إنجيل مرقس، يسوع ابن الله

 

تقديم
هذا هو الجزء الثاني والأخير من تفسير الإنجيل بحسب مرقس. عنوانه: يسوع ابن الله. كان عنوان الجزء الأول: إنجيل يسوع المسيح. إنجيل يسوع الذي هو المسيح. وحاولنا أن نتوقّف عند 8: 30. ولكن الفصل امتدّ ابعد من ذلك لأن هناك وصلة تربط بين الجزء الأول والجزء الثاني. لهذا، عدنا في هذا الجزء الثاني إلى 8: 27، وهكذا انطلقنا من قمة أولى وصل إليها مرقس حين أعلن بطرس ليسوع: أنت المسيح. وسوف نصل إلى قمة أخرى مع قائد المئة الذي أعلن أن هذا المصلوب هو في الحقيقة ابن الله. لهذا عنونا الجزء الثاني: يسوع ابن الله أي يسوع الذي هو ابن الله. وهكذا ينتهي الكتاب كما بدأ في 1: 1 الذي هو عنوان إنجيل مرقس: "بداية إنجيل يسوع المسيح ابن الله".
نجد في هذا الكتاب المقدمات في ثلاثة فصول: الإنجيل بحسب مرقس، الوجهات التعليمية في الإنجيل الثاني، بين يوحنا ومرقس. ثم قدّمنا المراحل الباقية أي الرابعة والخامسة والسادسة: معنى حياة الإنسان. مملكة داود ودينونة أورشليم. ابن الإنسان وابن الله. هذه النظرات العامة مهمّة جداً، لأنها تبرز بنية عدد من المقطوعات داخل الإنجيل كله وداخل كل مرحلة من المراحل.
بعد هذا، بدأ التفسير مقطوعة مقطوعة. وتوجّه إلى طالب اللاهوت والكاهن والراهب والراهبة والعلماني. توجّه إلى كل أفراد شعب الله. توجّه إلى كل إنسان يريد التعرّف إلى يسوع المسيح.
وتوسّع التفسير في أخبار الآلام (سميناها: الحاش. الكلمة السريانية تعني: الألم) مع أننا لا نقرأ إلاّ قسماً قليلاً منها في الحياة اللتورجية. أو نقرأ الخبر كله دون أن نتوقّف عند مقطوعاته واحدة واحدة. يا ليتنا نقضي زمن الصوم نتأمل فيه أخبار الحاش. فهي لم تُكتب لكي تثير فينا عاطفة البكاء على ما حدث ليسوع. فإن كان تألم ومات، فهو قد قام. ولا لتثير فينا الغضب على الشعب اليهودي الذي قتل المسيح. فيسوع غفر له من على صليبه. وهي لم تُكتب لترضي فضولنا العلمي أو التاريخي. فالإنجيل قبل أن يكون خبراً هو شهادة يوردها أولئك الذين عاشوا مع يسوع ورأوه وسمعوه. وهكذا، فأخبار الحاش هي قبل كل شي تعليم يتوجّه إلينا في كل وقت، ولا سيّما في ساعات الشدة والضيق، في ساعة المرض والعذاب والموت. إن يسوع يرسم لنا طريق حياة في تعليمه وعجائبه. ويرسمها لنا أيضاً خلال آلامه، من النزاع في جبل الزيتون حتى الموت على الجلجلة. 
قدّمنا في هذا الإنجيل شروحاً لمقطوعات نجد ما يوازيها عند لوقا. قد يكون هناك بعض الترداد. لا بأس. هكذا لا نجبر على العودة إلى كتاب آخر. ولكن لماذا لا نقابل بين تفسير وتفسير؟ فقد نجد في تفسير مرقس غير ذاك الذي حاولنا أن نقدّمه في إنجيل لوقا. إن ما في الأناجيل هو أوسع من أن يستنفده تفسير أو تفسيران أو عدة تفاسير. نحن فتحنا الطريق وننتظر أن تظهر تفاسير أخرى توصل إلى القارئ العربي غنى كلام الله. وهو لن يصل إليه إلا إذا رافقه التعليم الكنسي الذي يحاول المفسرّون أن يقدمّوه إلى المؤمنين.
هذا كل ما نرجوه من تفسير الإنجيل بحسب مرقس. هو إنجيل يسوع وهو يحاول أن يقودنا إلى يسوع. يا ليت كلماتنا تصمت أمام المعلّم الوحيد فنقول له: تكلّم يا رب فإن عبدك يسمع.

 

 

القسم الأول 
المقَدّمات
يتألّف هذا القسم من ثلاثة فصول:
1- الإنجيل بحسب مرقس.
2- الوجهات التعليمية في الإنجيل الثاني.
3- بين يوحنا ومرقس: تقارب على مستوى البنية والتفاصيل.

 

 

الفصل الأول
الإنجيل بحسب مرقس
يبدأ الإنجيل الثاني بسلسلة من الأخبار القصيرة التي تتحدّث عن نشاط يسوع في الجليل ثمّ في أورشليم. وهو يحاول أن يعلن لنا منذ البداية ما يريد أن يقوله لنا: يسوع هو المسيح وابن الله. هذا ما تعلّمه تلاميذه خلال حياًته معه وبعد قيامته. وهذا ما نتعلّمه نحن حين نقرأ هذا الإنجيل بالروح التي كتب فيها. وهكذا نستطيع أن نهتف مع بطرس: أنت هو المسيح. ومع قائد المئة: في الحقيقة كان هذا الرجل ابن الله.
سوف نتوقّف في هذا الفصل الأول عند جذور الإنجيل بحسب مرقس، عند طريقته الروائية، وأخيراً عند عمله على مستوى الفقاهة (التعليم المسيحي) والكرازة المسيحية.
1- جذور الإنجيل الثاني
يتفق التقليد على نسبة الإنجيل الثاني إلى مرقس، وعلى اكتشاف مذكرات بطرس فيه. والنقل الحديث لا يعارض هذا القول وإن جادل حول دور القديس بطرس في عمل مرقس الذي يدعوه "ابنه" (1 بط 5: 13).
أقدم شهادة نقرأها عن مر، نجدها عند بابياس (بداية القرن الثاني). كان الشيخ يقول: مرقس، ترجمان بطرس، كتب ما تذكره من أقوال الربّ وأعماله. هو لم يتبع الرب ولم يسمعه، بل تبع بطرس. وكان كل همه أن لا يترك شيئاً مما سمعه، ألن لا يقول شيئاً فيه خطأ.
نستنتج من هذا النصّ ثلاثة أمور: كان مرقس ترجمان بطرس. تبع بطرس واستذكر تعاليمه. كان مرقس أميناً. وهكذا، حسب شهادة بابياس، نُسب إنجيل مرقس إلى شخص من الدرجة الثانية، ساعة كان بالامكان أن ينُسب إلى بطرس. هذا يعني أن لا شك في نسبة الإنجيل الثاني إلى مرقس.
تلك شهادة جاءت من آسية الصغرى (تركيا الحالية). وهناك شهادات من مصر (اكلمنضوس الأسكندراني) وإفريقيا الشمالية (ترتليانس) ورومة (يوستينولس وقانون موراتوري): دوّن مرقس إنجيله وارتبط ببطرس. ولكن، إذا عدنا إلى تاريخ الكتابة، فلا نجدها التقاليد اتفاقاً. قال ايريناوس إن مرقس دوّن إنجيله بعد موت بطرس. وقال اكلمنضوس الأسكندراني: خلاله حياة بطرس (إذن، عرف بطرس مسعى مرقس ورافقه في عمله).
هذا ما يقوله التقليد الخارجي (النصوص الآتية من خارج الإنجيل). ما الذي يقوله التقليد الداخلي (من نصوص الإنجيل)؟ لقد دوّن مر قبل سنة 70 بقليل، لأن لا تلميح إلى دمار أورشليم حتى في 13: 10 (ولا بدّ من قبل أن يكرز بالإنجيل في جميع الأمم). أمّا الكاتب فيتحدّث عنه سفر الأعمال (12: 12) ويدعوه يوحنا مرقس. رافق بولس وبرنابا في الرحلة الرسولية الأولى ثم فارقهما (أع 12: 2؛ 13: 5، 13؛ 15: 37- 39). ومرقس هذا كان مع بولس في سجنه (كو 4: 10؛ فلم 24؛ 2 تم 4: 11) كما ذكرته 1 بط 5: 13.
هذه المعطيات هي أكيدة. أما التقليد الذي يقول: إن مرقس بشّر في الاسكندرية، فيورده اسابيوس وايرونيموس. ولكن لا يشير إليه اكلمنضوس واوريجانس (اللذان هما من الأسكندرية). وقال ابيفانيوس إن مرقس كان تلميذ الرب. ولكن بابياس قال عكس ذلك.
وماذا عن المحيط الذي وُلد فيه هذا الإنجيل؟ في رومة كما يقول اكلمنضوس وإيرونيموس واوسابيوس وافرام. في الأسكندرية كما يقوله يوحنا فم الذهب. أمّا النقد الحديث فيشير إلى أنطاكية. مع أن هذا المركز الثقافي قد يمكنه أن يكون مهد الإنجيل الثاني، ولكن يبدو أن رومة هي الموضع الذي دوّن فيه مر. هناك تأثير المحيط الروماني: يفسرّ كلمة يونانية بطريقة رومانية (12: 42؛ رج 15: 16). إن وُجد في مت ولو سبعُ ألفاظ لاتينية، ففي مر نجد ثلاثة أضعاف هذا لعدد (2: 23؛ 5: 23). 
ثم إن مرقس وجّه كتابه إلى مسيحيين من أصل غير يهودي، ويقيمون خارج فلسطين. فهو لا يهتمّ بأن يحدّد موقع الإنجيل من شريعة العهد (الميثاق) الجديد. كما لا نجد عنده إلا إشارتين أو ثلاثاً إلى تتمّة النبوءات (1: 2- 3؛ 14: 49؛ 15: 28). مقابل هذا، يفسرّ العادات اليهودية (7: 3- 4؛ 14: 12؛ 15: 42)، ويترجم الكلمات الآرامية (3: 17؛ 5: 41؛ 7: 11، 34؛ 10: 46؛ 14: 36؛ 15: 22، 34)، ويعطي بعض التحديدات الجغرافية (1: 5، 9؛ 11: 1) ويبرز مدلول الإنجيل بالنسبة إلى الوثنيين (7: 27؛ 10: 12؛ 11: 17؛ 13: 10). كم تختلف نظرة مرقس عن نظرة متى!
ولكن مرقس يلتقي مع متّى في ما يخصّ تأثير الجماعة المسيحية التي ينتمي إليها. فإلىرسة الليتورجية تعطي لوناً أكيداً لأخبار تكثير الأرغفة (6: 41؛ 8: 6 و7: 25- 30؛ 8: 14- 21) والتأسيس الأفخارستي (14: 16- 25). وقد نجد تأثيراً بسيطاً في الكلام عن الصوم (2: 20) ومسحة المرضى (6: 13) والصلاة (9: 29؛ 11: 24- 25).
أمّا الوجهة الابولوجية (الدفاع عن الإيمان) واللاهوتية، فلا نستطيع أن ننسبها إلى وسط فكري معيّن. هناك من تحدّث عن تأثير بولس على مر. ولكن ردّ الشّراح بأننا لا نجد حديثاً عن البرّ والنعمة... ما نستطيع أن نقوله هو أن كرستولوجية مر هي كرستولوجية مؤمن من المؤمنين. وكذا نقول عن مفهوم الخلاص والشمولية. حين رفض يسوع مطلب الامرأة الصوريّة: "أتركي الابناء يشبعون أولاً" (7: 27)، فكلامه بعيد عن بولس.
إذن، دوّن الإنجيل الثاني كاتبٌ قريب من الأحداث التي يوردها. هو لا يرتبط بالمحيط الذي انبثق منه، كما أنه يقدّم للتاريخ عناصر جديدة. كتاب يرتبط بشاهد يروي ما رأى. وبجماعة تنقل ما تؤمن به. إذا كان مت هو الشاهد الشخصي الذي يختفي وراء كنيسته، فمر يدلّنا على حصّة الشاهد وحصّة الجماعة الكنسيّة.
2- مرقس الراوي
حين ننتقل من الإنجيل الأول إلى الإنجيل الثاني، نشبه إنساناً يترك الكنيسة ليذهب إلى الطبيعة. فمرقس راوٍ بارع. يعود إلى مواد (ألفاظ، أسلوب)، سبقت عملة التدويني. إنشاء مر هو رتيب ولكنه يدهشنا. كما أن الأخبار تكثر فيها واو العطف (كاي) أو أدوات مثل "وفي الحال"، "من جديد" (لا نأخذها كإشارات كرونولوجية). وتتكرّر أفعال مثل "صنع، أراد، استطاع". عادة "نبدأ" بالعمل. وترد لفظة "الكثيرين". ولا يمتلك مرقس إلا لفظة واحدة لكي يحدّثنا عن نظرة يسوع الدائرية، سواء كانت نظرة حنان أو نظرة غضب (3: 5، 34؛ 5: 32؛ 10: 23؛ 11: 11). فالسياق يساعدنا على تحديد معنى الكلمة. إن النظر يلج إلى أعماق الإنسان مرتين، ولكن الإختلاف بين الفعلين يبقى طفيفاً (10: 21، 27). 
أدرك مر كيف دعا المعلّم إليه بسلطان. ولكن إذ أراد أن يعبرّ عن هذا النداء، لم يكن لديه إلا فعل واحد، وقد استعمله أيضاً ليقول إن بيلاطس دعا قائد المئة (15: 44). ولكن أما يحمل هذا الفعل معنى لاهوتياً حين يدلّ على تولية الرسل في مهمّتهم بشكل احتفالي (3: 13؛ 6: 7)؟ أو هو يدلّ عل تعليم خاص يعطى للجمع الذي يتميّز عن الفريسيين (7: 14) أو للتلاميذ حين يُفصلون عن الجمع (8: 1)؛ ويعود هذا الفعل أيضاً حين يريد يسوع أن يستخرج درساً من الحديث فيدعو أعداءه (3: 23)، الشعب والتلاميذ (8: 34)، التلاميذ وحدهم (10: 42؛ 12: 43).
ونقول الشيء عينه عن الإشارات المكانية. فالتعليم يتمّ "في البيت" (7: 17؛ 9: 28، 33؛ 210: 15) أو "في الطريق" (8: 27؛ 10: 32). ولكن لا ننسى أن "البيت" هو الكنيسة. والطريق تدلّ على مسيرة على خطى يسوع.
فقر على مستوى الإنشاء والألفاظ، ولكن غنى وأصالة لدى الذي يعرف أن يرى الأشياء بعينيه، بل بقلبه. هناك كلمات "دارجة" استعملها مر وتهرّب منها لو. "الفراش" (2: 11). "القرى" (1: 38). "جميعاً" (14: 31). ونجد أيضاً تنوّع الألفاظ التي تصوّر الواقع الملموس: "إحدى عشرة لفظة للحديث عن البيت وأقسامه. 10 ألفاظ للحديث عن اللباس. 9 ألفاظ للحديث عن الطعام. وهناك الأرقام. ترد 36 مرة. يذكر الأثنا عشر تسع مرّات، و"ثلاثة أيام" مرتين. وهناك عشرة أرقام تتكرّر. وأهتم مر بصيغة التصغير. هناك الفتات وصغار الكلاب (7: 27- 28 وز) والسمكات الصغيرة (8: 7 وز). وهناك أيضاً بنيّة يائيرس (5: 41) كما يناديها والدها في مر 5: 23؛ رج 7: 25. ويتذكر مر القارب الصغير (3: 9)، والنعل الصغير (6: 9) والاذن الصغيرة التي قطعت لعبد رئيس الكهنة (4: 47).
وهناك شيء آخر يميّز مر عن لو: العبارات المرتبطة باللغة الآرامية (3: 17؛ 5: 41؛ 7: 11؛ 7: 34؛ 10: 46؛ 14: 36؛ 15: 34). ولا ننسَ أيضاً الأسلوب الشفهي الذي يجعل كلام مر قريباً من اللغة المحكية، لا اللغة الأدبية.
ويظهر فن الرواية في التكرار، وهكذا يتذكّر القارئ ما قيل. أعلن يسوع للمخلع: غفرت لك خطاياك. وفكر الكتبة في قلوبهم: من يستطيع أن يغفر الخطايا؟ وأخيراً، استعار يسوع العبارة عينها (2: 5، 7، 9، 10). ونجد الأسلوب عينه في 2: 15- 16؛ 6: 31، 32، 35؛ 9: 11، 12؛ 10: 38، 39.
وهناك أسلوب يبرز فيه الراوي الكلمة الهامة في الخبر. "لا أحد يستطيع أن يقيّده حتى بسلسلة" (5: 3). "هذا الذي قطعت رأسه يوحنا، هذا هو الذي قام" (6: 16). وكلمة الأَعمى: "أبصر الناس، أراهم مثل أشجار تمشي" (8: 24). ونجد أيضاً الرسمة السريعة عند مر.
1: 25- 27 4: 39- 41
طرد شيطان تهدئة العاصفة
هددّه يسوع فاستيقظ وهدّد
وقال وقال
أصمت وأخرج منه أصمت إسكت
(نتيجة الأمر: شفاء الممسوس) (نتيجة الأمر: هدوء البحر)
فذهل الجميع فخافوا جداً
حتى تساءلوا في مابينهم وطفقوا يقولون في مابينهم:
ما هذا؟ إذن، من هر هذا؟
ويمكننا أن نقابل بين شفاء الأعمى في بيت صيدا (8: 22- 26) والأصمّ الأبكم (7: 32 36). الكرازة الأولى في كفرناحوم (1: 21- 27) والكرازة في الناصرة (6: 1- 2). الإعداد للفصح (14: 13- 16) والإعداد للدخول إلى أورشليم (11: 1- 6).
3- مرقس والفقاهة المسيحية
ندهش حين نقرأ أخبار مرقس، لا حين نقرأ التعاليم التي يوردها. فهي بعيدة عن مت، وخطبه الخمس الطويلة. لا نجد في حصر المعنى إلا خطبتين لمرقس: خطبة الأمثال (4: 1- 34). والخطبة الاسكاتولوجية (13: 1 ي). هل ألغى مرقس خطبة الجبل (مت 5- 7)؟ هذا ما لم يتفق بعد عليه الشرّاح. أما التوصيات الكنسية والرسولية التي توسّع فيها مت مطولاً، فلم يبقَ منها إلا مقاطع قصيرة: أربع آيات بالنسبة إلى الأولى (6: 8- 9، 10- 11). و 12 إلى 16 آية فيما بعد (9: 33- 37، 42- 43، 47- 50؛ 9: 38- 41) ونقول الشيء عينه عن الجدال حول بعل زبول (3: 23- 30) والتويلات (قال الويل) ضد الكتبة والفريسيين التي تتضمن 3 آيات عند مر، 36 عند مت، 19 عند لو (مر 12: 38- 40).
مع أن مر يجمع أقوالاً متفرقة كما في مت (4: 21-25؛ 7: 6- 23؛ 8: 34- 9: 1)، إلاَّ أنه يختلف عن الإنجيل الأول فلا يهتم إلا قليلاً بخطب يسوع. هو يقول مراراً: "وكان يعلّم". "كان يتكلّم بالكلمة". ولكنه لا يقول ما هو مضمون هذا التعليم. نجد حالة واحدة عند مت (13: 54) في هذا المعنى. أمّا عند مر فمراراً (1: 39؛ 2: 2، 13؛ 4: 1، 2؛ 6: 2، 6؛ 6: 34؛ 10: 1؛ 11: 17؛ 12: 1، 35). في 1: 21 نجد عبارة عامة عن هذا التعليم (دخل المجمع وأخذ يعلّم) وفي الآية التالية (آ 22) نقرأ: "فبهتوا من تعليمه لأنه كان يعلّم كمن له سلطان لا كالكتبة". قد يقابل هاتين الآيتين ما نقرأ قبل عظة الجبل وبعدها (مت 4: 23 و7: 29). وهناك إشارة أخرى. أعلن مرقس عدة أمثال وذكر مثلاً واحداً (4: 2، 10، 13؛ 12: ا). قد يكون عاد إلى تقليد موسّع ولكنه اكتفى بالشيء القليل (13: 33، 35؛ مت 25: 13، 14، 19: الترتيب عينه).
إن لم نجد خطباً في مر، فهل تحلّ الأخبار محل الخطب فتقدم لنا تعليماً؟ قد يكون الأمر هكذا. ولكن لنتوقّف أولاً عند هذه الأخبار.
هناك أخبار قصيرة جداً مثل تجربة يسوع (1: 12- 13)، نداء التلاميذ الأولين (1: 16- 20)، الجدالات الأربعة الأخيرة في الجليل (2: 13- 3: 5). من جهة أخرى، هناك خمسة أخبار واسعة جداً: شفاء المخلّع (2: 1- 12). مجنون الجراسيين (5: 1- 17). شفاء ابنة يائيرس (5: 21- 43). استشهاد يوحنا المعمدان (16: 17- 29). طرد الروح النجس من الولد المصروع (9: 14- 29).
غير أن هذه الأخبار تمتلك سمات تجعلها قريبةً جداً من الواقع. فخبر تهدئة العاصفة في مر يزيد 3 أيات على خبر مت. وكذا نقول عن تكثير الأرغفة.
قيل أن مرقس يلخّص مت ولو. كلا. بل هو المعلّم الذي يتوقّف عند الشيء المهمّ ويجعله يدخل في ذهن القارئ. هناك إشارات جغرافية أو تفسير كلمات تتوجّه مباشرة إلى القارئ. ما يهمّ مرقس في النهاية، هو أن يحمل الخبر السعيد إلى مؤمني رومة وهو لا يحتاج من أجل ذلك إلى كلمات عديدة. هو يحتاج أن يجعل القارئ يرى في يسوع الناصري ابن الله، ذاك الذي جاء يخلّصنا.
خاتمة
يبقى مرقس بالنسبة إلينا أول مثل عن هذا الفنّ الأدبي الذي اسمه "انجيل". فتعاليم يسوع وأمثاله والجدالات وطرد الشياطين، كل هذا وضعه مرقس في هذا الخبر السعيد ووجّهه إلى كنائس انتشرت خارج فلسطين وعرفت ثقافة غريبة، قد تخسرها الإتصال بجذور الإنجيل. طرح علينا السؤال الأساسي: من هو هذا الرجل؟ وقدّم جواب المؤمنين الأولين الذين كانوا أول الشهود. يسوع هو المسيح وابن الله. ولكن من اكتفى بترداد هذا الجواب، يطرح عليه مرقس السؤال من جديد ويذكّره أن الإيمان يُختبرَ في الالتزام بدون مساومة على خطى يسوع الذي ما زال يحدّثنا في إنجيله وهو الحاضر دوماً وسط البشر.

 

 

الفصل الثاني
الوجهات التعليمية في الإنجيل الثاني
سبق ودرسنا وجهات من إنجيل مرقس، وقد ألمحنا في ما سبق إلى فكره اللاهوتي. أما في هذا الفصل فنتوقف عند الوجهات التعليمية التي فيه. وندرس أولاً علاقة مرقس بالإنجيل، وثانياً، علاقة مرقس بتعليم يسوع. ونتوقّف في القسم الثالث عند تعليمه للرسل حول الآلام والقيامة. 
1- مرقس والإنجيل
ندرس هنا كلمتين: أنجل، إنجيل (أونجليون)، كرز، كرازة (كروساين). ونبدأ بالكلمة الأولى.
أ- الإنجيل
أولاً: استعمال الكلمة
إنّ استعمال مرقس للفظة "إنجيل" يدلّ على فكرة مبتكرة لديه. فقد كتب في بداية إنجيله: "بداية إنجيل يسوع. المسيح". ثم قدّم لنا يسوع وهو "يعلن إنجيل الله". وقال: "آمنوا بالإنجيل" (1: 14- 15). وسيقول فيما بعد: "من يخسر حياًته من أجلي ومن أجل الإنجيل يخلّصها" (8: 35). ثم: "ما من أحد ترك بيوتاً، اخوة، أخوات، أماً، أباً، أولاداً أو حقولاً من أجلي ومن أجل الإنجيل إلاّ ونال مئة ضعف" (10: 29). وفي قلب "الخطبة الاسكاتولوجية" التي تعلن الإضطهادات للتلاميذ، أكّد يسوع: "يجب أولاً أن يُعلن الإنجيل على جميع الشعوب" (13: 10). وأخيراً، في حديث عن المرأة التي أفاضت على رأسه نارديناً ثميناً أعلن: "حيث يُعلن الإنجيل في العالم كله، يُخبر أيضاً بما فعلت، تذكاراً لها" (14: 9).
لا ترد كلمة "إنجيل" عند لو. أما في أع 15: 7 فنقرأ "كلمة الإنجيل"، وفي 20: 24: "إنجيل نعمة الله". وهكذا لا نجد لفظة "إنجيل" في المعنى المطلق في مؤلف لوقا. كما لا نجدها عند مت. بل نقرأ: "إنجيل الملكوت" أو "هذا الإنجيل" (4: 23؛ 9: 35؛ 24: 14؛ 26: 13. المقطعان الأخيران يوازيان مر). تعود اللفظة مراراً وكأنها لا تحتاج إلى تحديد ما عدا في 1: 1 (إنجيل يسوع المسيح) وفي 1: 14 (إنجيل الله). بهذا يتميّز مر عن سائر الأناجيل. وبهذا بدا الإبتكار عند الإنجيلي الثاني.
لم يستقِ مر هذه اللفظة من مرجع سابق في 1: 1. وفي 8: 35 و 10: 29، كل شيء يدلّ على عمله التدويني. فقد زاد "من أجل الإنجيل" على عبارة "من أجلي". لقد غابت هذه الإضافة من مت ولو. إكتفيا فقط بعبارة "من أجلي" بالنسبة إلى 8: 35 (مت 16: 25= لو 9: 24). أما بالنسبة إلى القول الثاني فقال مت 19: 29: "من أجل اسمي". وقالت لو 18: 29: "من أجل ملكوت الله". وهكذا نكون أمام أمر خاص بمرقس.
في 13: 10 يبدو ذكر الإنجيل الذي يُعلن على جميع الأمم بشكل معترضة تتحدّث عن الإضطهاد المعلن للتلاميذ. وكنا قد قرأناها آ 9: "تمثلون أمام الولاة والملوك من أجلي" ومن الواضح أنّ مر أقحم المعترضة وقدّم تفسيراً جديداً لعبارة "من أجلي". فقال: "من أجل الإنجيل". أخيراً، إن 14: 9 شبيه بما في 13: 10. وقد زيد على خبر المسح بالطيب في بيت عنيا فكرة قد تكون جانبيّة. أما يكون مر قد أضافها؟
نعود إلى "إنجيل الله" الذي أعلنه يسوع في الجليل (1: 14): يبدو أنه يجب أن ننسب العبارة أيضاً إلى مر. وقد نستطيع العودة إلى ملخّص سابق يقول: "تمّ الزمان. إقترب ملكوت الله. توبوا وآمنوا بالإنجيل" (1: 15). قد نكون هنا أمام فقاهة قصيرة. لا نعجب إن وجدنا هذه العبارة في قلم مر. وإن جاءت من محيطه فقد تبنّاها.
ثانياً- معنى هذه الكلمة
إذن، شدّد مر على هذه الكلمة. لماذا؟ ما هو معناها؟ نبدأ في النهاية.
* الإنجيل في العالم كله
حسب 13: 10 و14: 9، يجب أن يُعلن الإنجيل في العالم كله. لا شكّ في أن مر تطلّع إلى مهمّة الكنيسة كما بدت في أيامه. فكرازة الإنجيل تتضمّن تذكّر واقع محدّد مثل المسح بالطيب في بيت عنيا (14: 9). وذلك بالنظر إلى دفن يسوع، بالنظر إلى سرّ المسيح المائت والقائم من الموت، الذي أعطاه مر أهميّة كبرى خصوصاً منذ 8: 31.
ويتبع هذه الكرازةَ بالنسبة إلى المرسلين، الإضطهادات (13: 10) التي تجد ذروتها في "الشهادة" التي يؤدّونها أمام الولاة والملوك. وهذه الشهادة ليست شهادة الأقوال البشرية: "لستم أنتم المتكلّمين، لكن روح أبيكم هو المتكلّم فيكم" (آ 11). إذا كان الله قد وعد المرسلين المضطهدين بقوّته، فيجب أن نستنتج (حسب مر) أن الله يعمل الآن في كرازة الإنجيل التي تقود إلى الإضطهاد.
* من أجل المسيح
حين يُضطهد هؤلاء لأنهم أعلنوا الإنجيل، فهم يُضطهدون من أجل المسيح (13: 9- 10). التضحية حتى بالحياة من أجل الإنجيل، هي التضحية من أجل المسيح (8: 35؛ 10: 29). والتوازي بين عبارة "من أجلي" وعبارة "من أجل الإنجيل" يدهشنا. نلاحظ أولاً أن "الإنجيل" يدلّ هنا على دينامية عمل يجب أن نكرّس نفوسنا له. لسنا فقط أمام خسران الحياة بسبب الإيمان بالإنجيل أو بالتعليم الذي تسلّمناه، بل من أجل الإنجيل الذي نعلنه بدورنا.
هذا ما يبيّنه سياق 8: 35: "إن استحى أحد بي وبكلماتي في هذا الجيل الفاسق الخاطئ" (آ 38). وسياق 10: 29 هو أيضاً أكثر وضوحاً. فالذين (حسب بطرس) قد تركوا كل شيء ليتبعوا المسيح هم أولئك الذين اختارهم (رج 3: 14- 15) لكي يكونوا معه ولكي يشركهم في عمله (1: 14، 38- 39). وحين يعد الذين تركوا كل شيء "من أجلي ومن أجل الإنجيل"، نتطلّع إلى تجرّد قبلوا به ليجعلوا نفوسهم لا خدمة الإنجيل ويعلنوه. إذن، لا يكفي أن نقول إن المسيح هو موضوع الإنجيل. فنحن ندرك العلاقة بين الواحد والآخر، ندركها في الحياة والعمل: إن عمل المسيح يتواصل اليوم في عمل تلاميذه. ومن صار مرسلاً، جعل نفسه في خطى المسيح، جعل عمل المسيح عمله، وطريق المسيح طريقه مع ما فيها من تهديد حتى خسارة النفس. ونستطيع القول إن الإنجيل المعلن الآن هو المسيح نفسه الحاضر حضوراً ديناميكياً متواصلاً. وهذه هي الوسيلة من أجل التلميذ ليكون مع المسيح، ليقاسمه مصيره، ليعمل معه.
ثالثاً: لغة المرسلين
لهذا استعمل مر لغة المرسلين في الكنيسة، لكي يتحدّث عن نشاط يسوع في الجليل: إن يسوع "أعلن إنجيل الله" وطلب الإيمان مع التوبة فقال: "آمنوا بالإنجيل" (1: 14- 15). في هذه الحالة الأخيرة، تدلّ اللفظة على تعليم أو بالأحرى على موضوع هذا التعليم: تمّ الزمان. هي ساعة تدخّل الله الحاسم. تمزّقت (إنشقّت) السماوات، وأرسل الله ابنه، وبدأت الحرب الأخيرة ضدّ إبليس (1: 10- 13).
وبعد وقت قليل، سوف نرى علامات تدلّ على أعمال الله وانتصاره، على أعمال قدرة يتمّها يسوع. والإيمان بالإنجيل يعني أن نتقبّل (بعد أن نتعرّف إليه) الله الذي يتدخّل لكي يُقيم ملكوته. وهو "إنجيل الله". لا لأن البشارة تأتي منه وحسب، بل لأنه يحرّك الحدث الاسكاتولوجي الذي يقابل إعلان الإنجيل. بدأه يسوع وهو يتواصل ويبقى العلامة التي بها عرف مر عمل الله في زمانه. لهذا، ما إن قدّم لنا شخص يسوع (1: 14- 15) حتى أسرع فروى لنا نداء التلاميذ الأربعة (آ 16- 20) الذين بهم سيتواصل العمل (3: 13- 14؛ 6: 7).
رابعاً: بدء إنجيل يسوع
والآن نعود إلى أولى كلمات الإنجيل: "بدء إنجيل يسوع". حين يتحدّث مر عن رسالة يوحنا يرى فيها "بدء إنجيل يسوع المسيح". كيف يمكن أن يكون هذا، إن كان يحتفظ للمسيح بالإعلان الأول لإنجيل الله (1: 14)؟ كل شيء يتوضّح إذا فهمنا أن الإنجيل هو حدث قبل أن يكون تعليماً.
لا يهتمّ مر بيوحنا المعمدان إلاّ من وجهتين: عبره يحقّق الله مواعيده (آ 2- 3). ثم إن تعليم يوحنا يعني يسوع الذي هو أقوى منه (بقدرة الله)، الذي يعمّد بالروح القدس (آ 6- 8). وهكذا تكون رسالة يوحنا جزءاً من الحدث الاسكاتولوجي الذي يتثبّت بواسطة إعلان يسوع في الجليل والتلاميذ عبر العالم. عاد مر من زمنه إلى بداية هذا الخبر حيث يتدخّل الله لكي يقيم ملكه. وقبل أن يظهر يسوع، كان إنجيل يسوع المسيح قد ظهر، لا لأن يوحنا كان قد أعلنه، بل لأن زمن الخلاص تدشّن بكرازته.
ب- الكرازة
أولاً: الكلمة في إنجيل مرقس
إن هذه الملاحظات عن "الإنجيل" كما في مر، تحتاج أن نكمّلها بدرس لفظة "كاروساين" (كرز، أعلن) التي تعني الإنجيل ثلاث مرات (1: 14؛ 13: 10؛ 14: 9)، وتعرف استعمالات أخرى في تسع حالاًت. نحن في أكثر الأحياًن أمام آيات دوّنتها يد مرقس.
مرتين "أعلن" يوحنا المعمدان إمّا معمودية التوبة (1: 4)، وإمّا مجيء "الأقوى"، أي المسيح (1: 7). فبحسب موقع الفعل في الجملة، يبدو أن هذا "الإعلان" يشكّل في ذاته الحدث الذي به يبدأ الله بتحقيق النبوءات (1: 1- 3). ثم يأتي "إعلان" إنجيل الله بواسطة يسوع في الجليل (1: 14)، الذي يدلّ على بداية "الزمان" (كايروس).
ويرد فعل "أعلن" مرتين من دون مفعول به. فيدله على أول نشاط يسوع الذي "خرج" لأجل ذلك (1: 38- 39). وبعد هذا، أسّس يسوع الإثني عشر لكي "يكرزوا" بدورهم (3: 14). وفي الواقع، "كرز" المرسلون ونادوا بالتوبة (6: 12). نستطيع أن نلاحظ وحدة هذه النصوص كلها. أعلن (كرز)، أعلن الإنجيل، أعلن التوبة الضرورية، كل هذا يميّز زمن الخلاص، ويدلّ على تدخّل الله في وسطنا، من يوحنا المعمدان حتى الآن.
وهناك ثلاث حالاًت لا تشير من قريب إلى النشاط الرسولي: حين يتحدّث مر عن شفاء الأبرص الذي رغم توصية يسوع "طفق يعلن أشياء كثيرة" (1: 45). أو عن متشيطن الجراسيين "الذي أخذ يعلن في الدكابوليس (المدن العشر) كل ما صنعه يسوع له" (5: 20). أو عن شهود معجزة كانوا "يعلنون" رغم أن يسوع طلب منهم الصمت (7: 36). ولكن في هذه الحالاًت أيضاً، نحن أمام إعلان تدخّلات الله في وسطنا بواسطة وقائع محدّدة (رج 2: 12؛ 5: 19؛ 7: 37). وحين يتكلّم مر عن الذين نعموا بالمعجزات أو شاهدوها، فهو يفكّر أيضاً بواجب الكنيسة "الرسولي". ففي مقطع تدويني، يرينا يسوع وهو يدعو الذين أرادهم وجعلهم إثني عشر "لكي يكونوا معه، ولكي يرسلهم للكرازة" (3: 14). كيف لا نتذكّر ذلك حين نرى ابن جراسة الذي شُفي، يتوسّل إلى يسوع "لكي يكون معه". أما يسوع فكلّفه بأن يذهب إلى بيته وإلى أهله ليخبرهم (ليعلن لهم، ليكرز) بما صنعه الرب له (5: 18- 19).
ثانياً: خلاصة
يهتم مر بقيمة يراها حاضرة، بإنجيل يسوع المسيح الذي أرسلت الكنيسة لكي تعلنه في العالم كله. وحين كان يدوّن إنجيله، ففعل "أعلن، كرز" والاسم "إنجيل" كانا قد صارا معروفين في اللغة المسيحية، وارتبط الواحد بالآخر. ونحن نستطيع أن ننسب إلى بولس اختيار كلمة "إنجيل" ونشرها في العالم المسيحي، لكي تدلّ على كرازة ناشطة، على تعليم أساسي تحمله الكنيسة.
إنطلق مر من هذه اللفظة التي تسلّمها من محيطه، أو بالأحرى من العمل الذي تتضمّنه هذه اللفظة، فعاد إلى الأصول، إلى أبعد من كرازة الرسل الفصحية. عاد إلى رسالة يسوع والتهيئة لها في مهمّة يوحنا المعمدان. حينئذ بدأ الله يتدخّل في هذا العالم بشكل حاسم. ومهمّة الكنيسة تتابع مهمة يسوع وتدلّ اليوم على عمل الله في وسطنا.
بهذه الروح استعمل مر التقاليد الشفهية والمراجع المكتوبة التي وصلت إليه، والتي تدلّ في نظره على الصراع الاسكاتولوجي الذي قامت به قدرة الله لإقامة الملكوت. وهكذا صارت أحداث حياة يسوع على الأرض "إنجيل": هنا يفترق مر عن بولس الذي تطلّع بشكل خاص إلى آلام المسيح وقيامته.
نحن لا نقول إنه تصوّر كتابه بشكل كرازة أو كعرض لما تعلنه الكنيسة. إن عبارة "بدء الإنجيل" التي نجدها في 1: 1 لا تشكّل فقط عنوان الكتاب أو مادته. إنه يفكّر أيضاً في خبر يفسرّ الحاضر، خبر تدخّل الله الاسكاتولوجي في هذا العالم. أو خبر تجليّ المسيح حيث يكشف عن نفسه ويكشف عمّا يتمّه الله به في وسطنا. هذا الخبر يحدد كخبر سارّ ليسوع المسيح ابن الله.
2- مرقس وتعليم يسوع
في الغة مر يتميّز فعل "علّم" (ديدسكاين) تميّزاً واضحاً عن فعل "أعلن". فالتعليم يتبع الإعلان ويمتدّ بعده. وبعد أن لخّص مر في ألفاظ قاطعة الإنجيل الذي أعلنه يسوع (1: 14)، أرانا إياه في كفرناحوم: "دخل يوم السبت إلى المجمع، وكان يعلّم" (1: 21). إن مر لا يمزج بين الفعلين، ولا يجعل أبداً "أعلن" بعد "علّم" (رج مت 4: 23؛ 9: 35). 
مرات عديدة نرى يسوع يعلّم دون أن نعرف موضوع تعليمه (1: 21- 22؛ 2: 13؛ 6: 2، 6 ب، 34؛ 10: 1؛ 11: 18؛ 14: 49). لا يُحدّد هذا التعليم إلا بالنسبة إلى الأمثال في ف 4 (آ 1- 2)، وإلى الأنباء بالآلام والقيامة (8: 31؛ 9: 31)، والى بعض كلمات وردت هنا أو هناك (11: 17؛ 12: 35، 38؛ رج 12: 14: طريق الله). ويُذكر مرة واحدة تعليمُ الرسل (6: 35).
ليست المشكلة أن نحدّد الوضع الخاص الذي فيه أدخل مر فعل "ديدسكاين" أو الإسم "ديداخي". فقد تسلّمهما مراراً من مراجعه أو من التقليد (11: 27؛ 12: 14، 35، 38). كما تسلّم من التقليد أيضاً لقب "رابي" أو "ديدسكالوس" (معلّم) وطبّقه على يسوع. غير أننا نتوقّف عند ما يميّز تعليم يسوع في إنجيل مرقس.
أ- التعليم عمل قدرة
قيل وكُرّر أن مر لا يهتمّ كثيراً بتعليم يسوع. إنه يتميّز في هذا المجال عن مت. لا شكّ في أن مر لم يجهل تقليد أقوال يسوع. ولكن كيف نوفّق هذه المعرفة مع واقع يرينا أنه يهمل أن يستقي من هذا التعليم على قدر إشاراته إلى هذا التعليم (كان يعلّم. ولكن، ماذا كان يقول؟)؟ هل فرضت عليه مراجعُه التصميم؟ أو بالأحرى، إن فعل التعليم نفسه يرتدي في نظره أهمّية كبرى، وذلك بمعزل عن التعليم المعطى.
بعد إجمالة 1: 14- 15 ودعوة الرسل الأربعة (آ 16- 25)، نشهد مع مر يوماً رسولياً ليسوع: نراه يعلّم في هيكل كفرناحوم (آ 21- 28). ويلاحظ مر: "كانوا متعجّبين من تعليمه. فقد كان يعلّمهم كمن له سلطان، لا كالكتبة" (1: 22). ويلي هذا شفاء الممسوس (فيه شيطان) (آ 23- 26). ويستخلص مر: "كانوا كلهم متحيّرين بحيث تساءلوا قائلين: ما هذا؟ تعليم جديد مع سلطان! يأمر الأرواح النجسة فتطيعه" (آ 27).
لقد تحيرّ الحاضرون وخافوا بسبب قدرة الله التي تجلّت في المعجزة. ولكن لماذا بدأوا وتساءلوا عن تعليم جديد يُعطى بسلطان (اكسوسيا)، مع أن الإنجيلي لم يتحدّث عن هذا التعليم منذ آ 22؟ قدّم لوقا المتتالية عينها، ولكن دهشة الحاضرين تشير فقط إلى المعجزة: "ما هذه الكلمة"؟ أي الكلمة التي بها طرد يسوع الشيطان. أو حسب المعنى السامي لكلمة "لوغوس" (دبار): "ما هذا الشيء"؟ مهما يكن من أمر، فما يلي يبدأ مع "هوتي" ويبدو واضحاً: أصل دهشتهم هو أن يسوع "أمر بسلطان وقدرة على الأرواح النجسة فخرجوا" (لو 4: 36). أما مت فلا يورد المعجزة ولا دهشة الحاضرين، ولكنه يُتبع عظةَ الجبل بملاحظة توازي توازياً تاماً ما قرأنا في مر 1: 22: "كانت الجموع مندهشة من تعليمه: كان يعلّمها كمن له سلطان، لا ككتبتهم" (مت 7: 28- 29).
من الواضح أن مت ولو يميّزان تمييزاً واضحاً بين تعليم يسوع ومعجزاته. أما مر فيربط الإثنين في تجل واحد لقدرة الله. في نظر مت، يدلّ يسوع على سلطانه بتعليمه (رج مت 5: 21- 48). أما مر فلا يهتمّ إلا بهذا الظهور مهما كان التعليم المعروض هنا. فكأني بالكلمة التي تعلّم وبالكلمة التي تطرد الشياطين قد صارتا كلمة واحدة، صارتا تعبيراً عن ذات القدرة الإلهية الواحدة. لهذا نفهم لفظة "اكسوسيا" بمعنى السلطان الإلهي كما في 3: 15 و6: 7 حيث نحن أمام سلطان يسلّم للإثني عشر لكي يطردوا الشياطين (رج 2: 10؛ 11: 28، 33. في 13: 34، هناك خيرات يتصرف بها الخدم).
يمتلك يسوع هذا السلطان حين يعلّم: ظلّ السامعون مدهوشين حسب 1: 22؛ 6: 2؛ 9: 18. وسيكونون كذلك أمام المعجزات حسب 7: 37 (رج 6: 2). إن تعليم يسوع هو عمل قدرة الله. فالله يفعل في وسطنا، بهذه الكلمة (كلمة يسوع) التي تعلّم والتي تطرد الشياطين وتشفي.
وهذا العمل يجب أن يتواصل في الكنيسة. وهذا ما نراه بوضوح من خلال إعلان الإنجيل. غير أن مر لا ينسى أن يبيّن كيف ضمّ يسوع الإثني عشر إلى رسالته التعليميّة. فقد سبق إرسالهم مع سلطان على الأرواح النجسة، هذه الكلمات: "وكان يجول في المدن المجاورة وهو يعلّم" (6: 6). وحين عادوا "أخبروه بكل ما فعلوا وبما علّموا" (6: 39). هذا يدلّ على أنهم دُعوا ليعلّموا ويطردوا الشياطين على خطى المعلّم ومثاله. ويجب أن نرى في نشاطهم (كما يقول مر) قدرة الله الفاعلة. أجل، إن اهتمام مر كبير برسالة التعليم في الكنيسة.
ب- التعليم في الأمثال
ويحدّد مر للمرة الأولى في ف 4 موضوع تعليم يسوع، فيورد بعض الأمثال. فصل مؤلّف من عناصر متنوّعة، وقد عاد مر إلى المراجع لكي يدوّنه بطريقته، مع التشديد على السرّ المسيحاني.
أولاً: الزرع والسراج
لا نتوقّف أولاً عند 4: 10- 13 الذي قيل بأنه يعبّر عن فكر مر. بل نلاحظ انتباهه إلى الواقع الذي تعيشه كنيسته حين يقدّم تفسير المثل (آ 14- 20). فعلى الحالاًت الأربع المعدّدة، لا يفسرّ مصير الحَبّ مع بعض التفاصيل إلا في حالتين: وضع الأرض الحجرة: يطبّق على أناس يقعون في أولا تجربة أو اضطهاد من أجل الكلمة. ثم وضع الأرض التي يملأها الشوك: يطبّق على الذين يتركون هموم العالم وغرور الغنى وسائر الشهوات تحنق الكلمة (آ 17، 19).
كيف لا نقرّب هذين التنبيهين من نصّين دلّ فيهما مر على اهتمامه بالإنجيل. الأول (8: 34- 38): من الأفضل أن نخسر حياًتنا من أجل المسيح ومن أجل الإنجيل، لا أن نستحي به وبكلامه أمام البشر. الثاني (10: 23- 30): يندّد يسوع بخطر الغنى ويعد بخيرات كثيرة (مع الإضطهادات) لمن يترك كل شيء من أجل المسيح ومن أجل الإنجيل. إن كل أقوال يسوع هذه يراها مر مصوّرة أمامه في خبرة الكنيسة (لا ننسَ أننا في رومة في السنوات 65- 70). وهكذا نقرّب بين "الكلمة" التي يتحدّث عنها المثل، و"الإنجيل" الذي ما زالت الكنيسة تعلنه.
ويتبع تفسيرَ المثل حالاً قولٌ عن السراج الذي "يأتي" (المجيء) لا ليوضع تحت المكيال أو تحت السرير، بل على المنارة. "لا خفيّ إلا سيظهر، ولا مكتوم إلا ويعلن" (آ 21- 22). هنا نفكّر في كلام تكرّر: يجب أن يُعلن الإنجيل لجميع الأمم. وتحدّث النصّ بشكل غريب عن سراج "يأتي، يجيء"، مع العلم أن الأشكال الثلاثة الأخرى لهذا القول تتحدّث عن شخص يأتي بالسراج ويجعله على المنارة (مت 5: 15؛ لو 8: 16؛ 11: 33). لقد جعل مر من السراج شخصاً حياً، ولجأ إلى الفعل الذي يدلّ عادة على مجيء المسيح في وسطنا.
إذن، نجد هنا اهتمام مر بشخص يسوع، وبالعلاقة الحميمة بين المسيح والإنجيل. حينئذ نفهم التنبيه الذي يلي: "تبصروا (إنتبهوا) فيما تسمعون" (آ 24). أراد لو 8: 8 أن يصحّح هذه العبارة بعد أن شدّد مراراً على استعدادات السامعين تجاه كلمة الله، فكتب: "إنتبهوا إلى الطريقة التي بها تسمعون". ولكن، في نظر مر، إذا كان من الأهمية بمكان أن تُقبل البذرة في أرض طيبة، فذلك من أجلها ومن أجل ما ينكشف فيها. ماذا يعني ذلك؟
ثانياً: لماذا الأمثال
قال يسوع: "لكم أعطي سرّ ملكوت الله. أما لأولئك، للذين من الخارج، فيحصل لهم كل شيء بأمثال" (4: 11). هذه الكلمة هي جواب يسوع إلى "الذين يحيطون به مع الإثني عشر" والذين يسألونه عن "الأمثال". ويتبعها إيراد أش 6: 9- 10 الذي يبدأ بـ "هيناً" (لكي): "لكي ينظروا نظراً ولا يروا، ويسمعوا سمعاً ولا يفهموا، لئلا يتوبوا فيُغفر لهم". ثم وبّخهم يسوع لأنه لم يفهموا "هذا المثل".
إن آ 10- 13 تقطع الإطار الجغرافي لتعليم يُعطى للجميع على البحيرة، وتبدأ سؤالاً وجواباً عامين يتجاوزان وضع مثل الزارع الذي ضرب وسوف يفسرّ. لا شكّ في أننا أمام تجميع تدويني يعود إلى مراجع سبقت مر. فنصّ أشعيا معروض في التقليد الأولاني، وهو يرد هنا بشكل قريب من الترجوم الفلسطيني. ثم يشك الشّراح في أدن مر استنبط بنفسه هذه العبارة: "لكم أعطي سرّ ملكوت الله". غير أننا أمام نصّ يدخل في نظرة مر.
* سرّ ملكوت الله
في نظر مر، سرّ ملكوت الله هو في النهاية سرّ المسيح. لقد صار ملكوت الله قريباً حسب 1: 15، لأن يسوع، ابن الله، قد بدأ حربه ضدّ إبليس (1: 10- 13)، ولأنه بأعماله القديرة (بما فيها تعليمه)، جعل الله نفسه يعمل في العالم (1: 21 ي). وسيدلّ الكتاب كله على هوية يسوع فيشير إلى العمل الذي يتمّ به والذي يشرك فيه تلاميذه. هكذا يستنير "سرّ ملكوت الله" (صيغة المفرد). أما مت ولو فتحدّثا عن "أسرار" (ملكوت الله) (صيغة الجمع)، وكأنها مضمون متنوعّ لتعليم له وجوه متعدّدة. قد يكون مر صحّح النصّ أو أخذه من بولس أو من مرجع آخر. فهو يريد أن يحدّثنا عن سرّ ظلّ خفياً حتى ذلك الوقت، ثم ظهر حين تمّ الزمان. وإن هو جمع الأمثال، فهو لم يجمعها كعيّنات من تعليم يسوع (تدلّ على الموضوع، على الطريقة)، بل لأنها تدلّ على عمل الله الحاضر فينا منذ ظهر المسيح في العالم.
* سرّ خفي
هذا السرّ الذي أعطي "للذين أحاطوا بيسوع مع الإثني عشر" يبقى خفياً "للذين من الخارج". مهما كان المرجع الذي جاءت منه هاتان العبارتان، يجب أن نتأمّل في بُعدهما الجماعي: نحن أمام (في الرسائل البولسية) الذين ظلّوا خارج الكنيسة (1 تس 4: 12؛ 1 كور 5: 12؛ كو 4: 5؛ 1 تم 3: 7). أما "الذين يحيطون بيسوع مع الإثني عشر"، فهم جماعة المؤمنين الملتئمين حول الرسل.
ونجد صورة عن هذا التعارض بين الفئتين في السياق السابق. فخلال الفصول الثلاثة الأولى من مر، برز التعارض بين قبول ابن الإنسان ورفضه (2: 1- 3: 6)، بين التلاميذ (وخصوصاً الإثني عشر) (3: 13) والذين يتهمون يسوع بأن فيه شيطاناً أو بأنه أضاع رشده (3: 21- 30)، بين عائلته الحقيقية والذين يستبعدون نفوسهم من هذه العائلة (3: 32- 35). ويستطيع مر أن يلاحظ في أيامه فشل الإنجيل، والمقاومة التي تصل إلى اضطهاد التلاميذ. وهكذا تتواصل في الكنيسة دراما يسوع الذي يتجاهله الناس ويعارضونه ويفترون عليه. سرّه يبقى خفياً على "الذين من الخارج". 
* الهدف الأخير للأمثال
ولكن حسب مر، لا تتوخّى الأمثال أن يبقى هذا السرّ خفياً، فينظر الناس نظراً ولا يرون. فالمعنى الأخير والذي لا شكّ فيه للأداة "هيناً"، لا يجب أن ينسينا السياق. بما إن هذه الأداة هي تدوينية (أي: دوّنها مر)، فيجب أن نفهمها على هذا المستوى. نحن أمام شرح لاهوتي يلجأ إلى أشعيا، لا أمام شرح سيكولوجي لفشل الأناجيل. وهذه الغائية الكتابية لا تعتبر أنها تعتر عن نيّة يسوع حين علّم بالأمثال وترك جانباً حرّية السامعين الشخصيّة. لا ينتزع مر شيئاً من تفسير مثل الزارع، الذي يرى في استعدادات كل إنسان أسباب فشل "الكلمة" أو نجاحها. كما لا ينتزع شيئاً من التنبيه الخطير الذي يلي: "إنتبهوا لما تسمعون. فبالكيل الذي تكيلون به يكال لكم". هذا من جهة.
ومن جهة ثانية، لا ينسب مر إلى يسوع تفسيراً "باطنياً" (محفوظاً لقلّة ضئيلة). لقد دلّنا على انقسام بين التلاميذ والذين من الخارج على أساس النظر إلى أعماله يسوع وتعاليمه. وهذا الإنقسام لا يقلّل من ملحاحيّة الكرازة. فالزارع يزرع رغم مظاهر الفشل. والسراج "جاء" لكي يُوضع على المنارة، "لأن لا خفيّ إلا سيظهر". ويجب أن يُعلن الإنجيل.
* علاقة آ 11- 12 مع آ 33- 34
إذن، لسنا أمام دمج بين آ 11- 12 والخاتمة في آ 33- 34: "وبكثير من مثل هذه الأمثال كان يلقي عليهم الكلمة، على قدر ما كان لا وسعهم أن يفهموا. ولم يكن يكلّمهم بغير مثل؛ إلا أنه لا الخلوة كان يفسرّ لتلاميذه الأخصّاء كل شيء".
هناك شرّاح يجعلون تعارضاً بين آ 33 وآ 34. يقولون: تعبّر الأولى عن الهدف التربويّ في الأمثال. وتتحدّث الثانية عن تعليم خاص ومحفوظ للتلاميذ. كلا. فالتمييز بين هذين التعليمين عند يسوع (كما في آ 11- 12) لا يدلّ على أن يسوع (في مر) يخفي سرّه على العدد الكبير من الناس.
ولكن إذا كانت آ 11- 12، 33- 34 لا تتضارب، فهي لا تتكرّر أيضاً. أولاً، نحن أمام الفئات ذاتها من السامعين. فالتعارض هو بين التلاميذ و"هم" أي الجمع (في آ 33- 34). فهل يخفي تعارضاً بين الذين يحيطون بيسوع مع الإثني عشر والذين من الخارج (آ 15- 12)؟ هذا هو السؤال الذي نطرحه على نفوسنا. فإذا كنا رأينا في الفصول الثلاثة الأولى الخصوم يعلنون عن ذواتهم، فلا ننسَ أن الجمع ظلّ كتلة لا إسم لها، ولكن كتلة متعاطفة مع يسوع إلى أن يتلاعب بها "عظماء الكهنة" خلال المحاكمة أمام بيلاطس (15: 11). هذا من جهة.
ومن جهة ثانية، إن عطيّة سرّ ملكوت الله حسب آ 11 لا تتماهى مع تعليم خاص يقدّمه يسوع للتلاميذ حسب آ 34، ولا مع موهبة فهم الأمثال لأنّ التلاميذ لم يفهموا وقد وبّخهم يسوع من أجل ذلك في آ 13 و 7: 17- 18 (أما الخصوم فيفهمون، 12: 12). ولكن لأن سرّ الملكوت أعطي لهم (هذا لا يعني أنهم فهموا تعليم يسوع)، فقد تقبّلوا تعليماً خاصاً. وحين انفصلوا عن الجمع وأحاطوا بيسوع "مع الإثني عشر" أعطي لهم سرّ ملكوت الله.
وفي نهاية ف 4 هذا، نتساءل عن الجديد الذي أدخله الإنجيل الثاني. لسنا أمام موضوع تعليم جديد: فالزرع الذي يثمر، والسراج الذي يأتي لينير، والبذار الذي ينبت وحده، وحبّة الخردل، كل هذه الصور تعود إلى عمل الله الذي دشّنته بيننا أعمال قدرة يسوع (ف 1- 3). ولسنا أمام طريقة جديدة في التعليم، وكأن يسوع لجأ إلى لغة الرموز (3: 23). لسنا أمام نظرية عن الأمثال قدّمها لنا مر وهي تعمي الذين من الخارج، وتحفظ السرّ للذين في الداخل. فالذين نعموا بعطية الله لكي يفهموا، هم أيضاً لم يفهموا.
إن الجديد يكمن في التمييز بين تعليمين: تعليم للجميع "حسب ما يستطيعون أن يسمعوا". وتعليم محفوظ للذين تعلّقوا بيسوع مع الإثني عشر. فتجاه ما ظهر أمام الجميع حتى الآن، وما زال يظهر عبر الأمثال الواردة، كان انقسام. وصار التعارض عميقاً. غير أن بعضاً انفصل عن الجمع وانضمّ إلى يسوع مع الإثني عشر. إن آ 11- 12 تلقي ضوءاً على هذا الإنقسام، لا على مستوى الوقائع والقرارات البشرية، بل حين تحيلنا إلى موهبة الله ومخطّط نعمته السرّي. إن هاتين الآيتين تلخّصان بشكل ما ف 1- 3، وتبرّران تعليماً خاصاً للتلاميذ. كما تذكّران الذين يتوجّه إليهم، رغم عدم فهمهم، أن سرّ ملكوت الله (قدرة الله التي تعمل في يسوع) كان فاعلاً فيهم. وهما تدعوانهم إلى القيام بمجهود ليفهموا ما يفسرّ لهم. وهذه الفكرة عن تعليم مزدوج ستظهر أيضاً في 7: 14- 23 بالنسبة إلى "مثل" أيضاً. وسوف نعود إلى مدلولها في مر.
3- تعليم للرسل حول الآلام والقيامة
بعد اعتراف بطرس في قيصرية فيلبّس، بدأ تعليم محفوظ للتلاميذ (8: 31؛ 9: 31) حول آلام ابن الإنسان وقيامته. وموضوع هذا التعليم يعود في 10: 33 (بدون لفظة "علّم"). وفي كل مرّة، يشدّد الإنجيل بقوة على عدم فهم التلاميذ لهذا التعليم (8: 32- 33؛ 9: 32؛ 10: 35 ي).
لا نستطيع أن نشير هنا إلى كل السمات التي تدلّ على يد مرقس في تدوينه هذه النصوص. كما يجب أن نلاحظ أيضاً أن هذا التعليم هو جزء من مجموعة (8: 27- 10: 52) تتضمّن عناصر متنوّعة. قد يكون مر وجدها مشتّتة، فجمعها ووجّهها في خطّ هو خطّ إنجيله كله.
أ- ابن الإنسان
حين بدأ يسوع هذا التعليم، كان بطرس قد اعترف بأن يسوع هو المسيح، وكان التلاميذ تسلّموا توصية بالصمت (لا يقولون لأحد شيئاً، 8: 30). بعضهم رأوا أننا هنا أمام لقب يحمل خطراً: لهذا أحلّ يسوع محلّه لقب ابن الإنسان. ولكن من وجهة مر، لا التباس في لقب "المسيح". بل هو يعبّر عن مضمون الإنجيل (1: 1؛ 9: 41)، والتوصية بالصمت لا تدلّ على رفض، بل تشير إلى أن التلاميذ لامسوا سرّ شخص يسوع، كما كان الأمر بالنسبة إلى لقبَيْ قدّوس وابن الله (1: 24- 25، 34؛ 3: 11- 12). إن لقب "المسيح" في نظر مر يدلّ على الإيمان المسيحي الذي يرى في يسوع أكثر من نبي، أعظم من يوحنا المعمدان ومن إيليا (8: 28؛ رج 6: 14- 16). دور هؤلاء في مخطّط الله أن يعلنوا: ولكن مع يسوع ملكوت الله هو هنا.
من جهة ثانية، وحسب مر، لا يشير تعليم يسوع إلى لقب ابن الإنسان، بل إلى الآلام والقيامة. فعدم فهم التلاميذ يصطدم لا بتعبير ملغز، بل بالطريقة التي بها يتُمّ يسوع رسالته. وما يلفت النظر، هو أن "ابن الإنسان" هو اللقب الوحيد الذي لا تحفّظ فيه في مر ولا توصية بالصمت من أجله. إنه يبدو على لسان يسوع بحضور الجمع في تأكيدات قاطعة حول سلطته بأن يغفر الخطايا وبأن يرتب السبت (2: 10، 28)، حول مجيئه "في مجد أبيه مع ملائكته القديسين" (8: 38).
هل نقول إن مر ينسخ مراجعه وان تعارضت مع نظرته الخاصة؟ كلا ثم كلا. بل نتذكّر أن "ابن الإنسان" قد خسر من أهميته بقدر ابتعاد العبارة عن أصولها اليهودية. فمرقس وقرّاؤه يعتبرونها لقباً مقتلعاً من جذوره. وهو لا يمثّل إلا طريقة خاصة بها سمّى يسوع نفسه. وفي الأقوال التقليدية التي تحتفظ بهذا اللقب، لا يتركّز اهتمام مر عليه، بل على الجملة كلها. في 9: 41، المهمّ هو العمل الذي نقوم به من أجل المسيح.
إذن، حسب مر، لا يحُلّ يسوع لقباً محلّ آخر، ولا يرفض نظرة خاطئة عن شخصه. ولكنه يقدّم تعليماً يجب العودة إليه حول الطريقة غير المتوقّعة التي بها تتمّ رسالته. وذلك على أساس الإيمان بصفته "مسيحاً، وهو إيمان لم يعلنه بشر، بل وُلد في حلقة التلاميذ. إن هويّة يسوع لم تعد سراً لهم. ولكن يجب أن يفهموا طريقه فهماً صحيحاً.
ب- أقوال التلاميذ
إن هذا التعليم يتوجّه إلى التلاميذ. وهو يشرف على مجموعة 8: 27- 10: 52 التي تضمّ أقوالاً خاصة بالتلاميذ. لا نجد أخباراً بحصر المعنى، ولا دروساً تتوجّه إليهم. يُذكر الجمع فقط ثلاث مرات ليسمع نداء لكي يكون تلميذاً (8: 34)، أو لكي يتقبّل تعليماً لا يحدّد موضوعه (15: 1)، أو ليشهد معجزة تذهب فائدتها للتلاميذ (10: 14). أخيراً، إن تكلّم يسوع إلى أشخاص آخرين، فكلامه هو انطلاقة لتعليم خاص بالتلاميذ.
نجد أن معظم أقوال يسوع هذه تحمل فائدة جماعية. لقد سبق وأشرنا إلى تلك التي ربطها مر بمهمة الكنيسة الأساسية: إعلان الإنجيل (8: 35؛ 10: 29). وهناك أقوال أخرى تجيب على أسئلة طُرحت في الجماعة (9: 28- 29، 33- 50: الزواج والطلاق). والإنباءات الثلاثة بالآلام والقيامة، تتبعها أقوال تحدّد تصرف التلاميذ (8: 34 ي؛ 9: 33 ي؛ 10: 35 ي). وبعد الإنباء الثالث، بدا الجواب على طلب ابني زبدى نموذجياً مع كأس يشربانها ومعمودية يعتمدان بها (10: 35- 40). ومسألة السلطة والأولوية ستجد حلاً لها في متطلّبة الخدمة تجاه الجميع (آ 41- 44). وأخيراً هناك نداء للتعرّف إلى المثال الذي يقدّمه ابن الإنسان وهو الذي جاء ليخدم ويبذل حياًته فداء عن الكثيرين (آ 45).
وهكذا لا يتوسّع التعليم عن آلام ابن الإنسان وقيامته، من أجل ذاته، بل يتوجّه دوماً نحو إرشاد للتلاميذ والجماعة المسيحية. وإذا تحدّثنا عن كرستولوجيا، فيجب أن نقول كرستولوجيا (تعليم عن يسوع المسيح) تطبّق على الجماعة. فالحقيقة عن المسيح، يراها مر في حياة التلاميذ. هنا نكتشف نظرته إلى المسيح وإلى التلاميذ معاً. إختارهم يسوع "ليكونوا معه" (3: 14)، ليعملوا معه في إعلان الإنجيل والتعليم. إذن، يريدهم معه في طريقه. يريدهم أن يقاسموه وجوده المهدّد وهو عبد الله الذي يبذل حياًته عن الجميع. إن عمل الله الذي يتمّ بالآلام والقيامة يفرض على التلاميذ أمانة لكي يتبعوه ويرافقوه ويكونوا دوماً معه.
ج- الحياة الجماعية
تبدو الحياة الجماعية (في 8: 27- 10: 52) في أجلى مظاهرها على ضوء حياة الكنيسة في أيام مر. ذُكرت بمناسبة الحديث عن الكرازة الكرستولوجيّة في الجماعة الأولى. فالمسيح الذي مات وقام يشكّل موضوعها الجوهري. غير اننا نعرف أن مر يميّز بوضوح بين "أعلن" و"علّم". وهو لا يهتمّ هنا بالتأكيد على الكرازة، بقدر ما يهتم بالتذكير بنتائجها في حياة التلاميذ. لهذا نتعرّف إلى تأثير التعليم المُعطى للمؤمنين في الجماعات، على هذا القسم. وإذا عدنا إلى الإقرار الإيماني في المعمودية، فإن التعليم بالنسبة إليه يشبه تعليم يسوع للتلاميذ بعد اعتراف قيصرية.
قد نكون هنا أمام المفتاح الذي يتيح لنا أن نميّز بين تعليم يسوع للجمع وتعليم يُعطى للتلاميذ. فالعبارة التي تشير إلى التلاميذ تدلّ على يد مر فتميّزه عن مت ولو. هذا لا يعني أننا نرفض التقليد السابق الذي يتحدّث عن تعليم خاص منحه يسوع لتلاميذه. فإن كان قد جمعهم حوله، فلا شكّ في أنه كرّس لهم بعض وقته، ولكن يجب أن نقرّ بأن نهج مر يعكس بشكل مباشر حياة الكنيسة. ففي الكنيسة نشاط يتوجّه نحو "الجمع"، وآخر يُعنى بالمرتدّين. وقد انتقل التقليد عن يسوع هنا وهناك، وهو ما يشهد له مر. إنطلق مما قاله يسوع وعمله، فرسم عن رسالته لوحة تكشف التواصل بين يسوع والكنيسة.
وإذ نقول هذا نرفض لفظة "باطني" التي طبّقت بعض المرات على تعليم محفوظ للتلاميذ (حسب مر). ففي 8: 27- 10: 52 حيث نرى يسوع يعتزل الشعب ثلاث مرات (9: 30، 33)، نرى الشعب يظهر من جديد (8: 34؛ 9: 14- 15؛ 10: 1). وفي 8: 34، سوف يذكر "الجمع" مع التلاميذ. أجل، ان الجمع هو هنا ليسمع كلمات يفهمها مر بالنظر إلى الإنجيل الذي يجب أن يعلن لجميع الأمم (8: 35). والجمع (في 9: 14) هو خلفيّة لجدال بين التلاميذ والكتبة حول سلطان طرد الشياطين، وهو سلطان (حسب 3: 14- 15) يرافق الكرازة. ويدلّ 10: 1 (في رأس تعليم موجّه بشكل خاص إلى التلاميذ) أن مر لا ينسى أنه كان ليسوع تعليم معدّ للجميع. وهكذا يرى مر في رسالة يسوع على الأرض، كما في حياة الكنيسة، حركتين: يُعلن الإنجيل من أجل الجميع، وتظهر قدرة الله، ويُعطى تعليم على قدر طاقة السامعين (4: 33). ولكن اعتراف الإيمان بالمسيح يدُخل المؤمن في تعليم خاص لا ينتهي أبدأ.
د- عدم فهم التلاميذ
في هذا الإطار نتوقّف عند إلحاح مر على عدم فهم التلاميذ. هو يشدّد على هذا الوضع بمناسبة الإنباء بالآلام والقيامة (8: 32- 33؛ 9: 10، 32)، كما سبق له وشدّد في ضربه للأمثال (4: 13؛ 7: 18)، وتكثيره للأرغفة (6: 52؛ 8: 14- 21).
فالتلاميذ ظلّوا خلال حياتهم على الأرض أدنى ممّا أراد يسوع أن يعلّمهم. ولا يكتفي مر بأن يذكر هذا الواقع، بل يشدّد عليه، لماذا؟
نبدأ فنقول إن المكانة التي احتفظ بها مر لنداء التلاميذ الأولين (1: 16- 20)، لتأسيس الإثني عشر (3: 13- 19)، لإرسالهم في مهمّة (6: 6 ب- 13)، يدلّ على دورهم الفريد في أصل الكنيسة. وعدم فهمهم للأمثال لا يمنع يسوع من أن يقول لهم: "لكم أعطي سرّ ملكوت الله" (4: 11). وإذا كان مر قد اهتمّ بالإنجيل الذي يُعلن للجميع، وبتكوين خاص يُعطى للمرتدّين، فهو لا ينسى أن تلاميذ يسوع المباشرين هم ينبوع التعليم والكرازة. والتشديد على التعليم الخاص الذي قبلوه يدلّ على همّ "كنسي" بأن يقدّم كافلي تقليد يسوع في الكنيسة.
أما موضوع عدم فهمهم، فهو قريب بعض الشيء من السرّ المسيحاني، كما يدلّ معه على فكرة تدبير الوحي. فحسب 9: 9، إن وحي يسوع كابن الله يجب أن يبقى خفياً حتى قيامة ابن الإنسان. وهذا ما يسري على الأمر بالصمت للشياطين وبطرس. فالإعتراف الإيماني الأول بابن الله لا يظهر إلاّ بعد موت يسوع (15: 39). وهكذا شدّد مر على أن "إنجيل يسوع المسيح ابن الله" (1: 1) قد عرف بداية وتاريخاً قبل ظهوره الحالي. ولم يكشف عنه كشفاً كاملاَ إلاّ بعد حقبة تبدو كحقبة السرّ الذي يحُفظ ويُمنع فلا يفهمه التلاميذ.
غير أن هناك فرقاً بين السرّ المسيحاني (الذي رُفع الآن) وعدم فهم التلاميذ الذي لا يعتبره مر أبداً موقتاً (عكس الإنجيل الرابع). وقد يجد هذا الفرق صداه في خبرة الكنيسة. فالتوصية بالصمت تعبّر عن شعور يقول بأن ليس من الإفادة أن نسلّم إلى الجمع قبل الوقت الألقاب التي بها تعلن الجماعة كيان مخلّصها الإلهي. فقدرة الله يجب أن تظهر إلى العلن. ومعرفة يسوع الحميمة ليست مغلقة على أحد. ولكننا لا نصل إليها إلا إذا تعلّقنا به كتلميذ من تلاميذه. وانطلاقاً من هذا الوقت ومن اعتراف الإيمان الذي تقبّلناه في الجماعة، تبدأ تنشئة يجب أن نستعيدها دوما.
فحسب مر، لا يمكن أن تُلفظ ألقاب المسيح بدون التباس، إلا إذا التقينا به في سرّ آلامه. والتلميذ هو من يتبعه في طريق المعارضة والإضطهاد، ويقاسمه عمله بما فيه من صعوبات. حين يذكّرنا مر بهذه الأمور، فهو ينظر إلى أشخاص في عصره، إلى مسيحيين فضّلوا أن يتهرّبوا من هذه الوجهة المؤلمة في رسالة المعلّم. ونقول الشيء عينه حين يربط هذا النسيان بضلال حول السلطة في الجماعة. ولكن المهم ليس أن نتعرّف إلى أشخاص أشار إليهم الإنجيل، بل أن نحسّ بالمفارقة المسيحية الحاضرة في كل الأزمنة. فالإلتواءات التي يندّد بها، ترتبط "بأفكار البشر" (8: 33)، بتجارب دائمة ترافق المسؤولين في الجماعات. فمن خضع لنظرة البشر، عمل عمل الشيطان، وأساء إلى النصر الذي بدأ في البرية وتمّ عبر الآلام والقيامة. فقد وبّخ يسوع بطرس "حين رأى التلاميذ" (8: 33) وكأنه يريد أن يحذّر الجماعة: فيها وفيها يتواصل عمل الله الذي بدأه. فيها وبها تتحقّق "أفكار" الله.
خاتمة.
إن دراسة إنجيل يسوع وتعليمه في مر، لا تتيح لنا أن نستخرج نتائج محدّدة حول مراجعه. ولكنها أبرزت طريقته الخاصة في النظر إلى حياة المسيح والكنيسة.
1- نُسب إليه هدف كرستولوجي قبل كل شيء. في الواقع، إن سؤال "من هو يسوع" يرافق كتابه كله. ولكننا نخون فكره إن جعلنا من التعليم الذي يقدّمه كرستولوجيا بولسية. فمرقس يتحدّث بطريقة ملموسة، محسوسة. إنه يهتمّ ببعض وجهات الكرستولوجيا الأولانية. ولكنه اهتمّ بأن يجعل يسوع حاضراً في أخصائه، عاملاً معهم رغم جميع المضايقات.
2- حين نظّم مر التقاليد حول يسوع، عاد إلى بداية تاريخ عرف أنه مدعوّ ليعمل فيه، عاد إلى أولى ظهورات وعمل الله الاسكاتولوجي في هذا العالم. وهذا العمل هو بالنسبة إليه حاليّ، آنيّ، وهو يمرّ عبر رسالة التلاميذ. هذا الإحساس بعمل الله وسط البشر نجده في خصائص عديدة من كتابه. وهو يدلّ على نظرة إلى التاريخ حيث يلتقي الحاضر بالماضي دون أن يمتزجا.
إن عمل الله يتواصل وسط البشر. وهو يطلب أمانة التلاميذ الذين أعطي لهم سرّ الملكوت. قدّم مر صورة يسوع مع تلاميذه الذين ضمّهم إلى عمله. هو لا يفصلهم عنه كما لا يفصل عن جماعة أخصّائه المسيح الحيّ في كنيسته. يبقى عليهم أن لا يضلّوا، بل أن يدخلوا في نظرته ليقوموا برسالتهم خير قيام: يعلنون الإنجيل، يعلّمون البشر، يظهرون قدرة الله في هذا العالم.
في هذا الإطار، شدّد مر على امتيازات التلاميذ وعلى ضعفهم. فصلهم عن الجمع، ولكنه مزجهم أيضاً بالجمع. فجاء تعليمه اكليزيولوجيا وكرستولوجيا، جاء إرشاداً وكرازة.
3- وهكذا نتعرّف إلى صاحب الإنجيل الثاني. هو يشهد عن خبرته، خبرة إنسان أحسّ بعمق السرّ الذي انفتح له بالإيمان بالمسيع. وعندما كتب عرف أن على الإنسان دوماً أن يمرّ من العمى إلى النور، لانه يكتشف في يسوع الابن وقدّوس الله، لأنه يكتشف في يسوع عمل الله وإن لقي المعارضة والمقاومة.
وقدّم مر خبرته. عرف يسوع المسيح معرفة حميمة حين اشتغل في مشروعه الذي يتواصل في الكنيسة. وشارك الآخرين في العالم الرسولي فلاقى الفشل والإضطهاد. وهكذا فهم ما تعني رفقة يسوع. وذكّر الذين قد يكونون نسوها أن لا أمانة للمسيح، ولا فاعلية في العمل (للتلميذ وللكنيسة) خارج الطريق التي يرسمها يسوع. فالمجد هو في نهاية الجهاد. والأولوية تعود إلى الخدمة وبذل الذات. في هذا المجالس، يبقى على التلميذ أن يرتدّ كل يوم من منطق البشر إلى منطق الله.

 

 

الفصل الثالث
بين يوحنا ومرقس تقارب على مستوى البنية والتفاصيل
إن اختلاف يو عن مر أمر معروف جداً: أسلوب خاص، عالم رمزي، إختيار أحداث جهلها مر، إغفال عناصر هامة من التقليد الازائي، خطب وحوارات لم يوردها الإنجيل الثاني. ولكننا نودّ أن نشدّد على التقارب بين مر والإنجيل الرابع. وهكذا نفهم الدور الذي لعبه مر لا في تدوين مت ولو وحسب، بل في تدوين يو أيضاً. كما نكتشف أن إنجيل يوحنا ليس بعيداً كل البعد عن التقليد الإزائي، مع ما فيه من خصائص وابتكار.
1- تقارب على مستوى البنية الإجمالية
إن أسفار يسوع في يو تبدأ كل مرة بحدث يذكر فيه اسم منطقة: عبر الأردن (يو 1: 19- 51؛ 3: 22- 26؛ 10: 40- 42). "في الضفة الأخرى لبحر الجليل" (6: 1- 16). إن الكاتب يستند إلى تبديل المشهد من اليهودية إلى الجليل كما نستشفّه من ملاحظاته حول مشاريع يسوع (يو 1: 43؛ 4: 3، 43، 46- 47، 54؛ 7: 1- 10). تبدو سلطات أورشليم حذرة تجاه يوحنا المعمدان (1: 9؛ 5: 33) ومعادية بشكل سافر للجليل (7: 1 ي) حيث يتهدّده الموت (5: 18؛ 17، 19- 25؛ 8: 37- 40؛ 10: 31- 29؛ 11: 53).
في الجليل تمّت آيتان (8: 1 ي؛ 4: 43 ي) تصلان بالتلاميذ (أو الضابط) إلى الإيمان دون أن يتبعهما جدال سلبي. أما معجزات أورشليم (5: 1 ي؛ 9: 1 ي) أو: قرب أورشليم (11: 1 ي)، فقد كانت مناسبة جدالات حامية وتهديدات. والمعجزتان على شاطئ بحيرة الجليل (أو: بحيرة طبريّة، 6: 1 ي) قد آلت إلى مناقشات حادّة دون تهديد بالموت. فاليهودية، وأورشليم بشكل خاص، هي المكان المعادي للانبياء، هذا مع العلم أن "المعلّم" جاء من الجليل (4: 44).
ونجد عند مر إشارات مشابهة وإن لم تكن ممنهجة كما في يو. فالمنطقة التي في العبر (باران، في اليونانية) تدلّ إما على بحيرة الجليل (3: 8؛ 4: 35؛ 5: 1، 21؛ 6: 45؛ 8: 13) وإما بيريه التي ليست ببعيدة عن أريحا (10: 1). ونجد أيضاً بعض التشابهات عند متى (4: 15، 25؛ 8: 18، 28؛ 14: 22؛ 16: 5؛ 19: 21). أما عند لو فلا نجد لفظة "باران" إلا مرة واحدة، بمناسبة الحديث عن عبور البحيرة.
إن التعارض بين الجليل الموافق واليهودية المعادية يُبرز بنية مر إبرازاً جزئياً: جاء يسوع من الجليل (1: 9). وهناك بدأ يكرز ويجمع تلاميذه (1: 14، 16، 28، 29؛ 3: 7). هناك أنبأ بآلامه وقيامته (9: 30). وهناك سيظهر بعد قيامته (14: 28؛ 16: 7). والعمل الرسولي سينطلق من الجليل ليصل إلى الوثنيين (7: 24- 27). ولكننا نجد رغم ذلك وجهاً سلبياً للجليل: هيرودس الذي يريد أن يتخلّص من يوحنا المعمدان (6: 17- 29).
أما أورشليم فهي المدينة التي يصعد إليها يسوع ليموت (15: 32- 33؛ 15: 33 ي) بعد دخول إحتفالي قصير إليها (11: 1 ي). ولكن قبل ذلك، كانت قد تنظّمت في أورشليم المقاومة ضدّ تعليم يسوع: نزل الكتبة من المدينة المقدسة وأعلنوا أن يسوع يمتلكه بعل زبول (3: 22). كما جاء من هناك فريسيون وبعض الكتبة فلاموا التلاميذ لأنهم يأكلون ولم يغسلوا أيديهم باعتناء (7: 1 ي). وفي أورشليم حكم عظماء الكهنة والكتبة على يسوع بالموت، وأسلموه إلى الوثنيين (10: 33، رج 11: 18). وكانت نتيجة خطأ أورشليم بفعل رؤسائها، دمارَ المدينة (ف 13).
إن الإطار الجغرافي في مر يشير إلى فكرة لاهوتية: فالخلاص المعدّ لأورشليم قد انتقل إلى الوثنيين الذين لامسهم بلاغ القائم من الموت في الجليل. وهناك وجهة اجتماعية: من هتف له الجميع في الجليل مسيحاً، حكم عليه أصحاب السلطة في أورشليم.
أما لو الذي يهتمّ بمصير أورشليم، فينهي إنجيله بالظهورات في هذه المدينة، ويدلّ بشكل عابر على أن يسوع أشار إليها في الجليل (24: 6). وهكذا ضعف التعارض بين أورشليم والجليل، وإن كان موضوع الصعود إلى أورشليم قد اتخذ في لو اتساعاً كبيراً.
وسار مت على الخطوط الكبرى التي سار عليها مر، غير أنه يشدّد على "جليل الأمم" (4: 15) ويضمّ إليه الدكابوليس (4: 25). ولكنه لا يبرز، شأنه شأن مر، الضغط الذي مارسه فريسيّو أورشليم (مت 15: 1 يشبه مر 7: 1، ولكن لا شيء في مت يقابل مر 3: 22). ثم إن الإنجيل الأول ينظر إلى أورشليم نظرة إيجابية. فهي مدينة الملك العظيم (5: 35). وهكذا لا يكون التعارض واضحاً في مت كما في مر.
ويشُرف على بنية يوحنا الاجمالية نظرة إلى سرّ يسوع. فهو يدلّ في 20: 31 على هدفه: أن يدعو القارئ إلى أن يؤمن "أن يسوع هو المسيح، ابن الله". إن المطلع يشدّد على هذين اللقبين الرئيسيين: في صورة ابن الاب الوحيد (1: 14- 18). في ذكر المسيح (1: 17). ويحاول الكاتب على مدّ الإنجيل أن يبيّن في أي معنى يسوع هو المسيح وابن الله. أولاً، بشكل مبرمج في مشهد نداء التلاميذ الأولين (1: 41- 49). ثم في الحوار مع السامرية والجدالات مع اليهود في ف 4، 5، 7- 9. أخيراً، في الحوار الحاسم في عيد التدشين (10: 22 ي) وفي اعتراف إيمان مرتا (11؛ 27). يعرف القارئ منذ المطلع من هو يسوع. أما الذين يلتقون المعلّم، فيجدون صعوبة في لقبَي المسيح وابن الله.
ونجد عند مرقس الالتباس عينه. هناك السرّ المسيحاني الذي يميّز رسالة يسوع. إن لقب ابن الله يرد في بعض الأوقات الحاسمة: في المعموديّة وفي التجليّ (1: 11؛ 9: 7)، وخصوصاً حين ينشقّ حجاب الهيكل (15: 38- 39). ويجتمع لقبا المسيح وابن الله في سؤال عظيم الكهنة (14: 60). حينئذٍ يجيب يسوع بشكل علني أنهما يعبرّان أفضل تعبير عن هويته. فما استصعب اليهود قبوله، قد وصل إلى القارئ كمفتاح لإنجيل مرقس كله: "بدء إنجيل يسوع المسيح ابن الله" (1: 1). فكما عند يوحنا، يجد القارئ نوره منذ البداية، مع كلمة "بدء" (ارخي). لا نجد في مت ولا في لو اهتماماً واضحاً بهذا الموضوع، باللقبين الرئيسيين (المسيح، ابن الله) اللذين كُشفا في المقدمة وظلاّ خفيين على مدّ الخبر الإنجيلي. حين بدأ الإنجيليان الأول والثالث بخبري الطفولة، ابتعدا عن البنية الاجمالية التي نجدها في مر والتي تنعكس انعكاساً واضحاً في يو.
2- توالي الأحداث
في الدراسات التي تقابل الأناجيل بعضها ببعض، يلعب الترتيب الذي فيه تتوالى الأحداث دوراً كبيراً. حين تحدّث الشرّاح عن ارتباط مت أو لو بالنظر إلى مر (أو: مرجع مرقس)، عادوا إلى هذا الترتيب مفسرّين الاختلافات من وجهة منهجية في مت ولو وباهتمام بادخال مواد خاصة في اللحمة المرقسية.
والمقابلة، وإن بنسبة محدّدة، بين مر ويو، تدلّ على توالي أحداث تتتابع بشكل مماثل. هناك ذكر لتسعة أحداث: عمل المعمدان وشهادته (1: 4- 8؛ يو 1: 19- 36). الذهاب إلى الجليل (1: 14- 15؛ يو 4: 3). تكثير الأرغفة (6: 24- 44؛ يو 6: 1- 13). السير على المياه (6: 45- 52؛ يو 6: 16- 21). اعتراف بطرس (8: 29؛ يو 6: 68- 69). الذهاب إلى أورشليم (9: 38- 31؛ 10: 1، 32، 46؛ يو 7: 10- 14). العشاء الأخير والانباءات بنكران بطرس (14: 17- 26؛ يو 13: 1- 17، 26). القبض على يسوع (14: 43- 52؛ يو 18: 1- 11). الآلام والقيامة (14: 53- 16: 8؛ يو 18: 12- 20- 29). وزادوا أيضاً الدخول إلى أورشليم والمسيح بالطيب في بيت عنيا مع ترتيب معاكس كان سببه يوحنا (مر 11: 1- 10؛ 14: 3- 9؛ يو 12: 12- 15؛ 12: 1- 8). ويمكننا أن نذكر تطهير الهيكل الذي يجعله يوحنا في بداية إنجيله (2: 14- 16) ومرقس في النهاية (11: 15- 17).
نحن هنا أمام تقليد شفهي أو خطيّ إستقى منه الإثنان. وسنقدّم تعداداً كبر من المقاطع بين يو ومر مع مقابلة مع مت ولو.
يوحنا مرقس
شهادة المعمدان المعمدان ويسوع (1: 2- 11؛ رج
(1: 19- 34) مت 3: 1- 17؛ لو 3: 1- 22).
التلاميذ الأولون نداء الصيادين الأربعة (1: 16- 20؟
(1: 35- 51). رج مت 4: 18- 22؛ لو 5: 1- 3، 10- 11). 
قال المعمدان: يسوع هو العريس قال يسوع: يسوع هو العريس (2: 18- 22!
(3: 22- 30). رج مت 9: 14- 17؛ لو 5: 33- 39). 
شفاء المقعد في أورشليم شفاء المقعد في كفرناحوم (2: 1- 12؛ رج
(5: 1- 47). مت 9: 1- 8؛ لو 5: 17- 26).
يسوع يطعم خمسة آلاف يسوع يطعم خمسة آلاف (6: 30- 44؛ رج
(6: 1- 15). مت 14: 13- 21؛ لو 9: 10- 17) ويطعم أيضاً أربعة آلاف (8: 1- 10؛ رج مت 15: 32- 39).
يسوع يمشي على المياه يسوع يمشي على المياه (6: 45- 54؛
(6: 16- 24). رج مت 14: 22- 33).
الشعب يطلب آية الفريسيون يطلبون آية (8: 11- 13؛
(6: 25- 34). رج مت 12: 38- 39؛ 16: 1- 4؛
لو 11: 16- 30؛ 12: 54- 56).
أي خبز؟ خبز الفريسيين وخميرهم (8: 14- 21؛
(6: 35- 39). رخ مت 16: 5- 12؛ لو 12: 1).
إعتراف بطرس إعتراف بطرس (8: 27- 30؛
(6: 60- 69). رج مت 16: 12- 20؛ لو 9: 18- 21).
خيانة يهوذا المقبلة الانباء الأول بالآلام والقيامة المقبلة (8: 31- 33؛ 
(6: 70- 71). رج مت 16: 21- 23؛ لو 9: 22).
جال يسوع في الجليل وعمل إجتاز يسوع الجليل في خفية
في الحفية (7: 1- 10). (9: 35).
الطين ولعاب يسوع على عيني لعاب يسوع على عيني الأعمى
الأعمى (9: 6). (8: 23؛ رخ 7: 33).
يسوع هو الراعي الصالح الذي الراعي (يسوع) سوف يُضرب (14: 27؛
يبذل حياًته (10: 11- 18). رج مت 26: 31).
تتشتت الخراف (10: 12؛ تتشتّت الخراف (14: 27؛
رج 16: 32). رج مت 26: 31).
المسح بالطيب في بيت عنيا المسح بالطيب في بيت عنيا
(12: 1- 11). (14: 3- 9؛ رج مت 26: 6- 13؛
وفي نصّ مختلف لو 7: 36- 38).
الدخول الظافر إلى أورشليم الدخول الظافر إلى أورشليم (11: 1- 11؛
(12: 12- 19). رج مت 21: 1- 11؛ لو 19: 28- 40).
يسوع وقلقه واضطرابه صلاة يسرع في جتسيماني (14: 32- 42؛
(12: 27). رج مت 26: 36- 46؛ لو 22: 40- 46). 
العشاء الأخير العشاء الفصحي الأخير (14: 17- 25؛
(12: 1 ي). رج مت 26: 20- 29؛ لو 22: 14- 20). 
إعلان الخيانة إعلان الخيانة (14: 17- 21؛
(13: 21- 30). رج مت 26: 20- 25؛ لو 22: 21- 23). 
سلطان هذا العالم، قوموا إقترب ذاك الذي يسلمني. قوموا
(14: 30- 31). (14: 42؛ رج مت 26: 46).
إعلان نكران بطرس إعلان نكران بطرس (14: 26- 31؛
(13: 36- 38) رج مت 26: 29؛ لو 22: 33- 34).
يسوع هو الكرمة الحقيقية درب من عصير الكرمة (14: 25؛
(15: 1- 17). رج مت 26: 29؛ لو 22: 18).
البستان الذي في عبر قدرون جبل الزيتون، جتسيماني (14: 26- 25؛
(18: 1). رج مت 26: 30، 36؛ لو 22: 39).
القبض على يسوع القبض على يسوع (14: 43- 50؛
(18: 1- 12). رج مت 26: 47- 56؛ لو 22: 47- 53).
في قصر عظيم الكهنة (حنان) في قصر عظيم الكهنة (قيافا)
(18: 13- 14، 19- 24). (14: 53- 56؛ رج مت 26: 57- 68؛ 
لو 22: 54- 55، 63- 71).
إنكارات بطرس الثلاثة إنكارات بطرس الثلاثة (14: 66- 72)؛
(18: 15- 18، 25- 27). رج مت 26: 69- 57؛ لو 22: 56- 62). 
يسوع أمام بيلاطس يسوع أمام بيلاطس (15: 1- 20)؛
(18: 28- 19: 16). رج مت 27: 11- 31)؛
لو 23: 1- 5؛ 13- 25).
إطلاق برأبا إطلاق برأبا (15: 6- 11، 15)؛ 
(18: 39- 40). رج مت 27: 15- 18؛ 20- 21، 26؛
لو 23: 18- 19).
ألبس الملك ثوب الارجوان وكلل بالشوك ألبس الملك ثوب الارجوان وكلّّل بالشوك
(19: 1- 5). (15: 16- 20 رج مت 27: 27- 31؛
في معنى مختلف أمام هيرودس لو 23: 11).
اصلبه! اصلبه (15: 13؛ رج مت 17: 22- 23؛
(19: 6؛ رج 19: 15). لو 23: 21- 23).
صمت يسوع صمت يسوع (15: 4- 5؛ رج مت 27: 12- 14؛ (19: 9). في معنى مختلف أمام هيرودس، لو 23: 9).
إلى الجلجلة إلى الجلجلة (15: 22؛ رج مت 27: 33؛
(19: 17). وفي معنى مختلف، لو 23: 33).
صلب يسوع بين شخصين آخرين صلب يسوع بين مجرمين، واحد عن يمينه
(19: 18). والآخر عن شماله (15: 25- 27؛
رج مت 27: 35، 38؛ لو 23: 33).
الكتابة "يسوع الناصري، ملك اليهود" الكتابة "ملك اليهودي (15: 26؛
(19: 19- 22). رج مت 27: 35؛ لو 23: 38).
إقتسام الثياب والرداء إقتسام الثياب (15: 14؛
(19: 23- 24). رج مت 27: 35؛ لو 23: 24).
حضور النسوة النسوة اللواتي تبعن يسوع
(19: 25). 15: 40- 41؛ رج مت 27: 55- 56؛
لو 23: 55- 56).
الاسفنجة المغموسة بالخلّ الاسفنجة المملوءة خلاً (15: 26؛
(19: 29- 30). رج مت 27: 48؛ رج أيضاً مر 15: 23؛
مت 27: 34).
يوسف الرامي ونيقوديمس يوسف الرامي (15: 42- 46؛
(19: 38- 42). رج مت 27: 57- 60؛ لو 23: 55- 53).
رأت مريم المجدلية أن الحجر انتزع رأت النسوة أن الحجر انتزع
(20: 1). (16: 1- 4؛ رج مت 28: 1- 3؛
لو 23: 1- 2).
أعلمت مريم المجدلية بطرس والتلميذ الآخر أعلمت النسوة التلاميذ وبطرس (16: 7؛
(20: 2). رج مت 28: 7: التلاميذ؛
لو 23: 9: الأحد عشر؛ 24: 12: بطرس).
رأت مريم المجدلية ملاكين يكلّماها رأت النسوة ملاكاً (أو: ملاكين) يكلّمهن
(20: 11- 12). (16: 5- 7؛ رج مت 28: 2- 7؛
لو 24: 4- 7).
الظهور على شاطئ بحيرة طبريّة. ظهور القائم من الموت عل التلاميذ في الجليل
(24: 1 ي). (16: 7؛ رج مت 28: 16- 20).

إن اللوحة التي قدمّناها تدلّ على تلاقي بين توالي الأحداث عند مر ويو، وإن اختلفت بعض التفاصيل، وتحوّل موضع هذا الحدث أو ذاك. وإذا قابلنا النصوص مع مت ولو، نجد أن المتتاليات متشابهة عند مر ويو بشكل واضح. أما الأمور التي فيها يبتعد يو عن مر، فسببها اهتمامات خاصّة لدى الإنجيلي الرابع. مثلاً، جعل دخول يسوع الظافر إلى أورشليم بعد المسح بالطيب في بيت عنيا، لأنه سبق وجعل تطهير الهيكل في بداية إنجيله (2: 13- 22). ثم أدخل في هذا الموضع قيامة لعازر التي كانت السبب في توقيف يسوع (لا طرد الباعة من الهيكل، كما قالت الإزائيون). 
واختلف الترتيب بين يو ومر في بعض التفاصيل: تحدّث يوحنا عن يسوع الذي هو الراعي. أما مر فتحدّث عن تشتت الخراف. لقد أدرج يوحنا هنا أقوالاً خاصّة به. وما نلاحظه هو توالي الأحداث في يو 6 وفي الأناجيل الإزائية، وكل هذا دلالة على التقليد الواحد. والتقارب أوضح على مستوى الألفاظ والمفردات.
أما بالنسبة إلى خبر الحاش والآلام، فقد طُرحت فرضيّة جديدة: إن الأناجيل الإزائية الثلاثة أعطت التقليد الإزائي الذي اندمج بدوره مع التقليد الشفهي فأعطى التقليد الأساسي لانجيل يوحنا. ولكن جاء من عارض هذه الفرضيّة، وقال إن يو قد عاد بشكل خاص إلى مر فكان أميناً لنصّه مع إضافات خاصّة حصل عليها من مراجعه.
ونتوقّف أيضاً في يو على اتصالات مع مر وحده: سار يسوع في الجليل وعمل في الخفية (مر 9: 30). شفى الأعمى بلعابه كما في مر 8: 23. وهناك أحداث يتبع فيها يو نصّ مر، فيرافقه مت فقط: السير على المياه، الإشارة إلى الراعي والخراف المشتّتة، الدهن بالطيب في بيت عنيا، المشهد أمام بيلاطس حيث يُلبس يسوع الأرجوان ويكلّل بالشوك، المسيرة إلى الجلجلة، ظهور القائم من الموت في الجليل. ولكن بما أن تصميم متى يبتعد عن تصميم يو، يجب أن نعترف أن مر قدّم تصميماً استفاد منه الإنجيل الرابع لكي يدوّن الأخبار التي احتفظ بها. وما يؤكّد هذا القول هو براهين أخرى على مستوى التفاصيل.
3- التلاقي بين مر ويو على مستوى التفاصيل
حين ندرس التعليمات البيبلية في الأناجيل، هناك تلاقٍ بين يوحنا والإزائيين. سنتوقف أولاً عند الاتصالات بين يو ومر. بين يو من جهة ومت، مر، لو من جهة ثانية، وننهي بتفاصيل مشتركة بين يو ومر.
أ- اتصال بين يو ومر وحدهما
* نقرأ في يو 5: 8 ما قاله يسوع للمخلّع: "إنهض واحمل فراشك وامشِ". نجد الشيء عينه في مر 2: 9 وفي 2: 11. نجد صيغة الأمر في النصوص الثلاثة. ولكنها متضمنة في مر 2: 9 في السؤال. بين يو 5: 8 ومر 2: 9 هناك سبع ألفاظ مشتركة. وبين يو 5: 8 ومر 2: 11، لست ألفاظ. وهي ترد في الترتيب عينه. ما يفصل يو 5: 8 عن مر 2: 9 هو حرف العطف في مر (كاي، انهض وامشِ). وما يفصل يو 5: 8 عن مر 2: 11 هو إدخال "لك أقول" واحلال خمس كلمات في اليونانية محل "امشِ" (باريبتايو): خذ فراشك وامضِ إلى بيتك.
وما نقرأ في يو 5: 9: حمل فراشه ومشى، نجده تقريباً في مر 2: 12: "في الحال، حمل فراشه ومضى". وكلمة+ فراش "كراباتون" ليست "فصيحة". لهذا تهرّب منها مت ولو (كليني). وقدّمت الافتراضات حول امكانية نصّ مكتوب استعمله يو.
* يو 18: 39: "اتريدون أن أطلق لكم ملك اليهود"؟ وفي مر 15: 9 نجد الشيء عينه. إذا وضعنا جانباً بعض المسائل المتعلّقة بالنقد النصوصي، نجد في الآيتين ست ألفاظ ترد في الترتيب عينه. وموضع "تالاتي"، استعمل يو صيغة الأمر لفعل آخر "بولاستي" وزاد أداة محبّبة إليه "أون" (إذن). لا شي يقابل هذا النصّ في لو. ويحتفظ مت بثلاث ألفاظ: "اتريدون أن أطلق لكم"؟ هذا يعني أن يو عاد إلى مر.
* يو 12: 3: "أخذت مريم رطل طيب من خالص الناردين، كثير الثمن". وفي مر 14: 3: "أقبلت امرأة بقارورة طيب من خالص الناردين الكثير الثمن". هناك ثلاث ألفاظ وُضعت في الترتيب نفسه وهي مشتركة بين يو ومر. وهناك لفظة "بستيكاس" لم ترد قبل ذلك في هذا المعنى (الخالص). ثم إن بنية الجملة هنا وهناك هي هي. وهذا ما يدلّ على علاقة وثيقة بين الإنجيلين.
* يو 6: 7: "لا يكفيهم خبز بمئتي دينار". وفي مر 6: 37: "أو نذهب ونبتاع خبزاً بمئتي دينار". نجد ثلاث ألفاظ مشتركة في النصيّن. والسياق هو هو. في يو، نحن أمام جواب لفيلبس على سؤال يسوع. وفي مر، يسأل التلاميذ يسوع الذي يطلب منهم أن يطعموا الجميع. قد نكون هنا. أمام تقليد مشترك من النوع الشفهي، فيدلّ على العلاقة بين النصيّن.
* يو 18: 18: "وكان بطرس يصطلي". رج مر 15: 54. نجد هنا أيضاً ثلاث ألفاظ مشتركة، ثم إن بنية الجملة مشابهة عند يو ومر، وتنفصل عمّا في مت ولو. تفرّد يوحنا ومرقس فتحدّثا عن بطرس الذي يصطلي.
* يو 12: 5: "لِمَ لَمْ يُبع بثلاث مئة دينار"؟ رج مر 14: 5: "كان بالامكان أن يباع بثلاث مئة دينار". لفظتان متشابهتان، وفي ترتيب معاكس. تحدّث يو عن السعر الدقيق. أما مر فزاد "بأكثر" (ابانو). علاقات غير دقيقة بين النصيّن. ولكن يو 12: 5 يشبه مر 14: 5، ويو 11: 7 يشبه مر 14: 6 كما سوف نرى.
* يو 12: 7: "فقال يسوع: دعها". وفي مر 14: 6: "دعوها". جعل مر الكلام في فم بعضهم الذي يتحدّث عن ناردين يتلف. أما في يو، فقد جُعل الكلام في فم يهوذا. لهذا، كانت صيغة المفرد بدل صيغة الجمع في مر.
ب- اتصال بين يو، مر، مت، لو
هناك عدد كبير من الاتصالات. سنختار فقط نعض الأمثلة.
* يو 12: 8: "فالفقراء في كل حين عندكم. وأما أنا فلست في كل حين عندكم". وفي مر 14: 7: " فالفقراء معكم في كل حين، وتقدرون أن تحسنوا إليهم متى شئتم. وأما أنا فلست عندكم كل حين". وفي مت 26: 11: "فالفقراء معكم في كل حين، وأما أنا فلست عندكم كل حين".
إذا جعلنا بعض الملاحظات النصوصية جانباً، نجد أن ألفاظ يو الاثنتي عشرة موجودة في مر ومت في ترتيب شبه مماثل. وألغى مت ويو ذات الألفاظ من مر، وهذا ما يدلّ على اتصال مباشر أو غير مباشر بينهما. ولكن بما أن يو 12: 6 يتبع مر، على ما يبدو، يكون من المعقول أن مت ويو تركا الحاشية المرقسية، أو لم يجداها في المرجع الذي استقيا منه، شأنهما شأن مر.
* يو 13: 21: "الحقّ الحقّ أقول لكم: إن واحداً منكم سيسلمني". رج مر 14: 18؛ مت 26: 21 حيث نجد العبارة ذاتها. هناك اختلافات طفيفة على مستوى النصوص (تلغى لفظة "هوتي"، "أن" في بعض المخطوطات، ويقلب الفاتيكاني "أقول لكم" إلى "لكم أقول" في يو 13: 21). ثم إن يوحنا يكرّر لفظة "أمين" (الحقّ). ولكننا نجد تسع ألفاظ في الترتيب عينه. وحده مر 14: 18 زاد "الآكل معي" (رج مر 1: 10) الذي يستعمله يو 13: 18 (الآكل معي الخبز، قد رفع علي عقبه). وهكذا يكون يو أقرب إلى مر منه إلى مت.
* يو 12: 13؛ مر 11: 9؛ يو 19: 38: "هوشعنا! مبارك الآتي باسم الرب"! ترد هذه الألفاظ السبع في الترتيب عينه في الأناجيل الأربعة. أقحم مت "ابن داود" بعد "هوشعنا". ولو "الملك" بعد "الآتي". أما يو فزاد "ملك اسرائيل" بعد "الرب". وجعل مر جملة كاملة بعد "الرب": "مبارك الملك الآتي، ملك أبينا داود". لا شك بأن العلاقات واضحة بين النصوص الأربعة. وبما أن لو ومر يشيران إلى الملك كما يفعل يو، فهما أقرب إلى يو منه إلى مت.
* يو 6: 20؛ مر 6: 5؛ مت 14: 27: "أنا هو، لا تخافوا"! هناك عملية قلب بسيطة. والسريانية الكيورتونية تلغي من يو 6: 20 "لا تخافوا". ان الكلمات الأربع ترد في الترتيب عينه في مر 6: 5 ومت 14: 27 الغى يو (اغو ايمي) التي وردت عنده مراراً. نحن هنا أيضاً أمام تقليد خطيّ أو شفهيّ.
* يو 6: 69: "أنت هو قدّوس الله". مر 8: 29: "أنت هو المسيح". مت 16: 16: "أنت هو المسيح ابن الله الحيّ". هناك كلمات متشابهة في هذه النصوص الثلاثة التي تتضمن اعترافاً إيمانياً. حولّ كل إنجيلي العبارة التي وصلت إليه بالنظر إلى لاهوته الخاصّ. قد يكون يو عرف هذا الإعلان عبر تقليد خطيّ أو شفهيّ، وقد يكون مرتبطاً مع مر أو مت.
* يو 14: 31؛ مر 14: 42؛ مت 26: 46؛ "قوموا. لنذهب". كلمتان تتتابعان في النصوص الثلاثة، في يو كما في مت ومر. ولكننا لا نستطيع أن نقول بمن يرتبط يو.
ج- تفاصيل أخرى مشتركة بين مر ويو
هناك تفاصيل مشتركة في النصوص التالية: يو 1: 19- 34- مر 1: 7- 10؛ يو 2: 13- 22- مر 11: 15- 19؛ يو 6: 1- 15= مر 6: 31- 44؛ يو 6: 15- 21= مر 6: 45- 52؛ يو 12: 1- 11 = مر 14: 3- 9؛ يو 12: 12- 19= مر 14: 43- 50؛ يو 18: 15- 18، 25، 27= مر 14: 54، 66- 72؛ يو 18: 33= مر 15: 2؛ يو 18: 27= مر 15: 2؛ يو 18: 39- 40= مر 15: 6- 15؛ يو 19: 2- 3= مر 15: 16- 20؛ يو 19: 17- 24= مر 15: 22- 27؛ يو 19: 38- 42= مر 15: 43- 46؛ يو 20: 1- 2= مر 16: 1- 8.
واليك أيضاً بعض التفاصيل اللافتة
* كلمة يسوع في يو 3: 3- 5 عن الولادة من علُ، هي قريبة مما في التقليد الإزائي (مر 10: 15؛ مت 18: 3؛ لو 18: 17).
* أكدّ يسوع لا يو 4: 44 أنه لا يُكرّم نبي في وطنه. فبدا تأكيده تلميحاً إلى التقليد الإزائي (مر 6: 4؛ مت 13: 57؛ لو 4: 24). ويبدو أن يو أقرب إلى مر منه إلى الإزائيين الآخرين.
* في يو 6: 10، قال الإنجيلي إنه كان عشب كثير. وهذا ما يدلّ على اننا قريبون من الفصح (يو 6: 4). وتفرّد مر بين الإزائيين وذكر العشب الأخضر (6: 39).
* في يو 6: 26 استعمل الإنجيلي فعل "شبع" بمناسبة الحديث عن معجزة الخبز، وهذا ما يحيلنا إلى التقليد الإزائي في مر 6: 42؛ مت 14: 10؛ لو 19: 17.
* إن طلب الآيات في يو 6: 30 يشبه ما نجد في مر 8: 11؛ مت 16: 1؛ لو 11: 36. بما أن يو 6 يتبع عادة مر، فقد يكون هنا أيضاً قد تبع مر.
* في يو 6: 42؛ 7: 15، دُهش اليهود لأنهم التقوا يسوع، ابن يوسف، الذي هو "عالم" دون أن يدرس. في مر 6: 2- 3 ومت 13: 54- 56، يتساءل اليهود بشكل مماثل: من أين ليسوع هذه الحكمة، مع أننا نعرف أسرته؟
* اللعاب والطين المذكوران في يو 9: 6 يشبهان طريقة الشفاء التي تفرد مر 7: 33؛ 8: 23 وذكرها. ولا يذكر اللعاب في أي مكان آخر في العهد الجديد.
* إن مضمون قول يسوع في يو 12: 25 يوازي ما في مر 8: 35؛ مت 10: 39؟ 16: 25؛ لو 9: 24- 17: 33. إن التعارض الساميّ بين "أحب" و "ابغض" قد يعود إلى تقليد مستقلّ عن الإزائيين. وقد يكون حاشية يوحناوية. ثم إن يو 12: 26 يشبه مر 8: 34؛ مر 10: 38؛ لو 9: 23. يبدو أن يو 12: 25- 26 يقلب كلمات مر 8: 34- 36.
* إن القول في يو 12: 44- 45 و 13: 20 يشبه ما في مر 9: 27؛ مر 10: 40؛ لو 9: 48. أما نصّ 18: 5 فهو بعيد، لأنه يشمل الشقّ الثاني: "من قبلني، قبلني الذي أرسلني".
وإن القول حول قوة الصلاة في يو 14: 13- 14 و 16: 23، يشبه ما في مر 11: 24 ومت 21: 22. لكنه تحوّل تحولاً كبيراً في المنظار اليوحناوي.
* إن لاهوت يو حول البارقليط (الروح المؤيّد، في 14: 26) يرتبط بالتقليد الإزائي الذي يعكسه مر 13: 11؛ مت 10: 19- 20؛ لو 12: 11- 12؛ 21: 14- 15.
نشير هنا إلى أن الأقوال اليوحناوية التي تشبه التقليد الإزائي، هي قليلة جداً. وهي كلها في مر (ما عدا مت 10: 24 ولو 6: 20) الذي لم يورد، مع ذلك، العدد الكبير من أقوال يسوع.
خاتمة
تأثر كتّاب بالتقارب بين مر ويو. وآخرون بالتباعد. عرف البعض نظرية تدلّ على ارتباط يوحنا بهذا الإنجيل أو ذاك من الأناجيل الإزائية. غير أن الوقائع التي جمعناها تفرض علينا نظرة مرنة. لقد عرف يو مر (أو أقله، مرجعاً قريباً من مر). ولكنه لجأ أيضاً إلى تقاليد خاصّة به، شفهية أو خطيّة. ومعرفته للتقليد المرقسي واضحة جداً في ف 6، 18- 19. هناك تقارب بين يو ومر، والتقليد الشفهيّ لا يكفي ليدلّ على الاتصالات بين نصّ وآخر حتى على مستوى العبارة والألفاظ. وهكذا نستطيع القول باقتراب يوحنا من سائر الأناجيل الإزائية. قد يكون انطلق من رسمة مرقسية ولكنه أعاد كتابة نصّه بطريقة مبتكرة جعلته بعيداً عن الإزائيين الثلاثة، كما بدا لو بعيداً في قسم كبير من إنجيله عن مت ومر.

 

 

القسم الثاني 
المرحلة الرابعة
توقفنا في الجزء الأول عند ثلاث مراحل. وها نحن ننطلق في المرحلة الرابعة التي تتبعها أيضاً مرحلتان. أمّا هذه المرحلة فتتألف من الفصول التالية: 
1- طريق يسوع والدخول إلى الملكوت، 8: 31- 10: 52.
2- يسوع ابن الإنسان، 8: 27- 33.
3- معنى حياة الإنسان، 8: 34- 9: 1.
4- التجليّ الإلهي، 9: 2- 10.
5- حوار حول إيليا، 9: 11- 13.
6- شفاء ولد مصروع، 9: 14- 13.
7- الانباء الثاني والعظمة الحقيقية، 9: 30- 37.
8- يسوع يعلّم تلاميذه، 9: 38- 50.
9- الزواج، الأطفال وتلاميذ يسوع، 10: 1- 16.
10- الرجل الغني، 10: 17- 31.
11- المصير الذي ينتظر يسوع، 10: 32- 34.
12- يسوع أمام موته، 10: 35- 45.
13- شفاء ابن طيما، 10: 36- 52.

 

 

الفصل الرابع
طريق يسوع والدخول إلى الملكوت
8: 31- 10: 52
1- موقع هذه المرحلة
إن تحليل "القطب المركزي" في إنجيل مرقس جعلنا ندرك بشكل أوضح الطابع اللاهوتي الذي يطبعه به كاتبه. فهو يتحدّد على ضوء قيامة يسوع في منظار فقاهي ورعائي. وهكذا يلعب وظيفة "معقم الجماعة"، والشاهد للقائم من الموت الذي يسبق أخصّاءه على طرقات العالم فيعلّمهم كيف يتبعوا خطاه حيث هو ويوافقون حياتهم مع حياًته. ففي نظر مرقس، إن "بدء إنجيل يسوع المسيح ابن الله" يعني بشكل جوهري أن نسير على خطى ذاك الذي عرفنا فيه "المسيح" والذي سمّاه الله "ابنه الحبيب"، أن نسير على خطاه لأنه هو يدعونا.
نداء يصعب علينا سماعه والخضوع له حتى النهاية. فالإنسان يظنّ دوماً أنه اكتشف كل سرّ الله كما كُشف في يسوع المسيح، حين يدرك في ومضة سريعة كلمته القديرة ويده الفاعلة. لهذا يتهرّب يسوع من قبضة الجموع ويدعوها لكي تبحث عنه بعد أن استشفّت عملاً من أعماله أو سمعت بعض كلماته. لسنا هنا أمام نهج تربويّ، بل أمام مسيرة الحبّ. هذه المسيرة اكتشفها مرقس، فصوّرها لنا في إيمان يتعرّف إلى يسوع الذي هو المسيح، بانتظار أن يتعرّف إليه كابن الله.
في بداية الإنجيل، بدا الإيمان نتيجة حدث مجيء يسوع إلى الجليل (1: 4- 15). وفي يسوع هذا صار واقع الله حبّاً. دُعي الإنسان إلى الرجوع عن خطيئته والإنفتاح على الإنجيل، على عالم الله الذي صار ملموساً في شخص يسوع. واكتشفنا تجاه تعليمه بما فيه من سلطان، كيف تنكشف حرّية البشر في مستويات مختلفة: الجموع المتحمّسة. الأشخاص الذين نعموا بالمعجزات. التلاميذ. ومن جهة أخرى، أولئك المعارضون ليسوع من كتبة وفريسيين ومعلّمي الشريعة. هذا هو عالم الإيمان في زمن يسوع، في زمن كنيسة مرقس، وفي زمننا.
في المراحل الثلاث الأولى اكتشفنا كيف توزّع الناس: كل الذين سمعوا يسوع أحسّوا أنهم معنيون بتعليمه. غير أن كلماته وأعماله قدرته لا تقنع الجميع. فبعضهم يتقبّل يسوع وآخرون يرفضونه. هو لا يُريد أن يقبل فقط من أجل صفاته البشرية، بل بما هو في ذاته. لقد ارتدى السلطان الإلهي (2: 7) وهو يطلب منّا أن نتعلّق بهذا الإله الذي يكشف عن ذاته في شخصه. لا يريد أن ينحصر في صور يتصوّرها الناس عنه: الشافي، رابي (المعلّم)، المحرّر، المسيح. وإن قبل بها، فلكي يفجّرها. "الخمرة الجديدة توضع في زقاق جديدة" (2: 22). وهكذا نصل في قراءتنا للإنجيل أمام حائط مسدود، أمام الفشل، هذا إذا بقينا على المستوى البشري. فما يطلبه يسوع يتعدّى القوى البشرية.
ولكن يجب أد نتساءل: أما تكون طريقة يسوع التي يقدّمها لنا مرقس بأمانة، هي الطريقة الوحيدة التي يستطيع الله أن يأخذها منذ قرّر أن يتجسّد ويصير قريب كل واحد منّا. ولكنه لا يستطيع أن يكشف كائنه الحميم إلا للذي يتقبّله بإيمان غير مشروط. فإذا رفضناه امحّى يسوع ولاذ بالصمت. هنا نفهم لماذا منع الناس من التحدّث عن معجزات يصنعها. وإن كان فرض على الأرواح الشّريرة أن تصمت، فلأن شهادتها تمثل كذباً كبيراً إن لم يرافقها تمزّقاً يعبرّ عليه الممسوسون بالصراخ.
ومع ذلك، حرّك يسوع اعتراف بطرس في النهاية. فقد أعلن بصدق وباسم التلاميذ: "أنت هو المسيح" (8: 29). لا شكّ في أنه يُسقط على يسوع النظرة اليهودية التي عرفها يهود عصره. ولكن لا يهمّ إن هو أدرك ملء سرّ يسوع. المهمّ أنه سلّم أمره إليه، فعبّر عن انتظاره المسيحاني وانتظار شعبه. فصرخة الإيمان ليست فقط ادراك الله بعقلنا، بل قبضة الله على عقلنا وعلى قلبنا عبرّ تصوّرات نحملها في ذواتنا.
وحده تعلقّ التلاميذ بيسوع سيتيح له أن يكشف عن ذاته كشفاً أفضل. هكذا يستطيع إيمانهم أن ينمو ويكتمل. ووليْ الإنجيل سيدلّ على هذا النموّ عبر خبرة يقدّمها مرقس على أنهّا نموذجية للتلاميذ في كل الأزمنة.
الإيمان الذي أعلنه بطرس والتلاميذ ليس بداية مطلقة. فمنذ مجيء يسوع إلى الجليل (1: 14)، دعاهم، ربطهم بشخصه (1: 16- 20). كانت تلك مبادرة أولى اختلفت عمّا يعمل كل رابي في عصره. التلميذ يختار الرابي. أمّا يسوع فهو الذي اختار تلاميذه. وكانت مبادرة ثانية اختار الاثني عشر (3: 13- 19) وألبسهم قوّته لكي يحقّقوا عمله (6: 7: ذهبوا، 6: 12- 13 فاعلية عملهم).
وهذه المشاركة في نشاط المعلّم، لم تكن بدون مقاومة وعدم فهم ورفض للسيد. لقد واجهوا هجمات الخصوم الذين تساءلوا حول تصّرف المعلّم (2: 7، 12، 16)، وحول تصّرفهم هم (2: 18، 24؛ 3: 22، 30؛ 7: 5). بل واجهوا على الدوام موقف يسوع المميّز الذي لم "يلبّ" انتظار الجموع (1: 37؛ 4: 10، 36)، الذي أراد أن يبقى خفياً (1: 45؛ 3: 12؛ 5: 43؛ 6: 45؛ 7: 24، 36؛ 8: 23). تارة كان يستقبل الناس بحنان حين ينقصهم الخبز (6: 34؛ 8: 2). وطوراً يتخلىّ عنهم لكي يذهب إلى المناطق الوثنية (7: 24، 31؛ 8: 27؛ ولكنه طُرد من هناك، رج 5: 17). إن عبور يسوع إلى الوثنيين، (ونظرة هؤلاء إلى عمله، 7: 37)، كان من شأنه أن يفهم التلاميذ أن فيه تحقّق الرجاء المسيحي من أجل جميع البشر. هذه الخطوة قام بها بطرس فاخرج لقب "المسيح" من شروحات الناس العديدة حول شخص يسوع. وإذا كان يسوع قد منع التلاميذ من التحدّث عن هذا "الإكتشاف"، فلأن فعل الإيمان ليس شرحاً بين شروح أخرى، بل هو قبضة الله، الذي هو سيّد الموت والحياة، على حرّية البشر.
ولقد بدأ هذا الإيمان عمله. سوف يمرّ في المحنة عبر حياة التلميذ الملموسة. وهو سيُعاش عطية من الله نتقبّلها دوماً أكثر من سخاء بشري يتحدّد. حين نسمع الابن الحبيب الذي يكشفه الآب (في التجليّ)، نتقبّل في الوقت عينه نعمة لكي نتبع هذا الابن. غير أن "اتباع يسوع" يمرّ في طريق ابن الإنسان، طريق التجرّد والألم والموت. هناك مقاومة من قبل التلاميذ. كيف التغلّب عليها؟ سؤال تحاول المرحلة الرابعة من انجيل مرقس أن تجيب عليه.
2- تقديم النصّ
على مستوى التدوين المرقسي، يبرز سؤال صعب: إلى أين يصل هذا القسم المخصّص لالتزام التلميذ على المستوى الخلقي؟ يرى معظم الشّراح انه ينتهي بنهاية ف 10 مع شفاء الأعمى على طريق أريحا (10: 46- 52)، وقبل الدخول المسيحاني إلى أورشليم (11: 1- 25). تتوزّعه ثلاثة "انباءات الآلام" التي. دونتها الكنيسة (وبالتالي مرقس) انطلاقاً مما عاشه يسوع. الإنباء الأول يتبع حالاً اعتراف بطرس على طريق قيصرية (8: 31). الإنباء الثاني يتمّ خلال سفر يسوع عبر الجليل (9: 31). الإنباء الثالث يبدأ مع صعود يسوع إلى أورشليم (10: 32- 34) وفي انطلاقه من نواحي أريحا (10: 46).
إذا كان تكرار "الإنباء" المثلث بما سوف يتألمّه ابن الإنسان، يعود إلى مبادرة مرقس، هذا يعني أنه يحدّد بنية المتتالية. أما إذا وجد هذا التكرار في مراجعه، فقد يكون حوّر بعض عناصره. نشير هنا إلى الصعوبة دون أن نقدم لها حلاً الآن. فقد نعود إليها. أما الآن، فنبدأ بقراءة مجمل النصّ علّنا نكتشف إشارات تدلّنا على بنيته.
تبدأ المتتالية الأولى "بالإنباء" الأول بالآلام. وهي تشتمل على سلسلة من الأقوال تتحدّث عن "إتباع يسوع" (8: 34)، كما على خبر التجليّ والسؤال حوله إيليا (9: 12- 13)، وحدث شفاء الولد الذي يقع في داء الصرع (9: 14- 29). أمّا موقعها فيتحدّد في جوار قرى قيصرية فيلبس (8: 27)، وبالقرب من "جبل عالٍ" (9: 2، 9).
ويتمّ "الإنباء" الثاني بآلام ابن الإنسان وقيامته في الجليل أيضاً (9: 30- 32). ويتبعه حوار حول قبول الآخر (9: 33- 41) وحول الشكوك (9: 42- 50) في إطار كفرناحوم (9: 33). وكانت لقاءات متنوّعة على الطريق الصاعدة قي اليهودية (15: 1): حدّثه الفريسيون عن الطلاق (10: 1- 12)، جاؤوه بالأطفال (10: 3 ب- 16). سأله شخص غنيّ عن طريق الملكوت (10: 17- 22)، وهذا ما أعطاه مناسبة ليواصل تعليم تلاميذه.
ويأتي "الإنباء" الثالث عن مصير ابن الإنسان (10: 32- 34) الذي يبدأ الصعود إلى أورشليم (10: 32- 33) بمتتالية قصيرة تشتمل على طلب يعقوب ويوحنا (10: 35- 40) وردّة فعل سائر التلاميذ (10: 41- 45). حينئذ يرد خبر شفاء الأعمى الشحاذ قرب أريحا (10: 46- 52). تلك كانت الخطوط الكبرى في هذه المرحلة الرابعة.
3- من النصّ إلى يسوع
أ- مدخل
إن المقابلة بين نصّ مرقس ونصّ كل من لوقا ومتّى، تدلّ على الحرّية التي مارسها الإنجيليون حين دوّنوا هذا القسم الإرشادي والأخلاقي. فحين أدخل متّى في ف 18 "خطبة الجماعة"، تطلّع إلى المحيط الكنسي فصوّر بنيته الروحية: قبول الصغير الذي يماثل يسوع بنفسه. قبول غفران الله في الصلاة نتشارك فيها مع الإخوة. وجاءت ممارسة الحياة المسيحية فجعلتنا نلمس لمس اليد المسافة بين مثال يقدّمه يسوع وتحقيقه في الواقع اليومي. ولكن في هذه المسافة تنكشف قدرة النعمة الخلاصية (مت 19- 20).
وتوسّع لوقا في هذا القسم، فأدخل فيه عدداً كبيراً من العناصر نجد أكثرها عند متّى، وبعضها عند مرقس. نظّم مواده في إطار صعود يسوع إلى أورشليم حيث يتمّ فصحه وقيامته، فبيَّن لنا كيف هيّا يسوع تلاميذه لرسالتهم الشاملة. ونبّههم إلى حقيقة التزامهم في عمل الرسالة الذي اختاروه.
عند مرقس نجد انطلاقة في هذين الإتجاهين: حين ركّز تأمله في شخص يسوع أراد أن يدرك قرّاؤُه أنهم معنيّون بالمخطّط الفدائي. لهذا تحدّث عن شروط كل حياة مسيحية، بل كل حياة عند البشر. لهذا قدّم مجموعة التلاميذ كنموذج لكلّ جماعة بشرية مدعوّة لأن تكتشف معنى مصيرها في تجسّد ابن الله. لهذا شدّد مرقس على مسيرة الإيمان التي فيها نتدرّج بشكل ملموس لكي نكتشف شخص ابن الله.
عبر صياغة هذا المتتالية المرقسية، بما فيها من فقاهة واضحة، نحاول أن ندرك وجه يسوع في مسيرة التقاليد، أن نسير برفقته ونلمسه كما فعل الناس على طرقات الجليل واليهودية.
ب- تكوين النصّ
كان مرقس أميناً لـ "تاريخ" يسوع فجعلنا ندرك الواقع المجيد للقائم من الموت، وهذا ما يدلّ عليه خبر التجليّ في الإمحاء والتجرّد خلال مسيرته إلى الموت حيث يقود أخصّاءه.
أولاً: الإنباءات الثلاثة
إن الإنباءات الثلاثة بالآلام والقيامة (8: 31؛ 9: 31؛ 10: 33- 34) تبدو عنصراً جوهرياً في تدوين مرقس، بحيث نسب معظم الشّراح إلى الإنجيلي الثاني هذا التوزيع المثلّث. فهذه الإنباءات تحتلّ وظيفة بنيوية في مر لم تحتلّها يا إنجيل آخر. فالقسم الذي يورد إعلان بطرس المسيحاني (8: 31- 10: 45) تشرف عليه هذه الإنباءات. فهي تقدّم الإطار واللهجة والموضوع. وهي تعود بالقسم الثاني من مر إلى أورشليم والآلام بشكل يشبه "القدر": "يجب على ابن الإنسان أن يُسلم".
ما يلفت النظر هو أن "الإنباء" الأول ينبثق بشكل طبيعي من سياقه: إعتراف بطرس في قيصرية فيلبس. أما الإنباءان التاليان فقد جاء بهما مقطعان ذات طابع تدويني (أي من تدوين مرقس). وهكذا نستنتج عامة أن مرقس وجد الإنباء الأول كما هو في ينبوعه. ثم توسّع في الإنباءين الآخرين حسب الخطّ علينه. جاء الانباء الثاني قريباً من الإنباء الأول مع بعض فوارق دقيقة. وتبع الثالث خبر الآلام فاستعاد محطاته الأساسية. 
بالإضافة إلى ذلك يقدّم مرقس في إطار كل إنباء ثلاثة مواضيع يضمّها عادة إلى أخبار تقسيمات أو أشفية: وحي (8: 29- 32؛ 9: 31؛ 10: 33- 34). الأمر بالصمت أو تعليم على حدة (8: 27- 30؛ 9: 30؛ 10: 32). عدم فهم التلاميذ (8: 31 ب- 33؛ 9: 32؛ 10: 32 أ، 35). وأخيراً نرى تدرّجاً في ذكر الأماكن التي جاءت فيها هذه الإنباءات الثلاثة: في المدن العشر (دكابوليس)، نحو قرى قيصرية فيلبس (8: 27). مرور عبر الجليل (9: 31). صعود إلى أورشليم (10: 31). نحن هنا أمام نظرة دراماتيكية وفقاهية معاً: فالمسيح الذي عرفته الأمم، وتقبلّه معظم الجليليّين، قد رذله العالم اليهودي الرسمي لأنه لا يتجاوب مع صورة "بطل" وطني وضعوا آمالهم فيه.
إن هذه الصياغة الأدبية تكشف بعض مسائل "تخبّطت" فيها الكنيسة الأولى: لما يكن يسوع ذاك الظافر المنتظر، بل عبد الله الذليل الذي تحدّث عنه أش 52: 13- 53: 12. مجدُه كان من نوع آخر، ويعبرَّ عنه في القيامة عبر الآلام والموت. فما أحسّ به بطرس والتلاميذ من "تشنّجات" ظلّ حياً في الجماعات المسيحية التي تضمنّت يهوداً مرتدين أو وثنيين حيرّهم مثل هذا الكلام. فبولس في كورنتوس واجه هذا اللافهم عينه: "فنحن ننادي بالمسيح مصلوباً، وهذا عقبة لليهود وحماقة في نظر الوثنيين. فالمسيح هو حكمة الله وقدرة الله. فيما يبدو انه حماقة من الله هو أحكم من حكمة الإنسان، وما يبدو أنه ضعف من الله هو أقوى من قوّة الناس" (1 كور 1: 23- 25).
وتساءل الشّراح: أما تكون هذه الإنباءات بآلام ابن الإنسان قد تكوّنت لا الكنيسة الأولى؟ هل تعود إلى يسوع؟ إن لافهم التلاميذ فيما يخصّ القيامة، كما لاحظه مرقس نفسه (9: 10) يجعلنا ننظر إلى الأمور في منظار آخر. كل شيء ينطلق من يسوع. فهو حين ينبئ بآلامه وقيامته، يعبرّ عن يقين لا يستبعد الخوف البشري. وهذه الإنباءات تدلّ في الوقت عينه على تماثل تام بين كيانه ومصيره الذي تقدّم خطوة خطوة في الحدث. ليس يسوع ذاك الحالم العائش في عالم المثل، ولا ذاك المتشائم الذي يرى الأمور بصورة سوداء. ولكنه ليس أيضاً ذاك الإنسان الذي يقوم بالحسابات الدقيقة ليواجه غدٍ مهدّد. يسوع هو إنسان حقيقي وهو يجعل وجوده في مستقبل يجهله. وبما انه مؤمن، فالمستقبل الذي يرتمي فيه هو الله في حرّيته كب عظمته.
ثانياً: من المعجزة إلى التعليم
وخبر شفاء الولد المصاب بداء الصرع (9: 14-29) يتّخذ وجهات عدّة في التدوين الإزائي. لهذا تساءل الشراح: هل ارتبط الواحد بالآخر؟ أم هل أخذ الإنجليون الثلاثة من ينبوع واحد فكانت بينهم ملامسات أدبية؟ إن تدوين مرقس يدلّ على خبر أولاني يتضمّن مرحلتين: شفاء الولد (9: 14- 27). ثم سؤال التلاميذ حول فشلهم في طرد الشيطان (9: 28- 29). غير أن الإنجيلي حوّر في هذا الخبر تحويراً واضحاً، حين ضمّ إلى طرد الشيطان (كما في تحرير المرأة السورية الفينقية، 7: 24- 30) إشارات تميّز الأشفية.
بدأ أولاً فركّز الخبر على يسوع وعلى القدرة التي تنبثق من شخصه. نزل من جبل التجليّ فاجتذب انتباه الجموع: إتخذ مبادرة الحوار معها كما مع والد الولد. وفي النهاية ظهر أنه الأقوى الذي يغلب بشكل نهائي قوى الشر ساعة تبدو وكأنها المنتصرة. ثانياً، وسّع الإنجيلي حوار يسوع مع والد الولد فكشف له النقص في إيمانه. هكذا اكتشف التلاميذ جذور ضعفهم (عدم إيمانهم): مثل هذا الشيطان يقاوم حين يغيب الصوم والصلاة اللذان هما الملجأ الواثق بقدرة الله. أمّا يسوع فتصرف بخضوع تام لأبيه.
ومتتالية التعليم للتلاميذ (9: 33- 50) تضمّ سلسلة من أقوال يسوع ترتبت حسب النهج السامي المعروف ب "الكلمة العاكفة" (كلمة تجلب فكرة). نصّ متنوعّ الأجزاء وقد رتّبه متى ولوقا بشكل آخر (مت 18: 1- 9؛ لو 9: 46- 50). هل مجموعة الأقوال هذه قد كوّنها لوقا أو تسلّمها كما هي من ينابيعه؟ إن المقطع حول الشكوك الذي نجد فيه توازياً يميّز التقليد الشفهي، سبق التدوين المرقسي. أمّا التوسّع (9: 36- 41) الذي موضوعه المركزي "اسم" يسوع، والذي يشتمل على عبارات قصيرة ذات طابع تاريخي، فهو من وضع الإنجيلي. إن الإهتمام بشخص يسوع أو بالاحرى بـ "اسم" (حسب التعبير اليهودي) يسوع، يذكّرنا بتعابير عرفتها الجماعات المسيحية الأولى في أورشليم (أع 2: 38؛ 3: 6، 16؛ 4: 7، 10، 12، 30؛ 5: 28، 41؛ رج فل 2: 9- 10). فهذه الجماعات ربطت تجنّد التلاميذ في الكرازة والإضطهادات، باسم يسوع الذي يعلنون موته وقيامته. تلك كانت نظرة مرقس أيضاً.
وحين كتب مرقس ما كتب عن يسوع، فقد نظر إلى كنيسته العائشة في مجتمع معادٍ للمسيحيين، المائلة إلى الإنغلاق على ذاتها. لهذا يجب فتح هؤلاء المسيحيين على حضور المسيح القائم من الموت والفاعل فيهم، وعلى أية حركة تقبّل يستشفّونها لدى الذين لا يوافقونهم رأيهم. هم من جهة يشهدون في الواقع اليومي. ومن جهة أخرى يقبلون أن يتجاوز عمل المسيح الخلاصي حدود المجموعة الكنسيّة. مثل هذا التقديم كان أميناً لتعليم يسوع: فقد استعاد عدداً من أقواله تلفّظ بها في ظروف مختلفة، وحدّدها في إطارها التاريخي الحقيقي الذي هو مسيرة ابن الإنسان إلى الآلام، لان الآلام هي الطريق إلى القيامة. فلا مهرب من هذا الطريق.
ثالثاً: تعاليم أخرى
ونجد اهتمام مرقس ذاته حين يقدّم تعاليم ثلاثة ليسوع: حول الزواج (10: 2- 12). تقبّل الملكوت (10: 13- 16). التجرّد من المال (15: 17- 31). وكل تعليم يتحدّد موقعه في خبر يسوع وتلاميذه قبل الفصح.
يرى بعض الشرّاح أن الجدال حول الطلاق يتبع رسمة جدال راباني على مستويين: المستوى العلني، المستوى السرّي. حوّر مت 19: 2- 12 الترتيب والخاتمة. أمّا مرقس فشدّد على تفسير الشريعة تفسيراً جذرياً، تفسيراً يستند إلى الشريعة نفسها. إذن، لا نستطيع أن نماثل بين وصيّة (إلهية) وتنازل موقت: مع يسوع عاد زمن الخلق إلى أصوله فدخل في الحقبة الاسكاتولوجية الحاسمة. ففي العالم اليوناني والروماني كانت مبادرة الطلاق للرجل والمرأة حسب الشريعة (في العالم الشرقي واليهودي خاصة، تعود المبادرة إلى الرجل). أمّا الجماعات المسيحية فوجب عليها أن تحدّد موقع خلقية الزواج في إطار نهاية الأزمنة التي هي حاضرة منذ الآن والتي هي آتية قريباً.
ونكتشف هدفاً مماثلاً في خبر تقبّل الأطفال، الذي يستند إلى فعلة "تاريخية" ليسوع. تذكّر مرقس موقب يسوع المليء بالعاطفة في 10: 16: "حضنهم، وضع يديه عليهم، باركهم". وفي 10: 21: "نظر يسوع إلى الشاب وأحبّه". إذا كان يسوع قد فتح بقيامته أبواب الملكوت، فلكي يدخلها كلُّ إنسان، دون المحظورات التي وضعتها الشيع في تلك الأيام من فريسيين واسيانيين. سؤال مهمّ يُطرح ساعة طلب "الصغار" أن يدخلوا في الكنيسة الفتية. والصغار هم الجهلة، العشارون، الخطأة، الوثنيون. هناك من رأى في هذا المقطع تبريراً لعماد الأطفال المولودين من والدين مسيحيين.
قول وخبر يعودان إلى يسوع نفسه. فقساوة القول الذي تفوّه به يسوع وموقفه تجاه تلاميذه، يدلاّن على أن تصّرف يسوع يختلف عن نظرة عصره إنما الأطفال (هم مُلك الوالد). وتبع لوقا ومتّى مرقس في الحديث عن هؤلاء الأطفال (مت 19: 13- 15؛ لو 18: 15-17)، فشدّدا على موقف المؤمن المنفتح على الإنجيل. كما على الإهتمام بالبسطاء والضعفاء. وعلى الإتكال الواثق بنعمة الله ورحمته.
ويصدر المقطع عن التخليّ عن الغنى من تقليد سابق لمرقس. ضمّ مشهد الرجل الغني إلى إعلانات يسوع لتلاميذه حول ضرورة الفقر للدخول إلى الملكوت. إن نداء يسوع الذي يشبه خارجياً التخليّ الذي يطلبه كل رابي من تلاميذه، يختلف عنه بطابعه الشخصي (تعال أنت واتبعني) والمطلق (لا جدال فيه) الذي يعطيه بعداً مسيحانياً واسكاتولوجياً سيشدّد عليه مرقس. فالوضع التاريخي للخبر في حياة يسوع وما يتضمّنه من أمور ملموسة في حياة الكنيسة، يبدوان من الإهتمامات الرئيسية لدى الإنجيلي: لقد صارت نهاية الزمن قريبة. لهذا يلحّ يسوع على المسيحي بأن يتخلى عن الخيرات التي تمنعه من التطلّع فقط إلى مجيء الملكوت (رج 1 كور 7: 29- 31). 
يجب أن نمارس الشريعة ممارسة جذرية، فنتعلّق بيسوع تعلّقاً غير مشروط. فالنصّ الموازي في متّى، يتوسّع في موضوع الكمال المسيحي كما نجده في خطبة الجبل (مت 5: 21- 48؛ 19: 16- 30). أما لوقا فشدّد بالأحرى على ما يفعل فينا التجرّد المطلوب، وعلى أهمية مقاسمة ما نملك مع الفقراء لكي نكوّن جماعة الملكوت (لو 18: 18- 30). وهكذا نتجاوز المعنى الحرفي للنصّ فنركزّ عليه تأسيس الحياة الرهبانية، مع العلم أن نداء يسوع إلى التخليّ عن المال يتوجّه إلى كلّ مسيحي. ولكن يبقى أن الحالة الرهبانية تأخذ طوعاً بوصيّة المسيح، لا بمبادرة شخصية بل تلبية لنداء. تأخذ يالجذرية الإنجيلية قاعدة حياة.
رابعاً: ابنا زبدى وابن طيما
ودوّن مرقس "مطلب" ابني زبدى (10: 35- 45). نجد هنا صدى لنزاع حول الأولوية (كما في أيامنا) عرفته الجماعات المسيحية الأولى، وتلميحاً إلى استشهاد يعقوب (سنة 42 أو 44، أع 12: 2)، وربما إلى استشهاد يوحنا أيضاً. لقد كتب مرقس على ضوء الحدث فربط الواقع بنبوءة ليسوع. ثم إن هذا المقطع يتجذّر في حياة يوع العلنية وتلاميذه. فهم قد علّقوا أهمية كبرى على مسألة "الأكبر" (10: 34؛ رج مت 18: 1؛ 23: 1؛ لو 9: 46؛ 22: 24، 26، 27). أما اسم "بوانرجس" أي ابني الرعد، فيجد أساسه في يسوع نفسه. وبدا مرقس كعادته أميناً لنظرته الكرستولوجية فشدّد على السمات التي تجعل التلميذ مثل معلّمه المصلوب. فالتعبير الملموس الذي نجده في الإنباء الثالث بالآلام، يتيح له أن يتوسّع في فقاهة حول اتباع المسيح وما في هذا الإتباع من جدية.
إن التلميح إلى المعمودية والكأس يدلّ المسيحي على الطابع الأسراري (المعمودية، الأفخارسيتا) لالتزام قد يقود إلى الاستشهاد والموت. والقول حول الفدية (10: 45) الذي ينهي هذا المقطع ورد ولا شكّ في فم يسوع في إطار العشاء الأخير أو على ضوئه (لو 22: 27-37؛ يو 13: 12- 20: مقاطع موازية؛ مر 14: 24؛ مت 26: 28؛ لو 22: 20 وكلمات التأسيس الأفخارستي). غير أن بُعد هذا القول لن يصبح واضحاً للتلاميذ والكنيسة إلاَّ على ضوء قيامة يسوع. فهذه القيامة علّمتهم كيف يقرأون نبوءة أشعيا الثاني حول عبد الله المتألم، وهي نبوءة يستلهمها قولُ يسوع.
وبدا حدث ابن طيما (14: 46- 52) تعليماً للتلاميذ على مثال مشهد الولد المصاب بالصرع (9: 4- 29) وأعمى بيت صيدا (8: 22- 26). ولقب "ابن داود" الذي يعطى مرتين ليسوع، سوف يستعيده متّى (20: 30- 31) ولوقا (18: 38- 39): إنه يهيّئ خبر الدخول إلى أورشليم. غير أن مرقس يبرز الاختلاف بين هذ التسمية ولقب "رابوني" (10: 51، يا معلّم) الذي يعبرّ عن محبّة واحترام التلميذ لمعلّمه. والطريق (10: 46، 52) هو في الإنجيل الثاني، طريق الإيمان الذي يجعل التلميذ على خطى يسوع بعد أن يعترف به مسيحاً.
ج- بنية النصّ
من خلال القراءة المتواصلة والتاريخ التدويني، اكتشفنا في هذه المرحلة الرابعة من مر، أهمية الفقاهة عند مرقس: قدّم لنا الإنجيل وحي يسوع عن مصيره، وهو وحي يرتبط بتعليم حول الطريقة التي بها يؤثّر هذا المصير على حياة التلاميذ الخلقية. يبقى علينا أن ندرس البنية ونكتشف التعليم الذي يحمله إلينا هذا الإنجيل الذي اعتبر في الماضي خبراً بسيطاً لا لاهوت فيه!
أولاً: على المستوى الأدبي
سبق ولاحظنا الأهمية التدوينية للانباءات الثلاثة بالآلام والقيامة. فهي محطّات في طريق تنطلق من قيصرية فيلبس (8: 27)، فتمرّ في الجليل (9: 30)، وتصعد إلى أورشليم (10: 32). وفي كل مرّة يتبع هذه الانباءات توصياتٌ حول حياة التلاميذ. أولاً، توصيات عامة تصل حتى إلى الجموع (8: 34- 9: 1). ثمّ توصيات مفصّلة، لأنها تتحدّث عن تكوين جماعة الاثني عشر (9: 33- 50). وأخيراً توصيات دقيقة حول النداء الموجّه إلى العشرة بعد طلب يعقوب ويوحنا بالمقامين الأوّلين (10: 35- 45): وهكذا يتضّح تماثل التلميذ مع معلّمه شيئاً فشيئاً. وبعد هذه التوجيهات، نجد ثلاث متتاليات تمتزج فيها حوارات خاصّة مع التلاميذ (9: 2- 13؛ 9: 28- 29؛ 10: 10- 12؛ 10: 23- 31)، ولقاءات مع الأفراد (9: 14- 27؛ 10: 1- 9، 13- 16، 17- 22؛ 10: 46- 52). وفي كلّ مرّة، تعود الجموع إلى الظهور (9: 14، 15، 25؛ 10: 1، 13؛ 10: 46، 48).
* وهكذا نستطيع أن نقدّم طريقة أولى لقراءة النصّ تدلّ على تواصل تعليم يسوع الذي يتوجّه إلى البشر عبر التلاميذ ويدعو كل واحد لاتباعه. ففي قلب هذا القسم المركزي نجد النداء إلى الحرّية الشخصية. "من أراد" (أو: إن أراد أحد) (8: 34- 35). "من أراد أن يكون أول الناس" (9: 35)". "من أراد أن يكون عظيماً... من أراد أن يكون الأول" (10: 43- 44).
هنا نكتشف تعليم مرقس الذي يبرز تعليم يسوع المثلث حول الآلام والقيامة.
أ- 8: 31- 33: أول تعليم حول الآلام. رفض بطرس والتلاميذ.
ب- 8: 34- 9: 1 توجيهات إلى التلاميذ وإلى الجمع: من أراد.
ج- 9: 2- 29: التجلي والتلاميذ (الشعب). الولد "المصروع" والتلاميذ.
د- 9: 2- 29: التعليم الثاني حول الآلام. خوف التلاميذ.
هـ- 9: 33- 50: توجيهات إلى الاثني عشر: من أراد.
و- 10: 1- 31: الفريسيون والتلاميذ (الجمع). الأطفال والتلاميذ. الرجل الغني والتلاميذ.
أ أ- 10: 32- 34: التعليم الثالث عن الآلام. خوف التلاميذ.
ب ب- 30: 35- 45: توجيهات إلى الاثني عشر: من أراد.
ج ج- شفاء الأعمى (الجموع).
تبرز هذه الرسمة بعض التوازيات التي يبدو فيها موقف يسوع قاعدة للجماعة التي أحاط نفسه بها. ولكنها تغفل أموراً أخرى. لهذا نبحث عن بنية أخرى.
** هنا نقدّم محاولة ثانية تعود إلى القطب المركزي. بعد الظهور المسبق للقيامة في حدث التجليّ، صوّر الإنجيلي التحوّل المتدرّج لدى التلاميذ بالإيمان بالمسيح المخلّص. وأحاط بهذا الظهور شفاءان ابرزا قدرة ابن الإنسان التي تحمل الحياة والنور: إخراج الشيطان من رجل أخرس (9: 14- 29). إعادة النظر إلى برطيما (10: 46- 52). تذكير بمعجزتي الأصم الأبكم في دكابوليس (المدن العشر) (7: 31- 37)، وأعمى بيت صيدا (8: 22- 26)0 التقابلات عديدة على مستوى الوضع واللغة، وهي تشدّد في الوقت عينه على عمل المسيح في حياة المؤمن وعلى الشروط الموضوعة أمام حرّية هذا المؤمن.
حينئذ يبدو النصّ على الشكل التالي:
مقدمة: شفاء ممسوس أخرس. صرخة الإيمان (9: 14- 29) أمام الجمع، وأمام التلاميذ الذين لم يستطيعوا أن يفعلوا شيئاً. صرخة الأب الذي يطلب الرحمة، حوار حول الإيمان، فعلة القيامة.
أ- تعليم حول مصير ابن الإنسان. سؤال حول الأولوية (9: 30- 35). في الجليل، تعليم للتلاميذ الخائفين. في كفرناحوم، نداء إلى الاثني عشر، وسؤال حول الأعظم: "من أراد أن يكون الأول، يجعل نفسه آخر الجميع وخادمهم".
ب- تقبل طفل. حين نتبع يسوع نتقبّل الآخر (9: 36- 41). نقبل باسم المسيح، وكطفل لا سند له، حتى ذاك الذي لا يتبع... "ليس من أحد... الحقّ أقول لكم". ويأتي الجزاء الموعود به.
ج- الدخول إلى ملكوت الله. نرذل الشكوك (9: 42- 50). نتجنّب تشكيك الصغار. تضحياًت وتجرّدات نقوم بها إذا أردنا أن ندخل الحياة. ملح التجرّد والسلام.
د- مشروع الله وفشل الحبّ. وصية أم تنازل (10: 1- 12). عبر الأردن، سؤال حول الشريعة. وصيّة الله وتنازل من قبل موسى: الحبّ أو الزنى (نترك الأب والأم).
هـ- تقبّل ملكوت الله (10: 13- 16). يسوع يستقبل الأطفال. "الحقّ أقول لكم". من تقبّل الملكوت مثل طفل دخله.
دد- نداء الله وعائق المال. الوصية والنقص (10: 17- 22). في الطريق، سؤال الغني حول الحياة الأبدية. وصية الله ونداء إلى تجاوز الذات. التقوى نحو الوالدين واتباع يسوع.
ج ج- الدخول إلى ملكوت الله. التخليّ عن الغنى (10: 23- 27). دهشة التلاميذ. صعب على الغني أن يدخل الملكوت. ما يستحيل على الإنسان هو ممكن لدى الله.
ب ب- تقبّل التلميذ. من تبع تقتل (10: 28- 30). تقبل "من أجلي ومن أجل الإنجيل". أن نترك كل شيء لكي نتبع يسوع. "ما من أحد... الحقّ أقول لكم..." الوعد بمئة ضعف.
أ أ- تعليم عن مصير ابن الإنسان. الأولويه الحقيقيّة (10: 31- 45). على طريق أورشليم، تعليم للاثني عشر الخائفين. محاولة يعقوب ويوحنا: "من هو الأكبر"؟ "كثير من الأولين يصيرون آخرين، ومن الآخرين أولين". "من أراد أن يكون الأول يكون خادم الجميع".
خاتمة: شفاء الأعمى: صرخة الإيمان، قفزة الإيمان (10: 46- 52). خلال الخروج من أريحا. حضور التلاميذ والجمع. صرخة الأَعمى الطالب الرحمة. كلمة القيامة. خلاص بالإيمان.
إن الفائدة من تنظيم النصّ على أساس عودة الألفاظ "المفاتيح"، هي أن تظهر كيف نظر مرقس إلى ملكوت الله وكيف قدّمه إلى الجماعات. فواقع الحياة الأبدية انكشف في قيامة يسوع. إذن، إنه لأمر ملحّ أن نتبعه بدون شرط على طريق المجد. غير أن هذه الطريق تمرّ في مرحلة ضرورية، مرحلة الألم والموت: إذن، نتقبل يسوع حين نقبل أن نتخلىّ عن طموحات الإنسان في الظلم والتسلّط والغنى (هكذا نشاركه في موته)، لكي نأخذ بنظرة الله (الخدمة، الوحدة، الفقر) وهكذا نشاركه في مجده. حينئذ يبدو الإيمان نعمة نتقبلها: وهي تقوم بتحويل القيم في المسيحي وتمنحه حرية داخليّة لا يستطيع الحصول عليها بقواه الخاصّة.
*** ولكن تبقى فجوات في هذا التصميم الذي قدّمناه: انه يدمّر البناء على تعليم يسوع المثلّث حول الآلام والقيامة: فصل حدثَ الولد "المصروع" عن خبر التجليّ الذي يرتبط به ارتباطاً تدوينياً. وحوّل الترتيب العام لمختلف مراحل الإنجيل. وخفّف من أهمية "الصعود إلى أورشليم" (10: 32- 33) الذي يدشّن مرحلة جديدة إطارها الوحيد هو المدينة المقدّسة.
لهذا نقدّم محاولة ثالثة تستطيع أن تجمع جمعاً أفضل مختلف العناصر التي أبرزناها حتى الآن. إن الفائدة من هذا البناء الجديد هي محدودة، لأننا لا نستطيع أن نسجن نصّ كاتب داخل إطار شكلي. على كل حال، إن هذه المحاولات تدلّ على نقاط يتوسّع حولها تدوين مرقس: نكتشف تشعّب كلامه ونكتشف غنى هدفه اللاهوتي.
إذا أخذنا بالوظيفة البانية (عند مرقس) للتعليم المثلّث عن الآلام والقيامة، نكتشف قسمتين متوسطتين. الأولى (8: 34) تتركّز على شخص يسوع، ابن الإنسان. وتكشف مصير كل إنسان لأنه ابن الله. الثانية (9: 33- 10: 31) ترتكز على حياة مجموعة التلاميذ وشروط الدخول إلى الملكوت. وهكذا يبرز الموضوعان الجوهريان في لاهوت مرقس: يسوع وجماعته. ونتوقّف عند التفاصيل.
القسمة الأولى: أول تعليم حول الحاش والقيامة (8: 31- 33). إعلان يسوع ورفض بطرس. الكلمة العاكفة: "ورائي، خلفي".
(1) يكشف ابن الله مصير كلّ إنسان: من الموت إلى الحياة.
أ- تعليم (يتوجّه إلى الجمع وإلى التلاميذ) حول معنى الحياة البشرية (8: 34- 9: 1): خلّص حياًته، فقدها... جيل فاسق أثيم. رؤية الملكوت يأتي بقوة. الكلمة العاكفة: رأى، شاهد.
ب- صوت الآب وقيامة الموتى (9: 2- 10). أخذ يسوع معه ثلاثة تلاميذ إلى الجبل: "هذا هو ابني الحبيب، فله اسمعوا". الأمر بالصمت حتى قيامة ابن الإنسان. الكلمة العاكفة: ابن الإنسان.
ج- سؤال التلاميذ حول إيليا (9: 11- 13). إعلان الكتبة وتعليم يسوع. ما قال الكتاب المقدّس عن ابن الإنسان. الكلمة العاكفة: الكتبة.
أ أ- جدال (أمام التلاميذ والجمع) حول عجز التلاميذ عن طرد الروح (9: 14- 19). رأى الجمع يسوع... "جيل كافر! إلى متى أبقى معكم"؟ الكلمة العاكفة: كافر، بلا إيمان.
ب ب- صرخة الأب وقيامة ابنه (9: 20- 27). جاؤوا بالولد إلى يسوع. "أؤمن. ولكن أعن قلّة إيماني".! بدا الولد وكأنه مات. أقامه يسوع. الكلمة العاكفة: اليد.
ج ج- سؤال التلاميذ حول عجزهم (9: 28- 32). إعلان حول الصلاة، وتعليم ثان عن الحاش والقيامة، عن آلام ابن الإنسان وقيامته (في الجليل). الكلمة العاكفة: سأل.
- القسمة الثانية، قال يسوع: سيسلّم ابن الإنسان. فما فهموا هذا الكلام.
(2) جماعة ابن الإنسان: دخول إلى الحياة.
أ- عمل الإنسان باسم يسوع: المجازاة (9: 33- 41). الأول يكون آخر الجميع. لا يتبعنا... ما من أحد... الحقّ أقول...
ب- التجرّد، رفض الشكوك (9: 42- 50). ما العمل للدخول إلى الحياة، إلى الملكوت (ثلاث مرات)؟ الدينونة ونار المحنة.
ج- وصية الله وتنازل موسى (15: 1- 12). خلال سفر في اليهودية، سأله الفريسيون. وحدة في الزواج لا انفصال فيها. الأب والأمّ، الزنى. 
د- تقبّل الملكوت: يسوع والأطفال (10: 13- 16: من جاء إلى يسوع قبَل الملكوت. قبله مثل طفل. "الحق أقول لكم".
ج ج- الوصايا والدعوة إلى المحبّة (10: 17- 22). في الطريق، مسألة رجل غنيّ. التخليّ عن الغنى. الأب والأمّ، الزنى.
ب ب- التجرّد الضروري والخلاص الذي نتقبّله (10: 23- 27). مش أجل الدخول إلى الملكوت (ثلاث مرات). خلاص مستحيل على البشر، ممكن لله.
أ أ- التخليّ عن كل شيء من أجل يسوع: مئة ضعف (10: 28- 31). لقد تبعناك. كثيرون من الأولين يصيرن آخرين. "الحقّ أقول لكم: ما من أحد".
- الختام: التعليم الثالث حوله الحاش والقيامة (10: 32- 34). دهشة التلاميذ وخوفهم. ومع ذلك، قالت لهم يسوع في الطريق الصاعدة إلى أورشليم: "سيسلم ابن الإنسان...".
في القسمة الأولى تظهر بوضوح مبادرة الله وعمله القدير الذي علامته قيامة ابن الله (ب). فهي تحدّد المعنى الجذري لحياة البشرية (أ) في توافق مع ما يقوله الكتاب المقدس عن مصير المسيح المتألم (ج). فتجاه قدرة الله، يكتشف الإنسان نفسه ضعيفاً كل الضعف حين يكون وحده: فيسوع هو الذي يحرّك الإيمان في قلب اللامؤمن، ويحوّله معيداً إليه ملكة النطق (ب ب). لهذا، يبدأ فيكشف للإنسان لا إيمانه (أأ)، ثم يأخذه معه، وسط مخاوفه، في طريق القيامة.
وتتوسّع القسمة الثانية في حياة المسيحي الخلقية التي هي كلها إتباع ليسوع واقتداء به. حين يسير نحو آلامه، يتقبّل ملكوت الله من الآب. ويبارك الأطفال والذين ليسوا بشيء في نظر العالم فيدلّ كيف يقدر الإنسان أن ينال الحياة الأبدية (د). هنا ندرك كيف يتمّ عمل الإنسان باسم المسيح، فيصبح خدمة للجميع لأن يسوع يربطه بقدرته (أ). بعد هذا يستطيع أن يقوم بكل تجرّد يمنعه من مواجهة المحن وبناء السلام (ب) وتقبّل شريعة الحياة والحبّ من الله، وهي شريعة تتجاوز عمقاً وفاعلية، كل المساومات والتنازلات البشرية (ج). وحين يصير الإنسان طفلاً يقبل بضعفه وعجزه، يستطيع أن يكتشف صلاح الله الموجود في الخليقة. فعبر الوصايا يدعوه نداء الحبّ لكي يشرك الآخرين في أمواله ويتقبّل كنز السماء (ج). وحين يعي عجزه المطلق عن تخليص نفسه، يستطيع أن يسقم نفسه إلى قدرة الله (ب ب)- ويتقبّل منه جزاء مئة ضعف يُعطى مع الإضطهادات. كما يتقبّل الوعد بالحياة الأبدية (أأ).
لقد أمَّنت الإنباءات الثلاثة بالحاش والقيامة تماسك هذه المجموعة. قدّمت على أنها "تعليم" يسوع فبدت كلمة حياة. إنها تأخذ فاعليتها من شخص يسوع الذي يسير نحو آلامه وموته. وهي تستقي مادية القيامة المخفية في كل لحظة من لحظات يسوع على الأرض، وتنتعش بحبّ الآب الكلي القدرة.
ثانياً: على المستوى البنيوي
نكتفي على المستوى البنيوي أن نذكّر ببعض العناصر التي جمعناها في قراءتنا.
* المستوى الزمني
إن الإشارات التي تدلّ على الزمن هي نادرة في هذه المتتالية: فإذا وضعنا جانباً الإشارة الليتورجية حول التجلي (9: 2، بعد ستة أيام) لا نملك إلا سلسلة كرونولوجية للأحداث تجري على مدّ سفر الألم والذلّ (8: 31؛ 9: 12، 31؛ 10: 33- 34). وفي الوقت عينه منفتح على المجد (8: 38؛ 9: 9، 43، 45، 47؛ 10: 17، 23، 24، 25، 30). كل شيء يجري بالنسبة إلى يسوع كما بالنسبة إلى تلاميذه في انشداد الحياة الحاضرة.
* الإطار الجغرافي
ويجعلنا الإطار الجغرافي ندرك هذا الإنشداد. فمجموعة التلاميذ هي دوماً في الطريق (لا راحة). يتبعون يسوع في الطريق، ويتوقّفون من وقت إلى آخر ليسألوا المعلّم. في المرحلة السابقة سرنا في طريق تبتعد عن الجليل إلى المناطق الوثنية. وفي هذه المرحلة، ننطلق من دكابوليس (المدن عشر) ونمرّ في جبل عالٍ لا يُذكر اسمه (9: 2، 9). بعد وقفة التجليّ ووقفة لشفاء الولد، إنطلق يسوع من جديد عبر الجليل (9: 3) فتوقّف في كفرناحوم، في البيت (9: 33- 34). ثم قام فانطلق نحو اليهودية والأردن (10: 1) حين أوقفه الفريسيون. وفي عودته إلى البيت بعد الجدال، سأله التلاميذ (15: 1). جاؤوا بأطفال ليباركهم. وحين انطلق (10: 17) جاءه غنيّ يطلبه. وبعد ذهاب الغني، تحدّث يسوع مع تلاميذه. ونجد نفوسنا فجأة صاعدين نحو أورشليم (10: 32- 33)، فيحدّد يسوع أن على ابن الإنسان أن يموت. وبعد ذلك، ولدى الخروج من أريحا (10: 46) نرى الأعمى الذي شُفي على قارعة الطريق يتبع يسوع في الطريق (10: 52). الطريق هو طريق الآلام والقيامة حيث يسبق يسوع أخصّاءه. أما هم فيتبعونه بخوف وتردّد. أما البيت فهو الموضع الذي فيه يدرّب المعلّم تلاميذه فيردّ على أسئلتهم.
* على مستوى الأشخاص
مسيرة التلاميذ في هذه المرحلة مسيرتان: إتباع يسوع، الاستماع إليه. أما سائر الأشخاص الذين يتدخّلون، فهم "يساعدون" بشكل أو بآخر على تكوين التلاميذ. هذا هو الموضوع الأول: ويدلّ الطريق والبيت على زمني التعليم، على خبرة ملموسة ثم على تفكير في ما عاشوه. غير أن خبرة الطريق تتمّ مع يسوع، وهو الذي يردّ على تساؤلات التلاميذ: فهم أنفسم صاروا في الطريق إلى الملكوت، بل إن الملكوت يقيم فيهم منذ الآن.
كل أويقات هذه المرحلة الرابعة تضمّ التواصل والتحرّك اللذين يميزان كلّ حياة، ويدلاّن على انشداد بين الله والإنسان: فكر الله وأفكار البشر (8: 33؛ 9: 5، 7؛ 9: 19، 23؛ 10: 9، 18، 27). إنشداد بين العالم الحاضر والعالم الآتي (8: 36- 38؛ 9: 12، 13، 41، 42- 48؛ 10: 15، 17، 21، 23، 26، 30، 39- 40). وهذا الانشداد يحدّد انقلاب القيم (8: 34- 35؛ 9: 12، 29، 35- 37، 38، 50؛ 10: 9- 12، 14، 21، 28، 31، 43). ويظهر الإيمان كالإطار الملموس الذي فيه يعيشون هذا الإنشداد ويتجاوزونه بقدرة النعمة ونورها. هذا الإيمان يعيشونه في إتباع يسوع المسيح، ابن الإنسان وابن الله معاً، وفي الإقتداء به. إنه المسيح الحقيقي ورجل الألم، ابن داود وخادم الجميع. 
3- التعليم الذي نجده في النصّ
نودّ هنا أن نستعيد نتيجة هذه التحاليل لنكشف الخطوط الرئيسية. ونستطيع القول بإيجاز إن المرحلة الرابعة في الإنجيل تشكّل فقاهة (تعليم مسيحي) موضوعها الخلقية المسيحية.
أ- يسوع ابن الإنسان
إن يسوع سمّى نفسه بشكل عاديّ "ابن الإنسان". هذه العبارة لم يستعملها مرقس حتى الآن إلاّ مرّتين، وفي إطار الجدالات اليهودية. هكذا أكّد على السلطة التي مارسها يسوع على الأرض حين غفر الخطايا (2: 28)، وحدّد الأزمنة المقدّسة (2: 28، السبت).
كان للتسمية في زمن يسوع لون خاصّ استقته من اللغة البيبلية. دلّت على عاطفة عميقة بالانتماء إلى البشرية. هذا ما نجده عند حزقيال الذي يناديه الله مراراً: يا ابن الإنسان. أي: يا إنسان (أنت كسائر الناس) (حز 2: 1- 5...). أما رؤية دا 7: 13 والأسفار الجليانية، فأعطت هذا اللقب لوناً مسيحانياً: دلّت على شخص سرّي كلي القدرة، على شخص إلهي. شخص يأتي في نهاية الأزمنة ليدين العالم.
وحين سمّى يسوع نفسه ابن الإنسان (عبارة نجدها بشكل خاصّ في الأناجيل ثم في أع 7: 56؛ رؤ 1: 13؛ 14: 14، عبارة نجدها في الأناجيل على شفتيه)، دلّ على سلطان الدينونة الشامل الذي ارتداه بصفته ابن الله. وهكذا دشّن في شخصه زمن الرجاء الأخير. ولهذا يربط. الإنجيل هذا اللقب مراراً (رج 8: 31) بلقب المسيح من جهة وبصورة. عبد الله المتألمّ من جهة ثانية (أش 42: 1- 4؛ 49: 1- 6؛ 50: 4- 9؛ 52: 13- 53: 12). كلّ هذا ميّز الإنجيل عن النظرة اليهودية حين جمع عن طريق المفارقة الحياة المائتة والقيامة، والصليب والمجد.
تقبّلت الكنيسة الأولى هذه التسمية التي تعبرّ في الوقت عينه عن الطابع الإلهي والسماوي الذي يدلّ على شخص يسوع، وعن البعد البشري والأرضي، المخفيّ في رسالته. صورة سماوّية، هذا هو أصلها. صورة جليانية، ولا تصبح واقعيّة إلا حين تتمّ على الأرض. صورة نبيّ رسمها الله فعبرّت عن مصير آتٍ من العلاء. صورة جُعلت لتضمّ حياة كاملة. صورة اسكاتولوجية، وهي تعلن تحوّل العالم وملكوت الله.
ب- ملكوت الله
إن يسوع جاء يحمل ملكوت الله إلى تاريخ البشر. فحمل بحرّية مصيرَه الخاصّ، مصير الموت والقيامة، ودعا تلاميذه إلى الدخول في هذا المصير، كما دعا من خلالهم البشر جميعاً. بهذا يقوم "تعليمه" طوال المرحلة الرابعة من إنجيل مرقس: نحن لا ندرس أمثولة بليغة وواقعية! بل ندخل (9: 43، 45، 47؛ 10: 15، 23، 24، 25) في "الحياة الأبدية" (باسيليا تو تيو) (9: 47؛ 10: 14، 15، 23، 24، 25).
أعلن الرابانيون هم أيضاً أن ملكوت الله يقام في هذا العالم عبر وعي لقرب الله (أي معرفة طرق الرب)، عبر الحسّ بالواجب اليومي، عبر المسؤولية تجاه ملك السماوات. اعتبروا ملكوت الله "خلقية"، تعليماً خلقياً. اعتبروه طريقاً، طريقة حياة كانت نتيجتها التعاليم والفرائض التي تعطيها دينامية وشكلاً، روحاً وجسداً. وكان واجب رسالة الشعب اليهودي أن يجعل هذا الملكوت يعمّ الكون في مخافة الله وحبّ القريب. يبدو للوهلة الأولى أن يسوع دخل في التقليد الراباني. فعند مرقس، يسميه التلاميذ (4: 28؛ 9: 5، 38؛ 10: 35؛ 11: 21؛ 13: 1: 14: 45) وسائر الناس بشكل عام: "معلم" (ديدسكالوس)، "رابي" (5: 35؛ 9: 17؛ 10: 17، 20، 51؛ 12: 14، 19، 32). أمّا في مت فلا يستعمل التلاميذ (ما عدا يوضاس) هذه التسمية. إنه محفوظ للجمع، للذين هم في الخارج. فقد قال يسوع: "لا تسمحوا بأن يدعوكم أحد: يا معلّم" (23: 7).
في الواقع، حين كان تعليم يسوع امتداداً لتعليم الرابانيين، فقد أتمّه، فجرّه، أدخل فيه مبدأ فصل. نحن أمام تعليم جديد يتفوّق إلى ما لا حدود له على التعليم القديم، وإن كان التعبير هو هو. فالشريعة التي أعطيت على الجبل المقدس (أش 24: 16؛ رج مر 9: 2) صارت وصية جذرية. عاد يسوع إلى ما أراد الله الخالق في البدء (10: 6). إلى الله ينبوع كل صلاح (10: 18، رج مز 136: 1). ودلّ في الوقت عينه على أن إرادة الله قد تمّت في شخصه: شريعة الله هي منذ الآن ابن الله الذي يجب أن نسمع له (9: 7).
فيسوع لا يعلّم فقط "شريعة أخلاقية" نحفظها لندخل إلى الملكوت. لا يعلّم ما يجب أن "نفعل" لندخل إلى الحياة الأبدية. فالملكوت هو يسوع الذي يدعو البشر للانضمام إليه، للتعلّق به وبرسالته، لاقتلاع ذواتهم من قيمهم ليقبلوا منه الحياة وفرح الخلاص ونعمة بها نُدعى أبناء الله.
ج- الحياة الخلقية
ملكوت الله ليس مثال أخوّة بشرية نحلم بها ولا تتحقّق. ملكوت الله هو المسيح. يقودنا الآب في جماعة حياة ومصير مع الابن الحبيب. لهذا، فالوجود الخلقي للمسيحي يفترق عمّا يقدّمه لنا البشر (طريق الله غير طرقنا). والخلقية المسيحية لا تعلّم في ذاتها بل تبدو كمشاركة في وجود يسوع وحياة يسوع: وحده يقدّم لنا ملء كلمة الله في حياًتنا.
بمَ تقوم هذه الكلمة التي نسميها "إتباع المسيح"، الإقتداء بيسوع المسيح؟ نسمع إلى المسيح، نتعرّف إلى عواطفه (فل 2: 5). نلاحظ أن القسم الثاني من تعليم يسوع في مر، وهو الذي يتحدّد موقعه بين الإنباء الثاني بالآلام والانباء الثالث، نلاحظ انه يعالج المجالات الثلاثة الكبرى في حياة الإنسان. فسؤال التلاميذ حول الأولوية (9: 33- 35) كان مناسبة لتوسّع حول تقبّل الآخر، الخدمة، التجرّد (9: 36- 50) التي تشرف على الحياة المشتركة: هذا هو المجال الاجتماعي والسياسي، حيث تحدّد العلاقات بين البشر على أساس العظمة والسلطة. مع السؤال حول معنى الحياة الزوجية (10: 1- 12) وموقف يسوع من الأطفال (10: 13- 16)، ندخل في المجال العائلي مع عمق العلاقات التي تتّسم بالمحبة والعاطفة. ولقاء الغني مع يسوع (10: 17- 22) والحوار الذي تلا هذا اللقاء (10: 23- 31) يدخلاننا في المجال الاقتصادي مع مشاكل المال واستعمال خيرات هذه الأرض.
خاتمة
انتظر يسوع هذه المرحلة الرابعة ليقدّم لتلاميذه توجيهات حول تصّرفهم في العالم. هو لم يفعل قبل أن يعلنه بطرس باسم الرسل "المسيح" أي ينبوع حبّهم وموضوع رجائهم الأخير. من أراد أن يكون تلميذ يسوع، يُطلب منه أن ينكر ذاته، أن يحمل صليبه، أن يسير وراء المعلّم. قبل أن يقول لنا يسوع كيف يجب أن نعيش، إنه يجتذبنا كتلاميذ على طريق الإيمان، على التعلق بشخصه. لهذا، كان الإيمان ضرورياً لإتباع يسوع إلى أورشليم، لإتباع يسوع في طريق الملكوت. لا شكّ في أن الألم يحيط بنا. ولكن المجد ينتظر أيضاً. الحياة مع المسيح هي توازن بين الحزن والفرح، بين الذلّ والمجد، بين الموت والقيامة. هكذا فعل يسوع، هكذا فعل تلاميذه. وهكذا يُدعى جميع البشر.

 

 

الفصل الخامس
يسوع ابن الإنسان
8: 27- 33
من هو يسوع؟ سؤال طرحه المعلّم على تلاميذه. من أنا في نظركم أنتم؟ قال له بطرس أنت المسيح. ومن هو هذا المسيح، وما هي علاقته بابن الإنسان؟
إن خبر 8: 27- 30 قد هيّأه 6: 14- 18 (يسوع هو إيليا، نبي كالأنبياء الأقدمين، يوحنا). وهو يبيّن أن التلاميذ الذين تحدّث باسمهم بطرس، سيذهبون أبعد مما ذهب إليه الناس. فقد رأوا نشاط يسوع. لهذا فهو لا يأتي ليهيّئ الدرب لغيره مثل يوحنا (الذي رمز إليه إيليا). إنه المخلّص النهائي. أجل، يسوع هو المسيح الذي أعلنه الأنبياء بمن فيهم يوحنا المعمدان. ذاك هو إيمان الكنيسة الأولى (1: 1).
وما قاله يسوع في 8: 31- 33 هو تعليم يسوع حول الطريقة التي بها يتمّ رسالته: إنها تمرّ في الألم والموت. نحن هنا في حقبة ثانية من إنجيل مرقس. في الأولى كانت الأمثال والمعجزات. وفي الثانية، وحي يسوع المحفوظ لتلاميذه. نقرأ هنا ما يُسمّى الإنباء الأول بالآلام. وسيأتي الإنباء الثاني (9: 30- 32) الذي لم يفهمه أيضاً تلاميذه. والإنباء الثالث (10: 32- 34) يكون مفصّلاً وقد كتب على ضوء حدث آلام يسوع وموته: "يحكمون عليه بالموت، يدفعونه إلى الأمم، فيهزأون به، ويبصقون عليه، ويجلدونه، ويقتلونه، ثم يقوم بعد ثلاثة أيام".
1- في قلب الإنجيل
مع اعتراف بطرس على الطريق الموصلة إلى نواحي قيصريّة فيلبّس، ندرك ذروة من ذروات إنجيل مرقس. وقبل أن نتابع مسيرتنا على خطى يسوع، نودّ أن نستعيد المراحل السابقة ونكتشف بُعد الوحي فيها. وهذه الوقفة ليست اعتباطية. فالإنجيلي نفسه يدعونا إليها. وهذا ما نفهمه إذا تعرّفنا إلى الطريقة الشخصيّة التي بها دوّن الإنجيلي القسم المركزي من إنجيله (8: 27- 9: 13).
كنا قد شدّدنا على الرباط الذي تؤمّنه مختلف "الإجمالات" حول يسوع، في بداية المراحل الثلاث الأولى (1: 14- 15؛ 3: 7- 12؛ 6: 6- 7). وإذ ربطت هذه المعالم التدوينية بين مرحلة ومرحلة، ركّزت في كل مرّة الانتباه على شخص يسوع، فذكّرت بأعماله السابقة وهيّأت الدرب للمقبلة. كنا دوماً في طريق متدرّجة عاشها التلاميذ: دعوة الرفاق الأربعة الأولين (1: 16- 20). تعيين الإثني عشر (3: 13- 19). إرسال الإثني عشر (6: 8-13).
أما الإجمالة التي بها تبدأ المرحلة الرابعة، فتتخذ لوناً خاصً: فإنباء يسوع بموته القريب يمثّل منعطفاً في حياًته كما في حياة التلاميذ، بل في حياة كل إنسان يسير على خطاه. فبطرس عرف باسم رفاقه أن المعلّم هو المسيح. وهكذا وصلنا إلى غاية القسم الأول من وحي يسوع بحسب مرقس. فقد قال في 1: 1: "بداية إنجيل يسوع (الذي هو) المسيح".
والآن ها هو يتحدّث عن "ابن الإنسان" وهو لقب لم يعطه لنفسه إلا مرتين في ما سبق: دلّ على سلطته على الخطايا (2: 10) وعلى سيادته على السبت (2: 28). إن يسوع يرسم برنامج الألم والموت (8: 31؛ رج 9: 12) ويعرض على التلاميذ صليباً يجهلونه (8: 34). وهذه النظرة سيتحدّد موقعها في حقيقة مخطّط الله، لأن صوت الآب يستعيد المبادرة، كما في العماد (1: 11) فيدلّ على "ابنه الحبيب" (9: 7). إنه "ابن الإنسان" لأنه "ابن الله" (15: 39). هذان هما اللقبان اللذان يشرفان على القسم الثاني من الإنجيل مع ما في الآية الأولى من الإنجيل: "بداية إنجيل يسوع (الذي هو) المسيح. (الذي هو) ابن الله" (1: 1).
إذن، يرتسم اتجاه حاسم في مسيرة الإنجيل، فيحدّد قطباً يتمّ حوله انقلاب كبير. على المستوى الأدبي، دلّ مر على هذا الإنقلاب حين دوّن بعناية خاصة الوصلة بين اللوحتين الكبيرتين (1: 1- 8: 27؛ 8: 28- 16: 20) اللتين تؤلّفان إنجيله. لقد رتب الإجمالة العادية بشكل "نقطة مركزية" نكتشف فيها مصير يسوع ومصير الإنسان وقد ارتبطا برباط لا يفكّ. واستعمل مر المتتالية التقليدية التي استعادها مت 16: 13- 17: 13 وأوجزها لو 9: 18- 36.
هذه "النقطة" تبدو كما يلي: إعلان بطرس لإيمانه (8: 27- 30). الإنباء الأول بالآلام (8: 31- 33). الشروط لإتباع يسوع (8: 34- 9: 1). التجليّ (9: 2- 8). السؤال حول إيليا (9: 9- 13). 
لقد أبرز مرقس النقطة المركزية في قلب إنجيله. فجاءت مرتبطة بالمرحلة الثالثة والمرحلة الرابعة. فيها نكتشف شخص المسيح ونكتشف وجه الكنيسة. وفيها نكتشف بشكل خاص مدلول "السرّ المسيحاني" الذي طلب يسوع من تلاميذه المحافظة عليه في البداية (8: 30) وفي النهاية (9: 9). 
2- كيف يبدو النصّ (8: 27- 33)
هناك ثلاثة مقاطع. سؤال يسوع حول نظرة الناسك إليه (8: 27- 28). إعلان بطرس وفرض الصمت من قبل يسوع (8: 29- 30). تعليم يسوع الذي يردّ عليه بطرس بعنف.
أ- من هو يسوع (آ 27- 28)
إن نشاط يسوع يطرح سؤالاً على الناس. فأجابوا بحسب آمالهم وتصوّراتهم الشخصية. بعضهم فعل كما فعل هيرودس (6: 14- 16) فظنّ أن هذا الإنسان هو يوحنا المعمدان الذي قد عاد إلى الحياة. ورأى آخرون فيه "إيليا" أو أحد الأنبياء. إذن اكتشفوا فيه شخصاً قديراً في القول والعمل، وربطوه بانتظارهم المسيحاني. غير أنهم نظروا إلى المستقبل على مثال ما في الماضي، دون أن يستطيعوا الإنفتاح على الجديد في وحي يسوع. 
أجل، من هو يسوع؟ أين صار التلاميذ بعد هذه المسيرة الجغرافية بل الروحية الطويلة؟ إن يسوع يسير معهم نحو قرى دكابوليس (المدن العشر) التي تحيط بقيصرية فيلبّس. وقعت هذه المدينة قرب ينابيع الأردن قرب مغارة الإله "بان". لهذا سمّيت اليوم بانياس. كانت مدينة جديدة، وقد بُنيت سنة 3 ق. م. إكراماً للإمبراطور أوغسطس. بناها هيرودس فيلبّس الثاني، شقيق انتيباس، وتترارخس (رئيس الربع) إيطورية وتراخونيتيدس. تزوّج سالومة الراقصة التي ستتدخّل في خبر مقتل يوحنا المعمدان.
ماذا ذهب يعمل يسوع في هذه المنطقة التي يسيطر عليها نفوذ هيرودس؟ سأل تلاميذه، كما سبق له وسأل أعمى بيت صيدا (8: 23، 27). سألهم على دفعتين. سألهم أولاً: "ماذا يقول الناس عني؟ من أنا" (آ 27)؟ حين دعاهم ليكونوا صدى الآراء المعلنة بشأنه، ذكّرهم "بخمير هيرودس والفريسيين" الذي يجب أن يحتفظوا منه (8: 15). وفي الواقع، إستعاد جوابهم الآراء التي عُرضت أمام هيرودس (6: 14- 16): بالنسبة إلى هيرودس، يسوع كان يوحنا المعمدان الذي قام من بين الأموات (يتضمّن الكلام إشارة إلى قيامة يسوع. هو الذي يقوم، لا يوحنا المعمدان). في نظر البلاط، هو إيليا، نبيّ الأزمنة الأخيرة. وبالنسبة إلى فئة ثالثة، هو أحد الأنبياء الذي تسلّم المشعل النبويّ بعد سنوات عديدة من الصمت.
ولكن، هل ينفصل التلاميذ عن الجمع، أم يقولون ما يقوله الجمع؟ هل فتحوا عيونهم ليروا وآذانهم ليسمعوا، أم ظلّت قلوبهم مغلقة خلال كل هذه المدة التي قضاها يسوع معهم؟
ب- أنت هو المسيح (آ 29- 30)
لا يكفي أن نورد آراء الآخرين. فيسوع يطلب من كل واحد أن يحدّد موقعه بالنسبة إليه. وقف بطرس باسم التلاميذ. اكتشف في يسوع تتمة انتظار إسرائيل، دون أن يقابله بشخص من الأشخاص. فيسوع في نظر بطرس، ليس السابق. وليس المنادي بالعهد المسيحاني. إنه من يحقّق هذا العهد.
ولكن ما هي فكرة بطرس عن المسيح؟ شافي المرضى؟ طارد الشياطين؟ المعلّم الذي لم يتكلّم مثله إنسان؟ الظافر على الأعداء ليملك في شعبه؟ من رآه حتى الآن يسير في خطّ هذه التسميات الأربع.
قال له: "أنت المسيح". فعل إيمان واضح وشخصي. لقد تجاوز التلاميذ قساوة القلب التي كانوا يتألمّون منها. وها هم يعلنون إيمانهم بفم بطرس. ومع ذلك "زجرهم" يسوع، كما فعل مع الأرواح النجسة (1: 25؛ 3: 12). كما فعل مع البحر الهائج (4: 39). ومنعهم من أن يكشفوا هويته لأي كان.
لماذا لا يتكلّمون إن كانوا اكتشفوا حقاً من هو؟ هل يُشعل السراج ليوضع تحت المكيال أم على المنارة؟ أما يجب أن يظهر كل خفي ويعلن كل مكتوم (4: 21- 22)؟ لا شك في ذلك. ولكن فعل إيمانهم، مهما كان صادقاً وصريحاً، ليس بكامل: لا يكفي أدن نقول بعض الحقيقة عن يسوع لكي نتكلّم عنه. لقد اكتشف التلاميذ أن يسوع هو المسيح. يجب أن يكتشفوا أيضاً أنه ابن الإنسان وابن الله. لقد اكتشفوا أنه المسيح الممجّد. ولكن يبقى أن يكتشفوا أنه عبد الله المتألم الذي يصل إلى المجد عبر الآلام والموت.
أجل، جاء سؤال يسوع مطروحاً بطريقة شخصيّة. وأنتم ماذا تقولون؟ من أنا (8: 29). هنا تصّرف بطرس كشخص مسؤول ولم يتهرّب. دعاه يسوع. وسمّاه بطرس أي الصخر. هو الأول في كل لوائح التلاميذ. إذن، هو سيتكلّم. كان نشيطاً في المرحلة الأولى: أبصره يسوع مع. أخيه اندراوس على شاطئ بحر الجليل ودعاه مع أخيه فتبعاه (1: 16- 18).. زاره يسوع وشفى له حماته "بناء على طلبه" (أخبروه بأمرها) (1: 29- 30). تكلّم باسم التلاميذ وجموع المنطقة: "الجميع يطلبونك" (1: 37). في المرحلة الثانية، اختير بين الإثني عشر (3: 16) ومع يعقوب ويوحنا ليشهد قيامة ابنة يائيرس (5: 37). في المرحلة الثالثة ظلّ صامتاً صمت المفكّر والمتأمّل. وفي النهاية، أجاب باسم التلاميذ جواباً شخصياً: "أنت هو المسيح" (آ 29). 
وفي النهاية، كُشفت هوية يسوع. فقد طُرحت في السابق أسئلة عديدة في صدده. بعد شفاء مجنون كفرناحوم، ذُهل الناس وقالوا: "ما هذا" (آ 27)؟ لم يصلوا بعد إلى الشخص، بل توقّفوا عند العمل المدهش، عند هذا التعليم الذي يفعل في الناس حتى على مستوى الجسد. وبعد شفاء المخلّع وغفران خطاياه دُهش الناس ومجّدوا الله قائلين: "ما رأينا قطّ مثل هذا" (2: 12)، إنه لشخص فريد.
غير أن أهله وذوي قرابته، ظلّوا على مستوى اللحم والدم، فلم يروا فيه أكثر من ابن العائلة والقبيلة. يقوم بهذه الأعمال! إذن، فقد رشده. رجل متهوّس (3: 21). وحاولوا إعادته إلى "الحظيرة". فهم لا يريدون "مشاكل"! وكانت خبرة التلاميذ في السفينة جعلتهم يقولون: "من هو هذا؟ فالبحر والرياح تطيعه" (4: 41)! هو شخص قدير، هو يعمل ما يعمله الله سيّد البحر والرياح.
وبعد شفاء مجنون الجدريين، كان الجميع معجبين بما فعل (5: 20). أما أهل بلدته، فتعجّبوا من كلماته وتساءلوا: "من أين له هذا؟ وما هذه الحكمة التي أوتيها" (6: 2)؟ وإذ رأوه يمشي على البحر "ظنّوا أنه خيال" (6: 49). وبعد شفاء الأصمّ الأبكم، قالوا عنه كما في تك 1: 1 ي (ورأى ذلك إنه حسن). قالوا: "لقد أحسن في كل ما صنع" (7: 37). إنه يقوم بعمل خلق جديد.
والآن، تحوّلت كل هذه الأسئلة إلى إعلان، إلى فعل إيمان. "أنت هو المسيح". وهذا الإعلان لا يحيط بكل سرّ يسوع الذي انكشف شيئاً وشيئاً. ولهذا حافظ يسوع على التوصية بالصمت (8: 30). غير أن هذا لم يمنع الأرواح النجسة من أن تؤكد صارخة: "أعرف من أنت: قدّوس الله" (1: 24، 34). "أنت هو ابن الله" (3: 11). "ما لي ولك، يا يسوع ابن الله العلي" (5: 7)؟ لماذا الخلاف بيني وبينك؟ مثل هذا التدخّل يريد أن يدمّر طريقة يسوع المتدرّجة في الكشف عن ذاته. ولهذا كان يسوع يفرض الصمت على هذه الأرواح النجسة.
إن المسيرة التي بدأها بطرس باسم التلاميذ ستتكرّر وتتثبّت، ولكننا نستطيع منذ الآن أن نقول إنها وصلت إلى عتبة هامة. وهكذا تحقّق القسم الأول من الإنجيل: "بدء إنجيل يسوع المسيح" (1: 1).
ج- ابن الإنسان يتألمّ (آ 31- 33)
أعلن بطرس ما أعلن، فأجابه يسوع. هنا يبدأ مر قسماً جديداً من إنجيله يقابل البداية في 1: 1: "وبدأ يعلمهم". بما أن ما يتمثّله التلاميذ عن المسيح ما زال غير كافٍ، أعطاهم لا معلومات إضافيّة، بل تعليماً يشكّل "بداية" جديدة. تحدّث عن الألم، عن استبعاده من وسط الشعب، عن الموت قتلاً... مع وعد بالقيامة لم يقدر أن يدخل في نظرتهم.
كان الإعلان واضحاً في قسمه الأول. ولكنهم شُدهوا أمام الطريقة التي بها قال هذه الكلمة (8: 32). هذا ما يشدّد عليه مرقس مستعيداً عبارة استعملها في ما مضى قبل شفاء مخلّع كفرناحوم (2: 2: كان يبشّرهم بالكلمة). كما استعملها في نهاية التعليم بالأمثال (4: 33: كان يلقي عليهم الكلمة، يكلّمهم بالكملة). ولكن وحي يسوع الجديد ظلّ لهم لغزاً، كما في الماضي، وصار ينبوع عمى.
وتصّرف بطرس بعنف كما فعل يسوع ضدّ الأرواح النجسة. "زجر" معلّمه الذي "زجره" بدوره. لم يتحمّل بطرس فكرة مسيح "يجب" (ينبغي) أن يتألمّ ويموت. أما في نظر يسوع، فمقاومة بطرس لا تتوافق ودعوته كتلميذ ورسالته التي تطلب منه أن "يكون معه" (3: 4)، أن يسير على خطاه لأنه المعلّم. إن كان بطرس قد عرف حقاً هوية معلّمه، فيجب عليه أن يكتشف دوماً متطلّبات لا يتوقّعها عن النداء الذي به يدعوه لإتباعه "اذهب ورائي" (آ 33؛ رج 1: 17). كان على التلميذ أن يتبع، أن يمشي وراء المعلّم. فإذا هو يسير أمام معلّمه، بل يقف له "حاجزاً" في طريقه. هذا هو مدلول لفظة "شيطان".
إن بطرس يقاوم تعليم يسوع، لأنه لا ينظر إلى الأمور حسب الله. لأن أفكاره ليست أفكار الله. فالمسيح الذي ينتظره بطرس ورفاقه يوافق أفكار البشر. ولكن ما هو المثال الذي يضعه الإنسان أمامه؟ الإنسان أم الله؟ الله هو الذي يعطي الإنسان قيمته.
مسألة صعبة بالنسبة إلى التلاميذ. هل يقدرون أن يقبلوا طابع الألم في رسالة يسوع، كما يراه الله؟ سيقول لهم يسوع مرة ثانية ومرة ثالثة إنه سيتألم (9: 31؛ 10: 33- 34). "لم يفهموا هذا الكلام، وهابوا أن يسألوه" (9: 32). وفي المرة الأخيرة، دلّوا أنهم لم يفهموا شيئاً لأنهم يتزاحمون على مقاعد الشرف، على الأولوية، ساعة علّمهم يسوع أنه جاء ليَخدم لا ليُخدم. جاء ليبذل نفسه فداء عن كثيرين، فداء عن جماعته.
3- من النصّ إلى يسوع
أ- تكوين النصّ
إن الوحدة الأدبية (8: 27- 33) التي ندرس، تتضمّن اعتراف بطرس على طريق قيصرية فيلبّس والإنباء الأول بالآلام. هناك من يعتبر أن الرباط بين هذين الحدثين سابق لعمل مرقس التدويني. أما السؤال المطروح فهو أن نعرف إذا كان هذا الرباط يعود إلى يسوع الذي اهتمّ بتصحيح التمثلاًت المسيحانية (الخاطئة) لدى تلاميذه، وبإعادة الآمال التي وضعوها فيه إلى وجهتها الصحيحة. أو إذا كان هذا الرباط يعود إلى الجماعة الأولى التي حاولت على ضوء آلام المسيح وقيامته، أن تنقّي نظرتها إلى شخص مؤسّسها من كل شائبة، من كل التباس.
لمقدم أبرر مر البعد الكرستولوجي للمقطع، لا ليعارض بين لقبي يسوع: لقب المسيح ولقب ابن الإنسان. لقب "المسيح" الذي رفضه يسوع (كما يظنون) ليحلّ محلّه لقب ابن الإنسان. فعل مر ما فعل ليجعلنا ندرك إدراكاً أفضل إيمان التلاميذ الذين واجههم سرّ يسوع وفرض نفسه عليهم. فيسوع أجبر مراراً على إنارتهم وإفهامهم الطابع المحيّر للرسالة التي كُلّف بها.
في النهاية، تبدو نظرة مر أمينة لتاريخ يسوع، حتى لو نسبنا إلى الإنجيلي التنظيم الأدبي لهذه المتتالية المؤسّسة على عناصر مشتّتة في التقليد، وصياغة بعض السمات الخاصة مثل قول يسوع الذي فيه يسمّى بطرس "شيطاناً" أو التوصية بالصمت المفروض على التلاميذ.
إذا كان مرقس يعيد مع الكنيسة الأولى، قراءة مسيرة يسوع التاريخية على ضوء القيامة. إذا كان يشدّد على عدم الفهم لدى التلاميذ، فلأنهم واجهوا التحدّي أمام أقوال معلّمهم وأعماله، وفُرض عليهم أن يتجاوزوا ما فهموا أو استشفوا منه، ليسلّموا ذواتهم إلى شخصه وسرّه.
لا شكّ في أننا نجد في هذا المقطع اهتمامات كرستولوجية (علم عن يسوع المسيح) واكليزيولوجية (علم عن الكنيسة): فهذا ما يتطلّبه وضع الجماعات المسيحية الأولى. فلقب "المسيح" الذي أعطاه الإيمان المسيحي ليسوع، صار اسم علم واختفت جذوره اليهودية (الملك الذي أرسل الله من يمسحه بالزيت المقدّس). وعبارة "ابن الإنسان" التي وُلدت هي أيضاً في محيط يهودي، لم تعد تتقيّد بسفر دانيال. بل كانت تذكّر المسيحيين بالطريقة التي بها كان يسوع يدلّ على نفسه، كما يدلّ على تتمّة رسالته بشكل يحيّر العقول: بالآلام والموت.
لقد أكّد مرقس للمسيحيين الذين يميلون، شأنهم شأن بطرس، أن يرفضوا الألم لهم ولمعلّمهم. أكد لهم أن كل محاولة من هذا النوع تبدو أرضية، شيطانية، ولا تتوافق مع أفكار الله.
ب- تعليم النصّ
في نظرة مرقس، تبدو الكرستولوجيا والاكليزيولوجيا مرتبطتين ارتباطاً وثيقاً. ولكن أيضاً الاكليزيولوجيا والاسكاتولوجيا. إذا كان يسوع سمّي المسيح كذلك الذي يتمّ رجاء إسرائيل، فهو أيضاً ابن الإنسان أي إنسان بين البشر، يسير في طريق الألم مع الذين يقاسمهم وضعهم. وهو في الوقت عينه مختلف كل الاختلاف عن سائر البشر لأنه ابن الله الوحيد. فالذين منذ اليوم يسمعون كلمته ويكتشفون شهادة حياًته، هم مدعوّون لإتباعه والالتزام بعيش ما عاشه وما يعيشه الآن في كل مؤمن لأنه القائم من الموت.
هكذا يتحدّد مصير كل إنسان: ما هو أثمن شيء عنده، حياًته (نفسه)، لا معنى لها ولا قيمة إلا في قرار يتخذه بأن يصير تلميذاً، بأن يتجرّد عن كل شيء ليتقبّل من المسيح تحرّر كيانه. سأل يسوع كل واحد: ماذا تقول؟ من أنا في نظرك؟ جوابه على السؤال يعني تأكيد هويته وتقرير وجهة حياًته.
منذ جاء إلى الجليل (1: 14) بدأ يسوع يعلن إنجيل (الخبر الطيب، البشرى) الله الذي ظهر في شخصه حين عماده في الأردن: "أنت هو ابني الحبيب، فيك مسرّتي" (1: 11). ما يدلّ عليه منذ البداية هو علاقته بالله. هذا ما أخبر به مرقس قرّاءه. ولكن الأرواح النجسة وحدهم عرفوا في العمق هذه القداسة التي يتساءل عنها البشر (1: 34، 3: 11). ومُنع التلميذ من الحديث عن "المسيح" بعد إعلان بطرس (8: 30) لأن هذا اللقب قد يعني تسمية خارجية في فم الذين يتفوّهون به. ومع التجليّ ودعوة الآب لسماع ابنه الوحيد، دُعي التلاميذ إلى اكتشاف بنوّته الإلهية في مسيرة حياًته اليوميّة التي تلاشت في الموت. فالأفعال التي تدلّ على القوة والأقوال التي تشير إلى السلطان، قد دلّت بما فيه الكفاية على أن البشرية قد تحوّلت بمجيء ابن الله. فهل هناك حاجة إلى علامات أخرى (8: 11- 12)؟ إن موت يسوع، واعتراف قائد المئة (15: 39) وتعليم القيامة، كل هذا يوضح الأمور فلا يبقى أي التباس.
إذا أردنا أن نكتشف بنوّة يسوع الإلهية، نتساءل لماذا "يخفّف" الوحي دوماً (كنور لا يصل كله ساطعاً). هنا نصل إلى ما يسمّى السرّ المسيحاني الذي هو خاص بمرقس. عبارة استعملها الشّراح وقد لا تكون كافية. فيسوع لا يطلب بأن ينحفظ "السرّ" حول الواقع المسيحاني لشخصه، بل أن نتعمّق في "سرّ لاهوته". لهذا يجب أن نتكلّم مع القدّيس بولس عن "السرّ المغلّف بالصمت" (روم 16: 25، السرّ المكتوم) كما ظهر في يسوع. ولكن لا بدّ من استعمال هذه العبارة.
وها نحن نعود بإيجاز إلى الوصيّة بالصمت التي فرضها يسوع خلال رسالته، والتي بدت تتراجع بعد اعتراف بطرس، أمام تدخّلات تلاميذه التي دلّت على عدم فهمهم لمهمة يسوع الفدائية.
حين جاء إلى كفرناحوم، قدّم مرقس مجيئه كتفجّر عمل الله في تاريخ البشر. وبيّن لنا في الوقت عينه اهتمام يسوع بأن يخفّف من وقع أعماله، وإلحاحه بأن يبقى بعيداً عن الجموع. وهكذا كان شبه تعارض في موقفه: حرّك إعلان الشياطين ولكنه فرض عليهم أن يصمتوا (: 31؛ 3: 11). طهّر الأبرص ولكنه طلب منه أن لا يتكلّم عن شفائه (1: 44- 45). وكانت التوصية عينها لوالدي ابنة يائيرس بعد شفائها (5: 43). ولكن من يستطيع أن يمنع انتشار الخبر؟
في العالم الوثني بدأ يسوع يعمل بطريقة مختلفة، لأنه أرسل المجنون المعافى يعلن على الجراسيين المعادين رحمة الرب من أجله (5: 19- 20). وفي بلاد صور لا يستطيع أن "يختفي" رغم القرار الذي اتخذه (7: 24). وفي المدن العشر، شفى الأصمّ الأخرس بعيداً عن الناس وأوصاهم ألا يقولوا لأحد لئلا يذيع الخبر (7: 33، 36). فكأن يسوع يريد أن يفلت من حماس أثاره بنفسه (7: 37). وتبع شفاءَ أعمى بيت صيدا أمرٌ بأن لا يدخل إلى القرية (8: 26).
ثم إن مر لا يشير إلى أية ردّة فعل على تكثير الأرغفة في المرة الأولى (6: 43- 44) وفي المرة الثانية (8: 8- 9) ساعة يتحدّث يو في هذا الموضع عن مظاهرة ذي طابع مسيحاني (6: 14). لماذا يخفي يسوع الوحي بهذه الطريقة، ولا الوقت عينه ينشره بسخاء ما بعده سخاء وحرية تامة؟
في هذا التعارض، أراد مر أن يعبّر عن لطافة الله الذي يعطي ذاته وفي الوقت عينه يُمّحى في شخص يسوع. هو لا يفرض نفسه أبداً. كما لا يرفض الألقاب التي تعطى له. ولكنه يمنعنا من الإستيلاء عليها وكأنها تعابير حاسمة ونهائية نسجنه فيها. لا شكّ في أنها مؤسّسة تأسيساً لاهوتياً. ولكن لا نستطيع أن نتكلّم بالحقّ عن الله إلا بوحي يعطيه عن ذاته في موت يسوع وقيامته. لهذا، حين نزل يسوع من الجبل، وضع حداً للتوصية بالصمت: "متى قام ابن الإنسان من بين الأموات". فحين يبلغ الوحي كماله في القيامة، نستطيع أن نتكلّم عن ابن الله في العالم، لان الروح القدس الذي حلّ على يسوع في العماد (1: 10) يعطي النطق للذين يعلنون الإنجيل (13: 11) ويكون كافلاً لكرازتهم.
ولكن هناك شيئاً آخر يوقف إعلان كلام الملكوت: عدم فهم التلاميذ. ومع ذلك فقد نُظّموا كمسؤولين عن التعليم، وارتدوا السلطان، ومُنحوا نعمة سرّ الملكوت. فإن مر يعرف أن الكلمة هي كبذرة تُلقى في الأرض فتنمو وتحمل ثمراً. وهو يعرف أن الإنجيل الذي يعلن في الكنيسة هو كلمة الله من أجل العالم. وهو يعرف أيضاً أن هذه الكلمة يعارضها ثقل قلب الإنسان. لهذا نحتاج إلى قدرة الله ونعمته، وهو يفتح طريقه عبر لا إيمان التلاميذ وقساوة قلوبهم: هنا نلامس نواة إنجيل مرقس: إن سرّ ابن الله ينكشف للإنسان، لا حين يزيل نفسه، بل حين ينشر كل قدرته في قلب عدم فهمنا ومقاومتنا له.
توصيات بالصمت ولافهم التلاميذ. كل هذا يدخل في فعلات رحمة الله. فالله الذي لا يدركه الإنسان، صار قريباً منا في شخص يسوع. وهو يدلّنا على قصر نظرنا البشري وعدم شفافية عيوننا. ولكنه بهذا الطريقة يخلّصنا: حين يكشف الله للإنسان عجزه عن أن يخلّص نفسه بنفسه، فهو يعطيه أن يربح حياًته من خلال معارضته وخطيئته. ففي كنيسة مرقس، كما في كنيستنا، الإلتباس هو هو بين اعتراف إيماني وميول مسيحانية. فالإنسان يريد أن يخلّص نفسه بنفسه وساعة يشاء. يريد أن يكتشف شفافية الله في وقت يحدّده هو. ولكن ابن الإنسان يتابع مسيرته آخذاً كل الآلام، آخذاً كل رذل وموت، لكي تصل نعمة القيامة إلى جميع البشر.
خاتمة
سرّ الإيمان المسيحي هو سرّ الله الذي صار ملموساً للإنسان. وحين كشف عن هويته في طبيعة ابنه البشرية، لم يبعد السرّ عن أنظارنا التي تريد أن ترى وأصابعنا التي تريد أن تلمس، بل هو "غطّسنا" فيه وقال لنا انه القاعدة والنور لحياًتنا. فإن كان السؤال حول معنى حياًتنا يعذّبنا، فلأننا مصنوعون لله. وكل المحررين الذين حلمنا بهم، والمسحاء الذين تصوّرناهم يُمحون أو يشهدون لذلك الذي يرسله الله إلينا لكي يعلّمنا ويشفينا ويطرد الشّر منا. أما نحن فلا نريد تحرّراً يبني حسب فكر الله! هذا هو وضع التلاميذ. هذا هو وضعنا نحن. لهذا يجب علينا أن نرافق يسوع، نسمع له لنفهم الحكمة الحقّة، لنفهم أن ما هو جهل عند الله أحكم من حكمة البشر، وما هو ضعف عند الله أقوى من قوّة البشر.

 

 

الفصل السادس
معنى حياة الإنسان
8: 34- 9: 1
"من أراد أن يخلّص نفسه يهلكها. ومن يهلك نفسه يخلّصها". هذه المفارقة المزدوجة التي تبدو بشكل موازاة متعارضة، نجدها في أشكال مختلفة في ستة مقاطع من الأناجيل. هناك موازاة مثلّثة بعد اعتراف بطرس: مت 16: 25؛ مر 8: 35؛ لو 9: 24. ثم نجدها في خطبة الرسالة (مت 10: 39) وفي لوحة يوم ابن الإنسان (لو 17: 33) وفي إعلان يسوع لموته بعد موكب الشعانين (يو 12: 25). كل هذه الأشكال تعود إلى كلمة واحدة تلفّظ بها المعلّم فكان لها كل هذا الصدى في الجماعات المسيحية. 
1- الألفاظ المهمة في التعارض
تتأسّس النقيضة الأساسية كلها على التعارض بين ثلاث ألفاظ: الحياة (النفس)، خسر، خلّص. وهي ألفاظ سوف نجدها في مختلف الأشكال.
أ- الحياة (النفس)
ترد هذه اللفظة 11 مرة في العبارات الست. مرتين في كل عبارة. ومرة واحدة في لو 17: 33. الحياة هي النفس. نسمة الحياة، مبدأ الحياة والشعور والفهم. النفس هي الشخص البشري. وهي تعارض الجسد حسب الثنائية اليونانية. إن السبعينية ترجمت "نفش" العبرية إلى "بسيخي" اليونانية (600 مرة من 755). غير أن اللفظتين العبرية واليونانية لا تتوافقان كل الموافقة. تعني "نفش": الحلق، نسمة الحياة، الكائن الحي، الإنسان. الحياة كوجود ملموس. وهي لا تعارض الجسد أبداً (كما في اليونانية).
تكلّم يسوع في لغة ساميّة. وحين استعمل "بسيخي" يجب أن نفهم "نفش". وحده مت 10: 28 قابل النفس مع الجسد (سوما). هو لا يتحدّث عن النفس الخالدة، لأنه متأكد أنها لن تمتلك كل حقيقتها إلاّ في القيامة.
ب- خسر نفسه (حياًته)
في التعابير الستة ترتبط "بسيخي" 11 مرة يفعل "خسر" (ابولوناي)، ترتبط نشقّي العبارة في 5 مرّات، ما عدا في يو 12: 25 حيث يتكلّم عن "أبغض حياًته".
في العهد القديم، "خسر حياًته" يعني "مات". رج لا 7: 20، 21، 25، 27؛ 32: 30. ويعطي يسوع اللفظة ذات المعنى: موت الجسد. حين يجادل خصومه حول الأشفية التي يصنعها يوم السبت يقول: "أيحلّ يوم السبت أن نعمل الخير أم الشّر؟ أن نخلّص نفساً أم نهلكها" (لو 6: 9)؟ يقول مر 3: 4 (نص موازٍ): نخلّص نفساً أم نقتلها. غير أن يسوع يتطلّع إلى "هلاك، اسكاتولوجي. فحين يدعو تلاميذه إلى أن يشهدوا له دون أن يخافوا المضطهدين، يقول لهم: "لا تخافوا الذي يقتلون الجسد ولا يستطيعون أن يقتلوا النفس (الإنسان). بل خافوا من يستطيع أن يهلك النفس والجسد في جهنم" (مت 10: 28). قد يُظنّ أن متى يعارض بين النفس والجسد. على الطريقة. اليونانية.. ولكننا لا نجد مثل هذا التعارض أبداً في الأناجيل. وفي نظر يسوع لا حياة. حقيقية إلاّ في الخلاص الاسكاتولوجي (مر 9: 43، 45، 47؛ مت 18: 8- 9؛ 25: 46). "النفس" التي نخسرها في جهنّم هي الإنسان كله. ونجد ذات الخسارة التامة في القول المعروف: "ماذا يفيد الإنسان إن ربح العالم كله وخسر نفسه" (حياًته، وجوده) (مت 16: 26؛ مر 8: 36؛ قال لو 9: 25: إذا هلك أو عرّض نفسه للخطر)؟ وهكذا، حين يتحدّث يسوع عن "حْسر نفسه أو حياًته" فهو يتطلّع إمّا إلى الحياة الأبدية وإما إلى وجودنا بعد حياًتنا على الأرض. والمعنى هو هو في الحالين.
ج- خلّص نفسه
ترد هذه اللفظة (سوزاين) خمس مرات في عباراتنا: مر 8: 25 ولو 9: 24: في شقي العبارة. مت 6: 25: في الشقّ الأوّل. وقد جعل متى مكان العبارة "وجد حياًته" (نفسه)، مرتين في 10: 39 ومرة واحدة في الشق الثاني من 16: 25. وقدّم لو 17: 33 ويو 12: 25 ألفاظاً مماثلة. 
يربط العهد القديم "نفش" بفعل خلّص (ملط، فدى، يشع) ليدلّ على حياة الجسد التي تنتزع من الموت. الإنسان هو في خطر: خلّص نفسك، حياًتك (تك 9: 17؛ 1 صم 19: 11؛ إر 48: 6). لا النداء إلى النجدة: خلّص نفسي، حياًتي (أي 33: 28). في صرخة الأمل: يخلّص حياة المساكين (مز 72: 13؛ 109: 31). في فعل الشكر: خلصتَ حياًتي (مز 31: 8؛ أش 38: 17؛ تك 32: 30). في التهديد: لن يخلّص حياًته (عا 2: 14- 15).
لا ترد هذه العبارة مراراً في أقوال يسوع. نتذكّر كلامه خلال شفاء السبت (مر 3: 4؛ لو 6: 9). ونجد ما يقابلها في التحريض للثبات في الإضطهاد. يقول لو 21: 19: "بثباتكم تقتنون نفوسكم" (حياًتكم). أما مت 24: 13 ومر 13: 13 فقالا: "من يثبت إلى المنتهى فذاك يخلص". 
ولكن نلاحظ أن فعل "خلّص" في فم يسوع وفي العالم اليهودي الذي عاصره، يحمل رنّة اسكاتولوجية تتجاوز الخلاص الزمني. فيسوع يرى في هذا الخلاص علامة عن مجيء الملكوت (مت 11: 5؛ لو 7: 22؛ مت 12: 28؛ لو 11: 20).
2- قول يسوع بعد اعتراف بطرس
إنّ قول يسوع في الأناجيل الإزائية (مت 16: 25؛ مر 8: 35؛ لو 9: 24) يتخذ توجهه الخاص من قرائنه. أثار يسوع اعتراف بطرس أمام مجموعة التلاميذ. ثم فرض عليهم الصمت حول مسيحانيته. وأنبأهم للمرة الأولى بآلامه القريبة. وبعد هذا الوحي المأساوي، جمع الإزائيون الثلاثة عدة أقوال تمثل النتيجة الملموسة لهذا التعليم، لمن يريد أن يتبع يسوع. الأول يفرض عليهم أن ينكروا ذواتهم ويحملوا صليبهم. أي أن يكونوا أمناء له حتى الموت الهالك الذي يعرفه المحكوم عليه بالموت (مر 8: 24 وز). والقول الثاني يعلن: "من خسر حياًته خلّصها". وقد جاء القول الثالث يفسرّه كما يلي: لا شيء يفيد إن ربحنا العالم، إذا قادنا هذا الربح إلى تعريض حياًتنا للخطر (مر 8: 36- 37 وز). والقول الرابع الذي فيه يختلف متى عن مرقس ولوقا، فهو يعلن الدينونة الاسكاتولوجية التي يتمها ابن الإنسان بالنسبة إلى أمانة تلاميذه (مر 8: 38 وز). والقول الأخير يرد في أشكال مختلفة فيوجّه أنظارنا نحو المجيء القريب للملكوت (مر 9: 1 وز). يا هذا السياق، يبدو من الواضح أن القول عن الربح والخسارة يتوجّه إلى التلاميذ، يدعوهم إلى اتباع المعلّم ولو خسروا حياتهم، يعدهم بالخلاص يا المجيء الاسكاتولوجي.
أ- مرقس
وقدّم كل إنجيلي نسخته. عبّر عنها مر 8: 35 كما يلي: "فمن أراد أن يخلّص نفسه يخسرها (يهلكها). ومن خسر نفسه (حياًته) من أجلي ومن أجل الإنجيل يخلّصها".
توجّه هذا القول إلى الجموع كما إلى التلاميذ (آ 34). ودلّ هكذا أن كلامه لا يعني فقط حلقة صغيرة من تابعي يسوع على طرق فلسطين، بل جميع الذين يتجنّدون له ويتبعونه. عليهم أن يكونوا مستعدّين لأن يفقدوا حياتهم، أن يحملوا صليبهم. وهذه التضحية تفرض نفسها "من أجلي ومن أجل الإنجيل". لا نجد هذه اللفظة الأخيرة إلاّ عند مرقس (بين العبارات الست). الإنجيل هو عمل الكرازة الرسولية. فمن خسر حياًته من أجل الإنجيل دخل في مشروع يسوع، حمل تعليمه وقاسمه صليبه. غير أن المرسل الذي يفقد حياًته من أجل يسوع ومن أجل الإنجيل، يتأكد بأنه يخلّصها.
يدلّ السياق على أنّ هذا الخلاص يتمّ في مجيء ابن الإنسان في المجد (آ 38). أما من أراد أن يخلّص نفسه، فهو من يستحي بيسوع وبتعليمه في هذا الجيل الفاسق الأثيم (آ 38). فهو من يخاف الموت فيرفض شهادة الدم ليسوع. وهذه الجبانة (وهذا التراخي) تقوده إلى خسران حياًته. نلاحظ أن مرقس لا يميّز بين الحياة الحاضرة والحياة الآتية. فالحياة التي نخسرها أو نخلّصها هي "النفس" (بسيخي). هي الوجود الملموس للتلميذ. كل حياًته المجنّدة في العمل الرسولي مع ما في هذا العمل من خطر. فالذي يدخل في عمل يسوع يخسر إذا تراخى. ويخلص إذا كان أميناً.
ب- لوقا 
نقرأ في 9: 24: "فمن أراد أن يخلّص حياًته يفقدها. والذي يفقد حياًته لأجلي فهذا يخلّصها".
وجّه لوقا هذا القول إلى "الجميع" (آ 23). وهذا ما يدلّ على بُعده الشامل الذي لا يظهر في مر. فمن أراد أن يتبع يسوع، دُعي لأن يخسر حياًته "لأجله" (كما في مر ما عدا "لأجل الإنجيل"). وتفسر آ 26: يجب أن لا يستحي بيسوع ولا بأقواله. لسنا أمام موضوع الكرازة بالإنجيل، بل أمام الأمانة ليسوع حتى الموت. وهكذا يتجاوز لوقا المرسلين، فيطبّق هذا القول على جميع تلاميذ المسيح.
ج- متى
كان مت 16: 25 شبيهاً بما في لو 9: 24، ما عدا في الألفاظ الأخيرة. "فمن أراد أن يخلّص نفسه يفقدها. أما من يفقد نفسه من أجلي فهو يجدها".
حُفظ القول للتلاميذ وحدهم (آ 24). وهكذا اختلف مت عن مر ولو. وهذا ما يوافق الوضع الذي صوّره الإزائيون الثلاثة، كما يوافق مضمون القول. غير أن متى وجّهه أيضاً إلى جميع التلاميذ في المستقبل. فعبارة "وجد حياًته" تجد ما يقابلها في العهد القديم (أم 21: 21؛ رج 8: 35. غير أننا نجد "حييم" أي الحياة، لا "نفش"). وهي تبدو بشكل تعارض مع "خسر حياًته". غير أنها تضعف التوازي بين "ربح وخسر".
إذا كان متّى قد استعمل هذه الإختلافة، فلأنه يستعمل وحده فعل "وجد" ليدلي على اكتشاف الطريق الذي يقود إلى الحياة (7: 14)، والسلام للنفوس (11: 29)، وملكوت السماوات (13: 44، 46). وإن قال هنا "وجد حياًته" فهو يدلّ على اكتشاف الموهبة العجيبة، موهبة الحياة الحقيقية التي تقابل حياة الأرض. حياة الأرض هذه لا نحاول أن نخلّصها مهما كان الثمن، بل نخسرها من أجل يسوع.
وهكذا اتفق الإزائيون الثلاثة فرأوا في قول يسوع نتيجة لسرّ موت المعلم بالنظر إلى التلاميذ. فهموه في وضع اضطهاد عرفته الكنيسة بعد موت اسطفانس. في هذا الوضع، من أراد أن يخلّص نفسه يفقدها. ومن يقبل أن يفقدها يخلّصها. لا نجد عند مرقس ولوقا تمييزاً بين الحياة الأرضية والحياة الاسكاتولوجية (في كلا الحالين، نحن أمام حياة النفس). أما متى فينظر إلى الخلاص علماً أنه اكتشاف اسكاتولوجي للحياة الحقيقية. بالإضافة إلى ذلك، يطبّق مرقس هذا القول على الواعظين بالإنجيل. ويطبّقه متى ولوقا على كل تلاميذ المسيح.
3- القول الإنجيلي في مناسبات أخرى
أ- إعلان الاضطهاد للإثني عشر (مت 10: 39)
في إضمامة الأمثال التي جمعها متى ليجعل منها خطبة يسوع للإثني عشر قبل إرسالهم مت 10: 5- 42)، يحدّد القسم الأكبر تصّرف الرسل تجاه الاضطهاد (آ 16- 39). وينتهي هذا القسم بالقول الذي ندرس (آ 39) والذي تسبقه حالاً (كما في سياق اعتراف بطرس) الدعوة إلى أن نحمل الصليب ونتبع يسوع (آ 38؛ رج مر 8: 34- 35). هذا يدلّ على أنّ القولين كانا معاً في مرحلة قديمة من التقليد، وأن متى استقاهما من ينبوعين مختلفين. 
إن التعبير عن كلمة يسوع هنا (مت 10: 39) هو قريب ممّا في 16: 25: "من وجد نفسه أضاعها. ومن أضاع نفسه من أجلي وجدها". 
نلاحظ اختلافين بين نصيّ مرقس. حلّ فعل "وجد" محلّ فعل "خلّص" (ورد فعل "وجد" في الشق الثاني من مت 16: 25). وجاء التعبير في صيغة اسم الفاعل (واجد نفسه) فدلّ على الأصل الساميّ لهذا القول.
فكرة متى واضحة في هذا القول الذي يظهر في السياق. نحن (كما في مر 8: 35) أمام الرسالة. وهنا، رسالة الإثني عشر. فحين يحمل الرسل أمام العالم تعليم ملكوت السماوات (آ 7)، يعرفون أنهم يواجهون الاضطهاد. فعليهم أن يكونوا جاهزين لكي يخسروا حياتهم، لكي يتخلّوا عن طلب حياتهم. حينئذ يجدونها عطية عجيبة يمنحها الآب لهم بناء على شهادة ابنه (آ 32). الوعد هنا هو كما في 16: 25: "وجدها".
ب- إعلان يوم ابن الإنسان (لو 17: 33)
تفرّد لوقا فقدّم خلال صعود يسوع إلى أورشليم، لوحة عن المجيء الاسكاتولوجي لابن الإنسان (7: 22- 37). ونحن نجد معظم عناصر هذا المقطع لا خطبة متى الاسكاتولوجية (24: 17- 18، 26- 27، 28، 37، 39، 40- 41). في هذا الإطار الاسكاتولوجي، يقدّم لوقا هذا القول (آ 33) مرة ثانية، لأنه وجده في مرجع غير مر 8: 35 الذي منه أخذ 9: 24. أما تدوين هذا القول فلا يختلف عن 9: 24: "من طلب أن يخلّص نفسه يهلكها. ومن أهلك نفسه يجدها (أو: يحفظها)".
غابت عن هذه العبارة لفظة "لأجلي" في الشقّ الثاني. كما غاب فعل "خلّص"، وحلّ محلّه: وجد، حفظ. إن فعل "باريبوياين" الذي يعني حفظ نجده مراراً في السبعينية (يش 6: 17؛ مز 79: 11؛ حز 13: 18- 19؛ 2 مك 3: 35) وهو يترجم فعل "حمل" ويدلّ على البقاء على قيد الحياة. هذه اللفظة تقابل "خلّص" ولكنها أكثر يونانية. والفعل الثاني "زووغوناين" (حفظ) يرد يا السبعينية (خر 1: 17- 18، قض 8: 19؛ 1 صم 27: 9- 11؛ 1 مل 20: 21؛ 2 مل 7: 4) وهو يترجم أيضاً فعل "حمى"، شأنه شأن الفعل الأول.
وهكذا يفكّر لوقا في الحياة الجديدة للعالم الآتي. وأمام النظرة إلى مجيء ابن الإنسان، يجب على كل تلميذ أن يتخلىّ عن طلب المحافظة على حياًته الزمنية. عليه أن يخسرها لكي يلد لحياة جديدة تتميّز عن الأولى.
ج- إعلان تمجيد يسوع (يو 12: 25)
جعل يوحنا بعد دخول يسوع المسيحاني إلى أورشليم (12: 12- 19) وطلب اليونان بأن يروا يسوع (12: 20- 22)، إعلاناً ليسوع حول سرّه الفصحي الذي سوف يتمّ (12: 23- 26). يبدأ هذا الإعلان بتأكيد يقول إن ابن الإنسان سوف يتمجّد (آ 23). نجد هذا التأكيد في 13: 31- 32، كما نجد صدى له ثا 17: 1، 5. إنه يعبّر عن طابع الوحدة بين آلام الابن ومجده في يو. بعد هذا، يأتي مثَل حبة الحنطة التي يجب أن تموت لكي تحمل ثمراً (آ 24). هذا ما يدلّ دلالة واضحة على موت يسوع.
حينئذ يبرز الشكل اليوحناوي للقول الذي ندرس (آ 25). وفي النهاية يدعونا يسوع لاتباعه (آ 26).
إن قول يسوع في آ 25 يبدو مرتبطاً بما في مر 8: 35 وز، مع نداء إلى خسران الحياة. "من أحب نفسه خسرها. ومن أبغض نفسه في هذا العالم حفظها لحياة أبدية".
لا يتحدّث الشقّ الأوّل عن خسران النفس أو طلب النفسي كما في الأناجيل الإزائية، بل عن الحب (في صيغة اسم الفاعل كما في مت 10: 39: فيلون أي محبّ). ويختلف الشقّ الثاني أيضاً عن العبارات السابقة. حلّ محلّ "خسر" و"خلّص"، "أبغض"، "حفظ". وبدت معارضة جديدة بين هذا العالم والحياة الأبدية.
إن اسمي الفاعل (محب، مبغض) يشكّلان نقيضة واضحة وملموسة، نجد مثلها في التوراة وفي لغة يسوع (مت 6: 24؛ لو 16: 13؛ مت 10: 37؛ لو 14: 26). ثم إن عبارتي "هذا العالم" و"الحياة الأبدية" تميّزان الإنجيل الرابع (ترد الأولى 11 مرة في يو وتغيب من الإزائيين. وترد الثانية 17 مرة عند يو، 3 في مت، 2 في مر، 3 في لو)، ولا توجدان في العبارات الخمس السابقة التي تورد قول يسوع. هذا يعني أن يوحنا قد وضعهما.
أما فعل "حفظ" الذي يقابل "خلّص" في مر 8: 35 ولو 9: 24، فهو يماهي عن طريق المفارقة بين حياة يجب أن نبغضها وحياة نحفظها في حياة أبدية. لا شك في أن التماهي بين حياة نخسرها وحياة نخلّصها، يبدو موضوعاً أساسياً للقول في جذوره. غير أن "حفظ الحياة في الحياة الأبدية" يجد باعثاً له عند يوحنا في تفكيره حول الحياة الأبدية التي بدأت منذ الآن للذي يؤمن (يو 3: 15- 16، 36؛ 5: 24؛ 6: 40، 47، 54؛ 17: 3). هذا يعني أننا ننسب هذا الفعل إلى التدوين اليوحنّاوي.
أي معنى يعطي يوحنا لقول يسوع؟ حين جعله بعد قولين يشيران إلى موت يسوع وخصبه (آ 23- 24)، طبّقه على هذا الموت: إن يسوع خاطر بحياًته (يو 10: 11، 15، 17؛ رج 15: 13)، خسرها "في هذا العالم". وهو ينبوع الحياة الأبدية إلى الأبد. ولكن الآية التالية (آ 26) تدعو من يخدم يسوع أن يتبعه، وبالتالي أن يبغض مثله حياًته في هذا العالم لئلا يخسرها. وهكذا يطبّق يوحنا هذا القول على التلاميذ على مثال الإزائيين. بدت أصالة يوحنا واضحة حين طبّق القول أولاً على يسوع وعلى موته. ثم حين تحدّث عن "أحب وأبغض" لا "خلّص وخسر". حين شدّد على الموقف الشخصي لا على أعمال تدلّ على هذا الموقف. وأخيراً، قابل بين هذا العالم حيث يجب أن نخسر الحياة وبين الحياة الأبدية التي بدأت منذ الآن والتي لا نستطيع أن نحافظ عليها إن لم نبغض ذواتنا.
خاتمة
حين تلفّظ يسوع بهذا القول، هل أراد أن يقدّم لتلاميذه شريعة لحياتهم، كما فهم الإزائيون؟ أو هل فكّر في مصيره الشخصي والآلام الآتية، كما يقول يوحنا؟ إذا نظرنا إلى مجمل أقواله التيه يتوخّى فيها أن يقود تلاميذه، "لا أن يتحدّث عن نفسه، يكون الجواب الأوّل هو المعقول. غير أن شريعة الحياة هذه صارت معروفة ومعاشة في خبرته البشرية. فهو لا يعبّر أبداً عن متطلّبة لأخصّائه إلا إذا كان قد قبلها بنفسه. إذن، هو يقدّم في قوله قاعدة حياًته.
قبلَ يسوع أن يخسر حياًته المائتة من أجل الملكوت، لأنه متأكّد في ثقته التامة بالآب، أنه يحقّق في ذبيحته ملء حياًته كابن. لهذا استطاع أن يقدّم لأحبّائه هذه المتطلّبة الهائلة. فهم مدعوون مثله لأن يمرّوا في التضحية ليكمّلوا ذواتهم ويصلوا إلى الحياة الحقيقية.

 

 

الفصل السابع
التجلي الإلهي
9: 2- 10
حدّث يسوع تلاميذه عن معنى الحياة البشرية وما تطلبه من إنكار ذات. وإذ أراد أن يبيّن أنه ليس في المثاليات، قال كلاماً يؤكّد على آنيّة الخلاص الذي يحمله القائم من الموت، لأن ملكوت السماوات هو هنا. إذا كان الله قد اتخذ جسداً في البشرية، فالإنسان الذي يتّحد به لا يمكنه من بعد أن "يذوق الموت"، لا يمكنه أن يحسّ بموته وكأنه نهاية عبثية موجودة. هذا ما سوف يختبره ثلاثة تلاميذ على الجبل. سيرون في "مشهد" التجليّ آنيّة مجيء ابن الإنسان في المجد. وهذا ما سيساعدهم على الدخول شيئاً فشيئاً في مسيرة الآلام والموت التي تطلّ على القيامة. هذا ما نكتشفه في مرقس (9: 2- 10) ومتّى (17: 1- 0) ولوقا (9: 28- 37).
1- النص الإنجيلي
متى 17 مرض 9 لوقا 9
28- وحصل بعد هذا الكلام
1- وبعد ستة أيام 2- وبعد ستة أيام بنحو ثمانية أيام
أخذ يسوع معه أخذ يسوع معه أنه أخذ معه
بطرس، ويعقرب ويوحنا بطرس، ويعقوب ويوحنا بطرس، ويعقوب ويوحنا
أخاه
واقتادهم إلى واقتادهم إلى وأصعدهم
جبل عال جداً جبل عال جداً إلى جبل
على حدة على حدة وحدهم يصليّ
2- وتجلىّ وتجلى 29- وحصل أنه
أمامهم أمامهم إذ كان يصليّ
فأضاء وجِهه منظر وجهه
كالشمس تغيّر
وصارت 3- وصارت
ثيابه ثيابه وثيابه (صارت)
تلمع
بيضاء بيضاء جداً بيضاء
كالنور حتى لا يستطيع قصّار لامعة
على الأرض أن
يبيض مثلها
3- وها قد ظهر لهم 4- وظهر لهم 35- وها إن رجلين
موسى ويليا ايليا مع موسى
يتخاطبان وكانا يتخاطبان كانا يتخاطبان
معه مع يسوع معه
كانا موسى وإيليا
31- تراءيا في مجد
وحدّثاه عن ذهابه
الذي سيتمّه
في أورشليم
32- بطرس واللذان معه
ثقلت عليهم
وطأة النعاس
وإذ ظلوا مع ذلك
متيقظين (حين اسيتقظوا)
شاهدوا مجده
والرجلين القائمين معه
33- وحصل أنه
إذ انفصلا عنه
4- حينئذ بادر 5- بادر
بطرس وقال يسوع: بطرس وقال ليسوع: قال بطرس ليسوع:
يا رب، رابي، يا معلّم
إنه لحسن إنه لحسن إنه لحسن
أن نكون هنا: أن نكون هنا أن نكون هنا
إن شئت
صنعت ونصنع ونصنع
ثلاث مظال: ثلاث مظال: ثلاث مظال:
واحدة لك، واحدة لك، واحدة لك،
واحدة لموسى، واحدة لموسى، واحدة لموسى،
واحدة لإيليا واحدة لإيليا واحدة لإيليا.
6- ولم يكن يدري ماذا يقول ولم يكن يدري ماذا يقول.
(اَ 6: استحوذ لأنهم كانوا (آ 34: استحوذ
عليهم خوف عميق) خائفين جداً الخوف عليهم)
5- وإذ كان يتكلّم بعد 7- و 34- وفيما كان يقول
هذا
إذا غمامة أقبلت غمامة أقبلت غمامة
نيّرة و
ظلّلتهم ظلّلتهم ظلّلتهم
واستحوذ عليهم الخوف
حين دخلوا في الغمامة
وإذا صوت وانطلق صوت 35- وانطلق صوت
(خارج) من الغمامة (خارج) من الغمامة (خارج) من الغمامة
يقول: يقول:
هذا هو هذا هو هذا هو
ابني الحبيب ابني الحبيب ابني المختار
الذي به سرُرت
اسمعوا له! اسمعوا له! اسمعوا له!
6- فلما سمع
التلاميذ سقطوا
على وجههم
إستحوذ عليهم (آ 6: لأنهم كانوا (آ 34: استحوذ
خوف عميق خائفين جداً) الخوف عليهم)
7؛ وتقدّم يسوع
وبعد أن لمسهم قال:
انهضوا،
ولا تخافوا!
8- وفجأة (في الحال) 36- ولما
8- حيئذ رفعوا عيونهم نظروا إلى ماحولهم حصل الصوت
فلم يروا أحداً فلم يروا أحداً
سوى هو يسوع وحده سرى يسوع وحده معهم وُجد يسوع وحده 
وهم صمتوا
(آ 10: 1 بخبروا أحداً) ولم يخبروا أحداً
في تلك الأيام
(آ 10: بما رأوا) بشيء مما رأوا
9- و 9- و 37- وفي الغد (في اليوم التالي)
لما نزلوا لما نزلوا لما نزلوا
من الجبل من الجبل من الجبل
أوصاهم يسوع أوصاهم
قائلاً:
لاتقولوا لأحد أن لا يخبروا أحداً
الرؤية بما رأوا
إلى أن إلاّ متى
ابن الإنسان ابن الإنسان
يقوم يقوم
من بين الأموات من بين الأموات
10- فحفظوا (الوصية)
في داخلهم
وهم يتساءلون
ما معنى: تام
من بين الأموات؟

2- سياق الحدث
ينتمي هذا الحدث إلى الحقبة الثانية من حياة يسوع. ففي الإزائيين الثلاثة، دلّ إعلان بطرس المسيحاني في قيصرية، على تحوّل في رسالة يسوع. وأبرز انقسام معاصريه. من جهة كانت أكثرية رفضت أن ترى في يسوع المسيح المنتظر. ومن جهة ثانية، تبع بعض التلاميذ يسوع وهم متيقنون أنه المسيح، بعد أن تكلّم بطرس باسمهم. لم تفهم الجموع يسوع، لأنها أرادت أن ترى فيه مسيحاً "وطنياً". واحتقرته السلطات ورذلته. فتراجع بعض الشيء، وكرّس نفسه لتعليم تلاميذ جمعهم حوله. وسيكشف لهذه المجموعة الصغيرة، الأمينة، المليئة بالعواطف الطيّبة، سرّ شخصه عبر المصير الذي ينتظره. فالمسيح الذي أعلنه بطرس باسمهم هو أيضاً ابن الإنسان الذي يجب أن يصعد إلى أورشليم ليموت فيها ويقوم.
في التقليد الإزائي، يتوزع هذا الصعودَ ثلاثُ متتاليات. وكل متتالية تضمّ أقلّه ثلاثة أحداث متقاربة. في المتتالية الأولى (8: 31- 9: 34= مت 16: 21- 17: 21= لو 9: 22- 43) نجد الإنباء بالآلام والموت والقيامة (8: 31) وردّة فعل بطرس. حينئذ يدعو يسوع التلاميذ لاتباعه (8: 34- 9: 1). بعد هذا يأتي حدث التجليّ (9: 2- 10) والحوار حول إيليا. وتنتهي المتتالية بحدث الولد المصروع (10: 14- 29).
في المتتالية الثانية (9: 31- 10: 31- مت 17: 22- 20: 16= لو 9: 43- 50) نجد أيضاً الإنباء بالآلام وردّة فعل التلاميذ. فيدعوهم يسوع إلى الخدمة والتشبّه بالأطفال. وفي النهاية، توصيات يسوع: إن عثرتك رجلك فاقطعها... في المتتالية الثالثة (10: 32- 52) نجد بعد الإنباء بالآلام طلب ابني زبدى والدعوة إلى الخدمة وبذل الذات. وينتهي كل هذا بشفاء الأعمى (10: 46- 52 وز).
فكل مجموعة تبدأ بالإنباء بمصير يسوع (8: 31؛ 9: 31؛ 10: 32- 34 وز). فتجد هذه "النبوءة" صدى لها في عدم فهم التلاميذ لما يقوله يسوع. فإذا أخذنا متى، نرى صدمة عند بطرس وتشكّكاً (16: 22- 23)، ثم حيرة التلاميذ (17: 23 ب)، وأخيراً محاولة يعقوب ويوحنا التي لم تكن في محلّها (20: 20- 23). إن موضوع عدم فهم التلاميذ الذين جُعلوا أمام الصليب قبل الوقت، هو معطية من التقليد المشترك أبرزها كل إنجيلي حسب طريقته. مثلاً، صوّر مرقس المجموعة تسير وفي مقدّمتها يسوع. هو يمشي والتلاميذ يتبعونه وهم يرتجفون من الخوف (10: 32). عند لوقا الذي يخفف من حدّة توبيخات المعلّم، يعلن يسوع الإنباء الثاني كضربات مطرقة: "ضعوا هذه الكلمات جيّداً في رؤوسكم" (9: 44). أي: اسمعوا جيّداً. احفظوا جيّداً. وأرفق الإنباء الثالث باستشهاد من الكتاب المقدّس، فكانت النتيجة كما قالها لوقا: "أما هم فلم يفهموا من ذلك شيئاً، بل كان لهم كلاماً مستغلقاً، وأقوالاً لا يدركونها" (18: 34).
هل يستطيع يسوع أن يترك تلاميذه وأفكارهم الضيقة؟ كلا. حينئذ يأتي حدث يطبّق في كل مرّة على التلاميذ الإنباء بمصير ابن الإنسان. لا المتتالية الأولى (8: 31- 9: 29 وز)، نجد تعليماً عن ضرورة حمل الصليب إذا أردنا أن نتبع يسوع وندخل إلى المجد (8: 34- 9: 1 وز). وتورد المتتالية الثانية (9: 31- 10: 31 وز) درساً يتوجّه إلى تلاميذ يهتمّون بالعظمة البشريّة، درساً يتوجّه عن طريق المفارقة فيقدّم "طفلاً" نقتدي به (9: 33- 37 وز). وفي المتتالية الثالثة (10: 32- 52 وز) يذكّرنا يسوع بشريعة الخدمة وبذل الذات لخلاص الكثيرين (10: 41- 45 وز). هذه هي اللحمة التي عليها رسم التقليد الإزائي صعود يسوع إلى أورشليم.
غير أنه في كل من هذه المتتاليات الثلاث، سواء كان الحديث عن مصير المعلّم أو مصير تلاميذه، يقدّم السرّ في وجهين متعارضين: وجه الظلمة والنور، وجه الآلام والمجد. في كل مرّة يصطدم التلاميذ بالوجه المظلم من الوحي. ولا كل مرّة لا يتراجع يسوع، بل يضمّ إلى مصيره الحاضر والمقبل، كل من يريد أن يتبعه. وهكذا يصبح الوضع مأساوياً. 
فالصعود إلى أورشليم الذي هو بالنسبة إلى يسوع وفي الوقت عينه مسيرة إلى المجد، يبقى في نظر التلاميذ مسيرة إلى الموت. فما يعرفه يسوع في سرّ إتحاده بأبيه، لا يستطيع التلاميذ أن يفهموه. ورغم كل ما عمله يسوع وقاله أمامهم، ظلّوا مغلقين على مخطّط الله، واصطدموا بجدار الألم والموت، وما استطاعوا القبول بتجاوز هذا الجدار من أجل اللقاء بالله. وهذه المتطلّبة لا تحيرّهم في غرائزهم المتعلّقة بالحياة. بل "تعارض" طرق الله كما بدت في تاريخ شعبه.
كيف نزيل الشك والعثار؟ نتجاوزه. هذه هي الطريق الوحيدة التي يفتحها يسوع أمام تلاميذه: ففي الوقت عينه يعلن الذل ويعلن المجد الذي يليه. ويا كل مرّة، وبعد أن يعلن الموت بما فيه من إهانة، يعلن القيامة في اليوم الثالث. في المتتالية الأولى، وصل واجب نكران الذات وحمل الصليب إلى منظار الخلاص الأبدي والدخول في المجد. نقرأ في مت 16: 27: "فابن الإنسان سيأتي في مجد أبيه مع ملائكته، وحينئذٍ يجازي كل واحد بحسب أعماله". وهكذا يجازى التلميذ على يد ابن الإنسان الذي جاء يسوع يعلن مصيره المحيرّ، ولكنه يعيد كل شيء في النهاية.
القيامة والموت، الذلّ والمجد: إن يسوع لا يفصل بين وجهتَي سرّ الخلاص. وإنباءاته لا تفصل الحدثين المقبلين بالنسبة إليه وبالنسبة إلى تلاميذه. ولكن، قبل الفصح والعنصرة، وقبل أن يعيش يسوع عثار الآلام والموت بشكل نموذجي، وقبل أن يعطي الروح القدس... قبل كل هذا يبقى هذا التعليم غير فاعل. فقبل اليوم الذي يراه يعبر ظلمة الموت وينهض في نور القيامة، لا يستطيع يسوع أن يزيل هذا "الشك".
ولكن الآب قدّم الجواب. وقبل الحدث الفصحي أعطى لثلاثة من التلاميذ المميّزين أن يشاهدوا في لحظة قصيرة مجد ابنه بالذات. هذه الخبرة قد أعلنت سرّياً في الآية التي تصل بين التعليم عن مشاركة يسوع وبين حدث التجليّ: "الحق أقول لكم: إن بين الحاضرين هنا من لا يذوق الموت حتى يعاين ابن الإنسان آتياً في ملكوته" (مت 16: 28؛ رج مر 9: 1). فيسوع يعدنا بأن نتذوّق الجزاء المحفوظ لليوم الأخير (الاسكاتولوجيا التقليدية) برؤية مسبقة لمجد ابن الإنسان. ولقد رأى الإزائيون الثلاثة في هذا القول الملغز إعلاناً مباشراً عن التجليّ.
قد تدلّ هذه الآية على مجيء المسيح الثاني. ولكنها ترتبط بحدث التجلي ببعض الرباطات الأدبيّة. فهناك لفظة "بعض". هي تدل على التلاميذ الثلاثة المميّزين. وحدث ابن الإنسان المقبل، الذي يرى آتياً في ملكوته، يتحقّق منذ الآن بشكل رمزي في "الرؤية" على الجبل (مت 17: 9) في "ما رأوا" (مر 9: 9؛ لو 9: 36). واللحمة الكرونولوجية "بعد ستة أيام" (مت، مر. أما لو: 8 أيام) التي هي نادرة في خبر حياة يسوع العلنية، تريد أن تشدّد على الإعلان وتحقيقه.
توخى التجلي، بالنظر إلى السياق الذي أقحم فيه، أن يسبّق في نظر التلاميذ المميزين على مجد اليوم الأخير الذي يتركّز منذ الآن في يسوع الذي يعيش معهم كل يوم. فالله يكلّم التلاميذ الخائفين: إنهم يستطيعون أن يسمعوا ويطيعوا. أن يثقوا بيسوع ويتبعوه على الطريق الذي يصعد إلى أورشليم، يصعد إلى المجد بالصليب.
3- مرمى الخبر
نبدأ مع الكلمة السماوية، فهي تدلّنا على مرمى الخبر. قال مت 17: 5: "وإذا صوت من الغمامة يقول: هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت. فله اسمعوا". ومر 9: 7: "وجاء صوت من الغمامة: هذا هو ابني الحبيب. فله اسمعوا". ولو 9: 35: "وجاء صوت من الغمامة يقول: هذا هو ابني المختار. فله اسمعوا".
هذا القول الإلهي الذي جاء من السماء يعيد صوت الآب الذي سُمع في عماد يسوع (مت 3: 17 وز). ولكن الصوت السماوي زاد على إعلان بنوّة يسوع الإلهية، أمراً يتوجّه إلى التلاميذ: "إسمعوا له".
هذا القول يكشف لنا ثلاث وجهات عن يسوع: إنه ابن الله. إنه "عبد الله" الذي به سرّ الله. إنه النبيّ النبيّ. ما معنى هذا الإعلان المثلّث؟
أ- يسوع هو ابن الله
إن عبارة "الابن الحبيب" (أغاباتوس) تعني "الابن الوحيد". وهي لا تدلّ فقط على المسيح والمختار، بل على الابن الموجود من الأزل أيضاً. يعود هذا اللقب إلى الجماعة الرسولية التي فسرّت مز 2: 7 تفسيراً مسيحانياً. أورد مر ولو النصّ في خبر العماد: "قال لي الربّ: أنت ابني، أنا اليوم ولدتك" (حسب السبعينية). مهما كان فهم هذه العبارة لدى التلاميذ في التجليّ، فمن الأكيد أنها تدلّ على وجود يسوع منذ الأزل. فالله هو الذي يجيب على إنباء الآلام كما جاء على لسان يسوع.
في العماد الذي تقبّله يسوع، شأنه شأن كل يهودي جاء إلى يوحنا المعمدان، تقتله وكأنه خاطئ، أعلن الآب أنه ابنه الحبيب. وفي التجليّ شهد الآب أيضاً أنه ابنه أمام التلاميذ الذين سمعوا يسوع يحدّثهم عن مصيره، مصير عبد الله المتألمّ.
ب- يسوع هو عبد الله المتألم
الله يجد مسرّته في هذا الابن الحبيب. بهذه الإشارة الثانية، ذكّرنا مت بتيوفانيا العماد. وقام لوقا بمقاربة مماثلة حين زاد لقباً آخر: المختار. الذي اخترته. فالإنجيليان يدلاّن على أن الله يرى في يسوع عبد الله الذي أنبأ به أش 42: 1 (حسب السبعينية): "يعقوب عبدي الذي أهتمّ به. إسرائيل مختاري الذي عاهدته نفسي".
في نشيد عبد الله الأول في أشعيا، لا تذكر آلام خادم الله بل رسالته. ويورد مت الآيات الأربع الأولى ليبرّر الطريقة التي بها يمارس يسوع مهمّته المسيحانية، لا سيما تجاه خصومه: "القصبة المرضوضة لا يكسر، والسراج المدخّن لا يُطفئ" (مت 12: 18- 21). وحين دعا الصوت السماوي يسوع "المختار" الذي سرّ به الله، فقد ختم بالختم الإلهي تصّرف هذا المسيح الوديع والمتواضع القلب (مت 11: 29)، الذي ندخل في مدرسته ولا نخاف.
ج- يسوع هو النبي
إن الوصيّة "اسمعوا له" تميّز حدث التجليّ عن حدث العماد. وتطبّق على يسوع الإعلان النبوي في سفر التثنية كما ورد في أع 3: 22: "يقيم الربّ لكم نبياً من بني إخوتكم، نبياً مثلي. فله تسمعون في كل ما يقوله لكم" (تث 18: 15). ففي هذه الخطبة التي وجّهها بطرس إلى شعب أورشليم، دلّ على أن الله حين أقام يسوع، بيّن فيه موسى الجديد والنبيّ المنتظر في نهاية الأزمنة (رج أع 7: 37؛ يو 6: 14؛ 7: 40).
وهذه الكفالة الإلهية يعطيها الله ليسوع ساعة التجليّ، فيدلّ التلاميذ على أنه اليوم النبي (مع أل التعريف، يعني النبي النبي وخاتمة الأنبياء)، وأن عليهم أن يسمعوا له. وإلاّ "قطعوا من الشعب" (أع 3: 23؛ لا 23: 29). به يرتبط الخلاص. به ترتبط الحياة الأبدية التي جاء يعد بها كل من يحمل صليبه ويتبع المسيح. إذن، على التلاميذ أن يثقوا بيسوع الناصري الذي يعيش معهم، ويسمعهم صوته وتعاليمه كل يوم.
إن الخبر يؤسّس على ظهور إلهي المعنى الذي اكتشفناه في السياق. فالله بنفسه يعلن لممثلي التلاميذ الثلاثة أن يسوع الحبيب، المختار، عبد الله الذي به يسرّ، أن يسوع هو النبي الذي يجب أن يسمعوا له ويضعوا أقواله موضع العمل. ويجب أن ينفتحوا على التعاليم المحيرّة التي "بدأ" (8: 31؛ مت 16: 21) يعلنها. يجب أن نلتزم خطاه في طريق الصليب المنتهي إلى المجد.
د- الوحي في التقليد الإزائي
هذا الوحي الذي أرسله الآب هو معطية مشتركة في التقليد الإزائي، وقد حاول كل إنجيلي أن يبرزه بطريقته الخاصّة. قال مت 17: 6- 8: "فلما سمع التلاميذ سقطوا على وجوههم وخافوا جدًّا. فتقدّم يسوع ولمسهم قائلاً: انهضوا، ولا تخافوا. فرفعوا أعينهم فلم يبصروا إلا يسوع وحده". ومر 9: 5- 8: "تكلّم بطرس: لنصنع ثلاث مظال... وما كان يدري ما يقول من الخوف... وفجأة، نظروا ما حولهم، فلم يبصروا أحداً سوى يسوع وحده". ولو 9: 34- 36: "وجاءت غمامة وظلّلتهم... واستحوذ عليهم الخوف حين دخلوا في الغمامة. ولما كان الصوت وُجد يسوع وحده".
هناك عنصران مشتركان بين الأناجيل الثلاثة: خوف التلاميذ. وجود يسوع وحده بعد الرؤية. فأمام الله الذي يفتقد الإنسان، يحسّ الإنسان بالخوف. وهذه المخافة المقدّسة ترد في الأخبار بطرق مختلفة. مع لوقا المخافة مع الوقت الذي فيه ظلّلت الغمامة التلاميذ. وبرّر مرقس بما قاله كلمة بطرس التي لم تأتِ في محلّها. وأوضح متّى معنى هذه المخافة: هي حسّ ديني في الإنسان أمام عالم الأقداس. سيطر على التلاميذ حين سمعوا الصوت السماوي الذي أعطى الحدث معناه الحقيقي ودعاهم إلى الطاعة. ولكن إذا كان الله قد تكلّم، فهذا لا يعني أنه يريد أن يسحقهم على الأرض في خضوع الإنسان الذي يرى الله ويحسّ أنه صار قريباً من الموت (أش 6: 5).
ففي خبر تيوفانية نهر خابور، جاء صوت الله نفسه وانتزع حزقيال الذي أحسّ أن اللاهوت ضربه كالصاعقة. "ذاك كان منظر مجد الله. فلما رأيته سقطت على وجهي (ساجداً). ثم سمعت صوتاً يتكلّم فيقول لي: يا ابن البشر، قف على قدميك" (حز 1: 28- 2: 1). أما في خبر مت، فيسوع وحده يقيم بشكل رمزي التلاميذ الثلاثة الذين سجدوا إلى الأرض فبدوا كالأموات. إنه سيد الموت. اقترب ولمسهم، وبصوته أمرهم فقاموا. 
إذا كنا لا نخاف، فهذا لا يعني أننا "نعتاد" على كلمة الله، ونجعلها بين أمور هذه الحياة التي لا تهزّنا ولا تحرّكنا. فكلمة الله تبقى جديدة وهي تدهش دوماً من يسمعها بإيمان. وهي نار محرقة. ولكننا نقترب منها لأن يسوع أو هنا، هو قريب مع أنه في مجده.
4- عناصر الخبر
تستنير كل الرموز (الجبل، المجد، موسى وإيليا، المظلّة أو الخيمة، الغمامة) بنور السياق الإنجيلي والكلمة التي دوّت من السماء. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فهذه الرموز تغني بمدلولها الخاص مجمل الخبر.
أ- الجبل (9: 2)
إعتزل يسوع "على حدة" كما اعتاد أن يفعل مراراً. ذهب إلى الجبل. يعني إلى البرية وبعيداً عن الأماكن الآهلة. ويتحدّث لوقا عن الصلاة. يتحدّث مر ومت عن "جبل عالٍ جدًّا". فعلى الجبل تلتقي السماء بالأرض، والإنسان بالله. لا اسم لهذا الجبل، وإن قال التقليد: جبل طابور (في الجليل)، جبل حرمون (شمالي قيصرية فيلبس). لم يقل الإنجيليون اسم الجبل، ولصمتهم معنى. هذا يدلّ على أن يسوع ترك جبل صهيون الذي اختاره الله منذ القديم كموضع حضوره وسط شعبه. حين اختار يسوع جبلاً غير جبل صهيون إنتزع من يهودا امتيازاتها. وزار الله جليل الأمم، بل العالم الوثني الذي هو وراء الجليل.
ركّز لوقا إنتباهه على جبل الزيتون وتجاهل جبال الجليل حيث يعلّم يسوع (مت 5: 1) ويشفي المرضى ويطعم الآلاف (مت 15: 29)، كما يقول متّى. فالإنجيل الأول يجعل حياة يسوع العلنيّة تبدأ على الجبل (5: 1) وتنتهي بعد القيامة على الجبل (28: 16).
إن الصوت السماوي أرانا في يسوع موسى الجديد. ولكن الجبل الذي عليه تلقّى موسى لوحي الوصايا (خر 31: 18)، والذي صعد إليه إيليا (1 مل 19: 8) هو جبل سيناء. والجبل الذي عليه يكلّم الله ابنه المتجليّ هو سيناء الجديد. وسوف نرى أن عناصر الظهور ستلتقي عند هذا التفسير: المجد، الغمامة، موسى وإيليا. وحتى "الستة أيام" تجد ما يفسرّها هنا. فإن خر 24: 15- 16 يقول إن موسى انتظر ستة أيام كلمة الرب.
ب- المجد (9: 2- 3)
تجلىّ. أي تحوّل شكله، منظره. إتخذ شكلاً آخر غير الشكل العادي. هكذا ظهر يسوع القائم من الموت لتلميذي عماوس لا "شكل آخر"، شكل مسافر (16: 12). أما يكون تجليّ يسوع حلماً قديماً في البشرية؟ كانت هناك رغبات رمزية، والرب تجاوب معها في التجليّ الذي لا يحصل عليه الإنسان بإرادته! التجليّ عند يسوع هو حدث تاريخي وتيوفاني معاً. يصوّر في صيغة المجهولة ليدلّ على أن الله وحده يفعل.
وكانت أيضاً رغبات في العالم اليهودي الجلياني: في نهاية الأزمنة، تتحوّل وجوه الصديقين وتصير لامعة من الجمال، مثل وجوه الملائكة، تمتلئ بالمجد كما تقول رؤيا باروك (كتاب منحول). إستند هذا الانتظار الاسكاتولوجي إلى واقع من الماضي هو تمجيد موسى على الأرض حين "شعّ أديم وجهه بعد أن تكلّم مع الرب" (خر 34: 29)، فصوّر تمجيد المختارين المقبل كما يلي: "يضيء الحكماء كضياء الأملاك في السماء، والذين هدوا كثيراً من الناس إلى الحق يضيئون كالكواكب إلى الدهر والابد" (دا 12: 3).
واليوم، على هذا الجبل، وعبر هذا الإنسان يسوع، وأمام أنظار التلاميذ المميزين، صارت آمال البشر واقعاً. إذا كان الصوت السماوي قد ذكر ابن الله الموجود منذ الأزل، ففعل التجليّ كشف في يسوع المجد النهائي والأخير.
إستعان الإزائيون الثلاثة بالصور الجليانية وحاولوا قدر المستطاع أن يعبرّوا عمّا لا يعبّر عنه. أشار مر إلى حالة يسوع المجيدة فصوّر تحوّل ثيابه "اللّماعة" ببياض "لا يستطيع قصّار على الأرض أن يبيّض مثلها" (9: 3). هذا البياض ليس لوناً من الألوان وحسب. إنه "لمعان"، ضياء. إنه يرمز إلى الأمور السماوية (دا 7: 9؛ مر 16: 5؛ يو 20: 12) والاسكاتولوجية (رؤ 1: 13- 14؛ 4: 4؛ 14: 4؛ 19: 11؛ 20: 11). إنه لمعان النصر (مت) وسطع البرق (لو). وهذا اللمعان يحوّل إلى "آخر" (لو) وجه يسوع الذي "يشعّ كالشمس" (مت). إذا كان الوجه هو مرآة القلب، فضياء وجه يسوع يأتي من ينبوع مخفيّ عن أعين البشر. لهذا قال لو 9: 32: إن التلاميذ "رأوا مجده". وقد ولج هذا المجدُ الثياب، فدلّ على أن جسد يسوع هو منذ الآن كما في الفردوس.
أعلن مجد يسوع من أجل نهاية الأزمنة، وذلك "حين يأتي ابن الإنسان في مجد أبيه مع ملائكته القديسين" (مت 26: 27؛ مر 8: 38). هذا المجد يحلم به يعقوب ويوحنا (10: 37). "مجده" (لو 9: 26) قد استبق وقته أمام عيون الشهود المبهورين.
ونذكر هنا السمات التقليدية للمجد: فالمجد يخصّ الله. هو وحده الكائن المجيد لأنه قدوس. وإذ تسطع هذه العلامة التيوفانية على وجه يسوع، لا كانعكاس بسيط لمجد يهوه (موسى)، بل كشعاع يكشف كيانه الحميم: إنه الله بالذات. هذا ما سيقوله الرسل: يسوع هو "ضياء مجد الله وصورة جوهره" (عب 1: 3). على وجهه مجد الله (2 كور 4: 6). إنه "رب المجد" (1 كور 2: 8). هذا المجد الإلهي كان قد تفجّر في عيد الميلاد فأحاط الملائكة بضيائه (لو 2: 9- 10). وها هو الآن يلبس هذا الإنسان فيدلّ على ما سيكونه في يوم من الأيام، حين "يُرفع في المجد" (1 تم 3: 16)، ساعة يقيمه الله فيعطيه المجد (1 بط 1: 21) فيمجّد فتاه (عبد الله، أع 3: 13). سيراه اسطفانس في مجده (اع 7: 55) وسيبهر شاول (بولس) حتى العمى بنوره (اع 9: 3). ومجد المسيح هذا سيشعّ على المؤمن نفسه (2 كور 3: 18).
يسوع المتجليّ هو ابن الله الذي يظهر عبر نجّار الناصرة، عبر المعلّم الذي يكوّن تلاميذه. ويشير لوقا إلى تأثير التجليّ على الشهود الثلاثة فيقول ان عيونهم فُتحت على هذا النور الباهر، كما في خروج من النوم (أو رغم النوم)، كما في الليل. فالمسيحيون الذين يعيشون بعد في الليل دون أن يكونوا من الليل والظلمة (1 تس 5: 5- 6)، صار التجليّ فيهم منبع نور.
ج- موسى وإيليا (9: 4)
ما معنى وجود موسى وإيليا؟ موسى هو رمز الشريعة، وإيليا ممثّل الأنبياء. ولكن الصوت السماوي (إسمعوا له) يدلّ على أن نموذج النبيّ المقبل هو موسى لا إيليا. إنهما يعتبران أيضاً شاهدين يذكرهما رؤ ولا يسمّيهما: إيليا أغلق السماء فلم تمطر، وموسى ضرب الأرض (رؤ 11: 3 - 6). وتدلّ بعض النصوص الرابانية على إيليا كصورة للمسيح المتألم.
في الحوار الذي يلي حدث التجليّ، إيليا هو صورة عن يوحنا المعمدان الذي أساؤوا معاملته (مت 17: 12- 13 وز). وليس بمستحيل، حسب التقليد القديم (ملا 17: 10- 11) الذي لمّح إليه يسوع أمام التلاميذ (مت 17: 10- 11 وز) أن يكون إيليا السابق للمسيح. وهذا ما حصل في شخص يوحنا المعمدان. لهذا يجعله مر في البدء قبل موسى. وفيما بعد، يعود إلى الترتيب التقليدي على مستوى الأولوية (آ 5).
أورد نص راباني: "قال يوحنّان بن زكاي: قال الله لموسى: حين أرسل النبي إيليا، تذهبان كلاكما معاً". قد تكون هذه الرمزية التقليدية حاضرة في النظرة المسيحانيّة لدى الإنجيليين: إن موسى النبي جاء يحيّي النبي النهائي برفقة إيليا السابق للمسيح. ثم إن هذين الشخصين اللذين صعدا إلى سيناء، يدلاّن بمجيئهما على هذا الجبل الذي هو سيناء الجديد، أن الزمان تمّ بمجيء يسوع.
والتلميح إلى موت يوحنا (إيليا الجديد) ليس واضحاً إلاّ في الحوار بين يسوع وتلاميذه. هذا الحوار جعله مت ومر خلال النزول من الجبل كتفسير للحدث. أما لو فلم يورد هذا الحديث الذي لا ينتمي أصلاً إلى خبر التجليّ. ولكنه يوجد حواراً آخر بين يسوع والشخصين السماويين (رج دا 12: 5- 6): "كانا يتحدّثان عن ذهابه (خروجه) الذي يتمّه في أورشليم" (لو 9: 31). إن لفظة "ذهاب" تترجم في اليونانية "اكسودس" الذي يدلّ على خروج من هذا العالم يضمّ موت يسوع وقيامته وصعوده (9: 51). لا اع 13: 24، دلّ لوقا على مجيء يسوع إلى هذا العالم بلفظة "ايسودس"، أي دخوله على الأرض.
لم يرَ مت ومر في حضور إيليا الذي سيموت شهيداً في شخص يوحنا السابق، لم يريا سوى إعلان لموت يسوع (أشير إليه في بداية هذه الحقبة بخبر قطع رأس يوحنا، كما 14: 1- 13). أما لو فجعل يسوع يدخل في مجلس الله، بشكل من الأشكال. وبواسطة موسى وإيليا جاءت الكتب تؤكّد للإبن ما يعرفه باتحاده مع أبيه، وما سيعلّمه في القيامة: "يجب على ابن الإنسان أن يتألمّ قبل أن يدخل في مجده" (لو 24: 26، 45- 46). هذا التعليم الذي "يبدأ" (كما قال مت، مر) بعد إعلان بطرس في قيصرية، قد كفله (عند لو) تدخّل إلهي: يقرأه يسوع في الكتب. يتحدّث عنه مع موسى وإيليا. يرى فيه مخطّط الله في البشرية.
د- المظال (9: 5- 6)
قال بطرس: "حسن لنا أن نكون هنا". تلك كانت الكلمات الأولى التي تلفّظ بها بطرس فعبّر باسم رفيقيه وباسمه عن سعادتهم. في الواقع، أكد على أن حضورهم مهم لينصبوا ثلاث مظال (خيم). إن هذا الإحساس بالملء الذي شعر به بطرس ورفيقاه يرتبط بكلمته عن المظالم. لا ننسَ أننا في عيد المظال. فخلال الأيام الستة التي فيها يمتدّ العيد، كان على كل يهودي أن يقضي ليلته تحت "الخيمة". وتحدّث بطرس عن ثلاث خيام. فالضيوف ثلاثة. وهناك تقليد يهودي يجعل المسكن السماوي في رمز "المظال (الخيام) الأبدية" (لو 16: 9). فالإقامة في الخيمة رمز إلى افتقاد الله الاسكاتولوجي، حين يأتي ليسكن مع شعبه إلى الأبد (هو 12: 10). ظنّ بطرس أن نهاية الأزمنة حلّت، وأن السماء بدأت حضورها على الأرض، فصنع المظال ليدوم إلى الأبد ما ظهر على الجبل يوماً من الأيام.
غير أن لو ومر إعتبرا أن هذا التدخّل ليس في محله. "ما كان يدري ما يقول". "ما كان يدري ما (يجب) أن يقول". فكأني ببطرس يخطئ نوعاً ما. هو يريد أن يجعل هذه السانحة المميّزة حالة أبدية. هل نسي أن الثلاثة هم وحدهم هنا؟ فأين الشعب كلّه المدعوّ إلى التجمّع الاسكاتولوجي؟ هل نسب لنفسه دوراً بأن يؤمِّن لله مقاماً؟ ونستطيع أن نكثر من الأسئلة: لا يفهم بطرس سرّ يسوع المتجليّ، كما لن يفهم سرّ ذلّه في جتسيماني (14: 40). واتجاه مر إلى التشديد على اللافهم عند التلاميذ، دفعه إلى أن يشدّد على حيرة بطرس وإضطرابه.
أمانا فلا يقدّم تفسيراً لاهوتياً لكلام بطرس. ولكن ما هو معنى ما قاله؟ إن التلميذ لا يخطئ حول بُعد الحدث: نحن أمام زيارة السماء على الأرض. هي ساعة "الراحة" التي وعدنا يسوع (مت 11: 29؛ رج عب 4: 11). لم يفكّر بطرس فقط بأن يعمل عملاً مفيداً. بل دلّ على سعادته، على نشوته. وهو يريد أن يثبّت إلى الأبد هذه الرؤية السماوية. أن يجعل حضور يسوع المتجلي مع زائريه "راحة" إسكاتولوجية لا نهاية لها. 
هـ- الغمامة (9: 7)
قدّم بطرس إقتراحه، فجاءه الجواب من الله. الغمامة هي مظلّة الله. المظلّة تحوكها يد الإنسان، أما أصل الغمامة فسماوي. المظلة تجعلنا في ظلمة الليل (حسب عيد المظال). أما الغمامة فمضيئة. وهذا التعارض الذي يشير إليه السياق المباشر، سيجد تأكيداً في رمز الغمامة كما نقرأه في الكتاب المقدّس.
في التقليد البيبلي ترافق الغمامة (التي هي علامة تيوفانيا، ظهور الله) ظهورات سماوية مختلفة. لسنا هنا أمام غمامة تحمل شخصاً (ابن الإنسان الذي يأتي في نهاية الأزمنة، دا 7: 13: مت 24: 30 وز)، بل أمام تلك التي تغطي، تظلّل، تحمي: إن الله جعل من الغمام مظلّته، خيمته (مز 18: 12).
ولكن الحدث الذي تمّ هنا يشير إلى نبوءة إحتفظ بها التقليد اليهودي عن نهاية الأزمنة. "في ذلك الوقت يكشف لهم الرب هذه الأشياء (أواني العبادة) ويظهر مجد الرب وكذلك الغمام كما في أيام موسى وحين تمنّى لها سليمان أن يتقدّس الموضع" (أي: الهيكل) (2 مك 2: 8). فكما غطّى الغمام (السحاب) خيمة الإجتماع، وكما ملأ مجد الرب المسكن (خر 40: 34- 35)، وكما اجتاح الغمام والمجد هيكل سليمان (1 مل 8: 10- 12)، هكذا يكون في نهاية الأزمنة: فالمجد الذي ترك الهيكل (حز 10: 3- 4) سيعود مع الغمام. وعلى جبل التجليّ الذي ينيره والمجد الظاهر على وجه يسوع والمضيء في ثيابه، ينزل الغمام كعلامة عن حضور الله نفسه؟
هذه الغمامة لا تغطّي فقط الأشخاص السماويين، بل تغطي التلاميذ أيضاً. هذا ما يقوله لوقا. فالتلاميذ ليسوا مشاهدين فقط. لقد دخلوا في حدث تجاوزهم ولكنه يعنيهم. فالنبوءة المذكورة أعلاه دلّت على الظروف التي فيها حلّ الغمام والمجد: فالموضع الذي فيه أخفيت أواني العبادة "ستبقى مجهولة إلى أن يجمع الله شمل شعبه ويرحمهم" (2 مك 2: 7). وإذا تذكّرنا السياق الذي يرد فيه حدث التجليّ (تكوين جماعة التلاميذ التي تمثل الكنيسة وتحقّق حضورها) نقول إن الله قد بدأ يجمع شعبه. وحين يجمع الغمام السماء بالأرض، فهو يكرّس تجمّع التلاميذ الذي دشّنه يسوع بكلمته.
أجل، لم يتجلَّ يسوع من أجله وحده، بل من أجل تلاميذه: هكذا إكتشفوا الأصل الألهي لتعليم يجب أن يسمعوه. وحين يدخلون في الغمام السماوي، يعرفون أنهم يكوّنون جماعة مع يسوع. ومع السماء، بقدر ما يسمعون كلام يسوع.
خاتمة
التجليّ في مر هو أبيفانيا (ظهور إلهي) المسيح المعلّم أمام تلاميذه المبهورين. يجب أن يحُفظ في الذاكرة بانتظار أن "يفهموا" القيامة من الموت (9: 10). إن السرّ يفرض نفسه على التلاميذ بانتظار أحد القيامة. والتجليّ حسب مت هو كرستوفانيا، ظهور للمسيح. إنه يدلّ على كائن يسوع السرّي. أما لو فيربط بين التجلي والجسمانية. يجعل يسوع يصليّ في هذا الموضع القفر الذي هو الجبل، وقد يكون جبل الزيتون. وقد جاء موسى وإيليا يهيّئان ذهاب يسوع، موته وقيامته وصعوده. أجل، من على جبل التجليّ يفرش مجد الله نوره على طريق مظلم هو طريق الألم والموت. وهذا المجد يفتح القلوب على القيامة.

 

 

الفصل الثامن
حوار حول إيليا
9: 11- 13
يحتلّ شخص إيليا مكانة هامة في الأناجيل، وهو يرتبط دوماً بشخص يوحنا المعمدان. ورد اسمه مراراً في الجدالات الدفاعية التي مارسها المسيحيون الأولون مع اليهود. ولقد انتشر في العالم اليهودي في القرن الأول أن إيليا سوف يعود قبل مجيء يوم الرب العظيم، قبل مجيء المسيح. وهكذا عارض اليهود المسيحيين: لا يمكن أن يكون يسوع الناصري هو المسيح لأن إيليا لم يأتِ بعد. فأجاب المسيحون: بل جاء إيليا في شخص يوحنا المعمدان.
لن ندرسَ في هذا الفصل فقط حوار يسوع مع تلاميذه بعد التجليّ، بل نحاول أن نتعرّف إلى شخص إيليا في كل العهد الجديد. ونبدأ في العهد القديم.
1- العهد القديم
إن أول قول يشير إشارة واضحة إلى "تهيئة" قبل مجيء الله، قد تلفّظ به النبي خلال المنفى في بابل. أعلن هذا النبي تحريراً قريباً للشعب المسبيّ و"خروجاً" بقيادة الله، فهتف: "صوت يهتف: هيّئوا في البرية طريقاً للرب. ارسموا في الفيافي طريقاً مستقيماً لالهنا... حينئذ يتجلىّ مجد الربّ والخلائق المجتمعة تراه" (أش 40: 3). ترك اسرائيل بابل ليعود إلى بلاده، فعبرَ برية سوريا كما عبر في الماضي برية سيناء. وسار الله في المقدمة، كما في الخروج الأول في عمود من الغمام. يجب أن نسوّي البرية لكي يتمّ هذا الخروج الجديد بدون عوائق.
لا يذكر النصّ هنا شخصاً محدّداً عليه أن "يهيّئ طريق الربّ" في البرية. لهذا فُهم القول بشكل غير شخصي. لهذا فسرّته جماعة قمران بشكل استعارة وطبّقته على الجماعة: هو شعب إسرائيل. "وبالأحرى الغيارى في الشعب. يذهبون إلى البريّة ويعدّون لمجيء الربّ". نقرأ في كتاب التهذيب: "حينئذ ينفصلون من وسط الناس الأشرار ويذهبون إلى البرية ليهيئوا هناك طريقاً له كما كتب: هيئوا في البرية طريق.. ارسموا في الفيافي طريقاً لالهنا". هذا الإعداد كان دراسة الشريعة التي أعطاها الله لموسى، وممارستها ممارسة دقيقة. هكذا اعتقد المتشيّعون للعهد أنهم يعجّلون في مجيء المسيح وإعادة بناء إسرائيل.
وحدّد تقليد آخر قول أشعيا الثاني. فأعلن إرسال مبعوث خاص تكون مهمته تهيئة القلوب لمجيء الله. وبعد قرن من العودة من المنفى، هتف الله بفم النبي ملاخي: "ها أنا أرسل ملاكي ليهيّئ الطريق أمامك. وفجأة يدخل الرب الذي تطلبون، إلى هيكله. وملاك العهد الذي تريدون، ها هو يأتي" (ملا 3: 1). الله (الذي سمّي هنا ملاك العهد) يستعيد موضعه التقليدي لا الهيكل الذي أخلي ودمّر في كارثة سنة 587 وأعيد بناؤه بعد العودة من المنفى. إن مجيء الرب سيدلّ على حلول يوم الغضب العظيم، لأنه سيكون مثل نار آكلة تطهر الشعب كما يطهّر الذهب وتُنقّى الفضة (ملا 3: 2- 3). قبل ذلك اليوم، سيأتي رسول سريّ ويعدّ الطريق أمام وجه الربّ حسب نبوءة أش 40: 3 التي أستعيدت هنا.
من يكون هذا الرسول؟ سيدلّ عليه بوضوح قول نبوي في ملا: إنه إيليا الذي اتخذ مكانة هامة في التقليد اليهودي. وارتبطت شهرته لا بنشاطه العجائبي وحسب، بل بما أنه خُطف حياً إلى السماء حسب خبر 2 مل 2: 1- 13. وبدل أن يحياً حياة منتقصة في الشيول، في ظلال الموت، عاش بجسده قرب الله أو في فردوس أرضي، اعتبره التقليد موجوداً بين السماء والأرض. كان إيليا حياً حقّاً، وكان يهتم بشعبه فيتدخّل من أجل حمايته. كما كان يتشفّع إلى الله من أجله. وكان تقليد في زمن المسيح قد جعل من إيليا المحامي عن التعساء والبائسين. هكذا نفهم كلام الجنود حين سمعوا يسوع على الصليب يتنهّد: إيلي ايلي كما سبقتاني. "ها هو يدعو ايليا إلى عونه. لنرَ إذا كان ايليا يأتي وينجيّه" (15: 34- 36).
واعتبر التقليد أن ايليا هو الرسول الذي سيعود ليعين الشعب من أجل الإعداد لمجيء الله. هذا هو معنى كلمات ملاخي الأخيرة: "ها أنا أرسل إيليا النبي قبل أن يأتي يومي العظيم الرهيب. فيعيد قلب الآباء إلى أبنائهم، وقلب الابناء إلى آبائهم لئلا آتي فاضرب الأرض بالابسال" (ملا 3: 23- 24).
"يوم" الربّ هو يوم الغضب العظيم، يوم يأتي ويعاقب العصاة. ويكون دور إيليا دور المهدّئ. وهو سيعيد الشعب المقدّس إلى ممارسة أمينة للشريعة. "أذكروا شريعة موسى عبدي التي فرضتها في حوريب لكل إسرائيل".
وستعود الفكرة عينها في ابن سيراخ. بعد أن صوّر عمل الرجال العظام في إسرائيل تحدّث عن إيليا بهذا الكلام: "أنت الذي قد عيّنت في التهديدات المقبلة لتهدئ الغضب قبل أن يشتعل، لتردّ قلب الآباء إلى الابناء، وتعيد أسباط يعقوب" (سي 48: 10). استعيدت كلمات ملا وفي النظرة عينها: تهدئة غضب الله قبل أن يشتعل أي: إعادة الشعب المقدّس إلى ممارسة الشريعة. وزاد ابن سيراخ هذه الحاشية: قبل مجيء يهوه ستكون مهمة إيليا إعادة اسباط يعقوب، جمع المشتتين، تخليص بني إسرائيل من الضيق الغريب. هكذا يستطيع الله أن يجيء فيملك على شعب تنقّى روحياً وأعيد بناؤه سياسياً.
2- المعتقدات الشعبية حول إيليا
في زمن المسيح، تطوّر التقليد حول عودة إيليا، أقلّه في بعض الأوساط: ربطوا هذا النبي لا بمجيء الرب، بل بمجيء (باروسيا) المسيح. لما توضّحت التقاليد عن المسيح، نسب إليه دور هام في ممارسة الانتقام الإلهي في يوم الدينونة الاسكاتولوجية. وبمختصر الكلام، سلّم الله إلى مسيحه مسؤولية الدينونة الأسكاتولوجية. بعد هذا، انتشر تقليد يربط عودة إيليا بمجيء المسيح الذي هو الديّان الاسكاتولوجي. فسفر اخنوخ، وعزرا الرابع يؤكدان انه، قبل ظهور المسيح، سيعود على الأرض كل الذين خطفوا إلى السماء دون أن يمرّوا في الموت. هنا إشارة إلى اخنوخ وإيليا. دعوة هذين الشخصي هي علامة عن مجيء المسيح. وقد لاقى هذا التقليد صدى في عدد من الكتابات الرابانبة.
إذن، توضحت التقاليد شيئاً فشيئاً ونمت لتصل إلى فكرة تقول بمرسل يأتي ليهيّئ طرق المسيح. وهذا المرسل هو إيليا. ونجد صدى لهذه المعتقدات في الأناجيل. فبعد مشهد التجليّ، سأل التلاميذ يسوع: "إذن، لماذا يقول الكتبة إن المسيح سيأتي أولاً (مر 9: 11)؟ أولاً، يعني قبل المسيح. نحن هنا أمام تعليم معروف لدى الكتبة، وقد انتشر وسط الشعب. وأرسل اليهود الذين يمثّلون لا نظر يوحنا رؤساء الشعب، وفداً إلى المعمدان يسأله: "هل أنت المسيح؟" أجاب بالنفي. فالحّوا: "هل أنت إيليا" (يو 1: 19- 21)؟ هذا يعني أنهم انتظروا عودة أعظم الأنبياء وربما كسابق للمسيح. ونجد آثار هذا الانتظار في اعتبارات ردّدها محيط هيرودس. رأوا معجزات يتمها يسوع، فقالوا: "هذا يوحنا المعمدان الذي قام من بين الأموات"! وقال آخرون: "بل هذا هو إيليا الذي عاد" (مر 6: 14- 16؛ لو 9: 7- 9). بما أنه لم يظهر شخص عظيم يدعو اليهود إلى التوبة أو يكثر المعجزات، طرح السؤال في الوعي الشعبي ولدى العظماء. أما يكون هذا إيليا الذي عاد ليهيّئ طرق المسيح؟
3- يوحنا المعمدان
لم يكن هذا المعتقد الشعبي مجرّد خرافة. بل كان يقابل واقعاً في مخطّط الله: فقبل مجيء المسيح، وقبل إقامة الملكوت، أرسل الله نبياً عظيماً، وملأه بروح إيليا وقدرته: إنه يوحنا المعمدان.
لا معنى لشخص يوحنا ولا سبب لوجود يوحنا في الأناجيل، إلا بالنظر إلى إيليا وقدرته: إنه إيليا الذي عاد إلى الحياة. إيليا الذي عاد إلى الأرض. وهذا ما ندركه بسهولة من خلال أخبار الطفولة. حين حاء الملاك يبشّر زكريا بالولادة المقبلة لآخر أنبياء العهد القديم، قال: "سيمتلئ (هذا الولد) من روح إيليا وقدرته فيردّ قلوب الآباء إلى البنين والعصاة إلى حكمة الأبرار ويعدّ للربّ شعباً مستعداً كلّ الاستعداد" (لو 1: 15- 17).
ما نلاحظه هو أن قول الملاك هذا يرتبط بتقاليد تنتظر عودة إيليا كسابق للرب، لا كسابق للمسيح. هذا يعني أن لوقا لم يؤلّف هذا المقطع، بل استقاه من تقليد قديم، وربّما من تقليد يهودي. ومهما يكن من أمر، فأقوال الملاك هذه تذكّرنا بشكل واضح أو ضمني بمختلف أقوال العهد القديم التي تشير إلى "سابق" الرب. إن يوحنا "سيسير أمام الله" مثل "مرسل" (ملاك) ملا 3: 1، الذي أرسل لكي يمهّد طريقاً حسب ملا 3: 23. غير أن النظرة تبدلّت بعض الشيء: في ملا، كان إيليا شخصياً هو الذي يعود. في قول الملاك، هو نبيّ جديد يرسل ليهيّئ طرق الربّ. 
وأعلن الملاك أيضاً: "يردّ الكثيرين من بني اسرائيل إلى الرب... فيهيّئ للرب شعباً مستعداً كل الاستعداد". هذا تلميح إلى سي 48: 10 الذي ذكرناه: "يعيد بناء أسباط يعقوب". ولكن الحكيم فكّر في بناء اسرئيل السياسي قبل مجيء الرب. أما الملاك فأعلن بناء روحياً: إن يوحنا سيهيّئ طرق الربّ فيكرز بالتوبة والعودة إلى أمانة في عبادة الله. ورغم هذه التحوّلات، يبقى بلاغ الملاك واضحاً: إن الطفل الذي يولد من اليصابات، يتمّ الأقوال الإلهية، فيلعب دور إيليا ليعدّ الشعب لمجيء الله. 
وهذا ما فهمه زكريا. فبعد ولادة يوحنا وختانته، هتف: "وأنت أيها الطفل نبيّ العليّ تدعى. لأنك تسير أمام الربّ لتهيّئ طرقه، لتعطي شعبه معرفة الخلاص بغفران خطاياهم" (لو 1 76- 77). لقد استعاد الكاهن كلمات ملا 3: 1 وأش 11: 3.
4- في حياة يسوع العلنيّة
وبعد ثلاثين سنة، ظهر يوحنا يكرز بمعموديّة التوبة. حين صوّر الإنجيليون عمله، شدّدوا على ما يقرّبه في شخصه ورسالته من إيليا. لبس يوحنا معطفاً من وبر الجمال. ذاك كان اللباس الذي يميّز الأنبياء حين يعلنون أقوالهم (مر 1: 6؛ مت 3: 4؛ زك 13: 4). شدّ يوحنا حقويه بحزام من جلد الحيوان. هذا هو التفصيل الذي ساعد الملك احزيا على التعرّف إلى إيليا النبي الرهيب: "كيف كان الرجل الذي اقترب منكم وقال لكم هذا الكلام"؟ ذاك كان كلام الذين أوفدهم. فجاءه الجواب: "رجل بحزام من جلد حول حقويه". حينئذ قال الملك: "هو إيليا التشبيّ" (2 مل 1: 7- 8؛ رج مر 1: 6؛ مت 3: 4).
كرز يوحنا في البرّية وعمّد. فقد أعلن أشعيا: "أعدّوا في البرية طريقاً للرب" (أش 40: 3؛ مر 1: 4). وأعلن اقتراب يوم الغضب العظيم وضرورة التوبة. فيوم الرب جاء، حيث تُلقى كل شجرة يابسة في النار، حيث يميّز القش من الحنطة ويحرق في النار، حيث "يعمّد" الناس في النار. وعى يوحنا أنه يهيّئ "يوم الرب العظيم الرهيب، كما أعلنه ملا. سيأتي الرب" كنار من يعمل في المعادن، فينقي أبناء لاوي ويطهّرهم كالذهب والفضّة (ملا 3: 2- 3؛ مت 3: 7- 11؛ لو 3: 7- 17).
أعلن يوحنا: "الذي يأتي بعدي هو أقوى منّي" (يو 1: 27؛ مت 3: 11). أذن، هو يسير أمام آخر، كما قال ملا 3: 1. وهذا الآخر يقوم مقام الله، هو مسيحه. وأخيراً، عمّد يوحنا يسوع في الماء. وقد رأى التقييد المسيحي القديم في هذا الطقس مسحة ملوكية نالها المسيح ساعة نزل الروح عليه وأقام.
وقال الإنجيل الرابع بعد هذا المشهد، إن المعمدان سمّى يسوع الناصري "حمل الله"، مختار الله... الذي يعمّد في الروح القدس (يو 1: 29، 34: في بردية من القرن الثالث نقرأ: مختار الله. النصّ العادي: ابن الله). إنه المسيح. وهكذا نجد التقليد اليهودي الذي يشير إليه يوستينوس، ابن نابلس في فلسطين (القرن الثاني): هو إيليا (أي يوحنا المعمدان) الذي يدهن المسيح بالزيت ويظهره للجموع. وهكذا يبدو أن المعمدان نفسه (شأنه شأن الإنجيليين) وعى أنه يلعب دور "السابق" كما تحدّثت عنه الأقوال النبوية. وعى أنه يسير في خطى إيليا.
5- كلام يسوع عن المعمدان
كانت ليسوع مناسبات عديدة، خلال حياًته العلنية، لكي يتكلّم عن يوحنا المعمدان. وقد فعل ما فعل في الإطار عينه: لقد لعب يوحنا الدور الذي نسبته النبوءات إلى إيليا (الذي عاد حياً). فبعد أن أرسل المعمدان وفداً إلى المسيح يسأله إن كان ذاك الذي ينتظره اليهود، شهد يسوع ليوحنا شهادة احتفالية: "ماذا جئتم إلى البرّية تنظرون؟ أقصبة تحرّكها الريح؟ أم ماذا جئتم تصنعون؟ أن تشاهدوا نبياً؟ أجل، أقول لكم، بل أعظم من نبي. هذا هو الذي كتب عنه: ها أنا أرسل ملاكي قدامك ليمهّد لك الطريق" (كما 11: 7- 10).
إذن، يوحنا هو في رأي المسيح المرسل السرّي الذي أعلنه النبي ملاخي بأنه يفتح الطريق أمام الربّ. ونرى ذلك مراراً في الأناجيل، حيث يضيف يسوع على نفسه أقوال العهد القديم التي تقال في الله. ثم يحدّد فكرته في نصّ يجعله الإنجيلي هنا وإن انتمى إلى تقليد آخر: "فجميع الأنبياء والناموس تنبأوا إلى يوحنا. وهو إن شئتم أن تفهموا، إيليا المزيع أن يأتي. من له أذنان فليسمع" (مت 11: 13- 15). بهذه الكلمات الأخيرة، نبّه يسوع سامعيه إلى أن الساعة خطيرة. إذا كان إيليا قد عاد في شخص يوحنا المعمدان، فهذا يعني أن مجيء ملكوت الله صار قريباً.
ولمّح يسوع أيضاً إلى يوحنا المعمدان كإيليا الجديد في مناسبة أخرى. بعد التجليّ، أوصى يسوع تلاميذه بأن لا يحدّثوا أحداً عن هذا المشهد قبل أن يقوم ابن الإنسان من بين الأموات. ثم طرح التلاميذ عليه هذا السؤال: "إذن، كيف يقول الكتبة إن إيليا سيأتي أولاً"؟
في مت 17: 9- 12، يبدو السؤال وكأنه لا يرتبط ارتباطاً خاصاً بكلمات يسوع التي تسبق هذا الكلام بشكل مباشر. تقوّى التلاميذ في إيمانهم بتجلي المسيح وبإعلان الله الاحتفالي من الغمامة، فتيقنوا الآن أن يسوع هو حقّاً المسيح الذي ينتظره إسرائيل. ولكنهم ما زالوا في حيرتهم: لماذا تعليم الكتبة هذا حول إيليا الذي يأتي أولاً؟ بما أن المسيح هو هنا (قد جاء)، فكيف لم نر بعد إيليا الذي يهيّئ له الطريق أولاً؟ أجاب يسوع على هذا السؤال معلناً: أجل، إن عودة إيليا ستعيد ترتيب الأمور (رج ملا 3: 23؛ سي 48: 10). ولكني أقول لكم: سبق وجاء إيليا. ولكنهم لم يعرفوه. بل عملوا به ما شاؤوا. "وكذلك ابن البشر، فإنه سيتألم أيضاً من قبلهم" (مت 17: 12). وزاد الإنجيلي: "ففهم التلاميذ عندئذ أنه كلّمهم عن يوحنا المعمدان" (آ 13).
لا شكّ في أن متَّى لمّح إلى آلام يوحنا، وهو بذلك أيضاً هيّا الطريق المؤلمة ليسوع. ولكنه أراد قبل كل شيء أن يقدّم جواباً للتلاميذ المتحيرّين: أجل، لقد جاء إيليا في شخص يوحنا المعمدان. غير أن اليهود لم يفهموا أن يوحنا كان "السابق"، أنه يفتح الطريق لمن هو أعظم منه. وبالتالي، لم يريدوا أن يعرفوا المسيح الذي سار يوحنا أمامه.
هذا في مت. أما في مر 9: 9- 13، فالنظرة مختلفة. لقد ارتبط سؤال التلاميذ ارتباطاً حميماً بالسياق الذي يسبقه. قال يسوع: لا تخبروا أحداً بما رأيتم "إلاّ متى قام ابن الإنسان من بين الأموات". لم يفهم التلاميذ هذا التلميح إلى موت المسيح. "حفظوا الوصيّة متسائلين في ما بينهم ما معنى: متى قام من بين الأموات"؟
حينئذ طرحوا عليه السؤال: "لماذا يقول الكتبة إن إيليا يأتي أولاً"؟ إذا كان إيليا يأتي قبل المسيح ليعيد ترتيب الأمور، ليعدّ الشعب لاستقباله، فلماذا يجب على المسيح أن يتألمّ؟ أما يهيّئ تعليمُ إيليا مجيئه؟ أجاب يسوع ملمّحاً لهم أنهم أساؤوا فهم معنى الكتب. واتخذ كلامه شكل سؤال. "إن إيليا يأتي أولاً ويصلح كل شيء. ولكن أما هو مكتوب أيضاً عن ابن الإنسان أنه يتألمّ كثيراً ويُرذل؟ ولكن أقول لكم إن إيليا قد جاء، وصنعوا به كل ما أرادوا، على حسب ما هو مكتوب عنه".
شدّد مر أكثر من مت على ضرورة الألم، قبل إقامة الملكوت، وذلك بالعودة إلى الكتب المقدّسة. فكما أن عبد يهوه المتألم صوّر مسبقاً آلام المسيح، هكذا صوّر إيليا الذي اضطهدته امرأة قاسية (ايزابيل) وملك ضعيف تسيطر عليه امرأته (أحاب) يوحنا المعمدان الذي اضطهدته هيرودية، وقتله هيرودس، وتجاهله رؤساء الشعب. أجل، عندما يعود إيليا في شخص يوحنا المعمدان، كان عليه أن يصلح الأمور ليهيّئ مجيء المسيح. وكان من المفروض أن يستقبل المسيح في شعبه الذي جاء يخلّصه. ولكن كلّ هذا مشروط: أن يتقبّل الشعبُ البلاغ الذي أرسل إليه. في الواقع، لم يشأ ذلك. لم يتعرّف إلى إيليا في شخص يوحنا المعمدان. لهذا لن يتعرّف إلى المسيح في شخص يسوع. لهذا كان يوحنا "سابقاً" متألّماً، كما كان يسوع المسيح المتألمّ بحسب الأسفار المقدّسة.
6- مشهد التجليّ
في مشهد التجليّ الذي أشرنا إليه في المقطع السابق، يظهر إيليا أيضاً مرّة أخرى، ولكن دون تلميح واضح إلى رسالة المعمدان. أخذ معه يسوع التلامذة الثلاثة المميّزين: بطرس، يعقوب، يوحنا. وأخذهم إلى جبل عالٍ لا يسمّيه الإنجيليون (طابور، حرمون، جبل الزيتون بالنسبة إلى لوقا. المهم، ليس جبل صهيون). وبدأ يسوع هناك الصلاة. وفجأة تجلىّ (تبدّل منظر وجهه) أمام تلاميذه: تبدّل شكله الخارجي، صارت ثيابه بيضاء كالثلج. شعّ المجد من كل شخصه. وفي الوقت عينه، ظهر بجانبه موسى وإيليا يحادثانه (مر 9: 2- 8؛ مت 17: 1- 8؛ لو 9: 28- 36). ما هو مدلول هذا المشهد؟ لماذا موسى وإيليا هما هنا في اشعاع مجد المسيح؟
إن ظهور المسيح (كرستوفانيا) في التجليّ يشبه ظهور الله (تيوفانيا) في سيناء، على موسى (خر 33- 34). في الحالتين، تمّ الظهور على قمّة جبل عالم. وتراءى مجد الله من خلال الغمام. وكان للمشهدين هدف واحد: كشف شخصية الله في سيناء، كشف شخصية المسيح للتلاميذ. في سيناء طلب موسى أن يرى الله، فأظهر الله مجده وأعلن اسمه: "يهوه، يهوه، الرحيم الأمين". في التجليّ، تراءى المسيح في المجد وأعلن الله له اسمه: "هذا هو ابني الحبيب، فله اسمعوا". إذن، نعم بطرس ويعقوب ويوحنا بما نعم به موسى في الماضي. "رأوا مجد المسيح" (لو 9: 32) وسمعوا وحياً عن اسمه: ابن الله.
ولكن يجب أن لا ننسى أن إيليا نال نعمة مماثلة (1 مل 19: 1- 18). اضطهدته إيزابيل فاضطرّ للهرب إلى البرية. وبعد مسيرة أربعين يوماً وأربعين ليلة، وصل إلى جبل الله، إلى حوريب (أي: سيناء)، إلى القمة التي أقام فيها موسى. وجاءت التيوفانيا مع إيليا على مثال التيوفانيا مع موسى. ففي العهد القديم، صعد موسى وإيليا وحدهما إلى قمة سيناء ليريا المجد الإلهي. وكما أن مشهد طابور يقابل تيوفانيات العهد القديم، كان من الطبيعي أن يكون موسى دمايليا مع المسيح في مشهد التجليّ.
فلحضورهما قيمة رمزية نستطيع أن نفسرّها كما يلي: كشف الله عن نفسه لموسى ليعقد معه ومع شعبه الميثاق (العهد) القديم. الميثاق الاحتفالي الذي عقده الله مع شعبه. والتيوفانيا التي نعم بها إيليا قد ارتبطت أيضاً بالميثاق القديم. لا بعقد الميثاق، بل بإعادة بنائه وتنقيته. إيليا هو المدافع الأكبر عن حقوق الله التي داسها كهنة البعل. وحين سأله الله عما جاء يفعل على قمة الجبل، أجاب: "غرت غيرة للرب القدير لأن بني إسرائيل تركوك، وهدموا مذابحك وقتلوا أنبياءك بالسيف. بقيت وحدي وهم يطلبون نفسي" (1 مل 19: 10). فكلّفه الله بأن يعلن العقاب للشعب الخائن للعهد: كلهم يموتون بالسيف ما عدا البقية التي لم تحن ركبها للبعل.
ارتبطت هاتان التيوفانيتان ارتباطاً مباشراً بالميثاق القديم. ظهر الله لموسى ليقطع العهد، ثم ظهر لإيليا ليعيد هذا العهد إلى نقاوته. موسى هو المشترع الأكبر الذي به عقد الميثاق. إيليا هو النبي الأكبر الذي به تنقّى الميثاق. موسى يمثل الشريعة وإيليا الإنبياء. وهكذا يظهران في ملا الذي يعلن عودة إيليا: "تذكّروا شريعة موسى عبدي... ها أنا أرسل إيليا النبي قبل أن يأتي يومي العظيم الرهيب" (ملا 3: 22- 24).
ولكن كرستوفانية طابور هي استباق للعهد الجديد، للميثاق الجديد. يبدو يسوع ممجّداً، وهذا هو أول شعاع على جسده من دخوله في المجد الذي يتحقق يوم القيامة والتمجيد عن يمين الآب. هناك يعلن المسيح "ابن الله". هذا إعلان لتتويجه كالملك المسيح تتميماً لكلمة مز 2: 7 (أنت ابني، أنا اليوم ولدتك) الذي طبّقه التقليد المسيحي القديم على سرّ قيامة المسيح وصعوده (أع 13: 33 روم 1: 4 عب 1: 1- 5). إذن، مشهد طابور هو استباق لدخول المسيح في المجد. والتحقيق النهائي للميثاق الجديد. وموسى وإيليا هما هنا لكي يكونا شاهدين للميثاق الجديد كما كانا شاهدين للميثاق القديم. حضورها يدلّ على أن ملكوت الله اقترب. هذا الملكوت قد رأى التلاميذ إشعاعه. إنه في امتداد الميثاق القديم الذي عقده الله في موسى، وأعاد بناءه في إيليا بانتظار كماله لا يسوع المسيح.
خاتمة
هذه صورة عن إيليا مع تشديد على مشهد التجليّ والحوار الذي تمّ بين يسوع وتلاميذه حول عودة إيليا التي هي في الحقيقة إشارة إلى يوحنا المعمدان الذي تألمّ فكانت آلامه إشارة مسبقة إلى آلام المسيح. كان بالإمكان أن يمتدّ تأملنا حتى رؤ 11: 1 ي والشهيدين اللذين يمثلاًن إيليا وموسى في شهادتهما الأخيرة عبر الكنيسة التي تصل لا الشهادة حتى الموت عبر أبنائها. ولكننا اكتفينا بهذا القدر بعد أن دللنا على ارتباط إيليا بيوحنا المعمدان من جهة (يأتي بروح إيليا وقدرته) وعلى ارتباطه بيسوع الذي يكون صعوده مثل صعود إيليا. غير أن صعود إيليا كان في الرمز والرجاء. أما صعود يسوع فكان حقيقة وواقعاً. وهو سيعود كما قال الملائكة للتلاميذ: "إن يسوع هذا الذي ارتفع عنكم إلى السماء، سيأتي هكذا، كما عاينتموه صاعداً إلى السماء" (أع 1: 11).

 

 

الفصل التاسع
شفاء ولد مصروع
9: 14- 29
نزل يسوع ورفاقه من الجبل، وانضموا إلى مجموعة التلاميذ الذين يتجادلون مع الكتبة وسط جمع غفير. أجل، بعد التجليّ عاد يسوع إلى الناس. فذاك الذي ظهر في المجد لم ينسَ مهمته بين البشر. لقد شددّت المقطوعة عن إيليا بأن المجد لم يجعل يسوع ينسى الصليب. هذا ما سوف نكتشفه في شفاء الولد المصروع. ونبدأ أولا بالنصّ الإزائي.
1- النصّ الإنجيلي
متى 17 مرقس9 لوقا 9
14- و 14- و 37- وفي اليوم التالي
لما أتوا إلى آتون إلى التلاميذ لما نزلوا من الجبل
الجمع أبصروا جمعاً كبيراً جمع غفير
حولهم
وكتبة وهم
يباحثونهم
15- وحالما أبصر
الجمع يسوع
تقدّم رجل تحيرّوا
إليه وإذ بادروا جاؤوا إلى لقائه
وجثا له سلّموا عليه
16- فسألهم
فيمَ
تتباحثون معهم
17- وواحد 38- وها رجل
من الجمع من الجمع
15- قال: أجابه: صاح قائلاً:
يارب (سيد) يامعلّم يامعلّم
(جئتك) جئتك أتضرع إليك أن تلقي 
إرحم إبني بابني نظرة على ابني
لانه لأنه
مصروع وحيدي
ويتألم جداً
وكثيراً (آ 22): وكثيراً
ما يقع في النار ما يقع في النار
وكثيراً في الماء وفي المياه
به روح إبكم 29- وها إن روحاً
18- وحيثما اعتراه يعتريه
يصرعه (آ 43- صرعه)
وللحال
(آ 26: يزعق يزعق
هزه بعنف) ويهزه
ويزبد مع الزبد
ويصر ويتركه
بأسنانه بالجهد
وييبس بعد أن يرضّضه
جئت به (آ 17: جئت بابني)
وقلت سألت
لتلاميذك لتلاميذك تلاميذك
أن يطردوه أن يطردوه
فلم يستطيعوا فلم يقدروا فلم يستطيعوا
أن يشفوه
فأجاب 19- فأجاب 41- فأجاب
يسوع وقال: هو وقال لهم: يسوع وقال:
أيها الجيل أيها الجيل أيها الجيل
غير المؤمن غير المؤمن غير المؤمن
الأعوج الأعوج
إلى متى إلى متى إلى متى
أكون معكم أكون بقربكم أكون بقربكم
إلى متى إلى متى و
وأحتملكم وأحتملكم وأحتملكم
قده إلي هنا تده إلي جئني بابنك إلى هنا 
20- وقادوه إليه 42- وكان يتقدّم بعد
وإذ رآه الروح حين الشيطان
حالاً
(آ 14: صرعه) صرعه
وهزّه بعنف وهزّه بعنف
فسقط على الأرض
وهو يتمرّغ
مزبداً (آ 39: مع الزبد)
21- وسأل أباه:
منذ كم من الزمان
يصيبه هذا؟
قال هذا:
منذ صباه
(آ 15: وكثيراً 22- وكثيراً
ما يقع في النار ما ألقاه في النار
وكثيراً في الماء) وفي المياه
لكي يهلكه
ولكن ان استطعت شيئاً
فأغثنا
شفقة منك علينا.
23- ولكن يسوع قال له:
(آ 20): لايستحيل آه، لو استطعت!
شي عليكم كل شي مستطاع
للذي يؤمن
24- حينئذٍ صاح
ابو الولد وقال:
(آ 20) بسبب أؤمن فأعن
قلة إيمانكم) قلة إيماني:
18- ويسوع 25- ولما رأى يسوع أما يسوع
ان الجمع يتراكض،
انتهره إنتهر الروح النجس إنتهر الروح النجس 
قائلاً له: أيها الروح الأبكم
الأصم: أنا آمرك:
أخرج منه
ولا تعد إليه من بعد.
والشيطان 26- وإذ زعق (صرخ) (آ 40: زعق)
هزّه بعنف وهزّه
خرج منه وخرج
فصار
مثل الميت
حتى إن الكثيرين
قالوا: قد مات
و 27- أما يسرع فأخذه و
الولد شُفي بيده وأنهضه شُفي الولد
فقام وردّه إلى أبيه
43- فبهت الجميع
أمام عظمة الله
19- وإذ 27- ولما دخل
اقترب من يسوع إلى البيت
التلاميذ على حدة تلاميذه على حدة (17: 5: قال الرسل
للرب:
قالوا سألوه زدنا إيماناً)
لماذا نحن لماذا نحن
لم نقدر لم نقدر
أن نطرده أن نطرده (نخرجه)
20- فقال لهم: (17: 6: قال الرب)
بسبب قلة إيمانكم.
فالحق أقول لكم
لو كان لكم من الإيمان لو كان لكم من الإيمان
مثل حبّة خردل مثل حبة خردل
لقلتم لهذا الجبل لقلتم لهذه التوتة
إنتقل من هنا إلى هناك إنقلعي وانزرعي في البحر
فتطيعكم
فينتقل
ولما استحال (آ 23: كل شيء ممكن
شيء عليكم للذي يؤمن)
21- ثم 29- ثم قال:
هذا الجنس هذا الجنس
لا يقدر أبداً
لا يذهب أن يخرج
إلا بالصلاة إلاّ بالصلاة
والصوم والصوم

2- السياق الإزائي
نلاحظ أولاً أن السياق اللاحق هو هو في مت، مر، لو. فالإنباء الثاني بالآلام يلي إخراج الشيطان من الولد المصروع. هو يبدأ المجموعة الثانية التي بناها الإزائيون إنطلاقاً من بنية واحدة ليتحدّثوا عن الصعود إلى أورشليم. إكتفى متى (17: 22) ومرقس (9: 30) بالإشارة إلى تبديل المكان: من منطقة قيصرية فيلبّس حيث أعلن بطرس إيمانه، عادت المجموعة الصغيرة إلى الجليل. أما لوقا، فقدّم انتقالة بطريقته الخاصة (9: 43 ب). وهكذا يختم الحدث الذي ندرس أول مجموعة بدأت بإعلان بطرس ليسوع أنه المسيح.
أما الرباط مع الخبر السابق، خبر التجليّ، فهو مباشر عند لوقا الذي لا يقحم بين الحدثين الحوار حول عودة ايليا، بل يقدّم حوار يسوع مع الشخصين السماويين ليكون الحوار حول إيليا. وهكذا يتوالى التجليّ وشفاء المصروع، تربط بينهما لحمة كرونولوجية هي: "وفي الغد".
ولكن الرباط عند متى ومرقس ليس مباشراً بين الحدثين. لقد أقحما بين الخبرين حوار يسوع مع التلاميذ الثلاثة المميّزين. رتّب متى نصه فجاء طبيعياً. فخلال النزول من الجبل، سُئل يسوع حوله عودة إيليا. سأله "التلاميذ" (17: 9- 10) الذين شهدوا التجليّ (17: 6). بعد هذا، التقت المجموعة الصغيرة (يسوع، بطرس، يعقوب، يوحنا) بالجمع الذي خرج منه رجل يطلب الشفاء لابنه المريض بداء الصرع (يُصرع فيقع على الأرض): إن "التلاميذ" (التسعة الآخرين) (17: 16) لم يقدروا أن يشفوه. تنهّد يسوع و "غضب" عليهم ثم طرد الشيطان. حينئذٍ سأل التلاميذ (التسعة) يسوع (17: 19) عن سبب فشلهم.
أما التأليف المرقسي فلا يبدو متناسقاً كما عند متى. فهو يتجنّب لفظة "تلميذ" ليدلّ على الثلاثة الذين نزلوا من الجبل، ويحتفظ به للتسعة الذين حاولوا أن يطردوا الشيطان. وهكذا ميّز الثلاثة عن التسعة.
إن الطابع المصطنع لهذا التركيب يدلّ على أن الحوار بين يسوع والثلاثة المميّزين، قد ارتبط في حقبة متأخرة بخبر التجليّ. لقد تسلّم الإنجيليون الثلاثة من التقليد قبل الإزائي المتتالية التي ضمّت اعتراف بطرس. إعلان مصير ابن الإنسان، ردّة فعل بطرس. وجاء حدث الولد المصروع ليكّمل هذه المجموعة الأولى.
3- الخبر في متى ولوقا
أ- نصّ مت 17: 14- 21
يتضمّن النصّ الحالي في مت قسمين: خبر المعجزة (آ 14- 18)، الحوار بين يسوع وتلاميذه (آ 19: 21). يبدو أن الوالد والتلاميذ رأوا في المصروع مريضاً عادياً. حين شفاه يسوع دلّ على أنه ممسوس. فسؤال التلاميذ لا يشير إلى شفاء. لم يقدروا عليه، بل إن طرد شيطان بدا مستحيلاً. اختلفوا عن "المقسّم" الذي لم يكن يتبع يسوع ولكنه نجح "باسم يسوع" (مر 9: 38- 40). أما هم فنقص إيمانهم، فلم يمارسوا ملء السلطان الذي أعطي لهم على المرض وعلى الشيطان.
إن الحوار بين يسوع والتلاميذ يفهمنا مجمل الخبر: زيد على خبر معجزة ذات مرمى كرستولوجي فأعطانا بعداً فقاهياً يوافق مخطّط يسوع في القسم الثاني من حياًته العلنية: تكوين التلاميذ، تربية إيمانهم.
حين نقرأ الخبر كله، نرى مجموعة التلاميذ تخرج من عمق اللاإيمان وتقف في الصفّ الأول: فمن أجلهم يتكلّم يسوع ويعمل. لم يكن دورهم مجيداً. كانوا قليلي الإيمان. جاء توبيخ يسوع متضمناً في كلام وجّهه يسوع إليهم: لو كان لكم إيمان مثل حبّة الخردل!
هنا نتذكّر "الإيمان" في أربعة مقاطع: مت 17: 20: "لو كان لكم إيمان مثل حبّة خردل، لقلتم لهذا الجبل انتقل من هنا إلى هناك فينتقل، ولا يستحيل عليكم شيء". مت 21: 21: "إن كان لكم إيمان ولا تتردّدون، لا تفعلون ما فعلت بالتينة فقط، بل إن قلتم لهذا الجبل قم من ههنا واهبط في البحر، فإنه يكون ذلك". لو 17: 6: "لو كان لكم من الإيمان مثل حبّة خردل، قلتم لهذه التوتة انقلعي وانغرسي في البحر، فتطيعكم". مر 11: 22- 23: "ليكم لكم إيمان بالله! الحق أقول لكم: إن قال أحد لهذا الجبل انتقل واسقط في البحر، وهو غير مرتاب في قلبه، بل مؤمن بأن ما يقوله يكون، فذلك يكون له".
في مت 17: 20 نرى تعارضاً بين صغر الحبّة وضخامة الجبل. في لو 17: 6 نجد مقابلة بين حبّة في بدايتها وشجرة كبيرة. المهم هو نوعيّة الإيمان. احتفظ مت 21: 21 ومر 11: 22- 23 بالمقابلة مع حبّة الخردل. ولكنهما زادا أن على المؤمن أن لا يشكّ، أن لا يرتاب. حينئذٍ زاد مت 17: 20: لا يستحيل. وصورة نقل التوتة (لو 17: 6) قد تأثرت بما في مت 17: 20 عن الجبل: "إنتقل من هنا إلى هناك".
في مت 17: 20، قد يعني "الجبل"، جبل التجليّ. وهكذا نكون في خلفيّة اسكاتولوجية: الله وحده يمهّد الجبال (أش 40: 4 كما ورد في مت 3: 3) أو يزيحها من مكانها (أي 9: 5). قوة الإيمان هي قوة الله نفسه. والتلاميذ بإيمانهم يشاركون في قدرة الله في الأزمنة الاسكاتولوجية التي يعيشونها مع يسوع.
ويقابل هذا الإيمان مع حبّة الخردل. هذا هو أصل قدرة الإيمان. إنه بذرة في قلب الإنسان. والله هو الذي ينميها. الله مع الإنسان. لا الإنسان بدون الله.
ما هو الدرس الذي أخذه التلاميذ بعد أن اختبروا ضعفهم؟ وُضع فشلهم في ضوء لاهوتي ما زالت يوجّه رؤساء الجماعة: يجب أن يؤمنوا حقاً أن لا شيطان يقاوم المؤمنين الذين يشاركون لا قدرة الله. وهذا الإيمان الذي أعطي لهم كحبة خردل زرعت في الأرض، يجب أن ينمّوه بالصلاة والصوم. حينئذٍ يعملون باسم يسوع لأن يسوع بينهم.
ب- نصّ لو 9: 37- 43
الخبر في لو أقصر منه ممّا في مت. وهو قريب في بعض الأمور من مر الذي سنعود إليه. إنه خبر معجزة حسب فنّه الأدبي النقيّ. ونرى فيه بشكل خاصّ الخاتمة المعروفة التي تتحدّث عن الدهشة، وتحلّ محل الحوار الذي زاده مت ومر: "فبُهت الجميع من عظمة الله". هذا ما يبرزه نصّ لوقا: أعمال الله العظيمة (رج 5: 26؛ 7: 16). الله يتمجّد في ابنه يسوع. وهذه الأعمال العظيمة عينها سوف ينشدها الرسل يوم العنصرة (أع 2: 11).
يحيط بالخبر فعلةُ والد الولد: جاء الآب يقدّم ابنه الوحيد ليسوع، فينال منه ابنه وقد نجا من الروح النجس. تعرّى الحدث من الحوار بين يسوع والتلاميذ، فصار قوياً في بساطته.
ماذا نجد عند لو؟ يسوع وأب تعيس. أهمية الأب في السبب الذي يقدّمه إلى يسوع. أراد أن يشُفى ابنه لا لأنه ممسوس (فيه شيطان)، بل لأنه وحيد (9: 38؛ رج 7: 12؛ 8: 42). ثم يفصّل عوارض المرض. وصلاته إلى يسوع جاءت مثل "صلاته" إلى التلاميذ. حين توجّه إلى يسوع قال فقط: يكفي أن ينظر إلى ابنه ليشفى.
ونطرح السؤال: إلى من يتوجّه كلام يسوع؟ مع أن الأمر أعطي للأب لكي يأتي بابنه، فكلام يسوع لا يتوجّه إليه. أيكون قاله للجميع دون أن يحدد أحداً. أنحتاج هنا إلى مت أو مر لكي نفهم لو؟ الأمر ممكن.
ونشهد كما عند مر حالة الصرع مع بعض التفاصيل التي تثير الشفقة. وبعد التقسيم الذي به يطرد يسوع الشيطان، يشفي الولد، نجد السمة المميّزة: ردّ يسوع الولد إلى أبيه. نحن أمام فعلة حنان تشبه ما فعل يسوع مع أرملة نائين (7: 15): "سلّمه إلى أمه".
وهكذا يقدّم لنا الإنجيلي معجزة أخرى (مأثرة أخرى من مآثر الله) في إنجيل الرحمة الخلاصيّ. ويدعونا لأن ننشد مع الشعب أعمال الله العظيمة. على خلفيّة مظلمة، شكّل ضعف التلاميذ مع مشهد التجليّ المجيد دبتيكا بدرفتين، فأرانا في يسوع المحسن القدير الذي به يصنع الله معجزاته فيدلّ على صلاحه وفدائه: ويعيد يسوع إلى الأب الولد الوحيد الذي غرّبه الشيطان عن عائلته ومجتمعه.
4- الخبر في مر 9: 14- 29
أ- النقد الأدبي
نجد في مر تفاصيل لا نجدها في مت، مع العلم أن نقاط الاتصال عديدة بين الإنجيلين. كيف تدوّن الخبر في مر؟ نستطيع أن نكتشف مرحلتين سابقتين للنصّ الحالي الذي بين أيدينا.
أولاً: روح أصم أبكم
ظاهرياً، ينقسم الحدث كما في مت إلى مشهدين متعاقبين. الأولى: في "الساحة" (آ 14- 27). الثاني: في البيت (آ 28- 29). ارتبط القسمان من جهة المعنى أكثر منه من جهة المبنى. إن جواب يسوع (هذا الجنس لا يخرج إلا بالصوم والصلاة) يلفت الانباه إلى هذا الجنس الخاص من الشيطان. طرده يسوع. أما التلاميذ فعجزوا هذه المرة رغم الرسالة التي سلّمت إليهم (6: 7) ورغم النجاح الذي سبق وحصلوا عليه (6: 13؛ رج لو 10: 17).
هذا من جهة. ومن جهة ثانية، نحن نعرف أن المقسّم يطرد الشياطين في حوار معهم، فيناديهم بأسمائهم (11: 25؛ 5: 8). ولكن هذا الجنس (هذا الشيطان) هو "أصمّ، أخرس". لا نستطيع أن نناديه باسمه. إذن، إن أردنا أن نطرده، إحتجنا إلى اتحاد وثيق جدا مع قدرة الله. هي إشارة تختلف بعض الشيء عمّا في مت الذي فسرّناه على ضوء الإيمان بالمهمة التي تسلّمها الرسل ليطردوا الشياطين. إذن، نحن هنا أمام حالة خاصّة تفرض الصلاة والصوم، تفرض اللجوء الحارّ إلى الله وحده. فالامتناع عن الأكل طوال النهار، مع أن الطعام عطيّة من عطايا الله، يدلّ على أننا ننتظر كل شي منه، لا من قوانا البشرية. هذا ما فعله بولس وبرنابا: إستعدّا لرسالتهما بالصوم (13: 2- 3).
إذا جعلنا هذا التفصيل جانباً، يبدو أن المحيط الفقاهي الوحيد نقل هذا الدرس إلى التلاميذ. أما الجدال مع الكتبة فسوف نعود إليه.
ثانياً: الخبر في آ 20- 27
أما آ 20- 27 فلا تخضع للمجموعة. جعلت من الرواية خبراً على مستويين: يتحاور يسوع مرتين مع والد الولد (آ 16- 19؛ 21- 24). جاء الجمع إلى يسوع مرتين (آ 15؛ 25). قدّم الوالد ابنه الممسوس مرتين (آ 17- 18؛ 21- 22). لهذا طُرح سؤال حول وحدة الخبر. قد نستطيع أن نعزل خبر المعجزة (حسب الفني الأدبي الكلاسيكي) في آ 20- 27: دخل في رواية أوسع مع درس أعطي للتلاميذ (آ 14- 19؛ آ 28- 29)، فخسر مقدمته وخسر خاتمته التي جاءت ربّما كما في لو 9: 43 (بُهت الجميع من عظمة الله).
هناك تقليد يذكر شفاء ولد مصروع. خلاله نال يسوع من والد الولد فعل إيمان. فالإيمان الذي طُلب من هذا الرجل لا يقابل ذاك المطلوب من التلاميذ في مت: في مت هو إيمان مجترح المعجزة. في مر، هو إيمان طالب المعجزة. واللاإيمان الذي يشتكي منه الأب، يشبه لا إيمان مواطني يسوع (6: 6)، لا عدم إيمان التلاميذ خلال العاصفة (4: 40). إيمانه هو ذاك الذي ينال العجائب (2: 5؛ 5: 34؛ 10: 32).
إن هذا الخبر المعزول يشبه شفاء (طرد الشيطان من) ابنة السورية الفينيقية (7: 24- 30): يضم ميزات ترجع إلى الفن الأدبي عن الشفاء كما عن طرد الشيطان. وإليك بعض التفاصيل التي تدلّ على قرب خبر المصروع من طرد الشيطان. (1) جاء الشيطان فجأة، في الحال (9: 20؛ رج 1: 23؛ 5: 2- 7). (2) يسوع يسأل (9: 21؛ رج 5: 9). (3) يصوّر الشرّ (9: 20- 22؛ رج 5: 3- 5). (4) يسوع يأمر (9: 25؛ رج 1: 25؛ 5: 8- 13؛ 7: 29). (5) أزمة نهائية (9: 26؛ رج 1: 26؛ 5: 13). عاد الممسوس إلى الهدوء (9: 26؛ رج 5: 15؛ 7: 30).
ويشدّد مرقس أيضاً على موضوع الشفاء. (1) نداء إلى الرحمة (9: 22؛ رج 1: 40؛ 5: 23- 27؛ 7: 26- 28؛ 10: 47- 48). (2) كل شي ممكن للذي يؤمن (9: 23؛ رج 2: 5؛ 5: 34، 36؛ 6: 6؛ 10: 52). (3) أخذ يسوع الولد بيده بعد أن نجا (9: 27؛ رج 1: 31؛ 5: 41- 42).
هذه المعجزة المدهشة التي هي انتصار على الشيطان وعمل رحمة، قد رُويت من أجل الكرازة فتوخّت أن تثير الإعجاب بيسوع والإيمان بقدرته. 
ثالثاً: وحدة الخبر
ومع ذلك، يبقى نصّ مر موحّداً رغم الأمور الأدبية التي أشرنا إليها. فإذا أردنا أن نكتشف الهدف الأخير، نجعل كل قسم في موضعه. إن إقحام الخبر المعزول (آ 10- 27) ينزع من الحوار دوره المهم في الحدث. هذا ما يدلّ عليه عدم التوازن بين القسمين، انقطاع في الحوار (آ 29: وقال لهم). ولكن إن تركنا التوقّف عند هذه التفاصيل، وإن تذكّرنا يوحنا في تدوين إنجيله، ترتسم أمامنا بنية المجموعة في ثلاثة أقسام: يتألف كل قسم من مشهد وحوار يقوده يسوع.
* آ 14- 19 ج: المشهد الأول. يسوع والجمع المدهوش (آ 14- 15). أول حوار بين يسوع والرجل (آ 16- 19 ج).
* آ 19 د- 24 (هلّم به إليّ): المشهد الثاني. يسوع والولد الممسوس (19 د- 20). حوار بين يسوع ووالد الولد (آ 21- 24). نلاحظ التدرّج من الحوار الأول إلى الحوار الثاني. بعد صورة سريعة عن الشّر واتهام التلاميذ العاجزين، تأتي صورة مفصّلة يتبعها طلب، ثم انطلاقة جديدة للحوار تدفع الولد ليقوم بفعل إيمان كافٍ.
* آ 25- 29: المشهد الثالث: طرد يسوع الشيطان من الولد أمام الجمع الذي ظنّ أن الولد مات. ولكن يسوع أنهضه بيده. فوقف الولد (آ 25- 27). وكان حوار ثالث (آ 28- 29) يقابل على المستوى الأدبي الحوارين الأولين، ويخسر دوره كخاتمة تعطي الحدث معناه.
وهكذا نكون أمام دراما يتداخل فيها خبر المعجزة والدرس للتلاميذ. فنرى يسوع ظافراً بالشيطان. سنتوقف عند المراحل ونتأمل الدور الذي يلعبه كل من الأشخاص.
ب- أشخاص الخبر
أولاً: الجمع
يلعب الجمع في مر دوراً مهماً يتعدّى ما في مت. هم يحيطون بالتلاميذ، يدهشون لدى رؤية يسوع. وهذا ما يجعلنا نفكّر إن الجدال جرى على فاعلية السلطة المعطاة للتلاميذ الذين عجزوا عن ممارستها. وبادر الجمع للسلام على يسوع. ومنه خرج رجل. ويبدو أن كلام يسوع عن "الجيل الغير المؤمن" يتوجّه إليهم. وجيء بالولد. فازدحم الجمع من جديد حول يسوع، وقالوا كلهم إن الولد قد مات. هذا الجمع الذي يذكره مرقس مراراً، ويراه متعاطفاً مع يسوع، مهتماً بأن يكون قرب يسوع، هذا الجمع يبدو هنا الشاهد الحقيقي للمعجزة. يذكّرنا بأولئك الذين شهدوا قيامة لعازر (يو 11: 33- 42؛ رج مر 9: 25: إيدون= راء).
إختلفت هذه المعجزة عن إقامة ابنه يائيرس (5: 40) أو عن شفاء أعمى بيت صيدا (8: 23)، في أنها جرت في الساحة العامة، أما الجموع. هذا الطابع العلني يتخذ من السياق الذي يحيط بالحدث مدلولاً محدّداً. فالإنباء بالآلام الذي توجّه إلى التلاميذ وحدهم (8: 31) قد تبعه مشهد التجليّ الذي كان سرياً هو أيضاً (9: 2- 9). ولكن ضرورة حمل الصليب قد أعلنت على الجمع في الساحة العامة، لا أمام التلاميذ وحدهم (8: 34). وكذا نقوله أيضاً عن انتصار يسوع على الشيطان: فهو يدلّ على أعين الملأ على قدرته. أما الدرس فهو: يجب أن نخسر حياًتنا لنربحها. والولد الممسوس خسر حياًته ظاهرياً، ولكنه استعادها في يسوع.
ثانياً: التلاميذ
دور التلاميذ بسيط، وقد كسفه حضور الجمع، كما كسفه بشكل خاص والد الولد. فكلام يسوع في آ 19 لا يتوجّه إلى التلاميذ وحدهم. بل إلى جميع الحاضرين.
ثالثاً: الأب
أما الأب فهو في المقدّمة. قام بمسيرة الإيمان. فاقتاد ابنه لا إلى التلاميذ (كما في مت ولو)، بل إلى يسوع (جئتك بابن لي). وهكذا دلّ على نيّته الأولى بأن يلجأ إلى المعلّم ولو بواسطة تلاميذه. لم يكن طلبه مليئاً كل الملء بالثقة، فيبدو أنه شكّ بقدرة يسوع (إن استطعت). ولكن طلب منه المخلّص فقام بفعل إيمان متواضع وتام. لجأ إلى يسوع نفسه لكي يحصل على هذا الإيمان العميق (آ 24: رج 5: 36). عبر هذه الدراما الشخصيّة، نستشفّ صورة نموذجية عن مسيرة الإيمان نستطيع أن نقرّبها من حوار يسوع مع السامرية (يو 4). لسنا هنا فقط أمام تفاصيل أخذت ساعة وقوع الحدث: فمثال هذه المسيرة إلى الإيمان يجب أن يدعو القارئ لأن يتّحد بطلب الابن البائس وبثقته القوية.
رابعاً: الكتبة
نندهش حين نرى الكتبة في هذا المكان المنعزل (14: 16). يبدو أن مرقس يشير إلى الكهنة المحلّيين الذين يلعبون عادة دور الخصوم في التظاهرات العلنيّة. وحين يصل يسوع، يهربون. سأل يسوع تلاميذه: "فيمَ تباحثونهم"؟ إذا كان مر قد احتفظ بهذه الحاشية فلأنه رأى في هذا الجدال الذي هدأ ساعة وصولا المعلّم، صورة مسبقة عن انتصار يسوع. في مرحلة أولى هرب الكتبة. وفي المرحلة الثانية سوف حرب الشيطان. فلا حاجة إلى جدال مع الكتبة، حين يستطيع يسوع أن ينتصر عليهم بواسطة تلاميذه.
خامساً: الشيطان
الشيطان شخص مهمّ على المسرح. فالولد الممسوس هو مناسبة تتيح لقدرة الشيطان أن تفعل. هو "روح أبكم". وهو سيتماهى فيما بعد (آ 25) مع الشيطان نفسه. إن عدم التواصل في آ 25 يدلّ على دور الشيطان المسيطر. وفي آ 22، يتسلّط الشيطان على فاعل الفعل. هذا الشيطان هو "القويّ" (3: 27). وقد قاوم التلاميذ الذين كانوا أضعف منه (9: 19).
سادساً: يسوع
ولكن يسوع أقوى من الشيطان. إذ أراد متى أن يجعله مهيباً، خلق فراغاً حوله، وصوّر بإيجاز حركاته وموقف الشهود. ومرقس وجّه الأشخاص، رغم عددهم، إلى يسوع. فيسوع يثير الدهشة. ولكن الناس يتراكضون إليه ليحيّوه. "إليه" جاء الوالد بابنه. ويسوع يردّه إليه معافى.
ثم إن المبادرة هي في يد يسوع، وهذا ما يميّز الخبر المرقسي. جاء فتراكض الناس إليه. سألت عن الجدال، فخرج رجل وشرح له ما حدث. أمر بأن يجيئوه بالولد. فجاؤوه. طرح سؤالاً على الأب فأجاب الأب ودلّ على ضعف إيمانه. شدّد يسوع على كلمة "ضعيف" (الإيمان). فدلّ الرجل على الإيمان الكامل. أخيراً، أمر يسوع الشيطان الذي انتصر في الظاهر فرمى ضحيّته على الأرض. ولكن يسوع أنهض الولد، وهكذا كلّل عمله.
إن هذه المبادرة المتواصلة تلفت انتباهنا. فموقف يسوع يختلف حين يشفي أو يخرج شيطاناً. فالمخلّص يستقبل بمحبة طلب الشفاء. ولكنه يستبق الأمور في طرد الشيطان، كما فعل مع مجنون الجراسيين (5: 6- 8؛ رج 1: 25- 34؛ 3: 11- 12؛ 7: 27). أما الأسئلة التي ترد فهي مجرّد شكليّات. لقد اتخذ يسوع قراره وهو يخلّص هذه "الضحيّة" من براثن الشيطان.
بدأ يسوع فقطع سيل الأسئلة، وطلب أن يجيئوه بالولد. في البدء لما يجب يسوع الرجل. بل تكلّم وحده عن هذا الجيل الكافر والمعوجّ. إنه يُشرف على الحضور. إنه يقف وحده بقامته أمام هؤلاء اللامؤمنين. أمام الشيطان.
وكان صراع بينه وبين الشيطان. وانتصر يسوع. نحن أمام غلبة رمزية. أما الغلبة الحقيقية فستكون في موته وقيامته. هنا نتذكّر الرابط بين هذا الحدث والإنباء بالآلام والقيامة. اعتبروا الولد قد مات. بل قالوا إنه مات. ولكن يسوع "أقامه فقام". هذه هي لغة الإيمان.
خاتمة
إن حدث الولد المصروع بدا أكثر تشعباً من سائر أخبار طرد الشياطين، بمضمونه وبمعناه. يقع في ذروة الإنجيل، حيث يكشف يسوع سرّ ابن الإنسان. هذه الدراما في ثلاثة مشاهد تجري في العلن وتحمل بعداً رمزياً. إنها تدلّ على صراع بين يسوع والشيطان. لقد انتصر يسوع على بعل زبول، بعد أن اتهمه أعداؤه بأنه يطرد الشياطين باسم بعل زبول. لقد أنهى "بيته" (3: 22- 26).
وعلى القارئ أن يعرف أنه ضعيف وحده أمام القوى الشيطانية. أما مع يسوع، فهو يقدر على كل شيء. إنه من هذا الجيل الغير المؤمن. ولكنه يسمع يسوع يدعوه إلى الإيمان، إلى الصلاة والصوم. فإن أراد أن ينجو من الشيطان، عليه أن يلجأ إلى يسوع وحده. وإذ ينظر إلى انتصار يسوع على الشيطان، يعرف أن هذا رمز لانتصاره لا الموت والقيامة كاستباق لانتصار كنيسته بفضل قيامته.

 

 

الفصل العاشر
الإنباء الثاني والعظمة الحقيقية
9: 30- 37
تتضمّن هذه المقطوعة الإنجيلية الإنباء الثاني بالآلام وبداية خطبة طويلة (مختلفة المواضيع) تنتهي في 9: 50. إنّ هذا التجميع لأقوال يسوع قد سبق تدوين مرقس لإنجيله. ونحن نجده أيضاً في خطبة الجماعة في مت 18. أما لوقا فوزّع هذه الأقوال على أماكن عديدة. حاول مرقس أن يوحّد هذه الخطبة فأقحم بعض الإشارات الخاصة به. مثلاً، نشاهد طريقة مرقس في آ 30 (السرّ: لم يكن يريد أن يدري به أحد) وآ 31 (التعليم: كان يعلّم التلاميذ) وآ 32 الم يفهم التلاميذ. كانوا خائفين)، آ 33 (معارضة بين البيت والطريق)، آ 34 (الجدال، كانوا يتباحثون).
نبدأ فنشرح مختلف عناصر المقطوعة ثم نحاول أن نفهم معنى مِثل هذا التجميع، كما نفهم لاهوت مرقس الذي يعبّر عنه هذا النصّ.
1- الإنباء الثاني بالآلام
تطرح الإنباءات بالآلام سؤالين هامين: أولاً، صحتهما: هل تلفّظ يسوع حقاً بهذه الكلمات، أم نُسبت إليه فيما بعد؟ ثانياً، المعنى الذي أعطاه يسوع مسبقاً لموته الآتي.
يقع الإنباء الثاني في وضع مميّز تجاه هذين السؤالين. يبدو أنه أقدم الإنباءات وأقصرها وأقلّها تفاصيل. هنا نقابل مر 8: 31؛ 9: 31؛ 10: 32- 34.
8: 31 9: 31 10: 32- 34
وأخذ يعلّمهم كان يعلّم تلاميذه وطفق يقول لهم
انه ينبغي لابن البشر إن ابن البشر يسلّم ابن البشر سيسلّم
أن يتألم كثيراً إلى أيدي الناس
وأن ينتبذه الشيوخ
ورؤساء الكهنة إلى رؤساء الكهنة
والكتبة والكتبة
فيحكمون عليه بالموت
ويدفعونه إلى الأمم
فيهزأون به
ويبصقون عليه
ويجلدونه
وان يقتل فيقتلونه. ومتى قُتل ويقتلونه
ويقوم بعد ثلاثة أيام ينهض بعد ثلاثة أيام ثم ينهض بعد ثلاثة أيام
ونقدّم لا لوحة ثانية الإنباء الثاني حسب ما ورد لدى الإزائيين متى ومرقس ولوقا:
مت 17: 22- 23 مر 9: 31 لو 9: 44
إن ابن البشر إن ابن البشر إن ابن البشر
سوت يسلّم يسلّم سوف يسلّم
إلى أيدي الناس إلى أيدي الناس إلى أيدي الناس
فيقتلونه فيقتلونه ومتى قُتل
وفي اليوم الثالث بعد ثلاثة أيام
يقوم ينهض

نلاحظ أن الإنباء الثاني يتميّز بعبارة "يسلم إلى أيدي الناس". هذه العبارة ترد أيضاً حين يتحدّث يسوع عن خيانة يهوذا: "ويل لذلك الرجل الذي يسلم ابن البشر" (14: 21). وترد أيضاً حين توقيف يسوع: "هوذا ابن البشر يسلم إلى أيدي الخطأة" (14: 41). ألغى لوقا هذه الجملة ونقلها إلى زيارة النسوة إلى القبر (24: 7): "يسلم إلى أيدي الخطأة". 
والعبارة التي نجدها هنا (يُسلم) ترد في الحاضر فتدلّ على المستقبل القريب. وهناك تلاعب على الكلمات: ابن البشر والبشر (أو ابن الإنسان والناس). وهناك صيغة المجهول التي تدلّ على عمل الله. كل هذا يدلّ على أصل أرامي لهذه الكلمة القوية والملغزة، كما تلفّظ بها يسوع بطريقته الخاصة.
ولكن حين تلفّظ يسوع بهذه الجملة، أي معنى أعطى لموته؟ قد نجد الجواب في دراسة فعل "أسلم".
نجد هذا الفعل في بعض النصوص البولسية (روم 4: 25: أسلمَ لأجل زلاّتنا؛ 8: 32؛ أف 5: 2)، وهو يجعلنا نفكّر بالعبارة الافخارستية (رج لو 22: 19: جسدي الذي يبذل لأجلكم؛ 1 كور 11: 24). ومع هذا، فالنصّ يعارض مر 9: 31 ويوضح: "لأجلنا". "لأجل خطايانا". وهذا ما يشير إلى أش 53، فيوجّه تفكيرنا إلى الوجهة الذبائحية والفدائية لموت يسوع.
وعبارة "أسلم إلى يد" ليست غريبة عن التوراة. نجدها مثلاً في محاكمة إرميا (إر 26: 24). وإن أفلت النبي من الموت، يبقى أن خبر محاكمته كوّن لحمة الخبر في آلام يسوع، عند مرقس بصورة خاصة. وتظهر هذه العبارة أيضاً في مزامير "البار المتألمّ" الذي يطلب أن ينجو من أيدي الكافرين، من أيدي الخطأة (مز 71: 4؛ 140: 5). ونجدها أخيراً في دا 7: 25 حيث نجد "قدّيسي العلي" "يسلّمون إلى يدي" أنطيوخس ابيفانيوس المضطهد. ولكنهم سيمتلكون الملكوت (7: 22)، ذاك الملكوت الذي يُمنح في 7: 14 إلى شخص سرّي هو ابن البشر (أو: ابن الإنسان).
من هو هذا ابن البشر؟ شخص فرد أم رمز جماعي؟ مهما يكن من أمر، فهو الينبوع المباشر للعبارة الإنجيلية في الإنباء الثاني (مر 9: 31 وز). بيد أنّ يسوع جمع في ذاته المصير الجماعي لقدّيسي العلي. هذا من جهة. ومن جهة ثانية، أخذ على عاتقه في تسلسل مراحل حياًته، وجهتين كانتا منفصلتين: وجهة الإضطهاد ووجهة الملك. وهكذا يبدو الشهيد الذي تسبق آلامُه مجيء الملكوت.
وهكذا، تكشف لنا عبارة "يسلّم ابن الإنسان إلى أيدي" وجهة ثمينة جداً في آلام يسوع وموته: فهذا الموت يكثّف ويتمّ بشكل كامل ألم الأبرار، واضطهاد الأنبياء، وموت الشهداء. وهذا ما يدلّ عليه الإستعمال المتواتر لفعل "أسلم" في أخبار الآلام. نحن أولاً أمام اللفظة التقنية التي تدلّ على الخيانة: إن يهوذا "أسلم" يسوع إلى عظماء الكهنة (24: 10). وهم بدورهم "أسلموه" إلى بيلاطس (15: 1، 10)، الذي "أسلمه" في النهاية إلى الجنود (15: 15). وهكذا انتقل يسوع على التوالي في يد كلّ القوات الشريرة. إنه حقاً قد "أسلم إلى أيدي". حرفياً: صار لعبة. "صنعوا به كل ما شاؤوا". هذا ما قاله يسوع عن "إيليا- يوحنا المعمدان" فدلّ على أنه السابق. حينئذ يطبّق عليه مرقس لفظة الآلام: "بعد أن أسلم يوحنا" (1: 14).
والإنباء الثالث سيقدّم "خبر الآلام" بالتفصيل: "ابن البشر سيسلم إلى رؤساء الكهنة... وهم بدورهم يسلمونه إلى الوثنيين". هذه الإشارة الأخيرة تشكّل في النهاية سبب الشكّ العظيم: يهودي يسلمه اليهود إلى الأمم. مرسل الله يسلّمه الكهنة إلى الوثنيين. هذا ما يشير إليه سفر الأعمال بالدرجة الأولى. قال بطرس: "صلبتموه وقتلتموه بأيدي الكافرين" (اع 2: 23). وقال أيضاً: "أسلمتموه إلى أعدائه وأنكرتموه أمام بيلاطس". والإنباء الثالث في إنجيل لوقا (18: 33) يتميّز بهذه الإشارة: "إن ابن الإنسان سيسلّم إلى الوثنيين، فيستهزئون به ويشتمونه ويبصقون عليه".
ولكن يبدو أن الإنباء الثاني يقدّم وجهة أخرى. إذا عدنا إلى النظرة الأولى، نبقى على مستوى المبادرات والمسؤوليات البشرية. هذا ما تدلّ عليه العبارة التي تعلن خيانة يهوذا (14: 21): "الويل لذلك الإنسان الذي به يسلم ابن الإنسان"! وهذا ما يعبّر عنه يوحنا (19: 11) خلال حديث يسوع مع بيلاطس: "الذي أسلمني إليك خطيئته أعظم". هذا مع العلم أن الشيطان هو الذي يحرّك كل هذه المبادرات في إنجيل يوحنا. ونستطيع أن نلاحظ طريقة يوحنا باستعمال فعل "أسلم" ثماني مرات من أجل يهوذا بين ف 6 وف 18 من إنجيل يوحنا. وبين يو 18: 30- 36 و19: 16 سنجد مزيجاً يدخل فيه اليهود ويسوع ويهوذا وبيلاطس.
نقرأ في مر 9: 31: "يُسلم ابن الإنسان". إن صيغة المجهول في الإنباء الثاني تدلّ على عمل الله. وهكذا يبرز التعارض: ابن الإنسان- الناس. حينئذ نفهم العبارة على الشكل التالي: "الله يسلّم إلى البشر ابن البشر". تأكيد يدهشنا، ولكنه يقلب الأمور رأساً على عقب: لسنا أمام الشّر الذي يعمل عمله وينتصر، بل أمام مخطّط الله الذي يتحقّق في التناقض. لم يؤخذ الله على حين غفلة، ولم يهزَم فيفشل. بعد هذا لا يعود يشكّكنا "ابن الإنسان الذي أسلم". هذا هو سرّ الله نفسه، وهو ينتصر بوسائل مدهشة سامحة بدا وكأن الشّر ينتصر. قال بولس الرسول: "لم يشفق على ابنه الخاص، بل أسلمه عنا جميعاً" (روم 8: 32). وقال يو 3: 16: "ان الله أحبّ العالم حتى إنه بذل ابنه".
قالت أشعيا عن عبد الله المتألم (53: 10): "إن مخطّط الله سينجح بيد العبد الذي أسلم (بواسطة الله) من أجل خطايانا". ولمَ "يسلم إلى أيدي الخطأة"؟ هنا تلتقي النظرتان حول موت يسوع.
في النهاية نستطيع أن نجمل جواباً على السؤالين اللذين طرحناهما في البداية: استطاع يسوع بسهولة أن "ينبئ" بموته قتلاً، وذلك حين رأى تطوّر الأحداث. ولكن ما يهمّنا هو المعنى الذي أعطاه لهذا الموت. كل شيء يدلّنا على أنه قرأه على ضوء الأحداث السابقة في التاريخ المقدّس، فعاشه على أنه الحدث المركزي في مخطّط الخلاص.
2- ما بعد الإنباء الثاني
إن هذا الإنباء بالآلام يتبعه مشهدان يتعارضان ويحصلان في زمنين مختلفين: هناك الواقع نفسه (كانوا يتباحثون)، ثم كلمة يسوع (إن أراد أحد أن يكون الأوّل).
نقرأ أولاً جدال التلاميذ ومباحثتهم عمّن هو الأعظم. بعد هذا، يرد جواب يسوع عن الأوّل والآخر، عن "خادم الكلّ". وفي النهاية، قام يسوع بفعلة رمزية: أخذ طفلاً. ورافقت الفعلة كلمة تفسرّ الفعلة: "من قبل واحداً من هؤلاء الأطفال...". عناصر متنوّعة وقد ينقصها بعض التماسك في تسلسلها: جدال، كلمة يسوع، فعلة يسوع ثم كلمته عن قبول الطفل وارتباط هذا القبول بالله.
في آ 33، يسوع هو في البيت مع تلاميذه. في آ 35، جلس ودعا الإثني عشر وسلّم إليهم كلمته. نحن هنا وكأننا أمام مقدّمتين لكلمة يسوع: نداء الذين هم هنا (من زمان بعيد). معهم بدأ الحوار من قبل. وتمييز بين التلاميذ والإثني عشر.
موضوع الجدال بين التلاميذ هو حول "الأعظم"! ولكن يسوع لا يستعيد هذه اللفظة، بل يتحدّث عن الأول والآخر. ومثَل الطفل يجب أن يكون بشكل طبيعي مثلاً عن التعليم الذي أعطي في الحال. غير أن الكلمة التي تلي لم تلمّح إلى موضوع الأعظم، ولا إلى موضوع الأول والآخر (أو العبد، الخادم).، بل إلى القبول والإستقبال. ثم إن الكلمة عن استقبال الأطفال (في صيغة الجمع) تفترض مجموعة، وتتوافق بشكل أفضل مع الحدث المرويّ في 10: 13- 16 (جاء إليه بعض الناس بأطفال)، أما هذا النص فيقول ان يسوع أخذ طفلاً واحداً. وجده هنا في البيت. وجده صدفة واتفاقاً.
وهنا عبارتان. الأولى: "باسمي". الثانية: "واحد من هؤلاء الأطفال". فالكلمة حول القبول ترتبط ارتباطاً بما يلي (آ 38- 39: باسمى. آ 42: واحد من هؤلاء الأطفال). نلاحظ أن اللفظة المستعملة في آ 37 هي "بايديون" (ولد صغير، طفل). وفي آ 24: "ميكروس" (يدلّ على كل صغير، ولا يدلّ بشكل خاصّ على الأطفال). نحسّ في هذا المقطع المرقسي أن حدث الطفل هو بداية سلسلة لا خاتمة مناقشة. والترتيب الذي أخذ به متى أو لوقا يبدو أكثر منطقياً. (1) مناقشة (لوقا) أو سؤال (متى). (2) الطفل. (3) كلمة يسوع التي تردّ على المسألة بشكل مباشر. غير أن هذين الإنجيليين نفسيهما (متى، لوقا) حدّدا موقع كلمة القبول بشكل آخر: لوقا، قبل الجواب حول الأعظم. متى، بعد الجواب. إن هذه الاختلافات تلفت انتباهنا إلى الصعوبة في تفسير مشهد الطفل الذي يبدو وكأن التقليد أعاد كتابته مراراً.
لهذا أعاد الاب بوامار تكوين النصّ الأوّلاني على هذا الشكل: "جاؤوا إلى كفرناحوم. واقترب التلاميذ من يسوع قائلين: من هو الأعظم؟ فأخذ طفلاً، وأقامه في وسطهم وقال: الأصغر هو الأكبر". ولكننا نستطيع أن نرى الأمور بشكل مختلف، فنعتبر نصّ مرقس مجموعة أوّلانية (ضمّت وحداتها في طريقة مصطنعة). وقد عمل لوقا (أو متى) جهده من أجل توحيد عناصرها. إذن، يبدو من الأفضل أن نتوقّف عند عناصر مرقس، فنقرأها كوحدات صغيرة مستقلّة، ونحن عارفون أنها نتيجة تطوّر متشعّب. 
أ‌- المناقشة بين التلاميذ وجواب يسوع
قدّم مرقس بشكل مبتكر المناقشة حول من هو الأعظم. هذا لا يعني أنه اخترع الواقع، بل هو قدّمه بشكل أدبي. لا شك في أن متى (18: 1- 5) ألغى المناقشة، أو بالأحرى حوّلها إلى سؤال عام حول "الأعظم في الملكوت" (مت 18: 1). وهكذا لم يتعرّض للتلاميذ. غير أنه احتاج إلى هذا السؤال في ف 18 ليثير الموضوع الذي يطرقه، ونحن نتخيّله بسهولة يلغي هذا المشهد الملموس (المناقشة). أما لوقا (9: 46- 47) فبدا في النص الموازي وكأنه يخفّف من أهمية الحدث، فيشير إلى "تساؤل داخلي" (جالت فكرة في عقولهم، أفضل من "وقعَ جدال". وترجمة صحيحة أيضاً: داخلتهم هذه الفكرة) عرفه يسوع في داخله. في الواقع، إن الموازاة الحقيقية هي في مكان آخر: هي في إطار العشاء الأخير، واللفظة المستعملة (فريدة في العهد الجديد) هي "نزاع" (لو 22: 24)، وهي تتخذ بعداً جديداً.
قد تكون المناقشة حول الأعظم صدى لمشاكل عرفتها الجماعة الأولى حول كرامة كل من الرسل. إن سفر الأعمال يبيّن لنا بطرس ويوحنا في مركز مرموق داخل الجماعة الأولى في أورشليم. أما يو 21 فيقابل بين مصير الرسولين، فيدلّ على اهتمام بكرامة كل منهما. وان 1 كور 1- 4 تفترض أن المسألة طُرحت أيضاً: من هو أعظم؟ بولس، بطرس، أبلوس. وسيأتي جواب بولس قريباً مما في الأناجيل الإزائية: بولس وأبلوس هما خادمان (1 كور 3: 5).
وقد تكون المناقشة أيضاً صدى لاتجاهات لدى بعض المسؤولين إلى البحث عن الكرامات والوجاهات. أو صدى لمجادلات وتجاوزات تحصل خلال الاحتفال الليتورجي: هذا ما قد يشير إليه لوقا حين يحدّد في قلب العشاء السرّي موقع الجدال بين التلاميذ. ورسالة القديسة يعقوب (2: 1- 4) هي شاهد رافض لتصّرف يدخل في الجماعات الليتورجية أولويات تستند إلى اعتبارات بشرية.
كان المجتمع القديم عامة، والمجتمع اليهودي خاصة يهتمّ اهتماماً دقيقاً بالتراتبية. ونحن لن نندهش إذا كانت الكنيسة الأولى قد اصطدمت بصعوبات أثارتها نظرة إلى الأشياء وإلى العادات يهاجمها الإنجيل وجهاً لوجه. هنا نتذكّر كلام يسوع القاسي ضدّ الكتبة والفريسيين. أورده متى لأنه رآى أنه لم يختفِ من كنيسة المسيح. "يحبّون مقاعد الشرف في الولائم، ومكان الصدارة في المجامع، والتحياًت في الأسواق، وأن يدعوهم الناس: يامعلّم" (مت 23: 6- 7).
ولكن يبدو من المعقولة أيضاً أن المسألة طُرحت (بشكل مختلف) في جماعة التلاميذ قبل الفصح. وهذا ما يؤكّده حدث (قريب من هذا الحدث) طلب ابنَيْ زبدي الذي لم يخترعه التقليد، كما يذكره عدد من أقوال يسوع المختلفة حول ضرورة التواضع والخدمة (رج لو 9: 48 ب: الأصغر فيكم أعظمكم؛ مر 10: 43- 44؛ مت 20: 26- 27؛ لو 22: 26). 
واللوغيون (القول) الذي يقدّمه لنا مرقس في 9: 35 يتميّز كل التميّز عن غيره. فهو لا يجيب على السؤال. فهو لا يتضمن التعارض "كبير/ صغير" الذي نجده في لو 9: 48 ومت 18: 4. أما سائر الكلمات فتلعب على تعارض أقلّ دقة "عظيم/ خادم" (مت 20: 26؛ 23: 11؛ مر 10: 43) أو "الأول/ عبد" (مت 20: 27؛ مر 10: 44) أو "أعظم/ أصغر" (لو 22: 26). أما مرقس (9: 35) فقدّم وحده النقيضة الجذرية "أول/ آخر" التي تعبّر أفضل تعبير عن انقلاب في القيم يحدثه يسوع، وعن تبدّل في التصّرف يفرضه. نحن هنا في الحقيقية أمام قول حقيقي من أقوال يسوع أدخل هنا وزيدت عليه القاطعة "خادم الكل"، ليقطع الطريق بشكل نهائي على كل رغبة بالمقام الأول. فالعظمة الحقيقية تقوم بأن يكون الإنسان خادماً. وإذا أراد أن يكون خادماً عليه أن يكون الأخير.
نستطيع أن نقرّب هذا القول من قول آخر يرد في صيغة الجمع، ويعبّر هذه المرة عن واقع لا عن نصيحة. ونحن نجده في شكلين مقلوبَين. الأول (مر 10: 21؛ مت 19: 30: بع كل ما تملكه ووزّع ثمنه على الفقراء) يدلّ على الإنقلاب في الأوضاع يسبّبه حكم للأغنياء والفقراء. والثاني (لو 13: 30؛ مت 20: 16: الآخرون أولون) ينطبق على مسألة حلول الوثنيين محلّ اليهود في الملكوت. وهناك بعض الكتّاب يظنون أن مرقس ألّف 9: 35 إنطلاقاً من هذه النصوص الموازية التي ذكرناها.
ب- فعلة يسوع وتفسيرها
في تقديم مرقس الحالي، لا يبدو حدث الطفل الذي وُضع في وسط التلاميذ، مثلاً عن الحوار السابق. فالقولان اللذان يفسرّانه بشكل غير متوقّع، يدلاّن على أن لا رباط بين هذا الحدث وسياقه. كانت فعلة يسوع موضوع تفاسير عديدة. ونحن نتساءل: أي معنى لها في ذاتها، وبمعزل عن المناقشة التي سبقتها والتفسير الذي تلاها؟
من الطبيعي أن نقرّب بين هذا الحدث القصير والمشهد الموسّع (10: 13- 16) الذي يرينا التلاميذ يزجرون الأطفال أو الذين قدّموهم إلى يسوع. نلاحظ أن جواب يسوع في هذا الحدث الثاني يتبعه قول على القبول (من لا يقبل ملكوت الله مثل طفل) اختلف موضوعه ولكن بدا مزاداً. ويلاحظ مرقس في الحدثين أن يسوع "احتضن" الأطفال (غمرهم بيده وقبّلهم).
من الواضح أن اهتمام يسوع بالأطفال هو ميزة من تصرفه أدهشت التلاميذ وربّما شكّكت معاصريه. فالولد لم يكن له مكان في مجتمع عصره. هو لا يمثّل بشكل من الأشكال مثال البراءة والبساطة. بل هو نموذج ما لا أهمية له، ما لا يحُسب له حساب، ما هو حقير جداً بحيث نستطيع أن نهمله. إن اهتمام يسوع بالأطفال قريب من تصّرفه تجاه العشّارين والزناة: إنه يكشف شيئاً من قلب الله. فالبشرى تقوم في أن الملكوت يُعطى مجّاناً لمن يهمله الناس ويحتقرونه. يعطى فلا يحسب حساب لكمال الشخص أو استحقاقاته. إن الدعوة إلى الوليمة تتوجّه إلى الجدع والعرج والعميان (لو 14: 13- 14، 21)، إلى أولئك الذين لا يستطيعون أن يردوا لنا الدعوة إلى الوليمة. هذا ما تعني فعلة يسوع على مستوى أول وبمعزل من أي تفسير (رج مر 10: 14).
ولكن ينتج من هنا تعليم يشير إليه القول الأول على القبول (آ 37 أ: من قبل واحداً). فهذا القول يتضمّن في الوقت عينه دعوة لتقبّل الطفل، وتأكيداً على التماهي بين الطفل الذي نقبله ويسوع. يجب أن نفهم عبارة "قبل واحداً من هؤلاء الأطفال" (على ما يبدو)، لا كموقف سيكولوجي صرف، كموقف داخلي. بل نفهمها بشكل ملموس جداً (رج فعل داخستاي الذي يرد مراراً في العهد الجديد ويعني: أضاف): تقبّله، إستقبله، إلتقطه (من الشارع). حينئذ نكون أمام أطفال فقراء، يتامى أو متروكين (ربّما). حين نأخذ "إلى بيتنا" (على عاتقنا) هؤلاء الأطفال، نعمل عمل محبة تنصح به الشريعة ويمارسه العالم اليهودي. استعاد يسوع فكرة هذا العمل وزاد عنصراً جديداً هاماً: "يقبلني أنا". وهكذا يرتسم في 9: 37 أ تعليم سيُعطى في مشهد الدينونة الأخيرة (مت 25: 31 ي): يتماهى يسوع مع الصغير، مع الفقير، لأنّ تصّرفه تجاههم يتمّ حقاً وحي الله المدافع عن الفقراء و"أب اليتامى" (مز 68: 6). إن إقحام هذا القول في هذا الموضع، يشكّل إذن تفسيراً جديداً لفعلة يسوع.
وبعد هذا، جاء تفسير ثالث فوق التفسيرين الأولين. إن آ 37 ب تتكلّم أيضاً عن القبول، ولكننا أمام موضوع يختلف كل الإختلاف. إن عبارة "من قبلني قبل الذي أرسلني" توجّه أنظارنا بلا شكّ إلى سياق خطبة الرسالة (مت 10: 40) حيث تسبقها الجملة المكمِّلة "من يقبلكم يقبلني". أو كما في لو 10: 16: "من سمع منكم سمع مني، ومن نبذكم نبذني". وخصوصاً كما في يو 13: 20: "من يقبل الذي أرسله أنا يقبلني. ومن يقبلني يقبل الذي أرسلني". كل هذه النصائح الرسولية تتوجّه إلى التلاميذ. إذن، ما هو موقع هذه الجملة في "حدث الأطفال"؟
إذا عزلنا آ 37 ب، فهي لا تعود تدلّ على الأطفال. هل نحن أمام أطفال لا يجب أن نشكّكهم (آ 42)، أي أمام مؤمنين ضعيفين في الإيمان وسريعي العطب؟ يجب أن نحميهم بشكل خاصّ، ولهذا نسمّيهم "أطفالاً" (رج مت 18: 6 ي). بيد أننا نستطيع أن ننسى العبارة الرسالية: هم مرسلون نسمّيهم صغاراً أو بالأحرى أطفالاً (وهذا لعمري أمر غريب). إذن، نحن أمام استقبال المرسل (تشهد النصوص البولسية لاستعمال فعل داخستاي، رج 2 كور 7: 10: كيف قبلتموه؛ غل 4: 14: قبلتموني كملاك الله؛ كو 4: 10: إذا قدم مرقس فاقبلوه).
ننتقل من معنى إلى معنى، وهذا الإنتقال واضح هنا: ففي وقت محدّد لم يعد هناك من تطبيق مباشر لحدث الطفل. وفي الوقت عينه وجدت الكنيسة نفسها أمام وضع مقلق بالنسبة إلى المرسل، فبرز من هذا التقارب تعليم جديد. فالطفل صار رمزاً ودلّ في الواقع على حاملي الإنجيلى الوضعاء، أولئك الذين يوصي بهم المخلّص ويسلّمهم إلى محبّة مضيفيهم. أولئك الذين يرفعهم فيعلن كرامتهم وحقهم بأن نسمع لهم كأنبياء الخلاص المسيحاني. بما أنهم فقراء، فقد نحتقرهم. لهذا ذكرتنا بهم كرازة الجماعة. 
3- طريق ابن الإنسان طريق التلميذ
أ- عناصر مجمّعة
إن التجميع الذي درسنا عناصره قد بدا لنا مصطنعاً: أمور غير عادية من الوجهة الأدبية، غياب كل رباط من الوجهة التاريخية. هذه المقطوعة التي تربط الوقائع والأقوال بالإنباء بالآلام، هي سابقة للقدّيس مرقس. ونحن نجدها في الأناجيل الإزائية الثلاثة. ثم إن المقطوعة الواحدة تتبع كلاً من إنباءات يسوع بآلامه. (1) إنباء بالآلام. (2) مشهد عدم فهم من قبل التلاميذ (رفض بطرس لآلام المسيح، مناقشة حول الأولوية، طلب يعقوب ويوحنا). (3) تعليم يسوع حول الشروط ليكون الإنسان تلميذاً (يتحد بالآلام بشكل أو بآخر).
إن هذا النمط من التجميع الذي يتكرّر ثلاث مرات، ليس وليد الصدف: فالهدف الذي أشرف على هذا التقارب ينكشف بسهولة: حين تنكشف مفارقة الصليب، فالإنسان الغريب عن مخطّط الله يأخذ الطريق المعاكس للوهلة الأولى. ولكن يُعرض عليه أن يدخل في عالم جديد يتضمّن تصّرفاً مختلفاً كل الإختلاف. ولكن آلام المسيح هي التي تفرض مثل هذا التصرف الجديد، وهي التي تجعله ممكناً.
ب- هدف الإنجيل وهذه العناصر
حين أدخل مرقس في إنجيله هذا التجميع المنظّم، أخضعه لعمل مبتكر ليخضعه لهدف يلاحقه في إنجيله.
هناك أولاً مناخ ثقيل للإنباء بالآلام خلقته عدة إشارات: إرادة يسوع بأن يبقى مجهولاً. السير. عدم الفهم عند التلاميذ والخوف من طرح السؤال على يسوع. وهذا المناخ عينه يحيط بمناقشة التلاميذ: إن سؤال يسوع الذي يعود بهم إلى الوراء، رابطاً الإنباء بالمناقشة، يدخل وجهة المفاجأة. هذه الوجهة تزداد بسبب صمت التلاميذ. كما أن المعلومة التي يعطيها الإنجيلي في صيغة غير مباشرة (يعطيها للقارئ على انفراد) لا يلغي المفاجأة. وأخيراً، إن التعارض بين الطريق والبيت اللذين يوافقان نشاطين مختلفين، وتعليمين مختلفين (هناك يسوع، يمشي ويتكلّم عن نفسه. وهنا يجلس يسوع ويكوّن تلاميذه)، يؤمّن مدى يجعل التهدئة ممكنة.
وهكذا يشكّل الإنباء الثاني بالآلام وما يتبعه في مرقس، مرحلة في مسيرة جغرافية وروحية. فموضوع الطريق يظهر في 8: 22 خلال اعتراف قيصرية فيلبّس والإنباء الأول بالآلام. ويتكرّر أيضاً في الإنباءين الآخرين بالآلام (9: 30- 34؛ 10: 32). وينتهي مع شفاء أعمى أريحا (آ 46، 52). في البداية، ابن طيما هو جالس على جانب الطريق. وفي النهاية، هو "يتبع يسوع في الطريق" الذي يقود إلى أورشليم. وتفرّد مرقس فحدّد موقع الإنباءات الثلاثة "على الطريق" في إطار سفر قاد يسوع مع تلاميذه من قيصرية فيلبّس (في الشمال)، عبر الجليل، إلى أورشليم عبر أريحا. فبدا واضحاً أنه يريد أن يعلّمنا أنه بعد اعتراف بطرس الذي هو خاتمة القسم الأول من الإنجيل الذي هو وحي غير كامل وملتبس، دشّن يسوع التحقيق الكامل لمخطّط الله، والوحي الحاسم لشخصه وعمله، فالتزم بطريق جديد يقوده إلى الموت. وطريق ابن الإنسان هذا، طريق الآلام، يبقى مفارقة خفية لا نكتشفها إلا في السرّ. سيبقى غير مفهوم ويثير الحيرة. في القسم الثاني من الإنجيل، ينقل مرقس على شخص يسوع والإنباء بالآلام موضوع السرّ الذي تطبّق على المعجزات في الجزء الأول. ونقول الشيء عينه عن الحيرة والخوف اللذين سيرافقان الإنباءات بالآلام (في القسم الثاني) كما رافقا المعجزات (في القسم الأول).
على هذا الطريق يريد يسوع أن يجتذب رفاقه. ففي الإنباء الثالث نراه يسير في المقدمة، وحده، والتلاميذ يتبعونه خائفين. فهو الذي يبادر ويطرح السؤال (وهذا هو الوضع عند مرقس في أكثر المرات). ولكنهم سيسكتون. من الواضح أنهم تعبوا من اللحاق به في هذا الطريق. وليس من قبيل الصدف أن تكون المناقشة قد جرت في الطريق: فالطريق تكوّن "مسرح" مسيرة يسوع نحو مصيره، والمسافة التي تقوم بينه وبين أخصائه. إذن، على رفاق يسوع أن يمرّوا في تنشئة صعبة ليصيروا تلاميذ حقيقيين.
وموضوع البيت الخاص بمرقس، يرتبط هو أيضاً بهذه الصور. ففي أغلب الأوقات لا يوجد البيت في أي مكان. ولكنه يقوم بوظيفة محدّدة: إليه يعيد يسوع جماعة التلاميذ الذين دعاهم فيما مضى وفرزهم ليجعل منهم عائلته الجديدة (3: 20، 31- 35). البيت هو موضع الحوارات الحميمة والشروح المحفوظة للتلاميذ (7: 17؛ 9: 28؛ 10: 10، رج 4: 10، 34)، بعيداً عن الشعب وعن الخصوم. ولكنه في هذه المرة محدد الموقع: هو بيت كفرناحوم. أما يفكّر مرقس ببيت سمعان بطرس (1: 21- 29؛ 2: 1)؟
حينئذ تصبح كل هذه الخطبة التي حرّكها تلاميذ يسوع بنظرتهم البشرية، والتي تبدأ بقول حول "الأول والآخر" وتنتهي بعبارة سرّية: "ليكن فيكم ملح. وليسالم بعضكم بعضاً" (9: 50). كل هذه الخطبة تصبح مناسبة لتفهمنا أن التلميذ قد تدرّج في طريق (سلوك) الخادم في الجماعة وبالجماعة: هناك يتعلّم أن يحلّ محلّ الاهتمام بالمكان الأول الذي يخلق التفرقة والتعارض، البحث عن المقام الأخير الذي هو السبيل الوحيد لإقامة السلام. وهكذا يصبح التلميذ قادراً حقاً على إتباع يسوع على طريق أورشليم.

 

 

الفصل الحادي عشر
يسوع يعلّم تلاميذه
9: 38- 50
إن العبور في الجليل عرف وقفة استراحة: كما في بداية الإنجيل إختار كفرناحوم، فوجد التلاميذ نفوسهم معه. سألهم يسوع عن موضوع حديثهم فكان مناقشة عمّن هو الأعظم (9: 33). ولما قال يسوع إن الطفل هو عظيم في نظر الله، فمن يقبله يقبل الابن الحبيب. ولما قال إن الطفل هو التلميذ والمرسل، ظنّ يوحنا أنه فهم وطبّق ما فهم: الذين يعملون إرادة الآب هم التلاميذ. إذن، هم على حقّ حين منعوا مقسّماً يعمل عمله باسم المسيح وليس هو من جماعتهم. وهكذا بدا يوحنا انه "متسلّط" لا خادم، فحصر الرسالة في جماعة الاثني عشر. أعطى يسوع درساً في الضيافة ثم حديثاً عن الشكوك ضد أحد من هؤلاء الصغار الذين يؤمنون به.
1- تنوعّ أقوال يسوع ووحدة النصّ
أ- وضع النصّ
إن تعليم يسوع في 9: 38- 48 يعالج أسئلة متنوّعة في ظاهرها. فسؤال يوحنا وجواب يسوع عن الغريب الذي يخرج الشياطين باسم التلاميذ، يؤلّفان وحدة صغيرة (آ 38- 40). ولكن مع الكلمة حول كأس الماء البارد الذي يُعطى للتلاميذ (آ 41)، ننتقل إلى موضوع آخر دون إنذار (رغم وجود حرف العطف). والمقطع في آ 42 عن المعثرة (الشكّ) تجاه "واحد من هؤلاء (من هم؟) الصغار الذي يؤمنون بي"، يرتبط بصعوبة بالذي سبقه. بعد آ 43، نحن أمام مسألة الشكّ أو مناسبة الخطيئة في منظار الأخلاقية الشخصية.
ويزداد الشعور بالفوضى إذا وضعنا آ 43- 48 في سياقها النصوصي. فهي جزء من حديث ليسوع مع الاثني عشر (9: 33- 50) يبدأ مناقشة عن الأعظم (آ 33- 35)، ثم يأتي تعليم عن قبول "أحد هؤلاء الأطفال" (آ 36- 37). إن العلاقة بين هذين الموضوعين لا تبدو واضحة: اختتمت آ 35 المناقشة التي تحرّك التلاميذ. غير أن الطريقة التي بها أخذ يسوع الطفل ووضعه في وسط الجماعة وضمّه بين يديه (آ 36)، لم تشدّد على الأمثولة حوله التواضع في خطّ آ 35 (رج ست 18: 3- 4)، بل أبرزت طريقة قبول طفل (آ 36). ونحن لا نرى كيف أن هذا المشهد يوصلنا إلى إعلان يوحنا (آ 38) الذي تتسلسل منه أقوال يسوع حتى آ 50.
مثل هذا النصّ يشكّل محنة لحاجتنا إلى رؤية التماسك فيه. غير أن تأليفه وموضعه في إنجيل مرقس يؤمنان له بعض الوحدة.
ب- تأليف النصّ
هناك كلمات عاكفة تربط بين بعضها وعلى مستوى المفردات أخباراً تبدو للوهلة الأولى مبعثرة. وهذا واضح خصوصاً في آ 48- 50. و"نارهم" في آ 48، تدعوا النار في آ 49 حيث "ملّح" يستدعي "الملح" في آ 50. ولكن قبل هذا، كان فعل شكك (عثَّر، أوقع في الخطيئة، من وضع حاجزاً أو فخاً في طريق المؤمن)، هو الذي أمّن التماسك في آ 42- 48. ولفظة "باسم" لساعدت على التقارب بين آ 37 (باسمي) وآ 38- 39 (باسمك، باسمي)، وآ 41 (بما أنكم للمسيح، حرفياً بما أنكم تسميتم باسم المسيح). ونستطيع أن نشير أيضاً إلى المقابلة بين "أحد هؤلاء الأطفال" في آ 37 و"أحد هؤلاء الصغار الذين يؤمنون" في آ 41، رغم أن اللفظة التي تترجم "الطفل" هي غير اللفظة التي تترجم "الصغير". فاللفظتان تدلاّن على شخصين مختلفين.
إن هذا الأسلوب في التأليف يمنعنا من أن نبحث في هذا النصّ عن تماسك في خطبة أو توسيع منطقي. كما يمنعنا أن نرى "تقريراً" عن حوار تمّ كما وصل إلينا. فحسب توارد الألفاظ، حسب أسلوب ذاكري (نسبة إلى الذاكرة) تمّ جمع أقوال تفوّه بها يسوع في ظروف متعدّدة. نقلها التقليد وربطها كيفما استطاع بعضها ببعض من أجل حاجات الكرازة في الكنيسة الأولى. أيكون مرقس قام بهذا التجميع (حسّن مت 18: 9 ولو 9: 46- 50 نصّ مرقس، الذي هو الأقدم، فاظهر التماسك) أم عاد إلى مرجع سبقه، فهذا لا يبدّل هنا مسألة مدلول هذا التجميع.
سنحاول أن نوضح مدلول هذا التجميع انطلاقاً من كل عنصر من عناصره مع الأخذ بعين الاعتبار الفائدة التي جعلت التقليد يحتفظ به. فكل نصّ يجُمع هكذا، يشهد على أن المسيحيين أحسّوا نفوسهم معنيين بحوارات يسوع مع تلاميذه وبوضع الذين تبعوه خلال حياًته على الأرض.
ج- سياق النصّ
تبدو هذه المجموعة في إنجيل مرقس وكأنها وحدة أدبية لم يختر الكاتب موضعها صدفة واتفاقاً. نحن أمام حوار ليسوع مع الاثني عشر. جلس يسوع (هذا هو موقف المعلّم: رج آ 35؛ 4: 1؛ مت 5: 1؛ لو 4: 20؛ 5: 3...) ودعاهم. ولن ينهض إلا في النهاية (10: 1: وقام). تمّ الحوار "في البيت" (آ 33). هذا البيت الذي لا نعرف صاحبه ولا موضعه. جُعل هنا في كفرناحوم. ولكننا نستطيع أيضاً أن نجده في مكان آخر، كل مرّة يحتاج مرقس إليه ليدلّ على تعليم حميم ومحفوظ حصراً للتلاميذ، لتعليم يتمّ على انفراد، وبعيداً عن الشعب (7: 17؛ 9: 28؛ 10: 10). إن "تأليف المكان" هذا يدلّ على الأهمية التي يعلّقها مرقس على كلمات يسوع من أجل المسيحيين في الكنيسة الأولى (البيت هو الكنيسة، وهناك يجتمع المسيحيون الأولون).
ثم إن مر 9: 33- 50 يأتي بعد الإنباء الثاني بالآلام. نحن نعرف أن ثلاثة إنباءات بالآلام توزّعت جزءاً كبيراً من الإنجيل الثاني (8: 31- 10: 45). وتبع كلّ إنباء أحداث تبيّن عدم الفهم عند التلاميذ. وهذا اللافهم يحرّك تعليماً ليسوع عن وحدة المصير التي يريد أن يكوّنها بينه وبينهم. في الإنباء الأول، احتج بطرس، فسمع يسوع يعامله "كشيطان" (مر 8: 32- 33). وجاء تنبيه إلى التلاميذ مع الجموع، بأنهم لا يستطيعون أن يتبعوا يسوع دون أن ينكروا ذواتهم ويحملوا صليبهم (8: 34 ي). وجاء الإنباء الثاني فلقي التلاميذ لا يفهمون كلام يسوع (9: 32). وبعد الإنباء الثالث بالآلام، برز خوف التلاميذ الذين ظلوا بعيدين عن يسوع الصاعد إلى أورشليم (10: 32). كما جاء طلب ابني زبدى (10: 35) وما فيه من طموح، فعبرّ عن عدم تمكن التلاميذ من فهم طريق يسوع، وهي طريق لا بدّ لهم أن يسلكوها. بعد هذا، نقرأ 9: 38- 50 على ضوء يلقيه مرقس على هذا النصّ.
2- المقسّم الغريب (آ 38- 40)
نستطيع أن نفهم الحدث في إطار حياة يسوع كما في إطار الكنيسة الأولى. فيسوع وتلاميذه مارسوا التقسيم (أي طرد الشياطين)، وهكذا فعل يهود آخرون (مت 12: 27؛ لو 11: 19). وفاعلية تقسيمات يسوع تفسرّ لماذا لجأ بعض اليهود إلى اسمه ليطردوا الشياطين. إذن، يعكس إعلان يوحنا (آ 38) مسألة طُرحت في زمن يسوع. وبما أنها نُسبت إلى يوحنا، فهذا يبرهن على أننا أمام معطَية قديمة في التقليد. وإلا فكيف نفسرّ بشكل آخر ذكر اسم هذا الرسول في الخبر؟
ولكن الطريقة التي بها يرد هذا الإعلان، تدلت على تقليد الكنيسة الأولى: هي تفترض أن مجموعة التلاميذ محدّدة تحديداً واضحاً. وهي تميّز المقسّم الغريب عن "نحن". إنه واحد لا يتبعنا نحن (يرد فعل تبع مرتين في آ 38). وهذا الاستعمال لفعل "تبع" هو فريد في الأناجيل. عادة نتبع يسوع لا التلاميذ. أما لوقا 9: 49 فألغى هذه الإشارة الخاصة فقال: "لا يتبع (يسوع) معنا". هذه الطريقة في التعبير (يتبعنا) تُفهم فهماً أفضل إذا جعلناها في إطار الكنيسة البعد فصحية، وقد تكوّنت حول مجموعة التلاميذ.
ثم إن شكل القطعة قد طُبع بطابع استعمالها في الكنيسة. فهذا الخطّ من النصوص حيث عرض واقع (أو سؤال) يحرّك جواباً حاسماً من قبل يسوع، يعود مراراً في الأناجيل. نحن نفهمه كرسمة سريعة اعتادت عليها الكنيسة: إذا أراد المؤمنون أن يجدوا حلاً عملياً لمشاكل ملموسة في الجماعات، تذكّروا كلمات يسوع. وقيمتها كقاعدة حياة قد حدّدت تدريجياً فنّها الأدبي.
يورد اع 19: 13- 16 حالة مقسّمين يهود حاولوا في أفسس بأن يستعملوا اسم يسوع ضد الشياطين. هكذا رأوا بولس يعمل وينجح في ما يعمل. أما هم ففشلوا. وكان فشلهم لمجد الرب يسوع الذي لا نستطيع أن نستخدم اسمه في عبارة سحرية (يروي المؤرخ يوسيفوس أن اسم سليمان استعمل ضد الأرواح النجسة أو من أجل شفاء المرضى. ولا تزال هذه العادة سارية اليوم في المحيطات الشعبية).
إن الحالة التي أوردها يوحنا تعني مقسّمين غرباء عن جماعة التلاميذ. ولكن التجاءهم إلى يسوع يدلّ على بعض الإيمان عندهم. وهذا ما يفرضه جواب يسوع أيضاً: إذا كانوا يطردون الشياطين حقاً باسمه، فهم لا يستطيعون حالاً بعد هذا أن يتكلّموا عليه بسوء. مثل هذا الجواب يتوافق كل الموافقة مع موقف يسوع الذي لم يفرض على سامعيه أن ينضموا إلى مجموعة أولئك الذين دعاهم لكي يتبعوه (5: 19). ولقد ظلّ هذا التذكّر حاضراً في الكنيسة كتحذير ضد التعصّب واللاتسامح، أو ضد تجربة تدعونا أن نحصر الإيمان بيسوع وبجماعة تلاميذه. وما دام الإنسان لم ينفصل بشكل واضح عن "الكنيسة" فهو باق فيها، وعلاقته بها لم تنقطع.
أمّا مسألة معرفة الأشخاص الذين هم جزء من هذه الجماعة والذين ليسوا منها، فهي لا تجد حلاً في هذا التقليد الوحيد. والتحديد "حالاً بعد هذا" قد يدلّ على أن نجاح التقسيمات إلىرسة باسم يسوع، لا تكفل كفالة نهائية كل ما يستطيع أن يقوله هؤلاء المقسّمون عن يسوع. ألغى لوقا من مرقس آ 39 ب، لأنه أحس بحدود هذا المعيار من أجل التمييز، أو بصعوبة اللجوء إليه خارج الإطار الذي فيه تلفّظ يسوع بهذا القول. مهما يكن من أمر، إن الظواهر العديدة والخارقة التي عرفتها الكنائس الأولى، لم تكن كلها علامات عن حضور الروح والشركة مع يسوع. وبولس يذكّر الكورنثيين أن الوثنيين يعرفون مثل هذه "الخبرات"، وأن الاعتراف بيسوع كربّ هو المعيار لعمل الروح القدس (1 كور 12: 1- 3). وإذا عدنا إلى مت 7: 15- 22، نرى أنه لا يكفي أن نكون تنبأنا وطردنا الشياطين وصنعنا معجزات باسم يسوع، لكي يتعرّف إلينا يسوع في يوم الدينونة. يجب أن نكون عملنا إرادة الآب السماوي (هذا ما تقوله الديداكيه أيضاً في 11: 8- 12). والاعتراف بيسوع المسيح هو الذي يشكل في نظر يوحنا (1 يو 4: 1- 3) معيار التمييز بين الأنبياء الحقيقيين والأنبياء الكذبة: "كل روح يعترف بيسوع المسيح أنه جاء في الجسد يكون من الله. وكل روح لا يعترف بيسوع لا يكون من الله".
إذن، لا تكفي كلمة واحدة من يسوع لتحلّ مسألة قد تُطرح في أوضاع مختلفة. فكلمات يسوع نفسها هي مطبوعة بطابع زمانها وأول السامعين لها. فلا نقرأها بحرفيّتها، بل نؤوّنها من أجل الزمان الذي نعيش فيه. 
وهذا ما يجب أن لا ننساه حين نقابل هذين القولين: "من ليس علينا فهولنا" (9: 40). ثم: "من ليس معي فهو عليّ، ومن لا يجمع معي فهو يبدّد" (لو 11: 23= مت 12: 30). بما أننا نجهل الظروف الدقيقة التي فيها قيل هذان القولان، يجب أن نفهمهما في إطارهما الإنجيلي الحالي. نحن في الحالتين أمام طرد شيطان. غير أن القول الأول يعذر مقسِّمين يلجأون إلى اسم يسوع فيقرّون أن قدرته آتية من عند الله. أما الثاني فيردّ على برهان الذين ينسبون إلى الشيطان قدرة يسوع على الشياطين،. ثم، ان هناك اختلافاً بسيطاً بين "نحن" في القول الأول (معنا نحن)، و"أنا" في القول الثاني (معي أنا). نستطيع القول إن المقسّم الغريب يجمع مع يسوع: أما المشكلة الوحيدة فهي أنه لا ينتمي إلى مجموعة التلاميذ. ولكن، كما يقول الرب، ليست من الضروري أن ينتمي إلى هذه المجموعة (أو على مستوى تدوين مرقس، إلى جماعة المسيحيين) ليلجأ بالحقيقة إلى اسم يسوع ويفعل بقدرته.
إن جواب يسوع في إطار إنجيل مرقس يشجب ضيق نظرة التلاميذ الذين لا يقدرون أن يفهموا معلّمهم. مع أنه أعلن في الحال عن آلامه للمرة الثانية (9: 30- 32)، فهم يتساءلون عمّن يكون الأكبر بينهم (9: 33- 34). إنهم يحاولون أن يستولوا على يسوع (هو لهم وحدهم. يضعون يدهم عليه ويمنعون الآخرين)، ويعتبرون أنهم يستطيعون أن يمنعوا الآخرين من اللجوء إليه إذا لم ينضمّوا إلى مجموعتهم. كل هذا يدلّ على إرادة التسلّط التي تعارض معارضة مباشرة موقف المعلّم السائر إلى آلامه، وكلمته التي لا تقبل جدالاً ولا مساومة. "من أراد أن يكون أول الناس، فليكن أخرهم جميعاً وخادماً لهم" (9: 35). وعندما يتماهى يسوع مع الطفل الذي يُقبل باسمه (آ 37)، يقول أيضاً في المعنى نفسه: "من قبل واحداً من هؤلاء الأطفال باسمي يكون قبلني". نحن هنا أمام رفض جذري لأفكار بشرية حول العظمة. وسيعود مرقس مرة أخرى إلى هذا الموضوع في ف 10: إن طلب ابني زبدى (آ 35- 40) يتعارض مع الإنباء الثالث بالآلام (10: 32- 34). والخلافات التي سببّها هذا الطلب بين التلاميذ، هي مناسبة ليؤكّد يسوع فيها ما يطلب: هو يطلب خدمة تذهب بنا حتى التضحية التامة، ويرفض نظرات بشرية إلى السلطة (آ 41- 45): "إن رؤساء الأمم يسودونها، وإن عظماءها يتسلّطون عليها. فلا يكن هذا فيكم".
من الواضح أن سؤال يوحنا حول التقسيمات والأشفية، يُطرح اليوم بعبارات أخرى. ولكن يبقى سؤالاً حالياً: من هو تلميذ يسوع؟ من ليس تلميذ يسوع؟ وكيف تعمل قدرة يسوع وسط البشر؟ إذا قمنا بالتأوينات اللازمة، يحتفظ سؤال يسوع بقيمته وكأنه طُرح اليوم. فمن منا في الكنيسة يستطيع أن يعتبر نفسه أن تنبيهات مرقس لا تعنيه؟
3- كأس الماء والشكوك
أ- كأس ماء للتلاميذ (آ 41)
لن نبحث عن رباط وثيق بين هذا القول والأقوال التي سبقته، بل نعرف أن الموضوع هو التلاميذ مع مختلف الظروف التي يُوجدون فيها. في آ 39- 40 تحدّد موقفهم بالنسبة إلى أشخاص غريبين عن مجموعتهم. وها نحن الآن أمام الطريقة التي بها يستقبلهم شخص من الأشخاص (كل من سقاكم). إن أصغر فعلة تعمل من أجلهم لأنهم تلاميذ، لها قيمة عند الله، "تنال أجرها" من الله.
يجب أن نقرّب هذا القول من قول آ 37 حيث استقبال طفل باسم يسوع هو استقبال يسوع نفسه واستقباله أبيه. يرى مرقس أن هذين القولين يستنيران الواحد بالآخر، لا سيما وأن يسوع يتحدّث عن الطفل بألفاظ تليق بالمرسل الذي أوفده هو. وما يلفت انتباهنا هو أن التقليد الإنجيلي طبّق على التلاميذ أقوال يسوع وفعلاته تجاه الأطفال: ننتقل بسهولة من الطفل إلى التلميذ الذي يُدعى لكي يكون صغيراً (مت 18: 2- 5؛ أما مر 9: 33- 37 فيسير في الخطّ المعاكس). من الطفل إلى "الصغير الذي يؤمن" أي إلى التلميذ الذي هو ضعيف ولا يساوي شيئاً (مر 9: 42؛ مت 18: 6).
إن آ 37 التي تعني استقبال الطفل باسم يسوع، أي تبعاً لروحه ووصيته، توحّد (على ما يبدو) بين قولين تلفظ بهما يسوع في ظرفين مختلفين. الأول (آ 37 أ) عن الأطفال. الثاني (37 ب) الذي نجده في مت 10: 40 (رج لو 10: 16؛ يو 13: 20)، يعني مرسلي يسوع. وهذه الآية، آ 37، كما يعبرّ عنها مرقس، تتكيف بشكل طبيعي مع التلميذ الذي يُقبل كتلميذ. وإذا كانت كأس الماء المعطاة له ثمينة إلى هذا الحد، فلأن يسوع يتماهى مع تلميذه كما يتماهى مع أصغر اخوته في مت 25: 35- 45.
مثل هذه الأقوال جذّرت لدى المسيحيين الأولين وعيَهم بأنهم ينتمون إلى المسيح، ومسؤولياتهم المرتبطة بهذا الإنتماء (وهذا التضامن): إن يسوع يظلّ حاضراً في العالم بواسطة تلاميذه. إذن، لن نعجب من أن نسمع قوله كما تعبرّ عنه الكرازة بلغتها. هي الكنيسة عبرّت بلغتها عمّا قاله يسوع: "من سقاكم كأس ماء بما أنكم للمسيح، لأنكم تنتمون إلى المسيح". وسيقول بولس الشيء عينه (روم 8: 9؛ 1 كور 1: 12؛ 3: 23: 2 كور 10: 7) بعد ذهاب يسوع، ليدلّ على الرباط الوثيق الذي جعله المسيح بينه وبين الإنسان الذي يثق به ويجعله حاضراً على الأرض.
ب- معثرة للصغار الذين يؤمنون (آ 42)
لسنا على مستوى التدوين الإنجيلي أمام أطفال بالمعنى الحصري للكلمة. بل أمام "مؤمنين"، أمام مسيحيين "صغار". ولماذا يُعتبرون صغاراً؟ لأنهم أضعف من الآخرين، وأقل استنارة، لأنهم معرّضون. إن بولس الرسول يخبرنا عن تنوعّ المسيحيين في الكنائس، ويعلمنا عن تأثيرهم بعضهم على بعض: فالذين لهم "المعرفة" قد يصيرون مناسبة سقوط للضعفاء الذين يقتدون بهم دون أن تكون لهم معرفتهم (1 كور 8: 7- 13؛ 9: 22؛ 10: 24- 29؛ روم 14: 1- 23). "حين تخطئون ضد إخوتكم، حين تجرحون ضمائرهم الضعيفة، إنما تخطئون ضدّ المسيح" (1 كور 8: 12). إن هذا القول البولسي يشدّد بطريقة أخرى على التضامن الذي يوحّد يسوع بأصغر المؤمنين. قال مر 9: 42: "هؤلاء الصغار الذين يؤمنون". وقال مت 18: 6: "هؤلاء الصغار الذين يؤمنون بي". ولكن سياق النصّ في مرقس يكفي ليفهمنا أنه يعني المؤمنين بالمسيح. 
في آ 37، كان الطفل الذي تضامن يسوع معه، كان قد اختاره كنموذج للتلميذ. إذن، الخطورة التي يندّد بها على مستوى الشكّ والمعثرة تتوضّح على ضوء كرامة المؤمن الذي لا يعتبر نفسه شيئاً. وقساوة يسوع تعبرّ بما فيه الكفاية على الاكرام والاهتمام الواجبين للمؤمن. فأعظم شّر يمكن أن يقترفه إنسان، هو أن يجتذب إلى الخطيئة واحداً من هؤلاء الصغار. يا ليته ألقي في أعماق البحر مع حجر الرحى على عنقه! فالشّر يكون أقلّ.
إن الألفاظ التي استعملها متى ومرقس، تدلّ على أن الجماعة المسيحية قد طبّقت كلمة يسوع هذه على أبسط المؤمنين و"أصغرهم". فالشكل الأصلي (أي قبل مرقس) لا يحدّد، على ما يبدو، أن الصغار كانوا مؤمنين. فهذا التفصيل غائب من لو 17: 2 (من أن يوقع أحد هؤلاء الصغار في الخطيئة). غير أن عبارة "واحد من هؤلاء الصغار" التي لا نجدها أبداً خارج الأناجيل، قد تكون صدى مباشراً لقول تفوّه به يسوع شخصياً. 
"هؤلاء الصغار" هم بلا شكّ أشخاص وضعاء من الطبقة الدنيا، غير متعلمين ومهملون. لم ينتموا إلى أية نخبة اجتماعية أو دينية، فاحتقرهم العالم اليهودي (خصوصاً لأنهم جهّال على مستوى الدين). لهذا جاء التحذير ضد معثرة هؤلاء الصغار ضدّ الرؤساء الدينيين الذين اتهمهم يسوع لأنهم احتكروا "مفاتيح المعرفة"، احتكروا تفسير الأسفار المقدّسة، وأغلقوا باب الملكوت على الذين أرادوا أن يدخلوا (لو 11: 52). على مستوى تعليم يسوع، نستطيع أن نقرأ في الخطّ عينه مثل الأعميين (لو 6: 39؛ مت 15: 14) ومثل النعجة الضالة الو 15: 3- 7؛ مت 18: 12- 14).
وتكييف هذا التعليم على كرازة المسيحيين في أيامنا، يبقى ضرورياً. "فالصغار" الذين نهملهم اليوم والذين قد يهلكون، ليسوا كلهم داخل جماعاتنا المسيحية.
ج- أسباب الخطيئة (آ 43- 48)
ويؤكّد يسوع الآن جدّية الشكوك بالنظر إلى الخطر الذي يهدّد كل واحد. فكل إنسان يستطيع أن يجد في ذاته سبب شكّ ومناسبة سقوط في الخطيئة، فيخسر هكذا الحياة (الأبدية). والخسارة خطيرة بحيث تبرّر التضحية بجزء منا لكي نخلّص الكل.
إذا أردنا أن نفهم كلمات يسوع هذه، يجب أن ننتبه إلى الطريقة الملموسة التي تقال فيه مع ما في هذا الحديث من مفارقة. لن نحاوله أن نعرف الخطايا التي قد تسبّبها اليد أو الرجل أو العين. ثم، إذا ألغينا هذه الأعضاء، لا نلغي الخطر. إنها تمثّل كل ظروف الخطيئة التي يجدها المسيحي في ذاته أو في علاقاته مع القريب. وهي تعبرّ أفضل تعبير عمّا يكلّف هذا "القطع" (إذا اوقعتك رجلك فاقطعها) المطلوب (أو: القلع بالنسبة إلى العين). فما يريد يسوع أن يشدّد عليه هو القيمة المطلقة "للحياة"، لـ "ملكوت الله". كل شيء نسبي تجاههما، ونضحّي بكل شيء من أجلهما. أجل، ملكوت الله (أو الحياة) هو المعيار الحاسم من الجل كل خيار بشري (مر 8: 35- 37 وز؛ 10: 23- 27 وز؛ مت 13: 44- 45).
"الحياة" تعارض "جهنّم"، إنها تعني بوضوح "مكان" العذاب المحفوظ للخطأة الذين يستبعدون نفوسهم من "الحياة". إن الإيراد في آ 48 (حيث الدود لا يموت والنار لا تنطفئ) يعود بنا إلى نصّ أساسي في أش 66: 22- 24. وهو يذكر مجد أورشليم، عاصمة العالم الديني، بينما نجد في خارج المدينة جثث الذي تمرّدوا على الله فأكلهم الدود وأحرقتهم النار.
جهنم هي كلمة يونانية (جاإنا) تعود إلى العبرية: وادي (في اليونانية: جا أو: غا) هنوّم. وجد هذا الوادي قرب أبواب المدينة (أورشليم) من الجنوب. إعتاد الناس أن يقدّموا فيه محرقات أطفال للاله مولك (2 أخ 28: 3؛ 33: 6). نجسّه يوشيا الملك (2 أخ 23: 1) فصار مكبّ نفايات المدينة ونجاساتها. وهكذا صار رمز اللعنة (إر 7: 31؛ 19: 6). بعد المنفى حرقوا في هذا الوادي الجثث النجسة والنفايات، وكانت النار مشتعلة فيه نهاراً وليلاً. هذا ما أثر على التصوّرات اللاحقة عن عقاب الخطأة في نهاية الأزمنة. وهكذا ارتبطت نصوص العهد الجديد بهذه الصور على خطى أخنوخ وعزرا الرابع (كتابان منحولان). فتحدث مت 5: 22 عن "نار جهنم" (رج يع 3: 6) ومر 9: 43 عن النار والدود، ولو 12: 5 (ونصوص أخرى) عن جهنم التي يُلقى فيها الأشرار.
إختار إرميا "جهنم" كالموضع الذي فيه يتمّ عقاب يهوذا بكل قساوته، لأن خطيئته (ذبح الأطفال) تجاوزت كل حدّ. وتحدّث الرجاء الاسكاتولوجي عن هذه اللفظة فدلّ لا على عقاب يصيب جثثاً لا حراك لها، بل على خطأة سيقومون كما قال دا 12: 2: للعار والرذل الأبدي (مولك يعني الملك والعار). والنار والدود اللذان دلاّ في البداية على ما يصيب الجثث، صارا فيما بعد (يه 16: 17؛ سي 7: 17) رمز المصير المخيف المحفوظ للذين يرفضون النداء إلى التوبة وتنبيهات الله.
وهكذا نكون في مر 9: 43- 48 وفي مت 5: 29- 30 في إطار الدينونة الأخيرة. يبقى أن هذه النصوص لا تهدف إلى تغذية تصوّراتنا عن الآخرة، بل إلى إنارة اختيارنا لطريق نتخذه فيقودنا إلى الحياة (رج مت 7: 13- 14، 24- 27).
د- الملح والنار (آ 49- 50)
تتضمّن هاتان الآيتان ثلاثة أقوال عن الملح: (1) "كل واحد سيملّح بالنار أو: للنار" (وتزيد بعض الشواهد: كل ذبيحة تملّح بالملح) (آ 49). (2) "الملح جيّد، ولكن إذا صار الملح تافهً، فبمَ يُردّ إليه طعمه" (آ 50 أ)؟ (3) "ليكن فيكم ملح وليسالم بعضكم بعضاً" (آ 50 ب).
ترد في آ 49 كلمة "النار" التي قرأناها في أش 66 (مر 9: 48). ليست النار المذكورة هنا بالضرورة نار جهنّم. التمليح بالنار عبارة غريبة، ولكنها تربط لفظتين تتحدّثان عن التطهير. كانت الفريضة في لا 2: 13 تطلب من المؤمن أن يضع ملحاً على التقادم (بعض هذه التقادم تمرّ في النار كالمحرقة). للملح مدلولان. الأولى، يقابل الخمير (الفساد، مت 13: 33؛ 1 كور 5: 6) والعسل، ويتمتّع بصفات تحفظ الطعام وتطهّره (2 مل 2: 19- 22). المدلول الثاني، هو مادة تعطي الطعام نكهته. فبقدر ما تحُسب التقدمة وجبة طعام تقدّم للاله، يكون للملح محلّه في الطعام فيدلّ على العهد (ملح العهد أو عهد الملح، عد 18: 19؛ أخ 13: 5): نحن أمام عهد دائم يرمز إليه الملح الذي يحتفظ بطعمه "إلى الأبد". هذا هو معنى العبارة: "كل ذبيحة تملّح بملح".
ونعود إلى النار. إنها تدمّر وتطهّر في الوقت عينه. هي لا تحرق "الإنسان" كله، بل تحرق فقط ما يجب أن يزول منه (مثل المعادن). وارتباط النار بالملح يدلّ بالأحرى على الحفظ أكثر منه على الدمار. إذن، يتكلّم النصّ عن محنة مطهّرة، عن اضطهاد (1 بط 1: 7)، أو عن نار الدينونة. نحن في إطار اسكاتولوجي. وهكذا يدعو يسوع إلى التخليّ الذي يجعل التلميذ يقتدي بمعلّمه. فالمحنة التي ترمز النار إليها تحكم على التلميذ وعلى مدى تجرّده. إن ملح العهد والخدمة المجرّدة يجعل التلميذ يقبل التضحياًت الضرورية ليستقبل الصغار في الحقّ، وليعيش بسلام في الجماعة. 
في العهد الجديد، الملح هو ما يعطي للطعام طعمه. ولكن قد يوضع الملح في الأفران فيخسر طعمه ويصبح تافهاً. فذا ما يحدث للمسيحي الذي قد يمرّ في الإضطهاد، فيتراجع. ويتراخى. لن " يتعود ملحاً فيصبح النور الذي فيه ظلاماً. 
إذا ربطنا لو 14: 34- 35- بما يسبقه، كان الملح صورة عمّا. ينقص التلميذ الِذي يريد. أن. يتبع يسوع من دون تجرّد، أو الذي تبعه في البداية ولكنه لم يثابر على التجرّد. وهكذا يكون الكلام. في لوقا نداء إلى الأمانة تجاه. الذات وتجاه الإنجيل. إما في مت 5: 14- 16 فنقرأ عن التلاميذ الذين هم نور العالم، الذين يجتذبون الناس إلى الله. وهم أيضاً ملح الأرض الذي سيحفظ الأرض، الذي سيعطي طعماً للأرض وبالتالي للبشرية. فإن. خسر التلاميذ هذا الطعم فهم لا ينفعون شيئاً.
نجد كلمة "ملّح" في لو 14: 34 (ارتوو). ونجدها؟ أيضاً في كو 4: 6: "ليكن كلامهم لطيفاً (بالحنان) على الدوام، مصلحاً بملح". تدلّ الكلمة هنا على الحكمة. هل من رباط بين نصّ بولس ونصّ مرقس؟ ربما. وهكذا يكون الشق الأول من مر 9: 50 يتحمّل معاني عديدة. (1) ملح يخسر طعمه، تلميذ نسي التجرّد. (2) فكرة قريبة من الذبيحة وبالتالي من آ 49. (3) الحكمة الإنجيلية. (4) حياة من الأمانة يعيشها التلميذ الذي يحفظ العالم من الفساد ويعطيه طعمه.
وتجمع آ 50 ب الملح والسلام. هناك رباط بين الملح والطعام الذي هو علامة المشاركة، والضيافة والصداقة والعهد. نحن أمام صفة أساسية في الجماعة المسيحية، وهي تقابل السلام والمسالمة. بدأت هذه المقطوعة بالمناقشة بين التلاميذ حول المركز الأول وانتهت بالسلام بين الأخوة. ما يجعل السلام ممكنا بين الأخوة هو التجرّد والتخليّ عن الذات.
خاتمة
بدت أقوال يسوع هذه مبعثرة. ولكنها بقيت جديرة بأن تغذّي الكرازة المسيحية. قدّمها مرقس بشكل تعليمات لتلاميذ ساروا في طريق يقود ابن الإنسان إلى الآلام والمجد. وهذا النور أعطي للأجيال الجديدة لتنمهم وتكيّف ما قيل بالنسبة إلى زمن يسوع أو حياة المسيحيين الأولين. ونحن ننفتح على قدرة يسوع حتى خارج حدود جماعاتنا، ونعرف أننا نمثّله على الأرض. نحن نتّصل "بكل أحد"، ومسؤولون عن الصغار، و"الحياة" التي نحن مدعوون إليها تستحقّ كل التضحياًت.
وما يلفت النظر في هذه المجموعة (آ 33- 50) هو أن لا نميّز بين رؤساء الجماعة وبين الآخرين. وحدهم الصغار مميّزون ليسلّموا إلى مسؤولية الجميع. والطريقة التي بها صار الاثنا عشر التلاميذ (آ 31- 33، 35)، وتلك التي بها يتحدّد الجميع (أنتم في آ 41) بانتمائهم إلى المسيح، يدلاّن على ان كل مسيحي يستطيع أن يستفيد من هذه الكرازة. وإذا دلّت آ 35 و38 بصورة خاصة على الرؤساء فلتعلّماهم أن لا يضعوا نفوسهم فوق الآخرين (آ 35) وأن لا يحتكروا سلطة يسوع (آ 38).
يتوجّه الحوار بشكل منظور إلى مثال جماعة يعيش فيها الجميع في سلام بعضهم مع بعض (آ 50 ب)، لأنهم في خدمة بعضهم بعضاً (آ 33- 35). أما الشرط الأساسي فهو التخليّ عن الذات الذي يدلي عليه الملح (آ 50) الذبَ بدونه لا يكون المؤمن تلميذاً حقيقياً. وإذا أردنا أن نعطي عنواناً للمجموعة (آ 33- 50) قلنا: تعليمات حول الطريقة التي بها نكون تلاميذ.

 

 

الفصل الثاني عشر
الزواج، الأطفال وتلاميذ يسوع
10: 1- 16
النصّ الإنجيلي الذي نقرأه اليوم هو قسم من سلسلة تعاليم يسوع. يحدّد مرقس موضعها في شرقي الأردن (10: 1) بين الإنباءين الأول (9: 30- 32) والثاني (10: 32- 34) بالآلام. نبدأ فندرس كل موضوع على حدة، ثم نتوقّف عند إطار هذا النصّ الطويل في إنجيل مرقس.
1- الزواج والطلاق (آ 1- 12)
نحن هنا أمام مناقشة عامة، ثم حوار خاصّ بين يسوع وتلاميذه.
أ- المناقشة العامة (آ 2- 9)
أولاً: تفسير النصّ
سأل الفريسيون (أو: بعض الناس، كما تقول بعض المخطوطات) يسوع: "أيحلّ للرجل أن يطلّق امرأته"؟ نواياهم سيئة: أرادوا أن يجرّبوا يسوع في نقطة هامة من شريعة موسى. وهناك شّراح اعتبروا أن الفريسيين أرادوا أن يجعلوا يسوع يعارض هيرودس الذي تزوّج امرأة اخيه (6: 17). قد يكون هذا الأمر صحيحاً في زمن يسوع، لا في زمن تدوين إنجيل مرقس.
قدّموا نصاً من الشريعة، فقدّم يسوع نصاً آخر من الشريعة، وهكذا أعطانا في هذا المجال تفسيراً جديداً. إن التعارض بين النصين سيقدّم أساس المناقشة.
النصّ الأول قد أخذ من تث 24: 1: "إذا تزوّج رجل بامرأة ولم تجد حظوة عنده لعيب أنكره عليها، فعليه أن يكتب لها كتاب طلاق ويسلّمه إلى يدها ويصرفها من بيته". إنطلق محاورو يسوع من هذا النصّ وتحدّثوا عن لسماح (حلّل، أجاز). أما يسوع فتكلّم عن وصية (آ 3، 5) مفروضة على المؤمن وهو لا يستطيع أن يتهرّب منها. ولكن يسوع أعلن في الوقت عينه أن هذه الوصية هي تدبير من قبل موسى "من أجلكم"، "من أجل قساوة قلوبكم". لسنا هنا أمام قلب لا شعور فيه، بل أمام قلب لا تخرقه كلمة الله، ولهذا فهو لا يسمع ولا يطيع.
في النظام الموسوي كان كتاب الطلاق يؤمّن حماية المرأة داخل حدود معروفة. ولكن وراء هذا التدبير وهذا السماح بالطلاق الذي يتضمّنه، ندّد يسوع بعدم إمكانية سامعيه إن يدركوا إرادة الله ويحقّقوها في حياتهم. فالقلب القاسي يبقى منغلقاً على نور الله (3: 5 قساوة قلوبهم؛ 6: 52: قلب التلاميذ، 8: 17). الكلمة المستعملة هنا هي "سكلاروكرديا": قلب محجّر. هكذا بدا التلاميذ بعد القيامة (16: 14) وهكذا بدا "اليهودي" في الرسالة إلي رومة (2: 5، "بقساوة قلبك وعنادك"): في خلفية. نصرّ مرقس هذا نجد.. أش 6: 9- 10: "اجعل. قلب هذا الشعب قاسياً واذنيه ثقيلتين وعينيه مغمضتين".
في هذا الإطار، خسرت وصيّة موسى صفة أساسيّة فيها: لم تعد تعبرّ عن إرادة الله. لم تعد إلا اجراء اتّخذ لاعتبارات بشرية تجاه أناس خاطئين يغدر الواحد بالآخر (ملا 2: 10، 14- 16).
وانطلق يسوع من نصٍ ثانٍ من الشريعة ليبين إرادة الله.. لا. ننسى هنا أن الشريعة (أو البنتاتوكس، أو أسفار موسى. الخمسة) تألّفت من خمسة أسفار هي: التكوين والخروج واللاويين والعدد والتثنية: إنطبق القريسيون من سفر خبر البدايات كما ورد في سفر التكوين. المقطع الأول يؤسّس التمييز بين الرجل والمرأة مع المحافظة على كرامتهما. "جعلهما الله ذكراً وأنثى" (تك 1: 27). والمقطع الثاني يرتبط بالمقطع الأول ويستخرج: منه النتيجة: "لذلك يترك الرجل أباهْ وأمه ويتّحد بامرأته، فيصير الاثنان جسداً واحداً" (تك 2: 24). إن ربط هذين المقطعين يبرز المقطع الثاني على أنه تعبير عن إرادة الله. أمام إطار سفر التكوين فيبدو في الظاهر أنه كلام يتلّفظ به آدم. ولكن قد نكون في الواقع أمام رتبة زواج، يسمع فيها الكاهنُ الرجلَ واجباته تجاه امرأته. في تك 2: 23، عبارة "لذلك" هي نتيجة تكوين الرجل من المرأة. أمّا في مرقس، فالنتيجة مأخوذة من عمل الله الذي خلق الإنسان رجلاً وأنثى.
إن التمييز بين الرجل والمرأة يتيح جمعهما في وحدة الجسد الواحد (البشرية الواحدة)، أي كائن واحد في اثنين. فاستنتج يسوع لا شريعة الزواج الواحد (رجل واحد وامرأة واحدة) وحسب، بل منع الطلاق أيضاً: "لا يفرّق الإنسان ما جمعه الله".
ثانياً: ملاحظة حول تاريخ التقليد والتدوين
من الواضح أن خبر مرقس دوّن من أجل الجماعات المسيحية التي انفصلت عن العالم اليهودي وجهلت تشريعه (رج 7: 3- 4). فاليهودي الحقيقي في زمن يسوع لا يعبرّ عن سؤاله كما عبرّ عنه مر 10: 2 (أيحلّ للرجل أن يطلق امرأته؟)، بل كما عبرّ عنه مت 19: 3: "أيحل للرجل أن يطلّق امرأته لأي سبب كان"؟ السؤال في مرقس يعني أن الرجل يستطيع أن يطلّق امرأته أو لا يستطيع (لا يحقّ له). أما في متّى، فلا جدال على المبدأ: يحلّ للرجل أن يطلّق امرأته. ويكون السؤال: ما هي الشروط؟ يجب عليه أن يعطيها كتاب طلاق يتيح لها أن تتزوّج مرّة ثانية.
أما نقطة الخلاف الوحيدة بين مفسرّي الشريعة فهي السبب الشرعي الذي. يتيح للرجل أن يطلّق امرأته. إن ما قرأناه في تث 24: 1 يشير إلى شيء معيب. وقد فُهم بشكل واسع أو بشكل ضيّق: سلوك سيئ يجعل الرجل يشكّ بأمانة امرأته له. إذن، سبب وجيه، كما قالت مدرسة شمعي. أما مدرسة هلال فتحدّثت عن كل ما لا يرضى الرجل، حتى ولو كان حرق حساء. في هذه الحالة يستطيع أن يطلّق امراته لأي سبب كان. لم يتأثّر علم الفتاوى هذا بنصّ ملاخي الذي يندّد بالطلاق (ملا 2: 14- 16) ملمّحاً إلى تك 2: 24. ما كان لهذا النصّ الصعب أن يعارض سلطة الشريعة كما وردت في تث 24. ويبدو أيضاً أن هناك نصّاً من قمران يشجب تعدّد الزوجات، كما يشجب الزواج الثاني بعد الطلاق، مستنداً إلى تك 1: 27 وإلى صيغة المفرد: "خلقهما ذكراً وأنثى". ومع ذلك، كان الطلاق معترفاً به بشكل عام.
إن موقف يسوع كما عبرّ عنه بوضوح تقليد قدّمه مرقس هنا، أنهى كل جدال حول تث 24. فبالنسبة إلى مسيحيين عائشين وسط الوثنيين، طُرح السؤال كما في إنجيل مرقس لا كما في إنجيل متى. لهذا استطاع جواب يسوع أن يلفت انتباههم من جهات متعدّدة. فهذا الجواب يدلّ على السلطة التي بها يقرأ يسوع كلمة الله، دون الأخذ بعين الاعتبار مختلف تفاسير الكتبة، كما يكشف معنى هذه الكلمة في تعليمه (1: 21- 22، 27). وإذ حطّ يسوع وصية موسى من مكانتها من أجل مخطّط الله كما يظهر في خلق الرجل والمرأة، فإنه فتح ثغرة في خاصانية العالم اليهودي (مع انغلاقه)، وانطلق في شمولية التعليم الإنجيلي (2: 21- 22، 27- 28؛ 7: 8- 13، 19- 23). مثل هذه الجرأة كان يمكن استغلالها في خطّ الصراع مع السلطات اليهودية: إما ليبرز سلطان ابن الإنسان (2: 10: سلطان به يغفر الخطايا). وإمّا ليدلّ على الطابع الموقت لعدد من الترتيبات داخل النظم الموسوية (7: 1 ي).
ولكن يسوع يلامس هنا علاقات الرجل بالمرأة، وهي مسألة والسعة وسع الكون. لهذا برز الهمّ الخلقي في خبر مرقس، فكسف سائر الإهتمامات. ولم يقل النصّ شيئاً عن ردّة فعل محاربي يسوع. جربّوا يسوع وأرادوا أن يوقعوه: هل نجحوا أو فشلوا؟ هذا ما لا يقوله النصّ. فكلام يسوع يتجاوز مجال الشريعة الذي أرادوا أن يحصروه فيه ليجرّبوه. وهكذا أدرك القارئ إرادة الله لا في فريضة أو تسوية قانونية داخل السلوك البشري، بل في علاقة عميقة بين شخصين، في علاقة تثبتها بنية الزواج الخاص (آ 10- 11).
ب- الحوار الخاصّ (آ 10- 11)
ليست هي المرّة الأولى التي فيها يُتبع مرقس تعليماً (أو عملاً) علنياً من تعاليم يسوع، بحوار خاصّ مع تلاميذه. مثلاً، بعد مثل الزارع، إنفرد بتلاميذه فسألوه (4: 10- 25، 34). وبعد حديثه عن التقاليد أعطى مثلاً فسأله تلاميذه عن مغزى المثل (7: 17- 23؛ رج 9: 28- 29). نجد في هذا التصرف طريقة بها يربط مرقس مواد مبعثرة في التقليد. وهذا هو الوضع هنا. حدّد "الراوي" موقع الحوار الخاصّ "في البيت". لو كنا في كفرناحوم لقدّمت لنا العبارة شيئاً واضحاً (1: 25؛ 2: 15؛ 9: 33). أمّا الآن، فنحن في شرقي الأردن (10: 1). فما هو معنى "في البيت"؟ هي عبارة يدخلها مرقس في كل مكان (7: 17؛ 9: 28)، ليقدّم أحد أقوال يسوع الوارد بدون موقع إخباري في المرجع القديم، والذي نسخه لوقا في 16: 18. (هنا نشير إلى أن البيت يعني على مستوى تدوين الإنجيل: حيث تجتمع الكنيسة).
إن التجميع الذي قام به مرقس يدلّ على وجهة التعليم والفقاهة فيه. فأقوال يسوع الموجّهة إلى التلاميذ بشكل خاصّ تزيد بعض الإيضاحات على تعليمه "العلني" أو تستخرج منه النتائج العملية. لهذا، تبدو أهميته واضحة بالنسبة إلى تعليم المسيحيين وتكوينهم. وهكذا ننتقل من إرادة الله حول الزواج الذي لا يحلّ، إلى حكم خلقي على أعمال ملموسة، وعلى الذين يقومون بهذه الأعمال.
ويتكيّف جواب يسوع للتلاميذ مع الوضع الاجتماعي والحضاري للمسيحيين الآتين في العاِلم الوثني. فيعالج على التوالي وضع الرجل، ثم وضع المرأة التي تطلق زوجها وتتزوّج مرّة ثانية (آ 11- 12). حسب الشريعة اليهودية، لا تستطيع المرأة أن تطلّق زوجها. في بعض الظروف، تستطيع أن تطلب الطلاق، ولكن الطلاق لا يُعلن إلا بفم الزوج. أما الشريعة الرومانية فأقرّت للمرأة بحق الطلاق من زوجها. إن نسخة مرقس (وحدها، رج مت 19: 8؛ لو 16: 18) تدلّ على أن كلمة يسوع ذُكرت كنور حاليّ في الظروف المتبدّلة من الوجود المسيحي. فُهمت كوصية لا شواذ فيها. فتكيّفت مع الأوضاع الجديدة التي يجب أن تمارسَ فيها. 
واستمرار الرباط الزواجي هو من القوة بحيث إن الزواج الثاني بعد الطلاق يُعتبر زنى، شأنه شأن الخيانة الزوجية. هذا ما يشدّد عليه مرقس (وحده) بإشارة لم يسمع بها العالم اليهودي: الرجل الذي يطلّق امرأته ويتزوج أخرى، هو زان بالنسبة إلى المرأة الأولى. فالزنى كما حدّد في العالمي اليهودي هو بين امرأة وبين رجل غير زوجها: تستطيع المرأة أن تكون زانية بالنسبة إلى زوجها، ولا يعتبر الرجل زانياً تجاه امرأته. إن نصّ مرقس يفترض المساواة العميقة بين الرجل والمرأة على مستوى الزواج والإحترام الواجب له. نحن ندرك خصب الإنجيل الحي الذي انتقل من أرض فلسطين إلى أرض وثنية.
لا تعالج نسخة متى إلا وضع الرجل الذي يطلّق امرأته. وإذ جعلت جانباً حالة زنى (بورنيا) (= زواج غير شرعي، رد لا 18: 6- 18؛ أع 15: 28- 29) الزوجة، شهدت على انغراس كلمة يسوع في كرازة كنيسة خاصة وفي ممارستها (إن القاطعة "إلا في حالة الزنى" في مت 5: 32؛ 19: 9 هي خاصة بمتى). فتفسير هذه الحالة لا يجد توافقاً بين الشّراح، كما أن هناك اختلافاً في هذا الشأن بين الكنائس الكاثوليكية والأرثوذكسية والبروتستانتية. يكفي من أجل موضوعنا أن نلاحظ هنا أن التوافق بين مرقس ومتى حول إلغاء المبدأ الموسوي المتعلّق بالطلاق، ترافقه اختلافات بالنظر إلى النتائج العملية التي تستخرج من هذا المبدأ. ويشهد بولس من جهته على منع الطلاق والزواج مرّة ثانية بعد الطلاق (هو لا يسمّيه زنى)، كما "يشّرع" في حالة انفصال الزوجين دون زواج جديد (1 كور 7: 10- 16).
وهكذا تُطرح منذ أيام العهد الجديد مسألة العلاقات بين الإنجيل وممارسته في ظروف هذا العالم الملموسة. إن الإنجيل يتجاوز كل تعبير قانوني لإرادة الله. ولكن الأمانة للإنجيل لا تكون صحيحة من دون مراعاة أوضاع الأشخاص في إطارهم الاجتماعي، ومن دون ترتيبات عملية تؤمّن. إلىرسة الجماعية لهذه الأمانة وتميّز الكنائس عن المحيط اليهودي أو الوثني الذي تعيش فيه.
2- يسوع، الأطفال وملكوت الله (آ 13- 16).
لا ينحصر هذا الإنجيل (كما هي العادة في الأناجيل) بتذكير بالظروف التي حدت بيسوع إلى أن يتلفّظ بأقوال جديرة بأن تحفظ. وإن علّم هنا فهو يعلّم بأعماله وبأقواله. إنه يحقّق بل يتجاوز ما انتظره أناس جاؤوا إليه بأطفالهم. وهو يحقّقه رغم معارضة تلاميذه. غضب يسوع على التلاميذ (الذين انتهروا الأطفال)، وتفوّه بأقوال وسّعت بُعد تصرّفه تجاه الأطفال توسيعاً غريباً.
إن الذين قادوا الأطفال إلى يسوع، أرادوا منه أن يلمسهم: لا شكّ في أنهم يطلبون بركة. هناك انتقال من "لمس" (آ 13، وضع يده) إلى "بارك" (آ 16). هنا نعود إلى مر 8: 22- 25 حيث طلب إلى يسوع أن "يلمس" أعمى بيت صيدا. أما يسوع فوضع يديه على عينيه. وهكذا ننتقل من اللمس إلى وضع اليدين. وقد عرفت التوراة المباركة مع وضع اليدين. هذا ما فعله يعقوب مع يوسف وابنيه افرائيم ومنسّى (تك 48: 13- 18). ولقد عرف التقليد اليهودي القديم عادة بها يُطلب من رجل دين أن يبارك الأطفال.
لسنا هنا أمام أطفال رضَّع. ولا يشير النص إلى أن الذين حملوهم قدّموهم. إن لوقا وحده يتكلّم عن أطفالا صغار (برافي). أمّا متّى ومرقس فيستعملان كلمة "بايديا" التي قد تعني ابن 12 سنة (مر 5: 39- 42). هم أطفال. ولكن بما أن "أهلهم" يرافقونهم، فهذا يدلّ على أننا أمام أولاد "كبار". أراد التلاميذ أن يمنعوا الناس من تحقيق هذا المشروع. قاوموا الكبار لا الصغار. لماذا اتخذوا" هذا الموقف؟ لا ندري. ولكن توبيخ يسوع لهم يدلّ على أنهم لا يرون علاقة بين رغبة هؤلاء الناس وعمل يسوع. على كلّ حال، إن يسوع يرفع الموضوع إلى هذا المستوى.
إنه يريد أن يلمس الأطفال. "دعوا الأطفال يأتون إليّ، لا تمنعوهم". يريد الاتصال بهم لأن "ملكوت الله هو لأمثالهم". ويأتي إعلان احتفالي فيوضح السبب: "الحقّ أقوله لكم: من لا يقبل ملكوت الله مثل طفل فلا يدخله". وهكذا جعل يسوع بهذه الكلمات رباطاً بين ملكوت الله من جهة، وبين الأطفال ونفسه من جهة ثانية. وهذ الرباط يؤسّس علاقته بالأطفال الذين يباركهم.
أ- الأطفال وملكوت الله
"إن ملكوت الله هو لأمثالهم". لا "للذين هم أطفال مثل هؤلاء"! فالعبارة السابقة "دعوا الأطفال يأتون إليّ"، تجاوزت الحالة الخاصة لهؤلاء الأطفال الذين جاؤوا بهم إلى يسوع. ولا النصّ يوضح أن "أمثالهم" تتجاوز مقولة الأطفال: "من لا يقبل ملكوت الله مثل طفل، فلا يدخله". من الواضح أن النصّ يشير إلى "الكبار". ولكنه مع هذا لا ينسى الأطفال. ملكوت الله هو لهم. ولهم طريقتهم في تقبّله، وهي شرط ضروري لكل إنسان يريد أن يدخله. الملكوت هو لمن يتقبّله بهذا الشكل أكان طفلاً أم لا. 
لا يعتبر يسوع الأطفال كرمز إلى استعداد مطلوب من الكبار. ولا يجعلهم مثالاً يجب أن نحتذي به. إن الأطفال يدلّون على إمكانية قبول هي ضرورية لجميع الذين يطلبون ملكوت الله. هذا الملكوت هو عطية مجانية، ولا حقّ للإنسان فيه، فلا يمكنه أن يعتدّ بأي فضل، بأي استحقاق تجاهه. إذا كان ملكوت الله "يخصّ" الأطفال، فليس بسبب براءتهم أو تواضعهم اللذين يجب على الكبار أن يستعيدوهما بمجهودهم الخاص. فالنسخة المتاوية نفسها تقاوم هذا التفسير. فتحدّد أن الشرط الضروري ليكون الإنسان الأعظم في ملكوت الله، هو ذات الشرط لدخوله: "نصير مثل الأطفال". ،(نصير صغاراً مثل هذا الطفل" (مت 18: 3- 4). لسنا أمام تواضع على المستوى الخلقي (هل الطفل متواضع؟)، بل أمام "صغر" موضوعي، وغياب كل اعتداد وعدم إمكانية الاكتفاء بالذات والاتكال على الذات. ونسخة مرقس هي كثر وضوحاً حين تتحدّث عن القبول. إن الأطفال يدخلون بكل بساطة (بلا مشاكل) ملكوت العظماء لأنهم يعرفون أن يتقبّلوا ما يُعطى لهم، ويسلّموا أمرهم بثقة إلى الذي يعطي.
ب- يسوع وملكوت الله
"الحقّ أقول لكم". هذه العبارة توضح سلطة يسوع حين يتكلّم عن ملكوت الله وعن الشروط لدخوله. نحن أمام الملكوت المقبل (كما في إطار 10: 23)، في إطار "الحياة لأبدية" (10: 17، 30). أمام امتلاك تام لخبرات تدلّ (في اللغة البيبلية) بشكل ملموس على النظام الكامل للعلاقات بين الله والإنسان. هذا الملكوت قد أعلنه يسوع (1: 15). وهيّأ سامعيه له. وحدّد شروط الدخول إليه (9: 43، 45، 47). وهو يعد بهذا الملكوت (9: 41؛ 10: 21، 29- 30): "من ترك بيتاً... نال في الآخرة الحياة الأبدية". وما يقوله يسوع عن الأطفال وأمثالهم يؤكّده التعليم الذي أعلن في التطوبيات (مت 5: 2- 12؛ لو 6: 20- 26). فالعبارة نفسها ترد بالنسبة إلى الأطفال، وبالنسبة إلى الفقراء: ملكوت الله هو لهم. وهو يخضهم لانهم يرثونه. إن هذ الطريقة في التعّرف إلى وارثي الملكوت العتيدين في الزمن الحاضر، يفترض من الآن علاقة خاصة بين هذا الملكوت وبين يسوع.
ونذهب أبعد من هذا. فنحن نجد في العبارة عينها: ملكوت الله هو واقع يجب أن نتقبّله في الحاضر لندخله في المستقبل. ونجد توضيحاً لهذه الثنائية في أمثلة الزرع: ملكوت الله هو الحصاد، أو هو الشجرة. بل هو منذ الآن الحبّة الصغيرة التي ألقيت في الأرض (4: 26- 32). هذه الأمثال ترد بعد مثل الزارع الذي "يزرع الكلمة" (4: 14). وعبارة "تقبل ملكوت الله" قريبة من عبارة "تقبّل كلمة الله". الأولى لا تُقرأ إلا هنا في كل العهد الجديد. أما الثانية فترد في أماكن عديدة (لو 8: 32؛ أع 8: 14؛ 11: 1؛ 17: 1؛ 1 تس 1: 6؛ 2: 13؛ أف 6: 17؛ يع 1: 21؛ ق "تقبل الإنجيل" في 2 كور 11: 4).
حين نتقبل الإنجيل الذي يكرز به يسوع، نتقبل ملكوت الله حسب مرقس، ونتقّبل "نعمة الله" (2 كور 6: 1) حسب بولس الرسول. وحين أعلن يسوع ملكوت الله الآتي، قدّم منذ الآن لمن يتقبّله بالإيمان عطية سوف تتجلىّ في المستقبل: "ملكوت الله هو قريب جداً: توبوا وآمنوا بالإنجيل" (1: 5).
وهكذا يستنير الأمر الذي أعطي للتلاميذ: "دعوا الأطفال يأتون إليّ، لا تمنعوهم". إن يسوع يقدّم عطية الله: ونحن نتقبّل هذه العطية حين نأتي إليه. وسيقول أوريجانس في إيجاز جريء إن يسوع هو ملكوت الله شخصياً. فحين نعامل الأطفال كمزعجين نبيّن اننا لم نعرف يسوع. فهم حين جاؤوا إليه حققوا بشكل ملموس موقف الثقة والقبول الضروري لكل من يريد أن يشارك في ملكوت الله. إن خبر مرقس هذا يعلن بطريقته كلامً يوحناوياً يماثل بين "المجيء إلى يسوع" و"الإيمان به" (6: 35: من جاء إليّ لا يجوع، ومن آمن بي لا يعطش؛ 6: 37، 40)، ويتحدّث في هذا المعنى عن الولادة الجديدة (3: 3، 5).
ج- يسوع، الأطفال... والآخرون
"ثم احتضنهم وباركهم واضعاً يديه عليهم" (آ 16). فالذين جاؤوا بالأطفال انتظروا بركة صغيرة. فإذا هم يحصلون على الشيء الكثير. من أجل بارك، يستعمل مرقس "كاتولوغاين" الذي لا يستعمل إلا في هذا المكان من العهد الجديد. نحن أمام صيغة التشديد لفعل "اولوغاين" بارك بمحبّة كبيرة. ولاحظ مرقس وحده انه "غمرهم وقبّلهم"، احتضنهم.
إن هذا الاتصال الحارّ (اللمس) يتّخذ كامل معناه من كلمات سبق ليسوع وتفؤه بها، ومباركة الأطفال يجب أن ترتبط بملكوت الله الذي وعد به ومنذ الآن أعطي للذي يعرف إن يتقبّله. من هذا القبيل، فالحنان الذي به أحاط يسوع الأطفال لا ينغلق عليهم وحدهم. الأطفال هم هنا من أجل ذاتهم، كأناس نعموا بالملكوت. وهم هنا من أجل "كل من" يعيش الموقف الذي عاشوه تجاه يسوع وتجاه كلمته.
نعرف بواسطة ترتليانس، المفكّر المسيحي الأفريقي (قرطاجة) أن هذا النصّ استعمل كبرهان من أجل عماد الأطفال. ويظنّ بعض الشّراح ان هذا الاستعمال يعود إلى زمن العهد الجديد. فعبارة: "لا تمنعوهم" قريبة من عبارات مماثلة استعملت في أماكن أخرى حول الشروط المطلوبة لكي يقبل الإنسان للمعمودية. مثلاً أع 8: 36: "هوذا الماء. فما المانع من أن أعتمد"؟ أع 10: 47: قال بطرس: "هل يستطيع أحد أن يمنع ماء المعمودية"؟ رج مت 3: 14: "أخذ يوحنا يمانعه".
هذا البرهان ليس بحاسم، ولكن من السهل أن نستنتج من الخبر أن الأطفال هم مؤهّلون للعماد. ولكن لا نحصر هذا النصّ في بُعد ضيّق: فمن خلال الأطفال يُدعى كل إنسان إلى التوبة وإلى الإيمان بعطيّة الله. 
وسبب هذا التوسّع هو آ 15 (من لا يقبل ملكوت الله). يتفّق عدد كبير من الشّراح على القول إن هذه الآية لم تنتمِ إلى التقليد الأقدم الذي يرتبط به مرقس: فالنسخة الموازية في متى (19: 13- 15) لا توردها. ونحن لا نجد ما يقابلها إلا في مت 18: 3 (إن لم ترجعوا فتصيروا كالأطفال) وفي سياق آخر مركب من عناصر عديدة. فهذا القول قد سار مسيرته في التقليد بدون ارتباط محدّد، شأنه. شأن عدد من أقواله يسوع. ثم إن التعبير عنه مرقس يعكس تأثير لغة المرسل المسيحي الذي انتقل بسهولة من "قبل الكلمة" إلى "قبلَ ملكوت الله". رج لو 8: 23؛ اع 8: 14؛ 11: 2... يستعمل لوقا عبارة: "بشّر بملكوت الله" (أعلن بشرى ملكوت الله)، رج 4: 43؛ 8: 1؛ 16: 16؛ رج اع 8: 12. ويستعمل أيضاً عبارة "أعلن ملكوت الله" (بلّغ مجيء) في 9: 2، 65؛ أع 2: 25؛ 28: 31. وتكلّم متى عن "إنجيل الملكوت". رج 4: 23؛ 9: 35؛ 24: 14.
إن خبر مرقس يدلّ على عمل تفكير شامل في مواد تقليدية أوّلية. ولكن، حتى إذا وضعنا جانباً آ 15 وأعدنا التقليد الذي صاغه مرقس إلى نموذج نجد أساسه في مت 19: 13- 15، فهذا التقليد لا ينحصر ببعض تذكرات تدلّ على حنان يسوع تجاه الأطفال (وقساوة التلاميذ تجاههم). ولا يبدو هذا التقليد أيضاً جواباً بسيطاً على المكانة التي يجب أن تحُفظ للأطفال في الجماعات المسيحية. كان يكفي لأجل ذلك قول مثل "ملكوت الله هو لهم". توجّه يسوع إلى الأطفال، ومعهم إلى الكبار الذين صاروا قريبين منهم لأنهم يشبهونهم. وحين حدّد مرقس هذا التشابه على مستوى قبول واثق لعطية الله بالإيمان، أنار التقليد الذي وصل إليه ولم يخنه.
3- سياق النصّ
لا رباط في الزمان والمكان يجمع الخبرين اللذين صفهما مرقس الواحد قرب الآخر. ولكنهما يقيمان في تأليف أوسع وتتبعهما دعوة غني (فاشلة) وحوار حول الغنى وملكوت الله (10: 17- 31). ويتعلّق بهذه المجموعة حاشية صغيرة صقول إن يسوع ذهب إلى اليهودية، إلى عبر الأردن، وعلّم هناك الجموع. معلومتان مهمتان.
نسينا الجموع، والتعاليم التي تلت عنت التلاميذ وحدهم قبل كلّ شيء. فكما في 8: 34، لم يخفّف اهتمام يسوع بعدد كبير من سامعيه، من قوّة كلمة تفرض خياراً نقوم به وتصرفاً علنياً بهما يتميّز التلميذُ عن الآخرين: نعيش حسب إرادة الله في الزواج. نتطلب من الأطفال صغر الإنسان أمام مجانية الله. نترك كل فكر خيالي حول المال. لا نحسب حساب ما نتخلىّ عنه من أجل المسيح والإنجيل. مثل هذا يجعل من المؤمنين "مشهداً للناس وللملائكة". يراهم الناس فيمجّدون الآب الذي في السماء. 
وما هو الوضع الجغرافي لهذه التعاليم؟ في منظار أورشليم حيث يصعد يسوع وتلاميذه (10: 32)، بين الإنباءين الثاني والثالث بالآلام. وبعد كل إنباء يحدّد يسوع السلوك الواجب على تلاميذه. "من أراد أن يتبعني ينكر نفسه ويحمل صليبه..." (8: 34- 38). "من أراد أن يكون أول الناس، فليكن آخرهم جميعاً وخادماً لهم..." (9: 33- 50). "من أراد أن يكون الأول فيكم فليكن لجميعكم عبداً..." (10: 35-45). فالعلاقة التي أقامها يسوع بين حياة التلاميذ ومصير ابن الإنسان، أو بالأحرى إن السير على خطى يسوع ينير بنور جديد ما يبدو للوهلة الأولى وكأنه مجرّد تعليم خلقي.
ما يوحّد قوليَ يسوع عن الزواج وعن الأطفال والغنى نجده على مستوى الوحي والإيمان. فحين يتكلم يسوع "علانية" عن الآلام التي يستمرّ فيها، ويجتذب تلاميذه على طريقه الخاص، فهناك يقين يلهمه: الله حاضر هنا وهو يعمل من أجل مجيء ملكوته. ونجاح الإنسان يمرّ بالجهوزية والثقة والاستسلام. فالله يعرّف الناس بذاته خارج حدود الوحي الموسوي (10: 5- 6، 19- 21). وهو يطلب من الإنسان أكثر مما يتوقّعه الإنسان. غير أن الإنسان جعل الممكن على قدر قواه الخاصة (10: 26- 27). وهو حين يكتشف إرادة الله في إتحاد الرجل والمرأة اتحاداً لا ينفصم، يحياً في جوّ هذا الملكوت. ولكن الملكوت لا يأتي إلاّ إذا قبلناه بالسخاء والعطاء. هذان القولان ليسوع اوردهما مرقس. وهما يساعداننا لنفهم ما يطلبه من كل من يريد أن يتبعه. "كل شيء ممكن عند الله" (لا شيء مستحيل) (10: 27). "كل شيء ممكن لمن يؤمن" (9: 23).

 

 

الفصل الثالث عشر
الرجل الغنى
10: 17- 31
إن مغامرة هذا الملاّك الغنى مع ما فيها من حزن (10: 17- 22) هي جزء من تأليف يتضمّن أيضاً حوار يسوع مع تلاميذه. أرادها مرقس متماسكة وحاملة تعليم للمؤمنين. بعد المثل، تأتي سلسلة من أقوال المعلّم فتنير المثل من أجل قرّاء الإنجيل. ومنظار "الحياة الأبدية" المذكورة في البداية (آ 17) وفي النهاية (آ 30) يشرف على المجموعة ويدلّ على وحدتها.
1- مثل رديء (آ 17- 22)
في مقدّمة الحدث، في اهتمام الرجل، في حركته حين انطرح أمام يسوع، نجد فن مرقس للأخبار الشيّقة (رج 5: 6؛ 9: 15). إذ كان يسوع منطلقاً في الطريق، تقدّم إليه شخص مجهول: هل سيتلقّى أمراً باتباع يسوع (آ 21)؟ ولكن المقدّمة القصيرة تفتح الطريق سريعاً لحوار يذهب إلى الجوهر.
أ- الله وحده صالح
"أيها المعلّم الصالح...". إذا كان لقب "معلّم" (ديدسكالوس) الذي يساوي "رابي" هو أمر عادي، فالصفة تبدو مدهشة ونحن لا نجدها في مكان آخر بهذا الاستعمال. لهذا السبب نقول إنها هنا لتدخل ما بدا في جواب يسوع تصحيحاً. ولكنها تمثّل في الواقع تعليماً أوّل: "لا صالح إلاّ الله وحده". منذ بداية الكنيسة، دُهش المؤمنون حين رأوا يسوع يرفض لقب "الصالح". أما مرقس فصحّح هذا التقليد. فالصفة عنده إنتقلت من المنادى إلى موضوع السؤال: "ماذا يجب أن أعمل من الصلاح" (مت 19: 16)؟ ولكن تصحيح متّى وتأويلات الآباء والشرّاح الطويلة تبدو بدون فائدة حين ندرك الطابع الفجائي والرمزي للجواب: إن يسوع يستفيد من هذا الظرف ليبرز صلاح الله ويقدم له المجد. وهكذا يتصّرف كـ "الصالح" الحقيقي والبار الحقيقي.
ولكن لماذا هذا الموضوع في إطار الحوار مع الغني؟ لا ننكر إمكانية دمج تقليدين وُجدا في الأصل مستقلّين. ولكننا نستطيع أن نقول إن مرقس أراد أن يجمع صلاح الله مع إعلان الوصايا. فلفظة "صالح" تعني "العطوف" و"المحسن". تتضمّن هذه اللفظة عطية خيور ترتبط إرتباطاً مباشراً بكرم الله. "مبارك أنت أيها الصالح والذي تفعل الصلاح". هذه المباركة التي نقرأها في المشناة توافق الفكرة التقليدية التي تحدد موقع "الصالح" لا في عالم المثل المجرّدة، بل في شخص هو الله الذي يكشف عن ذاته في التاريخ. فالشريعة الموسوية التي هي عطية سامية ووحي رفيع لا يمكن إلاّ أن تكون صالحة. نقرأ في أقوال. الآباء: "لا صالح خارجاً. عن الشريعة. فقد قيل (أم 4: 2): "أعطيتكم تعليماً" صالحاً، شريعتي، فلا تتخلّوا عنها".
ب- الحياة الأبدية والوصايا
هذه هي الوصايا. إنها عطية حنان من المحسن السامي وقائد شعبه. وتتميمها (والعمل بها) حسب السؤال المطروح، يوجّهنا إلى "ميراث الحياة الأبدية". هذه العبارة معروفة في العالم اليهودي القديم (مزامير سليمان 14/10؛ 1 أخنوخ 40: 9) وواردة في العهد الجديد (مت 5: 5؛ 25: 34؛ لو 110: 25؛ 1 كور 6: 9، 10؛ 15: 50؛ غل 5: 21...). إن "الميراث" يشير إلى أرض الموعد (تك 15: 7- 8؛ 28: 4؛ خر 23: 30؛ لا 20: 24...). ولكنه تروحن تروحناً كلياً في عبارة "الحياة الأبدية". بعد هذا (آ 21 أ) سيكون الحديث عن "كنز في السماء" أو "الدخول إلى ملكوت الله" (آ 23، 24، 25). إدا أخذنا هدْه التسميات في ذاتها وبمعزل عن السياق، فهي ليست مترادفة. تتحدّد التسميتاًن الأوليان في خط المجازاة الفردية المهيّأة للأبرار. أما التسمية الثالثة فتدلّ على تدخّل الله النهائي ليقيم ملكه في العالم. ولكن هذه الاختلافات التي تدلّ في الوقت الحاضر على تقليدين اثنين، لا تحمل أي تعارض أو تناقض. "فملكوت الله" في نظر مرقس وفي نظر يسوع، هو مدلول متشعّب. بدأ في الحقبة الحالية من العالم (هذا ما تدلّ عليه أعمال يسوع وتصريحاته)، ولكن لن يتحقّق بشكل تام ونهائي إلاّ في المستقبل حيث يحدد المسيحيون موقع مجيء ابن الإنسان المجيد (8: 38- 39؛ 13: 26). حينئذ تتمّ أحداث النهاية: دينونة الخاطئين، مباركة الأبرار، تجديد الكون حسب نظام الله الذي وضعه المسيح. وهذه الوقائع التي تدشّن "العالم المقبل" (آ 30، أو: الآتي)، تفتح أمام تلاميذ يسوع المنطقيين مع دعوتهم، أبواب "الحياة" (9: 43، 45) أو "الحياة الأبدية".
مع أن حدث الرجل الغني يتوجّه إلى قرّاء مسيحيين للإنجيل، إلاّ أنه يجري في إطار العالم اليهودي. فيهودي هو الذي يسأل يسوع. ومثله سيفعل تلاميذ آخرون مع رابي اليعازر بن هركانس: "رابي، علمنا طرق الحياة لكي ندخل بها إلى إمتلاك الحياة في العالم الآتي" (التلمود البابلي، البركات 28 ب). وهكذا يطلب المؤمن من المعلّم أن يدلّه على ما يعتبره الجوهر في الشريعة، أهم شيء في الشريعة، أو على تطبيقات الشريعة الصحيحة.
وجاء جواب يسوع: "احفظ الوصايا". هنا لا نخطئ: فيسوع لا يحيل الرجل إلى الوصايا بشكل عام، بل يدلّ على مقطع من الوصايا معروف. عاد إلى اللوحة الثانية من الشريعة، فعدّد كل الواجبات التي تعني القريب. وخرج من الوصايا بعبارة: "لا تظلم أحداً". تدلّ هذه العبارة على عمل به نحرم الفقير من الضروري (تث 24: 14 أ: لا تهضم أجرة مسكين، ملا 3: 5: يظلمون الأجير في أجرته والأرملة واليتيم؛ سي 4: 1؛ 34: 21- 22؛ يع 5: 4 حسب اختلافة). هذا الملحق الذي رأى مدوّن الإنجيل أنه من الموافق زيادته، ليس قولاً "مميّزاً" وكأن اهتمام المقطوعة كلّها يتركّز على المحبة تجاه الفقراء. فلتعليم الإنجيل موضوع آخر سوف نراه.
أورد يسوع الوصايا ونحن لن نندهش حين نعرف أن إنجيل مرقس نفسه يورد جواباً آخر ليسوع يدلّ على وجهة مماثلة: إن يسوع يضع على مستوى واحد وصايا محبة الله ووصايا محبة القريب، ويؤكّد للكاتب الذي يوافقه الرأي: "لست بعيداً عن ملكوت الله" (12: 28- 34).
موقع هذا الرجل الغني، على ما يبدو، هو موقع مميّز. لقد أعلن: "يا معلّم، من أيام صباي عملت بهذه الوصايا كلّها". لا نستطيع أن نشك بصدقه. ويسوع نفسه لا يعارض حقيقة جوابه. وهكذا ننتظر أن ينتهي الخبر هنا. ولكن الحوار ينطلق في قفزة جديدة. فيبدو أن للراوي شيئاً آخر يقوله لنا.
ج- واجبات غني
هناك إشارة قد يكون مرقس هو صاحبها، تشدّد على أهمية ما يلي: "حينئذٍ نظر (حدّق) إليه يسوع (جعل عليه نظرة لكي يختاره) بمحبة (وأحبّه، وشرع يحبّه)". إكتشف بعض الشّراح هنا أكثر من عاطفة حنان: هي فعلة تشبه فعلة إيليا حين رمى رداءه على كتفي أليشاع (1 مل 19: 19). وهذه الفعلة تدلّ على نداء من أجل وظيفة خاصّة. مهما يكن من أمر هذه الفرضية، إن الإشارة تتجاوز تفصيلاً يهدف إلى التأثير على القارئ، ليدلّنا على تحوّل احتفالي في الخبر.
وجاء التصريح المدهش: "ينقصك شيء واحد: اذهب، بع كل ما تملك ووزّع ثمنه على الفقراء فيكون لك كنز في السماء. ثم تعال واتبعني". لم ينتظر الرجل مثل هذا الطلب. إنه على المحكّ. حسبناه أميناً لا عيب فيه. وها نحن أمام متطلّبة جديدة ستكشفه في وجه جديد. لا يتركنا مرقس في "السراب". يستحيل علينا أن نعيد هذه المتطلّبة إلى حدود الفردية. هذه الحالة هي نموذجية، وبُعدها يبرز من وَليْ النص (آ 28) كما من مجمل الإنجيل (1: 18؛ 2: 14- 15؛ 6: 1؛ 8: 34). ففي الإنجيل الثاني، "تبع يسوع" هو صدى لخبرة التلاميذ الأولين وهو يمد حقل تطبيقه على أكثر من هؤلاء الأربعة: إن هذه العبارة تدلّ منذ اليوم على الدعوة المسيحية، على متطلّباتها والتضحياًت التي تشتمل عليها.
ماذا نعرف في النهاية عن هذا الشخص الذي جعله خبر مرقس "على المسرح"؟ "كان يملك أموالاً كثيرة". ظلّ القارئ ينتظر الجواب، وهو لن يجد مفتاح الحوار إلاّ في الكلمات الأخيرة. كما سيكتشف الدرس: لا توافق بين الغنى والخلاص، لأن أفضل الأغنياء يبتعد عن الخلاص بسبب تعلّقه بأمواله. وبعبارة أخرى، يجب أن نختار بين كنزين: كنز الأرض وكنز السماء (رج مت 6: 9- 12). إن صورة الكنز تدل على المجازاة الاسكاتولوجية للأبرار، وهي لا تقابل بين حالة وحالة، كما لو كنا أمام درجة كبرى من المجازاة.
إذا كان الأمر هكذا، فمرقس لا يوجّه إلى قرّائه تعليماً في الخلق الاجتماعي. وهو لا يتحدّث عن الفقراء إلاّ بمناسبة مصير هذه الخيرات الذي وجب على الغني أن يتخلىّ عنها. ثم، لا فائدة من البحث عن إشارة تدلّ على أننا أمام حياة مسيحية على مستويين: يتطرّق الحدث إلى الغنى والذين يمتلكونه. ولا يؤسّس شكلاً من الفقر الاختياري لا يُدعى إلى ممارسته إلاّ أكثر النفوس سخاء. لا شك في أن هذه الكلمات القوية تدلنا على تفسير قاسٍ: هل نقول إن كل صاحب مال هو في النهاية "هالك بالقوة" (كما نقول في الفلسفة، لا بالفعل)؟ وأين نثبّت الحدود التي فيها ندخل إلى فئة الأغنياء، فنجد نفوسنا مجبرين على بيع كل أموالنا لمساعدة الفقراء؟
من الواضح أننا إن أخذنا بهذا التفسير المادي والحرفي، نسقط لا محالة في عالم الغموض، في أمر لا نستطيع تحقيقه. ومع ذلك، فالتعليم موجود، ونحن ندركه. ولكن شرط أن نأخذ بعين الاعتبار الصورة التي نجدها هنا كما نجدها في عدّة تعاليم إنجيلية أخرى: تجاه الحياة الأبدية، تجاه ملكوت الله، يشكّل الغنى خطراً كبيراً. ويجب أن نتخلّص منه كل مرّة وبقدر ما يكون عائقاً في طريق الخلاص. نتخلّص منه كل مرّة يدخل في قلب الإنسان فيصبح مركز اهتماماته فيخنق الكلمة ويمنعها من أن تحمل ثمراً. 
هنا نقدّم ملاحظة. إن الأمر "اذهب وبعْ كل ما تملكه" هو جزء من هذه اللوحة الواسعة. وهو لا يعني أن على كل واحد أن يبيع ما يملك ليكون خاضعاً لأمر يسوع. هذا ما فعله المسيحيون في الكنيسة الأولى (أع 4: 32- 37: برنابا. ثم حنانيا وسفيرة في اع 5: 1- 11). ولكن يبدو أن النتيجة لم تشجّع الكنيسة على متابعة هذه إلىرسة. لا شكّ في أن المسيحي يتخلىّ عن الدرس الذي قدّمه هذا المقطع الإنجيلي، إن اعتبر أنه يستطيع أن يخلص إن ظلّ يعيش في البذخ والرخاء. ولكن الفن الأدبي الذي أخذ به الإنجيل لا يتيح لنا أن نرى في هذا القول أمراً دقيقاً يتوجّه إلى كل صاحب خيرات. المهم هو التجرّد. وبيع الأملاك أو عدم بيعها هو تطبيق لهذا التجرّد.
طُلب من الرجل الغني أن يبيع كل ما يملك. ولكنه رفض "العملية" المفروضة عليه، فاستأذن يسوع ومضى. حينئذٍ إجتاحه حزن عميق: لا بسبب أمواله الكثيرة، بل لأنه خسر الحياة الأبدية بسبب هذه الثروة التي تسجنه برباطاتها بحيث لا يستطيع أن يتحرّر منها. وهكذا يأتي التشديد على النقطة الهامة في الكرازة: أنت الذي تتعلّق بأموالك، هل تفضّل أن تقاسي حزن الندم، حين تقدّم إليك إمكانية الفرح بكنز في السماء، شرط أن تضحّي بأمور عابرة؟ وهكذا حرّك الإنجيلي محيطه النائم وذكّره بخطورة ما يُطلب منه.
2- حوار حول خطر المال (آ 23- 27)
بعد أن ذهب الرجل الغني كان حوار بين يسوع وتلاميذه. سنحاول أن ندرس المرحلة الأولى من هذا الحوار، الذي يتألّف من آ 23- 27.
أ- تأليف صعب وطويل
لن نحاول أن ندخل في التفاصيل التقنيّة. ولكننا نلاحظ أن هذه الآيات الخمس تعرض في الواقع موضوعين متميّزين. الأول يشير إلى صعوبة دخول ملكوت الله على الأغنياء (آ 23 ب، 25). الثاني يتطرّق إلى الصعوبة بشكل عام دون الإشارة إلى الغنى (آ 24 ب). ومن السهل أن نرى هنا نتيجة دمج بين عنصرين حملهما التقليد المسيحي الأول. وكلاهما يلتقيان مع أقوال إنجيلية أخرى ذات المضمون الواحد. وهكذا نجد نفوسنا أمام صدى لكرازة يسوع.
إن القول على الجمل وثقب الإبرة (آ 25) قريب من التعاليم ضد الغنى التي دخلت في مجموعات استعملها متّى ولوقا (لو 12: 33- 34= مت 6: 19- 21؛ لو 16: 13= مت 6: 24). أما الفكرة القائلة بصعوبة الدخول إلى ملكوت الله (آ 24 ب)، فهي تقابل القول (لوغيون) عن الباب الضيّق (لو 13: 24؛ مت 7: 13- 14). وكل هذا يدلّ على أننا أمام تكييف لكلام يسوع: توجّه أولاً إلى اليهود المعاصرين ليسوع، ثم انضم إلى خطبة إرشادية مسيحية. في هذه المرحلة الأخيرة نحدّد موقع خوف التلاميذ، مع التحذير المشجّع الذي يرافق هذا الخوف (آ 26- 27). لا يرتبط هذا الملحق بموضوع الغنى، فيبدو نتيجة مدوِّن مسيحي اهتم بأن يخفّف من قساوة تعجّب آ 24 ب، التي كان على آ 26- 27 أن تحسبانها في المراجع الإنجيلية (وهكذا ترتبط آ 24 ب مع آ 26- 27، ونقرأ آ 25 على حدة). 
ضُمّت هذه المواد الأساسية في تأليف قد يعود إلى ما قبل مرقس، ولكنه نال معه شكله النهائي. وتمّت "تصحيحات" لتجعل المقطع كلّه متماسكاً. هكذا دوّنت آ 23 ب كاستباق للآية 24 ب التي زيد عليها إيضاح صغير: إن صعوبة الدخول إلى ملكوت الله تنحصر في "الذين يملكون أموالاً كثيرة". وإضطراب التلاميذ في آ 24 أ يستلهم آ 26 أ ليملأ فراغاً بين قوسين مشابهين. لم تكن نتيجة "العملية" أفضل ما يكون. لهذا قام متّى ومرقس وبعض الناسخين ببعض التصحيحات. ولكن إذا قرأنا هذا النصّ بشكل إجمالي، فالهدف الذي أشرف على صياغته يبدو واضحاً.
هنا نلاحظ أولاَ أن متّى ولوقا انطلقا من نص مرقس. وما عملاه يدلّ على آثار إعادة صياغة في خط الوحدة الموضوعة التي نجدها في مرقس. ونلاحظ ثانياً أن الكودكس فراريانوس قد زاد كلمة "غني" على آ 24 ب (صارت: ما أصعب الدخول على الغني إلى ملكوت الله). وهناك عدد من الشواهد قلبوا آ 24 وآ 25، (صارت آ 25 قبل آ 24. "ما أصعب دخول الأغنياء إلى ملكوت الله. فمرور الجمل في ثقب الإبرة..). وهكذا استطاع هؤلاء الناسخون أن ينتقلوا من حالة خاصة (الأغنياء) إلى اعتبارات عامّة. ولجأ بعض المفسرّين إلى النظرة الروحية التي تشير إلى التخليّ عن الأموال، لا سيما وأنه كان ليسوع أصدقاء أغنياء مثل زكا العشار ويوسف الرامي. لهذا زاد الكودكس البازي على آ 24: "الذين يتكّلون على الغنى". فصارت: "ما أصعب الدخول إلى الملكوت على المتكلين على الغنى".
ب- الغنى حاجز كبير
يقع النصّ في خطّ الخبر السابق، فيتركّز على مسألة الغنى أكثر منه على فكرة الدخول إلى ملكوت الله بشكل عام (مع أنها فكرة إنجيلية). فالأغنياء يظهرون منذ البداية، والنهاية تعنيهم وحدهم على ما يبدو. فإذا فصلنا هذه النهاية عن القول العام (آ 24 ب: ما أصعب الدخول إلى ملكوت الله)، فهي تلي المقابلة مع الجمل. ولكننا لا نستطيع أن نتجاهل الموضوع المعلن في آ 24 ب (كان من السهل أن نستبعده!). بيد أن هذا الموضوع الذي يوسّع النظرة، يقلّل في الوقت عينه من أهمية الغنى كخطر كبير يهدّد الخلاص. فالحاجز الذي ينصبه أمام المؤمن ليس الوحيد الذي يجب تجاوزه. وحين ذكره الإنجيلي، هيّا الطريق للإعتبارات التي جاءت فيما بعد (آ 29). وقد يكون أراد أن يهيّئ قرّاءه ضد فكرة "مبسّطة" عن شروط الخلاص: ليس الخلاص مؤمَّناً بمجرّد تخلّينا عن أموالنا. هذا ما نقرأه في التعليم الذي يتوزّع مر 8- 10.
أما الآن، فنحن لا ننكر أن النصّ يشدّد على الغنى الذي هو إحدى الصعوبات التي تعارض الدخول إلى الملكوت. فعلى الغنى ينطبق القول الذي نقرأه بشكل صورة في آ 25: "فمرور الجمل في ثقب الإبرة أسهل من دخول الغني إلى ملكوت الله". لقد عرف التلمود تشبيهاً مماثلاً، فحلّ الفيل محلّ الجمل. هذه الفرضية الهائلة تعبّر عن إستحالة "شبه مطلقة". نحن هنا ولا شك أمام صورة. فلسنا أمام تحديد بل أمام تحريض يعود فيه "الواعظ" إلى عبارات "قاطعة". غير أن اللهجة تبقى قاسية. ونحن نخون الإنجيل إن ظننا أن المسيحي يتوجّه إلى مصيره (أي= الخلاص) إذا أحاط نفسه بالرخاء الذي تؤمّنه ثروة كبيرة. فإذا أراد أن يحفظ نفسه من مثل هذا الخطر، إحتاج إلى روح الفقر، إحتاج بأن يفعل ما في وسعه لكي لا يكون غنياً.
ج- قدرة الله
ولكننا لم نقل بعدُ كل شيء. فالنصّ يتابع مورداً حيرة التلاميذ الكبيرة وسؤالهم بما فيه من قلق: "ولكن، من يمكنه أن يخلص"؟ هذا الملحق كان في الأصل امتداداً للقول العام في آ 24 ب (ما أصعب الدخول... إذن من يمكنه أن يخلص؟). فنحن لا نفهم كيف أن المقابلة مع الجمل التي تنحصر في الغنى، قد أثارت هذا السؤال. هل المسيحيون كلّهم أغنياء؟ والتلاميذ الذين أطاعوا أمر المعلّم فتركوا أموالهم وعيالهم ليتبعوه (آ 28)، لم يكونوا أغنياء، وبالتالي كانوا يأملون بالخلاص. لماذا هذا السؤال في هذا المكان؟ هل نقص الإنجيلي بعض المنطق حين دوّن هذا الحوار؟
في الواقع، إن الخوف والكلمة التي تترجمه يُفهمان بسهولة إذا جعلنا نفوسنا في نظرة الكاتب الكرازية. إنه يتطرّق إلى كل الصعوبات التي تمنع المؤمن من الدخول إلى ملكوت الله: أولاً، تلك التي تسبّبها الثروة (هي أولى الصعوبات وهي الصعوبة الرئيسية). ثانياً، كل المعوقات التي تنبت على طريق الملكوت والتي يعدّدها تفسير مثل الزارع (4: 14- 19). وهكذا ندرك السبب الذي حداهم لكي يطرحوا هذا السؤال الدراماتيكي: "من يستطيع أن يخلص"؟ لماذا يتعب الإنسان ليصير مسيحياً إذا كان يسير في طريق مزروعة بفخاخ لا يمكن التغلّب عليها؟
وجاء الجواب سريعاً: "هذا مستحيل (غير ممكن) على البشر، لا على الله. فكل شيء مستطاع عند الله". نحن هنا أمام تذكّر لكلمة قالها الله لإبراهيم (تك 18: 14)، واستعملها لوقا في خبر البشارة (1: 37). كما أن جعل امرأة عجوز تلد ولداً يتعدّى إمكانيات البشر، كذلك لا يستطيع الإنسان المتروك وقواه الخاصة أن ينجو من إنجذابات العالم وسحره. فهو يعثر ويسقط.
الإنسان هو الغني وغير الغني. ولكن الغني معرّض بشكل خاص. تدلّ هذه الكلمات على وضع تاريخي ملموس، فتفهمنا أنه وُجد أغنياء في الكنيسة الأولى، وكانوا قلقين بالنسبة إلى مصيرهم الأبدي. لم يسعَ الإنجيلي لكي يريح ضميرهم على حساب الإنجيل: فالغنى يهدّدهم، فلم يبقَ لهم إلاّ يتخلصوا منه. ولكن هل يمكن تحقيق هذا الهدف؟ ثم هناك الفقراء الذين اختاروا الفقر لينجوا من هذا الخطر. ولكنهم لا يجدون نفوسهم محرّرين من "هموم هذا العالم". فهناك "شهوات أخرى" تهاجمهم (4: 19). فهل ييأسون؟ ييأسون من الإنسان ومن إمكانيّاته. ولكنهم لا ييأسون من الله الذي تعمل نعمته السامية فيهم المعجزات. وهكذا نسمع صوتاً مشجّعاً يخفّف ما يحمله هذا التعليم من طابع غير إنساني يجعله مستحيل التحقيق. 
3- جزاء من ترك كل شيء لأجل المسيح (آ 28- 30)
إن التشجيع في آ 27 (كل شيء ممكن عند الله) ليس درساً في التساهل والتراخي. فالإنجيلي يطمح إلى أن يجتذب قرّاءه إلى الأعالي، مهما كانت التضحياًت التي يتحمّلونها لكي يصلوا. ولكنه يعرف أيضاً أن التنبيه والتهديد لا يكفيان: فسحر المجازاة التي بها يعد المسيح مؤمنيه، هو جزء من الدوافع التي يستعملها معلّمو التقليد المسيحي في الكنيسة الأولى.
أ- تكوين النصّ
هذا النص، شأنه شأن النص السابق، ينتج من عمل أدبي انطلق من معطيات قديمة كانت في الأصل مستقلّة. ثم ضمّت في إطار حوار بين يسوع ومجموعة من أخصّائه الحميمين. العنصر الرئيسي هنا هو القول على التخلي عن خيور الأرض وسائر ما يربطنا بالأرض. ونحن نستنتج أصله التقليدي من اننا نجد ما يقابله في مكان آخر: إنقطاع الروابط العائلية (مت 10: 37؛ لو 14: 26). التخليّ عن الممتلكات (لو 14: 33). لا شكّ في أن هذه الأقوال أشارت في البدء إلى الذين رافقوا يسوع في نشاطه التاريخي، فطلب منهم أن يكونوا مستعدين للعمل معه.
إن شكل التعليم هنا وفي لو 14: 26 (إن كان أحد يأتي إليّ ولا يبغض أباه وأمه) انطلق من حياة التلاميذ مع يسوع، وعبّرت عنه الكنيسة بطريقتها: فجمع أنماط التخليّ وطريقة تقديم اللائحة يتيحان لنا أن نرى في هذه الأقوال "تعليماً" دوّن في قلب الجماعة المسيحية. ونقول الشيء عينه عمّا يقابل هذه الأقوال على المستوى الزمني: مع أن مرقس فسرّها بطريقته الخاصة، إلاّ أننا أمام نظرة تقول إن نهاية العالم يسبقها ملك المسيح الأرضي وسعادة تامة للبشر. نحن هنا في خط تأويل ماديّ للنبوءات البيبلية. من الصعوبة أن نجعل هذه النظرة (هي هامشية في العهد الجديد) تتوافق مع نظرة ملكوت الله كما كرز بها يسوع. لهذا نقول إننا أمام نص "خلقته" كنيسة مرقس إنطلاقاً من حياة يسوع ومن انتظار ملك المسيح خلال ألف سنة (رؤ 20: 1- 6).
ب- أجران وجزاءان
وتدخّل بطرس. تكلّم باسم الاثني عشر، ففتح الدرفة الأخيرة في المقطوعة (إن آ 28 هي من تدوين مرقس. تبدأ: "فطفق يقول". ثم الدور الذي ينسب إلى بطرس، رج 8: 29؛ 9: 5؛ 11: 21). قال: "ها نحن قد تركنا كل شيء وتبعناك". هذا التصريح يتوافق مع التقليد التاريخي المدوّن في الأناجيل. ومع هذا، فهو يهدف إلى إدخال جواب يسوع إلى قلوب المسيحيين: إنه يفترض أن تضحياًت كبرى فُرضت عليهم حين دخلوا في الكنيسة، كما أن عدداً كبيراً منهم لم يكونوا من هؤلاء الملاّكين الكبار الذين ابتعدوا عن المسيح. ثم إن هذه التضحياًت ما زالت تتوزّع حياتهم فتعرّضهم لتجربة السقوط والاستسلام. من هنا كان هذا القول الذي يتضمّن في الواقع سؤالاً ونداء. هناك فراغ، ويسوع سوف يملأه. 
منذ البداية يبدو طابع تدخّله واضحاً. وهذا ما تشير إليه المقدّمة الاحتفالية: "الحق (آمين) أقول لكم" (لا تظهر هذه العبارة إلاّ على شفتَي يسوع). لسنا هنا أمام مجرّد إعلان. بل أمام إلتزام جدّي. فيسوع الحامل كل السلطات يقرّر مصير مؤمنيه. وسيكون مصيراً من السعادة. ولكن يسبق هذا المصير بعض المتطلّبات: "ما من أحد يترك من أجلي ومن أجل الإنجيل بيتاً، أو إخوة، أو أخوات، أو أماً أو أباً، أو بنين أو حقولاً...".
لا نبي ولا رجل الله في العهد القديم ربط خلاص الإنسان بتعلّق بشخصه هو. حين قال يسوع "من أجلي" كشف لنا أنه واع لكيانه ورسالته (8: 38؛ لو 9: 26؛ مت 10: 32- 33؛ لو 12: 8. نقرأ في متّى: "من أجل اسمي" يعني من أجلي). وحين زاد مرقس "من أجل الإنجيل" (رج 8: 35)، لم يعارض العبارة السابقة. فالإنجيل في نظره هو "إنجيل يسوع المسيح، ابن الله" (1: 1). فإن تمّ إعلان الإنجيل بالكرازة بحصر المعنى. أو إن اتخذ شكل خبر البدايات (أو: "إنجيل")، فسيبقى "خطبة الرب" وكلامه: فيسوع نفسه الحي والفاعل هو الذي يتوجّه إلى البشر.
من الواضح أن لائحة الأمور التي يجب التخليّ عنها، حاولت أن لا تنسى شيئاً: بعد البيت جاء ساكنو البيت. أي العائلة. ثم يفصّل النصّ مختلف أعضاء الأسرة. بعد هذا، الممتلكات الخارجية (الحقول) التي تعتاش منها الأسرة. لا نستطيع أن نعزل تخلياً عن الآخر، وكأن كل تخلٍّ وحده يكفي ليؤمِّن لنا المجازاة. ومع ذلك، نلاحظ أن عناصر اللائحة الأولى ترتبط بحرف العطف "أو" (بيتاً أو إخوة.). وعناصر اللائحة الثانية بحرف العطف "و" (من بيوت وأخوة وأخوات). يبدو أن هناك هدفاً من هذه اللائحة: كل شيء تتخلّون عنه يعود إليكم. ويحدّد النصر أننا لسنا أمام ردّ (وتعويض) بسيط. بل هناك مئة ضعف: إن المكافآت الإلهية لا تُقاس بالأعمال التي تجازيها (رج لو 6: 38: كيل ملآن مكبوس مهزوز فائض). هناك مكافآت حتى في هذا الزمن، في هذه الدنيا. أجل، هناك سعادة تبدأ على هذه الأرض وتتفتّح في السماء، وهي تنتج عن عطاء ذواتنا للربّ.
هنا نتساءل: هل اهتم مرقس إهتماماً كبيراً بالمجازاة في المرحلة الأولى (في هذه الدنيا)؟ لا شيء يتيح لنا أن ننسب إليه إسكاتولوجيا على مستويين (في هذه الدنيا، في الآخرة). فمجيء الرب هو الذي يبدو في أفقه. ومع ذلك، نحن هنا أمام لوحة من السعادة على الأرض لدى الذين تخلّوا عن كل شيء من أجل المسيح ومن أجل الإنجيل.
لا يذكر مرقس الزوجة. أما لوقا (18: 29) فيقول: "ما من أحد ترك بيتاً أو أمرأة أو إخوة" (رج لو 14: 26). غير أنه يذكر بين المكافآت: "الاضطهاد". نجد هنا روح المداعبة. كما نجد إشارة إلى الواقع الذي عاشته كنيسة رومة يوم دوّن مرقس إنجيله. وأخيراً، إن كل المنافع الأرضية تبقى ناقصة، وترافقها تنغيصات ومضايقات. ولكن كل هذا ليست بشيء تجاه المجازاة السامية في "العالم الآتي".
هذا الهدف هو ذاك الذي تطلّع إليه الرجل الغني في بداية هذه المقطوعة: هو أيضاً تكلّم عن "الحياة الأبدية". ولكنه خسرها بسبب تعلّقه بالغنى. وفي النهاية، قدّم تلاميذ يسوع نموذجاً معاكساً. إذن نحن أمام تعليم كامل. والتوافق بين طرفَي هذه المقطوعة يدلّ على تماسكه. فهو يذكّر المسيحيين بأن كل ما ينتمي إلى الأرض هو عابر ونسبي: إنهم متأكّدون أنهم يعيشون منذ الآن في زمن الخلاص، لهذا فهم لا يقدرون أن ينسوا مصيرهم الأخير الذي تحدّده نعمة الله. و"اتباع يسوع" يعني أيضاً أن نتجاوز بالفكر والرغبة حدود هذا العالم العابر. ويعني أيضاً أن نعمل على هذا الأساس مهما كلّفنا هذا العمل من تضحياًت. فلا شيء يبرّر هذه التضحياًت إلاّ إيمان ورجاء ومحبة أولئك الذين نالوا هذه الفضائل كموهبة مجانية أحسن بها الرب عليهم.

 

 

الفصل الرابع عشر
المصير الذي ينتظر يسوع
15: 32- 34
إتباع يسوع هو منبع فرح. ولكن هذا الفرح لا يجب أن ينسينا الطريق التي نسير فيها. إنها تقود إلى أورشليم. وسيشرح يسوع بشكل ملموس ما يعني هذا الاتجاه الذي يتخذه وهو يسير بعزم وحزم أمام تلاميذه. وها هي الدهشة (رج 10: 24) والذهول يملأان قلب التلاميذ. فيعود إليهم الخوف (رج 9: 32) مما سوف يحصل.. إن إيمانهم ليس بثابت بعد. حينئذٍ دعا يسوع مرة جديدة الاثني عشر (رج 9: 35) وبيّن لهم كيف يصير الآخر الأول، وخادم الجميع الأعظم. وهكذا يفصّل لهم مراحل الدخول إلى الملكوت كما يرمز إليه الصعود إلى أورشليم.
في هذا "الإنباء" الثالث الذي يظهر كبداية جديدة (آ 32: بدأ يقول)، يبدو مر وكأنه يستبق مسيرة الآلام التي سيصوّرها فيما بعد: إن ابن الإنسان يُسلم إلى عظماء الكهنة والكتبة (14: 1- 15: 10). يحكمون عليه بالموت (14: 64). يسلّمونه إلى الأمم (15: 1). يهزأون به (15: 20، 31). يبصقون عليه (14: 65؛ 15: 19). يجلدونه (15: 15). يقتلونه (15: 37؛ رج 14: 1).
ويستعيد ذكرَ القيامة "بعد ثلاثة أيام" ما قاله الإنباءان الأول (8: 31) والثاني (9: 21) بالآلام. ويشدّد مت 20: 19 ولو 18: 32- 33 على أن هذه المعاملات السيئة (الهزء، البصاق، الجلد) هي من فعل الوثنيين. ولا يشير مر في هذا المقطع إلى فهم التلاميذ كما يفعل لو في 18: 34: "أما هم فلم يفهموا من ذلك شيئاً. بل كان لهم كلاماً مستغلقاً وأقوالاً لا يدركونها".
1- قراءة اجمالية
ما زال مر يتبع ترتيب مت في هذا الإنباء الثالث من الآلام. ولكن يجب أن نلاحظ أن هذا الإنباء الثالث "يقطع" مسيرة الخبر في مت (يأتي كخاتمة لمثل الكرّامين القتلة). فيبدو وكأنه أقحم إقحاماً في الإنجيل الأول والإنجيل الثاني. ولكن نحاول أن نقدّم فرضية بالنسبة إلى هذين الإنجيلين: إن القول. في. مت 19: 30 (كثيرون أولون يكونون آخرين، وآخرون يكونون أوّلين) يكرّر في 20: 16 (هكذا يكون الآخر الأول، والأول الآخر). ويلفت انتباهنا في المقطع السابق عملية التعاكس. فقد نكون حينئذٍ أمام سبب لتكرار القول. وهذا ما يفهمنا السبب الذي لأجله وضع مر الإنباء الثالث بالآلام، فابتعد هنا عن ترتيب مت.
هل أراد مت لقوله أن يكون خاتمة لمثل العاملين في الكرم، ليعود إلى تحذير يسوع ضد الاتكال على الاختيار كامتياز يملكه أولئك الذين دعوا أولاً (أي، اليهود)؟ أو هل أراد الإنجيلي أن ينبّهنا إلى المعنى العميق بأن يسوع كان آخر الأصوات النبوية في آلامه، إنما الأول في قيامته؟
إن كانت تلك نية الإنجيلي، فإقحام الإنباء بالآلام في ترتيب مت يجد تفسيره في أن الجدال حول الأولويّة يتبعه. إذا قبلنا بهذا الأمر، يكون مر قد أخذ القول المتاوي (مر 10: 31) كما وجده في مت. إنه يتبع مت جمع الإنباء بالآلام (وإن الغى المثل) وينتقل إلى الجدال حوله الأولوية. نسخة متى هي موجزة إذا قابلناها مع نسخة مرقس. ولكن الاثنتين وُضعتا في سياق السفر الأخير إلى أورشليم.
إن العبارة "إذ أخذ الاثني عشرة بدأ يقول لهم"، هي عبارة مرقسية مع اسم الفاعل في البداية. ولكن مع "ها نحن صاعدون" نجد نفوسنا في إطار متّاوي مع تبديل طفيف في "بالموت". هنا ابتعد مر عن مت وقال: ليصلب ويقتلوه. وهناك تبديل آخر في نهاية القول. قال مت: في اليوم الثالث. قال مر: بعد ثلاثة أيام.
ما هو واضح للوهلة الأولى في هذا الإنباء الثالث، هو أنه يتضمّن تفاصيل عديدة إذا قابلناه مع الإنباءين الأول والثاني. وإليك المقابلة:
مت 20: 17- 19؛ مر 10: 31- 34 لو 9: 31
- 20: 17 10: 32 صاعدون إلى أورشليم
- 20: 18 10: 31 9: 31 يسلم إلى عظماء الكهنة يرزل
8: 31
- 20: 18 10: 33 يحكم عليه عظماء الكهنة
- 20: 19 10: 33 18: 32 يسلم إلى الأمم
- 20: 19 10: 34 18: 32 يهزأون به، يجلدونه
- 20: 19 10: 34 9: 31 يحكمون عليه بالموت
8: 31 18: 33
- 20: 19 10: 34 9: 30 يقوم

إن العلاقة على مستوى التفاصيل بين الإنباء الثالث وخبر الحاش (أو الآلام) هي قريبة جداً بحيث إننا نعتبر أنه كتب على ضوء الحاش. ولكن من الأهمية بمكان أن لا نعود إلى قراءة الإنباءين الأول والثاني فنجعل فيهما تفاصيل تعود إلى الثالث. في الأول، نقرأ أن ابن الإنسان "ينبغي أن يتألم". ويتحدث فقط عن "رذله" لا عن الحكم عليه بالموت. والإنباء الثاني يتحدّث عن تسليمه للبشر (ولا يحدّد). وهناك توافق بين الثلاثة على الكلام عن الموت والقيامة. ويُذكر الصلب بشكل خاص في مت 20: 18. 
تكلّم لو عن تتمة "كل ما كتب عن" ابن الإنسان (19: 31). فجاء معارضاً لمتى ومرقس. فما هو لافت حول النسخة اللوقاوية، هو أن هذا سيظهر قليلاً في خبر الحاش اللاحق.
2- قراءة تفصيلية
وقبل أن نعود إلى تفاصيل نصّ الإنباء الثالث بالآلام نقدم النصوص المتوازية في مت، مر، ولو.
أ- النصوص المتوازية
مت 20: 17- 19 مر 10: 32- 34 لو 18: 31- 34
17- وفيما كان 32- إذ كانوا في الطريق
صاعداً إلى أورشليم صاعدين إلى أورشليم
وكان يسوع يتقدّمهم
وكانوا منذهلين
والذين يتبعونه خائفين
أخذ يسوع وأخذ معه أيضاً 31- إذ أخذ يسوع
الاثني عشر الاثني عشر الاثني عشر
وقال لهم وأخذ يقول لهم قال لهم:
في الطريق ماسيجري له:
18: هانحن صاعدون 33- هانحن صاعدون هانحن صاعدون
إلى أورشليم إلى أورشليم إلى أورشليم
وابن البشر سيُسلم وابن البشر سيُسلم فيتمّ كل ماكتبه
إلى عظماء الكهنة إلى عظماء الكهنة الأنبياء
والكتبة والكتبة عن ابن البشر
فيحكمون عليه بالموت فيحكمون علبه بالموت
19- ويسلّمونه إلى الأمم ويسلمونه إلى الأمم 32- يُسلّم إلى الأمم
ليهزأوا به 34- فيهزأون به يُهزأ به
يهان
ويبصقون عليه يبصق عليه
ويجلدوه ويجلدونه 33- وبعد أن يجلدوه
ويصلبوه ويقتلونه يقتلونه
وفي اليوم الثالث وبعد ثلاثة أيام وفي اليوم الثالث
يقوم يقوم يقوم
34- أما هم، فلم يفهموا
من ذلك شيئاً
ب- تفاصيل النصّ
أولاً: في الطريق (آ 32)
تذكر الطريق في 1: 2 (هيّأ الطريق) و 8: 3 (خارت قواهم في الطريق). إن التفاصيل التي تحيط بالإنباء الثالث غير موجودة في الإنباءين السابقين. ويعطي لو المناسبة رنّة نهائية، وكأنها تنهي المسيرة الجليلية: "ها نحن (الآن) صاعدون إلى أورشليم" (18: 31). فالتمييز بين كل الذي حدث سابقاً في رسالة يسوع وما يلي، جعل الشّراح يقولون إن كل محاولة للحديث عن قطبيْ الجليل وأورشليم في مرقس، هي نظرة مغرضة إن لم تكن خاطئة. نحن لسنا على المستوى التاريخي مع مر، بل على المستوى اللاهوتي لفهم لفظة "الجليل". أورشليم هي عدوّة الجماعة الجليلية. والجليل هو موضع الانتظار ومجيء يسوع الثاني. ولكن، مع ذلك، يبقى التعارض صحيحاً.
"يسوع يتقدّمهم". يسير في المقدمة. لسنا هنا فقط أمام تفصيل إخباري. فموقف يسوع السائر في المقدمة، بعزم نحو رسالته، يعارض حيرة التلاميذ وخوفهم أمام ما ينتظرهم في أورشليم (رج يو 11: 7- 16).
يتساءل بعض الشّراح عن التمييز هنا (نجده أيضاً في مت) بين "التلاميذ" وبين "الذين يتبعون". قد نجد تفسيراً جزئياً في عبارة "يسوع يتقدّمهم". هذا هو موقف التلميذ الذي يسير مع معلّمه. يمشي خلفه. ويترك مسافة بينه وبين معلّمه. قد تدلّ لفظة "التلاميذ" هنا على الاثني عشر الذين اعتاد يسوع أن يدعوهم ليفسرّ لهم على انفراد ما يقول للجميع. حينئذٍ يصبح "الذين يتبعون" سائر التلاميذ الذين يسميهم لو 10: 1 ي: التلاميذ بالمعنى العام. هم المؤمنون.
كان الاثنا عشر "منذهلين"، (مدهوشين) لأن الرسالة الجليلية انتهت بهذه السرعة. وكانوا "خائفين" لأنهم يرون مسبقاً نتائج قرار يسوع الذي لا رجوع عنه: أن يذهب إلى أورشليم وأن يواجه عداوة اليهود.
إعتبر بعض الشّراح أن التلاميذ "والذين يتبعون" هم فئة واحدة. وحاولت بعض المخطوطات أن تلغي "والذين يتبعون". ولكن النصّ واضح في الحديث عن مجموعتين. الأولى كانت منذهلة، والثانية خائفة.
"أخذ الاثني عشر على انفراد". نجد الملاحظة عينها في مت 20: 17. ومر يشارك مت في التمييز بين تعليم يُعطى للجميع في العلن، وآخر كحديث حميم في حلقة مقفلة. ولكننا نجد في هذه الآية مناخاً من الانتظار الثقيل. وقد تدلّ عبارة "الذين كانوا يتبعون"، على الجماعة المرقسية التي تواجه الاضطهاد. وأما الحديث على انفراد فيدلّ على انطلاقة جديدة في الخبر. وتكرار "الصعود إلى أورشليم" في آ 32 و33 يذكرنا بما في مز 122 (فرحت بالقائلين لي، إلى بيت الرب نذهب. تقف أقدامنا هنا في أبوابك يا أورشليم). ويصوّر يسوع ذاهباً ليتمّ مصيره. إذن، لسنا فقط أمام إشارة جغرافية. "طفق يقول لهم ما سيجري له". هذا خاص بمرقس، وهو يجد جذوره في التقليد البيبلي (تك 42: 4؛ 44: 29؛ أي 1: 21؛ أدس 6: 13؛ لو 24: 14).
ثانياً: ابن الإنسان (آ 33- 34)
إن التفاصيل الكثيرة والدقيقة في الإنباء الثالث بالآلام، قد كُتبت بعد الموت. ولكن هذا لا ينسينا أن يسوع أعطى بعض هذا التعليم خلال حياًته العلنيّة. وهو يأتي بعد رفض الشاب الغني بأن يعيش روح التجرّد، وبعد "احتجاج" التلاميذ بأنهم تركوا كل شي. من المهم أن نلاحظ أنه، حين بدأ يسوع يشرح أن لا مفرّ مما سوف يحصل له، ضمّ تلاميذه إليه. كما سبق ووعدهم أيضاً "بالاضطهادات" في آ 30. فهذا واقع يتضمّنه اتباعهم له.
في الإنباءين السابقين بالآلام في مر، تبع كلاً منهما ملاحظة تقول إن التلاميذ لم يفهموا ما كان يسوع يقوله. تبع الإنباء الأول في 8: 31 احتجاج بطرس. ونقرأ في الإنباء الثاني أنهم "لم يفهموا شيئاً" (9: 32). والإنباء الثالث يتبعه طلب رفيقي بطرس على جبل التجليّ، بالمقام الأول وسط في الجماعة. وهكذا كان تعليم للتلاميذ في هذا المعنى: "من أراد أن يصير كبيراً، يكون لكم خادماً" (10: 43).
إن لفظة "ابن الإنسان" (ابن البشر، برناشا، في الآرامية) تجد أساسها في دانيال أو أخنوخ. إنه سيكون الحكم أو الديّان. أما في مر فسوف يُرذل. والذين اختاروا طريق التلمذة يُدعون لأن ينكروا نفوسهم (8: 34- 38). يصوّر ابن الإنسان في دا 7 وهو يتسلّم السلطة والحكم. أما الإنباء الثالث فيتحدّث عن موته. أجل، ابن الإنسان هو يسوع نفسه.
وحين يتحدّث اع 7: 56 عن "انتقام" يسوع، فهو أقرب إلى أخنوخ منه إلى دانيال. مع العلم أن اسطفانس يحاول في آلامه أن يمتثل بيسوع الذي رآه "قائماً عن يمين الله".
3- قراءة لاهوتية
صوّر لنا مر مناخ هذا الصعود إلى أورشليم في إيجاز وعمق يؤثّران علينا. هذه الحاشية تتملكنا أكثر من الإنباء الثاني (9: 32) الذي استعاده لو 9: 45 واستعاده هنا في 18: 34. تحدّثنا هذه النصوص عن التلاميذ الذين لا يفهمون، وعن خوفهم من أن يسألوا يسوع. أما آ 32 في النصّ الذي ندرس فترسم لنا شعورهم، وتشير إلى خوفهم. فلن نعجب هذه المرة من لافهمهم ولن نحكم عليه. بل نتبعهم وقد "سيطر" علينا ذهلهم وخوفهم.
إقترح بعض الشّراح أن نقرأ فعل "تامبيو" في المفرد. فيسوع هو الخائف (رج 14: 33). نحن هنا أمام مجرّد فرضية، ولكنها تسير في خطّ مر الذي شدّد بشكل خاص على وجه يسوع البشري. نلاحظ في إنجيل مرقس اللافهم عند التلاميذ. ولكن ننسى مصير معلّمهم الشخصي ومسيرته إلى ما ينتظره. فقد يكون أحسّ بالقلق والخوف لا في ساعة النزاع وحسب، بل خلال صعوده إلى أورشليم. في هذا المجال، تصبح مسيرته في المقدمة موقف الكاهن الصاعد ليقدّم ذبيحة نفسه مهما كان الشعور الذي ينتابه. هنا نتذكر لو 9: 51: "وإذ تمّت أيام اختطافه (في الموت والصعود) صلّب وجهه (وطّد العزم) ليسير إلى أورشليم". ففي إرادة يسوع بأن يسبق تلاميذه بعض الخطوات، قد يكون هناك انشداد بين موت ينتظره وإرادة أبيه التي يقرأها في الكتب المقدّسة. ونتذّكر أيضاً يو 10: 4 عن الراعي الصالح: "حين يخرج خرافه، يسير أمامها وهي تتبعه". ونحن نعرف إلى أين يذهب الراعي الذي يبذل حياًته من أجل خرافه (يو 15: 15).
سار يسوع وحده. تقدّم تلاميذه. فلهذا السير معناه. فحيث يكون هو لا يستطيع تلاميذه أن يأتوا. وليس فقط لأن ما سوف يحصل يعنيه وحده. ولكن لأن الاثني عشر رأوا في هذه المسيرة إلى أورشليم (رغم ما قال لهم عنها) غير ما يراه هو. وهكذا يكون "قلقه" غير قلقهم. وإلاّ لما احتاج أن يقول لهم ما سوف يحصل له.
خاف التلاميذ. ولكن من ماذا خافوا؟ هم لم "يهضموا" بعد فكرة مسيح متألمّ وذاهب إلى الموت. هذا ما عبرّ عنه بوضوح لو 18: 34: "فما فهم التلاميذ شيئاً من ذلك وكان هذا الكلام مغلقاً عليهم، فما أدركوا معناه". لم يفهموا ماذا يقول لهم يسوع حين يحدّثهم عن مثل هذه الآلام. ومع ذلك، فالمعلّم يمارس "سلطانه" عليهم ويدفعهم إلى اتباعه، ويشعل نار إيمانهم بمسيحانيته. فمسيرة "مسيح" إلى المدينة المقدّسة، لا يمكنها إلاّ أن توقظ في قلب اليهودي المؤمن، أملا بالتجمّع الكبير الذي يتمّ في نهاية الأزمنة (لو 19: 11؛ أع 1: 6). شدّد الإنجيليون على اللافهم عند التلاميذ. ولكنهم شدّدوا أيضاً على هذا الصعود إلى أورشليم يحمله رجاء (مهما كان غامضاً) ظنّوه قد بدأ يتحقّق حين دخول يسوع إلى المدينة المقدّسة (11: 1- 11).
وهكذا يكون خوف التلاميذ نابعاً من موضع آخر: هو ردّة فعل الجمع أمام اعتبارات يسوع المسيحانيّة. هو ردّة فعل السلطات اليهودية والرومانيّة. وقد ينجح يسوع. ولكن كلامه في آ 33- 34 أزال الثقة من قلوبهم بمستقبل ينتظرونه. حدّثهم الرب عن الآمه وموته وقيامته. فتوقّفوا عند الآلام والموت، ولم يصلوا إلى القيامة. فلو وصلوا إليها لكانت أفكارهم تروحنت في ما يخصّ مسيرة المسيح. ولكن ذاك كان مخطّط الله ومنطق إرادة الله. وحدها القيامة ستفتح التلاميذ على معرفة سرّ يسوع بكماله. هذا ما قاله بطرس لليهود المتجمعين بعد العنصرة: "ذاك الذي أسلم بحسب مشيئة الله المحدودة وعلمه السابق، فقتلتموه صلباً بأيدي الأثمة، قد أقامه الله ساحقاً قيود الموت" (اع 2: 24).
ولكن هل فهم التلاميذ، وهل نفهم نحن أن طريق المجد تمرّ في الألم، وأن الموت يسبق القيامة؟ هذا ما أرادت الإنباءات الثلاثة أن تفهمنا إياه.

 

 

الفصل الخامس عشر
يسوع أمام موته
10: 35- 45
ينتمي حدث ابني زبدى في إنجيل مرقس إلى وحدة أدبية، تنطلق من الإنباء الثالث بمصير الإنسان (10: 32- 34) إلى شفاء ابن طيما عند الخروج من أريحا (10: 46- 52). فالإنجيلي أَتبع كل تعليم يسوع عن آلامه وموته (8: 31؛ 9: 31؛ 10: 32- 34) بحوار بين المعلّم وتلاميذه على الطريقة التي بها يعني مصيرُه الخاص حياتهم (8: 34- 9: 1؛ 9: 33- 50؛ 10: 35- 45). حينئذ يتتابع تكوينهم بخبرات ملموسة، بلقاءات يُدعون إلى الإستفادة منها (9: 2- 29؛ 10: 1- 31؛ 10: 46- 52). وتكرار هذه الرسمة ثلاث مرّات يدلي على أن "الكتاب الارشادي" في إنجيل مرقس يتركّز على تمرّس التلميذ على الحياة الجماعية والكنسيّة بواسطة ضوء يصلها من السر الفصحي.
تشكّل المقطوعة التي ندرس في زمن الإنجيل وبُعده التاريخي، محطّة على الطريق الصاعد إلى أورشليم (10: 32- 33). وهي تتضمّن قسمين: طلب يعقوب ويوحنا بأن يقاسما المعلّم مجده، وجواب الجماعة (10: 41- 45). وفي كل تدخّل ليسوع نجد تلميحاً إلى موته بشكل صورة: الكأس والعماد اللذان نشارك فيهما (آ 38- 39). الحياة المعطاة كفدية (آ 45).
1- الكأس والمعمودية (آ 35- 40)
إن التعبير عن الإنباء الثالث بالآلام يأتي أوضح ممّا في الإنباءين السابقين. فهو يوضّح المسيرة الدقيقة كما سيصوّرها مرقس فيما بعد (خبر الآلام): إن ابن الإنسان سيسلم إلى عظماء الكهنة والكتبة (14: 43- 52). يحُكم عليه بالموت (14: 53- 64). يسلّم إلى الأمم (15: 1- 25). يهُزأ به (15: 10- 20)، يُغطى بالبصاق (14: 65)، يجُلد (15: 15) يموت (15: 20- 37) ويقوم بعد ثلاثة أيام (16: 1- 8). بعد هذه التفاصيل، نفهم بصعوبة طلب ابني زبدى. ما يطالبان به يدهش. بل يحرّك التذمّر والغضب عند العشرة الآخرين. ونعجب من عدم فهمهما لأنهما يعلمان إلى ماذا سوف يصلان. نجد هنا موضوعاً يرد مراراً عند مرقس، وهو التوتّر الذي يأتي به يسوع إلى قلب تلاميذه، بل إلى قلب كل إنسان في عمق حياًته الحميمة: تعلّق غير مشروط بشخصه، وخوف أمام الطريق الذي يدلّ عليه. هذا ما يوضحه جواب يسوع (آ 38- 39). 
أ- ابنا زبدى
كانا من الرفاق الأربعة الأولين الذين دعاهم يسوع في الجليل (1: 19- 20). حرّكهم إلى الإيمان كلامُ معلّمهم، فبدأوا حالاً يعاونونه في عمله الخيرّ، فيدعونه مثلاً إلى المرضى (1: 29- 36). واتخذت هذه الخلية المسيحية الأولى مكانة هامة في إنجيلى مرقس: فهو وحده يسمّي هؤلاء التلاميذ الأربعة بأسمائهم في مقدمة الخطبة الاسكاتولوجية (13: 3). وثلاثة منهم، هم بطرس ويعقوب ويوحنا سيكونون شهوداً مميّزين لإقامة ابنة يائيرس (5: 37) لحدث التجليّ (9: 2)، لنزاع يسوع في بستان الزيتون (14: 33). ويتفرّد مرقس بالقول إن يسوع أعطى لقباً لابن زبدى: ابنا الرعد (بوانرجس) (3: 17). وفي هذا تلميح إلى طبعهما الناري، إلى زخمهما النبوي أو اندفاعهما الطبيعي (رج لو 9: 54: أتريد أن نأمر النار فتنزل).
حاول بعض الشرّاح أن يفسرّ هذه الإشارات الخاصة إلى ابني زبدى كعلامة عن حماس بعض الجماعات المسيحية الأولى تجاه هؤلاء المؤسّسين للكنيسة دون أن يعترض على أهميتهما. من الصعب علينا أن نكوّن فكرة دقيقة عن المسيحية الفتية. ولهذا فمخيلتنا تعرف خطر تضخيم الأمور وصراعات النفوذ التي وُجدت في الكنيسة الأولى كما أشار إليها بولس وسفر الأعمال.
ومن جهة أخرى، شكّك شّراح كثيرون بتاريخية هذا الحدث. رأوا فيه فقط "نبوءة كتبت بعد الوقت" عن استشهاد يعقوب ويوحنا.
وهناك تقليد قديم يجعل من يعقوب ويوحنا ابني خالة المسيح (رج يو 19: 25 حيث صالومة أم يعقوب ويوحنا هي أخت أم يسوع. نقرأ في هذا النصّ اسم أربع نساء: أمه. اخت أمه. مريم زوجة كلاوبا. مريم المجدلية. وهنا نفهم أن يوحنا أخذ مريم العذراء إلى بيت أختها، لا إلى بيت غريب). وهكذا نستطيع أن نفهم طلبهما (أو. طلب أمهما، مت 20: 20- 21): هما من الأقارب، إذا لهما حقّ الشفعة والوساطة في المراكز الأولى. كل هذا يجعلنا ندرك التجذّر التاريخي لهذ المقطوعة التي ندرس. كما يجعلنا نتعلّم أن القرابة الحقيقية مع يسوع لا تظهر فقط برباطات الدم. فهناك وحدة ينسجها العمل بإرادة الله (3: 34- 35): "من يعمل بمشيئة الله هو أخي وأختي وأمي".
ب- الكأس والمعمودية (آ 35- 39)
إن طلب ابني زبدى أخذ في البدء شكل مطالبة ملحّة: "نريد أن تصنع لنا كل ما نطلب" (آ 35، كأنهما يفرضان نفسيهما على يسوع باسم القرابة). هذا ما اتفقا عليه بشدة، وهذه المطالب لا تجد موقعها على مستوى الإستحقاق (أو الإنجازات) الشخصي. فالأخوان يطلبان حظوة وكرامة. لهذا بدأ يسوع يتعمّق في طلبهما. منحهما مدى من الحرية ليكتشف استقامة نواياهما. غير أن هذ النوايا ليست بصافية. إنهما يفكّران منذ الآن بمجد معلّمهما الذي يريدان أن يقاسماه إياه، دون أن يعلما أن الذي سيكون عن يمين المسيح ويساره هما لصان صُلبا معه (15: 26). إن طريق المجد يمرّ بالآلام والصليب. ولكنهما تشبّها ببطرس بعد أن اعترف بيسوع انه المسيح (8: 29). فلم يفكّرا بمسيح متألم. لقد تغذى انتظارهما المسيحاني بصور أخرى مثل ملكوت أرضي وسياسي يملك فيه ابن داود (قال مرقس: في مجدك. قال مت 20: 21: في مملكتك).
إن جواب يسوع جعلهما يذهبان عميقاً في سرّ مصيره. فتعلّقهما بشخصه تعلّق صادق، رغم اللهجة المتجاهية في طلبهما. لهذا وجب على يسوع أن يدمّر تصوّراتهما فيجعلهما يحسّان بعمق الموضوع الذي دخل فيه. "أتستطيعان أن تشربا الكأس التي أشربها أنا؟ وأن تعتمدا بالمعمودية التي اعتمد بها أنا" (آ 38)؟
تتحدّث التوراة بشكل عام عن كأس الخمر، فتدلّ عن طريق الاستعارة، على مصير الإنسان. فكأس البركة أو كأس الشكر تدلاّن على حياة من السعادة يمنحها الله (مز 16: 5؛ 116: 13). وهناك كأس الغضب الإلهي التي تصب للخطأة (أش 51: 17، 22؛ زك 12: 2؛ رج إر 25: 15، 27- 31؛ 49: 12؛ مرا 4: 21؛ حز 23: 31- 34. 
وصورة العماد (موازية لصورة الكأس) هي خاصة بمرقس (لا يذكرها مت 20: 22). يذهب الفكر هنا بشكل عام إلى تغطيس "إستعاري" في مياه الشّر والغضب الإلهي، الذي تتحدّث عنه التوراة مراراً (مز 18: 17- 18: انتشلني من المياه الغامرة؛ 42: 8: أمواجك وتياراتك عبرت عليّ؛ 69: 3، 15؛ أش 43: 2). أو تغطيس في روح مدمّر يدلّ على عقاب الله (مز 11: 6: يمطر على الأشرار جمراً وكبريتاً، ويجعل ريح السموم تصيبهم، أش 30: 27- 28). غير أن ممارسة العماد المرتبطة بالتطهير الداخلي والإستسلام إلى دينونة الله، قدّمت ليسوع صورة تستطيع أن تدلّ على العلاقة التي يرغب بأن يقيمها بين موته وخطيئة البشر.
حين يسأل يسوع الأخوين هل يستطيعان أن "يشربا الكأس" و"يعتمدا" معه، دعاهما إلى أن يكرّسا حياتهما كلها له. وهكذا هيّأهما لإمكانية الإستشهاد دون أن يعلما. هناك "وحي" يصل إلينا لا نفهمه في الحال، ولكن سنفهمه فيما بعد. هل هناك تنبّؤ باستشهاد يعقوب ويوحنا في فم يسوع؟ طريق التلميذ هي طريق المعلّم، ومصير يسوع هو الموت، فكيف يكون مصير تلاميذه؟! وهكذا تحدثت كنيسة مرقس عن استشهاد يعقوب ويوحنا بلسان يسوع، بعد أن عرفت به. من الواضح أن رسل يسوع بدأوا يتألمون منذ بداية الرسالة من أجل اسم يسوع (رج اع 5: 40- 41؛ 7: 58؛ 12: 2). ونحن نحسن بمناخ من الإضطهاد عبر خطبة يسوع المتّاوية في إرسال التلاميذ (مت 10: 17- 25: يسلمونكم إلى المحاكم، يجلدونكم في المجامع، يسوقونكم إلى الحكام من أجلي، بسببي)، وعبر الخطبة الاسكاتولوجية عند مرقس (13: 9- 13) وعند لوقا (21: 12- 19).
حين دوّن مرقس إنجيله، إرتبطت لفظة "الكأس" ولفظة "العماد" اللتين استعملهما في هذا المقطع، بالحياة الأسرارية في كنيسة عصره، حيث لعب العماد والافخارستيا دوراً رئيسياً. ولكن، هل نستنتج (كما فعل البعض) أن الإنجيلى "خلق" كلمات يسوع انطلاقاً ممّا يحدث في الكنيسة؟ أو أن مرقس كان أمينا للتاريخ فذكر أن ممارسة الكنيسة تنبع من أقوال المسيح وحياًته فتحاول أن تستخلص تضمّناتها العميقة وتستغل تناسقاتها الخاصة؟ 
ج- ما أعدّه الآب (آ 40)
لا يوافق يسوع على الطلب الدقيق الذي طلبه ابنا زبدى، لأنه رفض أن يأخذ على عاتقه (أن يقبل) تخيّلات "مسيح" يتصّرف حسب مشيئته بسلسلة مرتّبة من مقاعد الشرف. هو لا يوبّخهما على تطلّعهما إلى المجد (ولكن أي مجد؟). بل ينقي هذا التطلع، ويدعوهما إلى تعميق علاقتهما بشخصه. وهو سيؤمِّن لهما هذه العلاقة عبر مشاركتهما الفعلية في سرّ ألمه من أجل خطيئة البشر. فتلك هي مهمته على الأرض كما تسلّمها بكليتها من الآب.
ويزيد يسوع فيعبرّ أيضاً عن هذا الخضوع لإرادة الآب: "الجلوس عن يميني أو عن يساري، ليس لي أن أهبه، إنما هو للذين أعدّ لهم" (آ 40).
فيسوع لا سلطان له على ما أعدّه الآب بحريته، ويمارسه على الأشخاص وعلى الأشياء. فإن كان يشدّد إلى هذا الحدّ على الطابع المتعالي لإرادة الله (كما في 13: 32؛ رج انجيل يوحنا) فليدل على استقلاليته بالنسبة إلى حكم البشر الذي يشوبه الإعتباط دوماً. فالله هو الذي يدبّر أمور الإنسان، لا العكس. بعد هذا يجب على التلميذ أن لا يهتمّ بوضعه الآتي في الآخرة. فهذا الوضع يفلت منه بالضرورة. بل عليه أن يلتزم بجد في حاضر حياًته حيث يهُيّا واقع مستقبله.
والاستسلام إلى تدبير الله الحرّ، ليس استسلاماً لمغامرة لا نعرف كيف تنتهي. بل هو التخليّ عن طمأنيناتنا الخاصّة، ونحن متأكدون أن المصير الذي يعدّه الله لكلّ واحد منا يفوق كل تصوّر. فكما التزم يسوع بحرّية مهمّته المسيحانية مواجهاً الألم والموت، هكذا أعطي للتلميذ أن يدخل في محن العالم الحاضر متجرداً عن نفسه وحاملاً صليبه على خطى معلّمه. وفي النهاية، ما أعدّه الله لنا هو واقع وجودنا كما يهتمّ به معنا.
2- حياًته فدية لكثيرين (آ 41- 45)
إن القسم الثاني من المقطوعة يرينا ردة الفعل لدى الرسل العشرة الباقين. فهم في الواقع يعيشون الآمال الطموحية عينها التي يعيشها ابنا زبدى. هناك عنصر اخباري واحد في هذا المقطع الذي يتألف من أقوال يسوع. هذا الحدث يذكّرنا بمناقشة التلاميذ حول الأولوية كما وردت في مر 9: 34.
أ- سياسة السلطة (آ 42)
من النادر أن يلمّح يسوع بشكل ملموس إلى سياسة زمانه. أما هنا، فهو يكشف التباس الأساليب التي تتصّرف هذه السياسة بموجبها. هو لا يورد وقائع محدّدة، ولكن معاصريه فهموا كلامه: فهم يقاسون بما فيه الكفاية نير رومة، ويعرفون ما يعمله الملوك الخاضعون للامبراطور لكي يحافظوا على مراكزهم. وهناك إشارة خاصة إلى أمراء عائلة هيرودس. يتكلّم يسوع بصورة عامة، فيطبّق معاصروه كلامه على وضعهم ونستطيع نحن أن نطبّقه على كل سياسة تعرف التسلّط والطغيان.
إذن، نرى هنا محاكمة قاسية للعمل السياسي أياً كان، وعلى أي مستوى يمارس: إن يسوع يعارض كل شكل حكم يرتكز على الوجاهات، على الطموحات، على العامل الإقتصادي. ولكن، ماذا يضع مكانه؟
ب- ستراتيجية الخدمة (آ 43- 44)
نحن أمام إنقلاب في القيم نفسه. نستطيع أن نسمّيه "التحوّل الإنجيلي" كما بالنسبة إلى عدم إنحلال الزواج (10: 1- 12)، إلى قبول الأطفال (10: 13- 16)، إلى التخليّ عن الغنى (10: 17- 31). فحضور الله في هذا العالم يحرّك ثورة عميقة في قلب الإنسان. ومجموعة الذين يتبعون يسوع يشكّلون حلقة من الاعتراض تبدأ فتصلح ذاتها من الداخل. "ليس الأمر كذلك فيما بينكم" (آ 43). لا يعبرّ يسوع هنا عن رغبة، أو تمنّ (يا ليت)، ولا يعلن أمراً (يجب). بل هو يقول ما هو في الواقع أو ما يجب أن يكون. نبذ بشدّة النموذج السياسي الذي يقدّمه العظماء، فحدّد الشريعة الأساسية لكل مجتمع مسيحي: "من أراد فيكم أن يصير كبيراً يكون لكم خادماً (دياكونوس). ومن أراد فيكم أن يكون الأول، يكون للجميع عبداً" (دولوس) (آ 43). نحن أمام تنظيم جماعة التلاميذ بالذات: كل واحد يكون في هذه الجماعة خادماً للآخرين.
استعمل مرقس عبارتين في توازن ترادفي. الأولى (استعملها في 9: 35) تتحدّث عن الخادم والشماس. هي تشير إلى الخدمة بشكل عام، وستستعمل في كنيسة أورشليم لتدلّ على الخدمة (دياكونيا) (عمل الشمّاس) الافخارستية التي هي امتداد للعمل الإجتماعي في الكنيسة. هذا العمل قام به أولاً الاثنا عشر (أع 1: 17، 25؛ 4: 34- 37؛ 5: 2). ثم مجموعة السبعة (اع 6: 1- 3، 9- 10). هم شمامسة بالمعنى الأصلي للخدمة (في عشاء المحبّة، في عشاء الافخارستيا، مع توزيع الخبز المادي والخبز الروحي، وتوزيع الكلمة)، لا بالمعنى الذي أخذته هذه اللفظة في التنظيم الكنسي الحالي. وفي النهاية، إهتمت الكنائس المحلية بالخدمة الإجتماعية التي هي عمل من الأعمال في الكنيسة وتقابل موهبة من المواهب. رج 1 تس 5: 12- 13، 17 (ارخبس والخدمة التي يقوم بها).
والعبارة الثانية تعني "العبد" و"الخادم". "إنها تدلّ في إنجيل مرقس على وظيفة من الدرجة الدنيا (12: 2، 4؛ 13: 34؛ 14: 47: خادم رئيس الكهنة). ولفظة "عبد" التي تحمل أيضاً مضموناً دينياً (فل 2: 7- 8) ترتبط ارتباطاً تاماً بالنسبة إلى إنسان تجاه سيده. قد لا يكون السيد شخصاً خاصاً. بل جماعة، أو بالأحرى مجموعة الأشخاص الذين يؤلّفون هذه الجماعة، دون تحديد وتمييز. هكذا نفهم في مقطع مرقس: "خادمكم، خادم لكم. عبد للجميع". إن جماعة المسيح تتميّز بجهوزية غير مشروطة للخدمة.
بمَ تقوم "ستراتجية الخدمة" هذه، فتتعارض تعارضاً جذرياً مع سياسة السلطة والتسلّط؟ هل تعرض تراتبية جديدة مطبوعة بطموح خفيّ سيكون في النهاية أكثر طغياناً من تسلّط العظماء؟ نهتمّ بخدمة الآخرين لنصل في النهاية إلى فرض نفوسنا عليهم. هذا ما يسمّى "إرادة القوة". مثل هذه النظرة التي تعرف التزاحم والمزاحمة على المركز الأول هي غريبة كل الغربة عن الإنجيل. ففي الكنيسة "الخادمة والفقيرة" هناك تنوّع في الخدم، تنوّع في المهام التي تمارس داخل الترتيب الكنسي. هذا ما يتحدّث عنه بولس مراراً (2 كور 12: 28). غير أن هذا الترتيب لا يتعلّق باختيار البشر، بل بترتيب الله الحرّ. فالله هو الربّ الوحيد للجميع. وهو يعطي لكل واحد الروح الواحد حسب مشيئته. ويحرّك استعدادات كل واحد ويلتقي بها (1 كور 2: 4- 11؛ رد روم 12: 3- 8؛ أف 4: 7). فيبقى على كل واحد أن يضع في خدمة الجميع مواهب منحها الله له في سخائه الحرّ (رج 1 بط 4: 10- 11): "ليضع كل واحد في خدمة الآخرين ما ناله من موهبة... إذا تكلّم فليتكلّم كلام الله. وإذا خدم فليخدم بما يهبه الله من قدرة، حتى يتمجّد الله في كل شيء بيسوع المسيح".
إذن، الخدمة التي يتحدّث عنها يسوع هي في جوهرها نعمة، وتدبير النعمة يرفض كل قيمة للشخص ترتكز على الإستحقاق أو المجهود البشري. وهنا أيضاً يوضح بولس الموقف الذي يوحي به المعلّم: "ليكن لكم رأي واحد، ومحبة واحدة، وقلب واحد، وفكر واحد. لا تعملوا شيئاً عن منازعة أو عجب، بل بتواضع إحسبوا الآخرين أفضل منكم" (فل 2: 2- 3). فالمبدأ الثوروي الذي أدخله يسوع على اعتراضه على السلطة الحاكمة، وعلى الطموح السياسي، هو مبدأ اللاعنف الجذري الذي نجعله في خدمة الآخرين. وليس فقط للدفاع عن حقوق الآخرين (بالكلام فقط. غيرنا يدافع. بل نحن نعمل. نخدم). ونطلب السلام والوحدة بين الجميع. مثل هذا المبدأ يجد ينبوعه في عمل حبّ المسيح الذي أسلم نفسه للبشر ليكون موته في "خدمة" خلاصهم. "لتكن فيكم هذه الإستعدادات التي كانت في المسيح يسوع: هو الذي كان في صورة الله... أخلى ذاته وأخذ صورة العبد.. وتواضع طائعاً حتى الموت" (فل 2: 5- 8).
ج- فدية عن كثيرين (آ 45)
والباعث على هذه الخدمة التي نقبلها بإرادة حرّة، والتي عبرّ عنها بولس أفضل تعبير، هذا الباعث قد أعطاه يسوع نفسه: إن اتضاع الله هو مبدأ اعتراض على كل تسلط، كلّ استغلال الإنسان للإنسان. بعد هذا تصبح ستراتجية الخدمة في الجماعة، وفي النهاية في العالم، مشاركة ناشطة في محبّة الله الفاعلة من أجل البشر. "جاء ابن البشر لا ليُخدم، بل ليخدم ويبذل نفسه (حياًته) فداء عن كثيرين" (آ 45).
إن قول (لوغيون) يسوع هذا يلقي الضوء على المقطع الذي ندرس، ويستعيد الألفاظ الرئيسية في نشيد أشعيا الرابع حول عبد الله المتألم: "أعطى حياة... فدية... من أجل كثيرين" أي من أجل البشر كلّهم (حسب المفهوم الساميّ القديم) (أش 53: 10- 13). ترد هذه الآيات حسب النصّ العبري، وهذا يشير إلى قدم النصّ المرقسي أو الذي استقى منه مرقس. ونجد أيضاً في خلفية آ 45 تذكّراً للمزمور 49: 8- 9 حيث يكتشف المرتل عجزه عن تأمين خلاصه الخاص بيده: "الإنسان لا يفتدي نفسه، ولا يكفِّر لله عنها. فدية النفس باهظة، ولا تكون أبداً كافية". ونلاحظ أخيراً رجوعاً إلى نصّ دانيال حيث يأتي ابن الإنسان على سحاب السماء فينال كل كرامة وتتعبّد له إلىلك (دا 7: 13- 14).
وعى بعض الشّراح هذه التقاربات المعروفة في الجماعات المسيحية الأولى، فرفضوا أن يروا في هذه الآية قولاً صريحاً ليسوع. ففكرة موت به يكفّر إنسان عن الجماعة، ليست غريبة عن العهد القديم (أش 53: 10- 12؛ زك 11: 10؛ 2 مك 7: 37- 38) ولا عن العالم اليهودي (4 مك 1: 11؛ 6: 28- 29؛ 17: 20- 22). ولكن هذه الفكرة توسّعت أكثر ما توسّعت عند الإزائيين (مر 14: 24 وز) ورسائل القديس بولس (رج؛ 1 كور 1؛ 30؛ أف 1: 7، 14؛ 4؛ 30؛ كو 1؛ 14) الذي يبدو في موضعين (1 تم 2: 5- 6؛ تي 2: 12- 14) وكأنه يتوسّع في نصّ مر 10: 45. ثم إن طريقة التعبير الساميّة لقول يسوع هذا يدلّ على صحة نسبته إلى المعلّم، وإن لم نستطع أن نبرهن برهاناً يقيناً أن يسوع تماهى مع عبد الله في أشعيا. فالأناجيل تورد على لسان يسوع كلمات قليلة من أش 53 (رج مر 10: 45؛ مت 20: 28. وكلمات الافخارستيا: مت 26: 28؛ مر 14: 24؛ لو 22: 20. وخصوصاً إعلان يسوع في لو 22: 37: أحصي مع الائمة. أش 53: 12). أما موضوع عبد الله المتألم وموضوع البار المضطهد فيطبّقان على المصلوب في الجماعات المسيحية الأولى (أع 3: 13، 26؛ 4: 27، 30؛ 8: 32- 33...).
ولكننا نخون النصّ أن انكرنا وعي يسوع العميق لبُعد موته الذبائحي والتكفيري. فأقوال يسوع وأفعاله في تأسيس الأفخارستيا لا تسمح لنا بأن نشكّ في هذا البُعد. فقد أراد عبر هذه الفعلة الحاسمة أن يجنّد مصيره كله، أي أن "يعطي حياًته". وأراد أيضاً أن يقيم العهد الأبدي بين الله والبشرية، لكي تتحرّر البشرية من الخطيئة وقبضة الموت العمياء، وتعيش حياة جديدة، حياة التلميذ الذي يجد نموذجاً له في وجود يسوع وحياًته. وهكذا تنير الكلمات الافخارستية هذه التعابير الفريدة في الإنجيل. "دمي المهراق من أجل الكثيرين" (مر 14: 24؛ مت 26: 28). "بذل نفسه (حياًته) فداء عن كثيرين" (مر 10: 45؛ مت 20: 8).
ما معنى هذا الفداء أو هذه الفدية؟ نجد الفكرة أو أقلّه اللفظة في أش 53: 10- 12. قرئ هذا النصّ الأخير على ضوء مز 89: 8- 9 الذي يعبرّ عن عجز الإنسان الجذري بأن يقدّم شيئاً ما ليفدي حياًته (رج مر 8: 36- 37: ماذا ينفع "الإنسان... وبماذا يفدي الإنسان).
إن هذه اللفظة (فدية) تجعلنا في إطار ذبائحي: فالعهد القديم يعرف "الذبيحة عن الأثم" و"الذبيحة عن الخطيئة" (لا 4: 1 ي: يعيد العلاقة مع الله بسبب خطيئة لا إرادية أو حالة نجاسة). بهما يقدّم الخاطئ التائب ذبيحة (تحل محلّه) تعبرّ عن حقيقة ارتداده. وتعيدنا أيضاً صورة الفدية إلى نظام "وليّ الدم". إن سقط إنسان في الأسر، إهتم أقرب قريب إليه بافتدائه. وان قُتل، طالب العدالة (أو قام هو بعمل العدالة) بالاقتصاص من المجرم.
كل صورة تبقى ناقصة، وهي لا تعبرّ تعبيراً كاملاً عن الواقع، لاسيّما إذا كان واقعاً دينياً. وهكذا لا نعطِ صورة الفدية معنى "البيع والشراء"، كما لو كان الآب بحاجة إلى ضحية (هي يسوع المسيح) لكي يهدأ غضبُه وانتقامه! أو كما لو كان الله يدفع للشيطان ثمن خلاص الإنسان بموت ابنه. كلا. ففكرة "الفداء" تدلّ بالاحرى على مصالحة الإنسان مع الله. على حبّ الله ورحمته اللامحدودة التي ردمت الهوة التي لا قبل للإنسان بعبورها بقواه الخاصّة.
لقد دفع يسوع الثمن الذي لم يستطع الإنسان أن يدفعه بسبب الهوّة اللامحدودة التي تفصله عن الله. لقد جعل يسوع نفسه مكان الإنسان فصار ضحية مقبولة. لقد مات بسبب عمل حبّه الذي لا يستطيع الإنسان الخاطئ أن يسبر غوره.
حين سلّم يسوع نفسه كلياً للبشرية الخاطئة، حين "بذل حياًته فدية عن الكثيرين"، كما يقول الإنجيل، دفع الثمن. أي دلّ إلى أي حدّ يتجاوز حبّ الله الإنسان، ويغمره بعطاياه، فيخلّصه من الموت الكامل (موت النفس والجسد. الموت الثاني كما يقول سفر الرؤيا) ويغفر له خطاياه. هذا الفداء الذي هو وليد نعمة مجانية، يتجاوز كل الأفكار البشرية حول البيع والشراء. لهذا، فابن الإنسان الذي يعطي حياًته، ليس فقط نموذجاً للتلميذ: إنه يعدّ الحياة المسيحية ويجعلها ممكنة كجديد جذري لانها وحي عن شمولية الغفران الإلهي وسخائه. وفي هذا الواقع تتأسّس بشكل حاسم "الخدمة" المسيحية. إنها مشاركة في فاعلية عمل المسيح الفدائي. إنه يغفر، إنه يحُصي.
خاتمة
هذه المقطوعة هي خبر إستجابة صلاة الكنيسة التي تجسّدت في طلب يعقوب ويوحنا. وهي خبر الثورة التي يسبّبها في العالم اتحادنا الحميم بعمل المسيح الخلاصي الذي حوّل الكون كله.
سأل الأخَوان نعمة. فأجاب يسوع بسؤال يعني ما يلي تقريباً: "أتظنان أنني كل شيء بالنسبة إليكما، بحيث تصبح مقاسمتكما لحياًتي وموتي، مهما كان الثمن، واقعاً يحسدكما عليه العام كله"؟ دلاّ على موافقتهما، دون أن يدركا البعد الحقيقي لطلبهما. قال لهما يسوع: "لا تعرفان ما تطلبان". هنيئاً لهما. فلو عرفا قبل أن يلتزما ما هو بالحقيقة ملكوت الله لوجدا نفسيهما أمام اتجاهين: إما أن هذا الملكوت هو في متناول أيديهما، فلا يتجاوز بالتالي التصّورات المحدودة التي عرفاها. أذن، هو لا يستحقّ كل هذا التعب. وإما بدا هذا الملكوت رفيعاً جداً أو صعباً، فيبتعدان عنه يأساً وقنوطاً. ولهذا، فإن يسوع الأمين على أسلوبه التربوي في تقديم الوحي، جعلهما يفهمان أن في طلبها أكثر بكثير مما أملا. في الإنسان غنى لا يملكه الإنسان. ففي عمق الإنسان هناك حضور الله. وهذا ما يجب على التلميذين أن يكتشفاه.
أما نبدو نحن أيضاً على هذا الشكل؟ فرغبتنا تتجاوز دوماً الهدف الذي وضعناه أمامنا: والرضيع الذي يطلب ثدي أمه، يدلّ بالأحرى على عطش إلى المحبة والحنان لا يعرف أن يعبرّ عنه. والغريب المار على الطريق يستعلم من الناس، يحتاج إلى الحقيقة وإلى بعض الدفء البشري يتجاوز ببُعده معلومة يطلبها.
ولكن إن كانت حاجاتنا البشرية أصعب من أن نشبعها، فالله وحده يستطيع في يسوع المسيح أن يشبع الرغبات التي يثيرها فينا: فهو يعطي الماء الحيّ للسامرية، وخبز السماء للجموع الجائعة، والشفاء للمرضى، والغفران للخطأة، والحياة للموتى. وهو يفعل كل هذا بطريقة لا نتخيّلها. إنه يعطي بسخاء ما بعده سخاء، وينتقل من مستوى مادي إلى مستوى روحي، فيروي كل عطش في الإنسان، عطشه المادي وعطشه الروحي. إن طريقته في الجواب على طلبنا، تخيّب أملنا وفي الوقت نفسه تغمرنا.
نحن نشبه يعقوب ويوحنا، فلا نعرف ما نطلب. ولكن يجب أن نكون سعداء فنستسلم إلى ذلك الذي يعرف إلى أين تقودنا رغبتنا بأن نكون معه. ولا حاجة إلى الغضب مثل العشرة ضد أخوتنا الذين يطلبون أن يكونوا مع يسوع. فهو سيأخذنا جميعاً في مجده عبر حصتنا من الألم والإضطهاد. لا حاجة إلى مقابلة المواهب ومناقشة الأولويات وتقييم الإستحقاقات. فهو يرغب أن يغمرنا كلنا بعطاياه فنذوق منذ الآن فرح اللقاء به.

 

 

الفصل السادس عشر
شفاء ابن طيما
10: 46- 52
لا يترك هذا النصّ مجالاً كبيراً للشفاء: لا كلمة ولا فعلة من قبل مجترح المعجزات. أما أراد مرقس أن يفعل كل هذا ليبرز معجزة من نوع آخر؟ وهذا ما سيبيّنه لنا في لغة خاصة به. هذا ما نكتشفه في خبر شفاء ابن طيما، ذاك الشحّاذ الذي رأى يسوع فسار وراءه في الطريق.
1- مر 10: 46- 52 في مجمل إنجيل مرقس
إذا أردنا أن نفهم هذه المقطوعة، يجب أن نضعها في إطارها العام وفي إطارها المباشر: فكل إطار يوافق مستوى خاصاً من نشاط مرقس التدويني. 
أ- في الترتيب العام للكتاب
حين نضع شفاء أعمى أريحا في مجمل الإنجيل الثاني، نجده بشكل متتالية موازية لشفاء أعمى بيت صيدا (8: 22- 26). فهذا النصّ الأخير يسبق حالاً إعلان بطرس في قيصرية فيلبّس (8: 27- 30)، الذي يجد امتداده في الإنباء الأول للآلام (8: 31- 33). ومر 10: 46- 52 يبدو بشكل مماثل، فيتبعه إعلان يسوع المسيحاني ساعة الدخول إلى أورشليم، ثم خبر الآلام.
إن مر 8: 22- 26 و 10: 46- 52 يكوّنان خبرَيْ انتقال. فكلاهما يقودان القارئ إلى إعلان إيمانه العلني بمسيحانية يسوع: فالإيمان والمسيحانية يافترضان حدث الآلام. في هذا المنظار اللاهوتي، يتخذ فتح العينين شكل آية وعلامة.
ب- في الإطار المباشر
إن القسم الإخباري الذي فيه يدخل شفاء ابن طيما يبدأ في 10: 32: "وكانوا في الطريق (هودوس) صاعدين إلى أورشليم ويسوع يمشي أمامهم (يتقدّمهم)، وكانوا منذهلين (في حيرة)، والذين كانوا يتبعون كانوا خائفين...".
هناك خيوط عديدة نحاول أن نكتشفها في هذه الآية. "الطريق" هي طريق أورشليم التي سينطلق فيها ابن طيما بعد شفائه، ويتبع يسوع (آ 52).
"وأخذ يتبعه في الطريق" (آ 52): هذه العبارة هي افتتاحية. فدراما ابن طيما الشخصية (إذهب، إيمانك خلّصك) ومهمته يصلان به إلى دراما جماعية وسرّية تتواصل ولا تتوقّف. هذا ما يرويه مرقس في الخبر الذي يلي مباشرة شفاء الأعمى، في الدخول إلى أورشليم. ف "الكثيرون" الذين عارضوا تصّرف ابن طيما (10: 48)، أي أولئك الذين "كانوا حتى الآن منذهلين وخائفين" (10: 32) عرفوا المسيح وهتفوا له (11: 8- 10). أنشدوا مسيحانية يسوع ابن داود التي رفضوها في السابق. كلهم أعلنوا ولم يبقَ أحد. ففي 11: 9، عبارة "الذين أمامه والذين وراءه" تعني "كل الذين يسيرون في الطريق". إذن، أعلنوا لا اللقب المسيحاني (ابن داود) بل مضمونه الصحيح: "صرخوا (هتفوا): هو شعنا! مبارك الآتي باسم الرب" (11: 9). نحن نجد فعل "صرخ، هتف" كما في الحديث عن الأعمى (آ 48: ولكنه صرخ بصوت أعلى...) بعد تدخّل معادٍ من هذا الجمع عينه. والإنتقال من صيغة المفرد إلى صيغة الجمع لهذا الفعل عينه له معناه، وسنعود إليه.
إذن، يبدو أن مر 10: 32- 11: 10 يحدّد المجال التدويني للمقطوعة التي ندرس. ففي هذه النقطة التي تشكّل وصلة هامة في إنجيل مرقس، نكتشف الهدف الأخير لرسالة يسوع وهو: خلق شعب من المؤمنين. في الواقع، إن شفاء ابن طيما يدلّ على قدرة جديدة وعجائبية تفعل في الواقع البشريّ فتقوده إلى تعلّق حاسم ونهائيّ بيسوع المسيح. وهذا التعلق يردم كل المسافات بحيث يعيدها كلها إلى الطريق الوحيد الذي يحرّر بعد الآن، طريق أورشليم. ويضمّ كل الهنيهات في زمن واحد (في الماضي: كان يصرخ، كانوا يصرخون) يشتمل على كل الصيرورات. وبعد أن يكوّن هذا التعلق بنية الإنسان (الذي يشخصنه ابن طيما)، يكوّن بنية المجموعة البشرية التي تمثّل بشرية تمتلك امتلاكاً أبدياً كل الإمكانيات الديناميكية التي تدلّ على كمالها.
ج- مر 10: 46- 52 وعمل مرقس
إن اللوحة التالية تدلّ على الحدّ الذي وصل إليه مرقس في تأليف إنجيله.
مر 10: 46- 52 مر 5: 1- 20
وكان جالساً وكان يسكن
على (بجانب) الطريق في القبور
طفق يصرخ رأى يسوع عن بعد
فوقف يسوع لما خرج (يسوع)
وبقفزة جاء إلى يسوع ركض (من بعد)
يا ابن داود وسجد أمامه (له)
رابوني، أن أبصر طلب إليه أن يكون معه
إذهب إيمانك خلّصك إذهب إلى بيتك
وفي الحال أبصر... فانطلق...

إن التشابه بين شفاء أريحا وتقسيم جراشه لافت للنظر. وهو يتطلّب دراسة معمّقة. أما نحن فنكتفي بهذا التحليل البسيط.
2- محاولة قراءة إجمالية
إن موضوع الطريق (هودوس) مع كل ما يرتبط به (إنطلق، وقف) هو مهمّ جداً في مر 10: 46- 52. فمنذ القراءة الأولى، نرى كيف تعود إليه كل عناصر النصّ والفعلات والكلمات.
هذا ما نلاحظه منذ البداية: "ووصلوا" (جاؤوا. إنتهوا) (آ 46 أ= إرخوماي). يرد هذا الفعل في صيغة الحاضر، ولا فاعل واضحاً له. في وقت ثانٍ، سنجد لدى الخروج من أريحا: التلاميذ، جمهور كبير، يسوع (آ 46 ب). وعبر التكرار في هذه الآية المقدّمة، ندرك عند مرقس اهتماماً حقيقياً بأن يجعل جميع الذين "جاء" بهم إلى أريحا دون أن يسمّيهم تسمية واضحة، بأن يجعلهم يمرّون أمام يسوع.
ولكن حين وضع الفعل "جاؤوا" في بداية الخبر، إتخذ بالضرورة مضمونا إخبارياً بل أكثر من ذلك. وهذا ما يوضحه ترتيب الخبر العميق. أما الآن فنقول إن هذا الفعل ينتظر الفاعل وينتظر صيغة تدلّ على الماضي أو الحاضر أو المستقبل. إلى أين جاؤوا؟ إلى أريحا. غير أن أريحا لن يكون لها وظيفة في هذا الخبر (إلا إذا أردنا أن نقول إن أهل أريحا ساروا مع يسوع. رأوا المعجزة). إنها تدل على طريق نواصلها. يقول النصّ: "وبينما هو خارج من أريحا". ولكن إلى أين؟ ولماذا؟
في الجملة الأخيرة من الخبر (وأخذ يتبعه في الطريق) الفعل هو في صيغة الماضي (في اليونانية) الذي يدلّ على الإستمرارية في العمل (تبعه وما زال يتبعه). إستمرارية في التحرّك: عليه أن يمشي "في الطريق". ولكن دنوّ واقتراب، لأنه يمشي وراء يسوع. يتبعه. فالفكرة الأساسية في هذه العبارة هي حضور نهائي ودائم "في الطريق"، "على الطريق". ولكن هذا الوضع يعارض موقف ابن طيما في البداية (إذا جعلنا جانباً إسم يائيرس، وأسماء الرسل، وأسماء الفاعلين في الآلام، ابن طيما هو إسم العلم الوحيد الذي نجده في مرقس. برطيما أي ابن طيما) (آ 46). يقول النصّ: "كان جالساً على جانب الطريق". نحن هنا أمام وقفة جامدة (ثابتة. غير متحرّكة) تُعتبر وكأنها نهائية (صار الأعمى جزءاً من قارعة الطريق. لا يبدّل موقفه). هذا ما يدلّ عليه الماضي أيضاً (ماضى الإستمرارية). ويذكر في الوقت عينه التوسّل (كان ابن طيما شحّاذاً) والعمى، فيشدّدان على معطية الجلوس على قارعة الطريق. التوسّل شدّد على الثبات والجمود. والعمى على البعد والمسافة. فالأعمى بعيد عن الأمور مع أنه قريب منها. وهكذا ينتمي "الأعمى" و"الشحّاذ" إلى اللغة عينها، لغة "الطريق، "جاء"، "تبع"، "جلس". وعبارة "قرب الطريق" تعني "خارج الطريق". وفي وضع الأعمى: "بعيداً عن الطريق" (على قارعة الطريق لئلا يرتطم به أحد). الإستبعاد عن الطريق هو ما يميّز وضع ابن طيما في بداية الخبر. بما أنه أعمى، فهو مُبعد نهائياً عن طريق كل إنسان يتمتّع بالنظر. بما أنه شحّاذ، فهو في وضع "نبْذ"، هو في الجمود منبوذ لكي يبقى في هذا الإبتعاد.
"فوقف يسوع" (آ 49). عنصر مفاجأة: كان يسوع يمشي فتوقّف. وهكذا انفصل عن كل الذين كانوا معه في الطريق عينه. حطّم حركة كان هو ديناميتها. وهذا الإنقطاع ولّد نتيجة غير متوقعّة. ونعجب حين نرى الأعمى يلقي رداءه (على الأرض، يطرحه عنه، لا يطرحه عليه)، يقفز (يثب) ويقترب من يسوع (فعل جاء أيضاً. ارخوماي). تمّ كل شيء وكأن ابن طيما لم يعد أعمى. ففعل "قفز" (وثب) يعبّر عن هذا الوضع، فيدلّ على تناقض مع كل المعطيات الأولى للخبر.
وما يدهش هو أن ابن طيما سيسمّى أيضاً "الأعمى" (آ 49، 51) بعد تدخّل يسوع. بعد هذا الوقت عاد إليه اعتباره من قبل يسوع ومن قبل الجمع (أدعوه... تشجّع! انهض!)، وتصّرف (وثب) وكأنه يبصر. إذا كان مرقس قد سفاه فقط "الأعمى"، أما أراد أن يدلّ أنه لم يعد "الشحّاذ". وطرح الرداء (حيث تُلقى التقادم. سيتخلىّ عن ردائه وهو كل ما يملكه ليتبع يسوع. هذا ما لم يفعله الرجل الغني) يدلّ على نهاية الجمود (كما انتهى سكوت يسوع. ولما دعا الأعمى دعاه الجمع). ما يهمّ هو الطريقة التي بها حصل الأعمى فجأة على التحرّك، بينما حُكم عليه في الماضي أَن يبقى في جمود مستمرّ (كان جالساً. صار الجلوس جزءاً منه). ودلّ على هذا التحرّك بشكل ساطع. ففعل "جاء" الذي افتتح الخبر (جاؤوا، وصلوا) قد وجد الآن فاعله: مُنع الأعمى من المجيء (بل من الصراخ. زجروه لكي يسكت). أما الآن ففعل "جاء" صار محصوراً فيه. وحده جاء إلى يسوع. أما الآخرون... نحن هنا كما في شفاء النازفة. الجميع يزحمون المعلم. ولكنها وحدها تلمسه وتستفيد من قدرة الشفاء عنده (5: 27- 32). "جاء".. إن صيغة الفعل في اليونانية تدلت على عمل فريد، حاسم. لقد طبع هذه الفعلة بطابع مطلق (لا عودة عن هذا المجيء). هذا المجيء قاد الأعمى إلى يسوع وبالتالي "في الطريق". "يسوع" و"الطريق" هما شيء واحد (أنا هو الطريق). وهكذا توافق الإقتراب والتحرّك. وانفتح طريق أمام الأعمى.
كل العناصر التي عدّدناها تتكامل في سلسلة من التعارضات والتوافقات داخل نظام دقيق. هناك جزء كبير من الخبر يكوّنه حوار بين ابن طيما ويسوع. سنرى كيف أن هذا الحوار يدخل في هذا التنظيم ويبرز غنى التعبير.
3- صرخة الإيمان، وثبة الإيمان
حين نبحث عن مركّبات الحوار الجوهرية، ندرك إدراكاً أفضل ديناميته، وبالتالي ديناميّة الخبر.
يتدخّل الجمع مراراً في هذه المقطوعة. مرة أولى، يشير إلى حضوره (مرور) يسوع الناصري (آ 47). سأل ابن طيما، فأعطي هذه المعلومة بالسمع (سمع أن هذا يسوع الناصري). هذا ما يذكّرنا بعماه وما يتضمّن هذا العمى من معنى على مستوى البعد والمسافة (هو قريب، ولكنه بعيد عن يسوع). يسوع الناصري. هذا ما يدلّ على يسوع بدون أي وحي أصيل عن شخصه أو رسالته. الشعب قريب من يسوع، هذا ما لا شكّ فيه. ولكنه قرب بشريّ محض. والكلام الذي أعلنه الشعب عبّر عن البعد والمسافة.
ورفض الأعمى هذا النوع من "القرب". فيسوع الناصري الذي يراه الآخرون، بعيد عن متناوله بسبب العمى الذي هو عامل "بعد"، الذي يقطعه جذرياً عن كل ما هو قريب منه ولو كان قريباً جداً. وكانت صرخة (صيحة، هتاف) (أخذ يصيح، هذا يدلّ على البعد) جعلت ابن طيما يسمّي "يسوع" "ابن داود". وإذ فعل هذا، منحه لقب مسيح إسرائيل. إذا كان قد فهم وألغى هكذا المسافة التي تفصله حقاً عن يسوع، فهذا الإدراك الفجائي وغير المنتظر ليسوع في أعمق إعماق كيانه، دلّ على أنه قفز فوق هذا البعد وهذه المسافة. إن هذا الإعلان يجمع في "صيحة" واحدة إدراكه المؤلم لبعد لا يستطيع أن يتغلّب عليه (رج آ 46: كان جالساً. دعاه يسوع، فكأنه خلقه من جديد. أعطاه القدرة) ووعيه المباشر والصحيح لهذا الشخص الذي هو "ابن داود". وهكذا نكون أمام شميلة (عجائبية) لخبرتين متناقضتين: خبرة البعد (الحسيّ) وخبرة القرب (الواقعي).
في الصيحة الثانية (أو ابتهال الأعمى) زاد تدخّل "الكثيرين" (آ 48) فكرة القوة. هذا ما تشدّد عليه عبارة "بصوت أعلى" (أقوى)، والفعل (صرخ، آ 48) في صيغة الماضي (في اليونانية) التي تدلّ على الاستمرارية في هذا الصياح العالي. ثم إن "يسوع" اختفى من عبارة الابتهال. وبقي لقب "ابن داود". إذن، صار الابتعاد كاملاً وإدراك الموضوع تاماً. وهذا ما يدلّ عليه الحاجز الذي هو الجمع (زجروه ليسكت).
وهنا يأتي التحوّل بوقوف يسوع (آ 49: وقف): تحوّل حاسم سيعطي الشحّاذ الأعمى تحرّكاً ويمنحه "القرب". إن هذا التوقف يشكّل الخطّ الذي يربط العمل بالحوار في الخبر.
إن لفظة "رابوني" التي تعبّر عن نظرة حميمة مليئة بالإكرام، كرّست هذا القرب. ولكنها تشير إلى جمود جديد (راحة اللقاء. نبقى هنا ولا نتقدّم) الذي يسيء إلى القرب الذي وُلد من التحرّك وتثبّت به. تقع هذه اللفظة بين كلمتين ليسوع: كلمة نداء (أدعوه). كلمة إرسال (اذهب. لفظة تستعمل في إطار مهمة يرسل فيها يسوع تلاميذه، 1: 44؛ 5: 19؛ 10: 21؛ 11: 2؛ 14: 13).
إن وقفة يسوع التي أتاحت ليسوع وللأعمى (صارا في الجمود) أن يلتقيا، خلقت أمرين متوازيين ومتكاملين: واحد يجتذب الجمود (أدعوه) والقرب الفجائي (بقفزة جاء إلى يسوع). والثاني (اذهب، إيمانك خلّصك) يعطي لهذا القرب أن يتثبّت في تحرّك ضروري (اذهب) لا يستطيع أن يدوم بدونه. لهذا، فهو يبلغ حالاً إلى النظر (أبصر في الحال. مثل: بقفزة جاء. الصيغة عينها).
إن استرجاع النظر يكوّن علامة عن عطية الإيمان (إيمانك خلّصك)، والرؤية عن بعد، وإمكانية السير في الطريق حسب طلب يسوع. فرض العمى على الشحّاذ البعد في القرب (مع أنه قريب!). ولهذا كان بشكل طبيعي علامة عن غياب الإيمان. إن الجمع يعرف أن "يسوع الناصري" هو هنا، ولكنه لا يدرك أن هذا هو "ابن داود". فالعمى الحقيقي يصيب في الواقع الجمع الذي يمشي مع يسوع، لا ابن طيما الأعمى "المثبّت" مكانه. 
بعد هذا نفهم أنه في خبر يبيّن لنا فيه مرقس ومنذ الكلمات الأولى، إيمان أعمى، يعتبر هذا الأعمى أنه ليس بأعمى أو لم يعد أعمى، ويتصّرف كأنه ليس بأعمى مع أن شفاءه لم يتحقّق بعد.
إذن نفهم أن معجزة الإيمان (قرب في البعد) قد دلّ عليها انفتاح العينين. وهو انفتاح يتيح للشحّاذ أن يكون قريباً عن بُعد. فاللفظة "اذهب" تتضمن تحوّلاً ولد الحركة، تحوّلاً ضرورياً لإنسان "يبصر" في الإيمان، أي يتبع يسوع في طريقه: هذا يفترض "رؤية" الإيمان والمسافة (هي غير البعد) الضرورية لممارسة هذا الإيمان. فالإيمان يفترض مسافة بين الله والإنسان، وهو في الوقت عينه يردم هذه المسافة ليصبح الإنسان قريباً من الله.
خاتمة
إن توقّف يسوع في الطريق لعب دوراً مركزياً في مسيرة الأعمى. ودراسة الحوار بين ابن طيما ويسوع شدّدت على هذا التقارب. وهناك "العمى" و"الرؤية". العمى دلّ على بعد في القرب، والرؤية دلّت على قرب في البعد. نحن هنا أمام الفكرة الأساسية في الخبر. كان الأعمى قريباً من يسوع، ولكنه في الواقع كان بعيداً. وكانت الجموع "التي تبصر" قريبة من يسوع، ولكنها في الواقع كانت بعيدة، فلم ترَ فيه "ابن داود"، بل يسوع الناصري فقط.
وتنطلق الشعلة في آ 47 التي نكتشف فيها مفارقة لافتة: "الأعمى" (الذي هو قريب بجسده، بعيد بسبب نظره) "أبصر" من هو يسوع في إدراك تام (ابني داود) جعله قريباً (صراخ الإيمان، وثبة الإيمان) بعد أن كان بعيداً. وتمت المعجزة. لم يروِها الإنجيلي. بل أشار إليها حين قال للأعمى: "اذهب، إيمانك خلّصك".
ويمتدّ قرب الإيمان ولا يتوقّف. دخل الأعمى في الطريق (لم يعد على قارعة الطريق). سار الأعمى في الطريق (لم يعد جامداً بلا حراك، يمرّ الناس ويبقى هو مكانه). توقف يسوع (تحوّل). دعا الأعمى بواسطة الناس الذين حوله (بقي دورهم مادياً. هل أبصروا؟). قال له: اذهب. وهكذا وصل الأعمى إلى خبر الإيمان. فآمن يعني "أبصر". تبع يسوع في الطريق. بقفزة جاء إلى يسوع وحالاً رأى فتبعه.
هذا الأعمى هو مثال التلميذ الحقيقي. أبصر، فتبع يسوع في الطريق إلى أورشليم: وهذا ما لم يجرؤ على عمله أولئك الخائفون الذين يتبعونه عن بعد. هذا الأعمى سيهتف ليسوع: يا ابن داود. وهذا الهتاف ستردّده الجموع ساعة دخول يسوع إلى أورشليم.

 

 

 

القسم الثالث
المرحلة الخامسة

يتضمّن القسم الثالث المرحلة الخامسة وعنوانها مملكة داود ودينونة أورشليم. وفيه نجد الفصول التالية:
1- مملكة داود ودينونة أورشليم، 11: 1- 13: 37.
2- دخول يسوع إلى أورشليم، 11: 1- 10.
3- التينة العقيمة والباعة في الهيكل، 11: 11- 19.
4- الإيمان والصلاة، 11: 20- 26.
5- سلطة يسوع، 11: 27- 33.
6- الكرّامون القتلة، 12: 1- 12.
7- الجزية لقيصر، 12: 13- 17.
8- حقيقة القيامة، 12: 18- 27.
9- الوصية الأولى، 12: 28- 34.
10- المسيح ابن داود وربه، 12: 35- 37.
11- تقوى كاذبة وسخاء حقيقي، 12: 38- 44.
12- الخطبة الاسكاتولوجية، 13: 1- 23.
13- مجيء ابن الإنسان، 13: 24- 32.
4 1- البوّاب السامر، 13: 33- 37.

 

 

الفصل السابع عشر
مملكة داود ودينونة أورشليم
11: 1- 13: 37
1- موقع هذه المرحلة
أ- عودة إلى المرحلة الرابعة
إن اعتراف بطرس في نواحي قيصرية فيلبّس (8: 27- 30)، وقد حرّكه يسوع، دلّ على منعطف هام في التعليم الذي قدّمه الرب لتلاميذه: "وبدأ يعلّمهم أنه ينبغي لابن البشر أن يتألمّ كثيراً" (8: 31). وحين بلغوا إلى إيمان أعلنوه، تمّ تحوّل في حياتهم.
لم تعد المرحلة الرابعة تتحدّث عن "عدم فهم" لديهم (6: 52، 7: 14؛ 8: 17، 21)، ميّز أولئك "الذين من الخارج" (من خارج الكنيسة) (4: 22). ولا عن "قساوة القلب" (الذي لا يفهم) (6: 52؛ 8: 17) ما زال الفريسيون متأثرين بها (10: 5؛ رج 3: 5).
لا شكّ في أنهم يمتلكون "أفكار الله" (8: 33)، وتنقصهم روح الصلاة (والصوم) (9: 29). وتصّرفهم تجاه بعضهم البعض (9: 34؛ 10: 43- 44) وتجاه الآخرين (9: 38، 10: 13- 14) تنقصه بروح الخدمة وتقبّل الآخرين. لا شكّ في أنهم ما زالوا خائفين (9: 6- 32)، مدهوشين (10: 24، 26، 32)، حائرين (9: 10) أمام إعلانات معلّمهم ومتطلّباته. هم لا يجرأون أن يسألوه حول المدلول العميق لمصيره في الموت والقيامة (9: 32). ومع ذلك ما زالوا يطرحون عليه أسئلة (9: 11، 28؛ 10: 10) ويدلّون على تعلّقهم به بشكل عنيف (9: 38؛ 10: 28، 35).
ومع ذلك فهم "يتبعون" يسوع الذي يدعوهم ليسيروا "وراءه" (8: 33- 34؛ رج 10: 52). هو "يسير أمامهم" (10: 32) في الطريق، وقد تجاوزهم الحادث الذي يجعلهم على حافة اليأس. غير أنهم سعداء لأنهم مدفوعون لأن يتجاوزوا نفوسهم بفضل ثقتهم به وبفضل ثقته بهم.
إن مسيرة جماعة التلاميذ، التي يتوزّعها التعليم المثلّث عن مصير ابن الإنسان، تجري في طريق صاعد إلى أورشليم (10: 32- 33) مع وقفات هنا وهناك. وإذا كانت إعلانات المعلّم حول ظروف الدخول إلى الملكوت قد انطبعت بوضوح في ذاكرة التلاميذ، وإذا كان كل من الإزائيين الثلاثة يحدّد موقعها في أوقات مختلفة من خبره، فهذا يعني أن هذه المسيرة نحو المجهول قد أثّرت فيهم تأثيراً عميقاً. ولا يفسرّ الانتقالَ الأمين لهذه الأقوال إلاّ تكرارٌ متواصل قام به يسوع نفسه، وتذكّر المسيحيين الأوّلين الذين كانوا بعد الفصح يحضون بعضهم بعضاً على الثبات في جهادهم لإتباع المسيح. وهذا الانتقال هو ثمرة يقين لدى الكنيسة الأولى بأن يسوع نفسه أسّسها كجماعة أولئك الذين ما زال يدعوهم ليسيروا وراءه، كجماعة تبقى حلقة الإثني عشر أساسها ونموذجها.
إن التدوين المرقسي للمرحلة التي تجوّلنا فيها، مع استعادة مثلّثة للتعليم حول الآلام والقيامة (التي تنتظر ابن الإنسان)، يدلّ على أن مصير يسوع وحده الذي تشكله الطاعة الحرّة لأبيه، يعطي فكرة عن هذه الكنيسة ويطبعها بديناميّة خاصّة.
ب- المرحلة الخامسة
وتدلّنا المرحلة الخامسة على أن مسيرة يسوع تتمّ في أورشليم. الطريق من أريحا إلى مدينة داود (10: 46- 52) وجبل الزيتون (11: 1). ثم أورشليم والهيكل (11: 11، 15، 27؛ 12: 35؛ 13: 1). ومن جديد جبل الزيتون (13: 3). كل هذا يشكّل إطاراً لهذه المرحلة. هنا نكتشف ثلاث مجموعات أدبيّة كبيرة، وإن لم يكن تلاحمها واضحاً.
* تبدأ المجموعة الأولى مع "الإنباء" الثالث بالآلام، مع الإشارة الأولى إلى أورشليم (10: 32- 34) يتبعها طلب ابني زبدى (10: 35- 45). وتتواصل في شفاء ابن طيما (10: 46- 52)، وتجد ذروتها مع دخول يسوع إلى المدينة المقدّسة (11: 1- 10) والهيكل (11: 15- 18). والدخول إلى الهيكل مع حدث التينة العقيمة (11: 11- 14) هو مناسبة للتعليم عن الصلاة (11: 19- 26): "كل ما تسألونه في الصلاة، آمنوا أنكم قد نلتموه، فيكون لكم".
* وتجري المجموعة الثاني كلها على "مسرح واحد، هو الهيكل: في خمسة جدالات لاهوتية (11: 27- 33؛ 12: 1- 12؛ 12: 13- 17؛ 12: 18- 27؛ 12: 28- 34) واجه يسوع السلطات الرسمية والشيع الدينية في شعبه. وبعد أن أفحمهم كلهم، سأل الشعب عن بنوّة المسيح الداودية (12: 35- 37). ثم حذّر سامعيه من تصّرفات الكتبة (12: 38-40)، وامتدح سخاء أرملة مسكينة "ألقت كل ما كان لها من أجل معيشتها" (12: 41- 44).
* وتُسمّى المجموعة الثالثة "الخطبة الاسكاتولوجيّة". تبدأ بملاحظة من التلاميذ حول أبنية الهيكل (13: 1- 2). أجاب يسوع مطوّلاً (13: 5- 23) على سؤال طرحه عليه التلاميذ الأوّلون، حول مصير هذا الهيكل (13: 3- 4). ثم حدّثهم عن مجيء ابن الإنسان (13: 24-27)، وحضّهم على السهر (13: 28- 37).
يلفت نظرنا في هذا القسم أهميّة الهيكل الذي هو قلب المدينة المسيحانيّة: نحس أن رباطاً سرّياً يربطه بالمسيح الذاهب إلى الموت. على ماذا يدلّ هذا الهيكل؟ ما هو بُعد تعليم يسوع في هذا الموضع وفي هذه الساعة الحاسمة؟ لماذا يتحدّث المعلّم عن دماره ساعة يذهب هو إلى الموت؟ إن القراءة المتواصلة للنصّ سوف تساعدنا على اكتشاف العناصر التي تحدّد وحدة هذه المرحلة وتقدّم لنا المفتاح للدخول فيها وفهمها. وهكذا نستطيع أن نكتشف التعليم الذي يقدّمه لنا مرقس في خبره.
2- تقديم النصّ
أ- نظرة عامة
إن المجموعات الأدبية الثلاث التي عدّدنا مضمونها بإيجاز، تتوسّع كلها في تعليم يسوع حول موت ابن الإنسان وقيامته، بطرق مختلفة.
* تلجأ الأولى إلى سيناريو دخول قائد منتصر، وتتويج ملك. وتجد ذروتها، عن طريق المفارقة، في مشهد الباعة المطرودين من الهيكل. هذا الحدث الذي شهده التلاميذ وحدهم، يحيط به لعن التينة ونتيجة هذا اللعن. يبدو يسوع في هذه المجموعة وهو يلعب دور ملك، ثم دور عظيم كهنة يدافع عن مسكن الله.
* وتمثّل المجموعة الثانية يسوع وكأنه كاتب، معلّم في الشريعة. أدخل محاوريه في جدالات حادّة وصلت بهم في النهاية إلى السؤال حول بنوّة يسوع الداودية: ما هو نوع السلطة الملكية التي يمارسها هذا المعلّم بأجوبة تفرض نفسها بهذه القوّة؟
* وتتخذ المجموعة الثالثة وجهاً نبوياً واضحاً، فتعلن نهاية زمن ومجيء ابن الإنسان. وكان سامعو هذه الخطبة التلاميذ الأربعة الذين كانوا أوّل المدعوّين للسير معه.
عبر هذه الفنون الأدبية المختلفة، من فعلات وجدالات وخطب، قدّم يسوع نفسه بطرق مختلفة. فأوجز جوهر الوحي عن شخصه من أجل أهل أورشليم، وقد توخّى من ذلك أن يعلّم تلاميذه.
ب- جولة في النصوص
* الصعود إلى أورشليم. لن نتوقّف عند هذه المتتالية التي تشكّل عنصر انتقال بين المرحلة الرابعة والمرحلة الخامسة. نجد فيها ملخصاً عن مصير ابن الإنسان (10: 32- 34)، درساً في الخدمة لا بحثاً عن المقام الأول (10: 35- 45)، كلاماً يدعونا لإتباع يسوع مع ابن طيما الذي أبصر بعينيه وقلبه فسار وراء يسوع في الطريق (10: 46- 52).
* دخول يسوع إلى أورشليم والهيكل. تتضمّن هذه المتتالية عدداً من أعمال يسوع تشبه شفاء ابن طيما، وتحمل تعليماً نبوياً. إنها تذكّرنا بأفعال رمزية قام بها الأنبياء في العهد القديم (أش 20: 2- 5؛ إر 13: 1- 7؛ حز 4: 1- 4؛ 5: 1- 4). وهكذا ينكشف شيئاً فشيئاً واقع يسوع المسيحاني، كما يتضح قرار خصومه بأن يرسلوه إلى الموت. ويبدو الإنشداد الدراماتيكي في الخبر قوياً جداً: مقاومة بعد هذه الجدالات تنتهي بالقطيعة.
* الجدالات اللاهوتية في أورشليم. لقد واجه يسوع في هيكل أورشليم الرؤساء وأصحاب الرأي في الشعب. ويتخذ الخبر شكل محاكمة يفرض فيها على المعلّم بأن يؤدّي حساباً عن أعماله. اجتمع أعضاء المجلس الأعلى كلهم، من عظماء كهنة وكتبة وشيوخ (11: 27؛ رج 8: 31). فأجابهم يسوع بسؤاله، أسرع "قضاته" فتهرّبوا منه. وتابع يسوع كلامه موجّهاً إليهم مثل الكرّامين القتلة (12: 1- 12). بعد هذا كانت ثلاثة جدالات حول الجزية الواجبة لقيصر، قيامة الموتى، أعظم الوصايا في الشريعة. وأنهى يسوع هذه الجدالات بسؤال طرحه حول هوية ابن داود الحقيقية.
* خطبة حول نهاية الأزمنة. يبدو الهيكل في خلفيّة (13: 1، 32) المجموعة الثالثة في هذه المرحلة. أما الموضوع "فالخطبة الاسكاتولوجية" التي تفوّه بها يسوع على جبل الزيتون، وبعد أن ترك المدينة المقدّسة مع تلاميذه. هذه الخطبة التي هي أطول ما في مر من كلام، ترتبط بسائر الإنجيل بمقدّمة تتحدّث عن الهيكل (13: 1- 5)، وبتحريض أخير يعلن الآلام مسبقاً (13: 35- 37).
3- من النصّ إلى يسوع
أ- المدخل
إن القراءة السريعة لأحداث أورشليم التي جمُعت في هذه المرحلة، جعلتنا نكتشف ما قدّمه لنا مرقس. فالتذكّرات التوراتية تبرز أيضاً البعد الرمزي للوقائع. لهذا يبدو من الضروري أن نتساءل حول مسيرة التقليد الذي يبدو مر شاهداً له، وحول التجذّر التاريخي للأحداث التي يوردها. 
هناك عدد من الشّراح يعلّقون أهمية كبرى على دخول يسوع المسيحاني إلى أورشليم، وعلى طرد الباعة من الهيكل: يرون في كل من هذين المشهدين تدخلاً ذا طابع سياسي. فهل هذا ما يقوله الإنجيل، وهل هو أمين للتاريخ؟ ثم، أي مدلول تحمله إلينا "الخطبة الاسكاتولوجية" المليئة بالتلميحات الملغزة إلى الكتاب المقدّس وإلى تمثلاًت لم يعد عصرنا يعرفها؟ بعد دراسة تكوين النصّ، نعود إلى بنيته، لنصل في النهاية إلى التعليم الذي يقدّمه لنا.
ب- تكوين النصّ
أولاً: الوحدة الأدبية الأولى (10: 46- 11: 26)
تضمّ الوحدة الأدبية الأولى جميع الأحداث التي تحيط بصعود يسوع إلى أورشليم ودخوله الاحتفالي إلى المدينة والهيكل.
* خبر شفاء ابن طيما. صار هذا الخبر عند مر تعليماً للتلاميذ: فالأعمى الذي شُفي أضحى نموذج المؤمن الذي يتخلىّ عن ماضيه ويسير في خطى يسوع الذي رأى فيه المسيح، ابن داود. وكانت أخبار مثل شفاء الأصم الأبكم في الدكابوليس (المدن العشر) (7: 31- 37) أو نجاة الابن المصروع (9: 14- 29، داء الصرع)، قد عبّرت عن مسيرة الإيمان تعبيراً رمزياً. هذا لا يعني أن الكاتب لم يكن أميناً لمراجعه ولا لخبر يسوع. لقد انطلق من واقع حياة يسوع وأعطاه معناً روحياً.
* الدخول إلى أورشليم. يبدو الدخول إلى أورشليم مليئاً بالإشارات اللاهوتية والليتورجية: مبادرة يسوع (11: 2- 3). التهيئة (11: 1- 7). مقابلة مع الاحتفال بعيد المظال (11: 8- 10). وهناك توازٍ بين الإعداد لدخول يسوع إلى أورشليم والإعداد للفصح (14: 12- 16). لهذا نتساءل عن النواة التاريخية في هذا الحدث.
هل كان هناك عدد كبير من الناس أم مجموعة التلاميذ وحدهم؟ هل كان ذلك في عيد الفصح أو عيد المظال أو عيد تدشين الهيكل حيث يطوف الحجّاج وهم يحملون السعف وينشدون "هلل"؟ هل استفاد يسوع من الظرف ليتحدّث عن بنوّة يسوع الداودية، أم هل رأى الناس في ذلك تظاهرة سياسية؟ أسئلة تبقى بدون جواب، بقدر ما يهتمّ الفضول عندنا بالأحداث المتفرّقة (كما في الصحافة)!
لا يبدو أن الطواف اتخذ طابعاً سياسياً فأحدث البلبلة في المدينة. لو كان كذلك، لكانت تدخّلت رومة. ولكان النصّ الإنجيلي في محاكمة يسوع أشار إلى ذلك. بل حين نقرأ نصّ مر نحسّ أننا أمام ليتورجيا مسيحية تحتفل بتتويج المسيح المتألم والمجيد وديّان الكون. أما هذا ما يحدث عندنا في عيد الشعانين؟
* التينة العقيمة واليابسة. نقرأ هذا الخبر في ارتباطه الحميم مع حدث طرد الباعة من الهيكل (11: 15- 18). اعتبر بعض الشّراح أن الحدث فعلة سياسية عجّلت في اتهام يسوع أمام السلطات الرومانية بسبب الضجة التي حدثت في أروقة الهيكل. أو كان عملية عسكرية مهيبة تصرّف فيها يسوع كرئيس عصابة، شأنه شأن جماعة الغيّورين. إذا أردنا أن نجد أساساً لهذين التفسيرين، يجب أن نضخّم الخبر الذي يورده الإنجيل في اتجاه يختلف عمّا هو الآن.
مقابل هذا، جعل شّراح آخرون هذا الخبر، شأنه شأن خبر التينة، في خانة الخدعة الأدبية أو التعليم الإرشادي. يعني بصريح العبارة أن الحدث لم يقع، ولكن الكنيسة استنبطته فدوّنه الإنجيلي! كلا. فنحن أمام واقع محدّد. وإلاّ كيف استطاعت الجماعة الأولى أن تتخيّله؟ ما يسمّى تطهير الهيكل هو فعلة نبوية لفتت الانتباه، فيها تدخّل يسوع مع التجّار فندّد بنشاطهم تنديداً وصل صداه إلى المسؤولين عن الهيكل. وجاء التلميح إلى كلام إرميا عن الهيكل (7: 10؛ رج مر 11: 17 ب)، تفسيراً لاحقاً للحدث الذي خلف ليسوع أعداء سوف يعملون على قتله.
هذا على مستوى يسوع. وهناك تأمّل الكنيسة على ضوء الفصح والقيام، ومستوى التأليف الإنجيلي. فقد فهمت الكنيسة باكراً أن الهيكل الحقيقي وموضع الصلاة لجميع الأمم، هو جسد مخلّصها القائم من بين الأموات، الذي جعل حضوره في الكون واقعاً بواسطة روحه. هذا لا يعني أنها استنتجت أنه يجب إلغاء مواضع العبادة وشعائر العبادة. إن الهيكل هو علامة حضور الله وسط شعبه، وهو يدلّ مسبقاً على الجماعة الاسكاتولوجية حيث يجتمع كل البشر في صلاة إلى الآب السماوي. وبما أن الهيكل هو علامة حضور الشعب لدى إلهه، فالله يطلب عبادة منقّاة من الكذب وحب الربح، عبادة تحلّ المحبةَ الأخوية محلّ الأنانية وحبّ الذات.
واستعادت الجماعة المسيحية أيضاً مثلاً حول تينة عقيمة اهتمّ بها البستاني اهتماماً خاصاً (رج لو 13: 6- 9). ودلّ مرقس في هذا الإطار على قوّة الصلاة التي لا تقاوم وعلى مسؤولية الالتزام الملموس في الواقع اليومي.
ثانياً: الوحدة الأدبية الثانية (11: 27- 12: 34)
تتضمّن الوحدة الأدبية الثانية سلسلة الجدالات اللاهوتية في الهيكل. بعد ذلك، يرد تعليم يسوع عن ابن داود، عن الكتبة، وأخيراً حدث فلس الأرملة.
كيف يبدو الجدال؟ سؤال من الخصوم. سؤال معاكس من الرابي. جواب الخصوم بما فيه من ضعف. جواب الرابي الواضح. نحن هنا أمام صدى لجدالات تمّت في أيام مرقس، فقدّمت مواجهات بين اليهود والمسيحيين لا سيما حول دور يوحنا المعمدان.
نجدها الجدالات الثلاثة (ضريبة قيصر، حقيقة القيامة، الوصية العظمى) مسائل عرفتها الكنيسة الأولى التي أعادت قراءة تعليم يسوع على ضوء الواقع الذي تعيشه: كيف نخضع للدولة الرومانية (رج روم 13: 1- 7)، وكيف نفهم الواجب الوطني تجاه الحكّام بما فيهم من نقص (تي 3: 1- 2؛ 1 بط 2: 13- 17)؟ كيف نتحدّث عن قيامة الموتى أمام أناس لا يؤمنون بها، أو أمام اليونانيين الذين يتحدّثون فقط عن خلود النفس؟ ما هي الطريقة لدعوة اليهود الصادقين، لدعوة الكتبة لفهم يسوع كذاك الذي جاء يتمّ الشريعة؟
وجدت هذه الأسئلة جواباً في تعليم يسوع التاريخي. لا في تطبيق حرفي، بل كمبدأ تمييز يعتبر هذا الكلام تعليماً حياً لا حرفاً ميتاً. في هذا المعنى جاء إعلان يسوع حول ابن داود وربّه يختتم الجدالات. ليس يسوع فقط معلّماً عظيماً يتواصل تعليمه عبر التقليد. إنه الرب القائم من الموت. إنه الإله المنتصر على الموت، الحاضر في كل واحد منا، والذي يديننا على سلوكنا لا على علمنا. وهذه الوجهة من تمييز أعمال البشر، تظهر بوضوح في المشهد الذي فيه يمتدح يسوع سخاء الأرملة. إن مجيء يسوع إلى القلوب يدخل المسيحيين في طريق الحقيقة حيث يقيّم المؤمن خطواته على ضوء خيار حاسم اتخذه في حياته.
ثالثاً: الوحدة الأدبية الثالثة (13: 1- 37)
تقدّم هذه الوحدة في الخطبة الاسكاتولوجية الواقع الأخير للمجتمع الفلسطيني في ذلك الوقت، الواقع الأخير للتاريخ البشري والكون، الواقع الأخير لحياة كل واحد منا.
وتُطرح أسئلة. هل ألّف مرقس نفسه هذا النصّ أم زاده على مؤلَّفه؟ هل كتبه قبل سقوط أورشليم (70 ب. م.) أم بعده؟ هل نحن أمام نبوءة، رؤيا، هجوم، دفاع؟ هنا تتوزّع الآراء. يعتبر معظم الشّراح أن الإنجيلي دوّن هذه الخطبة انطلاقاً من عناصر حملها إليه التقليد. وقد نكون أمام خطبتين. واحدة عن أورشليم، وثانية عن مجيء ابن الإنسان. وظنّ آخرون أننا أمام تجميع لأقوال حقيقية ترجع إلى يسوع: حول الاضطهاد (13: 9- 10)، مثلاً التينة والبوّاب (13: 28 ب- 34). واعتبرت فئة ثالثة أن مرقس استعمل في تدوينه "مقالاً جليانياً" من أصل يهودي يعود إلى دانيال. أو مقالاً مسيحياً متهوّداً يرتبط بالرسالتين إلى تسالونيكي.
كل هذه الفرضيات لا تقنع أحدا. ومع ذلك نفهم أن يكون مرقس ضمّ في هذا المكان من الإنجيل بعض تعاليم المعلّم حول الأحداث المؤلمة في هذا العالم، حول نهاية الأزمنة، حول موت الإنسان. وتوجّه مرقس إلى جماعة تنتظر نهاية قريبة للعالم بعد أن جاء المسيح. لم يكن هدفه أن يكشف (بشكل جلياني) ما سيحدث، بل أن يحضّ المسيحيين أن يعيشوا واقع حياتهم على ضوء هدف محدّد هو موت يسوع وقيامته. في هذا المعنى نسمّي هذا المقطع "خطبة اسكاتولوجية"، كلاماً عن الآخرة، تحريضاً يدعونا لنحيا الحياة الحاضرة في التزام متواضع وواثق، في سهر متنبّه، في رجاء يعطينا إياه حضور يسوع الذي لا يمكنه أن يتركنا.
هل دوّنت هذه الخطبة قبل سقوط أورشليم أم بعده؟ هناك من يقول "قبل" لأن صورة سقوط أورشليم لا توافق الأحداث الحقيقية (يتحدّث النصّ عن الشتاء، بينما سقطت أورشليم في الصيف). وهناك رأي معاكس يعتبر أن ما قاله مرقس لا يفهم إلا بعد الحدث الذي رأى فيه المعاصرون دينونة الله. فبدل الخوف من الأنبياء الكذبة، نكتشف عبر التقلّبات الكونية أو التاريخية (الآلام، الإضطهادات) علامة سابقة لولادة الملكوت مع حضور القائم من الموت في كنيسته.
ج- بنية النصّ
كيف نظّم مرقس خبره؟ إن قراءة أولى للنصّ تجعلنا ندرك أن الهيكل يشرف على ف 11- 12: إلى هنا يصل الموكب المسيحاني. وفي هذا الموضع تجري الجدالات التي تجعل يسوع يواجه رؤساء الشعب. أما الخطبة الاسكاتولوجية (ف 13) فقد تلفّظ بها المعلّم تجاه الهيكل. وها نحن نحاول أن نكتشف نظرة مرقس في تدوينه هذا.
أولاً: من الوجهة الأدبية
نكتشف أولاً كيف يتجاوب ف 11 و12 حول الهيكل كرمز إلى حضور الله في قلب الواقع البشري. ثم نرى أن ف 13 الذي يتحدّث عن الواقع الأخير يندمج في هذه المجموعة.
يبدأ دخول يسوع إلى أورشليم (11: 1) بثلاثة أحداث تتواصل على مستوى الجغرافيا وعلى مستوى المضمون. سبق يسوع تلاميذه على طريق أورشليم التي أعلنت هنا للمرة الأولى (10: 32- 33)، وحين أسرّ إليهم عن مصيره (10: 32- 34)، طرح سرّه عليهم سؤالاً يتجاوب مع رغباتهم ويحملها إلى البعيد: سمع ما يطلبه ابنا زبدى ورفاقهما العشرة، ودعاهم كلهم للخدمة معه (10: 35- 45). واستجاب صلاة ابن طيما الذي تبعه (10: 46-52).
ما هي هذه الطريق؟ إلى أين تقود؟ هي طريق ابن داود. وهى تقود إلى الهيكل الذي بناه سليمان بن داود. من نسله سيولد مسيح أنبأ به زك 9: 9. وبعد أن هيّا يسوع كل شيء، جاء راكباً على جحش. بدأ دخوله في جبل الزيتون (11: 1) وتوزع على خمس محطات.
أ- 11: 8- 10: إعلان "المملكة الآتية، مملكة داود أبينا" (مز 118: 26). هذا المديح يرتبط بالأعالي (زك 14: 9).
ب- 11: 11- 14: عودة إلى بيت عنيا واكتشاف التينة العقيمة (لا ثمر فيها). وجّه يسوع إليها كلاماً قاسياً: لا يأكل أحد ثمرة.
ج- 11: 15- 18: دخول جديد إلى أورشليم وإلى الهيكل. واقع: طرد الباعة (زك 14: 21). تعليم: بيت صلاة لجميع الأمم (أش 56: 7).
ب ب- 11: 19- 22: خروج من المدينة ووجود التينة اليابسة (إر 8: 13). وجّه يسوع كلامه إلى تلاميذه: ليكن لكم إيمان.
أ أ- 11: 23- 25: إعلان حول الإيمان الذي ينقل الجبل (زك 14: 4- 5). صلاة ومغفرة على مثال الآب الذي في السماوات.
خمس محطات تدلّ على تتمة الكتب وتعبّر عن رجاء الشعب (أ) الذي هو أقوى من تصلّبه (ب). وفي الوقت عينه تفجّر هذا الرجاء (ب ب) في صلاة شاملة تنبثق من عمق إيمان بنويّ (أ أ) بنعمة ذاك الذي يطهّر الهيكل (ج).
حين جعل يسوع الناس يتبعونه (التلاميذ، الأعمى، الجمع)، قدّم نفسه كذلك الذي يحقق رغبتهم العميقة. أعلن في قلب المدينة المقدّسة أنه يتمّ كلمةَ الله في الكتب المقدّسة. من أين يأتيه سلطانه الذي لا يبدو واضحاً؟ منذ بداية حياًته العلنيّة طرح سؤالاً على الناس (1: 27؛ 3: 23؛ 4: 41) ولم يفرض نفسه بوضوح مرة واحدة: فبطرس نفسه لم يفهمه (8: 33؛ 9: 6). والتلاميذ ظلّوا متحيّرين، خائفين (9: 32؛ 10: 32). في أورشليم، في الهيكل، سأله أعضاء السنهدرين بشكل رسمي: خمس مرات أرادوا أن "يحاكموه"، وخمس مرات لم يصلوا إلى نتيجة. وفي النهاية، لاقى الموافقة. في الواقع، هو الذي "يحاكم" (يدين) البشر، فيعيد كل واحد إلى وجدانه، ويدعوه إلى طريق الحق والرحمة كما ترسمها كلمته.
أ- 11: 27- 33: سؤال عظماء الكهنة والكتبة والشيوخ: بأي سلطة تفعل هذا؟ ردّة فعل يسوع: وأنا أسألكم عن معمودية يوحنا. جواب الخصوم: لا نعلم. إعلان يسوع: وأنا أيضاً لا أقول لكم بأي سلطان. 
ب- 12: 1- 12: تحدّث يسوع بالأمثال: الكرم الذي أجّر... أرسل عبداً أول وآخر... وفي النهاية ابنه الوحيد فقتل. الخاتمة: سيأتي ربّ الكرم. أما قرأتم هذه الكتابة: حجر الزاوية (أو: حجر الغلقة). ردّة الفعل: أرادوا أن يوقفوه، لأنه قال هذا المثل عنهم.
ج- 12: 13- 17: سؤال الفريسيين والهيرودسيين. يعلّم طريق الله... الجزية لقيصر. ردّة فعل يسوع: لماذا تجرّبوني؟ لمن الصورة؟ الجواب: لقيصر. الخاتمة: ما لقيصر لقيصر، وما لله لله.
ب ب- 12: 18- 27: حادث ضمير طرحه الصادوقيون: إمرأة تزوّجت سبعة إخوة... الأول، الثاني... وفي الأخير ماتت المرأة. النتيجة: أنتم تضلّون. أنتم لا تعرفون الكتب أما قرأتم في كتاب موسى... أنت تضلون. الله هو إله الأحياء.
أ أ- 12: 28- 34: سؤال من أحد الكتبة: الوصية الأولى؟ جواب يسوع: الأولى (تث 6: 4- 5). الثانية (لا 19: 18). لا وصية غيرهما. ردّة فعل الكاتب: أحسنت. المحبة خير من الذبائح. إعلان يسوع: لست بعيداً عن ملكوت الله. ولم يجسر أحد بعد ذلك أن يسأله.
هذه الجدالات الخمسة تبرز كيف يتمّ يسوع الكتب لأنه يجمع في شخصه محبّة الله ومحبّة القريب (أ أ). وهكذا يدل على سلطانه المسيحاني الذي أعلنه السابق وتسلّمه يسوع من السماء (أ). هو ابن الآب الوحيد الذي قبل بأن يُرذل ويموت ليكون حجر الزاوية (ب) وقدرة قيامة للذين يموتون (ب ب)، وهكذا ينير الحياة الحاضرة التي تعبّر عن انشداد بين الالتزامات الزمنية وواجباتنا تجاه الله (ج).
وتهيّأ الخروج من الهيكل (13: 1) هو أيضاً بثلاثة أحداث قدّم فيها يسوع تعليمه النهائي. بما أنه يعطي حياته فدية عن آخرين، يستطيع أن يقيّم عطية الأرملة (12: 41- 44). بما أنه جاء ليخدم فهو يشرب الكأس ويعتمد المعمودية. بما أنه لا "يوزّع" المقاعد الأولى، فهو يدين الذين يحتلّونها ويدعوهم إلى التوبة (12: 38- 40). إنه يستطيع أن يعلّم بسلطان لأنه ابن داود وربه. وهكذا يستطيع أن يتوجّه إلى كل إنسان كما فعل مع ابن طيما في عماه (12: 35- 37).
وهكذا نصل إلى الخطبة الاسكاتولوجية، فنقدّم بنيتها:
(1) مقدمة (13: 1- 5 أ): سؤال حول الهيكل. حوار يسوع مع أحد تلاميذه: بناء ودمار. سؤال أربعة من تلاميذه: متى يتمّ هذا؟ ما هي علامته؟ حينئذ بدأ يسوع يقول لهم.
(2) الخطبة (13: 5 ب- 34).
أ- 13: 5 ب- 23: علامات "تلك الأيام" (معلومة وتنبيه).
* الكاذبون. كثيرون يأتون باسمي ويقولون: أنا هو. احذروا. لا تضلّوا.
** الحروب والكوارث. حين تسلمون. هذا ما يجب أن يحصل. بداية الأوجاع.
*** الإضطهادات. احذروا. يسلّمونكم من أجلي. يعلن الإنجيل. الروح القدس فيكم. يسلم الأخ أخاه من أجل اسمي. اثبتوا.
** الحرب والضيق. حين ترون... حيث لا يجب أن تكون... في تلك الأيام... منذ البدء.
* الكاذبون. المسيح هنا... هناك... يضلّ المختارين. احذروا. أنبأتكم.
ب- 13: 24- 27: مجيء ابن الإنسان (إعلان). في تلك الأيام. علامات كونيّة في السماء. حينئذ ترون ابن الإنسان آتياً... وحينئذ يجمع من الأرض إلى السماء.
أ أ- 13: 28- 34: زمن المجيء (معلومة وتنبيه).
* مثل التينة المفرخة: الصيف قريب. حين ترون، اعرفوا أنه قريب، على الأبواب.
** يقين بأن هذا قريب.
*** تأكيد. السماء والأرض تزولان وكلامي لا يزول.
** جهل اليوم والساعة.
* مثَل الرجل المسافر: احذروا. انتبهوا. مثل رجل: وأمر البوّاب بأن يكون ساهراً.
(3) الخاتمة (13: 35- 37): مجيء الرب. اسهروا إذن: رب البيت يأتي. قد يأتي فيجدكم نياماً. ما أقوله لكم، أقوله للجميع: اسهروا.
ثانياً: من الوجهة البنيويّة
نتوقف هنا عند الإشارات الزمانيّة، والمكانيّة، وعند الأشخاص مع الألقاب المعطاة ليسوع.
* الإشارات الزمانيّة
تبدو الإشارات الزمنيّة مهمّة في هذه المرحلة الخامسة. فالإنباء الثالث بالآلام بعبارة مرقسية وجدناه في الإنباءين الأول (8: 31) والثاني (9: 31): "وبعد ثلاثة أيام يقوم" (10: 34). وفي الواقع، بُنيت المتتالية الأولى (10: 32- 11: 25) على رسمة في ثلاثة أيام يدلّ عليها ذكر المساء والغد (11: 11- 12) أو الصباح (11: 19- 20): ثلاث مرات صعد يسوع إلى أورشليم والهيكل، وتميّزت زياراته بهتاف الناس، ونظرته التي جالت في كل شيء (11: 9- 11)، وطرد الباعة، وردة فعل الرؤساء والشعب (11: 15- 18)، والجدال حول سلطته مع أعضاء المجلس (11: 27- 33).
وما ينير هذه الرسمة هو مثل الكرّامين حيث الحديث عن "أوان" (كايروس، 12: 2) الغلّة، مع أنه لم يكن "الأوان" بالنسبة إلى التينة (11: 13): إن الحجر الذي مجّد بعد أن ذُلَّ يدكّ على القيامة. وبعد تذكير سريع عن القيامة (حين يقوم من بين الأموات، 12: 25؛ رج 12: 23) طُرح سؤال حول "الأوان" الحاسم (تلك الأيام، 13: 17- 19، 20 مرتين، 24) الذي نجهل وقته بالضبط (13: 33)، في الخطبة الاسكاتولوجية (13: 4، 7، 11، 14، 15، 21، 26، 28، 29، 32، 35). وفي النهاية، قدّمت ساعات الآلام (14: 17، 30، 72؛ 15: 1) والقيامة (16: 2، 9) كجواب (13: 35)، وكأن زمن النهاية، زمن مجيء ابن الإنسان في المجد (13: 26؛ رج 14: 62)، الذي دلّت عليه القيامة (8: 38- 9: 1) يحدّد منذ الآن زمنَ التاريخ والعالم.
* الإشارات المكانية
تبدو الإشارات المكانية محدّدة: الطريق (10: 32، 46، 52؛ 11: 8) إلى أورشليم (5 1: 32- 33؛ 11: 1)، المارة في أريحا (10: 46 مرتين) تصل إلى المدينة والهيكل (11: 11، 15، 27، يُجمع الإسمان)، وذلك بعد وقفة في بيت فاجي وبيت عنيا وجبل الزيتون (11: 10). وستكون بيت عنيا (11: 11- 12) أيضاً المكان الذي يختلي فيه "خارج المدينة" (11: 19؛ رج 12: 8: خارج الكرم). الهيكل (11: 15- 16) يسمّى بيت الله وبيت الصلاة لجميع الأمم (11: 17). يسوع يعلّم فيه (12: 35). يجلس فيه تجاه الخزانة (12: 41، 43)، قبل أن ينبئ بخرابه (13: 2) على جبل الزيتون (13: 3) رغم عظمة بنائه (13: 1).
بعد هذا، لن يُذكر الهيكل إلا بشكل خفيّ وعبر التلميح إلى "رجاسة الخراب" التي تقام حيث لا ينبغي أن تكون (13: 14). نحسّ أن مسكن الله هذا قد تفجّر واتّسع: صرنا في اليهودية، في الجبال والريف (13: 14- 16). ثم ينفتح الإطار على أبعاد الكون (13: 24-27)، لينحصر في بيت يترك لخدّام ذهب سيّدهم في سفر (13: 34- 35). ويذكر الباب (11: 4؛ 13: 29) والبوّاب (13: 34). وهذا ما يشير إلى بيت سمعان حيث التأم الجمع في بداية الرسالة في الجليل (1: 33؛ 2: 1- 2). 
وهنا أيضاً ترتسم حركة: إن هدف سفر يسوع هو الهيكل. ولكن يسوع يذهب إليه ليوسّع حدوده، بعد أن طال مجدُه أممَ الكون: لما تستطع أورشليم أن تسجنه. فابن الإنسان قتل خارج المدينة، ولكنه يقوم ويعود إلى بيته الذي يستقبله. فهو في بيته حيث يكون.
* الأشخاص
- مجموعة التلاميذ
تتسلّم مجموعة التلاميذ تعليماً خاصاً: حول مصير يسوع واتحادها بآلامه (10: 32-45)، حول التينة العقيمة واليابسة (11: 11- 14، 19- 25)، حول التقادم في الهيكل (12: 41- 44)، حول دمار الهيكل ونهاية الأزمنة (13: 1- 37).
- الجمع
يمتزج الجمع مع التلاميذ في حدث الأعمى، في دخول يسوع إلى أورشليم (10: 46- 11: 10) بعد الجدالات الكبرى في الهيكل، يسمع الجمع بارتياح تعليم المعلّم (10: 35- 40).
- رؤساء الشعب
ونجد رؤساء الشعب الذين يواجههم يسوع على مستوى شعائر العبادة بمناسبة طرد الباعة من الهيكل (11: 15- 18)، ويبرّر عمله أمام أعضاء المجلس (11: 27- 12: 12) قبل أن يلتقي الفئات اليهودية على مستوى النقاش اللاهوتي (12: 13- 34).
* الألقاب المعطاة ليسوع
- ابن الإنسان. نجد هذا اللقب في البداية وفي النهاية، وفي التعليم للتلاميذ (10: 33- 45؛ 13: 26).
- ابن داود. نجد لقب "ابن داود" في اتصالات يسوع بالجمع (10: 47- 48؛ 11: 10؛ 12: 35). ويغيب من باقي الإنجيل.
- المعلّم. إن سلطة يسوع كمعلّم ونبيّ تبدو بشكل خاص حين يواجه الرؤساء والكتبة في مجال التفسير الكتابي.
- "الابن الحبيب"، أو "الابن". من سمّى نفسه "الابن" يتلاشى أمام الآب (13: 32) الذي هو أيضاً أبو جماعة التلاميذ (11: 25).
* رسمة كرستولوجية
وها نحن نقدّم رسمة تدلّ على العناصر الكرستولوجية في النصّ. 
أ- مصير ابن الإنسان وموضوع الخدمة (10: 32- 45).
- التلاميذ الخائفون، ابن الإنسان يسلم إلى الأمم (32- 34).
- مشاركة التلاميذ في المجد: الكأس، العماد (35- 40).
- وضع الخادم على مثال ابن الإنسان (41- 45).
ب- ابن داود والهيكل (10: 46- 11: 14).
- إعلان الأعمى: ابن داود (10: 46- 52).
- الجموع تهتف لمملكة ابينا داود (11: 1- 10).
- نظرة يسوع إلى الهيكل واختلاء في بيت عنيا (آ 11).
- التينة العقيمة (12- 14).
ج- يستند المعلّم إلى الكتب تجاه خصومه (11: 15- 18).
- طرد الباعة من الهيكل. كُتب: بيتي بيت صلاة للأمم (15- 17).
- ردّة فعل الرؤساء: أن يهلكوه. ولكن الخوف من الشعب.
د- فقاهة للتلاميذ حول الإيمان والصلاة (11: 19- 25).
- التينة اليابسة: آمنوا بالله (19- 22).
- الإيمان، الصلاة، المغفرة مثل الآب السماوي (23- 25).
ج ج- المعلّم يفسرّ الكتب تجاه خصومه (11: 27- 12: 34).
- سؤال حول السلطة. الكتاب: حجر الزاوية (11: 27- 12- 11).
- ردّة فعل الرؤساء. أرادوا أن يمسكوه. ولكنهم خافوا الشعب (12: 12).
- جدال مثلّث - الله وقيصر (13: 17).
- إله الأموات والأحياء (18- 27).
- الله والقريب (28- 34).
ب ب- ابن الله والهيكل (12: 35- 13: 5).
- تعليم يسوع: ابن داود وربّه (35- 37).
- موقف الكتبة (38- 40).
- نظرة يسوع تجاه الخزانة (41- 44).
- نظرة يسوع إلى الهيكل. إعلان دماره (13: 1- 5).
أ أ- مجيء ابن الإنسان وسهر الجميع (13: 5- 37).
- يسلم التلاميذ إلى المجامع، ويعلن الإنجيل في الأمم (5- 23).
- ابن الإنسان يأتي بالقوة والمجد (24- 27).
- قرب المجيء يدعو الخدم إلى السهر (28: 37).
ثالثاً: خلاصة
تتوخّى هذه البنية أن تكشف الترتيب الديناميكي والداخلي لمجمل النصّ. فمصير يسوع المسلَّم إلى الشعب والأمم يدلّ على مصير تلاميذه (أ) الذين يتعرّفون في ساعة الضيق التي فيها يسلمون إلى الموت، إلى الحضور الخلاصي لابن الإنسان الآتي في مجده (أ أ). قبلَ يسوع إكرام الجمع يهتف لمملكة المسيح الداودية. ولكنه كشف أمام تلاميذه عقم عبادة خارجية (ب). لهذا دعا الجمع ليكتشف أن ابن داود هو ربّ داود، الذي يدين المتكبرّين ويهدّد الهيكل بالدمار (ب ب). تجاه السلطة الرسمية المعروفة بنوايا القتل والمدفوعة بالخوف، فتح يسوع أمام الجميع أبواب الصلاة (ج)، وأعاد خصومه إلى ما تقوله الكتب فتحكم عليهم (ج ج).
إذن، إن شكّلت البداية والنهاية (أ- أ أ) وحياً نبوياً عن مصير ابن الإنسان وتلاميذه، فالمجموعة التالية (ب ج- ب ب- ج ج) تقلب النظرة وتدلى على المصير المأساوي الذي سيعرفه رؤساء الشعب الذين يسلمون إلى دينونة ربّ الكرم.
والمقطع المركزي (د) هو درس فقاهة يتوجّه إلى التلاميذ انطلاقا من التينة التي يبست: يسوع هو بيت الصلاة المفتوح للأمم. والإيمان يجذّر كلى إنسان في يسوع، ويتيح له أن يقرأ في تاريخ العالم، علامات يعطيها عن مجيئه. والإيمان بيسوع يجعل الصلاة واثقة وفاعلة، لأنها تجد فيه الخلاص النهائي الذي يناله من الآب ويشرك فيه اخوته.
4- التعليم الذي نجده في النصّ
ونحاول أن نكتشف في هذه المرحلة ما يقوله لنا مر عن شخص يسوع، الذاهب إلى لقاء الموت. يتبعه تلاميذه الخائفون الذين يقاسمهم ما يحسّ به في داخله، ويعلمهم أنه أسلم أمره إلى الآب. هذا الإنشداد قد تعرّفنا إليه منذ بداية الإنجيل.
منذ البداية "إزدجر" الروح النجس (1: 25) فدلّ على تعارض تام معه. ونجد عنده هذا الاندفاع (1: 38)، هذه الشفقة (1: 41)، هذا الحزن أمام قساوة القلوب (2: 8، 17؛ 3: 5)، وإدراكاً للحرب التي يقوم بها ضدّ قوى الشّر (3: 12، 23؛ 4: 39؛ 5: 8).
وفي الوقت عينه نجد الدهشة أمام تظاهرات ليست في محلّها (5: 39)، أمام عدم الإيمان (6: 6). ونحسّ بشفقته على هذه الجموع المتروكة (6: 34؛ 8: 2). جُرح قلبه بسبب مكر خصومه (7: 6؛ 8: 12)، وتألّم من عدم الفهم عند تلاميذه (6: 52؛ 7: 18؛ 8: 17، 18، 21). مع الإنباء الأول بالآلام والقيامة بدأ يسرّ مخاوفه لتلاميذه. فأحسّ برفضهم للألم. هذا هو الوضع الذي نجده في هذه المرحلة الخامسة.
والهيكل الذي أعاد بناءه هيرودس فصار فخر أورشليم: سيدمّر فلا يبقى فيه حجر على حجر. غير أن بيت الله لا يزول. فهو مفتوح لجميع الأمم، وسيزوره "ربّ البيت" (13: 35). هذا الهيكل الذي هو لليهود علامة حضور الله في شعبه، وشهادة عن وحدة هذا الشعب واستمرارية صلاته، قد صار منذ اليوم رمز يسوع المائت والقائم من الموت.
الهيكل هو مسكن الله الذي شاء أن يقيم فيه "مجده" أو "اسمه". في أروقته يدفع المال، ويهيّأ الحمام للذبائح. هذا هو المعنى المادي. ولكن كما أن يسوع يسلم إلى الأمم (10: 33) على يد عظماء الكهنة والكتبة، فقد جعل الهيكل واسعاً في شخصه بفضل إعلان الإنجيل (13: 10) وشهادة الشهداء (13: 9).
كل صلاة لا تمرّ به تدلّ على أن الهيكل صار مغارة لصوص (11: 17)، صار تينة عقيمة ويابسة، وفيه اتخذت الذبيحة بُعدها الحقيقي بعد أن صارت فدية عن الكثيرين (10: 45).
وهكذا حين صار يسوع المائت والقائم هيكلاً للأمم، ومعيداً لتكوين الخليقة (13: 24- 27)، أدرك لقاءُ الله بالإنسان ذروته. وحين كشف يسوع عن مصيره أمام تلاميذه، ألقى الضوء على مصيرهم وقال كلمته في معنى الوجود البشري.
خاتمة
إن "تاريخ" كل إنسان يتحدّد على ضوء نهاية يسوع. لقد عاش التخليّ في موتنا البشري وملئه اللاهوتي، فكان وحده قديراً بان يكشف لنا مصير الإنسان ومصالحة الكون مع الله. و"نهاية العالم" تتحقّق حين يجد كل إنسان نفسه موضوعاً في حضرة الله بواسطة يسوع. وتكون النهاية حين يُسلم جميعُ البشر إلى دينونة الله ورحمته. والمجيء (باروسيا) يدلّ على الحضور الذي ينادي كل واحد منا عند ساعة الموت، عندما تبدأ "أبديتنا". ولكن منذ الآن، وفي الواقع اليومي الوضيع، قد وصل إلى الإنسان هذا النداء. إنه منذ الآن يعيش في هذا الحضور.
هذا هو رجاؤنا. إنه يُولد من واقع التجدد. بما أن ابن الله المتجسّد قد اختبر إلى الأعماق شقاءنا البشري، فهو يستطيع حقاً أن يكون مخلّصنا. هذا هو التعليم الذي أعطاه يسوع قبل موته، وطلب من كل واحد منا أن يعيشه عبر موته. وهكذا يحمل يسوع في خطه، ومع التلاميذ الأولين، كل إنسان يلتقي به على طرق الحياة. إنه يدعو الجميع إلى ذات المسيرة التجرّدية في الصلاة والإيمان والغفران. هكذا يستطيعون جميعاً أن يدركوا نداء المصلوب في حياتهم ويتسلّموا منه مسؤولياتهم الأخيرة.
هذا هو تعليم مر على عتبة آلام ابن الإنسان كمقدّمة إلى مجيئه في المجد.

 

 

الفصل الثامن عشر
دخول يسوع إلى أورشليم
10: 1- 10
إن خبر دخول يسوع إلى أورشليم يرد في الأناجيل الأربعة (مر 11: 1- 10؛ مت 21: 1- 11؛ لو 19: 28- 40؛ يو 12: 12- 19). الاختلافات عديدة بين نصّ ونصّ. بعضها يلفت النظر حالاً. والبعض الآخر يتطلّب عيناً متفحّصة. وكل اختلاف لا يتّخذ معناه إلا في التدوين الاجمالي للنسخة التي ينتمي إليها. فإذا أردنا أن ندرك بُعد صفحة انجيلية، يجب أن نتعرّف إلى تفكير كاتبه وردّة فعله أمام الأحداث. إن العودة إلى سياق النصّ ضرورية لنربط ربطاً ديناميكيا عنصراً معطى مع مجمل الكتاب الذي يتخّذ منه ماويته وقوته.
نبدأ دراستنا بتحليل اللغة المستعملة في الخبر الإنجيلي بنسخاته الأربع. ثم نتفحص كل نسخة في نظرتها الخاصة إلى هذا الحدث من حياة يسوع: دخوله إلى أورشليم.
1- ينابيع اللغة
تستعمل مختلف أخبار دخول يسوع إلى أورشليم لغة مؤلّفة (في جزء منها) من إشارات رمزية وحضارية يجدر بنا أولاً أن نحلّلها. ونتيجة هذا التحليل نستطيع أن نهفم كل مقطع إنجيلي في ديناميته الداخلية.
أ- جبل الزيتون والمسيح
يرتدي مجيء يسوع إلى جبل الزيتون وإقامته القصيرة فيه طابعاً مسيحانياً حقاً على ضوء النظرات اليهودية المعاصرة. وقد يكون نصّ زك 14: 4 نقطة انطلاق لتقليد، أو شاهداً على ولادة اعتقاد حول المسيح. يقول زكريا: "وتقف قدماه في ذلك اليوم على جبل الزيتون، قبالة أورشليم من الشرق، فينشّق جبل الزيتون من الشرق إلى الغرب وادياً عظيماً جداً...".
إن هذه الكلمات تصوّر تدخّل الله شخصياً في حرب اسكاتولوجية تكون أورشليم مسرحها، وذلك في نهاية الأزمنة (رج حز 11: 23: وصعد مجد الربّ عن المدينة ووقف شرقيها). وسيكون فلافيوس يوسيفوس (مؤرخ يهودي في نهاية القرن الأول المسيحي) صدى لهذا التيار في مقطع من "القديميّات اليهودية": "في ذلك الوقت جاء إلى أورشليم مصريّ يدّعي النبوءة، فنصح الشعب بأن يصعد معه إلى الجبل المسمّى جبل الزيتون، الذي هو قبالة المدينة، ويبعد عنها خمس غلوات. وردّد أمام الناس أنه يريد أن يدلّهم من هناك كيف أن أسوار أورشليم ستهدم طاعة لأمره، وعدهم بأنه يفتح لهم هكذا طريقاً".
إذن، من المعقول أنه في زمن يسوع والإنجيليين، ارتبط قول زك 14: 4 بتمثلاًت تدلّ على الحدث المسيحاني. ففي مدراش (درس) إخباري (ها غاده) (اسمه: سفر الياهو. دوّن في القرن السادس أو السابع ولكن مواده قد تعود إلى القرن الثالث ب م) نتعرّف إلى الدور الهام الذي لعبه زك 14 بين نصوص التوراة ذات البعد المسيحاني. جبل الزيتون (آ 4) له مركز الصدارة. لهذا، ندرك كل البعد المسيحاني الذي اتخدته إقامة يسوع وتلاميذه على جبل الزيتون في خبر مرقس حول رسالة يسوع في أورشليم (مر 11: 11 ي).
ويرتبط بجبل الزيتون: بيت عنيا وبيت فاجي.
بيت عنيا هي بيت الفقير والتواضع وصاحب العناء. في إطار القسم المرقسي الذي فيه يدخل خبر الدخول إلى أورشليم، قد يلعب معنى "بيت عنيا" مدلوله بالنسبة إلى يسوع. هتفت له الجموع، ولكنه لم يتوقّف في أورشليم. اكتفى بالمرور فيها مساء الدخول الاحتفالي (11: 10) ثم خرج إلى بيت عنيا.
بيت فاجي هي بيت التين الفجّ. هنا نتذكّر أن متتالية الدخول إلى أورشليم والإقامة في بيت عنيا، تجد امتدادها في مقطوعة التينة العقيمة (11: 12- 14).
ب- حمار وجحش ابن أتان
في الشرق القديم، ارتبط الحمار بُسطُر وعبادات آلهة عديدة. فهناك في مصر سطرة تيفون (أو سيت) إله الشر وخصم اوزيريس، إله الخير. الحيوان المكرّس لتيفون هو الحمار. والاله نفسه يصوّر بشكل إنسان رأسه رأس الحمار. والحمار هو أيضاً مطية ديونيوسيوس إله الخمر...
في العهد القديم، نرى الحمار حاضراً في أخبار عديدة من تقليد الآباء. إنه مطية الملك وبالتالي مطية المسيح. هنا نورد نصين فسرّا تفسيراً مسيحانياً في التقليد اليهودي. الأول، قول لا يهوذا (تك 49: 11): "يربط بالكرمة جحشه". والثاني في زك 9: 9: "ها هو ملكك يأتيك، إنه عادل منتصر، إنه متواضع وراكب على حمار".
لقد ربط التقليد المدارشي بين هذين النصين في توسّعاته التعليمية حول المسيح ومجيئه. مثلاً نقرأ في "براشيت ربه" ما يلي: "يربط حماره بالكرمة... (تك 49: 11). يفسّر المعلمون هذه الكلمات هكذا: قالت الله: أنا مرتبط بالكرمة (أي إسرائيل) وبعنب هذه المدينة (أي أورشليم) الثمين. صغير الأتان. أي حين يأتي ذاك الذي قيل فيه (زك 9: 9): فقيراً وراكباً على حمار".
لا شك في أن هذه التعاليم دوّنت بعد الأناجيل بقرون من الزمن، ولكن التفكير اللاهوتي الذي أشرف على أول تعبير لها وعلى نقلها، هو قديم، بل معاصر لبناء الهيكل الثاني. لهذا، فهي تلقي ضوءاً مهماً على تكوين خبر دخول المسيح إلى أورشليم.
هو جحش ما ركب عليه أحد. هذا ما يقوله مرقس (11: 2) ولوقا (19: 20). حيوان مكرّس لم يستعمل أبداً. إنه كحيوان الذبيحة. هذا ما نقرأ في عد 19: 2 عن البقرة الحمراء: "صحيحة، لا عيب فيها، ولم يرفع عليها نير". رج تث 15: 19 عن البكر من الغنم والبقر: 21: 3؛ 1 صم 6: 7.
وإذ يحدّثنا الخبر الإنجيلي عن دخول يسوع إلى أورشليم فهو يتذّكير مقاطع عديدة من العهد القديم يتوّج فيها الملك. مثلاً في 2 مل 9: 13 (عن ياهو): "فأسرع كل واحد منهم وخلع عباءته (أو: رداءه) عنه وفرشها تحت قدميه عند أعلى الدرج. ونفخوا جميعاً في البوق ونادوا: ياهو ملك". ولكننا نتوّقف بشكل خاص عند 1 مل 1: 33 حيث يعطي داود أوامره بشأن تكريس سليمان. "خذوا معكم رجال حاشيتي وأركبوا ابني سليمان على بغلتي وانزلوا به إلى جيحون".
إن الفعل "ابيبيبازو" (أركب على) لا يوجد في كل العهد الجديد إلا في لوقا (10: 34؛ 19: 35) وفي أعمال الرسل (23: 24). نحن نجده في خبر لوقا عن دخول يسوع المسيحاني إلى أورشليم (لو 19: 35): "أركبوا يسوع". أما الإنجيليون الثلاثة الباقون فقالوا: "أجلسوه" (مت 21: 7؛ مر 11: 7؛ يو 12: 14: إكاتيسان).
لا نستطيع أن نعزل مر 11: 1- 10 وز من إطار الاستقبالات الاحتفالية إكراماً للملك في المدن الهلنستية. مثلاً هناك عبارة "للقائه" في يو 21: 13 (رج في إطار آخر مت 8: 34، 25: 1 والعذارى). كان ذاك الدخول في العالم القديم جزءاً من طقوس "المجيء" أو "باروسيا". وهي زيارة رسمية للملك في مقاطعة أو مدينة. وهكذا بدا دخول يسوع إلى أورشليم بشكل زيارة المسيح لعاصمته الملكية أورشليم.
ج- هوشعنا، مبارك الآتي
يرد مز 118: 25- 26 في الأناجيل الأربعة (مت 21: 9؛ مر 11: 9؛ لو 19: 38؛ لو 12: 13) وقد جعل فيه كل إنجيلي تحويرات لها معناها. أما النص العبري فهو: "يا رب خلص، يا رب أحسن إلينا: تبارك الآتي باسم الرب. نبارككم من بيت الرب". هذا المزمور هو آخر الهلل وهي مجموعة من المزامير (113- 118) بها يهلّلون لله (يمدحونه، يسبّحونه) في بعض الاحتفالات مثل أعياد الحج الكبرى (عيد الفصح، عيد العنصرة، عيد المظال بأيامه الثمانية، عيد تدشين الهيكل) أو في ذبيحة الصباح. كان نشيد الهلل يدلّ بصورة خاصة على الاحتفالات الفصيحة عامة ورتبة الطعام خاصة (رج مت 26: 30؛ مر 14: 26).
وكان هذا النشيد يرتدي عظمة كبرى في عيد المظال. فعند بعض الآيات، تحزك الجماعة "اللولب" وهو حزمة مؤلّفة من أغصان النخل والصفصاف حسب لا 23: 40 (سمّيت الأغصان بعض المرات: هوشعنا). 
أوصنا هي الصيغة اليونانية للآرامية هوشعنا. وفي العبرية هوشيع نا أي: خلّص اذن. تعبرّ هذه اللفظة عن ابتهال ملحّ أو تحلّ محلّ الهتاف الليتورجي. وفي عيد المظال كانت هوشعنا دعاء لطلب المطر. أما في الأدب الإنجيلي فهي هتاف مديح. لقد صارت جزءاً من العبادة المسيحية مثل هللويا ساعة دوّن الإنجيل. ونلاحظ أنه في 2 صم 14: 4؛ 2 مل 6: 26؛ مز 118 (117): 25 تحمل اللفظة العبرية معناها الأصلي: "أغثني". أما السبعينية فترجمت "سوزو" (أي خلّص). أما الأناجيل الأربعة، فاحتفظت بالشكل العبري الذي يدلّ على دعاء ليتورجي.
"تبارك الآتي باسم الرب". يرد اسم الفاعل "الآتي" في استشهاد بيبلي، إلا أنه يتخّذ معنى خاصاً في خبر الدخول إلى أورشليم. فكما في مت 11: 2 ولو 7: 19 (إرسال تلميذي يوحنا إلى يسوع)، هذه الصيغة تعني المسيح بالتأكيد (أأنت هو الآتي أم ننتظر آخر؟). وهذه الطريقة بتسمية المسيح ذاك "الآتي"، لم تكن دارجة. أما نستطيع أن نرى فيها نظرة مسيحانية خاصة؟ ولما صار الاسم الفاعل هذا لقباً مسيحانياً، ساعد على التقريب بين تك 49: 10- 11 (لا يبتعد الصولجان عن يهوذا... حتى يأتي... يربط بالكرمة جحشه) وزك 9: 9 (ها هوذا ملك يأتيك). وقد يكون لعب دوراً في حركة تفسير تك 49: 10- 11 بواسطة تقليد تثبّت فيما بعد في زك 9: 9.
ونصل إلى أغصان النخل. لا نجدها إلا في خبر يوحنا. حسب لا 23: 40 دخلت أغصان النخل في عيد المظال (رج نح 8: 15). وارتبط النخل بعيد المظال في زينة المجامع اليهودية (جدرانيات أو فسيفساء).
إن الاستعمال الليتورجي للنخيل يعود إلى زمن المكابيين. فالكلمة "بايون" (غصن النخيل، سعف النخل) لا توجد في كل التوراة إلا في 1 مك 13: 51، في خبر دخول سمعان المنتصر إلى أورشليم: "ودخل اليهود (إلى القلعة) في اليوم الثالث والعشرين من الشهر الثاني... بتسابيح الحمد وسعف النخل... احتفاء بتدمير عدوّ لدود". أما كلمة "فوينكس" (النخيل) فتستعمل مراراً في العهد القديم وفي يو 12: 13؛ رؤ 7: 9. يذكر 2 مك هذه اللفظة في طقس عيد التدشين الذي نظّم تذكراً لتطهير الهيكل وتدشينه بعد الانتصار الذي حازه المكابيون (1 مك 4: 54 ي). أما طقس هذا العيد فمثل طقس عيد المظال. "فعيّدوا ثمانية أيام بفرح كما في عيد المظال... حملوا في أيديهم أغصاناً مورقة وسعف نخيل، وسبّحوا الرب الذي يسّر لهم تطهير هيكله" (موضعه القدّس) (2 مك 10: 6- 7).
إذن يبدو أن سعف النخل تدلّ على الانتصار. كانت زينة الملك العائد من الحرب ورمز السلطة. وقد ارتبطت بواسطة "اللولب" مع بعض الاحتفالات الليتورجية.
2- الآتي باسم الرب (11: 1- 10)
بعد هذه المقدّمة العامة، نعود إلى إنجيل مرقس بشكل خاص.
هناك أولاً مقدّمة (آ 1) تحدّد موقع المشهد: قرب أورشليم. يذكر مرقس ثلاثة أمكنة قريبة من المدينة المقدسة: بيت فاجي، بيت عنيا، جبل الزيتون. وجبل الزيتون يذكّرنا برؤية زكريا التي تصوّر مجيء يهوه حين المجابهة الاسكاتولوجية بين أورشليم والأمم (زك 14: 4: تطأ قدماه جبل الزيتون). إنها زيارة الله التي تنتظرها أورشليم. إنه القتال الحاسم في التاريخ. إذن، هو إطار دينونة يعطي لونه لا لحدث الدخول إلى أورشليم فحسب، بل إلى القسم كله.
اتخذ يسوع مبادرة دخوله إلى المدينة المقدّسة، وحدّد كيف يكون هذا الدخول. هيأه بالاهتمام عينه الذي به سيهيئ احتفاله بالفصح (14: 12- 16). هذان المقطعان هما متوزايان، وسوف نركما ذلك في القسم الثالث: إرسال تلميذين مع تعليمات محدّدة. تنفيذ المهمة حسب البرنامج المرسوم. من الواضح أن مرقس شدّد على قرار يسوع أن يرتّب كل شيء. حسب نية محدّدة يفلت بُعدها عن منفّذيها.
ذهب التلميذان من قبل معلّمهما، وهما يحملان أمراً بجلب "جحش مربوط لم يركب عليه أحد بعد" (آ 2). فالحمار هو الحيوان الداجن ورفيق الإنسان في أعماله اليومية. إنه غير الحصان الذي استعمل يا أرض إسرائيل منذ أيام سليمان (1 مل 11: 26- 29؛ 2 أخ 1: 14- 17). هو مطية الحرب والكبرياء (أش 17: 25: 22: 4). عرفنا سابقاً أن داود أرسل بغلته ليركبها سليمان قبل تتويجه ملكاً. وهناك نص زكريا الذي يورده مت 21: 5 حرفيا، فرافق خبره الترجمة اليونانية للقول النبوي.
في هذا الإطار البسيط، اعتبر الناس أن المسيح سيأتي ليدشّن السلام في الكون. وحين تحدّث الإنجيلي عن جحش مربوط، تذكر بركة يعقوب ليهوذا (تك 49: 11: يربط الجحش بالكرمة). وهناك الطابع المكرّس لهذا الجحش الذي لم يركبه أحد.
في توصيات يسوع لتلاميذه، هناك إشارة تلفت انتباهنا لأننا لم نعتد عليها عند مرقس: إن يسوع سمّى نفسه "الرب" (آ 3: الرب محتاج إليه)، وهو لقب لا ينسبه الإنجيلي إلى يسوع إلا بخفر وتحفّظ في سائر إنجيله (7: 28: أجل، يا رب؛ 12: 26- 27: قال الرب لربيّ). لقد أراد بذلك أن يشددّ على وعي يسوع أنه يتم نبوءة زكريا المسيحانية، فيتصّرف باتفاق تام مع إرادة الله السامية. وانضمت إلى مبادرة المعلّم فعلة التلاميذ التي استلهمت طقوس التنصيب الملكي. مثل هذه الفعلة تدلّ على الخضوع، وتدلّ أيضاً على الأمل بأن نقاسم الملك حكمته ومجده.
هذا ما فعله الشعب: فرش الثياب والأغصان على طريق يدوسها ابن داود لكي يدخل إلى مدينته. استلهم هذا الاستقبال الملوكي والمسيحاني إطاراً ليتورجياً تستعمل في عيد المظال. تذكّر الناس مسيرة شعب إسرائيل في البرية وزمن "عرسه" مع الله (لا 23: 42؛ إر 2: 2). فاحتفل بملك يهوه وانشد رجاءه بالملك المسيح. كان زكريا قد أعلن أن ملك الله سيمتدّ إلى جميع الأمم التي تصعد كل سنة إلى أورشليم لتشارك في عيد المظال (زك 14: 16- 19). واتخذ هتاف الشعب رنّة مسيحانية للقاء ذاك الآتي إلى ابنة (مدينة) صهيون.
كل هذه المواضيع التوراتية شاركت في تقديم دخول يسوع إلى أورشليم وكأنه احتفال ليتورجي في تنصيب ابن داود. وإن مرقس قد زاد على آية المزمور حاشية توضح بُعده: "تباركت المملكة الآتية. مملكة أبينا داود" (آ 1). يسوع هو الوارث الحقيقي بوعد وصل إلى داود بفم ناتان (2 صم 7: 12- 16). واستعاده أشعيا (7: 13- 14). إن يسوع يتمّ الآن هذا الوعد فيقيم بشكل نهائي المملكة المنتظرة. ولكنه يقيمها بشكل يختلف عما انتظره الناس: إن المسيح دخل إلى مدينة داود ليموت فيها.
ثم دخل يسوع إلى الهيكل. دخل "وحده". لم يقم بأية معجزة شفاء. لم يقم بأي عمل يدلّ على سلطانه. بل اكتفى بأن ينظر كل شيء في الهيكل. وجاء المساء، فذهب إلى بيت عنيا مع تلاميذه. لا يذكر النصّ أي تدخّل من قبل السلطات، ولا يتحدّث عن "ثورة" في المدينة (رج مت 21: 1- 11؛ لو 19: 39- 40؛ يو 12: 19). لا شك في أن هذه النهاية الفجائية بدت مخيّبة الآمال. كل هذه المظاهرة الشعبية انتهت، ودخل يسوع وحده إلى الهيكل.
إن لنصّ مرقس لوناً مسيحانياً وله أيضاً لون اسكاتولوجي. وهذا ما يميّز الإنجيل الثاني. فالطريقة التي اختارها يسوع لدخوله كانت موافقة لكي يعلن مسيحانيته للذين يستطيعون أن يفهموها ويستعدوا أن يتقبلوها. ويخفيها عن الآخرين.
لقد عاش يسوع وتلاميذه هذا الدخول المسيحاني. وهذا لا يعني أنهم فهموه كما فهمه هو. ولكن يبدو من الصعب أن نعرف فكرة الناس الذين ساروا في هذه المظاهرة: يحدث هنا شيء ما يتجاوب وانتظارهم. لقد اقترب الملكوت. وقد يكون هذا الرجل الراكب على "جحش" علامة عن هذا الملكوت أو السابق الذي يبشّر به. هل كان إيليا (أو يوحنا المعمدان) أو أحد الشخصيات الذين سيأتون حالاً قبل المسيح؟ هل كان هو المسيح نفسه؟
يفهمنا مرقس أن هذه الأسئلة طُرحت، وأن يسوع لم يفعل شيئاً ليردّ عليها. فالجمع رأى بلا شك ما أراد أن يراه. وقد يكون اكتفى في وسط شقائه السياسي أن يتذوّق برهة قصيرة من الحماس الوطني. ولكن هذا الحماس الوطني خبا سريعاً. فيسوع هو وحده مع تلاميذه (آ 11).
لم يخطئ مرقس، شأنه شأن سائر الإنجيليين، حول بُعد استقبال "أورشليم" لملكها. فالشعب لن يجد في يسوع مسيح آماله. وكمالُ الدخول إلى أورشليم سيكون على جبل الجلجلة. ماذا كانت عواطف الشعب آنذاك؟
عند متى كما عند مرقس، سيدلُّ حدث التينة العقيمة على نوعية ديانة هذه المدينة التي هتفت ليسوع، وعلى وجه هيكلها الذي لا يتجاوز "تطهيره" بُعد عمل نبويّ (مت 21: 18- 22؛ مر 11: 12- 14، 25: 25). عند لوقا سيبكي يسوع على المدينة قبل أن يدخل إليها (لو 19: 14- 44). وعند يوحنا سيدل حدث اليونانيين الذي يلي الدخول إلى أورشليم، على حقيقة مجد المسيح (يو 12: 20- 28).
3- مرقس وسائر الإنجيليين
أ- تدوين مرقس
من السهل أن نكتشف في مر 11: 1- 11 ترتيب خبرين اثنين: من جهة، أرسل يسوع تلميذين من تلاميذه ليعدّا المطية (آ 1- 6). ومن جهة ثانية، هتف له الشعب (آ 7- 10). وانتهى كل شيء في أورشليم وفي الهيكل (آ 11). إن مواجهة القسم الأول من هذه المقطوعة (آ 1- 6) مع خبر الاستعدادات للفصح يثبّت هذه القسمة كما يكشف تماسكها في حركة تدوينية أنتجت مجمل متتالية مرقس.
واللوحة التالية تبرز التشابه اللافت بين الخبرين، خبر الدخول إلى أورشليم، خبر الاحتفال بالفصح. وهي تدلّ على الروابط العميقة بين الدخول إلى أورشليم وخبر الآلام الذي يشكل في العشاء السرّي مع استعداداته جزءاً لا يتجزأ.
مر 11: 1- 6 مر 14: 12- 16
ولما وفي اليوم الأول من الفطير...
قربوا من أورشليم أين نمضي فنعدّ...
أرسل اثنين من تلاميذه أرسل اثنين من تلاميذه
وقال لهما وقال لهما؟
إذهبا إلى القرية إذهبا إلى المدينة
التي أمامكما
تجدان يلقاكما رجل
جحشاً مربرطاً... يحمل جرة ماء
فحلاّه وأتيا به فاتبعاه
وان قال لكما أحد... وحيث يدخل!
فقولا: الرب تقولان: المعلم
في حاجة إليه يقول
فانطلقا فانطلق التلميذان
فوجدا جحشاً فوجدا
فقالا لهم
كما قال يسوع كما قال لهما
فحلاّه واعدّا الفصح

في هذين النصّين نرى أن إرادة يسوع واضحة بأن يرتّب كل شيء بحسب قصد خاصّ به وواضح. ومهما يكن من أمر السّر الذي يكتنف مستقبل المسيح المباشر حيث دخل التلميذان، فالأوامر التي أعطيت لهما هي وثيقة ولا التباس فيها.
حين نقابل هذين النصر نجد أن يسوع سمّى نفسه "المعلّم" (ديدسكالوس) في خبر العشاء السرّي، و "كيريوس" (الرب) في خبر الدخول إلى أورشليم. هذا اللقب نجده في هذا الخبر عند متى (21: 3) ولوقا (19: 31) أيضاً. ولكنه يبرز بشكل خاص عند مرقس الذي لا يعطي يسوع اسم "الرب" كما يفعل متى ولوقا.
طلب يسوع "جحشاً مربوطاً لما يركب عليه أحد" فدلّ على ما في زك 9: 9. والإعلان في 11: 7- 10 هو تحقيق القول التوراتي الذي طبّقه يسوع على نفسه في آ 2- 6. وهكذا تتثبت الوحدة بين القسمين اللذين يؤلفان خبر مرقس عن الدخول إلى أورشليم.
"مباركة المملكة الآتية (مملكة) أبينا داود" (11: 10 آ). هذه العبارة في مرقس توازي "ابن داود" في مت 21: 9، "هو الملك" في لو 19: 38، "ملك إسرائيل" في يو 12: 13. هذه التعابير الأربعة زيدت كعنصر مؤوّن للمزمور 118: 25- 26، فدلّت على لاهوت كل إنجيلي: من هذا القبيل، وجّهت بوضوح تفسير الخبر بجمله. يسمّى داود "الأب" عند مرقس. مثل هذه التسمية محفوظة لإبراهيم (رج أع 4: 25). وإن سمي داود الأب، فلأن هذه اللفظة توافق الخط الشعبي للرجاء المسيحاني الذي هو إقامة مملكة داود. وهكذا يرتبط دخول يسوع إلى أورشليم بمنطق الوعد الداودي لإسرائيل. ولكن يجب أن ننتمي إلى "بقيّة" إسرائيل ونقاسمه ايمانه لكي ندرك ما سوف يتمّ "في مدينة الملك العظيم" (مز 48: 3). وهذا ما يميّز النبوءة عن تحقيقها.
الآلام هي هذا الحدث العظيم الذي به رفض يسوع كل تكرار عقيم (ذبائح تتكرّر) فكفل إلى الأبد أمانة الإنسان لكلمة الله في انفصال ضروري يؤمن تواصل المخطّط الإلهي. بعد هذا، يصبح الدور الحقيقي للدخول إلى أورشليم هو وصول المسيح إلى مدينته من أجل الآلام. لهذا ارتبط ف 11 ب ف 14 فدلّ على الهدف التعليمي واللاهوتي في الإنجيل الثاني.
ب- متى، لوقا، يوحنا
- مع متى (21: 1- 11) نحن أمام دخول مسيحاني، دخول واضح ورسمي. فنبوءة زك 9: 9 (سبقتها نبوءة أش 62: 11) ترد بشكل غريب في السبعينية وفي متى، فدخل على المسرح حيوانان (آ 5) لا حيوان واحد، وهذا ما لا يسهل قراءة آ 7. مهما يكن من أمر. مع هذا الإيراد يسوع هو الملك الحقيقي. أمره (آ 2- 3) ينفّذ بدون مناقشة (آ 6- 7) ولا اعتراض. هناك جع غفير يهتف لابن داود. وحين دخل يسوع إلى أورشليم، تحرّكت المدينة كلها وسألت: "من هذا"؟ فأجابت الجموع (الحجّاج): هذا هو النبي يسوع من ناصرة الجليل (آ 10- 11).
ويتابع يسوع مسيرته المظفرّة (هنا يختلف متى عن مرقس)، فيدخل حالاً إلى الهيكل ويطرد الباعة. ويشفي العرج والعميان فيدله على صفته المسيحانية. ولما احتجّ عظماء الكهنة والكتبة أجاب يسوع مورداً مز 8 المعروف ببعده المسيحاني (1 كور 15: 27؛ أف 1: 22؛ عب 3: 5- 8). 
في نظر لوقا (19: 28- 39)، هذا الحدث له معنى مسيحاني. فذلك الآتي باسم الرب هو كما عند يوحنا "الملك". وهناك إشارات تبدو تلميحاً إلى تتويج سليمان ملكاً. غير أن هذا الهتاف يبدو حصراً عمل التلاميذ. لا وجود لشعب، بل جماعة التلاميذ هم الذين يستحون ويهلّلون (آ 37). نصّ مهمّ من الوجهة المسيحانية، ولكن أهميته محصورة بالتلاميذ. لسنا هنا كما في متى ومرقس أمام مظاهرة شعبية، بل أمام تطواف خاص كذلك الذي نعرفه في كنائسنا.
عند يوحنا (12: 12- 19) يقيم يسوع منذ زمن بعيد في أورشليم أو في الجوار القريبة، حين يقوم بدخوله إلى أورشليم. إذن، هو لا يدخل الآن للمرة الأولى، بل هو يعود إليها من بيت عنيا. إن دخول يسوع إلى أورشليم في يوحنا هو مقدّمة للآلام من الوجهة الزمنية لا من الوجهة اللاهوتية، لأنه يتسجّل في سياق بدت فيه الآلام حاضرة منذ البداية في اقوال يسوع وفي فعلاته.
لا يصوّر لنا يوحنا يسوع وهو يعطي أوامره للدخول إلى المدينة. بل داخل الحماس الشعبي. جاء حشد كبير إلى العيد، فاستفاد من ظرف من الظروف، ونظّم يسوع هذه المسيرة المظفّرة. في آ 16، لم يفهم التلاميذ في الحال ما يحدث حقاً. ولكنهم سيتذّكرون الحدث بعد تمجيد معقمهم ويدركون علاقته بالنبوءة المسيحانية.
الخاتمة
إلى أين تقود هذه المسيرة المظفَّرة؟ إلى أورشليم والهيكل. فكل مسيرة يسوع وصعوده إلى أورشليم، يجدان هنا تتمّتهما. ففي قلب المعبد وحوله ستجري اللقاءات والجدالات التي يحدثنا عنها مر فيما بعد. جاء يسوع ونظر إلى كل شيء. لاحظ كل شيء. هو ذاك الذي يدلّ بحضوره ونظرته على أنه سيّد المكان.
ولكننا نجد في نظرة يسوع هذه قلقاً كبيراً. لقد انتهى العيد، وبدأت المأساة تتهيّأ وهي ستنفجر قريباً. أجل انتهى العيد ولم يمّتد إلى يوم آخر. هذا ما يدلّ على أن النص الذي درسناه كُتب على ضوء القيامة. وقد استعادته الجماعة الأولى مستعينة بالكتب المقدسة. هذا ما نجد صداه في يو 12: 16: "وما فهم التلاميذ في ذلك الوقت معنى هذا كلّه. ولكنهم تذكّروا، بعدما تمجّد يسوع، أن هذه الآية وردت لتخبر عنه، وأن الجموع عملوا هذا من أجله".
كان ليسوع استقبال شعبي، ولكنه كان استقبالاً فيه الكثير من الالتباس. وهذا ما نجده في ما يلي من الأحداث.

 

 

الفصل التاسع عشر
التينة العقيمة والباعة في الهيكل
11: 11- 19
في المسيحية الأولى، بحث المؤمنون في الكتب المقدّسة عن شهادات تدلّ على يسوع. ويسوع نفسه كان قد قال إن الكتب تشهد له (يو 5: 39). فإن كانت هناك كلمة من كلمات يسوع أو خبر يتلاءم مع نصّ العهد القديم، فقد عُلّم هذا الخبر أو هذه الكلمات كتفسير مسيحي للنصّ، ونقله التقليد. وهكذا نتج أمران مهمّان. الأول، توسّعت أقوال يسوع وأخباره في هذا التقليد بجانب العهد القديم. الثاني، تكوّنت تقاليد أخذت شيئاً فشيئاً شكلاً ثابتاً انتقل أقلّه إلى الأناجيل الإزائية الثلاثة.
1- بعد الدخول إلى أورشليم
إذا عدنا إلى الأناجيل الإزائية، وتوقّفنا بعد دخول يسوع إلى أورشليم، تطرح علينا بعض الأسئلة. ولكن قبل ذلك نتطلع إلى بنية متى (11: 1- 46). ومرقس (11: 1- 12: 12) ولوقا (19: 28- 20: 19) فيما يخصّ هذه المتتالية الطويلة التي تنتهي مع مثل الكرّامين القتلة.
متى مرقس لوقا
الدخول إلى أورشليم 21: 1- 9 11: 1- 10 19: 28- 38
نبوءة على دمار الهيكل - - 19: 39- 44 
تطهير الهيكل 21: 10- 17 - 19: 45- 48
لعن التينة 21: 18- 19 11: 12- 14 -
تطهير الهيكل - 11: 15- 19
حوار حول التينة 21: 20- 22 11: 20- 25 -
مثل الابنين 21: 28- 32 - -
مثل الكرّامين القتلة 21: 33- 46 12: 1- 12 20: 9- 19
فبين الدخول إلى أورشليم ومثل الكرّامين الأردياء، ضمّت الأناجيل الثلاثة قاسماً مشتركاً هو تطهير الهيكل والسؤال حول سلطة يسوع (بأي سلطان تفعل هذا، مر 11: 28). ولكن الترتيب يختلف بين متّى ومرقس: تتداخل لعنة التينة والحديث حول التينة مع أمور أخرى، ولا يبدو النصّان متشابهين.
أقحم متّى هذه المادة بين تطهير الهيكل والسؤال حول سلطة يسوع. ففي يو 2: 13- 22 يبدو بوضوح أن المسألة حول السلطة تنتمي إلى تطهير الهيكل، وإن يكن الجواب على سؤال السلطة أمراً آخر. أما في بنية مرقس، فقد جعلت لعنة التينة قبل تطهير الهيكل. أما الحوار حول هذا الموضوع فقد أقحم بين تطهير الهيكل والسؤال حول السلطة!
ثم إن متى ولوقا امتلكا مواد خاصة بهما: عند لوقا نجد تقليد النبوءة عن دمار أورشليم، وقد جاء قبل تطهير الهيكل. أما متى فقد أقحم مثَل الابنين بين السؤال عن السلطة ومثل الكرّامين الأردياء.
2- أسئلة على مستوى البنية
وتُطرح أسئلة على مستوى البنية: كيف نفسرّ الاختلافات في الترتيب وتداخل النص في هذه المتتاليات؟
أ- نقطة الانطلاق
إن نقطة الانطلاق في أبحاثنا هي الدخول إلى أورشليم. ففي هذا التقليد ترد كلمات عن الكتاب المقدس، وخصوصاً مز 118: 25- 26. ونجد في تقليد هذا الدخول الذي نجده عند مت ويو، مزيجاً من أش 62: 11 وزك 9: 9. وما يلفت النظر هو إيراد مز 118- 22- 23 في مثل الكرّامين القتلة (أو: الأردياء). هذا يعني أن الدخول إلى أورشليم ومثل الكرّامين دخلا في كتلة واحدة.
نحن هنا أمام توالٍ تاريخي. فإن كانت هذه السلسلة نتيجة تأليف الإنجيلي، كان بالامكان أن تكون: المثل ثمّ الدخول. لماذا؟ لأن المثل يورد آ 22- 23 من مز 118. والدخول آ 25-26 من المزمور عينه. كان يمكن أن يحصل هذا التوالي في لوقا حيث نجد خبر الدخول بعد مثل الدنانير. وقد يكون مثل الكرامين تبع مثل الدنانير. ولكن الأمر ليس هكذا. لهذا نقول إن ترتيب متى يتبع التوالي التاريخي للأحداث.
وقد نتخيّل الوضع كما يلي: أنشد الشعب ليسوع "هوشعنا، مبارك الآتي باسم الرب" (كما في المزمور). فأجاب يسوع بمثل: أنتم تنشدون هذا المزمور، ولكن بعد أيام قليلة سوف تصنعون كما كُتب في هذا المزمور: ستكونون البناة الذين يرذلون حجر الغلقة أو حجر الزاوية (كما أراده الله).
ولكن قد يكون كتبة مسيحيون رتّبوا النصوص ترتيباً يختلف عمّا في المزمور. في هذه الحالة يصبح الترتيب: الدخول، مثل الكرّامين القتلة. وما يثبت هذا هو أن يوحنا لم يقل شيئاً ممّا وجدناه في مثل الكرّامين.
ب- ترتيب النصوص
أدخل الإزائيون بين الدخول والمثل تطهير الهيكل والمسؤال حول السلطة. هل هذا الترتيب هو تاريخي؟ وبعبارة أخرى، هل حصل تطهير الهيكل حقّاً بين الدخول إلى أورشليم والوقت الذي فيه أعلن المثل؟ قد يكون الجواب نعم. ولكن تُطرح مسألة. عرف يوحنا، شأنه شأن الإزائيين، تطهير الهيكل، ولكنه جعله في بداية إنجيله. هذا يبيّن أن الجميع لم يكن لهم ذات المعرفة حول الوقت الذي حصل فيه هذا الحدث (في القسم الثاني من القرن الأول. دوّن مر سنة 70؛ مت، لو سنة 85، يو سنة 95 تقريباً).
عرف الإنجيليون الأربعة واقع تطهير الهيكل على يد يسوع، لأنه وصل إليهم بواسطة التقليد، ولكنهم لم يستطيعوا أن يحدّدوا زمانه (إلا إذا كان هناك هدف لاهوتي). ويبدو أن الإزائيين كانوا على حقّ حين جعلوا تطهير الهيكل يتمّ في نهاية حياة يسوع.
هنا نعود إلى أش 56: 7 وإر 7: 11 حيث يرد التقليد عن تطهير الهيكل. أنبأ إرميا بدمار الهيكل قائلاً: "هيكل الله، هيكل الله. لقد صار هذا الهيكل الذي يحمل أسمي مغارة لصوص". وقال أشعيا: "آخذهم إلى جبلي المقدس وأغمرهم بالفرح في بيتي، بيت الصلاة. أقبل محرقاتهم وذبائحهم على مذبحي، لأن بيتي يدعى بيت صلاة لجميع الشعوب". أورد مرقس نصّ أشعيا حتى النهاية فأعطى تطهير الهيكل بعداً شاملاً. فرواق الوثنيين الذي إعتاد "التجّار" على المرور فيه، هو مقدّس شأنه شأن رواق إسرائيل. شدّد نصّ أشعيا على أولوية الصلاة على الذبائح، وأظهر متى أن الهيكل يستطيع أن يستقبل أولئك المستبعدين من عرج وعميان (21: 14). 
أما إنباءات إرميا ضدّ المدينة والهيكل فكان لها أهمية كبرى في حياة يسوع. فحين نقرأ إر 7: 11، نتذكّر خبر تطهير الهيكل. بعد هذا، يتحدّث النبي عن دمار الهيكل والمدينة والشعب، لأن إسرائيل رفض أن يسمع لله حين كلّمه (إر 7: 12- 15). وسيقول إرميا فيما بعد (آ 25 ي) إن الله أعطى أنبياء منذ الخروج حتى اليوم، ولكن الشعب لم يرد أن يسمع، بل رذل الله. من الواضح إذن أن كلمات إرميا هذه ترتبط أيضاً مع مثل الكرّامين القتلة. فما قيل في المثل يتوافق مع أقوال النبي.
3- لوقا ومتّى
أ- إنجيل لوقا
ونجد في إنجيل لوقا تقليد النبوءة حول دمار أورشليم. كيف استطاع إن يضع هذا التقليد بين الدخول إلى أورشليم وتطهير الهيكل؟ قد يساعدنا العهد القديم على اكتشاف إشارات تبرّر هذا الإقحام، كما كان الأمر بالنسبة إلى إر 7.
نقرأ أولاً في لو 19: 42: "لو عرفت (يا أورشليم) في تلك الأيام ما هو لسلامك". ونقرأ في إر 6: 42 ما يقول أهل أورشليم: "سلام سلام". ولكن أين هو لسلام؟ إنه بعيد! في لو 19: 42، تحدّث يسوع عن المترسة التي بناها أعداء أورشليم حول المدينة. فنتذكر إر 6: 6 حيث يقول النبي باسم الربّ: "اقطعوا الأشجار. ابنوا مترسة أمام أورشليم".
في لو 19: 44 قال يسوع: يدوس الأعداء سكان أورشليم وأولادهم. تدلّ كلمة "داس" (محق) (ادافيوسين) على مز 137: 9 (في اليونانية): وضرب أولاد أورشليم بالصخرة. غير أن كلمة يسوع لا يمكن أن تكون إيراداً من كلمات هذا المزمور لأن يسوع يتكلّم عن الوالدين والأطفال. ولكن إذا عدنا إلى إر 6: 20 نقرأ أن الله وضع حجارة أمام الشعب، وأن الوالدين والبنين يعثرون، وأن الشخص وقريبه يهلكان. هذا حسب ما هو مكتوب لا النص. ولكنه يُقرأ كما يلي: الآباء والابناء، القريب وقريبه، كلهم يسقطون معاً ويهلكون.
وأخيراً يقول يسوع في لو 19: 44: إن الشعب لم يعرف "وقت الافتقاد". وفي إر 6: 15: "يسقطون بين الذي يسقطون ساعة أضربهم، يقول الرب". وهكذا نفهم أن نبوءة يسوع حول دمار أورشليم وجدت تقليدها هنا. إن يسوع يعيد قراءة إرميا على ضوء الواقع الذي يراه آتياً. وقد تكون الكنيسة قرأت أقوال يسوع في إطار إر 6. إذا كان الأمر كذلك، نفهم أن تكون النبوءة على أورشليم قد وضعت قبل تقليد تطهير الهيكل وبعد تقليد الدخول إلى أورشليم. لا شكّ أنه أقحم بين الدخول ومثل الكرّامين تقاليد تتحدث عن أورشليم وتطهير الهيكل والسؤال عن السلطة. ولكن يبقى أن التأمل في مز 118: 22- 26 وفي إر 6- 7، قدّم الإطار الذي فيه دخلت هذه الأحداث التي وردت في مر 11: 1- 12: 12 وز.
ب- إنجيل متّى
يلتقي متّى مع مرقس في نقطتين. الأولى: لا نجد تقليد النبوءة على دمار أورشليم (لوقا). الثانية: نجد عندهما لعنة التينة والحوار الذي يرتبط بهذه اللعنة (هذا ما لا نجده عند لوقا). بالإضافة إلى ذلك نجد في كما مثل الابنين. هذا يعني أن متّى ومرقس هما في نهاية سلسلة من التقاليد المسيحية التي لم تتوقّف عند النبوءة المتعلّقة بدمار أورشليم وارتباطها مع إر 6. هذا من جهة. ومن جهة ثانية، عُلّمت لعنة التينة في ارتباطها مع إر 7. وزاد متّى، كما قلنا، مثل الابنين. سنعود إلى هذا فيما بعد
4- لعنة التينة
ولكن ماذا عن مسألة التينة؟ ونطرح السؤال: هل كان بالامكان أن نقحم مع تقليد تطهير الهيكل (كمادة علمت مع إر 7: 11) تقليد لعنة التينة؟ وبعبارة أخرى: هل يُعتبر خبرُ التينة خبراً عُلّم وحُفظ بمناسبة التأمّل في إر 7؟ يبدو أن الجواب هو نعم. ففي إر 7: 20 قال الربّ إنه يريد أن يفيض غضبه على البشر، على الحيوان، على أشجار البرية، على كلّ ثمر الأرض... وفي لعنة التينة تمّت كلمات العهد القديم هذه. ثم جاء التعليم المتعلّق بالإيمان. فقد رأى المؤمنون في الحوار نتيجة اللعنة. ولكن حين قرأ المؤمنون الكتاب المقدس ليجدوا فيه شهادات عن المسيح، فهموا هذه الأقوال تتمة لكلمة نبوية قالها الله: حين يصب غضبه الإلهي على أورشليم وشعب إسرائيل، ستُلعن أشجار الحقل وثمار الأرض.
ماذا يعني هذا الكلام؟ أولاً: إن لعنة التينة تدلّ على أن غضب الله الموجّه على أورشليم قد بدأ يفعل منذ الآن. هذه اللعنة تدلّ على أن لعنة الله على المدينة وعلى الشعب قد بدأت. ولعنة التينة واقع اسكاتولوجي. والآن، عرف الإزائيون التينة في المثل الذي يقع في نهاية "الرؤيا" (مت 24: 32- 33؛ مر 13: 28- 29: لو 21: 29 ي). قيل هنا أنه حين تسقط أوراق التينة، فهذا يعني أن القطاف قريب. هنا نتعلّم أن دينونة الله قريبة حين تحصل علامات نهاية الأزمنة. وإن كان الموضوع هو يباس التينة الطبيعي، إلاَّ أن للتينة وظيفة اسكاتولوجية واضحة في المثل.
ثانياً: ونعود إلى مر 11: 13. نعرف هنا أنه لم يكن "أوان التين". ولكن بما أنه ليس أوان التين، فلماذا لعن يسوع الشجرة، ولماذا تحقّقت اللعنة؟ يبدو الجواب سهلاً إذا كنا أمام لعنة اسكاتولوجيّة، حسب إر 7: 20. إن التقليد المدهش القائل بأنه لم يكن أوان التين، يدلّنا على أننا لسنا أمام لعنة شجرة لا فائدة منها، بل أمام المجيء المفاجئ لعدالة الله. ثم تحقّقت لعنة يسوع، فدلّ تحقّقها على أن يسوع هو مثل الله على الأرض. هو الله بالذات. لعنته هي لعنة الله.
ويُطرح سؤال آخر: لماذا جُعلت التينة بين تطهير الهيكل ومسألة السلطة؟ نعرف أولاً أن مسألة السلطة مرتبطة بتطهير الهيكل، كما يظهر ذلك في إنجيل يوحنا. ولكن ما نلاحظه هو أن الجواب على سؤال "السلطة" يختلف في يو عماّ هو عند الإزائيين. ففي يو، نجد جواباً على السؤال بواسطة عودة إلى قيامة يسوع. أمّا مت ومر فأجابا على السؤال بعودة إلى يوحنا المعمدان. هناك من يقابل بين تطهير وتطهير بمعمودية يوحنا. وخصوم يسوع هم خصوم يوحنا. في الماضي لم يكونوا يعتقدون أنه كان ليوحنا ملء السلطان لكي يعمّد. والآن يعتقدودن أنه ليس ليسوع ملء السلطان لكي يطهّر الهيكل. لجأ يسوع في الحالين إلى السلطة التي أعطاها الله ليوحنا المعمدان وله. ولكن إن كان الأمر هكذا، فلن يكون من السهل أن نفهم كيف أقحم خبر التينة بين تطهير الهيكل ومسألة السلطة.
إن الواقع التاريخي لتطهير الهيكل يجد أساسه في الكتاب المقدس. ففي ملا 3: 1- 3 يقال أن الرب سيأتي إلى هيكله وينقّي أبناء لاوي. رأى يسوع في هذا النصّ أساساً لكي يبعد من طريقه العوائق التي وجدها في رواق الهيكل. ويتكلّم نصّ ملا أيضاً عن مرسل يهيّئ الطريق لمجيء الربّ. لهذا، وجب من أجل مسألة السلطة العودة إلى يوحنا المعمدان، إلى سابق يسوع، إلى المرسل الذي تحدّث عنه ملاخي.
لو قالوا إن معمودية يوحنا هي من الله، لاستطاع يسوع أن يعود إلى الكتب المقدّسة ليقول إنه الربّ الذي يتبع المرسل الذي هو يوحنا المعمدان. إنه الربّ الذي جاء بنفسه لكي يطهّر أبناء لاوي. فإن استعدوا أن يعترفوا بيوحنا، وجب أن يعترفوا بيسوع. وهذا كله على أساس الكتب المقدّسة. ولكن بما أن تطهير الهيكل ارتبط على مستوى التاريخ بتقليد حول يوحنا المعمدان، جاء إر 7 كموضع يساعدنا على المحافظة على تقليد تطهير الهيكل.
هنا نفهم لماذا جُعل خبر التينة بين تطهير الهيكل والسؤال عن السلطة. فتطهير الهيكل ينتمي إلى إر 7: 11. وخبر التينة إلى إر 7: 20. والجواب على السؤال حول السلطة إلى إر 7: 25. وساعدنا إر 7: 26 على إقحام الكتلة كلها مع مز 118: 22- 26.
5- تقليد مرقس
لا يمتلك مرقس النبوءة على دمار أورشليم ولا مثل الابنين. في نهاية الحوار حول لعن التينة، نجد بعض الامتدادات. إن تجمّع المواد في مر ينتمي إلى إر 7: 11، 20، 25، مع مز 118: 22- 26. وهكذا يكون مرقس قريباً جداً من متّى.
ولكن يبقى اختلاف هام بين تقليد متى وتقليد مرقس. الترتيب عند متّى: تطهير الهيكل، لعنة التينة، حوار حول اللعنة، سؤالا حول السلطة. أما عند مرقس فهو: لعن التينة، تطهير الهيكل. حوار حول لعن التينة، والسؤال حول السلطة. لمذا فعل مرقس ما فعل؟ هناك هدف لاهوتي. فإن رأينا في لعن التينة العلامة الأولى للمجيء الفجائي لغضب الله، فيكون أن مرقس قد أعطى المكانة الأولى لهذا الخبر. فتطهير الهيكل هو الموضوع الأساسي. ولكن لماذا لم ينفّذ يسوع هذا التطهير وهو الذي زار الهيكل فيما سبق؟ الجواب: لم يتمّ تطهير الهيكل إلاّ ساعة بدأ يسوع عمله كديّان إلهي.
وهكذا جاء تأليف مرقس فبدّل مسيرة التدوين. علّمنا تأليف التقاليد في متّى على وضع الدخول إلى أورشليم وتطهير الهيكل في يوم واحد. وترك إلى يوم آخر خبر التينة ومسألة السلطة والأمثال. أما مرقس، فامتدّ عمله على ثلاث أيام. اليوم الأول: الدخول إلى أورشليم وتفقّد الهيكل. اليوم الثاني: لعن التينة وتطهير الهيكل. اليوم الثالث: حوار حول لعن التينة، سؤال حول السلطة، مثل الكرّامين القتلة.
خاتمة
ما هي النتيجة التي وصلنا إليها؟ هناك طرق عديدة تساعد اكتشاف على الاختلاف في ترتيب المقطوعات لا المتتالية الواحدة المشتركة بين الأناجيل. ومن هذه الطرق، نصوص العهد القديم التي تأمّلت فيها الجماعات المسيحية الأولى. هذا ما حاولنا أن نكتشفه منطلقين من نصوص المزمور (118) وأرميا وملاخي. هكذا دخل المؤمنون في قصد الله من خلال قراءتهم للكتاب المقدس، واكتشفوا فيه هذا القصد يتحقّق في حياة يسوع وأقواله وأعماله.

 

 

الفصل العشرون
الإيمان والصلاة
11: 20- 26
إن الآيات الأولى في هذه المقطوعة الجديدة تشكّل امتداداً لما في آ 12- 14، وتكمّل الحدث الذي في داخله اتخذ طرد الباعة من الهيكل، معناه. والتفصيل الذي يتحدّث عن الشجرة التي يبست من أصلها يدلّ على أنها يبست تماماً ولم تستطع أن تعطي ثماراً. وينطلق يسوع من هذا الواقع فيحدّثنا عن قوة الإيمان الذي ترافقه الصلاة. فبإيماننا ننقل الجبال.
1- نظرة عامة
ولما أقبل المساء (11: 11) ترك يسوع المدينة. قد يدلّ تعبير مر على واقع منعزل، أو على عادة اتخذها المعلّم خلال إقامته في أورشليم. على كل حال، يشير الإنجيلي هنا إلى أن المعلّم بدأ يتباعد عن المدينة التي لا تعترف بهويته. في بداية الإنجيلي، كان قد فعل الشيء عينه مع الجموع المتحمّسة لتسمعه والمتردّدة لأن تفهمه (1: 38؛ 3: 9؛ 4: 11، 36؛ 6: 45؛ 8: 13).
وفي طريق العودة، في صباح الغد، وجد التلاميذ التينة التي رأوها البارحة. ولكنها كانت هذه المرة "يابسة حتى الجذور". فلفت بطرس انتباه المعلّم إلى ذلك. وبدأ يسوع بتحريض موجز: "ليكن لكم إيمان الله". ثم أهمل التحدّث عن التينة، فتوسّع في أهمية الصلاة التي نمارسها بإيمان. وكلمة "صلاة" تجعلنا في خطّ التفسير الصحيح، لأنها تحيلنا إلى مشهد تطهير الهيكل المعدّ لأن يكون "بيت صلاة لجميع الأمم" (11: 17، 24- 25).
فعلة التينة هي فعلة رمزية. ولا يُدرك مدلولها إلاّ بالعودة إلى ظهور يسوع في أورشليم وظهوره في الهيكل. فالاستقبال الذي لقيه هو استقبال ملك منتصر يدخل إلى مدينته ويجازي الأمناء له حسب أعمالهم. ما صوّر هو دينونة مسيحانية. وهذه الدينونة لا تتمّ على المستوى الوطني أو السياسي، بل على المستوى الديني. هي تطلب من شعب العهد الذي ترمز التينة إليه هنا، والكرمة في موضع آخر (12: 1- 12)، أن يقدّم حساباً عن أمانته للشريعة وبالتالي عن صدقه في شعائر عبادته وفي حقيقة صلاته. هي تطلب ثماراً.
فالإتحاد بالله وبمشيئته، يتيح للبشر أن ينفتحوا على تعليم يسوع. فالتينة العقيمة (لا ثمار فيها) هي صورة عن العمل الذي لا خصب فيه فينغلق على ذاته. ويباس التينة يشكّل وحياً بالنسبة إلى التلاميذ ونداء إلى الإيمان. وكذلك طرد الباعة من الهيكل يشكّل للشعب ورؤسائه الرسمييّن كشفاً عن شعائر عبادة عفّى عنها الزمن ودعوة للإنفتاح الشامل: لم يعد الإختيار محصوراً بشعب واحد. بل هو يقدّم للجميع. وحين بذلك يسوع حياته من أجل الكثيرين، جعل نفسه في خدمة الجميع.
الإيمان هو الدخول في أمانة يسوع تجاه الله أبيه، وتقبّل فيض النعمة منه. من يؤمن، كما يقول مت، يستطيع أن يعمل فعلة التينة (21: 21). أو يكون موضوع صبر الله وأناته، حسب مثل التينة كما يورده لو 13: 6- 9 في نسخة خاصة به. والإيمان حسب مر هو أن نقيم في صلاة يسوع البنويّة ونرتدي قوّته التي لا تقاوم. تلك القوة التي تقلب العالم انقلاب الأيام الأخيرة، كما يقول زك 4: 7؛ 14: 4. فهذا النبي تكلّم أيضاً عن انتقال الجبل ساعة قام الرب بحربه الأخيرة. لقد جعل مر (شأنه شأن مت) هذا القول المتنقّل حول الإيمان في هذا الإطار. إن آمنا بما نعلن حصل. إن آمنا أدركنا آيات مجيء المسيح. تلك هي قوة الإيمان في يسوع في قلب صلاة شاملة.
إذن، الثقة بفاعلية الصلاة تجري بشكل مباشر من الإقرار بخلاص نهائي يصل إلينا في يسوع. فهو الذي يؤسّس جماعة التلاميذ التي تتأسّس في غفران نالته من الابن الحبيب، فشارك فيه الأخوة: "إن كان لكم على أحد شيء فاغفروا، لكي يغفر لكم أيضاً أبوكم الذي في السماوات زلاّتكم" (آ 25). هذا هو الموضع الوحيد في مر، الذي يعلن فيه يسوع لتلاميذه أن أباه هو أبوهم. عبارة بعيدة عن تلك التي بها استقبل الناس يسوع لدى دخوله إلى أورشليم: "مباركة المملكة الآتية، مملكة أبينا داود" (11: 10). 
فيسوع هو أكثر من ابن داود. إنه ابن الله الحقيقي الذي يغفر وحده الخطايا. الذي يقدّم لأخصائه واقعه البنويّ ويدفعهم إلى الغفران المتبادل. فمن رفض أن يغفر للآخرين كان وكأنه يرفض رحمة الآب السماوي. كان وكأنه يمنع، على مستواه البشري، أن تُنشر قدرةُ الغفران فتعبرّ عن حبّ الله الشامل.
نجد هنا في سر ما يقابل الطلبة الخامسة في الصلاة الربية (الأبانا) حسب مت 6: 12. لهذا، أضافت بعض المخطوطات في هذا الموضع من مر آية وردت في مت 6: 15: "فإن لم تغفروا، فأبوكم الذي في السماوات لا يغفر لكم أيضاً زلاّتكم" (11: 26).
2- قراءة تفصيلية
"وفي الصباح الباكر". في غد اليوم التالي. يبست التينة (رج 3: 1). هناك بعض المخطوطات قد أغفلت: "في الصباح الباكر" لكي تربط جزئي حدث التينة في يوم واحد. يبست، من جذورها. حتى الجذور (إك رزون). رج أي 28: 9؛ 31: 12؛ حز 17: 9 (دمار جذري).
"فتذكّر بطرس". رج 14: 72 في ما يخصّ فعل تذكّر وما فعل هذا التذكّر في بطرس.
"ليكن لكم إيمان" (آ 22). نجد في الكودكس السينائي: "لو كان عندكم إيمان". قد يكون لو 17: 6 هو الأصل (رج مت 17: 20؛ 21: 21). ومر تبع تقليداً خاصاً به. أو يكون في قراءة "لو كان عندكم إيمان" عودة الخطاطين إلى نسخة لو. لا نجد هذه العبارة، "ليكن لكم إيمان الله" في أي مكان آخر. عادة، عندنا إيمان بالله (1 تس 1: 8؛ عب 6: 1). ولكن ماذا يعني "إيمان الله"؟ إيمان ينبع من قلب الله. يتّخذ قوته من الله ذاته.
"الحقّ أقول لكم" (آ 23). نحن أمام بداية كلام احتفالي له أهميّة خاصة في تعليم يسوع. إن الفعل "دياكرينو" يعني في العهد الجديد: تردّد، ارتاب (أع 10: 20؛ روم 4: 20؛ يع 2: 4). لا نجد هذا المعنى في السبعينية (يدلّ الفعل حينذاك على الدينونة والتمييز (القرار). قالت مت 21: 21: "إن كان لكم إيمان ولا تتردّدون". العلاقة بين الأناجيل الإزائية ليست واضحة. فما هي العلاقة بين آ 23 و1 كور 13: 2 الو كان لي الإيمان كله حتى انقل الجبال)؟ اتفق مر مع مت 17: 20 و1 كور 13: 2 فتحدّث عن "الجبال". ولكنه تبع لو 17: 6، فأشار إلى البحر.
إن كلمات يسوع في مر هي دعوة ونداء وتحريض إلى الرسل لكي يمارسوا إيمانهم، إيمانهم بالله. عبر هذا الإيمان يأتي "الدهر الجديد". ورأت جماعة مرقس وهي تعيش التردّد القريب من القنوط، رأت في هذا التحريض نداء لكي تتذكّر أنه، رغم الأيام المظلمة في رسالة يسوع وآلامه، قد تدشن العهد الجديد في الرب.
في القرن الأول المسيحي، فسرّت رؤية زمن البركة وتجديد الطبيعة (أش 45) في معنى روحي: هو انتصار المسيحية تجاه النظام الروماني. 
ونتوقّف عند مت 21: 21 ب الذي هو صدى لما في مت 7: 7- 8: "اسألوا تعطوا، أطلبوا تجدوا، اقرعوا يُفتح لكم. فمن يسأل يُعطى، ومن يطلب يجد، ومن يقرع يُفتح له". ونقرأ في مت 18: 19: "إذا اتفق اثنان منكم على الأرض في أي شيء يطلبانه، فإنه يكون لهما من قبل أبي السماوي". يبدو أن مر عاد إلى هذين القولين المتاويين وصاغ تحريضاً عن الصلاة "في الزمن الجديد" (11: 24).
"لماذا قمتم للصلاة فاغفروا" (آ 25). نتيجة القول عن الصلاة هو قول عن الغفران. إن عبارة "اغفروا ما لكم على أحد" هي صدى لما في مت 6: 12؛ لو 11: 3- 4، وفي خطّ مت 5: 23- 24، وتعليم بولس وسائر أسفار العهد الجديد. يتحدّث مر هنا وللمرّة الوحيدة عن "أبوكم". وهكذا يرتبط بمتى كمرجع خاصّ به في هذه الآية.
إذا وقفتم حتى تصلوا. تلك عادة في عالم الشرق عامة، وفي العالم اليهودي خاصة (1 مل 8: 24، 22؛ نح 9: 4؛ مز 134: 1؛ مت 6: 5؛ لو 18: 11- 13). وقد أخذت بها المسيحيّة الأولى. ونعرف عادة الركوع لا العهد القديم (1 مل 8: 54؛ دا 6: 10). وفي العهد الجديد (أع 7: 60؛ 20: 36؛ 21: 5؛ أف 3: 14).
"غفر" "افيامي". رج 2: 5 وغفران يسوع للمخلّع. "إن كان لكم على أحد شيء". رج كو 3: 13: "احتملوا بعضكم بعضاً، وتسامحوا ان كان لأحد شكوى على آخر. وكما أن الرب سامحكم، سامحوا أنتم أيضاً".
"فإن لم تغفروا" (آ 26). لا نجد هذه الآية إلا في بعض المخطوطات وهي ترتبط بما في مت 6: 15. وهكذا تأثّر الخطاطون بإنجيل حين كانوا يخطّون إنجيلاً آخر.
3- قراءة لاهوتية
نحن نستفيد إن قابلنا آ 12- 14 و20- 21 (لعن التينة ويباسها) مع مز 37: 35- 36: "رأيت الشرير العنيف ينتصب مثل أرز لبنان. ثم عبرت فلم يكن هناك، وبحثت عنه فما وجدته". وفي آ 3- 4: "توكّل على الرب واعمل الخير تسكن الأرض ويحفظك الأمان. توكّل على الرب فيعطيك ما يطلبه قلبك". وفي مز 90: 5- 6: "كعشب سرعان ما يزول. في الصباح ينبت ويزهر، وعند المساء يذبل وييبس". هذا ما نجده من مواضيع في نصّ مر.
إن آ 20- 21 هما نهاية خبر التينة. تشكّلان في الواقع خاتمة حدث الهيكل (آ 15- 19). أمّا آ 22- 26 فهي سلسلة من أقوال يسوع ارتبطت بخبر التينة. هنا يُطرح السؤال: هل الجبل في آ 23 هو جبل الهيكل؟ إذا كان الأمر كذلك وجدت آ 21- 26 وحدتها.
"رابي تطلّع! إن التينة التي لعنتها يبست" (آ 21). ضاع مبدأ الحياة فيها، فلم تعد تقوم بوظيفتها. لن نعتبر "اللعنة" السبب الواقعي لما حدث، بل تعبيراً عن دينونة لاحقة لما حدث. ففي إر 7 تسبقُ اللعنة على الهيكل (7: 13- 15) تعداد خطايا إسرائيل ونظرة إلى الواقع الديني صار إليه الهيكل (7: 8- 11)، وتأكيد الهي يقول: "بل أنا رأيت ذلك، يقول الرب" (7: 11 ب).
إذا توقفنا عند المستوى الرمزي (وحده يهمنا)، ليست كلمات يسوع على الهيكل هي التي دمّرته. بل هي قالت بأن لكل نتيجة علّة، وأن الله يراقب ويحكم. ولا إر 2: 19 قالت الله: "شّرك يعاقبك (يا أورشليم). وعصيانك يؤدّبك، فتعلمين وتنظرين كم هو شّر ومرّ أن تتركي الرب الهك وأن لا تكون مخافتي فيك، يقول الربّ". "اللعنة" هي في "الشّر" عينه. والكلمة التي تتلفّظ به، تكتفي بأن تلاحظ وتدين، فتشهد على قداسة الله. في يو 15، لم يحمل الغصن ثمرة، لا لأنه قُطع وطُرح خارجاً، بل لأنه انفصل عن الكرمة، عن الجذع الذي يحمل الماويّة.
ونلاحظ أن يسوع لم يستعمل كلمة "لعن" (كاتاراأوماي)، بل بطرس. فهذه القصة الغريبة (إذا أخذناها على حرفيتها) تدلّ على أنها المرّة الوحيدة التي فيها لعن يسوع شخصاً أو شيئاً. هنا لا نخلط مع "التويّلات" في مت 23: 1 ي: الويل لكم... نحن هنا بالأحرى أمام تهديد بشكل نداء يدعو إلى التوبة قبل الكارثة. وقد يدلّ "الويل" على حزن يسوع وسخطه على هذا الوضع. وما نقرأ في مت 25: 41 (اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار المؤبّدة) لا يعبرّ عن لعنة، بل عن نظرة إلى وضع خلقي لا عودة عنه. ونلاحظ الاختلاف في 25: 34: "تعالوا يا مباركي أبي" (الله هو الذي يبارك وينعم). "اذهبوا يا ملاعين". لا ترتبط اللعنة بالله، بل بالخطيئة وبشرِّ قلب الإنسان.
في وضع التينة العقيمة، موتها كشجرة مثمرة، قد تمّ رغم وجود الورق. هي حيّة في الظاهر. ولكنها ميتة في الداخل. هذا ما يقوله بولس في 1 تم 5: 6 عن الأرملة: "استسلمت للذات، فهي ميتة وإن تكن حيّة". وهذا ما يقوله يع 2: 17، 26 عن الإيمان الذي لا ترافقه الأعمال. وهذا واضح بشكل خاصّ عند يوحنا الذي يسمّي أناساً يسمعون يسوع أمواتاً وقد دعوا إلى الحياة. وفي مت 8: 22 (لو 9: 60) إن موت الجسد (مثل يباس التينة) هو نتيجة الموت الذي فيه.
إذن، مات الهيكل. ما لم يُقل خلال المشهد (آ 15- 17)، نراه هنا في ما يراه التلاميذ من التينة اليابسة. لقد أراد يسوع أن يؤكّد مرّة أخيرة على قداسة الهيكل كـ "بيت صلاة". سيقول في 13: 2: "لن يترك هنا حجر على حجر إلا ينقض". لقد ماتت هذه الشجرة قبل أن يلاحظها بطرس. وكذلك الهيكل، قد صار ميتاً مهما كانت المظاهر الخارجيّة برّاقة. وكما يبست التينة من الجذور فلا تعود تفرخ من بعد، هكذا صار وضعُ الهيكل. في أش 6: 11 هناك جذع يبقى ويكون علامة الرجاء. هذا الجذع سيكون في الجماعة التي يضمّها يسوع إليه. لقد صار هو الهيكل الجديد، أي موضع لقاء البشر بالله.
"وليكن لكم إيمان الله" (آ 22). تعني هذ العبارة إيمان يسوع نفسه. إنها خبرة لما جعل الله في هذا الإيمان. وتعني رغبة في نقل هذا الإيمان، فيلد، وينمو ويتقوى. هي ثقة الله بالإنسان الذي لن يقاوم الكلمة دوماً، الذي سيغلب في لا إيمانه. هذا من جهة. ومن جهة ثانية نربط هذا القول بما في مت 21: 21 حول إيماننا نحن بالله إيماناً عميقاً.
وماذا نقول عن الجبل الذي يسقط في البحر (آ 23)؟ هناك تفسير أول ينطلق من أش 40: 3 (كل واد يرتفع، كل جبل وتل ينخفض)؛ 49: 11 (أجعل جبالي كلها طرقاً، ومرتفعاتي سبيلاً لهم) يتحدث عن عودة المنفيين والطريق المسهّلة أمامهم. هناك انتظار رمزي لزوال الجبال كأحد الأحداث الاسكاتولوجيّة العظيمة: "تقف قدما الربّ على جبل الزيتون فينشقّ من الشرق إلى الغرب، ومن الشمال إلى الجنوب" (زك 14: 43). هذا ما يدلّ على قدرة الله في تدخّله. ثم إن التقليد الجلياني يقوله إن المسيح سيظهر على جبل الزيتون.
هذا تفسير. وهناك تفسير آخر أبسط وأقرب إلى الواقع اليومي. الجبل هو صورة تدلّ على أشياء لا يمكن تحقيقها على المستوى البشري. وحده الإيمان يتحدّى الجبال. ولكن الشرط الأساسي لتجاوب الله مع نداء الإنسان هو أن لا نشكّ، أن لا نرتاب.
خاتمة
موضوع هذا الفصل هو الإيمان. إيمان "ينقل الجبال". وهو يدلّ على قدرة الله. والله "يهزأ" بما في العالم من ثبات. فالتينة والهيكل والجبل، كلها وسواها لا تستطيع أن تقاومه. كلها تنقلب وتدمّر. فلا شيء يستحيل على من يؤمن.
وموضوع هذا الفصل هو الصلاة. بما أن البيت التي تقدّم فيه الذبائح لم يحمل ثمراً، فيجب أن نعتقد بقوّة الصلاة وفاعليّتها. وهكذا يعلن يسوع العالم الجديد الذي يحلّ محل "مغارة اللصوص".
وموضوع هذا الفصل هو الغفران للقريب على مثال الغفران الذي حصلنا عليه من الآب السماوي. وهكذا نكون في مر أمام الصلاة الربّية التي أوردها كل من مت ولو. نكون أمام موقف الابناء الأحباء الذين يسيرون في المحبّة سيرة المسيح الذي أحبّهم وضحّى بنفسه من أجلهم.

 

 

الفصل الحادي والعشرون
سلطة يسوع
11: 27- 33
وواجه يسوع في هيكل أورشليم الرؤساء الرسميّين في الشعب، ومختلف التيارات الفكرية من فريسيين وصادوقيين. لقد اتخذ الخبر شكل محاكمة وتحدّ: جاء أعضاء المجلس الأعلى الذي يتسلّم السلطة الدينية، جاء عظماء الكهنة والكتبة والشيوخ. طلبوا من يسوع بل "تحدوّه" "لكي يقدّم حساباً عن أعماله. حينئذ أجابهم يسوع بسؤال جعلهم يرفضون الجواب عليه. تركهم في موقف حرج، بل سوف يعطيهم مثلاً يفهمهم خطيئتهم حين يرفضون أن يؤمنوا به وبكلامه.
1- نظرة عامة
للمرّة الثالثة أشار مر إلى دخول يسوع إلى أورشليم وإلى الهيكل. في المرّة الأولى، بعد الدخول الإحتفالي وهتاف الشعب له: "دخل أورشليم والهيكل، وأجال نظره في كل شيء" (11: 11). في المرّة الثانية (11: 15) دخل الهيكل ليطرد الباعة. وها هي المرّة الثالثة (11: 27) ولن يترك الهيكل (13: 1) إلاَّ ليلقي الخطبة الأسكاتولوجية على جبل الزيتون (13: 3؛ رج 11: 1).
يشكّل سؤال أعضاء المجلس شبه استجواب في المحاكمة يجب الردّ عليه. "بأي سلطة تفعل هذا؟ أو من أعطاك السلطة لتفعل هذا"؟ يعني: هل يعمل يسوع باسمه الخاصّ، أم هل تسلّم سلطته من آخر؟ لا شكّ لا أنهم يشيرون إلى طرد الباعة من الهيكل. يعتبرون هذا العمل تعدّياً عام سلطتهم. فمسؤولية النظام في حرم الهيكل تتعلّق بقائد الهيكل الذي يرتبط بعظيم الكهنة.
ولكن حين تحدّث الرؤساء عن فعلة يسوع، أرادوا في الواقع أن يسألوه عن مجمل نشاطه. فطردُ الباعة هو تتويج لكلّ أفعاله السابقة، وإضفاء الصفة الرسميّة عليه. إذن، سؤال عظماء الكهنة يتجاوز الإطار المباشر الذي تمّت فيه هذه الفعلة: إن محاكمة يسوع قد بدأت.
كنّا ننتظر إعلاناً واضحاً من يسوع حول شخصه ورسالته. ولكن، ما الفائدة؟ فهو لا يستطيع أن يقنعهم وهم الذين قرّروا مسبقاً هلاكه (11: 18: التمسوا كيف يهلكونه). حينئذ أجاب يسوع رؤساء الشعب بسؤال طرحه عليهم. لسنا هنا أمام إجراء يدلّ على فطنة، ولا دبلوماسية يحتال فيها للتخلّص من السؤال. فقد سبق وأعلن أن الشيوخ وعظماء الكهنة والكتبة سوف يرذلونه (8: 31). ولكنه لم يتراجع. وسيتابع عمل الوحي الذي بدأه حتى النهاية. أعادهم إلى حرّيتهم فكشف عن قساوة قلوبهم: لقد انقلبت المحاكمة، والذين جاؤوا يتهمونه، هم مدعوون لأن يؤدّوا حساباً عن موقفهم.
ذكّرهم يسوع بموقف يوحنا المعمدان: فالموقف المتَّخذ تجاه السابق كالموقف المتّخذ تجاه يسوع. أما قال الكتبة إن إيليا (رج 9: 11) هو الشرط الضروري لاستقبال المسيح؟ في النهاية، يعود السؤال حول السلطة إلى سؤال على مستوى الإيمان. وفي هذا المجال بدا الجمع واعياً: "كانوا يعدّون يوحنا نبياً" (آ 32).
سؤال مزدوج وجّهه إليهم المعلّم: حول أصل رسالة يوحنا المعمدان. حول إكرام الشعب للذي سفي السابق. أخذ الخوف يستولي عليهم، كما حدث لهم حين طرد يسوع الباعة من الهيكل. فامتنعوا عن التدخّل (11: 18: كانوا يخافونه، لأن الجمع كان معجباً به). وسيحسّون بذلك الخوف في ما بعد: بعد مثل الكرّامين القتلة، أحسّوا أنه يعرّض بهم. وهمّوا أن يقبضوا عليه ولكنهم خافوا من الجمع (12: 12). وحتى ليلة الجمعة العظيمة، لم يتجاسروا أن يضعوا يداً على يسوع "لئلا يقع شغب في الشعب" (14: 2).
"فكروا في نفوسهم". هذا ما فعلوه خلال الجدال الأول في كفرناحوم (2: 8): وعوا أن يسوع جعل إيمانهم على المحكّ. فأرادوا أن يدافعوا لا على المستوى عينه، بل على مستوى آخر هو مستوى سمعتهم بين الناس. قالوا: "لا ندري"! هذا الجواب هو تهرّب يحكم عليهم ويكشف القناع عن نواياهم السيّئة. إن وضعهم يشبه وضع الكتبة الذين جادلوا يسوع في ما يخصّ سلطان غفران الخطايا (2: 7، 9).
في الظاهر، وصل الجدال إلى نقطة الصفر. ولكن لا الواقع، قدّم يسوع جواباً ساطعاً، ما كان ليكون بهذه القوّة لو تفوّه بإعلان احتفالي: إذ أخزى خصومه بسؤاله عن معموديّة يوحنا، أكّد الأصل الإلهي لرسالته. سلطته هي من الله. صمتوا، فدلوا على أن لا جواب لهم إلا القبول بكلامه.
2- قراءة تفصيلية
لا إشارة إلى المكان ولا إلى الزمان. وهذا ما اعتدنا عليه عند مر. أما مت فربط بوضوح هذا الحدث مع خبر التينة. "ولما جاء إلى الهيكل" (21: 23). هذا هو امتداد 21: 18: "وفيما هو راجع في الغداة إلى المدينة". ونصّ لو 20: 1 لن يكون محدّداً أكثر من نصّ مر: "وإذ كان ذات يوم يعلّم الشعب". بالنسبة إلى مر، العلاقة بين شقي حدث التينة مهمّة جداً، بسبب الأمثولة التي نستخلصها من فعلته النبوية. والسؤال حول السلطة وعودة يسوع إلى يوحنا، هما علامة تدلّ على رسالة يسوع. 
وجاؤوا أيضاً" (آ 27). هذا هو التقليد الأولاني. نجد في بعض المخطوطات صيغة الغائب المفرد "وجاء". أراد الخاطّ أن يسلّط الأضواء على يسوع. "عظماء الكهنة والكتبة والشيوخ". هم يؤلّفون السنهدرين أو مجلس القضاء الأعلى لدى اليهود. هو الذي يقرّر الأمور الدينية المصيرية. وهذا يدلّ على أن اليهود رأوا في يسوع خطراً كبيراً عليهم. هذا ما نكتشفه بشكل خاصّ مع الكنيسة الأولى التي هدّدت العالم اليهودي في كل مكان من الإمبراطورية الرومانية ومن خارجها.
في 8: 31. نقرأ: "الشيوخ، عظماء الكهنة، الكتبة". يذكرون لا قتل يسوع: "إنهم ينتبذون يسوع ويقتلونه". رج 14: 43، 53؛ 15: 1. في 1: 22، يذكر الكتبة وحدهم، وسلطانهم في التعليم يختلف عن سلطان يسوع، هذا إذا كان لهم سلطان!
"هذا" (آ 28) هذه الأشياء (توتا في اليونانية). يعني العمل الرمزي في الهيكل، وقد دلّت عليه التينة اليابسة. "سلطان" (اكسوسيا) رج 1: 22. يرى المسيحيون لا الجماعة الأولى أن سلطة يسوع تأتيه من الله. نحن بعيدون عن "ديناميس" (القوّة). ما يُطلب من يسوع هو أن يبّرر عمله في الهيكل. إن العلاقة بين تطهير الهيكل وسلطة يسوع، نجدها في يو 2: 18: "أية آية ترينا فتفعل هكذا"؟
طرحوا على يسوع سؤالين مترادفين. أما في لو، فبدا أن التشديد على تعليم يسوع يوازي التشديد على رسالته من خلال أعماله. وأجاب يسوع على سؤالهم بسؤال (آ 29).
"معمودية يوحنا" (آ 30). ليس سؤال يسوع دوراناً حول الجواب، ولا رداً يحوّل الجدال. فالسؤال والسؤال المعاكس أمر معروف في القديم. يتوضّح الجواب حين يحاول صاحب السؤال أن يقدّم بنفسه جواباً. بهذه الطريقة لن يستطيع أن يتهرّب على مستوى الفكر كما على مستوى العمل. أجبر الرؤساء على طرح السؤال على نفوسهم وعرفوا جواب الشعب وتذكّروا موقفهم، ولكنهم لم يفعلوا شيئاً لكي يكونوا منطقيّين مع نفوسهم.
ماذا تضمّن سؤال يسوع؟ إن سلطة يوحنا آتية من عند الله. نحن هنا في قلب تقليد يسوع كما احتفظت به الجماعة الأولى. حين سُئل يسوع أجاب أن الذي منح يوحنا سلطة العماد الاسكاتولوجي، قد منح يسوع سلطة إعلان ملكوت الله وتدشينه مع كل الآيات التي ترافقه (مت 11: 2- 5= لو 7: 18- 28). إذن، ما يتضمّنه سؤال يسوع هو أن "يفرض" على مخاصميه نظرة إلى رسالته وما فيه من إعلان كلام الله.
إتفق لا 21: 24 ولو 20: 3 على القول: قال لهم يسوع: وأنا أيضاً أسألكم سؤالاً. وهكذا اختلفا عن مر. ولكن بعض المخطوطات المهمة تجعل مر 11: 29 مثل مت ولو. وهكذا يكون لنا الاستعمال الوحيد في مر للفظة "كاغو" أي "كاي إغو": وأنا.
لا شكّ في أن هذا الحدث يعود كله إلى يسوع، ولم تستنبطه الجماعة الأولى. فلا يُعقل أن تبني الجماعة سلطة يسوع على سلطة يوحنا المعمدان. 
"فجعلوا يفكّرون في نفوسهم" (آ 31). نحن نفهم قوة الخيار بالعودة إلى لو 7: 29- 30 (برّروا الله باعتمادهم معموديّة يوحنا): فالشعب الذي استمع إلى يوحنا واعتمد على يده، هم الذين اعتبرهم خصوم يسوع أقلّ الناس تعلّقاً بالشريعة (العشّارون). فكيف يقف الرؤساء معهم؟ لهذا، فالفريسيون ومعلّمو الشريعة لم يعتمدوا على يد يوحنا.
"من السماء" أي من الله. فاليهود كانوا يتجنّبون التلفّظ باسم الله. فكانوا يقولون مثلاً: السماء، العرش... رج دا 4: 26؛ 1 مك 3: 18، لو 15: 18، 21؛ يو 3: 27.
"وإن قلنا من الناس" (آ 32). إذن، لسنا أمام ممارسة فريدة، لأن الاسيانيين أخذوا بالعماد كطقس تنشئة وعملية تنقية يوميّة. ما كان فريداً عند يوحنا هو ارتباط الطقس الذي يمنحه بنهاية الأزمنة وملكوت الله. أما سؤالا يسوع فلم يكن فقط على عماد يوحنا، بل على رسالته كلها... ماذا يجيب الرؤساء؟ إن اعترفوا بيوحنا أنه نبي كما فعل الشعب، وجب عليهم أن ينظروا إلى يسوع كذلك. فهو وارث يوحنا والآتي بعده.
"لا ندري" (آ 33). هذا هو جواب المثقل الضمير. هذا هو ملجأ الذي لا يريد أن يتحرك. ردّوا على يسوع بلا جواب. فعاملهم يسوع بالمثل.
تبع مر مت ولو بشكل قريب مع بعض الشواذات. في آ 31، ألغى "هوي دي" أما هم، قبل فعل "فكّر". ثم قال مت 21: 26: "إن قلنا: من البشر، نخاف من الشعب، لأن الجميع ينظرون إلى يوحنا كنبي". وقال لو 20: 6: "إن قلنا من البشر، رجمنا الشعب لأنهم متأكدون أن يوحنا كان نبياً. تبع مر مت بالإجمال مع "لا ندري"، وترك مقال لو: "أجابوا أنهم لا يعرفون"
3- قراءة لاهوتية
إن القسم الإنجيلي الذي يبدأ مع النصّ الذي ندرس ويتضمّن أيضاً ف 12، يقابل جدالات 2: 1- 3: 6. هناك، في بداية رسالة يسوع، طرحَ الكتبة أسئلة على نفوسهم (2: 6)، على التلاميذ (2: 16)، على يسوع نفسه (2: 18). كانوا مدهوشين ومستائين، فطرحوا أسئلة على هذا الآتي حديثاً. بأي سلطان يغفر الخطايا؟ بأي سلطان يتعدّى الشرائع المتعلّقة بالأطعمة أو بالسبت؟ بأي سلطان يهمل فريضة الصوم؟ كانت دهشة وشكوك، ثم عداوة ضدّ سلطة غير شرعية. ولكن هذه السلطة ما زالت تفرض نفسها "بدون حق". لهذا، حلّ محلّ الأسئلة الصمتُ المليء بالتهديد (3: 2- 5)، والشروح الافترائية: "برئيس الشياطين يخرج الشياطين" (3: 22). هذا هو أصل سلطان يسوع: بعل زبول، لا قوّة آتية من العلاء.
وما عاد الخصوم يطرحون أسئلة. بل وجدوا هم أنفسهم الجواب. عرفوا ما يجب أن يعملوا. وكان اتفاق (غير طبيعي) بين الفريسيين والهيرودسيين ليهلكوا يسوع. هذا هو التهديد الوحيد المباشر حتى 11: 18. لسنا فقط أمام عقاب بسيط ضدّ من يتعدّى وصيّة الله. فالسلطة التي يدلي عليها يسوع قد سحرت الشعب وأثرت عليه، فقابلوا بين هذا "المعلم" والكتبة (1: 22، 27: هو لا يتكلّم مثل الكتبة). وحين يمتد سلطان يسوع، فعلى حساب سلطانهم. لهذا أرادوا أن يدافعوا عن الشريعة، ومن خلالها عن امتيازاتهم.
في ف 11- 12، يشدّد الكاتب على نوايا العداوة والقتل (11: 18؛ 12: 12). ولكن مسعى الرؤساء تجاه يسوع، يتمّ في ظاهر من الهدوء والاحترام (11: 28؛ 12: 14، 19). لا شكّ في أن النوايا ليست طيّبة، ولكن طريقة التعامل مع يسوع تخفي حقيقة هؤلاء الذين يحاولون بكل الوسائل لكي يوقعوا المعلم في حبائلهم. فيسوع الناصري هو خصم نحسب له ألف حساب بعد تأثيره حتى على شعب العاصمة. لا يكفي أن نشتمه أو نفتري عليه. لا بدّ من البحث عن وسائل أخركما لنستريح من شّره.
ويُطرح من جديد سؤال حول سلطة يسوع. بشكل واضح في آ 28 (بأي سلطان تفعل هذا؟). وبشكل خفي في 12: 14، 18، 19 (أرسلوا إليه...). غير أنهم فهموا أنهم لن ينزعوا صيته من وسط الشعب حين ينكرون هذا السلطان، بل حين يتركونه يبرز هذا السلطان. فلا بدّ آن يقع في الفخ. ولكن، في الواقع، هم الذين سقطوا.
ما يشرف على هذه الأسئلة هو "الرفض". فالسؤال في آ 28 ليس طلب معلومة، بل إظهاراً لرفض يسبق كل جواب. والتينة (صورة الهيكل) رفضت أن تعطي ثمراً. والكرّامون رفضوا أن يعطوا الله من نتاج الكرم، كما رفضوا استقباله ابنه وقتلوه (12: 2- 3، 6- 8). وهذا الموضوع ليس بغائب من 12: 17، 24. وسيتوسّع فيه مت أكثر في مثل الابنين (21: 28- 32)، ومثل وليمة العرس (22: 1- 14) ورثائه لأورشليم: "لم تريدوا" (23: 37).
خاتمة
كان موضوع الحديث: السلطة. جعل يسوع على المحك سلطة الرؤساء اليهود. وهكذا فرض عليهم إن يقرّوا بعجزهم عن الجواب على سؤال مهم. فهم يحسبون نفوسهم قوّاد الشعب ولا يجسرون أن يتخذوا موقفاً. أما سلطته هو، فيؤكد عليها: حين جعل خصومه في حيرة، فما استطاعوا جواباً. حين دلّ على أن أصل سلطته (مثل أصل رسالة يوحنا هو الله) هي سلطة آتية من العلاء. ولكنه في الواقع لا يقدّم جواباً لخصومه كما أرادوا. في آ 33 ب قال: "وأنا لا أقول لكم". أجل، هو لا يجيب. ولكن في ما يقوله، هناك ما يكفي للذين يريدون أن يسمعوه في الإيمان. والآخرون، لن يجدوا شيئاً يرضي فضولهم إلا البرهان الخارجي عمّا يطلبون. فالسلطة لا يُبرهن عنها. هي تُقبل أو تُرفض. هناك يطل عمل الحرّية البشرية واستعدادات قلب إنسان ليسمع نداء الروح. أما أهل السنهدرين فاقد اتخذوا مسبقاً موقفهم من يسوع. لهذا، نراهم يغرقون في رفضهم. وفي النهاية يقتلون ابن ربّ الكرم. فماذا سيفعل ربّ الكرم؟

 

 

 

 

الفصل الثاني والعشرون
الكرّامون القتلة
12: 1- 12
بين الأمثال التي تروي خبر قصد الله، كمثل الابنين (مت 22: 1- 14)، ومثل أعراس الملك (مت 21: 1- 14)، يبدو مثل الكرّامين القتلة (12: 1- 12= مت 21: 33- 44= لو 20: 9- 18) مهماً بشكل خاصّ. فيسوع يعلن فيه مصير إسرائيل، فيحدّد موقعه في تاريخ الأنبياء الطويل. ولكن يسوع يربط هذا المثل أيضاً بمصيره الخاص: يدلّ على نفسه أنه الابن الحبيب، ويتميّز تميّزاً واضحاً عن الخدم الذين سبقوه. وبهذا يدلّ على أنه جاء في النهاية ليتمّ التاريخ المقدّس.
هذا هو المثل الذي ندرسه في هذا الفصل ونبدأ فنقدّم النصّ كما قرأناه في الأناجيل الإزائية الثلاثة.
1- النص الإنجيلي
مت 21: 33 ي مر 12: 1 ي لو 20: 8 ي

33- إسمعوا 1- وأخذ 9- عندئذٍ أخذ
يكلّمهم يقول الحب
مثلاً آخر بأمثال هذا المثل
إنسان إنسان إنسان
كان مالكاً
هو غرس كرماً غرس كرماً غرس كرماً
وحوّطه بسياج وحوّطه بسياج
وحفر فيه وحفر
معصرة حلّة
وبنى برجاً وبنى برجاً
وأجرّه (سلّمه) وأجرّه وأجرّه
إلى كرّامين إلى كرّامين إلى كرّامين
وسافر إلى بعيد وسافر إلى بعيد وسافر إلى بعيد
زماناً طريلاً
34- ولما حان 2- و 10- و
زمن الثمر الزمن (جاء) الزمن جاء
أرسل عبيده (خدّامه) أرسل خادماً أرسل خادماً
إلى الكرّامين إلى الكرّامين إلى الكرّامين
ليأخذ ليأخذ لكي يحطوه
من الكرّامين
ثماره حصته من ثمار حصته من ثمر
الكرم الكرم
35- والكرّامون 3- و أما الكرّامون
إذ قبضوا إذ قبضوا
على خدامه عليه
جلدوا الواحد جلدوهم إذ جلدوه
قتلوا الآخر
رجموا الآخر
وردّوه طردوه
فارغ اليدين فارغ اليدين
36- من جديد 4- ومن جديد 11- وزاد (أضاف)
أرسل أرسل إليهم فأرسل
خدّاماً آخرين خادماً آخر خادماً آخر
ضربوه على رأسه أما هم فجلدوه
هو أيضاً هو أيضاً
وأهانوه وأهانوه
وطردوه فارغ اليدين
5- و 12- وزاد
أرسل آخر فأرسل ثالثاً
وهذا أيضاً وهو أيضاً
أكثر وآخرون كثيرون طرحوه خارجاً
من الأولين ضربوا بعضاً
ففعلوا بهم كذلك وقتلوا بعضاً
37- وفي الآخر 6- وكان له أيضاً واحد 13- وربّ الكرم
قال حينئذٍ: ماذا أصنع؟
أرسل إليهم سأرسل
ابنه ابنه الحبيب إبني الحبيب
قائلاً قائلاً لعلهم
يهابون يهابون يهابون
ابني ابني هذا
38- ولكن 7- ولكن 14- ولكن
الكرّامون رأوا الابن هؤلاء الكرّامون إذ رآه الكرّامون 
قالوا قالوا ائتمروا
في مابينهم في مابينهم فيما بينهم قائلين
هذا هو الوارث هذا هو الوارث هذا هو الوارث
تعالوا نقتله تعالوا نقتله لنقتله
ويكون لنا ولنا يكون ولنا يصبح
ميراثه الميراث الميراث
39- وإذ قبضوا عليه 8- وإذ قبضوا (عليه) 15- و
طرحوه إذ طرحوه
خارج الكرم خارج الكرم
وقتلوه قتلوه قتلوه
وطرحره
خارج الكرم
40- إذن، حين يأتي 9- ماذا يفعل إذن، ماذا يفعل لهم 
ربّ الكرم ربّ الكرم؟ ربّ الكرم؟
ماذا يفعل
بأولئك الكرّامين؟
يأتي 16- يأتي
41- فأجابوه
يهلك يهلك يهلك
على شر وجه
أولئك الأردياء الكرّامين أولئك الكرّامين
ويؤجر الكرم ويعطي الكرم ويعطي الكرم 
لكرّامين آخرين لآخرين لآخرين
الذين يؤدون له
الثمار في أوانها
إذ سمعوا قالوا
معاذ الله
42- يسوع 17- أما هو فحدق 
نظره فيهم
قال لهم قال لهم:
أما قرأتم قط 10- أفما قرأتم ما معنى إذن
في الكتب: هذه الكتابة: ما كتب 
الحجر الذي رذله الحجر الذي رذله الحجر الذي رذله 
البناؤون البناؤون البناؤون
هو الذي صار هو الذي صار هو الذي صار 
حجر الغلقة حجر الغلقة حجر الغلقة 
هذا هنا 11- هذا هنا
عمل الرب عمل الرب
وهو عجيب وهو عجيب
في عيوننا في عيوننا
43- لذلك أقول لكم:
ملكوت الله
يُنزع منكم
ويعطى لشعب
يستثمره
44- والذي يسقط 18- والذي يسقط
على هذا الحجر على هذا الحجر
يترضّض يترضّض
والذي عليه يسقط والذي عليه يسقط
يسحقه يسحقه

2- التحليل الأدبي
يتوّزع هذا المثل على خمس محطات (1) المقدمة (12: 1- مت 21: 33= لو 20: 9). (2) إرسال الخدم (12: 2- 5= مت 21: 34- 36- لو 20: 10- 12). (3) إرسال الابن (12: 6- 8= مت 21: 37- 39= لو 20: 13- 15 أ). (4) المستقبل (12: 9= مت 21: 40- 41= لو 15 ب-16). (5) التفسير الكتابي (12: 10- 11- مت 21: 42= لو 20: 17- 18). والخاتمة التاريخية: 12: 12 = مت 21: 45- 46= لو 20: 19). وسندرس في كل لحظة الأناجيل الثلاثة.
أ- المقدمة (12: 1)
هناك اختلاف واحد: يمتنع لوقا عن إيراد نبوءة أش 5: 1- 7 بالتفصيل. في هذه القصيدة ينشد أشعيا مرثاة على كرم صديقه: بدل أن يعطي أفضل الثمار، أعطى حصرماً برياً. لهذا، قرّر الصديق أن يدمّره. بعد هذا، يأتي التطبيق: كرمُ ربّ الجنود هو إسرائيل. لا نتوقّف الآن عند مقارنة هذه القصيدة بالنصّ الإنجيلي، بل نحاول أن نرى الوضع الاولاني لمقدّمة النصّ الإنجيلي.
هل يعود أش 5: 2 إلى الأصل، أم أن لوقا أوجزه ليصل حالاً إلى هدفه؟ ثم إن مرقس لا يوسّع عادة الإستشهادات الإنجيلية. ولكن إذا كنا أمام نصّ قبل الإزائي، أي تكوّن قبل أن يرد لدى الإزائيين الثلاثة، نستطيع أن نقول إن مرجع لو غير مرجع مر. أو أن مر أخذه كما هو، وأوجزه لو.
ولكن يبدو أن النصّ الإنجيلي قريب جداً من الترجمة اليونانية، أقرب منه إلى النص العبري. لقد تذّكر مت ومر نصّ السبعينية (مثلاً، بدل "نقبه، نقّى حجارته"، نجد "أحاطه بسياج". تتحدث أف 5: 5 عن السياج). وتأثير النبي واضح، لا سيّما وأن المثل بدا بشكل حوار فيه الهجوم والدفاع.
الكرم يخصّ "إنساناً"، يخصّ أحد الناس. وحدّد مت: كان ملاّك أرض، ربّ بيت. هذه اللفظة (أويكودسبوتس) قد استعملها متى (13: 27؛ 20: 1، 11، 21، 33) كما استعملها لوقا (12: 39؛ 13: 25؛ 14: 21). غير أن العبارة "رجل ملاّك" هي خاصة بمتى. فلوقا لا يجعل لفظة "إنسان" قرب صفة مثل "غني" "مستسق" (16: 1: كان غنيّ، 14: 2: مستسق، أي فيه داء الاستسقاء). أما متى فيضع الاسم: الزارع، العدوّ، الملاّك، الملك (مت 13: 24: رجل عدو؛ 13: 52؛ ق 20: 1؛ 18: 23؛ ق 22: 2). أخيراً، إن تسمية الرجل "ملاّك" توافق لاهوت متى حول علاقة الله بالإنسان. نشير هنا إلى أن الثلاثة اتفقوا على تسمية "ربّ الكرم": السيد (كيريوس).
هل كان هذا الرجل "غريباً"؟ ذهب إلى البعيد! ربّما. ولكن قد تكون له أملاك أخرى. وقد يكون الذهاب إلى البعيد، توجّهاً إلى العالم الوثني. 
حين يسمع يهودي هذا المثل يتذكّر قصيدة أشعيا. وهو يعرف أن حبّ الله لكرمه سوف يتحوّل إلى غضب بسبب عقمه. فكيف لم يستشفّ من خلال هذا الرجل الذي يزرع الكرم إشارة تهدّد بدينونة إلهية جديدة؟ بدأ المثل مثل قصيدة الكرمة، ولكنه سيحوّل الأنظار في خطّ آخر. هذه هي الطريقة العادية: فضارب المثل يلفت النظر ليجتذب القارئ ثم يأخذه إلى حيث يشاء. وهذا ما فعله يسوع. قاد السامعين للتعرّف إلى الابن وما سوف يفعلون به.
ب- إرسال الخدم (12: 2- 5)
هنا تختلف النسخات الإنجيلية اختلافات لا تؤثّر على العمق: عدد الوفود والخدم المرسلين. تصوير المعاملات السيّئة التي يسامون بها. لقد حاول كل إنجيلي أن يتوّسع في هذا القسم حسب طريقته.
تحدّث مر ولو عن وفود ثلاثة. لا نجد عند مر تدرّجاً في صورة المعاملات السيئة. فهذا التدرّج بارز في خطورة المعاملات: الخادم الأول يجلد (يضرب). الثاني، يضرب على رأسه ويهان. الثالث يُقتل. ولكن هذه الحركة التدريجيّة تنقطع حين يذكر مر مقتل الخادم الثالث قبل مقتل الابن. ثم زاد: "وبعد الثالث أرسل آخرين كثيرين" بعضهم جُلد وبعضهم قتل. 
أما لوقا الذي اعتدنا على إيجازه، فقد دلت بطريقة أفضل على التدرج: تصبح المعاملات أكثر خطورة مع الوقت: الأول: "جلد". الثاني: "أهين". الثالث: "جُرح وطرح في الخارج" (هذا التفصيل يستبق ما سوف يحصل للابن). ويربط ذنب الكرّامين ارتباطاً أفضل بالقرار العام: "طرد" الخدام الثلاثة (20: 10، 11، 12)، جعلوا خارجاً. ويقول لوقا على دفعتين: صفر اليدين، بأيد فارغة. لم ينالوا شيئاً لقاء أجار الكرم.
تحدّث متّى عن وفدين، والثاني هو إستعادة بسيطة للأول. وجاءت ثلاثة أنواع من المعاملات تميز ثلاث مجموعات بين الخدم: البعض جُلد، آخر قتل. آخر رُجم. قد نكون مع "رجم" أمام كلمة يسوع في مت 23: 27 (راجمة المرسلين، رج لو 13: 34). ويصل مت إلى النتيجة التي وصل إليها مر: لقد ألحّ رب الكرم على إرسال الخدم رغم عداوة الكرّامين.
إذن، نلاحظ عدد "الوفود" وتدرّج "المعاملات السيئة". وربّ الكرم يهمه أن يكون له ثمر من الكرم. غير أن الكرّامين يرفضون حتى استقبال مرسليه. في هذا المجال، سيكون مصيرهم في خطر.
ما معنى هذه "الارسالات" (الوفود)؟ يتذّكر السامع طوعاً محاولات الله المتواصلة ليحفظ شعبه في العهد بواسطة عبيده الأنبياء (2 مل 17: 13- 14). فشدّد كل إنجيلي بطريقته على هذه الفكرة. تحدّث مت عن "الرجم". ولمّح مر إلى المرسلين الكثيرين. واستعمل لو لفظة لاهوتية "بمبساي": أرسل.
ج- إرسال الابن (12: 6- 8)
بعد وفود الخدم أرسل الابن في النهاية. بعد المعاملات السيئة التي تلقاها الخدم، أصاب الابن العقاب الأكبر: قتلوه. إنه الوارث. جاء التقليد هو هو حول "وفد" الابن: جاء في "نهاية" الأمر (مت، مر). أمل الملاّك أن يهاب الكرّامون ابنه. ولكن هذا الابن سُيقتل لأن الكرّامين يريدون ميراثه. على أساس هذا الغنى المشترك، كانت بعض الاختلافات: الوجه الدراماتيكي للخبر (ظنّ رب الكرم أنهم سوف يستقبلون ابنه استقبالاً أفضل). ترتيب ظروف القتل (طرحوه خارجاً). لقب "الحبيب" (مر- لو). 
لن نطرح هنا أسئلة. مثلاً: أما فكر رب الكرم بالخطر الذي يحدق بابنه حين يرسله إلى هؤلاء القتلة؟ كيف يتخيّل الكرّامون أنهم سيرثون الكرم إن مات الابن؟ نحن هنا على مستوى منطق الخبر لا على مستوى التفكير اللاهوتي. جاءت صورة الابن في نهاية الخبر فدلّت على خطورة تمّرد الكرّامين: لقد رفصوا النداء الأخير والنهائي لله. والخبر لا يلمّح فقط إلى رفض للإنجيل، بل إلى رفض لرسالة يسوع وموته أيضاً. كانت بداية مع يسوع الذي هو "الابن" الذاهب إلى الموت. ثم مع الجماعة المسيحية مع إيمانها بيسوع الذي هو المسيح وابن الله، كما يقول مرقس في بداية إنجيله.
لقد تحدّث يسوع عن موته هنا كما فعل في انباءات الآلام. هو عالم إلى أين يذهب في خط الأنبياء الذين وعوا المصير الذي ينتظرهم (إرميا مثلاً). ورأى يسوع الآمه القريبة كنهاية الاضطهادات التي كان هؤلاء المرسلون ضحيّتها. هذا ما نجده مثلاً في مت 23: 32- 33؛ رج 12: 41- 42 حيث يرتبط موت يسوع بنشاط الكتبة والكهنة. لم يكن يسوع أول من ربط مصيره بمصير الأنبياء الذين سبقوه، بل كان وحده الذي اعتبر أنه جاء يتمّ النبوءة حول اضطهاد البار. إنه نفسه هو البار كما قال بطرس في خطبة بعد العنصرة.
وما يقوله يسوع عن نفسه لا يعني فقط رسالته، بل شخصه أيضاً. فصورة الابن في المثل تدلّ على أنه عالم أنه ابن الله. وهذا ما أراد أن يقوله لسامعيه. لكننا سننتظر القيامة حتى يفهم التلاميذ هذا الواقع في عمقه. يسوع يدعو أباه "أباً"، كما يدعو الابن أباه. وكان قد قال في حديث لتلاميذه: "ليس أحد يعرف الابن إلاّ الآب، ولا أحد يعرف الآب إلاّ الابن" (كما 11: 27).
يسوع هو الابن. هو الابن "الحبيب" (أغابيتوس) كما قال مر ولو، حسب الإعلان السماوي في العماد والتجلي (مت 3: 17 وز؛ 17: 5). وهكذا يدلّ يسوع على أنه الابن الوحيد. قد نكون هنا أمام توسّع لاهوتي في الجماعة الأولى.
واتفق متى ولوقا على مرقس. قال مر: قُتل الابن أولاً، ثم طُرح في خارج الكرم. أما في مت ولو: طُرح الابن في خارج الكرم ثم قتل. وهكذا يتوافق المثل مع الحدث التاريخي. إن يسوع "خرج من المدينة ليذهب إلى الجلجلة" (يو 19: 17). "تألم خارج الباب"، باب المدينة (عب 13: 12). تلك كانت الترتيبات التي تنظّم تنفيذ الحكم بالإعدام على المجدّف وغيره (لا 24: 14- 16). يُطرح خارج المدينة، لئلا ينجّسها، ويُرجم هناك مثل اسطفانس "خارج المدينة" (أع 7: 58). ونلاحظ أن "طرح" (رذل) جثمان الابن مع فعل "اكبالو" (طرح خارجاً) يبدو استعادة لموقع خصوم يسوع الذي سبق له و"طرح خارجاً" باعة الهيكل (مت 21: 12 وز).
لقد تمّ تاريخ الخلاص في يسوع. أعلن يسوع لمعاصريه أنهم سيُرذلون من الملكوت حين يرذلون آخر الأنبياء الذي هو ابن الله. وهذا ما تختبره الجماعة المسيحية في قيامة يسوع. أقامه الله من بين الأموات، فدلّ على أن الشريعة التي بها حكموا على يسوع كانت خاطئة.
د- المستقبل (12: 9)
هنا تبدأ الأفعال في صيغة المضارع. فكأنّ موت الابن القريب سيحدّد الزمن في نقطة نهائية: تستشفّ المستقبل في الظل ولكن مع اليقين الذي يعطيه الوحي عن قصد الله.
أجل، لقد عرف هذا المثل توسّعات عديدة، وجاء مز 118 تفسيراً له. هناك أولاً إعلان العقاب للكرّامين. نجد اتفاقاً حول طبيعة هذا العقاب وظروفه: حين يجيء ربّ الكرم يؤجّر الكرم إلى كرّامين آخرين. هناك ارتباط بين مجيئه وعقابه. هكذا كانوا ينظرون إلى يوم الربّ في العهد القديم. أما الجماعة المسيحية فقد عرفت على ضوء القيامة والعنصرة أنها جماعة الكرّامين الذين سلّم إليهم الكرم. أجل، لا يمكن أن يكون موت الابن هو النهاية. فالخبر لا ينتهي بالفشل. فبعد موت الابن هناك القيامة ومشروع الله يتابع مسيرته. أما نصيب الكرّامين، فنتعرف إليه في مثل الوكيل الذي لا يعرف الأمانة: "يفصله، يجعل نصيبه مع الكافرين" (لو 12: 66= مت 24: 51). وفي مثل العذارى الجاهلات اللواتي وجدن الباب موصدا: "الحقّ الحقّ أقول لكنّ: إنني لا اعرفكنّ" (مت 25: 11- 12). وفي مثل الوزنات، حيث العبد الأخير "ألقي في الظلمة الخارجية" (كما 25: 30). تلك كانت الخاتمة المبدأية في مثل الكرّامين القتلة.
كيف كانت الخاتمة في أش 5: 3- 4؟ "والآن، يا رجال يهوذا، أحكموا بيني وبين كرمي. ماذا كان يجب أن أفعل لكرمي ولم أفعله؟ انتظرت أن يثمر عنباً فأثمر حصرماً برياً". ولكن يسوع تصّرف بحرّية في المثل، فلم نعد أمام الكرم، بل أمام الكرّامين. طرح سؤاله ولم ينتظر جواباً. أو قد يكون حوار بينه وبين السامعين كما في مثل السامري الصالح (لو 10: 36- 37). إن مت جعل على شفاه السامعين الحكم على الكرّامين، فكان في خطّ الكتاب المقدّس (2 صم 12: 5؛ 14: 18). أما لوقا، وحسب توزيعه للمسؤوليات في آلام يسوع، فقد جعل "الشعب" يحتجّ على الحكم الذي يصيب الكرّامين.
ولكن عبر هذه الاختلافات الأدبية، تتفّق الأناجيل الثلاثة على معنى النهاية. إن مجيء ربّ الكرم هو مجيء في نهاية الأزمنة. وعقاب الكرّامين هو في منطق الخبر. ماذا نختار بين جواب مت أو مر؟ إن تسليم الكرم إلى آخرين هو الشيء الذي لم يكن ينتظره سامعون يهود. ففي التقليد البيبلي، يُعاقب إسرائيل ولكنه يبقى الشعب المختار. أما هنا، فالدراما لا تنتهي مع عقاب الكرّامين. لا يصوّر مصيرهم كما يصوّر مصير العبد البطّال أو العذارى الجاهلات. فالاهتمام يتوجّه إلى الكرم الذي يجب أن تعود ثماره إلى الله.
في أش 5: 7، قرأنا: "كرمُ ربّ الأكوان هو بيت إسرائيل". إذن، الكرم هو إسرائيل. والكرّامون هم رؤساء الشعب. ولكن هل هناك انتقال فقط من "رؤساء" الشعب إلى رؤساء آخرين؟ هنا نلاحظ أن الكرمة ليست شعباً تاريخياً وحسب. بل ملكوت الله. وهكذا يدلّ الكرّامون على شعب إسرائيل. منه أخذ الملكوت وأعطي "لآخرين". لمن؟ ليسوع أولاً وفي يسوع إلى كنيسته. أجل، شعب الله لم يعد إسرائيل التاريخي.
هـ- تفسير المثل (12: 10- 11)
مع عقاب الكرّامين. وجد المثل نهاية منطقيّة وتقليدية. لا نعود نهتمّ بمصير الكرم والكرّامين، بل بالابن المقتول عبر رمزية حجر الزاوية (أو: حجر الغلقة). هنا يرد مز 118: 22- 23 حسب السبعينية اليونانية. ويرد في الأناجيل الثلاثة في شكل واحد، وهذا يعني أن التقليد تكوّن حول هذا الاستشهاد الكتابي قبل أن يدوّن في الأناجيل. لا شك في أن العودة إلى النصّ اليوناني، يدلّ على عمل الكنيسة الأولى التي عرفت هذا النصّ وأوردته في أع 4: 11؛ 1 بط 2: 7.
جهل لو آ 23 من مز 118. ولكنه زاد قولاً آخر يرجع إلى أش 28: 16؛ دا: 45، وقد يكون مرتبطاً بالتقليد قبل الإزائي.
و- الخاتمة التاريخية (12: 12)
هذه الخاتمة تدلّ على نوعيّة سامعي يسوع: الجمع الحاضر ينتظر أن يرى معجزة أو يسمع كلاماً مدهشاً. والخصوم الذين ينتظرون المناسبة لينصبوا له فخاً. وهكذا، إن عدنا إلى النقد الأدبي نرى أن التقليد الإنجيلي عرف ثلاث مراحل رئيسية: المثل نفسه كما قاله يسوع. المرحلة السابقة للتدوين الإزائي (مز 118؛ لو 20: 18= مت 21: 44). وأخيراً نسخات مت، مر، لو الثلاث.
3- معنى المثل
أ- الفن الأدبي
تستوقفنا حين نتطرّق إلى الفن الأدبي، ثلاثة أمور: تطبيق المثل في الجماعة المسيحية. المعطيات البيبلية. الإشارات الأمثالية.
أولاً: تطبيق المثل
هناك أولاً إيراد مز 118: 22- 23. ثم القول الذي نجده في لو 20: 18 (من يسقط على هذا الحجر يترضّض، يتهشّم). التوضيحات حول المعاملات السيّئة التي لاقاها الخدم، حول أوان الثمر، حول ربّ الكرم. وأخيراً، هناك إضافات كتلك التي نجدها في مت 21: 43: "إن ملكوت الله يُنْزع منكم ويُدفع إلى شعب يستثمره".
كل هذه العناصر تُعتبر نتيجة تأمّل الجماعة المسيحية في ما تذكّرته من مثل يسوع. وهي سوف تستغلّ في معنى مسيحي الرموز البيبلية الأساسية التي نجدها في حجر الزاوية (أو: حجر الغلقة)، الثمار، العلاقة بين السيد وعبيده.
ثانياً: المعطيات البيبلية
ربّ الكرم هو الله. الكرم هو إسرائيل ثم ملكوت الله. الكرّامون هم إسرائيل ورؤساؤه. الثمار الواجب تأديتها هي الأمانة للعهد. هذا ما نجده في الطبقة الأساسية من المثل. وقد تسلّمها يسوع من التقليد الكتابي، ولكنه حملّها معنى جديداً. فابتعد المثل الذي قدّمه عن الأصل الذي نقرأه في أشعيا.
ثالثاً: الإشارات الامثالية
بدون هذه الإشارات لا نكون أمام مثل من أمثال يسوع. فما هي؟ (1) ذهاب ربّ الكرم وعودته: في الجماعة المسيحية هو المسيح الذاهب والعائد. (2) إستئجار الكرّامين. سيكون الميراث لنا: اعتبر اليهود نفوسهم الوارثين الحقيقين للوعد (وبشكل نهائي). (3) إعلان موت الابن: سيأتي الحديث عن القيامة في إطار الجماعة المسيحية.
هنا يُطرح السؤال: هل نحن أمام مثل تعليمي على شكل حبّة الخردل (مت 13: 31- 32) حيث نبحث عن المعنى العام؟ أم هل نحن أمام مثل يتحدّث عن الدينونة كما في مثل التينة العقيمة (لو 13: 6- 9)؟ في الواقع، ينصبّ الاهتمام على عقاب الكرّامين، لا على صبر ربّ الكرم. إذا عدنا إلى قصيدة أشعيا نفهم أننا أمام مثل دينونة. وهذا يعني أنه يشير إلى سياق تاريخي محدّد.
أعلن أشعيا لرجال يهوذا الذين خانوا العهد أن الأمة ستدّمر. وتوجّه يسوع إلى معاصريه، ولا سيّما رؤساء الشعب، فأعلن لهم أنهم حين يتآمرون على قتله، فهم يشيرون إلى هلاكهم. فالربّ، سيّد التاريخ، سيدفع كرمه إلى آخرين.
ب- مرمى المثل
ولكن يسوع اختلف عن أشعيا، فلم يعلن دمار الكرم، بل إحلال كرّامين آخرين محل الكرّامين الأولين. واختلف عنه أيضاً، فلم يبرز عقم الكرم، بل تسلّط الكرّامين على ثماره. والكرم لا يدلّ فقط على إسرائيل التاريخي، بل على واقع مستمر وحيّ في قلب الله. نسمّيه، انطلاقاً من الإنجيل: ملكوت الله.
يجيء الحكم بشكل مستقبل قريب يترك للمخطئين مناسبة التوبة. خذوا حذركم! فالله يفرض عليكم أن تؤدّوا له ثمار الملكوت. وأنتم تقتلون الابن بعد الأنبياء. أرسل لكم ابنه في نهاية التاريخ، فما كان نصيب هذا الابن؟
وقد يكون هناك إنباء بموت يسوع، ووحي لبنوّته الإلهية. ولكن هناك تهديداً وتنبيهاً، وإعلاناً لدينونة مقبلة. في هذا النصّ يستعيد يسوع بطريقته الخاصّة التقليد النبويّ. فكل نبيّ يُرسل من قبل الله ليكشف لمعاصريه معنى أعمالهم ومنطق العهد على مستوى الله. وإذ يبرز أمام أنظارهم الكوارث الوطنية التي تعاقب خيانتهم، يدعوهم إلى خيار جذري: بين قساوة القلب وبين الارتداد. كلاهما ممكنان. قال عا 4: 4: "اذهبوا إلى بيت إيل واخطئوا". وقال يسوع: "انقضوا هذا الهيكل" (يو 2: 19). ففي مثل يسوع كمالا نبوءة أشعيا، لا تعرض إمكانيّة التوبة بشكل خيار كما في كلام يوحنا المعمدان (كما 3: 7- 12= لو 3: 7- 9). بل بشكل تهديد: ستكونون خارج الملكوت. ولكن قد يصبح هذا التهديد بعيداً، إذا شئنا.
ج- معنى المثل
إن يسوع يشرف على تاريخ الخلاص. وقد ربط بمصيره الخاص دينونة إسرائيل الأخيرة. سبقه خدم لم يسمع الناس لهم، بل قتلوهم. وجاء هو "الأخير". إنه الابن. وحين رذل إسرائيل الابن، أعاد الله النظر في موقفه بالنسبة إلى شعبه.
في هذا المثل، يعلن يسوع مصيره الخاص بالنظر إلى تاريخ الخلاص الماضي. لم يربط موته بقيامته، كما فعل في الانباءات الثلاثة عن الآلام. فهي الكنيسة الرسولية التي حاولت أن تتأمل لا موت يسوع وما فيه من شك، فحدّدت هذا الموت بالنسبة إلى القيامة. أعلن يسوع مصيره لمجمل إسرائيل، فأدخله في التاريخ الإلهي مع فعل "داي" (يجب، ينبغي).
إن المؤرخ الذي يقرأ الأناجيل يعلم علم اليقين أن يسوع وعى مصيره المؤلم. وعن أنه يتمّ نبوءة عبد الله المتألم، نبوءة الموت الفدائي. ولكنه لم يحتفظ هنا إلا بالوجه المظلم من هذه النبوءة: الموت الذليل (أش 53: 8- 10). وإذ أعلن دينونة إسرائيل القريبة، ما شاء ان ينبئ بالطابع التكفيري لموته ولا بيقين تمجيده (53: 10- 12). وساعده منطق المثل فدلك على نفسه كـ "الابن" أو "الوارث".
لم يوضح من هم "الآخرون" الذين سيُدفع إليهم الكرم. فهمّه هنا في إطار الدينونة أن يكشف خطيئة إسرائيل. اختلف هذا المثل عن مثل الزارع، فلم تقم خيانة إسرائيل في أن يكون حقلاً عقيماً من أجل زرع اسكاتولوجي، بل في أن يضع يده على عطايا الله. اعتبر الكرم "شيئاً" يخصّه. ولم يعتبر نفسه عاملاً في كرم يخصّ الله وحده. فالملكوت هو ملكوت الله.
وهكذا يستعيد المثل المعطيات التاريخيّة الأكيدة. ففي الساعة التي تقرّر فيها موت يسوع بفم خصومه، طُرح سؤال ملحّ لا مهرب منه: من هو هذا الإنسان الذي يسمّي نفسه الابن، الذي يرى نفسه ذاهباً إلى الموت؟ فيخبر خصومه بذلك لا ليجعلهم يهتمون بمصيره، بل لكي يكشف لهم النتائج الهائلة لأعمالهم. ويخبرهم لكي يؤكّد لها أخيرا" أن التاريخ الإلهي يدرك ذروته في هذا "القتل"، ولكن دون أن يتوقف. فالله ربط مصيره مع مصير "عبد الله" يسوع، والكلمة الأخيرة ستكون له. والكرم سيتابع مسيرته، لأنه ملكوت الله على الأرض.
4- النظرة اللاهوتية في مثل الكرّامين القتلة
إتخذ مثل يسوع هذا أهمية كبرى في نظر المسيحيّين الأولين. فقد جمع بشكل متناسق، وحياً عن مصير يسوع ووحياً عن مصير الكنيسة. لهذا، طبّق حسب حاجة الجماعة التي وجّه إليها، وكانت إضافات أو إغفالات. فقد أعيدت قراءة المثل بالنظر إلى الوضع الجديد الذي خلقه الحدث الفصحي.
أ- نظرة مرقس
يبدو أن مرقس شدّد على الوجهة الكرستولوجيّة الأولى. ففي الظاهر، ليس مصير يسوع فريداَ. فقبله نال الخدم المعاملات السيّئة التي وصلت بهم إلى الموت. وإذ قال مر إن الثالث "قتل" وإن مرسلين "كثيرين" تبعوه، قطع التدرّج الذي استعمله لوقا ليبرز مصير الابن. ولكن هذا الإحساس الأول يمحي حين يصوّر عذاب الابن: هو وحده قد نجّس الكرّامون جثمانه. قتل الابن في الكرم، ولكن جسده طُرح خارج الكرم. في معنى أول، خارج أورشليم التي تمثل كرم الرب. وفي معنى ثانٍ ، أرادوا أن يرذلوا الابن من الملكوت. غير أن هذا الذي رذلوه قد جعله الله مفتاح التاريخ وهكذا تهتف الجماعة فتعبرّ عن اعجابها أمام عمل الله، أمام آلام الابن وقيامته.
أجل، إن مثل الكرّامين في مر قدّم للجماعة نظرة فصحية إلى الحدث. ولكنه يبقى إعلاناً لدينونة مقبلة. فالإطار الذي دوّن فيه يبرز الوضع المأساوي الذي يعيشه يسوع. حين أعلن يسوع هذا المثل، كان يعيش التهديد بالموت من قبل رؤساء الكهنة والكتبة.
ب- نظرة لوقا
تركّز مثل يسوع حول موت الابن، فبدا خبراً يجري أمامنا كما في صور متعاقبة. وهذا الخبر هو دراما تجعل الخطر أمام الكرّامين، وذلك تحت نظر الشعب.
منذ "زمان بعيد" (20: 9) بدأ الله عمله. وعلامة الخلاف التي تنتصب مع مجيء الابن، قد جعلت الكرّامين يعثرون. من جهة، نجد كرّامين يقفون أمام "مشيئتهم" بأن يطردوا الله خارج ملكوته (نجد 4 أفعال مع الأداة: إك: خارج. في آ 10، 11، 12، 15). ومن جهة ثانية، نجد رب الكرم بصبره وقلبه الكبير الذي يرجو (ربّما آ 13) أن يهابوا ابنه، "فيرسله" كما "أرسل" (بمبو في اليونانية كما في يو 4: 34؛ 5: 23) الخادمين السابقين (هو الثالث) (20: 11- 13). أما الكرّامون فطردوا الخادمين بأيدٍ فارغة (آ 10- 11). تعارض تام بين الكرّامين والله نفسه.
إن هذا الصراع في التاريخ الماضي يتركز اليوم في الانشداد حول شخص يسوع الذي هو حاضر هنا ويتكلّم. إن آية الخلاف التي تحدّث عنها سمعان الشيخ (2: 33)، إنتصبت اليوم أمام الشعب كله (20: 9). وعلى كل واحد أن يتخذ موقفاً. جُعل إسرائيل أمام نظرة تعلن أن ملكوت الله يؤخذ منه ويُدفع لآخرين، فهتف "معاذ الله" (آ 16). حينذاك جاء نظر يسوع (آ 17) يلج إلى أعماقهم، لكي يفهمهم إلى أي درك وصلوا.
إنتهى المثل عند مر، بهتاف جماعة تنشد في ليتورجيتها عمل الله العجيب. أما لو فشدّد على التنبيه الذي يوجّه إلى الشعب كله (آ 19) الذي يتميّز عن الكتبة وعظماء الكهنة: "من سقط على هذا الحجر يتهشَّم. ومن يسقط عليه يسحقه" (آ 18).
- نظرة متّى
إن رسمة تاريخ الخلاص التي يقدّمها المثل، تتركّز على الحدث الفصحي. وهي تبدو في مشهدين: حُرم رب الكرم من ثمار الكرم رغم الوفود المتعاقبة التي انتهت مع ابنه (آ 34- 39). ها هو يقدّم الكرم لكرّامين يؤدّون له ثمراً (آ 40- 44).
أما الاتجاه الكرستولوجي عند مت، فيدخل في فقاهة شاملة. هو لا يكتفي بأن يعطي تطبيقاً أخلاقياً، بل فهماً عميقاً يتجذّر في نظرة شاملة إلى مخطط الله.
إن المقدمة (آ 33) تحدّد التاريخ في لاهوت علاقة الإنسان بالله. الله هو رب الكرم، فواجب إسرائيل وواجب كل سامع أن يؤدي له الثمار. ولكن الكرّامين رفضوا. وهكذا دلت آ 34- 39 على هذه الخيانة المثلّثة. والعودة إلى تاريخ العهد تلقي ضوءاً على معنى عقاب الكرّامين: سيؤخذ ملكوت الله منكم ويُدفع إلى آخرين. والآخرون هم الوثنيون. هذا هو معنى لفظة "اتنوس" (الشعب الوثني، تجاه الشعب اليهودي). هذا هو معنى لفظة "ألويس" (آخرين). سيأتون من المشرق والمغرب ويتكئون إلى المائدة الاسكاتولوجيّة (مت 8: 12= لو 13: 28- 29). أجل، إن الأمم الوثنية تحلّ محلّ إسرائيل التاريخي.
خاتمة
روى الإزائيون الثلاثة مثل الكرّامين القتلة ولاحظوا تأثيره على السامعين. قال مت 21: 45: "فهموا أنه يتكلّم عنهم". وقال مر 12: 12: "فهموا أن لأجلهم قال المثل" (رج لو 20: 19). شفافية على مستوى الفهم. ولكن على مستوى الموقف الواجب إتخاذه؟ لقد كشف المثل عن رفض داخلي وقساوة قلب (4: 12)، كان قد حاول رؤساء الشعب أن يقبضوا على يسوع، ولكنهم خافوا من الشعب (رج 11: 32). أما الآن، يقول مر 12: 12، فتركوه ومضوا. تركوا المسرح كما فعلى قبلهم الفريسيون والهيرودسيون على أثر الجدالات الخمسة في الجليل (3: 6).

 

 

الفصل الثالث والعشرون
الجزية لقيصر
12: 13- 17
يورد حدث الجزية لقيصر هجوماً مضاداً من قبل رؤساء اليهود حالاً بعد مثل الكرّامين القتلة. فقد كان هذا المثل الأخير مزعجاً جداً لهم. فأرسلوا إلى يسوع الفريسيين وبعض جماعة هيرودس. أجل، لقد اجتمع أصحاب هيرودس وأعداء هيرودس (الفريسيون). المهم الإيقاع بيسوع. ولكنهم لا يستطيعون. بل سيكون لنا جواب من يسوع خاصّ بهم، وتعليم لنا نحن المؤمنين اليوم حوله علاقتنا بالسلطة السياسية.
1- نظرة إجمالية
إن الجزية التي تُدفع للامبراطورية الرومانية، هي موضوع الجدال (كما في مدارس الرابانيين) الذي نقرأه في هذا الفصل. فنحن نبدأ مع آ 13 سلسلة من جدالات سيخرج منها يسوع منتصراً. لهذا نقرأ في 12: 34: "ولم يجسر أحد من بعد أن يلقي عليه سؤالاً".
هنا يواجه يسوع نوعين من الخصوم: الفريسيون والهيرودسيون. لقد ذُكروا في 2: 6. ويبدو أن السنهدرين (المجلس الأعلى. نحن هنا أمام ملاحقة رسمية وإن كانت خفيّة) هو الذي أرسلهم. هذا ما يلمّح إليه مرقس هنا ولو 20: 20: "أوفدوا إليه جواسيس يراقبونه".
إن الأسئلة المطروحة على يسوع تنتمي إلى فئة من الأسئلة المحرجة اعتاد الرابانيون أن يطرحوها ليختبروا عند الآخرين معرفتهم للكتب المقدّسة وفطنتهم في تمييز الحالات. تكل هي مسألة الجزية التي فرضها الإمبراطور الروماني على المناطق المحتلة: هذه الجزية قسمت الأحزاب السياسية والدينية في عصر يسوع: فالغيورون رفضوا أن يدفعوها انطلاقاً من مبدأ ديني. لا ملك لنا إلا يهوه. أما الهيرودسيون فقد ارتبطوا بالسلطة الحاكمة وتشيّعوا لهيرودس. فكانوا يدفعونها بطيبة خاطر. أمّا الفريسيون فعارضوا من جهة المبدأ سلطة رومة، ولكنهم وجدوا توافقاً على المستوى العملي: بما أن الحكام الوثنيين يتسلّمون من الله سلطتهم بحفظ النظام، وله يؤدّون حساباً، لذلك يجب أن نخضع لهم ولا سيّما في أمر الجزية. ولكن يبقى الأمر موقتاً.
حين طرح الخصوم هذا السؤال على يسوع، أملوا أنهم يسجنونه فلا يمكنه أي يفلت: فمهما كان جوابه، سيجتذب عليه غضب هذا الفريق أو ذاك. إن قبل بدفع الجزية، أفهموا الشعب أنه يتعامل مع العدوّ. وإن رفض دفع الجزية، يشتكون عليه لدى الوالي الروماني. وقد كانوا يستشفّون هذا الخيار الثاني، كما تدلّ على ذلك بداية الكلام الذي وجّههوه إلى يسوع. "لا تحابي وجوه الناس "لا تعتبر الناس حسب عملهم، غناهم، مركزهم)، بل تعلّم طريق الله بالحقّ" (آ 14).
طُرح السؤال على المستوى النظري وعلى المستوى العملي. هل يحقّ لنا أن ندفع جزية الرأس؟ هذا يعني أننا نقرّ بسلطة رومة. وعلى المستوى الملموس، إذا رفضنا أن ندفعها، هل يعني هذا أنه يجب أن نخضع لسلطة رومة لأسباب أخرى؟ وهكذا جُعل الطرح الذي يقدّمه الفريسيون أمام يسوع.
"أدرك يسوع مكرهم" (آ 15؛ رج 7: 6). فأعادهم إلى ذواتهم، كما فعل في الجدال حول السلطة (11: 29). سألوه. فطلب منهم ديناراً. أروه أياه فدلّوا أنهم يستعملون هذا النقد الذي يحمل صورة الإمبراطور طيباريوس. وقد دوّن عليه: "طيباريوس الإمبراطور، ابن اوغسطس الإلهي، وهو نفسه اوغسطس" (أي عليّ، كالرب العليّ). ولكن عملهم جعلهم يخسرون ماء الوجه. سقطوا في الفخّ الذي نصبوه.
بعد هذا، يستطيع يسوع أن يقدّم جوابه بحرّية وإرتياح: إذا كان النقد يخصّ الإمبراطور فهو واجب له وهو يعود إليه. غير أن هناك نظاماً أسمى يجب أن نقرّ به هو واجباتنا تجاه الله. إن هذا الجواب يتخطّى المستوى الذي جُعل عليه السؤال. فيسوع لا يعطي قواعد عملية تساعد المواطن لا تصّرفاته اليومية: لا يوصي بالخضوع أو الخنوع أمام النظام القائم (وهذا هو موقف الفريسيين). ولا يوحي برذل هذا النظام (هذا هو موقف الغيورين). ولا يبارك بكل بساطة ما يفعله الإمبراطور ومن يعمل باسمه (هذا هو اتجاه الهيرودسيين).
إن إعلانه المزدوج يلاحظ أمرين: من جهة، وجود سلطات موقتة في عالمنا، يجب أن نأخذها بعين الإعبار. ومن جهة ثانية، يدعونا يسوع إلى موقف واع يميّز الأمور: أدّوا للدولة مالها، كل مالها، وفقط مالها... لا أكثر ولا أقلّ... وأدّوا لله ما يعود إليه، أي شخصكم كله. نحن من الله ونعود إلى الله الذي هو هدفنا وغايتنا، ووحده يستطيع أن يطلب منّا كل شيء.
2- قراءة تفصيلية
أ- بعض من الفريسيين (آ 13)
نجد في مر أن الفريسيين والهيرودسيين جاؤوا إلى يسوع. لقد تعوّدنا على هذا "التحالف" الغريب. ففي 3: 6 نقرأ: "فخرج الفريسيون وتآمروا عليه مع اليهرودسيين". كان ذلك بعد الجدالات الخمسة الأولى. أما الآن فقد ازدادت الاستعدادات العدائية شدّة. أما مت 22: 15، فتحدّث فقط عن الفريسيين الذين عقدوا مجلساً واتخذوا قراراً بإرسال تلاميذهم مع بعض الهيرودسيين. بهذه الطريقة يظلّون بمنأى عن الانتقادات المباشرة. أما لوقا الذي يراعي الفريسيين، فاكتفى بالقول: "راصدوه، أوفدوا إليه". من هم هؤلاء؟ إذا عدنا إلى 20: 19 نفهم أنهم الكتبة ورؤساء الكهنة.
هناك من جعل هذا الجدال في المرحلة الجليلية. ولكن لماذا؟ حسب لو 23: 6- 12، كان هيرودس انتيباس في أورشليم بمناسبة العيد. كان تبَّاع هيرودس يسيرون مع "الحاكم" الذي تعيّنه رومة. فهم العملاء الذين لا يجادلون. أما الفريسيون فلم يكونوا على رأي واحد. كان عدد منهم وطنيين متحمّسين، فكانوا يبكون على هذا الوضع الذي يقود إلى العبوديّة. ولكنهم بالإجمال، تعاملوا مع رومة بفطنة ودراية. وقد رأى بعضهم في هذا الاحتلال عقاباً من الله. وآخرون رأوا فيه حاجزً أمام تسلّط هيرودس البغيض.
يطرح الفريسيون السؤال، وموقفهم تجاه الجزية متشعّب. والهيرودسيون يحملون الجواب إلى السلطات. بما أننا لا نستطيع أن نهاجم يسوع بشكل مباشر أمام الشعب، نجعله يسقط في فخّ السلطات الرومانية. هذا ما قاله لو في 20: 25: "يسلّمونه إلى حكم الوالي وسلطانه".
إن موضوع الجزية كان موضوعاً مؤلماً: يدفعها كل شخص يعيش في الإمبراطورية. ولا ننسَ سائر الضرائب: الجمارك، الانتقال من مقاطعة إلى مقاطعة، الضرائب غير المباشرة، الضريبة على الأراضي. كل هذا يدلّ على سلطة رومة على الشعب المختار. والدفع يعني الاعتراف بهذه الشرعيّة والقبول بخسارة الاستقلال الوطني. هذا على المستوى السياسيّ. وهناك أيضاً المستوى الديني: إذا كان القيصر هو سيّد إسرائيل، إذن، ليس الله هو السيّد (رج يو 8: 31- 34). سينطلق يسوع في جوابه من هذه النقطة: الاهتمام بكرامة الله. ما الذي يمسّ هذه الكرامة؟ هل السلطة الرومانية وحدها؟ هل دل ما يجب لقيصر يعارض "دفع" ما يجب لله؟ هل هم متأكدون أنهم أدّوا لله ما يجب في حياتهم العملية؟
كانت نظرة سياسية: التعامل مع السلطة الأجنبية. وارتبطت بهذه النظرة وجهة دينية: لا ملك علينا إلا الله. ومن يعيّنه الله من شعبه. وهناك وجهة دينية أخرى: نجد على النقد صورة الإمبراطور. والوصية الثانية من وصايا الله تمنع الصور والتماثيل. ثمّ إن هذا الإمبراطور يعتبر نفسه الله. والمؤمن لا يعرف إلا الله الواحد. وهكذا بدا الوضع متشعباً، بل معقداً. ولكن الجواب جاء بسيطاً في فم يسوع: حين تؤدّون واجبكم حقّاً تجاه الله، تصبح تأدية سائر الواجبات بسيطة. محبّة الله تعلّمنا محبّة القريب والتعامل معه.
ب- السؤال المطروح (آ 14)
نستطيع أن نجد في "الخطبة" الصغيرة المنسوبة إلى الفريسيين مقدّمة مقولبة كما في يو 3: 2 (نيقوديمس)، أع 24: 1- 4؛ 26: 1- 2، تريد أن تلفت انتباه الآخر وتربح ودّه. نلاحظ أن المحاولة لا تستند إلى إمكانيات يسوع في حلّ المسائل اللاهوتية أو الخلقية، بل استقامته المطلقة وحرّيته تجاه الأشخاص. نستطيع أن نرى هنا ثلاثة أمور: الأول، قد يكونون حقاً تأثروا بيسوع وعبّروا عن قرارة ضميرهم. الثاني، قد يكون هناك بعض "السخرية" واستقامة يسوع لا تدخل في إطار "الشريعة" كما يراها خصومه. ولكنهم مع ذلك تحدثوا عن استقامته، وإن يكن الشكل سلبياً (مثلاً. هزئوا منه لأنه اعتبر نفسه ملكاً. ولكن هو ملك في الحقيقة). الأمر الثالث والأهم في نظرهم: بدأوا يمتدحون يسوع، وهكذا لن يستطيع أن يتهرّب. فبدا مديحهم طريقة لإحكام الفخّ فلا يستطيع الإفلات منه. 
جاء الفريسيون وجاء معهم الشهود من جماعة هيرودس. أترى يسوع سيجاري الشعب الحاضر ويدعوه إلى رفض الجزية؟ حينئذ يُعتبر داعياً إلى الثورة. غير أن جواب يسوع جاء حقيقياً وحكيماً. تحلىّ جوابه بالفطنة فلم يقع في فخّ خصومه. وربط هذا الجواب بالله فجعل السؤال في محلّه داخل حياة المؤمن. لا فتوى من الفتاوى "المدرسيّة" عند الرابانيين.
ج- جواب يسوع (آ 15- 17)
قال يسوع: "هاتوا ديناراً". حين طلب يسوع ما طلب، وجّه الفخّ على خصومه. لا شكّ في أن عندهم، أو أقلّه عند بعضهم، ديناراً يدفعونه "جزية". هذا النقد يجب أن "يحرق" أصابعهم. هو صنم رجس، هو قيمة تجارية، هو نقد بسيط "بريء". إنه علامة النظام الروماني الذي ينعمون به. وهذه الجزية هي ما يقابل بعض هذا النظام.
حين نعرف حذر يسوع من كل ما يمسّ المال. حين نعرف شهرة الفريسيين في حبّ المال (لو 16: 14)، نفهم أن يسوع أراد أيضاً أن يشدّد على فكرة أخرى ستتّضح في نصّ لوقا. ما يعارض حقوق الله ليس فقط "الصورة" الموجودة على النقد والتي تدلّ على "الإله" طيباريوس. فهناك إله آخر أكثر خطورة هو "مامون" هو المال الذي يعطينا الأمان فنؤمن به ونتكّل عليه ونعبده (لو 16: 12).
أجاب يسوع: "أدوا ما لقيصر لقيصر. وما لله لله". فما هو معنى هذه العبارة؟ قدّمت اقتراحات عديدة.
الأول: توجّه جواب يسوع إلى الغيورين. القسم الأول لا يعني لهم شيئاً، بل يدلّ على لباقة يسوع بالتهرّب من السؤال. فهم لا يؤدّون لقيصر إلاّ البغض! وقد يكون توجّهاً ملؤه الاحتقار لتبّاع هيرودس الخاضعين الخائفين أو للفريسيين الجبناء: أنتم تستعملون نقد قيصر فأعيدوه إليه. هذا يتضمّن: أما نحن فلا ندفع الجزية! أما فنحن فنردّ لله ما هو لله أي شعبه الذي جعله قيصر عبداً له. هذا يعني نداء مقنعاً للثورة. هكذا يفهمه الغيورون.
وقد يكون الجواب مناقضاً لموقف الغيورين الذين تميّز يسوع عنهم (أرادوا أن يجعلوه منهم، رج لو 23: 2). يجب أن ندفع الجزية. هناك مسألة عامة عن العلاقات مع السلطة الرومانية لا تهمّ يسوع. ما يهمه هو أن يؤدّى لله ما هو لله. يعني أن يحدّد موقعه بشكل إيجابي من ملكوت الله.
الثاني: أقرّ يسوع في جوابه بالدعوة الخاصّة للدولة التي هي نظام أراده الله، وهو بذلك يملك سلطة شرعيّة. نجد أساساً لهذه النظرة في العهد القديم (أم 8: 15- 16؛ دا 2: 21، 37- 38؛ أش 45... موقف أرميا من الجيش البابلي). في العهد الجديد نجد روم 13: 1- 17 (حيث حلّت مسألة الجزية بشكل إيجابي)؛ تي 3: 1؛ 1 بط 2: 13- 17. إذ كان للدولة سلطة من الله، فهذا من أجل خلاص البشر. فإن أديّنا لقيصر ما لقيصر، فلكي نؤدّي لله ما لله. وهكذا شددّ جواب يسوع على القسم الثاني.
الثالث: لا يهتم يسوع بالأمور السياسية. إن سلطة الله المطلقة لا تسمح لنا أن نضيع الوقت في أمور جانبية. دُفعت الجزية أم لم تدفع؟! هذا أمر لا يبالي به يسوع. نظّموا أموركم المادية كما ترون، واطلبوا ملكوت الله وبرّه. صرنا هنا على المستوى الروحي البحت الذي يجعل المسيحي الذي ليس من العالم، في العالم.
خاتمة
في هذا المشهد نرى أولاً تصّرف يسوع الذي تميّزه حكمة الحيات ووداعة الحمام. يتحدّث النصّ الإنجيلي عن مكر السائلين، عن نواياهم السيّئة. أما جواب يسوع فأسكتهم وقدم لنا تعليماً حول علاقة عالم الله بعالم البشر ولا سيّما على مستوى السلطة السياسية والأمور الاقتصادية. إن عبارة يسود (أدّوا ما لقيصر لقيصر) لم تلقَ جواباً واحداً لدى الشّراح. ولكنها شددت على الواجبات الأولى تجاه الله. وبعد ذلك تأتي واجباتنا في المجتمع. أما الموقف الذي يمكن أن يتّخذه فرد أو جماعة، فيكون وليد تأمّل لا كلام الله كله (لا في نصّ واحد) على ضوء الوضع الذي نعيش فيه. ولكن يبقى في الحالاًت العادية أن واجبنا تجاه الله يعلمنا أن نتعامل مع واجبنا تجاه القريب الذي ليس بابن القبيلة أو العائلة وحسب، بل كل إنسان نتعامل معه في الحياة.

 

 

الفصل الرابع والعشرون
حقيقة القيامة
12: 18- 27
ماذا عن قيامة الموتى في كرازة يسوع؟ نبدأ فنحلّل حوار يسوع مع الصادوقيين كما برز في الأناجيل الإزائية الثلاثة (12: 18- 27؛ مت 22: 23- 33؛ لو 20: 27- 40) ثم نحاول أن نستخلص التعليم اللاهوتي.
1- تحليل النصّ
النصّ معروف. نحن أمام جدال يبدأ بسؤال وينتهي بجواب يسوع. أما المعارضون فهم الصادوقيون "القائلون بعدم القيامة". ونتوقّف أولاً عند خصائص كل نصّ على حدة.
أ- المقدمة
خلال الأيام الجثة التي تسبق الآلام، جمع مرقس بعض الأحداث (الدخول إلى أورشليم، طرد الباعة من الهيكل). ثم كثّف في اليوم الثالث تعاليم مختلفة وعديدة (11: 1؛ 12: 44). وبين هذه التعاليم نجد خمسة جدالات يتدخّل فيها يسوع ليقدّم تعليمه (11: 27- 33؛ 12: 1- 12، 13- 17، 18- 27؛ 28: 37). وكان مرقس قد جمع في القسم الأولى من إنجيله سلسلة من جدالات خمسة (2: 1- 3: 6).
حين نعرف تصرّف مرقس، نرى أن هذه المجموعة وأختها سبقتا تدوين الإنجيل. ففي هذا اليوم الثالث من الأسبوع الفصحي، قادتنا وفرة المواد وتنوعّ المواضيع إلى القول بترتيب تدويني قديم في الكنيسة الأولى. هنا نجد جدال يسوع مع الصادوقيين حول قيامة الموتى (12: 18- 27). وقد استعاد كل من متّى (22: 23- 33) ولوقا (20: 27- 40) هذه المقطوعة.
لا نجد في مر انتقالة بين هذه المقطوعة وسابقتها بل نقرأ: "وجاء إليه". إن مثل هذا النقص في الوصل خاص بمرقس. وكذلك استعمل حرف العطف (كاي)، والحاضر التاريخي لا فعل "جاء" (أقبل). إن الذين جاؤوا إلى يسوع هم الصادوقيون. وقد صوّرهم لنا مرقس: يقولون بعدم القيامة (اناستاسيس). هذه الملاحظة مهمّة لكي تحدّد الأشخاص الذين يتوجّه إليهم الإنجيل.
أما متّى فجعل النزاع ساعة الانفصال الكبير بين يسوع واليهود (مت 21: 23؛ 23: 29). عاد بشكل اجمالي إلى مر. وجعل في بداية المقطوعة: "وفي ذلك اليوم عينه". وهكذا شدّد على أهمية ما يلي (23: 1)، كما أدخل هذا الجدال في الدراما العظيمة التي بدأت بدخول يسوع إلى الهيكل. ولكن، حين نقرأ مت، نجد أن الناس لا "يجيئون" إلى يسوع، بل يقتربون منه بإجلال. وأحلّ متّى الماضي الناقص محلّ الحاضر التاريخي.
وأخذ لوقا من مر 4 من جدالاته الخمسة (20: 1- 8، 9- 18، 20- 26، 27- 40). ألغى السؤال حول أعظم الوصايا (مر 12: 28- 40) لأنه سبق وأورده قبل ذلك (لو 10: 25- 28). منذ البداية، نجد نفوسنا أمام كاتب مثقّف. ألغى، شأنه شأن متّى، الحاضر التاريخي. وبدأ عبارته مع اسم الفاعل: "وهم مقتربون" (وإذ اقتربوا). ثم قال: "بعض الفريسيين". واحتفظ باللفظة التي استعملها متّى: إقتربوا بإجلال.
قال مرقس: جاء إليه صادوقيون اولئك الذين يقولون. كتب متّى ومرقس إن الصادوقيين يقولون بعدم القيامة. أما لوقا فجاء دقيقاً: يعتقد أنهم يقولون (انتيلاغونتس). وما أحتاج مثل متّى إلى أن يكتب "قائلين". فكلاهما قال: "سألوه".
ب- سؤال الصادوقيين (12: 19- 23؛ مت 22: 24- 28؛ لو 20: 28- 33)
السؤال هو هو في الأناجيل الثلاثة. قال مرقس: كانوا يسألونه (وكأن هناك أكثر من سؤال). وقال متّى ولوقا: سألوه (مرة واحدة). توجّه الصادقيون إلى يسوع مستعملين لقب شرف. يا معلّم (ديدسكالوس. نجده عند مت ولو). ثم دخلوا حالاً في الموضوع: "كتب (رسم) الناموس أنه إن مات لأحد أخ". تبع لوقا مرقس: كتب موسى. وتبع متّى مر، ولكنه أحلّ "قال" محلّ "كتب". ففي نظر متّى، يعود الصادقيون إلى قراءة كتاب موسى. أمّا في نظر مرقس ولوقا، فموسى هو قناة الله. وقد كتب "لنا". 
جاءت جملة مرقس متشعّبة، فصحّحها لو ومت. "إذا مات أخ أحد وترك امرأة ولم يترك ولداً، فليأخذ أخوه المرأة وليُقم نسلاً لأخيه". قال مت: "إن مات أحد" (بدل: أخ أحد). وألغى "ترك امرأة". فإن مات بدون ولد، هذا يعني أنه كان متزوّجاً. وصارت جملته: "إن مات أحد عن غير ولد، فليتزوّج أخوه امرأته". قالت لوقا: "أخ متزوّج له امرأة". جاءت عبارة مرقس أقرب إلى الساميّة: "لم يترك ولداً". وقال متى: "لم يكن له ولد". أما لوقا فاستعمل كلمة "قانونية": عن غير ولد (أتكنوس). قال مرقس: "ليتخذ أخوه" (طريقة ساميّة). وتبعه لوقا. أمّا متّى فقال: "يتزوّج امرأة أخيه". استعمل الثلاثة لفظة "سبرما" (نسل، عقب).
دوّن مرقس 12: 20- 23، أو أخذه من مرجع سابق. وجاء متّى ولوقا فحاولا أن يصحّحا لغة مرقس. فبعد أن ذكروا شريعة "السلفية" (تأخذ المرأة سلفها أو أخ زوجها) (تث 25: 5- 7) بشكل حرّ، واستلهموا خبر تامار (تك 38: 9)، نصبوا فخاً ليسوع.
لم يربط مرقس مقدّمته بما يلي: كانوا سبعة اخوة. أدخل متّى الأداة العاطفة "دي" (والحال). وزاد: "عندنا" (وكان عندنا سبعة اخوة). وهكذا حدّد موقع الخبر في الواقع اليومي. كان قد ألغى متّى في آ 24 "لنا" (قال لنا موسى). وها هو يعيد الضمير هنا (عندنا). ولجأ لوقا إلى الأداة "أون" (اذن). وهكذا ربط الجملة بسابقتها.
استعاد مرقس عبارة الاستشهاد الكتابي وكتب: "والأول أخذ امرأة ومات (اسم فاعل) بدون نسل". كثّف متّى الجملة: إذ تزوّج الأول مات. لوقا: والأول أخذ امرأة ومات. ثم قال متّى: إذ لم يكن له نسل ترك امرأته لأخيه. لوقا: مات بدون ولد (كما في آ 28). وها نحن نضع ما يلي في مقابلة إزائية.
مرقس متى لوقا
21- والثاني 26- وكذلك الثاني 30- والثاني
أخذها ومات
ولم يترك نسلاً
والثالث أيضاً والثالث 31- والثالث أخذها 
22- والسبعة إلى السبعة وكذلك السبعة
لم يتركوا لم يتركوا أيضاً
ولداً ولداً
وماتوا
وفي آخر الجميع 27- وبعد (هم) كلهم 32- وبعد (ذلك)
المرأة أيضاً ماتت المرأة المرأة أيضاً
ماتت ماتت
23- في القيامة 28- في القيامة 33- المرأة إذن
إذن في القيامة
حين يقومون
لأي منهم لأي من السبعة لأي منهم
تكون إمرأة تكون امرأة تضحي امرأة
فإن السبعة فإنهم كلهم فإن السبعة
اتخذوها اتخذوها اتخذوها
امرأة امرأة

لا تبدّلات هامة. لا إضافة ولا اغفال. نحن أمام أسلوب في الكتابة. لم يكرّر مت ولو عن الأخ الثاني ما سبق وقالوا عن الأخ الأول. وتجنّب متى التكرار بعد السبعة. وتجنب مت ولو الاسهاب: "في القيامة، حين يقومون". إن التكرار في مرقس يفترض أن عبارة "في القيامة" صار زمناً أو موضعاً ينفصل عن واقع انهاض الموتى.
ج- جواب يسوع (12: 24- 27؛ مت 22: 29- 32؛ لو 20: 34- 38)
يبدو جواب يسوع مع اختلافات لافتة. بين مر ومت هناك تبدلاّت طفيفة على مستوى الأسلوب واللغة. أمّا نسخة لو فتطرح سؤالاً خاصاً.
بدأ مرقس مع آ 24: "قال لهم يسوع". تعود هذه العبارة ثلاث مرّات عند مرقس (9: 39؛ 10: 29؛ 12: 24). فيتجنّبها مت ولو في كل مرّة. فالمقدّمة لا ترتبط بما سبق عند مر. وهذا ما يحدث أيضاً عند مت 14: 7؛ 20: 21- 23؛ 26: 34؛ 27: 65 مع فعل قالت. في مر، طرح يسوع سؤالاً: "أمّا لأجل هذا تخطئون، إذ لا تعرفون الكتب ولا قدرة الله"؟ يلجأ مرقس مراراً إلى الإستفهام، لا سيّما في الجدال (2: 25؛ 12: 10). وتأتي عبارة "ديا توتو" (لهذا). بدَّلها مت، لأن الرباط واضح بين الضلال من جهة، وجهل الكتب المقدسة وقدرة الله من جهة ثانية (22: 29). 
ترتبط آ 25 (في مر) بالسابق بأداة "لأن"، التي لا تدلّ على سبب، بل على انتقالة. وعبارة "يقومون من الأموات" هي مرقسية (6: 14) مع فعل "اغايرو" (في 9: 9، 10: أنإستامي: رج 12؛ 26). ألغى متّى "من الأموات". هم "يُوقظون". الله يوقظهم (رج 1 كور 15: 15). وإذ زاد متّى: "لا يزوِّجون ولا يزوَّجون"، دلّ على أننا أمام المجهول، وفي صيغة ساميّة: فالمرأة تزوّج، الرجل يزوّجها. "بل يكونون كملائكة في السماء" (في مت. في مر: السماوات). إذن، لا يتحدّث يسوع إلا عن الأبرار. "مثل الملائكة" (في كما، مر) صارت: مساوين للملائكة في لو 20: 36. ولكننا سنعود إلى هذا الموضوع فيما بعد.
وينتقل مر إلى سؤال ثان: "أما قرأتم في كتاب موسى، في العليقة، كيف كلّمه الله قائلاً"؟ "الكتاب" هو سلطة في حدّ ذاته. هو مقدّس. تلك هي الطريقة اليهودية والمسيحية للإقرار به. كتاب موسى هو الشريعة مع مقطع وجود موسى "في العليقة"، في الموضع المقدّس حيث جاء الوحي الإلهي. نحن أمام طريقة يهودية في الإشارة إلى المرجع. قال بولس في روم 11: 2: "في ايليا" (أي: في المقطع الذي فيه إيليا). أما نصّ ست فجاء مباشراً: لقد وجّهت كلمة الله "إلينا". وما قيل له قيمة أبدية. ولكن حين شدّد موسى على التوراة بالمعنى الحصري (أسفار الشريعة الخمسة)، دلّ على أنه في موقعه ليردّ على الصادوقيين الذين يتعلّقون فقط بسلطة أسفار موسى الخمسة. أما النصّ الوارد فيعود إلى الخروج (3: 6). كان مت أميناً لليونانية فقال: أنا هو (ايمي). أما مر فلم يجعل إلى التعريف أمام الله كما في السبعينية. وأغفل مت ومر "أبيك". إن عودتهما إلى النصوص هي لجوء إلى الوحي نفسه، لا إلى البرهان الكتابي.
وهكذا يتبدّل الموضوع في هذه الآيات. ننتقل من الطريقة التي بها يقوم الموتى إلى واقع القيامة نفسه. كان من المفضّل على مستوى المنطق أن نؤكد على الواقع قبل أن نبيّن حالة القائمين من الموت. لهذا، انطلق بعض الشّراح من هذا الاختلاف فاستنتجوا ثلاثة أمور. الأول: إن آ 25 تشير إلى الفريسيين الذين تصوّروا القيامة عودة إلى الحياة الأرضية، فتعرّضوا لاعتراضات الصادوقيين. أمّا آ 26- 27 فتشيران إلى الصادوقيين. الثاني: هذه الآيات تتضمن "رزمة" من الأقوال جمعها مر (أو مرجعه) هنا. الثالث: إن الجماعة المسيحية ركّبت المشهد. وما يدلّ على ذلك الاختلافات بين الإزائيين. سنعود إلى هذه المسائل فيما بعد. أما الآن فنتابع تحليل النصّ.
اختلف لو 20: 37- 38 اختلافاً ملحوظاً عن كما ومر. فإعلان يسوع يبدأ: "إن أبناء هذا الدهر يزوِّجون ويزوَّجون (يتزوجون). أما الذين اعتبروا أهلاً "لذلك الدهر". عبارة تستلهم العالم السافي الفلسطيني. نجد هذا التعارض لدى الرابانيين، بين "هذا الدهر" و"ذلك الدهر". وحين قال لو إن القائمين من الموت يكونون "مساوين للملائكة"، زاد: لا يستطيعون من بعد أن يموتوا، لأنهم يكونون مساوين للملائكة، لأنهم أبناء القيامة. هذه تعابير ساميّة محضة. إذ أراد أن يورد خر 3: 6، تجنب القراءة في الكتاب (مثل مر)، كما تجنب قراءة ما كُتب لكم. بل قال: أوصى موسى، بيّن موسى، فسرّ. وإذ كانت العليقة في اليونانية تحمل صيغة المذكر والمؤنّث، فقد استعمل لو المؤنث فدلّ على أنه عارف بتواتر صيغة المؤنث.
وقد نسبت هذه الاختلافات بين لو من جهة ومت ومر من جهة ثانية إلى مرجع خاصّ بلوقا. ولكن قد يكون هناك أيضاً مرجع شفهي. فالصيغ السامية في هذه المقطوعة تدلّ على أنه يوم دوّن لوقا إنجيله، كان جواب يسوع للصادوقيين يتنقّل في نسخ مختلفة ومتكاملة. ولما دوّنه لوقا طبعه بشخصيته. ألغى الثنائية في جواب يسوع ووحّد التعليم، فجاءت عبارته مبنيّة بناءً محكماً، والنتيجة كما أرادها: موازاة تعارضية بين آ 34 وآ 35. تلميح إلى الدينونة (يعتبرون أهلاً على مستوى القضاء). في آ 26 جاءت عبارة "مساوين للملائكة" تقابل "أبناء الله". ففي الحالتين هم "أبناء القيامة". وبعد أن يورد لوقا النصّ الكتابي يعلن بالصوت العالي: "كلهم يحيون له". فموضوع الحياة أوّلي في لاهوت القيامة عند لوقا. أجل، لما يكتف الإنجيل الثالث بأن يحسن الأسلوب، بل قدّم كثافة لاهوتية. صار مقطع "الجدال" خطبة من أجل الرسالة، بعد أن "اختفى عن المسرح" الفريسيون والصادوقيون.
د- الخاتمة (12: 27 ب؛ مت 22: 33؛ لو 20: 39- 40)
تختلف الخاتمة بين إنجيلي وآخر. إكتفى مرقس بالقول: "انتم على ضلال عظيم". جاءت العبارة قاطعة فكرّرت "ضللتم" في آ 24. وهكذا جاءت كلمات يسوع داخل تضمين واحتواء. وأنهى متى كلامه: "فلما سمع الجموع بهُتوا من تعليمه". كرّر هنا ما قاله في نهاية عظة الجبل (مت 7: 28). واستعاد (تقريباً) ما قاله مر 11: 18 بعد تطهير الهيكل (لا نجد ما يوازيه باشا).
وألف لو خاتمته مستعيناً بعنصرين. الأول: جعل الكتبة يتدخّلون فيقولون: "يا معلّم، لقد أحسنت فيما قلت". وهكذا يكون لوقا قد كيّف مقدّمة مر في مقطوعة الوصيّة العظمى (مر 12: 28). الثاني: وزاد لوقا: "ولم يجرؤوا من بعد أن يسألوه عن شيء". نحن في موازاة مع مت 22: 46 الذي يجعل هذا القول بعد الجدال حول المسيح الذي هو ابن داود وربّ داود.
2- تدوين النصّ، تاريخه ولاهوته
أ- تدوين النصّ
يُعتبر مر الأول بالنسبة إلى مت ولو. ويبدو أنه كان أساس الإنجيلين الآخرين. والمقطوعة التي ندرس هي الجدال الثالث بين الجدالات الخمسة التي يوردها مر في سلسلة ثانية (11: 27- 12: 37) بعد سلسلة أولى (2: 1- 3: 6) وردت في بداية إنجيله.
أمّا الفن الأدبي فيتميّز بأننا أمام لقاء بين يسوع وخصومه الذين هم عادة الكتبة والفريسيون. أما في هذا المقطع وفيه وحده، فخصومه هم الصادوقيون. وسوف نجدها كل هذه المقطوعات الطريقة الواحدة: طرح للمناقشة، الواقع، اعتبار أو سؤال يكشف وجهة الخصم، سؤال أو كلام يسوع يخزي الإعداء. أمّا هنا فنحن أمام سؤال خبيث. إن المجموعة الثانية التي تتضمن خمسة جدالات مر، تتميّز عن المجموعة الأولى بأهمية المواضيع المطروحة. ولقد قدّم مر خبره بشكل دراما يلعب فيها العنف والعاطفة. 
فمنذ اعتراف قيصرية (أنت المسيح) والإنباءات بالآلام، كان كل حدث خطوة إلى نهاية المأساة: تشكيك بأصل قدرة يسوع (11: 27- 33: بأي سلطان تفعل هذا)، وذلك أمام عظماء الكهنة والكتبة والشيوخ (11: 27). ثمّ، مثل الكرّامين القتلة (12: 1- 12) الذي به يفهم خصوم يسوع أنه يعرّض بهم ويدلّ على أنهم قتلة الابن (12: 12). مسألة الجزية الواجبة لقيصر. مثل هذا السؤال يطرح "عصيان" يسوع على رومة (12: 13- 17). وبعد المقطع الذي ندرس، يطرح أحد الكتبة سؤالاً حول الوصيّة الأولى (12: 28). وأنهى مر هذه السلسلة بالملاحظة: "ولم يجسر أحد من بعد أن يلقي عليه سؤالاً" (12: 28).
هذا الإطار يدلّ على المناخ الذي يحيط بالسؤال حول قيامة الموتى. من الواضح أن مر لم يتوخّ اتباع ترتيب كرونولوجي. فهو يبني نظرة شاملة خاصّة به، ليقدّم لنا وضعاً مأساوياً. وظهور الصادوقيين الذين يتسلّمون أعظم الوظائف على مستوى العبادة والقيادة، يدلّ على خطورة الساعة. ولكنهم سيخزون هم وكل الذين حاولوا أن يوقعوا بيسوع.
هذه الجدالات مرسومة رسمة سريعة، ومحصورة في بضع جمل، شأنها شأن معظم المشاهد التي رواها مر. أما هنا، فيطيل مر الكلام حين يرسم "الفخ" الذي يضعه الخصوم. لهذا أوجز مت ولو. أما المسالة المطروحة بفم الصادوقيّين فهي في مكانها. لقد صاروا أصحاب فتاوى، فجاروا الفريسيّين في جدالاتهم منطلقين من تقليد يعود إلى الشريعة. نحن لا نعرف إن كانوا ما زالوا يعملون بفريضة "السلفية" في أيام يسوع. فالنصوص الرابانية (المشناة) فرضت على أخ واحد بأن يتزوج أرملة أخيه. ولكن سواء كانت هذه الفريضة موضوع ممارسة أم لا، فالأمر لا يهمّ. فالفريسيون وحكماء إسرائيل كانوا يجادلون لا مقاطع من الشريعة لا تصل بنتائج إلى الحياة العملية. قد نكون في البداية أمام "مداعبة" قريبة من السخرية. "يا معلّم". أنت يا من تقضي وقتك في التعليم. أنت يا من تحسب نفسك "المعلّم". إنهم في كل حال لا يعتبرونه معلّماً. واللفظة هنا لا تقابل "رابي" إلا بعد سنة 70 فتصبح لقب شرف. هنا نميّز بين زمن يسوع والزمن الذي فيه كُتب الإنجيل. في زمن يسوع دلّت اللفظة على سؤال خبيث ومعوج. سؤال ينطوي على فخّ. أمّا في زمن لوقا، فيسوع هو المعلّم الحقيقي، هو وحده المعلّم.
وينقسم الجواب كما يقدّمه مر 12: 24- 27 إلى موضوعين: كيفية القيامة (آ 24- 25). واقع القيامة (آ 24- 25). نحن هنا حقّاً على مستوى كلمات يسوع. فالإزائيون يتوافقون بشكل يكاد يكون حرفياً في إيراد ما قاله يسوع. هناك 68 كلمة نسبها مر إلى يسوع (في اليونانية). استعاد مت منها 47. أما 21 التي بقيت فتدلّ على أمور بسيطة ترتبط بالتدوين والأسلوب واللغة. هل هذا يعني أننا وصلنا إلى كلمات يسوع كما تفوّه بها حرفياً. كلا. فهناك أولاً انتقال من اللغة الآرامية إلى اللغة اليونانية. ثمّ إننا لا ننسى عمل الكنيسة والجماعات في إعادة تكوين كلام. يسوع. ولنا على هذا مثال في آ 26- 27 حيث استعيد استشهاد مأخوذ من أسفار الشريعة وموضوع في جواب إلى الصادوقيين الذين لا يحسبون حساب الأدب اليهودي الذي يؤكّد على قيامة الموتى. ولكن يسوع عاد إلى سفر الخروج الذي يأخذ به الصادوقيون.
اتبع مت مر خطوة خطوة. حطّم ترتيب مر في كتيب الجدالات، وزاد هناك مثلين: الأول، بعد الجدال الأول، هو خاصّ به، مثل الابنين (21: 28- 32). وبعد مثل الكرّامين القتلة أورد مثل وليمة الملك (مت 22: 1- 14) الذي أورده لوقا (14: 15- 24)، لا مرقس. وأخيراً، إن مسألة بنوّة داود التي هي في مر تعليم في الهيكل (مر 12: 35- 37)، تبعها في متى كلام قاسٍ ضدّ الكتبة والفريسيين (23: 1- 36: الويل لكم). لا تحمل لمسات متّى إلا طابعاً أدبياً على مستوى التدوين، نلاحظ فقط في مقدّمة نصّ خر 3: 6 فرقاً بسيطاً: "لكم" قال الله. وأمام كلمة الله يزول "المرجع". ثمّ إن الجدال حصل أمام "الجموع".
وأثار تدوين لوقا نقاطاً هامة. في القسم الأول من المقطوعة (20: 27- 34)، لا نجد إلاَّ تبدلاً على مستوى الإنشاء. فلوقا يتبع، رسمة مر. أما في جواب يسوع (20: 34- 38) فنلاحظ إلغاء لفظة (مر 12: 24) "غرافي" (الكتب، ترد 4 مرات في لو، 7 في أع) و"ديناميس" (قدرة، قوة) (ترد 15 مرة في لو، أع 10)، مع أن اللاهوت اللوقاوي إعتاد عليهما. فعبارة "قدرة الله" تعود بشكل واضح في لو 22: 69 الذي يزيد لفظة "الله" على نصّ مر ونصّ مت (قالا: القدرة. قال لو: قدرة الله). لقد اعتبر لوقا أن الشكل الذي فيه نُقل قول يسوع هو كافٍ في ذاته، فلا حاجة إلى زيادة. وفي الواقع، بدا جواب يسوع في لو أقرب إلى اللغة الساميّة وأكثر غنى.
ونقول على مستوى المفارقة إن لو استعمل ألفاظاً تتكيّف والكنيسة اليونانية التي يكتب لها. وهكذا عاد إلى الفن الأدبي في إنجيل الطفولة وفي مقاطع أخرى. مثلاً، في آ 34 ب: "أبناء هذا الدهر" تعود في 16: 8. "يزوِّجون ويزوَّجون" يعود في 17: 27. "الذي هم أهل ليدركوا" (آ 35) يعود في أع 19: 11؛ 24: 2؛ 27: 3؛ 28: 2. والفكرة القائلة بأننا نكون أهلا لذاك الدهر هي فكرة رابانية. "أبناء القيامة" تتابع في الخطّ عينه، وقد تكون وُضعت لتوازي "أبناء هذا الدهر".
كلّ هذا يدلّ على قلم لوقا. وهناك عبارتان تكشفان تفكيراً لاهوتياً عميقاً: المختارون هم مساوون للملائكة، وهم أبناء الله لأنهم "أبناء القيامة". هذه العبارة التي تقابل ما في مر ومت، تتجاوز ضرورة الردّ على الصادوقيين. إنها تعليم عن حالة القائمين من الموت. ثم إننا نجد الحركة عينها في نهاية آ 38: "كلهم يحيون له" (لله). إن لفظة "كلّ" تأتي هنا بلا استعداد. ولكن لوقا يحبّها وقد وردت في إنجيله 152 مرة وفي أع 170 مرة (في مت: 128 مرة. في مر 67 مرة). سنعود إلى عبارة "يحيون لله". 
اختلف لو عن مت ومر. هل نحن أمام مرجع مختلف؟ ربما كلا. فقد نكون أمام وضع حياتي خاصّ. لهذا نعالج الآن تاريخية التقليد، فنصل إلى المدلول الإنجيلي.
ب- تاريخ النصّ
انطلق بعضهم من القسم الثاني من المقطوعة فشكّوا في تاريخية الخبر أو أنكروا هذه التاريخية. أما الذين يحافظون عليه، فلا يقولون إنهم يصلون إلى حرفية كلمات يسوع. ولكنهم يعتبرون أن الجماعة الأولى لم "تخلق" الحدث ولم "تستنبط" الكلمات التي تنسبها إلى يسوع. لقد انطلقت من حياة يسوع وتأمّلت فيها. فدوّن الإنجيليون، كل حسب عبقريته، ما وصل إليه تأمّل الكنيسة.
أولاً: آرء متعدّدة
* إن آ 26- 27 هما زيادة تعود إلى جدال داخل الجماعة. وبما أن آ 26- 27 قد استنبطتهما الجماعة، نقول الشيء عينه عن آ 18- 25. ليس بمستحيل أن تكون الجماعة جادلت الصادوقيين كما جادلت الفريسيين... وقال بعضهم: قد يكون يسوع في أصل هذا القول أو ذاك، ولكنا مدينون بالمشهد إلى مجادلات الجماعة.
* واستند آخرون إلى وظيفة الإيرادات الكتابية والتلميحات إلى التوراة، ليعلنوا أن الجماعة استنبطت جدال يسوع هذا مع الصادوقيين. يرفضون أن يروا في "لا يعرفون الكتب ولا قدرة الله" سبب حالة الضلال عند الصادوقيين. سبب الضلال هو: حين يقومون من بين الموتى لا يزوّجون ولا يزوّجون. غير أن هذه الآية ليست جواباً للصادوقيين، بل تصويراً للموتى القائمين. إنها تعود إلى الإيمان بقيامة يسوع. إنها جواب الجماعة الأولى، لا قول يعود إلى يسوع. إذا كان الخصوم جاهلين (آ 24)، فهذا خاصّ بهم. لقد وجدت الكنيسة البرهان عن القيامة في الكتب المقدسة (1 كور 15: 3- 4)، وروحنت حالة القائمين من الموت. أمّا على مستوى الأناجيل الإزائية، فيسوع قام بالجسد.
* حول آ 26- 27. نجد برهاناً كتابياً يدلّ على نشاط الجماعة. فإيراد خر 3: 6 لا يُفهم حقاً ولا يكون له معنى إلا على ضوء قيامة يسوع والإيمان المسيحي بقيامة الموتى. إذن، آ 25 هي دفاع عن قيامة يسوع ضد الشريعة، وهي تعود إلى ما بعد القيامة. ثم إن آ 26- 27 لا ترتبطان إلا بالقيامة العامة حسب الكتب. فالكتب المقدسة التي عاد إليها النصّ الإنجيلي مرتين، لا معنى لها إلا إذا فهمناها في معنى إيمان الكنيسة الأولى.
ج- الواقع التاريخي
قليلون هم الكتّاب الذين يقولون إن الوثائق الإنجيلية، وإن كانت من استنباط الجماعة، لا يمكنها أن تتضمّن أقوالاً من يسوع. فإذا أردنا أن نحكم على تاريخية حدث أو قول، نتوقف عند أربع مراحل: الفكر اليهودي، يسوع، الجماعة، التدوين.
من أجل تاريخية الجدال بين يسوع والصادوقيين، نجد أن برهان خصوم يسوع وجوابه هما في محلّهما. إنهما يوافقان أفكار الصادوقيين ونظرة الفريسيين. كما يدلاّن على أن موقف يسوع انطبع بسموّ خلقي ونظرة روحية وقوة في الإقناع. كل هذا يدخل في الصورة التي نتوقّعها حول تعليمه والوحي عن شخصه.
لا شكّ في الطابع التدويني للمقطوعة التي ندرس، لأن الإزائيين الثلاثة قدّموا خبراً يعتبرونه حقيقياً. ولكن قد يكون الخبر وُجد قبل أن يدخل في التقليد الإزائي!
إذا كان صحيحاً أن الكنيسة دخلت في جدال مع الفريسيين (ومع الصادوقيين)، فهي لا تطالب بسموّ يسوع عليهم. بهجوم على تعليمهم عن قيامة الموتى. لقد كانوا يؤمنون بها. فلماذا تخلع أبواباً مفتوحة.
إن قيامة الموتى إرتبطت بقيامة يسوع وتضمّنت حتى عند بولس وجهة "جسدية". ولكن ليس هذا ما يقوله النصّ الذي ندرس. يقول: "يكونون مثل الملائكة" (مت، مر). "يكونون مساوين للملائكة" (لو). هذه الأخيرة لن نجدها أبداً في العهد الجديد. في الوثائق اليهودية، ولا سيّما في قمران، لعبت الحياة الأبدية دوراً كبيراً في رجاء الدهر الآتي. نحن نرى منذ الآن تدخّل الملائكة في اسكاتولوجية حزقيال (3: 6؛ 14: 5). وفي قمران كان حديث عن حكمة أبناء السماء، حكمة الملائكة. نقرأ في المغارة الأولى في مباركات كهنة صادوق: "تكون كملاك الوجه في موطن القداسة" (رج مز 63: 9؛ 68: 6). التقارب واضح بين قمران والعهد الجديد. غير أن يسوع يدخل في العبارة نفسها تعليماً مختلفاً كل الاختلاف. إنه يعارض الصادوقيين، ويصحّح ما في رجاء الفريسيين من عودة إلى سعادة على الأرض. وهكذا نكون أمام الانقطاع عن الفكر اليهودي، وبداية التعبير عن الفكر المسيحي.
ومنطق يسوع الذي يعود إلى موسى لكي يبرهن عن قيامة الموتى، يرتبط بنصّ سفر الخروج. يلجأ إلى الحدث، لا إلى النصّ المكتوب. ذكّرنا المعلّم إنه في ساعة الوحي باسم الله (لا العليّقة)، كان الله قد عقد عهداً أقدم من عهد سيناء. وهكذا تتخذ المبادرة الإلهية كل بُعدها على ضوء البدايات. الشعب هو شعب الرب الذي يتميّز بعمل الله الذي لا ينقطع من الساعة التي اختار فيها الآباء. ما عمله الله يستمرّ على عمله. إنه موجّه شعبه وسنده وقوّته. ويبقى أن يسوع بحث في خر 3: 6 عن المعنى الكامل للنصّ. لم يحمل النصّ هذا المعنى في الأصل، ولكن على ضوء تعليم يسوع وحياته وموته وقيامته.
د- البعد اللاهوتي
تتوسّع المقطوعة في إطار وحي الله وعمله. فمن أنكر القيامة أنكر قدرة الله وكلمته في الكتب المقدّسة. بل أنكر أن يكون الله كشف عن نفسه كإله للأحياء والأموات.
يختلف فكر يسوع عن فكر حكماء عصره. تعليمه واضح ودقيق: قال مع الفريسيين: ستكون قيامة للموتى. ولكنه صحّح مقالهم: لسنا أمام عودة النفس، ولا أمام رجوع إلى حياة أرضية سابقة. أما المقابلة مع الملائكة فتدلّ على أنهم لا يتزوّجون. وهكذا ينتفي أساس السؤال الذي طرحه الصادوقيون.
ونتوقّف عند الإنجيل الثالث الذي تحرّر بعض الشيء من الوضع التاريخي للجدال ليتوقّف عند التوسّع اللاهوتي. فقد دوّنت "الخطبة" على يد مسيحيين يعيشون الإيمان بالقيامة. لهذا كان التشديد على "يكونون أبناء الله لأنهم أبناء القيامة" (لو 20: 26). ونقول الشيء عينه عن عبارة "يحيون له". هذا يعني أن السبب الذي لأجله يعيشون هو الله. وأن وضعهم الحياتي هو وضع سماوي وإلهي. وفي النهاية، تربط خاتمة مت 22: 33 ولو 20: 39- 40 هذا التعليم بسموّ يسوع على خصومه. إن جواب يسوع إلى الصادوقيين هو تجلّ كرستولوجي. إنه يدلّنا على وجه يسوع المسيح.
خاتمة
في أيام يسوع، آمن الصادوقيون فقط بأسفار الشريعة الخمسة. واعتقدوا أن الإنسان بعد الموت يعيش في الشيول، في مثوى الأموات. أما الفريسيون فاعتنقوا رجاء القيامة.
إن نصوص الأناجيل الإزائية تتيح لنا أن نعتبر أن يسوع رافق الفريسيين في إيمانهم ولكنه أعطى قيامة الأبرار معنى جديداً: سيكونون كالملائكة. يتجاوزون حالة سكان الأرض.

 

 

الفصل الخامس والعشرون
الوصية الأولى
12: 28- 34
يا سياق مناقشة جدلية (12: 18- 38 وز)، جاء كاتب فريسي (مت 22: 35) يستشير يسوع: "ما هي أولى الوصايا (آ 28)؟ أجاب يسوع بأن المحبّة هي القاعدة الأولى في كلّ حياة دينية (ر 29- 31).
1- سؤال الكاتب
مثّل الصادقيون والفريسيون عند اليهود تيارين فكريّين وطريقتين في الحياة متعارضتين (أع 23: 8). سمع كاتب من جماعة الفريسيين (الإختصاصيين في تفاصيل الشريعة ووقائعها) حوار يسوع مع الصادوقيين (12: 18- 27 وز)، ولاحظ أنه أحسن الجواب (أحسن الردّ عليهم) (آ 28). إذا عدنا إلى متى رأينا أن الفريسيين علموا أن يسوع "أسكت الصادوقيين" (كمّ لهم أفواههم)؟ اجتمعوا وأوفدوا بعضاً منهم ليحرجه بسؤال يطرحه عليه (مت 22: 34- 35). أما في مرقس، فهذا الفريسي الغني جاء يسأل يسوع لا تعصّباً لشيعته، بل رغبة في الإفادة من تعليم هذا المعلّم. وسوف نرى أنه قبلَ حُكم يسوع بتعاطف ويقين: "حسن يا معلّم! فأنت على حقّ في قولك..." (آ 32). لهذا، حين لاحظ يسوع أنه تقبّل تعليمه بنيّة طيّبة ولطافة، قال له: "لست ببعيد عن ملكوت الله" (آ 34). 
إستعاد الرابانيون في القرنين الأول والثاني ب م، ترتيبات سابقة فأحصوا في الشريعة اليهودية 613 وصية: 365 وصية سلبية (لا تفعل. مثلاً، لا تقتل) و 248 وصية إيجابية (مثلاً، أكرم أباك وأمك). بعض هذه الوصايا كان كبيراً أو خطيراً. والبعض الآخر كان صغيراً أو ضعيفاً.
حسب مت 22: 35، سأل الفريسي: "ما هي أعظم وصيّة في الشريعة"؟ في مت 5: 19، يتحدّث يسوع عن تجاوز "أصغر هذه الوصايا". كان من الطبيعي أن يهتمّ متى بهذه العبارات الساميّة: وصية "كبيرة"، وصية "صغيرة" في "الشريعة". لقد كان يوجّه كلامه إلى قرّاء تربّوا تربية يهودية. أما مرقس الذي يكتب إلى مسيحيين ارتدوا من العالم الوثني، فهو لا يتكلّم عن الشريعة، ويعطي سؤالا الكاتب بعداً أكثر شمولاً: عاد إلى الوصايا من أية فئة أو نظام كانت. وطلب تحديد "أولى" الوصايا، فأحلّ معيار "الأولوية" محل معيار "العظمة". لهذا بدت فريضة المحبّة هنا وصيّة تمز قبل كل شيء.
كان علم الفقه اليهودي قد حدّد أهمية مختلف فرائض الشريعة، الصغيرة منها والكبيرة. ونحن نجد في التلمود سؤالاً شبيهاً بسؤال الإنجيل: "ما هي الوصيّة التي تتفوّق بوزنها على سائر الوصايا كلها"؟ وجاء الجواب: "منع عبادة الأوثان". وسيورد الأدب اليهودي وصايا غيرها. مثلاً، منع سفك الدم. أو تنجيس اسم الله. أو: التعدّي على السبت... ولكن يبدو أن الشركِ (عبادة الأوثان)، والزنى مع الأقارب، والقتل عمداً، اعتبرت أثقل الخطايا. فالعالم اليهودي لم يكن يدرك أولوية وصية المحبة، لأن روحانيته وحياته انحصرتا في فتاوى شريعانية تتوقف على التفاصيل إلى النهاية. أما الكاتب الذي جاء يسأل يسوع، فكان عالماً بالشريعة (فقيهاً).
ومع ذلك، يجب أن لا ننسى أن العالم اليهودي توصّل إلى تقديم تعبير ناجح عن وصية المحبّة، خصوصًا تجاه الله. فرابي هلال أوصى عشرين سنة ب م. بمحبّة القريب على الشكل التالي: "ما لا تحبّه لك، فلا تفعله لقريبك. تلك هي الشريعة كلها. وكل الباقي شروح". هنا نتذكّر عبارة يسوع التي بدت في شكل إيجابي: "فكل ما تريدون أن يفعل الناس بكم، فافعلوه أنتم أيضاً بهم، فذلك هو الناموس والأنبياء" (مت 7: 12: لا نفعل الخير لنلاقي الخير. بل نبادر إلى عمل الخير ولا ننتظر الردّ). ونزيد هنا أن الروحانية اليهودية ظلّت مطبوعة بطابع الإستبعاد (القريب هو ابن القبيلة، ابن الدين): "أحبب قريبك (أي ابن قبيلتك) وابغض عدّوك" (أي الغريب عن دينك. وهذا لا يزال سارياً في مجتمعات دينية عديدة) (مت 5: 43). يسوع هو أول من أزال هذه الأسس القديمة (أزال الحاجز بين البعيدين والقريبين، أف 5: 11- 18). وانطلق في بناء جديد يتميّز بجذرية تامة. كل بعيد صار قريباً، فيصبح كل إنسان قريباً من المسيحي.
2- جواب يسوع
في هذا الإطار التعليمي، أعلن يسوع قوله (آ 29- 31) رداً على استشارة هذا الكاتب اليهودي. وقد جاء جوابه واضحاً وقاطعاً، إكتفى بأن يعبرّ عن المبدأ الأساسي لتعليمه الديني، ويكرز "بالوصية الجديدة" (يو 13: 34؛ 1 يو 2: 7- 8). غير أن يسوع يعرف أن سيكون لكلامه وزن أكبر في نظر كاتب فريسي، إن استند إلى الكتب المقدّسة القريببة جداً من هذا العالم بالشريعة. لهذا اكتفى بأن يورد تث 6: 4- 5 ولا 19: 18، لأنهما يتضمّنان عبارات توافق كل الموافقة حديثه.
أ- أحبّ الله فهو الربّ "الواحد"
يتميّز نصّ تث 6: 4- 5 باعترافه بوحدانية الله (بالإله الواحد). يتميّز عن عبارات عديدة مشابهة، يحاول العهد القديم بها أن يدخل محبّة الله إلى القلوب. فهذه المقدمة التوحيدية (تعلن أن الله واحد) (آ 29)، قد استعادها مرقس عمداً: والبرهان على ذلك، هو أن المعلّم جعل الكاتب يردّد نصّ سفر التثنية ويؤكّد وحدانية الله في بداية كلامه: "إن الله واحد ولا إله سواه" (آ 32).
يتحدّث العهد القديم عن مخافة الله أكثر مما يتحدّث عن محبته. نقرأ مثلاً في لا 19: 14: "لا تلعنوا الأصمّ ولا تضعوا حجر عثار أمام الأعمى. هكذا تكون فيكم مخافة إلهكم". وفي آ 32: "قم احتراماً للأشيب، وكرم وجه الشيخ. هكذ تكون فيكم مخافة إلهكم" (رج خر 1: 21؛ يش 4: 24؛ 1 مل 18: 12...). وسفر التثنية نفسه يتحدث مراراً عن هذه المخافة. "اجمع لي الشعب حتى أسمعهم كلامي ليتعلّموا مخافتي" (4: 10؛ رج 6: 24: 14 23...). وفي المزامير نجد عبارة "خائف الله" (أو: متقي الله) التي تدلّ على الإنسان الأمين لله (مز 22: 24؛ 115: 11...).
وفي أماكن أخرى يقال إن على الإنسان أن يخدم (يعبد) الله. إذا عدنا إلى البنتاتوكس (أو: الأسفار الخمسة) لا نجد هذه اللفظة إلا في سفر التثنية (ما عدا خر 20: 6= تث 5: 10) التي يستعملها مراراً (تث 5: 10؛ 6: 5، 7، 9، 10، 12؛ 11: 1، 13، 22...). وهي تميّز بشكل عام الكتب المتأخّرة في التوراة (مثلاً، عزرا، نحميا). مثل هذا التعبير عن الوصية الأولى يعتبر تقدماً ونمواً في الحسّ الديني بالنسبة إلى الوصايا العشر التي تعني الله. إذا عدنا إلى خر 20: 1 ي وتث 5: 7 ي، نجد أن هذه الوصايا هي ثلاث: إله واحد. إكرام اسم الله. حفظ السبت. أحبّه "بكل قلبك، وكل نفسك، وكل فكرك، وكل قدرتك".
بدا سفر التثنية وكأنه استفاد من الصياغة اللاهوتية لدى الإنبياء الذين قابلوا علاقات إسرائيل بالرب بعلاقات امرأة بزوجها: هي علاقات حب، لا واجبات قانونية وعبادية. الله "يحب" شعبه. هذا يقين يؤكّده العهد القديم (1 مل 10: 9؛ 2 أخ 2: 10؛ 9: 8؛ ملا 1: 2: قال الرب: أحببتكم): "الربّ تعلّق بكم وأختاركم، لا لأنكم أكثر من جميع الشعوب... بل لمحبته" (تث 7: 7- 8). إن محبّة الله (الذي اختار إسرائيل) الطوعية هذه هي في أساس كل تعليم هوشع الذي كان أول من فهم علاقة الله بشعبه في لغة الحبّ والزواج. وسيتبعه إرميا وحزقيال وأشعيا الثاني ونشيد الأناشيد.
وهكذا نكتشف جذور وصية محبّة الله ونفهم فهماً أفضل مضمون هذه "المحبّة". لقد أدرك هوشع أنه ليس من عاطفة تربط القلب البشري مثل الحبّ الزوجي الذي يفرض علينا أن نبادل الحبّ بالحبّ. لهذا فرض الله بصوت أنبيائه، فرض على شعبه الخائن أن يحبّه محبّة الزوجة لزوجها. وبدا هذا البرهان أقوى من فكرة الله الشاملة. فكرة الله سيد الكون وخالقه. 
وهذا هو الموضوع الذي يشير إليه القديس يوحنا لكي يدفعنا إلى حبّ الله: "تلك هي المحبّة: نحن ما أحببنا الله، بل هو الذي أحبّنا... فعلينا أن نحبّ لأن الله أحبنا أولاً" (1 يو 4: 10، 19). هذا الحبّ الذي يظهره الله "فينا" (1 يو 4: 7، 12، 17)، يحرّك حبنا نحو الله. وهذا الحبّ الذي حمله الله إلى العالم (يو 3: 16 ) وإلينا "حين كنّا بعد خطأة" (روم 5: 8) "قد أفاضه في قلوبنا بالروح القدس الذي أعطي لنا" (روم 5: 5). هذا هو عربون حبّ الله لأخصّائه والمهر الذي يعطيه "العريس" الإلهي لعروسه: هنا نجد القوة التي تنعش كياننا لنحبّ الله ونتعرّف إليه أنه "أبونا" (روم 8: 15). تحدّث هوشع وإرميا على خطاه عن الله "زوج" شعبه. وقد أخذ يوحنا بهذه النظرة فكلّمنا عن سكن اللاهوت في النفس التي يحبّ (يو 14: 23). وعن عشاء يقاسمه المسيح مع ذاك الذي يفتح له بابه (رؤ 3: 20). في الواقع، هو الروح القدس يتمّ وعد النبي: "أتزوّجك لي إلى الأبد. أتزوّجك في البرّ والحقّ، في الحنان والحبّ" (هو 2: 21).
هكذا يجب أن يُفهم مضمون حبّ الله والقريب. الحبّ بعيد كل البعد عن المخافة وعن الاحترام والإكرام والخدمة والشريعة. الحبّ لا يفرضه كبير على صغير وقويّ على ضعيف. حين تحدّث العهد القديم عن الحبّ دلّ فيه على عاطفة طوعية تدفع إلى عطاء الذات. الحبّ هو قوّة في النفس لا نقدر أن نفسرّها. وهذا ما تشير إليه التوراة عامة وسفر التثنية خاصة حين تقول إن حبّ الله هو تعلّق به (تث 10: 20؛ 11: 22؛ 13: 5؛ يش 22: 5؛ 23: 8؛ 2 مل 5: 18). ويعبرّ المرتّل مراراً عن رغبته القوّية بأن يتحد بالله الذي هو وحده سرور قلبه (مز 63: 2- 9؛ 73: 25...). إن تعلّق الإنسان بالله هو تعلّق الزوجة بزوجها والعروس بعريسها. وحين نحبّ الله نتحد به، نرتبط بعلاقات حميمة معه بحيث نصبح وإياه "شخصاً احداً" (يو 17: 21، 22).
يستعمل تث 6: 4 الاسم الشخصي "يهوه"، ويورد مر 12: 29 النصّ كما في اليونانية حيث يهوه هو كيريودس أي الربّ: "الربّ هو إلهنا. الرب هو الواحد. أحبّ يهوه إلهك من كل قلبك". حين نقرأ النصّ نحسّ أن "وحدانية" الله هي الباعث الذي يدفعنا إلى حبّه.
لا نجد في التوراة كلها إعلان إيمان بوحدانية الله مثل هذا. فالعبارة الوحيدة التي تشبهه نقرأها في زك 14: 9 (ويكون الربّ ملكاً على الأرض كلها، فيكون ربّ واحد واسمه واحد) وهي تعني المستقبل وليست تأكيداً شريعياً. من جهة الألفاظ، هناك بناءان شبيهان لما في تث 6: 4. في حز 33: 26 "الواحد" يقابل الكثيرين. أما في تث 6: 9، فإنّ "الوحيد" لا يستبعد كائنات أخرى من الطبيعة نفسها بل يدلّ على سموّ الكائن الذي نتحدّث عنه (رج 2 صم 7: 23).
ينتج من هذه الملاحظات أن تث 6: 4 التي استعادها مر 12: 29 هي فعل إيمان بوحدانية الله. ولكن هذه العبارة ليست إعلاناً فلسفياً بارداً، بل إعلاناً حياتياً له وظيفته بأن ينفح المؤمنين بدينامية روحية توجّه لهم حياتهم.
هنا نجد نكهة خاصة تتخذها "وحدانية" يهوه. لا شكّ في أن "يهوه هو إلهنا" ولكنه ليس فقط إله إسرائيل، الإله الذي يستبعد سائر الآلهة. ولا نكتفي بأن نؤكد أنه ليس إلا يهوه واحد (فهذا لا يحتاج إلى تأكيد)، بل أن نؤكد أن يهوه "وحيد" "فريد" في لاهوته بين كل الآلهة التي يمكن أن نتخيّلها (رج 1 كور 8: 5؛ مز 82: 1). هو أعظم وأكمل إله يمكننا أن "نتخيّله". "لا مثيل لك، ولا إله سواك" (2 صم 7: 22).
كل هذا يجب أن يحرّك في الإنسان حبّاً طوعياً يدفعه إلى الله لأنه "الوحيد"، لأنه ذاك "الذي هو" (خر 3: 14). لأنه الكائن وحده، لأنه ذاك الذي منه كل شيء وإليه نرجع (1 كور 8: 6).
2- أحبب قريبك كنفسك
وحين حدّثنا يسوع عن حبّ القريب، وجد أيضاً تعبيراً كاملاً في العهد القديم. نقرأ في لا 18: 8: "لا تنتقم ولا تحقد على أبناء شعبك، بل أحب قريبك مثل نفسك". قال رابي عقيبة (50- 135 ب م): "هذا مبدأ أساسي في الشريعة". نلاحظ المقابلة بين "القريب" و"أبناء شعبك". وفي 19: 34: "ليكن الغريب كالأصيل، فأحبه كما تحبّ نفسك، لأنكم كنتم غرباء في مصر". هنا يخطو النصّ خطوة في توسيع مفهوم القريب. يصير واحداً منا، فيُعامل كأنه من "شعب الله". أمّا في العهد الجديد، فلا يُستبعد أحد من المحبّة الواجبة للبشر (رج مت 5: 43).
تتضمّن هذه الفريضة كل الوصايا التي عدّدها يسوع في مر 10: 19 وز (لا تقتل، لا تزن...). ولكن تعبير 12: 33 يعيد مجمل الشرائع إلى الوحدة بفضل "الحبّ" الذي يبسّط كل شيء. كما أنه ينفح روحاً وحياة في هيكل عظميّ من القوانين لا تهتمّ إلا بمادية الفريضة التي نتمّها. مثل هذا التتميم في مثل هذه الظروف يكون عقيماً لا ثمر فيه.
يجب أن نشدّد على فكرة "محبّة" القريب، هذه القوة التي تدفعنا إلى التضحية من أجله، فنحسن إليه، ونجعله مسروراً. هذا هو جوهر متطلّبات الرب. فالحبّ هو هذه القوة التي تجعل الإنسان "يصبر ويرفق". فالمحبّ لا يعرف الحسد والتفاخر والكبرياء. المحب لا يفرح بالظلم، بل بالحقّ. المحبّ لا يحتدّ ولا يظن السوء. المحبّ يصفح عن كل شيء، ويصدّق كل شيء، ويرجو كل شيء (1 كور 13: 4- 7).
هنا نتذكر أيضاً ما يقوله القديس بولس في الرسالة إلى أهل غلاطية (5: 4): "فالشريعة كلها تكتمل في وصية واحدة: أحبب قريبك كنفسك". وكان قد قال في روم 13: 8- 10: "من أحب القريب أتمّ الناموس. فالوصايا التي تقول: لا تزن، لا تقتل، لا تسرق، لا تشته وسواها من الوصايا، تتلخّص في هذه الكلمة: أحبب قريبك كنفسك. إن المحبّة لا تصنع بالقريب شراً. فالمحبّة اذن هي تمام الشريعة".
لا شكّ في أن العهد الجديد يفرض أن يبرهن الحبّ عن نفسه بالأعمال، بالممارسة اليومية. قال يع 2: 15: "لو كان فيكم أخ عريان... فماذا ينفع قولك له: إذهب بسلام"؟ وقالت 1 يو 3: 17: "فمن كانت له خيرات العالم ورأى أخاه محتاجاً فأغلق قلبه عنه، فكيف تثبت محبة الله فيه"؟ غير أن هذه المحبة العملية ليست ثمرة اشتراكية اقتصادية ولا وسيلة لكي نرضي كبرياءنا حين نعطي الآخرين من عليائنا. إن المسيحية تريد لكل عمل اجتماعي أو عمل محبّة، أدن يستلهم عطاء الذات والتضحية والتخلي، وأن يرافقه انتباه إلى الآخرين وخصوصاً المحتاجين منهم. وهكذا تصبح العاطفة الطبيعية أول مرحلة لكي نصل إلى فضيلة المحبّة.
أحبب قريبك "مثل نفسك". كما تحبّ نفسك. هذا لا يعني أنك تفعل لقريبك ما تفعله لنفسك بل الأحرى أن تعامله بالحبّ عينه. هذا ما نكتشفه في خبرة الصداقة بين داود ويوناتان. "تعلّقت نفس يوناتان بنفس داود وأخذ يحبّه كنفسه" (1 صم 18: 1). فالحبّ الحقيقي الذي فيه الشيء الكثير من الحبّ الزواجي، يجعل من القريب "نصف نفسى"، يدخله في كيان الإنسان فيصبح الإثنان روحاً واحداً وقلباً واحداً (رج أع 4: 32).
والسامري الصالح الذي ساعد الجريح في الطريق، لم يدفعه إلى ذلك اهتمام اجتماعي أو قانوني. بل رأى المسكين "فتحرّكت أحشاؤه"، أشفق عليه (لو 10: 33). ومقابل هذا، حين يرفض الإنسان أن يمارس المحبّة فهو "يغلق أحشاءه" (1 يو 3: 17) على أخيه المحتاج.
هناك خطر الإكتفاء بعبارات التهذيب البسيطة التي تبقى على المستوى السطحي، وتدلّ مراراً على أنانية ترفض مدّ يد المساعدة. قال 1 يو 3: 18: "لا تكن محبتنا بالكلام أو باللسان، بل بالعمل والحقّ". هذه هي نتيجة برهان بسيط وقاطع من قبل القديس يوحنا. نحن نبرهن على المحبة بالعمل. ولا نكتفي بالأمور السلبية: لا تقتل، لا تسرق... بل نصل إلى المحبة الإيجابية: ماذا عملنا من أجل أخوتنا، من أجل قريبنا الذي نلتقي به كل يوم فعبرّنا عن محبّة الله التي تحرّك قلوبنا؟ إن المحبّة الصحيحة تلزم كل الملكات، وتطلب منا أن نجنّد كل خيراتنا في خدمة القريب.
والحبّ الذي يطلبه منا المسيح تجاه القريب، يذهب أبعد من عمل بسيط. وقال يوحنا: "بهذا عرفنا المحبّة: المسيح بذل حياته عنا. فيجب نحن أيضاً أن نبذل حياتنا من أجل إخوتنا" (1 يو 3: 16). هذا واجب علينا، هذا دين "ندفعه" للمسيح من أجل خير إخوتنا. في هذا الإطار تبرز وتتسجّل وصية يسوع الجديدة: "كما أنا أحببتكم، أنتم أيضاً أحبوا بعضكم بعضاً. بهذا يعرف الجميع أنكم تلاميذي إذا كنتم تحبون بعضكم بعضاً" (يو 12: 34- 35). وزاد يسوع في موضع آخر: "ما من حبّ أعظم من أن يبذل الإنسان نفسه من أجل أحبائه" (يو 15: 12- 13). مثل هذا الحبّ يجعلنا شبيهين بالمسيح الذي "أحبّ أخصّاءه إلى الغاية" (يو 13: 2). إلى غاية الحبّ ونهايته، وكأن للحبّ نهاية.
ويبقى السؤال الذي أثاره هذ الكاتب الذي من مدرسة الفريسيين. هذا السؤال أورده لوقا بعد قول يسوع حول محبّة الله ومحبّة القريب (نص موازٍ لمرقس). "ومن هو قريبي" (لو 10: 29)؟ وجاء الجواب في مثل السامري الصالح (لو 10: 30- 37). بعد أن روى يسوع الخبر سأل الكاتب: "من من الثلاثة (أي: الكاهن واللاوي والسامري) صار في رأيك قريب الإنسان الذي وقع لا أيدي اللصوص"؟ أجاب الكاتب: "ذاك الذي عامله بالرحمة". لم يكن السامري يهودياً مثل "الجريح". كان غريباً عن الجريح، بل محتقراً من اليهود. وهنا يبرز درس أول: إن المحبّة المسيحية تقلب الحواجز على مستوى العرق واللون والوطن والدين. تتجاوز كل خاصية وتنفتح على جميع البشر. تنسى الأفكار المسبقة (هذا عمل في الماضي...) والأحكام المسبقة (على الشعوب) وكل بغض لا يتزحزح بين الشعوب!
وأهمّ من هذا، هو أن يسوع يزيح المحور الذي بالنسبة إليه نقيّم "القرب" (أو البعد، إذا كان بعد من مجال للبعد) من الآخرين. عندما أضع حاجزاً بيني وبين الآخر، يصبح بعيداً عني وعن اهتمامي وعن محبتي، وإن كان قريباً بجسده، بالبيت الذي يسكنه، بالعمل الذي يجمعنا في مكان واحد.
المحور في نظر اليهودي هو "أنا". والآخرون يكونون بعيدين أو قريبين حسب دوائر تكبر شيئاً فشيئاً: أخي وأختي. ابن عمي (وأنا وأخي على ابن عمي!). ابن قبيلتي. ابن بلدتي. ابن ديني... وأخيراً، الغريب الذي لا يدخل في دائرة من هذه الدوائر (أنا وأخي على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب). وهناك مثل آخر: أنصر أخاك ظالماً كان أو مظلوماً. هل هناك من إنسان ليس أخاً لي؟
أما المسيح فجعل محور الإنسان في "الآخر" (لا فيّ أنا)، ولو كان ذاك الآخر بعيداً عن الدائرة، بل خارج الدائرة. هذا ما نجده في مثل السامري. فالعقلية اليهودية لا تستطيع أن تعتبرّ هذا البائس قريباً من السامري (خلافات عميقة، احتقار). ولكن يسوع يقول إن هذا السامري لم يقدّم له من بعيد بعض الإسعافات وتركه وحاله. اعتبره أخاً له. اعتبره كنفسه. بل أكثر من نفسه: جعله على دابته.
إن القرب من الآخرين كما يطلبه مني المسيح، لا يتولّد من حاجتي (أنا) إليهم، من إستفادتي (أنا) منهم، من إرتياحي (أنا) معهم. اقترب من الآخر لأنه هو بحاجة إلي، مهما كانت علاقاته الماضية بي. إذا إنطلقنا من الوجهة البشرية المحضة، كان "اليهوديان" (الكاهن واللاوي) أقرب إلى الجريح من السامري. ماذا انتفع الجريح من هذه "القرابة"؟ ثم إن السامري لم يقل: هناك آخرون يجب علي مساعدتهم، فلا "أفرّط" في أموالي. أو: لماذا لم يساعد الكاهن واللاوي هذا الجريح، فهما مجبران به لأنه "يخصّهما"؟. لا، لم يقل شيئاً من هذا. رأى حاجة أمامه، فقالت: كيف أستطيع أن أعين الجريح؟ ولم يكتفِ بالقول. أو هو لم يقل شيئاً. بل "دنا من الجريح، وسكب زيتاً وخمراً (أدوية ذلك الزمان) على جراحه وضمّدها، ثم كله على دابته..." (لو 10: 34). عملَ السامري ما عمل، ولم يهتمّ بأن يراه الآخرون. ولم يبرّر تقاعسه بانتقاده أنانيّة الآخرين. وبمختصر الكلام، حين أطرح على المسيح: "من هو قريبي"؟ سيجيبني: "إذهب أنت وأعمل مثله". إعمل مثل هذا السامري. أراد الكاتب أن يعرف، أن يصل إلى "نظرية" حول القريب، أن "يفلسف" الأمور. أمّا يسوع فاكتفى بأن قال لهم: اذهب واعمل مثله.
وقبل أن ننهي تأمّلنا في مثل السامري الصالح، نعرف أن يسوع قلب الأمور رأساً على عقب. ليس الجريح هو الذي يطلب القرب من السامري. ليس الفقير هو الذي يحاول التقرّب من الغني، ولا الصغير من الكبير. على الكبير أن يطلب القرب من الصغير. وعلى السامري أن يتوسّل إلى الجريح ويرجوه أن كان يرضى به قريباً. فمحبّة يسوع هي التي تدفعنا إلى هذا الموقف الذي يزيل كل تعال على الآخرين بسبب مال نمتلكه أو معرفة نتمتع بها، أو صحة وقوة. فكما أن يسوع جاء يداوي البشرية الجريحة، هكذا فعل السامري (هو يمثّل المسيح). وهكذا يفعل كل مسيحي يريد أن يقتدي بالمسيح.
إن الكرازة عن المحبّة الأخوية تستند إلى أسس واسعة في الوحي. فالنبي ملانجي برّر حبّ "القريب" في الجماعة الإسرائيلية بهذا البرهان الرائع: "أليس لنا أب واحد؟ أليس إله واحد خلقنا" (ملا 2: 10)؟ قد يعني الأب الواحد "آدمَ فنكون إخوة في البشرية ومسؤولين بعضنا عن بعض (قايين، ماذا فعلت بأخيك. أنت حارس له، تك 4). وقد يعني "الله". حينئذ يقوى الرباط بين البشر بسبب إرتباطهم كلهم بالذي "خلقهم"، بالذي "ولدهم".
ويحرّض القديس بولس المسيحيين على العيش في السلام والحبّ الأخوي، فيبتن لهم أن هذا الحبّ يستند إلى واقع وهو أن لنا إله واحد وأب واحد لنا جميعاً (أف 4: 3- 6). وهذا ما يعطي بعداً جديداً لواحدنية الله، كما يشير نصّ مرقس. منذ البداية، تمتدّ أبوّة الله على جميع الشعوب. والأخوة الشاملة توحّدهم حوله أبيهم الواحد. ويقدّم لنا يوحنا تعليماً يلج إلى أعماقنا: لماذا نحبّ بعضنا بعضاً؟ "لأن المحبّة هي من الله. وكل محبّ هو مولود من الله ويعرف الله" (1 يو 4: 7). فحين نحبّ نبرهن أننا حقاً أبناء الله. وإلا كنا أبناء ابليس. من لا يحبّ "لم يعرف الله، لأن الله محبّة" (1 يو 4: 8). ويربط يوحنا برباط وثيق محبّة الله ومحبّة القريب فيقول: "إن قال (زعم، إذن أخطأ في نظرته) أحد: أنا أحب الله، وهو يبغض أخاه، فهذا كاذب. فكيف يستطيع من لا يحث أخاه الذي يراه، ألن يحب الله الذي لا يراه؟ فلنا منه هذه الوصية: من أحبّ الله، أحبّ أخاه أيضاً" (1 يو 4: 20- 21).
إن الحبّ ينبعث من الله كما من ينبوعه. وبهذا الحبّ الخصب يلدنا الله "كأبناء". حبّ الآب يمرّ في المسيح، وبالمسيح إلى العالم. فعلى البشر أن ينقلوا هذا الحبّ وهكذا تنمو عائلة الله. وفي النهاية يعود هذا الحبّ إلى الله كهدفه الأخير، فيولّد هذه "الوحدة" الكاملة التي تطلّع إليها يسوع فقال: "إجعلهم كلّهم واحداً ليكونوا واحداً فينا، أيها الآب مثلما أنت فيّ وأنا فيك" (يو 17: 21).
خاتمة
وصية المحبّة وصيتان. وموضع الحبّ موضوعان: الله والقريب. في الواقع، يجب أن نحبّ دائماً. هذا هو النشاط الوحيد المطلوب من الإنسان. ففينا حبّ واحد فريد ينبع من القلب الواحد. وحين حدّثنا يوحنا عن المحبّة، لم يحدّد أين يقع حبّ الله وأين يقع حبّ القريب. حبنا للقريب ينبع من حبنا لله وحبّ الله لنا. وحبنا لله هو علامة عن محبّتنا للقريب وجواباً على حبّ الله لنا.
بحث الكاتب الفريسي عن الوصية الأولى. و"المعلّم الصالح" (10: 17) دلّه في الواقع العملي على وصية واحدة: المحبة. فأدرك أن المعلّم طرح هنا أسسه ديانة جديدة "أفضل من كل الذبائح والمحرقات" (آ 33؛ رج يو 4: 20- 23). أما يسوع فلاحظ أن محاوره "ليس بعيداً عن ملكوت الله" (آ 34. ولكنه لم يدخل بعد إلى هذا الملكوت. ففهمُ تعليم من التعاليم يبقى ناقصاً إن لم نمارسه. لهذا قال يسوع للكاتب الذي "ردّد" ما يعرفه عن الوصية الأولى: "إعمل هذا فتحيا" (لو 10: 28). اعمل هذا فترث "الحياة الأبدية" (لو 10: 25).

 

 

الفصل السادس والعشرون
المسيح ابن داود وربّه
12: 35- 37
الموضوع الذي ندرس في هذا الفصل هو "المسيح ابن داود" (12: 35- 37= مت 22: 41- 46= لو 20: 41- 44). إن صورة المسيح الداودي الذي كانوا ينتظرونه في العالم اليهودي في زمن المسيح، كان نتاج تقليد طويل. ومهما كان متشعّباً التاريخ القديم لهذه الصورة المسيحاوية، فقد نالت عند الإزائيين تفسيراً له معناه العميق. إذن، سنتوقف عند هذا الحدث الذي يغرز جذوره في العهد القديم المتعلّق بابن داود.
1- النصّ الإزائي
مت 22: 41- 46 مر 12: 35- 37 لو 20: 41- 44
41- وفيما الفريسيون 35- وفيما يسوع 41- حينئذٍ قال لهم:
مجتمعون، سألهم يسوع يعلّم في الهيكل
قائلاً قال
42- ماذا ترون في كيف يقول الكتبة كيف يقال
المسيح؟ ابن من إن المسيح إن المسيح
هو؟ قالوا له: هو هو
ابن داود ابن داود؟ ابن داود؟
43- فقال لهم: كيف 36- فإن
إذن داود داود نفسه قال 42- وداود نفسه يقول
بوحي الروح بالروح القدس: في سفر المزامير
يدعوه الرب
ويقول:
44- قال الربّ لربي قال الربّ لربي قال الربّ لربي
اجلس عن يميني اجلس عن يميني اجلس عن يميني
حتى أجعل أعداءك حتى أجعل أعداءك حتى أجعل أعداءك
تحت قدميك تحت قدميك موطئاً (لقدميك) 
45 فأن كان داود 37- فداود نفسه إذن، داود
يدعوه رباً يدعوه رباً يدعوه رباً
فكيف يكون فكيف إذن يكون فكيف يكون
هو ابنه؟ ابنه؟ هو ابنه؟
46- فلم يستطع أحد
أن يجيبه بكلمة.
ومن ذلك اليوم،
لم يجرؤ أحد البتة
ن يسأله.

إن هذا الحدث جزء من الخبر الإزائي المتعلّق بأيام يسوع الأخيرة في أورشليم. فالمقطع في شكله الأول (مر) يذكّرنا بإعلان آخر تفوّه به الرب: "وإذ كان يعلّم في الهيكل قال". في مر نكاد نستشف جدالاً. وتطرح المسألة تقريباً كما في لو. أما في مت 22، فقد أحاط التقليدُ الإنجيلي إعلان يسوع ببعض عناصر جدال، بحيث صار المقطع يشبه "قولاً في خبر".
ومهما يكن الإطار الذي قيل فيه، فجوهر الإعلان يبقى هو هو: إن يسوع يسأل التقليد المعاصر عن المسيح، على أنه ابن داود؟ وأفهمهم بسؤاله أنه يجب أن يفسّر المسيح بشكل آخر. وقال بعض الشرّاح: إن الكنيسة الأولى (وليس المسيح) قامت بالمقاربة بين هوية يسوع وهوية ابن داود. وجاء من يردّ عليه: لا يمكن أن يعود هذا القول إلى تعبير استنبطته الجماعة. فمن الصعب أن تعتبر تعليماً عقائدياً في الجماعة، تلميحات يتضمنها هذا القول الذي يخفي ويكشف جزئياً "السر المسيحاني".
قبل أن نسأل عن معنى النصّ، نستعرض التقليد السابق المتعلّق بداود.
2- التقليد الداودي في العهد القديم
لقد توسّع التقليد الداودي لا إطار العهد القديم، على هامش النؤمن القديم في إسرائيل. هذا النؤمن الذي نبع من الحقبة الأولى من تاريخه الخلاصي. ومع الوقت اندمج التقليدان: في زمن المنفى. ومع أنبياء مثل حزقيال، أشعيا، حجاي، زكريا، نحميا. واعتبر تدخّل الله من أجل داود امتدادً لأعمال الله الفدائية التي يذكرها النؤمن القديم في إسرائيل.
نجد أقدم تقليد عن داود في عمل المؤرّخ الاشتراعي، وهو يرتبط بالدور الذي لعبه داود في خبر تابوت العهد (1 صم 4: 1- 7؛ 2 صم 6: 1- 20). وهناك اعتلاؤه العرش (1 صم 16: 1- 2؛ 2 صم 5: 25؛ 6: 16- 23؛ 9: 1- 13). سلالته (2 صح 7: 1- 29؛ 11: 2- 20: 26؛ 1 مل 1: 1- 2: 46). أقواله الأخيرة (2 صم 23: 1- 7). في ذلك الوقت صوّر داود كعابد الربّ الغيور (2 صم 6: 21) الذي نعم بسماع. كلامه (1 صم 25: 31؛ 2 صم 3: 9- 10؛ 5: 2). داود هو الخادم الطائع الذي دلّ على احترامه للربّ حتى في قتل بني عماليق الذين ثاروا على شاول، الذي مسحه الربّ.
غير أن نعم الربّ لداود لا تتوجّه إليه وحده. فعلى داود أن يقود شعبه، ودوره كملك يؤثّر على إسرائيل كلّه. لهذا، كان اختيار الله له حدثاً ذا بعد فدائي كبير في تاريخ الشعب.
هناك مقطعان يشدّدان بشكل خاصّ على هذه الوجهة في دور داود: قول النبي ناتان (2 صم 7: 14- 17). "أقوال داود الأخيرة" (2 صم 23: 1- 17). دلّ ناتان بوضوح على أن نعم الله لا تعطى لداود وحده: "وعندما تتمّ أيامك وترقد مع آبائك، أحافظ بعدك على النسل الذي خرج من صلبك وأثبّت ملكه. هو يبني بيتاً لاسمي، وأنا أثبّت عرشه إلى الأبد. أكون له أباً ويكون لي ابناً" (2 صم 7: 12- 14).
ونفهم المعنى العميق لهذا القول من أقوال داود الأخيرة التي فيها عُرف مرتّل المزامير باسم "مسيح إله يعقوب" (2 صم 23: 1). سمّي داود بشكل واضح "مسيح"، أي ممثّل الله المكرّس. فالقول هو عهد قطعه الله مع السلالة الداودية (2 صم 23: 5): "قد عقد الله معي عهداً أبديّاً". وهكذا يعبرّ التقليد الداودي عن نفسه الآن في ألفاظ خاصّة بالعهد، فيزاحم في شكل من الأشكال العهد القديم في سيناء. وهكذا يكون لكل تقاليد إسرائيل مركز ثقل جديد.
إن هذا التقليد الأساسي بالنسبة إلى داود، نال تطوراً في المزامير الملكية، عند الأنبياء، وعند الكتّاب اللاحقين. ففي المزامير التي تتحدّث عن داود (مز 18؛ 72؛ 89؛ 132؛ 144) نجد إشارة واضحة تتكرّر مراراً إلى لقب "مسيح" (مز 18: 51؛ 89: 39، 52؛ 132: 10- 17). ثم إن مز 132: 2 ينسب إليه دوراً لافتاً في بناء الهيكل. نقرأ هناك أن داود نذر للربّ أن يبني الهيكل. وصار وعد الربّ في قول ناتان قسماً إلهياً (مز 132: 11؛ 89؛ 4، 36- 37، 50). وستشدّد هذه المزامير بشكل خاصّ على الطابع المستمر وغير المتزعزع للسلالة الداودية (مز 18: 51؛ 82: 5، 30- 37؛ 132: 10- 12). إنها تبقى إلى الأبد. والأناشيد العبادية في المزامير تشهد على هذا التواصل.
إن مز 2 الذي هو مزمور ملكي لا يشير إلى داود، يعد الملك الداودي بسلطة على الكون. فالملك هو "مسيح" الربّ. بل هو ابنه الخاصّ: "أنت ابني وأنا اليوم ولدتك" (مز 2: 7). وهناك مزمور آخر ألّف لتتويج الملك الداودي فصوّره مدعواً من قبل الربّ لكي يجلس عن يمينه ويقاسمه مجده السماوي الرفيع: "قال الربّ لربيّ: اجلس عن يميني، فأجعل أعداءك موطئاً لقدميك" (مز 110: 1). وهكذا وُجدت رباطات وثيقة بين الله وبين الوارث الداودي المكرّس له.
ويتأمّن تواصل السلالة الداودية في زمن الحرب ضد الآراميين وأهل أفرائيم حسب ما أعلنه أشعيا لآحاز: كان خطر قريب يتهدّد الوارث الملكي الذي سيولد: إن "الولد" سيولد. سيكون "مشيراً عجيباً إلهاً جبّاراً أباً أزليّاَ أمير السلام" (كل هذا اسم واحد يحمل كل الصفات المذكورة). يجلس "على عرش داود" (أش 9: 5- 6) ويكون "فرعاً خارجاً من جذر يسَّى" (أش 11: 1). وفي النهاية، أعلن النبي للملك حزقيا بلاغاً آخر: "أنا أحافظ على هذه المدينة وأخلّصها إكراماً لي ولعبدي داود" (أش 37: 35).
وحين وجد إرميا نفسه أمام آخر ملوك السلالة الداودية، قبل هجوم نبوكد نصر على أورشليم، دعا إسرائيل إلى تقوية إيمانه (وأمانته) في النؤمن القديم. وزاد على هذا النداء بعض التلميحات إلى التقليد الداودي. أعلن أن الملك الداودي يوياقيم "لن يكون له شخص (أي: وارث) على عرش داود" (إر 26: 30). ومع ذلك، فالنبي نفسه أطلق الوعد بـ "عهد جديد" وأعلن أن إسرائيل "يخدم الرب إلهه وداود ملكه الذي سأقيمه له" (إر 35: 9).
ففي أقوال إرميا عينها، نجد إتجاهاً له معناه العميق. فهو ينظر منذ الآن إلى "داود" كالوارث الذي يجلس على عرش يقيمه الله. فالملك المثالي يكون "داود". "ها إنها تأتي أيام، يقول الربّ، أقيم لداود رجلاً صدّيقاً يملك كملك حقيقي ويكون حكيماً ويمارس الحق والعدل" (13: 5). الخلاص والعدل والاستقامة هي صفات ترتبط ارتباطاً وثيقاً بملك ابن داود الجديد. وتعليم حزقيال يُعطي بعض الآمال حين يفكّر بدمار أورشليم: "يكونون شعبي وأكون إلههم. وعبدي داود يملك عليهم. ولا يكون لهم كلهم إلاّ راعٍ واحد" (حز 37: 23- 24).
ونلاحظ في التطور النبوي للمعنى اللاحق لاسم "داود" غياباً تاماً للقب "مسيح". فلا نجد هذه اللفظة إلا مرتين في أسفار الأنبياء: مرة تطبّق على كورش (أش 45: 1). ومرة أخرى تطبّق على الملك والأمّة (حب 3: 13). في الواقع، صار الأنبياء في شكل من الأشكال صدى لقول ناتان. ولكن، مع أن داود سمّي في السابق وبشكل واضح "مسيح" الربّ، إلاّ أنه يجب أن نلاحظ أن الأنبياء لا يتكلّمون عن "مجيء المسيح". إنهم يعلنون فقط الرجاء بأن يروا إعادة بناء مملكة داود لأن الله وعد بذلك.
ولا الزمن الذي بعد المنفى، عرف التقليد الداودي توسّعاً أكبر. لن يملك ملك مع زربابل، حاكم يهوذا، الذي "اختاره" يهوه (حج 2: 23؛ رج زك 6: 12- 14). لقد تطوّر التقليد الداودي تطورّاً له معناه بعد المنفى. وهذا ما نراه عند المؤرّخ الكهنوتي (1 آخ+ 2 آخ+ عز+ نح). فصورة داود ليست فقط صورة مثالية. بل إن خبر ملكه بدا في رسمة سريعة ونموذجية (حُذفت تفاصيل جديدة). مع أنَّ 1 أخ يبدأ بسلسلة أنساب تصل إلى آدم، فتاريخ إسرائيل الحقيقي يبدأ بشاول واعتلاء داود العرش (1 أخ 10). فالمؤرّخ يحاول أن يتصوّر ما تكون عليه مملكة إسرائيل المثالية في حكم الله، فيرسم حكم داود وسليمان بألوان "فردوسية": لا كما كان في الوقت الماضي، بل كما كان يجب أن يكون. وأعطى صورة "خياليّة" عن داود الذي أصبح المؤسّس الحقيقي للهيكل وشعائر العبادة فيه. وهكذا يشدّد الكاتب لا هذا النصّ على تواصل ملك داود (1 أخ 28: 4).
في هذا المجال نفهم معنى التحوّلات التي قام بها المؤرخ على قوله ناتان (2 صم 7: 12، 16؛ 1 أخ 7: 11- 14). في 2 صم يفهم "الزرع" في معنى جماعي. أما 1 أخ فيتحدّث عن نسل فرد في سلالة داود: يختاره الربّ من أبنائك. وعبارة "أثبته إلى الأبد في بيتي وفي مملكتي" تدلّ على تبدّل كبير بالنسبة إلى الأصل. فالتحوّل الذي تمّ يبرز واقعاً يقول إن الملك الداودي الآتي يكون ممثل الله في تيوقراطية يقيمها الربّ. ولكننا، هنا أيضاً، لا نجد لقب "مسيح" للملك الداودي. فإن كان داود نفسه يسمّى كذلك في 2 أخ 6: 42، فالكلام يدلّ على داود التاريخي، لا على الملك الداودي المثالي الذي ينتظره الشعب.
أخيراً، نجد في رؤيا دانيال (القرن الثاني ق. م) ذكراً "لأمير مكرّس" ينتظر في أورشليم: "منذ الوقت الذي فيه خرجت هذه الكلمة، يعودون ويبنون أورشليم إلى أن يأتي أمير مسيح، تكون سبعة أسابيع" (دا 9: 25). من هو هذا الأمير المكرّس، هذا "المسيح"؟ هل هو ابن داود؟ ربّما. غير أن وجود هذه اللفظة في دا هو جزء من مجموعة أوسع حول الآمال المسيحانية التي أخذت تبرز في القرن الثاني ق. م.
3- المسيح الداودي في العالم اليهودي المتأخّر
أن يكون "النبي" دانيال (9: 25- 26) قد حرّك آمال إسرائيل في بناء ملكوت الله بقيادة ملك مثالي، وأن يكون قد سمّاه "مسيح"، هذا ما نجده أيضاً في كتابات قمران. فالمغارة الأولى تلمّح بوضوح إلى دا 9: 25: "إلى مجيء نبيّ ومسيحَيْ هارون وإسرائيل" (قاعدة الجماعة). إذن، يعكس نصّ دانيال ونصوص قمران الفكرة عينها في تطوّر المعتقدات اليهودية: أي من الممكن أن نتحدّث عن مجيء "مسيح" أو "مسيحَين". لا شكّ في أنه يجب أن نحتفظ من قراءة كرستولوجيا (كلام عن يسوع المسيح) العهد القديم في هذه الألفاظ. ولا شكّ أيضاً أننا لا نستطيع أن نقول فقط أننا أمام مجرّد أشخاص مكرّسين. فهذه النصوص تدلّ على أن العهد القديم عرف موضوع ممثل كرّسه الربّ. وهذا الموضوع سيتطوّر حتى انتظار المسيح. وفي الوضع الذي يهمنا: هو انتظار كسيح داودي (نجعل الآن جانباً النبي المنتظر والمسيح الكهنويّ أو مسيح هارون).
إذا عدنا إلى نصوص قمران وجدنا أن المسيح الداودي يسمّى "مسيح إسرائيل". وفي "المباركات الآبائية لما، نقرأ تلميحاً إلى "مسيح الحق" أو الاستقامة، وزرع داود، لأن فيه وفي نسله جعل الحكم الملكي على شعبه في جميع الأجيال الاتية. ونجد أيفاً تفسيراً مهماً لقول ناتان. فبعد أن أورد بشكل موجز 2 صم 7: 11- 14، زاد الكاتب بشكل تفسير: هذا هو زرع داود الذي سيظهر مع مفسرّ الشريعة. إنه يظهر في صهيون، في الأيام الأخيرة، حسب ما كتب: "أقيم بيت داود الذي سقط. هو بيت داود الذي سقط، والربّ يقيمه ليخلّص إسرائيل".
وترتبط بالمسيح الداودي ارتباطاً واضحاً، مهمة خلاصية. هنا نذكر شرح أشعيا الذي يقارب بين أش 11: 1 وزرع داود. ونذكر الشهادات التي تطبّق قول بلعام (عد 24: 5- 7) على المسيح الداودي. وهكذا تشهد أقوال قمران على تفتح ختام لتقليد العهد القديم بالنسبة إلى داود. فلقب "مسيح" أعطي لابن داود المثالي الذي ينتظرونه "في نهاية الأزمنة". فهناك عناصر هذا المعتقد قد رُميت كبذار في كل العهد القديم. وتوسّعت شيئاً فشيئاً لتصبح تقليداً لابيبلياً يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالأسفار البيبليّة. حتى الآن، لم نجد في مغاور قمران نصاً واحداً يسمّي المسيح الداودي المقبل "ابن الله". ولكن في المغارة الأولى كان حديث عن الله "الذي يلد المسيح". ولكننا لا نجد تطبيق مز 2: 7؛ 115: 1 على هذا المسيح.
وإذا خرجنا من قمران وظللنا في الزمن السابق للمسيحية، نجد نصوصاً تتحدث عن انتظار ابن داود بشكل مسيح في مزامير سليمان (من أصل فريسي): "أقم لهم، أيها الربّ، ملكاً، ابن داود. لكي يملك على إسرائيل عبدك. في ذلك الوقت، لن يكون بينهم ظلم، لأنهم يكونون كفهم قديسين، ويكون ملكهم مسيح الربّ". هذا الرجاء يجد صدى في التقليد الراباني الذي يواصل الحديث عن التقليد الداودي في تراجيم على أش 11: 1؛ مز 18: 26؛ 21: 1.
4- "ابن داود" في التقليد الإزائي
ونعود الآن إلى أقوال يسوع في مت 22: 41- 46= مر 12: 35- 37= لو 20: 41- 44. كان يسوع يجادل مع الفريسيين، فطرح عليهم سؤالاً حول الأصل الداودي للمسيح. ثم طرح وضع عز 115: كيف يستطيع داود (صاحب هذا المزمور المشهور، داود الملهم) أن يكون أب الملك المسيحاني الذي يسمّيه "ربي"؟ "قال الرب (يهوه، كيريوس) لربيّ (لا أدوني، تو كيريو مو= الملك المكرّس): اجلس عن يميني".
أ- كيف نفسرّ كلمة يسوع هذه
هناك تفاسير عديدة قدّمت.
* نفهم من برهان يسوع أنه يشكّ بالأصل الداودي للمسيح. كان يسوع قد أعلن نفسه المسيح. ولكن هل يكون المسيح ابن داود، مع أن يسوع كان جليليّاً، كان نجاراً وابن يوسف النجار؟ هل يمكن أن يكون المسيح؟ فإذا أراد يسوع أن يتغلّب على هذه الصعوبة الجدّية، عليه أن يجد مقطعاً في الكتاب المقدس لا يكون فيه المسيح بالضرورة ابن داود. تشبّه بالفريسي اللبق ووجده!!
* المسيح هو أعظم من "مجرد" ابن داود. فأصله أنبل وأسمى من داود. وداود نفسه يسمّيه "الربّ"، وهكذا نستشفّ سرّ يسوع. ولكن النصّ ليس واضحاً في هذا المجال.
* في خط التفسير الثاني: عاد يسوع إلى رؤية "ابن الإنسان" في دا 7: 13. يسوع هو حقاً ابن داود. ولكنه أكثر من هذا، إنه ابن الإنسان في معنى خارق جداً.
ب- ماذا نقول في هذه التفاسير
ونترك أولاً التفسير الأول لأنه لا يعقل أن يهاجم يسوع معتقداً يرتكز على الأصل الداودي للمسيح. فالعهد الجديد لا يقدّم لنا أية شهادة عن نيّة مماثلة. فحين "ينكر" يسوع الكتاب المقدّس بهذا الشكل، فهو يقدّم سلاحاً لخصومه لكي يتهموه (يو 8: 5). ثم، إنه لمن الخطأ أن نعتبر أن يسوع جهل انتماءه إلى السلالة الداودية. فهناك تقليد قديم في العهد الجديد يعلنه بصراحة (روم 1: 3: ابنه الذي من ذرّية داود)، ولا يبدي أيّ تحفّظ بالنسبة إلى هذا الموضوع. بل هو يجد صدى في أماكن أخرى: مر 10: 47- 48 (يسوع ابن داود في فم ابن طيما الأعمى): مت 1: 1 (في سلسلة نسب يسوع) لو 3: 31 (سلسلة نسب يسوع) 2 تم 2: 8 حيث نقرأ: "أذكر يسوع المسيح المتحدّر من نسل داود، الذي أقيم من بين الأموات بحسب إنجيلي". إذن، أيكون إنكار يسوع لأصل المسيح الداودي لم يترك أي أثر في العهد الجديد؟ بل إن العهد الجديد يشدّد على هذا الدور الذي يحقق ما قيل في العهد القديم.
* ويبقى التفسيران الثاني والثالث اللذان يجب أن نختار بينهما. هنا نقوم بتمييّز هام. يبدو أن مت بشكل خاص قد أضاف بعض العناصر الثانوية، فجعلنا في التفسير الثالث. ولكن يطرح سؤال: أما تكون الكنيسة الأولى اكتشفت ما اكتشفت انطلاقاً من الحدث الأول على هذا الإيمان الذي نالته في الفصح والعنصرة؟
بما أن الحوار يبدو بشكل جدال مع الفريسيين (رج 2: 9، 17- 19؛ 3: 4)، فقد يكونون هم الذين بدأوا فطرحوا السؤال الثاني: وأنت أيضاً تعلّم أن المسيح هو ابن داود. لم يجب يسوع بلا ولا بنعم، بل طرح سؤالاً معاكساً (رج مت 22: 17). إذن، قد يكون جواب يسوع اتخذ بالأحرى شكل جدال بين الفريسيين، هدفه مواجهة الفريسيين على مستوى التفسير الكتابي، لا الإشارة إلى أصله الذي يمكن أن يكون غير داودي. فالجواب من هذه الجهة أو تلك هو في العمق مسألة تشديد على وجهة ما، لأننا لا نستطيع أن نلغي كلياً الوجهة الأخرى.
* ما هو أساس هذا النوع من الجدال؟ هناك في مت 22 أربعة أنماط من الأسئلة التفسيرية نجدها في التقليد الراباني. هناك سؤال الفريسيين حوله الجزية التي تدفع لقيصر (22: 15- 22 وز). وسؤال الصادوقيين حوله زواج امرأة واحدة بسبعة أخوة ومصيرها في القيامة (22: 23- 33 وز). وسؤال الفريسين حول وصيّة في الشريعة (22: 34- 40 وز). وأخيراً، سؤال الفريسيين حول المسيح ابن داود (22: 41- 46 وز). هذه الأسئلة تتوافق على التوالي مع الترتيب الراباني للأسئلة الأربعة حول الحكمة (تفسير النصوص الشرعية)، حول السذاجة (إظهار بساطة أو سذاجة أحد)، حول طريق الأرض (أي مبادئ السلوك الأخلاقي)، حول الأخبار التي تفسرّ المقاطع الكتابية (هاغاده).
في هذه الحال، قدم يسوع سؤال "هاغاده" أوحاه له تعارضا يقول إن المسيح هو ابن داود وفي الوقت عينه ربّ داود. هذا يعني أن الفكرتين صحيحيتان: فالمسيح هو ابن داود (بوجهه الأرضي، البشري). والمسيح هو ربّ داود (بوجهه السماوي، الإلهي). ولقد أراد يسوع أن يقول في جوابه أن المسيح لا يهتم بالسياسة كما يعتقد عدد كبير من معاصريه.
* نحن نجد في تدوين الأناجيل الإزائية توسّعاً أطول في التقليد حول ابن داود. فحين أدخل الإنجيليون هذا الحدث في أناجيلهم، فقد أرادوا أن يستغلّوا لطائف لقب "كيريودس" ويطبّقوا على يسوع المسيح كلمات مز 110. في ذلك الوقت، تضمّن "كيريوس" كما استعمل في الحديث عن يسوع، أنه مساوٍ ليهوه في العهد القديم. ثم إن مز 110: 1 المستعمل في أمكنة أخرى من العهد الجديد يبرز ارتفاع يسوع لا لقب الرب والمجد السماوي (رج 16: 19؛ 1 كور 15: 25؛ أف 1: 20؛ كو 3: 1؛ عب 8: 1؛ 10: 12، 13؛ 12: 2). ولكن حصل ما حصل لهذا المزمور فشكل تعارضاً مع علاقات المسيح الداودية (أع 2: 29- 35؛ 13: 23- 29؛ عب 1: 3- 13).
* في هذا المجال نلاحظ ثلاثة أمور:
- هناك شك بأن يكون أعطي للمسيح لقب "ابن الإنسان" قبل المسيحية.
- لم يقرّب التلاميذ بين هذين اللقبين خلال حياتهم على الأرض.
- مع أن مز 110 لا يتضمّن تلميحاً مباشراً إلى ابن الإنسان، ولا إلى المسيح الداودي المثالي والمنتظر، فإن العلاقات المقامة هنا تعود إلى يسوع نفسه. فالتلميح إلى مز 110 في مشهد المحاكمة (مت 26: 64) يشير إلى هذه الإمكانية، وقد يكون منطلقاً للتعمّق في تقليد ابن داود في الأناجيل الإزائية. وخاتمة هذه الاعتبارات التي تجد تتويجها في ارتفاع يسوع المجيد وبنوّته الإلهية، تجد أوضح تعبير لها في رسالة برنابا حيث نجد ايراد مز 110: 1. وهذا التعبير يسند الاعتقاد القائل بأن يسوع "ليس ابن الإنسان، بل هو حقّاً ابن الله".
خاتمة
وهكذا شكّل المسيح الداودي مثالاً عن موضوع بيبلي صار تقليداً تشهد له الآداب اللابيبلية، فظلّ مرتبطاً بعالم الكتاب المقدّس. توسّع هذا التقليد ونما خارج العهد القديم، فوجد زخماً جديداً في جدال يسوع مع الفريسيين حول الأصل الداودي للمسيح.

 

 

الفصل السابع والعشرون
تقوى كاذبة وسخاء حقيقي
12: 38- 44
ترتبط هاتان المقطوعتان في مرقس، حول ممارسات الكتبة وحول فلس الأرملة، ترتبطان بكلمة عاكفة كما في "أسلوب شفهي": ننتقل من "الأرامل" اللواتي يأكل الكتبة بيوتهنّ، إلى "الأرملة" التي ألقت أصغر قطعة مال يتداولها الناس (فلس أو درهمان...) في "الخزانة"، في صندوق التقادم أو التبرّعات. ثم إن هذين الحدثين يقعان في أورشليم، وبطريقة أدقّ في الهيكل الذي يبدو أن يسوع لم يتركه منذ 11: 27 (يتمشى في الهيكل؛ رج 12: 35؛ لو 20: 1). سوف نتساءل عن الفكرة التحتانية التي تربط بين هاتين القطعتين: ممارسة الكتبة (12: 38- 40)، وفلس الأرملة (آ 41- 44).
نجد هذين المشهدين لا لوقا (20: 45- 47 ثم 21: 1- 4) في الترتيب عينه، وفي ألفاظ شبه مماثلة؟ فإن لو 20: 46 (إياكم ومعلّمي الشريعة) هو قريب من مر 12: 38 ب- 39، أكثر ممّا قريب من لو 11: 43 (تحبّون مكان الصدارة) الذي أقحم في خبر "السفر إلى أورشليم" (9: 51- 18: 14). من الواضح أن لو 20: 45- 21: 4 يتبع مرقس أو أن الإثنين عادا إلى مرجع مشترك (ربما متى الآرامي كما نُقل إلى اليونانية) أو قد يكون لوقا عاد إلى مرقس وإلى المرجع معاً. فالتصحيحات البسيطة التي قام بها لوقا في نصّ مرقس أو في نصّ المرجع، هي طفيفة ولا تتعدّى أسلوب الكتابة. أمّا مضمون النصّ فهو مشترك بين لوقا ومرقس، وهو يرتبط بمواضيع اعتدنا على قراءتها في مرقس.
1- رياء الفريسيين (12: 37 ب- 40)
إن شجب الكتبة في هذا المقطع من مرقس وفي ما يوازيه في لوقا (20: 45 ي)، يلتقي في نقاط عديد مع شجب الفريسيين وعلماء الشريعة في لو 11: 37: 54. وبصورة خاصة، إن لو 11: 43 يكرّر لو 20: 46. فمعطيات هاتين المقطوعتين في لوقا، نجدها مجموعة وموسعة في مت 23 مع اختلافات واضحة في الآيات الموازية. فهناك أسلوب خاصّ بمتى، وأسلوب خاصّ بلوقا. صاغ مت (ف 23) في شميلة واسعة أقوالاً تورد لوم يسوع للكتبة والفريسيين (الويل لكم! تغلقون ملكوت السماوات...). أما لوقا فأبقى على الإنفصال بين ما حمله إليه المرجعان الرئيسيان (11: 37- 54؛ 20: 45- 47). قد يكون المرجع الأول مرقس أو (وبعض الشّراح يضع حرف العطف "و") المرجع المشترك بين الثلاثة. لا شيء يتيح لنا هنا أن نفصل في "المسألة الإزائية". ولكن توازيات لوقا ومتّى تطرحان سؤالين: من هم خصوم يسوع الحقيقيون في هذه المناسبة؟ في أي وقت تفوّه يسوع بهذه الأقوال؟
وقبل أن نجيب على هذين السؤالين، نقدّم بعض الملاحظات التفصيلية. إن فعل "بروساخو" يستعمل في لو 12: 1 (من تدوين لوقا. راجع إستعمال قال مع حرف الجرّ الخاص: بروس) (احذروا من خمير الفريسيين) وفي 20: 46: (احذروا الكتبة). أما في المقاطع الموازية، فيستعمل مرقس (8: 15: احذروا من خمير الفريسيين؛ 12: 38: احذروا من الكتبة) فعل "بلابو". في لو 20: 45 نجد لفظة "لاوس" (الشعب) الخاصة بلوقا. أما ما هو خاص بمرقس: تصغي بسرور (مر 12: 37). في آ 38، يقدّم لنا مرقس بناء خاصاً فيجمع المصدر مع اسم في المفعول به (مريدين السير بالحلل، والتحيّات). صحّح لوقا فادخل اسم الفاعل (محبّين) أمام الاسم (محبّين التحيات). وأخيراً، ربط لوقا آ 47 مع الآية السابقة بواسطة جملة موصولية (الذين يأكلون) فصحّح هكذا بناء مرقس (آ 40: آكلونها البيوت، اسم الفاعل في صيغة الرفع والكتبة في صيغة الجر كمضاف إليه). وبمختصر الكلام، نجد بناء خاصا بلوقا وآخر بمرقس. لهذا لا نستطيع أن نقول بالتأكيد إذا كان لوقا أعاد صياغة مرقس، أو صياغة المرجع المشترك، أو صياغة مرقس والمرجع المشترك.
أ- خصوم يسوع
إذا أخذنا بعين الإعتبار الظروف التاريخية، يكون اللوم الموجّه إلى الكهنة في محلّه في مر 12: 38- 40 (= مت 23= لو 20) أكثر منه في لو 11: 37 ي، حيث نجد قسماً كبيراً من المادة التي جمعها مت 23: 1 ي. ويحدّد موقع هذا اللوم في إطار الأسبوع الأخير، ساعة الانقطاع بين يسوع وخصومه الذين برهنوا بشكل نهائي على نواياهم السّيئة، وسبق لهم فتآمروا من أجل إهلاكه (مر 11: 18؛ لو 19: 47؛ مت 21: 46). إذاً، كانت لمرقس ولوقا أسبابهما حين احتفظا هنا فقط باتهامات بسيطة نسبياً، وجعلا من هذا المقطع ملحقاً وخاتمة لسلسلة المشادات السابقة (مر 11: 27- 12: 37 وز). ثم إن هذا النصّ شكّل مقدّمة صالحة للخطبة حول دمار أورشليم، وهي خطبة حرّكتها قساوة القلب لدى رؤساء الشعب.
أي رؤساء يعني؟ لا يتكلّم مرقس هنا (ولوقا مثله في 20: 46) إلا عن الكتبة. أما في النصّ الموازي في لو 11: 43، فيتوجّه اللوم إلى الفريسيين. أما متى فضمّ المجموعتين: "الكتبة والفريسيون" (مت 23: 2). ولكن هذا لا يسمح لنا بأن نخلط بين الفئتين. فلوقا يحذرّنا من هذا المزج ويحافظ على الفصل في خطبة تهاجم الفريسيين (11: 39- 44) تتبعها خطبة أخرى تهاجم الكتبة (11: 46- 52). بيد أنه كانت عملية "تقريبية" (وربما عن خطا) وجّه فيها لوقا (11: 43) لوماً إلى الفريسيين الذين يحبّون المقاعد الأولى: ينطبق هذا الإتهام بشكل أدّق على الكتبة، على ما يقول نصّ مرقس (آ 39) ولو 20: 46، ونحن نفهم هذه "البلبلة" في الأناجيل لأن الكتبة، مفسّري الشريعة، ينتمون في معظمهم إلى الفريسيين. ولأن الفريسيين العاديين انتموا إلى منظّمات كان الكتبة رؤساءها فنظّموا حياتهم حسب مبادئ وقواعد الكتبة والفريسيين.
ب- سامعو يسوع (آ 37- 38 أ)
"وكان الجمع الغفير يصغي إليه في إرتياح (سرور). وكان يقول في تعليمه...".
نربط آ 37 ب بما يلي لا بما يسبق، وذلك حسب الموازاة في لو 20: 45: "وإذا كان الشعب كلّه يسمع، قالت لتلاميذه".
لا يذكر مرقس التلاميذ. فيبدون غائبين. فبعد وقت قصير سوف يدعوهم يسوع (12: 43: دعا تلاميذه وقال لهم). أم متى الذي يحبّ أسلوب "التكديس" فقال: "الجمع وتلاميذه" (23: 1). وهكذا سيفعل في الآية التالية: "الكتبة والفريسيون" (23: 2): نستطيع أن نرسم المشهد فنتصوّر وجوهاً مصغية في وسط الجمع. وعلى لوحة نستلهمها من خبر لوقا، يحتلّ الشعب خلفية اللوحة. ويتوجّه يسوع إلى التلاميذ المجتمعين أمامه على حدة. وهكذا حصر لوقا السامعين المباشرين، فشدّد على آنيّة تحذير يسوع للتلاميذ في أيام تدوين إنجيله. فعلى المسيحيين أن لا يظنّوا أن تعاليم المعلم قد عفا عنها الزمن. فليسوا بمأمن من شواذات شبيهة بتلك التي وقع فيها الكتبة.
هنا نعود إلى دقائق النصّ. إن لو 20: 45 (وقال لتلاميذه) (وحتى في 9: 43 ب: وبينما هم متعجّبون قال لتلاميذه) يبذل قاصداً سامعي مرقس بطريقة ثقيلة. فيشير إلى أن معطيات المرجعين قد دُمجا (كدّسا) بالنظر إلى الفائدة الحالية التي يجنيها المسيحيون الأولون. والطابع القصدي لوضع التلاميذ في المقدّمة في 20: 45، يثبته ويفسرّه الغاء النداء الذي وجّهه يسوع فيما بعد في مر 20: 45 (دعا تلاميذه) الم يعد لوقا بحاجة إلى هذا النداء في لو 21: 3، لأن التلاميذ يحيطون بيسوع منذ 20: 45: قال لتلاميذه). كما يثبته وضع خاص في لو 12: 1 (قال أولاً لتلاميذه). في هذا الموضع، ألّف لوقا مشهداً مشابهاً لما في 20: 45 ليدخل تحذيراً مماثلاً من الفريسيين (إياكم وخمير الفريسيين). فحين كان الشعب هنا بالآلاف يتزاحم حول يسوع، ها هو يسوع يقول لتلاميذه أولاً: إحذروا من خمير الفريسيين. فعلى التلاميذ، والمسيحيين في عصر لوقا، أن يحذروا (بالنسبة إلى نفوسهم) من الرذائل الفريسية.
نجد في آ 38 أ (وقال لهم في تعليمه) عبارة تأتي من مرجع مرقس الذي يشدّد مراراً على هذا الموضوع، دون أن يفصح عن موضوع هذا التعليم.. ولكن لا شيء يشير هنا إلى نيّته بأن يشدّد على موقف يسوع.
كما أن هناك هجوماً على تعليم الكتبة في 12: 35- 37 أ، ففي 12: 38- 40 نجد شجباً لممارستهم. هذا الهدف يفسرّ لماذا وردت هذه الأقوال فقط. فمرقس (أو سابقه) يرغب أن يبيّن إلى أي حدّ كان الإنقطاع تاماً بين يسوع والرابانيين.
لم يهتمّ مرقس (كما فعل لوقا) بتطبيق تعليم يسوع الخلقي على الحياة المسيحية اليومية (رج 1: 21، 31، 36؛ 3: 7؛ 5: 37؛ 6: 1؛ 8: 34؛ 10: 23، 46؛ 11: 11، 27؛ 12: 43؛ 14: 26؛ 32). ولكن مرقس تفوّق على سائر الإنجيليين حين وحّد يسوع بتلاميذه، وهم قد تجنّدوا معه في كرازة الإنجيل وحمل الصليب. إن كان لا يذكرهم هنا، فلأنه يريد بالأحرى أن يشدّد على الصراع المتنامي بين الكهنة واللاهوتيين الذين يقاومونه. هذا الصراع سيصل بنا قريباً إلى دراما الجلجلة. وقد بدا منذ هذا الخبر: "عظماء الكهنة والكتبة" (رج 11: 18؛ 14: 1).
وهكذا يتخذ ذكر الجمع (أوخلوس- في المعنى الدنيوي. لا "لاوس" كما في لو 20: 45) لوناً خاصاً يحمل القلق والخوف. عند مرقس يبدو الجمع متعاطفاً مع يسوع حتى وقت المحاكمة. ولكنه يصوّر هذا الجمع في وقفة انتظار (كيف ستسير الأمور؟ متقلّبون): قد يستحون من ابن الإنسان (8: 38). قد لا يؤمنون به (9: 19). سيتدخّل هذا الجمع من جديد في 15: 11- 14 حيث نرى عظماء الكهنة يحرّكونه ليطلب موت يسوع، وذلك بعد أن تشاوروا مع الشيوخ والكتبة (15: 1). هل فكّر الإنجيلي بهذا المشهد حين ذكر أن يسوع، خلال عمله الرسولي في أورشليم، كان قد طلب (ولكن عبثاً) من الشعب أن يحذروا من خمير الفريسيين؟ فسرورهم (أو ارتياحهم) بأن يسمعوه لا يمتلك جذوراً عميقة (4: 16- 17، أرض صخرية لا عمق فيها). وليس من قبيل الصدف أن لا نجد في كل الأناجيل عبارة "يصغون إليه بسرور" إلا هنا ولا مر 6: 20، وذلك في معرض الحديث عن هيرودس الذي تأثر بقداسة يوحنا وأقواله، ولكنه، مع ذلك، تراخى أمام حيلة هيروديا.
ج- حبّ الظهور عند الكتبة (آ 38 ب- 39)
قدمت إتهامات يسوع ضد الكتبة بشكل تصاعدي على مستوى الخطورة. أولاً، حبّ الظهور: الثياب الطويلة، التحيات في الساحات، أماكن الصدارة. ثانياً: استغلال الأرامل. ثالثاً: الرياء الديني بالمعنى الحصري. ذكره الإنجيلي في نهاية المقطع ليشدّد على شّره بشكل خاص.
لن نتساءل هنا إذا كان الكتبة قد استحقوا كل الإستحقاق هذه الإتهامات. فهناك مؤرخون (خصوصاً من اليهود)، اعترضوا على هذه الإتهامات. غير أن التلمود نفسه يشهد أن لهذه الإتهامات أساساً عند قسم كبير منهم. ثم لا ننسى أن الأسلوب "النبوي" ينطلق من تحذيرات فيصل إلى لعنات. ثم يعمّم الحالات الفردية على فئة كاملة أو شعب كامل. ثم إن مجمل الأناجيل تساعدنا على بعض التصحيحات الطفيفة: يلاحظ لوقا بعض المرات ذلك فيقول في 6: 2: "نفر من الفريسيين" (ق مت 12: 2: رآهم الفريسيون؛ مر 2: 24: فقال له الفريسين)؛ وفي 11: 5: "بيد أن بعضهم قالوا" (ق مت 12: 24: وسمع الفريسيون فقالوا). حسب مرقس (12: 28- 34)، امتدح يسوع كاتباً لحكمته. ونجد هنا وهناك فريسيين "صالحين" مثل نيقوديمس، يوسف الرامي. ونقرأ في متى (13: 52: كل كاتب يخرج من ذخائره؛ 23: 34) أن يسوع يشيد بمثال الكاتب المسيحي. بل هناك كاتب سيقوله ليسوع: "أتبعك أينما تذهب" (مت 8: 19).
لام يسوع الكتبة أولاً لأنه يحبّون أن "يمشوا (يتجوّلوا) في الحلل". هذا هو الرداء (ربما الجبة) التي يستعملها الرابانيون. كانون يطيلون أطراف هذا الرداء ليدلوا على أنهم ممارسون أمناء للشريعة فيجتذبون علامات الاكرام (مت 23: 5؛ رج عد 15: 37 ي؛ تث 22: 12). نحن أمام حبّ الظهور على مستوى اللباس: رذيلة معروفة في الماضي واليوم، ولكن شر ما فيها هو استعمالها على مستوى الدين واستغلالها من اجل الكرامة والجاه.
ويحبّون التحيات في الساحات. هذه رذيلة من النوع نفسه. هناك التجّار وعامة الشعب وأشخاص عديدون لا عمل لهم. كل هؤلاء ينحنون أمام واحد من هؤلاء "المعلّمين" ويقولون له: رابي. ويستغل الكاتب هذه الشرفيات من أجل أنانيته وحياته الباهتة. وهذا ما يزيد شّر "تباهيه وخيلائه".
ونقول الشيء عينه عن الشكل الثالث من "الظهور الساطع": يحبون المقاعد الأولى في المجامع وفي الولائم. يقول الرابانيون الذين بعد زمن المسيح، إن الكتبة الذين ورثوا سلطة الشريعة على "كرسي موسى" (مت 23: 2) كانوا يحتلّون مقاعد خاصّة في المجامع، ووجوههم إلى الشعب. وليس من المدهش أن يستفيد بعضهم من هذا المركز المميّز في المجمع ليطالبوا به في كل مكان (مثلاً: في الولائم).
إن هذه المقطوعة التي ندرس، ليست وحدها في الإشارة إلى انتقاد يسوع لمثل هذا التصرف. فالمدعوّ إلى وليمة في العرس يتعرّض إلى أن يُعزل من مكانه ويخزى، إن هو اختار المقعد الأول. بل عليه بالأحرى أن يختار المقعد الأخير ومضيفه يكرمه فيرفع مقامه الو 14: 7- 11). حين قال يسوع هذا الكلام، لم يشأ أن يعلمنا حب الظهور والحسابات البشرية (أقول: أنا لست بشيء فأعطى مديحاً مضاعفاً). نحن هنا أمام مثل (آ 7) بشكل مفارقة، مثل يشدّد فقط على درس في التواضع: "من ارتفع اتضع، ومن اتضع ارتفع" (آ 11). لقد ألّف لوقا بنفسه هذا المشهد الذي كان سبب الخبر: دُعي يسوع إلى مائدة أحد الفريسيين، فلاحظ كيف يختار المدعوّون المقاعد الأولى. قد لا يكون هذا الإطار التاريخي معقولاً جداً. ولكن شجب يسوع لهذه النوع من الكبرياء الفريسية والموقف الأناني الذي يفترضها، يثبته نص مرقس (12: 39: مقاعد الشرف في الولائم). من يتجرّأ أن يقول أننا تخلّينا عن مقاعد الشرف في العالم وفي الكنيسة؟ وذكّر متّى المسيحيين هنا، فجاء تذكيره لا وقته. ذكّرهم بنصحية أعطاها يسوع في هذ المناسبة أو غيرها: "العظيم فيكم يكون خادماً لكم" (مت 23: 11). 
هنا نتذكّر أم 25: 6- 7: "لا تكن متباهياً أمام الملك، ولا تقف في مكان العظماء. خير أن يقال لك: إرتفع إلى هنا. من أن يُخفض مقامك لدى الأمير". ونجد التحذير عينه عند رابي شمعون بن عزاي (حوالي 110 ب م): "إنزل من حيث أنت جالس درجتين أو ثلاثاً، وهناك اخترَ مكانك. فخير أن يقال لك: إرتفع، من إن يقال لك: إنزل". إن نصّ بن عزاي هذا ينتهي بقول لهلال (20 ق م): "إنخفاضي هو ارتفاعي. وارتفاعي هو انخفاضي". نلاحظ أولاً كيف أن يسوع هو ابن محيطه. يستعمل أقواله وأمثاله ولغته. ونلاحظ أيضاً كيف أن يسوع حوّل إلى تنبيه اسكاتولوجي قول حكمة عملياً يبحث عن صالحه. إن لو 14: 14 يتحدّث عن قيامة الأبرار. ونلاحظ أخيراً أن خاتمة المثل (من ارتفع اتضع) نجدها في نهاية مثل آخر (زادها لوقا هنا ليدلّ على نداء إلى التواضع نقرأه في هذا المثل) يندّد بتكبرّ الفريسيين (لو 18: 14)0 أمّا متى فجعل هذه الخاتمة في نهاية مقطوعة (23: 1- 12) موازية لتلك التي ندرس. وهذ ما يدلّ على التقابل بين هذه المقطوعة ومثل المدعوين الذين يختارون لنفوسهم المقاعد الأولى (لو 14: 7- 11).
د- إستغلال الأرامل وتظاهر بالتقوى (آ 45)
طالت الهجماتُ السابقة أولى فرق الفريسيين السبع التي يقرّ بها التلمود: "فريسيّو الكتف". هم أولئك الذين يحملون أعمالهم على كتفهم لكي يراها الناس فيمتدحوهم. هذه الهجمات توافق جملة متى القاسية في تلميحها: "يعملون كل أعمالهم لكي يراهم (يلاحظهم) الناس" (23: 5). ومع هذا، فنحن أمام اتهامات أكثر خطورة لم يحتفظ بها متى. زادها مرقس تاركاً اسم الفاعل في صيغة الجرّ. عائداً إلى صيغة الرفع (آكلون بيوت). وحّل مرقس البناء الغراماطيقي فأدخل جملة موصولية موضع اسم الفاعل: الذين يأكلون بيت الأرامل.
أولاً: إستغلال الأرامل
نعرف عن الكتبة أولاً أنهم "يأكلون بيوت الأرامل". كان وضع الأرامل سيّئاً بحسب الشريعة. فلا حقّ لهن بميراث أزواجهن (رج عد 27: 9، 11؛ 1 مل 17: 8- 15؛ 2 مل 4: 1- 7). لهذا السبب ربما، كانت هذه الأرملة "فقيرة". ولكن يسوع لا يهاجم هنا الشريعة في حدّ ذاتها، بل يعارض تجاوزاتها.
ظنّ بعض الشّراح أن الكتبة العارفين بحيل القانون، توصّلوا إلى إلغاء الشريعة السارية من أجل الأرامل اللواتي جعلن أموالهن عندهم وديعة (مت 15: 3- 9 وز). أو أنهم نعموا بمساندة مادية من قبل نساء متحمسات، فاستفادوا من سخائهن ليستولوا على أموالهن. وتحدّث آخرون عن كتبة فضوليين يدخلون البيوت ويستغلون سذاجة مضيفيهم.
مهما يكن من أمر، إن استغلال الأرامل اللواتي هن نموذج عن الأشخاص الضعفاء والعاجزين عن المدافعة عن حقوقهم، هو خطيئة بغيضة جداً في نظر المشترع وفي نظر أنبياء العهد القديم (خر 22: 21 ي؛ تث 27: 19؛ أش 1: 23؛ 10: 2؛ إر 7: 6؛ 22: 3؛ مز 94: 6). ومن ساعد الأرملة واليتيم، اقتدى بالله (تث 10: 18- 19؛ مز 68: 6؛ 146: 9؛ سي 35: 14- 15). إن مساعدة الأرملة واليتيم هي أولى أعمال الرحمة (تث 14: 28- 29؛ 24: 17- 22؛ 26: 12- 13؛ أي 29: 13؛ 31: 16؛ يع 1: 27).
إحتفظ لنا المعلّمون المسيحيون الأوّلون بقول يسوع هذا. وهو ينبّهنا إلى مواقفنا تجاه كل الأشخاص الضعفاء اجتماعياً واقتصادياً. وتجاه كل المظالم التي نحاول أن نبزرها لكي نخفي خطأنا أو تقاعسنا.
ثانياً: التظاهر بالتقوى
وأخطر لوم ليسوع هو هذا الأخير: "يطيلون الصلاة رياء" (أو: خبثاً). يتظاهرون بأنهم يطيلون الصلاة. هناك عدد من الكتبة يخفون كبرياءهم وتجاوزاتهم تحت قناع من التقوى الظاهرة أو بالأحرى، هم يشوّهون صلاتهم حين يرغبون بأن يراهم الناس. الإتهام قريب مما نقرأ في مت 6: 5: "حين تصلّون لا تتشبهوا بالمرائين: فإنهم يحبّون الصلاة قياماً في المجامع وفي زوايا الساحات لكي يراهم الناس".
لا يلوم يسوع الكتبة لأنهم يصلّون في الأماكن العامة. فيسوع صلىّ في المجامع. وقد يكون صلى في الهيكل في أيام الحجّ الكبرى. ولا يلومهم لأنهم يطيلون صلاتهم! مرات كثيرة قضى يسوع ليلته في الصلاة. بل يلومهم لأنهم يتظاهرون بالتقوى. أو يصلّون تباهيا أمام الناس، فلا تعود صلاتهم موجّهة إلى الله، بل إلى نفوسهم. يحاولون أن يضلّوا الله، أن يضفوا الآخرين، فإذا هم يضلون أنفسهم.
ويأتي تهديد أخير بحكم أشدّ قساوة في الدينونة الأخيرة، فيصيب على ما يبدو، اللومين الأخيرين. حين تصل بنا الكبرياء إلى الرياء الديني. وحين يغطي هذا الرياء جشعاً يهاجم الأرامل والناس الضعاف، حينئذ يصلّ الشّر إلى ذروته ويستحق أقسى العقاب.
2- فلس الأرملة (12: 41- 44)
أ- معنى الخبر في حدّ ذاته
رأينا في بداية هذا المقال أن الإنجيلي انتقل من هجوم على الكتبة إلى الحدث التالي بواسطة الكلمة العاكفة (أرملة، أرامل)، والموقع الواحد للمقطوعتين. إن مرقس "زاد" خبر الأرملة (وتبعه لوقا) على مجموعة سابقة (مر 11: 15- 17؛ 11: 27- 33؛ 12: 13- 40). هذا رأي. وهناك رأي آخر يرى مجموعة سابقة لمرقس تبدأ في 11: 27 وتنتهي في 12: 44. 
نحن هنا أمام "قول سيروي" أي خبر قصير من حياة يسوع يتركّز على قول تذكّرته الكنيسة. هذا الخبر هو أوجز ما يكون. وهو عند لوقا أقصر منه عند مرقس. حسب لوقا، شاهد يسوع الأغنياء. يرمون تقادمهم في الخزانة (صندوق التبرّعات). ثم شاهد امرأة فقيرة رمت فلساً أو درهمين. رمت أصغر قطعة نقدية في التداول. ويوضح مرقس أن يسوع جلس تجاه الخزانة واخذ يراقب الناس. جاء كثير من الأغنياء ورموا نقوداً كثيرة. وبين ما تساويه تقدمة الأرملة في العملة الرومانية (ربع أس، أي ثمن قيمة كمية الخبز التي توزّع كل يوم على الفقراء). كل هذا يجعلنا في أرض فلسطين.
ويُطرح السؤال: أين حصل المشهد؟ هل نحن أمام الصناديق الثلاثة عشر التي تحدّد المشناة مواقعها في رواق النساء، أم أمام الخزانة؟ في هذه الحالة الأخيرة، يعلن المعطي للكاهن بصوت مسموع، عن قيمة تقدمته، ونيّته في تقدمتها. هذا ما يفسرّ كيف عرف يسوع ما قدّمت الأرملة. ولكن هذه النصوص اختفت من الخبر الإنجيلي. في هذه الفرضية، كان العاطي يفسرّ معنى فعلته بالتجاهي والتكبرّ. ولكن النصّ لا يشدّد على هذا الخطأ. 
كل شيء يوجّه أنظارنا إلى الجملة الأخيرة (من حاجتها ألقت كل ما تملك لمعيشتها). وهذه الجملة لا تلوم الأغنياء على ثروة جمعوها ظلماً أو شكّلت لهم خطراً على خلاصهم. ولا تلومهما بسبب تباهيهم في عطائهم الكبير. رغم الكمية الصغيرة التي قدّمتها الأرملة الفقيرة، فقد وضعت "أكثر منهم كلّهم": إن النسبة بين عطائها وإمكانياتها، تجعلها تتفوّق على الذين ألقوا تقدمة مادية أعظم من تقدمتها. هذا ما يفترض استعدادات كبيرة، لأنها لم تعطِ ما فاض عنها، بل أعطت كل ما كان لها من أجل معيشتها.
لا يستنتج النصّ أي درس خلقي من هذه الملاحظة. ولكن التلاميذ الذين تعوّدوا على تعليم المعلّم، استخرجوا تعاليم عديدة. أولا، نحذر من الحكم على الناس وعلى أعمالهم انطلاقاً من الظواهر. هذا ما أشار إليه التنبيه السابق (يتظاهرون بالصلاة الطويلة، 12: 40؛ رج مت 23: 27- 28: القبور المبيّضة). فأكثر الناس سخاء وأكثرهم تقوى ليسوا بالضرورة أولئك الذين يظهرون هكذا أمام عيوننا. الله وحده يرى الخفايا (مت 6: 4، 6، 18). يعرف القلوب (لو 16: 15؛ رج أع 1: 24؛ 15: 8). فالقلب (أو: الباطن) هو الذي يعطي الأعمال البشرية صفتها الحقيقية (مت 15: 19 وز)، لا القيمة المادية. وبين هذه الأعمال، هناك الصدقة التي هي عمل محبّة وتجرّد حين نقوم بها بنية صافية، وهي من الأمور التي تسرّ الربّ جداً (مر 9: 41 وز؛ مت 6: 3- 4؛ 25: 31- 46؛ مر 10: 21 وز).
ب- نظرة مرقس ولوقا
أولاً: مرقس والجماعة الأولى
لا شكّ في أن الكنيسة الأولى عرضت موقف هذه الأرملة التي أظهرت سخاء كبيراً، على عيون الأرامل المسيحيات ليقتدين بها. وخصوصاً أولئك اللواتي تسجّلن في مجموعة الأرامل. وبعد أن مارسن مختلف أعمال الخير (1 تم 5: 10) التزمن بالمثابرة في هذه الممارسات.
ولكن الجماعة المسيحية أحسّت نفسها معنيّة بخبر الأرملة وبالدروس التي يمكن أن نستنتجها. هذا ما شدّد عليه مرقس حين لاحظ (آ 43) أن يسوع (الذي كان يتحدّث فيما قبل إلى الجموع) دعا تلاميذه، نواة الكنيسة المقبلة، لكي يكشف لهم قيمة عمل هذه المرأة الفقيرة.
وتفرّد مرقس في ذكر رواح الشعب ومجيئه. إن يسوع يقابل هذه الأرملة بالجمع (لوقا يقابلها بالأغنياء فقط): إنها نموذج لديانة باطنية، ديانة القلب التي تعرف أكثر من الشعب أن تحفظ نفسها من تأثير الكتبة وتقواهم الشكليّة. وهكذا لا يكون الرباط بين حدث الأرملة والتنديد السابق بالكتبة (الذي ينهي سلسلة من المجادلات) رباطاً على مستوى الألفاظ فقط. بل يشكل انتقالة حتى على مستوى الأفكار، بين الإعلان عن شجب المعلّمين (آ 40 ب) والإعلان عن دمار الهيكل.
ثانياً: لوقا
أما لوقا فقد شدّد مراراً على الصدقة (6: 30؛ 11: 41؛ 12: 33؛ 16: 9؛ 19: 8؛ 21: 1- 4؛ أع 9: 36؛ 10: 2؛ 11: 29) وعلى التخليّ عن المال. وهذا ما جعله يهتمّ إهتماماً خاصاً بخبر الأرملة: إن كان من الخير أن نعطي صدقة كبيرة تبعد الغني عن الشّر الذي يتهدّده (16: 24)، فكم تكون مدهشة صدقة أرملة (مثل أرملة صرفت صيدا، 1 مل 17: 9- 15؛ رج لو 4: 25- 26) ضحّت بكل ما لديها. أعطت كل ما تحتاجه من أجل معيشتها!
ومقابل هذا، إن "فضلة" الذين أعطوا (لو 21: 4) تجعلنا نفكر بالغني الجاهل الذي يبدأ خبره بهذا التنبيه: "إنتبهوا وتحفّظوا من كل طمع. فما حياة الإنسان بكثرة أمواله" (لو 12: 15). فالمرأة الوضيعة التي أعطت من فقرها، تعاكس هذا الملاّك الغني الذي "يجمع الكنوز لنفسه" (لو 12: 21). وذاك الغني (الفريسي ربما) الذي لم يفكّر بأن يترك للعازر الفقير حتى الفتات المتساقط عن مائدته (لو 16: 21).
خاتمة
إن الذي يعرف الكلى والقلوب (العواطف والأفكار) (رؤ 2: 23؛ رج مز 7: 10؛ إر 11: 20؛ 7: 10)، ولا يؤخذ بالظواهر، قد نبّه تلاميذه بأن لا تغشّهم مظاهر تقوى تخفي الكثير من الكبرياء. أن لا يغشهم الجشع والطمع والخبث، ولا صغر أعمال محبّة يقوم بها الفقراء والجهالة. ليحفظوا نفوسهم من معلّمين خادعين يخفون مظاهرهم الخادعة وظلمهم للناس تحت قناع من التقوى.
فليستندوا إلى نعمة الله ووعي ضعفهم ووضاعتهم (لو 18: 13)، لئلا يقتدوا بهم (مت 6: 5) لئلا يسيروا بحسب أعمالهم (مت 23: 3). بل مقابل هذا، ليعرفوا أن يكتشفوا في تقدمة بسيطة لأرملة مسكينة، الحبّ البطولي الذي تخفيه. وليستلهموا هذا المثال ليتخلّوا هم أيضاً عن كل ما يملكون. وليتذكّروا كلام الرب: "بيعوا ما تملكون وتصدّقوا بثمنه على الفقراء. واقتنوا أموالاً لا تبلى، وكنزاً في السماوات لا ينفد، حيث لا لصّ يدنو، ولا سوس يفسد. فحيث يكون كنزكم، هناك يكون قلبكم" (لو 12: 32- 34).

 

 

الفصل الثامن والعشرون
الخطبة الاسكاتولوجيّة
13: 1- 23
إختلفت خطبة مر الاسكاتولوجيّة عن خطبة مت التي زادت على صورة دمار أورشليم والهيكل، صورةَ نهاية العالم. احتفظت بالاتجاه الاولاني الذي لا يُعنى إلاّ بدمار أورشليم. ولقد رأى بعض الشرّاح في نصّ مر رؤية يهودية صغيرة استلهمت دا في آ 7- 8، 14- 20، 24- 27 وكملّتها بأقوال يسوع (آ 5- 6، 9- 13، 21- 23، 28- 37). لا نجد شيئاً في هذه الأقوال ولا في الرؤيا اليهودية الأساسية إلا إعلان أزمة مسيحانية وفداء متوقّعاً للشعب المختار. وقد تمّ في دمار أورشليم وقيامة المسيح ومجيئه في الكنيسة. غير أننا لن نتوقّف عند آ 23، بل نواصل القراءة حتى آ 27.
1- نظرة عامّة
يشكل ف 13 حالة فريدة في إنجيل مرقس: هنا ينسب الإنجيلي إلى يسوع خطبة حقيقيّة تمتدّ بدون إنقطاع على 23 آية (آ 5- 37). وبهذا يتميّز ف 13 عن ف 4 الذي هو "خطبة" ثانية ليسوع. ولكنها في الواقع مجموعة تعاليم بشكل أمثال تتميّز بعضها عن بعض بسبع حواش تدلّ على أن يسوع بادر إلى الكلام (4: 1، 2، 11، 13، 21، 24، 26، 30). أما ف 13، فيتوّسع بشكل متواصل في 33 آية. إذا كان مرقس الذي لا يحبّ الخطب الطويلة، قد احتفظ بهذه الخطبة، فهذا يعني أنه علّق عليها أهمية خاصة.
تتألّف هذه الخطبة من عناصر مختلفة. بل معبرّة. فنلاحظ مثلاً على المستوى الغراماطيقي أن الأفعال في الخطبة ترد 27 مرة في صيغة المضارع. وهذه هي الصيغة التي تليق بوحي حول الأحداث المقبلة. ونجد أيضاً 21 فعلاً في صيغة الأمر، وهي الصيغة التي تدلّ السامعين على السلوك الذي يُنتظر منهم في هذه الظروف. هذه الملاحظة السريعة تنبّه القارئ إلى أمرين يميّزان هذه القطعة: فهي تجمع جمعاً وثيقاً بين أحداث تُعلن لمستقبل قريب أو بعيد، وتصّرفات تُفرض على السامعين بسبب هذه الأحداث. 
ونتوقّف عند الطريقة التي بها ألّف الإنجيلي هذه الخطبة. هنا يختلف الشّراح. منهم من يقسمها قسمين. وآخرون ثلاثة أو أربعة... مثل هذا الاختلاف يدعونا إلى الحاجة لمعايير تكشف لنا وجهة الإنجيلي نفسه. هنا نجد: وصلات كرونولوجيّة. وصلات إرشادية. تضمينات.
أ- وصلات كرونولوجيّة
هي أول ما يلفت الانتباه، لأنها تقع مباشرة في خطّ السؤال الذي يبدأ الخطبة: "قل لنا متى (بوتي) يكون هذا، وما (تكون) العلامة حين (هوتان) يكون كل هذا مزمعاً أن يتمّ" (آ 4).
نلاحظ أولاً الوصلتين اللتين هما صدى مباشر للسؤال الذي ورد في البداية: "فحين (هوتان دي) تسمعون بالحروب" (آ 7). "فحين (بودان دي) ترون رجاسة الخراب" (آ 14). إن لهذين التحديدين الزمنيين بُعداً نبوياً. فالتحديد الأول يجد امتداده في نهاية آ 7: "لا يكون بعدُ المنتهى". ونهاية آ 8: "هذا يكون بداية الأوجاع". إن الثانية تشرف على الظرف الزماني في آ 14 ب: "حينئذٍ (توتي) وفي آ 21: "وحينئذٍ" (كاي توتي).
إن آ 24 تبدأ الحدث الحاسم لمجيء ابن الإنسان بإشارة زمنية تدلّ أكثر ما يكون على الظرف الذي فيه دوّنت الخطبة كلها. "ولكن في تلك الأيام، من بعد ذلك الضيق". هذه الإشارة تجد امتداداً لها في تحديدين يبدأ ان آ 26 وآ 27: "وحينئذٍ".
أما بالنسبة إلى الزمان الذي تشير إليه آ 24- 27، فمثلُ التينة يعيدنا إلى الوراء، لأنه يدلّ التلاميذ على ما يجب أن يفهموا "حين يرون هذا" (هذه الأشياء) (آ 29): هي عبارة تكرّر ما في آ 14. ونستطيع بصعوبة أن نفصل عن آ 28- 29، الإعلان الاحتفالي في آ 30 التي تشير إلى اقتراب زمان حصول الأحداث التي تكلم النصّ عنها. "الحقّ أقول لكم: لا يزول هذا الجيل حتى يكون هذا كله". وتُسند النبرة الاحتفالية لهذا الإعلان الطريقة التي بها تشدّد آ 31 على السلطة الإلهية لكلام يسوع: "السماء والأرض تزولان، أما كلامي فلا يزول".
وتُعنى آ 32 بمسألة زمنيّة تختلف كل الاختلاف عن تلك التي تحدّثت عنها الآيات السابقة: "أما ذلك اليوم وتلك الساعة...". قد نستطيع أن نترجم: "مقابل هذا (دي)، في ما يخصّ (باري) هذا اليوم وهذه الساعة". وتستخرج آ 33- 37 من جهل اليوم والساعة، استنتاجاً عملياً: السهر. ويسند هذا التحريضَ تكرارُ الإشارة الزمنية في آ 32، مع تنوّع في الألفاظ: "لا تعرفون متى (بوتي) هذا يكون زمانه" (آ 33). "لا تعرفون متى (بوتي) يجيء ربّ البيت: أو في المساء، أو في نصف الليل. أو عند صياح الديك" (آ 35).
إن مجمل الإشارات الكرونولوجيّة تدلّ على اجزاء مميّزة (في الخطبة) تتعلّق بحقبات زمنيّة مختلفة: تنظر آ 7- 8 إلى حقبة لا توافق حقبة الضيق العظيم في آ 14- 23، ولا حقبة مجيء الإنسان التي صوّرتها آ 24- 27. وتتحدّث آ 28- 31 عن اقتراب الأحداث. أما آ 33- 37 فتشدّد على جهل الوقت المحدّد.
ب- وصلات إرشاديّة
تبدأ الخطبة بوصلة إرشادية. فاللفظة الأولى في آ 5 هي صيغة الأمر: انظروا (بلاباتي، أي احذروا). وفي آ 9: "كونوا على حذر". في آ 23: "كونوا أنتم إذن على حذر". وأخيراً في آ 33: "احذروا واسهروا". إن هذه التحذيرات تعطي الخطبة لونها.
في النهاية، يرتبط فعل الأمر (احذروا، بلاباتي) بفعل أمر آخر (اسهروا). فمن فكرة تدعو ألاّ ننام، ينقلنا مثل البوّاب إلى فكرة "السهر" (آ 34). وحين يتكرّر فعل (اسهروا) تنتهي الخطبة (آ 35 و 37). وهكذا تحدّد "الحذر" الذي في البداية، ولكن لم تتبدل طبيعته حقّاً.
تحذيرات (آ 5، 9، 23) تصل بنا إلى نداءات للسهر (آ 33- 37). ونقرّب منها نداءات إلى العلم (الفهم) في آ 28- 29: "من التينة تعلّموا المثل...: تفهمون أدن الصيف قريب. كذلك، إذا ما رأيتم هذه الأشياء تحصل، افهموا أنه قريب على الأبواب".
ونستطيع أن نقول أيضاً إن التحذير الأول (آ 5) يجد امتداداً له في صيغة الأمر في آ 7: "لا تقلقوا". والتحذير الثاني في آ 9 يجد امتداده في آ 11 (مع الأمر): "لا تهتموا مسبقاً". كل هذا يصل بنا إلى القول الذي يبدو بشكل إرشاد غير مباشر: "فمن يثبت حتى المنتهى، فذاك يخلص". إن التنبيه في آ 23 ينهي قسماً فيستعيد في طريقة تميّز الخطبة، توصية كانت قد وجدت لها تعبيراً دقيقاً: "لا تصّدقوا" (آ 21).
هذه التغييرات حول الحذر الذي يخترق الخطبة من البداية إلى النهاية، يمنعنا من وضع تقسيمات داخل كتل صغيرة مثل آ 5- 8؛ 9- 13؛ 12- 23؛ 28- 29؛ 33- 37.
خ- التضمينات
تشكّل التضمينات نمطاً آخر من العلامات التي نأخذها بعين الاعتبار. بعضها خفيف جداً. مثل ذاك الذي يدلّ على وحدة آ 33- 37 (اسهروا... اسهروا). ولكن الأمر يختلف مع تضمين يؤمّن رباطاً خاصاً بين بداية الخطبة والتحذير في آ 21- 23.
في آ 4، سأل التلاميذ يسوع: "قل لنا (ايبون هامين) متى تكون هذه الأشياء". وجاء جواب يسوع بالكلمات التالية: "فأخذ يسوع يقول لهم" (لاغاين). وينتهي هذا الجواب بنهاية آ 23: "قلت لكم مسبقاً (بروايريكا هيمين) كل هذه الأشياء" (أنذرتكم). كانت كلمة يسوع الأولى: بلاباتي)، احذروا (آ 5 ب). وفي آ 23 أ: "أنتم إذن، احذروا". في آ 5 ب 6 دلّ هذا الحذر على خطر الضلال: "احذروا أن يضللكم أحد (بلاناوو): كثيرون سيأتون باسمي... ويضلّون الكثيرين". ونجد الخطر عينه في آ 21- 22، ولكن بألفاظ أوضح: "سيقوم مسحاء كذبة وأنبياء كذبة... ليضلّوا المختارين، إذا استطاعوا".
هذه الملاحظة تبيّن أن آ 21- 23 (في علاقتها ببداية الخطبة) تبدو كنهاية. لانهاية الخطبة التي لم تنتهِ بعد. بل نهاية الجواب على السؤال الذي طُرح في آ 4. بدا هذا السؤال قصيراً. ولهذا كانت الإضافات في آ 24- 37. ولكن حتى الجواب بالمعنى الحصري قد أكمل: أولاً، بتنبيهين يحيطان به كالإطار (آ 5- 6، 21- 23). ثانياً، بتحذير آ 9- 13. طلب التلاميذ الأربعة إيضاحات، فجاء جواب أوّل في تعداد الكوارث التي سنسمع بها دون أن يكون لها مدلول تحذيري. وجواب ثان في المشهد المخيف الذي تتحدّث عنه آ 14 أ (رجاسة الخراب) والذي هو علامة عن ضيق لم يسمع به أحد: هذا ما يدلّ عليه نداء يدعو المؤمنين إلى أن يهربوا حالاً. وإعلان يقول إن الله يقصّر هذه الأيام من أجل مختاريه.
من أجل هذا كله، نحافظ على وحدات قصيرة تسبقها مقدمة (آ 1- 4). هذه الوحدات هي: 5 ب- 6، 7- 8، 9- 13، 14- 20، 21- 23، 24- 27، 28- 31، 32- 37.
2- مناسبة الخطبة (13: 1- 4)
حين وصل يسوع إلى أورشليم، دخل مرة أولى إلى الهيكل ولم يتأخّر هناك (11: 1). وعاد في اليوم الثاني، فطرد منه الباعة (11: 15- 18). وبعد غد، عاد مرة ثالثة جعل فيها الإنجيلي أحداثاً عديدة يوردها في 11: 27- 12: 44. في 13: 1، ترك يسوع الهيكل بشكل نهائي. حينئذٍ قدّم جوابه لتلاميذه: أعجبوا بضخامة البناء والحجارة التي جُعلت فيه، فأعربوا عن إعجابهم. حينئذٍ أعلن يسوع: "لن يبقى هنا حجر على حجر إلاّ وينقض" (آ 2).
حينئذٍ ذهب يسوع وجلس "على جبل الزيتون تجاه الهيكل" (آ 3). في ذلك الوقت جاءه أربعة من تلاميذه، وقد سمّاهم مرقس: بطرس، يعقوب، يوحنا، اندراوس. وسألوه "على حدة" (كاتيديان). إن مرقس يهتمّ جداً بالأوضاع التي فيها يكون يسوع "على حدة" بالنسبة إلى الجمع. يكون مع تلاميذه (أو مع بعض منهم) ليقدّم لهم تعاليم محفوظة لأشخاص حميمين (4: 10- 34؛ 6: 31- 32؛ 7: 33؛ 9: 2- 28).
تلفظ يسوع بالخطبة الاسكاتولوجيّة أمام أربعة تلاميذ فقط، فبدت للوهلة الأولى كأنها تفسير سرّي عن دمار الهيكل الذي أشار إليه يسوع بشكل علني قبل ذلك الوقت بقليل. إن هذا الإطار يوافق الوحي الجلياني الذي ينطبع بطابع باطني.
إن السؤال المطروح في آ 4 يحدّد عادة برنامج الإيحاءات التي تلي: "قل لنا: متى يكون هذا، وما تكون العلامة إذا ما أوشك هذا أن يتمّ"؟ سؤال في سؤالين. يشير القسم الأول إلى زمن الأحداث: "متى تكون هذه الأشياء" (توتا)؟ ويشير القسم الثاني إلى العلامة التي تتيح لهم أن يروا الحدث مسبقاً وقبل أن يحصل. لسنا هنا أمام موضوعين يتميّزان في الواقع. فالقسم الثاني يحدّد ما قيل في القسم الأول. نجد على ذلك مثلاً: طرح وجهاء اليهود سؤالاً على يسوع: "بأي سلطان تفعل هذا، ومن أعطاك هذا السلطان لكي تفعل هذا" (11: 28)؟ وهنا يشير سؤال التلاميذ لا إلى الزمن الدقيق لحدوث هذا، بل إلى العلامة السابقة التي تدلّ عليه.
غير أن القسم الثاني لا يكتفي بأن يوضح السؤال، بل هو يحاول أن يوسّعه. في القسم الأول، نحن أمام زمان "هذه الأشياء" (توتا): في إطار نبوءة آ 2 حول دمار الهيكل وحاشية آ 3 التي ترينا يسوع جالساً تجاه الهيكل، تنطبق "هذه الأشياء" بشكل طبيعي على الدمار الذي أعلن. أما القسم الثاني فلا يتحدّث فقط عن "هذه الأشياء" بل عن "كل هذه الأشياء" (توتا بنتا- تشديد على كل). ثم إن فعل "كان" المستعمل في القسم الأول، قد حلّ محلّه عبارة "أوشك أن يتمّ". وليس من قبيل الصدف أن تتوافق آخر كلمات آ 4 (أوشك هذا كله أن يتمّ) مع عبارة دا 12: 7. وهكذا ننتقل من نظرة إلى دمار الهيكل، إلى نظرة إلى نهاية الأزمنة.
ويتثبّت الانزلاق الذي دلّ عليه السؤال المزدوج في آ 4، إذا أخذنا بعين الاعتبار الصدى الذي كان لهذه الآية في آ 23: "قلت لكم كل هذه الأشياء من قبل". يعلن هذا التأكيد ما قالته آ 14 أ عن "رجاسة الخراب" التي جعلتنا نفكّر (رج دا 9: 27؛ 11: 31؛ 12: 11؛ رج 1 مك 1: 54) في كارثة تصيب الهيكل. ولكن وليْ النصّ كان قد قدم الحدث كعلامة لبداية ضيق لم يُسمع به (آ 14 ب)، وهو الذي يسبق بشكل مباشر نهاية العالم الحاضر (آ 24).
إذن، إن أخذنا بعين الاعتبار تفسير السؤال في آ 4، والصورة في آ 14- 20، والإعلان في آ 23 ب، تتحدّد النظرة إلى دمار الهيكل كما أعلن في آ 2، في سياق أوسع من الكوارث ستدلّ على نهاية هذا العالم. 
3- تحذير من الكذبة (13: 5- 6، 21- 23)
في آ 5 ب- 6، يقدّم الترتيب المتبعّ أولاً التنبيه: "احذروا أن يضلكم أحد" (آ 5 ب). ثم يأتي الإنباء: "كثيرون يأتون" (آ 6). وفي آ 21- 23، هناك أولاً تنبيه: "فحينئذٍ إن قال لكم أحد... لا تصدّقوه" (آ 21). ثم الإنباء: "يقوم مسحاء كذبة وأنبياء كذبة" (آ 22). وننتهي مع تنبيه آخر "فأنتم إذن، احذروا" (آ 23) يشكّل تضميناً مع البداية (آ 5 ب).
نجد في آ 6 سمتين تدلاّن على الكذبة. شرح يسوع أولاً فقال: "يأتون باسمي". ثم حدّد بأنهم يقولون: "أنا هو". تتوخى الإشارة الأولى أن توضح معنى الإشارة الثانية. هذا ما نجده في مت 24: 5: "كثيرون يأتون باسمي ويقولون: أنا هو المسيح". هذا يقابل معنى الآية الحقيقي في مر. 
وجاء الإنباء في آ 22 كثر وضوحاً. سمّي الكذبة: "مسحاء كذبة، أنبياء كذبة". وركزّوا، شأنهم شأن الأنبياء الكذبة في تث 13: 2، مقالهم على "الأيات والخوارق" التي يصنعونها. فنحسّ وكأن الله يدلّ على صدقهم حين يمنحهم القوّة ليصنعوا هذه المعجزات (رج أع 2: 22).
ونستشفّ من خلال هذه التشبيهات وضع عرّفنا به فلافيوس يوسيفوس حين روى التاريخ المتقلّب الذي عرفته فلسطين في السنوات التي سبقت حصار أورشليم (70 ب. م). فنذكر أيضاً الدور الذي لعبه أشخاص مثل توداس (أع 5: 36) أو ذاك المصري الذي لم يحتفظ التاريخ باسمه (أع 21: 38)، أو غيرهما. قد يختلف وضع يوحنا جسكالا عن وضع هؤلاء، ولكنه يدخل في إطار التحرّك الديني والوطني الذي أدّى إلى كارثة سنة 70.
إن الإنباءات التي كانت سبب التنبيهات التي وجّهها يسوع لتلاميذه في آ 5 ب- 6، 21- 23، لا تشير إذن إلى الخطر الذي يتهدّد الكنيسة من الداخل. فالكذبة الذين يعنيهم النصّ هم المتحمّسون اليهود. والخطر المهدّد لا يعني إلاّ اليهود أو المسيحيين الآتين من العالم اليهودي والعائشين في فلسطين. وهكذا لم يكن الخطر حالياً بالنسبة إلى قرّاء مر الأولين. ولكنهم اطمأنوا حين علموا أن يسوع تحدّث عنه مسبقاً.
4- الجواب على السؤال حول العلامة (13: 7- 8، 14- 20) 
في آ 4، سأل التلاميذ يسوع: "قل لنا: متى يكون هذا". ثمّ حدّدوا سؤالهم متحدّثين عن علامة سابقة. استعملوا لفظة "هوتان" (متى) التي صارت كلمة عاكفة في جواب يسوع. وأهمية اللفظة بالنسبة إلى أهمية بناء الخطبة، تدعونا إلي أن لا نهملها في السؤال الذي يرد بشكل حرفي كما يلي: "وما تكون العلامة متى (أي في الوقت الذي) كل هذا يكون على وشك أن يتمّ"؟
هناك جواب سلبي تقدّمه آ 7- 8: "حين تسمعون (بأخبار) الحروب". ويتبعه جواب إيجابي في آ 14: "ولكن حين ترون رجاسة الخراب". فالحروب وسائر الكوارث التي تسمعون بها لا تكون علامة. أما العلامة فتكون أمام عيونكم حين ترون رجاسة الخراب. وهكذا يكون الجوابان متكاملين.
يتألّف الجواب الأول من جملتين، تنتهي كل منهما بإشارة كرونولوجيّة: "يجب أن يحصل هذا ولكن هذا لن يكون المنتهى" (آ 7 ب). "هذه الأشياء تكون بداية الأوجاع" (آ 8 ب). تبدو الجملة الأولى بشكل توصية: "حين تسمعون بالحروب وأخبار الحروب، لا تقلقوا" (آ 7 أ). وتفسرّ الثانية لماذا لا يجب أن نقلق: فالكوارث التي تنصبّ على الأرض، لا ترتبط إرتباطاً مباشراً بالنهاية. الأسلوب هو أسلوب الانباءات الجليانية المملوءة بالتلميحات البيبلية. "فتقوم أمّة على أمّة، ومملكة على مملكة. وتكون زلازل في أماكن شتى، ومجاعات" (آ 18). إذا كانت هذه الكوارث ترتبط بالعالم الجلياني، فهي تُذكر هنا فقط لتعارض الطابع التحذيري الذي حمّلها إياه التقليد الجلياني. إن التنبيه في آ 7 أ يعطينا العلامة: "لا تقلقوا". 
أما الجواب الثاني الذي يعطي العلامة الحقيقية المطلوبة، فقد توسّع فيه النصّ توسّعاً ملحوظاً. فهو يشتمل على تحذير من الكذبة في آ 21- 23. لقد سبق ولاحظنا أن الإشارة الكرونولوجيّة التي هي في البداية ("حين ترون"، آ 14 أ) تجد امتدادها لا في التوضيح الذي نجده في آ 14 ب (حينئذٍ) وحسب، بل في "كاي توتي" (وحينئذٍ) التي تبدأ آ 21. وهكذا لا ينفصل الجواب الثاني على طلب العلامة، عن التحذير الثاني. وفي هذا لا يختلف وضعه عن وضع الجواب الأول (آ 7- 8) الذي ارتبط بالتحذير الأول في آ 5- 6.
ويُبنى جواب آ 14- 20، رغم طوله، بناء عاماً وقريباً من بناء آ 7- 8. في آ 7، وُضعت الإشارة الأولى إلى الكوارث (لا آ 7) في خدمة توصية: "لا تقلقوا". في آ 8، بدا الوحي الجلياني بحصر المعنى بشكل شرح مع أداة: "لأن". ونتعرّف إلى البنية عينها في آ 14- 18 التي تشرف عليها سلسة من أفعاله الأمر (آ 14 أ، 14 ب، 15، 16، 18). أما آ 19- 20 اللتان بدأتا مع "لأن" فتبدوان بشكل شرح: يتوجّه الكلام إلى السامعين بشكل مباشر، لا بشكل معلومة بما سيحصل فيعرفونها ولا يهتمون بها. 
ويشُار حالاً إلى العلامات التي طلبها التلاميذ، ولكن بشكل يدهشنا: "حين ترون رجاسة الخراب قائمة حيث لا ينبغي". إن لفظة "رجاسة" (بداليغما) هي حيادية (لا مذكّر ولا مؤنّث) في اليونانية. ومع ذلك ترتبط بالمذكر. هذا يعني أن الرجاسة صارت "شخصاً حياً". سميّ منذ أيام دانيال "رجاسة الخراب" فارتبط بتنجّس الهيكل الذي تمّ في أيام انطيوخس الرابع. وحين تبان "الرجاسة" قائمة حيث لا ينبغي، نكون أمام هيكل أورشليم بكلمات مخفيّة. وما يلي مباشرة يدلّ على أن الحدث حصل في "اليهودية" (آ 14 ب).
ولكن سيشدّد النصّ حالاً على الأوامر المعطاة. الأمر الأول عام هو: "ليفهم ذاك الذي يقرأ" (آ 114). والأوامر الثلاثة التالية توحي بالهرب (آ 14 ب) فتبرز عبر صورتين ملموستين، الكارثة التي يسبّبها أي تأخير (آ 15- 16). وإذا أراد أن يشدّد على ضرورة الهرب السريع، ذكرت آ 17- 18 ظرفين يجعلان طابع هذا الهرب مؤلماً وخطراً: حالة النساء الحبالى أو أولئك اللواتي يرضعن (آ 17. بشكل تعجّب: ويل للحبالى والمرضعات!). الحالة التي فيها نواجه تقلّبات الشتاء (صلوا لئلا يكون ذلك في شتاء، آ 18). وتأتي حالاً ملاحظةٌ تفرض نفسها: هذه الأفعال في صيغة الأمر هي بعيدة كل البعد عن تلك المستعملة في الإرشاد الديني والأخلاقي: نحن هنا أمام أسلوب كتابي يبرز الدعوة إلى الهرب على عجل.
والتفسير المكمّل الذي يرد في آ 19- 20، يستلهم كليشاهات تقليدية من عالم الجليان، فيصف الضيق المريع الذي يضع حداً للنظام الحالي للأمور: لا ضيق في التاريخ يقابل بهذا الضيق (آ 19). وان طال، لن يبقى حيّ على الأرض (آ 10: ولكن الله قصّر تلك الأيام). فالثقة بأن الله يقصّر هذا الزمان من أجل المختارين، يجعل هذه اللوحة المظلمة تنتهي لا مناخ من الرجاء.
حين نقرأ آ 14- 20 (الأزمة التي لم يسمع بها أحد والهرب المفاجئ) لا نستطيع أن ننسى أن كل هذا التوسّع توخّى إبراز بُعد الحدث الذي سيكون في الوقت عينه، علامة هذه الحقبة المشؤومة ونقطة انطلاقها: ظهور الشخص الذي اسمه "رجاسة الخراب". الذي يستطيع السامعون أن يروه بعيونهم قائماً في الهيكل. كيف لا نفهم أن هذه الآيات، شأنها شأن آ 5 ب، 6، 21- 23، لا تتعلّق بما يخبرنا التاريخ عن ظروف سقوط أورشليم ودمار الهيكل على يد تيطس سنة 70؟ ولكن كيف لا نتساءل أيضاً عن أنيّة هذه الأحداث بالنسبة إلى مرقس وقرّائه الذين كانوا بعيدين عن فلسطين وأورشليم ساعة ألّف الإنجيل الثاني؟
وهكذا نشعر أن كل هذه التحديدات حول العلامة السابقة والضيق الهائل الذي يتبعها، قد نقلها الإنجيلي لأنه آمن بسلطة الينبوع الذي أخذها منه. لم يجد مناسبة لكي يقحم تطبيقات إرشادية تكشف عن تدخّله الشخصي وتعطي القطعة بعداً آنيّاً بالنسبة إلى قرّائه في الواقع، احتفظ لنفسه بمدى في آ 9- 13 التي تقف بين وحيين جليانيين في آ 7- 8 وفي آ 14- 20.
5- المسيحيون والاضطهاد (13: 9- 13)
ها نحن في قلب المقطع الذي يشكّل جواب يسوع على سؤال التلاميذ حول علامة النهاية. جاء التحذيران في آ 5 ب- 6 و آ 12- 23 بشكل إطار خارجي، وفصلت الآيات المتعلّقة باضطهاد المسيحين بين الآيات المتعلّقة بالكوارث التي ليست علامة (آ 7- 8)، والآيات التي تتحدّث عن علامة الضيق النهائي (آ 14- 20). فصار الموضوع الآن محنة خاصة بالجماعة المسيحيّة. وقد ذُكرت بعد الكوارث التي ترتبط بالتاريخ وقبل الضيق الذي يشكّل علامة النهاية. فالصعوبات التي تصطدم بها الجماعة تنتمي هي أيضاً إلى المسيرة العادية للزمن الحاضر. إنها تميّز زمن الكنيسة. لهذا اهتمّ بها مرقس اهتماماً خاصاً.
إن التنبيه (احذروا) الذي يبدأ هذا القسم من الخطبة ويختمه (آ 5، 23) تكرّر في بداية آ 9 بشكل أكثر دقّة: "احذروا لنفوسكم". نحن هنا أمام تنبيه يتحدّث عن مضايق خاصة لمجموعة التلاميذ.
ويأتي استعمال فعل "أسلم" (باراديدوناي) ثلاث مرات، فيؤكّد وحدة هذه الآيات الخمسة: "يسلّمونكم إلى المحافل" (أي السنهدرين في صيغة الجمع) (آ 9). "ومتّى ساقوكم لكي يسلّموكم" (آ 11). "ويسلّم الأخ أخاه إلى الموت (آ 12). ولكن بين "أسلم" إلى المحاكم، و "أسلم إلى الموت" هناك فرق. فالإمكانيتان تجدان توصيتين مختلفتين: في الحالة الأولى، نجد نداء بأن لا نهتمّ ماذا سوف نقوله (آ 11). في الحالة الثانية، نجد نداء إلى الثبات (آ 13). إذن، يبدو من المفيد أن نميّز في هذه القطعة: أولاً: ما يقاله للمسيحيين الذين يسلّمون إلى المحاكم (آ 9- 11). ثانياً: ما يقال لهم بعد ذلك بالنظر إلى العداوة العنيفة التي تحلّ بهم (آ 11- 12).
أ- المسيحيون أمام المحاكم
تبدأ آ 9 فتصوّر الوضع. ويكفي لذلك ثلاث عبارات: "يسلّمونكم إلى المحافل. تُضربون في المجامع. تمثلون أمام المحاكم والملوك". وتنتهي الآية بتفصيلين لاهوتيين: "من أجلي. شهادة لهم". وحين ذكرت العبارة "شهادة لهم" جاءت التكلمة التي أضيفت في آ 10: "ولا بدّ من قبل أن يُكرز بالإنجيل في جميع الأمم". بعد هذه المعترضة، احتاج النصّ إلى وصلة ليبلغ إلى التوصية التي تدلّ على المسيحيين المساقين أمام المحاكم. "ومتى ساقوكم لكي يسلّموكم. فلا تهتموا، من قبل، بما تتكلّمون، بل قولوا ما يعطى لكم في تلك الساعة، لأنكم لستم أنتم المتكلّمين، بل الروح القدس" (آ 11).
سميّنا الكلمات الأولى في آ 11 (ومتى ساقوكم ليسلّموكم) وصلة. إن كان الأمر كذلك، يجب أن نتساءل عن سبب دخول هذه الوصلة. في الواقع، نجد وصلة في أولى كلمات آ 9: "ولكن احذروا لنفوسكم". في هذه الحالة كان معنى الوصلة واضحاً: يجب أن نزيد على كوارث التاريخ (آ 7- 8) محن الكنيسة التي لا تدلّ على قرب النهاية، شأنها شأن الكوارث. وكان لا بدّ من تنسيق هذه الإضافة مع التحذير العام الذي يميّز مجمل آ 5- 23 (بسبب وجوده في البداية، آ 5، وفي النهاية، آ 23). إذن، بدت إضافة آ 9- 13 نتيجة اهتمام الكاتب بوضع الجماعة المسيحية.
إذا كان واضحاَ أن أولى كلمات آ 11 تشكل وصلة أدبية، فوظيفتها تختلف كل الاختلاف عن وظيفة أولى كلمات آ 9. في آ 11، ليس الموضوع أن نزيد شيئاً جديداً على ما قيل من قبل. بل أن نذكّر بالوضع الذي صوّرته آ 9 لتوجّه إلى التلاميذ فيما بعد التحذير الذي يدلّ عليه هذا الوضع. فالفعل الذي بدأ الصورة في آ 9 (يسلمونكم) يتكرّر في بداية آ 11، ولكن بشكل مبتكر: "متى ساقوكم لكي يسلموكم". إذن، صوّر الوضع في آ 9، ونبّهت بداية هذه الآية القارئ وقدّمت له تحذيراً. وهذا التحذير الذي أعلنته عبارة "احذروا لنفوسكم" قد أوضح في آ 11: "لا تهتموا مسبقاً". إذاً، كانت الوصلة الأدبية ضرورية، لأن عنصراً غريباً دخل بين صورة الموضع والتحذير الذي يتطلّبه هذا الوضع. دخل، فاجتذب الانتباه إلى اعتبار آخر.
وهذا العنصر الذي تعتبره آ 11 متطفلاً، نجده بين التوضيحين اللاهوتيين اللذين ينهيان آ 9: "من أجلي، شهادة لهم". ولكنه يوجد بشكل خاص في إعلان آ 15: "يجب أن يعلن أولاً الإنجيل على جميع الأمم". هذه الحواشي التي تخرب التسلسل الطبيعي بين آ 9 وآ 11، وتبدو متطفّلة على المستوى الأدبي، لها أهمية كبيرة في فكر الإنجيلي: أقحمها هنا رغم كل شيء، فدلّ على نظرته الشخصيّة داخل نصوص جاءت إليه من التقليد.
هنا نقابل آ 9- 11 مع نسخة تورد ذات كلمات يسوع. لن نجدها في مت 10: 17- 20 ولا في لو 21: 12- 15، بل في لو 12: 11- 12 حيث نقرأ: "ومتى قادوكم إلى المجامع والحكّام وأولي السلطان، فلا تهتموا كيف أم بمَ تدافعون عن أنفسكم، أو لما تقولون. فإن الروح القدس يعلّمكم في تلك الساعة ما ينبغي أن تقولوا".
لا يكتفي لوقا بأن ينقل هذا القول كما وجده في مرجعه. احتفظ بتعداد السلطات القضائية المختلفة (المجامع، الحكّام، أولي السلطان). وذكر بينها المجامع. ولكن حين تحدّث عن الحكام (أي القضاء) وأولى السلطات، أبان عمله التدويني. ونحن نعرف لغته المميّزة مع "دافعَ، رافعَ" (ابولوغيوماي)، مع عبارة "في تلك الساعة عينها". والفكرة التي تقول إن الروح "يعلّم" التلاميذ ما يجب أن يقولوه يوافق لاهوت الروح القدس لدى صاحب الإنجيل الثالث.
وهكذا نكون في هذا النصّ من لوقا مع نسخة مختلفة استند إليها مر 13: 9- 11. زاد مرقس "من أجلي"، ففعل كما في 8: 35: "من أجلي ومن أجل الإنجيل" (رج لو 17: 23؛ يو 12: 25)، وكما في 10: 29. ونقرأ أيضاً عنده في 8: 38: "من يستحي بي وبكلامي". هذا يدلّ على عمل مرقس التدويني في آ 9- 11.
وبعد أن أوحى مرقس بعدم الاهتمام بما يجب أن يقوله المسيحيون، حين يمثلون أمام المحاكم، أضاف شرحاً يدعوهم إلى معالجة هذا الوضع في منظار الرسالة. فهذه الدعاوى التي تُدعون فيها لتقدّموا جواباً عن إيمانكم بالمسيح، ستكون لكم مناسبة لتشهدوا أمام الذين تمثلون أمامهم. وهذه الشهادة هي جزء من مهمة الكنيسة في إعلان الإنجيل على جميع الأمم. هي مهمة ويجب أن تتم "أولاً"، أي قبل أن تصل أحداث نهاية الأزمنة. وهكذا يصبح الاضطهاد للكنيسة وسيلة بها تتمّ رسالتها التبشيرية.
نلاحظ أن هذه الفكرة لا ترد إلاّ في إنجيل مرقس. إنها تمثّل نظرة مبتكرة عند هذا الإنجيلي الذي لا يعتبر الاضطهاد فقط محنة تتيح أن تكشف أمانة المسيحيين وثبات إيمانهم، فهذه نظرة سلبيّة. وهناك النظرة الإيجابيّة. الاضطهاد هو أيضاً مناسبة تعطى لهم لكي ينشروا في الكون كله التعليم الإنجيلي.
ب- المسيحيون يواجهون عداوة العالم
إن القسم الثاني من الجزء الذي احتفظ به مرقس للمحن التي تمرّ فيها الجماعة المسيحية، يتركّز على قول حُفظ لنا في نسخ ترتبط بمرقس أو بالنسخة التي أخذ منها مرقس (مت 10: 21- 22؛ 24: 9- 10، 12؛ لو 21: 16- 19). أو حُفظ في نسخة مستقلّة يشهد لها في الوقت عينه مت 10: 34- 36: "لا تظنّوا أني جئت لألقي على الأرض السلام. لا، ما جئت لألقي السلام بل السيف. جئت لأفرّق الرجل عن أبيه، والفتاة عن أمها، والكنة عن حماتها. فأعداء الإنسان أهل بيته الخاصّ".
هذا الشكل المتّاوي يعكس النصّ البيبلي الذي يلهم القول الإنجيلي. هذا النموذج هو جزء من نقد لاذع يرسله النبي ميخا ضد الكذب والعنف اللذين يسيطران على كل المجتمع الإسرائيلي في عصره. قال مي 7: 2: "زالت الأمانة من البلاد. لم يعد بين الناس رجل مستقيم. كلهم يكمنون ليريقوا الدم، وكل واحد ينصب فخّاً لقريبه". وتجد آ 6 صداها في مت 10: 35- 36: "الابن يشتم أباه، وتقف الابنة ضد أمّها، والكنّة ضد حماتها. ولا عدوّ للإنسان إلاّ كل الذين في بيته".
إن هذا الاتهام الذي تلفّظ به النبي ضد معاصريه، صار في التفسير اللاحق قولاً نبوياً يعلن فوضى نهاية الأزمنة. في هذا المعنى وجدت النبوءة تتمتها في النتائج التي جعلت قي التعليم الإنجيلي: أثار الانقسام بين أعضاء الأسرة الواحدة. والذين اتحدوا بأوثق الرباطات، وقفوا الواحد بوجه الآخر. والناس حين يتخذّون موقفاً مع يسوع أو ضده ينقسمون إلى مخيّمين متعاديَيْن تعادياً قاسياً.
إن نسخة مر 13: 12- 13 أ مثّلت بالنسبة إلى مت 10: 35- 36 اختلافة بعيدة عن النموذج الذي قدّمه ميخا: "ويسلّم الأخ أخاه إلى الموت والأب ابنه، ويقوم الأبناء على والديهم ويقتلونهم. وتكونون مبغضين من الجميع لأجل اسمي". إن إدخال فعل "أسلم" (إلى الموت) يؤمّن الرباط مع القول السابق الذي فيه ظهر الفعل مرتين (آ 9- 10). وترتّبت رباطات القرابة ترتيباً متوازناً: لم نعد فقط أمام موقف الأولاد تجاه والديهم، بل أمام موقف الوالدين تجاه أولادهم. وتوسّع التأكيد حول الأعداء الذين يجدهم الإنسان في بيته، واتخذ طابعاً شخصياً ليصير في النهاية عداوة من الجميع للتلاميذ. ويوضح مرقس هنا السبب الكرستولوجي: "من أجل اسمي". وسبق وقال في نهاية آ 9: "من أجلي".
ويبقى أن نلاحظ نهاية آ 13: "فالذي يثبت إلى المنتهى فذاك يخلص". نحن هنا أمام إشارة إرشادية غير مباشرة تكمّل الانباء (يقابل: لا تهتموا مسبقاً في آ 11). ولكن ما يلفت النظر بشكل خاصّ هو وظيفة هذا القول على مستوى البنية. وهو يريد أن يذكّرنا بالمنظار الزمني في نهاية آ 7 (لا يكون بعدُ المنتهى) ونهاية آ 8 (وهذا يكون أول الأوجاع). ما قلناه عن وضع المسيحين الخطير قد امّحى بعض الشيء من الأفق. فوجب على الكاتب أن يذكر من جديد "النهاية"، وذلك ساعة تصل الخطبة إلى المرحلة الحاسمة، مرحلة الضيق النهائي العظيم. أجل، إن القول في آ 13 ب قد تذكّرَ آ 7- 8، وأعذ الطريق من أجل آ 14- 20 و 24- 27، فلعب دور إنتقالة يتطلبها منطق الخطبة في نهاية قسم اهتم بمصير المسيحيين الخاصّ، وكاد يخسر سياق التوسّع العام.
إن هذا القول الذي هو نداء لكي "نثبت"، يدخل في التقليد الإنجيلي موضوع الثبات (هيبوموني) الذي اهتمت به الفقاهة المسيحية في العالم اليوناني، ولكنها ربطته هنا للمرة الأولى بيسوع نفسه. لا نعود نجد هذه الألفاظ في الأناجيل إلاّ في مت 10: 22؛ 24: 12؛ لو 21: 19: مقاطع ثلاثة ترتبط بمرقس 13: 3 ب. كما يرتبط به أيضاً لو 8: 15 بعد لمسة بسيطة (يحفظونها ويثمرون بالصبر). ولكن هذا الموضوع (الثبات) يكون عادياً في الرسائل وسفر الرؤيا. فالمسيحيون يبلغون الخلاص ويجدون نفوسهم بين "المختارين" المذكورين في آ 27، إذا عرفوا أن "يثبتوا" وسط المحن التي يخضعون لها.
توقّفنا بعض الشيء عند آ 9- 13 المكرّسة بشكل مباشر لوضع الجماعة المسيحية: هنا نكتشف عمل مرقس التدويني واهتماماته الخاصّة.
6- مجيء ابن الإنسان (13: 24- 27)
أ- تحليل النصّ
إن بداية آ 24 تؤمّن رباطاً وتعارضاً بين المقطع الذي يبدأ هنا والمقطع الذي سبقه. "ولكن في تلك الأيام". إن ألفاظ هذه المقدّمة تذكّرنا بألفاظ آ 19: "وستكون تلك الأيام ضيقاً لم يكن مثله منذ بدء الخليقة". فمع أنّ هذه الأحداث جاءت بعد الضيق الذي تحدّثنا عنه، هذه الأحداث التي سوف نتحدّث عنها تنتمي إلى ذات "هذه الأيام"، إلى الأيام الأخيرة. والتعارض ظاهر أيضاً مع "ولكن" (ألا) التي تشدّد على انقطاع في التواصل. وظاهر أيضاً بشكل خاص في المقابلة بين تحديد زمني (بعد هذا الضيق) وتأكيد تنتهي فيه الآية السابقة: "قلت لكم من قبل" (آ 23).
كان سبب الخطبة سؤال حول العلامة التي تتيح للتلاميذ بأن يعرفوا مسبقاً أن أحداث النهاية ستحصل قريباً (آ 4). وقد اهتمت هذه الخطبة الآن بكل ما سبق النهاية، بكل ما يسبق الضيق الذي يرتبط بظهور ذاك الذي سمّي "انتيكرست" (المعارض للمسيح، المسحاء الكذبة، الأنبياء الكذبة) (آ 14 - 23). مع آ 24، تتجاوز الخطبة السؤال وما حصل "من قبل"، وتهتمّ اهتماماً مباشراً بما سيحصل "من بعد"، أي بعد الأحداث السابقة (تسبق النهاية). وهكذا تبدو آ 24- 27 تصويراً لأحداث النهاية بحصر المعنى.
ثم إن هذا التصوير سيتبعه جزءان يعيدان القارئ إلى الزمن السابق للنهاية، إلى الزمن الذي يجد فيه نفسه. إذن، ستعود آ 28- 37 إلى الوضع التاريخي كما في آ 15- 23، وكما تجاوزته آ 24- 27. وهكذا تشكّل هذه الآيات الأربع (آ 24- 27) في قلب الخطبة، ذروة تخرق الغيوم التي تغطّي زمن العالم الحاضر. وتحقّق تجاوزاً يتركّز على شخص هو إبن الإنسان الداخل على مسرح عالم تبذل تبدّلاً كليّاً (آ 29).
آيات أربع مهمة بسبب أسلوبها الاحتفالي. وقد سبق ولاحظنا فيها التحديدات الكرونولوجيّة. "ولكن في تلك الأيام، من بعد ذلك الضيق" (آ 24). "وحينئذٍ" (آ 26). "وحينئذٍ" (آ 27). نجد في الآيتين الأوليين عنصرين متوازيين. الأول: "الشمس تظلم، والقمر لا يعطي (يحجب) ضوءه" (آ 24 ب). لقد انطفأ الكوكبان الكبيران. وبعد هذا، تأتي الكواكب الأقل أهمية: "الكواكب (النجوم) تتساقط من السماء، والقوات التي في السموات تتزعزع" (آ 25). في هذه الفوضى الكونيّة، نميّز سقوط النجوم "خارج السماء". وزعزعة القوات "في السماوات". توقّف الكوكبان الكبيران عن القيام بوظيفتهما، وتخلت سائر الكواكب عن موقعها. صارت الفوضى في السماء كاملة. هنا تتلاعب الأفعال حسب "قافية" في اليونانية فتقدم لنا لوحة واحدة موحّدة: من جهة "تظلم" الشمس، ومن جهة أخرى "تتزعزع" القوات.
وتتحد الآيتان التاليتان في أداة (وحينئذٍ ) تتقدمهما، فتعيد الانتباه إلى الأرض. هناك يرى البشر "إبن الإنسان آتياً في السحاب في كثير من الجلال والمجد" (آ 26). نلاحظ هنا أيضاً وجود وصفتين: الجلال (أو القدرة) والمجد. تميّز آ 27 عملين: "يرسل ملائكته، فيجمعون المختارين". وفي نهاية الآية نجد التحديدات المكانيّة: "من مهاب الرياح الأربعة، من أقصى الأرض إلى أقصى السماء". هذه العبارة المدهشة تدلّ على الكون كله في بُعده الأفقي وفي بُعده العمودي (السماء والأرض).
لا نجد في هذه الآيات الأربع إلاّ العنصر التصويري. فلا أثر للعنصر الإرشادي، ولا لكلام يوجّه إلى السامعين. هذه يعني أن آ 24- 27 تختلف كلياً عن آ 5- 23. غير أننا لاحظنا في هذه المجموعة، أن آ 14- 20 تستعمل أفعاله الأمر التي لا تشكّل تحريضات تدلّ السامعين على السلوك الواجب إتباعه، بل صورة عن الوضع المأساوي الذي سيحصل بعد الضيق النهائي. ومع ذلك، انتهت اللوحة الدراماتيكية في هذا القسم على وجهة من الطمأنينة والأمل: فهذه الأيام القاسية قد قصّرها الله "بسبب المختارين الذين اختارهم" (آ 20). لا شك في أن هناك علاقة بين هذه الخاتمة التي تشدّد على "المختارين الذين اختارهم الله" وما تقول آ 27 عن تجمّع المختارين. فلوحة مجيء ابن الإنسان تنتهي، شأنها شأن لوحة الضيق العظيم، في إطار من التعزية للمختارين.
ب- مدلول المشهد
قبل أن نتساءل عن بُعد هذا التصوير نقول إنه حسب النهج الجلياني المعروف، يتألف من سلسلة من التلميحات إلى نبوءات مختلفة من العهد القديم. وهذه النبوءات تساعدنا على فهم معنى النصّ الذي تشكل هذه النبوءات لحمته.
تتحدّث آ 24- 25 عن تقلّبات كونيّة. فتأكيد آ 24 (تظلم الشمس، والقمر لا يعطي ضوءه) هو صدى لما في أش 13: 10 ب: "تظلم الشمس عند شروقها والقمر لا يعطي ضوءه" (حسب السبعينية). و آ 25 (تتساقط النجوم من السماء) تذكّرنا بما في أش 34: 4 ب (حسب السبعينية): "وتتساقط كل النجوم كما تتساقط أوراق الكرم وكما تتساقط أوراق التين". أما آ 5 ب (القوّات التي في السماء تتزعزع)، فترتبط ببداية أش 34: 4 (كما في الفاتيكاني وغيره): "تذوب كل قوات السماء".
نلاحظ أن ما أخذ من أش 13 يعود إلى قول نبوي يعلن مجيء الربّ الذي يسبّب سقوط بابل وعقاب الكون كلّه من أجل شّره (آ 11). والعودة إلى ف 34 تستعمل قولاً نبوياً يعلن انصباب غضب الله على الأمم (آ 2) وخصوصاً على أدوم (آ 5 ي).
وإلى رؤية دا 7: 13- 14 تعود آ 26: "حينئذٍ يرى (البشر) ابن الإنسان آتياً في السحاب بقدرة عظيمة ومجد عظيم". هنا نتذكّر نصّ دا حسب تيودوسيون (إحدى ترجمات العهد القديم إلى اليونانية) القريب من النموذج الذي عاد إليه العهد الجديد: "تأمّلت في رؤى الليل، وها مع سحاب السماء آتٍ مثل ابن إنسان، وبلغ إلى القديم الأيام وقدّم أمامه. وأعطي له السلطان والكرامة والملك، فخدَمته جميع الشعوب والعشائر والألسن: سلطانه هو سلطان أبدي لا يزول، وملكه لا يذبل".
لا يهمّنا أن يتعارض ابن الإنسان هذا في إطار دانيال، مع الحيوانات الأربعة التي ترمز إلى ممالك تاريخية أربع (البابلي، الماداي، الفارسي، اليوناني) يأتي بعدها ملك شعب الله. لم يكن المسيحيون الأولون يقرأون دا على طريقة النقد التاريخي (كما نفعل اليوم)، بل على ضوء إيمانهم. والنبوءة التي يعود إليها مر 13: 26 كانت معروفة جداً بحيث لم يكن من الضروري العودة إلى نصّ مكتوب للتعرف إليها. فقد سبق مر وذكرها في 8: 38: "من يستحي بي وبكلامي في قلب هذا الجيل الفاسق الخاطئ، يستحي به ابن الإنسان أيضاً حين يأتي في مجد أبيه مع ملائكته القديسين". ونجد صدى لهذا القول في إعلان يسوع أمام السنهدرين: "سترون ابن الإنسان جالساً عن يمين القدرة، آتياً مع سحاب السماء" (14: 62).
حين قالت آ 27 عن ابن الإنسان إنه "يجمع مختاريه من الرياح الأربع"، ذكرتنا بوعد زك 2: 10 (حسب السبعينية): قال الربّ (متوجهاً إلى بني إسرائيل): "أجمعكم من رياح السماء الأربع". غير أن الموضوع متواتر. لهذا يجب أن نأخذ بعين الاعتبار توارده في تث 30: 3- 4 حيث يتوجّه موسى إلى الشعب ليعده (إن تاب بعد أن يكون الربّ شتتّه وسط جميع الأمم) بأن (الربّ) مميرحمكم ويجمعك من جديد من كل الأمم التي شتت فيها: وإن امتدّ شتاتك من أقصى السماء إلى أقصى السماء، فالربّ إلهك يجمعك من هناك". حين كتبت آ 27 "من أقصى السماء إلى أقصى الأرض"، بدت وكأنها تضمّ عبارة تث 35: 4 (من أقصى السماء إلى أقصى السماء، رج 4: 32) مع عبارة تث 13: 8 (من أقصى الأرض إلى أقصى الأرض، رج 28: 64؛ إر 12: 12).
تلك هي المعطيات التي انطلق منها مشهد مجيء ابن الإنسان. وقد تقبّل تفسيرين متعارضين. يشدّد الأول على الوجهة الرهيبة لذاك الذي يأتي ليدين العالم الرديء ويعاقبه العقاب الذي يستحقه، ويقوده إلى الهلاك. وحدها النهاية تقدّم بعض التعزية للمختارين. والثاني يعتبر أن الإنجيلي اغفل وجهة الانتقام في الدينونة ليوجّه مجيء ابن الإنسان المجيد إلى تجمّع المختارين. إن هذين التفسيرين يرتبطان بنهجين مختلفين، وهذا ما سوف نراه.
أولاً: التفسير الانتقامي
يستند هذا التفسير أولاً إلى سمات بها تصوّر آ 24- 25 (في سياقهما الاولاني) التقلّبات الكونية. سبق وقلنا إن أش 13 و 34 (تستلهم منهما هاتان الآيتان) يرسمان لوحة تعلن الانتقام المريع الذي يستخرجه الله من عذابات سامتها الأمم الوثنية لشعبه. فالغضب الإلهي الذي كان سينصبّ سيكون من القوّة بحيث يحرّك عالم الكواكب. وهذا التقلّب الكوني يرافق الآن مجيء ابن الإنسان فيحافظ على ذات المدلول ويبرز الرعبة التي فيها يلقي الحدثُ البشرَ الذين جاء يحكم عليهم.
أما فيما يتعلق بالآية 26، فنلاحظ أن فاعل رؤية ابن الإنسان، الذي كان في الأصل دانيال نفسه، صار جماعة غير محدّدة: "يرون". إن صيغة الجمع هذه نجد ما يقابلها في إعلان يسوع أمام السنهدرين ساعة قرّر السنهدرين أن يميته: "ترون ابن الإنسان آتياً مع سحاب السماء" (14: 62). إذن، فالذين حكموا على يسوع سيرونه آتياً ليدينهم وليحكم عليهم بدوره (وهذا أمر طبيعي). ونلاحظ أن ذات السمة الانتقالية هي الوحيدة التي يحتفظ بها مر حين يورد قول 8: 38. أما النسخة الإنجيلية الأخرى للقول عينه فتتضمّن أولاً وعداً يتوجّه إلى الذين اعترفوا بيسوع أمام البشر: حينئذٍ سيعترف بهم (سيتعرف إليهم) ابن الإنسان في اليوم الأخير. وبعد ذلك يأتي التهديد بأن ينكر أولئك الذين أنكروه أمام البشر (كما 10: 32- 33؛ لو 12: 8- 9).
ولا تظهر السمة المطمئنة التي تحملها آ 27 وما تقوله عن تجمّع المختارين، إلاّ كتصحيح بسيط في لوحات معتمة وسلبية (هذا في نظر أصحاب هذا التفسير). إن مجيء ابن الإنسان يعتبر قبل كل شيء على أنه زمن الدينونة والحكم على البشر. أما وضع المختارين فيبقى حالة شاذّة. 
ثانياً: جمع المختارين
أما التفسير الثاني فيهاجم الخطأ المنهجي الذي يشوّه التفسير الأول. فالمواد عينها تستعمل لا أبنية مختلفة جداً. والوظيفة التي تقوم بها في بناء لن تكون هي ذاتها في بناء آخر. قد تناله صورة (أو تعبير) لوناً خاصاً من سياق قول انتقام، وقد تتخذ وجهة مختلفة في ضوء سياق آخر. ويجب أن نقرّ أن السمة الهجومية ضعيفة في الخطبة الاسكاتولوجية. ولا تظهر إلاّ في التحذير من المسحاء الكذبة والأنبياء الكذبة الذين يضلّون التلاميذ (آ 26- 22). وإن كان هؤلاء التلاميذ سيُبغضون من جميع الأمم من أجل اسم "يسوع" (آ 13)، فيبقى عليهم أن "يعلنوا الإنجيل على جميع الأمم" (آ 10). تشير هذه الخطبة إلى كوارث عديدة ولكنها لا تدلّ على المذنبين. 
إن موضوع التقلّب الكوني (آ 24- 25) يتوافق كل الموافقة مع النظرة إلى دينونة تحمل الكوارث. ولكن في سياق الإنجيل الذي نقرأ، وحيث لا حديث عن الدينونة والحكم والعقاب، لا تكفي هذه الصور لتتحدّث عن هذه النظرة. وظيفتها هي فقط كروستولوجية: أن تشدّد على البعد الشامل لحدث يشكّله مجيء ابن الإنسان.
أما بالنسبة إلى الفكرة القائلة بأن آ 26 تصوّر مجيء ابن الإنسان بشكل ديّان رهيب، فأصحاب التفسير الأول لا يستطيعون أن يلجأوا إلى إطار دانيال. إذن، نتوجّه إلى مقطعين من مر نفسه. نورد 8: 38 الذي يدلّ على ابن الإنسان الذي يستحي أمام منبر الله من جبانة بعض تلاميذه (تنقصهم الشجاعة): يجب أدن نقرّ بأن الصورة ليست صورة قاضٍ رهيب. ونلجأ أيضاً إلى إعلان يسوع أمام المجلس الأعلى: "سترون ابن الإنسان" (14: 62). ثم يجب أن نتساءل إذا كان مر نقل قول يسوع هذا لقرّائه كتذكّر لتهديد تفوّه به يسوع ضدّ قضاته، أو عرضَه كنموذج اعتراف جريء بالإيمان. وهكذا نقول بوضوح: ما من نصّ في مر يجعل من ابن الإنسان شخصاً يحمل التهديد. فلماذا نفترض مثل هذه الصورة.
وأخيراً، إن آ 23، لا تقوم بتصحيح أي تذكّر يحمل التهديد. فقد بدأ بإشارة زمنية تحدّد موقعه في امتداد مباشر للآيات التي سبقته: "في هذه الأيام، وبعد هذا الضيق... وحينئذٍ... وحينئذٍ". إن نقطة الانطلاق الكرونولوجية لهذه المتتالية تعيدنا إلى "أيام الضيق" العظيم الذي صوّرته آ 14- 20 لا كعقاب، بل كمحنة تصيب "كل بشر"، كل جسد. إن هذا السياف يلقي ضوءاَ على صيغة الجمع اللاشخصية في آ 26: إن الذين "يرون" ابن الإنسان آتياً هم جميع الذين كانوا معنيينّ بالضيق العظيم. فلا شيء يتيح لنا بأن نحصر هذه الرؤية بالهالكين. فنحن لا نفكر فيهم هنا كما لا نفكّر فيهم في آ 14- 20. وهكذا لا يتحوّل الانتباه في آ 20 و آ 22 على "المختارين" الذين يختفي مصيرهم داخل المصير المشترك لجميع البشر.
إذن، ما تقوله آ 27 عن مصير المختارين، قد هيّأه تأكيد آ 20 بأن أيام الضيق العظيم سوف تقصّر، والطريقة التي بها اعتبرت آ 22 أمراً مستحيلاً فرضية ضلال المختارين الذي يقعون في حبال الكذب. وقد فكّر فيهم القسم المتعلّق بالاضطهادات. فانتهى بهذا القول: "من يثبت إلى المنتهى فذاك يخلص" (آ 13). إن تواصل هذه النظرة تنير المشهد الأخير لمجيء ابن الإنسان: تجمّع المختارين وبالتالي خلاصهم. هذا ما يوجّهنا إليه سياق الخطبة، وهذا ما يشكل غايتها ويعطيها مدلولها.
إن الإشارات التي يبرزها التفسير الانتقامي في شكل معاكس، تحافظ على فائدتها: حين تدلّ الصور المستعملة في تصوير مجيء ابن الإنسان على هذا التفسير، فقد تقود القارئ إلى التشديد عك وجهة التهديد. وهكذا تبرز أصالة وجهة التعزية التي تميّز الخطبة كما نقرأها في مر. فهذه الخطبة لا تسعى إلى أن تخيفنا، بل هي تحمل إلينا كلام الرجاء. لا شكّ في أن المحن التي يمرّ فيها المؤمنون هي هائلة، ولكنها تقود إلى مجيء ابن الإنسان، إلى الخلاص النهائي.
خاتمة
أراد مرقس أن يحافظ على اتجاه وهدف الخطبة الاسكاتولوجيّة. لهذا فهو لم يتكلم هنا عن سحق الشّر ولا عن دينونة العالم، وذلك مع أن المقاطع التوراتية المتسعملة في آ 24- 25، والتي صوّرت مشهد المجيء الثاني، تتحدّث كلها عن دينونة الله. فلهجة التحريض والتعزية التي تميّز هذا التعليم، تبرز أيضاً تجمّع المختارين على أنه الهدف الأسمى لمجيء المسيح الثاني.

 

 

الفصل التاسع والعشرون
مجيء ابن الإنسان
13: 24-32
فسرّ أحد الشّراح مر 13 فقال: ما يسقى "الخطبة على المجيء" أو "الرؤيا الإزائية" يعد أصعب مقاطع العهد الجديد فهماً، وأكثر مقاطع التقليد الإزائي جدالاً. فالنصوص حول "رجاسة الخراب" ومجيء ابن الإنسان في السحاب تعكس، على ما يبدو، مضموناً غامضاً. وهذا يرجع إلى أن القارئ الحديث يبدو غريباً على عالم الأفكار التي تستعمله هذه النصوص، وإلى أنه لا يعرف أن يحدّد في عالمه العقلي موقع ابن الإنسان يحيط به جوق من الملائكة، والظواهر الكونية والسماوية التي ترافق مجيئه. 
لهذا يتردّد مؤوّلو العهد الجديد في طريقة فهم هذه النصوص، لأسباب عديدة. أولاً، يصعب علينا أن ندرك اللغة الجليانية (جلا، كشف. من هنا سفر الرؤيا). ثانياً، نجد بعض المرّات تردّداً في طريقة تنسيق ف 13 مع سائر تعليم يسوع. فيرى بعض الشرّاح أن يسوع لم يلق هذه الخطبة، بل إن مرقس كيّف رؤيا يهودية صغيرة وجعلها في فم المعلم بعد أن كمّلها بكلمات تفوّه بها يسوع نفسه.
ومهما يكن من أمر، نجد في هذا الفصل آثاراً واضحة للإهتمام الذي يثيره الموضوع عند عدد كبير من معلّمي الكنيسة الأولى. وهذا يظهر في الطريقة التي بها استعمل متى ولوقا المواد التي وصلت إليهما. فيبدو أن هذين الإنجيليين قد فكّرا، شأنهما شأن معلّمين آخرين، أن تقاليد الرب كانت غنية في المضمون بحيث سلّمت إلى الكنيسة كنوزاً خفيّة، فساعدتها على حلّ مشاكلها الخاصة. إن هذه الأفكار تركت أثرها في تفاصيل النصوص بحيث تتيح لنا أن نفهم أن التقليد قد تكيف مع الوضع في ذلك الزمان.
1- الدراسة الأدبية
أ- تكوين النصّ
إنّ النصّ في شكله الحالي لا يكوّن مختصراً لعرض قدّمه يسوع. فمعظم اللاهوتيين البيبليين متّفقون على هذا الموضوع، وإن اختلفت آراؤهم حول أصول عناصر النصّ. نستطيع أن نقوله إن هذا النصّ يستند إلى تعليم يسوع نفسه حوله نهاية الأزمنة. لقد رغب يسوع بأن يحذّر تلاميذه من الأخطار التي تحملها الأزمنة الأخيرة. ولكن، وإن وُجد "أساس" النصّ في تعليم أعطاه يسوع، إلاّ أن ف 13، في شكله الحالي، يعكس وضع الكنيسة الأولى مع الأسئلة التي طرحتها على تقليد يسوع ووجدت لها حلاً حين فسرّت وأعادت تفسير هذا التقليد.
تصّرف يسوع كما تصّرف عدد من المعقمين اليهود في عصره، فانطلق من العهد القديم ليوشع تعليمه حول الآخرة. فمقاطع دانيال حول نهاية الأزمنة تحتلّ مركز الصدارة في ف 13. ونجد فيها أيضاً صدى لنصوص توراتية أخرى يتميّز مضمونها بالاسكاتولوجيا.
في ذلك الوقت كانوا يعتبرون أن إيراد مقطع من العهد القديم يتضمّن مجمل إطاره. وكانوا ينتقلون من نصّ إلى آخر يحمل مضموناً مشابهاً بفضل توارد الأفكار أو الألفاظ. هذه الأطر وهذه المقاطع المتواردة مع تفسيرها، قد أغنت مضمون النصوص التي ارتبطت بالعهد القديم بهذا الشكل. إذن، حين نحاول أن نلج إلى هذه النصوص، سنحاول أن نعيد بناء هذه السلسلة من التواردات.
ب- إطار النصّ
إن المقطوعة التي ندرس هي جزء من الخطبة الاسكاتولوجية. تبدأ هذه الخطبة في آ 5، ولكنها تتوجّه توجّهاً مباشراً إلى قول حول دمار الهيكل. إنها تشكل في تأليفها الحاضر، جواب يسوع على سؤال ورد في آ 4: "قل لنا متى يكون هذا (دمار الهيكل) وما هي العلامة التي تدلّ على قرب حدوثه". لقد فسرّ صاحب سلسلة تأويلية قديمة العلاقة بين هذا السؤال والخطبة كما يلي: "طرح التلاميذ سؤالاً، فأجابهما يسوع بسؤال".
تعالج آ 5- 13 عدّة أخطار: وعّاظ يستطيعون أن يعظوا الناس، حروب وكوارث كونية، إضطهادات وخلافات داخل الأسرة الواحدة. وينتهي هذا السرد بتحريض: "من يثبت إلى المنتهى (أو: حتى الآخرة) فذاك يخلص".
وتصوّر آ 14- 23 محنة المؤمنين العظمى. وتدلّ آ 19 على معناها: تتضمّن هذه الأيام ضيقاً لم يكن مثله ولن يكون. نحن هنا أمام المحنة التي تحدّث عنها دانيال (12: 1) بالنسبة إلى الزمن الذي يسبق الآخرة. وهذا الضيق سيظهر في رجاسة الخراب التي سنهرب منها بسرعة. كما سيظهر في بروز مسحاء كذبة وأنبياء كذبة. وستهاجم قوى الشيطان المؤمنين بشكل ماكر جداً بحيث يجبر الله على التدخّل لئلا يسقط الجميع في هذه المحنة.
على هذه الخلفية المظلمة تبرز المقطوعة التي ندرس والتي تصوّر النصر الأخير، فتعود إلى السؤال الذي طرح في آ 4: "متى يكون هذا"؟ والجواب المعطى على هذا السؤال سيقود الإنجيلي بشكل طبيعي جداً إلى إنهاء المقطع بتحاريض متكرّرة: "كونوا على حذر واسهروا" (آ 33- 36). وهذا الموضوع كان قد تغلغل في كل القسم الأول من الخطبة (آ 5- 6، 9، 21، 23).
2- المجيء (13: 24- 27)
على أثر الأحداث الهائلة التي ذكرتها الآيات السابقة، صوّر مر 13: 24- 32 حدثاً يشُرف على الفصل كله. تستلهم هذه اللوحة ألوانها من العهد القديم، وتفسرّها بطريقة مسيحية صرف. فمن دانيال أخذ الإيراد المركزي في المقطع. وإن نبوءته عن المضايق تنتقل بشكل مباشر إلى تمجيد المؤمنين في 12: 1- 2 و7: 8 ي حيث يماثل "ابنُ الإنسان" "قدّيسيّ العليّ الذين لهم الملكوت" (دا 7: 18، 22، 27). مقابل هذا، يرى مرقس أن ابن الإنسان هو يسوع الذي سيأتي. ثم يصوّر وحي المسيح، ابن الإنسان، بسمات تميّز في العهد القديم الوحي الإلهي عن "يوم الرب". وهكذا نكون مرة ثانية أمام تفسير مسيحي.
أ- المشهد (آ 24- 25)
إذن، تنفتح أمامنا نظرة شاملة (على مستوى الكون) تستعمل صوراً من العهد القديم حول يوم يهوه، يوم الرب (أش 13: 10؛ 34: 4؛ يوء 2: 10؛ 4: 15). فأمام بهاء المسيح الذي هو بهاء الرب، يرتجف الكون، ترتعد الخليقة القديمة وتزول الأزمنة العتيقة، ويظهر ملكوت الله في كل مجده. لا شك في أن عرض "نجوم تتساقط من السماء" يفترض نظرة معروفة إلى العالم: ففي اللغة البيبلية تدلّ "القوى التي في السماء" على أجسام سماوية.
وقد ظنّ بعض الشّراح، أنه يجب أن نتذكّر أن بداية الأزمنة توافق النهاية كما تقول كتب الرؤى اليهودية والمسيحية. وهكذا نعود بهذا العبور إلى الظلمة والخواء اللذين كانا سائدين قبل عمل الخلق، وهذا الخواء يسبق هذه المرة الخليقة الجديدة (رؤ 21: 1).
ويرتبط هذا المشهد ارتباطاً زمنياً بضيق المؤمنين الكبير الذي يذكره القسم السابق من الخطبة. يبدو أن النص يقوله في هذا المجال "نعم" و"كلا". "نعم" على السؤال: هل يعني وقت الضيق هذا أن النهاية قريبة؟ ولكن الذين يلحّون: هل نستطيع أن ننتظر في الحال نهاية اليوم الذي يحلّ فيه هذا الضيق؟ يسمعون الجواب: "كلا"، ليس الآن بل فيما بعد. من المعقول أن هذا "النعم" وهذا "الكلا" يتوجّهان إلى الكنيسة الأولى التي أحسّت بالضيق وتساءلت متى يعود الرب. ولكن من المعقول أيضاً أن مرقس جمع هذا الضيق مع الأحداث المتعلّقة بدمار أورشليم سنة 75. إن هذه الملاحظات تثير أسئلة خطيرة. ما هي العلاقة بين تعليم المعلّم وتفسير هذا التعليم في الكنيسة الأولى؟ هل يتوجّه هذا السؤال إلينا نحن أيضاً؟ سنعود إلى كل هذا حين ندرس آ 30- 32.
ب- ابن الإنسان
على خلفية عالم متزعزع مثل هذا، ترتسم صورة ابن الإنسان التي تصوّر بكلمات دا 7: 13- 14. و"السحاب" لا يدلّ على موكبة بقدر ما يدلي على حضور الله. هكذا اعتاد الكتاب المقدّس أن يصوّر هذا الحضور (خر 13: 21؛ 19: 9؛ 2 أخ 5: 13؛ مت 17: 5). وحين يظهر المسيحُ قدرته ومجده، سيراه العالم كله. إن يقين مجيئه سيتعارض مع الأخبار الكاذبة التي أشار إليها 13: 22 (رج مت 24: 27- 28).
أخذت صورة ابن الإنسان مع ما يرافقها من دانيال ومن مقاطع أخرى من العهد القديم. وهذا ما يتضمّن معطيين أساسيين للكرستولوجيا (كلام عن يسوع المسيح). أولاً، حين تطبّق سمات أخبار التوراة عن يوم يهوه على صورة لمجيء ابن الإنسان، فهذا لا يعني أن الله لم يعد حاضراً في لوحة النهاية، بل يعني أن مجيء المسيح يدلي على تدخّل الله نفسه في يوم يهوه. ملكوت الله يظهر، قدرة الله تتجلى، خلاص الله يتحقّق بواسطة ابن الإنسان: إله حقّ من إله حقّ.
ثم إن ابن الإنسان في دا 7 يرمز إلى الشعب المقدّس. أما حسب تفسير يسوع، فابن الإنسان هو شخص فرد، هو يسوع نفسه. وهو يعطي حياًته فداء عن الكثيرين (10: 45) ويتماهى مع أحقر إخوته (مت 25: 40، 45). إذن، تتوافق هذه النظرة إلى ابن الإنسان مع العبارات اليوحناوية: "اثبتوا في كما أنا فيكم" (يو 15: 4). "أنا فيهم" (يو 17: 23). ومع كلام بولس: "في المسيح". فالإله الذي لا يقاومه شيء، لا يكون إلهاً مجرّداً، إلهاً في ذاته، بل ذاك الذي يلتفت إلينا كما كشف عن ذاته في ابن الإنسان، يسوع الناصري. "فيه" وُضع جسر فوق الهوّة التي تفصل الإنسان عن الله. إنه الشخص الرئيسي في هذا المشهد.
ج- تجميع المختارين (آ 27)
أراد مرقس أن يراعي هدف الخطبة الاسكاتولوجية واتجاهها، فلم يتحدّث هنا عن سحق الشرّ ولا عن دينونة العالم، مع أن النصوص التوراتية المستعَمَلة في آ 24- 25 التي تصوّر مشهد المجيء، تتطرّق كلها إلى دينونة الله. ولَهجة التحريض والتعزية التي تميّز هذا التعليم تدلّ على أن هدف المجيء الأساسي هو تجميع المختارين.
في العهد القديم، الله هو الذي يجمعهم (تث 30: 3- 4؛ زك 2: 10؛ أش 27: 12؛ 43: 5 ي). وهو يأمر الملائكة (مز 18: 11؛ 104: 4؛ دا 7: 10) فتطيعه. حسب الإنتظار اليهودي، الله يجمع يهود الشتات ويأتي بهم إلى الأرض المقدّسة. أما هنا، فالمسيحيون، أعضاء إسرائيل الجديد، سيُجمعون من كل مكان لكي يدخلوا في ملء الإتحاد مع الله. وربهم نفسه، ابن الإنسان، يتمّ ما وعدهم به: "سأعود لاخذكم معي فتكونون أنتم أيضاً حيث أكون أنا" (يو 14: 3).
د- لغة مليئة بالصور
سبق ولمّحنا إلى حيرة المسيحي اليوم حين يقرأ مثل هذا النصّ. كيف تتساقط النجوم؟ هل يأتي ابن الإنسان حقّاً إلينا على سحابة؟ هل سيجمع المؤمنين من كل مكان وكل زمان كما يجمع الراعي خرافه؟
نذكّر هنا أن مواضيع ونصوص التوراة التي تشبه تلك التي نقرأ في مر 13: 24- 32 لم تكن تفسرّ في زمن العهد الجديد بشكل حرفي، بل بحسب بُعدها "اللاهوتي" أو الروحي. لهذا، فمن الممكن أن الإنجيلي وقرّاءه الأولين لم يفهموا هذه التفاصيل على حرفيتها. إذن المسألة الحقيقية هي أن ندخل إلى رمزية هذه الصور. ولا ننتظر أن نكتشف فيها مدلولاً واضحاً ونهائياً. بل نحن في عالم الحدس أكثر منه في عالم المنطق والفكرة الواضحة. ونعطي مثلاً. حاولنا أعلاه أن نترجم تلوّيات الكون بلغة وحي عن ملكوت الله والخليقة الجديدة. وذكرنا المجيء (باروسيا) حين تحدّثنا عن قدرة الله ومجده في المسيح، كما يتجلّيان للبشر، وعن اتحاد المخلّصين فيه. وتجميع المختارين هو اتحاد تام وأبدي مع الله "في المسيح".
3- متى يحدث (13: 28- 32)
هذا هو سؤال التلاميذ الأربعة الذي افتتح هذه الخطبة: "قل لنا متى يحدث هذا وما هي العلامة التي تدلّ على قرب حدوثه" (آ 4)؟ "كل هذا" يدل أولاً على نهاية الهيكل كما أعلنها يسوع (آ 2). ويدلّ أيضاً (كما يشير إليه مضمون الخطبة وصدى دا 12 في السؤال) على نهاية العالم والمجيء. من الواضح أن آ 28- 32 في تدوين مرقس، توافق هذا السؤال الأول. لنلاحظ فقط اختيار الألفاظ لا سيما في آ 30: "حتى يتمّ هذا كله". سنتفحّص أولاً مثل التينة (آ 28- 29) ثم الأقوال الثلاثة التي تتبع (آ 30، 31، 32). غير أنه يجب أن نلاحظ تماسك هذه المجموعة الصغيرة. ترتبط آ 30 مع آ 29 بعبارة "يتمّ هذا" المستعملة في الآيتين. ثم إن آ 31 تستعيد مرتين فعل "زال" الذي تأخذه من آ 30. إن هذا التكرار للألفاظ يدلّ على أن مضامين الآيات ترتبط بعضها ببعض، وهكذا لا يمكن أن ننسب إلى عبارة "كل هذا" في آ 30 عنواناً مختلفاً عن "هذا" لا آ 29 (رج آ 4).
أ- مثل التينة (آ 28- 29)
إن اختيار الصورة المستعملة في هذا المثل الصغير، لما يأتِ صدفة. ففي العهد القديم، ترتبط صور الصيف والقطاف بإعلان النهاية، بالنجاة الأخيرة، بالدينونة (يوء 4: 17؛ عا 8: 1 ي؛ أش 28: 4؛ إر 8: 20). ما يحصل للتينة في الربيع يشبه العلامات التي تعدّدها بداية الخطبة. حين يرى المؤمنون الأنبياء الكذبة، والمجاعات، ورجاسة الخراب... يجب أن يعرفوا أن النهاية قد حلّت.
لا تتحدّث آ 29 عن قرب الحدث. بل عن قرب ابن الإنسان. إذا ترجمنا النصّ حرفياً قرأنا: "إعرفوا أنه على الأبواب". إن صورة الرب الواقف على الباب نجدها في يع 5: 9 (الديّان واقف على الباب) وفي رؤ 3: 20 (ها أنا واقف على الباب أدقّ) وهي تدلّ على المجيء.
من الممكن أن يكون هذا النصّ من تأليف مرقس، كما سبق وقلنا. إذن، هو الذي يفسرّ هنا التقاليد التي تسلّمها. هو الذي يجمع بين مصير أورشليم (آ 1- 2، 14 ي) والآخرة. هو الذي يجعل الرسل يطرحون السؤال: "متى"؟ وهو الذي يجعل يسوع يجيبهم. غير أنه استعمل من أجل هذا مواد قدّمها له التقليد. أراد أن يقول لمسيحيّ عصره: تنبّهوا، لأنكم لا تدركون منذ الآن علامات عن اقتراب الرب. وهذا ما يدفعنا إلى طرح السؤال: ما هي العلاقة بين المعلّم والإنجيلي؟ ماذا أراد يسوع أن يقوله؟ هذا ما نعود إليه فيما بعد.
ب- أقوال ثلاثة حول "متى" (آ 30- 32)
أولاً: قول حول "هذا الجيل" (آ 30).
كانت مجادلات المؤوّلين حول هذه الآية حامية جداً ومتشعّبة. ناقشوا أصل هذه الآية: هل هي من الإنجيلي، من الجماعة الأولى، أم من يسوع؟ وفي هذه الحالة الأخيرة، ما هو الإطار الأصلي الذي قيلت فيه؟ يبدو أن الإنجيلي هو الذي دوّن هذه الآية، ولكنه استعمل تقاليد تعود في جذورها إلى يسوع. رج مر 9: 1؛ مت 23: 36 (هذا كله سيقع على هذا الجيل). 
وكانت مناقشة حول مضمون هذا القول. ما معنى "هذا كله"؟ وكيف نفسرّ "هذا الجيل"؟ لا بدّ من القول بأن "هذا كلّه" يدل على دمار الهيكل والكوارث التي تسبقه، كما يدلّ على النهاية. هذا ما نستشفّه من بداية الخطبة (آ 2- 4) ومن الخطبة نفسها. والإنجيلي يعلن أن كل هذا يحصل خلال "هذا الجيل".
دافع بعض الشّراح عن رأي يعلن أن هذه اللفظة تحمل كلاماً "محقِّراً" (جيل شّرير وغير مؤمن، مت 12: 38- 45؛ 17: 17؛ مر 8: 38؛ لو 9: 41؛ أع 2: 40؛ فل 2: 15). ولكن إن تضمنّت إشارة "محقّرة" لأنها تدلت على اليهود الذي لا يؤمنون بالمسيح ولا بتعليم الكنيسة، إلا أنه يبدو لنا من الضروري أن نرى فيها هنا معنى زمنياً: هو الجيل المعاصر للإنجيلي.
حين قرأ مسيحيّو الكنيسة الأولى هذا الفصل، أحسّوا أنهم معاصرون لـ "هذا الجيل" وبالتالي مثبّتين في انتظارهم للرب. ولكن في الوقت عينه، يُبقي النصّ على غموض "هذا الجيل" الذي ارتبط بالعالم اليهودي. فقد رأى المسيحيون دينونته في دمار الهيكل. وهكذا تنعش هذه الآية الإنتظار الاسكاتولوجي وتهدّئه في الوقت عينه، فتمنع كل محاولة لتحديد تاريخ النهاية. وسنجد هذه الثنائية أيضاً في آ 32.
ثانياً: يقين أقوال يسوع (آ 31)
وإذ أراد الإنجيلي أن يشدّد على أهمية الإطار، أقحم هنا قولاً أخذه من التقليد. وحسب هذا القول يعطي يسوع لكلامه السلطة الممنوحة لكلام يهوه في العهد القديم. أش 40: 8 (أما كلمة الهنا فتبقى إلى الأبد)؛ 51: 6 (أما خلاصي فمدى الدهر، وعدلي لا يسقط أبداً)؛ 54: 10؛ إر 33: 25- 26؛ رج رؤ 22: 6؛ مت 5: 18.
إن الله خلق بكلمته السماء والأرض، أي الكون كلّه (تك 1: 1 ي؛ مز 33: 6؛ يو 1: 3). وبهذه الكلمة عينها هو يحمل الكون ويدبّره. فالكتاب المقدّس يرى أن لا شيء أثبت في هذا العالم من أساسات الأرض (مز 93: 1؛ 104: 5). فإن أعلن بعض الكتاب أن هذه الأساسات تتزعزع وتنحلّ (مز 102: 27؛ أش 24: 18 ي)، فهم يؤكّدون أن كلمة الله ثابتة عبر كل شيء. والنصّ الذي ندرس يعلن انحلال الكون (آ 24- 25). ولكن كلمات الرب تبقى ثابتة (آ 31) لأنها تستند إلى سلطة الله التي لا شيء يزعزعها.
رتّب الإنجيلي تأليفه فشدّد على أن هذا اليقين يرتبط بتعليم يسوع عن النهاية، بإعلانه عن اقتراب هذه النهاية، بقوله في آ 32 الذي يعلن أن الابن لا يعرف التاريخ الدقيق.
ثالثاً: لا يعرفها إلا الآب (آ 32)
إن لهذه الآية وظيفة دقيقة في تأليف مرقس. لأنّ إحدى المسائل التي أثارتها خطبة يسوع عن النهاية كانت سؤال عن "متى". متى تأتي النهاية؟ متى يظهر الخلاص؟ متى يعود الرب؟ إن الذين أرادو أن يعرفوا التاريخ الدقيق لاقوا رفضاً لكلّ إيضاح في هذا الموضوع. قال لهم مرقس: يسوع نفسه لا يعرف "ذلك اليوم وتلك الساعة". وأنتم تريدون أن تعرفوهما مسبقاً، فتبدأون بالحسابات.
نتوقّف قليلاً عند تفاصيل هذه الآية. إن عبارة "ذلك اليوم" هي موازية لعبارة "تلك الساعة". وللعبارتين المدلول عينه تقريباً (رج مت 24: 50: يوم لا ينتظره، ساعة لا يعرفها؟ 25: 13: لا تعرفون اليوم ولا الساعة). "ذلك اليوم" هو ترجمة لعبارة "يوم الرب (زك 14: 6: في ذلك اليوم لا يكون نور، أش 2: 11، 17: في ذلك اليوم الرب وحده يتعالى) الذي صار يوم ابن الإنسان (2 تس 1: 10: عندما يجيء في ذلك اليوم ليتمجّد في قدّيسيه).
إن تاريخ ذلك اليوم يبقى خفياً على الملائكة. كانوا يعتبرون أن الملائكة يكوّنون مجلس العلي، ويتمّتعون هكذا بمعرفة خاصة للأسرار الإلهية. غير أن العالم اليهودي والكتّاب المسيحيين في ذلك العصر اعتبروا أن الله احتفظ لنفسه ببعض الأسرار الأساسية (رج أف 3: 10؛ 1 بط 1: 1: 12). وإن تاريخ النهاية ينتمي إلى مثل هذه الأسرار كما يقول نصّ مرقس.
بيد أن هذا النصّ بدا صليباً حقيقياً للشّراح، لأنه ينسب إلى الابن جهل تاريخ النهاية، كما نسبه إلى البشر والملائكة. أيكون الابن أقلّ من الآب على مستوى المعرفة؟ كيف يبقى تاريخ النهاية سرّ الآب؟ فهناك تعارض صارخ بين نصّ مرقس ومت 11: 27 حيث يعلن يسوع: "أعطاني أبي كل شيء. ما من أحد يعرف الابن إلاّ الآب، ولا أحد يعرف الآب إلاّ الابن". إذن، ألم يعطِ الآب الابن كل شيء؟ ويأتي حلّ هذه الصعوبة الكرستولوجية كما يلي يتحدّث مت 11 عن مهمة الوحي التي حملها يسوع من أجل خلاص العالم. ولهذا السبب تسلّم من الآب ملء السلطان وملء الوحي. ولكن قد يكون جهل بعض النقاط في مخطّط الله اللاحق، كما أعلن بشكل صريح. يجب أن نفهم هذا الجهل في إطار التجسّد الذي به تخلىّ يسوع بإرادته عن عدد من امتيازاته الإلهية (2 كور 8: 9: افتقر وهو الغني؛ فل 2: 6- 7: أخلى ذاته) ليقاسم بشكل عميق البشر في حالة الضعف التي يعرفون.
ج- أقوال يسوع أو أقوال الإنجيلي
ميّزنا كثر من مرّة بين تقليد يسوع وتأليف الإنجيلي بما فيه من جدّة وخلق. ليس الإنجيلي آلة تسمع وتسجّل أو تكتب. إنه شخص حيّ له طريقته لا الكتابة. ولهذا يختلف مرقس عن لوقا. ثم إن الإنجيلي لا يكتب بصورة إفرادية مثل باحث من الباحثين. إنه صوت الكنيسة التي عاش فيها. هذه الكنيسة قد تسلّمت تقليد الرب وتأمّلت فيه حوله رسول من الرسل، حول شاهد عيان (لو 1: 2)، وقرأته على ضوء الأسفار المقدّسة. ولما تدوّن الإنجيل كان نتيجة ما عاشه يسوع وقاله وعمله، ما اكتشفته الكنيسة ككلّ أو جماعة من الجماعات، وما عرفه الإنجيلي من خلال أبحاثه (لو 1: 3: تحقّقت بدقّة جميع الأشياء) واختبره داخل هذه الكنيسة.
هنا نطرح سؤالين بالنسبة إلى هذا النصّ في مرقس. الأول: ما هي العلاقة بين تعليم يسوع وتفسير هذا التعليم في كتاب الإنجيلى؟ الثاني: هل كان الإنجيلي أميناً لتعليم يسوع أم أنه شوّهه؟ نلاحظ أولا أن المفسرّين يجدون صعوبة لكي يعلنوا بتأكيد "تاريخية" كلمات يسوع. هناك عشرات السنين. هناك انتقال من محيط إلى محيط، ومن لغة (الآرامية التي تكلّم فيها يسوع) إلى لغة (اليونانية التي فيها دوّنت الأناجيل). لهذا، فالمواد كما وصلت إلينا لا تتيح لنا أن نؤكّد ما هو حرفيّ من المسيح، وما هو حصيلة تأمّلات الكنيسة وبحث الإنجيلي.
سبق وقلنا إن الخطبة الاسكاتولوجية تتأسّس على تعليم يسوع، كما فسرّه المعلّمون في الكنيسة الفتية (ومنهم مرقس) وفسرّوه وكيّفوه ليتوافق مع حاجات الكنيسة (هناك شّراح عديدون يعتبرون أن القسم الأكبر من الخطبة لا يعود إلى يسوع). إنّ "أساس" هذه الخطبة العائد إلى يسوع يتكوّن من نبوءات حول المضايق والإضطهادات المختلفة، حوله ما يحدث للهيكل، حول المجيء. وتضمّن هذا التعليم لا كل مرّة تنبيهات وتحريضات لتعدّ المؤمنين للأخطار التي تهدّدهم، ولتشجّعهم في ذلك الوقت التي تهاجم فيه قوى الشيطان ملكوت الله بعنف لا مثيل له.
تأمّل معلّمو الكنيسة. في هذه المعطية الأساسية (ومنهم بولس الرسول، 1 تس 4: 13- 5: 4؛ 2 تس 2: 1- 17). وأعاد مرقس صياغتها. ونحن نستطيع أن نتصوّر إعادة تفسير التقليد وتكييفه على الشكل التالي. آمن المؤمنون في الكنيسة الأولى أن يسوع هو حامل الوحي الإلهي النهائي. لهذا امتلأ تعليمه وتقليد تعليمه بحكمة الله. واكتشف أناس نعموا بروح الحكمة فاكتشفوا في كلمات يسوع معاني جديدة تنطبق على المشاكل الحالية. 
مثل هذا التفسير جعل نصّ مرقس يدمج عنصرين: دمار هيكل أورشليم، نهاية العالم. لا شكّ في أن يسوع أنبأ بدمار الهيكل وفسرّه على أنه دينونة الله في شعبه. وجاء الإنجيلي (أو تقليد سابق له) فدمج هذا الإنباء مع الاسكاتولوجيا. وهكذا طبّق تعليم يسوع على وضع معاصريه فنبّههم وهيّأهم كما سبق ليسوع فهيّا تلاميذه للساعات الحالكة.
من جهة، توجّه إلى أناس تراخوا في انتظارهم فلم يعودوا يعيشون في النظرة الاسكاتولوجية، بل تكيّفوا مع هذا العالم وأخذوا روحه. ومن جهة ثانية، عارض أناساً ظنّوا أن النهاية قد حلّت. قال مرقس للأولين: كونوا على حذر، إسهروا. فهناك أحداث وتصّرفات تدلّ على أن الضيق الاسكاتولوجي هو هنا. ثم قال للآخرين: لم يأتِ الإنقضاء بعد. فالابن نفسه لا يعرف اليوم ولا الساعة.
وهكذا فسرّ مرقس تعليم يسوع بالنظر إلى وضع كنيسة رومة، بل إلى وضع الكنائس.
خاتمة
كل هذه الخطبة حول نهاية الأزمنة، ترتبط في النهاية بنظرة متفائلة في أعماقها. فقد يستطيع الشر أن يفعل من وقت إلى آخر. ولكنه لا يستطيع إيقاف زخم العالم الجديد الذي أدخلته في العالم قيامة المسيح وعطية الروح القدس.
أجل، النهاية بدأت مع موت يسوع وقيامته. والكنيسة تعيش منذ موت يسوع زمن النهاية. ولكن على كل واحد منا أن يعيش هذه النهاية في موته الخاص، بانتظار نهاية العالم في مجيء المسيح الثاني. وفي أي حال، النهاية هي عودة إلى بيت الآب بالنسبة إلى المؤمن، وعودة الخليقة كلّها إلى مجد الله بالنسبة إلى العالم.

 

 

 

الفصل الثلاثون
البوّاب الساهر
13: 33- 37
تنتهي الخطبة الاسكاتولوجية في مر 13 بتحريض ملحّ على السهر. وهذا التحريض لا يصيب فقط أولئك الذين يتوجّه إليهم خطاب يسوع لا الدرجة الأولى (13: 3)، بل يصيب الجميع (13: 37). فعلى تلاميذ يسوع كلهم أن يسهروا. وهذا مهمّ جداً. ولكن نتساءل عن معنى الكلمة في هذا السياق (ف 13). إنها تقابل في آ 36: نام. ولكن معناها لم يتوضّح بعد.
ويبرز مرقس التحريض بالمقابلة مع البوّاب. قد يساعدنا تحليل هذه المقابلة على إلقاء الضوء على مضمون التحريض.
1- الوجهة الأدبية
أ- صعوبات
إذا قرأنا بتمعّن المثل، نلاحظ أنه يطرح أسئلة عديدة. فقد يأتي رب البيت في أية هجعة من هجعات الليل. أما المثل فيفهمنا بوضوح أن هذا السيد قد قام بسفر طويل. قبل أن يذهب السيّد سلّم عبيده مسؤولية بيته وحدّد لكل واحد مهمته: فلو كان سفره قصيراً لما كان أخذ كل هذه الإستعدادات. ولكن إذا كان غيابه سيطول لماذا يقال إذن: لا تعرفون في أي يوم يأتي؟ ومع ذلك نحن نقرأ: "لا تعرفون متى يجيء ربّ البيت، أفي المساء أم في منتصف الليل أم عند صياح الديك أم في الصباح" (ر 35). إن هذه الإشارات تدلّ على هجعات الليل الأربع حسب التقسيم الروماني (هناك ثلاث هجعات في العالم اليهودي. رج قض 7: 19: لو 12: 28). 
هناك فرضية ممكنة: هذا التنافر الداخلي في المثل، قد يفسرّ في إطار أشكال السفر في الشرق القديم. كانت العادة بأن يعود الإنسان من سفر طويل أثناء الليل. في هذه الحالة، تدخل هذه الإشارة دخولاً عضوياً في المثل. ولكن ما نعرفه عن أسفار ذلك الزمان في الشرق (رغم ما نجد في لو 11: 5 ي) لا يسند هذا التفسير. فللطرقات مخاطر تثني المسافر عن السفر خلال الليل. في هذه الحالة، لا يبدو من المعقول أن يعود الإنسان في الهجعة الرابعة من الليل، كما يقول المثل.
وقد نفسرّ التنافر حين نرى ارتباط مرقس بمتّى ولوقا. وهكذا يرتبط موضوع العودة في الليل مثل العبيد الذين ينتظرون سيدهم (لو 12: 35 ي): فالتشديد على واجب السهر قد يكون أدخل هذا الموضوع عند مرقس. أو عكس ذلك. قد يكون الليل العنصر الأصلي في مثل البوّاب. ويكون سفر السيد تاركاً لعبيده الإهتمام ببيته، عنصرا ثانوياً. تجاه هذه المحاولات التفسرية، نتساءل: أما رأى كاتب الإنجيل نقصاً في المنطق حين أعطى هذا العنصر التقليدي شكله الأخير؟ أم هل لم يبال به؟ ويبقى السؤال حاضراً.
ويرى بعض الشراح أن فكرة العودة في الليل تعود إلى الحضّ على السهر. وهذا الحضّ لا يأخذ كامل معناه إلا إذا توجّه إلى أناس ينامون. ولكن "الذين ينامون ففي الليل ينامون" (1 تس 5: 7). فإذا كان الناس في لغة مرقس التصويرية مدعوين إلى السهر، فهذا يجعل موضوع الليل كخلفيّة للمثل. هل هذا تفسير دقيق وكافٍ لواقع هو أن البوّاب في المثل ينتظر عودة سيّده في ساعة من ساعات الليل؟
ب- عناصر الإستعارة في الأمثال
هناك موضوع مبدأي: نجد عناصر استعارة في أمثاله يسوع. فمنذ أيام الكنيسة الأولى إلى أيامنا، سيطر على تفسير الأمثال عنصر الإستعارة. كانوا يجدون في مثل خاص وجهات مختلفة من التعليم المسيحي عن الخلاص، فيفسرّون التفاصيل الثانوية بشكل اعتباطي. واحتجّ شّراح على هذه الطريقة فقالوا: كل مثل يعبرّ عن فكرة واحدة إليها تتوجّه الصورة كلها أو الخبر. أما التفاصيل فتخضع للفكرة الرئيسية.
ولكن تجنبناً خطراً فوقعنا في خطر آخر. لهذا، لا بدّ من قبول بعض عناصر الإستعارة في الأمثال. فيسوع عاش في محيط يهودي فلجأ إلى أساليب أدبية مختلفة عرفها هذا العالم على انتظار يتم في الليل. وفي آ 35، وبعد أن يحتفظ العرض بشكله المصور، يعود إلى التطبيق: هنا ترد فكرة وهي أن السامعين يجهلون في أية ساعة من الليل سيعود السيد. نحن أمام العودة الأسكاتولوجية (للسيّد)، كما تطبّق بشكل مباشر على السامعين. فإذا كان المثل في معرض حديثه عن العودة لا يتحدّث إلا عن السهر، يُطرح السؤال؟ ماذا يعني الليل في النظرة اليهودية؟
2- العهد القديم والعهد الجديد
أ- رمز الليل في العالم اليهودي
إذا عدنا إلى الأدب اليهودي، نرى وعياً للظلمة التي تسود في هذا العالم. هذا ما نجده في كتابات قمران حيث الوجود الحاضر يخضع لقوى بليعال، لقوى الظلمة. وهذا يشكل للمؤمن تجارب وأخطاراً ومحناً مختلفة. ولكن هذا الوضع لا يدوم إلى الأبد. فبحسب النظرات المنتشرة عند يهود ذاك الزمان، فوقت الظلمة سينتهي في يوم من الأيام بالنسبة إلى الأبرار. فساعةَ الإنقلاب الإسكاتولوجى العظيم، ستتبدّل الظلمة نوراً لهم. وتتحدّد الحياة المقبلة للمؤمنين بالله نورا أبدياً.
وإذا عدنا إلى آداب الرابانيين، ترتبط فكرة الليل بهذه المجموعة من الصور. فشعب الله يسمّي الزمن الحاضر ليلاً، والمستقبل نهاراً أو صباحاً. وما قيل في العهد القديم عن الليل، يطبّق على "ليل" هذا العالم. مثلاً نقرأ كلام بوعز لراعوت: "بيتي ليلتك هنا" (را 3: 13). أورد رابي مئير (حوالي 150 ب م) هذه العبارة وربطها "بهذا العالم الذي كله ليل". وقال مز 92: 2- 3: "ما أحسن الحمد للربّ والتسبيح لاسمك أيها العليّ. أعلن رحمتك في الصباح وأمانتك في الليالي". فجاء من طبّق الكلمات الأخيرة على الزمن الحاضر. وقال مز 104: 20 أ: "جعلت الظلام فكان الليل". ففسرّ التلمود هذه العبارة: "وضعت الظلام فكان الليل. هذا يشير إلى العالم الحالي الذي يشبّه بالليل".
وفي أش 21: 11- 12 نقرأ: "يا حارس، ما بقي من الليل، يا حارس، ماذا بقي من الليل؟ وجاء الجواب: يجيء الصبح ثم يعود الليل". قد أورد أدب الرابانيين هذا النصّ مراراً. نقرأ على لسان رابي ناتان: "أمانتك طوال الليالي" (مز 92: 3) ترتبط بالزمن الحاضر الذي يشبّه بالليالي كما كتب: قول على أدوم، صراخ على سعير: يا حارس، ماذا بقي من الليل؟ يا حارس، ماذا بقي من الليل"؟ ويطبّق نصّ أشعيا هذا على الأتقياء وعلى شعب اسرائيل. واللافت هو أن هذه الآية التي تعبرّ عن الإنتظار والرغبة خلال الليل، تعود إلى وضع شعب الله في الحقبة الحالية، إلى خلاصه، وإلى الرفعة التي ينتظرها في نهاية العالم.
ب- في العهد الجديد
هناك أمور هامة في رسائل القديس بولس. فهذا الرسول قد مرّ في مدارس الرابانيين. وكرسول مسيحي أحتلّ مكانة مميّزة في التقليد المسيحي الأولاني. وها نحن نراه، شأن الرابانيين، يلمحّ إلى الليل ليصوّر الزمن الحاضر الذي يمتد إلى مجيء الرب. وهذا واضح بشكل خاصّ في روم 13: 12: "تناهى الليل واقترب النهار". يظهر من سياق هذا النصّ أن "النهار" هنا هو اليوم الاسكاتولوجي، يوم يتمّ الخلاص. و"الليل" هو الزمن الحاضر. ولكن إذا فكّرنا في مثَل القديس مرقس، تواجهنا بعض الأسئلة: هل "الليل" كما يفهمه بولس، يرتبط بدعوة إلى السهر؟ هل نجد عنده آثاراً تتيح لنا أن نعود إلى كرازة يسوع؟
إن السؤال الأول يجد جواباً إيجابياً في النصّ. فبولس يحضّ مسيحيّي رومة على "أن يفيقوا من النوم" (روم 13: 11). لأن الخلاص أقرب إليهم مما كانوا عليه حين بلغوا إلى الإيمان. فالليل تناهى والنهار صار قريباً. ونقرأ في 1 تس 5: 4 ي أن سهر الجماعة المسيحية يرتبط بصورة الليل. قال بولس: "أمّا أنتم، أيهّا الأخوة، فلا تعيشون في الظلام حتى يفاجئكم ذلك اليوم مفاجأة اللص. لأنكم جميعاً أبناء النور وأبناء النهار. فما نحن من الليل ولا من الظلام. فلا ننم كسائر الناس، بل علينا أن نسهر ونصحو".
إذن، على المسيحيين أن يسهروا في الليل الذي يحيط بهم. وهذا الموقف يدلي على عودة المسيح، على وحي الخلاص التام. على "اليوم" (يوم الربّ) بكل معنى الكلمة.
أمّا الرباط بكرازة يسوع، فهذا ما نكتشفه يا 1 تس 5: 1 ي. في آ 2 يذكّر بولس مراسليه "أن يوم الرب يجيء كاللصّ في الليل". فنحن لا نجد صورة السارق في الليل في هذا المعنى إلا في العهد الجديد (لا في الأدب اليهودي). إذن، يجب أن نفترض أنها عنصر من التقليد المسيحي الخاصّ، وهي تعود إلى يسوع نفسه. فصورة السارق عند الإزائيين، تنبّه التلاميذ إلى ضرورة السهر. وحين ذكَّر بولس التسالونيكيين بكلمات يسوع هذه، شدّد على ضرورة السهر (1 تس 5: 6) في هذا الزمن الحاضر. وهكذا نجد نفوسنا مرتبطين بأقوال يسوع كما وردت في الإنجيل.
وهكذا نرى أن العالم اليهودي ربط صورة الليل بصورة البوّاب. فالليل يذكّرنا بالزمن الحاضر. وهذا ما وجدناه أيضاً عند القديس بولس الذي ربط ضرورة السهر في الجماعة المسيحية، بالليل والظلمة (1 تس 5: 1 ي). في هذا المعنى سنفهم التحريض على السهر كانتظار مجيء المعلّم في الليل، في ساعة لا نعرفها.
3- الليل والسهر
أ- طواعية الصور
ومع ذلك، لاحظنا داخل المثل تنافراً ظاهراً. فعودة المعلّم لا تتمّ إلا في هجعات الليل. وهذا ما لا يتوافق مع سفره إلى البعيد وغيابه الطويل. وهنا نعود أيضاً إلى الفكر اليهودي. وهنا نكتشف طواعية الصور في الشرق القديم. نردد هنا مثلاً رابانياً عن سيدة البيت وخادمتها الحبشية. وسنجد هنا بعض الشبه مع مثل مر 13: 34 ي. يُروى أنه كان لسيدة بيت خادمة حبشية. ذهب زوجها في رحلة إلى ما وراء البحار. وكانت الخادمة تقول لسيدتها طوال الليل: "أنا أجمل منك. والملك يحبّني أكثر منك". أجابتها السيدة: "سيأتي الصباح، فنعرف أينا أجمل وأينا يحبّ الملك". ويتتابع الخبر: تقول الأمم الوثنية لشعب إسرائيل: "أعمالنا ممدوحة، والقدوس تبارك اسمه يرضى عنّا". ويعود الراوي إلى أش 21: 12 و"الصباح" الذي يعني الزمن المقبل. وحين يأتي ذاك الزمن سيعرف الناس عمّن يرضى القدوس.
هذا المثل يرينا مثل مر 13 سيّداً ينطلق في سفر طويل. ثم يتركّز كل شيء فجأة على الليل: وضع العروش (شعب الله) خلال الليل والتحوّل الذي سيتمّ في الصباح حين يظهر حبّ الملك لعروسه. لليل معنى رمزي. وهو يدلّ على الزمن الحاضر، وعلى الظروف المؤلمة التي سيعرفها شعب الله.
هنا تبرز سمةٌ خاصة بأمثال الأناجيل الإزائية حول الليل. ففي مر 13: 33- 37 وفي المقاطع القريبة منه، نحن أمام عودة السيد في ساعة من الليل لا نعرفها. كان العالم اليهودي يتوق إلى مجيء الصباح، إلى مجيء النهار. في تلك الساعة يتمجّد الأبرار (وشعب الله) ويبتهجون في النور الأبدي. في المحيط اليهودي، لا تحتلّ فكرة السهر بانتظار زمن الخلاص الإسكاتولوجي، أي مكان في هذا الشكل. أما الأناجيل فتنبّه تلاميذ يسوع وجميع المسيحيين إلى ضرورة الإستعداد الدائم (نكون دوماً مستعدين)، لأن ابن الإنسان يأتي في وقت لا نعرفه ولا نتوقّعه. إن عنصر "عدم اليقين" يلعب هنا دوراً أساسياً، فيقودنا إلى زمن الليل الذي لا نعرفه والذي فيه يأتي السيّد.
حين أشار مرقس إلى الليل وهجعاته المتعاقبة، فقد لمّح إلى الزمن الحاضر وما فيه من ظلمة. على هذه الخلفية يرتسم الحضّ على السهر. بيد أن مضمون هذا التحريض لا يزال غامضاً. فإذا أردنا أن نحدد معنى الفعل "سهر" نتساءل: لماذا سمّي هذا الزمن "ليلاً"؟ لماذا يحمل سمات الليل؟
ب- أبناء النور في وقت الظلمة
حين كان المحيط اليهودي يتحدّث عن الظلمة والليل، فهو يشير إلى التجارب والمحن والآلام التي يعرفها المؤمن (والشعب) في وسط هذا العالم. سيأتي النهار ويتحوّل كل شيء. غير أننا على المستوى اليهودي، بقينا في إطار وطني. وسيعرف الشعب النصر مرّة ثانية.
أمّا في العهد الجديد، فتزول هذه "اللهجة" الوطنية. فالحرب ليست ضد أعداء من لحم ودم، بل ضدّ أصحاب الرئاسات والسلطان والسيادة على هذا العالم، عالم الظلمة (أف 6: 12). هذا العالم هو في قبضة الشرير (1 يو 5: 19). رئيسه هو عدوّ الله. لقد تحوّل العالم عن الله ينبوع النور. لهذا سمّي الزمن الحاضر زمن ظلمة وليل.
ولكن في داخل هذا الليل هناك نور. ومجيء يسوع يتمّ النبوءة: "الشعب السالك في الظلمة أبصر نوراً عظيماً" (أش 9: 1؛ مت 4: 16). يسوع هو نور العالم (لو 2: 32؛ يو 1: 5؛ 8: 12؛ 12: 46). فمن عاش داخل حلقة الزمن الحاضر، ينتمي إلى الليل والظلام. ومن آمن بالمسيح لا يثبت في الظلمة (يو 12: 46). وقد صوّر العهد الجديد الارتداد إلى المسيح على انه انتقال من الظلمة إلى النور. "من يعمل الشّر يكره النور... من يعمل للحقّ يخرج إلى النور" (يو 3: 20). أرسل الله بولس إلى الوثنيين "ليفتح عيونهم فيرجعوا من الظلام إلى النور، ومن سلطان الشيطان إلى الله، فينالوا غفران خطاياهم وميراثاً مع القديسين" (أع 26: 18). ويحدّث بولس أهل أفسس فيقول لهم: "بالأمس كنتم ظلاماً، واليوم أنتم نور في الربّ" (أف 5: 8؛ رج 1 بط 2: 9).
أن يكون الإنسان المرتد إلى المسيح والحاصل على الخلاص، قد انتقل من الظلام إلى النور، هذا لا يتضمّن أنه دخل في حياة جديدة تتميّز كل التمييز عن الظلمة، أنه لم يعد له أي اتصال بالظلمة. حتى لو انتزع من عالم الظلمة (كو 1: 13) وصار ابن النور والنهار (1 تص 5: 5)، فهو ما زال يعيش في الليل. هذا يعني أنه باقي في وضع المحنة والتجربة. فتلاميذ يسوع معرّضون دوماً لخطر السقوط، لخطر التراخي أمام قوى الظلمة، لخطر الإستسلام لشّر هذا العالم الحاضر. هناك أسباب مختلفة تؤثّر علينا في هذا المجال: من المحن والإضطهاد من أجل الكلمة، إلى اجتذاب الغنى وهموم هذا العالم (رج ست 13: 20- 21). فمن ترك العالم يتغلَّب عليه كان وكأنه نائم. فالنوم يقابل الليل، والإنسان ينام في الليل بشكل طبيعي، فلا يحتاج إلى من يجعله يسقط في سلطان الليل.
ج- السهر المسيحي
ويبرز السهر أمام الليل والنوم، فيتخذ كامل معناه في هذا المثل. ليس السهر قبل كل شيء إنتباهاً وسرعة، وان كان هذان العنصران مهمين. فإن دُعي المسيحيون إلى السهر، فلأن عليهم خلال مسيرتهم في العالم (عالم الليل) أن يحققوا دعوتهم، ويستثمروا الموهبة التي نالوها كأبناء النور، وأن يرفعوا نظرهم إلى الأمام منتظرين عودة السيد واليوم القريب.
إن للسهر بعداً اسكاتولوجياً مميزاً. فهو يوجّهنا بكلّيتنا إلى مجيء المسيح وتمام الخلاص النهائي. لسنا هنا أمام نظريات أو حسابات على الأزمنة والأوقات (مر 13: 23). بل نحن أمام موقف حياتي يدعونا إلى أن نجعل عودة المسيح أمامنا بشكل مباشر. وهذا الموقف الحياتي يبدو في المثل بشكل "خدمة السيد". فقد كلّف البوّاب أن يسهر منتظراً السيد: حين يسهر يكون أميناً لسيّده. وهو يحدّد موقع حياته بالنسبة إلى هذا السيّد. و"السهر" يعني في المثل أن تنطبع حياتنا منذ الآن بما يأتي، بالسيد، بالنهار والنور. هكذا يعبرّ المسيحيون عن وضعهم الاسكاتولوجي (هم في هذا العالم وليسوا من العالم) في هذا العالم: تحرّروا من الليل (والأعمال السيئة، يو 3: 20)، فتطلّعوا إلى عودة ابن الإنسان وإلى الزمن الذي فيه يتمّ الخلاص.
والسهر في هذا المعنى ليس بالأمر السهل. وحين نعرف طبيعة الزمن الحاضر، نفهم أن هذا لا يتمّ بدون جهاد. هذا ما يقوله لنا العهد الجديد في مقاطع عديدة. أوردنا روم 13: 11 ي: فمع التحريض على التخليّ عن النوم، نجد دعوة لكي نترك أعمال الظلمة لنلبس لا أعمال النور، بل "سلاح" النور. وهناك علاقة مماثلة بين السهر والسلاح في 1 تس 5: 6- 7؛ 1 كور 16: 13؛ أف 6: 10- 20؛ 1 بط 5: 8- 9. إن السهر يتضمّن حرباً ضد القوى التي تعمل في الليل (أف 6: 12). والسلاح الذي بين أيدينا ليس "شيئاً" خارجاً عن الحياة المسيحية. السلاح هو من واقع حياتنا. هو الإيمان والرجاء والمحبة والحقيقة والبرّ (1 تس 5: 8؛ أف 6: 13 ي). فمن تثبّت في المسيح واستفاد أعمق استفادة من عطية الخلاص، عرف الدفاع الحقيقي ضد هجمات قوى الظلمة، ضد تجربة العودة إلى الزمن الحاضر. من يتبع يسوع يسهر ويلبس سلاح الله، فيكون مستعداً لعودة الربّ.
ونتساءل: حين يجيء هذا الإنتظار الدائم لمجيء الرب، أمّا يخلّف فينا هذا السهر لامبالاة تجاه الحياة الحاضرة ومشاكلها؟ قد يكون هناك بعض الخطر. ولكنه يزول إن فهمنا حقاً تعليم يسوع. فالسهر في العهد الجديد هو أن نعيش منذ الآن الحياة الآتية، أن نستبق الحياة العتيدة. فالموقف الإسكاتولوجي لا يولّد تنكراً للعالم بل حرية حقيقية تجاه هذا العالم وما فيه من غرور وألم ومحن وتجارب.
خاتمة
السهر في زمن الليل الحاضر منتظرين الربّ العائد، هذا هو التحرّر الحقيقي. وهذا هو الفرح الذي لا يرتبط بتقلّبات الحياة، بل يخرج من ينبوع أزلي. وهذا هو السلام وسط العواصف. وهو الرجاء في عالمنا اليومي مع النظر إلى الأمام، إلى العالم الآتي، إلى ذاك اليوم القريب، يوم الرب.

 

 

 

القسم الرابع
المرحلة السادسة

ونصل في القسم الرابع من الكتاب إلى المرحلة السادسة. وهي تتضمّن الفصول التالية:
1- ابن الإنسان وابن الله، 14: 1- 15: 47.
2- الإستعداد للفصح، 14: 1- 16.
3- العشاء الفصحي، 14: 17- 31.
4- النزاع في البستان، 14: 32- 42.
5- القبض على يسوع، 14: 43- 52.
6- يسوع أمام المجلس، 14: 53- 65.
7- بطرس ينكر معلّمه، 14: 66- 72.
8- يسوع أمام بيلاطس، 15: 1- 15.
9- الجنود يهزأون بيسوع، 15: 16- 20.
10- حول موت يسوع، 15: 21- 41.
11- دفن يسوع، 15: 42- 47.
12- أخبار الحاش في الأناجيل الإزائية، 14: 1- 15: 47.

 

 

الفصل الحادي والثلاثون
ابن الإنسان وابن الله
14: 1- 15: 47
1- موقع خبر الآلام
حين دخل يسوع إلى أورشليم وطهّر الهيكل حيث علّم، دلّ على أي مسيح هو تجاه انتظارات شعبه والعالمي. حمل في شخصه رغبات الإنسان ففتح لا بيت أبيه فسحة صلاة للوثنيين. إن الإنسان لا يعرف بالحقيقة ما يطلب: ولكن أمام يسوع يكتشف كم كانت رغباته ذات نفس قصير. أمام يسوع ينقلب العالم. فهو لم يفرض سلطته بالقوّة، بل يثبتها حين يسمح لهم أن يميتوه هو الابن الوحيد والوارث. فمملكته هي من الله الذي هو أقوى من قيصر، الذي يقيم الموتى ويشرق نوراً على حبّ الإنسان للإنسان.
قد يدمّر هيكل أورشليم. هذا لا يهمّ. فالإيمان الذي ينقل الجبال هو في متناوله الجميع. الشعوب والمماك سوف تتصادم بعدُ، والمجاعات سوف تنتشر، ولكن لا يجب أن نخاف لأن هذه كلها أول المخاض، وبعدها ستتمّ ولادة عالم جديد. السماء والأرض تزولان. ولكن لماذا التمسّك بهما؟ فكلمات المسيح تعطي الحياة إلى الأبد.
إن هذه النظرة إلى ملكوت الله حيث يتبدّل الإنسان والكون تبدلاً جذرياً، قد قدّمها يسوع لتلاميذه قبل أن يموت. ففي موته يجد كلُّ موت معناه. ولكن كان ينبغي أيضاً أن يتألمّ المسيح ويموت، أن يكون ضحية جميع البشر، وهكذا نتحقق من أن كلماته "لا تزول". فحقيقة موته وحدها هي البرهان على واقع رسالته. وحين نتحدّث عن الضرورة (يجب، ينبغي)، لا نقول بأن مصير يسوع المأساوي هو موضوع استنتاج أو قد فُرض عليه. بل نقول بكل بساطة: ذاك هو مخطّط الله الذي وجد شكله التام فى حياة يسوع وموته وقيامته.
مع المرحلة الخامسة، استشفّ القارئ، وسط التلاميذ الخائفين، كيف ينظر يسوع إلى موته القريب. فالخطبة الاسكاتولوجية أتاحت له أن يقرأ مصيره ومصير البشرية في موت معلّمه. ومجيء ابن الإنسان (أي وضع كل إنسان في حضرة ابن الله الوحيد) يحوّر بشكل حاسم تاريخ الكون وكل حياة فيه. وإذا كان كل إنسان يستطيع بواسطة الإنجيل، أن يكون في اتصال مباشر مع يسوع، فهذا لا يعود فقط إلى سموّ تعليمه أو عمق شهادته. ولكن لأن ابن الله تغلّب على الموت عبر القبور، فهو يتوجّه إلى كلّ واحد منا ويمنحه وجه الأبد. أجل لقد صار ابن الله ذاك الذي يتمّ فيه كلُّ إنسان حياته، ويتسلّمها من الرب في النعمة والرحمة.
هنا نطرح السؤال: ماذا تعني هذه العبارة التي تضعها الكنيسة على شفاهنا: يسوع المسيح مات عنا؟ هذا ما يوضحه مر في هذه المرحلة الأخيرة: إن موت يسوع وقيامته يكشفان أنه مخلّص العالم لأنه ابن الإنسان وابن الله. في هذه النظرة نتساءل لماذا يهتمّ إنجيل مرقس كل هذا الإهتمام بصليب المسيح، ولا يتوسّع إلا قليلاً في تعليم القيامة.
منذ بداية كرازة يسوع في الجليل، بدا إلقاء يوحنا في السجن (1: 14) تنبيهاً لنا. وحين صوّر مرقس آلام السابق وموته (6: 14- 29)، لمّح تلميحاً غير مباشر إلى معقمه (9: 13). فيسوع أعلن منذ البداية لتلاميذه أن "العريس سوف ينتزع منهم" (2: 20). وبعد اعتراف قيصرية فيلبّس، بدأ يتحدّث بوضوح متزايد (8: 31؛ 9؛ 31؛ 10: 33- 34) عن هذه الآلام التي تنتظره في أورشليم. وسيعود مراراً إلى هذا التعليم (9: 12- 13، 10: 38- 45؛ 12: 6- 8).
ومنذ البداية أيضاً، برزت المقاومة: تشاوروا "لكي يهلكوه" (3: 6). أرادوا أن يمسكوه (3: 21). طردوه من المدن العشر (5: 17). رفضه أهل بلده (6: 4). وبطرس نفسه أخطأ في النظرة إلى رسالته (8: 32- 33). وبدأت تحقيقات الكهنة والفريسيين الذين جاؤوا من أورشليم: إتهموه بأن فيه شيطاناً (3: 22، 30). هاجموا تصّرف تلاميذه (7: 1). طلبوا منه آية (8: 10). وفي النهاية، في الهيكل، إتخذ أعضاء المجلس قرارهم (11: 18؛ 12: 12): سألوه عن سلطته (11: 27- 28)، وحاولوا أن يضعوا له الفخاخ بواسطة أشخاص أرسلوهم (12: 13). ومع ذلك، فإن واحداً من رسله سيخونه ويسلّمه (3: 19).
وهكذا يظهر عبر لحمة الإنجيل كله وجه المفارقة بين مخطّط الله وقرار البشر: يسوع يسقم نفسه، ويوضاس (يهوذا) يسلّمه. من جهة يعرّض يسوع حياته للموت، وكأن "قدراً" يدفعه إليه، وكأن قوة داخلية تجتذبه إليه. هذا الموقف نجد تعبيراً عنه في "أفكار الله" (8: 33). في "تتمة الكتب" (9: 12؛ 12: 10) في "رسالة" يسوع (10: 45؛ 12: 6).
ومن جهة ثانية، يحصل ما يحصل وكأن البشر يشدّدون الحصار عليه. من جهة الخصوم، حسابات شريرة (2: 6- 8؛ 3: 5، 29؛ 11: 18؛ 12: 7- 12)، مكر ورياء (7: 6؛ 12: 38- 40). من جهة الجموع، حماس واندفاع (1: 28، 37؛ 3: 9؛ 4: 1؛ 5: 24، 31؛ 7: 36- 37)، أو عجز عن التفكير والتأمّل (4: 12، 34؛ 5؛ 40؛ 6؛ 3). ومن جهة التلاميذ، عدم فهم (6: 52؛ 7: 18؛ 8: 17، 21، 33) أو طموح فارغ (9: 28، 38؛ 10: 13، 35، 41).
حينئذ نتساءل: من هو المذنب؟ أيكون تاريخ يسوع خطأ كبيراً أم يشبه طرحاً صوفياً مستيكياً؟ هل كان يستطيع أن يتعرّف إلى يسوع حقاً كابن الله، سوى نخبة من المميّزين في عصره؟ ويرينا مر التلاميذ البطيئين والمحدودين كالشعب، المنغلقين والمتصلّبين كالخصوم. هل منحهم موت معلّمهم الحبيب الصدمة الخلاصية الحاسمة؟ ما كانت مسؤوليتهم الحقيقية في الحكم على معلّمهم، وما كانت مسؤولية الآخرين؟
مثل هذه الأسئلة التي نطرحها، قد طرحها الإنجيلي بعد أن جمعها من معاصريه. طرحها بطريقته الخاصّة فاستعاد التقاليد التاريخية التي تكوّنت أخباراً عن آلام يسوع وموته وقيامته. ولكنه أعطى روايته وجهاً فقاهياً وليتورجياً أخذه من الإحتفال بالإفخارستيا في الجماعات المسيحيّة الأولى. لهذا، يجب علينا أن ندرك، عبر التدوين المرقسي، كيف انطلقت الجماعة من مصير يسوع، فواجهت مسألة الموت والحياة، سرّ الخطيئة والنعمة. ونحن بدورنا سنحدّد موقعنا تجاه هذه المسألة وهذا السرّ. ذاك كان هدف مرقس حين وصل إلى قمّة إنجيله، إلى هذه المرحلة الأخيرة التي كانت في الواقع نقطة الإنطلاق لكتابة إنجيل مرقس.
2- تقديم النصّ
منذ الإنباء بمسيرة الآلام (10: 33- 34) والتحريض على السهر في الساعات الحاسمة (13: 35)، شكّلت المرحلة الخامسة كلها تهيئة مباشرة لأحداث حصلت في أورشليم لا 30 نيسان 30 حسب ما يقول الشراح. لقد توسّعت الخطبة الاسكاتولوجية في سؤالين طرحهما على يسوع التلاميذ الأربعة الذين رافقوه منذ بداية رسالته: "متى يكون هذا، وما هي العلامة حيث يوشك ذلك أن يتمّ" (13: 4)؟ مزج خبرُ الآلام هذين السؤالين فبيّن كيف يتمّ مجيء الابن الإنسان في كل وقت. يكتشف القارئ (الذي هو فاعل أيضاً في الأحداث) أن النصّ الذي يقرأه يناديه. فيجب أن نعطي أهميّة كبرى للآية الأخيرة في الخطبة حول نهاية الأزمنة: "ما أقوله لكم فللجميع أقوله: إسهروا" (13: 37).
ونتوقّف عند ترتيب النصوص. هناك حدث أولى، الدهن بالطيب (14: 3- 9) يحيط به قراران: قرار الرؤساء (14: 1- 2)، قرار يهوذا (يوضاس) (14: 10- 11). وتُضاف حاشية قصيرة حول الإستعداد للفصح (14: 12- 16). بعد هذا، نقرأ ثلاث حلقات: تأسيس الافخارستيا (14: 17- 31)، النزاع (14: 32- 42)، توقيف يسوع (14: 43- 52) في بستان جتسيماني. وتتضمّن الحلقة الثانية محاكمة يسوع أمام عظيم الكهنة ونكران بطرس خلال الليل من جهة (14: 53- 72). ومن جهة ثانية، المثول في الصباح أمام بيلاطس مع "تبادل " بين يسوع وبرأبا (15: 1- 20). وكُرّست الحلقة الثالثة للصلب والموت (15: 21- 41)، ثم الدفن (15: 42- 47).
وتتحدّث خاتمة قصيرة عن زيارة النسوة إلى القبر في صباح الفصح والبلاغ الذي سُلّم إليهنّ (16: 1- 8). وفي النهاية، تروى ظهورات القائم من الموت وصعوده إلى السماء بعد أن أعطى تعليماته لتلاميذه.
أ- تهيئة الفصح (14: 1- 16)
تقدّم هذه المجموعة أنماطاً من الإستعدادات للفصح؟ إستعدّ عظماء الكهنة والكتبة لكي يقتلوا يسوع، ولكنهم خافوا من الشعب (14: 1- 2). ويهوذا، أحد الإثني عشر، وقعّ اتفاقه (14: 10- 11). وامرأة من بيتا عنيا استبقت موت يسوع فدهنت جسده بالطيب (14: 3-9). وهيّا تلميذان العشاء الفصحي في العلئة المحفوظة للمعلّم (14: 12- 16). هيّأوا الحمل الذي يذبحه الحجّاج في رواق الهيكل بعد أن يشتروه من السوق. كما هيّأوا العطور التي تلي ذبيحة الحمل الدائمة. 
ب- جماعة سوف تتفرّق (14: 17- 52)
تشمل هذه المتتالية ثلاثة مشاهد. الأول يجري داخل مجموعة الإثني عشر: خبر التأسيس الافخارستي (14: 22- 25) الذي يسبقه إعلان خيانة يهوذا (14: 17- 21)، ويليه خبر شكوك الجميع ونكران بطرس ليسوع (14: 26- 31).
ويجري المشهد الثاني في جتسيماني: بدأ يسوع الصلاة (14: 36) بعد أن أوصى ثلاثة من تلاميذه أن يرافقوه ويسهروا معه (14: 32- 35). رجع إليهم ثلاث مرّات فوجدهم نياماً (14: 37- 42). ويصوّر المشهد الثالث مجيء يهوذا وتوقيف يسوع (14: 43- 47). قال يسوع كلمته مستنداً إلى الكتب المقدّسة (14: 48- 49). أما الذين رافقوه، فهربوا جميعاً حتى ذاك الشاب الذي فرّ عرياناً (14: 50- 52).
ج- المثول أمام عظيم الكهنة وأمام بيلاطس (14: 53- 15: 20)
هنا، اتبع خبر مرقس عن قرب البرنامج المرسوم في "الإنباء" الثالث بالآلام (10: 33- 34). أسلم يسوع أولا إلى عظماء الكهنة والكتبة والشيوخ. حُكم عليه بالموت ساعة كان بطرس ينكره (14: 53- 72). ثم أسلم إلى الأمم، أسلم إلى بيلاطس الوالي الروماني. وبعد أن تمّ التبادل بينه وبين برأبا، هزأوا بيسوع، جلدوه، قادوه إلى الصلب (15: 1- 20). 
نحن في هذا النصّ أمام محاكمتين. أو بالأحرى أمام استجوابين. فقد اكتفت المحاكمة بالسماع إلى الشهود. تمّت المحاكمة الأولى أمام عظيم الكهنة والمجلس اليهودي خلال الليل، وقبل صياح الديك (14: 68، 72). وتمّت المحاكمة الثانية عند الصباح (15: 1) أمام القضاء الوثني.
د- صلب ابن الله وموته ودفنه (15: 21- 47)
وتتلاحق الأحداث بسرعة: طريق الصليب (15: 21). صَلْب ملك اليهود (15: 22-27). مشهد الهزء بالمصلوب من قبل المارين، وعظماء الكهنة والكتبة، واللصين المصلوبين معه (15: 29- 32). وساعة مات يسوع (15: 33- 37) تمزّق حجاب الهيكل (15: 38)، وعرف فيه قائد المئة "ابن الله" (15: 39). وكانت النسوة يشاهدن كل شيء عن بعد (15: 40- 41).
ثم نقرأ مقطعاً قصيراً نجد فيه المناخ الذي عرفناه في بداية خبر الآلام مع دهن يسوع بالطيب بيد امرأة في بيت عنيا (14: 3- 9) والإستعداد للفصح (14: 12- 16): جاء وجيه من الرامة اسمه يوسف. طلب من بيلاطس جسد يسوع (15: 42- 45)، ودفنه في قبر حُفر في الصخر أمام نظر النسوة (15: 46- 47).
3- من النصّ إلى يسوع
أ- المدخل
إن خبر الآلام كما نقرأه في مر، يبدو موجّهاً توجيهاً لاهوتياً: يتركّز انتباه القارئ على شخص يسوع، وهذا ما يدلّ على أنه لم يمهم. جاء كلام مرقس موجزاً، مختذلاً. كم كنا نودّ أن نقرأ "تقريراً مفضلاً" عن الأحداث. ومقابل هذا نجد اختلافات بين الأناجيل، بين تسلسل الأحداث، بين التسلسل الزمني. أخبار دوّنت في بداية المسيحية فحملت طابع الليتورجيا والفقاهة.
نشير هنا إلى أن مت تبع عن قرب نصّ مر. زاد عليه بعض الأحداث القصيرة حول يوضاس، بيلاطس، الحرس عند القبر، الظواهر الكونية التي أحاطت بموت يسوع. أما خبر لو فيختلف اختلافاً تاماً عن خبر مر: هو يوجز نصّ مر، ويسقط بعض المقاطع، ويبدّل ترتيب بعض المشاهد. وهكذا يبدو لو قريباً من يو.
أي نوع من الأخبار يمثل حاش (آلام) يسوع كما نقلته الأناجيل؟ ما هو البعد التاريخي للوقائع، ولا سيّما فيما يخصّ مدلول المحاكمة اليهودية والمحاكمة الرومانية؟ ولماذا حُكم على يسوع بلموت؟ من هم المسؤولون الحقيقيّون عن موت يسوع؟ لماذا لا نجد إلاّ تفاصيل سيكولوجية بحيث صار موت يسوع رسمة لاهوتية سريعة؟
ب- تكوين النصّ
إن مر هو نتيجة تأمّل في حاش يسوع وقيامته. ومع ذلك فقد ألّف انطلاقاً من مراجع أعاد الكاتب صياغتها. ما هو الخبر الأساسي الذي وصل إلى مرقس؟ وكيف نتصوّر عمله التدويني؟
* الدهن بالطيب في بيت عنيا (14: 3- 9). نحن أمام قطعة تقليدية انتمت إلى الحلقة الإخبارية للحاش. وزيدت آيات تدوينية (14: 1- 2، 10- 11) بشكل تضمين، فجعلت من هذه المقطوعة مقدمة لمجمل الحاش: وهكذا ظهرت بوضوح عناصر دراماتيكية من معارضة البشر وعدم فهمهم، ومن قرار يسوع وحريته في مسيرته إلى الموت. لن نبحث هنا عن ملخّص لبرنامج يسوع خلال اليوم الأول من الآلام، بل عن دعوة لنتعلّم إيمان هذه المرأة، فنتجاوز عثار الصليب.
* تأسيس الافخارستيا (14: 22- 25). هو تذكّر ليتورجي لما كان يتمّ في المحيط المسيحي الآتي من العالم الوثني، وهو صدى للإحتفال في جماعة مرقس. أما مشهد التهيئة (14: 12- 16) فيتجذّر في أرض أورشليم مع الإشارات الطوبوغرافية والتلميح إلى العشاء الفصحي. أما إعلان خيانة يوضاس، أحد الإثني عشر (14: 17- 21)، فقد صيغ على أساس قول فلسطيني فيه يرثي يسوع تلميذه (14: 21).
وحَّدَ مر هذه العناصر المختلفة حوله موضوع العشاء (يعود فعل "أكل" أربع مرات في 14: 12، 14، 18، 22) فدلّ على مشاركة الإنسان في وليمة مع الله، كما دلّ عن طريق المفارقة على اتفاق في الخيانة. قد نجدها هذا التقديم تصحيحاً لنظرة تجعل من الافخارستياً "عيداً فرحاً"، وتعتبر أن المشاركة مع القائم من الموت أمر لا جدال فيه، وتنسى وجهة الخطيئة وأهمية التوبة والسير في خطى المعقم.
* النزاع في جتسيماني (14: 32- 42)، وحدة أدبية انتمت إلى خبر عن الحاش سبق مرقس. أما الإعلان عن تشكك الجميع ونكران بطرس (14: 26- 31)، فقد جُعل في ضوء وحدة يسوع تجاه أبيه ورفضه الداخلي للألم. ونستطيع أن نرى هنا أيضاً نداء إلى الأمانة والثقة بالله في خط نهاية الخطبة الاسكاتولوجية (13: 37).
نداء إلى الأمانة وسط المقاومة والإضطهاد حتى الإستشهاد. ثقة رغم الخطيئة (نكران المسيح) لأن بطرس والإثني عشر سيشعرون إلى أي حد تبدّل النعمةُ القلوب. وهكذا، حين تعي الجماعة عدم الفهم عندها والثورة والضعف في اتباع يسوع، تكتشف معنى موت يسوع كما قاله في التأسيس الافخارستي: دمي الذي يُراق عن الكثيرين (14: 24). هذه هي الكأس التي تحدّث عنها في النزاع (14: 36).
* القبض على يسوع في البستان (14: 43- 52). هناك خبر قديم ترسّخ في تقليد الكنيسة الأولى. وكمّله كل إنجيلي حسب المعطيات التي وصلت إليه، وبالنظر إلى سامعيه. إذا حفلنا النصّ وجدنا طبقتين أدبيتين: خبر بسيط موجز، ثم إضافات وضَعتها يد شخص شهد الأحداث. هنا نستطيع القول إن مرقس أخذ الخبر التقليدي للحاش كما كان في رومة، وأضاف عليه بعض الأمور على أساس كرازة بطرس.
إن تدوين مر يجعل القارئ بدون مقدّمة أمام الأحداث: يبرز التعارضات ولا يقدّم الشروح العديدة. فمشهد توقيف يسوع (14: 43- 52) يدلّ على عدم تماسك في الوضع: جاؤوا "يقبضون" عليه (14: 44، 46، 49، 51). وأخصاؤه خانوه أو تخلّوا عنه (14: 43- 45، 47، 50) وتركوه وحده. غير أن التشديد هو على استعداد يسوع لكي تتمّ الكتب وإرادة الله كما عرفها في النزاع.
* المثول أمام المجلس الأعلى (14: 55- 72). يتوسّع الخبر في الإستجواب الليلي (14: 55- 64)، ويترك القرار الأخير للصباح (15: 1). وقد يكون مر قسم خبر نكران بطرس ليسوع (14: 54، 66- 72)، ليقابل بين المعلّم والرسول الذي صار "مع" الخدم (14: 65). ألّف الحدثان بشكل متصاعد: تدرّج على مستوى شهادات الزور (14: 56، 58، 61). تدرّج على مستوى الإنكارات (14: 68، 70، 71).
رأى عدد من الشراح في "المحاكمة اليهودية" نصاً كوّنته الكنيسة الأولى لتضع أمام العالم اليهودي إعلان يسوع نفسه حول كرامته المسيحانية. يذكرون أموراً غير طبيعية في الخبر، عدم شرعية الجلسة الليلية، غياب التلاميذ لكي يشهدوا، الطابع الواضح لإعلان يسوع عن نفسه.
لا شك في أن مر بسّط الأمور وأعطاها وجهاً دراماتيكياً، ليبرز براءة يسوع ومسيحانيته المتعالية. ولكن يسوع حُكم عليه في النهاية لأن وجوده كان توبيخاً متواصلاً لرؤساء الشعب. ثم إن مر أراد أن يذكّر المؤمنين أن الإيمان لا يقوم فقط بالإستسلام لله، بل بالشهادة للمسيح. أما مشهد نكران بطرس، فلا نرى كيف اخترعته الجماعة الأولى دون أن يكون له أساس تاريخي (قالوا: فئة معارضة لبطرس!). هنا نفهم أن خطيئة الرسول الأول شكّلت تحذيراً في وقت الإضطهادات، ودعوة إلى الجبناء والجاحدين، إلى الثقة بالله والعودة إليه.
* المحاكمة الرومانية (15: 1- 20). رواها مر بشكل رسمة سريعة. كل الاهتمام ينصبّ على يسوع الذي سمّي "ملك اليهود" وحُكم عليه كذلك، مع أن السلطات اليهودية عارضت اللقب بشراسة. وظلّ. صمت يسوع غير مفهوماً، والمبادلة بينه وبين برأبا إعتباطية.
لن نبحث عن نوايا بيلاطس حين نفذ حكم الإعدام: أراد أن يخقص نفسه تجاه الإمبراطور وتجاه الشعب. ولكن لا شيء يبيّن أنه رأى في يسوع غيوراً أو ثوروياً. كان الجلد يسبق الصلب ليضعف ذاك الذي سوف يُصلب فيموت بسرعة. ولكن قد يكون بيلاطس أستعمله ليثير شفقة الشعب، كما يقول يو 19: 1- 5. أما مر فشدّد بالأحرى على موضوع يسوع الملك الذي جهله القضاء البشري. أمام هذا الحكم الكاذب، كانت صورة يسوع الصامت أمام قاضيه وجلاّديه، مشجّعاً للشهداء المدعوين للمثول "أمام الحكام والملوك" (13: 9).
* مشهد الجلجلة (15: 21- 47). إهتم الإنجيلي هنا بأن يبيّن كيف أن يسوع وصل إلى الذروة حين تحلّوا عنه ولم يفهموه. وكيف أن عمل حبّه الكامل حرّك الإيمان عند قائد المئة. فالحكم الروماني كله تلخّص في لقب المصلوب، وفي وضعه بين مجرمَين، ساعة كانت أقوال الهزء ضدّه حول الهيكل وإيليا تدلّ على الحكم اليهودي. ولكن حدث انقلابٌ مفاجئ: إنشقّ حجاب الهيكل، ففتح قدس الأقداس. واعترف قائد المئة بابن الله. ودفن يوسف الرامي يسوع تحت نظرة النسوة المتنتهات.
هنا نشهد البعد اللاهوتي لهذا التقديم المليء بالتلميحات التوراتية. فالبعد الكرازي يستند في حدّ ذاته إلى الكتاب المقدّس. ولقد عادت الكنيسة الأولى إلى كلام الله لتعطي معنى لحدث موت يسوع الذي يحيّر العقل البشري (1 كور 15: 3- 5).
ج- بنية النصّ
هل نستطيع أن نوحّد العناصر التي اكتشفناها من خلال هذه القراءة السريعة للنصّ، فنكتشف نظرة مرقس حين دوّن إنجيله؟ هنا نتوقّف كالعادة عند المستوى الأدبي، ثم المستوى البنيوي، قبل أن نصل إلى التعليم والخاتمة.
أولاً: المستوى الأدبي
هناك كتلتان تدوينيتان: كتلة تشمل الدهن في بيت عنيا، حلقة العشاء الفصحي وبستان جتسيماني حيث يبدو عمل مرقس واضحاً. ثيم ننطلق من القبض على يسوع حتى دفنه، في كتلة تعود إلى التقليد. كيف رتب الإنجيلي مواده؟
نجد توازياً بين المقدّمة التي تعلن الفصح والفطير، والخبر الأخير الذي يتحدّث عن التهيئة للسبت (15: 42) واليوم الأولى من الأسبوع (16: 1- 2). نجد في المقدّمة إجمالة حول مصير يسوع الذي يسلّمه أحد الإثني عشر، ونموذجاً يعرض على الجماعة ما فعلته امرأة من أجل يسوع قبل دفنه. إن هذه الفعلة التي حدّثنا المعلّم عن معناها، تلقي ضوءاً على العشاء الفصحي الذي يعدّ. فمنذ البداية، نجد الموت والحنوط في أفق الخبر، مع نظرة إلى إعلان الإنجيل للعالم. والأحداث الأخيرة تنطلق من الدفن والقبر لتنفتح على بلاغ ينقل (16: 5- 8). هنا وهناك نجد النسوة والتلاميذ في علاقاتهم المتبادلة رغم المسافة التي تفصل بين الفئتين.
وتضمّ مجموعة أدبية متماسكة عدة أخبار تتحدّث عن حلقة الإثني عشر (14: 17، 20، 43) أو التلاميذ (14: 32) الذين يجمعهم يسوع في الافخارستيا ويدعوهم للسهر معه في جتسيماني (ولكنهم سوف يتركونه). إذا تفحّصنا الأساليب الأدبية وجدنا مثلاً واضحاً: الكلمات الافخارستية يسبقها الإعلان بالخيانة ويتبعها إنكار بطرس وعثار الجميع. ثم صلاة يسوع في جتسيماني تسبقها دعوة إلى السهر معه وتليها زيارات ثلاث للتلاميذ النائمين. وأخيراً، كلام يسوع للذين جاؤوا يقبضون عليه، يسبقه تنفيذ الخيانة ويليه هرب الجميع.
هذه الرسمة السريعة تظهر عزلة يسوع الداخلية، والحرّية التي بها يسلّم ذاته للذي يخونه وللذين يقبضون عليه. فهو مستسلم لإرادة الآب. في الافخارستيا، اتخذ يسوع المبادرة فأعطى جسده ودمه (أي: ذاته، حياته) للكثيرين (14: 22- 25). ولكن واحداً من الإثني عشر هو الذي يسلّم ابن الإنسان. ويُضرب الراعي فتتشتّت الخراف (14: 50- 52). لم يستطع البشر أن يدركوا صلاة النزاع (14: 32- 35) فواجه الابن وحده هذا الصراع الممزّق، كما دعا تلاميذه لكي يدخلوا فيه معه فيكشف لهم ضعفهم الذي يرمز إليه النوم (14: 37- 42). حين أوقف يسوع بدأ بالصمت. وسلّم نفسه إلى الخائن وإلى الجمع المسلّح بالسيوف والعصي (14: 43- 47). وهكذا دلّ على أصل سلطانه الإلهي والقصد الذي يخضع له (14: 48- 49). وأخيراً، وجد نفسه معزولاً، عرياناً، متروكاً من الجميع (14: 5- 52) وضحيّة خطايا البشر.
وإذ تعود المتتالية التالية إلى التقليد السابق لمرقس، تقدّم لنا توازياً بين مثولين ليسوع: واحد أمام المجلس اليهودي (14: 53- 27)، وآخر أمام بيلاطس (15: 1- 20). أما المجموعة الثالثة المكرّسة لصلب يسوع وموته (15: 21- 41) فتستعيد الإتهامات التي وردت في المحاكمة المزدوجة وتلمّح إلى مجموعة الذين تبعوا يسوع. وهكذا نقدّم البنية التالية:
(1) أمام السنهدرين: وحي ابن الإنسان (14: 53- 72).
الإنتقال: اقتيد يسوع إلى عظيم الكهنة (14: 53).
أ (14: 54): بطرس في رواق عظيم الكهنة.
جلس مع الخدم يصطلي.
ب (14: 55- 59): بحث عن شهود لكي يقتلوا يسوع.
كثيرون... البعض... انقضوا هذا الهيكل.
ج (14: 60- 61): عظيم الكهنة تجاه الشهود.
سؤال: هل أنت المسيح، ابن المبارك؟
د (14: 62): جواب يسوع: أنا هو.
سترون ابن الإنسان.
ج ج (14: 63- 64): عظيم الكهنة أمام التجديف.
سؤال: هل نحتاج أيضاً إلى شهود؟
ب ب (14: 64- 65): إعلان: إنه يستحقّ الموت.
الجميع... البعض... تنبّأ!
أ أ (14: 66- 72): لطمة الخدم. كان بطرس يصطلي.
واجه خادمة عظيم الكهنة.
إنكار مثلّث- صياح الديك (مرتين).
تذكر بطرس وبكى.
(2) أمام بيلاطس: صلب ملك اليهود (15: 1- 20).
الإنتقال: في الصباح اقتيد يسوع إلى المجلس وسقم إلى بيلاطس (15: 1).
أ (15: 2- 5): سؤال يسوع: أأنت ملك اليهود؟
أنت تقول.
شكاية عظماء الكهنة. صصت.
ب (15: 6- 8): يطالب الجمع ببرأبا ابن الفتنة.
ج (15: 9- 11): عرض بيلاطس المساومة:
إطلاق ملك اليهود الذي أسلم حسداً.
الجمع: إطلاق برأبا.
د (15: 12- 14): بيلاطس أمام الجمع:
هذا ملك اليهود.
الجمع: اصلبه! اصلبه!
ج ج (15: 15): إنتهت المساومة وتمّ العقد.
أراد أن يرضي الجمع فأطلق برأبا وأسلم يسوع.
ب ب (15: 16): جمعوا الكتيبة كلها.
أ أ (15: 17- 19): هزء الجنود: سلام، يا ملك اليهود!
لباس الأرجوان، إكليل الشوك، الضرب، الهزء، البصاق.
(3) صلب المسيح وموته ليصلب (15: 20).
إنتقال: اقتيد يسوع ليصلب (15: 20).
أ (15: 21): سخروا سمعان القيريني ليحمل الصليب.
ب (15: 22- 28): إستعادة المحكمة الرومانية.
الصلب، إقتسام الثياب، ملك اليهود، رفيقا الصلب.
ج (15: 29- 32): إستعادة المحاكمة اليهودية.
الهيكل، التجديف، المسيح ملك إسرائيل، شتيمة الرفيقين.
د (15: 33- 37): صياح يسوع وموت البارّ:
الظلمة، إلهي إلهي! سؤال حول إيليا.
ج ج (15: 38): إنفتاح معبد اليهود بعد أن انشقّ ستار الهيكل.
ب ب (15: 39): صياح القائد الروماني:
في الحقيقة كان هذا الرجل ابن الله.
أ أ (15: 40- 41): حضور النسوة اللواتي تبعن يسوع من الجليل.
إن هذا التصميم المثلّث، والمؤسّس بشكل خاص على تقابلات أدبية أو توازيات وضعية، يتيح لنا أيضاً أن نبرز الطريقة التي بها قدّم الإنجيلي يسوع في مواجهة البشر وفي خضوعه لأبيه. ما عاشه بشكل نبوي وكأنه في الخفية، ساعة العشاء الفصحي وفي بستان جتسيماني، ها هو يعيشه الآن في الواقع القاسي بشكل علني. ويشدّد قلب كل توسّمع كيف يتمّ عطاء يسوع. 
أمام أعضاء السنهدرين الذي يشكّل القضاء الأعلى في شعب العهد، أسلم نفسه إلى الموت، كابن الإنسان الذي جاء من الله وأنبأت به الكتب. وحين ترك بيلاطس يحكم عليه بضغط من الجمع، جُعل ملك اليهود مع المجرمين فدلّ على طبيعة ملكوته وارتباطه بالهيكل. وبدا موته على الصليب، وسط الظلمة، استسلاماً لله أبيه في تتمة عمل الروح عبر تمزّق كيانه.
وحول هذه النواة التي تكثّف المعنى، وحيث نجد تعبيراً عن موقف يسوع في المتتاليات الثلاث حول الآام، نكتشف تقابلات على مستوى المواضيع نشير إليها إشارة سريعة. تجاه خيانة أحد الإثني عشر وتشكّك الجمع وإكار بطرس، وانتظار ابن الإنسان قبل أن يقوم ويسبق أخصّاءه إلى الجليل، نجد نكران بطرس الجليلي والذي هو واحد منهم، وحكم رئيس الكهنة على ابن الإنسان، ومسيح العهد وملكوت الله.
وتذكرنا المحاكمة الرومانية من جهتها التوقيف لا البستان على يد أهل المجلس، واقتياد يسوع إلى بيلاطس وتدخّل الجمع وضغطه لكي يحكم عليه. بدا يسوع كمجرم ووسيلة تتبادل جمع ابن الفتنة. حيّوه باحتقار، هدّدوه بالعصي، ضربوه بالقصبة، عرّوه من الثوب الأرجواني.
وأخيراً، يذكّرنا مشهد الصلب النزاع والصراخ وصلاة يسوع، النزاع وموقف اللافهم الذي عبّر عنه النوم (14: 37- 40) أو الهزء (15: 29، 31، 32)، الإشارة إلى الساعة (14: 37، 41؛ 15: 25، 33، 34) والأرض (14: 35؛ 15: 33)، المسافة بين التلاميذ ويسوع (14: 32، 34؛ 15: 40). كل هذا يدلّ على التناسق الداخلي في الخبر. 
ثانياً: المستوى البنيوي
* وتتواتر العناصر التي لها معناها على المستوى البنيوي: الإشارات الجغرافية، الإشارات الزمانية، الأشخاص الحاضرون.
* الإشارات الجغرافية
ننطلق من بيت عنيا، بيت العناء والضيق حيث يتكئ يسوع في بيت سمعان الأبرص (14: 3)، كما كان متّكئاً في كفرناحوم مع العشارين والخطأة (2: 15). وها هو الأفق ينفتح منذ الآن على أبعاد العالم كله (14: 9). ما يجري هنا سيصل إلى أقطار الكون الأربعة. واستعملت قاعة في المدينة للافخارستيا، بما أن جسد يسوع سوف يصبح موضع العهد والمعبد النهائي.
بدا المعلّم وكأنه يعود إلى الوراء، كما يدلّ عليه الرجوع إلى جبل الزيتون، وتذكر الجليل. ولكنه يعلن منذ الآن أنه يسبق تلاميذه إلى هناك (14: 28). والمسيرة التي يتمّها في موته، سيقومون بها هو أيضاً بدورهم: من جتسيماني إلى الآب، ومن الآب إلى جتسيماني، امام المحافل (14: 53؛ رج 13: 9) والولاة (15: 1؛ رج 13: 9). ولكنهم يتبعونه دوماً من بعيد (14: 54؛ 15: 40). هناك مسافة بينهم وبين معلّمهم (14: 32، 34، 68).
نحمل الصليب (15: 21)، يعني نقبل أن نموت عليه. والجلجلة (15: 22) تدعو كل واحد ليكتشف أين هو المعبد الحقيقي في العالم الم يعد مخفياً. إنشق الحجاب). ليكتشف الصليب الذي قد ينزل عنه (15: 32) من أجل هلاكه. طريق الحياة ينطلق من الجليل إلى أورشليم (15: 41؛ رج 10: 32) ويقود إلى ملكوت الله (15: 43؛ رج 9: 47؛ 10: 32، 35) ماراً في القبر (15: 46). وهكذا وجدت مسيرة التلميذ صورة مسبقة في مسيرة يشوع، كما عرفناه منذ الإنباء الثالث بالآلام (10: 32- 34).
* الإشارات الزمانية
الإشارات الزمانية عديدة وهي لا ترد من قبيل الصدف. في بداية الخبر يذكر مرتين الفصح والفطير (14: 1، 12). هذا الوقت يحدّد موقع الحدث بالنسبة إلى الكلندار (الروزنامة، التقويم) الديني لدى اليهود. ولكن الأمر لن يكون كذلك فيما بعد. في النهاية، يتحدّث النصّ عن سبت يهيّأ (15: 42) بعد أن وصل إلى نهايته (16: 1) وانفتح على يوم سرّي، يوم أول هو الأحد (16: 2).
كل هذا يدلّ على أن زمن الفصح والسبت قد تمّ وتعدّاه الزمن: فلابن الإنسان سلطان ليحرّر الإنسان من الخطيئة (2: 10، ما كان يقوم به حمل الفصح). وهو ربّ السبت أيضاً (2: 28). لقد بيّنت المقدّمة أيضاً أن الفصح حصل "بعد يومين" (14: 1). اليوم الأول هو يوم ذبح الحمل الفصحي، كما هو مذكور في الإستعدادات (14: 12). هو يوم الآلام الذي يبدأ "عند المساء" (14: 17) مع العشاء الأخير الذي يمتدّ إلى "الليل" (14: 30) بالمثول أمام المجلس ونكران بطرس عند "صياح الديك". الذي يمتدّ إلى "الصباح" (15: 1) مع المثول أمام بيلاطس.
ساعة يسوع (14: 41) هي الساعة التي يطلب فيها السهر والصلاة (14: 37- 38). وهي تمتدّ في تعداد ساعات الصلاة التقليدية: الساعة التاسعة (15: 25)، الظهر (15: 33)، الساعة الثالثة (15: 33- 34). إن يوم الحاش والآلام، اليوم الأول في الفطير، حيث يُذبح الفصح (14: 12)، ينتهي بمشاهدة النشوة للمكان. وضع فيه جسد يسوع. وبدأ يوم ثانٍ "إذ كان المساء قد أقبل" (15: 42)، يوم راحة الله، يوم السبت (معنى سبت: استراح). سار هذا اليوم في صمت الموت والقبر. "واليوم الثالث" الذي هو عبارة تذكّرنا بالإنباء المثلث بالقيامة (8: 31؛ 9: 31؛ 10: 34) يبدأ مع خاتمة السبت والعودة إلى العمل (16: 1: إشترت). ولما بلغ الصباح (16: 2)، ذهبت النسوة إلى القبر.
حين نقرأ هذا التسلسل، نفكر بالمرحلة الخامسة التي رتّبت في ثلاثة أيام: دخول إلى أورشليم والهيكل (11: 11، 12، 20). خروج من المدينة (11: 19) إلى بيت عنيا (11: 11) أو جبل الزيتون (13: 1- 3). ونزيد أيضاً يوم بيت عنيا (14: 3) والتهيئة (14: 12). وأخيراً الأيام الثلاثة التي أشرنا إليها الآن.
ونجد أيضاً أسبوعاً كاملاً يدلّ على أسبوع الخلق ويشير إلى خلق جديد دشّنه يسوع المسيح، دشّنه حدث ابن الإنسان كما قدّمته خطبة نهاية الأزمنة (13: 24- 27) وجواب يسوع إلى عظيم الكهنة (14: 62).
* الأشخاص الحاضرون
في الوسط، نجد وجه يسوع. هو حاضر حضوراً حميماً في مجموعة الإثني عشر. دلّ على نفسه أنه "ابن الإنسان" الذي يريق دم العهد من أجل الكثيرين وعلامة الدخول إلى ملكوت الله (14: 25). وهو أيضاً "الراعي" الذي يسبق خرافه المشتتة. أمام الآب هو الابن الذي يسهر ويصليّ، ثم يعود إلى تلاميذه كابن الإنسان الذي يسلّم إلى أيدي الخطأة (14: 41). أمام الذين جاؤوا يوقفونه، انه "الرابي" الذي يخونه أحد تلاميذه، ويتركه الباقون. ويسطع السرّ في كل بشاعته: إن ابن الإنسان الذي جاء إلى البشر، قد سلّمه أولئك الذين كشف قلبه لهم. فمن هم هؤلاء البشر وكيف يكشفهم أمام نفوسهم؟
اليهود والوثنيون الحاضرون في المحاكمة المزدوجة مع ما في تصّرفهم من التباس. لا كمجموعتين اثنتين، بل كفئتين تتواجهان على مستوى الفكر والموقف الديني. الأولون هم مؤمنون أرادوا أن يسجنوا الله ومسيحه داخل صورة رسموها هم عنه. الآخرون هم "لا مؤمنون" (بالله الواحد). يعتبرون أنهم يجدون في داخلهم معنى حياتهم. ينغلقون داخل النزاعات السياسية والإقتصادية والإجتماعية والسيكولوجية.
جرت المحاكمة اليهودية في الليل، في محيط يعيش من الكتاب المقدّس ويفسرّه بطريقته، أي ينتظر تمامه في يسوع. فألقاب يسوع التي ترد في هذه المحاكمة، ستعود على الجلجلة في فم عظماء الكهنة والكتبة، وهي خاصة بالعالم اليهودي: مسيح (14: 61؛ 15: 32). ابن المبارك (14: 61). ابن الإنسان (14: 62). النبي (14: 65). ملك إسرائيل (15: 32) الذي يدعو إيليا (15: 35- 36).
أما المحاكمة الرومانية فتجري في وضح النهار. الأحداث ظاهرة على عيون الجموع: المساومة، المجموعات الضاغطة، محاكمة سريعة وملحّة، العنف والشتم والتجديف. هذا ما يدلّ عليه عذاب الصليب. ولقب الحكم على يسوع هو لقب الهزء والسخرية: "ملك اليهود" (15: 26؛ رج 15: 2، 9، 12، 18). غير أن موت هذا الإنسان صار علامة للعالم، لأن القائد الروماني الذي رآه يعاني سكرات الموت عرف فيه "ابن الله" (15: 39). وهكذا حقّق هذا الوثني من دون أن يعلم إعلان يسوع أمام المجلس: "سترون ابن الإنسان جالساً عن يمين القدرة" (14: 62).
فمن هو "هذا الرجل" الذي يكشف الضمائر بحضوره ويحكم عليها؟ هو يسوع الناصري الذي يوجّه كلامه إلى كل إنسان سواء كان يهودياً أم وثنياً. هل نجيب مثل بطرس: عند نهاية الليل وصياح الديك "أنا لا إعرف هذا الرجل (لا أريد أن أتعرف) الذي تتكلّمين عنه" (14: 71)؟ أم نجيب مثل قائد المئة ساعة أخذت الشمس تميل إلى المغيب: "في الحقيقة، هذا الرجل هو ابن الله" (15: 39)؟ يا ليت صاحب الجواب الأول يكتشف طريق التذكر والدموع، طريق الندامة والعودة إلى الله كما فعل بطرس! وهنيئاً له إن عرف أن يكتشف نظرة يسوع تخرقه إلى الأعماق!
4- التعليم الذي نجده في النصّ
إن خبر الحاش كما قدّمه مرقس، هو مجموعة متماسكة تبيّن لنا كيف صار يسوع في قلب التاريخ البشري، وهو يطرح على الناس في كل عصر، السؤال الجوهري حول حياتهم ومعنى وجودهم.
من هو المسيح الذي ينتمي إليه المسيحيون؟ سألت المحكمة العليا في الشعب اليهودي، فأقرّ يسوع أنه "المسيح، ابن المبارك"، ذاك الذي يلاقي انتظار إسرائيل لأنه حقاً ذاك المرسل الذي وعد به الله شعبه. ولكنه حدّد ما تعني هذه الهوية. لا شك في أنه نسل داود وبذلك يشغل عرش ملك الله في إسرائيل. ولكنه يقوم بهذه الوظيفة بطريقة لم يسمعها أحد: فهو يمارس سلطة الله عينها: يأتي على سحاب السماء. ليس فقط "ابنا" لله، شأنه شأن الملوك في إسرائيل. إنه الابن الوحيد الذي. يحمل إلى البشر ملء وحي الله.
غير أن هذه البنوّة المتعالية والمسيحانية الداودية تسلّم نفسها، بشكل مفارقة، في الذلّ والعار. هذا ما عرفه شعب إسرائيل على مدّ تاريخه: فإله العهد يُقبل ويُرذل. والأنبياء الذين أرسلهم قد عرفوا الإضطهاد وأسلموا إلى الموت. غير أن صورة عبد الله المتألمّ الذي بذل حياته فتمجّد وبرّر الكثيرين، إحتاجت إلى أن تتحقّق فعلاً في يسوع حتى تُفهم على أنها نبوءة مسيحانية. في هذا المعنى، تمّت الكتب تتمة بشرية ولاهوتية. وهكذا نستطيع أن نقرأها في كل حقيقتها الروحية.
خاتمة
مع يسوع اقترب ملكوت الله من الإنسان ودعاه إلى التوبة والإيمان بالإنجيل (1: 15). وهذا الإنجيل يجتاح الإنسان، ويسلمه عبر الموت إلى أبعد من ذاته. هذا ما حدث ليسوع فوصل معه الوحي إلى ذروته، لا قولاً وكلاماً وحسب، بل حقيقة وواقعاً.
أن يكون الوثني (الضابط الروماني) هو أول من تقبّل تعليم يسوع، يدلي أولاً على صورة الكنيسة التي يعيش فيها مرقس. ويدلّ على أن كل إنسان يستطيع أن يعلن إيمانه بلاهوت يسوع المسيح، بقدر ما يحسّ أنه معنيّ بموته. وهو يعرف أن هذا الوعي لم يأتِ منه، بل من يسوع، بل من الكنيسة التي ما زالت تذكر في افخارستيتها موت يسوع وقيامته حتى مجيئه.
إن يسوع يبقى على الدوام موضوع نكران ناله وموضوع اعترافنا به: فبين أزمة الإيمان التي تجعلنا نرفض بأن نتبعه، وصرخة الإيمان التي تأخذنا إلى أبعد مما نريد، يعيش المسيحي وضعاً صعباً، ولكن وضعاً يحسده عليه كل إنسان. هو منذ الآن في تيار الخلاص وعذوبة الحياة مع الله. ومع ذلك فهو ما زال ينتظر. وقد يسقط فيعود كما فعل بطرس. وقد يكون شاهداً لموت يسوع ودفنه مثل النسوة. المهم هو أن لا نتوقف عند الموت، بل نتطلّع إلى القيامة. فإليها وجّه يسوع أنظار التلاميذ حين دعاهم إلى أن يسبقوه إلى الجليل: هناك ظهر لهم وأرسلهم إلى العالم كلّه.

 

 

الفصل الثاني والثلاثون
الإستعداد للفصح
14: 1- 16
تحدّثنا هذه المجموعة عن أكثر من استعداد للفصح. فعظماء الكهنة والكتبة يستعدون لكي يقتلوا يسوع ولكنهم يخافون الشمعب وشغبه (14: 1- 2). ويهوذا (يوضاس) أحد الاثني عشر يستعدُ أيضاً في عملية بيع وشراء (14: 10- 11). ونظرةُ تلك المرأة في بيت عينا إلى يسوع "الذي سيموت"، استبقت الأمور وطيّبت جسده قبل الدفن (14: 3- 9). أمّا التلميذان اللذان أرسلهما يسوع (14: 12- 16) فذهبا إلى العلية المحفوظة للمعلّم، وهناك أعدّا ما يلزم من أجل عشاء الفصح: ذبح الحمل، الأعشاب، العطور...
1- نظرة عامة
أ- وكان الفصح والفطير (آ 1- 2)
يبدأ الخبر بذكر الوقت، فتبدو هذه الإشارة الزمانية حاشية تاريخيّة محدّدة: "كان الفصح والفطير بعد يومين" (14: 1). إن المقابلة مع سائر الأناجيل، ولا سيّما يو، يبيِّن أن التسلسل الزمني لا يتوافق حول الزمن الذي فيه كل يسوع مع تلاميذه حمل الفصح.
فحسب الإنجيل الرابع، مات يسوع يوم الجمعة التي هي ليلة الفصح المدعو أيضاً اليوم الأول من الفطير. مات في 14 نيسان (قمر نيسان، 14 أذار- 14 نيسان)، الساعة الثالثة بعد الظهر، ساعة تُذبَح الحملان. أما حسب الإزائيين (14: 12؛ مت 26: 17؛ لو 22: 7)، فقد احتفل يسوع مع تلاميذه بالفصح الرسمي يوم الخميس 14 نيسان، عند المساء. وهذا يعني في الساعات الأولى من 15 نيسان، لأن اليوم عند اليهود يبدأ ساعة غياب الشمس (كما في الليتورجيا عندنا. لهذا يقال في تك 1: وكان مساء وكان صباح. فاليوم يبدأ مساء اليوم السابق). وهكذا مات يسوع يوم الجمعة، 15 نيسان، في قلب العيد. مثل هذه النظرة بعيدة عن المعقول: كيف نتصوّر محاكمة تنتهي بالحكم بالموت في وقت مقدّس مثل عيد الفصح والفطير؟
وقُدّمت شروح عديدة لحلّ هذه المسألة. إعتبر بعض المؤرّخين أن الحقّ بيد الإزائيين. وأن يوحنا استبق موت يسوع بيوم من أجل أسباب لاهوتية. وحاول آخرون أن يوققوا بين جميع المعطيات. كل يسوع الفصح يوم الخميس مساءً. وكانت الحملان قد ذبحت قبل يوم من موعدها بسبب السبت الإحتفالي. أو أنه احتفل بالعشاء الفصحي مع الفريسيين يوم الخميس. أما الصادوقيون فيقومون باحتفالهم في اليوم التالي بسبب الخلاف حول الحساب التقويمي. أو أنه تبع كلندارا كهنوتياً من النوع الشمسي، يعمل به الاسيانيون، لكي يستطيع أن يستبق الفصح (دون ذبح الحمل ذبحاً طقسياً). فاحتفل بالفصح يوم الثلاثاء مساء وفي بداية 12 نيسان الرسمي الذي يوافق 15 نيسان عند شيعة الاسيانيين.
كل هذه الفرضيّات لم تفرض نفسها. غير أننا نظنّ أن عشاء يسوع الأخير (عشاء الوداع) اتخذ مدلولاً فصحياً بالنظر إلى موته على الصليب لا بالنظر إلى خضوعه المادي للكلندار الرسمي. ويدلّ تأليف الأناجيل على هدف رمزي لا نستطيع أن نهمله. فالازائيون يبيّنون لنا أن موت يسوع هو في الوقت عينه تتمة الفصح اليهودي وفتحه على مستوى الكون. إذن، ستظهر وجهة القطع والفصل أيضاً مع المعنى الجديد الذي حمله يسوع لعمله. وقد يكون مرقس اهتئم بهذا الأمر. فلم يشدّد على عيد الفصح والفطير (14: 1، 12)، بل على يوم السبت وتهيئته (15: 42؛ 16: 1) الذي يأتي بعده يوم القيامة مع الإحتفال المسيحي الأسبوعي.
ومهّما يكن من أمر، فإن مرقس أعطى خبره إطاراً حدّده في يومين هما جزء من الأسبوع الأخير في الأناجيل. اليوم الأول (الاثنين): 11: 12- 19؛ اليوم الثاني (الثلاثاء): 11: 20- 12: 44؛ اليوم الثالث (الأربعاء): 14: 1- 11؛ اليوم الرابع (الخميس): 14: 12- 72؛ اليوم الخامس (الجمعة): 15: 1- 47؛ اليوم السادس (السبت): 16: 1؛ اليوم السابع (الأحد): 16: 2- 8. ولكن هذا التحديد يبدو صعباً، إنه أشبه بلوحة فنية أكثر منها واقعية. لأنه يستحيل عملياً أن نضمّ في هذا الوقت القصير جميع الأحداث التي يكلّمنا عنها الإنجيلي، حتى وإن سرَّعنا بشكل بارز مسيرة القضاء. ولهذا نتساءل إذا كانت هذه الرسمة لا ترجع إلى احتفال مقدّس، إلى ثلاثية فصحيّة مارستها الجماعات المسيحية الأولى. 
يرى مرقس أن قرار قتل يسوع، قد اتخذه منذ زمن بعيد، رؤساء الشعب اليهودي (11: 18). أما مشكلتهم الحالية فتشير إلى الطريقة التي بها ينفّذون مخطّطهم (12: 12). بما أنهم يخافون الشعب (11: 18، 32؛ 12: 12) عليهم أن يُعملوا الحيلة لكي لا تصدر فتنة في العيد. فالأحزاب الوطنية اعتادت أن تختار الأيام التي فيها يتجمّع الحجّاج، لتحرّك الأمال المسيحانية في الشعب فتثير الشغب.
ب- كان يسوع ببيت عنيا (آ 3- 9)
وربط التقليد منذ زمن باكر بين إقامة يسوع لا بيت عنيا (بيت العناء والضيق) وزيارته الأخيرة إلى أورشليم (11: 1، 11، 12). حدّد يوحنا هذا الحدث "في اليوم السادس قبل الفصح" (12: 1). أما مضيف يسوع، سمعان (الذي كان أبرص)، فلا نعرف شيئاً آخر عنه. قد يكون يسوع شفاه كما شفى الأبرص في بداية حياته العلنيّة (1: 43).
أدخلتنا امرأة إلى جوّ الحاش، وفسرّ يسوع فعلتها كاستباق لدفنه (14: 8). ففي موته (15: 40- 41) ودفنه (15: 47)، أحاطت به النسوة أيضاً. وفي صباح القيامة سيأتين إلى القبر ليطيّبن جسده (16: 1). وهناك تسلّمن بلاع القيامة (16: 6- 7). لا شكّ في أن لمرقس هدفاً حين شدّد على هذا الحضور النسائي يا حياة يسوع، مع أن هذا الحضور ظلّ متحفّظاً إن لم يكن خفياً عبر الإنحيل كله (1: 30؛ 5: 23- 25؛ 6: 17- 22؛ 7: 25؛ 12: 42).
حسب العهد القديم كانت النساء الغانيات (أم 7: 17؛ أش 57: 9) يستعملن العطور لإغواء الرجال. أما المرّ فيدلّ على حضور العريس في نشيد الأناشيد (1: 13؛ 4: 14؛ 5: 5)، كما يدلّ على تلّة الهيكل التي منها يتصاعد دخان البخور (نش 4: 6). أما امرأة بيت عنيا فصبت عطرها على رأس يسوع دلالة على استقباله (مز 13: 2). وقد نستطيع أن نرى في هذا الدهن بالطيب إشارة إلى مسحة كهنوتيّة (خر 30: 22؛ 23) أو ملوكيّة (1 صم 9: 16- 17؛ 10: 1؛ مز 45: 8). إن هذه الفعلة لها معناها العميق في نظر مرقس: ففي العماد نال يسوع المسحة النبوية من الروح (1: 10- 11= أش 42: 1). وأعلن أنه المسيح (8: 29) وابن داود الملك (11: 9- 10) ومنحه حضوره الأليم على الصليب المسحة الكهنوتية. ولكن لم يؤكّد أحد على مسيح الرب بفعلة خاصة سوى هذه المرأة. لا شكّ في أنها لم تُدرك بُعد ما فعلت. أما بالنسبة إلى الإنجيلي، فهي تمثّل إيمان الكنيسة الخارجة من الخطيئة لتتقبل ضحيّة الجلجلة كمسيحها.
"لم هذا الاتلاف والتبذير"؟ ذاك سؤال طرحه "بعضهم" مستاء. تحدّث مت 26: 8 عن التلاميذ. وقال يو 12: 4: يهوذا الإسخريوطي. وكان صدى لهذا الاستياء في الجماعات المسيحة حول مشاريع اجتماعية، ومشاريع من أجل العبادة والصلاة. تجاوز يسوع كل ما يتعلّق بتقديرات الحاضرين: 300 دينار. هذه المرأة قامت بعمل عظيم لا يثمّن. عملته من أجلي، وهذا ما كان عليها أن تعمل. ثم إن دفن الموتى هو عمل محبّة شأنه شأن الصدقة من أجل الفقراء كما يقول الكتاب (طو 1: 16- 20؛ 2: 1- 8).
كانت شريعة موسى قد طلبت من الشعب أن يعملوا جهدهم لئلا يكون بينهم فقير (تث 15: 4). ولكنها لاحظت في الوقت عينه أنه سيكون دوماً فقراء في البلاد، وأنهم يحتاجون دوماً إلى مساعدتنا (تث 15: 11). أمّا هذه المرأة فتجاوزت مسافة الواقع الملموس في متطلّبة العهد هذه. فرأت في يسوع الفقير الحقيقي الذي رذله شعبه وقتله. فقدّمت له حضورها وعاطفة محبّتها. فيسوع في نظرها أثمن من عطر ثمنه ثلاث مئة دينار راحت "ضياعاً". إذن، بدت فعلتها في نظر المعلّم كاعتراف بقيمة موته الفريد. وحده يسوع أعطى هذا المعنى لما عملت.
والإعلان الذي أضيف إلى تذكّر المرأة الذي ارتبط باعلان الإنجيل يدلّ على صدق إيمان المرأة ويقدّمها نموذجاً للمسيحيين الأولين. فما فعلته من أجله قبل موته، سيفعلونه هم بدورهم على خطى النساء القديسات تجاه القائم من الموت. فهذا القائم هو منذ الان حاضر في الإخوة، في هؤلاء الفقراء الموجودين في جماعاتنا وفي عالمنا. هؤلاء نستطيع أن نحسن إليهم متى شئنا.
ج- ومضى يهوذا الإسخريوطي (آ 10- 11)
وتجاه فعلة هذه المرأة نجد "العرض" الذي قدّمه يوضاس (يهوذا) أحد الاثني عشر (14: 10؛ رج مت 26: 14؛ لو 22: 3) لعظماء الكهنة بأن يسلمهم يسوع. لقد استبق مشروعاً ما زالوا متردّدين في تحقيقه. وتساءل مرقس مع كنيسته بالنسبة إلى هذا العمل وما فيه من شك ومعثرة: يسوع يخونه أحد أخصائه! 
يرى مرقس شأنه شأن لوقا (22: 5)، أن عظماء الكهنة هم الذين وعدوه بالمال. أما متّى فحدثنا عن عقد بادر إلى العمل به يوضاس، فرأى فيه تتميماً لنبوءة زكريا (مت 26: 15؛ رج زك 11: 12؛ مت 27: 9- 10). أما يوحنا فرأى في هذا العمل جشع يوضاس وحبّه للمال. هذا هو الباعث على الخيانة (يو 12: 6).
ينتج من هذا الخبر القصير أن مسؤولية موت يسوع تقع في الدرجة الأولى على "أحد الاثني عشر". نحسّ أن لولاه، لما تجسّد مشروع القتل الذي نواه الرؤساء خوفاً من الجمع.
إن تذكر امرأة بيت عينا، والسؤال المطروح حول وجود الخائن بين الاثني عشر، أتاحا للجماعة المسيحية أن تكتشف نعمة الله وخطيئة الإنسان أمام ذاك الذي تكرمه وفي الوقت عينه ترذله.
د- وفي اليوم الأول من الفطير (آ 12- 16)
وأخذ يضيق إطار الأحداث شيئاً فشيئاً: إن الفصح والفطير يعنيان الشعب ورؤساءه. وليمة بيت عنيا ضمت عدداً قليلاً من المدعوّين. يوضاس والكهنة مثلّوا مجموعة المعارضين. فلم يبق الآن إلا جماعة التلاميذ الذين يستعدون للإحتفال بالفصح مع معلّمهم.
تحدّث مرقس عن "اليوم الأول من الفطير، الذي فيه يُذبح الفصح" (آ 12). إذن، نحن في 14 نيسان، بعد الظهر وهو يوم الإستعداد الذي فيه تنحر الحملان في الهيكل. وكانوا يحتفلون بالعشاء الفصحي في ذلك المساء عينه: ساعة يبدأ ليل البدر ومعه 15 نيسان الذي هو أول الأيام السبعة التي فيها يأكلون خبزاً بلا خمير. هناك بعض الغموض في العبارة، بحيث إن يوم التهيئة يعتبر وكأنه اليوم الأول من أعياد العيد الثمانية.
أن ترتيب الخبر يقابل ترتيب استعداد الدخول إلى أورشمليم (11: 1- 7). إتخذ يسوع البادرة فأرسل تلميذين أعطاهما علامة: رجل يحمل جرّة ماء. هذا أمر نادر، لأن هذا العمل محفوظ للنساء. استندا إلى توصية المعلّم، ووجدا كل شيء كما قال لهما. هذه الرسمة تدلّ مرة أخرى على الحرّية التي بها يذهب يسوع إلى موته فيشرف على الأحداث.
لا يُذكر هنا الحمل الذي يجب أن يذبحه ربّ البيت في رواق الهيكل قبل أن يعود به إلى البيت. نقرأ فقط لفظة "الفصح" التي قد تدلّ على الحمل (حمل الفصح) أو على مجمل العشاء الذي يذكّر بطقسه والأطعمة التي فيه، بافتداء إسرائيل ساعة الخروج من مصر.
2- قراءة تفصيلية
بعد هذه النظرة العامة، نعود إلى التفاصيل التي نجدها في آيات هذا المقطع الذي يدخلنا في جوّ الآلام عبر ذكر بيت عنيا، ويوضاس، عبر الاستعداد لعيد الفصح. لن يكون الحمل الحقيقي ذاك الذي ينحرونه في رواق الهيكل، بل يسوع المسيح الذي يبذل جسده، ويريق دمه، لا من أجل أحبّائه فقط، بل من أجل البشر الكثيرين، من أجل جميع البشر.
أ- المدخل (آ 1- 2)
رج مت آ 2: 1- 5؛ لو 22: 1- 2؛ يو 11: 45- 53. هذه القطعة الصغيرة تعتبر المدخل لخبر الحاش كله. فهي تكثّف في بضع كلمات ما سوف نصل إليه فيما بعد: القبض على يسوع وقتله. قدّم مت 26: 2 المقطع في الخطبة المباشرة: "تعلمون أنه بعد يومين يأتي الفصح وابن الإنسان يُسلم ليصلب". ومزج لو 22: 1 بين العيدين: "وكان عيد الفطير المسمّى الفصح". أما مر فاختار الخطبة غير المباشرة، وجمع مراجعه، فحدّثنا عن يومين "قبل الفصح والفطير". في آ 12، سيذكر العيدين أيضاً، ولكن هذا لا يساعدنا، لأن عيد الفطير يقع بعد ثلاثة أيام لا اثنين. إن النصّ اليوناني "ميتا دوو هاماراس" قد يعني أيضاً في العالم اليهودي: في الغد (نحسب هذا اليوم الذي نحن فيه وذاك الذي يليه). هنا نذكر 8: 31: في اليوم الثالث (ماتا ترايس هاماراس). 
الفصح (بسخا في اليونانية). تستعمل اللفظة، كما قلنا، لحمل الفصح (آ 12، 14)، وللعيد نفسه (هنا وفي آ 16). وقد تستعمل أيضاً من أجل الأيام الثمانية كلها. كانوا يحتفلون بالفصح فقط في أورشليم (لا معلومات لنا حول الإحتفال به في قمران). بعد الظهر تذبح الحملان في رواق الهيكل. ويكون العشاء بين غياب الشمس ونصف الليل.
الفطير، أو الخبز بدون خمير. في الأصل هو بداية حصاد الشعير، وخلاله يؤكل الخبز الفطير (يزيلون كل خمير من البيوت، لأن الخمير هو علامة الفساد) (خر 34: 18). في العالم اليهودي المتأخر، كانوا يحتفلون بالعيد من 15 إلى 21 نيسان (خر 12: 1- 20). وكان الشعب يسمّي العيد أيضاً "الفصح". وتُذكر الممارستان معاً (الفصح والفطير) في 2 أخ 35: 17؛ رج مر 14: 12. تحدّث المؤرّخ يوسيفوس عن عيد الفطير في 14 نيسان، وهذا ما يستغرب. أما مت 26: 1، فلم يتحدّث عن الفطير، بل عن الفصح وحده.
"عظماء الكهنة والكتبة". هل نحن أمام سياسة عامة من قبل المجلس، أم أمام مخطّط قام به بعضهم؟ رج 3: 6؛ 11: 18؛ 12: 12. لا ننسى أن أع 6: 7 يتحدّث عن جمهور من الكهنة أقبلى إلى طاعة الإيمان (المسيحي). هم يحاولون "بحيلة" (إن دولو). لفظة تغيب من بعض المخطوطات. ولكنها موجودة في مت، وهي تعطينا المناخ في هذا الحدث الصغير.
"إلا أنهم قالوا" (آ 2)، هل نلغي الأداة "إلا" (الغائبة في أقدم المخطوطات) أم نبقي عليها؟ فإن أبقينا عليها أشرنا إلى عظماء الكهنة والكتبة الذين يتآمرون. إن ألغيناها لم نعد أمام أشخاص محدّدين "قال الشعب". ولكن الإبقاء عليها أفضل، لا سيّما وأن عدد المخطوطات التي تحتفظ بها هائل جداً. كما يسند هذا القول أيضاً مت 26: 5 الذي يقول: "إلا أنهم كانوا يقولون".
"لا في العيد". أي بسبب حضور الشعب الكثير في العيد. هل أرادوا أن يؤخّروا القبض على يسوع إلى ما بعد العيد ويكون يوضاس هو الذي دفعهم إلى ذلك دفعاً؟ نجد في يو 7: 11 "هيورتي" التي تدلّ على الشعب في العيد. في لو 22: 6 نقرأ: "على غير علم من الشعب"، في غياب الشعب. على كل حال، رأى الكهنة أنهم، بفضل يوضاس، يستطيعون أن ينهوا القضية. والحيلة هنا هي مهمة جداً. خافوا من الجلبة، من الشغب والإضطراب، حينئذ يتدخّل الجيش الروماني!
"الشعب" لم نعتد على هذه اللفظة عند مر الذي يفضّل في هذه الظروف لفظة "الجمع" أو "الجموع". ولكن نجد لفظة "شعب" في كما 26: 5 (لئلا يقع بلبال لا الشعب)؛ لو 22: 2 (كانوا يخافون الشعب). يعني أن هذه القطعة الصغيرة في مر قد تعود إلى مرجع آخر أخذ منه ست ولو.
ب- يسوع في بيت عنيا (آ 3- 9)
رج مت 26: 6- 13؛ يو 12: 1- 8.
يبدأ النصّ باسم الفاعل: كائناً في بيت عنيا، متكئاً في بيت سمعان. قد يكون اسم الفاعل الأول قد أضيف فيما بعد. فتكون الجملة في الأصل: إذ كان متكئاً في بيت سمعان الأبرص. قد يكون مر جاء باسم الفاعل الأول من مت. أما يو فقد يعود إلى تقليد آخر يتحدّث عن أسرة أخرى. لا نعرف شيئاً عن سمعان الأبرص. ولكن يبدو أنه كان معروفاً من الجماعة. لهذا ذُكر اسمه وقد يكون بيته "كنيسة" تلتئم فيها الجماعة. 
"إمرأة". لا نعرف اسمها. وحده يو 12: 3 يقول إنها مريم، اخت مرتا ولعازر. لا أساس للقول بأنها الخاطئة المشهورة التي ذكرها لو 7: 37. إذا تذكّرنا ما قيل في آ 9 (حيثما كرز بالإنجيل)، يبدو من الغريب أن اسمها لم يُذكر. هنا نتساءل هل إن هذه الآية (آ 9) جاءت من التقليد الأصلي، أم ارتبطت بالزمن الذي فيه كتب مر؟
"قارورة" (الابستروس). رج مت 26: 7؛ لو 7: 37. "جرة" صغيرة مدوّرة تُوضع فيها العطور. "الناردين" كلمة تعود إلى العالم الهندي، إلى شجرة يُصنع منها هذا الطيب. نجد اللفظة في الأدب الكلاسيكي وفي نش 1: 12؛ 4: 13 (ينشر نارديني عبيره، كافور مع ناردين). "كثير الثمن" (بوليتالس). رج 1 تم 2: 9؛ 1 بط 3: 4. في مت نجد "بوليتيموس" (نفيس جداً).
"الخالص". "بستيكس" (رج يو 12: 3). قد تعود اللفظة إلى "بستوس": أكيد، خالص. أو إلى "بوتوس" (الفعل بينو): سائل. أو "بيكاتون": الطيب. أو: "بيستيكوس" (من بيزو): المصفّى. وعاد آخرون إلى "فستقة" الآرامية الذي هو شجر الجوز الذي يدخل كعنصر في زيت الناردين.
"إستاء بعضهم" (آ 4). إعتاد مر أن لا يسمّي الأشخاص. وهذا ما فعله هنا: قال مت 26: 8: "لما أبصر التلاميذ ذلك غضبوا". أما يو 12: 4 فلم يذكر التلاميذ بشكل عام، بل أشار إلى يوضاس (يهوذا الاسخريوطي) وحده. نشير هنا إلى أن بعض المخطوطات في مر تقول "التلاميذ" وضمت مخطوطات أخرى اللفظتين "بعض من التلاميذ". هذا يعني أن الخطّاطين المتأخرين قد تأثروا بمتّى.
"مستائين" (قالوا بإستياء) "اغاناكتونتس" (10: 14: إستاء يسوع). نستطيع أن نترجمه بفعل أو بظرف. "كانوا مستائين الواحد مع الآخر". لا وجود لفعل "قال". لهذا زادته بعض المخطوطات (لاغونتس: قال الواحد للاخر).
لماذا استعمل هذا الطيب بهذا الشكل؟ في اليونانية: إيس تي: لماذا؟ ما هو الهدف؟ رج 15: 35؛ مت 14: 31؛ 26- 8؛ أع 19: 3. "أبولايا": الإتلاف، الضياع. غابت كلمة "الطيب" في بعض المخطوطات. ولا نجدها في مت 26: 8: "لم هذا الإتلاف"؟
"كان في الإمكان" (آ 5). نحن هنا أمام توسّع وإسهاب...: 300 دينار. ماذا يساوي هذا الثمن اليوم؟ الدينار يساوي يوم عمل في الزراعة، في أيام يسوع. لم يقدّر مت ثمن هذا الطيب (أن يباع هذا الطيب بكثير). أما عبارة مر "ابانو" أكثر من، فتدلّ على سقوط قيمة العملة في أيام نيرون.
"الفقراء". الإهتمام بالفقراء هو من واجبات التقوى اليهودية، وهو ما تفرضه الشريعة. أما هنا، فليس الإعتناء بالفقراء هو الأول، بل نحن أمام سبب مشكوك فيه يدل على هذا الإستياء.
أخذوا يدمدمون عليها". من هم هؤلاء؟ هذا ما لا يقوله مر. قد يكونون أولئك الحاضرين هنا. لم يحاول مر أن يخفّف من مسؤولية الاثني عشر. ومع ذلك، لم يتبع في هذا المجال مت. فإن كان ضمير الغائب الجمع (هم، مستتر) يدلّ على بعض الحاضرين هنا، فالعبارة ذاتها في 2: 6 (آسان دي تينس) تدلّ على الكتبة. هكذا نكون بشكل عام أمام منتقدي يسوع. "دمدم": يدلّ على عدم الموافقة بالكلمة والحركة، بالضجة والعنف.
"دعوها" (آ 6). رج 10: 14. إن توالي الأسئلة كما هو هنا، نجده في البرديات، لا في الأدب اليوناني الكلاسيكي (مت 26: 10؛ لو 11: 7؛ 18: 5؛ غل 6: 17). يلفت القسم الأخير من الآية، الإنتباه حين نقابله مع القولين السابقين. بعد السؤال وما فيه من دفاع، يأتي تقدير ما فعلته هذه المرأة.
"الفقراء عندكم" (آ 7). اعتبر بعض "النقّاد" أن يسوع يريد أن لا يتحدّث عن الفقر لأنه يشوّه الوضع البشري. قال مر وحده: "تقدرون أن تحسنوا إليهم متى شئتم". ويوازي هذه العبارة عبارة أخرى: "أنا لست معكم في كل حين". قد يشير مر هنا إلى الضيق الذي عرفته جماعته (وربّما جماعة فلسطين) في أيامه. هنا نقابل مر مع يو 14: 16: "بعد قليل لن تروني".
"إنها فعلت" (آ 8). قامت المرأة بالعمل الوحيد الذي في وسعها. نجد هنا بناء الجملة اليونانية "هو اسخان ابوياسان" (مع فعل بوياساي). رج مت 18: 25؛ لو 7: 42؛ 14: 14؛ يو 8: 6؛ أع 4: 14؛ عب 6: 13. يجب أن نلاحظ أن الوضع هنا يختلف كثيراً عن ذاك الذي نجده في 12: 44 (ألقت كل ما كان لها). إن يسوع يمتدح المرأة هنا. أما في 12: 44 فهو يحكم على تقوى كاذبة لم تكن أفضل من الإستغلال في نتيجتها.
كتب مت 26: 12: "إذ أفاضت هذا الطيب على جسدي، إنما فعلته لأجل دفني". حين نقرأ مر، نحسّ أن المرأة فعلت مثل الأرملة التي وضعت درهما في صندوق الهيكل (12: 44). وصلت إلى حدود إمكاناتها. ثم إن هذه المرأة "استبقت" دفني. اعتنت قبل الوقت (برولمبانو). فعل نجده في السبعينية، في 1 كور 11: 21؛ غل 6: 1، وقد يكون آرامياً في أصله.
ما العلاقة بين مت ومر في هذه الآية؟ هناك من قال إن مت استعاد عبارة مر واعاد صياغتها. بل نقول بالأحرى: أن مر عرف تقليداً خاصاً به قبل أن يتعرّف إلى التقليد المتّاوي. هذا ما يفسرّ الظاهرة في آ 3 (كان في بيت عنيا) وهنا. ويكون المعنى الإجمالي لهذه الآية: هذه المرأة التي لم يُذكر اسمها استبقت حفلة الدهن بالمسح بالطيب، وان لم تكن تلك نيّتها الواضحة.
"طيّبت". نشير هنا إلى أن يوسف الرامي لم يكن له الوقت الكافي لكي يطيّب جسد يسوع، قبل دفنه (15: 46). وهذا ما استعدّت له النسوة (16: 1). أما التطييب هنا، فهو تفسير أعطاه يسوع، ونحن نجده في مت ومر وحدهما.
لم يشر لو 7: 36- 50 إلى حاش يسوع وموته. وهذا ما يجعلنا نتساءل حول مر 14: 9. هناك ذكر لبيت عنيا. فقد يكون مت استقى خبره من تقليد قديم، سيضمّ إليه فيما بعد الإنجيل الرابع، مرتا ومريم. إذاً إن هذا العمل (14: 9= مت 26: 13) سيُذكر "في العالم كله"، فلماذا لم يُذكر اسم المرأة؟ هنا يقول بعض الشّراح إن الخبر كان ينتهي مع آ 7 الست معكم في كل حين). أما آ 8- 9 فهما عظة تنتمي إك الجماعة الأولى؛ أو أن تفسير مت يعطي الخبر الذي نجده في لو. أسئلة تبقى بدون جواب.
"الحقّ أقول لكم" (آ 9) (آمين، أقول لكم). هذه العبارة تبدأ قولاً احتفالياً وهاماً ليسوع (3: 28؛ 8: 12؛ 9: 1، 41؛ 10: 15، 29؛ 11: 23؛ 12: 43؛ 13: 30؛ 14: 9، 18، 25، 30). ونجدها ثلاثين مرة في مت، 6 مرات في لو، 25 مرهّ في يو مع تكرار "آمين". الحقّ الحقّ أقول لكم.
"الإنجيل". رج 1: 1. هذا هو إعلان الخلاص والخبر السعيد. ترد اللفظة مراراً في مر. رج الوجهات اللاهوتية.
"العالم كله" (رج 8: 36: يربح العالم كله). هذه العبارة تعود إلى مت (كوسموس). هناك عبارة أخرى "بنتا تا اتني" في مر 13: 10: جميع الأمم. نجدها في مت 28: 19 وفي أقوال يسوع إلى رسله في 10: 18: "لتشهدوا أمام الأمم" (الوثنية).
"تذكاراً لها". هناك عمل في الماضي، ونحن نرى الآن آثاره الحاضرة. بعد أن مات يسوع ودُفن، رافق موته ودفنه ما فعلته هذه المرأة من أجله.
ج- موافقة يهوذا على تسليم يسوع (آ 10- 11)
رج مت 26: 16؛ لو 22: 3- 6.
بعد المقطع القصير في البدء (14: 1- 2)، والخبر المليء بالحياة، والذي يدلّ على شاهد عيان، نصل إلى خيانة يسوع على يد أحد الاثني عشر. اختلف مر عن لو 22: 3 الذي حمّل بعض المسؤوليّة إلى تجربة شيطانية. وعن مت 26: 15 الذي نسب إلى الطمع ما فعله يوضاس. في مر، يبدو عمل يوضاس مأساة بشعة جداً. وهذا يكفي.
هذا الخبر القصيريتبع بشكل مباشر آ 1- 2 مع تمنيات كهنة الهيكل بأن يمسكوا يسوع بالحيلة. وها هي المناسبة قد جاءت مع أحد الاثني عشر. ما الذي دفع يوضاس إلى أن يسلّم يسوع؟ أعطيت أسباب عديدة في تاريخ المسيحية. أما نحن فقد نجد جواباً في خطّ يو 12: 6: "كان يهوذا سارقاً". أيكون حبّ المال هو الذي دفعه إلى خيانة يسوع؟ وقد يكون يوضاس أحد الغيورين، وقد تمنّى أي يسرع يسوع فيعلن مسيحانيته! ولكن مسيحانيّة يسوع هي من نوع آخر. إنه المسيح الممجّد، ولكنه قبل ذلك يمرّ في الألم والموت.
"الاسخريوطي": إنسان من كريوت، القاتل بسيف يسمّى "سيكا". إنسان الكذب والتخريط. أما الصفة التي نجدها عنه في 3: 13 فهي: الذي أسلم يسوع. وهذا ما نراه الآن. هو "أحد الاثني عشر". قد تكون العبارة ذكرت لتعفي الكاتب من ذكر اسم يوضاس. رج 14: 20، 43؛ مت 26: 47؛ لو 22: 47.
"فرحوا" (آ 11). نحن أمام فرح عظيم بسبب حدث غير متوقّع (خايرو:). رج "اوخايروس" في 2 تم 4: 2. ووعدوه بالفضة. ورد هذا القول في الخطبة غير المباشرة. أما في مت 26: 15، ففي الخطبة المباشرة: "ماذا تريدون أن تعطوني وأنا أسلمه إليكم"؟ بهذه الطريقة يصبح الخبر أكثر دراماتيكياً. ونعرف من مت أنهم وعدوه بثلاثين من الفضّة. هذا هو سعر العبد. يقول لو 22: 5 إنهم عرضوا عليه الفضة فوافق على هذا الترتيب. أما يو 13: 2 فيتحدّث عن تسليم يهوذا ليسوع، ولا يشير إلى أية مساومة! ونقرأ في مر 14: 1 أن يوضاس كان يطلب فرصة مؤاتية ليسلمه. وستأتي هذه الفرصة خلال الصلاة في البستان (14: 43).
د- الإستعداد للعشاء آ 12- 16)
مت 26: 17- 19؛ لو 22: 7- 13.
تتضمّن آ 12- 16 سلسلة من الأمور المتوازية مع نصوص كتابيّة وقد تفحّصها الشّراح على مستوى المصداقية التاريخية. ثم إن آ 12 تشير إلى أن العشاء الأخير كان في إطار العشاء الفصحي، ليلة 15 نيسان.
ونبدأ مع المتوازيات. هناك حدث في 1 صم 10: 1- 4 حيث يعطي شاول الذي مُسح بالزيت المقدّس حديثاً علامة (ثلاثة رجال ذاهبين إلى بيت إيل، وفي يد أحدهم زقّ من الخمر) تساعده على التعرّف إلى طريقه. وهناك التوازي 11: 1- 6.
11: 1- 6 14: 13- 16
1- أريل اثنين من تلاميذه 13- أرسل اثنين من تلاميذه
2- وقال لهما: وقال لهما:
اذهبا إلى القرية اذهبا الى المدينة
وهناك تجدان فيلقاكما رجل
3- قولا ... المعلّم 14- قولا.. رابي
4- فذهبا ووجدا 16- فذهبا... ووجدا
6- كما قال لهما... كما قال لهما...
"في اليوم الأول من الفطير" (آ 12). لسنا أمام إشارة زمنيّة دقيقة. المعنى السطحي هو 15 نيسان. ولكن سنفهم فيما بعد أن مر يتحدّث عن 14 نيسان. وهكذا يحدّد القول الثاني ما ورد في القول الأوّل (1: 32، 35؛ 4: 35؛ 14: 30؛ 15: 42؛ 16: 2). "الذي فيه يُذبح الفصح... تذبح حملان الفصح". صيغة الفعل تدلّ على عمل يتكرّر (كل سنة). كتب لو 22: 7: "حيث كان ينبغي (حيث كانت العادة) أن يذبح (حمل) الفصح". إن فعل "تيوو" نجده في السبعينية وفي البرديات بمعنى "قتل، نحر، ذبح". رج مت 22: 4؛ لو 15: 23، 27، 30؛ 22: 70؛ يو 10: 10؛ أع 10: 13؛ 11: 7؛ 14: 13، 18؛ 1 كور 5: 7؛ 10: 20. في أع 14: 13، 18 و1 كور 10: 20 يستعمل الفعل من أجل الذبائح الوثنية. وفي 1 كور 5: 7 عن يسوع: "حمل فصحنا قد ذُبح". وعبارة "تواين توسخا" هي المستعملة في السبعينية للحديث عن ذبح حمل الفصح.
"اثنين من تلاميذه" (آ 13- 14). سمّاهما لو 22: 8: "بطرس ويوحنا". قيل لهما: "إذهبا إلى المدينة". صارت ممارسة الفصح مركّزة في أورشليم حسب فريضة تث 16: 7 (في الموضع الذي يختاره الله ليحلّ فيه اسمه، أي أورشليم). وحين نعلم أن آلاف الحملان كانت تُذبح في هذه الليلة نتخيّل ما يعنيه جوّ العيد. ثم إن حمل الفصح يؤكل داخل المدينة أيضاً.
"رجل يحمل جرّة ماء". نحن هنا أمام ترتيب مسبق. وما يثبت هذا ما نقرأ في مت 26: 18: "إذهبا إلى المدينة إلى فلان". وهذا ما يذكّرنا بترتيب مماثل من أجل الدخول إلى أورشليم. "أين الردهة"؟ غرفة الضيوف. رج لو 2: 7؛ 22: 11. نجد اللفظة في 1 صم 1: 18. يرافق مر لو. أما مت فيغفل خبر الذي يحمل الماء، وينقل كلمة يسوع: "إن زماني قد اقترب. فعندك أصنع الفصح مع تلاميذي" (26: 18).
"يريكما عليّة" (آ 15) (أناغايون). نجد في أع 1: 13 "هيبارودن" في المعنى ذاته. هي غرفة مفروشة فرشاً فاخراً من أجل المناسبة. إنَّ فعل "سترونيوو" (فرش) يستعمل ليصوّر المقاعد أو الأسرّة المغطّاة (حز 23: 4). ويستعمل هذا الفعل أيضاً مع فرش الثياب في طريق يسوع (11: 8).
"فانطلق التلميذان" (آ 16). وينتهي المقطع في هذه الآية فجأة، تاركاً عدداً من الأسئلة من دون جواب. عرفنا أن التلميذين وجدا كل شيء كما قال لهما، وأنهما أعدّا كل شيء للفصح، ولكن لا نعرف ماذا أعدا. هل أعدّا الخمر والماء والأعشاب المرّة والأسرّة والأضواء؟ وإن كان العشاء عشاء فصحياً، كيف تصرفوا من أجل ذبح الحمل وشيّه؟ وماذا عن طبخ الخبز الفطير؟ إن كان العشاء أكل في يوم قبل أوانه، فقد يكون أخذ طابع العيد. وإن لم يكن هذا العشاء الأخير عشاءً فصحياً (يتّفق مت ولو على القول إنه كان هكذا)، ماذا نقول عن الوقت الذي فيه أكل يسوع حمل الفصح؟...
3- المعاني اللاهوتية
إن الإشارة إلى الفصح والفطير ليست فقط تفصيلاً كرونولوجياً ساعة يمُتح خبر الحاش. إن الفصح يقترب. هو عيد تحرير! إسرائيل. هذا الشعب الذي يعيش في كل عيد الحدث الذي يذكّره به هذا العيد، عيد الأمل بتحرّر جديد وبانتظار للمسيح.
حين نقرأ يو 11: 45- 52، نفهم استنتاجات رؤساء اليهود. ما خافوا من قلاقل يثيرها يسوع، بل يثيرها الشعب في حماسه من أجله. لهذا كان اجتماع عند قيافا للقضاء على هذا الرجل (يو 11: 51- 52).
تختلف النظرة بعض الشيء عند مر. ولكن، مهما يكن من أمر، فالفصح قريب. هو على الأبواب. بعد يومين. المحرّر المنتظر هو هنا. ورؤساء الشعب يسعون إلى قتله.
نلاحظ هنا أصالة نص مت. ما كان صدفة في مر ولو، صار عنده موضوع تنبيه إيجابي: سيحتفلون بالفصح وبالتالي سيسلم إبن الإنسان. صيغة الحاضر تدلّ على أن الحدث قد تسجّل الآن في مخطّط الله، وذلك قبل أن يتشاور عظماء الكهنة. إن المسيح في مت يقود الدراما التي تتمّ. إنه يشُرف على الوضع. ومع ذلك، فإن آلامه لا تخسر شيئاً من واقعها البشري: إنه يسوع المسيح الذي يتألمّ.
ولكن الصدفة التي يتحدّث عنها مر بإيجاز، تؤثر علينا أكثر من اللهجة الإحتفالية التي نجدها في مت. أرانا الإنجيل الأول يسوع واعياً لمصيره. سيّد مصيره، بحيث يبدو الرؤساء (آ 3) وكأنهم يتحرّكون بفعل كلمته. أما مر فقدّم لنا سرّ الحاش الذي يبدأ. لقد تجاوزنا زمن الإنباءات بالآلام (وان كان هناك انباء غير مباشر في آ 6- 9) التي هي هنا الآن، والتي يواجهها يسوع وحده. إنه يأخذ على عاتقه التوافق بين هذا العيد الذي يأتي وذبيحته. وعدم التوافق بين انتظار المحرّر والعزم على قتله. لقد جعل مر إيجازه الإخباري يا خدمة السرّ، كما في العلاقات بين العماد والتجربة.
مع 14: 1- 2، استعاد الكاتب رواية الأحداث بعد فاصل ف 13. فمؤامرة الرؤساء ليست شيئاً جديداً. لقد بدأت في بداية رسالة يسوع العلنية (3: 6). ومنذ دخول يسوع إلى أورشليم، توضّحت الأشياء. وهكذا نجد في 11: 18 ما نقرأه هنا في آ 1 ب: يلتمسون حيلة للقبض على يسوع. وبعد مثل الكرّامين القتلة، نجد فعل "طلب" "أوقف". هناك عمليّة تضييق على يسوع، وقد صارت النهاية قريبة.
أراد الرؤساء أن يقبضوا على يسوع. وأرادوا في الوقت عينه أن يحافظوا على النظام العام. خافوا الشعب، كما قالت لوقا. ولكنهم حاولوا أن يحموا الشعب من نفسه. فهو يتبع يسوع. سيُلقى القبض على يسوع خلال العيد. هل سرّع تدخّل يوضاس الأمور؟ ربّما. المهم أن يتمّ هذا التوقيف بمعزل عن الجمع.
إمتلك كل من الأناجيل الأربعة نسخته عن مسحة يسوع بيد امرأة. لا يختلف نص مت عن نص مر إلا بتفاصيل طفيفة. عند يو، نجد اختلافاً على مستوى الوقت والمكان المحدّد والأشخاص. ومريم مسحت رجلي يسوع لا رأسه (رج لو). وتختلف المسألة مع لوقا. إختلف موضع الخبر في مسيرة يسوع كما اختلف الموضوع. أما الشكوك فلا تقف عند اتلاف الطيب بل عند استقبال يسوع هذه المرأة الخاطئة، وهذا ما درّ على أنه ليس بنبيّ في نظر سمعان الفريسي. وفعلة حبّ المرأة لا ترتبط بالدفن، بل بوضعها هي. وأخيراً، حدّد مثل المديونين وضع سمعان بالنسبة إلى وضع المرأة.
قد نكون هنا أمام حدثين متميّزين. فكيف لا تقوم امرأتان بالفعل عينه، بعد أن وُجدتا في الظروف عينها والأهداف. ثم إن خبر لو يقف خارج الحاش. وسنجد بعد ذلك (لو 8: 1 ي) لائحة بالنسوة اللواتي تبعن يسوع وساعدنه بأموالهن.
حدّد مر ومت موقع الخبر قبل الفصح بيومين. ويوحنا بستّة أيام، وحالاً بعد الدخول إلى أورشليم. تُعتبر فعلة مريم مسحة ملوكيّة، بعد أن تمت ساعة دخول يسوع إلى أورشليم (1 يو 12: 13: ملك اسرائيل). وحدّد مر وقت ويو موضع الحدث في بيت عنيا، وهذا ما لا يدهشنا في هذا الوقت من الخبر الإنجيلي (مر 11: 1، 11- 12). يسوع هو في بيت سمعان الأبرص. أما عند يو فهو في بيت لعازر. وفي الأناجيل الأربعة، يسوع يتكّئ إلى المائدة مع المتكئين. وتأتي امرأة. وستأتي بعدها النساء في خبر الآلام.
نكتشف في الأناجيل الأربعة معنى المسحة في كلمة يتفوّه بها يسوع. لقد أرادت المرأة أن تعبرّ بالعمل ما لا يعبرّ عنه بالكلام. فالمرأة في لو سمعت يسوع يقوله: غفرت خطاياها الكثيرة فأحبّت كثيراً. لا مت ومر ويو، ربط يسوع فعلة المرأة بدفنه.
ونصل إلى 14: 10- 11 وخيانة يوضاس. هذا الحدث هو امتداد للمؤامرة (آ 1- 2). بحث عظماء الكهنة عن وسيلة لكي يوقفوا يسوع بالحيلة. وها هو يوضاس يعرض عليهم أن يسلّمه. فرحوا جداً ووعدوه بمكافأة ماليّة. فلم يبقَ للتلميذ إلا أن يبحث عن الفرصة المؤاتية.
كيف تتم الخيانة، وما هو الباعث لها؟ ما هي الوسيلة؟ هل احتاج عظماء الكهنة حقاً إلى يوضاس؟ هل نقص الشرطة عندهم المعلومات الضرورية؟ قال يسوع (في الأناجيل الإزائية) ساعة أوقفوه، إنه كان كل يوم في الهيكل وإنهم لم يوقفوه (14: 49 وز). لا شكّ لا أن الرؤساء لم يكونوا يرغبون بتوقيفه في العلن، في وضح النهار. ولكن من الصعب أن نصدّق أنهم لم يملكوا أية وسيلة تعرّفهم بموضع إقامته في الليل. قد يكون اختفى في الأيام الأخيرة من حياته، كما يقول الإزائيون. أما يو فيقول إن يسوع انطلق إلى بقعة قريبة من القفر (11: 54). بعبارة اخرى: اختفى من الطريق.
وما الباعث؟ حسد من الرسل. جشع وطمع. خيبة أمل أمام رفض يسوع بأن يعلن نفسه المسيح، كما حلم بذلك الغيورون. وانطلق بعضهم من مت 26: 14 (عندئذ) الذي يلي المسح بالطيب، فتحدّث عن استياء يوضاس لا من اتلاف الطيب، بل من كلام يسوع عن موته ودفنه. ظنّ انه إن سلم يسوع، أثار تمردّاً في الشعب. هي مجرّد افتراضات. ولكن تبقى نقطة لا يمكن أن نشكّ بها: واقع الخيانة. فالجماعة الأولى لم تستنبط ما كان بالنسبة إليها الشكّ القاتل. نتذكر يو 6: 7: "أما أنا الذي اخترتكم، أنتم الاثني عشر؟ ومع ذلك، واحد منكم هو شيطان"! وثقل الشكوك يظهر في إلحاح الإنجيليين على العودة إلى العهد القديم. لقد أنبأ الانبياء بذلك... يجب أن تتمّ الكتب.
ما يلفت الإنتباه في الإستعداد لعيد الفصح، هو تشابه هذا المقطع (14: 12- 16) مع دخول يسوع إلى أورشليم (11: 1- 10). هذا ما سبق وألمحنا إليه. ونلاحظ أن مت لم يستعد رسمة خبر الدخول من مر. إن مر أراد أن يقابل بين دخوله أحتفالي في ف 11 ودخول سرّي في ف 14.
كانوا يأكلون خروف الفصح داخل العائلة. وهكذا احتفل يسوع بالعيد مع أخصّائه. وهذا ما ذكّرنا بكلمات المعلّم في 3: 33- 35. وفي هذا المنظار نقرأ آ 15: "أعدوا لنا" (لنا نحن). لا يرد هذا الضمير مراراً لكي يدلّ على يسوع وأخصائه في مثل هذا الموقف الحميم. قال لو 22: 8: "إمضيا واعداً لنا الفصح لنأكله".
إن إرسال التلميذين (آ 13) يقابل الفريضة التي تدعو إلى الإحتفال بالفصح في المدينة المقدّسة. قد يكون يسوع في بيت عنيا. وذهب في المساء إلى أورشليم. وحين أرسل اثنين من تلاميذه، اثنين من اصدقائه الحميمين، مارس الفطنة والعمل السرّي، لا سيّما بالنسبة إلى يوضاس. يبدو الإرسال عجيباً عند مر، وكأن يسوع "تنبأ" بوجود رجل يحمل جرّة ماء. أما في مت الذي يتكلّم عن التلاميذ بشكل عام، فيسوع يقود الأحداث. لم يعد بحاجة إلى الفطنة بعد أن "اقترب زمانه" (مت 26: 18). هذه العبارة جديرة بالملاحظة لأن "كايروس" لا تدلّ عند الإزائيين على زمن موت يسوع، بل على التدبير الحالي (10: 30)، أو زمن الدينونة (8: 29؛ 13: 30)، أو زمن المجيء (13: 33). نجد المدلول عينه في يوحنا، ولكن مع كلمة "هورا" (الساعة) التي تدلّ على موت يسوع وتمجيده.
خاتمة
تلك محطّة أولى في خبر الآلام، والقسم الأول في الليلة السابقة ليوم الجمعة حسب التقليد الإزائي. اربع محطات استوقفتنا في هذا الإعداد للفصح، الإعداد لحمل الفصح، والإعداد لفصح يسوع المسيح أي موته وقيامته. بعد قرار الموت الذي اتخذه عظماء الكهنة والكتبة بحقّ يسوع، كان رمز إلى هذا الموت عبرّت عنه هذه المرأة التي نجهل اسمها عندما دهنت جسد يسوع بالطيب. انتشر هذا الطيب في البيت (يو 12: 3)، فدلّ على انتشار طيب القيامة وسط جماعة التلاميذ. في محطّة ثالثة، رأينا يوضاس ينفّذ مخططات الرؤساء اليهود ويؤمّن لهم تسليم معلّمه لقاء مبلغ من الفضة. واحد من الاثني عشر يسلم "ربه"، واثنان من الاثنى عشر يهيئان الفصح لجماعة الرسل. هذا فصح المعلّم وساعة عبوره إلى الآب، بانتظار فصح التلاميذ الذين سيحملون صليبهم ويسيرون على خطى المسيح الصاعد إلى جبل الجلجلة. ولكن بانتظار ذلك، سوف يقدّم الربّ ذاته من خلال جسد يبذله ودم يريقه. سيقدّم ذاته في رموز الخبز والخمر. هذا ما نتأمله في الفصل التالي.

 

 

الفصل الثالث والثلاثون
العنياء المصحي
14: 17- 31
هنا نتحدّث عن الجماعة التي ستلتئم من أجل العشاء الأخير، ولكنها ما تعتمّ أن تتشتّت حين يُضرب الراعي. هي متتالية تتألّف من ثلاثة مشاهد. يجري الأول كلّه داخل مجموعة الاثني عشر: خبر التأسيسي الافخارستي (14: 22- 25). ويحيط به من جهة إعلان الخيانة (14: 17- 21)، ومن جهة ثانية تشكك الجميع وإنكار بطرس لمعلّمه (14: 26- 31). ويجري المشهد الثاني في جتسيماني. ويصوّر الثالثُ مجيء يوضاس والقبض على يسوع. وهكذا يتداخل خبر العشاء الفصحي مع خبر الحاش والآلام. فما يعيشه يسوع خلال هذه الليلة في "السرّ" سيعيشه يوم الجمعة العظيمة في الحقيقة والواقع.
نتوقّف هنا عند المشهد الأول الذي فيه يقدّم ابن الإنسان ذاته. ولكن هل يفهم الإنسان عطية الله له؟ تشكّك التلاميذ بانتظار أن يهربوا بعد مشهد النزاع.
1- نظرة عامّة
ونصل إلى إشارة جديدة تدلّ على الوقت. هي الأولى في التحريض الأخير حول نهاية الأزمنة (13: 15): "ولما كان المساء". ظهرت هذه العبارة منذ المرحلة الأولى في الإنجيل لتدلّ على تجمّع المرضى "عند باب"، عند باب المدينة حيث يلتقي الناس (1: 32- 33). وعادت في المرحلة الثانية (4: 35، قبل تسكين العاصفة، وما فيها من إشارة إلى موت يسوع، النائم على وسادة). وفي المرحلة الثالثة (6: 47) ساعة أظهر يسوع قدرته على البحر أمام تلاميذه الخائفين واللامؤمنين. بل تعذاهم ليسير أمامهم كالمعلّم أمام تلاميذه. جابه البحر (علامة الشر) ودلهم على الطريق، ولكن بدل أن يصلوا إلى بيت صيدا، أفضوا إلى جنسارت. لم يتبعوا يسوع إلى حيث شاء.
في المرحلة الخامسة، وبعد دخول أورشليم في إحتفال نقرأ: أقبل المساء فخرج يسوع إلى بيت عنيا مع الإثني عشر. وفي آ 19: ولما أقبل المساء، خرجوا من المدينة. هكذا يشدّد يسوع على المسافة التي تفصله عن الهيكل. بل هو أراد أن يبتعد عن الهيكل. فساعة خرابه قريبة من أجل هيكل آخر هو جسده الذي يصبح في موته وقيامته موضع لقاء الله بالبشر. وفي 15: 42، أقبل المساء الذي يرافق دفن يسوع. أما هنا (14: 17)، فالمساء هو الساعة التي فيها يجتمع الاثنا عشر ليعيشوا سرّ موت يسوع وقيامته من خلال المشاركة في الخبز والخمر في ليلة الوداع. وهو أيضاً الساعة التي فيها ينكشف إنقسام الرسل وعدم أمانتهم. إنهم باكورة الجماعة المسيحية (3: 14، 4: 10؛ 9: 35).
إن واحداً منهم. لا يذكر إسمه هنا، بل يُقال إنه الخائن، بفضل تلميع إلى الكتب المقدّسة. قال مز 41: 10 وهو مزمور المريض الذي يتخلى عنه أحبّاؤه: "حتى صديقي الذي وثقت به واكل خبزي، رفع عقبه عليّ، إنقلب عليّ". "بدأوا" يحزنون، لأنهم أحسّوا كلّهم انهم معنيون بهذا الإنباء. إكتشف كل واحد منهم أنه قد يخون المعلّم: "العليّ أنا"؟ عند مت، أجاب يسوع على سؤال يوضاس (26: 25: أنت قلت). وفي يو 13: 26، عن الخائن بواسطة اللقمة التي وصلت إليه: "الذي أعطيه اللقمة التي أغمسها".
وجعل مر الريبة تشرف على المجموعة، وكأنه يدعو القارئ هو أيضاً لكي يكشف القناع عن نفسه. أما لو 22: 21- 23، فقد ترك إعلان الخيانة إلى ما بعد التأسيس الافخارستي. قد جعله مقدّمة لجدال التلاميذ حول المقاعد الأولى، وتعليم يسوع عن الخدمة (لو 22: 24- 27؛ رج مر 10: 42- 44).
إن ابن الإنسان يسير في طريق الألم (14: 15؛ رج 9: 12). وهو يخضع للمهمة التي استشفتها الكتب المقدّسة في عبد الله المتألمّ كما في أش 53. و"بكاء" يسوع على "ذلك الرجل"، هو تأسّف وخيبة أمل، وليس "حكماً بالهلاك الأبدي"، كما يظنّ البعض. فيسوع لا يحكم على الأشخاص، وهو لم يأتِ ليدين، بل ليخلّص (الدينونة تتمّ في مجيئه الثاني). بل يحكم على فعل الخيانة، كما سيحكم على شكّ التلاميذ فيه (9: 42): إن تسليم ابن الإنسان أمر شنيع جداً. يا ليت الذي يقوم به لم يولد!
وفي جماعة من "الخائنين" تفوّه يسوع بكلمات حوّلت الفصح اليهودي إلى إحتفال مسيحي. إستعاد ما يُفعل في كسر الخبز من أجل الكثيرين: "أخد خبزاً، بارك، كسر، وأعطاهم" (14: 22: رج 6: 41). "أخذ كأساً، شكر، أعطاها" (14: 23؛ رج 8: 6). فعلتان تنتميان إلى طقس العشاء الفصحي عند اليهود. ولكن لا يُقال هنا شيء عن الحمل المذبوح والمشويّ. فيسوع لا يحتفل بتذكّر سابق. بل يحقّق الفصح بعد أن صار هو "الحمل" الذي يبذل حياته فدية "عن الكثيرين" (14: 24؛ رد 10: 45).
أعطى جماعته التي تسلّم جسده وتسفك دمه، أعطاها أن تأكل موضوع خيانتها. فهي لن تستطيع أن تجد وحدتها ومصالحتها إلاّ إذا "هضمت" (كما يهضم الطعام ويتحوّل فينا) فعل حبّه، وتسلّمت منه عهد غفرانه.
حين كان اليهودي يتسلّم لقمة الخبز وكأس الخمر، كان يرى فيهما عطية الله. وكلمات يسوع التي ترافق هاتين الفعلتين عينهما، تدلّ على معني موته. من أجل البشر يسلم جسده، يسلّم ذاته كله، يسلّم حضوره. ويسلم دمه، يسلّم حياته، لأن الدم هو الحياة. وعطية الجسد والدم تشير إلى ذبيحة يقبلها الله وهو الذي اتّخذ مبادرتها. وموت يسوع يكون تحقيقاً تاريخياً لهذه التقدمة التي بها تتسلّم الجماعة الوعد بملكوت الله. أتمّ يسوع عهد البرية الذي به صار العبرانيون شعب الله (خر 24: 8). لهذا، فهو يستطيع أن يعلن يوم الوليمة المسيحانية حيث يسيل الدم الجديد من أجل الخلاص الشامل، وحيث يشارك التلاميذ يسوع في مائدة الله.
وإنتمت صلاة المزامير إلى الطقوس الفصحية: بعد كأس الخمرة الثالثة، كانوا ينشدون القسم الثاني من مزامير "هلّل" (155- 118). لهذا، ما إن انتهى الاحتفالي، حتى انتقلت المجموعة الصغيرة إلى جبل الزيتون. من هناك جاء يسوع إلى المدينة المقدّسة (11: 1). وهناك ألقى خطبته عن نهاية العالم (13: 3). وقبل أن تلتئم هذه الجماعة بشكل نهائي في الملكوت، ستحسّ بضعفها وهي التي تجد تماسكها في يسوع: إن خبرة الشك والعثار (14: 27- 29)، وخبرة التشتّت والهرب (14: 27)، وخبرة الإنكار (14: 30- 31)، سوف تعلّمها أن يسوع وحده هو الذي يجمعها. فكلّهم، بمن فيهم بطرس ورغم إحتجاجاته التي استعادها الآخرون، كفهم سوف يختبرون في هذه الليلة الواقع الأكيد.
أمام سرّ خطيئة التلاميذ، إستعادت الكنيسة الأولى الكتب المقدّسة لكي تسند إيمانها في رحمة الله. إستعادت النبي زكريا الذي أعلن أن الله يضرب راعي شعبه فيعود الضعفاء والمشتتون إلى نفوسهم ويرتدّون (زك 13: 7). مثل هذا الكلام يعيد الثقة إلى الخاطئين. فقد وُعد التلاميذ بأن القائم من الموت سيسبقهم إلى الجليل (14: 27؛ رج 16: 7)، كما سبقهم على طريق أورشليم (10: 32). سيكون حاضراً معهم، وسيكون حضوره دائماً.
ولكن بانتظار ذلك، هذه ليلة الشكوك والنكران التي تغطّيهم جميعاً مع بطرس. كشف له الرب إعتداده بنفسه وطمأنينة كاذبة إستند إليها، فأعطاه الأمل: إن صوت الديك سيدعوه إلى الندامة والتوبة، فيكون له صورة مسبقة عن صباح القيامة.
ونتوقّف الآن عند المقطوعات الثلاث في هذا المشهد: إعلان الخائن (14: 17- 21). العشاء الأخير ورسم الافخارستيا (14: 22- 25). تشكّك التلاميذ وإنكار بطرس (14: 26- 31).
2- إعلان الخائن (14: 17- 21)
أ- النصوص الموازية
قبل أن نتوقّف عند تفاصيل النصّ ومعانيه، نقدّم نصوص المتوازية:
مت 27: 20- 25 مر 4 1: 17- 21 لو 22: 14، 21- 23
20- ولما كان المساء 17- ولما كان المساء 14- ولما أتت الساعة
اتكأ أقبل إتكأ
مع التلاميذ الانني عشر مع الاثني عشر مع الرسل
21- وفيما هم 18- وفيما كانوا متكئين
يأكلون يأكلون
قال: قال يسوع:
الحقّ أقول لكم الحق أقول لكم
21- ومع مذا
إن واحداً منكم إن واحداً منكم فها إن يد
سيسلْمني سيسلّمني الذي يسلّمني
واحداً يأكل معي على المالدة معي
22- فاستولى عليهم حزن شديد فاستولى عليهم الحزن
وأخذ كل واحد وأخذوا يقرلون له
يقول له واحداً فواحداً
العلي أنا العليّ أنا؟
يا رب؟
23- فأجاب وقال 20- فقال لهم
هو واحد من الائني عشر
ان الذي غمس يده واحد يغمس يده
معي في الصحفة، معي في الصحفة
هو الذي يسلمني
24- ان ابن البشر ماض 21- ان ابن البشر ماض 22- إن ابن البشر ماض 
بحسب ماهو مكتوب بحسب ماهو مكتوب بحسب ماهو محتوم
ولكن ويل لذلك الرجل ولكن ويل لذلك الرجل ولكن ويل لذلك الرجل
الذي به يسلم الذي به يسلم الذي به يسلم
ابن البشر ابن البثر
فلقد كان خيراً فلقد كان خيراً
لذلك الرجل لذلك الرجل
أن لايولد أن لايولد
25- فأجاب يهوذا 23- فطفقوا يسألون
الذي كان مزمعاً أن يسلمه: بعضهم بعضاً:
العلي أنا، رابي؟ من تراه
قال له: أنت قلت يقدم عل هذا العمل!
ب- قراءة تفصيلية
"ولما كان المساء" (آ 17). ويدخل الإنباء عن خيانة يوضاس (يهوذا) بشكل مفاجئ في الخبر. كنا ننتظر ذكراً لعودة التلميذين وما أعدّا، أو حديثاً عن العشاء بعد آ 16. نحن في الواقع أمام وحدتين منفصلتين تبدأ كل منهما (وإن بشكل مختلف) بهذه العبارة: فيما كانوا يأكلون (آ 18، 22). يبدو أن آ 17- 21 أقحمت بين آ 16 وآ 22. فماذا عن تاريخها؟
قال يوحنا بوضوح إن يسوع يعرف ما في الإنسان (2: 25)، وإن يسوع عرف طباع يوضاس منذ مدّة طويلة (6: 70- 71). ولكن ما تجدر الإشارة إليه في هذا الإنباء هو أن يوضاس لم يُذكر ولم يحُكم عليه. ولا شيء يشير أنه سيكون الخائن. إن لو 22: 23 ينهي كلامه بأن التلاميذ "طفقوا يسألون بعضهم بعضاً من تراه فيهم يقدم على هذا العمل"؟ أما في يو 13: 21- 30، فإن يسوع يدلّ التلميذ الحبيب خفية على الخائن، ثم يقول ليوضاس (آ 27): "ما أنت فاعله، فافعله عاجلاً". وأشار مت 26: 25 إلى سؤال يوضاس: "العليّ أنا، يا ربّ"؟ فأجابه يسوع: "أنت قلت". نفهم من خلال الخبر المتاوي أن هذا الحديث القصير كان وشوشة بين يسوع ويوضاس فلم يسمعه أحد غيرهما. وهذا صدى للتقليد اليوحناوي الذي يقول: "لم يفهم أحد من المتكئين" (13: 28).
"ولما كان المساء". نحن أمام عشاء الفصح الذي يتمّ بعد غياب الشمس وبداية 15 نيسان. "الاثني عشر". قد يكون التلميذان عادا (آ 13). أو نكون أمام عبارة إصطلاحيّة. في سائر خبر الحاش، ترد هذه اللفظة في عبارة "واحد من الاثني عشر" (14: 10، 20، 43).
"كانوا متكئين". كان الفصح في الأساس (خر 12؛ 11) يؤكل بعجلة ووقوفاً. ولكن فيما بعد، تبدّلت القاعدة، وصاروا يجلسون، بل يكادون ينامون، علامة تحرّرهم من العبودية. ولكن هذا الفعل لا يكفي ليدلّ على الطابع الفصحي لهذا العشاء. ففي كل وليمة، كان المشاركون فيها يتكئون (2: 15؛ 6: 26؛ 12: 39؛ 14: 3؛ مت 22: 10؛ لو 5: 29؛ 14: 8، 10).
"الحقّ أقول لكم". طريقة إحتفالية تدلّ على أهميّة ما سيقوله يسوع. "واحد يأكل معي". هنا تلميح إلى مز 41: 9 كما فهمه يو 13: 18. هذه العبارة التي تأتي في جملة إعتراضية، تغيب من بعض المخطوطات، ولا نجدها في مت الذي تهمّه الإشارة إلى النصوص الكتابية. فقد يكون مر عاد إلى يو. إن يو 13: 21 إستعاد قول مر 14: 18 (واحد سيسلّمني) وألغى هنا العبارة الكتابية (واحد يأكل معي) بعد أن وضعها في 13: 18. بدا نصّ لوقا مستقلاً. حدّثنا عن الساعة التي فيها جاء يسوع "فاتكأ وأتكأ معه تلاميذه" (22: 14). وبعد الكأس الأولى (آ 15- 18) جاء الإنباء بالخائن مختلفاً: "ها إن يد الخائن معي على المائدة" (آ 21).
"فاستولى عليهم الحزن" (آ 19). إضطرب التلاميذ جداً لهذا الشرح داخل الجماعة. نقرأ في اليونانية "اركسانتو"، أي بدأوا يحسّون بالحزن. بدأوا يدركون هذا الواقع الأليم. "واحداً فواحداً". عبارة معروفة في العالم السامي وفي العالم اليوناني (لا 25: 10؛ مت 26: 22). "العليّ أنا"؟ "أنت قلت". جواب محيّر. لم يفهمه أحد. وهكذا لا يستطيع التلاميذ أن يتهموا أحداً. بعض المخطوطات زادت: "وقال آخر: هل أنا حقاً"؟ وزاد مخطوط واحد لفظة "رابي" على السؤال. وفي نص مت: "معلّم".
"فقال لهم" (آ 20). أجاب يسوع ولم يتهم أحداً. أما كلمته "واحد يغمس يده" (كلهم يغمسون يدهم) فتدلّ على خطورة الخيانة وشناعتها. "غمس" (امبابتو) يرد هنا وفي مت 26: 23. ليس لفظة كلاسيكية، ولا نجده في السبعينية. جاء نص مت مختلفاً بعض الشيء: "ذاك الذي يغمس يده في الصحفة، هو الذي يسلّمني". أما في يو 13: 26، فنقرأ: "الذي أعطيه اللقمة التي أغمسها في الصحفة". حتى هنا، لا إشارة واضحة إلاّ للتلميذ الحبيب الذي لم يفهم على كل حال كيف ستكون هذه الخيانة وهذا التسليم.
"ابن البشر يمضي" (آ 21). يرد الفعل مراراً في يو 8: 14، 21، 22؛ 13: 3، 33؛ 14: 4، 28. يدلّ على أصل يسوع وعلى عودته إلى أبيه. إذن، هو لا يذهب إلى البعيد، إلى المجهول، بل يمضي إلى أبيه. "على حسب ما هو مكتوب". هنا نجد الرباط بين موت يسوع كمصير أعدّه الآب وقبله يسوع قبولاً حراً، وشّر أراده البشر. لم يكن يوضاس مجرّد أداة. فمسؤوليته واضحة في ما عمل. لا يقول مر ولا مت ما هو مكتوب هنا بالنسبة إلى يسوع. ولكننا سنجده لا خطب بطرس بعد العنصرة.
ج- إعتبارات لاهوتية
يقع إعلان الخيانة في إطار العشاء الفصحي الذي تحدّثنا عن تهيئته في الفصل السابق. وهو يرد في الأناجيل الأربعة الذين قد يختلفون على زمن العشاء وعلى طبيعته. ولكنهم تسلّموا من التقليد، على ما يبدو، أن يوضاس سيسلّم معلّمه بعد أن يكون أكل معه: هذا ما يورده مت ومر فيبدو نصّ الواحد قريباً من الآخر. عند لو، جاء إعلان الخيانة بعد العشاء، وكأن الإنجيلي يريد أن يقول إن الخائن شارك في وليمة العهد الجديد (22: 20- 21). ولكن هناك شيئاً نلاحظه عند لو كما عند مر: لا يذكر إسم يوضاس، ولا يشُار إليه. من هنا كان هذا الاضطراب العميق عند التلاميذ (14: 19؛ لو 22: 23). وكان الأمر كذلك عند مت في البداية (26: 22). ولكن في آ 25، دلّ يسوع على يوضاس عبر السؤال الذي طرحه هذا. أضاف مت هذه الآية (آ 25) على التقليد لئلاّ يظنّ القارئ أن يسوع لم يكن متأكّداً من هوية الذي سمّاه "واحداً منكم".
وراح يوحنا أقل من هذا وكثر من هذا. أقلّ، لأن جواب يسوع إلى "التلميذ الحبيب" لا يتوجّه إلى هذا التلميذ، وهذا ما يفسر دوام حيرة التلاميذ (13: 22، 28- 29). وأكثر، لأن يسوع (حسب يو) هو الذي يوجّه مسيرة الأحداث. فحين أعطى يسوع اللقمة ليوضاس، لم يكن عمله فقط علامة للتلميذ الحبيب (13: 26 أ)، بل فعلاً له فاعليته (آ 26 ب- 27).
إذن، تطوّر الخبر من مر إلى يو مروراً مع مت، في اتجاه يزيد الوضع قلقاً واضطراباً. إن كان مت قد أراد أن يقنعنا بشكل خاص بعلم يسوع التام، فإن يو يبيّن لنا أن يسوع يشرف على مسيرة الدراما التي يعيشها. فإنه يصعب علينا أن نقبل بما في آ 27، وإن لطّفنا من بُعدها إنطلاقاً من آ 12.
لم يذكر يسوع إسم الخائن ليعطيه السانحة الأخيرة للعودة عن ضلاله. هو لم يخسر بعد كل شيء، لأن صداقة معفمه له لم تتبدّل. إنه ما زال "واحداً من الاثني عشر"، "واحداً منكم"، "الذي يأكل معي"، الذي "يغمس يده معي في الصحفة". كل هذا هو نداء من قبل يسوع إلى يوضاس. ونلاحظ هنا الاختلاف بين مت ومر. قال يسوع في مت 26: 23: "ذلك الذي يغمس يده معي في الصحفة، هو الذي يسلّمني". هناك ثلاثة تفاصيل نتوقّف عندها. (1) ألغى مت "أحد الاثني عشر" (رج مر 14: 20). (2) إستعمل الماضي ليدلّ على أن عمل يوضاس هو عمل عابر وليس عادياً. (3) وشدّد مت على العمل: "هو الذي يسلّمني". وهكذا أعلن مت في آ 23 ما سنقرأه في آ 25 (أنت قلت). وهكذا صار قريباً جداً من يو.
وتحفّظُ مر له معناه هنا، لا سيّما وأنه يعرف أن يبرز معرفة يسوع السابقة عندما يشاء (آ 13- 16). إنه إنعكاس لتحفّظ المعلّم الذي تلهمه الإرادة بأن يعطي ليوضاس المهلة الأخيرة. ما دام لم يذكر اسمه فمصيره لا يزال مفتوحاً. لا شكّ في أنه قرّر أن يخون. ولكنه يستطيع أن لا يخون. أمّا عند مت ويو، فنحسّ و كأن "ختماً" وضع على مصير يوضاس، فلا يستطيع أن يبدّله.
أما آ 22 التي نجدها في مت، وجزئياً في لو (مع ألفاظ مختلفة) فليست بلعنة بل رثاء وبكاء يحمل النداء الأخير إلى العودة. فالنصوص التي تبدأ بلفظة "الويل" (13: 17؛ 1 كور 9: 16..) وإن كان فيها التهديد، فهي في الوقت عينه تنبيه ونداء.
3- عشاء الرب (14: 22- 25)
أ- النصوص الإزائية
مت 26: 26- 29 مر 14: 22- 25 لو 22: 15- 20
26- وفيما هم يأكلرن 22- وفيما هم يأكلون 15- وقال لهم: إشتهيت
أن آكل...
أخذ يسوع خبزاً أخذ يسوع خبزاً 19- ثم أخذ خبزاً
وبارك ثم كسر وبارك ثم كسر وشكروكسر
وأعطى التلاميذ قائلاً وأعطاهم قائلاً وأعطاهم قائلاً
خذوا كلوا خذوا
هذا هوجسدي هذا هو جسدي هذا هو جسدي
الذي يبذل لأجلكم
إصنعرا هذا لذكري
27- ئم أخذ كأساً 23- ثم أخذ الكاس 20- وكذلك الكأس
وشكر وشكر من بعد العشاء
وأعطاهم وأعطاهم
قائلاً قائلاً
إشربوا منها فشربوا هذه الكأس هي
كلكم كلهم
24- وقال لهم
فإن هذا هو دمي هذا هو دمي
دم العهد دم العهد الجديد العهدالجديد بدمي
الذي بهراق الذي يهراق الذي يهراق
عن كثيرين عن كثيرين من أجلكم
لمغفرة الخطايا
29- وأقول لكم: 25- الحق أقول لكم: 18؛- فإني أقول لكم:
لن أشرب بعد لن أشرب بعد لن أشرب بعد
من عصيرالكرمة من ثمرالكرمة من ثمرالكرمة
إلى اليوم الذي إلى اليوم الذي إلى
فيه أشربه معكم أشربه فيه 
جديداً جديداً أن يأتي
في ملكوت أبي في ملكوت الله ملكوت أبي
ب- قراءة إجمالية
أولاً: العشاء الأخير والعشاء الفصحي
نقدّم الملاحظات التالية:
* لا نحاول أن نفصل العشاء الأخير عن العشاء الفصحي. فهذه الصورة الفصحية باقية في 1 كور وفي سائر رسائل بولس من خلال إشارات وتلميحات (رج 1 كور 11: 23 ي).
* لا نستطيع أن نفسرّ إستمرار الموضوع الفصحي إن توقّفنا عند الخلاف بين يوحنا وبين الإزائيين، حول زمن الاحتفال بالفصح. فهناك عشاء ديني قام به المعلّم مع تلاميذه.
* كانت أبحاث عند الاسيانيين دلّت على أن يسوع وتلاميذه تبعوا الكلندار الخاص بهم، لا الكلندار الرسمي. فإن كان الأمر هكذا، لا نفهم أن يكون يسوع قد أراد أن يمارس الفصح في أورشليم بشكل سرّي.
* إن عبارة "حمل الله" التي نجدها في يو، 1 بط، رؤ، لا يمكن أن تفسرّ حتى وإن رفضنا تماهي العشاء الأخير مع العشاء الفصحي. مهما كانت الافكار حول حمل الفصح في أيام يسوع، لا يمكننا إلاّ أن نتذكّر كلام بولس الرسول في 1 كور 5: 7: "إن المسيح، حمل فصحنا، قد ذبح".
والسمات التي ميّزت العالم اليهودي في أيام يسوع هي الصلاة، الشكر على المشاركة في المائدة وعلى ما أعطينا من طعام. فربّ البيت (يجلس إلى رأس المائدة) يأخذ الخبز ويكسره. ويقول: "مبارك أنت أيها الرب إلهنا وسيد الاكوان. تخرج الخبز من الأرض". وفي النهاية: "مبارك أنت يا إلهنا لأجل صلاحك الذي شاركنا فيه". وبعد الجواب، يأخذ المترئّس "كأس البركة" ويتلو صلاة الشكر من أجل خيرات الله التي عمّت الأرض. ويأتي الجواب: آمين.
عاش يسوع المشاركة في العشاء الأخير مع عائلته الجديدة التي حلّت محل العائلات التي يجب أن ينساها (10: 29- 30). وهو في الوقت عينه رأسُ هذه العائلة الجديدة والمترئّس لمائدتها (3: 34؛ مت 10: 35) مع كل هؤلاء "التلاميذ الجدّد" (المتجدّدين) الذين دعاهم لكي يتبعوه (10: 21؛ مت 10: 25). في هذا السياق نرى معنى حضور الخطأة والمهمّشين. بالنسبة إليه، قد حلّ زمن الخلاص الاسكاتولوجي، قد حلّ زمن الغفران. هذا ما نعِمَ به زكّا (لو 19: 1- 10). وهذا ما أثار غضب الفريسيين (مر 2: 16).
ماذا أردنا أن نفهم أهميّة المشاركة في الطعام (مع البركة) نتذكّر أقوال بولس: من رفض المشاركة في المائدة رفض الله (روم 14: 1- 15: 3؛ غل 2: 11- 21). غير أن هذا ينبع مما يرمز إليه العشاء الأخير. وليس لهذا العشاء بُعد إسكاتولوجي وحسب (مر 14: 25)، بل هو يجمع كل غنى يسوع في رسالته: إعلان بطرس لمسيحانيّة يسوع (8؛ 29). ومجيء ملكوت الله يرتبط بالخلاص المسيحاني والغفران. ومدلول الطعام المشترك كعلامة الوحدة والسلام، يجعلنا في إطار مسبق من البركات.
ج- خبر العشاء الأخير
إن أقدم خبر للعشاء الأخير وأول تفسير لمدلوله نجده في بولس (1 كور 11: 23- 25)، وإن كانت بعض السمات اللغوية سابقة لبولس. فالرسول نفسه يقول لنا إنّه تسلّم تقليداً نقله إلى جماعة كورنتوس (1 كور 11: 23). وهذا التقليد يثبت البنية الجوهرية لما قلناه عن المشاركة في المائدة. نتسلّم الخبز المكسور قبل الشكر على الطعام والمشاركة في الكأس "بعد العشاء" طلباً للبركة بعد الطعام، وقي الوقت عينه، ترك النموذج (أخذ، شكر، كسر، أعطى) الأولاني للإفخارستيا طابعه على معجزات تكثير الأرغفة في أناجيلنا (مر 6: 30- 44 وز؛ 8: 1- 10 وز).
لا شكّ في أننا معنيّون أولاً بالنسخة المرقسية، ولكق هناك سمات في مت ولو يجب أن نعيرها إنتباهنا. يبدو نصّ مر قريباً من مت (في اللغة اليونانية)، مع تبديل في صيغة الفعل (14: 22) والغاء مت 26: 28 (لمغفرة الخطايا). وبدا لو 22: 19- 20 قريباً جداً من 1 كور 11: 23- 25. وتختلف النصوص الإزائية عن نص بولس في ثلاثة أمور. (1) يتفقون على القول بأن يسوع قابل بين الخبز المكسور وجسده. (2) يتفقون على القول بأن يسوع قابل بين الخمر ودمه، وأعلن أن العهد الجديد قد تدشّن عبر هذا الدم. (3) يتفقون على القول بأن جسده ودمه قدّما من أجل الجماعة، من أجل الكثيرين.
هذا التوافق اللافت، ولا سيّما على التعابير الليتورجية كما نجدها في بولس وعند الإزائيين، يعود إلى تقليد عرفته الكنيسة في أولى أيامها. وهذا التقليد يعود إلى زمن يسوع نفسه.
د- العشاء الأخير والتقليد اليهودي
إن هذا العشاء الأخير يختلف عن كل ما سبقه في حياة يسوع. وان ارتبط خبره بمعجزات الأرغفة في الأناجيل الأربعة. أولاً، لقد انحصر هذا العشاء في حلقة حميمة، حلقة الاثني عشر. ثانياً، إرتبطت الكلمات التي قيلت فيه بالشكر قبل الطعام وبعده. ثالثاً، أعلنت هذه الكلمات الآلام الآتية (الدم المهراق). رابعاً، لم يدهش الرسل لهذه الكلمات كما دهشوا حين أَعلن يسوع خيانة يهوذا (يوضاس).
كل هذا نفهمه حين نضع العشاء الأخير في إطار وليمة حمل الفصح. وكل هذا نوجزه فيما يلي. (1) تطلب فريضة حمل الفصح (خر 12: 26- 27؛ 13: 8) أن يشرح ربّ العائلة في كل إحتفال أسباب الإجتماع، ويذكّر الحاضرين بافتداء الشعب من العبودية. (2) في زمن يسوع، كانوا يأتون بآلاف الحملان إلى رواق هيكل سليمان في أورشليم، ويذبحونها بعد ظهور بدر نيسان. وهكذا يتذكّرون خلاص العبرانيين من مصر حسب خر 12: 21- 25. (3) يبدأ عشاء الفصح بعد غياب الشمس، في العائلة أو في مجموعة صغيرة، مثل مجموعة يسوع وتلاميذه. يبدأ الطعام بتذوّق الأعشاب المرّة والثمار المتبّلة. يؤتى بالحمل المشوي ولا يؤكل ساعتها. فيفسرّ رب البيت حمل الفصح، الخبز الفطير، الأعشاب المرة (رج أع 22: 3). (4). الفطير يدلّ على عجلة العبرانيين حين تركوا منفاهم، أو على خبز الضيق (مز 80: 5)، أو على البركة المنتظرة في الزمن الآتي.
هـ- معنى أقوال يسوع
كيف نفهم أقوال يسوع؟ ان عبارة "الجسد والدم" (أو اللحم والدم، يو 6: 53) تدلّ على أننا في مناخ ذبائحي. وهذا ما نقوله أيضاً عن فعل "يهراق" الذي يرتبط بالعهد (خر 24: 8). ولا نستطيع أن نفهم لغة يسوع الذبائحية دون العودة إلى حمل الفصح. وهذا ما يتمّ في الموت، وهو موت يدخلنا في العهد (الميثاق) الجديد.
فلَو لم يُشر يسوع إلى حمل الفصح، لما استطاع المسيحيون الأولون أن يتكلّموا عن حمل الفصح المسيحي. فإن 1 كور 5: 7- 8 تقدّم لنا مع الخبز الفطير العيد الاسكاتولوجي الذي بدا فيه يسوع كالحمل الذي ذُبح. 
ويصوّر موت يسوع الذبائحي في مراجعنا كذبيحة بدليّة. تبع مر مت حين قال: يهراق من أجل الجماعة. أما لو فتبع بولس وقال: "يُبذل لأجلكم". وتحدّث يوحنا عن الجسد الذي يُعطى "لحياة العالم" (6: 51). وهكذا صار حمل الفصح في زمن يسوع عيداً فوق ذبيحة. وانضمت إلى هذا العيد الأفكار الذبائحية العائدة إلى العهد القديم، بما فيها من تكفير. وقد استعمل بولس عبارة "مات لأجل خطايانا" ليصوّر عمل يسوع (1 كور 15: 3؛ رج روم 6: 10). وأورد لنا التقليد اليوحناوي تسمية المعمدان ليسوع: "حمل الله الذي يرفع خطيئة العالم" (1: 29، 36).
و- قراءة تفصيلية
"وفيما هم يأكلون" (آ 22). يبدو أننا هنا أما قطعتين منفصلتين وقد جمعهما التقليد: آ 18- 21 ثم آ 22- 25. نجد لفظة "يأكلون" في المقطعين، ولكن لا نعرف القطعة التي سبقت الأخرى. إن عبارة العشاء الأخير في 1 كور 11: 23- 26 تبدو خبراً منفصلاً يبدأ: "في الليلة التي أسلم فيها (غابت الأداة "دي" ثم "غار" من مر، فأعتبرنا أنه يعود إلى تقليد فلسطيني). "أخذ الخبز". قد يكون خبزاً فطيراً أو خبزاً فيه خمير. "شكر" (أولوغاساس). رج 6: 41. في المعنى الأصلي: بارك. قال: مبارك أنت يا الله. أما لو 22: 19 فاستعمل لفظة "أوخارستاساس" (من هنا الافخارستيا) كما استعملها مر 8: 6 (إطار تكثير الخبز من أجل الوثنيين الآتين من العالم اليوناني) وبولس في 1 كور 11: 23.
"وكسره" (كلاوو). رج 8: 6، 19 (رج كسر الخبز في أع 2: 42). "وأعطاهم". هو يسوع الذي يعطي، لا التلاميذ كما في 6: 41 و 8: 6. وزاد مت 28: 26: التلاميذ (أعطى التلاميذ كما في تكسير الأرغفة). "خذوا هذا". وزاد مت: "كلوا". وزادت بعض المخطوطات المرقسية "كلوا". وقالت مخطوطة لاتينية: "وأكلوا منه كلّهم". "هذا هو جسدي". هي العبارة الأقصر. زاد بولس: "الذي من أجلكم" (1 كور 11: 24). وتبع لو التقليد البولسي فكتب: "الذي يبذل من أجلكم" (22: 19). ان لفظة "جسدي" تدلّ على عمل يصل بنا إلى الموت. هذا الخبز يؤخذ ويؤكل.
"وشكر" (آ 23). رج 8: 6. هناك من يماثل بين هذه الكأس وكأس البركة الثالثة في عيد الفصح. ولكن هذا الأمر ليس بأكيد. ذكر مت ومر فقط كأساً واحدة. وهذا ما جعل بعض الشّراح يقولون إن العشاء الأخير لم يكن "عيد الفصح". عاد لو إلى كأسين. ولكن كلامه لا يحلّ المشكلة. "فشربوا جميعاً". هذا يعني أننا أمام كأس واحدة. قال مت 26: 27: "إشربوا من هذا كلكم". لسنا هنا أمام هجوم على ممارسة غير معروفة عندنا. بل مشاركة في بركة "العهد الجديد".
"دمي للعهد" (آ 24). رج خر 24: 8: كانوا يرشون المشاركين في الذبيحة بالدم فيمنحونهم بركات عهد سيناء. رج زك 9: 11. إن حياة يسوع قد أعيدت إلى الله فقبلها. ثم قدّمها للبشر. هذه الخمر ليست فقط رمزاً إلى دم العهد، بل هي علامة وسرّ به نتقبّل العهد ونغتذي منه (خر 24: 11). ويظهر رباط آخر هنا مع حمل الفصح: الرب افتدى شعبه من العبودية، وهو فداء يرمز إليه دم الحمل. والآن، في نهاية الأزمنة، كرّس شعب العهد الجديد في دم يسوع من أجل حياة جديدة.
"العهد"، الميثاق (دياتيكي). رج مت 26: 28؛ لو 1: 72؛ 22: 20؛ أع 3: 25؛ 7: 8، روم 9: 4؛ 11: 27؛ 1 كور 11: 25؛ 2 كور 3: 6، 14؛ غل 3: 15، 17؛ 4: 24؛ أف 2: 12؛ عب 7: 22؛ 8: 6، 8، 9، 10؛ 9: 4، 15، 16، 17، 20؛ 12: 24؛ 13: 20؛ رؤ 11: 19. في اليونانية الكلاسيكية، تدلّ اللفظة على "إرادة" الإنسان، "وصية" الإنسان. نجد هذا المعنى أيضاً في البرديات. وقد يكون هذا هو المعنى في عب 9: 15، 16، 17. في العهد الجديد وعبر السبعينية، المعنى هو "العهد والميثاق" (بريت في العبرية). لهذا السبب نفهم اللفظة في العهد الجديد وكأنها تتضمن "ملكوت الله".
إن الكلمة اليونانية في العهد الجديد تتفرّع مباشرة من العهد القديم. وكانت لفظة في اليونانية الكلاسيكية تدلّ على العهد هي "سونتاكي". ولكنها بعيدة عن مدلول الاتفاق المتبادل كما في العبرية. ففكرة العهد (أو: الميثاق) الجوهرية في العالم العبري خاصّة، والعالم الشرقي عامّة، هي علاقة خضوع: الشعب التابع للربّ يرتبط بطاعة تجاه الله خالقه وحاميه. عرف إسرائيل أن الله اختاره ملكاً خاصاً له، لهذا ارتبط به برباط الثقة. وما دلّ على العهد بين الله والشعب هو دم العهد (أولاً في الختان. ثانياً: في عهد سيناء). وهكذا ربط يسوع ما فعله بدم العهد.
"يهراق" (إكخينومنون). رج 10: 45؛ مت 23: 35؛ 26: 28؛ لو 5: 37؛ 11: 50؛ 22: 20؛ أع 1: 18؛ 10: 45؛ 22: 20؛ روم 5: 5؛ يهو 11. هو إسم الفاعل المستعمل في معنى المستقبل. "عن كثيرين". أي: عن الجماعة. هكذا فسرّت لفظة كثيرين في العالم الإسياني. وهكذا تلتقي الجماعة مع ما قيل في لو 22: 19: "لأجلكم" (أنتم الجماعة). وزاد مت 26: 28: "لمغفرة الخطايا". إن علاقة الغفران مع العهد الجديد ظاهرة في إر 31: 31- 34. لكن لا ننسَ أننا لا نجد في إر إشارة إلى ذبيحة دموية. أما الرابانيون، فجمعوا "الدم" إلى "العهد" وتحدّثوا عن الختان. أما يسوع فأراق دمه من أجل إسرائيل الجديد وهكذا دشّن عهداً جديداً من أجل جماعة العهد التي أسّسها.
"الحقّ أقول لكم" (آ 25). نجد في مت ومر توازيات في القول الاسكاتولوجي. ومع بولس، في خبر تأسيس الافخارستيا نقرأ: "تعلنون موت الربّ إلى أن يأتي" (1 كور 11: 26). وخبر لوقا (22: 16) تسبقه العبارة التالية: "أقول لكم: لن آكل منه مجدّداً إلى أن يتمّ في ملكوت الله". نحن هنا أمام فكرة تعود إلى العالم اليهودي. ففكرة الوليمة "المسيحانية" في ملكوت الله نجدها في العهد الجديد (مت 8: 11؛ لو 14: 15؛ 22: 29؛ رؤ 19: 9) وفي نصوص عبرية ويهودية (أش 25: 6؛ أخنوخ الأول...). وثمر الكرم يدلّ في العالم الساميّ على الخمر (تك 40: 17). وكذا نقول عن عبارة "حتى اليوم".
4- تشتت الخراف ونكران بطرس (14: 26- 31)
أ- النصوص الإزائية
مت 26: 30- 35 مر 14: 26- 31 لو 22: 33- 34
30- ثم سبّحوا 26- ثم سبّحوا
وخرجوا وخرجوا
إلى جبل الزيتون إلى جبل الزيتون
31- حيئذ قال لهم 27- فقال لهم
يسوع يسوع
كلكم تسقطون كلكم تسقطون
بسببي
في هذه الليلة
لأنه مكتوب لأنه مكتوب
سأضرب الراعي سأضرب الراعي
فتتبدّد خراف فتتبدّد الخراف
القطيع
322- ولكن متى قمت 28- ولكن متى قمت
أسبقكم إلى الجليل أسبقكم إلى الجليل
33- أجاب بطرس 29- وبطرس
وقال له: وقال له:
لو سقط الجميع لوسقط الجميع
بسببك
ماسقطت أنا ماسقطت أنا!
البتة!
34- فقال له يسوع 30- فقال له يسوع: 34- يا بطرس
الحق أقول لك الحق أقول لك إني أفول لك:
إنك إنك اليوم إنه اليوم
في هذه الليلة في هذه الليلة
وقبل أن يصيح الديك وقبل أن يصيح الديك لايصيح الديك 
مرتين
تنكرني تنكرني حتى تنكر
أنت
ثلاث مرات ثلاث مرات ثلاث مرات
أنك تعرفني
35- قال له بطرس: 31؛ فتمادى قائلاً: فقال له
لو اضطررت لو اضطررت أنا مستعدٌ أن أمضي معك
إلى السجن
ما أنكرتك ما أنكرتك وإلى الموت.
وهكذا قال وهكذا قالوا
أيضاً جميع جميماً
التلاميذ
ب- قراءة إجمالية
دوّن مت ومر هذا الخبر القصير مع آ 26: "ثم سبّحوا وخرجوا إلى جبل الزيتون" (مت 26: 30). يكاد يتألّف هذا الخبر كله من أقوال ليسوع: إيراد من زك 13: 7. وعد بأنه يسبق التلاميذ إلى الجليل، إحتجاج بطرس، إنباء بسقوط بطرس. وينتهي هذا كله بتكاتف التلاميذ مع بطرس في احتجاجه. يبدو النصّ منسوجاً نسجاً محبكاً، ما عدا آ 28 التي تبدو وكأنها أقحصت إقحاماً. إن قرب هذه المقطوعة من خبر النكران (14: 54، 66- 72)، يدلّ على الأصل البطرسي لهذا التذكّر مع التدرّج السيكولوجي من آ 29 إلى آ 31. قدّم لو 22: 31- 34 ويو 13: 36- 38 الانباء بالإنكار في داخل محادثة العشاء الأخير، ولكن في كلا الحالين، شدّد كل إنجيلي على فظاعة إمكانية الإنكار.
وماذا عن العلاقة بين مر ومت؟ إن مر 14: 26 ومت 26: 30 متشابهان. أما مر 14: 27 فقد أوجز مت 26: 31. ألغى "بسببي في هذه الليلة". وإيراد زكريا يختلف إختلافاً طفيفاً. إن آ 28 في مر شبيهة بما في مت 26: 32. وآ 29 هي قريبة تقريباً مما في مت 26: 33. ونقولا الشيء عينه عن آ 30 (مت 26: 33). والآية الأخيرة في مر تبدو كخبر يورده شاهد عيان، ويبدو مختلفاً بعض الشيء عن نصّ مت. أما نسخة لو 22: 31- 36، فلا تتضمّن تقريباً أي تقارب على مستوى الألفاظ، ما عدا آ 34 ب. نجد إحتجاج بطرس، ولكن لا كما في مت ومر من إحتداد.
ويطرح إستشهاد العهد القديم في آ 27 سؤالاً. مع أن رسالة يسوع تعود إلى إعتباراته حول الراعي والخراف (6: 34؛ مت 15: 24؛ 25: 31- 46؛ لو 12: 32؛ 15: 3- 7؛ يو 10: 10)، فالتلمحيات المرقسية إلى التوراة تبدو ضعيفة تجاه ما يقوله مت. فكيف يستعمل مر هنا إيراداً كتابياً مع أنه يسير بموازاة مت؟ قد نكون هنا أمام تهيئة لدور بطرس في 16: 7. وقد تنتمي آ 27، وآ 29 إلى الإطار ذاته.
نحن في وضع ستتشتت فيه مجموعة التلاميذ الصغيرة، بسبب ما يحصل لراعيها. ولكن يسوع سوف يجمعها من جديد بعد انتصاره، ويقودها إلى الجليل. غير أن فعل "بروأغو" (سبق) ينقصه المعنى الثابت. فهو في 6: 45 يعني ببساطة: سار في المقدمة، قاد. وعُرض موقفان. الأول، يرتبط هذا القول بظهور يسوع القائم من الموت لتلاميذه في الجليل، سواء كان ذلك إنباء لم يتمّ حول قيادة تلاميذه إلى هناك، أو نبوءة بعد الحدث الذي يعكسه هذه الظهورات. والموقف الثاني يعتبر القول إنعكاساً لاهتمامات مر ومت بالجليل، بينما اهتم لو بأورشليم. بل نحن أمام تحريض للجماعة لتبقى أمينة للرسالة كما علّمها يسوع.
ج- قراءة تفصيلية
"ثم سبّحوا" (آ 26). إذا كان الإحتفال مرتبطاً بحمل الفصح، فالنسيج هو مزامير "هلّل" (113- 118) التي ما زالت مستعملة قي الطقوس اليهودية كما كانت في زمن يسوع. "وخرجوا". نشير هنا إلى أن الاحتفال بالفصح لم يكن محصوراً في مكان محدّد. كانوا يأكلون الطعام في مكان، ثم ينشدون الصلوات والمدائح في مكان آخر. فالمهم أن يبقى الحاضرون معاً.
"كلّكم تسقطون". تشكون. تعثرون. تضعفون. فعل "سكنداليزو". نجده مراراً في مت ومر. نحن في بداية فخ يمكن أن نسقط فيه. "أضرب الراعي". رج زك 13: 7. هذا هو تأمّل الجماعة الأولى التي تعيش التشتّت والاضطهاد في أيام مرقس.
"ولكن بعد أن أقوم" (آ 28). تُبنى العبارة مع "ماتا" (بعد). جعل مت "دي" بدل "ألا" (ولكن). هناك عودات كثيرة إلى القيامة (8: 31؛ 9: 9؛ 10: 34؛ 16: 6). لا نجد هذا القول في لو الذي احتفظ بتقليده الخاص بالظهورات في أورشليم. ونشير إلى أن هذه الآية سقطت من إحدى البرديات. ويبقى الغريب في هذا القول أن بطرس لا يعود إلى الإنباء في آ 28.
إتفق مت ومر على القول "الجميع"، كل منكم. وتصّرف بطرس وكأنه حالة شاذّة. كأنه ليس كالآخرين. لو سقط الجميع، أنا لا أسقط.
"فقال يسوع" (آ 30). لم يكتفِ يسوع بالتشديد في شكل إحتفالي (الحقّ أقول لك)، بل أبرز شخص بطرس مع الضمير المنفصل: أنت. "أنت، اليوم، هذه الليلة". "تنكرني". رج 8: 34. أدخل لو هذا القول بشكل إنباء: تنكر أنك تعرفني. وسمّاه باسمه: "بطرس".
"لو اضطررت" (آ 31). إختلف مر بعض الشيء عن مت الذي أكتفى بهذه العبارة: "فقال له بطرس". أما مر فقال: "تمادى". قال أكثر من مرّة. وهذا التكرار يدلّ على ضعفه. أجل إحتدّ بطرس في تأكيده. وفعلَ مثله سائرُ التلاميذ. وهكذا دفع بطرس الآخرين بحماسه.
د- المعاني اللاهوتية
أورد يسوع زك 13: 7 فتحدّث عن تلاميذه الذين يتركونه ويتفرّقون. أضرب الراعي فتتشتت الخراف. يسوع هو الراعي المسيحاني. وعمله أن يجمع شعبه، خرافه، وهذا عمل إسكاتولوجي خاصّ بالمسيح. غير أن الراعي سيُضرب، ومجموعة الاثني عشر سينفرط عقدها بسبب الشكوك والعثار. نحن أمام الشكوك الذي "يسبّبه" يسوع. يكمن هذا العثار في الضعف والذلّ والموت لدى المسيح الذي اعتبروه يصل إلى المجد دون أن يمرّ في الموت.
ولكن في هذا الضعف وفي هذا الموت تتمّ إرادة الله من أجل مسيحه. لذلك، هو الله الذي "يضرب" مسيحه. الله هو الذي يضرب الراعي. هنا نتذكّر صيغة المجهول لفعل "باراديدومي". أسلم. من أسلمه؟ الله (9: 31؛ 10: 33؛ مت 26: 2، 45).
إن هذا الشك الذي عاشه الرسل لم يكن وليد تحليل منطقي بين فكرة المسيح المجيد وفكرة موته. ولكن حين أوقف معلّمهم استولى عليهم الخوف. فهربوا وتشتّتوا. لكن يبقى أن هذا الخوف هو وليد رفضهم المتواصل بأن يقبلوا ما يقوله يسوع لهم، وليد ضعفهم وعجزهم عن فهم الانباءات بالآلام. فحين يفهمون هذا التعليم ويقبلون به، يعرفون كيف يقبلون الموت هم وبطرس.
وهكذا، إن بدا "التجمّع" مهدّداً بسبب موت يسوع، ومعاداً من جديد بقيامته، فهو في الواقع يرتبط بهذا الموت بحيث إن القيامة لا تؤمّنه، بل تشهد له. فإذا أخذنا موضوع الراعي عند الإزائيين أو في يو، فهذا هو التعليم الذي يُعطى لنا. ففي مر 6، أحسّ يسوع بالشفقة تجاه الجمع الذي يبدو كخراف لا راعي لها (6: 34). فهو يطعمها. ولكن التنظيم الذي تصوّره آ 39- 40 والذي يذكّرنا بتنظيم إسرائيل في البرية، يتعارض مع الفوضى التي تشير إليها آ 34 وتحرّك منذ الآن فكرة التحرّك الاسكاتولوجي. ويوحنا الذي قد يكون لمّح إلى هذا التجمّع في خبر تكثير الأرغفة (6: 14- 15) يمدّ تفكيره في هذا الموضوع في الخطبة حول خبز الحياة (جسدي يُعطى لخلاص العالم) وفي مثل الراعي الذي يبذل حياته ليكون لخرافه الطعام، لتكون لهم الحياة (ف 15).
خاتمة
إن إعلان خيانة يهوذا وإنكار بطرس يحيط عند مت ومر بالمقطع المتحدّث عن العشاء السريّ. هكذا يُلقى ضوء على خبر الحاش والآلام. قيل لم يكن بطرس ولا يوضاس حراً إذا كان يسوع قد عرف أن الأولى سوف ينكره والثاني يخونه. هما ليسا حرّين لأنهما علقا في شبكة نسجاها فسجنا نفسيهما فيها. وعلى مستوى مر، إن عمى التلاميذ سيقودهم إلى الوضع الذي سوف نراهم فيه: تركوا يسوع كلّهم وهربوا. والقارئ الذي يتأمّل حياته قد يتساءل عن الطريقة التي بها صوّر الإنجيلي الأمور. بما أن يوضاس وبطرس والآخرين أغلقوا الطريق التي يفتحها لهم المعلّم، لم تعد لهم الحرّية. إنهم كالفريسيين وعظماء الكهنة والكتبة، مرايا توضع أمامنا فنرى فيها ذواتنا. هكذا نفهم موقع العشاء الأخير بين هذين الحدثين: يسوع وحده هو الحرّ بأن يقدّم حياته. هو يشرف على الأحداث. هو يعيش بحسب إرادة الآب كما يراها في الكتب المقدسة. بدأ فسار في طريق الآلام ولم يتهرّب منها، فهو سيعرف طريق المجد. وحين يقوم يلاقي تلاميذه في الجليل. حينئذٍ يفهمون.

 

 

الفصل الرابع والثلاثون
النزاع في البستان
14: 32- 42
بين خبر العشاء السرّي وخبر القبض على يسوع، جعل الإنجيليون الثلاثة الأولون المشهد الدراماتيكي الذي حصل في جتسيماني، مشهد النزاع في البستان. سمّاه لوقا "اغونيا" الصراع، الحرب، ليجعلنا حالاً في قلب الصليب. إن الخبر يتعارض تعارضاً غريباً بين الأناجيل وأخبار الآلام. فالمسيح المصلوب يحتلّ مكانة كبيرة في الأخبار الإنجيلية: فأحداث المحاكمة والموت التي طالت بضع ساعات، ترتدي أهمية واسعة. وهي تعطينا مدلول هذه الأحداث وقيمتها المثالية من أجل تلاميذ يسوع. هذا "الصراع" القاسي بين يسوع وأبيه هو واقع فريد في الأناجيل. وسيأتي الصراخ الأخير على الصليب كصدى لهذه السهرة المأساوية في جتسيماني.
تتميّز هذه الساعة عمّا سبقها تميّزاً واضحاً. فالانباءات بالآلام تدلّ على استسلام تام لدى عبد الله المتألم (يسوع) لمخطّط الآب كما تعلنه الكتب المقدّسة: "يجب على ابن الإنسان أن يذهب إلى أورشليم، أن يتألمّ فيها كثيراً، أن يُقتل وفي اليوم الثالث يقوم". أما الإنجيلي الرابع فيدلّنا كيف أن يسوع هو سيّد مصيره. تقبّل من الآب سلطان إعطاء حياته، وهذه الساعة ترتبط بإرادته. وبعد جتسيماني سيكون يسوع صامتاً، كأني به كاهناً يحتفل بمهابة بذبيحته. أما في البستان فنرى الحزن والرعبة يسيطران على الموقف. هذا ما نحاول أن نتأمّل فيه من خلال النصوص الإزائية الثلاثة.
1- الأخبار والحدث
ترد صلاة يسسوع في جتسيماني في الأناجيل الإزائية الثلاثة، بين العشاء السرّي والقبض على يسوع. كما نجد ما يوازي ذلك في يو 12: 27- 28، وبعد دخول المسيح إلى أورشليم. وأخيراً هناك تلميح واضح إلى هذه الصلاة في الرسالة إلى العبرانيين (5: 1- 3). نتوقّف هنا عند الإزائيين ولا سيّما مرقس فنكتشف الحدث ومعناه بالنسبة إلى يسوع وبالنسبة إلى التلاميذ.
أ- الاخبار
أولاً: على مستوى الشكل
إذا القينا نظرة إلى هذه النصوص نجد اختلافات لافتة. يبدو خبرا مر ومت قريبين جداً: وصل يسوع إلى جتسيماني مع تلاميذه. ثم ابتعد عنهم (14: 32؛ مت 26: 36). وأخذ معه بطرس ويعقوب ويوحنا، لكي لا يكون وحده في صلاته (14: 33- 34؛ مت 26: 27- 38). ثم توجّه في كلامه إلى أبيه ثلاث مرّات (14: 35- 36= مت 26: 39؛ 14: 39 = مت 26: 42؛ 14: 41- مت 26: 44). وثلاث مرات عاد إلى التلاميذ الثلاثة، فوجدهم نائمين فوجّه إليهم توبيخه: أتنام يا سمعان! أو لم تقدر أن تسهر ساعة واحدة (14: 37- 38- مت 26: 40- 41، 14: 40- مت 26: 43؛ 14: 41= مت 26: 44). وحين عاد في المرة الثالثة، أعلن أن الساعة التي فيها يسلم إبن الإنسان قد جاءت، وأن الخائن وصل (14: 41- 42- مت 26: 45- 46).
أما خبر لوقا فجاء بسيطاً: لا يذكر مجموعة التلاميذ. لا يتضمّن إلاّ صلاة واحدة إلى الآب وتحريضاً واحداً للتلاميذ. ولكن في هذا الإطار المعرّى، قدّم الإنجيلي إشارتين خاصتين: ذكر العرق الذي تساقط على الأرض كقطرات دم، وهذا ما يدلّ على شدّة الصراع (لو 22: 44). ذكر الملاك الذي جاء يشجّع يسوع في نزاعه (22: 43). تدلّ هذه الحاشية الثانية على أن الآب سمع صلاة ابنه، لأنه بعث له مرسله ليسنده في جهاده. وهكذا أدخل لوقا في خبره فكرة تتحدّث عن الصلاة المستجابة. وهذا ما لا نجده عند مت ومر.
ثانياً: المواضيع المطروحة
وحين ننتقل من شكل الحدث إلى المواضيع المطروحة، نلاحظ تقاربات وتباعدات. ففي مر، تتوسّع صلاة يسوع على التوالي في موضوعين. أولاً، وفي صيغة الخطبة غير المباشرة، نسمع يسوع يصين لكي تعبر الساعة عنه (14: 35). ثانياً وفي الخطبة المباشرة، يطلب يسوع من الآب أن يبعد عنه الكأس. ولكنه في النهاية يسلم نفسه إلى مشيئته: "ليس ما أريد أنا، بل ما تريده أنت" (آ 36).
إن موضوع الساعة وتسليم إبن الإنسان إلى أيدي الخطأة، يعود في نهاية الحدث كما يرويه مر ومت. وهذا يعني أن هذين الإنجيليين أعاراه أهمّية خاصّة. سيتحدّث يو مراراً عن الساعة التي هي ساعة الآلام، بل ساعة المجد. وهكذا يلتقي يوحنا مع مرقس في هذا التفصيل كما في التصميم العام للإنجيل.
لا يشدّد مت على موضوع الساعة، كما فعل مر. وهو يلغي الصلاة في صيغة الخطبة غير المباشرة. وحين يكرّر صلاة يسوع في آ 42، فهو لا يستعيد إلاّ الكلام المتعلّق بالكأس. واختفى كلياً موضوع الساعة في لو الذي احتفظ بالكأس كموضوع توسّله وابتهاله. هنا نلتقي مع عب حيث توسّل يسوع إلى ذاك الذي يستطيع أن يخلّصه من الموت.
لا يُبنى الخبر فقط حول صلاة يسوع وحده في البستان. فبجانب هذا الشخص الرئيسي، الذي يقف تجاه الآب، نجد مجموعة الرسل النائمين في ظلمة البستان. ويشدّد الإنجيليون الثلاثة على هذا التعارض. هناك ارتباط بين مجيء ورواح يسوع وتحريضه الذي يقدّمه بشكل لوم وتوبيخ. نحن هنا أمام مرمى آخر للخبر يبدأ في مر ومت حين يتوجّه يسوع إلى الثلاثة الذين أخذهم معه. "نفسي حزينة حتى الموت. فأقيموا ههنا واسهروا" (آ 34). وعاد بعد الصلاة الأولى فلام بطرس. "أتنام، يا سمعان! إسهروا، وصلّوا لئلاّ تدخلوا في تجربة: الروح نشيط أما الجسد فضعيف" (آ 38). وحين اقترب الخائن في الوقت الذي لم يستطع فيه التلاميذ أن يظلّوا ساهرين، قال يسوع بدعابة مليئة بالسخرية: "الان تستطيعون أن تناموا، وتستريحوا" (آ 41). أحسّ لو هو أيضاً بهذه الحاشية، فأحاط المشهد بوصيّة يسوع التي تتكرّر: "صلّوا لئلاّ تدخلوا في تجربة". ولكن السهر يختفي من أجل الصلاة أمام التجربة. هو يعذر نوم التلاميذ: فكيف يستطيعون أن يسهروا والحزن يثقل عيونهم؟ ويتجنّب أن يجعل من وصيّة المعلّم لوماً وتوبيخاً كما فعل مت ومر.
ب- من الخبر الإنجيلي إلى التقاليد
إن تحليل الأخبار جعلنا نستشفّ مراجع مشتركة أو أقلّه تقاليد استقى منها الإنجيليون. لا شكّ في أنَّ مت عرف نصّ مر وانطلق منه كأساس، فأبرز الرسمة المثلّثة من رواح يسوع ومجيئه، ومن استعادة لصلاته. ولكن لا يبدو أن لو انطلق من مر كنصّ أساسي. قد نكون، كما في خبر العشاء السرّي، أمام تقليد آخر.
لاحظ الشرّاح أننا في مر ومت أمام مقدمتين إثنتين. أولاً: إنفصل يسوع عن تلاميذه (أمكثوا هنا، آ 32). ثانياً: إنفصل عن الثلاثة (تقدّم قليلاً، آ 35). ونجد أيضاً صلاتين. صلاة أولى تدلّ على الساعة (تعبر عنه هذه الساعة، آ 35). صلاة ثانية تدلّ على الكأس وارادة الآب (أجز هذه الكأس، ولكن لا ما أريد أنا، آ 36). وأخيراً، هناك تحريضان للتلاميذ. الأول: لوم يتوجّه إلى بطرس (آ 37). الثاني: فيه أعلن يسوع الساعة لتلاميذه (آ 41: أتت الساعة. في المرة الثانية جاء ولكنه لم يقل شيئاً). إذا فصلنا هذه التكرارات بعضها عن بعض، كان لنا خبران مستقلاّن على أساس الاهتمام بالثلاثة وبطرس، أو على أساس موضوع الساعة.
في الخبر الأول، يتوجّه تحريض يسوع إلى مجموعة التلاميذ، وتكون الساعة موضوع صلاة يسوع. "وصلوا إلى ضيعة اسمها جتسيماني. فقال لتلاميذه: أمكثوا ههنا ريثما أصليّ. وابتعد قليلاً وسقط على الأرض وصلىّ لكي تعبر عنه الساعة إن كان ممكناً. وجاء فوجدهم نائمين لأن عيونهم كانت ثقيلة، فلم يدروا بماذا يجيبونه. وقال لهم: ناموا الآن واستريحوا. ومع ذلك، أتت الساعة وابن الإنسان يسلم إلى أيدي الخطأة".
ويتركّز الخبر الثاني على الثلاثة الذين حضّهم يسوع على السهر من جهة، وعلى الصلاة التي ترتبط يموضوع الكأس. "وأخذ معه بطرس ويعقوب ويوحنا وطفق يرتاع ويكتئب. قال لهم: نفسي حزينة حتى الموت. فأقيموا ههنا واسهروا. وقال: أبا أيها الآب! كل شيء ممكن لديك. أبعد عني هذه الكأس. ولكن ليس ما أريد أنا، بل ما تريد أنت. وجاء فوجدهم نائمين. فقال لبطرس: أولم تقدر أن تسهر معي ساعة. إسهروا وصلّوا لئلا تدخلوا في تجربة. الروح نشيط، أما الجسد فضعيف". 
نجد الرسمة عينها في الشكلين: مقدّمة، صلاة، تحريض على السهر. أما خبر لو فيبدو قريباً من الخبر الثاني: صلاة مركزة على الكأس، تحريض على الصلاة. هنا يطرح سؤالاً: كيف نفسرّ الانتقال من تقليد بسيط إلى تقليد في ثلاثة أزمنة كما في مر ومت؟
نلاحظ أولاً أن هذا الشكل المثلّث نهجٌ معروف لدى الإزائيين: التجارب الثلاث التي تفتح (مع العماد) الحياة العلنية. والصلوات الثلاث (بعد الافخارستيا) تشكّل المدخل إلى الآلام. نكران بطرس المثلّث. ثلاثة إنباءات بالآلام تتوزّع الصعود إلى أورشليم. ولكن بشكل أدقّ، هذه الاستعادة المثلّثة تدلّ على حرارة الصلاة. نجدها في تشفّع ابراهيم (تك 18: 16 ي). ونقرأها عند بولس في حديثه عن الصلاة أمام التجربة. قال: "طلبت إلى الربّ ثلاث مرات أن تفارقني" (التجربة) (2 كور 12: 8). لهذا، حين دمج التقليد الخبرين اتبع اتجاه المؤمن في صلاته أمام التجربة. أما هنا فنحن أمام المحنة العظمى التي تعيشها الكنيسة في الليلة التي تسبق ساعة مجيء الربّ. وقد يكون تأليف هذا المقطع قد تأثّر بالصلاة الربّية مع الطلبة الخاصة: "لا تدخلنا في تجربة" (مت 6: 10- 13).
هنا ندرك حياة التقليد الذي نقل إلينا خبر الربّ. فإن هو احتفظ بصلاة يسوع أمام الساعة الآتية وكأس الآلام، ارتدى الجهاد السرّي مدلولاً خاصاً في إيمان الكنيسة. واذا كان قد احتفظ بتحريض يسوع للتلاميذ، نحسّ أنه يعني المسيحيين أيضاً. جعل صلاة الربّ في قالب عرفته الجماعة، ولكنه جعل من صلاة الربّ صلاته. وبعبارة أخرى، إن اعلان تعليم الصليب، والنداء لعيش الساعة الحاضرة على مثال يسوع، هما عنصران في تقليد حيّ طبع بطابعه هذا الخبر كما طبع سائر الاحداث الإنجيلية.
ج- من التقليد إلى الحدث
حينئذٍ يُطرح سؤال: هل استنبطت الجماعة هذا الحدث من أجل بناء الكنيسة؟ مثل هذا السؤال طرح، فاعتبر طارحه أننا أمام "اسطورة سيروية" استنبطتها الكنيسة لتدلّ على الطابع المسيحاني ليسوع!! وقيل في هذا المجال: صاغت الجماعة هذا المشهد انطلاقاً من تذكّرات توراتية (لا سيّما المزامير) لتدلّ على أن آلام المخلّص تتوافق توافقاً تاماً مع مخطّط الله كما تتضمّنه الأسفار المقدّسة!!
وهكذا (تقول هذه النظرية) يكون موقف يسوع نسيج تلميحات إلى مز 31: 32: "وأنا قلت في قلقي: قد انتزعت بعيدا عن عينيك. ومع ذلك سمعت صوت صلاتي حين صرخت إليك". ومز 39: 13: "إسمع صلاتي، يا ربّ، وأصغ إلى صراخي. لا تتصامم عن بكائي". يضع هذان المزموران أمام عيوننا البارَّ المضطهد الذي يصرخ إلى الله في ضيقه ودموعه، فيستجيبه الله ويبعد عنه ضربات مضايقيه. وإن كلمة يسوع "نفسي حزينة حتى الموت" هي مزيج مز 42: 6، 12؛ 43: 4 (لماذا تكتئبين يا نفسي وتقلقين فيّ)، ويون 4: 9 (أنا حزين إلى الموت). فالمرتل يعيش في المنفى وهو يفيض نفسه أمام الله فيستعيد الردّة (أو: القرار): "لماذا تكتئبين، يا نفسي"؟ وفي يونان، نجد تشكي النبي الذي تعب من الحياة وتمنّى لنفسه الموت (يون 4: 3؛ رج 1 مل 19: 4 ووضع إيليا) لأن حَمْل كلمة الله صعب. وقد تستند عب 5: 9 إلى مز 116 حيث تسمع صوتاً يطلب الخلاص من الموت.
ورقاد التلاميذ هو "أسطورة" من أجل بناء الجماعة. وُلد انطلاقاً من مز 3: 6 (أنام وأرقد. وأستيقظ: الربّ عضدي) و 4: 9 (في سلام أنام وارقد، وأنت يا ربّ في طمأنينة تجعلني)، حيث نجد موازاة بين صراخ يعلن أن الله يستجيب ونوم في قلب المحنة.
أما الدعوة إلى السهر والصلاة أمام التجربة، فهي موضوع معروف في الفقاهة المسيحية الأولى. ونحن نجدها في الأناجيل الإزائية (13: 33- 37؛ لو 12: 35- 37؛ مت 24: 43- 44؛ 25: 1- 13؛ لو 21: 64- 63)، في الرسائل البولسية (1 تم 5: 1- 11؛ 1 كور 16: 13- 14؛ روم 13: 11- 14؛ كو 4: 2؛ أف 6: 18) وفي رسالة بطرس الأولى (5: 6- 10).
ماذا نقول في هذه النظرية؟ هناك واقع أساسي من حياة يسوع. وقد انطلق منه التقليد مستنداً إلى البرهان الكتابي فدوّنه ولم يستنبطه. إنه أول محاولة لاهوت مسيحي قام بإعطاء فكرة عن تماسك مخطّط الله وحكمته. ثم بيّن أن المسيح أتمّ الشريعة والانبياء والمزامير. وقد انطبقت هذه البراهين بشكل خاصق على الحدث الذي "يشكك" المؤمن، عنيت به الآلم والصلب في حياة المسيح. لهذا نفهم أن البعض أناروا صراع يسوع في جتسيماني بمزامير البار المتألم، وهو كتاب كان صلاة الجماعات المسيحية الأولى لا سيّما في وقت الاضطهاد. ونحن نرى مثلاً كيف استعمل سفر الأعمال مز 2 كصلاة توسّل في زمن الاضطهادات (أع 4: 24- 30). ولكننا لا نقول إن هذه المزامير ولّدت خبر الآلام. بل إن أحداث الآلام ذكّرت المؤمنين بهذه الصلوات فطبّقتها على المسيح.
ونتساءل: كيف استطاع البرهان الكتابي أن يستنبط من لا شيء مشهداً لا يتوقّعه أحد مثلاً الصلاة في جتسيماني؟ فثقل الايمان الفصحي يأخذنا في خطّ آخر. هنا نتذكّر التحوّلات التي تمت في الإنجيل الرابع الذي تحدّث بالأحرى عن الآلام المجيدة. وإن لوقا أحل مز 31: 6 (يا ابت، في يديك استودع روحي) محل مز 22: 2 (إلهي إلهي، لماذا تتركني) كصرخة يسوع الأخيرة على الصليب (رج لو 23: 46، مر 15: 34). ولا نفهم كيف حاول الإنجيليون أن يعذروا التلاميذ حين رأوهم ينامون في صلاة يسوع. مثل هذا التفصيل يصح ولا شكّ لارشاد حياتي. فلو لم يفرض هذا المشهد نفسه على ذاكرة الشهود، لقبل به إيمان الكنيسة بصعوبة، ومسيحها يتجرّد من كل سمات بشرية.
إذا كنا لا نستطيع إلاّ أن نقبل بالطابع التاريخي لهذا الحدث، نتساءل: متى حصل في حياة يسوع، ويو يختلف عن الإزائيين في تحديد موقعه؟ هنا نعرف أن الإنجيليين كثّفوا في مشهد واحد أحداثاً عديدة. فيسوع لم يأتِ مرة واحدة لكي يصليّ في بستان الزيتون. فنحن نقرأ لو 22: 39: "خرج يسوع ومضى كعادته إلى جبل الزيتون، وتبعه تلاميذه". فلو ذهب يسوع مرة واحدة، فكيف عرف يهوذا أن يسوع هو في هذا الموضع؟ وهكذا نستطيع القول إننا أمام "حفلات" صلاة ليسوع في بستان الزيتون. ولا نحاول بعد ذلك أن نحدّد موقع هذه الصلوات. فالإنجيليون لا يقدّمون سيرة يسوع، كما في تقرير صحافي. بل شهادة عن يسوع تكون مثالاً للكنيسة.
2- مدلول جتسيماني
أ- التجربة المسيحانية
هناك تشابه بين حدث جتسيماني وخبر تجارب يسوع. ثم هناك حاشية نقرأها في لو 4: 13: "إبتعد عنه إبليس حتى الزمن المحدّد". هذا الزمن هو ذاك الذي فيه يغربل الشيطان إيمان التلاميذ (لو 22: 31). ساعة يدخلون هم بأنفسهم في التجربة. ويتحدّث الإنجيل الرابع عن ساعة سلطان هذا العالم الذي يتملّك الخائن (يو 13: 27)، يدخل فيه. هي الساعة التي يكون يسوع وحده ويتفرّق تلاميذه (يو 16: 32).
ولكن هل جرّب التلاميذ وحدهم؟ كلا. فإن عب 4: 15 تقول عن المسيح إنه جرّب في كل شيء ما عدا الخطيئة. وقد لاحقت التجربة يسوع حتى الموت. فحين يتحدّث عن حزنه حتى الموت، أما يفهمنا أن هذه التجربة تشبه الرغبة في الموت التي أحسّ بها الانبياء في محنتهم (نتذكر إيليا).
نحن في الواقع أمام شكل جديد للتجربة المسيحيانية: التهرّب من الموت على مثال عبد الله المتألمّ، التهرّب من طرق الله.
ب- تخلي الآب
ونلقي ضوءاً على نداء يسوع السرّي إلى الآب في صراخه الأخير على الصليب: "إلهي إلهي لماذا تركتني" (14: 34؛ مت 27: 46)؟ هذه الصلاة التي احتفظ بها الإنجيليون في صيغتها الأرامية، تحمل رنّة مأساوية، وتجعلنا في الحقيقة العارية. هذه الصلاة هي امتداد لصلاة يسوع في الحزن، في الصراخ والدموع لا بستان الزيتون. ولكن ماذا نعني حين نقول إن الآب "تخلى" عن ابنه؟
إعتبر البعض أننا أمام محنة صوفية مستيكية. بالصليب أخذ يسوع على عاتقه دينونة الله التي تعاقب الخاطئ الذي يعيش التخلي عن الله والانفصال من الآب. ورأى آخرون ان حزن يسوع تفجّر حين رأى نتيجة عمله إلى زوال: تركه تلاميذه أو أوقفوا.
ولكن هل نفسرّ صراخ يسوع على الصليب خارجاً عن قرائنه؟ هل نقرأ آية واحدة ولا نضعها في مز 22 كله؟ إذا كان يسوع يصليّ فبالنظر إلى ما يشعر به: إتخذ صوت المسكين الذي يمرّ في المحنة. يجب أن لا نفرط في إبراز القوة الدراماتيكية في هذا الصراخ. أما لوقا فقد أحل محله صلاة الاستسلام للنوم: "في يديك استودع روحي". نحن أمام مز 31: 6 الذي هو أيضاً صراخ الأمل في المحنة. إذا كان مز 22 مأساوياً في رنّته، فهو يشير أيضاً إلى الرجاء في حياة المسكين، وإلى عمل يدوم مع الربّ.
في جتسيماني احتفظت الجماعة الأولى بصلاة دراماتيكية تلقتها من شفتي يسوع. وكان هذا التوسّل توسّل البار الذي يمز في المحنة، ولكنه يستسلم إلى الله واضعاً ثقته فيه. في هذا المعنى يكون صراخ الصليب صدى للصراع في جتسيماني حيث فتح الابن إرادته على إرادة الاب. هذا التوسّل يفترض أمانة الآب لابنه الذي يتمّ عمله وحبّه له.
ج- الصلاة أمام الموت
عبرّ يسوع ببساطة أمام أبيه عن الضيق الذي يشعر به أمام الموت وعذاب الصليب. إنه إنسان حقيقي، وما يحسّ به الإنسان يحسّ به يسوع. إذن، هو خوف من الموت. و "ثورة" البريء أمام ظلامة يتحمّلها.
إن رسمة صلاة يسوع في جتسيماني هي رسمة صلاة المؤمن أمام الموت. وإن نصّ مر يشتمل على مختلف مراحل هذه الصلاة: أولاً: الاقرار بسلطان الآب: أبا، أيها الأب. كل شيء ممكن لديك. ثانياً: التعبير عن التوسّل والطلب: أبعد عني هذه الكأس. ثالثاً: الاستسلام لإرادة الله: لا ما أريد أنا، بل ما تريد أنت.
لقد تأثّر التقليد الإنجيلي بأسلوب الصلاة المسيحية. ولكن الصلاة المسيحية تأثّرت بصلاة يسوع. يقول لنا لو 11: 1 ي إن يسوع كان يصليّ في موضع ما، فطلب منه تلاميذه أن يعلّمهم الصلاة. رأوه يصليّ، حاولوا أن يدخلوا طريقته في الصلاة في حياتهم. لا شكّ في أن يسوع انطلق مش محيطه، واستعمل المزامير، ولكنه حمّلها معنى جديداً لأنه وحده الابن الوحيد، ولأنه والآب واحد.
خاتمة
وهكذا نلاحظ في خبر النزاع نقطتين أبرزهما التقليد. الأولى: اهتمام الكنيسة بصلاة يسوع بالذات. الثانية: اهتمام الكنيسة بالتحريض الذي أعطي للرسل. ففي صلاة يسوع، أدركنا أمرين شدّد عليهما الإنجيل: الصلاة أمام الساعة. والصلاة التي تعبرّ عن الصراع وتنتهي بقبول إرادة الآب. وإذا زدنا على هذين الموضوعين تجربة التلاميذ، نكون قد أحطنا بحدث نزاع يسوع في البستان، حيث سيكون موتُه الساعةَ التي فيها يُقهر العدوّ الأخير الذي هو الموت. فهذا الموت دخل في مخطّط الحياة، وصرخة يسوع بما فيها من حزن ستجد جواباً لها في فرح القيامة.

 

 

الفصل الخامس والثلاثون
القبض على يسوع
14: 43- 52
بعد انتقالة سريعة (14: 43 أ)، يتوسّع خبر القبض على يسوع في أربع لوحات يشرف عليها على التوالي: يوضاس (آ 43 ب- 45). الفرقة (آ 46- 47). يسوع (آ 48- 49). التلاميذ (آ 50- 52). نجد بين الداخلين في هذه الدراما اثنين يسميّان باسميهما: يوضاس، يسوع. وهناك اثنان (الفرقة، التلاميذ) يجب أن يبحث عنهما القارئ في سياق النصّ. هم "هؤلاء" (هوي دي) الذي يوقفون يسوع. و"جميع" (بنتس) الذين هربوا. وهكذا يبرز شخصان، ويبقى الآخرون بدون اسم. هذا لا يعني أن دورهم في هذا الخبر غير مهمّ. دورهم يوخه الأنظار إلى الشميم الرئيسيين: يوضاس الذي يقود الفرقة. يسوع الذي يشرف على الوضع فيختلف عن التلاميذ الذين هربوا.
في اللوحة الأولى واللوحة الرابعة، "الممثلون" هم التلاميذ: يوضاس يسلّم يسوع. والآخرون يتركونه. هذا الإطار يعطي المقطع كله وظيفة إرشادية كما في مشهد نكران بطرس ليسوع. ولكن بين هذين الطرفين، يواجه يسوع عمل الشرطة بخطبة يدافع فيها عن نفسه، وهكذا يتبرّر موقفه المنفعل في هذا الظرف لدى القرّاء.
وهكذا نكتشف منذ الآن المرمى المزدوج للخبر. الأوك: تحذير المسيحيين من خطر الاقتداء بيوضاس وسائر الرسل. الثاني: تقديم خبر الحاش لا إطار لاهوتي.
1- اللوحة الأولى: يوضاس (14: 43- 45)
تتوزع اللوحة الأولى حسب تسلسل دائري. الحاضر (آ 43)، الماضي (آ 44: كان قد أعطاهم)، الحاضر (آ 45). شخص يوضاس هو دائماً فاعل الفعل المعلوم. إنه سيد العملية "الحربية". أما الفرقة فتكتفي بأن تكون معه" (آ 43 ب). لم يعطها فقط "علامة"، بل أوامر (آ 44 ب ج). فالشرطة تنتظر إشارة منه لتلقي القبض على يسوع.
نقذم هنا ملاحظتين لغويتين. الأولى، لا نستطيع أن نعارض بين "ممثلين" نعتبرهم معروفين وممئلين "مجهولين" يمثلون ذاك الذي ضرب بالسيف (14: 47) أو الشاب الذي هرب عرياناً (آ 51- 52). في الواقع، لا تسقي آ 50 الهاربين "تلاميذ". تقول فقط: تركه الجميع وهربوا. إذن، على المستوى الأدبي، نبقى في ما هو "مجهول".
في آ 43 نجد "أوخلوس" بدون أل التعريف. هي لا تعني "الجمع" (الشعب) كما في مر عادة بل تعني "فرقة"، "زمرة". هذا المعنى معروف في الأدب اليوناني الكلاسيكي في معرض الحديث عن الجنود. نجد هذا المعنى في ما يوازي مر 14: 43 في مت، لو. رج أع 1: 5؛ 6: 7.
إنطلق بعضهم من لفظة "معه" في آ 33 (رج أيضاً 3: 14: ليكونوا معهم). فعارض بين انتماء يوضاس إلى مجموعة الاثني عشر وواقع جديد هو أنه صار دليلاً للذين قبضوا على يسوع.
قدّم لنا الإنجيلي "يوضاس" على أنه "أحد الاثني عشر". نحن هنا أمام ملاحظة دراماتيكية تحرّك عاطفة القارئ حول ما يُنتظر من مثل هذا الرجل. سبق النصّ ونئهنا إلى ذلك حين قدّم لنا لائحة الاثني عشر (3: 19: ذاك الذي أسلمه). ولكنه قرأ ذات العبارة التي وجدها هنا في الحاشية حول مسعى يوضاس لدى عظماء الكهنة (14: 10) وفي إعلان يسوع خلال العشاء الأخير. إن الذي سلم المعلّم هو "واحد يغمس يده معي في الصحفة" (14: 20). كرّر الإنجيلي وألحّ فتوخّى بذلك أن يؤثّر على القارئ: أبرز التعارض البغيض بين انتماء "الشخص" إلى حلقة أخضاء يسوع، والعمل الذي سيتمّ قريباً.
وعبرّ مرقس عن هذا العمل بفعل "باراد يدوناي" (أسلم). وحين طبّقه على حاش (آلام) يسوع (3: 19: 9: 31؛ 10: 33 مرتين؛ 14: 10، 11، 18، 21، 41، 42، 44. في 1: 4 نحن أمام "حاش" يوحنا المعمدان. وفي 13: 9، 11، 12، أمام آلام التلاميذ. في 4: 29؛ 7: 13 نحن أمام معنى آخر) توافق مع استعمال مجذّر في اللغة المسيحية القديمة. فتأثير أش 53 ظاهر هنا (أش 53: 6، 12، حسب السبعينية، نقرأ "باراديدوناي 3 مرّات" وكذلك تأثير بولس في روم 8: 32 (أسلمه عنّا جميعاً)؛ وغل 2: 20؛ 1 تم 2: 6؛ تي 2: 14.
في هذا الإستعمال للفعل عند مرقس (وتبعه متّى ولوقا)، نجد ثلاثة تيارات. الأول (9: 31؛ 10: 33؛ 14: 41). نجد صيغة المجهول (المجهول الإلهي). الله هو الذي "يسلّم" يسوع، أي يعدّه للموت حسب المخطّط الذي رسمه في الكتب المقدّسة (14: 21 أ، 49 ب). الثاني يعبرّ عن عمل يوضاس الذي "سلّم" يسوع إلى السلطات اليهودية (3: 19؛ 14: 10، 11، 18، 21، 42، 44). الثالث: السلطات اليهودية تسلّم يسوع إلى الوثنيين (10: 33؛ 15: 1، 10)، وبهم إلى الموت (15: 15). هذا التطبيق المثلّث في كتاب واحد له معناه، وهو يفهمنا أن أمر الله يتمّ من خلال عمل البشر، وهذا ما نفهمه بشكل خاصّ في وضع يوضاس الذي يخدم (رغماً عنه، مثل إخذة يوسف بن يعقوب) بدوره البغيض، قصد الله الذي يتجاوزه.
ولكن يوضاس الذي هو على المستوى البشري العلّة المباشرة هو في الواقع أداة بين يدي رؤساء اليهود. هذا ما نعرفه منذ 8: 31 وأول إنباء بالآلام. فالآلام تنسب إلى الفئات الثلاث التي تكوّن السنهدرين (المجلس الأعلى). الشيوخ، عظماء الكهنة، الكتبة. ويتجدّد الإنباء بطريقة أكثر إيجازاً ولكل بشكل مساوٍ في 10: 33 (عظماء الكهنة والكتبة). ثم نراهم هم أنفسهم يعملون. أولاً، في مسعاهم لكي يهلكوا يسوع (11: 18؛ 12: 12؛ 14: 11 ب). ثانياً، في تحقيق قصدهم (14: 43، 53؛ 15: 1).
أبقى مرقس على الارث التقليدي الذي يعطي عظماء الكهنة الدور الأكبر في محاكمة يسوع (في خبر الحاش نجدهم وحدهم أو أقله في رأسلا اللائحة، 14: 1، 10، 53؛ 15: 1، 3، 10، 11، 31). ولكنه لم ينسَ أن يجعل الفئات الثلاث تعمل معاً في مشروع القتل في ترتيب مختلف: الشيوخ، عظماء الكهنة، الكتبة (8: 31). وفي الساعة التي دين فيها يسوع وأسلم بيدهم إلى بيلاطس، يتحدّث النصّ عن "كل السنهدرين"، كل المجلس الأعلى (14: 55؛ 15: 1)، ولا يتوقّف عند مسؤولية هؤلاء أو أولئك. كلهم جاؤوا يسلّمون يسوع إلى بيلاطس. كلهم مسؤولون عن موت يسوع. فمثل الكرّامين القتلة رُوي لعظماء الكهنة والكتبة والشيوخ، رُوي للسنهدرين، وفسرّ ففهم السامعون فهماً كاملاً بُعده. وهذا ما ولد عندهم المشروع بالقبض على يسوع (11: 27؛ 12: 1- 12).
إن إرسال الفرقة المسلحة من قبل السلطات اليهودية، يعيدنا إلى محاولة طويلة الأمد تتبّعَ قارئ مرقس مراحلها. أما التلميح إلى "العلامة" التي اتُفق عليها (14: 44) فهي تعود إلى الماضي المباشر والقريب، وتفترض حواراً سابقاً بين يوضاس وأولئك الذين يقودهم إلى يسوع. غير أن هذا الحوار لم يكتفِ بالتوافق على حركة وإشارة. هناك تدرّج داخل معترضة، نعرف فيه أن يوضاس أعطى توجيهات محدّدة للفرقة وكلّمهم كما يكلّم "القائد" جنوده: "أمسكوه وخذوه في حراسة شديدة".
"العلامة". في اليونانية: "سيسامون". علامة مميّزة. علامة يتفّق عليها. لفظة لا ترد إلا هنا في كل العهد الجديد. عرفها الأدب اليوناتي الكلاسيكي كما عرفتها السبعينية (قض 20: 38، 40؛ أش 5: 26؛ 49: 22؛ 62: 10). هناك التباس في الجملة مع الضمير "اوتويس". فالضمير لا يرتبط بفعل "قال" بل "أعطى". أما مت 26: 48 أ فأزال كل التباس إذ بدّل محل الضمير. ثم إنه استعمل "سامايون" ليتحدّث عن "العلامة". 
"أمسك" في اليونانية: "كراتاين". بمعنى أوقف، قبض على، سجن كما في 3: 21؛ 6: 17؛ 12: 12؛ 14: 1، 46، 51؛ مت 14: 3؛ 21: 46؛ 26: 4، 48، 55، 57؛ أع 24: 6؛ رؤ 20: 3. طلب يوضاس من أجل يسوع حراسة مشدّدة (اسفالوس) كما أراد قضاة مدينة فيلبي حراسة مشدّدة لبولس (أع 16: 23).
إن "العلامة" المتفّق عليها هي قبلة. وهذه القبلة هي ذروة هذه اللوحة الأولى (14: 45). والإسهاب المرقسي هنا يعطي نتائجه ففعلا الحركة في آ 45 (وصل، اقترب) يهيّئان فعلة يوضاس ويبرزان خطورتها. ونادى يوضاس: رابي. هكذا أراد أن يكرّم المعلّم. وقبّله "بحرارة" (كما يقول الفعل اليوناني). فالقبلة الجامدة مثل القبلة الليتورجية، والقبلة التي تعطى بطرف الشفتين لن يكون لها الطابع البغيض والضروري لكي يؤثّر على القرّاء ويحرّك فيهم قرفاً يبعدهم عن القيام بعمل مماثل.
لا حاجة إلى شرح مطوّل عن البعد الدقيق لهذه القبلة، مستلهمين العادات الجارية بين المعلّم وتلميذه. إن لقب "رابي" لا ينحصر في الملافنة والمعلّمين الكبار. فنحن نجده في مرقس على شفاه التلاميذ (9: 5؛ 11: 21؛ 14: 45)، بل عند أعمى أريحا في اختلافة هي "رابوني" (10: 51).
ولكن ما يوافق طريقة التأليف عند الإنجيليين، هو العودة إلى العهد القديم وإلى القبل الماكرة التي يذكرها: قبلة يوآب. "أمسك بيده اليمنى لحية عماسا ليقبّله". ولم يأخذ عماسا حذره من السيف في يد يوآب (2 صم 20: 9- 10؛ رج تك 27: 26- 27 وقبلة يعقوب لعيسو؛ أم 7: 13؛ 27: 6؛ سي 29: 5). وجاء تفسير لقبلة عيسو ليعقوب (تك 33: 4) كما يلي: شفاه حارّة وقلب رديء (أم 26: 23). ما أراد أن يقبّله، بل أن يعضّه. وهناك من رأى في هذه القبلة تطبيقاً لنصّ مز 41: 10 (حسب السبعينية): "حتى صديقي الذي وثقت به". ولكن نصّ المزمور هذا لا يرتبط فقط بالقبلة، بل بمجمل مسعى يوضاس (رج 14: 18؛ يو 13: 18؛ رج أيضاً مت 28: 23؛ لو 22: 21).
كل هذه التذكّرات تقود "الراوي" ليدلّ على أن يوضاس من خلال التعبير عن العاطفة والإحترام، جعل منذ الان المعلّم في طريق العذاب، وحوّل علامة الحياة إلى علامة الموت. لا نجد في مر أية قبلة يعطيها التلاميذ ليسوع. لهذا بدت فعلة يوضاس فعلة فريدة. ولهذا بدت بغيضة جداً.
2- اللوحة الثانية: الفرقة (14: 46- 47)
مع آ 46 يختفي يوضاس بشكل نهائي من إنجيل مرقس. هنا تبدأ الفرقة وحدها بالعمل وتبدو اللوحة هنا في شقّين.
الأول يصوّر توقيف (القبض على) يسوع مع عودتين إلى السياق السابق. العودة الأولى بفضل فعل "أوقف، قبض". نفهم أن الجنود هم ينفّذون الدور الذي أعطي لهم (آ 44: أمسكوه). العودة الثانية تتيح لنا أن نلاحظ أن ما قاله يسوع في 14: 41 يتحقّق الآن حرفياً. حين نقرأ "وضعوا أيديهم عليه". نفهم أن يسوع، منذ الآن، وحسب كلماته عينها، "أسلم إلى أيدي الخطأة" (14؛ 41 ج). رغم الغموض الذي يكتنف فاعل الأفعال في آ 46، فالعمل هو بلا شكّ عمل الفرقة المذكورة، في آ 43. ولكن غياب الأسماء يبرز اسماء المجموعة الخاضعة لأوامر يوضاس الذي ذُكر اسمه وحده.
والشقّ الثاني من هذه اللوحة (آ 47) يقول: إن واحداً من الذين كانوا هنا، استلّ السيف، ضرب عبد رئيس الكهنة، وقطع له أذنه. إن هذه الأفعال الئلاثة مع لفظة "اوتاريون" (تصغير اوتيون، الاذن) لا توجد إلا هنا في مرقس. وقد ترتبط بتذكّر بيبلي، مز 36: 14 (حسب السبعينية): "الشرير يستلّ سيفه ليذبح السالك سواء السبيل".
قد يكون صاحب هذا العمل أحد رجال الفرقة الذين جاؤوا ليقبضوا على يسوع. ولا يمكن أن يكون أحد تلاميذه. فالنصّ لا يتكلّم حتى الآن إلا عن رجال الفرقة. أما التلاميذ الذين تجاهلهم الراوي حتى الآن، فسوف نراهم في اللوحة الرابعة. ثم إن عبارة "واحد من الحاضرين" (باريستاناي) أو ما يشابهها لا تدلّ في خبر الآلام (14: 47، 69، 70؛ 15: 35، 39) على رفاق يسوع، بل على أشخاص آخرين تحدّدهم القرائن. ثم إن الخطبة التي يلقيها يسوع في آ 49 على الفرقة تحمل الضمير "هم" (كلّمهم) الذي يعود إلى الحاضرين هنا. وأخيراً، السيف هو سيف أحد رجال الشرطة، لأن لا شيء يدلّ على أن التلاميذ كانوا مسلّحين. هناك خلط بين انجيل وآخر، بين مر وسائر الأناجيل (مت 26: 52- 54: كانوا مع يسوع؛ لو 22: 51؛ يو 18: 11). نحن هنا بلا شكّ أمام تقليدين، فلا حاجة إلى التوسّع في موضوع عدم الفهم عند التلاميذ في هذه المناسبة، والمقاومة التي لا طائل منها.
إن الذي ضرب بالسيف هو غير ذاك الذي أمسك يسوع. ففي آ 47 قد تبدّل فاعل الفعل. ولكن يبقى أن نعرف وظيفة هذا الحدث في الخبر. نلاحظ أولاً أن الضارب والضحيّة هما من "حزب" واحد، من أعداء يسوع. أرسل مع رفاقه إلى الجسمانية بأمر من "عظماء الكهنة والكتبة والشيوخ" (آ 43)، وهو مجلس يرأسه عظيم الكهنة كما سنعرف فيما بعد (14: 53، 60- 63). أرسل "الضارب" فجرح "خادم رئيس الكهنة". هو لم يرد أن يفعل ما فعل. وعمله ليس بالعمل المجيد. ثم إن الضحيّة ليست تلك التي أراد أن يؤذيها الضارب. ثم، حسب شهادات قديمة، عار على الإنسان أن تقطع أذنه. وفي العالمي اليهودي، لا يستطيع من قطعت أذنه أن يمارس الوظائف المقدّسة. ولقد بدأ العقاب في أولئك الذي يريدون أن يقبضوا على يسوع (ظاهرة إنتقام).
3- اللوحة الثالثة: يسوع (4: 48- 49)
وتتواصل روح "السخرية" مع ظاهرة الإنتقام في الخطبة التي وجّهها يسوع إلى الذين جاؤوا يقبضون عليه.
لم يذكر اسم يسوع منذ 14: 30. وها هو يسمّى الآن. إنه يفرض نفسه بإجلال ومهابة ليتلو كلمة الدفاع الوحيدة التي ينسبها إليه الخبر المرقسي عن الآلام. فالفرقة، وعبرها أولئك الذين أرسلوها، سمعوا كلاماً يقول: لا فائدة من استعمال كل هذه الوسائل (سيوف، عصي. فى آ 48، نعود إلى ذات الأسلحة التي ذكرت في بداية الحدث) للقبض على إنسان، وكأنه لصّ (ليستس: له معنى عام. السارق في الشارع، الذي يقتحم البيت، القاتل، العضو في زمرة). كان يمكنهم أن يمسكوا يسوع وهو يعفم في الهيكل (هذا ما قاله مرقس فيما قبل: 12: 35). هنا نجد "فجوة" فيها بعض اللوم، نستطيع أن نفهمها.
فمن قرأ الإنجيل ظهر له بوضوح أن الذي منع السلطات من القبض على يسوع هو الخوف من مواجهة عداوة الشعب الذي كان راضياً عنه. إذن، كان الرؤساء جبناء متخاذلين.
نية هجوميّة. نية دفاعية (ابولوجيا). نجدها في نهاية هذه الخطبة القصيرة حيث يستعمل يسوع البرهان الكتابي الذي سبق واستعمد" على دفعتين في مر لكي يبرّر الآلام (9: 12: مكتوب أنه يتألّم كثيراً؛ 14: 21). وفي النهاية، لقد أراد الله نفسه هذه الدراما. والتعبير عن إرادته نجده في الكتب. ويسوع قد سبق له ووافق كل الموافقة (14: 36). أي نصّ يعود إليه مرقس هنا؟ ليس من نصّ محدّد، بل عودة إجمالية تدلّ على اللاهوت الذي يقدّمه مرقس عن إرادة الله الخلاصية التي تتجلىّ من خلال أعمال البشر وما فيها من سوء.
4- اللوحة الرابعة: التلاميذ (14: 50- 52)
وينتهي الحدث في هرب يتئم على "مرحلتين" يعبز عنها في كل مرّة فعل "فيغاين" (آ 50، 52: تركه الجميع وهربوا... هرب عرياناً). الهرب الأول يشير إلى التلاميذ. لم يُذكروا بوضوح العبارة، ولكن لا ش في ذلك. فليس الهاربون هم الشرطة الذين جاؤوا يقبضون على يسوع فلم يجدوا أية مقاومة. إذن، الهاربون هم التلاميذ الذي يحدّثنا السياق عن وجودهم هنا في 14: 32، 37. ثم من قرأ 14: 27 حيث يستعمل يسوع زك 13: 7 فيعلن بشكل احتفالي تشتت أخصائه (أضرب الراعي فتتبدد الخراف)، يفهم من هم الهاربون "الشجعان".
ندرك هنا، بدون تحديد آخر، موضوعاً كتابباً صار اعلاناً مسيحانياً، هو موضوع التخليّ الذي يكون البار ضحيّته (مز 31: 12؛ 38؛ 12؛ 88: 9، 19). لا يريد مرقس أن يوفّر أولئك الذين ألّفوا "جوقة" مع بطرس وأعلنوا "كلهم" أمانة لا عودة عنها، ولو كلفتهم هذه الأمانة الموت مع يسوع (14: 31). أما الآن "فكلّهم" تركوه وهربوا. هم الذين لا الماضي تركوا "كل شيء" ليتبعوه. والآن تركوا أمانتهم وكلمة قالوها، بل تركوا ثيابهم من أجل الهرب (10: 28؛ رج 2 تم 4: 16).
لقد تخلّوا عنه، حسب ما أعلن يسوع مسبقاً (14: 37). "فكلهم" تشكّكوا. إذن، فقدوا الإيمان به (رج 4: 7؛ 6: 3. فالشكوك لا يعني فقط الإنزعاج بل السقوط والجمود). كان الخوف الطريق إلى اللا إيمان والكفر. نحن هنا أمام درس للقرّاء المسيحيين الذين يعتدّون بنفوسهم. هنا نقول إن لا علاقة بين هذا "الهرب" والموعد الذي ضربه يسوع لتلاميذه (16: 7؛ رج 14: 28). إن مرقس لا يدافع عن هربهم.
وتأتي في نهاية المقطوعة حاشية هي "حدث" الشاب الذي كان يتبع يسوع. أمسك، فهرب تاركاً الرداء (أو الغطاء، سندون في اليونانية. لسنا هنا أمام قميص. رج مت 27: 59: "شرشف نقي" الذي كان يغطّيه. هنا تنوّعت الشروح.
* إنه الإنجيلي نفسه يوقعّ إنجيله. ولكن إلامَ يستند قائل هذا القولي؟ 
* أورد مرقس هذا التقليد ليكون له شاهداً لأحداث يكفل صحّتها. وذلك كما سيعطي دوراً مماثلاً لسمعان القيريني، والد الاسكندر وروفس (15: 21). وللنسوة اللواتي شاهدن قبر يسوع ودفنه (15: 41، 47). ولكن ما ينتظر من هؤلاء الأشخاص المذكورين والمعروفين في الجماعة الأولى، لا يتحقّق في الوضع الحاضر حيث الشاب لا اسم الله، فيضيع في ظلمة الليل. ثم كان باستطاعة التلاميذ ان يقوموا بهذه الشهادة بما فيه الكفاية.
* عاد بعضهم إلى الكتب المقدسة (عا 2: 16) التي تحقّقت. قال النصّ العبري: "الجبار القويّ القلب بين الجبارة، يهرب عرياناً في ذلك اليوم". ولكننا نقرأ في نصّ السبعينية: "يجد قلباً بين القوات، العريان يُلاحق في ذلك اليوم". ولكن عاموس لا يتكلّم عن شاب ولا يتحدّث النصّ اليوناني عن هرب. ثم إن نصّ عاموس لا يلعب دوراً في البرهنة المسيحانية عند المسيحيين ولا في التذكرات الجليانية (لا أثر له في مر 13: 14- 16 وز). وهكذا يرى الشّراح في هذا النصق رمزاً إلى "ضيق" "الأزمنة الأخيرة".
* نظرة كرستولوجيّة وفصحيّة. يرتبط الشاب بيسوع ارتباطاً وثيقاً (تبع يسوع: "أوقف"، مثل يسوع). وكما أن يسوع سوف يلفّ ب "سندون" (15: 46)، كان الشاب مغطى "برداء" (سندونا). ثم إن النسوة رأين أيضاً على القبر "شاباً" (نيانسكوس) في صباح القيامة. وكان "مرتدياً (ذات اسم الفعل في 14: 51) ثوباً أبيض" (16: 5). وأخيراً هرب الشاب من جتسيماني كما هربت النسوة من عند القبر (الفاعل ذاته في 14: 52؛ 16: 8). ما هي العلاقة بين كل هذه التقاربات؟ ولماذا الحديث عن الهرب؟
* ماذا نقول في النهاية؟ ما زلنا أمام سرّ. لا شكّ في أن لهذا الخبر معناه في مر. وكذلك نقول عن التفاصيل، لا سيّما وأن الشاب كان "يتبع" يسوع "مع" سائر التلاميذ (رج استعمال "تبع" في 5: 37، ولكن المعنى الأهم: 1: 18؛ 2: 14؛ 6: 1؛ 8: 34؛ 10: 21، 28؛ 15: 41) ونلاحظ أن الشاب، شأنه شأن يسوع (آ 46)، قد "أوقف (فعل كراتين في كلا الحالين). وهو بذلك يشارك يسوع في مصيره. ولكن هنا تتوقّف المقابلة مع يسوع. فالشاب يلتقي مع التلاميذ الذين هربوا. لم "يُفزعهم" أحد. الخوف وحده جعلهم يهربون. أما الشاب فأمسك، غير أن هربه (وُصف بشكل سلبيِ مثل هرب التلاميذ) يشبه موقف المسيحيين الذين رفضوا بجبانة أن "يسلّموا" (13: 11- 12) على خطى معلّمهم.
ونزيد ملاحظة أخيرة: إن عري الشاب (ذكر مرتين) لا يقابل "عري" يسوع. لاقد شدّد مرقس في خبر الآلام على ثياب يسوع (15: 17- 20، 24)، ولكنه لا يقول إن يسوع صُلب عرياناً.
وهكذا يبدو هذا الخبر القصير لمن يريد أن يقرأه على ضوء مر، يبدو إشارة تكمّل الدرس المشرف على خبر القبض على يسوع. وجّه الخبر إلى المسيحيين المجرّبين الذين في ضعفهم (14: 38) سقطوا في الجحود. فقيامة يسوع سوف تجدهم عند القبر يحملون الشهادة إلى الآخرين.
خاتمة
وتواجه "الخصمان"، ابن النور وابن الظلمة. تواجه يسوع ويوضاس. دلّت الفرقة المرافقة ليسوع على "شجاعتها" فقبضت على يسوع. أما التلاميذ الذين رافقوا يسوع، فدفعهم الخوف والجبانة إلى الهرب. ذاك مو وضع كنيسة مرقس التي لقيت الاضطهاد بشكل خاصّ لا أيام نيرون الامبراطور. تغلّب عليها الخوف، وبعض أفرادها جحدوا إيمانهم. ولكن، كما قام يسوع وجمع "في الجليل" تلاميذه، ها هو يعود إلى كل جماعة له في العالم، فيجمع أبناءه كلهم: أولئك الذين صمدوا، وأولئك الذين لسقطوا. إنه عالم بصعفنا، وهو لا يزال يستقبلنا في كنيسته، بل يرسلنا إلى العالم أجمع.

 

 

الفصل السادس والثلاثون
يسوع أمام المجلس
14: 53- 65
إن المشهد الذي فيه يُدان يسوع ويُحكم عليه أمام السنهدرين، أو مجلس اليهود الأعلى، هو ذروة هامة في خبر الحاش لدى مرقس. وارتباطه بالحدث السابق لا يطرح مشكلة، لاننا نتجاوز فقط ست آيات (14: 47- 52) لكي نجد اتصالاً طبيعياً. ففي آ 53 يرتبط فعل "إقتادوا، ذهبوا ب" مع فعلين في آ 46: "ألقوا أيديهم، أمسكوه". لا يجب أن "يقاد" يسوع حالماً "يوقف". أولاً: لأن ما حدث لخادم عظيم الكهنة يُعلم القارئ أن "وضع اليد" على يسوع يكلّف غالياً. ثانياً: لا يقاد يسوع أمام القضاة دون أن يقول ما يجب ان يقوله: جواب ثابت واحتفالي وضعَ الأمورَ في نصابها. وهكذا نكتشف عند مرقس سيادة يسوع على نفسه، وهذه السيادة تدلّ على كيانه العميق في هذا الظرف. إنه لا يتصّرف بشكل منفعل". المبادرة هي في يده. إنه الفاعل الأول.
إن هذا الحدث يشكّل مع حدث "جحود بطرس" (14: 66- 72) كتلة واضحة. بسبب وحدة المكان (في بيت عظيم الكهنة). ولأن المقدمة في 14: 53 (وذهبوا بيسوع إلى رئيس الكهنة) تجد ما يقابلها في 15: 1 حيث يدخلنا النصّ إلى إطار مكاني، ويجعلنا نعبر مرحلة جديدة.
يحيط بالخبر الذي نقرأ الآن مقدمة (آ 53) وخاتمة (آ 65). تشير المقدمة إلى انتقال يسوع من جتسيماني إلى بيت رئيس الكهنة، حيث تلتئم المجموعات الثلاث التي تكوّن السنهدرين. وترسم الخاتمة مشهد المعاملات السيئة التي أصابت يسوع بعد الحكم عليه. وجاءت آ 54 بشكل معترضة تعلن نكران بطرس ليسوع وتهيئ القارئ لهذا الأمر المؤلم. أما آ 55- 64 فتصوّر مشهد المحاكمة أمام المجلس فتشكّل كتلة يشرف عليها موضوع "موت" يسوع: "قضى الجميع عليه بأنه يستوجب الموت" (آ 64). هذا في النهاية. ولا المدخل: "طلبوا شهادة؟ على يسوع ليقتلوه" (آ 55).
1- المقدمة (14: 53)
يبدأ الحدث بتحديد المكان الذي نرى فيه يسوع. سمّي هنا منعاً لكل التباس. اقتيد يسوع "لدى رئيس الكهنة"، أي إلى دار رئيس الكهنة، كما تدلّ على ذلك آ 54 (دار رئيس الكهنة). لا اسم لرئيس الكهنة عند مرقس. أما يوحنا فيذكر حنان وقيافا. ما همّ القراء اليونان والرومان إن عرفوا اسم قيافا أم لا؟
في دار رئيس الكهنة التأم "كل رؤساء الكهنة والشيوخ والكتبة". أي المجموعات الثلاث التي تؤلّف السنهدرين. نجد لفظة "كل". حضور كامل. إذن، كلهم مسؤولون ولا يمكن التهرّب. كلهم حاكموا يسوع وحكموا عليه كما سنقرأ في نهاية المشهد، في آ 64: "قضى الجميع عليه". وفي 15: 1، سيذكر "كل" المجلس في اجتماع الصباح. اما الان، وحسب ترتيب النصّ، فقد تتم الإجتماع على أثر توقيف يسوع. جاؤوا به إلى هنا. الأمر مهتم جداً. لهذا جاؤوا كلهم... ولكن الجلسة الرسمية لا تكون في الليل، بل في الصباح.
2- نحو انكار بطرس (14: 54)
وأقحم مر آية تستبق بداية الحدث المقبل. غير إن هذه الطريقة توافق النهج الأدبي عند مرقس. رج 3: 20- 21 (آ 22- 23) 31- 35؛ 5: 21-24 (آ 25- 34) 35- 43؛ 11- 14:12 (آ 15- 19) 20- 25؛ 14: 1- 2 (آ 3- 9) 10- 11؛ 14: 53 (54) 55- 56 (66- 72). ما توخّاه مر هو أن يدلّ على التزامن بين مشهد السنهدرين ومشهد انكار بطرس. وهكذا بدا تعارض دراماتيكي: ساعة كان يسوع يعلن عن شخصه أمام قضاته، كان تلميذه الأول (1: 16) ينكره انكار الجبناء.
فبطرس لم ينقطع عن يسوع. مع أنه لم يشذّ عما فعله الآخرون، فهرب في جتسيماني، ها هو الان يعود و"يتبع" يسوع كما في الماضي (1: 8). نحن هنا أمام ضرورة تهيّئنا لكي نرى السقوط الذي سيرُوى فيما بعد. غير أن بطرس يتبع يسوع "من بعيد" (ابو مكروتن). تفصيل فيه بعض المداعبة، وهو يشدد على فطنة التلميذ (من أجل الهرب إذا اقتضى الأمر) كما ينبئ مسبقاً بأمانته المقبلة! هذا الواقع هو صدى لما في مز 38: 12: "أصدقائي ورفاقي وقفوا بعيداً مني". تصّرف بطرس بهذا الشكل فأتمّ الكتب دون أن يدري.
وبالرغم من ذلك، ها هو يرافق يسوع "حتى داخل دار رئيس الكهنة". إن لفظة "أولي" تعني الدار، القصر، البيت. وتعني الرواق وداخل البيت. عادة يستعمل مر المعنى الأول. في 15: 16، يتكلم النصّ عن "قصر" الحاكم (رج يو 18: 15: الرواق الداخلي)، عن "قصر الوالي". والمقطعان اللذان يوردان "أولي" (14: 54، 66) يرتبطان إرتباطاً وثيقاً بحيث لا نتصوّر أنه بالإمكان أن ننتقل من معنى إلى آخر (هناك من يقدّم الرأي المعاكس). لهذا، فحين نفهم هذه اللفظة كما في 15: 16، نصل إلى طوبوغرافيا معروفة للأحداث. تبع بطرس يسوع إلى داخل القصر. هنا، في "الطابق" السفلي (كاتو، 14: 66) توجد فسحة (تخيّل مرقس سلّماً يصل إلى قاعة المحكمة في قصر رئيس الكهنة) يصل إليها الإنسان عبر رواق (بروأوليون، 14: 68). هذا ما يسقى الدار الداخلية التي لا سقف لها، وفيها نستطيع أن نشعل النار.
نلاحظ هنا على المستوى اللغوي أربعة أشياء. الأول: هناك من رأى في نكران بطرس ليسوع "أداة" طرد بها وحي يسوع عن نفسه. لا نشدّد كثيراً على التوازي. أنكر بطرس يسوع ثلاث مرات. ولكن يسوع شهد لنفسه أمام المجلس مرة واحدة. غير أن المرحلتين السابقتين تتكوّنان من شهادتين. الثاني: لا نستطيع إن نربط 1: 18 (تركا الشباك وتبعاه) مع احتجاج بطرس في 14: 29 (حتى ولو شكّ فيك جميعهم، فأنا لا أشكّ). فيسوع سيبيِّن حالاً أن ما يقوله بطرس لن يثبت. الثالث: نجد في آ 54: تبع "اناكوليتاين". بمعنى التصق بيسوع كالتلميذ بمعلّمه. رج 1: 8؛ 2: 14؛ 6: 1؛ 8: 34 (مرتين)؛ 10: 21، 28، 32، 52؛ 14: 54؛ 15: 41. الرابع: نجد صدى لهذا المقطع من مز 38: 12، خلال الحديث عن النسوة الجليليات في 15: 40: "ينظرن من بعيد".
لوحة بسيطة. وهي تتميّز عن الدراما التي تحدث قريباً من هنا. جلس بطرس مع خدم رئيس الكهنة، لا مع الشرطة التي أوقفت يسوع، وانتظر نهاية المحاكمة. لا هذا الإطار نجد الخادمة التي ستطرح السؤال على بطرس. فالنار المشتعلة جعلتها تتعرّف إلى وجه بطرس.
3- المحاكمة (14: 55- 64)
إن موضوع الموت يحيط بالحدث الذي نصل إليه الآن. وهو يتوسّع حسب ثنائية متقابلة: طلب وجد. طلب القضاة شهادة "ليميتوا" يسوع، وبعد أن فشلوا (لم يجدوا) وصلوا إلى النتيجة التي أرادوها فأعلنوا أن يسوع "مستوجب الموت". هذه هي دينامية هذه القطعة المقسومة ثلاثة أقسام. الأول (آ 55- 59) يصوّر طلب شهادة تتهم يسوع. ولكن عبثاً. في الثاني (آ 60- 62) حصل رئيس الكهنة على ما يوازي هذه الشهادة من فم يسوع نفسه، وذلك بعد أن سأله. في القسم الثالث (آ 63- 64) تباحث المجلس وحكمَ بالموت على يسوع. ذاك كان هدف الإجتماع منذ البداية.
أ- طلب شهادة ضدّ يسوع (آ 55- 59)
أعلنت آ 55 بشكل إجمالي العمل الذي ستفصّله آ 56- 59. يذكر النصّ "عظماء الكهنة وكل المحفل" (أو: كلّ المجلس). لماذا ذُكر فقط "رؤساء الكهنة" من بين المجموعات الثلاث التي تكوّن المجلس الأعلى (ق 14: 43- 53؛ 15: 1)؟ ربما أراد مرقس الإيجاز. ولكننا نجد أن هذه الفئة تُذكر دوماً في الدرجة الأولى، ومرات وحدها (14: 10؛ 15: 3، 10، 11) حين يتدخّل أعضاء المجلس في أخبار الحاش (14: 1، 10، 43، 53؛ 5 1: 1، 3، 10، 11، 31). إذن، من الواضح أن مر يعتبر رؤساء الكهنة المسؤولين الرئيسيين في ملاحقة يسوع هذه.
غير أنه لا يستبعد "كل السنهدرين"، وبالتالي فهو يشدّد على الطابع الرسمي لجلسة المحاكمة، كما لخاتمتها بالحكم على يسوع. ونعرف أيضاً أن هذه المحاكمة هي هزء بالقضاء: لم يكن هدفها إعلان حكم عادل، بل "قتل" يسوع. هذا ما كانت تطلبه السلطات اليهودية منذ بعض الوقت (14: 55؛ رج 11: 18؛ 12: 12، وكذلك 4: 11 ب)، وقد سنحت لهم الظروف الان لكي يحقّقوه. ولكنهم "أتمّوا" هكذا من دون أن يعلموا نبوءات يسوع، ونبوءات الكتب المقدّسة (8: 31؛ 9: 31 مرتين؛ 10: 34؛ رج 12: 5، 7، 8. مع فعل "أبوكتايناين").
إن سمات البار المتألمّ الذي يهدّده أعداؤه بالموت (مز 38: 13؛ 54: 5؛ 63: 10؛ 70: 3؛ 86: 14؛ 109: 16) تطبّق على المسيح، ويسوع يجعلها تعيش من جديد في شخصه. وهذا ما نشهده في مشهدي شهود الزور. فالمزامير تورد تشكيات أولئك الذين يقاسون المصير عينه. مثلاً، مز 26: 12: "شهود زور (غير عادلين) وقفوا في وجهي، والظلم كذب لأجل منفعته" (حسب السبعينية). "وقف شهود الزور وسألوني عمّا لا يعرفون" (مز 34: 11 حسب السبعينية). هناك تقارب على مستوى الألفاظ بين المزامير والنصّ الإنجيلي (ق كذب "ابسوساتو" في مز 26: 12 حسب السبعينية؟ شهود الزور في مر 14: 56- 57؛ "وقف" في مز 34: 11 ومر 14: 57)، وهذا ما يدلّ على الروح الذي كتب فيه هذا المقطع.
ولكن بأي منطق تنظّم؟ نقول أولاً إننا أمام موجتين متلاحقتين من الشهادات. لهذا يجب أن نستبعد قراءة ترى في آ 56 محاولة إجمالية سنرى عيّنة منها في آ 57- 59. هذا ما نبرهن عنه حين نلاحظ أن عبارة آ 59 (ولكن حتى هكذا لم تتّفق شهادتهم) تفترض شهادات أخرى وهي التي سبق النصّ وأوردها. فالمجموعة تنطلق من العام إلى الخاصّ (كثيرون... ثم بعض) وتخلق تدرجاً معكوساً: فبعد الشهادات الكاذبة التي نجهل أصلها تأتي شهادة "ضخمة" هي الكلمة على الهيكل. والكل كل شيء يصبح حالاً كلا شيء بسبب تضارب الشهود. حسب ردّة واحدة: "لم تتفق شهادتهم" (آ 56، 59).
نحن نفهم هذا التعارض وعدم الإتفاق بسهولة في الحالة الأولى حيث نفترض أن الشهادات الكثيرة تضمنت أموراً مختلفة. أمّا في الحالة الثانية، فالأمر أقل وضوحاً لأنه لم يرد إلا كلمة واحدة ليسوع. لا نستطيع أن نملأ الفجوة فنفترض أن عدم التوافق يعود إلى أشخاص آخرين غير الذين شهدوا: بل من الواضح أن الألفاظ الثلاث في آ 57- 59 (البعض، هم، هم) تدلت على الأشخاص عينهم. وبعبارة أخرى، إن الذين أوردوا الكلمة عن الهيكل هم نفسهم الذين لم تتفق شهادتهم.
ولا نستطيع أن نحدّد الإختلاف بين شقّي الكلمة على الهيكل، فيكون لنا مع واو العطف (كاي) إعلانين مختلفين: واحد عن دمار الهيكل، وآخر عن بنائه أو إعادة بنائه: إن توازياً وثيقاً يضمّ هذين العنصرين بشكل لا ينفصل. هل فكّر مر في عدة نسخات لهذه الكلمة؟ هو لا يقول لنا. ولكن ما هو أكيد هو أنه لا يريد أن يُحكم على يسوع بسبب هذه الكلمة وهذه الشهادة، بل فقط بسبب جوابه على عظيم الكهنة. وإذ أراد الوصول إلى أهدافه، إستعمل مرة ثانية موضوع تعارض الشهود الذي ذُكر في آ 56. 
ومع ذلك، إن اعتبرنا مقاطع أخرى في مر، يُطرح سؤال: حسب النصّ، قرار الشهود هو شهادة زور. فبأي معنى؟ هل هو كذب بالنسبة إلى المضمون أم بسبب التفسير الذي أعطاه الشهود؟ ويعود السؤال فيما بعد (15: 9: يا ناقض الهيكل وبانيه في ثلاثة أيام) في الحديث عن أقوال الهزء على الجلجلة: هناك يستعيد "المارون" (العابرون) بشكل موجز الانباء الذي نُسب إلى يسوع خلاله المحاكمة. يصبح هذا السؤال شرعياً حين نفهم أن تمزّق حجاب الهيكل (15: 38) هو نتيجة مباشرة وفجائية لموت يسوع، وأن هذه المعجزة تفسرّ كرمز إلى الدمار. في هذه الحالة نظنّ أن إعلان الشهود أمام المجلس قد يتضمّن بعض الحقيقة.
من الواضح أن شهادته "جعلت" يسوع يقول إنه يريد دمار هيكل هيرودس، هيكل الحجر. لن ندهش في هذه الظروف أن نقرأ أن هذا التقرير هو شهادة زور، لأن الضلال واضح (رج 11: 17؛ 13: 2). ولقد عرف الناس في زمن مرقس، أن يسوع مات منذ عقود من السنين ولم يدمّر الهيكل. ولكن للكلمة معنى آخر غير التدمير المادي. ونستطيع هنا أن نرى عيّنة من الوسائل الدقيقة التي استعملها مرقس. يبدو أنه استعمل في هذا المقطع المداعبة القريبة من السخرية. فاعداؤه يقولون، دون أن يدروا، كلمات من أجل يسوع، ولكنه يستحقّ هذا اللقب لأنه المسيح. هناك تقاسم الجلاّدون ثيابه واقترعوا عليها (15: 24) فقد أتموا الكتب المقدسة التي أنبأت نجذا العمل. وحين تلقّى عن شفاه عظماء الكهنة والكتبة، على الجلجلة، كلام التحدي (15: 32: لينزل الآن المسيح، ملك إسرائيل، من على الصليب)، نكتشف لقباً دلّ به المسيحيون على مخلّصهم. ثم إن حركات الهزء وهزّ الرؤوس لدى المارين (15: 29) تحقّق ما أنبأت به الكتب المقدسة.
وبشكل إجالي، إن قاتلي يسوع، شأنهم شأن "رؤساء هذه العالم" (1 كور 2: 8)، هم فاعلون لا يدرون لخلاص يحمله يسوع. وهكذا فعلوا حسناً دون أن يدروا، أولئك الشهود الكذبة الذين دعاهم أعضاء المجلس. ففي نظر مرقس وحسب الإيمان المسيحي، قد ألغى يسوع بموته شعائر العبادة الذبائيحة لدى اليهود، وجعل من الهيكل بناء عفّى عليه الزمن. ونستطيع أن نكمّل التلميح ونضمّن الكلمة حول إعادة البناء "في ثلاث أيام"، صورة عن قيامة يسوع. بل نحن بالأحرى أمام "أطول" فترة من الزمان يحتاجها يسوع. هنا نذكر أن العبارة التي نقرأها هنا في آ 58 (ديا تريون هامارون) والتي نسمعها على شفاه المارين على الجلجلة (إن تريسين هامارايس) ليستا ما نقرأ في مر وسائر أسفار العهد الجديد للدلالة على المسافة التي تفصل موت يسوع عن قيامته. نجد: "بعد ثلاثة أيام" (8: 31؛ 9: 31؛ 10: 34: ماتا ترايس هاماراس) أو "اليوم الثالث" (مت 16: 21؛ 17: 23؛ 20: 19؛ لو 9: 22؛ 24: 7، 46؛ أع 10: 40؛ رصد لو 24: 21: تاي تريتاي هاماراي. أو تاي هاماراي تاي تريتاي في لو 18: 33؛ 1 كور 15: 4).
لا شكّ في أن مر يعتبر ذبيحة يسوع مقبولة لدى الله، وأنه يرى في القيامة كفالة لهذا القبول. ولكننا نخطئ إن فسرّنا هذا الإنباء مستلهمين يو 2: 19 حيث فعل "اغايراين" (يحمل معنيين مثل العربية أقام، رفع البناء. أقام الإنسان من الموت) يتضمّن تلميحاً لا نستطيع أن نستخلصه من مر. أما هنا فنجد فقط يقيناً بأن يسوع أحل عبادة (جديدة) محلّ عبادة (قديمة)، مع النتائج الجماعية التي تفترضها في تاريخ الخلاص.
ويُزاد على ذلك حاشية هجوميّة. فالهيكل الذي سيدمّر هو بناء قد صنعته "أيد بشريّة". ويعارضه هيكل "لم تصنعه أيد بشرية" (اخايروبوايتوس). الصفة الأولى تعود إلى السبعينية وتتضمّن رنة سلبية. هي تعني الأصنام (لا 26: 1، 30؛ أش 2: 18؛ 10: 11...) التي هي صنع البشر (نتذكر هنا كلام اسطفانس في أع 7: 49- 50). لا نستطيع أن ننسب إلى مرقس شجباً لهيكل أورشليم وكأنه موضع عبادة الأصنام (حز 8: 5- 16): فموقف يسوع وأقواله في 11: 15- 17 تعارض هذا الموقف. ولكننا لا نستطيع أن ننكر إمالة من الإحتقار تدخلها هذ اللفظة في كلمة يسوع كما أوردها الشهود أمام المجلس، تعارضاً مع العبادة الجديدة التي خرجت من ذبيحة المسيح.
ويتولّد سؤال أخير من مقابلة بين ما قاله الشهود في المحكمة وتردّد عند صليب يسوع من جهة، وبين نبوءة يسوخ حول دمار الهيكل في مقدّمة الخطبة على نهاية العالم من جهة ثانية (13: 2). للوهلة الأولى تبدو هاتان المعطيتان متعارضتين: فحسب 14: 58 و15: 29 "اعتبر" يسوع أنه يهدم الهيكل ويبني آخر من جديد. في 13: 2، يعبرَّ عن اعلان دمار الهيكل بأفعالى في صيغة المجهول: لا يقول يسوع إنه معنيّ بهذا الدمار، ولا يتحدّث عن إعادة بناء. فالدمار هو فعل الرومان وهذا ما يعرفه قرّاء مر. وهكذا نكون أمام اشارة تفصل المعطيتين: إن بقيت حقيقة أساسية في الكلمات التي قيلت في المجلس وعلى الجلجلة. وإن كان مرقس واعياً أن يسوع وضع بموته حداً للهيكل وعبادته، فهذه النهاية ليست تلك التي ينبئ بها يسوع حين يعلن: "لن يبقى حجر، بل يدمّر كله" (13: 2). ففي الحالة الأولى لسنا أمام دمار مادي. وفي الثانية، يبدو المدلول واضحاً ولا شلث فيه.
ونتابع البرهان. في 13: 2 أعلن يسوع دمار "هيارون" أي المجموعة التي تكوّن الأبنية المقدّسة والأروقة. أفا في خبر الحاش (14: 58؛ 15: 29، 38) فالدمار هو دمار "ناوس" أي المعبد بحصر المعنى، وهو يشمل القدس (المكان المقدس) وقدس الأقداس (أي: أقدس مكان في الهيكل، يدخله رئيس الكهنة مرة في السنة). إن معنى هاتين اللفظتين في مر واضح جداَ: "هيارون" هو مفتوح للجميع. وهو الإطار لأعمال عديدة. أمّا "ناوس" المذكور وحده في خبر الحاش، فلا يدخله أحد، ولا يستطيع أن يعمل فيه عملاً. 
مقابلة على مستوى اللفظتين. هناك مقابلة أيضاً على مستوى السياقين. فالدمار المعلن في 13: 2 هو جزء من أحداث نهاية العالم. ولا يمكن أن نشكّ أن (في نظرة مر) الزمن الذي في يخسر الهيكل علّة وجوده يتقبل مدلولاً اسكاتولوجياً. فليس هذا هو السياق الخاص بالعمل الفدائي الذي فيه يدخلنا خبر الحاش (الآلام) حين يشير (أو يرمز) إلى دمار "ناوس". 
أخيراً، إن النبوءة الواردة في 14: 58، و15: 29 قد قيلت (كما يظن) في العلن. فالشهود أكدوا: "سمعناه يقول". ونفترض أن الأمر كان كذلك بالنسبة إلى المارين على الجلجلة. مقابل ذلك، فالإنباء في 13: 2 هو كلمة باطنية، شأنه شأن الخطبة التي تلي (13: 4 ب). بمعنى أنه يتوجّه إلى التلاميذ وحدهم. وهذا ما يدفعنا إلى الإعتقاد بأن المعطيتين في (رأي الإنجيلي) تتطلّعان (رغم تشابههما) إلى واقعين، وتقدمان تعليمين مختلفين يكون فيهما الهيكل على مستويين اثنين.
ب- علّة للحكم على يسوع (آ 60- 62)
إعتبر عظيم الكهنة أنه وجد علّة للحكم على يسوع. وهكذا يتوسّع القسم الثاني من المشهد في سؤالين يتبعهما جوابان: السؤال الأول يجابه بالصمت، فيتبعه السؤال الثاني الذي يتميّز عن الأول بخطورته وشكله الإحتفالي. ويبدو النصّ الإجمالي بشكل متعارض، فيبرز العلة الحقيقية للحكم على يسوع بالموت.
ويبرز وجه عظيم الكهنة المهيب وسط المحفل، فيضع يده على القضيّة. أمّا مرقس الذي لم يعتد أن يحدّد هوية الأشخاص الذين يحدثنا عنهم، فكرّر ثلاث مرّات (آ 60، 61، 63) أنه يتحدّث عن "عظيم الكهنة".
ويتألف السؤال من جملتين. الأولى هي دعوة مباشرة إلى الجواب يعبرّ عنه بشكل إستفهام (أما تجيب. أي: أليس لك شيء تجيب به؟). والثانية تعني لا ما قاله الشهود (في هذه الحالة، لا معنى للسؤال لأن عظيم الكهنة قال ما قاله الشهود) بل بُعد هذه الأقوال: "ماذا يعني هذا الذي يشهد هؤلاء الناس به عليك"؟
لا شكّ في أننا أمام سؤالين بسبب البناء الغراماطيقي في اللغة اليونانية. ثم نجد توازياً لا لبس فيه في استجواب بيلاطس في 15: 4. وأخيراً، أن مر بشكل عام يهتم بالأسئلة المزدوجة (1: 24- 27؛ 4: 21، 40؛ 9: 19؛ 12: 14).
توخى السؤال في هذا الخبر أن يدفع يسوع إلى جواب يسكت بعده. وهكذا يبرز الموضوع الكتابي حول صمت البار المضطهد (مز 38: 14- 15؛ 39: 10؛ أش 53: 7؛ إر 11: 18. لقد إرتبط الموضوع بالمسيح). غير أن هذا الصمت يبرز الإعلان الكبير الذي يليه. هذا الإعلان يردّ على سؤال جديد (بالين، يرد 28 مرّة عند مر) (سأله أيضاً). موضوعه محدّد ولا مواربة فيه: "هل أنت المسيح، ابن المبارك" (أي: ابن يهوه؟ رج آ 62: القدرة. قد نكون أمام عبارة: تبارك اسمه)؟ هذا هو السؤال النهائي الذي يتبعه جواب يسوع والحكم بالموت.
يتطلّع هذا السؤال إلى هوية يسوع كمسيح (هناك اختلافة: المسيح. رج لو 22: 70) وابن الله. هذان اللقبان يعرفهما القارئ منذ البداية (يسوع المسيح ابن الله). أقرّ بطرس أن يسوع هو "المسيح" في 8: 29. وهناك إعتراف مسيحاني يتضمنه هتاف يوم الشعانين (11: 9- 10) ونداء يسوع على أنه "ابن داود" بفم بان طيما (10: 47- 48). ثم إن الله بنفسه أعلن يسوع ابنه (1: 11، في العماد؛ 9: 7 في التجليّ). ونجد أيضاً تلميحين لا الخط عينه (12: 6: ابنه- مثل الكرّامين، 13: 32: لا يعرفهم الابن). عاد مر فجمع اللقبين هنا بسبب الموقف الإحتفالي المهيب. إن اللقب الثاني الذي هو مركزيّ في مر يحدّد الأول ويوسّعه ليرفعه على مستوى من التسامي لا يملكه في ذاته.
ويتساءل القارئ: من أين جاء عظيم الكهنة بمواد سؤاله؟ هناك من عاد إلى مثل الكرّامين القتلة الذي توجّه في الهيكل أمام فئات السنهدرين الثلاث، أي عظماء الكهنة والكتبة والشيوخ (11: 27؛ 12: 1). وقد أدركوا عبر المثل أن يسوع اعتبر نفسه "الابن الحبيب" لله (12: 6). احتفظوا بهذ التسمية واستعملوها في المحكمة ليتهموا يسوع ويحكموا عليه بالموت.
ولكن صعوبة هذا الإقتراح لا تأتي فقط من نوعيّة تطبيق المثل، بل من ردّة فعل السامعين التي يصوّرها 12: 12 ج: ما "فهمه" هؤلاء السامعون ليس أن يسوع اعتبر نفسه ابن الله، بل أن هذا المثل يعرّض بهم. وفي عبارة أخرى يدلّ هذا المثل على البُعد الهجومي تجاه إسرائيل التاريخي الذي يتواصل في رؤسائه الحاليين. بسبب هذا الإتهام، أرادوا أن يسكتوا ذاك الذي تلفّظ به. أجل، لما يفهم عظماء الكهنة أن يسوع نسب إليهم مقتل الابن، لأنهم قررّوا حالاً أن يتخلّصوا منه، وهكذا يعطونه الحقّ دون أن يعلموا. وهكذا لا نستطيع أن نستنتج أن عظيم الكهنة عاد إلى ما سمعه في الهيكل حول مثل الكرّامين القتلة.
هل نجد جواباً ملائماً في السياق المباشر؟ هناك من يقول: نعم. في مقال الشهود. فحسب هؤلاء أعلن يسوع أنه سيدمّر الهيكل ويبني غيره من جديد. واستخرج رئيس الكهنة استنتاجاً: إذن، يحسب يسوع نفسه المسيح. ولكننا لا نجد إلا ترجوم زكريا الذي ينسب إلى المسيح بناء الهيكل. ثم إن هناك اعتراضاً أساسياً يلد من الخبر نفسه: فبين شهادة الشهود والاستجواب الثاني لدى عظيم الكهنة، هناك عنصر (14: 60- 61 أ) يمنعنا أن نفهم السؤال متضمناً استنتاجاً: "إذن، هل أنت المسيح ابن المبارك"؟
في الواقع، هذا السؤال غير المهيّأ ليس وحده لا مر. ففي الخبر الموازي لهذا المشهد أمام بيلاطس، بدأ الوالي بدون مقدّمات استجوابه (15: 2) دون أن نعرف كيف وصلت إلى اذنه اعترافات يسوع بأنه "ملك اليهود". ولكننا نلاحظ في الإستجوابين اننا أمام سؤالاً. وهذا يعني بعض الجهل. في الوقت الحاضر، إذا كان عظيم الكهنة عرف من مرجع كيد وبدون شكّ أن يسوع أخذ لقب المسيح ابن الله، فالسؤال لا يفرض نفسه. فحين عبرّ عنه عظيم الكهنة في الإستجواب مع بعض الشكّ الذي يتوافق مع إنجيل لا يجد فيه يسوع (ما عدا حلقة التلاميذ) إلا عيوناً عمياء وآذانا صماء وقلوباً منغلقة قاسية (4: 11- 12)، لا شكّ في أن خبراً وصل إلى سماع عظيم الكهنة، وهو خبر يحدّد القارئ جذوره في تظاهرة الشعانين (11: 9)، ولا لجوء يسوع إلى داود ليثبت كرامته كالمسيح الربّ (12: 35- 37). غير أن هذا الخبر لا يؤول إلا إلى سؤال. وهو لا يتعدّى قاعدة السرّ الذي يحيط بشخصية يسوع للذين في الخارج. فأول شخص من خارج حلقة التلاميذ سيعرفها ويعلنها هو قائد المئة على الجلجلة (15: 39): "في الحقيقة، هذا الرجل هو ابن الله".
في منطق هذا الإستجواب، كان سؤال عظيم الكهنة فخاً. وهدفه أن يدفع يسوع ليعلن ألقاباً تحكم عليه. وهذا ما فعله يسوع بدون أي تحفّظ. "اغو ايمي"، أنا هو (رج أش 41: 4؛ 43: 10، هو يهوه في اليونانية، هذا ما ستفهمه الكنيسة فيما بعد، لا عظيم الكهنة في تلك الساعة). ذاك كان جواباً مباشراً لا مواربة فيه: هل أنت؟ أنا هو. ودذ الإنجيلي بذلك أن يسوع قد حكم عليه بالموت في المجلس لأنه المسيح، ابن الله. هذان اللقبان لا يتضمنان مصيراً مجيداً إلا بالعبور في الألم الفدائي. ف "الابن الحبيب" قد "أرسل" أولاً إلى الموت، وقبل أن يضحي "حجر الغلقة" (12: 6، 10- 11). والمصلوب الذي سيموت في ذلك الوقت هو الذي يعلنه قائد المئة "ابن الله" (15: 39).
غير أن الجواب يتواصل. قال يسوع: "سوف ترون ابن الإنسان جالساً عن يمين القدرة وآتياً مع سحاب السماء". هذه الجملة هي مزيج بين تذكّرين كتابيين عرفهما الكتّاب المسيحيون الأولون وطبّقوهما على يسوع: واحد يعود إلى مز 110: 1 (إجلس عن يميني) وآخر إلى دا 7: 13 (أتى مع سحاب السماء). يشدّد الأولى على تمجيد يسوع لدى الله تمجيداً يرتبط بقيامته. والثاني هو التعبير عن مجيئه الثاني الظافر الذي يضع حداً للدهر الحاضر.
ويُطرح سؤال حول علاقة هذا الجزء الثاني من جواب يسوع مع الجزء الأول. رأى بعضهم توضيحاً يزيل تفسيراً خاطئاً لما سمبق. على المستوى اليوناني، يسوع هو "الإنسان الإلهي" (تيوس أنر). على المستوى اليهودي، قد يكون لقب المسيح أثار تذكّرات خطرة حول السلطة السياسية. وهكذا نكون في الحالتين أمام شرح يبدو كما يليّ: أجل، أنا المسيح ابن الله. ولكن يجب أن نتفاهم على معنى هذه الألقاب. والجزء الأول من الجواب احتاج أقله إلى تحديد لما يعني يسوع بلفظة "المسيح". وحين أجاب يسوع نظر فقط إلى عودته الأخيرة.
غير أن هذه التفاسير تصطدم بعنصر حاسم في النص: إن فعل "تَرون" يدلّ على أن هذه الكلمات توجّه إلى المجلس وتشير إليه. ومن خلال المجلس، القارئ. نحن أمام خبرة مميقوم بها المجلس الذي يمثل أمامه يسوع، خبرة ابن الإنسان الذي يمجّده الله آتياً من السماء على الأرض. وهكذا لا نكون قي هذا الجواب مع إعلان لاهوتي عن المدلول الدقيق للمسيح وابن الله.
ولكن رغم هذا التمييز الظاهر، ابن الإنسان هو يسوع نفسه. هذا ما نراه في الأناجيل وهنا في إطار جلياني يرتبط بسياق العودة المجيدة. فالمحكمة التي يقف أمامها يسوع قد أقسمت على هلاكه. والسؤال الذي طرحه عظيم الكهنة لا يتوخّى إلا الحصول على علّة للحكم عليه بالموت. في البدء، لم يتهرّب يسوع، بل أجاب بجرأة على السؤال: أجل، هو حقّاً المسيح وابن الله. ولكنه تابع: أنتم لا تسألوني إلا طلباً لهلاكي، ستكونون شهوداً لانتصاري. وهكذا أعاد يسوع الأمور إلى حقيقتها. هذا هو "انتقامه".
إنما يُطرح اعتراض على هذا التأويل، يقول إن الإعلان النبوي للحكم يأتي قبل الوقت في النصّ. ففي مر كما في مت، حُكمُ المجلس هو نتيجة اعلان يسوع. نتصوّر عادة كلام تهديد على القضاة بعد حكمهم بالموت، على مثال ما جُعل على شفتي يسوع بعد توقيفه. تفسيرٌ مناسب (15: 48- 49؛ مت 26: 52- 56). ولكن مثل هذا التهديد (كما في 14: 62 ج) قد يكون جعل بعد أن يعلن المجلس حكمه لا قبل. ثم إن هذا القول جزء لا يتجزّأ من جواب يسوع على سؤال عظيم الكهنة: فهذا المسيح (هو ذاته) وابن الله يتدخّل كابن الإنسان في مجيئه بعد تمجيده من عن يمين الله. فالملخّص الكرستولوجي الذي تكوّن على هذا الشكل لا يمكن أن يتمزّق. ثم إنه يجب أن نأخذ بعين الإعتبار فعل "ترون" بما فيه من تهديد. فالقضاة لن يكونوا مجرد "شهود" للمجيء (بل سيُدانون). أما القول بأن يسوع لم يحُكم بعد عليه، فهو يعني أننا ننسى أنه حكم عليه منذ زمان طويل في مخطط خصومه، وان هذه المحاكمة لا تتوخّى إلا القضاء عليه (14: 55). إن تجاوز الترتيب المنطقي للأحداث أمر عادي، هذا إذا اعتبرنا أننا أمام شهادة إيمان، لا أمام تقرير يورد دقيقة بعد دقيقة ما حدث ليسوع في آلامه (هنا نلاحظ أن اسطفانس لا ينتظر الحكم عليه لكي يحكم على قضاته، أع 7: 51- 53).
ج- التشاور والحكم (آ 63- 64)
وقام عظيم الكهنة بفعلة لها جذورها في التوراة وفي المشناة: مزّق ثيابه (في الأصل علامة الحزن، 2 صم 1: 11؛ 2 مل 2: 12: ثم رفض موقف تجديفي، 2 مل 8 1: 37؛ 19: 1). إنها فعلة طقسية، وليست علامة للغضب أو القرف. ولكن بمَ يقوم التجديف؟ هنا يختلف الشّراح. 
التجديف هو عمل يسيء إلى كرامة الله، بشكل مباشر أو غير مباشر. ماذا يقول الرابانيون في ذلك؟ تارة يحصرون التجديف باسم الله (لا 24: 10- 16؛ عد 15: 30)، بالتلفظ بالاسم المربع الحروف (ي 5 و5). طوراً يطبّق التجديف على عبادة الأصنام، ومرّة ثالثة، المجدّف هو الذي يتحدّث عن التوراة (الشريعة) بدون إحترام.
ويطرح السؤال بالنسبة الينا، ما الذي يعتبر تجديفاً في الكلمات التي تلفظ بها يسوع؟ القسم الأول من كلامه يعطي معنى مقبولاً في اذن اليهودي. فهناك أشخاص اعلنوا نفوسهم "مسيح"، "ابن الله"، دون أن يُتّهموا (2 صم 7: 14؛ 1 أخ 17: 13؛ مز 2: 7). وجلوس ابن الإنسان عن يمين الله يدلّ على تسام رفيع، ولكنه لا يعني اللاهوت.
اعتبر بعضهم أن يسوع تعدّى على وظيفة الهية حين نسب إلى نفسه وظيفة الديان الاسكاتولوجي، ولهذا اتهم بالتجديف (مت 13: 41- 42؛ 25: 31- 46؛ لو 21: 36؛ أع 10: 42؛ 17: 31؛ 2 تم 4: 1؛ 1 بط 4: 5؛ يو 5: 22، 27: يسوع هو الديّان). غير أن هذا الموضوع الذي يظهر هنا أو هناك في مر 8: 38؛ 13: 26- 27، ليس ببازر حقّاً، ولم يكن يشدّد في تلك المناسبة على وظيفة خاصة بالله تنسب إلى ابن الإنسان.
ولكن لا يطرح السؤال على هذا الشكل. فمن هو الذي يكتب ولمن يكتب؟ هو مسيحي يكتب لمسيحيّين. وحين ننطلق من هذا اليقين، تتوضّح أمور عديدة. ما نريد أن نقوله: إن كان لقبي "مسيح" و"ابن الله" يرتديان على شفتي يسوع (كما في الأناجيل) المعنى الذي لهما لدى المسيحيين. وإن كان عظيم الكهنة يتلقى في الواقع اعتراف إيمان مسيحي. في هذه الحالة ما قاله يسوع يعتبر تجديفاً بالنسبة إلى اليهودي. فقد سبق ليسوع وشكّك كتبة كفرناحوم الذين اعلنوا أنه "جدّف" لأنه غفر الخطايا (مر 2: 7). تلك هي ردّة فعل المجلس ورئيسه، وهي صدى لانتقاد اليهود الأساسي تجاه الإيمان المسيحي (وسيقول المسيحيون إن عظيم الكهنة جدّف حين لم يتعرّف إلى يسوع كابن الله. ولكن الإيمان طريق طويل يتطلّب استعداد القلب).
واستعاد الإنجيل الرابع هذا الكلام حين جعل اليهود يعلنون في ظرف آخر: "لسنا نرجمك من أجل عمل صالح، بل من أجل تجديف، فأنت إنسان وتجعل نفسك الله" (10: 33: قد يكون النصّ متأثراً بمرقس 14: 64). في كل هذه الحالات، هو إيمان الكنيسة الكرستولوجي الذي يعبرّ عن ذاته في فم يسوع وأعماله. ولا يمكن أن يكون الأمر إلا هكذا حين نعرف الهدف الذي يرمي إليه الإنجيليون.
فالنقد والإتهامات التي تواجه الإنجيليين تدلّ، عبر اليهود الذين عاصروا يسوع، على عداوة الذين سيحاكمون فيما بعد أتباعه على المستوى الديني. حُكم على يسوع لأنه أعلن الإيمان المسيحي. ففي قاعة المحكمة في السنهدرين، يجري مسبقاً جدالا جوهري يتم في القرن الأول المسيحي فيجعل اليهود تجاه المسيحيين.
قبل أن نقدّم اعتراضاً على هذا الإقتراح، نودّ أن نقول كلمة حول لباس رئيس الكهنة الذي تمزّق. إن اللفظة اليونانية هي "خيتوناس" (في العربية الآتية من السريانية: الكتونة أو القميص) لها معنى عام، ولا تدلّ على اللباس الليتورجي الذي يرتديه عظيم الكهنة في الإحتفالات الكبرى. فهذا اللباس كان الرومان يحتفظون به في قلعة انطونيا من سنة 6 حتى سنة 47 ب م. وهذا اللباس لا يمزق كما تقول الشريعة (لا 10: 6؛ 21: 10). ثم إن رئيس الكهنة لا يرتديه إلا داخل الهيكل، كما يقوله حز 42: 14؛ 44: 19.
ونعود إلى الإعتراض: في الخبر، لا يلي الإعتراف بالهوية حالاً الإتهام بالتجديف. فبين الاثنين دخل اعلان عن ظهور ابن الإنسان الأخير. نجيب: إذ "انتقم" يسوع من أعدائه، اكتفى بأن يعرض الإيمان الاسكاتولوجي في جوهره لدى المسيحيين الأولين. فجزئا جواب يسوع لعظيم الكهنة يشكلان عنصرين لا ينفصلان في الإيمان الذي يكرز به مرسلو الإنجيل والذي لخّصه بولس منذ سنة 50 في 1 تس 1: 10. أما اليهود فقد عارضوا في مجملهم هذا التعليم، بل رفضوه.
في هذه الظروف نفهم كيف أن جماعة المجلس الأعلى لفظوا بالإجماع (بنتس، جميعاً) الحكم بالإعدام بعد أن طلب عظيم الكهنة من يسوع بأن يحدد موقفه. هنا، لا نقول إن ما تورده الأناجيل يعكس بشكل مباشر معطيات الإيمان المسيحي. فالعكس هو الصحيح. ولكن لا ننسَ أن الأناجيل دوّنت أيضاً كجواب على وضع يعيشه المسيحيون، فقدّمت نتيجة تأملهم في حياة يسوع ولاسيّما في آلامه وموته. لهذا نجد في طبقة أولى شخص يسوع المسيح. وفي طبقة ثانية تأمّل الجماعة التي لا تنفصل عن يسوع. وفي طبقة ثالثة نجد عمل الإنجيلي. وفي هذا النصّ عن مثول يسوع أمام المجلس، نفهم "تجديف" يسوع من خلال تصّرفه "الحر" في العالم اليهودي، ومن خلال إيمان الجماعة المسيحية في القرن الأول المسيحي.
وهكذا وصل المجلس إلى الهدف الذي وضعه أمامه منذ بداية الجلسة (آ 55): "كانوا يطلبون علة ليقتلوه". فالمهم موت المسيح، والباقي هو شكليات. جاءت شهادات الزور، ولكن لم يحسب لها حساب. فقدم يسوع "علّة" الحكم عليه بالموت. وهكذا عمل من أجل تحقيق نبوءة تلفّظ بها (10: 33: يسلمّونه، يحكمون عليه بالموت، ق مع 14: 64). أما أهل المجلس فصاروا أداة غير واعية لمسيرة تمرّ في الصليب، ولكنها تنتهي في المجد.
4- مشهد الهزء والإحتقار (14: 65)
إذا تتبعنا مر، لا شكّ في أن أهل المجلس أبقوا على يسوع حيث هو وبدأوا بمشهد الهزء والإحتقار كخاتمة للمشهد السابق، مشهد المحاكمة. ولكن حين كتب الإنجيلي "بدأ البعض يبصقون عليه"، بدا وكأنه يختار بعض الأعضاء في هذا المجلس الرفيع. وقد ساعدهم بعض "الخدم" (هيبراتاي) الذين جاؤوا يتمون التحقير الذي خضع له يسوع. فالبصاق واللطم جزء من برنامج البريء المضطهد كما يجسّده عبد يهوه المتألم في أش 50: 6 حيث تعرّف الإنجيلي إلى سمات المسيح المتألمّ.
من أين جاء "الخدم" الذين ذكروا أيضاً في 14: 54؟ هنا يجب أن نفترض مع مر أن أهل المجلس فتحوا باب قاعة المحاكمة ليتيحوا للخدم بأن يدخلوا. أما بالنسبة إلى اللطم، فنستطيع أن نعود إلى السبعينية. إلى فعل "كولافيزاين": لطم (بقبضة اليد). في المعنى المادي في مت 26: 27. وفي المعنى الرمزي في 2 كور 12: 7. ولا المعنى الموسّع (جلد، أساء المعاملة) في 1 كور 4: 11؛ 1 بط 2: 20. ولفظة "رابيسما" (ترد في العهد الجديد هنا وفي يو 18: 22؛ 19: 3)، والفعل "رابيزاين" (مت 5: 39؛ 26: 67) يدلاّن على ضربات العصا. هذا المعنى ممكن في مت 26: 67؛ يو 18: 22؛ 19: 3 لا في 5: 39 (حيث يذكر الوجه). لقد تطوّر معنى الكلام من الأدب الكلاسيكي وصار يعني الصفعة.
ونعود إلى المشهد الذي يرتبط بالسياق، دون أن نتوقّف عند منطقه الداخلي. فحين فرض أهل المجلس، على يسوع بأن "يتنبأ"، هذا يعني أنهم نسبوا إليه لقب نبوي، أو أنه تصرف أقله بهذا الشكل. لا شكّ في أن الإنباءات والأقوال النبوية التي تلفّظ بها يسوع، قد تلفّظ بها فقط أمام تلاميذه (8: 31؛ 9: 1، 31؛ 10: 33- 34؛ 13: 1- 17؛ 14: 9، 18- 21، 30- 31). ولكن في 6: 4 طبّق يسوع على نفسه أمام الجميع قولاً يجعله مماثلاً للأنبياء. وقال الشعب عنه إنه "أحد الأنبياء" (8: 4). ثم إن أهل المجلس أنفسهم سمعوه يعلن مجيئه في مجد ابن الإنسان الممجّد من عن يمين الله (14: 62).
إذن، إن سياق الإنجيل يبرّر فرضهم على يسوع بأن يتنبأ. هنا نبقى على المستوى السطحي للأمور. أما مر فيجعلنا في إطار أقوال وأعمال الهزء التي تتوزّع خبر الآلام: إن هؤلاء القضاة الأردياء، يقرّون (من دون أي يدروا) بواقع لم يؤمنوا به. أجل، يسوع هو النبيّ. وسيهزأ الجنود الرومان بيسوع ويسمونه "الملك" (15: 17- 19). إنهم يقرّون بالحقيقة دون أن يدروا. بالإضافة إلى ذلك، فرضوا عليه أن يتنبأ ليهزأوا به، ساعة كان بطرس يحقق بنكرانه نبوءة قالها عنه يسوع في 14: 30: "قبل أن يصيح الديك مرتين تنكرني ثلاث مرّات".

 

 

الفصل السابع والثلاثون
بطرس ينكر معلّمه
14: 66- 72
يبدأ خبر إنكارات بطرس ليسوع بحيث نفكّر في ما قيل أعلاه (في آ 54). وهكذا لا نفصل بين ما حدث حول بطرس ومشهد المحاكمة الذي فيه يمثل يسوع أمام قضاته وجلاّديه. تداخل الخبران وترافقا فقدّما تعارضاً يؤثّر في القارئ تأثيراً عميقاً. وتتأكّد هذه الوحدة إذا لاحظنا التقابل الوثيق بين بداية هذا الحدث (آ 66- 72) وتهيئته في آ 54. كل هذا يحيط بمشهد المحاكمة.
1- الوجهة الأدبية
نبدأ فنقدّم التوازي بين بداية مشهد المحاكمة ومشهد إنكارات بطرس ليسوع:
14: 54 14: 66- 67
وبطرس تبعه من بعيد وإذا كان بطرس في الأسفل
حتى داخل القصر... في القصر
وكان جالساً مع الخدم أتت إحدى جواري عظيم الكهنة
ولما رأت بطرس
وكان يصطلي الذي كان يصطلي
حين نتطرّق إلى خبر الإنكارات في حصر المعنى، نكتشف تحفة أدبية قد بُنيت بناء رائعاً. هناك الخاتمة في آ 72 ب ج (قبل أن يصيح الديك). أما الحدث فقد بُني حسب رسمة معروفة في ثلاثة مشاهد: 66-68، 69- 70 أ، 70 ب- 72 أ. وهذه المشاهد تتوزع في شكل متدرّج كما تقذم لنا ترتيباً دائرياً (نعود إلى البداية).
كيف نكتشف التدرّج؟ (1) ننتقل من جارية (المشهدان الأول والثاني) إلى مجموعة "الحاضرين، أي الذين كانوا هنا" (المشهد الثالث). (2) ثم إن بطرس يتخاذل بعد أن ينكر معلّمه مرّة أولى (أرنساتو، صيغة الماضي). ثمّ ينكره مرة ثانية أمام الجارية نفسها (ارنايتو، الماضي الناقص الذي يدلّ على التكرار). وأخيراً، أسند نكرانه الأخير باللعن والحلف وسمّى يسوع "ذاك الرجل الذي تتكلّمون عنه" (ق مع الصيغة الحيادية في آ 68: ما تقولين). (3) وفي كلمات الذين واجهوا بطرس في المرحلة الثالثة يتثبّت التأكيد مع "بالحقيقة" (اليتوس). ثم البرهان: "لأنك (كاي غار) جليلي".
وفي الوقت عينه يلتقي المشهد الأخير مع المشهد الأول. في الأول وجّهت الجارية كلامها إلى بطرس. وفي الأخير، وجّه إليه الحاضرون كلامهم. أما في الوسط فبقي الكلام بين الحاضرين (الجارية قالت). فالمشهد الثاني هو أقصر من المشهدين الأول والثالث، ولا يتضمن كلمة إنكار (نقرأ: فأنكر أيضاً). أما المشهدان الآخران فيتقاطعان في سلسلة من النفي (لا أدري، لا أفهم، لا أعرف). وأخيراً إن الإشارة إلى صياح الديك في آ 68 تقابل ما في آ 72: "وفي الحال صاح الديك ثانية".
إن فعل "أناتيماتيزيان" يستعمل فقط في اللغة البيبلية والكنسية (في العهد القديم يقابل: ح ر م) فيدلّ على تحريم استعمال أي شيء (وربّما تدميره) إكراماً لله. أما الإسم "اناتيما" (تقدمة لله، رج لو 21: 5) فهو عادة أسلاب الحرب المحرّمة على الجنود. وكان تطوّر بعد ذلك، فعبّر الفعل عن التزام احتفالي يتعرّض صاحبه للعنة الله إن هو خانه (أع 23: 12، 14، 21). نجد هذا المعنى في العهد القديم (روم 9: 3؛ 12: 3؛ 16: 22؛ غل 1: 8، 9 بالنسبة إلى "اناتيما").
أما التفسير المعروف في مر 14: 71 وما يوازيه في مت، فيفهم الفعل بمعنى: لعن نفسه مع شرط (لأكن ملعوناً إن كذبت). هناك شّراح اعتبروا أن بطرس "لعن" يسوع، لأن الفعل اليوناني يطلب مفعولاً به. ولكن هذا المعنى لا يستقيم. فبطرس أنكر يسوع، ولعن نفسه إن كان يكذب. أعلن أنه لا يعرفه.
هناك تردّد حول آ 68 "وصاح الديك". كيف نفسرّ هذا الإغفال؟ لو سمع بطرس صياح الديك لكان عاد إلى نفسه. ولكن ذِكرَ صياح الديك مرة ثانية في آ 72، يجعلنا نفترض صياح الديك مرة أولى. سنعود إلى التقليد النصوصي فيما بعد.
يجري الخبر كله في الإطار عينه مع تبدّل مكاني بسيط يدلّ على نحافة الكاتب السيكولوجية وعلى روح "السخرية". فُرض على بطرس أن يعرّف عن نفسه، فخرج إلى "الرواق" (آ 68: بروأوليون. ترد مرة واحدة في العهد الجديد. هناك إسهاب: خرج خارجاً. رج تك 39: 12، 13؛ 15: 1؛ يش 2: 19، مت 26: 75؛ لو 22: 62؛ يو 9: 34، 35؛ 12: 31؛ 19: 4، 5؛ رؤ 3: 12)، خرج إلى الخارج ليتجنّب مناسبة أخرى. ولكنه لم ينجُ هناك من الخطر. فأمامه الجارية عينها التي خرجت هي أيضاً من القصر، إما لسبب خارجي، وإما لأنها تلاحقه (بالين: أيضاً، في آ 69- 70: المعنى الثاني أقرب إلى المعقول).
هنا نجد تحديداً دقيقاً للفن الأدبي: فالخبر دوّن من أجل الرواية. لا نجد أي حكم، كما لا نجد كلاماً إرشادياً، ولا إعلاناً كرستولوجياً. لا شك في أننا أمام تبادل كلام، ولكن عرض الواقع يشرف على هذا النصّ. ولكن إذ حاول الكاتب أن يقدّم للقارئ خبراً مشوقاً، لم يكن حياًدياً، بل أدخله في تأمّل خلاصي سندرك موضوعه من خلال النصّ وقرائنه.
2- الوجهة التعليمية
إشتعلت النار فاضاءت بنورها وجه بطرس. فعرف الناس أنه من تلاميذ يسوع. لقد تجنّب مر اللغة الخاصة، فاستعمل اسلوباً معروفاً (لم يقل: من تلاميذ يسوع): "وأنت أيضاً كنت مع الناصري يسوع" (آ 67). إن لفظة "وأنت" (كاي سي) تفهمنا أن الجارية كانت على علم بوجود مجموعة تلاميذ يسوع.
إن لفظة "نازارينوس" (الناصري) لا تقرأ في العهد الجديد إلا في مرقس (1: 24؛ 10: 47؛ 14: 67؛ 16: 6) ولوقا (4: 34؛ 24: 9). جهل مرقس لفظة "نازورايوس" المستعملة في متى (2: 23؛ 26: 71) وأعمال الرسل (2: 22؛ 3: 6؛ 4: 10؛ 6: 14؛ 22: 8؛ 24: 5؛ 26: 9) ويوحنا (18: 5، 7؛ 19: 19). هنا نعود إلى الأرامية حيث النسبة تكون بزيادة الياء (ناصري) أو الياء والنون (ناصراني).
ثم قالت الجارية (في صيغة الغائب) للحاضرين (هي طريقة أخرى لإتهام يسوع بشكل غير مباشر): "وهذا هو منهم" (آ 69). وبعد ذلك، تدخّل الحاضرون فقالوا (في صيغة المخاطب، كما في المرّة الأولى مع الجارية): "في الحقيقة أنت منهم" (آ 69، 70). إن لفظة "منهم" في آ 69 و 70 قد تدلت على الإحتقار: "أنت من هؤلاء الناس"!
هذه التدخّلات تدلّ بإلحاح على واقع يقوله إن بطرس يرتبط بيسوع وينتمي إلى مجموعة التلاميذ الأمناء له. ولكن بطرس يرفض أن يعترف بهذا الواقع. فالجارية التي أطلقت التحرّك قد حدّقت في بطرس، نظرت إليه ملياً (قد تكون رأته). نلاحظ مرتين وجود "ايدوساً" (آ 67، 69: أبصرت) و"امبلاباسا" (آ 67: تفرّس). ولما نقلت إلى الحاضرين اكتشافها (آ 69)، قدّمت لهم برهاناً يثبتهم في معرفة قد تكون سابقة: بطرس هو جليلي، مثل يسوع.
"أنت جليلي" (آ 70). إن ذكر الجليل يعيد أمام القارئ (وأمام بطرس) سلسلة من الأحداث تمّت في الجليل: الكرازة بملكوت الله (1: 14- 15). نداء بطرس ليتبع يسوع (1: 16- 20). إعلان اللقاء الفصحي من أجل المصالحة (14: 28؛ 16: 1).
ما معنى هذا البرهان: "أنت جليلي"؟ إذا أخذنا بالإختلافة التي تُضاف هنا: "لهجتك تدلّ عليك" فقد نكون أمام دليل "على بطرس". مع أن هذه الإختلافة بعيدة عن مختلف شهود مت 26: 73 (لهجتك تشهد عليك)، نتساءل: كيف يمكن للناسخ أن يغفل هذه الجملة لو قرأها في مر. ولكن يبدو أن الذي أضاف الحاشية كان على صواب: قد يكون هناك حركة تمرّد انتمى إليها بطرس! وهذا ما يدلّ عليه ردّة فعله العنيفة. في الواقع، نفهم ردّة فعله في إطار تدرّج على المستوى الأدبي.
عرف خدّام عظيم الكهنة بطرس واتهموه. وقارئ الإنجيل يعرفه أيضاً، ويفكّر قبل كل شيء بما أنبأ به يسوع خلال العشاء الأخير: إفتخر التلميذ المعتدّ بنفسه بأنه لن يترك معلّمه مهما كلّفه الأمر. أعلن: "حتى لو شكّ الجميع، فأن لا أشكّ". وعاند: "لو أجبرت على الموت معك، لن أنكرك". وتلا هذه العبارة الأخيرة إعلان سيتحقق مضمونه في قصر عظيم الكهنة: "الحق أقول لك، أنت اليوم، في هذه الليلة، قبل أن يصيح الديك مرتين، تنكرني ثلاث مرات" (14: 29- 31).
نستخلص من هذا التقارب بين المقطعين درساً موضوعه أولاً كرستولوجي (كلام عن يسوع المسيح). وثانياً سوتيريولوجي (كلام عن الخلاص). لقد ضمّ يسوع في مسيرة الآلام المحدّدة، لا تخليّ أصدقائه عنه وحسب (14: 27؛ رج 14: 50) بل نكران بطرس، المتكلّم باسمهم، أيضاً. إذن، ليس هذا الحدث فاصلاً خارجياً عن الدراما الخلاصية التي تتمّ الآن، بل قسماً جوهرياً من هذه الدراما. مع دور خاص بالنسبة إلى بطرس لمنفعة القارئ المسيحي.
قبل كل شيء، هناك عدم فهم لسرّ الألم الذي يتمّ ويجب أن يتمّ (داي، 8: 31؛ 14: 3). هذا السرّ كان قد رفضه بطرس بقوّة (8: 38) فوبّخه يسوع لأنه تجزأ فوقف حاجزاً أمام مخطّط الله. وهنا دل بطرس على ذات الجهل للبعد الحقيقي للآلام (حين ينكر بطرس يسوع سيفهم معنى إعلانه في 8: 29). رأى أن الحدث هو نهاية فشل لا مهرب منه، وأنه لا يستحق أن نخاطر بالكرامة والطمأنينة، بل بأكثر من ذلك. ولهذا ظنّ بطرس أن من المفيد أن يسجن نفسه في النفي (لا أعرف)، مع أنهم عرفوه.
ويعبّر عن هذا النفي (آ 68، 71) بعبارة اللامعرفة التي تجعلها الأناجيل على شفتي يسوع (لو 13: 27؛ مت 25: 12). وهكذا قطع بطرس كل رباط مع يسوع (في آ 71: هذا الرجل! قد تدلّ على احتقار!). بل أكثر من ذلك إذا قابلنا هذه الجمل (خصوصاً آ 68! مع مقاطع أخرى في الإنجيل. أعلن بطرس: "لا أعرف ولا أفهم ما تقولين" (أو: لا أعرف ولا أفهم: ماذا تقولين؟).
إن المعرفة والفهم عند مر هما نتيجة الإيمان بيسوع. والعكس يدلّ على عدم الإيمان. فالذين يسمعون الأمثال دون أن يفهموها (4: 11) هم في هذا الوضع. غير ان هذا ليس نقصاً نجده عند "الذين من الخارج" (4؛ 11) فهو يصيب التلاميذ أيضاً. هم لا يدركون الأمثال، وعلى يسوع أن يشرحها لهم (4: 13). وضياعهم ساعة سار يسوع على مياه البحيرة، سببه أنهم "لم يفهموا" معجزة تكثير الأرغفة. وهذا ما يدل على قساوة قلوبهم (6: 52) وقلّة الإيمان عندهم. وإليهم توجّه أيضاً توبيخ يسوع في 8: 17، 18، 21: "أما تفهمون بعد، أما تدركون؟! أإلى هذا الحد قلوبكم قاسية"؟ "لكم عيون ولا تبصرون، لكم آذان ولا تسمعون. أما تفهمون بعد"؟
وتجاه الآلام الذي ينبئ بها يسوع للمرة الثانية، دلّ التلاميذ على الجهل عينه: "لم يفهموا هذا الكلام وخافوا أن يسألوه" (9: 32). وبطرس لا يبدو كثر فهماً منهم حين يقدّم في التجليّ مظال ليسوع ورفيقيه، شأنه شأن التلميذين الآخرين اللذين لم يكونا يعرفان ما يقولان لأن الخوف استحوذ عليهم (9: 5- 6). في مثل هذا الإطار يتخذ إعلان بطرس في قصر عظيم الكهنة، بُعداً أوسع من مجرّد إنكار تحت وطأة الخوف: إنه يدلّ على نقص جذري في الإيمان.
وهكذا صار بطرس النموذج المقلوب للمسيحيين الذين يخضعون لمحن مماثلة. ونقتنع أكثر إن لاحظنا أن الأفعال التي بها يعبّر عن انكاره هي التي تستعمل في العهد الجديد على الجحود المسيحي بتأثير من الإضطهاد (ارنايستاي، آ 68، 40، ابارنايستاي، آ 72). وبما أن الأمر هو هكذا، يُدعى القارئ إلى أن يتجاوز وضع بطرس الشخصي ليرى فيه صورة عند عدد من المسيحيين الذين يهدّدهم التشكيك والاتهام من محيط معادٍ لهم. فيقطعون الرباطات التي تجمعهم بيسوع. وليس من قبيل الصدف أن يلجأ يسوع إلى الفعل عينه لينبّه تلاميذه إلى شروط التزامهم: التلميذ "الكاذب" ينكره. والتلميذ الحقيقي ينكر نفسه ويحمل صليبه على خطى معلّمه.
الخاتمة
لا بدّ من الخاتمة لكي يكون الدرس كاملاً. فصياح الديك الثاني (اكس دوترو، غائبة من شهود عديدين، ومن بينهم السينائي) يدلّ على نهاية الهجوم الذي انتهى بالنتيجة التي نعرف. غير أن للدراما مخرجاً إيجابياً، كما يليق بالهدف الذي يلاحقه الكاتب. تنبّه بطرس (ومثله القارئ) إلى الكلمة النبوية التي قيلت عنه في بداية هذه الليلة (14: 30). هنا يذكر النصّ أيضاً بإيجاز دون إيراد "في هذه الليلة" ومع اختلافين طفيفين.
أما بطرس "فاسترسل في البكاء"، وهكذا دلّ على ندامته. هذه الدموع الطوعية تدخل في جوّ الخبر الطبيعي. إنها تتميّز عن تعابير أخرى حيث الوجهة الطقسية تغطي على صدق العاطفة. إن دموع بطرس تشبه دموع الخاطئة في لو 7: 38. وتتميّز عن دموع النسوة الباكيات على طريق الجلجلة (لو 23: 27- 28). وهي بعيدة جداً عن تعابير الندامة التي نجدها في عز 10: 1؛ نح 1: 4؛ يوء 2: 12، 17.
وهكذا صوّر لنا بطرس نفسه في كل هذا احدث، بدون كليشيهات أو صور مقولبة. إكتشفناه في ضعفه البشري، لهذا أثر فينا مثَلهُ. إن "سقوط" بطرس هو صورة عن "سقوط" كل واحد منا.

 

 

الفصل الثامن والثلاثون
يسوع أمام بيلاطس
15: 1- 15
إن مثول يسوع أمام بيلاطس يأتي بعد اجتماع آخر للسنهدرين (15: 1؛ رج 13: 35) بكامل أعضائه كما يقول الإنجيلي مرة أخرى (14: 55). إن المتهم قد "أسلم إلى الأمم" كما قال "الإنباء" الثالث بالآلام (10: 33). لا حديث هنا عن شهود. بل إن بيلاطس يبدأ المحاكمة: هو يسأل وعظماء الكهنة يتهمون. ويأخذ الاستجواب وجهاً سياسياً: فالعلة التي حُفظت على يسوع: إعتبر نفسه: "ملك اليهود"... 
بعد أن ندرس السياق والبنية الأدبية، نتوقف عند الاستجواب (15: 1- 5)، وننتهي في مشهد نرى فيه بيلاطس، الجمع، برأبا (15: 6- 15).
1- السياق والبنية الأدبية
إن خبر مثول يسوع أمام بيلاطس يشكل منعطفاً أساسياً في خبر الحاش والآلام. حتى الان، قادت السلطات اليهودية كل شيء. كانت قد ظلّت صامتة بعد سلسلة من المجادلات في أورشليم (12: 34: لم يجسر أحد أن يلقي سؤالاً). وها هي تأخذ بثأرها في المؤامرة على يسوع وما يلي هذه المؤامرة، بل ما يشكل ذروتها. وهو حكم بالاعدام أصدره المجلس بالإجماع (14: 64). بعد الآن، انتقلت القضيّة إلى الملعب الروماني: هذا لا يعني أن اليهود سيكونون مكتوفي الأيدي. ولكن بيلاطس هو الذي يتابع مهمة القتل ومعه جنود الامبراطورية. بدأ اليهود ويكمّل الرومان.
في القسم الثاني من خبر الحاش عند مرقس (15: 1- 47)، مبدأ التنظيم هو أولاً أن نتبع ترتيب الأحداث. لن نجد بنية إجمالية انطلاقاً من إشارات أدبية ما عدا دور بيلاطس في الحدثين الأول والأخير اللذين يشكّلان تضميناً واحتواء. وما عدا موضوع الهزء الذي يتوزّع على ثلاثة أحداث مركزية تبدو متماسكة.
ويرسم الإطار المكاني تصميماً فيه تتسجّل الاحداث المتنوّعة: بعد قصر بيلاطس (15: 1- 20 أ) تنتقل الأحداث إلى الجلجلة (15: 20 ب- 41). وأخيرأ نصل إلى موضع دفن يسوع (15: 42- 47).
ونعود إلى أول هذه الأحداث: مشهد المحاكمة أمام بيلاطس (15: 1- 5). فهذا الخبر وخبر محاكمة يسوع أمام السنهدرين (14: 55- 64) يجعلاننا أمام مشهد محاكمة، ثم يقدّمان اتصالات وثيقة حتى على مستوى اللغة والألفاظ.
لا شك في أن هناك اختلافات بين الخبرين: في خبر المحاكمة اليهودية، تسبق سلسلة الإتهامات السؤال المركزي الذي طرحه عظيم الكهنة (14: 61 ب ج) وجواب يسوع (14: 62). في المحاكمة الرومانية تأتي الإتهامات بعد سؤال بيلاطس الأساسي وجواب يسوع (15: 2).
ومع ذلك فالشّبه بين الحدثين لافت بحيث يدلّ على تدخّل واع من قبل الكاتب ليختم مرحلة ويفتح مرحلة أخرى في مسيرة الحاش والآلام. غير أن العلاقة حاضرة فقط في القسم الأولى من خبر المحاكمة الرومانية. 
نجد في هذا الحدث قسمتين اثنتين. الأولى (آ 1- 5)، تضعنا في الإطار، ثمل تصوّر استجواب بيلاطس ليسوع بضغط من رؤساء الكهنة. في الثانية، يتبدل الموضوع والممثلون: حينئذٍ يتركَّز كل شىء على العفو بمناسبة الفصح، فتجري الأمور بين بيلاطس والشعب، ويتوقف عظماء الكهنة عن التدخّل بشكل مباشر (ق آ 11 وآ 3).
وتنتظم كل قسمة في محطات ثلاث: مقدّمة، حوار، خاتمة. في الأولى، المقدمة (آ 1)، لحوار (آ 2- 5 أ). الخاتمة (آ 5 ب). في الثانية، المقدمة (آ 6- 8)، الحوار (آ 9- 14)، الخانمة (آ 15).
في القسمة الأولى (آ 1- 5) يقدّم الحوار (آ 2- 5 أ) بناء دائرياً لافتاً. (أ) الحوار الأول بين بيلاطس ويسوع (آ 2). (ب) تدخّل عظماء الكهنة (آ 3). (أأ) حوار ثان (فاشل) بين بيلاطس ويسوع (آ 4- 5).
ونلاحظ التقابلات الداخلية بين عناصر (أ) وعناصر (أ أ): في الجهتين، بيلاطس هو فاعل الفعل (سأل)، والمفعول هو الضمير "اوتون" (سأله). في آ 5، جاءت عبارة "لم يجب يسوع بشيء" السلبية مقابلة لاسم الفاعل في آ 2: قال مجيباً.
وتستخرج القسمة الثانية (آ 6- 15) تماسكها من موضوع "أطلق" (أسيراً) الذي يحيط بها (آ 6- 15) ويلجها إلى الداخل (آ 5- 11). والحوار المركزي يتوشع هذه المرة بين بيلاطس والجمع (آ 9- 14) في ثلاث محطات (في آ 8 وبداية آ 9 اتخذ الجمع المبادرة، عكس مت 27: 17). ويشار إلى كل محطة بعبارة "هو دي بيلاطس"، أما بيلاطس (آ 9، 12، 14) وعبارة "رؤساء الكهنة"، أو هم (آ 11، 13 ب، 14 ب). وتقحم معترضة تفسيرية داخل هذه المجموعة (آ 10).
رغم هاتين القمستين، يشكل مر 15: 1- 15 وحدة لا تنقسم. فالمثول أمام الوالي الروماني يتطلب خاتمة، حكماً أو شيئاً من ذلك. وهذا ما يحدث بالفعل في النهاية (آ 15). أما حدث برأبا فليس هامشياً، لأنه يشكل الإمتداد العضوي لمسيرة المتهمين التي بدأت في آ 3 وأتاحت للمسيرة أن تصل إلى هدفها.
2- الاستجواب (15: 1- 5)
أ- المقدمة (آ 1)
إلتقت المقدمة مع ما يوازيها في 14: 53، فروت كيف اجتمع المجلس كله (في 14: 55: كل المحفل، هو اسهاب) في الصباح وأنهى ما بدأه في الليل: تشاورٌ أخير كانت نتيجته نقل يسوع إلى ذلك الذي يستطيع وحده أن يحكم عليه بالاعدام. إن لفظة "الصباح" (بروي في 1: 35؛ 11: 20؛ 13: 35؛ 16: 2، 9، ترد مرتين في مت، مرة في يو، ولا ترددا لو). تحدّد مع لفظة "المساء" (مساء الدفن) (15: 42) اليوم الذي فيه تجري المرحلة الأخيرة من مراحل الحاش والآلام. وسوف يدلّنا مر على الساعات المتتالية.
أما عملية نقل يسوع إلى محكمة بيلاطس، فيصوّرها ثلاث أفعال متعاقبة، وفاعلها هو أهل المجلس: هؤلاء أوثقوا يسوع (إسم الفاعل)، إقتادوه، أسلموه إلى بيلاطس: إنحدر القضاة الأجلاّء بدناوة في مشهد الهزء الذي سبق (14: 64). وها هم ينحطّون الآن ليقوموا بوظائف الشرطة. ولكن وجب أن يتحقّق تحقيقاً حرفياً ما أنبأ به يسوع: إن عظماء الكهنة والكتبة "يسلمونه إلى الأمم" (10: 33). الألفاظ تدلّ بالأحرى على القبض على يسوع (في يو 18: 24 يوثق يسوع منذ تلك الساعة). واعتنى الكاتب ليدلّ بأي تحفّظ (14: 44، لا نستطيع أن نتكلّم عن "عقادة" اسحق، حين أوثقه ابوه، تك 22: 9 بسبب الفعل المستعمل) ساقوا هذا الإنسان الخطير وأسلموه (لا رنّة لاهوتية هنا في فعل باراديدوناي) إلى بيلاطس.
ب- الحوا ر (آ 2- 5)
ظهر بيلاطس فجأة. فالمفروض لدى القارئ أنه يعرف وظيفته ودوره في القضيّة. بدأ بيلاطس مرحلة أولى من الاستجواب بسؤال لا مقدّمة له ولا تهيئة في السياق: "أ أنت ملك اليهود" (آ 12)؟ الظاهرة هي هي مع السؤال الموازي الذي طرحه عظيم الكهنة في 14: 61. أما التقديم هنا فيعلن منذ البداية الاتهام الرئيسي الذي سيتردّد في آ 9 (أطلق ملك اليهود)، وفي هزء الجنود (15: 18)، وفي الكتابة عن الجلجلة (15: 26)، وأخيراً بشكل موازٍ على شفاه عظماء الكهنة والكتبة الهازئين من المصلوب، (15: 32). إذن، نحن أمام خط يسري على مدّ المحاكمة الرومانية حتى تنفيذ الاعدام الذي ينهيها. لهذا لن نعجب إذا وجدنا شهادة له منذ البداية.
حكمت المحكمة اليهودية على يسوع كمجدّف: اعتبر نفسه المسيح ابن الله. وسلمته المحكمة عينها إلى بيلاطس. وإذا أخذنا بعين الاعتبار السؤال الأول الذي طرحه الوالي على المتهم، نقول إن الجريمة تحوّلت وكذلك الألفاظ التي تعبرّ عنها. كانت الجريمة دينيّة فصارت سياسيّة. فمرقس وقرّاؤه يعرفون أن من نسبَ لنفسه لقب ملك في إطار الإمبراطورية عدّ تأثراً متمرّداً.
ماذا سيكون تصّرف يسوع بعد هذا السؤال؟ كان جوابه: "أنت تقول". هو يختلف عن جواب يسوع لعظيم الكهنة: "أنا هو" (تأكيد واضح). وهو يبدو أقلّ وضوحاً. لهذا نفهم تردّد الشّراح لفهم معناه. هناك واقع اكيد: رأى سائر الإنجيليين في هذا الجواب جواباً إيجابياً (نعم). وبقدر ما يستعملون مر (وهذا ما لا شك فيه بالنسبة إلى مت) فهم يدلودن على أن القرّاء فهموه "نعم". ولكنهم في الوقت عينه يدلّون على الامالة التي يجب ادخالها في اعلان الهوية هذه. غير ان نظرتهم ليست بضرورية لكي نكتشف السرّ الذي في هذا الجواب حسب مر (هناك من قال: نحن أمام استفهام: "أ أنت تقول ذلك")؟
إذا توقفنا عند فقه اللغة (العبرية، الارامية، اليونانية)، فهذا الجواب الايجابي ليس تأكيداً بكل معنى الكلمة. دياذا عدنا إلى السياق وصلنا إلى النتيجة عينها. إذا كان يسوع قد أقرّ أنه ملك اليهود (هناك من شرحَ: أنت تقول الحقيقة دون أن تعرفها: رج يو 19: 33- 37)، فموقف بيلاطس يعني أنه لا يعتبر هذا الجواب "نعم" من دون تحفّظ. فلو اعتبره كذلك لكان أنهى الجلسة وحكم على يسوع أنه ثائر. وسوف نرى في حدث برأبا أن بيلاطس ليس مقتنعاً بأن يسوع مذنب.
أما في رأي مر، فيسوع هو ملك اليهود، وقد اعترف بذلك، لكن ليس في معنى يدفع السلطات الرومانية أن تحكم عليه. لهذا، تصّرف بيلاطس كما تصّرف.
وتلي آ 3 فتخبرنا أن عظماء الكهنة أكثروا من الشكاوى ضد يسوع أمام منبر بيلاطس. وهذا ما يدخل سؤال بيلاطس الثاني ويبرّره: وما يبرهن على ذلك هو التقابل بين هذه الآية وتلك التي تليها (رفع شكوى). ونرى أيضاً هنا كيف شدّد مر مرة أخرى على حصة السلطة اليهودية في هذه القضيّة: ففي قلب الجلسة الرومانية، ساعة صار بيلاطس وحده القاضي، ظهر عظماء الكهنة بقوّة، وكأن مر خاف أن ننسى مسؤوليتهم في موت يسوع.
وسؤال بيلاطس الثاني كان: "أما تجيب بشيء؟ انظر كل ما يتهمونك به! (آ 4): هذا السؤال يفترض صمتاً سابقاً من قبل يسوع (سيملأ مت 27: 13 هذه الفجوة). وها هو يبلاطس يقدّم له "بسخاء" إمكانية الدفاع عن نفسه. لا يقال هنا بمَ تقوم الشكايات. فما يهتم الراوي قبل كل شيء هو أن يبيّن أن بيلاطس لم يعتبر هذه الشكايات جدّية. ثم أن يعطي ليسوع مناسبة المحافظة على الصمت وتحقيق البرنامج الذي رسمته الكتب المقدّسة (14: 61). بعد الآن، لن يفتح يسوع فمه إلاّ لكي يوجّه إلى الله نداءه الأخير، على الصليب. لقد أعلن من هو وما هي رسالته، فلم يبقَ له شيء يقوله للبشر.
وتعجّب (تومازاين) بيلاطس من صمت يسوع (لا من شكايات عظماء الكهنة، كما قال البعض). وستتجدّد دهشته فيما بعد (15: 44) حين يعرف أنه مات بهذه السرعة. هذا الشعور الذي يبرز شخصيّة المتهّم الخارقة (رج 5: 20: كان الجميع معجبين) يلتقي والتلميح السابق، لأن الدهشة هي الشعور الذي يثيره البار المتألمّ لدى الوثنيين (أش 52: 15 حسب السبعينية).
3- بيلاطس، الجمع، برأبا (15: 6- 15)
إن القسمة الثانية من هذا الخبر تتضمّن، كما قلنا: مقدمة (آ 6- 8) وخاتمة (آ 15). وبين الاثنين حوار في ثلاث محطات حيث يواجه بيلاطس الجمع (آ 9- 14).
أ- المقدمة (آ 6- 8)
تتألّف المقدمة من ثلاثة عناصر حيث يلتقي النصّ الأول والعنصر الثالث (آ 6 وآ 8)، ويقدّم العنصر المتوسّط المادة الملموسة: يقدّم برأبا وقضيّته. وهكذا تعدّنا آ 7 للآية 11 وما يلي، فلا يحضر هذا الشخص في الخبر حضوراً مفاجئاً.
إعتاد بيلاطس "في كل عيد أن يطلق لهم أسيراً، من طلبوا" (آ 6: أو طالبوا به كما في المحكمة). "العيد" هنا هو عيد الفصح كما في 14: 2 (رج 14: 1). لا يحدّد الاشخاص الذين ينالون هذه الحظوة. إن الضمير "هم" (اوتويس) قد يدلّ على عظماء الكهنة المذكورين في آ 3. ولكن ما يلي من النصّ يعارض هذا التفسير. فالضمير نفسه في آ 8، 11، 15 (رج هيمين في آ 9: أجابهم) يدلّ بوضوح على الجمع الذي يستعمله عظماء الكهنة كأداة ويعملون من خلاله (آ 11). إذن، الجمع هو فاعل الفعل "طلبوا". وسيشدّد الخبر هنا على الشعب ومطالبته ببرأبا، ساعة يطلب بصياح قيم أن يُصلب يسوع. في الواقع، لا يلعب بيلاطس الدور الرئيسي في هذه القضيّة: فالمبادرة تأتي من الجمع الذي نال ما أراد.
في هذه السنة، الناعم بالعفو هو برأبا: إنه سجين جُعل مع "الذين اقترفوا القتل وهم يقومون بفتنة". هذه الصورة ليمست حيادية: لا شكّ في أنها ليست في مصلحة برأبا. ولكنها تشكّل بصورة خاصة اتهاماً للرؤساء اليهود. لا شك في أن لوقا يشدّد في أع 3: 14 على الخيار البغيض الذي قام به اليهود في هذا الظرف (أنكرتم القدّوس وطالبتم برجل قاتل). وأحسن مر بالشيء عينه فجعل هذا السجين بين القتلة. وإذ شدّد على مشاركته في فتنة (رج 4 1: 48- 49؛ 15: 28؛ رج لو 22: 37: ليس يسوع مع المجرمين، بل يفضّل عليهم. رج يو 18: 40)، يجب أن نفترض أن مر أراد أن يبيّن كيف كان عظماء الكهنة يحرّكون الجموع لتأخذ جانب قاتل سجنه الرومان ضدّ يسوع. نحن هنا أيضاً أمام موضوع لاهوتي يرتبط مع 10: 45 وكلمات الافخارستيا (14: 24): لقد صار برأبا رمز الإنسان الخاطئ الذي يخلّصه موت يسوع. أجل، إن برأبا يبدو "أنتي يسوع" (ضدّ يسوع) الذي ينجو بعفو من بيلاطس. نجا من موت مادي، فكانت نجاته رمزا إلى الفداء.
وتدلّنا آ 8 على الجموع التي تصيح باتجاه بيلاطس فتطبّق العادة المذكورة في آ 6. إن الجمع في حدّ ذاته (في 14: 33 نحن أمام "أوخلوس" بدون أل التعريف: مجموعة الشرطة التي يقودها يسوع) لا يتدخّل إلاّ في قضيّة برأبا (آ 8، 11، 15) ليجعل عنصراً جديداً في دينامية الحاش والآلام.
إذا أردنا أن نتعرّف إلى دوره، نعود إلى الإنجيل كله. هناك من اعتبر خطأ أن الجمع يمئل الناس الذين لم يصل إليهم الإنجيل، والتلاميذ هم المسيحيون. في الواقع، المجموعتان تتبعان يسوع. هؤلاء الناس تبعوا يسوع، سمعوه، فهموا تعليمه، ولكنهم ظلّوا هنا: قد يستطيعون أن يتركوه (كما فعل تلاميذه، 14: 50)، وقد يطالبون يموته (كما سوف نرى).
نشير هنا إلى أن يسوع دعا الجموع (7: 14؛ 8: 34) فتبعته (3: 7؛ 5: 24؛ رج أيضاً 2: 13؛ 3: 20، 32؛ 5: 21، 31؛ 10: 46؛ 11: 9). سمعت له بارتياح (12: 37). ومقابل هذا، انغلقت على الوحي (4: 1، 10- 12، 33). ولكن التلاميذ لم يكونوا أفضل منها: فهم لم يفهموا أيضاً (4: 13؛ 8: 17- 18، 21؛ 8: 33؛ 9: 10، 32).
لم يقل النصّ إن الجمع صعد ليطالب بشكل خاص ببرأبا، ولكن ليطلب من الوالي العفو الذي اعتاد أن يمنحه. ولكن لا شكّ في نظر مرقس وقرّائه: حين نعرف مضمون آ 7، نفهم أنهم جاؤوا جماعات لكي يطالبوا بإطلاق برأبا. وبالتالي بصلب يسوع.
ب- الحوار (آ 9- 14)
أولاً: المحطة الأولى (آ 9- 11)
إن أول محطة في حوار بيلاطس مع الجمع تتضمّن آ 9- 11. تبدأ بسؤال يطرحه الوالي: "أتريدون أن أطلق لكم ملك اليهود"؟ هذا السؤال هو في الواقع جواب على طلب الجمع. ولكنه جواب غريب لسببين. أولاً طلب الجمع إطلاق برأبا، فاقترح بيلاطس "ملك اليهود". لم يقل: أتريدون أن أطلق لكم ملك اليهود بدلا من الذي تطالبون به (في آ 11، نجد "ملون"، بالحري، نفضّل)؟ بل تصّرف وكأن الجمع لم يقترح أي اسم، كأن الجمع طالب بسجين وترك لبيلاطس الحرية باختيار من يريد. ثانياً كلّم بيلاطس الشعب عن ملك اليهود، فهل يعرفون من هو. حتى الآن لم يشهد الجمع إلا مطالبة بهذا اللقب في فم يسوع، أو نسبة هذا اللقب إلى يسوع. وحده القارئ يعرف بالوضع بفضل استجواب بيلاطس (15: 2). 
مهما يكن من أمر هذه "الفوضى" على مستوى الخبر، فالكاتب لا يهتمّ بما هو معقول على المستوى السيكولوجي لدى الاشخاص. يكافيه أن يعرّف قارئيه أن الجمع، ومن خلاله عظماء الكهنة، فضّلوا مجرماً على يسوع. وقمة السخرية، أن الذي رفضوه هو في الواقع ملكهم ومسيحهم.
إن آ 10 هي قاطعة تتوخى تبرير ما عرضه بيلاطس: "كان يعلم أن رؤساء الكهنة (نقصت العبارة في الفاتيكاني. ربّما رفض الناسخ التكرار) أسلموه عن حسد". وبعبارة أخرى: كان بيلاطس مقتنعاً ببراءة المتهم. أراد أن يخلّصه بفعل العفو الفصحي. هو بريء. ولكنه خاطىء من قبل رؤساء الكهنة الذين يهاجمونه من جديد سماعة يدافع عنه بيلاطس.
ليس الحسد (فتونوس) هنا عاطفة بسيطة، بل هي نظرة سيئة وعدائية تحاولي أن تسيء إلى الآخر، أن تقتله (تختلف اللفظة عن "الغيرة"= "زالوس" التي قد تكون إيجابية. هناك من تحدّث عن غيرة الرؤساء، من أجل الله). قال حك 2: 24: "بحسد إبليس دخل الموت إلى العالم". ولقد أراد عظماء الكهنة موت يسوع، وعاطفة الحسد تولّدت عندهم من نجاح يسوع لدى الشعب، وخوف الوجهاء منه (11: 18؛ 12: 12؛ 14: 1- 2). 
قدّم بيلاطس عرضه. فتدخّل عظماء الكهنة الذين كانوا حاضرين أمام منبره (15: 1)، وإن جعلوا الشعب في الصفوف الأمامية يصرخ ويصيح. إنهم يعملون في الخفاء دون أن يتدخّلوا بشكل مباشر. كانوا محافظين على "القيادة". قام دورهم بأن "يحركوا" (اناسياين، هنا وفي لو 23: 5) الجمع، ويدفعوه بأن يطلب من بيلاطس: "أن يطلق لهم بالحري برأبا" (أي: يفضّلونه على يسوع). لسنا فقط أمام اختيار: هم يفضّلون، ولكن ليفعل بيلاطس ما يشاء. فإن شاء فليحرّر يسوع! كلا. ما قرروّه هم يعارضر قراره: لا يُطلق يسوع، بل برأبا. هذا ما نراه فيما بعد، وهذا ما يؤكده مت 27: 10؛ لو 23: 18.
ثانياً: المحطة الثانية (آ 12- 13)
إذن، الرفض واضح. ولكن بيلاطس لم يعتبر أنه هُزم. وفُتحت المحثنة الثانية من الحوار (آ 12- 13) بسؤال جديد (بالين) طرحه الوالي.
هنا نتوقّف عند مسائل من النقد النصوصي. وإحدى هذه المسائل، مهما كان الخيار الذي نتخذه، لا تؤثّر على المعنى. فإن اخترنا النص القصير ("إذن، ماذا افعل"؟) أو النصّ الطويل ("إذن، ماذا تريدون أن أفعل"؟) لا يتبدّل شيء. ففي الحالتين، يجعل بيلاطس نفسه رهن مشيئة محاوريه (دخل فعل "تريدون" في خط آ 9. رج "أتريدون" ومت 27: 17- 21).
وهناك اختلافات تؤثر على ولي الجملة: "إذن، ماذا أفعل (أو: إذن، ماذا تريدودن أن أفعل) بذاك الذي تدعونه (تقولونه) ملك اليهود"؟ أو: "ماذا أفعل بملك اليهود"؟ إذا أخذنا بالنصّ الطويل، نرى أن محاوري يبلاطس لم يدلّوا مرة واحدة على يسوع أنه "ملك اليهود". فسيظهر هذا اللقب فيما بعد فقط، في كلام الجنود الهازئين (15: 18)، وفي الكتابة على الصليب (15: 26). أما عظماء الكهنة والكتبة الذين كانوا على الجلجلة، فقد استعادوا هزءاً وسخرية ما كُتب فوق الصليب. ونادوا يسوع: "المسيح" و "ملك إسرائيل" (15: 32). في الواقع، بيلاطس وحده هو الذي أعطى يسوع هذا اللقب، فوافقه يسوع (أيكون بيلاطس استنبط هذا اللقب في خطّ شكايات رؤساء الكهنة؟ رج لو 23: 2) (15: 2).
هنا نفهم لماذا ألغى الناسخ إضافة حيرّته. أما مت، فتجنّب الكلمات "الصعبة" في مر. وفي الوقت عينه عرف النصّ الطويل عند مر فكتب: "إذن، ماذا أفعل بيسوع الذي يُدعى الاغومانون) المسيح" (27: 22)؟ إذن، إن احتفظنا بالنصّ الطويل، نتساءل ما الذي أراد أن يلمّح إليه في سياق لا يتفق معه إلاّ قليلاً؟
حين نفرض امالة من السخرية الهازئة، نلتقي مع الحدث الموازي في يو 19: 15 حيث يهزأ بيلاطس صراحةً من اليهود. فيسألهم: "أأصلب ملككم"؟ ولكن لا شيء في مر يدلّ على هذه الستراتيجيّة. وإذا أردنا أن نبقى في منطق السياق، كنا نقرأ: "ذاك الذي يسمّي نفسه ملك اليهود" (رج آ 2)، لا "ذاك الذي تسمّونه ملك اليهود".
ولكن رغم هذه الفجوة، ندرك إلى أين يريد مرقس أن يوجّهنا. نفهم أن هدفه هو هدف الإنجيل الرابع، إن لم يكن قريباً منه. نلاحظ أولاً نهجا أدبياً بشكل تصاعدي من سؤال يطرحه بيلاطس إلى آخر: مع عبارة "ذاك الذي تدعونه" (آ 12)، زاد النصّ توضيحاً كان ناقصاً في آ 9. ونلاحظ ثانياً: لا يرفض الجمع ما ينسب إليه بيلاطس من قول: فيبدو وكأنه يجيب: "أصلب ذاك الذي نسضيه ملك اليهود". وهكذا يجعل الكاتب الشعب (بدافع من عظماء الكهنة) يطالب بصلب ذاك الذي يعترفون به ضمنياً (لم يقولوا شيئاً. إذن وافقوا) كملك اليهود، كملكهم. ولكي نثبت هذا القول: نتذكر الموقف الإيجابي السابق لدى الجمع. وها قد انقلب بفعل عظماء الكهنة، فخاف ذاك الذي تعلّقوا به فيما مضى. كان الموقف ملتبساً، وها هو يجد تعبيره الكامل هنا.
وارتفع الصياح أيضاً (بالين. هو الصياح عينه. قد نترجم: حينئذٍ، رج 4: 1؛ 7: 14، 31) نحو بيلاطس. إن فعل "صاح (كرازاين) يذكّر القارئ بما حدث في الشعانين: كان الشعب "أمامه ووراءه يصرخون: هوشعنا" (11: 9). نجد هنا التعارض والانقلاب في الموقف! نشير هنا إلى أن الشعب" (اوخلوس) لا يُذكر في خبر مر عن الشعانين، بل يمال "كثيرون" (11: 8، 9: بولوي. نجد في مت 21: 8، 9: اوخلوس). ولكن لا فرق. وهذا ما يدلي على الدور الملتبس الذي يلعبه الشعب.
وتابع الشعب مسيرته بقدم ثابتة ليصل إلى الهدف. صاحوا: "أصلبه". وهكذا اتخذ الحكم بالاعدام (8: 31، 9: 31؛ 10: 34) شكلاً محدّداً وملموساً. وحين يسمع القارئ المسيحي هذا الكلام، يعود بالذاكرة... 
ثالثاً: المحطة الثالثة (آ 14)
تصرّف بيلاطس وكأن هذا الكلام لم يؤثّر عليه، فدخل المحطّة الثالثة(آ 14). طرح على الجمع سؤالأ: "وأي شّر فعل" (إذن، أي شّر فعل. غار في اليونانية)؟ لقد أكّد بيلاطس ما عرفناه سابقاً (يسوع بريء). في الواقع، هو لا يطلب أن يعرف ما فعل يسوع من شّر ليستحق لأجله الصلب. تيقّن من براءة المتهم، فطرح سؤالاً يعني في الواقع: "ولكنه لم يفعل أي شّر". إن الوالي الروماني هو صدى للنبي الذي صوّر عبد الله الذليل والمتألمّ، "هو الذي لم يقترف اثماً" (أش 53: 9 حسب السبعينية). 
أصمّ الجمع اذنه على محاولة بيلاطس الأخيرة، فازداد صياحاً، مكرّراً طلبه بأن يصلب. وهكذا وصلنا إلى نهاية المحاولات الثلاث التي قام بها "القاضي" لكي يخلّص ذاك الذي يعتبره بريئاً. لقد انتهت بالفشل والاستسلام.
خ- الخاتمة (آ 15)
ونصل إلى خاتمة الخبر. فبيلاطس نفسه الذي عمل وسعه لكي ينجّي يسوع من الموت، قد أخذ على عاتقه مسؤوليّة هذا الموت، وذلك بملء إرادته (بولومانوس، إذ أراد). ولكن يبقى أن القرار فرض عليه فرضاً: تراجعت إرادته أمام ضغط الجمع، وعبر ذلك، أمام ضغط رؤساء الكهنة. 
ونال الجمع ما طلبه: إطلاق برأبا. لقد "صعد" (آ 8) نحو بيلاطس من أجل هذا. وطلب ما أراد بدفع من عظماء الكهنة (آ 11). لهذا ذُكر نجاحه أولاً. فقضية برأبا تبني الخبر حقاً. وهذا الخبر ينتهي حين يطلق بيلاطس السجين.
وبقي يسوع. بعد أن مال بيلاطس إلى برأبا، لم يبقَ له خيار إلاّ خيار الجمع والذين يحرّكونه. إختلفت محكمة رومة عن المحكمة اليهودية (14: 64)، فاكتفت بالإذعان لإرادة شريرة، إرادة الذين حكموا على يسوع: إن عظماء الكهنة اليهود تلاعبوا بالشعب المتقلّب. وهكذا نرى في النهاية من يتحمّل مسؤوليّة موت "ملك اليهود" (مت 27: 25 يدلّ بشكل واضح ومباشر على أن الشعب يتحمّل هذه المسؤوليّة: دمه علينا وعلى أولادنا).
فلم يبقَ لبيلاطس إلاّ أن "يسلم" يسوع (فعل "باراديدوناي": لا معنى لاهوتي له هنا وفي آ 10). لمن؟ هذا ما لا يقوله النصّ؟ في الواقع، سيسلم يسوع إلى الجنود (آ 16). غير أن هؤلاء هم أداة مسيرة قضائيّة دخل فيها يسوع بإرادة الرؤساء اليهود: هم أسلموا يسوع إلى بيلاطس (15: 1، 10). وبيلاطس بدوره أسلم يسوع. وجاء الفعل مع ما يكمله في النهاية: "أسلم لكي يُصلب".
وهكذا تتواصل الأحداث ونحن نستشفّ نهايتها المؤلمة. وفي الوقت عينه تشير آ 13- 14 إلى النتيجة الإيجابية لما طلبه الجمع. جاء ليطلب تحرير برأبا. فجعله رؤساء الكهنة يحصل في النهاية على شيء آخر لم يأتِ لأجله. لا شك في أن عبر هذه المحاولات البشرية، الله يحقّق مخطّطه المرسوم في "الكتب المقدّسة" (14: 49 ب).
خاتمة
عرف مر أن يسوع قد احتمل قبل الصلب، عذاب الجلد المريع. أشار إليه بطريقة ضعيفة وكأنه لا يريد أن يذكره، لأنه يدخل في عقاب العقابات. أرسل إلى الصلب: هذا يعني أنه يجلد قبل ذلك (مت 27: 26 ب). نلاحظ أن مر يحاول أن يحافظ على كرامة يسوع، فلا يطيل تصوير توقيف يسوع (14: 46)، كما لا يطيل الحديث عن صلبه (15: 25). تلك هي الطريقة اللطيفة التي يستعملها الإنجيليون للحديث عن آلام يسوع.

 

 

الفصل التاسع والثلاثون
الجنود يهزأون بيسوع
15: 16- 20
يجري المشهد في دار الولاية وبعد المحاكمة، فيبدو بشكل فاصل بين حركتين. لقد أسلم بيلاطس يسوع "لكي يُصلب" (15: 15). ولكننا نعرف فيما بعد (آ 25 ب) أن الجنود اقتادوا يسوع إلى الخارج ليصلبو. في ذلك الوقت، فى خل حدث جعل الخبر يتأخّر. فالقارئ الذي استعد لأن يتبع يسوع إلى موضع العذاب، يجد نفسه أمام زيادة من الهزء تفرض عليه أن يتوقّف ويتأمّل.
ويُدعى القارئ أيضاً ليذكر مشهداً مماثلاً حصل بعد أول مشهد في محاكمة يسوع اليهودية (14: 65). إذاً، لاحظ أن الهزء (والمعاملة السيئة) تتوزع بين اليهود والرومان. مع بعض الفرق. فالخبر هنا أكثر إتساعاً من الأول. ثم ليس "القاضي" هو الذي يقوم بهذه الأعمال القاسية ولا يأمر بها. بل كل شيء جاء من مبادرة خاضة لدى الجنود. أما في المشهد الأول، فأعضاء المجلس بصقوا على يسوع، وغطّوا وجهه، ولطموه.
يتضمّن الحدث مقدّمة تصوّر التهيئة للمشهد (آ 6). والمشهد ينقسم إلى ثلاثة أقسام: اللباس (آ 17)، التحية (آ 18- 19)، نزع اللباس (آ 20). في النهاية، جعلوا عليه لباسه العادي. ونجد داخل القسم الثاني المعاملة السيئة: الضرب، البصاق (آ 19 أ). هذا ما يبرز التوازي مع 14: 65 ويشذد على مركزية هذا القسم في مشهد الهزء.
وظهر الجنود (لن يُذكروا بعد ذلك في مر) هنا، مع أنهم هم الذين جلدوا يسوع. فرضوا نفوسهم منذ البداية. هم "فاعل" جميع الأفعال: إقتاد، جمع، ألبس... بعد الآن صار يسوع "لعبة" لا أيديهم يصنعون به ما يشاؤون من دون رقيب ولا حسيب. أما الوالي فسوف يظهر فقط في النهاية، ليلعب دوراً إيجابياً في دفن يسوع (15: 43- 44).
اقتيد يسوع إلى داخل القصر، إلى الدار الداخلية، إلى قصر الوالي في أورشليم. هذا يدلي على أن مرقس كان عارفاً بالأمكنة والعادات المعاصرة. لقد صار يسوع الآن بعيداً عن عيون الجموع. ولكنه في الواقع قريبٌ من خلال الكتيبة التي جمعها الجنود. ولا ننسَ أن الكتيبة تضم 600 شخص. فالكتيبة "كلها" هي هنا، وهكذا يشهد الهزءَ بيسوع عددٌ كبير من الناس. لقد هيّئ كلي شيء من أجل حفلة ساخرة تتسم بالقساوة والفظاظة.
نشير هنا إلى أن يو 18: 3، 12 يتحدّث عن "الفرقة" التي هي جزء من الكتيبة. لا ننسَ أن الكتيبة لا تقيم في قصر الوالي، بل في قلعة انطونيا. ولكن مر بحث بالأحرى عن المعنى الديني، فدلّ على العدد الكبير من الناس حين "نضب" يسوع "ملكاً". جعلوا عليه الأرجوان، وكفلوه. 
بدأت الحفلة الساخرة بإلباس يسوع شارات الملك. عزي جسده بالجلد، ثم جُعل عليه "الارجوان" (رج كما 27: 28: رداء ارجوانياً)، حلية الملوك. وجعلوا على رأسه أكليلاً من شوك، فزادوا ألمه ألماً. وصار يسوع "ملكاً، ولم يعد ينقصه سوى الصولجان. وستلعب القصبة دور الصولجان. غير أن هذه القصبة استعملت من أجل ضرب يسوع على رأسه لكي يدخل فيه الشوك.
ورافق تحيّئة الجنود هتاف: "سلام، يا ملك اليهود". كان الرومان يهتفون: "سلام (خايري) أيها الأمبراطور". أما هنا، فنحن في خط الخبر الذي تشّرب من لقب "ملك اليهود". فعلى شفاه الجنود الرومان، وخلال ذلك المشهد، وساعة اعترف الجمع اليهودي بشرعية هذا اللقب، اصابت السخرية اليهود من خلال الهزء بشخص يسوع. فكما حدث من قبل في مشهد السنهدرين (14: 65)، وكما سيحدث فيما بعدها أقوال الهزء على الجلجلة (15: 32)، هذا اللقب الذي أعطي ليسوع يقول الحقيقة: فيسوع كمسيح هو حقاً "ملك اليهود". غير أن هذا الملك لا يتمتّع بهيبة ساطعة وسلطان يعرفه أهل هذا العالم. هذا ما بدا منذ المحاكمة اليهودية. وتتواصل السخرية فتنسب إلى الجنود "اعتبارهم" يسوع ملكاً: حيّوا يسوع كأنه الملك حين سجدوا له، جثوا على ركبهم أمامه، كما يُفعل أمام الملك. مع أن هذا الملك يرزح في الذلّ والعار.
حيّوا الملك بكلامهم. وحيوه بسجودهم. وزادوا معاملات سيّئة، فاستعادوا ما فعله أهل المجلس اليهودي (14: 65). فالبصاق له جذوره في الكتاب المقدس (أش 50: 6). واستعملوا القصبة ليضربوه بها.
كل هذا يدلّ على أننا أمام مشهد سخرية وهزء، بل "لعب" وتسلية (امبايزاين). حين نقرأ هذا النصق نتذكّر الإنباء الثالث بالآلام حيث يعلن يسوع أنه يسلّم إلى الوثنيين "فيلعبون به (جهزأون به)، ويبصقون عليه، ويجلدونه، ويقتلونه" (10: 34). فالفعل يدلّ في المقطعين على الهزء (كما على الجلجلة، 5: 31) وعلى المعاملة بالعنف. وهكذا نكون قريبين من أفعال نجدها في حك 12: 25- 26؛ 2 مك 7: 7، 10، مثل: عذّب، أدّب. وأما فعل "امبايزاين" فيدلّ على مصير الأنبياء القاسي. فقد كانوا هم أيضاً موضوع هزء (1 أخ 36: 16؛ عب 11: 36). في الواقع، استعاد الإنجيل المبادرة. فهؤلاء الجنود الذين قسوا على يسوع، حقّقوا نبوءات الكتاب، وكانوا أداة غير واعين لمخطط الله في يسوع.
والقسم الثالث (15: 20 ب) في هذا المشهد المريع يرينا يسوع بعد أن نزعوا عنه الأرجوان، وألبسوه ثيابه العادية التي نُزعت عنه قبل الجلد. وهكذا انتهى هذا المشهد، وسوف ننتقل إلى عذاب آخر. ها هم "خرجوا به ليصلبوه".
إن الخروج من دار الوالي يدشّن المسيرة نحو الجلجلة.

 

 

الفصل الأربعون
حول موت يسوع
15: 21- 41
ها هي الأحداث تتواصل بسرعة: درب الصليب، صلب ملك اليهود، حفلة من الهزء جديدة أمام هذا المصلوب: المارون، عظماء الكهنة والكتبة، اللصان المصلوبان معه. تمزّق حجاب الهيكل وأعلن قائد المئة أن هذا الرجل هو ابن الله. كل هذا تحت نظر النسوة اللواتي رافقن المعلّم من الجليل ولم يتركنه حتى ساعة الموت والدفن، بانتظار أن ينعمن بحضوره يوم القيامة.
1- تنظيم النصّ
إن التقاليد التي جمعها مر في آ 21- 41 تشكّل كتلة متلاحمة وتدور كلها حول موت يسوع. ونستطيع أن نستخرج عناصر تدلّ على تماسكها. هناك أولاً وحدة المكان: تجري الأحداث على الجلجلة أو في الطريق إلى الجلجلة. وهناك أيضاً ميزتان. الأولى، إشارات إلى الساعة (آ 25، الساعة الثالثة أو التاسعة صباحاً، آ 33، الساعة السادسة أو الظهر). الثانية، تركيز على النصوص الكتابية (آ 24، 29، 34، 36). وإذا أردنا أن نقسم هذه المجموعة، نجد فيها جزئين كبيرين. إن آ 21- 32 يتداخلها موضوع الصلب (نقرأ فعل "صلب" 5 مرات. و"الصليب" 3 مرات) الذي يختفي بعد آ 33. وهناك إشارة أخرى: بين آ 21 وآ 32، فاعل الأفعال هو شخص غير يسوع (ما عدا رفض المرّ في آ 23 ب). أما بعد ذلك، فيسوع هو فاعل الأفعال: "صاح يسوع بصوت جهير...".
ونلاحظ أيضاً تدرّج الألقاب التي ينالها يسوع. في آ 21- 27، المركّزة على الصلب، تدلّ الكتابة على أن يسوع "ملك اليهود" (آ 26). بعد ذلك، ترد كلمات هزء المارّين ورؤساء الكهنة والكتبة (آ 29- 32) على أنه "ملك إسرائيل": لينزل عن الصليب (آ 32). هذا الجزء ينفصل عن الجزء السابق، لأن آ 32 ب تقابل آ 27، فتذكر في ذات الألفاظ رفيقي يسوع في العذاب. وتروي آ 33- 39 الدقائق الأخيرة قبل موت يسوع. حينئذ أعلن قائد المئة: "في الحقيقة، كان هذا الرجل ابن الله".
بعد هذه القسمات الثلاث، نكتشف قسمة رابعة هي لائحة النسوة اللواتي شهدن موت المخلّص (آ 40- 41)، وأخذن بالإستعداد للأحداث المجيدة الآتية. هكذا سندرس هذا المقطع الذي يبدو مهماً جداً في خبر الحاش والآلام.
2- طريق الصليب والصلب (15: 21- 27)
يتضمّن التجمّع الأول في هذه القسمة ثمانية عناصر تتحلّق حول صلب يسوع: طريق (درب) الصليب (آ 21). الوصول إلى الجلجلة (آ 22). الخمر الممزوج بمرّ (آ 23). الإشارة الأولى إلى الصلب (آ 24 أ). إقتسام الثياب (آ 24 ب). الإشارة الئانية إلى الصلب (آ 25). الكتابة (آ 26). اللصان المصلوبان مع يسوع (آ 27).
وكل هذا ينحصر في أشخاص ضمّوا إلى يسوع يا هذا الظرف، في صورتين متعارضتين: سمعان القيريني الذي حمل صليب يسوع. اللصان اللذان يقاسمان يسوع عذابه. ثم إن التدوين يبدو بسيطاً مختصراً، في أسلوب عُرّي من الصور ومن كل ما يحزك العاطفة (نودّ أن نبكي، أو نغضب). فالمعنى الذي يبحث عنه الإنجيلي هو معنى لاهوتي يتوجّه إلى قلب القارئ.
أ- درب الصليب (آ 21)
حين كتب مر أن الجنود اقتادوا يسوع إلى الخارج (خارج المكان الذي هو فيه) أخذ بعين الإعتبار موضع المشهد السابق "داخل القصر" (آ 16). فزاد: "لكي يصلبوه". وهكذا عاد إلى ما أورده في نهاية المحاكمة حين أسلم يسوع إلى بيلاطس "لكي يصلب" (آ 15). هذا الذي أُرسل إليه يسوع يتمّ الآن، بعد أن أخّره مشهد الهزء الذي بدا فاصلاً بين حدثين. 
يشكّل تسخير (فعل سخّر، "اغاروواين، يعود إلى الفارسي، وربما البابلي) سمعان القيريني من قبل الجنود ليحمل صليب يسوع، وذكر إسم ولديه الإسكندر وروفس، حاشية تاريخية هامة. بل هي كثر من ذلك. هنا يتذكر القارئ التنبيه الذي تفوّه به يسوع في 8: 34: إن الرجل الذي طُلب منه أن يحمل صليب يسوع، يدلّ على أحد أولئك الذين وجّه يسوع كلامه إليهم فقالت: "إن أراد أحد أن يتبعني (أن يأتي ورائي، أن يسير خلفي، لا أمامي)، فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني".
وجاءت اعتراضات على التفسير الذي يجعل من سمعان صورة (أو رمزاً) عن التلميذ الذي يشارك المعلّم في آلامه (رج عب 13: 13: نذهب خارج المحلّة حاملين عاره. تأثير الإنجيل على هذه الآية، خصوصاً على الوضع المشابه). فالصليب الذي يحمله سمعان ليس صليبه الخاص، بل صليب يسوع (لا شكّ في أن سمعان أجبر على ذلك، ولكن الرمزية هي هي، رج 9: 24: أعن قلّة إيماني). ثم إن مشاركة سمعان ليسوع لم تكن بملء إرادته، بل سخر تسخيراً. فكيف نطبّق عليه هذه العبارة: "من أراد أن يتبعني"؟ ولكن مثل هذا المنطق لا يؤثّر على قارئ (أو: ساع) عارف بالأناجيل. فإن كان لا ومر قد تحدّثا عن هذا الواقع (تحدّث لو عن صليب يحمله سمعان على خطى يسوع)، فقد أرادا أن يعطيا الحدث معنى روحياً. ويشهد على "روحانية" سمعان، ولداه الإسكندر وروفس اللذان هما من أعضاء الكنيسة.
ب- الوصول إلى موضع الصلب (آ 22)
إن آ 22 تلي بشكل منطقي آ 20: "إقتادوه إلى خارج" (اكساغوسين). نجد بعد الحديث عن تسخير سمعان القيريني: "وجاؤوا به إلى موضع الجلجلة". حين قال مر هذا الكلام، أورد إشارة مكانية معروفة في الطوبوغرافيا المحلّية التي حملتها إليه مراجعه. لا نجد عنده أي تلميح رمزي إلى اسم المكان هذا. يكفيه أن يترجم الأرامي إلى اليوناني كما فعل في أماكن أخرى (5: 41؛ 7: 34؛ 14: 36؛ 15: 34؛ رج 7: 11) من أجل قرائه.
قد نفترض ولكننا لا نستطيع أن نستنتج حين نقرأ فعل "فاراين" (حرفيا: حمل) أن يسوع كان منهكاً فجرّوه إلى الجلجثة. رج استعمال الفعل عينه في 7: 32؛ 8: 22؛ 9: 17، 19، 20 (رج 1: 32؛ 2: 3)؛ مت 17: 17؛ يو 21: 18. ثم، إذا كان سمعان "راجعاً من الحقل"، فهذا يعني أنه لم يأتِ المدينة. فلا نبحث عن معنى آخر. في آ 22، الجلجثة هي ترجمة الجمجمة.
ج- ورفض يسوع المرّ (آ 23)
إن الفعل "اديدون" (بدل: اديدوسان) يدلي على المحاولة: حاولوا أن يعطوه (رج 9: 38: حاولنا أن نمنعه؛ مت 3: 14؛ لو 1: 9). تحدّث عا 2: 12 عن الخمر الذي يُسقى للمنذورين لكني يضيعوا عقولهم. نحن بعيدون هنا عن هذا المعنى. فالخمر الممزوج بالمرّ هو "تخدير" يُعطى للمصلوبين فيخفّف عنهم آلامهم. قال أم 31: 6: "قدّم الشراب القويّ لمن يموت".
نحن هنا في الواقع أمام فعلة إنسانية تقوم بأن نقدّم للمحكوم عليه بالموت، خمراً ممزوجة بمرّ. لا نجد إشارة كتابية هنا إلا ما أوردنا في أم 31: 6. إحتفظ مر لا بالفعلة، بل برفض يسوع لهذا الشراب. لا ننسب إلى يسوع إرادته بأن يتحمّل آلام الحاش كاملة. فهو لا يبحث عن الألم من أجل الألم، ومثل هذا الكلام لا يجد سنداً له في العهد الجديد. ما أراد الإنجيلي أن يقوله هو أن كرامة يسوع منعته من البحث عن فقدان وعيه في سكرة تقتل فيه الإرادة. إن يسوع يذهب إلى الموت بكامل وعيه وكامل إرادته.
د- إشارة أولى إلى الصلب (آ 24 أ)
قال النصّ: "وصلبوه" (كاي ستاوروسين اوتون). ثلاث كلمات يونانية. لا حاجة إلى تصوير موشع (كما في الأفلام السينمائية)، ولا حاجة لدى الكاتب إلى أن يحرّك عاطفة القرّاء فيحدّثهم مطوّلاً عن عذاب يسوع.
لم يكن الصليب بالنسبة إليهم شيئاً من الماضي، وهم الذين يرونه على حافة الطرقات. لهذا كانوا يعرفولن ماذا يعني. ويكفي أن يُذكر ليعرف القارئ ما وراءه من عار ورعب. ولكنهم كانوا يعرفون أيضاً أنه هكذا تتحقّق رسالة المسيح ومخطّط الله.
و- إقتسام الثياب (آ 24 ب)
ويتحقق هذا المخطّط بشكل أوضح في اقتسام ثياب يسوع. كانت العادة أن تترك ثياب المحكوم عليه للجلاّدين. إستفاد الإنجيلي من هذه المناسبة، فأبرز العار الذي حلّ بذلك الذي تخلىّ عنه الجميع، بذلك الذي يعرّى الآن من كل شيء. ذاك كان مصير البريء الذي يشير إليه مز 22: 19 الذي فسرّ تفسيراً مسيحانياً، وورد هنا للمرّة الأولى. لسنا هنا أمام إيراد واضح كما في يو 19: 24، بل أمام تدوين يستلهم المزمور في هدف نفهمه بسهولة: لقد رسمت الكتب النموذج، وتقوم مهمّة يسوع بأن "تتمه" (14: 21، 27، 49). لقد حقّق الجلاّدون هذه الصورة المقدسة، من دون علم منهم، فكانوا أداة من أجل تحقيق كلام الله في الكتب المقدّسة.
ز- ساعة الصلب (آ 25)
"وكانت الساعة الثالثة (التاسعة صباحاً) لمّا صلبوه". تحديد أول للساعة. وسيليه تحديدان آخران (آ 33، 34). وهكذا أشار الكاتب مرة ثانية إلى الصلب. "حرفياً: كانت الساعة الثالثة، وصلبوه" (الواو بدل لمّا). تحيّر النسّاخ بحرف العطف هذا. فكتب بعضهم مستلهماً مت 27: 36: "وجلسوا هناك يحرسونه".
"الساعة الثالثة". هي أولى ساعات الصلاة بعد "الصباح" الذي فيه أسلم يسوع إلى بيلاطس (15: 1)، وقبل الظهر والساعة التاسعة، و"المساء" الذي هو وقت الدفن (15: 42).
ح- الكتابة (آ 26)
لا تذكر اللافتة (أو: الإعلان، أو: اللوحة) في مر كما في يو 19: 19، بل ما كتب فيها: علّة الحكم: "هو ملك اليهود". عبارة موجزة وسيوضحها سائر الإنجيليين. عبارة فيها احتقار من قبل القاضي والجلاّدين. يلعب هذا اللقب دوراً في بناء المقطع. كما يبرّر على المستوى الإخبار، أقوال الهزء في فم الحاضرين: لم يقل مر إن اللافتة ثبّتت على الصليب (ق مت 27: 37؛ يو 19: 19). ولكننا نستطيع أن نفترض أن عظماء الكهنة عادوا إلى مضمونها ليهزأوا بيسوع (15: 32). ولكن اللقب عينه يعيدنا أيضاً إلى ما سبق في خبر الحاش: المحاكمة الرومانيّة ومساومة بيلاطس مع الشعب (15: 2، 9، 12) من أجل إطلاق مسيحهم. في هذه الظروف، علّق يسوع على الصليب على أنه المسيح الذي رفضه شعبه.
هـ- رفيقا العذاب (آ 27- 28)
إن اللوحة المؤثّرة التي ترينا يسوع مصلوباً بين "لصّين، واحد عن يمينه والآخر عن يساره" تتميّز بقساوتها عن مشهد آخر. فالقارئ يُدعى إلى أن يتذكّر طلباً وجّهه ابنا زبدى إلى يسوع: "أعطنا أن يجلس واحد عن يمينك والآخر عن يسارك، في مجدك" (10: 37). ويتذكّر أيضاً جواب يسوع للأخوين، وفيه يشير إلى العماد وإلى الكأس (رج 14: 36) اللذين ينتظرانه في القريب العاجل.
أما الآن، فالملك هو بين "وزيرين" من نوع خاص. والثلاثة يقاسون عمق الألم والعار. لا يشير مر إلى أش 53: 12 (ورد في لو 22: 37). فقد يكون فكر في هذا النصّ الكتابي: "أحصي مع المجرمين". هناك من أعطى وجهاً سياسياً للمشهد. فالمجرمين ليسا من الثوّار، وليس يسوع قائد ثورة وطالب ملك قتل بعد أن قام "بثورة على السلطة" الرومانية! وبالنسبة إلى مر، لقد خسرت اتهامات المجلس وبيلاطس ليسوع، كل جوهرها. ف "ملك اليهود" البريء في نظر الرومان هو مصلوب، لأنه أعلن أمام السنهدرين أنه "المسيح ابن الله" فحُسب إعلانه تجديفاً. كم نحن بعيدون عن صاحب ثورة تدفعه الرغبة بالملك، الرغبة بالمملكة المسيحانية!
3- أقوال الهزء على الجلجلة (15: 29- 32)
تتركّز هذه القسمة الثانية على موت يسوع، ويحيط بها ذكر المجرمين المصلوبين مع يسوع (آ 27، 32 ب). وهي تتوزّع في مشهدين رئيسيين ومميّزين، ينتهيان بملحق. نرى في المشهد الأول "المارّين" (العابرين) (آ 29- 30). وفي المشهد الثاني (آ 31- 32) عظماء الكهنة والكتبة. وفي الملحق، وحسب القاعدة المثلّثة، نرى اللصين اللذين يضيفان إساءة على إساءة.
في المشهد الأول، توجّه الهازئون مباشرة إلى يسوع. في المشهد الثاني تحادثوا في ما بينهم هازئين: فلينزل الآن عن الصليب لنرى ونؤمن! إستعمل الهزء الأول الكلمة التي تضمنتها شهادة الزور في المحاكمة اليهودية (14: 58). وعاد الهزء الثاني إلى "الإعتداد" المسيحاني في المحاكمتين: إستجوب عظيم الكهنة يسوع: هل أنت "المسيح" (14: 61)؟ وسأله بيلاطس إن كان "ملك اليهود" (15: 2). وهذا اللقب الأخير صار في فم الوجهاء اليهود "ملك إسرائيل". وهكذا نكتشف التداخل الوثيق بين هذا الحدث والمحاكمتين في العالم اليهودي والعالم الروماني.
للمشهدين اللذين يتواليان هنا ترتيب واحد: مقدّمة (آ 29 أ/ آ 31 أ) وكلمة (آ 29 ب- 35/ آ 31 ب- 32 أ). إن ظهور المارّين على الجلجلة وموقفهم في هذا الظرف، يعودان بنا إلى مرا 2: 15 (حسب السبعينية): "كل المارّين في الطريق صفّقوا بالاكفّ عليّ، صفّروا، هزّوا الرأس على بنت أورشليم". ونقرأ أيضاً إر 18: 16 حيث يصوّر الله نتائج عبادة الأصنام في الشعب: "ليجعلوا أرضهم رعباً وعرضة لصفير الهزء. فكل من يمرّ فيها يرتعب ويهزّ رأسه".
ولكن هزّ الرأس كعلامة للهزء والإحتقار هو موضوع معروف في التشكّي الذي ترفعه ضحايا بريئة تجاه مضطهديها (مز 22: 8؛ 109: 25؛ أش 37: 22؛ رج أي 16: 4؛ سي 12: 18؛ 13: 7). وهذا ما يكمّل لوحة عبد الله المتالمّ التي نجدها في خبر الحاش. ويعمل هذا الهزء (دون علم منه) الذي لا شفقة فيه على إعادة صورة مرسومة في الكتب المقدّسة. حين استعمل مر فعل "جدّف" ليدلّ على أقوال المارّين الموجّهة إلى المصلوب، لم يتوقف فقط عند المعنى الدنيوي (عيّر، إفترى) للفظة اليونانية (روم 3: 8؛ 1 كور 4: 12، 10: 30؛ تي 3: 2؛ رج أع 13: 45؛ 18: 6 مع بعض التردّد). بل أشار إلى المعنى الديني، والشخص الذي يهزأ به هو ابن الله (14: 61- 62؛ 15: 39). وإطار الإنجيل كله يجعلنا في هذا الجوّ (2: 7؛ 3: 28- 29؛ 14: 64. نجد المعنى الدنيوي للفظة "بلاسفاميا" في 7: 22).
مقابل هذا لا نجد علاقة مباشرة بين التجديف الذي يصيب يسوع، والتجديف الذي يشير إليه عظيم الكهنة في المحاكمة اليهودية (14: 64). كما لا نجد برهاناً يتيح لنا أن نرى في هذا الكلام صدى لهجوم يهودي على يسوع وتئاعه في بداية الكنيسة (رج أع 6: 13). نحن هنا بالأحرى أمام استعادة موجزة وبشكل هزء لاتهام شهود الزور أمام السنهدرين (14: 58). فهؤلاء استندوا إلى إعلان يسوع القائل بأنه ينقض الهيكل ويعيد بناءه في ثلاثة أيام.
قالوا: إن صاحب مثل هذه الإعتدادات معلّق الآن على الصليب في ضعف وعجز تأمّين. إذن، يتواصل الهزء: دعا المارّون يسوع أن ينزل عن الصليب. لا يتضمّن هذا "النزول" أي تلميح لاهوتي في معارضة مع "صعود" نحو الله يحاول الهازئون أن يمنعوه. ويجب أن نستبعد أيضاً فكرة التجربة (هم لا يهزأون به فقط، بل يجرّبونه ليتهرّب من الصليب): هذا ما لا نجده عند مت ولو اللذين كتبا مطوّلاً عن تجربة يسوع في البرّية. وهذا التفسير لا يجد أساسه في مر حيث خبر التجربة (1: 12- 13) لا يعلن مسبقاً تحدّياً سيكون على الجلجلة (رج لو 4: 13).
هل نجد هنا علاقة مع تنبيه يسوع في 8: 35 (من أراد أن يخلّص حياته يهلكها)، بحيث أنه لو ردّ يسوع على التحدّي (فنزل عن الصليب)، لكان عارض في سلوكه ما يطلبه من الآخرين، وبذلك يحسر الحياة التي قال إنه يستعيدها بعد موته (8: 31؛ 9: 9، 31؛ 15: 34؛ 14: 28)؟ إذا كان جوابنا بالإيجاب، لأعطينا أهمية كبرى لتشابه جزئي، ولما هو هزء مبني على حقيقة ناقصة (في مر، لم يقل يسوع شيئاً من هذا النوع عن الهيكل).
مقابل هذا نستطيع أن نجد هنا صدى مشوّهاً لما في مز 22: 9. هتف المضطهدون: "جعل رجاءه في الرب، فلينجّه! فليخلّصه لأنه يحبه"! وهكذا طلب من يسوع بأن يخلّص نفسه بنفسه من الضيق الذي يجد نفسه فيه. هذه قمة الهزء تجاه ذاك الذي بدا الله وكأنه يتخلىّ عنه، فبرهن عن عجزه بعد أن تجاوز كل حدود في اعتبار نفسه.
وبعد المارّة، جاء عظماء الكهنة، المنظّمون الرئيسيون للآلام. وانضمّ إليهم الكتبة (كما من قبل، 11: 18؛ 14: 1) الذين هم ألدّ أعداء يسوع (2: 6، 16؛ 3: 22؛ 7: 1، 5؛ 11: 18، 27؛ 12: 38- 40). وبدل أن يتوجّه هؤلاء "الوجهاء" إلى يسوع مباشرة، توجّهوا إليه بشكل غير مباشر: تكلّموا "لا ما بينهم" (آ 31) ليسمعهم يسوع.
يبرز هزؤهم التعارض بين عجائب الشفاء التي اجترحها يسوع منذ زمن قريب، وضعف المصلوب الحاضر الذي لا يستطيع أن يخلص نفسه من عود الصليب. تكلّم عظماء الكهنة والكتبة "اللغة الإنجيلية"، فعادوا بالقارئ إلى أخبار يدلّ فيها فعل "خلّص" (سوزاين) على شفاء يُطلب من يسوع فيلبّي الطلب (5: 23، 28، 34؛ 6: 56؛ 10: 52). ذاك الذي كان له سلطان (لا منازعة فيه) به ينجّي المتضايقين من مرضهم، صار الآن عاجزاً كل العجز. هذا ما لاحظه الهازئون. وها هم يتحدّون يسوع بأن ينزلق حالاً (نون، الآن) عن الصليب ليتيح لهم أن يؤمنوا به.
ولكن هذه السخرية ستنقلب عليهم، شأنهم شأن الجنود الرومان الذي هزئوا بيسوع "ملك اليهود" فدلّوا من حيث لا يدرون على الحقيقة. أجل يسوع هو ملك اليهود. والوجهاء الذين سمّوا يسوع على الجلجلة "المسيح، ملك إسرائيل"، أعلنوا ما هو يسوع في الواقع، وهم اليهود الأتقياء العارفون بما في الكتب.
ونفهم نحن نمط هذا المُلك المسيحاني. فقد أهمل يسوع تحدّيهم وظلّ على الصليب، في الصمت، وفي طاعة دلّ عليها بشكل نهائي في صلاته في جتسيماني (14: 36). إن الذي "خلّص" آخرين كثيرين، لن يخلّص نفسه بنفسه. فلو فعل ليبرهن على مسيحانيته، لكان ألغى هذه المسيحانية، لأن الله قرّر أنها تُعاش على الصليب.
وفي نهاية هذا المشهد زاد اللصان المصلوبان مع يسوع كلام الهزء على ما قيل ضدّ يسوع حتى الآن. هذا صدى لسفر المزامير الذي صوّر مسبقاً سمات يسوع المتألم.
4- موت ابن الله (15: 33- 39)
هذا المقطع الذي يروي موت يسوع يبدو متشعّباً، ولكن الأحداث التي ترتبط به تبدو مرتّبة ترتيباً رائعاً. في الوسط (آ 37): موت يسوع نفسه. حوله هذا الموت، سلسلتان متوازيتان من الأحداث: معجزة الظلمة (آ 33) تقابلها معجزة أخرى هي انشقاق حجاب الهيكل (آ 38). والهزء الأخير الذي يلي صلاة يسوع (آ 33- 36) يقابله هذه المرة تقابلاً متعارضاً، إعتراف قائد المئة (آ 39).
تتميّز هذه القطعة عن السياق في أن يسوع الذي صمت منذ إقراره الملوكي أمام بيلاطس (15: 2)، عاد هنا فتكلم للمرة الأخيرة. سمّي باسمه الشخصي (يسوع) فلعب دوراً فاعلاً: هو فاعل الأفعال (صاح يسوع، آ 34؛ رج آ 37). لم يحدث أي شيء مشابه لذلك منذ 15: 2. فمنذ 15: 5 و15: 23، موقف يسوع هو سلبي، بمعنى أنه يتأثّر بما يفعله الآخرون. وهكذا تصوّرُ هذه الآيات ذروة خبر الحاش والآلام. ونحن نتوقعّ كثافتها على المستوى التعليمي.
أ- الظلمة (آ 33)
وتبدأ هذه المقطوعة بمعجزة. "في الساعة السادسة (أي: الظهر) كانت ظلمة على الأرض كلها، حتى الساعة التاسعة" (الثالثة بعد الظهر) (15: 33). هي ظلمة كثيفة، وقد تباينت آراء الشّراح في شأنها. هناك من يرى ظاهرة كونية: كسوف الشمس أو عاصفة رملية آتية من الصحراء على أورشليم. قال أوريجانس: لا يحدث الكسوف في ساعة يكون فيها القمر بدراً. ولكن، وإن كان الأمر كذلك، فلا يتوخّى الكاتب أن يصوّر حدثاً طبيعياً (من عالم الطبيعة)، نحن هنا أمام معجزة يجب أن نكتشف معناها. نذكر ثلاثة تفاسير رئيسية.
* الأول يستند إلى التقليد النبوي والجلياني الذي فيه تدلّ الظلمة مسبقاً على نهاية العالم والدينونة (عا 8: 9- 10؛ رج يو 21: 2، 10؛ 3: 4؛ 4: 15؛ أش 13: 10؛ 24: 23؛ رؤ 6: 12- 13). إن يسوع (في مر) يشير إلى هذه العلامة التي تدلّ على الدينونة فيقول: "في تلك الأيام... تظلم الشمس والقمر لا يعود يعطي ضوءه" (13: 24). هُيئ موت يسوع بهذا الشكل فأعلن ردّة الفعل (بشكل انتقام) حين يظهر "ابن الإنسان بقدرة عظيمة ومجد" (13: 26).
ولكن هناك اعتراضاً على هذا التفسير: فالعلاقات مع النصوص البيبلية ولا سيما مع عا 8: 9- 10، هي ضعيفة وبالتالي تضعف البرهان. أما استلهام مر 13: 24، فهو يعني أننا نستقي من سياق مختلف تفسيراً يجب أن نبحث عنه قبل كل شيء في محيطه المباشر.
* الثاني يستلهم أيضاً العهد القديم فيفسرّ ظلمة الحاش كعلامة عن حضور الله. في سيناء (تث 4: 11؛ 5: 22)، في هيكل أورشليم (1 مل 8: 12)، وخلال الظواهر الكونية (مز 18: 1- 12؛ 97: 2؛ 2 صم 22: 10- 12)، تبدو الظلمة عنصراً يحمي الجلالة الإلهية التي لا تستطيع أن تحتملها العين البشريّة. حينئذ تصبح الظلمة التي تحيط بموت يسوع علامة حضور ذاك الذي قرّر ذلك الموت (عبر تدخّلات البشر وخياراتهم) وأكّد عليه تجاه إرادة يسوع (4 1: 32- 42).
ولكن هناك اعتراضاً. كيف نقرّب بين مشهد الموت هذا وتيوفانيات العهد القديم؟ فهذه التيوفانيات، مهما كانت صاخبة، إن ضمّت الظلمة فلا تضمّها وحدها. أما حجاب الله فمكوّن بالأحرى من الغمام (خر 19: 9، 16؛ 24: 15؛ عد 10: 34؛ 14: 14؛ 1 مل 8: 10-11؛ 2 أخ 5: 13- 14. في الواقع، يخبرنا سليمان وحده في 1 مل 8: 12 حسب السبعينية "8: 53 أ" الله يسكن في الظلمة "غنوفوس". في "سكوتوس"). بالإضافة إلى ذلك، إذا ارتكزنا على التوراة، رأينا أن الظلمة لا تدلّ على حضور الله، بل تخفيه.
* الثالث لا يلجأ إلى العهد القديم، بل يعود إلى "الأخبار" التي تجعل غياب الشمس (وظلمتها) يرافق موت رجل عظيم أو بطل من الأبطال. أو: تعبّر الطبيعة، بهذه الظاهرة، على عدم رضى الله عن جريمة مريعة أو تحمل طابع التجديف على الله. ففي وضع يسوع، لا يستطيع قتل مرسل الله أن يبقى من دون تأثير على العالم المنظور. 
طرحٌ له فائدته. ولكن، دونه اعتراضان. الأول بسيط: ندهش حين نرى عند مر صدى لهذه "الصورة الدنيوية" التي لا نجدها في الكتب المقدّسة ولا في التقاليد المسيحية التي عاد إليها الإنجيل الثاني. أما آثار هذا الموضوع عند المسيحيين فهو متأخّر عن العهد القديم (الإمبراطور قسطنطين محدث عن ظلام الشمس والقمر خلاله اضطهاد ديوكلاسيانس للمسيحيين). والإعتراض الئاني أهم، وهو يرتبط بنصّ مر نفسه: إن هذه الظاهرة الكونية (الظلمة) سبقت موت المسيح، وهي تشكّل عنصراً إخبارياً مستقلاً عن هذا الموت. أجل، ليست الظلمة نتيجة موت المسيح ليصحّ التفسير الثالث.
* حلّ مطروح. يستلهم أولاً النصّ والسياق، ويعود إلى الخلفية الكتابية التي رأينا تأثيرها في تأليف أحداث الحاش والآلام.
- حسب مر، إمتدّت الظلمة خلاله الساعات الثلاث التي تفصل الساعة السادسة عن الساعة التاسعة. ولا نعرف إن كانت أيضاً إطار صيحة يسوع (إلهي إلهي). بل هي عنصر مميّز مستقلى عن الخبر. ولا تتداخل مع العنصر التالي الذي لا يساعدنا على تفسيرها.
- في بناء المقطوعة، تجد اللمة (آ 33) ما يوازيها في انشقاق حجاب الهيكل (آ 38). وهكذا نستطيع أن نفسرّ المعجزة الأولى مستلهمين المعجزة الثانية. لا نريد أن نستبق تفسير انشقاق حجاب الهيكل، ولكننا نقول إن "دمار" حجاب الهيكل بشكل نهائي ليس علامة خير للعالم اليهودي، بل له بُعد "هجومي" نكتشف آثاره أيضاً في معجزة الظلمة.
- يتثبّت هذا الإستنتاج الأخير إن فكّر مر في "أرض" إسرائيل حين كتب أن الظلمة امتدّت "على الأرض كلها". تذكّرنا هذه الجملة بما في خر 10: 22 وضربة الظلمة التي غطّت "كل أرض مصر". ولكن الموضوع ليس موضوع مصر. فيجب أن نحدّد معنى لفظة "أرض".
يُطرح السؤال: هل نحن أمام المسكونة كلها أم أمام أرض إسرائيل؟ ليس الجواب بواضح، لأن عبارة مر (في اليونانية) لا تظهر في اليونانية السبعينية التي تنسب إلى لفظة أرض (غاس) هذا المعنى أو ذاك. هذا من جهة. ومن جهة ثانية، نجد عند مر أربعة معانٍ للفظة "أرض"، عدا عن المعنى الذي يشير إلى أرض إسرائيل. (1) الأرض التي تزرع (4: 5، 8، 25، 26، 31؛ 8: 6؛ 9: 20؛ 14: 35): خرج الزارع ليزرع أرضه. (2) الأرض اليابسة أو شاطىء البحيرة (4: 1؛ 6: 47، 53): ولما وصلوا إلى الأرض (بعد السير على البحيرة). (3) الكون المأهول (9: 1 ؟). (4) الأرض التي تقابل السماء (13: 27، 31؛ رج 2: 10: سلطان على الأرض، قد تعني أيضاً الكون المأهول): السماء والأرض تزولان (يعني الكون كله بجميع مخلوقاته).
ولكن يبدو أنه يجب أن نبقى على مستوى "أرض إسرائيل". إن مر يستعيد هنا تقليداً يعود إلى العالم المسيحي الفلسطيني. وقد يكون احتفظ للفظة "أرض" بالمعنى التقليدي في العالم اليهودي، كما فعل بالنسبة إلى ألفاظ أخرى من النوع ذاته. مثلاً: "الجبل" هو موضوع لا يسكن فيه أحد (3: 13؛ 6: 46؛ 13: 14). "بني البشر" (3: 28). "البحر" بدل البحيرة (1: 16...). "طيور السماء" (4: 32؛ ولكن رج حز 17: 23؛ دا 4: 12). "الروح النجس" (1: 23...). "من أجل إسمي" (9: 37). "السماء" في معنى اسم الله (18: 11؛ 12: 30- 31). "المبارك" للدلالة على الإسم الإلهي (14: 61). "الكأس" للدلالة على محنة مؤلمة (10: 38-39؛ 14: 36). 
فإذا قبلنا بهذا المعنى (أرض إسرائيل)، فالإنجيل الذي يغرق إسرائيل ثلاث ساعات في الظلمة، وفي وسط النهار، يعود إلى نصّ عا 8: 9- 11 أ حسب السبعينية: "ويحصل في ذلك اليوم، يقول الرب الإله، أن الشمس تغيب في الظهيرة، والنور يظلم على الأرض في وضح النهار. وأبدّل أعيادهم إلى نواح وكل أناشيدهم إلى مراثٍ. وأجعل المسح على كل حقو، والقرع على كل رأس. وأجعل منه (من هذا الوضع أو: هذا اليوم. وربّما "ابن حبيب") كنواح (ابن) حبيب، ومن الذين معه (وأواخره في العبرية) كيوم ألم. ها تأتي أيام، يقول الرب، أرسل الجوع على الأرض".
نجد تذكراً لنصّ السبعينية هذه في مر كما في التقليد الذي يستقي منه. وقد وسّعه الإنجيل الثاني وضمّه إشارة كرستولوجية. وذلك، حين رأى في علّة النواح (أو: الحداد) موت الابن الحبيب (أغاباتوس) الذي أعلنه الله (1: 11، 9: 7) وقتله اليهود من خلال الكرّامين القتلة (12: 6- 7: ابن حبيب). في عاموس، "الأرض" ليست الكون كله، بل أرض إسرائيل التي خطئت فصارت موضوع العفاب القريب. هذا هو خطّ مر الهجومي الذي عرفناه في السابق. لا تقتل جماعة المسيحَ ابن الله ويبقى عملها بلا عقاب. هكذا عاقب الله أرض مصر في "الفصح الأول". وها هو يعاقب أرض إسرائيل في فصح ابن الله.
ب- صلاة الإستسلام (آ 34- 36)
تشكل آ 34- 36 وحدة تامة. فلا نستطيع أن نفصل بين صلاة الإستسلام، وكلام الهزء حول إيليا الذي يتبعها. يقابل هذه الوحدة اعتراف قائد المئة في آ 39. إن الإرتباط مع معجزة الظلمة يبرز في استعادة تحديد الساعة (الساعة التاسعة) لا آ 34، ولكن بدون أن نجعل هذا المناخ يمتدّ على صلاة يسوع وما يرافقها (يؤلّفان لوحة أخرى).
هذه الصلاة هي صراخ. هو أول صراخ ليسوع على الصليب، وسيتبعه صراخ آخر، لا تتوضح كلماته، قبل النفس الاخير (آ 37). أما عبارة المقدمة (وصاح يسوع بصوت جهير) فهي عبارة بيبلية معروفة (عز 5: 95؛ نح 9: 4؛ يه 7: 23، 29؛ 9: 1؛ حز 11: 13) وهي تدلّ على حرارة الصلاة. وهي تورد أولى كلمات مز 22 (رج أيضاً مز 43: 2) في نسخة أرامية تعود إلى ترجمة السبعينية.
حين أورد مر العبارة الأرامية وترجمها حالاً من أجل قرّائه، ذكّرنا بمقاطع أخرى من إنجيله، تدلّ على تقليد فلسطيني قديم حيث وردت بعض أقوال يسوع أولاً في صيغتها الآرامية الأصلية قبل أن تترجم إلى اليونانية (ولكن لا ننسَ أننا هنا أمام استشهاد كتابي، لهذا يختلف الوضع عمّا سبقه). ذكر الإنجيلي هذا الشكل الأرامي، فبيّن خطأ السامعين كما سنتحدّث عنه كنصّ لا يرجع إلى اليونانية.
إن فعل "صاح" (بوان، أنابوان) يرد 46 مرة في السبعينية. وترافقه عبارة "فوناي ميغالاي" (صوت عظيم، جهير). ترد في الحديث عن الصلاة كما ذكرنا، وترد في مناسبات أخرى (1 صم 28: 12؛ 2 مل 18: 28؛ أش 36: 13؛ 2 أخ 32: 18؛ يه 14: 14؛ أي 2: 12؛ أس 4: 1). 
يذكر في هذا المجال مز 22 (21 في السبعينية). ويذكر معه مز 43 (42 في السبعينية): 2: لماذا خذلتني؟ هناك فعلان مختلفان في النصّ العبري (مز 22: 2 و43: 2). نقلهما الترجوم الأرامي في فعل واحد "شبقتني" (رج في السريانية: ش ب ق). إن ما نجده يا مر يأخذ فعل السبعينية "إغكاتالبس مي" (الذي لا نجده في مز 43: 2 حسب السبعينية (حيث نقرأ: هيناتي ايوسومي). نشير هنا بشكل عابر إلى تذكّرات مز 22 في مقاطع أخرى من خبر الحاش. إن التلميح إلى مز 42 (41 في السبعينية): 6 ب، 12 ب، 12 أ؛ مز 43 (42 السبعينية): 5 ب، إلى حدث النزاع (مر 14: 34) لا يفرض علينا أن نجده في صلاة يسوع على الصليب. 
"إلهي إلهي". نجد في المخطوط البازي "زفتاني" بدل "سبقتني". نحن أمام تصحيح يعود إلى الأصل العبري (ع زب ت ن ي). ونجد "لاما" بدل "ليما" (في العربية: لِمَ) في مخطوط آخر.
إستفاد خبر الحاش في موضع آخر من مز 22، بحيث لا ندهش إن وجدنا كلماته الأولى على شفتي يسوع الذي يعاني سكرات الموت. ولكن يجب أن نتساءل عن المعنى الذي ارتدته هذه الصلاة في فكر الإنجيلي، وعن كيفيّة دخولها في نظرته إلى شخص يسوع ودوره.
فُسرّ هذا المزمور تفاسير عديدة في هذا الإطار. قال بعضهم اليبعد عن يسوع عاطفة اليأس) إن يسوع قد تجاوز في صلاته هذه البداية (إلهي إلهي لماذا تركتني)، فتضقنت صلاته المزمور كله الذي ينتهي بنشيد النصر إكراماً للإله المحرّر (آ 23- 32). ولكن لا ننسَ أن لوقا (ويوحنا) لم يذكر هذه الصلاة. وجاءت مغايرة في "إنجيل بطرس": "يا قوتي، يا قوتي، لقد تركتني!. هذا يعني أن المسيحيين الأولين لم يفهموها في هذا المعنى.
وهناك تفسيران نذكرهما لكي نرى إلى أين تصل مخيّلة جامحة في تفسير الإنجيل. الأول: هناك مقابلة بين صراخ يسوع الثاني (غير واضح) وصراخ الطفل! مات يسوع على الصليب، فوُلد ابن الإنسان السماوي!! الثاني: إن صراخ يسوع (الذي يتخلىّ فيه الله عنه) يدلّ على أن يسوع "يمتلكه شيطان". لم ينتصر عليه في المرة الأولى. ولكن في الصياح الثاني انتصر عليه، فكففه هذا المجهود حياته. طرد يسوع الشيطان من نفسه كما من غيره (رد 1: 26؛ 5: 7)! تفسيران غريبان!
ونجد تفسيراً آخر يربط صراخ يسوع على الصليب بصلاته في بستان النزاع، فيخفّف من قوّته. هذا المعذّب هو لعبة جلاّدين لا يعرفون الشفقة، وذلك بعد محاكمة ظالمة جائرة. أحسّ بأن الله يتركه. ولفظة "لماذا" هنا كما في مقاطع مزمورية أخرى (2: 1؛ 10: 1؛ 74: 1، 11؛ 80: 13؛ 88: 15)، ليست طلباً لتفسير، بل تعبّر عن تشكٍّ عند ذاك الذي يبقى أميناً لإلهه، ولكنه يحست بغيابه الأليم، ويتهمه بأنه لا يفعل شيئاً. هنا نتذكّر مدراش مز 22: 2: "في اليوم الأول، قالت أستير: إلهي. وفي اليوم الثاني، قالت: إلهي لماذا تركتني. وحين قالت في النهاية بصوتٍ عالَ: إلهي، إلهي، لماذا تركتني، استجيبت حالاً". توازٍ قد يُلقي بعض الضوء بقدر ما يرتبط "الصوت العالي" بحرارة الصلاة!
ونتابع التفسير. هذه الصلاة هي الثانية في مر، حيث يتوجّه يسوع إلى الله بكلمات شبيهة. أولى هذه الصلوات هي في بداية خبر الحاش، والثانية (إلهي إلهي) في نهايته. إن صلاة المصلوب هي إمتداد لصلاة يسوع في جتسيماني، وكأن الصلاتين صلاة واحدة. وقد أعلنت الظروف السيكولوجية لصلاة البستان: الرعب، الإكتئاب. ثم: "نفسي حزينة حتى الموت" (14: 33- 34).
ولكننا، لا نستطيع أن نطبّق على أحداث الجلجلة الفنّ الأدبي الخاصّ بخبر النزاع. فعلى الجلجلة، لا يستسلم مرقس إلى أي تحليل سيكولوجي. فيبقى أن يسوع لا يشبه رابي عقيبة الذي يبتسم خلال عذابه، ولا يأخذ سمات الفيلسوف الرواقي الذي يعبر أقسى المحن دون أن يتلفّظ بكلمة تشكٍّ. ولا نجد أيضاً في مر "الأقوال الأخيرة" السامية والتي تبني الجماعة، التي جعلها لوقا (23: 46) ويوحنا (19: 30) على شفتي المعلّم المائت. إن إغفال كل هذا هو جزء من رسالة رسمتها له الكتب المقدّسة: فبهذا الصياح والضيق الذي يلهمه، يحقّق يسوع هنا أيضاً البرنامج المسيحاني كما حدّده المزمور (حين نقبل بالبعد المسيحاني لهذا المزمور، لا نستطيع إلا أن نتحدّث عن رسمة إنباء- تتمة).
ونقدّم هذا التفسير الأخير، قبل العودة إلى مز 22، نرى فيه شططاً يبعدنا عن روح الإنجيل ومضمونه: هناك تعارض بين صلاة يسوع الواثقة إلى الله أبيه في البستان (أبّاً، أيها الآب الحبيب)، والصلاة التي تجعل مسافة بينه وبين الله، فتجعله يناديه "يا إلهي" بعد أن اجتاحه الشكّ على الصليب. مثل هذا القول عارٍ من الصحة. ومن أين جاء صاحبنا بالشكّ يجتاح قلب يسوع؟! فصاحب المزامير لم يفهم مزموره بهذا الشكل، ولا اليهود الأتقياء. وقد فهمه مر بهذا الشكل. ويتابع صاحب التفسير كلامه فيشدّد على بُعد الله الذي ترك يسوع "وقواه الخاصّة" بعد أن قبضوا عليه. نحن هنا أمام قراءة جزئية واعتباطيّة لخبر النزاع. حين يقال أن صلاة يسوع (في البستان) كانت "باطلة"، ينسى قائل هذا القول القسم الثاني منها: هي فعل تعلّق تام بإرادة الله (ليس ما أريد أنا، بل ما تريد أنت). و"الساعة" التي طلب يسوع أن ينجو منها (14: 35 ب)، قد قبلها يسوع مسبقاً. وحين "جاءت" (14: 41 د: يسلم ابن البشر)، لم تأخذ على غفلة ذاك الذي أعلن أحداثها منذ زمن بعيد.
ونزيد هنا فنقول إن روح مز 22 وغيره من مزامير التوسّل (6؛ 13؛ 16؛ 17؛ 31؛ 69؛ 91؛ أش 53؛ 2 مك 6: 12- 17)، لا يترك المصليّ في حالة من التخليّ، وبدون نظرة إلى النهوض. فحين أورد الإنجيل هذا الكلام، عرف (في هذه الصلوات) أن الذين يشتكي بأنه متروك من الله، يرى الخلاص يظهر من أجله في المستقبل. ونزيد على هذا فنقول: إن المسيحي الذي يعرف منذ آلان أن يسوع قهر الموت، يتسجّل هذا الرجاء في التشكّي عينه. ولكي نقتنع من هذا الأمر، يكفي أن نلجأ إلى إنباءات الحاش الثلاثة (8: 32؛ 9: 31؛ 10: 34) حيث أوصلنا مر (مثل مت ولو) إلى غاية عذاب الصليب كما رتّبه الله بالذات. فالذي تفوّه بهذه الكلمات في الماضي، هو ذاته الذي يصليّ الآن ويقول: "إلهي، إلهي، لماذا تركتني"؟ في هذه الحال، لا ينغلق الضيق على ذاته، بل ينفتح بشكل ضمنيّ على المجد.
وماذا كانت نتيجة صلاة يسوع على الحاضرين؟ "بعض الذين كانوا واقفين هنا"، ظنّوا أنهم فهموا (بعدما سمعوا "الوي" في الآرامية) أن يسوع يدعو إيليا إلى عونه (إيليا هو مخلّص الناس من الضيق حسب العالم اليهودي). حينئذ أسرع أحدهم، وأعطى يسوع خلاًّ ليشرب بواسطة اسفنجة جعلها على قصبة. ورافق عملَه هذا الكلام الساخر: "أتركوه! مهلاً! لنرَ هل يأتي إيليا ويُنزله". (كاتالاين: تستعمل لإنزال شخص عن الصليب). بما أننا لا ندرك للوهلة الأولى العلاقة بين الفعلة والكلمة، نفهم أن مت 27: 47- 49 رتّب نصّ سابقه، فنسب هذا الكلام إلى أشخاص غير الذي قدّم الإسفنجة على القصبة. ولكن لا مت ولا مر يوضحان هوية الفاعلين وديانتهم: هل هم يهود أم رومان؟ يميل مر إلى القول بأنهم كانوا وثنيين.
هل فكّر مر أنهم حين أعطوا المصلوب ليشرب، لم يقوموا بعمل رحمة وشفقة، بل أرادوا أن يطيلوا عذابه فيعطوا إيليا مهلة للتدخّل (كل هذا بسخرية)؟ مهما يكن من أمر، فهذا الشراب المصنوع من "الخلّ" وآ 36 أ يذكّراننا بما في مز 69: 22 (حسب السبعينية، وهكذا يواصل يسوع العودة إلى السمات التي رسمتها الكتب المقدّسة عنه). ومن الواضح أيضاً (وهذا ما يعرفه القارئ) أن إيليا الذي اعتبروه آتياً لنجدة يسوع، لن يأتي بمعجزة لينزل يسوع عن عود الصليب. فعلى يسوع أن يموت، وهذا ما يتمّ الآن. 
قبل التحدّث عن موت يسوع، نقول إن مز 69 يرد في مقاطع عديدة من العهد الجديد. هناك ما يوازي مر 15: 36= مت 27: 48؛ لو 23: 36؛ يو 19: 29. ونجد آ 5 في يو 15: 25؛ آ 10 في يو 2: 17؛ آ 26 في أع 1: 20؛ آ 23- 24 في روم 11: 9- 10؛ آ 25 في رؤ 16: 1؛ آ 29 في فل 4: 3. هنا لا نقابل بين شراب رفضه يسوع (آ 23) وشراب قبله هنا. فلكي يتحقق كلام المزمور في يسوع، يكفي أن يكونوا قدّموا له خلاًّ. وهكذا نقرأ: "جعلوا في طعامي علقماً، ولا عطشي سقوني خلاًّ".
ج- موت يسوع (آ 37)
وكان صياح آخر (رج تك 45: 2: نتن قوله: أعطى صوتاً) لم تعلن كلماته، وقد سبق بشكل مباشر موت يسوع. لا يعطينا مر المفتاح الذي يتيح لنا أن نعطيه معنى. هناك افتراضات عديدة بعضها وليد المخيّلة كما سبق وذكرنا (صرخة الطفل، صرخة الشيطان).
ونقدّم تفسيرين. الأول يرى في الصياح (صرخة) الثاني تكراراً للصياح الأول وتعبيراً عن صلاة حارة. والثاني عاد إلى الصلوات الجليانية في العالم اليهودي والمسيحي (أش 11: 4؛ 40: 9؛ 58: 1؛ يوء 2: 11؛ 4: 16؛ 1 تس 4: 16؛ رؤ 1: 10؛ 4: 1)، فرأى في هذه الصرخة هتاف الظفر وإعلاناً للدينونة القريبة. ولكن هذين التفسيرين لا ترافقهما براهين كافية. ولكن يبقى واقع لا يمكن التهرّب منه. فهذا الصياح ليس طبيعياً (اعتبر بعضهم أن هذه الصرخة تدلّ على بشرية تامة وموت بدون مجد)، ونحن نفهمه على ضوء السياق الذي فيه يلتقي سائر المعجزات التي تحيط بموت يسوع. فيسوع لا يغوص في الموت بطريقة خفية، بل يعطي العالم علامة لحدث الخلاص الحاسم من أجل العالم.
حين أراد مر أن يتحدّث عن موت يسوع، أوجز كلامه كل الإيجاز كما في حديثه عن الصلب (15: 24- 25). فاكتفى بفعل واحد: أسلم الروح، أعاد الروح إلى خالقها. في لو 23: 46 وبسبب صلاة يسوع، يبرز الفعل خروج نسمة الحياة. وجاءت صيغة الماضي فدلّت، لا على نزاع طويل، بل على موت فجائي ترافقه جلالة من يقاسيه.
د- إنشقاق حجاب الهيكل (آ 38)
إن الحدث العجائبي الذي يشكّله انشقاق حجاب الهيكل (وفي الموضع الذي وضعه فيه في النصّ) هو النتيجة الوحيدة لموت يسوع: فالجملة تبدأ بحرف العطف (كاي) وترتبط بالسابقة التي تذكر هذا الموت، وتتميّز عن التالية حيث تدلّ الأداة "دي" على مرحلة جديدة في الخبر.
ويُطرح سؤال أول على المفسرّ الذي يعرف ترتيب الهيكل في أورشليم. كان يضمّ حجابين رئيسيين: واحد يغلق قدس الأقداس. وآخر يعلّق أمام باب القدس. أي حجاب انشق؟ استعمل مر لفظة "كاتابتسما" التي تنطبق على الإثنين. لهذا السبب كتب عب ليدلّ على الحجاب الداخلي: "الحجاب الثاني" (9: 3؛ رج 6: 19؛ 10: 20). ولكن عبارة "حجاب الهيكل" (الغائبة من العهد القديم؛ يذكر يوسيفوس "حجب الهيكل")، قد تعني ذاك الذي يغطي "القدس" (ناوس)، يغطّي "باب البيت". ثم إن الناس كانوا يرون فقط الحجاب الخارجي. وما كان يدخل إلى "ناوس" إلا الكهنة. ثم إن القياسات الكبيرة لهذا الحجاب تجعل الناس يرون انشقاقه "من أعلى إلى أسفل" كما يقول مر.
ومع ذلك، فالشّراح يقولون هذا الحجاب أو ذاك. ولكن ليس هذا الخبر هو الذي يحدّد تفاسيرهم التي تتوزع لا مجموعتين. بعضهم يرى في الحجاب وظيفة فاصلة. وحين ينشقّ الحجاب يزول الإنفصال. والاخرون يتطلّعون إلى تمزّق (لم يعد يصلح للإستعمال) الحجاب بشكل نهائي، فيرون في المعجزة رمزاً إلى دمار الهيكل وزوال شعائر العبادة فيه. ونجد اختلافات في هذا التفسير وذاك. يقول أصحاب التفسير الأول: بموت المسيح استطاع الوثنيون أن يقتربوا من الله. إنشقّ حجاب الهيكل فصار الوحي كله مكشوفاً. كشف الله عن نفسه في صليب ابنه، فصار قريباً حتى من الوثنيين. أما أصحاب التفسير الثاني فيرون في هذا الإنشقاق بداية دمار مادي، وصورة بعيدة عن دمار الهيكل خلال الحرب اليهودية الرومانية. وتعلن فئة ثالثة: لم يعد للهيكل وشعائر العبادة فيه أية قيمة خلاصيّة. أو: بما أن الله لا يريد أن يسكن وراء حجاب ممزّق، فقد ترك معبده بشكل نهائي. وقيل: لا موت يسوع على الصليب وفي ذروة الضعف والعري نكتشف جلالة الله.
أي جواب نقدّم؟ نبدأ فننطلق من تفسير مر نفسه. نعود إلى مر 11: 7. بعد تطهير الهيكل أورد يسوع أش 56: 7: "بيتي يُدعى بيت صلاة لجميع الشعوب". هنا معنى أول بأن الهيكل سينفتح أمام العالم الوثني. لا في المعنى المادي، بل في المعنى الروحي كدلالة على حضور الله. وهكذا يتكيّف عمل يسوع (طرد الباعة) مع واقع كنسي. ولكن في انشقاق الحجاب، هناك واقع آخر. وهكذا لا يساعدنا التقارب مع طرد الباعة لنجد الجواب على انشقاق حجاب الهيكل.
وهناك برهان يعود إلى تمزق السماء في عماد يسوع (1: 10). لا شكّ في أن الفعل عينه يستعمل في الحالين وإن في صيغتين مختلفتين، ولكن الإتصال بين الجملتين يبقى ضعيفاً: في 1: 10 نحن أمام تيوفانيا ينعم بها يسوع وحده، أما في 15: 38 فلا نجد ألواناً ساطعة تدلّ على المعجزة. 
الإعتراض الأساسي ضدّ الرأي القائل بأن انشقاق حجاب الهيكل هو علامة اقتراب الوثنيين من الله، يكمن في أن بني إسرائيل أنفسهم لا يجتازون الحجاب الخارجي إلا إذا كانوا كهنة. أما الحجاب الداخلي فيبقى امتيازاً خاصاً برئيسه الكهنة في عيد التكفير (يوم كيبور). أما التفسير الذي يربط انشقاق حجاب الهيكل بعماد يسوع فقد يكون معقولاً.
ونعود إلى النصّ في آ 38. فالألفاظ لها معناها العميق. لا يتحدّث النصّ عن "فتح" حجاب الهيكل (كما يُفتح الستار)، بل عن انشقاق (تمزّق) الحجاب من أعلى إلى أسفل. هذا لا يعني "خيراً" بالنسبة إلى الهيكل، بل يدلّ على خسارة كبيرة فيه. هنا نتذكّر ما قلنا عن الظلمة التي تتقابل مع انشقاق الحجاب: معجزتان طالعهما نحس.
ولكن ما هي الكارثة التي تحل بالهيكل؟ هل نرى علامة سابقة لدماره المادي، أو بداية هذا الدمار؟ قال أحد الشّراح: قتل يسوع بسبب هذه الكلمة: سأدمّر الهيكل (15: 29- 30). وفي الواقع، سيكون موته تتمة لهذه النبوءة. وتحدّث آخر عن الحجاب الخارجي. فانشقاقه يعني أنه مع موت المسيح يبدأ دمار الهيكل وتنتهي شعائر عبادة العهد القديم.
غير أن هذين التفسيرين يصطدمان بصعوبات جدّية. فالثاني ينسب إلى مر حاشية تضّر بيسوع: فانشقاق الحجاب الذي هو نتيجة موت يمسوع يدلّ على أن لهذا الموت فاعلية أقلّ من الرومان الذين دمّروا الهيكل (قال "إنجيل العبرانيين" إن جناح الهيكل حطم"؛ رج أش 6: 4؛ عا 9: 1). ونعترض على التفسير الأول بما يلي: هذه الظاهرة تتبع بشكل مباشر موت يسوع، ولا يتبع شيء آخر هذا الموت. إذن، ما الذي حدث في تلك اللحظة وبتأثير من موت يسوع؟ لا يمكن أن يكون الدمار المادي للهيكل، لأن الهيكل ظلّ ثابتاً بعد موت يسوع بعشرات السنين، وهذا ما كان يعرفه الناس في أيام مرقس. مقابل هذا، يعرف قارئ مر النتيجة المباشرة لهذا الموت. هذا الموت هو الذبيحة الدموية التي تؤسّس العهد (الميثاق) الجديد وتجعله يصل إلى جميع البشر (10: 45؛ 14: 24. هكذا نعود إلى البعد المسكوني الشامل). ونحن نستنتج أن هذا الموت يضح حداً لشعائر العبادة في الهيكل، يضع حداً للهيكل نفسه الذي يخسر دوره في نظام الخلاص. وهكذا يقوم نظام جديد ساعة يموت يسوع "فدية عن الكثيرين" (10: 45). وهكذا استطاع أن يعلن أنه يدمّر هذا الهيكل الذي صنعته يد البشر (14: 58؛ 15: 29). فإذا لم تظهر في ذلك الوقت (مع انشقاق الهيكل) علامة بناء هيكل آخر "لم تصنعه الأيدي"، فهذا يعني أن هذا الهيكل لن يولد إلا ساعة تجد الذبيحة التي تمّت على الجلجلة، تتويجها في صباح الفصح.
هـ- إعتراف قائد المئة (آ 39)
إن العبارة التي بها رأى قائد المئة في يسوع "ابن الله" في قمّة الخبر المرقسي من الحاش (لا ننسى أن هوية يسوع كشفت أمام السنهدرين، 14: 61- 62)، هي بالنسبة إلى السياق المباشر نتيجة تدزج الألقاب الكرستولوجية (كما رأينا أعلاه، 15: 20 ي). ولكن هذا الإعتراف داخل آ 33- 39، يشكّل تناقضاً مع كلام الهزء تجاه صرخة التخليّ التي صرخها يسوع. يجب أن نأخذ بعين الإعتبار هذه العلاقة لكي نفهم بُعد هذا القول في فكر الإنجيلي.
فقائد المئة (مع أل التعريف) هو، حسب السياق، رئيس الفرقة التي نفّذت حكم الإعدام. درجته عالية. لهذا كان لموقفه المعنى العميق. إنه قائم "بإزاء" يسوع. أهمل الإنجيلي المصلوبين الآخرين (15: 27، 32 ب) وصبّ كل انتباهه (وانتباه القارئ) على ذاك الذي يحتلّ قلب الخبر.
هذه النقطة الأخيرة هي مهمّة إذا أردنا أن نفهم المسألة التي تطرحها العبارة "ولما رآه يسلم الروح". هل لمّح إلى الظلمة؟ إلى صياح يسوع الأخير؟ إلى انشقاق حجاب الهيكل، أم إلى مجمل الظروف التي أحاطت بموت يسوع؟ لا نستطيع أن نتهرّب من السؤال فنترجم "هوتوس" حينئذ (هذا ما لا يجد أساسه في مر). فالظلمة ظاهرة خارقة وكذلك انشتثاق الحجاب. ولكن المعجزتين لا تقابلان ما سبق وشدّدنا عليه (إن قائد المئة والقارئ يوجّهان أنظارهما إلى يسوع)، وما نكمله حين نلاحظ أن موت يسوع هو الذي يحرّك بطابعه الخاص، ردّة الفعل عند الضابط الروماني: وهذا ما يبرهن عليه فعل "اكسابناسن" في آ 37 وآ 39 (أسلم الروح). ونقول الملاحظة عينها بالنسبة إلى حجاب الهيكل مع شيء نضيفه: لو افترضنا أن مر عرف طوبوغرافية أورشليم، فلا نستطيع أن نستند إليه ونقول إن القائد القائم على الجلجلة قد رأى المعجزة. إن العلاقة المباشرة مع موت يسوع تعفينا من اللجوء الى ما يحيط بهذه الظروف. ماذا يبقى إذن؟ الصرخة القوية التي سبقت آخر نسمة عند يسوع، وهي صرخة لم يصل إلينا فحواها.
إن الإختلافة التي تزيد "كراكساس" (صارخاً) في آ 39 توافق طريقة مر في الكتابة وتتأثّر بما في مت 27: 50. إنها توافق وضع الضابط الروماني الملتفت إلى يسوع، وعلاقة كلمته بموت يسوع. إذا كانت نسمته الأخيرة لم تحرّك اعتراف الإيمان، فلا يبقى إلاّ الصرخة العظيمة التي بها ينتهي الموت. 
نجد فعل "رأى" بمعنى "سمع" في العهد القديم (خر 20: 18: "رأى الشعب الصوت"؟ رج 20: 22؛ تث 4: 9: "كل هذه الكلمات التي رأيتموها بعيونكم). ولكننا نجد هذا الفعل هنا على شفاه الرؤساء اليهود. على الجلجلة في انتظار معجزة. هم لن "يروا" شيئاً إلاّ ابن الإنسان وذلك لخزيهم (14: 62). أما قائد المئة فـ "رأى" يسوع الذي يدلّ على قدرته في عمق ضعفه.
هذا هو المنطق الإخباري لهذه المقطوعة حيث اعتراف قائد المئة يفترض سبباً كافياً. إذ نقرّ بأن يسوع ليس مجترح معجزات على الجلجلة، لا نستطيع أن نربط هذا الإعتراف بمشهد ضيق وألم، بحيث نسلّم إلى الشخص مهمة ترجمة المفارقة الكرستولوجية في كل قوتها. إن الصرخة القوية التي يطلقها المائت تكفي القارئ فلا يحتاج إلى شيء آخر.
يبقى أن نحدّد البعد الدقيق لهذه بالجملة: "في الحقيقة كان هذا الرجل ابن الله" (في مت 14: 33، تأثر اعتراف التلاميذ في السفينة باعتراف قائد المئة في مر). إن هذا النوع من الإعتراف يجعلنا في جوّ ردّة فعل الأشرار أمام انتصار ضحيّتهم. في هذا المجال نقرأ حك 5: 1- 5: "حينئذ يقوم الأبرار بجرأة عظيمة في وجه الذين اضطهدوهم... وحين يرى هؤلاء ذلك يستولي عليهم رعب شديد... ويقولون في أنفسهم: هؤلاء هم الذين احتقرناهم وحسبناهم مثلاً للعار... فكيف يعدون من أبناء الله" (رج 2: 18)؟
قد نستطيع القول إن مر عرف حك واستعمله. وقد نقول إن هذا الموضوع هو معروف في العالم اليهودي. ولكن يطرح السؤال: إن الذي قرأ ما سبق في مر، يظنّ أن لقب ابن الله يرتدي في مر بعداً غير ما نجد في حك، وغير ما يراه اليهودي في لقب يطبّق على البارّ المضطهد.
لا نجد في نصّ مر أل التعريف قبل كلمة "ابن". ولكن هذا لا يؤثّر في الطابع الفريد والإلهي لهذه البنوّة. وهناك من قال إن القائد الروماني رأى في يسوع "ابن إله، أي بطلاً ونصف إله (أو= الإنسان الإلهي). إن غياب أل التعريف لا يؤثّر. وهناك من قال: لماذا الماضي: "كان هذا الرجل"؟ في نظر القائد كان يسوع قبل موته. والذين آمنوا بقيامة المصلوب يستطيعون أن يقولوا: "أنت ابن الله". ولكن كيف نرفض في هذه الظروف أن يكون قائد المئة قد أكّد على علاقة بين ذاك الذي مات الآن والله، على مثال ما فعل المسيحيون منذ حياته على الأرض؟ إن إنجيل مرقس يعارض هذا الموقف.
ولكن هل نستطيع أن نتكلّم عن ارتداد قائد المئة: رأى الجلاّد ضحيّته فعاد إلى الربّ. لا توافق الفكرة الظروف كما تبرز الخبر. فيسوع مات ولا يستطيع الآن أن يكون شخصاً نتعلّق به في الإيمان كما في القيامة. ولكن قائد المئة هو صورة مسبقة عما سيفعله الوثنيون في رومة وفي أماكن أخرى. لا يرى مرقس في يسوع "الشهيد" (مثل لوقا، نتذكّر اسطفانس) الأول، بل المسيح وابن الله. وهكذا يكون اعتراف قائد المئة شبيهاً بما يعلنه المسيحيون في إيمانهم.
وهكذا يتميز قائد المئة عن الرؤساء اليهود، عن عائلة يسوع (3: 21، 31- 35)، والآن عن تلاميذه الأخصّاء. إنه صورة عن غرابة طرق الله الذي يدعو إليه المؤمنين حيث لم يكن يتوقعّ أحد: فالجلاّد الوثني هو في الإنجيل، أول من اعترف بيسوع أنه ابن الله.
5- النساء يشهدن (15: 40- 41)
إن لوحة النسوة اللواتي شاهدن آخر لحظات يسوع، تتميز عمّا سبق ببداية فجائية. هناك علامة انقطاع: فظهور النسوة في الخبر هو معطية مُضافة وجديدة، لأننا حتى الآن لم نتكلّم إلاّ عن الرجال. وإن هاتين الآيتين تبدوان قريبتين من مقطع آخر يدلّ هو أيضاً على بداية جديدة: في مطلع الإنباء الثالث بالحاش (10: 32)، دلّت عدّة ألفاظ نقرأها هنا، على ظاهرة هامة تتيح لنا أن ندرك إدراكاً أفضل بُعد الصورة التي أمامنا.
تمييز عن السياق السابق. ثم توجيه المقطوعة إلى وليْ الخبر. فهذه النسوة اللواتي ينظرن إلى يسوع على الصليب (15: 40) سوف نراهنّ ساعة الدفن: سينظرن الموضع الذي فيه يُسجّى جسد يسوع (15: 47). وسنراهنّ في صباح القيامة، وقد شاهدن الحجر قد دحرج (آ 1: 4). هذه النظرة المثلّثة توحّد الأحداث الثلاثة، التي تتوالى في 15: 40- 41/ 15: 42-47/ 16: 1- 8. هذا ما نعود إليه في ما بعد.
إن آ 40- 41 تبدوان نصاً متداخلاً. "ولكن كان هناك أيضاً نساء ينظرن من بعيد، منهن مريم المجدلية... اللواتي، ساعة كان في الجليل، كنّ يتبعنه ويخدمنه، وغيرهنّ كثيرات صعدن معه إلى أورشليم".
قدّم النصّ النسوة بشكل عام (آ 40 أ). ثم توالت الجمل بشكل أب/ أ أ ب ب:
أ- مريم المجدلية ومريم أم يعقوب الصغير وأم يوسي (تصغير يوسف).
ب- اللواتي، حين كان في الجليل، كنّ يتبعنه ويخدمنه.
أ أ- وغيرهنّ كثيرات.
ب ب- كنّ قد صعدن معه إلى أورشليم.
على الجلجلة، يسوع هو وحده مع جلاّديه. فالنساء الواتي ينظرن لسن "قرب الصليب" كما في يو 19: 25. بل يقفن "من بعيد". إن مز 38: 12 (حسب السبعينية) (كما في حدث بطرس، 14: 54) يذكّرنا هنا أيضاً أن أقرباء الرجل المتألمّ ابتعدوا عنه. ولكن رغم هذه لإشارة التي ليست في صالح النسوة، فقد تفؤقن على التلاميذ. فهؤلاء التلاميذ قد هربوا "كلّهم" حين أوقف معلّمهم. أما هنا، فلا نجد فقط النساء اللواتي ذُكرت أسماؤهن، بل "غيرهنّ كثيرات". لقد تحلّين بالفطنة فابتعدن عن الصلبان وعن الجنود. ومع ذلك أظهرن أمانتهنّ ليسوع بعد أن تبعنه من الجليل.
إختلف مر عن لو فلم يجعل من هذه الوجهة النموذجية العنصر الذي يشرف على خبر الحاش. مقابل هذا، أحال القارئ إلى زمن الرسالة الجليلية حيث كانت النسوة "يخدمن" يسوع و"يتبعنه". ثم لاحظ أنهن "صعدن معه إلى أورشليم" (لا الأربع فقط، بل جميعهنّ. صحّح مت الأسلوب). وجعل منهنّ رمزاً ومثالاً: أراد يسوع أن "يصعد إلى أورشليم" ليموت فيها. مشى أمام التلاميذ الذين يتبعونه خائفين (10: 32- 33). وها نحن نجد المجموعة بواسطة النسوة، وقد سرن مسيرة التلاميذ ووصلن إلى نهاية السفر. إن عبارة تعلّقن بيسوع "ليتبعنه" تتضمّن مسيرة متواصلة تقود من "الجليل إلى أورشليم"، تقود إلى الموت (8: 34- 38؛ 10: 38- 39؛ 13: 9- 13).
وتعلّق نظر هذه النسوة بالجلجلة. في الواقع، يرد فعل "تيوراين" بدون مفعول به، عكس فعل "هوران" الذي يتحدّث عن قائد المئة. وبعد هذا (15: 47) سيبحث هذا النظر عن الموضع الذي دُفن فيه يسوع، ليتيح للنسوة أن يعدن مع الأطياب (16: 2). وأخيراً حين وصلت النسوة إلى القبر "نظرن" أن الحجر الكبير الذي يغلقه قد دحرج (16: 4). فكأن الإنجيلي أراد أن يجعل من هذه النسوة شاهدات على موت يسوع ودفنه وقيامته.
ولكن هذا النظر، ولا سيّما على الجلجلة، يدلّ على شيء كثر، على أن يسوع قد مات حقاً، وهكذا يقدّم الإنجيلي وجهة دفاعية ترفض "موتاً في الظاهر" أو "شبه موت". أما نظرة النسوة الثانية (15: 47)، فهي لا تتوقف عند الدفن، بل عند الموضع الذي سُجّي فيه. وأخيراً، النظرة إلى الحجر المدحرج (16: 7) تبدأ ولي الخبر وإعلان الملاك، غير أنها ليست فصحيّة بالمعنى الحصري للكلمة. فبطرس والتلاميذ وحدهم سوف "يرون" يسوع. ويبقى في النهاية أن هذا النظر المثلّث يوحّد المقطوعات الثلاث: فللمسيحي الذي يسمعها أو يقرأها، هذا المصلوب الذي وُضع في القبر هو اليوم قائم من الموت. هذا ما سبق وأنبأ به.

 

 

الفصل الحادي والأربعون
دفن يسوع
15: 42- 47
إن خبر دفن يسوع ينقسم في تدوين مر كما يلي: بعد مقدّمة زمنيّة (آ 42)، نجد أربعة أجزاء نكتشفها بفضل البنى الغراماطيقية. يصوّر الأول والثالث (آ 43، 46) عمل يوسف الرامي ويبدأان باسم الفاعل في صيغة الماضي. والثاني والرابع يجعلان أمامنا على "المسرح" أشخاصاً آخرين: بيلاطس (آ 34- 45) من جهة، والنسوة من جهة أخرى (آ 47). ويبدأان بالعبارة عينها "هو دي بيلاطس... هودي مارياً، أما بيلاطس... أما مريم".
يرتبط الحدث بما سبق وبما يلي فيشكّل العنصر الوسط في ثلاثية (الموت، الدفن، القيامة) تبنى على مثلّث "نظر" النسوة (تيوراين، 15: 40، 47؛ 16: 4). وهذا الدفن الذي هو خاتمة دراما مؤلمة جداً وذليلة، ليس هو النقطة الأخيرة في مسيرة يسوع. فهذه المسيرة تتوّج بالقيامة، موضوع إعلان الملاك عند القبر. هذا ما استعدّ له القارئ منذ الإنباءات بالآلام (8: 31؛ 9: 31؛ 10: 34؛ 14: 28؛ رج 12: 10- 11). وهذا ما يتذكّره الآن.
1- مقدمّة: التسلسل الزمني (15: 42)
إن آ 42 لا تنفصل من الوجهة الغراماطيقية عن الآية التالية. فالآيتان تتداخلان في جمل تصل بنا إلى الجملة الرئيسية. فقبل أن نعرف أن يوسف ذهب أخيراً إلى بيلاطس وطلب منه جسد يسوع، تتوالى العبارات (1): إلى، مقبل. (2) ولأنه كانت التهيئة (سببية). (3) التي هي ليلة السبت (موصولية، مرتبطة بالسببية). (4) آت (اسم فاعل، بدل لما سوف يأتي). (5) يوسف الرامي وهو مشير في المجلس ووجيه (فاعل الجملة الرئيسية مع صفات مرافقة). (آ) الذي كان ينتظر ملكوت الله (موصولية). (7) متجرئ (اسم فاعل، بدل).
من قرأ ما سبق من مر لا يدهش حين يعلم أن الأحداث التي ستروى حصلت "حين أقبل السبت". ليست هذه الإشارة تحديداً مطلقاً، بل هي عنصر اسلوبي يدلّ على بداية خبر جديد (هذا ما نجده مراراً في مر 1: 32؛ 4: 35؛ 6: 47؛ 14: 17). وهي ترسم أيضاً حدود يوم حصلت فيه الحقبة الأخيرة من الحاش مع ساعاته المتوزّعة: منذ "الصباح" الذي فيه اقتيد يسوع أمام بيلاطس (15: 1). وأخيراً، نجد تعارضاً بين المساء (الذي أقبل) الذي هو إطار الدفن، وطلوع الشمس الذي ينير مشهد النسوة عند القبر (16: 2) في صباح القيامة. إذن، يخطئ من يعتبر أن هناك تعارضاً في الخبر الإنجيلي: يلاحظ السبت الذي يبدأ عند غياب الشمس. إذن، لم نعد في وقت التهيئة، لم نعد في الوقت الذي يهيّأ السبت. وهذا ما يشرحه مر للقارئ العادي. في الواقع، الإشارة الأولى (المساء) هي مقدمة. والأهم هي الاشارة الثانية (التهيئة).
ترتبط السببية (لأنه كانت التهيئة) بما يلي فتعطي سبب مسعى يوسف. ولكن ما لا يقوله مر، هو: لماذا قام يوسف بهذا العمل في هذا اليوم؟ في الواقع، يجب أن يتمّ دفن الميت، مهما كان اليوم، قبل غياب الشمس. فالسبب المعطى لا يكفي، ومر هو هنا صدى لتقليد آخر (رج يو 19: 31) فيه جاء رؤساء اليهود إلى بيلاطس وطلبوا منه أن تنزل أجساد المصلوبين عن صلبانها قبل بداية السبت. وهكذا نعرف من مر، وهو أولا إنجيلي، أن يسوع صُلب يوم الجمعة التي نسمّيها الجمعة العظيمة.
2- طلب يوسف جسد يسوع (15: 43)
وقدّم لنا الإنجيلي يوسف: أصله، وظيفته، وضعه الاجتماعي. إنه "مشير وجيه". ولكن "مشير" في أي مجلس؟ هذا ما لا يقوله مر. ولا شيء يسمح لنا بالقول إنه عضو في السنهدرين (ق لو 23: 50- 51) وأنه حكم على يسوع بالموت، أو أنه شارك في الحكم ثم عاد عن ضلاله. فصيغة الفعل المستعمل لا آ 43 تستبعد تبدلاً قريباً بالنظر إلى يسوع: فالرجل كان ينتظر (منذ زمن بعيد) "ملكوت الله". إن كان هذا لا يجعل منه تلميذاً من تلاميذ يسوع بحصر المعنى (مت 27: 57؛ يو 19: 38)، فهو متعاطف معه وموافق على كلامه. إنه مثل ذلك الكاتب الذي تدخّل فى 12: 28- 24. إنه يقابل قائد المئة الوثني. كلاهما جاءا إلى يسوع فدلا على الوثني واليهودي في الكنيسة. وكما أعلن القائد "إبن الله". آمن الوجيه بملكوت الله.
إن بعض الشراح سجّل يوسف الرامي مع المرأة التي مسحت يسوع بالطيب في بيت عنيا، مع حاملات الحنوط في صباح القيامة: لقد عملوا ما كان على التلاميذ أن يعملوه. ثم قال مر إن يوسف هو وجيه، وهذا ما أتاح له أن يدخل قصر بيلاطس ويحصل على ما طلب. وإذ تحدّث عن استعداداته الوثنية، شرح لماذا أراد هذا الرجل أن يقدّم ليسوع الواجبات الأخيرة.
ولكن ماذا تعني العبارة "كان هو أيضاً ينتظر ملكوت الله"؟ لا يستعمل مر إلا في هذا الموضع فعل "بروسداخستاي" (انتظر). ولا يتحدّث أبداً عن "انتظار ملكوت الله". ولا يقول قبل ذلك أن أحداً انتظر" ("هو أيضاً").
هنا نعود إلى السياق السابق. فالنساء اللواتي تحدّث عنهن قد انتظرن "هن أيضاً" ملكوت الله. لقد "تبعن" يسوع، فدللن على رغبتهن في ما يشكّل الموضوع الرئيسي قي كرازته (1: 15)، والذي يعد به يسوع من يتجاوب مع ندائه. 
نشير هنا إلى أن فعل "انتظر" المرتبط بالخلاص الاسكاتولوجي يتضمّن رجاء ناشطاً نعيشه في الأمانة لمشيئة الله (لو 2: فى 2، 38؛ 12: 35؛ أع 24: 15؛ تي 2: 13). ثم، إذا عدنا إلى مر 10: 21، 23- 26، 31، نجد أن الدخول إلى ملكوت الله، والخلاص، والحياة الأبدية، أمور تترادف وهي مشروطة باتباع يسوع.
والامالة التي ترينا يوسف "متحركاً" وذاهباً إلى بيلاطس، لا يجب أن تفسرّ كنتيجة الحكم على يسوع كثائر على الأمبراطورية (كما قال بعض الشّراح). فإن بيلاطس، حسب مر، لم يعتقد أن يسوع كان مذنباً (15: 14). أما "الجرأة" التي تحدّث عنها، فلا نجدها في سيكولوجية يوسف، بل في وضعه الإجتماعي: إنه وجيه يقوم بهذا العمل وفيه ما فيه من تهوّر! ويتجرّأ أن يذهب إلى الوالي ليطلب منه هذا الطلب!
طلب "جسد" يسوع. هذا يعني أن يسوع مات، كما عرفنا في آ 37. هذا ما يعرفه القارئ. أما بيلاطس فلا يعرف، ومن هنا كانا ردّة الفعل عنده: "تعجّب".
3- جواب بيلاطس (15: 44- 45)
إن دخول بيلاطس على "المسرح" (هو دي بيلاطس) يبدو هنا كما في المحاكمة (15: 9، 12، 14): تعجّب (15: 5). هناك تعجّب من صمت يسوع، وهنا لأن يسوع مات بهذه السرعة. ولكن في الحالين، نجد صدى لموقف الوالي الوثني أمام أمر غير عادي في نصّ نبويّ (أش 52: 15) (تعجب منه أمم كثيرة): فالمصلوبون كانوا يعانون سكرات الموت أياماً عديدة.
ويزاد على هذا المرجع الكتابي شكل آخر من الابولوجيا (اللاهوت الدفاعي): تعجّب بيلاطس وما توقف عند هذا التعجب. بل قام يبحث ليعرف.
"استدعى بيلاطس" قائد المئة وسأله ليتأكَّد من أساس طلب يوسف. وليتسلّم اثباتاً للموت من رئيس الجلادين والشاهد العيان لتنفيذ الحكم. نلاحظ وجود فعل "مات" مرتين في آ 44. وإذ علم بالأمر من مرجع كيد، لبّى طلب يوسف دون المخاطرة بأن يعطيه "جثة" غير أكيدة. فلا بد من الردّ على اعتراض ضدّ قيامة يسوع يستند إلى موت ظاهر، إلى شبه موت. لهذا، تقبّل القارئ من فم الضابط الروماني الذي وثق بيلاطس بكلامه، كفالة نهائية عن هذا الموت، بعد أن "وقّعت" السلطات الرسمية على ذلك.
4- يوسف يدفن يسوع (15: 46)
"فاشترى كفناً". لم يشُر النصّ إلى تبديل الفاعل. فالعمل هو عمل يوسف لا بيلاطس. وهو يتمّ على مرحلتين. الأولى: اشترى "القماش" من أجل كفن يلفّ به جسد يسوع بعد أن ينزله عن الصليب. الثانية: تتعلّق بالدفن بحصر المعنى. لم تتحدّث المرحلة الأولى عن الغسل والدهن بالطيوب. فستقوم النسوة بهذا العمل في ما بعد. ونجد ذات الإنفتاح على الخبر في المرحلة الثانية: فالحجر الذي "دحرجه" يوسف ليغلق القبر "المنحوت في الصخر"، هو ذاك الذي ستراه النسوة "مدحرجاً" وعلى جانب "باب" القبر.
عملَ يوسف ما عمل بواسطته أو بواسطة مساعديه. ونلاحظ هنا كيف اختار مر ألفاظاً دقيقة. "بتوما" أو، الجثة، الجثمان" (إذدط، مات حقاً). "دورايستاي" (وهب) الذي يدلّ على حظوة كبيرة (تك 30: 20؛ أس 8: 1؛ 2 بط 1: 3- 4). هذا ما يلتقي مع "جرأة" يوسف حين ذهب يطلب جسد يسوع.
نشير هنا إلى أن يسوع قد دهنته بالطيب امرأة بيت عنيا (14: 8)، كعلامة نبويّ’ عن موته (دفنه الذي يؤكّد موته). ولكن هذا الدهن لا يحلّ محل العمل الرسمي الذي لم يقم به يوسف، ولكن استعدّت له النسوة. 
"القبر": "مناما". رج 15: 46 أ؛ 16: 2 أو: "منامايون" (15: 46 ب؛ 16: 3؛ رج 5: 2، 3، 5). وكتب مر "إك بتراس"، فدلّ على قبر (لا مصنوع من حجر) محفور في الصخر. كان مت أكثر دقة فقال: "إن تاي بتراي". ونجد كلمة "تيرا" اليونانية: مدخل، باب.
5- النساء واستعداداتهن (15: 47)
ويمتدّ الإستعداد للحدث الأخير في آ 47. فالنساء اللواتي "نظرن" إلى موت يسوع على الجلجلة، ينظرن الآن إلى الموضع الذي جعل فيه الجسد. عرفن المكان، وهكذا يستطعن أن يعدن في الغد ليطيّبن جثمان يسوع. كل شيء قد أعدّ من أجل صباح القيامة. حينذاك، لا حاجة إلى الحنوط. فالميت قد قام. ولا حاجة إلى من يدحرج الحجر، فبيت الموتى لم يعد مقفلاً. إنه مفتوح لأن الحي خرج منه ليجمع الخراف التي تشتتت ويرسلها "إلى العالم أجمع".

 

 

الفصل الثاني والأربعون
أخبار الآلام في الأناجيل الإزائية
14: 1- 15: 47
هناك خطر يتربصّ بمن يريد التحدّث عن الآلام. هو أن يعتبر الأخبار الإنجيلية مناجم من المعلومات يستقي منها كيفما شاء. فيأخذ هذا التفصيل من عند متى، وذاك من عند مرقس، وآخر من عند لوقا أو يوحنا، فيظنّ أنه حصل على خبر كامل وأكثر غنى. في الواقع، حين نتصّرف على هذا الشكل، نترك أثمن ما في الإنجيل يفلت من أيدينا. فبالنسبة إلى الكرازة المسيحية، تبدو مادية الوقائع أقلّ أهمية من مدلولها الديني. وهذا المدلول لا يظهر بوضوح إلاّ في مجمل التأليف. فحين نأخذ تفصيلاً من قرائنه وننقله إلى خبر آخر، نمنعه من أن يعطي معناه ونبلبل النظرة اللاهوتية في الخبر الآخر. إذن، من الأفضل أن نراعي الإتجاه الخاص لدى كل من الأخبار الإنجيلية. وإذا أردنا أن نكتشف هذا الإتجاه، نتفحص التأليف الأدبي لكلّ إنجيل من الأناجيل.
1- ملاحظات عامّة
أ- الألم والمجد
بادئ ذي بدء نشدّد على ملاحظة إجمالية: إن خبر الآلام يحتلّ في كل إنجيل حيّزاً هاماً وغير نسبي بالنسبة إلى سائر خبر يسوع. هذا أمر أعتدنا عليه وهو لا يدهشنا. ولكن الأمور ليست بهذه السهولة. نلاحظ أن الأناجيل ألّفت بعد قيامة المسيح، وبواسطة شهود يعيشون في نور هذا الحدث الإنتصاري فوعوا قبل كل شيء أنهم "شهود القيامة" (أع 1: 22؛ رج 2: 22؛ 3: 15 ... 1 كور 15: 14؛ روم 10: 9). من هذا القبيل ما كنا لننتظر مثل هذا الإلحاح على مشاهد الآلام وما فيها من عذاب وذلّ. اما كان يجب أن تلغى ويحلّ محلّها عناصر إيجابية" من حياة يسوع؟ في حياته العلنية، هناك عمله كمجترح معجزات حيث يعلن مسبقاً إنتصاره على الموت. هناك نجاحه لدى الجموع وتعليمه النيرّ الذي يُلقى بسلطان. هناك الطريقة التي بها نظّم تلاميذه. وأخيراً، ظهورات القيامة والسلطات المعطاة للكنيسة. هذا ما كان يجب أن يظهر كأمور هامة وحاسمة. أما خبر الآلام فكان يجب أن يدخل في الظلّ، يختفي، كفاصل مؤسف لم يكن له بفضل الله نتائج دائمة. كان فاصلاً وانتهى.
في هذا الخط توجّه القلب البشري حسب ميله الطبيعي، لانه لا يحب قساوة الواقع، فيلجأ إلى عالم مثالي. في الواقع، لم يسند نور القيامة هذه الطريقة في النظر إلى الأمور. وهي لم تقدنا إلى ديانة سرابية نتهرّب فيها من الواقع. ولم تستبعد المسيحيين من الوجهات المؤلمة في حياة يسوع، بل قادتهم ليعرفوا ثمن حياة المسيح وبالأخص الوجهات المميّزة فيها وهي التعارض والألم.
فالعقل البشري يرى تناقضاً وتعارضاً بين الآلام والقيامة: الآلام هي هزيمة، والقيامة هي نصر يصلح هذا الفشل. الآلام تذلّ الإنسان. القيامة تمجده. ولكن الإيمان المسيحي لا يظلّ عند هذه النظرة التناقضية. فنور القيامة يصل بقوة إلى الآلام نفسها، بحيث إن الآلام والقيامة تكوّن وحدة لا تنفصم. ليس هناك من انقطاع، بل ندرك بينها رباطاً وثيقاً: إن مجد القيامة هو ثمرة الآلام وهو يكشف ثمن الذبيحة. ويدلّ على أن الآلام لم تكن في الواقع هزيمة، بل صراعاً غالباً وتتميماً حقيقياً لمخطّط الله. لهذا اعتبر المسيحيون الآلام في نفسها كنور وكنز. ولم يتركوا تذكّراتها تمحى، بل تعلّقوا بها وتعمّقوا بها. وهذا ما تشهد له الأخبار الإنجيلية ونوعيتها شهادة لا ترد.
هذا الإهتمام المميّز بالآلام يكشف وحي المسيح ويشهد على حقيقته الإلهية. فالتعليم المسيحي ليس بناء سطرياً يتيح لنا أن ننسى الواقع. إنه لا يوجّهنا إلى أحلام تأخذنا إلى البعيد. فالله لا يلغي وقائع الوجود وان ثقل علينا حملها. بل هو يعطيها قيمتها. هو لا يساعدنا على التهرّب من هذا الواقع، بل يعلمنا كيف نلتصق به ونقدّره حقّ قدره، ونهتم به اهتماماً عميقاً ونستفيد منه. إن نور القيامة يكشف قيمة آلام المسيح وبالتالي يرفع قيمة حياتنا اليومية.
ب- تكوين الخبر
وتأتي ملاحظة ثانية فتقوي الأولى وتوضحها. إنها تتحدّث عن مسيرة الخبر الذي يتميّز تميّزاً واضحاً عمّا في سائر الإنجيل. بينما لم تمثل الحياة العلنية إلا ببعض أحداث نستطيع أن نفصلها بعضها عن بعض، إذا بالآلام تشكّل مجموعة متماسكة ومبنية بناء ثابتاً. وهذا ما يدفعنا إلى الظنّ بأن هذا القسم من حياة يسوع كان منذ بداية الكنيسة موضوع إهتمام خاص، فاعتبر وحدة عضوية، إن ضاع جزء منها ضاع الكلّ.
وتتثبّت هذه النقطة في مقابلة بين الإزائيين ويوحنا. نحن نعلم أن إنجيل يوحنا يختلف عادة اختلافاً كبيراً عن الأناجيل الإزائية. فهو يقدّم عن رسالة يسوع عدداً كبيراً من المعطيات لم يحتفظ به التقليد الإزائي. مثلاً، يشير إلى إقامات عديدة ليسوع في أورشليم، وهذا ما يحوّل تحوّلاً كلياً رسمة الحياة العلنية. ولكن حين نصل إلى الآلام، تتقارب الأخبار بشكل لافت. وتتوافق على اختيار الأحداث وترتيب "الرؤية" بشكل عام. 
هذا ما نحسّ به منذ يو 11: 47 (المؤامرة على يسوع، الدهن بالزيت في بيت عنيا، مسيرة الشعانين). وسيصبح التوافق أعمق بعد توقيف يسوع في جتسيماني (يو 18: 13). إذن يبدو أن خبراً بادئاً في توقيف يسوع قد تكوّن في وقت مبكر في تقليد الكنيسة الأولى، أو أن رسمة وضعت فحدّدت الخطوط الأساسية.
وهذه الرسمة الأولى قد كمّلت. زيد عليها خاصة مقدمات أشرنا إليها (المؤامرة، الدهن بالزيت، الشعانين)، فألقت ضوءاً على معنى الأحداث. وجاء ترتيب مجموعة الأحداث في مختلف الحلقات الرسالية وحسب معطيات خاصة وصلت إلى يد "الكاتب" وحسب سامعين يتوجّه إليهم.
إن تحليلاً أدبياً لخبر مرقس يقود التأويل الحديث وإل أن يميّز في اللحمة مركَّبتين: من جهة، خبر أساسي موجز ومدوّن بشكل رسمة سريعة وقد كتب لا لغة يونانية أنيقة. ومن جهة ثانية ملحقات اقحمت في هذا الأخبار فأعطتها حياة وحركة (مثلاً، حدث الشاب الذي هرب في مر 14: 51- 52؛ اسم ابني سمعان القيريني في 15: 21) وجعلتها قريبة من السامعين. زادها شاهد عيان فجاءت لغته اليونانية ممزوجة بتعابير ساميّة عديدة.
وإذا قاربنا هذه المعطيات من الشهادات القديمة، نظنّ أن مرقس استعمل خبر آلام تقليدي في كنيسة رومة، فوشعه مستلهماً كرازة بطرس. هو خبر مركب من عناصر متفرقة. وهذا ما نلاحظه أيضاً عند متّى ولوقا. كل هذا يبيِّن أننا لسنا أمام خلق أدبي "فردي"، بل أمام اعلان كنسي (رج 21: 24: هذا التلميذ يشهد). إن آلام يسوع هي كنز الكنيسة، والكنيسة هي التي تقدّمها لنا.
ج- شخصيات الكتّاب
التقليد هو عمل مشترك ولكنه ليس نتاج مجموعة مبعثرة لا شيء يربط بينها ويوحّدها. إن التقليد يستند إلى الشهادة الرسولية. وقد عبرّ عنه تلاميذ لهم ملء السلطان.
غير أن أمانة التلاميذ للتقليد الذي ينقلونه لا تمنعهم من أن يقدّموا لنا عملاً شخصياً. فالمواد المستعملة ليست هي هي. فلوقا مثلاً جاء بإشارات خاصة به إلى خبر الآلام، وهذه الإشارات هي قريبة من التقليد اليوحناوي. متّى ومرقس قريبان الواحد من الآخر. ومع ذلك فكل منهما يقدّم عناصر لا نجدها عن الآخر.
ولكن الإختلاف الأهم يقع على مستوى نظرة كل إنجيلي إلى خبر الآلام. كل واحد يشدّد على أمور خاصة به. وإذا أردنا أن نقدّم رسمة سريعة تميّز مختلف الأخبار نقول:
أولاً: مرقس: خبر كرازي
أعلن مرقس تحقيق مخطّط الله الذي يميّز الإنسان. هو يعرض الأمور في واقع موضوعي. اسلوبه هو أسلوب "ارتجالي" "شفهي، وهذا ما يعطي خبره حيوية ونشاط. خبره خبر شاهد. لا يخاف مرقس أن يصدمنا، بل هو يسعى إلى ذلك. فيبرز التناقضات ويشدّد علي المفارقة: الصليب يشككنا. ومع ذلك فهو يخبرنا عن ابن الله. في مرقس، يفرض سرّ الآلام نفسه علينا ويؤثّر فينا كما من الخارج. والنهاية هي فعل إيمان وخضوع للسر: في الحقيقة كان هذا الرجل ابن الله (15: 39).
ثانياً: متى: خبر كنسي وتعليمي
هو "خبر جماعة المؤمنين". يظهر الإتجاه في الأسلوب نفسه الذي يتوخّى الوضوح ويتحاشى كل إهمال ينتج عن الإرتجال. اسلوب موجز يليق بعالم الليتورجيا. ويظهر هذا الإتجاه بشكل أوضح في تقديم الوقائع: حين تستنير الأحداث بإيمان الكنيسة تصبح "مفهومة". لا يهتم متى مثل مرقس بالتفصيل الملموس، ولكنه يستفيد من كل مناسبة ليشدد على تتمة الكتب المقديمة (ليتمّ الكتاب)، على معرفة يسوع السابقة، على سلطته السامية. ويدل من جهة أخرى على ضلال شعب إسرائيل الذي سار على خطى رؤسائه. لهذا سيؤخذ منه ملكوت الله ويعطي لأمة تصنع ثمراً (21: 43). وينتهي الخبر بتكوين فهم مسيحي للسرّ بالمشاركة في إيمان الكنيسة.
ثالثاً: لوقا: خبر شخصي وإرشادي
يدلّ لوقا في مواضع عديدة على اهتماماته كمؤرخ ومؤلّف: هو يحاول أن يعطي "تقريراً" أفضل عن سيرة الأحداث، أن يعطي خبراً متواصلاً ومبنياً بناء محكماً. ولكنه لا يتوخّى اطلاقاً الموضوعية الباردة التي يعرفها راوٍ لا يأخذ موقفاً (راوٍ حيادي!)، بل إن خبره هو خبر تلميذ يعيش من جديد خبر معلّمه ويعبز عن تعلّقه الشخصي بيسوع حين يؤكد مراراً على براءته، حين يهمل تفاصيل مهينة أو قاسية. فالتلميذ يرى أن الآلام تشكّل في الوقت ذاته نداء يطلب منّا أن نتبع المسيح على طريق الصليب. إذن، خبر لوقا هو خبر شخصي وإرشادي يحرّك (أو يثبت) إلتزام كل واحد منّا على خطى المسيح.
هذا الإتجاه الخاصّ بكل من الإزائيين الثلاثة لا نجده فقط في خبر الآلام، بل هو يشرف على تنظيم مجمل كل إنجيل. ونكتفي هنا ببعض الإشارات السريعة. مرقس هو إنجيل الوقائع (ما يحدث). هو يورد أقوالاً وتعاليم أقل مما عند متّى ولوقا، ولكنه يتوشع في الظروف التي تحيط باخباره. وهو أيضاً انجيل السرّ المسيحاني. أمّا متّى فيقدّم في خطب طويلة تعليماً كنسياً وكرستولوجياً كاملاً. ولوقا من جهته يحاول أن يجعل من كلمات يسوع أقوالاً تتوجّه إلى الشخص. يتحاشى من تجميع التقاليد في خطب طويلة، فيحدّد بالحري إلى من يتوجّه كلّ من تعاليم يسوع. ترد التطويبات عند متّى بلهجة عامة (صيغة الغائب). وعند لوقا بلهجة مباشرة (صيغة المخاطب: طوبى لكم أنتم).
هذه هي بعض الميزات التي يمكن أن نلاحظها بشكل خاصّ حين نتفحّص تنظيم أخبار الآلام عند متّى ومرقس ولوقا. نترك جانباً المقدّمات (المؤامرة، الدهن بالزيت، العشاء الأخير والنزاع) فننطلق في الخبر من توقيف يسوع الذي هو أول حدث في الآلام بالمعنى الحصري. في كل مرحلة نتفحّص أولاً إنجيل مرقس الذي نعتبر تدوينه سابقاً لتدوين متى ولوقا.
أما الرسمة العامة فتبدو كما يلي: بين التوقيف (مر 14: 43- 52) في البداية، والوضع في القبر في النهاية (15: 42- 47) نتوقف عند المحاكمة لدى اليهود (14: 53- 72)، المحاكمة لدى الرومان (15: 1- 15)، وتنفيذ الحكم موتاً على الصليب (15: 16- 41). نجد هذه الرسمة في كل الأناجيل، ولكن التنظيم الداخلي يختلف بين إنجيل وآخر.
2- توقيف يسوع
منذ توقيف يسوع يبدو الإتجاه الخاصّ بكل إنجيلي واضحاً وجلياً.
أ- مرقس: الوقائع التي تصدم
يروي مرقس الوقائع في قساوة واقعيتها. الأسلوب مباشر وفجّ في بعض الأماكن: "وجاء يهوذا، أحد الاثني عشر، ومعه جمهور مع سيوف وعصي" (14: 43). أمسك يسوع. واحد من الذين كانوا هناك استلّ سيفه وضرب. وجاء قول من يسوع فأبرز الوضع بما فيه من تجاوز: "كما على لصّ خرجتم مع سيوف وعلي" (14: 48). وترك الجميع يسوع. كان شاب يتبعه. أمسك فهرب عرياناً تاركاً رداءه في يد الذي حاول أن يمسكه.
لا تفسير، أو تفسير قليل. لا يورد مرقس ما قاله يسوع ليهوذا، ولا إلى الشخص الذي امتشق سيفه وضرب. والملاحظة الموجّهة إلى المهاجمين لا تتوخّى تفسير الوقائع، بل التشديد على ما في المشهد من مفارقة ومن وضع صادم. يشار إلى "مفتاح" المفارقة في عبارة ناقصة (14: 49: كنت في الهيكل فما اسكتموني. ولكن حدث هذا لتتمّ الكتب). وهكذا نبقى في جوّ محيرّ ولا نفهم.
ب- متّى: الأقوال التي تنير
أما متّى فيهتم بأن يشرح الوقائع. إن خبره يترك جانباً بعض التفاصيل البارزة (آخر كلمات مر 14: 44؛ حدث 14: 51- 52). ولكنه يسير باتزان ومهابة ووضوح. فبدلاً من أن يقول "وصل يهوذا"، كتب: "وبينما يسوع يتكلّم وصل يهوذا" (26: 47). وبدل أن يستعمل الضمير وحده (اقترب منه، رج مر 14: 45؛ وضعوا يدهم عليه، مر 14: 46)، سمّى يسوع باسمه بكل احترام. سمّاه أربع مرّات في مت 26: 49- 51. وتجنّب متى الإهمالات في الأسلوب، كما عند مرقس (14: 45: التون اوتوس بروسلتون: وما أقبل حتى تقدّم). وتجنب أيضاً الإلتباسات. في مر 14: 47 نقرأ: وأحد الذين كانوا هناك. هي عبارة غير واضحة: هل هو صديق أم عدو؟ أما متى فقال: "واحد ممن كانوا مع (أصحاب) يسوع" (26: 51). في مر 14: 5، قد نظنّ أن الأعداء هربوا لأن يسوع وجّه إليهم في الحال كلامه. أما مت 26: 56 فاهتم بأن يشير إلى أن "التلاميذ تركوه كلهم وهربوا".
ويوضح متّى بشكل خاصّ الوقائع بالكلام. الكلمة تلقي الضوء على العمل. تحدّث يسوع إلى يهوذا بشكل غامض (إفعل ما جئت له، 26: 55). بيد أننا ندرك تلميحاً إلى مز 55: 13- 14، 21- 22. تحدّث إلى التلميذ الذي استلّ السيف ففسرّ بشكل مطوّل "ستراتيجة" الله (26: 52- 54). إنه تكلّم إلى الجمع: من يأخذ بالسيف...
إذا احتجنا إلى قائد يدلّنا على المعنى اللاهوتي لهذا المشهد، نلجأ إلى متى، وما يقوله لنا يتّخذ أهمية خاصة بالنسبة إلى مسيرة الآلام: فالمبادئ التي تنير موقف يسوع حين توقيفه تلقي الضوء على مجمل السرّ.
ويرينا متى يسوع وقد اختار بكامل معرفته وبملء إرادته طريق الذل، لأنه رأى فيه الطريق الذي حدّده قصد الله. رفض يسوع أن يقاوم العنف بالعنف، لأن هذه الوسيلة لا تحمل الخلاص إلى البشر، بل تسجنهم في حلقة جهنمية (26: 52). ورفض يسوع أن يلجأ إلى تدخّل عجائبي ترسله قدرة الله. هو لا يشكّ مطلقاً بأنه يقدر أن يحصل من أبيه على تدخّل من هذا النوع (26: 54). ولكنه يعرف أيضاً أن هذه الطريق لا تقود إلى الهدف. لقد جاءت الساعة التي فيها "تتمّ الكتب". تعود هذه العبارة مرتين: مرّة أولى في الكلمة الموجّهة إلى الجمع (26: 56). ومرّة ثانية في خاتمة الكلمة الموجّهة "إلى الجميع" (26: 56). في هذا المقطع الأخر تبدو عبارة يسوع واضحة، لا غامضة كما في مرقس. إنها تشكل تأكيداً صريحاً وتتخذ لهجة معلّم يحدّث تلاميذه: "ولمانما كان هذا كله لتتمّ كتب الأنبياء". 
ويتعرّف القارئ المسيحي منذ البداية إلى منظار الخبر. لسنا أمام "تقرير" بسيط عمّا حدث. فالكنيسة الأول حين نظرت إلى الآلام، تأمّلت فيها عبر الكتب المقدسة التي تكشف لها معناها. لقد وعت أن هناك مقابلة تامة بين مخطط الله كما أنبأ به العهد القديم، وبين أَحداث أسبوع الآلام التي تحيرّنا للوهلة الأولى. وهذه المقابلة قد أوحى بها يسوع نفسه. فقد دلّ على معرفته بها قبل أن تتم من خلال أقواله وأعماله. لقد دلّ يسوع على الإرتباط بين ما سيحصل ومخطّط الاله كما أوحت به الكتب المقدّسة.
لم يدرك التلاميذ هذا الإرتباط في ذاك الوقت. فكلمات يسوع وأعماله جعلتهم يضيّعون الطريق بشكل تام. وكانت ردّة الفعل عندهم في غير محلّها: إستلوا السيف حين التوقيف، وخلّصوا نفوسهم فيما بعد حين هربوا، أو أنكروا معلمهم. فوجب أن تتم الآلام كلها، وجب الوصول إلى القيامة لكي يجتاحهم النور. وحين تمّ الحدث، بدا توافقه مع الكتاب المقدس في ملء وضوحه. ولكن حين نصل إلى هذا الإدراك يجب أن نتذكر كل شيء لكي نغذي إيماننا. هذا ما يدعونا إليه القديس متى.
ج- لوقا: شخص المعلّم
راعى لوقا المراحل المتعاقبة في الوحي، فلم يعد بالوضوح عينه إلى الكتب المقدسة (كما فعل متى). فالمرحلة السلبية التي يجب على المسيح أن يمرّ فيها تسمّى الساعة. هكذا يسميها يسوع: "ساعة" الأعداء، و"سلطان الظلمة" (22: 53). إن هذا التعبير لا يرتبط إلا إرتباطاً ضميّناً بانباءات الأنبياء. إن لوقا يحتفظ لزمن القيامة باكتشاف تتمة الكتب: فالمسيح القائم من الموت هو الذي "يفتح عقل" تلاميذه لى "يفهموا الكتب" (24: 45- 46؛ رج 24؛ 25- 27، 32؛ يو 2: 22؛ 12: 16).
إن ترتيب الخبر يدلّ على أننا أمام مؤرّخ من الطراز الأول. فمحاولة المقاومة المسلّحة التي رواها متّى ومرقس بعد توقيف يسوع، قد جعلها لوقا قبل هذا التوقيف، وهذا ما يبيّن تسلسلاً أفضل للوقائع. وهناك تفاصيل عديدة تدلّ أيضاً على فنّ لوقا ككاتب: مثلاً، يدلّ على الجمع قبل أن يسمّي يهوذا (22: 47). نبدأ فنبصر الجمع، وبعد هذا نتبين الشخص الذي يقود هذا الجمع (منطق المؤرخ).
ونلاحظ خصوصاً الطريقة التي بها يتكلّم لوقا عن يسوع. فهو لا يتحمّل القولي بأن يهوذا قبّله، فاستعمل عبارة غير مباشرة: "دنا من يسوع لكي يقبّله" (22: 47). مقابل هذا دلّت كلمة يسوع على معرفته بالأمور، كما شدّدت في الوقت عينه على ما في هذا الأسلوب من وجه بغيض: "يا يهوذا، أبقبلة تسلّم ابن الإنسان" (22: 47)! وهكذا يطلب من كل مسيحي أن يحذر الخيانة لربّه.
ويتجنّب لوقا أيضاً التشديد على واقع التوقيف (والإعتقال). يذكره بشكل عابر، بواسطة اسم فاعل (22: 54). فتعبّده للرب يجعله يخفّف كل ما يسيء بقساوة إلى كرامة يسوع البشرية، وهذا ما سيفعل في ما بعد، في مشهدي الهزء: في الأول (22: 63- 65) لم يذكر الصفعات ولا البصاق. في المشهد الثاني (23: 16، 12)، أشار إليها بتلميحات مستورة، ولم يذكر بوضوح الجلد ولا التكليل بالشوك.
مقابل هذا، إهتمّ لوقا بإظهار عظمة يسوع، وخصوصاً كبر اخلاقه. هذا بارز في الكلمة التي وجّهها إلى يهوذا: كلمة موجزة تعبرّ عن حزن عميق. وهذا ما ينعكس في السؤال الذي طرحه التلاميذ وهو سؤال يدلّ على أنهم واعون لسلطة معلّمهم: "يا رب، هل نضرب بالسيف" (22: 49)؟ وتظهر عظمة يسوع خصوصاً في جوابه السلبي (كلام)، وفي فعلته: لمس أذن الغلام فابرأه: إذن، لم يكتفِ يسوع بأن يضع حداً لاستعمال السلاح، بل أصلح الضرر، وشفى جراح "خصمه". نحن نعجب هنا من سلطة إلهية تجترح المعجزات، كما نعجب من سخاء أعطى يسوع أجمل مثالٍ له (6: 27- 36).
3- المحاكمة عند اليهود
بعد أن اعتُقل يسوع سلّم إلى سلطات شعبه: فأقتيد إلى عظيم الكهنة. وبدأت المحاكمة. لم ترد الأناجيل الإزائية أن تروي لنا كل ما جرى في هذه المحاكمة. فهي تبدو غير مهتمة بعدد من التفاصيل، فيبقى "المؤرخون" مراراً في الغموض. أما العناصر التي اختارها متّى ومرقس ولوقا، فهي التي فهمها التقليد الأول على ضوء القيامة. إعتبرها مهمة فأدخلها في الكرازة والتعليم. وقدّمت لنا هذه العناصر في ثلاثة تآليف مختلفة.
أ- مشهد المحاكمة
ميّز مرقس زمنين في المحاكمة: الإتهام (والشكوى) الذي يرويه حالاً (14: 53- 64)، وجلسة المحكمة التي تمّت في الصباح الباكر (15: 1). والعبارة التى استعملها للحديث عن هذه الجلسة (هيأوا مجلساً) تعطيها طابعاً قانونياً. غير أن مرقس لم ينتظر ذاك الوقت ليتحدّث عن الاتهامات ضدّ يسوع. فهي ترد في خبره منذ افتتاح الدعوى التي بدت في هذا الإطار القسم الرئيسي في المجموعة. من الوجهة الأدبية، يرتبط ذكر جلسة المجلس بالقسم اللاحق. أشار إليه مرقس باسم الفاعل، فحدّد موقعه في جملة انتقالية تدخل القارئ في المحاكمة لدى الرومان.
أما متّى فاستعمل لجلسة المجلس فعلاً في صيغة الماضي (27: 1). وقبل أن ينتقل إلى المحاكمة الرومانية أقحم حدثاً جديداً (27: 3- 10: موت يهوذا). وهكذا حصل على فصل واضح بين المحاكمة اليهودية والمحاكمة الرومانية. ولكنه توسّع، شأنه شأن مرقس، في الإستجواب الذي تمّ خلال الليل. بل شدّد عليه فأعطى سؤال رئيس الكهنة شكل استحلاف احتفالي (آ 2: 63: استحلفك بالله الحي).
لم يهتم لوقا من جهة إلا بالمثول الرسمي الذي تئم في الصباح (22: 26). وهو لم يقل شيئاً عن الإستجواب السابق (في الليل) الذي يشُكّ في قيمته القانونية. إن اهتمامات المؤرخ تلتقي مع اهتمامات الكاتب الذي رفض البطء في حركة الخبر بسبب الإستجوابات والتكرارات (ق مت 26: 57، 59، 66؛ 27: 1).
ب- التأليف الاجمالي
لا يكتفي أي إنجيلي بإيراد عناصر المحاكمة. معناها. فيسوع لم يخضع فقط لأسئلة واستجواب. وغطّاه الذل والإحتقار.




أولاً مرقس: كرامة مسيحانية ومعاملة سيئة
قدّم مرقس مجمل الخبر في تأليف تتعارض أقسامه تعارضاً قوياً. بعد أن حدّد موقع الحدث وقدّم الأشخاص (14: 53- 54) روى أولاً تقديم الشكوى. وقد تحدّد إتجاه الشكوى منذ البداية: هم يسعون أن يقتلوا يسوع (14: 55). ولكن الوقائع جاءت تعاكس هذا الهدف: لم يجدوا ضد يسوع إتهاماً واحداً له قيمته. وجاءت شهادات عديدة. ولكن مرقس احتفظ فقط بكلمة عن دمار الهيكل. ثم بين أن الشهادات لم تتوافق في هذه النقطة ولا في غيرها. في النهاية، سألت عظيم الكهنة يسوع حول موقفه من مخطّط الله: هل أنت المسيح؟ هل أنت ابن المبارك (أي الله)؟ شكّل جواب يسوع اعلاناً احتفالياً عن مسيحانيته المتعالية. وهكذا بلغت الدعوى إلى نتيجة معاكسة للتي طلبها المجلس: لم يثبت خطأ المتهم، بل انكشفت كرامته السامية: "هو ابن البشر الجالس عن يمين القدرة".
وجاءت المفارقة الثانية: لم يجد وحي شخصية يسوع أي صدى إيجابي. لما يحرّك أي إكرام. لم يلقَ أي قبول. أما نتيجته الوحيدة فكانت ردة فعل بشكل معاكس. صرخوا: إنه يجدّف. وأعلنوا أن يسوع "يستحقّ الموت" (14: 64: إن خاتمة الدعوى تقابل بدايتها، 14: 55). فأساؤوا معاملة يسوع: بصقوا عليه، غطّوا وجهه، لطموه... (14: 65). وأنكره أكثر التلاميذ حماساً له (14: 66- 72). بعد هذا، قيّده أعداؤه كلصّ ليسلّموه إلى بيلاطس (15: 1).
إذا نظرنا إلى الوقائع من الخارج، رأينا أنها "تكذبّ" كلمات يسوع أقسى "تكذيب". وهكذا يُبرز مرقس بالترتيب الذي أخذ به، هذا التعارض وهذه المفارقة بين تأكيدات يسوع على كرامته والمعاملات السيّئة والمهينة التي تنتج عن هذه التأكيدات.
ثانياً: متّى: تعارض تنيره الكتب المقدسة (ثمن الدم)
إحتفظ متى بالعناصر عينها، إلا أن مجمل تدوينه بدا أكثر إيجازاً من الإنجيل الثاني، بدا بشكل رسمة سريعة. تحاشى الأسلوب "الثقيل" والتكرارات التي تميز الإرتجالى الشفهي (ق مت 26: 60، 62 ومر 14: 56- 60). حتى التفاصيل جاءت منسّقة ومرتبة. مثلاً، في انكار بطرس المثلث، حافظ على التدرّج، ثم إنه شدّد بالأحرى على النقاط الهامة (استحلاف عظيم الكهنة، 26: 63؛ إتهام يسوع بالتجديف مرتين، (26: 65).
حين أورد متّى إعلان يسوع الإحتفالي، إحتفظ بإشارة أهملها مرقس. قال يسوع "أنا هو" فجاء جوابه تأكيداً مباشراً (مر 14: 62). أما في مت 26: 64 فعاد جواب يسوع إلى عظيم الكهنة إلى العبارة الذي استعملها هذا الأخير، "أنت قلت". هكذا شدّد يسوع على أنه لم يتخذ بنفسه مبادرة إعلان كرامته الخاصة، فجعل الحاضرين يدركون تحفّظاته بالنسبة إلى نظرة متّهميه المسيحانية. 
إن الترتيب العام للمقطع هو شبيه بما في مرقس. إذن، يتضمّن التعارضَ نفسه بين كلام يسوع والمصير الذي يتحمّله. ولكن قبل العبور إلى المحاكمة لدى الرومان، زاد متّى مقطوعة عن "ثمن الدم" (27: 3- 10). هناك تفاصيل في هذا الخبر تتيح لنا أن نرى أن المكان الذي اختاره متى لإقحام هذا الخبر، لا يرتبط بالكرونولوجيا. فعظماء الكهنة والشيوخ لا يستطيعون أن يكونوا في الوقت عينه في الهيكل وفي قصر الوالي. ثم إن شراء الحقل لم يتمّ في الساعة. إن هذا المكان ينتج عن هدف في التأليف. وفي الواقع، إن هذه المعلومة المضافة حوّلت تحويلاً عميقاً منظار الدعوى لدى اليهود.
هذه الإضافة تعطي الدعوى خاتمتها الخاصة. لقد اجتمع المسؤولون كلهم للمرة الأخيرة: يهوذا، عظماء الكهنة، الشيوخ. ويذكر متّى مشروع البيع الذي اتفقوا عليه منذ بضعة أيام، ويشدّد على هذا التذكّر (26: 15). أما الموضوع الذي يشرف على هذه المقطوعة فليس "موت يهوذا" كما قيل مراراً، بل الثلاثين من الفضة، ثمن الدم. يشير متّى الى يهوذا (يوضاس) في كلمة. أما الفضة فتذكر سبع مرّات (4 مرات بالأسم وثلاث مرات بالضمير) ويُذكر الدم ثلاث مرّات.
إن تذكر الفضّة الملعونة تتيح لمتّى أن يقدّم لنا مفتاح المفارقة التي تركها مرقس بدون جواب. فيبرز بوضوح من جهة أن الدعوى ظالمة. فهذا ما تشهد عليه قطع الفضّة. وهذا ما يوافق عليه يهوذا حين يقز: "أخطأت حين سلّمت دماً زكياً". ورمى ثمن خيانته في الهيكل (27: 4- 5). لم يهتمَّ رؤساء الكهنة بالأمر بادئ ذي بدء. وفي النهاية اتفقوا هم أيضاً: "إنها ثمن الدم" (27: 6).
ومن جهة ثانية، عبر مؤامرة يهوذا والسلطات اليهودية، ظهر مخطّط الله الذي تمّ كما أنبأت الكتب. فقطع الفضّة قد ذُكرت في الانبياء (27: 9- 10)، وهي تدلّ على دينونة الله: لم يستفد يهوذا من ربحه المشين، وسجّل رؤساء اليهود على أرضهم شهادة جرمهم الذي ما زال يسمى "حتى اليوم" "حقل الدم" (27: 8). وهكذا تحدّد بوضوح موقفُ اسرائيل القديم وكنيسة المسيح، وفهمنا بُعدي إنجيل متّى: إنجيل تعليمي، إنجيل. كنسي.
ثالثاً: لوقا: موقف التلميذ وشهادة يسوع
أما لوقا فأخذ بترتيب مختلف كل الإختلاف: بدأ فروى نكران بطرس ثم توبته (22: 54- 62). ثم صوّر ما أصاب يسوع من ذلّ على يد الحرس (22: 63- 65). في النهاية أخبرنا عن نتيجة الإستجواب الصباحي (22: 66- 71) وتسليم السجين إلى بيلاطس (23: 1).
هذا التأليف يوافق كل الموافقة المنظار "الشخصي والإرشادي" الخاص بلوقا. فقبل أن تبدأ الدعوى، كانت المسألة الأولى التي تطرح، هي موقف التلميذ خلال مثول معلّمه للمحاكمة. فالإتجاه الطبيعي يدفعنا أن نفكّ الإرتباط (لا يتضامن) مع يسوع المعتقل. لا نحبّ أن نكون تلاميذ معلّم انحطّ إلى هذا المستوى. قال بطرس إنه لا يعرفه (22: 57). وخبر النكران يكشف القناع عن تجربة تتغلغل في قلب كل واحد منا. وخبر توبة بطرس الذي حرّكه نظرُ يسوع الذي التفت إليه (22: 61)، يكشف سرّ كل توبة تتحلى بالسخاء.
لم يشدّد لوقا في لطافته، كما شدّد متّى ومرقس، على خطيئة بطرس. لم يشر إلى الحلف واللعن. ثم إن ترتيب الخبر بدّل العلاقة بين نكران بطرس وهزء الجنود. في مرقس، يأتي النكران حالاً بعد هزء الخدم من يسوع (14: 65)، فيصبح بطرس "واحداً منهم". في لوقا، جُعل النكران قبل مشهد الهزء، وتدخّلت التوبة قبل الحديث عن معاملات سيّئة أصابت يسوع. إذن، هناك انفصال. فبطرس بدموعه ليس بجانب المستهزئين. والقارئ المسيحي ليس معه أيضاً. فهو يسير في طريق آلام مخلّصه بعواطف خاطئ تائب.
وحين مثول يسوع، أغفل لوقا مرور الشهود والإتهام المتعلّق بدمار الهيكل. وركّز الإنتباه فقط على كشف شخص يسوع. أعطى الإستجواب شكلاً جماعياً فتجنّب وضع يسوع أمام عظيم كهنة يكلمه من عليائه ويأمره بالجواب. ثم إن يسوع دل بأقواله على أنه يعرف القلوب، أنه سيّد القلوب (22: 67- 68). والإعلان التالي يعبرّ عنه لوقا بشكل أبسط، وهكذا لا يتحيز القارئ اليوناني. وقسم لوقا السؤال سؤالين (أنت المسيح. أنت ابن الله) وهكذا ميّز بين مسيحانية يسوع وبنوّته الإلهية، وهذا ما أعطى النصّ وضوحاً أكثر.
لا يصف لوقا اعلان البنوّة الإلهية بأنه تجديف. كما أنه لا يورد عبارة الحكم على يسوع. ولن يقول فيما بعد إن يسوع قد حُكم عليه. ويكتفي هنا بأن يلاحظ أن السلطات اليهودية اعتبرت، بعد كلمات يسوع، أنها تستطيع أن تستغني عن أية شهادة أخرى. فاقتادت يسوع إلى بيلاطس. تلك هي الطريقة التي بها شدّد لوقا على الأهمية الحاسمة لشهادة يسوع على نفسه. وهكذا نكتشف في هذا المشهد تعلّق التلميذ بمعلّمه.
4- المحاكمة عند الرومان
أ- المدخل
يروي مرقس مثول يسوع أمام بيلاطس يا بضعة سطور. ونلاحظ هنا أكثر من أي مكان آخر، أن الإنجيلي لا يتوخى أن يروي كل شيء. فالإستجواب بدا بشكل رسمة سريعة فجاء غامضاً. أورد مرقس بدون مقدمة سؤال بيلاطس، وما اهتمّ أي اهتمام بأن يهيئه: "أأنت ملك اليهود" (15: 2)؟ أجاب يسوع: "أنت قلت". ولم يَرد بعد ذلك أي شرح.
حسّن متى تقديم الخبر. فاهتمّ بجعل أسم يسوع في أفضل موقع، وأبرز الطابع الرسمي للمشهد فأعطى بيلاطس لقبه الروماني: "وقف يسوع أمام الحاكم" (الوالي) (27: 11). وهو أيضاً لم يهيّئ سؤال بيلاطس.
أما لوقا فهياً بيلاطس. عمل عمل المؤرّخ فأعطى الكلام للمتهمين الذين عدّدوا اتهاماتهم ومنها اعتبار يسوع لنفسه انه الملك المسيحاني (23: 2). حينئذ بدا سؤال بيلاطس طبيعياً، بدا في مكانه.
حين سمّاه "ملك اليهود"، نقل كرامة المسيح إلى المستوى السياسي. وهكذا شوّه إعلان يسوع، ولكنه احتفظ بانعكاس للواقع. وسيضع يوحنا الأمور في نصابها (يو 18: 33- 38).
ب- التأليف الإجمالي
أولاً: مرقس: اليهود ضدّ ملك اليهود
غاب كل إستعداد، فبرز سؤال بيلاطس عند مرقس. فالدعوى الرومانية هي دعوى، "ملك اليهود". سيعود اللقب أكثر من مرة على شفتي الوالي (15: 9، 12). وسيستعيده الجنود الرومان بدورهم (15: 18) ويستلهمونه من أجل لعبهم القاسي.
محاكمة غريبة! يهود يهاجمون بكل قواهم ملك اليهود، وهو لا يجيب بشيء (15: 3- 5). ويتوالى مشهدان. الأول هو الإستجواب. فبعد السؤال الأول، قدّم رؤساء الكهنة اتهاماتهم. وحاول بيلاطس أن يستعلم عن الحقيقة. ظلّ يسوع صامتاً. وبقي بيلاطس في حيرته الكبيرة.
المشهد الثاني يحيرّنا أيضاً. فقد وُضع "ملك اليهود" تجاه "متمرّد ارتكب جريمة قتل". من نطلق؟ من نعاقب؟ إقترح الحاكم الروماني أن يطلق ملك اليهود (15: 9) الذي لم يقترف جرماً (15: 14). أما جمهور اليهود الذي هيّجه عظماء الكهنة، فطلب العقاب الروماني لملكه، طلب الصلب (15: 13، 14). فتراجع بيلاطس وأسلم يسوع ليصلب.
ثانياً: متى: شعب اسرائيل ودم المسيح
لا يقوم متى إلا ببعض التصحيحات في خبر الاستجواب. أما الشيء الخاص الذي جاء به، فهو وضع خبرين داخل حدث برأبا: تدخل امرأة بيلاطس (27: 19)، ومشهد غسل الأيدي. ولكننا لسنا فقط أمام نصوص أقحمت. فمتى استعاد المجموعة كلها وقدّم لنا تأليفاً جديداً بناه بناء مدهشاً.
* في البداية، نحن أمام الأشخاص، الوالي والشعب. ثم السؤال الذي لا بدّ له من جواب: من نطلق؟ برأبا أم يسوع (27: 15- 17)؟
* وجاء التأثير من الجانبين: حلمت امرأة بيلاطس حلماً بشكل تنبيه، فرأت في يسوع "باراً" وتدخلت من أجله لدى زوجها (27: 19). أما في جانب الشعب اليهودي، فرؤساء الكهنة والشيوخ يعملون من أجل برأبا وضد يسوع (27: 20).
* وكان الحوار بين بيلاطس والشعب: من نطلق؟ برأبا. ماذا نعمل بيسوع؟ إصلبه. حاول بيلاطس أن يعترض، ولكن الجمع لم يتراجع (27: 21- 23).
* في عملية "مسرحية" عبرّ الراوي عن المواقف المتخذة. غسل بيلاطس يديه، فرفض أن يأخذ على عاتقه مسؤولية يسوع. أما الشعب فأعلن مسؤوليته: قدمه علينا وعلى أولادنا (27: 24- 25).
* وتتجاوب الخاتمة مع المقدمة: أطلق بيلاطس برأبا، وأسلم يسوع ليصلب (27: 16).
في التسلسل المنظم لهذا التأليف الدائري، يبدو الهدف التعليمي والكنسي واضحاً: نحن مرة أخرى أمام علاقات المسيح مع شعب إسرائيل. ساعة تشفعت امرأة الوثني من أجل "البار"، طالبت ابنة صهيون بصراخ عظيم بموت المسيح. لم يتحدث متَّى مثل مرقس عن "ملك اليهود"، بل ذكر مرتين: "يسوع الذي يقال له المسيح" (27: 17، 22). والمسؤولية التي رفضها بيلاطس، قد أخذها الشعب (27: 25). هذا الموقف الذي أخذه شعب العهد القديم، يدلّ على منعطف في تاريخ الخلاص: فبعد الآن، إذا أراد الإسرائيلي أن يدخل إلى ملكوت الله، عليه أن يرتدّ وينضمّ إلى العهد الجديد الذي ختمه يسوع بدمه (26: 28).
ثالثاً: لوقا: براءة يسوع
صوّر لوقا المحاكمة الرومانية في منظار آخر. وزاد عليها ملحقات أخرى. سبق وأشرنا إلى لائحة بالإتهامات التي وُضعت في بداية الإستجواب (23: 2). وانطلقت المحاكمة من جديد فحدّدت أصل يسوع الجليلي (23: 5). هذا ما يعطي المؤرخ مناسبة لكي يروي واقعاً جديدا: أعيد يسوع إلى سلطة هيرودس. ذكر متّى (14: 1- 12) مرّة واحدة هيرودس. وذكره مرقس مرتين. أما لوقا فذكره في ستة مقاطع في إنجيله. 
إن لهذا اللقاء بين هيرودس ويسوع أهمية خاصة: لقد رأى فيه لوقا مناسبة ليندّد بطريقته الخاصة في التعرف إلى يسوع: روح الحشرية والفضول، حبّ اللهو، لا استعداد البتة للإلتزام الشخصى. وهكذا انقلب اللقاء رذلاً مليئاً بالإحتقار. خلال مثول يسوع أمام هيرودس، سيتكلّم لوقا عن السخرية، ولكن بشكل موجز (23: 11). وفي نهاية المحاكمة، لن يصوّر قساوة الجنود الرومان.
وبسبب هذه التحوّلات المتنوّعة، انقسم خبر لوقا إلى ثلاثة أحداث:
* مثول أمام بيلاطس الذي يعيد المتهم إلى هيرودس (23: 2- 7).
* مثول أمام هيرودس الذي يعيد المتهم إلى بيلاطس (23: 8- 12).
* إجتماع عام ينتهي بتراجع بيلاطس أمام الجموع (23: 13- 25).
في الحدث الأخير، خسر برأبا من أهميته. ذكر متى اسمه خمس مرات. أما لوقا فلم يذكره سوى مرة واحدة (23: 18). لقد أحسّ الإنجيلي الثالث بالإشمئزاز من التشديد على الموازاة بين يسوع ومجرم. أشار إليه إشارة سريعة، فأظهر التعارض بين يسوع البريء وبين ذاك الذي كان في السجن بجريمة قتل وإثارة فتنة (23: 25).
فموضوعه الرئيسي هو براءة يسوع. حالاً بعد السؤال الأول، أعلن بيلاطس أنه لا يجد سبباً يحكم على المتهم (43: 4). هذا الموقف المتخذ يدهش القارئ، لأن لا شيء مما يسبق يفسرّه. فإذا أردنا أن نعرف أكثر من ذلك يجب أن نلجأ إلى توسّعات الإنجيل الرابع (يو 18: 33- 38). فهي تدلّ بصورة أوضح على منظار لوقا.
ويستعيد لوقا إعلان البراءة ويتوسّع فيه فيما بعد: في آ 14 حيث يسيند بيلاطس إلى ما قام به من بحث. في آ 15 حيث يفسرّ في الخط عينه تصرف هيرودس. ويعود بيلاطس مرة رابعة إلى الموضوع حين يطالب اليهود بموت يسوع (آ 22). كان الوالي منطقياً مع نفسه فعبرّ مراراً عن نيته بأن يطلق يسوع (آ 16، 20، 22). ولكن صيحات اليهود تعترض. تعب بيلاطس منهم، "فأسلم يسوع إلى مشيئتهم" (آ 25).
إن تصوير موقف بيلاطس يعكسه ولا شكّ ولاء لوقا لرومة. ولكنه يشكّل مناسبة للتشديد على براءة يسوع، على غياب أي ذنب عند يسوع. وما زال التلميذ الأمين يشدّد على هذه النقطة التي تؤسّس تكريمه للمسيح المتألمّ. وهو يعرف أيضاً أدن للمسيحيين هنا درساً هاماً. فإن اقتيدوا أمام المحاكم، فالذنب ليس ذنبهم، ولكنهم يكونون على مثال معلّمهم فيتمون إرادة الله (1 بط 4: 15- 16). إنهم يتألمون بسبب أمانتهم ليسوع.
5- الجلجلة
حكم على يسوع بالصلب، فأساء الجنود معاملته. ثم اقتيد إلى الجلجلة وهناك نُفّذ الحكم فيه (مر 15: 20؛ مت 27: 31؛ لو 22: 26). إن موته هو الحدث الرئيسي في تاريخ الخلاص. وإن تأليف الأناجيل يدعونا هنا إلى الإعتبار والتأمل.
أ- مرقس: وفي النهاية تفجّر النور من الظلمة
أولاً: مسيرة الخبر
جاء مشهد الهزء بين ذكرين متوازيين للصلب المنتظر ("لكي يُصلب"، مت 15: 15؛ مت 27: 26. "ليصلبوه"، مر 15: 20؛ مت 27: 31)، فبدا كمطلع كقيذ الحكم بالإعدام (مر 15: 16- 20؛ مت 27: 27- 31؛ لا شيء عند لوقا). سارع الجنود ليقدموا صورة عن المحاكمة الرومانية بمشهد خاص: نال "ملك اليهود" رداء من الأرجوان، وإكليلاً وإكراماً. ولكن الإكليل كان من الشوك.
وجاء التنفيذ بحصر المعنى. نستطيع أن نميّز في خبر مرقس ستة أوقات متعاقبة: (1) تسخير سمعان القيريني (15: 21)؛ (2) الصلب (15: 22- 27)؛ (3) الهزء (15: 29- 32)؛ (4) الطلمة (15: 33- 36)؛ (5) موت يسوع وصدى موته (15: 37- 39)؛ (6) ذكر النسوة القديسات (15: 4- 41).
إن ما يحيط بالخبر (حدث سمعان في البداية، ذكر النسوة في النهاية) قد يشير إلى مشاركة في آلام يسوع. ولكن التفاصيل التي جاء بها مرقس تتخذ اتجاهاً آخر: أورد مرقس اسماء: اسم ابني سمعان (اسكندر، روفس)، اسم عدة نساء (مريم المجدلية، مريم أم يوسى). إن هذه الأسماء تكفل حقيقة الأحداث. إنها تحيلنا على شهود نستطيع أن نسألهم. إن مرقس يعلن أحداث الخلاص. هي أحداث محيرّة ولكنها مسجّلة بشكل موضوعي في التاريخ البشري.
ووليْ الخبر يتّجه في خط معيّن. فقد اهتم مرقس بترتيب التفاصيل التي تحمل معنى والتي يقدمها له التقليد الإنجيلي. فليس من قبيل الصدف أنه وضع لقب "ملك اليهود" (15: 26) بين إشارتين إلى الصلب (15: 25- 27). فهذا اللقب (كما لاحظناه) يمئز المحاكمة الرومانية (15: 2، 9، 12، 18). وفعل "صلب" يتوزّع المحاكمة عينها (15: 13، 14، 15، 20). ووضع يسوع بين لصين (15: 27)، هو قريب من وضعه مع المفتن برأبا (15: 6- 15).
نحن هنا إذن أمام خاتمة المحاكمة الرومانية. فالمفارقة التي صوّرت في الكلمات، صارت الآن واقعاً قائماً في ذاته. لقد عرف يسوع أنه "ملك اليهود"، ولكن في سياق يتعارض كل المعارضة مع كرامته: عري كامل (إنتزعوا عنه حتى ثيابه، 15: 24)، ذلّ إلى آخر حدود الذلّ (رفيقاه لصان)، عجز المحكوم عليه الذي سيموت.
وتتواصل سلسلة الهزء ببساطة في مشهد الصلب. ولكن اتجاهها يختلف عن تلك التي سبقتها. هي لا تعود إلى المحاكمة الرومانية، بل إلى المحاكمة اليهودية فتسترجع كل عناصرها تقريباً.
أول مجموعة من الهازئين هم المارون (15: 29): إنهم يقابلون قافلة شهود الزور. إستعادوا الإتهام الذي وجّه إلى يسوع حينذاك (15: 58): زعم يسوع أنه يهدم الهيكل ويعيد بناءه في ثلاثة أيام. والمجموعة الثانية هي مجموعة القضاة ("عظماء الكهنة والكتبة"، 15: 31؛ رج 14: 35). ذكروا السؤال الذي طُرح وقت الإستجواب وإعلان يسوع المسيحاني: "المسيح، ملك إسرائيل" (10: 32؛ رج 14: 61- 62). غير أن مرقس لا يذكر هنا البنوّة الإلهية: لقد احتفظ بهذا العنصر الحاسم للإنقلاب الأخير مع قائد المئة (15: 39).
الإطار هو إطار هزء. والوقائع لا تتماشى مع ما يُنسب إلى يسوع. من الوجهة البشرية، يجب أن ينزل يسوع عن الصليب (15: 30، 32). إذا أراد أن يؤسّس إعتباره بأنه يعيد بناء الهيكل الجديد، عليه الآن أن يفلت من الموت القريب، أن ينجّي نفسه من موت محتّم. وإذا أراد أن يبيّن سلطانه كمسيح، عليه أن ينتصر في هذه الساعة على خصومه. حينئذ نستطيع أن نؤمن به (15: 32).
يعرف الإنجيلي أن هذه الطريقة في النظر إلى الأمور هي خاطئة. ولكنه يترك الناس يعبرّون عنها بقساوة. معه نحتمل صدمة الواقع وننزل أكثر فأكثر إلى ظلمة السرّ.
حينئذ جاءت ساعة دينونة الله. هي لا تبدو أولاً كساعة تحرّر، بل كساعة ضيق مخيف. لقد صارت الظلمة كثيفة جداً (رج يو 2: 1- 2، 10؛ حب 3: 3، 11؛ عا 9: 9...). في هذا المناخ الثقيل، بدا صراخ يسوع (إيراد مز 22) وكأنه يعلن أن المجدّفين هم على حقّ. ليس هيكل أورشليم هو الذي تخلىّ عنه الله وهيأه للدمار، بل يسوع الذي تكلّم ضدّ الهيكل.
وتحملت بشرية يسوع شبه لعنة (وهذا ما يعارض التكريس). إنه سر ذروة المحنة التي هي شرط من شروط كمال العطاء. وهذه "اللعنة" تنتهي (هذا ما يدلّ عليه وليْ المزمور ويبيّنه وَليْ الإنجيل) في ملء وحي ابن الله. حين قبل يسوع مشيئة الله حتى النهاية، دلّ على أنه واحد مع الآب في الحّ. عطية يسوع للآب، عطية الآب ليسوع، عطية الله للبشر. كلّ شيء يتمّ في هذا الحدث الذي تكتنفه الظلمة.
لقد إختار الله "أن يسكن في السحابة المظلمة" (1 مل 8: 12؛ 2 أخ 6: 1). في هذه الساعة بقي كل شيء ملغزاً. والذين حضروا المشهد لم يفهموا شيئاً. وتبقى إمكانية خلاص وحيدة ليسوع. إنتظروها له ببعض الهزء، ولكنها لم تتحقق: هل يأتي إيليا ويخلّصه؟ إيليا "الذي عيّن ليهدئ الغضب" (سي 48: 10) لا يتدخل في شكل من الأشكال. فعلى يسوع أن يشرب الكأدس حتى الثمالة.
وأسلم الروح. يبدو أن كل شيء إنتهى في المعنى السلبي للكلمة. أي، كل شيء عاد إلى العدم. في الواقع، كل شيء إنتهى في المعنى الإيجابي للكلمة: كل شيء قد تمّ.
وحالاً حدثت علامتان تشهدان على تمام كل شيء. الأولى تعني الهيكل الذي انشقّ حجابه (15: 38). الثانية تقوم في فعل إيمان جعله موت يسوع يتفجّر من شفتي قائد المئة: "في الحقيقة، كان هذا الرجل ابن الله" (15: 39). قد تبدو هاتان العلامتان كلا شيء. ولكنهما حاسمتان كخاتمة كل شيء. إنهما تثبتان معنى الحدث بشكل غير متوقعّ، وذلك بانقلاب أخير عن طريق المفارقة.
ثانياً: وحي المسيح
إذا أردنا أن ندرك إدراكاً تاماً مدلول هاتين العلامتين في فكر الإنجيلي، يجب أن نتنبّه إلى العلاقات التي يقيمها تأليف الخبر بين هاتين العلامتين وبعض المعطيات من المشاهد السابقة. فمجمل الخبر هو الذي يحمل إلينا وحي المسيح (أو: وحياً عن المسيح). فبدون الخاتمة ظلّت العناصر السابقة معلّقة، فما استطعنا أن نصل إلى أي يقين في تفسيرها. ولكن مقابل هذا، تحتاج النهاية إلى هذه العناصر لتبرز بُعدها الحقيقي.
اً- شخص يسوع
ولنأخذ أولاً العلامة الأولى، العلامة "النهائية" النهائية، التي تعني شخص المسيح. إن إعلان إيمان قائد المئة الذي رأى كيف مات يسوع فأعلنه ابن الده (15: 39). هذا الإعلان يتجاوب من جهة مع هزء عظماء الكهنة الذين طالبوا لكي يؤمنوا بأن يروا يسوع ينزل عن الصليب (15: 32). ومن جهة ثانية صار هذا الإعلان سنداً للتصريح الإحتفالي الذي فيه أكد يسوع أنه ابن الله فقال: "سترون ابن الإنسان..." (14: 62). ولكن عظماء الكهنة هزئوا من هذا التصريح.
قد أدركنا خلال المحاكمة الأهمية الأساسية لهذا التصريح الإحتفالي. وها هي تتثبت بواسطة النهاية الأخيرة. فلنتوقّف الآن عند بُعدها التعليمي.
حين سأل عظيم الكهنة يسوع هل هو "المسيح ابن البار"، عاد بسؤاله إلى المواعيد المسيحانية. فالمسيح هو لقب الملك الذي يُمسح بالزيت ويُرسل إلى خلاص شعبه. أما بنوّة المسيح الإلهية فقد أعلنها المزمور الثاثي وأنبأ بها قول ناتان (2 صم 7: 14).
طُرح السؤال على يسوع، فأجاب بالإيجاب (أنت قلت). ولكنه زاد حالاً تفاصيل تثبت بشكل أفضل معنى الألفاظ. إن سؤالى عظيم الكهنة يحتمل جواباً إيجابياً لا يجد فيه العالم اليهودي ما ينتقده فيه. ولكن يسوع أكّد أنه المسيح ابن الله في معنى حكم عليه السنهدرين (مجلس الشيوخ) بأنه يدلّ على التجديف (مر 14: 64؛ مت 26: 65؛ يو 19: 7؛ 10: 33). في الواقع، لقد اتخذ جواب يسوع ملئاً لا يصدّق، لأنه جمع في جملة واحدة عبارة مز 110 التي تعني المسيح، وعبارة دانيال التي تدلّ على إبن الإنسان. ولكن إن فصلنا العبارة عن الأخرى، لن نحصل على المعنى الذي نحصل عليه حين نجملهما.
يقع مز 110 في خطّ المسيحانية الداودية. إنه يدعو ملك صهيون لكي يجلس عن يمين الله. ولكن لا شيء في المزمور يشير إلى جلوس في السماء. فقد تفهم العبارة مشاركة أرضية في سلطان الله: فالملك الذي يقيم في صهيون (آ 2) يجلس على "عرش ملك الله على إسرائيل" (1 أخ 28: 5؛ رج 1 أخ 29: 23؛ 2 أخ 9: 8). لا شكّ في أن التقليد المسيحاني مال إلى التقريب بين الملك المسيح والله نفسه. واتجه إلى إعطاء المسيح أسماء إلهية (رج أش 7: 14؛ 9: 5- 6؛ 11: 1- 2؛ إر 23: 6؛ حز 34: 23) ولكننا لا نجد في العهد القديم نصاً يمنح المسيح مساواة حقيقية مع الله على المستوى السماوي.
أما رؤية دانيال فتقع في خط التقليد الجلياني، أي الظهورات العظيمة التي فيها يتجلىّ مجد يهوه. نستطيع أن نقزبها بشكل خاص من نصّ حزقيال الذي يصوّر الظهور الإلهي "في شكل بشر" كله نار ومعدن متقد (حز 1: 26- 28). حين نقابل رؤية دانيال مع سائر التيوفانيات (الظهورات)، نكتشف فيها عدة سمات لافتة: 
* ليست ظهوراً مجيداً لله على الأرض. بل هي مشهد يجري على المستوى السماوي، "على سحاب السماء" (7: 13).
* ويظهر على هذا المستوى شخصان لا شخص واحد. أولاً، "قديم الأيام" أي الله نفسه. هو جالس على عرشه كما في رؤية أشعيا (6: 1 ي) وحزقيال (7: 9). ثانياً، شخص هو "مثل ابن بشر" (7: 13) يتقدّم نحو القديم الأيام.
* في سائر التيوفانيات، لا يقترب الإنسان من الله إلا بالخوف والرعدة (خر 3: 6؛ أش 6: 5). أما هنا فلا يقال شيء مماثل عن ابن الإنسان. إنه يبدو على مستوى الله. يتقدّم إليه ويتسلم منه السلطان الإلهي (7: 14).
غير أن النبوءة بقيت غامضة. فدانيال لا يقول شيئاً عن "شبه ابن الإنسان" هذا: هل هو شخص حي، أم مجرّد فكرة؟ هل هو إنسان أم كائن إلهي؟ هل هو فرد أم جماعة؟ نرى في آ 18 أنه يمثّل "قديسي العلي"، ولكن كيف يمثلهم؟ أهو ملاكهم؟ أهو رئيسهم؟ أهو رمز لهم؟ ثم إن دانيال لا يقول إن هذا الشخص قد أعطي له أن يشارك الله في عرشه.
إن تصريح يسوع يتم الجمع بين النصين فيعلن انهم يرون "ابن الإنسان جالساً عن يمين القدرة وآتياً مع سحاب السماء" (مت 14: 62). هذا الدمج بين التقليدين يشكّل وحياً جديداً. ويستبعد المعنى المجازي للنق الأول كما للنصّ الثاني.
من جهة، ابن الإنسان (دا 7: 13) لما يعد ظهوراً سرياً، بل إنساناً حقيقياً. هو نسل داود الذي فيه تتحقّق النبوءات المسيحانية (مز 110). ومن جهة ثانية، إن الجلولس عن اليمين (مز 110) لا يدلّ فقط على كرامة ملوكيةّ هي صورة أرضية لملك الله، بل على هذا السلطان الالهي نفسه لأنه يمارس على المستوى السماوي (دا 7: 13). وهكذا أكّد يسوع، جواباً على سؤال عظيم الكهنة، أنه "ابن الله" في معنى يتجاوز النظريات المعروفة وأعلن أن بنوّته ستظهر بممارسته سلطانه الإلهي بحصر المعنى. هذا ما يثير الإتهام بالتجديف الذي يحرّك الباقي كله: قرار السنهدرين، معاملة سيئة، تسليم إلى بيلاطس. وفي النهاية الموت على الصليب.
إن هذه السلسلة من النتائج تبدو وكأنها تعارض تصريح المسيح (كما قلنا). فكيف تتوافق مظاهر الهزء مع وضع الله المتعالي أو مع كرامة المسيح الداودية الذي سيكون ذاك المنتصر حسب النبوءات؟ في الواقع، ليس التعارض إلا في الظاهر. فانحدار يسوع يشكّل تحقيق تقليد نبويّ ثالث، بل هو يجعل الضم بين التحقيقين الآخرين أمراً واقعاً.
هذا التقليد الثالث هو ذاك الذي يشهد على ضرورة الذبيحة. الشخصية وخصبها في إطار مخطّط الله. أساسه هو تاريخ رجال الله: اسحق الذي سيق إلى الذبح، يوسف الذي باعه اخوته فصار مخلّصهم، موسى الذي نبذه أولئك الذين جاء يحرّرهم، الإنبياء المضطهدون، الأبرار المتألمّون الذين ملأت صلواتهم سفر المزامير. هذه السلسلة الطويلة من الوجوه البيبلية وصلت إلى نبوءة عبد يهوه الذي انحدر انحداراً حيرّ الحاضرين، فأعطى حياته ذبيحة (أش 53: 10) ونال هكذا تمجيداً مذهلاً (أش 52: 13) بعد أن برّر الكثيرين (أش 53: 11- 12).
إن إطار الذلّ والألم الذي يرافقه، لا يعارض تصريح يسوع الإحتفالي. بل هو الوسيلة التي تبدو بشكل مفارقة، والتي اختارها الله ليصل بقصده إلى التمام. وإذ أراد لمجده كابن الله أن يتغلغل تغلغلاً تاماً في طبيعته البشرية، وجب على هذه الطبيعة الموروثة من آدم أن تتحمل إعادة "حبّ" في بوتقة الآلام فتتّحد من أساسها بطاعة بنوية على الصليب.
ولكن شيئاً من هذا لا يظهر للوهلة الأولى. هي صورة معكوسة، هو الوجه السلبي الذي تعطينا إياه الأحداث عن السرّ. ولن يتفجّر النور إلاّ في أحلك وقت من الظلام: حين مات يسوع شهدت كلمة الضابط الروماني لبنوّته الإلهية. هذه هي أهم نقطة في شهادة مرقس.
- عمل المسيح
إنكشف شخص المسيح. وانكشف في الوقت عينه عمله. هذا هو معنى العلاقة الثانية التي هيّا لها مرقس الطريق تهيئة خاصة. فتمزّقُ حجاب الهيكل (15: 38) يتجاوب مع هزء المارين (15: 29) ويؤكّد بشكل غير متوقع صحة الإنباء الذي ورد في المحاكمة حول دمار الهيكل (14: 58).
في هذه الحالة كما في سابقتها، تأتي المقابلات الثلاث فتنير هدف الإنجيلي. حين لم يحتفظ مرقس من الشهادات العديدة الكاذبة التي أدليت أمام السنهدرين (14: 56) إلا بشهادة واحدة، فقد كانت له أسبابه. فمن خلال التقديم المغلوط (سأدمّر)، رأى نبوءة حقيقية (رج 13: 1). غير أن معنى هذه النبوءة لم يظهر في الوقت عينه. ولكن المسيحيين أدركوه فيما بعد على ضوء الصليب والقيامة. وهذا يعلنه يوحنا بوضوح (2: 21- 22). أما مرقس فيلقح إليه في إختيار كلماته وفي التقابلات داخل الخبر كما ألّفه.
إن الإنباء عن خراب الهيكل لم يكن تهديداً باطلاً. فعلامة تمزّق الحجاب تؤكد صحة هذا الإنباء. وتبّين في الوقت نفسه أن هذا الدمار إرتبط بموت يسوع. فبين جسد يسوع المائت وبين "هيكل صنعته الايدي" (14: 58)، يوجد تضامن سرّي. فلا نستطيع أن نضرب الواحد دون أن نصيب الآخر. بما أن الهيكل تنجّس بخطيئة البشر (مر 11: 17) فصار إلى الدمار، كذلك تحملت الموتَ طبيعةُ يسوع البشرية. ومقابل هذا، بما أن خطيئة البشر سبّبت موت يسوع، فالهيكل الأرضي أفرغ منذ الآن من جوهره. فلن يعود يستطيع أن يبقى قائماً. والنظام القديم للاشياء الذي كان قاعدته سيزول معه.
ولكننا لسنا أمام إلغاء بسيط. فلقد تضمّن الإنباء مرحلة إيجابية، ترتبط بشكل مباشر بالمرحلة السلبية، مرحلة الدمار. يجب أن يحلّ حالاً محل الهيكل القديم "هيكل" أخر لم تصنعه الأيدي. (14: 58). على الجلجلة، دلت كلمة الضابط الروماني على هذا الإرتباط، لأنها تتعلّق ببناء الهيكل الجديد. وتصوّر مسبقاً التصاق الوثنيين بالإيمان ودخولهم إلى الهيكل الجديد الذي هو "بيت صلاة لجميع الأمم" (رج مر 11: 17 الذي يورد أش 56: 7).
لا شكّ في أن الإنباء تحدّث عن مهلة ثلاثة أيام، فدلّ بذلك على سرّ القيامة. ولا شكّ أيضاً في أن الهيكل الذي لم تصنعه أيدٍ بشرية هو الجسد السري للمسيح القائم من الموت (رج يو 2: 19- 22). غير أن مرقس يفهمنا هنا أن موت يسوع نفسه هو الذي يولّد القيامة. فموت يسوع الذي هو عمل سام من الطاعة البنويّة (رج 14: 36)، يحقّق الوحدة التامة بين بشريته وبين الله، فيقود إلى تكوين الإنسان الجديد الذي كرّسه تكريساً تاماً حضورُ مجد الله (رج خر 40: 34؛ 1 مل 8: 10؛ 2 مك 2: 8). وبعبارة أخرى، إن هذا الموت يقود إلى القيامة، فيؤسّس بشكل إيجابي الهيكل الجديد الذي ندخل فيه بالإيمان.
ونودّ هنا أن نكتشف العلاقات الموجودة بين موضوع الهيكل والتيارات الثلاثة التي اكتشفناها أعلاه في التقليد البيبلي: التيار المسيحاني، نبوءة عبد الله المتألم، نبوءة دانيال.
هذه العلاقات هي أوثق ما يكون مع التيار المسيحاني. فحسب الخبر البيبلي، إن قول ناتان الذي نجده في أساس انتظار المسيح، قد قيل جواباً على نية داود بأن يبنى بيتاً للرب. ليس داود هو الذي يبني بيتاً لله، بل الله هو الذي يبني بيتاً لداود، "فيقيم" له نسلاً. وهذا النسل هو ابن داود الذي عرف كابن الله، وهو الذي سيبني هيكلاً لله (2 صم 7: 2- 17). 
بعد هذا، لم تغب البتة العلاقة بين ابن داود وهيكل الله في تقليد إسرائيل. فالهيكل والسلالة متضامنان تضامناً وثيقاً. والكارثة الوطنية (587 ق م) التي أنبأ بها إرميا (21: 11- 22؛ 9؛ 26: 1- 15) قد ثبّتت بشكل مأساوي هذا المصير المشترك (بين الهيكل والسلالة) وحوّل النظرة تحويلاً عميقاً فادخل في الموضوع الحقبة السلبية، حقبة دمار الهيكل وسقوط السلالة التي لن تقوم لها قائمة من بعد.
ولكن عبر الدمار احتفظ وعدُ الله بقيمته. هذا ما أكّده إرميا (33: 14- 22). وسيقدّم حزقيال بدوره في نبوءة واحدة إعلان الملك المسيحاني وإعلان إقامة الهيكل بيد الله (حز 37: 5 2- 28). وبعد العودة من المنفى سيبدأ شخص من نسل داود (اسمه زربابل) بإعادة بناء الهيكل (عز 3: 1 ي؛ 5: 1 ي؛ زك 4: 9). وحين يتأمل المؤزر (دوّن 1 أخ، 2 أخ، عز، نح) في تاريخ إسرائيل، فهو يركّزه كله على هذين الموضوعين: سلالة داود وهيكل أورشليم.
إن خبر الآلام يشكل نهاية هذا التقليد الطويل ويجمع كل عناصره جمعاً عجيباً. ففيه لا ينفصل موضوع الهيكل عن الموضوع المسيحاني. والحقبة السلبية لدمار الهيكل وإذلال المسيح، تهيّئ، على سبيل المفارقة، الحقبة الإيجابية، حقبة تمجيد المسيح وإعادة بناء الهيكل. في سرّ الآلام، أظهر الابن الذي أعطاه الله لداود، أنه ابن الله وأعاد بناء بيت الله. فالتمجيد والبناء هما شيء واحد، لان الهيكل الجديد (كما قلنا) هو بشرية المسيح الممجّدة.
حين نستعيد موضوع الهيكل في العمق، فهو يلتقي ونبوءة عبدالله المتألمّ: حقبة الدمار توافق الآلام. وحقبة إعادة البناء توافق تمجيد عبد الله وخصب ذبيحته.
أما العلاقة مع نبوءة دانيال، فتثبتها عدّة نصوص بيبلية تربط الهيكل بتقليد التيوفانيات (خر 40: 34؛ 1 مل 8: 10؛ 2 مك 2: 8).
وهكذا نفهم أن هذه الجمل القليلة التي أوردها مرقس، تحدّد على الجلجلة موقع تتميم مخطّط الله، ونقطة التقاء التقاليد البيبلية ودمجها. وبما أن حدث الجلجلة يحقق في الوقت عينه نبوءات ما كنا لنظن أنها تتلاقى، فيتجاوز كل انتظار بهذه الشميلة الحياتية غير المنتظرة، فهو يحمل طابعاً إلهياً. إنه يكشف لنا عن شخص ابن الله وعمله.
ثالثاً: الدفن
من الواضح أننا لا نستنتج أنه بما أن موت المسيح كان الصدمة التي منها تفجّر النور، نتوقف هنا مع الخبر ونترك القيامة. هذا لا يعني أننا لم نفهم شيئاً من هدف الإنجيلي. فموت المسيح لم يبدُ له نقطة وقوف، بل نقطة إنطلاق، ولا هذا يقوم معناه وعظمته. فالعلامتان اللتان دلّتا على خصبه، تكشفانه الآن كاندفاع إنتصار نحو القيامة.
إن ذكر النسوة (15: 40- 41) يوجّه القارئ في الخطّ عينه. فهو يدلّ مسبقاً على اقتراب القيامة. فالأسماء التي قرأناها هنا هي التي سنجدها في بداية خبر القيامة (آ 1: 1) "مريم المجدلية، مريم ام يعقوب، سالومة" أم يعقوب ويوحنا.
ويثبت خبر الدفن الرباط عينه بين الموت والقيامة. فهذا الخبر يشهد بشكل واضح لواقع الموت، خصوصاً عند مرقس الذي يسير إلى "تحقق من الموت" ويستعمل لفظة يونانية (بتوما) تدلّ على "جثة الميت" (15: 44- 45). وهو يؤكّد في الوقت عينه ان تبدّل الوضع بدأ منذ الآن: لم نعد أمام إشارة ذلك أو عار. بل هناك شخص وجيه في المجلس (15: 43). أسمه يوسف الرامي. هو الذي يعتني بإعطاء يسوع دفنة تليق به. هو لا يخاف من أن يخسر "سمعته". إن الذي يتكلّم لدى بيلاطس، ليس من خصوم يسوع، بل هو رجل "ينتظر ملكوت الله". إن نهاية الخبر قد قادت القارئ إلى القبر وسمّت مرة أخرى مريم المجدلية ومريم أم يوسى، فهيأته لاكتشاف سيتتم صباح القيامة.
ب- متّى: نهاية زمن قديم وولادة الكنيسة
يبقى علينا أن نتفحّص كيف تكلّم متّى ولوقا عن الأحداث عينها. لا يختلف تأليف متّى اختلافاً كبيراً عن تأليف مرقس. فنحن نجد ذات التوافقات الداخلية. فكما عند مرقس، يحيط بخبر الصلب وموت يسوع ذكُر سمعان القيريني من جهة، وذكُر النسوة القدّيسات من جهة أخرى. سيكون متّى موجزاً حين يتكلّم عن سمعان، ولكنه يرتّب جملته ترتيباً أفضل حين يتكلّم عن النسوة القديسات.
وكما عند مرقس، فالصلب يرتبط بالمحاكمة الرومانية وفيها نجد لقب "ملك اليهود" (27: 37). أحاطت مظاهر الهزء بإشارتين إلى اللصين: فتوزّعت على الشكل التالي: المارّون، السلطات اليهودية. واستعادت عناصر المحاكمة اليهودية: كلمة عن الهيكل، اعلان المسيحانية. وصوّرت ساعات الظلمة كما عند مرقس. وتبع موت يسوع كذلك تمزّقُ حجاب الهيكل واعتراف الإيمان لدى الضابط الروماني.
إذن، ظلّت الرسمة هي هي وقدّمت مضمون الوحي عينه. ولكن ادخل متّى بعض التفاصيل المختلفة فجاء أكثر وضوحاً من مرقس. فشدّد (أكثر من مرقس) على تتمة الكتب المقدسة: فالشراب المرّ الذي قدّم ليسوع حين وصل إلى الجلجلة، والذي سمّاه مر "خمراً ممزوجة بمرّ"، أعطى المناسبة لمتى حتى يذكر مز 69 جاعلاً "المرارة" محلّ المرّ (27: 34؛ رج مز 68: 22 حسب السبعينية، 69 حسب العبرية).
وزاد متّى إيراداً ثالئاً على الإيرادين المأخوذين من مز 22 (إقتسام الثياب، صراخ التخلي): إستفاد من هذا المزمور فكمّل الحديث عن عبارات الهزء الموجّهة إلى يسوع: "توكل على الله. فلينقذه الآن إن كان راضياً عنه" (27: 43: رج مز 22: 9). وإضافة هذه الجملة من المزمور على نهاية النصّ، تعطي القارئ المسيحي "المفتاح" ليفهم ما سبق. فهي تدلّ أن على علامات الإحتقار التي ذاقها المصلوب، أن توافق إنباءات الكتب المقدسة، وتؤكّد ساعة الخلاص القريبة. فالمزمور يقول إن الله نجّى "البار" الذي يدلّ هنا على يسوع المسيح (مز 22: 23- 32).
إحتفظ متّى بلقب ابن الله لساعة النور الأخيرة. أما متّى فذكّرنا به فرات عديدة خلال خبر الآلام (27: 40، 43، 54). فبنوّة يسوع الإلهية هي المعطية الأساسية التي يرتبط بها كل ما تبقى. أي: دمار الهيكل وإعادة بنائه، إنتصار المسيح المصلوب، تدخّل الله من أجله.
أخيراً، نسّق متّى بشكل رهيب ردّات الفعل على موت يسوع، فأبرز البعد الاسكاتولوجي للحدث. فأضاف على تمزّق حجاب الهيكل زعزعة كونية (رجفت الأرض، تصدّعت الصخور) لكي يدلّ على نهاية الزمن القديم. وأبرز حالاً مجيء الزمن الجديد حين أشار إلى قيامة موتى عديدين. وارتبط إعلان إيمان قائد المئة بهذه الزلزلة، فامتدّ إلى رفاقه، وهكذا برز مدلول هذا الإعتراف الإيماني: لم نعد أمام ردّة فعل محصورة في فرد واحد، بل أمام بداية حركة إرتداد ستتخذ أبعاداً واسعة فتصل إلى أقصى الكون.
خلال المحاكمة اليهودية، تضمّن تصريح يسوع عند متّى عبارة "منذ الآن" (26: 64) التي لا نجدها عند مرقس. إن معنى هذا التفصيل يستنير بخبر موت يسوع. فمتّى يبيّن أن هذا الموت هو الحدث الحاسم الذي بدأ تحقيقَ كلمات يسوع التي هي قمة كل الإنباءات النبوية: "منذ الآن" يتمّ تنصيب يسوع مسيحاً، وبنوّته الإلهية تتجلىّ فينال للبشرية الوثنية أيضاً، الدخول إلى الهيكل الجديد والإتحاد بالله. ومرّة أخرى، يطبع الإتجاهُ التعليمي والكنسي عند متّى مجملَ خبره ويتيح له أن يدرك ملئه العجيب. 
وضمّ متّى إلى خبر الدفن الموجز (والشبيه بخبر مرقس) حدثاً فيه يجد هذا الإتجاه المضاعف مناسبة أخيرة لكي يعبرّ عن نفسه: حراسة القبر (27: 62- 66). القائمون بهذا العمل هم "عظماء الكهنة والفريسيون" الذين يمثّلون شعب العهد القديم. في عملهم هذا، عارضوا "تلاميذ يسوع". نحن هنا في موضوع كنسي.
ونقطة الخلاف هي قلب تعليم الكنيسة: الإيمان بالقيامة. وقد أعطي عنه عبارتان. الأولى تذكر إنباء يسوع (27: 63). الثانية تستبق الشهادة الرسولية (27: 63). حين أورد متّى هنا هذا التقليد (الذي نُدرك بعده الدفاعي في المقطع الذي يكمّله، 28: 11- 15) أبرز بشكل أفضل العلاقات الوثيقة التي تربط الآلام بالقيامة: وهكذا عبرّ بشكل واضح عن الوجهة التعليمية.
ج- لوقا: فاعلية الصليب من أجل التوبة
إختلف لوقا عن متّى، فابتعد بعداً كبيراً عن رسمة مرقس. لقد أراد أن يبرز وجهات أخرى للأحداث. إن لوقا يكتب هنا، كما فعل فيما قبل، "إنجيل التلميذ".
ما يحيط بالخبر يدلّنا على معناه. هو لا يقدّم لنا سمعان القيريني والنساء القديسات كشهود جديرين بأن يكفلوا الوقائع، بل كنماذج تجتذب المسيحي لكي يشارك بشكل أقرب في آلام مخلّصه. حين محدّث لوقا عن سمعان القيريني، لم يتحدّث عن "السخرة". بل اختار كلمة لها معنى أعمّ: "كلّفوه". وهذه اللفظة تستعمل من أجل مهمة تسلّم إلى شخص، كما من أجل عمل شاق. ووليْ الجملة هو عبارة الالتزام المسيحي: كلّفوه بأن "يحمل صليبه وراء يسوع" (23: 26؛ رج 9: 23؛ 14: 22). وهكذا شكلت صورة سمعان لكل تلميذ، تذكيراً بدعوته لاتباع المسيح حقاً.
أما النساء القدّيسات فلم تُذكر اسماؤهن، ولم يلفت لوقا نظرنا إلى هويتهن، بل إلى موقفهن. هن جزء من مجموعة الأصدقاء. "كن يقفن هنا"، و"ينظرن" (23: 49). إنهن نموذج الشخص المتأمل. وحضورهن يدعو القارئ ليختلي هو أيضاً ويتأمل.
وإهتم لوقا بإبراز هذه الإشارات. فحالاً بعد أن ذكر سمعان، دلّ على جمع كبير يتبع يسوع ونساء ينحن. أما الأقوال التي وجّهها يسوع إليهن، فتتضمن نداء إلى التوبة. "لا تبكين عليّ، بل ابكين على انفسكن". وهذا النداء يرافقه تحذير من عقاب الله: "إن كانوا قد فعلوا هذا بالعود الرطب، فماذا يكون بالعود اليابس" (23: 27- 31).
وأبرز لوقا أيضاً النهاية: "وأما الجماهير الذين كانوا محتشدين على هذا المنظر، فلما عاينوا ما قد جرى، رجعوا كلهم وهم يقرعون صدورهم" (23: 48). إن هذه الفعلة الأخيرة توافق الموقف الذي طلبه يسوع من بنات أورشليم. وكان التفصيل السابق قد هيّئ خلال الخبر: ففي ساعة الصلب، لاحظ لوقا أن الشعب كان واقفاً هنا ينظر (23: 35).
ويعطي يسوع للتلميذ الذي ينظر إليه على الجلجلة، مثال غفران الذنوب: "يا أبتِ، إغفر لهم لأنهم لا يدرون ما يصنعون" (23: 34). نجد هنا تتمّة وصيته بأن نحب الأعداء، وهذه الوصية قد شدّد عليها لوقا تشديداً خاصاً (6: 27- 36؛ 17: 3). فاسطفانس، أول الشهداء، سيدخل في ذات الطريق بالسخاء عينه (أع 7: 60).
وترتيب تعابير الهزء حسب نظام مختلف، يدلّ على منظار جديد. نلاحظ أولاً تدرّجاً منحدراً في كرامة الأشخاص. أولاً جاء "الرؤساء" (23: 35) الذين يذكّروننا بحكم المحكمة اليهودية: "فليخلّص نفسه إن كان هو مسيح الله المختار". وبعدها اقترب "الجند" الذين استعملوا تسمية المحكمة الرومانية: "إن كنت ملك اليهود" (23: 36 ي). في هذا الموضع جعل لوقا حدث الخل الذي أعطاه الجنود ليسوع، وأشار إلى الكتابة التي تتحدّث عن "ملك اليهود" (23: 37).
وجاء أخيراً دور اللصين. أن يكون يسوع نال الإحتقار من رفيقي آلامه، فهذا آخر الذلّ. ولكن حدث هنا تبدّلٌ في الوضع: رفض أحد اللصين أن يشارك رفيقه في "كيل" الشتائم ليسوع. فاعترف بخطأه وخطأ صاحبه، وأقرّ ببراءة يسوع. وعبرّ عن إيمانه في صلاة متواضعة. فأجاب يسوع على هذا الإيمان معلناً له أن طلبته استجيبت في اليوم عينه: "اليوم تكون معي في الفردوس" (23: 43).
بهذا الشكل دلّ لوقا على فاعلية ذبيحة يسوع: فصليب يسوع حوّل العالم مولّداً فيه توبة النفوس، وفاتحاً الفردوس. كل واحد منا مدعوّ مع اللص لكي يتأمّل في آلام يسوع ويقوم بفحص ضمير: "نحن عقابنا عدل. نلناه جزاء ما عملنا. أما هو فما عمل سوءاً" (23: 41).
فجّر صليب يسوع التوبة. وفجّر أيضاً تجديداً لا يصدّق في ثقة اين منها ثقة الأطفال: "يا يسوع، اذكرني متى جئت في ملكوتك" (23: 42). ودلّ جواب يسوع على أن هذه الثقة مؤسّسة أساساً عميقاً: فالمصلوب يفتح باب الرحمة على مصراعيه (رج 6: 36؛ 15: 1 ي؛ 18: 9- 14). إنه يحقق، ولكن على مستوى آخر، ما تحدّاه اللصّ الأول أن يفعل: "خلّص نفسك وخلّصنا" (23: 39).
وساعةَ الموت، تضمّن خبز لوقا أيضاً تبديلاً في الترتيب حوّل معنى التفاصيل. فهو يسير في الوقت عينه إلى تمزّق حجاب الهيكل وإلى ظلمة الساعة السادسة. فصلهما مرقس فشكلا عنده الإعلان (الظلمة) ثم الشهادة (تمزق الحجاب) عن حكم الله. أما عند لوقا فدلاَّ على حداد شامل عمّ الكون (23: 44- 45).
حين مات يسوع أعطى مثال الإستسلام الكامل بين يدَي الآب. هذا الموقف الذي عبرّ عنه بواسطة مز 31: 6 (لو 23: 46)، يقدّم بشكل نهائي صورة عن العبر التي نقلها إلينا لوقا. إختلف لوقا عن متى ومرقس فلم يقل مرّة ثانية على الصليب إن يسوع هو ابن الله. ولكنه بيّن بوضوح كثر منهما موقف يسوع البنوي الذي يموت وهو يتلفظ باسم "الآب" (23: 46؛ 2: 34). وهكذا شدّد لوقا حتى النهاية على المثال الذي أعطاه يسوع. حينئذ جاءت دهشة الروماني فلاحظت أن "هذا الرجل كان باراً" (23: 47).
إن الآيات الأخيرة (آ 44 ي. سبق وتحدّثنا عنها) تسير في خطّ حدث اللص الصالح. لا يسير لوقا إلى إحلال زمن جديد محل زمن قديم. ولا يعطي في خبره الأهمية التي أعطاها متّى ومرقس لموضوع الهيكل. كما لم يظهر اهتمامه بالإشارات الاسكاتولوجية. ولكنه تنبّه إلى تأثير الأحداث في قلوب الناس. وإلى كل ما يمسّ العلاقات الشخصية مع المسيح. لهذا أنهى كلامه ذاكراً موقف التأمل، مشدداً على فاعلية الصليب من أجل إرتداد القلوب (23: 48- 49).
وحين روى لوقا الدفن، شدّد على المستوى الخلقي عند يوسف الرامي (رجل تقي صالح) (23: 51)، على تفاني النساء القديسات اللواتي هيأن حالاً الطيوب والحنوط (23: 56). إن هذه الإشارة الأخيرة تهيّئ بشكل مباشر خبر القيامة.
خاتمة
إن دراسة أخبار الآلام قد ثبتّت ملاحظاتنا الأولى، على ما نظنّ، وأعطتها مكانة في الواقع. فالإزائيون الثلاثة قد استفادوا من المواد التي تسلّموها من التقليد، فاستغلّ كل واحد غناها بطريقته استغلالاً مدهشاً: شدّد مرقس على صدمة الواقع ودلّ متى على المسيح في نور الإيمان وحدّد وضع الكنيسة. وتأمّل لوقا في العلاقة الشخصية مع الرب يسوع.
لم يعرض أحد من الثلاثة آلام وموت يسوع كأحداث سلبية. فالموت على الصليب لا يبدو فشلاً ألغاه بسرعة انتصارُ القيامة. لا يبدو حدثاً مؤسفاً يجب أن ننساه بسرعة، بل يشكّل الموت تحقيقاً إيجابياً أتمّ الكتب فكشف شخص يسوع وأكمل عمله.
لقد تمّ الإنتصار المسيحاني (مز 110)، ورجاء جلياني بظهور حاسم لله (دا 7). فألم الأبرار وجد خاتمته الكاملة (مز 22). حين قبل يسوع أن يكون عبد الله الذليل (مز 53)، دخل في مجده. لا مجد مسيح أرضي، بل مجد ابن الله. وفي الوقت عينه، تحوّل الوضع الديني للبشر: فالهيكل المادي ترك المكان لهيكل حي وروحي يدخل فيه المؤمنون حقاً ليتّحدوا بالله. 
وهكذا استنار الإنجيليون بنور القيامة فرأوا في موت يسوع نفسه العمل الذي يحوّل عالمنا فيفتحه على مجد الله. لم ينتظر متّى ومرقس ولوقا القيامة لكي يشهدوا لبناء زمن جديد: موت يسوع هو بداية هذا الزمن. رآه مرقس من خلال علامتين. وأعلنه متّى فصوّر زلزلة كونية. وأشار لوقا إلى ارتداد القلوب.
ينتج عن هذه النظرة الإيمانية، فكرة حياة مسيحية نجدها في كل أسفار العهد الجديد. حين يرجو المسيحي سعادة سماوية، فرجاؤه لا يقوده إلى أن يهرب من الواقع المؤلم والمذلّ الذي يجده في العالم الحاضر. والمسيح لا ينتظر في وضع منفعل تدخّل الله الذي يخرجه بضربة سحرية من وضعه، فالإيمان لا يبعدنا عن الواقع. والمسيحي يهتم يوماً بعد يوم بأن يلتقي في واقع الحياة الوضيع والمحيرّ، مع تدخّل الله الخفي والحاسم.
هو يعرف أن عليه أن "يمرّ بمضايق كثيرة ليدخل إلى ملكوت الله" (أع 14: 22). ويعرف أن المشاركة في مجد المسيح تتضمن المشاركة في آلامه (روم 8: 17؛ 2 كور 4: 10- 11؛ فل 3: 10- 11؛ 1 بط 4: 13). ولهذا، فالمحبة لا تهدم ثقته وافتخاره، بل تؤمّن له أساساً ثابتاً. "فالله سكب محبته في قلوبنا" (روم 5: 2؛ رج يع 1: 2- 4؛ عب 12: 7، أ ع 5: 41).

 

 

 

القسم الخامس
حدود الإنجيل
ونصل إلى نهاية الإنجيل بحسب مرقس، إلى حدود الإنجيل. إنتهت مرحلة ما قبل الموت. وبدأت مرحلة ما بعد القيامة وإنطلاق الشهود إلى العالم أجمع. نجد في هذا القسم أربعة فصول هي:
1- نهاية الإنجيل وبداية الخبر السعيد، 16: 1- 20- 
2- النساء عند القبر، 16: 1- 8.
3- ظهورات القائم من الموت، 16: 9- 13. 
4- البشارة إلى الناس أجمعين، 16: 14- 20.

 

 

الفصل الثالث والأربعون
نهاية الإنجيل وبداية الخبر السعيد
16: 1- 20
1- موقع هذا النصّ
لا يُعتبر الفصل الأخير في مرقس "نهاية سعيدة" لحياة دراماتيكية مؤلمة، ولا نهاية لفترة موقّتة عاشها يسوع على الأرض قبل أن يعود إلى السماء. إرتبط "خبر" القيامة إرتباطاً وثيقاً بخبر الحاش (والآلام)، فأوضح بشكل حاسم بُعد التيوفانيا (الظهور الإلهي) الذي تجلىّ في مشهدي النزاع وموت يسوع. فالذين عرفوه وقاسموه حياته على الأرض، بدا لهم ذاك الذي مات على أنه افي والمرسل، على أنه الإنجيل قولاً وفعلاً.
دلّت المرحلة الرابعة في الإنجيل على الأهمية التي اتّخذتها قيامة المسيح في صورتها المسبقة في مشهد التجليّ، وفي الانباءات المثلّثة حول مصير ابن الإنسان. بعد هذا، نفهم تحفّظ مر في الحديث عن القيامة. إذا أخذنا بالخاتمة القصيرة، نرى أنه لا يخصّص إلاّ ثماني آيات حوله زيارة النسوة إلى القبر والبلاغ الذي طلب منهن أن يحملنه. نحن هنا أمام أقدم خبر حول هذا الموضوع. وهناك الخاتمة الطويلة (12 آية) التي غابت من عدد من المخطوطات، فجاءت خلاصة لأخبار القيامة كما عرفناها خاصّة في إنجيل لوقا.
2- تقديم النصّ
إن الالتباس الذي اكتشفناه عبر أخبار الحاش، سنجده في أخبار القيامة. فنحن نتساءل كيف نفسرّ هذا التعليم وكيف يكون لنا حامل رجاء.
هناك متتاليتان. الأولى: خاتمة مر القصيرة (16: 1- 8). والثانية الخاتمة الطويلة (16: 9- 20) التي قد يكون زادها على الإنجيل أحد تلاميذ مرقس. هي كلمة الله، شأنها شأن كل ما دوّن في مر. هي نصّ قانوني بمعنى أنه قاعدة ايمان. ولكننا نجهل مؤلّفها، فنقول: هي نتاج كنيسة رومة في خطّ ما علّمه بطرس وكتبه مرقس ولوقا ومتى ويوحنا.
أ- بلاغ القيامة (16: 1- 8)
صوّر مر مسيرة النسوة الثلاث اللواتي جئن يحنّطن جسد يسوع "بعد أن انقضى السبت". ارتدت زيارتهن إلى القبر الحيرة والاضطراب بسبب ما وجدن: شاب جالساً عن اليمين ينقل إليهن بلاغاً يحملنه إلى التلاميذ. تمّ فيهن انقلاب تام، ولكنهنّ لم يستطعن أن يتجاوزن الخوف الذي اعتراهنّ. 
ب- ظهور القائم من الموت (16: 9- 20)
قلنا فيما يتعلّق بخاتمة مر، إن التقليد المخطوطي متردّد. فالنصّ الذي نقرأه الآن ليس من يد مرقس. ولكنه يعتبر جزءاً لا يتجزّأ من الأناجيل المقدّسة. لهذا نسمّيه "الخاتمة القانونية".
3- من النصّ إلى يسوع
تفحّص شّراح عديدون الأخبار الإنجيلية حول القيامة. وقابلوا النصوص لكي يدركوا البنية الأصلية، وتطوّر التقليد، والوضع الكنسي الذي تكوّنت فيه هذه الأخبار.
كلنا يعرف الأهمية التي اتخذها إعلان القيامة في بداية الكنيسة: هذا ما نجده في خطب أعمال الرسل (2: 22- 24، 30- 36؛ 3: 14- 15؛ 5: 30- 32؛ 10: 39- 41؛ 13: 32- 33). فهناك طروح الكرازة وإعترافات الإيمان والأناشيد الليتورجيّة. وكل هذا يجد صداه في تعبير تقليدي حول الايمان بالمسيح القائم من الموت، تعبير قديم جدّاً نقرأه في 1 كور 15: 1- 11. فلقد بيّن الشّراح أن هذه النواة الأولى للاعتراف الإيماني (1 كور 15: 3 ب- 5) تعود إلى ما قبل الرسالة التي دوّنت، على ما يبدو، سنة 57. فبولس قد استعادها (كما في 1 تس 1: 9- 10؛ روم 1: 1- 5) من تقليد كان ثابتاً قبله، تقليد يعود بنا إلى عشرين سنة بعد موت المسيح.
وإذا عدنا إلى الأناجيل، كان خبر مر هو الأقدم (16: 1- 8). سيصيغ متى ولوقا ويوحنا أناجيلهم في نصّ أوسع، ولن نستطيع أن نعرف المراجع التي لجأوا إليها وكيف أفادوا منها. أما الخاتمة المضافة في مر 16: 9- 20 فتبدو مرتبطة بوثائق نجد آثارها بشكل خاص في لو.
ونعود إلى نصّ مر. هل نكتشف آثار التقليد فنستشفّ الأحداث التاريخية التي جرت في أورشليم حوالي عيد الفصح في سنة 30؟ سنحاول أن نكتشف بعض المحطات في دراسة تاريخية، ثم نعود إلى العناصر البنيوية. وهكذا نصل إلى الخطوط اللاهوتية الكبرى في إنجيل مرقس.
أ- تكوين النصّ
أولاً: الخاتمة القصيرة (16: 1- 8)
نتوقّف أولاً عند 15: 1- 8. إن تفحّص خبر زيارة النسوة الصباحية إلى القبر يطرح سؤالين على المستوى الأدبي: إن التحديدات الزمانية في آ 2 تبدو غير متماسكة. فتبدو صعبة على الشّراح. ثم إن الآيتين الاخيرتين (آ 7- 8) تدلاَّن على فجوة في المسيرة الدراماتيكية للخبر. لهذا يرى عدد من الشّراح أن آ 7 (مثل 14: 28 الذي إليه تعود) هي إضافة جعلها الإنجيلي هنا ليدلّ على أن الشاب في اللباس الأبيض يتكلّم باسم يسوع ويستعيد مقاله.
نستطيع أن نتساءل: أما أدخل مرقس معطيات من مصادر مختلفة لا تتوافق مع المستوى المنطقي للخبر، بل مع أهمية "اللافهم" الذي نجده في سائر الإنجيل؟ والنهاية المفاجئة للخبر (لم يقلن لأحد شيئاً) تدلّ على أن الكاتب أراد أن يبرز تقليداً آخر غير تقليد الظهور لبطرس وللتلاميذ: هو تقليد خبرة النسوة التي لا تشير إليها خطب أع و1 كور 15.
وطُرح سؤال آخر: هل ارتبطت في البدء أخبارُ الزيارة إلى القبر والظهورات، بخبر الحاش والآلام؟ إن البنية الأولى للكرازة وإعلان الإيمان (كما في الانباءات بالحاش: أسلم، مات، دفن، قام) تدلّ على التواصل. ثمّ إن حدث الدفن وحدث المجيء إلى القبر، لم يدوّنا، على ما يبدو، دفعة واحدة: فهناك تردّد حول هويّة النسوة ودورهن، بحيث نميل إلى القول بتقليدين مستقلين الواحد عن الآخر. فخبر صباح الفصح والقيامة لا يعود في أصله وبنيته إلى العبارات الكرازية التي ربطت ربطاً وثيقاً بين الحاش والقيامة.
هل نستطيع أن نحدّد المهد الذي فيه وُلد الحدث المتعلّق بالنسوة؟ إن التعبير المتعارض في البلاغ الفصحي (يسوع الناصري المصلوب، إنه قام، 16: 16) يذكّرنا بما في خطب بطرس (أع 2: 23- 24؛ 36؛ 4: 10). يذكّرنا بكنيسة أورشليم التي كلّفت بأن تقدّم يسوع القائم من الموت للذين رأوا يسوع وعرفوه كالمصلوب. في هذا المحيط نتصوّر تقديم بلاغ الشاب اللابس البياض: إن كلمة الرسل هي حقّاً كلمة الله.
ثم إن تشديد الخبر على موضوع القبر (ليس هنا. ها هو المكان الذي وُضع فيه. 16: 6 ب) يدلّنا على محيط أورشليم اليهودي، حيث تكرّم مدافن الانبياء والابرار تكريماً خاصاً: فالايمان بقيامة يسوع لا يمحو ذكرى موته ودفنه، بل يؤكّد نفسه بالنسبة إليهما فيعطي القبر عناية أكبر. لسنا فقط أمام قبر شهيد أو نبيّ مكزم، بل أمام المكان الذي يشهد لسرّ الخلاص. لهذا لفت نظرَ الشّراح تكاثرُ المعطيات الطوبوغرافية والكرونولوجية، فرأوا في أصل خبر الحاش والقيامة ليتورجيا فصحيّة مع حجّ إلى مواقع أحداث الخلاص الذي تمّ لنا بيسوع المسيح. هكذا تُفهم في إطار احتفال من الاحتفالات، الإشارةُ إلى مكان (قبر أورشليم) ويوم محدّد (يوم الربّ، يوم الأحد)، كما يُفهم تدخل شاب يُعلن الوحي الحاسم عن القيامة، وخوف النسوة وذهولهن أمام ما رأين.
يبدو أن تقليداً عبادياً أول في أورشليم، كان لحمة خبر مر الذي أضاف العنصر الأساسي والإشارة إلى الجليل. هكذا يربط الجليل بأورشليم من جهة (16: 7)، ويربطه برسالة يسوع العلنية على الأرض من جهة ثانية. أما صمت النسوة، فقد يكون معطية قديمة استعادها مرقس ووجّهها إلى قرّاء قد ينسونها. أما لوقا فلاحظ عدم نجاح النسوة لدى التلاميذ (24: 11- 24). وأدخل متّى بلاغ النسوة ليهيّئ الظهور الأخير في الجليل (28: 7- 16). والهدف (الغريب لا محيط شرقي) من تحنيط الجسد بعد يومين، يجد أساسه في عادة لدى الحجّاج (مازالت حاضرة اليوم عند بعض المسيحيّين) الذين يصبون العطور والحنوط على "حجر المسح".
مهما يكن هذا التردّد فى حول الأصول الملموسة للتقليد الفصحي وتاريخه، يجب أن نلاحظ أن النصوص تربط بإكتشاف القبر المفتوح والفارغ، إعلانَ سرّ يسوع القائم من الموت، إعلان كلمة الله في الألفاظ عينها التي عرفتها الكرازة الرسولية. وستكمّل "رواية" مر بأخبار جاءت من سائر الإنجيليين الخاضعين لإهتمامات أخرى.
إهتمّ متّى بالردّ على الأسطورة القائلة بأن التلاميذ سرقوا الجسد ورشوا الحرّاس (28: 11- 15). ثم أرانا المسيح الممجّد يرسل الأحد عشر إلى العالم كله (28: 16- 20). وبيّن لوقا اهتمامه بواقع القبر الفارغ (24: 3، 12، 24) فشدّد على أهمية التذكّر (24: 6- 8) لنكتشف أن يسوع هو حيّ. وأشار يوحنا إلى الطريق التي بها يصل الإنسان إلى الإيمان بالقيامة، وذلك عبر ردّات فعله الخاصة: بطرس والتلميذ الآخر (20: 3- 10). مريم المجدلية (20: 1- 2، 11- 18). توما (20: 24- 28). هذه النظرات تعطي المشهد عينه في النهاية، وجهات مختلفة.
وبمختصر الكلام، إن مجيء النسوة إلى القبر، يفتح متتالية إخبارية تشير إلى ولادة الايمان بقيامة يسوع. والواقع الحاسم هو شهادة القائم من الموت عن نفسه. هو يتراءى. يجعلهم يرونه. تركنا مرقس أمام سرّ كشفته كلمة الله، وهو سرّ جعل النسوة يهربن خائفات. بعد هذا، يجب مواجهة أولئك الذين يشكّون في شهادة الإيمان هذه، فنصوغ كلاماً دفاعياً حول القبر المفتوح الذي كان فارغاً.
ولكن الإعلان يتوخّى دوماً وفي الدرجة الأولى، وحي القائم من الموت لأخصائه، تحوّلهم بفعل الروح، دون أن يُعتبر القبر الفارغ برهاناً عن القيامة: "إنه قد قام. ليس هو هنا". وليس: "ليس هو هنا. إذن قام". وصمت النسوة الذي يشير إليه مر "يحرم" القارئ من الرغبة في أن يؤسّس ايمانهن على الخبرة التي عشْنَها: حملن بلاغ الوحي الذي تجاوزهنّ، فكنّ شهوداً لحضور القائم من الموت الذي يجعل الإنسان يكتشف في قلب إيمانه الهوّة التي ترعبه. وتحوّلُ المؤمنين هذا لا ينحصر في واقع ذاتي (ضدّ واقع موضوعي)، لأن الزمان والمكان اللذين فيهما يتمّ هذا التحوّل يرتبطان بموت يسوع وقيامته، لا بزمن البشر.
وإذا تساءلنا حول "تاريخية" مسعى النسوة، نستطيع أن نستعمل أدوات النقد لنثبت وجود تقاليد حول زيارة النسوة إلى القبر (زيارة لم تثمر)، حول ما رآه التلاميذ والرسل، حول تحوّل هؤلاء "الجبناء" إلى مؤمنين يتجرّأون على كل شيء. ولكن تأكيد مر يفلت من البحث الدقيق للعلم التاريخي، لأنه يعتبر نفسه إعلان قيامة يسوع التي تصل إلينا ككلمة الله. فالواقع الأولى لاختفاء الجسد لا ندركه إلاّ في شهادة (التلاميذ) نجدها في نصّ، شهادة هي ثمرة تقليد.
تكريم قبر يسوع حيث جرت الأحداث. ذكريات نساء عرفناهنّ بأسمائهنّ كمعلم تاريخي. تأكيد بسيط حول واقع القيامة. هذا ما تقول أخبار القيامة. ولكن يجب بالأحرى أن نأخذها كاعتراف إيماني بحضور القائم من الموت. وهذا الإعتراف يتجذّر في واقع تاريخ وتواصل تقليد. إذا كان واقع اختفاء جسد يسوع يشكّل لغزاً، فلا نحصر هذا الواقع في تفاسيرنا الضيّقة. بل نفتح شروحنا على حقيقة كلام يرمينا (مثل النساء) في الخوف والصمت قبل أن يقيمنا إلى رجاء أعطي لنا مجّاناً فجاء إلى لقاء أعمق ما في رغباتنا.
ثانياً: الخاتمة الطويلة (16: 9- 20)
نكتشف في الأخبار الإنجيلية حول القيامة رسمتين رئيسيتين تعبرّان عن إيمان الكنيسة الأولى. نمط "القيامة"، نعبرّ عنه في: "الله أقام يسوع من بين الاموات". نمط التمجيد، نعبرّ عنه في: "يسوع هو الربّ في المجد". وتستعمل هاتان الرسمتان لغة مختلفة لتدلّ على السرّ نفسه، لأن قيامة يسوع تأخذ كامل معناها في التمجيد.
ترتبط هاتان الرسمتان بقطبين جغرافيين في الإنجيل: أورشليم، الجليل.
* نمط أورشليم
إن بنية نمط أورشليم (لو 24: 36- 53؛ يو 20: 19- 29) سابقة للوقا ويوحنا، على ما يبدو، وهي تتوزّع على ثلاث مراحل، حسب ترتيب زماني: (1) في الحاضر: مبادرة القائم من الموت. تدرك الشهود بشكل لم يكونوا يتوقّعونه. (2) يعود هؤلاء إلى الماضي، إلى يسوع الناصري، فيتعرّفون إلى القائم من الموت. (3) ويتقبّلون مهمة توجّههم نحو مستقبل الكنيسة.
منذ البداية، احتفلت الجماعة الليتورجية بالافخارستيا "مع" القائم من الموت. وجاءت أخبار ذات ميول دفاعية فدلّت على هوية القائم من الموت. وفي النهاية، أسّست الفقاهة إيمان الكنيسة ورسالتها في الظهورات. 
* نمط الجليل
أما نمط الجليل (مت 28: 16- 20) فيبرز موضوع الرسالة بشكل خاصّ. هذا ما يسمّى الدعوة النبوية في الكنيسة. وهو يتوزّع ثلاثاً: تقديم، رسالة، وعد. ويقدّم نظرة جليانية إلى التاريخ، يجعل الكاتب نفسه في نهاية الزمن، في المنظار الأبدي والسماوي لتمجيد يسوع وسيادته على الكون: إنه عمانوئيل (الله معنا) الحاضر من أجل جميع الأمم والذي يسوس تاريخ البشر. يبدو أن نمط الجليل أغنى من نمط أورشليم والعكس بالعكس: فالمسيح القائم من الموت والحيّ في وسط أخصّائه، هو أيضاً الربّ الممجّد الذي يملك على جميع البشر.
* الخاتمة القانونية
إن مر 16: 1- 8 يعود بشكل خاصّ إلى نمط أورشليم مع توالي المراحل: مبادرة يسوع. عرفه الشهود. وفي النهاية أرسلهم. أما الخاتمة القانونية (16: 9- 20) فتدلّ على نمط الجليل، وهكذا تكتمل نظرة مرقس. فالخبر قصير وهو يتّخذ صورة "الدينونة": إن الربّ الممجّد عن يمين الله يعطي علامات اسكاتولوجيّة عن انتصاره عبر تاريخ البشر والتزامهم الحرّ في مسيرة الغيمان. وهكذا يبدو 16: 9- 20 (الذي لم يكتبه الإنجيل أو هو كتبه فيما بعد) أميناً لنظرة مر الذي دلّ على مدّ الخبر، على ابن الله الذي يظهر مجده عبر سرّه، عبر لافهم التلاميذ ولا إيمان البشر.
إن هذه الخاتمة القانونية تستعيد بإيجاز تاريخ بلاع القيامة، عبر صمت النساء. فتقدّم في ثلاث محطات مسيرة ظهور المسيح (كرستوفانيا): ظهور لمريم المجدلية (16: 9). ظهور لرجلين (16: 12). ظهور للأحد عشر (16: 14). ونلاحظ في كل مرحلة عدم إيمان الذين يتقبّلون البلاغ. وتمتد هذه الخاتمة في مهمة تنكشف فيها كلمة الرب وعمله عبر كلمة الشهود وعملهم.
حين زادت الكنيسة الأولى هذه الآيات على مر، دخلت في جوّ الإنجيل: إكتشاف الإيمان، إعلان الإنجيل المرتبط بالمعمودية التي هي دخول في الجماعة المسيحية. هذا ما يذكّرنا بكرازة يسوع الأولى في الجليل، وبعد عماده في الاردن: "لقد تمّ الزمان واقترب ملكوت الله. فتوبوا وآمنوا بالإنجيل" (1: 15). وهكذا نجد روح "الاجمالات" التي تعوّدنا عليها في مر. إن رباط يسوع بتلاميذه قد وصل الآن إلى ملئه، في اتحاد بقدرة تظهر في الكلمة وما يرافقها من آيات. إذن، لا يجد الإيمان الحقيقي أساسه في ذاته، بل في الله الذي يخلّصنا بقدرة يسوع المسيح القائم من بين الاموات.
ب- بنية النصّ
أولاً: على المستوى الأدبي
لاحظنا بالنسبة إلى 16: 1- 8 الإشارة الزمنية (المساء، الصباح، 15: 42؛ 16: 2) التي وجدناها في خبر الحاش (14: 17؛ 15: 1). فالقيامة قد تمّت بعد السبت (16: 1) أي في اليوم الثامن الذي سيصبح يوم الربّ، يوم الأحد: نحن هنا أمام تلميح خفيّ إلى "يوم الربّ" الذي تحدّث عنه الأنبياء. فخبر الزيارة إلى القبر مبنيّ على التعارض بين سؤال النسوة المهتمات بدحرجة الحجر (16: 3) وسؤال الشاب الذي ينتزعهنّ من ذواتهنّ ويرسلهنّ إلى التلاميذ (16: 6 أ). وتعبرّ الآية الأخيرة عن هذا التعارض في لغة الخبرة الداخليّة: هربٌ من القبر مع ما في هذا الهرب من التباس لأن النسوة أمرن بأن يذهبن. خوف ورعبة مقدّسة، بما فيهما أيضاً من التباس: دلاّ على هجمة الله، ولكنهما اسكتا أولئك اللواتي وجب عليهنّ أن يتكلّمن.
وبُنيت الخاتمة القانونية أيضاً على التعارض: ظهور مثلّث للمسيح (16: 9- 14). كشف عدم إيمان أولئك الذين وجب عليهم أن يؤمنوا. أما ارسال (16: 15- 20) هؤلاء اللامؤمنين، فينشر في العالم عمل القائم من الموت ويبرز تمييز الإيمان. وتشدّد الآيتان الأخيرتان بشكل واضح جداً، على التوافق بين تمجيد الربّ وما أعلنه المرسلون وحقّقوه. وهنا أيضاً، ينفتح "اليوم الأول من الاسبوع" (16: 9) على زمن لا حدود له، يرمز إليه "العالم أجمع" و "الخليقة كلها" (16: 15).
ويمكننا أن نقدّم ما قلناه هنا في رسمة تتوزّع على فسحتين.
* الانتقالة: السبت وشراء الحنوط (16: 1).
* صباح اليوم الأول (16: 2- 5).
- مجيء النسوة إلى القبر.
- السؤال حول الحجر... دحرج.
- دخول النسوة إلى القبر.
* بلاغ من أجل التلاميذ (16: 6- 7).
- شاب جالس عن اليمين.
- سؤال حول يسوع... إنه قام.
- مهمّة من أجل التلاميذ: في الجليل.
* خاتمة: هرب من القبر وصمت الخوف (16: 8).
* صباح اليوم الأول (16: 9- 14).
- ظهور لمريم المجدلية. أخبرت الرفاق، فلم يصدّقوا.
- ظهور لرجلين. أخبرا فلم يصدّقوهما.
- ظهور للأحد عشر. توبيخ بسبب اللاإيمان.
* بلاغ من أجل العالم (16: 15- 19 أ).
- كرازة الإنجيل للخليقة كلها.
- عماد وتمييز الإيمان.
- آيات ترافق الإيمان.
* خاتمة: الربّ جالس عن يمين الله والكرازة بالكلمة (16: 19 ب- 20).
ثانياً: على المستوى البنيوي
* الإشارات الزمانية
يتحدّث الخبران (16: 1- 8 ثم 16: 9- 20) عن الكرونولوجيا: إنتقال من السبت إلى اليوم الأول من الاسبوع (16: 1- 2). يوم أول من الإسبوع ينفتح على "أولاً" (16: 9)، "بعد هذا" (16: 12)، "أخيراً" (16: 14). وفي النهاية على مستقبل لا محدود يعبرّ عنه بلفظة "أبداً" (لا يؤذيهم أبداً). إن هذه الإشارات تدلّ على تحوّل في النظرة إلى الزمان. كيف يتمّ هذا التحوّل؟
* الإشارات المكانيّة
إن حدث الزيارة إلى القبر يتكلّم عن طريق النسوة إلى موضع "التذكّر" الذي يغلقه حجر كبير. فالموت يطرح سؤالاً على الأحياء. ذاك الذي مات هو بعيد عنا. فمن يقودنا إليه؟ ولكن الحجر قد دحرج. ودعيت النساء إلى الدخول والنظر إلى واقع الموت. فالقبر لا يخفي جثة. بل يقيم فيه واحد يتكلّم من وراء الموت. ويتحوّل مسعى النسوة أيضاً: لا ننضمّ إلى الميت، بل هو ينضمّ إلينا. لم يعد له مكان في هذا الـ "هنا" الذي يقمن فيه. إذن، لقد تبدّل موضع اللقاء. إن يسوع يدفعنا في جليل حياتنا وهناك نكتشف سرّ شخصه.
ويدلّ الظهور المثلّث (16: 9- 20) على أن حضور القائم من الموت يدخل معه بشكل جديد رفاق حياته على الأرض: إن الذين كانوا معه سمعوا أنه حيّ ولكنهم لم يصدّقوا (16: 9- 11). هذا ما حدث لسائر أعضاء الجماعة تجاه مسافري عماوس (16: 12- 13) وللأحد عشر تجاه الحضور الحقيقي، حضوره الافخارستي (كانوا متكئين). لسنا أمام بلاغ مجرّد تسلّمته نساء ورجال صعدوا من الجليل مع يسوع، بل واقع حضور ملموس هو واقع يسوع الناصري الذي يملأ الكون بقدرته الفاعلة وديناميته التي تكمّ فمّ الموت وتولّد الحياة.

 

 

الفصل الرابع والأربعون
النساء عند القبر
16: 1- 8
روى مرقس مسيرة النسوة الثلاث اللواتي جئن يحنّطن جسد يسوع، وذلك بعد أن انتهى السبت. ولكن الإضطراب سيطر على زيارتهن إلى القبر. وجدن "شاباً جالساً عن اليمين" يحمّلهن بلاغاً إلى التلاميذ. فحدث انقلاب تام فيهنّ، وما استطعن في الوقت الحاضر أن يتجاوزن هذا الخوف الذي أمسكهن.
سندرس هذا النصّ على المستوى الأدبي، على المستوى التعليمي، على مستوى التحليل النصوصي.
1- على مستوى النقد الأدبي
المشكلة الأساسية تطرح في أن خبر مجيء النسوة إلى قبر يسوع ينهي نصّ مرقس الأصلى. أما الخاتمة القانونية (16: 9- 20) فليست من قلم مرقس، فتشكّل ملحقا زيد فيما بعد. وما زال الشّراح يتساءلون: هل قرّر الكاتب أن ينهي كتابه فجأة مع خبر النساء الخائفات (آ 8) أم هل اهتمّ بأن يلحقه بآيات تلخّص ما نقرأه عند لوقا ويوحنا؟ فهناك إمكانيّتان: قد لا تكون الخاتمة القانونية دوّنت في أيام مرقس. أو تكون دوّنت وضاعت. ما هو الواقع؟
أ- رأي أول
ينتهي إنجيل مرقس في 16: 1- 8. جاءت النسوة إلى القبر في 15: 47، نظرن أين وُضع الجثمان. وها هنّ يرجعن في صباح الأحد. يحنّطن جسداً دُفن منذ يوم الجمعة؟ المهم أن الخوف سيطر على النسوة لا لأن الجسد حاضر هنا، بل لأن الجسد غائب. رأين الحجر قد دُحرج فتحوّلن إلى حجارة. وجاءت كلمة الملاك فهدّأت من روعهنّ ولكنها لم تفرحهنّ. بل ملأت قلوبهنّ خوفاً. هناك شّراح ينهون شرح مرقس مع هذا المقطع ويتركون الباقي.
ب- رأي ثانٍ
يزيد على الخاتمة الأصلية (16: 1- 8) الخاتمة القانونية (16: 9- 20). هي التي تعتبرها الكنيسة الكاثوليكية قانونية، شأنها شأن كل إنجيل مرقس. بمعنى أنها أساس العقيدة والإيمان. إذن النقاش ليس على المستوى التعليمي والعقائدي، بل على المستوى العلمي. ونشير هنا إلى أن الأناجيل التي بين أيدينا تورد هذه الخاتمة القانونية كما تورد الخاتمة الأصلية ولا تميز بين الإثنين.
غابت الخاتمة القانونية من السينائي والفاتيكاني والسريانية السينائية... وشدّد على هذا الغياب أوسابيوس وإيرونيموس. ووُجدت في عدد كبير من المخطوطات كالاسكندراني والافرامي والبازي واللاتينية الشعبية والسريانية الكيورتونية والسريانية البسيطة والصعيدية والبحيريّة. عرفها يوسينولس وإيريناوس. وهذا يعني أنها وُجدت قبل القرن الثاني.
لماذا يقول العلماء إن الخاتمة القانونية ليست مرقسية؟ إنطلقوا من اللغة والأسلوب. فهناك 20 مفردة نجدها هنا ولا نجدها في كل إنجيل مرقس. مثلاً، "بوريوماي" (ذهب). نجد هذا الفعل مراراً في العهد الجديد، نجده ثلاث مرات في الخاتمة القانونية. ولا نجده مرة واحدة في كل إنجيل مرقس (ما عدا في اختلافة في 9: 30).
ثم إن هذه الخاتمة القانونية ليست متماسكة مع 16: 1- 8. فإن آ 9 تبدأ فجأة: "نهض يسوع...". ولكن الملاك حدّثنا عن هذه القيامة. وهكذا نحسّ أننا أمام نصّ جديد يبدأ الآن. وتُذكر مريم المجدلية التي أخرج منها سبعة شياطين (آ 9). ولكنها ذُكرت في 16: 1. وهي قد ذهبت لتخبر الاخوة. ولكننا نعرف من آ 8 أن النسوة (ومنهنّ مريم المجدلية) هربن ولم يقلن شيئاً لأحد "لأنهن كنّ خائفات". وأخيراً كل الظهورات المذكورة في آ 9 ي قد تمّت في أورشليم أو في جوارها. ولا شيء يشير إلى الجليل الذي تحدّثت عنه آ 7 (إنه يسبقكم إلى الجليل).
إذا قرأنا آ 9- 20 وجدنا المراجع التي استقت منها الخاتمة القانونية.
آ 9: ظهور لمريم المجدلية: يو 20: 14- 18 (رج مت 28: 9- 10): سبعة شياطين: رج لو 8: 2.
آ 10: مريم تحمل الخبر: يو 20: 17- 18؛ لو 24: 9- 10.
آ 11: لم يصدّق الرسل: لو 24: 11، 22- 24.
آ 12- 13: ظهور لتلميذين في الطريق: لو 24: 13- 16 (مع خاتمة تشدّد على عدم التصديق؛ ق آ 13 مع لو 24: 33- 34).
آ 14: ظهور للأحد عشر. كانوا على المائدة: لو 24: 36- 45؛ رج 24: 25- 27.
آ 15: إيفاد في رسالة: مت 28: 18- 20؛ لو 24: 47- 48، وربما مر 13: 10.
آ 16: المعمودية، الإيمان، الخلاص، لا إيمان ودينونة: مت 28: 19؛ رج يو 3: 18؛ 20: 23.
آ 17- 18: موهبة الألسنة: أع، 1 كور. الحيات: لو 10: 19؛ أع 28: 3- 6.
آ 19: الصعود: لو 24: 50- 51؛ أع 1: 9.
آ 20: نشاط التلاميذ: سفر الأعمال. أسلوب رسائل القدّيس بولس.
في تعداد الظهورات، شدّد الكاتب على وضع التلاميذ الذين "لم يصدّقوا". وهكذا دلّ على أن الإيمان بالقيامة لم يُولد في مخيّلتهم. والرباط بين الخلاص والمعمودية والإيمان (ربما: إعلان الإيمان) يفترض أن هذا النصّ دوّن ربما في بداية القرن الثاني. وهذا ما يثبته أيضاً المزيج في آ 17- 18 بين "الآيات" (سامايون) بحسب النمط الإنجيلي (طرد الشياطين. شفاء المرضى)، ومظاهر عجائبية.
ج- الخاتمة القصيرة
ترجع إلى مصر. وتعود إلى القرن الرابع، وربّما القرن الخامس. في مخطوط يعود إلى القرن التاسع، نقرأ بعد آ 8: "وحملت (النسوة) بإيجاز إلى رفاق بطرس كل ما أعلن لهنّ. بعد هذا، ظهر يسوع نفسه لهم، وجعلهم يحملون من المشرق إلى المغرب بلاغ الخلاص الأبدي، المقدّلس والذي لا يفسد".
هذا النصّ هو بعيد جداً عن أسلوب مرقس ولغته. إعتُبر غير قانوني. أراد أن يقدّم جواباً على النهاية الفجائية لإنجيل مرقس، فزاد ما زاد. إذا كانت النسوة قد حفظن الصمت، فهذا يعني فقط أنهنّ لم يقدّمن "تصريحاً علنياً". لقد روين للرسل ما قيل لهنّ. ولكن روين بإيجاز. وهكذا لا تُعارض الخاتمة القصيرة ما قيل في آ 8. بعد هذا، ظهر يسوع لأخصّائه (هذا ما تقوله سائر الأناجيل). وبواسطتهم عرّف العالم كلّه على تعليم الخلاص. 
د- الخاتمة المقحمة
هذه الخاتمة تنطلق من الخاتمة القانونية وتقحم بين آ 14 وآ 15 حاشمية طويلة نجد فيها اعتراضاً من التلاميذ وجواباً من يسوع. لا شكّ في أنها ألّفت لكي تخفّف من قساوة الحكم على التلاميذ في آ 14 (لم يصدّقوا)، ولكنها تهيّئ القارئ لينتقل إلى ما يلي من الخبر، إلى إيفاد أخصّائه إلى الرسالة. ما معنى أنه أرسلهم حالاً بعدما وبّخهم؟ هذا ما أراد هذا النص المقحم أن يفسرّه.
وإليك هذا النصّ: "وقالت هؤلاء (التلاميذ) لكي يدافعوا عن نفوسهم: إن هذا الدهر، دهر الشّر والكفر هو خاضع للشيطان الذي لا يسمح لمن هو تحت نير الأرواح النجسة، أن يفهم حقيقة الله وقدرته. لهذا، أكشف منذ الآن برّك. هذا ما قالوه للمسيح. فأجابهم المسيح: لقد جاءت نهاية سنوات سلطان الشيطان. ولكن أشياء أخرى رهيبة قد قربت. وأنا قد أسلمت إلى الموت من أجل الخطأة لكي يعودوا إلى الحقّ ولا يخطأوا من بعد ليرثوا مجد البرّ الروحي وغير الفاسد الذي هو في السماء".
2- بلاغ القيامة
لاحظ خبر الآلام وجود النسوة حين صُلب يسوع (15: 40: كانت هناك جماعة من النسوة ينظرن عن بعد)، وحين دُفن (15: 47: ولثماهدت مريم المجدلية...): رافقن المعلّم من الجليل إلى أورشليم، وكنّ يخدمنه (15: 41). الفعل المستعمل هو "دياكوناين" الذي يدلّ على وظيفة "الشمّاس" في الكنيسة الأولى. كما يميّز تصّرف أحد الأشخاص تجاه يسوع (1: 13، 31)، تصّرف أحد أعضاء الجماعة على مثال ابن الإنسان (9: 30؛ 10: 43، 45: جاء ليَخدم).
بعد أن مضى السبت، اشترت النسوة حنوطاً ليطيّبن جسد المصلوب. ومنذ الصباح الباكر، إنطلقن إلى القبر. أي سبت يعني؟ ذاك الذي ربّه هو ابن الإنسان (2: 28)، والذي يدلّ في الوقت عينه على غروب عالم وصباح خليقة جديدة (1: 32).
إنطلقت النسوة إلى القبر "باكراً جداً". أي حوالي الساعة الثالثة أو الرابعة صباحاً. ساعة لم يكن بعد قد طلع الصباح. ومع ذلك، يستبق مرقس ويتحدّث عن "طلوع الشمس". إنطلقن لكي يحنّطن جسد يسوع، ولكن من يحنّط جسداً مضى على دفنه يوم وليلتان؟ لا يهتمّ الإنجيلي بهذه الأمور غير المنطقية. بل يعبّر عن قلق النسوة: "من يدحرج لنا الحجر عن باب القبر"؟ ماذا يعني هذا الحجر الذي به أغلق يوسف الرامي القبر (15: 46)؟ إنه يخبّئ عالم الموت، فيبعده عن نظر الأحياء. هو يغلق أفق التذكّر ويجعل الإنسان في عالم النسيان.
تطلّعن. رفعن أنظارهنّ قي فعلة تشبه ما فعله يسوع حين كسر الخبز للجموع (6: 41)، أو حين شفى الأصمّ الألكن (7: 34). تشبه نظرة العميان الذين يستعيدون النظر (8: 24؛ 10: 51، 52). فانتظرهنّ مشهد لم يتعوّدن عليه. حين ينظرن الآن، يرين أن الحجر قد دحرج. أن القبر مفتوح. لم يبادرن فيفتحن القبر، بل لم يتوقّعن مثل هذا الحدث غير المنتظر.
دخلن إلى القبر، توغّلن في سرّ الموت فاكتشفن لا جثة هامدة بل "شاباً جالساً عن اليمين، يلفّه ثوب أبيض" (16: 5). من هو هذا الكائن السرّي الذي يدلّ بثوبه الناصع على الطابع السماوي؟ فكأننا في مشهد التجليّ (9: 3: ثياب يسوع تلمع ببياض ناصع؛ رج دا 7: 9؛ رؤ 3: 4، 5؛ 4: 4؛ 7: 13). يشبّه مراراً بملاك كما في الرؤية التي منعت هليودورس من وضع يده على كنز الهيكل (2 مك 3: 26). ولكن مرقس يحيلنا بالأحرى إلى تصريح يسوع أمام السنهدرين (المجلس الأعلى): "سترون ابن الإنسان جالساً عن يمين القدرة وآتياً على سحاب السماء" (14: 62) هل هذا استباق لمجيء المسيح تتأمّل فيه النسوة؟
خلال توقيف يسوع، رأينا شاباً يلفّه رداء أو إزار (14: 51). كما سيلفّ الكفن جثمان المصلوب (15: 46). هذا الشاب هرب عرياناً، بعد أن حاول ملاحقوه أن يمسكوه. قال بعضهم: هو مرقس نفسه. أما نكون أمام رمز عمادي: يُعرّى فيه الإنسان من اللبالس العتيق ويرتدي اللباس الأبيض الذي هو رمز انتصار يسوع على الموت. وفي الخطّ عينه نرف في هذا الشاب "يسوع" نفسه الذي صُلب عرياناً مثل آدم بعد خطيئته. ولما صار آدم الجديد استعاد لا بهاء آدم الأول وحسب، بل عظمة آدم الجديد الذي هو ابن الله. وهكذا نكتشف من خلال الرموز الرباط بين المعمودية وبين الصليب: المعمودية هي موت وقيامة مع يسوع.
إن هذا الشاب اللابس البياض هو حامل "البلاغ" الفصحي: جاء يعلن حدث القيامة. إنه يسوع الممجّد الجالس عن يمين الله والملتحف بالقدرة الإلهية، بلبالس القيامة والنصر. إنه الإنجيلي مرقس الذي يشهد للقيامة بإنجيله، إنجيل يسوع المسيح ابن الله. إنه كل مؤمن: لبس المسيح في العماد فتجسّد فيه الإنجيل في عالم البشر.
"صُعقت النسوة". ارتعبن. حلّ عليهنّ خوف مقدّس. نحن أمام كلمة يونانية قوية تدلت على شعور ديني عنيف. هناك انذهال وتساؤل حوله ما يدركه الإنسان من جديد جذري. هذا ما حدث لأهل كفرناحوم الذين أدركهم الذهول أمام أول تدخّل ليسوع (1: 27). وللذين استقبلوه بعد التجليّ (9: 15). إن متطلّبات المعلّم "القاسية" أثّرت على التلاميذ تأثيراً مماثلاً (10: 24، 32: لا يدرون ما يفعلون). هذا الشعور أصاب أيضاً يسوع خلال نزاعه. "طفق يرتاع ويكتئب" (14: 33).
النساء هنّ في حضرة الله. فكما في كل التيوفانيات البيبلية (تك 28: 17؛ خر 3: 6؛ قض 6: 22- 23؛ أش 6: 5، حز 1: 27)، يستولي الذهول (والرعدة) على الإنسان الذي لا يستطيع أن يرى الله ويبقى على قيد الحياة (خر 33: 10). ولكن إذا كان ظهور الله يحيّر ويذهل، فحضوره سيكون طمأنينة وهدوءاً. "لا ترتعبن"، لا ترتعدن (16: 6). إن الذي يجلس "عن يمين القدرة" (14: 62) يُسقط على واقع الموت نوراً ساطعاً نستطيع أن نتقبّله.
ويشكّل بلاغ الشاب قلب الخبر: هو وحي وأمر بالإنطلاق. الوحي: ،(تطلبن يسوع الناصري، المصلوب! إنه قام. ليس هو هنا". لقد انقلب الموت. وتبدل معناه: المصلوب قد قام. إستعاد مرقس هنا نواة الكرازة الرسولية كما أوردتها خطب أعمال الرسل (2: 23- 24؛ 3: 15؛ 4: 10؛ 5: 30؛ 10: 39- 40؛ 13: 28- 30) مع التعبير الأوّلاني: الناصري (أع 2: 22؛ 4: 10؛ لو 24: 19)، الذي يدلي على أن القائم من الموت هو يسوع الناصري نفسه. فلا كلام خاصاً بالمرسل. كلمته هي كلمة الجماعة الرسولية. تصريع قاطع، بدون برهان وبدون شرح، لواقع يتجاوز العقل، لواقع يُعتبر أمراً ومضى: إنه قام.
ولكن يُطرح السؤال: "أين هو إذن"؟ لهذا تابع الشاب كلامه: "ليس هو هنا. هذا هو المكان الذي وضعوه فيه" (16: 6). ألن يكون المكان هو موضع الدفن، فهذا ما يعرفنه، وهنّ اللواتي شاهدن باهتمام ما فعله يوسف الرامي (15: 47). إعتبر بعض الشّراح أن هذا التشديد على موضع الدفن يدلّ على الجذور الليتورجية للإحتفال الفصحي السنوي بالقيامة. كانت تأتي جماعة أورشليم الأولى إلى قبر يسوع فتعيش حدث القيامة. بيد أنه يجب أن لا نُهمل بُعد هذه الكلمة. فالقائم من الموت لم يعد مرتبطاً بنواميس المكان والزمان: لا يحُتفظ به "هنا" أو "هناك". بل إن الأمكنة صارت بعد اليوم في خدمة حضوره. ولا يستطيع مكان من الأمكنة أن يسجنه. بما أنه قام ليس هو هنا. وليس العكس (ربما إنه ليس هنا، فقد قام! كلا). هذا وجب توضيحه لإبعاد فرضية "سرقة الجثمان". هذا ما نستشفّه من كلام مرقس. أما متى (28: 11- 15) ويوحنا فكانا واضحين. إذا كان يسوع ليس هنا، بل في مكان آخر، فلسنا أمام مدى ذات قياس بشري. نحن أمام عالم جديد لم تعتد عليه النسوة بعد.
بعد الوحي، جاء الأمر بالإنطلاق. وقد سلّمهم إياه الشاب: "فاذهبن وقلن لتلاميذه ولبطرس: هو يسبقكم إلى الجليل" (16: 7). إذن، ليست مهمتهن بأن يعظن. هذا سيكون عمل التلاميذ ولا سيما الأحد عشر. لقد ميّز مرقس الأدوار. وكما فعل على مدّ إنجيله، وضع في المقدمة شخص بطرس (رج 1 كور 15: 5؛ لو 24: 34). إن القائم من الموت "يسبق" أخصّاءه، كما فعل خلال صعوده إلى أورشليم (10: 32: يسوع يتقدّمهم) وحسب وعده لهم حين أنبأ بإنكار بطرس له (14: 28: بعد قيامتي أسبقكم إلى الجليل). هذا التذكير يتيح للإنجيلي أن يربط القيامة بالآلام، أن يربط إيمان بطرس بسقوطه، أن يربط مصير التلميذ بمصير المعلّم. وذكرُ الجليل يعيدنا أيضاً إلى بداية الإنجيل حيث سمعنا إعلان يسوع ونداء التلاميذ.
وانطلقت النسوة اللواتي حيّرهنّ الخوف. يجب أن يبيّنّ الحضور الذي سيشهد لنفسه بفضل شهادتهنّ. كانت الشريعة اليهودية تنكر لهنّ إمكانية الشهادة. ولكن "يسوع" أرسلهنّ ليفجّرن الحياة رجاء عبر الرغبات والإهتمامات التي سُجن فيها التلاميذ. ولكي يستعدّ هؤلاء للقاء القائم من الموت، على النسوة أن يذكرنهم بما قال لهم يسوع بعد العشاء الافخارستي وسط الحيرة والضياع اللذين شكّكا الجميع. إنهن هذا الرباط بين يسوع وطاعته في ذاكرة كلمته وفي نفحة حضوره.
ولكن هؤلاء "الشهود" المميّزين قد سيطر عليهن الخرس: "هربن من القبر بعد أن سيطرت عليهن الحيرة والفزع" (16: 8). لم نعد أمام المخافة الدينية لدى ظهور اللاهوت. بل أمام ارتعاش ينتزع الكائن البشري من نفسه ويجعله في حالة انخطاف، تلك الحالة التي أحسّ بها أولئك الذين شهدوا قيامة ابنة يائيرس (اكستاسيس). إن فعل "اكستاناي" (كان خارج نفسه، خطف) يدلّ عند مرقس على دهشة الجموع (وتأثّرهم) أمام يسوع الذي يغفر الخطايا (2: 12) أو يقيم ميتة (5: 42). يدلّ على ذهول التلاميذ حين رأوا معلّمهم يمشي على البحر (6: 51). بل إن يسوع نفسه بدا وكأنه خرج من ذاته في نظر أهله (3: 21).
نحن نعجب من ردّة فعل النسوة، وذلك بعد أن دعاهنّ الشاب لئلا يتركن الذهول يستولي عليهنّ. كانت الخبرة أقوى من أن يحتويها عقل بشري اعتاد أن يرى الميت ميتاً. جاءت النسوة ليحنّطن يسوع، أي ليحفظنه في الموت. فإذا هو حيّ وهنّ أموات. فإذا هو يرسلهنّ في مهمة قريبة من الجنون: من سوف يصدّقهن؟
نعجب لموقف النسوة. ونعجب أكثر لموقف مرقس الذي ينهي إنجيله بهذه العبارة الغريبة: "ما أخبرن أحداً بشيء لأنهنّ كنّ خائفات" (16: 8). وتساءل الشراح حول هذه النهاية المفاجئة. كيف نفهم صمت النسوة ساعة يلحّ عليهنّ البلاغ بأن يتكلّمن. بيّن متى ولوقا كيف أنهنّ قمن بالمهمة خير قيام. قال متى (28: 8) إنهنّ أسرعن إلى التلاميذ "بخوف وفرح عظيم". وقال لوقا (24: 9- 11): أخبرن التلاميذ، فظن التلاميذ أنهنّ واهمات فما صدّقوهنّ. لم يقل مرقس في هذه الخاتمة الأصلية كيف تأمّن نقل البشارة الفصحية. لهذا زيدت 16: 9- 20 لتردّ على هذا السؤال.
شدّد مرقس على صمت النسوة فكان أميناً لنظرته حين دوّن الإنجيل: كيف يكشف الله عن نفسه في شخص يسوع بشكل يشبع انتظار الناس ويتجاوز هذا الإنتظار؟ فيسوع أوصى مراراً خلال حياته العلنية بأن يصمت أولئك الذين ظنّوا أنهم أدركوا هويته (1: 24- 25، 34، 3: 11- 12)، ولكنهم ظلّوا لا يفهمون سرّه (8: 30- 33؛ 9: 9). وما دام يسوع لم يقم، لا يمكن أن ندخل إلى حياته الحميمة، لأن قيامته هي التي تكشفها. ولكن حين تمّ هذا الكشف، ترك الحاضرين في الخوف والحيرة. أدركت النسوة جدّية فعل الإيمان الذي يدعوهنّ إليه تدخّل الله الحاسم، كما أدركن المسؤولية التي أُلقيت على عاتقهنّ.
3- تحليل النصّ
إذا أردنا أن نفهم نصاً فهماً كاملاً، لا يكفي أن نفسرّ كل كلمة أو كل تفصيل في الخبر. يجب أن ننتبه أيضاً إلى الطريقة التي بُني بها لكي نراعي ما يريد الإنجيلي أن يبرزه.
أ- لقاء مع الملاك (آ 1- 6 أ)
ونبدأ بالنظر إلى الظروف (آ 1- 2). إن النسوة المذكورات هنا قد شاهدن صلب يسوع (15: 40)، واثنتان منهنّ عرفن أين وُضع الجثمان وكيف دحرج الحجر على باب القبر (15: 47). وهكذا عاد مرقس إلى واقع تحدّث عن الفاعلين فيه. ثم إن شراء الحنوط منذ نهاية السبت (إذاً، في مساء السبت، وبعد غياب الشمس) والمجيء إلى القبر في الصباح الباكر ليحنّطن جسد يسوع، يدلاّن على أن النسوة لم يكنّ يتخيّلن قيامة ممكنة. 
وكانت المفاجأة الأولى (آ 3- 4). تساءلت النسوة: من يدحرج الحجر؟ هل هذا وقت التفكير في هذه الصعوبة؟ ولكن هذه الملاحظة وُضعت هنا لتعدّ القارئ للحدث: "وجدن الحجر مدحرجاً" (آ 4). ولاحظ النصّ: "وكان كبيراً جداً". ذاك كان اكتشاف أول وسيتبعه اكتشاف ثان لم يكن لينتظره أحد. رأت النسوة "ملاكاً" (آ 5- 6 أ).
لسنا فقط أمام الدهشة. فلباس الشاب يدلّ على أنه كائن سماوي (رج 9: 3). وتحدّث مرقس عن الخوف (الرعدة) لا ليدلّ على ردّة فعل معقولة عند نسوة خفن من لقاء غير عادي. بل هو يشدّد (حسب الأسلوب البيبلي) بهذا الخوف الديني، على خبرة تفوق الطبيعة، على مستوى من التعالي ينكشف للإنسان فيجعله في الحيرة. إن اللفظة (تامبايستاي: ارتعب) تعبّر دوماً عند مرقس على شعور من الدهشة والخوف، على وضع يتجاوز الإنسان. تضيع إمكانيات الإنسان فلا يعود يعرف كيف يتصّرف (10: 24، 32؛ 14: 33). هناك ظهور قدرة تبدو بشكل أبيفانيا حقيقية لله في شخص يسوع (1: 27؛ 9: 15).
هذا هو الوضع هنا. صوّر مرقس مشهد وحي إلهي كما في الظهورات البيبلية حيث تكون أول كلمة لتدعو الإنسان ليطرد الخوف (آ 6 أ). فالإنسان لا يستطيع أن يتحمّل ظهور الله إن لم يهدىء الله من روعه. ثم إن الإهتمام ينصبّ على حضور "الملاك" (لا نجد اللفظة في النصّ)، لا على القبر الفارغ. وهناك تشديد على البلاغ. فالملاك لا يتدخّل في الكتاب المقدّس إلا ليحمل وحي الله. وهكذا نصل إلى الموضوع الرئيسي في خبر مرقس.
ب- البلاع الإلهي (آ 6 ب- 7)
أولاً: التصريح الرئيسي
"أنتنّ تطلبن الناصري المصلوب. لقد قام". هناك تعارض تام بين "المصلوب" و"قام". هذا هو التأكيد بانتصار المسيح على الموت. إن دراما الآلام التي احتلّت حيّزاً واسعاً في الإنجيل الثاني قد انتهت: الله أقام المصلوب (نحن هنا في صيغة المجهول: أقيم أي أقامه الله). هذا هو التعبير الأول للإيمان الرسولي. حين يقرأ المؤمنون هذا الكلام، يتقبّلون هذه الكرازة من فم شخص سرّي، شخص سماوي. يتقبّلونها على أنها كلام الله.
ثانياً: التحقّق من القبر الفارغ
"ها هو هنا" (آ 6). هذا هو الوجه الآخر للإعلان الأساسي: "لقد قام". إن ترتيب الإعلانين مهمّ. فالواحد يفسرّ الآخر والعكس بالعكس. إذا كان قد قام، فلماذا ندهش أن لا يكون هنا. إن كلمة الله تحل لغزاً لا يقدر البشر على حلّه.
"هذا هو المكان الذي وضعوه فيه" (آ 6). أي: تعالوا وتحقّقوا بأنفسكم أنه ليس هنا. هذا ما يستطيع أن يقوم به الإنسان. ولكن جاء بلاع القيامة فأدخله إلى عالم جديد يتجاوزه. إن مشروع النسوة اللواتي أتين ليح