبة إليه. (1) لماذا هذا التحوّل غير المنتظر لدى السامعين في مجمع الناصرة؟ إنتقلوا فجأة من الدهشة والإعجاب (آ 2، بهت، تعجّب، رج 1: 22)، إلى عدم الموافقة والرفض والعداوة (آ 3، تشككوا، تحيّروا في أمره). (2) ما هو المعنى الحقيقي للسؤال الذي طرحه أهل القرية؟ (3) لماذا تعجّب (دهش) يسوع من لا إيمانهم (عدم إيمانهم، قلة إيمانهم) مع أنه أعطى السبب في هذا النص: "ليس نبي بلا كرامة إلاّ في وطنه وفي أهله وفي بيته" (آ 14)؟ (4) لماذا أكّد مرقس في الآية نفسها وبشكل شبه متعارض، أن يسوع لم يستطع أن يصنع شيئاً من العجائب، وأنه صنع بعض العجائب رغم كل شيء (آ 5 أب)؟.
خبر صغير يسير بنا في كل الإتجاهات، فتتصادم عناصره. نصّ غريب لا نجد ما يقابله في التقليد الإزائي (ما عدا مت 53:13- 58). فسّره الشرّاح، وها نحن نذكر أجوبتهم.
أ- قراءة "تاريخية" وغير حرفية
أخطر طريقة لقراءة نصّ هي أن نزيل الصعوبات، ونحوّل المعنى الموضوعي للكلمات، وننسّق بين االعناصر المتفرّقة، ونحاول أن ننير النص بمعطيات سيكولوجية. ونعطي أمثلة. (1) لماذا جاء يسوع إلى الناصرة؟ الجواب: ليزور عائلته (أسرته). (2) ماذا قال في المجمع؟ الجواب: الخطاب الوارد في لو 4: 21- 27. ويروي الشارح الخبر بالتفصيل. بعد خطبة يسوع، إنقسم السامعون قسمين: كثيرون أعجبوا بالمعلّم. وبعض السامعين تشكّكوا منه فرفضوه. أو: عرفوا بما وصل إليهم من أخبار عن معجزات يسوع الخارقة، فامتلأوا حسداً منه وتساءلوا: كيف نبت هذا العبقري في هذه القرية المغمورة؟ ثم، حمّل الشرّاح الدهشة والإعجاب الظاهرين المذكورين في آ 2، تضمينات مسيئة إلى يسوع، تضمينات تشير إلى تشكك هؤلاء المرائين!
يجعل "الشارح" نفسه حالاً على مستوى الحدث كما يتخيّله، ويملأ فجوات النص بما "ينقصه"، ثم يستنبط نصاً آخر يجعله فوق النصّ الذي نقرأه في الأنجيل. في الواقع، لقد خرج من النص كما يبدو لنا في الإنجيل الثاني، وبنى الحدث بطريقته وفهمه، دون أن يعي أنه ألغى تاريخيته الحقيقية.
ب- شرح النص إنطلاقاً من مراجعه
هناك أسلوب قراءة ثانٍ وهو أكثر جدية من الأول. يقوم بأن نفسّر النصّ بواسطة مراجعه، فنعيد بناء تكوينه الأدبي. مثلاً، قال بولتمان: إنطلق الكاتب من مثل معروف في أيامه (آ 4: لا يحتقر بني...) وقد نسبه التقليد المسيحي إلى يسوع. إنطلق من المثل وتوسّع فيه فأعطانا هذا الخبر. وقال شميت: هذا النص هو نتيجة مرجعين متميّزين: آ 2 ب، 3 ج، 5، 6 أ. هذا الأسلوب سيجد ذروته عند الأب بوامار.
لهذا الأسلوب أهميته على مستوى التاريخ الأدبي للنصّ. ولكن الخطر يكمن حين نحاول أن نفسر النصّ في حرفيته بواسطة هذه الفرضية. كل ما يستطيع هذا النقد أن يفعل، هو أن يكتشف نصوصاً أخرى تستتر في هذا النص، ويبحث عن وظيفتها بالنسبة إلى المقطع الإنجيلي الذي ندرس.
مثلاً، ننطلق من مقابلة مع مت 53:13-58: نستطيع أن نتحدّث عن نصّ سابق لمرقس حيث لا ذكر للتلاميذ (آ 1)، لأن لا فائدة لهذا الذكر (ولكن لا ننسى أن مرقس جعل التلاميذ دوماً مع يسوع. أما متى، فيجعل يسوع وجهاً لوجه مع الشخص الآتي إليه لئلا يشتّت انتباه القارىء). ونقول الشيء عينه عن آ 5 ب (مع ذلك، شفى بعض المرضى). قد يكون مرقس قد زادها فجعل نصّه ثقيلاً. أو: يجب أن نفضّل نص مت 54:13 ب- 56 مع بنيته التصالبية (خياسما، أي: أ ب ب أ) على نص مر 2:6 ب- 03 النص الأول هو ما نقرأه في مت 13: 55: "ابن النجار". والنص الثاني هو ما نقرأه في مر 3:6 أ: "النجار ابن مريم".
هذه الملاحظات معقولة. ولكن نص مرقس يجب أن يقرأ أيضاً في ذاته. والدراسة التكوينية لا تكشف دوماً السبب الذي لأجله كتب الإنجيلي ما كتب. نحن لا نقرأ فقط النصوص "السابقة"، بل ندرس النصّ الحالي. ومن يؤكّد لنا أن هذه النصوص السابقة التي "افترضناها" هي أكثر تاريخية من النص الحالي: يسوع في الناصرة.
ج- شرح النصّ إنطلاقاً من وظيفته في قلب الجماعة
وهناك فرضية قراءة ثالثة تكمن في أن نحدّد الفن الأدبي للنص الذي ندرس، ونتساءل لماذا كتب؟ أية حاجة في الجماعة أراد أن يلبي؟ الجواب صعب فيما يخصّ مر 6: 1- 6. وهو يختلف بين كاتب وآخر بالنظر إلى أفكاره التاريخية واللاهوتية المسبقة. ديباليوس يرى فيه خبراً مثالياً: ما حدث هنا حدث في كل مكان، وفي النهاية رفض اليهود يسوع وصلبوه. بولتمان يتحدّث عن خبر يحيط بقول مأثور. ولكن إلى أيّ حدّ يشكل القول في آ 4 (لا يكرم نبي) عقدة الخبر؟ فقد نستطيع أن نحذف هذا القول المأثور دون أن "ندمّر" بنية المقطع.
ما نستطيع أن نقوله هو أن هذا الخبر لا يدخل في إطار من الأطر. إنه "إجمالة". إنه ملخّص نموذجي لرسالة يسوع التي اصطدمت بالفشل.
أما لماذا دوّن هذا الخبر في قلب الجماعة المسيحية الأولى، فهناك فرضيات عديدة؟ (1) هذا الخبر هو تحريض خفي يوجّه إلى الوعّاظ المسيحيين لئلا ييأسوا أمام خبرات غير ناجحة. ولكن لماذا هذا الخبر الغريب لكي نبرّر خبرة عادية؟ (2) هناك سؤال طرحه أهل الشتات ولا نزال نطرحه اليوم: لماذا لم ينفع مثل هذا التعليم والعجائب الخارقة التي اجترحها يسوع، لكي تجعل بني اسرائيل يأتون جماعات إلى الإيمان الجديد؟ هذا هو السؤال الذي أراد مرقس أن يقدّم له جواباً. في هذا المنظار، يبيّن الخبر أن المعجزة لا تعني شيئاً من دون إيمان سابق. وأن لا إيمان أبناء بلدة يسوع، كان نقطهّ انطلاق لانتشار رسولي مسيحي، والشرط لانتقال الإنجيل إلى الأمم.
تفاسير مختلفة لا نستطيع أن نتحقّق منها بسهولة. تفاسير لا بأس بها، ولكنها لا تفكر تشعّبات النص وما فيه من تعارض. ثمّ لا نستطيع أن نعزل مر 6: 1- 6 عن إطاره. كما نعزل مثلا. 10: 13- 16 (يسوع يبارك الأطفال). وهكذا تصبح التفاسير السابقة غير كافية، لأنّها تعتبر هذا النصّ مقطعاً نستطيع أن نعزله عن الإطار الذي وضع فيه.

2- أسلوبان لدراسة النصّ
أ- بناء مرقس اللاهوتي
هناك طريقة رابعة لقراءة النص هي أن نكتشف نيّة راوي الخبر إنطلاقاً من لاهوته الخاص. لقد صاغ مرقس بناء هذا الخبر (6: 1- 6)، فدمج موضوعين لاهوتيين اهتمّ بهما إهتماماً خاصاً: قبل الفصح، لم يستطع أهل يسوع أن يروا فيه إلاّ إنساناً بسيطاً، واعظاً ومجترح معجزات (لاهوت السرّ المسيحاني). لم يكن سرّه ليُعرف في واقعه الإلهي قبل القيامة. لهذا ظلّ كذلك للذين في الخارج ولأهل وطنه (لاهوت القلوب القاسية. مر 4: 11- 13). ولكن مقابل هذا، كشف هذا الخبر المثالي الإيمان الفصحي لدى التلاميذ في ذلك الذي رأوا فيه إنساناً كاملاً وإلهاً كاملاً. وبمختصر الكلام، إن مر 6: 1- 6 هو في النهاية بناء لاهوتي محض به يعبّر الكاتب عن إيمانه بيسوع المسيح، ويشدّد في الوقت عينه على رفض إسرائيل بأن يقبل هذه الحقيقة.
ب- نحو دراسة النص في حرفيته
ليس الهدف أن نبحث عن "النصوص السابقة" للنص، ولا أن نكتشف إن كان يقول الحقيقة، ولا أن نعرف ما يعني. بل أن نكتشف مبدأ يصبح فيه هذا المقطع مقروءاً. نتوقّف أولاً عند النص، ثم عند علاقة النص بقرائنه.
أولاً: نص محيّر
نشدّد أولاً على أمر مهم: لا نستطيع أن نعتبر مر 6: 1- 6 وحدة نعزلها عن قرائنها. لا شك في أن هذا الخبر يشكّل وحدة. وهذا ما تدلّ عليه التضمينات الأدبية. في آ 1: وطنه. في آ 4: لا كرامة لنبيّ إلاّ في وطنه. هناك فعل "علّم" في البداية (آ 2: يعلّم في المجمع) وفي النهاية (آ 6 ب: سار في القرى وهو يعلّم).
هو وحدة، ولكننا لا نفصله عن المجموعة. ليست فقط بسبب الرباطات التدوينية مثل "وخرج من هناك" (آ 1). أو ذكر التلاميذ السابق مباشرة لإرسالهم (6: 1، 7- 8)، بل بسبب شكل الخبر العام. فهو في بنيته الأولى يورد خبر وضع يتدهور منذ الوقت الذي فيه جاء يسوع إلى أهله. وسبب التدهور هو أسئلة سلبية يطرحها أهل الناصرة عن أصل يسوع (أليس...). ويلاحظ يسوع نفسه هذا التدهور فيقول: "ليس نبي بلا كرامة...". وفي النهاية، يصل التدهور إلى ملئه: أحاط الاحتقار بيسوع. لم يؤمن أخصّاؤه به. قيّد عمل الخلاص لدى مجترح المعجزات: لم يستطيع أن يصنع شيئاً من العجائب.
لا يروي راوٍ مثل هذا الخبر دون أن يفترض عند السامع والقارىء إمكانية قلب النص وإعطائه وجهاً إيجابياً بواسطة إطار شفهي أو مكتوب. إذا عزلنا خبر الفشل هذا بصورة اعتباطية عن قرائنه الإخبارية التي تساعدنا على فهمه، وعن إيمان السامع الذي يقلب معطياته، إذا عزلناه، لن نستطيع أن نسمعه ولا أن نفهمه.
حين أشار الراوي إلى دهشة يسوع (من قلة إيمانهم)، شدّد في الوقت عينه على طابع غير عاديّ للوضع: كان يجب أن تجري الأمور على غير ما جرت. قال أهل الناصرة: أما هو فقط النجار؟ ولكن يدعى القارىء ليعلن مكانهم: هل هو فقط النجار؟ أما هو أكثر من النجّار؟ وهذا ما يقرّ به يسوع حين يقدّم نفسه كالنبيّ، والنبي المكرّم خارج وطنه. وحين تحدّث الراوي عن رفض أهل الناصرة بأن يؤمنوا (ابيستيا، 6:6؛ 9: 24)، دعا القارىء إلى أن يعلن إيمانه بابن الله (1: 1؛ 39:15). فعدم الإيمان يقوم بأن نضع علامة استفهام حول أصل يسوع الإلهي. فلا يكفي بأن نقرّ أن في يسوع حكمة أعطاه إياها الله (آ 2). وأن عنده سلطان صنع العجائب. لا يكفي أن نتحدّث عن سلطة يسوع المسيحانية (الحكمة والقدرة هما صفتان مسيحيتان، أش 11: 2؛ ق 1 كور 1: 24)، بل يجب أن نعلن ما أعلنه قائد المئة عند الصليب. "في الحقيقة كان هذا الرجل ابن الله" (39:15).
ونلاحظ أخيراً هذه الرسمة الغريبة في خبر مرقس. في البداية، دهشة وإعجاب لدى أناس سمعوا تعليم رابي (معلّم) يحيط به تلاميذه. ثم، سؤال حول أصله. وأخيراً ردة فعل اللا إيمان. إننا نجد هذه الرسمة عند يوحنا وفي سياق آخر (يو 7: 14، 15- 19، 24- 29)، كما نجدها عند لوقا (16:4- 30). إنها رسمة سر اللاإيمان. لا يكفي أنّ نؤمن "بالواعظ" ومجترح المعجزات، بل يجب أن نصل إلى مستوى أعلى فنؤمن بشخص يسوع نفسه.
ولكن حينئذ قد يصبح يسوع حجر عثار للذين يقتربون منه فقط على مستوى الجسد. يقول يو 1: 11: "جاء إلى خاصته وخاصته لم تقبله". فكلمته تدين القلوب (مركز الفهم والارادة) وتفرض على كل واحد أن يتخذ موقفاً من السؤال الأساسي: "من هو يسوع"؟ وفي هذا الخبر الذي فيه يرسم مرقس موضوع الإيمان بشكل سلبي، فهو يطرح هذا السؤال الجوهري قبل أن يصل إلى الإعلان الإحتفالي في فم قائد المئة: المصلوب هو ابن الله.
ثانياً: النصّ وقرائنه
نتوقّف الآن عند النص في قرائنه التي تعطيه معناه. نتوقّف عند وظيفته في المجمل الاخباري. فكلّ مفردات الخبر هي صدى لعبارة أو موضوع ذُكر سابقاً، وتحتاج إلى توسيع لاحق: من هذا القبيل، نستطيع أن نعتبر مر 6: 1-6 كخبر إنتقالي. لا شكّ في أننا لا ننسب إلى مرقس مخطّطاً بأقسامه المرتّبة والمرقّمة. ولكن يبقى أن كرازته تتبع ترتيباً محدّداً في توسّعه المتدرج في سر يسوع المسيح وابن الله. فالقسم الأول من هذه الكرازة اللاسيروية (لا تقدّم سيرة. تنطلق من نداء التلاميذ حتى 8: 26)، يطرح سؤالاً عن هوية يسوع. وهذا السؤال سيجد جوابه فيما بعد بشكل تدريجي، من إعتراف قيصرية فيلبس (قال بطرس: أنت المسيح) حتى الآلام. ويبرز هذا السؤال الأساسي بشكل خاص في ما يسمّى عادة بداية الرسالة الجليلية (1: 21- 13:6). وتتوالى الأسئلة. "ما هذا؟" هذا التعليم جديد (1: 22)". "لماذا يتكلّم هذا الرجل هكذا" (7:2)؟ "فمن هو هذا" (4: 41)؟ "من أين له هذا" (2:6)؟ بعد هذا، سيعود السؤال في ألفاظ مشابهة في 6: 14- 16 (يقولون: قام يوحنا المعمدان)؛ 8: 27- 29 (من أنا في رأي الناس؟).
ونستطيع أن نقدّم أيضاً بعد الملاحظات الدقيقة.
* الأولى: تذكرنا آ 1- 2 بألفاظ "يوم كفرناحوم" وفكرته الرئيسية. في هذا اليوم النموذجي، بدا يسوع كواعظ ومجترح معجزات. نقرأ بصورة خاصة 1: 21- 22: "دخل يسوع المجمع وأخذ يعلّم، فبهتوا من تعليمه" (اكبلسوماي. في 1: 22 وفي 6: 2). إذن، نجد في مر 6: 1- 6 التوازي الذي يناقض هذا اليوم التدشيني، يوم كفرناحوم.
* الثانية: يذكّرنا السؤال على أصل يسوع وكلامه عن رفض أخصائه له (أقربائه. خاص بنص 6: 4) بالسؤال عينه الذي نجده في 3: 20- 35. في الحالتين نجد "هجوماً" على أقارب يسوع.
* الثالثة: إن مجموعة المعجزات في 4: 35- 43:5 نجد خاتمتها في 6: 1- 6. فالفكرة الكبرى في هذه المجموعة نجدها في الجمع بين المعجزة والإيمان. فلفظة "إيمان" نجدها في عدد من مقطوعات هذه المجموعة: في تسكين العاصفة (4:4: أما عندكم إيمان؟)، في شفاء النازفة (5: 34: إيمانك شفاك). عند يائيرس (5: 36: يكفي أن تؤمن). عند وثني الجراسيين الذي يريد أن يتبع يسوع ويعلن أعماله العظيمة. إستعاد مر 6: 1- 6 الفكرة الرئيسية عينها وقلبها رأساً على عقب: من دون الإيمان، لا يستطيع يسوع أن يصنع عجائب. ونلاحظ أن موضوع اللاإيمان موجود في بداية هذه المجموعة (4: 40) وفي نهايتها (6: 6). 
وبمختصر الكلام، يبدو مر 6: 1- 6 بالنسبة إلى الأخبار السابقة، بشكل إجمالة "سلبية" عن رسالة يسوع التي انتهت بالفشل. فهذا النص الذي يبدو للوهلة الأولى حيادياً، يلعب دوراً هاماً في بناء مرقس الأدبي واللاهوتي.
هل نستنتج أنه لا يشير إلى حدث تاريخي محدّد؟ كلا.

3- الحدث التاريخي
إن هذا البناء المرتب على المستوى الأدبي واللاهوتي، يتضمّن عناصر تاريخية. فاللاهوت والتاريخ لا يتعارضان على المستوى التاريخي. لا نستطيع أن ننكر قيمة المعلومات التي يعطينا إياها النصّ: لقد عرف يسوع الفشل بين أخصائه (رج 3: 21)، بحيث بدا وكأنه خسر قدرته العجائبية. يسوع هو صاحب مهنة يدوية (هو نجّار). هو ابن مريم. له إخوة وأخوات. هو يعلّم في المجامع ويبدو كصانع عجائب وطارد شياطين...
إن 3:6 تطرح مسألة هامة على مستوى النقد النصوصي. فمتى ولوقا لا يقولان إن يسوع كان نجاراً كما فعل مرقس، بل "ابن النجّار". أيكونان قد حسبا أن "مهنة يدوية" تتعارض وكرامة يسوع الإلهية؟ ربّما. إنّ بعض الشواهد ومنها بردية 45 تقرأ هنا في مرقس: "ابن النجار" بدل "ابن مريم". أما تأثر الناسخ بما في مت 13: 55 (ابن النجار، أمه اسمها مريم)؟ فعبارة "ابن مريم" أو "ابن أمه" غير عادية في عالم يهودي، بل تعتبر إهانة (رج قض 11: 1)، ولكن قد يكون نص مرقس "ابن مريم" صدى للإيمان بالحبل البتولي.
كل هذه النقاط المذكورة في مر 6: 1- 6 هي متينة، ولا شكّ في القيمة التاريخية لكل عنصر من عناصرها نأخذه على حدة. ولكن عل مستوى الجماعة، سيكون الحكم التاريخي متحفظاً. فعناصر الخبر كما ربطها الراوي لا تعطينا صورة فوتوغرافية أو تقريراً صحافياً لحدث حصل في الناصرة. فتذكّر حقيقي لرفض عرفه يسوع في الناصرة على يد أهله، وجد مكانه في إطار مشهد نموذجي حول اللا إيمان الذي "منع" يسوع من أن يعمل معجزات في وطنه.
وإذا ظللنا على المستوى التاريخي، نرى أن الرباط مع خبر إقامة يائيرس، قد ألّفه مرقس (وخرج من هناك). ثم إن قول يسوع (لا يكرّم نبي) جاء من الخارج. جعله مرقس في الخبر. وربطه بعبارة "فقالت لهم يسوع". فنحن نستطيع أن نقرأ آ 5 على أثر آ 3: وكانوا متحيّرين في أمره. ولم يستطع هناك. ونحن نجد اللحمة التدوينية نفسها في 27:2 (ثم قال لهم)؛ 4: 11، 21، 24. ثم إن التقليد قد حمل هذا القول المأثور وجعله في نصوص عديدة: يو 4: 44: إنجيل توما 31؛ بردية البهنسة (مصر) 6:1؛ لو 4: 24 (يبدأ: الحق أقول لكم. هذا يعني أنه لم يستقِ من مرقس). ثم إن لوقا يقدم خبراً يختلف عمّا في مرقس. لا نستطيع أن نجمع الخبرين وننسّق معلوماتهما. ولا نستطيع أن نتحدّث عن زيارتين متواليتين ليسوع إلى الناصرة (لو 4: 16- 30).
ولكن الجوهر ليس هنا. ولا نحاول أن نبني الحدث بالتفصيل. فمرقس يعرف عمّا يتكلّم. لقد عرف فشل يسوع في الناصرة. بيد أنه يعرف أن هذا الفشل حاضر اليوم. ورفض أهل الناصرة مستمرّ. نحن اليوم أهل الناصرة. ويبقى يسوع دوماً لنا موضوع دهشة وحجر عثار. وعدم إيماننا لا يدهش ذلك الذي أعطانا كل شيء. إن عمله الخلاصي يبدو مقيّداً بسبب رفضنا. ولكن يسوع يستطيع أن يعمل بعض المعجزات رغم لا إيمان أهل الناصرة. وهو لا يزال يوزّع مواهبه بدون كلل رغم رفضنا وعمى قلوبنا.

 

 

القِسم الخَامِس
المَرحَلة الثّالِثَة

يتضمّن القسم الخامس المرحلة الثالثة وعنوانها: إمتداد الملكوت. وإليك فصول هذا القسم:
1- إمتداد الملكوت، 6: 6 ب- 8: 30.
2- رسالة الإثني عشر في الجليل، 6: 6 ب-13.
3- آلام يوحنا المعمدان وموته، 6: 14- 29.
4- يسوع والرسل والشعب، 6: 30- 34.
5- خبز يشبع شعب الله، 6: 35-44.
6- يسوع يمشي على البحر، 6: 45-52.
7- أشفية متعدّدة، 6: 53- 56.
8- وصية الله وفرائض البشر، 7: 1- 23.
9- المرأة الكنعانية، 7: 24- 30.
10- شفاء أصمّ منعقد اللسان، 7: 31-37.
11- خبز من أجل العالم الوثني، 8: 1- 10.
12- آية من السماء، 8: 11-13.
13- خمير الفريسيين وخمير هيرودس، 8: 14- 21.
14- شفاء أعمى بيت صيدا، 8: 22-26.
15- إعتراف بطرس والإنباء الأول بالآلام، 8: 27- 35.
16- القطب المركزي: الملكوت في قلب الإنسان، 8: 27- 9: 13.

 

 

الفصل التاسع والعشرون
إمتداد الملكوت
6: 6 ب- 8: 30

خلال المرحلتين الأوليين في الإنجيل، شاهدنا مجيء يسوع إلى الجليل (1: 14- 3: 6) الذي يشكّل الحدث الحاسم في التاريخ، لأنه يدلّ على زرع ملكوت الله في أرض البشر. بعد هذا، إكتشفنا مع التلاميذ كيف يحرّك الملكوتُ القلوبَ في الأعماق، بقدر ما يفتحها استعدادها لسماع الكلمة والإصغاء إليها (3: 7-6: 6 أ). فوسط التباسات الحياة اليومية، والنوايا العدائية، ومحاولات وضع اليد على التعليم، وعدم الفهم والتردّد، والخوف مما يجرّدنا من يقيناتنا، إقترب إنجيل الله من البشر كزرع ينزل في حقول متنوّعة. هذا هو سرّ الملكوت الذي يحوّل مثل العالم إلى بذار حياة، إلى كلمة قيامة، إلى قدرة خلاص، وذلك بالإرتداد والإيمان.
إن طريق الرب الذي يجب تهيئته في برية البشر، قد رسمه يسوع في أرض الجليل، ووسّعه وسع الكون عبر الآلام الطبيعية أو الأدبية، عبر المعارضات والصعوبات والتغرّبات التي يعيشها أشخاص يعرفون السجن أو المنفى أو العزلة والتهمّش. لا يستطيع الإنسان أن يشقّ طريقه إن لم ينزع العوائق التي تتكدّس عليها. ولا يستطيع أن يصبّ الدواء على جرح لم يُعَرَّ من كل "أوساخه". هذا ما نقوله عن كلمة الملكوت: إنها تنزع القلوب من ذاتها لكي تحرّرها، والأبرص ليطهر، والفزعين ليؤمنوا، والموتى ليقوموا. "من هو هذا؟ حتى الريح والبحر يطيعانه" (4: 41).
ولكن هذا يؤلمنا. "ما لنا ولك يا يسوع ابن الله العلي؟ أستحلفك بالله، لا تعذّبني" (5: 7)!
ولكن ما زال يسوع "يعذّب" الإنسان بعذاب الله: هو يتهرّب بعد أن يشفي، فيجعلنا نرغب في شفاء أعمق من شفاء الجسد. واختار الإثني عشر من أجل مهمّة مستحيلة، وهو عالم أن إيمانهم سيكون قليلاً. ولم يتجاوب مع رغبة مجنون الجراسيين، بل أرسله إلى أهله وذويه المحدودين والقصيري النظر. وأجبر النازفة على أن تكشف سرّها. ووهب يائيرس الموهبة العظمة، وخيّب آمال أهل بلدته. من هو هذا ابن الله العلي لكي "يعذب" البشر إلى هذا الحدّ؟ لماذا يدهش من عدم الإيمان لدى البشر، حين يعلم أن الإيمان أبعد من إدراك الإنسان؟
نحن نحسّ بهذه الأسئلة لأننا سمعنا كلمة الملكوت. ومقاومتنا لهذه الكلمة تدلّ على حالنا. فإن أنكرنا هذا الوضع، أغلقنا آذاننا وحسبنا نفوسنا أننا نسمع، جعلنا حجراً على حبة الحنطة في الأرض لئلا تنمو، قسّينا قلوبنا وجدّفنا على الروح القدس. من هو هذا إذن؟ شبح يمرّ في خيالنا ساعة يهرب منا النوم؟ أم الله نفسه الذي يدركنا في أعماق تردّداتنا ليجعل منا رسل كلمته، وحاملي سلطانه لكي نطرح السؤال الذي يقيم فينا والذي ما زال يطرحه علينا: "من تقولون إني هو"؟
إذا أردنا أن ينمو الإيمان في قلوبنا القاسية والنجسة، إذا أردنا أن تنفتح آذاننا على فهم سرّ الله الذي يهب ذاته، نحتاج إلى قوة أخرى، إلى طعام "جوهري". نحتاج إلى أكثر من خبز يتقاسمه البشر وسمكات البحيرة. نحتاج إلى طعام يُشبع ولا يَنفد. يجب أن نأكل على مائدة الله نفسها. فالله نصب مائدته وسط الخطأة، فقدّم خبزه لجوعنا. أنبت حنطته، وأعمل المنجل في الحصاد الذي نضج، ليجعل منه طعاماً يغذّي جماعته التي وُلدت من المجمع واستيقظت من رقاد الموت (إبنة يائيرس، 12 سنة، إبن الوصية، أو الاسباط الإثنا عشر).
في هذا المنظار نفهم بُعد المرحلة الثالثة التي سمّيت "مقال الخبز". ليس فقط لأنها تروي مرتين معجزة تكثير الأرغفة أو الخبزات، بل لأنها تقدّم موضوع الطعام والخبز في الأخبار كما في المناقشات والمجادلات. على سبيل المثال نجد كلمة خبز (ارتوس) 18 مرة في هذه القسمة من الإنجيل (6: 8، 37، 38...)، ولن نجدها بعد ذلك في إنجيل مرقس إلا ثلاث مرات: خبز التقدمة الذي أكله داود (2: 26). ليس ليسوع وتلاميذه وقت جملون فيه خبزاً (3: 20). في العشاء السري، أخذ خبزا (14: 22). أما فعل "أكل" (استياين) فيُستعمل 16 مرة في هذه المرحلة (6: 31، 36، 37...)، وما عدا ذلك يستعمله مرقس 11 مرة. ويعود فعل شبع (خورتازين) اربع مرات (6: 42؛ 7: 27؛ 8: 4، 8). وأخيراً هناك كلمات ترتبط بكسر الخبز (6: 41، 43؛ 8: 6، 8، 19 مرتين، 20).
كان ذلك موقع هذه المرحلة الثالثة. فكيف يقدّم مرقس نصوصها؟
تبدأ هذه المرحلة بتذكير سريع بأسفار يسوع الرسولية (6: 6 ب) مع خبر رسالة الإثني عشر والخطاب الذي ألقاه عليهم معلّمهم (6: 7- 13). وبانتظار عودة الرسل (6: 30)، نرى هيرودس يطرح السؤال حول هويّة يسوع (6: 14- 16). في هذه المناسبة، حدّثنا مرقس بطريقة تفصيلية عن سجن المعمدان وموته (6: 17-29).
بعد هذا نسير في طريق طويل نفهم أنه ليس طريقاً جغرافياً وحسب: المدن، القرى، الأماكن المقفرة، البيت والمركب، بحر جناسرت والمناطق المحاذية للشاطىء، إن من الجهة الجليلية وإن على شواطىء دكابوليس (المدن العشر)، أقاليم وثنية في صور وصيدا إلى الغرب، قصيرية فيلبس إلى الشرق. وأورشليم نفسها موجودة بواسطة موفديها. وقد ترتب هذا الطريق في ثلاث حلقات تستعيد كل واحدة رسمة مشابهة: تجمّع حول يسوع، إنفراد مع التلاميذ، أشفية متعدّدة.
تتضمّن الحلقة الأولى عودة التلاميذ من الرسالة، وكسر الخبز للجموع في موضع قفر (البرية ترمز إلى برية سيناء والمن. في تكثير الأرغفة الثاني، يتحدّث النص عن الذين جاؤوا من بعيد، من العالم الوثني) (6: 30- 44)، والسير على البحر باتجاه التلاميذ (آ: 45- 52)، والأشفية المتعدّدة في منطقة جنسارت (6: 53- 56). 
وتجمع الحلقة الثانية سلسلة طويلة من المجادلات بين يسوع والفريسيين حول تقاليد الشيوخ، يتبعها تحريض قصير إلى الجموع (7: 1-23)، ثم تحرير إبنة السورية الفينيقية في منطقة صور، من الشيطان، وشفاء الأصم الألكن (منعقد اللسان) (7: 24-37).
وتقدّم الحلقة الثالثة على التوالي كسراً ثانياً للخبز، ومحاولة من الفريسيين (8: 1- 12)، وتحذيراً من يسوع إلى تلاميذه الذين كانوا معه وحدهم على البحيرة (8: 13- 21)، وشفاء أعمى بيت صيدا (8: 22-26). كل هذا ينتهي بتعرّف بطرس والتلاميذ الى يسوع، حين كانوا ذاهبين إلى قيصرية فيلبس (8: 27- 30). وانطلق يسوع من اعتراف إيمان بطرس، فأوضح إيمان التلاميذ، ووجّههم إلى آلامه التي أعلن عنها بدون مقدّمات (8: 31-33).
يتفّق معظم الشرّاح على القول إن النصوص التي تتضمنها هذه المرحلة هي مجموعة "قبل إزائية" (أي سابقة لتدوين الأناجيل الإزائية، أناجيل مرقس، متى، لوقا). وقد سمّيت "مقال الخبز". أعاد ترتيبها كل من متى ومرقس على طريقته، ليدخلها في إنجيله في منظاره الخاص. أما لوقا فربط حالاً إعتراف إيمان بطرس (9: 18-22) بخبر كسر الخبز (10:9-17).
سنتساءل عن تاريخ هذه النصوص لكي نستخرج التعليم الذي يقدّمه لنا مرقس في تدوينه الخاص، ونفهم الطريقة التي بها يورد لنا ما عمله يسوع. نتوقّف عند تكوين النص، وعند التحليل البنيوي، فنذكر الزمان والمكان والأشخاص، كما نعمل في كل مرحلة.
ونبدأ في تكوين النصّ.
يقدّم الشرّاح تأليف مرقس لمقال الخبز بشكل موازاة دقيقة:
6: 30- 44: كسر الخبز. 8: 1-9: كسر الخبز.
6: 45- 52: عبور البحيرة (عاصفة). 8: 10 أ: عبور البحيرة.
6: 53- 56: في جناسرت (أشفية). 8: 10 ب: في دلمانوثا.
7: 1- 23: جدال مع الفريسيين. 8: 11- 13: جدال مع الفريسيين.
7: 24- 30: حوار مع السورية الفينيقية. 8: 14- 21: حوار مع التلاميذ.
7: 31-37: شفاء الأصمّ الألكن. 8: 22-26: شفاء الأعمى.
يُبرز هذا التوزيع توازيات حقيقية في النص. ولكنه لا يشير بما فيه الكفاية إلى علاقة يسوع بالجموع من جهة، وعلاقته بالتلاميذ من جهة أخرى. ثم إن التوازي بين خبر وخبر فيما يخصّ العلاقة بين كسر الخبز وشفاء الأصم أو الأعمى، يجعل القارىء يتساءل حول تاريخية الوقائع.
إن تحليل خبر أول "تكثير للأرغفة" ومواجهته مع ما في الأناجيل الثلاثة الأخرى يتيح لنا أن نفترض خبراً "قبل إزائياً" عن الحدث. هذا الخبر انتشر في فلسطين حوال سنة 50، واستلهم مواضيع من العهد القديم: يبدو يسوع مثل موسى الجديد الذي يطعم شعبه في البرية (خر 16؛ عد 11). ويبدو "كالنبي" الذي يسير على خطى إيليا (1 مل 17: 7-16)، ويعمل ما عمله اليشاع (2 مل 4: 1-7؛ 4: 22- 44). ويبدو راعياً، يبدو داود الجديد الذي به وعد الله شعبه التائه كخراف لا راعي لها (حز 34). وتوسّعت هذه المواضيع فأوضحت عطية الافخارستيا في جماعة كنسيّة وُلدت في العالم اليهودي. وهكذا ستتضخم صورة المن في خطبة كفرناحوم الافخارستية في إنجيل يوحنا.
ما إن بدأ الوثنيون المرتدّون يمتزجون بالمسيحيين الآتين من العالم اليهودي، حتى طرحت مشاركتُهم في جسد المسيح الواحد، أسئلة ملموسة تحدّث عنها أعمال الرسل (أع 10- 11؛ 15)، وبولس الرسول (1 كور 8؛ 10؛ 11- 12). لهذا وجب على الإنجيلي أن يبيّن أن يسوع، وإن كان يهودياً، وإن أعلن أولاً إنجيل الملكوت في محيط يهودي، في الجليل، إلا أنه لم يحرم الوثنيين من عطاياه وتعاليمه خلال رحلاته الرسولية في صور وصيدا والمدن العشر. إذن، هل نستبعد عن المائدة الافخارستية أولئك الذين جاؤوا من بعيد وآمنوا بيسوع؟ حينئذ دوّن الخبر الثاني "لتكثير الأرغفة"، شأنه شأن الخبر الأول، لأن ليس هناك إلاّ افخارستيا واحدة، افخارستية يسوع. وبرزت اختلافات شدّدت على البعد الشامل للمعجزة الثانية ووصولها إلى العالم الوثني (رج الاعداد، 7، ...4؛ أع 6: 1- 6). إستعمل متى ومرقس هذين الخبرين، لأن الجماعة التي عاش كل منهما فيها، كانت تتخبّط في مسألة مشاركة اليهود والوثنيين بالإيمان الواحد، بجسد يسوع الواحد.
عرف الإنجيليون أن هذه المسألة تعني المدلول العميق لكنيسة فتيّة همها أن تقوم برسالة شاملة، رسالة تعليم وشفاء، سلّمها إليها يسوع، المسيح وابن الله. وهكذا نفهم لماذا أدخل مرقس ومتّى خبرَيْ توزيع الخبز على الجموع في منظار كرازي، في إطار تكوين التلاميذ على يد يسوع. إن متّى قد جعل المجموعة الكرازية التي يشكّلها "مقال الخبز" في سياق واسع، في سياق سيروي (سيرة يسوع) ولاهوتي يرسم مسبقاً وجه الكنيسة في قسماته الكبرى: الكنيسة عبر الافخارستيا، الكنيسة في نهاية عزلة عبد الله المتألم، الكنيسة التي تجد لها صورة حية ومسبّقة في التلاميذ.
وطلب مرقس الهدف عينه: شدّد هو أيضاً على دور الوساطة الجوهري الذي لعبته حلقة الإثني عشر في الجماعة المسيحية الأولى. وهذا الدور كان ثمرة مبادرة يسوع وتدبيره الحرّ، ونعمة منحها حنانه ورحمته، وذلك رغم ما عند التلاميذ من مقاومة ولافهم. وفي الوقت عينه، أعطى مرض كل "مقال الخبز" منظاراً رسالياً هو منظار دعوة الوثنيين الى الخلاص. فالأحداث التي تؤلّف المرحلة الثالثة في إنجيله، تسير في هذا الخطّ. فالجدال حول تقاليد الشيوخ (7: 1- 13)، والتعليم عن الطاهر والنجس (7: 14-23) يدلاّن على أن الله ينقّي الإنسان تنقية جذرية، أين منها تنقية النظم البشرية وإن تأسّست على ممارسة الشريعة. فإن آمن بأن يسوع يطرد الشياطين (7: 26) ويجعل الصمّ يسمعون والخرس يتكلّمون (7: 37)، فيعطي الحياة للعالم، فما الذي يمنعه أن يشارك، شأنه شأن السورية الفينيقية، في "فتات" المائدة الافخارستية (7: 28)؟
إن مختلف أخبار الأشفية، سواء كانت في إجمالة (6: 53-56)، أو في أشفية خاصة (7: 24- 30، 31-37؛ 8: 22-26)، قد دوّنها مرقس فاستند في تدوينها إلى تقاليد مختلفة يصعب علينا تحديد مصدرها. نجد منها مقطعين فقط عند متى (14: 34-36؛ 15: 21- 31). إن خبر مسيرة يسوع على المياه، كما في مرقس (6: 45-52)، هو قريب جداً من خبر يوحنا (6: 16-21) مع توسّع في موضوع اللافهم عند التلاميذ. أما متى فزاد عليه خبرة بطرس (مت 14: 28- 32)، وتعرّف "الذين في السفينة" إليه (14: 33). نحن هنا أمام موضوع توراتي (خر 14: 21- 31؛ يش 3- 4؛ 2 مل 2: 7-28؛ 14-15؛ مز 77: 20؛ أي 9: 8) يدلّ على ظهور الله (وقد يكون كتب في صور وتعابير العالم الهليني). أما متى ومرقس فقد جعلانا أمام ابيفانيا (ظهور) يسوع الذي لم يفهمه تلاميذه.
وخبر مقتل يوحنا ومقابلته مع خبر فلافيوس يوسيفوس، يعطينا أساساً موضوعياً أكيداً، مهما كان مصدر معلومات مرقس.
تطلّع بعض الشرّاح إلى التلميحات العديدة إلى العهد القديم، إلى تكرار معجزة تكثير الأرغفة، إلى الطابع العجيب في الأخبار، إلى الهدف الكرازي الواضح في كل هذه المرحلة، فاستنتجوا أنهم أمام تقديم كرازة عن القائم من الموت في شكل أدبي سمّي "تاريخ يسوع ": لا شكّ في أنه يستحيل علينا أن نقول كيف جرت الأحداث على شاطىء بحيرة طبرية، منذ ألفي سنة. فالأخبار الإنجيلية لا تتوخّى إعطاءنا تقريراً مفصّلاً (كما في الصحف). ومن جهة ثانية، لا نستطيع أن ننكر تاريخية الوقائع بسبب جهلنا (أو تردّدنا) للحقيقة التي تفترضها. هل "نفسّر" عمل يسوع حين نحصره في إدراكنا للأمور، أو "نفهم" تكثير الأرغفة كفعلة سخاء قام بها صبي لامسته كلمة يسوع. وزّع زاده، فسرت العدوى بين الناس فاقتدوا به. وهكذا انتقل الناس من الأنانية إلى التضامن والسخاء! هل نحن في هذه الحالة أمام النصوص الإنجيلية، أم تجاه مخيّلة بعض الشرّاح الذين يبنون "قصة" من عناصر وجدوها هنا وهناك، ثم يقحمون الإنجيل في هذه القصة. ولن نردّ أيضاً على الذين ينكرون هذه المعجزة أو تلك لأنها تحمل تعليماً رمزياً ولاهوتياً. ما هذا اللاهوت الذي لا يرتبط بالواقع؟ وما هذا الرمز الذي لا يستند إلى الحقيقة (هو كاللون نضعه على جسم جامد. فإن أزلنا الجسم ضاع اللون أيضاً).
كل همّنا هو أن ننقل الإنجيل، لا أخبارنا الخاصة. أن نبيّن البعد الافخارستي للنصوص. وهذا ما نحاول أن نقوم بها حين ندرسها بالتفصيل. ونعود إلى السؤال الذي تطرحه علينا هذه الأخبار الخارقة. هل نشك بوجود يسوع على الأرض في الزمان والمكان؟ أما نستطيع أن نقول إنه حقاً كثّر الأرغفة مرة، مرتين، أو أكثر؟ أنه مشى على الأمواج؟ لسنا هنا فقط أمام عدد من الأخبار المتفرّقة والمتقطّعة. نحن أمام تأمّل في حياة يسوع وأعماله على ضوء العهد القديم من جهة وعلى ضوء قيامة يسوع من جهة أخرى. وهكذا ننتقل إلى المعنى اللاهوتي العام في الإنجيل.
إن يسوع أكل أكثر من مرة مع تلاميذه ومع الجموع. معهم ومن أجلهم كسر الخبز. وكانت هذه "الغداوات" تترافق مع توزيع خبز الكلمة. وما كان يحدث في ذلك الوقت كان أكثر من "أكل الخبز". كان منذ ذلك الوقت "أكل الخبز معه". وعلى ضوء العشاء الأخير ثمّ موت يسوع وقيامته، عبّرت الكنيسة عمّا عاشته مع يسوع قبل الفصح ولم تفهمه. حينئذ كتب التلاميذ حقيقة يسوع التاريخية التي لم يدركوا منها إلا الظواهر، وفسّروها تحت نظر يسوع الحي. فهو يحرّك العقول والقلوب بحضوره الافخارستي وروحه القدوس، فينقلها من اللافهم إلى الإيمان. هذا هو المعنى العميق للمرحلة التي نعيشها. إن مرقس قد أيقظ فينا بخبره، تعلّقاً غير مشروط بيسوع، وروى لنا مسيرة المسيح في قلوب التلاميذ القاسية.
ونصل إلى بنية النصّ
على المستوى الأدبي نلاحظ بناء خاصاً بمرقس هو "مقال الخبز". استعمل مرجعاً قديماً فأعاد صياغته في ثلاث حلقات متوازية. كان التمييز بين الجمع والتلاميذ من جهة ومجموعة الخصوم من جهة أخرى، حاضراً بشكل خاصّ في المرحلة الأولى. وفي المرحلة الثانية، توضّحت المسافة بين التلاميذ والجموع، وما زالت تلعب دوراً هاماً في مسيرة الإنجيل خلال المرحلة الثالثة. فهناك إشارة أدبية نجدها في الطريقة التي بها يبدأ خبرا كسر الخبز والجدال حول تقاليد الشيوخ.
- في 6: 30: "واجتمع الرسل قرب يسوع...".
- في 7: 1: "واجتمع الفريسيون قربه...".
- في 8: 1: "وفي تلك الأيام، إذا كان الجمع غفيراً من جديد...".
حين ننطلق من هذه المقاطع الثلاثة، نرى ثلاث فئات من الناس تعبّر عن ثلاثة مواقف التقى بها يسوع خلال عمله الرسولي. وإليك الجمل التي تبدأ الأخبار الثلاثة حيث نجد على التوالي:
- التلاميذ ووظيفتهم بالنسبة إلى الجموع خلال تكثير الخبزات الأول (6: 30-44).
- الفريسيون الذين يطرحون سؤالاً على يسوع حول تصرّف التلاميذ. بعد هذا يُعطى للجمع تعليم قصير (7: 1-15).
- التلاميذ الذين يشاركون المعلّم شفقته على الجموع. بعد هذا نجد جدالاً قصيراً مع الفريسيين الذين يطلبون آية (8: 1- 12).
إذن، التلاميذ حاضرون في كل مرة: في علاقات يسوع مع الجموع، في المعارضة التي تواجههم بسبب تعلّقهم بالمعلّم وبمناسبة "أكل الخبز" (6: 37، 41، 42، 44؛ 7: 2، 5؛ 8: 4، 6، 8).
وإذ نكمّل بحثنا، نجد أن هذه الأخبار الثلاثة المتوازية (وإن اختلفت فنونها الأدبية) تتبعها مقاطع ترينا التلاميذ وحدهم مع يسوع:
- السير على المياه (6: 45- 52)، في السفينة.
- السؤال حول الأمثال (7: 17- 23)، في البيت.
- النقاش حول الخبز (8: 13- 21)، في السفينة.
يشدّد مرقس في كل من هذه الحالات، على لافهم التلاميذ، وعلى نداءات متكرّرة يطلقها يسوع، وفيها نجد إشارة إلى قلب الإنسان. إستعمل مرقس في هذه المرحلة لفظة "قلب" خمس مرات (6: 52؛ 7: 6، 19، 21؛ 8: 17) ليدلّ على قساوة وتصلّب في أعماق الإنسان. وهذا ما نجده أيضاً في بداية إنجيله (2: 6، 8؛ 3: 5). تنسب بعض المخطوطات هذا التصلّب إلى الشيطان (رج 4: 15: الكلمة المزروعة "في قلبهم" أو "فيهم"). بعد هذا، سيتحوّل القلب فيصبح موضع الإيمان (11: 23) والمحبّة (12: 30، 33). إستعمل متى اللفظة (قلب) 17 مرة ولوقا 24 مرة. في العهد القديم، يدلّ القلب على داخلية الإنسان، على موضع الفهم والخيار فيه.
ونعود إلى نصوص المرحلة الثالثة:
- "لم يفهموا شيئاً من أمر الأرغفة، بل كان قلبهم أعمى (أو: متصلّباً) (52:6).
- أإلى هذا الحدّ أنتم إيضاً بلا فهم؟ أفلا تعقلون... (7: 18)؟ "من الداخل، من قلب الإنسان تخرج النوايا الرديئة..." (7: 21).
- أفلا تعقلون بعد؟ أفلا تفهمون؟ أو تكون قلوبكم عمياء (متصلّبة) (8: 17)؟ أفلا تفهمون بعد (8: 21)؟
وأخيراً إن كل من هذه المتتاليات الثلاث تنتهي بمشاهد شفاء يتزاحم فيها الناس أيضاً حول يسوع، وكأن لا وجود للتلاميذ (أقلّه بشكل واضح). فكأن الإنجيلي يتحاشى هنا كلمة "جموع" (ترد فقط مرة واحدة في 7: 33): حملوا إليه المرضى (6: 55؛ 7: 32؛ 8: 22). توسّلوا إليه أن يلمسهم فيضع يديه عليهم (6: 55- 56؛ 7: 32-33؛ 8: 22-23). وتمّت أشفية من أجل مرضى عديدين جاؤوا من كل مكان، ورآهم الجميع في جنسارت (6: 53-56). وفي صور حصل طرد للشيطان عن بعد (7: 24- 30). وفي المدن العشر شفي الأصمّ الألكن على انفراد (7: 31- 35)، ساعة أراد يسوع أن يبقى متخفّياً فلا يدري به أحد (7: 24، 36). وفي بيت صيدا شُفي الأعمى في زمنين، خارج القرية (8: 23) التي منعه يسوع من الدخول إليها (8: 26).
كل هذه الإشارات المتوازية، والدقيقة كل الدقّة، والخاصة بأكثرها بمرقس، تدعونا لكي نرى في "مقال الخبز" بنية أدبية مثلّثة تتألّف من ثلاثة عناصر تتقابل وتتوافق.
ف 6: ف 7: ف 8:
أ-30:6-44 د-7: 1-16 أ أ-8: 1-12
عودة الرسل. جدال حول الخبزات. كسر الخبزات.
كسر الخبزات. (الفريسيون/ التلاميذ). (الجموع/ التلاميذ).
(التلاميذ/ الجموع). تعليم للجموع. علامة من السماء
(الفريسيون).
ب-45:6-52 هـ-17:7-23 ب ب-13:8-21
سير على المياه. تعليم عن القلب. الخبز والخمير.
التلاميذ وحدهم التلاميذ وحدهم التلاميذ وحدهم
في السفينة. في البيت. في السفينة.
ج-53:6-56 و-24:7-37 ج ج-22:8-26
أشفية في جنسارت خروج الروح شفاء في بيت صيدا.
مسيرتان. النجس في صور. زمنان.
شفاء في المدن
العشر
كيف تقودنا هذه الطريقة القرائية إلى فهم النص، وكيف تعبّر عن الحياة التي فيه؟ إنها تبرز أولاً الوحدة الديناميكية التي أشرفت على تأليف مرقس. فما يتطلع إليه قبل كل شيء، هو موقف تجاه يسوع ساعة كان يسوع يمارس سلطته المسيحانية كالراعي الذي يقيت شعبه بالكلمة والخبز اللذين يوزّعهما. الذي يحمل الخلاص للمرضى والممسوسين، الذي يعيد السمع إلى الصمّ والنظر إلى العميان.
طرح عملُه سؤالاً على التلاميذ بقدر ما دعوا لكي يشاركوه في عمله بشكل قريب. واكتشفوا شيئاً فشيئاً المعارضة الحاضرة في قلوبهم (هم يقاومون عمله) كما في قلوب الفريسيين الذين قاوموا المعلم (مع الكتبة) (2: 1-6:3). شهد التلاميذ طرد شياطين وأشفية اجترحها يسوع منذ بداية رسالته. ثم صاروا بدورهم وكلاء قدرته، فرغبوا في أن يدركوا ويفهموا ما يحدث. خلال المرحلة الثانية، اجتاحهم الخوف كما اجتاح بأشكال متنوّعة أولئك الذين شهدوا أعماله القديرة (4: 35- 5: 43). فكيف يستطيع مثلُ العالم فعلةً في الملكوت؟ كيف نفهمه إن لم نسمع ذلك الذي يفسّره؟ ولكن من هو هذا؟
هذا هو في النهاية معنى هذه المرحلة الثالثة. لهذا أسبق الإنجيلي كل "مقال الخبز" بإيفاد التلاميذ في رسالة (6: 6- 13). والسلطان الذي منحه المعلّم لهم، طرح عن هويته سؤالاً سيعود في بداية المرحلة الثالثة وفي نهايتها: من هو يسوع في رأي الناس؟ أعطى الناس ثلاثة أجوبة: يوحنا المعمدان، إيليا، نبي من الأنبياء (6: 14- 16؛ 8: 28). وقدّم بطرس إعلان إيمانه: "أنت هو المسيح". هنا نبحث عن الخطّ الذي يوجّه الخبر، والحاضر منذ إرسال التلاميذ، والواصل بنا إلى الإعتراف الواضح بيسوع المسيح.
الجميع يستطيعون أن يشاركوا في الوليمة المسيحانية التي تكرّس الدخول إلى الملكوت، سواء كانوا يهوداً أم وثنيين، شرط أن يعترفوا بالمسيح. غير أن هناك ملكاً آخر يحتفل بعيد ميلاده مع وجهاء الجليل، يستعد لإعطاء نصف مملكته لعيني هيرودية ورشاقة ابنتها سالومة. حينئذ لا يعطى خبز نوزّعه على الناس، بل رأس يوحنا الدامي، رأس النبي الذي يُذكر أربع مرات (6: 24، 25، 27، 28). إن موت السابق ينبىء بموت المسيح. غير أن المسيح حوّل عرس المدن إلى وليمة حياة. عند ذاك نفهم المعنى "النبوي" لخبر مقتل يوحنا في بلاط هيرودس. والمكان الذي يقع فيه هذا الخبر في مسيرة هذه المرحلة الثالثة، لم يكن من قبيل الصدف. فهذه المرحلة سوف تنتهي بالانباء الثالث عن الآلام.
حين تأمّلنا في تأليف هذه المتتالية القصيرة، لاحظنا اندماجها في المجموعة الأدبية التي تدخل في تضمين يكوّنه سؤال حوله يسوع. بدأه هيرودس (6: 6- 14)، واستعاده يسوع بعد رحلة طويلة (8: 27- 30).
إن "خبر آلام" المعمدان الذي ارتبط بوليمة أقامها التتراخس في عيد ميلاده، يبدو بشكل دائري في هذه اللوحة القصيرة:
أ (6: 17-18): يوحنا هو في السجن لأنه عارض هيرودس في زواجه الثاني.
ب (6: 19- 20): شعور كل من هيرودية وهيرودس تجاه يوحنا.
ج (6: 21- 22 أ): رقصت ابنة هيرودية في عيد ميلاد الملك.
د (6: 22 ب- 23): قسَم هيرودس.
ج ج (6: 24- 25): وطلبت الأم وطلبت الإبنة: رأس يوحنا.
ب ب (6: 26-27 أ): شعور هيرودس تجاه الإبنة وتجاه المدعوين.
أ أ (6: 27 ب-29): قُطع رأس يوحنا في السجن. ودفنه تلاميذه.
منذ البداية نرى أمانة يوحنا للشريعة في مواجهة ضعف هيرودس (أ). وفي نهاية الخبر، نرى إنتصار هيرودية وانتقامها. أما تلاميذ يوحنا الأمناء لمعلّمهم، فأخذوا جسده ودفنوه (أ أ). بعد هذا، يعبّر النصّ عن شعور هيرودس المحصور بين وضعه الزواجي (ب) وموقفه السياسي (ب ب)، وخشيته واحترامه تجاه شخص يوحنا. إن الحدث المحوري يجري في المساومة حول رقصة سالومة (ج) وما طلبت من هيرودس إطاعة لأمّها (ج ج). إن المحور (وقلب الخبر) (د) يبرز قسم هيرودس: إنه مستعد لإعطاء مملكته وحياة رجاله، حتى لو تجاوز الشريعة، وخان احترامه ليوحنا.
إن هذه الدراما تعلن مصير يسوع: عرفه التلاميذ كالمسيح، فسلّمه واحد منهم. وبطرس أقسم، ولكنه خان (14: 71). ولكن سينطلق من القبر إعلان القيامة، بفضل النسوة اللواتي استولى عليهن الخوف في البداية.
وقبل أن نوضح التعليم اللاهوتي في هذه المرحلة، نتوقّف كالعادة عند الزمان، والمكان، والأشخاص.

1- الإشارات الزمنية
هي قليلة، وتبدو للوهلة الأولى غامضة. فتوالي الأحداث تتوزّعه أداة: "وفي الحال" (أوتيس) التي عوّدنا عليها مرقس في البداية قبل أن يخفّف من تواترها (6: 25، 27، 45، 50، 54؛ 7: 25؛ 8: 10). هناك تلميح إلى المساء (6: 47؛ رج 32؛ 4: 35؛ 14: 17؛ 15: 42: الرسل وحدهم مع يسوع في السفينة، أي الكنيسة، من أجل "العشاء" السرّي)، وإلى الصباح الباكر (6: 48: مسيرة يسوع على الماء تذكّرنا بابيفانية موت يسوع وقيامته).
أخيراً، إن توزيع الخبز الثاني على الجموع قد تمّ "في تلك الأيام" (8: 1). هي عبارة اسكاتولوجية تعيدنا إلى أيام ظهور يسوع (1: 9) واختطاف العريس (2: 20). والإشارة إلى عبارة "ثلاثة أيام" التي ترافق هذا الخبر (8: 2)، سيستعيدها يسوع فيما بعد ليدلّ على قيامته (8: 31). عبر كل هذه الإشارات، ترتسم مسيرة متواصلة لمخطّط الله عبر تاريخ البشر الذين يبحثون عن "اليوم الموافق" (اوكايروس) ليقتلوا يوحنا (6: 21) وليسلّموا يسوع (14: 11).

2- على مستوى المكان
بعد أن رُذِلَ يسوع من "بلدته" (6: 1-6 أ)، أخذ يجول في القرى المحيطة، وكان يعلّم (6: 6 ب). سيتحدّث مرقس مراراً عن هذه القرى (6: 36، 56؛ 8: 23، 26، 27)، وعن مدن (6: 33، 56) وأرياف (6: 36، 56، أو: ضياع) امتد إليها نشاطه. وتتوزعّ سلسلة من الأسماء تحرّكات يسوع المتعدّدة: بيت صيدا (6: 45؛ 8: 22)؛ جنسارت (6: 53)؛ بلاد صور (7: 24، 31) وصيدا (7: 31)؛ دكابوليس (7 31؛ رج 5: 20)؛ دلمانوثا (7: 10)؛ قيصرية فيلبس (8: 27). 
ويذكر عبور البحيرة ثلاث أو أربع مرات في هذه المرحلة. هناك مرة أولى لا يحدّد انطلاقها، وصلت بالتلاميذ إلى بيت صيدا (6: 45)، ولكنها انتهت في الواقع في جنسارت (6: 53). والعبور الثاني ضمّ دورة يسوع في بلاد صور وصيدا إلى رحلة في دكابوليس (،: 31: نحسّ أننا لا نزال هناك خلال تكثير الأرغفة الثاني). والعبور الثالث ينتهي في نواحي دلمانوثا (8: 10). وبعد هذا ينطلق الفريق باتجاه بيت صيدا (8: 13، 22) حيث نزل التلاميذ في النهاية مع يسوع. وهكذا انتهت الحلقة و"وصلنا" إلى الهدف: هناك شاهدَ التلاميذ شفاء الأعمى قبل أن يصلوا إلى قيصرية فيلبس ويعلنوا إيمانهم بالمسيح.
خلال المرحلة الثانية، بيّن مرقس بوضوح التعارض بين الأرض التي بدت الموضع الذي فيه سمعت المجموع الأمثال (4: 1)، والذي فيه نزل الزرع ليحمل ثمراً (4: 5 مرتين، 8، 20، 26، 28، 31 مرتين)، وبين البحر الذي منه علّم يسوع (4: 1 ثلاث مرات؛ 5: 21) وعليه دلّ قدرته (4: 39، 41؛ 5: 1، 13 مرتين). أما الآن، فيسوع يجد نفسه وحده على الأرض (6: 47) حين أراد الذهاب إلى الجبل للصلاة (6: 46). هناك نزلت مع تلاميذه بعد العبور المضطرب (6: 53). وهناك أجلس الجموع خلال المعجزة الثانية التي فيها كثّر الأرغفة (8: 6؛ رج 6: 39). لقد تقت المقاسمة في البرية (8: 4) كما في المعجزة الأولى (6: 31، 32، 35).
أما البحر فهو الموضع الذي فيه يُظهر يسوع قدرته أمام تلاميذه (6: 47، 48، 49)، وبه سيدخل إلى الأرض الوثنية (7: 31). بعد هذا، لن يُذكر البحر في انجيل مرقس، إلا ليدلّ على المكان الذي يبتلع مسبّب الشكوك (9: 42) وكل حاجز في وجه الإيمان (11: 23). وهكذا يبدو أن عمل يسوع انتزع منه طابعه الشرير، فصار منطلقاً إلى أرض البشر، وموضع سير للذين دعاهم (6: 8؛ 8: 27) وأطعمهم (3:8).
ونزيد أيضاً عنصرين يلفت توازيهما النظر: ظهر البيت حتى الآن كالمدى الحميم الذي فيه نختبر عمل المعلّم ونعيشه من الداخل (1: 29؛ 2: 1، 11، 15؛ 3: 20، 25 مرتين، 27 مرتين؛ 5: 19، 38، 40). هذا ما نجده أيضاً في المرحلة التي ندرس (7: 24، 30؛ 8: 3، 26). ولكن هذا المدلول يمتدّ إلى عمل التلاميذ (6: 10) مع عدم فهمهم الخاص (7: 17). والسفينة هي أيضاً لهم الموضع الذي فيه تظهر حقيقة رسالتهم (6: 32) وقساوة قلبهم (6: 45، 47، 51، 54؛ 10:8،14).
وهكذا عبّرت كل الإشارات التي عدّدناها عن انشداد بين الخارج والداخل، بين العمى والانفتاح على الوحي، بين المقاومة والاستسلام للنداء. وبمختصر الكلام، نحن هنا أمام جغرافية داخلية تدلّ على تردّدات إيمان يتكوّن.


3- الأشخاص
والفاعلون في الخبر. في المرحلتين الأولوين رأينا ولادة ثلاث مجموعات من الأشخاص توضّحت قسماتهم المميّزة شيئاً فشيئاً. وها هو مرقس يبرز كل مجموعة داخل العلاقات التي تقيمها مع المجموعة الأخرى.
أولاً: التلاميذ
لعب التلاميذ دور الوسيط بين يسوع والشعب، إن من أجل إعلان التعليم أو توزيع الخبز للطعام. لقد نظّمهم ومنحهم قدرته. إنهم "الإثنا عشر" (6: 7؛ رج 3: 13، 16) الذي دعُوا في أجل المهمة التي أوكلوا بها: "رسل" أو موفدون (6: 30). وإذ ظلوا قريبين من المعلّم (6: 30؛ رج 3: 14)، شاركوا أيضاً في عدم فهم عرفه الجمع (6: 52؛ 7: 18؛ 8: 21؛ رج 4: 11- 12)، وفي قساوة (عمى) قلب تميّز به الفريسيون (6: 52؛ 7: 21؛ 8: 15، 17؛ رج 2: 6؛ 3: 5). 
لهذا اهتم يسوع بأن يأخذهم على انفراد (6: 31- 32، 45؛ 7: 17؛ 8: 10، 13؛ رج 4: 34) كما جعلهم على اتصال بالشعب (6: 7، 13، 37، 45؛ 8: 1، 3، 22). وجعلهم يحضرون صامتين مواجهاته مع الفريسيين (7: 2؛ 8: 11) والأشفية التي يجترحها (6: 53- 56؛ 7: 24- 37؛ 8: 22، 26؛ رج 5: 31، 37). وفي النهاية فقط سوف يطرح عليهم سؤالاً حول شخصه، فيجعلهم يقيسون المسافة بين إيمان الجموع وإيمانهم (8: 27-29). غير أنه طلب منهم أن لا يقولوا شيئاً عن هذا الموضوع (8: 30).
ثانياً: الجموع
الجموع غفيرة. هم أناس جاؤوا إلى يسوع بسبب خبز يعطيه وتعليم يوزّعه (6: 34؛ 8: 2؛ رج 4؛ 37). هم موضوع شفقته الرعائية (6: 34؛ 8: 2؛ رج 4: 33). يأتون إليه بمرضاهم ويتوسّلون إليه أن يشفيهم (6: 55-56؛ 7: 32-33؛ 8: 22؛ رج 3: 7- 10؛ 5: 23، 28). إستجاب يسوع طلباتهم، ولكنّه فرض عليهم الصمت والتحفّظ (7: 24، 36؛ 8: 26؛ رج 3: 12؛ 5: 43). أو أطلقهم بعد أن يكونوا خبروا إحسانه (6: 45؛ 7: 17؛ 8: 9) وعرفوا سلطانه المسيحاني (7: 36- 37؛ رج 5: 42).
بين هذه الجموع التي لا إسم لها، تبرز أسماء الذين اختبروا على درجات متفاوتة، عمله الذي يلامس أجسادهم (6: 56؛ 7: 33؛ 8: 22؛ رج 3: 10؛ 5: 31، 41) ويلج إلى قلوب تلاميذه (6: 45؛ 7: 19، 21؛ 8: 17). إنفتحت هذه الجموع على الأمثال التي دلّت عليها أعمال يسوع وأقواله (رج 4: 11، 34). يبدو أنّها تخلّت عن الحذر الذي غذّاه بعضهم تجاه يسوع خلال المرحلة الثالثة (رج 3: 21؛ 6: 2-3). غير أن يسوع ما زال يحذّرهم من سوء نوايا خصومه (7: 14-15) كما من فهم محدود أو خاطىء لتعليمه. وعى يسوع الإلتباس الذي يعشّش في قلب الناس، فاستقبلهم كما هم وراعى مسيرة كل واحد منهم سواء كان يهودياً أم يونانياً.
ثالثا: الخصوم
وأخيراً جاء معارضو يسوع الذين سألوه لا عن تعليمه، بل عن تصرّفه وتصرّف تلاميذه (7: 1، 5؛ رج 2: 13، 24؛ 3: 2، 22، 30) لكي يجرّبوه (8: 11): هم الفريسيون والكتبة الذين جاؤوا من أورشليم (7: 15؛ 8: 11). في الواقع إنهم يمثلّون كل الذين يعتدّون بفهمهم للكتب المقدسة وبوصايا الشريعة، لكي يحكموا على تصرّفات يسوع. هم لا يقبلون حقاً بحدود علمهم أو تقاليدهم مهما كانت جليلة.
وبجانب هؤلاء الرجال من كهنة وعوام، الذين بدوا متديّنين، ولكنهم استعدّوا لكي يدينوا الآخرين (يسوع، تلاميذه)، هناك أولئك الذي يمثّلون سلطة فاسدة مثل سلطة هيرودس. عاشوا في التحايل والمساومة لكي ينجوا بجلدهم أو لكي يحتموا من الإغتياب والإفتراء، فتساءلوا من هو يسوع (6: 14- 16). وأصغوا إلى الأنبياء (6: 20). ولكن ديانتهم لم تدخل في حياتهم، وحلّت الخرافة والوسوسة محل الإيمان. وفي النهاية، دلّوا في موقفهم على انهم رعاة أردياء، فصار شعبهم مثل خرافٍ لا راعي لها (6: 34).
وُضعت هذه المجموعات الثلاث من الأشخاص أمام خيار يتّخذونه على مستويات مختلفة جداً. كلهم دعوا إلى أن يطرحوا على نفوسهم سؤالاً يواجههم: من هو يسوع؟ هذا السؤال يرافق كل المرحلة الثالثة، فيشكل على المستوى الأدبي تضميناً رائعاً يقابل بين موقف البشر (يوحنا المعمدان، إيليا، أحد الانبياء، 6: 14- 16؛ 8: 28) ونظرة الإيمان التي تتغلّب على معاندات بطرس والتلاميذ (8: 29).
هذا النور يتيح لمرقس أن يدخل في النص سلسلة من التعارضات، بعضها يشير الى فهم سر الملكوت:
- فهم/ لم يفهم (52:6؛ 14:7، 18؛ 17:8، 21).
- أدرك/ لم يدرك (7: 18؛ 8؛ 17).
- تذكّر/ نسي (14:8-18).
وهناك تعارضات حول إدراك الإنسان يعبّر عنها النص بقوة الحواس أو ضعفها: النظر، السمع، الذوق، اللمس. فحسّ الإيمان يشقّ طريقه عبر الواقع الطبيعي والحسّي.
- نفتح الآذان ونسمع (7: 14، 32- 37؛ 8: 18).
- نرفع العيون ونبصر (8: 15، 18، 22- 26).
- نحلّ عقدة اللسان ونتلفّظ بكلمات الإيمان (7: 26، 39، 35؛ 8: 29).
- نترك المسيح يلمسنا، نحسّ بوضع يديه الذي يخلّص، لأنهما طاهرتان وغير نجستين (6: 13، 56؛ 7: 2، 5، 32؛ 8: 23، 25). 
وفي النهاية، تلج هذه التعارضات إلى أعماق القلوب (6: 52؛ 7: 6، 19، 21؛ 8: 17) أي إلى باطن الإنسان وشخصيّته الحرّة. ماذا سيكون قلبنا؟ هذا هو السؤال الذي يُطرح على قارىء إنجيل مرقس في "مقال الخبز": قلب أعمى (قاس) (6: 52؛ 8: 17)، بعيد عن الله (7: 6) مع أن شفاهنا تقدّم له عبادتنا؟ أو قلب منفتح، يتقبّل الكلمة، قلب قريب من الله ومتنبّه إلى نداءاته (7: 13، 29)؟
وهكذا يجد قارىء الإنجيل، شأنه شأن الناس الذين سمعوا يسوع، أنه أمام سؤال، أمام موقف يتخذه. غير أن الإنجيل لم يقل لنا بوضوح ما يجب أن نفهمه ونحقّقه، ولا ما يجب أن نسمعه أو نراه، ولا على ما يجب أن ينفتح قلبنا أو ما يجب أن يلامس حياتنا. حين نقابل موقفنا مع موقف التلاميذ والجموع والخصوم، حين نكتشف الطريقة التي بها واجههم يسوع، يصبح السؤال الذي يطرحه علينا نوراً في أعماق حياتنا. 
ما هو تعليم النص؟
يحدّد الإنجيلي موقع أول تكثير للأرغفة في أرض يهودية، على شاطىء بحر الجليل، حيث زُرعت كلمة الملكوت في الأرض كبذار ينتظر الحصاد (رج 4: 29). أو كحبّة تنمو وتمدّ أغصاناً يتظلّل تحتها طيور السماء، هؤلاء الوثنيون الذين يبحثون عن الخلاص (رج 4: 32). أما تكثير الأرغفة الثاني، فيجري في إطار أوسع: كان يسوع في دكابوليس حيث مجنون الجراسيين قد أذاع كلّ "ما صنعه يسوع له" (5: 20). ثم هناك أناس "جاؤوا من بعيد" (8: 3). إن السورية الفينيقية قد شقّت لهم الطريق فطالبت من أجل ابنتها بالفتات المتساقط عن مائدة الأبناء (7: 28).
يفهمنا التقليد الإنجيلي، ويشدّد تدوين مرقس على أننا هنا أمام الافخارستيا: طعام مسيحاني يجمع اليهود (أي: الأبناء) والوثنيين (جاؤوا من بعيد) إلى مائدة الملكوت حيث يسوع الزارع (4: 14) والطبيب (2: 17) والعريس (2: 19) يستقبل مع تلاميذه "كثيراً من العشّارين والخطأة" (2: 15). فهو أيضاً الكاهن الأعظم (6: 7) والنبي (6: 4، 15) والراعي المسيحاني (6: 34؛ 7: 36- 37؛ 8: 2).
حينئذ ندرك لماذا وضع مرقس الجدال حول الطاهر والنجسة (بمناسبة أكل الخبز) في موازاة مع معجزتَيْ تكثير الأرغفة. ننطلق من تقاليد الشيوخ، من تقاليد بشرية محضة، فنصل إلى كلمة الله التي هي طعام نأكله كما في البرية (تث 3:8). في هذا المعنى "جعل يسوع كل الأطعمة طاهرة" (7: 19). إنه "قدوس الله" الذي ينقّي أولئك الذين يتقبّلون تعليمه الذي يُلقى بسلطان.
ما من أحد يُستبعد عن مائدة الملكوت، لا اليهود ولا الوثنيون، لأن الخبز يوزّع بوفرة على الجميع. وإذا كانت النجاسة الطقوسية لا تبعدنا عن هذه المائدة، فلأن الله نفسه يقدّم ذاته فيها في شخص يسوع، ولأن "ابن الإنسان له سلطان به يغفر الخطايا على الأرض" (2: 10). هو وحده يستطيع أن يحوّل القلوب الصلبة (العمياء) حسب القول المسيحاني في حز 36: 25- 31: "أرشّ عليكم ماء طاهراً... أعطيكم قلباً جديداً...". فالمتطلّبة المسيحية الوحيدة للإقتراب من الافخارستيا هي إذن نقاوة قلب المؤمن، ويسوع هو الذي يهبها.
إنفصل يسوع عن التقاليد البشرية بأقواله، وها هو ينفصل بأعماله عن تقليد يقسم البشرية مجموعتين، وسيقسم الجماعة الأولى في أورشليم (مسيحيون جاؤوا فن العالم اليهودي، آخرون جاؤوا من العالم الوثني): إنطلق بنفسه إلى مناطق صور وصيدا وهناك استجاب صلاة السورية الفينيقية (7: 24- 30). وتابع طريقه إلى المدن العشر حيث أعطى أذنين ونطقاً لرجل أصمّ ومنعقد اللسان (7: 31- 35).
نجد هنا إشارة إلى طقس التنشئة على أسرار الكنيسة: بما أن يسوع استقبل جميع البشر إلى مائدة الملكوت، فقد طرد الشياطين التي فينا (7: 30، تقسيمات في المعمودية)، وفتح آذاننا وقلوبنا لإدراك عمله المسيحاني (7: 36-37). أدخل مرقس في خبره الإنجيلي تلميحات غير خفية إلى طقوس العماد والاحتفال بالافخارستيا، كما كانت تمارس في أيّامه، فبيّن أن ممارسة الكنيسة تجد تجذّرها التاريخي الملموس في حياة يسوع مع تلاميذه ومع الناس في زمانه: منذ ذاك الوقت كان راعي شعبه، يجمع الخراف الضالّة ويكسر لها الخبز الذي يشبع جوعها.
إن الافخارستيا تجعلنا ننطلق من أجل العمل الرسولي: نتقبّل الجموع التي تتزاحم حولنا، أو نذهب إليها حيث تعيش في القرى والمدن والأرياف (6: 6، 13، 55- 56)، نزور الأمم الوثنية (7: 24- 35) ونعرّفها إلى المسيح الذي بدأ عمله (7: 36-37)، نعطي الجميع نظرة تساعدهم على إدراك واقع العالم (8: 22- 26).
ولكن إذا أردنا لهذا العمل الرسولي أن يظهر حقاً، يجب على التلاميذ الذين هم وسطاء الكلمة والخبز اللذين يعطيهما يسوع، أن يتركوا المسيح يشفيهم من غباوتهم، من عمى قلبهم، من تصلّبهم. لهذا، يُطلَب منهم أن يعرفوا، بلا خوف، القائم من الموت الآتي إليهم، اليوم كما في الماضي، على أمواج حياتهم اليومية الهائجة، ولا يحسبوه شبحاً أو خيالاً (6: 45- 52). يُطلب منهم أن يدركوا حضور يسوع المستمرّ معهم كخبز يقيت حياتهم.
يتحفّظون من خمير هدّام، خمير الذين يحكمون على الآخرين مسبقاً، أو يقبلون مساومات الجبناء. يتركون يسوع يفضح النوايا السيئة التي تتفجّر من قلوبهم وتفسد رغباتهم وأعمالهم وحتى كيانهم نفسه (7: 17- 23). يتقبّلون إصغاء ونظرة نبوية يجعلانهم جديرين بأن يصنعوا ما صنعه يسوع (8: 17- 21)، فيكسرون الخبز للجميع "لذكره حتى مجيئه".
إذا كانت "مقالة الخبز" قد حُصرت في سؤال بسؤالين طرحه يسوع، فالمقطع المحوري في الحلقات الثلاث يدلّ بوضوح على المقاومة التي يجب أن نتغلّب عليها لكي نتعرّف إليه في حقيقته: إنه المسيح (اختاره الله، مسحه بالزيت المقدّس، أرسله) الذي يعطي الجميع عطاء وافراً من الخبز والكلمة. أشبع الشعب اليهودي الذي كان "كخراف لا راعي لها" (6: 34). كما أشبع الوثنيين الذين جاؤوا من البعيد، جاؤوا من كل مكان (... 4 هو ألف الذي يعني عدداً لا يحدّ، و4: أربعة أقطار الأرض). جاؤوا في تلك الأيام (يوم الرب، يوم افتقاده) وقد "تخور قواهم في الطريق" (8: 3) إن صرفناهم صائمين. هو مسيح لهؤلاء وأولئك. فيجب أن يعرفه الجميع لكي يستطيع أن يمارس في القلوب سلطة التطهير، وفي العقول المتغرّبة قدرة التحرير، وعلى الأجساد المريضة لمسه المحيي. كان بطرس أول من اعترف باسم التلاميذ، أول من أعلن "إيمانه المسيحي"، "أنت هو المسيح" (8: 29). على كل مسيحي أن يعيد بدوره فعل إيمان الكنيسة هذا. فالمسيح السائر في الطريق يطرح على كل واحد هذا السؤال: "وأنت، من تقول إني هو"؟
إن فهم شخص يسوع المسيح اليوم كما في أيام التلاميذ، يرتبط بفهمنا لهذا الخبز المكسور الذي هو الافخارستيا. حين نفهم الافخارستيا طعاماً يشبع جوع البشر، نتعرّف إلى حضور يسوع كمسيح في العالم. فهو يجمع في شخصه، كما في بداية الكنيسة، أعضاء الجماعة المسيحية التي تشهد توتّراً على المستوى الإجتماعي والروحي: بين مسيحيين "جاؤوا من العالم اليهودي" فأرادوا أن يعيشوا منعزلين على ذواتهم، أو حاولوا أن يفرضوا شريعتهم (وعوائدهم) على الآخرين. وبين مسيحيين "ولدوا في العالم الوثني" فحاولوا أن يتجاوزوا ما تطلبه الكنيسة. إن المسيح يقيم هذه المصالحة بين الفئتين بواسطة افخارستيته الواحدة: إنها تضمّ الأزمنة والأمكنة، في عطية المسيح الوحيدة للبشر، وهي تصل إلى حياة كل واحد منا مهما كان موقعه.
حافظ مرقس على رسمة المعجزتين، ولكنه ميّز بين جماعتين. الأولى يهودية الأصل. تكوّنت بسماع كلمة الله وتربّت على يد الأنبياء. ولكن إذا أرادت أن تتبع يسوع، وجب عليها أن تنفصل عن تقاليد الشيوخ والسلطات الدينية: فالافخارستيا تفرض ارتداد القلوب الذي تحدّث عنه حزقيال (36: 26) وعودة إلى البرية. في هذه الجماعة المسيحية يرتدي التلاميذ حنان الراعي من أجل شعبه، فيكتشفون في عمق موته هذه الشفقة، ويتعلّمون في قدرة قيامته المسؤولية الراعوية التي تجعلهم في خدمة جميع إخوتهم.
والجماعة الثانية تضمّ اناساً جاؤوا من العالم الوثني الذي سبق له فبُشر. فهو يطلب الفتات المتساقط عن مائدة الأبناء. لا سند تقليدياً له، لا اهتمام بعوائد دينية ورثها. اجتمع حول يسوع وانتظر منه الخبز الذي يحيي العالم. عاشت هذه الجماعة من حضور القائم من الموت فوجدت نفسها ملزمة بالشهادة لإيمانها عبر واقع وجودها.
إن افخارستيا الرب الواحدة التي عبّر عنها الإنجيلي في حدثين متميزين، تدلّ على أن الكنيسة تكتشف وسط الإختلافات والإنشدادت التي فيها، الحدث المؤسّس، حدث الملكوت، في شخص ابن الآب الحبيب. وفي قلب الخلاف الذي عرفته الكنيسة الأولى، تذكّر مرقس تجذّر يسوع التاريخي في أرضه وفي شعبه، كما تذكّر عطاءه ذاته للعالم اليهودي ولجميع الأمم.

 

 

الفصل الثلاثون
رسالة الاثني عشر في الجليل
6 :6 ب-13

يرتدي خبر إرسال الاثني عشر أهمية كبرى للكنيسة في كل العصور: هي لا تحسبه خبراً بسيطاً من الأخبار المتفرّقة، بل تعود إليه دوماً لتكتشف فيه مشيئة يسوع تجاهها.
بدل الاجمالة العادية عن نشاط يسوع (1: 14- 15؛ 3: 7- 12)، نجد هنا تذكّراً سريعاً لتعليمه وهو يسير في مناطق الجليل. ثم امّحى أمام تلاميذه الذين يرسلهم اثنين اثنين، بعد أن سلّمهم سلطته الخاصة على الأرواح النجسة. وامحاء المعلّم هذا هو امتداد لحركة بدأت في عتبة المرحلة الثانية: اعتزال على شاطىء البحيرة حيث جعل تلاميذه بينه وبين الجموع، دعوة الاثني عشر على الجبل (3: 7-19). ولكن يسوع يذهب أبعد من ذلك. فها هو الآن يُعطي ما وعد به (3: 15). والتلاميذ يضعون موضع العمل السلطان الذي مُنح لهم. فنداؤهم يدعو إلى التوبة مثل نداء يسوع (1: 15)، ومثله يشفون المرضى.

1- النصّ وقرينة النصّ
أ- النصّ
يروي لنا الخبر كيف دعا يسوع الاثني عشر وارسلهم اثنين اثنين. وأعطاهم سلطاناً على الأرواح النجسة (آ 7). وتتركّز تعليمات يسوع على موضوعين يحتلاّن الجزء الأكبر من النصّ: تجرّد المرسلين، طريقة تصرّفهم في الأمكنة التي إليها يذهبون (آ 8- 11). أخيراً، تشير الخاتمة بسرعة إلى بعض وجهات الرسالة كما نفّذها الاثنا عشر: تحريض وعلى التوبة، طرد الشياطين، مسح بالزيت المقدس. شفاء المرضى (آ 12-13).
وتدخّل الكاتب بشكل خاص حين وصل إلى أقوال يسوع. إستعمل على التوالي ثلاث طرق لإيراد هذه الاقوال: الأسلوب غير المباشر، الأسلوب المباشر، الايراد الواضح. ومقابلة هذا المقطع مع التعليمات الرسولية التي نجدها في متّى (10: 5- 14) ولوقا (9: 1- 6؛ 10: 4- 12) تؤكّد هذ الملاحظة. لقد كثّف مرقس تقليداً واسعاً استعمله بحرّية تامة.
يمّحى الروائي أمام الوقائع في بداية المقطوعة وفي نهايتها. وهذا ما نكتشفه في عبارات تتكرّر مراراً في كتابه: "دعا" يسوع، "نادى" الذين سيسلّمهم بلاغاً هاماً. نقرأ في 3: 23 عن الكتبة: "دعاهم إليه وجعل يقول لهم بأمثال". وفي 7: 24: "ثم عاد فدعا الجمع وقال لهم". وفي 8: 1، وقبل تكثير السعبة الأرغفة: "دعا يسوع تلاميذه وقال لهم" (رج 8: 34؛ 10: 42؛ 12: 43). لقد نادى يسوع أولئك الذين هم موضوع قرار هام من قبله، كما نرى هنا أو بمناسبة تأسيس الاثني عشر (13:3).
يرى الشرّاح أن لو 9: 1-6 يستلهم مر 6: 7-13، ولو 10: 4-12 يستلهم مرجعاً آخر يستعمله متّى كما يستعمل مر 6: 7-13 في 10: 5- 14. وحسب هذا المرجع الآخر، يسوع يرسل "التلاميذ". إهتمّ مرقس اهتماماً تاماً بالاثني عشر الذين سيصيرون "التلاميذ" بعد عودتهم من الرسالة. إن الاثني عشر في 6: 7 صاروا الرسل في 6: 30 والتلاميذ في 6: 35 (رج 7: 2؛ 8: 1، 4).
إذا عدنا إلى التقليد العتيق في 1 كور 15: 5-7 نجد أن "الرسل" في لغة بولس، يكوّنون مجموعة تتمّيز عن الاثني عشر. والتماثل بين الاثني عشر والرسل هو ظاهرة متأخّرة. وقد تكون قد بدأت مع مرقس.
لقد قدّم الانجيل الثاني هذا الحدث على انه واقع جديد (وبدأ يرسلهم) له أبعاد هامة. إتخذ يسوع المبادرة وتحمّل المسؤولية تحملاً كاملاً. هو الراعي أرسلهم كرعاة وحمّلهم عصا الرعاية. وسينطلقون اثنين اثنين. لأنهم سيكونون شهوداً ليسوع. والشهادة لا تصحّ إلاّ إذا كانت على فم اثنين (تث 19: 15؛ رج 2 كور 13: 1؛ 1 تم 5: 19؛ عب 10: 28). ثم إن إعلان الملكوت ليس عملاً شخصياً ولّدته مبادرة فردية، بل عمل شهود عديدين سيكون لشهادتهم قيمتها أمام الجماعة. بالإضافة إلى هذا، سينعم الشهود بحضور المسيح بينهم: "حيثما اجتمع اثنان او ثلاثة بإسمي، فأنا اكون هناك في وسطهم" (مت 18: 20).
ب- قرينة النصّ
واهتمام مرقس بإرسال الاثني عشر يتأكّد بصورة خاصة حين نتفحّص مكانة هذا الخبر في انجيله.
فمهمّة الاثني عشر قد أعلنت في 3: 14 (أقام منهم اثني عشر ليكونوا معه ويرسلهم للكرازة) كأحد أهداف اختيارهم وتنظيمهم. وهذه المهمة كانت حاضرة منذ بداية الكتاب في الوعد الذي اسند نداء يسوع إلى سمعان واندراوس: "أجعلكما صيادي بشر" (1: 17)
إن صورة الصيد في إنجيل مرقس، تدلّ على تجمّع يتمّ بكرازة "انجيل الله"، بإعلان بشرى ملكوت الله. لقد بدأ هذا الملكوت وتدشّن وسط البشر (1: 14- 15): "تمّ الزمان. توبوا وآمنوا بالإنجيل". لهذا أرسل يسوع (1: 38) وضمّ إلى عمله الاثني عشر ليكونوا معاونيه. وحدّد مرقس منذ كلماته الأولى وجهة كتابه: يجب العودة إلى "البدء". بدء انجيل المسيح وابن الله. نحن في بداية جديدة بعد البدء الأول في تك 1: 1. بداية جديدة مع إنجيل يؤسّس ويحدّد الإيمان المسيحي (1: 1) ويطلق جماعة العهد الجديد.
فنداء التلاميذ الأربعة، وتنظيم الاثني عشر في حلقة، وإرسال رفاق يسوع في مهمّة رسولية، كل هذا يبرز تواصل عمل يسوع: سينتقل الإنجيل ويُعلن في العالم كله، إلى جميع الأمم (13: 10: ولا بدّ من قبل أن يُكرز الإنجيل في جميع الأمم؛ 14: 9: كرز بالإنجيل في العالم كله)، وذلك حتّى مجيء ابن الإنسان لكي يقيم ملك الله بصورة نهائية (13: 10، 26-27).
إن نداء الأربعة، وتنظيم الاثني عشر، وإرسالهم، هي ثلاثة مشاهد تتوزعّ القسم الأول من الكتاب وكل مشهد تسبقه إشارة قصيرة وعامة عن نشاط يسوع (1: 14-15) من أجل جمهور كبير جاء من كل مكان (3: 7- 12)، أو من القرى المحيطة (6: 6 ب). وهكذا نحدّد موقع إرسال الاثني عشر في توسّع لعمل الله: إن هذا العمل يتحقّق بيسوع وهو مدعّو إلى أن يتواصل في العالم حتى يصل إلى تمامه.

2- وجهات من رسالة الاثني عشر
أ- "رسل" يسوع
حين عاد الاثنا عشر من الرسالة حملوا اسم "رسل" (6: 30). هذا اللقب ينتمي إلى اللغة المسيحية التي بعد الفصح. وقد يكون المحيط الحضاري الذي عاش فيه مرقس لم يحتفظ به إلاّ للاثني عشر. مهما يكن من أمر، فهو يدلّ على الذين أوفدهم يسوع. وهم يقومون بالمهمّات التي قام بها. مثل يسوع كرزوا (3: 14؛ 6: 12؛ يسوع: 1: 15، 38). كرزوا بالانجيل اقتراب الملكوت، وهذا يعني ان التوبة أمر ملحّ (1: 15: 6: 12). ومثل يسوع علّموا (6: 30؛ يسوع 1: 21؛ 4: 1- 6، 6: 2، 6). ومثله طردوا الشياطين وشفوا المرضى (ق 1: 39؛ 3: 14- 15 مع 12:6-13).
ومع ذلك يبقى اختلاف جوهري. لم يتحدّث النصّ عن دهشة السامعين إلا حين تحدّث عن يسوع. نقرأ في 1: 22: "وكان يعلّمهم مثل من له سلطان، لا مثل الكتبة". وهو الإنسان "الاقوى" من الشيطان، والذي يستطيع أن يدمّر له مملكته (3: 24- 27). كرز الاثنا عشر وعلّموا. ولكنهم فعلوا ما فعلوا بتفويض منه. ومنه نالوا قدرة على الشياطين وعلى الأمراض. وشفوا المرضى بعد مسحهم الزيت، تبعاً لعادة عملت بها بعض الكنائس المتهوّدة (أي: مسيحيون من أصل يهودي رج يع 5: 14). هذا يعني بالنسبة إلى قرّاء مرقس أن الرسل يعملون بقدرة آخر هو يسوع.
ب- أنواع المرسلين المسيحيين
يرى مرقس الذي يعدّد الأسماء (3؛ 16-19: سمعان، يعقوب، يوحنا) أن الاثني عشر ينتمون بلا شكّ إلى الماضي. ولكن اهتمامه بهم يتجاوز المستوى التاريخي. إنهم يقدمون صورة حالية عن عمل يسوع وتعليمه. وهذا ما تشهد له التعليمات المعطاة للمرسلين.
لا نستطيع أن نرى في هذه التعليمات فقط انعكاساً لرسالة الكنائس بعد الفصح والقيامة. لا يبدو أن هؤلاء المرسلين ذهبوا إلى الرسالات البعيدة من دون زاد ولا طعام، ذهبوا ومعهم عصا ونعلان. مثل هذا النصائح عُمل بها في بداية الكنيسة ولاءمت جولات رسولية محدّدة، في بلاد معروفة هي الجليل. غير أن الكنائس المسيحية عرفت عادة إرسال موفدين أو مرسلين. ترسلهم اثنين اثنين. هكذا أرسلت كنيسة اورشليم إلى السامرة "بطرس ويوحنا" (أع 8: 14). وأرسلت كنيسة انطاكية "برنابا وشاول" (أع 13: 2). وحين يفارق برنابا شاول، يتخذ معه مرقس، بينما يتخذ شاول سيلا (15: 36- 40) من أجل الرسالة في سورية وكيليكية وحتى أقاصي الأرض (رج 1 كور 9: 6: أنا وبرنابا).
كان على المرسلين ان يحسبوا حساب الضيافة من قبل أهل البلد الذي يذهبون اليه. والنصيحة بالبقاء في أول بيت يستقبل المرسلين، قد جاءت ضد اولئك الذين يبحثون عن أفضل البيوت من أجل سكنهم وظروف حياتهم (رج الديداكي 11: 4- 5). ومهما يكن من أمر، نحن نرى في أقوال يسوع وجه أناس أُرسلوا أو انطلقوا ينشرون الإنجيل. قُبلوا هنا في بيوت صارت مركز تجمّع الكنيسة الفتية. رُفضوا هناك فأجبروا على الذهاب إلى مكان آخر.
هذا ما نعرفه عن بطرس. شفى طابيثة، "فاتتشر الخبر في يافا كلها. فآمن بالرب عدد كبير من الناس. وأقام بطرس عدة أيام في يافا عند دبّاغ اسمه سمعان" (أع 9: 42-43). هنا ستجتمع كنيسة يافا حول بطرس أو حول من يقيمهم في غيابه. وستكون كنيسة اخرى في قيصرية، في بيت كورنيلويس الضابط الروماني. أمرهم بطرس "بأن يتعمّدوا باسم يسوع المسيح، فدعوه إلى أن يقيم عندهم بضعة أيام" (أع 10: 48). أما عن بولس وبرنابا فنسمع خبراً من نوع آخر. "إنتشر كلام الرب في تلك البلاد كلها" (حول انطاكية بسيدية). ولكن اليهود اضطهدوا بولس وبرنابا وطردوهما من ديارهم، "فنفضا عليهم غبار اقدامهما، وانتقلا إلى ايقونية" (أع 13: 49- 51). حين يترك اليهود مدينة وثنية، كانوا ينفضون الغبار عن أرجلهم. وحين فعل بولس وبرنابا ما فعلا، اعتبرا انهما أمام مدينة وثنية، وإن كان يسكنها بعض اليهود.
وسيكون بيت ليدية التي من تياثيرة أول "كنيسة" في فيلبي (أع 16: 14- 15، 40). وبيت ياسون (يقابل يشوع في العبرية) أول "كنيسة" في تسالونيكي (أع 17: 5).
هؤلاء الوعّاظ الذين سموا "رسلاً"، نجدهم ينتقلون من بلد إلى بلد. وهذا ما تشهد له الكتابات المسيحية الأولى. فسفر الاعمال يتحدّث عن بولس وبرنابا على أنهما رسولان (أع 14: 4، 14). ويتحدّث بولس في رسالته إلى رومة (16: 7) عن اندرونيكس ويونيا المشهورين في الرسل. وفي 2 كور 9: 5 عن انواع من المرسلين: امرأة اخت، الرسل، اخوة الرب، كيفا (اي: بطرس). لا ننسى ان بعض النساء رافقن يسوع وعاونه (لو 8: 2- 3). وهناك تيطس (2 كور 8: 23). وابفرودتس (فل 2: 25).
هْناك سمتان تظهران في وجه المرسل كما رسمته تعليمات يسوع في مرقس. بينما عالج متّى بطريقة متساوية ومتعاقبة القبول والرفض (مت 10: 11-14: قبلوكم. امتنعوا عن قبولكم)، فإن مرقس قدّم تفاصيل عديدة عن الرفض (ما قبلكم اهل المكان ولا سمعوا كلامكم). فالحدث الذي سبق هذه التعليمات ينير هذا الواقع: لقد لاقى يسوع عدم الإيمان في وطنه، في الناصرة، وبين اقاربه. وبعد هذا، سينظر الانجيلي إلى مصير إبن الإنسان الذي يرذله رؤساء الشعب (8: 31)، ويربطه بضرورة تدفع الذي يريد أن يتبع يسوع، أن يخاطر بحياته ليشهد له (8: 34-38: من أجلي رمن أجل الإنجيل). إن يسوع يطلب التزاماً من قبل الذين يتبعونه، ويقدّم لهم طريقه الخاصة: هناك سيختبرون المعارضة. "ما كان خادم اعظم من سيده. فإذا اضطهدوني يضطهدونكم، وإذا سمعوا كلامي يسمعون كلامكم" (يو 15: 20).
ومن جهة ثانية، يوصي يسوع رسله بأن لا "يتلبّكوا" بأمتعة ثقيلة. فتكون لهم رشاقة المسافرين. قال متى ولوقا: لا تأخذوا شيئاً. أما مرقس فسمح لهم بعصا وحذاء. لن نبحث عن النصّ الاولاني. ولكننا نظنّ أن عبارات متّى ولوقا بما فيها من مفارقة، تقابل فن يسوع الأدبي. ومهما يكن من أمر، فهذ التعليمات تريد أن تشدّد على الفقر الكامل، على التجرّد الكامل عند رسول يسوع. وإن هذا التجرّد يُفرض على كل مؤمن في سبيل يسوع وفي سبيل الإنجيل (10: 29-30). تميّز التلميذ المستعدّ لأن يتبع يسوع، في تجرّده العام من خيراته، في تخلّيه عن رباطات العائلة، في تنكره لنفسه. فمسؤولية حمل الإنجيل وحمله بأمانة، نعيشها في ظروف صعبة. وهي تطلب منا أن نتخلّى عن كل حمل لا فائدة منه لأن الزمان قصر.
تفرّد مرقس فذكر العصا والنعلين، فكيّف كلام يسوع وظروف الرسالة خارج فلسطين. وقد يكون قد أشار الى العبرانيين المستعدين للانطلاق من مصر في رحلة الخروج والدخول إلى أرض الميعاد (خر 12: 11: أحذيكم في ارجلكم، وعصيكم في أيديكم). نحن هنا في خروج جديد تعيشه الرسالة المسيحية. ومهما يكن من أمر، فهذ الإشارة تعبّر عن سرعة التحرّك عند عمّال الإنجيل والجهوزية المطلوبة منهم. فعمل الله يدعونا، وهو لا يستطيع ان ينتظر.
ج- مهمة الإنجيل
ذكرنا إشارتين هامتين: تجرد من كل شيء، وتكيّف مع ظروف الرسالة الصعبة. هذا هو وجه الرسول الذي يلتقي مع "كل" من يريد أن يتبع المسيح فيصل به هذا الاتباع إلى التضحية بكل شيء في سبيل الإنجيل. وهكذا يصوّر مرقس الخطّ الذي يسلكه المسيحي. في هذا المجال، يستطيع قارىء الإنجيل أن يطبّق على نفسه، ومن زاويته الخاصة، ما يقال للاثني عشر أو ما يقال عن الاثني عشر.
إعتدنا إن نعتبر هؤلاء أول الاشخاص في سلسلة من الناس صاروا خلفاءهم. هؤلاء "الخلفاء" أمنّوا نقل الرسالة و"السلطة" التي أعطاها يسوع للاثني عشر ثمّ لمن بعدهم. ولكن في زمن مرقس، لم تكن تطرح مسألة التواصل في عمل يسوع بهذا الشكل. فنحن لا نجد في إنجيله هدفاً دفاعياً يؤسّس صلاحيات الذين تابعوا عمل الاثني عشر رسولاً. هذا الاهتمام سيظهر فيما بعد. أما في مرقس، فالصدق المسيحي يُعرف بأمانته للإنجيل ولدى الذين يتبعون يسوع. وتذكّر هذه المتطلبة يتوجّه إلى الجماعة كلّها.
والمهمّة التي أعطاها القائم من الموت للأحد عشر هي: "إذهبوا إلى العالم كله، وأعلنوا الإنجيل على الخليقة كلها" (16: 14- 15). هذه الكلمات نجدها في الخاتمة الثانية من الكتاب، وقد كتبها أحد الذين جاؤوا بعد مرقس. أما نصّ خاتمة مرقس الأولى، فينتهي فجأة في الاعلان عن لقاء في الجليل. هناك يسبق القائم من الموت بطرس والتلاميذ (16: 7؛ رج 14: 28). إن الجليل يمثّل في نظر لوقا المنطقة المفتوحة على الأرض الوثنية: هناك علّم يسوع تلاميذه أن يتجاوزوا حدود العالم اليهودي، وهيّأهم لتبشير جميع الأمم. ولكن حين أعلن يسوع بشكل واضح هذا التبشير (الانجلة)، فعبارة "أعلن الإنجيل" (أو بشّر) جاءت في صيغة المجهول. والنصّ لا يوضح من عليه أن يتمّ هذا العمل. نقرأ في 13: 10: "يُكرز بالإنجيل". وفي 14: 9: "حيثما كُرز بالإنجيل".
إن إرسال الاثني عشر من الجليل يصوّر مسبقاً رسالة لا حدود لها ستنطلق بعد الفصح والقيامة. ولكن واجب اتمامها يقع على عاتق كل قرّاء مرقس. نقرأ: "يجب" (13: 10). وهذا الواجب وإن توجّه إلى أربعة تلاميذ (13: 3)، إلاّ أنه معدّ للجميع. فنقرأ في 13: 37: "ما أقوله لكم، أقوله للجميع".
من هذا القبيل، فإن تحملّ الناس مسؤوليات خاصة، فلا يستطيع أحد أن يتخلّى عن مسؤولية نشر الإنجيل. فحسب 13: 9-10، هذا الاعلان يتمّ بالشهادة أمام المحاكم خلال الاضطهادات (وهناك إمكانيات أخرى). من الواضح أن واجب الشهادة يعني جميع المؤمنين سواء تسلّموا مهمّة خاصّة في الكنيسة أم لم يتسلّموا.
من هذا القبيل، تعني رسالة الاثني عشر في الإنجيل، تجذّراً في حياة يسوع وفي إرادته البشرية، تعني تجذّر هذه المهمة التي صارت مهمة الكنيسة: فهي تشهد للمسيح. تشهد لأقواله، تشهد لإنجيله. وبحسب مرقس، الاثنا عشر هم كافلو هذه الأرادة (إرادة يسوع). فالمسيح قد أقامهم لهذه الغاية. ثم أفهمهم أن الانجيل موجّه إلى جميع البشر. فلقد صاروا نموذج المرسلين. وبواسطتهم امتدّ اعلان الإنجيل بعد فصح المسيح وقيامته. وهذا الإعلان يميّز زمن الكنيسة (4: 21- 22. سراج على مكيال) التي ترى في رسالة الاثني عشر في الجليل، إرادَة المسيح الواضحة تجاهها. لقد اغتنت بإرث الاثني عشر، اغتنت بتقليد أعمال يسوع وأقواله، فوجب عليها أن تحيا من هذا الارث وتشهد له في العالم كله إلى ان يعود الرب.
د- إنجيل يسوع وقدرته
وتقبّل الاثنا عشر من أجل القيام بمهمتهم، تقبّلوا من يسوع "سلطة على الأرواح النجسة". فرافقت كلمتهم الأشفية وطرد الشياطين (6: 7، 12-13). لسنا فقط مع الكلام والتعليم. بل هناك "عمل" كما تقول 6: 30: "أطلع التلاميذ يسوع على ما عملوا". فملكوت الله لا يظهر فقط في الكلام. بل هناك "علامات" تدلّ عليه. هذا الواقع يشهد له القديس بولس الذي يرى فيه علامة لا تردّ عن صفته "رسول" المسيح (1 تس 1: 5؛ 1 كور 2: 1- 5؛ 2 كور 3: 1- 3؛ 12: 12؛ غل 3: 2- 5؛ روم 15: 18- 19). ثم إن الاناجيل تربط دوماً بين كرازة يسوع وعمله. وفي مرقس، يجري عمل يسوع هذا داخل صراع ينتصر فيه على "الأرواح النجسة": هي نجسة لأنها تدلّ على وجود قوة وسط البشر تعارض قداسة الله وشعبه. لم يكن في ذلك الوقت تمييز بين المرض وتأثير الشيطان (1: 34؛ 3: 10- 11؛ مت 8: 16-17).
لا يتكلّم العهد الجديد عن الشياطين إلا بمناسبة ذكر النتائج السيئة التي تنسب إليهم، لاسيّما في مجال صحة البشر. ففي الأشفية نجد أكثر ما نجد علامات ملكوت الله الذي يأتي ليعيد الإنسان والعالم إلى التناسق الذي أراده الخالق. ولهذا، فأول عمل علني يذكره مرقس عن يسوع هو أنّه علّم بسلطان وطرد "روحاً نجساً" (1: 22، 27). ونرى الشيء عينه في التعليم الذي سلّمه يسوع لتلاميذه: أعطاهم سلطاناً على الأرواح النجسة (3: 14-15، 6: 7).
تنظر الكنيسة إلى مهمة الاثني عشر، فتقرأ فيها مسؤوليتها من أجل إعلان الإنجيل على جميع البشر. وتكتشف أيضاً حين تقرأ نصّ مرقس هذا، أن السلطان المعطى للاثني عشر ليس محصوراً فيها. وبعد هذا، لن يستطيع التلاميذ أن يطردوا روحاً نجساً، فيذكّرهم يسوع بأنه لا بدّ من الايمان والصلاة (9: 18- 29؛ رج 11: 22- 24). وهناك حدث المقسّم الذي يطرد الشياطين باسم يسوع دون أن يكون واحداً من التلاميذ. فهو يدلّ على أن قدرة يسوع لا تنحصر في مجموعتهم (9: 38-39). وفي "السلطان" المعطى للاثني عشر، تُدعى الكنيسة كلها للتعرّف إلى زخم الإنجيل الذي تحمله إلى البشر. فقدرة يسوع نفسه مسلمة إلى إيمانها وصلاتها. وهكذا تدلّ في نجاحات محدّدة على أن خلق الإنسان (من جديد) قد تدشّن (بدأ) في المسيح القائم من الموت. 
وهذا اليقين يعبّر عنه مرقس بطريقة شبه سطرية. ولكن خلال الحديث عن ابليس وعن المعجزات، يجب أن نتجاوز الصور التي تعود إلى ما قبل العلم. غير أن العلم لا يحلّ محلّ الإنجيل، ولن يستطيع أن يترجم في لغة يبنيها، نمط وجود يعرضه الإنجيل ويجعله ممكناً للإنسان الذي تجدّد في الإيمان. إن واقعية مرقس تذكّرنا أننا لسنا أمام مجرّد تجديد "روحي" في المعنى الحديث للكلمة. فالروحي لا ينفصل عن اللحم والدم. والتوراة تجعل الروح في حياة البشر الملموسة. لا يكفي أن نشجّع البحث عن المعجزات (أو نتحسّر عليه) الذي ينغلق على ذاته ويبقى على هامش الكرازة، ويتوقف عند تفكير بعيد عن الواقع. ولا يكفي أيضاً أن نستند إلى معنى التاريخ أو إلى قوة نموّ داخلية من أجل تحرير الإنسان. فالإيمان كخبرة نمط جديد من العلاقات بين البشر، له تأثيره على التوازن البشري، على توازن الافراد والمجتمعات. وصحّة الاشخاص والجموعات قد تكون الموضع الذي فيه تظهر آيات الإنجيل، والمعيار الذي يقيس عمق إيماننا.

خاتمة
إن خبر مهمّة الاثني عشر في الجليل، يقوم (في مرقس) بوظيفة تتجاوز أهمّيته التاريخيّة. إنه يدلّ على محطّة هامّة (ولها معناها في البداية) ونموّ عمل يتواصل في الكنيسة وفي العالم. وحين تقرأه الكنيسة، فهي مدعّوة إلى أن تكتشف دعوتها التي تتضمن مهمّة تمنعها من ان تكون جماعة منغلقة على ذاتها، او تنحصر داخل حضارة أو مجتمع مهما كانت هذه الحضارة وهذا المجتمع.
حين نقرأ خبر مرقس، لا يرافق إرسال الاثني عشر أي تحديد جغرافي يحدّه في المكان (ق مت 10: 5-6؛ لو 9: 6؛ 10: 1). ويتبعه تمرّس صعب للتلاميذ، يكثر فيه يسوع التعليمات والتنبيهات ضدّ الانغلاق على العالم اليهودي (7: 1-8؛ 13). وليس من قبيل الصدف أن لا يبقى شيء في انجيل مرقس ليذكرنا برمز الاثني عشر الاولاني. فهذا العدد يرمز إلى تجمّع قبائل اسرائيل الاثنتي عشرة في الأزمنة المسيحانية (مت 19: 28: تجلسون على اثني عشر كرسياً لتدينوا أسباط اسرائيل الاثني عشر، لو 22: 30). ففي نظر الكنيسة، هم كافلو المهمة التي وصلت إليها وقد تسلّمت مسؤولية عرض الإنجيل على جميع البشر. 
وبما أن هذه المهمة هي امتداد لمهمة يسوع فيها، فالمرسلون يحملون السمات التي تميّز التلميذ كما يريده يسوع: حرّ من أي رباط، خفيف لا يحمل امتعة، جاهز ومستعدّ ليتبع يسوع في الصعوبات وحتى التضحية بالذات. فصورة التلميذ تشبه صورة الرسول. وإنجيل مرقس لم يتحدّث عن التلاميذ كـ "محترفين" لا خلال حياة يسوع، ولا في مستقبل الكنيسة (13: 10؛ 14: 9). فينتج عن هذا أن مرقس أعطى لرسالة الاثني عشر أوسع أبعادها.
إن هذا الخبر لا يعارض واقعاً وهو أن لكل رسالة اساساً. ولكنه يذكّر كل مسيحي أنه ينتمي إلى كنيسة مرسلة إلى الآخرين. وأنه مدعو ليكون شاهداً ليسوع أمام البشر. وأخيراً، إن قدرة يسوع لا يمكنها أن تزول. ولا نستطيع أن نحصر الإنجيل في خطبة بشرّية ترتبط بالبلاغة أو بسائر علوم البشر. فالأقوال والأعمال تسير معاً وسنحتاج دوماً في رسالتنا إلى الإيمان والصلاة.

 

 

الفصل الحادي والثلاثون
آلام يوحنا المعمدان وموته
14:6- 29

أرسل يسوع تلاميذه اثنين اثنين وأعطاهم سلطاناً... وفرغت "الساحة" إلاّ من يسوِع. وإذ ينتظر القارىء عودة التلاميذ، قدّم له مرقس مقطعاً يعلن مسبقاً آلام يسوع وموته: قدّم خبر سجن يوحنا المعمدان بانتظار أن يرسل هيرودس ويقطع له رأسه. ما يهيّىء هذا النص هو نبذة قصيرة تورد إعتبارات هيرودس حول يسوع. نجد المتتالية عينها عند متى وذلك قبل أول تكثير للأرغفة، ولكن حالاً بعد زيارة يسوع إلى موطنه (مت 14: 1- 12). أما لوقا فأعلن في بضع كلمات موت السابق، وذلك قبل عماد يسوع (لو 3: 19-20). واقتفى آثار مرقس فجعل حكم هيرودس على يوحنا يلي إرسال الإثني عشر (7:9- 9). هذا التنوّع في ترتيب المواد التي نقلها التقليد، يدلّ على هدف خاص بكل إنجيلي حين نقل إلينا هذا الخبر.

1- يسوع، هيرودس، يوحنا المعمدان
يبدأ النص حالاً: وسمع الملك هيرودس بأخبار يسوع.
من هو هيرودس هذا؟ هو هيرودس انتيباس (4 ق. م.-39 ب. م.). كان ابن هيرودس الكبير (37 ق. م.- 4 ب. م.)، شأنه شأن أخيه ارخيلاوس، من امرأته الرابعة ملتكة السامرية. سمّي بشكل عام "التترارخس" (أي رئيس الربع) تمييزاً عن أبيه الملك هيرودس. ولكن مرقس لم يأخذ بهذه العادة، فتكلّم عن "الملك هيرودس". أما لوقا فتحدّث في 3: 1 عن "هيرودس، تترارخس الجليل" (رج لو 8:9). تزوّج مرة أولى ابنة ملك الانباط، الحارث الرابع. ثم طلّقها سنة 27، وتزوّج هيرودية، إمرأة أخيه من أبيه، هيرودس فيلبس الأول المقيم في رومة.
كانت هيرودية ابنة ارسطوبولس وبرنيقة، وحفيدة هيرودس الكبير، وبالتالي ابنة أخي هيرودس انتيباس. أما سالومة ابنتها التي يتحدّث عنها النصّ الإنجيلي ولا يذكر اسمها، بل يذكر ما فعلت، فقد صارت زوجة هيرودس فيلبس آخر. كان ابن هيرودس الكبير وابن امرأته الخامسة كليوبترة التي من أورشليم. صار تترارخس ايطورية وتراخونيتس (ما يقابل الجولان وحوران اليوم)، وأعاد بناء بيت صيدا وقيصرية فيلبس (جمع اسم القيصر الروماني مع اسمه).
ونعود إلى هيرودس انتيباس. عيّن تترارخساً على الجليل بعد موت أبيه هيرودس الكبير، سنة 4 ق. م. ويروي المؤرخّ اليهودي فلافيوس يوسيفوس أنه سجن يوحنا لأسباب سياسية في قلعة مكاور. فرأى الشعب في هزيمته أمام الحارث الرابع، ملك الأنباط، عقاباً من قبل الله بسبب مقتل يوحنا المعمدان. إنه يمثّل عائلة اشتهرت بالقساوة والظلم، كما اشتهرت بالترف وحبّ البزخ.
أ- من هو يسوع
إن هيرودس هذا تساءل عن يسوع. أيكون يوحنا؟ وجاء جواب الملك. "يوحنا الذي أنا قطعت رأسه قد قام من الأموات". نلاحظ هنا وقبل الوقت هذا الحديث عن قيامة يوحنا. إنها رمز بعيد إلى قيامة يسوع.
آراء عديدة حول نبيّ الجليل وصانع المعجزات فيه. لقد اختار الملك قولاً من الأقوال فأعلن رأيه في هذا الرجل الذي ليس بعاديّ، في يسوع. فالآخرون فكّروا في إيليا الذي أعلن عن مجيئه النبي ملاخي (23:3: ها أنا أرسل إليكم إيليا النبي، رج سي 48: 10- 11). وبعضهم فكّر بمجيء نبيّ يشبه الأنبياء السابقين، ويهيّىء لمجيء الأزمنة المسيحانية (تث 15:18- 18؛ رج أع 22:3- 30).
نتذكّر هنا أن يسوع، خلال زيارته إلى مدينته، قد سمّى نفسه النبي (4:6: لا نبيّ بلا كرامة). وجاء الحماس الشعبي فمنحه هذا اللقب. ولكن ما زال التردّد مسيطراً حول هوية يسوع الحقيقية: كل واحد يعطي رأيه في يسوع حسب المثال الذي جعله أمامه، أو حسب الانتظار الذي يغذّي شعبه. لا أحد يمتلك معياراً دقيقاً يساعده على تقدير يسوع حقّ قدره.
حين عدّد مرقس الآراء المختلفة لدى الجموع، وجّه قارئه منذ الآن نحو اكتشاف متدرّج لشخص يسوع. بدأ الناس وتساءلوا عن أعماله العجيبة. قالوا: "ما هذا" (27:1)؟ وكانت خطوة ثانية مع التلاميذ حين تسكين العاصفة. تساءلوا: "من هذا" (4: 41)؟ الريح والبحر يطيعانه. ولكن الرب هو الذي يسيطر عليهما. أترى يسوع على علاقة مع يهوه؟ وتنوّعت الآراء. بعد شفاء المخلّع وغفران خطاياه، قال الناس: "ما رأينا مثل هذا العمل قط" (12:2). وبعد شفاء مجنون الجراسيين "كان جميع الناس يتعجّبون" (5: 20). وبعد شفاء الأصمّ الألكن، قال الجمع بإعجاب شديد: ما أروع أعماله كلها. وهكذا عادوا إلى عمل الخلق حيث رأى الله جميع ما عمله فإذا هو حسن جداً (تك 1: 31).
وكانت آراء سلبية حوله يسوع. خاف أهله عليه وعلى أنفسهم فقالوا فيه: إنه فقد صوابه (3: 21). واعتبره تلاميذه وهو ماشياً على الماء "شبحاً وخيالاً" (49:6). هذا هو عمل الليل. وسيحتاجون إلى نور النهار ونور الإيمان ليطمئنوا أولاً ويفهموا كلمته: "أنا هو" أي أنا يهوه، أنا الرب بحسب تسمية العهد القديم (رج خر 3: 12). أما أهل الناصرة فلم يستطيعوا أن يرتفعوا عن مستوى العائلة والقبيلة: "من أين له هذا"؟ من أين له هذه الحكمة؟ من أين له هذه المعجزات يجترحها؟ هو في نظرهم ذلك النجار. هو ابن مريم. هو أخو يعقوب ويوسي ويهوذا وسمعان. نحن نعرف أخواته وأقاربه وأهل بيته. وهكذا حبسوه في إطار بشري ضيّق، كما سيحبسه الكتبة والفريسيون في إطار يهودي. وحين يحاول أن يخرج من هذا الإطار يحكمون عليه بالموت.
يعلن للمخلع: مغفورة لك خطاياك، فيعلن الكتبة: إنه يجدّف. من يغفر الخطايا إلاّ الله وحده. ولكن يسوع قال في صيغة المجهول "غفرت خطاياك"، فدلّ على عمل الله. ثم إنه قد يكون على علاقة بالله (2: 1 ي). وأعلن يسوع أنه رب السبت (28:2) وبالتالي رب الشريعة. فلم يبقَ للفريسيين إلاّ التشاور مع ألدّ أعدائهم الهيرودسيين "ليقتلوا يسوع (6:3).
وحاول الشياطين أن يتعرّفوا إليه لكي يسيطروا على القوة الخارجة منه. قال له الروح النجس في 1: 24: "أنا أعرف من أنت. أنت قدوس الله" (رج 1: 34: منع الشياطين أن تتكلّم عنه لأنها عرفته). وصاحت الأرواح النجسة أمام الأشفية المتعدّدة: "أنت ابن الله" (3: 11). أما مجنون الجراسيين فأحسّ بالخطر، وحاول أن يتفاوض من أجل هدنة. "مالي ولك (لماذا العداوة بيننا؟) يا يسوع، ابن الله العلي" (5: 7)؟
مسيرة طويلة، مسيرة بطيئة، مسيرة متدرّجة، وصلت بنا إلى هذا التساؤل في بلاط هيرودس: من هو يسوع؟ وحده الإيمان يجعلنا نكتشف حقاً شخص يسوع. ولكن هذه التساؤلات الأخيرة (6: 14- 16) قد هيّأت الطريق للسؤال الذي سيطرحه يسوع نفسه على تلاميذه: وأنتم، من تقولون إني هو؟
ب- آلام يوحنا المعمدان
إذا أردنا أن نعرف من هو يسوع، يجب أن ننظر إلى السابق الذي ارتبط مصيره بمصير ذلك الذي تحدّث عنه مسبقاً. كان يوحنا صورة عن يسوع في مولده وطفولته (لو 1- 2). وكان صورة عنه حين بدأ يعلن: توبوا، فقد اقترب ملكوت الله (1: 4؛ ق 1: 15؛ مت 4: 17).
لم يبدأ يسوع أن يعلن عن نفسه إلاّ بعد "أن اعتقل يوحنا" (1: 14؛ مت 4: 12؛ رج مت 17: 22؛ 26: 2؛ 27: 2، 18، 26 حول اعتقال يسوع). هنا أيضاً يصوّر مصيرُ المعمدان بخطوط رفيعة المصيرَ الذي ينتظر يسوع. فهناك من يفكّر مع هيرودس أن يوحنا قام بعد أن قُتل عنفاً وظلماً. وهناك عدد من العناصر التدوينية، كما أن هناك موازاة بين شخص يوحنا وشخص يسوع، تدلّ على أنه يجب أن نقرأ خبر مقتل يوحنا كمقدّمة لخبر مقتل يسوع. وهكذا لا نقول كما قال البعض ان مر 17:6- 29 هو النصّ الوحيد في مرقس، الذي لا يتحدّث عن يسوع. هو لا يتحدّث عن نشاط يسوع لأن التلاميذ غائبون، ويسوع لا يريد أن يعمل شيئاً بدونهم. وبعد عودة التلاميذ من الرسالة سيعود إلى الحديث عن نشاط يسوع الذي أخبره تلاميذه "بكل ما عملوا وعلّموا" (6: 30).
هناك ألفاظ عديدة استعملها مرقس لكي يصوّر "آلام" يوحنا المعمدان، ثم استعادها للحديث عن "آلام يسوع". كلاهما "قُبض عليه" و"جُعل في السجن" (17:6؛ 65:14؛ 15: 1). هيروديا تريد "قتل" يوحنا (19:6). ورؤساء الكهنة بحثوا عن حيلة تمكّنهم من "قتل" يسوع (14: 1). "خاف" هيرودس من يوحنا (6: 20) لعلمه أنه رجل صالح قديس. وخاف رؤساء الكهنة من يسوع لأن الناس كانوا معجبين بتعليمه (18:11). يوحنا هو رجل "صالح قديس"، وهذا ما يقال عن يسوع في أع 2: 27؛ 3: 14؛ 7: 52؛ 13: 35؛ 22: 14. كان هيرودس يصغي إلى يوحنا بارتياح (6: 20). وكانت جموع الناس تصغي إلى يسوع بسرور (12: 30). مات يوحنا فأتى تلاميذه "وأخذوا جثته ووضعوها في قبر". وماتت يسوع فدفنه يوسف الرامي "في قبر محفور في الصخر" (15: 45- 46).
قال يوسيفوس إن هيرودس سجن يوحنا لأسباب سياسية. ولكن مرقس قال: لأنه وبّخه على علاقة غير شرعية مع امرأة أخيه فيلبس. إن النظرة الأولى لا تستبعد النظرة الثانية. فكل نظرة تبرز بُعداً مختلفاً من الواقع، كما تكشف في تداخلها مع الأخرى الالتباس في شخصية هذا الرجل الذي سماه يسوع ذاك الثعلب.
حين شجب يوحنا المعمدان سلوك هيرودس، كان أميناً للشريعة التي تمنع الزنى حسب خر 14:20؛ تث 18:5. كما تمنع بعض الزواجات بين الأقارب (لا 18: 16: لا تكشف عورة زوج أخيك: 20: 21). وهكذا وقف يوحنا "مسبقاً" في خطّ الموقف الذي اتخذه يسوع بالنسبة إلى الطلاق (10: 1- 12).
إن موضوع أمانة هذا النبي للشريعة، يذكّرنا بإيليا الذي واجه سلوكاً رديئاً لدى الملك أحاب (1 مل 17:21- 26)، ومؤامرات دنيئة لدى الملكة إيزابيل (1 مل 19: 2؛ 21: 4- 16). كل هذا كان نقطة إنطلاق للحديث عن تقليد الأنبياء الشهداء. نقرأ في سي 48: 12: "طول أيامه لم يضطرب أمام سلطان، ولا تمكّن أحد من إخضاعه" (رج إر 38: 14- 15).
إن تنظيم الخبر الإنجيلي في إطار وليمة عيد ميلاد الملك مع رقصة إبنة هيرودية (سالومة)، وقسَم الملك هيرودس، يذكّرانا بما في سفر استير حيث خلفت اليهوديةُ الجميلة (أس 2: 9) الملكة وشتي (أس 1) ودفعت الملك احشويروش لأن يقدّم لها "نصف مملكته" (أس 3:5، 6؛ 7: 2؛ 9: 12). وهكذا نالت قراراً بالعفو عن اليهود وإعادة اعتبارهم، وبقتل محازبي هامان (أس 9: 5: 17: إستلهم التقليد الإنجيلي ولا شك أسلوب المدراش من سفر استير). أما قسم هيرودس فجعل الملك في موقف دقيق تجاه مدعوّيه (6: 26). هؤلاء كانوا من الصادوقيين، وبعض الفريسيين الذين جاؤوا ليراقبوا سلوك الملك ويحكموا على يوحنّا المعمدان. هذا الوضع التي لا تنقصه خلفيات سياسية، قد يشير إلى وضع وجد بيلاطس فيه نفسه بالنسبة إلى يسوع "لأنه كان يعرف أن عظماء الكهنة سلّموه إليه حسداً" (15: 10).
وما يبرز قوة الإيحاء في هذا الخبر، هو موضعه في هذا الوقت من الإنجيل: فالرباط بين مصير يسوع ومصير المعمدان الذي قُدّم على انه "إيليا الذي سيأتي أولاً" (9: 11)، وإطار الوليمة التي فيها جرى دم رجل قديس وصالح (هذا ما يجعلنا نفكر بالعشاء الأخير، 18:14- 25)، والتلميحات إلى آلام يسوع ودفنه، كل هذا يشكّل تنبيهات يوجّهها الإنجيلي حول الطريقة التي بها نقرأ "مقال الخبز". فالوليمة التي ستأتي فيما بعد (6: 30- 44)، والإشارة المتكرّرة إلى الخبز، لا تتّخذان كامل معناهما إلاّ إنطلاقاً من شخص يسوع التي ستنكشف هويته في الطريقة التي بها يقدّم نفسه إلى أيدي البشر (9: 31؛ 22:14؛ 45:15).

2- هيرودس ويسوع (6: 14- 16)
ونعود إلى دراسة النص من الناحية الأدبية والتحليلية.
أ- تساؤل هيرودس
إن هذا المقطع (آ 14- 16) والذي يليه (آ 17- 29) يفصلان بين قسمين من الإنجيل.
لا يقول لنا مرقس ماذا كان نشاط يسوع خلال رسالة الإثني عشر. قد نكون من البساطة بمكان إذا قلنا: كيف نعرف ما عمله يسوع والشاهدون على نشاطه غائبون؟ يجب أن نلاحظ مرة أخرى أن الإنجيلي مرقس لا يتصوّر يسوع بدون تلاميذه. فهم منذ البداية معه، ولن يتركوه إلاّ في وقت الآلام.
يظنّ الشرّاح عامة أن موت يوحنا سابق للزمن الذي فيه وضعت مهمة الإثني عشر (20:2). فإقحام خبر مقتل يوحنا في هذا الموضع يفسّر حينئذ بأحد هذين السببين. إمّا أن مرقس أراد أن يملأ المدى الواقع بين ذهاب الرسل وعودتهم. وإمّا أنه أراد أن يعطي لهذا الجزء من كتابه الذي يعود إلى اعتراف بطرس، مقدمة توافق الموضوع. فالنصّ يعبّر عن حيرة هيرودس والشعب بألفاظ توازي تلك التي نقرأها في مشهد قيصرية فيلبس (27:8- 28). ويكفي مرقس أن يذكر رأي هيرودس حول هوية يسوع الحقيقية، لكي يروي موت يوحنا المعمدان الذي يصوّر مسبقاً مصير يسوع. وهذا المصير قد أنبأ به يسوع بعد اعتراف بطرس (8: 31).
من المعقول أن لا يكون التترارخس اكتفى بالسؤال والتساؤل. هذا ما يقوله لنا لو 13: 31 (هيرودس يريد قتلك)، حتى ولو اعتبرنا أن هذا الحدث جاء بعد مقتل يوحنا. ثم إن الهيرودسيين في 6:3 لم يتّصلوا بالفريسيين دون أمر هيرودس (رج 8: 15: خمير الفريسيين وخمير هيرودس). حينئذ نستطيع أن نتساءل: أما يكون الدافع لأسفار يسوع خارج الجليل (ستوردها المرحلة المقبلة) تهديدات أحس بها؛ هذا ما فهمه متى (12:14-13: فلما سمع يسوع بمقتل يوحنا خرج من هناك). وسواء جاءت من الجموع أو من التلاميذ، أو من الفريسيين، أو من هيرودس، فالعلامات تتكاثر وهي التي تقود يسوع إلى يقين يقول له إن ملكوت الله لا يُبنى إلاّ عبر موته. ولكنه يتصرّف هنا كما تصرّف في السابق. هو لا يستبق الساعة التي حدّدها الله.
إن آ 14- 16 تجد ما يوازيها في مت 14: 1- 2، وفي لو 7:9- 9. غير أن متى لا يشير إلى إيليا ولا إلى الأنبياء الآخرين. وهكذا يكون مشهد قيصرية فيلبس بعيداً بعض البعد عن النص الذي ندرس. وهكذا يفترق متى عن مرقس ولوقا حين يذكران إيليا والأنبياء.
يرى الرأي العام في ذلك الوقت أنه لا يستطيع أن يفسّر نشاط يسوع إلاّ إذا كان في الواقع يوحنا المعمدان، إيليا، أو أحد الأنبياء. وهذا أمر له معناه. ففي القرن الأول المسيحي، كان التيّار النبوي ينتمي إلى الماضي. فالنبي هو الشخص الذي به يوجّه الله كلامه بشكل مباشر. هكذا قال الرب (2 صم 7:12؛ 1 مل 7:14؛ أش 10: 24...). هو وسيط كلمة الله لشعبه لأن الله كلّمه كلاماً مباشراً (أش 8:6- 9؛ 3:7؛ 8: 1، 5؛ إر 1: 4؛ 2: 1...). من هذا القبيل يمتلك هذا الإنسان عطية الروح، بل الروح هو الذي يمتلكه، يقبض عليه. هذا ما قيل بشكل واضح عن إيليا (1 مل 18: 12) عن شاول أو داود (2 صم 23: 2؛ رج مر 12: 36)، وخصوصاً عن حزقيال (حز 2: 2؛ 3: 12...). وهذا الواقع هو واقع الأنبياء بشكل عام أكانوا عاموس أو هوشع (هو 9: 7) أو يوئيل (يوء 3: 1). وقد قال سفر العدد (29:11) في ذلك: "ليت جميع أمة الرب أنبياء يحلّ روح الرب عليهم"!
ولكن تيقّن الناس ان زمن الأنبياء قد ولّى (قد أغلق باب النبوءة)، لأن الروح "انطفأ". لا شك في أنّه ولدت في ذلك الوقت تيارات مواهبية. لا شك في أن أهل قمران اعتبروا أنهم يمتلكون الروح. لكننا نعتبر بشكل واسع أن عودة الروح والظواهر النبوية اعتبرت أموراً اسكاتولوجية، ننتظرها في نهاية الأزمنة. أما يوحنا المعمدان فلم يخلط بين عماد يعطيه وعماد الروح المحفوظ للذي ينبىء به. "أنا عمّدتكم بالماء، وأما هو فيعمّدكم بالروح القدس" (1: 8).
ب- من النبوءة إلى الشريعة
ليس القرن الأول زمن النبوءة، إنه زمن الشريعة وبالتالي زمن الرابانيين. اختلفت وساطة الرابانيين عن وساطة الأنبياء بين الله وشعبه. فسارت في خط وساطة الشريعة. لا شك في أن الشريعة هي كلمة الله، ولكنها كلمة قد تثبّتت في النصوص، سواء نصوص الكتاب المقدس وسواء نصوص التقليد. كلمة الله في نظر عاموس أو إرميا هي الله الذي يتكلّم هنا والآن بالنظر إلى زمن محدّد في تاريخ اسرائيل. هو يتكلّم بحرية غنية "بالتناقضات" تدل على أمانة الله لهذا التاريخ، وعلى الطابع الشخصي والحي لهذه الكلمة. أما الشريعة فهي الكلمة التي قيلت مرة من المرات. نحن لا نستطيع أن ننتظرها من جديد، بل نحاول أن نفهمها ونفسّرها.
لا شك في أننا لا نستطيع أن نتخيّل ما كانت تعنيه الشريعة لليهودي في القرن الأول. فالإنجيليون لم يقولوا لنا شيئاً في هذا المجال. فبجانب الرابي الذي يتساءل هل نستطيع أن نأكل بيضة بيضت يوم السبت، هناك من يكتشف بهاء الله من خلال حرف الشريعة. وقد حكم المسيحيون باسم الإنجيل على الرابانيين المتعبّدين للشريعة وكأنها صنم (هذا لا يعني أننا تحرّرنا من صنميّة الشريعة).
ديانة الشريعة هي ديانة الطمأنينة، ديانة الذين لا يثقون بتبدّلات الإنسان، بل بالنصوص التي لا تتبدّل. هناك طريق الإيمان ومخاطرها. هناك الإنجيل بما فيه من جديد دائم. ولكننا نُحلّ محل الله شيئاً ثابتاً وأكيداً دون أن نخسر شيئاً من خيرات الله.
خاطر الله. أرسل أنبياءه. سلّم كلمته إلى الإنسان الضعيف والسريع العطب. هذه المخاطرة هي مخاطرة الحرية المتروكة للمرسلين مع تناقضاتهم وربما مع أخطائهم البشرية. الله وحده ترك الباب مفتوحاً أمام كلمة حية ومباشرة.
وجاء وقت غاب فيه "الأنبياء، فكان زمن الشريعة التي هي مرآة عن الله أو حاجز بين الإنسان والله، ولكنها قد تطمئن الإنسان حتى الجمود. وواجه الرابانيون (أنبياء أو أشخاص عاديون) الشريعة، واجهوا حرف الشريعة الذي يقتل في النهاية، إن لم يُحيه نور الرب.
وإذ اعتبرت عودة زمن الأنبياء كإحدى العلامات عن الأزمنة الأخيرة أزمنة التتمة، فهذا الإعتبار كان في نظر القرن الأولى البرهان على أن عبادة الشريعة لم تلغِ الحنين إلى كلمة مباشرة يوجّهها الله إلى شعبه. نلاحظ حين نقرأ النصَوص الإنجيلية أن الناس استصعبوا هذه العودة، ما عادوا يتخيّلونها. ليس من المعقول أن يقوم نبيّ جديد. فكأن لا جديد بعدُ عند الله! فأقوال ومعجزات يسوع تدهش الناس. لا نستطيع أن نجعله مع الكتبة بسبب السلطان الذي يتمتّع به (22:1- 27).
ج- يسوع نبي
فمن هو يسوع إذن؟ يوحنا، إيليا أو أحد الأنبياء القدامى؟ لماذا لا يكون النبيّ يسوع؟ لم يفكّروا في هذا الاحتمال. ففي المقاطع الإنجيلية التي فيها يعني هذا اللقب يسوع، لا نجد عبارة "النبي يسوع الناصري في الجليل" إلاّ مرة واحدة في مت 21: 11 (الدخول إلى أورشليم). أما النصوص الأخرى فتدلّ على الشك والارتياب. جاءت امرأة تائبة إلى يسوع. قال سمعان الفريسي: لو كان هذا الرجل نبياً... ولكنه لو كان نبياً لمنع هذه المرأة من أن تلمسه (لو 39:7). وخلال جدال حول هوية يسوع، إنتهى كل شيء بالقول "الفصل": "فتّش تجد أن لا نبي يظهر من الجليل" (يو 7: 52). وهناك نصوص تدلّ على الهزء والسخرية. هذا ما نجده في وقت الآلام: غطّوا وجهه ولطموه. قالوا له تنبأ (مر 14: 65). لا نعرف ماذا انتظر الناس: نبياً جديداً، أم نبياً من الأيام القديمة. أراد الرؤساء أن يمسكوا يسوع، فخافوا من الجموع لأنهم كانوا يعدّونه نبياً (يو 21: 46). وبعد إقامة ابن أرملة نائين قال الشعب وهم يمجّدون الله: "ظهر فينا نبي عظيم وافتقد الله شعبه" (لو 16:7).
يلفت انتباهنا هذا الاستسلام لدى شعب كامل: هو لا يرجو شيئاً 
جديداً. لا ينتظر إلاّ تكرار الماضي. ولكن معاصراً لهم جُعل على مستوى إيليا، على مستوى الأنبياء القدماء. إذا كان يسوع نبياً مثل يوحنا المعمدان، فهذا يعني أن يوحنا كان نبياً حقيقياً. وهكذا نفهم المكانة الفريدة التي احتلّها في عصره. لقد أورد الإنجيليون بعض الشهادات. إن هيرودس "أراد أن يقتله، فخاف من الشعب لأنهم كانوا يعدّونه نبياً" (مت 14: 5). وخاف الرؤساء أيضاً من غضبة الشعب بسبب إكرامهم ليوحنا "النبي" (مت 21: 26؛ رج مر 11: 32؛ لو 20: 6). ويسوع نفسه شهد يوحنا المعمدان: "هو أفضل من نبي" (مت 9:11). "ما ظهر في الناس أعظم من يوحنا المعمدان" (مت 11: 11؛ رج لو 7: 26). وتجاه هذا نسمع أقوال يوحنا في نفسه. يسوع الآتي هو أقوى منّي (مر 1: 7- 8). هو صوت صارخ يهيّىء الطريق (يو 1: 21 ي). هو صديق العريس يفرح لفرحه. "له هو أن يزيد، ولي أن انقص" (يو 27:3- 30)!
جاء كهنة من أورشليم وسألوا يوحنا: هل أنت إيليا؟ هل أنت النبي (يو 1: 21)؟ هذا ما يفهمنا أن معاصري يسوع انتظروا مع "عودة" الروح والظواهر النبوية، مجيء ذاك الذي يسمّى "النبي" في المطلق. النبي الذي هيّأه السابقون. النبي الذي لا نبيّ بعده. وحين نتكلّم عن أنبياء المسيحية نقول إنهم يشاركونه في موهبة حمل كلمة الله لأنه كلمة الله بالذات. 
تحدّث لا 15:18 عن هذا النبي المنتظر الذي سيكون صورة عن موسى، بل الصورة الكاملة. قال موسى: "يقيم لكم الرب إلهكم نبياً من بينكم، فاسمعوا له". إنتظر الشعب اليهودي هذا النبي الخارق، ولهذا أرسلوا يسألون يوحنا المعمدان إن كان هو النبي. أجاب يوحنا: لست "النبي" ولم يقل لست "نبياً" (يو 1: 25). فالنبي هو ذاك المنتظر. وبحسب يوحنا هو يسوع المسيح. وبعد تكثير الأرغفة سيهتف الشعب: "بالحقيقة هذا هو النبي الآتي إلى العالم" (يو 14:6). وفي الهيكل سيضيع الناس. منهم من يقول: هذا هو النبي. ومنهم من يقول: هذا هو المسيح (يو 40:7-41).
د- تواصل عمل الله
يوحنا هو نبي. ويسوع هو النبي. فعمل الله يتواصل ولا يتوقّف. وسنجد دوماً هذا الرباط بين عمل يوحنا وعمل يسوع. وحتى حين تحدّث الإنجيلي عن "المعجزات" التي تجري على يد يسوع، ربطها أيضاً بيوحنا، وكأن هذا الأخير اجترح المعجزات.
يختلف الإنجيليون الثلاثة في تحديد موقف هيرودس من الآراء الجارية حول هوية يسوع الحقيقية. عند لوقا، يبدو الملك مرتاباً جدّاً: يوحنا، أنا قطعت رأسه. فمن هو هذا الدي أسمع عنه مثل هذه الأمور؟ واختار مرقس فرضية قيامة يوحنا، وهذا ما يثير لدى هيرودس الخوف والتوبة (قام يسوع. هل سوف يثير عند اليهود الخوف والتوبة؟). ولكننا نتساءل: هل يستطيع إنسان مثله أن يتطلّع إلى قيامة يوحنا أو غيره؟ قال بعض الشرّاح: هو يعني أن يسوع هو يوحنا جديد. ولكننا نعلم أن مرقس يجعل من هذا الملك شاهداً لقيامة يسوع من دون أن يدري. ليس يوحنا هو الذي قام بل يسوع. أما هنا فسوف نعرف آلام يوحنا التي هي صورة عن آلام يسوع.
في متّى، بدا الملك متيقناً. ولكن كلماته لم تبدُ طبيعية. فهيرودس أخذ برأي الناس، بل أورد تعابير هؤلاء الناس. هنا نشير إلى أن اختلافة في المخطوطات تورد مر 6: 14 على الشكل التالي: "وقال" (الملك). بدل، وقال الناس: "يوحنا المعمدان...". هل تبع متى هذا النص المرقسي؟ الأمر ممكن.
أشار مرقس إلى حيرة وقلق المسؤول عن مقتل المعمدان. قبل أن يخبرنا عن ظروف موته. حرّك الفضولية عند القارىء وهيّأها لقراءة الحدث الدراماتيكي (آ 17- 29) في إطار لاهوتي صحيح. لاحظ البعض أن خبر الوليمة لدى هيرودس وقطع رأس يوحنا لا يتضمّن أي عنصر ديني واضح، وعدّدوا أخباراً مماثلة عند المؤرّخين الدنيويين. لا شك في أن خبر مقتل يوحنا كان قد صاغه "التقليد الشعبي". فأخذه مرقس كما هو. غير أن المقطع الذي سبقه (آ 14- 16) قال لنا كيف يجب أن نقرأ هذا الخبر "الشعبي".
كان بإمكان مرقس أن يعطي عنواناً للمجموعة التي ندرس (6: 14- 29): "كلمة الله ليست مقيّدة" (2 تم 9:2). شاهد من مقام يوحنا، كلّف بمهمة سامية، ونعم لدى الشعب باحترام كبير، قد توقّفت رسالته بنزوة أمير حقير خاضع لرومة، قطع رأسه بعناد امرأة وحيلة ابنتها... هذا هو الواقع الذي يصطدم به الإنجيل. كان باستطاعة الجماعة المسيحية أن تقدّم أصداء لهذا الواقع حين تتحدّث عن يسوع أو عن نفسها. ولكن مرقس يهيئنا لقراءة هذا النصّ فيبيّن لنا أن المنتصر الحقيقي ليس هيرودس، بل يوحنا. إنتهت السلطة وما فيها من سراب في مساء ذلك العيد. أما يوحنا فهو دوماً هنا وهو الأقوى، لأنه يرتبط بمن لا يزول، بمن لا يستطيع أحد أن يزيله. حينئذ لا يهم إن رأى هيرودس في يسوع يوحنا جديداً أو شخصاً آخر. كان يوحنا "صوتاً". والآن قد صار هذا الصوت يسوع. إنه في النهاية صوت الله الذي لا يستطيع أحد أن يسكته. 

3- موت يوحنا المعمدان (6: 27- 29)
لا تجد آ 17- 29 ما يقابلها في لوقا إلاّ 19:3- 20 التي تختتم الحديث عن كرازة السابق. أما متى (3:14- 12) فأوجز نص مرقس، وحوّله من خبر يعجّ بالحياة إلى تقرير قضائي. العداوة هي عداوة هيرودس، ومشاريع القتل هي مشاريع هيرودس (آ 5). وإن كانت هيروديا هي التي أشارت عليه بقتل يوحنا. فمتى يشير إلى دورها بشكل باهت وسريع (آ 8). أُغفلت كل إشارة سيكولوجية (رج مر 6: 19- 20) وكل عنصر تصويري (6: 21). وحلّ "التقرير" محلّ الخطبة في الأسلوب المباشر (ق مر 6: 22 ب- 23 ومت 14: 7؛ مر 6: 24 ومت 14: 8). إن متى يجبرنا على أن نتخيّل ما يجعلنا مرقس نراه ونسمعه: دخول وخروج الفتاة، سرعتها وعجلتها، تشاورها مع أمها، مسيرة الحارس إلى السجن. وغاب النصّ الذي يوازي مر 6: 20 ب (كان يسمعه بارتياح)، فجاءت لفظة "فحزن" في مت 9:14 لتقابل مر 26:6 (هناك لفظتان مختلفتان في اليونانية).
هناك من ناقش تاريخية الخبر. أولاً، لا شك في مقتل يوحنا، فإن يوسيفوس يقول إن هيرودس قتله في قلعة مكاور، شرقي البحر الميت لأسباب سياسية: فشهرته وسلطانه على الشعب قد يقودان الناس إلى الثورة. وقد يكون حُكم يوحنا على حياة هيرودس الخاصة قد عجّل في موته.
تكلّم يوحنا فجُعل في السجن. تحدّث يوسيفوس عن مكاور. ولكن حضور وجهاء الجليل في عيد هيرودس، يجعلنا في طبرية، عاصمة الجليل الجديد، والواقعة على الشاطىء الجنوبي الغربي لبحيرة جناسرت. كان للتترارخس هناك قصر يؤمّه ربما في زمن الصيف.
قال متى إن هيرودس يريد أن يقتل يوحنا، ولكنه خاف من الشعر الذي يعتبره نبياً. إستعاد متّى نصّ مرقس وحوّله بعض الشيء. قال مرقس (19:6): "كانت هيرودية ناقمة عليه تريد قتله فلا تقدر". فقال مت 14: 5: كان هيرودس يريد قتله. خافت هيرودية من خوف هيرودس، أما هيرودس فخاف من الشعب. إذن، هناك تعارض بمن الملك وامرأته، وبين الملك ونفسه. هو يقاوم محاولات امرأته ضد سجينه ويحميه. ولكنّه من جهة أخرى منقسم على ذاته: لا يريد أن يخضع للمعمدان، ولكنه لا يستطيع أن يتهرب من تأثيره. هو يخافه لا خوفاً سياسياً (كما يقول متى)، بل خوفاً أدبياً. كان يخافه ويحميه لعلمه أنه رجل صالح وقديس (6: 20).
ما نعرف عن عوائد عائلة هيرودس، وما نعرفه عما فعله انتيباس، لا يكذّب ما نقرأ في آ 20، بل يشدّد على ما في مصير هذا الملك من وجهة مأساوية. ليس هيرودس شخصاً بلا قلب، بل شخصاً بقلبين كما قال يع 1: 8؛ 8:4. هو يستمع إلى يوحنا بارتياح. ولكنه في الواقع بلا طريق، (ابوريو، من بوروس: طريق)، بل يقفا أمام طريقين (مت 13:7-13): طريق سار فيه منذ صغرهـ، وطريق يدلّه عليه يوحنا المعمدان. طريق يوحنا لا يوافقه، والطريق الذي يختاره لا يقود إلى شيء، بل يقود إلى العدم.
نجد في سفر الأعمال أوضاعاً تذكّرنا بوضع هيرودس أمام يوحنا. في أع 24: 24- 25 نجد فيلكس الذي تزوّج فتاة من عائلة هيرودس، اختطفها من زوجها. كان يستمع إلى بولس (آ 24). ولكن ما عتّم أن اعتقله، بعد أن ارتعد من كلماته (آ 25). وفي أع 26: 24- 29 نجد فستوس وأغريبا (هيرودس) الذي عُرفت علاقته باخته برنيقة. إعتبر فستوس أن بولس جن جنونه، وسأل أغريبا بولس إن كان يريد أن يجعل منه مسيحياً.
أن ترقص فتاة وجيهة في مثل هذه المناسبة وأمام مجموعة من الرجال! هذا ليس بمعقول. لقد بدت سالومة بشكل راقصة محترفة! حين نعرف الحياة الخاصة لدى عائلة هيرودس، لن نندهش من هذا التصرّف. ثم، لا بدّ من المخاطرة من أجل بلوغ الهدف. أما هذا ما فعلته أستير يوم قدّم لها احشويروش الملك نصف مملكته؟ خاطرت بحياتها ودخلت إلى غرف الملك (اس 4: 10- 11؛ 5: 1- 3).
وهُزم هيرودس أمام امرأتين، وبضعفه قبل أن يُهزم بكلمته. رفض أن يأخذ طريق يوحنا، فحار في أمره، ثم أخذ طريق الموت. وهكذا انتهت حياة ذاك الذي أراد أن يكون صوتاً صارخاً في البرية. قُتل الشخص، ولكن الصوت ظل ينادي وهو لن يزال لكي يهيّىء طريق الرب.

 

 

الفصل الثاني والثلاثون
يسوع والرسل والشعب
6: 30- 34

خبر كله حركة. عاد الرسل من جولتهم الرسولية التي ذكرها مرقس في 6: 7- 13. وقدّموا "تقريراً. ليسوع الذي أرسلهم. فهل ندهش إن كان حديث عن الراحة في تلك الظروف؟ ولكن لا مجال للراحة مع رواح الناس ومجيئهم. بل لا وقت للأكل. لا بدّ من البحث عن العزلة، من الابتعاد عن الناس. صعدوا في القارب، ولكن عبثاً. فالناس رأوهم وعرفوا إلى أن يقصدون. فركضوا من جميع المدن وسبقوا التلاميذ. بعد الحديث عن هذا الهرب، وعن توافد "الفضوليّين"، توقّف الخبر عند صورة ستمتدّ طويلاً: جمع غفير أمام يسوع. تحنّن عليهم. وأخذ يعلّمهم مطوّلاً. أو يعلّمهم أشياء كثيرة.
حين نقرأ النصّ بهذا الشكل نحسّ وكأننا أمام "تقرير صحافي". ونمتدح فن مرفس ذاك الراوي الذي يقدّم لنا مشاهد من حياة يسوع تعجّ بالحركة والحياة. ونستطيع أن نبرز في هذا الجو التقوي، أدواراً عديدة: إهتمام يسوع برسله (هو الذي يهتمّ بأن يؤمّن لهم بعض الراحة)، الجاذبية التي بها "يسحر" الجموع (هرب منها. ولكنها توصّلت إلى الوصول قبله حيث كان ذاهباً)، استحالة التفلّت منْ متطلّبات الرسالة (كل مشاريع الراحة سقطت). حبّ يسوع للجموع وإدراك حاجاته الحقيقية (خراف لا راعي لها)، أهمية التعليم في حياته. وجهات مختلفة نستطيع أن نشدّد عليها.
وإن تحليلاً دقيقاً للنصّ سيتيح لنا أن نتحقّق من صحة هذه الاكتشافات الأولى لدى قراءة النصّ. فنتساءل عن بنائه، عن تلاحم عناصره، عن وظيفته.

1- تحليل النصّ
أ- تنظيم الخبر
يقدّم لنا الخبر سلسلة من العلاقات بين الاشخاص. من هذه الزاوية، نستطيع أن نقسمه إلى أربعة فصول تتقابل اثنين اثنين.
الأول: عاد التلاميذ إلى يسوع وأخبروه عن رسالتهم. قدّموا له " تقريراً".
الثاني: عرض عليهم يسوع أن يرتاحوا قليلاً: يهربون إلى موضع منعزل، فيكونون على انفراد
الثالث: تراكضت الجموع إلى يسوع.
الرابع: رأى يسوع الجموع، تحنّن عليها، علّمها.
تترابط هذه الفصول الأربعة في حركة توجّه انتباهنا إلى الفصل الأخير. فالفصل الأول يهيّىء الفصل الثاني: بعد التعب الراحة. والفصل الثاني يدخلنا في مشروع الذهاب الى العزلة والبحث عن الراحة ويخلق فينا "انتظاراً". هل سيتحقّق هذا المشروع؟ نعم، على ما يبدو بواسطة القارب الذي هو هنا. في الفصل الثالث يبرز الحاجز بحيث إن المشروع فشل في الفصل الرابع. في هذا الوضع الجديد (يسوع أمام الجموع) دخل عنصر جديد: شفقة يسوع على قطيع لا راعي له. وهذه الشفقة ولّدت تعليماً دام طويلاً، وتضّمن أقوالاً كثيرة.
إن دينامية الخبر تؤمّن توتّراً بين الراحة التي يطلبها لتلاميذه بعد نشاط رسولي متعب، وبين نشاط الذي يعلم الجموع في مكان أعدّ للراحة. وهكذا نكون أمام تعارض بين الراحة وبين ضرورة الاهتمام بالجمع. ما الذي نختار؟
إذا لبثنا على هذا المستوى، يبدو أن الفصلين الأولين قد جُعلا هنا، عبر ما في الفصل الثالث، لكي يُبرزا الفصل الرابع. فتحنُّن يسوع على الجموع والتعليم الذي يعطيه إياها، يكسفان بكل بساطة اللوحة عن علاقة يسوع برسله. وما نلاحظه في الفصل الرابع (كما على خشبة المسرح)، هو أن النور كلّه يتركّز على يسوع: لا يعود النصّ يتحدّث عن التلاميذ. هناك انتقاله مفاجىء من صيغة الجمع إلى صيغة المفرد: رآهم الجمع منطلقين (هم، التلاميذ) فسبقوهم (آ 33). وبعد هذا: "ولما خرج (هو، يسوع) من السفينة، أبصر (هو) جمعاً غفيراً، فتحنّن عليهم وطفق يعلمهم" (آ 34).
ب- ولي الخبر
ولكن مرقس لم ينسَ التلاميذ ولهذا نحتاج أن نخرج من هذا النصّ بآياته الخمس (آ 30-34) لندخل في خبر أكثر توسيعاً. نقل نصّ 6: 30- 34 الاشخاص إلى مكان منعزل. ولهذا، فهو لن ينتهي قبل أن يجعل يسوع وتلاميذه يركبون السفينة ويذهبون إلى العبر، إلى الشاطىء المقابل، إلى الشاطىء "الوثني". كثرّ يسوع الأرغفة "لليهود" فأكلوا وشبعوا (6: 35- 44). ثم كثرّها للوثنيين المنتشرين في اربعة اقطار العالم (4000)، فأكلوا أيضاً وشبعوا (8: 1- 8).
إن الفصل الرابع (6: 34) لا يختتم الخبر، بل يشكّل وقفة، قبل الانطلاقة الجديدة. فالملاحظة حول التعليم "الوافر" (إذن، طالت مدّته) (آ 34) تهيّىء الملاحظة حول الساعة المتأخرة (آ 35: فاتت الساعة). وعاد التلاميذ إلى "المسرح". وسيشدّد ولي الخبر على الطريقة التي بها دفعهم يسوع إلى العمل. كان حوار بينه وبينهم: أعطوهم أنتم ما يأكلون". "هل نمضي ونبتاع..."؟ "كم رغيفاً عندكم"؟ تحقّقوا فعرفوا أن لديهم خمسة أرغفة وسمكتان.
بعد هذا، طلب منهم يسوع أن ينظّموا الشعب، أن يجلسوه جماعات (50؛ 100 كما في الجماعة المسيحانية، رج تث 1: 15) (آ 39- 40). وأن يطعموه (آ 41). إن ابراز دورهم الناشط، يفهمنا لماذا ذكر الإنجيل "اثنتي عشر قفة مملوءة" بالكسر (آ 43). لسنا أمام الفتات. بل أمام خبز كُسر (رج كسر الخبز في أع 2: 16). أكل منه الخمسة آلاف (50× 100) وشبعوا. وبقي منه للبشرية ولنا. فمائدة يسوع ممدودة حتى نهاية العالم، والاثنا عشر هم الذين يوزّعون خبزه.
إهتمّ القسم الأول (آ 30- 34) بيسوع والجموع. أما القسم الثاني (آ 35- 44) فاهتمّ بيسوع والتلاميذ. فالاهتمام الثاني يتضمّن الاهتمام الأول ويتجاوزه.
ج- تاريخ تدوين النصّ
هنا نكتشف الطريقة التي بها دوّن النصّ. فلقد لعب مرقس دوراً كبيراً في تجميع المعطيات التقليدية التي نراها في آ 30-34. لقد اتخذ من التقليد الخبر الأول عن تكثير الأرغفة (كما اتخذ الخبر الثاني)، كما اتخذ خبر مهمة الاثني عشر (6: 7-13). فلا بدّ من خلق اتصال بين الاثنين. وإن كل تماسك آ 30- 34 يرتبط بهدف مرقس بأن يجعل يسوع وتلاميذه أمام الجمع يسوع وتلاميذه الذين أرسلهم في مهمّة فعادوا منها فرحين. والجمع المؤلّف من خمسة آلاف والذي تبع يسوع وتلاميذه إلى البرية، فأطعموهم.
نحن هنا أمام لوحة مبنيّة بناء متقناً: صورة عن الرسل الذين عادوا معاً. هي جغرافياً غير واضحة وغير دقيقة (6: 45-53). ثم، كيف نوفّق بين هرب في قارب، وجري سريع قام به خمسة آلاف رجل جاؤوا "من جميع المدن (أية مدن؟). لوحة مبنيّة ولكنها ليست من عالم الخيال والمعنى اللاهوتي هو الذي يبحث عنه القديس مرقس.
هي الجموع تأتي إلى يسوع من كل جهة (1: 45؛ 3: 7-8)، فتلتصق به، تزحمه، تمنعه من أن يأكل هو وتلاميذه (2: 2، 13؛ 3: 7، ، 20؛ 5: 21، 24)، بل تمنعه من الوصول إلى القارب (3: 9؛ 4: 1، 26). كل هذا يعود مراراً في مرقس وهو يرتبط بذكريات حقيقية وإن جاءت في أسلوب أدبي خاص.
إهتمام مرقس هو إذن اهتمام تعليمي، وليس فقط اهتماماً سيروياً (يكتب سيرة يسود). هو يهتم بتنشئة التلاميذ. فيسوع ينشئهم من خلال اعتنائه بالجموع الآتية إليه. فلنحذر من أن نرى في 6: 30- 34 قطعة من "حياة يسوع". بل نحن أمام تعليم سنكتشفه حول قطبين اثنين: يسوع والجموع. يسوع والرسل.

2- يسوع والجموع
بما أن الخبر جعل يسوع تجاه الجموع، فلنتعرّف إلى علاقاته معها. حسب مرقس، يتمتّع يسوع بقوة جاذبية خارقة، وهو يؤثّر على الجموع منذ ظهوره الأول (1: 33): "تجمّع أهل المدينة كلهم". ولم ينفعه الذهاب إلى الأماكن المقفرة (1: 45). فالناس يجيثون إليه من كل مكان. هم يزحمونه، يمنعونه من أن يأكل مع تلاميذه. وستظلّ هذه الجموع متعاطفة معه إلى أن يحرّكها رؤساء الكهنة خلال محاكمة يسوع على يد بيلاطس (15: 11: فهيّج رؤساء الكهنة الشعب).
لم يبعد يسوع الجموع عنه يوماً وإن حاول ان يتجنّبهم (7: 24، 33؛ 9: 30: لا يريد أن يعلم به أحد) بل دعاهم بعض المرات ليسمعوا له (7: 14؛ 8: 34). يهمه حضور الجمع أو غيابه. والطريقة التي بها يتصرّف يسوع معه، لها معناها. إنها تدلّ على وجهة جوهرية في رسالته. وهذا واضح في 6: 34 حيث تدخلت الجموع ساعة أراد يسوع أن يهرب منها.
أ- تحنّن عليهم...
إن فعل تحنّن (أو اشفق) (في اليونانية: سبلانخنيزوماي) يدلّ على عاطفة عميقة تمسك بأحشاء الإنسان فيعبّر عنها بعمل خارق من أجل شخص آخر. نادراً ما يرد هذا الفعل في الأناجيل، ولكنه حين يرد يتّخذ معنى قوياً. نجده في مثل العبد الذي لا يغفر (مت 18: 21-35). ركع العبد أمام سيده، فأشفق عليه سيده وأعفاه من الدين الكبير. كما نجده في مثل الابن الضالّ. يقول النصّ إن أحشاء الأب تحرّكت حين رأى إبنه عائداً (لو 15: 20). في هذين المثلين نتعرّف إلى رحمة الله بالنسبة إلى الإنسان. وفي مثل السامري الصالح نعرف أن ذاك الغريب أشفق على الجريح. نحن هنا أمام تصرّف جديد يحدّد حبنا للقريب كما حدّده يسوع (لو 10: 33). ويكون هذا الفعل معبّراً بصورة خاصّة حين نقول مع آباء الكنيسة إن السامري هو يسوع نفسه الآتي إلى عالمنا الجريح والمتحنّن علينا. هنا نتذكر أيضاً الاسم: سبلنكنا: الرحمة. نتذكر رحم المرأة واحشاءها. وعمق كيانها ومحبّتها (فل 1: 8 حنان المسيح؛ 2: 1؛ كو 12:3؛ 1 يو 17:3).
إذا جعلنا هذه الأمثال جانباً، نجد أن فعل تحنّن يستعمل فقط ليسوع. وهذا ليس من قبيل الصدف. فالرحمة دفعته إلى ان يشفي الاعميين (مت 20: 34: أشفق عليهما)، إلى أن يردّ إبن أرملة نائين إلى أمه (لو 7: 13: أشفق عليها وقال لها: لا تبكي). وإذا أخذنا باختلافة في نصّ مر 1: 31 نقرأ: أشفق يسوع على الابرص، ومدّ يده ولمسه (هناك النصّ المعروف: انتهر). وفي مر 9: 22 يقول الرجل ليسوع: "أشفق علينا وساعدنا". نستطيع أن نرى في كل هذه النصوص تشديداً خاصاً على الصفة المسيحانية لمعجزات يسوع التي هي علامة الخلاص الموعود الذي انتظره الناس من رحمة الله وحنانه (رج لو 1: 78؛ يع 11:5).
إن رحمة الله وحنانه (رحميم في العبرية، أي: مراحم) هما الرجاء العظيم في نهاية الأزمنة. نقرأ في أش 14: 1: "الرب سيرحم بيت اسرائيل". وفي 49: 13: "الرب يعزّي شعبه، ويرحمه مشفقاً عليه". وفي 54: 7 يدلّ الرب عطفه على أورشليم فيقول لها: "هجرتكِ لحظة، وبرحمة فائقة أضمّك". (رج إر 12: 15؛ 33: 26؛ حز 39: 25؛ مي 7: 19؛ زك 1: 16).
وتظهر رحمة يسوع في خبَري تكثير الأرغفة مع صفتين مختلفتين. في الخبر الثاني، أشفق يسوع على الجموع الجائعة (8: 2: أتحنّن على هذا الجمع؛ رج مت 15: 32). في الخبر الأول بحسب متّى نبقى في خطّ خبر المعجزات: الشفقة هي التي تدفع يسوع لكي يشفي المرضى (مت 14: 14: تحنّن عليهم وشفى مرضاهم). أما مرقس فادهشنا حين تحدّث عن سبب الشفقة: "كانوا كخراف لا راعي لها". وكيف ترجم شفقته هذه؟ "طفق يعلّمهم أشياء كثيرة" (أو مدة طويلة). هل أحسّ لوقا هنا بالصعوبة؟ مهما يكن من أمر، فهو حين ذكر (مثل مرقس) تعليم يسوع (والاشفية مثل متّى)، لم يتحدّث عن الشفقة بل عن ترحيب يسوع بالجموع (لو 9: 11). كيف نرى العلاقات بين هذه النسخات المختلفة؟ فاذا قابلناها بعضها ببعض، اكتشفنا غرابة النصّ الذي ندرس.
ولكن قبل أن نعود إلى مر 6: 34، نودّ أن نقول إن رحمة يسوع تنتمي إلى الحقبة السابقة لتدوين مرقس خبرَيْ تكثير الأرغفة. إختلف مرقس عن متى فراعى الاختلافات اللافتة على مستوى اللغة والمفردات. إذن، لا يُعقل أن يكون نقل هذه الإشارة (عن الرحمة) من خبر إلى آخر، لاسيّما وأن هذه الرحمة تظهر بشكل مختلف.
ب-... لأنهم كانوا كخراف لا راعي لها...
"كخراف بدون راعٍ". هنا نتذكّر ايرادات واضحة من العهد القديم أو أقله تذكّرات تشير إلى هذه الصورة. إذا عدنا إلى عد 27: 7 نرى الوضع الخطر الذي يعيش فيه شعب الله الذي لا رئيس له. إنه أهل للشفقة، وسلّم إلى اعدائه وليس من يدافع عنه (1 مل 22: 17؛ 2 أخ 18: 16؛ يه 11: 19). شعب أهمله ملوكه وتخلّوا عنه (حز 34: 5). شعب ضاع وتبدّد بدون قائد يهديه (زك 10: 2- 3، 13: 7).
إن النصّ الذي نقرأ هو قريب من عد 27 وحز 34 بسبب التقارب على مستوى الالفاظ وعلى مستوى المواضيع المجموعة. في عد 27، يطلب موسى من الرب قبل موته، أن يعطي جماعة البرية قائداً يحلّ محلّه: ونصّ مر 6: 34 يتذكر موسى والطعام العجائبي الذي اعطاه لشعبه في البرية. وقول حز 34 يعلن أن الله نفسه سيعتني بقطيعه (آ 11)، يقوده إلى المراعي الصالحة (آ 14)، يؤمّن له الراحة (آ 14- 15)، ويجعل على رأسه راعياً هو "داود عبدي". وهناك عدد من هذه المواضيع تعود في مز 23 فتمتدح الرب راعي شعبه: "في مراعٍ خصيبة يقيلني، ومياه الرحة يوردني. يردّ نفسي ويهديني... تهيّىء امامي مائدة" (آ 2- 3، 5).
إنطلاقاً من هذه النصوص، تبرز تفاصيل عديدة في نصّ مرقس: إهتمام يسوع، الراحة التي يريد أن يؤمّنها لأخصّائه، تجميع الشعب، وليمة على العشب الأخضر، وفرة الطعام... ونظنّ أن هذا الخبز دوّن لأناس يستطيعون أن يفهموا التلميحات إلى نصوص نبوية حول الخلاص. تلميحات عديدة ولكنها ليست مبعثرة: إنها تصوّر الراعي المسيحاني الذي هو يسوع. إذن، الملاحظة حول الخراف هي في مكانها هنا. وحين تحدّثت هذه الآية عن حنان يسوع، شدّدت على نوعية هذا الحنان الذي فيه تنكشف رحمة الله ساعة يستعدّ ليفي بمواعيده فيجمع شعبه ويشبعه بعطاياه.
لا نستطيع أن ننسب إلى مرقس كل ما يرتبط بموضوع الراعي في هذا الخبر. فهو لم يعتَد أن يُغني خبره بتلميحات إلى العهد القديم. لهذا نقول إنه ظلّ في تدوينه قريباً من مراجعه. فتكثير الخبز الأول يعود إلى محيط يهودي (يهود صاروا مسيحيين). والثاني يعود إلى محيط هلنسيتي (يونان صاروا مسيحيين).
ج-... وطفق يعلّمهم أشياء كثيرة
أشفق عليهم فطفق يعلّمهم. هذا ما يدهشنا (لماذا لم يبدأ بإطعامهم؟). هنا نفهم بطريقة أفضل نسخة متّى ولوقا: شفى يسوع المرضى لأنه أشفق عليهم. وإن علّم فليس عن شفقة. ثم إن وظيفة الراعي ليست أن يعلّم، بل أن يطعم القطيع. أما حطّم مرقس الخبر الذي كان متماسكاً قبل أن يقحم فكرة التعليم؟ أما جعل مسافة بين عناصر الخبر؟
إن نصّ مرقس يُعطِي أهمية كبرى لهذا المشهد مع التشديد على تعليم يسوع (4: 2؛ 6: 34: علّم كثيراً؛ رج 3: 12؛ 5: 10، 23، 38، 43؛ 15: 3: استعمال "بولا" "كثير": اتهامات كثيرة). هناك من يقابل بين غنى متّى وفقر مرقس الذي لا يورد الشيء الكثير من أقوال يسوع! ولكن مرقس يعرف التقليد، فيختار منه الشيء القليل. ومع ذلك، فهو لا يترك مناسبة إلاّ ويقول إن يسوع كان يعلّم (1: 21- 22؛ 2: 13؛ 6: 2، 6 ب، 34؛ 10: 1). هو يعلّم بالامثال (4: 2) وينبىء بآلامه وقيامته (8: 21؛ 9: 1 3). لماذا يشدّد مرقس على هذا التعليم خصوصاً حين يجتمع الشعب حوله كما في 2: 13؛ 4: 1-2؛ 6: 34؟
أولاً: لا يبرز مرقس المواضيع المختلفة في تعليم يسوع، بل التجلي الخفي لرسالته وشخصه (نفهمه بصعوبة) (ما يسمّى "سره"). من هذا القبيل، تعليمه هو وحي.
فبعد الاجمالة حول الكرازة في الجليل (1: 14- 15) ونداء التلاميذ الأربعة (آ 16- 20) من أجل الرسالة المقبلة (آ 17)، يبيّن لنا مرقس يسوع وهو يعلّم في مجمع كفرناحوم (آ 21-28). لا تلميح مطلقاً إلى ما قاله يسوع. ولكن السامعين "بُهتوا من تعليمه: كان يعلّمهم كمن له سلطان، لا كالكتبة" (آ 22). بعد هذا يأتي شفاء الممسوس (فيه شيطان). ويختم مرقس الخبر فيقولن: "فذُهل (حلّ الخوف) الجميع حتى سأل بعضهم بعضاً: ما هذا؟ تعليم جديد يُلقى بسلطان! إنه يأمر حتى الأرواح النجسة فتطيعه" (آ 27).
فالتعليم والمعجزة يجعلان الناس في ذهل، لأنهما يدلاّن على سلطة تتعدّى الإنسان. هذه السلطة هي في يد يسوع، وهو سيعطيها للاثني عشر ليطردوا الشياطين (3: 15؛ 6: 7) فيدلّوا على أن الاقوى هاجم مملكة ابليس وأن روح الله بدأ يتدّخل (3: 27- 30). إن يسوع يُظهر هذه السلطة أولاً بتعليمه. لهذا يتحدّث مرقس مراراً عن الدهشة التي تصيب السامعين (1: 22؛ 6: 2؛ 11: 18) كما تصيب شهود معجزة الأصمّ (7: 37): "من أين له هذا؟ وما هذه الحكمة التي أوتيها؟ وهذ العجائب التي تُجرى على يده" (6: 2)؟ فالله يعمل بكلمته التي تعلّم وتحطّم سلطان الشيطان، لكي يقيم ملكه. هذا هو الموضوع الجوهري في كرازة يسوع للجموع بحسب مرقس (1: 15؛ 4: 10، 26، 30).
بعد هذا، لا يدهشنا تعليم يسوع في خبر يشدّد على نوعية شفقة يسوع على قطيع متروك، ويقدّم يسوع على أنه الراعي المسيحاني. حين علّم يسوع، دلّ على سلطته بكل معنى الكلمة. وأظهر رسالته قبل أن يعلن أنه أتى (حسب المواعيد) لكي يجمع شعبه المبدّد ويشبعه بعد أن قرّر الله أن يهتم به.
ثانياً: إن خبر مرقس دلّ على وقفة طويلة ظلّ فيها يسوع يعلّم، فلم يحطّم منطق بنية عميقة تجعله قريباً من نصوص بيبلية أخرى، وتتيح لنا أن نحدّد معناه. فعمل موسى في الماضي، قد تميّز بالرباط الوثيق بين وحي كلمة الله وعطية الطعام السماوي (نح 9: 13-15). ونجد هذا الرباط قوياً أيضاً في تث 8: 3: "جعلك الرب تحسّ بالجوع، ثم أطعمك المنّ... حتى يعلمك أن الإنسان لا يحيا بالخبز وحده، بل بكل ما يخرج من فم الله" (رج حك 16: 28).
حين أطعم يسوع (موسى الجديد) الشعب في البرية، كيف نعجب إن هو علّمه؟ فهذه وظيفته كراعٍ بحسب الفكر البيبلي. وهذا ما تشهد عليه صلاة المرتّل الجائع إلى كلمة الله: "ضللت كالخروف الضائع فابحث يا رب عن عبدك" (مز 119: 176). والقطيع الذي يقوده الله إلى المرعى، هو مدعو في مز 95 إلى سماع صوت الله والدخول في راحته (آ 7-8، 11). وهناك منطق مشابه في الإنجيل الرابع، يربط بين خبر تكثير الأرغفة (يو 6: 1-15) وخطبة يسوع عن خبز الحياة (يو 6: 26-58). فمعجزة المنّ التي تدلّ عليها آية يسوع، قد تجاوزها عطاء الخبز الحقيقي الآتي من السماء، وهو ابن الله الذي به "سيعلّمهم الله كلّهم" (يو :31-35، 45).
ثالثاً: إن تماسك خبر مرقس تبرّره بنية الوظائف الكنسيّة في حياة الجماعات. فهذا الخبر قريب من خبر تقليدي (يعود إلى التقليد) من أصل ليتورجي حول تأسيس الإفخارستيا (ق 6: 41؛ 14: 22). كل شيء يدفعنا إلى أن نرى أن مرقس تسلّم خبره من الكرازة التي ترافق "كسر الخبز" في الجماعات المسيحية المتهوّدة. ففي ممارسة الجماعات (رج أع 2: 42؛ 20: 7؛ لو 24: 25-32)، يترافق التعليم مع الخبز المكسور. وهذا ما نعيشه اليوم أيضاً في جماعاتنا.
حين نتحدّث عن عمل الله بين البشر، لا تنفصل الكلمة عن العمل. وحسب مرقس، الكلمة تسبق العمل (1: 21-27؛ 6: 1-6؛ لاحظ العلاقة بين 4: 1-34 و4: 35-5: 43). الكلمة هي عمل وهي تثير الدهشة بسبب السلطان "الالهي" الذي تدلّ عليه. وهي تبرز هنا محبّة الراعي المسؤول عن قطيعه، فتهيّىء له الطعام الذي يحمله إليه وتمنحه الوحدة التي ينتظرها.

3- يسوع والرسل
لقد بيّن لنا تحليل النصّ أن الطريقة التي بها تصرّف يسوع مع الجمع، نفهمها مع طريقة اهتمامه بتلاميذه.
أ- إطار الخبر
إذا تتبعنا إنجيل مرقس، نرى أنه منذ الساعة التي فيها بدأ يسوع كرازته، لا شيء يحدث بدون حضور التلاميذ (هناك شواذ واحد في 7: 24- 30 حيث يبدو مرقس وكأنه نسي التلاميذ. ولكنهم حاضرون في سياق الخبر). إن نداء الأربعة الأوّلين (1: 16- 20) (ستكون أسماؤهم في لائحة الاثني عشر، 3: 16-18) يسبق أول ظهور في مجمع كفرناحوم (1: 21- 27). ولن يترك الاثنا عشر المسرح إلاّ خلال رسالتهم (6: 14-29). في هذا الوقت لا يقول مرقس شيئاً عن يسوع، بل يروي مقتل يوحنا المعمدان (6: 14-29). في هذا المنظار الخاصّ بمرقس، تتأثر علاقة يسوع بالشعب (أو بأي شخص كان) بحضور الاثني عشر (أو بعض منهم). لا يورد مرقس شيئاً لا علاقة له بهم.
وتثبّتت الرباطات بين يسوع والاثني عشر بشكل دقيق منذ اختياره لهم (3: 13- 19). وهذا يتعارض مع ازدحام الشعب (3: 7- 12) وقرابة يسوع، والكتبة الذين جاؤوا من أورشليم (3: 20- 35). لقد دلّ مرقس في درفتين كيف أن التعليم المعطى للجموع تبعه تعليم محفوظ "للذين يحيطون به مع الاثني عشر" (4: 1-34؛ خصوصاً آ 10-25، 34). وكيف أن سلسلة من الآيات أعطيت للتلاميذ بمعزل عن الشعب وحضوره (4: 35- 5: 43). وبعد فشل الناصرة (6: 1- 6) سنرى يسوع بحضور التلاميذ (آ 1) يجول في القرى المحيطة وهو يعلّم: حينئذ أرسل تلاميذه وأعطاهم وصاياه (6: 7- 13). إذن، إفترق التلاميذ عن يسوع بعض الوقت، فملأ مرقس هذا الفراغ بملاحظة عن رأي هيرودس وأناس آخرين بيسوع (6: 14- 16)، وبخبر مقتل يوحنا.
بعد هذا، سيعود مرقس إلى مسألة هوية يسوع في حوار بينه وبين تلاميذه (8: 27- 30). فعبر آراء "الناس"، دلّ جواب بطرس على خطوة حاسمة في مسيرة التعرّف إلى يسوع بشكل أدقّ: "أنت المسيح". تمّت هذه الخطوة بعد سلسلة من الأعمال والتعاليم التي وجّهت كلها إليهم بصورة خاصة، بعد رجوعهم من مهمّتهم الرسولية.
علّم يسوع الشعب وأطعمه، ولكن الشعب ظلّ منفعلاً لا فاعلاً، لم يتحرّك. ومن الواضح أن الآية، بحسب مرقس، كانت موجّهة إلى التلاميذ الذين لم يستطيعوا أن يفهموا شيئاً حتى بعد السير على المياه (6: 52). وإذا كان يسوع قد ناقش مسائل الطهارة فيما يخصّ الاطعمة وتقليد الفريسيين (7: 1-16)، فلكي ينير تلاميذه في عزلة عن الناس (7: 17-23). وفي نهاية "مقال الخبز" (سمّي كذلك بسبب خبرَيْ تكثير الخبز وتوزيعه على الجمع) يعبّر لوم يسوع للتلاميذ على أننا أمام وحي مُعطى للتلاميذ. وسيدلّ شفاء الأعمى الذي أقحم بين لوم يسوع وإعلان إيمان بطرس، على أن يسوع يستطيع وحده أن يفتح لهم عيونهم. 
وهكذا، إن الرباط بين مر 6: 30- 34 مع إرسال الاثني عشر وعودتهم، ليس اسلوباً يؤمّن لنا انتقالة. إنه يعبّر عن طريقة لفهم المتتالية كلها. وهناك موضوعان كبيران يتداخلان: إن يسوع كشف عن سرّ رسالته وشخصه. والموضوع الثاني: وهو يحاول أن يدخل التلاميذ (هناك تماثل بينهم وبين الاثني عشر في هذا "الكتاب") إلى فهم هذا السرّ.
لماذا؟ هناك مركز الاهتمام الذي يلهم الإنجيل كلّه. يجب أن نربط بالبداية (1: 1) الإنجيل الذي يجب أن يُعلن في العالم كله (13: 10؛ 14: 19). فالإنجيل هو عمل الله الذي يتحقّق بيسوع المسيح، الذي يتواصل بيننا بفضل المهمة الرسولية. فوحي سرّ يسوع وتنشئة "الرسل" يسيران معاً.
وعلى ضوء هذا الإطار تستنير بعض العبارات في النصّ الذي ندرس.
ب- النصّ (30:6)
اولاً: واجتمع الرسل إلى يسوع...
ليس من قبيل الصدف أن ينال الاثنا عشر لقب رسل بعد عودتهم من مهمتهم، وفي هذا الموضع فقط (هناك أيضاً اختلافة في 3: 14 بتأثر من لو 6: 13). هذا اللقب يربط بين 6: 30- 34 ونصّ الإرسال (6: 7- 13). فهم قد عادوا إلى المسرح كرسل أي كأناس أوكلهم يسوع بمهمة ودعاهم ليتابعوا عمله. فلا يجب أن ننسى في ولي الخبر الفكرة التي تجعل رسالتهم على مثال وصورة رسالة يسوع.
ثانياً:... وأطلعوه على جميع ما فعلوا وعلّموا
بُني تقريرهم (عمل- علّم) حسب وجهتين من نشاطهم كما في 6: 12- 13 (كرز، طرد الشياطين، شفى). وهاتان الوجهتان نجدهما في تعليمات يسوع في 6: 7- 11 (سلطان على الأرواح النجسة، آ 7؛ وأي موضع لا يقبلونكم فيه، آ 11) وفي المشروع الذي وجّهه في اختياره لهم (3: 14- 15: كرز، طرد الشياطين). ونحن نجد صورة لهاتين الوجهتين في نشاط يسوع، ومنذ أول تدّخل علني له (1: 21-27: علّم وطرد شيطانا). كما نجدها في اليوم "العظيم، يوم الأمثال والآيات على البحر وعند الشاطىء (ف 4- 5)، ثم خلال الزيارة إلى الناصرة (6: 1-6). إذن، هناك تماثل بين خدمة الاثني عشر وخدمة يسوع. فخدمته تحدّد خدمتهم. وعمله سيجد له امتداداً في عملهم.
حين ذكر مرقس "تقرير" الاثني عشر حدّد (وكانت تلك المرّة الوحيدة) فقال إنهم علموا. فحين يتحدث عنهم يقول إنهم اعلنوا، كرزوا (كاروسو) (3: 14؛ 6: 12؛ 13: 10؛ 14: 9). عندما ندرس مفردات مرقس، نجد أن هناك ما يميّز بين "علّم" و"أعلن" (أو كرز): فالإعلان يسبق التعليم (ف 1: 14 و21). فالتعليم يمتدّ طويلاً ويلجأ إلى أشكال أخرى (قاربَ متّى بين اللفظتين وجعل التعليم يمرّ قبل الإعلان رج مت 4: 23؛ 9: 35). ولكن لا تعارض بين هاتي اللفظتين وكأننا أمام نشاطين مختلفين كل الإختلاف: أُرسل الاثنا عشر لكي "يعلنوا" فعلمّوا. فالتعليم يرتبط بالكرازة والعكس بالعكس. ومهما يكن من أمر، فحين يبرز مرقس تعليم يسوع، يذكر تعليم الاثني عشر ولا يعود يذكره فيما بعد. فتعليم يسوع يتواصل في تعليمهم. إن يسوع يضمّهم إلى هذا العمل الذي يرتبط برسالته ويظهر سلطانه. كما يلجأ إليهم لكي يجمعوا القطيع ويطعموه. نلاحظ هنا إهتمام مرقس بالتواصل في رسالة الكنيسة، اهتمامه بمسؤولياتها، ولاسيّما مسؤولية التعليم فيها.
ثالثاً: هلموا انتم على انفراد، إلى موضع منعزل، وأستريحوا قليلاً
هذه المعطية تجعل مرقس ينفرد عن متّى ولوقا. وتهدف الى تقديم سبب انتقال يسوع والتلاميذ الى مكان مقفر حيث سيتم اللقاء مع 5000 رجل. وتتيح أن تربط رسالة الاثني عشر وعودتهم بلقاء الراعي مع قطيعه المتروك. وهذا الرباط مهمّ بالنسبة إلى مرقس: فالتلاميذ سيتعلّمون كثيراً في هذه "المواجهة" من أجل مهمتهم. بيد أن هذا الدور الوظيفي للمشروع في الخبر، كان يمكن أن يحل محلّه موضوع آخر وهو: لماذا مشروع الراحة؟ هناك جواب اول: احتاج المرسلون إلى الراحة بعد تعب طويل. جواب واقعي ولكنه لا يكفي في الخبر.
إذا عدنا إلى التدوين المرقسي نجده جديراً بالملاحظة. إذا كان صمت متّى ولوقا في هذه النقطة (الراحة) هو امتداد لصمت مرجع سابق لمرقس، فهذا يعني أن مرقس تدّخل لكي يغنيه. أما إذا كان قد عاد إلى معطى تقليدي لا يهمل موضوع الراحة الحاضرة بين المواضيع المرتبطة بصورة الراعي في التوراة (حز 34: 14- 15؛ مز 23: 2؛ 95: 7، 10)، يبدو من الصعب ان يكون موضوع الراحة هذا قد لعب الدور الذي يلعبه في مرقس. إذن، انطلق من التوراة ولكنه اعطى هذا الموضوع بعداً جديداً.
ونلاحظ أولاً تشديد مرقس الذي يدلّ عليه بالتكرار: "على انفراد، إلى موضع منعزل" (آ 31-32). القفر هو الموضع التقليدي لتكثير الأرغفة. ولكن "على انفراد" هو من تدوين مرقس. فهو في سائر الاماكن يتحدّث عن عمل أو تعليم هام يتم أو يُعطى بعيداً عن الجمع (7: 33: بمعزل عن الجمع) أو فني خلوة مع التلاميذ وحدهم (4: 34؛ 9: 2، 28؛ 13: 2). أما هنا، فالعبارة تشدّد على أن يسوع قدّم لتلاميذ مناسبة لكي يكونوا معه وحدهم، بعيداً عن الجمع. إذن، إنطلقوا في القارب مع يسوع. وكانوا في القفر مع يسوع، لا وحدهم. في هذه الظروف، تتّخذ الراحة المعروضة شكل "رياضة روحية" في إطار حميم من أجل علاقات وثيقة بين المعلم وتلاميذه. لقد اختارهم يسوع "ليكونوا معه" قبل أن يرسلهم إلى الكرازة (3: 14). وها هو يأخذهم بعد العودة من الرسالة لكي يستريحوا معه.
هذا من جهة. ومن جهة ثانية، تدلّ هذه الدعوة (هلّموا على انفراد)، حسب مرقس على أن يسوع يرغب من أجل تلاميذه التناوب بين نشاط علني وانعزال في القفر الذي عاشه هو. فمرقس يورد أنه بعد نجاح يوم كفرناحوم الشعبي، "نهض يسوع في الصباح الباكر، وخرج إلى موضع قفر، وكان هناك يصلّي" (1: 35). وحين نصت شعبيّته، كان يطلب العزلة في الاماكن المقفرة (1: 45). وسنرى يسوع بعد هذا الخبر ينعزل على الجبل ليصلّي (6: 46؛ رج 9: 2). في هذا المجال، حبة الحنطة التي زُرعت نصت وحدها، سواء سهر الزارع أو نام (4: 26- 29).
ولكن قد تصبح الراحة مستحيلة بالنسبة إلى يسوع وإلى الرسل. ففي 1: 45، كان مرقس قد لاحظ أن الاعتزال في البرية لا يكفي ليحمي يسوع من هجمة الناس الآتين من كل مكان. وهنا أيضاً، كان "مشروع سري". ولكنه عُرف. وحين كاظما الجموع هنا، رأى يسوع أن من واجبه أن يتكرّس لها. ودفع التلاميذ حالاً إلى العمل. بما أنها المرّة الوحيدة التي فيها يتكلّم مرقس عن الراحة بشكل جدّي (هناك دعوة إلى الراحة في 14: 41، ولكن اية دعوة؟!)، فهو يدلّ على أن الراحة ضرورية للمرسل ولكنها في الوقت عينه بعيدة المنال مرات عديدة. فنكون هنا أمام روح مداعبة كما في تعداد حسنات ترك كل شيء من أجل يسوع والإنجيل: ننال في هذا العالم مئة ضعف "مع اضطهادات" (10: 30). أجل وقت الرسالة لا يتيح لنا الراحة.
وقد تأخذنا لفظة "راحة" إلى أبعد من ذلك. فإن انتمت إلى الخبر التقليدي لتكثير الأرغفة، فهي تحتفظ بإشارة اسكاتولوجية، هي خاصة بها في عدة نصوص بيبلية ويهودية محّملة بالرجاء (مز 95: 7، 11: نحن شعبه، رعيته التي يرعاها بيده... لن يدخلوا دياري).
لا شيء يشير إلى أن مرقس أخذ بهذا المعنى. ولكن هل يفترض أن إرادة يسوع بان يأخذ تلاميذه على انفراد لكي يستريحوا قد فشلت؟ رغم الشعب الذي يحتاج إلى "القفر"، فالعمل موجّه إلى الاثني عشر. فعبارة "على انفرادي تؤثّر على الوحي الذي يتضمنه تدخلّ الراعي المسيحاني: نحن هنا أمام وحي خاص. أما نستطيع أن نقول الشيء عينه عن "تقديم الراحة"؟ لا تستطيع أن تتحقق كما خُطّط لها. ولكن الاتجاه الاسكاتولوجي للآية التي تعلن تجميع شعب الله واشباعه، يفهمنا أن الراحة تأجّلت ولكنها لم تترك.
وليس هذا هو النصّ الوحيد الذي فيه يوجّه مرقس رجاءنا نحو ملكوت الله الذي يدلّ عليه في طريق التحقيق (1: 15: اقترب ملكوت الله؛ 3: 27: يُربط القوي؛ 4: 26- 32؛ 9: 1؛ 14: 25). فإعلان تجميع الخراف بيد الراعي القائم من الموت هو قريب من إعلان الملك النهائي في 14: 15-27 (أشربه جديداً في ملكوت الله). ثم اذا كان يسوع قد علّم، مع أنه يريد أن يمنح الراحة لتلاميذه، فهذا ما نقرّبه من نصوص تعد فيها الحكمة بالراحة لسامعيها (سي 6: 28؛ 51: 23-27) والطعام (أم 9: 1- 6؛ سي 24: 19- 21؛ رج أش 55: 2-3). قد لا يكون مرقس قد قام بهذه التقاربات. ولكنه حين يتحدّث عن الراحة، هل يستطيع أن يلغي قوة موضوع يملأ العالم الحضاري الذي عاش فيه يسوع؟ 

خاتمة
إن خبر مرقس يستولي على الانتباه، يجتذبه في حركته، يوقفه حيث يريد فلا يتخلّى عنه إلاّ بعد أن يكون غرس فيه بذاره. فهو يريد قراءه مطواعين مع تربيته الملموسة. لهذا يستحيل علينا أن نحوّله إلى عرض تعليمي أو امثولة فقاهة، دون أن "نبنّجه". مرض يجعلنا نرى بعيننا يعطينا أن نفكّر. والنظرة التي نوجّهها إلى يسوع هي نظرة تأمّلية قبل كل شيء. نتعلّم كيف ننظر، يعني نتقبل النور الذي ينطلق من "اللوحة" وينتشر علينا.
إن يسوع يحزك الجموع. فإن حاول أن يهرب منها، فرضت نفسها عليه. واقيمت علاقات متشعّبة بينه وبينها. لا يستطيع أن يتكّل ببساطة على النجاح الشعبي، كما لا يستطيع أن يرفض نداء يصعد من شعب هو كخراف لا راعي لها. ولهذا فالعمل الأول والضروري والموحي الذي به يحدّد موقعه بالنسبة إلى الجمع هو الكلمة. فهو يترجم رسالته بما يقوله. وكالخبز المكسور والموزّع للجميع، هكذا يُعطى تعليمه للجميع: هذا هو الراعي أمام القطيع، وتعلقه بالخراف المهملة يدلّ على رحمة الله وحنانه. 
"والاثنا عشر" هم هنا. إنهم "رسل" يشاركون يسوع في عمله. فهذا العمل يفرض نفسه. أمّا الراحة فإلى ما بعد. ولن نصل إلى الراحة الحقة إلاّ في نهاية الرسالة. لم يفهموا بعد من هو يسوع. ولكنهم بدأوا العمل. هم يعلّمون ويطعمون شعباً في القفر. وحين يتقبلون "سرّ" يسوع عبر شكّ الالام، سينكشف لهم معنى عملهم والطريقة التي بها يتمونه.

 

 

الفصل الثالث والثلاثون
خبز يشبع شعب الله
6: 35- 44

استقبل يسوع تلاميذه العائدين من دورة رسولية استحقوا بعدها اسم "الرسل". إستقبلهم باهتمام وعناية ودعاهم إلى الراحة من تعبهم في موضع مقفر. ولكن متطلّبات الرسالة منعتهم من تنفيذ برنامجهم. فدفعهم قلب يسوع الحنون إلى الاهتمام من جديد بالجموع. في هذا الوقت، كثّر يسوع الأرغفة ليطعم في البرية هذه الجموع التي أتت إليه. بارك الخبز ووزّعه على التلاميذ، فوزّعه التلاميذ على الناس وأكلوا جميعهم وشبعوا، بل بقي لجميع أهل الجليل وأورشليم خبز يشبع جوعهم ويشبع جوع الكنيسة حتى نهاية العالم.

1- إلى البر القفر
نبدأ فنتذكّر الأهمية التدريجية التي اتخذها التلاميذ خلال المرحلتين السابقتين. لقد أرسلوا بسلطة هي سلطة يسوع نفسه (6: 7: أعطاهم سلطاناً)، فعلّموا كما علّم هو. نجد هنا في 6: 30 المرة الوحيدة التي فيها يتحدّث الإنجيلي عن "تعليم" يؤدّيه التلاميذ. هذا التعليم يأتي بعد الإعلان بالإنجيل (3: 14؛ 6: 12، 13: 10؛ 14، 9). هكذا بدت رسالة يسوع. بدأ "يعلن بشارة الله" (كالمنادي) (1: 14) ثم "دخل المجمع وأخذ يعلّم" (1: 21).
لقد اختبر الرسل قوة بشارة (إنجيل) الملكوت، واختبروا أيضاً المقاومة التي تواجه هذا الإنجيل. لقد أنهكهم العمل الرسولي. غير أن يسوع يقدّم لهم الراحة. يأخذهم على انفراد، إلى مكان مقفر (6: 31- 32). هناك يكونون معه وحدهم، بعيداً عن الجموع، وهكذا يستطيع أن يعلّمهم. هذا ما اختبروه بعد مثل الزارع (4: 10) وفي نهاية الأمثال حيث "انفرد يسوع بتلاميذه ففسّر لهم كل شيء" (4: 34؛ رج 7: 17؛ 8: 13- 14؛ 9: 2، 28؛ 13: 2). هذه الراحة هي قبل كل شيء إقامة مع يسوع وولوج إلى حياته الحميمة. هي مشاركته (إحساس معه) في شعوره كالراعي المسيحاني الذي يعتني بهذه الخراف التي لا راعي لها.
هنا نتذكّر اهتمام موسى حين أحس باقتراب ساعته. طلب من الرب أن يؤمّن خلفاً له يقود الجماعة الملتئمة في البرية: "ليوكّل الرب على الجماعة رجلاً يخرج أمامهم إلى الحرب ويعود بهم، لئلاّ تبقى جماعة الرب كغنم لا راعي لها" (عد 27: 16). وأسرّ حزقيال في آذان سامعيه كلمة الأمل: إن الله بنفسه سيهتمّ بقطيعه فيقدّم له المراعي الخضراء ويمنحه داود جديداً. يكون داود راعي الخراف، فيضع الرب حدّاً لتيهانها. قال الرب: "سأسأل عن غنمي وأتفقّدها كما يتفقّد الراعي قطيعه" (حز 34: 11).
واستعاد مز 23 موضوع الله الراعي الذي يقود تقيّه إلى الراحة ليستعيد أنفاسه، ويهيّىء أمامه مائدة كالمضيف أمام ضيفه (آ 2، 3، 5). هذا الموضوع ستستعيده أسفار الحكمة وتتوسّع فيه. تقول الحكمة لمن يعوزه الفهم: "تعالَ، كُلْ من طعامي، واشرب الخمر التي مزجت" (أم 9: 5). وتقول أيضاً: "تعالوا إليّ أيّها المشتاقون، واشبعوا من ثماري... من أكلني ازداد جوعاً، ومن شربني ازداد عَطشاً. من سمع لي فلا يخيب، ومن عمل بما أقول، لا يخطأ" (سي 24: 19-22).
راحة التلاميذ تقوم بأن يشربوا من ينبوع الرحمة الإلهية التي تجسّدت في يسوع، وأن يدركوا سخاء هذا الحب ومتطلّباته. هذا الحب الذي به يتقبّل البشر، وفي الوقت عينه يتفلّت منهم ليقودهم إلى أبعد، إلى أعلى، إلى أعمق. راحة التلميذ تقوم بأن يقيم في حنان الله من أجل شعبه ليتمرّس على عمله الرسولي. لقد دعا يسوع التلاميذ بشكل ملموس لكي يشاركوه في اهتمامه بالجموع، في تعليمه لهم، في عمله التحريري. وهذا يفترض أن يعلّمهم (6: 37- 41) قبل أن يتفرغّ هو وتلاميذه للطعام (31:6).
قام يسوع بمهمته كالراعي المسيحاني الذي تحدّث عنه النبي حزقيال (34: 23؛ 37: 24)، وطلبتْه صلاةُ الشعب اليهودي (مز 74: 1؛ 77: 21؛ 78: 52-53، 70- 72؛ 80: 1). فبدأ يعلّم الجموع الكثيرة ويعلّمها مطوّلاً، ويعلّمها أشياء كثيرة (6: 34؛ 8: 2؛ 9: 22). إهتم مرقس بتعليم يسوع اهتماماً خاصاً (يستعمل فعل "علم" 15 مرة) ولكنه لا يفصّل أبداً مضمون هذا التعليم. مضمون هذا التعليم هو يسوع نفسه. وما يلفت في هذا التعليم هو "السلطان" الذي به يمارس يسوع رسالته. ويظهر هذا التعليم في أقوال يسوع كما في معجزاته. فهو يعبّر عن نفسه هنا وهناك.

2- شعب جائع
في هذا الوقت، إتخذ التلاميذ المبادرة. وعوا أن الساعة تأخّرت، وأن القرى صارت بعيدة، فتساءلوا كيف يطعمون الجمع. قالوا ليسوع: "قل للناس أن ينصرفوا إلى المزارع والقرى ليشتروا لهم ما يأكلون" (6: 36). لم يربطوا بين التعليم والطعام، ونسوا العلاقة بين خبز الكلمة وخبز نأكله. لاحظوا أن المكان مقفر، ولكنهم نسوا أمثولة البرية التي يعلّمنا إياها تث 8: 2-3: "أذكر الطرق التي سيّرك فيها الرب إلهك في البرية هذه الأربعين سنة... أذلّك وجوّعك، ثم أطعمك المنّ الذي لم تعرفه أنت ولا عرفه آباؤك، حتى يعلّمك أن الإنسان لا يحيا بالخبز وحده، بل بكل ما يخرج من فم الرب".
المنّ هو الموهبة السرية، هو الزيادة (رج مت 6: 33: يزاد لكم) غير المتوقعة التي بها يطعم الله شعبه في حاجته. على التلاميذ أن يتذكّروا أولاً أنهم عاجزون عن إطعام إخوتهم. هذا هو معنى جواب يسوع: "أعطوهم أنتم ما يأكلون" (6: 37). ولكن الإعتراضات كثيرة على المستوى الإقتصادي: عدد كبير من الناس. نحتاج إلى كمية كبيرة من المال. وهكذا نعود إلى السؤال الأساسي: كيف يستطيع الله أن يطعم الإنسان ويدلّ على سخائه في وسط هذا الشقاء البشري؟
خبز البشر والسمك المصطاد في البحيرة، هما ثمرة عمل الإنسان وجوهر وجوده. هكذا يطعم الناس بعضهم بعضاً في قلب المجتمع. هذه معطية يجب أن يدركها التلاميذ ليفهموا كيف يطعم الله البشر. وحين ننتظر كل شيء من الله، نتقبّل من البشر كل شيء ونقر بضعفنا وحاجتنا. حينئذ يتكوّن الشعب في جماعة العهد مع بنيته الخاصة، كما كان إسرائيل في البرية.
يختار موسى من الشعب رجالاً أكفاء يخافون الله وأمناء يكرهون الرشوة. ويوليهم على الشعب رؤساء ألوف ومئات وخماسين وعشرات... يحملون الحمل مع موسى ويخفّفون عنه (خر 18: 21-22). هكذا تنظّم المجتمع مع مسؤولين على مختلف المستويات، مع موكّلين على الخير العام. ويوم تذمّر موسى على الرب الذي وضع عليه أثقال كل هذا الشعب، طلب منه الرب أن يختار سبعين رجلاً، ليحل عليهم روحه. "هم يحملون معك أثقال الشعب ولا تحملها وحدك" (عد 11: 18؛ رج 31: 14؛ تث 1: 9-18؛ 17: 8-13). إن العالم اليهودي يعتبر أن تنظيم جماعة البرّية هو الترتيب المثالي لشعب الله. هذا ما فعله يهوذا المكابي حين قسم جيشه فئات من عشرة وخمسين ومئة وألف (1 مك 3: 55). وهذا ما تحدّثت عنه مراراً جماعة قمران. حين تحدّث مرقس عن الجموع أشار إلى صفوف من "خمسين ومئة". فإذا قمنا بعملية الضرب نكون مع عدد الآكلين وهو: خمسة آلاف. هذه هي الجماعة المثالية. تغذّت من كلمة يسوع بواسطة التعليم، وأكلت من الخبز "المسيحاني"، فصارت جماعة الله الحقة.
دعا يسوع الناس فتجمّعوا. علّمهم يسوع فالتحموا في الوحدة. وكان الرسل بينهم كرؤساء مئات ورؤساء خمسين يحملون أثقالهم مع يسوع. في هذا الوضع، إستطاع يسوع أن يتلفّظ بكلمات المباركة: مبارك أنت يا رب. وهكذا يعود هذا الطعام البشري إلى الله. إن المباركة تبدّل عمل الإنسان فيصبح عمل الله: صار الخبز أكثر من الخبز، بعد أن لامسته كلمة جديدة خلاّقة. كيف تمّ هذا التحوّل؟ لا يستطيع التلاميذ أن يقولوا شيئاً عن هذه المعجزة قبل أن يشاركوا في العشاء الذي فيه سقم يسوع جسده ليُؤكل ودمه ليُشرب (14: 22- 25). ولكنهم منذ الآن مدعوون ليكونوا وسطاء عطية الله للجميع. لقد "قسّم يسوع السمكتين عليهم جميعاً".
"أكلوا كلهم حتى شبعوا" (6: 42). الله يفيض بركاته بغزارة لا يتصوّرها عقل بشري. يروي سفر الملوك الثاني أن اليشاع، تلميذ إيليا، قسم على مئة شخص عشرين رغيفاً من الشعير قدّمت له: "لأنه هكذا قال الرب: يأكلون ويفضل عنهم" (2 مل 4: 43). والأقوى الذي جاء بعد يوحنا المعمدان صار موزعاً لبركة الله على الإنسان. وترك لكل من الإثني عشر رسولاً سلّة مملوءة. وهكذا يصبحون بدورهم وكلاء على الخيرات المسيحانية.
لقد دقّت الساعة التي فيها يجمع الله كل مدعوّيه إلى وليمته. "تعالوا إلى المياه يا جميع العطاش. تعالوا يا من لا فضة لهم. أطلبوا حنطة وكلوا. تعالوا واشربوا خمراً ولبناً بدون فضة وبغير ثمن. لماذا تصرفون فضة لغير الخبز، وتتعبون في عملكم لغير شبع" (أش 55: 1-2).
أطعم يسوع خمسة آلاف. رقم كبير. إنه يدلّ على شمولية عطاء الله، وهو رقم يذكرنا بنموّ الجماعة المسيحية الأولى التي تضمّ في حضنها إسرائيل المسيحاني. بعد خطبة بطرس الأولى، "إنضمّ في ذلك اليوم نحو ثلاثة آلاف" (أع 2: 41). وبعد وقت قليل، "بلغ عدد المؤمنين من الرجال نحو خمسة آلاف". وقال مرقس في نهاية خبره: "وكان الذين أكلوا من الأرغفة نحو خمسة آلاف رجل". جماعة أورشليم الأولى هي نموذج للجماعات المسيحية التي ستتوزّع حوض البحر المتوسط. وجماعة الآكلين مع يسوع في البرية يدلّون على ملء كنيسة الله التي سيكون لها ملء الطعام لأبنائها حتى نهاية العالم.

3- تحليل النصّ الإنجيلي
أ- أخبار تكثير الخبز
إحتفظت لنا الأناجيل بستة أخبار عن تكثير الأرغفة. أورد لوقا خبراً واحداً (9: 10- 17) وهو يرتبط بهذا الخبر الذي ندرسه. فالرسالة لدى الوثنيين لن تبدأ مع لوقا إلا بعد القيامة والعنصرة. وبما أن الخبر الثاني (رج مر 8: 1- 9= مت 15: 32-38) يتوجّه إلى الوثنيين، أغفله لوقا، فحدّثنا في سفر الأعمال عن كسر الخبز داخل الجماعة الأولى (أع 2: 46)، كما حدّثنا عن احتفال شارك فيه بولس في ترواس (أع 20: 7- 12): "صعد إلى الغرفة العليا وكسر الخبز وأكل".
وأورد يوحنا معجزة واحدة عن تكثير الأرغفة (6: 1- 15). هو يذكر فقط سبع معجزات، فيدلّ على ملء قدرة يسوع. وتبقى قيامته معجزة المعجزات. ثم إن يوحنا أبقانا في إطار يهودي، شأنه شأن لوقا، فلم يحتج إلى ذكر معجزة ثانية عن تكثير الخبز، تكون تكراراً للمعجزة الأولى. فالمهمّ بالنسبة إلى يوحنا ليس فقط المعجزة، بل التعليم الذي يلي المعجزة. إن خطبة خبز الحياة (يو 6: 25) قادت جموع كفرناحوم إلى أسمى تعليم عن الخبز الحقيقي الذي يتعدّى بعظمته المنّ في البرية. قادتهم إلى الافخارستيا، إلى الطعام الحقيقي والشراب الحقيقي.
إن جغرافية المجموعة 6: 30-8: 27 تبدو غامضة رغم التفاصيل العديدة. فالمكان المقفر في 6: 31- 32 قد يقع شمالي شرقي البحيرة. تحدّث لو 9: 10 عن بيت صيدا. أو بالأحرى: جوار بيت صيدا، لأنه يقول في آ 22: مكان مقفر. أما عند مرقس، فيسوع سيرسل تلاميذه إلى بيت صيدا بعد المعجزة. أرسلهم "إلى الشاطىء المقابل" (6: 45) كما تقول بعض المخطوطات. غير أن التلاميذ نزلوا في جنسارت وهناك ربطوا قاربهم.
سيلعب الجمع هنا دوراً كبيراً. هنا سيتمّ اللقاء العظيم بين يسوع والجمع الذي يصبح في النهاية جماعة هي صورة مسبقة عن الكنيسة التي تتغذّى بخبز الكلمة وخبز الجسد. كان الجمع في الفصول السابقة حشداً من الأفراد. ولكنه سيتّخذ هنا وجهاً جديداً بعد إرسال التلاميذ ليبشّروا ويطردوا الشياطين. لم تعد الجموع خرافاً لا راعي لها. لقد أشفق يسوع عليها فاهتم بها. وطلب من تلاميذه أن يشاركوه في اهتمامه. لم يتهرّب يسوع من الناس، بل واجه مسؤولياته التي تجعله الراعي العتيد الذي يتحدّث عنه يوحنا في إنجيله (10: 11، 14: أنا الراعي الصالح).
غاب الراعي الحقيقي عن إسرائيل، فكان يسوع ذاك الراعي. أطعم شعب الله ولم يتركه وحده يبحث عن طعامه. هذا ما أراده التلاميذ أن يعمل فبدوا وكأنهم رعاة يتهرّبون من مسؤولياتهم. ونظّم يسوع شعب الله فبدا مثل موسى الجديد (وربّما داود الجديد) الذي يرافق شعبه في البرية، يعلّمه، يؤمّن له الطعام. وفي النهاية، يصعد إلى الجبل (6: 47). هذا ما يبرزه يوحنا حين يشير إلى المنّ في جداله مع اليهود (يو 30:6-31).
ب- يسوع وجماعته
لسنا هنا كما في الفصول السابقة أمام يسوع تزحمه الجموع من كل جانب فيتّخذ تدابير مادية لكي يبقى بعيداً عنها (3: 9). هو يسيطر الآن على الوضع: لم يعد فريسة حماس الجموع، بل هي تخضع لسطانه. وما يلفت النظر، هو أنه لا يقال شيء بعد المعجزة عن دهشة الجموع وإعجابها.
بعد آ 34، نلاحظ واقعاً له أهميته: لا يعبّر يسوع عن شفقته أولاً بإطعام الناس، بل بتأمين التعليم لها. لن يكون الأمر كذلك في خبر تكثير الخبزات الثاني الذي يحصل في أرض وثنية. أما هنا، فاهتمام يسوع الأول هو إعلان الإنجيل، رغم ازدحام الجموع التي تعيق مثل هذا العمل. وهذا ما يؤكّده لوقا حين يقول: "كان يبشرهم بملكوت الله" (لو 9: 11). فالرباط بين شفقة يسوع والكرازة التي تليها، ليست بارزة في متّى الذي سبق وربط هذه الشفقة بالعمّال الذين يحتاج الحصاد إليهم. إختلف مرقس عن متى ولوقا فلم يتحدّث عن الأشفية، لهذا شدّد على أولوية التعليم.
واكتشف التلاميذ هذه الأولوية. فما إن عادوا من الرسالة حتى نسوا أمورهم الخاصة. عملهم الأول وعمل معلّمهم هو الكرازة. وحين فات الوقت، أرادوا أن يطلقوا الناس ليشتروا لهم ما يأكلون. فهذا عمل الناس لا عمل يسوع وأخصائه (آ 35-36). هنا نتذكّر وضعاً مباشراً في سفر الأعمال. كثرت الأشغال المادية على الرسل، فقالوا: "لا يليق بنا أن نهمل كلام الله لنهتمّ بأمور المعيشة" (أع 6: 2). واختاروا سبعة أشخاص لخدمة الموائد. ولكن هؤلاء السبعة أيضاً اهتموا بالكلمة، فلم نرَ أعمالهم الكثيرة في ما يختصّ بالمعيشة اليومية.
ويبقى أننا لا نستطيع أن نفصل طعاماً عن طعام، وجوعاً عن جوع. جوعاً إلى الخبز المادي، وجوعاً إلى كلمة الله. قال يسوع لتلاميذه: أعطوهم أنتم ليأكلوا" (آ 37). قال يسوع هذا الكلام لكي يجرّبهم. هذا ما لمّح إليه مرقس (أكثر من متى ولوقا) بشكل غير مباشر. فجاء جواب التلاميذ مصحوباً ببعض الإحتداد: "سنذهب ونشتري خبزاً بمئتي دينار ونعطيهم ليأكلوا"! ما هذا الأمر الذي يعطيهم وما هي نتيجته؟ إنه يشبه سؤاله حين لمسته النازفة (5: 31). أما يوحنا (6: 56) فقد كان واضحاً كل الوضوح حين أورد سؤال يسوع وأتبعه بالملاحظة التالية: "قال هذا ليجرّب فيلبس، لأن يسوع كان يعرف ما سيعمل".
هناك شيء واضح: فهمَ التلاميذ أن يسوع رفضَ طلبهم بأن يطلق الجموع. ولكنهم لم يفهموا شيئاً غير ذلك. وبدأ مرقس هنا يصوّر وضعاً روحياً سيتحدّث عنه في مناسبات أخرى (6: 52؛ 7: 17؛ 8: 4 1- 21، 32-33؛ 8: 22-26): لم يفهموا. ولكن ما يلفت نظرنا هو أنهم سلّموا أمرهم إلى المعلّم مثل الخدام في عرس قانا الجليل. قال لهم يسوع: إملأوا الجرار ماء. فملأوا. قال لهم: إستقوا الآن وناولوا رئيس الوليمة. ففعلوا. وكانت النتيجة المذهلة (يو 2: 1 ي). والتلاميذ أطاعوا يسوع. في إنجيل يوحنا بحثوا عن الخبز فوجدوا صبياً معه خمسة أرغفة وسمكتان. قالت لهم يسوع: أجلسوا الجموع. فأجلسوهم (يو 6: 9-10). ولكن أي طعام يهيّأ لهم؟ وفي إنجيل مرقس، جعل التلاميذُ الناس صفوفاً كما في جماعة كنسيّة. أمر يسوع ففعلوا.
التلاميذ ضعفاء، ولكن هذا لا يمنع يسوع من أن يجعلهم معه (3: 4). من أن يشركهم في عمله: "ناول تلاميذه ليوزّعوها على الناس". كمية صغيرة ستكون كمية كاملة (رقم 7: 5 خبزات+ 2 سمكتين) لتطعم كل هذه الجموع. كان هذا الطعام القليل مع الرسل، كما قال الإزائيون، ومع صبي صغير، كما قال يوحنا. المهمّ هو أن يسوع إنطلق من هذا القليل، ليطعم الشعب الكبير. إنطلق من عطايانا البشرية فحوّلها عطايا الله لشعبه.
ج- من طعام إلى طعام
ما الذي حدث في هذه البرية؟ عندما نذكر البرية نتذكّر موسى وتنظيم الشعب، كما قلنا. نتذكّر المنّ (خر 16: 20) الذي سيجول في عقل الجموع لدى يوحنا (6: 31، 49). ونورد أيضاً معجزة إيليا في صرفت صيدا (1 مل 17: 8-16) ومعجزة أليشاع التي ذكرناها (2 مل 4: 42-44).
ويتحدّث "بعضهم" عن خبر وُلد في مخيّلة الإنجيليين الأربعة. هذا الخبر وُلد أيضاً من أخبار العشاء السري. هو محاولة لإعطاء وجه مادي لما حدث يوم خميس الآلام. فالأهمية العظمى لعطية الله لكنيسته في الافخارستيا قادت التقليد إلى استباق "معجزة" العشاء في الخبزات وإلى التشديد على الطابع العجائبي (نكتشفه في العشاء بواسطة الإيمان) عبر حدث علني ومنظور. ووجود السمكات لا يعارض هذه الفرضية، بل يمكن أن يثبتها: فيسوع أكل السمك مع تلاميذه بعد القيامة (يو 21: 9، 13؛ لو 24: 41- 43). وفكر آخرون بمقاسمة الزاد الذي حمله بعضهم، وقد بدأ يسوع التحرك حين وزّع الأرغفة الخمسة. وحوّل التلاميذ هذا الحماس الأخوي إلى معجزة!! وفئة ثالثة: أعطى يسوع كل مدعو كسرة خبز وقطعة سمك خلاله مأدبة من الطعام الأسراري. وبهذه الفعلة التي ضمّ فيها أناساً فقراء إلى وضعه الحالي، أكّد لهم مشاركتهم له في الوليمة المسيحانية. قاسمهم فقرهم وأشركهم في فقره، فربطهم به وربطهم بعضهم ببعض ليعرفوا أنهم يكونون معاً على مائدة الملكوت. فهذا الطعام الذي شارك فيه الناس بترتيب (آ 39- 40) يدل على تجمّع الجماعة المسيحانية (رج مت 8: 11). أما وجود السلال فليدلّ على غنى الوليمة التي ترمز إلى الملكوت. وفكرة الشبع (آ 42) تجد موازاة لها في التطويبات (مت 5: 6؛ لو 6: 21، استعمال الفعل عينه). والرقم 5000 يدل على مجموعة المؤمنين في الأزمنة الاسكاتولوجية. وقد نذهب في الرمزية أبعد من هذا فنقول إنّ المعجزة هي "تكرار استعاري للكرازة". أشفق يسوع على الجمع (آ 34) فعبّر على شفقته بالتعليم. والخبز الموزّع ليس إلا رمز الكلمة التي يُسأل عنها التلاميذ رغم فقرهم وضعفهم. ستتكاثر نتائجها وتعطى للجميع بقدرة الله، وغناها سيغذّي الجموع التي تتجدّد يوماً بعد يوم.
ويبقى رغم كل هذه النظريات أن مرقس قدّم معجزة تكثير خبز بشكل خلق انطلق من خمسة أرغفة وسمكتين. أن لا يريد القارىء أن يؤمن، هذا شأنه. ولكنه لا يستطيع أن ينكر ما حدث في البرية بين يسوع والجموع. يبقى أننا لا نتوقف عند المعجزة كمعجزة فقط، بل نصل إلى التعليم الذي استخرجته الكنيسة على مستوى تنظيم الجموع، على أولوية التعليم، على المهمة الملقاة على عاتق التلاميذ.
ما هو معنى هذه الوليمة؟
نحن أمام طعام من خبز وسمك. أراد التلاميذ أن يذهبوا ليشتروا. أما يسوع فيعطي من خلال هذه الخبزات الملكوت الآتي. نحن أمام طعام عيد واستباق ووعد للوليمة المسيحانية. نقرأ في 6: 52 (ثم بعد تكثير الأرغفة في 8: 14- 21) أن التلاميذ لم يفهموا "قضية الأرغفة". هذا لا يعني أنهم لا يثقون بقدرة الله من أجل الخبز اليومي، بل هم لم يفهموا أن يسوع هو سيّد البحر، هو سيّد الخبز. هاتان الآيتان عن مسيحانيته قد فاتهم مغزاهما.
نجد نصّاً موازياً في يو 6: 26. فيه يوبّخ يسوع الجموع الذين جاؤوا يطلبونه غداة المعجزة. إنهم يطلبونه لأنهم رأوا الآيات. ولكن الجموع جاءت تطلب معجزة أخرى بعد التي رأتها البارحة. في الحقيقة، لم ترَ الآية التي تدلّ على حدث محمّل بالمعنى الآية توجّه أبصارنا إلى أبعد منها. والمعجزة الحقيقية ليست في تكثير الأرغفة بل في حضور الذي يعطي هذه الأرغفة. المهم ليس المنّ وليس خبز البارحة، بل خبز الحياة الذي هو يسوع بالذات.
هذا ليس بواضح عند مرقس ولكن تفاسيره (6: 52) وتفاسير يسوع (8: 17- 21) تعبّر عن هذا المعنى بوضوح. فالتلاميذ، شأنهم شأن الفريسيين (8: 11- 13)، لا يبصرون الآية بل الحدث العجائبي. لا يدركون ما يقوله الحدث عن معلمهم إلى أن تأتي صرخة بطرس: "أنت المسيح" (8: 29).
ماذا تقول لنا معجزة الخبز؟ ملكوت الله هو هنا في هذه المأدبة التي تستبق الوليمة الاسكاتولوجية (مت 8: 11؛ لو 13: 29؛ 22: 30). والذي يرأسها هو ابن الإنسان المنتظر. لقد انتظر العالم اليهودي تكرار معجزة المنّ الذي صار نموذج الطعام الروحي. رج حك 16: 20- 29، مز 78: 25: خبز الأقوياء. صار في السبعينية (إذن مز 77: 25): خبز الملائكة. تتحدّث 1 كور 10: 3 عن الطعام الروحي ورؤ 2: 17 عن المنّ الخفي.
تكثير الأرغفة هو علامة تدلّ على أن هذا الأمل قد استجيب. إنه الطعام الأسراري في الملكوت العتيد، كما هو الطعام الذي يقدّم إلى أجسادنا. بدأ يجمع في البرية أول أعضاء الجماعة المسيحانية، وهو سيجمع كل "كنيسة" من كنائسنا في وحدة تجد غذاءها في خبز الكلمة وفي جسد المسيح ودمه. كان هذا الاجتماع الافخارستي مسبوقاً بعشاء المحبة والتقاسم والمشاركة. فالوجه المادي يسبق الوجه الروحي، وتكثير الأرغفة في البرية يبقى الحقيقة المادية التي تدل على الافخارستيا ومأدبة الملكوت.

 

 

الفصل الرابع والثلاثون
يسوع يمشي على البحر
6: 45- 52

لم يورد لوقا هذا الحدث، فانتقل من تكثير الأرغفة (التي تبدو بشكل ذروة) إلى اعتراف بطرس، ثم الانباء بالآلام والتجلّي. أما عند متى وعند مرقس فارتبطت معجزة السير على المياه بمعجزة الخبز ارتباطاً وثيقاً. وفوق ذلك نجد عند متى حدث بطرس الذي مشى على المياه. غير ان التوازي بين مت 14: 27 ومر 6: 50 ثم مت 14: 32 ومر 6: 51، يجعلنا نرى في حدث المسيرة على المياه قاطعة تُقحم في الخبر كله. ويلفت النظر أيضاً ان المعجزتين ارتبطتا أيضاً عند يوحنا (6: 1- 21). ثم إن لغة يوحنا قريبة جداً من لغة مرقس. وهذا ما يبيّن مرة أخرى أن إنجيل يوحنا قريب من إنجيل مرقس.
إضطرّ يسوع تلاميذه إلى الإنطلاق، وهو صعد إلى الجبل ليصلّي مثل موسى. فالسفينة (أي الكنيسة) تواجه البحر والرياح (أي: عالم الشر). هي في خطر. وكما صلّى موسى في حرب عماليق (يدلّ على عالم الشر) فانتصر شعبه (خر 8:17- 13). هكذا ستنتصر كنيسة يسوع ويهدأ البحر.

1- خوف وقلوب عمياء
فجأة أراد يسوع أن يبتعد عن تلاميذه، مع أنه سبق وطلب منهم أن يشاركوه في رسالته. هم يريدون أن يبقوا معه، وأن تبقى الجموع هنا. فالجوّ جو عيد. حسنٌ لهم أن يبقوا مع يسوع في هذه النشوة (رج 9: 5 وكلمة بطرس). ولكن يسوع لا يسمح لهم بذلك، بل يضطرّهم إلى الصعود إلى القارب ليسبقوه الى الضفة المقابلة. إضطرهم أن يجابهوا البحر والرياح دون خوف. وذهب هو يصلّي. نرى يسوع ثلاث مرات يصلّي عند مرقس. في مرة أولى (35:1) هناك خطر الانغلاق على عالم الجليل، خطر الغرق في المعجزات من شفاء مرضى وطرد شياطين، خطر الانجراف في حماس الجموع على حساب الكرازة بكلمة الله. في مرة ثانية (46:6)، هناك خطر مسيحانية زمنية لا تمرّ عبر الآلام والموت. وهناك مرة ثالثة في جتسيماني (32:14 ي) حيث نجد التجربة الكبرى التي انتهت بكلمة يسوع: "لا كما أنا أريد، بل كما أنت تريد".
أرسلهم يسوع إلى العبر. هذه الإشارة الغامضة لا تتيح لنا أن نحدّد موقع تكثير الأرغفة. ولكننا نعرف أين نزل التلاميذ: في بيت صيدا، وهي مدينة تقع شرقي نهر الأردن، عند مصبّه في بحيرة طبرية. وهناك سيكون التلاميذ في 8: 22 بعد دورة طويلة عبر صور وصيدا (7: 24) والدكابوليس (7: 31: المدن العشر). ولكن يظهر من النصّ أن السفينة لم تصل إلى بيت صيدا، بل إلى جناسرت (53:6) إلى الجنوب الغربي من كفرناحوم. أترى يسوع حوّل وجهة البحيرة؟ سنعود إلى هذه القضية فيما بعد، فنفهم أن هناك عدم تماسك على مستوى الجغرافية بسبب تنوعّ المصادر التي استعملها الكاتب. ولكن أليس هناك معنى آخر؟ أراد التلاميذ أن يعودوا إلى بيت صيدا، فأرسلهم يسوع إلى الجهة المعاكسة. 
إن أمر يسوع انتزع التلاميذ من وضع عاشوه، فأرسلهم وحدهم على البحيرة. أراد أن يمنعهم من التعلّق بواقع عجيب شهدوه وعملوا فيه. إنهم يشبهون بولس الذي يحاول أن يأخذ هذا الطريق أو ذاك قبل أن يفرض عليه الروح (من خلال الأمور البشرية) ان يذهب إلى مكدونية ماراً في البحر (أع 6:16- 11).
في الوقت ذاته، صرف يسوع الجموع. بل جعل مسافة بينه وبينها حين صعد إلى الجبل (آ 46؛ رج 13:3؛ 9: 2) الذي هو موضع الوحي الالهي، موضع الحياة الحميمة مع الله. ذهب إلى هناك ليصلّي. خلق فراغاً حوله فأبعد الناس وحماسهم الطالب بأن يقيموه ملكاً. وامّحى أمام أبيه في خطّ عبدالله المتألم الذي سيهيّىء تلاميذه للصعود معه إلى "أورشليم".
بقي يسوع وحده على الأرض. وترك التلاميذ يتخبّطون مع الريح المعاكسة والبحر المموّج. كان وقت المساء، كما خلال حدث تسكين العاصفة (4: 35). وكما ساعة توافد الناس إلى باب (أو: ساحة) المدينة، حاملين إليه مرضاهم. والمساء هو وقت تأسيس العشاء السرّي (17:14: ولما كان المساء جاء مع تلاميذه...). سيذكره تلميذا عماوس (المساء اقترب، لو 29:24) فيتذكّر يسوع ما عمل ليلة الجمعة (أخذ خبزاً وبارك وكسر وناولهما). والمساء هو ساعة زمن يسوع (42:15: اقترب المساء فجاء يوسف الرامي). إرتبط المساء بتجمّع الناس وذهاب يسوع. وهكذا مثّل يسوع مسبقاً امحاءه في الموت وعودته إلى أصحابه كما في صباح القيامة.
في الهجعة الرابعة من الليل. أي بين الساعة الثالثة والساعة السادسة صباحاً، ساعة اقتراب الفجر. جاء يسوع نحو تلاميذه "ماشياً على المياه". إن العهد القديم قد انشد بطريقة شعرية عبور الشعب العبراني بحر القصب (خر 14- 15) وعبور الأردن (يش 3- 4) كما على أرض يابسة، انشدوه (وكأنهم رأوه) على أنه مسيرة الله على المياه. قال الرب: "فتحتُ في الأرض طريقاً وفى المياه العاتية مسكناً" (أش 16:43)، وقال المرتل: "في البحر طريّقك يا الله، وفي المياه الغزيرة سبلك" (مز 77: 20). هذه الصورة قد استعادتها أسفار الحكمة (أي 9: 8: يدوس أمواج البحر؛ 38: 16: مشيت في أعماق الهاوية؛ سي 24: 5). فالله يسود على الامواج ويُسكن عتوّها (مز 8:65؛ 17:77؛ 79: 10؛ 93: 4؛ 107: 28- 29).
مشى يسوع على البحر فدلّ على أنه سيد البحر. ظهر على التلاميذ الخائفين، فظنوه شبحاً وخافوا. لم يزل إيمانهم ضعيفاً. ظلوا على مستوى "الخيال" ولم يصلوا إلى مستوى الواقع الذي يقدّمه يسوع بشكل غير عادي، بشكل إلهي. لقد نظروا فقط بعيون الجسد. إنهم يشبهون مريم المجدلية عند القبر بعد القيامة. حسبت أن يسوع هو "البستاني". هكذا ظنته. ولكنها انتقلت إلى الإيمان عند سماع صوته (يو 25:20- 16. لم تنظر مريم. فلو نظرت...). ويشبهون تلميذي عماوس اللذين حسباه "غريباً عن أورشليم". سيطر عليهما الحزن فلم ينظرا إلى ذاك القريب منهما (لو 17:24- 18).
يشدّد متى في النص الموازي على الخطر الذي منه نجّى يسوع الراكبين في السفينة، كما شدّد على خبرة بطرس (14: 23- 33). أما مرقس فلم يشدّد على الخطر المحدق بالتلاميذ، بقدر ما شدّد على الظهور التيوفاني الذي تشكّله عودة يسوع إلى أخصّائه (هنا فعل "جاء" يدل على مجيء يسوع في الليتورجيا، ماراناتا، وفي النهاية).
تظاهر يسوع أنه يتجاوزهم (هذا ما فعل مع تلميذي عماوس، لو 28:24: تظاهر أنه ذاهب إلى مكان بعيد). فعل مثل مجد الله الذي لامس موسى في سيناء (خر 33: 19- 23؛ 6:34 حسب السبعينية) أو اقترب من إيليا (1 مل 9:9- 13: عبر الرب). وجاءت كلمة وجّهها يسوع إليهم: "إطمئنّوا، أنا هو، لا تخافوا" (آ 50). إنها نداء يرافق كل وحي إلهي. بل يدلّ على حضور الله في هذا الشخص الآتي الى التلاميذ. لم يكن موسى ولا إيليا أفضل من التلاميذ الذين يستطيعون أن يقولوا كما قال الرسل لتوما بعد القيامة: "رأينا الرب" (يو 20؛ 25).
يرى مرقس أن الكيان الالهي في يسوع قد كشف عن ذاته من خلال هذا الخبر. عند المساء، وفي الليل، عبارتان تدلاّن على غياب يسوع بين موته وقيامته، على غياب يسوع في زمن الكنيسة. ظنّ "التلاميذ" وكنيسة رومة (حيث كتب مرقس) أن المسيح القائم من الموت هو غائب. كلا، بل هو حاضر. بل إن حضوره يسبقه وسط الصعوبات التي يدلّ عليها البحر والرياح.
وتأتي خاتمة مرقس فتدهشنا: دلّ التلاميذ على حيرة، على دهشة، على ضياع كبير. حرفياً: كانوا خارج نفوسهم بشكل مفرط (51:6). ويكمن سبب هذا الاضطراب في عدم فهمهم "أمر الأرغفة" (آ 52). إذن، يرى مرقس علاقة وثيقة بين خبر الجموع التي شبعت وخبر ظهور يسوع على البحر (لم يقل مرقس البحيرة، بل البحر. ليدل على أنه موطن الشرّ). لم يُرجعوا ما يعيشونه إلى شخص يسوع الذي لم يروا فيه لعد مفتاح الأمثال. إنهم عميان، شأنهم شأن الفريسيين الذين لامهم المعلّم اللوم عينه (3: 5). فإذا أرادوا (وأردنا نحن) أن يفهموا أن يسوع لن يغيب بعد من حياتهم بعد أن جعل نفسه طعاماً لأحبّائه، عليهم أن يلجوا البعد الافخارستي لعطية الخبز في البرية. أن يلجوا الحضور الشامل للذي انتصر على الموت كما هدّأ ضجيج الأمواج.
لامهم يسوع، فكان لومه دعوة لكي يكتشفوا المعنى العميق لشخصه ولحضوره في وسطهم.
بعد هذه النظرة الروحية الشاملة، نحاول أن نحلّل النص في إطاره الأدبي وفي علاقته بالإنجيل كله.

2- مكانة المقطوعة في السياق
إن السير على المياه في إنجيل مرقس يقع حالاً بعد أول معجزة لتكثير الأرغفة (6: 34- 44). ويتبعها النزول على البرّ في جنسارت وخبر الأشفية التي اجترحها يسوع في ذاك المكان (6: 53- 56). ولكن هل هذا السياق الحالي يعود إلى التقليد الذي نقل مختلف الأحداث حسب هذا الترتيب أم لا؟ هناك من يجيب بالايجاب. وهناك آخرون يفترضون، أقلّه ضمنياً، أن مرقس يورد الوقائع حسب تواليها التاريخي. 
هناك برهان يتحدّث عن علاقة أصيلة بين تكثير الأرغفة والمشي على المياه. هذا ما نجده في يو 6: 1- 21 وفي مت 14: 15- 33 ومر 6: 35- 52 حيث ترد الظاهرة بعد الأخرى. في هذا الإطار، يشرح صعود التلاميذ إلى السفينة (بعد أن أجبرهم يسوع) حسب مر 6: 45 على أنه اهتمام بتجنيبهم عدوى المسيحانية الخاطئة لدى الجموع (يو 6: 15: يستعدون لاختطافه وجعله ملكاً). وشيوع نفسه ابتعد عن الجموع ورجع وحده إلى الجبل لهذا السبب عينه. غير أننا لا نجد عند مرقس أي حماس مسيحاني لدى الجموع (كما في يو 15:6. ثم إن التلاميذ هم الذين اتخذوا المبادرة في يو 6: 16، ويسوع لم يكرههم على ذلك).
في مر 45:6، اضطرّ يسوع تلاميذه أن يسبقوه إلى شاطىء بيت صيدا. ولكن 32:6 تحدثنا عن مكان منعزل و6 :53 عن جنسارت. وهناك من يجعل تكثير الأرغفة يتمّ على الشاطىء الشرقي لبحيرة جنسارت، في مكان منعزل وصل إليه يسوع في السفينة حسب 32:6. ولكن كيف يتحدّث 45:6 عن عبور للبحيرة شطر بيت صيدا التي تقع على الضفة الشرقية عينها؟ هناك توافق لدى الشرّاح يقول إن الخبر الإنجيلي يشير إلى "بيت صيدا جوليا" الواقعة شمالي البحيرة وشرقي الأردن، قرب الموضع الذي فيه يصبّ النهر في البحيرة.
حسب مر 45:6؛ أبحر التلاميذ إلى بيت صيدا فوصلوا إلى الجهة المعاكسة، وصلوا إلى شاطىء جنسارت. إن نص متى (14: 22) الموازي ألغى الصعوبة فحذف "شطر بيت صيدا". وعمل النسّاخ في المخطوطات فقالوا "من بيت صيدا"، لا "إلى بيت صيدا". ولكن الصعوبة تزول حين نعرف أن تكثير الأرغفة والسير على المياه لم يردا الواحد بعد الآخر، بل كانا منفصلين في الأصل.
أ- النقد النصوصي في آ 45
هناك من يستند إلى الاختلافات النصوصية فيكوّن في 45:6 نصاً أصيلاً لا يتضمن التعارضات التي أشرنا إليها. بعضهم استند إلى بردية 45 وشهود آخرين فأزال من النصّ "إلى العبر" (هي إضافة مأخوذة من مت 14: 22). أما فاغاني فقدّم دراسة طويلة طلب فيها إلغاء "بيت صيدا" و"إلى العبرة. ولكن عبارة "إلى العبر" ترافق فكرة الصعود إلى السفينة.
- في 35:4: في 4: 1 يقال أن يسوع ركب القارب. وبعد الخطبة في الأمثال، قال: لنعبر إلى الشاطىء... فساروا بيسوع في القارب...
- في 5: 1: على أثر هذا العبور وصلوا إلى شاطىء البحر.
- في 5: 21: إن العبور إلى الشاطىء تبع ركوب القارب المذكور في 18:5 (وبينما هو يركب القارب).
- في 8: 13، نقرأ: وتركهم ورجع في القارب الى الشاطىء.
لا نجد هذه العبارة في 6: 32، 53؛ 8: 10. ولكننا أمام عبور من الشرق إلى الغرب. فمرقس يروي صعوداً إلى المركب باتجاه الشاطىء. فالعبور يتم من الغرب إلى الشرق.
في 4: 35 و5: 1: نحو بلاد الجراسيين.
في 45:6: نحو بيت صيدا.
في 13:8: نحو بيت صيدا أيضاً. بعد جدال آ 14- 21، وصلوا إلى بيت صيدا.
أما في 5: 21 فالعبور يتم من الشرق إلى الغرب.
ب- الرباط التقليدي بين معجزة الأرغفة والمشي على المياه
عدنا إلى النصوص فتأكّدنا ان "إلى الشاطىء المقابل" (أو: إلى العبر) هي أصيلة. وهكذا نعود إلى مسألة الرباط التقليدي بين معجزة الأرغفة والمشي على المياه. هناك من اقترح: إن التلاميذ ساروا بمحاذاة الشاطىء لا إلى الجهة المقابلة. ولكن معنى حرف الجرّ واضح. والبعض الآخر: لا "إلى بيت صيدا"، بل "تجاه بيت صيدا". ولكننا لا نجد هذا المعنى في العهد الجديد. وتبقى الصعوبة: انطلقوا نحو بيت صيدا فوصلوا في الجهة المعاكسة: في جنسارت. قال بعضهم: أضلّت السفينة هدفها، ولكن يسوع الذي سار على المياه وسيطر على هيجان البحر، أتراه لم يستطع أن يجعل السفينة تصل إلى "المرفأ الأمين"؟ أتراه لم يستطع أن يقنع التلاميذ بان يتبعوه، فساروا في الطريق المعاكسة. تجاوزهم، سار أمامهم. أما هم فلم يصلوا إلى بيت صيدا، بل إلى جنسارت.
واقترح شميدت أن تكون معجزة الأرغفة قد حصلت غربي البحيرة لا شرقيها. وقد حدثت عند شاطىء البحيرة. هنا يقف شميدت بوجه مجمل الشرّاح. ومهما يكن من أمر، إن مرقس يريد في 6: 54- 56 أن يصوّر توافد الجموع وتراصّها حول يسوع. هو لم يهتمّ بالظروف الطوبوغرافية التي تجعل المشهد معقولاً في شرقي البحيرة أو في غربيها. ويبقى أن النزول في جنسارت يبقى غير معقول. وهذا ما يقرّ به شميدت نفسه.
ج- خبر تقليد ووصلة تدوينية
ينتج عن هذا التواجه بين الآراء المتضاربة، أن لا وجود لبراهين تدل دلالة يقينة على الرباط الأساسي بين السير على المياه ومعجزة الخبز الأولى. بل يستحيل علينا أن نفهم الصعود إلى القارب، شطر بيت صيدا، وفي الوقت عينه نحدّد موقع تكثير الأرغفة في الجهة الشرقية من البحيرة، أي من جهة بيت صيدا، كما نقول إن النزول تم في جنسارت، أي في الجهة المقابلة لبيت صيدا. هذا يعني أن 45:6- 51 لم يتبع في الأصل معجزة تكثير الأرغفة.
وكانت اقتراحات. تحدّث غروندمان عن دمج نجي 6: 45- 46 بين خاتمة الخبر السابق وبداية الخبر اللاحق. واعتبر هانشن أنه لا يمكن ان تكون الجموع سارت للقاء يسوع خلال الليل وبعد تكثير الأرغفة. أما لوهماير فميّز بين "ابيفانيا" (ظهور) يسوع على المياه وخبر تسكين العاصفة. في االأصل كانا خبرين مستقلين ثم دُمجا. وتداخلت في آ 45- 46 مقدّمتا الخبرين.
يرى معظم الشرّاح أن آ 52 هي خاتمة نموذجية لدى الإنجيلي، الذي حاول أن يربط بين السير على المياه وتكثير الأرغفة. ولسنا أم أمر إلى التلاميذ في أسلوب غير مباشر: إضطرهم أن يركبوا السفينة ويسبقوه ففعلوا.
يبقى أن 6: 45 تستعيد آ 36 وإطلاق الجموع. ثم إن آ 47 (ولما كان المساء...) لا تتوافق مع آ 35 (كانت الساعة قد فاتت).
يعتبر بولتمان أن مرقس قد دوّن آ 45- 46 ليربط بين الحدثين وبين سبب انفصال يسوع عن تلاميذه. عليه أن يطلق الجموع. هو يريد أن يصلّي وحده. السبب الأول هو تدويني ويربط ولْي الخبر بالآيات 34- 44. ولكن لماذا حضور التلميذ يزعج مشروع إطلاق الجمع؟ هذا ما لا نجد له جواباً.
د- النتيجة
نبدأ فنقول (بشيء من المعقولية) إن تكثير الأرغفة والمشي على المياه حدثان وُجدا مستقلين في التقليد قبل أن يُربطا في نص مرقس الحالي. وهكذا نعطي بعض الحل لمواضع متضاربة في آ 45 وآ 53. ثم، إذا كان موقع تكثير الأرغفة الأول هو في الشاطىء الشرقي، وإذا كانت آ 32 تدل على عبور في هذا الاتجاه، نفهم الطابع غير العادي لركوب القارب إلى العبر شطر بيت صيدا. ومن الجهة الزمنية، نفهم أيضاً أنه حسب مر 6: 35 كان الوقت قد فات (كانت الساعة متقدمة). وأن التلاميذ كانوا في البحر مع حلول الليل. كل هذا النقص في التنسيق يعود إلى تجاور عناصر كانت في البدء متمايزة. يبدو أن الإنجيلي هو الذي جمع المقطوعتين. وإن آ 52 التي تنسب إليه، تحاول أن تربط بين المعجزيتن. 
وفي قلب الخبر تدخل مرض في آ 45 مع العبارة "ريثما يصرف الجمع"، التي ترتبط بالحدث السابق وتستلهم آ 36 حيث قالت التلاميذ ليسوع: إصرفهم. فالطابع المصطنع لهذه الوصلة واضح: لماذا يجب على يسوع أن يُطلق الجموع؟ لماذا يزعجه حضور التلاميذ في هذا العمل؟ ثم إن يسوع لم ينضمّ إلى التلاميذ بعد أن أطلق الجموع. في الخبر الأول، إنفصل يسوع عن تلاميذه لأنه أراد أن يصلي وحده على الجبل، ثم يأتي إليهم ماشياً على الماء. ويضاف إلى هذا السبب الضروري لولْي النص، إطلاق الجموع. نقرأ في آ 45: "ريثما يصرف الجمع . وفي آ 46: لما ودّعهم. يعود الضمير في الأصل إلى الجموع كما هو واضح من مت 23:14 (ولما صرف الجموع). ولكن فعل "ودّع" يفهم عن التلاميذ، لا عن الجموع.
هنا نودّ أن نشير إلى أن تحديد المواقع عند مرقس هو غامض وتقريبي. فالإجمالة العجائبية في 3: 7- 12 تحصل "قرب البحر" (أين؟). وإجمالة 1: 32- 34 ترتبط بشفاء حماة بطرس (29:1- 31) الذي تمّ في بيت سمعان واندراوس (1: 9). وهنا أيضاً "يعمّم" مرقس مباشرة بعد نشاط يسوع العجائبي. فنتساءل: أما استفاد من النبذة التدوينية عن جناسرت في 53:6، لكي يحدّد موقع إجمالة آ 54- 56؟
مهما يكن من أمر، إن آ 53 ارتبطت مع آ 44، فوجدت تثبيتاً لها في أن العودة إلى جناسرت تُفهم فهماً أفضل إذا كانت معجزة الخبر الأولى قد جرت على الشاطىء الشرقي. فهناك، في أرض وثنية يتحدّد موقع معجزة الخبز الثانية. فلن نجد مواقع محدّدة بعد شفاء الأصم الألكن في الدكابوليس (7: 31 ي). والوصول إلى منطقة دلمانوثا واللقاء مع الفريسيين، يدلاّن على عودة إلى الجليل، يعني إلى غربي البحيرة (هذا من منظار أهل الجليل). وبعد الجدال، كان انطلاق جديد إلى العبر (8: 13) ووصولا إلى بيت صيدا (8: 22) أي شرقي البحيرة.
بعد هذا، لا نقرأ عند مرقس في بداية معجزة الخبز الأولى، أية إشارة طوبوغرافية تقابل ما في يو 6: 1 (عبر بحر الجليل وهو بحيرة طبرية) وتجعل المشهد يحصل بوضوح على الشاطىء الشرقي للبحيرة. فبعد أن مز يسوع في الناصرة (6: 1) سار في القرى المحيطة (6: 6 ب). وإيفادُ الرسل وذكرُ هيرودس وخبرُ مقتل يوحنا، كل هذا يرتبط ظاهراً بذات السياق الجليلي. حينذاك، وبعد أن رجع التلاميذ، أورد 6: 32 إنتقالاً إلى "موضع مقفر، على إنفراد". هل نحن في موضع على الشاطىء الشرقي؟ لا يقول متى ولا مرض بوضوح أن يسوع انتقل إلى عبر البحيرة. في أي حال، لا نستطيع أن نستند إلى آ 32 لنحدّد موقع تكثير الأرغفة. فبين 6: 33- 34، اللحمة هي تدوينية والموازاة مع معجزة الخبز الثانية حيث 8: 1- 2 أ يوافق 6: 34، تثبت أن معجزة الخبز الأولى تبدأ في هذه الآية. وهكذا يبدو أن 6: 30- 33 قد صاغها الإنجيلي بشكل انتقالة بين النصّ السابق وتكثير الأرغفة.
فبعد وقفة مر 6: 14- 29 والوقت الفاصل بين ذهاب التلاميذ وعودتهم، تشكل آ 30 (واجتمع الرسل) تضميناً مع آ 12- 13 (فخرجوا يدعون الناس). إن فعل "اجتمع" يرد خمس مرات عند مرقس (2: 2؛ 4: 1؛ 5: 21؛ 6: 30؛ 7: 1) في مقدمات تدوينية تسبق المقطوعات. أمّا آ 31- 33 فتقدّم "مسرحاً" ضرورياً لتكثير الأرغفة: تترابط العناصر بشكل مصطنع. فالكاتب يستقي كما في 7:3، 12، أموراً من السرد الذي يلي: المكان المقفر (آ 35)، الجمهور الكبير (آ 34). السفينة (آ 45)، فعل "فاغاين" (أكل) (آ 36، 37، 42، 44)، عبارة "على إنفراد" في آ 31، 32، و"إلى مكان مقفر" (رج 1: 45).
إن آ 33 تشبه شبهاً لافتاً آ 54- 56. وآ 31 تعنينا لأنها تتحدّث عن إنطلاق في السفينة. أعطى يسوع أمراً في آ 31، فنفّذ حالاً. إن السفينة (كما في 9:3 و4: 1) تجعل مسافة بين يسوع وتلاميذه من جهة، وبين الجموع من جهة أخرى. وبما أن ركوب القارب تبعه تكثير الخبز، فقد حدّده المدوّن في الشاطىء الشرقي بعد عبور من الشاطىء الغربي حيث التلاميذ مع يسوع. لكن عبارة "إلى الشاطىء المقابل" ليست موجودة هنا. غير أن الإنجيلي لم يميّز بين عبور من شاطىء، وبين مسيرة بمحاذاة الشاطىء كما قال شميدت. إذن، قد يشير مرقس إلى إنطلاق نحو الضفة الشرقية للبحيرة، فتدل آ 53 حينئذاك على عودة التلاميذ إلى الضفة الغربية بعد تكثير الأرغفة.

2- خاتمة المقطوعة (آ 51 ب- 52)
أ- أنا هو
هاتان الآيتان ترتبطان ارتباطاً وثيقاً بمقاطع أخرى فيها يتوسّع مرقس في موضوع "لا فهم" التلاميذ. ولكن قبل التوقّف عند هذه المقاطع، نتوقّف عند نظرة الإنجيلي إلى مخافة التلاميذ تجاه يسوع.
هذا ما تتحدّث عنه آ 49- 50 خلال السير على المياه. إذا حصرنا ذواتنا في السياق المحدّد، نفهم هذا الخوف بسهولة. وبعد ظهور يسوع على المياه وعبارة "أنا هو" (اغو ايمي) التي بها يعرّف يسوع عن نفسه، والأمر "لا تخافوا"، كل هذا يوافق أسلوب التيوفانيات. أما إذا أخذنا بعين الاعتبار مجمل الإنجيل الثاني، نلاحظ أن هذه المخافة التي أحسّوها تجاه يسوع قد رافقها بعض اللافهم الشبيه بما في آ 51 ب- 52. وقد نكون هنا في رأي المدوّن أمام بداية تفسيره الخاص الذي سيقوده إلى صياغة آ 51 ب- 52 من السير على المياه.
ان "اغوايمي" يحيط بها "إطمئنوا"، "لا تخافوا". فهي تعني في الدرجة الأولى: أنا هو يسوع. لم يعرفه التلاميذ وظنوا أنهم يرون خيالاً، فصحّح يسوع نظرتهم وطمأنهم. نجد هذه العبارة أيضاً في 13: 6 (أنا هو المسيح)؟ 62:14 (هل أنت المسيح؟ أنا هو) لو 39:24؛ يو 18: 5- 8. هذا التفسير الأول يثبته مت 28:14 الذي يجعل بطرس يقول: "يا رب، إن كنت أنت". ولكن حين نعرف الإطار الذي قيلت فيه هذه العبارة، فهي تتّخذ بروزاً خاصاً وبُعداً عميقاً يتجاوز "أنا هو" نقوله في ظروف عادية. هاتان الكلمتان تقابلان "أنا يهوه" في العبرية وهكذا يتماثل يسوع مع الله. ثم، إذ دلّ يسوع على نفسه ماشياً على المياه، أظهر نفسه لتلاميذه في ممارسة سلطة كونية خارقة لا يمارسها إلاّ الله.
في العهد القديم، حين يظهر الله ويدلّ على نفسه، يدعو المؤمن أن لا يخاف. في تك 15: 1 قال لابراهيم: لا تخف. في تك 24:26 وبعد أن تراءى لإسحق، قال له: لا تخف؛ رج تك 3:46 (يعقوب قبل ان ينزل إلى مصر)؛ قض 23:6 (جدعون) دا 10: 2، 29؛ طو 17:12. فهناك خطر مميت تحمله رؤية الله للإنسان. في تك 32: 11 قال يعقوب متعجباً إنه نجا بحياته بعدما رأى الله؛ خر 19: 21؛ 18:33- 23؛ لا 16: 2؛ عد 4: 20؛ قض 6: 22؛ 13: 21؛ أش 6: 5. ونجد عبارة "لا تخف" أو لا تخافوا في ظهورات العهد الجديد: مت 7:17؛ 28: 5، 10؛ لو 1: 13، 20؛ 9:2؛ أع 27: 24؛ رؤ 1: 17.
هذه النظرة السلبية إلى المخافة التي نقرأها هنا، تنكشف بوضوح في نهاية خبر تسكين العاصفة، ليس فقط في اللوم الذي وجّهه يسوع إلى راكبي السفينة لجبانتهم وقلة إيمانهم (4: 40)، نجل في إرتعابهم الذي أشارت إليه الخاتمة مع سؤال ظلّ من دون جواب فكشف عجزهم عن إدراك "هذا" (آ 41).
ونستطيع أن نقول الشيء عينه عن تصرّف مشوب بالخوف عند الجراسيين بعد شفاء مجنونهم (15:5). ونجد ذات الوضع "الأحمق" الذي نسب إلى التلاميذ في حواشٍ تدوينية رافقت الانباءين الثاني والثالث بالآلام. في 9: 32: "فما فهموا هذا الكلام، وخافوا أن يسألوه عنه". في 10: 32: "كان التلاميذ في حيرة والذين يتبعونه خائفين". وفي 9: 2، خلاله التجلي: "كان بطرس لا يعرف ما يقول من شدة الخوف".
وفي ذات إطار الابيفانيا، خافت النسوة الآتيات إلى قبر يسوع حين رأين الملاك: "رأينا شاباً جالساً عن اليمين فارتعبن. فقال لهن: لا ترتعبن" (16: 5- 6). نلاحظ التقارب مع 6: 50: "إطمئنّوا. أنا هو. لا تخافوا". فالخطأ نفسه الذي جعل بطرس يضيع في 6:9 (التجلي) منع النسوة من حمل بلاغ الملاك إلى التلاميذ: "من شدّة الحيرة والفزع لم يقلن لأحد شيئاً لأنهنّ كنّ خائفات" (8:16). هناك مقابلة بين صمت النسوة في هذا الحدث وعمى التلاميذ في 6: 51 ب- 52. ففي كلا الحالين، نحن أمام عجز "أساسي" عن إدراك سرّ يسوع والتعامل معه. حسب 18:11 خاف عظماء الكهنة والكتبة هم أيضاً من يسوع، وهذا ما يفسّر في نظر الإنجيلي قصدهم على قتله (كانوا يخافونه). ونجد الباعث نفسه أيضاً في 12: 12: خافوا من الجموع فما تجرأوا أن يقولوا ليسوع إن عماد يوحنا جاء من البشر. هنا يرتبط الخوف باستعدادات سيئة، بل بعداء تجاه يسوع وتجاه يوحنا المعمدان.
ولكن عبارة "لا تخافوا" في 6: 50 يجب أن نقرّبها من الكلمة التي وجّهها يسوع إلى يائيرس حين أخبروه عن موت ابنته: لا تخف. آمن فقط (36:5). إن الخوف يعارض الإيمان. هذا ما نفهمه خلال تسكين العاصفة: ما لكم خائفين؟ أما عندكم إيمان (4: 41)؟ وهكذا يبدو أن مرقس يربط بين المخافة وعدم الفهم أو عدم الإيمان تجاه يسوع. كل هذا يساعدنا على تفسير نهاية السير على المياه في الانجيل الثاني.
يبدو أن المقطعوة التقليدية انتهت بذكر صعود يسوع إلى السفينة (آ 51 أ). فلهذه الفعلة أهميتها لأنها تدلّ على واقع المعجزة، كما تبرهن على أن يسوع بلحمه ودمه هو الذي اجترحها. وهكذا يثبت يسوع كلمته في آ 10 للتلاميذ ويكذّب شعورهم بأنهم يرون شبحاً.
ب- آ 51 ب: سكون الريح ودهشة التلاميذ
ان فعل "سكن" (كوبازو) موجود في آ 51 ب 4: 39 ومت 14: 32. هو يحدّثنا عن سكون الريح. قد نكون هنا أمام معجزة ثانية. فتتسجّل الظاهرة في إمتداد ما سبق وتعود إلى السياق العجائبي نفسه. هي سفينة الكنيسة تتوجّه إلى العالم الوثني. أيمكن أن يكون يسوع غائباً عنها؟ فالريح والأمواج تقاوم هذه السفينة. ولكن حضور يسوع سيعيد الهدوء في العالم الوثني كما أعاده في العالم اليهودي (4: 39).
ان تسلّط يسوع على عناصر الكون تفترض أيضاً أن له القدرة على مساعدة البشر في صراعهم مع قوى الكون. وهكذا يصبح ظهور يسوع على المياه أكثر من ابيفانيا (ظهور إلهي). إنه عمل إنقاذ قام به كما فعل الله مع أتقيائه (مز 107: 23- 30: هدّأ الزوبعة. أنقذهم من سوء حالهم).
أما ذهل التلاميذ (ودهشتهم) في آ 51 فهو يرافق عدم فهمهم وعماهم كما سنرى في آ 52. هذا ما شدّد عليه مرقس وهو الذي صوّر لنا التلاميذ مراراً عاجزين عن إدراك المعنى الحقيقي لأعمال يسوع وأقواله. نقرأ في 18:7: "أنتم لا تفهمون". في 14:8 ي؛ وبمناسبة كل انباء بالآلام (8: 32- 33؛ 9: 30 ي؛ 10: 32 ي). وبعد التجلي (9: 10). إن مرقس يربط الخوف عند التلاميذ مع عدم الفهم في 9: 32. والذهول مع الخوف في 10: 32. وهكذا يحدّد الإنجيلي وضعهم بالنسبة إلى يسوع. 
في 24:10، 26، نقرأ عن استغراب التلاميذ بهما في 6: 51. لسنا أمام الاعجاب، بل أمام عدم الفهم (إستغرب التلاميذ كلامه). ويزداد الاستغراب بعد هذا (26:10). تلك هي عاطفة التلاميذ بعد سكون الريح. دهشوا، استغربوا، لم يفهموا.
ج- آ 52: عدم فهم وعمى لدى التلاميذ
نحن نجد هذا الموضوع عينه في عدة مقاطع لدى مرقس (4: 10؛ 17:7- 18...). دهش التلاميذ لأنهم لم يفهموا. فقلوبهم كانت عمياء. ويُذكر الخبز كموضوع لم يقدروا أن يفهموه. لا شكّ في أن مرقس يشير إلى معجزة الخبز الأولى التي تسبق السير على المياه. ترد كلمة قلب مراراً عند مرقس وهي تدلّ كما في العالم السامي على مركز الفهم والانتباه. وعندما يكون القلب أعمى، هذا يعني أن الإنسان لا يستطيع أن يُدرك الأمور.
لن نتوقّف عند هذا الخبر فقط لكي نتحدّث عن عدم فهم لدى التلاميذ. فمعجزة الخبز لا تدلّ على أنهم كانوا غريبين عنها. ثم حيرتهم أمام يسوع الماشي على المياه، أمر معقول. ولكن مرقس يقرأ الإنجيل كله من خلال هذه الآية. حين تحدّث يسوع عمّا ينجّس الانسان (17:7 - 18)، وأورد الأمثال (4: 10)، وأشار إلى خمير الفريسيين (8: 14- 21)، دلّ على قرب التلاميذ من الناس، بل على الذين هم "من الخارج". إنهم لا يفهمون يسوع ولا يستطيعون أن يفهموه (8: 21). فبعد معجزة أولى (تكثير الأرغفة) ومعجزة ثانية، لم يستطع يسوع أن يخرجهم من "نومهم" وغفلتهم الروحية. بهذه الطريقة السلبية (لاَ فهم)، أبرز مرقس الطابع السري لشخص يسوع الذي لا يُدرك.
ان القسم الأول (ف 1- 8) من الإنجيل ينقسم إلى ثلاثة أجزاء. الأول يبدأ في 1: 14 وينتهي في 3: 6 فيشير إلى عداء الفريسيين والهيرودسيين. والثاني ينتهي بإِشارة إلى عدم إيمان لدى أبناء موطن يسوع (6:6 أ). والثالث: العمى في قلب التلاميذ. نحن هنا في جوّ من المفارقة لا سيما حين نعرف أن هذا الجزء الثالث بدأ لإرسال التلاميذ الذين كرزوا بالتوبة وطردوا الشياطين وشفوا المرضى وبدوا كمشاركين ليسوع في عمله (7:6- 13). ومع ذلك، فهم لا يدركون حقاً من هو يسوع: هم الذين "أعطي لهم سر ملكوت الله" (4: 11). الذين فسّر لهم يسوع كل الأمثال (4: 33) لا يفهمون. لهم عيون ولا يبصرون. لهم آذان ولا يسمعون (18:8). وعمى قلبهم (6: 52؛ 17:8) جعلهم على مستوى الحاضرين البلداء الذين شاهدوا شفاء الإنسان ذات اليد اليابسة (3: 5- 6). هم لم يفهموا حتى بعد معجزتين لتكثير الأرغفة. وهكذا يبدو أن مرقس يريد أن يحيط مسيحانية يسوع بسرّ عميق قبل أن يجعل بطرس يعلن: "أنت المسيح".

 

 

الفصل الخامس والثلاثون
أشفية متعدّدة
6: 53- 56

درس الشرّاح ثلاث إجمالات رئيسية في إنجيل مرقس: 1: 32-34؛ 3: 7-12؛ 6: 53-56. هذه المقاطع تستحقّ إنتباهاً خاصاً، لأنها تنتج عن نشاط الإنجيلي التدويني، فتدلّ بشكل مباشر على تفسيره الشخصي لمعجزات يسوع. إن هذه الإجمالات (مع 1: 39 التي تذكر بإيجاز طرد الشياطين على يد يسوع) تلعب دوراً كبيراً في تأليف الإنجيل وفي قرائن الأخبار الخاصة بالمعجزات. فإن 1: 32- 34 ينهي ما سمي "اليوم الأول" في رسالة يسوع في كفرناحوم (1: 21- 34). ثم تبدأ 3: 7- 12 مجموعة أوسع تتضمّن عدة أخبار من المعجزات الهامة. إن 3: 7- 12 و6: 53-56 تشدّدان على التعارض بين موقف يسوع وموقف خصومه. تختلف الإجمالات عن أخبار المعجزات المعزلة، فتجعلنا نحسّ أننا أمام عدة معجزات متشابهة. وبما أنها تظهر في الجزء الأول من إنجيل مرقس (1: 1-8: 26)، فهي تبيّن لنا تواصل نشاط يسوع كصانع معجزات.

1- شرح النص
ينتقل لوقا حالاً من تكثير الخبز إلى اعتراف بطرس، ولهذا لا نجد عنده ما يوازي هذا النصّ. عند يوحنا، وبعد مشهد الخبز، صعد التلاميذ في السفينة ليذهبوا إلى كفرناحوم (6: 17) حيث يصلون ساعة انضمّ إليهم يسود بعد أن مشى على البحر (6: 21، 24). وفي مجمع هذه المدينة تلفظ بالخطبة عن خبز الحياة (6: 59).
مع مرقس نصل إلى جنسارت، جنوبي كفرناحوم. هذه الإشارة لا تتوافق مع آ 45. لهذا قام الشرّاح بالتصحيحات العديدة.
إن آ 53-56 تشكّل نبذة شبيهة بما في 1: 32-34 و7:3-12. إنها تستبق الأحداث. في آ 54، عرف أهل كفرناحوم (أو أهل هذه المنطقة) بيسوع، نشروا الخبر عن وصوله (آ 55 أ). في آ 55 ب، تتّبعوا يسوع إلى حيث يمضي ليحملوا إليه المرضى. في آ 56، جاء إليه أهل كل قرية وكل مدينة دخل إليها، وهم يحملون المرضى. نحن هنا أمام ملخّص لما سيحصل في الفصول التالية (رج 7: 24- 25، 32؛ 8: 22؛ 9: 17).
أما متّى (14: 34-36) الذي لا يبدو نصّه بشكل نبذة واضحة، فقد أوجز معطيات مرقس. أعلم أهل جنسارت كلَّ المنطقة بمجيء يسوع، فجاؤوا إليه بالمرضى.
ويدلّنا مرقس مرة أخرى على تحرّكات الجموع بالنظر إلى تحركات يسوع. لا تشير هذه النبذة إلى أي نشاط تعليمي. ومن الواضح أن يسوع تزحمه الجموع من جديد وهو الذي نزل إلى مكان ظنّ أنه يكون فيه وحده.
لماذا جاء الناس إليه؟ لماذا طلبوه؟ لأنه صنع ما صنع. فالأشفية تتمّ بمجرّد أن يلمسه المرضى. لا حديث عن الشياطين كما في 3: 11. ومهما يكن من أمر، فإن 3: 7-12 و 6: 53- 56 تتكلّمان عن أشفية لا يتدخّل فيها الإيمان بشكل مباشر، وإن تدخّل فهو لا يختلف عن ذاك الذي يقود المرضى أو أقرباءهم إلى "الشفّائين". إن هذه الأشفية تشبه تكثير الأرغفة: هي معجزات ومناسبات حلوة، ولكنها ليست آيات "تدلّ" على يسوع يبقى أن يسوع لم يرفض أن يجترحها، أو هو أجبر على اجتراحها.
نعمة يسوع هي التي خلّصتهم، لا إيمانهم. فالإيمان هو جواب تنتظره النعمة، وليس من خلاص تام إلا حيث نعي هذا الخلاص ونتعلّق به. ولكن النعمة تعرف أن تنتظر وتنتظر طويلاً. هي تشفي مرضى الجليل الذين لا يحملون معهم إلا صراخهم. فقد يفهمون في يوم من الأيام ما حصل لهم حقاً. فكان شفاؤهم علامة تدلّ عليه.
خاف يسوع من زحمة الجموع، ولهذا أراد أن تكون رسالته تعليماً يقود إلى الإيمان. وهكذا يربّي تلاميذ أحراراً واعين يستطيعون أن يحدّدوا موقعهم كمسؤولين أمام إنجيل نعمة الله. ولكنه علم، شأنه شأن موسى، أنه سيكون أمام شعب ماتت فيه النفس، ولا بدّ من حمل الخلاص إليه. لهذا، لم يرفض في النهاية هجمة الجموع. بل اجترح من أجلهم معجزات عرف أنها لن تكون علامة تضيء مسيحانيته بل "إندفاعاً" يلقي الظلمة على هويّته الحقّة.

2- دراسة نقدية
إعتبر بعض الشرّاح أن هذه القطعة مأخوذة من التقليد. وهي تجمع إجمالتين مختلفتين دُمِجَتا فيما بعد إنطلاقاً من نبذات أخذت من أخبار خاصة. إن آ 55 ترتبط بنص 2: 1- 10 (مخلّع كفرناحوم). وآ 56 بنصّ 5: 24- 34 (شفاء النازفة). ولكن يبدو أنه لا شك في الطابع التدويني لنص 6: 54-56. وهذا واضح إذا قابلناه مع 1: 32- 34؛ 3: 7- 12؛ 6: 31- 33.
إنطلق مرقس من أسلوب تعرّفنا إليه، فاستعاد "تصويره" من عدة أخبار تقليدية عن المعجزات. في آ 55، "على فرش" تذكّرنا بمقطوعة المخلّع حيث ترد كلمة "فراش" أربع مرات (2: 4، 9، 11، 12). وفي آ 56، يذكّرنا فعل "التمس" بما يفعله طالبو الشفاء (1: 40؛ 5: 23؛ 7: 32؛ 8: 22). ثم إن نهاية الآية "لكي يلمسوا طرف ثوبه. وكل من لمسه كان يبرأ" ترتبط بما في 5: 28 ("إن لمستُ ولو ثيابه"، النازفة). 
أما آ 53، فيبدو أنها الخاتمة التقليدية لتكثير الخبزات الأول (ما عدا: إلى البرّ التي زادها متى بالعودة إلى الحدث السابق الذي هو سير على البحر).
وهكذا يبدو أن إجمالة 6: 53-56 هي من تأليف مرقس وتختلف عن 1: 32-34 بأنها لم تلعب وظيفة الخاتمة. وتختلف عن 3: 7-12 بأنها لا تلعب وظيفة المقدمة. إنها بالأحرى تشكّل انتقالة فيها يصوّر مرقس وضعاً مشابهاً لوضع مقدمة تكثير الأرغفة الأول: الشعب يتراكض إلى يسوع في تكثير الأرغفة، دلّ على شفقته حين علم الجموع (6: 34) وأطعمها (6: 35 ي). وفي 6: 53- 56، شفى المرضى. وما يولّد الشفاء هو "اللمس" هنا (آ 56) وفي 3: 10. تقول 3: 10 إن الناس يحاولون أن يلمسوا يسوع، ولكنها لا تقدّم إيضاحاً آخر. أما هنا فيقول النصّ: أن يلمسوا ولو هدب ردائه، ولو طرف ثوبه. في 5: 27، 28، 30، نحن أمام "ثوبه" أو "ثيابه". لا أمام هدب (طرف) ثوبه (كما في مت 9: 21؛ لو 8، 44؛ رج مت 23: 5). حسب عد 15: 38 ي، كان على اليهود أن يصنعوا لهم أهداباً على أذيال ثيابهم. وقال تث 22: 12: "إصنع لك أهداباً في أربعة أطراف ثوبك الذي ترتديه".
لماذا أضاف مرقس هذا التفصيل؟ ليدلّ على فاعلية لمس يسوع من أجل الخلاص. يكفي أن نلمس "طرف ثوبه". في أع 5: 15، إستلهم لوقا هذا النص فتحدّث عن "ظلّ بطرس" وقوته الشفائية: "كانوا يحملون مرضاهم إلى الشوارع ويضعونهم على الأسرّة والفرش، حتى إذا مرّ بطرس يقع ولو ظله على واحد منهم". وقال لوقا الشيء عينه عن بولس: "وكان الله يجري على يد بولس معجزات عجيبة، حتى صار الناس يأخذون إلى مرضاهم ما لامس جسده من مناديل أو مآزر، فتزول الأمراض عنهم، وتخرج الأرواح الشريرة" (أع 19: 11- 12).
نشير هنا إلى أن 6: 53-56 لا تتحدّث عن طرد الشياطين. كما لا نجد فيها أي تلميح إلى السر المسيحاني. إن مر 6-8 لا يتضمّن أي خبر عن طرد الشياطين. فإن 7: 24- 30 ليس "طرداً" بكل معنى الكلمة. المهم في هذه المقطوعة هو الحوار بين يسوع والسورية الفينيقية، والمعجزة تكمن في الشفاء عن بُعد.
فسّر أحدهم توافد الجموع كتعبير عن عماها: فهي في نظر مرقس متعطشة إلى المعجزات. وقال آخر: لا يريد مرقس هنا أن ينتقد موقف الجموع، ولكن (كما في 6: 33 ي) أن يبرز شقاءها وشفقة يسوع عليها لأنها "كخراف لا راعي لها" (6: 34). أما نحن فنتساءل: أما يشير مرقس مرة أخرى، وعن طريق المفارقة، إلى سرّ شخص يسوع الذي لا يُدرك؟ فانتشار قوته العجائبية والنجاح الذي لقيه لدى الجموع، لم يجعلا هذه الجموع تعترف بمسيحانيته. ففي منطق غريب، بقدر ما تظهر هذه المسيحانية، بالقدر عينه يصعب إدراكها. وهذا واضح بالنسبة إلى التلاميذ حين العودة إلى تكثيرَيْ الأرغفة في 8: 14 21.
إذا أردنا أن نفهم إجمالة 6: 53- 56، يجب أن نأخذ بعين الإعتبار السياق السابق الذي يرتبط به. ففي منظار الكاتب الإنجيلي، يشكّل 6: 30- 56 مجموعة واحدة. وهو يضمّ خبرين تقليديين: تكثير الخبزات الأول (6: 35- 44، 53) والسير على المياه (د: 45- 51 أ). كلا الخبرين يكشفان كشفاً مميّزاً شخصية يسوع. ولكن لم يفهمهما التلاميذ، وهذا ما يشدّد عليه الإنجيل بقوة (6: 51 ج- 52). لا شك في أن مرقس لا يصوّر تصرّف الجموع بألوان قاسية كما صوّر تصرّف التلاميذ. ولكن النبذتين التدوينيّتين في 6: 31-33 و 6: 54-56 اللتين تحيطان بتكثير الأرغفة والسير على المياه، لا تُستخدمان فقط لتدلاّ على حماس الجموع. فسواء تراكضت الجموع أو تهرب يسوع منها، فهي لا تزال تجهل من هو.
هنا نشير إلى التوالي في 6: 30- 56 بين اعتزال يسوع وقربه بالنسبة إلى الجموع: في 6: 31- 32، حاول أن يذهب إلى "موضع قفر" مع التلاميذ. في 6: 33، سبقته الجموع إلى هناك، فعلّمها وأطعمها في 6: 34- 44. في 6: 45 ي، أطلق الجموع، وانفصل أيضاً عن تلاميذه. ثم انضمّ إلى تلاميذه وهو يسير على المياه. في 6: 53-56 وجده الجمع من جديد وأخذ يزحمه.
في هذا المجال، نلاحظ غياب ردّة الفعل (وهذا أمرٌ غريب) عند الجموع بعد تكثير الأرغفة الأول: إستفادت من الطعام، ولكنها لم تعِ أبعاد المعجزة. وبشكل مماثل نقول عن الأشفية المذكورة في 6: 54-56 كما في 1: 32-34؛ 3: 7-10. إنها لا تحرّك وعياً تجاه الذي قام بها. أما ظهور يسوع على البحر، فهو محفوظ للتلاميذ الذين لم يفهموه (6: 52). كان عليهم أن يفهموا، لهذا ذكر عماهم بشكل واضح. أما بالنسبة إلى الجموع، فلا يمكن أن تفهم. ومعجزات يسوع، مهما كانت عديدة وساطعة، فهي تخفي مسيحانيته أكثر مما تكشفها.
ج- نشاط يسوع الخلاصي
يبدو يسوع في 6: 53-56 وفي 1: 32-34؛ 3: 7-12 ذاك المجترح المعجزات والشافى الشعبي و"مخلّص" المرضى والممسوسين. تزاحمت حوله جموع متراصّة وانتظرت منه الشفاء من آلامها. حاولت أن "تلمسه" وهي مقتنعة أنها بهذه الطريقة تستفيد من سلطته الشفائية. في هذه الإجمالات، لا يذكر الإيمان كشرط سابق للمعجزة. فتصّرف الجمع يعبّر بالأحرى عن ثقة "سحرية" بقدرة يسوع. ولكن مرقس لا ينتقد هذا التصرّف انتقاداً مباشراً.
يرى مرقس أن عمل يسوع الخلاصي يكوّن واقعاً تاريخياً لا جدال فيه. وهو لا يطرح سؤالاً حول الاعتقاد الشعبي بالمعجزات. ولكن هذه الأحداث التي يذكرها، لا ترتدي في نظره أهمية حاسمة. المهمّ هو الإنجيل. فمرقس يجعله المضمونَ الأساسي وعنوان كتابه (1: 1) وقلب برنامج يسوع (1: 14 ي). وإن لم ترد الكلمة إلا ثلاث مرات في هذه الإجمالات الثلاث، وإن لم يكن هناك أي تلميح إلى كرازة يسوع، يجب علينا أن نفهمها إنطلاقاً من الإنجيل. لقد اعتاد البعض أن يميّزوا بين كرازة "الإنجيل" والمعجزات، كما يميّزون بين القول والعمل. لهذا، كنا سننتظر بعد 1: 1 و1: 14 ي توضيحاً موسّعاً لكرازة "الإنجيل". في الواقع، تبقى حصة مرقس من كلمات يسوع محصورة، وهي تقوم أساساً في خطبتي 4: 1-34 و13: 1 ي اللتين تميّزان مضمون تعليم يسوع. مع العلم أن الأمثال (ف 4) لا تقدّم هذا التعليم إلا ببعض أمثلة تشدّد بالأحرى على "النتيجة" (تحجب أكثر مما تبيّن).
من المدهش أن لا يتضمّن أول يوم من رسالة يسوع في كفرناحوم أي توسّع عن أقوال يسوع، مع أن 1: 21 ي أشار إلى تعليمه في المجمع. في الواقع، لا نجد إلا توسيعاً عن الأشفية. ثم تعجّب الشهود بعد طرد الشيطان في 1: 27: "ما هذا؟ إنه تعليم جديد يُلقى بسلطان".
ولكن هذا التعجّب يتّخذ مدلولاً خاصاً لأنه لا يستند إلى خطبة سابقة ليسوع، بل إلى عمل قام به يسوع.
نستطيع أن نستنتج أن "الإنجيل" والأشفية العجائبية لا تتجاوران فقط، بل تتداخلان. فالضيق الذي تحسّ به الجموع يحرّك يسوع، والطريقة الملتبسة التي بها تعبّر عن انتظارها (3: 10؛ 6: 56) تكفي لتدفع يسوع من أجل عمله الخلاصي. لم يُطلب إيمان "كرستولوجي"، إيمان بيسوع المسيح. غير أن "الإنجيل" عند مرقس لا ينحصر في أشفية تمّت على يد يسوع. فهذه الأشفية قد انطبعت "بفرض السر" وشكّلت فقط "صورة سابقة" "لإنجيل يسوع المسيح ابن الله" (1: 1) الذي لم يكشف بعد. فالأمر بالصمت إلى الشياطين يعبّر عن هذا التقليد في إعلان المسيح (1: 34؛ 3: 12). ولكن أشفية يسوع تدلّ في الوقت عينه عمّا سيعلن كـ "إنجيل" منذ الآن، أي "كشف عن السرّ المسيحاني". فبالنسبة إلى هذا الإنجيل، لم يُظهر خصومُ يسوع وتلاميذه سوى اللافهم والعمى. فالمرضى الذين توافدوا إلى يسوع قد نالوا منه وحدهم "الخلاص" (6: 56) لأن الضيق الذي يعيشون فيه وغياب كل فكر مسبق، هيآّهم "للإنجيل".

 

 

الفصل السادس والثلاثون
وصية الله وفرائض البشر
7: 1-23

تحتلّ هذه القطعة الكبيرة (7: 1-23) في داخل انجيل مرقس مكانة هامة جداً: فهذه المجموعة الثانية من خطب يسمع قد جعلها الإنجيلي حالاً بعد تصوير نشاط يسوع في أرض وثنية. فهذا النصّ الذي وصل إلى مرقس، قد أعاد مرقس كتابته وقدّمه كاعلان مبدأي سيطبّق يسوع متطلّباته في اعماله. الغى يسوع التمييز بين ما هو طاهر وما هو نجس. فالله لا يريد حواجز بين البشر. ليس هناك إلا حواجز يضعها البشر الذين تجاهلوا إرادة الله. فلا بدّ من هدمها واقتلاعها، لأن ملكوت الله قد اقترب (15:1).
إن جدال يسوع مع الفريسيين والذين يعتبرون نفوسهم المدافعين عن "تقليد الأقدمين" وعن شريعة موسى، هذا الجدال يجد مكانه في حركة التجمع التي دشّنها يسوع والتي فيها ألغيت الحدود التي تفصل بين الأبرار والخطأة (2: 15-17)، بين الانقياء والنجسين، وبالتالي بين اليهود والوثنيين (كما سنرى في بداية الرسالة المسيحية). إن خبر تجميع كل البشر باسم ملكوت الله، كما بدأه يسوع، ينعكس أيضاً في الوحدة النصوصية في مر 7: 1-23. هذه الوحدة تألفت من عدّة عناصر من التقليد. جُمعت في مراحل تاريخية متعاقبة حتى وصلت إلى مرقس الذي دوّن انجيله حوالي سنة 70 من أجل جماعة مسيحية يسيطر فيها العنصر الوثني.
إن هذا الجدال الطويل مع الفريسيين حول التقاليد، حول الطاهر والنجس، يتعارض مع نجاح يسوع لدى الجموع (نجد التعارض عينه في 2: 1-3: 6؛ 3: 10- 35؛ 6: 1-6)، ويجد مكانه قبل انطلاق يسوع إلى خارج الجليل (آ 24: إنطلق إلى نواحي صور وصيدا). سيعطينا يسوع فهماً جديداً لإرادة الله حول الطاهر والنجس، وهكذا يصبح الاتصال ممكناً بين اليهود والوثنيين في داخل الكنيسة. هذا ما فهمه بطرس قبل أن يذهب إلى بيت كورنيليوس الوثني (أع 10: 15: ما أعلنه الله طاهراً، فلا تدْعُه أنت نجساً).

1- النصّ الأدبي
في بداية هذا النصّ، جعلنا مرقس نشهد تجمّعاً حول يسوع (آ أ؛ رج 6: 30). ولكن هذا التجمّع يتألّف من الفريسيين وبعض الكتبة. فالاولون اختفوا ولم يعودوا يظهرون منذ القرار الذي اتخذوه بقتل يسوع بالإتفاق مع الهيرودسيين (3: 6). والكتبة كانوا قد بدأوا جدالاً حول بعل زبول في بداية المرحلة الثانية (3: 22). وها هم الآن يبدأون جدالاً جديداً يدخل فيه التلاميذ بسبب تصرّفهم "المشكّك". بعد هذا، يدعو يسوع الجموع إليه (آ 14) ليعطيهم مثلاً جديداً سيسأل التلاميذ عن معناه (آ 17) فيدلون مرة جديدة على أنهم لا يفهمون ما يقوله يسوع.
أ- من خلال الازائيين
نجد عند لوقا (11: 37- 41) نقلاً لهذا الحدث إلى إطار آخر. وموضوع الهجوم ليس التلاميذ بل يسوع نفسه (لم يغتسل قبل الأكل). نصّ لوقا قصير. فقد اعتبر الانجيلي الثالث أن مثل هذه الاسئلة التي عالجها متّى (15: 1-20) ومرقس لا تهمّ قرّاء كتابه بشكل خاصّ. 
ونحن، هل نعتبر هذا النصّ وكأن الزمن قد تجاوزه؟ أنظنّ أيضاً أن مت 23 صار "عتيقاً" لأننا بعيدون عن إهمال الشريعة التي تطلب دفع العشر للنعنع والسذاب والكمّون؟ لا بدّ لنا من تمييز الروح فلا نبقى على مستوى الحرف.
إختلف متّى ومرقس عن لوقا، فتوسّعا طويلاً في حادث "الأيدي النجسة" (عير طاهرة، غير مغسولة). يمكن أن يكون النصّ الذي ندرس حاملاً تعاليم أعطيت في ظروف مختلفة. وهذا ما تستشّفه من عبارات تبدأ آ 9 (وقال لهم أيضاً)، آ 14 (ثم عاد فدعا الجمع وقالت لهم)، آ 17 (سأله تلاميذه عن المثل، فقاله لهم). ونستطيع أيضاً أن نرى في آ 18 ب، 23 (أفلا تفهمون أن كل ما يدخل الإنسان...) آثاراً لكرازة الكنيسة الأولى. فالاهتمام بتكوين مجموعة من عناصر تعود إلى تقاليد مختلفة، توافق أهمية المسائل التي شغلت الجماعات المسيحية في أيام مرقس. وذلك بسبب وجود وثنيين ويهود (يهتمّون بالطهارة الطقسية) داخل الجماعة الواحدة. هل يشاركون في الطعام الواحد؟ هل يجتمعون في المكان الواحد؛ أما هناك خطر بأن "يتنجّس" اليهودي بقرب الوثني؟ في هذه الحال، ما معنى التلمذة لاسم يسوع؟ وما معنى المعمودية الواحدة التي تلغي الفوارق بين يهودي ووثني، بين عبد وحرّ، بين رجل وأمرأة؟
أوُجد هذا النصّ قبل مرقس أم جُمع في أيام مرقس، فهو يعود بنا إلى المسيح، ولهذا فهو يعنينا. هنا لا ننسى أن الإنجيل وصل إلينا عبر كتابات دوّنها بشر. تسلّموها فنقلوا تعليم الخلاص في ظروف خاصة لم تكن الاهتمامات فيها هي هي. لا نجد في لوقا ما يوازي نصّ مرقس الذي توسّع طويلاً في هذه المواد التي وصلت إليه.
ولكن هل يعني هذا البناء (هذا التدوين) أننا لا نصل إلى انجيل يسوع؟ هل صارت الجماعات المسيحية حاجزاً بيننا وبين يسوع؟ كلا. إنها مرآة عما عاشه يسوع وعمله وقاله. ثم إذا كانت هذه الجماعات قد "خلقت" الإنجيل، فالإنجيل خلقها وهو يسمعنا صوت يسوع من خلال أصواتها واسئلتها وقلقها وإيمانها. يكفي هنا أن نتذكّر آ 5 (ما يخرج من الإنسان...) وما كلّف الكنيسة من جهود لكي تتقبّله (رج روم 12: 2- 3؛ 1 كور 8: 1-3؛ 10: 25-28؛ غل 2: 11-13، كو 2: 20- 22).
بدا متّى قريباً جداً من مرقس ما عدا الاعتراضة في مر 7: 2-5 التي فيها يفسّر مرقس لقرائه الوثنيين عوائد يهودية لا يفهمونها. وبعد أن شرح يسوع معنى المثل للجمع (مت 15: 10- 11؛ مر 7: 14-15)، زاد متّى (آ 12- 14) حواراً بين يسوع والتلاميذ حول تشكّك الفريسيين ممّا قاله يسوع: "هم عميان يقودون عمياناً" (مت 15: 14؛ رج لو 6: 39). 
ب- بعض الملاحظات
الاولى: ذُكر الفريسيون والكتبة معاً. لقد اعتاد متّى أن يجعل هاتين الفئتين معاً في معارضتهما ليسوع (مت 5: 20؛ 12: 38؛ 23: 2-7). كان معظم الكتبة ينتمون إل حزب الفريسيين، لاسيّما بعد سقوط الهيكل (سنة 70) وزمن تدوين إنجيل مرقس.
الثانية: تقليد الشيوخ هو مجموعة من الفرائض الشفهية التي تعود إلى موسى، كما يقولون، فتكّمل الشريعة المكتوبة. كانت تفاسير في مدارس الرابانيين فتجمعت كتابة في المشناة في القرن الثاني ب. م. قبل أن تنتقل إلى التلمود. سمّاها مر 7: 8 "تقليد الناس" ومر 7: 9، 13 (رج مت 15: 3، 6): "تقليدكم". أما يوسيفوس فسمّاها: "تقليد الآباء".
الثالثة: غسل الايدي (حتى المعصم). نحن هنا أمام عادة طقوسية ترجع إلى ديانة بني اسرائيل القديمة. فحسب خر 30: 17- 21 (رج تث 21: 6)، يجب على الكهنة أن يغسلوا أيديهم قبل الخدمة الليتورجية. أخذ عالم الفتاوى هذه الفريضة وعمّمها بطريقة غير شرعية على "جميع اليهود"، أي على الشعب البسيط. وهكذا فرض الفريسيون على الشعب ممارسة الاغتسال الطقوسي قبل الطعام (فالطعام هو في نظرهم عمل ديني لأنه يبدأ بالمباركة) وبعده. أما أهل قمران فلم يكتفوا بغسل الأيدي، بل كانوا يغتسلون كلهم في أحواض وجدت في مغاورهم. لم يخضع يسوع لهذه الفريضة (لو 11: 38). ولكن الفريسيين لم يتجاسروا على مهاجمته، فاتهموا التلاميذ.
الرابعة: إن الديانة الطقوسية تريد أن تحاسب الديانة الروحية التي يعلنها يسوع. أجاب الرب معطياً المبادىء التي تتيح للشريعة القديمة أن تتحرّر من تقاليد الناس التي تخنقها، وأن تتفتّح في إنجيل الحرية. بدأ يسوع تعليمه عن الاغتسال (آ 1-9)، ثم عاد فتعمّق في مسألة عامة، هي مسألة الطاهر والنجس. بانتظار أن يعلن أن ديانة الشفتين يجب أن تتفتّح على ديانة القلب.

2- تقليد الشيوخ (7: 1-13)
لا نجد في بداية النصّ إشارة إلى الزمان أو المكان. إن نهاية آ 1 تتيح لنا أن نفترض أننا ما زلنا في الجليل. أما المواضيع التي ستطرح، وفن الخبر الادبي، كل هذا يجعلنا قريبين من 2: 13-3: 6.
أ- السؤال الحقيقي
ولكن يبدو أن الوضع مال إلى التصلّب. فالجدالات حول مؤاكلة الخطأة، حول الصوم والسبت (2: 13-28)، هي مناسبات يقدّم فيها يسوع أجوبة تختلف عمّا في 7: 6-13. كان هناك عودة إلى العقل السليم، وبعض المنطق وروح المداعبة (2: 17، 19، 21- 22: ليس الأصحّاء بحاجة إلى مريض؟ هل يصوم أهل العرس؟ هل يرقع ثوب بال برقعة جديدة؟). والعودة إلى العهد القديم ظلّت على المستوى التاريخي. العنصر الدارماتيكي حاضر (21: 20) والروح العدوانية حاضرة (2: 16، 21- 22). ولكن الهجوم ظلّ غير مباشر. أما مع ف 7، فالأمور اختلفت كلياً.
سألوا يسوع: لماذا بعض تلاميذه لا يتبعون "تقليد الشيوخ" (آ 5)؟ قد لا يكون يسوع هو الذي أعفاهم من الاغتسال قبل الطعام. فأصلهم الوضيع قد يكون جعلهم جاهلين لهذه الفريضة التي يشدّد عليها الفريسيون. ولكن محاوري يسوع دهشوا، لأن تلاميذ هذا "الرابي" يتصرّفون كما يتصرّف عامّة الشعب.
قيل مراراً إن يسوع لم يكن يجيب حقاً عن السؤال، بل ينتقل إلى الهجوم ويرفع مستوى الجدال. ولكن في الواقع، إن يسوع يجيب كاشفاً ما يعني السؤال في العمق. وهذا ما فعله هنا.
الموضوع هنا هو النجاسة (لا نتحدّث عن أوساخ الجسد). فما هي هذه النجاسة التي يخاف منها الفريسيون والتي تدفعهم لكي يكونوا أطهاراً ويطهّروا الأشياء التي يستعملونها؟ هناك اتصالات لا بدّ منها مع أشياء غير طاهرة (نجسة). وهذه الاشياء هي نجسة لأنها تخصّ اناساً "نجسين"، تخص الوثنيين أو الخطأة، أو قد يكونون لمسوها. وهكذا يحدّد الاهتمام بالطهارة حكم على القريب يدفعنا إلى الإنفصال عنه لانه نجس (كوينوس) وبالتالي خَطِر. وهذا الانفصال يتحقّق بالإغتسال، بغسل الآنية والاثاث والبيت...
بعد هذا، تبدو رغبة الفريسي في تجنّب النجاسة، التي هي خطيئة تفصل عن الله، تبدو الخطيئةَ العظمى التي تفصلنا عن الله وتطلب منا ان ننفصل عن القريب.
يظنّ الفريسي أنه يحتفظ من النجاسات لأنه يهتمّ بقداسة الله. في الواقع، هو يسيء إلى هذه القداسة لأنه يحتفظ من الإنسان النجس في نظره والمقدّس في نظر الله. في الواقع، هو يهتمّ بنفسه. هذا ما رآه يسوع الذي شدّد على الخطيئة ضد الوالدين (آ 10-13) بشكل خاص، والخطايا ضد القريب (آ 21- 22) بشكل عام مثل القتل والزنى والطمع... لا يعي الكتبة والفريسيون ما هو وراء سؤالهم، فلو وعوه لحدّدوا موقعهم الروحي الحقيقي. هم لا يتهرّبون من الأشياء النجسة، بل من الأشخاص. هذا هو السؤال الجوهري الذي يردّ عليه يسوع.
ب- تقليد الشيوخ وكلمة الله
ولكن هل "تقليد الشيوخ" هو حقاً في خدمة الله، في خدمة كلمته وشريعته؟ أم هو في خدمة الذين يتقبّلونه في حياتهم وينقلونه إلى الآخرين؟
إنطلق الكتبة والفريسيون من تقليد الشيوخ وهاجموا التلاميذ. أما يسوع فانطلق من الكتاب المقدس، من العهد القديم، فأورد نصوصه على دفعتين. في الايراد الأول، يقدّم بشكل غير مباشر حكماً عاماً على المدافعين عن التقليد. في الايراد الثاني إتخذ حالة محدّدة تحكم فيها الشريعة عليهم لأنهم تجاوزوها.
في إنجيل متّى، بدأ يسوع جوابه راداً السؤال إلى خصومه، قبل أن يعود إلى نصّ أشعيا (مت 15: 1-9) أما عند مرقس، فعاد يسوع حالاً إلى نصّ أشعيا (29: 13: أورده حسب السبعينة اليونانية)، فدخل في خطّ الانبياء الذين هاجموا رياء عبادة تهمل الحياة الخلقية (عا 5: 21- 27؛ أش 2: 10- 17؛ مي 6: 5- 8؛ إر 7: 1- 28؛ زك 7: 4-6). إن تقليد الانبياء يتجذر في الشريعة فيفترق عن فرائض صاغها الناس ونقلوها إلينا. وهكذا صار "تقليد الشيوخ" معارضاً "لوصية الله".
أورد مرقس أش 29: 13 حسب السبعينية التي تحوّل النصّ العبري: "هذا الشعب يتقرّب (كما يفعل خادم المذبح ليقرب قربانه) بفمه (مني)، وبشفتيه يكرمني. وأما قلبه فبعيد عني. مخافته مني وصيّة بشر تتلمذوا لها". إن النصّ الاصلي (العبري) يؤكّد أن مخافة الشعب للرب ليست إلا وصية بشرية وامثولة تعلّموها. أما السبعينية فنتحدث عن عدم جدوى إكرام (تيماوو= خاف، كرّم) الله وعبادته (سابوسماي= عبد) لانهم يعلّمون فرائض وتعاليم بشرية (يقول مرقس: تعاليم هي وصايا بشرية). هذا التعبير يصيب في الصميم أولئك الذين يعلّمون الشعب أموراً بشرية. بيد أن الاختلاف بين النصّ العبري والنصّ اليوناني لا يكوّن مشكلة حقيقية. فالنصّ العبري نفسه الذي نطبّقه على سلوك الكتبة والفريسيين أكثر منه على تعليمهم، يوافق سياق النصّ ويبزر اتهام الفريسيين بالرياء (آ 6).
والإيراد الثاني هو ايرادان. واحد يذكر وصية الاكرام الواجب للوالدين (تيماوو كما في آ 6): "أكرم أباك وأمك" (خر 20: 12). وآخر: حكم الموت ضدّ من يلعنهما: "من لعن أباه أو أمّه، فليُقتل قتلاً" (خر 21: 17، في اليونانية: آ 16).
إذن، نستطيع أن نقول للوهلة الأولى إن يسوع يعارض بين تقليد الشيوخ والشريعة المكتوبة. ويدلّ كيف أن خصومه يتجاوزون الشريعة ليبقوا متعلّقين (آ 3، 8) بتقاليدهم، ليحفظوها (آ 9) وليثبتوها (آ 9).
ج- التقليد والشريعة
إن التمييز بين التقليد الشفهي أو المكتوب (البشري) والشريعة المكتوبة (الهية)، هو معروف ولكنه ليس دائماً بواضح.
قد توصّل تقليد المجمع (أي: العالم اليهودي) إلى تشويه الكتاب المقدس ومناقضته. وهذا ما نكتشفه في آ 11- 12. ولكن هدف التقليد ليس تدمير النصّ الملهم بل محاولة قراءته قراءة بشرية. نريد أن نكون أمناء لشريعة الله، نحميها ضدّ أقل تشويه، نوضح معناها، نساعد الناس على ممارستها. هذا هو التقليد الحقيقي. ولكن عندما يصبح التقليد البشري سلطة توازي أو تتعدّى كلام الله، يصبح هذا التقليد مضراً للجماعة. وبتزايد الضرر عندما يصبح هذا التقليد مكتوباً (لا يعود شفهياً) في "أسفار" تزاحم الكتاب المقدس.
في هذه المرحلة يتمّ الانتقال من مشروع أمانة (للكتاب المقدس) إلى وضع خيانة (لا أمانة). إنطلق التقليد ليساعد البشر على فهم الكتاب المقدس ووضعه موضع العمل، فانتهى به الأمر إلى أن حلّ محلّه وشوّهه وعرّاه من سلطانه.
حين أراد يسوع أن يبيّن خطر تقليد الشيوخ، كما تحجّر في تعليمات الفريسيين. حين أراد ان يبيّن كيف أن هذا التقليد ألغى الشريعة وأفرغها من سلطانها، لجأ إلى الشريعة فيما يتعلّق بشريعة "القربان" (آ 9-13). 
سار يسوع على خطى الانبياء فكشف رياء (هي المرة الوحيدة يستعمله مرقس كصفة. وسيستعمله كاسم في 12: 15. يبطن الإنسان غير ما يظهر. أما متّى فيستعمله 14 مرة: الكتبة والفريسيون المراؤون) التقاليد البشرية. ويتخذ مثلاً ملموساً: الممارسة اليهودية للقربان: ينذر الإنسان بأن يقدّم أمواله لصندوق الهيكل. وهكذا لا يستطيع أحد أن "يمسّ" أمواله هذا الرجل. وهكذا استفاد بعض الناس ليتهرّبوا "بشكل شرعي" من المتطلبات الأساسية في الوصايا العشر. وهكذا، فإن من نذر أن يعطي أمواله لصندوق الهيكل، يُعفى من واجب مساعدة والديه وتأمين ما هو ضروري لهما. ولقد وافق الكتبة (وكان منهم القضاة) على هذه الممارسة بما فيها من تحايل وكذب، وتركوا للإنسان ان يتمتّع بخيراته، واعفوه من واجب ممارسة التقوى البنوية. وانهى يسوع هجومه: "تبطلون كلام الله من أجل تقليدكم" (آ 13).
تجاه ممارسة "تكرّس" الاشياء وتجعلها في خانة "التحريم" (تابو)، يذهب يسوع مباشرة إلى قلب الشريعة التي هي سور يحمي حقّ الله وحقّ القريب. ومجرّد التذكير بوصية احترام الوالدين كان كافياً ليظهر ما في ممارسة القربان من عبث، بل من وجه بغيض.

2- الطاهر والنجّس
أجل، إن الموقف الديني الحقيقي يكون على مستوى القلب حيث نفهم الواقع، لا على مستوى الفم والشفتين، على مستوى الخطب والكلام، على مستوى تقليد الناس.
في هذا الخطّ تابع يسوع كلامه، فدعا الجمع ليقتربوا منهم وليسمعوا له أمثاله: ما يدخل في الفمّ، ما يخرج من الفمّ. وهنا نصل إلى الكلمة الأساسية حول الطاهر والنجّس.
أ- كلمة يسوع
إن المثل حول الطهارة كما تفوّه به يسوع ينتمي إلى أقدم ما في التقليد. وهو يبدو بشكل موازاة في درفتين متناسقتين: "ما من شيء يدخل الإنسان من الخارج ينجّسه. ولكن ما يخرج من الإنسان هو الذي ينجّس الإنسان" (آ 15)
اولاً: عناصر المثل
نستطيع ان نفهم القسم الثاني من المثل كما يفعل مرقس في 7: 19 ب: وسخ الإنسان. هذا هو معنى تث 23: 13- 15. أما القسم الأول من المثل فهو يعارض التوراة التي تعرف كل المعرفة الاشياء النجسة والتي تجعل الإنسان "نجساً" (لا 11- 15). إن هاتين العلاقتين المختلفتين مع التوراة (القسم الثاني مع، والأول ضد) تجعلاننا ندرك ان في هذا القول معنيين. وهذا الالتباس في المعنى يصدم القارىء.
"خارج" الإنسان و"داخله"، لفظتان لا تعودان فقط إلى الاطعمة التي ندخلها من الخارج إلى الداخل. بل هما تدلاّن أيضاً على مستويين انطروبولوجيين مختلفين: مستوى الدائرة ومستوى المركز، قلب الإنسان و"هامش" الإنسان. وإن هذا القول يتعلّق بمركز الإنسان، بـ "قلبه" كما تقول التوراة. وهذا ما يشدّد عليه سياق النصّ (آ 6) وتفسير القول (آ 21: من الداخل، من قلوب الناس، تخرج...). وحين نقرأ القسم الأول من القول (ما من شيء يدخل الإنسان) نفهم أنه يعني بشكل ضمني: مركز الإنسان وقلبه. لا شيء من الخارج ينجّسه. حتى الأطعمة "النجسة". إن هذه الملاحظة حول القسم الأول من المثل تطرح سؤالاً سيجيب عليه القسم الثاني: من أين يأتي ما ينجّس الإنسان؟
ثانياً: بعد المثل
إن مسألة "الطاهر" و"النجس" التي لعبت دوراً كبيراً في علاقة اليهود بعضهم ببعض، وفي انفصالهم عن الوثنيين، لا تزول فقط بمجرّد التمييز بين المستوى العبادي (شعائر العبادة) والمستوى الخلقي (الوصايا وغيرها). ففكرة النجاسة لا تنتج عن تقويم سطحي وتوسّع لاحق للتوارة (أي: الشريعة)، بل هي تعبّر عن خبرة الموت الوجودية التي تنتقل وتتحدّد دوماً في العصور القديمة. فموطن "الطاهر" هو في جوهره موطن الحياة الذي تمثلّه شعائر العبادة الحقة بشكل خاصّ. وموطن "النجس" هو موطن الموت الذي تمثلّه شعائر العبادة الوثنية.
وشرائع الطهارة في الشريعة، قد تطبّقت بصورة خاصة على الكهنة خلال ممارستهم خدمتهم الكهنوتية. ثم فهمها بطريقة شريعانية التيار الفريسي ووسّعها على الجماعة كلها.، ولكن فكرة النجاسة لم تكن من عالم العبث (وما هو عديم الفائدة) في العالم اليهودي، كما كان في العالم الوثني (ومنه الهلنستي). إذن، ليست كلمة يسوع، كما حفظها التقليد، معارضة عقلانية لفكرة النجاسة. فما يريد يسوع أن يبدّل بمثله من رأي لدى سامعيه، هو أكثر ثورة مما نظنّ، لأنه يقف على مستوى الافكار المعروفة. إن يسوع لا يعلن بلاغاً، ولا يتّخذ موقفاً من "الداخل" ضد "الخارج" (القلب هو مركز الشرّ) ولا يعارض شريعة العهد القديم وجهاً لوجه.
فما يفعله يسوع بكلمته السامية، هو أنه يدعو الإنسان إلى الخروج من وضعه الشرير من أجل التوبة، لا من أجل مجهود عقلي. و"اللغز" الذي قدّمه يسوع هو سهل. وهو لا يتطلّب عقلاً راجحاً، بل توبة جذرية. ليست المسيرة طويلة، ولكن لها نتائجها. إن يسوع يؤكّد أن قدرة الشرّ القاتلة (أي: النجاسة) تثقل كاهل الإنسان، ويبيّن لنا كيف تهدّدنا. هي لا تصيب الإنسان من الخارج بواسطة الأطعمة، بل هي تهاجم الإنسان من الداخل، ومني هناك تطلق هجماتها. إن كلام يسوع يشدّد على أن تأثير النجاسة يؤثر في الداخل، في القلب الذي هو مركز القرار في الإنسان. وهكذا يتقبّل جزء مهم (لم يُنس أبداً) من النظرة التوراتية إلى النجاسة، قيمة مطلقة. إن النجاسة الحقيقية الوحيدة، هي التي يقع فيها الإنسان حين يقرّر أن يعمل الشرّ بحرّية تامة.
وهكذا يمنح يسوع الإنسان بهذا الكلام السامي، حرية فوق العادة. وهذه الحرية تكون بحسب إرادة يسوع واعية لمسؤوليتها أمام الله وأمام الناس. لا تهتّم للامور الخارجية مثل الأطعمة (جميع الأطعمة هي نقية، آ 19) فتخرج من الإنسان ما هو نجس حقاً، ما يسيء إلى الإنسان ويقتله. وإلاّ صارت هي نجسة وآخرتها الموت.
ثالثاً: إطار المثل
إن الإطار الذي يحيط بكلام يسوع في آ 14 و16، يقابل الشكل النبوي للقول المأثور. فالوضع الذي يشير إليه اولاً هذا الإطار (ما عد مر 7: 1-13) ليس المناقشة العلمية ولا الجدال، بل كرازة يسوع التي تحزك الناس: "إسمعوا لي كلّكم وافهموا" (آ 14). هكذا اعتاد يسوع أن يطلق أمثلته أمام الجموع: "اسمعوا".
والدعوة إلى الإنتباه التي زيدت في آ 16 (من له أذنان سامعتان فليسمع) هو "لوجيون" (قولة) تائه جاء من مر 4: 23 وأقحم هنا، فشدّد على أن التعليم لا ينتظر. فلا بدّ من وضعه موضع العمل.
السماع والفهم ناقصان لدى القلوب القاسية (أش 6: 9؛ رج مر 4: 12) التي تفتّش عن ينبوع النجاسة حيث لا يوجد. وهكذا لا يسيرون مع إرادة الله، ولا يستعملون حريتهم استعمالها الصحيح، بل يجعلون قلوبهم بعيدة عن الله (أش 29: 13؛ مر 7: 6).
هكذا يرى يسوع وضع البشر الذين يريد أن يؤثّر فيهم. ويشدّد الانجيلي على هذا الشعور حين يتحدّث عن اخصّاء يسوع الحميمين، عن تلاميذه، على أنهم "بلا فهم" (7: 18)، على أنهم "لا يعقلون ولا يفهمون" (8: 17). هذا ليس تشاؤماً من قبل يسوع. إنه واقعية. فهو "يعرف ما في الإنسان" كما قال يوحنا (2: 25).
ب- تفاسير قول يسوع في الكنيسة الأولى
إن مسألة الطهارة على مستوى الأطعمة، قد لعبت دوراً كبيراً في الكنيسة الأولى (غل 2: 11- 14): على مستوى المشاركة في المائدة. على مستوى المشاركة في "كسر الخبز" بين المسيحيين الآتين من العالم اليهودي، وأولئك الآتين من العالم الوثني. فحين شدّد المسيحيون المتهوّدون على المحافظة على طهارة الأطعمة، أبعدوا "النجسين" أي المسيحيين الامميين (من الأمم الوثنية) الذين اعتادوا إن يأكلوا من جميع الأطعمة. إمتنع اليهود عن مشاركة "الآخرين"، وشكّكوا في انتمائهم الكامل إلى الجماعة. وهكذا كانت النجاسة "المادية" عنصر انقسام خطير، لاسيّما وأن الكنيسة اكدت تجذّرها في شريعة العهد القديم ودورها في جماعة مسيحية فيها المتهوّدون والامميون.
كان على كلام يسوع أن يبرهن على سلطانه في هذه الحالة. وقد نال تفاسير عديدة في الكنيسة الأولى. أما نحن فنكتفي بمثلين يرتبطان بالنصّ الذي ندرس (خصوصاً آ 18- 20، 21-23) هنا نقرأ 1 كور 6: 13: "الطعام للبطن، والبطن للطعام، والله سيقضي على الاثنين معاً". ونقرأ روم 14: 20: "لا تهدم عمل الله من أجل الطعام. كل شيء طاهر، ولكنه يصبح سوءاً للإنسان إذا صار بما يأكله حجر عثرة" (لأخيه).
أولاً: التفسير الأول لكلام يسوع (آ 18- 20)
قد جُعل هذا التفسير في إطار تعليم خاصّ موجّه إلى التلاميذ (رج 4: 10- 12)، وهو إطار يدلّ على مشكلة خاصة بالجماعة. إن التفسير يستعيد الموازاة المتناقضة في آ 18 ب (ألا تعرفون أن ما يدخل الإنسان من الخارج لا ينجّسه؟) وآ 20 (ما يخرج من الإنسان هو الذي ينجّسه) ويفسّر الشقّ الأول بشكل صريح (آ 19 أ): إن الطعام لا يدخل إلى القلب (مركز الفهم والارادة والقرار)، بل يذهب إلى البطن ومن هناك إلى المرحاض. وفهم تقليد الكنيسة الأولى النتيجية التي يتضمّنها مثل يسوع: وهكذا أعلن أن جميع الأطعمة هي طاهرة (آ 19 ب؛ رج روم 14: 20؛ أع 10: 15: "ما طهّره الله، فلا تنجّسه أنت، أي ما جعله الله طاهراً، لا تجعله أنت نجساً).
ولكن أهتم ما في كلام يسوع، أي متطلّبة طهارة القلب، ظلّ بعيداً عن القارىء. فكلمة يسوع لا تذكر إلا نجاسة الأطعمة، وتعلن كل الأطعمة طاهرة، دون أن تدلّ على القلب الذي هو المركز الحقيقي والخطر للنجاسة التي تهدّد الإنسان. لهذا، كان من الضروري أن يبرز تفسير ثانٍ يعود إلى يسوع نفسه، كما يقول عدد من الشرّاح.
ثانياً: التفسير الثاني لكلام يسوع (آ 21- 22)
نستطيع أن نقرأ هذه الآيات (آ 21-23) حالاً بعد قول يسوع المأثور. "ما من شيء يدخل الإنسان من الخارج ينجّسه. ولكن ما يخرج من الإنسان هو الذي ينجّس الإنسان" (7: 15). بهذه الطريقة تبرز قوّة كلمة يسوع. إن هذا التفسير يذكر بصورة واضحة "القلب" كالموضع الذي منه تهدّد النجاسةُ الإنسان، وتحمل إليه الموت وتضع التفرقة بين البشر. قلب الإنسان الذي لم يطهَّر، هو موضع الرذائل التي تسبّب له الهلاك. القلب هو مخزن يحوي الكثير: "الإنسان الصالح من الكنز الصالح في قلبه يخرج ما هو صالح، والإنسان الشرّير من الكنز الشرير في قلبه يخرج ما هو شرّير. لأن الفم ينطق من فيض القلب" (لو 6: 45).
إذا تبعنا خطّ كلمة يسوع، نرى أن التفسير لا يقدّر "كنوز" القلب الشرّير. فالأفكار السيئة ونتائجها تظهر بشكل لائحة طويلة من الرذائل (في شكل تقليدي). هناك "الافكار الرديئة" (آ 21 أ) و"الاشياء الرديئة". اثنا عشر اسماً. ستة في صيغة الجمع، وستة في صيغة المفرد. وكلّها تدلّ على ما يجعل الإنسان نجساً: الفجور (في الجمع)، السرقة (الجمع)، القتل (الجمع)، الزنى (الجمع)، الطمع (الجمع)، الخبث (بأنواعه، الجمع). ثم في صيغة المفرد: المكر، العهارة، الحسد، الاغتياب، الكبرياء والحماقة (بأنواعها). كل سلسلة تنتهي برذيلة "معّممة". أما هدف الرذائل المذكورة، فهو أن يبيّن بطريقة مخيفة ما يحمل قلبُ الإنسان من شرّ.
وقد جعلت "الحماقة" (أي ضياع العقل) في نهاية السلسلتين: إنها ينبوع كل شرِّ، لانها تجعلنا نقدّر الواقع (بما أنه واقع أمام الله) بطريقة خاطئة (نعلّق اهتماماً مفرطاً على النجاسة الخارجية مثلاً). فالإنسان الأحمق والجاهل هو الذي لا يعرف الله، الذي ينسى الله ويهزأ به (مز 10: 3- 4؛ 14: 1)، هو الإنسان الأعمى وصاحب القلب القاسي. كل هذا يلقي ضوءاً جديداً على نداء يسوع بأن نسمع ونفهم (آ 14-18).
إن مقابلة لائحة الرذائل وإطارها مع القول العددي في أم 6: 16-19 الذي هو نموذجها الممكن، يتيح لنا أن ننطلق من هذا التفسير الثاني للمثل (آ 5) إلى يسوع نفسه. ولكن، إن كانت الجماعة قد فسّرت بهذا الشكل مثل يسوع، فهذا يعني أنها فهمته فهماً صائباً: القلب الشرّير هو الذي يحمل إلى البشر التفرقة والموت. وهو عكس القلب المرتد إلى الله. أما الاطعمة فلا تفصل الإنسان عن الله، والإنسان عن الإنسان. ما يفصل البشر بعضهم عن بعض هو القلب الرديء. وما يوحدّهم هو القلب الجديد الذي يخلقه الله فيهم، أكانوا يهوداً أم وثنيين، عبيداً ام أسياداً، اغنياء أم فقراء.

4- تقليد الشيوخ ووصية الله
أ- العبادة والأخلاق
إن 7: 1- 8 يربط مسألة "الطاهر والنجس" بالعبادة لله (آ 6- 7). ففكر الإنسان وعمله، وتقسيم البشر وتجميعهم، كل هذا لا يجد موقعه في مجال اخلاقي مستقل عن "شعائر العبادة". ولكن اللوحة الثانية في الشريعة الموسوية التي تلمّح إليها لائحة الرذائل في آ 21-23، ليست موضوعة بجانب اللوحة الأولى التي يذكّرنا بها الأيراد النبوي (آ 6 ب- 7).
عندما تصبح عبادة الله نشاطاً مستقلاً، يصبح الناس "مرائين" (آ 6 أ). يصبحون "خارجيين" ويهتمّون بـ "الخارج". حينئذ يعاينون خطر النجاسة الهائل حيث لا يكون في الحقيقة نجاسة. هؤلاء يستسلمون بسهولة للنجاسة. لأنهم ليسوا محميين. فالسور (الذي وُضع حول الشريعة) الذي يمثّل "تقليد الشيوخ"، لا يمكن أن يكون حماية فاعلة حين لا تأتي الهجمات من "الخارج". هذا تأكيد جوهري في النصّ كما نقرأه في تدوينه الحالي، وهذا التأكيد يبرز بشكل واضح.
والرباط بين قسمَيْ النصّ تؤمنه الكلمة العاكفة "نجس" وفعل "سار" (آ 5). نحن أمام سلوك بحسب وصية الله. فيسوع يرى أن "تقليد الشيوخ" لا يدلّ على الطريق الصحيح، لأنه لا يرى موضع الاخطار الحقيقية التي تهدّد الإنسان. فالوصية الإلهية هي التي تُري الإنسان وتعلّمه السلوك الذي يرضي الله. هذا ما يقوله يسوع عائداً إلى النبي أشعيا. لا نستطيع أن نحوّل كذباً وصية الله إلى فريضة بشرية تفرض على الناس كحمل ثقيل وتخنق حرّيتهم.
ب- الشريعانية الفريسية
إن يسوع في نصّ مرقس، يعارض وصية الله بتقليد الناس (آ 8)، ويعطي مثلاً عن هذا التعارض بممارسة "القربان" (آ 9-13). بيد أن "لتقاليد الشيوخ" في نظر الفريسيين القيمة عينها التي للشريعة. ولقد ظنّ الفريسيون أنهم يستطيعون بهذه التقاليد أن يمنعوا الناس من التعدّي على الشريعة، ويقدّسوا الأمة كلها كما لو كان الجميع "كهنة". سعوا إلى هذا الهدف فارضين على المؤمنين ممارسة أصغر الفرائض ممارسة دقيقة. واليهود الذين لا يخضعون يُسّمون "سفالة لا يعرفون الناموس" (يو 7: 49). وكانوا يفتخرون لأنهم يتجاوزون الشريعة. وهكذا صارت "تقاليد الشيوخ" (كانت فرائض الشريعة جزءاً منها) مبدأ تفرقة. ولكن شريعة الله تقود إلى البر، إلى الحياة بحسب ارادة الله، إلى تجميع شعب الله.
إن الفريسيين والكتبة الذين يطبّقون في حياتهم اليومية فرائض الطهارة المطلوبة من الكهنة، يلومون تلاميذ يسوع لأنهم لا يتبعون "تقليد الشيوخ" ويأكلون بأيدٍ نجسة. فبرهانهم هو أن الايدي النجسة تنجّس الطعام وبالتالي تنجّس الإنسان.
ظنّ مرقس أن عليه أن يقدّم شرحاً لهذه العادات (الغريبة) على قرّائه المسيحيين الآتين من العالم الوثني (الهلنستي): أدخل هذا الشرح في اعتراضة (آ 3- 4) وضعها بين ملاحظة الفريسيين والكتبة وبين السؤال اللائم الذي طرحوه. إن الانجيلي يضخّم الامور حين ينسب "إلى جميع اليهود" ممارسة خاصة بالفريسيين، ويتحدّث (بطريقة فيها بعض الاحتقار) إلى سائر العادات التقليدية مثل "غسل كؤوس وجرار وقصاع نحاس" (آ 4).
قد يكون استلهم شرحه من قول آخر ليسوع أورده متّى ولوقا: "الويل لكم، أيها الكتبة والفريسيون المراؤون، فإنكم تطفرون الكأس والاناء. وأما في الداخل فأنتم مملوءون خطفاً وشراً. أيها الفريسي الأعمى! طهّر اولاً داخل الكأس والاناء، فيصبح الخارج طاهراً أيضاً" (مت 25:23-26؛ رج لو 11: 39- 40).
كان مرض قاسياً، ولكنه وصل إلى النتيجة المرتجاة: فالحالة الخاصة التي كانت في أساس الجدال (أكل الطعام بأيدٍ غير مغسولة)، إتخذت قيمة عامة. والسؤال الذي طرحه الكتبة والفريسيون قد عُولج في العمق. فالموقف تجاه الشريعة الذي يظهر في "تقليد الشيوخ" والذي اسمه الشريعانية الفتاوية (جمع فتاوى) قد نُزع القناع عنه. هو قداسة كاذبة. هو رياء. إن تقليد الروح الشريعاني (تعلّق مفرط بالشريعة) يبقى في الخارج، يبقى عند النجاسة المادية.
في نظر يسوع وفي نظر الكنيسة كل شريعة هي مشجوبة بفم النبي أشعيا الذي يدين عبادة خارجية لا قلب فيها. فالعبادة الخارجية قد تُصلي حرباً بين وصيّة الله وخلاص البشر. ولكن وصية الله أعطيت لخلاص البشر. وهذا ما يفهمه الإنسان الذي لا يجعل قلبه بعيداً عن الله. أما تفوّق يسوع (كما نكتشفه هنا بشكل غير مباشر) فمبنيّ على قرب قلبه من الله.

خاتمة
نقلت الجماعة نصوصاً مثل مر 7: 1-23، لأنها شعرت بالخطر يهدّد تقواها الكاذبة. فالانجيلي يرى أن أهمية التقليد تكمن في تدمير الحواجز التي تعارض الشريعة، وفي تقبّل وصية الله. وهذا ما يصل بالجماعة إلى الوحدة بين اليهود واليونانيين، يصل بها إلى العبادة "بالروح والحق" (يو 4: 23). إن فرائض الناس تفرّق بين الناس وتفصلهم عن الله. أما وصية الله التي أجملها يسوع وبسّطها (2 1: 28-33) فهي توحّد البشر بعضهم ببعض، وهكذا تضمّهم إلى الله.

 

 

الفصل السابع والثلاثون
المرأة الكنعانية
7: 24-30

وانتقل يسوع من هناك وجاء إلى نواحي صور... جاء إلى منطقة محاذية للجليل، منطقة بأكثرها وثنية. لماذا هذا السفر؟ هذا ما لا يقوله مرقس. لقد أراد يسوع أن لا يعرف به أحد. أتراه طلب العزلة كما فعل حين جاء وتلاميذه إلى قيصرية فيلبس؟ وقد يكون هناك هدف رسولي سنعرفه فيما بعد. فبعد 7: 1-23 وجدال يسوع مع الفريسيين والكتبة، أحسّ يسوع أن أبواب العالم اليهودي موصدة في وجهه. أترى تنفتح أمامه أبواب العالم الوثني (كما بالنسبة إلى الرسل في سفر الأعمال)؟ قال مرقس إن هذه المرأة كانت وثنية (آ 26)، فدلّ من خلال لقائها بيسوع، على بداية تبشير الوثنيين. فهم أيضاً مدعوون إلى مائدة الملكوت التي لا تمدّ فقط لامرأة وابنتها، بل لأربعة آلاف (8: 1- 10) يمثلّون العالم الوثني بأقطاره الأربعة.

1- خبز البنين
خرج يسوع من هناك. إبتعد عن العالم اليهودي متوجّهاً إلى العالم الوثني. نلاحظ أن مرقس قال: "وقام، أو بعد أن قام، ذهب من هناك". إن تبشير الوثنيين يبدأ بعد القيامة.
إنطلق يسوع إلى نواحي صور. هناك مخطوطات تقول: صور وصيدا، كما في مت 15: 21. إن صور هي التي تحدّ الجليل. والإشارة إلى صيدا تجعلنا نتذكّر مجيء إيليا إلى صرفت صيدا. سيعمل إيليا في أرض وثنية (1 مل 17: 7 ي). ومثله سيعمل يسوع. جُعل الصبي على فراش إيليا قبل أن يشفى (آ 19). ولما عادت المرأة الفينيقية إلى بيتها، وجدت الصبية على السرير.
أراد يسوع أن يكون حضوره في ذلك المكان خفياً. قال مت 15: 21 إن يسوع طلب العزلة في هذه المنطقة الوثنية. نشير هنا إلى أن عبارة "صور وصيدا" (رج مت 11: 21) هي عبارة لاهوتية أكثر منها جغرافية. إنها تدل على المناطق الوثنية. فمنذ حملت إيزابيل (إبنة إتبعل ملك الصيدونيين) ديانة البعل إلى مملكة إسرائيل (مملكة الشمال، مع ملكها آحاب)، صارت هذه المنطقة منبع العبادة الوثنية في أرض الرب. 
سمّى مرقس هذه المرأة: سورية فينيقية. لا شك في أن الإنجيلي يربط هذا الحدث بالعصر الذي عاش فيه. فالتقسيمات الرومانية تحدّثت عن سورية فلسطين وسورية فينيقية، وسورية الأولى وسورية الثانية (عاصمتها أفامية أو قلعة المضيق). وسماها متى: كنعانية. إن كلمة "كنعان" دلت على مرّ التاريخ، على مناطق غير محدّدة تحديداً دقيقاً: هي أرض الموعد التي احتلتها القبائل الإسرائيلية، هي فينيقية في زمن يسوع. كنعان تقابل ما يعرف اليوم في العالم العربي بـ "فلسطين". كما تقابل الشاطىء الذي يمتدّ من عكا إلى أوغاريت (رأس شمرا). وهكذا يحدّ كنعان في الشمال "الحثيون" والذين جاؤوا بعدهم. وفي الجنوب: الفلسطيون وهم شعب جاء من جزر اليونان ليقيم في ما يسمّى المدن الخمس: غزة، جت...
مهما يكن من أمر، هذه المرأة هي وثنية. وكانت قد سمعت بأخبار يسوع. ما استطاع يسوع أن يعتزل الجموع اليهودية فلحقت به إلى البرية (6: 30 ي). ولن يستطيع أن يعتزل الجموع الوثنية التي عرفت بمكانه. إذن، لهم آذان بها يسمعون (آ 25).
عرفت بيسوع إمرأة "لها إبنة فيها روح نجس". هذه هي الطريقة اليهودية في الحديث عن المرض الذي يكون فيه دور للشيطان. ما هو مرض هذه الفتاة؟ أمرضٌ جسدي؟ ما إن خرج الشيطان حتى تكلّم الأخرس (مت 9: 33). أمرض نفسي مال بها إلى الجنون مثل متشيطن الجراسيين (5: 1 ي)؟
نجد مراراً عبارة "روح نجس". يسمّى كذلك، لأنه يتعارض مع قداسة الله وقداسة شعبه. نراه مثلاً في 1: 24 يهاجم قداسة يسوع، فيسكته يسوع. وهناك ارتباط بين المرض وتأثير الروح النجس، بين المرضى والمتشيطنين (يمتلكهم شيطان). لا نستطيع أبداً أن نميّز بين المرض ودور الشيطان. ثم إننا لا نعرف أبداً من خلال العهد الجديد طبيعة الشيطان، بل تأثيره في العالم. غير أن مجيء يسوع يضع حداً سلطان الشر. وما نجده من طرد شياطين هو باكورة الإنتصار الأخير الذي يتحدّث عنه سفر الرؤيا (20: 1-3).
جاءت هذه المرأة ووقعت على قدميه في وضع توسّل، هي امرإة وثنية (حرفياً: يونانية، أي: غير يهودية) تسجد له، على مثال يائيرس اليهودي (5: 22-23) الذي خرّ على قدميه وابتهل إليه بإلحاح. لم يذكر مرقس إلحاح هذه المرأة، بل عنادها: فهي لم تتراجع رغم كلام يسوع الذي بدا في ظاهره وكأنه يرفض طلبها.
طلبت وتوسّلت، فكان ردّ يسوع مخيّباً: "دعي الأولاد أولاً يشبعون" (آ 27). هنا نتذكّر الجموع التي شبعت في البرية (6: 42) من خبز وزّعه يسوع بسخاء على أبناء الملكوت، وذلك في أرض الجليل. فضل منه ما ملأ إثنتي عشرة سلة. ولكن لا يحق للوثنيين أن يجلسوا إلى مائدة واحدة مع اليهود. فالوثنيون هم "كلاب" في نظر اليهود، لأنهم لا يؤمنون بالله الواحد، بل يدلّون على كفرهم في شعائر عبادتهم.
كان جواب يسوع قاسياً وقد نجد له احتمالات ثلاثة. الأول، بدا يسوع منطقياً مع نفسه. فهو في مت 10: 5-6، قال: "لا تقصدوا أرضاً وثنية ولا تدخلوا مدينة سامرية، بل إذهبوا إلى الخراف الضالة من بني إسرائيل". الإحتمال الثاني: أراد يسوع أن يمتحن إيمان هذه المرأة. بدأ برفض وصدّ، فحاول أن يكتشف عمق هذا الإيمان وينمّيه بالمحنة. الإحتمال الثالث: إعتبر يسوع بالحقيقة أنه أرسل أولاً إلى إسرائيل. وهو لن يتوجّه إلى الوثنيين إلا بعد موته وقيامته. في هذا الإطار، نفهم بداية مقطوعة مرقس: وصل الخلاص إلى هذه المرأة الوثنية وابنتها لأن يسوع "قام"، وبعد "قيامته" جاء إلى أرض وثنية سيجد فيها باكورة "اليونانيين" أو "الوثنيين".
نلاحظ هنا بعض الإختلافات بين متى (15: 21-28) ومرقس (7: 24- 30). أولاً، في صرخة المرأة. هناك في متّى أسلوب مباشر به تتوجّه المرأة إلى يسوع مرتين. في المرة الأولى تسمّيه "السيّد (أو: الرب) وابن داود". وفي المرة الثانية: الرب (أو: السيّد). في النداء الأول، تصرخ: "إرحمني" فتلتقي مع صلوات المرضى في الإنجيل. وفي النداء الثاني، تصرخ: "أغثني، أعنّي". وكما انزعج الناس من صراخ الأعمى فأرادوا أن يمنعوه من أن يصرخ طالباً العون من يسوع. كذلك انزعج التلاميذ وقالوا: "إصرفها، فهي تصرخ في أعقابنا".
ويتميّز مرقس عن متى في جواب يسوع إلى المرأة بلفظة "أولاً". نقرأ في آ 27: "دعي الأولاد أولاً يشبعون". وفي مت 15: 24: "ما أرسلت إلاّ إلى الخراف الضالة من بني إسرائيل". وفي آ 26: "لا يحسن أن يؤخذ خبز البنين ويُلقى إلى جراء الكلاب". زاد مرقس "أولاً" فدلّ على أن الإنجيل سينتقل من اليهود إلى اليونانيين، على ما قال بولس الرسول: "الإنجيل هو قوة الله لخلاص كل مؤمن، لليهودي أولاً ثم لليوناني (روم 1: 16). أجل، هناك خبز للبنين (تكثير الأرغفة الأول) وهناك خبز "للكلاب" (أي للوثنيين) (تكثير الأرغفة الثاني). أما في متى فيبدو أن رسالة يسوع لن تتعدّى العالم اليهودي لتصل إلى العالم الوثني. فهناك الخراف الضالة التي لا بدّ من الإهتمام بها: إما شعب إسرائيل كله الذي لم يدخل في مخطّط الخلاص كما قدّمه يسوع. وإما الخطأة في شعب إسرائيل (مت 18: 12-14). لن يأتي زمن الوثنيين في متى إلا بعد القيامة وإرسال التلاميذ إلى العالم كله (مت 28: 16 ي).
جواب "قاس" من قبل يسوع، ردّت عليه المرأة مطالبة بحقّ الوثنيين. لهم أن يأكلوا أقلّه من الفتات المتساقط عن المائدة. وسيأتي يوم يصبح فيه (جراء الكلاب) أبناء لله شأنهم شأن الشعب اليهودي، بل يصبحون الأولين بعد أن كانوا الآخرين، يصبحون قريبين بعد أن كانوا بعيدين. أما المرأة فيكفيها في الوقت الحاضر أن تكون من البيت.
تحدّث متى عن إيمان المرأة (15: 28). أما مرقس فدلك على عظمة الكلمة التي خرجت من قلبها. يُعتبر الوثني نجساً. ولكن قلب هذه المرأة منفتح على الله جاهز للقبول بما يقدّمه لها. قال لها يسوع: "من أجل هذه الكلمة، إذهبي". خرج الشيطان من ابنتها. مع يسوع، إنفتحت مائدة الملكوت للوثنيين، وانتهت مملكة الشيطان.
بدأ هذا الفصل المرقسي بالحديث عن الطاهر والنجس (7: 1- 23) وهكذا انقسم الناس بين عائش بحسب متطلّبات الشريعة، كالكتبة والفريسيين، ومتعدّ على فرائضها، مثل شعب الأرض، مثل هؤلاء التلاميذ الأمّيين (أع 4: 13). بين اليهود الذين ارتبطوا بالله فأعطيت لهم العهود والناموس والعبادة والمواعيد، فصاروا أبناء الله (روم 9: 4) وبين الوثنيين الذيم لم يعرفوا الله فأسلمهم الله إلى فساد الرأي (روم 1: 28)، فصاروا كالكلاب. ولكن تبيّن أن اليهود نجسون لأنهم يتعدّون الشريعة حين يمتنع الواحد منهم عن مساعدة أبيه وأمه متذرّعاً بتقاليد بشرية. وهكذا صار اليهود على مستوى الوثنيين بالنسبة إلى الخلاص الذي يحمله يسوع إلى الجميع. هذا ما يبرزه بولس الرسول في رسالته إلى أهل رومة. وهذا ما يوجزه مرقس حين يقول: إن يسوع جعل الأطعمة كلها طاهرة (7: 19). وبالتالي جعل الشعوب كلها طاهرة.

2- يسوع في بلاد وثنية
وبدأت سَفرة جديدة ليسوع. لقد اجتاز يسوع حدود الجليل، بل راح في العمق فوصل إلى ضواحي صيدا. ودخل أحد البيوت. قد يكون بيت رجل يهودي أو بيت رجل وثني، لا فرق. فالأرض أرض وثنية. هذا في مرقس. أما متى الذي يختلف هنا عن مرقس، فيبدو متحفّظاً بالنسبة إلى هذه النقطة. وإذ نقرأه لا نستطيع أن نعرف إذا كان يسوع عبر الحدود إلى حيث المرأة الكنعانية، أم أن المرأة هي التي عبرت الحدود وجاءت إلى داخل الأراضي اليهودية. يبدو أن الرأي الثاني هو الأصحّ. فالمرأة خرجت من منطقتها. لهذا فالترجمات العربية تبقى غير دقيقة: "تبرز" من تلك الضواحي! أو: امرأة كنعانية من تلك الجهات! أو: إمرأة كنعانية من تلك البلاد. فإن فعل "اكسرخوماي" يدلّ على خروج من مكان إلى آخر. وما يدلّ أيضاً على أن المرأة جاءت إلى منطقة يهودية هي أنها استعملت لغة اليهود (يا ابن داود). ولا ننسى أخيراً أن متى يعتبر أن يسوع حصر عمله في العالم اليهودي. هنا نفهم معنى "بروتون" (أولاً) التي أضافها مرقس، ففتح نصّ متّى أيضاً على العالم الوثني.
إذن هناك اختلاف في عرض المقدمة، واختلاف في موقف يسوع تجاه الوثنيين. ولكن يبقى واقع رئيسي هو مقاومة يسوع بادىء ذي بدء لطلب هذه الوثنية. وهذه المقاومة سيتغلّب عليها إيمان امرأة (عند متّى) أو عناد امرأة (عند مرقس) يدلّ في النهاية على إيمانها.
لماذا ذهب يسوع إلى هذه المناطق الوثنية أو التي يعتبرها اليهود وثنية؟ هناك أسباب عديدة: يريد أن يعتزل الجموع. يربد أن يبتعد من عالم يهودي يحاول أن يستغلّه في حماسه المسيحاني. يريد أن يبتعد عن هيرودس والفريسيين بعد جداله الأخير معهم (7: 1- 23). أترى الخيبة والمرارة لعبتا دورهما، فاعتبر أن مهمته انتهت في الجليل، فتوجّه إلى المناطق القريبة؟ لا يشير النص إلى وجود التلاميذ معه، لهذا لا نستطيع أن نقول إنه أراد أن يعلّم تلاميذه. هذا في الظاهر. أما في الواقع، فولْي النصّ يسير في هذا الإتجاه الأخير. أرسل يسوع تلاميذه في "العالم اليهودي" (6: 7 ي). وها هو يسير أمامهم في العالم الوثني بانتظار أن يفتح آذانهم ليسمعوا وأفواههم لتنطق (شفاء أصمّ ألكن، 7: 31 ي)، بانتظار أن يفتح عيونهم لكي ترى (أعمى بيت صيدا، 8: 22 ي).
يحدّثنا مرقس عن هذه السفرة فنظن أنها لا تحمل في طياتها رسالة، لا سيما وأن يسوع لا يريد أن يدري به إحد. "لا يُعطى خبز البنين للكلاب". ولكن الواقع سيكون غير هذا. وسيكون للوثنيين خبز (8: 1- 10) كما لليهود، فيأكلون مثلهم ويشبعون. ثم إن الأرض الوثنية عرفت شفاء الأصم الألكن وشفاء أعمى بيت صيدا اللذين يتفرّد مرقس بذكرهما.
وقد سبق هذا الإهتمام بالوثنيين منذ بداية عمل يسوع يوم جاء إليه الناس، لا من الجليل واليهودية، بل من نواحي صور وصيدا (3: 8) كما أن خبر مجنون الجراسيّين جعلنا في أرض وثنية (5: 1-20). في هذين الحدثين، لم تكن المبادرة ليسوع: فالجموع هي التي جاءت إليه. والمتشيطن هو الذي جاء إلى لقاء يسوع. أما هنا، فالمرأة أتت إليه من أجل ابنتها. وأهل المكان جاؤوه بالأصم الألكن (7: 32).
أراد يسوع العزلة فلم يحصل عليها. ولكن ستكون له عزلة من نوع آخر، هي عزلته بالنسبة إلى تلاميذه الذين لا يفهمونه. هذا ما تشدّد عليه 8: 14- 21؛ 8: 32-33... وهذا ما يرمز إليه شفاء الأصمّ الألكن وشفاء أعمى بيت صيدا.
يرى الشرّاح في خبر الكنعانية امتحان امرأة وثنية بيد يسوع وصورة عن هذا الإنتصار المرتبط بعناد الإيمان. لقد تكلّم يسوع في مواضع أخرى عن المثابرة على الصلاة وعن لجاجة الإيمان (لو 11: 5-13؛ 18: 1-8). وربط مراراً الإستجابة بالايمان. هذا من جهة، ولكن نستطيع من جهة ثانية أن نرى محنة ليسوع والتلاميذ تنقلهم من العالمي اليهودي الضيّق إلى العالم الوثني، إلى الكون كله. فالشمولية ليست أمراً بسيطاً بالنسبة إلى اليهودي، وإن نظر إلى مخطّط الله مع ما فيه من شمولية. فموضوع إختيار إسرائيل سيكون حاجزاً، وعلى التلاميذ أن يتعلّموا كيف يتجاوزون خصوصياتهم (روم 15: 8). ستعيش الكنيسة هذه الصعوبة وستجادل أورشليم بطرس حين يذهب إلى كورنيليوس، وسينعقد "مجمع" أورشليم لتُفتح الطريقُ "واسعة" أمام تبشير الوثنيين.
من ساعد يسوع وتلاميذه على تحطيم هذا الحاجز الذي يمنع وصول الإنجيل إلى الوثنيين؟ إثنان. المرأة الكنعانية وضابط كفرناحوم. رأينا هذه المرأة كيف "انتصرت" على يسوع (وفرح يسوع بهذا الإنتصار، كما فرح الملاك بانتصار يعقوب عليه، تك 2: 23 ي) بجوابها المليء بالتواضع والثقة بالله، والمليء أيضاً بحكمة جعلت باب الملكوت ينفتح أمام الوثنيين. أما قائد المئة (مت 8: 5-13؛ لا نجد ما يوازيه في مرقس؛ رج لو 7: 1-10؛ يو 4: 43-54)، فجعل يسوع يُعجب بإيمانه فيهتف: "الحق أقول لكم: ما وجدت مثل هذا الإيمان عند أحد في إسرائيل" (آ 11). بعد مثل ذا الإيمان، تبدّلت الأدوار: صار أبناء الملكوت (أي: اليهود) في الخارج، في الظلمة. أمّا الآتون من بعيد (أي الوثنيون)، الآتون من المشرق والمغرب، فيجلسون إلى المائدة في ملكوت السماوات. سيكونون نسل إبراهيم واسحق ويعقوب (مت 11:8-12).
الشخص الرئيسي في خبر الكنعانية (والضابط الرومانى) ليس يسوع، بل هذه المرأة التي جعلت الإنجيل يخطو خطوة إلى الأمام. إنها تشبه العذراء مريم في عرس قانا الجليل. طلبت مريم خمراً قبل "الساعة" المحدّدة، فأحالها يسوع إلى "الصليب"، إلى ساعة آلامه وموته. لم تتوقّف مريم ولم تتراجع، بل قالت للخدم: إفعلوا ما يأمركم به. وهكذا كانت المعجزة وفاضت الخمرة المسيحانية في عرس يسوع الذي هو العريس الحقيقي. أجل، لقد عجّلت مريم في أعراس ابنها. وهكذا فعلت الكنعانية: عجّلت في ساعة الأمم. نبّهها يسوع إلى الأولويات: يشبع البنون أولاً. لم تعارض هذا الكلام، لم تثر على هذا اللقب الذي أعطي لها: "الكلاب الصغار". أقرّت أن اليهود هم الأبناء (يو 8: 39، 41). ولكنها قالت: اللوحة التي رسمتها ناقصة. كيف تسمح أن يطلب الأطفال خبزاً فلا يجدوا من يعطيهم كسرة (مر 4: 4)؟
تعجّب يسوع أمام إيمان الكنعانية وضابط كفرناحوم. وَثنيان أبهجاه في رسالته وعجّلا في توسيع أبعاد الرسالة. قال يسوع للأولى: "من أجل قولك هذا خرج الشيطان من ابنتك" (مر 7: 29)، وقال للضابط: "إذهب، وليكن لك على قدر إيمانك" (مت 8: 13). عادت المرأة إلى بيتها فوجدت ابنتها على السرير. أما قائد المئة فشُفي خادمه في تلك الساعة. قدرة الله تعمل من بعيد، تصل إلى "البعيدين" أي أولئك الآتين من العالم الوثني.

 

 

الفصل الثامن والثلاثون
شفاء أصمّ منعقد اللسان
7: 31- 37

من أراد أن يستخرج بعض الفائدة المباشرة من هذا النصّ يخيب أمله. فإذا وضعنا جانباً بعض الأسماء الجغرافية التي تفرض علينا أن نعود إلى الخريطة (آ 301)، لا عبارة صعبة تعيق قراءتنا الأولى، وتتبّعنا لمسيرة المشهد. يظن القارىء أنه فهم، غير أنه يبقى في شعور غريب. هذا المريض الذي لا يذكر اسمه قد جيء به إلى يسوع (من جاء به؟) هو يتقبّل بشكل إنفعالي ما يصنعه له يسوع باهتمام، كما لو أن فعلاته وعبارته الأرامية تتفوّق على اتصاله الشخصي بالإنسان. لا حوار أبداً. ولا إشارة البتة إلى أهمية الإيمان. والدور الذي لعبه "الريق" (البصاق) يبدو غريباً. ولماذا صنع يسوع ما صنع في السر، بعيداً عن الجمع (آ 33)؟ ولماذا فرض الصمت، وهل يُعقل أن يصمت من فكّت عقدة لسانه (آ 36- 37)؟.
لن نندهش إذا جهل الناس هذا النص وأهملته الفقاهة (التعليم المسيحي). فمتى ولوقا لا يذكرانه. ويحاول "الواعظ" أن يكتشف موضوعاً تقوياً: نظرة يسوع إلى السماء وتنهّده: يسوع يصلّي. أو إعجاب الحاضرين في النهاية (آ 37) يكون نقطة انطلاق لاعتبارات حول صمم بعض المسيحيين وبكمهم.
إذا أردنا أن نفهم هذا النص، نحدّد موقع النصّ في زمانه فنكتشف قيمته بالنسبة إلينا. وبما أن مرقس يتفرّد بإيراد هذا الخبر، نكتشفه داخل المجموعة التي هو جزء منها، يعني إنجيل القديس مرقس.

1- مرقس والتقليد
لم يكن مرقس أول من روى شفاء الأصم المنعقد اللسان (الألكن). فحين دوّنه، كان أمامه نموذج معروف لدى العالم اليهودي والعالم اليوناني: وعادة، يدلّ خبر الشفاء كيف أن المريض يتّصل بمجترح المعجزة (آ 32). وكيف تتمّ مسيرة المعالجة (آ 33- 34) وما هي نتيجتها (آ 35) كما لاحظها ونشرها الحاضرون (آ 37). ولكن هناك عنصراً لا يدخل عادة في هذا الفن الأدبي: هو الأمر بالصمت بعد المعجزة (آ 36). هذه سمة خاصة بمرقس (1: 44؛ 43:5؛ 8: 26) يجب أن نقدر أبعادها.
ويدهشنا الإهتمام الزائد بتفاصيل فعلات يسوع وحركاته (آ 33- 34) في خبر شفاء إنجيلي. عادة، تكفي كلمة ترافقها حركة باليد. غير أننا نجد في أخبار الشفاء في العالم الهلنستي مكانة كبيرة لتقنية المعالجة: هرب من نظرات الفضوليين، كلمات تلفظ في لغة غريبة، بصاق، نظرة إلى السماء، تنفد عميق، إستعمال اليدين. هذا ما نجده في ممارسة "الشفّائين" كما نقرأه في اصطلاحات فن أدبي يروي مثل هذه "المعجزات"!
حين نقرّ بهذا الواقع، لن نعجب حين نرى مرقس يصوّر يسوع بشكل قريب من عادات محيطه أو عصره. بل نعجب أن لا تكون هذه الطريقة ممثّلة في الأناجيل إلاّ في خبرين، وفي خبرين خاصين بمرقس هما: شفاء الاصم الألكن وشفاء الأعمى (23:8- 25). ما هي وظيفة هذين الخبرين في إنجيل مرقس؟ وتبدو المسألة مطروحة في التعارض بين التحديدات الجغرافية (آ 31) وعدم الإهتمام بالموضع الذي يتمّ فيه المشهد. من الواضح أن آ 31 تريد أن تقحم في السياق الإخباري (رج 7: 24) تقليداً لا يرتبط ارتباطاً دقيقاً بمكان من الأمكنة. هذه الملاحظة تساعدنا على تمييز الخبر نقرأه في ذاته، وعلى الدور الذي نُسب له في بناء الإنجيل الثاني.
هناك قراءتان ممكنتان للنصّ. الأولى تستلهم نموذجاً إخبارياً معروفاً فتدرك هنا صدى لخبر تقليدي. الثانية تحاول أن تفهم هذا التقليد على ضوء الإنجيل الثاني.

2- خبر شفاء مسيحاني
إن توازن عناصر الخبر يبرز عمل يسوع (آ 33- 34) وأبعاده. وفي النهاية، هناك نشيد إحتفالي بشكل مديح (371). لا يحسب النص حساباً لشخصية المريض، ولا لنوعية أو لعدد الذين جاؤوا بالمريض إلى يسوع (آ 32).
أ- المعالجة (آ 33- 34)
تكيّفت طريقة تصرّف يسوع مع ممارسات عصره. فإن انزعجنا من صورته "كشافٍ"، فهو لم يزعج الراوي الذي أدرك معنى هذه الممارسات. فالتدخّلات العلوية تتمّ في السرّ، بمعزل عن الأنظار "الدنيوية": أخذ يسوع الأصم الألكن على حدة، بعيداً عن الشعب، قبل أن يقوم بعمله السري (رج 1 مل 19:17: أخذ إيليا الصبي الميت من أمه وذهب وحده إلى العلية. وهكذا صنع اليشاع، 2 مل 4: 4، 33؛ رج مر 37:5، 40؛ 23:8؛ أع 9: 40). ولمس حواس المريض، لا لأنه لا يستطيع أن يدلّ بطريقة أخرى غير هذه الحركة على إرادته بشفاء هذا الأصمّ (سوف يكلّمه أيضاً)، بل لأن هذه اللمسات كانت تعتبر مقدمة للشفاء. وضع أصابعه في أذنَيْ المريض وكأنه يريد أن يفتحهما. وجعل البصاق على اللسان "المنعقد" (آ 35: إنحلّت عقدة لسانه)، والبصاق هو دواء الطب الشعبي الذي حُمّل هنا قوة خاصة. هناك شواهد في المخطوطات القديمة تقول إن يسوع بل أصابعه بالريق قبل أن يلمس أذنَي الأصم. أما عن استعصال الريق (البصاق) فراجع شفاء أعمى بيت صيدا (23:8) والأعمى منذ مولده في يو 6:9.
ويتقدّم العمل مع النظر إلى السماء. قد يفهم هذا على أنه فعلة صلاة وابتهال (مز 121: 1؛ 123: 1؛ لو 18: 13؛ يو 17: 1؛ أع 7: 55).
وفي خبر معجزة، هو يدلّ على الينبوع الذي منه ينتظر يسوع ويستمدّ سلطانه. لا يعبّر التنهّد عن شعورنا بالشفقة تجاه المريض، بل يدلّ على حركة عميقة من النداء إلى قدرة الله مع الوعي بأننا أمام مقاومة عنيفة يجب أن نتغلّب عليها (8: 12؛ روم 8: 22- 27؛ 2 كور 5: 2- 4). عنذ ذاك تلفّظ يسوع بالكلمة الحاسمة: "إنفتح". ترد الكلمة في اللغة الأرامية، شأنها شأن كل الكلمات الهامة في حياة يسوع (14: 36: أبا، أيها الآب). ولكن في خبر معجزة في اللغة اليونانية، تذكّرنا هذه الكلمة بالعبارات السرّية لدى الشفائين الذين يقابل الراوي يسوع بهم أو يعارضه (5: 41). وفعلت الكلمة فعلها: إنفتحت أننا الأصمّ. إنحلّت عقدة لسانه. كان هذا الإنسان منغلقاً على ذاته، فصار بإمكانه أن يتصل بالناس الذين حوله.
ب- ردة الفعل عند الحاضرين (آ 37)
بُهت الناس وتعجّبوا. هذه الإشارة التي نجدها عادة بعد خبر المعجزة، تكمّل كل ما يشير الى الصفة الالهية لدى يسوع الإنسان بالنسبة إلى السامع أو إلى القارىء. ما يحرّك الدهشة هو شيء غير عادي، وهذا الغير عادي يدلّ على عمل الله الذي تظهر قوّته في يسوع. فالخبر يهتمّ بشخص يسوع كما يهتمّ بأعماله.
وجاء هتاف الناس فوسّع أبعاد الخبر، واحتفل بكمال عمل يسوع وتواصله: "لقد أحسن في كل ما صنع: إنه يجعل الصمّ يسمعون والبكم يتكلّمون". إن هذه العبارة ترتدي أسلوباً ليتورجياً وتدلّ على عمل يمتدّ في الزمان ولم يحدث فقط مرة واحدة. وهي تتذكر نصاً نبوياً لأشعيا، فتدلّ على أنها كانت صدى لتأمّل ومديح في بعض الجماعات المسيحية التي تتذكّر إنتصارات يسوع.
هذا هو نص أشعيا (35: 3- 6). ولكن خبر مرقس يفترض أنه كان يقرأ في اليونانية، في نص السبعينية الذي يختلف بعض الشيء عن النص العبري. "تشدّدوا، أيتها الأيدي المسترخية والركب الواهنة. تشجّعوا أيها القلوب الفزعة. تشدّدوا ولا تخافوا. ها هو إلهكم آتٍ للعدل وسيحكم لكم. سيأتي ويخلّصكم. حينئذ تتفتح عيون العميان وآذان الصمّ تسمع. حينئذ يقفز الأعرج كالغزال ولسان الأبكم (موغيلالوس نقرأه فقط في مرقس وفي أشعيا. هذا يعني عودة مرقس إلى أشعيا) يترنّم".
لقد عرف المسيحيون الأوّلون نبوءة أشعيا هذه (رج أيضاً أش 18:29؛ 3:32- 4). ونحن نجدها في خلفيّة جواب يسوع إلى موفدَيْ يوحنا المعمدان، وذلك حسب تقليد قديم أورده متى (11: 4- 5) ولوقا (7: 22): "إذهبا وأعلما يوحنا بما سمعتما ورأيتما: العميان يبصرون، والعرج يمشون... الصم يسمعون". إن ضمّ العميان إلى الصم قد يفسّر الموازاة الغريبة على مستوى العبارات والبنية في خبرَيْ شفاء الأصم الألكن وأعمى بيت صيدا (8: 22- 26). لقد رأت الكرازة الأولى في معجزات يسوع علامة على أن الوعد قد تمّ. وقدرة الله التي ظهرت في يسوع تدلّ من جهة على مصداقيته كإنسان يمتلك سلطات إستثنائية (أع 22:2). وتدلّ من جهة أخرى على أن ساعة أمانة الله ومجيئه، ساعة الثقة والشجاعة هي هنا. فالذي انتظروه آتياً قد جاء. وعمل يسوع بدأ يرسم منذ الآن صورة الخليقة الجديدة.
هذا ما يشير إليه هتاف الجموع: "لقد أحسن في كل ما صنع" (صنع كل شيء حسناً). هذه الكلمات تعود إلى سفر التكوين. فأعمال يسوع تستحقّ المديح الذي يليق بأعمال الله خلال الخليقة الأولى: "ورأى الله كل ما صنعه، فإذا هو حسن جداً" (تك 1: 31؛ رج سي 16:39). فالسموات الجديدة والأرض الجديدة تدشّنت بإعادة الإنسان إلى الكمال الذي أراده الله له منذ الإبتداء.

2- علامة شفاء التلاميذ
على ضوء الإنجيل الثاني والمواضيع التي يعبّر عنها، يدعونا هذا الخبر إلى قراءة ثانية تتطلّع إلى تفاصيل أهملناها في القراءة الأولى. بعد المعجزة، حاول يسوع أن يفرض الصمت، ولكنه لم يُفلح (آ 36). هذه الإشارة تعود مراراً في إنجيل مرقس، وتتيح لنا أن نكتشف تفسيراً جديداً للمعطى التقليدي، بالنظر إلى سرّ يسوع كما ينقله الإنجيلي إلينا. ثم إن موضع الخبر في مسيرة الإنجيل يبدو بشكل تفسير وتأمّل: فشفاء الاصم الألكن وشفاء الأعمى يردان ساعة يلوم يسوع تلاميذه لأنهم لا يفهمون، ويكثر من اتّصالاته مع العالم الوثني.
أ- يسوع، المسيح الخفي
أولاً: وحي يسوع وسرّه
منع يسوع الناس من التكلّم عن المعجزة بمناسبة شفاء الأبرص (1: 44: أياك أن تخبر أحداً بشيء)، وإقامة ابنة يائيرس (5: 43: أوصاهم بشدّة أن لا يعلم أحد بشيء)، وشفاء الاصمّ الألكن (36:7: أوصاهم أن لا يخبروا أحداً) وشفاء أعمى بيت صيدا (8: 26. قال له: لا تدخل القرية). في المرة الأولى (1: 45: ولكن الرجل أخذ يذيع الخبر وينشره في كل مكان) والمرة الثالثة (36:7: كل ما أكثر من توصيتهم، أكثروا من إذاعة الخبر) لم يراعِ الناس الأمر بالصمت. وهكذا ظهرت شعبية يسوع بشكل بارز: لم يستطيعوا أن يحفظوا السرّ الذي طلبه. وفي المرة الثانية (ابنة يائيرس) والمرة الرابعة (أعمى بيت صيدا) لم يقل لنا مرقس إن كان الناس راعوا أمر يسوع أم تجاوزوه. قد نقول: ليس من المعقول أن والدي ابنة يائيرس سكتا ولم يخبرا عن قيامة ابنتهما. وهل يمكن السكوت؟ ولكن "المعقول" ليس دائماً قاعدة عامّة عند مرقس. فهو يهتمّ بأن يدلي على شاهرة يسوع الناتجة عن معجزاته (32:1- 33؛ 7:3- 12؛ 53:6-56؛ 9: 15؛ 46:10)، كما يلاحظ أربع مرّات إرادة يسوع بأن يخفي المعجزة. لماذا هذه الأربع مرّات فقط؟
فهم مرقس هذه الأخبار ودوّنها على ضوء سرّ يسوع كما أعلنه الإنجيل بعد الفصح والقيامة (1: 1: المسيح وابن الله). لقد كان يسوع منذ حياته كإنسان مائت (عائش على هذه الأرض) المسيح وابن الله. ولكن هذا لا يمكن أن يُنشر، لا يجب أن يُعلم. وإلاّ لما استطاع يسوع أن يتمّ عمله حتى الصليب. وبدون الصليب لن يعرف الناس هويّته الحقيقية. لهذا فرض الصمت على هذين اللقبين (1: 24، 34: ابن الله، عرفته؛ 3: 11: أنت ابن الله؛ 8: 30: أنت المسيح؛ 7:9- 9: ابني الحبيب) حتى الآلام والقيامة (9:9: لا يخبرون أحداً بما رأوا إلاّ متى قام ابن الانسان؛ 14: 61- 62؛ 39:15). إذا كان يسوع قد فرض الصمت على هذه المعجزات، فلأن مرقس اعتبرها أنها تكشف الحجاب عن شخصه. إنها أعمال المسيح المذكورة في مت 11: 5: "العميان يبصرون، البرص يطهرون، الصمّ يسمعون، الموتى يقومون". ومع أن الناس لم يراعوا الأمر بالصمت، فمع ذلك لم يلج أحد إلى سرّ يسوع الشخصي.
إن إشاعة سرّ يسوع وحفظ هذا السرّ يتعارضان في مرقس دون أن يلامسا الموضوع عينه. كان على يسوع أن يُعلن بالكلمة اقتراب ملكوت الله (1: 15) وتدمير مملكة إبليس (1: 12- 13، 23- 27، 34؛ 3: 11، 22-27). بيد أن سر ملكوت الله ظلّ خفياً (4: 10- 1). حرّك يسوع الجموع بقوة تعليمه وأعماله، ولكن هويته الدقيقة لا يمكن أن تُكشف قبل الوقت. فحياته العلنية كانت الحياة الخفية لابن الله وسط البشر. مقابل هذا، يجب أن يُنشر المجد الخفي للمصلوب والقائم من الموت، يُنشر في الأمم بواسطة الإنجيل. "فما من خفي إلاّ سيظهر، وما من مكتوم إلاّ سيُعلن" (22:4). هذا القول يعني سر ملكوت الله، كما يعني سر يسوع. وبطريقة المفارقة، يرى مرقس (كما يرى بولس) أن الصليب هو الذي يكشف سرّ حكمة الله وهويّة ابنه (33:8؛ 15: 39؛ 1 كور 1: 24- 25؛ 7:2- 8).
ثانياً: مرحلة شفاء الأصم
إن شفاء الأصمّ الألكن يشكّل مرحلة نحو هذا الوحي. فبعد المعجزة، يتوضّح تعجّب الحاضرين بسؤال يُطرح بعض المرات: "ما هذا" (27:1)؟ أو بشكل يدلّ على اتصال شخصي. بعد تسكين العاصفة طرح التلاميذ هذا السؤال: "فمن هو هذا" (4: 41)؟ أما هنا، فنجد للمرة الأولى في مرقس جواباً يعبّر عنه لا بصيغة الاستفهام بل بصيغة التأكيد: "لقد أحسن في ما فعل...". ما فعله كان حسناً! ولكننا لم نزل حتى الآن أمام أعمال يسوع، لا أمام هويته. فبعد شفاء أعمى بيت صيدا، سيُعطي بطرس باسم التلاميذ أول جواب حول شخص يسوع: "أنت هو المسيح" (29:8) ولكن يجب أن يبقى هذا الجواب خفياً إلى أن يكون ابن الإنسان قد أتمّ إرادة الله عبر الموت والقيامة (8: 30- 31). فالإيمان المسيحي يرى في المصلوب ابن الله. هذا ما يجب أن لا ننساه، كما يقول مرقس، حين يكشف شخص يسوع من خلال أعماله. فنحن لا نعرف يسوع حقاً إلاّ إذا تبعناه في طريق الصليب (8: 31- 38؛ 9: 30- 32؛ 10: 32-34؛ 10: 47-48، 52).
ب- يسوع المجهول لدى تلاميذه
نقرأ شفاء الأصمّ الألكن في سلسلة من الأحداث تتجاوب بعضها مع بعض بشكل ملحّ، فتدلّ على أنها لم تُوضع هنا بطريق الصدف. ففي ف 8، سيُروى شفاء الأعمى مع عبارات مشابهة، وحسب إطار إخباري مماثل، مع العودة إلى نبوءة أشعيا نفسها. وهذا الشفاء سبق تعرّفَ التلاميذ إلى يسوع على أنه المسيح. كما أن شفاء الأصم الألكن ينتهي في التعرف إلى علامات أزمنة الخلاص. ثم إن المعجزتين تنتهيان بسلسلتين متوازيتين نجد فيهما كليهما: تكثير الأرغفة لإشباع الجموع (6: 30- 44؛ 8: 1- 9)، عبور البحيرة (6: 45- 53؛ 8: 10). جدال مع الخصوم (7: 1- 51؛ 8: 11- 13)، مناقشة مع التلاميذ (17:7- 22؛ 14:8- 21).
وطوال هذه المتتالية الكبيرة، ينكشف سرّ يسوع ويختفي في الوقت ذاته ساعة يزداد عدم الفهم عند التلاميذ (6: 52؛ 18:7؛ 17:8- 21). هم سينالون التوبيخ الذي وُجّه إلى الفريسيين وإلى الذين "هم في الخارج": "قلوبكم عمياء (لا ترى. محجّرة لا تحسّ). لكم عيون ولا تبصرون! لكم آذان ولا تسمعون" (8: 17- 18؛ رج 3: 5؛ 4: 11- 12)! لقد أصيبوا بالمرض الذي أصاب الشعب المختار بحسب أشعيا (6: 9- 10) وارميا (5: 21) وحزقيال (12: 2). ولن يُشفى اسرائيل من هذا المرض إلاّ حين مجيء الله (أش 18:29؛ 3:32- 4؛ 36: 5- 6؛ 7:42، 16، 18- 19؛ 8:43).
في إطار سفر أشعيا، الصمّ والعميان والبكم هم صورة عن شعب لا يسمع كلمة الله أو لا يفهمها، لا يرى آيات قدرته، فيكتفي بأن يردّد كلمات اللوم والمكر (أش 3:32- 6). هكذا يبدو تلاميذ يسوع حسب مرقس. ففي تقليد المعجزات، تحوّلت صور أشعيا إلى علامات حقيقية عن الخلاص المسيحاني. وهذه الآيات التي لم تخسر شيئاً من واقعيتها، ستجد مع مرقس رمزية الصور النبوية. فكما شفى يسوع الأصم الألكن والأعمى، فهو يريد، بل هو يستطيع أن يفتح آذان التلاميذ، ويحلّ عقد ألسنتهم، ويفتح عيونهم. والطريقة التي بها تفضّل الأخبار فعلات يسوع في حواس المرضى توافق تنديده المتكرّر وكلماته القاسية لتلاميذ لا يفهمون. وقبل دخوله إلى أورشليم من أجل الآلام، سيأتي أعمى آخر (ابن طيما). شفاه يسوع، فسار وراءه في الطريق (10: 25). هكذا يرتسم أمامنا نموذج التلميذ الذي يدعوه يسوع لكي يتبعه (33:8- 34).
ففي بنية إنجيل مرقس، يبدو شفاء الأصم الألكن موازياً لشفاء أعمى بيت صيدا، وكلاهما غنيّ بالرموز عينها. ففي العالم البيبلي، القلب الذي يفهم يرتبط بالأذن كما يرتبط بالعينين (تث 3:29؛ أش 9:6- 10؛ إر 5: 21؛ 7: 24). فالأذن هي قناة الوحى، والعين هي قناة المعرفة. قد تُغلق الأذن كما يُغلق القلب على كلمة الله، فيصبحان غير مختونين كما يقول إرميا (6: 10؛ 9: 25). غير أن الله يستطيع أن يعطي الإنسان "قلباً وآذاناً تسمع" (ب 21: 31) أو بالأحرى "قلباً يسمع" (1 مل 9:3، أي يفهم ويطيع). "حفرتَ لي أذنين". هذا ما قاله لله إنسانٌ فهم إرادة ربه. أما عبد يهوه (عبد الله) فلم يكن مثل إسرائيل. كانت أذنه مفتوحة: "لم يتمرّد ولم يرتدّ عن ربه" (أش 50: 5؛ رج 8:18). وإن كرازة مرقس توجّه في هذا الخط شفاء الأخرس الألكن، وتدلّ على حامل الوحي الإلهي الذي يستطيع أن يفتح قلوب المؤمنين على يسوع.
في هذه المعجزة، إنفتحت الأذنان قبل أن تحلّ عقدة اللسان، فأخذ "يتكلّم بطلاقة". لا يهتمّ مرقس فقط بولادة الإيمان في قلب التلاميذ، بل بالتعبير الصحيح عن هذا الإيمان. فهناك طرق كثيرة نقول فيها من هو يسوع (نعبّر عن هويّة يسوع) (6: 14- 16؛ 27:8- 30). إن تلك التي تسبق اعتراف الإيمان المسيحي، تظهر للمرة الأولى على الصليب (15: 39؛ رج 1: 1). حتى الآن، إقترب التلاميذ من هذا الاعتراف، ولكنهم لم يصلوا إليه (4: 40- 41؛ 48:6- 52؛ 29:8- 30). وكيف يقدرون الوصول مع قلب مغلق؟ أما يعرفون أن "الفم يتكلّم ممّا في القلب" (لو 6: 45).
قال إر 28:7 بلسان الرب: "قل لهم: أنتم الأقة التي لا تسمع صوت الرب إلهها ولا تقبل التأديب (الدرس، العبرة)؛ ذهب الحق وانقطع عن افواههم". ونحن نجد نموذج التلميذ في "العابد" (الخادم) الذي جعله الرب قادراً أن يسمع وأن يتكلّم. "الرب أعطاني لسان التلاميذ. أوقظ سلطان الكلمة. صباحاً فصباحاً ينبّه أذني لأصغي إصغاء التلاميذ" (كما يصغي التلاميذ، أش 50: 4).
تبقى كلمة (فم) التلاميذ معقودة ما دامت آذانهم غير مفتوحة. وفي شفاء الأصم الألكن، يستطيع المؤمن أن يعرف خلال تنشئته (التي لا تنتهي أبداً) إذا كان المسيح قد أدركه إلى الأعماق. فالسماع والأصغاء يقودان إلى تفهّم متدرج لسرّ يسوع، وإلى إمكانية إعلانه. ولن ندهش إذا كانت ليتورجية التنشئة المسيحية قد استلهمت خبرَيْ مرقس هذين. لمس على الحواس، إستعمال البصاق، "افاتا". كل هذا اتخذ في رتبة العماد القديمة المعنى الذي تحدّث عنه مرقس. فمن تعلّق بخطى يسوع لكي يتبعه، يعرف أنه قد نجّاه مما يعلقه على فهم ضيّق للوجود (33:8)، وأنه قد فكّ عقدة لسانه من أجل كلمة معطاة، كلمة أثبت من كل التزام بشري.
ج- تجاوز الحدود
حين سار يسوع بتلاميذه نحو التعرّف التام إلى هويته، هيّأ (حسب مرقس) حاملي الإنجيل المعدّ لجميع الأمم (13: 10؛ 9:14). فالمتتالية التي يقع فيها شفاء الأصم الأخرس تبدأ بإرسال الإثني عشر (8:6). إن دعوة "الرسل" (6: 30) تدشّن سلسلة أحداث تبيّن أن التلاميذ لم يفهموا أعمال يسوع وأقواله. بيد أن هذه الأحداث تتعاقب خلال تنقّلات يسوع. أولاً، من ضفة إلى أخرى على "بحر الجليل" (6: 30- 23:7). ثم إلى مناطق صور وصيدا (24:7). بعد هذا عاد إلى صور "عبر صيدا" نحو بحر الجليل خلال أرض الدكابوليس (أي: المدن العشر. ديانة وثنية وحضارة هلينية) (7: 31). هنا يقحم مرقس خبر الأخرس الأصمّ. إن هذه الإشارات الطوبوغرافية، رغم دقتها، لا تتيح لنا أن نرسم مسيرة يسوع خلاله سفره. فهي تتداخل مع ملاحظات تكشف هدفاً تعليمياً. 
عارض مرقس بين الموقف المعادي الذي وقفه الفريسيون والكتبة الذين جاؤوا من أورشليم (7: 1- 23) وبين إيمان وثنية، أصلها من سورية- فينيقية (25:7- 30). واستنتج من هذا الخبر التقليدي سفر يسوع إلى بلاد صور وصيدا. قد يكون الخبر حُفظ في الجماعات المسيحية العائشة في هذه المنطقة ذات الأكثرية الوثنية. وما هو جدير بالملاحظة هو أن هذه المنطقة دخلت منذ 8:3 (سمع كثير... من صور وصيدا فأقبلوا إليه) في النطاق الجغرافي الذي فيه "رعدت" كرازة يسوع العلنية. واحتفظ مرقس أيضاً بتقاليد تتيح له أن يمدّ حقل عمل يسوع حتى الدكابوليس. لقد ظلّت جغرافية مرقس "تقريبية: وسَّع "أرض الجراسيّين" حتى الضفة الشرقية للبحيرة (تبعد جرش 50 كلم عن البحيرة. فيبدو من الصعب أن تكون بلاد الجراسيّين امتدت إلى هنا. تحدّث متى عن جدارا التي تبعد 10 كلم تقريباً عن البحيرة). ثم إن "الموضع" الذي شفى فيه الأصم الألكن (في مكان ما من الدكابوليس)، وذاك الذي اجترح فيه معجزة تكثير الخبز الثانية (8: 1- 10) يتسجّلان في هذا المدى الوسيع الذي لا حدود له.
هنا يستطيع يسوع بأن يلتقي أناساً لا نستطيع أن نقول إنهم يهود. وسيتبعه خلال ثلاثة أيام، جمع من الناس "جاء بعضهم من البعيد" (رج يش 9: 6، 9؛ أش 60: 4. أي: هم وثنيون) (8: 2- 3). ومهما يكن من أمر الموضع الذي فيه نجد "دلمانوثا" (لم يُعثر بعد عليه) (8: 10)، فمن الواضح أن التعارض بين ضفتيّ البحيرة، وتوالي العبور بشكل معاكس، كل هذا يبرز تعارضاً بين مدَيين لنشاط يسوع: ذلك الذي ينغلق على كلمته. إنه مدى الفريسيين (8: 10- 13). وذلك الذي يفتحه يسوع أمامه في جليل يفيض فيمتدّ إلى صور وصيدا والمدن العشر وقيصرية فيلبس (27:8). بعد القيامة سيكون اللقاء في الجليل مع التلاميذ (14: 28؛ 7:16) لا في أورشليم. في هذه المنطقة التي عرفت مزيجاً من السكان، واعتبرتها سلطات أورشليم ذات إيمان مشكوك به، في هذه المنطقة "رعد" الإنجيل الذي كرز به يسوع: ومن الإنجيل سينطلق الإنجيل بعد أن كلّف به التلاميذ ليحملوه إلى جميع الأمم (13: 10؛ 14: 9).
لهذا، إهتمّ مرقس بأن يجعل الاعتراف بأعمال الله في أعمال يسوع (37:7) يقع في قلب المدن العشر. وبأن يكون إعتراف بطرس المسيحاني على الطريق التي تقود يسوع إلى قرى قيصرية فيلبس (27:8). هكذا نجد استباقاً لإيمان الجماعات التي وُلدت من الرسالة إلى الوثنيين، وتعبيراً قبل الأوان عمّا سيقوله قائد المئة عند الصليب (39:15). إن السرّ الذي يؤثّر على المعجزة وعلى الاعتراف الإيماني الأول، يتطلّع إلى الظهور العلني بعد الفصح ويدلّ على القيمة الاستباقية لهذه الأخبار. وبعبارة أخرى، إن خبر شفاء الأصم الألكن يدلّ على أننا أمام قراءة (ثانية) مسيحية للنص، على ضوء الإنجيل الفصحي (أي بعد القيامة) في جماعة وُلدت في أرض الرسالة لدى الوثنيين.
من مفارقات الإيمان المسيحي أنه وُجّه إلى جميع البشر، فتغذّى "أولاً" (27:7) من كلمة قدّمت إلى شعب إسرائيل. وكما أن ابن الله أجبر على "الإختفاء" (يعيش خفياً) في يسوع الناصري، هكذا استعدّ الإنجيل في كرازة الجليل قبل أن يصبح الإنجيل للأمم. وكما ان الوحي الفصحي (بعد القيامة) لابن الله يكشف سرّ الإنسان القدير بالأعمال والأقوال، يكشف سرّ يسوع، كذلك تفسّر الرسالة الشاملة أنه ظهر في منطقة منفتحة إمّحت فيها التفرقة بين اليهود والوثنيين. فالأصم الألكن، وأعمى بيت صيدا، والسورية الفينيقيّة يجبرون المؤمن على أن يتجاوز حدوداً بُنيت بين البشر، ويدلّونه على ذاك الذي جاء نوراً وكلمة في صمت العزلة والليل.
إن نبوءة أش 35 وخبر مرقس يستنيران بضوء الخبرة المسيحية ويؤثّر الواحد على الآخر. فأشعيا أعلن مجيء الله ليضع حداً للعمى والصمم والبكم والتجمد في شعب من الشعوب. وحين شفى يسوع المرضى، دلّ على أن فيه تحقّق مجيء الله هذا، وأعلن بإلحاح أنه يجب علينا أن نستعدّ لهذا المجيء. وحين ذكر مرقس حياة يسوع على ضوء أشعيا (وكذلك فعلت الجماعة المسيحية التي فيها وُلد الإنجيل الثاني)، تذكّر أيضاً المسيرة الطويلة التي يجب أن يقطعها التلميذ عبر الأزمات والجهادات، ليتعرّف إلى يسوع، ليقول من هو يسوع اليوم وغداً، ولجميع البشر. وهكذا صار الأصم الأخرس وأعمى بيت صيدا نموذجين للتلميذ الذي ما زال منغلقاً على كلمة المسيح ونوره، غير قادر على التعبير عن إيمانه تعبيراً صحيحاً. وقاد يسوع تلاميذه على طريق الآلام الذي هو طريق الإستنارة، ولكنهم لم يستطيعوا أن يتبعوه (10: 32؛ 14: 51- 54). قادهم عبر الجليل وأوصلهم إلى حدوده. ولكن تعليم الفريسيين وهيرودس مع ما فيه من إنغلاق (8: 15) منعهم من التعرّف إلى شمولية الإنجيل. وحين ندّد مرقس بتأخّر التلاميذ على مستوى الإيمان، أشار أيضاً إلى الدواء: إذا كان الإنسان لا يستطيع أن يعوّض هذا التأخير، فيسوع يستطيع أن يفتح الآذان والعيون، أن يحل عقد الألسنة، أن يحطم الجدران التي ترتفع دوماً لتقاوم انتشار الإنجيل.
ويستطيع خبر مرقس أيضاً أن يوجّه تفكير المسيحيين اليوم. فالليتورجيا العمادية تدلّ على أن غناه هو هو ولا يزول. فالمعمودية لا تنتهي بعد أن ننتهي من ممارسة طقوسها. فإيمان كل إنسان يبقى متأخراً عن النور. فهل يظنّ انه دخل بشكل نهائي في سرّ يسوع، أنه سمعه كما يجب، أنه تحدّث عنه بعبارات صحيحة؟ ان الخاصانية التي تُولد دوماً تدلّ على عكس ذلك.
فهل نستسلم للحزن لأننا لا نستطيع أن نسمع، أن نرى، أن نتكلّم؟ بل إن مرقس يدعونا لكي نتطلّع إلى يسوع. فالإيمان لا يستخرج نوره من قلب الإنسان، فالنور يأتي من المسيح. وحين نسلّم أمرنا له، نقرّ بالتحرير الذي منحنا إياه ونحاول أن نتقبّل ذاك الذي يعدنا به، فنسير إلى النصر عبر الطريق الذي يفتحه أمامنا عبر شكوكنا ومخاوفنا.

 

 

الفصل التاسع والثلاثون
خبز من أجل العالم الوثني
8: 1-10

وتبدأ حلقة جديدة مع تجمّع جديد للشعب (8: 1). متى تمّ هذا العمل؟ "في تلك الأيام". ملاحظة غامضة ذات رنة اسكاتولوجية ترافق خبر مجيء يسوع وعماده (1: 9). مرة ثانية، أحسّ يسوع بالشفقة تجاه الجموع الجائعة (8: 2؛ رج 6: 34). ومرة ثانية سوف يطعمها بواسطة تلاميذه. مرة أولى أطعم "الشعب اليهودي". ومرة ثانية أطعم "العالم الوثني". وبعد أن أطلق الجمع، جاء إلى نواحي دلمانوثا (8: 10).

1- توزيع الخبزات
إن إطار هذا الخبر الجديد (8: 1، بالين) لكسر الخبز (وتوزيعه) للجموع يبدو غامضاً. ولكن الإنجيلي الذي اهتم بذكر تحرّكات يسوع، جعلنا نشعر أننا لم نترك الدكابوليس، أي المدن العشر الوثنية. وقراءة هذا الحدث (8: 1-10) التي تشبه 6: 34-44 تجعلنا نحسن وكأننا أمام تكرار. هذا، على ما يبدو، يقابل هدف مرقس الذي يشدّد على بعض السمات المشتركة ليدلّ على أننا أمام واقع واحد. غير أننا نلاحظ أن يسوع نفسه هو الذي "يدعو تلاميذه" إليه (8: 1) كما في يوم تأسيس الإثني عشر (3: 13: ودعا إليه الذين أرادهم). وفي يوم إرسالهم (6: 7: دعا الإثني عشر). أرسلهم في ما مضى إلى العالم اليهودي، وها هو يرسلهم إلى العالم الوثني، فيسجّل هكذا الخبرة التي سيعيشونها في منظار تكوينهم الرسولي.
سلّم إليهم من جديد الشفقة التي يحسّ بها تجاه شعب "ليس لهم ما يأكلون". ونبّههم أن لهم معه "ثلاثة أيام". هذه العبارة تذكّرنا أولاً بعهد الجبعونيين مع يشوع، وسنعود إليه فيما بعد. يقول يش 9: 16: "وبعد أن عاهدوهم بثلاثة أيام، عرفوا (بنو إسرائيل) أن هؤلاء الناس جيران لهم وانهم ساكنون في وسطهم". أجل، العالم الوثني ليس ببعيد عن العالم اليهودي، ليس ببعيد عن الرسل. وكما جاء الجبعونيون من بعيد (أي: من العالم الوثني) إلى يشوع، هكذا جاء هؤلاء الناس من بعيد إلى يسوع. معه سيصبحون قريبين. وتذكّرنا عبارة "ثلاثة أيام" بإنباءات الآلام والقيامة (رج 8: 31؛ 9: 31؛ 10: 34).
وقال النص: "بعضهم جاء من بعيد". نحن هنا أولاً أمام تلميح إلى المنفيّين العائشين وسط الأمم (أش 57: 19: من شفتي تخرج ثمرة السلام، السلام للقريب والبعيد، للعائش في "فلسطين" وللعائش في خارجها). ثم أمام تلميح إلى الوثنيين أنفسهم. فالجبعونيون يقولون في يش 9: 6 إنهم جاؤوا من أرض بعيدة. وأشعيا (60: 4) يدعو الذين في البعيد لكي يجتمعوا ويأتوا. وبولس الرسول يحدّث الوثنيين فيقول لهم: كنتم بعيدين (عن الله، عن المسيح) فصرتم بدم المسيح قريبين. إن يسوع بشّر بالسلام القريبين (أي العالم اليهودي)، وبشّر البعيدين (أي العالم الوثني) وهدم الحاجز الذي يفصل بينهما (أف 2: 12-18). كل هذا يدلّ على أن تكثير الأرغفة قد تمّ مع البعيدين، أي في العالم الوثني. بادر يسوع وكلّم تلاميذه عن هؤلاء الآتين، فجعلهم يعون مهمّتهم التي تتعدّى العالم اليهودي. وكما سيعطي يسوعُ خبزاً، لمن سماهم اليهود "الكلاب"، فيشفي إبن المرأة الكنعانية (7: 24- 30)، هكذا يجب على التلاميذ أن يفعلوا: أعطى يسوع الأرغفة لتلاميذه، فوزّعوها على الشعب (6:8).
وأعطى يسوع "تعليماته" للجمع، كما سبق وأعطاها لتلاميذه الذاهبين إلى الرسالة (6: 8). ولكننا لا نجد الجموع هنا تتمدّد على العشب الأخضر (نحن في البرّية، نحن قريبون من الفصح، كما يقولّ يو 6: 4، 10)، ولا تنظّم في مجموعات من مئة وخمسين (6: 40. فالعدد 5000 هو العدد المثالي لجماعة شعب الله في نهاية الأزمنة). لا ننسى أن جماعة البرية ترتبت بهذا الشكل (تث 1: 15). في 6: 51 نقرأ أن يسوع "بارك" كما يفعل اليهود قبل الطعام (اولوغيو). في 8: 6 نقرأ "شكر" (افخارستيو). بدأ يسوع فشكر على الخبز (8: 6). ثم بارك "بعض سمكات صغار" (8: 7). وهكذا انفصل الخبز عن السمك.
وتبدلّت الأرقام بين خبر تكثير الخبز في العالم اليهودي، وتكثير الخبز في العالم الوثني. في الأول: خمس أرغفة وسمكتان. هذا هو عدد الكمال: 7. وفي الثاني، هناك 7 أرغفة وبضع سمكات صغار. نجد في الخبر الأول 12 سلة (6: 43: عدد الرسل الإثني عشر الذين بدأوا فبشروا في أورشليم واليهودية والسامرة). وفي الخبر الثاني 7 قفف (عدد السبعة الذين اختارهم الرسل، ومنهم اسطفانس، فتجاوزوا العالم اليهودي). عدد الآكلين في 6: 44 هو خمسة آلاف. هذا هو عدد جماعة الله الكاملة بعد أن سمعت التعليم وتغذّت من خبز الله. وعدد الآكلين في 8: 9 هو أربعة آلاف. فالرقم 4 يدلّ على الكون بأقطاره الأربعة. والرقم 1000 هو عدد كبير جداً. وهكذا يكون الآكلون في تكثير الخبز الثاني عدداً كبيراً جداً جاء من أربعة أقطار الأرض.
إن هذا الخبر (8: 1- 10) يبدو في بنية قريبة من بنية 6: 34-44. والموضوعات المطروحة هي هي: شفقة على الجمع، حوار مع التلاميذ، خبز وسمكات في البرية، الكسر التي فضلت، عدد الآكلين. لا شك في أن هناك تفاصيل تجعل نصاً يختلف عن الآخر. وقد أشرنا إليها وحاولنا أن نكتشف بعض غناها.
ارتبط الخبران بتأسيس الافخارستيا. الأول في كنائس مسيحية جاءت من العالم اليهودي. والثاني في كنائس جاء مؤمنوها من العالم اليوناني. هذان الخبران يدخلان في سلسلتين تعليميّتين متوازيتين. فبعد كل خبر، نجد عبور البحيرة (6: 45- 56؛ 8: 10). وجدالاً مع الفريسيين (7: 1-23؛ 8: 11-13). ومناقشة حول الخبز (7: 24- 30؛ 8: 14- 21). وأخيراً خبر شفاء (7: 31- 37؛ 8: 22- 26). إن هذين الخبرين يشدّدان على العلامات التي تدل على رسالة يسوع وسلطته. على تصلّب الفريسيين في موقفهم. على عدم فهم عند التلاميذ: فاتهم مغزى معجزة الخبز وسلطة يسوع الذي يغذي شعبه. فاتهم تسلّط يسوع على البحيرة وعلى قوى الشر فيها (6: 52). كان الفريسيون عمياناً، وها هم التلاميذ لا يرون، فيوبّخهم يسوع كما وبّخ الذين من الخارج (8: 14- 21).
جُعل هذان الخبران في "كتاب الخبز"، فكانا جزءاً من هذه الوليمة المسيحانية العظيمة التي تقدّم للجماعات الآتية من القريب (اليهود) ومن البعيد (الوثنيون). فإذا أردنا أن نشترك فيها، لا نحتاج إلى غسل الأيدي، بل إلى تطهير القلب لكي نفهم أن الله صار قريباً من الإنسان في شخص يسوع، أنه يحنّ على خليقته الضعيفة فيعطيها خبز الكلمة وخبز الافخارستيا.
إن مائدة الملكوت ممدودة للجميع، حتى للوثنيين، شرط أن يقتربوا إلى الكلمة بقدرة الذي أحسن فيما صنع. وتعود قبائل إسرائيل الإثنتا عشرة إلى البرية لتشبع من خبز يتفوّق على المنّ. والعالم الوثني الذي يرمز إليه رقم 7 (8: 5، 8؛ رج 3: 7، 8؛ أع 6: 1 ي) صار هو أيضاً موضوع حنان الله، فاكتشف بعد ثلاثة أيام الآلام والقيامة، الخبز الذي يشبع والحضور الذي يجعل البعيد قريباً. وفي هذا التجمّع الشامل، كما في توزيع الخبز الافخارستي، سيكون للرسل دور يقومون به، ولا بدّ لهم أن يكتشفوه. ولهذا اخذهم يسوع معه.

2- يسوع يكشف عن شخصه لتلاميذه
ذكر مرقس خبر تكثير الأرغفة مرتين. فما هو التعليم الذي أراد أن ينقله إلى الكنيسة؟ هناك تعليم أول حول شخص يسوع نتوسّع فيه هنا. ويبقى تعليم ثانٍ حول الافخارستيا نعالجه في القسم الثالث.
أ- هدف يسوع
إن هدف يسوع هو أن يعرّف تلاميذه بنفسه. في هذا المجالس تشكل معجزات "مقال الخبز" ولا سيما تكثير الأرغفة والسير على المياه، حالات خاصة في إنجيل مرقس. إنها تجعل الإنجيل الثاني قريباً جداً من إنجيل يوحنا. ومن الغريب أننا لا نجد إلا هنا المعجزات المشتركة لحين الأناجيل الإزائية والإنجيل الرابع.
إذن، أراد يسوع أن يربّي تلاميذه. فعبّر عن هدفه بأشكال متنوّعة. فالجموع التي شبعت بقدرة يسوع وحنانه، تبدو منفعلة لا فاعلة. لا يقال شيء عن ردة الفعل عندها، لا قبل المعجزة ولا خلال المعجزة ولا بعد المعجزة. يبدو أنها هنا لتعطي يسوع مناسبة يمنح فيها درساً لتلاميذه الذين يحيطون به.
يشدّد الخبر بوضوح على الجهل لدى التلاميذ. هم لا يعرفون كيف يتجاوبون وحاجات الجموع. لا حلّ بيدهم. ولهذا يقرّون بعجزهم، فيتركون الأمور كلها في يد يسوع. دلّهم يسوع على حاجة الناس، فأجابوه: "كيف يستطيع أحد أن يشبع هؤلاء خبزاً، ههنا في البرية" (آ 4)؟ يدلّون على ضعفهم أولاً. وسؤالهم يجد جواباً سلبياً: لا يستطيع أحد. وتزداد الصعوبة أمام العدد الكبير. بل تصبح مستعصية لأن الناس هم في البرية. لو كان الناس بين القرى، لاستطاع التلاميذ أن يشتروا لهم خبزاً "بمئتي دينار" (يو 6: 7). لاستعدوا أن يضحوا. ولكن في هذه البرية!
ضياع وحيرة! ضعف إيمان، ضعف مبادرة. هذا هو وضع التلاميذ، وهذا هو وضع الكنيسة على مرّ العصور. وحده يسوع يستطيع أن يخلّص. أقرّ التلاميذ بأنهم لا يستطيعون، فاستعدوا ليتعلّموا من يسوع، ليسمعوا (ويروا) الدرس الذي سيعطيهم.
ودلّ يسوع أنه يبغي تربيتهم، فطلب منهم أن يعملوا. لم يتشاور معهم فقط (8: 2- 5)، بل تسلّم منهم الخبزات السبع والسمكات. ثم كلّفهم بأن يوزّعوا الطعام على الجمع. وأخيراً أرسلهم لكي يجمعوا الكسر (لا الفتات) التي فضلت. عمل الرسل كخدّام في ليتورجيا احتفالية. تلك كانت ليتورجية الشعب العبراني في البرية حيث يقيم في الأكواخ مع الله ويأكل من المنّ. وتلك ستكون ليتورجية الوليمة المسيحانية، حيث يهيّىء الله في جبله المقدس مأدبة فاخرة يعمّ فيها الفرح ويزول الموت وتُمسح الدموع (أش 25: 6-8؛ رج 55: 1- 2؛ 65: 13- 14).
لماذا دخل التلاميذ بشكل حميم إلى عمل ربنا يسوع؟ لأن هذا العمل يعنيهم هم بالدرجة الألى.
ب- موضوع وحي يسوع
ماذا أراد يسوع أن يوحي إلى تلاميذه؟ ما قاله لهم بفمه: "أشفق على هذا الجمع" (آ 2). بدا يسوع كالمحسن إلى الناس، كمرسل الرحمة الإلهية. جاء يعلن ديانة جديدة هي تعبير تام عن الحنان والمحبّة. إنه يشفق. وشفقته يعبّر عنها بشكل ناشط وفاعل. هي لا تبقى على مستوى العواطف والكلام. إنه يتجاوب مع حاجات الجموع الجائعة.
في خبر أول تكثير للأرغفة توجّهت شفقة يسوع أولاً إلى حالة الجموع المتروكة وشأنها: "خراف لا راعي لها" (6: 34). لا تعرف إلى من تسلّم أمرها بعد أن تخلّى عنها رعاتها. أما شفقة يسوع هنا فتذهب مباشرة إلى وضع مادي: "ليس لهم ما يأكلون" (8: 2).
الإختلاف بسيط جداً. ففي كلا الحالين، يسوع هو الملجأ الذي إليه تأتي الجموع لتشبع جوعها. لا حلّ لمشاكلها إلا مع يسوع. هذا ما يجب أن يفهمه التلاميذ: إنهم خدام ليسوع المحسن الحقيقي إلى البشرية.
نستطيع القول هنا كما بمناسبة سير بطرس على المياه، إن يسوع أراد أن يحرّك إيمان التلاميذ ويجتذبهم ليقوموا مع بطرس: "بالحقيقة، أنت ابن الله" (مت 14: 33). أراد يسوع أن يتجاوز المقولات اليهودية عن المسيح، والإطار الضيق لآمال معاصريه: لقد جاء يتمّ عملاً جديداً يدلّ على الله وسط البشر. وهو يعمل بشكل مباشر في العناصر، كما فعل حين سار على المياه. نحن أمام سلطان يحتفظ به العهد لله الذي هو الخالق. نذكر هنا خر 15: 8: "بنفخة أنفك تكوّمت المياه، وانتصبت أمواجها كالسدّ، ووقفت اللجج (تجمّدت) في قلب البحر". ومز 89: 10: "لك سلطان على هيجان البحر، فتهدّىء أمواجه عند ارتفاعها". ومز 65: 8: "الرب هو المهدّىء عجيج البحار" (رج مز 107: 29؛ مت 8: 26؛ لو 8: 24).
إذن، شاهد التلاميذ عملاً يفترض سلطة إلهية بكلى معنى الكلمة. لقد تجلّت سلطة الله الشخصية في المسيح. وبمختصر الكلام، إن التعليم على المعجزات هو أن قدرة الله تتجلّى في يسوع في خدمة رحمة ومحبة وإحسان تجاه الحاجات البشرية. أما السيطرة على البحر، فتدلّ على عمل الله ضدّ قوى الشرّ الحقيقية التي لا بدّ من لجمها. لهذا نرى يسوع يقف مراراً على الشاطىء في إنجيل مرقس: إنه يقف سوراً منيعاً ليدافع عن شعبه من هجمات الشرّ.
لا شك في أن القديس يوحنا يرى في مشهد تكثير الخبز تحقيقاً مسبقاً للإنتظار المسيحاني، للوليمة المسيحية. يجب أن ننظر إلى يسوع على أنه المسيح الذي يشبع شعبه، وهذا ما يدلّ عليه الحماس المسيحاني الذي "هيّج" الجموع (يو 6: 14- 15: أرادوا اختطافه وجعله ملكاً). وإذ يشدّد يوحنا على الموازاة بين يسوع وموسى، بين طعام يسوع والمنّ، بين وليمة يسوع والفصح، فهو يثبّت هذا التفسير الذي يتطابق كل المطابقة مع مجمل اللاهوت اليوحناوي. فيوحنا يبرز أكثر من مرقس، نبوءات العهد القديم، ويلقي نورها على أحداث حياة يسوع.
وفي هذا المنظار أيضاً توسّع يوحنا في موضوع الراعي والخراف المشتّتة (يو 10: 1 ي). أما مرقس (د: 34) فيشير هنا إلى نص حز 34: 5 (تبعثرت الخراف من غير راعٍ وصارت مأكلاً لكل وحوش البرّية) الذي هو نقطة انطلاق من أجل التأمل في صورة الراعي، ولكنه لا يستفيد منه ليصوغ حديثاً عن يسوع الذي هو الراعي الحقيقي الذي يطعم خرافه.
ج- التعارض بين يسوع والفريسيين
لا يتوقف مرقس عند نصوص العهد القديم والآمال المسيحانية في هذا المقطع. فاهتمامه يتوجّه في إطار آخر. فالمقال عن الخبز يتخذ تجاه الفريسيين، وبالتالي تجاه هيرودس، موقفاً سلبياً واضحاً لا مساومة فيه. ويتضمّن هذا القسم حرباً قاسية على تقاليدهم وتعاليمهم. لهذا، نضع خبرَي تكثير الأرغفة في هذا الإطار، لكي يبرز المعنى الذي يريد مرقس أن يتوقّف عنده.
فما هي العلاقة بين معجزة تكثير الأرغفة وتعليم الفريسيين؟ لا حاجة إلى البحث الطويل. فالنصّ واضح. بعد أن شاهد التلاميذ عمل قدرة ومحبّة، قال لهم يسوع: "إنتبهوا. إياكم وخمير الفريسيين وخمير هيرودس" (8: 15). فهمَ التلاميذ هذا التحذير في المعنى الحرفي. ظنّوا أن يسوع يمنعهم من أن يشتروا خبزاً لدى الفريسيين. لهذا تحيّروا، لأنهم لم يأخذوا معهم خبزاً في ذلك اليوم (8: 16). فذكّرهم يسوع بمعجزتيه: أليس هو الذي يعطي الخبز؟
إذن، هناك تعارض بين خبز الفريسيين وخبز يسوع. وهكذا نفهم أنه لا يجب أن نفسّر الخبز المكسور للجموع في معنى مادي صرف. ولكن ما هو خبز الفريسيين؟ سمّي باحتقار "خميراً" (الخمير هو مبدأ الفساد، رج 1 كور 5: 6-8). هذا الخبز يمثّل تعاليم وممارسات وتقاليد يلقّنها الفريسيون للناس، ويخضعون شعب الله لها. نحن أمام روح الشكليات، روح الرياء الذي يجعلهم يهتمون اهتماماً كبيراً بالأعمال الخارجية (مر 7: 1-23).
لماذا سمّى يسوع خبز الفريسيين "خميراً"؟ الخمير هو خبز رديء، هو ينبوع الشر، ولا يستعمل في الهيكل والممارسات الدينية (خصوصاً عيد الفصح). حين قال يسوع: "إياكم وخمير الفريسيين"، فهو يعني: إحذروا من خبز الفريسيين الرديء. وقد نكون هنا أمام صورة بلاغية فنحذر لا من خبز الفريسيين، بل من الفريسيين أنفسهم.
إن الخبزات التي كثّرها يسوع تحل محل خبز الفريسيين الرديء. فلا نفسّر هذا الكلام عن طريق الإستعارة. فالخبزات ليست فقط رمزاً إلى التعليم. فنحن أمام واقع واسع يضمّ في الوقت معاً التعليم والخبز، حتى الخبز المادي.
يقدّم الفريسيون تعليماً عقيماً وناشفاً، يقدّمون شبه تعليم. ويتركون شعب الله وحده. بل يثقّلون عليه بالفرائض ولا يغذّونه. وهكذا تنتج حالة شقاء أدبي، بل حالة شقاء مادي أيضاً.
أما يسوع فلم يحمل فرائض ولا تقاليد. جاء يحمل الخبز. جاء يهتمّ بالحاجات الحقيقية للشعب، ويحاول أن يلبّيها. لهذا، بدأ فأعطى الخبز المادي.
يس يسوع معلّماً عقيماً. بل هو يداوي الحاجات الحقيقية سواء كانت جسدية أم روحية. واختلافه عن الفريسيين يرتبط بالمسافة التي تفصل قدرة الله الخلاّقة والمحسنة عن أقوال البشر الضعيفة والباطلة. قدّم الفريسيون شروحاً ومجادلات، فقدّم لهم عمل الله. ونحن لا نلجأ إلى النظريات البشرية التي تضلّ الناس ولا تنتج شيئاً. بل نلجأ إلى يسوع الذي يخلّصنا بعمله الخلاّق.

3- يسوع يعلن الافخارستيا لتلاميذه
رأى التقليد المسيحي الأول في تكثير الأرغفة صورة مسبقة عن الافخارستيا. لقد شدّد الإزائيون ومرقس بشكل خاصّ على هذا المدلول النبوي. ولا شكّ في أن تلك كانت نيّة المعلّم. في هذا المجال سوف نتفحّص على التوالي ثلاث إشارات إيجابية في النصّ: عبارة ليتورجيا افخارستية، موضوع الخبز المكسور، موضوع تجميع الكسر: "رفعوا من الكسر الفاضلة سبع سلال" (8: 9).
أ- الليتورجيا الافخارستية
إذ أراد الإنجيلي أن يصوّر عمل يسوع الذي هو في أصل المعجزة، إستعمل عبارة ليتورجية عرفها التقليد الكنسي في الأجيال الأولى للمسيحية. وهذه العبارة هي التي لا نزال نستعملها اليوم: "أخذ يسوع خبزاً، وشكر، وكسر، وأعطى تلاميذه" (8: 6).
استعمل مرقس أربعة أفعال تصوّر العشاء الأخير حسب كل النسخات التي حفظها لنا العهد الجديد (مت 26: 26؛ مر 14: 22؛ لو 22: 19؛ 1 كور 10: 16؛ 11: 24). وهي العبارة التي تصوّر الافخارستيا التي احتفل بها يسوع مع تلميذَيْ عماوس بعد القيامة (لو 24: 30: أخذ الخبز وبارك وكسر وأعطاهما).
إن العبارة الافخارستية هي واضحة جداً، وكل مرة نجدها في كتابات المسيحية الأولى، نكتشف تلميحاً إلى سرّ الحياة، سرّ جسد المسيح
في إنجيل يوحنا، تعبّر الخطبة الافخارستية (يو 6: 25 ي) بشكل واضح عن الرباط الذي يجمع العلامة النبوية لتكثير الأرغفة مع تحقيقها الأسراري. وهكذا نجد تشابهاً جديداً بين الإنجيل الرابع ومقال الخبز. 
ب- كسر الخبز
يشدّد الخبر بشكل خاص على فعل "كلاوو" (كسر) والاسم "كلاسماتا" (الكِسَر). وترتبط هاتان اللفظتان بالجذر الذي أعطى إيضاً "كلاسيس" أي كسر الخبز.
يهتمّ الإنجيلي اهتماماً خاصاً بالكسر (لا بالفتات) الباقية (آ 8-9). ففي الحوار الأخير مع التلاميذ، عاد يسوع أيضاً مرة أخرى إلى الكسر الباقية) 8: 19-20). وفي النهاية، اهتم الإنجيلي بالكسر أكثر من اهتمامه بعظمة المعجزة حيث تجلّت قدرة الله المدهشة.
إن المعنى السرّي لهذا الكسر له من القيمة ما يتفوّق على البرهان الخارجي والخارق لصلاة يسوع وقدرته. فمعجزة الافخارستيا تتجاوز تجاوزاً لا حدّ له المعجزة المادية التي شاهدها الرسل. ما تصوّره المعجزة مسبقاً هو أعجب ممّا تقدّمه لنظر الإنسان.
إن الموضوع المرتبط بكسر الخبز (والكسر) يقابل دوماً في الأدب المسيحي القديم سرّ الافخارستيا. ففي أع: 2: 42-46، يتحدّث لوقا عن "تعليم الرسل، والشركة، وكسر الخبز، والصلوات". نحن هنا في جوّ مسيحي. فالصلوات صلوات مسيحية كما في أع 4: 23 ي. وتعليم الرسل هو ما سيصبح فيما بعد انجيل يسوع المسيح ابن الله. وكسر الخبز يدلّ على الافخارستيا. وهكذا نكون مع احتفال شبيه بقداساتنا مع عشاء المحبة. ويعود لوقا في النص عينه (آ 46) فيقول: "كانوا يكسرون الخبز في البيوت". كانت بعض البيوت "كنائس" ومكان اجتماع للمسيحيين الأولين. مثلاً بيت سمعان الدبّاغ في يافا (أع 9: 43). وبيت كورنيليوس في قيصرية (أع 10: 48). وبيت ليدية، بائعة الأرجوان، في فيلبي (أع 16: 15). ويميّز أع 2: 46 بين صلاة يشارك فيها المسيحيون اليهود في الهيكل، وبين عمل خاص بهم يقوم بطعام يتناولونه بفرح، وبكسر الخبز. وسيروي لنا لوقا أيضاً في سفر الأعمال حفلة افخارستيا في ترواس. "في يوم الأحد، اجتمعنا لكسر الخبز. فأخذ بولس يعظ الحاضرين" (أع 20: 7). وفي النهاية يقوله النص: "صعد بولس وكسر الخبز وأكل" (أع 20: 11). نحن هنا في بيت خاصّ، كما اعتاد المسيحيون أن يفعلوا في عليّة كما فعل يسوع نفسه (أع 1: 13؛ لو 22: 12).
إذن، نستطيع القول إن الحديث عن الكسر في إنجيل مرقس يوجّه أنظارنا إلى الافخارستيا التي صوّرها تكثير الأرغفة مسبقاً. ونلاحظ أنه في تكثر الخبزات الأول بقي 12 قفة. وفي التكثير الثاني 7 سلال. فالرقم 12 والرقم 7 يدلاّن على الملء والكمال. فهذا يعني أن الجموع أكلوا وشبعوا. وما بقي من هذه الخبزات، من هذه الكسر يكفي الكنيسة حتى نهاية الأزمنة. فالطعام الذي يعطيه يسوع لا يدوم ساعة بل إلى الأبد (يو 6: 52: يحيا إلى الأبد). ولا يطعم مجموعة واحدة ولو كانت خمسة آلاف أو أربعة آلاف. إنه يطعم البشرية كلها. فجسد يسوع طعام حقيقي، ودم يسوع شراب حقيقي (يو 6: 55).
ج- تجميع الكسر
هنا نعود إلى الكسر التي طلب يسوع أن تجمع في سلال (آ 8). لسنا هنا أمام موقف اقتصادي، بل موقف لاهوتي. فيسوع يريد أولاً أن تحفظ الكسر. وثانياً، أن تجمع.
أولاً: تحفظ الكسر
هنا نقرأ في 7: 27-28 حواراً بين يسوع والمرأة الكنعانية. قال لها يسوع: "دعي الأولاد أولاً يشبعون. إذ لا يحسن أن يؤخذ خبز البنين ويطرح لصغار الكلاب". فأجابت وقالت له: "أجل، يا سيدي. ولكن صغار الكلاب تأكل تحت المائدة من فتات الأولاد".
نحن هنا في المقال عن الخبز. والعلاقة واضحة بين خبز يتحدّث عنه هذا المشهد ومعجزة تكثير الخبز. إن جواب هذه المرأة يبيّن أن خبز الرب لا يُحفظ فقط للشعب اليهودي. بل هو يُعطى أيضاً للشعوب الوثنية. فهم مدعوون أيضاً لكي يشاركوا في الوليمة المسيحانية وينعموا بخيرات الله.
ونعود إلى ما فعله الرسل بعد تكثير الأرغفة: جمعوا البقايا فدلّوا على أن الوثنيين هم أيضاً مدعوون للمشاركة في الافخارستيا. هذه الكسر هي معدّة للمسيحيين الآتين من العالم الوثني بواسطة بشارة الرسل. ولم نعد أمام خبز مادي، بل أمام خبز الحياة.
ثانياً: تجمع الكسر
ونعود إلى المقابلة مع اللاهوت اليوحناوي.
بالنسبة إلى يوحنا، إن الافخارستيا تحقق اتحاد التلاميذ بالمسيح القائم من الموت والذي هو ينبوع الحياة. ويقال لنا في مكان آخر إن المسيح القائم من الموت يجمع في شخصه البشر المشتّتين. "إن يسوع سيموت فدى الأمة، ولكن لا فدى الأمة فقط، بل ليجمع في الوحدة أبناء الله المشتتين" (يو 11: 52). حين كثّر يسوع الأرغفة، اهتم أولاً باليهود. وفي مرحلة ثانية، اهتم بالوثنيين. فكانت هذه الخبزات المادية رمزاً إلى الافخارستيا التي تجمع البشرية في وحدة المسيح القائم من الموت. والكسر المجموعة تدلّ على المسيحيين. هذا ما تقوله الديداكيه: كما أن هذا الخبز المكسور كان مشتتاً على الجبال وجُمع فصار واحداً، هكذا فلتُجمع كنيستك من أطراف الأرض في ملكوتك.

خاتمة
جرت معجزة تكثير الخبز الثانية في الدكابوليس. في أرض وثنية. والكلاب الصغار لن يكتفوا ببعض الفتات. إنهم يشاركون في وفرة الخيرات المسيحانية، بل في وفرة فوق وفرة تبقي وراءها سبع سلالة من الكسر. ثم إن أبناء الدكابوليس ظلوا مع يسوع ثلاثة أيام. لا شك في أنهم كانوا جائعين إلى الخبز. ولكنهم كانوا جائعين إلى شيء آخر. كانوا ينتظرون ليسمعوا كلام الله. لينالوا الخلاص بالإيمان كما نالته المرأة الكنعانية. كانوا ينتظرون رسلاً يحملون إليهم البشارة. ولهذا كان تأسيس السبعة في الكنيسة الأولى بداية الإنطلاق نحو العالم الوثني. بدأ مع اسطفانس وفيلبس والذين شتتهم الاضطهاد. ولكن مع بولس سيصل الإنجيل إلى جميع الأمم الوثنية، سيصل إلى أقاصي الأرض. لقد أرسل الخلاص فوصل إلى الوثنيين. وهم سيستمعون إليه (أع 28: 28).

 

 

الفصل الأربعون
آية من السماء
8: 11- 13

ها هم الفريسيون يعودون إلى يسوع بنواياهم السيّئة. جاؤوا يطلبون آية من السماء تؤكّد صدق هذا الرابي الجديد. جاؤوا لكي يجرّبوه. ولكن هذا المعلّم ليس كسائر المعلّمين، وأجوبته هي من عالم آخر. ولكن الفريسيين عُرفوا بعمى قلوبهم، بقساوة قلوبهم. هم يطلبون آية على مثال الشيطان في التجارب (أن يصير هذا الحجر خبزاً، إنزل من على جناح الهيكل). هم على مثال هيرودس الذي ينتظر أن يصنع يسوع أمامه معجزة من المعجزات (لو 9:23). أمّا يسوع فلم يجبه. هم سيعودون مع الناس على الصليب ويطلبون منه أن يصنع آية، أن ينزل "ليؤمنوا به"! ولكن آية يسوع أن تكون نزولاً عن الصليب بشكل ينير النظر ولا يحرّك القلوب. ستكون قيامته آية الآيات التي لولاها كان إيماننا باطلاً.

1- وجاء الفريسيون
بعد تكثير الأرغفة الثاني (8: 1- 10) ذهب يسوع مع تلاميذه إلى نواحي دلمانوثا. أين تقع على الخارطة؟ لا أحد يعرف. ونقول الشيء عينه عن "تخوم مغدان" التي يتحدّث عنها النص الموازي في مت 15: 39.
ذهب مع التلاميذ. فمن الأهمية بمكان أن يحضر التلاميذ الجدال التالي.
أعاد الفريسيون هجومهم على يسوع مباشرة. أرادوا أن "يجرّبوه". أن يمتحنوه. فطلبوا آية من السماء (آ 11). قال الرب في تث 20:18- 22: "أي نبي تكلم باسمي كلاماً زائداً لم آمره به، أو تكلّم باسم آلهة أخر، فجزاؤه القتل. وإن قلتم في قلوبكم: كيف نعرف الكلام الذي لم يتكلّم به الرب؟ فأجيبكم: إن النبي الذي تكلّم باسم الرب ولم يحدث كلامه بصدق، فذلك الكلام لم يتكلّم به الرب، بل زاد فيه النبي على الحقيقة، فلا تخافوا منه". هكذا يتميّز النبي الحقيقي من النبي الكاذب. هنا نرى حالاً أن هذا المعيار لا يكفي. فمضمون التعليم مهمّ، وكذلك تماسكه مع عمل الله وكلمته. أما الفريسيون فيريدون أن يروا.
"تنهّد يسوع" كما في شفاء الأصمّ الألكن (34:7). أهو تنهّد الألم وخيبة الأمل؟ بعد ثلاث معجزات هم يحتاجون بعد إلى آية! أما يشبعون؟ أما هم ينتظرون أن "يقع" فيهجمون عليه هجمة واحدة؟ رفض يسوع أن يعطي "هذا الجيل" آية سوى تلك التي يصنعها دوماً أمام عيون الشعب. 
ترد عبارة "هذا الجيل" بعض المرات مع صفات مثل "الشرير والفاسق" (38:8؛ رج مت 12: 39، 45؛ 16: 4). بمعنى أنه عابد أوثان، أو "غير المؤمن، الكافر" (9: 19؛ رج مت 17: 17). هذا الجيل يدلّ في العهد القديم على شعب اسرائيل الذي خان الميثاق وامتحن الله على مدّ تاريخه وطالب دوماً بآيات تدلّ على قدرته. نقرأ في تث 32: 5: "ما هم إلاّ فساد في نظره. بسبب فسادهم لم يعودوا أبناءه. إنهم جيل معوج وملتوٍ". وفي 32: 20: "قال: أحجب وجهي عنهم وأرى ماذا تكون آخرتهم لأنهم جيل متقلّب" (رج أش 1: 2). في مز 8:78 نقرأ: "جيل عقوق متمرد، جيل لم يستقم قلبه ولا كان روحه أميناً لله". وفي مز 10:95: "أربعين سنة أبغضت هذا الجيل وقلت فيهم: هم شعب قلوبهم في ضلال". وقد يكون لعبارة هذا الجيل معنى حسن، فتدلّ على جيل الذين يطلبون الرب (مز 24: 2).
تتوجّه هذه العبارة إلى مجموعة الفريسيين ومن خلالهم إلى كل الذين توقّفوا عند الظواهر مثل أهل بلدة يسوع (6: 3)، فلم يستطيعوا أن يدركوا هويته الحقيقية
لم يتكلّم مرقس عن "آية يونان" كما فعل مت 39:12- 41؛ 16: 4 ولو 11: 29- 32. وهذا أمر سنعود إليه. طلبت الفريسيون آية لا جدال في أصلها الديني، آية تدلّ على شرعية عمل يسوع في نظر خصومه. فكان رفض المعلّم قاطعاً. وستأتي آية القيامة في وقتها فتلبيّ كل الطلبات وكل التساؤلات. إنها آية الآيات وكلّ آية تهيئها. فلا يبقى للجمع إلاّ أن يتقبلوا المعجزات التي يضعها يسوع فتدلّ على قدرة الله التي تعمل في يده.
أراد معارضو يسوع أن يسجنوه في مقولاتهم الفكرية وفي أطر رغباتهم. أرادوا أن يضعوا حدوداً وشروطاً لعمل الله، وإلاّ لا يكون هذا العمل عمل الله. رفض يسوع هذا الحق لهم فدلّ عن طريق المفارقة على هويته الحقيقية التي لا يستطيع البشر أن يقبضوا عليها. أراد أهل الناصرة أن "يمسكوه"، أما هو فاجتاز فيما بينهم وتابع طريقه التي تقود إلى الموت والقيامة (لو 4: 30).
ونعود الآن إلى دراسة النص من الناحية الأدبية واللغوية. ونربط ما قاله مرقس بما يوازيه في متّى ولوقا.
رغم عدد المعجزات المعلنة التي أوردها مرقس، فالإنجيلي يقدّم لنا يسوع كشخص يريد أن يبقى خفياً. هذا ما يسمّى "السرّ المسيحاني". هناك نصوص ترتبط بهذا الموضوع ومنها رفض يسوع بأن يعطي الفريسيين "آية" (8: 11- 13)، وتحذير من "الآيات والمعجزات" التي يقدّمها المسحاء الكذبة (13: 21- 23).

2- لا آية لهذا الجيل (8: 11- 13)
وضع مرقس هذا الحدث مباشرة بعد تكثير الأرغفة الثاني (8: 1- 10). جاء الفريسيون (لسنا ندري لماذا) وطلبوا من يسوع "آية آتية من المساء". وزاد مرقس: "ليجرّبوه". هذا التحديد لنص آ 11 لا يساعد على فهم المعنى الأولاني لكلمة يسوع في آ 12. لأنه قد صيغ، على ما يبدو، إنطلاقاً من هذا القول ثم صحِّح من جديد بيد مرقس. وهكذا تكون العبارة "طلبوا آية" مأخوذة من آ 12.
أ- طلبوا آية
يبدو أن هذه العبارة (طلبوا آية) لا تعود إلى مرقس، بل كانت جزءاً لمقدمة سردية تسبق القول الإنجيلي (ما بال هذا الجيل يطلب آية؟). فإذا عدنا إلى المعين، نجد أن القول وجد فيه، ومنه انتقل إلى الأناجيل. إن مت 38:12 (يا معلم، نريد منك اية) ولو 11: 16 (وكان آخرون يسألونه آية من السماء إمتحانا له)، 29 (جيل شرير يطلب آية) تقدّم عناصر تميّزها عن مر 8: 11= مت 16: 11. إذا أخذنا بعين الاعتبار التصحيحات التي قام بها متّى ولوقا، نستطيع أن نكوّن فكرة عن مقدمة القول في المعين بشكل "طلب آية". ولكن هذا الطلب (عكس مر 8: 11) لا يشير إلى آية آتية من السماء، ولا يتضمّن امتحاناً ليسوع. فنصّ مت 38:12 لا يتكلّم عن هذا ولا ذاك. في لو 16:11، يبدو أن عبارة "من السماء" (رج 3: 22؛ 11: 13؛ 20: 4، 5) ولفظة "امتحن" قد تأثرتا بنص مر 11:8.
وهناك أمثلة أخرى أثّر فيها مرقس على لوقا في إطار أقوال تعود إلى المعين. نذكر أيضاً مر 1: 5 ولو 7:3؛ مر 3: 10- 1 ولو 7: 21؛ مر 7: 5 ولو 11: 38. وإن مر 10: 21 ساعد على التعبير عن نص لو 12: 38 بشكل يختلف عمّا في مت 16: 19. وقد أثّر مرقس على لوقا في نصوص لا ترتبط بالمعين: مر 2: 5- 7 ولو 48:7- 49؛ مر 5: 34؛ 10: 52 ولو 7: 50؛ 19:17.
ولكن إذا كانت مقدمة المعين إلى القول في لو 16:11 قد صحّحت حسب مر 8: 11، فإن مت 38:12 قد طُبع بالتدوين المتاوي: مثلاً، ذكر الكتبة والفريسيين (رج مت 5: 20؛ 15: 1؛ 15: 1...)، اللجوء إلى الخطبة المباشرة، إستعمال فعل أراد (تامو) (أكثر تواتراً في متى منه في مرقس ولوقا).
في لو 16:11 استعمل لوقا لفظة "آخرين"، لأنه في آ 15 أشار إلى مجموعة أولى (بعضهم) اتهمت يسوع بأنه يطرد الشياطين ببعل زبول، رئيس الشياطين. فهذا يعني أن محاوري يسوع في المعين لم يكونوا محدَّدين فيما يتعلّق باتهامه بتحالف مع بعل زبول (15:11) ولا فيما يتعلّق بطلب آية (16:11). أما مرقس ومتى فقد أوضحا أن الحديث يدور على خصوم يسوع: "الكتبة الذين نزلوا من أورشليم" (مر 3: 22). "الفريسيون" (مت 12: 24). "الفريسيودن" (مر 8: 11). "بعض الكتبة والفريسيين" (مت 12: 38). "الفريسيون والصادوقيون" (مت 16: 1. زيد "الصادوقيون" بالنظر إلى كلمات يسوع في آ 6، 11، 12).
يبدو أن المقدّمة إلى القول كانت في الأصل كما يلي: "بعضهم طلب آية منه". إستبق لو 11 :16 الجملة التي ترتبط مع آ 29 ب- 32 لكي يجمع تحت مقدمة واحدة (آ 15- 16) الجدالين اللذين لم يكونا مرتبطين في المعين (لو 11:14-23= مت 22:12- 30؛ لو 11: 29ب- 32 = مت 39:12 ب- 32). فهو قبل السلسلة الأولى من الأقوال، ألّف انتقالة قصيرة: "شرع يقول للجموع المحتشدة" (11: 29 أ). تُذكر "الجموع" في 14:11. وتجمّع الشعب حول يسوع هو موضوع يستعمله لوقا (مثل مرقس) مراراً (لو 5: 1، 15؛ 17:6؛ 7: 11، 12؛ 12: 1؛ 14: 25).
ونعود إلى مر 8: 11- 13. إن مرقس يضمّ "الفريسيين" مع "الكتبة"، ويعتبرهم أول خصوم ليسوع (مر 16:2، 24؛ 6:3؛ 7: 1، 3، 5؛ 9: 11؛ 10: 2؛ 13:12). والإشارة إلى حضورهم هنا ونيّتهم بأن يمتحنوا يسوع، ترجع إلى الإنجيلي الذي استعملها كمقدمة لقول آ 12. فهذا القول لا يتحدّث عن الفريسيين بل عن "هذا الجيل" (غافيا). نحن هنا أمام النص الأولاني، حيث لا نجد عبارة "من السماء" في النصوص الموازية في مت 39:12؛ 16: 4؛ لو 11: 19. إن عبارة من السماء، قد أخذها مرقس من مت 16: 1 ولو 16:11 وأضافها هنا. من المحتمل أن يكون مرقس تسلّم أقوال يسوع من تقليد يختلف عن المعين، ومنها القول في آ 12. غير أنه ألّف بنفسه الإطار السردي الذي قد ترتبط به أيضاً بداية آ 12.
ب- سوى آية يونان
حين نقابل مرقس مع ما يوازيه في مت 39:12؛ 4:16؛ لو 29:11، يطرح سؤال: لماذا ألغى مرقس عبارة يسوع: "سوى آية يونان"؟ ألأنه لم يفهمها هو أو قرّاؤه؟ ألأنه لم يعرفها لأنها لا تمثّل تقليداً سابقاً للمعين؛ إن التعبير الخاص بنص مر 12:8 يبدأ بأداة الشرط (إن أعطيت آية لهذا الجيل، كذا في اليونانية). وهذا ما يدلّ على أن الجملة كانت في الأصل شرطية تبعتها جملة رئيسية تتحدّث عن آية يونان (رج عب 3: 11؛ 3:4، 5؛ رج مز 94: 11: لن يدخلوا راحتي. حسب السبعينية صارت أداة الشرط في معنى النفي).
إن ارتباط مر 12:8 بنصّ مت 39:12 ولو 29:11 يجعلنا نفهم لماذا ألغى مرقس "آية يونان" التي وجدت في القول الأولاني. فالجماعة المسيحية الأولى انتظرت تحقيق "آية يونان" بعودة القائم من الموت. أما مرقس فاعتبر أن أقوال يسوع وأعماله هي أبيفانيا الله في التاريخ والبرهان الكافي لمسيحانية يسوع. وحين أسقط التلميح إلى "آية يونان" أبرز بشكل أقوى رفض يسوع القاطع إزاء طلبهم معجزة تختلف عن التي سبق واجترحها وتدعوهم إلى الإيمان بمسيحانيته.
إن التنازل حول "آية يونان" يُفهم إنطلاقاً من مقاطع أخرى في المعين. وبحسب هذه المقاطع كان يجب على هذا الجيل أن يقرّ بمسيحانية يسوع التي شهدت لها المعجزات، لو كان مستعداً إستعداداً أفضل (لو 18:7- 23= مت 11: 2- 6؛ لو 7: 31- 35= مت 16:11-19؛ لو 10 :13- 15= مت 20:11- 24؛ لو 11: 31- 32= مت 12: 41- 42). وهناك تقارب بين لا 12: 40 ومت 27: 62- 66؛ 28: 4- 11، 15 على مستوى التدوين المتّاوي. يعتبر الإنجيل الأول أن يسوع تجاوب مع طلب خصومه فأعلن لهم أن إقامته في القبر لن تدوم أكثر من "ثلاثة أيام وثلاث ليالي" (12: 40؛ رج 63:27)، ولكن هؤلاء لن يقبلوا بالآية التي ستُعطى لهم. سيرفضون أن يؤمنوا بأنها ستتحقّق، ويحاولون أن يبرهنوا على أن يسوع أضلَّ الناس (27: 62- 66). ثم يعاندون فينكرون يقين القيامة (28: 4، 11- 15).
ج- الآية والمعجزة
هنا نحاول أن نحيط بلفظة "سامايون" عند مرقس. إنها تقابل "أوت" في العبرية وتدلّ على علامة تؤكّد صدق صانعها بشكل لا يقبل الشكّ. هنا نعود إلى تث 2:13- 3: "إذا قام فيما بينكم متنبىء أو حالم فوعدكم بمعجزة أو عجيبة..." إن النبي يرفق تعليمه بعلامة عجائبية تؤكد الأصل الإلهي لأقواله. هكذا كانْ موسى (خر 4: 10- 31) وإيليا (1 مل 18: 36- 39) وأشعيا (أش 7: 14). ونعود أيضاً إلى 1 صم 30:2- 34 (علامة تثبت ما أقول)؛ 10: 1 ي؛ 2 مل 20: 1 ي؛ أش 7: 10 ي. إن الآية تدلّ على صدق قول النبي. وفي العهد الجديد هناك نصّ (يو 18:2: أية آية ترينا فتفعل هكذا؟) يتطلب من موقف يسوع سماحاً خاصاً من الله. وقد يكون مر 8: 11- 12 قد ارتبط في الأصل بسياق من الخط عينه يشير إلى كلمة أو فعلة غريبة قام بها يسوع فطالب الناس بآية من عند الله تؤكّد صدقها.
هناك تمييز بين "ديناميس" الذي يستعمل عادة للحديث عن معجزات يسوع (مر 6: 522)، وبين "سامايون". فالآية المطلوبة هنا من يسوع، ستؤكد صدقه لا على أنه نبي من الأنبياء، بل على أنه النبي الاسكاتولوجي. والحال أن في نظرة مرقس، ليس لعجائب يسوع مثل هذه الوظيفة. والآية ستكون من طبيعة أخرى. ويبدو التعارض لافتاً حين يحدّد مرقس موقع "الآية" حالاً بعد ثلاثة أخبار معجزات (7: 24- 8: 10: المرأة الكنعانية، الأصم المنعقد اللسان، تكثير السبعة أرغفة). ثم إنه يتكلّم عن "آية من السماء". لسنا في هذه الحال أمام معجزة "من العيار الثقيل"، ولا أمام عجيبة كونية من النوع الجلياني المدهش، بل أمام علامة يدلّ أصلها الإلهي بلا شكّ على شرعية نشاط يسوع في نظر معارضيه. ولكن يسوع لا يستطيع إلاّ أن يرفض طلبهم، لأنه (حسب مرقس) لا يريد الآن أن يُعرف على أنه "مرسل الله". وبقدر ما طلب منه الفريسيون آية واضحة، وبقدر ما أرادوا أن يخرجوه من "وضعه الخفي" قبل الأوان، يشكّل طلبهم في نظر يسوع تجربة وامتحاناً (رج مر 29:15 - 32: إن نزل يسوع عن الصليب، إجترح معجزة تدل على أنه "المسيح" في نظر خصومه). وهكذا تشدّد عبارة "هذا الجيل" على عمى (قساوة) الفريسيين وكذب موقفهم.
ورفض يسوع بأن يعطيهم آية، يدلّ أيضاً (في إنجيل مرقس) على أن المعجزات ليست مطلوبة من يسوع لكي يكشف كشفاً واضحاً عن مسيحانيته. فإذا كانت هذه العجائب تشهد على قدرته، فليس ذلك لأنها توافق إنتظار الفرّيسيين، بل لأن يسوع يصنعها كما يشاء وساعة يشاء. وحين رفض يسوع علامة تدلّ على صدق رسالته، دلّنا على شخصيته الحقيقية عن طريق المفارقة: إنه ذاك الذي يريد أن يكونه، ولا يسمح أن تفرض عليه شخصية يكسبها لكي يرضي الآخرين.
د- تحذير من الأنبياء الكذبة (13: 21- 23)
إن تحذير يسوع يتّخذ كل معناه في إطار إعلان النهاية: "سيقوم مسحاء كذبة وأنبياء كذبة، ويأتون بالآيات والخوارق لكي يضلّوا المختارين، لو أمكن" (آ 22). فداخل الخطبة الاسكاتولوجية، تشكل آ 21- 22 تكراراً لما في آ 5- 6. هنا أيضاً يحذّر يسوع من "الكثيرين" الذين يأتون تحت اسم المسيح و"يضلّون الكثيرين". تشكل آ 5- 6 بداية الخطبة. أما آ 21- 23 فتكوّن مقطعاً محدّداً بوضوح.
إن التقابل بين مجموعتي الآيات يدلّ على تدخّل الإنجيلى. لقد ألّف آ 21 منطلقاً من آ 6 ومعبّراً عن مضمونها بشكل إرشادي. أما آ 22 فترتبط مع آ 6 بحيث تلاحقت الآيتان في المرجع الذي أخذ منه لوقا. إن نسبة "الآيات والخوارق" إلى الأنبياء الكذبة تعود إلى تث 13: 2- 4 (الذي أوردناه). هكذا تظهر شرعية نبي يريد أن يثبت صفته كمرسل الله. وقد حاول المواهبيون في الجماعة المسيحية الأولى أن يقوموا بمثل هذه "الخوارق" في المنظار عينه. ولكن مثل هذه الخيرات تمثّل خطراً لحقيقة التعليم المسيحي. وهذا ما يشهد له تحفّظ بولس أمام أحداث مماثلة في كورنتوس (1 كور 1: 22؛ 2 كور 12: 12) والتنبيهات التي نقرأها في مت 15:7؛ 24: 11؛ مر 12:13 ضد "الأنبياء الكذبة. في نظر مرقس نحن أمام أفراد يستغلّون المناخ الجلياني في أيامهم (حوالي سنة 70؛ رج أع 6:13؛ 1 يو 4: 1؛ 2 بط 2: 1). سعوا أن يتماهوا (أنا هو المسيح) مع المسيح الذي انتظر المؤمنون عودته. واتموا في هذا الهدف الآيات والخوارق (2 تم 2: 9: معجزة كاذبة في إطار جلياني)، فأحدثوا القلاقل في الجماعة ومالوا بها عن الانتظار الحقيقي لابن الانسان (مر 26:13- 27؛ 14: 62).
يجب أن ندرك في إطار إنجيل مرقس التعارض بين "الآيات والخوارق" التي يجترحها أنبياء كذبة، وبين معجزات يسوع. فهو لا يصنع عجائب لكي بظهر كرامة سامية، بل لأنه ابن الله (1: 21- 11؛ 3: 11؛ 5: 7؛ 9: 7؛ 15: 39). وليست "الآيات والخوارق" هي التي تدلّ عليه، بل العجائب التي يصنعها على الأرض والتي يختلف أولئك الذين في الخارج في تقديرها (3: 22- 30).
في 8: 11 ي، رفض يسوع طلبهم "آية من السماء". وشدّد مرقس في 13: 22، على أن "الآيات والخوارق" ترتبط بالأنبياء الكذبة والمسحاء الكذبة، لا بيسوع (رج أع 2: 22: أيّده الله بالعجائب والمعجزات والآيات).

3- مسألة الآيات
إن أهمية مسألة الآيات تفكر وجود هذا الحدث في أطر مختلفة ومع توسيعات متنوّعة. في لا 38:12 وفي لو 11: 16 جاء الطلب بشكل منطقي: إذا كانت معجزات يسوع لا تأتي من بعل زبول، فيجب أن تأتي من الله. إذن، على يسوع أن يبرهن عن ذلك فيعطي آية (مت 12: 22- 24، 38؛ لو 11: 14-16).
إن موضع الحدث عند مرقس (وقد تبعه مت 16: 1- 4) قد ألهمه إهتمام لاهوتي. فهو في مكانه حيث يجب أن يكون بين تكثير الأرغفة والمقطوعتين عن عدم فهم التلاميذ وشفاء أعمى بين صيدا. كانت الآية (سامايون) قد أعطيت بشكل سري في البرية في وليمة اشبعت أربعة آلاف. لم يكتشفها الناس كما لم يكتشفوا غيرها. ربما كان الفريسيون غائبين. هذا ما لا يهتمّ له مرقس. فقد يكونون سمعوا بها. والتلاميذ أيضاً لم يكتشفوها، فهم لا وعي لهم وقلوبهم عمياء (14:8- 26).
نحن هنا قريبون جداً من الإنجيل الرابع. نلاحظ أن الجموع التي أكلت في البارحة طلبت من يسوع علامة مثل الفريسيين في النص الذي ندرس (يو 6: 30). ثم إن الحدث حول الأزمة التي حصلت لدى التلاميذ (يو 6: 60- 66) يتبع الجدال مع الجموع. والاعتبارات حول عدم فهمهم يتبع عند مرقس الجدال مع الفريسيين (كان الجمع في يوحنا، فصار الفريسيين أي خصوم يسوع. لهذا يسمّي يوحنا "اليهود" أولئك الذين رفضوه). وكل هذا يجد نهايته في الإنجيليين باعتراف بطرس (مر 27:8- 30؛ يو 68:6- 69).
طلب الفريسيون من يسوع آية آتية من السماء. هذا الطلب يُفهم في حدّ ذاته. فالناس كلهم ينتظرونه في ذلك الزمان. وكانوا يميّزون تمييزاً واضحاً بين المعجزات والقوى الفائقة الطبيعة وإن كانت أرضيّة، التي تحدث فتدلّ على الله دلالة واضحة. مثلاً، كانوا يطلبون من رابي آية لتبرر تقديم رأي لاهوتي غير تقليدي يقترحه. وكانوا يعتقدون خاصة أن المسيح سيظهر ويبرهن عن مسيحانيّته بهذا الشكل. عليه أن يتصرّف مثل موسى جديد (خر 7- 12)، مثل إيليا جديد (1 مل 18: 38)، فيدلّ على قدرة أعظم من قدرتهما ويعطي آيات أسطع من آياتهما. مثلاً روى يوسيفوس المؤرخ اليهودي أن شخصاً اسمه "توداس" (رج أع 5: 36. لا يتوافق التاريخ. ولكن تبقى الفكرة) وعد تبّاعه بأن يعبر الأردن كما على اليابسة على ما حدث في أيام يشوع. وظنوا أيضاً أن المسيح يظهر على شرفة الهيكل في نور فائق الطبيعة. قال بولس الرسول: "اليهود يطلبون الآيات" (1 كور 1: 22). وحسب العهد القديم، حين يأتي "يوم الرب" ستدلّ عليه الآيات (يوء2: 10؛ 3:3؛ 4: 15- 16؛ أش 13: 10؛ عا 9:8؛ حب 3:3- 12). وهذا ما تثبته الفصول الجليانية (التي تكشف عن نهاية الأزمنة) في الأناجيل الإزائية (مر 13 وز).
إذن، ليس الفريسيون أو الصادوقيون (مت 16: 1) ولا الكتبة (مت 12: 1) الذين طلبوا وحدهم آية، بل الناس عامة والجموع كما قالت لو 11: 16، 29.
طلب الفريسيون آية لكي يؤمنوا. ولكن الإيمان هو الذي يتيح لهم أن ينتقلوا من أعمال القدرة إلى الآيات. ولنا في ذلك مثل واضح في شفاء البوص العشرة (لو 17: 11- 19). آمن هؤلاء الرجال فنالوا الشفاء وذهبوا إلى الكهنة ليروا أنفسهم. ولكن قيل لواحد فقط: "إيمانك خلّصك" (آ 19). لقد تحوّل فيه العمل العجيب إلى آية. لقد رأى في يسوع أكثر مما رآه الآخرون. لم يبقَ معه على مستوى "ديناميس".
لن يعطي يسوع آية كتلك التي تطلب منه، لأن الإنجيل الذي يقدّمه لا يتوخّى أن يعطي الإنسان طمأنينة تغلقه على ذاته. فهو يريد أن يخسر حياته من أجل الله والآخرين. إذن لن يكون هناك آية إلاّ كلمة الملكوت. وستكون قيامة الأموات آية الآيات التي لو عرف الغني أن يقرأها، لكان مع لعازر في حضن ابراهيم (لو 16: 30- 31).

 

 

الفصل الحادي والاربعون
خمير الفريسيين وخمير هيرودس
8: 14- 21

بدا الفريسيون عمياناً. وها هم التلاميذ أنفسهم وقد أصابهم العمى. سينالون التوبيخ عينه الذي تلقّاه أولئك الذين من الخارج، أي من خارج الملكوت. أترى أثّر عليهم خمير الفريسيين وما فيه من رياء وأنانية وكبرياء، فجعلهم مغلقين على كلام المسيح؟ أترى أثر فيهم خمير هيرودس وما فيه من مواربة للحصول على منافع سياسية أو على مراكز اجتماعية؟! الخمير هو ينبوع النجاسة والفساد. ويرمز لدى الرابانيين إلى الميول السيّئة عند الإنسان. كانت نوايا الفريسيين وهيرودس سيئة بالنسبة إلى يسوع فرفضوا أن يسيروا معه. هل يعاند الرسل نداءات يسوع فيشاركوا الفريسيين في نوايا قلوبهم السيّئة؟ أما آن الأوان لكي يفهموا؟

1- عمل الذاكرة عند الرسل
وكان انطلاق جديد في القارب وضع حداً لهذه المجادلة مع الفريسيين. لا يذكر مرقس التلاميذ. يجعل آ 13 في صيغة المفرد وكأن يسوع ذهب وحده إلى القارب. وضمير الجمع يعني الفريسيين كما يعني معظم التلاميذ. أترى يسوع أراد أن يعتزل حتى عن تلاميذه؟ "تركهم وعاد فركب السفينة".
وفي آ 14، نجد صيغة الجمع "نسوا". لا شكّ في أن الفعل يدلّ على التلاميذ الذين "نسوا". لا شكّ في أن الفعل يدلّ على التلاميذ الذين نسوا أن يأخذوا معهم خبزاً. التلاميذ هم هنا. في 6: 45، إضطرهم يسوع أن يركبوا السفينة. وفي 7: 17 يجتمعون معه في البيت (= في الكنيسة) بعيداً عن الجموع ليسألوه.
إن مسألة التموين تشغل بالهم. صعدوا إلى السفينة وليس معهم إلا رغيف واحد. صعد يسوع معهم كما فعل في 6: 51، وذلك بعد أن جاء إليهم ماشياً على المياه وكأنه على أرض يابسة. أخذوا معهم رغيفاً واحداً. أما يكفي؟ هل نسوا معجزتَيْ يسوع؟ ألا تعمل الذاكرة عندهم هناك رغيف واحد ومن خلال هذا الرغيف، هناك ذاك الذي يشبع الجموع.
وها هو يسوع يتابع عمل تكوين تلاميذه. بدأ يوقظهم حول الخطر الذي يشكّله خمير الفريسيين وخمير هيرودس. الاولون يضعون الفخاخ، يراقبون يسوع، يكلّمونه بمكر، يتآمرون عليه (2: 1- 3: 6؛ 7: 1-13؛ 8: 11-13). وهيرودس يدلّ على أهدافه السيّئة (6: 14 ي). لقد قتل يوحنا، وقد يستعدّ لقتل يسوع إذا رأى في ذلك منفعة له. وهكذا حذّر يسوع تلاميذه من الميول الشريرة التي يتضمنها هذا الخمير المضاعف. حذّرهم من هذا المناخ الذي يقيمون فيه إن عاندوا ولم يروا في شخصه الطابع الالهي، وفي رسالته البعد المسيحاني. هو يهتم بأن يفتحهم على هذه الرسالة ليشركهم فيها، وهم يهتمون بما يأكلون ويشربون ويتوقفون عند هذا الاهتمام. أين ملكوت الله الذي يطلبون (مت 6: 33)؟ هل نسوا أن الباقي كله يزاد لهم؟
حينئذ أيقظهم يسوع من غفلتهم وحرّكهم في العمق. استعاد على التوالي تنبيهات سبق فوجّهها إليهم. كان قد قال لهم بعد جداله حول التقاليد وتقديمه مثلاً عما ينجّس الإنسان: "وهكذا أنتم أيضاً بلا فهم" (بلا وعي) (7: 18)، شأنكم شأن الفريسيين؟ وتابع في الآية عينها: "أفلا تفهمون" (أفلا تدركون)؟ وبعد سير يسوع على المياه وتهدئة الامواج، قال مرقس موضحاً سبب دهشتهم (أو حيرتهم): "لم يفهموا شيئاً من أمر الارغفة، بل كانت قلوبهم عمياء" (قاسية لا تفهم ولا تلين، 6: 52). وها هو يقول لهم الآن الشيء عينه.
صار أولئك الذين "أعطي لهم سر الملكوت" مثل الذين من خارج: ينظرون فلا يرون، ويسمعون فلا يفهمون (آ 18؛ رج 4: 11- 12). لسنا هنا أمام شجب، بل أمام سؤال: ألكم عيون ولا ترون؟ بل أمام نداء ملّح إلى التوبة. إنه يذكّرنا بتوبيخات موسى للشعب: "أما أعطاكم الرب حتى الآن قلوباً لتعرفوا، وعيوناً لتروا، وآذاناً لتسمعوا "تث 29: 3"؟ إن جيل سفر التثنية مميّزون بالنسبة إلى جيل سفر الخروج. فقد تدّخل الله ليعطيهم قلباً جديداً وعينين جديدتين. ولكنهم ظلوا شعباً متمرّداً حسب أقوال الانبياء (إر 5: 21؛ حز 12: 2). كان شعب اسرائيل يتذكّر حسنات الله فيعود إلى ذاته، يعود إلى ربه ويخرج من بلادته (مز 77: 4، 6، 12-13؛ 105: 5). وهكذا يتذكّر التلاميذ كيف وزّع يسوع الخبز على الجموع فشبعوا، فيتذكّرون مسؤولياتهم. هم الذين جمعوا الكسر الباقية، فكيف يهتمّون بطعامهم. هل توقّف الله عن تأمين الطعام لشعبه؟ ثم إن مهمتهم تفرض عليهم أن يواصلوا عملهم فيوزّعوا الخبز الذي يعطيهم إياه يسوع. يوزعّونه على اليهود والوثنيين. هل نسوا شفقة يسوع وحنانه على "اليهود" (6: 34) كما على الوثنيين (8: 2)؟

2- دراسة أدبية
بدأ مرقس في 7: 17- 21 فحدّثنا عن عدم فهم لدى التلاميذ، وها هو الآن يقدّم لنا ذروة في عدم الفهم هذا قبل أن نصل إلى اعلان بطرس ليسوع: أنت المسيح. ففي 8: 14- 21، يبرز مرقس هؤلاء التلاميذ الذين عميت قلوبهم فما استطاعوا أن يدركوا ولا أن يفهموا، الذين لا يسمعون ولا يبصرون ولا يذكرون!
نحن هنا أمام نصّ دوّنه مرقس ولم يتسلّمه من التقليد، ما عدا ربما آ 15: "إنتبهوا، إياكم وخمير الفريسيين وخمير هيرودس".
تبدو آ 15 قولاً معزولاً في التقليد أقحمه مرقس هنا بسبب توارد الألفاظ: الخبز والخمر. ولأنه تحدّث عن الفريسيين في المقطوعة السابقة ونواياهم السيئّة تجاه يسوع. على كل حال، إن ولْي النصّ (آ 16 ي) لا يهتمّ لهذا القول. لم يعد من ذكر لهيرودس ولا للفريسبين.
إن آ 14 تفتتح الحوار الذي يلي (نستطيع أيضاً أن نجعل المقطوعة تبدأ في آ 13 الذي تكون في الوقت عينه خاتمة المقطوعة السابقة (آ 11- 13). ففي آ 14، عبارة "في القارب" ترتبط بالفعل: ركب القارب في آ 13. وقد تكون آ 13 أيضاً من تدوين مرقس. بعد العبور إلى دلمانوثا، والجدال مع الفريسيين الذي يحدّد مرقس موقعه على الشاطىء الغربي للبحيرة، إحتاج الكاتب إلى عبور جديد نحو العبر لكي يصل يسوع وتلاميذه إلى الشاطىء المقابل، في بيت صيدا.
نقرأ في آ 14: "نسي التلاميذ أن يأخذوا خبزاً". نجد هنا الكلمات التي وجدناها في 6: 41؛ 8: 6 و6: 38: خبز، أخذ، كان معه. لم يكن معهم إلا رغيف واحد. حين تكثير الأرغفة كان معهم خمس أو سبع خبزات. أما هنا فلا شيء تقريباً.
ونفهم آ 16 في امتداد آ 14 لا آ 15. إذن جدال التلاميذ لا يرجع إلى أنهم فسّروا تفسيراً خاطئاً قول آ 15 (عكس مت 16: 7). بما أنه كان هناك حديث عن الفريسيين في 7: 1-23 و8: 12-13 وعمّا في مواقفهم من كذب، كان من الطبيعي أن يحذّر يسوع تلاميذه من خميرهم، أي من تعليمهم. ولكن لماذا ذكر أيضاً خمير هيرودس؟ قال تايلور: كان يسوع قريباً من طبرية! إن خمير الفريسيين مع طلبهم آية يدلّ على عدم فهمهم لشخص يسوع. إنهم يشبهون التلاميذ في هذا المجال. 
يرد فعل "تجادل" (ديالوغيزوماي) سبع مرات عند مرقس وبمناسبة "مجادلات" شجبها يسوع. مع الفريسيين أو الكتبة (2: 6، 8)، مع التلاميذ (11: 31، هنا وفي 9: 33). في هذ الآية الاخيرة (من تدوين مرقس) يتضمّن موضوع الجدال عدم فهم واضح لما قاله يسوع في الانباء الثاني للآلام (9: 32: لم يفهموا الكلمة). وهنا أيضاً: إذا كان التلاميذ تجادلوا فلأنهم لم يفهموا. وهذا ما يبيّنه ولْي الخبر. وترد الاداة "هوتي" فنفهمها في معنين.إما تجادولوا لأن لا خبز معهم. وإما: تجادلوا في أن لا خبز معهم.
في آ 17 نقرأ: "وإذ عرف قال لهم". رج مر 6: 38: وإذ عرفوا قالوا. قالت: لماذا تتجادلون لأن لا خبز معكم؟ أما أدركتم بعد وفهمتم؟ أتكون قلوبكم عمياء"؟ إستعاد سؤال يسوع الأول ألفاظ آ 16 حسب اسلوب معروف عند مرقس، لاسيّما حين يصوّر ردّة فعل الشخص أمام موقف ذُكر سابقاً. مثلاً في 2: 6: "وُجد بعض الكتبة يفكّرون في قلوبهم". ثم آ 8: "وعرف يسوع حالاً أنهم يفكّرون في نفوسهم فقال لهم: لماذا تفكّرون بهذا في قلوبكم"؟ وفي 2: 15: "وفريسيون عديدون وخطأة كانوا إلى المائدة (إتكأوا) مع يسوع وتلاميذه". ثم آ 16: "وكتبة وفريسيون رأوا أنه يأكل مع الخطأة والعشارين قالوا لتلاميذه: ماذا! هو يأكل مع العشارين والخطأة"! وفي 6: 35: "وإذ كانت الساعة قد فاتت، تقدّم إليه تلاميذه وقالوا له: المكان قفر والساعة فاتت". وفي 6: 48: "جاء إليهم ماشياً على البحر". وآ 49: "وإذ رأوه ماشياً على البحر". وفي 8: 16: "كانوا يتجادلون فيما بينهم لأن لا خبز معهم". وآ 17: "وإذ عرف قال لهم: لمذا تتجادلون لأن لا خبز معكم"؟ وهناك أمثلة اخرى عديدة (5: 38؛ 9: 33- 34) فيها يرد الأمر وتنفيذ الأمر (1: 42- 43؛ 2: 9، 11، 12؛ 3: 5؛ 6: 31- 32)، أو سؤال وجوابه (2: 19؛ 3: 33- 35؛ 9: 11- 13؛ 11: 28، 29، 33). هما وفي مناسبات أخرى (9؛ 38؛ 12: 41- 44؛ 15: 14؛ 3:6- 4).
فالأسئلة المطروحة على التلاميذ تقع في مستوى أعمق وتطرح على بساط البحث موقفهم الأساسي (رج 4: 13، 40؛ 7: 18). نجد هنا كما في 7: 14، 18 فعلين: أدرك، فهم. كما نجد ترافقاً بين عدم الفهم وعمى القلب كما في 6: 52: هناك عدم ادراك، عجز في القلب، قساوة وتصلّب. هذا ما يشير إليه توسيع آ 18. فنداء يسوع إلى تلاميذه ينبع من ردة فعل شبيهة بتلك التي نجدها في 3: 5 (جال نظره فيهم بغيظ، مغتماً لتصلّب قلوبهم). ليس هناك من برهان قاطع يتيح لنا أن ننسب إلى الإنجيلي كلمة "بوروسيس" (عمى، قساوة) ولا الجملة التي نجدها في هذا السياق. ولكن لا يُستبعد ان يكون الأنجيلي قد تحدّث عن الباعث الذي جعل الحاضرين "عمياناً". ففي سياق المعجزة المروية، نحن أمام نوايا سيئّة تجاه يسوع بدأت تظهر منذ بداية المقطوعة (كانوا يراقبونه، 3: 2). ما استطاعوا أن يعطوا جواباً. أو هم رفضوا بسبب قساوة قلوبهم. هذا ما جعلهم لا يفهمون، هذا ما خدّر عقولهم. ومن المعقول ان يكون هذا العمى (في 6: 52، و 8: 17) فقط عدم فهم موقت لدى شهود رأوا معجزة. إنه أكثر من ذلك. إنه يدلّ على عمى عام لدى السلطات اليهودية، وهذا العمى سيدفعها إلى قتله.
في 8: 17 ماثل يسوع مماثلة تامة بين التلاميذ وأناس قصيري النظر وسيئي النية حضروا شفاء الرجل الذي يده يابسة. فالكلمات التي وجّهها إليهم في آ 18 تتسجّل في المنطق عينه: "لكم عيون ولا تبصرون، لكم آذان ولا تسمعون". عاد مرقس هنا إلى إر 5: 21 أو حز 12: 2. ونحن نتذكّر مر 4: 11- 12 حول سامعي الامثال: "الذين في الخارج... ينظرون نظراً ولا يبصرون، يسمعون سماعاً ولا يفهمون (عاد مرقس إلى أش 6: 9 واوجزه مبرزاً العين والأذن والقلب).
إذن، في المقطع الذي ندرس (8: 14- 21)، هناك تماثل بين التلاميذ والذين "في الخارج" الذين يعطى لهم كل شيء بأمثال (بألغاز). نحن أمام ذات اللافهم الإجمالي. لهذا أشير إلى صمم التلاميذ الذين لهم آذان ولا يسمعون، مع أن المعجزات التي ذكرها يسوع ترتبط بالنظر (مقابل هذا نقرأ في 4: 11-12: يعطى كل شيء بأمثال، يعني بالسمع، لكي ينظروا فلا يروا). وبشكل اوضح هنا كما في 6: 52، و7: 18، بيّن مرقس، بما يقوم اللافهم والعمى والصمم عند التلاميذ: لم "تتذكروا، معجزتي تكثير الأرغفة. ذكرهم بها يسوع من خلال سؤالين. وتركّزت النظرة على عمل يسوع العجائبي (كسر الخبز، 8: 6. لا تذكر السمكات هنا. رج 6: 38؛ 8: 7. فيسوع يتكلّم فقط عن الخبز) وعلى الأعداد في المعجزتين. ذكّر يسوع أن خمسة أرغفة (6: 78، 41) كفت خسمة آلاف شخص (6: 44). وسبعة أرغفة (8: 5، 6) كانت كافية لأربعة آلاف (8: 9). وجاء سؤالان عن عدد القفف (6: 43) والسلال (8: 8) التي ملأوها. اجابوا: 12 و7.
هذا ما يجعلنا نفكّر أنهم تذكّروا جيّداً الواقع في ماديته ولاحظوا اتساعه الخارق حين ملأوا القفة والسلال بالكسر. ولكن إدراكهم توقّف هنا. هذا ما حدث لهم حين سمعوا الامثال (4: 13؛ 7: 18). لم يفهموا معناها ولا مضمونها. وهم ينسون الآن أن الذي كثّر الأرغفة مرتين أمام عيونهم يستطيع أن يفعل الشيء عينه بخبزة واحدة مع المجموعة التي ترافقه. إذن، هم لا يتجادلون فيما بينهم لأن لا زاد معهم. ثم يجب أن نعرف أن الإشارة إلى الأرقام في المعجزتين لا تتوخّى التشديد على قدرة يسوع العجائبية بقدر ما تتوخى جذب الانتباه إلى "سرّ" شخصيته التي تختفي وراء ظواهر ملغزة، وراء أعماله العجائبية التي تبدو ملغزة كالأمثال (لم يفهموا الأمثال ولم يفهموا هاتين المعجزتين. في النهاية لم يفهموا من هو يسوع).
إن لا فهم التلاميذ لا يتأتى من تشعّب الواقع الذي رأوه. وقول يسوع في 7: 15، ومعجزتا تكثير الأرغفة، كل هذا ليس بلغز. في نظر مرض، همل لا يفهمون يسوع بعد، ولا يستطيعون أن يفهموه. والسؤال الأخير في آ 21 التي تنهي المقطوعة يفهمنا إياه بوضوح: إن يسوع يعيد سؤاله: "أفلا تفهمون بعد"؟ لا جواب لدى التلاميذ. وصمتهم يدلّ على أن يسوع لم يستطع أن يخرجهم من بلادتهم الروحية رغم تذكر معجزتَي الأرغفة.
لا نقرأ هذا النصّ من الناحية السيكولوجية. فكلام مرقس هو كلام لاهوتي أو بالأحرى كرستولوجي. ففي نهاية القسم الأول (ف 1- 8) من الإنجيل الثاني، أراد مرقس أن يبرز اللافهم التام لدى التلاميذ وبالتالي الطابع السري لشخص يسوع الذي لم يدركه البشر.

3- تلاميذ لا يفهمون
إن التنبيه في آ 5 يأتي بشكل طبيعي بعد الجدال مع الفريسيين. نحن لا ندهش حين نرى المعلّم يستفيد من العبور في القارب لكي يستخلص العبرة من اللقاء الذي تمّ في آ 11-13 (طلب آية من السماء). إذن، لم تأت آ 15 صدفة وأتفاقاً. وفيها أكثر من علاقة بين "الخبز" و"الخمير". غير أننا نلاحظ أن النصّ لن يعود يتحدّث عن الخمير. وهكذا نستطيع أن نربط رباطاً مباشراً بين آ 14 وآ 16 فيكون لنا نصّ متماسك.
أ- الآية وأعمال القدرة
رأى متّى هذا الوضع، فجعل التلاميذ يردّون على كلمة معلّمهم (مت 16: 6-7) وإن كان ردّهم في غير محلّه. بل شدّد على هذا "التفسير الخاطىء" جاعلاً يسوع يفسّر ما يعنيه هذا الخمير، ويفصح عمّا أراد ان يقول (آ 11- 12). تلك هي مسألة أولى.
والمسألة الثانية. جُعلت هذه المقطوعة بين طلب آية (آ 11-13) وشفاء أعمى بيت صيدا (8: 22 ي)، وتضمنّت آ 18 بعلاقتها مع 4: 10- 13، فتوخّت أن تبرز عمى التلاميذ ولا فهمهم الروحي وعجزهم عن تمييز الآيات عن أعمال القدرة (كما في معجزتي الخبز). وما يلام عليه التلاميذ في الظاهر (في آ 19- 21)، ليس فقط عدم فهمهم، بل عدم ثقتهم: لمذا تتجادلون حول نقص في الطعام وأنتم قد جمعتم الكسر بعد المعجزتين العظيمتين؟ وهكذا نجد نفوسنا مرة أخرى أمام المعجزة كحدث (يدهش، يحيّر)، لا كواقع يحمل معنى. هذا ما حدث للتلاميذ بعد معجزة السير على المياه (6: 52).
إن لم نفكّر مطوّلاً بهذا المقطع المرقسي، وإن لم ندرسه بالنظر إلى ما يسبقه ويليه، فقد يقودنا إلى نظرة خاطئة تشبه تلك التي توجّهنا في قراءة مت 6: 25-34. نقرأها وننسى أن لا معنى لها إلاّ بالنظر إلى آ 33؛ (أطلبوا أولاً ملكوت الله وبرّه) فنصل إلى عكس معناها: بدل أن نجد في اعمال القدرة (ديناميس) (كما في مر 8: 24 ي)، وفي تدخّل العناية (مت 5) باعثاً يدعونا إلى التجرّد عن حاجاتنا المادية لنتكرس لما هو جوهري ونطلب ملكوت الله وبرّه، ونبحث عن اية (سامايون) الملكوت في أعماله القدرة، نترك الطمأنينة البشرية تخدّرنا ولا تخرجنا من ذاتنا.
وحاول متّى هنا أيضاً أن "يصحّح" الأمور. لا شكّ في أنه ذكر المعجزتين وسمّى التلاميذ "اوليغوبستوي" (قليلي الإيمان، رج مت 8: 26؛ 14: 31). عمل هذا ليحضّهم على "الفهم" لا على الثقة. بما أنهم شاهدوا وفرة قدرة (ديناميس) الله التي تؤمّن حاجات البشر، فعليهم أن يتجرّدوا من همومهم، ويوجّهوا قلوبهم إلى كلمة معلّمهم فيكتشفوا معناها ولا يشوهوها حين يفهمونها عبر همومهم وانشغالاتهم.
هذا ما أراد مرقس أن يقوله أيضاً. غير أن نصّه موجز إلى حدود الإيجاز. وإن موقعه في هذا الجزء من الإنجيل لا يترك لنا أي شكّ فيما يتعلّق بهدفه الحقيقي. بل هناك نقطة تبدو أكثر وضوحاً ممّا عند متّى. في 8: 17-18، كان مرقس قاسياً بالنسبة إلى التلاميذ. أما متّى الذي أراد أن يوفّر الاثني عشر، فقد ألغى ما يوازي هاتين الآيتين. قال مت 16: 9: "أما فكرتم؟ أما تذكّرتم القفف الخمسة...". أما مر 8: 17-18 فقال: أفلا تعقلون؟ افلا تفهمون؟ أو تكون قلوبكم عمياء؟ ألكم عيون ولا تبصرون...؟ أجل لم يفهم التلاميذ معنى المعجزة.
ب- ما هو الخمير
نعود هنا إلى آ 15 التي تبدو منعزلة عند مرقس الذي لن يعود يتحدّث عن الخمير. من الممكن أن لا يكون في البدء لهذا القول أية علاقة بالحدث، وأنه أدخل بسبب موضوع "الخبز". أما متّى فقد أدخله في نصّه بشكل يلفت النظر. ولكن قد تكون آ 15 عنصراً جوهرياً في النصّ. بعد أن تطرّق مرقس إلى موضوع الخمير، يكون قد تركه ليصل إلى الفهم عند التلاميذ.
الخمير هو خمير الفريسيين عند مرقس الذي يمتز بين خمير وخمير، بين خمير الفريسيين وخمير هيرودس. إن هذه الاختلافات بين الانجيليين الثلاثة تعكس استعمال كل واحد منهم لهذه الالفاظ.
لم يحدّد مرقس ما يعنيه يسوع بالخمير، فحافظ، على ما يبدو، على القول في شكله الأصلي. وتحدّث لوقا (12: 1) عن الرياء، وهذا ما يتوافق مع هجومه على الفريسيين والكتبة (11: 37-54، يسبق حالا 12: 1). كما يتوافق مع حضّه على الاعتراف بيسوع (2: 2-12: من اعترف بي... من أنكرني...). وتحدّث متّى عن التعليم، تعليم الفريسيين والصادوقيين (16: 12). وهذا ما يتوافق مع الحدث السابق (طلب آية من السماء، 16: 1- 4) ويرتبط بأقوال الفريسيين حول الآيات، أو يرتبط بالنصّ بشكل عام. ولكن ما هي علاقة تعليم الفريسيين بتعليم الصادوقيين ليجمع متّى الفئتين معاً؟! مثل هذه الأقوال تصل بنا إلى توضيحات ترافق اتجاه كل انجيلي، أو إلى تكيّفات تتماشى مع القرائن التي وُضعت فيها كل مقطوعة.
لم يوضح مرقس ما عناه يسوع بالخمير. وهكذا تبدو كل الفرضيات ممكنة. وهذه الفرضيات تختلف إن جعلنا آ 15 جزءاً لا يتجزّأ من النصّ أو اعتبرناها أقحمت إقحاماً. جمع الفريسيين مع هيرودس (هو جمع يدهش) (رج 3: 6: تآمر عليه الفريسيون والهيرودسيون، 12: 13: الفريسيون وأتباع هيرودس) فبيّن أنهم أناس لا يجتمعون إلاّ للشرّ، لكي يضطهدوا يسوع وأخصّاءه (هذا ما نراه أيضاً في أع 12: 1 ي). هذا من جهة. ومن جهة ثانية، ميّز بين خمير وخمير، فدلّ على أن نوايا هيردودس غير نوايا الفريسين. أما بالنسبة إلى الأولى، فهناك اللاأخلاقية في حياته الخاصة كما في حياته السياسية. وهناك نواياه العدائية التي رأينا بعض آثارها في مقتل يوحنا المعمدان (6: 14-29): هو يقول ببساطة و"ضمير مرتاح": "يوحنا الذي أنا قطعت رأسه". أما بالنسبة إلى الفريسيين فنجدهم على مدّ الانجيل الثاني. فهم حاضرون منذ 2: 6 وشفاء المخلّع: يفكّرون في قلوبهم. في 2: 16، عبّروا عمّا في قلوبهم أمام الرسل حين رأوا يسوع يأكل مع الخطأة. في 2: 18 انتقدوا نقصاً عند التلاميذ (لا يصومون، هذا في نظرهم) فلاموا معلّمهم. وفي 2: 18 هاجموا يسوع مباشرة بسبب تلاميذه الذين يقتلعون سنبلاً ويأكلون. في مشهد الرجل الذي يده يابسة، تحدّث يسوع عن عمى (تصلّب) قلوبهم. هم لا يريدون أن ينظروا (3: 5): راقبوه، شكوه، وفي النهاية تآمروا عليه (6:3).
نوايا سيئة بالنسبة إلى يسوع. خطر بالنسبة إلى التلاميذ: الفريسيون والهيرودسيون يحملون الشرّ والفساد. هنا لا ننسى أننا قريبون من الإنباء الأول بالآلام. قد تنتقل العدوى إلى التلاميذ فيصبحون عمياناً وقساة القلوب (كرديا).

 

 

الفصل الثاني والأربعون
شفاء أعمى بيت صيدا
8: 22-26

وذهب التلاميذ إلى بيت صيدا، على حدود الجليل والمدن العشر. إلى هناك كان يسوع قد أرسلهم مع بحر مائج ورياح معاكسة (6: 45 ي). أعادهم يسوع إلى بداية خبرتهم لكي يكتشفوا هدف المعلّم. هنا سيشهدون شفاء. وهذا الشفاء مع شفاء الأصمّ المعقود اللسان، سيُفهمانهم معنى حياتهم. فالنبي يحتاج إلى أذنين ليسمع وإلى فم ليتكلّم. وهو يحتاج أيضاً إلى عينين لكي "يرى" الله. هذا ما فهمناه في شفاء الأصمّ الألكن (7: 31-37). وهذا ما سنحاول أن نفهمه في شفاء أعمى بيت صيدا (8: 22-26).

1- وضع الخبر
أ- الخبر في سياقه المباشر
حين أدخل مرقس خبر شفاء أعمى بيت صيدا في سياق إنجيله، لجأ إلى وسائل اعتاد عليها الإنجيل الثاني وإن بدت لنا مصطنعة.
أولاً: كلمة عاكفة: "قرية". نجدها في آ 23 (خارج القرية)، في آ 26 (قال له: لا تدخل إلى القرية). ونجدها في المقطع اللاحق في صيغة الجمع مع اعتراف ايمان بطرس (8: 27: وخرج يسوع وتلاميذه إلى قرى قيصرية). تلعب هذه اللفظة دور الإتصال بين المقطوعة التي ندرس والمقطوعة التالية.
ثانياً: تقارب في اللفظ بين فعلين مستعملين، ومعنى الواحد يعاكس الآخر. إلا أن التقارب في الأصل اليوناني واضح. وهذا أيضاً ما يساعد مرقس على الجمع بين المقطوعتين. في آ 26، نقرأ فعل "دخل": لا تدخل القرية (ايسالتن). وفي آ 27، نقرأ فعل "خرج": وخرج يسوع (اكسالتن).
ثالثاً: نحن في متتالية سفر يجعل حدث بيت صيدا يلتصق بأحداث سابقة جرت في منطقة دلمانوثا (8: 10-13 أ). كما يلتصق بعبور بحيرة طبريا (8: 14- 21) وما حدث في منطقة قيصرية فيلبس (8: 27 ي).
هي وسائل شكلية وخارجية. غير إن هناك عناصر في السياق تتيح لنا التحدّث عن ترتيب متوازٍ يساعدنا على إدراك فكرة الإنجيلي الذي أدخل هنا خبر شفاء الأعمى. نشير هنا إلى أن مرقس تفرّد بذكر هذا الحدث، كما تفرّد بذكر شفاء الأخرس المعقود اللسان (7: 31-37).
* طالب الفريسيون بآية من السماء (8: 11)، فقابل هذه المطالبة أولُ وحي للسر الفصحي أوصله يسوع إلى تلاميذه (8: 31- 32): "أخذ يعلّمهم أنه ينبغي لابن البشر أن يتألّم كثيراً...".
* وجّه يسوع إلى أخصّائه توبيخاً لأنه ينقصهم الفهم الروحي (8: 14- 21: لكم عيون ولا تبصرون، لكم آذان ولا تسمعون). فقابل هذا التوبيخ إعلانُ إيمان بطرس والتلاميذ بأن معلّمهم هو المسيح (8: 27-30). هذه هي الحقيقة. ولكن يسوع أوصى تلاميذه أن لا يقولوا لأحد عنه شيئاً.
إن قلب هاتين المقابلتين (أو: التوازيين) هو خبر شفاء الأعمى الذي استعاد نظره. سننطلق من هذا الخبر لنكتشف النور (وسبب ترتيب) لهذه المجموعة المؤلّفة من أربع مقطوعات: آية من السماء (8: 10 أ-13). الانباء الأول بالآلام (8: 31- 32). لا فهم روحي عند التلاميذ (8: 14- 21). إعلان إيمان بالمسيح (8: 27- 30). وفي الوسط، خبر شفاء أعمى بيت صيدا (8: 22-26).
مهما يكن من أمر هذا الترتيب المتوازي، يجب أن لا ننسى العلاقات الأساسية بين هذه المقطوعات. إن عدة تفاصيل هن توبيخ يسوع لأخصّائه على انفراد (8: 14- 21) تتقابل مع التوسيع المركزي للمعجزة: إن هتاف الملل في آ 17 (أفلا تفهمون بعد؟) يعود في آ 21 (أفلا تفهمون بعد؟) حسب اسلوب التضمين المعروف. وفي آ 18 قال يسوع لتلاميذه بوضوح: "ألكم عيون ولا تبصرون وآذان ولا تسمعون"؟ ولكنه كان قد حضّهم في آ 15 على أن يفتحوا عيونهم، أن ينظروا. مثل هذه اللمسات تدعونا لكي نقرأ خبر شفاء أعمى بيت صيدا، وهو واقع ملموس وتاريخي، على مستوى آخر من المدلول. هناك شفاء جسدي تمّ مع انسان من الناس. يبقى الشفاء الثاني الذي سيجعل التلاميذ يفهمون معنى مسيرة يسوع.
في هذا الإطار من العمى الروحي، تجعلنا المعجزة في خطّ الفعلات النبوية في العهد القديم، فنرى فيها علامة تعبّر عن سلطة يسوع وعن نيّته بأن يفتح عيون رسله على الواقع الذي يفلت منهم حتى الآن. فكما أن شفاء الأصمّ الألكن (7: 32 ي) عبّر عن قدرة المعلّم لكي يفتح الآذان الداخلية، ويحلّ عقدة لسان مرسلي الملكوت في المستقبل، كذلك كان شفاء الأعمى. في هذه الحالة، يكون إعلان إيمان الرسل (8: 27- 30) وأول كلام حميم قاله يسوع حول سرّ آلامه وموته (8: 31- 32)، يكون هنا في موقعه الصحيح.
ب- موضع الخبر في إنجيل مرقس
وها نحن نحاول أن نضع الخبر لا في السياق المباشر، بل في ترتيب الكتاب كلّه. إنه يحتلّ موقعاً مميزاً، في النقطة التي تصل القسم الأول (ف 1-8) مع القسم الثاني (ف 9-16) من الإنجيل.
نجد في المقطع الذي ندرس صدى خافتاً لشريعة السرّ المسيحاني التي فرضها يسوع على الناس وعلى تلاميذه، لأنهم أساؤوا فهم هذه المسيحانية. يقول النصّ: "صرف (أرسل) يسوع (الأعمى المعافى) إلى بيته، وقال له: لا تدخل حتى إلى القرية" (8: 26). لا يقول لنا النص ما فعله هذا الأعمى. هل تجاوز مناخ السرّ فيما يتعلّق بهوية يسوع الحقيقية، كما نجده في بداية إنجيل مرقس. نقرأ في 1: 34: "لم يدع الشياطين يتكلّمون، لأنهم عرفوه". وفي آ 44، إنتهر يسوع الأبرص وقال له: "إياك أن تقول لأحد شيئاً". (رج 3: 12؛ 5: 45؛ 7: 36؛ 30:8).
إذن، يدخل هذا الصدى حين أطلق يسوع الأعمى المعافى، وقبل إعلان بطرس والتلاميذ الذين عرفوا أن يسوع هو المسيح، وقبل إنباء يسوع الأول بآلامه (8: 27- 33). بيد أن هذين الحدثين الأخيرين يدشّنان حقبة جديدة من الوحي، حقبة تتحرّر أكثر فأكثر من شروط السرّ: ففي القسم الثاني من الإنجيل يحدّد تجلّي سرّ شخص يسوع معنى كلمة "إنجيل": فالمسيح هو نفسه مضمون التعليم الذي سلم إلى الرسل. إنه مفتاح السرّ المسيحاني.
وعلى مثال عينَي أعمى بيت صيدا اللتين فتحهما المعلّم بيده وريقه (آ 23)، بدأت عيون التلاميذ ترى بعض الشيء (رؤية غير واضحة، آ 24) من النور المسيحاني الذي نشره يسوع مجترح المعجزات.

2- خبر معجزة
أ- أقسام خبر المعجزة
يتّفق الشرّاح عادة على اكتشاف ثلاثة أقسام مميّزة في كل خبر معجزة. فكأننا أمام رسمة نموذجية: يكرّس القسم الأول لتصوير الظروف. ويهتمّ القسم الثاني برواية المعجزة بحصر المعنى. ويتحدّث القسم الثالث عن النتيجة التي حصلت في "المريض" وفي الحاضرين. 
والخبر الذي ندرس، يتبع هذه الطريقة في التأليف الأدبي:
* آ 22. تصوّر ظروف المكان (في بيت صيدا). تذكر الأشخاص (يسوع، التلاميذ، الأعلى). تحدّد طلب الشفاء (طلبوا إليه أن يلمسه. قد نكون وهنا أمام أناس حملوا الأعمى، كما حمل الأربعة مخلّع كفرناحوم، 2: 3).
* آ 23- 25 أ. تروي خبر المعجزة.
* آ 25 ب-26. تلاحظان النتيجة في الأعمى: أبصر وعاد يرى كل شيء جلياً. وتوردان توصية يسوع الأخيرة: لا تدخل حتى إلى القوية. 
ب- الميزات العادية
ويبيّن الشرّاح الميزات العادية في كل خبر معجزة. لا نجد هنا نواميس مطلقة.
* يصوّر المرض بالتفصيل: مدّته، بشاعته، عجز الأطبّاء، تردّد في إمكانية الشفاء. مثلاً، النازفة: عجز الأطباء. إبنة يائيرس: ضحك الناس. مخلّع يو 5: 38 سنة.
* يطلب الإيمان. أتؤمن أنني إستطيع ذلك. أو يلاحظ يسوخ وجود الإيمان. مع النازفة: إيمانك خلّصك. مع المرأة الكنعانية: عظيم إيمانك أيتها المرأة. مع المخلّع: رأى يسوع إيمانهم.
* ويورد الإنجيلي تدخّل يسوع. هناك كلمة. بعض المرات فعلة: لمسَ الأبرص. لمست النازفة طرف ثوبه. وضعَ يده على ابنة يائيرس.
* وتأتي النتيجة حالاً. قال للضابط الروماني: إبنك حي. قال للكنعانية: ليكن لك كما تشائين. فخرج الشيطان حالاً من ابنتها.
* وأخيراً ردة الفعل عند الحاضرين: الذهول والتعجب. المديح أو إعلان الخبر. ما أحسن ما فعل.
ج- عودة إلى خبر مرقس
لا نجد أن هذه الملاحظات العامة قد تحققت كلها في شفاء أعمى بيت صيدا.
* لا نعرف شيئاً عن الأعمى: لا إسمه (رج 10: 46: ابن طيما)، لا مدة مرضه (5: 25: 12 سنة)، ولا حالته النفسية (5: 26-27): أمل أو يأس.
* ظل الأعمى منفعلاً. هل تجاوب مع عمل يسوع؟ ما هو إيمانه؟ هناك شرّاح رأوا في شفائه المتدرجّ إشارة إلى ضعف إيمانه.
* لم يكن تدخّل يسوع بسيطاً: عمل بشكل متعب. تنهّد. أعاد الكرة مرتين.
* شُفي الأعمى على مرحلتين، لا حالاً. في المرة الأولى، قال: أرى الناس. ولكني أبصرهم كأشجار تمشي! في المرة الثاني، عاد يبصر جلياً.
* لا يشير النصّ إلى ردة فعل الأعمى الذي تعافى، ولا أصدقائه الذين جاؤوا به، ولا التلاميذ الذين يرافقون يسوع. هل نستطيع أن نفهم أن إعلانهم عن يسوع أنه المسيح هو امتداد لشفاء الأعمى، الذي هو دلالة على أن يسوع هو الآتي.
كل هذه الإهمالات أو التبدّلات تفرض علينا أن نرى حرية مرقس بالنسبة إلى الرسمة المعروفة في خبر الأشفية. وإذ عمل ما عمل، أما يودّ أن يعطي خبره مدلولاً آخر أعمق من تفسير بسيط للمعجزة؟ أما نكتشف في هذا الخروج عن قاعدة التأليف الأدبي، ما لاحظناه حول اقحام هذا الحدث في سياق المتتالية وفي تصميم الإنجيل وهو أننا أمام قراءة رمزية لمعجزة أولانية؟ هذا ما سوف نكتشفه في التفسير.

3- تفسير النص
أ- ظروف المعجزة (آ 22)
تتضمّن آ 22 أربعة أفعال تدل على عمل نقوم به. ثلاثة من هذه الأفعال هي في الحاضر التاريخي. هذا التكويم للأفعال خاص بمرقس وهو يعطي حيويّة لخبره.
أولاً: قدّموا إليه أعمى...
كان العميان كثيرين في الشرق القديم. أعمى منذ مولده (يو 9: 1 ي). أعمى بسبب الشيخوخة. أعمى بسبب مرض زادته حرارة الشمس أو الغبار أو الأوساخ. يتحمّل الأعمى مرضه كعقاب إلهي تسبّبه خطيئة فردية أو عائلية (2 صم 3: 9، 28 ي). هنا نتذكّر سؤال التلاميذ ليسوع: "من أخطأ هو أم والداه حتى وُلد أعمى".
وهذا الأصل الملتبس (سبب مادي أو أدبي) للعمى، شأنه شأن سائر الأمراض، يفسّر لماذا طلبت الشريعة من المؤمنين أن يعاملوا المرضى بحنان: "لا تلعنوا الأصمّ. لا تضعوا حجر عثرة أمام الأعمى" (لا 19: 14). ويقول تث 27: 18: "ملعون من يضلّ أعمى عن الطريق". ولكنها تحفّظت في ما يخصّ الخاطىء الذي ينال العقاب لئلا تظهر وكأنها تتبرّأ من عمل الرب (لا 21: 18): "من كان فيه عيب (الأعمى، الأعرج...) لا يقترب ليقدّم طعام إلهه". وهناك تقليد راباني يعود إلى رابي اليعازر يمنع الزيارة إلى مرضى العيون.
ومن العمى الجسدي الذي يعتبر نتيجة الخطيئة، إلى العمى الروحي، المسافة قصيرة. ولهذا كثرت النصوص التي تتحدّث عن العمى في المعنى المجازي. قال يسوع لتلاميذه: لكم عيون ولا تبصرون (8: 18) فعاد إلى العهد القديم. قال موسى لبني إسرائيل: "رأت عيونكم المحن والعجائب والمعجزات العظيمة ولم يعطكم الرب قلوباً لتعرفوا وعيوناً لتبصروا وآذاناً لتسمعوا" (تث 29: 2-3). هم بحاجة إلى قلب جديد ونظر جديد، فيعرفون أنّ كل هذا هو عمل الله، وحينئذ يؤمنون به (خر 14: 31). ونقرأ في ارميا (5: 21) تنبيهاً إلى شعب أورشليم الذي ترك إلهه. "إسمعوا هذا الكلام أيها الحمقى، أيها الشعب الذين فقدوا الحسّ، الذين لهم عيون ولا يبصرون وآذان ولا يسمعون" (رج حز 12: 2؛ أش 6: 9). هذا هو وضع التلاميذ وهم يحتاجون إلى معجزة شبيهة بمعجزة أعمى بيت صيدا.
مع أعمى بيت صيدا نحن أمام عمى طبيعي، جسدي. ولكن إذا قابلناه مع أعمى أريحا (10: 46) الذي يُروى شفاؤه بحسب القواعد التي ذكرناها أعلاه، يلفت انتباهَنا غياب كل عنصر ملموس وشخصي عند الأعمى الأول. أما صورة الأعمى الثاني فمرسومة بألوان موحية. وهكذا نكون أمام إشارة أخرى تدلّ على الإنتقال (في قراءة ثانية) من الحادث التاريخي إلى النمط العام، من عمى الجسد إلى العمى الروحي. لهذا يقول النصّ: قدّموا إليه أعمى، وتوسّلوا إليه. محيطه يحمله إلى يسوع. إيمان الذين يحملونه سيفعل كما فعل إيمان الأربعة (يمثّلون التلاميذ الأربعة الأولين) الذين حملوا المخلّع إلى يسوع.
ثانياً:... وتوسّلوا إليه أن يلمسه
وضع اليد هو فعل رمزي يرد مراراً في الكتاب المقدس. يُمارس على الضحايا التي تقدّم ذبائح. يمارس مع الأشخاص فيدلّ على بركة ليتورجية من أجل شفاء المرضى أو نقل وظيفة إلى شخص آخر.
عبّر مرقس عن هذه الفعلة بفعل "لمس" الذي استعمله ما يقارب عشر مرات في إنجيله: إن يسوع يشفي حين يلمس أو يترك الآخرين يلمسونه. مدّ يده ولمس الأبرص (1: 41). أخذ بيد الصبية فقامت (5: 41). كان المرضى يحاولون أن يلمسوه ليشفوا (3: 10؛ 6: 56). والنازفة لمست طرف ثوبه "فانقطع نزف دمها في الحال" (5: 28- 29). نجد فعل "لمس" في "الإجمالات" العديدة التي قد يكون مرقس دوّنها، أو ربّما أخذها من التقليد وأقحمها في إنجيله. نحن هنا أمام فعلة اعتاد يسوع أن يقوم بها. وبعد العنصرة سيقتدي به الرسل (مر 16: 19؛ أع 9: 12، 17).
ويشير مرقس إلى الرباط بين "اللمس" الجسدي، وانتقال قوة شفاء تخرج من كيان يسوع. ما إن لمست النازفة ثوب يسوع خلسة، حتى شعر يسوع بقوة خرجت منه (مر 5: 30؛ رج لو 6: 19). هذا الطقس الشفائي باللمس الجسدي ينتمي إلى تدبير تجسّد يسوع في تاريخ البشر. ولكن يبدو أن القيامة ستلغي هذا الطقس (يو 20: 17: لا تمسكيني) على حساب التدبير الأسراري.
إن الذين جاؤوا بالأعمى إلى يسوع يعبّرون عن الإيمان بهذه القوة الشافية المتأتية عن اللمس. فنحن نجد في عملهم الميزة الثانية لأخبار الأشفية (رأى يسوع إيمانهم) مع فارق بسيط وهو أننا أمام إيمان أصدقاء الأعمى، لا أمام إيمانه هو. ثم إن إنجيل مرقس أعطانا مثلاً يحل فيه الناس محلّ المريض: الأخرس الألكن في أرض المدن العشر (7: 32). هل يعني هذا أن العالم الوثني يحتاج إلى من يأخذه إلى يسوع، أو بالأحرى العالم الخاطىء. هذا ما حدث للأصم الألكن: سألوه أن يضع يده عليه. وللأعمى (7: 32) ابن طيما الذي نادوه ليذهب إلى يسوع (10: 49). ولكن قد يكون الآخرون حاجزاً لا جسراً. هكذا انتهر الناس الأعمى. ولكنه تجاوز الحاجز وأوصل صوته إلى يسوع.
هنا نستطيع أن نقابل بين خبري شفاء هذين العليلين فنرى نقاط تقارب عديدة:
مر 7: 32- 33 مر 8: 22- 23
فقدّموا إليه أصم فقدّموا إليه أعمى
منعقد اللسان
وطلبوا اليه وطلبوا اليه
أن يضع يده عليه. أن يلمسه.
فأخذه على حدة فأخذ بيد الأعمى
بمعزل عن الجمع. واقتاده إلى خارج القرية...
هنا نقدّم ثلاث ملاحظات على مستوى الوعظ والإرشاد. الأولى: نستطيع أن ننتقل من العمى الجسدي لدى عليل بيت صيدا إلى عمانا الروحي، نحن تلاميذ المسيح. إن عيوننا تحتاج لكي تنفتح فترى "الإبن، نور العينين" (طو 11: 14). الثاني: من نالوا موهبة الإيمان في الجماعة، عليهم أن يلعبوا دوراً مماثلاً للذي لعبه أصدقاء الأعمى أو الأصم الألكن ليحملوا إلى الرب الأخ التي لم تنفتح بعد عيناه على نور الإيمان. الثالثة: إن الإتصال المسيحي والخلاصي مع المسيح، يتمّ بعد الآن في قبول أسرار العهد الجديد.
ب- المعجزة (آ 23- 25 أ)
صوّر الكاتب المعجزة بأسلوبه الشيّق (رج 5: 8- 13؛ 7: 32- 35): هناك تفاصيل ترسم أمامنا طبع يسوع البشري. وخصوصاً حركاته البسيطة التي تكشف في الوقت ذاته قدرته المسيحانية وحنانه العميق.
أولاً: الحركة الأولى
الحركة الأولى: أخذ الأعمى بيده ليقوده في مشيته المتردّدة، هذا على مستوى الجسد. وكل واحد يستطيع أن يقوم بهذا العمل. وعلى مستوى الروح، نحن أمام بداية مسيرة هذا الأعمى تقوده يد يسوع. ثم إن يسوع أراد أن يبتعد عن الضجّة والدعاية، أراد أن يحتفظ بالسرّ المسيحاني، فذهب إلى خارج القرية. يقول عنه النبي: "لا يخاصم ولا يصيح، وفي الشوارع لا يسمع أحد صوته" (أش 42: 1- 4؛ رج مت 18:12-19).
إذا كان هدف هذا الشفاء هو تربية إيمان التلاميذ، نفهم أن يكون قد تمّ "في خارج القرية". فمرقس يميّز عادة بين تعليم يُعطى للتلاميذ على حدة وتعليم يُعطى للجموع. وبموازاة هذا التعليم الحميم الذي يُعطى لمجموعة مميّزة، هناك أمثولة تشكلها فعلة نبوية ستعطى لخير شهود المعجزة وحدهم. تحقق شفاء الأخرس الألكن في الجو نفسه من العزلة وتنشئة التلاميذ (7: 32- 35) ففسّر بشكل مماثل: هناك أراد يسوع أن يفتح الآذان ويحلّ عقدة اللسان عند المرسلين في المستقبل. وفي معجزة الأعمى، سيفتح عيون التلاميذ فيرون طريق الآلام كما رآها ابن طيما وسار فيها وراء المسيح.
ثانياً: الحركة الثانية
الحركة الثانية التي قام بها مجترح المعجزات، هي أنه وضع من ريقه على عيني الأعمى. هذا ما يدهش نظرتنا اليوم. لا شك في أننا نفكّر بطوبيا الشاب الذي وضع مرارة السمكة على عيني أبيه طوبيت ليشفيه (طو 11: 8). ثم إنهم كانوا ينسبون إلى الريق قوة شافية من أجل العيون (رج يو 9: 6). هكذا فعل يسوع مع الأصمّ الألكن (7: 33: تفل ولمس لسانه بريقه). وهذا ما يفعله الآن مع الأعمى. نشير هنا إلى أن التقليد الراباني يمنع استعمال الريق كدواء في يوم السبت.
لا تدلّ فعلة يسوع فقط على اهتمام مليء بالحنان، بل على إرادة عازمة كما في إقامة ابنة يائيرس (5: 37-40). وبدا يسوع وكأنه لا يستطيع أن يلمس المريض ويفعل فيه، إلا إذا ابتعد به عن الجمع، إلا اذا اقتلعه من عالمه اليومي: هكذا سيأخذ تلاميذه على انفراد (4: 34؛ 6: 31- 32) ويفتح لهم عيونهم وآذانهم. وجاء وضع اليد فعبّر عن قدرة تستطيع أن تحوّل الإنسان كله من الداخل كما من الخارج.
ثالثاً: الحركة الثالثة
الحركة الثالثة هي وضع اليد. وضع يسوع يديه مرة أولى، وسأل الأعمى: "هل ترى شيئاً" (آ 23)؟ فسرّ يوحنا فم الذهب هذا السؤال غير العادي الذي وجَّهه يسوع إلى الأعمى، على أنه يدلّ على نية يسوع بأن يوصل إيمان الأعمى إلى كماله. بيد أنه يبدو لنا من خلال إطار النص الحالي، أن هذا السؤال يتوجّه إلى التلاميذ أكثر منه إلى العليل نفسه: نحن أمام إستباق رمزي للسؤال المباشر الذي سيطرحه يسوع فيما بعد على الرسل: "من أنا في رأي الناس" (8: 27)؟ تساءل الشرّاح عن سبب هذا الشفاء في زمنين (طريقة واحدة في الإنجيل كله). فاكتشف عدد كبير منهم أسلوباً تربوياً يتوخّى تربية إيمان التلاميذ.
أجل، تمّ الشفاء في زمنين. سأل يسوع الأعمى، فرفع الأعمى نظره (أنابلابساس) إلى السماء (6: 41؛ 7: 34 مع الأصم الألكن). بدأ الأعمى يبصر الناس وكأنهم اشجار تمشي. وكان اتصال آخر، أعاد الأعمى إلى "كمال" عينيه. هذا ما حدث أيضاً مع صاحب اليد اليابسة (3: 5: عادت اليد صحيحة كالأخرى). وضع يسوع يديه مرة ثانية على عيني الأعمى، فرأى كل شيء جلياً. وصار يرى عن بعد. هكذا يجب أن يكون إيمان التلاميذ.
كان مرقس قاسياً حين تحدّث عن لافهم الرسل، عن عماهم الروحي. وهو لا يتردّد في التشديد على المعلّم الذي عيل صبره من تباطئهم لكي "يروا" الطرق التي يتيهون فيها قبل أن يؤمنوا. حين يسألهم المسيح في 8: 27-29 ليعرف رأيهم حول هويته، فهو يفعل في زمنين: كلّمهم مرة أولى حول ما يقول الناس عنه، فأعلنوا آراء الناس التي تدور حولهم. وأجبرهم يسوع مرة ثانية ليعلنوا رأيهم الشخصي. حينئذ اعترفوا بفم بطرس: "أنت المسيح". يحق لنا أن نتساءل إذا كانت المرحلة الأولى من شفاء الأعمى (آ 24: أرى الناس كأشجار تمشي) لا توافق موافقة رمزية جواب التلاميذ الأول مع ما فيه من تعقيد، من لفّ ودوران (آ 28). في هذه الفرضية، يدلّ شفاء الأعمى الكامل (آ 25) على اعتراف إيمان بطرس الذي يشهد على أن التلاميذ أدركوا السرّ إدراكاً نهائياً.
ونقدّم هنا أيضاً ثلاث ملاحظات. الأولى: إن العبور من العمى الروحي إلى رؤية الإيمان الواضحة تفترض مسيرة حقيقية: نعي أننا لا نرى. نرغب في النور. نتقبّل الرب الآتي... هذه المراحل المتدرّجة في الشفاء تدعونا إلى الصبر. الثانية: إن يسوع وحده يستطيع أن يربّي نظرنا لكي يمزّق سرّ شخصه العميق، وتوسّعات ملكوته الخفية، وأحداث التاريخ وقلب البشر. الثالثة: على كل واحد منا أن يقدّم جواباً لسؤال يوجّهه إليه يسوع اليوم بصوت كنيسته، بعلامات الأزمنة، وإيحاءات الروح القدس الداخلية.
ج- النتيجة الحاصلة (آ 25 ب- 26)
"وأخذ الأعمى يرى رؤية كاملة، وأعيد (تركيب عينيه). كان يرى بوضوح من بعيد". هذا الأسلوب المفخَّم يبرز النجاح الكامل لما عمله يسوع. ذاك الذي كان أعمى هو ينعم منذ الآن بملء استعمال عينيه. أعيد إلى وضع طبيعي، شأنه شأن جميع الناس. وهكذا بدا شهادة حية عن عمل البناء المسيحاني. هذه العودة تذكّرنا بتلك التي بها وعد الله النبي (إر 15: 19). أو وعد بها إسرائيل (إر 16: 15؛ 23: 28، 24: 6؛ 50: 19). إنها صورة عن إعادة البناء النهائي التي سيقوم بها إيليا في نهاية الأزمنة (مر 9: 12؛ رج ملا 3: 24).
نلاحظ التعارض بين هذا الشفاء المتدرّج (أعمى بيت صيدا) والشفاء السريع لابن طيما: "في الحال إستعاد النظر" (10: 52). عارض الإنجيلي بين صعوبة الشفاء الأول وسرعة الشفاء الثاني فدلّ بصورة رمزية على أن التعليم الذي أعطاه يسوع في 8: 31- 10: 45 قد فتح عيون التلاميذ. رأوا مثل طيما، وساروا مع يسوع في الطريق، طريق أورشليم. طريق الآلام والقيامة.
وفي النهاية أرسل يسوع (آ 26، ابوستالو) الرجل إلى بيته. هكذا أرسل المخلّع (2: 11) ومجنون الجراسيين (5: 19). هذا الإرسال هو مهمة رسولية على مثال مهمّة الرسل. كما أرسل يسوع مجنون الجراسيين لكي يخبر بما عمل الرب له، هكذا سيفعل مع أعمى بيت صيدا. فالنعمة الي يعطيها الله ليست دعوة إلى الأنانية والتمتّع بما وهبه الله لنا. النعمة هي إرسال إلى الآخرين، هي رسالة نحملها كما حملت النسوة بشرى القيامة في أحد الفصح. إذهبن وأخبرن. هكذا سيفعل أعمى بيت صيدا وكل واحد منا.

 

 

الفصل الثالث والأربعون
اعتراف بطرس والانباء الأول بالآلام
8: 27- 35

إن اعتراف بطرس، والانباء الأول بالآلام والقيامة، والأقوال حول الشروط الواجبة على من يتبع يسوع، كل هذا ينتمي إلى التقليد الإزائي المثلّث. أي نجده في متى ومرقس ولوقا.
يبدو نصّ لوقا (9: 18-27) الموازي قصيراً، وهو يرتبط بلا شك بنصّ مرقس. ونص متى (16: 13-28) هو موضوع جدال. يعتبر بعض الشرّاح أن جواب يسوع الطويل (16: 17- 19) على اعتراف لبطرس، إنتمى في البداية إلى سياق نص مرقس. فالتطويبة (طوبى لك، يا سمعان بن يونا) والوعد بالأولوية (أنت صخر) قد زادهما متى على نصّ مرقس، مهما كان مرجع هذا النصّ. إذن، لا نتوقّف هنا عند النسخة المتاوية. 

1- إطار النصّ
تحتل هذه المقطوعة (8: 27-33) المركز الرئيسي في إنجيل مرقس. إنها تشكّل وصلة بين قسمين كبيرين. في القسم الأول (1: 14-8: 26) كشف يسوع عن نفسه على أنه شخص "متفوّق" وسرّي. بسبب عجائبه العديدة وأقواله التي يتفوّه بها بسلطان، بُهتت الجموع. والتلاميذ لم يفهموا. وكلهم واجهوا السؤال الحرج: "من هو هذا الذي يعمل كل هذه الأشياء" (1: 27؛ 2: 7؛ 4: 41؛ 6: 2)؟ ومع ذلك، ففي تلك الحقبة حافظ يسوع بإرادته على السرّ المسيحاني. لم يكشف عن سرّه، عن هويّته. وهذا التوتّر بين سؤال يطرحه الناس، وسرّ يحافظ عليه يسوع، قد وجد له حلاً مؤقتاً في إعتراف بطرس بيسوع: أنت المسيح. وهكذا أدرك التلاميذ بواسطة بطرس وللمرة الأولى، سرّ معلّمهم الحقيقي: إنه المسيح. إن هذا الإعتراف يختتم القسم الأول من الإنجيل، ويشكّل ذروته.
هذا من جهة. ومن جهة ثانية، دلّ مر 8: 27-33 أيضاً على وقت حاسم يشرف على القسم الثاني من إنجيل مرقس (8: 27-16: 8). أولاً، يتبدّل الإطار الجغرافي: لم يعد الجليل حقل عمل يسوع في حياته العلنية، بل صارت أورشليم المركز الحقيقي (10: 1، 52). لا شكّ في أنّ يسوع سيعود إلى الجليل، ولكنه لا يريد أن يعرف به أحد. إنطلق من شمال الجليل، فعبر الجليل (9: 30) واليهودية وبيرية (10: 1) متوجّهاً إلى أورشليم (10: 32). وتحوّل أيضاً مضمون تعليم المعلّم: فيسوع يتكلّم للمرة الأولى عن آلامه. والجزء الأول من القسم الثاني (8: 27- 10: 52) يُبنى حول ثلاثة إنباءات بالآلام (8: 31؛ 9: 31؛ 10: 33- 34). وأخيراً يتخذ التعبير عن هذا التعليم شكلاً آخر: للمرّة الأولى يتحدّث يسوع إلى تلاميذه "بوضوح". قبل ذلك، كانت كلماته سرّية. وكان الشرح يتمّ على انفراد للتلاميذ. غير أن هذا الشرح لم يكن ليُفهم بسهولة أكثر من خطبه التي يلقيها على الجموع "بالأمثال" (4: 10- 20؛ 7: 17-23).
وسيبدو فيما بعد واضحاً أن هذه التحوّلات ترتبط ارتباطاً وثيقاً بتدبير السرّ المسيحاني، وهو موضوع رئيسي في إنجيل مرقس. وهكذا نستطيع القول مع بعض الشرّاح: كل إنجيل مرقس ينتظم في قسمين كبيرين متكاملين: القسم الأول (1: 14- 8: 26) يعرض واقع السرّ (المسيحاني) في وجوهه المختلفة. والثاني (8: 27- 15: 39) يكشف هذا السر ويفسّره.
إذن، إن كان اعتراف بطرس والانباء الأول بالآلام يحتلاّن مركزاً أساسياً في مرقس، فنحن ننتظر أن نرى وصلات تضمّ هذا النص إلى الإطار الذي يسبقه (8: 22- 26) والذي يتبعه (8: 34- 9: 13). فمن الواضح أن خبر اعتراف بطرس وحدث التجلّي يستنيران الواحد بالآخر.
هنا نلخّص الجزء الذي يضمّ هذين الخبرين (الإعتراف، التجلّي) فيبدو في بنية دائرية.
أ- قال الناس إن يسوع هو إيليا أو أحد الأنبياء (8: 27-28).
ب- أجاب بطرس باسم التلاميذ: يسوع هو المسيح (8: 29- 30).
ج- علّم يسوع نفسُه أدن على إبن الإنسان أن يموت ويقوم (8: 31- 33).
د- قسم كرازي مبني بشكل دائري (8: 34- 9: 1).
ج ج- تجلّى يسوع، والعهد القديم شهد له (9: 2-6).
ب ب- كشف الآب للتلاميذ أن يسوع هو ابنه الحبيب (9: 7-10).
أ أ- أعاد يسوع قراءة الكتب المقدّسة فحدّد موقع السابق الحقيقي (11:9-13).

2- تحليل النصّ
أن يكون مر 8: 27-33 في قلب المجموعة، يجعلنا ننسب هذه المقطوعة (أو قسماً كبيراً منها) إلى عمل مرقس التدويني. لا شك في أنه أدخل عناصر تعليمية. وكانت محاولات نقدية عديدة لكي تحدّد العناصر التقليدية والعناصر التدوينية. ولكن مثل هذه المحاولات تبقى على مستوى الفرضيات، لا سيما وأننا لا نملك عنصر المقابلة. وتحليل دقيق لهذه المقطوعة (8: 27-33) قد يدلّ على أن مجمل معطياتها (إن لم يكن كلها) قد يعود إلى عمل تدويني قام به الإنجيلي. وهكذا نتساءل: هل عرفت هذه المقطوعة، كوحدة أدبية، وجوداً قبل مرقس؟ وربّما يكون الجواب: كلا.
أ- الإعتراف المسيحاني (8: 27- 29)
حدّد مرقس موقع الحدث بالقرب من قيصرية فيلبس، وهي مدينة واقعة في شمالي بحر الجليل، وهي لا تبعد عن ينابيع الأردن، في الجنوب الغربي لجبل حرمون (رج 9: 2). نحسّ للوهلة الأولى وكأننا أمام تذكّر تاريخي محدّد. ولكن في نظر مرقس، لهذا الموضع مدلول لاهوتي أيضاً. فبعد 8: 27، ترك يسوع حقل عمله السابق أي الجليل. وللمرة الأولى عُرف أنه المسيح، وذلك بالقرب من مدينة وثنية. ففي أرض يهودية، لن يتمّ هذا الوحي إلا في نهاية حياته: إن يسوع أكّد بقوة على كرامته المسيحانية أمام قيافا (14: 61- 62): "قال قيافا: هل أنت إبن (الله) المبارك؟ أجابه يسوع؛ أنا هو. وسترون ابن الإنسان جالساً عن يمين الله القدير، وآتياً مع سحاب السماء"!
في هذه المرة لم يأتِ السؤال عن هويته من الناس أو من تلاميذه، بل من يسوع نفسه. هذا لا يعني أنه يجهل ما يقوله الناس فيه. ولكن بما أن الوقت المميّز للوحي قد حلّ، إتخذ المبادرة ووجّه الحوار. وطرح السؤال الأول: "من أنا في نظر الناس" (على حدّ قول الناس)؟ كان الجواب سهلاً بالنسبة إلى التلاميذ. فالناس قد كوّنوا حكمهم عن يسوع (6: 14- 16): ليس شخصاً عادياً يشبه سائر الأشخاص. فسلوكه الخارق جعل الناس يفكّرون بيوحنا المعمدان الذي قام من بين الأموات. يفكّرون بايليا السابق الذي "يأتي" في نهاية الأزمنة. يفكّرون بأحد الأنبياء القدماء. مقابلات فيها كثير من المديح، ولكنها لا تشكّل في نظر مرقس جواباً كافياً. فليس من مقولة توراتية تستطيع أن تعبّر عن هوية يسوع، عن ملء شخصه. هو أعظم من نبي، وهذا ما سيدلّ عليه ولْي الحوار. أما مسألة السابق فستجد حلاً لها في 9: 11-13: لقد سبق وجاء إيليا في شخص يوحنا المعمدان.
لا يناقش يسوع أحكام الناس وآراءهم حول شخصه. ولكنه الآن يتوجّه مباشرة إلى التلاميذ. هذا يعني أنه يعتبر أنهم لا يقبلون بما تقوله الجموع في شأنه. أنهم كوّنوا فكرتهم الخاصة. وما يقوله بطرس باسم التلاميذ يتجاوز إلى حد بعيد رأي الجموع: فهو كتلميذ مختار قد نال وحي كرامة يسوع المسيحانية. ويرى مرقس أن هذه الصفة تعبّر كل التعبير عن هوية يسوع العميقة، مع أن بطرس، على ما يبدو، لا يفهم فهماً تاماً معناها الحقيقي. هذا ما يدلّ عليه ولْي الخبر.
يبدو أن مرقس (8: 27-29) استعاد نصّ 6: 14-16 بشكل توازٍ تناقضي. أورد هيرودس عدداً من الآراء الشعبية حول يسوع. عبّر عنها بطريقته الخاصة وانتهى إلى القول إن يسوع هو يوحنا المعمدان الذي قام من الموت (لم يتعدَّ العهد القديم الذي يختتمه يوحنا المعمدان). أما بطرس فانتقل من سؤال يسوع ليرى فيه المسيح. وهكذا يعارض مرقس بين جواب خاطىء (أو أقلّه ناقص) مع جواب صحيح (أقله في تعبيره الخارجي).
لا شكّ في أن مرقس رأى موازاة بين خبر اعتراف بطرس وخبر شفاء أعمى بيت صيدا الذي رواه في 8: 22-26. هو لا يعارض معارضة جذرية بين آراء الناس وموقف بطرس. بل يريد أن يبيّن النمو المتصاعد في معرفة سر يسوع: ما يقوله الناس عن يسوع ليس خطأً كله. بل هو غير كافٍ. ونقول الشيء عينه عن بداية شفاء الأعمى. فهو في البداية يرى الناس كأشجار تمشي. رواية ناقصة. وهكذا نقول عن الناس: إستشفوا بشكل غامض تعالي شخص يسوع. وكما توصّل الأعمى إلى الرؤية الواضحة بفضل سلطان يسوع العجائبي، هكذا اكتشف التلاميذ كرامة يسوع المسيحانية. فهذه الكرامة اختفت بالنسبة إليهم وراء المعجزات العديدة وطرد الشياطين، وجعلتهم يتساءلون. وها هم الآن قد وصلوا. إن اعتراف بطرس صحيح وهو يتوافق مع اعتراف الكنيسة التي إليها يكتب مرقس إنجيله. هذا ما نكتشفه حين نعلم كيف لجأ إلى لقب المسيح في بناء إنجيله.
إذن، يعبّر اعتراف بطرس أفضل تعبير عن يقين أساسي في المسيحية الأولى: فالسلوك السرّي لدى يسوع الناصري، لا يفهم إلا على ضوء الإيمان الذي يرى في هذا الرجل المسيح. هذا ما يعبّر عنه بقوة إسم "يسوع المسيح"، يسوع الذي هو المسيح. وهكذا أعطي لشخص تاريخي، شخص يعيش في الزمان والمكان، أعطي لقباً اسكاتولوجياً، فأكّد مرقس بشكل خاص أن هذا الرجل هو المسيح. لقد اعتدنا أن نتلفّظ بهذا الإسم، بحيث لم نعد نفهم مدلول لفظة "المسيح". ومع ذلك نحن أمام تأكيد قوي لم تسمع به أذن من قبل: ما يترجّاه الإنسان لنهاية الأزمنة (أي: التحقيق النهائي لكل شيء)، قد صار واقعاً وحقيقة في يومنا الحاضر. ولا نستطيع أن نفهم البعد الكامل لهذا التأكيد إلا على ضوء الفكر الاسكاتولوجي اليهودي الذي يشكّل الأرض الخصبة التي فيها وُلدت أولى الإعترافات الكرستولوجية (تتحدّث عن يسوع المسيح).
ب- وصية يسوع والانباء الأول بالآلام (8: 30- 33)
أوصى يسوع تلاميذه أن لا يقولوا لأحد عنه شيئاً. منعهم أن يقولوا أنه هو المسيح. نحن أمام ردة فعل غريبة من قبل يسوع. هذا لا يعني أنه لم يوافق على اعتراف بطرس. فالأمر بالصمت يوافق بالأحرى موضوع السرّ المسيحاني الذي هو موضوع أساسي في إنجيل مرقس. إن الإنجيلي يعرف كامل المعرفة أن يسوع هو المسيح. وهو لهذا دوّن إنجيله، ليقول لنا: يسوع هو المسيح وابن الله (1: 1:). فالمعجزات العديدة وأعمال طرد الشيطان التي رُويت في القسم الأول من الإنجيل دلّت دلالة ساطعة على هذه المسيحانية. فكل أعمال قدرة يسوع، وكل أقواله التي ألقيت بسلطان، دلّت بما فيه الكفاية أن الحرب الاسكاتولوجية بين ملكوت الله وملكوت إبليس قد بدأت. وفي الوقت عينه، أرانا مرقس بإلحاح كيف أن يسوع سهر لكي يبقى هذا الظهور سرياً. لقد اعتاد أن يمنع الناس من أن يكشفوا العجائب التي تدلّ على هويته (1: 25، 34، 44- 45؛ 3: 11-13؛ 5: 7، 10، 43؛ 7: 36-37). أما هنا (8: 30). فالمنع يعني بشكل واضح مسيحانيته. لماذا؟
في هذا الخبر الذي ندرس، أعطى يسوع "بصراحة" (آ 32) وللمرة الأولى والوحيدة، السبب الذي لأجله يجب أن تبقى مسيحانيته سرّية: بسبب ضرورة الآلام حسب قصد الله. فقبل أن يتجلّى مجدُ يسوع المسيحاني تجلياً كاملا، يجب أن تحصل آلامه كما أرادها الله. المسيح هو غير ما ينتظره الناس عامة واليهود خاصة. ليس فقط ملكاً قديراً. إنه أيضاً إبن الإنسان الوديع والمتألّم. ومع أنه الممثّل النهائي لله، فهو لا يتصرّف بروح التفوّق، بل يعيش رسالته وسط البشر، ويأخذ على عاتقه أحلك وجهات الوجود البشري: التخلّي، الألم، الذلّ مع ما فيه من ظلم. وفي النهاية، الموت الذي هو أكبر عدوّ لإنسان.
في الواقع، إن اعتراف بطرس بالمسيح يبقى محض عبارة شكلية، كما لعدد كبير من المسيحيين في أيامنا. العبارة صحيحة في شكلها الخارجي. ولكن أن تتضمّن كرامة المسيح أيضاً الألم والذلّ، هذا ما لا يقبل به الرسل. لهذا لا يستطيعون بعد أن يعرّفوا الناس بمسيحانية يسوع (ليسوا على قدر المهمة بعد). ولن يستطيعوا ذلك إلا بعد القيامة، حين تكون الآلام قد حصلت ومهرها الله بخاتمه (9: 9).
لا نستطيع أن نتفحّص هنا المسألة المتشعّبة لنعرف هل إنباءات الآلام قد قالها يسوع حقاً بفمه وبأي قدر (8: 31؛ 9: 31؛ 10: 32-34)، أو أن الجماعة الأولى، أو مرقس، إنطلقوا ممّا حدث ليسوع وجعلوه كأنه نبوءة عمّا سيحدث له. حتى ولو تحقّقت الفرضية الثانية (كما يظنّ بعض الشرّاح)، فهذه الإنباءات تعكس نظرة يسوع نفسه. إذا عدنا إلى التاريخ، وجدنا أنه من المعقول أن يسوع فكر في ردّة فعل كرازته وما لها من تأثير على الفريسيين والكتبة، فننظر مسبقاً إلى النهاية المأساوية لحياته العلنية. واجه بكل وعي الرؤساء اليهود. فسّر تفسيراً دينياً أنه سيتألّم لكي يتمّ مشيئة الله. وفي النهاية، إستند إلى إيمان العهد القديم فعبّر بطريقة أو بأخرى أن الله لا يتركه يرى الفساد (مز 16: 20). في هذه الحالة نستطيع القول إن يسوع أنبأ بآلامه، وإن مرقس استعمل مواد أخذها من التقليد وجعلها في إنجيله إنباءات. غير أن هذا لا ينفي أن مرقس توسّع في التقليد وزاد عليه تفاصيل دقيقة تتوافق مع خبر الآلام، وأنه أعطى هذا التقليد شكله الحالي وجعله في قلب لاهوته.
تحدّث بطرس باسم التلاميذ، وكانت ردّة الفعل عنده عنيفة ضد الانباء بالآلام (آ 32 ب). أخذ يسوع على انفراد وكأنه يريد أن يجعله تحت حمايته. ونظر من فوق إلى معلمه فعامله كما لو كان شخصاً ضعيفاً يحتاج إلى من يشجّعه. وحاول أن ينتزع من "رأسه" أفكاراً غير معقولة حول الآلام. ولكن يسوع التفت بنفسه إلى التلاميذ، وفي الوقت عينه أعاد الحالة إلى وضعها الصحيح (آ 33). ليس المعلّم هو الذي يتبع التلميذ، بل على التلميذ أن يتبع المعلّم. إن يسوع لا يقبل أية مساومة في هذا المجال أو في غيره. فإن كان التلاميذ لا يريدون أن يتبعوه حتى الصليب، لن يبقى له إلا أن يعيدهم إلى أشغالهم الماضية. وردّة الفعل الثابتة لدى يسوع دلّت على جدّية إختلافه في الرأي مع بطرس وتلاميذه. 
فإن حاولوا أن يميلوا به عن هذه المسيرة، كانوا وكأنهم يدفعونه إلى التمرّد على مشيئة الله التي هي القاعدة الوحيدة لسلوكه. مثل هذا "التحريض" لا يمكن أن يكون إلا عمل الشيطان الذي سبق له وقام بمحاولة في هذا المجال في بداية حياة يسوع العلنية (1: 12-13؛ رج مت 4: 10). وإذ يتصرّف التلاميذ على هذا الشكل، فهم يمنعون مجيء ملكوت الله. بالإضافة إلى ذلك، هم يكشفون أنهم إن تبعوا يسوع سيكون مصيرهم مصيره. وهذا ما شكّكهم وشكّل لهم حجر عثار. وجاءت ردّة فعل بطرس فأوضحت يقينهم الداخلي: ما يحدّد أفكارهم ورغباتهم هو مقاييس العالم لا مقاييس الله. هم لا يفكّرون بأمور الله، بل بأمور العالم، ويجعلون نفوسهم بجانب إبليس لا بجانب يسوع. أجل، لقد صار التلاميذ- يا للتناقض- صوتاً يتكلّم باسم أكبر عدوّ لله!
إذن، توجّه توبيخ يسوع إلى بطرس، لا كشخص فرد، بل كممثّل للتلاميذ (آ 33) بقدر ما بقي إيمانهم بالمسيح غير كافٍ. وتوجّه أيضاً إلى كل الذين يريدون أن يتبعوا يسوع (آ 34). فمنذ بداية القسم الثاني من إنجيل مرقس، طُرح بوضوح خط فاصل. لقد أخذ يسوع على نفسه أن يسير في طريق الآلام والموت فيتمّ هكذا مشيئة الله. لهذا، سيرفض التلاميذ حتى النهاية أن يروا فيه المسيح (مع ما فيه من عظمة ومجد دنيوي). وصار موقفهم واضحاً جداً في خبر الآلام: هناك يهوذا الذي خانه فأسلمه إلى رؤساء الكهنة (14: 10- 11). وهناك بطرس الذي أنكره فقال إنه لا يعرف هذا الرجل (14: 66- 72). وفي بستان الزيتون، نام بطرس ويعقوب ويوحنا، مع ما في هذا النيام من تعارض مع السهر المطلوب، ومن رموز إلى الموت (14: 32- 42). وأخيراً هرب التلاميذ كلهم وتركوا يسوع وحده (14: 50). في هذا المجال، لم يكن التلاميذ أفضل من الناس العاديين.
ج- الشروط المطلوبة لاتباع يسوع (8: 34- 35)
كان المشهد السابق مشهداً خاصاً بالتلاميذ عقهم يفهمون أهمية الآلام في مسيرة المسيح إلى المجد. أما هنا فنجد أقوالاً حول الشروط المفروضة لكي نتبع يسوع. هي لا تتوجّه فقط إلى التلاميذ (وهذا كان الوضع على المستوى الأولاني للتقليد)، بل إلى الجمع. لقد أراد مرقس أن يكيّف أقوالاً تقليدية من أجل المسيحيين الذي إليهم يكتب إنجيله. فإن آ 32-33 تجعلاننا نكتشف المحيط الحياتي الذي به ترتبط 8: 27- 33 ولاهوت السرّ المسيحاني.
توجّه إلى مسيحيين يقلقهم وضعُ الاضطهاد الذي يعيشونه. ظنّ بعضهم أنه يستطيع أن ينجو من الأخطار ومن الموت. يكفي أن ينكر المسيح. أن لا يعلن أن يسوع هو المسيح. وكانت ردّة الفعل قاسية عند مرقس: من أراد أن يكون تلميذ المسيح يسعى إلى التشبّه به. فالمسيح الذي به نعترف، لم يتجلّ فقط خلال حياته على الأرض ككائن سماوي يتمتعّ بالقدرة والمجد. بل تجلّى أيضاً كإنسان سار بكل وعي في طريق الآلام حسب مشيئة الله. لهذا لا يستطيع المسيحي أن يهرب من الآلام التي تفرضها عليه شهادته للمسيح. لا يستطيع أن ينكر حالته كتلميذ للمسيح.
إن 8: 34-9: 1 تشكّل وحدة تامة. وسنعود إليها. أما هنا، فنكتفي بتفسير آ 34-35 كامتداد لإنباء يسوع بآلامه.
تعدّد آ 34 الشروط المطلوبة لكي نتبع يسوع، لكي نكون تلاميذ يسوع. أولاً، ننكر ذواتنا. وهذا يعني: نبغض ذواتنا (رج لو 14: 26؛ يو 12: 26). ويتحدّد موقع هذا الإنكار (وهذا التجرّد) في امتداد المتطلّبة الجذرية التي يقدّمها يسوع دوماً للذي يدعوه ليتبعه: أن يترك كل شيء. من تخلّى عن نفسه كان وكأنه يخاطر بحياته.
والشرط الثاني: نحمل الصليب. وهذا يعني بشكل حرفي أن نحمل أداة عذابنا حتى موضع تنفيذ الحكم بالإعدام. إن هذا السير إلى العذاب يشكّل أعظم ذلّ وأعظم احتقار. وهو يعني أن يُستبعد التلميذُ من العالم ومن الحياة مع الناس. وفعل "تبع" الذي نقرأه مرة ثانية في نهاية الآية، يفهم "كمجيء وراء". ويمتد مع عبارة "حمل صليبه". بعد هذا، "حمل صليبه" و"تبع" يسوع يدلاّن على مسيرة على خطى يسوع الذاهب إلى آلامه. هذا ما نفهمه في إطار النصّ (8: 31- 33).
في هذا المنظار، نحن أمام مشاركة في آلام يسوع. حسب مر 8: 34، إذا أراد الواحد أن يصير تلميذ المسيح، عليه أن يكون مستعداً أن يتحمل العار معه والموت، أن يكون مستعداً للاستشهاد إذا طُلب منه ذلك. إن هذه المتطلبة التي تعبّر عنها آ 34 تريد تبريراً. هل يذهب التلميذ، هل يذهب المسيحي الى النهاية فيضحّي بحياته؟ أما يجب عليه أولاً أن يسعى إلى تخليص حياته؟
سنجد الجواب في آ 35: من أراد هنا، أن يخلّص حياته من التهديدات الخارجية، يخسرها رغم كل شيء. وكانت عبارة "بسبب الإنجيل." خاصة بمرقس. الإنجيل هو البشرى التي تعني يسوع المسيح كما أعلنتها الجماعة المسيحية، وشهدت لها بأعمالها وأقوالها. وهكذا يحدّد مرقس أن المسيحي يشهد بكل حياته (وقد يبذل دمه إذا لزم الأمر) ليسوع، أنه يشهد لإنجيل يسوع كما أعلن لقرّاء مرقس في كرازة الكنيسة. وهكذا نكتشف هنا أول إعلان لهذه المتطلبة: "نعطي حياتنا من أجل الإيمان".

خاتمة
إن الحياة المسيحية تشارك ما في شخص المسيح من مفارقة. فالمسيح لم يدرك مجده المسيحاني إلاّ بعبوره في الآلام والموت كما أرادها الله. فالذلّ العميق الذي عرفه وجوده البشري هو الذي أظهر عظمته كابن الله. فمني اعتبر أنه يحمل الإسم "المسيحي" وجب عليه أن يعيش المفارقة المسيحية: من خلّص حياته خسرها. ومن خسرها من أجل المسيح خلّصها.

 

 

الفصل الرابع والاربعون
القطب المركزي
الملكوت في قلب الإنسان
8: 27- 9: 13

1- قلب الإنجيل
مع اعتراف بطرس في الطريق الذي يقود إلى نواحي قيصرية فيلبس، ندرك ذروة إنجيل مرقس. وقبل أن نواصل مسيرتنا على خطى يسوع، لا بدّ من وقفة قصيرة لكي نستجمع المراحل التي سرنا فيها لكي نكتشف بُعد الوحي الذي تتضمنه. وهذه الوقفة ليست اعتباطية: فالانجيلي نفسه يدعونا إليها من خلال طريقته الشخصية في تدوين القسم المركزي من إنجيله. لقد سبق وشدّدنا على الدور الذي تلعبه الاجمالات حول يسوع في بداية هذه المراحل الثلاث (1: 14- 15؛ 3: 7- 12؛ 6: 6-7). وإذ ربطت هذه "الوصلات" التدوينية المراحل بعضها ببعض، ركّزت الانتباه على شخص يسوع، وذكّرتنا بأعماله السابقة وفتحتنا على أعماله التالية. هذه الأخيرة تبدأ بانطلاقة متدرّجة للتلاميذ: دعوة الرفاق الأربعة الأولين (1: 16- 20)، تعيين الاثني عشر (3: 13- 19)، إيفاد الرسل (8:6-13).
غير أن الإجمالة التي تبدأ بها المرحلة الرابعة تتّخذ شكلاً خاصاً: فإنباء يسوع بموته المقبل يشكّل منعطفاً في حياته، كما في حياة تلاميذه، وفي حياة كل من يلتزم بالسير وراءه. وقد عرف بطرس باسم رفاقه في معلمه "المسيح". وهكذا وصلنا إلى القسم الأولى من وحي يسوع كما قدّمه مرقس في بداية انجيله (1: 1): "بدء انجيل يسوع الذي هو المسيح".
وإذ تكلّم يسوع الآن عن ابن الإنسان وهو لقب أعطاه لنفسه مرتين في المراحل الثلاث الأولى ليدلّ على سلطانه لمغفرة الخطايا (2: 10) وعلى سيادته على السبت (2: 28)، إذ تكلّم هكذا، رسم برنامج الألم والموت (8: 31؛ رج 9: 12)، وقدّم لتلاميذه صليباً يحملونه (8: 34). وسيتحدّد موقع هذه النظرة في حقيقة مخطّط الله، لأن صوت الآب استعاد المبادرة، كما في العماد، فدلّ على "الابن الحبيب" (9: 7؛ رج 1: 11)، على "ابن الإنسان" الذي هو ابن الله (15: 39). تلك هي الألقاب التي تسيطر على القسم الثاني من الإنجيل وذلك بالتوافق مع الآية الأولى في انجيل مرقس: "بدء انجيل يسوع الذي هو المسيح وابن الله" (1:1).
إذن، إرتسم اتجاه حاسم في مسيرة الإنجيل فحدّدت قطباً حوله تتوزّع لوحتا الإنجيل. إن هذه الاجمالة التي سنقرأها الآن، ستشكّل القطب المركزي الذي فيه ينكشف مصير يسوع، ومصير الإنسان بعد أن ارتبطا ارتباطاً وثيقاً.
إستعمل مرقس المتتالية التقليدية التي استعادها متّى (16: 13- 17: 13) وأوجزها لوقا (9: 18- 36): اعتراف بطرس (8: 27- 30)، الانباء الأول بالآلام (8: 31- 33)، التجلي (9: 2، 8)، سؤال حول إيليا (9: 9-13). وبنى نصّه بشكل يستجمع كل العناصر، وأبرز النقطة الأساسية في قلب الإنجيل، أي المعنى الذي يعطيه يسوع للحياة البشرية. هذا البناء يجد ارتكازه في المرحلة الثالثة وفي المرحلة الرابعة، وهو يفرض علينا أن نحلّله لنكتشف التعليم الذي يحمله إلينا. فنتساءل عن الطريقة التي بها رأى مرقس المسيح (كرستولوجيا) والكنيسة (اكليزيولوجيا). فنكتشف مدلول، "السرّ المسيحاني" الذي طلب يسوع إلى تلاميذه أن يحفظوه في بداية المتتالية وفي نهايتها (8: 30؛ 9: 9).

2- تقديم النصّ
نقسم هذا النصّ إلى ست وحدات أدبية تنتمي كلها إلى التقليد الازائي. ربطها متّى بتكوين الإيمان المتدرّج في الجماعة الكنسيّة (مت 14-17). ولوقا بتأليف فيه يصبح سرّ يسوع داخلياً في الصلاة، ساعة يستعد للصعود إلى أورشليم مع تلاميذه (9: 31- 51). أما مرقس فجعلها في صياغة خاصة نكتشف فيها على التوالي: سؤال يسوع حول رأي الناس فيه. اعلان بطرس مع أمر بالصمت حول "المسيح". تعليم يسوع الذي ردّ عليه بطرس بعنف. كرازة حول معنى حياة يسوع. تجلّي يسوع، وما قاله بطرس على الجبل. إعلان الآب وأمر يسوع بالصمت حول ما شاهدوا. سؤال من التلاميذ حول ما يقوله الكتبة عن إيليا.
مقاطع سبعة سوف نتوقف عندها سريعاً.
أ- من هو يسوع
إن نشاط يسوع طرح سؤالاً على الناس. فأجابوا حسب آمالهم وتصوّراتهم الشخصيّة. هو يوحنا المعمدان، إيليا... إكتشفوا فيه شخصاً قديراً في القول والعمل، شخصاً يرتبط بانتظارهم المسيحاني. تصوّروا المستقبل على صورة الماضي، وما استطاعوا أن ينفتحوا على الجديد الذي يحمله وحي يسوع.
ب- أنت هو المسيح
لا يكفي أن نورد آراء الآخرين. فقد طلب يسوع من كل واحد أن يحدّد موقعه بالنسبة إليه. وتحدّث بطرس باسم التلاميذ، فاكتشف في يسوع تمام انتظار اسرائيل. فيسوع، في نظر بطرس، ليس المنادي بالحقبة المسيحانية وحسب. إنه ذاك الذي يحقّقها. ولكن ما هي فكرته عن المسيح؟ الشافي، طارد الشياطين، المعلّم، المنتصر.
ج- وحي ابن الإنسان
بعد اعلان بطرس، طفق يسوع يعلّم التلاميذ. إن تصورهم للمسيح غير كافٍ. لهذا يعطيهم تعليماً بشكل "بداية" جديدة. تكلّم عن آلامه، عن رذله بيد الشعب، عن موته قتلاً... مع وعد بالقيامة لم يدركوا بعده. ولكن بطرس رفضت هذا التعليم. هو لم يتحمّل فكرة مسيح "يجب" عليه أن يتألم ويموت.
د- معنى حياة الإنسان
ودعا يسوع الجموع مع تلاميذه، ولكن أية جموع؟ هل نسي مرقس أن يسوع هو وحده مع تلاميذه في أرض وثنية. في الواقع، إن التعليم الذي بدأ يسوع يكشفه يعني كل إنسان. لهذا يجب أن يسمعوه جميعاً، فلا ينحصر في مجموعة ضيّقة تحيط بيسوع. "من أراد أن يتبعني". نحن أمام نداء نتخذ قرارنا تجاهه. فالدعوة إلى التلمذة ليست امتيازاً محفوظاً لبعض الاشخاص.
هـ- التجلي
نحن أمام "تيوفانيا" تدلّ على أن ما قاله يسوع عن مصير ابن الإنسان، يدلّ على أصله الالهي. هذا الوحي الذي وصل إلى ثلاثة تلاميذ، يبدو بشكل رؤيا: جاء ايليا وموسى بجانب يسوع، فمثّلا الشريعة والانبياء، وذكّرا بمسيرة الوحي الالهي عبر تاريخ العهد.
و- هذا هو النبي الوحيد
الله نفسه هو الذي أعطى معنى الحدث. تكلّم في السحاب فأسمع صوته كما في العماد. ولم يتوجّه في هذه المرة إلى يسوع وحده (1: 11)، بل إلى التلاميذ الحاضرين هنا. يجب أن نسمع ليسوع وننفتح على تعليمه. ولكن أي تعليم سوى ذاك المتعلّق بآلام ابن الإنسان وقيامته. كانت الرؤية عابرة. وسكت الصوت السماوي. فيبقى على التلاميذ أن يسمعوا صوت يسوع وسط الحياة اليومية، وسط النداء والمقاومة، وسط الصعوبات والتجارب...
ز- من هو ايليا
وإذ كانوا سائرين في الطريق سأل التلاميذ معلّمهم، لا بشكل مباشر عن القيامة، بل عن عودة إيليا الذي يسبق المسيح ويقيم العدل والسلام في العالم. لقد رأوا على الجبل النبي العظيم بجانب يسوع. فلماذ لم ينزل من الجبل ليقوم بعمله كالسابق؟

3- من النصّ إلى يسوع
ما هو الدور الذي لعبه مرقس في صياغة هذه المتتالية؟ هل وجد مرقس هذه العناصر متفرقة، أم كانت قد تكوّنت في وحدة أدبية سنجد آثارها عند متى ولوقا؟
أ- تكوين النصّ
أولاً: الوحدة الأدبية الأولى (8: 27- 33)
إن الوحدة الادبية الأولى تتضمن اعتراف بطرس على طريق قيصرية فيلبس والانباء الأول بالآلام. ظنّ بعض الشرّاح أدن الارتباط بين الحدثين سابق لعمل مرقس التدويني. غير أن السؤال المطروح هو: هل قام يسوع نفسه بهذا الرباط ليصحّح التصوّرات المسيحية لدى التلاميذ، أم هي الكنيسة الأولى التي سعت إلى تنقية كل التباس في شخص مؤسسها، وذلك على ضوء آلام المسيح وقيامته؟ لقد شدّد مرقس على البعد الكرستولوجي للمقطع، لا ليدلّ على تعارض بين لقبين ليسوع المسيح، إبن الإنسان، ابر ليجعلنا ندرك ادراكاً أفضل ايمان التلاميذ تجاه سرّ يسوع الذي يذهلهم. إذن، يبدو أن يسوع نفسه أراد أن ينيرهم حول الطابع المحيّر للرسالة التي أوكل بها.
في النهاية، تبدو نظرة مرقس أمانة لتاريخ يسوع، وإن نسبنا إلى الإنجيلي تنظيم المتتالية وصياغة بعض الأمور الخاصة مثل التوصية بالصمت. فإن كان مرقس قد أعاد قراءة (مع الكنيسة الأولى) مسيرة يسوع التاريخية على ضوء القيامة، مبرزاً اللافهم عند التلاميذ، فلأنهم رأوا أعماله وأقواله، فطلب منهم أن يتجاوزوا ما فهموا أو أحسّوا به، وأن يسلّموا ذواتهم إلى شخصه وإلى سرّه.
لا شك في أن هناك اهتمامات كرستولوجية واكليزيولوجية: هذا ما يدلّ عليه وضع الجماعات المسيحية الأولى، لا سئما تلك التي بشّرها مرقس. فلقب "المسيح" الذي أعطاه الإيمان المسيحي ليسوع كان قد صار "اسم علم". وعبارة ابن الله التي وُلدت في محيط يهودي، كانت قد ضاعت علاقتها مع سفر دانيال. غير أنها ذكّرت التلاميذ بالطريقة التي بها دلّ يسوع على نفسه ورسالته، كما دلّ على آلامه وموته. فالمسيحيون الذين يرفضون الاسم، شأنهم شأن بطرس، قد أفهمهم مرقس ما في محاولتهم من أمور أرضية وشيطانية لا تتوافق مع أفكار الله.
ثانياً: الوحدة الادبية الثانية (8: 34- 9: 1)
أما التعليم الذي وجّهه يسوع إلى الجموع وإلى التلاميذ حوله معنى الحياة، فهو يشكّل الوحدة الادبية الثانية. ونحن نقابله مع متّى ولوقا. كان القولان الأولان (8: 34- 35) مجموعين في ينبوع مرقس. وهذا ما يدلّ عليه التوازي في مت 10: 38-39. وتربط آ 36-37 (تدوين مرقسي) هذين القولين الأولين مع آيتين دمجهما الإنجيلي ليتحدّث عن مجيء يسوع كالدّيان الاسكاتولوجي (كما في مت 10: 32-33؛ لو 8:12-9)
ما هو معنى هذه الصياغة؟ قال مرقس إن المسيح الذي أعلنه الإيمان المسيحي هو ابن الإنسان، أي ابن الله الذي أخذ حالتنا البشرية وواجه الآلام والموت قبل أن يبلغ إلى القيامة. وهكذا شدّد على الطابع المتعالي لابن الإنسان: هو ديّان ورجاء كل حياة بشرية. سيأتي في نهاية الأزمنة، ولكنه منذ الآن حاضر في القلوب، لأن ملكوت الله اقترب.
وهكذا بدا تأليف مرقس كتعبير عن الإيمان الكرستولوجي: يسوع هو المسيح. لقد تألّم حقاً. رذله المسؤولون الرسميون في شعبه. مات وبعد ثلاثة أيام قام. وسيأتي في المجد ليدين الأحياء والأموات. إن هذا الإيمان يلزم الكنيسة (كما يلزم كل إنسان) لتخاطر بحياتها من أجله ومن أجل الإنجيل، وتقتدي به فتدلّ على أن الذي سيأتي في مجد أبيه هو ذاك الذي يجيء بملكوت الله على الأرض.
ثالثاً: الوحدة الادبية الثالثة (9: 2- 13)
تكرسّت الوحدة الأدبية الثالثة لخبر التجلي مع الجدال حول ايليا فبدت حاضرة في ينبوع مرقس. ولكن اختلف الشرّاح حول تكوين هذا المقطع في التقليد القبل إزائي. هناك من حاول أن ينزع عن الخبر السطر والصور. يظنون أننا أمام تقديم لسرّ القيامة. جعلته الكرازة الأولى في وقت مؤزّم من رسالة يسوع على الأرض، وتوسّعت فيه بطريقة جليانية لتؤكّد التجذّر التاريخي للايمان بالبنوّة الالهية للقائم من الموت. وأسند آخرون هذا الخبر على خبرة حقيقية عاشها التلاميذ حميماً مع معلّمهم قبل الفصح والقيامة. ونحن نجد عنه رسمة سريعة في خبرة شخصية لدى يو 12: 27-28، وفي تذكّر للمخلّص في 2 بط 1: 16-18.
في أي حال، لا نستطيع أن نتناسى التعليم اللاهوتي الذي تضمنّه هذا المقطع قبل أن يدخل في التقليد الأزائي. ونحن نكتشف فيه مواضيع مسيحانية من العالم اليهودي الذي يرجو الاحتفال بملك الرب في عيد المظال الاسكاتولوجي (زك 14: 16- 21)، أو ينتظر موسى الجديد الذي يقود مسيرة الخروج النهائية (إر 16: 14- 15؛ أش 40: 3- 11؛ 63: 7-19). إن الاشارات الجليانية التي توسّع فيها متّى مثل: بياض الثياب ولمعان الوجه (مت 17: 2؛ رج دا 10: 6؛ 12: 3؛ مت 13: 40- 43؛ رؤ 1: 12- 16). ظهور موسى وايليا. الرؤية السماوية وصوت الوحي. كل هذا يدلّ على غنى التفكير المسيحي الاولاني حول سرّ شفافية بشرية يسوع، يدلّ على بنوله الالهية، وذلك خلاله حياته الأرضية التي كانت شبه مخفيّة.
ومهما يكن من أمر المسيرة الدقيقة التي سارها التقليد السابق لمرقس، كل شيء يشير إلى أنها وصلت إلى مرقس في خبر يتألف من ثلاث مراحل: تحوّل يسوع وظهور موسى وايليا، طرح بطرس الغريب، الصوت الذي تكلّم في الغمام.
يقوم التعليم الأساسي في كرازة حول تمجيد (وارتفاع) يسوع القائم من الموت بيد الآب. وقد استلهمت خطب أع التتويج المسيحاني في مز 2 و110، فتحدّثت عن هذا الموضوع (أع 2: 29-36؛ 4: 24- 31؛ 13: 32-37). حين جمع مرقس هذا الخبر مع النبذة القصيرة كن الجدال حول ايليا، توسّع فيه وذكر لا فهم التلاميذ والصمت الذي فرضه يسوع. وهكذا دلّ على الحقيقة الحاضرة منذ الآن لملكوت الله الذي يأتي بقوة (9: 1) في شخص يسوع الناصري الذاهب إلى الموت (8: 31). ويُدعى المؤمن، شأنه شأن بطرس والتلاميذ الأولين، لكي يرى مجد ابن الإنسان (8: 38) وبنوّته الالهية (9: 7) تحت أعراض بشريته المتألمة. 
بعد هذا، لا نعود نستحي (8: 38) من مسيح يموت مرذولاً. لأن هذه هي مشيئة الآب السماوي تجاه ابنه الحبيب (9: 7). فمن سمعه وتبعه (8: 34) في هذه الطريق المحيّرة وجد، على مثال يوحنا (8: 28؛ 9: 13)، الباب إلى ملكوت الله. ولا نستطيع أن نكتشف البعد الحقيقي لهذا التعليم، إلا على ضوء الفصح والقيامة (9: 9). غير أن هذا الضوء قد أطلّ في أفق وجود المعلم في الجليل، فاستشفّته عيون التلاميذ من بعيد.
هنا نكتشف النظرة الرعائية الخاصة بمرقس الذي (من جهة ثانية) يبدو متحفظاً جداً حين يصوّر القيامة في صباح اليوم الأول (الأحد) من الأسبوع (16: 1-8). ففي قلب انجيله، توسّع في سرّ القيامة في هدف كرازي بدا منذ الآن واضحاً للقارىء. لم يكن ربما من الضرورة أن يقدّم خبراً مفضلاً عن الخبرة الفصحية، لو كان القطب المركزي في خطبته الإنجيلية قد توسّع فيها: تدرّجُ التلاميذ في مسيرة الإيمان بيسوع (8: 27-30). كشف بفم يسوع لبعد الألم في رسالة ابن الإنسان رغم مقاومة أخطائه (8: 31-33). تعميق نظرة الإيمان في خبرة ما زالت عابرة، حيث نستبق القيامة، لأن الله يعطي المؤمن نظرته الخاصة إلى الإبن (9: 2- 10) ويعلّمه كيف يقرأ الكتب المقدسة كلها في هذا الضياء الصحيح (9: 11-13).
وبمختصر الكلام، إذا كان مرقس قد فضل أن يبرز هذا كله في قلب انجيله، فلأنه اهتم بالمدلول الحالي بالنسبة إلى الجماعات الكنسية، لحياة يسوع، إبن الله، وموته وقيامته. هذه هي النتائج التي وصلت إليها الابحاث حول تاريخ التقليد وتدوين هذا المقطع. ونزيد أيضاً ما يحمله التحليل البنيوي لتأليف مرقس الأدبي.
ب- بنية النصّ
نستعيد هنا في هذا التحليل الأدبي للبنية، الإشارات المكانية والزمانية والعناصر المتعلّقة بالاشخاص في هذا الخبر. فإن 8: 27- 33 و9: 2-13 تبدآن بإشارة تدلّ على اتجاه (نحو قرى قيصرية فيلبس، 8: 27. نحو جبل عالٍ ، 9: 2). إذا تفحصنا هذين المقطعين، وجدنا فيهما أموراً متوازية، بينما يستعمل المقطع المركزي (8: 34- 9: 1) لغة مختلفة. وإن تسلسل الأحداث يتم هنا وهناك بتوازٍ معاكس وسط تضمين كبير يقدّم موضوعه الرئيسي العلاقة بين إيليا ويوحنا المعمدان (8: 28- 9: 13).
ماذا نكتشف؟
- حواراً (سؤال/ جواب) بين يسوع وتلاميذه حيث يدخل إيليا (أ= 8: 27-28؛ أأ= 9: 11-13).
- تصريحاً حول يسوع، أطلقه بطرس ثم الصوت السماوي، وتبعته توصية بالصمت (ب= 8: 29- 30؛ ب ب= 9: 7- 10).
- تعليماً ليسوع حول شخصه: في الأقوال (الانباء بالآلام)، في الأعمال (التجلي) مع ردّة فعل غير موفّقة من قبل بطرس (ج= 8: 31- 33؛ ج ج= 9: 2- 6).
- المحور (د). بناه مرقس حسب رسمة التقابل الدائري (8: 34 و9: 1؛ 8: 35 و8: 38؛ 8: 36-37)، فأبرز سلطة يسوع الحاسمة على حياة كل إنسان. هو لا يستطيع أن يخلّص ذاته بذاته.
ونبدأ بالنواة المحورية (د). جاءت المسيرة على خطى يسوع جواباً علي نداء جذري، فافترضت قراراً حراً: "من أراد". عليه أن لا يريد أن يخلّص نفسه بقواه الشخصية. الحياة والخلاص يرتبطان بالنسبة إلى الإنسان في إطار الدينونة النهائية. وعلى هذا الضوء يتحدّد معنى الخيار البشري الآني تجاه ابن الإنسان في الثقة بملكوت الله الذي يأتي. فالحياة الحاضرة هي منذ الآن حقل عمل نكتشف فيه مجيء ابن الإنسان في قلب المؤمن بقوة قيامته.
ونتوقّف على النصوص التي تحيط بهذه النواة. نكتشف تدرجاً في المعنى وتوازيات أدبية واضحة. نرى التدرجّ في سلطة الذي يتكلّم وسلطان ما يقوله. وهكذا اعتبر الناس أن يسوع هو ايليا أو نبي من الأنبياء (أ). ثم أعلن بطرس باسم التلاميذ أن يسوع هو المسيح (ب). واخيراً علّم يسوع نفسه حول مصير ابن الإنسان المتألّم (ج). وبعد النواة المركزية (د)، كشفت السماء عن يسوع وشهد له العهد القديم (ج ج). ثم اخبر صوت الآب أن يسوع هو ابنه الحبيب (ب ب). وحدّد الكتاب المقدس (وقد أعاد يسوع قراءته) موقع السابق الحقيقي وآلام هذا السابق بالنسبة إلى آلام يسوع (أ أ).
وهكذا نكتشف التوازيات: في أ وأأ: نجد خطأ البشر حول سرّ يسوع، وبالتاي الفجوات في تفسير الكتبة للكتب المقدسة. كل هذا، يدلّ على أن ماضي اسرائيل الذي تسجل في التوراة وتأسّس عليها لا يعطي كامل معناه بدون يسوع. في ب وب ب، عرف بطرس مسيحانية يسوع، وأكّد الآب البنوّة الالهية: غير أن الإنسان ليس مستعدّاً لتقبّل الحقيقة الكاملة ما زال غريباً عن القيامة. لذلك عليه أن يحفظ الصمت في الوقت الحاضر. في ج وج ج: أعلن يسوع "النبي" عمله الخلاصي بموته وقيامته، وأكّد الآب أن تلك هي رسالة حبيبه من أجل مصيره البشري كما في حياة الذين يسمعون له.
كل هذه العناصر المسجّلة في حرفية النصّ، تدلّ على هدف لاهوتي يساعدنا التدوين المرقسي على تحديده بشكل واضح.
إن محور النواة الكرازية يجعلنا في سياق كنسي، لأن مرقس يضمّ الجموع إلى التلاميذ ليسمعوا وحي يسوع عن حياة كل إنسان. ومثّل بطرسُ المعمّدَ الجديد في الكنيسة الأولى وفي كنيستنا اليوم: كل مؤمن مدعو لأن يسير مسيرة الإيمان عينها. تعرّفٌ إلى المسيح. تجاوزُ (من أجله) الثورة على الألم حتى مجابهة الاضطهادات التي نتحمّلها من أجل الكرازة بالإنجيل. خيارٌ جذري يتّخذه المؤمن منذ هذه الحياة فيحدّد مصيره. دخول في حياة حميمية مع المعلّم، وموت عن الذات يساعدنا مسبقاً على المشاركة في القيامة. تفسير جديد للكتب المقدسة يتيح لنا أن نستكشف آيات حضور القائم من الموت في حياة كل واحد منا. تلك هي المراحل في كل تنشئة مسيحية.

4- التعليم الذي نكتشفه في النصّ
هذا المقطع هو شميلة الخبرة المسيحية، وهو يقدّم لنا إشارات تطبع انجيل مرقس بطابعها. سؤالا يسوع هو في المحور والقلب: فكل إنسان يسمع نداء على طرق العالم، يطلقه في يوم من الأيام ذاك الذي يُدعى المسيح. أن يتجرّأ إنسان فيوجّه نداء إلى شبان عصره البارحة واليوم وغداً، هذا ما يدلّ على أنه يعتبر نفسه على مستوى الكون. وأن تعلن الكنيسة نفسها حاملة هذا النداء ومسؤولة عن هذه الرسالة، هذا ما يراه عدد من الناس تجاوزاً لحدودها. هذا الوضع لا يختلف عن ذاك الذي عرفه مرقس. إذن، لا بدّ من أن نبيّن أن الإنجيل ليس سراباً وخيالاً، وليس ايديولوجية تجعلنا غريبين عن ذاتنا وعن العالم. لهذا كان من الضروري أن نبرز الطابع الفريد لشخص يسوع، والتحوّل العميق الذي تمّ في البشرية بفضل ظهوره في الجليل على أيام هيرودس.
يرى مرقس أن الكرستولجيا والاكليزيولوجيا مرتبطتان ارتباطاً لا يحلّ. ونقول الشيء عينه عن الاكليزيولوجيا والاسكاتولوجيا. إذا كان يسوع سمّي المسيح لأنه يُتمّ رجاء اسرائيل، فهو أيضاً إبن الإنسان، هو إنسان بين الناس يسير في طريق من الألم يقاسم فيها وضع البشر. وهو يختلف عن جميع الناس لأنه إبن الله. فكل الذي يسمعون بعد اليوم كلمته، ويسمعون شهادة حياته، يُدعون إلى السير على خطاه والالتزام بأن يعيشوا ما عاشه، وما يزال يعيشه اليوم في كل مؤمن وهو القائم من الموت. وهكذا يتحدّد مصير كل انسان. فلا قيمة لحياته، وهي أثمن ما عنده، ولا معنى إلا في قرار يتخذه بأن يكون تلميذاً ليسوع، بأن يتنكّر لكل شيء لينال منه التحرّر الكامل. فحين نقدّم جواباً على سؤال يسوع (من أنا في رأيكم؟)، نؤكّد على هويتنا ونقرّر وجهة حياتنا.
مندْ مجيء يسوع إلى الجليل (1: 14) بدأ يعلن انجيل الله كما تجلّى في شخصه ساعة عماده في الأردن: "أنت هو ابني الحبيب. عنك رضيت" (1: 11). نحن هنا أمام علاقة فريدة مع الله. لقد أعلم مرقس قارئه بهذا الأمر. ولكن الأرواح النجسة وحدها عرفت أن عمق قداسته يجعل الناس على المحك. غير أن يسوع يمنعهم من الكلام (1: 34؛ 3: 11). والمنع نفسه يصيب التلاميذ بعد اعتراف بطرس (8: 30)، لأن لقب المسيح قد يعني تسمية خارجية في فم الذين يتلفّظون بها. ومع التجلّي ونداء الآب إلى التلاميذ ليستمعوا إلى ابنه، دعي هؤلاء التلاميذ الى اكتشاف بنوّته الالهية في مسيرة حياته البشرية الذاهبة إلى الموت. فأعماله بما فيها من قدرة (1: 40-45؛ 2: 1- 12؛ 3: 1-6؛ 4: 35- 5: 43؛ 6: 53- 56؛ 7: 24- 37؛ 8: 22- 26) وأقواله بما فيها من سلطان (1: 22-27)، قد دلّت بما فيه الكفاية على الحدّ الذي فيه تحوّلت البشرية بمجيء ابن الله. هل نحتاج أيضاً إلى آيات أخرى (8: 11- 12)؟ إن موت يسوع واعتراف قائد المئة (15: 39) وبلاغ القيامة سوف تزيل كل التباس.
إذا أردنا أن "نتعرّف إلى بنوّة يسوع الإلهية، وجب علينا" أن نكتشف لماذا "خُفّف" الوحي المتعلق بهذه البنوّة. هنا نلامس ما سمّي "السر المسيحانى" الخاصق بانجيل مرقس. في الواقع قد لا تكون هذ العبارة كافية، لأن يسوع لا يطلب حفظ "السرّ" حول الواقع المسيحاني لشخصه، بقدر ما يطلب التعمّق في "سرّ لاهوته". لهذا يجدر بنا أن نتكلم بالاحرى عن "سرّ يغلّفه الصمت" (روم 16: 25) الذي ظهر في يسوع بهذا الشكل.
سنستعيد بطريقة موجزة التوصيات بالصمت التي فرضها يسوع على مدّ إنجيل مرض. بعد اعتراف بطرس، سيحلّ محلها تدخّلات التلاميذ التي تدل على عدم فهمهم لرسالة يسوع الفدائية.
كان مجيئه إلى أورشليم تفجيراً لعمل الله في تاريخ البشر. كما دلّنا هذا المجيء على اهتمام يسوع بالتخفيف من صدى أعماله وسط الشعب، وإلحاحه بأن يبقى بعيدا عن الجموع. وهكذا نجد نفوسنا أمام تعارض حول موقفه.
أثار الارواح النجسة فقالوا ما قالوا، ولكنه فرض عليهم الصمت (1: 34؛ 3: 11). طهّر الأبرص ولكنه طلب منه أن لا يتحدّث عن شفائه (1: 44-45). وجاءت التوصية ذاتها إلى والدَي ابنة يائيرس (5: 43). ولكن من يستطيع أن يمنع انتشار الخبر؟
أما في الأرض الوثنية، فيتبدّل تصرّف يسوع. فهو يرسل المجنون (المتشيطن: فيه شيطان) الذي شفي، ليعلن على الجراسيين المعادين رحمة الرب تجاهه (5: 19-20). وفي بلاد صور، ما استطاع ان يتخفى رغم "همّه بألاّ يدري به أحد" (7: 24). وفي دكابوليس (المدن العشر)، أخذ الأصم المنعقد اللسان على انفراد وشفاه (7: 26)، وكأنه يريد أن يتفلّت من الحماس الذي أثاره هو بأعماله (7: 37). وبعد شفاء أعمى بيت صيدا، منعه من الدخول إلى القرية (8: 26).
ومن جهة ثانية، لا يشير مرقس إلى ردّة الفعل لدى الجموع بعد معجزتي تكثير الأرغفة (6: 43- 44؛ 8: 8-9)، بينما يتحدّث يوحنا في هذا الموضع نفسه عن مظاهرة ذات طابع مسيحاني (يو 6: 14). فلماذا أخفى يسوع هذا الوحي ساعة كان "ينشره" بشكل حرّ وسخي؟
لقد أراد مرقس بهذا التعارض أن يعبّر عن لطف الله الذي يجعلنا نراه، ويتخفّى في الوقت عينه في شخص يسوع. فهو لا يفرض نفسه أبداً. إنه لا يرفض الألقاب التي تعطى له، ولكنه يدافع عن نفسه لئلا "تسيطر" عليهم عبارات حاسمة ولو كانت مؤسّسة في اللاهوت. في الحقيقة، لا نستطيع أن نتكلّم عن الله، إلاّ من خلال ما يكشفه هو لنا في موت ابنه وقيامته. لهذا، حين نزل يسوع من جبل التجلّي، جعل حداً لهذه التوصية بالصمت: "حين يقوم ابن الإنسان من بين الأموات" (9: 9). حين يدرك الوحي كماله في القيامة، حينئذ نستطيع أن نتكلّم عن ابن الله. فالروح القدس الذي نزل على يسوع في العماد (1: 10) يعطي النطق للذين يعلنون الإنجيل (13: 11) ويكفل مضمون كرازتهم. 
وهناك وازع آخر لإعلان ملكوت الله، هو عدم فهم التلاميذ. مع أنهم عيّنوا كمسؤولين عن التعليم، واعطوا سلطة، وأنعم عليهم بسرّ الملكوت. فمرقس يعرف أن الكلمة توضع في الأرض كالزرع، وأن الأرض من ذاتها تنمي الثمر وتحمله. وهو يعرف أن الإنجيل الذي يعلنه في الكنيسة هو كلمة الله للعالم. ولكنه يعرف أيضاً أن هذه الكلمة يرافقها ثقل العمى وقساوة القلب لدى الإنسان: هذه الكلمة الخاضعة لعدد من الظروف، التي تُلفظ وتُقبل بدون فائدة، هي وحي ملكوت الله الخفي والمميّز، والذي لا ندركه إلاّ بإيمان مهدّد. إذا كانت كلمة الله تعلن للعالم، فهي تفتح طريقها بقدرة الله ونعمته عبر لاإيمان التلاميذ وقساوة قلوبهم. هنا نلامس نواة تعليم مرقس في قلب الإنجيل وهي: إن سرّ ابن الله ينكشف للانسان لا حين يلغي ذاته، بل حين يمدّ قوته وسط اللافهم والمقاومة لدى البشر.
استعيدت التوصيات بالصمت واللافهم عند التلاميذ في أعمال رحمة الله. فالله الذي لا يدركه الإنسان، قد صار قريباً في شخص يسوع. وهو يدلّنا على ضيق نظرتنا البشرية وعلى عمى عيوننا. ولكنه يخلصنا بهذ الطريقة: حين يكشف الله لإنسان ضعفه الجذري في تخليص نفسه بقواه الخاصّة، يجعله يربح حياته من خلال تعارضاته وخطيئته. فالالتباس ما زال في كنيسة مرقس وفي كنيستنا: هناك تصادم بين اعتراف الإيمان والاتجاهات الشيطانية (إذهب خلفي يا شيطان). يعاند الإنسان فيريد أن يخلّص حياته أو يخسرها، أو يحاول أن يحدّد اللحظة التي لا تدرك والتي فيها يظهر له يسوع كصفاء الله. ولكن في كنيسة مرقس كما في كنيستنا، ما زال ابن الإنسان يواصل مسيرته حاملا على عاتقه كل آلام الناس، وذلّهم وموتهم، لكي يصل فيض القيامة إلى جميع البشر.

الخاتمة
سرّ الإيمان المسيحي هو سرّ الله الذي صار ملموساً لدى الإنسان. حين كشف عن نفسه كما هو في طبيعة ابنه البشرية، لم يستبعد السرّ عن انظارنا ولا عن أصابعنا المتشوّقة إلى إدراكه. بل هو "غطّسنا" في هذا السرّ الذي هو قياس حياتنا ونورها. وإذا كانت مسألة معنى وجودنا تؤلمنا، فلأننا صُنعنا من أجل الله. فكل المحرّرين الذين نحلم بهم، وكل المسحاء الذين "نفبركهم" يمّحون أو يشهدون لذاك الذي سلّمه الله بين أيدينا ليعلّمنا، ليشفينا، ليطرد الشياطين منا. ولكننا نتهرّب من تحرير بُني حسب نظرة الله.
إن عطية الله التي ظهرت في صفاء أعمال المسيح وأقواله، والتي تجعل من كل شيء مثلاً عن الملكوت، قد بدأ الإنسان يتقبلها: بدأ يحسّ بخيرها في جسده، في عقله، وحتى في أعماق قلبه. إنه يتقّبل هذه الكلمة التي تحرّر دون أن تفرض ذاتها، ولكنه ما يعتّم أن يصطدم بمتطلّباتها الجذرية. هو يبتلع هذا الخبر الذي يُشبع. ولكنه يرجع قبل أن يكتشف يد الذي أعطاه إياه. هو يحسّ في اعضائه، في لحمه ودمه، بنعمة الشفاء، ولكنه يسرع فيزيح الخبر خوفاً من أن يدرك القيمة الحقيقية للآية. لأنه سيمرض أيضاً، وسيكون كسيحاً وأعمى وأصمّ إن لم يدرك أن القيامة هي الجواب الوحيد لشقائنا. هو يشعر بالسلام حين تهرب الأرواح النجسة التي تقيّد ولكنه ما يعتّم أن يرجف أمام هذه الشياطين التي قد تعود بقوّة فتغرّبه عن ذاته. إن مجد الله الذي ندركه في حياة يسوع المتجلّي يبقى عابراً. فهو يدلّنا على ذاك الذي يأتي في مجد أبيه مع الملائكة القديسين، والذي يمنحنا مسبقاً أن نكتشف الملكوت وحضور الله الذي صار قريباً منا.
إن الخلاص الذي يهبه الله هو أكثر من تحرير من الموت والألم والشرّ. إنه عطية شخصية، عطية الله للإنسان بشكل تام ونهائي، بشكل لا رجوع عنه. وهذا الحاضر الذي لا حدود له هو يسوع نفسه: إنه في شخصه التعليم الذي يحمل. فيسوع الناصري، فالمسيح هو الله نفسه الذي صار حاضراً لإنسان. هو الإبن الوحيد للآب وله يجب أن نسمع. في هذا المعنى استطاع مرقس أن يردّد أن يسوع كان "يتكلّم بالكلمة" (2: 2؛ 4: 33؛ 8: 32)، فدلّ على انه كله "كلمة الله". غير أن الإنجيلي لا يعطينا تحديداً عن يسوع: إنه يصوّره وهو يعطينا الخلاص، راوياً ما فعله الرب من أجل الإنسان. وبعد هذا يتوضّح في الإنجيل التفكير حول شخصه. نحن ننطلق من خبرة الخلاص، من التحرير من الشرّ فنعترف بأن المسيح هو الله. والإيمان بلاهوت المسيح ليس فقط إعلاناً ميتافيزيقياً. إنه عيش في منظار خلاص جذري يصلني بالمسيح وفي المسيح.
وحين يدرك الإنسان جذرية خلاصه الآتية من الله، فهو يخاف. إنه مثل بطرس. لا يستطيع أن يقبل أن الله يعطي ذاته في التمزّق والألم، في التنكّر لكل ما يرغب فيه البشر: يجب أن نضع ثقتنا بالله لنسمع يسوع ينبىء بآلامه برباطة جأش ويدعو إلى اتباعه، يجب أن نسمع حقاً صوت الآب يطلب منّا أن نستمع إلى ابنه. وإذا كان هذا السماع هو بداية التوبة، فالدخول إلى الإيمان يتحقّق في السير على خطى يسوع الذي هو أيضاً عطية من الله. حين نعلن إيماننا، نتقبّل من الله بالمسيح معنى الحياة والعالم، ننال القوّة بأن نعيش ونموت. ويتمّ هذا التقبّل في الصمت: صمت الإنسان أمام الله الذي يقدّم ذاته ويمّحي. لهذا أوصى يسوع تلاميذه بأن لا يقولوا لأحد شيئاً: من السهل أن نعلن إيماننا بالكلام فقط. فهذا التقبّل نتحقّق منه في حياتنا الملموسة بما فيها من معارضات ومعاندات، من ضعف وعدم فهم. ومعجزة خلاص الله هي انه يصل إلينا عبر رفضنا، وحيث المسيح يقوم دوماً من الموت. إن رحمته لم تلغي الخطيئة: بل غفرتها.
وهكذا يجعلنا قلب انجيل مرقس أمام يسوع، ويطلق منا أن نتأمل في وجهه المتألم (في كل ألم بشري) وفي وجهه المتجلّي (وجه الإبن الحبيب). إن الله يجعل نفسه في خدمة الإنسان، فيأخذ واقع الوجود البشري بما فيه من قساوة ليجعله موضعاً ينكشف فيه سرّ الخلاص.

 

 

خاتمة

تلك كانت المسيرة الأولى برفقة القديس مرقس. بدء إنجيل يسوع الذي هو المسيح. ساعة شفى يسوع مجنون كفرناحوم، قال الناس: "ما هذا؟ تعليم جديد يُلقى بسلطان" (27:1). أجل، توقّفوا عند تعليم يقال وحرف يُكتب. ولكن بعد تسكين العاصفة؟ هتف التلاميذ: "من هو هذا؟ فالريح والبحر يطيعانه" (4: 41). أحسّوا أنهم أمام شخص يملك قدرة الله بالذات. ولما شاع اسم يسوع في كل الجليل، سمع هيرودس الجواب: إنه يوحنا المعمدان، إنه إيليا أو نبي كالأنبياء الأولين (6: 14- 15). 
وفي نهاية المطاف، طرح يسوع بنفسه السؤال على تلاميذه، فأجاب بطرس: "أنت المسيح" (27:8- 29). لقد فهم التلاميذ الشيء الكثير عن يسوع: إنه المسيح. ذاك الملك الذي يمسحه الله ويرسله في مهمّة خلاصيّة.
غير أن هذه الخطوة لا تكفي، وفيها ما فيها من التباس! لهذا "أوصاهم يسوع أن لا يقولوا لأحد عنه شيئاً" (8: 30). فالطريق لم تنته بعد. "لذلك أخذ يسوع يعلّمهم أنه يبنغي لابن البشر..." (31:8). وسينطلق مرقس في مسيرة ثانية، فيجعلنا نكتشف أن يسوع هو أيضاً ابن الله. هذا ما قاله قائد المئة عند صليب المخلّص (39:15).
ونحن نتوقّف عند هذه القمة الأولى في إنجيل مرقس: يسوع هو المسيح. ولكنه المسيح المتألّم: إنه سيُقتل ويقوم بعد ثلاثة أيام. وسنعود إلى هذا القطب المركزي من الجزء الثاني في تفسير إنجيل مرقس الذي سيكون عنوانه: بشارة يسوع ابن الله.