إنجيل لوقا، ظهور الكلمة



قرأنا انجيل لوقا وقرأنا الدراسات العديدة عنه والشروح المطولة، واخذنا الكثير من هذا الكاتب او ذاك. فنحن لا نعتبر اننا نقدم شيئا جديدا، بل نبغيٍ ان نقدم للقارئ العربي زاداً بسيطاً يغنيه عن العودة الى كتب عديدة، خصوصا ان كان لا يعرف الا العربية. شروح انجيل لوقا عديدة في اللغات الغربية ولا سيما في الانكليزية والالمانية، اما في العربية...
طريق حلوة برفقة ذلك الذي بشر به الملائكة كالمخلص والمسيح والرب، ذلك الذي حمله سمعان الشيخ بين ذراعيه ورأى فيه من يكشف خفايا الافكار. طريق حلوة برفقة الرسل الاثني عشر مؤسسي كنيسة اورشليم، برفقة التلاميذ السبعين الذين اطلقوا الانجيل في انحاء العالم الوثني، برفقة النساء اللواتي كن قرب يسوع وساعدنه وكن اول الشهود لقيامته، برفقة الخطأة والعشارين والضعفاء والغرباء والذين يظنهم العالم لا شيء (1 كور 1 :8).
طريق حلوة سرناها مع لوقا على خطى المسيح ونحن ندعو القارئ ليختبر بعض السعادة التي اختبرناها والتي عبّر عنها تلميذا عمّاوس فقالا بعد ان توارى يسوع عنهما: "كان قلبنا يحترق في صدرنا حين حدثنا في الطريق وشرح لنا الكتب المقدسة" (24: 32).
الفصل الأول
مدخل إلى انجيل لوقا

ينبّهنا لوقا منذ مَطْلع إنجيله (3:1) أنه "تحقّق بدقّة جميعَ الأشياء، من البدء". قام ببحث مُثابر وكامل. عمِل عمَلَ المؤرّخ فذهب إلى الينابيع. ففي مدينة أنطاكية حيث ارتدّ إلى المسيحية، على ما يبدو، التقى مسيحيّين اعتنقوا الإِيمان باكرًا فكانوا له من أفضل المُخْبرين. قد يكون تحدّث مع "مناين رفيق طفولة هيرودس التترارخس" (أع 13: 1) الذي أطلعه على مثول يسوع للمحاكمة أمام هذا الأمير (7:23- 12). وأمضى لوقا سنتين في فلسطين (59 - 60) خلال سجن بولس في قيصرية، فقُيِّض له أن يقوم ببحثه وتفتيشه. إتّصل بفيلبّس أحدِ السبعة (أع 21: 8) ورسولِ السامرة (أع 8: 5- 13)، فأخذ منه ما دوّنه في إنجيله من أحداث ارتبطت بهذه المدينة: يوم كان يسوع صاعداً إلى أورشليم أرسل قدّامه رسلاً فمضوا ودخلوا قرية للسامريّين (9: 52- 57). ويوم جاز بين السامرة والجليل، دخل إحدى القرى فاستقبله عشرة رجال بُرص (11:17-19).
وتحدّث لوقا مع تلاميذ يوحنا المعمدان، ربّما مع كليوبّا (18:24)، مع يوحنا الرسول أو مسيحيّين من محيطه، وهذا ما يفسّر نقاط الاتّصال بين الإِنجيل الثالث والإِنجيل الرابع. ويبدو أن لوقا عاش مع مجموعة النسوة اللواتي تبعن يسوع (8: 1- 3) فتحدّث عنهن بين مجموعة الرسل (12:6- 16) ومجموعة التلاميذ السبعين (10: 1 ي). وهنّ: مريم التي تدعى المجدلية التي خرج منها سبعة شياطين (سيطر عليها الشيطان سيطرة كاملة)، يونة إمرأة خوزي قيّم هيرودس، سوسنّة، والخاطئة التي لم يعلن عن هويّتها فطنةً ولُطفاً (37:7). وهناك نساء أُخَر مثلُ مرتا ومريم (38:10- 40) وبعض "بنات اورشليم" اللواتي رافقن يسوع على طريق الصليب (27:23- 31). واتّصل لوقا خصوصًا بمريم أمَ يسوع، فأسري إليه بما حفظته في قلبها من أقوال وأحداث كانت تتأمْل فيها (19:2، 51؛ 16:4-30).
وإلى هذه المعلومات التي استقاها لوقا من "شهود عِيان" (2:1)، نزيد المراجع المدوَّنة التي وصلت إليه. عرف لوقا إنجيل مرقس وتبعه في خطوطه الكبرى على مستوى الأخبار ومرّات على مستوى التفاصيل. وعرف أيضًا محاولات إنجيليّة أخرى يشير إليها في 1: 1. لا شك في أنه عرف متّى الآراميّ أو متى اليونانيّ أو على الأقل المَعين الذي استقى منه متّى لتدوين إنجيله.

1- مقابلة بين لوقا ومرقس
إذا قابلنا لوقا بمرقُس اكتشفنا الطريقة التي بها حوّل الإِنجيليّ الثالث مراجعه ليقدّم لنا نظرته ونظرة كنيسته إلى شخص يسوع وأعماله وأقواله. فأغفل أمورًا وزاد غيرها وأشار إلى أمور أخرى قد يكون اكتشفها في مرجع خاصّ به. 
أوّلا: أغفل لوقا ما يثقّل على النصّ ولا يفيد الخبر، كما أسقط ما اعتبره تكرارًا (تكثير الأرغفة يرِد مرّتين عند متى ومرقس ومرّة واحدة عند لوقا). وترك جانبًا ما لا يهتّم قرَّاءه (مثلاً، الجدال حول تقاليد الشيوخ، مر 7: 1- 23)، أو ما يصدمهم. فكيف نريده أن يورد كلمة يسوع عن البنين والكلاب وفيها ما فيها من تحقير "يهوديّ" تجاه هذه الوثنيّة (مر 7: 24- 30)؟
وأغفل لوقا كلّ ما يعارض التصميم الذي وضعه نُصْب عينيه. فالإنجيل الثالث يبدو منذ 9: 51 (وإذ كان زمن ارتفاعه قد اقترب، صمّم أن ينطلق إلى أورشليم) بشكل سَفَر يقود يسوع من الجليل، حيث بدأ كلّ شيء، إلى أورشليم حيث سينتهي كلّ شيء. ولهذا، أغفل لوقا كلّ ما يحوِّل نظر القارئ عن هذا الإِطار؛ مثلا، أغفل الذهابَ إلى شماليّ فلسطين (مر 8: 27- 30)، واسمَ قيصرية فيلبس الذي لا يمكن أن يجهله (مر 27:8)، والموعدَ الذي أعطاه يسوع للرسل بأن يلاقوه في الجليل (مر 28:14).
وأغفل لوقا كلَّ ما فيه قساوة وعنف، فلم يتحدّث عن موت يوحنا المعمدان (مر 6: 17- 29)، ولا عن آلام يسوع بالتفصيل (الصفع، البُصاق، الجلد، التكليل بالشوك). يتوقّف مرقس عند موضوع عزيز على قلبه هو عدم فهم التلاميذ لأقوال يسوع وتصرّفاته (مر 38:4؛ 5: 31؛ 9: 10). أمّا لوقا ففسر موقفهم داخل مخطّط العناية الإلهيّة (9: 45).
ثانيًا: وزاد لوقا على مرقس أمورًا عديدة: تحديداتٍ جغرافيّة (4: 31؛ 5: 1...)، تفسيرَ كلمات آراميّة (6: 15). تحدّث متى (24: 15) ومرقس (13: 14) عن نجاسة الخراب؛ أمّا لوقا فقال بوضوح: "وإذا ما رأيتم أورشليم قد أحاطت بها الجنود، فاعلموا عندئذٍ أن خرابها قد اقترب" (21: 20). وسيمول فيما بعد في المعنى ذاته: "وتدوس الأمم أورشليم إلى أن تتمّ أزمنة الأمم" (21: 24). لم يكن مرقس راضيًا عن الرسل الذين ناموا ولم يقدروا أن يسهروا مع الربّ ساعة واحدة (مر 37:14). اما لوقا فقال:" كانوا نائمين من الحزن" (45:22). وقال عن يهوذا: "دنا الى يسوع ليقبّله". فقال له الرب: "يا يهوذا، أبقبلة تسلّم ابن البشر" (48:22)؟ واذ يتحدّث عن يسوع في بستان الزيتون، لا يقول: سقط على الأرض من الخوف والكآبة والحزن (مر 14: 32- 35)، بل خرَّ على ركبتيه وأخذ يُصلي ككلّ مؤمن يدخل في تجربة (22: 41). وعند الصليب ستكون صلاته صلاة المؤمن قبل الرقاد الذي يتبعه الصباح: "يا أبتاه، في يديك أستودع روحي" (23: 46).
وأهمُّ الزيادات عند لوقا هي التي ترتبط بمواضيعه المفضَّلة: المديح: إنطلق المخلّع الى بيته وهو يمجِّد الله (6: 25؛ رج مر 2: 12). وإذ أبصر أعمى أريحا، تبع يسوع مشيدًا بمجد الله (43:18؛ رج مر 52:10). ودخل الرسل مع يسوع إلى أُورشليم "وطفقوا يسبّحون الله بصوت جهير" (37:19؛ رج مر 11: 7- 9). "ولما رأى قائد المئة ما جرى، مجّد الله" (47:23؛ رج مر 25: 39).
والموضوع الثاني هو النَظرةُ الشاملة إلى الرسالة. قال مرقس (3:1): "أعِدًّوا طريق الرب، مهِّدوا سبله"؛ أمّا لوقا فزاد: "فيعاين كل إنسان خلاص الله" (6:3). ويشدّد لوقا على الصلاة. صلَّى يسوع ساعة اعتمد (3: 21)، وساعة اختار رسله (6: 12)، ووقت التجلّي على الجبل (28:9- 29). وذكر الانجيل الثالث الروحَ القدس (4: 14؛ 10: 21؛ 11: 13) فكان قريبًا من إنجيل يوحنا. وأظهر سروره في الحديث عن الفقر والتجرّد: ترك الرسل كلّ شيء وتبعوا يسوع (5: 11، 28). وقال يسوع: "إن كان أحد يأتي إليَّ ولا يبغض أباه وأمّه وامرأته وبنيه وإخوته وأخواته، بل نفسَه أيضًا، فلا يستطيع أن يكون لي تلميذًا" (14: 26). وقال على أثَر ذهاب الشابّ الغني: كما من أحد ترك بيتًا، أو امرأة أو إخوةً او والدين او بنين من أجل الملكوت، إلاَّ نال أضعافًا في هذا الزمان، والحياة الأبديّة في الدهر الآتي" (18: 29- 30). 
ثالثًا: وأشار لوقا الى أمور كثيرة دلّت على لطفه وتحفّظه في إنجيله. وها نحن نعطي بعض الأمثلة: جعل مرقس (35:4) حدَث تهدئة العاصفة مساء اليوم الذي فيه قال يسوع الأمثال، فقال: "وفي ذلك اليوم، عند المساء". أمّا لوقا فأفهمنا أن هذه المعجزة التي جعلها متى في إطار اتّباع يسوع (مت 23:8: وركب يسوع القارب وتبعه تلاميذه)، قد جُعلت في وقت آخر: (وفي ذات يوم ركب القارِب هو وتلاميذه" (22:8). أمّا التجلّي فحصل في الليل بحسب لوقا. صعد يسوع الى الجبل ليصلّي (28:9- 29)، وقد اعتاد أن يصلّي خلال الليل (6: 12؛ 39:22- 40). ثم إن الرسل غلب عليهم النعاس فما استطاعوا السهر إلاَّ بمشقّة النفس (9: 32). وفي النهاية، نزل يسوع وتلاميذه من الجبل في اليوم التالي، "في الغد" (37:9).
وفي خبر الصعود إلى أورشليم (9: 51- 19: 45)، أشار لوقا إلى انطلاق يسوع (9: 51)، ثم ذكّرنا مرّتين بهذا السفر: 12:13: "قاصدًا في طريقه إلى أورشليم"، 17: 11: "وفيما هو شاخص إلى أورشليم . وهذا ما دفع بعض الشُرَّاح إلى أن يقولوا إنّ يسوع زار أورشليم لا مرّة واحدة قبل موته وآلامه (كما قال متى ومرقس) بل مرّاتٍ عديدة (كما قال يوحنا).
وفي مثَل التينة (6:13- 9) يتحدث النصّ عن وثلاث سنين. إذًا، امتدّت حياة يسوع العلنيّة لا سنةً واحدة، كما يُظنّ عند قراءة متى ومرقس، بل ثلاثَ سنوات كما يظهر عند يوحنا. أجل، لقد اعتنى يسوع بشعبه ثلاث سنوات، وأعطاه مُهلةً كافية: إن لم يثمر فسوف يُقطَع.

2- تصميم إنجيل لوقا
أعلن لوقا في مطلع إنجيله (3:1) أنه نوى أن يكتب رواية متتابعة للأحداث. ماذا عنى بكلامه هذا؛ إنطلق من الموادّ التي بين يديه، فدوّنَ إنجيلاً لاهوتيًّا. دلّ انطلاقًا من كلمة سمعان الشيخ (35:2) أن ظهور يسوع أجبر الناس على اتّخاذ موقف وكشف أفكار قلوبهم. إن آمنوا نهضوا، وان رفضوا الإِيمان سقطوا.
ووضع لوقا الأحداث في إطارها التاريخيّ، فنظّم الخُطَب والعجائب على حِقبات حياة يسوع. ولكن همّه الأوّل كان تقديمَ تصميم كرازة يساعد المؤمن على حمل البشارة. ما أراد لوقا أن يكون مجدِّدًا ولا ثوريًّا، فقدَّم الخبر التقليديّ وجعله في تصميم خاصّ به.
تصميم لوقا مربّع الأقسام: يوحنا المعمدان، الجليل، الصعود إلى أورشليم، أورشليم. إكتفى بأن يُسقط ما لا يهمّه (رج مر 6: 45- 8: 26)، وأن يزيد ما اكتشفه بنوع خاصّ. زاد في البداية الطفولة (ف 1-2)، وخلال الخبر المجموعة الصغيرة (6: 20- 8: 3) والمجموعة الكبيرة (9: 51- 18: 14)، وفي النهاية "حدث" تلميذَي عمّاوس بصورة خاصّة.
بينّ أنّ كل أحداث حياة الربّ تحملها قوة سرّية إلى أورشليم، مسرَح آلامه وانتصاره. هذا هو الرباط الحيّ بين أقسام الإِنجيل الثالث: كل شيء يبدأَ في أورشليم وينتهي في أورشليم. يبدأ ف 1-2 في أورشليم (1: 5- 23) وينتهيان في أورشليم (22:2 ي: التقدمة في الهيكل، الصعود إلى الهيكل مع الحُجّاج). وفي خبر التجربة، صارت أورشليم مسرح التجربة الثالثة (لا التجربة الثانية، كما عند متى)، فيكون انتصار يسوع النهائيّ فيها بصورة رمزية، كما سيكون بصورة عمليّة ونهائيّة خلال آلامه وموته وقيامته. في 17:5، سنرى الفريسيّين ومعلّمي الناموس الذين جاؤوا من أورشليم. وبعد 9: 51 سنرى أن أورشليم تُشرف على كلّ شيء وتجتذب إليها الأحداث. وبدخلنا لوقا في هذا الصعود وكأننا في احتفال دينيّ: "وإذ كان زمن ارتفاعه (من هذا العالم) قد اقترب، صمّم أن ينطلق إلى أورشليم" (9: 51). ثمّ يدلّنا الإِنجيليّ على يسوع السائر إلى المدينة المقدّسة. وتبقى أورشليم محطَّ أنظار القارئين: تظهر في 18: 31 ("ها نحن صاعدون إلى أورشليم"). ثم في 19: 11 ("كان قد اقترب من أورشليم"). وفي 19: 41 يقول النصّ: "لما قرب من المدينة وأبصرها بكى عليها". ووصل إلى أورشليم، بل دخل الهيكل الذي هو قلب المدينة المقدّسة (19: 45). دخل أورشليم وسيبقى فيها أو في جوارها (جبل الزيتون 21: 37) حتى النهاية. لن يترك الرسل أورشليم بعد القيامة (رج مر 14: 28؛ 16: 7)، بل سيمكثون فيها "إلى أن يكسبوا قوّة من العُلى"، إلى أن ينالوا الروح القدس (24: 49). وذهب الرسل إلى بيت عنيا، ثم عادوا إلى أورشليم بفرح عظيم. "وكانوا بلا انقطاع في الهيكل يباركون الله" (52:24).
لا شكّ في أن لوقا عرف ظهورات الجليل، وسيتحدّث في أع عن حِقبة الأربعين يومًا التي تفصل الصعود عن القيامة (أع 1: 3). وعرف أيضًا أنّ الرسل، حين عادوا من جبل الزيتون، أقاموا في العليّة حيث واظبوا على الصلاة (أع 1: 12- 14). ومع ذلك، لم يدوّن لوقا هذه التفاصيل في إنجيله تاركًا أمامنا لوحة الرسل الذين لا ينقطعون عن الصلاة في الهيكل. بدأ إنجيل لوقا في الصلاة مع زكريّا (1: 8 ي) وانتهى بالمديح والمباركة مع الرسل (53:24).
كيف تصرّف لوقا بالنسبة إلى موادّه؟ جمع أقوال يسوع بطريقة منظّمة أو منطقيّة حسب الموضوع. مثلاً، نجد في 57:9- 62 ثلاثة أخبار دعوات. وفي 11: 1- 13 ضمّ في باقة واحدة عدّة تعليمات عن الصلاة. تطرّق ف 15 إلى امتياز الخاطئ ومكانته في قلب الله، وف 16 إلى خطر الغنى وطريقة استعمال المال في الطريق السويّ. ولكنه سيعود في 18: 1- 5 إلى الصلاة، وفي 13:12 - 21، 33- 34 إلى الغنى.
ونلاحظ من جهة ثانية أن لوقا وزّع عَبْرَ إنجيله كلّه أقوالا جمعها متى في عظة الجبل، أو بالأحرى رآها موزَّعة فلم يضمَّها في إطار واحد. يبدو أنه اهتمّ بوضع كلمات يسوع، إن لم يكن في إطارها الزمانيّ والمكانيّ، فعلى الأقلّ في الإِطار السيكولوجيّ. وهذا ما نكتشفه عندما نقرأ المقاطع التالية: "وإذ كان الشعب على انتظار، والجميع يتساءلون عن يوحنا هل يكون المسيح" (15:3). فهذه الآية تهيّئ الدرب لتصريح يوحنا عمّا يفعل. إن لم يكن المسيح فكيف يعمّد؟ وفي 43:9 "كانوا متعجّبين من كلّ ما صنع" فقال يسوع لهم: واجعلوا هذه الكلمات في آذانكم". ونتساءل: ما هي المناسبة التي فيها علّم يسوع تلاميذه الصلاة الربيّة؟ يجيب لوقا: "كان ذات يوم يصلّي في موضع ما. فلما فرغ قال له واحد من تلاميذه: يا رب، علّمنا أن نصلّي كما علّم يوحنا تلاميذه (1:11).
ونتوقّف أخيرًا عند ترتيبين ساعدا لوقا على إظهار التماسك في إنجيله. الأوّل: إنباء بأحداث آتية؛ والثاني: تدرّج في موقف العِداء الذي يتّخذه خصوم يسوع.
نقرأ في 1: 80 أن يوحنا المعمدان "أقام في القِفار إِلى يوم اعتلانه لإسرائيل". وهكذا تهيّأت الطريق لما سنقرأه في 3: 2: وكانت كلمة الله إلى يوحنا بن زكريّا في القفر". ويقول لوقا في 13:4: "ولمّا أنجز إبليس جميع تجاربه، انصرف عنه إلى الوقت المعيّن". والوقت المعيّن هو يوم الآلام: "دخل الشيطان في يهوذا الملقّب بالإسخريوطيّ" (3:22). هو يوم التجربة الأخيرة التي انتصر عليها يسوع في بستان الزيتون ودعا التلاميذ إلى الصلاة لئلاّ يقعوا في التجربة (46:22).
تحدّث الناس عن يسوع وحسبوه يوحنا المعمدان الناهض من بين الأموات. فقال هيرودس: "أمّا يوحنا فقد قطعت أنا رأسه. فمن هذا الذي أسمع عنه مثل هذه الأخبار؟ وكان يطلب أن يراه" (9:9). ولكنه سيرى يسوع، ويصادق بيلاطس على حساب هذا النبيّ. "أمل أن يعاين منه آية يصنعها"، فلم ينل شيئًا (8:23- 12). ويحدّثنا لوقا عن عادة يسوع "أن يخرج في الليل ويبيت في الجبل المدعوّ جبل الزيتون" (37:21)، فيوجّه أنظارنا إلى تلك الليلة الأخيرة التي فيها "مضى كعادته إلى جبل الزيتون" (22: 39).
وتجنّب لوقا القول من البداية إن الفريسيّين والهيرودسيّين تشاوروا كيف يهلكون يسوع، كما قال مر 6:3. ولكنه لاحظ التدرّج في العداوة ضدّ يسوع بلقطات سريعة. بعد شفاء صاحب اليد اليابسة: "استشاطوا غيظًا وائتمروا في ما يقدرون أن يفعلوا بيسوع" (6: 11). وستشتدّ هذه العدواة بعد كلام يسوع في رئاء الفريسيّين وكبريائهم: "أخذ الكتبة والفريسيّون يوغرون صدورهم عليه (ازدادت نقمتهم عليه) ويتفنّنون بالأسئلة عن شتّى الأمور، وهم يكيدون له ليصطادوا من فمه كلمة يتّهمونه بها" (53:11- 54). وبعد الدخول إلى أورشليم، "كان رؤساء الكهنة والكتبة ووجوه الشعب يطلبون أن يهلكوه. بيد أنّهم لم يجدوا إلى ذلك سبيلاً لأن الشعب كلّه كان يستمع إليه في شغف" (47:19- 48). وسيحاول الكتبة "أن يلقوا الأيديَ عليه" (20: 19)، بانتظار أن "يلتمسوا وسيلة ليميتوه" (3:22). وتمّ لهم ذلك في بستان الزيتون: "ألقوا القبض عليه وقادوه" (22: 54).

3- إنجيل لوقا إنجيل الخلاص والرحمة
يسوع هو المخلّص، ومخلّص العالم كلّه. هو آدم الثاني (38:3) الذي يربط البشريّة بالله. ولقد شدّد لوقا على لطف هذا المخلص وحنانه تجاه الخطأة. فالربّ جاء "ليطلب ما قد هلك ويخلّصه" (10:19). وهو يفضّل الخطأة على غيرهم، فيهتف: "هكذا يكون في السماء فرح بخاطئ يتوب، أكثر ممّا يكون بتسعة وتسعين صدّيقًا لا يحتاجون إلى توبة" (7:15). ويكرّر القول عينه في مثل الدرهم المفقود: "هكذا يكون الفرح عند ملائكة الله بخاطئ يتوب" (15: 10). وينهي مقطعَيْ مثل الابن الشاطر بردّة تتكرّر: "لنأكل ونفرح لأن ابني هذا كان مَيْتًا فعاش، وضالا فوجد" (24:15). "لا بدّ أن نتنعّم ونفرح لأن اخاك هذا كان مَيْتًا وعاش وضالا فوجد" (32:15).
إن يسوع يقبل الخطأة ويأكل معهم، وهذا ما لا يفعله يهوديّ متزمّت. ولهذا تذمّر عليه الكتبة والفريسيّون (15: 1- 2). أمّا هو فاهتمّ بعودة الخاطئ كما يهتمّ الراعي بخروفه الضالّ، والأبُ بابنه الشارد. لهذا استقبل الخاطئة وغفر لها فعلّمها طريق الحبّ. قال لها: "إيمانك خلّصك، فاذهبي بسلام" (7: 50). وقَبِل دعوة زكّا وهو العشّار المعروف (19: 1- 10): مضى وأقام في بيت رجل خاطئ، فتذمّر الجميع. أمّا زكّا فرحّب بيسوع واعترف بخطاياه أمام الربّ الذي أعلن: "اليوم قد حصل الخلاص لهذا البيت، فإنه هو أيضًا ابن لإبراهيم"، هو ابن جدير بأبي المؤمنين بعد أن أظهر كلّ هذا السخاء في ارتداده إلى الربّ. وغفر يسوع لجلاديه (34:23)، كما غفر للصّ (39:23- 43) ووعده بالملكوت.
ولكن رحمة الله ليست ضعفًا. فان استقبل بترحاب الخطأة المستعدّين لقبول غفرانه، فهو قاسٍ بالنسبة إلى المتكبّرين المتسلّطين (1: 51- 52)، بالنسبة إلى الأغنياء المتخمًين بخيرات هذا العالم (24:6- 25)، هو قاس بالنسبة الى الذين لا يشعرون بشقاء إخوتهم، إلى الذين يتنعّمون تجاه إخوتهم المطروحين على بابهم (16: 19- 25)، بالنسبة الى أناس يعتبرون نفوسهم صدّيقين: وأنتم توهمون الناس أنكم صدّيقون، لكن الله عالم بقلوبكم. فإن الرفيع عند الناس رجسٌ عند الله" (16: 15). ويقسو يسوع على الفريسيّ الذي تَحكُم عليه صلاتُه، لانه ترفّع على الله فمنّنه لِما يقوم به من اصوام وتقديم عشور، وترفّع على القريب فاحتقره لانه لا يمارس الشريعة (9:18- 14). وقسا يسوع على الكاهن واللاوي صاحبَي القلب القاسي أمام آلام الناس (10: 31- 33): أبصر الكاهن الجريح وتجاوزه. ووافى اللاوي المكانَ فأبصر الجريح وتجاوزه.
مقابلَ هذا، ينفتح ملكوت السماء واسعًا أمام الذين احتقرهم اليهود. فُتح باب السماء أمام زكّا العشّار، وتبرّر العشار في صلاته بعد أن هتف: "اللّهمّ، اكفر لي أنا الخاطئ" (13:18). وما لم يفعله الكاهن واللاوي فعله ذاك السامريّ: "تحنَّن على الجريح. فدنا إليه وضمّد جروحه وصبّ عليها زيتًا وخمرًا. ثم حمله على دابّته الخاصّة وأتى به الفندق واعتنى به" (33:10- 34). إن السامريّ علَّم اليهوديّ كيف يكون الإنسان قريبًا لأخيه، والغريبُ أعطى الشعب درسًا في الشكر وعرفان الجميل (18:17: "أوَ لم يوجد من يرجع ليمجّد الله إلاَّ هذا الغريب"؟). والمرأة الخاطئة علّمت سمعان الفريسيّ كيف تنفتح على حبّ الله فتنال غفرانه (47:7).
تحدّث مرقس عن التينة العقيمة التي استحقّت اللعنة: "لا يأكلَنَّ أحد ثمرة منك إلى الأبد" (مر 14:11). ولكنّ لوقا عاملَ التينة المغروسة في كَرْم الرب بأناة وصبر. قال: "دَعْها هذه السنة أيضًا حتى أعزِق حولها وألقي سمادًا... لعلّها تثمر، وإلاّ فتقطعها" (6:13- 9).
إن موقف الرحمة والغفران هذا هو علامة مخلِّص يطلب الخروف الضائع، ويرغب في أن يضحّي بنفسه من أجل أحبّائه. حدَّث تلاميذه بالألغاز: "لي معمودية أعتمد بها وما أشدّ رغبتي بأن تتمّ" (12: 50). أجل يسوع يتطلّع إلى موته المقبل، وكم يودّ أن يصل إلى نهاية حياته العلنية فيعبّر التعبير الكامل عن رسالته الخلاصيّة (رج 22: 15).
ونرى يسوع يحدِّث تلاميذه بلغة الحنان: "أقول لكم أنتم أصدقائي" (12: 4). "لا تخف أيّها القطيع الصغير" (12: 32). إنه يهتمّ بهم كما يهتمّ الراعي بخرافه. كلَّم يهوذا بلطف ورقّة حين سلَّمه. سمّاه باسمه وقال له: "أبقبلة تسلّم ابن البشر" (48:22). ونظر إلى بطرس بعطف ومحبّة داعيًا إيّاه إلى التوبة. "فمضى إلى الخارج وبكى بمرارة" (22: 61).
غير أن يسوع لا يغفر للنفوس إلا ليقيمها من عثرتها ويدخلها إلى حياة أسمى. وهذا الصعود يتطلّب جُهدًا وتضحية. فإن كان إنجيل لوقا إنجيل الرحمة فهو أيضًا إنجيل المتطلّبات. فيسوع يطلب من الذين يريدون أن يتبعوه تجرّدًا كاملا: "من لم يزهد في جميع أمواله لا يستطيع أن يكون لي تلميذًا" (33:14). أو: "بيعوا ما تملكُ أيديكم وتصدّقوا" (12: 33؛ رج 34:6- 35؛ 12: 13- 21؛ 12:14- 14؛ 9:16-13). لا شكّ في أن لوقا لا يشجب الغنى في حدّ ذاته. فهو يعرف أغنياء أمثال يونة امرأة خوزي (3:8) وزكّا (19: 2، 8) ويوسف الرامي (23: 50- 51). ولكنه يعرف أن الغنى الذي لا نعرف كيف نمتلكه يكون "مال الظلم" (16: 11) ويعرّض صاحبه للتكبّر وقساوة القلب. ولن يكتفي التلميذ بأن يتخلى عمّا يملك، بل يتخلّى حتى عن المرأة والبنين والبنات. إنه كذلك الخصيّ "الذي صان نفسه من أجل ملكوت السماوات" (مت 12:19). إن التجرّد مع القديس لوقا يذهب بنا حتى التجرّد عن نفوسنا (14: 26) إذا أردنا أن نكون تلاميذ المسيح.
وحياة التجرّد هذه هي غير ممكنة من دون الصلاة التي سبقنا إليها يسوع خلال حياته على الأرض. فعلى التلميذ أن يقتدي بمعلّمه، أن يصلي بدون انقطاع (18: 1) متّكلاً على عمل الروح في حياته.
هذا هو إنجيل لوقا الذي دوَّنه كاتبه إلى مُحبّ الله تاوفيلس، وكتبه إلينا "لنعرف جيّدًا قوة التعليم الذي وعظنا به" (4:1). أمّا موضوع كتابه فهو أحداث حياة يسوع وأقواله. من أجل هذا سُمِّي هذا الكتاب إنجيلاَ يدعونا إلى السعادة كما دعا الفقراءَ والمرضى الخطأة، لأنه يحمل إلينا بُشرى الخلاص التي حملها الملائكة إلى الرعاة فملأوا قلوبَهم مسرّة: "أبشّركم بفرح عظيم. ولد لكم مخلّص هو المسيح الرب" (2: 10- 11). إلى هذا المخلّص سنتعرّف في أقوال دوّنها لوقا بترتيب، فكان امتدادًا لمتّى ومرقس وطريقًا إلى يوحنا الذي حدّثنا عن الحَمل الآتي ليرفع خطيئة العالم.
الفصل الثاني
كاتب أنجيل لوقا

كتب لوقا مؤلَّفًا واحدًا وقسَّمَه مجلَّدين: الإنجيلَ وأعمالَ الرسل. وحين كتب الإِنجيل، هدفَ من كتابته إلى تقديم "رواية للاحداث" لكي يعرف التلميذُ صحّةَ التعليم الذي تتلمذ له (1: 1- 4).
يحدّثنا التقليد منذ القرن الثاني عن لوقا ككاتب للإِنجيل. هو ذلك "الطبيبُ الحبيب" (كو 4: 14) الذي رافقَ القديس بولس خلال رحلاته الرسوليّة، بل حتى رومة. يقول سفر الأعمال (13:28- 14) "كنا في بوطيول، حيث وجدنا إخوة. فسألونا أن نقيم عندهم سبعة أيام. وهكذا جئنا إلى رومة". هذا ما يقوله لوقا عن بطرس وبولس، بل عن كلمة الله التي انطلقت من أورشليم فوصلت إلى رومة. فمن هو لوقا هذا في نظر التقليد، وإلى مَن كتب إنجيله؟

1- شَهادات التقليد الكنسيّ الأَوّل
أوّلاً: مرقيون في كتابه "ابوستوليكون" (الذي يتضمّن نصّ رسائل بولس الرسول). لم يحتفظ إلا بإنجيل واحد، هو إنجيل لوقا بعد أن غيَّر مُعطَياته وشوّهه كما يقول ترتليانس. وبما أنّ إنجيل لوقا هو الإِنجيل الثالث، فهذا يدكّ على أن كاتبه هو تلميذ القديس بولس، وإلا لما كان أخذ به مرقيون وهو الرافض لكل ما يمُتّ بصلة إلى العهد القديم.
ثانيًا: قانون موراتوري. هو مخطوط من القرن الثامن يحتوي وثيقة ترجع الى سنة 180 تقريبًا. يقول: "الثالث هو كتاب الإِنجيل بحسب لوقا. ولوقا هو هذا الطبيب الذي أخذه بولس، بعد صعود المسيح، وجعله رفيق أسفاره. كتب باسمه حسب تعليم بولس. هو لم يشاهد الربّ بالجسد. لهذا بدأ خبره انطلاقًا من مولد يوحنا، كما استطاع أن يدركه".
هناك مقطع تشوَّه فصار غامضًا. هل نقرأ "رفيق دربه" او "العارف (بطريق الرب)"؟ الأمران ممكنان. ثم إن العلماء قاموا بتصحيحات لهذا النصّ لتَسْهُل قراءته.
ماذا تعلّمنا هذه الوثيقة؟ لوقا هو صاحب الإِنجيل الثالث، وكان طبيبًا. ويلمّح النص إلى صعود المسيح الذي ينهي الأَنجيل الثالث ويبدأ سفر الأعمال. كان لوقا رفيق بولس، وقد أفاده بمعلوماته القانونيّة. وإذا أخذنا بشرح العبارة المشوّهة نعرف أن لوقا هو رفيق أسفار بولس. لم يرَ لوقا المسيح في الجسد، أي لم يرافقه خلال حياته على الأرض، فتعلّم على يد آخرين، ونقل مادّة إنجيله من أجل الهدف الذي وضعه نصب عينيه، مبتدئًا بمولد يوحنا المعمدان.
ثالثًا: مَطلَع مناهض لمرقيون
مطلع قديم جدًّا دُوِّن في اللاتينيّة. قال بعض الشُرّاح إنه يعود إلى القرن الثاني (160- 180). وقال آخرون إنه يعود إلى القرن الرابع. ماذا يقول هذا المطلع؟ "رجلٌ اسمه لوقا. من انطاكية سورية. تمرَّس بفن الطبّ. وتتلمذ للرسل. بعد ذلك، تبع بولس حتى استشهاده. خدمَ الربَّ بلا عيب، فما تزوَّج امرأة ولا أنجبَ أولادًا. توفي في بيوثية (منطقة في اليونان عاصمتها ثيبة) ممتلئًا من الروح القدس، وكان عمره 80 سنة. كانت قد دُوِّنت أناجيل، متى في اليهودية، مرقس في إيطالية. أما هو فدوّن هذا الانجيل بإلهام من الروح القدس في مناطق اخائية (في اليونان). أوضح في البداية أن أناجيل أخرى دُوِّنت قبل إنجيله، وأنه رأى من الضرورة أن يعرض للمؤمنين الذين من أصل يونانيّ خبرًا كاملاً ومدقَّقًا عن الأحداث...".
رابعًا: القديس إيريناوس. تعود شهادته عن كاتب إنجيل لوقا إلى زمن قانون موراتوري. قال في القسم الثالث من كتابه ضدّ الهراطقة: "وكذلك لوقا، رفيقُ بولس الذي دوَّن في كتاب، الانجيل الذي كرزَ به بولس" وقال إيضًا: "كان لوقا ملازمًا لبولس، وشريكَه في الكرازة بالانجيل. هذا ما يعلمنا به لوقا نفسه، لا ليفتخر بل ليُبرز الحقيقة". "أجل كان لوقا جديرًا بأن ينقل إلينا الإِنجيل". ويزيد إيريناوس: "لم يكن لوقا فقط رفيقَ الرسل، بل مُشاركَهم ومشاركَ بولس". وهذا ما يقوله بولس في رسالته: ديماس تركني وذهب إلى تسالونيكي. لوقا وحدَه معي (2 تم 10:4- 11). هذا يدلّ على أنّ لوقا كان متحدًا ببولس، ولم ينفصل عنه أبدًا. إذن، يشدّد إيريناوس على ارتباط لوقا بالرسل، ولا سيما ببولس الرسول.
خامسًا: ترتليانس. هو اكبر خصوم مرقيون. يهاجمه مستعينًا بإنجيل لوقا. يقول إن لوقا، تلميذ بولس، هو صاحب الإِنجيل الذي أخذه مرقيون فشوّهه وسمّاه "انجيل بولس". ويقدم ترتليانس دفاعه فيقول: يرتبط لوقا بالرسل، وهذا ما لا يقدر أن يطمح اليه مرقيون.
سادسًا: إكلمنضوس الإسكندراني (+216). يلمّح في الموشيات إلى أن لوقا كتب سفر الأعمال. وفي تفسيره لرسالة بطرس الاولى يقابل بين مرقس ولوقا. فكما ارتبط مرقس ببطرس، كذلك ارتبط لوقا ببولس. ما يهمّ أكلمنضوس ليس شخصيَّة الإِنجيليّ، بل علاقتُه برسولٍ من الرسل.
سابعًا: أوريجانس. وينقل إلينا أوريجانس معلوماتٍ آتيةً من محيط الإسكندرية ومن العصر الذي عاش فيه أكلمنضوس. يؤكد لنا أنه يوجد بين الأَناجيل الأربعة التي تقبّلتها الكنيسة من دون جِدال يوجد إنجيل لوقا الذي امتدحه بولس. لقد ألّفه من أجل المسيحيّين الذين من أصل وثني". هذا ما رواه أوسابيوس القيصريّ في كتابه التاريخ الكنسيّ مِمّا سمعه عن أوريجانس.
ثامنًا: أوسابيوس القيصريّ. هو أكبر شاهد على التقليد القديم، وهو يورد لنا التفاصيل التالية: وُلد لوقا في أنطاكية وكان طبيبًا. رافق بولس واتصل بسائر الرسل بصورة دائمة. دوَّن كتابين مُلهَمين من الله. اولا: الإِنجيل. إستند الى ما تعلّمه من الذين كانوا شهودًا للكلمة وخدّامًا لها. ثانيًا: أعمال الرسل. دوّنه بما عرفه بنفسه من أخبار الكنيسة الأولى. "وقيل إن بولس اعتاد أن يذكر الإِنجيل بحسب لوقا كلّ مرة كان يكتب، وكأنه يتكلّم عن إنجيل خاصّ به، فيقول: بحسب إنجيلي" (روم 2: 16؛ 2 تم 8:2). ويتحدّث أوسابيوس في مكان آخر عن لوقا فيقول: أمّا لوقا فقد دلّ بنفسه في بداية مؤلفه على الباعث الذي دفعه إلى الكتابة. حاول كثيرون... فرأى من الضروريّ أن يحرّرنا من افتراضات غير أكيدة قدّمها الآخرون، وأن ينقل إلينا في إنجيله الخاصّ خبرًا أكيدًا لما سمعه في رفقة بولس وفي أحاديثه مع سائر الرسل.
تاسعًا: إيرونيموس. إهتمّ بصورة خاصّة بالتقاليد الكتابيّة، وكان في أساس الترجمة اللاتينية المسمّاة الشعبية أو فولغاتا. إنه يشهد في شرحه لأشعيا ومقدّمة شرح متّى، على أنّ لوقا ألّف الإِنجيل الثالث وأعمال الرسل. وسيردّد التقليد اللاحق كل هذه الشهادات، وسيزيد بعض الأمور التي لا نستطيع أن نثق بها دائمًا لأنها دُوِّنت لتُرضي فضول القرّاء. قالوا: إن لوقا هو أحد السبعين الذين أرسلهم يسوع أمامه (10: 1ي)، وإنه أحد التلميذين اللذين رافقا الرب على طريق عمّاوس مع كليوبا. وقالوا: كان رسَّامًا فاحتفظ لنا بقَسَمات وجه مريم العذراء.
التقليد عامّ وشامل، وهو يصل إلينا من سورية ورومة (موراتوري) وغاليا (أي فرنسا الحاليّة) وأفريقيا (الشمالية، ترتليانس) والإِسكندرية (أكلمنضوس، أوريجانس). كلّ هؤلاء يجمعون على القول إنّ لوقا الطبيب ورفيق بولس قد دوَّن الإِنجيل الثالث.

2- القيمة التاريخيّة للتقليد الكنسيّ الأوّلاني
أثارت مُعطَيات التقليد موقفَين متعارضين: الموقف الأول يثقُ كلَّ الثقة بكل التفاصيل التي ردّدها الأقدمون؛ الموقف الثاني يتّخذ موقفًا معارضًا يستحقّ اللوم ايضًا، والقائلون به يرفضون أن يثقوا بمجمل التقليد.
لا شكّ في أنه يجب أن نميّز بين المعلومات التي حملتها لنا التقاليد القديمة، لا أن نرفضها جملة، وتفصيلاً. وهنا نتوقّف عند سِمتَين تميّزان عقليّة الأجيال المسيحيّة الأولى التي نقلت إلينا التقليد الأوّلاني. ثم نحكم على ضوء هذا الإِطار السيكولوجيّ على ما قيل من علاقة بين لوقا والإنجيل الثالث.
أوّلاً: نتذكّر بادئَ ذي بَدْء الطريقةَ التي بها كان الكُتّاب المسيحيّون الأوّلون يوردون نصّ الإِنجيل. فأكلمنضوس الرومانيّ وأغناطيوس الإِنطاكيّ وخلفاؤهما لا يذكرون عادة اسم الإِنجيليّ. غير أن بابياس ترك لنا في أجزاء كتبه التي وصلت إلينا اسم متى ومرقس. امّا سائِر الكتاب فيتحدّثون عن إنجيل يسوع، عن أقوال الرب... ونقول الشيء عينه عن المدافعين الأوّلين وعن أولى الكتب الغنوصية: يشيرون بوضوح إلى القديس بولس، وحين يصلون إلى الأناجيل، يوردونها على أنها كلمات المسيح وما تذكَّره الرسلُ من معلّمهم. بعد بابياس، سيأتي إيريناوس وقانون موراتوري فيذكران الأسماء الأربعة (أي الإِنجيليّين) أسماء الذين رتّبوا أقوال الرب. وبعد فترة من الإِيرادات الكتابيّة، بدأوا يتساءلون عن أقوال الرب وأعماله، وكان السبب خارجيًّان؛ هناك تجديد في التعليم يطلقه الهراطقة. كرز الغنوصيّون بإنجيل جديد، فعارضهم المسيحيّون بإنجيل المسيح الحقيقيّ الذي دوّنه الرسل (متى، يوحنا) أو تلاميذُهم المباشِرون (مرقس، لوقا). إهتمّ الكتاب بمحاربة الهراطقة فأوردوا أسماء الإنجيليّين الأربعة التي حفظت في الجماعات الكنسيّة (كما يشهد بابياس)، وحاولوا أن يبرهنوا أن الأصل الرسوليّ يكفَل هذه الكتيبات الأربعة التي اسمُها إنجيل متى ومرقس ولوقا ويوحنا.
ثانيًا: يجب أيضًا أن نشدّد على سِمَةٍ أخرى خاصّة بالمسيحيّة الأولى، ونبينّ أن التقليد لم يستنبط "الإنجيليّين". نستطيع أن نذكر أهميّة الأمانة للتقليد، وهذا ظاهر لدى القديس بولس الذي لا يريد أن يسلَّم إلى المؤمنين إلا ما تسلَّمه من الربّ (1 كور 23:11؛ 3:15). وإذا عُدنا إلى الكتَّاب الأوّلين، وجدنا عند أكلمنضوس الرومانيّ مثلاً وأغناطيوس الأنطاكيّ هذا التعلّق بالتقليد. وسيعلن بابياس أسقفُ هيرابوليس حوالي سنة 130، تعلّقه بصوت التقليد الرسوليّ الحيّ والمتواصل الذي احتفظت به الكنيسة، وأورده تلاميذُ الرسل. ونذكر أيضا حوالي منتصف القرن الثاني أقوال بوليكربوس التي ردّدها إيريناوس، وأقوالَ إيريناوس وترتليانس. إن كانت هذه الأسماء خاطئة، فما قيمةُ السلاح الذي به يحاربون مرقيون وولنطينس وغيرَهما من الهراطقة؟
ثالثًا: ونصل الآن إلى لوقا. فالإطار السيكولوجيّ الذي ذكرناه لا يسمح لنا أن نوافق على موقف الذين قالوا: كما ارتبط إنجيل مرقس بكرازة بطرس، هكذا جاء من ربطَ إنجيل لوقا بكرازة بولس. أكّد التقليد الخارجيّ على سلطة إنجيل لوقا، فبحث الأقدمون عن هذه العلاقة في الرسائل البولسية حيث يُذكَر اسم لوقا (كو 14:4؛ فلم 24؛ 2 تم 4: 11)، وفي طريقة لوقا في تدوين أعمال الرسل في صيغة المتكلم الجمع (مثلاً، 13:20 "أما نحن فركبنا السفينة وأبحرنا إلى أسوس لنصحب منها بولس"). إذا كان اسم لوقا فرض نفسه، فالأمر عائد الى تقليد أوّليّ احتفظت به بعض الجماعات، واستغلّه الكتّاب المدافعون فيما بعد ليؤكّدوا السلطة الرسوليّة التي تتحلّى بها الأناجيل الأربعة كما تسلّمتها الكنيسة.

3- أين كُتب الإِنجيل الثالث ومتى كُتب؟
أوّلاً: أين كتب؟ عُيِّنت أماكنُ عديدة كموضع دُوِّن فيه إنجيل لوقا. وهذه الاشارات التي نقرأها في عناوين بعض المخطوطات، هي استنتاجات من نصّ العهد الجديد، ولا سيّما من مقاطع سفر الأعمال الواردة في صيغة المتكلّم الجمع، أو هي تعود إلى معطَيات التقليد الخاصّ بمرقس ويوحنا. قال إيرونيموس: إن لوقا دوَّن إنجيله في أخائيّة أو بيوثية وأورد غريغوريوس النازينزي اسم أخائية. وقيل اليونان وبالأخصّ كورنتوس، وقيل الإسكندريّة وآسية الصغرى ورومة وقيصريّة. وقال المطلع المناهض لمرقيون: في اليونان. 
هذا يعني أنّ التقليد الخاص بموضع تدوين الإِنجيل الثالث ليس متماسكًا. الافتراضات عديدة ولكن ليس من افتراض مُقنع. هذا على مستوى النقد الخارجيّ. أمّا النقد الداخليّ فيحدّد فقط أن لوقا كتب إنجيله إلى أُناس وثنيّين يعيشون في خارج فلسطين.

ثانيًا: متى كتب إنجيل لوقا؟
هناك المُعطَيات التقليديّة. ذكرت اللوائحُ القانونيّة لوقا في الدرجة الثالثة، أي بعد مرقس (قانون موراتوري، أوريجانس، إيرونيموس). قد يعني هذا الوضع إشارةً كرونولوجيّة. ولكن حين نحاول أن نحدّد زمن كتابته، نجد أمامنا تقليدين متباعدين. يقول إيريناوس إن لوقا دوّن إنجيله بعد موت بولس الرسول، وقاسمه الرأيَ إيرونيموس في شرحه لإنجيل متى. ولكن عاد إيرونيموس في كتابه "الرجالُ المشهورون" فاتّبع أوسابيوس، وأعلن أن لوقا دوَّن إنجيله في رومة يومَ كان بولسُ لا يزال حيًّا.
وهناك معطَياتُ النقد الأدبيّ. ينطلق النقد الأدبيّ من معطيات محدّدة في الزمن. وإليك ثلاثةَ آراء:
الرأيُ الأوّلُ يقول إن لوقا دوّن إنجيله قبل سنة 70. دافع عن هذا الموقف الشرَّاح الكاثوليك، على أثر تحذير اللجنة البيبليّة الرومانيّة، واستندوا إلى معطيات إيريناوس وإيرونيموس التقليدية. لم يَعُد أحدٌ تقريبًا يأخذ اليوم بهذا الرأي، ولا سيما وإن المسألة لا تؤثّر على الايمان.
الرأي الثاني يؤخّر التدوين إلى ما بعدَ سنة 95. يقول المدافعون عن هذا الرأي إنّ أع 36:5- 37 يرتبط بيوسيفوس أو بإنجيل يوحنّا. لا شكّ في أنّ هناك تقاربًا بين لوقا ويوحنا؛ ولكن هذا لا يفترض تبعيّة أدبيّة. قد يكون هناك نقاطُ اتّصال بين تقاليد جزئيّة أو محيط واحد. أمّا فيما يتعلّق بيوسيفوس، فقد اعتبر أصحاب هذا الرأي أنّ خطبة جملائيل (أع 5: 36- 37) تذكر الثورات اليهوديّة ضدّ المحتلّ، وترتبط "بالقديميّات اليهوديّة" (دوَّنها يوسيفوس سنة 93- 94). ولكن هذا الارتباط لم يُبرهَن عنه، كما أنّنا نعلم أن الثورات اليهوديّة لم تتوقّف قبل دمار أورشليم (سنة 70) وبعدَه. ومهما يكنْ من أمر، لم يعد من أحد يأخذ بهذا الرأي الثاني.
الرأي الثالث: دوِّن إنجيل لوقا بين سنة 70 وسنة 90. قال لوقا: "إن كثيرًا من الناس أخذوا يدوّنون رواية الأحداث التي جرت بيننا" (1: 1). هذا برهان أوّل؛ ولكنّه لا يكفي، لأنّ المحاولات كانت كثيرةً من أجل ترتيب التقاليد المتعلّقة بيسوع المسيح. والبرهان الثاني: طريقة تصوير دمار أورشليم. يبدو وكأنّ الحدث قد حصل. نقرأ في 43:19- 44 :"سيجيء زمان يحيط بك أعداؤك بالمتاريس، ويحاصرونك، وُيطبقون عليك من كل جهة، ويهدمونك على أبنائك الذين هم فيك. ولا يتركون فَيك حَجرًا على حجر، لانك ما عرفت زمان مجيء الله إليك". يتحدّث مت 15:24 ومر 14:13 عن "نجاسة الخراب" (نحن أمام وضع حرِج؛ ولكنّنا لا نفهم إلى ماذا يشير النصّ، رج دا 27:9؛ 11: 31؛ 12: 11). أمّا لو 21: 20 فيحدّد: "فإذا رأيتم أورشليم تحاصرها الجيوش". وفي 24:21 يقال لنا بما يقوم "الضيق العظيم" (رج مت 24: 21): "يسقطون بحدّ السيف، وُيؤخَذون أسرى في جميع الأمم، ويدوسُ الوثنيّون أورشليم إلى أن يتمّ زمانُ الأمم" (حرفيُّا: أزمنة الأمم، أي زمن تبشير الامم، رج 47:24). هذا يعني أن الإِنجيل الثالث دُوِّن بعد سنة 70. ويُجمِع عدد من النقاد على اعتباره قد دُوِّن حوالي سنة 85، أي قبل أن يتمّ الانفصال بين العالم اليهوديّ والعالم الوثنيّ، وقبل أن يصبح الفريسيّون العنصرَ المسيطر على شعب العهد القديم. وهكذا يكون لوقا قد دوَّن إنجيله قبل يوحنا.

الفصل الثاني
كاتب أنجيل لوقا

كتب لوقا مؤلَّفًا واحدًا وقسَّمَه مجلَّدين: الإنجيلَ وأعمالَ الرسل. وحين كتب الإِنجيل، هدفَ من كتابته إلى تقديم "رواية للاحداث" لكي يعرف التلميذُ صحّةَ التعليم الذي تتلمذ له (1: 1- 4).
يحدّثنا التقليد منذ القرن الثاني عن لوقا ككاتب للإِنجيل. هو ذلك "الطبيبُ الحبيب" (كو 4: 14) الذي رافقَ القديس بولس خلال رحلاته الرسوليّة، بل حتى رومة. يقول سفر الأعمال (13:28- 14) "كنا في بوطيول، حيث وجدنا إخوة. فسألونا أن نقيم عندهم سبعة أيام. وهكذا جئنا إلى رومة". هذا ما يقوله لوقا عن بطرس وبولس، بل عن كلمة الله التي انطلقت من أورشليم فوصلت إلى رومة. فمن هو لوقا هذا في نظر التقليد، وإلى مَن كتب إنجيله؟

1- شَهادات التقليد الكنسيّ الأَوّل
أوّلاً: مرقيون في كتابه "ابوستوليكون" (الذي يتضمّن نصّ رسائل بولس الرسول). لم يحتفظ إلا بإنجيل واحد، هو إنجيل لوقا بعد أن غيَّر مُعطَياته وشوّهه كما يقول ترتليانس. وبما أنّ إنجيل لوقا هو الإِنجيل الثالث، فهذا يدكّ على أن كاتبه هو تلميذ القديس بولس، وإلا لما كان أخذ به مرقيون وهو الرافض لكل ما يمُتّ بصلة إلى العهد القديم.
ثانيًا: قانون موراتوري. هو مخطوط من القرن الثامن يحتوي وثيقة ترجع الى سنة 180 تقريبًا. يقول: "الثالث هو كتاب الإِنجيل بحسب لوقا. ولوقا هو هذا الطبيب الذي أخذه بولس، بعد صعود المسيح، وجعله رفيق أسفاره. كتب باسمه حسب تعليم بولس. هو لم يشاهد الربّ بالجسد. لهذا بدأ خبره انطلاقًا من مولد يوحنا، كما استطاع أن يدركه".
هناك مقطع تشوَّه فصار غامضًا. هل نقرأ "رفيق دربه" او "العارف (بطريق الرب)"؟ الأمران ممكنان. ثم إن العلماء قاموا بتصحيحات لهذا النصّ لتَسْهُل قراءته.
ماذا تعلّمنا هذه الوثيقة؟ لوقا هو صاحب الإِنجيل الثالث، وكان طبيبًا. ويلمّح النص إلى صعود المسيح الذي ينهي الأَنجيل الثالث ويبدأ سفر الأعمال. كان لوقا رفيق بولس، وقد أفاده بمعلوماته القانونيّة. وإذا أخذنا بشرح العبارة المشوّهة نعرف أن لوقا هو رفيق أسفار بولس. لم يرَ لوقا المسيح في الجسد، أي لم يرافقه خلال حياته على الأرض، فتعلّم على يد آخرين، ونقل مادّة إنجيله من أجل الهدف الذي وضعه نصب عينيه، مبتدئًا بمولد يوحنا المعمدان.
ثالثًا: مَطلَع مناهض لمرقيون
مطلع قديم جدًّا دُوِّن في اللاتينيّة. قال بعض الشُرّاح إنه يعود إلى القرن الثاني (160- 180). وقال آخرون إنه يعود إلى القرن الرابع. ماذا يقول هذا المطلع؟ "رجلٌ اسمه لوقا. من انطاكية سورية. تمرَّس بفن الطبّ. وتتلمذ للرسل. بعد ذلك، تبع بولس حتى استشهاده. خدمَ الربَّ بلا عيب، فما تزوَّج امرأة ولا أنجبَ أولادًا. توفي في بيوثية (منطقة في اليونان عاصمتها ثيبة) ممتلئًا من الروح القدس، وكان عمره 80 سنة. كانت قد دُوِّنت أناجيل، متى في اليهودية، مرقس في إيطالية. أما هو فدوّن هذا الانجيل بإلهام من الروح القدس في مناطق اخائية (في اليونان). أوضح في البداية أن أناجيل أخرى دُوِّنت قبل إنجيله، وأنه رأى من الضرورة أن يعرض للمؤمنين الذين من أصل يونانيّ خبرًا كاملاً ومدقَّقًا عن الأحداث...".
رابعًا: القديس إيريناوس. تعود شهادته عن كاتب إنجيل لوقا إلى زمن قانون موراتوري. قال في القسم الثالث من كتابه ضدّ الهراطقة: "وكذلك لوقا، رفيقُ بولس الذي دوَّن في كتاب، الانجيل الذي كرزَ به بولس" وقال إيضًا: "كان لوقا ملازمًا لبولس، وشريكَه في الكرازة بالانجيل. هذا ما يعلمنا به لوقا نفسه، لا ليفتخر بل ليُبرز الحقيقة". "أجل كان لوقا جديرًا بأن ينقل إلينا الإِنجيل". ويزيد إيريناوس: "لم يكن لوقا فقط رفيقَ الرسل، بل مُشاركَهم ومشاركَ بولس". وهذا ما يقوله بولس في رسالته: ديماس تركني وذهب إلى تسالونيكي. لوقا وحدَه معي (2 تم 10:4- 11). هذا يدلّ على أنّ لوقا كان متحدًا ببولس، ولم ينفصل عنه أبدًا. إذن، يشدّد إيريناوس على ارتباط لوقا بالرسل، ولا سيما ببولس الرسول.
خامسًا: ترتليانس. هو اكبر خصوم مرقيون. يهاجمه مستعينًا بإنجيل لوقا. يقول إن لوقا، تلميذ بولس، هو صاحب الإِنجيل الذي أخذه مرقيون فشوّهه وسمّاه "انجيل بولس". ويقدم ترتليانس دفاعه فيقول: يرتبط لوقا بالرسل، وهذا ما لا يقدر أن يطمح اليه مرقيون.
سادسًا: إكلمنضوس الإسكندراني (+216). يلمّح في الموشيات إلى أن لوقا كتب سفر الأعمال. وفي تفسيره لرسالة بطرس الاولى يقابل بين مرقس ولوقا. فكما ارتبط مرقس ببطرس، كذلك ارتبط لوقا ببولس. ما يهمّ أكلمنضوس ليس شخصيَّة الإِنجيليّ، بل علاقتُه برسولٍ من الرسل.
سابعًا: أوريجانس. وينقل إلينا أوريجانس معلوماتٍ آتيةً من محيط الإسكندرية ومن العصر الذي عاش فيه أكلمنضوس. يؤكد لنا أنه يوجد بين الأَناجيل الأربعة التي تقبّلتها الكنيسة من دون جِدال يوجد إنجيل لوقا الذي امتدحه بولس. لقد ألّفه من أجل المسيحيّين الذين من أصل وثني". هذا ما رواه أوسابيوس القيصريّ في كتابه التاريخ الكنسيّ مِمّا سمعه عن أوريجانس.
ثامنًا: أوسابيوس القيصريّ. هو أكبر شاهد على التقليد القديم، وهو يورد لنا التفاصيل التالية: وُلد لوقا في أنطاكية وكان طبيبًا. رافق بولس واتصل بسائر الرسل بصورة دائمة. دوَّن كتابين مُلهَمين من الله. اولا: الإِنجيل. إستند الى ما تعلّمه من الذين كانوا شهودًا للكلمة وخدّامًا لها. ثانيًا: أعمال الرسل. دوّنه بما عرفه بنفسه من أخبار الكنيسة الأولى. "وقيل إن بولس اعتاد أن يذكر الإِنجيل بحسب لوقا كلّ مرة كان يكتب، وكأنه يتكلّم عن إنجيل خاصّ به، فيقول: بحسب إنجيلي" (روم 2: 16؛ 2 تم 8:2). ويتحدّث أوسابيوس في مكان آخر عن لوقا فيقول: أمّا لوقا فقد دلّ بنفسه في بداية مؤلفه على الباعث الذي دفعه إلى الكتابة. حاول كثيرون... فرأى من الضروريّ أن يحرّرنا من افتراضات غير أكيدة قدّمها الآخرون، وأن ينقل إلينا في إنجيله الخاصّ خبرًا أكيدًا لما سمعه في رفقة بولس وفي أحاديثه مع سائر الرسل.
تاسعًا: إيرونيموس. إهتمّ بصورة خاصّة بالتقاليد الكتابيّة، وكان في أساس الترجمة اللاتينية المسمّاة الشعبية أو فولغاتا. إنه يشهد في شرحه لأشعيا ومقدّمة شرح متّى، على أنّ لوقا ألّف الإِنجيل الثالث وأعمال الرسل. وسيردّد التقليد اللاحق كل هذه الشهادات، وسيزيد بعض الأمور التي لا نستطيع أن نثق بها دائمًا لأنها دُوِّنت لتُرضي فضول القرّاء. قالوا: إن لوقا هو أحد السبعين الذين أرسلهم يسوع أمامه (10: 1ي)، وإنه أحد التلميذين اللذين رافقا الرب على طريق عمّاوس مع كليوبا. وقالوا: كان رسَّامًا فاحتفظ لنا بقَسَمات وجه مريم العذراء.
التقليد عامّ وشامل، وهو يصل إلينا من سورية ورومة (موراتوري) وغاليا (أي فرنسا الحاليّة) وأفريقيا (الشمالية، ترتليانس) والإِسكندرية (أكلمنضوس، أوريجانس). كلّ هؤلاء يجمعون على القول إنّ لوقا الطبيب ورفيق بولس قد دوَّن الإِنجيل الثالث.

2- القيمة التاريخيّة للتقليد الكنسيّ الأوّلاني
أثارت مُعطَيات التقليد موقفَين متعارضين: الموقف الأول يثقُ كلَّ الثقة بكل التفاصيل التي ردّدها الأقدمون؛ الموقف الثاني يتّخذ موقفًا معارضًا يستحقّ اللوم ايضًا، والقائلون به يرفضون أن يثقوا بمجمل التقليد.
لا شكّ في أنه يجب أن نميّز بين المعلومات التي حملتها لنا التقاليد القديمة، لا أن نرفضها جملة، وتفصيلاً. وهنا نتوقّف عند سِمتَين تميّزان عقليّة الأجيال المسيحيّة الأولى التي نقلت إلينا التقليد الأوّلاني. ثم نحكم على ضوء هذا الإِطار السيكولوجيّ على ما قيل من علاقة بين لوقا والإنجيل الثالث.
أوّلاً: نتذكّر بادئَ ذي بَدْء الطريقةَ التي بها كان الكُتّاب المسيحيّون الأوّلون يوردون نصّ الإِنجيل. فأكلمنضوس الرومانيّ وأغناطيوس الإِنطاكيّ وخلفاؤهما لا يذكرون عادة اسم الإِنجيليّ. غير أن بابياس ترك لنا في أجزاء كتبه التي وصلت إلينا اسم متى ومرقس. امّا سائِر الكتاب فيتحدّثون عن إنجيل يسوع، عن أقوال الرب... ونقول الشيء عينه عن المدافعين الأوّلين وعن أولى الكتب الغنوصية: يشيرون بوضوح إلى القديس بولس، وحين يصلون إلى الأناجيل، يوردونها على أنها كلمات المسيح وما تذكَّره الرسلُ من معلّمهم. بعد بابياس، سيأتي إيريناوس وقانون موراتوري فيذكران الأسماء الأربعة (أي الإِنجيليّين) أسماء الذين رتّبوا أقوال الرب. وبعد فترة من الإِيرادات الكتابيّة، بدأوا يتساءلون عن أقوال الرب وأعماله، وكان السبب خارجيًّان؛ هناك تجديد في التعليم يطلقه الهراطقة. كرز الغنوصيّون بإنجيل جديد، فعارضهم المسيحيّون بإنجيل المسيح الحقيقيّ الذي دوّنه الرسل (متى، يوحنا) أو تلاميذُهم المباشِرون (مرقس، لوقا). إهتمّ الكتاب بمحاربة الهراطقة فأوردوا أسماء الإنجيليّين الأربعة التي حفظت في الجماعات الكنسيّة (كما يشهد بابياس)، وحاولوا أن يبرهنوا أن الأصل الرسوليّ يكفَل هذه الكتيبات الأربعة التي اسمُها إنجيل متى ومرقس ولوقا ويوحنا.
ثانيًا: يجب أيضًا أن نشدّد على سِمَةٍ أخرى خاصّة بالمسيحيّة الأولى، ونبينّ أن التقليد لم يستنبط "الإنجيليّين". نستطيع أن نذكر أهميّة الأمانة للتقليد، وهذا ظاهر لدى القديس بولس الذي لا يريد أن يسلَّم إلى المؤمنين إلا ما تسلَّمه من الربّ (1 كور 23:11؛ 3:15). وإذا عُدنا إلى الكتَّاب الأوّلين، وجدنا عند أكلمنضوس الرومانيّ مثلاً وأغناطيوس الأنطاكيّ هذا التعلّق بالتقليد. وسيعلن بابياس أسقفُ هيرابوليس حوالي سنة 130، تعلّقه بصوت التقليد الرسوليّ الحيّ والمتواصل الذي احتفظت به الكنيسة، وأورده تلاميذُ الرسل. ونذكر أيضا حوالي منتصف القرن الثاني أقوال بوليكربوس التي ردّدها إيريناوس، وأقوالَ إيريناوس وترتليانس. إن كانت هذه الأسماء خاطئة، فما قيمةُ السلاح الذي به يحاربون مرقيون وولنطينس وغيرَهما من الهراطقة؟
ثالثًا: ونصل الآن إلى لوقا. فالإطار السيكولوجيّ الذي ذكرناه لا يسمح لنا أن نوافق على موقف الذين قالوا: كما ارتبط إنجيل مرقس بكرازة بطرس، هكذا جاء من ربطَ إنجيل لوقا بكرازة بولس. أكّد التقليد الخارجيّ على سلطة إنجيل لوقا، فبحث الأقدمون عن هذه العلاقة في الرسائل البولسية حيث يُذكَر اسم لوقا (كو 14:4؛ فلم 24؛ 2 تم 4: 11)، وفي طريقة لوقا في تدوين أعمال الرسل في صيغة المتكلم الجمع (مثلاً، 13:20 "أما نحن فركبنا السفينة وأبحرنا إلى أسوس لنصحب منها بولس"). إذا كان اسم لوقا فرض نفسه، فالأمر عائد الى تقليد أوّليّ احتفظت به بعض الجماعات، واستغلّه الكتّاب المدافعون فيما بعد ليؤكّدوا السلطة الرسوليّة التي تتحلّى بها الأناجيل الأربعة كما تسلّمتها الكنيسة.

3- أين كُتب الإِنجيل الثالث ومتى كُتب؟
أوّلاً: أين كتب؟ عُيِّنت أماكنُ عديدة كموضع دُوِّن فيه إنجيل لوقا. وهذه الاشارات التي نقرأها في عناوين بعض المخطوطات، هي استنتاجات من نصّ العهد الجديد، ولا سيّما من مقاطع سفر الأعمال الواردة في صيغة المتكلّم الجمع، أو هي تعود إلى معطَيات التقليد الخاصّ بمرقس ويوحنا. قال إيرونيموس: إن لوقا دوَّن إنجيله في أخائيّة أو بيوثية وأورد غريغوريوس النازينزي اسم أخائية. وقيل اليونان وبالأخصّ كورنتوس، وقيل الإسكندريّة وآسية الصغرى ورومة وقيصريّة. وقال المطلع المناهض لمرقيون: في اليونان. 
هذا يعني أنّ التقليد الخاص بموضع تدوين الإِنجيل الثالث ليس متماسكًا. الافتراضات عديدة ولكن ليس من افتراض مُقنع. هذا على مستوى النقد الخارجيّ. أمّا النقد الداخليّ فيحدّد فقط أن لوقا كتب إنجيله إلى أُناس وثنيّين يعيشون في خارج فلسطين.

ثانيًا: متى كتب إنجيل لوقا؟
هناك المُعطَيات التقليديّة. ذكرت اللوائحُ القانونيّة لوقا في الدرجة الثالثة، أي بعد مرقس (قانون موراتوري، أوريجانس، إيرونيموس). قد يعني هذا الوضع إشارةً كرونولوجيّة. ولكن حين نحاول أن نحدّد زمن كتابته، نجد أمامنا تقليدين متباعدين. يقول إيريناوس إن لوقا دوّن إنجيله بعد موت بولس الرسول، وقاسمه الرأيَ إيرونيموس في شرحه لإنجيل متى. ولكن عاد إيرونيموس في كتابه "الرجالُ المشهورون" فاتّبع أوسابيوس، وأعلن أن لوقا دوَّن إنجيله في رومة يومَ كان بولسُ لا يزال حيًّا.
وهناك معطَياتُ النقد الأدبيّ. ينطلق النقد الأدبيّ من معطيات محدّدة في الزمن. وإليك ثلاثةَ آراء:
الرأيُ الأوّلُ يقول إن لوقا دوّن إنجيله قبل سنة 70. دافع عن هذا الموقف الشرَّاح الكاثوليك، على أثر تحذير اللجنة البيبليّة الرومانيّة، واستندوا إلى معطيات إيريناوس وإيرونيموس التقليدية. لم يَعُد أحدٌ تقريبًا يأخذ اليوم بهذا الرأي، ولا سيما وإن المسألة لا تؤثّر على الايمان.
الرأي الثاني يؤخّر التدوين إلى ما بعدَ سنة 95. يقول المدافعون عن هذا الرأي إنّ أع 36:5- 37 يرتبط بيوسيفوس أو بإنجيل يوحنّا. لا شكّ في أنّ هناك تقاربًا بين لوقا ويوحنا؛ ولكن هذا لا يفترض تبعيّة أدبيّة. قد يكون هناك نقاطُ اتّصال بين تقاليد جزئيّة أو محيط واحد. أمّا فيما يتعلّق بيوسيفوس، فقد اعتبر أصحاب هذا الرأي أنّ خطبة جملائيل (أع 5: 36- 37) تذكر الثورات اليهوديّة ضدّ المحتلّ، وترتبط "بالقديميّات اليهوديّة" (دوَّنها يوسيفوس سنة 93- 94). ولكن هذا الارتباط لم يُبرهَن عنه، كما أنّنا نعلم أن الثورات اليهوديّة لم تتوقّف قبل دمار أورشليم (سنة 70) وبعدَه. ومهما يكنْ من أمر، لم يعد من أحد يأخذ بهذا الرأي الثاني.
الرأي الثالث: دوِّن إنجيل لوقا بين سنة 70 وسنة 90. قال لوقا: "إن كثيرًا من الناس أخذوا يدوّنون رواية الأحداث التي جرت بيننا" (1: 1). هذا برهان أوّل؛ ولكنّه لا يكفي، لأنّ المحاولات كانت كثيرةً من أجل ترتيب التقاليد المتعلّقة بيسوع المسيح. والبرهان الثاني: طريقة تصوير دمار أورشليم. يبدو وكأنّ الحدث قد حصل. نقرأ في 43:19- 44 :"سيجيء زمان يحيط بك أعداؤك بالمتاريس، ويحاصرونك، وُيطبقون عليك من كل جهة، ويهدمونك على أبنائك الذين هم فيك. ولا يتركون فَيك حَجرًا على حجر، لانك ما عرفت زمان مجيء الله إليك". يتحدّث مت 15:24 ومر 14:13 عن "نجاسة الخراب" (نحن أمام وضع حرِج؛ ولكنّنا لا نفهم إلى ماذا يشير النصّ، رج دا 27:9؛ 11: 31؛ 12: 11). أمّا لو 21: 20 فيحدّد: "فإذا رأيتم أورشليم تحاصرها الجيوش". وفي 24:21 يقال لنا بما يقوم "الضيق العظيم" (رج مت 24: 21): "يسقطون بحدّ السيف، وُيؤخَذون أسرى في جميع الأمم، ويدوسُ الوثنيّون أورشليم إلى أن يتمّ زمانُ الأمم" (حرفيُّا: أزمنة الأمم، أي زمن تبشير الامم، رج 47:24). هذا يعني أن الإِنجيل الثالث دُوِّن بعد سنة 70. ويُجمِع عدد من النقاد على اعتباره قد دُوِّن حوالي سنة 85، أي قبل أن يتمّ الانفصال بين العالم اليهوديّ والعالم الوثنيّ، وقبل أن يصبح الفريسيّون العنصرَ المسيطر على شعب العهد القديم. وهكذا يكون لوقا قد دوَّن إنجيله قبل يوحنا.
الفصل الثالث
بناء الانجيل الثالث

إن مسألة عمل لوقا التدوينيّ قد كانت موضوع درس لدى المسؤولين في معالجة إنجيل لوقا كما في معالجة المسألة الإِزائيّة. ولكن هذه الدراسات اهتمّت غالبًا بتحديد "التقليد الأوّلاني" وبإيجاد معطَيات "تاريخ يسوع"، ولم تهتمَّ بالتعرّف إلى لوقا نفسه. رأوا في هذا الإِنجيل الثالث ما يصلح للبُنيان، فاكتشفوا أسلوبه وطرائقه الادبيّة ومواضيع فكره، ولكنهم لم يحاولوا أن يجمعوا هذه المُعطيات في إضمامةٍ لاهوتيّة تُشرف على مؤلَّفه.
وجاء كونزلمان فاهتمّ بلوقا من أجل ذاته، وحدّد أسلوبًا انطلق فيه من بُنْية الكتاب وتصوّراته الجغرافيّة، فوصل بنا إلى نِظْرة إجماليّة حول مفهوم لوقا لتاريخ الخلاص، ولتمييز صار اليوم كلاسيكيّا، بين زمن يسوع وزمنِ الكنيسة.
يحاول منهج تاريخ التقليد أن يحدّد فكر الإِنجيليّ منطلقَا من عمله التدوينيّ في التقليد الإِنجيليّ السابق. ولكن ما هو هذا التقليد؟ يتّفق الشُرّاح على القول إن لوقا امتلك مراجعَ خاصَّة به. ولكن تختلف الآراء فيما بعد: هل كانت هذه الموادّ شفهيّة أم خطّيّة؟ هل كانت مدوَّنة في اليونانية أم الآراميّة أم العبريّة؟ ويختلف المؤوّلون أيضًا حول طبيعة المراجع المشتركة بين لوقا ومتى ومرقس. تكلم كونزلمان عن "نظريّة المرجعَيْن". وتحدّث آخرون عن نصّ سابق لنصّ لوقا، ودلّت الدراسات الأخيرة على وجود مراجع خاصَّة استعملها لوقا حين دوّن خبر الآلام. واكتشف بعض الشُرّاح نقاط اتّصال بين لوقا والتقليد اليوحنّاوي. وهكذا يبدو من الصعب أن نحدّد ما هو خاصّ بلوقا حين يختلف عن متى ومرقس.
ثم إن منهج تاريخ التدوين لا يقول شيئًا في البداية عن الشخصيّة التاريخيّة لكاتب الإِنجيل. فبعد أن يُثبت الميزات الادبيّة واللاهوتيّة لهذا الإِنجيل يتساءل: هل هناك تماثُلٌ بين هذا الكاتب ورفيق بولس الذي يتحدّث بصيغة المتكلْم الجمع في أع، والذي يسمّيه التقليدُ لوقا؟ هناك من يرفض هذا التماثل، أما نحن فنتحدّث عن لوقا بالمعنى التقليديّ، ونعتبر أنه دوّن مؤلفًا واحدًا قسمه قسمين: الإِنجيل وأَعمال الرسل.
يقدّم إنجيل لوقا للوَهلة الأولى بناءً شبيهًا ببناء إنجيلَيْ متى ومرقس. فهو يُورد على التوالي كرازةَ يوحنّا المعمدان، ثمّ بدايةَ يسوع العلنيّة، ثمّ كرازتَه الاولى، فصعودَه إلى أورشليم، فآلامَه وقيامته. غير أننا نكتشف من خلال هذه الموازاة عدّة اختلافات. ونلاحظ سِمَةً لوقاويّة خاصَّة هي تحديد حقَبات متعاقبة ومحدَّدة في المكان. سندرس هذه الحقَبات: تحديدَها، وطوبوغرافيّتَها، ومحتواها التعليميّ، ووظيفتَها في مُجْمَل الإِنجيل الثالث.

1- أخبار الطفولة (ف 1- 2)
إن أخبار هذا القسم الأوّل هي خاصّة بإنجيل لوقا، وهي تشكّل حِقْبةً محدّدةً بوضوح، بموضوعها وزمانها وفنّها الأدبي. يعرف القديس لوقا أن هذه الأخبار لا تنتمي إلى الكرازة الرسوليّة الأصلية (أع 1: 21-22؛ 10: 37؛ 13: 24- 25). وهو يستعمل هنا مراجعَ خاصّة به، مراجعَ يناقشُ الشرّاحُ حتى اليوم فنَّها الأدبيّ ومصدَرها واللغة الأصليّة التي كُتبت فيها. ولكن، مهما يكُنْ من أصل هذه الموادّ، فالقديس لوقا ينظّمها على طريقته في موازاة دقيقة بين يوحنا المعمدان وشموع: بشارتان متوازيتان، لقاءُ الطفلَين وهما بعدُ في حَشا أمّهما، وولادتان وختانان، ومهمّتان معلَنتان في نشيدين نبويين، وتعليقان قصيران عن طفولة كلٍّ منهما. إن هذه الموازاة تبرز التعارُضَ بين هذين الولدين، وهذا التعارض يظهر حتى في طوبوغرافيا خبرهما: فخبرُ يوحنّا يبدأ في الهيكل ويتواصل في هضاب اليهوديّة. وخبرِ يسوع يبدأ في الناصرة، ويلتقي خبرَ يوحنا في هِضاب اليهوديّة، ثم ينتقل الى بيت لحمَ ويجد ذُروتَه في هيكلِ أورشليم قبل أن يعود إلى الناصرة.
أمّا الفنّ الأدبيّ لهذه الأخبار فهو قريب إلى أخبار طفولة بعض الأبطال، بل إلى أخبار بيبليّة لبشارة ومولد إسحق وشمشون وصموئيل (تقارب في الفنّ الأدبيّ وفي التفاصيل). تحدّد هذه الاخبارُ مُهمّةَ يوحنا ومُهمّةَ يسوع: يوحنا المعمدان هو السابق (1: 15- 17، 76- 77)، يسوع هو ابنُ داود (1: 32، 69)، وابن الله (1: 32، 35)، والمخلّصُ والمسيحُ الربّ (2: 11)، ومسيحُ الربّ (26:2)، ونورُ الامم (32:2). وقد "جُعل لسقوط وقيام كثيرين في إسرائيل". تنتظره المعارضة والسيف (2: 34- 35)، وأوّلُ كلمة سيتلفّظ بها في الهيكل وهو ابن اثني عشَرَ عامًا، ستجعله يُبرز تفاوتًا في الأوّليّة والأهمّيّة بين والديه على الأرض وأبيه السماوي (2: 49).
إن وظيفة هذا القسم الأوّل في مُجْمَل الإِنجيل الثالث واضحة: تحديدُ موقع يوحنا المعمدان وشموعَ في تاريخ الخلاص، وإخضاع السابق للمسيح، وإعلان سرّ يسوع منذ بداية الإِنجيل.

2- رسالة يوحنا المعمدان (3: 1- 20)
إن هذه الحِقبة التي نجد أكثر موادِّها عند متّى (3: 1- 12) وعند مرقس (1: 1- 8) هي محدَّدة تحديدًا واضحًا عند لوقا أكثرَ منه عند متى ومرقس: في بدايتها، بالتزامنُ التاريخيّ الاحتفاليّ (3: 1- 2)، وفي نهايتها بالإشارة إلى سجن يوحنا المعمدان على يد هيرودس (19:3- 20). وسنجد عناصر هذا التعليق الأخير بعد ذلك عند متّى (3:14- 4) وعند مرقس (17:6- 18). سبَّق لوقا علىِ الأحداث، ففصل بوضوح بين زمن يوحنا المعمدان وزمن يسوع، وشدّد أيضًا على هذا الفصل، فلم يعُد يذكر اسم يوحنّا في عِماد يسوع (فاختلف عن مت 13:3 ومر 1: 9). هذا الفصل بين الحقَبات المتعاقبة والمتضمِّنة أخبارًا معاصرة، هو أسلوب خاصٌّ بلوقا. وسنجده في 1: 56 (الذي يأتي ظاهريّا بعد أحداث 1 :57- 66) وفي أع 10: 1- 11؛ 18:11 (الذي يجب أن نضعه بعد 19:11-21).
ويفصل لوقا أيضًا بين رسالة يوحنا ورسالةِ يسوع بتحديدِهما الطوبوغرافي. جعل عملَ يوحنا "في مِنطَقة الأردنّ" (3:3؛ رج 4: 1)، حيث لم يكن ليسوع عمل ولا تأثير (هو يفترق عن مت 15:4، 25؛ 19: 1 وعن مر 1:10).
وإذا عُدنا إلى كرازة المعمدان، نرى أن لوقا يوردُ ذاتَ المعطيات التي نجدها عند مرقس ومتى: نداء إلى التوبة أمام الدينونة الآتية (7:3- 9)، الكلام عن الأقوى الذي سيعمَّد بالروح والنار (16:3- 17). غير أن لوقا يشدّد على الطابعَ العمليّ واليوميّ للتوبة (تحدّث عن الثمار في صيغة الجمع في آ 8. زاد آ 10- 14: سأله العشارون... سأله الجنود)، كما يشدّد على التأكيد بأنّ يوحنا ليس المسيح (آ 10) كما قال يو 1: 20 و28:3.
إن الفصل الذي جعله لوقا هنا بين زمن المعمدان وزمن يسوع يوافق، على طريقته، القولَ الذي يرِد في 16: 16 أ (بقيت الشريعة وتعاليم الأنبياء إلى أن جاء يوحنا). ففي الموازاة مع متى 12:11 أ، ينتمي يوحنا المعمدان إلى زمن الملكوت: "ومن أيام يوحنا المعمدان حتى الآن، ملكوتُ السماوات يُغتصَب". وهذا ما يتوافق مع مت 2:3 حيث يعلن يرحنا اقترابَ الملكوت فيختلف عن لو:3:3. ولكن حسب لو 16:16أ : "حتى يوحنا كانت الشريعةُ والأنبياء. ثم بدأت البشارة بملكوت الله". هل نفهم هنا "حتى يوحنا" بمعنى مانع أو متضمّن، هل ندخل يوحنا في زمن الملكوت أو نجعلُه خارجَه؟ ولكن بما أنّ لوقا يميّز بوضوح تامّ بين زمن يوحنا وزمن يسوع في 3: 20، وبما أنه يحتفظ ليسوع ببشارة الملكوت (43:4 تختلف عن مت 2:3)، فمن المفضّل أن نقول إن يوحنا ينتمي إلى العهد القديم.
إذن، إن معطَيات لوقا عن يوحنا المعمدان ستكون المرحلَة الأخيرة في الإعداد للعهد الجديد.

3- بشارة يسوع الأولى (3: 21- 9: 50)
نجد غالبيّةَ موادِّ هذه الحِقبة في النصوص الموازية في مت 13:3- 25:18 ومر 1:9- 9: 50. ولكن لوقا يحدّد بوضوح أكثر هذا القسم بحلقاته الأربع التي ذكرها في البداية (3: 21- 4: 30) وبمطلع الحِقبة التالية (9: 51): "وإذ كان زمن ارتفاعه قد اقترب، صمّم أن ينطلق إلى أورشليم". 
تتميز هذه الحقبة بطوبوغرافيا مبتكَرة. يتمُّ العمل عند مرقس ومتى أوّلا في الجليل وقربَ البحيرة. ثم يبدأ يسوع جولاتِه في منطقة صور وصيدا (مت 15: 21؛ مر 7: 24، 31)، والمدنِ العشْر (ديكابوليس، مر 7: 31) ويتوجّه الى قيصريّة فيلبس (مت 16: 13؛ مر 27:8). أمّا لوقا فلا يُورد ايّ خروج من الأرض اليهوديّة، ما عدا المحاولة القصيرة والفاشلة باتّجاه الضِفّة الشرقية للبحيرة في أرض الجرجسانيّين (لو 8: 26، 37، يتكلّم متى عن الجَدرِيّين، ومرقس عن الجراسيّين رج مت 28:8؛ مر 5: 1). ومهما يكن من أمر، فنحنُ في أرض وثنيّة. إن نشاط يسوع يقع في نظر لوقا في الجليل (4: 14، 31؛ 26:8؛ رج 23: 5؛ 24: 6؛ أع 10: 37) او في اليهوديّة (4: 44؛ 17:6؛ 17:7). وقد تدلّ اليهوديّة على كل أرض اليهود بما فيها الجليل. ان جغرافيّة رسالةِ يسوع توافق بقيّة مؤلَف لوقا. فالكرازة الى الوثنيّين لا تبدأ إلا بعد الفصح (47:24). 
يقدِّم بناءُ هذا القاسم عند لوقا عدّةَ سِمات مبتكَرة. هناك زيادتان تُبرزان أهميّة المشهدَين الأوَّلَين: نسبُ يسوع (3: 23- 38) يربط يسوع بآدم ليسمّيه آدم الجديد (رج أع 17: 26- 31). وكرازة يسوع في مجمع الناصرة (4: 16- 30) تدشّن رسالة يسوع. هذا المشهدُ اللوقاويّ الخاص هو تسبيق واضح: فمرقس ومتى يقدّمان نصًّا موازيًا له ومتأخّرًا (مت 13: 54- 58؛ مر 6: 1- 6). ثم إن هذا المشهد يشير إلى معجزات يسوع في كفرناحوم (آ 23) التي لم يذهب إليها فيما بعد (آ 31). إذا كان لوذا قدّم هذا المشهد، فلأنّه يتيح له أن يحدّد رسالة يسوع في إسرائيل مع خطوطها الجوهريّة. وجعلَ المشهدَ في المجمع فدلَّ على أن تعليمه يتوجّه الآن إلى اليهود، وهذا ما يتواصل مع العهد القديم الذي يتمّه (آ 21). هذا ما سيكون عليه أسلوب المرسَلين اللاحقين الذين بدأوا عملَهم في المدن الوثنيّة بكرازة في المجمع (أع 9: 20؛ 5:13، 14، 44؛ 14: 1؛ 17: 1، 10، 17؛ 4:18 - 19؛ 8:19). ويقدِّم يسوعُ نفسَه هنا عائدًا إلى اش 61: 1-2، كرسول البشارة الى الفقراء. وِرَدَّةُ الفعل لدى أهل الناصرة، ومحاولتُهم قتلَ يسوع (آ 28- 30) ترسُمان مسبَّقًا رفض إسرائيل له رفضًا يقود إلى الصليب. أمّا التذكير بالمعجزات التي منحها الربُّ للوثنيّين بواسطة إيليا وأليشاع (آ 25- 27) فهي تعلن أن التعليم سيتوجّه في النهاية إلى الأمم الوثنيّة، بعد أن رفضه اليهود (رج أع 13: 40- 49؛ 6:18؛ 18:22- 21؛ 23:28- 28). وهكذا، فكل هذا المشهد يكشف رسالة يسوع لدى إسرائيل. "وسنة النعمة" (آ 19، السنة المقبولة) في اش 2:61 هي الزمنُ المعطى لشعب العهد القديم ليعود إلى ربّه بالتوبة.
بعد هذين المشهدين الأوّلين، قام لوقا بنقل بعض النصوص من مواضعها، فأعطى هذا القسم معنًى خاصًّا. أوّلاً: دعوة التلاميذ الأوّلين الذين ضمّهم إليه بعد الصيد العجيب (5: 1- 11). جعل مت 18:4- 22 ومر 1: 16- 20 دعوةَ سمعان وأندراوس ويعقوب ويوحنا في بداية رسالة يسوع وقبل معجزات كفرناحوم. أمّا لوقا فقد وجد هذا المشهد، على ما يبدو، في مكانه في المرجع الذي عاد إليه، لأنه يورد مجيء يسوع إلى بيت سمعان في 38:4 (دخل بيت سمعان)، وهو لن يقدّمه قبل 2:5- 3 (كانت السفينة لسمعان بطرس). لا شكّ في أنه أخَّر خبر الدعوة إلى ما بعد المعجزات ليجعل جوابا التلاميذ معقولاً: بعد أن تعرّفوا إليه، "تركوا كلّ شيء وتبعوه" (5: 11).
ثانيًا: إن خُطبة الأمثال في لوقا 4:8- 18 هي أقصر ممّا نجد في النصوص الموازية في مت 13: 1- 52 ومر 4: 1- 34. يمكن أن يكون لوقا قد وجد في مَراجعه خُطبةً كبيرة، لانه يورد السؤال عن هدف الأمثال في آ 9. لا شكَّ في أنه قصّر هذه الخطبة ونقل بعض عناصرها إلى مكان آخر، ليعطيها مدلولاً أوضح. أمّا المثلان اللذان احتفظ بهما فأعطاهما معنى يوافق الحِقبة كلّها. فبعد تفسير مثل الزرع حيث تبدو أسرار ملكوت الله مكشوفةً للتلاميذ ومخفيَّة على الآخرين في "ألغاز" (آ 19)، جاء مثل السِراج (آ 16- 18) يحمل تَكمِلةَ مهمَّة للوقا: جُعِل النورُ لكي يضيء، والسِرًّ لكي يُعرَف. فبعد الكرازة الغامضة لإسرائيل، سيأتي يومًا ضياء الإعلان الفصحيّ.
ثالثًا: وضع لوقا حدَث أمِّ يسوع وإخوتِه بعد خُطبةِ الأمثال (19:8- 21) بينما جعلَه مت 46:12- 50 ومر 3: 31-35 قبلَها. لا شكّ في أنّ المرجِع الذي استقى منه الإزائيّون كان يتبع ترتيب مرقس، لأنه يتواصل حالاً بخبر تسكين العاصفة (22:8- 25). فنستطيع القولَ إن لوقا نقلَ حدَث إخوة يسوع ليختتم دروسَه وعِبَره عن سماع كلمة الله (آ 11- 12، 13، 14، 15، 18) بكلمة أخيرة عن الموضوع نفسه (آ 21: "إن أمّي وإخوتي هم الذين يسمعون كلمة الله ويعملون بها").
لماذا فصل لوقا هذه الحِقبة الأولى من رسالة يسوع عن غيرها (3: 21- 9: 50)؟ هل أعطاها معنًى خاصا ووظيفة خاصّة في التاريخ المقدّس؟ إن الإِطار الطوبوغرافي الذي يرسمه لها يدل على أنّه أراد أن يقدّم رسالة يسوع لدى شعب إسرائيل. ويثبّت هذا التفسير بمدلول مشهدِ الكرازة في الناصرة، وقد جعله لوقا في البداية، كما بالمعنى التي تتّخذه عنده خُطبةُ الأمثال. إن المحتوى التعليميّ لهذه الحِقبة يوافق هدفه: أعلن يسوع بشارة الملكوت (43:4، 8: 1؛ رج 6: 20؛ 7: 28؛ 9: 2، 11). وأسندَ هذا الإعلانَ بانتصاراته على الشيطان (33:4- 37، 41؛ 6: 18؛ 7: 21؛ 8: 2، 26- 39؛ 9: 38- 43) وبمعجزاته (38:4- 40؛ 5 : 4-7، 12-26؛ 6:6- 11، 18-19؛ 7: 1- 17، 21؛ 2:8، 22- 52، 40، 56؛ 9: 11- 17). استقبل الخاطئين التائبين (5: 20، 29- 32؛ 36:7- 50). جمع حوله تلاميذ (5: 1- 11، 27؛ 13:6- 16) وأشركهم في رسالته (8: 1- 3؛ 9: 1- 6). انكشف في هذا النشاط سرُّه: أوّلا، مهمّته كنبيّ (18:4- 19، 24-27؛ 7: 16، 39؛ 8:9، 19)، ثم لقب ابن الانسان في وضعه الحاضر مع سلطانه وفقره (5: 24؛ 6: 22؛ 7: 34) كما في ألمَه ومجده الآتي (9: 22، 26، 44)، وأخيرًا لقباه كمسيح (اعلنه الآب ليسوع في 22:3 ونادى به الشياطين في 4: 41 واعترف به بطرس في 9: 20) وكابن الله (منحه الاب ليسوع في 22:3، اقر به ابليس والشياطين في 3:4، 9، 41؛ 28:8، اوحى به الآب الى التلاميذ في 35:9). وسينمو هذا الوحي حتى نهاية هذه الحِقبة حيث تكون سِمَتُه الجديدة إعلانَ موت ابن الإنسان (22:9، 31، 44). وهكذا يجعل لوقا من القسم الأول من رسالة يسوع زمنَ إعلان سرِّ يسوع لإِسرائيل. أمّا الأقسام اللاحقة فستتّجه إلى إتمام هذا السرّ.

4- صعود يسوع إلى أورشليم (9: 51- 19: 28)
يشكّل هذا الجزء القسمَ الأكثر ابتكارًا في الإِنجيل الثالث بأهمّيته الاستثنائيّة. لا شكّ في أنّ مت 19- 20 ومر 10 يتحدّثان عن صعود يسوع إلى أورشليم، ولكن هذين الجزئين هما أقصرُ من فصول لوقا العشرَة، وهما يساويان لو 15:18- 28:19. ثم إنّ مدلولَهما لا يتّضح كما عند لوقا، مع أنّهما يعبّران عنه في بضعِ آيات (مت 16: 21؛ 20: 18- 19؛ مر 10: 33- 34). يستقي لوقا معلوماتِه من مراجعَ مختلفة، ولكننا نكتشف مِرارًا يدَه في تدوين المقطوعات، في ارتباطها بعضِها ببعض، وفي الاشارات إلى السفر.
يتحدّد هذا الجزء تحديدًا واضحًا بمضمونه وبالآيتين اللوقاوّيتَين اللتين تشكّلان بدايته الاحتفاليّة (9: 51) وخاتمته (19: 28).
طوبوغرافيّة هذا السفر مُبهمَةٌ وغامضة. يكرّر لوقا مرارًا أنّ يسوع "ينطلق إلى أورشليم" (9: 51، 53؛ 13: 22؛ 17: 11؛ 18: 31؛ 19: 11، 28). ولكنه يكتفي بأن يشير إلى أنّ يسوع يسير في الطريق (57:9؛ 38:10؛ 14: 25؛ 18: 37؛ 19: 1)، ويقدّم عددًا قليلاً من المعطَيات الجغرافيّة المحدّدة: "قرية سامرية" (9: 52)، "بين السامرة والجليل" (17: 11)، أريحا (18: 35؛ 19: 1)، "قربَ أورشليم" (19: 11): إنّ تفحّصَ مُجْمَل الإشارات الطوبوغرافيّة في هذا الجزء يكشفُ عددًا من الأمور الخارجة عن القياس: فتهديد يسوع لكفرناحوم وبيتَ صيدا وكورَزين يأتي متأخِّرًا في 13:10- 15، وذلك بعد أن بدأ يسوع مسيرته نحو أورشليم (نستطيع أن نقول الشيءَ عينَه عن تهديد هيرودس في 13: 31، وهذا التهديد يجعله لوقا في الجليل حسب 3: 1 و6:23 - 7). والتوجّهُ بكلام قاسٍ إلى أورشليم يأتي متقدّمًا، وذلك قبل وصول يسوع إلى المدينة المقدّسة (لو حدّدَ لوقا موقعَ حدثِ مرتا ومريم في بيتَ عنيا، لكنّا أمام الواقع عينِه). إذًا يبدو بناءُ هذا الصعود الى اورشليم مُصطنَعًا. هذا ما لاحظه النقّاد، وقد أحسّ به لوقا نفسُه خصوصًا في 13 : 34- 35. من الواضح أنه لا يسعى إلى تحديد مكان الأحداث وأنه يبني مسيرةً محدَّدة. هدفُه الوحيد أن يجمع عدّة عناصر إنجيليّة في إطارٍ له معناه.
فما هو معنى هذا السفَر في نظره؟ نجد في نصّه إشاراتٍ عديدةٍ تجيب عن هذا السؤال. الأولى هي المطلعُ الذي جعله في رأس السفَر (9: 51): إنه يدل على سبب ذهاب يسوع إلى أورشليم، وهذا السبب هو قُرب ارتفاعه (انخطافه) من هذا العالم. فبعد الإِنباءات القريبة بالآلام (22:9، 31، 44) يبدو من الواضح أنّ هذا السفرَ هو مسيرةٌ إلى الموت. وما يُثبت هذا التفسير هو المَكانةُ التي تمثلها في هذا الجزء الإِنباءات بالآلام: فبالاضافة إلى نصوص موازية لنصوص مرقس ومتى (لو 18: 31- 34)، يورد لوقا اضطراب يسوع أمام المعمودية التي سيعانيها (12: 50)، وإعلان نهايته القريبة في أورشليم كما يليق بكل نبيّ (13: 32- 33)، وضرورة التألم التي تفرضُ نفسها على ابن الانسان (25:17). غير أننا نلاحظ أنّ لوقا لا يفصل هذه الآلام عن المجد الذي سيدخل المسيح فيه (رج 24: 26). يعبّر لوقا عن هذه العلاقة في الاشارة الاولى إلى الصعود (9: 51)، في إعلان يوم ابن الانسان (17: 22- 24، 30) أو قيامته (18: 33= مت 20: 19؛ مر 10: 34)، في مثَل الأمير الذي يعود ليتولّى الحُكم (19: 11-28).
إن هذه النظرة الإسكاتولوجيّة لا تستنفد كلّ مدلول السفر بالنسبة إلى لوقا. فهذا السفرُ يتضمّن أيضًا عددًا من العناصر التعليميّة: نداءاتٍ لنتّخذ قرارًا بالنسبة إلى يسوع وإلى الدينونة الآتية (54:12- 9:13؛ 22:13- 30؛ 14: 15- 24؛ 26:27- 37؛ 19: 11- 27)، وتعاليمَ عن حياة التلاميذ اليوميّة. ونجد توجيهاتٍ عن الصلاة (11: 1- 13؛ 18: 1- 8) عن التجرّد (12: 51- 53؛ 14: 26- 27)، عن المال (12: 13- 30؛ 14: 28- 33؛ 16: 1- 31، 18:18- 30؛ 19: 1- 10)، عن الشهادة التي نؤدّيها ليسوع (12: 1- 12)، عن السهر وانتظار عودة الربّ (12: 35- 48). ويشدّد لوقا خلال صعود يسوع هذا نحو الصليب على الدروس التي يعطيها الربّ لتلاميذه في منظار صعوده إلى طريق الآلام والموت والقيامة.
ويربط لوقا سفرَ يسوع بالسامرة، بمرحلة أولى في قرية سامريّة (52:9- 56)، وفي مرحلة ثانية بعبوره "بين السامرة والجليل" (17: 11). لا شكّ في أنّ أكثر حلقات السفر تتمّ في المنطقة اليهوديّة، ونحن نلتقي الفريسيّين والكتبة (11: 37- 12: 1، 13؛ 14: 1-6؛ 15: 2؛ 16: 14؛ 17: 20) وعلماءَ الناموس (10: 25؛ 45:11-52؛ 3:14)، بل ندخل مع يسوع إلى أحد المجامع (13: 10). هذا ما أدركه لوقا كما أدركناه نحن. ولكننا نتساءل عن نيّته حين أشار في بداية هذا القسم وفي نهايته إلى السامرة. ظنّ بعض الشُراح أن لوقا بيَّن في رسالة يسوع صورة مسبّقة عن رسالة التلاميذ لدى الوثنيّين. إن هذا التفسير يجد ما يسنده في التعليق على رسالة التلاميذ السبعين (70 هو عدد الأمم الوثنية، هي 70 بحسب النصّ الماسوري، 72 بحسب النصّ السبعينيّة) التي أوردها لوقا وحدَه وجعلها في بداية سفره (10: 1، 17). وتَحْمل هذه الرسالة في نظره مدلولَين: هي تدلّ من جهة على أن الرسالة ليست محصورة بالاثني عشر، وهذا ما يهيّئ أخبار أع عن كرازة إسطفانس وفيلبّس وبرنابا وبولس وأبلّوس، وعن كرازة لوقا نفسِه. ومن جهة ثانية، إن عدد 70 (او 72) هو رقم الأمم الوثنيّة. إذن يمكن أن يشير إلى أن رسالة التلاميذ هي صورة مسبّقة عن الرسالة اللاحقة بين الوثنيّين. ففي هذا الإِنجيل الذي يهتمّ اهتمامًا كبيرًا بهذه الرسالة، صارت هذه السفرة التي أعلن فيها يسوع مرارًا مجيء الأمم الوثنية (15:13- 29؛ 16:14- 24)، صارت في نظر لوقا إعلانًا لرسالة الكنيسة بين الأمم.

4- يسوع في أورشليم (19: 29- 24: 53)
جعل لوقا القسم الثالث من رسالة يسوع في أورشليم، وقسَمه ثلاثةَ أجزاء.

أ- كرازة يسوع في الهيكل (19: 29- 21: 28)
يبدأ لوقا هذا القسمَ بوصول يسوع إلى أورشليم (19: 29- 44) حيث يرى (كما يرى متّى ومرقس) الإِعلان العامّ لمُلكيَّة يسوع المسيحانية. نجد في خبر لوقا عدّة سِمات مبتكرة: إن "جمهور التلاميذ" يهتف ليسوع. "يسبحون الله على جميع ما عاينوا من الآيات" (آ 37). يمنحون يسوع لقب "ملك" (آ 38). نجد تقاربًا بين هذا المشهد ومشهدِ تتويج سليمان بنِ داود في 1مل 1:38، 40 (رج آ 35، 37، 38).
جعل متى ومرقس هذا القسمَ كلَّه حتى الآلام في الهيكل (مت 12:21- 16، 23؛ مر 11: 11، 15- 18، 27؛ 12: 35، 41) ما عدا الخُطبةَ الاسكاتولوجية التي أُلقيت على جبل الزيتون (مت 24: 3؛ مر 13: 3)، والليالي التي أمضاها يسوع في بيت عنيا (مت 17:21؛ رج 6:26؛ مر 11: 11-12، 19؛ رج 3:14). ويجعل لوقا الأحداث عينَها في الهيكل (45:19؛ 20: 1؛ 21: 1) ويزيد عليها الخُطبة الإسكاتولوجيّة (21: 5)، وتعليقَين عامّين عن تعليم يسوع في الهيكل في بداية هذا الجزء (19: 47) وفي نهايته (21: 37- 38). وقال لوقا إن يسوع قضى لياليَه في جبل الزيتون (21: 37؛ رج 22: 35) فدلّ على أنّه لم يترك أورشليم.
إستخلص كونزلمان من هذه المُعطَيات الطوبوغرافيّة افتراضا مبتكرًا. جعل لوقا كلّ كرازة يسوع هذه في الهيكل ليعارضه مع أورشليم التي لن يدخلها يسوع إلا من أجل الآلام (7:22- 14). والعمل الملكيّ الذي به يضع يسوع يدَه على الهيكل هو مشهدُ الباعة المطرودين من الهيكل. حسب كونزلمان، الهيكل هو مركز اليهود الدينيّ، وأورشليم مركزهم السياسيّ (حيث يتدخّل هيرودس وبيلاطس).
غير أن الأب أغوسطين جورج يعارض كونزلمان ويعتبر أنه لا يأخذ بعين الاعتبار كلّ معطيات لوقا.
- لا شكّ في أنّ لوقا رأى في مشهد الباعة المطرودين وضع يد يسوع على الهيكل. فلا إشارةَ إيجابيّة تدلُّ على وضع اليد هذا. ثم إن يسوع يعلن دمارَ هذا المعبد (6:21؛ رج 35:13).
- لا يفصل لوقا الهيكل عن المدينة (9:4؛ أع 30:21؛ 17:22- 18).
- كان القسم الثاني كلُّّه انشدادًا نحو أورشليم. فكيف نعتبر أن 19: 29- 38:21 هي وقفةٌ في هذا السير نحو المدينة المقدسة؟
- ثم إن لوقا يًدخل في هذا الجزء مقطوعتين عن أورشليم تشكّلان إسهامًا أصيلاً من قِبَله: المقطوعة الأولى (19: 41- 44) تَلي مشهدَ الشعانين المسيحانيّ: حين رأى يسوع أورشليم بكى عليها، ولامَها لأنها "لم تعرف ما لسلامها" (رسالة السلام، طريق السلام). وفي قولٍ مماثل لأقوال الأنبياء، أعلن حصارَ المدينة، ومقتلَ أبنائها ودمارَها، لأنها لم تعرف يوم افتقاد الربّ لها، يومَ مجيئه إليها. تدلّ هذه الكلمات على معنى مجيء يسوع إلى أورشليم. جاء كملك مسيح، ودعا المدينة إلى أن تُقرّ بمُلكه. أعلن الرفضَ الذي ستواجهه به والدينونةَ التي تعاقب هذا الرفض.
ونصل إلى المقطوعة الثانية (21: 25- 24). ففي الخُطبة الإسكاتولوجيّة، استعاد يسوع أيضًا إعلان هذه الدينونة (رج. 18:20 مع الخاتمة التهديديّة). يرافق لوقا اللوحة الجليانيّة عن الضيق الأخير في مت 15:24- 22 ومر 13: 14- 20 فيصوّر بوضوح حصار المدينة ودمارَها (21: 20- 24). هذا بالنسبة إليه حدثٌ تاريخيّ يتميز كل التميّز عن الإِسكاتولوجيا (21: 25- 27). نحن نرى في هذه المقطوعة عملاً تدوينيًّا قام به لوقا انطلاقًا من أحداث سنة 70.
مهما يكُن من الأصل الأدبيّ لهاتين المقطوعتين، فهما تعطيان في لو مدلولاً أصيلاً لكرازة يسوع في أورشليم. ويشدّد لوقا أيضًا على أهميّة هذه الحِقبة بإشارات عامّة (47:19، "وكان كلّ يوم"؛ 20: 1، "وإذ كان ذاتَ يوم"؛ 37:21، "وكان في النهار يعلّم وفي الليل يخرج")، فيجعلها تمتدّ أكثر من ثلاثة أيّام مرقس (مر 12:11، 20) ويومَيْ متى (مت 18:21). في هذا الإِطار، تتّخذ العناصر الجدليّة التقليديّة التي يستعيدها لوقا في ف 20 كلّ معناها: إنها تدلّ على القرار بالقتل الذي اتَّخذه رؤساء اليهود (20: 1- 19)، وعلى عداوة أوساط المعلّمين الذين رفضوا أن يؤمنوا (20: 20- 47). وتختتم الخُطبة الاسكاتولوجيّة هذه المشادّة المأساويّة بإعلان دمار المدينة وتدشين زمن الوثنيّين (21: 20- 24). إن كرازة يسوع في أورشليم تشكّل بالنسبة إلى لوقا التنبيه الأخير إلى المدينة، و"الافتقاد" (أو الزيارة) الذي فيه سيتمِّ مصيرُها المأساويّ. وقد يكون رأى في هذه الكرازة التي لم ترافقها معجزات، آية يونان التي أعلنها في 11: 29- 30. فالآية الوحيدة التي قدّمها النبيّ لنينوى كانت إعلان دمارها (يون 3: 4). ويقدّم يسوع الآية عينَها لأورشليم حتى الآلام، قبل أن يعطيها أخيرًا آية القيامة.
ب- آلام يسوع (ف 22- 23)
يقدّم لوقا في هذا الجزء تسلسلَ الأحداث الذي نجدُه في مت 26- 27 ومر 14- 15، ولكنه يبتعد عن أخبارهما أكثر ممّا ابتعد في الأجزاء السابقة. ويزيد عدّة عناصر جديدة. فاستنتج الشُرَّاح أنه اتّبع مراجع خاصّة. واستنتاجهم معقول. ولكن هذا لا يعني أنه لم يعرف تقليد مرقس ومتى. وهو حين يبتعد عنه، فهو واعٍ لِما يفعل، وهذا ما يُبرز بوضوح فكرَه الشخصيّ.
وإليك أهمّ السِماتِ المميّزةَ في بناء لوقا:
- أغفلَ تضميخ يسوع بالطيب. فسّر الشُراح هذا الإِغفال بأن يسوع أورد ما يقابل هذا الخبر في 36:7- 50، أو: لم يُرد لوقا أن يخرج يسوع من الهيكل. أو: يدلّ هذا العمل على الطابع البشريّ للحدَث، وشيوع لم يمُتْ بعد... مهما يكُنْ من أمر، فهذا المشهد قدّم لمتى ومرقس إطار خيانة يهوذا. أمّا لوقا فأدخل تفسيرًا جديدًا لقرار الخائن: الشيطان الذي ألهمه (22: 3) سيتدخّل أيضًا في الآلام بحسب لوقا (22: 31- 53؛ رج 22: 40، 46).
- يبدو خبر العشاء الأخير عند لوقا بشكل مبتكَر. فخبر تأسيس الإِفخارستيّا (آ 15- 20) القريب جدًّا من التعبير البولسيّ (1 كور 23:11- 25)، قد دُوّن بطريقة موازية للفصح القديم الذي سيتمّ في الملكوت. ويتبع هذا الخبرَ خطبةٌ طويلةِّ تضمّ عناصر عديدة نجد أكثرها عند متى (18: 1؛ 25:20- 28؛ 28:19) ومرقس (34:9- 35؛ 10: 42- 45) في أمكنة مختلفة. بجانب الإنباءات التقليديّة عن الخيانة (آ 21- 23)، والجحود (آ 33- 34)، تشكّل هذه الخُطبة وصيّة يسوع (آ 29) وتمهّد الدربَ لخطَب يو 14- 17. يدعو يسوع تلاميذَه في هذه الخطبة لكي "يخدموا" على مثاله (آ 24- 27). ووعدَ الاثني عشر بأن يشركهم في مُلكه (آ 28-30). وحدّد لتلاميذه زمنَ الصِراع الذي افتتحه بآلامه. كلّ شيء مركّزٌ على زمن الكنيسة الذي سيبدأ.
- دوَّن لوقا "نزاع" جتسيماني (خبر يقوّي الشهيد في محنته) فشدّد أكثر من متى ومرقس على العبرة التي يستخلصها التلاميذ (22: 40 و 46: صلّوا). وهناك معطية خاصّة هي ظهور الملاك، تقابل بين مِحنة يسوع ومحنة إيليا (أ 43 ، 45؛ 1مل 7:19 ،8).
- وضع لوقا المُثول أمام السنهدرين في الصباح (22: 66- 70) فاختلف عن مرقس ومتى وارتبط بمعطية تاريخيّة لا بأس بها. فتدوين آ 67- 70 قد استعمل مرجِعًا آخر مع تقليد متى (63:26- 65) ومرقس (14: 61-64). ومهما يكن من أمر، فقد ميّز لوقا مدلولَ المسيح عن مدلول ابن الله كما سبق له وفعل في 1 :32-35.
- وزاد لوقا على الخبر عدّة أمور استقاها منْ تقاليد خاصّة به فأدخل مواضيع عزيزة على قلبه: حين قدّم يسوع لهيرودس (6:23- 12) قابل بين مُلكيَّة يسوع ومُلكيَّة هذا التترارخس (رئيس الربع) الصغير. وكلامه إلى بنات أورشليم (27:23- 21) يعلن مرّةً أخرى دمارَ أورشليم. أمّا صلاة يسوع لأجل قاتليه (23: 34، رج 7: 60) فدلّت على غفرانه. وأوضح حدثُ اللصّ (23: 40- 43) التعليمَ عن الارتداد وأبرزَ مُلكية يسوع.
- ويبدو أن موضوع مُلكيَّة يسوع يشرف عند لوقا على ترتيب 37:23- 43 (ان آ 37 تقابل مت 43:27، 40 ومر 15: 32، 30 وآ 38 تقابل مت 37:27 ومر 15: 26).
- إن أقوال يسوع الأخيرة، وهتاف قائد المئة تختلف عند لوقا (23: 46- 47) عمّا يوازيها عند متى (46:27، 50، 54) ومرقس (15: 34، 37- 39 ). ولكن يبدو أن لوقا يعرف هذا التقليد الموازي. فهو من جهة فضَّل أن يضع على شفتي يسوع كلام الثقة بالله والاتّكال عليه (مز 6:31)، لا نداءَ المتألّم (مز 22: 2) الذي لا يفهمه قرّاؤه اليونانيّون. ومن جهة ثانية، تجنّب أن يضع على شفتي قائد المئة إعلانَ لقب ابن الله الذي يعتبره لوقا سرّيًّا. وعوّض عن هذا الإغفال حين وضع في بداية صلاة يسوع نداءه إلى أبيه. وهكذا تجاوبت آخر كلمة قالها يسوع مع أوّل كلمة تلفظ بها (49:2)، فتُعلَنُ بنوّتهُ الالهيّة.
إذا تفحّصنا السِماتِ الخاصّةِ بلوقا في خبر الآلام، نلاحظ أنها دُوّنت من أجل تعليمنا. فالآلام هي آخر هجوم للشيطان (23: 3، 31- 35). والعشاء الأخير هو تأسيس الفصح الجديد (13:22- 20). ودلّت هذه الآلامُ على صلاة يسوع (22: 32، 41- 42، 44؛ 23: 34، 46) وغفرانِه (22: 32، 51؛ 23: 34، 40- 43)، دلّت على أنه المعلّم الذي يرشد تلاميذه (22: 24- 38، 45، 46، 51) والنبيّ (23: 27- 31) وإيليّا الجديد (22: 43، 51) والخادم (22: 27، 37) والملك (23: 3، 6- 12 37- 43) وابنُ الله (22: 29، 42، 70؛ 23: 34، 46). الآلام هي في نظر لوقا وحيُ يسوع والتعليم الأخير الذي يقدّمه لنا.

ج- قيامة يسوع (ف 24)
بُني ف 24 في ثلاث حلَقات: القبر الفارغ (آ 1- 12، هي المقطوعة الوحيدة التي تجد ما يوازيها في مرقس ومتى ويوحنا)؛ تلميذا عمّاوس (آ 13- 35)؛ الظهور للأحد عشر (مع شِقّين: التعرف الى يسوع في آ 36- 43 والتعليم الفصحي في آ 44- 49). كل هذا ينتهي بخاتمة قصيرة تتكوّن من صعود يسوع (هناك مخطوطات عديدة مثل البازي والروماني العائد الى سنة 949 تُغفل ذكر الصعود، وكذلك تفعل اللاتينيّة العتيقة والسريانيّة السينائيّة)، وفعل الشكر الذي رفعه التلاميذ في الهيكل حيث بدأ الانجيل. إن هذه المجموعة الأدبيّة تؤلّف وحدة على مستوى العمل والمكان والزمان.
جعل لوقا كلّ الظهورات تتمّ في أورشليم، فأخرجَ الأحَدَ عشَر من المدينة المقدسة (آ 48). هذا ما يتعارضُ مع تقليد الظهورات الجليليّة الذي نجده في الأناجيل الثلاثة الباقية (مت 26: 32؛ 7:28، 16- 20: مر 14: 28؛ 7:16؛ يو 21: 1ي). عرف لوقا هذا التقليد، ويشهد على معرفته له 6:24 حيث يحول المعطى الذي نقرأه في مت 7:28 ومر 16: 7. ولكنه فضّلَ أن يسكت عنه ليحافظ على بساطة بناء كتابيه: بنى إنجيله بشكل صعود إلى أورشليم، وأعمال الرسل كانتشار للإِنجيل ابتداءً من أورشليم (أع 1: 8). إن هذه الرسمةَ لا تترك مكانًا لعودة يسوع إلى الجليل، وهي توافق الحريّة التي تمتّع بها المؤرّخ في الأزمنة القديمة. أمّا لوقا فاستفاد من كل هذا، فأعطى مؤلفه (اي لو+ أع) تناسُقًا كاملاً، وشدّد على وحدة حدَثِ الفصح. هذا على مستوى وحدة المكان.
وكان هدفُه هو هو حين أعطى ف 24 وحدةَ الزمان التي هي بارزة وإن اصطناعيّةً. فكلُّ الأحداث التي يوردها تتسلسل في يوم متواصل. في الواقع، هي لا تدخلُ في إطار 24 ساعة (عاد تلميذا عمّاوس إلى أورشليم في ساعة متقدّمة، ولا سيما إذا قرأنا في آ 13: 160 لا 60 غلوة). ثم إن لوقا عرف أنّ يسوع احتاج الى 40 يومًا من الظهورات قبل الصعود، ليعطي الأحدَ عشر "البراهينَ العديدة" عن قيامته، وليُدخلهم في مدلول هذه القيامة (أع 1: 3). ولكننا أمام منظار لاهوتي لا كرونولوجيّ. فلقد أراد لوقا، شأنُه شأنُ سائر الإنجيليين في أخبار الظهور للأحد عشر (مت 16:28- 20؛ مر 15:16- 20؛ يو 20: 19- 23)، أن يقدّم في مشهد واحد مُجْملَ الوحيِ الفصحيّ: واقع جسد القائم من الموت (لا جدال في ذلك)، الكشف عن سيادته (هو السيّد والرب، لهذا جعل الصعود هنا كما فعل يو 20: 22 بالنسبة إلى الروح فسبّق على العنصرة)، المهمة التي سلّمها إلى التلاميذ فجعلتهم مجموعةَ الرسل. هذا اليوم هو يوم الفصح، قِمّةُ الإِنجيل ونهاية زمن يسوع.
وهذا اليوم هو أيضًا بداية حِقبة جديدة، وهذا ما يشدّد عليه لوقا بصورة خاصّة. لا شكَّ في أنّ جميع الإنجيليّين يعرفون أنّ قيامة يسوع هي نقطة انطلاق المهمّةِ الرسوليّة (مت 28: 19- 20؛ مر 16: 15- 20؛ يو 20: 21- 23) ولكنّ لوقا تفرّد بتخصيص كتاب كامل لهذه المهمّة. فصَلَ سِفر الأعمال عن الإِنجيل، فشدّد على التمييز بين زمن يسوع وزمن الكنيسة، وطبعَ هذا التمييزَ حين ذكرَ الصعود مرّتين: أولاً في نهاية الإِنجيل، فدلّ على ارتفاع يسوع من عن يمين الآب، واختتمِ الوحي به سيِّدًا وربًّا. ثانيًا، في بداية أع، فدعا الرسل ليقوموا بالمهمة المُوكَلة إليهم.
ولكن حين ميَّز لوقا هاتين الحقبتين من تاريخ الخلاص، شدد على تواصلهما العميق. فكل خطوط الرسالة التي سيرسمها في أع ترتبط بظهور القائم من الموت على الأحد عشرَ في نهاية الإِنجيل (24: 44- 49): كرازة موت يسوع وقيامته كما دُوّنتا في الكتب المقدّسة (آ 46، 44- 45؛ رج أع 23:2- 3:32، 13- 15؛ 4: 10- 11؛ 5: 30- 31؛ 10: 39- 40؛ 28:13- 30؛ 22:26- 23)، الدعوة إلى التوبة لغفران الخطايا (آ 47 أ؛ رج أع 38:2؛ 3: 19؛ 15: 31؛ 10: 43؛ 13: 38- 41؛ 26: 18)، حَمْلُ الإِنجيل إلى كل الأمم ابتداءً من أورشليم (آ 47 ب؛ رج أع 1: 8؛ 39:2؛ 25:3؛ 46:13- 47؛ 17:26، 23؛ 28:28)، وظيفةُ الشاهد التي أُوكل بها رسُل يسوع (آ 48؛ رج أع 32:2؛ 15:3، 32:5؛ 10: 41؛ 13: 31؛ 15:22؛ 26: 16)، مجيءُ الروح الذي سيُتيح لهم أن يحمِلوا شهادتهم (آ 49؛ رج أع 1: 4- 8؛ 4: 8، 31؛ 5: 32: 10: 19).

خاتمة
بعد هذا التحليل لبناء لوقا، نستطيع أن نستخرج بعض الاستنتاجات من هذه التفاصيل العديدة:
1- إهتمَّ لوقا بأن يًبرز في إنجيله تقسيمات أوضحَ ممّا في متى ومرقس، وظاهريًّا أوضحَ ممّا في التقليد السابق. والامرُ واضحٌ بصورة خاصّة لحِقبة يوحنا المعمدان وصعودِ يسوع إلى أورشليم.
2- تفرّدَ لوقا ففصل الإِنجيل عن المُهمّةِ الرسولية، فصوّرها في أع، وأبرز المراحلَ المتعدّدة في حمل الإِنجيل إلى الأمم الوثنيّة.
3- غالبًا ما تتميّز هذه الأقسام بارتباطها بمكان محدّد: يوحنا المعمدان في مِنطقة الأردنّ، أوّل مرحلة من رسالة يسوع في أرض يهودية، ثم السفر، ثم الظهورات في أورشليم.
4- إن هذه الأقسام توافق مراحل الكَشْف عن يسوع، فبدَت هكذا أزمنة في تاريخ الخلاص. فبعد أخبار الطفولة التي تقدّم سرَّ يسوع كلَّه، انتمى زمنُ يوحنا المعمدان الى العهد القديم. وقُسمت رسالة يسوع الى ثلاث حِقبات متتابعة يتوزّعهِا الكشفُ عن سرّ الفصح : أُعلن في الحِقبة الأولى، وهُيّئ في الحِقبة الثانية، وتمَّ خلال الحِقبة الثالثة. أما أع فهو إعلان هذا السرّ وتكوينُ الكنيسةِ التي وُلدت منه.
الفصل الرابع
الوجهة التعليمية في أنجيل لوقا

توخّى لوقا في مؤلَّفه (لو+ أع) أن يرسم تاريخ مخطَّط الله منذ مجيء يسوع إلى امتداد الملكوت حتى أقاصي الأرض. بالنسبة إلى الإنجيليَّينْ الأوَّلَين (مت، مر) بدا وجود يسوع نقطةً مِحْوريّة توحّد وتفصل معًا حِقبتَين رئيسيتين في تاريخ الخلاص: زمنَ المواعيد، وزمن تكميل المواعيد. أمّا بالنسبة إلى لوقا فالتكميل نفسُه يتمّ في زمنين: زمنِ يسوع وزمنِ نزول الروح "الذي وعد به الآب" (أع 1: 4) على الرسل. إذن، لا يتضمَّن التاريخ حقبتين فقط، حقبةَ إسرائيل وحقبة يسوع (مع الكنيسة)، بل ثلاث حِقبات: زمن إسرائيل، زمن يسوع، زمن الكنيسة.
من هنا تقدّمت بعض الطروح التي قالت إن لوقا انفصل عن التقليد الصريح للإِنجيل، فأعطى كثافة وتماسكًا لزمن الكنيسة وزمن يسوع. واعتبر هؤلاء الشرّاح (وهم على خطأ) أن الإِنجيل الحقيقيّ يفترض انتظار المجيء في مُهلة قريبة، بحيث لم يَعُد من مدى زمنيّ بين الفصح والمجيء (باروسيا). أمّا لوقا الذي وعى "تأخّر المجيء" فاعتبر أن أمام الكنيسة مستقبلا غير محدود. نال زمنُ الكنيسة تماسكًا خاصًّا، وبالتالي صار زمنُ يسوع محدودًا، فبدا وكأنه مقدِّمة لزمن الكنيسة.
ولكن لوقا أحلَّ "تاريخ الخلاص" محل الإِسكاتولوجيا، وحافظ على النظرة إلى النهاية المقبلة. كما أنه دلَّ على حضور الروح القدس الفاعل في ثلاث حِقبات التاريخ هذه. لم يشدّد على "المؤسّسة"، فكيف يسمّيه بعض الشرّاح "أبَ الكنيسة المنظّمة"؟
حصر مرقس نفسه في سرّ الإنسان الاله. أما متى فسعى إلى شرح كتابيّ. لم يجهل لوقا هاتين الوجهتين (مثلا، البراهين الكتابية: 17:4؛ 18: 31؛ 17:20؛ 22:21، 37؛ 25:24، 44)، ولكنه وسَّع نظرته فقدَّم عرضًا تاريخيّا لأحداث الخلاص، قدَّم محاولة تاريخيّة تسعى إلى فهما الوقائع بأسبابها. لم يكن شاهدًا مثل يوحنا، ولكنه عرف مع الجماعة الأولى أن يسوع قام، فعكس على أحداث مدهشة من حياة يسوع نورَ سرّ آلامه وقيامته.
لوقا هو إنجيليّ مخطّط الله. قَلبُ هذا المخطط هو سر الفصح. والفاعل هو الروحُ القدس. والهدف هو جماعة كلّ المؤمنين في العالم.

أ- سرّ الفصح
1- انباءات الآلام والقيامة
تنتمي إنباءات الآلام والقيامة إلى خبر مشترك في التقليد الإِنجيلي: هناك إنباءات ثلاثةٌ تتوزّع الصعودَ إلى أورشليم (مت 16: 21 وز؛ 17: 22 وز؛ 18:20- 19 وز). أمّا عند لوقا، فالإنباء الأوّل يسبقه تنبيه كتبه لوقا: "ضعوا انتم هذا الكلام في آذانكم" (9: 44). ويربط لوقا الإنباء الثالث ببرهان كتابيّ 18: 31): "جميع ما كِتبه الانبياء". ويزيد: "أمّا هم فلم يفهموا من ذلك شيئًا، بل كان هذا الكلام مُخفًى عنهم وأقوالاً لا يُدركونها" (34:18). وهكذا شدّد على ما لاحظه (45:9: "أمّا هم فلم يفهموا هذا القول وكان مُخفًى عنهم") مرقس بالنسبة إلى الإنباء الثاني. أمّا متّى فلم يتحدّث عن عدم الفهم هذا إلا في الإنباء الأوّل مع ردّة فعل بطرس. ستُذكَر هذه الإنباءات فيما بعد للنساء بواسطة الملاك (7:24)، للمسافرين على طريق عمّاوس بواسطة القائم من الموت (24: 25- 26)، للرسل في العُليّة (45:24- 46).
بالإِضافة إلى هذا يشير لوقا إلى أن يسوع رغب في "معمودية" الآلام (12: 50)، وأعلن أنّ كل نبيّ يموت في أورشليم (32:13- 34)، وأنّ على ابن الانسان أن يتألم كثيرًا وُيرذل قبل أن يظهر مثل البرق الذي يضيء في طرف من السماء، ويلمع في الطرف الآخر (24:17- 25).

2- إشارات أخرى
يرتبط موضوع الصعود إلى أورشليم بنصّ مت 17:20 وز، ولكن لوقا توسع فيه ورتَّبه ترتيبًا خاصا. كما أنّنا نجد تلميحات خاصّة بلوقا، ولا سيما في خبر الطفولة: يسوع هو "علامة مخالفة" (34:2). وُجد يسوع في الهيكل بعد أن ضيّعه يوسف ومريم "ثلاثة أيَّام" (2: 46) . وإذا قرأنا كرازة يسوع في الناصرة (16:4- 30) وقد وضعها لوقا قصدًا في بداية الحياة العلنيّة، نجد علامة المخالفة: هو موضوع إعجاب (22:4)، ثم موضوع بغض (4: 29). سيكون لسقوط كثير من الناس وقيام كثير منهم (34:2)، ولكنه يتابع طريقه (4: 30؛ رج يو 7: 30؛ 8: 20) منتصرًا منذ تلك الساعة على الموت.

3- ألقاب يسوع الربّ
يسوع هو ذلك الذي يعرف الأفكار العميقة في القلوب (مت 9: 4 وز؛ رج مر 33:9؛ لو 8:6؛ 47:9)، فيدلّ بذلك على معرفته للآب (10: 21- 22 = مت 25:11- 27: "لا يعرف أحد من هو الآب إلاَّ الابن"). ويتفرّد لوقا فيسمّيه "كيريوس" (اي السيد أو الربّ) حسب المفهوم المسيحيّ. "الرب" رأى أرملة نائين (13:7)، و"الربّ" استقبل تلميذَي يوحنا (9:7) وعيَّن اثنين وسبعين تلميذًا (10: 1). هكذا آمنت به مرتا ومريم (10: 39، 41) وبطرس (12: 41- 42) وسائر الرسل (17: 5- 6). فلَقب "كيريوس" يساوي لقب المسيح الممجّد كما تحدّث عنه القديس بولس (1 كور 16: 22؛ فل 2: 11). كان مرقس قد شدّد على موضوع السرّ المسيحانيّ. تبعه لوقا بعض الشيء (35:4، 41؛ 41؛ 5: 14)، ولكنّه ترك هذا الموضوع (8: 26) واحتفظ بموضوع الربّ. 

ب- ملكوت الله والروح القدس
1- ملكوت الله
الإِنجيل هو ملكوت الله (43:4: لأبشّر بملكوت الله؛ 8: 1) بالمعنى الذي اتّخذه موضوع الكرازة المسيحيّة (رج 2:9، 60، 62؛ 16:16؛ 29:18؛ رج أع 1: 3؛ 8: 12؛ 8:19؛ 20: 25؛ 23:28، 31). لا يعنِي لوقا بهذه العبارة الواقع الإلهيّ الفاعل على الأرض (كما في متى)، بل الملكوت الإِسكاتولوجي (او السماوي) الذي يشرف على تصرّفنا على الارض ويتطلّب إيماننا (رج 27:13- 29؛ 14: 15؛ 19: 11؛ 22: 16- 18). وهكذا لا يعني مثل الزارع (كما في مت ومر) الحضورَ السريّ للملكوت، بل متطلّبة الإِيمان (8: 12، 15). وهنا نستطيع أن نقابل بين مت 16: 28 وز ("إن في القائمين ههنا من لا يذوقون الموت حتى يَروا ابن البشر آتيًا في ملكوت") التي تتحدّث عن مجيء الملكوت، وبين لو 27:9 ("إن في القائمين ههنا من لا يذوقون الموت حتى يروا ملكوت الله") التي تتحدّث عن رؤية الملكوت.
إذا كان الملكوت حاضرًا على الأرض (17: 21: "ملكوت الله في داخلكم") فهو حاضر في شخص ابن الانسان. وقال للتلاميذ: "ستأتي أيّام فيها تشتهون أن تروا يومًا واحدًا من أيَّام ابن الانسان ولا ترون" (17: 22). هذا يبين لنا أنه إن كان الملكوت سيأتي (2:11: "ليأت ملكوتك")، فهو قد جاء: "ملكوت الله صار قريبًا منكم" (9:10، 11، 20).

2- الروح القدس
كان للملكوت عند متى وجهة ديناميكيّة؛ أمّا عند لوقا فهذه الوُجهة تختفي. ولكنّ الروح القدس، وإن لم يُذكَر مرارًا في لو، فهو الواقع الإلهي الفاعل على الأرض. فالذي يفعل الآن هو الروح (القوة). هذا ما أشار إليه لوقا بوضوع في أع 1: 7- 8. سأل الرسل: هل حلّ زمن إقامة الملك بالنسبة إلى إسرائيل؛ فأجابهم يسوع: لا تهتمّوا بمثل هذا الملك، بل حوّلوا أنظاركم إلى الروح القدس: "ستنالون قوة هي قوة الروح القدس الذي ينحدر عليكم".
الروح القدس هو العطيَّة الفُضلى. وإذا كنتم أنتم الأشرار تعرفون أن تعطوا أبناءكم الأمور الصالحة، فكم أحرى بالآب السماويِّ أن يعطي الروح القدس (مت 7: 11: "العطايا الصالحة") لمن يسأله (13:11). ونلاحظ في الإِطار عينه اختلافة (نقرأها عند مرقيون وغريغوريوس النيصي) في 11: 2 حول "ليأت ملكوتك". نقرأ: "ليأت علينا روحُك القدس وليطهّرْنا (او: ليطهرنا)".
إن الروح القدس يملأ بحضوره بعض الأشخاص المعدِّين لوظائف مميَّزة: حلّ على يوحنا المعمدان فكان عظيمًا أمام الربّ (15:1) وعلى العذراء مريم فولدت القدّوس الذي هو ابن الله (35:1). ويرتبط هذا الحضور عادة بكلمة نبويّة يتلفّظ بها شخص من الأشخاص. امتلأت اليصابات من الروح القدس فدعت مريم المباركة بين النساء (1: 4- 22). وامتلأ زكريا من الروح عينه فتنبّأ وأنشد نشيد المباركة (67:1). وكان الروح القدس على سمعان فبارك الله (2: 25- 28). كان روح الرب رفيق يسوع فنال المَسحة وأُرسل ( 4: 18؛ رج 10: 21)، ورفيق الرسل وسط الاضطهاد فعلمهم ما ينبغي أن يقولوه (12: 12 = مت 10: 20؛ رج مر 13: 11). ويرتبط الروح مرارًا بالقوّة التي بها تتمّ المعجزات (4: 14)، هذه القدرة (ديناميس) التي تُجري الأشفية (5: 17؛ 19:6؛ 9: 1). ولقد قال بطرس عن يسوع: "مسحه الله بالروح والقوّة" (أع 10: 38).

3- مُناخ المديح والتمجيد
نسمع في هذا الإِنجيل مديح الله وشكره وتمجيده. أنشدت مريم: "تُعظِّم نفسي الرب" (1: 46) وزكريا: "تبارك الربِّ الاله" (1: 68)، والملائكة في بيت لحم: "المجد لله في العلى" (14:2). ومجَّد الرعاةُ الله وسبّحوه وعلى جميع ما سمعوا وعاينوا" (2: 20). بارك سمعانُ الله وقال: "عيناي قد شاهدتا خلاصك" (2: 30). وسبّحت حنةُ النبيّة الربّ وحدّثت عن الصبي "كل من ينتظر فداءً لأورشليم" (2: 38).
شُفي المخلّع فانطلق إلى بيته "وهو يمجّد الله" (25:5)، بل دهش الناس جميعًا ومجّدوا الله قائلين: "لقد رأينا اليوم عجائب" (26:5). هذا ما فعلوه حين شُفي المخلّعُ (5: 26)، وحين قام ابنُ أرملة نائين (7: 16)، حين انتصبت المرأة الحدباء (13: 13) وطَهُر الأبرص (17: 15). أبصر الأعمى فأشاد بمجد الله، وإذ رأى الشعب ذلك، سبّحوا الله (43:18). ويوم الدخول إلى أورشليم، سبّح التلاميذ بصوت جهير وقالوا: "مبارك الآتي باسم الربّ" (19: 37- 38). ومجّد قائد المئة الله حين رأى ما جرى (47:23)، ومثلَه فعلَ التلاميذ بعد الصعود، فكانوا يباركون الله بلا انقطاع في الهيكل (53:24). وسنسمع صدى هذا النشيد في الجماعة الأولى (أع 2: 47؛ 3: 8 ي؛ 4: 21؛ 11: 18؛ 13: 48؛ 21: 20).
وسيُشيد الجميع بمجد يسوع (15:4)، أو هو يسوعُ يحرك في قلب الناس، عواطف الخوف والدهشة والرهبة والإعجاب. سكَّن يسوع العاصفة، فاستولى على التلاميذ "الخوفُ والدهشة" (8: 25). وشفى المجنونَ المليء بالشياطين، فاستحوذ الخوف على جميع سكّان أرض الجراسيّين (8: 37). "وانتهر الروحَ النجس... فبُهت الجميع من عظمة الله" (43:9؛ رج أع 7:2، 12؛ 10:3؛ 5:5، 11).
4- مُناخُ الفرح
أُعلنت البُشرى فعمّ الفرحِ والبهجة والسرور والتهليل، وسادت السعادة والسلام. ترد هذه المفردات مرارَا عند لوقا (أكثر ممّا عند متى ومرقس). ففعل "انجل" (اي حمل الانجيل والخبر السارّ) الخاصّ بلوقا يتمتّع بدينامية لا نجدها في الاسم "إنجيل" الذي يستعمله متى ومرقس (يستعمل متى الفعل مرة واحدة، في نصّ أخذه من أشعيا؛ رج مت 11: 5؛ اش 61: 1).
فالفرح الذي يكاد يجهله مرقس (ما عدا مر 16:4= مت 13: 20= لو 13:8: يقبلون الكلمة بفرح "كارا") ويشير إليه متّى بين الفينة والأخرى، مثلاً في خبر المجوس (مت 2: 10) ومثل التلميذ الذي اكتشف كنزًا مدفونًا في حقل (مت 44:13)، وخبر النسوة اللواتي شهدن القيامة (8:28- 9)، ومثل الوزنات الذي تبدو فيه السماء نداءً إلى الفرح (25: 21، 23).
ولكن هذا الفرح يجتاح إنجيل لوقا منذ البداية إلى النهاية، منذ فرح زكريا بالمولود يوحنا (14:1، 58) حتى فرح التلاميذ بعد الصعود (52:24). بشّر الملاك زكريا ففرح، وبشّر مريم وقال لها: السلام عليك، ابتهجي يا ممتلئة نعمة (28:1). زارت مريمُ أليصابات، فارتكض الجنين مِنَ الابتهاج في حشا هذه العجوز (1: 41، 44)، وزار الملائكة الرعاةَ وبشروهم بفرح عظيم لهم ولجميع الشعب (2: 10). ويومَ عاد التلاميذ فرحين من الرسالة (17:10)، حدّد لهم يسوع الباعثَ الحقيقيّ على الفرح (10: 20: "افرحوا بأن أسماءكم مكتوبة في السماء") وأطلق تهليله في الروح القدس (10: 21).
فرحت الجموع حين رأت هذه المعجزات التي تتمّ أمامها (17:13). وفرح زكّا حين استقبل يسوع في بيته (6:19)، كما استولى الفرح على جمهور التلاميذ يوم دخول يسوع إلى أورشليم (19: 37). رافق يسوع القائمُ من الموت التلميذَين على طريق عمّاوس فنفى عنهما الحزن (17:24) وأشعل قلبَيهما بكلامه (32:24). وظهر للأحد عشر "فظلّوا غير مصدّقين من شدّة الفرح والدهشة" (24: 21). بل سيحدّثنا لوقا عن فرح الله نفسه، عن فرح السماء التي ترحّب بالخاطئ التائب (7:15، 10، 23- 24، 32).
وتأتي الطوبى والهناء والسعادة: "طوبى لكم إذا ما الناس أبغضوكم وانتبذوكم وأهانوا اسمكم... إفرحوا في ذلك اليوم وتهلّلوا لأن أجركم عظيم في السماء" (22:6، 23= مت 12:5؛ رج أع 5: 41). إذن، هنيئًا لمن يسمع البشارةِ. يورد لوقا أربعة تطويبات ومتى ثمانية (مت 5 :3- 11). طوّب يسوع سمعانَ بنَ يونا (مت 17:16). كما طوَّب ذلك الذي لا يشكّ فيه (مت 6:11 = لو 23:7)، وطوَّب الأعين التي ترى ما يرى التلاميذ (مت 13: 16= لو 10: 23)، وطوَّب أخيرًا العبدَ الأمين (مت 24: 46= لو 43:12).
ويتحدّث الإِنجيل عن السلام، لا سلامِ هذا العالم (12: 51= مت 10: 34؛ رج يو 14: 37)، بل السلامِ الذي يمنحه يسوع (7: 50؛ 48:8= مر 34:5). هذا السلام منحه الله منذ مولد يوحنا المعمدان (79:1)، ومولد يسوع (2: 14) وطفولته (29:2). هذا السلام لم تعرف أورشليم أن تتقبّله (19: 42) مع أنّ الرسل كانوا يهتفون: "مبارك الملك الآتي باسم الربّ. السلام في السماء والمجد في العلى" (38:19). هذا السلام قد أعطاه القائم من الموت (36:24؛ رج يو 20: 19، 21، 26)، لأن يسوع جاء يحمل إنجيل السلام (أع 36:10) ومثلَه سيفعل تلاميذه (لو 10: 5= مت 13:10): "أيَّ بيت دخلتم فقولوا أوّلاً: السلام لهذا البيت".

5- مُناخ الصلاة
يقول التقليد المشترك إن يسوع صلّى حين تكثير الأرغفة (9: 16 وز)، وليلةَ العشاء السريّ (22: 17، 19 وز)، وعلى جبل الزيتون (22: 41، 44 وز). لا يشير لوقا إلى صلاة "الهلل" (مت 26: 30 وز) ولا إلى صلاة يسوع بعد تكثير الأرغفة (مت 23:14 وز). ولكنّه يتفرّد فيحدّثنا عن صلاة يسوع وقت عماده (3: 21) وخلال حياته العلنيّة (16:5: "فكان يعتزل في القِفار ويصلّي"؛ رج مر 1: 35)، وقبل اختيار الاثني عشر (6: 12) وقبل اعتراف بطرس (28:9). صلّى يسوع ساعة التجلّي (28:9- 29) وعند عودة التلاميذ (10: 21) وقبل صلاة الأبانا (11: 1). صلّى يسوع ليثبّت بطرس في الإِيمان (32:22)، كما صلّى حين صُلب (34:23) وفي ساعة موته (46:23).
ويذكر لوقا صلاة الشعب يوم كان زكريّا يقدّم البخور (1: 10)، كما يذكر صلاة زكريّا السابقة، ويشير إلى أنّ طلبته قد استجيبت (13:1). ويصوّر لنا حنة النبيّة تلك المتعبّدة بالأصوام والصلوات (37:2)، كما يحدّثنا عن تلاميذ المعمدان "الذين يواظبون على الصلاة" (5: 33). ويورد عددًا من الصلوات فضلاً عن الأبانا: نشيد المباركة (زكريا، 67:1- 79)، نشيد التعظيم (مريم العذراء، 1: 46- 55)، نشيد التمجيد (الملائكة، 2: 14) ونشيد الاستسلام لله الذي أطلقه سمعان الشيخ: "يا رب، تمّمت الآن وعدك لي فأَطلق عبدك بسلام. عيناي رأتا خلاصك الذي هيّأته للشعوب كلّها" (2: 29 ي).
والصلاة واجب مُلحّ: "إسألوا تُعطَوا. أُطلبوا تجدوا. إقرعوا يُفتح لكم" (9:11= مت 7:7- 11). وُيسبّق لوقا هذا القول بمَثل الصَديق المزعج (10: 5- 8) ويؤكّده بمَثل القاضي الظالم (18: 1- 8) والفريسيّ والعشّار (9:18- 14). إن الإِيمان يحصل على كلّ شيء (6:17؛ رج مت 17: 20؛ 21: 21- 22؛ مر 11: 23- 24). يجب أن نرفع صلاتنا إلى سيد الحصاد (10: 2= مت 38:9)، أن نصلّي من أجل مضطهدينا (28:6= مت 5: 44)، أن نُرفِقَ السهرَ بالصلاة (21: 36= مر 33:13)، أن نصلّي لئلاّ ندخل في التجارب (22: 40، 46 وز).
وهناك مقاطعً يرتبط فيها الروح القدس بوضوح بالصلاة. فهو الذي يلهمها (67:1؛ 27:2) حتى عند يسوع نفسِه (10: 21)، والروح القدس هو الثمرة الفضلى التي يمنحنا الله إيّاها (3: 21- 22؛ 13:11).
ج- إمتداد الإِنجيل امتداد الكون
لا يقوَّم العمل الذي يلاحقه الروح القدس بهذه النتائج الشخصيّة لحضوره، التي هي الفرح والصلاة. فهو يريد أيضًا أن يكوّن جماعة شاملة تضمّ جميع المؤمنين وتؤلّف ما سيسمّيه لوقا في سفر الأعمال: الكنيسة. بين القديسُ متى أن الانقطاع عن الشعب اليهوديّ كان الشرطَ الضروريّ لانتشار الإِنجيل، فجاء الشمول في النهاية. أمّا لوقا فرأى هذه الشموليّة في نظرة واحدة في مخطّط الله. ليست الشموليّة نهاية، بل هي واقع يُلقي ضوءه على البشارة، بل هي البشرى نفسُها.

1- عَرضٌ يشمل جميع البشر
يتوجّه لوقا في مؤلَّفه إلى قارئ غير فلسطينيّ، وهكذا يجعل إنجيله يشعّ بصورة مباشرة أبعدَ من حدود إسرائيل. وهو يعطينا إيضاحات عديدة في هذا الشأن.

أوّلاً على مستوى الجمل والعبارات
كان فاعل الجملة غامضًا في التقاليد الموازية، فاوضحه لوقا وكمّله. مثلاً، يروي مر 3: 2 أنهم كانوا "يراقبونه". فزاد لو 6: 7 "الكتبة والفريسيّون" (رج 19: 32؛ 20: 10؛ 21: 31). ومرّةً أخرى، مفعول الفعل غير محدّد. مثلاً قال مر 1: 34: الشياطين "عرفوه". فصارت عند لو 4: 41: "عرفوا أنه المسيح" (رج 8: 5؛ 7:9؛ 52:22). قد يكون هناك غموض فيوضحه لوقا. قال مر 2: 17: "جئت لأدعو لا الأبرارَ بل الخطأة". فزاد لو 5: 32: "إلى التوبة" (رج 5: 17؛ 6: 18، 19؛ 8: 12، 15، 29 ب، 33، 37، 40؛ 20: 20؛ 21: 4؛ 22: 34، 45؛ 23: 26). وأخيرًا هناك تفاصيل تزيل كلّ التباس أو تبرَر تسلسل الأحداث. قال يسوع: "لا بدّ لي أن أبشّر المدن الأخرى أيضًا بملكوت الله، لأني لهذا ارسلت" (43:4؛ رج 6: 1؛ 18: 36).

ثانيًا: الإِطار السيكولوجيّ
وتوخّىِ لوقا الهدف عينَه حين أعاد الإِطار السيكولوجيّ للكلمات الواردة. فقدّم تفصيلاَ ظرفيًا ليجعل الخبر في موقعه. مثلاً: "وإذ كان الشعب يتساءل هل يوحنا هو المسيح" (15:3). "وكان يسوع يصلّي، فلما انتهى" (11: 1). "وإذ كانوا متعجّبين من كل ما صنع، قال لتلاميذه" (43:9 ب؛ رج 11: 29؛ 13: 1؛ 17: 20؛ 18: 1، 9؛ 19: 1). ويميّز لوقا بين السامعين فيساعدنا على فهم الخُطَب، في 11: 38- 39 يتحدّث عن الفريسيين، وفي 11: 45- 46 يتحدَّث عن علماء الناموس. قال في 12: 1: "احذروا قبل كل شيء خمير الفريسيّين الذي هو الرياء". ولكنه ترك السؤال يرِد من "واحد من الجمع" في 13:12، وجعل مَثَلَ يسوع يتوجّه "إليهم" (16:12، أي الى الجميع)، وكلامَه يتوجّه إلى التلاميذ وبصورة خاصة إلى بطرس (12: 41) ليعود إلى الجموع (54:12). رج أيضًا 3:14 ،7، 12 ،15.

ثالثًا: العادات الفلسطينيّة
قارئ إنجيل لوقا غريب عن فلسطين، ولهذا فهو يجهل عاداتها، فيعمل لوقا على توضيح بعض الأمور أو هو يعمّم أقوال يسوع فلا تلتصق التصاقًا خاصًّا بالمحيط المحلّيّ. عدّد متّى (23: 23) بعض البقول: النعناع والشبث والكمّون، فزاد لوقا (11: 42): "وسائر البقول". تحدّث متى (24: 32) عن "التينة" التي تورق فنعرف أن الصيف قريب، فقال لوقا: "انظروا إلى التينة وسائر الشجر" (21: 29؛ رج مر 28:13؛ رج ايضا لو 22: 1؛ 23: 56).
كتب لوقا إلى العالم اليونانيّ فاغفل ما يسمّى "اللون المحليّ" أو الساميّ. هنا نقابل بين فرائض المحبّة الأخويّة عنده (27:6- 36) وعند متى (5: 39- 48). إذا قرأنا مثل البيتَين (واحد على الصخر وواحد على الرمل) في لوقا (47:6- 49) ومتى (24:7- 27) نرى أن متى يزيد تفاصيل لا يعرفها لوقا. ويتحدّث لوقا عن "قرميدات" البيت (19:5؛ رج مر 4:2) فينسى أنه في فلسطين. وهو يُغفل أيضًا أمورًا عديدة لا يفهمها القارئ، مثلا قال مر 1: 22 إن يسوع لم يكن يعلَم مثل الكتبة. أمّا لوقا فترك هذه الإِشارة جانبًا.

2- إختيار التقاليد الإنجيليّة
من الصعب أن نؤكّد أنّ لوقا أغفل بعض التقاليد التي عرفها متى أو مرقس. ولكنّ ما هو أكيد هو أن لوقا تجاهل معظم العناصر التي يبدو فيها الموقف اليهوديّ ظاهرًا. وإليك بعضَ الإغفالات التي لاحظها الشُرّاح: ما يتعلّق بشريعة الطهارة فيما يخصّ الأطعمة (مت 15: 1- 20 وز)، خبر الكنعانيّة وخبز البنين الذي لا يعطى للكلاب (مت 15: 21- 28 وز)، رجوع إيليا (مت 17: 10- 13 وز)، الجدال حول الطلاق بحسب الشريعة (مت 19: 3- 9 وز)، الإنباء بالمسحاء الكذبة (مت 23:24- 25 وز)، أقوال آرامية تلفَّظ بها يسوع أو عبارات آراميّة احتفظ بها التقليد (مر 5: 41؛ 7: 34؛ 11: 10؛ 14: 36، 45؛ 15: 22، 34؛ رج 9: 5؛ 10: 51)، المعارضة بين الشريعة القديمة والشريعة الجديدة (مت 5)، بين بِرّ الفريسيّين والبِرّ المسيحيّ (مت 6). وأخيرًا، أغفل لوقا ما قاله مت 10: 5 في وصاياه للرسل: "لا تسلكوا طريقًا إلى مدن الوثنيّين، ولا تدخلوا مدينة للسامريّين".
ومقابل هذا، يلَذّ للوقا أن يوضح ما في مضمون التقاليد من بُعد شامل. مضى متّى في نسب يسوع فوصل إلى إبراهيم. أمّا لوقا فربط يسوع بآدم (38:3). وأنشد الملائكة: السلام للبشر الذين أحبّهم الله وسرّ بهم (2: 14)، لأنّ يسوع هو المخلّص (2: 11). وإذ يورد لوقا نبوءة المعمدان يشدّد على ما في كلام أشعيا من شمول: "كل جسد (أو بشر) يرى خلاص الله" (3: 6؛ رج أع 2: 21؛ 28: 28).
وأورد ما نقرأ في نشيد سمعان الشيخ: "نور يضيء للأمم" (32:2؛ رج 28:13- 29= مت 8: 11- 12). وأخيرًا، هو يعطي أمثلة مأخوذة من عند أناس لا ينتمون إلى شعب إسرائيل. السامريّ هو أفضل من الكاهن واللاّوي في ممارسة وصيّة المحبة الأخويّة والرحمة (10: 35- 37). وكان البُرص عشرة. شفاهم يسوع، فما عاد إليه يشكره إلا السامريُّ فقال يسوع: "أوَ لم يوجد من يرجع ليمجّد الله إلا هذا الغريب" (17: 11- 19)؟ وكلّنا يعرف مثل الإِيمان الذي أعطاه الضابط الرومانيّ، فامتدحه يسوع علانية (7: 9= مت 8: 10): "لم أجد حتى في إسرائيل مثل هذا الإِيمان".

د- إنجيل لوقا إنجيل الحنان
1- لطف الله وحنانه
هذه العبارة مأخوذة من القديس بولس (ف 3: 4) الذي تحدّث عن محبّة (أو صداقة) الله للبشر (فيلانتروبيّا). أجل، بالنسبة إلى الله، "ليس يهوديّ ولا يونانيّ، ليس عبدٌ ولا حرّ، ليس رجلٌ ولا امرأة" (غل 28:3). فسِرَّ المسيح الخفيّ قد أُعلن الآن لجميع البشر (كو 1: 26- 27). هذا هو موقف لوقا الذي تتلمذ على يد بولس فتوقّف بصورة خاصّة عند الخطأة والنساء والغرباء، تلك الفئاتِ التي لم يكن المجتمع يكُنّ لها كلّ احترام وإكرام.

أوّلا: الخطأة
لقد وجد الخطأةُ في يسوع صديقًا، فقالوا عنه إنه "يُحبّ العشّارين والخطأة" (7: 34؛ مت 11: 19). فهو لا يخاف أن يعاشرهم، بل يرحّب بهم. دعا الجابي (او العشار الذي يعتبره اليهود خاطئًا) ليتبعه، وأعلن أنه ما جاء من أجل الأصحّاء، بل من أجل المرضى. قال: "لم آت لأدعو الصدّيقين إلى التوبة، بل الخطأة" (5: 27، 31 وز). وترحيبه بالخطأة جعل الفرّيسيّين والكتبة يتذمّرون (15: 1- 2) فأعطاهم أمثالاً تتحدّث عن رحمة الله للخطأة (الخروف الضالّ، الدرهم المفقود، الابن الشاطر). تحدّث التقليد المشترك عن محبّة يسوع للخطأة، أمّا لوقا فأبرزه وشدّد عليه خصوصًا يا ما حدث لزكا العشّار. كان الجمع يزحمه (3:19) ولكن يسوع قَبِل دعوة زكّا دون سواه، فجعل الناسُ يتذمّرون قائلين: "دخل بيت رجل خاطئ وحلّ لديه ضيفًا" (7:19).
لقد أكّد يسوع أن الخطأة هم حصة الله، شرطَ أن يتوبوا (15: 1- 32). فالربّ هو الصَبور وطويل الأناة، يعرف أن ينتظر الخاطئ، ولا يعْجَل في اقتلاع التينة التي لم تثمر (6:13- 9؛ ق مت 18:21- 22 وز). غفر يسوع للمخلّع (5: 20 وز)، وغفر أيضًا للخاطئة التي جاءت إلى بيت سمعان الفرّيسيّ (36:7 - 50)، بل غفر للمسؤولين عن موته (34:23). نظر يسوع إلى بطرس، فبكى بطرس (22: 61)، وصُلب مع اللصّ فتاب اللصّ وأعلن: "اذكرني يا ربّ متى أتيت في ملكوتك" (23: 39- 43). وحين رأته النسوة بدأن يقرعن الصدور (48:23). جميع الناس يستطيعون أن يصلّوا مثل العشّار الذي حدّثنا عنه يسوع (18: 10- 14). قرع صدره وقال: "أللهمّ، أغفر لي أنا الخاطئ". فعاد إلى بيته مبرّرًا، مقبولاً عند الله.

ثانيًا: النساء
كان العالم اليهوديّ يحتقر المرأة فيجعلها مُلكًا من أملاك الرجل (خر 17:20). أما لوقا فأفرد لها مكانةً مميّزة. هناك مريم العذراء، وأليصابات أمَّ يوحنا المعمدان، وحنة النبيّة، وأرملة نائين (7: 11- 17). هناك الخاطئة التي لم يذكر لوقا اسمها، فدلّ على رقّته ولطافته (36:7- 50؛ رج مت 6:26- 13). وهناك النسوة اللواتي تطوّعن لخدمته (8: 1- 3) وتبعنه حتى الصليب (49:23، 55؛ 24: 10- 11). ويذكر لوقا مرتا ومريم (38:18- 42) والمرأة التي باركت أمّ يسوع (27:11- 28) والمرأة الحدباء التي لم تكن تستطيع أن ترفع رأسها فشفاها يسوع. وأخيرًا، نجد في الأمثال عددًا من النساء: تلك السيدة التي أضاعت درهمها (8:15 ي)؛ وتلك الأرملة التي جاءت تطلب الإِنصاف من قاضٍ ظالم (18: 1- 8).

ثالثًا: الغرباء
الغرباء هم موضوع اهتمام خاصّ من قِبَل يسوع. هو لا يُنزِل عليهم نارًا من السماء كما طلب يعقوب ويوحنا ابنا الرعد (54:9- 55). بل هم مثال يُحتذى؛ الضابط الرومانيّ هو مثال الإِيمان (7: 9 وز)، والسامريّ هو مثال المحبّة (10: 25- 37)، والغريب هو مثال الشكر وعرفان الجميل (17: 11- 17). 
هذا هو القطيع الصغير الذي يستطيع أن يعيش من دون خوف لأن الملكوت يعطى له (32:12). وهو يتألف من صغار القوم ومن الأطفال، لا من ذَوي الحكمة والدهاء (12: 21- 22). "لان ابن الإنسان جاء يطلب ما قد هلك ويخلّصه" (19: 10؛ رج 5: 31- 32 وز).
2- لطف يسوع
يتحدث لوقا عن لطف يسوع الذي يبدو غير متكلّف. هو يغفل بعض المرّات عواطف يسوع العنيفة، ولكنه لا ينسى بعض الكلمات القاسية. يهدّد يسوع "سعداء هذا العالم" بالتعاسة فيقول لهم: الويل لكم أيها الاغنياء، أيها المُشْبعون، أيها الضاحكون (6: 24- 25). ويحذّر الذين يرفضون التوبة (13: 2 - 5) كما يهدّد التينة العقيمة (9:13). مصير الغنيّ الذي يتجاهل الفقير مظلم قاتم (16: 19- 21)، وأورشليم تستحقّ النَدْب والبكاء (19: 41- 44)، ومِثْلها النساءُ اللواتي رافقن يسوع على طريق الآلام. قال لهنّ مهدّدًا بما سيصيب البلاد من دمار: "إن كانوا قد فعلوا هذا بالعود الرطب، فماذا يكون بالعود اليابس" (23: 31)؟ ولا ننسى متطلّبات التجرّد والكفر بالذات التي سنعود إليها.
لطف الله هو رحمة وحنان لا يُسبَر عمقه، وهو يظهر من خلال لمسات خفيفة. تفرّد لوقا بإيراد أربعة أشفية فطبعها بطابعه. أحيا ابن أرملة نائين (7: 11- 17) والسبب هو انه تحنّن عليها حين رآها تبكي لفقد وحيدها (رج 8: 42 الذي يتحدّث عن ابنة يائير "الوحيدة" و 38:9- 42 الذي يشير إلى "وحيد" هذا الاب المعذّب). وتطلّع يسوع إلى حدباء فدعاها وقال لها: "أنت مطلّقة من دائك" (12:13). وكذا نقول عن المستسقي (14 : 1- 6) والبُرص العشرة (17: 11- 19) الذين رفعوا أصواتهم قائلين: "يا يسوع المعلم ارحمنا". 
ومع ذلك، لا يشير لوقا إلى عاطفة الشفَقة لدى يسوع حين أرسل تلاميذَه (مت 9: 10)، أو قبل أن يكثّر الأرغفة (مت 14: 14 وز: تحنن عليهم)، أو حين شفى أعمى أريحا (مت 34:20). ولكن لوقا استعمل مرارًا كلمةٍ "فيلوس" (صديق). فهي ترد 13 مرّة عند لوقا ومرة واحدة عند متى، ولا ترد مرّة واحدة عند مرقس. وقد احتفظ لوقا بعبارة يوحنّاويّة: "أقول لكم يا أحبّائي" (12: 4؛ رج يو 15: 15).

3- رقّة لوقا ولينه
إن رقّة لوقا تبدو انعكاسًا لهذا اللطف والحنان، كما تبدو نتيجة اهتمام تربويّ تجاه قرّائه.

أوّلاً: بالنسبة إلى شخص يسوع
قلنا ونكرّر القول إن لوقا لم يذكر عواطف يسوع العنيفة. نحن لا نراه غاضبًا كما عند مرقس (مر 1: 41: أشفق عليه. وهناك اختلافٌ يقول: كان مغضبًا عليه، 1 :43: انتهره) ففي لو 5 :13 نقرأ: "فمدّ يسوع يده ولمسه قائًلا: لقد شئت فاطهر". ويقول مر 3: 5 عن يسوع الذي اغتمَّ لطلب الفريسيين: "أجال فيهم نظره بغيظ". أما لوقا فقال: "اجال نظره فيهم جميعًا" (6: 10).
يحدّثنا مر 6: 34 عن يسوع المليء بالشفقة والحنان تجاه الجمع الغفير: "تحنّن عليهم لأنهم كانوا كخراف لا راعي لها". أما لوقا فاكتفى بالقول: "رحّب بهم وحدّثهم عن الملكوت" (9: 11). كان يسوع قاسيًا تجاه بطرس (مر 33:8 وز) فسماه "شيطانًا"، ولكن لا يظهر شيء من كل هذا عند لوقا. ونرى يسوع يطرد الباعة من الهيكل بقساوة عند مرقس (15:11- 17)، لا عند لوقا (45:19- 48).
نرى يسوع يحتضن الأطفال ويباركهم عند مرقس (36:9) لا عند لوقا (47:9- 48؛ رج مر 10: 16) ونرى لديه عواطف المحبّة تجاه الشابّ الغنيّ (10: 21؛ لو 22:18: "لما سمع يسوع قال له")، والغيظَ أمام تصرّف الرسل (مر 10: 14)، والخوفَ والاكتئاب في بستان الزيتون (مر 14: 33- 34= لو 22: 40). غير أن لوقا يتفرّد بالحديث عن "عرقه الذي صار كقطرات دم نازلة على الأرض" (22: 44).

ثانيًا: بالنسبة إلى التلاميذ
كتب مر 13:4: "أما تفهمون هذا المثل؟ فكيف إذن تفهمون سائر الأمثال"؟ أمّا لوقا فاكتفى بالقول: "وهذا هو المثل" (8: 11). خاف الرسل من الغرق فقال لهم يسوع: "لم تخافون؟ أو ليس لكم إيمان بعد" (مر 38:4- 40)؟ ولكن لوقا قال ان المسيح نهض وزجر الريح وهيجان الماء (8: 24- 25) وقال لهم: "إين إيمانكم"؟
تحدّث مر 8: 32- 33 عن قساوة يسوع على بطرس وعلى التلاميذ الذين لم يستطيعوا أن يُخرجوا الروح النجس فدعاهم إلى الصلاة (28:9- 29؛ لو 43:9). سار الرسل وراء يسوع وهم ذاهِلون وخائفون. كذا قال مرقس؛ ؛ (10: 32)؛ أما لو 18: 34 فشدّد على أن التلاميذ لم يدركوا معنى كلام يسوع حين أنبأهم بآلامه.
وهكذا نرى أن لوقا يُبدي رقّة في حديثه عن يسوع، كما عن تلاميذه. وهذه الرقّة نجدها أيضًا في بعض المشاهد العنيفة. لا يتحدّث لوقا عن مقتل يوحنّا المعمدان كما فعل مر 17:6- 29، ولم يقل إن يهوذا قبّل يسوع (مر 14: 45)، بل دنا إليه ليقبّله (لو 48:22). وأغفل لوقا مشهد الصفَعات (مر 14: 65؛ ولكن رج 23: 11) والجلد والتكليل بالشوك.
وقد خفّف لوقا بعضًا من عنف أقوال يسوع. مثلاً، نقرأ في مر 12:4 على لسان يسوع: "لكي ينظروا نظرًا ولا يبصروا، ويسمعوا سماعًا ولا يفهموا، لئلاّ يتوبوا فيغفر لهم". فاكتفى لوقا بالقول: "لكي ينظروا ولا يبصروا، ويسمعوا ولا يفهموا" (8: 10). وأغفل الباقي. وهذا ما نقوله عن مر 43:9- 48 (رج لو 17: 1- 2)، و 14: 21 التي تتحدّث عن يهوذا فتقول: "كان خيرًا لذلك الرجل أن لا يولد".
ويهمل لوقا بعض العبارات، وفي إهماله لها قصد وغاية. لم يذكر نهاية استشهاد اش 6: 9- 10: "لئلاّ يرتدوا" (مر 4: 12؛ رج لو 8: 12). كما ترك السؤال الحادّ الذي طرح في مت 48:12 وز: "من هي أمّي؟ من هم إخوتي"؟ كان أشعيا (61: 1) قد تحدّث عن "يوم انتقام الرب" فترك لوقا (4: 18 ي) هذه العبارة.
خرج الشيطان من الرجل "ولم يؤذِه في شيء" (35:4). وأحبّ شيوخُ اليهود قائدَ المئة للُطفه وإحسانه (7: 4 ي). هذا هو مناخ اللين الذي يحدّثنا عنه لوقا هنا. وفي مشاهد المآدب التي يذكرها، نكتشف رموز حياة أخويّة: الوليمة عند لاوي (29:5)، وعند سمعان الفريسيّ (37:11) وعند مرتا ومريم (10: 38- 42). هذا عدا التلميحات المتعدّدة عن الطعام (33:5؛ 14: 12- 15؛ 1:15).

هـ- الإِنجيل قاعدة حياة
1- المستوى الاجتماعيّ
جاءت الجموع إلى يوحنا المعمدان، فحدّد لكل فئة واجباتها الاجتماعيّة: جباة الضرائب، الجنود، بل كلّ إنسان في معاملته للقريب (3: 10- 14). وشدّدت خطبة "السهل" على هذه النظرة الإِجتماعيّة. "أعطِ (دوما) للذي يسألك" (6: 30، لا مرة واحدة). "كونوا رحومين" (6: 36. قال مت 48:5: "كونوا كاملين"). وقال لوقا: "اعطوا كيلاً ملبّدا" (مفصلا بمحبة وليس فقط ليوم الدينونة).
وإليك بعضَ الإشارات السريعة: الضابط الروماني "يجبّ أمّتنا وقد بنى لنا مجمعًا" (7: 5). إن الكاهن واللاوي رأيا الجريح، فمالا (أو إبتعدا) عنه وتجاوزاه. ويجب أن ندعو إلى مائدتنا "المساكين والعُرج والعميان" (14: 12- 14). والهوّة التي حفرها الغنيّ خلال حياته بينه وبين الفقير، لا تزال موجودةً في الآخرة (16: 25- 26). ونظرة الاحتقار التي تفصل الفريسيّ عن سائر الناس ولا سيّما الخطأة، تفصله أيضًا عن الله وتبعده عن كل تبرير (18: 10- 14). 

2- الأغنياء والفقراء
لاحظ لوقا أن بعض الأغنياء تبعوا يسوع: يوسف الرامي (23: 50) وزكا العشّار (19: 2- 8)، وحنة امرأة كوزى، قيِّم هيرودس (3:8). ولكنّه لا يقول، مثل مر 10: 21، إن يسوع أحبّ الشابّ الغنيّ. فأصدقاء يسوع هم الفقراء. لم يأتِ المجوس ليسجدوا له (مت 2: 1ي) بل الرعاة (8:2). ولم يحمل أبواِه إلى الهيكل تقدمةَ الأغنياء، بل تقدمة الوضعاء (2: 24: "زوجَي يمام أو فرخي حمام"). المثال الذي يُحتذى هو لعازر الفقير (16: 20) والأرملة المسكينة التي أعطت كلّ ما تملك (3:21- 4 وز). ويسوع نفسه لا يملك "موضعًا يسند إليه رأسه" (9: 58).
الفقراء هم سعداء والأغنياء هم تعساء. ولا يحصر لوقا كلامه في الوُجهة الروحيّة للفقر، بل هو يحدّد الواقع الملموس الذي يتأمّل فيه: "حطّ الأعزاء... رفع المتواضعين" (1: 52 ي). ثم إن البشرى تُحمَل الى الفقراء (18:4؛ 7: 22 وز) الذين يطوّبهم يسوع (6: 20): انهم يدخلون منذ الآن الى ملكوت الله.
والأغنياء هم تعساء لأنهم وجدوا نفوسهم في وضع سيِّئ. "يَكْنزون لنفوسهم ولا يغتنون في سبيل الله" (12: 21). ينسَون الله ويهتمّون بالراحة والطعام والشراب والتنعّم (12: 13-20). يتجاهلون إخوتهم الفقراء كذلك الغنيّ (لا يقول الإِنجيل إنه كان رديئًا خاطئًا) الذي لا يرى المسكين المطروح عند بابه (16: 19- 31). والفرّيسيّون لا يكتفون فقط بنفوسهم (18: 14). إنهم أيضًا "أصدقاء المال" (16: 14). "ولكن الرفيع عند الناس هو كريه في نظر الله" (15:16).
إذن، مامون (أي المال الذي يعطينا الأمان) هو ظالم في حدّ ذاته. قد نستطيع أن نستعمله بمهارة فنوّزعه على فقراء نجعل منهم اصدقاءنا (9:16). ونستطيع أن نستعمله بأمانة وكأنه خير غريب، وكّلنا به الله (16: 10- 12). ولكنّنا لا نستطيع أن نخدم "مامون" كما نخدم الله: "لا يمكنكم أن تعبدوا الله والمال" (16: 13).

3- التجرّد ونكران الذات
يتّفق لوقا مع التقليد المشترك فيربط في سرّ الفصح الإِنباءات بالآلام، بالشروط المفروضة لاتّباع يسوع (مت 16: 21- 26 وز). ولكنه يشدّد بصورة خاصّة على التخلّي عن كل شيء: يجب أن لا نستند إلى المال (13:12- 21). بل نتكل على الله الذي يهتمّ بالغِربان والزنابق، الذي يعطي لأنفسنا ما نأكل ولأجسادنا ما تلبس (12: 22- 32). "إذن، بيعوا ما تملك أيديكم وأعطوه صدقة" (12: 33؛ رج مت 6: 19 ي).
هناك شروط مفروضة على المؤمن ليكون تلميذَ يسوع. ولكنّ لوقا زاد أنه يجب عليه أن يبغض "امرأته، حتى نفسه" (18: 29). نجد ما يقابل هذا الكلام في الحديث "عن الخِصيان" الذين امتنعوا عن الزواج من أجل ملكوت الله" (مت 12:19). ثم يحدّد لوقا: "من لا يتخَلَّ عن كل ما يملك لا يقدر أن يكون لي تلميذًا" (14: 26- 33). وسيزيد لوقا في هذا المعنى بعض التفاصيل الدقيقة على التقليد المشترك. فالتلاميذ الذين تبعوا الربّ تركوا "كلّ شيء". وهكذا فعل لاوي (28:5). وهذا ما طلبه يسوع من الشابّ الغنيّ: "بع كلّ ما لك ووزّعه على المساكين" (22:218). فلا رجوع إلى الوراء. فمن تراجع لم يكن أهلاً لملكوت الله (9: 61-62).
لوقا هو الإِنجيليّ الذي حدّثنا عن مخطّط الله. وهو في الوقت عينه ذاك الذي فصّل في الحياة الملموسة ما يتطلّبه تعليم الإِنجيل. أشار إلى أنه يجب علينا أن نحمل صليبنا ونحمله "كلّ يوم" (23:9). ولكنه يبينّ لنا كيف أن الروح القدس يعمل دومًا في الكنيسة، فيُفيض الفرحَ في قلوب المؤمنين. قد يكون هناك ألم واضطهاد، ولكنّ المؤمن يعرف أنه يسير مثل سمعان القيرينيّ "وراء يسوع" (26:23). هو يحمل صليبه وقد يموت، ولكنه يعرف أن مجد القيامة آتٍ . حزن التلميذان لموت الربّ ولكنهما فرحا لمّا عرفاه. هذا هو وضع التلميذ الذي يتخلّى عن كلّ شيء ليكون تلميذ المسيح، ليكون شاهدًا له "في أورشليم، في جميع اليهوديّة والسامرة وحتى أقاصي الأرض" (أع 1: 8).
الفصل الخامس
زمن يسوع وزمن الكنيسة

ميَّز لوقا بين زمن يسوع وزمن الكنيسة. فلماذا أدخل هذه القِسْمة في التقليد الإِنجيليّ؟ 
أوّلاً: هناك سبب أدبيّ: لقد استقى بولس من الكتَّاب اليونانيّين في عصره عددًا من أساليبهم في الكتابة: مثلاً، المطلع مع العنوان في بدء الكتاب (1: 1- 4؛ أع 1: 1- 2)؛ وربط الخبر بالكرونولوجيا الرسميّة في أيَّامه (3: 1- 3)؛ وتدوين عدّة خطب في أع. وقد يكون اقتدى بهؤلاء الكتاب فقسم مؤلّفه إلى كتابين وإلى عدة أجزاء، متجاوبًا مع اهتمام الفكر اليونانيّ بالوضوح والدقة. 
ثانيًا: ولكن لوقا ليس مؤرِّخًا زمنيًّا وحسب. فالأحداث التي يوردها هي أعمال إلهيّة. وهذا ما يقوله بوضوح في مطلع إنجيله حين يتكلّم عن "الأحداث التي جرت في ما بيننا" (صيغة المجهول في اليونانيّة، وهي تدلّ على يد الله)، وحين يذكر "خدام الكلمة". وهو يبين هذا الواقع طوال كتابيه (لو + أع) بعودته الواضحة أو الضِمنيّة إلى الكتب المقدّسة، حيث يجد إعلانًا للأحداث التي يوردها وإشارة إلى مضمونها. تاريخه هو تاريخ الخلاص. وإن قسَمَه إلى حقبات، فلأنه اكتشف فيه مراحل متعاقبة في عمل الله في الكون.

1- في الإِنجيل
إن أسباب هذه القِسمة واضحة في الإِنجيل، وهي لا تطرح إلاَّ أسئلة قليلة. إذا كان لوقا قد ربط زمن يوحنا المعمدان بالعهد القديم، ففصله عن زمن يسوع، فسفر الأعمال سيقول لنا لماذا قام بهذا الفعل: روى لوقا أن بولس وجد في أفسس معمَّدين جُددًا لا يعرفون إلاَّ معموديّة يوحنا، ولم يسمعوا كلامًا عن الروح القدس (أع 25:18؛ 19: 2- 3). ولهذا، بينّ أن الخلاص لا يتمّ إلاّ في يسوع المسيح. ولهذا ربط يوحنا بالحِقبة السابقة.
ولقد قسم لوقا مهمّة يسوع الرسوليّة إلى ثلاث مراحل، وذلك لسببين. الأول: أراد أن يبيّن أن كلّ وحي يسوع يتركّز على سرّ موت المسيح الذي أعلن (الانباءات الثلاثة)، وهُيئ، وتمَّ. الثاني: ربَط تتمّة هذا السرّ بأورشليم، مركز الوحي القديم ونقطةِ انطلاق الوحي الجديد. وهكذا قسم إنجيله ثلاثة أقسام: في "اليهودية"، في الطريق (الصاعدة إلى أورشليم)، في أورشليم. كل هذه أمور واضحة، ولم تولّد كثيرًا من الجدال. أمّا القِسمة بين لو وأع فكانت مَثارَ جدلٍ كبير.

2- بين إنجيل لوقا وسفر الأعمال
لماذا فصل لوقا بين الانجيل وأع؟ لماذا ميّز بين زمن يسوع وزمن الكنيسة؟ الأسباب عديدة والمواقف متنوّعة، وقد أدّت إلى مباحثات هامّة.
أ- كان كونزلمان أول من طرح المسألة بوضوح، فبدا الحلُّ الذي اقترحه نقطة انطلاق في المجادلات الحاضرة. قال: إن التأخّر في المجيء الثاني (باروسيا، الحضور) قاد لوقا لكي يميّز بين زمن الكنيسة وزمن يسوع. انتظرت الكنيسة الأولى عودة الربّ بسرعة، فلم تميّز زمن الفصح من زمن المملكة الاسكاتولوجيّة. وبما أن هذه العودة لم تحصل، تصوَّر لوقا زمن الكنيسة، وكأنه شكلٌ جديد من حضور يسوع الانتصاريّ بين أخصّائه.
على ماذا أسّس كونزلمان طرحه هذا؛ إنه يُقرّ ولا شكّ بأن لوقا احتفظ بإنباءات إسكاتولوجيّة تقليديّة. ولكنه يلاحظ أيضًا أن لوقا حرَّر عددًا من هذه الإنباءات من الطابع الإسكاتولوجيّ. مثلاً، إعلان دمار أورشليم في الخطبة الإسكاتولوجيّة (21: 20- 24)، حيث يُحلّ لوقا محلَّ قول إسكاتولوجيّ، إعلانًا عن حدَث تاريخيّ لاحظ حدوثه. ونجد أيضًا وضعًا مماثلاً في جواب يسوع الى السنهدرين (22: 69، ولكن من الآن يكون ابن البشر جالسًا عن يمين قدرة الله) حيث يعلن لوقا تمجيد يسوع الفصحيّ بدل عودته كالديّان الإسكاتولوجيّ (مت 26: 64؛ مر 62:14). وفسَّر كونزلمان أيضًا بشكل مماثل التعبير في 27:9 إنّ في القائمين هنا من لا يذوقون الموت حتى يروا ملكوت الله). أمّا ما يوازيه في مر 9: 1 (من لا يذوقون الموت حتى يروا ملكوت الله آتيًا في قدرة) فيعلن مجيء يسوع المنظور قبل موت بعض تلاميذه. غير أنّ لوقا. يُحلّ محل المجيء وعدًا بالملكوت المنظور في الكنيسة بواسطة الإِيمان.
إن هذا التحرّر من الإِسكاتولوجيا أمر متواتر في الإِرشادات المعطاة للتلاميذ، والتي فيها يطبّق القديس لوقا على حياة المؤمنين اليوميّة أقوالاً ارتبطت في الأصل بالضيق الإِسكاتولوجيّ (8: 11- 15؛ 23:9؛ 12: 52).
ولكن هل نفسّر هذه الأقوال اللوقاوّية بشكّه أمام تأخّر المجيء الثاني؟ يعتبر أوغسطين جورج أن هذا التفسير ليس بأكيد، ويقدّم الأسباب التالية:
أوّلاً: إحتفظ لوقا بعدد من الأقوال حول اقتراب الدينونة (8:18 متى جاء ابن البشر، فهل يجد الإِيمان على الأرض؟ هذا قول خاصّ بلوقا، 32:21 "ان هذا الجيل لا يزول ما لم يتمّ الكلّ"). إذن، هذه المسألة لا تشكّل بالنسبة إليه حاجزًا لا يمكن تجاوزه. ومن جهة أخرى، فهو يتمسّك بتعليم يسوع التقليديّ عن الساعة التي لا نعرف متى ننتظرها (35:12- 40؛ 17: 22- 37؛ 21: 34- 36).
ثانيًا: ظنّ عدد من الشُرّاح (شناكنبورغ) أن تأخّر المجيء الثاني كان مشكلة خطيرة بالنسبة إلى الكنيسة الأولى؛ ولكنهم قالوا إن هذا الهمّ كان سابقًا للقديس لوقا.
ثالثًا: لم تجد اليوم مسألة الإِسكاتولوجيا الإنجيليّة الحلّ الواضح لها بحيث ننسب إلى يسوع (وإلى يسوع وحده) إنباءً بعودته القريبة. من المؤكّد أن يسوع تحدّث عن الدينونة على أنّها قريبة. ولكننا أمام فنّ أدبيّ عرفه سامعوه وفسّروه على ضوء الأسفار المقدّسة. وبجانب هذه الإنباءات تطلّع يسوع إلى عمله الذي سيبقى بعد موته، فاختار الاثني عشر، وربَّاهم ليحملوا شهادته ويكونَ عملهم امتدادًا لعمله.
رابعًا: لاحظ عدد من الشُرَّاح (فلكانس) أنّ هناك أمورًا عديدة، غير تأخر المجيء الثاني، دفعت لوقا لكي يعي الواقع الجديد الذي هو زمن الكنيسة. سنحاول أن ندرك هذه الأمور في مؤلف لوقا. وهي: عطيّة الروح للتلاميذ، والكرازة الرسوليّة، والاضطهاد ضدّ تلاميذ يسوع، والرسالة لدى الوثنيين.

ب- عطيّة الروح للتلاميذ
أول جديد في زمن الكنيسة ظهر عند لوقا، هو عطيّة الروح للتلاميذ. لا شكّ لا أنّ لوقا قدّم لنا في إنجيل الطفولة أناسًا ألهمهم الروح: امتلأ يوحنا المعمدان من الروح القدس وهو بعد في حشا امّه (15:1، 41). وأُلهمت أليصابات فباركت مريم (1: 41- 45)، وأُلهم زكريا فأنشد نشيد المباركة (67:1 ي: مبارك الرب)، وألهم سمعان فاستقبل يسوع في الهيكل وقال فيه أقواله النبويّة (2: 25- 35). ولكن لوقا يرى أن كلّ هؤلاء الأشخاص ينتمون إلى العهد القديم الذي ينتهي مع يوحنا المعمدان (16: 16)، وينالون الروح كما ناله الأنبياء في القديم (لا يقول لوقا إن مريم أُلهمت لتتلو نشيد التعظيم. فالروح القدس قد حلّ عليها بصورة خاصّة، فجعلها في العهد الجديد، رج 1: 46). 
ويورد لوقا أيضًا علاقات يسوع بالروح. فكما عند متى (18:1، 20) يُحبَل بيسوع من الروح (35:1). ويبيِّن لوقا يسوع الذي نال ملء الروح في عماده، كما قال متى (16:3؛ 4: 1) ومرقس (1: 10، 12). ولكن لوقا يختلف عنهما حين يلاحظ أن يسوع ليس خاضعًا للروح (الفرق في التدوين بين لو 4: 1 ومت 4: 1 ومر 1: 12). ويشدّد بصورة أعمق على روح يسوع (4 :14 - 18؛ 21:10)، ويقول وحدَه إن يسوع يرسل الروح (49:24؛ رج أع 2: 33).
إنّ إرسال الروح بيد يسوع على التلاميذ، يشكّل في نظر لوقا أوّل حدَثٍ في حياة الكنيسة. هذا ما أعلنه يسوع يوم غادرهم (24: 49؛ أع 1: 4- 5). أتمّ وعده يوم العنصرة، ومنذئذ صار الروح في الكنيسة واقعًا ملموسًا وحضورًا مستمرًّا (يذكره لوقا 55 مرة في أع). أُعطي الروح للاثني عشر ليكرزوا بالكلمة (أع 2: 4، 14؛ 4: 31)، ليشهدوا ليسوع (أع 4: 8؛ 5: 32). أُعطي الروح لهم فوجَّه نشاطهم (أع 3:5، 9؛ 11: 12؛ 15: 28). وأُعطي "للوعَّاظ " والمرسَلين للمهمّات عينها (أع 6: 10؛ 7: 55؛ 8: 29، 39؛ 13: 4، 9؛ 6:16- 7). وأَلهم الأنبياء والمعلَّمين (أع 11: 28؛ 21: 4، 11). وأُعطي خصوصًا للمؤمنين ليكونوا الشعب المسيحانيّ الذي أعلن عنه الأنبياء (أع 38:2؛ 3:6، 5؛ 8: 15- 17؛ 17:9، 31؛ 10: 44- 47؛ 52:13؛ 6:19). قَبْلَ لوقا، وعَدَ التقليد الإِنجيليّ بعطية الروح للتلاميذ في إعلانات يوحنا المعمدان (مت 3: 11؛ مر 1: 8؛ لو 16:3) وفي تشجيع يسوع للشاهدين له أمام المحاكم (مت 10: 29؛ مر 13: 11؛ لو 12: 12). ولكن لوقا زاد على هذه المواعيد عددًا من الأقوال في إنجيله: حين جعل من عطيّة الروح الخير الأسمى الذي يُمنح للصلاة (13:11؛ ق مت 7: 11). حين طبق على الشهادة الرسوليّة كلمة التجديف على الروح القدس (جعل 12: 10 قبل 12: 11- 12 في اطار اعتراف). حين جعل من الوعد بالروح آخر كلمة من التعليم الفصحيّ (24: 49).
إن عطيّة الروح للكنيسة هي في نظر لوقا واقعٌ لاحظه وأثّر فيه، فأفرد له هذه المكانة الكبيرة في أع. رأى في هذه العطيّة علامة تدخّل الله في الكرازة الإنجيليّة، كما رأى علامة عمل يسوع القائم من الموت في كنيسته (في أع 7:16 نقرأ "روح يسوع". نجد وحدة العمل بين يسوع والروح في لو 15:21 الذي ينسب إلى يسوع الدور الذي ينسبه إلى الروح نص مت 10: 20 ومر 13: 11؛ رج لو 12: 11- 12). هذه العلامة توحّد زمن الكنيسة بزمن يسوع وزمن الأنبياء، وتميِّز ثلاث حقبات، لأنّ عمل الروح يختلف بين حقبة وأخرى (إلهام الأنبياء، ملء الوحي في يسوع، المواهب). وهكذا نرى في خبرة لوقا مع الروح إحدى الينابيع المهمّة لتوزيعه تاريخ الخلاص على ثلاث حقبات.

ج- الكرازة الرسوليّة
هناك واقع آخر تبع عطيّة الروح ودفع لوقا لكي يتحدّث عن زمن خاصّ بالكنيسة. هذا الواقع هو واقع الكرازة الرسوليّة.
خلال حياة يسوع العلنيّة، كان نشاط الاثني عشر محدَّدًا جدًّا. ويتّفق الإنجيليّون كلّهم في هذا المجال، منطلقين من تقليد لا ينقل إليهم إلاَّ معطَياتٍ ضئيلةٍ عن مهمّة رسوليّة للاثني عشر في الجليل (مت 10: 1؛ مر 14:3- 15؛ لو 9: 1- 6، 10). ولا غرابةَ في الأمر، فالتلاميذ يحتاجون إلى زمن كافٍ ليتعرّفوا إلى تعليم السيد، ويَلِجوا سرَّ شخصه. واحتاجوا أيضًا بصورة خاصّة إلى خبرة الفصح، لأنهم لم يفهموا الشيء الكثير من إنباءات الآلام (مت 22:16- 23؛ مر 8: 31- 33؛ 9: 32؛ لو 9: 45؛ 18: 33).
ويربط الإنجيليّون كلّهم وعي الرسل لمهمتهم ككارزين للإِنجيل بظهورات القائم من الموت. في هذا المجال، يتوقّف لوقا عند التقليد المشترك. ولكنه تأثّر بهذه الكرازة فاهتمّ بها اهتمامًا خاصّا. دوّن التعليم الفصحيّ (24: 44- 48) بألفاظ الكرازة الرسوليّة. وكرّس أع كلّه ليقدّم هذه الكرازة مع مواضيعها المعروفة التي تفعل في القلوب. بدأت يوم العنصرة، فكانت النتيجة الأولى لموهبة الروح. وظهرت فاعليّتها المباشرة في تكوين الجماعة الأولى. وتتبع انتشار هذه الكرازة من أورشليم إلى السامرة وإلى الوثنيّين بواسطة بطرس وبولس.
وأبرز أسلوبُ لوقا الجديدَ الذي مثّلته له هذه الكرازة الرسوليّة، فسمّاها شهادة (اكثر من 20 مرة، أع 33:4؛ 22: 18). وفي المقاطع الثلاثة التي يتحدّث فيها الإِنجيلي عن شهادة التلاميذ، اثنان يُشيران إلى الرسالة المقبلة (21: 13= مر 13: 9؛ مت 10: 18؛ 24: 14؛ لو 24: 48) والثالث هو عبارة شائعة (9: 5= 6: 11). قبل الفصح، قال لنا لوقا مرّةً إن الاثني عشر "أنجلوا" (أي حملوا الإِنجيل، البُشرى) خلال المهمّة الجليليّة القصيرة (9: 6). ولكنه يطبّق هذا الفعل 14 مرّة على نشاط المرسلين في أع (42:5؛ 4:8، 12، 25، 35، 40؛ 11: 20؛ 32:13؛ 14: 7، 15، 21؛ 15: 35؛ 16: 10؛ 18:17). ونزيد على هذا آيتين يذكر فيهما "الإِنجيل" (أع 7:15؛ 20: 24) وآيةً تسمّي فيلبس "الإِنجيليّ" (أو المبشر، أع 8:21). أخيرًا، لا يتكلّم لوقا عن "تعليم الرسل" وتعليم مشاركيهم إلاَّ بعد العنصرة (أع 42:2؛ 5: 28؛ 13: 12؛ 17: 19). فيصوّرهم وهم يعلّمون (أع 4: 2، 18؛ 5: 21 - 25، 28، 42؛ 11: 26؛ 15: 1، 35، 18، 11، 25؛ 20: 20؛ 21: 21- 28؛ 28: 31) ويسمّيهم "معلّمين" (ديدسكالوس). يختلف لوقا عن متى ومرقس فلا يطبِّق هذه المفردات أبدًا على التلاميذ (مت 5: 10؛ مر 6: 39).
وإحدى ميزات الكرازة الرسوليّة في أع، هي استعمالها للكتب المقدّسة. أشار لوقا في أخبار الظهورات الفصحيّة إلى أن القائم من بين الأموات "فتح الكتب" لتلميذي عمّاوس (24: 25- 27، 32)، "فتح أذهان الاحد عشر ليفهموا الكتب" (44:24- 45). إذا عدنا إلى التقليد نفهم أن التلاميذ لم يطبّقوا حتى الآن مز 118: 25- 26 ليحتفلوا بدخول الرب إلى أورشليم (مت 21: 9؛ مر 11: 9؛ لو 38:9). ونحن لم نزل على مستوى التأويل المسيحانيّ الزمنيّ. ولكنّ يوم العنصرة سيظهر التأويل الذي سينمو في الخطب الكرازيّة. 
تبدو هذه الكرازة الرسوليّة وتأويلها دافعًا جديدًا يميّز الحِقبة التي بدأت يوم العنصرة. لهذا اهتمّ لوقا بهذا الزمن الخاصّ الذي سمّاه زمن الكنيسة.

د- الاضطهاد ضدّ تلاميذ يسوع
إنتشرت الكرازة الرسوليّة فأدَّت إلى عِداء السلطات للكنيسة واضطهادهم لتلاميذ يسوع.
كان يسوع قد أعلن بأقوال كثيرة هذه الاضطهادات، فجمع التقليدُ هذه الأقوال. أوّلاً: صوَّر وضع التلاميذ. قال لوقا (23:9- 26): "من اراد أن يتبعني فلينكر نفسه، وليحمل صليبه كلّ يوم ويتبعني. فإن من أراد أن يخلّص نفسَه يهلكها. وأما من أهلك نفسه من أجلي فإنه يخلَّصها. إذ ماذا ينفع الإِنسان ان يربح العالم كلّه ويَهلِك هو نفسه او يحكَم عليه؟ فإنّ من يستحيي بي وبكلامي، يستحيي به ابن البشر متى جاء في مجده ومجد الآب مع الملائكة والقديسين" (رج مت 24:16- 27؛ مر 34:8- 38). ولقد جمع مت في 10: 16- 39 عددًا من هذه الأقوال وجَّهها الى المرسلين. أما مرقس ولوقا فقد وجّهاها إلى كل التلاميذ. ثانيًا: شَجَب المضطهدين اليهودَ، فقال: "ويل لكم لانكم تشيّدون ضرائح الأنبياء، وآباؤكم قد قتلوهم. فأنتم إذن شهود وتؤيّدون أعمال آبائكم. هم قتلوا وأنتم تشيّدون الضرِائح. فمن أجل ذلك قالت أيضًا حكمة الله: سأرسل إليهم أنبياء ورسلاً، فمنهم من يقتلون ومنهم من يضطهدون، لكي يُطلَب من هذا الجيل دمُ جميع الأنبياء المهدور منذ إنشاء العالم" (11: 47- 50؛ رج مت 29:23- 35). ثالثًا: صوّر الضيق الذي يحلّ بالكنيسة في آخر الأزمنة: "وقبل هذا كلّه سيلقون الأيدي عليكم ويضطهدونكم ويسوقونكم إلى المجامع والسجون، ويقودونكم إلى الملوك والولاة، من أجل إسمي، فيكون لكم ذلك للشهادة..." (21: 12- 19؛ رج مت 23: 29- 35). هذه المجموعات التي تكوّنت في وقت مبكّر في التقليد، تدلّ على أن الكنيسة الفتيّة عرفت منذ بدايتها الاضطهاد على مثال معلّمها.
احتفظ لوقا بهذا التقليد، ولكنه وضَّحه بعدّة خطوط جديدة. روى كيف أن نبوءة يسوع تمَّت منذ أيَّام الكنيسة الأولى: بتدخّل السنهدرين ضدّ بطرس ويوحنا (أع 4: 1- 31) ثم ضدّ الاثني عشر (أع 7:5- 24)، ثم بموت إسطفانس (6: 9- 7: 60) والهجوم على كنيسة أورشليم (أع 8: 1- 3؛ 12: 1) ومؤمني دمشق (أع 9: 1- 2). واضطهد بولس (أع 9: 23- 29)، ويعقوب (أع 12: 2) وبطرس (أع 12: 3- 5). قال يسوع لتلاميذه: "لا تهتمّوا لطريقة الدفاع عن أنفسكم... فإن الروح القدس يعلّمكم في تلك الساعة ما ينبغي أن تقولوا" (12: 11- 12). فتمَّ هذا القول في شهود يسوع امام المحاكم. امتلأ بطرس من الروح القدس فحدّث رؤساء الشعب والشيوخ (أع 8:4)، وشهد الرسل (أع 32:5). "وإذ كان إسطفانس ممتلئًا من الروح القدس... قال: هاأنذا أرى السماوات مفتوحة" (أع 7: 55- 56).
إن هذه الخبرة قادت لوقا إلى أن يميّز في إنجيله بين هذا الاضطهاد والضيق الإسكاتولوجيّ. هذا ما أشرنا إليه بمناسبة لو 8: 11- 15؛ 23:9؛ 12: 52. والواقع بارز في الخطبة الإِسكاتولوجيّة التي تميّز زمن النهاية (21: 10- 11، 25 - 27) من زمن الاضطهاد ودمار أورشليم (21: 12- 24): إن يسوع يدعو أخصّاءه إلى الثبات في الزمن الحاضر (19:21) وليس فقط إلى النهاية (مت 10: 22؛ 13:24؛ مر 13:10). فالاضطهاد هو في نظر لوقا سِمَةٌ من سِمات حِقبة الكنيسة التاريخيّة.
وهناك إشارة إلى الطابع التاريخيّ (وليس فقط الإِسكاتولوجيّ) للاضطهاد. عند لوقا. لا ينظر إليه لوقا كأنّه ضرورة محتّمة نحتملها بصورة انفعاليّة، بل يحاول أن يدافع عن الكنيسة مكوِّنا ما نسمّيه "أبولوجيا" (أي دفاعًا وتبريرًا). وهذا الدفاع ظاهر في خبر محاكمة يسوع أمام بيلاطس. جعل لوقا الحاكم يُعلن ثلاث مرّات أنّ المتّهم بريء (4:23، 14، 22). وهدفه هو هو حين يبرز رضى الحكّام الرومان على الذين يشهدون ليسوع (أع 13: 7- 12؛ 16: 35؛ 18: 14- 15؛ 25: 14- 21، 25- 16؛ 26: 31).
كل هذه السِمات تبينّ معنى كلمة يسوع التي أوردها لوقا في 35:22-38: إن واقع الاضطهاد في الكنيسة الأولى قد ساعد لوقا على إدراك جديد للزمن الذي يلي آلام يسوع، وهكذا كانت مسألة الاضطهاد أكثر أهميّة من تأخّر مجيء المسيح الثاني.

هـ- الرسالة لدى الوثنيين
هناك واقع آخر أتاح للوقا أن يميّز زمن الكنيسة من زمن يسوع هو الرسالة لدى الوثنيّين.
عرف التقليد الإِنجيليّ منذ البداية إنباءات يسوع عن خلاص الوثنيّين: "عندما تبصرون إبراهيم وإسحق ويعقوب وجميع الأنبياء في ملكوت الله، وأنتم منبوذون في الخارج، وسيأتون من المشرق والمغرب، ومن الشمال والجنوب (يعني يسوع الوثنيّين المدعوين إلى الملكوت، رج اش 2: 2؛ 25: 6- 8)، ويتّكئون في ملكوت الله" (لو 28:13- 29؛ رج مت 8: 11- 12؛ لو 42:16 ومت 22: 1- 10). يتحدّث متى ومرقس عن نشاط محدود ليسوع لدى الوثنيّين. وإذ هما يعرفان أن مهمّة الرسل لدى الوثنيّين لم تبدأ قبل الفصح، فقد جعلا على شفتَيْ يِسوع كلامًا يُنبئ بهذه المهمّة: ستشهدون أمام الوثنيّين (مت 18:10). سيُبشَّر بالإِنجيل في المسكونة كلّها (مت 14:24؛ رج مر 13: 10 ومت 13:26؛ مر 14: 9).
ويهتمّ لوقا اهتمامًا دقيقًا بأن يبّين أن الرسالة لم تبدأ إلا بعد الفصح. لا شكّ في أف يورد في إنجيله عدّة إنباءات عن خلاص الأمم الوثنيّة. أوردنا نصوصًا موازية لمتى في لو 28:13- 29 و 14: 16- 24. ونزيد على هذه الآيات قول سمعان في يسوع الذي هو النور المتجلّي للوثنيّين (2: 32)، واستكمال إيراد اش 40: 3 (مت 3:3؛ مر 1: 3) حتى آ 5: "ويرى كل بشر (كل جسد) خلاص الله" (لو 6:3). ثم نقرأ الإِنباء بأزمنة الأمم التي تبدأ بخراب أورشليم (21: 24: "تدوسه الأمم أورشليم إلى أن تتمّ أزمنة الأمم"). ونزيد على كل هذا الصور النمطيّة المسبّقة التي نجدها في 25:4- 27، وبالأخصّ الصعود إلى أورشليم عبر السامرة. ولكن كل هذا إنباءات في نظر لوقا الذي يختلف عن متى ومرقس فلا يورد أيّ نشاط ليسوع في أرض وثنيّة، ولا يقدّم أيّ إنباء واضح عن رسالة التلاميذ لدى الوثنيّين قبل الفصح. ليس له ما يقابل مت 18:10؛ 24: 14؛ مر 13: 10؛ مت 13:26 ومر 14: 9 (حيثما كرز بالإِنجيل في العالم كله).
إن يسوع سيسلّم بعد قيامته إلى شهوده إعلان الإِنجيل على كلّ الأمم (14: 46- 48). ويصوّر أع هذه الحقبة الجديدة منذ 1 :8 التي تعلن الموضوع والتصميم. ويرينا لوقا بأيّ بُطء وأيّة صعوبات وعى الاثنا عشر رسالتَهم الشاملة: ولا غرابة في الأمر، وتربيتُهم تربيةٌ يهودية، وتحفُّظ يسوعَ في علاقته بالوثيّين كان بارزًا أمامهم. يجب أن يتدخّل الروح القدس ليعمّد بطرسُ كورنيليوسَ الضابط الرومانيّ (أع 10: 1- 11: 18). ولا بدِّ من مبادرة الهلينيّين وبولس حتى تتنظم الكرازة لدى الوثنيّين تنظيمًا كاملا.

خاتمة
إذا كان لوقا قد ميّز بين زمن الكنيسة وزمن يسوع، فقد قاده إلى ذلك اختبارُ وقائع جديدة ميَّزت كنيسةَ عصره: واقع الروح، واقع الكرازة الرسولية، واقع الاضطهاد، واقع الرسالة لدى الوثنيّين. كل هذه الوقائع التي لم تكن معروفة في زمن المسيح هي السِماتُ التي حدّدت واقع الكنيسة التي تتنظم وتنمو في الزمن. إن شهود يسوع لم يعيشوا هذه الاختبارات يوم كان معهم، والمستقبل الذي تطلّعوا إليه لم يتخلّص بسهولة من المنظار الإسكاتولوجيّ. غير أن لوقا نظر إلى هذا الزمن الجديد كامتداد طبيعيّ لزمن يسوع. فيسوع هو الذي أعلن كلّ هذه الأمور الجديدة وهيأ لها الدربَ خلال حياته على الأرض. وكانت قيامته نقطة الانطلاق لها. وقد وجّهها اليوم كالربّ الإِله بقدرة روحه. أجل، إن الكنيسة في نظر لوقا هي العمل الذي أراده يسوع وخطّط له.
ما نكتشفه في كل هذا هو نموُّ العمل الإلهيّ في وحي سرّ الخلاص وتحقيقه. أنبأ به العهد القديم حتى يوحنا. وكشفه يسوع وأتمّه في شعب إسرائيل. وأعلنه الرسل حتى أقاصي الأرض. وهكذا يتحقَق مخطّط الله في التاريخ على مراحل، وهذا العمل المتدرّج يُبرز مبادرةَ الله السامية وحكمتَه المتنوّعة وقدرتَه التي تنتصر رغم كلّ الصعوبات.
القسم الثاني
ولادة الكلمَة وَظهُورهَا في العالم

يبدأ هذا القسم ببداية انجيل لوقا وينتهي بعد حدث تجارب يسوع. وهو يحاول ان يتأمّل في النصوص اللوقاويّة التالية:
1: 1- 4: الكنيسة والرسالة
1: 5- 25: البشارة بمولد يوحنا
1: 26- 38: بشارة العذارء
1: 39- 45: زيارة العذراء
1 :46- 55 : نشيد التعظيم
1: 56- 66: ميلاد يوحنا
1: 67- 80: نشيد المباركة
1:2- 20: ميلاد يسوع
2: 21: يسوع مخلص العالم
22:2- 40: تقدمة يسوع
2 : 41-52: وجود يسوع
3: 1- 9: مجيء الرب
3: 10- 18: تعليم المعمدان
3: 15- 22: عماد المسيح
3: 23- 28: نسب يسوع
4: 1-13: تجارب يسوع

الفصل السادس
إنجيل لوقا، إنجيل الكنيسة والرسالة
1: 1-4، 14:4-15

تقرأ الكنيسة في ليتورجيّتها عددًا كبيرًا من نصوص إنجيل لوقا على مدار السنة الطقسيّة. بعض هذه النصوص أخبار تتعلّق بشخص يسوع وبعمله، والبعض الآخر يتطرّق إلى تعليمه. لهذا نودّ أن نعطي هنا بعض المعالم التي ستساعدنا على التعرّف إلى الإِنجيليّ لوقا في إطار كنيسة عصره.
أ- لوقا إنسان مسيحيّ
كان لوقا سوريًّا من أنطاكيّة وكان طبيبًا. تتلمذ للرسل عامّةً (2:1) وبصورة خاصّة لبولس الذي رافقه حتى استشهاده. هذه هي المعطَيات السيرويّة الرئيسية التي سنستخلصها من مقدّمة الإِنجيل اللوقاويّ التي كتبت حوالي سنة 160- 180 ضدّ التيّار المرَقيوني.
كانت أنطاكية عاصمة مقاطعة سورية الرومانيّة. وكانت ثالث مدن الإمبراطوريّة، بعد رومة والإسكندريّة، وكان يقيم فيها الحاكم العامّ (2: 2). بُنيت على ضفاف نهر العاصي وابتعدت 550 كلم إلى الشمال من أورشليم، فكانت على مدى ثلاثة أجيال منطلقًا للتجارة في البحر المتوسط، ومركزًا للحضارة الهلنستيّة. لا شكّ في أنّ المُناخ الثقافيّ الرفيع والدوليّ الذي سيطر على المدينة، قد أثّر تأثيرًا كبيرًا على لوقا.
حوالي سنة 40، أقامت جماعة مسيحيّة في هذه المدينة، على أثر الاضطرابات التي انفجرت في أورشليم، فأجبرت المسيحيّين المتهوّدين والمتكلّمين باللغة اليونانيّة، على التشتّت في اليهوديّة والسامرة (اع 8: 1) والانتقال "إلى فينيقية وقبرس وأنطاكية" (أع 11: 19).

ب- لوقا عاش في الكنيسة ومن أجل الكنيسة
كان لوقا مسيحيًّا من الجيل الثاني، فلم يعرف يسوع الناصريّ، ولم يكن شاهدًا مباشرًا لقيامته. غير أنه انتمى الى كنيسة عاشت حدَثًا هامُّا هو هَجمة الملكوت: لقد جاء الله يحرّر البشر. هذا هو الخبر الطيّب (البُشرى، الإِنجيل) الذي تعلنه الكنيسة منذ 40 سنة. فبعد بولس ومرقس ومتى وعدد من الأشخاص الذين تظهر أسماؤهم في صفحات أسفار العهد الجديد، تسجَّل عملُ لوقا في هذه الحركة الرسوليّة والكنسيّة الواسعة، حركة الجماعة التي تعترف بربّها. لا بدّ من أن نتذكّر هذا حين نقرأ مؤلفه (لو+ أع). ولكن، إن نحن فكّرنا أنّ لوقا كتب بعد سنة 70 كتابًا يرسم "كل ما عمله يسوع وعلّمه" (أع 1: 1)، فقد أراد أيضًا أن يسند كنيسة رسوليّة محدّدة تحتاج إلى التعرف إلى وجهها واهتماماتها وتساؤلاتها.
1- كنيسة تبحث عن نفسها
لما أخذت الكنيسة تنفتح شيئًا فشيئًا على العالم الوثنيّ، دُفعت بقوّة الأحداث إلى التجرّد تدريجيًّا عن محيطها الأصليّ الذي هو العالم اليهوديّ. مرّت ثلاثةُ عقود طُرحت فيها مسألة شرعيّة إعلان الخلاص للوثنيّين. هل نستطيع أن نحمل البشارة إلى خارج العالم اليهوديّ؟ هل ننظّم الرسالة لدى الوثنيّين وعلى أيّ أُسس؟ هل نستطيع أن نتحرّر من الشريعة اليهوديّة دون ان نحطّم في الوقت عينه تاريخ الخلاص والوعد المحفوظ لإسرائيل، شعبِ الله في القديم.
يكفي أن نقرأ أع 11 لنتعرّف إلى هذه الدراما الوجدانيّة التي عاشتها الجماعة الأولى، ولنفهم الهجوم العنيف الذي لقيه بطرس بعد أن عمّد كورنيليوس وعددًا من الوثنيّين في محيطه، فأُجبر على أن يؤدّي حسابًا للكنيسة الأمّ في أورشليم.
منذ أعلن المجمع الأوّل في أورشليم (أع 15) حلاًّ مبدئيًّا، لم تعُد القضيّة موضوع نقاش، بل صارت في ذمّة التاريخ. ولكنها لم تزل حاضرة في العقول وفي الواقع، فتلقي بثقلها على أفكار المرسلين. فهل نَعجب إن رأيناها تتحرّك من جديد في صراع يبدأ في بداية الإِنجيل (22:4- 30) ويُختم في نهاية سفر الأعمال، ساعةَ يقول بولس: "تحجَّر قلب هذا الشعب (المختار) فسدّوا آذانهم وأغمضوا عيونهم... إذن، ليكن معلومًا أنّ خلاص الله أُرسل الى الوثنيّين وهم سيستمعون إليه" (أع 28: 27- 28).
ليس موقف الرفض لدى اليهود وحده هو الذي يجعل لوقا يعتبر أنّ الرسالة الحاليّة لدى الوثنيّين هي شرعيّ: فحَمْل الخلاص إلى كلّ بشَر (أع 7:2) جزء لا يتجزّا من المخطّط الإلهيّ (32:2؛ 6:3، 23- 38) الذي نأخذه بجِدّيّة وعزيمة لا تتراجع.

2- كنيسة تتساءل
وشغَلَ كنيسةَ السنوات 70-90 سؤالٌ آخر هو تأخّر مجيء الربّ (باروسيا). وعى المسيحيّون الأوّلون أنّهم دخلوا مرحلةَ التاريخ الأخيرة، وأنهم يعيشون منذ الآن الأيَّام الأخيرة لعالم دشّنته قيامة يسوع. فانتظروا عودته في المجد بعد زمان يسير. وبولس نفسه أمل في بداية عمله الرسوليّ أن نكون "لابسين لا عُراةً" (2 كور 3:5) أن نكون من "الأحياء الباقين إلى مجيء الربّ" (1 تس 15:4).
ومرّت السنون وطُرحت أسئلة جديدة فزيدت على إسئلة التسالونيكيّين فيما يتعلق بمصير موتاهم. أجابهم بولس: "فإن كنّا نؤمن بأنّ يسوع مات ثم قام، فكذلك نؤمن بأنّ الذين رقدوا في يسوع، سينقلهم الله اليه مع يسوع" (1 تس 14:4).
ولكن ماذا يعني موعد رجوع المسيح القريب بعد أن تأخّر هذا المجيء الثاني؟ أين صار مجيء ملكوته الأخير؟ كيف نتصوّر وجود المسيحيّ الحاليّ وكيف ننظّم العمل الكنسيّ؟
واجه لوقا هذه التساؤلات فحدّد بألفاظ جديدة وبنظرة خاصّة مراحل تاريخ الخلاص. فنظر إلى الزمن الحاضر، زمن الكنيسة، وكأنه حقبة جديدة وضروريّة في هذا التاريخ. وأعطى هذه الحقبةَ ذاتَ المدى غيرَ المحدود، هذه الحقبةَ التي تفصل الفصحَ عن عودة المسيح، أعطاها كثافةً خاصّة، وربطها بزمن المسيح وبامتداد هذا الزمن.
وهكذا اغتنى تصوّره لتاريخ الخلاص. فبعد زمن الوعد، أي زمن الشريعة وأنبياء العهد القديم، جاء زمن التتمّة (كما عند متى ومرقس) أي الأزمنةِ الأخيرة التي يدشنها مجيء يسوع. ولكنّ هذه الأزمنة الأخيرة تمتدّ في مؤلّف لوقا في حقبتين متعاقبتين، تتميّز الواحدة عن الأخرى وترتبط الواحدةُ بالأخرى: من جهة زمن يسوع التاريخ الذي سيرسُم الإنجيلُ حياتَه وعمله؛ ومن جهة ثانية، زمنُ الكنيسة التي يورد سفرُ الأعمال خطواتِها الأولى.
في هذه الأطًر الموسَعة استطاع لوقا، لا ان يؤسّس فقط تأسيسًا لاهوتيًّا معنى الصيرورة المسيحيّة، بل أن يرتّب الموادّ الإنجيليّة لتحمل مدلولاً مباشرًا للذين يحيون منها في هذا الوقت عينه. وهذا يتحقّق بصورة خاصّة في الجزء المِحْوَريّ من إنجيله (9: 51- 14:18) حيث جمع لوقا عَمْدًا سلسلة من التعاليم وجّهها يسوع في الماضي إلى تلاميذه، جمعها ليعطي غذاء روحيًّا للذين ينتمون اليوم الى المسيح ويريدون أن يخضعوا له. وهذا يفسّر أيضا ميل الإِنجيليّ الثالث إلى أن يلبس حلّة تاريخيّة (على مستوى عرض الأمور) لبعض معطيات التعليم الإِنجيليّ. فإذا قابلنا 21: 20- 24 مع مر 13: 14- 23 نلاحظ أن القول الذي يدل عند مرقس على عودة المسيح القريبة، صار عند لوقا إعلانًا لحدَث تاريخيّ تحقّق الإِنجيليُّ أنه تمّ (دمار اورشليم سنة 70).
لسنا نرى في أساليب التأليف هذه علامة تبديل في الوحي. نحن بالأحرى أمام مجهود يقوم به الإِنجيليّ ليساعد مسيحيّين يعيشون في النصف الثاني من القرن الأوّل، على التكيّف مع الوضع الجديد، وعلى عيش حاضرهم عيشًا مسيحيًّا.

3- كنيسة ساهرة
إن الكنيسة التي انتمى إليها لوقا اهتمّت أيضًا بتثبيت أُناسٍ أتوا من محيط هلّنستيّ واهتمّوا بتعليم الخلاص المسيحيّ وتلقّنوا العقيدة الإِنجيليّة، اهتمّت بتثبيتهم في الإِيمان الحقيقيّ.
حين توجّهت الكنيسة الرسوليّة إلى العالم، وجدت نفسها أمام مهمّتين اثنتين. وجب عليها من جهة أن تلاقي أعمق الرغبات الدينيّة في عصرها، ولا سيما هذه الحاجة إلى خلاص ظهر عَبْرَ الامبراطوريّة كلّها بشعائر عبادة أُدّيت للإِمبراطور الذي هو "المخلّص" و"الربّ والإِله". تلاقيها وتقدّم لها عرضًا لتعليمها يتكيّف ونفسيّة هؤلاء الوثنيّين. ووجب عليها من جهة ثانية أن تكفل استقامة التعليم، وتحتفظ من التيّارات التلفيقيّة التي يساعدها الإِطار الحضاريّ على الظهور. كانت هذه المهمّة ملحّة، ولا سيّما وإنّ اتّجاهات منحرفة أخذت بالظهور حتى داخل الكنائس.
ولكي نتيقّن من هذا الأمر، يكفي أن نلاحظ التعليمات الملحّة التي يوجّهها بولس إلى شيوخ أفسس، إلى تيطس وتيموثاوس. قال: "أعرف أن الذئاب الخاطفة ستدخل بينكم بعد رحيلي ولا تشفق على الرعيّة" (أع 29:20). وقال لتيطس: "عليك أن تسُدّ أفواههم لأنهم يخرّبون بيوتًا بكاملها حين يعلّمون ما لا يجوز تعليمه من أجل مَكْسب خسيس" (تي 1: 11). وقد نبّه تيموتاوس إلى "أنّ بعض الناس يرتدّون عن الإِيمان في الأزمنة الأخيرة ويتّبعون أرواحًا مضلِّلة وتعاليم شيطانيّة" (1 تم 4: 1). وقد لاحظ لوقا نفسه بعض الوقائع التي تدلّ على مثل هذه الإِنحرافات، مع سمعان الساحر (أع 8: 9- 13، 18- 24) ومع ذلك الساحر اليهوديّ الذي يدّعي النبوءة وكان اسمه بَرْيشوع (أع 13: 6- 12)، ومع بعض اليهود المتجوّلين الذين يطردون الأرواح الشريرة مستخدمين اسم الربّ يسوع (أع 19: 13ي). إنه يعلَمُ خيرَ العِلم أنه "يقوم أناس ينطقون بالأكاذيب ليضلّلوا التلاميذ فيتبعوهم" (أع 20: 30).
تعرّف لوقا إلى ما يخبئه هذا الوضع بفطنة مدهشة، فقدّم له جوابًا يأخذه بعين الاعتبار. لقد أراد طوال مؤلَّفه، وهذا ما يذكّرنا به في مطلع إنجيله (1: 1 - 4)، أراد أن يتّصل "بأصدقاء الله" (تاوفيلس يعني صديق الله) (3:1)، بهؤلاء الوثنيّين المنفتحين بصدق على الخلاص، ويبينّ لهم أنهم يجدون هدف بحثهم وضالّتهم في يسوع، لا في قيصر. وقدّم لهم بصورة خاصّة وبشكل يتكيّف وعقليّتهم، يسوعَ على أنه المخلّص، مخلّصُ الكون كلِّه. هاتان السِمَتان تميّزان إنجيل لوقا وسفر الأعمال.
وسعى أيضًا إلى تقديم الدواء لمُناخ القلق التعليميّ الذي يهدّد الكنيسة في نهاية العصر الرسوليّ. واعتبر أن أحسن ما يمكنه أن يفعل لكي يكفل صحّة (قوة) التعليم المسيحيّ (1: 4)، هو أن يعود إلى ينابيع الإِيمان وأساسِه، أن يعود إلى التقليد الرسوليّ (1: 2).

ج- مطلع الإِنجيل (1: 1- 4)
إن وجود مطلع في بداية مؤلف لوقا يكفي ليبيّن لنا أن كاتبه والقرّاء الذين إليهم يوجّه عمله، ينتمون إلى محيط حضاريّ هلّنستيّ. فالكتّاب القدماء، سواءٌ كانوا جغرافيّين أم أطبّاء، أم مؤرّخين، اعتادوا أن يشيروا في مقدّمة كتبهم إلى الأهداف التي طلبوها، وأن يحدّدوا موقعهم بالنسبة إلى الذين سبقوهم.
ونعطي مثلاً عن هذا، فنذكر الأسطر الأولى لمقالة عن الأعشاب الطبّية منسوبة إلى ديوسكوريوس، وهو طبيب يونانيّ عاش في القرن الأوّل المسيحيّ: "مع أن كثيرين من القدماء كما من المحدَثين جمعوا مُعطَيات عن الأدوية، عن مفعولها ونتائجها، سأحاول أيّها العزيز (فيلتاتي) أريس أن أبينّ لك أنني لم أقم بهذا الدرس باطلاً وعبثًا". ونجد أيضَا أمثلة عند هيبوكراتس وديموستينس وبوليبس وبلوترخس، وخصوصًا فلافيوس يوسيفوس.
أخذ لوقا بعادات عصره، فكتب مطلعه في يونانيّة رفيعة وبشكل جملة طويلة ومتوازية، وحدّد مخطّطه الاجماليّ. لهذا نجد إشارات واضحة إلى الموضوع الذي سيتطرّق له (آ 1ب)، وكلامًا عن الهدف الذي يسعى إليه (آ 4)، عن المراجع التي أفاد منها (آ 1 أ- 2)، عن الاسلوب الذي لجأ إليه ليقوم بعمله (آ 3).
إذا كان لوقا قد تقرّب من مؤرّخي العصور القديمة، فلأنه هدف إلى كتابة تاريخ. ولكنّنا نتساءل: أيَّ تاريخٍ كتب؟
سؤال يتطلّب جوابًا، لأنّ المؤرّخ القديم كان يحاول الإِحاطة بالأحداث بأكثر ما يكون من الدقّة، فيضحّي بكل شيء من أجل الحقيقة. ولكن وجب عليه أيضًا أن يلج معنى الاحداث ويستخرج مدلولها. لهذا قامت مهمّته بأن يجعل التاريخ مفيدًا لقارئه الذي يكون في وضع مماثل، فيستخرج من واقع قديم عِبرةً من أجل سلوكه الحاضر. مثل هذه الوظيفة المفروضة على المؤرّخ تدفعه إلى تفسير الحدث التاريخيّ.
ولا بدّ من أن نخطو خُطوةً أخرى مع لوقا لندرك العالم الدينيّ الذي يتحرّك فيه.
إكتسب لوقا ثقافةً من العهد القديم، فعرف تاريخ الشعب اليهوديّ ووَضْعَه الدينيّ وطريقته في كتابة التاريخ. فالتاريخ لا يُستعمَل للبرهان عن الله، بل للتعرّف إليه والاعتراف به عبر أحداث يظهر بواسطتها على شعب ليخلّصه. لا شكّ في أن لوقا يتصرّف كالمؤرّخ، وهذا ما يقول عن نفسه في مَطلعه. ولكنّ التاريخ الذي يدوّنه يتجاوز تفكيرًا بسيطًا حولَ معنى الأحداث المرويّة ليصبح اعترافا إيمانيّا وشهادة تَحمِل كلمة الله إلى البشر.

1- الموضوع الذي عالجه
إبتغى لوقا أن يقدّم لمراسله تاوفيلس "روايات الأحداث التي جرت فيما بيننا" (آ 1ب). إذا كانت العبارة أقلّ وضوحًا من ملخّص الإِنجيل في بداية سفر الأعمال حيث نقرأ: "دوّنتُ في كتابي الأوّل جميع ما عمل يسوع وعلّم من بدء رسالته" (أع 1: 1)، فهي مع ذلك تشكّل تحديدًا موجَزًا لكتاب يزخر بالغنى اللاهوتيّ.
ويشدّد الإِنجيليّ على أن مؤلّفه يرتكز على مُعطى وضعيّ: وقائع، أحداث جرت بيننا، وتعلّقت بحياة يسوع وموته وقيامته.
وهذه الأمور التي تشكّل اليوم موضوع الشهادة الكنسيّة، لا تنحصر بظاهرات خام. إنها في نظر لوقا تحمل معنى للمؤمن، تحدّثه عن خلاص الله الذي يتمّ وسْطَ البشر (تستعمل اللغة البيبليّة صيغة المجهول للتحدّث عن عمل الله، فتتجنب تسمية الله بصورة مباشرة، مر 2: 5؛ مت 4:5؛ 7:6، 9؛ لو 6: 21؛ 22:9). وبكلمة أخرى، ينكشف عمل الله في حدَث يسوع المسيح ويسطع في وضح النهار، لأنّ مواعيد الكتب المقدّسة قد وصلت إلى كمالها في شخص يسوع وعمله. من هذا القبيل نلاحظ أننا نجد استعمالَي فعل "أتمّ" (بليروو: استعمله لوقا وربطه بالكتب المقدّسة) في فم يسوع: في المرّة الأولى في بداية رسالته العامّة (4: 21: "اليوم تمّت هذه الكلمات")؛ وفي المرّة الثانية في نهاية رسالته (44:24: "لا بدّ أن يتمّ عنّي كلّ ما جاء"). ما معنى هذا البناء؟ إن كلّ الأمور التي رواها الإِنجيل تشارك في نظر لوقا، في هذه التتمّة وهي شهادة صارخة عن قدرة الله العاملة في يسوع.
وهذا الحدث الخلاصيّ الذي يُعلَن في الكنيسة، ما زال يعمل ويتمّ في وسطها. وهكذا نفهم في أيّ معنى اعتبر لوقا والمسيحيّون أنهم صاروا هم أيضًا شهود مجيء يسوع.

2- السوابق والمراجع المستعملة
لم ينطلق لوقا من لا شيء ليكتب مؤلّفه. هو يُقرّ بأنه عاد إلى مراجع متنوّعة ويبدأ بالإشارة إلى أن أناسًا سبقوه في هذا المضمار: "لأن كثيرًا من الناس أخذوا يدوّنون رواية الأحداث" (آ 1 أ). نحن هنا أمام مصطلح أدبيّ نجده مرارًا في المطالع الهلّنستيّة. مثل هذا القول يتيح لكاتب بأن ينتقد سابقيه، ولكنه يساعد كاتبًا متجدّدًا على تقديم أوراق اعتماده. هذا الحقّ بالكتابة، يستنتجه لوقا من أن آخرين سبقوه. فها هو يسير في إثرهم ويتّخذ منهم له مثالاً.
ولكن من هم هؤلاء الذين اقتفى آثارهم؟ لا يسميهم لوقا. وقد يكون "هؤلاء الكثيرون" بعض أشخاص بينهم مرقس الذي أخذ منه لوقا رسمته الأولى وعددًا من موادّه. لو 3: 1- 6- 19 = مر 1: 1- 3: 19؛ لو 8: 4- 9: 50 = مر 4: 1- 6: 44+ 27:8- 9: 40؛ لو 18: 15- 27:19= مر 10: 13 – 52؛ لو 28:19- 53:24= مر 11: 1- 16: 20. ونتطلّع أيضًا إلى مقمشين مجهولين تركوا لنا أقوال يسوع التي استقى منها متى أيضًا وسمّيت المَعين، كما نتطلّع إلى مرجع خاصّ بلوقا غرف منه عددًا من موادّه (هناك إنجيل الطفولة والقاطعة اللوقاوّية الكبيرة التي تتضمن 9: 51- 18: 14). كلّ هؤلاء سبقوه فحاولوا أن يرتّبوا الموادّ الإنجيليّة، ويقدّموا بشكل أخبار مدوّنة "الأحداث التي جرت بيننا".
يعود لوقا إلى سابقيه، ويحدّد أيضًا موقعه بالنسبة إلى أشخاص آخرين، إلى "الذين كانوا من البدء شهود عيانٍ للكلمة" (آ 2).
عاد لوقا إلى التقليد فجعل نفسه مع عدد من المؤمنين تلقَّوا التعليم ممّن كانوا شهودًا لأحداث حياة يسوع، ممّن شهدوا له بعد العنصرة وأعلنوا كلمته. 
هؤلاء صاروا خدّام الإِنجيل (عاملين من أجل الكلمة). هذا هو معنى "هيباريتيس: خادم السنهدرين: مر 14: 54 (مت 26: 58)؛ 14: 56؛ يو 7: 32، 45- 46؛ 3:18، 12، 18، 22؛ 6:19؛ أع 22:5، 26. وهو يرتدي معنى لاهوتيَّا واضحًا في 1 كور 4: لم حيث يقرب من مفردة "مرتيس (شاهد) أو يوازيه: خدمة الكلمة، الكرازة، الشهادة هي وظائف اساسيّة لدى الشاهد. فإذا أردنا أن نترجم "هيباريتيس" في 1: 2 ونحتفظ له بالمعنى القانونيّ (الذي أعطي أمرًا وطلب منه أن ينفّذه)، ونعطيه المعنى اللاهوتيّ الذي يخصّه، نترجم: الرسل هم شهود "مرسومين" لكرازة كلمة الربّ.
هؤلاء الشهود يشكّلون فئة واحدة من الأشخاص: نحن أمام الرسل وأمام تلاميذ مثل متيا وكل الذين كان بإمكانهم ان يُختاروا ليحلّوا محلَّ يهوذا الذي ترك وظيفته ورسالته (أع 1: 21- 22). ما يجمعهم هو أنهم رافقوا يسوع منذ البدء، أي في نظر لوقا منذ بداية نشاطه المسيحانيّ... وهذا النشاط الذي خضع لمجيء الروح القدس (18:4؛ ق 21:3 ب)، بدأ في الجليل بعد عِماد كرز به يوحنا، حين دخل يسوع إلى مجمع الناصرة (16:4- 17)، وينتهي مع الصعود. ونظنّ أن لوقا، حين عاد إلى مدلول كلمة "بدء" اللاهوتيّ، أراد منذ مطلع إنجيله أن يشير إلى العلاقة بين كتابَيه (لو+ أع)، ويشدّد على التواصل بين بداية رسالة يسوع العامّة وبداية شهادة الرسل. ففي نظر صاحب أع، إنّ بداية شهادة الرسل خضعت هي أيضًا لمجيء الروح على الرسل: بدأت في أورشليم (أع 2) فامتدّت إلى أقاصي الأرض.
نجد مفردة البدء "ارخي" في المفاصل المهمّة في مؤلّف لوقا. إنها تعود بنا إلى مضامين لاهوتيّة محدّدة. رج 1 :2؛ 23:3؛ 23: 5؛ أع 1: 1؛ 1: 22؛ 10: 37. كل هذا يدلّ على بداية النشاط المسيحانيّ. أمّا لو 47:24 وأع 1: 8؛ 11: 15 فتعود بنا إلى بداية الإِعلان الرسوليّ.
وإذ عاد لوقا إلى الشهادة الرسوليّة، فقد أراد أن يجعل أساسًا متينًا للتعليم الذي أراد أن يورده. فالأشخاص والجماعات لا يقدرون أن يتصرّفوا بالإِنجيل على هواهم: كانوا وحدَهم معاينين لأحداث رسالة يسوع العامّة، فصاروا الأداة الضرورية لنقل هذه الأحداث إلى الجماعة المسيحيّة. والإشارة إلى هؤلاء الشهود المباشرين تعلن صحّة ما كتبه لوقا وتكفل حقيقته.

3- أسلوب العمل وترتيب الموادّ
إن الأسلوب الذي أخذ به لوقا هو أسلوب المؤرّخين. بعد أن ذكر مراجع سابقيه أشار إلى قارئه أنه أراد أن يتحقّق من صحّة التقاليد الشفهيّة والكتابيّة التي وصلت إليه (آ 3).
لم يكن هو شاهد عِيان لعدد كبير من الوقائع التي دوّنها، فوجب عليه أن يبحث عن معلومات، أن يقوم بأبحاث في كتابات سابقيه وأن يتحقّق من التقاليد الشفهيّة التي بين يديه.
وهذا البحث تطرّق إلى "كل" شيء، أي إلى مُجْمَل الوثائق التي قدّمها التقليد، فأتاح للوقا أن يعود "إلى بداية" تاريخ (أو خبر) يسوع. من المعقول أنّ الكاتب أراد أن يلمّح بهذه الكلفة إلى إنجيل الطفولة، وأن يقول لنا ما زاد عمله على عمل سابقيه. وما هو أكيد هو أن صفات العمل والالتزام (أع 25:15، 28) الشخصيّة عند لوقا نجدها في هذا الإِنجيل. فيلفِتُ نظرَنا لا وسعُ وتنوّعُ المراجع المجموعة وحَسْب، بل اهتمامُ المورّخ (أكثر من متى ومرقس) الذي يقودُنا إلى الأصول البعيدة والسرّية ليسوع المخلّص (ف 1- 2).
وتميّز عمل لوقا بسِمتَين أُخرَيَين: الدقّة والترتيب. يَلفِت انتباهنا كلمة "كاثاكسيس" (بترتيب) التي ترِد خمس مرّات عند لوقا (3:1؛ 8: 1؛ أع 24:3؛ 11: 4؛ 23:18). هل يعني لوقا أنه يرتّب موادّه حسب نظام كرنولوجيّ دقيق؟ كلا. وقراءة النصوص تدلّ على أنّ هذا لم يكن هدفه. هل نظر إلى "ترتيب" المجموعات الكبرى التي تتوالى في الإِنجيل (الطفولة، الجليل، الصعود إلى أورشليم، أورشليم) وفي سفر الأعمال (أورشَليم، اليهوديّة، السامرة، أقاصي الأرض)؟ هل فكّر بالمقابلات المتعدّدة التي تربط كتابيه (لو+ أع): لا شك. ولكن هناك أكثر من ذلك. فبقدر ما سعى المؤرّخ إلى أن يورد الأمور كما هي، بل إلى أن يفسّرها، نظنّ أن الترتيب الذي يتحدّث عنه لوقا هنا يشير إلى مضمون مؤلَّفه. حين رتّب لوقا الأخبار أبرز معنى التعليم المُوحى وبُعدَه. وهذا التعليم بأبعاده الخلاصيّة، لا يصل إلى القارئ إلاَّ عبرَ توجيه فكريّ، وفي النهاية عبرَ شهادة يقدّمها مؤمن إلى أناص يدعوهم إلى الإِيمان.

4- الهدف المطلوب
تفرّد لوقا عن كتّاب العهد الجديد فأشار بوضوح إلى هدفه من كتابة مؤلَّفه: "رأيت أن أكتبها لك، يا صاحب العزّة تاوفيلس، حتى تعرف (تقتنع) صحّة التعليم (الكلمات) الذي تلقَّيته" (آ 3- 4).
هذا الإهداء الذي يوافق رَسْمة معروفة في مطالع الكتب، يهمّنا بصورة خاصّة، لأنه يعكس الوضع الكنسيّ في الرُبع الأخير من القرن الأوّل، ويحاول أن يتصدّى للأسئلة التي تُطرح.
ظنّ البعض أن هدف لوقا هدفٌ دفاعيّ (أبولوجيّ)، وكأنه يريد أن يجتذب إلى الحقيقة المسيحيّة تاوفيلس الذي وصلت إليه معلومات، بل حصل على تعليم دينيّ في إطار التنشئة العماديّة (كاتاخاتيس في 1: 4؛ رج روم 18:2؛ 1 كور 14: 19؛ غل 6: 6؛ أع 18: 25). أجل، إن لوقا عرف "الأحداث التي جرت بيننا" (آ 1). ولكن هدف لوقا الأساسيّ هو هدف لاهوتيّ: أن يبيَّن بوضوح لمراسِله أنّ التعاليم التيٍ تلقّاها هي ثابتة وأكيدة. يريد أن يثير لدى تاوفيلس وقارئيه ثقة كاملة وتعلّقًا صُلْبًا بالواقع المسيحيّ. لماذا؟ لأنه في نهاية العصر الرسوليّ هذه، هدّد إيمانَ المسيحيّين عدّةُ تيّارات فكريّة جاءته من الداخل ومن الخارج. فَهِم لوقا أنه إن أراد أن يواجه الخطر بصورة إيجابيّة، وجب عليه العودة إلى منابع التقليد الشرعيّة، والانطلاق منها لتقديم الإِنجيل، والتاريخ المسيحيّ. أدرك أن مهمّته تقوم بأن يثبّت الكنيسة على أساس التقليد، أن يشدّد على ضرورة بُنْية مرتّبة، ليساعد الجماعات على التغلّب على المحاولات التلفيقيّة وقوى التفكّك التي تهدّدها.
هل نقول بعد أن طرحنا هذه المسألة التي تهدّد الكنيسة من الداخل، هل نقول إن لوقا لم يوجّه مؤلّفه إلى قرّاء مسيحيّين؟ كلاّ. فترتيب المؤلّف والتشديد على شموليّة الخلاص يمنعاننا من اتّخاذ هذا الموقف. ثمّ إن لجوء لوقا إلى الفنّ الأدبيّ، فنِّ المَطْلع والإهداء الذي يميّز المؤلّفات الدنيويّة في عصره، يبينّ لنا أن المسيحيّة تمثّل في نظره قيمة روحيّة توازي ما نقرأه في مؤلّفات أخرى. في هذه الحال، لماذا لا نقول إن تاوفيلس الذي أهدى إليه لوقا كتابيه (لو 1: 3؛ أع 1: 1) شارك في نشر المؤلّف في الأوساط الوثنيّة؟ فمركزه الاجتماعي الرفيع ووضعه كوثنيّ مرتَدّ جعلاه يدرك هدف الإِهداء. لم يكن هدف هذا الإِهداء فقط إعطاءَ ثِقلَ واعتبار لمؤلّف من المؤلّفات، بل دعوة تاوفيلس للتعريف بهذا المؤلّف بسبب مضمونه وقصده.
ليس مؤلَّف لوقا شهادةً كنسيّةً وحسب؛ فللإِنجيل وأعمال الرسل بُعدٌ رسوليٌّ أيضًا.

د- ملحق:14:4-15
إن الإِجمالة القصيرة في 14:4- 15 تفتتح القسم الكبير الأوّل في الإِنجيل: رسالة يسوع العامّة في الجليل (4: 14- 9: 50)، التي تبدأ بداية فعليّة في الناصرة. دخل يسوع المجمع محدِّدًا مهمّته المقبلة في خُطبة أعلن فيها برنامجه (4: 16 ي).
تقدّم لنا هاتان الآيتان في إيجاز أدبيّ رائع بعض الإشارات الواضحة إلى الطريقة التي بها نظر لوقا إلى يسوع وسعى إلى أن يقدّمه لنا.
كان أمينًا للتقليد الإزائيّ الذي يشير إلى رجوع يسوع إلى الجليل، بعد فترة التجارب التي دامت أَربعين يومًا (مر 1: 14 أ؛ مت 4: 12)، فكتب: "وعاد يسوع بقوة الروح إلى الجليل" (4: 14 أ). عبارة لها أهمّيتها من زاويتين اثنتين.
أوّلاً: أغفل لوقا عَمْدًا الحديث عن توقيف يوحنا المعمدان (أشار إلى هذا السَجْن في 3: 19- 20، أي في نهاية الكتيّب الذي خصّصه للمعمدان وكرازته الاجتماعيّة، 3: 1- 20)، فشدّد على المركز الذي يحتلّه يسوع في تاريخ الخلاص. إذا كان يوحنا المعمدان ينتمي إلى زمن التتمّة (لا زمن المواعيد)، فهو المنادي والسابق فقط. وشموع هو الذي يؤسِّس هذه الأزمنة الجديدة، وبمجيئه يدشّنها. فيه يتمّ حقّا عملُ الخلاص ويبدأ الإِنجيل (بخلاف مر 1: 1- 4). 
ثانيًا: أشار لوقا إلى حضور الروح القدس الشخصيّ (4: 14 أ) فشدّد على الرباط الوثيق الذي يجمع بين بداية مهمّة يسوع العلنيّة في الناصرة (4: 16ي) ومجيء الروح على يسوع في الأردنّ (3: 31 ي. هكذا يرتبط خبر التجارب بالرؤية التي حصلت بعد عماد يسوع). ثم إنه ذكّر قرّاءه أن خبر يسوع كلّه يسير بقوة الروح هذه (3: 22؛ 23: 46).
إن آ 14- 15 اللتين تصوّران نتائج هذه القوة (ديناميس) الفاعلة في يسوع، تفهماننا أن يسوع قام بعمل امتدّ زمنًا طويلاً في الجليل قبل أن يعود إلى الناصرة: "فذاع صيته في جميع تلك الأنحاء، وكان يعلّم في مجامعهم، فيمجّدونه كلّهم". ولكنّ لوقا لا يقول شيئًا أكثر من ذلك: فإجمالته لا توضح مضمون هذه الكرازة (ق مر 1: 4 1ب، 15؛ مت 4: 17ب) ولا المكانَ الجُغرافيّ المحدّد الذي بدأت فيه هذه الرسالة العامّة (كفرناحوم بالنسبة إلى مت 13:4 ومر 1: 21). همّه أن يصل سريعًا إلى حدَث الناصرة الذي يستبق به التقليد الإِزائيّ (مر 6: 1-6؛ مت 53:13-58)، ويتوسّع فيه بصورة كبيرة.
وبالنظر إلى هذا المشهد الحاسم، يشير لوقا هنا إلى تعليم يسوع في "المجامع" (4: 15 و 4: 16، 20، 28)، وهو موضوع يعود إليه مرارًا في إنجيله (28:4، 44؛ 6: 6؛ 13: 10). ولكنه يشدّد على التمجيد الذي يناله يسوع (4: 4 أب، 15) بسبب المَنحى المأساويّ الذي ستتّخذه هذه الأحداث في حياته.
إن لوقا يعرف كلَّ المعرفة أن هذا "التمجيد" (والإِكرام) الذي يحيط بيسوع اليوم، سيصبح موضوع رفض لدى أبناء وطنه وبلدته (23:4- 30). ويعرف أن هذا الاعتراف الأوّل لَنْ يدوم طويلاً، وأنّه يجب على يسوع، أن يتألّم "ليدخل في مجده" (26:24). ولكنه يعرف الطريق الذي يسير فيه، وهو لا يقدر أن يبدأ خبر هذا الرجل "الذي مرّ وهو يصنع الخير"، دون أن يحدّد الهدف الأخير الذي هو القيامة.
الفصل السابع
البشارة بمولد يوحنا
1: 5- 25

ان زمن الوعد بالخلاص انتهى مع يوحنا المعمدان، وزمن تتمة المواعيد بدأ مع يسوع. يوحنا هو أعظم مواليد النساء (من ولد من امرأة)، والاصغر في ملكوت الله هو اكبر منه (28:7). اذن يسوع اعظم من المعمدان.
يبدأ الانجيل ثلاث مرات مع يوحنا، وثلاث مرات يمتد مع يسوع. كل بداية مع يوحنا هي في خدمة يسوع: الوعد (1: 5- 56)، الولادة والطفولة (57:1- 2: 52)، الحياة العامة (3: 1- 13:4). تسير الاخبار بطريقة متشابهة، ولكن ما يقال عن يسوع يتجاوز حتى من الوجهة الخارجية ما يقال عن المعمدان. على يسوع ان يزيد ويوحنا ان ينقص (يو 3: 30).
هيأ المعمدان الدرب ليسوع. والمعمدان هو وارث اكبر شخصيات تاريخ اسرائيل: شمشون، صموئيل، ايليا. وسيستعمل الانجيليّ كلمات من العهد القديم ليصوّر يوحنا المعمدان ويسوع. فتاريخ الخلاص لا يدمِّر اليوم ما خلقه بالامس، بل يستعيد الماضي ليتمه، ليكمله. ويسطع النور شيئًا فشيئًا إلى أن يأتي النهار. ان قدرة عمل الله تظهر كل يوم بوضوح أكثر. قال الرب بلسان أشعيا (14:29): "ها أنا أعود واصنع لهذا الشعب اشياء عجيبة، اشياء غريبة لا تفهم. وهكذا تضمحل حكمة حكمائه ويختفي عقل عقلائه. فالمسيح هو هدف التاريخ وكماله.
وهكذا ندخل في الوعد. مع جبرائيل، رسول الله، نتلقى بشارتين: مولد يوحنا ومولد يسوع، والولدان سيلتقيان بلقاء امهما. ثلاثة أشخاص سيكونون فِي أساس ثلاث دورات: زكريّا، أليصابات، يوحنا. يمثل زكريّا الهيكل، وأليصابات الشعب وملكه، ويوحنا النبي وأرضه. ولكن النصّ يشدّد على الكلمة النبويّة التي تفعل فعلها في أرض إسرائيل، ستفعل مع زكريِا بانتظار أن تصل إلى مريم فتصبح جسدًا في أحشائها بقوّة الروح القدس.

1- زرع مقدس (1: 5- 7)
يتمّ خلاص الله داخل تاريخ البشر. يبدأ خبر طفولة يسوع كما يبدأ خبر سفر يهوديت: "في أيّام ارفكشاد" (يه 1: 1). او كما تبدأ قصّة شمشون: "وكان رجل من صرعة من قبيلة دان اسمه منوح" (قض 2:13). "كان كاهن من فرقة ابيا اسمه زكريّا" (آ 5).
يعود الخبر الى هيرودس الكبير (39- 4 ق. م) الذي سمي ملك اليهوديّة، مع العلم أن اليهوديّة تعني في عالم اليونان المنطقة التي يسكن فيها اليهود. اذن، أوسع من منطقة محدّدة عاصمتها اورشليم. مثلاً نقرأ في 4: 44: مجامع اليهوديّة، وهو يعني مجامع اليهود في الجليل. ولهذا قرأت شواهد مخطوطة "الجليل" بدل "اليهوديّة". رج 17:6؛ 23: 5؛ أع 10: 27. اذن تعني اليهوديّة فلسطين في معنى عام.
ارتبط مولد يوحنا بزمن هيرودس، ملك اليهوديّة. أمّا مولد يسوع فارتبط بالإمبراطور اغوسطس الذي يحكم "على الأرض المسكونة كلّها" (2: 1). انحصر يوحنا في عالم اليهوديّة الضيق، أمّا يسوع فحمل الخلاص الى العالم كله.
زكريا هو كاهن وهو ينتمي إلى الفئة الثامنة من الفئات الأربع والعشرين الكهنوتيّة التي يتكلّم عنها 1 أخ 7:24- 17 (رج نح 21: 1- 7). وامرأته أليصابات كانت هي أيضًا من نسل هارون. زكريا أي الربّ تذكر. وأليصابات (أو) اليشبع): الله اقسم، حلف. انهما باران. انهما ينتميان إلى "القديسين" (أي المكرّسين لله) في البلاد. تزوج الكاهن مع سليلة الكهنة حسب متطلبات الشريعة الكهنوتيّة. وهكذا انتقل الكهنوت إلى يوحنا، وهو ينتقل بالوراثة. يوحنا كاهن بكل معنى الكلمة، مقدَّس لله ومكرّس لخدمته. ولكن شتّان ما سيكون تحقيق هذا "الكهنوت" عنده وعند أبيه.
البشارة بيوحنا تحيط بها أنوار القداسة. إنه يقف على عتبة زمن الخلاص. إنه "فجر" التقديس الآتي في شخص يسوع. لقد بدأ الله ملكه، بدأ يقدس اسمه (2:11). هذا ما قاله في حز 20: 41: "حين اخرجكم من بين الشعوب وأجمعكم من البلدان التي شتّتكم فيها، اتقدَّس فيكم على عيون (امام، بمرأى) الأمم". فكشفُ مجد الله هو أيضًا كشف قداسته.
ولد يوحنا في جوّ من القداسة. إنه نسل مقدّس. والداه بارّان أمام الله، أي حافظان لكلّ وصايا الشريعة. دعوة تعاش في الطاعة لإِرادة الله، والقداسة هي خضوع لله ولطريقه في حياتنا.
زكريّا وأليصابات يسيران في كلّ وصايا الله وفرائضه. لا عيب فيهما ولا لوم (آ 6) غير أنّهما يبدوان كموضوع عقاب إلهيِّ. فأليصابات تشبه حنّة أمّ صموئيل، التي حبس الربّ رحمها (1 صم 1: 5- 6)، تشبه ميكال ابنة شاول وزوجة داود (2 صم 23:6). إنها عاقر. ثم إن الزوجين قد طعنا في السنّ. نحس هنا وكأنّنا أمام بداية جديدة لما حصل لإِبراهيم وسارة. قال تك 11: 30: "وكانت ساراي (أو سارة) عاقرًا ليس لها ولد". وتشكى ابراهيم إلى الله لأنه لم يرزقه ولدًا وسيكون وريثه قيّم بيته اليعازر الدمشقي (تك 15: 1- 4؛ رج 18: 10؛ 14). ولكن الربّ سيعيد الأمور الى نصابها بكلمة ميثاقه، وسيرسل ملاكه.
إن الوجوه الكبرى في تاريخ الخلاص هم أولاد نساء عاقرات. إنهم عطيّة الله ونتيجة تدخّل إلهيّ في طبيعة ضعيفة وعاجزة. هذا ما كان وضع اسحق (تك 16:17) وشمشون مخلّص شعبه والقاضي في أموره (قض 2:13) وصموئيل (1 صم 1- 2). وانتمى يوحنا أيضًا إلى هذه الوجوه العظيمة. كان ابن النعمة، وتكرّس لله بصورة جديدة في البرّ والقداسة.
كانوا ينظرون إلى العقم على أنه عار. تأخّرت راحيل زوجة يعقوب ولم تحمل. ولمّا حملت وولدت ابنًا قالت: "كشف الله عني العار" (تك 23:30؛ رج 1 صم 1: 10، اش 4: 21). بل كانوا يحسبونه عقابًا من الله. فالشرّ كلّ الشرّ ان يموت الزوج والزوجة وهما عقيمان (لا 20: 20- 21). وهذا ما حدث لزوجة داود، ميكال، التي "عاقبها الله" كما ظنّ الناس فماتت ولا ولد لها يذكرها بعد موتها. ولكن الله يستخرج الخير من "الشر" فيجعل من بعض "مرسليه" واحبّائه ابناء المعجزة. إنه يتدخّل بصورة خاصة، وهذا ما فعل بالنسبة إلى يوحنا المعمدان.

2- بشّر به في ساعة مقدّسة (8:1- 12)
يجري المشهد في أورشليم، في الهيكل. "وحصل" (وكان) انه بينما كان يكهن (آ 8). مرّة أولى قرأنا "وحصل" في آ 5: "وحصل في أيّام هيرودس، ملك اليهوديّة". في آ 5- 7 نحن في الوضع السابق للحدث. ومع آ 8 نبدأ بداية جديدة. جاء زكريّا إلى الهيكل وبدأت مسيرة تحوّل من الفراغ (عقم أليصابات) إلى الملء (وحبلت أليصابات) وذلك بكلمة قالها الملاك باسم الله. وفي آ 23 سنقرأ مرّة أخيرة: "وحصل انه لمّا تمّت أيام خدمته الليتورجيّة". في آ 11 ظهر الملاك في المعبد، وفي آ 22 ذهب الملاك وخرج زكريا من المعبد، فكنّا أمام تحوّل آخر ينطلق من كلام الملاك الى صمت زكريّا الذي لم يؤمن بكلمة الله.
وبدأ زكريا خدمته. كان على كلّ كاهن أن يؤمّن الخدمة الليتورجيّة اسبوعين في السنة، أمّا مهمات كل يوم بيومه فكانت تتمّ بالقرعة. أمّا الشعيرة الاحتفاليّة الكبرى فهي تقدمة البخور (رج خر 30: 1- 9) في الصباح قبل المحرقة وبعد الظهر، حوالي الساعة الثالثة. وما كان للكاهن ان يقوم بها إلاَّ مرّة واحدة في حياته.
إذن يبدأ خبر السابق في معبد الهيكل، في المكان المقدّس (القدس الذي يقابل قدس الأقداس). كان الكهنة وحدهم يدخلون إلى هذا المكان، أمّا الشعب فيبقى في الخارج مصليًا. والكاهن نفسه لا يدخل إلاَّ إذا عيّنته القرعة ليقوم بالخدمة المقدّسة في جوار الله. الله قريب من شعبه في هيكله، ولكن لا يقترب منه الاّ من سمع النداء: بالقرعة أو بدعوة خاصة كما حدث لزكريّا. الله قدّوس وهو بعيد لا يُدرك، إلاَّ اذا تنازل بنفسه.
بُشر بيوحنا ساعة تلاوة الصلاة الاحتفاليّة، ساعة ذبيحة البخور الذي هو رمز الصلاة الصاعدة الى الرب: "لتكن صلاتي بخورًا موضوعًا امامك، ورفع كفي ذبيحة مسائيّة" (مز 2:141). يضع الكاهن على الجمر المتقد على المذبح الذهبي حبّات البخور، ويرتمي على الأرض مصليًا. ويصلي الشعب من الخارج بدوره: "ليدخل اله الرحمة إلى المعبد وليقبل راضيًا ذبيحة شعبه". إن المحطات الكبرى في تاريخ الشعب تقع في وقت الصلاة. ونقول الشيء عينه بالنسبة إلى حياة يسوع: العماد، التجلّي، اختيار التلاميذ...
"وظهر ملاك الربِّ". تبدأ البشارة في السماء ومن هناك تنزل. ظهر الملاك عن يمين مذبح البخور. الجلوس عن اليمين يدل على ألكرامة والعظمة (مز 110: 1؛ حز 10: 3: الكروبيم واقفون عن يمين بيت الله). وجهة اليمين تدل على الخلاص، تعد بالخلاص (مت 25: 33).
كان نداء من قلب زكريا وأليصابات، فجاء الملاك جوابًا على صلاة زكريا. إن الله يتّصل بالانسان عبر ملاكه. وهذا ما نجده أيضًا في دا 9: 20- 21 قال النبي: "بينما كنت أصلّي واعترف بخطيئتي اذا بجبرائيل قد طار سريعًا ولمسني في وقت تقدمة المساء". الرؤية هي نقطة يستند اليها الكاتب، هي طريقة يدل بها على ان الاتصال تم بين الله والانسان. لا يشدّد لوقا على الرؤية بل على "البلاغ" الذي أوصله رسول صادق من عند الله، رسول "وجيه" أقام في "مقعد الشرف" بين المذبح والمنارة (أو: الشمعدان) المسبعة الفروع.
أثارت الرؤية في قلب زكريا الاضطراب والخوف، وهذا امر طبيعي حين يكون الانسان أمام الله. الله هو الآخر، هو الذي لا يُدرَك. قال اش 6: 5: "ويل لي، اني سأموت. فقد شاهدت الله". إن رسول الله يحيط به شعاع مجد الله وقداسته، وهذا ما يفرض الاحترام والإِكرام. أما حاول يوحنا مرتين في سفر الرؤيا أن يرتمي على قدميه ويسجد للملاك (رؤ 19: 10؛ 8:22)؟
تتحدّث التوراة مرارًا عن هذا الاضطراب يحلّ بالمؤمنين لدى ظهور الملاك. هذا ما حدث لجدعون لما علم أن المترائي له هو ملاك الربّ. فقال: "آه أيّها الربّ الاله! رأيت ملاك الربّ وجهًا إلى وجه) (هذا يعني أنه سيموت. رج 13: 22؛ خر 6:3، 33: 20- 23؛ تك 32: 31). فقال له الرب: "سلام لك! لا تخف فإنك لن تموت" (قض 22:6-23). نلاحظ هنا أن النصّ يتكلمّ مرّة عن ملاك الرب ومرّة أخرى عن الربّ. الملاك هو الذي يدلّ على حضور الربّ، ولكن الربّ هو الذي يتكلّم مع الانسان ولا حاجة له إلى وسيط. 
وسيضطرب منوح والد شمشون وزوجتُه (قض 13: 20- 22) كما سيضطرب طوبيط (طو 12: 16) ودانيال (8: 17- 18؛ 10: 7- 8، 11، 16).
ويتحدّث النصّ عن الخوف الذي هو شعور الإنسان أمام سرّ يحسّ بتساميه. ونجد هذا الخوف أيضًا في العهد الجديد: حين يكشف الله عن حضوره أمام الرعاة (9:2)، على جبل التجلّي (34:9) او بعجائبه (1 65؛ 5: 26؛ 7: 16).

3- ولد مقدّس (1: 13- 17)
حين يظهر الله نفسه أو ملاك ويحدّث انسانًا من الناس، يبدأ فيضجعه: لا تخف. هذا ما قاله الملاك لزكريا. وهذا ما قاله لابراهيم حين تراءى له وعقد معه ميثاقًا: "لا تخف يا ابرام. انا ترس لك" (تك 15: 1). أي أنا احميك ولا اريد لك الموت. وحين تراءى الرب لاسحق قال له: "انا اله ابراهيم ابيك. لا تخف. أنا معك. أباركك (والبركة تدلّ على الحياة، على كل خير) وأكثر نسلك" (تك 26: 24). وشجّع الربّ يعقوب النازل إلى مصر (تك 3:46) وجدعون (قض 6: 23) وطوبيط (طو 12: 17).
"سُمعت صلاتك، سمعَ الله دعاءك". صلاة بصلاتين. صلاة فرديّة شبيهة بصلاة ابراهيم: ليس له ولد ولا يمكن أن يكون له ولد بسبب عقم امرأته وكبر سنّه. ولكن رجاءه ثابت. وصلاة جماعيّة من أجل الشعب الذي ينتظر الخلاص المسيحانيّ: "متى تشقّ السماء وترسل الصديق"! هذا الخلاص الآتي سيحمل الفرح والبهجة إلى الكثيرين.
لا تخف. جاء الله ليعين البشر لا ليسحقهم، وهو سيستجيب صلاة زكريا فيعطيه نسلاً، ثمّ يتمّ الوعد المسيحانيّ. أجل منح الله زكريا موضوع صلاته، بل اعطاه أكثر ممّا ما طلب، وهذه هي طرق الله الدائمة في البشر. فهذا الولد لن يكون كسائر الأولاد، ورسالته ستعني شعب إسرائيل كلّه. معه يبدأ الفرح المسيحانيّ (آ 14)، معه يبدأ إعلان البشارة (آ 19).
والله يحدّد اسم الولد. وفي الوقت عينه يمنحه قدرته والمهمّة الملقاة على عاتقه. اسمه يوحنا أيّ الله يتحنّن، الله يُنعم. إن زمن افتقاد الله صار قريبًا، ويوحنا هو مَن يعلن زمن الخلاص هذا.
مولد يوحنا يبعث الفرح في نهاية الأيّام والبهجة في الخلاص. لا يفرح والداه وحَسْب، بل عدد كبير، بل الجماعة المؤمنة. إن دعوة يوحنا مهمّة في تاريخ الخلاص: إنه يضع حدًّا لزمن الوعد وبعلن الزمن الجديد، زمن الخلاص. في أولى أيّام المسيحيّة كانت جماعة أورشليم تحتفل بخدمة ربّها الليتورجيّة "بالفرح وبساطة القلب" (أع 2: 46). مولد يوحنا هو العلامة الأولى لمجيء المسيح، لبدايات تدخّل الله الحنون.
كما بشّر الله ابراهيم، هكذا بشّر زكريا: "ستلد لك سارة ابنًا وتسميه اسحق" (تك 17: 19؛ رج قف 13: 3، 5؛ اش 7: 14).
"سيكون عظيمًا أمام الرب". كان إيليا يقف "أمام الربّ" كالخادم (1 مل 17: 1؛ 15:18). وهذا هو وضع يوحنا. غير أن موقع يوحنا في تاريخ الخلاص سيجعله فوق جميع العظماء في تاريخ الخلاص. كلّهم عاشوا ينتظرون ملكوت الله وخلاصه، أمّا يوحنا فوجد نفسه على عتبة الملكوت وأعلن مجيئه (7: 28).
كانت حياة البار في تاريخ اسرائيل مكرّسة لله. وهكذا كانت حياة يوحنا. قال الرب عن الكهنة المكرّسين لله: "لا تشرب خمرًا ولا مسكرًا، لا أنت ولا بنوك، حين تدخلون خيمة الاجتماع". ونقرأ عن شمشون أن الله طلب من والدته: "لا تشربي خمرًا ولا مسكرًا، ولا تأكلي شيئًا نجسًا" (قض 13: 4). أمّا الصبي فيكون منذورًا (ناسكًا، حرفيًا: نذر)، مكرسًا لله من بطن أمّه وهو يبدأ بخلاص إسرائيل (قض 13: 5). إن التكريس يرتبط برسالة، ولهذا كان يوحنا مكرسًا للربّ لا لرسالة حربيّة بل لرسالة روحيّة.
"يمتلئ من الروح القدس" (رج 1: 41- 44). اذن، يكون نبيًّا. بعضهم نال المهمة النبوّية وهو كبير السنّ مثل عاموس، وآخرون دُعوا منذ الدقيقة الأولى من حياتهم، من بطن أمّهم. هذا ما حدث لشمشون (قض 13: 5؛ 17:16) وارميا (ار 1: 5): "قبل أن أصوّرك في البطن عرفتك (اي اخترتك، دعوتك)، وقبل ان تخرج من الرحم قدستك (اي كرّستك) وجعلتك نبيّا (وارسلتك) إلى الأمم". وهناك عبد الله الذي قال عن نفسه في اش 49: 1: "الرب دعاني منذ كنت في الحشاء، وردّد اسمي (ذكر اسمي) وأنا في بطن أمّي" (رج آ 5). هذا يعني أن الربّ أعدّ هذا الشخص من أجل رسالة. هذا ما اكتشفه بولس الرسول فيما بعد: "الله الذي فرزني (جعلني جانبًا) منذ كنت في جوف أمّي ودعاني بنعمته... (غل 1: 16).
يعلن الكتاب عن زمن الخلاص بملء الروح. وهناك تدرّج وتعمّق من شمشون إلى صموئيل إلى يوحنا. شمشون لا يقصّ شعره. صموئيل لا يشرب خمرًا ولا مسكرًا. سيحتفظ يوحنا بهذه الممارسة الثانيّة، ولكن حياته ستكون مليئة بالروح القدس.
ويدل الربّ حالاً على حنانه ورضاه حين يرسل ذلك الواعظ بالتوبة ساعة تمّ الزمان. يردّ يوحنا إلى الربّ كلّ الذين مالوا عن الله من شعب إسرائيل. ويقوم هذا التبدّل برجوع عن الخطيئة. بتحوّل في العقلية، بموافقة الحياة لإرادة الله. وهكذا يرث يوحنا رسالة جده "لاوي" كما يصوّرها ملا 2: 6 ("ردّ كثيرين عن الاثم")، بل هو يكون المنادي أمام الربّ الآتي، ويشبه ايليا (ملا 3: 23) فيقوم بمهمته بروح ايليا وقدرته على العمل.
ويبدأ ابن زكريا بتجديد الميثاق (العهد). قال ملا 3: 1، 24: "ها أنا أرسل رسولي (ملاكي) أمامي ليهيّئ لي الطريق. يصالح الآباء مع البنين والبنين فع الآباء، لئلا يأتي ويلقي اللعنة على الأرض". سيجتمع الناس في شعب واحد، وهذا الشعب الواحد سيتّحد بالله.

4- أمانة الله القدوس لمواعيده (1: 18- 23).
وفعل زكريا كما فعل قبله آباء العهد القديم. وعد ابراهيم بأن ينال أرض كنعان ميراثًا له فقال:" يا رب، كيف اعرف أني سأنالها ميراثًا" (تك 7:15 ي)؟ وطلب جدعون علامة فشهد أن الله يصدق في كلمته، في وعده (قض 36:6 ي). وهذا ما فعله الملك حزقيا (2 مل 20: 8).
أجل، أجاب زكريا: "كيف أعرف هذا"؟ هي صعوبة جديدة. كيف نوفّق بين بشارة تفتحنا على المستقبل وواقع حاضر هو عقم أليصابات وكبر سنّ الزوجين. وُيزادُ على كلّ هذا. عدمُ إيمان زكريّا ("لأنك ما آمنت بكلامي"، آ 20). فزكريّا يطلب علامة أو بالأحرى "معرفة" فوق تلك التي كُشِفت له، وكأن كلمة الله تحتاج إلى أن تُبرِّر نفسها. عند ذاك ترافقت عطيّة الله مع المجازاة: إن الكلمة التي تخصب أليصابات ستجد علامتها في "بكم" زكريا واستحالة النطق عنده. تكلّم الله فصار الانسان أصمّ وأخرس (1: 22، 62). ولكنّنا لسنا أمام عقاب (رج اش 12:7: لا أسأل الربّ ولا أجرّبه)، بل أمام علامة دوّنت في لحم زكريا ودمه. فبفضل هذا البكم سيُحفظ سرّ الولادة. وستكون الولادة المنتظرة عند أليصابات علامة لمريم. وسيعود الموضوع عينه في آ 24: "اختبأت أليصابات خمسة أشهر". لم تختبئ من العار، فالعار هو بأن تكون عاقرًا. اختبأت لأن مسيرة الخبر تفرض أن يبقى السرًّ تامًّا ستعرفه مريم وحدها، بوحي من الله بفم الملاك جبرائيل. إن حبل أليصابات سيكون العلامة التي أعطاها الملاك للمرأة.
كان الاقتراب من قدس الأقداس خطيرًا للكاهن، لأنه يواجه فيه حضور الله (رج لا 10: 1- 2؛ خر 22:19، 24؛ 24 . 11؛ قض 22:6- 23). ولهذا يجب أن لا يتأخّر هناك. وخلال تقدمة البخور كانت الموسيقى تعزف. وبعد أن تنتهي التقدمة، كان المحتفل يخرج عائدًا إلى الشعب المصلّي. حينئذ كان الجميع ينحني لينال بركة الكاهن التي احتفظ لنا سفر العدد بإحدى تعابيرها: "يباركك الربّ ويحفظك. يضيء الربّ بوجهه عليك ويرحمك. يرفع الربّ وجهه نحوك ويمنحك السلام" (عد 24:6- 26). أمّا الاحتفال فيصوّره ابن سيراخ حين يتحدّث عن الكاهن الأعظم سمعان (سي 50: 1- 21).
حين يتحدّث لوقا عن الهيكل يستعمل كلمة "ناوس" (المعبد، آ 9، 21، 22) وهو القسم المخصّص للكهنة. إنه مقام الله. ولن يستعمل هذه الكلمة إلا في 45:23: حين يموت المسيح يتمزّق حجاب المعبد: فعلى الصليب حيث يسلّم يسوع روحه لأبيه يقدّم الخدمة الليتورجيّة التي تمارس الآن. بدأ انجيل لوقا في المعبد وانتهى في الهيكل (53:24). إنه ليتورجيا عظيمة والمحتفل فيها هو يسوع المسيح. وهذه الليتورجيا هي غفران (34:23) ومباركة (24: 5- 51). على الصليب قال يسوع: "اغفر لهم يا أبي لأنهم لا يعرفون ما يعملون". وحين ارتفع إلى السماء رفع يديه وبارك جميع تلاميذه، فراحوا بدورهم إلى الهيكل "يباركون الله على الدوام" (آ 52).
"فلمّا انتهت أيّام خدمته رجع إلى بيته" (آ 22). لم يكن الكهنة يسكنون أورشليم، بل كان عدد كبير منهم يقيم في مدن فلسطين. وانتهى اسبوع خدمة زكريا فترك المدينة المقدسة وهو يحمل معه سرًّا عظيمًا، وتتمّة رغباته العميقة والعلامة أنه لم يكن فريسة الخيال وأن الله سيحقّق وعده. عاد أبكم ولكنّه عاد وقلبه يعمر بالثقة. الله حنان. حدثت البشارة خلال الليتورجيّا في الهيكل والرب أجاب إلى توسلات شعبه وكهنته. وبعد أيام قليلة سيعرف الهيكل ذروة بهائه. سيأتي الله بنفسه ويملأه بمجده. هل سيعلن الكهنة هذه الفرحة على الشعب، أم أنهم سيظلون صامتين لأنهم لم يؤمنوا؟

5- وتمّ الوعد المقدّس (1: 24- 25)
إن أليصابات هي واحدة من تلك النساء العاقرات اللواتي سيحبلن بصورة طبيعيّة بعد تدخل علوي من عند الله. مثل سارة التي حبلت باسحق (تك 17:17) ومنوح التي صارت أمّ شمشون (قف 2:13) وحنّة التي صارت أمّ صموئيل (1 صم 1: 22، 5). كان الرحم مغلقَا حتى الآن (1 صم 1: 5) ففتحه الله (تك 19: 31). أمّا مريم فستحبل بالروح القدس من دون تدخل رجل. لا تزال أليصابات في العهد القديم، أمّا مع مريم فبدأت "خليقة الله الجديدة" التي فيها لا يستطيع الانسان شيئًا. بل ينتظر الخلاص ويتقبله في الإِيمان.
ويرتّب الله أحداث التاريخ دون أن ينتزع من البشر حرّيتهم. واختبأت أليصابات خمسة أشهر. لم يكن أحد يدري بحالها. وفي الشهر السادس عرفت مريم بالأمر بعد أن قال لها الرسول الإِلهيّ: "هذا الشهر هو السادسة لتلك التي تدعى عاقرًا" (1: 36). وهكذا صارت أليصابات علامة منحها الله لمريم.
لماذا اختبأت أليصابات؟ فأم ذاك الذي هو مكرّس لله ستعيش كأنّها هي أيضًا مكرّسة لله. أمّا بالنسبة لأم شمشون فتلك كانت إرادة الله: فجاءني رجل الله. كان وجهه كوجه ملاك. كان منظره رهيبًا. قال لي: ها أنت تحبلين وتلدين ابنًا. منذ الآن لا تشربي خمرًا ولا مسكرًا ولا تأكلي شيئًا نجسًا. فهذا الولد يكون مكرّسًا لله منذ بطن أمّه حتى نهاية حياته" (قض 6:13 ي). مثل هذا النوع من الوحي يتضمّن عزلة واختباء. في تلك الساعة الحاسمة، عادت أليصابات إلى التذكرات البيبليّة لتعرف إرادة الله.
وامتلأت أيّام الرجاء والانتظار بالصلاة. شكرت أليصابات الله: "هذا ما صنع لي، هذا ما أعطاني". وكانت تتذكّر دومًا عمل الله فيها: نظر أليّ، ألقى نظره على خادمته. وتذكّرت حالتها الماضية وما كان فيها من ذلّ: نزع عنّي عار العقم. لقد اختبرت هي بنفسها ما اختبره شعبها خلال تاريخه: "تذكّرْ كل الطريق التي سيّرك (جعلك تسير) فيها الربّ إلهك في البريّة هذه الأربعين سنة. سمح أن تعرف الضيق وامتحنك ليختبر أفكار قلبك... سيُدخلك الربّ إلهك أرضًا صالحة... " (تث 8: 2- 7).
وتبقى بعد هذه البشارة الرسالة التي تنتظر السابق والمرسل الذي يتحدث عن تتمة تاريخ الميثاق الشامل الذي وعد به ابراهيم وتحقق بيسوع. يشدّد لوقا على الميثاق مع إبراهيم أكثر ممّا يشدّد على ميثاق سيناء، لأنه يريد أن يدلّ على انفتاح الكون كلّه على الخلاص.
كان زكريا وأليصابات "بارّين"، وكانا يسيران في كل وصايا الربّ وفرائضه، كانا بلا عيب (آ 6). غير أن زكريا لم يثق بكلام الملاك (آ 20). فلا بدّ أن تأتي رحمة الله الفيّاضة فتتحمّل عدم إيمانه وتتجاوزه. ويجب أيضًا أن يتلفت عدد كبير من أبناء إسرائيل إلى الربّ إلههم. أن تعود قلوب الآباء إلى أبنائهم. أي أن تصبح الأجيال الأمينة للشريعة شعبًا مستعدًا كلّ الاستعداد ومهيّأ ليكتشف في يسوع ذلك الذي يتمّم وعد الله (أع 13: 24).
الفصل الثامن
البشارة
1: 26- 38

إن خبر البشارة يقدّم لنا مثالاً رائعًا عن الطريقة التي بها يكلّمنا الانجيل والتي بحسبها نقرأه. نُخطئ إن نحن بحثنا عن تقرير أمين لمحادثة بين مريم وجبرائيل، أو جعلنا منه دراسة سيكولوجيّة عن نفسيّة البتول. نحن أمام تعليم لاهوتيّ يقدّمه لنا لوقا في هذه الصفحة الجميلة بواسطة حوار يورده بين أم يسوع ورسول السماء.
وقبل أن نميّز بين المعطى التقليديّ الذي تسلّمه لوقا، والتقديم الأدبيّ الذي ارتداه هذا النصّ، لا بدّ من إدراك التعليم الذي يريد أن يلقّننا إيّاه عَبْرَ تحليل البُنية التي يعطيها لهذه المقطوعة. إعتاد لوقا أن يكيّف المبنى على المعنى، ونحن نكتشف الواحد، فنلِج الآخر.
بعد مطلع يقدِّم لنا المشهد والأشخاص (آ 26- 27)، نقرأ الحوار الذي يشكّل جوهر الخبر وينقسم إلى مرحلتين (آ 28- 33 وآ 35- 37) عَبرَ السؤال المركزيّ في آ 34. وترد خاتمة قصيرة فتنهي المشهد (آ 38).

1- المَطْلع (آ 26- 27)
منذ البداية تقدّم لنا الآيتان الأولَيان ملاحظاتٍ جديرةً باهتمامنا: ملاحظةً حول الزمان، تربط هذه البداية لطفولة يسوع بما قيل عن طفولة يوحنا المعمدان. حبلت أليصابات فاعتزلت (اختبأت) في بيتها خمسة أشهر (آ 24). "وفي الشهر السادس" من هذا الحساب نفسه، سيُحبل بيسوع. وحين ذهبت مريم إلى أليصابات غداةَ البشارة (آ 29) بقيت عندها "ثلاثة أشهر" (آ 56) حتى ولادة يوحنّا المعمدان.
وهناك معطية المكان. تدلّ ناصرة الجليل على قرية صغيرة غير معروفة، بل محتقرة (يو 1: 46). ولكن التنقيبات الأخيرة دلَّت على وجودها منذ زمن الملوك في شعب إسرائيل.
وبعد هاتين الملاحظتين يقدّم لنا لوقا الأشخاص: مريم. ويشدّد النصّ مرّتين على وضعها كبتول. ويوسف خِطّيبُها لا زوجها (رج مت 1: 18، 20) هو من بيت داود. لا يقول النصّ إن مريم انتمت إلى السلالة الداوديّة، ولكنه لا ينكر هذا الانتماء الذي تحدّث عنه تقليد آباء الكنيسة. فضّل بعض الشرّاح القول إنها من نسل هارون بسبب قرابتها مع أليصابات (آ 36: نسيبتك اليصابات، آ 5: اليصابات من سلالة هارون). ولكن قد نكون أمام قرابة بالزواج والتعاهد بين قبيلتين. ونلاحظ أنّ عب 7: 13- 14 تنفي ارتباط يسوع بكهنوت إسرائيل: "ينتمي يسوع إلى عشيرة ما قام أحد منها بخدمة المذبح. فمن المعروف أنّ ربّنا طلع من يهوذا".
يبقى أنّ العهد الجديد لا يؤكّد على أصل مريم الداوديّ بطريقة واضحة. وفي أيّ حال، ليس هذا التأكيد بأمر ضروريّ ليكون يسوعُ حقُّا "ابنَ داود". فأبوّة يوسف الشرعيّة تكفي لتثبت هذا اللقب (رج مت 1: 1، 6؛ 16: 20- 25). ولكن إن قلنا إن مريم هي ابنة هارون، جمعنا في شخص يسوع المُلك والكهنوت: هو ملك بأبيه إذ يوسف هو ابن داود؛ وهو كاهن بأمّه قريبةِ أليصابات.

2- القسم الأولّ من الحوار: يسوع ابن داود (آ 28- 33)
بعد هذا المطلع يَرِد الحوار الذي نقرأه بإنعام نظر. يبدأ بسلام الملاك لمريم (آ 28). في الواقع، لا نستطيع حقًّا أن نتكلم عن "سلام" وتحيّة. إنَّ "خايري" تمثّل التعبير العاديّ للسلام عند اليونانيّين، وقد استعمله متى (26: 49؛ 28: 9) ولوقا نفسه (أع 15: 23؛ 23: 26). ولكن لوقا يعرف أيضًا الطريقة اليهوديّة لتقديم التحيّة التي تتمنّى السلام (لو 10: 5: السلام على هذا البيت؛ 36:24: سلام عليكم) وقد كان باستطاعته استعمالها في إطار هذين الفعلين اللوقاوّيين (ف 1-2) المطبوعين بالطابع الساميّ. فإن قال "خايري" رغم كلّ شيء، فلأنه أعطى هذه اللفظة معناها الأوّل: "ابتهجي". وهذا القول تؤكّده عدة مقاطع في السبعينيّة أثَّرت عليه، مقاطع نجد فيها هذه اللفظة التي يرافقها نداء إلى الفرح المسيحانيّ.
نقرأ في صف 3: 14: "ترنمّي (ابتهجي) يا ابنة (مدينة) صهيون. إفرحي وتهلّلي بكل قلبك، يا ابنة اورشليم". ينبع الفرح من الغفران والمحبة. إنتهى الخوف وصار الله حاضرًا. وهذا الفرح ليس فقط باطنيًّا، بل يعبّرون عنه بالهتاف.
وفي يوء2: 21: "لا تخافي أيتّها الأرض، ابتهجي وافرحي لأنّ الربّ صنع أعمالاً عظيمة". وفي زك 9: 9: "ابتهجي جدّا يا بنت صهيون، واهتفي يا بنت أورشليم، هوذا ملكك يأتيك" (رج زك 2: 14؛ اش 12: 6؛ 54: 1: دعوة إلى الفرح في صيغة المفرد؛ اش 44: 23؛ 49: 13؛ ار 31: 17، في صيغة الجمع).
إبنة صهيون (وصهيون هي التلّة في أورشليم، حيث يرتفع الهيكل والقصر الملكيّ) هي أورشليم وهي مدعوّة إلى أن تبتهج بسبب مجيء الله أو حضوره: "الربّ هو ملك في وسطك" (صف 3: 15). "تعرفون أني أنا الربّ في وسط إسرائيل" (يوء2: 27). "ها ملكُك يأتيك" (زك 9: 9؛ رج مت 21: 5). 
حين نتذكّر أن لوقا يحبّ أن يستلهم السبعينيّة، ولا سيّما في إنجيل الطفولة، وحين نلاحظ الاطار الذي ورد فيه هذا الفعل في صيغة الأمر (خايري)، لن نشكّ بهذا المعنى. فمريم مدعّوة إلى الفرح الذي غمر أورشليم. والباعث على هذا الابتهاج هو هو: "الرب معك". ففي كلتا الحالين، نحن أمام زيارة الله المسيحانيّة التي وِعد بها منذ القديم وتحقّقت الآن. أو بالأحرى، ما كان لأورشليم مستقبلاً قريبًا، صار لمريم حاضرًا مباشرًا. فالبُشرى التي أُعلنت للشعب المختار من أجل رسالة، للبقيّة الأمينة للربّ ولوصاياه، هذه البشرى تركّزت منذ الآن في شخص مريم. فعليها أن تبتهج لأنّ الربّ هو "معها" ليكون مع شعبها. ستتقبّل الزيارة المسيحانيّة من أجل بني إسرائيل، وفي هذا، تبدو أنها موضوع نعمة خاصّة. ولهذا قال النصّ: "كاخاريتوميني".
ترجم اللاتين هذا الفعل: ممتلئة نعمة، وكذلك فعلَ السُريان (مليت طيبوتو). وهكذا صرنا في طريق الاستنتاجات اللاهوتيّة وتركنا بعض الشيء عالم التأويل الكتابيّ. فكر الشُرّاح بالنعمة المبرّرة، وقدّموا نظريّاتهم حول الملء (والكمال) الذي حصلت عليه مريم، فصارت أسمى من كلّ خليقة، ولكنّها ظلّت أدنى من المسيح.
مِثلُ هذا التفسير ليس بخاطئ، ولكنه يرتبط لا بالمعنى الحرفيّ، بل بالمعنى الناتج عن هذا المعنى الحرفيّ. فلفظة "خاريس" التي تشتقّ منها "كاخاريتوميني" لا تدلّ في العهد الجديد على النعمة المبرِرّة، بقدر ما تدلّ على حنان (جميل، معروف) الله الذي يقوم بعمل خيّر ومجّانيّ: إنها تدلّ بصورة مباشرة على فعلة مبادرة الله الذي ينحني على الخليقة مدفوعًا بحبّه فقط. إنه يختارها ويجعلها موضوع رضاه ومسرّته.
وهذا ما نقوله عن مريم حين اختارها الربّ لتتقبّل الزيارة المسيحانيّة. إنها موضوع نعمة فريدة وامتياز دائم. ولهذا اقترح بعضهم أن نترجم لفظة كاخاريتوميني: مميّزة.
لا شكّ في أنّ لطف الله ومبادرته يغمُران المؤمن. أمّا هذا النصّ فيشدّد على نعمة الله المجّانيّة لا على النتائج التي تحملها هذه النعمة إلى الخليقة. إنه يشدّد على امتياز فريد حصلت عليه مريم، لا على الكمال الذي نتج عن هذا الامتياز في نفسها.
ولفظة "كاخاريتوميني" هي في صيغة الماضي التامّ، لأن مريم هي منذ الأزل وتبقى إلى الأبد موضوعَ حُظوة فريدة تفترضها موهبة الأمومة المسيحانيّة. 
"ابتهجي، يا مميّزة، الربّ معك". تلك أفضل ترجمة لكلمة الملاك هذه. لسنا فقط أمام تحيّة إكرام تلفت النظر إلى استحقاقات مريم، بل أمام نداء الفرح الذي يعلن نعمة الله الخيّرة، ويجعلنا نستشف زيارته القريبة كما أنبأ بها الأنبياء في الماضي.
مِثلُ هذا الكلام ليس بدايةَ دخول في حديث، وليس تحيّةَ مجاملة. بل هو حضور عميق ويتضمّن في كثافته الغنيّة بذار ما سيتبع من كلام. إنه صدى لنداء معروف في أُذُنَيْ المؤمن، وهو يشير إلى عالم من الآمال، عالم من الأسرار. سيأتي يسوع إلى أخصّائه، سيكون مع شعبه. لقد أنبأت الكتب المقدّسة بمجيء طفل سرّيّ يكون "عمانوئيل" أي الله معنا (اش 7: 14؛ رج مت 1: 23). فكّر لوقا بكلّ هذا حين أورد كلام الملاك، ودفعنا إلى التفكير فيه انطلاقًا من موقف مريم.
لن نفهم موقف مريم المعبّر عنه في آ 29، حين لا نرى فيه إلا ردّة فعل سيكولوجيّة. نقول: اضطربت مريم في تواضعها لأنّ الملاك قدّم لها مديحًا حيّرها. أو نقول: إستحْيَت بحضور هذا الشابّ الذي دخل إليها. أو: خافت من مشهد الظهور الساطع. حين نقول هذا، نزيد على النصّ ولا نقوم بعمل تأويليّ صحيح. ثم إن لوقا واضح في نصّه: اضطربت مريم "لكلامه" وتساءلت: "ما معنى هذه التحيّة"؟ فهمَت أنها أمام سرّ. إن لهذه الكلمات معنَى خفيّا لا بدّ من ولوجه. هذا ما أدركته مريم، وعلى القارئ أن يدركه بدوره. ولهذا، فبعد أن أيقظ الملاك انتباه مريم، استعاد كلامه ليقول بوضوح ما تضمّنته عبارته الأولى من معنى مغلّف.
نلاحظ أنّ آ 30 و 31 تقابلان آ 28 كلمةً كلمة. كان الملاك قد قال: "ابتهجي". وهو يقول الآن: "لا تخافي". سمّى مريم "المميّزة"، وها هو يدعوها باسمها ("مريم") ويؤكد حقّها بهذا اللقب: "نِلتِ حظوةً (نعمة، خاريس) عند الله"، أي أنت موضوع امتياز من قبل الله. وأخيرًا، أعلن لها: "الربّ معك". وها هو يفسّر الآن ما قاله: لأنها ستلد طفلاً يكون المسيح المنتظر. وقبل أن يصل إلى هذا التحديد الأخير في آ 32- 33، يعلن هذه الولادة بعبارة مقَوْلبَة نجدها في نصوص عديدة من التوراة.
نقرأ في تك 16: 11 عن إسماعيل: "وقال لها (هاجر) ملاك الربّ: "ها أنتِ حامل، وستلديِن ابنَا وتسمّينه إسماعيل". ونقرأ عن إسحق: "بل سارةُ امرأتك ستلد لك ابنَا وتسميّه أسحق" (تك 17: 19). وقال ملاك الربّ لأمّ شمشون: "ستحملين وتلدين ابنًا... وهو يبدأ بخلاص إسرائيل" (قض 13: 5). ونقرأ خصوصًا في اش 7: 14 عن عمّانوئيل، عن ابن الملك الذي سيلد فيؤمّن وارثًا للملك: "ها إن العذراء (الصبيّة، علمة في العبريّة) تحبل وتلد ابنًا وتدعوا اسمه عمانوئيل".
سيُدعى الطفل يسوع، لأنّ هذا هو اسمه التاريخيّ، ولكن لا شكَّ في أنّ الملاك (ولوقا معه) يفكّر بعمّانوئيل، بابن بتول. هذا ما سيبيّنه لنا النصّ.
وترِد الألقاب المسيحانيّة للولد الموعود به في آ 32- 33. هناك صفة "عظيم" وقد طُبّقت على يوحنا المعمدان (آ 15)، فأبقتنا في الغموض حول هويّة هذا الطفل. غير أن صفة "ابن العليّ" تفتح عيوننا على ما في هذا الطفل من عظمة. لن نكتشف حالاً بنوّة يسوع الالهيّة في معنى الايمان المسيحيّ. هذا الاكتشاف سيتمّ بعد القيامة. أمّا في العِهد القديم فعبارة "ابن الله" أو "ابن العلي" استعارة تقال لمن يشارك الله مشاركةَ خاصّة في حياته الحميمة. فالملاك هو ابن الله (مز 29: 1؛ أي 1: 6)، والشعب المختار هو ابن الله (حك 18: 13؛ رج هو 11: 1 حيث يقول الله: "من مصر دعوت ابني")، واليهوديّ التقيّ يسميّ نفسه "ابن الربّ" (حك 2: 13 ). والمسيح الملك اختاره الربّ ومسَحه، وقال فيه: "أكون له أبًا ويكون لي ابنا" (2 صم 14:7؛ مز 7:2: "انت ابني، أنا اليومَ ولدتك"؛ 89: 27: "يدعوني أبي وإلهي").
وسيمتدّ هذا الاستعمال في العهد الجديد، فيكتب لوقا نفسه: "أَحبوّا أعداءكم فتكونوا أبناءَ العليّ لأنه صالح لناكري الجميل والأشرار" (6: 35).
إذا عُدنا إلى سياق خبر لوقا نجد أنّ اللقب مسيحانيّ، وإن هيّأَنا لما نجده فيما بعد: قدوس وابن الله. فما يلي حتى نهاية آ 33 يدلّ بصورة واضحة على الكرامة المسيحانيّة لهذا الطفل الذي يولد: يرثُ عرش داود، يملكُ مُلكًا مؤبّدًا على بيت يعقوب. هذه هي كلمات الوعد بالمسيح الداوديّ كما قالها ناتان لداود (2 صم 7: 12- 13) وردّدها اش 9: 5- 6 بمناسبة حديثه عن عمانوئيل.
وهكذا علّمنا القسمُ الأَوَّل من الحوار أنّ مريم ستنال في شخصها زيارة مسيحانيّة أعلن عنها الأنبياء، فتصبح أمَّ المسيح المنتظر. حتى الآن، حافظت الفكرة على نفسها في خطّ المواعيد التي عبّرت عنها التوراة بوضوح. والعنصر الجديد: ما كان انتظارًا لمستقبل بعيد أو قريب، وجدَ الآن تحقيقه المباشر والملموس. ولكن شكل هذا التحقيق بحبَل بتوليّ، يمثّل رِفدًا جديدًا يرفع هذه الولادة إلى مستوى آخر، ويقدِّم معنى آخر للقب "ابن الله" الذي سيُعطى للطفل الذي سيُولد. هذا ما نتعلّمه من القِسم الثاني من الحوار (آ 34- 38).

3- القسم الثاني من الحوار
أ- سؤال مريم (آ 34)
تبدأ هذه المرحلة الثانية بسؤال في آ 34: "كيف يكون هذا، لأني لا أعرف رجلاً"؟
قبل أن نشرح النصّ، لابدّ من تحديد نقطتين. الأولى: نفهم فعل "عرف" بالمعنى البيبليّ، وهو يدلّ على علاقات زواجيّة. فان أخذناه في المعنى المعروف وجعلنا مريم تقول إنها لم تتعرّف إلى أحد، نعتناها بالسذاجة بل بالنفاق، لأنها مخطوبة ليوسف. النقطة الثانية تتعلّق ببتوليّة مريم. فلفظة "مخطوبة" في آ 27 لا تفي بالمراد. وإذ أراد لوقا ان يزيل كلّ شكّ، كتب مرّتين في آ 27: "بارتينوس" أي عذراء، فقال: "إلى عذراء مخطوبةٍ لرجل اسمُه يوسف من بيت داود، واسمُ العذراء مريم". كلمة "عذراء" هي التي تعطي المعنى الحقيقيّ لسؤال مريم ولجواب الملاك.
منذ القديس أغوسطينس اعتاد التأويل الكاثوليكيّ أن يشرح سؤال مريم بنَذْر نذرَته مريم بأن تبقى بتولاً، وهذا ما يتعارض مع الولادة التي بشّر بها الملاك. هذا التفسير ليس بأكيد من الوُجهة الكتابيّة، ولهذا جاء من يعارضه كما جاء من يدافع عنه.
الذين يعارضون النذر يلاحظون أنّنا لا نجد توافقًا عند الآباء ما عدا غريغوريوس النيصيّ وأغوسطينس. وان مثل هذا النَذر ظلّ مجهولاً حتى القرن الخامس لدى امبروسيوس وايرونيموس. كما يبدو لهم أنه لا ينتج طوعًا من حرفيّة النصّ: إن فعل "غينوسكو" لا يكفي ليقول: "لا أريد أن أعرف رجلاً". أو: "لن أعرف رجلاً". إنه يعبّر بصورة طبيعيّة عن واقع مريم الحاليّ: لا علاقات زواجيّة في حياتها. فهي مخطوبة (حسب العادة في أرض إسرائيل، هي تقيم في بيتها) وهي تدهش في هذه الظروف من حَبلٍ قريب. ومقاومة مريم التي فرَضها التفسير الكلاسيكيّ تدهشنا: ما قيمة نَذرٍ خاصّ ضد مخطَّط إلهيّ أشار اليه الملاك. ونتساءل أيضًا عن معنى هذه الخُطبة مع يوسف.
ويناقش الشُرّاح خصوصًا مبدأ نَذر البتوليّة الذي نذرته مريم: الزواج يكَّرم في إسرائيل تكريمًا يجعله وضعًا طبيعيًّا يفرض نفسه على كلّ انسان، لاسيّما على النساء. تتحدّث النصوص عن أحد الربّانيّين الذي ظلّ عازبًا، فاستحقّ اللوم بسبب ذلك. أما الأسيانيّون، فقد شكّلت عزوبيّتهم شُذوذًا دفعهم إليها تأثير غريب عن العالم اليهوديّ، ودفع الرجال دون النساء (تحدّث فيلون عن "بتولات مسنّات" لدى "الآسيين" العائشين في مصر). ولكن يبقى أنّ اليهوديّة الأرثوذكسيّة في فلسطين لم تمتدح العزوبيّة.
إن المسيحيّة هي التي رأت في البتوليّة حالةً أسمى من الزواج، وذلك على خُطى تعاليم يسوع (مت 19: 12: "من لا يتزوّجون من أجل ملكوت الله") ومثال حياته، وعلى خطى مريم التي اختارها الله أمًا على ان تكون عذراء. ولقد وقع عدد من الناس في مغالطة تاريخية حين تخيّلوا العذراء مريم مكرّسةً للرب على مثال العذارى المسيحيّات في القرنين الرابع أو الخامس. فالأسفار المنحولة عوّدتنا على أن نرى مريم المكرّسة لله والعائشة في الهيكل منذ نعومة اظفارها، وأن نتخيّل يوسف شيخًا اختاره الكهنة ليحمي بتولية زوجته الصبيّة. هذه صور خاطئة ولا بدّ من محاربتها. فلا سلطة قانونيّة للأسفار المنحولة التي نجد فيها آثار هرطقة تعففيّة تحتقر سرّ الزواج المقدّس.
إذا وضعنا مريم في المحيط الحياتيّ لعصرها، يبدو من الطبيعيّ أنها فكّرت بالزواج مثل كل رفيقاتها في أرض فلسطين. لهذا خُطبت ليوسف ونحن لا نخاف من هذا القول الذي يمكنه، كما يقول البعض، أن يمَسّ نقاوة مريم وقداستها.
إنهم يتجاهلون قداسة الزواج الذي نادت به التوراة مرارًا. سوف نرى كيف أن بتوليّة مريم ارتبطت بنداء الله لها يوم البشارة: "الروح القدس يحلّ عليك، وقدرة العليّ تظلّلك".
وقال أيضًا أصحاب الرأي التقليديّ: لا شكّ في أن بتوليّة مريم لم تكن المثال العاديّ لامرأة تعيش في فلسطين. ولكن وضع مريم هو فريد، وقد هيّأ الله مخطّطه بالنسبة إليها، فأوحى إليها باكرًا بدعوة عجيبة، وإن كانت قد التزمت بالزواج، فلكي تحافظ على بتوليّتها. سلّمت نفسها إلى الله وسألته أن يلهم يوسف عواطف توافق عواطفها.
إن الحوار بين النظريّتين يدلّ على أن الشُرّاح يتوقّفون عند سيكولوجيّة مريم، وينسَون أنّ لوقا يقدّم لنا لاهوتًا. لعبت آ 34 دور المفصلة في الحوار الذي يورده، فوصلت الحوار الأوّل بالحوار الثاني. أعلن الملاك ولادة المسيح وعليه أن يعلن الآن الوجه البتوليّ لهذه الولادة. وسؤال مريم الذي يحرّك سؤال القارئ، يهيّئنا لهذه المرحلة الجديدة. هل افترض لوقا نذرًا للبتوليّة سابقًا لهذا المشهد؟ هناك جدال. ولكنّ ما لا شك فيه هو تعليمه الصريح الواضح: كانت مريم عذراء، وأكّدت بتوليّتها حين دعاها الله لتكون أمّ المسيح. هل نذرت فيما مضى أم لم تنذر؟ كلّ ما نعرفه هو أنها الآن نذرت نفسها بكلّ تأكيد. وستصير إلى الابد الأمّ البتول، وهذا ما يهمّنا بالدرجة الأولى. أمّا النداء الالهيّ فكان الحافزَ الذي أثار ردّة فعل بسبب حضور الله وتدخّله بصورة عجيبة.
ب- جواب الملاك: الحبَل البتوليّ. يسوع ابن الله (آ 35- 37)
حمل جواب الملاك الحلَّ لهذه المسألة التي طرحناها، وشكّلت آ 35 العنصر الجوهريّ في الحوار كلّه وتتويج العرض اللاهوتيّ الذي قدّمه لوقا. لهذا سنتفحّص بدقّة كل لفظة من الألفاظ.
يعلن الانجيل تدخّل الروح القدس في جملة يوافق جُزآها لفظةً لفظة. "الروح القدس" و "قدرة العليّ"، "يحلّ عليك" و "يظلّلك". يبدأ الفعلان بأداة "آبي" على، يحلّ عليك، يلقي بظلّه عليك.
أن يأتي (يحلّ) الروح القدس على العذراء، تلك عبارة نجدها في التوراة. مسَح صموئيلُ داود "فحلّ روح الربّ" عليه (1 صم 16: 13). ونقرأ في اش 32: 15: "يُفاض علينا الروحُ من العلاء فتصير البريّة جنّة". إن الروح يوَلِّد الحياة في كل مكان ويُنمّيها.
أمّا الفعل الثاني (أبيسكيازو) فهو قليل الاستعمال ويتضمّن معنىً عميقًا. نجده في مقاطع من التوراة، وهذا ما يساعدنا على إيضاح مفهومه. في خر 40: 35 يقال لنا إن الغمام (السحاب) حلّ على خيمة الاجتماع، فرمز إلى مجد الله الذي يملأ المسكن (رج عد 9: 18- 22). وفي مز 9: 4؛ 140: 8 نجد صورة أخرى تستعمل اللفظة عينها: صورة الله الذي يشبَّه بطير، وأجنحته تُخبئ تحت ظلّها كل الذين يحميهم (رج مز 17: 8؛ 36: 8؛ 57: 2؛ 63: 8). 
يمتزج هذان الموضوعان في خر 25: 20 و1 أخ 28: 18 حيث يظلّل الكروبان تابوت العهد بأجنحتهما. فالطير الذي يضمّ جناحيه يحاول أن يحمي صغاره فيخفيهم عن عيون الأعداء ويحجبهم عن ضرباتهم. ولكنه قد يحضن بيضه ليخرج منهِا الحياة، وهذا يشير إلى صورة الروح الخلاّق في بداية العالم (تك 1: 2): أنه يُشَّبه بطائر يحلُّ على المادّة التي لا شكل لها، فيولّد الحياة بأشكال ترتبط بكلمة الله.
ونعود إلى سِياق النصّ لنرى الصورة التي تنطبق على ما كتبه لوقا هنا. إن كلام الملاك يعلن للعذراء أكثر من عون بسيط وحماية. أمّا الصورة التي تتطلّبها القرينة، فهي صورة الطائر الالهيّ الذي يضمّ جناحيه ليخلق الحياة. فنحن أمام طفل سيُحبَل به مع أنّ أمه عذراء. وحين يتكلّم الملاك عن الروح القدس على أنه قدرة يغطّي مريم بظلّه، فهو يشير بوضوح إلى أن هذا الروح سيلعب دور المبدإ الخلاّق، وسيولّد الحياة في حشا مريم. نحن بعيدون عن التصوّرات الوثنيّة وزواج الآلهة. نحن في خطّ التوراة الذي يشدّد على وحدانيّة الله وعمله في الكون. فما يعمله الروح (النسمة الخلاقة) منذ بدايات العالم، يعمله الآن في حشا مريم فينتج فيها الحبَل البتوليّ.
ونودّ أن نخطو خطوة أخرى: هل نجد في هذا النصّ تلميحًا إلى خر 40: 35؟ كما كان الغمام يغطّي المسكن السماويّ فيملأه من مجد الربّ، هكذا صارت مريم المسكن الجديد الذي يظلّله الروح القدس، فضمّت في حشاها الحضور الالهيّ للمسيح ابن الله (مريم هي أيضًا تابوت العهد وذهابها إلى أليصابات في 1: 39- 44 يشبه دخول تابوت العهد إلى أورشليم، 2 صم 6: 2- 11). هذا الشرح ممكن وإن لم نجد كلمة "مجد" وفعل "ملأ" في نصّ لوقا ليصبح قريبًا من نصّ الخروج. ولكن يبقى أن كلام الملاك يُعلن تدخّلاً ساميّا من الروح الذي سيُحدث ولادة ابن الله المقدّسة بشكل بتوليّ.
"لذلك، فالقدّوس الذي سيولَد يدعى ابن الله". أو: يكون المولود قدُّوسًا، أي مكرّسًا تكرّيسًا كاملاً لله، وقد نترجم: الذي سيولد يدعى قدّوسًا وابن الله.
إن تسمية ابن الله هي أمرٌ جوهريّ في نظر لوقا، وهي تمثّل نهاية فكره اللاهوتيِّ. كان قد قال في القسم الأوّل من الحوار إن الطفل سُيدعى "ابن العليّ" في معنىَ مسيحانيّ، وها هو الآن يعلمنا في القسم الثاني أنّ لقب "ابن الله" يَنال معنىً جديدًا وساميًا بفضل الحبَل البتوليّ. حُبل بيسوع مباشرة بفعل الروح القدس، لا بفعل أب بشريّ، فصار ابنَ الله بشكل خاصّ وفريد. نحن هنا على خُطى القديس يوحنّا الذي يتحدثّ عن كلمة الله المتجسّد في طبيعة بشريّة. نحن هنا أمام إعلانٍ لسرّ التجسّد يوجّهنا إلى يو 1: 14: "والكلمة صار بشرًا وسكن بيننا".
إن تسمية "ابن الله" عند لوقا كما في التوراة تدلّ على المسيح المنتظر (رج 4: 34، 41؛ أع 9: 20، 22). ولكن لوقا يجعل منها أعظم تعبير عن العلاقة السريّة التي توحّد يسوع بالله. قد ترِد هذه التسمية على لسان البشر، ولكنها ترد خصوصًا في فم الله نفسِه (3: 22؛ 9: 35). وفي نهاية كلام الملاك جبرائيل، تسنُد تسميةُ "ابن الله" تسميةَ "ابن العلي" "فتدلّ على الملء الجديد لبنوّة يسوع الالهية (22: 70).
نحن لسنا بعدُ أمام شرح واضح كما سيقوله الايمان المسيحيّ عن ابن الله يوم دوّن لوقا إنجيله. ولكننا منذ الآن نجد تبريرًا شرعيًا للقب سيلعب الدور الأوّل في اللاهوت البولسيّ.
ونتساءل: أما قرَّب لوقا هنا وضع المسيح من وضع آدم كما سيفعل بوضوح حين يورد نسب يسوع في 3: 23، 38؟ لم يكن لآدم أبٌ إلاَّ الله، وكذا نقول عن المسيح. ومهما يكُن من أمر الاختلاف الجذريّ في الطبيعة، فهناك تشابه ذو بُعد هامّ اهتمّ به لوقا الذي تتلمذ على يد بولس: آدم الجديد هو مثلُ آدمَ القديم رئيس الجنس البشريّ. معه تتوقّف سلسلة السُلالات البشريّة لتنطلق انطلاقة جديدة. تكوَّن يسوع بيد الله مباشرة مثل آدم فاستحقّ مثله أن يُدعى ابنَ الله بمعنى خاصّ جدّا، وهذا لا يمنعه من أن يكونه لأسباب فائقة الطبيعة لم تُذكر في هذا المكان من الانجيل.

4- النهاية: قَبول مريم (آ 38)
وتأتي نهاية الحوار. أُعطيت علامة لمريم (آ 36- 37) حسب طريقة هذا الفنّ الأدبي في البشارات السماويّة (قض 7: 36- 4؛ اش 7: 10- 16). ثم إن لوقا هيّأ بهذه الطريقة مشهد الزيارة، وجعل الحلقات تتماسك. ولا ننس أنه إن لم يكن إيمان مريم بحاجة إلى ما يثبّته، فإيمان القراء يستفيد من هذه الآية.
قالت مريم: "أنا خادمة الربّ". قد نكون هنا أمام فعل تواضع. ولكننا بالأحرى أمام فعل إيمان (آ 45) ومحبّة، لأن لقب "خادم الرب" (عبد الله) يحمل مجدًا لصاحبه.
وانتهى المشهد على قبول مريم. لن نقول إن "الله" انتظر هذا القبول بقلق وكأنه لم يكن منتظرًا، ولن نقلّل من حرية مريم وعظمة جوابها لله. وتبدو عظمتها بصورة خاصّة حين وعَت السرّ وأدركت كلّ عمقه، فاستسلمت لمتطلّبات عمل الله

5- الخاتمة
يستند هذا الخبر إلى خبرة مريم الدينيّة، إلى خبرة سريّة غنيّة جدًّا، وإلى واقع تاريخيّ.
ظن بعضهم أن الاعتقاد بالحبل البتوليّ بالمسيح كان استنتاجًا استخرجه المسيحيّون الأوّلون من نبوءة عمّانوئيل في اش 7: 14. هذا لا يكفي. فالنصّ العبريّ لهذه النبوءة مع لفظة "علمه" (التي تدلّ على امرأة صبيّة) لا يدلّ على الحبل البتوليّ. ثم إن لفظة "برتينوس" اليونانيّة دلّت في نظر اليهود على "ابنة صهيون" التي تجسّد الجماعة المسيحانيّة تجسيدًا سريًّا. فإذا أردنا ان ننتقل من تشخيص شعريّ إلى واقع شخصيّ وملموس، احتجنا إلى رِفد جديد من وحي يُعطي لقولٍ نبويّ قديم ملء معناه. والذي نعِمَ بهذا الوحي الجديد هو مريم. فهي أوّل من عرف من الله أنّ النبوءة القديمة ستتحقَّق في حشاها بطريقة واقعيّة وعجيبة. ومنها قبلت الجماعة الأولى (اي الكنيسة) هذا السرّ ونقلته إلى المؤمنين (مت 1: 18-25).
إن هذا المقطع الذي تأمّلنا فيه يقدّم لنا خبرة مريم الخفيّة في إطار إلهيّ. فبحوار مبنيّ بناءً مُحْكمًا، نجد جوهر هذه الخبرة، وقد جعله لوقا في إطار لاهوتيّ وكتابيّ من أجل تغذية إماننا.
وعلّمنا هذا المقطع أن ابن مريم سيكون ابن داود ووارثَ العرش المسيحانيّ. حُبل به بشكل بتوليّ فاستحقّ منذ ولادته لقب ابن الله.
إن سر مجيء ابن الله إلى العالم هو تتويج لكل المحاولات التي هيّأت هذا المجيء في العهد القديم. لقد رفض الله هيكلاً من حجر أراد داود أن يبنيه له (2 صم 7: 1- 16)، ولكنه وعده بنسل أزليّ سيكون سلالة داود. لقد تمّ الآن هذا الوعد في مريم التي صارت "تابوت العهد" و "بيت الذهب "، وفيها جاء الابن يقيم وسَط البشر.
نحن هنا أمام وحيٍ للسرّ "الذي بقي مكتومًا منذ الأزل وظهر الآن". فلا يبقى لنا إلاَّ أن ننادي به (روم 16: 25- 26).
الفصل التاسع
الزيارة
1: 39- 45

أ- الإِِطار: إنجيل الطفولة
يشكّل إنجيل الطفولة مرحلةً هامّةً في نموّ الوحي في العهد الجديد. حتّى ذلك الوقت، كان التقليد المشترك يجعل إعلان البُشرى (الانجيل) يبدأ مع عِماد يسوع (مر 1: 1؛ أع 1: 22؛36-37؛ لو 23:3؛ 23: 5؛ مر 1:1). فدخول السابق على المسرح يكوّن مفصلة بين العهدين: من جهة، هو نهاية التدبير القديم مع آخر الأنبياء وأعظمهم، ومن جهة ثانية، هو الإِعلان الأوّل لمجيء الملكوت. وعلى هامش هذا التقليد المشترك، ركَّزت بعض الأوساط الخاصّة في الكنيسة الأولى انتباهها على أصول يسوع البشريّة. فمنذ اللحظة الأولى لمجيء المسيح وسط البشر، انكشفت كرامته السريّة وإشعاع حضوره الخلاصيّ. إن أحداث الطفولة تنتمي هي أيضا إلى الإِِنجيل، إلى الخبر المفرح لحدث الخلاص.

1- رسمة لأهمّ المواضيع اللوقاويّة.
عرف لوقا بطريقة مباشرة أو غير مباشرة هذه الحلقات الصغيرة التي رافقت مريم أو شهودًا آخرين فألقت على أحداث الطفولة النور الذي حمله التاريخ اللاحق. جَمَعَ تقاليد متعددة (قد يكون بعضها كُتب)، وجعلها في رأس كتابه. أخذها ولكنّه صبّها في رؤيته الخاصِّة لتاريخ الخلاص وعرض لنا بطريقته (وهي تختلف عن طريقة مت 1- 2) أحداثَا نكتشف فيها تدبير الخلاص كما سنراه في وَلْي إنجيله وفي سفر الأعمال.
إن الفصلين الأوّلين في الإِِنجيل الثالث يُبرزان منذ البداية مراكز اهتمام رئيسيّة في لاهوت القديس لوقا: تقبّل الخلاص في الإِِيمان، إشراق حضور المخلّص، فيض الروح القدس، ظهور رحمة الله، امتياز الصغار والوضعاء والنساء، مناخ الفرح والتعجّب والمديح. نرى كل هذه السِمات التي تميّز أزمنة الخلاص، نراها بصورة ساطعة لا بعد العنصرة فقط، أو خلال حياة يسوع العلنيّة وحسْب، بل بصورة خفيّة وحميمة مع أحداث الطفولة ويوم تقبّل مجيءَ المخلص للمرة الأولى أناسٌ تشرّبوا من تقوى العهد القديم.

2- تأليف النصّ
وحين أراد لوقا أن يُدخل هذه الأفكار في ذهن القارئ، اختار بعض الوقائع البارزة وقدّمها حسب ترتيب منهجيّ. فأخذ مثلاً بموازاة بين البشارة لزكريّا (1: 5 ي) والبشارة لمريم العذراء (1: 26 ي)، بين ميلاد (مع الختانة والنموّ) السابق (57:1 ي) وميلاد (مع الختانة والنموّ) يسوع المسيح (2: 1ي). فبهذا البناء التناسقيّ والمتدرّج الذي تؤكّده تشابهات على مستوى المفردات والأسلوب فتشدِّد بصورة ظاهرة على شخص يسوع ودوره، بهذا البناء أبرز الخبرُ الإِِنجيليّ التواصل بين تدبيرين دينيّين كما أبرز خضوع يوحنا (ومعه العهد القديم) الكامل ليسوع.
وفي خبر الزيارة نجد أيضًا هذا الرباط بين السابق وشموع المسيح، مع رباط مماثل بين أمّ يوحنا وأمّ يسوع: نجد تشابهًا بين نفسي هاتين المرأتين من جهة، ومن جهة ثانية سموّ مريم على أليصابات سموًّا لا مثيل له. لقد نالت مريم الآن أهميّة لم يقرّ بها التقليد المشترك (رج مر 3: 31- 35 وز). فالروح يعلّمنا عَبْرَ رِفد لوقا، أن كرامة مريم الرفيعة هي جزء من الإِِنجيل، من مُعْطَيات الوحي.
وإذا قُمنا بدراسة نقديّة للمراجع نرى أنّ ف 1 يمزج وثيقتين سابقتين ومستقلّتين الواحدةُ عن الأخرى. وُجِدَ في البداية خبرٌ يتعلّق بيوحنا المعمدانِ (البشارة لزكريا، ولادة الطفل، 1: 5- 25، 57- 80). خبر يشكّل وَحدةً كاملة مع ميزات أدبيّة وتعليميّة خاصّة. ويبدو يوحنا في هذه الوثيقة كالسابق المقبل لا للمسيح، بل ليهوه نفسه، للربّ (كيريوس) كما يقول العهد القديم. 
قال ملا 3: 1: "ها أنا أوفد رسولي فيهيّئ الطريق أمامي. وللوقت يأتي إلى هيكله السيّد (الله الذي يسود الكون) الذي تلتمسونه، وملاك العهد (عملُ الله عملٌ مباشر، ولكنهم يجعلونه يتمّ عَبْرَ وسيط احترامًا لله). ها هو يأتي، قال ربّ الأكوان". وفي ملا 23:3 نقرأ: "ها أنا أرسل إليكم إيليا النبيّ، قبل أن يجيء يوم الربّ العظيم الرهيب". احتلّ شخص إيليا مكانةً هامّة في الأدب اليهوديّ كسابق للمسيح. وسيبينّ يسوع أن يوحنا المعمدان قام بهذا الدور خير قِيام (مت 17: 9-13 وز).
نحن نتخيّل ما استخرجه من هذه النصوص المتشيّعون للمعمدان الرافضون مسيحانيّة يسوع.
أمّا وثيقة لوقا الثانية في ف 1 فتتعلّق بمريم: البشارة والزيارة (26:1- 56). أُقحمت الوثيقة الثانية في الوثيقة الأولى فكان لنا هذه الموازاة التضادّيّة التي وجدناها بين البشارة لزكريا والبشارة لمريم، مع التأكيد على سموّ مقام مريم.

3- البشارة والزيارة
في هذه الوثيقة الثانية (1: 26- 56) ترتبط الزيارة ارتباطًا وثيقًا بالبشارة. إنهما درفتان متكاملتان لديبتيكا واحدة. تقبّلت مريم الكلام السماويّ المتعلّق بأمومتها المسيحانيّة، فسألت الملاك عن بتوليّتها. حينئذ حدّد الملاك الطابع العجائبيّ والبتوليّ للحبل الذي أعلنه ("الروح القدس يحلّ عليك"). وأعطى علامةً عن هذا الوعد، علامةً قريبة وسابقة: حَبَل أليصابات العجائبيّ، رغم كبر سنّها وعُقْمِها السابق ("ها نسيبتك أليصابات حُبلى بابن في شيخوختها... وهي التي دعاها الناس عاقرًا"، آ 36).
وفي مسيرة الخبر هذه (كلام الملاك، سؤال مريم، جواب الله الذي يؤكّده الوعد ويحدّده) نكتشف رسمةً إصطلاحيّة في التوراة تتحدّث عن بشارات بمولد عجيب (تك 17: 15- 22؛ 18: 10- 15؛ قض 13: 2- 14). فبحسب هذه السوابق، تضمّنَ الوعد الإِِلهيِّ الموجَّه نحو خلاص الشعب، إشارةً إلى علامة (قض 36:6- 40؛ اش 7: 10- 16) سيَروي الكاتب فيما بعد كيف تحقّقت.
ويعرض حدثُ الزيارة أوّلاً تقريرًا عن هذه العلامة: ارتعش يوحنا في حشا أمّه فشهد أنها حامل، فكان الضمانةَ لحبل العذراء العجيب. هنا ينتهي الخبر الذي بدأ في البشارة. وكذلك تتضمّن البشارة لزكريا بعد سؤاله للملاك، إشارةً إلى علامة (صمت الرائي مدّة طويلة: "وها أنتَ تكون صامتًا"، رج قض 37:6؛ 1 صم 10: 1؛ 14: 8؛ 1مل 13: 3؛ 2 مل 20: 9؛ اش 7: 14؛ 30:37؛ 7:38؛ ار 44 :29) ستتحقّق حين يولد الطفل (نذكر ان خبر الولادة تلا حالاً خبر البشارة).
ونقول الشيء عينَه عن حدَث الرُعاة (8:2- 20). إن إعلان ميلاد المسيح رافق ذكر العلامة (اكتشاف طفل يرقد في مذود) التي أسرع الرعاة ليتأمّلوها. إن التشابه بين هذه الأخبار يدلّ على تماثل فنِّها الأدبيّ. وهكذا فمعنى الزيارة نجده بالنسبة إلى البشارة. والإِشارة إلى العلامة تطلب التحقق منها.
والخبر الثاني (الزيارة) يعرض ظهور العلامة التي وُعد بها في الخبر الأوّل: تدخّلُ الله بشكل مهمّ وقريب، ودورُه أن يؤكّد الوعد الأساسيّ المعطى في البشارة (أمومة البتول المسيحانيّة).
وتتوالى المقطوعة حسب حركة معروفة عند لوقا ببعض آيات المديح: مديح أليصابات لمريم (آ 42- 45)، مديح مريم لله (آ 46- 55، نشيد التعظيم). تتضمّن خطبة أليصابات ثلاث مراحل، حيث تشكّل المرحلة الثانية تفسيرًا للحدَث الذي حصل الآن. إن هذه الجملة المِحْوَريّة التي يسيطر عليها لقب "أمّ الربّ"، تقع بين جملتين أُخرَيَين تمتدحان مريم بلغة المباركة (آ 42: "مباركة أنت في النساء") ولغة التطويبة (آ 45: "طوبى للتي آمنت").
وهكذا يُغْني لوقا المعنى الأوّل للحدَث (التحقّق من العلامة) بتعاليم أخرى تهمّه بصورة خاصّة حول الكرامة الفريدة لأمّ الربّ. وأخيرًا يَرِدُ نشيد التعظيم، وهو نشيد شكر تتفوّه به العذراء. وهكذا تنتهي متتاليةُ البشارةُ والزيارة.
وتتضمّن المقطوعة التي ندرس قسمَين:
أوّلاً: الحدَث: لقاء المرأتين، ارتعاش الطفل في حشا أُمّه. وهكذا ظهرت العلامة التي وعد بها الملاك في البشارة.
ثانيًا: خطبة أليصابات التي تفسّر الحدَث وتمتدح أمّ الربّ.

ب- ظهور العلامة (آ 39- 42 أ)
1- اللقاء (آ 39- 40)
نلاحظ منذ قراءتنا الأولى للنصّ توافرَ التعابير البيبليّة: قامت وانطلقت، في تلك الأيَّام... إن التأمّل المسيحيّ انصبَّ في قوالب استعملها الكتاب المقدس. والهدف هو تَبيان التواصل المسيحيّ بين العهد القديم والعهد الجديد. 
... "في تلك الأيّام". هذه الإِشارة الغامضة والمتواترة عند لوقا تَعني هنا (كما في 7:23): "في تلك الأيَّام عينِها". وهي تربط خبر الزيارة بالخبر الذي سبقه. فكلام الملاك المتعلّق بحبَل أليصابات العجائبيّ يتضمّن دعوةً إلى مريم لكي تذهب وتتأمّل العلامة العجيبة. وانطلاقة مريم هي جواب على ما أوحى به الملاك.
وانطلقت مريم حالاً في خضوع إيمانها وهي متأكّدة من كلام الله. انطلقت "مسرعة" نحو أليصابات. وما إن وصلت حتى وقفت على حقيقة العلامة.
إن اللفظة التي تتحدَّث عن سرعة العذراء لا تشير بصورة مباشرة إلى العجلة في الإِنطلاق والسرعة في السفر. إنها تدلّ بالأحرى على استعداد داخليّ وحالة نفسيّة تتألّف من الورَع والتقوى، من غيرة لأمور مهمّة. وفي العهد الجديد تدلّ اللفظة دومًا على مثل هذا الاستعداد الباطنيّ.
وإذا عُدنا إلى سِياق النصّ نرى أن "سرعة" العذراء تحرّكها عواطف ثلاث:
- مخافة دينيّة وشعورٌ رهيب أمام الأحداث العجيبة التي تحصل. نقرأ في آ 29: اضطربت. وفي آ 30: لا تخافي.
- الفرح: فالملاك يدعوها إلى الفرح (آ 28: ابتهجي)، وأليصابات تحدّثها عن ابتهاج الجنين في حشاها (آ 44)، ومريم تُنشد بدورها: "تبتهج روحي بالله مخلّصي" (آ 47).
- الإِِيمان: لقد انتهى خبر البشارة في موضوع الإِِيمان (آ 38). وسنتذكّره في نهاية هذه المقطوعة: "طوبى للتي آمنت" (آ 45).
ونفهم هذه الاستعدادات بطريقة أفضل إن نحن عُدنا إلى سفر دانيال الذي يعبّر عن عواطف الملك بالطريقة عينها. بعد أن شاهد الملك معجزة الفتيان الثلاثة في الأتّون، كتب دا 3: 91: "حينئذ دَهِش نبوكد نصّر الملك وقام بسرعة وسأل أصدقاءه". وبعد معجزة نجاة دانيال من جبّ الأسود، نقرأ: "وفي الغداة، قام الملك عند الفجر وانطلق مسرعًا إلى جبّ الأسود" (دا 6: 20).
نحن هنا أمام أسلوب جليانيّ، والإِِطار إطار رؤيا ووحي، يصوّر جواب الإِنسان وتوسّله أمام تدخّل عُلويّ سيحدث دهشةً مقدّسة وإعجابَ الفرح وتعلّق المَؤمن بعمل الله.
نستطيع أن نفكّر أيضًا بمحبّة مريم التي عجّلت بالذهاب لمساعدة نسيبتها المسنّة التي ستصبح أمًّا. هذا الباعث هو أمرٌ مسلَّمٌ به في الظرف الحاضر. ولكن الكاتب الملهم لا يذكره ولا يلمّح إليه.
وانطلقت مريم إلى الجبل، إلى مدينة في يهوِذا، إٍلى بيت زكريّا. تتردّد أداة "ايس" (إلى) اليونانيّة ثلاث مرّات فتحدّد لنا شيئَا فشيئا المكانَ الذي تتوجّه إليه مريم. وهذا ما يدلّ على الحركة والاندفاع اللذَين يحملان مريم، على الفرح والحماسة اللذين يحرّكانها منذ كلام الملاك السعيد ومجيء الله إليها. وهذا الفرح سوف يتفجّر في نشيد التعظيم.
لا يهتمّ الإِِنجيليّ لظروف السفر، ولا يذكر اسم "مدينة يهوذا" التي انطلقت إليها مريم. فهي مدينة غيرُ معروفة، على ما يبدو، وغيرُ مهمّة من الناحية اللاهوتيّة.
وحين وصلت مريم إلى نسيبتها أليصابات، بدأت فوجّهت لها التحيّة المعروفة: تمنّت لها الفرح والسلام والخلاص حسب ما تقول التوراة. لا يفصل لوقا عبارات السلام هذه، فمضمون كلمات مريم لأليصابات أقَلُّ أهميّةً من حدث اللقاء الذي فيه ستظهر العلامة.

2- وارتكض الجَنينُ من الفرح (آ 41- 42 أ)
إن تحيّة مريم، شأنُها شأنُ تحيّة الملاك، حملت نعمةً وأنبأت بحضور الله. ومنذ اللحظة الأولى للقاء بين المرأتين ظهرت العلامة: حين دلّت مريم على وصولها، سمعت أليصابات صوت نسيبتها. ويشدّد الإِِنجيليّ على هذا الواقع في آ 41 (خبر الحدث) وقي آ 44 (تفسير الحدث بفم أليصابات).
أحسّت أليصابات وهي في شهرها السادس، بحركة الولد الذي تحمله. حينئذ امتلأت من الروح القدس لتفسّر هذا الحدث.
إن عددًا من العبارات المستعملة هنا تثير فينا الدهشة: الجنين ارتكض، قفز، رقص (سكيرتاوو، رج مز 114: 4، 6؛ ار 27: 11؛ ملا 3: 20؛ تك 25: 22؛ لو 23:6). وأطلقت أليصابات صوتًا عظيمًا، صوتًا جهيرًا (زعقت، صاحت). إن مثل هذا الكلام يذكّرنا بقوة هجومَ الروح القدس في العهد القديم أو في أيّام الكنيسة الأولى. حينئذ كان يحلّ الروح على أحد المختارين فيعطيه أن يتنبّأ، أي أن يتكلّم باسم الله ويفسّر الأحداث بحسب المخطّط الإِِلهيّ. والانخطاف المفاجئ الذي يُمسك بالطفل، والصُياحُ الذي أطلقته أليصابات، دلاَّ على الطابعَ الخارق لقبضة الروح. يرى الإِِنجيلي هنا أكثرَ من فرحة طبيعيّة لدى امرأة مسنّة ستصير أمًّا، أكثرَ من شعور عميق لدى تلك التي زال عنها العارُ من بين الناس (آ 35). ما يحدُث لها ينغمر في تيّار إلهيّ، في مُناخ تدخّل غلوي تظهر قوتُه بصورة غريبة.
لا يقول لوقا هنا بوضوح إن الروح القدس حلّ على يوحنا المعمدان. لقد جاء يملأ أليصابات فيجعلها تتنبُّأ. كان قد أورد الإِِنجيليّ في آ 15 كلامَ الملاك جبرائيل لزكريّا: "يمتلئ من الروح القدس". وهذه الآية أثّرت على تدوين آ 41: "امتلأت أليصابات من الروح القدس".
حين جاءت مريم التي يقيم فيها الحضور الإِلهيّ، ملأ الروح القدس يوحنّا المعمدان وأمّه. وتكلّمت أليصابات كأمّ السابق. ومنذ الآن ابتهج السابق وشهِد لذلك الذي تحمله مريم في حشاها. في نظرة لوقا اللاهوتيّة، يدلّ هذا المشهد على استباق للقاء بين المسيح وسابقه في بداية حياة يسوع العلنيّة.

ج- أليصابات تمتدح مريم (آ 42 ب- 45)
تشكّل الكلمات المنسوبة إلى أليصابات خُطبةً نبويّة: ألهمَها الروح فانصبّت في أشكال التوراة الغنائيّة (مباركة، تطويبة)، وحملت حماسةً واندفاعًا مقدّسًا. دلّت على مجيء المسيح الذي هو أساس كرامة أمّه.
في الواقع، تعبّر هذه الكلمات عن تفكير مسيحيّ مبنيٍّ بناءً مُحْكمًا، وهو يعود إلى الروح القدس.
لا يعتبر لوقا أنه يورد كلمات أليصابات بحرفيّتها. ويبدو من الصعب أن نقبل بأنّ أليصابات، حتى مع أنوار الروح الخاصّة، استطاعت أن تعرف منذ اللحظة الأولى أنّ مريم حبلت هي أيضًا وأنها ستصبح أمًّا وأمَّ المسيح، أنها تلقّت رسالة من السماء وتجاوبت معها في الإِِيمان، وأنّ ابن مريم هو ذلك الذي سيكون يوحنا المعمدان سابقَه... وكيف تسَتطيع أن تتكلّم أليصابات عن "ثمرة بطنك" وعن "أمّ ربّي" ساعةَ حبِلت العذراء؟
كلّ هذا الكلام فهمته الكنيسة فيما بعد، وجعلته في فم أليصابات. فالثمرة التي قطفها المؤمنون كانت في البَذْرة التي وضعها الروح القدس يوم كان يوحنا بعد في حشا أمّه.
وتتوزّع خُطبة أليصابات في ثلاث جمل موضوعةٍ الواحدةُ قربَ الأخرى، ومرِتبطةٍ الواحدةُ بالأخرى بحرف العطف (كاي في اليونانيّة). أجابت أليصابات أوّلاً على تحيّة مريم مُستعملة المباركة لتنشد نعمة الله الخارقة التي غمرت مريم بسبب ابنها. ثم فَسَّرت بأسلوب مليء بالاستشهادات الكتابيّة، الحدثَ الذي حصل فيها: إن إرتكاض الجنين المفاجئ في حشاها يتوافق ووصولَ مريم. هذا ما يجعلها تنشد مجيء أمّ الربّ. هذا اللقب هو قِمَّة مديح أليصابات لمريم. وأخيرًا، طوَّبت مريم العذراء وتغنَّت بإِيمانها في منظار تتمّة الوعد الإِلهيّ الذي تأكّد وصار قريبًا. وهكذا تتوحّد جملُ الخُطبة الثلاثُ في النظرة الى الأمومة المسيحانيّة.


1- مباركة أنتِ (آ 42 ب).
تتضمّن الجملة الأولى جزئين متوازيَين، ولكن لا فعلَ فيها. وإذا نظرنا إلى القرينة (التي تعلن مريم أمّ الرِبّ) نفهمها أمرًا محقَّقًا لا تمنّيًا: إنّها تعني: أنتِ مباركة فعلاً، لا: كوني مباركةً. هذا التعبير الدينيّ الصِرف نجدُه متواترًا في التِوراة. إنّه صرخةُ الإِِعجاب والفرح أمام شخص غفره الله بعطاياه، أمام شخص بانَ فيه كرمُ الله وحبُّه. ميّز الله أحدَ الأشخاص فاعطاه القدرةَ والغنى والسعادة، أعطاه البنين بعد العُقم، والخيراتِ بعد الفقر. قال الربّ لإِبراهيم عن سارة: "أباركها وأعطيك منها ابنًا. أباركها فتُنجب أمَمًا، ويخرج منها ملوك" (تك 16:17).
ونجد أيضًا صيغة التفضيل: مبارك بينِ الجميع، مبارك فوق الجميع. نقرأ في تث 14:7: "تكون (أيّها الشعب) مباركًا فوق جميع الشعوب". وفي تث 33: 24: "مباركًا يكون أشير (أحدُ الأسباط الاثني عشر) بين البنين. يكون مميَّزًا بين إخوته". وُينشد سفر القضاة (24:5) ياعيل التي قتلت عدوّ شعبها: "مباركة بين النساء ياعيل امرأةُ حابر القينيّ، مباركةٌ بين النساء المقيمات في الخِيام". وأنشد عزّيّا رئيس الشعب يهوديت فقال لها: "مباركة أنت يا بنيّة من الله العليّ، فوق جميع نساء الأرض" (يه 18:13).
يستعمل لوقا هذه الصيغة من أجل قوّتها التعبيريّة، لا بالعودة إلى أحداث من تاريخ إسرائيل. تدهَشُ أليصابات من تدخّل الله في مريم. وإذ أرادت أن تنشد عظمة البتول التي تتفوّق على كل عظمة، والتي جاءتها مباشرة من الرب، لجأت إلى العهد القديم تستلهم تعابيره.
والجزء الثاني من الجملة (يوِازي الجزء الأوّل) يجمع في مديح واحد مريمَ وابنَها. إن المديح الثاني حلّ محلّ الباعث على المديح الأوّل. فالتقاربُ بين المديحَين واضح: تبارَك مريم بسبب ابنها الذي حظيَ برضى الله بطريقة لا مثيلَ لها. لقد طُبّق التأويل المعاصر على المسيح مز 118: 26 ("مبارك الآتي باسم الرب") فرأى فيه الكائنَ الذي باركه الله بركةً لم تصل إلى أحد.
"مباركٌ ثمرةُ بطنك". نحن نقرأ عبارةً مماثلةً في تث 28: 4: "إذا أطعت الربّ... يُبارَك ثمرُ بطنك" (رج تك 30: 2؛ تث 7: 13؛ 28: 18). ولكن شتّان ما بين ثمرٍ وثمر، بين ثمرِ بطنٍ عاديّ وذلك الذي قالت فيه إحدى النساء مادحةٍ مريم العذراء: "طوبى للبَطن الذي حملَك، وللثديَين اللذين أرضعاك" (11: 27).

2- أمّ الربّ (آ 43- 44)
إن الجملة المركزيّة في خطبة أليصابات تقدّم لنا لقبَ مريم الرفيع: أمَّ الربَّ. وقد أقرّت أمُّ السابق بهذا اللقب بعد الخِبرة التي عاشتها في لقائها بالعذراء.
"أمّ الرب". كيف نفهم هذه التسمية في فم أليصابات أو في إنجيل لوقا؟ إن عبارة "ربيّ" او "سيّدي" ترتبط بالبَلاط الملكيّ. يُسمَّى الملك ربّي أو سيّدي. ثم استُعملت التسمية للمسيح، لذلك الملك المثاليّ الذي يأتي في آخر الأيّام. ففي مز 110: 1 نقرأ: قال يهوه (الربّ) لسيدي (أدوناي) الملِك (والمسيح هو الملِكَ الذي اختاره الربّ ومسحه). وهكذا رأت أليصابات في نسيبتها الصبيّة أمَّ المسيح في كرامته الملوكيّة. إذن، أعلنت مجيء المسيح نفِسه. تنبّأت عن هذا المجيء.
حين دوّنِ لوقا إنجيله (80 سنة بعد الحدَث)، كان واعيًا أنه يستعمل عبارة تحمل معنًى ساميًا جدًّا. فيسوع هو ربّ المملكة الاسكاتولوجيّة بقيامته وارتفاعه من عن يمين الآب. هو لا يجهل هذا المعنى المتعالي، ولكنه لا يوضحه فيقدّم مغالطةً تاريخيّة. إنه يورد اللقب ويتركه مفتوحًا على تعمّق لاهوتيّ لاحق. 
ويفسر النصّ كيف عرفت أليصابات مثل هذه الكرامة في مريم: ارتكاض الجنين حين وصولِ العذراء، يُفسَّر الآن على ضوء الروح الذي ملأ اليصابات، كحركة فرح وابتهاج. إنه الفرح المسيحانيّ والاسكاتولوجيّ. تحرّك الطفلُ من الابتهاج، وكان سببُ هذا التهليل مجيءَ المسيح ألربّ.
إن موضوع الفرح هو مع موضوع الروح القدس ومديح الله صت المواضيع المفضّلة لدى لوقا الذي سمّيَ أيضًا "إنجيليّ الفرح". فإنجيل الطفولة كلّه ملاحظات تصوّر مُناخَ الفرح الذي أحاط بمجيء المخلِّص (24:1، 28، 41، 42، 44، 47، 55، 58؛ 2: 10، 13- 14).
لا يخترع لوقا ما نجدُه في هذه اللوحة، بل هو ينقل إلينا مُعْطَيات تقليديّة. أعلنت أليصابات أنها لا تستحقّ أن تستقبل أمَّ الربّ، ولكن حين جاءت مريم، تهلّل يوحنا ابتهاجًا. مثل هذا الكلام يذكّرنا بما قاله السابق أمام المسيح في بداية حياته العلنيّة. في مت 3: 14 نرى يوحنا المعمدان يَدْهَش، ويعلن أنه غير أهل لشرف يمنحه إيّاه يسوع حين يأتي ليعتمد على يده. وفي يِو 3: 29- 30، أعلن المعمدان فرحه الكامل وتهليله الطافح لسماعه صوتَ العريس. ثم يعلن حالاً: "له هو أن يَزيد، ولي أنا أن أنقُض". تلك هي سِمات نفس المعمدان: فرحٌ وتواضع، احتفظ التقليد الانجيليّ بالاتّجاه العامّ، وعبّر عنه كلّ إِنجيلي بطريقته. ولوقا الذي يلقي الآن اهتمامَه على طفولة المسيح قرأ الحلقة الحاضرة على ضوء التاريخ اللاحق. فمنذ طفولة المخلّص، بل قبل ولادته، ارتسمت مسبّقا تصرّفات السابق المقبلة وتصرّفاتُ المسيح.

3- طوبى للتي آمنت (آ 45)
وتلجأ جملة أليصابات الأخيرة إلى أسلوب التطويبة (أبسط من أسلوب المباركة) لتُدخل فضيلة الايمان عَبْرَ مديحها لأمّ الربّ.
نستطيع أن نقرأ الجملة بطريقتين اثنتين:
- طوبى للتي آمنت أنه سيتمّ (مضمون الايمان)
- طوبى للتي آمنت لأنه سيتمّ (أساس التطويبة)
في الترجمة الأولى، تُهنَّأ مريم مباشرةً بسبب إيمانها. وفي الثانية تُهنَّأ لأن الوعد الالهيّ تمّ فيها بفضل أمومتها المسيحانيّة. هذه التتمّة تتضمن ايمان مريم، ولكن الترجمة تشدد على تدخل الله. هذه الترجمة الثانية توافق فنّ التطويبة العاديّ (طوبى للمساكين لأنهم...). إن هذا الاعلان المؤكد يستند إلى علامة سابقة وقد ظهرت الآن.
يُنشَد إيمانُ مريم أمام إيمان زكريّا. قال له الملاك: "لم تُؤمن (تصدّق) بكلامي" (آ 20). أمَّا مريم، فهنيئًا لها لأنها آمنت بكلمة الله التي ستتمّ في أوانها. يُبرز هذا التعارض مرّةً أخرى تفوّق المسيح على السابق، وتفوّق أمّه على زكريا وأليصابات. 
كتب الانجيليّ هذه الكلمة، ففكر ولا شكّ بقبول يسوع النبويّ الذي سيورده في 11: 28. فإذا أردنا أن ندرك وعد لوقا في هذا المجال، نقابل 11: 28 مع 8: 21 وز، حيث يقابل يسوع بين أمّه (وإخوته) من جهة، وتلاميذِه (الذين يسمعون كلمة الله) من جهة أخرى. أن قابلنا لوقا مع متى ومرقس، وجدنا أنه يخفّف من حِدّة التعارض ويتجنب السؤال الجافّ: "من هي أميّ" (مر 3: 33)؟ اما 11: 28 فهي خاصّة بلوقا، وهي تقدّم بشكل تطويبة، لا تعارضًا (بين مريم والتلاميذ) بل تدّرجًا من أمومة مريم إلى تعلّق بكلام الله: "بل طوبى للذين يسمعون كلمة الله ويحفظونها". نُحسّ أنّ الأمومة لا تنفى سماع كلمة الله. فالقرابة الجسدّية لا تحتقَر بالنسبة إلى التعلّق الايماني، وأمومة مريم تدخل في منظار سامٍ جدًّا: فأم المسيح هي التي تفوّقت على الجميع في تعلّقها بكلمة الله. فالايمان جزء لا يتجزّأ من كرامة مريم. وعلى أساس هذا الايمان ستصبح العذراء أمّ الربّ كما وعدها الملاك في مشهد البشارة.

د- خاتمة
يورد إنجيل الزيارة أولاً تحقيق العلامة التي أشار إليها خبر البشارة: فالحدَث المَرْويّ (حبل أليصابات العجائبيّ، مولد السابق القريب) يؤكد وعد الله فيما يخصّ مجيء المخلّص ودعوة مريم إلى الأمومة المسيحانيّة، وكفالة حبلها البتوليّ. فالكلام الذي سمعته في البشارة وصلَ بها إِلى الايمان، شأنه شأنُ علامة الزيارة. ففي زمن المجيء تتوجّه إلينا كلمة الله لتشركنا مع مريم العذراء، لتشركنا في انتظارها للمسيح في الايمان.
وفي القِسم الثاني من المقطوعة، نقَلَ إلينا لوقا بفم أليصابات شهادة إكرام الكنيسة الأولى لمريم العذراء. إن كرامة أمّ الربّ تنتمي إلى مُعطى الوحي. فمريم مباركة فوق كل خليقة بسبب ابنها الذي هو مستودع ألبركة الالهية الأولّ للذين يقبلونه بالايمان.
الفصل العاشر
نشيد التعظيم خطبة عن الله
1: 46- 55

1- المقدِمة
يبدو " تعظّم نفسي للرب " للوَهْلة الأولى نشيدًا له رنّات متعدّدة.
أوّلاً: يُعطى على أنه تعبير عن عواطف مريم بعد الكلام الذي نقله إليها الملاك في مشهد البشارة فاضطربت (1: 26- 38)؛ وجوابٌ مباشِر على مديح وجّهته إليها أليصابات (1: 42- 04). فالكلمات البسيطة التي بها ترجمت مريم إيمانها حين قبلَت كلام الملاك "أنا خادمة للربّ، فليكن لي كما قلت " تتقبّل هنا تكبيرا غنائيًا يكشف ما تتضمّنه من عمق. لقد قابل تانهيل هذا الدور بقسم ينشده مُغَنٍّ فرد في حفلة غنائيّة: تتوقّف الحركة، ويأتي توسّع شعريّ وموسيقىّ يتعدّى اللغة العاديّة، فيبرز مدلول الحدَثِ الذي يحصُل. فتعليم الملاك عنى جوهريًّا الطفل الذي سيُولَدْ (آ 32- 33، 35). ومدائح أليصابات حملت إنتباهنا إلى الأمّ. ولقد أعطيت هذه الأمّ الآن أن تتكلّم، وهي في وضع يتيح لها أكثر من أيّ شخص أن تفسّر ما حصل.
ثانيًا: ندرك حالاً أنّ النشيد منسوجٌ من أوّله إلى آخره بخيوط مأخوذة من التقليد البيبليّ: لا تستطيع مريم أن تعبّر عن ذاتها إلا بالعودة إلى خبرة شعبها. فالعواطف التي تعبّر عنها تميّز أنقى ما في التقوى اليهوديّة، وهي تتكلّم هنا كأفضل ممثلّة لشعبها، كشاهدة لحبّ الله وأمانته لسُلالة إبراهيمَ خليلِه.
ثالثًا: ولكن من الواضح أنّنا لا نستطيع أن ننسى أن الانجيليّ لوقا وضع هذا النشيد في انطلاقة تاريخ ينهيه باستشهاد من اش 6: 9- 10 يندّد بصَمَم وعمى "هذا الشعب " الذي رفض "خلاص الله " (أع 28: 26- 28). إن إقحام نشيد التعظيم في كتاب موجَّه إلى الكنيسة المسيحيّة يعطيه نغماتٍ خاصّة. فالخلاص الذي تُنشدُه مريم هو ذلك الذي ناله المسيحيّون من يسوع الذي يحتفل نشيدُ التعظيمٍ بمجيئه إلى العالم في حشا مريم. وما يَلفِت الانتباه هو أنّ النشيد لا يقول شيئا خاصًّا عن وضع الأمّ: إنه لا يحتفظ من خبرة مريم إلاَّ ما ترى فيه الجماعة المسيحيّة من خبرة خلاص خاصّة. وهكذا يصبح نشيد التعظيم نداءً إلى المؤمنين ليَعُوا النعمةَ التي مُنحت لهم، وليشهدوا لرحمة الربّ ويباركوه. 
رابعًا: لا يتوجّه نشيد التعظيم إلى الله فيخاطبه في صيغة المتكلّم المفرد، كما يفعل نشيد الاستسلام الذي أطلقه سمعان الشيخ (2: 29- 32: "أطلق عبدكَ). إنه يتكلّم عن الله بصيغة الغائب. وهو لا يتوجّه إلى الآخرين كما في مزامير المديح: "سبّحوا، أنشدوا، هلّلوا". إنه يكتفي بأن يصوّر الله كما يظهر في عمله. وهكذا يرسمٍ لنا صورة الله، تلك الصورةَ التي أخذها العهد الجديد من العهد القديم، صورة تشبه إلى حدّ بعيد تلك التي نستشفّها في التطويبات (6: 20- 26؛ مت 5: 3- 12) أوفي نشيد التهليل (10: 21؛ مت 11: 25- 26: "أمجّدك يا أبتِ ربَّ السماءِ والأرض ") وفي أمثال عديدة تفوّه بها يسوع. وقبل أن نسعى إلى تحديد السِمات التي تميّز صورة الله هذه في نشيد التعظيم، نتوقّف عند ملاحظات أدبيّة لا بدّ منها. نحن أمام قصيدة غنائيّة، وأسلوبُها غيرُ أسلوب المقالة اللاهوتيّة.

2- ملاحظات أدبيّة
أ- علاقة بالقرائن المباشرة
ننظر إلى هذه العلاقة انطلاقًا من وُجهتين مختلفتين: ننطلق من القرائن، وننطلق من نشيد مريم.

أوّلا: من وُجهة القرائن
من هذه الوجهة يبدو نشيد التعظيم وكأنه زيادة وإضافة. فالتوازي بين مشهدَي البشارة لزكريا (1: 5- 20) ولمريم (1: 26- 38) هو من الوضوح بحيث لا يتطلّب تفسيرًا طويلاً. فبعد أن نال زكريّا بلاغ الملاك، خرج من المعبد وذهب إلى بيته (آ 21- 23). في هذا الوقت يهتمّ الخبر بأليصابات ويتحدّث عن حبَلها (آ 24)، ثم يورد ما قالته لتعبّر عن عواطفها: "هذا ما صنعه لي الربّ ساعةَ شاء أن يزيل عنيّ العار من بين الناس، (آ 25). وبعد أن تقبّلت مريم بلاغ الملاك، ذهبت إلى أليصابات (آ 39- 40). وتلقّت من فم مُضيفتها كلماتِ المديح (آ 42- 45)، هي كلمات تنتهي بتطويبة (آ 45: "طوبى للتي آمنت ") تعارض التوبيخ الذي لقيه زكريّا من الملاك (آ 20). فالتوازي بين 1: 5- 25 وا: 26- 55 لا يترك مكانًا لزيادة هي نشيدُ التعظيم.
وإذا وضعنا جانبًا الموازاةَ بين البشارتين، نجد أَن زيارة مريم لنسيبتها ترتبط بكلمات الملاك، كما ترتبط زيارة الرُعاة إلى المذود (2: 15- 20) بأعلان مَولد المخلص (2: 8- 14). حين توجّه الملاك إلى مِريم، بدأ بالتهنئة وأعلنها "محظوظةً عند الربّ " (آ 28)، ثم قال: " وجدتِ حظوةَ عند الله " (آ 30). حينئذ أعلن لها أنها ستحبَل (آ 31)، ثم وصل إلى ما يشكّل جوهر بلاغه: إعلان كرامةِ الذي سيولد ليكون المسيحَ وابنَ الله (آ 32- 33، 35). وأعطيَت علامةً تدلّ على هذا الحبَل الذي ذكر في آ 31 وعادت إليه مريم في آ 34: إن إمكانيّة هذا الحبل تتأكد بإعلان حبل أليصابات (آ 36- 37). وينقص أيضًا بعضُ الشيء ليَظهر بوضوح الطابع ألمِحوري للبلاغ الكرستولوجيّ في آ 32- 35، وهو شيءٌ يوافق كلمتَيْ التهنئة اللتين وجّههما الملاك في البدء إلى مريم: هذا ما نجده في كلمتَيْ أليصابات التيٍ أعلنت أنّ مريم "مباركة بين كلّ النساء" (آ 42). ثم وجّهت لها تطويبة: "هنيئا لك، يا من آمنت " (آ 45). فبالنظر إلى هذا التأليف المتوازِن يبدو نشيد التعظيم وكأنه إضافة.
لنتأملّ الآن في حَدث الزيارة في ذاته. فبين بداية الخبر ونهايته، هناك توافُق كاملٌ . في البداية: "وفي تلك الأيامِ، قامت مريم وانطلقت مسرعةً" إلى منطقة جبليّة، إلى مدينة يهوذا ودخلت بيت زكريّا (آ 39- 40). وفي النهاية: "وأقامت مريم معها (مع أليصابات) نحو ثلاثة أشهر، ثم رجعت إلى بيتها" (آ 56). حين وصلت مريم إلى أليصابات، بادرتها أليصابات بالكلام، وأنشدت مدائح "أمّ ربّها" (آ 42- 45). والآية الأخيرة (آ 56) ترتبط ارتباطا تامُّا بهذا المشهد، غيرَ أنها لا تتوافق مع واقع آخر، وهو أنه خلال ذلك أنشدت مريمُ نشيدها. فبعد آ 46-55 التي تورد كلمات مريم، نحسّ أنّ آ 56 عادت إلى مريم وسمَّتها باسمها، وأشارت إلى أليصابات بضمير الغائب المؤنّث (عندها). من هذا القبيل أيضًا يبدو نشيد التعظيم وكأنه قطعة مَزِيدة في تأليف لم يحسب له حسابًا.

ثانيًا: من وُجهة النشيد
هنا نجد رباطاتٍ مع القرائن. في آ 47، إنّ فعل "ابتهج " (أغالياوو) روحي بالله مخلّصي هو صدًى لما في آ 44: "قفز الصبيّ من الابتهاج (أغالياسيس) في بطني. ثمّ الطريقة التي بها سمّت مريم نفسها في آ 48أ: "نظر الى حالة أمته (دولي) الوضيعة"، تذكّرنا بما قالته للملاك في آ 38: أنا أمة (دولي) الربّ ". وهذا ما يتميّز عمّا قالته أليصابات: "أمّ ربّي" (آ 43).
إن آ48 ب: "جميع الأجيال ستهنّئنى" (ماكاريزو) تكرّرُ تهنئة أليصابات لمريم: "هنيئًا (ماكاريا) لكِ يا من آمَنَت " (آ 45). وفي آ 49 أ نقرأ: "القدير (ديناتوس) صنع لي عظائم ". وهذا ما يقابل ما قاله الملاك: "ليس من شيء لا يقدر عليه (اديناتوس) الله " (آ 37).
وهكذا نلاحظ أنه إن بدا نشيدُ التعظيم وكأنه زيادة بالنسبة إلى الخبر، إلا أنه يفترض الخبر فيأخذ بعض سِماته يشدّد عليها ويبرزها. هذا ما ننتظره من المغنّي المفرد في المغناة: يوقف الحركة والعمل، وُيبرز مدلول ما حصل. نحن هنا أمام إنقطاع على مستوى الخبر، ولكن وظيفة هذا النشيد هي أن تدلّ على معنى الحدث الذي رويناه. تدلّ على أن الحبل بيسوع هو تدخّل إلهيّ في التاريخ.

ب- التأليف
أوّلاً: أسلوبُ التوازي
إن الجزئين المتوازيَين في آ 46- 47 يُشرفان على كلّ وَلْي النشيد الذي يتوسّع في البواعث التي دفعت مريمَ لتنشد عرفانها لله. وهما يتميّزان عمّا يلى، في أنّ مريم تتكلّم هنا عن نفسها (نفسي، روحي)؛ أمّا في سائر الأفعال (ما عدا آ 48 ب) فالفاعل هو الله. وإذا قابلنا هذا النشيد مع المزامير رأينا أننا أمام مقدّمة كلاسيكيّة: قبل أن يبدأ المرنم مديحه، فهو يعبّر عن عواطفه أو يدعو الحاضرين لمشاركته في صلاته. فمقدّمة نشيد التعظيم تذكّرنا بصورة خاصّة بنشيد حنة، أمِّ صموئيل: "تهلّل قلبي بالربّ وارتفع رأسي بإلهي، وانفتح فمي واسعًا" (1 صم 1:2).
ويبدأ جسم النشيد بأداة: لأن. قال زكريّا: "تبارك الربّ لأنه افتقد شعبه " (آ 68). وقال سمعان الشيخ: "أطلِق عبدَك لأن عينيَّ رأتا خلاصك " (2: 29 ي) وقالت مريم: "تعظم نفسي الرب... لأنه نظر". ويقدّم النشيد الأسباب التي تدفع المرنّم إلى الاحتفال بربّه، وستردُ الأداة السببّية مرّتين في نشيد التعظيم. في آ 48 (لأنه نظر)، وفي آ 49 (لأن القدير).
وترِد آ 49 ب- 50 من دون فعل: "اسمه قدوس، رحمته من جيل إلى جيل للذين يخافونه ". نحن هنا أيضًا أمام تَوازٍ في المعنى لا في المبنى، وطول العبارة الثانية تدعونا إلى الوقوف قبل الانطلاق في توسيع جديد.
نجد في آ 52- 53 تناقضاتٍ قويّة: "أنزلَ الجبابرةَ عن عروشهم ورفع المتّضعين. أشبع الجياع من خيراته وصرفَ الأغنياء فارغين ". يبرُز عمل الله تجاه المقتدرين والمُستضعفَين، تجاه الجائعين والأغنياء.
ثم آ 51: "أظهر شدّة ساعده فبدّد المتكبّرين في قلوبهم ". هناك تعارضٌ بين ذراع الله وما يفكّر به قلب المتكّبرين (القلب هو مركز التفكير والفهم في العالم القديم). وهناك تعارض أيضًا بين آ 50 و آ 51. أعلنت آ 50: "ورحمته من جيل إلى جيل للذين يخافونه ". المقابلة واضحة بين موقف الذين يخافون الله وموقف المتكّبرين، بين رحمة يظهرها الله للأوّلين وقدرةٍ يستعملها تجاه الآخرين. كما أنّ هناك تعارُضًا بين آ 51 و آ 54: "أعان إسرائيلَ (بقية إسرائيل التي عادت إلى الربّ) عبدَه (بايس، فتاه)، فتذكّر رحمته ". إنّه يقرّب إسرائيل من خائفي الله، ويقابلهم مع المتكبّرين في آ 51: تشتّت المتكبّرون؛ أما إسرائيل فنعِمَ بعون الله. وإذا كان تشتّتُ المتكبّرين هو عملَ قدرة الله، فالعون الذي منحه لشعبه يدلّ على رحمته.
نحن نرى هنا تدخّل الله في التاريخ (آ 54). والتذكّر يميّز أمانة الله لمواعيده: "كما قال (وعد) لآبائنا من أجل إبراهيم ونسلِه إلى الابد". "من جيل إلى جيل " (آ 50) تمتدّ رحمة الله، أو "إلى الابد" (آ 55) تدوم. أجل، لا حدود لرحمة الربّ؛ أمّا قدرته فتفعل فقط في أوقات حاسمة ومحدّدة.

ثانيًا: التكرار
إن أسلوب التكرار يعمل على توحيد هذا النشيد، وينقلنا من قسم إلى آخر. هناك فعل صنع في آ 49 أو آ 51 أ: "القدير صنعَ لي عظائم ". "صنع (عمل) قدرةً بذراعه". فإن نشْر "قدرة" الله (آ 51 أ) يقابل ما به نصف الله في آ 51 أ: انه القدير. وانتقلت آ 50 من فكرة القدرة التي أظهرها الله (آ 49 أ) إلى فكرة الرحمة. وتعود الرحمة (الايوس) في آ 54: "تذكّر رحمته". وأخيرًا تتجاوب "جميع الأجيال " (آ48 ب) مع عبارة "من جيل إلى جيل " (آ 50).
في آ 48 أ نتكلّم عن حالة مريم الوضيعة (تاباينوسيس). وهذا ما يقابلها في آ 52 ب: "رفع الوُضَعاء" (تاباينوس). وتدلّ آ 49 أ على الله "القدير" (ديناتوس) الذي "أنزلَ المقتدرين (دينستيس) عن عروشهم " (آ 52). ونلاحظ أخيرًا التقارب بين الفعل الأوّل: تعظّم نفسي أو تعلن عظائم (ميغالينو) الربّ "والاعلان في آ 49 أ: "صنع لي عظائم (ميغالا).

ثالثًا: تقسيم النشيد
آ 46- 47 المطلع
آ 48- 50: القسم الأوّل مع خاتمة القسم الأوّل في آ 50 والحديث عن الرحمة.
آ 51-: مقدمّة تكرّر آ 49 أ وتعارض آ 50: القدرة
آ 52- 53: القسم الثاني
آ 54-55: خاتمة تنطلق من آ 50 فتلقي ضوءًا على مُجْمل النشيد
هذا تقسيم، وهناك من يقول: إن آ 48- 55 تشكّل القسمَ الاخباريّ، وآ 51- 53 القسمَ التصويريّ (مونلوبو). واعتبر ريمون براون أن آ 49- 50 تتحدّثان عن صفات الله، وآ 51- 53 تنشد تدخّلاته. أمّا تانهيل فأشار إلى تدخّل الله من جهة الأمّ (في المقطع الأوّل، آ 48- 50) ثمّ من جهة إسرائيل (في المقطع الثاني، آ 51- 53).
ومهما يكن من أمر، فلا بدّ من الوصول إلى التفسير: إن نشيد التعظيم يتكلّم عن الله، فماذا يقول عنه؟

3- الله مخلّصي
إذا كان نشيد التعظيم يطرَح المسائل على مستوى التفسير، فهذا عائد إلى تأكيداته الثوريّة في آ 52- 53: أنزل الجبابرة عن عروشهم ورفع المتضعين. أشبع الجياع من خيراته وصرف الأغنياء فارغين (فارغي اليدين). هذه الأقوال تُفرح البعض وتُحزن البعض الآخر.
نتوقّف أوّلاً عند الاشارات التي تحدّد موقع عمل الله في الزمن، ثم نهتمّ بالذين هم موضوع هذا التدخّل. بعد هذا، نصل إلى صورة الله التي نكتشفها في ما يقال عن تدخله.

أ- على مستوى الزمن
نلاحظ العودة إلى الزمن في آ 48 ب: "منذ الآن تهنّئني (تعلن سعادتي) جميع الأجيال ". فمنذ الزمن الحاضر (تدخّل الله الذي حصل الآن، آ 48 أ وآ 49 أ) ننظِر إلى وجهةٍ لا حدود لها ("جميع الأجيال"). والمستقبل الذي لا حدود له يظهر أيضَا في عبارة "من جيل إلى جيل " (آ 50) و "إلى الأبد" (آ 55). التأكيد عامٌّ في آ 50؛ أمّا في آ 55 فلنا مِنظار على المستقبل انطلاقًا من الحدَث الجديد (آ 54 أ) الذي فيه يتحقّق الوعد القديم (آ 55 أ، نتحدّث عنه في صيغة الماضي). إن الزمن الحاضر قد ابتلعه ماضٍ مباشَرٌ هو نقطة انطلاقٍ حقيقيّة لمستقبل جديد.
وفي آ 49 ب- 50، ترتبط قداسة الله ورحمته بحاضر يضمّ في ذاته كلّ الأزمنة. الله قدوس ورحيم كلَّ يوم، لا في الماضي وحسب. وأعادتنا آ 49 أ إلى الماضي: "إن القدير صنع لي عظائم ". إن ما فعله الله من أجل مريم والذي نتحدّث عنه في صيغة الماضي، يوجّهنا نحو المستقبل، "إلى جيل فجيل " (آ 50).
نقرأ في آ 48 ب وآ 49 أ: "لأنه نظر إلى حالة أمته الوضيعة". "لان القدير صنع لي عظائم ". يبدو أنّ هذين الفعلين يعودان بنا إلى البشارة، إلى هذا الحدَث الذي بسببه سفَت أليصاباتُ مريمَ "أمَّ ربيّ " (آ 43). وفي آ 55: إن التدخّل الالهي الذي تحتفل به مريم يُتم ما أعلنه الله لآبائنا. نحن أمام وعدٍ ماض ننظر إليه من زاوية التكميل: اليوم تمَّ ما وعدَ به الله.
وتأتي سائر الأفعال فتشير إلى العمل الذي به يُتمّ الله وعدَه. هكذا يفعل بطريقة عاديِّة وصورة ثابتة. وعد الآباء في الماضي، وها هو يحقّق وعده في مريم.
ويسأل سائل: كيف تستطيع مريم أن تقول إنّ المتكبّرين تبدّدوا، والجبابرةَ انحدروا عن عروشهم، إنّ الوضعاء رُفعوا، والجائعين شبِعوا والأغنياءَ عادوا بأيد فارغة؟ هذا لم يتمَّ بعد، ولكننا أمام بدايةِ التمام: حين اختار الله أمتَه. الوضيعة بدأ العمل الذي ننتظر نتائجه في المستقبل، وهي منذ الآن حاضرة.

ب- المخلّصون والآخرون
كيف يسمّي النشيدُ الذين هم موضوع تدخّل الله؟ هناك ثلاثة مَجالات دلاليّة: الدينيّ، السياسيّ والاجتماعيّ، الاثنيّ.

اولا: المجال الدينيّ
هناك تعارُض بين "الذين يخافونه " (آ 50) و "المتكبّرين بأفكار قلوبهم " (آ 51 ب). ففي إطار التوراة، يتعارض هذان الموقفان: لا يستطيع الانسان أن يرتفع في نظره إلا إذا تحرّر من مخافة الله، والانسانُ الدينيّ لا يكون متكبّرًا والعكس بالعكس.
ونكتشف أيضًا لغة دينيّة في ما تقوله مريمِ عن نفسها: إنها "خادمة" الربّ (آ 48 أ)، وما تقوله عن إسرائيل "عبد" الله (آ 54). إن إسرائيل الذي يعبد الله يعارض الأمم الوثنيّة التي تعبد آلهة أخرى. إن عبارة آ 54 تستلهم اش 41: 8- 9 حيث نرى الله يُعين عبدَه ضدَّ أعدائه (آ 11).

ثانيًا: المجال الاجتماعيّ والسياسيّ
ترتبط بهذا المجال آ 52- 53 اللتان تعارضان الجبابرةَ الذين يُحْدرهم الله عن عروشهم، والوضعاءَ (نحن هنا أمام وضع سوسيولوجيّ، لا أمام استعدادات روحيّة) الذين يرفعهم؛ تعارضان الجائعين الذين يسكُب عليهم الربّ خيراته، والاغنياءَ الذين يَصرِفهم فارغين. هو لا يتكلّم عن الأقوياء بل عن المتجبّرين، لا يتكلّم عن الأغنياء بل عن الذين اغتنَوا فقَسا قلبُهم على إخوتهم. أمّا الوضعاء فهم أشخاص لا يَحسب لهم المجتمع أيَّ حساب. ويَلفِت النصّ انتباهنا إلى الذين نعِمُوا بتدخّل الله أكثرَ منه إلى الذين تحمّلوا دينونته.
نظر الله بعطف إلى الصغار والذين ليس لهم شيء (هم الجياع) كما نظر إلى مريم أمَتِه في حالتها الوضيعة. لا يشبه وضعُ مريم وضعَ هاجرَ المذلولةِ والخادمة التي تعامَل معاملةً سيّئة (تك 16: 11). كما لا تشبه ليْئة الزوجةَ التي لم يحبَّها زوجُها (تك 29: 32)، ولا حنّةَ المرأةَ العقيمة (1 صم 1: 11)، وإن استُعملت في السبعينيّة اليونانيّة لفظة "تاباينوس ". فمريم تنتمي الى فئة هؤلاء المساكين الذين يضعون كلّ رجائهم بالربّ: "طوبى للمساكين بالروح " (مت 5: 3).

ثالثًا: المجال الاثْنيّ
يبدو هذا المجال في الخاتمة التي تذكر "إسرائيل " وتماثله مع "زرع إبراهيم"، وترتبط "بآبائنا" الذين نالوا الوعد (آ 54- 55). نجد هذا التشديد على الشعب في نشيد زكريّا حيث يقف "إسرائيل " بوجه "أعدائه " (آ 71، 74). وفي نشيد سمعان يقابل إسرائيلُ الأممَ الوثنيّة (2: 32) أي غيرَ اليهود. إن الله أرسل ابنَه نورًا إلى شعب إسرائيل كما إلى الأمم الوثنيّة.
لا نجد المجال الاثنيّ في نشيد مريم، بل في القسم الأوّل من بلاغ ملاك البشارة لمريم عن ابنها: "يعطيه الربّ الالهُ عرشَ داود أبيه ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد" (1: 32- 33). وهكذا يتحدّد "موضع " تدخّل الله.
وإذ أراد نشيد التعظيم أن يحدّد هذا "الموضع "، انطلق من ثلاثة وقائعَ بشريّة مختلفة، وحاول أن يبرز بُعد حدَث البشارة ومدلوله، فلا يكفي مجالٌ واحد (دينيّ، سياسيّ واجتماعيّ، إثنيّ) ليفسّر الحدَث (كل مجال له فوائدُه ومحدوديّته)، بل تجتمع المجالات الثلاثة لتساعدنا على ولوج هذا السرّ العظيم. فالولد الذي تحمله مريم هو جوابُ الله على التوق الدينيّ لدى الذين يخافونه، على رجاء الضعفاء والمعدَمين، على آمال الشعب اليهوديّ. ولكن هذا الطفل تجاوز أيضا كلّ هذه المجالات.
- إن أمّ المخلّص قد اختيرت من بنات الشعب اليهوديّ، وانتمت إلى نسل إبراهيم والآباء، مع العِلم أنّ الخلاص الذي يؤمن به المسيحيّون ليست من لحم ودم (رج يو 1: 13). إن الخلاص الشامل جاء في الشعب اليهوديّ لتتّضح أمانة الله لمواعيده، والتواصل الذي يجعل من الكنيسة وارثةَ إسرائيل، بل وارثة البقيّة الباقية، لا هؤلاء الذين رفضوا تعليم الخلاص (أع 28: 26- 28).
- إختيرت أمُّ المخلّص من مجموعة المؤمنين الذين يتّقون (يخافون) الله، ويريدون أن يكونوا في خدمته (يتعبّدوا له)، مع أنّ الخلاص الذي أعلنه الانجيل لا ينحصر بأُناس يتميّزون بتقواهم: إن لوقا الانجيليّ سيشدّد أكثر من سواه على حبّ الله للخطأة، وكلّهم مدعوّون إلى التوبة.
- إختِيرت أمُّ الله في أوضِع طبقة اجتماعيّة، في طبقة الصغار والضعفاء والمساكين (الفقراء) فصارت أوّل شاهدٍ لخلاص موجّه إلى الفقراء، كما يقول الانجيل (4: 18؛ 6: 20؛ 7: 22). هذا لا يعَني أنّ الخلاص الذي يحمله المسيح إلى العالم ينحصر بطبقة اجتماعيّة واحدة، بل يدلّ على موقف إلهٍ لا يقبل بالظَلم الذي تتأسس عليه المجتمعات البشريّة، ولا يقول إن الاقوى هو الأفضل. موقفُ إلهٍ يميّز من يحتقرهم المجتمع ويرذُلهم. موقفُ إلهٍ يصير أوَّلو هذا العالم الآخرين في ملكوته، والآخرون الأولين.

ج- الاله الرحيم والقدير
يتحدّث نشيد التعظيم عن الله، ويتحدّث عنه خصوصًا بالنسبة إلى التدخّل الذي يدلّ على صفاته. ونلاحظ حالاً أن التأكيدات المتعلقة بصفاته الالهيّة ترتبط بمجالين مختلفين: الرحمة والقدرة؛ وهناك أيضًا مجالٌ ثالث يتحدّث عن التسامي.

أوّلا: مجال التسامي
نجده خصوصًا في التَسْميتين اللتين نجدُهما في المقدّمة: بالرب (كيريوس)
(آ 46)، "الله" (ثيوس) (آ 47). هاتان اللفظتان تدلاّن على اسم شخصيّ. وهذا ما نتأكده حين ننتبه إلى ان اسم "الله " ارتبط بصفة "المخلّص" (اسم فاعل) الذي يحدّد الوُجهة التي نقف عندها حين نتحدّث عن الله.
ونقرأ تأكيدًا في آ 49 ب: "اسمه قدوس ". فقداسة اسم الله تظهر في تدخلّه. حينئذ نُقِرّ أن يد الله هي هنا. وهذا اليقين ينتج من قدرة خارقة يفترضها الحدَث. ولكن لا شيء يمنع أن يرتبط هذا اليقين برحمة الله التي تخدمها قدرته.

ثانيًا: مجال الرحمة
يبرُز هذا المجالُ أيضًا في البداية، وحين يسمّى الله "مخلِّصي،. إذ يتدخّل الله ليخلّص الذين يهلكون لولا عونُه، فهو يدلّ وعلى رحمته. تُذكَر هذه الرحمة مرّتين. في آ 50: يمنَح الله رحمتَه لخائفيه. وفي آ 54 ب، يمارسها حين يعين إسرائيلَ عبدَه. ويصوَّر الشكل الملموس الذي تتّخذه رحمة الله بواسطة فعلين: "نظر بعطف إلى حالة أمَته الوضيعة " (آ 48). "أعان إسرائيلَ عبدَه " (آ 54 أ)، فتذكّر رحمته. ما يقابل التذكّر هو النسيان: الله ينسى ما لا يهتمّ به (12: 6: لا ينسى العصفور). ولكن أمانته لا تسمح بأن ينسى التزامات ارتبط بها حين وعدَ الآباء (آ 55)، بان ينسى العهدَ الذي قطعه معهم (آ 72). وهذا التذكّر الأمين هو الوجه الملموس لرحمة الله، كما أنه سبب التدخّل الذي به يدكِّ الله على هذه الرحمة.

ثالثًا: مجال القدرة
في آ 49 أ يسمَّى الله "القدير". نحن لا نجد هذه التسمية إلاَّ في موضع واحد في السبعينيّة، في صف 3: 17: "تشجعّي يا صهيون، ولا ترتخي يداك. الربّ إلهُك هو فيك، القديرُ يخلّصك ويجلب لك السعادة ويجدّدك في حبه ". إن الله حين يخلّص يُظهر قدرته.
حين تحدّثت مريم عن القدير أعلنت أنه فعل لها "عظائم " (ميغالا) (آ 49 أ). لا ترِدُ هذه اللفظة إلا قليلاً، وهي تدلّ على مآثرَ أتمَّها الله ليحرّر شعبه من عبوديّة المصريين: "هو فخرك وهو إلهك الذي صنع لك تلك العظائم والأمجاد (الامور العظيمة والمجيدة) التي رأتها عيناك " (تث 10: 21). قد تكون مفارقة في تقريب حدَث البشارة منٍ حدَث الخروج، ولكن هذا التقريب له مدلولُه: فمجيء المخلص لا يَقِلّ أهمية عن الخروج من مصر.
وإن تأكيد آ 49 أ ("القدير صنع لي عظائم ") يُعاد بألفاظ أخرى في آ 51 أ: "صنع عملَ قدرةٍ بذراعه ". إن العبارة تذكّرنا بما قالت التوراة عن التدخّل الذي به أخرج الله شعبه من مصر "بيد قديرة وذراع ممدودة" (تث 4: 34؛ 5: 15؛ 6: 21؛ 7: 8؛ 26: 8؛ مز 6:135 حسب السبعينية). وهكذا يرتسم تَوازٍ بين التحريرِ الأوّل للشعب المختار، وهذا التحريرِ الذي يدشّنه سرّ البشارة. 
والصورة التي يشير إليها فعل "بدّد" (شتّت) في آ 51 ب هي صورة انتصار عسكريّ يتبدّد على إثره جيشُ العدوّ: "بدّدْتَ المتكبرين بأفكار قلوبهم". نتذكر هنا مز 88: 11 حسب السبعينية: "أذلَلْتَ المتعجرف كأنه جريح، وبدَّدتَ أعداءك بذراع قدرتك ". أما استعملَت حنّةُ أمُّ صموئيل أيضًا صُوَرًا حربيّة لتبارك الله من أجل ولادة ابنها (1 صم 2: 1- 4)؟
والتأكيدات الأربعة في آ 52- 53 هي صدً ى لنشيد حنة: "أنزل الجبابرةَ عن عروشهم (1 صم 2: 8 ج د) ورفع المتواضعين (1 صم 2: 7 ب). أشبعِ الجياعَ من خيراته (1 صم 2: 5 أب؛ مز 106: 9 حسب السبعينية) وصرف الأََََََغنياء فارغي الأيدي " (1 صم 2: 7 أ ). يستوحي نصُّ لوقا نَموذجَه بكلّ حريّة ويورد بترتيب تجلّيات قدرة الله: إن النتائج المؤلمة لتدخّل الله مع المقتدرين والأغنياء تحيط بالنتائج الخيّرة للصغار والمعدَمين. تحدّث النصّ عن فشل الأوّلين ليُبرز خلاص الآخَرين، ونحن نجد عُربون هذا الخلاص في اختيار الله لعذراء الناصرة الوضيعة.
قد يظنّ البعض أن القدرةَ تُمارَس ضدَّ المقتدرين، والرحمة مع الوضعاء. لا، فالقدرة تسير في اتجاه الرحمة: إنها أوّلا قدرة من أجل الوضعاء، ولن تكون "ضدّ" المتكبّرين إلا بصورة ثانوية. اللهجة واضحة في آ 49 أ: إن القدير صنع لي عظائم. ولن نجد الأعداء في الخاتمة ووقت الحديث عن الخلاص الذي حمله الله لشعبه.
نحن لا نقلّل من عنف الأقوال المتعلّقة بالمصير الذي يؤُول إليه المتكبّرون (آ 51 ب) والمقتدرون (آ 52 أ) والأغنياء (آ 53 ب). ولكننا نضعُ هذا العنف في موضعه الصحيح. إنه عند من يريد أن يخلّص المسحوقين فيُجبَر على معاقبة الذين يسحقونهم. وإذا أستعَدْنا صور أش 11 نقول: لا يمكن أن نُسْكن الذئب مع الحمَل إن لم نفرض على الذئب أن يغيّر سلوكه، ولن نجعل الأسد يأكل التِبن مثل الثور، وننسى أن الأسد لن يرضى بهذا الوضع الجديد. في هذا المعنى، لا يقدر الله أن يضع قدرته في خدمة رحمته من أجل الوضعاء، دون أن تتصارع هذه القدرة مع عظماء هذا العالم.

خاتمة
- إن الاله الذي يحتفل نشيدُ التعظيم بقداسته ورحمته وقدرته السامية، هو الذي يتعبّد له (يخدمه) الذين يخافونه. ولكنّ وَلْيَ الانجيل سيعلّمنا أنه يهتمّ بصورة خاصّة بالذين ابتعدوا عنه، فيطلب منهم أن يعودوا إليه ليغفر لهم كلّ خطاياهم.
- إن الاله الذي يحتفل به نشيد التعظيم هو إله إسرائيل، الذي دعا إبراهيم وقدّم المواعيد لشعبه. ولكن هذا الخلاص لا ينحصر في شعب واحد، بل في كل الشعوب مهما كانت إثنِيّاتُهم وأَعراقهم.
- إن الخلاص الذي يؤمّنه الله للبشر لا يترك جانبًا الواقعَ الملموس في حياتهم. إنه يبدّل الوضع الجائر الذي يفرضه المجتمع على الضعفاء والمعدَمين. لا يقف الله فوق الواقع الاجتماعيّ والسياسيّ وكأن الأمور لا تهمّه، بل يقف بجانب الفقراء والذين لا سلطان لهم. إن كرامة اسمه هي على المِحَكّ. وعلى قدرته أن تُظهر رحمته وتتعامل مع المقتدرين والمتخَمين.
إن نشيد التعظيم لا يقدّم تحديدًا عن الله، بل يتكلّم عنه بالنظر إلى مختلف وُجهات تدخّله الخلاصيّ الذي بدأ مع البشارة، فكانت مريم الشاهدَ الأوّل له. نشيد التعظيم يُدخلنا في سرّ الله المخلّص. يبقى علينا أن نكون شهودًا له في عالمنا الحاضر.
الفصل الحادي عشر
ميلاد يوحنا المعمدان
1: 57- 66

بعد لوحتيْ بشارة زكريّا وبشارة مريم العذراء، ها نحن من جديد أمام لوحتين ترسمان ولادة من بُشّر بهما. في اللوحة الاولى، مولد يوحنا وخبر ختانته. ثم نشيد المباركة والردّة عن النموِّ: "وكان الطفل ينمو ويتقوى في الروح " (1: 80). وفي اللوحة الثانية خبر ميلاد يسوع مع نشيد التمجيد يطلقه الملائكة ثم ذِكر الختانة. اما الردّة عن النموّ فستأتي بعد خبر تقديم يسوع الى الهيكل: "وكان الطفل يسوع ينمو ويتقوى ويمتلئ بالحكمة، وكانت نعمة الله عليه " (2: 40). 
وجاء زمن الولادة بالنسبة الى اليصابات فولدت ابنًا. هكذا يبدأ الخبر المؤلَف من الولادة والختان ونشيد المباركة، وينتهي بإشارة سريعة إلى حياته في البريّة قبل أن يظهر لبني إسرائيل (1: 80). ولكننا سنتوقف عند الولادة والختان وتسميّة الولد، تاركين لفصل آخر نشيد المباركة ألذي يحتفل بعمل الله الخلاصيّ وينشد المهمة التي سيقوم بها يوحنا، دْلك النبيّ الذي يُهيئ طريق الربّ.

1- الولادة (1: 57- 58)
وحين جاء زمن الولادة. هذه العبارة نقرأها ايضًا في تك 25: 24 عن رفقة أمّ يعقوب وعيسو. ففرح الجميع لهذه الولادة كما سبق الملاك وأعلن ذلك لأبيه زكريّا: ستفرح انت به. سيفرح بمولده كثير من الناس (1: 14).
أجل، إن ولادة يوحنا يغمرها الفرح. فرِحت أليصابات، وفرِح جيرانها معها. الفرحة مثلّثة: وُلد طفل فِي البيت. هذا الولد هو ذَكَرْ. وهذه الولادة تمت لامرأة إنتظرت طويلاً قبل أن تلد فاعتُبرت عاقرًا. فلا نتخيّل الشيّخوخة في سنٍ السبعين او التسعين، فهناك بلدان في العالم الثالث يعتبرون الانسان صار شيخا في عمر الخمسين.
ولكن هذه الفرحة تجهل ساعة تاريخ الخلاص. دقّت اليوم فكانت إشارة خفيّة لولادة ثانية تحمل المجد لله في العلى وللارض السلام. تحمل إلى البشرّ "المسيح الربّ".
ويفيض فرح القلب في نشيد مديح لله: الله عظّم رحمتّه معها، أي أظهر عِظَمَ رحمتَه تجاهها. نحن هنا أمام بداية نشيد ستطلقه مريم بعد أن نظر الله إلى تواضع أمَتِه: "تعظم نفسي الربّ وتبتهج روحي بالله مخلصيّ “ (1: 46- 47). 
فالشكر وعرفان الجميل لمآثر رحمة الله هما ينبوع فرح، لا لذلك ألذي كان موضوع رحمة الله وحسْب، بل للذين يكتشفون فِعلات الله أيضا، ويمجدّونه عليها. هذا ما نكتشفه عند القديس بولس في رسالته إلى أهل فيلبي (2: 7 1- 18): "فلو سفكت دميّ قربانًا على ذبيحة إيمانكم وخدمته، لفرحت وابتهجت معكم جميعًا. فأفرحوا أنتم أيضًا وإبتهجوا معي".

2- الختانة (1: 59 أ)
كانت الختانة تمارس ثمانيّة أيام بعد الولادة. تلك كانت فريضة الشريعة. "هذا هو عهدي (ميثاقي) الذي تحفظونه. يكون بيني وبينكم بيني وبين نَسلِك من بعدك: يختن كلّ ذكر منكم. تختنون القِلفَة من أبدانكم ويكون ذلك علامة عهد بيني وبينكم. يختن كلّ ذكر منكم وهو إبن ثمانيّة أيام " (تك 17: 10- 12). وقال لا 12: 3: "وفي اليوم الثامن تختن قِلفة المولود". وهكذا ينتمي الولد إلى الشعب عبر علامة في بدنه فلا ينسى انتماءه حتى الموت. ويسوع نفسه خُتِنَ فدخل في شعب من الشعوب بأنتظار أن يخلّص جميع الشعوب.
نشير هنا إلى أن شعيرة الختانة تطورت في شعب إسرائيل. كان الذكّر يُخْتَن قبل الزواج، أي في السنة الثالثة عشرة، فكانت ختانته تكريسًا للربّ. هذا ما حدث لأسماعيل بن إبراهيم (تك 17: 25). ولكن بعد الذهاب إلى المنفى وتضعضع الشعب المؤمن بالله الواحد بين الشعوب الوثنية، صارت الختانة تمارس في الذَّكر وهو أبن ثمانيّة أيام. فأهميّة أليوم ألثامن معروفة كأنطلاقة من أجل حياة جديدة. نشير هنا إلى عادة الكنيسة بأن تعمدّ الأولاد في أليوم الثامن، فتدلّ على إنتمائهم إلى عائلة الله وإلى جماعة شعب الله الجديد.

3- تسميّة الولد (1: 59 ب- 63)
يُعطى الاسم في إسرائيل عند الولادة. لا شك في أن لوقا تأثر بالعوائد اليونانيّة حيث يعطى الولد إسمه في أليوم الثامن أو في أليوم التاسع إذا كان المولود ذكرًا. هناك في الأوساط اليهوديّة طقسان متميّزان: طقس أوّل يعطى فيه الولد إسم، وهو يتمّ عند الولادة. وطقس ثانٍ يتمّ بعد ثمانيّة أيام فَيُخْتَن الصبيّ وينضمّ إلى جماعة العهد. أما لوقا فدمج الطقسيّن في طقس واحد.
بالإِضافة إلى ذلك بسِّط الوضع بعض الشيء حين تحدّث عن تسميّة الولدّ. قال: إن الجيران "أرادوا أن يسموه زكريّا باسم أبيه ". في العوائد الشرعية الأب هو ألذي يعطي الاسم لأولاده، وقد تتدخَّل الأم بعض المرات. أما الأسم الذي يُعطى فهو إسم الجدّ لا إسم الأبّ (الا قليلاً نادرًا). ولكن قد يتدّخل الجيران ويشاركون في إختيار هذا الأسم. هذا ما حدث لعُوبيد والد يسَّى جدّ داود: "قالت الجارات: ولد لنعمي (بواسطة راعوت كنتها) إبن وسمَيْنَهُ عُوبيد" (را 17:4). ثم إن طوبيا الشاب سُمّي بإسم أبيه (طو 1: 1، 9). وعلى هذا الأساس تدّخل الجيران واقترحوا إسمًا للولد كإسم أبيه: زكريّا، أي إن الله تذكّر أليصابات بعد أن حبس رحمها وأعطاها ولدًا.
هناك أمور عديدة يحدّدها التقليد والعوائد: "ما من أحد في عشيرتك تسمى بهذا الاسم ". ولكن السؤال الحاسم يبقى هو هو: ما هي إرادة الله؟ الله لا يختار الطرق المعبدة والعادات المألوفة. طرقه ليست طرق البشر وأفكاره ليست أفكار البشر (اش 8:55). البشر يتوقّفون عند منظر الجسم والعينين، أمّا الله "فإنه ينظر إلى القلب " (1 صم 16: 7 - 8). وهو ألذي إختار لهذا الولد إسم يوحنا منذ بشرّ به: "تسمّيه يوحنا" (1: 13). ولكن كيف السبيل إلى معرفة إرادة الله؟ 
إختارت أليصابات إسم "يوحنّا" لأنها عرفت إرادة الله بروحها النبوّية. امتلأت من الروح القدس فتعرفت إلى الصبيّ الذي في احشاء مريم (1: 41) وامتلأت من الروح فعرفت ارادة الله في ابنها. إنها تشبه إلى حدّ بعيد حنة إبنة فتوئيل في تعرفها إلى الطفل يسوع (2: 28).
يحكم الوالدون على الأمور بالإِستناد إلى التقليد. أما الآن فقد بدأ زمن جديد. وادركت أليصابات العلامات السابقة لهذا الزمن الجديد. اعطت حُكمها بصورة جديدة جدًا وهذا ما بدا غريبًا لدى المتجذرين في الأزمنة القديمة. ان الروح يتخّذ طرقًا جديدة لا نفهمها بسهولة، ولكنه يدعونا إلى السير فيها. في بداية الكنيسة سيأتي هذا الروح على الوثنيّيّن. قال لوقا: "فتعجب أهل الختان الذين رافقوا بطرس حين رأوا ان الله افاض هِبَة الروح القدس على الوثنيّين (غير اليهود) ايضا" (أع 10: 45). إن الروح لا يقود الناس دومًا حسب مخططات البشر، بل يعارضها اذا دَعَت الحاجة.
وسألوا زكريّا بالاشارة: ماذا يريد أن يسمّي الطفل؟ أجاب: يوحنّا. إتّفق الوالد والوالدة دون أن يتشاورا على الاسم الذي يُعطي للصبيّ. لا نتخيّل، كما قال بعض الشرّاح أنهما تفهّما مسبقَا. هذا يتعارض معارضة كلّيّة وهدف لوقا على مستوى الخبر. فإسم يوحنا في نظره إسم إلهيّ، أي أعطاه الله بنفسه. والحدث كلّه يجري في مناخ العناية الالهيّة الحاضرة. وأهمّيّة الخبر كلّه تستند جوهريّا إلى هذه التسمية العجيبة.
لا، لا يمكن أن يكون إسم الولد زكريّا. لا شك في أنه يقال عن امرأة تقدمت في السن قبل ان تَلِد ولدًا: "لقد تذكّرها الله ". لهذا يجب العبور من زكريّا إلى يوحنّا، من "الله تذكّر" إلى "الله تحنّن وأنعم ". نحن في مرحلة جديدة في تدبير الخلاص. لقد حصلنا على ملء النعمة، تعرفنا إلى إله الرحمة الذي جاء ليخلص العالم، لا ليدينه ويحكم عليه.
أصل إسم يوحنّا اصل إلهي (1: 13). وحين تقبله زكريّا على انه كلمة الله وصل إلى الايمان فصار فمه قادرًا على "مباركة الله " (آ 64) الذي أعطاه أن يُنجب ولدًا. وسيحلُّ عليه روح النبوءة، كما حلّ على امرأته، فينشد الطريق التي سيسير عليها الولد "بروح ايليّا وقوّته " (1: 17).

4- ما عسى ان يكون هذا الطِّفل (1: 64- 66)
"طلب لوحًا وكتب: اسمه يوحنّا". رأى الناس ان ما فعله غريب فدهشوا. ان ارادة الله وكلمته تفرضان على الناس المختارين لرسالة بأن يخرجوا من عوائدهم. هذا ما حدّث لابراهيم وموسى والأنبياء. والمسيح حين يعلن تعليمه الجديد كلّ الجدّة، ماذا سيحدث له؟ قال: "ما من أحد يشرب خمرًا معتقةً ثم يرغب في الخمر الجديدة لأنه يقول: الخمرة المعتقّة هي الأطيب " (5: 39). اجل، اعتاد الناس على القديم، فهل سيقبلون بالجديد الذي يقدمه يسوع؟ اعتاد اليهود على الشريعة والعبادة والوعود، ومنهم كان الأباء. ومنهم جاء المسيح بالجسد (روم 9: 4- 5). فهل سيتخلون عن كل هذا ليتبعوا "يسوع المسيح المصلوب " (1 كور 2:2) الذي هو "عثار أمام اليهود وحماقة في نظر اليونانيّين " (1 كور 1 :23).
ان الاسم الذي اعطاه زكريّا ليوحنّا يكشف عن سرّ الرسالة التي أوكل بها الطفل. فالله سيظهر حنانه ورحمته، بعد ان انتهت محنة زكريّا. لم يعد بحاجة إلى آية وعلامة. اغلق الله فمه عن الكلام ففتح قلبه للآية، لكي يتأمّل بها في سرّ قلبه. واما الآن فقد اعلن زمن الخلاص بمولد السابق حتى في محيط الاسرة الضيّق بانتظار ان تُعلن اعمالُ الله في الكون كله.
اتفق زكريّا وأليصابات على الاسم، فبدا اتفاقهما وكأنه تدّخل من الله. استولى العجب والدهشة. هذه هي ردّة الفعل العاديّة عند الناس أمام المعجزات. بعد ان هدّأ يسوع العاصفة، "خاف الرسل وتعجبوا" (8: 25). وحين قامت ابنة يائيرس، "تعجّب والداها" (8: 56). وتعجب الناس حين شفى يسوع صبيًا فيه روحٌ نجس (9: 43) وحين طرد شيطانًا أخرس (11: 14). ويتعجب الناس ايضًا أمام ظهورات الله. تعجّب بطرس حين رأى الأكفان وحدها في القبر ولم يجد جسد يسوع (24: 14) ودهش التلاميذ حين أراهم يسوع يديه ورجليه (24: 41)
وانطلق الخبر من عالم صغير هو عالم الأقارب والجيران، إنطلق من هذا البيت الكهنوتي وامتدّ إلى كلّ منطقة اليهوديّة الجبليّة. وسينتشر تعليم الخلاص
عبر القارات الواسعة. إن فيه من القوة ما يجعله قديرًا ان يحتل المسكونة كلّها. "فما من خفيّ إلا سيظهر، ولا من مكتوم إلا سينكشف ويعرفه الناس" (17:8). 
ملأ الخوف الجيران. أمام تدّخل الله العجيب امتدّ الخوف إلى أبعد من قرية وأبعد من منطقة. سمع الناس بهذه الأحداث، ولكن لا يكفي بأن نسمع بأخبار تحمل الخلاص. يجب أن نحفرها في قلوبنا. لا ننسى. القلب هو مركز كل الحياة الحميمة، هو مركز الفكر والذاكرة والعواطف وقرارات الانسان (12: 34). فمن حفظ في قلبه هذه الأحداث أو هذه الكلمات، بدأ يسير في طريق التوبة التي جاء يوحنا المعمدان يدعو بني قومه إليها.
ما عسى أن يكون هذا الطفل؟ هذا هو سؤال الناس. أجاب لوقا: انه يُتمّ ما قاله الملاك لزكريّا: يمتلئ من الروح القدس، يهدي الكثيرين، يسير أمام الله، ليهيئ للربّ شعبًا مستعدًا. لهذا أعلن زكريّا اسمه: يوحنّا. حينئذ سطع ايمانه فانطلق لسانه.
"يدّ الربّ كانت معه ". هذه العبارة الخاصّة بلوقا (رج أع 11: 21) ترجع الى التوراة التي تعبّر عن حماية الله لمتقيّه. قال مز 80: 18: "اجعل يدك على الرجل الذي عن يمينك (الملك) على هذا الانسان الذي تؤيده بقوتك ". ويقول المرنّم في مز 139: 5: "انت ورائي وأمامي، تحيط بي عن قرب وتضيع يدك عليّ ".
كانت يدّ الله مع الأنبياء، مع ايليّا (1 مل 18: 46)، مع اليشاع (2 مل 3: 15) وحزقيال (1: 3؛ 3: 14، 22؛ 8: 1). وقال الربّ لأرميا: "أنا معك لكي انقذك " (1: 19)، فما عليك أن تخاف من الملوك والعظماء. وسيكون الربّ مع يوحنّا فيقول كلام الله إلى الشعب. وهو لا يخاف من قول الحقيقة لهيرودس فيكلفه كلامه هذا التضحية بحياته.
الفصل الحادي عشر
ميلاد يوحنا المعمدان
1: 57- 66

بعد لوحتيْ بشارة زكريّا وبشارة مريم العذراء، ها نحن من جديد أمام لوحتين ترسمان ولادة من بُشّر بهما. في اللوحة الاولى، مولد يوحنا وخبر ختانته. ثم نشيد المباركة والردّة عن النموِّ: "وكان الطفل ينمو ويتقوى في الروح " (1: 80). وفي اللوحة الثانية خبر ميلاد يسوع مع نشيد التمجيد يطلقه الملائكة ثم ذِكر الختانة. اما الردّة عن النموّ فستأتي بعد خبر تقديم يسوع الى الهيكل: "وكان الطفل يسوع ينمو ويتقوى ويمتلئ بالحكمة، وكانت نعمة الله عليه " (2: 40). 
وجاء زمن الولادة بالنسبة الى اليصابات فولدت ابنًا. هكذا يبدأ الخبر المؤلَف من الولادة والختان ونشيد المباركة، وينتهي بإشارة سريعة إلى حياته في البريّة قبل أن يظهر لبني إسرائيل (1: 80). ولكننا سنتوقف عند الولادة والختان وتسميّة الولد، تاركين لفصل آخر نشيد المباركة ألذي يحتفل بعمل الله الخلاصيّ وينشد المهمة التي سيقوم بها يوحنا، دْلك النبيّ الذي يُهيئ طريق الربّ.

1- الولادة (1: 57- 58)
وحين جاء زمن الولادة. هذه العبارة نقرأها ايضًا في تك 25: 24 عن رفقة أمّ يعقوب وعيسو. ففرح الجميع لهذه الولادة كما سبق الملاك وأعلن ذلك لأبيه زكريّا: ستفرح انت به. سيفرح بمولده كثير من الناس (1: 14).
أجل، إن ولادة يوحنا يغمرها الفرح. فرِحت أليصابات، وفرِح جيرانها معها. الفرحة مثلّثة: وُلد طفل فِي البيت. هذا الولد هو ذَكَرْ. وهذه الولادة تمت لامرأة إنتظرت طويلاً قبل أن تلد فاعتُبرت عاقرًا. فلا نتخيّل الشيّخوخة في سنٍ السبعين او التسعين، فهناك بلدان في العالم الثالث يعتبرون الانسان صار شيخا في عمر الخمسين.
ولكن هذه الفرحة تجهل ساعة تاريخ الخلاص. دقّت اليوم فكانت إشارة خفيّة لولادة ثانية تحمل المجد لله في العلى وللارض السلام. تحمل إلى البشرّ "المسيح الربّ".
ويفيض فرح القلب في نشيد مديح لله: الله عظّم رحمتّه معها، أي أظهر عِظَمَ رحمتَه تجاهها. نحن هنا أمام بداية نشيد ستطلقه مريم بعد أن نظر الله إلى تواضع أمَتِه: "تعظم نفسي الربّ وتبتهج روحي بالله مخلصيّ “ (1: 46- 47). 
فالشكر وعرفان الجميل لمآثر رحمة الله هما ينبوع فرح، لا لذلك ألذي كان موضوع رحمة الله وحسْب، بل للذين يكتشفون فِعلات الله أيضا، ويمجدّونه عليها. هذا ما نكتشفه عند القديس بولس في رسالته إلى أهل فيلبي (2: 7 1- 18): "فلو سفكت دميّ قربانًا على ذبيحة إيمانكم وخدمته، لفرحت وابتهجت معكم جميعًا. فأفرحوا أنتم أيضًا وإبتهجوا معي".

2- الختانة (1: 59 أ)
كانت الختانة تمارس ثمانيّة أيام بعد الولادة. تلك كانت فريضة الشريعة. "هذا هو عهدي (ميثاقي) الذي تحفظونه. يكون بيني وبينكم بيني وبين نَسلِك من بعدك: يختن كلّ ذكر منكم. تختنون القِلفَة من أبدانكم ويكون ذلك علامة عهد بيني وبينكم. يختن كلّ ذكر منكم وهو إبن ثمانيّة أيام " (تك 17: 10- 12). وقال لا 12: 3: "وفي اليوم الثامن تختن قِلفة المولود". وهكذا ينتمي الولد إلى الشعب عبر علامة في بدنه فلا ينسى انتماءه حتى الموت. ويسوع نفسه خُتِنَ فدخل في شعب من الشعوب بأنتظار أن يخلّص جميع الشعوب.
نشير هنا إلى أن شعيرة الختانة تطورت في شعب إسرائيل. كان الذكّر يُخْتَن قبل الزواج، أي في السنة الثالثة عشرة، فكانت ختانته تكريسًا للربّ. هذا ما حدث لأسماعيل بن إبراهيم (تك 17: 25). ولكن بعد الذهاب إلى المنفى وتضعضع الشعب المؤمن بالله الواحد بين الشعوب الوثنية، صارت الختانة تمارس في الذَّكر وهو أبن ثمانيّة أيام. فأهميّة أليوم ألثامن معروفة كأنطلاقة من أجل حياة جديدة. نشير هنا إلى عادة الكنيسة بأن تعمدّ الأولاد في أليوم الثامن، فتدلّ على إنتمائهم إلى عائلة الله وإلى جماعة شعب الله الجديد.

3- تسميّة الولد (1: 59 ب- 63)
يُعطى الاسم في إسرائيل عند الولادة. لا شك في أن لوقا تأثر بالعوائد اليونانيّة حيث يعطى الولد إسمه في أليوم الثامن أو في أليوم التاسع إذا كان المولود ذكرًا. هناك في الأوساط اليهوديّة طقسان متميّزان: طقس أوّل يعطى فيه الولد إسم، وهو يتمّ عند الولادة. وطقس ثانٍ يتمّ بعد ثمانيّة أيام فَيُخْتَن الصبيّ وينضمّ إلى جماعة العهد. أما لوقا فدمج الطقسيّن في طقس واحد.
بالإِضافة إلى ذلك بسِّط الوضع بعض الشيء حين تحدّث عن تسميّة الولدّ. قال: إن الجيران "أرادوا أن يسموه زكريّا باسم أبيه ". في العوائد الشرعية الأب هو ألذي يعطي الاسم لأولاده، وقد تتدخَّل الأم بعض المرات. أما الأسم الذي يُعطى فهو إسم الجدّ لا إسم الأبّ (الا قليلاً نادرًا). ولكن قد يتدّخل الجيران ويشاركون في إختيار هذا الأسم. هذا ما حدث لعُوبيد والد يسَّى جدّ داود: "قالت الجارات: ولد لنعمي (بواسطة راعوت كنتها) إبن وسمَيْنَهُ عُوبيد" (را 17:4). ثم إن طوبيا الشاب سُمّي بإسم أبيه (طو 1: 1، 9). وعلى هذا الأساس تدّخل الجيران واقترحوا إسمًا للولد كإسم أبيه: زكريّا، أي إن الله تذكّر أليصابات بعد أن حبس رحمها وأعطاها ولدًا.
هناك أمور عديدة يحدّدها التقليد والعوائد: "ما من أحد في عشيرتك تسمى بهذا الاسم ". ولكن السؤال الحاسم يبقى هو هو: ما هي إرادة الله؟ الله لا يختار الطرق المعبدة والعادات المألوفة. طرقه ليست طرق البشر وأفكاره ليست أفكار البشر (اش 8:55). البشر يتوقّفون عند منظر الجسم والعينين، أمّا الله "فإنه ينظر إلى القلب " (1 صم 16: 7 - 8). وهو ألذي إختار لهذا الولد إسم يوحنا منذ بشرّ به: "تسمّيه يوحنا" (1: 13). ولكن كيف السبيل إلى معرفة إرادة الله؟ 
إختارت أليصابات إسم "يوحنّا" لأنها عرفت إرادة الله بروحها النبوّية. امتلأت من الروح القدس فتعرفت إلى الصبيّ الذي في احشاء مريم (1: 41) وامتلأت من الروح فعرفت ارادة الله في ابنها. إنها تشبه إلى حدّ بعيد حنة إبنة فتوئيل في تعرفها إلى الطفل يسوع (2: 28).
يحكم الوالدون على الأمور بالإِستناد إلى التقليد. أما الآن فقد بدأ زمن جديد. وادركت أليصابات العلامات السابقة لهذا الزمن الجديد. اعطت حُكمها بصورة جديدة جدًا وهذا ما بدا غريبًا لدى المتجذرين في الأزمنة القديمة. ان الروح يتخّذ طرقًا جديدة لا نفهمها بسهولة، ولكنه يدعونا إلى السير فيها. في بداية الكنيسة سيأتي هذا الروح على الوثنيّيّن. قال لوقا: "فتعجب أهل الختان الذين رافقوا بطرس حين رأوا ان الله افاض هِبَة الروح القدس على الوثنيّين (غير اليهود) ايضا" (أع 10: 45). إن الروح لا يقود الناس دومًا حسب مخططات البشر، بل يعارضها اذا دَعَت الحاجة.
وسألوا زكريّا بالاشارة: ماذا يريد أن يسمّي الطفل؟ أجاب: يوحنّا. إتّفق الوالد والوالدة دون أن يتشاورا على الاسم الذي يُعطي للصبيّ. لا نتخيّل، كما قال بعض الشرّاح أنهما تفهّما مسبقَا. هذا يتعارض معارضة كلّيّة وهدف لوقا على مستوى الخبر. فإسم يوحنا في نظره إسم إلهيّ، أي أعطاه الله بنفسه. والحدث كلّه يجري في مناخ العناية الالهيّة الحاضرة. وأهمّيّة الخبر كلّه تستند جوهريّا إلى هذه التسمية العجيبة.
لا، لا يمكن أن يكون إسم الولد زكريّا. لا شك في أنه يقال عن امرأة تقدمت في السن قبل ان تَلِد ولدًا: "لقد تذكّرها الله ". لهذا يجب العبور من زكريّا إلى يوحنّا، من "الله تذكّر" إلى "الله تحنّن وأنعم ". نحن في مرحلة جديدة في تدبير الخلاص. لقد حصلنا على ملء النعمة، تعرفنا إلى إله الرحمة الذي جاء ليخلص العالم، لا ليدينه ويحكم عليه.
أصل إسم يوحنّا اصل إلهي (1: 13). وحين تقبله زكريّا على انه كلمة الله وصل إلى الايمان فصار فمه قادرًا على "مباركة الله " (آ 64) الذي أعطاه أن يُنجب ولدًا. وسيحلُّ عليه روح النبوءة، كما حلّ على امرأته، فينشد الطريق التي سيسير عليها الولد "بروح ايليّا وقوّته " (1: 17).

4- ما عسى ان يكون هذا الطِّفل (1: 64- 66)
"طلب لوحًا وكتب: اسمه يوحنّا". رأى الناس ان ما فعله غريب فدهشوا. ان ارادة الله وكلمته تفرضان على الناس المختارين لرسالة بأن يخرجوا من عوائدهم. هذا ما حدّث لابراهيم وموسى والأنبياء. والمسيح حين يعلن تعليمه الجديد كلّ الجدّة، ماذا سيحدث له؟ قال: "ما من أحد يشرب خمرًا معتقةً ثم يرغب في الخمر الجديدة لأنه يقول: الخمرة المعتقّة هي الأطيب " (5: 39). اجل، اعتاد الناس على القديم، فهل سيقبلون بالجديد الذي يقدمه يسوع؟ اعتاد اليهود على الشريعة والعبادة والوعود، ومنهم كان الأباء. ومنهم جاء المسيح بالجسد (روم 9: 4- 5). فهل سيتخلون عن كل هذا ليتبعوا "يسوع المسيح المصلوب " (1 كور 2:2) الذي هو "عثار أمام اليهود وحماقة في نظر اليونانيّين " (1 كور 1 :23).
ان الاسم الذي اعطاه زكريّا ليوحنّا يكشف عن سرّ الرسالة التي أوكل بها الطفل. فالله سيظهر حنانه ورحمته، بعد ان انتهت محنة زكريّا. لم يعد بحاجة إلى آية وعلامة. اغلق الله فمه عن الكلام ففتح قلبه للآية، لكي يتأمّل بها في سرّ قلبه. واما الآن فقد اعلن زمن الخلاص بمولد السابق حتى في محيط الاسرة الضيّق بانتظار ان تُعلن اعمالُ الله في الكون كله.
اتفق زكريّا وأليصابات على الاسم، فبدا اتفاقهما وكأنه تدّخل من الله. استولى العجب والدهشة. هذه هي ردّة الفعل العاديّة عند الناس أمام المعجزات. بعد ان هدّأ يسوع العاصفة، "خاف الرسل وتعجبوا" (8: 25). وحين قامت ابنة يائيرس، "تعجّب والداها" (8: 56). وتعجب الناس حين شفى يسوع صبيًا فيه روحٌ نجس (9: 43) وحين طرد شيطانًا أخرس (11: 14). ويتعجب الناس ايضًا أمام ظهورات الله. تعجّب بطرس حين رأى الأكفان وحدها في القبر ولم يجد جسد يسوع (24: 14) ودهش التلاميذ حين أراهم يسوع يديه ورجليه (24: 41)
وانطلق الخبر من عالم صغير هو عالم الأقارب والجيران، إنطلق من هذا البيت الكهنوتي وامتدّ إلى كلّ منطقة اليهوديّة الجبليّة. وسينتشر تعليم الخلاص
عبر القارات الواسعة. إن فيه من القوة ما يجعله قديرًا ان يحتل المسكونة كلّها. "فما من خفيّ إلا سيظهر، ولا من مكتوم إلا سينكشف ويعرفه الناس" (17:8). 
ملأ الخوف الجيران. أمام تدّخل الله العجيب امتدّ الخوف إلى أبعد من قرية وأبعد من منطقة. سمع الناس بهذه الأحداث، ولكن لا يكفي بأن نسمع بأخبار تحمل الخلاص. يجب أن نحفرها في قلوبنا. لا ننسى. القلب هو مركز كل الحياة الحميمة، هو مركز الفكر والذاكرة والعواطف وقرارات الانسان (12: 34). فمن حفظ في قلبه هذه الأحداث أو هذه الكلمات، بدأ يسير في طريق التوبة التي جاء يوحنا المعمدان يدعو بني قومه إليها.
ما عسى أن يكون هذا الطفل؟ هذا هو سؤال الناس. أجاب لوقا: انه يُتمّ ما قاله الملاك لزكريّا: يمتلئ من الروح القدس، يهدي الكثيرين، يسير أمام الله، ليهيئ للربّ شعبًا مستعدًا. لهذا أعلن زكريّا اسمه: يوحنّا. حينئذ سطع ايمانه فانطلق لسانه.
"يدّ الربّ كانت معه ". هذه العبارة الخاصّة بلوقا (رج أع 11: 21) ترجع الى التوراة التي تعبّر عن حماية الله لمتقيّه. قال مز 80: 18: "اجعل يدك على الرجل الذي عن يمينك (الملك) على هذا الانسان الذي تؤيده بقوتك ". ويقول المرنّم في مز 139: 5: "انت ورائي وأمامي، تحيط بي عن قرب وتضيع يدك عليّ ".
كانت يدّ الله مع الأنبياء، مع ايليّا (1 مل 18: 46)، مع اليشاع (2 مل 3: 15) وحزقيال (1: 3؛ 3: 14، 22؛ 8: 1). وقال الربّ لأرميا: "أنا معك لكي انقذك " (1: 19)، فما عليك أن تخاف من الملوك والعظماء. وسيكون الربّ مع يوحنّا فيقول كلام الله إلى الشعب. وهو لا يخاف من قول الحقيقة لهيرودس فيكلفه كلامه هذا التضحية بحياته.
الفصل الثاني عشر
نشيد المباركة
1: 67- 79

مبارك الربّ الاله.. هذا هو نشيد المديح الذي أطلقه زكريا ساعة "انفتح فمه وانطلق لسانه فتكلّم " (1: 64). نشيد يفسّر ساعة تاريخ الخلاصّ التي بدأت مع يوحنا. أنار روح الله زكريّا فانطلق من أناشيد معروفة في عصره ليتحدّث عن رسالة الصبي وعن المستقبل الذي ينفتح امامه. إن زكريا يمدح الله بكلمات قديمة يملأها بمضمون جديد. يمتدح أوّلاً أعمال الله في تاريخ الخلاص، ثمّ يعبّر عن تمنياته للمولود الجديد، ويعلن مسبقًا ما تكون رسالته: يتقدّم (يسير أمام) الربّ ليهيّئ الطريق له ويعلم شعبه أن الخلاص هو في غفران خطاياهم (آ 76- 77).
يتحدّد نشيد زكريّا تحديدًا واضحًا، فنعرف بدايته ونهايته. تسبق البداية مقدمة لوقاويّة خاصة: "إمتلأ زكريّا من الروح القدس فتنبّأ قائلاً" (آ 67). وبعد النهاية نستعيد الخبر نثرًا: "وكان الطفل ينمو ويتقوّى في الروح " (آ 80). 
حين نقرأ نشيد المباركة هذا نحسّ وكأنه أُقحم اقحامًا في خبر سبقه. فإن آ 80 تتبع مباشرة آ 66 فلا نشكّ بأن شيئًا ما يبدو ناقصًا: "لأن يد الربّ كانت معه... " (آ 66). "وكان الطفل ينمو" (آ 80). ولكنِ إن يكن من اقحام فهو لا يبدو مصطنعًا. فمضمون النشيد يرتبط ارتباطًا متينَا بالقرائن المباشرة. مثلاً نرى في آ 76- 79 التي تصوِّر مسبقًا دور الصبي ورسالته، الجواب على السؤال المطروح في آ 66: "ما عسى أن يكون هذا الطفل "؛ ثم، إذ تورد آ 66- 75 كلمات مباركة زكريّا، فهي تجيب على ملاحظة قرأناها في آ 64: "وفي الحال انفتح فمه وانطلق لسانه فتكلّم وبارك الله ".
ومهما يكن أصل هذا النشيد، فهو الآن حاضر في الخبر النثري وهو يلعب دورًا هامًا. انه يعبّر بشكل مباركة ومديح عن البعد اللاهوتي ومعنى الاحداث المصوّرة هنا.

1- تبارك الله لأنه صنع...
يمتدح الانسان الله لأنه غمره بانعامه. هذا ما نقرأ في نهاية أقسام المزامير: "تبارك الرب الاله، إله إسرائيل منذ الأزل الى الأبد" (مز 41: 14). "تبارك الرب الاله، إله إسرائيل، صانع المعجزات وحده. وتبارك اسمه المجيد الى الأبد، ولتمتلئ الارض كلّها من مجده " (مز 72: 18؛ رج 89: 53؛ 106: 48). تنشد المزامير أعمال الله في الخلق وتاريخ الخلاص، وهذا ما يفعله زكريّا كما يفعله المنشدون في العهد القديم وفي العهد الجديد.
مثلاً، نقرأ في تك 24: 27 صلاة اليعازر، خادم إبراهيم: "تبارك الربّ إله مولايّ إبراهيم، فرحمته ووفاؤه لم يتركا مولاي، وهو قادني في الطريق حتى أوصلني إلى بيت اخي مولايّ ". وقالت النساء لنعمي بعد أن ولد عُوبيد جدّ يسَّى والد داود: "تبارك الربّ ألذي لم يحرمك اليوم من شخص يتولى أمرك ويذكر إسمك في إسرائيل ". وأعلن احيماعص امام داود: "تبارك الربّ إلهك ألذي أسلم إليك الذين رفعوا أيديهم عليك، يا سيدي الملك " (2 صم 18: 28؛ رج تك 9: 26؛ 14: 20؛ خر 18: 10؛ 1 صم 25-32؛ 1 مل 1: 48؛ 5: 21؛ 2 أخ 2: 11؛ عز 7: 27).
تُتلى المباركة في بداية (1 مل 15:8؛ 1 أخ 29: 10؛ طو 3: 11؛ 8: 5) الصلاة أو في نهايتها (2 صم 47:22؛ 1 مل 56:8؛ مز 118: 46 ) فتدلّ على خيرات الله وتدخلاته من أجل شعبه واتقيائه. ولا ننسى في العهد الجديد بداية الرسالة إلى إهل أفسس: "تبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح الذي باركنا بكل بركة روحيّه... " (أف 1: 3- 14).
ونجد عبارة المباركة في الصلاة اليهودية، ولاسيما الصلاة التي تُتلى في المجمع. فصلاة الثماني عشرة مباركة تبدأ: "مبارك أنت أيها الربّ إلهنا واله آبائنا... الذي تذكر أعمال آبائنا الحسنة فأقام فاديًا لأبنائهم ". كم نحن قريبون من نشيد زكريّا: "مباركٌ الربّ (آ 68)... ليرحم آباءنا ويذكر عهده المقدس (آ 72)... اقام لنا قوة الخلاص " (آ 29).
ما يميّز المباركة في مختلف صلوات العهد القديم، هي أنها مديح المؤمن الذي أنعم الله عليه بخيراته. المباركات عديدة في العهد القديم، ولكننا لا نجدها وحدها، بل تمتزج بالطلب والتوسّل. تبدأ الصلاة بالمباركة وتمتدّ في أمور اخرى. مثلاً، صلاة سليمان في تدشين الهيكل التي بدأت بالمباركة: "تبارك الربّ الذي وهب الشعب الراحة بحسب كل مواعيده: لم تسقط كلمة واحدة من كل الأقوال الصالحة التي قالها على لسان موسى عبده " (1 مل 8: 56). ونقول الشيء عينه عن نشيد داود (2 صم 22) حيث تمتزج المباركة بالمديح. اما صلاة المباركة في أف 1: 3- 14 فهي تنحصر في المباركة ولا تتضمّن أي طلب. 

2- صلاة في قسمين
تقسم صلاة زكريّا قسمينّ. قِسم أوّل في صيغة الغائب (تفقد هو، أقام هو)، يتحدّث عن تدخلّ الله في حياة شعبه (آ 68- 75). وقسم ثانٍ في صيغة المخاطب (آ 76- 79) وفيها يتحدث زكريّا إلى الصبيّ بإسم الله فيحدّد له مهمته كسابق للمسيح: "وأنت أيها الطفل... تسير قدّام الربّ ". لا يحافظ النصّ على الغائب والمخاطب، ولكن هاتين الصيغتين مسيطرتان. هناك أفعال في صيغة الماضي: تفقد، عمل فداء (افتدى) (آ 68)، اقام (آ 69)، قال (وعد) (آ 70). اقسم (آ 73). انها تدلّ على تدخلّ الله. ونتيجة هذا التدخل نجدها في أفعال ترد في صيغة المصدر: رحمة منه، ذكرًا لعهده (آ 72)، لأعطائنا (بأن يعطينا) (آ 73) لخدمته (حتى نخدمه، نعبده) (آ 74). هذا في القسم الأوّل.
وفي القسم الثاني نجد أفعالا في صيغة المضارع وهي تدلّ على المستقبل الذي يعرفه هذا الطفل. نحن هنا أمام نظرة إلى الوراء. كُتب الانجيل بعد موت يوحنا المعمدان بعشرات السنين. فأراد أن يقرأ بعين الله ما قام به النبيّ
السابق ليسوع المسيح. "ستُدعى، ستسير قدّام) (تتقدّم) (آ 76). ثم في صيغة المصدر" كما في قسم الأوّل: لتهيئة (آ 76)، لأعطاء معرفة (التعلم) (آ 77)، ليضيء، ليهدي (ا 79).
نشير هنا إلى أن لوقا أشار بنفسه إلى تقسيم هذا النشيد قسمين وذلك في آ 64 وآ 67. نقرأ في آ 64: " تكلم وبارك الله ". وهكذا حمل القسم الأوّل (آ 68- 75) موضوع المباركة. ونقرأ في آ 67: "إمتلأ زكريّا من الروح القدس وقال هذه الأقوال النبوّية"، تكلم بإسم الله الذي دعا يوحنا وهو في حشا أمه. ولهذا جاء القسم الثاني يحدثنا عن "نبوءة زكريّا".

3- مقابلة بين القسمينّ
قلنا ان القسم الأوّل، الذي دوّن في صيغة الغائب يتحدّث عن تدخلّ الله، والقسم الثاني الذي ورد في صيغة المخاطب يتحدّث عن رسالة يوحنّا. واذا أمعنّا النظر نرى أيضًا ان القسم الثاني يتكلّم عن تدخلّ الله: فبالنظر إلى تدخل الله في حياة يسوع، يتحدّد موقع رسالة يوحنا ويتوضّح عمله. ولهذا نقول: في الواقع يتضمن كل من القسمين رسمة واحدة نتعرف إليها من خلال إشارات أدبيةْ وموضوعية كما في هذه اللوحة.
القسم الأوّل القسم الثاني
صيغة الغائب صيغة المخاطب
آ 68- 75 آ 76- 79 
أ أ أ
1- تدخل الله
مبارك الربّ وأنت أيها الطفل
إله إسرائيل تدعي نبيَّ العليّ
لأنه تفقد لأنك تسير أمام الربّ
وخلص شعبه (آ 68) لتهيّئ الطريق له (آ 76)
وأقام لنا قوّة خلاص ليعطي معرفة
في بيت داود عبده (آ 19) الخلاص لشعبه (آ 77 أب)
2- تحقيق المواعيد
كما قال (وعد) بفم
انبيائه القدّيسين
من قديم الزمان (آ 70)
3- نتائج الخلاص
خلاص بعيد عن أعدائنا في غفران خطاياهم (آ 77 ج) 
وأيدي جميع مبغضينا (آ 71)
ب - تدخل الله ب ب

ويصنع رحمة بأحشاء رحمة
لآبائنا ويتذكر إلهنا التي فيها يتفقدّنا
عهده المقدّس (آ 72) من الله، الشمس الشارقة (آ 78) 
2- تحقيق المواعيد
القَسَم الذي أقسمه لابراهيم أبينا بأن يعطينا (آ 73)
3- نتائج الخلاص
لكي دون خوف، ننجو من يد ليضيء للّذين هم
أعدائنا، لحدمه (ا 74) في الظلام وظلال الموت
في القداسة والبّر لكي يهدي خطانا
طوال كل أيامنا (آ 75) في طريق السلام (آ 79)

إذن، إن عدّنا إلى القسم الأوّل (آ 68- 75)، نرى أن الله يتدخل حين يقيم قوة خلاصّ (آ 68- 69) وحين يرحم (آ 72). وذلك حسب ما وعد به شعبه وألزم نفسه بمواعيده (آ 70) بأن يحققها (آ 73). وتَبْرُز نتائج الخلاص (آ 71) عندما ننجو من أعدائنا (أمور سلبية) لكي نعبده (أمور إيجابيّة) (آ 74- 75).
ونجد المواضيع عينها في القسم الثاني. أوّلاً: تدخلّ الله في آ 76- 77، تم في آ 78. ثانيًا: وهذا التدخلّ يمنح الخلاص، غفرانًا للخطايا (آ 77 ج، أمر سلبي) وإنارة للناس وتوجيه خطاهم (آ 79، أمور ايجابية).
فمن درفة إلى أخرى تتجاوب العناصر. ففي أ (آ 68- 69) كما في أ أ (آ76- 77) يصوّر لنا تدخل الله في كلمة "خلاص ". وفي ب (آ 72) وفي ب ب (آ 78) في كلمة "رحمة". في أ وفي أ أ ترد كلمة "الربّ " (آ 68، آ 76 ب) وكلمة "نبيّ " (آ70، آ 76 أ).
في أ وفي أ أ يصوَّر لنا الخلاص بشكل سلبيّ: من جهة نتحرّر من أعدائنا (آ 71). ومن جهِة ثانية، ننال غفران الخطايّا (آ 77 ب). وفي ب كما في ب ب يتميّز الخلاصّ أوّلا بالطابع السلبيّ. من جهة، تحرّر من الأعداء (آ 74). ومن جهة ثانية، تحرّر من الظلمة وظلال الموت (آ 79 أ). ثم يتميّز بطابع إيجابي. من جهة، القداسة والبرّ (آ 75) ومن جهة ثانية، السلام (آ 79 ب).

4- تنوّع في التعابير
وهناك إشارة تؤكد قسمة النشيد إلى قسمين: التنوّع في التعبير عن الفكرة. في آ 68- 75 اللغّة والتصورات هي لغّة وتصورات العهد القديم. اما آ 76- 79 فتأخذ تعابير من العهد القديم ولكن الفكرة صارت مسيحيّة في معناها ومبناها.

أ- الجديد في كلمات قديمة (آ 68- 75)
إن الدّرفة الأوّلى (آ 68- 75) تقدّم في كلّ آية (ما عدا آ 70) إستشهادًا بالعهد القديم. لا يأخذ الكاتب آية التوراة كلها، بلّ كلمة، طريقة تعبير، أو مناخ عامّ. في هذا المعنى يقترب نشيد المباركة من الصلوات اليهوديّة في عصره مثل صلاة الثماني عشرة بركة. ونتوقف على شقيّ هذه الدرفة الأولى.

أوّلاً: الشقّ الأوّل: آ 68- 71
يصوَّر تدخل الله في آ 68- 69 في افعال يجمعها حرف العطف (كاي في اليونانيّة): أفتقد، واعطى خلاصًا واقام. فعناصر التأكيد الثلاثة تستنير وتتوّضح الواحد بالآخر. كيف زار الله شعبه؟ حين اعطاه الخلاص. وكيف أعطاه الخلاص؟ حين أقام قوّة خلاص في بيت داود.
"الله تفقّد"، افتقد، زار. عبارة متواترة في العهد القديم، وهيٍ تدلّ على تدخّلات الله من أجل شعبه، أو من أجل أفراد في هذا الشعب. مثلا مز 80: 15: "يا إله الأكوان إرجع، تطلع من السماء وانظر، وتفقّد (تدخلّ من اجل) هذه الكرمة". صف 2: 7: "يكون الساحل لبقيّة يعقوب. هناك يرعون قطعانهم ويرتاحون في بيوت أشقلون عند المساء، لأنّ الربّ إلههم يفتقدهم (يتدّخل من أجلهم) ويحوِّل مصيرهم ".
وغالبًا ما تأتي هذه التدّخلات لتُخرجَ المؤمنين من ضيقهم: من العبوديّة. قال الربّ لموسى. "قررت أن اتدّخل من اجلكم" (أن افتقدكم) (خر 3: 16). من الجوع: "الربّ افتقد (تدخّل من أجل) شعبه ورزقهم طعامًا" (را 1: 6). من الضيق كما في سفر يهوديت (4: 15)، من العقم كما تدّخل من أجل حنّة أم صموئيل: "افتقد الربّ حنّة فحملت وولدت ثلاثة بنين وابنتين " (1 صم 2: 21). ويرى الكتاب في هذه "الزيارات " تتميمًا لمواعيد سابقة. "افتقد الربّ سارة، كما قال. وصنع لها كما وعد" (تك 21: 1). وقال يوسف لاخوته (تك 50: 24): "الله سيفتقدكم (يزوركم)، يتدّخل من أجلكم في أرض مصر ويصعدكم إلى الأرض التي وعد (أقسم) بها إبراهيم وإسحق ويعقوب ".
عرف العالم اليهوديّ هذه الطريقة التوراتيّة في تصوير تدخلات الله. ولنا شهادة في ذلك: بداية وثيقة دمشق (1: 3- 12): "مال بوجهه عن شعبه ومعبده. ولكنه تذكّر عهده (رج لو 1: 72)... فافتقدهم وأخرج من إسرائيل وهارون نبتة... وأقام لهم (= لو 1: 69) معلّم البرّ ليقودهم في طريق قلبه".
وفي وَلي آ 68- 69 يستلهم لوقا أيضًا العهد القديم. ففي آ 69 ب نترجم حرفيًّا: الله "صنع خلاصًا لشعبه ". فاللفظة اليونانيّة (ليتروسيس) التي تترجم الخلاصّ (او الفداء) لا نجدها إلا في موضعين في كل العهد الجديد. ولكننا نقرأها في التوراة اليونانيّة ما يقارب العشر مرات ولا سيما في مز 111: 9: "أرسل الخلاص لشعبه ". ونلاحظ أيضًا أن لغّة نشيد المباركة تتوافق في 1: 73 مع لغّة هذا المزمور في آ 5: "تذكر عهده الأبدي ".
"اقام قوّة (حرفيا= قرن) خلاص "، نحن هنا أيضًا أمام تعبير مأخوذ من العهد القديم، الذي استعمل فعل أقام (ايغايرو) وربطه بأشخاص اقامهم الربّ من أجل خلاص شعبه، مثل القضاة. "وصرخ بنو إسرائيل فأقام الربّ لهم مخلّص (هوعتنيئيل) فخلّصهم " (قض 9:3؛ رج 3: 5 مع أهود). ونجد الفعل في صلاة "الثماني عشرة": "أقام لنا فاديًا (مخلصًا) لأبناء ابنائهم ".
أعلن الإِِيمان اليهودي: تبارك الله الذي أقام لنا مخلصاً. وهتف نشيد المباركة: "تباركَ الله الذي أقام لنا قوّة خلاص ". هتف وكأن الجديد العظيم في تدخل الله الحاسم قد حصل. وإذ أراد أن يعبّر عن هذا الجديد، إستقى من الإِرث القديم كما فعلت صلاة "الثماني عشرة": "إنمِ نبت داود عبدك، وارفع مجدَه بخلاصك الذي نرجوه النهار كله. مبارك أنت يا ربّ لانّك أنميتَ قرن خلا ص" (المباركة الخامسة عشرة). وقال مز 3:18 (= أم 3:22): "أحتمي به وهو صخرتي وترسي وقرن خلاصي وحصني وملجأي ".
ولكنّ الاستقراضات من نشيد داود هذا لا تنحصر في هذه العبارة. فنشيد المباركة قد انطبع في العمق بهذا المزمور. في آ 47 نجد عبارة: "تبارك الله " التي تفتتح نشيد زكريا (آ 68). ويعبّر زكريا عن الخلاص والتحرر من الاعداء. كما في آ 3 (قرن الخلاص)، 36 (الخلاص مجن)، 47 (تعالى خلاصي)، 51 (يعطي الخلاص لملكه)، وكما في آ 4، 18، 49 التي تتحدّث عن "أعدائنا". ونقرأ عبارة: "من يد جميع في آ 1، وعبارة "الذين يبغضوننا" في آ 18. وأخيرًا إن مقدمة المزمور تسمّي داود "عبد الله "، وهذا ما يقوله نشيد المباركة: "في بيت داود عبده" (آ 69).

ثانياً: الشق الثاني: آ 72- 75.
"ليصنع رحمة لآبائنا". يتواصل الشق الثاني مع هذه العبارة التي نجدها أيضاً في نهاية صلاة داود: "أعطى ملكه الخلاص، صنع رحمة (للملك) مسيحه، لداود ونسله الى الأبد" (مز 18: 51).
حين أقام الله في نسل داود حاملَ خلاصه، دلّ على أنه إله الأمور الجديدة، الإِِله الذي يتدخّل بشكل حاسم وبطريقة لم يُسمَع بها من قبل. ويشدّد نشيد المباركة في الوقت عينه على أن الله هو الذي يتذكّر ولا ينسى، ويحقّق ما جعل الإِنسان يستشفه منذ الماضي السحيق.
وترجع آ 72 ب إلى ما بعد داود، إلى الميثاق (العهد) الذي عُقد مع آبائنا. فأي ميثاق يعني هذا الكلام؟ هل ذلك الذي عقده مع إسرائيل في سيناء؟ ولكنّه يرجع بالحري إلى الميثاق الذي عقد مم إبراهيم وهو المذكور في الآية التالية. فعبر ميثاق مع ابراهيم، "عقد الله ميثاقًا (عهدًا) مع آبائنا، أي كل الذين سبقونا في مسيرة الإِِيمان، أي كل نسل ابراهيم المؤمن. وهذا ما تشير إليه نهاية نشيد التعظيم: "ذكر رحمته (رج آ 72 أ) كما كلم آبانا من أجل ابراهيم ونسله إلى الأبد" (54:1).
وسيكون كل هذا واضحًا في أع 25:3: "فانتم ابناء الانبياء والعهد الذي عقده الله مع آبائنا حين قال لابراهيم: بنسلك أبارك كل شعوب الأرض ".
فعبر العهد الخاص الذي عقده الله مع موسى وتعلق باسرائيل، يرجع نشيد المباركة إلى الله الذي عقده الله مع ابراهيم الذي يتعلق بكل "عشائر الأرض ". اللغة خاصة بشعب من الشعوب: آباؤنا، أبونا، أعداؤنا. ولكن الفكرة تبدو شاملة في مضمونها فتعمّ البشرية كلّها.
ولكن حين تحدّث نشيد المباركة عن الميثاق مع ابراهيم فهو لم يجدّد شيئًا. فالعهد القديم نفسه في أجزائه المختلفة يعود مرارا إلى الميثاق الذي عقد مع الآباء. نقرأ في خر 2: 24 عن شعب الله: "سمع الله أنينهم. تذكر الله ميثاقه مع ابراهيم واسحق ويعقوب " (رج خر 3:6- 5). ونقرأ في لا 42:26 جواب الربّ الى توبة شعبه: "سأتذكّر ميثاقي مع يعقوب. سأتذكّر أيضاً ميثاقي مع إسحق. وميثاقي مع ابراهيم. سأتذكّر الأرض" (التي طرد منها الشعب). وفي مز 8:105- 9: "تذكّر دوماً ميثاقه، الكلمة التي أوصى بها إلى ألف جيل، الميثاق الذي بتّه مع ابراهيم وأكّده بقَسَم لاسحق" (رج مز 106: 45؛ 111: 5؛ 1مك 1 :2؛ 4: 10). وتبقى النظرة إلى الميثاق هي هي في العالم اليهودي. هنا نتذكّر مثلاً كتاب اليوبيلات (14: 1- 24؛ 15: 1- 10) والقديميات البيبلية (7: 4؛ 8: 3؛ 9: 4) وسفر عزرا الرابع (3: 15).
ويشهد نشيد المباركة أيضاً على إرتباطه بالعهد القديم حين يشير إلى القَسَم الذي اقسمه الله لابراهيم (آ 73). هي مفردات استعملها الكتاب المقدّس وربطها بالوعد المعطى لابراهيم بنسل وأرض. وهكذا تبدو آ 73 قريبة جدًا من تك 26: 3: "اقم في هذه الأرض فأنا أكون معك وأباركك. واعطي هذه الأرض لك (= اسحق) ولنسلك، وأفي بالقسَم الذي أقسمته لابراهيم أبيك". يرد فعل "أقسم " مراراً في سفر التثنية، وهو مرتبط بالوعد بأرض تعطى للشعب. وهذا واضح بصورة خاصة في تث 6-7 حيث نجد أفكار ومفردات لو 1: 72- 75: القسم للآباء، الخلاص من الأعداء، خدمة الله. "فالربّ الهك تخاف وإيًاه تعبد... تعمل ما هو حقّ وصالح أمام الربّ الهك لتكون سعيداً وتمتلك الأرض الطيبة التي أقسم الله لك بأن يطرد منها جميع اعدائك من أمام وجهك (تث 13:6، 18- 19). ونقرأ في تث 23:6- 24: "الأرض التي أقسم (= لو 1: 73) لآبائنا (= 1: 72) أن يعطينا إيّاها (= 1: 73 ب) لنخاف الرب ونكون سعداء كل أيامنا (= 1: 75، أيام حياتنا) (رج تث 8:7- 9، 12).
وهكذا يبدو القسم الأول (آ 68- 75) من نشيد المباركة متشرباً من مناخ العهد القديم ومفرداته. والشواذ الوحيد، كما قلنا هو آ 70. وهنا نكتشف مواضيع لوقا ومفرداته الخاصة. فالعبارة "قال بفم قديسيه الانبياء في الزمن القديم " نقرأها حرفياً في أع 3: 21 بلسان بطرس في خطبته في الهيكل. وتعود لفظة "بفم " في أع 18:3؛ 7:15. ثم إن مواضيع الوعد والبشارة وتتمّة الوعد معروفة عند القديس لوقا. نجدها مثلاً في خطبة بطرس التي يتحدّث فيها أيضاً عن الانبياء القديسين: "والأنبياء كلهم الذين تكلّموا من صموئيل إلى الذين جاؤوا بعده، قد أنبأوا أيضاً (بمجيء) هذه الأيام " (أع 3: 24).
لا شك في أن لو 1: 70 يشير بصورة خاصة إلى النبي ناتان حين يتحدّث عن "الأنبياء في الزمان القديم ". في آ 69، دلّ الانبياء على مخلّص يخرج من نسل داود، وهذا هو بالضبط موضوع نبوءة ناتان (2 صم 7: 5- 16). وفي خطبة العنصرة سيُعلن بطرس: "وبما ان داود كان نبياً عرف أن الله أقسم له يميناً بأن يقيم (يجلس) على عرشه نسلاً (= المسيح) من صلبه " (أع 30:2). إن الكلمات التي تحتها خط أُخذت من مز 132: 11 الذي يحيلنا الى نبوءة ناتان. وسيكون كلام لوقا فيما بعد صدى لهذه النبوءة في مقطع تبدو كلماته قريبة من كلمات لو 1: 70: "من نسله (= داود) حسب الوعد، أقام الله لاسرائيل يسوع مخلصاً" (أع 13: 23).
كل هذا يدفعنا إلى الاعتقاد بأن آ 70 ألّفها لوقا نفسه. والأمر معقول، ولا سيما وأن هذه الآية تشكل انقطاعاً بين آ 69 وآ 71 اللتين ذَكرتا "الخلاص" فاوضحت الواحدة ما في الأخرى.

ب- كلمات لوقا والجماعات المسيحية (آ 76- 79).
ونصل إلى الدرفة الثانية من النشيد. تتألّف، كما قلنا، من شقين: أ أ (آ 76- 77)، ب ب (آ 78- 79). تصوِّر مسبقاً رسالة يوحنا المعمدان فتقدّم الجواب على سؤال طرحه لوقا في 1 :66: "ما عساه يكون هذا الصبي"؟
تختلف هذه الدرفة الثانية اختلافاً كبيراً عن الدرفة الأولى في التعبير عن الفكرة التي يريد لوقا أن يوصلها إلينا. تحقّقنا أن الدرفة الأولى نُسجت من تذكرات أخذتها من العهد القديم. ولكن هذه التذكرات ستغيب هنا فيحلّ محلّها (كما في آ 70) لاهوت القديس لوقا. وإن يكن هناك من استشهادات فهي "تقليدية" بمعنى أن الإِِيمان المسيحي تبنّاها وكيّفها حسب التعليم الجديد.

أولاً: لغة لوقا ولاهوته
إن الاعلان الذي يوجّهه زكريّا ليوحنّا في آ 76 أ ("تدعى نبي العلي") هو صدى لما أعلنه الملاك لمريم بالنسبة الى يسوع: "سيدعى ابن العلي " (1: 32). إذن، العودة إلى الله ستحدّد منذ البداية دعوة الطفلين: يسوع هو ابن العلي ويوحنا هو نبي العلي. وستوضح آ 76 ب فيما بعد: "تسير أمام الرب". تعود كلمة "سار، مشى" (بوريوماي) 88 مرة عند لوقا، والظرف وأمام " (انوبيون) 35 مرة. وهذا يدلّ على أنّنا أمام تعبير يرد مرارًا عند لوقا.
وفي آ 77، تصوَّر رسالة يوحنا كما ستصوَر رسالة الرسل في سفر الأعمال. قال لو 1:77: "ليعطي شعبه معرفة الخلاص في غفران الخطايا". ونقرأ أوّلاً في أع 4: 10، 12: "فاعلموا جميعاً، وليعلم شعب اسرائيل كله: لا خلاص إلا بيسوع. فما من اسم آخر تحت السماء وهبه الله للناسٍ نقدر به أن نخلص". وقال بطرس أيضاً:. "إن الله رفعه بيمينه رئيساً ومخلصا ليمنح اسرائيل التوبة وغفران الخطايا" (أع 5: 31). وأخيراً حدّث بولس أهل انطاكية بسيدية فقال: يا اخوتي، يا أبناء ابراهيم ويا أيها الحاضرون هنا الذين يتقون الله، اليكم أرسل الله كلمة الخلاص... اذن، ليكن معلوماً عندكم، أننا بيسوع نبشّركم بغفران الخطايا" (أع 13: 26، 38).
فموضوع غفران الخطايا بصورة خاصة، مع موضوع عطية الروح، يعبّران في سفر الأعمال عن بُعْدَيْ الخلاص الذي منحه المسيح لنا (رج أع 43:10؛ 18:26). وهكذا يبينّ نشيد المباركة أن رسالة المعمدان وكرازته هما استباق لرسالة الكنيسة وكرازتها.
وتصوير تدخّل الله وأثره فِي آ 78- 79 يدلّ أيضاً على أننا أمام تعبير لوقا ولاهوته. ففي هاتين الآيتين تبرز مختلف مركّبات خلاص الله وكأنّها تنبع من "أحشاء الرحمة". كلُّنا يعلم أن الرحمة تشكّل صفة الله الرئيسية في لوقا، وأن فعل "تحركت احشاؤه " (اشفق) يرد في ثلاثة مقاطع خاصة بلوقا. في 13:7: يسوع أمام وحيد الأرملة في نائين. في 33:10: عاطفة السامري تجاه الجريح المرمي على جانب الطريق. في 15: 20: تحرّكت أحشاء الأب (أو تحرّكت فيه العاطفة حتى عمق احشائه) حين رأى ابنه عائداً إلى البيت الأبوي.
ونقول الشيء عينه عن موضوع السلام الذي تُماثل آ 79 بينه وبين إحدى وجهات الخلاص. وهذا أيضاً يقابل نظرة لوقا الذي سيحدّثنا في الفصل الثاني عن خلاص الله يعلنه الملائكة بلغة السلام: "المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام للناس الذين يحبّهم " (14:2). وحين يتكلّم بطرس أمام كورنيليوس سيستعمل الكلمات عينها على ضوء سر الفصح: "إن الله أرسل كلمته إلى أبناء اسرائيل يعلن بشارة السلام بواسطة يسوع المسيح " (أع 36:10). قد نجد في كلام القديس بطرس صدى لما ورد في أش 7:52: "ما أجمل أقدام حامل البشارة على رؤوس الجبال. يخبرنا بالسلام. يبشّرنا بالخير. يخبرنا بالخلاص ".
كل هذا يقودنا الى الوجهة الثانية التي أعلنا عنها: كيف استعمل لوقا الكتاب المقدّس في القسم الثاني من نشيد المباركة؟

ثانياً: عودة الى العهد القديم.
في المقاطع القليلة من القسم الثاني (آ 76- 79) التي نجد فيها استشهادات من العهد القديم، نجد أن هذه الاستشهادات تعكس استعمالاً مسيحياً للأسفار المقدسة.
وهكذا حين تعلن آ 76 عن يوحنا: "تسير أمام الربّ لتهيئ طرقه ، فهي تشير إلى أش 3:40: "صوت صارخ في البرية: هيّئوا طريق الربّ، واجعلوا سبل الهنا قويمة". ونتذكّر هنا أن الأناجيل الأربعة تعود إلى هذا المقطع (مت 3:3؛ مر 1: 2- 3؛ لو 3: 4؛ يو 1: 23). وهكذا يكون نشيد المباركة قد أخذ باستعمال مسيحي تقليديّ.
وتعود آ 79 إلى مقطع آخر من أش 9: 1-2 يتحدّث عن نور عظيم ظهر لينير "الشعب الذي يسير في الظلمة" والذين "يسكنون في ظلال الموت ". وهذا المقطع يرد بوضوح في مت 4: 16: "الشعب الجالس في الظلمة رأى نوراً ساطعاً، والجالسون في أرض الموت وظلاله أشرق عليه نور". وهذا يعني مرّة أخرى أننا أمام استعمال تقليديّ.
في آ 78 ب يدلّ نشيد زكريا على المسيح أنه "كوكب (نجم) العلاء" (اناتولي إكس هبسوس). هذه التسمية الخاصة بالمسيح تجد أصلها في مقطع ار 23: 5 كما نقرأه في السبعينية اليونانية: " ها إنها تأتي ايام، يقول الربّ، فأقيم لداود نبتا عادلاً ويحكم كملك... ويجعل الحق والعدل على الأرض ". إنطلاقاً من هذا النصّ، نرى أن "أناتولي " تعني "النبت" (في العبرية: جمع) والنور او الكوكب الذي يشرق. وهذا صار في العهد القديم اسم المسيح المنتظر في الآتي من الأيام (رج زك 8:3؛ 12:6، المغارة الرابعة في قمران 1: 11 مع تفسير مسيحاني لنص ار 5:23).
في نشيد المباركة، نحن نفهم "اناتولي" بمعنى الكوكب او "الشمس المشرقة"، لا سيما وأن وَلْي النص يصوّر دور الانارة: فكوكب العلاء يساعد الانسان على أن يرى (آ 78 أ) وأن يفتح طريقه (آ 79 أ) حيث تسود الظلمة وظلال الموت. وتطبيق هذه الصورة على يسوع المسيح ظاهر في العهد الجديد. فإليها يعود، ولا شكّ خبر المجوس في مت 2:2: "رأينا نجمه عند شروقه (اناتولي) فجئنا لنسجد له ".

ج- من اللغة إلى الفكر.
إذا كان ما رأيناه صحيحاً، فنحن أمام ملاحظة لافتة للنظر: فهناك انقطاع واضح بين قسمي نشيد المباركة على مستوى التعبير. نرى في الدرفة الأولى (آ 68- 75) تعبيرًا يهوديًا يستلهم العهد القديم. أما في الدرفة الثانية (آ 76- 79) فنجد تعبيرًا مسيحيا او انطبع بالطابع المسيحيّ.
ولكننا سنكتشف هذا الانقطاع أيضاً على مستوى الفكر واللاهوت. فنحس وكأن آ 76-79 تترجم في كلمات مسيحيّة نظرة اليهود إلى الخلاص كما عبّرت عنه آ 68- 75. كأن القسم الثاني من هذا النشيد هو تفسير مسيحي للرجاء اليهوديّ الذي أعلنه القسم الأول.
فإن آ 68- 75 تدلّ على نظرة "وطنيّة" الى المسيح الذي يحرّر اسرائيل شعبه (آ 68) من أعدائهم (آ 71- 74). وهو بهذا يمنحهم الخلاص (آ 71 أ) أو يكون "قرن الخلاص" الذي أقامه الله (آ 69 أ).
هذه النظرة إلى المسيح ظاهرة في العالم اليهودي. يكفينا مثلاً أن نشير إلى مزامير سليمان (23:17- 27) أو ترجوم التكوين (49: 15- 11). نورد هنا مز 17 من مزامير سليمان: "أنظر يا رب، وأقم لهم ملكهم ابن داود في الوقت الذي تعرفه يا الله ليملك على اسرائيل عبدك. ومنطِقْه بالقوّة لكي يحطّم الرؤساء الظالمين. طهّر أورشليم من الأمم التي تدوسها وأهلكهم. ليُطرد بحكمة وعدل الخطأة من الميراث ".
أما نشيد المباركة، فلا يتطلّع إلى الخلاص من. الاعداء في حد ذاته، بل من أجل خدمة الله: "لكي ننجو من أعدائنا فنخدمه في البرّ والقداسة أمام وجهه كل أيّام حياتنا" (آ 74- 75). أجل، هذه النظرة الى دور المسيح تحتفظ بمكانة مهمة للبعد السياسي الوطني. وهذه النظرة يعرفها لوقا وهو الذي كتب في 2: 25: " وكان في أورشليم رجل اسمه سمعان. كان هذا الرجل بارُّا وتقيُّا، وكان ينتظر عزاء اسرائيل ". ونقرأ على لسان تلميذي عماوس (24: 21): "كنا ننتظر انه هو الذي يخلص اسرائيل ". وسيقول التلاميذ ليسوع قبل صعوده: "أفي هذا الزمن تعيد الملك إلى اسرائيل " (أع 1: 6)؟
هذه النظرة سيصححها لوقا فيبينّ في أي معنى يسوع هو المسيح، وما هو نمط الخلاص الذي يحمله. يكفينا هنا أن نقرأ خطب بطرس في بداية الأعمال. "فليعلِم بنو اسِرائيل كلّهم علم اليقين ان الله جعل يسوع هذا الذي صلبتموه أنتم ربا ومسيحاً" (أع 2: 36). وقال في المجلس: "إله آبائنا أقام يسوع هذا الذي علقتموه على خشبة وقتلتموه. فهو الذي رفعه الله عن يِمينه " (أع 30:5-31).
تصحيح مهم قام به لوقا. فيسوع هو المسيح حقا، وهو يحمل الخلاص. ولكن هذا الخلاص روحي قبل كل شيء. وهكذا صححت الدرفة الثانية ما كان في الدرفة الأولى من نظرة وطنية متطرفة. تكلّم القسم الأوّل عن خلاص مسيحاني يكمن في نصر على الاعداء (آ 71). فتكلّم القسم الثاني عن غفران الخطايا (آ 77 ب). شدّدت الدرفة الأولى على خلاص من أيدي أعدائنا (آ 74)، أما الثانية فاحتفلت بتحريرنا من الظلمة والموت. ما فهمناه عن القسم الأول بمعنى مسيحانيّة يهوديّة، قد تصحَّح في القسم الثاني وفُسِّر في خط روحي يتوافق واللاهوت المسيحيّ.

5- من أين جاء نشيد المباركة؟
تكاثرت الافتراضات حول أصل نشيد المباركة. وها نحن نذكر ثلاثة مواقف رئيسيّة.

* الموقف الأول: أصل يهودي.
يقول بعض الشرّاح: نحن أمام نشيد أخذه لوقا كلّه او أخذ قسماً منه من العالم اليهودي واقحمه في خبر الطفولة بعد أن نسبه إلى زكريّا الكاهن اليهودي. 
ولكن، هذا الافتراض قد ينطبق على القسم الأول من النشيد (آ 68- 75) ما عدا آ 70 التي نكتشف فيها اسلوب لوقا وأفكاره. ولكنه لا ينطبق إطلاقًا على القسم الثاني في تعابيره وأفكاره المسيحيّة.

* الموقف الثاني: أصل مسيحي متهوّد.
هناك مسيحيّون من أصل يهوديّ قد أنشدوا هذا النشيد فأقحمه لوقا في خبره. أما البرهان الأهمّ الذي يسند هذا الموقف فهو أن آ 68-69 تحتفلان بالخلاص وكأنّه حصل منذ الآن فلم يعد لنا أن ننتظر شيئاً. يقول النصّ: "الله افتقد، الله خلّص شعبه، الله أقام قوة خلاص ". هذا يفترض اقتراضًا من أوساط مسيحيّة (متهوّدة) لا من أوساط يهوديّة، كما قال الافتراض الأول. ومن جهة ثانية، إن تذكرات العهد القديم والتصوّرات القريبة من التصوّرات المعروفة في العالم اليهودي تفترض اتصالاً بهذا العالم اليهودي. إذن، انتقل نشيد المباركة الى لوقا من أوساط مسيحيّة تأصّلت في العالم اليهودي.
ولكن، هل تتضمّن فرضيّة الاقتراض ان لوقا أورد النصّ حرفياً كما وصل إليه؟ ما الذي يمنع أن يكون كيّفه وصحّح تعابيره، ولا سيّما حين انتقل منِ المقبل الى الماضي؟ ما هو أكيد هو أن القسم الثاني يعكس تقوى مسيحيّة وافكاراً مأخوذة من العهد الجديد. يرى البعض أن لوقا أخذ جوهر القسم الأول من العالم اليهودي، ثمّ ألّف القسم الثاني مفسِّرًا ما سبق من الوجهة اللاهوتيّة المسيحيّة. 

* الموقف الثالث: تأليف لوقا.
يرى أصحاب هذا الموقف أن لوقا ألّف النشيد كلّه، وهو المعروف بتقليده لأسلوب السبعينية اليهوديّة في القرن الأول المسيحي، وأخذ بأسلوب الصلاة التي تُمارس في تلك الأوساط.
لا شك في أن لوقا يقدر أن يؤلف خطبة كاملة بلباقة يعجز عنها أكبر الكتّاب. مثلاً، خطب سفر الأعمال التي تتوجّه إلى اليهود (أع 13: 16- 41) أو الوثنيّين (أع 22:17- 32). ولكن لوقا لا ينطلق من لا شيء ليؤلّف الخطبة. فمضمون الخطب يقابل مضمون الكرازة كما نستطيع أن نتعرّف إليها في أماكن أخرى. إذن نستطيع أن نقول إن لوقا استعمل مرجعا يهوديا توقّفت نظرته إلى المسيح عند حقبة سابقة للمسيحيّة.
ولكن لوقا لم يتوقّف عند القسم الأول، بل أوصلنا إلى المسيح الذي أقامه الربّ نوراً للأمم الوثنيّة، وأرسله ليفتح عيون العميان ويحرّر المحبوسين من سجونهم (اش 42: 6 ي). أجل، المسيح هو شمس الخلاص الذي يحمل الفداء لبشر تسحقهم الخطيئة والموت.
تحدّث نشيد المباركة عن هذا السابق الذي يهيئ الدرب لمن يقود خطانا في طريق السلام. وقبله تحدّث نشيد التعظيم عن الإِِله الذي ينظر الى خائفي الله، الى المتواضعين، الى الجائعين. إنه يسوع المسيح الذي لا يحمل خلاصاً إلى شعب واحد، بل إلى كل الشعوب، وهو الذي أرسل كنيسته لا إلى اليهوديّة والسامرة فقط، بل حتى أقاصي الأرض.
الفصل الثالث عشر
اليوم ولد لكم مخلص
(لوقا 2: 1- 20)

يُعتبر خبر مولد يسوع العجيب من أكثر الصفحات المعروفة في إنجيل لوقا. فقد رسمه لنا الفنّ المسيحيّ جيلاً بعد جيل. ومثّلته "المغارة" التي اعتدنا أن نجعلها في بيوتنا وكنائسنا. ولكن هذه الصفحة الإِنجيلية تُخبئ صعوباتٍ ترتبط بأناجيل الطفولة. فكم نتمنى أن لا تحرمنا هذه الصعوبات من البحث عن التعليم العميق الذي أراد لوقا أن يوصله إلينا.
إذن، نبدأ أوّلاً فنُقدّم أسلوب لوقا في عرض خبر الطفولة. ثم نقرأ خبر مولد يسوع. وبعد أن نتفحّص المشاكل التي يطرحها الخبر على المؤرّخ، نتوقّف عند المعنى العميق الذي نكتشفه في هذه الصفحة الإِنجيليّة.

أ- أسلوب لوقا في إنجيل الطفولة
يُعلن لوقا في أولى أسطر كتابه أنّه سيتكلّم عن الأحداث التي جرت بيننا. إنّه يبحث عنها بدقة، وها هو يُقدّمها في خبر مُرتب وأكيد (1: 1- 4). هذا هو هدفه الواضح، ولكن كيف قام بمُهمّته هذه؟ نحن نستطيع أن نتحقّق من هذا الأمر بعد الفصل الثالث، فنُقابل ما كتبه مع ما كتبه مرقس (الذي كان مرجع لوقا) ومتى. أمّا فيما يخصّ أخبار الطفولة، فلوقا مُستقلّ عن مرقس الذي لا إنجيلَ طفولةٍ عنده، وعن متّى الذي شدّد في أخباره على أمور أخرى.
أمّا إن قرأنا أخبار لوقا في ف 1- 2، فنكتشف فيها السِمات الرئيسيّة التالية:
أوّلاً: تبينّ ف 3- 24 كيف أنّ التلاميذ اكتشفوا سرّ يسوع اكتشافاً بطيئاً، وتلمّسوا طريقهم في التعبير عن إيمان غير دقيق. أمّا أخبار الطفولة فتقدّم أوضح التعابير عن هذا السرّ في سلسلة من التدخّلات الملائكيّة والأقوال النبوّية (1: 32- 33، 35، 43؛ 2: 11، 30- 32، 34- 35، 49). من الواضح أنّ لوقا أرادْ أن يجعل من إنجيل الطفولة هذا عرضًا لسرّ يسوع، ومقدمة كرستولوجيّة (تحدّثنا عن يسوع المسيح) شبيهة بالمقدّمة التي وضعها يوحنا في مطلع إنجيله (يو 1: 1- 18). سنرى أنه استعمل عدّة عبارات من الكرازة المسيحيّة الأولى.
ثانيًا: حين أراد لوقا أن يبني خبره، لجأ إلى نهج عرفه المؤرّخون اليونانيّون
في عصره، نهجِ الموازاة. مثلاً، في سفر الأعمال نجد مُقابلة بين بطرس وبولس. وفي إنجيل الطفولة نجد موازاة بين يوحنا المعمدان ويسوع: كلاهما بشّر بهما الملاك جبرائيل (1: 5- 25، 26- 38) فالتقيا في شخص ام كلٍّ منهما. وتحدّث لوقا عن مولد يوحنا وختانته، فأدخل في إعلان ونشيد رسالة السابق بفم والده زكريا (57:1- 79). وينتهي الخبر بتعليق قصير على ذلك الصبيّ الذي كان ينمو ويتقوّى بالروح (1: 80).. وتضمّن مولدُ يسوع أحداثًا مشابهة (2: 1 -40).
ففي كلّ من هذه المشاهد الموازية، نجد عبارات مختارة تُشدّد على التطابق بين الحدثين. يدلّ هذا الأسلوب على وحدة مُخطّط الله. وفي الوقت عينه يمنعنا من أن نجعل يوحنا يُناقض يسوع، كما فعل تلاميذ يسوع ويوحنا في القرن الأوّل المسيحيّ (يو 3: 25- 36). ويبرز هذا الأسلوب بصورة خاصّة سموّ يسوع على يوحنا، ويبينّ ما تفرّد به يسوع. سنرى كيف أنّ هذا الأسلوب يُلقي ضوءاً على خبر ميلاد يسوع.
ثالثًا: ويعود لوقا في ف 1- 2 إلى العهد القديم بأشكال ثلاثة. في الشكل الأوّل تبدو لغة الخبر هي لغةَ التوراة اليونانيّة (المسمّاة السبعينيّة)، وهذا ما يطبع الخبرَ بالطابع القُدسيّ. في الشكل الثاني، نجد أنّ بعض المقطوعات بُنيت حسب الفنون الأدبيّة التي عرفتها التوراة: أخبارُ ظهورات ملائكيّة، بِشاراتٌ بولادةِ وَلَد (مثلاً: ولادة شمشون في قض 13). وتتبَعُ الأناشيدُ طريقةَ المزامير. والثالث: إنّ المواضيع اللاهوتيّة هي مواضيع الرجاء النبويّ: المسيح، الآيات، الخلاص، السلام، الوحي للأمم... كل هذا يجعلنا نُدرك كيفَ أن حدث مولد يسوع يتمّم مواعيد الأنبياء.

ب- خبر مولد يسوع
إنّ خبر مولد يسوع وختانته (2: 1- 21) يُقابلُ، في إنجيل لوقا، مولدَ يوحنا وختانته (57:1- 66). ولكن خبر يوحنا يُشدّد بصورة خاصّة على الختانة، لأنّ التوافق غيرَ المُنتظر بين زكريا وأليصابات على اسم الصبيّ، يُشكّل علامة على تدخّلِ الله. أمّا خبر يسوع فيتوقّف بالأحرى عند مولده الحقير الذي يُشكّل علامة تدلّ المؤمينين عليه (آ 12).
وُيروى هذا المَولد في مشاهد ثلاثة: الحدَث (آ 1- 7)؛ كلام الملائكة الذين يكشفون للرّعاة معنى هذا الحدَث (آ 8- 14)؛ نقل هذا الكلام بلسان الرعاة (آ 15- 20).

1- مولد يسوع (آ 1- 7).
تورد أولى كلمات الخبر اسم سيّد الكون في ذلك الزمان: أوغسطس قيصر، كما تورد القرارَ الذي أصدره "بإحصاء جميع المسكونة" أي المملكة الرومانيّة (آ 1). يَطرح هذا الإِحصاءُ مُشكلةً تاريخيّة سوف نُعالجها فيما بعد. ولكن الإِشارة إليه في هذا المكان من الإِِنجيل، لها معناها في نظر لوقا. أوّلاً، هناك وظَيفة تاريخيّة. إنّها تُحدّد مولد يسوع في إطار التاريخ العامّ. فلوقا، شأنُه شأنُ مؤرّخي عصره، يهتمّ بالمعالم الكرونولوجيّة (توقيت الأحداث التاريخيّة) (3: 1- 2). ثانيًا: إنّ لهذه الإِشارة بُعدًا آخر أكثر أهميّة: حين سمّى لوقا أوكتافيوس بلقبه الإِِلهيّ "أوغسطَس "، فقد أراد أن يُشير إلى عبادة الناس للأمبراطور، كما تُعبَد الآلهة الوثنيّة. وفوق ذلك، هو يتلفّظ باسم ملك من ملوك الأرض، ساعةَ يستعدّ لإعلان مملكة المسيح (وهذا، سيفعله فيما بعد في 3: 1، 22؛ 7:9- 9، 18َ- 21؛ 13: 31- 35؛ 22: 25، 29- 03؛ رج 3:4- 6)، يقف الأمبراطور الرومانيّ مع المسيح الربّ (آ 11). يأمر أوغسطس قيصر، وعلى المسيح أن يخضع. كان يسوع طائعًا منذ وِلادته، وسيُولَد ولادة حقيرة في مذود في بيتَ لحم. وفيما بعد سيُتهم ويُسَلّم إلى يديّ بيلاطس الذي سيعلن بتشامخ سلطانَه عليه (يو 10:19). ولكن سلطة القيصر الوثنيّ على المسيح الطفل هي سلطة مؤقّتة. وسيتجاوزها يسوع في مجد تنصيبه الفصحيّ ملِكًا (24: 26؛ أع 2: 36). ومنذ الآن سيعلن الملائكة قائلين: إن ولدَ المذود يملك وحدَه الألقاب التي يتباهى بها قيصر: هو وحدَه المُخلّص، هو وحدَه الربّ (آ 11)، هو وحدَه ذلك الذي يجد فيه البشر السلام الحقيقيّ (آ 14).
لو تمّ الإِحصاء في إيطاليا، لذهب ربُّ البيت إلى مركز القضاء الذي يُقيم فيه. أمّا في فلَسطين فقد فرضت الإِدارة الرومانيّة على كلّ واحد أن يذهب إلى مسكنه الأصليّ. لم يكن كلّ نسل داود مُجبرًا على الذهاب إلى بيت لحم. ولم تكن مريم مُجبرة على أن تُرافق يوسف. ولكن طُرق الله ليست طُرقَ الانسان، ونحن لا نفهمها إلاَّ فيما بعد وعلى ضوء الإِِيمان.
ماذا كان موقف يوسف، يومَ أصدر الأمبراطور الوثنيّ قراره؟ ثار الغيورون (أع 37:5)، أمّا الفرّيسيّون فخضعوا. وخضع يوسف مثلَهم، فصعد من الجليل إلى اليهوديّة، من الناصرة إلى بيتَ لحم، خضع مع أنه ابن داود (آ 4). رأى في الطفل الذي سيولَد، المسيحَ المُحرّر. فعل كما سيقول يسوع فيما بعد: أعطى ما لقيصر لقيصر (20 :25). صعد "إلى مدينة داود التي تدعى بيت لحم ". عبارة فريدة في التوراة حيث مدينة داود هي دومًا أورشليم (من 2 صم 7:5 حتى 1 مك 36:14). حين سمّى لوقا بيت لحم بهذا الاسم الاستثنائي، أرادَ أن يبينّ أنّ برار أوغسطس قد أتمّ نبوءة مي 5: 1 التي حيّت بيت لحم على أنّها المدينة التي سيولد فيها المسيح. وهذه الفكرة التي نجدها أيضًا عند متى 2: 5 - 6 ويو 42:7، لا تظهر في النصوص اليهوديّة القديمة التي لا تبدو مُهتمّة بالموضع الذي وُلد فيه المسيح. هذا يعني أنّنا أمام قراءة مسيحيّة لنصّ مي 5. 
وأخيرًا يرد اسم مريم (آ 5). يُحدّد لوقا وضعها ببضع كلمات: هي البتول وخِطّيبة يوسف. هي حُبلى. ويعرف قرّاء لوقا كيف حبلت بعد أن حلّ الروح القدس عليها وظللتها قدرة العليّ (35:1). إنّ عطيّة الله التي لا توصَف، لا تحمي هذه المرأة من الضيق وصعوبات السفر بعيدًا عن البيت العائليّ.
وترد ولادة الطفل (آ 6- 7) بألفاظ نجدها في تك 25: 24، وبكلمات ترد في ولادة يوحنا المعمدان (57:1). سمّى لوقا يسوع بكرَ مريم، فلم يَعنِ بقوله أنّه كان لها أولاد آخرون: فهو قد سبق له وشدّد على بتوليّة مريم (27:1 - 34)، ولبث مًتحفّظًا حول تقليد إخوة يسوع (ذكرهم في 19:8- 20 لا في 22:4؛ أع 17:12؛ 13:15؛ 21: 17). ونحن نعرف نصوصًا يهوديّة تحدّثت عن امرأة ماتت وهي تضع ابنها البكر. لا شكّ في أنّ لوقا يوضح بكلمة "بكر" الوضع الشرعي ليسوع. هو لا يعني حقّ البكوريّة الذي يؤمّن له الميراث المسيحانيّ، بل يؤكّد صفته كمكرّس للآب. وهذا ما سيُشير إليه الإِِنجيليّ فيما بعد (23:2) حين يذكر شريعة الأبكار (خر 13: 2؛ 34: 19).
إنّ الطابع الدينيّ الذي يُشير إليه بهذه الكلمات في مولد يسوع، لا يُخفّف من وقع الفقر الغريب. فالذي سيُسمّيه المخلّص ومسيح الربّ هو فقير بين الفقراء. ليس له بيت عائليّ يستقبله، بل ملجأ مؤقّت في إحدى زرائب الحيوانات. قالت الشعبيّة اللاتينيّة: لم يكن لهما مكان في الفندق. ولكن لوقا يستعمل كلمة أخرى ليدلّ على الفندق (10: 34- 35). أمّا الكلمة المُستعملة هنا فتدلّ على "قاعة" (رج 22: 11). إذًا، أراد لوقا أن يقول: لم يكن لهما موضع في الغرفة التي تجتمع فيها العائلة. فذهبت مريم الى غرفة مَحاذية. أمّا التقليد عن المغارة التي قيل أنّها وُجدت في بيت لحم، فيعود الى يوستينولس، فيلسوف نابلس في فلسطين. ونجد هذا التقليد أيضاً في إنجيل يعقوب المنحول، عند أوريجانس وإيرونيموس. وكان أوريجانس أوّل من تكلّم عن الثور والحمار راجعًا الى أش 1 :3 (عرف الثور صاحبه، والحمار السيّدَ الذي يطعمه). 
سيُوضع هذا الطفل في القُمط، وستهتمّ به أمّه وحدَها وليس مَن يُساعدها. ووضعته في مذود الحيوانات (13: 15) لئلا تدوسَه البهائم. وإنّ الفقر الذي سيتحدّث عنه الانجيل فيما بعد، ولا سيّما في إنجيل لوقا، سيكون السِمة التي تُميّز طفولته الأولى. وهذا ما سيقوله الملاك: "هذه هي العلامة لكم: تجدون طفلا ملفوفًا بقُمط، ومُضْجَعًا في مذود" (آ 12).
ويشدّد لوقا على فقر مولد يسوع في الموازاة مع مولد يوحنّا: فناسك البرّيّة يلد في رفاهيّة بيت كهنوتيّ، وقد جاء الجيران والأقارب عديدين ليُهنّئوا الأمّ "العجوز" وُيقدّموا لها خدماتهم (58:1). وسوف يتحدّث الناس عن ابنها في كلّ جبل اليهوديّة (1: 65). في هذه المُقابلة يبدو الحدَث التاريخيّ لمولد يسوع أكثر تعاسةً ووَضاعة.

2- كلام الملائكة للرعاة (آ 8- 14).
ولكن في هذه التعاسة وهذه الوضاعة سيشعّ مجد الله ومسيحه إشعاعًا بعيدًا جدّاً عن أحلام البشر. إن القسم الأوّل من الخبر يُحدّثنا الآن عن هذا المجد الذي كُشف للرعاة، وطُلب اليهم أن يُبشّروا به. لا شك في أنّ لوقا يقدّم هنا صورة مسبّقة عن تعليم الخلاص الذي حملَه الرسل.
إنّ حاملى هذه البُشرى هم رعاةُ جِوار بيتَ لحم (آ 8). رأى عدد من الشُرّاح في تدخلهم تلميحًا إلى داود الذي كان راعيًا في بيتَ لحم (1 صم 16: 11؛ 15:17؛ 2 صم 8:7). ولكن لا شيء يدلّ على أنّ لوقا اهتمّ بهذا الرمز. فحسب نظرته العاديّة، هو يرى بالأحرى في هؤلاء الرعاة، الفقراءَ العزيزين على قلبه. كان مُعلّمو عصره قاسين عليهم لأنّ مهنتهم تُبعدهم عن تعليم المجامع (لا يقدرون أن يأتوا الى الصلاة) وعن المُمارسات الدقيقة. أمّا لوقا فرأى فيهم "الصغار" الذين كشف لهم الآب سرّه (10: 21) لأن ليس فيهم تكبّر يغلقهم على نعمته.
وجاءهم تعليم الخلاص بواسطة ملاك الربّ (آ 9) الذي هو شخص معروف في العهد القديم. بشّرهم بمولد المسيح كما بشّر هاجرَ في الماضي بمولد إسماعيل (تك 16)، وأمَّ شمشون بمولد ابنِها (قض 13). أو كما نقل كلام الخلاص إلى موسى (خر 3: 2؛ 4: 17) أو إلى جِدعون (قض 6: 11- 24). ولكن الملاك يتراءى الآن بتَسامٍ لم يعرفه التقليد السابق: شعّ حول الرعاة المجدُ الذي كشفَ عن حضور الله لشعبه خلال مَلْحمة الخروج (خر 16: 10؛ 16:24- 17؛ عد 10:14) أو من خلال تكريس الهيكل (1 مل 11:8). وأمام هذا الظهور (ابيفانيا) السرّيّ الذي أعلنه الأنبياء من أجل يوم الخلاص (حز 43: 1- 12؛ أش 40: 5؛ 60: 1- 11)، امتلأ الرعاة خوفاً (1: 12- 29). هذا ما حدث للأنبياء والرائين الذين شاهدوا الربّ (أش 6: 5؛ دا 17:8؛ 7:10- 11). لسنا هنا أمام خوف العبيد من سيّدهم، بل أمام خشيةٍ مُقدّسة يُثيرها سرّ الله فينا بنعمته ومُتطلباته.
وأوّل كلمة قالها الملاك للرعاة، كما لزكريا (13:1، 30)، جاءت لتُفهمهم معنى هذه الخَشية المُقدّسة (101). فالظهورات ترافقها عادة دعوة الى الثقة (تك 15: 1؛ 21: 17؛ 26: 24؛ قض 6: 23؛ دا 10: 12). كلام الملاك هو كلام الفرح (1: 14، 28)، هو منذ الآن بُشرى و"إنجيل" (1: 19؛ 17:4). نُقلت هذه البُشرى الآن الى الرُعاة، فعنت كلّ شعب الله، لأنّنا أمام المسيح الذي هو حاضر منذ الآن. وإنّ لوقا الذي استعمل مرارًا كلمة "بشّر" (أنجل من إنجيل) يُشير هنا الى نقطة انطلاق تعليم الرسل.
وتحدَّد سرُّ يسوع الآن (آ 11) بدقّة وتسامٍ تجاوزا كلَّ التجاوز انتظاراتِ العالم اليهود،، كما تجاوزا لغة تلاميذ يسوع خلال حياة مُعلّمهم على الأرض. هناك لقَبان أَعطيا للمولود الجديد رنّةً إلهيّة: إنّه المُخلّص، إنّه المسيح الربّ.

أوّلاً: إنّه المُخلّص.
تُشير هذه اللفظة الى اسم يسوع (الرب يخلص، متى 1: 21). وتدلّ على الخلاص الذي انتظره الشعب منذ أقدم النبوءات المسيحانيّة في التوراة. ولكنّه لا يوافق تمامًا الاستعمال البيبلي (أي في الكتاب المُقدّس). يتحدّث النصّ العبريّ مرارًا عن "إله خلاصنا" أو عن "الله الذي يُخلّصنا"، ولكنّه لا يملك لفظة "مُخلّص ". أمّا التوراة اليونانيّة (السبعينيّة) فتملك هذه اللفظة وتُطّبقها 35 مرّة على الله، وه مرّات على البشر (قض 3: 9، 15؛ 12: 3؛ نح 27:9؛ أس 8: 12)، ولكنّها لا تطبّقها أبداً على المسيح. والأناجيل الإِزائيّة (أي متى ومرقس ولوقا) لا تُسمّي يسوع بهذا الاسم إلا في هذا المكان. ولكنّنا نجد هذا الاسم في سفر الأعمال (5: 31؛ 13: 23) وعند القديس بولس، سَواءٌ أكان في الرسائل الأولى (فل 3: 20؛ أف 23:5) أم في الرسائل الرعائية (2 تم 1: 10؛ تي 1: 4؛ 13:2؛ 6:3)، وعند يوحنا (يو 42:4؛ 1 يو 14:4)، وفي رسالة بطرس الثانية (1: 1- 11؛ 2: 20؛ 2:3، 18). من الواضح أنّنا أمام تسمية مسيحيّة استعملتها الكنائس اليونانية ردًّا على الوثنيين الذين تحدّثوا عن "الآلهة المُخلّصين"، وعن القيصر المؤلَّه الذي سُفي هو أيضًا المُخلّص. أمّا لوقا فيستعمل هذه اللفظة ليُعلن المُخلّص الحقيقيّ بوجه الإِمبراطور الوثنيّ.

ثانيًا: إنّه المسيح الربّ.
ولقَبُ "المسيح الربّ " هو أصيلٌ أيضًا. فالتوراة العبرية تتحدّث عن "مسيح يهوه" (12 مرّة تقريباً)، فتُترجم اليونانيّة اللقب "مسيح الربّ ". ولكنّنا نجد في مرا 4: 20 (اليوناني) عبارة "مسيح الربّ " (وكذلك في مزامير سليمان المنحولة 36:17). ولكن لا تُستبعد أن يكون هذان النصّان قد تأثّرا بالمسيحية. وبتفرّد لوقا بين الإِزائيّين فيُسمّي عادةً يسوع "الربّ في إنجيله (14 مرة، ولكن مرة واحدة في متى 3:21 ومرّة في مر: 3:11) وفي سفر الأعمال (عشرات المرّات) ولا سيّما في خطبة بطرس يوم العنصرة، وهي قريبة جدّاً من كلام الملاك الى الرعاة: إنّ يسوع هذا قد جعله الله ربًّا ومسيحيًّا". (أع 36:2). لا شكّ في أنّه أخذ هذه التسمية من الكرازة الرسوليّة (فل 3: 20) برنّتها الإِلهيّة.
نلاحظ أيضًا سِمَتين مُميّزتَين في كلام الملاك: هو يُعلن أن الطفل وُلد "اليوم". يستعمل لوقا هذه اللفظة 12 مرّة في إنجيله ليدلّ على آنيّة الخلاص (4: 21؛ 19: 9...)، ليدلّ على تدشين الزمن الجديد الذي ستتمّ فيه مواعيد العهد القديم. وُيشير لوقا إلى هذه المواعيد عندما يذكر للمرّة الثانية "مدينة داود" (ذكرها مرّة أولى في آ 4).
ورافقت الآية (آ 12) الوحي الذي ناله الرعاةُ من السماء. هذا ما حصل لزكريّا ومريم (18:1- 20، 36) ولعدد من مُرسَلي الله في الأيّام القديمة (خر 3: 12 ؛4: 1-9؛ قض 17:6 ،36- 40؛ 1 صم 10: 1-9، 1 مل 20: 8؛ أش 7: 11، 14). كانت الآيات (أو العلامات) في العهد القديم ذاتَ طابَع استثنائي يدلّ على قدرة الله ويكفل إتمام الخلاص الموعود به. أمّا هنا، فالآية عاديّةٌ ويوميّة: "طفل بائس في مذود البهائم ". تكفي هذه الآية لتُقنع الرعاة أنّ كلام الملائكة ليس حُلمًا. ولكن هذه الآية هي في الوقت نفسه وَحىٌ: فهذا الولد هو المُخلص المُنتظَر، وفقرُه يدلّ على الذين يعرفون أن يستقبلوه، كيف يُتم الله الخلاص. وهذه الآية تُشبه إلى حدّ بعيد الآيات التي كان يُقدّمها كارزو الإِِنجيل ليثبّتوا تعليمهم: مرّاتٍ يصنعون مُعجزات (أع 3: 1- 10؛ 5: 12، 15- 16؛ 9: 32- 42؛ 14: 8- 12؛ 8:28- 9؛ رج 2 كور 12: 12؛ روم 15: 19)؛ ومرّاتٍ أخرى يقدّمون المُخلّص المصلوب الذي هو شكّ لليهود الذين يطلبون علاماتٍ مُثيرة، والذي هو علامة فاعلة لقدرة الله وحكمته بالنسبة الى الذين يقبلونه بالإِيمان (1 كور 2:2- 25). ففي شقاء طفل المذود، بدا حضورُ الله المُحرّر واضَحًا لمن يريد أن يراه.
وفجأةً جاء كلُّ جيش السماء (أع 18:7؛ 2:8؛ 13:19) فساندَ كلامَ ملاك الربّ (آ 13). إنّه يقوم هنا بوظيفة ليتورجيّة، هي في العهد القديم أُولى وظائف الملائكة (أش 6: 3؛ أي 38: 7؛ مز 29: 1- 2؛ 103: 10- 21؛ 148: 1- 2)، كما في العالم اليهوديّ في زمن المسيح.
والمديح الذي ينشدُه الملائكة يعود بنا الى العالم السامي. إنّه يُعلن مجد الله في مقامه العلويّ والسماويّ؛ إنّه يعلن تساميَه السرّي الخاص به الى الأبد. وسيصير هتافُ الغلبة هذا هتافَ تلاميذ يسوع (لو 38:19)، ثم هتافَ الليتورجيّا: المجد لله في العلى. ولكن الله يجعل مجده في خدمة حنانه. إنّه يسكُب على أحبّائه السلامَ الذي وعد به ليوم الخلاص (مي 5: 4؛ اش 9: 5- 6؛ 11: 6؛ 53: 5؛ 17:60؛ 66: 12). لسنا هنا أمام "السلام الرومانيّ" والطمأنينةِ الزمنيّة التي ينتظرها العالم من أوغسطس، بل أمام مِلءِ الحياة العُلوّية التي يمنحها الربّ وحدَه. وهو وحدَه ينبوعُ الخلاص الحقيقيّ. هو وحدَه يمنح هذا الخلاص بحريّته السامية. يمنحه أوّلاً للفقراء (10: 21)؛ ولكنّ لوقا يعرف بخبرته أنّ الرب لا يحرم أحدًا من هذه العطيّة سَواءٌ أكان يهوديًّا أم يونانيًّا.

3- الرعاةُ هم أوّلُ المُرسَلين (آ 15- 20). 
دام ظهور الملائكة لحظةً واحدة. ولكن الرعاة لم يشكّوا أو يرتابوا بالكلام الذي سمعوه في الحال (آ 15). لقد تقبّل قلبُهم البسيط هذا الكلامَ منِ دون تحفّظ. إنّه بالنّسبة إليهم كلام الربّ. لا شكّ في ذلك. فأسرعوا نحو بيت لحم مثل مريم الذاهبة إلى مدينة أليصابات (1: 39)، وتحقّقوا من واقع الآية التي أُعطيت لهم: فالطفل هو هنا، كما صوّره الملاك. ومريم المذكورة أوّلاً هي الشاهد الأكبر لسرّه (آ 16).
إنّ فقر المذود الذي يصدُم عظماء هذا العالم، ثبّت الرعاةَ في إيمانهم. تعرّفوا الى الواقع الذي أكّد الرؤية التي حصلوا عليها، وروَوا ما شاهدوا للمجموعة الصغيرة التي تحيط بالطفل (آ 17).
لم يكن السامعون عديدين (في بيتَ لحم) ليتقبّلوا كلام الرعاة (آ 18).
ولكن تحدّث للوقا عن "كل الذين سمعوا". هذه هي طريقته في الكتابة، وهو يُفكّر بكلّ الذين سيتقبّلون فيما بعد تعليم الإِِنجيل.
وتعَجُّبُ السامعين يشبه التعجُّبَ الذي أثارته ختانةُ يوحنّا المعمدان (63:1). هو أقرب إلى الدهشة منه إلى الإِيمان. يُشير لوقا مرارًا إلى ردّة فعل مُماثلة أمام أقوال يسوع (22:4؛ 20: 26) أو عجائبه (25:8؛ 43:9؛ 14:11)، فيُبيّن أنّ هذا التعجّب يبقى بعيدًا عن فهم السرّ (22:4- 24؛ 25:8؛ 11: 14- 16؛ 10: 26؛ 12:24- 41). ويُقابل موقفَ مريم بهذا التعجّب السطحيّ (آ 19). أنها "تلك التي آمنت" (45:1). وُيبيّن إنجيلُ الطفولة الواقعَ البشريّ لإِيمانها: تحدّث عن اضطرابها العميق أمام تحيّة (سلام) الملاك، وعن أسئلتها (1: 34؛ 48:2)، وعن دهشتها أمام قول سمعان النبيّ (33:2)، عن تصرف يسوع (47:2) وعجزها عن ولوج سرّ ابنها ولوجاً كليّاً (2: 50). غير أنّ لوقا يُقابل هنا بين تعجّب الحاضرين وأمانتها على حفظ هذه الأمور (أو الأقوال) في قلبها (2: 51؛ 1: 66). نجد هذه العبارة في دا 28:7 (وفي 28:4 حسب نصّ السبعينية) وفي نصوص رُؤى عديدة، وهي تبيّن كيف أنّ "الرّائي" يحفظ للمُستقبل الوحي الذي ناله والذي ظل خفيًّا على الذين يُحيطون به. أمّا هنا، فلم تتقبّل مريم وحدَها كلامَ الرعاة. إلاَّ أنَّ لوقا قال إنها وحدَها تأمّلت فيه وحاولت ولوجَه في الإِِيمان. هي، منذ الآن، نموذجُ كلّ سامعٍ للكلمة، نموذج الكنيسة التي تعيشُ من هذه الكلمة.
وينتهي الخبر برجوع الرعاة وهم "يمجّدون الله ويُسبّحونه" (يُنشدون مجد الله وتسابيحه) (آ 20)، كما فعل جيشُ السماء خلال الرؤية السماويّة (آ 13- 14). يورد لوقا مرارًا مدائح مُشابهة على ألسنة شهود نَعِموا بمُعجزات يسوع (5: 25- 26؛ 7: 16؛ 13:13؛ 17: 15؛ 18: 43؛ 37:19)، على لسان الرسل أمام ظهور القائم من بين الأموات (53:24؛ أع 47:2)، على لسان صانعي العجائب باسمه (أع 8:3- 9؛ 4: 21)، على لسان الذين سمعوا بنموّ الإِِنجيل وتقدّمه (أع 18:11، 21: 20)، على لسان الذين قبلوا البشارة (أع 48:13). منذ ولادة المُخلّص انضمّ شكرُ الرعاة الليتورجيّ إلى عبادة الملائكة السماويّة فدُشِّنت العبادة في الكنيسة. فالعبادة هي جواب البشر على عطيّة الله.

ج- من التاريخ إلى الإِِيمان.
إنّ إحصاء الإِمبراطورية الرومانيّة على يد أوغسطس، أمرٌ معروف وقد ترك بعض الأثر في التاريخ. أمّا كيرينيوس فشخصٌ عرفه المؤرّخ تاقيتس والمؤرّخ اليهوديّ يوسيفوس. ونجد اسم يوسف ومريم عند متى ومرقس ولوقا ويوحنا، في إنجيل الطفولة (نسل داود، مت 16:1-10؛ لو 1: 27؛ رج 23:3)، وفي مقاطع أخرى من الانجيل (يوسف، لو 22:4؛ يو 1: 46؛ 42:6؛ مريم، مت 13: 55؛ مر 3:6؛ أع 1: 14). ثمّ يُحدَّد موضعُ ولادة يسوع في بيت لحم (آ 4- 6، 11، 15؛ رج مت 2: 11)، هذا مع العلم أنَّه يسوع الذي عرفوه كالناصريّ.
ونُشير أيضًا الى طريقة لوقا في تقديم ما حدثَ ليسوع وما تعيشه كنيسته، في لوحة واحدة. سُمّي يسوع "المُخلّص " و"مسيح الربّ ". ماذا فهم الرعاة من هذين اللقَبين اللذَين لم يفهمهما الرسل قبل القيامة؟ لا شكّ في أنّ لوقا تحدّث عن هذين اللقبَين كما تحدّث عن الإِِنجيل (آ 10) والآية (آ 12) والسلام (آ 14) على ضوء القيامة وفي إطار كنيسة تعيش في الرُبع الأخير من القرن الأوّل المسيحيّ.
ولا ننسى أخيرًا أنّ لوقا أخذ رسمة العهد القديم ومواضيعه اللاهوتيّة ليتحدّث عن مولد يسوع. نشيد الملائكة (آ 14) يُشبه أناشيدَ يهوديّة أو مسيحيّة دوّنت في جوّ يهوديّ. نجد تدخّل ملاك الله في عدد من النصوص التوراتيّة التي تتحدّث عن دعوة نبيّ (أش 6؛ ار 1) أو إعلان ولادة (تك 16: 11- 21) أو إيصال كلمة الله (دا 8: 15- 27؛ طو 12: 11- 21). فأخبار الدعوة تتضمّن أمر مُهمّة، واعتراض المدعوّ، وعلامة تُقنع المدعوّ. هذا ما نقرأه في إنجيل الطفولة.
ويبقى واقعُ ظهور الملائكة للرعاة، وتدخّلات الله في العهد القديم. هنا نترك عالم النقد التاريخيّ والتشكيك، وننتقل إلى مستوى الإِِيمان حيثُ نلزم نفوسنا فنعترف بالله وبعمله في مُجمل التاريخ المُقدّس. نُميّز بين اللامؤمن والمؤمن. كلاهما ينطلقان من موقف لوقا الذي يعبّر عن سرّ المسيح بعباراتٍ كرستولوجيّة عرفتها الكنيسة الأولى. يرى اللامؤمن في صورة يسوع هذه تفسيرًا لاهوتيُّا، يبقى على مستوى الرمز ولا يصل إلى الواقع. أمّا ظهور الملائكة للرعاة فهو تعبير من تعابير الإِِيمان. أمّا المؤمن فيرى في صورة يسوع هذه إِيمانه الشخصيّ وإِيمان الكنيسة. هو يعرف كم تطلّب هذا الإِِيمان من وقت ليُعبّر عن نفسه، وكم يبقى سرّيا فلا يحويه تعبير . ولكنه ، بالنسبة إليه ، الحقيقة التي يحاول التعمق بها في كلّ حياته، وبالأخصّ في بحثه عن يسوع المسيح. 
نحن نؤمن بألوهية المسيح، ولهذا نؤمن بأنّ هذا اللاهوت تراءى وظهر: في يوم الفصح، في الكنيسة، لشهود حياة يسوع على الأرض، منذ الطفولة حتى الموت والقيامة. أجل، إنِّ حدث ولادة يسوع لا يأخذ كامل بُعده ومعناه في نظر لوقا إلاَّ في الإِِيمان بيسوع. هنا وهنا فقط تدخل الله في تاريخ النصوص. هذا ما يقودنا إلى الحَديث عن الإِِيمان في إِنجيل لوقا.
أراد لوقا أن يصوّر واقعًا حصل في بيت لحم، في زمن أوغسطس قيصر، في تقليد الكنيسة. إنّه يهتمّ بهذا الواقع كحدث مُحدَّد في زمان ومكان، ولكنّه يتجرّد من بعض التفاصيل ليُشدّد على المعنى الروحيّ.
ما يهمّ لوقا في هذا الواقع هو مدلوله في تاريخ الخلاص. الحدَث هو يوم الخلاص. وهذا اليوم يمتدّ في كل حياة يسوع، من بيتَ لحم إلى الفصح.. وحين يتحدّث عن يسوع كالمُخلّص ومسيح الربّ، فهو لا يتوقّف عند الحقيقة التي فهمها الناس يومَ مولد يسوع، بل يرى شخص يسوع على ضوء الفصح. وحين يروي خبر الرعاة، فهو يفكّر بكلّ الذين نقلوا هذا التعليم في الكرازة الرسوليّة، كما يُفكّر بالذين قبلوه. ولهذا يعنينا هذا الخبر اليوّم. إِنّ السرّ يتّحد في نظر لوقا بالتاريخ اتّحادًا لا طلاق فيه. وهو يعتقد أن الخلاص أعطي في حدَث يسوع، ولهذا دوّن كتابه.
لا يتأسّس إيمانه على الخبر وحدَه. بل هو يُولد منٍ معرفته ليسوع في كلّ تاريخه، في كلّ شخصيّته السرّيّة التي اكتشفها اكتشافا بطيئًا، في تعليمه الخلاصيّ وفي حضوره الدائم. فوحيُ يسوع هو واقع فريد تمّ في زمن يسوع وما زال حاضرًا إلى أيّامنا في زمن الكنيسة. فكلّ واحد منّا مدعو ليتّخذ موقفًا بالنسبة إلى هذا الواقع. وهو قرار صعب لأنّه يلزمنا بكلّيّتنا. وهو قرار لا ينتهي أبدًا، لأنّ معرفتنا ليسوع هي اكتشاف يدوم ما دامت الحياة.
وهكذا يتّخذ خبر بيت لحم كلّ معناه للذي رأى في يسوع المُخلّصَ والمسيحَ والربّ. هنا نفهم فقر يسوع ومجده اللذَين حيّرا اليهود ولا يزالان يُحيّران البشر: وَلَدٌ ضعيف وخاضع منذ ولادته لقرارات امبراطور وثنيّ.. تستقبله أمّه بعيدًا عن البيت العائليّ، ونجّار يعمل في القُرى، وبعض الرعاة. ومن جهة ثانية، ظهور ساطع للجيش السماوي، للمجد الإِلهيّ، وإعلانُ المُخلّص والمسيح الربّ. إنّ هذا اللقاء بين شقاء البشر ومجد الله هو دخول الله في تاريخنا. هو يتّحد ببشريّتنا لينعش فيها الأمل، بل ليكون فيها حاضرًا بمحبّته الدائمة

الفصل الرابع عشر
يسوع مخلص العالم الوحيد
21:2

"ولمّا بلغ الطفل يومه الثامن، وهو يوم ختانه، سُمّي يسوع كما سمّاه الملاك قبل أن يُحبل به في بطن أمّه " (21:2).
إن هذه الآية تستحق الدرس رغم ايجازها. فالاشارة إلى الختان تذكرنا أن مريم ويوسف أتَّما كل بر (رج مت 15:3) عملا ارادة الله تجاه يسوع: إنه ابن حقيقي لشعب اسرائيل. خضع للشريعة وأراد أن يتقبّل في لحمه، في بشريته علامة العهد، قبل أن يقيم العهد الجديد والنهائي في دمه. غير إن اعطاء اسم يسوع للطفل يبدو لنا أكثر اهميّة.
نلاحط أولاً في المجموعة المؤلفة من ف 1- 2، أن خبر الختانة وتسمية يسوع يقابل خبرًا يتعلّق بيوحنّا المعمدان. فالتوازن ظاهر عند لوقا بين خبرَيْ البشارة، بشارة زكريا بمولد يوحنّا المعمدان، وبشارة مريم بمولد يسوع. وهو ظاهر أيضًا بين خبرَيْ الولادة مع التشديد على سموّ يسوع، وخضوع يوحنّا له. إن لم يكن هذا ظاهرًا هنا بسبب قصر النصّ، فيجب أن نلاحظ أن يسوع، أي الله يخلَص (1: 31) ليس اللقب الوحيد الذي أعلن عنه قبل أن يحبل بالولد. فهو يسمى أيضًا "ابن الله " (1: 35) حين تدخل الروح القدس تدخلاً عجيبًا من أجل الحبل به. فالخلاص الذي يحمل يحقق تحقيقا كاملاً "النعمة" (او: الحنان) التي أشار إليها اسم سابقه: يوحنا أي الله يتحنّن، الله ينعم.
فالإِِسم لا يدلّ فقط على الشخص، بل على الرسالة أيضًا. في الماضي أعطى الله اسماً لعدد من الأشخاص العظام. ابرام صار ابراهيم، ساراي صارت سارة، يعقوب صار اسرائيل. والله هو الذي يعطي مسبقا اسم يسوع للمسيح الذي سيلد. بعد هذا سيتقبّل سمعان اسم بطرس (مت 18:16).
إذا كان اسم بعض الأشخاص في الكتاب المقدّس يشير إلى حدث في حياتهم، فهناك آخرون يشير اسمهم إلى مصيرهم، إلى دورهم في مخطط الخلاص. هذا، نقوله عن يسوع الذي يكشف اسمه عن وظيفته المسيحانيّة: "هو الذي يخلّص شعبه من خطاياهم " (مت 1: 21). فالله "لم يرسل ابنه الى العالم ليحكم على العالم (بالموت)، بل ليخلّص به العالم " (يو 17:3). فإن كان الايمان المسيحي كلّه يتلخَّص في شخص يسوع، فإسم يسوع عينه (أي الله يخلّص) يستحقّ أن نتوقّف عنده. يسوع هو أساسًا الله الذي يحمل الخلاص.
إن دراسة سريعة لموضوع الخلاص في التوراة تساعدنا على ايضاح هذا الانجيل الذي ندرس. ففي الفصول الاولى من سفر الأعمال الذي يدلّ على لاهوت أولي، نجد شهادة واضحة عن إيمان الكنيسة الفتية بالخلاص الذي حمله يسوع. تأملت الكنيسة في حدث الفصح فدعتنا إلى قراءة العهد القديم وكأنه خبر نبوي عن الخلاص. وفي العالم الوثني، العالم اليوناني والروماني، الذي بشره الرسل، ظهر انتظار خلاص حقيقي وإن جاء التعبير عنه مضطربًا. فقد عارض بولس المخلص الوحيد ليسوع مع "الالهة المخلصين" و"الاباطرة المخلصين". وستدلنا الأناجيل الازائية كما دلت المسيحيين الأولين في حياة يسوع على الأرض، ستدلّنا على آيات الخلاص المسيحاني الذي تحقق منذ الآن. وأخيرًا، تقدِّم لنا أقوال يسوع وآياته بل شخصه لكي نعمِّق ايماننا في ابن الله و"مخلّص العالم ".

1- يسوع المخلص في اعمال الرسل.
حين نقرأ القديس بطرس في سفر الأعمال نكتشف بوضوح أن يسوع القائم من الموت هو في قلب الكرازة الرسولية الأولى. فيسوع هذا الذي قتله اليهود وأقامه الآب بقوته الفائقة، قد أقيم الآن ربًا ممجدًا، ربًا مخلصًا. ووظيفته الجديدة ظاهريًا تقوم بأن يخلص كل البشر الذين يؤمنون به ويدعون باسمه. "إن إله آبائنا أقام يسوع الذي علّقتموه على خشبة وقتلتموه. فهو الذي رفعه الله بيمينه وجعله رئيسًا ومخلصًا ليمنح شعب اسرائيل التوبة وغفران الخطايا" (أع 5: 30-31؛ رج 13: 23).
ولا تنحصر قيامة يسوع وصعوده في شخصه: فهذا السرّ يعني أيضاً خلاصنا. وقد كتب بولس فيما بعد: "أُسلم من أجل زلاتنا وأُقيم لأجل تبريرنا" (روم 25:4). فإن الربّ والمخلص يبدوان لنا لقبين يرتبطان ببعضهما ارتباطًا وثيقًا. فالصعود أعطى المسيح أن يكشف عن ذاته الآن أنه فاعل الخلاص، وأن يكمل هكذا عمله الفدائي. فيسوع مخلّص لأنه رب (كيريوس). وإذ يشدّد بطرس وسائر الرسل على قيامة يسوع وصعوده كسرّ خلاص، فهذا لا يعني أن الجماعة الأولى لم تكن تُبرز كل القيمة الخلاصية لآلام المسيح وموته. فما سيُسمى فيما بعد "السر الفصحي " كان وحدة مؤلفة من الموت والقيامة، في الايمان، في كرازة الكنيسة الأولى وصلاتها. وعلى هذا عاد العهد الجديد مرارًا الى نشيد عبد الله الرابع كما نقرأه في أش 13:52- 53: 12.
يسوع هو المخلص السماوي وقد دشّن بارتفاعه الأزمنة الأخيرة، الأزمنة المسيحانية. لقد أسّس الجماعة الاسكاتولوجيّة، جماعة المخلصين التي حلّ عليها الروح القدس (أع 2: 14- 36). فغفران الخطايا (أع 2: 38؛ 3: 19؛ 5: 31؛ 10 :43 ؛ 13: 38) والتطهير بالعماد، وعطية الروح، كلها وُجهات واقع الخلاص هذا الذي أعطاه الله في يسوع. ونحن حصرا أمام خلاص روحي، لا أمام تحرّر وطني انتظره بعض اليهود الغيورين، بل جزء كبير من الشعب (رج أع 1 :6). والمعجزات نفسها هي علامة عن هذا التجديد الداخلي، لأنها تفترض الايمان بيسوع. وهذا ما أعلنه بطرس أمام الشعب وشهد به أمام المجلس بعد شفاء الكسيح عند باب الهيكل.
"بالايمان باسمه (باسم يسوع) عادت القوة الى هذا الرجل الذي ترونه وتعرفونه. فالايمان بيسوع هو الذي جعله في كمال الصحة أمام أنظاركم جميعًا" (أع 16:3). وقال بطرس أيضًا: "إن هذا الرجل يقف هنا أمامكم صحيحًا معافى باسم يسوع المسيح الناصري، لا باسم آخر... فما من اسم آخر تحت السماء وهبه الله للناس نقدر به أن نخلص " (أع 10:4- 12). وقد تلَّقى الرسل مهمة اعلان هذا الخلاص، وشهادتهم التي يلهمها الروح تتعدّى كل معارضة: "أما نحن فلا يمكننا إلا أن نتحدّث بما رأينا وسمعنا (أع 4: 20). "نحن شهود على هذا كلّه، وكذلك يشهد الروح القدس الذي وهبه الله للذين يطيعونه " (أع 5: 32).
ويقيم اسطفانس في الخطبة السابقة لاستشهاده موازاة بين العبرانيين تجاه موسى الذي أرسله الله لهم مخلّصًا (أع 7: 39- 41)، وبين اليهود معاصري يسوع، موسى الجديد الذي وقفوا في وجهه (أع 7: 51- 53). تذكَّر هذا الماضي البعيد ليلقي ضوءًا على الوقت الحاضر، فأشار بوضوح إلى مهمة الخلاص. فيسوع هو مثل موسى، بل أفضل منه (أع 35:7- 38) وقد أرسله الله ليخلّص شعبه ويجمعه.
وتشهد كرازة بولس في انطاكية بسيدية (أع 13: 14- 52) على أن هذا الخلاص قد هيّأه العهد القديم وانبأ به. أُعِدّت رسالة الخلاص (آ 26) اولاً لابناء ابراهيم والذين يخافون الله، فامتدت إلى كلّ الوثنيّين (آ 46- 49). ولكن الله اخذ من نسل داود، حسب وعده، اخذ يسوع مخلصًا لشعب إسرائيل (آ 23).
في العهد القديم دُعي اسم يهوه (الرب) على الشعب (عد 22:6 ي؛ ار 14: 9؛ مز 6:99؛ 116: 4). بعد اليوم، يدعى اسم يسوع الذي يخلِّص: "كل من يدعو باسم الرب يخلص ". هذا مما قاله أع 23:2 موردًا يؤ 3: 5 (رج روم 10: 9- 13). ولهذا، فالرسل يعظون بهذا الاسم، وبقوته يعملون، ومن أجله يتألمون (رج أع 6:3، 16؛ 4: 10، 17، 18؛ 28:5، 40- 41؛ 8: 12، 16؛ 15:9 - 16؛ 28:27). وسيتحدث النص عن الاسم في المطلق وكأنه اقنوم وشخص حيّ. نقرأ في أع 5: 41: "فخرح الرسل من المجلس فرحين لأن الله وجدهم اهلاٌ لقبول الاهانة من اجل الاسم " (اي من اجل يسوع). قد نكون امام كرستولوجيا عتيقة (كما في الديداكيه ورسالة اكلمنضوس الأولى)، ولكن هذه الكرستولوجيا تشدّد في الوقت عينه على اهمية اسم يسوع، وعلى مدلول هذا الاسم وان كانت لا توضح ابدًا أصله الاشتقاقي.

2- المخلص الذي وعد به الله وانتظره اسرائيل
قيل ان كل لاهوت هو كرستولوجيا أي حديث عن يسوع المسيح، ونقول أيضًا كل لاهوت مسيحي هو سوتيريولوجيا أي لاهوت الخلاص الذي أعطاه الله في يسوع المسيح. ولكن هذا الخلاص يتدوّن في تاريخ يتضمن الاستعداد، الاعلان، التحقيق، التتويج.
لقد شدّد إيمان الكنيسة الأولى دومًا على وجهة تكملة الأحداث الحاسمة، احداث موت يسوع وقيامته. لقد جاء وعاش وتألّم ومات وقام من بين الأموات "حسب الأنبياء"، "كما في الكتب"، "ليتمّ الكتاب " وبصورة أعمق، إن رسالته كمخلص تُتمّ وتتوّج خبرة طويلة من "خلاصات " (جمع خلاص) في العهد القديم. وهي تتجاوب مع رجاء اسرائيل في تحرّر كامل ونهائي وعد به الانبياء باسم الله نفسه (رج عب 1: 1-4).
وعلى خبرة هذه "الخلاصات " بدورها وهذا الامل بتحرر كامل ان تساعدنا على فهم واقع الخلاص النهائي الذي حمله يسوع المسيح. فهي رسمة مسبقة تتيح لنا أن نتأمّل في التحفة الأخيرة التي هي الكمال بالذات.
إن التوراة تعبّر عن عمل الله الخلاصي بألفاظ عبرية مختلفة تتحدّث مرة عن "الخلاص " (يشوع، رج يشوع ويسوع) الذي هو انقاذ ووُسع بعد الضيق. وتستعمل مرة اخرى لغة الفداء حيث يبدو الله كالفادي (محرّر من العبوديّة، فدى، افتدى) كالمنتقم للدم (جائل) والولي أي القريب الذي يتولّى استرجاع خيرات وُضعت اليد عليها بعد دين لم يُدفع. والله هو الذي يحقّق التطهير الليتورجي، هو الذي يكفّر (رج ليتورجية يوم كيبور او يوم التكفير).
مهما كانت الألفاظ المستعملة، فهي تدلّ اساسًا على انقاذ، على تحرير حقّقه الله من أجل شعبه أو فقرائه فمنحهم ملء الخير والفرح. اذن المفردة العبرية "خلاص " ليست سلبية. انها مثل كلمة "السلام ". فالله حين يخلّص الإِنسان يغمره بالخيرات الماديّة والروحيّة ويجعله يبتهج من الفرح. اجل، إن الَخلاص هو في الوقت عينه انقاذ مؤلم ودخول في الفرح. وسيتوسع القديس يوحنّا في هذا المعنى الأولاني فيشدّد على "الحياة" ويقدّم يسوع كالمخلص الذي "يعطي الحياة (يحيي) لمن يؤمن به.
العهد القديم كله هو في الوقت عينه تاريخ خبرة الله المخلص ورجاء متين بخلاص نهائي وعد به الله أخصاءه. لقد هيّأ الله مجيء ابنه "بزيارات " (افتقادات) عديدة وجعل في قلب شعبه رغبة بخلاص عظيم فينجو بفضله من اعدائه ليخدمه في البرّ والقداسة (لو 1: 68 ي). ثم إن هذه الثقة بالمستقبل تستند إلى خبرة الماضي: إن "خلاصات" البارحة هي عربون التحرير المقبل.

أ- التاريخ المقدس تاريخ الخلاص
ليس تاريخ اسرائيل سلسلة من الأحداث تسير مسارها دون رابط بينها. ان هذا التاريخ يُعاش كخبرة متواصلة عن حبّ الله المخلص. وكل مرة انحنى اسرائيل على ماضيه، اكتشف في نسيج تاريخه خيط "خلاصات الله. والخبرة الكبرى والمميزة تبقى خبرة الخروج التي صارت للفكر اليهودي والمسيحي نموذج وعربون انقاذ. أتمَّه الله من أجل شعبه.
قبل عبور البحر الأحمر، قال الله للشعب: "انبذوا كل خوف. اثبتوا وسترون ما سيعمله الربّ اليوم لكي يخلّصكم... الربّ يحارب عنكم وأنتم لن يكون لكم أن تعملوا شيئًا (خر 13:14). ويعظّم نشيد موسى (خر 15: 1ي) الربّ الذي يدين له الشعب بالخلاص. وسيعود الموضوع مرارًا في نصوص لاحقة (اش 63: 8 ي؛ مز 106: 8، 10، 21).
وعلى خطى موسى الذي هو أداة خلاص صنعه الله من أجل شعبه، جاء يشوع (= الله يخلص) والقضاة "كمخلصين" ينقذون بني اسرائيل من أيدي أعدائهم (قض 16:2، 18؛ 9:3 عن عتنيئيل؛ 15:3 عن أهود؛ 14:6 عن جدعون؛ 13: 5 عن شمشون). وبعدهم سيأتي صموئيل (1 صم 8:7) وشاول (1 صم 13:11) وداود (2 صم 8:3) فيكونون اداة تؤمن خلاص الله.
وسيختبر داود نفسه هذا الخلاص خلال انتصاراته (2 صم 6:8، 14؛ 23: 10، 12).
وحين حاصر سنحاريب الملك الأشوري مدينة أورشليم سنة 701، تحدى الله إن كان يقدر أن يخلص شعبه (2 مل 18: 30 ي). حينئذ نقل أشعيا إلى الملك حزقيا قول نبويًا ظل مشهورًا وهو ينتهي بهذا الوعد الالهي: "سأحفظ هذه المدينة واخلصها من أجلي ومن أجل داود عبدي " (2 مل 19: 34؛ رج 20: 6). فكل الانتصارات وكل الانقاذات التي نَعِم بها الشعب تُنسب إلى الله الذي يخلص اخصاءه أمانة لنفسه وللملك الذي مسحه (مسيحه). وهذا الاعتقاد يعود إلى الأزمنة الأولى في تاريخ الشعب، كما يشهد بذلك عدد من اسماء العلم التي نجد فيها الخبر "يشع " (خلص): يشوع، اشعيا، اليشاع، هوشع... لا مخلص خارجًا عن يهوه (هو 13: 4؛ أش 43: 11). فاليه نتجه لكي نجد الخلاص. 
وفي قلب هذا الشعب المتأكد من خلاصه، يعي كل اسرائيلي حماية شخصية، يمنحه الله اياها. كم من المزامير تضع أمام عيوننا هؤلاء الفقراء والوضعاء، هؤلاء المتضايقين والمضطهدين الذين يختبرون في حياتهم خلاص الله. ويعدد مز 107 مختلف هذه الفئات "التعيسة التي خلصها الله من ضيقاتها: المشردون والاسرى والمرضى والمهددون بالغرق والجائعون وغيرهم. وكلهم يستحقون الردة عينها: "صرخوا الى الرب في ضيقهم فنجاهم من جميع مضايقهم " (مز 107: 13، 19، 22). وستصوّر بعض الأسفار المتأخرة مثل سفر دانيال هذا الخلاص الالهي الذي يجعل الأبرار ينجون من الأخطار الشديدة. مثلا، الفتية الثلاثة في آتون النار (دا 3: 28) ودانيال في جبّ الأسود (دا 6: 17، 23).

ب- الخلاص هو موضوع رجاء وصلاة اسرائيل.
وسيتأسّس على هذه الخبرة التاريخية رجاء لا يغلَب في قدرة الله وحبه الخلاصي. وتشهد على ذلك أقوال الانبياء والصلوات الفردية والجماعية التي نجد أكثرها في سفر المزامير.
إن لقب "إله خلاصي " (الله مخلصي)، "اله خلاصنا"، والنداء "خلصني" و"خلص يا رب "، هي جد متواترة في المزامير وهي تعبّر عن إيمان لا يتزعزع لأنه يرتبط بهذا الرجاء العظيم. الله يستطيع ان يخلصنا لأنه يحبّنا ولأنه خلصنا في الماضي. ويعبر مز 85 افضل تعبير عن خبرة هذا الخلاص فيقول: "ارجعنا يا إله خلاصنا واصرف غضبك عنا... ارنا يا رب رحمتك وليُعطَ لنا خلاصك... قريب هو خلاصه من الذين يخافونه والمجد يسكن ارضنا. الرحمة والأمانة تلاقيا، العدل والسلام تلاثما. الأمانة تنبت من الأرض والعدل ينحني من السماء" (مز 5:85-12).
مرات كثيرة يتوسل المؤمن لينجو من مرض او خطر الموت (مز 2:29، 15) أو اضطهاد (مز 22: 22؛ 31: 12، 16؛ 59: 2) أو اجتياح. ولكن هذا الخلاص الجزئي هو رسمة بعيدة لخلاص اسكاتولوجي ونهائي أعلن عنه الأنبياء. "خلّصنا أيها الربّ الهنا، واجمعنا من بين الأمم" (مز 47:106). كل هذا يجعلنا نقرأ مز 96 و98 كشكر مسبق لما سيعمله الله من أجل شعبه: "رنّموا للرب ترنيماً جديداً فإنه صنع المعجزات. الخلاص يأتينا من يمينه ومن ذراعه القدوسة. أعلن الرب خلاصه، ولعيون الأمم كشف برّه... كل أقاصي الأرض رأت خلاص إلهنا" (مز 98: 1- 3).
فبعد النفي الى بابل تكاثرت الأقوال التي فيها يعلن الله مخططه الكبير بالخلاص الشامل. فخبرة السبي المؤلمة أشعلت الانتظار والرغبة والرجاء بانقاذ يتم سريعًا. أعلن ارميا (31: 7) اعادة بناء اسرائيل، فكان حزقيال امتدادًا له، وكذلك اشعيا في قسمه الثاني. "سآتي وأخلّص خرافي " (حز 34: 22). "تكونون شعبي وأكون الهكم. أنجيكم من كل نجاساتكم " (حز 28:36- 29). "لا تخف يا يعقوب، الدودة الحقيرة، ويا اسرائيل الحشرة الضعيفة، فأنا آتي إلى نصرتك... قدوس اسرائيل هو فاديك " (اش 14:41). "لا تخف لأني افتقدتك. دعوتك باسمك لأنك لي... فأنا الرب الهك، قدوس اسرائيل ومخلصك " (1 ش 43: 1- 3).
وهكذا طوال ما سُمِّي "كتاب التعزية والتشجيع" (أش 39- 55) قدّم الرب نفسه على أنه الفادي. إنه ولي اسرائيل ومخلصه. وستبدو العودة من بابل على أنها خروج جديد أجمل من الخروج الأول.

ج- من الآمال البشرية الى فضيلة الرجاء.
لقد تأسّس الرجاء تأسيسًا متينًا وكاملاً على كلمة الله منذ أولى أزمنة "التاريخ المقدس " حيث قيل: آمن ابراهيم بالله (تك 15: 6) وترجّى رغم كل رجاء، اي ساعة لم يعد من رجاء (روم 18:4). ولكن الشعب ما زال محتاجًا إلى فترة طويلة من التربية الالهية ليتوافق موضوع هذا الرجاء البشري مع مخطط الله. فلقد اتخذ رجاء اسرائيل وقتًا طويلاً حتى يصل الى التحرر من الخطايا، وحتى يتطلع الشعب إلى خلاص شامل يعّم شعوب الأرض كلها.
لا نستطيع ان نرسم هنا الخطوط الكبرى لهذا التوسع، ولكننا نورد بعض النصوص المزمورية التي تبقى لنا الشاهد على تصوّر الضمير الجماعي والفردي في اسرائيل. فاذا كانت مختلف مزامير التوسل تطلب التحرر من الأعداء او الشفاء من امراض الجسد، فهناك مزامير اخرى تجعل الانسان يرغب في غفران خطاياه ويطلب من الرب هذه النعمة (مثلا، مز 32؛ 51؛ 130؛ 143). ويدلّ مزمور "ارحمني " وفيه يتوسل المرنّم لكي ينجو من الخطيئة التي هي شر الشرور، يدلّ على هذا التطوّر الروحي الذي هو ثمرة الكرازة النبوية: "ارحمني يا الله بحسب رحمتك... من خطيئتي طهرني. فانا عارف بخطيئتي. قلبًا نقيًا أخلق فيَّ يا الله وروحًا مستقيمًا في احشائي. أعد لي فرح خلاصك واجعل فيَّ روح السخاء ونجّنى من الدماء يا إله خلاصي" (مز 3:51-5، 12، 14، 16).
وتعبّر اقوال عديدة في سفر اشعيا عن الخلاص الذي يعمّ المسكونة: حين ينجو اسرائيل يصبح لكل الشعوب محور المديح والفرح. وصهيون التي تخرج منها الشريعة تجتذب إليها كل الشعوب (اش 2: 2ي؛ 60: 1ي). ويعلن مز 87 ان كل الشعوب الوثنية سيصبحون مواطنين في أورشليم. نحن امام خلال شامل ومديح مسكوني (مز 117).
كل هذا الانتظار، كل هذه الصلوات قد تمّت في شخص يسوع. مخلص المسكونة: "كل مواعيد الله وجدت فيه نعمها" (2 كور 1: 20).

3- من المخلِّصين العديدين في العالم الوثني الى يسوع المخلّص الوحيد.
إن الخلاص الذي وعد به الرب وأعلنه الأنبياء وتحقّق في يسوع، الله المخلص، لم يكن معدًّا فقط لليهود، بل لجميع البشر دون تمييز في العرق واللون. وفي زمن اعلان بشرى الخلاص هذه، كان العالم اليوناني والروماني متأثِّرًا ببعض الديانات السرية التي تَعِد بالخلاص. وكان الاباطرة الرومان (بل بعض الامراء) يسمون نفوسهم "مخلصين" (سوتر). فكما ان هذا العالم عرف عددًا من الآلهة وعددًا من الارباب (1 كور 8: 5) الذين وضع بولس في وجههم الاله الواحد والرب الواحد، هكذا عرفت حواضر البحر المتوسط عددًا من المخلصين الالهيين او البشريين جعلت أمامهم الديانة المسيحية المخلص الواحد. فإن التقاربات البعيدة وإن مشوَّهة عن خلاص الله، تساعدنا على تحديد موقع ايمان الكنيسة وعلى التشديد على تسامي هذا الايمان.
في كل حواضر الامبراطورية الرومانية ارتفعت معابد اكرامًا لقيبالس، الالاهة الأم، وزوش الذي هو جوبيتر ورئيس آلهة رومة. وارتفعت هياكل صغيرة للآلهة ايزيس، سيرافيس، اسكولابيس، هرماس، ديوسقورس... وقد لُقب هؤلاء الآلهة فيما لقبوا "بالمخلِّصين ". فزوش هو الاله الذي يخلص من الآفات والمصائب فيسمى بكل بساطة "المخلّص". وقيباليس تكرّم "كالأم التي تخلص". ايزبس هي ديانا وارطميس (إلاهة الوثنيين، أع 28:19)، هي الالاهة الكبرى والسيدة المخلصة.
والامراء والاباطرة من جهتهم مثّلوا الالهة لدى البشر فأخذوا لقب المخلص وطالبوا بالاكرام المحفوظ للآلهة. فهناك مدوًّنة في سميرنة (ازمير في تركيا) تسمي أميرًا من السلالة العرقية السلوقية الحاكمة في انطاكية: "انطيوخس الاله والمخلص". ووُصف يوليوس قيصر بالمخلص ومخلص العالم (لقب اعطي ليسوع في يو 22:4؛ 1 يو 14:4) في مدوّنات وجدت في اثينة وافسس. ونقول الشيء عينه عن اوغسطس وكلوديوس وفسبازيان...
ماذا ينتظر الناس من الآلهة ومن الذين يمثلونهم على الأرض حين يحيونهم ويسمّونهم "مخلصين "، فينتظرون الخلاص من كل ضيق، ونيل السعادة والصحة والغبطة في الآخرة؟ يطلبون من الآلهة المخلصين خصبَ الأرض والقطيع والأسرة، يطلبون السلام الذي هو خير الخيرات. وحين يجيء ملك جديد يرجو الشعب مزيدًا من السعادة، وحين يعلن تنصيبه على الشعب يسمّى هذا التنصيب " بشرى، بشارة، إنجيلاً أي خبرًا طيّبًا".
بعد هذا نرى أنّ سرّ الخلاص الذي أعلنه الرسل وتجاوب مع رجاء الشعب اليهودي، قد وجد أيضًا في العالم الوثني قلوبًا تنتظر. ومهما كان هذا الانتظار ناقصًا، إلاَّ أنه هيَّأ بعض القلوب لتستقبل تعليمًا عن الخلاص الوحيد في يسوع المسيح، وهو تعليم يتجاوز كل خبرة وكل انتظار.

4- إنجيل بولس.
إنتظر اليهود تحرير إسرائيل بواسطة مسيح منتصر، وتاق الوثنيّون إلى تحرّر بفضل مخلّصين من البشر اعتبروا نفوسهم آلهة. إلى هذه الفئة وتلك قدّم بولس يسوع ابن الله ومخلّص الكون الذي يحرّر تحريرًا نهائيًا كل الذين يؤمنون به من الخطيئة والموت والشريعة، ويدخلهم في حياةٍ ، ويضمّهم إلى موته وقيامته بالمعموديّة.
لقد بين عدد كبير من الشرّاح أنّ الفكرة الجوهريّة في تعليم بولس هي الخلاص. فقد أراد في كلّ رسائله أن يُعلن الخلاص الذي أعطي في يسوع، أن يعرض دومًا، وبصورة أعمق غنى هذا السرّ وأن يوضح شروطه: خُلِّص المسيحي في الرجاء (روم 24:8) فوجب عليه أن يحيا في الإِِيمان وفي توافق مع وضعه الجديد، بانتظار الفداء التام والنهائي. وشخص يسوع هو في قلب هذه السوتيريولوجيا، هذا التعليم عن الخلاص. لسنا أمام فكرة مطلقة عن الخلاص، بل أمام شخص يسوع نفسه المخلّص القائم من الموت الذي يحتلّ قلب إيمان بولس وتعليمه.
يخلّص المسيحي بالإِيمان بالإِِنجيل الذي هو "قوّة الله لخلاص كلّ مؤمن " (روم 1 :16؛ 1 كور 1: 18)، بل يخلّص بالإِيمان بيسوع القائم من الموت: "فإِن اعترفَتْ شفتاك بأنّ يسوع هو ربّ، وإن آمن قلبك أنّ الله أقامه من بين الأموات، تخلص. لأن إيمان القلب ينال البرّ، واعتراف الشفاه الصلاة) (روم 9:10- 10). ولا يعيش المسيحي في رجاء خلاص (أي لا يرتكز على الواقع والحقيقة) مجرّد بل في انتظار المخلّص: "مدينتنا في السماء، ومن هناك ننتظر بشوق مجيء المخلّص، الربّ يسوع المسيح (فل 20:3؛ رج 1 تس 1: 10؛ روم 9:5؛ عب 9::28). وقد نلنا هذا الفداء المقبل منذ الآن، لأن المسيح "الذي أسلم من أجل خطايانا وأقيم من أجل تبريرنا" (روم 25:4) "جاء يخلّص الخطأة" (1 تم 1: 15). فالله خلّصنا (تي 3: 5- 6) بالمسيح، لأن الله "صالَحَ العالم معه في المسيح" (2 كور 19:5). وإذا كان لقب المخلص ينطبق في الرسائل الرعائيّة على الله الآب وعلى المسيح، فلأن هذا الفداء يبدو عملاً إلهيّاً: قرَره الآب "الذي يريد خلاص جميع البشر" (1تم 2: 4) وحقّقه في يسوع الذي تنتظره وهو "الإِِله العظيم والمخلّص " (تي 2: 12).
ويعبّر بولس عن فكرة الخلاص بألفاط مثل: خلص، مخلّص، خلاص. والبرهان على ذلك، هذا التعليم الموجز والغني عن التعليم البولسي: (الآب نجّانا (انتشلنا) من سلطان الظلام ونقلنا إلى ملكوت إبنه الحبيب الذي لنا به الفداء وغفران الخطايا" (كو 1: 13 -14؛ رج أف 1: 6- 7). فيسوع يمثل في نظر القديس بولس كما في نظر الكنيسة الأولى كلها الوسيط الوحيد (1تم 5:2) والمخلّص الوحيد.

5- شهادة الأناجيل الإِزائيّة.
لم تهدف الأناجيل الإِِزائيّة إلى إعطائنا لاهوتًا عن الخلاص مبنيُّا بناءً محكماً. إنَّها تحاول أن تنقل إلينا تعليمًا "عمّا فعل يسوع وعلّم حتى صعوده الى السماء" (رج أع 1: 1- 2). ولكن ينكشف سرّ الخلاص في أعمال يسوع وأقواله: يسوع هو المخلّص، هذا هو جوهر التعليم.
ففعل خلص (سوزو) الذي يُستعمَل فقط للحديث عن عمل المسيح المرتبط برسالته الفدائيّة، يُستعمل خاصة في أخبار الأشفية. أما ما يقابله في العالم السامي ففعل "حيا، أحيا". فنازفة الدم ترجو أن "تخلص" أو "تشفى". فقد أعلن لها يسوع: "إيمانك خلّصك (في السريانيّة: أحياك) إذهبي بسلام وكوني معافاة من مرضك" (مر 5: 25- 34 وز). فالرباط بين الشفاء (أي الخلاص). والإِيمان الذي هو شرطه، والسلام الذي هو ثمرته، هذا الرباط يرد مرارًا عند القديس لوقا. فقد أعلن يسوع للخاطئة في بيت سمعان الفرّيسي: "إيمانك خلّصك، فاذهبي بسلام " (لو 7: 50؛ رج 8: 5؛ 17: 19؛ 18: 42). العبارة هي هي، ولكنّنا أمام شفاء داخلي. غير أنّ الإِِيمان يتدخّل دومًا كشرط لا بدّ منه. ونعود إلى سياق شفاء جسديّ مع حادثة الرجل اليابس اليد (مر 3: 4= لو 9:6)، ومع إقامة ابنة يائيرس (1 مر 13:5 وز) وشفاء الأعمى (مر 52:10 وز؛ رج مر 56:6).
خلاص على مستوى الجسد وهو رمز لخلاص الانسان كلّه بغفران خطاياه. هذا الخلاص يرتبط دومًا بشخص يسوع: "من أراد أن يخلّص حياته يهلكها" (مر 8: 35 وز). يجب أن نخسرها بسبب المسيح. وفي مكان آخر، الخلاص يعني الدخول إلى الملكوت (مر 10: 26 وز).
واستعمل لوقا استعمالاً خاصًا مفردات الخلاص. هو تلميذ بولس، وانجيله هو "إنجيل المخلّص " كمّا سمّاه الشرّاح. ففي أخبار حياة يسوع العامة، يشدّد الإِِنجيل الثالث على دور يسوع كمخلّص، على ضرورة الإِِيمان، وعلى قيمة الخلاص اللامتناهية (رج لو 3:7؛ 8: 12؛ 23:13؛ 19: 9- 10). ويبرز لوقا بصورة خاصّة الوجهة المسكونيّة لهذا الخلاص فيورد معجزات صنعها يسوع لغير اليهود. وحين أورد كرازة السابق أنهاها بقول أش 40: 5 حتى النهاية: "يرى كل بشر (كل جسد) خلاص الله " (لو 3: 6).

6- الخلاص في أناجيل الطفولة.
دُوِّنت أناجيل الطفولة فيما بعد فشكّلت مقدّمة لأخبار الحياة العامّة التي ألقت بضوئها عليها وكمّلتها. حمل إلينا متى معطية أساسيّة سوف تفسّر في شكل من الأشكال سائر الأناجيل: إن الاسم الذي سيعطيه يوسف للطفل هو يسوع "لأنّه يخلّص شعبه من خطاياهم " (مت 1: 21). فهذا النص الذي يشرح اشتقاق الاسم يشدّد على رسالة الطفل وُيبرز الطابع الديني والاخلاقي للتحرير المسيحاني، لأنّه يتكلم عنه على أنه نجاة من الخطايا. فالفعل لا يعني هنا "شفى" أو"أحيا" بل نجّى من الشيطان والخطيئة.
ويقدّم لو 1- 2 الخلاص الذي حمله يسوع كنتيجة لمواعيد الله وجواب لانتظار اسرائيل. فبعد مولد يوحنا المعمدان السابق الذي يهيئ للرب "شعباً مستعدّاً له" (لو 1: 17)، يعلن نشيدُ المباركة فرح زكريا وشكر الشعب الذي نال زيارة الله المخلّص: "مبارك الربّ الهُ إسرائيل لأنه افتقد وأنقذ شعبه وأقام لنا قوّة خلا عفي بيت داود عبده... يخلّصنا من اعدائنا... وأنت أيّها الصبيّ تُدعى نبيّ العلي لتعطي شعبه معرفة الخلاص لغفران خطاياهم) (لو 1: 68- 77). 
ولكن يسوع هو الذي يعطي هذا الخلاص الذي أعدّه السابق. ولقد استعادت مريم العذراء كلمات حنة أمّ صموئيل وصلاة حبقوق فأعلنت فرحها بالله "مخلصها" (لو 1: 47). ولقد أعلن الملاك للرعاة ميلاد المسيح بهذه الكلمات: "اليوم وُلد لكم مخلّص في مدينة داود وهو المسيح الربّ" (لو 2: 11). ويأتي نشيد الاستسلام (الآن أطلق عبدك) الذي هو نشيد وداع للعهد القديم الذي رأى في يسوع شخص المسيح. هذا النشيد يعلن تحقيق ما أخبر به الأنبياء:" الآن يا ربّ، أطلق عبدك بسلام بحسب كلامك (وعدك). فإنّ عينيّ رأتا خلاصك الذي هيَّأته للشعوب كلّها" (لو 29:2- 31).
كل الذين انتظروا "عزاء إسرائيل " (لو 2: 25) أو خلاص أورشليم (38:2) قد نالوا ملء النعمة في يسوع: رأت عيونهم الخلاص الموعود به وشاهدوا المخلّص.

7- يوحنا الشاهد المميّز للمخلّص الذي يعطي الحياة.
لا نجد في الإِِنجيل الرابع كلمات كثيرة عن الخلاص، ولكن تعليم الإِِنجيلي عن التحرير الذي حمله يسوع يَرد في خانة النور والحقّ وخصوصًا الحياة. فالوصول إلى الحياة يفترض مرحلة أولى من التحرر من الظلمة والضلال والموت، وهي مرحلة مؤلمة. فأقوال يسوع وآياته تدلّ على أنّه مرسَل الله الذي جاء "ليخلّص العالم ". تعود هذه العبارة مرّتين في الإِِنجيل. "لم يُرسل الله ابنه إلى العالم ليحكم على العالم (بالموت)، بل ليخلّص به العالم " (يو 17:3: يتكلّم السياق عن الحياة الأبديّة، رج 12: 47). بما أنه الطريق والحق والحياة قال: "من يدخل بي يخلّص " (يو 9:10).
ويعود الخلاص في يوحنا إلى النظام الروحي. يسوع هو الحمل الذي يحمل، يرفع، يأخذ على عاتقه "خطيئة العالم" (يو 1: 29). بهذا يقوم الخلاص الذي يحمله الى العالم. وشفاء الأعمى منذ مولده (يو 9) وإقامة لعازر (يو 11) هما علامتان عن عمل الخلاص هذا. فيسوع هو نور العالم (12:8)، حياة العالم ، مخلّص العالم، وكل هذه التعابير مترادفة. ويتكمل هذا التعليم في مثَل الراعي الصالح (يو 10) وفيه يفسِّر يسوع أنّه يعطي حياته لأجل خرافه: لقد جاء إلى أخصّائه "لتكون لهم الحياة وتكون وافرة" (يو 10: 10). والعهد القديم نفسه كان قد قرّب مدلول الخلاص من مدلول الحياة والنور، فقال مز 27: 1: "الربّ نوري وخلاصي، فممن أخاف، الربّ حصن حياتي، فممن أفزع ".
والعالم الذي جاء يسوع يخلّصه حاملاً إليه الحياة، لا يتألف فقط من اليهود. لا شكّ في أنّ الخلاص يأتي من اليهود" (يو 22:4) ولكنه سيمتدّ إلى جميع البشر. فشموليّة الخلاص يعبّر عنها تعبيراً عجيباً في فعل إيمان السامريين، هؤلاء المنشقّين، وهي تشكّل في نظر يوحنا مدخلاً إلى إيمان الذين لا يدينون باليهوديّة: "سمعنا بأنفسنا وعرفنا أنّه حقّ مخلّص العالم " (يو 4: 42).
إذا كان "العالم كلّه يرزح تحت سلطان الشّرير" (1 يو 5: 19) بدون المسيح، فمع المسيح يجد النور والخلاص، كما يقول مطلع الإِِنجيل الرابع:
"فيه كانت الحياة، والحياة (حياته) كانت نور الناس... الكلمة هو النور الحق الذي ينير كل إنسان. هذا النور جاء إلى العالم " (يو 1: 4- 9).
وكما كان دور يوحنا المعمدان أن يشهد للنور، قام دور يوحنا الرسول بأن ينقل إلى المؤمنين فرح الخلاص واليقين بامتلاك الحياة في يسوع المخلّص. "الحياة تجلّت. نحن رأيناها ونشهد لها الآن ونبشّركم بالحياة الأبديّة (1 يو 1 :2). كتبتُ اليكم هذه الأشياء لتعرفوا أن الحياة الأبديّة لكم، أنتم الذين يؤمنون باسم ابن الله " (1 يو 13:5).

خاتمة:
إنّ مدلول الخلاص هو محور الكرازة المسيحيّة. ولكنّنا لسنا أمام نظرية مجرّدة ولا شخصيّة، ولا أمام نتيجة سحريّة لتنشئة باطنيّة. نحن أمام تحرّر روحيّ يقدّم للجميع بفضل حب يسوع الله الحقيقي والمخلّص، بفضل موته وقيامته. إنّ المسيح المخلّص (سوتر) هو الينبوع الحقيقي والمحور الوحيد للحياة المسيحيّة كلّها.
وهذا الخلاص (الفداء) قد تحقّق بدم المسيح الذي ختم الميثاق الجديد بذبيحته الكاملة والنهائيّة. وتتوسّع الرسالة إلى العبرانيين مطوّلاً في تفوّق الميثاق الأوّل الذي عقد بواسطة موسى (عب 8- 10؛ رج خر 24). نحن لسنا أمام اعتبار خارجي: فيسوع نفسه أكّد أنّه جاء "ليعطي حياته فدية عن الكثيرين " (مر 10: 45) وإذا كان الخلاص هو ثمرة الآلام والقيامة المرتبطة الواحدة بالأخرى ارتباطًا حميمًا، فسرّ الجسد المبذول والدم المسفوك ما زال يعطي الحياة للعالم (يو 6) بتذكيرنا "بموت الرب الى أن يجيء (يعود) (1 كور 26:11). وبالنسبة إلى يوحنا فالصليب يدلّ على الآلام كما يدّلّ على مجد المسيح الذي يُرفع عن الأرض فيَرفع الجميع إليه (يو 12: 32).
هذا الخلاص الذي أعدّه وانتظره العهد القديم، الذي تحقّق وتجلّى في يسوع، الذي ينتقل كلّ يوم في الكنيسة بالكلمة والأسرار، هذا الخلاص يبقي موضوع رجاء وسيُتمّه إتمامًا كاملاً تجلّي يسوع الأخير. لهذا فصلاة المسيحي العاديّة تتضمّن صلاة خلاص. "نجّنا من الشرير". كما تتضمّن نداءً يتوجّه إلى المسيح: "تعال أيّها الربّ يسوع، تعال " (1 كور 16: 22؛ رؤ 22: 20).
الفصل الخامس عشر
تقدمة يسوع على الهيكل
22:2- 40

إنّ تقدمة يسوع إلى الهيكل على يد والديه هي مناسبة إعلان نبويّ لرسالة يسوع المخلّص. وهي تدلّ أيضا على الدور الذي لعبه يوسف ومريم في بداية هذه الرسالة.
إستعمل لوقا في هذا الخبر الوسائل التي استعملها في سائر أخبار إنجيل الطفولة. قدَّم أيضا موازاة بين يوحنا المعمدان وشموع، وجعل أقوال سمعان النبيّ وحنّة النبيّة تقابل أقوال زكريّا عن مهمّة المعمدان (67:1- 79). كما أورد تعليقا على طفولة يسوع (آ 40، وكان الطفل ينمو ويتقوّى) يذكّرنا بالتعليق على طفولة يوحنّا (1: 80). ثَم تقديم الرّب في الهيكل فيبرز التعارض بين الشخصين: بُشِّرَ بيوحنّا في المعبد الذي لن يظهر فيه. وبُشّر بيسوع في الناصرة وها هو يقوم في الهيكل الذي هو بداية (2: 41- 52؛ 9:4- 13؛ 9: 31، 51؛ 22:13؛ 17: 11) ظهوره ونهايته (28:19- 53:24) حيث سنجد التلاميذ "يسبّحون الله ويباركونه " (53:24).
يستعمل لوقا العهد القديم استعمالاً واسعاً في تدوين الحدث، وهدفه أن يكشف سرّ يسوع. ومن خلال هذا العمل الأدبيّ الهامّ سنكتشف عناصر عدّة استقاها من التقاليد السابقة.
سنبدأ بتفسير مفصل، ثمَّ نحاول أن نكتشف الموادّ التي استعملها لوقا، وأخيراً نستخرج المعنى الذي أراد أن يعطيه لهذا الخبر.

أ- التفسير
1- الطاعة للشريعة (آ 22- 24).
مضى على ولادة يسوع أربعون يومًا. إنَّه إنسان حقّ، ووعيه وعي طفل في هذا الوقت من حياته. وهو يرتبط بوالديه ارتباطًا كليًّا كما يحدث لنا يوم نتقبّل سرّ العماد. فيوسف ومريم هما اللذان يُتمّان "ما تفرضه الشريعة بشأنه " (آ 27). في الواقع، يحدّد لوقا لعملهما هدفين اثنين: تطهير مريم وتقدمة يسوع.
في آ 22. يقول معظم الشهود: "طهورهما" أي بصيغة المثنّى. هذا هو النصّ الأصليّ وهو يتحدّث عن يسوع ومريم. وهناك شهود غربيّون " يتحدّثون عن "طهوره هو" أي يسوع. وقالت السُريانيّة السينائيّة وبعض المخطوطات الجرارة: "طهورها هي ". وحاول الشرّاح أن يفسّروا نصّ لوقا (في الواقع لا يعني الطهور إلاَّ الوالدة) فقال بعضهم: تطهير اليهود. وقال آخرون: تطهير يوسف ومريم. وقالت فئة ثالثة: تطهير يسوع ووالديه. وفئة رابعة: تطهير يسوع وأمّه. كل هذه الافتراضات لا توافق الشريعة اليهوديّة. والمعقول هو أنّ لوقا استعمل كلمة واحدة (الطهور) فتحدّث عن طقسين مختلفين: طهور مريم وتقدمة يسوع. 
كل امرأة وضعت ولدًا ذكرًا تذهب إلى الهيكل أربعين يومًا بعد ولادته لتُتمّ طقس الطهور. تكون المرأة في حالة نجاسة حتّى إتمام هذا الطقس. هذا لا يعني أنّها في حالة الخطيئة. بل في حالة تمنعها فيها الشريعة من الاتّصال بالآخرين أو بالأمور المقدّسة لئلا تنجّسها.
في هذه الحالة تُقدّم المرأةُ حمَلاً ابن سنة وحمامة أو يمامة. إذن، هي تقدّم ذبيحتين. وإذا كانت المرأة فقيرة، كما كانت مريم، فهي تكتفي بتقدمة زوجَيْ يمام أو فرخَيْ حمام (آ 24).
لا تفرض الشريعة تقدمة الولد إلى الهيكل، كما فعل يوسف ومريم، ولكنّها تطلب "افتداءه " وتعلن أنّ كل ذكر فاتح رحم يخصّ الربّ (خر 2:13، يجب أن يُكرّس له، أن يُعتبر خاصّته). ولهذا يجب أن نفتديه (خر 13:13؛ 34: 30). وهذا "الافتداء" الذي لا يُفرَض للقيام به مكانِّ، يتمّ خلال الشهر الذي يلي الولادة بدفع خمسة مثاقيل فضّة (عد 18: 15- 16).
لا يقول لوقا شيئاً عن افتداء يسوع، ولكنّه يورد شريعة خر 2:13 في آ 23، ويشير في آ 38 إلى هذا الافتداء. غير أنّه يشدّد بالأحرى على تقدمة يسوع التي يشبّهها بتقدمة صَموئيل (1 صم 1: 20- 28). ويبدو أنّه يرى لدى والدَيْ يسوع النيّة بأن يُقرّا بأن الولد يخصّ الربّ، وبأنّ يقدّماه من أجل المهمّة التي تنتظره. ويلفت لوقا نظرنا إلى أمانة يوسف ومريم في تتميم الشريعة (رج أيضًا آ 27، 39). هو لم يهتمّ بدقة الممارسات الطقسيّة بقدر ما اهتمّ بالقيمة النبوّية للشريعة القديمة.

2- سمعان الشيخ (آ 25- 27).
في الواقع، لا يقول النصّ شيئا عن تتميم فرائض الشريعة: نحن لا نرى الّلاوّين ولا الكهنة. فالخبر يتركّز كلّه على تدخّل نبيّ هو سمعان ونبيّة هي حنة.
سمعان هو مُمارِس أمين للشريعة (كلمة "أولابس " اليونانية تظهر أيضًا في أع 12:22، تقال في حنانيا الذي عمّد بولس). يعيش حالة توق وانتظار للخلاص المسيحانيّ ("تعزية إسرائيل " هي عبارة تدلّ على هذا الخلاص، رج أش 40: 1؛ 12:51؛ 2:66). وهو بصورة خاصّة نبيّ لأنّ الروح كان عليه كما كان على الملهَمين الكبار في العهد القديم (2 مل 15:2؛ حز 2:2 ؛ 24:3، 11: 5؛ أش 42: 1؛ 59:: 21؛ 61: 1).
وكان سمعان أسعد من الأنبياء الذين سبقوه، فعرف بوحي من الروح أنّه سيرى المسيح قبل أن يموت. وتحقّق هذا الوعد الذي جاءه من الربّ يوم حمل والدا يسوع الطفلَ إلى الهيكل.
نلاحظ هنا أنّ لوقا الذي يورد الحبل البتوليّ بيسوع لا يتردّد في أن يتحدّث عن "والديه " (آ 27، 41، 43) وحتى عن "والده " (آ 33، 48). تشكّك النسّاخ وحاولوا أن يبدّلوا هاتين العبارتين، فلا تدُلّان الا على مريم أمّ يسوع. وافترض بعض الشرّاح خطأ فقالوا إنّ لوقا جهل الحبل البتوليّ. نحن لا ننسى أن يوسف هو والد بحسب الشريعة والعُرف البشري في ذلك الوقت، وهذا لا يمس علاقة يسوع بذلك الذي قال عنه: وأما تعرفان أنه يجب أن أكون لأبي" (آ 49)؟

3- "أَطلق الآن عبدَك " (آ 28- 33).
وأخذ سمعان يسوعَ الطفلَ بين يديه: بارك الطفلَ ورفع آيات الشكر لله كما فعل زكريّا قبله حين امتلأ من الروح القدس (67:1). والصلاة التي تلفّظ بها، تلعب في حياة يسوع الدور الذي لعبته مباركة زكريا ليوحنا: في النهاية أعلن سمعان رسالة يسوع (2: 32) كما حدّدت المباركةُ مهمّةَ يوحنا المعمدان (1: 76- 77: تتقدّم الرب وتهيئ الطريق له).
ولكنٍ نشيد سمعان يختلف كل الاختلاف عن نشيد زكريَّا. فهو يرتبط ارتباطا وثيقا بسياقه الإِخباريّ (تتجاوب آ 29- 30 مع آ 26). أمّا نشيد زكريا فيأتي في غير محلّه (كان يجب أن يوضع بعد آ 64).ْ نشيد المباركة (زكريا) ونشيد التعظيم (مريم) منسوجان من عبارات مأخوذة من المزامير. أمّا نشيد سمعان فيتّخذ عناصره من سفر أشعيا: آ 30؛ رج أش 40: 5 (ترد أيضاً في لو 6:3)، آ 31؛ رج أش 10:52؛ آ 32 أ؛ رج أش 6:49 (يرد في أع 47:13) و 6:42، آ 32 ب؛ رج أش 13:46 أو 25:45. يرجع نشيد المباركة إلى مزمور مسيحيّ متهوّد طبّق على الوضع عبر 1: 76-077 أمّا لوقا فدوّن بنفسه نشيد سمعان الذي هو جزء لا يتجزّأ من خبره وقد كُتب بأسلوبه ولغته.
بدأ سمعان فلاحظ أنَّ الربَّ وفى بوعده (آ 29، رج آ 27). هو يستطيع أن يموت بسلام بعد أن رأى "الخلاص " (آ 30). في المباركة، حتىّ زكريا هذا الخلاصَ (سوتاريا) الذي تمّ في بيت داود (1: 69، 71، 77). ولكن الخلاص (سوتاريون) هنا هو اسمُ يسوعَ نفسَه. وسيستعيد لوقا اللفظة عينَها في التحدّث عن رسالة المعمدان (6:3: "يرى كلّ بشر خلاص الله "؛ رج اش 40: 5؛ أع 28: 28).
وضمَّ سمعانُ في نظرة واحدةٍ عملَ الله كلَّه: في الماضي هيّأ هذا الخلاصَ في شعبه المقدّس (ان آ 31 تستعمل مفردات من اش 52: 10). أمّا الآن فيشارك الوثنيّون أنفسُهم في هذا الخلاص (آ 12): صوّر سمعان مهمّةَ يسوع تجاههم كمهمّة عبد الله الذي هو "نور الامم" (اش 6:49؛ رج 6:42، تعود كلمة وحي" أو "هداية" إلى أشِ 52: 10 التي وردت في الآية السابقة). وسيطبَّق لوقا فيما بعد القولَ النبويَّ عينه على مهمّة رسل يسوع (أع 47:13). ولكن نداء الوثنيّين لا يلغي اختيار الشعب اليهوديّ: فكتاب التعزية يعلن أنّ الخلاص سيكون مجد إسرائيل (أش 46: 13؛ رج 45: 25؛ 61: 3؛ 62: 2). وسيكون إسرائيل والوثنيّون شعبَ الله الوحيد الذي سينعم برضى الربّ.
ولاحظ لوقا تعجّب "أبي الطفل وأمّه " أمام أقوال سمعان (آ 33)، وهكذا أبرز الضوءَ الجديد الذي ألقاه النبيُّ على رسالة يسوع. فالوحي الذي نالاه حتى الآن جعلهما يرَيان في الطفل مسيحَ إسرائيل (1: 31، 33، 43؛ 2: 11). أمّا الآن فهما يعرفان أنّه خلاص الوثنيّين. تحدَّث بعض الشُرّاح عن تعجّب والدي يسوع، فافترضوا أنهما لم يتلقّيا أيَّ وحي عن الطفل. هنا لا ننسى أنَّ التعجّب هو ردّة الفعل المعروفة أمام وحي يُرسله الله.
يهتمّ لوقا اهتمامًا خاصُّا بهذه الأمور التي هي إعلان يُبرِز تدرّج الوحي الذي يكشف يسوع ويبينّ إيمان والديه.

4- قول سمعان الثاني: آية خلاف (آ 34- 35).
وتكلّم سمعان مرّةً أخرى (آ 34). وكما باركت أليصابات مريم (42:1)، بارك سمعان والدَي يسوع وهنّأهما على الدور الذي أُعطي لهما أن يلعباه في عمل الله. وتلفّظ بقول نبويّ جديد وجّهه إلى مريم. هذا القول يعلن انقسام إسرائيل أمام يسوع ساعةَ يكون يوسف قد اختفى (كما يقول التقليد) وبدأ المخلّص رسالته.
يختلف قول سمعان الثاني (آ 34 ب- 35) عن النشيد الأوّل الذي أعلن فيه أنّه رأى خلاص الربّ (آ 29- 32). أسلوبٌ سامي، لا لوقاويّ. وتبدو بُنيته أقلَّ تماسكاً. يعود إلى العهد القديم ويتوجّه حصرًا إلى إسرائيل. لقد وصلت إلى لوقا موادٌ تعودُ إلى كنائس فلسطين، فأعاد صياغتها وجعلها في هذا الإِِطار.
يبدأ القول فيصوّر النتيجتين المتعارضتين اللتين ستحصل عليهما رسالةُ يسوع في إسرائيل: للبعض سقوط وللبعض الآخر قيام. إن هذا الإِعلان يستلهم قولين من أشعيا حول حجر العِثار (اش 8: 14- 15) وحجر أساس بناء الخلاص (اش 16:28)، وقد جمعهما بولس في روم 32:9- 33 وبطرس في 1 بط 6:2-8. أمّا لوقا فيكتفي هنا، كما سيفعل أيضًا في 17:20-18 بتلميح سريع. لا شكّ في أنه كان أمام نصّ حرفيّ وجده في مرجعه. ولكن مهما يكن من أمر ففكرته واضحة: إذا كان يسوع يقدّم الخلاص لكل شعبه، فعلى كلّ واحد أن يتّخذ قراره أمامه. نستطيع أن نرفضه فنجد هلاكنا، ونستطيع أن نتقبّله فندخل في بناء الهيكل المقدّس. الخلاص في يسوع هو خلاص بالإِيمان.
وبتوقّف سمعان عند الوجهة المأساوية لانقسام إسرائيل: سيكون يسوع علامة خلاف. سيعارضه الناس ويقاومونه. أخذ لوقا كلمة "انتيلاغومانون " من اش 2:65 الذي تحدّث عن الشعب المتمرد، كما سيستعملها بولس في روم 10: 20- 21 ليعارض إيمان الوثنيّين بكفر بني اسرائيل الذين لم يؤمنوا. ترك النبيّ نظرةً جسديّة إلى خلاص تامّ ناجز يُعطى لنا فنتقبّله بطريقة منفعلة لا فاعلة (أي لا دور لإرادتنا وحريّتنا وقرارنا)، وأعلن خلاصًا يقدَّم لنا كعلامة نستطيع أن نقبلها أو نرفضها. إن الله لا يجبر شعبه على قبول ما يعرضه عليه. إنه يقبل بان تُرذل العلامة التي أرسلها إليه: هو لا يريد أن تخدمه جماعة من العبيد، بل أَحرارٌ يقولون له: تركنا كلُّ شيء وتبعناك.
وانتقل سمعان فجأةَ من الطفل إلى أمّه (آ 35 أ): أعلن لها أنها ستُطعن بسيف. سيجوز سيفٌ في نفسِك، في قلبك، فيك. كيف نفسّر هذه الكلمات التي تحمل التهديد الى مريم؟ هنا اختلفت التفاسير. رأى معظم الشُرَّاح في هذه الأقوال محنة خاصّة تصيب مريم. قال أوريجانس (تبعه كثير من الأقدمين وعدد من المعاصرين): هي محنة الشكّ التي ستعرفها عند الصليب. وقال أغوسطينس (وتبعه عدد كبير من الشُرّاح المعاصرين): هو ألم الأم المؤمنة أمام صليب يسوع. لاحظ لاغرانج وغيرُه أنّ سمعان أعلن رفض إسرائيل ليسوع دون أن يحدّد شكل هذا الرفض. وضم فوييه هذا التفسير إلى ذلك الذي يرى في مريم ابنةَ صهيون. وقدّم نايرنك تَفسيرًا ثالثًا: هي مشاركة الأمّ في ألم ابنها أمام شعبها المنقسم. إن مريم تمثّل بنت صهيون أي شعبَ صهيون، والسيف الذي يجوزها هو تمزُق شعب إسرائيل أمام يسوع.
حين قدّم الشرّاح هذه التفاسير المختلفة عادوا إلى استعمال العهد القديم لصورة السيف. في مز 15:37، السيف يعاقب الخطأة. في إر 4: 10، يصوّر السيف ألم اسرائيل. في حز 17:14، "يجتاز" السيف البلاد فيضرب البشر والبهائم ولا يُبقي إلاَّ على ثلاثة أبرار: نوح، دانيل، ايّوب (رج الأقوال البيبلية التي تعلن لمصر: إنّ السيف سيجتازك "). في زك 7:13، ضرب السيف راعي قطيع الربّ... كل هذه النصوص لا تدلّ على اتّصال أدبيّ مع لو 35:2 (إن حز 17:14 لا يبدو بعيدًا). وإن المعاني التي تقدّمها لصور السيف هي جدُّ مختلفة، وبالتالي لا تلقي ضوءًا على النصّ الذي ندرس.
فإذا أردنا أن نفسّر نصّ لوقا، ننطلق من سِياقه. أعلنت الآيةُ السابقة نتيجتين متعارضتين ستنتجهما رسالة يسوع في إسرائيل، والمقاومة التي ستلاقيها. في هذا المنظار، يعني السيف انقسامَ إسرائيل لا آلامَ يسوع (التي لا تتكلّم عنها آ 34 بصورة واضحة). فإن أُعلن السيفُ لمريم، فلأنها ستمزَّق كابنها بانقسام شعبها.
وان التفسير الذي يعطي لمريم دور ابنة صهيون يجد عدّة إسنادات لدى لوقا: ففي البشارة أشارت أولى كلمات جبرائيل (28:1) إلى صف 3: 14، 17 ("ترنمي يا ابنة صهيون... إن في وسطك الربَّ إلهك ") وزك 9:9 ("ابتهجي جدّا يا بنت صهيون.. هوذا ملكك يأتيك"). وإن مريم ستتقبّل بشرِى المسيح من أجل الشعب كلّه وباسمه. ونشيد التعظيم (46:1- 49) هو أوَّلاً فعل شكر من قبل أمّ يسوع التي سوف تتكلّم باسم نسل إبراهيم كلّه (1: 50- 66). ولكن، إن رأى لوقا في مريم تلك التي تمثل إسرائيل، فهو لم يُلغِ أبدًا شخصيّتها الخاصّة: إنها المؤمنة. ستضطرب (29:1) وتتعجّب (33:2) وتتأثّر (48:2). هي تسأل (34:1) لأنها لا تفهم (2: 50). هي ستفكّر في السرّ وتتأمّل (1: 29، 2: 19، 51). إذا كان السيف سيمزق شعب الله، فهو سيصيب أمّ يسوع في الصميم.
لا يستطيع لوقا أن يظنّ أن هذا التمزّق هو الشكّ: إنه يعلنها "مؤمنة" في تحيّة أليصابات التي امتلأت من الروح القدس (آ 41، 45)، ويصوّر لنا إيمانها في إنجيل الطفولة كلّه. هل فكّر لوقا هنا بألم مريم أمام آلام ابنها؟ إن السياق الحاضر للنصّ لا يشير بصورة مباشرة إلى الصليب. كما أنّ لوقا لا يتحدّث عن تدخّل أمّ يسوع في مأساة الآلام. وهو بذلك يشبه متى ومرقس ويختلف عن يوحنا (يو 19: 25- 27). إن السبب الوحيد للألم الذي يشير إليه قول سمعان النبويّ هو انقسام إسرائيل ورفض علامة الخلاص بطريقة تشكّك المؤمنين. تمزّقت مريم لأنها اتّحدت بابنها في ألمه حين رأى شعبه يرفض الخلاص وينقسم بين الإِِيمان والكُفر: بعضهم سيقوم، سيؤمن. والآخرون سيرفضون الإِِيمان فيسقطون.
وتقدّم نهايةُ القول نتيجةَ رفض "الكثيرين في إسرائيل" (آ 35 ب). أن رذل رافضو يسوع العلامةَ التي قُدّمت لهم دلّوا على كفرهم العميق. إن كلمة "ديالوجسموس" تدلّ على النقص الذي يقود إلى العدم وتعني الكُفر وعدمَ الإِِيمان. رج 22:5 (ما هذه الافكار التي تدلّ على عدم الإِِيمان؟)؛ 8:6؛ 38:24: ظنّ هؤلاء الورِعون أنهم أبرار فكشف يسوع بحضوره وكلامه أن قلوبهم بعيدة عن الله: 16: 15 ("الله يعرف ما في قلوبكم").

5- نبوءة حنة (آ 36-38).
لا يختتم لوقا خبره بهذا الإِعلان المهدّد. فتدخُّل حنة سيُتيح له أن ينهي كلامه في إطار مُشرق. أورد ما قالته هذه النبيّة بشكل تعليق قصير بأسلوبه.
حنّة هي نبيّة (آ 36). وقد عرف العهد القديم عددًا من النبيّات: مريم (خر 15: 20) أخت هارون، ودبورة (قض 4: 4) التي رافقت باراق في خلاص شعبه، حلدة (2 مل 14:22) التي أرسل الملكُ يوشيا يسألها في شأن كتاب الشريعة الذي وُجد في الهيكل. دور حنّة بقرب سمعان ليس دورًا ثانويًّا؛ إنها تلعب دور الشاهد الثاني الذي تفرضه الشريعة (رج تث 19: 15) أمام المحكمة. إعتاد الأنبياء أن يكونوا وحدهم حين يتكلّمون، أمّا لوقا فجعل المرأة قرب الرجل. إن التلاميذ الاثني عشر يرافقون يسوع ويرافقه أيضًا بعض النساء (8: 1- 2). كان الرسل يواظبون على الصلاة وكان معهم بعضُ النساء ومريمُ أمّ يسوع (أع 1:13- 14؛ رج لو 11: 5 و3:18 حيث نجد الصديق والأرملة؛ 13: 19، 21 حيث الرجل يزرع حبّة الخردل والمرأةُ تضع الخمير في الدقيق؛ 15: 4، 8 حيث الرجل يُضيع خروفه والمرأة تُضيع درهمها.
حين يتحدّث لوقا عن حنّة فهو يذكر عائلتها وقبيلتها (أو عشيرتها) وعمرها المتقدّم وصفتها كأرملة. وما هو معقول حسب آ 37 هو أن عمرها (لا بقاؤها أرملة) كان 84 سنة. كانت متعبّدة لله لا تفارق الهيكل كما يقول المرنّم (مز 23: 6؛ 8:26؛ 27: 4؛ 84: 5، 11). أمّا الحديث عن بقائها "ليلاً نهارًا" في الهيكل، فطريقة تضخيميّة خاصّة بلوقا (رج 7:18؛ أع 20: 31؛ 7:26) لأنّ الهيكل يُغلَق في الليل، ولأن شرائع الطهارة تمنع النساء من الإِقامة في الحرَم المقدّس.
ويورد لوقا كلمات حنّة في أسلوب غير مباشر وفي لغة خاصّة به (آ 38). في تلك الساعة (خاص بلوقا، 33:24؛ أع 18:16؛ 13:22) "ابيستاسا" (حضرت أو قامت) هي خاصّة بلوقا (7 مرّات في الإِِنجيل و11 مرّة في أع) وكلمة "انتولوغايستاي" ترِد مرّةً واحدة في كلّ العهد الجديد وتعني يسبح الله وباركه"، وهو موضوع معروف لدى لوقا (64:1؛ 13:2، 20، 28؛ 43:18؛ 37:19؛ 53:24؛ أع 47:2؛ 8:3، 9). وفعل انتظر (بروسداخستاي) يرِدُ مرّة واحدة عند مرقس (43:15) و 5 مرّات عند لوقا (2: 25، 38؛ 12: 36؛ 15: 2؛ 23: 51؛ رج أع 23: 21؛ 24: 15). 
تصرّفت حنة مثلَ زكريّا (1: 64، 68) وسمعان (28:2) فأنشدت الحمد للربّ لأنها رأت في يسوع حدثَ الخلاص. إنه هو من "يَفدي أورشليم". وكان زكريّا قد أنشد تحرير شعب الله (68:1). ولكن الكلمة المذكورة هنا (لوتراسيس) تدلّ في العهد القديم على "افتداء" الأَبكار (خر 13: 13، 15؛ 34: 20؛ عد 15:18- 16) كما فعل يوسف ومريم بالنسبة إلى يسوع. تكلّم لوقا عن الافتداء هنا وفي آ 22- 24، ولكنه لم يستعمل الكلمة عينَها. هل وجد لوقا كلمة "لوتراسيس" في مراجعه، فلم يشأ أن يغيّرها أو أراد أن ينوّع أسلوبه فاستعمل كلمتين مختلفتين؟

6- العودة إلى الناصرة (آ 39- 40).
وتعود نهاية الحدَث مرّةً أخرى إلى يوسف ومريم اللذين يمارسان الشريعة (رج آ 22- 24، 27). وترتبط هذه النهاية بخبر المشاهد السابقة فتشدّد على رجوع والدَي يسوع إلى الناصرة من حيث انطلقا (1: 26؛ 2: 4). وتتوافق هذه المعطية مع معطية مت 23:2 حول المكان الذي فيه وُلد يسوع، ولكنها تختلف عنها في أمرين اثنين. أولاً، لم يجعل متى من الناصرة نقطة انطلاق والدَي يسوع. ثانيًا، لا يشير لوقا أبدًا إلى الهرب من مصر. هذان الاختلافان يدلاّن على استقلاليّة التقاليد التي استقى منها كلٌّ من متى ولوقا، ويشدّدان في الوقت عينه على قيمة معطية التقى فيها الإِنجيليّان.
ويقدّم لوقا طفولة يسوع في تعليق قصير (آ 40) تتوازى بدايته مع ما يتعلّق بيوحنّا المعمدان (1: 85). تذكرنا هذه الطفولة بأخبار طفولة عديدة نقرأها في العهد القديم. يدلّ إسحق (تك 8:21) وصموئيل (1 صم 3: 19) على يسوع، وإسماعيل (تك 21: 20) وشمشون (قم 13: 24- 25) على يوحنا المعمدان. وللاختلافات بين التعليقين معناها: كان يوحنا "يتقوّى في الروح". أمّا يسوع فكان يتقوّى "ويمتلئ بالحكمة". قد يكون لوقا تحاشى ان يقول إن يسوع نما "في الروح"، لأَنه قال فيه إنه حبل من الروح (35:1). ومهما يكن من أمر، فالإِِنجيل يشدّد مرارًا على أن الحكمة هي خير خاصّ بيسوع (آ 52؛ 21: 15؛ رج 49:11). وهو يبيّنه لنا في الحدَث اللاحق عائشًا هذه الحكمة بذكاء أجوبته للمعلّمين (46:2- 47، رج آ 52). لا شكّ في أنه ينسب هذه الحكمة إلى عمل الروح (رج أع 6: 10 والتوازي بين لو 15:21 ومت 19:10- 20 ومر 13: 11). وهناك سِمَةٌ تميّز يسوع عن يوحنا المعمدان: إنه موضوع نعمة الله (رج 2: 52). وأخيرًا، إذ يذهب يوحنا منذ حداثته إلى البرية حيث سيقوم بمهمته (24:7)، سيكبر يسوع في الناصرة مع معاصريه الذين سيكون معهم طَوالَ حياته.

ب- لوقا والتقليد السابق
خلال التفسير الذي قدّمناه اكتشفنا إشارات عديدة حول الأصل الأَدبيّ لخبر تقدمة يسوع إلى الهيكل.
من الواضح أن لوقا لعب دورًا هامًَّا في تدوين هذا الخبر. وقد تعرفنا الى لغته ومفرداته وأسلوب الموازاة عنده بين يسوع ويوحنا المعمدان واستعمال نصوص السبعينيّة خصوصًا في نشيد زكريا.
ونكتشف من خلال عمله الأدبيّ عناصرَ عديدة نستطيع أن ننسبها إلى التقليد السابق. فإن هو قدّم بطريقته التقريبيّة تتميم شرائع طهور الأمّ وافتداء الطفل، فهو يفسّر في الظاهر معطية وُجدت قبله. ويبدو بصورة خاصّة أن ذكر "افتداء" أورشليم في النهاية يقابل في خبر فلسطينيّ قديم ذكر "افتداء" الطفل في البداية، وقد يكون لقول سمعان الثاني أساس ساميّ لأن إفادته من العهد القديم تبتعد عن التوراة اليونانيّة ولا تتوافق وأسلوبَ لوقا. إنه يترجم ولا شكّ اعتبارات الجماعة المسيحيّة المتهوّدة أمام رفض العالم اليهوديّ الرسمي ليسوع. وأخيرًا قد تأتي المعطية حول طفولة يسوع في الناصرة من تقليد قديم، لأننا نقرأها أيضًا في تقليد مستقلّ غرف منه مت 22:2-23.
وهكذا يستعمل لوقا موادّ فلسطينيّة قديمة. يفسّرها بطريقته وحسب هدفه على ضوء ظهور يسوع اللاحِق. لقد لاحظ في حياة الكنيسة أن يسوع هو نور لأمم وان إسرائيلَ وَجَدَ فيه السقوط أو القيام لأنه قبله أو رفضه، فجعل كلّ هذا في خبر تقدمة يسوع إلى الهيكل.

ج- الحدَث في نظر لوقا
يهدف هذا الحدَث، شأنُه شأنُ سائر أحداث الطفولة عند لوقا، أن يقدّم لنا قبل كل شيء سرّ يسوع.
إن هذا الطفل ابن الأَربعين يومًا يستسلم لقيادة والديه ويخضِع بهما للشريعة (آ 22، 24، 27، 39؛ رج غل 4:4). وسينمو فيما بعد مثلَ يوحنا المعمدان فيدلّ إلى أيّ حدًّ كانت نعمة الله عليه.
منذ هذا الحدث في الهيكل الذي هو الموضوع التقليديّ لوحي الله، أعلن سمعان النبيّ وحنّة النبيّة رسالته الفريدة: إنه خادم الربّ (عبد الله)، إنه الخلاص ونور الأمم ومجد إسرائيل ومحرِّر أورشليم. ولكن الخلاص الذي يحمله لا يفرض نفسه بالقوّة. نحن نستطيع أن نرفضه. وسوف ينقسم إسرائيل أمامه فيجد بعضهم الهلاك والآخرون الدخول في البناء المسيحانيّ. إن لوقا يهتمّ اهتمامًا واضحًا بهذا الخلاص بالإِيمان (رج 17:20- 18)، وهو يجد فيه مدخلاً إلى سرّ الخلاص.
إن قصد الله يَتمّ بمشاركة البشر. فسمعان وحنّة هما آخر من تنبّأ في العهد القديم. تعرّفا إلى المسيح وأعلنا رسالته. ولكن يوسف ومريم هما اللذان شاركا خصوصًا مشاركةً وضيعة في بداية هذه الرسالة. دلاّ على أمانة يسوع للعهد القديم حين أخضعاه للشريعة. ولكنهما أظهرا أيضًا هذه الرسالة: حين قدّما يسوع إلى الربّ الذي أوكلَه إليهما، فقد دلا أنّه كلَّه له ودشّنا المهمّة التي لأجلها جاء. تقبّلا لأجله ما قاله النبيّ والنبيّة واهتمّا بتربيته في الناصرة.
وظهرت مريم في الصفّ الأوّل كما في سائر مشاهد الطفولة. تقبّلت مع يوسف من فم سمعان الوحيَ عن رسالة ابنهما الشاملة. وتعجّبت لأن إيمانها ينمو ويتعمّق على مراحل (هكذا يتدرّج الوحي) في الأمانة والتفكير والتأمّل (شدّد لوقا مرارًا على هذا التعمّق في أخبار الطفولة، رج 1:28، 34، 38؛ 2: 19، 33، 50، 51). تسلّمت وحدَها في الألم إعلان انقسام إسرائيل أمامَ ابنها. فكُفرُ الذين لا يقبلونه أصابها في الصميم، لأنها تتّحد دومًا اتّحادًا حميمًا برسالة يسوع كأمةِ متواضعة وأمينة.
الفصل السادس عشر
وجود يسوع في الهيكل
2: 41 – 52

يكوّن الفصلان الأولاّن مدخلاً احتفاليًّا إلى إنجيل لوقا، ويتبعان رسمةً متوازية: بشارة يوحنّا المعمدان (1: 5- 25) وبشارة يسوع (1: 26- 38)، مولد يوحنّا (57:1- 80) ومولد يسوع (2: 1- 40). ويمتدّ التوازي في مشهدَي الزيارة (1: 39- 56) ووجودِ المسيح في الهيكل (2: 41- 52). إن هذا المشهد الأخير يبدو لأولّ وهلة وكأنه مثَل ملموس عن حكمة يسوع كما قالت آ 40. ننطلق من هذه الوُجهة لنبدأ دراستنا. ولكن الخبر يذهب أبعدَ من هذا بكثير. فتصرُّف يسوع الغريب تجاه والدَيه يصل إلى إعلان سرّيّ لم يفهمه يوسف ومريم كما قال لنا الإِِنجيليّ. ينجذب انتباهنا إلى هذه الكلمةِ وهي الأولى التي تلفّظ بها يسوع في الإِِنجيل، هذه الكلمةِ التي بها ختم لوقا صفحاتٍ غنيّة بالتعليم اللاهوتيّ، صفحاتِ إنجيل الطفولة الذي يُعدّ الدَرب للخبر الإِنجيليّ. وسنحتفظ بالقسم الثاني من عرضنا لكلمة يسوع هذه.

آ- حكمة يسوع.
تتوزّع إنجيلَ الطفولة حسب لوقا تعاليقُ سمّاها الأب ليونيه: رَدّة الإِنطلاق، ردّة النموّ، ردّة التذكّر. وخاتمة هذا الإِِنجيل (2: 51- 52) تستعيد الردّات الثلاث. ولكنّ ردّتين اثنتين منها وردَتا في خاتمة تقدمة يسوع إلى الهيكل: ردّة الإِنطلاق (آ 39، رجعوا إلى الجليل)، وردّة النموّ (آ 40، وكان يسوع ينمو). إن هاتين الردّتين لا تشكّلان خاتمةَ حدَث وجود يسوع في الهيكل، بل أيضًا إطارَه. لهذا ننطلق من هنا لنلقي ضوءًا على الخبر. وسنعود إلى ردّة التذكّر (آ 51 ب. وحفظت أمّه هذا كلّه في قلبها) حين ندرس كلمة يسوع: "لماذا بحثتما عني؟ أما تعرفان أنه يجب أن أكون لأبي"؟

1- الرجوع إلى الناصرة
أوّلاً: في ستّ مرّات من هذين الفصلين، يُنهي لوقا خبره بردّة الإِنطلاق. بعد بشارة زكريّا نقرأ: "فلما إنتهت أيّام خدمته ذهب (رجع) إلى بيته" (23:1). وبعد بشارة مريم: "ومضى من عندها الملاك" (1: 38). وبعد الزيارة: "وأقامت مريم عند أليصابات نحو ثلاثة أشهر ثمّ رجعت إلى بيتها" (1: 56). وفي نهاية خبر الميلاد نقرأ: "ورجع الرُعاة وهم يمجّدون الله ويسبّحونه على كلّ ما سمعوا ورأوا" (2: 20). وبعد التقدمة في الهيكل: "ولمّا تمّموا كلّ ما تفرضه شريعة الربّ، رجعوا إلى الجليل، إلى مدينتهم الناصرة" (2: 39). وبعد وجود الربّ في الهيكل يقول لوقا: "ونزل معهما وأتى الناصرة وكان خاضعًا لهما" (2: 51 أ). الأسلوب الأدبيّ واضح: إن انطلاق الأشخاص يدلّ القارئ عام نهاية الحدث. وفي حالتين سيزيد لوقا ملاحظة لاحقة: في 2: 20، رجع الرعاة وهم "يمجّدون الله ويسبّحونه". وفي 2: 51 يحدّثنا لوقا عن طاعة يسوع لوالديه. يتعدّى هذان المُلْحقان الأسلوب الأدبيّ فيَلفتان انتباهنا. لهذا سنعود إليهما.
ثانيًا: إن ردّة الإِنطلاق تَعني عادةَ الشخص أو الأشخاص الذين أشارت بداية الخبر إلى حضورهم على المسرح. يتحلّى لوقا بما عُرف عنه من ترتيب في إنجيل الطفولة، بحيث نرى في مقطوعة وجود المسيح في الهيكل شيئًا غيرَ عاديّ. فالبداية تقدمّ لنا والدَيْ يسوع: "وكان والدا يسوع في الهيكل يذهبان كلّ سنة إلى أورشليم في عيد الفصح. ولمّا بلغ (يسوع) الثانيةَ عشْرةَ من عمره، صعدوا إلى أورشليم كعادتهم في العيد" (آ 41- 42). في المَنْطِق الصحيح، عبارةُ "صعدوا" تنتظر في الخاتمة عبارةَ "نزلوا". ولكن لوقا كتب: "ونزل معهما". في الإِنطلاق رافق يسوع والديه ككلّ أبناء عمره. وفي العودة إنتقل إلى المركز الأوّل. ولكن لوقا زاد حالاً ليعيد الأمور إلى نصابها: "وكان خاضعًا لهما".
ثالثًا: حين أشار الإِِنجيليّ إلى خضوع يسوع لوالديه في آ 51 فقد توخّى هدفًا معيّنًا. إذا كان لوقا قد شدّد على هذا الخضوع فلكي يصحّح ما يكون قد تركه الخبر السابق من تأثير على القارئ. أكدّ يسوع أولوّية واجباته المطلقة تجاه أبيه السماويّ. فنتساءل: هل يحسب حساب واجباته تجاه والديه على الأرض؟ ولكن آ 52 تطمئننا: إذا وضعنا جانبًا هذا الظرف الشاذّ الذي أوردناه، فقد ظلّ يسوع ابنًا طائعًا لوالديه. أمّا تجاوز هذه الوصيّة فمردُّه تقوى بنويّة من درجة أسمى.
والتشديد على خضوع يسوع هذا قد يكون جوابًا على إهتمام أخلاقيّ. كانت الكرازة المسيحيّة تذكرّ الأبناء بواجب الخضوع والطاعة لوالديهم (أف 6: 1؛ كو 3: 20؛ 1 تم 3: 4). في هذا ألمنظار ذكر لوقا المثالَ الذي أعطاه يسوع نفسُه. وهناك إهتمام مماثل في 2: 20: إن لوقا يدعو قُرّاءه ليدخلوا في جوقَ الرعاة، فيشكروا الله ويمجّدوه (رج 13:2- 14؛ 5: 25- 26؛ 7: 16؛ 13: 13؛ 17: 15- 18؛ 18: 43؛ 19: 37، 38؛ 23: 47؛ 24: 53؛ أع 47:2؛ 8:3، 9؛ 4: 21؛ 11: 18؛ 21: 20).

2- وكان يسوع ينمو
أولاً: تظهر ردّة النموّ ثلاث مرّات في لو 1- 2 (رج أَع 7:6؛ 12: 24؛ 19: 20، كانت كلمة الله تنمو). وهي تتدرّج حتى تصل إلى عبارات تزداد توّسعًا. في 1 :80، ختم لوقا خبر طفولة يوحنا المعمدان قائلاً: "وكان الطفل ينمو ويتقوّى في الروح". إنه ينظر إلى النموّ من الوجهة الجسديّة ومن الوجهة الروحيّة. وفي 2: 40 يقدّم خاتمة أولى عن خبر طفولة يسوع: "وكان الطفل ينمو ويتقوّى. كان يمتلئ بالحكمة وكانت نعمة الله عليه". نجد هنا أيضًا فعل "نما" الذي ينطبق على نموّ الجسد، وفعل "تقوّى" الذي ينطبق على الطِباع (ألقلب في المعنى البيبليّ، رج 1 كور 13:16؛ ق مز 25:30 حسب السبعينيّة؛ أف 16:3). ولكن حين يتحدّث لوقا عن الوُجهة الروحيّة في نموّ الطفل، فهو يشير إلى الحكمة محدّدًا هكذا العبارة التي استُعملت في شأن يوحنّا. ثم تدخّلت مفردة جديدة فجعلت نعمة الله التي حلّت تواجه النموّ الجسديّ والروحيّ عند هذا الطفل. كان تعارضٌ أساسيّ بين ما هو خارجيّ وما هو باطنيّ، فجاء تعارض جديد بين الإِنسان والله.
وتصل بنا هذه التعارضات إلى عبارة 52:2: "وكان يسوع ينمو في الحكمة والقامة عند الله والناس". تبدّل ترتيب المفردتين الأولَيَين: النموّ الباطنيّ يمرّ أمام النموّ الخارجيّ. وهكذا نحصل على توازن أفضل مع الشقّ الثاني من الآية الذي يشير إلى رضى (نعمة) الله قبل رضى البشر. إذا يشكل النموّ في الحكمة والقامة الشقّ الأوّل من التعارض. ويعود الشقّ الثاني إلى نموّ في رضى الله ورضى الناس. إن هذه الخاتمة الجديدة هي صدى لنصّ 1 صم 2: 26: "أمّا صموئيل الصبيِّ فكان آخذًا في النموّ والصلاح أمام الربّ وأمام الناس" (رج أم 4:3). ويتحدّث عن النموّ تك 8:21؛ قض 24:13؛ 1 صم 2: 21؛ 19:3).
ثانيًا: نجد في آ 52 بعض المفردات الصعبة. فكلمة "هاليكيا" تعني "العمر" وتعني "القامة". المعنى العاديّ هو العمر كما نقرأ عند فلافيولس يوسيفوس عن الطفل موسى: "لم يكن عقله ينموّ بحسب عمره، ولكنه كان يتجاوزه بمقدار". نستطيع أن نقابل هذا النصّ مع نصّ لوقا: فحسب المؤرّخ اليهوديّ كان عقل موسى ينمو أسرَع من عمره. وقال لوقا: إن هناك توازنًا بين حكمة يسوع وعمره (أو قامته).
فنما يسوع، لا في الحكمة والقامة وحسب، بل قِ النعمة أيضًا. النعمة هي رضى الربّ ومسرّتُه، وشيوع هو موضوع هذا الرضى وهذه المسّرة. فبقدر ما ينمو جسدُه وعقله يصبح أكثر فأكثر مرضيًا لدى الله ولدى الناس.
ونتسائل عن طبيعة "الحكمة" التي ظهرت في الطفل يسوع. إذا عُدنا إلى المناخ البيبليّ للتعليقات التي ندرس، وإلى أسلوب لوقا العاديّ (رج 11: 31؛ 21: 15؛ اع 3:6، 10)، نفهم هذه المفردة بالنظر إلى تقليد إسرائيل (لا نجد هذه المفردة في التعاليق على الرجال العظام في اليونان). نحن أمام حكمة تتحدّد بالنسبة إلى مشيئة الله: هي في الوقت عينه معرفة لهذه المشيئة وخضوع وادعٌ لها. والهدف الأوّل لمشهد يسوع وسط العلماء هو أن يلقي ضوءًا على هذه الحكمة التي ذكرها الإِِنجيلي مرّتين، قبل المشهد (2: 40) وبعد المشهد (2: 52).

3- الولد وسطَ المعلّمين
بعد ثلاثة أيام وجد والدا يسوع ابنهماَ في الهيكل. كان "جالسًا وسْطً المعلّمين يستمع إليهم ويسألهم" (آ 46). كان من الأفضل أن نصل حالاً وبطريقة مباشرة الى آ 48: "ولما رآه والداه تعجّبا". ولكن آ 47 تقطع التسلسل الطبيعيّ للنصّ، وللإِنجيليّ أسبابه: "وكان جميع سامعيه في حَيرة من ذكائه وأجوبته" (ق 26:20، تعجّبوا من جوابه). في آ 46، كان يسوع يستمع إلى المعلّمين ويسألهم. وفي آ 47 كان يجيب فيستمع الناسُ إليه. تبدّلت النظرة فأبرزت ذكاء الولد. وهذا الذكاء يعني طبعًا في هذا السِياق معنى الكتب المقدسة التي فيها يكشف الله عن إرادته. إن يسوع يفهم الكتاب المقدس لأنه يعرف ما ينتظره الله من الإِنسان. بهذا تقوم حكمته، بهذا يقوم ذكاؤه الذي هو موضوعُ إعجاب لدى الحاضرين.
ونعود إلى عبارة آ 46: كان يسوع "جالسًا وسْطَ العلماء". يقول الشُرّاح: من الواضح أنْ لا مكانَ للولد بين العلماء، بل "عند أقدامهم" (رج أع 3:22: تعلّم بولس عند قدمَي جملائيل). ولكنّ هناك سابقة في التوراة. ففي خبر سوسِنة برهن دانيال وكان بعد "صبيًّا" (دا 13: 45) أنّ المتّهمة بريئة. وزاد الخبر حالاَ: "حينئذٍ قال الشيخان لدانيال: هلم اجلس بيننا وقدِّم لنا الشروح، لأن الله أعطاك كرامة الشيوخ" (دا 13: 50). التشابه بين العبارتين قريب، ولاسيما وإنّ تقليدًا نجده في الهكسبلة السريانية (وفي نصّ أغناطيوس الأنطاكيّ الطويل والذهبي يوحنّا المزعوم وسولبيسيوس ساويروس) يقول إن دانيال كان عُمره في ذلك الوقت 12 سنة.
وهناك تقليدٌ آخر سابق للإِِنجيل الثالث يقول إن سليمان اعتلى ألعرش هو ابن اثنتي عشرة سنة (مخطوطات عديدة في اليونانيّة، السبعينية في 3 مل 2: 12، يوحنّا فم الذهب، إيرونيموس عرف هذا التقليد)؛ وإنه في ذاك الوقت أعلن حُكمَه الشهير الذي دلّ على حكمته الخارقة (1 مل 16:3- 28). ولكنّنا نجد اتّصالاتٍ عدّة بين لو 1- 2 وخبر صموئيل الصغير. أشرنا أعلاه إلى العلاقة بين 1 صم 26:2 ولو 52:2. تركه والداه في معبد شيلو فنال صموئيل حالاً موهبةَ النبوءة. كم كان عمره في ذلك الوقت؟ لا جوابَ في التوراة. ولكن فلافيوس يوسيفوس، معاصرَ لوقا قال: "حين أتمّ صموئيل اثنتي عشرة سنة بدأ يتنبّأ". 
إذن، تتسجلّ حكمة يسوع العجيبة وهو إبن 12 سنة في مجموعة من التقاليد اليهوديّة وتتلّون بلون دينيّ. فيسوع ليس ولدًا كسائر الأولاد الأذكياء. إن ذكاءه وفهمه لأمور الله يدلان على حكمة تأتيه من الله نفسِه.

ب- يسوع وأبوه
1- كلام يسوع
أوّلاً: يبدو كلام يسوع لأوّل وَهلة وكأنه جواب عن سؤال طرحته عليه أمّه. قالت له أمّه: "يا ابني لماذا فعلت بنا هكذا"؟ عبارة عتاب نجدها في التوراة مرارًا (تك 12: 18؛ 19: 25؛ 20: 9؛ 26: 10؛ خر 14: 11؛ عد 23: 11؛ قض 15: 11). إعتبرت مريم أنّ الولد أساء التصرّف تجاه والديه. وبرّرت عتابها فزادت: "فأنا وأبوك تعذّبنا كثيرًا ونحن نبحث عنك" (آ 48). وجاء الجواب بشكل سؤال، وهو عتاب أيضًا. قالت مريم: "كنّا نبحث عنك". فأجاب يسوع: "لماذا بحثتما عنّي"؟ وجاء سؤالٌ ثانٍ يبرّر العتاب. لم يكن لهما أن يبحثا إذا كانا قد عرفا ما يجب معرفته: "أما تعرفان أنه يجب أن أكون لأبي" (أو عند أبي) (آ 49)؟ يلفت هذا التفسير انتباهنا حالاً بالتعارض بين "أبي" وكلمة مريم "أبوك". تكلّمت مريم عن واجبات الولد تجاه والديه، فتكلّم يسوع عن واجباته تجاه الله.
ثانيًا: ونجد صعوبة أخرى متأتية عن تفسير حديث نسبيُّا. فالعبارة اليونانيّة "ان تويس تو باتروس مو" تعني "عند أبي" لا "لما هو لأبي". فالتقليد القديم يتّفق اتّفاقًا تامًّا في هذا المجال، وهو يستند إلى المعنى الدارج للعبارة في التوراة اليونانيّة (تك 41: 51؛ اس 7: 9) وفي النصوص اليوميّة. وحين أورد إيريناوس يو 14: 2: "في بيت أبي منازل عديدة" كتب: عند أبي هناك منازل عديدة. هذه هي الترجمة التي يفرضها سياق النصّ: فموقع الحوار هو في الهيكل. وعتاب يسوع ("أما تعرفان أنه يجب أن أكون في بيت أبي") هو صدى لملاحظة آ 44: "ظنّ والدا يسوع أنه في القافلة، أنه بين الأقارب والمعارف".
ثالثًا: سأل يسوع والديه: "أما تعرفان إذن"؟ هذا يفترض أنه كان عليهما أن يعرفا. ولكن، كيف لهما أن يعرفا؟ نجد حلّ المسألة في فعل "داي" (يجب). نلاحظ أوّلاً إستعمال الحاضر لا الماضي: "كان عليكما أن تعرفا أنه يجب". ولكن الضرورة التي يتكلّم عنها يسوع لا تعني فقط الظرف الحاضر. فيسوع يقولها بصورة عامّة وكأنها مبدأ صحيح دائمًا: يجب أن يكون عند أبيه. ونزيد أن فعل "يجب" يلعب دورًا هامًّا في فكر لوقا اللاهوتيّ. فالضرورة التي يعبّر عنها هي ضرورة تتميم مشيئة الله: "يجب" لأن هذا ما أقرّه الله. وهذه الضرورة تتحقّق خصوصًا في آلام المسيح: فمخطّط الله الذي كشفته النبوءات، يجب أن يتمّ بالضرورة (9: 22؛ 17: 25؛ 22: 37؛ 24: 7، 26، 44؛ أع 17: 3). ويعود الفعل أيضًا إلى واجب تفرضه وصيّة إلهيّة: "يجب" أن نخضع لها (رج 11: 32؛ 13: 14؛ 7:22؛ أع 15: 5). هذا هو المعنى الذي نجده في هذا النصّ. يتحدّث يسوع عن "واجب" تجاه أبيه، عن واجب يتفوّق على واجباته تجاه والديه. إذا كان هذا الأمر سهل الإِدراك، تبقى الصعوبة في أن نعرف كيف يكمن هذا الواجب "بأن يكون عند أبَيه" الذي يعني هنا بصورة طبيعيّة: بأن يقيم في الهيكل.
لن نَدهش إن لاحظنا أنّ هذه العبارة ظلّت سريّة. هذا ما يعرفه لوقا وهو ينبّه قرّاءه إلى هذا الواقع مُوردًا ردَّة فعل والدَي يسوع. وهو يقدّم لنا في هذه المناسبة إشارة تساعدنا على رؤيَة أوضح.
2- أمّ يسوع
أوّلاً: "لم يفهما الكلمة التي قالها لهما" (آ 50). نلاحظ أوّلاً أنّ هذه الملاحظة تبقى في خطّ ما قالته آ 48 عن دهشة والدَي يسوع حين وجداه وسط العلماء، وفي خطّ ما كتبه لوقا في آ 33: "تعجّب أبوه وأمّه ممّا يقال عنه". التعجّب والدهشة هما ردّة فعل الإِِنسان أمام سرّ لا يفهمه. هذا ما يقوله لوقا أيضًا عن الرسل خصوصًا في مناسبتين يفترق فيهما عن مرقس ليشدّد على عدم فهم عند الرسل. قال بمناسبة إنباءات الآلام: "ما فهِمَ التلاميذ هذا الكلام وكان مُغْلقًا. عليهم حتى لا يدركوا معناه، وخافوا أن يسألوه عن هذه الكلمة" (45:9؛ رج مر 32:9 الذي كتب: "فما فهموا هذا الكلام وخافوا أن يسألوه"). وقال لوقا أيضًا: "فما فهم التلاميذ شيئًا من ذلك. وكان هذا الكلام مُغلقًا عليهم، فما أدركوا ما كان يقال لهم" (18: 34، لا أساس لهذا الكلام في مر 34:10). ونقرأ الملاحظة عينَها في ف 24 حيث يعلن القائم من الموت لتلميذَي عمّاوس: "ما أغباكما وما أبطأكما عن الإِِيمان بكلّ ما قاله الأنبياء. أما كان يجب على المسيح أن يعاني هذه الآلام ليدخل في مجده" (25:24- 26)؟ ثم قال عن الأحد عشر: "حينئذٍ فتح أذهانهم ليفهموا الكتب المقدّسة وقال لهم: هذا ما جاء فيها أنّ المسيح يتألّم ويقوم من بين الأموات في اليوم الثالث" (45:24- 46). من الطبيعيّ أن يبقى السرّ مغلقًا وغيرَ مفهوم حتى الوحيِ التامّ يوم الفصح.
ثائيًا: "وحفظت أمّه هذا كلّه في قلبها" (آ 51). يشدّد هذا التعليق بشكل مختلف بعض الخلاف عمّا قرأنا في 2: 19، في خاتمة خبر الميلاد: "وحفظت مريم هذا كلّه وتأمّلته في قلبها". ونقرّب من هذا القول الإِعتبار الذي يختتم خبر مولد يوحنّا المعمدان: "وكان كلّ من يسمع بهذه الأمور يحفظها في قلبه قائلاً: ما عسى أن يكون هذا الطفل" (66:1)؟ إن هذه النصوص الثلاثة تشكّل في إنجيل الطفولة ما سمّاه الأب ليونيه: ردّة التذكّر.
وهناك ملاحظة أولى: لا تُربط آ 52 ب رباطًا وثيقًا مع كلمة يسوع (في آ 49) التي لم يفهمها والدا يسوع (كما قالت آ 50). فإن آ 51 اختتمت حدث الوجود في الهيكل متحدّثة عن العودة إلى الناصرة، بحيث إن آ51 ب تنتمي بالأحرى إلى الخاتمة العامّة لإِنجيل الطفولة. "فالأشياء" التي حفظتها مريم في قلبها هي مُجْمل الأحداث التَي تلَت الردّة في 19:2، ما حدَث وما قيل حين تقدمة يسوع في الهيكل، وحين وجدوه بعد أن أضاعه والداه ثلاثة أيام. إنّ هذين الحدثين متكاملان في نظرة لوقا: لم يظهر يوحنّا لإسرائيل إلاَّ في البريّة (80:1). أمّا يسوع فظهر في الهيكل وذلك منذ طفولتَه. ولكن هذه الملاحظة لا تخفي ما يربط آ 51 ب بما يسبقها مباشرة، وبالأخصّ التعليق في آ 50 حول عدم فهم والدَي يسوع. أ تفهم مريم كلمة يسوع، ولكنّها أدركت أنها أمام سرّ، وجعلت من هذا السرّ موضوع تأمّلاتها.
والملاحظة الثانية: نحن هنا أمام تعبير تقليديّ له معناه. إن تك 37: 11 يقول إن إخوة يوسف حين رأوه يَروي أحلامه التي تنبئ بالمستقبل، اغتاظوا منه. أمّا يعقوب "والده، فكان يحفظ هذا الكلام". ويقول الترجوم الفلسطينيّ: "كان والده يحفظ هذا الكلام في قلبه". ونقرأ في سفر دانيال أنّ نبوكد نصّر حلَمَ حُلمًا، ففسّره له دانيال: "وحين سمع نبوكد نصّر تفسير الرؤية التي رآها، حفظ هذه الأقوال في قلبه" (دا 28:4 حسب البسعينيّة). وحصل دانيال نفسُه على رؤية أعلمته بالأحداث الآتية، فاختتم خبره على الشكل التالي: "أنا دانيال، اضطربتُ جدًّا في أفكاري وتغيّر لونُ وجهي وحفظتُ هذا الكلام في قلبي" (7: 28). وأوردَت "وصية لاوي" (كتاب منحول يعود إلى القرن الثاني ق. م.) رؤية اعلمت أبّ الآباء بالمهمّة المحفوظة لنسله. واختتم لاوي كلامه: "فحفظتُ هذه الأمور في قلبي".
ليس من الضروريّ أنّ نورد أيضًا إستشهادات أخرى، فما أوردناه يكفينا لنفهم أن العبارة المستعملة "لردّة التذكّر" في 19:2 و51 تفترض ما أوضح في 1: 66: "جعل الناسُ كلّ هذه الأشياء في قلبهم قائلين: ما عسى أن يكون هذا الطفل"؟ فالعبارة "حفظ في قلبه" يميّز موقفًا موجَّها نحو المستقبل. فالوحي الذي تمّ يوجّه انتباه الذيِ تقبله إلى مستقبل فيه يكشف كمالُ الوحي بُعدَه الحقيقيّ الذي لا يزال غامضًا. وقد أدرك أوريجانس إدراكًا كبيرًا معنى ملاحظة لوقا حين صوّر موقف مريم على الشكل التالي: "كانت تعرف أنه سيأتي يومٌ يُصبح الخفيّ ظاهرًا فيه".
ثالثًا: لا يكفي أن نحدّد معنى العبارات التي استعملها لوقا. إنما يجب أن نعي ما يوافق لوقا الذي لا يعطينا فقط معلومات عن استعدادات مريم. إن لوقا يفكّر بقرّائه. وما يقوله عن موقف مريم يلقي ضوءًا على الموقف الذي يدعوهم إليه. هو يعرف خيرَ معرفة أن مدلول الأحداث والأقوال التي أوردها لا يمكن أن تُدرَك إدراكًا وافيًا. إذن، هو ينبّه قرّاءه بطريقة خفيّة أن كل هذا سيصبح واضحًا في ما يلي من أخبار، حين تصل إنباءات المستقبل الأولى إلى كمالها. نحن لم نزَل في بدايات الوحي، فلا نَدْهَش إن لم نفهمّ كلّ شيء: فالنور سيأتي فيما بعد. 
يرى الإِِنجيليّ أنّ التعاليق حول تأمّلات أمّ يسوع تسِّبق على الخبر الإِِنجيليّ الآتي. ولكنَ أين نجد في الإِِنجيل النور الذي يضيء على هذه الصفحات الأولى؟ حين يُبرِز لوقا تعليمَ يسوع في الهيكل (19: 47؛ 20: 1؛ 21: 37- 38)، ستظهرُ الحكمة والذكاء اللذان تحلّى بهما الولد يوم كان "جالسًا بين العلماء". غير أن الأمور الجوهريّة ليست هنا. فهي في المُلْحَق الذي يقدّمه 2: 49 لوحي البنوة الالهيّة في يسوع في 1: 32، 35: لقد وعى يسوع واجباته تجاه أبيه. هنا لم يفهمه والداه، كما لن يفهمه رسله حين ينبئهم بسرّ آلامه. وهذا السرّ لن يُكشَف كشفًا كاملاً إلا يومَ القيامة وفي الشرح الذي قدّمه لوقا في ف 24. ونقدر أن نفكّر أن ف 24 هذا، سيقدّم لنا الضوء الذي بفضله يتّخذ وحي ف 1- 2 (وبالأخص خاتمة ف 2) كلّ مدلوله فنفهمه فهمًا تامًّا.
إنّ نقاط الإِتصال بين حدث وجود الربّ في الهيكل وف 24 هي عديدة وقد أشار إليها الشرّاح مرارًا. فموقف الوالدين اللذين لا "يجدان الولد" "فيبحثان" عنه لدى الأقارب والمعارف يُشبه إلى حدّ بعيد موقف النساء عند القبر. وعتاب يسوع في 49:2 (لماذا بحثتما عني؟) قريب من عتاب يسوع للنسوة: "لماذا تطلبن الحيّ بين الأموات" (24: 5)؟ وألم الوالدين يشبه ألم التلميذين اللذين كانا حزينين (24: 17). والضرورة التي يعبّر عنها فعل "داي" (يجب) في 49:2، نجدها أيضَا ثلاث مرّات في ف 24 (آ 7، 26، 44). وذكر اليوم الثالث (46:2) لم يكن من قبيل الصُدَف (7:24، 21، 46). وبما أنّ ضرورة الإِقامة لدى أبيه (2: 49) لم تُجبر يسوع على البقاء في أورشليم، فنحن نتساءل: أما يكشف كمال الفصح أننا في الواقع أمام مجد الله الذي سيبلغ اليه يسوع بواسطة آلامه (24: 26)؟

خاتمة
إن حدث وجود الربّ في الهيكل، شأنُه شأنُ كلّ الفصلين الأولّين في لوقا، ليس مناسبة لإِثارة العاطفة. لا شكّ في أن هناك ملاحظات سيكولوجيّة أشرنا إليها. ولكن يجب أن لا تسترعي إهتمامنا إلى درجة تنسينا الهدف الكرستولوجيّ الذي يلهم هذا السرّ. المهمّ هو أن نكتشف شخص يسوع المسيح.
أوّلاً: إن الحكمة التي برهن عنها يسوع في هذه المناسبة هي تسبيق على دور المعلّم الذي سيلعبه فيما بعد. إنه المعلّم لأنه فهم إرادة الله فهمًا كاملاً.
ثانيًا: لا يكتفي يسوع بأن يعلّم الأخرين إرادة الله، بل هو يجعل منها قاعدة سلوكه. إنه يجعل واجباته تجاه أبيه في المكانة الأولى وكأنه ينسى واجباته تجاه والديه على الأرض. كان خاضعًا لهما، ولكنه عرف أنه كابن لله، عليه أن يخضع قبل كل شيء لأبيه السماويّ.
ثالثًا: وتبقى بنوّته الإِلهيّة سرًّا لن يُكشَف كشفًا كاملاً إلاّ يوم الفصح. فحدَث وجود الربّ في الهيكَل لن يتّخذ بُعدَه الكامل ومعناه التامّ إلا في علاقته بحدث الفصح. هذا ما أراد لوقا أن يبيّنه لقرّائه حين صوَّر لهم موقف مريم: توجّهت بكلّ قلبها إلى الوقت الذي فيه "يصبح الخفيّ ظاهرًا" في المسيح، كما يقول أوريجانس.
الفصل السابع عشر
مجيء الرب
3: 1 – 9

إن وجه يوحنا المعمدان يشرق على زمن المجيء كلّه، لأنه آخر أنبياء العهد القديم. إنه ذلك الذي تفرّد بين الأنبياء فدلّ على الذي أنبأ به، دلّ على مخلّص العالم بيسوع المسيح ربّنا.
أمّا المقطوعة التي ندرس فتورد دعوته النبويّة وتحدّد موقعها في إطار التاريخ العاديّ والمقدّس. ولكننا نستشفّ ونحن نتعرّف إلى الطابع الاحتفاليّ لهذه البداية أنّ هذا النصّ يتجاوز يوحنّا المعمدان. فمن خلال السابق يعلن لوقا يسوع ويجعله في قلب تاريخ البشر.

1- يوحنا المعمدان في زمانه (آ 1- 2)
تحدّثنا الآيتان الأُولَيان عن نداء يوحنا النبويّ في ألفاظ تذكّرنا بمقدّمات المؤرّخين في اليونان، أمثالَ توسيديدس وبوليبس، وببداية كتاب إرميا: "كلام الرب إلى إرميا... في أيّام يوشيّا بن آمون، ملك يهوذا في السنة الثالثة عشرة من ملكه" (ار 1: 1- 2 حسب اليونانية). هذا يدلّنا على نيّة لوقا أن يكون مؤرّخًا، وعلى المعنى الدينيّ الذي يرى في الحدَث الذي يورده.
إنه يُكثر المراجع التي تربط هذا الحدَث بتاريخ زمانه: سمّى الإِمبراطورَ الروماني، ثم وَاليَه ورؤساءَ المقاطعات (تترارخس) الثلاثة، ورئيسَي الكَهنة، أبرزَ الطابع الاحتفاليّ والفريد للحدَث.
أولاً: في السنة الخامسة عشرة من حكم القيصر طيباريوس... (آ 1). 
أوّل شخص يُذكر هو الإِمبراطور الرومانيّ وسيّدُ العالم في ذاك الزمان. لقد خلَف طيباريوس اوغسطس في 19 آب سنة 14 ب. م. أي سنة 767 لتقويم رومة.
وسنتُه الخامسةَ عشْرةَ تمتدّ إذن من 19 آب 28 حتى 18 آب سنة 29. ولكن معظم الشُرّاح الحاليّين يقولون إن لوقا يعد سنوات حكم الإِِمبراطور على طريقة السوريّين الذين يبدأون السنة في الأوّل من تشرين الأول. إذن، يجعلون السنة الأولى لطيباريوس تمتدّ من 19 آب حتى 30 أيلول سنة 14 والسنة الخامسة عشرة من 1 تشرين الأوّل سنة 27 حتى 30 أيلول سنة 28. هذه الكرونولوجيا تتوافق مع كرونولوجيا يو 2: 20 الذي يجعل أوّل فصح احتفل به يسوع خلال حياته العلنيّة يقع في ربيع سنة 28.
وإذ سمّى لوقا هنا سيّد العالم الوثنيّ، كما ذكر اوغسطس قيصر بمناسبة ولادة يسوع (2: 1)، جعل مملكة الأرض تواجه ملكوت الله الذي جاء في يسوع.

ثانيًا:... حين كان بنطيوس بيلاطس (بيلاطس البنطي) حاكمًا في اليهوديّة... (آ 1).
كان والي رومة في اليهوديّة من سنة 26 إلى سنة 36. عرف هذا الشخص بمدوّنة اكتشفت سنة 1961 في تنقيبات قيصريّة (على شاطئ البحر)، وبما أورده كتّاب يهود من أحداث جرت خلال إدارته فقالوا فيه إنه لا يلين ولا يرحم، وبما قالته الأناجيل التي ربطت اسمه بمحاكمة يسوع (وهذا ما يقول المؤرّخ تاقيتس في حولياته 3: 15- 44). ولهذا نعلن إلى اليوم في قانون الايمان: "وصلب على عهد بيلاطس البنطيّ".
كان واليًا على منطقة أورشليم (أي اليهوديّة بحصر المعنى) والسامرة الشماليّة وأدوميا الجنوبيّة.

ثالثًا:... هيرودس تترارخس على الجليل... (آ 1).
إنه ابن هيرودس الكبير واسمه أنتيباس. نال تترارخيّة (مقاطعة هي ربع مملكة) الجليل وبيريه عند موت أبيه، سنة 4 ق. م. واتّخذ اسم هيرودس ساعة عُزل أخوه أرخيلاوس سنة 6 ب. م. (تسمّيه النقود وبعض المدوّنات: هيرودس التترارخس لتميّزه عن أبيه: الملك هيرودس).
يرِدُ اسمه مرارًا في أعمال فلافيوس يوسيفوس التاريخيّة، كما يُذكَر في الأناجيل في مناسبات عدّة: هو قاتل يوحنا المعمدان (مت 3:14- 12؛ مر 17:6- 29؛ رج لو 19:3- 20). وهو خصم يسوع الذي يخضع لولايته بسبب إقامته في الناصرة (مر 6: 14- 16 وز؛ لو 13: 31- 32؛ 6:23- 12).
سيُنفى في النهاية إلى غاليا (فرنسا الحالية) على يد كاليغولا الإِمبراطور، سنة 39، بعد أن وشى به ابن أخيه هيرودس أغريبّا الأول.

رابعًا:... وأخوه فيلبّس تترارخس على إيطورية وتراخونيتس... (آ 1).
كان فيلبّس أيضًا ابن هيرودس الكبير، وكان أحكم أبناء ذاك الملك الرهيب. دام ملكه من سنة 4 ق. م. حتى موته سنة 34. تضمّنت حدوده حسب فلافيوس يوسيفوس: الجولان، باطانيا، تراخونيتس، حوران وإقليم بانياس: هذا يعني المنطقة الواقعة شمالي شرقيّ بحيرة طبريّة.
لا يذكر لوقا كل هذه الأقاليم كما لا يذكر بالنسبة إلى بيلاطس أراضي يهوديّة مثل السامرة وأدوميا، ولا بالنسبة إلى هيرودس بيريه التي لا شأن لا. يذكر تراخونيتس (أي النجاد) الواقعة بين جبل الدروز ودمشق والتي تشكل الحدود الشرقيّة لتترارخيّته. ويذكر أيضًا إيطورية التي لا يمكن ان تكون إيطورية بحصر المعنى والتي تقع بين خلقيس (عنجر في البقاع) وبيروت ودمشق، والتي لم يحكمها هو ولا أبوه. أمّا أرض العرب الإِِيطوريّين التي يملكها، فهي إقليم بانياس حيث بنى عاصمته قيصريّة فيلبّس (مت 16: 13؛ مر 27:8).
لم يذكر لوقا منطقة الجولان الواقعة على شاطئ بحيرة طبريّة ولا باطانيا الواقعة إلى الشرق منها. فقد أراد أن يتوقّف خصوصًا عند أراضٍ غير يهوديّة في هذه التترارخيّة ليدلّ على أننا هنا في عالم وثنيّ.

خامسًا:... وليسانيوس تترارخس على أبيلينة... (آ 1).
ما كنا نعرف حتى بداية القرن العشرين إلا ليسانيوس واحدًا، ملكَ الإِيطوريّين في خلقيس، وقد حكم عليه أنطونيوس بالموت حوالي سنة 34 ق. م. عقابًا له على تحالفه مع الفراتيّين. ولكن سنة 1912 نشرت مدوّنة وجدت في أبيلة (آبل السوق وادي بردى) في الشمال من دمشق قديمًا، وهي تذكر ليسانيوس الذي كان تترارخس على أيّام طيباريوس. وهكذا تأكّدت معطية لوقا وتحدّد موطن ذاك الأمير.
ولكن لماذا ذكر لوقا هذا الأمير المغمور مع أن أرضه غريبة عن فلسطين؛ هناك أسباب عديدة: أوّلها أدبيّ: إن لوقا يحب البُنيات التناظريّة، ولقب تترارخس دفعه إلى أن يقدّم هنا أربع مناطق متقاربة: ولاية لبيلاطس، وتترارخيّات هيرودس وفيليبس وليسانيوس.
وهناك أيضًا سبب تاريخيّ: ففي زمن كتابة إنجيل لوقا كانت تترارخيّة ليسانيوس تخصّ أميرًا يهوديًّا هو هيرودس أغريبّا الثاني الذي كان ملكًا منذ سنة 53 حتى نهاية القرن الأوّل، على خطى أبيه هيرودس أغريبّا الأوّل الذي امتلك تلك المنطقة من سنة 37 إلى سنة 44.
ولكن يبدو أن لوقا خضع خصوصًا لسبب لاهوتيّ: إن يهوديّة بيلاطس وجليل هيرودس هما أرض شعب الله، وتترارخيّة فيليبّس (كما يحدّدها) وتترارخيّة ليسانيوس هما أرضٌ وثنيّة. فحين أورد لوقا أسماء هذه المناطق الأربع، فقد أشار إلى أن إعلان الخلاص يعني اليهود والوثنيّين معًا. ونلاحظ النيّة عينها في التناظر بين بداية هذه اللائحة ونهايتها، بين الإِمبراطور الوثنيّ، وبين رئيس كهنة شعب الله.

سادسًا: يوم كان حنّان وقيافا رئيس للكهنة... (آ 2).
تدهشنا هذه العبارة مرتين: مرّةً أولى بصيغة المفرد للقب رئيس الكهنة المنسوب إلى شخصين؛ ومرّةً ثانية بذكر شخصين يحملان وظيفة لم يمارسها إلاّ شخص واحد.
افترض عدد من الشُرّاح أن لوقا لم يورد إلا اسم حنّان (كما في أع 6:4) وأنّ قيافا زِيد فيما بعد.
هذه الزيادة ليست مستحيلة. ولكن بما أن اسمي حنّان وقيافا موجودان في كل مخطوطات الإِِنجيل، فمن المعقول أنهما انتميا إلى النصّ الأوّلانيّ. فقبل أن نشهّر بخطإ تاريخيّ، نتفحّص هل كان لوقا يريد أن يعبّر عن وضع حقيقيّ بواسطة هذا البناء الغريب.
كان حنّان رئيس الكهنة سنة 6 ب. م. وقد عيّنه كيرينيوس. وبعد 9 سنوات عزله فالاريوس غراتوس، أي في سنة 15. ولكن بما أنّ الوُلاة الرومان جعلوا أبناءه وصهره قيافا خلفًا له، فقد دلّوا على أنه احتفظ بسلطة استثنائيّة لدى الكهنة والشعب. ويبدو أنه كان القائد الحقيقيّ للجماعة اليهوديّة في أيّام رؤساء الكهنة الذين خلفوه. وإنّ كتّاب العهد الجديد ينسبون إليه دورًا مهمُّا في محاكمة يسوع (يو 18: 13- 24) وفي الاضطهادات الأولى التي عصفت بكنيسة أورشليم (أع 4: 6 وربما 5: 17). ويوم بدأ يوحنا المعمدان رسالته، كان حنّان يستحقّ حقًّا لقب رئيس الكهنة.
وقيافا كان رئيس كهنة من سنة 18 إلى سنة 36. وقد أشار مت 3:26، 57 (رج آ 63- 65) ويو 11: 49؛ 24:18-28 إلى دوره في محاكمة يسوع. وهو يتصرّف في هذه المحاكمة كما في سائر نشاطه بتوافق تام مع حميّه ويتأثر بإرشاداته. لهذا السبب قدّم لوقا عبارة غير عاديّة: على أيّام رئيس الكهنة (وكأنّه واحد) حنان وقيافا.

سابعًا:... كانت كلمة الله إلى (حرفيًا: على) يوحنا بن زكريّا في البريّة (آ 2).
أسلوب عتيق جدًّا يستلهم فيه لوقا كعادته العهد القديم، وبصورة خاصّة دعوة إرميا (ار 1: 1 حسب النصّ اليونانيّ). وهكذا يبينّ في قيام يوحنا المعمدان ظهورَ نبيّ هو الأوّل بعد صمتٍ دام خمسةَ قرون. قال مز 9:74: "علامات حضورك لا نراها ولم يبقَ نبيّ، وليس عندنا من يعلم إلى متى تدوم هذه الحالة" (رج 1 مك 46:4؛ 27:9؛ 14: 41).
تتمّ هذه الدعوة في البريّة حيث قضى يوحنا المعمدان شبابه منتظرًا أن يظهر لبني إسرائيل (1: 80). وهناك إشارات عديدة تدلّ على أنه اتّصل بجماعة قمران الكهنوتيّة: إنه كاهن وابن كاهن، وهو يعيش في البريّة وسيكرز بمعموديّة التوبة. ويحدّد الإِنجيليّون الأربعة رسالته انطلاقًا من اش 3:40 الذي به تعبّر عن مثالها. ولكن مهما يكن من علاقات المعمدان مع هذه الشيعة اليهوديّة، فنداء الربّ منحه منذ الآن مهمّة شخصيّة سيمارسها دون الرجوع إلى أحد.

2- رسالة يوحنّا المعمدان (آ 3- 6)
وتجاوب يوحنّا المعمدان مع نداء الله، فقام بعمله كنبيّ. قدّم لوقا هنا العناصر عينها التي قدّمها متى (3: 1- 6) ومرقس (3:1- 5) ولكنه رتّبها بطريقته، فتحدّث على التوالي عن المكان الذي أقام فيه السابق، عن أسلوبه، عن مفهوم كرازته.

أولاً: جاء إلى منطقة الأردن كلّها... (آ 3).
حسب متى (3: 1- 6) ومرقس (1: 4- 5) اللذين اهتمّا باتّباع نص اش 3:40، كرز المعمدان في البريّة وعمّد في الأردنّ الذي يلامس البريّة. وأقبلت إليه الجموع من أورشليم وكلّ اليهوديّة (مر 1: 5، وزاد مت 3: 5: "ومن كل منطقة الأردنّ").
وحسب لوقا، ترك يوحنا البريّة ليكرز في منطقة الأردنّ التي تتميّز عن البريّة في نظره، وتشكّل مقاطعة خاصّة (إن لوقا لا يرينا يسوع يمارس رسالته عند شاطئ الأردنّ وهو بهذا يختلف عن مت 19: 1 ومر 1:10).

ثانيًا:... يكرز بمعمودية توبة لمغفرة الخطايا (آ 3).
إن موضوع مهمّة النبيّ الجديد هو الكرازة بمعموديّة توبة (رج أع 24:13؛ 4:19). وكلامه هو امتداد لوعظ الأنبياء في العهد القديم: كلّهم دعَوا الشعب ليعود إلى ربّه ويقطع كل علاقة له بالخطيئة.
أمّا أوّل جديد يقدّمه يوحنا المعمدان فهو أنه يختم هذه التوبة بالمعموديّة. أخذ هذا الطقس عن التوضّؤات التقليديّة في العالم اليهوديّ وعن ممارسات جماعة قمران. ولكنه زاد جديدًا ثانيًا: هو لا يعطي هذه المعموديّة إلاَّ مرّةً واحدة لأن الدينونة قريبة (3: 7- 9، 17). لا مكان إلاّ لتوبة واحدة تنال الخلاص عندما يغفر الربّ الخطايا كما وعد بفم إرميا (31: 34) وحزقيال (36: 25).
إن عماد يوحنا ليس العماد المسيحيّ الذي "يغفر" الخطايا (أع 38:2؛ 16:22). وهذا ما يشير إليه لوقا باعتناء: لا يعمّد يوحنّا إلاّ في الماء. أمّا "الأقوى" الذي يأتي فيعمّد "في الروح القدس والنار" (3: 16). إن الدور الخاصّ بيوحنّا هو أن "يمنح معرفة الخلاص (الذي سيتم) بغفران الخطايا" (77:1). وهذا الغفران سيكون عمل يسوع في سرّه الفصحيّ (47:24؛ أع 3: 19؛ 5: 31؛ 10: 43؛ 23: 28؛ 26: 18).

ثالثًا:... كما كتب في كتاب أقوال النبيّ أشعيا... (آ 4).
حدّد لوقا، شأنه شأنُ سائر الإِنجيليّين (مت 3:3؛ مر 1 :3؛ يو 1 :23)، مدلولَ رسالة يوحنا المعمدان منطلقًا من نبوءة أش 40. ولكنه جعل هذا القول النبويّ في نهاية حديثه عن المعمدان ليقود القارئ بصورة أفضل من الحدَث التاريخيّ إلى تفسيره في إطار تاريخ الخلاص. ويطيل استشهاد النبيّ ليبرز معطيات تبدو له رئيسيّة.

رابعًا: صوت صارخ في البريّة: هيّئوا طريق الربّ واجعلوا سبله مستقيمة (آ 4).
إستعاد لوقا مع متى ومرقس ويوحنا قول اش 3:40. يعودون إلى النصّ اليونانيّ الذي يُلغي التوازن: في الفيافي. وترتبط البريّة بالصارخ؛ وهكذا يتحدّد وضع يوحنا على ضوء كلام أشعيا. أمّا في النصّ العبريّ فعبارة "في البريّة" كما "في الفيافي" هما جزء لا يتجزّأ من مهمّة يوحنا. هذا النصّ نقرأه في قمران كنداء إلى العيش في البريّة.
الصورة هي صورة ملك يجب ان نهيّئ له الطريق. إنطلق منها النبيّ ليعلن مجيء الربّ ليعيد شعبه من بابل في خروج جديد عَبْرَ البريّة (أَش 41: 17- 20؛ 16:43- 21؛ 48: 20- 21؛ 51: 10- 11). واستخلص للشعب من هذا الوضع نداءً للاستعداد للخلاص القريب. كان هذا القول النبويِّ عزيزًا على قلب جماعة قمران التي رأت فيه أساس صوفيّتها وحياتها في البريّة.
أمّا التقليد الإِِنجيليّ فطبَّق هذا القول على يوحنا المعمدان الذي هو كالصارخ في البريّة. واهتمّ بصورة خاصّة بمجيء الربّ وبالاستعداد الذي يفرضه على المؤمنين.

خامسًا: كل وادٍ يمتلئ وكلّ جبل وتلّ ينخفض والطرق المعوّجة تستقيم والوعرة تصير سهلاً (آ 5).
وينفرد لوقا عن سائر الانجيليّين فيكمّل نص أشعيا ليوصله إلى الخاتمة التي تهمّه. أمّا الآن، فصور هذه الآية تدلّ على تهيئة طريق الربّ. كان أشعيا قد اتّخذ الكلمات بالمعنى المجازيّ ليطبّقها على خفض كل ارتفاع على مستوى "الجسد" (اش 2: 14؛ مز 68: 16- 17). وبما أنّ لوقا يهتمّ برفع الوضعاء وخفض المتكبّرين (52:1؛ 14: 11؛ 14:18) وجد في أشعيا ما يقوده إلى التفسير عينِه: "من يَرفَعْ نفسه ينخفض، ومن يخفِضْ نفسه يُرفَع".

سادسًا: فيرى كلّ بشر خلاص الله.
أهمل لوقا الإِِعلان الأوّل في اش 40: 5: "ويتجلّى مجد الرب". في نظره، لا يعود إلى يوحنا المعمدان أن يعلن المجد الذي سيتجلّى في الفصح وبواسطة يسوع. ويصل حالاً إلى نهاية القول النبويّ حيث يجد قمّةَ رسالة يوحنا: إعلانَ خلاص الله، وهذه هي مهمّته الخاصّة كما قال عنه أبوه: "تعلّم شعبه أن الخلاص هو في غفران خطاياهم" (77:1).
لقد أعلن سمعان الشيخ خلاص الله هذا حين رأى يسوع الطفل (2: 34)، وأعلنت آخر كلمات بولس في خاتمة سفر الأعمال الشيء عينه: "فليكن معلومًا أنّ الله أرسل خلاصه إلى الأمم الوثنيّة، وسيستمعون إليه" (يقبلونه) (أع 28: 28).
هذا موضوع عزيز على قلب لوقا، وقد انفرد عن الإِزائيّين فأعطى لقب المخلّص لله (47:1) ويسوع (2: 11)، وتحدّث عن الخلاص في يسوع (69:1، 71، 77؛ 19: 9: "إبن الإِنسان جاء يبحث عن الهالكين ويخلّصهم"). إنه يشدّد على هذا الموضوع الذي يفهمه قرّاؤه اليونانيّون.
في العبارة البيبليّة "كل بشر" يرى لوقا إعلانًا كتومًا للخلاص الذي يقدَّم لجميع الناس. هذه العبارة الخفيّة تتجاوب مع رغبته في الإِشارة إلى المراحل التي يقطعها الوحيُ ليدلّنا على شموليّة خلاص يحمله يسوع. ولكن ليس يوحنا هو الذي يعلن بوضوح خلاص الوثنيّين، بل يسوع.

3- يسوع هو موضوع الإِعلان.
أ- ما كان هدف لوقا حين أورد المقطع الذي درسناه؟ للوَهلة الأولى، هو يرفع نظره إِلى قيام يوحنا المعمدان بمهمّته النبوّية. ولكن الإِشارات عديدة، وهي تدل أنّ ما يهمّه من خلال هذا الحدث هو مجيء يسوع.
أولاً: من المدهش أن يكرّس لوقا كلّ هذه المراجع عن التاريخ المعاصر ليؤرّخ بداية رسالة يوحنا المعمدان، حين لا يقول كلمة عن بداية رسالة يسوع (3: 21) التي هي بالنسبة إليه الحدَث الرئيسيّ. هذا الوضع لن يعود يحيّرنا حين نلاحظ أنّ لوقا، منذ بداية إنجيله، تحدّث عن يسوع ويوحنا المعمدان في لوحة واحدة.
كما أن المُعطى الكرونولوجيّ في 1: 5 (في أيّام الملك هيرودس) يتعلّق ببشارة يوحنا المعمدان وببشارة يسوع (1: 5- 25، 26- 38) فالتزامنيّة التاريخيّة في 3: 1- 2 تتعلّق ببداية رسالة يسوع ورسالة يوحنا. فلو أراد لوقا أن يؤرِّخ فقط بداية مهمة يوحنا المعمدان، لما كان أعطى كلامه كلّ هذا الطابع الاحتفاليّ. 
ثانيًا: إن ذكر الإِمبراطور الرومانيّ وواليه بيلاطس وسائر حكّام التترارخيّات، يوجّه أنظارنا لا إلى قيام يوحنا كنبيّ، بل إلى مجيء يسوع الملك. هذا ما لاحظناه فيما مضى: جعل لوقا في إنجيله وجنبًا إلى جنب مملكة يسوع ومملكة الحكّام في أيّامه. إذن، هو يفكّر هنا بيسوع لا بيوحنا المعمدان.
ثالثًا: يورد لوقا نبوءة أش 3:40، شأنُه شأنُ سائر الإِنجيليّين، ليفهمنا معنى رسالة المعمدان. ولكنه، إذا كان يطيل هذا الاستشهاد حتى يصل به إلى إعلان خلاص الله، فهو يبينّ أنه يفكّر أولاً بحدث يسوع.
إذن، نستطيع أن نستنتج أنّ لوقا اختلف عن متى ومرقس، فأعلن مجيء يسوع في قلب قيام يوحنا برسالته. هذه النظرة لا تدهشنا بعد أن قرأنا ف 1-2 (انجيل الطفولة)، فرأينا أنّ رسالة يوحنا تقوم كلُّها بأن تعلن يسوع ومجيئه وخلاصه (1: 14، 17- 19، 41- 44، 76- 77).


ب- كيف يرى لوقا حدثي المعمدان ويسوع؟
أوّلاً: حين تحدّث عنهما بالنسبة إلى حكّام وكهنة عصرهما، حدّد موقعهما كرونولوجيًّا في التاريخ الدنيويّ كما يفعل المؤرّخون اليونانيّون. وهذه الكرونولوجيا ليست دقيقة لأنها لا تذكر إلا سنة مُلك طيباريوس قيصر، ولأنه مرَّ بعض الوقت بين بداية عمل يوحنا المعمدان وبداية عمل يسوع العلنيّ. ولكن لوقا يستطيع أن يعرف أن يسوع لم يتأخّر كثيرًا عن يوحنا المعمدان. لهذا جعل عماد يسوع يقع ظاهرًا في السنة الخامسة عشرة لطيباريوس، وهذا يتوافق مع معطى يو 2: 20 (يسوع هو في أورشليم في عيد الفصح سنة 28).
ثائيًا: ما يهمّ لوقا لا العودة بحدث يوحنا وشموع إلى التاريخ الدنيويّ، بل تحديد موقع هذا المجيء في تاريخ الخلاص. وحين أورد مطوّلاً استشهاد اش 3:40- 5، فقد دخل على تتمّة نبوءة العهد القديم في هذين الحدثين، ودلّ على بُعدهما الصحيح: مهمّة يوحنا هي آخر إِعلان الخلاص، ومهمة يسوع هي مجيء الله وخلاص كلّ بشر.
ثالثًا: وبدأت رسالة المعمدان. إنها تشكّل حِقبة نبويّة، حقبةَ الاستعداد، وهو زمن ارتداد إسرائيل المدعوّ للعودة إلى الله في التوبة والاتّضاع. هذه هي آخر مراحل العهد القديم.
رابعًا: أمّا رسالة يسوع فقد أُعلنت الآن على أنّها نهاية مهمّة السابق. إنها مجيء الربّ وخلاص كلّ بشر. ومن خلال نبوءة أشعيا، يكتشف قارئ الإِِنجيل، الذي يعرف وحي الفصح الكامل، يكتشف أُلوهيّة المسيح والخلاص الذي يحمله إِلى جميع الناس.
ويساعدنا لوقا على إدراك البعد الشامل للحدث فنحدّد موقعه في التاريخ المقدّس لشعب الله، في اليهوديّة والجليل وفي أيّام رئيس الكهنة، وفي تاريخ العالم الوثنيّ، في أيّام طيباريوس قيصر، في إيطوريّة وأبيلينة. ولكن الإِعلان يبقى مكتومًا لأنّ لوقا يتتبّع هنا كما في كل مؤلّفه (لو+ ع) طريقة الوحي البطيئة في تربية المؤمنين.

4- الاستعمال الليتورجيّ للنصّ
لمذا تستعمل اللتورجيّا هذا النصّ الذي لا يرتبط بميلاد يسوع ولا يشير إلى رسالته إلاَّ عبرَ رسالة المعمدان؟ المهمّ هو تقديم نصّ يعلن مجيء يسوع القريب. وهذا المجيء لم يتمّ فقط في الميلاد، بل في سلسلة من الأحداث المتعاقبة، من البشارة إلى التقدمة في الهيكل، من العماد على يد يوحنا المعمدان إلى القيامة.
أخيرًا، كل من هذه الأحداث هو وعد وعربون للحدث الأخير في المجد وفي قدرة الربّ في مجيئه. والمسيحيّ الذي يقرأ اليوم في الإِِنجيل خبر أحداث يسوع الماضية، يُفرَض عليه دومًا أن يتطلّع إلى ذلك المجيَء الأخير الذي هو الخلاص بالنسبة إليه.
هذا الإِِنجيل يدعونا إلى الاستعداد لمجيء الله. فهو بندائه إلى التوبة، وبوعد الخلاص لكل البشر، يلقي الضوء على سرّ ولادة يسوع كما يوجِّه أنظارنا إلى مجيئه في المجد.
الفصل الثامن عشر
تعليم يوحنا المعمدان
15:3-18

حين قدّم لوقا صورةً عن رسالة يوحنا المعمدان توسّع فيها توسيعًا لم يُجارِه فيه أحد من الإِنجيليّين إلاّ يوحنا. فقد وصلت إليه مادّة هذا التوسيع من مرقس ومن "مَعين" الخُطَب الذي استقى منه متى أيضًا، ومن مرجع خاصّ به لا نستطيع أن نحدّد أصله بدقّة (3: 10- 14). وما يميّز العَرْض اللوقاويّ ليس فقط وفرة الموادّ، بل طريقة التحدّث عن شخص يوحنا المعمدان ورسالته. لن نبينِّ كلّ هذا بتفصيل هنا، لأنّ موضوعنا هو مقطوعة 3: 10-18. سننظر إليها في إطار التأليف الإِِنجيليّ قبل أن نستخلص بُعدها اللاهوتيّ. وسنقابل بين نص لوقا ونصّ متى ومرقس مستعينين "بإزائيّة".

أ- قرائن النصّ
يتضمّن نصّ لوقا المتعلّقِ بتدخّل يوحنا المعمدان آ 1- 2 من ف 3. ويبدو أننا نستطيع أن نزيد عليها أيضا آ 20- 22. ولكننا في الواقع لا نستطيع أن نحسب عِمادَ يسوع كتتويج لرسالة يوحنا، بل كبداية لرسالة يسوع المطبوعة بإرسال الروح والصوت السماويّ (آ 22). وهذا الفصل بين الجزء المتعلّق بالمعمدان والجزء المتعلّق بيسوع يجد ما يثبته في تعليق 3: 19- 20 الذي يَروي كيف أُلقي يوحنا في السجن. ومع ذلك، سنجد حالاً خبر عِماد يسوع على يد يوحنا. فالتعليق المُشار إليه ليس تعليقًا كرونولوجيًّا، وكأن سجن يوحنا سبق عِماد يسوع، بل يتضمّن إشارة عن واقع، هدفه أن يُفهمنا أنّ زمن يوحنا المعمدان انتهى قبل أن يظهر المسيح ويبدأ عمله. إن يوحنا ينتمي إلى حِقبة النبوءة التي تجد ما يقابلها في "زمن يسوع" (16:16). وهذا التحديد يلقي ضوءًا على وجه يوحنا حين نقرأ نص 3: 1-20: فيوحنا هو نبيّ بالمعنى الحصريّ للكلمة، وليس صورة إسكاتولوجيّة لخلاص ينتمي إلى حقبة التكميل كما. عند متى ومرقس.
إن تأليف 3: 1- 20 يقدّم تسلسلاً منسّقًا من الوُجهة الأدبيّة، ومَنطِقيًّا من جهة الأفكار. تتألّف القطعة من خمس وحَدات صغيرة يتأمّن تماسكها بمقدّمة أو بوَصْلة تشير الى الظروف التي قيلت فيها (3: 1- 2، 10، 15، 18).
الملاحظة الأولى من هذا النوع تتضمّن سنكرونيا (نظرة إجمالية) شهيرة (3: 1- 2) أنشأها لوقا ليشدّد على أهمّية هذه الساعة التاريخيّة. إنها توسع لوقاوي و"بداية" (ارخي، مر 1: 1). وتصوّر هذه "البداية" بإيجاز دخول المعمدان على المسرح ونشاطه الذي قام بإعلان "عماد توبة لغفران الخطايا" (3: 2- 3). ووظيفة نصّ أشعيا الوارد هنا (3: 4- 6) أن يلقي ضوءًا على هذه "البداية" ويحدّد موقعها حسب الكتب المقدّسة. ويحيط بظهور يوحنا اثنان: ظروفُ التاريخ اليوميّ التي هي مهمّة أيضًا من أجل تاريخ الخلاص، ثم الصوتُ النبويّ الذي نقرأه في الكتب المقدّسة.

2- تتضمّن القطعة الثانية (7:3- 9) مقدّمة (آ 17) تدلّ على الشخص الذي تتوجّه إليه الخُطبة. يختلف لوقا عن متى، فيبينّ أن هذه الخُطبة تتوجّه إلى "الجموع". أمّا متى فقال: "لما أَبصر كثيرين من الفرّيسيّين والصادوقيّين قال لهم" (مت 7:3). إن "جموع" السامعين يمثّلون موضوعًا خاصًّا بلوقا: "فكل الشعب" الذي ذهب إليه المسيح، قد توجّه إليه المعمدان أيضًا بكلامه (3: 10، 15). فخطبة الارتداد التي تلي، تتوافق مع مُجْمَل نصّ مت 7:3 ب- 10. ونحن نستخلص من هذا الواقع النتيجةَ التي تقول إننا أمام نصّ يعود إلى "مَعين" الخُطَب. فإذا قابلنا الأَناجيل الإِزائية بعضَها ببعض، نجد أن مرقس تجاهل هذا العنصر من كرازة المعمدان، وجَهِل غيره أيضًا. والسؤال الذي يُطرح بالنسبة إلىِ كل هذا المقطع (3: 1- 20)، هو أن نعرف بأيّ قَدْر تضمّنت الحطَب لوحةَ إجمالية عن رسالة يوحنا. لا شكّ في أنه كان لخطبة 7:3- 9 مقدّمة، ولكن هذه المقدمة لم تكن عامّةً على مثال تلك التي نجدها الآن في لو 7:3= مت 7:3. فقد يكون سبقها على الأقلّ تصوير قصير لدخول المعمدان على المسرح. ولكننا لا نستطيع أن نكتشف هذه المقدّمة، لأن نصّ مرقس حلّ محلّها عند متى ولوقا. ونستطيع أن نفهم مضمون هذه القطعة الثانية فهمًا تامًّا كخطبة موجّهة إلى كلّ الشعب، كوعظة نبويّة تدعو إلى التوبة. حين أشار لوقا إلى مثل هؤلاء السامعين ("الجموع")، فقد كان أقرب إلى منطق التاريخ.

3- لا نجد القطعة الثالثة (3: 10- 14) إلاّ عند لوقا. نترك هنا جانبًا سؤالاً أول: من أين جاء لوقا بهذا النصّ ونطرح سؤالاً ثانيًا: إلى أيّ حدّ يتيح لنا تاريخ التقليد أن نحكم على أقدميّته؟ يكفينا فقط أن نتتبّع تسلسل الأفكار. يبدو أن هذا النصّ هو تكملة مباشرة لسابقه. فالنداء العامّ إلى التوبة يتحقّق في الممارسة. فمن تخلّى بفكره عن الطريق التي تبعها حتى الآن ليلتزم "بطريق الربّ"، فرضَ على نفسه أن يقوم بأعمال توبة في حياته اليوميّة، وفي وسط وجوده الملموس. هكذا يُزاد على كرازة التوبة في معناها الأساسيّ الواسع، تعليمٌ أخلاقيٌّ عن التوبة في معناه العمليّ والمحسوس. ويبدأ هذا النصّ هو أيضًا بملاحظة إخبارية تصِلُه بما سبق: "وكان الجموع يسألونه قائلين: ماذا نصنع إذن" (3: 10)؟ طرح التلاميذ ثلاثة أسئلة عمليّة فأجاب عنها المعمدان.
وهكذا أقحم لوقا خُطبة 7:3- 14 في وَحْدة تمثّل بُنيَة كِرازيّة (خطبة عن التوبة، تحريض على التوبة) وتحتفظ في الوقت عينه بالأسلوب النبويّ المعروف في العهد القديم.
4- وتَنْعَم القطعة الرابعة بأطول مقدّمة (3: 15- 16 أ). هذا يدلّ على أهميّة الموضوع الذي يتطرّق اليه لوقا: رسالة يوحنا الذي هو أيضًا "نبيّ المسيح". فإعلان المسيح هو نصُّ الكرازة الوحيد الذي أورده مرقس (7:1- 8). وهذا النصّ يرتبط ارتباطًا حقيقيًّا ومنطقيّا بالآية السابقة وبالبداية (أرخي). فبداية انجيل يسوع المسيح في مرقس (1: 1) هي في تعليم المعمدان المسيحانيّ. بل هناك بعض انشداد بين مر 1: 4 (حيث يكرز عن "معمودية توبة لغفران الخطايا") وبين هذه الخطبة عن "الأقوى الذي يأتي بعدَه".
أمّا عند لوقا فنلاحظ تدرّجًا واضحًا: نجد أوّلاً خُطبة التوبة، ثم خطبةً عن المسيح. دلّت المقدّمة (15:3) أن هذا الموضوع قد طرحه "الشعب"، فأجاب عنه يوحنا كما أجاب في السابق. اعتُبر يوحنا كالأنبياء شخصًا يستطيع الناس أن يسألوه، فيكون جوابه تعليمًا من عند الربّ (رج مثلا حز 8: 1؛ 14: 1؛ 21:20 ،31).
ودوَّن لوقا آ 18 لينهي هذا المقطع. نجد فعل "انجل" أو بشّر. يُحبّ لوقا أن يستعمل هذا الفعل، ولا يحصره في معناه الضيّق، أي التعليم المسيحيّ عن الخلاص، بل كما استعمله هنا: إن إعلان المسيح هو بُشرى وخبرٌ طيّب. وهكذا لم يعد يوحنا عند لوقا نبيًّا كسائر الأنبياء، بل تعدّاهم.
5- تحدّثنا عن القطعة الخامسة المكوّنة من آ 19-20. عدل لوقا عن تقديم خبر مفصَّلٍ لمقتل المعمدان (مر 17:6- 29)، فاكتفى بالإِشارة إلى سجنه في هذا الموضع. وبعد هذا، سيرسلُ يوحنا من سجنه "اثنين من تلاميذه" إلى يسوع (7: 18 ي). سيكون صمت لوقا كاملاً فيما يخصّ نهاية يوحنا المعمدان: أمام "ملء الأزمنة" الذي تدشّن الآن مع يسوع، تبدو أهميّة هذا الحدَث ضئيلةً. اختلف متى عن لوقا في عرضه للأمور: بعد أن ميّز على المستوى اللاهوتيّ بين المعمدان وشيوع، جعل الاثنين يقابلان إسرائيل الكاذب الذي قَسَّى قلبه فرفض الخلاص.

ب- مسائل أدبيّة تطرحها 3: 15- 18
1- ماذا نقول في المقدّمة (15:3- 116)؟ لا مقدمةَ عند متى. ومقدمة مرقس قصيرة جدًّا ("وكان يعلن قائلاً"، مر 1: 7 أ). حين ندرس المسألة الإِزائيّة ونتوقّف عند الوصَلات والمقدمة والخاتمة، نجد أن هذا ما يميّز الإِِنجيل الثالث تمييزًا خاصًّا. والأمثلة عديدة على ذلك. رج 6: 12؛ 11: 1؛ ق 18:7، 24؛ 12: 1؛ 7:14، 15؛ 15: 1ي؛ 17: 5؛ 1:19).
أمّا في النصّ الذي ندرس، فالشُراح الذين يستندون إلى نظريّة المصدرَين يتّفقون على دور لوقا في هذا التدوين، ولا سيما وإنّ موضوع الخُطبة اللاحقة يجد استباقًا له في سؤال الشعب ليوحنا: هل أنت المسيح؟ يسبّق عليه النصّ ويحدّده. ففي نصّ الخطبة (16:3 ب- 17) لا يظهر اسمُ المسيح، كما لا يظهر اسمٌ آخر. يسمّيه لوقا "الأقوى". وتشير المقدّمة حالاً إلى الشخص الذي تشير إليه خطبة يوحنا. إذن، نستطيع القول إنّ آ 15- 16 أ هما من تدوين لوقا. 
2- وكيف نحكم على جسم الخطبة (آ 16ب- 17) من الوُجهة الأدبيّة؟ هناك إمكانيّتان: أو إن متى ولوقا تبعا كلاهما تدوين هذه الخطبة كما في "المَعين"، أو إنّهما دمَجا مرقس والمَعين وأخذا من المعين القسم الثاني فقط (لو 3: 17). لا شك في أننا نجد المَعين في عبارة "الروح القدس والنار". فمرقس يتحدّث فقط عن عماد "بالروح القدس" (مر 1: 8). إذا أخذنا بالشرح الأوّل، نلاحظ خصوصًا أن تسلسل الأفكار عند متى ولوقا هو هو:
مت، لو مر
أنا أعمّدكم بالماء يأتي أقوى مني
يأتي أقوى مني أنا عمّدتكم بالماء
هو يعمّدكم في هو يعمّدكم مع
الروح القدس والنار الروح القدس
وإذا قابلنا متى ولوقا، فلن نجد إلاَّ اختلافاتٍ طفيفة. يبدو أنّ متى قد زاد على آ 11: "للتوبة". وهكذا عبَّر بطريقة مختلفة عن فكرة مجيء الأقوى. ونقرأ عند لوقا: "يأتي من هو أقوى مني، وأنا لا استحقّ أن أحُلَّ سُيور نَعليه". عند متى، تبدو فكرة "أقوى" كجملة رئيسيّة تتبعها فكرة المجيء: "وأما الذي يأتي بعدي فهو أقوى مني، وأنا لا أستحقّ أن أحمل حذاءه" (مت 3: 11). قد نظنّ أن متّى بدّل الفكرتين وهو المأخوذ باهتماماتٍ كرستولوجيّة (سنكتشفها في 3: 14ي). لن نقرأ من جهة: "حلَّ سيور نعليه" ومن جهة ثانية: "حملَ حذاءَه". فالاختلافات بين لوقا ومتى هي على مستوى الأسلوب والمفردات، لا على مستوى المعنى.
وإذا أخذنا بالرأي القائل إن مت ولو تبعا بصورة إجمالية نصّ الكرازة الذي قدَّمه مصدر الخطب، نصل الى استنتاج مهمّ حول تاريخ التقليد. فإعلان المعمدان عن المسيح الأقوى وعن عماده الجديد يتوافق في الموضوع كل الموافقة مع التقليد المرقسيّ وتقليد المَعين. وبعبارة أخرى، نجد في المصدرين اللذين كانا مستقلَّين الواحد عن الآخر، الترتيبَ عينه لكرازة يوحنا. نحن هنا أمام أمر هامّ يساعدنا لنحكم على قِدَم هذا التقليد وأهميّته. ويمكننا أن نظنّ أننا نضع يدنا هنا على عناصر أصليّة في كرازة يوحنّا المعمدان. ونستطيع أن نقول أيضا إنه من الممكن تاريخيًّا أن يكون يوحنا قد تكلّم عن ذلك "الذي يأتي بعده". والبرهان على ذلك تسمية يسوع "الأقوى" وهي تسمية مميّزة لم تترك أثرًا آخر في التقليد الإِِنجيليّ (رج مر 3: 27 وز).

ج- تفسير النصّ.
1- التوبة (آ 10- 14).
ترتبط المقطوعة 3: 10- 14 بسابقتها (7:3- 9) وتُكمِلها، فتقدّم تحريضًا على التوبة والارتداد. نكتشف فيها ما تتضمّن "التوبة" دومًا في المعنى البيبليّ للكلمة وهو: إن أردنا أن تنتقل الفكرة إلى العمل الملموس، فلا بدَّ من أن نبدّل طرق تفكيرنا، أن نبدّل عواطفنا وإرادتنا. لا شكّ في أن التوبة تبدأ هنا، ولكنَّها لا تصل إلى هدفها إلاّ بالأعمال. بدأت "الجموع" وسألت: "ماذا نصنع"؟ إعتاد لوقا أن ينظر إلى الجموع نِظرةَ عطف ومحبّة كما يفعل هنا: فهي تريد الخير والعدالة. فيبقى أن نضعها "على الخطّ" ونحرّرها من إغواء الرعاة الكذبة والمعلّمين المضلّين. وكان جواب يوحنا المعمدان نداءً إلى الصلاح وممارسة المحبَّة: "من له ثوبانِ فليعطِ من ليس له" (آ 11). سنجد في خطبة الجبل عبارةً أكثر حزماً: "من أخذ رداءك فلا تمنعه من ثوبك" (29:6= مت 5: 40). 
وتتألَّف المجموعة الثانية من العشّارين الذين يمثّلون في نظر لوقا فئةً أُرسل إليها يسوع كالصديق والمخلّص والرحيم. سمَّوا يوحنا بكل احترام: "يا معلّم". لا شكّ في أنّنا لسنا أمام كلمة "رابي" المترجمة الى اليونانيّة، بل أمام مدلول هلّنستيّ يونانيّ (رج يو 26:3). لا يَطلب المعمدانُ من العشّارين أن يتخلّوا عن مهنتهم، بل يمنعهم من الإِِثراء غير المشروع. ونشعر أيضاً من خلال هذه النصيحة بُعداً عن وضع تاريخيّ عاشه معاصرو يسوع. لا يشير النصّ إلى النظرة إلى المستوى الاجتماعي للعشّارين. هم مدعوّون ليكونوا عادلين في ممارسة وظيفتهم.
وجاء الجنود وطرحوا سؤالاً مماثلاً، فنالوا نصائح عمليّة تعطينا فكرة عن وضع الجنود وبالأخصّ عن المرتزقِة منهم (قد يكونون جنود هيرودس أنتيباس). يجب عليهم أن لا يُرهقوا أحداً، أن لا يَظلموا أحداً: لا يسرقون الناس، ويجعلون الناس مطمئنّين في حياتهم. وعليهم أيضاً أن يكتفوا بمرتّباتهم. قد تكون هذه الكلمات شرحاً لما سبق: عليهم أن يعيشوا ممّا يُدفع لهم، ولا يسلبون البلاد. وقد يكون هاك تنبيه يحرّضهم على الاعتدال في متطلّباتهم.
هذا التحريض خاصّ بلوقا، وهو يكشف أسلوبه وأفكاره. كما أنَّه يُبرز أهميّة العمل، ولا سيّما في المجال الاجتماعيّ وعلى مستوى المحبّة. ليست متطلّباته شديدةً بحيث تستعبد الإِنسان للشريعة، كما عند جماعة قمران وبعض الربّانيين، ولكنَّها تستلهم الوضع الحاضر وتتكيّف معه. هو لا يطلب من الناس تكملةً. شكليّة لفرائض أو قواعد تنبع منها، بل طريقةَ عملٍ ملموسةٍ تتنوّع بالنسبة إلى كلّ إنسان. وهذا ما يدلُ عليه تنوّع النصائح، إن بدَت معتدلةً ومتساهلةً بالنسبة إلى عظة الجبل، فلأنَّ المعمدان هو الذي يعطيها لا يسوع، ولأنَّها توضيح للتوبة لا للإِيمان. فالتكيّفُ مع الظروف، والطابَعُ الملموس لهذا النصّ، سيكونان مثلاً لكلّ كرازة وتحريض على التقوى والمحبّة حتى في العالم المسيحيّ.

2- عِمادُ من هو أقوى.
منذ الجملة الأولى في خُطبة يوحنا، نجد تعارضاً بين معموديّتين: تُعطى معموديّةُ يوحنا "مع الماء"، ومعموديّةُ الأقوى "في الروح القدس والنار". وتفرَّد متّى فزاد تفصيلاً على عماد الماء: "للتوبة" (مت 3: 11). وهكذا ميَّز بوضوح أكثر بين معموديّة المسيح ومعموديّة يوحنا.
قال التقليد المرقُسيّ: "أنا أعمّدكم مع الماء، أمّا هو فيعمّدكم مع الروح القدس" (مر 1: 8). وقال متى ولوقا: "في الروح القدس والنار".
حاول بعض الشرّاح أن يبيّنوا أن مفردة واحدة هي أصليّة، وأنّ الثانية زيدت فيما بعد. وحاولوا بالأخصّ أن يفسّروا وضع "الروح القدس" قرب "النار". إعتبروا أنَّ هذا أمرٌ غيرُ منتظر، وأنّ المفردة تُفسَّر بالمفردة الأخرى. وإذ شدّدوا على "الروح القدس" ظنّوا على خُطى عدد من آباء الكنيسة، أنّ النار هي نار الروح القدس، كما يقول خبر العنصرة في أع 3:2. ولكنّ هذا التفسير يبقى ضعيفاً لأنّنا لا نستطيع أن نفصل هذا الإِعلان عن المعموديّة، عن تصوير الدينونة التي تتبعه (3: 17). ومع أنّ أع يتحدّث مراراً عن العلاقة بين العِمادين ويفهم العماد المسيحيّ في الروح على ضوء العنصرة (أع 1: 5؛ رج 16:11؛ 19: 1- 7)، لا يبقى لنا إلاّ أن ننطلق من فكرة الدينونة التي تظهر في آ 17. إنّ "النار" تستعمَل تقليديّا في اللغة الجليانية كصورة الدينونة، سَواءٌ أكان ذلك في العهد القديم أم في العهد الجديد (رج مت 13: 40، 42، 50؛ 25: 41؛ مر 43:9؛ يو 15: 6؛ 1 كور 13:3؛ 2 تس 1 :8؛ عب 10: 27؛ 2 بط 7:3).
وبدا من الصعب أن نربط "الروح القدس" بدينونة "يهوه". فأفضل شرح لهذه العبارة هو أن نقول إنّ النّص يصوِّر نتيجة الدينونة بطريقتين، واحدةٍ سلبيّة وواحدةٍ إيجابيّة. فالدينونة تجلب للبعض مِلءَ الخلاص بفيض عطيّة الله الإِسكاتولوجيّة التي هي الروح. والنار تحمل الدمار إلى الآخرين الذين يصيبهم حُكم الهلاك. وترتبط هاتان الفكرتان بتقاليد العهد القديم ولاسيّما في الأسفار النبوّية: وقدرة روح الربّ التي تنقّي (تدين) وتقدّس تبدو كواقع إِسكاتولوجيّ في يؤ 28:2؛ اش 4:43. وروح المسيح في اش 11: 1 هو في الوقت عينه روح الدينونة التي تُنتج مخافة الله، وبالتالي معرفة الله. أما يكون يوحنا المعمدان استقى أقواله من كلمات الأنبياء هذه؟
ولكن من حاول أن يفسّر هذه العبارة في معنى الدينونة الإِسكاتولوجيّة سيَدهش لاستعمال فعل عمّد. لن نجد فيه إلاّ تعبيرًا مصوَّرًا جاءت به المقابلة والموازاة مع عمادِ يوحنا. نحن هنا أمام عماد "حقيقيّ" بالتغطيس، وهناك أمام عماد بالمعنى القياسيّ. ولكن لا ننسى مضمون الفكرة. فالذي يلفِت الانتباه في المقابلة بين العِمادين هو مسيرتُهما الخارجيّة بل نتيجتهما. فالعماد الأوّل، عمادُ الماء، يُنتج ولا شكّ التطهير وغفران الخطايا، ويختم التوبة بخاتمه. وفي هذا لا يُقابَل عملُه بعمل الروح والنار الإِِسكاتولوجيّ، بعمل التقديس الذي يخلّص، والحُكمِ الذي يدمّر. فإذا فكّرنا في هذا الأمرِ لن تعود صورة المعموديّة غريبةً في عيوننا. وأخيراً نلاحظ في العهد الجديد استعمالاً مَرِناً لهذه الصورة (مز 10 :38 ي؛ لو 12: 50؛ 1 كور 2:10)، مع العِلم أنَّ الفعل (عمَّد) وأنّ الاسم (العِماد) قد توضّح استعمالُهما بتأسيس العماد المسيحيّ.

3- الدينونة (آ 17).
وتعود آ 17 إلى "الأقوى" وإلى نشاطه كديّان. وتظهر صورة أخرى هنا، هي صورة الفلاّح الذي يهتمّ بالحَصاد. وهذه الصورة مُشْبعة بالعناصر التقليديّة المرتبطة بالكرازة البيبليّة عن الدينونة. ينقّي الفلاّح القمح على بيدره، بحيث إنّ الريح تأخذ معها التِبن ويبقى الحبّ الثقيل على الأرض. ويشير النصّ فيما بعد إلى ما تصير عليه العناصرُ المنفصلة أي التبنُ والحبّ. يُوضع الحبّ في الأهراء، ويُحرق التبنُ في النار. أمّا صفة "لا تنطفئ" فتعود إلى العالم الجلياني وتدلّ على أنّنا نتجاوز الصورة لنتحدّث بدون حجاب عن الواقع الذي تمثّله الدينونة.
لا تعني آ 17 فقط الدينونةَ الإِسكاتولوجيّة، أي الوُجهةَ السلبيّة لعمل المسيح كديّان. إنّها تدلّ أيضًا على القمح. وإنّ آ 16 ب و17 تتقابلان. فبواسطة صور مختلفة (العماد، الحصاد) يتحدّث إلينا الإِِنجيليّ عن الدينونة الواحدة التي يُمارسها الأقوى، وذلك في أقرب وقت ممكن: "يمسك بيده المِذْرى". نحن نجد الإِِلحاح والعَجلة عند كل من متى (3: 10) ولوقا (9:3). وكلّ هذا يقدّم لنا إعلاناً للمسيح يستغلّ صورًا قوّية ترتبط بمجيئه القريب، وتقابلُ عاطفة "الانتظار" عند الشعب (3: 15).

خاتمة:
يسوعِ المسيح هو ديّان نهاية الأزمنة. ولن يهمل إيمانُ الكنيسة وصلاتُها هذه الوُجهَةَ من دوره. فكرازة المعمدان المسيحانيّة تحافظ على قيمتها، وإن لم تتضمّن كلّ ما أوحاه الروح القدس. ولكنّ لوقا سبق ففهم خُطبة يوحنا على أنها كرازة آنيّة بالنسبة إلى موضع كنيسته الخاصّة. وهذا يظهر خصوصاً في آ 15 التي تكوّن المقدّمة وتبدو بشكل سؤال: هل يوحنا هو المسيح؟ شهد المعمدان أنّ المسيح هو شخص آخر، هو ذلك الذي يشاهده ويعلنه في دوره كديّان، وإنّ صورة الديّان تبقى جوهريّة بالنسبة إلى العهد الجديد والكنيسة.
فمسيحيّو ذلك الزمان، بل كلّ المسيحيّين، ومنهم نحن اليوم، يختارون بين أَن يعمَّدوا في النار (أي يدانون) أو أن "يُعمّدوا" في الروح القدس (من أجل الخلاص).
الفصل التاسع عشر
عماد المسيح
15:3- 16، 21- 22
رج مت 13:3؛ مر 1: 7- 11

تُورِد هذه النصوصُ الثلاثة عِمادَ المسيح معِ إعلان ليوحنا المعمدان يدلّ فيه على المسيح الذي جاء يعمِّد في الروح. سنبدأ أَوَّلاً فنحلّل المعطَيات المشتركة بين الأناجيل الثلاثة، ثم نعود إلى كلّ إنجيليّ بمفرده فنحدِّد نظرته الخاصّة.

أ- تقليدُ ما قبلَ الإِزائيّ.
1- إعلان يوحنا المعمدان.
كان يوحنا المعمدان يَعِظ ويعلّم. وحسب المرجع الذي استقى منه متى ولوقا، أعلن أنّ الدينونة الإِِسكاتولوجيّة قريبة ("الغضب الآتي" الذي يحلّ بالخطأة: مرحلة سابقة لإِقامة الملكوت من أجل الأبرار)، وشدّد على ضرورة التوبة والارتداد. أمّا الجواب إلى هذا التعليم فيُصبح واقعًا ملموسًا في قَبول العِماد: يغطَّس التائب بحضور يوحنا في مياه الأردنّ (على مثال الاغتسال الطقسيّ أَو التوضُّؤ الذي عرفه اليهود في ذلك الزمان) فيدلّ بصورة علنيّة على أنّه يرغب في الطهارة الداخليّة بانتظار مجيء الربّ. في هذا الإِِطار، يَرد الإِِعلان الذي نقرأه عند مرقس ولوقا، وفيه يدلّنا السابق على المسيحَ الآتي، على كرامته السامية، وعلى نشاطه العِماديّ الخاصّ.
"جاء" رسول الله الأخير الذي هو "أقوى" من المعمدان بدرجة لا تُحَدّ. وسيقال عنه فيما بعد أنّه يتصرَّف بالروح، أي (حسب العقليّة البيبليّة الجارية) بقدرة الله نفسِه (يسوعُ القويّ يَطرد الشياطين بروح الله. هذه هي علامة مجيء الملكوت، رج مت 29:12 وز). عمادُه يتفوّق على عِماد يوحنا، كما يتفوّق عملُ الله على نشاط الإِنسان، وكما أنّ الروح يتفوّق على عنصر مادّيّ هو الماء مثلاَ. 
وكرامةُ هذا الشخص الرفيعة وتفوُّقه تُوضحهما استعارة شعبيّة: فالسابق لا يرى نفسه مستحقًّا أن يقوم بعمل عبد على قدمَي سيده، مستحقًّا أن يَحُلَّ رباط حذائه.
"هو يعمّد". لا تستعمل هذه العبارة عند متى ولوقا (إطار إِسكاتولوجيّ أوَّليّ)، إلاّ عن طريق الاستعارة: إنّ الآتي يمارس نشاطًا شبيهًا بنشاط السابق (في شكل من الأشكال). فكما أنّ العماد بالاغتسال ينقّي الأجساد ويزيل النجاسات الماديّة، هكذا يأتي المسيح فينقّي شعب الله وُيزيل منه النَجاسات الأدبيّة، وبطريقة ملموسة ينتزع منه الخَطأة. وبكلام آخر، إِنّه يحقّق هذه الدينونة الإِسكاتولوجيّة التي تعالجها قرائن النصّ. فالتشديد ليس على هذه الكلمة، بل عَلى الكلمات التي تتبعها.
هو يفعل "بالروح القدس"، أي بالقدرة المقدّسة التي تُمنَح له (رج أش 3:4- 4؛ 11: 2؛ 4). وهكذا يفعل أكثر من "السابق" الذي تصرّف بطقس رمزيّ وضيع ("أنا أعمّدكم بالماء").
"وبالنار". هذه العبارة الغائبة من مرقس تنتمي إلى إعلان المعمدان. والإِشارة إلى النار تعود مرّتين في القرائن المباشرة (في متى ولوقا): نار تحرق التبن بعد جمع القمح على البيدر (مت 12:3؛ لو 17:3)؛ ونار تحرق كل شجرة لا تثمر ثمرًا صالحًا (مت 3: 10؛ لو 9:3). هي صورة نبويّة تتلاقى لتدلّ على العقاب الكامل الذي سيُزيل في نهاية الأزمنة الخاطئين الذين يرفضون المجيء إلى التوبة. "عماد الروح والنار" أي في هذه القرائن القديمة "دينونة قدرة وعقاب". 
وهكذا لا يُعلن المعمدان بطريقة محدّدة عماد المسيح (ولا العماد المسيحيّ إلاّ في منظار مرقس الثانويّ الذي سنعود إليه). ما يعلنه في معنى أوّل هو الدينونة الرهيبة التي سينفّذها المسيح الأتي بكل قوّته الإِلهيّة، وهذا تجاه عماد يوحنا الذي هو طقس مادّيّ ورمزيّ محض.
إن التعارض بين "عماد الماء" و"عماد الروح" الذي نجده هنا (متى ولوقا) في إِطار مسيحيّ أصليّ، يبرز موضوعًا تقليديًّا معروفًا. نحن نجد هذا التعارض في مقاطع مختلفة من العهد الجديد، وفي اطُرٍ متعدّدة مع تطبيقات متنوّعة: مت 3: 11؛ مر 1:8؛ لو 3: 16؛ يو 1: 26، 33؛ أع 1: 5؛ 11: 6 . إذا عدنا إلى الأناجيل نجد أن يوحنا يتكلّم عن هذين العمادين. أمّا إذا عدنا إلى أع فيسوع هو الذي يتحدّث عنهما. وإذا عدنا إلى متى ولوقا، نجد أن عماد الروح يشير إلى الدينونة الاسكاتولوجيّة؛ أمّا إذا عدنا إلى مرقس ويوحنا فنجدهما يشيران إلى الطقس الأسراريّ، إلى العماد المسيحيّ. وفي أع نحن أمام فيض الروح القدس (فيض مباشر لا أسراريّ) ساعةَ العنصرة (أع 1: 5) أو ساعةَ ارتداد الضابط كورنيليوس (أع 11: 16). وفي قمران، إنتظروا عمادًا إسكاتولوجيًّا، عمادَ روح النقاوة والقداسة تجاه الاغتسالات الطقسيّة التي يمارسها أعضاء الجماعة كلّ يوم (المغارة الأولى). نذكر هنا أنّ رمزيّة الماء والروح تعود بنا إلى العهد القديم.

2- عِماد المسيح.
في الأصل، صوّر الخبرُ المشهدَ بطريقة بسيطة وفي مرحلتين. الأولى: ذهاب يسوع إلى السابق وقَبول الطقس العماديّ منه. الثانية: التيوفانيا أو ظهور الله، وهي تتضمّن نزول الروح على يسوع والكلمات التي وجّهها الآب إلى ابنه. ويبدو أنّ مرقس احتفظ بالمضمون الأوّل للمُعطى التقليدي أكثر من الإِنجيليّين الإِزائيين الآخرين.
أوّلاً: ذهاب يسوع إلى يوحنا.
قال الإِزائيّون الثلاثة إن كرازة يوحنا المعمدان جمعت شعبًا كبيرًا. وكثُر عددُ اليهود الذين جاؤوا ليعتمدوا عنده. وجاء يسوع هو أيضًا يتقبّل هذا الطقس الذي يُعلن الزمن الإِسكاتولوجيّ. وسنرى بعد ذلك مرّاتٍ عديدة، سنرى يسوع مهتمًّا لكي يبيّن التواصل بين رسالته ورسالة السابق (مت 4: 12 وز؛ 11: 11- 15 وز؛ 17: 12- 13 وز؛ 21: 25- 27 وز).
وستتأمَّل التقوى المسيحيّة بعد ذلك في فِعْلة المخلّص الآتي إلى "عماد التوبة"، فترى فيها فعل تضامن من قِبل يسوع مع الخطأة. لا تَصِل بنا النصوص إلى هذا الحدّ. وهي لا تُوضح نيّةَ يسوع في ذلك الوقت، بل تتحدّث عن فِعلته ببضع كلمات. ولا تُذكَر هذه الفِعْلة إلاّ بالنظر إلى التيوفانيا التي ستَمنح لهذا "العماد" بُعدًا مختلفًا ومعنى جديدًا بالنسبة إلى أيّ عماد آخر.

ثانيًا: التيوفانيا أو الظهورُ الإِلهيّ.
حصلت التيوفانيا حين "خرج يسوع من الماء" (كما يقول متى ومرقس). قد تعود هذه الكلمات إلى يش 19:4: "خرج الشعب من نهر الأردن" ودخل إلى أرض الموعد (حدث يوازي عبور البحر الأحمر في يش 23:4). جاء يسوع إلى الأردنّ (متى ومرقس)، فقَبِل الروحَ القدس، وأُعلن ابنَ الله. وهكذا يظهر المسيح كممثِّل لشعب الله الحقيقيّ. بعد هذا الحدَث، ستأتي تجربة يسوع المرويّة على خَلْفيّة تجربة إسرائيل في البريّة. والعلاقة بين عماد يسوع والعماد المسيحيّ (كما نستشفّها في النصوص) تتضمّن هذه النظرة إلى المسيح كممثّل لشعب الله.
تحتفظ النصوص الإِنجيليّة عن عماد المسيح بسِمات الأسلوب الجليانيّ (دا 7: 1ي؛ 8: 1ي؛ لو 1: 11، 22؛ أع 7: 55؛ 11: 5؛ 13:26، 16؛ رؤ 1: 12، 17، 19)، وهي ترجع إلى الخبر الأوّل للحدَث: انفتاح السماوات (حز 1: 1؛ يو 1: 51؛ أع 7: 56؛ 10: 11؛ رؤ 4: 11؛ 19: 11)، نزول الروح (عد 11: 25؛ دا 4: 10، 20؛ مت 2:28؛ 1تس 4: 16؛ رؤ 3: 12؛ 10: 1؛ 18: 1؛ 20: 1؛ 12:21، 10) بشكل محسوس، ما رآه يسوع، سماع الصوت الإِلهيّ (حز 1:28؛ دا 28:4؛ مت 17: 5 وز؛ يو 12: 28؛ أع 11: 9؛ رؤ 10: 4، 8؛ 13:14)، إلتجاء إلى مفردات محفوظة للاتّصالات السماويّة.
نتأمّل هنا في نص "رضى" الله في إطار "وحي" (مت 26:11 وز؛ غل 1: 15؛ رج دا 23:9، 10، 11، 19؛ مت 13: 11؛ 16: 17؛ لو 1: 28، 30؛ 2: 14؛ 12: 32). أمّا "ابن الله" الذي هو موضوع "الوحي" فنقرأ عنه في مت 16: 16؛ غل 1: 15؛ رج مت 11: 25- 27 وز؛ 17: 5 وز؛ 1 تس 1: 10.
وإذا عُدنا إلى فحوى النصّ، نجد أنّ التيوفانيا تعود إلى مشاهد الوحي التي تكشف بطريقة احتفاليّة مخطَّط الله السرّيّ في ما يتعلّق بتحقيق الخلاص في نهاية الأزمنة. ويتضمَّن هذا الفنّ الأدبيّ عنصرًا عجيبًا وتصويرًا اصطلاحيًّا يمثّل بطريقة ملموسة الوُجهةَ السامية للتدخّل الإِِلهيّ.
توجّه هذا الوحيُ، في شكل الخبرِ الأصليّ، إلى يسوع شخصيّا: فهو الذي رأى السماوات تنفتح والروحَ ينزل عليه (متى ومرقس). وهو الذي كلّمه صوت الآب ("أنت ابني" كما في مرقس ولوقا). ونتوقّف عند فكرتين: مجيءِ الروح والقول السماويّ.

الفكرة الأولى: مجيء الروح
إنّ مجيء الروح بشكل حمامة ما زال يُربك الشرَّاح المعاصرين. فنحن لا نرى في أيّ مكان آخر من البيبليا أن الحمامة تَرمُزُ إلى الروح. غير ان بعض نصوص الربّانيّين تمثّلت الروح (تك 1: 2) الذي يَرفّ على مياه الخَلْق بشكل حمامة (مثل حمامة الطوفان في تك 8:8- 12). ومهما يكُنْ من أمر، فالتقليد الإِِنجيليّ كلّه لا يتردّد في معنى هذا الرمز.
إنّ الرّوح في نظر النّفوس المغذّاة بالبيبليا، يدلّ على حضور الله نفسِه الذي يجتاح، بطريقة خارقة، مختارَه، فيملأُه قوّةً وحكمة، ويمنحه كلَّ العطايا العُلوّية من أجل رسالة مهمّة جدًا. ففي خَطّ أش 42: 1 (يستند إليه النصّ الذي ندرس) و 61: 1 (ورد في لو 18:4 مع عودة إلى العماد على ما يبدو)، يرى يسوع نزولَ قدرة ومعونة الله القدير على الذي يرسله الآن ليكرِز بالأنجيِل وُيفيض آيات الخلاص. هو الآن يتقبّل بصورة احتفاليّة رسالتَه ومهمّتَه المسيحانيّة.

الفكرة الثانية: القول السماويّ
إنّ القول الآتي من السماء يتضمّن بعض اختلافات بين إنجيليٍّ وآخَر: استعمل مرقس ولوقا صيغة المخاطَب المفرَد ("انت")؛ أمّا متى فلجأ إلى صيغة الغائب ("هذا هو"). نصّ متى ومرقس قريب من اش 42: 1؛ أمّا لوقا (حسب أفضل الشهود) فيورد مز 7:2. ثمّ إنّ النصّ يُستعمَل مرّةً ثانية بشكل مُقَولَب في مشهد التجليّ. هذه الإِشارات تدفعنا إلى الظنّ أنّ هذا القول لا يردّد الكلمات الالهيّة كما سمعت (كما في مسجلة). نحن أمام عبارة ترتبط بالتفكير المسيحي الأوّل مع لجوء إلى الكتاب المقدّس، وتترجم المدلول الذي رأته الكنيسة الأولى في تدخّل الله حين بدأ يسوع حياته العلنيّة.
إنّ النصّ في شكله الأساسيّ المعقول ("أنت ابني الحبيب، بك سررت"، مرقس) يدمُج ثلاثةَ نصوص من التوراة. هو يرتبط أوّلاً بنص أش 42: 1 الذي هو بداية أناشيد "عبد الله". في هذا المقطع الأشعيائي، يدلّ الربّ على "عبده" (أو عابده أو خادمه) كذلك الذي اختاره بمحبّة، وسُرُّ به، ومنحه روحه ليحمل إلى جميع الناس بُشرى الخلاص. في المقطوعة الإِنجيليّة التي ندرس، نكتشف، في هذا النصّ الوارد في بداية حياة يسوع العلنيّة، البرنامجَ المسيحانيّ الخاصّ الذي سيفرض نفسه حسب مقصد الله المُوحى به في الكتب المقدّسة. سيكون يسوعُ المسيحَ، ولكنه سيكونُه بشكل عبدٍ وخادم. يُعلن النصّ هذا البرنامج بطريقة سريعة، ولكنّه يشدّد على الرّضى الذي يكفله الله لعابده، حين يكلّفه بهذه المُهمّة.
والنصّ الثاني الذي يتذكَّر هذا القول السماوي يعود الى مز 2 الذي هو مزمور ملكيّ فسّره التقليد اليهوديّ تفسيرًا مسيحانيًّا. فالآية 7 تقدّم عبارة التبنّي المتعارَف عليها. يوم ينصِّب الله الملكَ المسيحَ في وظيفته، ويجعله ممثّلاً له، فهو يعتبره ابنه الخاصّ ("انت ابني، انا اليوم ولدتك، تبنّيتك وجعلتك ابنًا لي"). وهكذا يدلّ على المحبّة التي يكنُّها له، على قدرته التي يبسُطها عليه، وعلى الحماية التي يؤمنها له. وفي تطبيق هذه الآية على عماد يسوع، تختفي الإِشارة الملوكيَّة. ولكننا لا نزال أمام تَولية (تكريس لمهمة رفيعة بانتداب إلهيّ) وتَولية مسيحانيّة (إختيار من أجل رسالة خلاص). إمتزج هذا النصّ مع أش 42: 1 فانتقلت الجملة إلى صيغة المخاطب، وصارت اللهجة حميمةً ووَدودًا. وحلَّ لقبُ ابن الله محلَّ لقب عبد الله. لم يُوضَح هذا اللقبُ بطريقة أخرى، ولكن الإِِنجيليّ أورده في إطار احتفاليّ، وفي ساعة رئيسيّة من حياة يسوع. نحن نستشفّ أنّ اللقب يتضمّن سرًّا، وهو منذ الآن يعبّر على الأقلّ عن علاقة انتماء فريدة، وعن حياة حميمة بين يسوع والله أبيه.
ونرى تأثير نصّ ثالث على القول السماويّ: تك 2:22، 12، 26 (حسب نصّ السبعينيّة اليونانيّة) حيث يتلفّظ صوت الله ثلاثَ مرّات بعبارة "الابن الحبيب". فالعبارة تبدو طبيعيّة. هي ترِدُ في ار 31: 20 ("أليس أفرائيم ابنًا لي عزيزًا وولدًا مفضّلاً"؟)، كما في الأدب اليونانيّ الكلاسيكيّ. ولكننا لا نشكّ بإرتباطها بنصّ تك 22. طلب الله من إبراهيم أن يذبح له ابنه. وإذ أراد النصّ أن يشدّد على عظمة الذبيحة التي طلبها الله، واستعدّ إبراهيم لأن ينفّذها، أبرزَ محبّة أبي الآباء لابنه العزيز، لولده الوحيد. أمِّا في عماد يسوع، فالنظرة إلى الذبيحة لم تظهر. فشدّد النصّ بالأحرى على تعلّق الآب بابنه الحبيب، على الوُدّ الذي يَكنُّه له.
إذن، إن عُدنا إلى مستوى تقليد ما قبلَ الإِزائيّ، نفهم الحدَث كمشهد تَولية أو تكريس مسيحانيّ (مع توجيه نحو نصوص أشَعيا). يسوع هوَ الابن الوحيد الذي سلّمه الله عن الخطأة (مثَل الكرّامين القتَلة في مر 6:12؛ لو 20: 13؛ رج روم 32:8؛ يو26:3؛ 1 يو 9:4- 10). مشهدُ تَولية مع تشديد على حضور (قدير وحميم) الله تجاهَ يسوع من أجل هذه الرّسالة. إمتلأ يسوِع من الرّوح. إنّه ابن الله بشكل مميّز. وفي عمل الخلاص الذي سيقوم به الآنَ، هو يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالله (بالرّوح، بالاب) وينتمي الى نظام التسامي السماويّ. 
يسوع هو المسيحُ وابنُ الله الذي يَمنح الرّوح. مثلُ هذه النّظرة إلى شخصه تسبّق ولا شكّ على المعرفة التي نالها الرّسل بعد حدَث القيامة والعنصرة. لا نستطيع أن ننكر إنكارًا كليًّا أن تكون هذه المعرفة اللاحقة قد أثَّرت على إعادة تفسير حدَث عماد يسوع بواسطة الكنيسة الأولى (إختارت بعض العناصر وأبرزتها).
وإنّ مشهد التجليّ الذي رَواه الانجيليّون على ضوء الفصح، يتّصل اتّصالاً واضحًا بمشهد العماد. هو مشهد وحيٍ قُدِّم إلى شهود مختارين، وفيه تدخَّل الله بكلمات شبيهة بتلك التي قيلت في العماد: يسوع هو المسيحُ وعبدُ الله، هو النبيّ، هو إبنُ الله الحبيب. كل هذا نقرأه في منعَطف رئيسيّ في رسالة يسوع، ساعَة بدأ انتباهُ التّلاميذ يتوجَّه نحو الالآم.

ب- نصّ متى (13:3-17)
يعرِض متى على التوالي:
- ذهابَ يسوع إلى السابق ليتعمّد
- حوارًا بين المعمدان والمسيح
- التيوفانيا العِماديّة
النقطتان الأولى والثالثةُ تقليديتان، وهما اللّتان درسناهما، ما عدا بعضَ التفاصيل. أمّا الحوار فهو زيادة لاحقة دوّنها متى.

1- مجيء يسوع (آ 13)
جاء يسوع من الجليل حيث عاش حتى الآن حياةً خفيّة. والآن ظهر (باراغيناتاي، جاء بغتة، دخل على المسرَح). كان الانجيليّ قد استعمل المفردة عينها في آ 1: "في تلك الأيّام ظهر يوحنا المعمدان". هذا الأسلوب يطابق أسلوب العهد القديم: إنّ التّاريخ يستعيد مسيرتَه، والخلاص سيتمّ.
جاء "ليعتمد". يشدّد متى على نيّة يسوع التي تثير اعتراض السابق، ثمّ يورد جواب يسوع. وهذه النيّة ستحرّك الحوار الذي نقرأه في آ 14- 15.

2- الحوار (آ 14- 15).
لا نقرأ هذا الحِوار إلاّ في متى، فنلاحظ أنّ الانجيليّ زاده. إذا ألغيناه لن نجد فَجْوة، بل إنّ بقاءه يقطع حبل الخبر. وهذا الفصل يقدّم لنا فعل "عمَّد" قبل الحوار وبعدَه. وأخيرًا تتضمّن هاتان الآيتان مفرداتٍ خاصّة بمتّى (أتم، برّ)، وتعكسان اهتمامات تعليميّة خاصّة بالإِِنجيليّ الأوّل.
حين أَقحمَ متّى هذا الحوار هدَف إلى اثنين. أوّلاً: نبَّه قُرّاءه إلى بعض احتجاجات آتية من بعض تلاميذ المعمدان. قالوا: إذا كان يسوع المسيحُ المنتظر طلب العِماد من يوحنا ("عماد التوبة لغفران الخطايا"، مر1 : 4؛ لو3:3؛ رج مت 6:3، 11)، افما يكون قد أقرَّ أنّه خاضع للمعمدان؟ أجاب متّى: لا. فالسابق كان قد أعلن طهارةَ يسوع وسموَّه. ثانيًا: أراد الإِِنجيليّ أن يُدخل منذ الآن إعلان (خفي) العمادِ المسيحيّ، وبصورة عامّة "تتمّة" القيم الدينيّة اليهوديّة بواسطة المسيح، وهذه النتيجة ستكون لازمة تميّز الإِِنجيل الأول.
أراد يوحنا أن يحوّل يسوع عن قصده، "أن يمنعه". تدلّ هذه الكلمة على تأثير المفردات العماديّة المسيحيّة: تتكلّم النصوص عن مانع قانونيّ، عن اعتراض يقود إلى رفض منح العِماد (أع 8: 36؛ 10: 47؛ 11: 17).
"أنا المحتاج أن اتعمّد منك". تشدّد الجملة على الأشخاص: أنا أنت. إن طلَبَ يسوع قَلَب الأوضاع. ولهذا تنحَّى السّابق واعترض: إنّه أدنى منه، إنّه لا يستحقّ. نحن أمام إقرار معقول، وقد عرف يوحنّا المعمدان طهارة حياة نسيبه. غير أنّ كلماته لا تفترض بالضّرورة أنّه رأى في يسوع المسيحَ المنتظر، والذي جاء يعمِّد في الرّوح (رج مت 3:11 وز؛ يو 1: 31، 33).
"دعني الآن، يجب". تحمل الكلمة طابعًا احتفاليًّا، فتدلّ لا على لِياقةٍ بسيطة تافهة، بل على توافق مع مخطّط الله وهذا المخطّط يعني السابقَ كما يعني المسيح (يليق بنا).
"نُتمّ كلّ بِرّ". هي عبارة خاصّة بمتىّ. إنّ فعل "أتمّ" يعني في الإِِنجيل الأوّل حفظ (احتفظ، استعاد) وكمل (قاد الشيء الى كمال جديد وإتمام سام). هذا يدلّ على التواصل والتجاوز. وتتمّةُ الكتب التي يتحدّث عنها متّى مرارًا، تعني تحقيقها على مستوى أعلى. وبرى الانجيليّ أنّ علينا أن نشدّد على هذه الكلمة (البر) في العبارة التي ندرس.
"البرّ". يعني في لغة متّى (6:5، 10، 20؛ 6: 1؛ 33: 21: 32) التّوافق مع قاعدة من الكمال الأخلاقي (تعبير عن إرادة الله). فإنْ مارس المؤمن بأمانة هذه القاعدة عُدَّ بارًّا. وجواب يسوع الآن يرى في عِماد يوحنّا قاعدةً عمليّة نحو القداسة. إنّ عماد يوحنّا هو طقس تطهير نادى به آخِرُ الأنبياء وأعظمُهم، فيجب أنّ يستعيده يسوع ويرفعَه إلى درجة سامية. يجب أن يصبح عمادُ الماء عمادَ الرّوح ونقطةَ انطلاق العِماد المسيحيّ.
ولكنّ اتّساع جواب يسوع يتجاوز هذه الحالة الخاصّة. "هكذا (بطريقة العمل هذه وبما يُماثلها) يليق بنا أن نكمّل كلّ برّ". إذا أردنا أن ندرك ما يُمثّل "البرّ" في الإِِنجيل الأوّل، نعود إلى النصّ الأساسيّ (5: 17، 20) الذي نقرأه في خُطبة الجبل. أدخل المعلّم عددًا من الإِِكمالات على فرائض الديانة اليهوديّة "ليتمّ" (آ 17) الشريعةَ والأنبياء، فيزيد "بِرُّ" (آ 20) المسيحيّين على بِرِّ الأقدمين. ينطلق متّى من البِرّ فيتطلّع إلى مُجمَل التدبير الدينيّ (اليهوديّ أو المسيحيّ) المؤسَّس على ممارسة الشريعة (القديمة أو الجديدة). حين ألّف متّى إنجيله، أراد أن يدشّن تعليم الربّ ببرِنامج واسعٍ من الكمال المسيحيّ هو بِرُّ الملكوت (مت 5- 7). ونقول الشيءَ عينَه عن النصّ الذي ندرس. أقحَمَ متى في بداية حياة المسيح العلنيّة هذه العبارَة البرنامج التي فيها يعلن يسوع، انطلاقًا من حالة نموذجيّة، هدفَ رسالته الأوّل: أن يقيم تدبيرَ الخلاص الذي سيستعيد القِيَم القديمة ويرفعها.
"حينئذ تركه يفعل". لم يكتفِ يوحنّا بأن يمانع لحقارته ويعترض. ولكن حين عُمِّد يسوع، وافقَه على طلبه: "تركه يفعل".
وهكذا نرى كيف أنّ الحوار الذي أقحمَه متّى في المُعطَى الأوّل وضمَّخه بنظرةٍ لاهوتيّة، قد وصل بنا إلى هدفين اثنين. شدّد على تفوّق يسوع، وقدَّم مسبَّقًا معنى عمله ورسالته.

3- التيوفانيا (آ 16- 17).
إنّ متّى اعتبر يسوعِ موضوعَ الرؤية ("رأى") والمستفيدَ من مجيء الرّوح، ومع ذلك فقد ألَّف القول السماويّ في صيغة الغائب ("هذا هو ابني"). قد يكون أراد الاقترابَ من النصّ الحرفيّ في اش 42: 1. وهكذا لا يتوجّه صوتُ الآب إلى المسيح، بل يدلّ على المسيح أمام الشهود. حينئذ يتحوّل المشهد إلى حدٍّ ما في اتّجاه إعلان عامّ وظهورٍ إلهيّ قريبٍ بعضَ الشيء من الظّهور في التجليّ. تدخّلَ الله ليدُلّ البشر منذ الآن على يسوع حاملِ الرّوح، على المسيح عبدِ الله، على ابن الله الحبيب (يورد مت 18:12؛ 21 نص أش 42: 1- 4 مع لقب لا ابنٍ، ولكن "أغابيتوس" أي الحبيب و"أودوكاسان" أي سُررت). إن هذا الكشف القصير يتوجّه إلى الشهود الحاضرين هنا (ومن خلالهم إلى السّامعين المقبلين للكرّازة الرسوليّة، والآن إلى قارئي الإِِنجيل). يريد أن يحرّك انتباههم، أن يوقظهم الى كلّ ما سيُلقي ضوءًا على المعنى الحقيقيّ لمسيحانيّة المسيح وبنوّتِه الإِلهيّة.
فعَبْرَ تصوير الحدَث مع ربط واقع السماء بالأرض، نكتشف إعجاب الراوي ودهشتَه (واذا... واذا): إنفتحت السماوات، نزلَ منها الرّوح، جاء صوتٌ من السماوات. فالراوي هي لاهوتيّ أيضًا: فمع عطيّة الرّوح ودخول ابن الله على المسرح، صار ملكوت الله حاضرًا على الارض.
وفي نهاية الإِِنجيل المتّاوي، سيَردُ أمر تعميد كلّ الأمم فيُقابل بشكل من الأشكال هذا المشهد الأوّل. وإنّ هذا التَرتيب قد يدعو القارئ من جديد ليعود إلى عماد المسيح فيفهم على ضوئه العماد "باسم الآب والابن والرّوح القدس" (عبارة مشغولة، وهي تعكس ممارسة العماد المسيحيّ مع عودة إلى عِماد الربّ). 
ومُجمل القول، يحتفظ متّى بجوهر المعنى الأوّل للحدَث، ولكنّه يوجّهه فيصبح ظهورًا (ابيفانيا) للناس، ويبينّ فيه أساسَ العِماد المسيحيّ.
ج- نصّ مرقس (1: 6 ب- 11)
1- كرازة يوحنا المعمدان
أوجز مرقس المعلومات التي نقلها التقليد عن السابق (اي يوحنّا المعمدان). وأغفل بصورة خاصّة إعلان يوحنّا للدينونة الاسكاتولوجيّة الآتية. أوّل مشهد مهمّ في إنجيله هو عماد المسيح. وما يحتفظ به مما يتعلّق بالمعمدان، يهدف إلى "تهيئة" (آ 3) هذا المشهد الافتتاحيّ. إنّ كرّازة يوحنّا كلَّها تنحصر عند مرقس في جملتين: إعلان ذلك الآتي والقدير الذي هو أعظم من المعمدان؛ إعلان معموديّة خاصّة تعارض معموديّة السابق.
"كان يعلن قائلاً: ويأتي بعدي من هو أقوى منّي، ولست أنا بأهل أن أنحني وأحلّ سُيور نعلَيه. أنا عمّدتكم بالماء، أمّا هو فيعمّدكم بالرّوح القدس" (آ 7-8).
إنّ الجملة الأولى تجعلنا نستشفّ قرب مجيء المسيح. "يأتي (حالاً) بعدي". يتبعني حالاً. وحين يصوّر مرقس العبدَ على رجلي سيّده يزيد "أن أنحني"، فيقدّم صورة حسيّة دون أن يبدّل شيئًا في المعنى.
أمّا الجملة الثانية التي تستعيد (بعد أن توجزَها) المعارضةَ التقليديّة بين عِماد الماء وعماد الرّوح، فهي تبدّل بُعدها تبديلاً تامًّا. هي تُغْفل كلّ إشارة إلى النّار، كما تتخلّى عن كل تلميح إلى الدينونة الإِسكاتولوجيّة. مثل هذا الإِغفال الإِراديّ يدفعنا إلى أن نفهم التعارض الآن كما هو هنا، بَمعزِل عن قرائنِه الأصليّة وعلى أساس ما استطاع أن يعرفه سامعو يوحنّا المعمدان.
لم يكن هؤلاء السامعون يجهلون النبوءات المتعلّقة بالمسيح، حاملِ الرّوح (اش 11: 1- 3؛ 42: 1؛ 61: 1)، ولا كانوا يجهلون الأقوال التي تَعِدُ بفيض الرّوح كقوّة آتية من العلاء ومنتشرة في الكون في الأزمنة المسيحانيّة من أجل تجديد شعب الله تجديدًا دينيًّا وأخلاقيًّا (اش 32: 5 ي؛ 3:44 ي؛ 59: 21؛ حز 11: 19: 36: 25-29؛ 37: 1ي؛ 29:39؛ ار 3: 1ي). ولكن لا شيء يُفهمنا حتى الآن أنّ هذا الفيض سيكون عطيّة المسيح نفسِه. جاء إعلان السابق وأثبتَ هذه العلاقة بين الرّوح والمسيح (سيتوسّع فيها الإِِنجيل الرابع): إنّ المسيح القريب سيُفيض الرّوحَ القدس.
بالإِضافة إلى ذلك، نجد في كلمات المعمدان المعزولة عن قرائنها الأولى، أنّ كلمة "عمّد" تُفهَم في المعنى نفسِه في شقَّي التعارض (عمَّد في الرّوح). نحن نعارض بين طقس وطقس: بين طقس قديم يهيّئ الدرب وينقيّ، وطقس جديد ونهائيّ ومقدَّس. وفي الواقع، حين تكلَّم الإِِنجيليّ عن عماد الرّوح ولِم يحدِّد، فهو قد فكّر بالعماد المسيحيّ الذي هو طقس أسراريّ يعرفه قرّاؤه كلّ المعرفة. فما يَعِدُ به السابق هو نشاط المسيح الذي (في العماد المسيحيّ) يُفيض الرّوح، فيحقّق (بطريقة ملموسة جدُّا) النبوءات القديمة حول فيض روح القداسة في نهاية الأزمنة (الإِِسكاتولوجيا).
إنّ كرازة يوحنّا المعمدان، كما يوجزها مرقس، تعلن ما يلي:
- المجيءَ القريب للمسيح الذي يمنحه الله قدرَته فيسمو على المعمدان سموًا لا يُقاس به سموّ. هنا يلتقي مرقس التقليدَ المشترك.
- فيضَ الرّوح القدس بواسطة المسيح (في العماد المسيحيّ) في نهاية الأزمنة. هذا أمر خاص بمرقس.

2- عماد المسيح
في خبر العماد، يبقى مرقس (كما قلنا سابقًا) أقربَ الانجيليّين من التقليد الأوّل، إنْ على مستوى التعليم، وإنْ على مستوى اللاهوت (آ 9- 11).

أوّلاً- ذهابُ يسوع إلى يوحنا
"وكان في تلك الأيام": هذا تعبيرٌ لم نعتَدْ عليه عند مرقس. هذه البداية المقولبة التي أخذها الانجيليّ كما هي، تدلّ على بداية "وحدة أدبيّة" بدَت في الأصل مستقلة. فالخبر يرتبط بأصل يختلف عن أصل الخبر السابق الذي يرى في طقس يوحنا "عمادَ توبة لغفران الخطايا". أمّا العبارة فمأخوذة من العهد القديم (تك 22: 1، و "كان بعد هذه الامور") تقدّم الاحداثَ التي تتمّ بإرادة الله حسب الاقوال النبويّة.
"جاء يسوع من ناصرة الجليل". قدّم مرقس هذه التفاصيل، لأنها المّرةُ الأولى التي فيها يتكلّم عن يسوع: لم نزَلْ هنا في البداية الأولى للانجيل.
"وتعمّد على يد يوحنا في الأردُنّ". قدّمَ الخبر بوضوح تامّ وبإيجاز كبير. لا تفسيرَ آخَر لعماد يسوع إلا خبرُ التيوفانيا. تستعيدُ العبارة قصدًا مفردات آ 5: إن دور يوحنا العِماديّ يصل الى هدفه الحقيقيّ في عِماد يسوع.

ثانيًا: التيوفانيا
"وفي الحال". يستعمل مرقس مرارًا هذه الوَصْلة، ولكنها جاءت قبله وهي حاضرة في نصّ متى (16:3، على الفور). أراد الانجيليّان أن يربطا بين نقبّل يسوع للمعموديّة والتيوفانيا التي تعطي هذا التقبّل مدلولَه في مخطَّط الله، في تاريخ الخلاص.
"ورأى" (أبصر). نحن أمام عبارة أوّلانيَّة. يسوع هو شاهد لمجيء الروح، وإليه يتوجّهَ صوت الآب. لقد تمّت التيوفانيا من أجله.
رأى يسوع السماوات "ممزّقة" "منشقّة" (قال متى ولوقا بكل بساطة: انفتحت). هذا هو أسلوب خاصّ بمرقس. ثم إن الكلمة تتضمّن تلميحًا إلى اش 19:63 حسب النصّ العبريّ: نجد صلاة طويلة ومؤثّرة تتوجه إلى الله، أبي إسرائيل، فتتوسّل إليه (باسم أبوّته) أن يقطع هذا الصمت الطويل، وينزل من السماء نحو شعبه ليخلّصه. وهذا ما نقوله في عماد يسوع الذي هو بداية الانجيل: وضع الله حدًّا لهذا الصمت الطويل، ومزّق السماوات، ففتح عهدَ النعمة النهائيّ بإرسال روحه وإظهار رضاه على ابنه الحبيب الحاضر وسْطَ شعبه. 
"وكان صوت". يتّخذ العرض شكل إلقاء وتلاوة: تتلاحق الجمل قصيرةً وسريعة، وتقف الواحدةُ بجانب الأخرى دون أن ترتبط بعضُها ببعض. كل هذا يصلُ بنا إلى نتيجة لها وقعُها على القارئ.
"أنت ابني...". نُقل القول السماويّ في شكله الأوّل كما شرحناه أعلاه. إن الانجيليّ الثاني يكشف لنا الطابَع الحميم لهذه البنوّة الالهيّة في صلاة يسوع إلى الله: "أباّ، أيها الآب" (14: 36)، وهي عبارة تدلّ على تعلّق بنويّ وعلى حنان يربط الولدَ بأبيه.
هذا المشهد هو أول المشاهد عن حياة يسوع بحسب القديس مرقس. إنه مشهد افتتاحيّ وتَولِيَةٌ مسيحانيّة (هذا ما بيّنّاه سابقاً: تكريس وإرسال نحو عمل الخلاص بقدرة الروح، وفي علاقة وثيقة وحميمة، علاقةِ الابن بالله). وهذا المشهد هو في الوقت عينِه أوّل انفتاح على سرّ شخص يسوع. وبمختصر الكلام، هذا المشهد هو أوّل إيضاح احتفالي لعنوان الانجيل: "بدءُ إنجيل يسوع (الذي هو) المسيح وابن الله" (1: 1).

د- نصّ لوقا (15:3-16، 21-22)
يضمّ هذا النصّ مقطعيَن متميزّين في لو 3: آ 15- 16: اعلان السابق، آ 21- 22، عماد يسوع. وأغفل الشرح آ 17- 20 التي تتابع تصوير الدينونة الاسكاتولوجيّة وتَرى نهاية رسالة السابق.

1- السابق وتعليمُه (آ 15- 16)
تذكّرنا الجملة الأولى بالمسألة الحاسمة التي طرحتها شخصيّة يوحنّا المعمدان. قُدّمت بشكل عارض ("وإذ كان الشعَب على انتظار") فشكلّت دسارا (يجمع بين جسمين) تدوينيًا من تأليف لوقا. لا نجد هذه الجملة لا عند متى، ولا عند مرقس. إنها تدلّ على أسلوب خاص بلوقا المعروف بعبارته الجذريّة والشاملة ("الشعب" كما في 1: 10؛ 2: 10؛ 3: 18؛ أع 47:2؛ 9:3، "الجمع يتساءلون". "قال للجميع"، رج ايضًا آ 21: حين اعتمد جميع الشعب") واستعمال الشكل المُطلَق لفعل "انتظر" (دون مفعول كما في أع 27: 33؛ 6:28). غير أننا نجد ما يشبه ذلك وبطريقة موسَّعة في يو 1: 19-23. 
نكتشف هنا تطوّرًا مُلْفتًا للنظر دفع الانجيليين لكي يوضحوا شيئًا فشيئًا وضع يوحنا المعمدان أمام يسوع. أما أصل المسألة فيعود إلى معاصري المعمدان. وذلك قبل دخول يسوع على المسرح. فظهور يوحَنا أيقظَ عالم النبوءة (مت 14: 5؛ 26:21 وز). إن كرازته وقداسة حياته وكلّ عمله حرّكت من جديد رجاءً عظيمًا ما زال حيًا في القلوب كالجمر تحت الرماد. وطرح الناس على نفوسهم السؤال القاسي: أما يكون هو المسيحَ على مثال سابق الله الذي تنبأ عنه ملا 3: 1، 23- 24 (رج لو 1: 76؛ مت 11: 10 وز)؟ ولكن إذا عُدنا إلى لوقا، فهو لا يطرح المسألة بصورة واضحة ("يتساءلون في قلوبهم"). وهي ليست أكثر وضوحًا في أع 025:13 أمّا يوحنا الانجيليّ فسيطرحها بوضوح ويعود إليها (يو1 :19 ي).
ما هو الجواب؟ يعود لوقا إلى العبارات التقليديّة فيورد التعارض (مع معناه الأولاني، كما درسناه أعلاه) الذي فيه يقابل السابقُ بين شخصه والطقسِ الذي يمنحه من جهة، وشخص ذلك الآتي (الذي هو أقوى منه وأرفع) من جهة أخرى، من أجل عماد فاعلٍ بطريقة عجيبة: الدينونة الأخيرة، دينونة قويّة ورهيبة، "عماد في الروح والنّار".

2- عماد يسوع والتيوفانيا (آ 21- 22)
أنهى الانجيلييّ قبل هاتين الآيتين (وهذا ما فعله في أماكن أخرى، 1: 56، 80) حديثَه عن السابق الذي ألقي في السجن. سبَّق على الكرونولوجيا (تسلسل الأحداث)، فوجب عليه الآن أن يعود إلى الوراء، ويقدّم بعض كلماتٍ تذكيرية (جملة قصيرة كما في آ 21) ليَروي بصورة مقتضَبة عماد "الشعب كلّه" وعماد يسوع. هي عبارة موجَزة (اعتمد يسوع) تترك المكانةَ الأولى للتيوفانيا. فالنصّ الذي ندرس لا يصوّر المعمودية، بل التيوفانيا العماديّة (لن يذكر يوحنا العماد ولا التيوفانيا العمادية، بل شهادة يوحنا بعد هذه التيوفانيا، يو 27:3 ي).
وأعطى لوقا تصويرَ التيوفانيا شكلاً أكثر موضوعيّة وأكثرَ تاريخيّة: "وكان أن... السماء انفتحت والروح نزل". لقد زالت كل إشارة الى "الرؤية". وسار الانجيلي في الهدَف عينِه، فشدَّد على الواقعيّة الخارجيّة لمجيء الروح. هو لم يكتب فقط: "الروح القدس مثل حمامة". بل شدّد فقال: "الروح القدس في صورة جسميّة، مثل حمامة". غير أنه يحتفظ بأهمّ الاشارات التقليديّة: إنفتاح السماء، إنحدار الروح، الاعلان الالهيّ، وما يزاِل صوت الآب يتوجّه إلى يسوع. وهذا، شأنه شأنُ مجيءِ الروح، يتوافق الآن مع صلاة يسوع. إن تدخّل الله وصلاة يسوع يتقابلان ويَتلاقيان.
ان الصلاة تملأ حياة المسيح (16:5؛ 6: 12؛ 18:9، 28- 29؛ 11: 1؛ 32:22، 41، 44). وهي فعلٌ طبيعيّ في هذا الوقت المميَّز. إنها أفضل تهيئة لقبول صوت الله، وأحسن جواب على الاتصّالات الالهيّة (صلاة تهيئ لوحي الله: دا 18:2؛ 3:9 ي، 20 ي؛ 10: 2 ي؛ لو 28:9 ي؛ أع 9: 11؛ 30:10؛ 17:22). تفرَّد لوقا، وهو مَن تعلّق بموضوع الصلاة أكثرَ من سائر الإِنجيليّين، فأشار هنا بوضوح إلى صلاة يسوع ("وفيما كان يصلّي"). إن لهذه الاشارة أهميّة تاريخيّة. وفوق ذلك، هي تَهدف الى بنيان القارئين مقِدّمةً لهم مثالَ المعلّم. فالهدف الأوّل في لاهوت لوقا هو أن نحصل على عطيّة الروح، خيرِ الملكوت السامي (11: 2، 13؛ أع 1: 14؛ 3: 15؛ 4: 31).
يرى لوقا في تسليم هذه العطيّة المسيحانيّة والالهيّة ساعةَ عماد يسوع مَدْخلاً إلى الفيض الشامل الموعود به في الأزمنة الاسكاتولوجيّة. وهو بطريقة موازية يجعل سفر الأعمال يبدأ بمعجزة العنصرة وعطيّة الروح.
وهناك تيّار دينيّ خاصّ عرفته الجماعة المسيحيّة الأولى واحتفظ به لوقا، تطلع إلى هبوط الروح على يسوع ساعةَ عماده على أنه "مسحة" له وتكريس مسيحانيّ (إختاره الله ومسحه): هي طريقة جديدة في التعبير عن عماد يسوع كتَوليةٍ مسيحانيّة (يستند لوقا هنا الى اش 1:61).
قال أع 37:10- 38: "وأنتم تعرفون ما جرى في اليهوديّة كلّها، ابتداءً من الجليل بَعد المعموديّة التي كرز بها يوحنا: كيف مسح الله يسوع الناصريّ بالروح القدس". وقال لو 4: 18: "روحُ الربّ عليَّ، لأنه مسحني (كرّسني بالمسحة) وأرسلني لأحمل البشارة".
يدلّ هذان النصّان على حركة تصاعديّة لفكر لاهوتيّ يبني نفسه. يعيد النصّ الى المعمودية مسحةً ربطتها النصوصُ العتيقة بقيامة المسيح (أع 36:2؛ 27:4) مسحةً جعلت من يسوع المسيحَ والممسوحَ والمختارَ (مشيح في العبرية والآرامية، كرستوس في اليونانية. يتحدّث أع 4: 27 عن المسيح وعبد الله).
وإذا عُدنا إلى محتوى القول السماويّ نرى أَن لوقا يورد مز 2: 7. نحن لا نقرأ مع شهود كثيرين العبارةَ التي نجدها عند مرقس: "بك رضِيت، بك سُرِرت"، بل نصًّا آخر قديمًا جدًا وموافقَا لفكر لوقا: أنا اليوم ولدتك. هذا يعني تنصيبَ يسوع ملكًا، وبدايةَ رسالته المسيحانيّة لدى شعب الله. إن لوقا يترك هنا كلّ تلميح إلى عبد الله وإلى حبيب الآب (وهكذا يبتعد عن كل اتّجاه نحو الرسالة الفدائيّة). فيركّز اهتمامه على هذا القول الذي يعلنه (بصورة احتفاليّة، ويوليه سلطانًا) مسيحًا وابنًا لله. ليست فكرة البنوّة الالهيّة دومًا مشروحة وواضحة، ولكنّ لوقا يشدّد عليها حين يُلغي سائرَ الاستشهادات، ويزيدُ الشِقَّ الثاني من آية المزمور (أنا اليوم ولدتك). وُيبرز لوقا نيّتَه، فيُدخل حالاً بعد هذا الاعلان الالهيّ نسَبَ يسوع، ويعود به إلى آدم إلى الله فيقول: "يسوع هو... ابنُ آدم، ابن الله".
وفي أع 13: 32-33 تطبَّق 2: 7 أيضًا على قيامة المسيح: "ونحن نحمِل لكم البشارة: فالموعدُ الذي أُعطي لآبائنا قد أتمّه الله من أجلنا حين أقام يسوع، كما كتب في المزمور الثاني: أنت ابني، وأنا اليومَ ولدتك". مثلُ هذا القول ينتمي إلى المرحلة الأولى من مراحل التعبير عن الايمان. بعد هذا، إنتقل تطبيقُ هذا النصّ من القيامة إلى العماد.
ونقول الشيءَ عينَه عن لقب المسيح (الممسوح) الذي يبرز في المعمودية: لقد طُبِّق أولاً على يسوع في يوم قيامته: "إن الله جعل يسوع هذا الذي صلبتموه انتم ربًّا ومسيحًا" (أع 36:2؛ رج 27:4. هذا الانتقال من الاختبار الفصحيّ إلى عماد يسوع (مع ذكر رسالة السابق)، يشكّل في وقت قديم من التقليد (أي قبل تدوين الأناجيل) "بدءَ الانجيل" (مر 1: 1؛ لو 23:3؛ أع 1: 22؛ 37:10)، ويُرينا ولادة الكرستولوجيا الأولى. لقد تحدّد معنى تدخّل الله في عماد يسوع، واتّخذ خبر الحدَث الشكل الذي نعرفه هنا على ضوء القيامة.
خفّف لوقا الطابع الجليانيّ للحدث حين قدّمه، فحفظ، وهو المؤرخّ وإنجيليّ الصلاة للتيوفانيا العماديّة معناها الجوهريّ بحسب التقليد الأوّلانيّ. تكريس افتتاحيّ، تولية يسوع كمسيح وابن الله. هو لا يشير، على ما يبدو، إلى علاقة بالعماد المسيحيّ، ولكنه يتفوق على الانجيليَّين الازائيَّين الآخرين بالتشديد على بنوّة المسيح الالهية.

الخاتمة
ينكشف معنى عماد يسوع في التيوفانيا التي ترافقه. هذا ما لفَتَ انتباه التقليد الانجيليّ والكتّاب المُلهمين. فهذا ما يجب أن نتأمّل فيه.
إنّ أوّل خطوة عامّة من خُطى يسوع ربطَتْه بأعظم الأنبياء وأخرهم، فصارت بطريقة احتفاليّة وبقدرة الله، تكريسَه المسيحانيّ: مُنح قوةَ الروح القدس، تثبّت في وعيه لحياةٍ حميمة ومميَّزة ولاتّحاده الفريد مع الله أبيه. أُوكلت إلى يسوع وبصورة نهائيّة، مهمّةُ القيام بعمل الخلاص حسب القصد الالهي الذي رسمته الكتبُ المقدسة. ومن خلال العمل المسيحانيّ، ينكشف المشهدُ علي سرّ عميق هو سرُّ شخص يسوع المسيح وابن الله. هذا هو المدلولُ الأساسيّ للحدَث، وهو مدلولٌ يبرز عَبْرَ عدد من التذكرات الكتابيّة في إطار مشهد جلياني: انفتاح السماوات، مجيء الروح بشكل منظور، صوت من العلاء. كل هذا هو إطار مهيَّأ لنعرف ما هو موضوع وحي عُلوي، وهي مهمّة يسوع الخلاصيّة والمؤسسة على حاله كابن الله.
إن هذا الخبر الذي رَواه الانجيليّون في بداية رسالة المخلّص يبيّن أن علينا أن نفهم كلّ حياة يسوع العامة على ضوء هذا الحدَث الذي يسبِّق على الاستنارة الفصحيّة. وفي هذا الفيض الأوّل للروح، وفي دخول ابن الله الحاضر في وسط البشر الى المسرح، نستطيع أن نرى أن الحِقبة الاسكاتولوجيّة بدأت، وأنّ حدَث الملكوت تدشَّن.
وأخيرًا، ستأتي لمسات تدوينيّة متنوّعة فتبين لنا ارتباط العِماد المسيحي بعماد الربّ. فالسرُ المسيحيّ يرتبط ارتباطًا جوهريًّا بعماد يسوع، فيجعل منا ابناء الله وحَمَلةَ روحِه القدوس.
الفصل العشرون
نسب يسوع المسيح
3: 23- 38

وصل انتظار الشعب المسيحانيّ إلى ذروته، وها يوحنّا المعمدان يدفعه إلى أقصى حدوده بتعليمه. يقدّم لنا مسيحًا يتعدّى قامته الخاصّة، فيستعمل صورة مأخوذة من رؤية دانيال لابن الانسان ديّانِ العالم وربِّه (دا 7: 13ي؛ رج رؤ 3: 11ي؛ 14: 14 ي). وأبرز لوقا عَمْدًا التعارضَ بين الإِعلان الخارق، والظروف التي فيها ظهر يسوع. أيّ تأثير على القارئ المعاصر كان لخبر هذا الشخص المجهول وسْطَ سامعي المعمدان. نستطيع ان نتطلّع ونحدّق: هذا الذي جاء يعتمد، شأنُه شأنُ الآخَرين، لا شيء فيه يدلّ على عظمته. أمّا صورة ديّان العالم فأينَ هي؟ صورتان متعارضتان تصطدمان هنا، يقدّمهما لوقا ولا يحاول أن يتجنّب التعارض. فالارتفاع والانحدار يلازمان يسوع: هو ابن الله الذي ولدَه الله ورضي عنه، وهو الإِنسان الذي يعتمد من أجل مغفرة الخطايا. ولن نكتشف هذا التعارض إلاّ على ضوء القيامة.

1- يسوع ابن الثلاثين وابن يوسف.
إن نسب يسوع يدلّ على ارتباطه بالبشر. ويتفرّد لوقا بالإِشارة إلى عمر يسوع يومَ بدأ رسالته: كان في نحو الثلاثين من العمر (آ 23 أ). 
فاللاوّيون الذين يُعفَون من الخدمة العسكريّة ويتكرّسون لخدمة المعبد، كانوا يبدأون عملهم في الثلاثين. هذا بحسب الشريعة (عد 3:4) مع العلم أن الممارسة اختلفت بين نصّ وآخر (عد 24:8: 25 سنة؛ 1 أخ 24:23: 20 سنة، ولكن رج 1 أخ 3:23 حيث نجد 30). حين وصل يسوع إلى هذا العمر بدأ خدمته. وفي هذا تلميح إلى داود الذي صار ملكًا: "كان ابنَ ثلاثين سنة يومَ ملَك، وملَك إربعين سنة" (2 صم 4:5).
فيسوع هو ابن داود، وقد أقرَّ له بهذا اللقب بعضُ معاصريه. هكذا ناداه ابن طِيما الأعمى (مر 47:10- 48). وهتفت له الجموع يوم دخل إلى أورشليم: "تباركت المملكة الآتية باسم الربّ، مملكةُ إبينا داود" (مر 11: 10 وز). وستعلنه الكرازة الرسوليّة أيضا بهذا الإِِسم. قابل بطرس بينه وبين داود (أع 29:2- 32) في خُطبته يوم العنصرة، وكذا فعل بولس في أنطاكية بسيدية: "أخرج الله من نسل داود حسب الوعد يسوعَ مخلّصًا لشعب إسرائيل" (أع 23:13). ونقرأ فعل إيمان قديم في روم 1: 3- 4: "في شأن ابنه الذي في الجسد جاء من نسل داود، وفي الروح ثبت أنه ابن القدرة بقيامته من بين الأموات، ربّنا يسوع المسيح".
وإن نصّ لوقا الذي ندرس ومت 1: 1- 17 يقدّمان نسلَ يسوع الداوديّ الذي يجعل من مسيحانيّته مسيحانيّة شرعيّة. يسوع هو الملك الممسوح وهو ابن داود.
يتحدّث كلٌّ من لوقا ومتى عن ميلاد يسوع البتوليّ، ويربطان نسبَه بيوسف، لا بمريم، لأنّ العهد الجديد لا يربط نسب الإِنسان إلاّ بالرجال.
النسَبُ في متى والنسب في لوقا مختلفان ويبدوان مصطنَعَين، شأنُهما شأنُ كل الأنساب في التوراة. يلتقيان فيما يخصّ الآباء من إبراهيم إلى داود، في شلتئيل وزربّابل، بعد العودة من المنفى، وفي يوسف، ابي يسوع.
يحسب متى 42 (3×14) جيلاً، من إبراهيم إلى يسوع، عَبْرَ ملوك يهوذا. أمّا لوقا فيحسب 77 (11×7) من يسوع إلى آدم ولا يُعدّ من الملوك إلاّ داود.
يجعل متى نسب يسوع في بداية إنجيله. أمّا لوقا فيتركه إلى ما بعد. هو لم يشأ أن يشير إلى نسب يسوع البشريّ قبل أن يتحدّث عن بنوّته الإِلهيّة (35:1؛ 3: 22). ربط يسوع بآدم، لا بإبراهيم فقط، ليدلّ على ارتباط يسوع بالبشريّة كلّها، لا بشعب إسرائيل وحدَه. وهو لا يذكر الملوك بين داود وشلتئيل، بل أَسماءَ أنبياء. تلك كانت ردّة الفعل عنده ضدّ نظرة مسيحانيّة زمنيّة، كتلك التي سمعها من الشيطان في تجربته الثانية (6:4).
نقرأ هنا جملة اعتراضيّة: على ما يُظَنّ، كانوا يحسبونه ابنَ يوسف. إنها تذكّرنا بحبل يسوع البتوليّ، على ما عرفنا في إنجيل الطفولة (1: 34). لا ليس يوسف أبا يسوع حسب الجسد، كما يمكن أن يُظنّ الناس. أبوه الحقيقيّ نقرأ اسمه في نهاية السلسلة: الله.

2- أجداد المسيح.
تتضمّن سلسلة أجداد المسيح 11 مجموعة وتتألّف كلّ مجموعة من سبعة أسماء. أمّا يسوع فهو الإِسم الأوّل في المجموعة الثانية عشرة. إنه يملأها وحدَه، فتجد السلسلة كلها كمالَها فيه.
كلّ أجداده يُعتَبرون أشخاصًا يهيّئون مجيئه. هذا ما نقوله عن أخنوخ الذي سار بحسب شريعة الله فأخذه الله إليه (تك 5: 24)، وعن إبراهيم الذي آمن فحُسب له إيمانُه بِرًّا (تك 15: 6) وعن داود الذي كان مثال الملوك الذين جاؤوا بعده. يشكّل أخنوخ رأسَ المجموعة الثانية، وإبراهيمُ رأسَ المجموعة الرابعة، وداودُ رأسَ المجموعة السادسة. أما في رأس المجموعة الثانية عشرة فنجد يسوع الذي يحمل رقم 78 ويدشّن عهدًا جديدًا كاملاً.
حين وضع لوقا نسب يوسف عاد إلى مراجع نجهلها، وهي تختلف عمّا في متى بالنسبة إلى الحِقبة التي تلي المنفى. راح من زربّابل، فتبع فرع ناتان، لا فرعَ سليمان (رج 2 صم 5: 14؛ 1 أخ 3: 5؛ 14: 4). ثم راح من داود إلى إبراهيم فاستفاد مثلَ متى ممّا وجده في سفر راعوت (18:4- 22): "وهذه مواليد فارَص. فارصُ ولد حَصرون، حصرون ولدَ رام، رامُ ولد عمّيناداب، عمّينادابُ ولد نحشون، نحشونُ ولد سلمون، سلمونُ ولد بوعَز، بوعز ولد عوبيد، عوبيد ولد يسَّى، يسَّى ولد داود". ذكر متى تامار أمَّ فارص (را 4: 12؛ مت 1:3) وراعوت أمَّ عوبيد، واعتبر راحابَ الزانيّة أمّ بوعز (مت 1: 5)، قُرب بتشابع الزانيّة التي ولدت سليمان. أمّا لوقا فلا يذكر هؤلاءِ النساءَ الخاطئات أو الغريبات عن شعب الله. سيتهيّأُ له أن يذكر هؤلاء اللواتي سيتبعن يسوع على مثال الرسل والتلاميذ؛ مريمَ المجدليّة، يونةَ امرأةَ خوزي، سوسنّة (لو 2:8-3).
وانطلق لوقا من إبراهيم الى آدم فاستعاد تك 11: 10- 26 و 5 :7- 32 حسب الترجمة السبعينيّة (رج 1 أخ 1: 34؛ 2: 1- 15). فنحن نقرأ في تك 12:11 حسب النصّ العِبريّ: ولد أرفكشاد شالح. أمّا في النصّ اليونانيّ فنقرأ في آ 12: ارفكشاد ولد قَينان، وفي آ 13، قينان ولد شالَح. وهكذا يرِد اسم قينان مرّتين في نصّ لوقا في آ 36 وآ 37.
عددُ الأسماء عند متى 42: 3 × 14. فالعدد 14 يدلّ على جمع الحروف العبرانيّة الثلاثة التي تكوّن اسم داود (في العبريّة: دود أي 4+ 6+ 4). وقد نجعل الأرقام 6×7. ففي الحسابات الجليانيّة، سيأتي يسوع في نهاية الأسبوع السادس من التاريخ المقدّس الذي يبدأ مع إبراهيم، أي في ملء الزمن. وقد يكون رقم 14 هو نتيجة 7×2، أي عدد الكمال الذي يتكرّر. وقدّم شرّاح آخرون الاقتراح التالي: لاحظ متّى أن السلسلة التي قرأها في را 18:4- 22 (رج 1 أخ 2: 10- 13) قدّمت عشَرة أسماء (على عدد أصابع اليد كما في تك 5) من فارص إلى داود. زاد عليها متى والد فارص والآباء الثلاثة الأوّلين أي إبراهيم وإسحق ويعقوب، فكان له 14 اسمًا. فانطلق من هذا الرقم الأساسيّ وكوّن الحِقبتَين الأخريَين الأولى والأخيرة، مُغفِلاً اسم ثلاثة ملوك وقعوا بين يورام وعزّيا وهم أحَزيا، يوآش، أمصيا. وهكذا وجد متى إطارًا بيبليًّا لسلسلة أجداد يسوع من إبراهيم وداود حتى "يوسف رجلِ مريم التي ولدت يسوع الذي يدعى المسيح" (مت 1: 16).
ولكن، ما هو الحِساب الذي أخذ به لوقا؟ هنا يختلف الشُرّاح. فمن قائل إنّ يسوع حلّ في المجموعة الثانيةَ عشْرة، فكمّل المجموعات التي سبقته. هنا نشير إلى الرقم المثلّثيّ الذي هو مجموعة الأعداد من 1 الى 12 (1+ 2+ 3...+ 12= 78). وهذه النظرة تلتقي نظرةَ سِفر عزرا الرابع (كتاب منحول) الذي يقسم الكون الى 12 حقبة، وكلُّ حِقبة تتألّف من سبعة أسابيع. فإذا أخذنا بهذا القول، يكون ظهور يسوع في بداية الحِقبة الثانيةَ عشْرةَ وخلالَ أسبوع العام الأخير.
ثم إن هذه اللائحة تتجذّر عَبْرَ داود وإبراهيم في آدم. في نظر لوقا، ليس يسوع فقط نسل داود الذي فيه تتحقّق المواعيد التي أعطيت لملك يهوذا. وليس فقط ابنَ إبراهيم الذي يحمل المواعيد لشعب إسرائيل الذي يسمي الله "أبانا" (أش 2:51). يسوع هو من نسل آدم لأن فيه يجد نسلُ آدم كمالَه.
ونذهب أبعدَ من ذلك. فيسوع عَبْرَ آدم هو "ابن الله". هل يشير لوقا بذلك إلى أنّ كل إنسان هو من نسل إلهيّ على ما يقول بولس الرسول في خُطبته إلى أهل أثينة: نحن من نسله، نحن ذرّيته، نحن أبناؤه (أع 28:17)؟ هناك موازاة لافتة مع العهد القديم توجّه تفكيرنا في مَنحى كرستولوجيّ: سلسلة نسب يهوديت (= اليهوديّة في العبرية) التي تمثّل كلّ إسرائيل، كأنه شخص حيّ. إن هذه السلسلة (يه 8: 1) تفتتح خبر عملها الجليل، وهي تبدو بشكل صاعد: "بنت مراري بن اخس... بن شلوميئيل بن صورشدّاي بن إسرائيل". هذه السلسلة تشبه ما نقرأه في لوقا عن نسب يسوع "ابن يوسف، بن هالي... ان نسب يهوديت ينتهي باسم إسرائيل فيقدّم جَدّها الأخير ذلك الذي تجسّده بحياتها وعملها. على ضوء هذه الموازاة نتساءل: أتكون صُدفةً أن يعطي نصّ لوقا ليسوع كالجدّ الأخير ذلك الذي يجسّده، أي الله؟
وما يَلفِت نظرَنا في هذه السلسلة هو غيابُ سليمان. ينحدر يسوع من داود عَبْرَ ناتان، الأخِ الأكبر لسليمان (2 صم 5: 14). إن الكاتب أبعد قصدًا باني الهيكل حاسب لاهوت تشهد له خُطبة اسطفانس أمام رئيس الكهنة: "إلا أن سليمان هو الذي بنى البيت. لكن الله العليّ لا يسكن بيوتًا صنعتها الأيدي" (أع 47:7- 48). وبهذه الطريقة، أبعد لوقا كلّ أبناء داود المتحدرين من سليمان أي سلالة ملوك يهوذا في الجنوب. كم نحن بعيدون عن متى الذي يربط يسوع بداود وإبراهيم! فيسوع هذا الذي نال مسحةً من العلاء يبدأ سلسلة جديدة وتاريخًا جديدًا (آ 23). وهو لا ينحصر داخل أيّ عالم إقليميّ أو عرقيّ.
لقد حاول أبناء بلدته وخاصّته أن "يستولوا" عليه: هو منّا وهو لنا. "فاعمل هنا في وطنك ما سمعنا انك عملته في كفرناحوم" (23:4). ولكن يسوع لم يتحرّر فقط من وطنه بالمعنى الضيّق، أي الناصرة، بل تحرّر من العالم اليهوديّ كلّه. وقد سبقه إلى ذلك إيليا الذي أُرسل الى صرفت صيدا، واليشاع الذي شفى نعمانَ السوريّ (4: 25- 27).
لا نحدد موقعَ يسوع في أرض ولو كانت الأرضَ المقدّسة، ولا في شعب ولو كان ذلك الذي اختاره الله من أجل رسالة محدّدة. نحدّد موقعه في تاريخ البشر، بحيث يتجاوز بلا قياس حدود إسرائيل.
هنا نشير إلى انفتاح متى الذي انطلق من إبراهيم إلى داود فوصل الى يسوع، ولكنه سيعود أيضا إلى آدم وإلى بداية البشريّة. فلائحة الأسماء (42 اسمًا) التي يوردها (مت 1: 1- 16) تقدّم "مواليد" (أي نسب، توليدوت في العبريّة) يسوع التي تتجذّر في الخليقة التي هي مثال العهد. وهذا ما نستشفّه في آ 1: "يسوع المسيح ابن داود ابن إبراهيم". تبدأ الأسماء الثلاثة (المسيح) م (داود) د (إبراهيم) أ. فاذا قرأناها بحسب الطريقة اليونانيّة (من الشمال إلى اليمين) لا الساميّة (من اليمين إلى الشمال) يكون لنا اسم آدم.
ثم إن عماد يسوع فيا مت 16:3-17 يظهر كأنه تَولية مسيحانيّة تُتم عهد سيناء. والسلسلة التي بها يفتتح إنجيله هي نهاية التاريخ البشريّ في يسوع، نهايةٌ عمر عَبْرَ إيمان إبراهيم ومملكةِ داود وآلام المنفى.

3- المعنى الروحيّ لهذا النسب.
"وكان له نحو ثلاثين سنة". لقد صار الصبيّ رجلاً، ومع ذلك لم يحصل في حياته شيءٌ خارق. كما وجب على الشعب أن ينتظر قرونًا عديدة، فقد انتظر شهودُ ولادته عددًا من العقود. فلا أحد يستطيع أن يحدّد ساعة الله. ويقدّم لنا الكاتب سلسلة طويلة من أجداد يسوع وكأنّهم تذكير حيّ بحنين التتمّة التي تمرّ عبر التاريخ. كل هؤلاء انتظروه ولم يعرفوه. بهم حنينُ الله ولكنه حنينٌ لا يصل إلى موضوعه. وإبراهيم نفسُه، كم تشوّق أن يرى يوم يسوع! رآه في وجه إسحق وابتهج، ولكن شتّانَ ما بينَ الرمزِ والحقيقة. فهذا السرّ ظلَّ مخفيًّا مدى الدهور (أف 9:3)، وسنكتشفه بفضل يسوع المسيح.
كل آباء العهد القديم حنُّوا إلى ساعة يسوع، ولكنهم ظلّوا منغلقين. "ماتوا في الإِِيمان دون أن ينالوا ما وعد الله به، ولكنهم رأَوه وصدّقوه وحيَّوه عن بعد" (عب 11: 13).
زربّابل الذي يتكلّم عنه النصّ هو ذلك الذي تحدّث عنه النبيّ حجّاي. قال الربّ: "إني أزلزل السماء والأرض (هذا يدلّ على حضور الربّ وقدرته) وأقلِبُ عرش المماليك (الله هو سيّد التاريخ)... آخذُك يا زربّابل بن شألتيئيل عبدي (كان موسى عبدَ الله). أجعلك كخاتم وبك أختم أعمالي وأقوالي (فيرى الناسُ أنها صادقة ولا غش فيها)، فإني قد اخترتك" (حج 2: 21- 23). فمفردات "عبد"، "أخذ"، "خاتم"، "إختار" هي ألفاظٌ مسيحانيّة تقليديّة. فزربّابل، الذي من نسل داود هو الملك (المسيح) المنتظر في هذه الساعة المتأزّمة من تاريخ شعبه، وهو يدلّ على يسوع المسيح.
وهذا ما نقوله عن داود، عن يسَّى الجَدّ، عن جُذور الجذع، عن بوعزَ زوجِ راعوت، عن يهوذا الذي نقل إليه يعقوب الموعد (تك 49: 10)، عن الآباء، عن نوحٍ الذي ارتفعت فوقه قوسُ قُزَح، ارتفعت في الغمام فدلّت على عهد بين الله والأرض (تك 13:9)، عن نوحٍ الذي فيه وجدَ لامكُ أبوه الرجاءَ المسيحانيّ: "إنه يعزّينا عن أعمالنا وعن مشقّة أَيدينا في الأرض التي لعنها الربّ" (تك 29:5). أجل نوح هو رمزٌ إلى الخلاص الذي يرسله الله إلى البشريّة (تك 8:6).
ونعود الى أخنوخ الذي رُفع إلى السماء فدلّ مسبَّقًا على القيامة، وإلى أنوش الذي بدأ الناسُ فيِ أيّامه يرفعون الدعاء لاسم الربّ (تك 26:4)، إلى شيت الابن الذي حلَّ محلَّ هابيل الذي قُتل. وأخيرًا، إلى آدم الذي هو نقطة انطلاق الجنس البشريّ، وموضعُ أصل خطيئة البشر وموضعُ رجائه.
كل هؤلاء، يقفون خطًّا واحدًا وهم يحملون بلاغًا ورسالة ينقلها الواحد من يد الآخر حتى تصل إلى المسيح. فرغم سقطاتهم المتعدّدة وصلت الرسالة إِلى هدفها وجاء يسوع من العلاء (يو 23:8). أمّا صورته فهي ملكيصادق ملك السلام الذي "لا أبَ له ولا أمَّ ولا نسبَ، ولا لأيّامه بداءَةٌ ولا لحياته نهاية" (عب 2:7-3).
ومع ذلك، فأجداد يسوع البشريّون عديدون. ها نحن من جديد أمام تعارض طبيعتين، الطبيعةِ العُليا والطبيعةِ الدنيا. فابن الله هو أيضًا ابن آدم كما أنه ابن إبراهيم. ولهذا يبدو في الوقت عينه ابنَ الانسان الخاطئ وابنَ الموعد. وكلّ النظريّات التي تقول إنه لم يكن يهوديًّا، سواءٌ جاءت من التلمود كذبًا وافتراءً عليه أو من عالم اليوم محافظةً على كرامته، كلّ هذه النظريّات تبوء بالفشَل بسبب هذا النسب: بما أن يسوع هو يهوديّ، فهو ينتمي إلى سلسلة المواعيد هذه. ونحن لا نجد الوحيَ إلا في المكان الذي اختاره الله ليعرّف فيه عن نفسه. ليس يسوع فكرة مجرّدة بل إنسانٌ حقيقيٌّ. والوعد ليس سَرابًا تخيّله البشر، بل رجاءٌ أعطاه الله لأناس محدودين. ولهذا ارتبط يسوع بأجداده رباطًا لا يُفكّ. 
ونحن الذين تختلف أجدادُهم عن أجداده، فهذا النسب لا يفصلنا عنه. وإذ أراد لوقا أن يوضحه، عاد بنسب يسوع لا إلى إبراهيم، بل إلى آدم. فآدم هو أبونا كلِّنا. إنه صورة عن وَحدة الجنس البشريّ، وهي وحدة تتغلّب على التنوّع الذي يميّز البشريّة. وجودنا البشريّ هو في آدم. "في آدم" نموت جميعُنا (روم 17:5)، لأننا فيه خطئنا كلُّنا (روم 12:5). فالحلَقة الأولى من السلسلة تعارض الحلقةَ الأخيرة التي هي آدمُ الجديد. وهكذا يبدو آدم القديم "صورةً لمن سيجيء بعدَه" (روم 14:5). خرج آدم القديم مباشرةً من يد الله، ولهذا لُقِّب "ابن الله". وآدم الجديد جاء أيضًا مباشرةً من عند الله، كما تذكّرنا الولادة البتوليّة، وهذا رغمَ نسبه البشريّ.
فالمسيح هو "آدمُ الأخير" وقد جاء من أجل جميع البشر إخوته "في آدم". كما أنهم يموتون جميعُهم في آدم، كذلك هم في المسيح سيحيَون" (1 كور 22:15). أجل، دخل يسوع في سُلالتنا وجعلنا من سلالته. صار ابنُ الله إنسانًا فجعل الإِنسان ابن الله.
الفصل الحادي والعشرون
يسوع ابن الآب والمنتصر على الشيطان
4: 1-13، رج مر 1:12- 15، مت 4: 1- 11

نحن نمتلك ثلاثة أخبار عن تجربة يسوع في البريّة، ولكن في مثل هذه الحالة تحتفظ ذاكرتنا بشميلة تتضمّن سلسلة من وقائع بالنسبة إلى هذه التجربة: جبلٌ عالٍ، عزلة، الشيطان، تجاربُ ثلاثٌ تغلّب عليها يسوع في بداية حياته العلنيّة. كل هذا يرتبط بطابع غريب وعتيق، حيث ما هو عجيب يرافق ما هو شعبي، بل قريب من الفولكلور.
من الواضح أنه يجب أن نكتشف من جديد النصوص الثلاثة (متى، مرقس، لوقا) في تنوّعها، لندرك الهدف الخاصّ بكل إنجيليّ إزائيّ، ونفهم كيف أنّ الخبر خدم الهدف الذي وضعه نُصبَ عينيه. حينئذ يمكننا أن نتساءل عن موقع هذه التعاليم في عمل كلّ إنجيليّ بالنسبة إلى مراجعه، وبالنسبة إلى مجموعة تقليديّة كبيرة.
نسعى بصورة خاصّة إلى عرض مخطّط يدفع القارئ الى الشغل الشخصيّ على هذه المجموعة الغنيّة. وطريقنا يطرح مسألة العلاقات بين النصّين الطويلين (مت ولو) ورجوعهما إلى العهد القديم. ويَلفِت نَظرَنا بعد ذلك تاريخيّةُ المراجع وتاريخُ تفاسير هذه النصوص في التأويل التقليديّ والحديث. وأخيرًا، بعد أن نجعل هذه الأخبار في قرائنها الأدبيّة نتساءل هل تَعنينا هذه الأخبار فتطرح علينا سؤالاً لا بدّ من الجواب عليه.

أ- قراءة إزائيّة (مت 4: 1- 11؛ مر 1: 12-13؛ لو 4: 1-13).
حين نرجع إلى إزائيّة، يَلفِتُ نظرَنا إيجازُ خبرِ مرقس، واتِّساعُ ما يوازيه في متى ولوقا. ونلاحظ أيضًا الترتيبَ الذي فيه وردَت التجربتان الثانيةُ والثالثة: فالتجربة التي بها امتُحن يسوع في أورشليم (أصعدَه على جناح الهيكل) جاءت عند متى في الدرجةِ الثانية، وعند لوقا في الدرجة الثالثة.
وإذا عُدنا الى التفاصيل، نرى أنّ بداية خبر مرقس (آ 12، 13 أ) توافق تقريبًا مقدمتَي الإِنجيليَّين الآخرين؛ أمّا آ 13 ب (وكانت الملائكة تخدمُه)، فهي توافق نهاية متى، ولا توازي ما نجده عند لوقا.
ويتّفق الإِزائيّون الثلاثةُ على جعل خبر تجربة يسوع يأتي حالاً بعد خبر الاعتماد والتيوفانيا، حيث الصوتُ السماويّ دلَّ عليه أنّه ابن الله. غير أن لوقا أقحَم بين الاثنين (اي الاعتماد والتجربة) نسَبَ يسوع (يختلف لوقا عن متى) الذي يجعله متى في بداية إنجيله (مت 1: 1-17، لا نجد هذا النسب في مرقس). وأخيرًا، بالنسبة إلى الإِنجيليّين الثلاثة، إنّ خبر التجربة يسبق حالاً عودةَ يسوع إلى الجليل وبدايةَ رسالته العامّة.
من الواضح أنّنا سنقرأ من جهة مت ولو، ثم التعليق القصير في مر، فنميّز على الأقلّ بطريقة موقّتة ما ينتمي إلى مرقس وما هو مشترك بين مت ولو، والذي يسمّيه العلماء "المَعين".
وإطار السيرة هو هو، والظروفُ مشابهة: يرتبط عمل الروح بإقامة أربعين يومًا في البريّة التي هي موطن التجربة، وموضع غلبة يسوع على الشيطان، كما شدّد عليها مر ومت بموضوع خدمة الملائكة (وكانت الملائكة تخدمه، وإذا ملائكة أقبلت وأخذت تخدمه).
ونستطيع أن نوجز خبر مرقس (الذي يبدو بشكل إطار) في ثلاث نِقاط: عمل الروح الذي يقود يسوع إلى البريّة، هناك جُرِّب، جاءت الملائكةُ تخدمه. بساطةٌ في الخبر، ولكن صعوبة في التفسير.
هناك صعوبةٌ أمام موضوعَين يبدوان مستقلَّين، ولكنهما وُضعا الواحدُ قرب الآخر: موضوعُ التجربة في البريّة، وموضوع إقامة الابن إقامةً هادئة في هذه البريّة عينِها وسط وحوش تصالحَ معها وملائكةٍ خضعَت له. هل من تماسُكٍ بين الموضوعين؟ هل من تماسكٍ بين هذه المجموعة وتفسيرَي مت ولو؟ سنعود إلى هذه الأسئلة.
قدّم لوقا ومتى خبرًا عن التجارب الثلاثة، هو توسيع للموضوع الأول الذي أشار إليه مرقس: "يجرَّب من الشيطان" (آ 13). إن خبر التجارب يرتبط بمرجع مشترك، ويتميّز بعودته إلى العهد القديم الذي يعطيه بُنْيته المُحْكمة. إن الاستشهادات الكتابيّة التي نقرأها فيه تساعدنا على إقحام هذه النصوص في لُحْمة الخبر. 

ب- العهد القديم في خبرَي مت ولو.
نحن إذن أمام ثلاث تجارب: الخبز، على قمة الهيكل، أمام ممالك الأرضِ، مع استشهادات واضحة أو متضمّنة من العهد القديم، وُضعت على شفتَيْ يسوع أو حتى على شفتَي الشيطان. فإذا وضعنا جانبًا مز 91: 11 ي الذي استشهد به الشيطان، ترجع سائر الاستشهادات إلى سِفر التثنية.
أُخذت الاستشهادات من تث 6 و8 اللذَين يفسّران بدورهما مجموعة أخبار الخروج عن إقامة بني إسرائيل في البريّة (خر 16- 23).
تشكّل استشهادات تث أجوبة يسوع للشيطان. هي تتوزّع الخبرَ وتساعدنا على فهم معناه. حاول الشُرّاح أن يتدارسوا سيكولوجيّة يسوع الدينيّة، أو الطابع المسيحانيّ لعودة الشيطان إلى مز 91 أو معقوليّة المعطَيات وتاريخيّتها... أمّا نحن فنتوقّف عند الأقوال الموضوعة على شفتَي يسوع، ونبدأ درسنا منطلقين من إنجيل متى.

1- "لا يحيا الإِِنسان بالخبز وحدَه".
يعود الاستشهاد الى تث 2:8- 5 حسب النصّ اليونانيّ كما يقرأه في السبعينيّة. يحرّض موسى بني إسرائيل ليتذكّروا كيف ربّاهم الله كما يربيّ الأب أبناءَه في البريّة، وجعلهم يختبرون نعمته (التي دلّ المنُّ عليها)، كما اختبروا التجربة. إذن، نحن هنا أمام تذكير بحدَثٍ رواه خر 16: تذمُّر بني إسرائيل في البريّة (علاقة بين تجربة يسوع وتجربة إسرائيل ولا سيما ذكر الأربعين يومًا من جهة، والأربعين سنة من جهة أخرى). ولكن إسرائيل كان ابنًا عاقّا وغير مؤمن، فسقط في التجربة. أمّا يسوع فاكتفى بأن يورد الدرسَ الذي يقدّمه تث فبدا ذلك المعلم المتنبّه إلى تجارب الشيطان والابن الطائع لأبيه السماوي.

2- "لا تجرِّب الربَّ إلهَك".
يرجع الاستشهاد هنا إلى تث 16:6 (حسب السبعينيّة). إذن، نعود مرّةً ثانية إلى كرازة تث التي تحذّر شعب إسرائيل من تجديد ضلال الآباء الذين جرَّبوا الله في مسّة، حين شكّوا بحضوره وطلبوا آية (رج خر 17: 1- 7). ورد االاستشهاد في فم يسوع فكفى لينهي بسرعة قضيّة عرضَها الإِِنجيليّ عرضًا مطوّلاً. وظلّ يسوع الابنَ الواثق بأبيه، الابنَ الحكيم والبارّ الذي لا تزعزعه التجربة.

3- "للربّ إلهك تسجد"
ونعود في المرة الثالثة إلى سفر التثنية في نسخته اليونانيّة. أجاب يسوع الشيطان بإيراد تث 13:6، فأشار إلى ما يحيط بالنص (تث 12:6- 15): عبادة إسرائيل الداخل إلى أرض الميعاد تنحصر بالله وحدَه. ولكن إسرائيل وقع في التجربة فقدم عبادة "لآلهة الأمم" الوثنيّة. أمّا يسوع فقرأ متطلّبات خر 23: 20- 23 على ضوء جذريّة تث. أكّد يسوع هذا الخضوع لله الواحد، وهذا ما لم يفعله إسرائيل. أكّده، بوضوح يأبى أيَّ جدال أو تردّد. ويتوقّف الخبر هنا في إنجيل متى.
إذن، من الواضح أنّ التجارب الثلاثَ، أو بالأحرى المجابهات الثلاث، قد رُويت حسب رسمة ترتبط بسفر التثنية. سارت بطريقة عكسيّة (تث 2:8- 5؛ 16:6؛ 13:6)، ولكنها اتّبعت ترتيبًا منطقيًّا إذا قرأناها كتفسير سريع لخبر إقامة بني إسرائيل في البريّة كما يرويه سفر الخروج: حدَث المَنّ (خر 16)، حدَث مسة (خر 17)، فرائض أعطيت قبل الدخول إلى ارض كنعان (خر 23).
إن هذا التماسك في الإِيرادات الكتابيّة هو تعبير عن البُنية المتماسكة لخبر التجارب الثلاث لدى متى، وهذا الخبر هو استعادة واعية لأحداث الخروج التي يعطينا يسوع عنها في شخصه تفسيرًا حاسمًا: حيث سقط إسرائيل، هناك انتصر ابن الله بطريقة نهائيّة. وإن هذا التفسير يوافق نيّة الإِِنجيليّ الأوّل وطريقة استعماله للعهد القديم في خدمة الكرازة الكرستولوجيّة.
ونلاحظ من جهة أخرى أنّ "شيطان التجارب" يعرف هو أيضًا الكتب المقدّسة معرفةً تامّة. فهو يسير مع أحد التقاليد، وينسب إلى ابن الله سلطة إعطاء الحياة لحجارة يستطيع أن يجعل الله منها "أبناء لإبراهيم" (مت 9:3). ويورد مز 91 الذي يَعِدُ البارّ بحماية الله غيرَ المشروطة لَه بواسطة ملائكته. أمّا انتقال يسوع إلى الجبل فيذكرنا برؤية موسى على جبل نبو حيث "أراه الرب" جميع الأرض" (تث 34: 1)، أو بما رآه إبراهيم في حماة حاصور كما يقول التقليد المنحول الذي نجده في قُمران (المغارة الأولى، رؤيا التكوين). أو بما رآه باروك حسب "رؤيا باروك" (كتاب منحول يعود الى القرن الثاني ب. م.): رأى الأرض كلّها من قمة أحد الجبال.
وهكذا نشهد صراعًا بين تفسيرين للتقليد الكتابيّ: تفسير صادق وتفسيرٍ شيطانيّ. إن هذا الصراع يوضح حسب متى تقليد مرقس المتعلّق بيسوع الذي اقتاده الروحُ إلى البريّة ليجرَّب هناك. وقد فهم هذا التقليد نفسه على ضوء الكتاب المقدّس، كمناسبة لتمييز علاقة الابن بتقليد الآباء في بداية حياته الرسوليّة.
ويبينّ الأب جاك دوبون البندكتانيّ أن ترتيب التجارب لدى متى هو الأقرب الى المرجع الذي يستقي منه. فهذا الترتيب يخضع لمنطق تسلسل الإِيرادات. أمّا ترتيب لوقا فلا يهتمّ بهذا التسلسل. ثم إن الإِِنجيل الثالث بُني حسب رَسْمة تصل بنا إلى أورشليم مع آلام المسيح. فنحن نجد إعلانًا لهذا البرنامج منذ التجربة الأولى بترتيب التجارب، وجعل أورشليم مسرحَ التجربة الأخيرة. وهناك تفاصيل عديدة تدلّ على دمغة لوقا: "الخبزات" صارت "الخبز". "الجبل" صار "المرتفع" أو إلى "فوق". وأقحم جملة إعتراضيّة: "ومجدها لأنها أعطيت لي" (آ 6). وأخيرًا، وضّح لوقا الخاتمة: "ولما أنجز إبليس جميع تجاربه، انصرف عنه إلى الوقت المعيّن" (أي وقت الآلام، 3:22، 53، ترجمة أخرى: الى المناسبة). ولكننا سنعود إلى هذه النقاط التفصيليّة حين نحلّل التدوين الإِِنجيليّ.
إذن، نكتفي بالملاحظة أنّ أخبار التجربة الثلاثة (عند مت ولو اللذَين توسّعا في تعليق مر القصير) دُوِّنت حسب نموذج مشترك اقترب منه متى. وهذا النموذج ينتمي إلى فنّ أدبيّ هو تفسير الكتاب المقدّس تفسيرًا تربويًّا يشدّد على عنصر العجيبة. ولكنه تفسير متشعّب. فتفسير التقليد المتعلّق بيسوع المجرَّب في البريّة هو مناسبة لتقديم تعليم الخروج التقليديّ وتأويله الاشتراعيّ في شخص الابن. ويتّخذ هذا التفسير شكل مبارزة على طريقة الربانيّين بين يسوع والشيطان. يبقى علينا أن نتفحّص من جهة أهداف التأويل الأوّلاني ومناهجه، ومن جهة ثانية مزج المواضيع الذي يتيح لنا أن نحدّد الخيار اللاهوتيّ الذي اتّخذه المدوّن الإِِنجيليّ تجاه المجمع (أو العالم اليهوديّ).
ج- تدوين متى وتدوين لوقا
نعود هنا الى النصّين الموازيَين فنكتشف التشابه والاختلافات على مستوى المفردات والبُنية. لن نتوقّف عند كل هذه العناصر ، وإن كان التوقف ضروريًّا لنصل الى الدقّة في التحليل، ولنكتشف غنى كلٍّ من هذين النصّين. لهذا ستكون ملاحظاتنا إشاراتٍ سريعةً من أجل عمل لاحق.
ذكرنا سابقًا التشابه في القرائن، وبيَّنا الاختلاف الأساسي عند لوقا حين أقحم نسب "ابن الله" قبل خبر التجربة. وها نحن نسجّل نقاطًا أخرى. يتبع متى مرقس عن قرب، فيكتفي بالتشديد على هدف تدخّل الروح الذي "يقود" يسوع الى البريّة "لكي" يجرَّب هناك. أمّا لوقا فذكر أوّلاً عماد يسوع، قال (فالخبر انقطع بسبب النسيب الذي ورد في 23:3): "ورجع يسوع من الأردنّ وهو ممتلئ من الروح القدس". وبقوله هذا، لم يبرز كما فعل متى هدف مجيء يسوع إلى البريّة. قال لوقا: "اقتاده الروح" (يدلّ الفعل على مسيرة متواصلة)، فدلّ على أن يسوع ظلّ خاضعًا للتجربة طوال إقامته في البريّة. وُضعت الجمل بعضُها بجانب بعض كما في مر 1: 12، 13 أ، فلفتَت انتباه القارئ إلى ما يحدُث ساعةَ تجربة يسوع المملوء من الروح، ولم تعلمه عن معنى التجربة في رسالته.
زاد متى (آ 2): "وأربعين ليلة"، فلم يبتعد عن التلميح إلى الأربعين يومًا التي فيها جرّب إسرائيل في البريّة (تث 8: 2- 5)، ولكنه أراد أن يتذكّر خبرة إيليا الذي "سار أربعين يومًا وأربعين ليلة إلى جبل الله" (1مل 8:19). ونذكر أيضًا وبصورة خاصّة موسى الذي قضى على جبل سيناء "أربعين يومًا وأربعين ليلة" قضاها في الصلاة لا يأكل ولا يشرب (خر 28:34؛ تث 9:9) قبل أن يتقبّل لوحَي الوصايا. وهكذا شدّد متى على صوم يسوع الذي طال كلّ هذه المدّة الأربعينيّة.
ونقرأ عند متى وعند لوقا: أنّ يسوع جاع "أخيرًا" أو بعد أن "انقضت" هذه الأيام. إن هذه المقدّمة المشتركة بين متى ولوقا تذهب بنا أبعد ممّا ذكره مرقس بصورة سريعة: أربعون يومًا.

1- التجربة الأولى عند متى ولوقا
يكمن الموضوع الحقيقيّ للتجربة في مناسبة الشكّ بالإِعلان الذي تمّ يوم العِماد. إذن، ستطرح مشكلة الآيات التي تتيح ليسوع أن يؤكّد لقب الابن ويختبر مضمونه.
ماذا عرض الشيطان على يسوع في متى؟ "مُر (قل) هذه الحجارة فتصير أرغفة". فتجاوب هذا العَرض مع الجوع الذي أحسّ به يسوع (آ 2). ونستطيع أن نرى أيضًا في هذا العرض تلميحًا إلى إقامة إسرائيل في البريّة، حين كان الشعب كلّه يبحث عن طعام.
أمّا عند لوقا فنجد أوّلاً مقدمة "أدبيّة". ثم يعرض الشيطان على يسوع لا دواءً لجوع يحسّ به، بل تتميمًا لمعجزة: "مُر (قل) هذا الحجر أن يصير خبزًا". إن تحوّل الحجر تحوّلاً سحريًّا بفعل كلمة يسوع، يرتبط بالمعجزة. فيسوع لا يطلب أن تصير الحجارة خبزًا، بل هو يأمرها بسلطانه.
وجاء جواب يسوع استشهادًا من تث 3:8 حسب الترجمة اليونانيّة. قال النصّ العبريّ فظلّ غامضا: "كلّ ما يخرج من فم الله". أمّا اليونانيّ فقال: "كل كلمة (ريما) تخرج من فم الله". قال لوقا: "لا يحيا الانسان بالخبز وحده" (آ 4). ولكن متّى الذي يهتمّ اهتمامًا خاصًّا بالكلمة أكمل الاستشهاد حتى نهاية الآية. قال: "لا يحيا الإِنسان بالخبز وحدَه، بل بكل كلمة تخرج من فم الله (آ 4). 
وهكذا يبدو يسوع ذلك "المسكينَ بالروح" كما يقول متى (3:5) ذلك الإِنسان الذي يحيا من كلمة الله ونعمته، ذلك الابن الذي ارتبط ارتباطًا كاملاً بالآب في البريّة ورفض مبادرة يطالب فيها بشيء من الأشياء (رج مت 6: 24- 25 ومشاكل الطعام).
الابن هو أوّلاً ذاك المسكينُ بالروح الذي يخضع للكلمة ويغتذي منها. هذا هو الدرس الأوّل الذي تعلّمه يسوع خلال الأربعين يومًا والاربعين ليلة التي قضاها في البريّة. هذا الدرس، دعي موسى في سيناء لكي يتعلّمه، كما دعي شعب اسرائيل خلال زمن الخروج. نستطيع ان نقرأ هنا مت 6: 11 ("خبزنا كفافنا أعطنا اليوم")، لنرى كيف يطلب الابن الخبز من أبيه. أما عند لوقا، فاستشهاد قصير يكفي الابن ليبعد تجربة استعمالِ سلطته الملوكيّة على العناصر، استعمالِ قدرة الكلمة لكي يأكل و"يخلّص نفسه" (ق لو 35:23- 37). إن درس تث القديم لا يُعارض في نظر لوقا بين الكلمة والخبز، بل بين ما يجب ان تستعمل لاجله كلمة الابن والاستعمالات الدنيئة التي يعرضها إبليس. لا تُستعمل هذه الكلمة بطريقة سحرية، بل تصير تذكيرًا بالكتاب المقدّس نورده ولا نجادل فيه. هذا ما يجب على المؤمن أن يفعله.

2- التجربة الثانية عند متى
ويعود إبليس فيظهر ارتيابه بمدلول لقب الإِبن الذي أعطي ليسوع. إذن نحن أمام تجربتين حول موضوع البنوّة الإِلهيّة ثم أمام شيء آخر. نلاحظ من جهة البُنية أنّ يسوع "يُقتاد" ثلاث مرّات إلى مكان من الامكنة. مرةً أولى يقتاده الروح إلى البريّة من أجل هدف محدّد. ومرةً ثانية يقوده إبليس إلى المدينة المقدّسة. ومرّةً ثالثة يقوده إبليس أيضًا إلى جبل عالٍ جدًّا.
تشير "المدينة المقدّسة" إلى مناخ إسكاتولوجيّ (رج مت 35:27) والاستشهاد بنصّ مز 91 يلمّح بدون شكّ إلى انتظار شعبيّ يتعلّق بآيات مسيحانيّة عظيمة ستتمّ في الأيّام الأخيرة، وفيها يلعب الملائكة دورًا مدهشًا. هي التجربة الوحيدة التي فيها يستعمل الشيطان الكتاب المقدّس، وهذا الوضع لا يفسّر فقط انطلاقًا من تركيب النصوص الاشتراعيّة التي أوردها يسوع كجواب للشيطان. هناك خطّ آخر سنبحث عنه داخل الخبر. فجواب يسوع الأوّل لجأ إلى كلمة الله. وارتبط الارتياب الثاني بالبنوّة الإِلهيّة، بتفسير هذه الكلمة عينها: "إن كنت ابن الله" فأنت من يقرّر كيف تؤوَّل كلمة الله تأويلاً نهائيّا، وكيف تتدشّن الآيات الأخيرة. أجاب يسوع: كلاّ. فالربّ الإِِله هو الذي يقرّر. نحن لا نجرّب الله ولا نحلّ محلّه لنعطي المضمون النهائي للوعد. أعطى يسوع هذا الجواب، كما أعطى الجواب الأوّل، كيهوديّ يعرف كيف تُقرأ الكتب المقدّسة. 
عارض التفسير الشيطانيّ و"الأصوليّ" والحرفيّ للنصّ، بتفسير متوازن نصل إليه عَبْرَ معرفة إجماليّة للتقليد الكتابيّ: قدّم الشيطان نصًّا مستلاًّ من إطاره حسب أسلوب عرفَه الربانيّون، فقدّم يسوع نصًّا أساسيًّا تظهر فيه إرادة الله بوضوح. هذه هي طريقة يسوع الثابتة عندما يعلّم، كما يظهره متى (رج مت 4:18-8. 29:22- 33). وهي في الوقت عينه طريقة تجعل الابن على قمة الهيكل في إطار الظهور الإِسكاتولوجيّ الأخير: إنه المعلّم الحقيقيّ ومفسّر كلمة الله، لا صانع العجائب الذي ينتظره الناس. انتصر يسوع كمعلّم (رابي) على الشيطان الذي سيلاقيه في المدينة المقدّسة من أجل الحروب الأخيرة التي تنتظرها وترهبها أسفار الجليان اليهوديّة.

3- التجربة الثالثة عند متّى
وتتبع التجربة الثالثة بشكل منطقي التجربتين الأُولَيَين ولا سيما التجربة الثانية. طُرح على يسوع سؤالان حول مضمون لقبه العماديّ، حول امتيازه كابن: أما تسمح له كلمته الخاصّة أن يغتذي؟ أما تسمح له كلمة الله التي يعود إليها أن يقرّر مصيره المسيحانيّ؟
إن الكلمة التي أدخلها يسوع في جوابه ستقدّم له الوَصْلة الضروريّة إلى التجربة الأخيرة: الله هو "الربّ". واقتيد يسوع للمرّة الثالثة "إلى جبل عالٍ جدًّا". هذا يليق بالمعلّم الذي أظهر سلطته، يليق بموسى الجديد هذا الذي يدشن الملك، يليق بذلك الذي ينظر إلى مصير ممالك الأرض، إلى مصير العالم المنظور.
السؤال المطروح أساسيُّ كالاسئلة التي تُعنى ببنوّة يسوع. إنه يعني شخص "الربّ إلهك" (آ 7). قدّم الشيطان نفسه وقال: "هذا كلّه أعطيه لك" إذا اعترفت بي كالرّب: "إذا سقَطتَ عند قدميَّ وسجدت لي".
كلّ ما قيل عن التجربتين الأُولَينَ لا يأخذ معناه إن لم نوضِح هويّة ربّ الأكوان: هل هو الشيطان أم شخص آخر؟ سيكون رب الأكوان إلهه لا سيّد مجد الممالك (نتذكّر هنا حدث دينار قيصر، مت 22: 16- 22).
ليس ليسوع سوى ربّ واحد، وهذا ما يسمح له بأن يستعمل الكتاب المقدّس ويكشف القناع عن الشيطان الذي يسمّيه باسمه: "إبليس"، ويجرّده من قوتّه. إن المفردات التي يستعملها يسوع هي تلك التي يعرفها كلّ يهوديّ مؤمن خلال حرب نهائية وحاسمة. "حينئذٍ تركه إبليس".
إن العبادة البنوّية الحقيقيّة التي عارضت العبادة التدنسيّة هي نهاية صراع بدأ بارتياب في هويّة يسوع وانتهى بجدال حول تفسير النصوص الكتابيّة. لو خضع يسوع، لكان صار ابنَ الشيطان، وهو المسيح الذي اختاره الله وقال له: "انت إبني".
يعرف القارئ منذ الآن أنّ المعلّم الذي ستبدأ مهمتّه العلنيّة، كشف عن تعليم حول أَولويّات الحياة الملموسة، حول معنى الشريعة، وفي النهاية حول شخص الربّ إلهنا. والقارئ مَدعوٌّ في الوقت عينه ليكشف هذه البنوّة وارادة الربّ في السلطة الوحيدة لكلامه. فهذا الكلام سيكشف القناع عن شيطان يعارض سلطة ابن خاضع لأبيه، ابن رفض أن يؤمّن حياته بنفسه، أن يؤمّن كرامته ومجده المسيحانيّ بقدرته الذاتيّة. وهكذا تعلن العبارة ("إليك عنّي يا شيطان") موقف يسوع، وتفسّر تصرّفه حين قالها مرّة ثانية لبطرس (مت 23:16) الذي عاتبه حين تحدّث عن الآلام.

4- التجربة الثانية عند لوقا
لقد بينَ الأب دوبون أن هذه الموازاة للتجربة الثالثة عند متى تدلّ على ما فعل لوقا الذي طبع النصّ بطابعه. قال: "مرتفع" (كلمة غامضة) بدل "جبل"، وأورد عبارة "في لحظة" ليشدّد على الطابع العلويّ للخبر ويتجنّب في الوقت عينِه ما في واقعيّة متّى من أمور غير معقولة. "العالم السياسيّ" هو موضوع عزيز على قلب لوقا. و"القدرة" موضوع أدخله لوتا هنا فجعل لفظة "مجدها" غير موفّقة وغير مفهومة.. وعبارة "أنت إذن" (آ 7) التي تفتح كلامًا يتوجّه الى آخر، بدت وكأنها ضاعت. ثم إن هناك انقطاعًا بين تسميات "ابن الله" .
ومهما يكن من أمر، فقد صنع لوقا كعادته: وضع كلمة في موضعها فوجّه القارئ في التفسير الصحيح: في هذه القضيّة نحن أمام القدرة (أكسوسيا) التي تميّز أعمال الأبن وأقواله (رج 17:5: "وكانت قدرة الربّ تُجري على يده الأشفية").
من أين تأتي قدرة يسوع، من الشيطان أم من أبيه؟ هذا هو السؤال الحقيقيّ. ويفسّر لوقا بأن العَرضْ ليس مصطَنعًا كما يبدو. فلقد قال إن قدرة الممالك (رؤ 13) أعطيت لإِبليس حتى ليلةِ اليوم الأخير. لقد احتفظت هذه التجربة، شأنُها شأنُ التجربة الثانية عند متّى، بمُناخ إسكاتولوجيّ يميّز المعنى الذي استقى منه متّى ولوقا: إن الشيطان جعل يسوع في وضع جلياني "فوق" "مرتفع"، وكأني بالإِسكاتولوجيّا إنحدرت ("في لحظة")، والقرار الأخير بين السلطتين صار على المِحَكّ الآن.
قد يلعب تقارب صيغتَي الحاضر والمستقبل دوره في هذا المشهد. إن جواب يسوع الهادئ في الوقت المقبل يلفت نظرنا ("أنا أعطيها لمن أشاء"). إن إيراد شريعة يوميّة (صلاة شماع، "اسمع يا اسرائيل الربّ إلهنا ربّ واحد"، تث 6: 4) سيتيح للإِبن أن يترك لله الآب المبادرة بأن يعطي السلطة والقدرة (أو يرفضها) لمن يشاء. فالقدر. الق يمارسها يسوع ستكون حصرًا تلك التي سلّمها إليه الآب الذي يَحقّ له السجود. هو لا يعبد "إله هذا العالم" (2 كور 4: 4). ويظن شورمان أن غياب لقب "ابن الله" في فم الشيطان (في هذه التجربة الثانية) يتأتىّ من تنافر مُطْلَق بين الخضوع الذي يدلّ عليه اللقب (الإِبن خاضع لأبيه) والسجود التدنيسيّ الذي يطلبه إبليس. ونلاحظ أيضًا أن المعين لم يكن يتضمّن هذا اللّقب (نحن لا نجده أيضًا عند متى في التجربة الثالثة): لم نعد هنا أمام سلطة يمتلكها الإِبن أو لا يمتلكها، بل أمام سلطة يسلّمها الإِبن إلى الآب.

5- التجربة الثالثة عند لوقا
إنها تبيّن بصورة عجيبة كم اعتنى لوقا في تدوين إنجيله. كنا بعدُ في البريّة، كنا في مكان مرتفع (مع إشارة زمنيّة، في لحظة) "وها الشيطان يقتاد يسوع إلى أورشليم" (حلّ الإِسم التاريخيّ محلّ "المدينة المقدّسة" التي هي الإِسم الاسكاتولوجيّ المذكور في مت 4: 5).
حين نقرأ لوقا نعرف أن أورشليم، مكان الآلام وولادة الجماعة المسيحيّة الأولى، هي المركز اللاهوتيّ لحدَث الخلاص الذي تمّ في طاعة الإِبن حتى الموت. رذله أخصّاؤه ولكن الآب أقامه.
منذ مطلع الإِِنجيل، نتعرّف إلى هذا الطريق واقتراب الأحداث الحاسمة. فالنهاية المؤقّتة لمواجهة يسوع والشيطان ستكون في أورشليم. وهكذا نجد إعلانًا "للوقت المعيّن"، ومسيرة التجارب تبدو كمقدّمة لتسلسل المواجهات التي تتوزع حياتَه العلنيّة حتى الأَزمة الأخيرة. أورشليم هي مدينة مهمّة، وأهمّ منها الهيكل مركز أورشليم الدينيّ، الذي منه يجنّد إبن الله قدرة الملائكة والمواعيد الكتابيّة ليعطي المعنى اللائق لكلمة "يحفظونك" (آ 10).
وبعد هذا، وخلال الآلام، سيشدّد شاهدو الصلب عند لوقا على التكلّم في خطّ إبليس: "خلّص آخرين، فليخلِّص نفسه إن كان هو المسيحَ مختار الله" (35:23). "إن كنتَ ملكَ اليهود، فخلّص نفسك" (37:23). وفي النهاية شتمه واحد من اللصّين: "إن كنت أنت المسيح، فَنّجِ نفسك ونَجّنا نحن أيضا" (23: 39).
لن يجادل يسوع (كما عند متّى) تفسيرًا بدائيًا للكتاب المقدّس. فالقارئ مدعوٌّ لا ليفهم العلاقة بين الإِبن والمواعيد الكتابيّة، بل ليحتقر التفسير الشيطانيّ الذي يناقض معنى الكتاب، ويلاحظ إيجاز جواب يسوع الذي هو رفض مُطْلق لما يقترحه الشيطان: من جرّب الإِبن جرّب الله أيضًا. فيسوع الذي هو معلّم في إسرائيل، يعرف هذه المماثلة، وهو الذي لجأ إلى الشريعة وحدَها ليواجه إبليس. 
ونلاحظ أيضًا أنّ الطابع القاسي لجواب يسوع والتلميح إلى الآلام يجعل هذه التجربة اللوقاويّة الثالثة توازي ما في متّى ("إليك عنّي يا شيطان") من كلام ينهيْ الخبر ويشير إلى الآلام.

6- مقدّمة وخاتمة كلّ من متّى ولوقا
قلنا إن متى بدأ الحديث عن التجارب بذكر العماد الذي يسبق مباشرة خبر التجارب ("حينئذ"). فالتجربة هي منذ البدء جزء لا يتجزّأ من مخطّط الله في إبنه الذي اقتاده الروح. التجربة هي وضع الإِِبن الخاضع لإِرادة أبيه كما يعرفها من الكتب المقدّسة. جُرّب إسرائيل ولم يكن جديرًا بصفة الإِبن. أمّا يسوع فعبّر عن بنوّته بأمانته (على مستوى الفكر) وطاعته، فلم يؤدّ عبادةً إلاّ إلى الله الذي يتكلّم باسمه بعد أن نزَع القناع عن الشيطان وقهرَه في حرب حاسمة.
"حينئذٍ تركه إبليس" (مت 4: 11). تقابل هذه الخاتمة حركة المقدّمة: "دنا (لفظة يستعملها متى مرارًا) إليه المجرّب وقال له" (مت 3:4).
إن الإِِنجيليّ الأوّل يضبط الحدَث بقوّة ويجعله مقدّمة (ضرورية، وإن كان يسوعِ قد تَجاوزها) حياة يسوع العلنيّة، يسوع الذي هو إبن الله الحقيقيّ. فبخبرَي العِمادِ والتجربة اللذَين وضعا الواحدَ قرب الآخر، عرف القارئ مَن هو يسوع، ومن أين تأتيه هذه السلطة في تعليمٍ سوف يسمعه. وهو يعرف بصورة خاصّة كيف يحدّد يسوع موقعه بالنسبة إلى العهد القديم، ليعيش خضوعَه الكامل للآب، وليعلّمنا إيّاه أمام كل المناقضات التي تنتظره.
في آ 11 يبقى متّى أمينًا لما قاله مرقس: "أقبلت ملائكة" تخدم الإِبن كما ستخدمه سلطة صنع المعجزات التي تشهد على صدق تعليمه. ومهما يكن من أمر، فنحن أمام انقطاع بينْ زمن التجربة وزمن الخدمة اللذَين جعلهما مرقس الواحد بإزاء الآخر. أمّا عند متّى فالملائكة هم شهود لموقف الإِبن ويدلون على إنتصاره. 
ولوقا ربط أيضًا خبر التجارب بالمعمودية وبعطيّة الروح عبر نسب يبدو فيه يسوع ابن آدم وابن الله (35:3)، وليس فقط ابن داود وابن إبراهيم كما قال متّى. برهن شورمان كيف أنّ لوقا بنى كرستولوجيّة ابن الله. وإن آ 11 التي هيّأت أسئلة الشيطان في آ 3 و 9 تساعد القارئ ليفهم ما يجب فهمُه من لقب "ابن الله" المنطبق على يسوع. لقد بيّنت التجربة الأولى أنّ الابن ليس ذلك الذي يستعمل سلطته كما لو كانت سلطة سحريّة من أجل أهداف أنانيّة. وحدّدت التجربة الثانية موقع سلطة الابن الملوكيّة بالنسبة إلى قوى هو العالم: فيسوع لا يخضع إلاّ للربّ الاله الذي منه وحدَه نال سلطانه. وأخيرًا، إن الابن هو الذي اقتيد إلى أورشليم فرفض أن يجربّ الربّ ويطالب بحماية خاصّة، ولو أظهرت هذه الحماية على عيون الجميع شرعيّة رسالته.
وتأتي الخاتمة الخاصّة بلوقا (آ 13) فتجمع هذه الوُجهات الثلاث من الصراع مع الشيطان، وتوجّه الصراع الأخير نحو نهاية الأزمة التاريخيّة: "الوقت المعينّ" هو في نظر لوقا، وقت الآلام (رج 3:22 ،53). وإن آ 13 تقول في الوقت عينه إن التجارب الثلاث تجمل كلّ تجربة، وإن الأخيرة هي المقدّمة التي تساعدنا على فهم دراما الآلام، ساعةَ يُطرَح السؤال الحقيقيّ حول شخص يسوع كابن وابن سامٍ في طاعته.
ويختلف لوقا عن متّى في أنّ هذه التجارب لا تنطبق إلا على الإِبن. فهي ليست "مسيحانيّة" كما تبدو لأوّل وَهْلة: فالشهود ليسوا عديدين لنتكلّم عن ظهور مسيحانيّ، حتى حين "صعد" يسوع إلى قمة الهيكل. كل شيء هو سرّيّ هنا. كل شيء يحدث بين الشيطان ويسوع الذي يتّخذ قراره أو يعبّر عن قرار سابق وجذريّ بالنسبة إلى نمط من البنوّة الإِلهيّة. ثم إننا لا نستطيع أن ننقل هذه التجارب إلى الوضع المسيحيّ اليوميّ: لم تكن كنيسة لوقا مكوّنة من أناس مدعويّن لأن يرموا بنفوسهم من على الهيكل. بل كانت مؤلفة من بعض المؤمنين القَلِقين الذين لم يفهموا بعد شكّ الصليب الذي قبله يسوع ابن الله.
ولا نجد ملائكة في خاتمة الحدَث عند لوقا. ولكنّنا سنجدهم خلال صلاة جتسيمانيّ.. سيتدخَّل ملاك بعد صِراع الإِبن، لا مع الشيطان، بل مع أبيه. وفي 40:22- 46، في نصّ يحيط بالتحريض على الصلاة "لئلا ندخل في التجربة، في حوار يسوع القلق مع أبيه (آ 40 -46)، تشكّل آ 42 القَبول التامّ لإرادة خضع لها الإِبن: "لا مشيئتي، بل مشيئتك". وبتابع الخبر: "فظهر له ملاك من السماء يعزيّه أو يشجّعه) (آ 43).
اجل، لقد مدّد لوقا خاتمة نصّه عن التجربة في البريّة فأشار مع استعادة مواضيع التجربة الخضوع للآب الى الملاك الحاضر في ف 22، كما أشار إلى "الوقت المعين" الذي يتكلّم عنه في ف 4. وفي الوقت عينه جعل من حَدث التجربة المقدمّة الضروريّة لأزْمة جتسيمانيّ الكبيرة التي فيها دلّ الملاك على التزام الآب بجانب ابنه الذي اقتبل في الطاعة المحنةَ الأخيرة.

د- نصّ مرقس ومسألة المراجع
لقد بيّن متّى في يسوع الابن الأمين، والإِِنسان الخاضع خضوعًا كليًّا للكتب المقدّسة التي فهمها، والمؤمن الذي أتمّ الدعوة التي دُعي إليها شعب إسرائيل وخانها. وأفهمنا لوقا المدلول اللاهوتيّ لبنوّة يسوع الإِِلهيّة كما ظهرت في خدمته التي تمّت في الآلام. إن هذين التفسيرين يرتبطان بخبر تقليديّ عرفه هذان الإِنجيليّان. وإن أخبار مت ومر ولو تعود إلى مرجع واحد، قدّمه مرقس بصورة موجَزة وتوسّع فيه كلّ من متّى ولوقا بشكل مِدْراش وتوسيعٍ دينيّ.
إن الإِقامة في البريّة لدى مرقس (بتأثير عنيف من الروح) هي الموضوع الحقيقيّ للخبر، وخاتمة لخبر العِماد الذي يشكل جزءًا منه. فأيّام التجربة الأربعون تعود بنا إلى نمطيّة (تيبولوجيا) سفر الخروج. والإِشارة إلى خدمة الملائكة تذكّرنا بخبرة إيليّا النبوّية أو برؤية أزمنة الفردوس حيث تعود الخَليقة فتنصاع للإِِنسان وتخضع له (خر 28:34؛ 1 مل 19: 5- 8). هنا نتذكّر أنّ لوقا أشار إلى عودة السبعين تلميذَا من رسالتهم، فدمج موضوع الشياطين الخاضعين بموضوع إبليس الساقط من السماء، وتحدث عن سلطة بها يدوس التلاميذُ الحيّات والعقارب (17:10-20). وكلّ هذا قبل نصّ يبارك فيه يسوع الابن أباه "لأنه أخفى كلّ هذا عن الحكماء والفهماء وأظهره للأطفال" (10: 21- 22).
إن هذه الحيّات والعقارب (أو الأشبال) هي جزء لا يتجزّأ من موادَّ إسكاتولوجيّة تقليديّة. نحن نجدها في مز 91: 11ي. إذن، يبدو أن مزج مواضيع التجربة بخدمة الملائكة ليس عند مرقس وليدَ الصُدَف. بل هو يدلّ على تفكير حول عماد يسوع ونتائجه المباشرة. وسنجد استمرار هذه المواضيع في النصوص التي تتحدّث عن العماد المسيحي. ففي 1 كور 10: 1- 13 يستعيد بولس في تحريض عماديّ مواضيع تنتمي إلى الكرازة التقليديّة: تذكير بخرِوج بني إسرائيل في البريّة (هذا هو عمادهم): كلّهم أكلوا الطعام الروحيّ عينه، كلّهم شربوا الشراب الروحيّ عينَه (آ 2- 5). ثم تأتي دعوة لئلا يصبح المسيحيّون عُبّاد أوثان مثلَ بعض منهم (آ 7). ونجد الأمر والوصيّة: "لا تجرّب الربّ... لا تتذمّر" (آ 9- 10). وفي الخاتمة نقرأ تعليمًا عن التجربة وتشجيعًا لمقاومتها، لأنّ الله "يجعل مع التجربة مخرَجًا" (آ 13).
كلّ هذا يتأسّس على يقين يعبّر عنه بولس في كو 14:2- 15: إنّ يسوع قد "جرّد الرئاساتِ والسلاطين، وشهّرهم وانتصر عليهم بصليبه".
إذا عدنا إلى الكرازة البولسية، فصليب يسوع كموضوع الغلبة على القوى الشيطانيّة، والعماد المسيحيّ الذي نفهمه عَبْرَ نمطيّة "عماد" إسرائيل في البريّة، والتحريض المتعلّق بالتجربة التي ما زال المعمدّ خاضعًا لها، كل هذا يبدو متماسكًا. ونجد هذا التماسك عينَه في مواضيع الآلام مع حدَث جتسيمانيّ الذي ترافقه تعليمات موجّهة إلى التلاميذ حول التجربة والسهر، أو مع اعتراف بطرس في قيصريّة فيلبس. وهكذا نفهم الآلام كخاتمة رسالة بدأت بالمعموديّة التي تلتها تجارب تغلّبَ عليها يسوع.
إن تصميم تحريض الكورنثيّين يوافق تحريض متى (الطعام، الشراب الذي يذكّرنا بمسّة، امتحان الربّ)، كما يوافق ما قاله في محطّتين: التجربة، الأمر، الغلبة. جتسيمانيّ، الصراع، خدمة الملائكة.
إن العنصر الإِخباريِّ الذي اكتشفناه في 1 كور 10: 1- 11 وفي الأناجيل الإِزائيّة الثلاثة، يرتبط بالتقليد اليهوديّ في فلسطين. هذا ما قاله بعض الشرّاح. وقال آخرون، وهم على حقّ، إنّ أصول هذه المجموعة ترتبط بتفكير حول العماد المسيحيّ.

القسم الثالث
رسَالة يسُوع في الجليل

يبدأ هذا القسم حالاً بعد التجارب مع البرنامج الذي يقدمه يسوع في مجمع الناصرة عن الرسالة التي جاء يقوم بها، وهو يتوزّع النصوص التالية:
4: 14- 20: خطبة الناصرة 7: 18- 23: وفد المعمدان
4: 21- 30: لا يُقبل نبيّ 7: 24- 35: المعمدان ويسوع
4: 31- 37: الروح النجس 7: 36- 8: 3: الخاطئة
4: 38- 41: حماة بطرس 8: 4- 15: الزارع
5: 1- 11: الوعد لسمعان 8: 16- 18: النور والسراج
5: 12- 16: الابرص 8: 19- 21: عائلة يسوع
5: 17- 26: المخلّع 8: 22- 25: العاصفة
27:5- 32: دعوة لاوي 8: 26- 39: رجل فيه شيطان
5: 33- 39: الصوم 8: 40- 56: النازفة وابنة يائيرس
6: 1- 5: السنابل 9: 1- 9: ارسال الاثني عشر
6: 6- 11: اليد اليابسة 9: 10- 17: تكثير الارغفة
6: 12- 19: اختيار الاثني عشر 9: 18- 22: مسيحانية يسوع
6: 20- 26: التطويبات 9: 23- 27: إتباع يسوع
6: 27- 35: محبة الاعداء 9: 28- 36: التجلي
6: 36- 45: الاخوّة 9: 37- 43: ولد يصرعه الشيطان
7: 1- 10: غلام الضابط 9: 43- 55: ابن الانسان يُسلّم الى الناس 
7: 12- 17: إبن أرملة نائين
القسم الثالث
رسَالة يسُوع في الجليل

يبدأ هذا القسم حالاً بعد التجارب مع البرنامج الذي يقدمه يسوع في مجمع الناصرة عن الرسالة التي جاء يقوم بها، وهو يتوزّع النصوص التالية:
4: 14- 20: خطبة الناصرة 7: 18- 23: وفد المعمدان
4: 21- 30: لا يُقبل نبيّ 7: 24- 35: المعمدان ويسوع
4: 31- 37: الروح النجس 7: 36- 8: 3: الخاطئة
4: 38- 41: حماة بطرس 8: 4- 15: الزارع
5: 1- 11: الوعد لسمعان 8: 16- 18: النور والسراج
5: 12- 16: الابرص 8: 19- 21: عائلة يسوع
5: 17- 26: المخلّع 8: 22- 25: العاصفة
27:5- 32: دعوة لاوي 8: 26- 39: رجل فيه شيطان
5: 33- 39: الصوم 8: 40- 56: النازفة وابنة يائيرس
6: 1- 5: السنابل 9: 1- 9: ارسال الاثني عشر
6: 6- 11: اليد اليابسة 9: 10- 17: تكثير الارغفة
6: 12- 19: اختيار الاثني عشر 9: 18- 22: مسيحانية يسوع
6: 20- 26: التطويبات 9: 23- 27: إتباع يسوع
6: 27- 35: محبة الاعداء 9: 28- 36: التجلي
6: 36- 45: الاخوّة 9: 37- 43: ولد يصرعه الشيطان
7: 1- 10: غلام الضابط 9: 43- 55: ابن الانسان يُسلّم الى الناس 
7: 12- 17: إبن أرملة نائين
الفصل الثاني والعشرون
خطبة الناصرة برنامج حياة يسوع
14:4-20

نصٌّ غنيّ جدًّا بما يقدّمه لنا من تعاليم: وُضع في رأس الانجيل فكشف عن سرّ المخلّص، وقدّم برنامج حياته العلنيّة. فصار هكذا لكلٍّ الذين يسمعونه، لا نداءً لاتبّاع الربّ وحسب، بل دستورًا من أجل حياتهم أيضا.

1- مجيء يسوع إلى مجمع الناصرة (آ 16 أ ب)
لا يكتفي لوقا بأن يجمع الموادَّ التي بين يديه ويضعها الواحدة قرب الأخرى، بل هو يلجأ الى تِقنيات عديدة أهمها تِقنيةُ المقدّمة. ولهذا يبدو من المفيد أن نقابل لو 16:4 أ ب مع ما يوازيه في مر 6: 1- 2 أو مت 13: 54، ثم نكتشف نوايا لوقا حين دوَّن هذه الآية كمقدّمة.
نلاحظ أوّلاً أن لوقا لا يشير إلى التلاميذ الذين، حسب مرقس، يرافقون يسوع. فهذا الاغفال يوافق طريقة عرضه. فقد اختلف لوقا عن متى ومرقس ولم يتحدّث بعد حتى الآن عن دعوة التلاميذ، ولم يذكر اختيارهم بيد يسوع. سننتظر أن يرى هؤلاء الربّ يعمل (4: 31- 44)، فيمتزج خبر اختيارهم مع خبر الصيد العجيب (5: 1- 11).
ثم إن لوقا يُحلّ محلّ العبارة التقليدّية التي استعملها متى ومرقس، يُحلّ عبارة شخصيّة وأكثر وضوحًا. كتب مرقس ومتى "مضى إلى وطنه". سيستعيد لوقا هذه المفردة في نهاية آ 23 (غابت عند مر ومت) وفي آ 24 (إزاء مر ومت). قال لوقا: "جاء إلى الناصرة". ان هذه الاشارة الواضحة إلى المدينة يُحيلنا إلى إنجيل الطفولة ويذكّرنا بالمكان الذي فيه نشأ: حسب النّص الدارج: ترافو أي إقتات. وحسب شهود آخرين: أناترافو أي نشأ. هذا الفعل، الذي يستعمله لوقا وحدَه (16:4؛ أع 20:7؛ 3:22) يضمّ مع فكرة القوت فكرة نموّ الشخصيّة وتقدّمها. وفي الناصرة أيضًا استعدّ يسوع لرسالته المقبلة (2: 39- 40، 51-52). ولكن بصورة أساسيّة أكثر، ينتمي ذكر الناصرة إلى رسمة جغرافيّة وضعت في مدخل الكتاب، فحدّدت مسبّقًا الخطوط المكانيّة لرسالة يسوع العلنيّة. فكما أن خبر طفولة يسوع بدأ في الناصرة (1: 26) ليجد ذروته في هيكل أورشليم (2: 41 ي)، كذلك انطلق خبر رسالة يسوع العلنيّة من الناصرة (4: 16)، ليتمّ بعد صعود طويل في قلب المدينة المقدسة (19: 45 ي). فمجيء يسوع إلى مجمع الناصرة لا ينحصر، في نظر لوقا، بمسعى من المساعي قام به المخلّص. إن هذه الزيارة تدشّن رسالته السيحانيّة، وتحدّد البداية الفعليّة لنشاطه العلنيّ.
هكذا نفسّر اهتمام لوقا بتدوين هذا المشهد الافتتاحيّ. إكتفى مر 6: 2 ب ومت 13: 53 ب بعبارة إجماليّة وقصيرة، فحدّدا موضوع زيارة يسوع إلى الناصرة ("شرع يعلم "، "وكان يعلم"). أمّا لوقا فتوسّع كثيرًا في هذا التعليق، فأدخل فيه استشهادًا طويلاً من النبيّ أشعيا. ويَلفِت نظرنا هذا التوسّع، ولاسيما وإن لوقا لم يتحدّث إلا بالتلميح عن "تعاليم يسوع في مجامع" الجليل (15:4).
نجد هذا الأسلوب الأدبيّ في مواضع أخرى من المؤلَفّ اللوقاويّ، خصوصًا في أع 2: 16 ي حيث يستشهد بطرس مطوّلاً بالنبيّ يوئيل في بداية خطبته الأولى في أورشليم. لهذا سنتساءل عن الوظيفة اللاهوتيّة لنصّ أشعيا (6: 1- 2 أ) في بداية حياة يسوع العلنيّة.

2- إطار الليتورجيّا المجمعيّة
وحدّد لوقا موقع أوّل تدخّل رسميّ ليسوع في المجمع، في إطار الليتورجيا المجمعيّة. لسنا هنا أمام أمر شاذّ، بل تدلّ هذه الاشارة على طريقة عمل يقوم بها كلّ يهوديّ أمين على حفظ الشريعة. لقد اعتاد يسوع، شأنًه شأنُ أبناء أمَّته، أن يؤمَّ المجمع المحليّ ويشارك في احتفالات السبت.
ونلاحظ أيضًا أن يسوع اختار مرارًا المجامع وهيكل أورشليم (4: 15، 16، 44؛ 6: 6؛ 13: 10؛ 19: 45، 47؛ 20: 1؛ 21: 37- 38؛ 53:22) ليعلم ويعلن البشارة، وسار رسله على إثره (24: 53؛ أع 2: 46؛ 3: 1، 3، 8؛ 5: 20، 21- 25، 40). هذا مُعطى تقليديّ سنتحقّق منه حتى حين يتوجّه العمل الرسوليّ إلى الوثنيّين (أع 9: 20؛ 13: 5، 14، 43؛ 14: 1 ؛1:17...)
إذا كان إعلان الملكوت لم يحصل على هامش الجماعةِ الدينيّة اليهوديّة، بل يتجذّر في أرض وَجد فيها إيمانُ الشعب المختار غذاءه، فالحدَث الأخير من الخبر (أي حين طُرد يسوع من المجمع على يد أبناء بلده أنفسهم) يتّخذ طابعًا دراماتيكيًّا كبيرًا. فرفْضُ الناصريين (أي أهل الناصرة) استقبالَ يسوع وتعليمه (28:4) صار حينئذ نبوءة تكاد تكون خفيّة عمّا سيكون عليه في يوم من الأيام: رفض الأمّة اليهوديّة كلّها ليسوعِ. صار طردُ يسوع من المدينة ومحاولةُ طرحه من قِمّة الجبل علاماتٍ تشير مسبّقًا إلى مصيره المأساويّ.
أمّا الليتورجيّا المجمعيّة بحصر المعنى، فقد كانت بسيطة. تبدأ خدمة السبت بتلاوة "شماع" (أي اسمع، تث 6: 4- 9؛ 11: 13- 21؛ عد 15: 36- 41) أي إعلان الايمان بالاله الوحيد مع سلسلة من المباركات. وتمتّد الخدمة بقراءة مقطع من أسفار الشريعة (فرشه او فصل) وقراءة أخرى من كتب الأنبياء (هافتره اي تفسير). وينتهي الاحتفال ببركة الكاهن.
كان يحِقّ لكلّ رجال بالغ، لكونه عضوًا في الشعب المقدّس، أن يشارك في هذه الخدمة الليتورجيّة التي يرئسها رئيس المجمع (لو 8: 41 يتحدث عن يائيرس) ويسهر على النظام في الاجتماع والترتيب في الاحتفال (13: 14)، ويختار القارئين، وإذا لزم الأمر، من يفسّر القراءات (أع 13: 15).
كانت خدمة القراءات (وهي العنصر الرئيسيّ في هذه الليتورجيا) منظّمةً تنظيمًا مُحْكمًا. يقف القارئ ويبحث عن النصّ المعين في الروزنامة (او التقويم)، ويتلوه في اللغة المقدّسة اي العبريّة. لم يكن يفهم هذه اللغة إلا بعض المتعلّمين الكبار، لهذا كان هناك من يترجم إلى الآراميّة ويتصرف في ترجمته فتصبح ما يسمى في اللغة التِقنية "الترجوم". وبعد الانتهاء من القراءة كان المسؤول عن الكتب المقدسة (خزان او الخازن، رج آ 20) الذي يقوم أيضًا بوظيفة البّواب والحارس ومعلّم المدرسة، كان يستعيد اللفيفة (او الدرج) التي أعطاها للقارئ. بعد هذا، كان الجميع يجلسون ليسمعوا العظة. فان وُجد في الجماعة شخصُ يحبّ أن يحُثّ إخوته على التقوى انطلاقًا من الأسفار المقدسة، دعاه رئيس المجمع للكلام. هذا ما حصل ليسوع في الناصرة، وهذا ما حدث لبولس في مجمع أنطاكية بسيدية.
يبدو أن لوقا كان عارفًا بالتقاليد الليتورجيّةَ في عصره. ومهما يكن من أمر فالطريقة المحدّدة والمتوازنة التي بها أورد لوقا الرُتَب التي تحيط بالقراءات تدلّ على أهميّة كلمة النبيّ أشعيا (4: 18- 19) في نظره.
وقام ليقرأ ثم طوى السفر
فدفع إليه السفر ودفعه إلى الخادم
فلما نشر السفر وجلس
إن مثل هذا الابراز للنصّ النبويّ يدعونا الآن لكي ندرس بعناية موضوع هذا الاستشهاد. يستعمله لوقا ليكشف هوّية المسيح العميقة، وليقدّم، في بداية الانجيل، البرنامج الملموس لعمله على الأرض.

3- نص اش 61: 1- 2 آ (آ 18- 19)
أَورد لوقا بحريّة نصّ أشعيا راجعًا إلى الترجمة اليونانيّة للتوراة (السبعينية). وهذا ما نكتشفه حين نقابل نصّ لوقا ونصّ أشعيا.
لو 18:4-19 أش 61: 1-2 أ (حسب السبعينيّة) 
روح الربّ عليّ روح الربّ عليّ
لأنه مسحني لأبشّر المساكين لأنه مسحني لأبشّر المساكين
وأشفي منكسري القلوب
وأرسلني وأرسلني
لأنادي للمأسورين بالحريّة لأنادي للمأسورين بالحريّة
وللعُميان بالبصر وللعُميان بالبصر
وأطلق المرهَقين أحرارًا
وأعلن سنةَ نعمة الربّ وأعلن سنةَ نعمة الربّ. 
يستعيد لو 18:4- 19 جوهر نص أشعيا. ألغى الانجيليّ عبارة "وأَشفي أصحاب القلوب المنكسرة". قال الُشرّاح ": هو الطبيب الذي غالبًا ما يستعمل كلمة "شفى" بالمعنى الماديّ، فلماذا تردّد في استعمالها في المعنى المجازيّ؟ لا يكفي هذا التفسير ليجعل لوقا مسؤولاً عن هذا الالغاء.
نذكر أوّلاً، أنّ مخطوطات يونانيّة عديدة، ونصّ اللاتينيّة الشعبية (فولغاتا) تورد هذا الشطر (أشفي القلوب الكسيرة) أمّا السريانيّة البسيطة فتقول: "أرسلني لأشفي منكسري القلوب ولأبشر المسبيّين بالتخلية". إن وجود هذا الشطر المُلغى يبرز صورة الطبيب التي تحدّثت عنها آ 23 والتي نجدها أيضًا في 5: 31؛ 9: 11. وفي 5: 17 يعود فعل "ياؤماي" (شفى) في عبارة قريبة من اش 61: 1 ولوقا 4: 18: "وكانت قدرة الربّ (عليه) لتُجري الأشفية". وأخيرًا في إجمالة حياة يسوع الواردة في أع 10: 38 (مع ايراد واضح لنص اش 61: 1)، فهناك كلمات نقرّبها من النصّ الذي ندرس: بشر (أع 10: 36)، مسح، الروح، شفى (آ 38)، وهي مستعملة في معنى مجازيّ.
إهتمّ لوقا بصورة خاصّة وأكثرَ من سائر الانجيليّين، بهذه السِمَة التي تميز عمل الفادي الخلاصيّ. فإذا أخذنا عبارة "شفى أصحاب القلوب الكسيرة" بشكل حرفيّ، فهي قد لا تتوافق مع رفض يسوع بأن يصنع المعجزات ويجري الأشفية في وطنه. هذا يفهمنا أن يكون هذا الشطر قد أُلغي فيما بعد (شورمان، انجيل لوقا).
ومن جهة ثانية، يبدو أكيدًا أنّ لوقا أوقف بإرادته نصّ أشعيا عندما "أعلن سنة نعمة الرب" وألغى ما تبقّى أي "يوم انتقام". نفسّر هذا الالغاء بنظرة الكاتب التي تتّصف بالشمول فيما يخصّ الخلاص. فلو قرأ لوقا النصّ كلّه لدفع إلى ان يعلن مع النبيّ عن "يوم انتقام" من الوثنيّين وحكما عليهم بالهلاك.
وهناك مثل آخر يدلّ على اهتمام لوقا بالتحاشي عن استعادة نصوص تخصيصية وجدها في الأسفار المقدّسة (يرامياس): حين أورد يؤ 3: 1- 5 آ في أع 2: 17- 21 (رج ايضا لو 7: 22= مت 11: 5 مع جواب يسوع لتلميذَي يوحنّا المعمدان) مزج اش 35: 5- 6 مع 28: 18- 19 و 61: 1. نحن هنا أيضا أمام خُطبة افتتاحيّة وقد اهمل فيها لوقا بإرادته خاتمة نصّ نبويّ ينتهي في السبعينيّة على الشكل التالي: "سيكون مخلّصون على جبل صهيون وفي أورشليم، كما قال الربّ، ومبشّرون (النص العبري الماسوري: باقون على قيد الحباة) يدعوهم الربّ" (يوء3: 5 ب). أسقط لوقا هذه الأشارة التي تحصر المعنى في إطار ضيّق، فأعطى قوّة للبعد الشامل في تعليم يُرى في بداية القول النبويّ: "أفيض روحي على كل جسد أو بشر" (يوء 3: 1 أ).
ولا ننسى أيضًا أن لوقا سيعود إلى شهادة إيليا وإليشاع الذاهبين إلى الوثنيّين (آ 25- 27) ليسنُد اعتقاده بأنّ الخلاص الذي يحمله يسوع المسيح يشمل البشريّةَ كلّها.
ونلاحظ أن عبارة "بشر المساكين" ترتبط بكلمة "أرسلني". اذًا ربط لوقا بطريقة مباشرة واقع هذا التبشير بالتكريس (يُمسح بالزيت المقدس فيُكرّس) المسيحانيّ (مسحني لأبشّر المساكين) فقوّى مرّةً أخرى العلاقة بين مشهد الأردنّ (3: 21) وحدَث الناصرة (4: 1، 14). إن مجيء الروح القدس على يسوع هو أساس إرساله وشرط ضروريٌّ لحياته العلنية المقبلة التي تكمن كلّها في إعلان البشارة لصغار القوم. وسيوضح هذه الفكرةَ ما تبقى من استشهاد أشعيا. إن هذا الطابع الكرازيّ لاعلان الانجيل على المساكين هو الذي دفع لوقا لأن يحل في 19:4 كلمة "دعا، سمّى" (كاليو) (ق اش 2:61) محل كلمة "نادى، اعلن (كيروسو)" المذكورة في آ 18 ج.
بالاضافة إلى إيراد اش 61: 1- 2 أ، تتضمن آ 18 في خاتمتها شعرًا مأخوذًا من اش 58: 60: "أطلق المرهَقين أحرارًا" (أو لاحرّر المظلومين). هذا التشديد على موضوع الاطلاق والتحرير لا يزعج لوقا. ولكن هل ننسب أليه مسؤولية إقحام هذه العبارة؟ كلاّ. فظهور هذه الآية المستغرب للوَهْلة الأولى يُفهَم إذا عرفنا بوجود سلسلة من الاستشهادات المتداولة في أوساط الكنيسة الأولى، كانت تتضمّن فيما تتضمّن اش 58 واش 61. هنا يشير دود في كتابه "كما جاء في الكتب" إلى أن اش 61: 21 لا ترد بوضوح إلا في لو 4: 17- 18، ولكنّنا نستشفّها في الخطبة الكرازيّة في أع 10: 38 وفي نص مت 11: 15= لو 7: 22، على الأقل بصورة ضمنيّة. أمّا اش 58 فقد توسّع العهد الجديد في استعماله. رج أع 18: 23= اش 58: 6 ب؛ مت 25: 35 ي= اش 7:58.
إن نصّ أشعيا الذي سيطبّقه يسوع على نفسه بعد لحظة، ينتمي إلى مجموعة مؤلّفة من قصيدتين طويلتين (اش 60- 62) تعلنان لشعب إسرائيل حياة جديدة ترتبط بإعادة بناء أورشليم، المدينة المقدّسة، بناء يُذهل العقول.
فإذا أردنا أن نتعرّف إلى قوّة الرجاء الحاضر في هاتين القصيدتين الخارقتين، لن نكتفي بقراءتهما بل نتعرّف إلى تجذّرهما التاريخيّ. عاد المنفيّون إلى بلادهم وبدأوا عمل البناء، فواجهتهم الصعاب والمَظالم... فلا بدّ من إيقاظ ألثقة بتدخّل الله الحيّ في جماعة هي فريسة الشقاء والقُنوط. وأظهر النبيّ جرأة عبّر فيها عن إيمانه: اعلن لكل هؤلاء المساكين، لهؤلاء المنكسري القلوب، لهؤلاء العُميان وهؤلاء الأسرى أنّ الله سيضع حدّا للضيق الذي يعانونه. لقد انتهى كلّ شيء. وقال الله: "القليل عندك يصير ألفًا والصغير يصير أمّة عظيمة. أنا الربّ سأجمعكم في الوقت المعيّن" (أش 22:60 حسب السبعينية في العبريّة: أنا الرب أسرع به في وقته).
وفي الوضع الحاليّ للنصّ الأشعيائّي، إرتبطت هذه الولادة الموعودُ بها بمجيء نبيّ يحدّد كلُ ف 61 رسالتَه. هذا النبيّ الذي تذكّرنا سماتُه (حتى على مستوى العهد القديم) بصورة عبد الله (اش 42: 1ي) سيكون قبل كلّ شيء "رجلاً يمسحه الله بروح الأنبياء". كما يقول الاسهاب الترجوميّ في أش 61: 1، "قال النبي: روح النبوءة جاءني من عند ألربّ الاله، لأنّ الربّ مسحني لأبشر المساكين".
وهذا المسيح النبيّ سيكون "مرسلَ الله نفسِه" الذي يمنحه مواهب خاصّة ليقوم بمهمتّه الالهية. وتبدو هذه المهمّة بشكل جوهريّ كعمل إعلان (كيريسو، ايوانغليزو: نادى، بشر) يرتبط ارتباطًا وثيقًا بتحرير (افاسيس) المساكين الذين تتوجّه إليهم كلمة الخلاص بدرجة أولى.
نفهم هذا الخلاص الاسكاتولوجيّ الذي يعلنه النبيّ في المعنى الواسع، أي على مستوى المادّة والجسد. وهو يصيب أيضًا كائن الانسان الداخليّ والعميق. مثلاً، نقول إن العمى هو عاهة جسديّة. أمّا بالنسبة إلى النبيّ فهو يقابل عمى روحيَّا يصيب ألشعب الذي لا ينهضه من شقائه إلا استنارةٌ جديدة في القلوب (أش 42: 16- 20؛ 43: 8؛ 56: 10؛ 59: 10). وفي النهاية، إن هذه التحرّرات المختلفة تتبع إعادة مُناخ من الحقّ والعدالة والحبّ في العالم (أش 58: 6- 12؛ ار 34: 8- 9) وهذا ما يفعله المسيح الآتي.
إن هذه البشرى ستَفتح أزمنة جديدة وتقابل مجيء ملكوت الله على الأرض. ويلخّصها أشعيا في بضع كلمات فيصوّرها "سنة نعمة من عند الرب". من الممكن أن تلمّح "سنة نعمة الرب" إلى السنة اليوبيلية التي يحتفل بها العبرانيّون سنةً كاملة مرّةً كلَّ خمسين سنة (سبعة أسابيع أو سبع سبعات من السنين، اي 7×7. تكون السنة الخمسون هي السنة اليوبيلية) كما يقول سفر اللاّوّين (25: 8-17؛ رج تث 15: 12- 18؛ خر 21: 2- 11). كانت تقوم هذه السنة اليوبيليّة (جوهرّيًا) بإعلان تحرير عامّ لكل سكّان البلاد. "في تلك السنة يعود كلّ واحد إلى مُلكه (اي تعود أرضه إليه)، ويرجع كلّ انسان إلى عشيرته (او عائلته)" (لا 25: 10).
تحدّث النصُّ اليونانيّ عن سنة (انيوتوس) مقبولة (في كتوس) من قِبَل الربّ، فتبعته السُريانية البسيطة التي جعلت النبيّ "يكرز بالسنة المقبولة لدى الربّ (لو 4: 19). أمّا النصّ السُرياني في اش 61: 2 فيتحدّث عن "سنة رضى للربّ".
إستعاد لوقا هذه السِمات الأساسيّة في الكرازة الأشعيائيّة وتبنّاها. وإنْ شدّد على الطابع الكرازيّ لمجيء يسوع، مُقْحِمًا فعلاً جديدًا هو كيريسو (الذي منه تأتي كلمة كرازة عَبْرَ السُريانية)، فهذا يدلَّ على أنه عاد إلى المهمّة الحاليّة (نشر الانجيل) في الكنيسة الرسوليّة. فمهمّة هذه الكنيسة ليست في أن تلقي الخُطَب عن الله أو تقدّم الدروس الفلسفيّة، بل أن تسير على خطى يسوع فتعلن وتنادي بواقع عمل الله وسْطَ البشر.
وهذا العمل التحريري الذي أبرزته لفظة "أفاسيس" مرتين، يعني الفقراء والبائسين على مختلف فئاتهم. وإذا عُدنا إلى الينبوع القديم للتطويبات (المساكين، الجياع، الحزانى، 6: 20- 21) نظنّ أنّ هذا العمل يعبّر أوّلاً عن إرادة الله التي تحاَول أن تضع حدَّاًَ لهذه الأوضاع اللا إنسانية، لكل هذا الشرّ الذي لا يُطاق والذي ينتصب أمام الله متحدّيًا عدالته الملوكيّة فيجعل ضحاياه من صغار القوم في شعبه. برء المسيح هو بالنسبة إليهم بُشرى هي بُشرى تحريرهم
ولقد كتب الأب دوبون عن الفقر الانجيلي في كتابه "الفقر والفقراء" ما يلي: "إن امتياز الفقراء يجد أساسه اللاهوتيّ في الله. فنحن نخطئ حين نحاول أن نؤسسه في استعدادات أخلاقية لدى هؤلاء الفقراء، أو حين نحاول أن نروحن فقرهم. فيسوع ينظر إلى فقر الذين يوّجه إليهم بشارة ملكوت الله على انه وضع حرمان بشري، وضع يجعل من الفقراء ضحايا الجوع والظلم. الفقر هو شر، هو وضع يرفضه الله لأنه يمس كرامته. وحين اعلن يسوع بشرى ملكوت الله للفقراء، أظهر عناية الله بهم ومشيئته بأن يضع حدّا لآلامهم. فعلى المسيحيّين أن لا يفهموا من هذا أن الفقر هو مثال بل ان يفهموا أن الفقراء هم موضوع محبّة خاصّة من قبل الله". أجل، ليس الفقر هدفًا نبلغ إليه. إنه وسيلة تحرّرنا من كل ما يفصلنا عن الله وعن القريب. نحن نتجرّد من خيرات الأرض لا من أجل التجرّد، بل لنشرك الآخرين فيها.
هذا التحرير الذي هو علامة مجيء الملكوت نفهمه كخلاص الله وغفرانه المقدّمينَ إلى كلّ البشر في يسوع المسيح. هذا ما فهمته أقدَمُ تقاليد العهد الجديد التي تربط دومًا مدلول التحرير (افاسيس) بمدلول الخطيئة (امارتيا). وغفران الخطايا (أفاسيس امارتيون) الذي هيّأ له الدربَ عملُ المعمدان التبشيريّ (مر 1: 4 وز؛ لو 1: 77) هو في قلب عمل يسوع على الأرض (مت 26: 28)، كما هو في الكرازة الرسوليّة وشهادتها (24: 47؛ أع 2: 38؛ 5: 31؛ 13: 38). وهذا الغفران يفرض على الانسان التوبةَ والايمان بالمعمودية. وإذ ينتزعه من سلطان الظلمة يفتح له أبواب الملكوت والأتحاد بالمسيح القائم من الموت (أع 10: 43؛ 26: 18؛ كو 1: 13- 14). وبقدر ما أنّ الخطيئة ليست أمرًا عارضًا، بل قوّة تحدّد كيانها كلّه، نفهم أن هذا التحرير الداخليّ يقابل في الواقع تجديد حياةِ الانسان كلّها. مثل هذا التحرّر لا نفهمه إلا كبشرى وخبرٍ سارّ.

4- تأوين الكلمة النبوية (آ 21)
حين طبّق يسوع على نفسه نصّ النبيّ، أعلن بوضوح أنه النبيّ المسيحانيّ الذي تحدّث عنه أشعيا، وحدّد في الوقت عينه برنامج رسالته على الأرض.
أن يكون هو المسيح، هذا ما عبّر عنه لوقا بوضوح في إطار الرؤية العماديّة. أسمعَت السماءُ صوتَها فأعلنت في خط مز 2: وأنت ابني، أنا اليوم ولدتك " (3: 22 ب كما في النصّ الغربيّ. النصّ الشرقيّ: "بك سررت"). وتحدّدت هوّية هذا المسيح في حدَث الناصرة: إنه المسيح النبيّ. وكما شدّد لوقا على لفظة "اليوم" (سامرون) التي أخذها من المزمور المسيحانيّ وتحقّقت مع مجيء يسوع، كذلك يشدّد هنا على أن لفظة اليوم (4: 21) التي أخذها من الكلمة النبوّية قد تحقّقت (بلاروو) في شخص يسوع الذي يبدأ حياته العلنيّة. يرِد فعل "بلاروو" مرّتين عند لوقا في معرِض حديثه عن الكتب المقدّسة: هنا، في بداية حياته العلنيّة، ومرّةً ثانية في نِهاية الانجيل، ساعة يعطي يسوع لتلاميذه تعليماته الأخيرة، ويجعل منهم شهودًا لعمله (24: 44: لابد ان يتم). وفي كلتا الحالتين نحن أمام مقاطع خاصّة بلوقا.
وكلمة لوقا "أليوم" (4: 21) تميّز الحديث عن الخلاص عند لوقا (2: 11؛ 3: 22 حسب النص الغربي؛ 5: 26؛ 13: 32- 33؛ 19: 5؛ 23 : 43) وهي تَعني أن نبوءة النبيّ صارت واقعًا ملموسًا: ذلك الذي تكلّم عنه النبيّ في الماضي هو الآن حاضرٌ هنا. قد بدأت الأزمنة الأخيرة بعد أن دشّنها رسمّيًا مجيء يسوع إلى الناصرة، الذي يشكل "البداية" (في 3: 23؛ تدل "ارخومانوس" على بداية نشاط يسوع المرتبط بحلول الروح القدس. وتقابلها عبارة "فشرع يقول لهم" في 4: 21، لتدلّ على البداية الفعليّة لعمله الرسوليّ) الفعليّة لحياة المخلّص العلنيّة. إنه (يوم) الله في زمن حاسم في تاريخ خلاصهم. وبعبارة أخرى إن كلمة "اليوم" لا تحمل فقط بُعدًا كرونولوجيًا، بل هي تُحيلنا إلى زمن التكميل الذي، من خلال هذا الزمن المحدّد في التاريخ، يَعني كلّ الحِقبة اللاحقة من نعمة الله في الكنيسة.
وبقدر ما يدشن يسوع الآن "سنة نعمة الرب" هذه لا تستطيع كلماتُه إلاّ أن تكون كلمات "تحمل النعمة التي صنعها الله للبشر" (لوغوي تاس خاريتوس، رج أع 14: 3؛ 20: 32). وفي النهاية، هذه الكلمات تمتزج بيسوع (كيانه، شخصه، تعليمه) كما يشهد على ذلك البدَلُ اللافت في أع 10: 37- 38 (ما جرى تو غانومنون ريما: يسوع ألناصري)، وتشديد الانجيليّ الخاصّ على تقديم يسوع كحامل هذه "النعمة" (2: 40؛ 52؛ أع 15: 11؛ 40). إن الكلمة التي أتمها يسوع في مجمع الناصرة هي في الوقت عينه كلمة الله التي تكمل ما تنبئ به، والكلمة المتجسّدة في يسوع الذي أمامه يحدّد كلُّ إنسان مَوقعه منه أذا أراد الحياة.
كان لوقا قد كتب: "لا يحيا الانسان بالخبز فقط" (4:4)، وزاد متى في هذا الموضع: "بل بكل كلمة (ريما) تخرج من فم الله" (مت 4:4). لم ينسَ لوقا هذا العنصر الذي زاده متى، ولكنه جعله في مقطوعة الناصرة ليسند آنيّة الخلاص الحاضر في يسوع المسيح. فالخبز لا يكفي في نظره لحياة الانسان. فإن أراد أن يحيا احتاج أن يتقبّل "كلمات النعمة الخارجة من فمه" (4: 22). 
وهكذا لا يكون ظهور يسوع في الناصرة هديّة نعمة خاصّة وحسب، بل وعد تحرير وحياة لكل الذين يتعلقّون به بالايمان. نجد هنا ملخّصًا لكل الانجيل وُضع في بداية حياة يسوع العلنية، نجد فيه برنامج رسالته كما نجد دعوة ملحّة لنحمل نحن اليوم هذه البشرى إلى الخليقة كلّها.
الفصل الثالث والعشرون
لا يقبل نبي في وطنه
21:4-30

يشكّل المشهد الأوّل في الناصرة (16:4- 30) قطعة أساسيّة في إنجيل لوقا ووسيلة تساعدنا على فهم كلّ مؤلّفه فهمًا لاهوتيّا. جُعل في بداية رسالته العامة فوجّه القارئ نحو ملء إدراك سرّ شخص المخلّص وعمله. إنه يحدّد مسبقًا برنامج عمله على الأرض، ويجعلنا نستشف النهاية المأساويّة حين يُرذل عبدُ الله ويموت. وإن أحالنا هذا الخبر إلى وضع تاريخي واقعي، إلاّ أنّنا لا نفهمه حقًا إلاّ على ضوء كنيسة بعد فصحيّة تتحدّث عن المخلّص والقائم من الموت، وتنفتح بكل إدراك على عالم الوثنيّين.
إذا نظرنا إلى الوجهة الأدبيّة لهذه المجموعة نكتشف جزئين كبيرين. الجزء الأوّل (4: 16- 21) يذكر مجيء يسوع إلى الناصرة. يقدّمه لنا في إطار ليتورجيا مجمعيّة (أي: داخل مجمع يهوديّ أو كنسيّ) كذلك الذي يأخذ على عاتقه أقوال النبيّ أشعيا (أش 61: 1- 2 أ) فيحدّد نفسه على أنه النبيّ المسيحانيّ. إنه رجل الله الذي أوكلت إليه مهمّة حمل بشرى التحرير إلى صغار القوم. وبمجيئه سيُدخل في زمن بشري "يومَ" الله (4: 21)، سيُدخل زمن "النعمة" الخارقة (4: 19، 22) في تاريخ الخلاص. هذا هو ملخّص الإِِنجيل كلّه، وهو في بداية عمل يسوع برنامج واضح عن رسالته، كما هو دعوة ملحّة تتوجّه إلى كلّ إنسان، فيطلب منه أن يحدّد موقعه بالنسبة إليها.
ويورد الخبر الثاني (4: 22- 30) ردّات الفعل المتنوّعة لدى السامعين في الناصرة: عرفان جميل وتقبل وإعجاب في البداية (آ 122). ثمّ دهشة وحيرة (آ 22 ب). وفي النهاية، رذلوه وقطعوا علاقاتهم به (آ 28- 29). هذه المسيرة الرافضة تدريجيًّا تدهشنا، ولا سيما وأن يسوع هو الذي سبّبها كما يقول العمل التدوينيّ: لم يكتفِ بأن يورد المثل الشعبيّ: "يا طبيب اشفِ نفسك" (آ 23)، بل لجأ إلى شهادة إيليّا واليشاع (آ 25-27) ليوبّخ مواطنيه على موقفهم الذي يخلو من الإِِيمان.
هذا الوضع يتطلّب شرحًا ويدعونا أوّلاً لكي نرى كيف اعاد لوقا قراءة نص مرقس الذي اتّخذه له نموذجًا. بعد هذا، نحدّد معنى الزيادات التدوينيّة وبُعدها في إطار مؤلَّفه العام أيّ في إطار الإِِنجيل الثالث وسفر الأعمال.

1- قراءة نص مرقس (آ 22- 24)
يقدّم الخبر من آ 22 إلى آ 24 موازاة مع مر 6: 1- 6 أ، مع تحوّلات عميقة لها معناها. فالطريقة التي بها يعيد لوقا تدوين مرقس يعكس تفسيره الشخصيّ لحدث الناصرة الذي يوضحه أيضًا في آ 25- 30. قراءة الفعل لدى أهل الناصرة تبدو موافقة ليسوع في البداية، وهذا ما لا نجده في مر 2:6- 3، فيدهشنا حين نأخذ بعين الاعتبار نهاية الحدث. قالت آ 22: "فشهدوا له كلّهم وتعجّبوا من كلام النعمة الذي يخرج من فمه". أمّا في آ 28- 29 فنقرأ: "غضبوا كثيرًا، فقاموا واخرجوه الى خارج المدينة...".
يفترق لوقا عن مر 2:6 فلا يلمّح إلى معجزات نسبها أهل الناصرة إلى يسوع. ونحن نفهم هذا الوضع حين نعرف أن الإِِنجيليّ جعل حدث الناصرة يقع في بداية رسالة يسوع، يوم لم يكن بعد قد اجترح معجزة واحدة. إذن، سيتركّز إعجاب الناس على "الأقوال المليئة بالنعمة، التي تخرج من فمه". نحن ولا شكّ أمام تأوين قام به يسوع حين طبّق على شخصه نبوءة أش 61 التي قرأها فيما قبل وأعلن عنها: "اليوم تمّت هذه الكلمات".
لا يشدّد النصّ على مضمون كلمات يسوع (تحدّث مر 2:6 عن الكلمة)، بل بالأحرى على وقعها وتأثيرها: إنها تحمل نعمة يوصلها الله إلى البشر، وهي تتماثل مع يسوع نفسه. فالتماثل بين يسوع وكلمته (يسوع هو كلمته) يبرز في صيغة البدل التي نجدها في أع 10: 37- 38: "الكلمة (أو الحدث) التي جرت في اليهوديّة... ويسوع الناصري". نلاحظ تشديد الانجيليّ على تقديم يسوع كحامل هذه النعمة (2: 40، 52؛ أع 14: 3؛ 15: 11- 40؛ 20: 32). ثم نرى في عبارة "الكلمات الخارجة من فم يسوع" تلميحًا إلى تث 3:8: "لا يحيا الإِنسان بالخبز وحده، بل بكل كلمة تخرج من فم الله". يورد مت 4: 4 الجملة كلَّها في خبر تجارب يسوع. أمّا لوقا فيورد القسم الأوّل في 4: 4، ويطبّق القسم الثاني هنا على الأقوال الخارجة من فم يسوع.
ويجمع لوقا في جملة واحدة ما قاله مر 3:6 عن تفاسير أهل الناصرة حول هوية يسوع وقرابته: "أما هو ابن يوسف" (آ 22 ب)؟ بما أن يسوع ليس في نظر الإِِنجيليّ "ابن يوسف" بحصر المعنى (22:3- 23: "كانوا يحسبونه ابن يوسف")، فقد نكون أمام تلميح خفيّ إلى عجز أهل الناصرة عن التعرّف إلى هوية يسوع الحقيقيّة. ويفترق لوقا هنا أيضًا عن مرقس: لا نوايا شريرة لدى اهل الناصرة، بل سؤال تعجّب ودهشة. أما في المقطع الموازي في مرقس، فأقوال أهل الناصرة عن يسوع وأمه وإخواته وأخواته، تجعلنا نظنّ أنهم يحسبونه انسانًا عاديًا، ويرفضون أن يصدقوه أو يثقوا به. لهذا تشكّكوا بسببه أي انزعجوا حين رأوا يسوع يبرهن عن حكمة وقدرة عجائبيّة تتجاوزانهم.
نحن لا نجد شيئًا من هذا عند لوقا. فيسوع نفسه هو الذي "يهاجم" أهل بلدته. نلاحظ بسهولة أن لوقا لا يهتمّ بالخبر في ذاته كما أورده متّى ومرقس، لا يهتمّ بعدم فهم أهل الناصرة ليسوع وقد جاء يزور موطنه. إنه يتطلّع إلى رسالة يسوع وما ستؤول إليه. فأوّل مرّة جعل يسوع يتكلّم في بداية عمله الرسوليّ، جعله يتنبّأ عن فشل رسالته لدى مجمل شعب إسرائيل. وهذا ما يفهمنا قساوة يسوع وهجومه. فكأنّي به يفترض في الأساس النوايا الشرّيرة لديهم: "لا شكّ. ستقولون لي هذا المثل: يا طبيب اشف نفسك. فاعمل هنا في وطنك ما سمعنا أنك عملته في كفرناحوم" (آ 23).
نجد هذا القول الشعبيّ (يا طبيب) في الأدب الربّاني. مثلاً في "التكوين العظيم": "يا طبيب، اشف نفسك من فالجك". ونقرأ تفسيرًا لرابي لاوي (حوالي سنة 300) حول كلمة لا 3:4: "اذا كان الممسوح بالزيت قد أخطأ... يجيب: الويل لمدينة كاهنها مريض في رجله بمرض النقرس".
حين يطبّق يسوع هذا المثل على أهل الناصرة فهو يعبّر في نظرهم عمّا هو ضروري لكي يتعرّفوا إلى يسوع: كما أنّ على الطبيب أن يستطيع تأمين الشفاء لنفسه ليحوز على ثقة زبائنه المقبلين وتقديرهم، فعلى يسوع أيضًا أن يبرهن على سلطانه الخلاصيّ أمام أهل بلده قبل أن يحاول ان يقنعهم. وإلاّ اية قيمة لكلمات النعمة الخارجة من فمه؟
إن التلميح إلى ما يمكن أن يكون يسوع قد صنعه في كفرناحوم يدهشنا في هذه المرحلة من تدوين الإِِنجيل، ولا يُفَهم من الوجهة التاريخيّة المحضة، لأن يسوع بدأ رسالته في الناصرة حيث هو الآن، ولأن الإِِنجيل لم يروِ لنا بعدُ شيئًا عن نشاطه في كفرناحوم. لا شكّ في أنّ آ 14-15 تحدّثاننا بصورة عامّة عن تعليم يسوع في الجليل. ولكن يبدو أن لوقا لا يشير هنا إلى نشاط سبق خطبة الناصرة. نحن بالأحرى أمام مقدّمة لمجمل الخبر الذي يلي. في الواقع، سيصوّر لنا لوقا عمل يسوع في كفرناحوم حالاً بعد حدث الناصرة (4: 31- 43= مر 1: 21- 39). إذن، إن 23:4 تستبق ما حدث في كفرناحوم. ونحن نفهم هذا بالنسبة إلى الطابع الذي به طبع لوقا مقطوعة الناصرة: إنّها برنامج عمله فيما بعد. وهذه المقطوعة لا تروي فقط الحدث الأوّل من رسالة يسوع كما حصل في الزمن، بل تشير بصورة رمزيّة إلى مجمل هذه الرسالة: كيف رذله شعب إسرائيل وكيف تقبّله الوثنيّون.
ولهذا يميل لوقا في هذا المشهد عينه إلى اظهار معارضة محاوري يسوع بشكل قاسٍ بقدر ما تبدو هذه المعارضة نموذجًا لموقف اليهود بصورة عامة. وإن هو أوجز في آ 22 ما قاله مرقس وخفّف من قوة ردّة الفعل عند أهل الناصرة، فقد احتفظ بالشيء الجوهريّ: عدم إيمانهم (مر 6: 16). كما صوَّر بصورة جذريّة بُعد قلة الإِِيمان هذا في فم يسوع نفسه. والأمر ملفت بصورة خاصة في الطريقة التي بها يُعيد قراءة نهاية خبر مرقس ويعيد تدوينها كليًّا. قال مر 6: 5- 6 أ: "وتعذّر على يسوع أن يصنع أية معجزة هناك، سوى أنه وضع يديه على بعض المرضى فشفاهم، وكان يتعجّب من قلة إيمانهم".
إن عدم قدرة يسوع العجائبيّة عند مرقس لم تكن في المخطط: إنها نتيجة عدم ايمان أدهش يسوع وقيَّده بشكل من الأشكال. أما عند لوقا فلا مجال إلى أن يعمل يسوع معجزة واحدة، مع أن أهل بلده طلبوا منه بوضوح. إن سؤال أهل الناصرة لدى مرقس يدلّ بالأحرى على أنهم لا ينتظرون شيئًا من "ابن مريم". ولكن الوضع يتبدّل عند لوقا. قالوا له: "فاعمل هنا في وطنك ما سمعنا أنك عملته في كفرناحوم" (آ 23).
ويعبر يسوع نفسه عن هذه المتطلبة. ولكن كلّ شيء يشير إلى أنه يوردها لكي يرفضها: هو لا يقدر أن يفعل أي شيء من أجل أهل البلدة، بل هولا يريد. وإن كان لا يريد، فهذا ناتج في نظر الإِِنجيليّ، عن رفض مجمل الشعب اليهوديّ بأن يتقبّل كلمات النعمة الخارجة من فمه، بأن يقرّ أن يسوع هو الذي يُتمّ مواعيد العهد القديم . ولكن هذا لا يمنع لوقا من أن يورد بعد هذا سلسلة من المعجزات تمّت فعلاً على يد يسوع من أجل إسرائيل، أكان ذلك في كفرناحوم أو في مكان آخر. ولكن لوقا يشدّد على أن يسوع لم يُرد بملء حريّته أن يعمل معجزة واحدة في بلدته، فيقدّم لنا تفسيرًا لاحقًا عن عمل يسوع كلّه: إن اسرائيل لن يستفيد من الخلاص الذي حمله إليه يسوع.
وتقدّم آ 24 جواب يسوع على الكلمات التي نسبتها آ 23 إلى محاوريه، ثم تبدأ إعلان آ 25-27. وهنا أيضًا قام لوقا بتصحيح آخر لنصّ مر 4:6 له معناه. كتب مرقس: "لا نبيّ بلا كرامة إلا في وطنه". فكتب لوقا: "لا يُقبل نبيّ في وطنه". لا يكتفي لوقا بأن يستعيد بطريقة شخصيّة المثل الذي أورده مرقس عن النبيّ، بل يشدّد على ما يقول فتحلّ لفظة "دكتوس" (مقبول) محل "أتيموس" (بلا كرامة). اختار لوقا "أتيموس" قصدًا، فعاد إلى نبوءة أشعيا التي ذكرت اعلاه وأعلنت سنة نعمة، سنة مقبولة (دكتوس) من عند الربّ (آ 19). المعنى واضح: إن زمن الخلاص الذي دشّن يسوع تتمّته (آ 21) بكلمات النعمة الخارجة من فمه (آ 23) لا يتحقّق لأهل الناصرة الذين لا يقبلون يسوع، حامل هذا الخلاص.
والمثل الشعبيّ الذي أورده مرقس والذي يجد في يسوع تطبيقًا بين تطبيقات عديدة، ويقابل ملاحظة مؤسفة ولكن لا مدلول خاصًا لها، اتخذ هنا شكل بلاغ لاهوتيّ. لم نعد أمام نبيّ (من الأنبياء) استهان به أقاربه، بل أمام النبيّ الذي أرسله الله إلى شعبه ليخلّصهم في هذا الوقت المحدّد من تاريخهم، ولكن هذا النبي لم يكن مقبولاً في بلده.
والنتائج عند لوقا أكثر خطورة مما عند مرقس: لم نعد أمام عجز عجائبيّ موقّت ومحدّد في حياة يسوع. فلوقا يفهمنا أن مجمل شعب إسرائيل ابتعد بصورة نهائيّة عن عمل يسوع الخلاصيّ، لفائدة الوثنيّين. وهذا ما يدلّ عليه وَلْيُ الخبر. نحن هنا أمام رؤية تستبق رسالة يسوع وترتبط بخبرة عاشتها الكنيسة بعد الفصح.


2- معنى الزيادات التدوينيّة وأبعادها
أ- خلاص يُعطى للوثنيّين (آ 25- 27)
إن آ 25- 27 هي خاصة بلوقا. دوّنها، فدلّت على تحوّل ظاهر في النظرة، وارتسمت في منطق تقديم كرازة يسوع التدشينيّة في الناصرة كما رآها لوقا. وهي تُقدّم أيضًا الجواب الإِيجابيّ والشامل على آ 23- 24. هنا رذل أهل الناصرة ابنَ بلدهم النبي يسوع، فكان تصرّفهم نذيرًا لتصرّف مجمل شعب إسرائيل. أمّا في آ 25- 27، فالتذكير بما أتمّ إيليّا واليشاع من معجزات من أجل غير اليهود (أي: الوثنيّون) ينبئ بخلاص سيحمله النبيّ يسوع إلى الوثنيّين.
لن نبحث هنا عن تحقيق لكلمات يسوع خلال رسالته على الأرض، وهي ستنحصر جوهريًّا في شعب اليهود ولن تتوجّه إلى الوثنيّين إلا في حالات استثنائيّة. هذا ما نقوله عن ممسوس الجراسيين (26:8- 39 وز) وضابط كفرناحوم (7: 1- 10 وز) والأبرص السامري (17: 11- 19، خاص بلوقا). لا شكّ في أن يسوع سيقول بأن ايمان الضابط يتفوق على الايمان الذي وجده في إسرائيل (7: 9؛ مت 8: 10) وأن السامري الذي شفي مجّد وحده الله (18:17). ولكن هذا لن يدفعه إلى نشر عمله بصورة عادية لدى الوثنيّين. 
والعودة إلى إيليا وأليشاع لا توافق أيضًا الواقع التاريخيّ. فهما لم يحصرا عملهما في شعب إسرائيل، ولكنهما في الواقع بدأا عملهما لدى شعبهما. ولكن لوقا يحتفظ فقط بحدثين ساعداه على إبراز البُعد الشامل لعمل يسوع كما يتصوّره.
وعلى مستوى التعبير، فالتقديم اللوقاويّ يشدّد على الطابع النموذجيّ لهذين الحدثين ويعطيهما بعدًا استثنائيًّا لم يكن لهما في خبرَي كتاب الملوك. لا شكّ في ان إرسال إيليّا إلى أرملة صرفت صيدا ليؤمّن لها الطعام بصورة عجائبيّة وليقيم لها ابنها (1مل 7:17- 24) وشفاء نعمان السوري على يد أليشاع (2 مل 5: 1- 27) يدلاّن على أن قدرة إله إسرائيل وصلت من ذلك الوقت إلى الوثنيّين فنعموا بها. ولكن لا شيء في هذين الخبرين يفترض أن معجزتي هذين النبيّين تتضمّنان شيئًا يدلّ على أن إله إسرائيل يفضّل الوثنيّين على اليهود. فأليشاع سيصنع عجائب كثيرة من أجل أبناء أمته، ويقيم خاصة إبن الشونمية (2 مل 4: 8- 37).
غير أن لوقا يقدّم هاتين المعجزتين وكأن الله يفضل الوثنيّين على اليهود. قال: "كان في إسرائيل كثير من الأرامل في إسرائيل: وما أرسل الله إيليّا إلى واحدة منهنّ، بل أرسله إلى أرملة في صرفت صيدا. وكان في اسرائيل كثير من البرص في زمن النبي أليشاع، فما طهّر الله أحدًا منهم إلاَّ نعمان السوريّ". وُضعت هذه الكلمات في فم يسوع فدلّت، انطلاقًا من مثلين خاصين، على أن نبيَيْ العهد القديم لم يصنعا معجزات إلا من أجل غريبين عن شعب اسرائيل، لا من أجل الكثير من ابناء شعبهما الذين احتاجوا إلى تدخلهما.
والنتيجة الخفيّة هي أن يسوع نفسه، وهو النبيّ الذي لم يقبله أهل بلده، لن يمارس في النهاية خدمته إلا لدى الوثنيّين. وهكذا يرى لوقا لاهوتيّ التاريخ، أن حياة يسوع على الأرض والأقوال التي قالها والأفعال التي قام بها حقًا وسط شعبه، لم تحمل إلى هذا الشعب الخلاص الذي سينعم به الوثنيّون. إن مقطوعة الناصرة تصوِّر مسبقًا ما وصلت إليه رسالة يسوع الذي كان يتوقّع استقبالاً أكثر حرارة وايمانًا.
ورفض يسوع أن يصنع معجزة واحدة من أجل بلده، مع أنه سيصنع في كفرناحوم. فوطنه ومجمل الشعب اليهوديّ لم يرَ فيه النبيِّ الذي يُتمّ اليوم مواعيد الكتب المقدّسة، لهذا فهو لن يرى تحقيق هذه المواعيد التي ستتعدّى حدود إسرائيل وتمتدّ إلى العالم كلّه. وسيصوّر لوقا مسيرة هذه البشارة في سفر الأعمال. قد بدأ بطرح الفكرة في بداية الإِِنجيل، وستكون الذروة في ما سيقوله بولس لليهود في رومة: "أُرسل خلاص الله هذا إلى الوثنيّين وسيستمعون إليه" (أع: 28: 28).

ب- إعلان مصير يسوع المأساويّ (آ 28- 30).
ودوّن لوقا نهاية المقطوعة (آ 28- 30) فأنبأ بالمصير المأساويّ الذي يُنهي عمل يسوع على الأرض. ما أراد أهل وطنه أن يستقبلوه. بل هم حاولوا أن يزيلوه: "فلمّا سمع الحاضرون في الجمع هذا الكلام امتلأوا غضبًا (ردّة فعل مماثلة ضدّ اسطفانس في أع 7: 54). فقاموا ودفعوه إلى خارج المدينة..." ففي طرد يسوع العنيف خارج مدينة الناصرة، أراد لوقا أن يقدّم صورة مسبقة عن موت يسوع مهانًا ومصلوبًا خارج مدينة أورشليم. سنجد هذا الموضوع في مَثَل الكرّامين القتلة. أرسَل اليهم صاحبُ الكرم ابنه الحبيب، فرموه خارج الكرم وقتلوه (15:20؛ مر 8:12). منذ بداية حياة يسوع العامة، يركّز لوقا انتباه القارئ على النهاية: الموت الخلاصي للذي سيسمَّى يومًا ملك اليهود (23: 33).
"وجاؤوا به الى حافة الجبل الذي كانت مدينتهم مبنيّة عليه ليلقوه عنه. لكنّه مرّ من بينهم ومضى". يمكننا أن نتساءل: أما يدلّ الخلاص الذي نعم به يسوع هذه المرّة على الحماية التي يؤمنها الربّ للصديق في مز 91: 11-12؟ "يوصي ملائكته بك ليحفظوك في كل طرقك. على أيديهم يحملونك لئلا تصدم . بحجر رجلك". روى لوقا في 9:4- 12 أن الشيطان عاد إلى هذه الكلمات الكتابيّة خلال التجربة الثالثة ليدفع يسوع إلى أن يرمي بنفسه عن شرفة هيكل أورشليم. ولكن يسوع رفض أن يجرِّب الربّ الإِِله.
ما نقرأه في لوقا هنا هو صدى لهذا المشهد، وهو يبيّن أن يسوع يملك في ممارسة رسالته سلطانًا امتنع عن استعماله حين طلب منه الشيطان ذلك. وإلى أن تأتي الساعة الحاسمة (53:22؛ رج يو 7: 30، 44؛ 59:8؛ 10: 39) سينجو من أبناء بلده. ولكن الطريق التي تبعها ستقوده في النهاية إلى أورشليم ليموت فيها (9: 51، 53؛ 13: 22، 33؛ 17: 11؛ 19: 28).
أمّا هو فجاز (مرَّ) بينهم. نستطيع أن نقرأ هنا بإيجاز ما فعله المسيح النبيّ. أمّا أع 38:10 فيعبّر عن هذا المرور بايضاح: "مسحه الله بالروح القدس والقدرة، فمرّ وهو يعمل الخير ويشفي جميع الذين استولى عليهم ابليس، لأن الله كان معه ".

3- تعليم يتوجّه الينا اليوم
قد نظنّ أننا بعيدون عن موقف أهل يسوع. ولكن غالبًا ما يكون تصرّفنا مثل تصرّفهم دون شعور منّا. نحسب أن يسوع هو لنا وفي الوقت عينه نرذله. نعجب بكلمات النعمة الخارجة من فمه، ولكننا لا نعمل شيئًا لكي تتحقّق فينا اليوم، فنترك مناسبة الخلاص تمرّ دون أن نستفيد منها. قد نشهد ليسوع ولكننا لا نفهم تعليمه ولا ندخله في حياتنا.
لا نسمّيه "ابن يوسف" بل "ابن الله " ولكننا في الواقع نتجاهله. قد ننتظر منه أن يضع قدرته في خدمة مصالحنا، وإن لم يفعل عارضناه "ولم نقبله". نتعبّد لابن الله، ولكنّنا نرفض النبيّ الذي يوجِّه إلينا كلمة الله.
وهكذا نصل، نحن المسيحيّين، إلى ما وصل إليه اليهود من أهل يسوع. رفضنا الإِِنجيل فتوجّه إلى غيرنا وكنا نعتبرهم غرباء ووثنيّين. مثل هذه النظرة تُدهشنا وتملأنا غضبًا. لا نستطيع أن نزيل يسوع، نحاول ان ننكر اليقين، نحاول أن نقتل الكلمة التي يوجّهها إلينا الانبياء اليوم. ولكن يسوع يمرّ في وسطنا ويمضي. يسير في طريقه بعيدًا عنّا نحو أناس آخرين سيستمعون إليه. وحين نغلق آذاننا عن الإِِنجيل، لا نقدر أن نمنع انتشاره خارج كنائسنا. والمخرج الوحيد بالنسبة إلينا هو أَن نترك اليقينات الكاذبة والمخاوف التي تقيّدنا. والطريقة الوحيدة تقوم بأن نتبع يسوع في طريقه إلى أورشليم، في طريقه إلى الآلام والمجد.
الفصل الثالث والعشرون
لا يقبل نبي في وطنه
21:4-30

يشكّل المشهد الأوّل في الناصرة (16:4- 30) قطعة أساسيّة في إنجيل لوقا ووسيلة تساعدنا على فهم كلّ مؤلّفه فهمًا لاهوتيّا. جُعل في بداية رسالته العامة فوجّه القارئ نحو ملء إدراك سرّ شخص المخلّص وعمله. إنه يحدّد مسبقًا برنامج عمله على الأرض، ويجعلنا نستشف النهاية المأساويّة حين يُرذل عبدُ الله ويموت. وإن أحالنا هذا الخبر إلى وضع تاريخي واقعي، إلاّ أنّنا لا نفهمه حقًا إلاّ على ضوء كنيسة بعد فصحيّة تتحدّث عن المخلّص والقائم من الموت، وتنفتح بكل إدراك على عالم الوثنيّين.
إذا نظرنا إلى الوجهة الأدبيّة لهذه المجموعة نكتشف جزئين كبيرين. الجزء الأوّل (4: 16- 21) يذكر مجيء يسوع إلى الناصرة. يقدّمه لنا في إطار ليتورجيا مجمعيّة (أي: داخل مجمع يهوديّ أو كنسيّ) كذلك الذي يأخذ على عاتقه أقوال النبيّ أشعيا (أش 61: 1- 2 أ) فيحدّد نفسه على أنه النبيّ المسيحانيّ. إنه رجل الله الذي أوكلت إليه مهمّة حمل بشرى التحرير إلى صغار القوم. وبمجيئه سيُدخل في زمن بشري "يومَ" الله (4: 21)، سيُدخل زمن "النعمة" الخارقة (4: 19، 22) في تاريخ الخلاص. هذا هو ملخّص الإِِنجيل كلّه، وهو في بداية عمل يسوع برنامج واضح عن رسالته، كما هو دعوة ملحّة تتوجّه إلى كلّ إنسان، فيطلب منه أن يحدّد موقعه بالنسبة إليها.
ويورد الخبر الثاني (4: 22- 30) ردّات الفعل المتنوّعة لدى السامعين في الناصرة: عرفان جميل وتقبل وإعجاب في البداية (آ 122). ثمّ دهشة وحيرة (آ 22 ب). وفي النهاية، رذلوه وقطعوا علاقاتهم به (آ 28- 29). هذه المسيرة الرافضة تدريجيًّا تدهشنا، ولا سيما وأن يسوع هو الذي سبّبها كما يقول العمل التدوينيّ: لم يكتفِ بأن يورد المثل الشعبيّ: "يا طبيب اشفِ نفسك" (آ 23)، بل لجأ إلى شهادة إيليّا واليشاع (آ 25-27) ليوبّخ مواطنيه على موقفهم الذي يخلو من الإِِيمان.
هذا الوضع يتطلّب شرحًا ويدعونا أوّلاً لكي نرى كيف اعاد لوقا قراءة نص مرقس الذي اتّخذه له نموذجًا. بعد هذا، نحدّد معنى الزيادات التدوينيّة وبُعدها في إطار مؤلَّفه العام أيّ في إطار الإِِنجيل الثالث وسفر الأعمال.

1- قراءة نص مرقس (آ 22- 24)
يقدّم الخبر من آ 22 إلى آ 24 موازاة مع مر 6: 1- 6 أ، مع تحوّلات عميقة لها معناها. فالطريقة التي بها يعيد لوقا تدوين مرقس يعكس تفسيره الشخصيّ لحدث الناصرة الذي يوضحه أيضًا في آ 25- 30. قراءة الفعل لدى أهل الناصرة تبدو موافقة ليسوع في البداية، وهذا ما لا نجده في مر 2:6- 3، فيدهشنا حين نأخذ بعين الاعتبار نهاية الحدث. قالت آ 22: "فشهدوا له كلّهم وتعجّبوا من كلام النعمة الذي يخرج من فمه". أمّا في آ 28- 29 فنقرأ: "غضبوا كثيرًا، فقاموا واخرجوه الى خارج المدينة...".
يفترق لوقا عن مر 2:6 فلا يلمّح إلى معجزات نسبها أهل الناصرة إلى يسوع. ونحن نفهم هذا الوضع حين نعرف أن الإِِنجيليّ جعل حدث الناصرة يقع في بداية رسالة يسوع، يوم لم يكن بعد قد اجترح معجزة واحدة. إذن، سيتركّز إعجاب الناس على "الأقوال المليئة بالنعمة، التي تخرج من فمه". نحن ولا شكّ أمام تأوين قام به يسوع حين طبّق على شخصه نبوءة أش 61 التي قرأها فيما قبل وأعلن عنها: "اليوم تمّت هذه الكلمات".
لا يشدّد النصّ على مضمون كلمات يسوع (تحدّث مر 2:6 عن الكلمة)، بل بالأحرى على وقعها وتأثيرها: إنها تحمل نعمة يوصلها الله إلى البشر، وهي تتماثل مع يسوع نفسه. فالتماثل بين يسوع وكلمته (يسوع هو كلمته) يبرز في صيغة البدل التي نجدها في أع 10: 37- 38: "الكلمة (أو الحدث) التي جرت في اليهوديّة... ويسوع الناصري". نلاحظ تشديد الانجيليّ على تقديم يسوع كحامل هذه النعمة (2: 40، 52؛ أع 14: 3؛ 15: 11- 40؛ 20: 32). ثم نرى في عبارة "الكلمات الخارجة من فم يسوع" تلميحًا إلى تث 3:8: "لا يحيا الإِنسان بالخبز وحده، بل بكل كلمة تخرج من فم الله". يورد مت 4: 4 الجملة كلَّها في خبر تجارب يسوع. أمّا لوقا فيورد القسم الأوّل في 4: 4، ويطبّق القسم الثاني هنا على الأقوال الخارجة من فم يسوع.
ويجمع لوقا في جملة واحدة ما قاله مر 3:6 عن تفاسير أهل الناصرة حول هوية يسوع وقرابته: "أما هو ابن يوسف" (آ 22 ب)؟ بما أن يسوع ليس في نظر الإِِنجيليّ "ابن يوسف" بحصر المعنى (22:3- 23: "كانوا يحسبونه ابن يوسف")، فقد نكون أمام تلميح خفيّ إلى عجز أهل الناصرة عن التعرّف إلى هوية يسوع الحقيقيّة. ويفترق لوقا هنا أيضًا عن مرقس: لا نوايا شريرة لدى اهل الناصرة، بل سؤال تعجّب ودهشة. أما في المقطع الموازي في مرقس، فأقوال أهل الناصرة عن يسوع وأمه وإخواته وأخواته، تجعلنا نظنّ أنهم يحسبونه انسانًا عاديًا، ويرفضون أن يصدقوه أو يثقوا به. لهذا تشكّكوا بسببه أي انزعجوا حين رأوا يسوع يبرهن عن حكمة وقدرة عجائبيّة تتجاوزانهم.
نحن لا نجد شيئًا من هذا عند لوقا. فيسوع نفسه هو الذي "يهاجم" أهل بلدته. نلاحظ بسهولة أن لوقا لا يهتمّ بالخبر في ذاته كما أورده متّى ومرقس، لا يهتمّ بعدم فهم أهل الناصرة ليسوع وقد جاء يزور موطنه. إنه يتطلّع إلى رسالة يسوع وما ستؤول إليه. فأوّل مرّة جعل يسوع يتكلّم في بداية عمله الرسوليّ، جعله يتنبّأ عن فشل رسالته لدى مجمل شعب إسرائيل. وهذا ما يفهمنا قساوة يسوع وهجومه. فكأنّي به يفترض في الأساس النوايا الشرّيرة لديهم: "لا شكّ. ستقولون لي هذا المثل: يا طبيب اشف نفسك. فاعمل هنا في وطنك ما سمعنا أنك عملته في كفرناحوم" (آ 23).
نجد هذا القول الشعبيّ (يا طبيب) في الأدب الربّاني. مثلاً في "التكوين العظيم": "يا طبيب، اشف نفسك من فالجك". ونقرأ تفسيرًا لرابي لاوي (حوالي سنة 300) حول كلمة لا 3:4: "اذا كان الممسوح بالزيت قد أخطأ... يجيب: الويل لمدينة كاهنها مريض في رجله بمرض النقرس".
حين يطبّق يسوع هذا المثل على أهل الناصرة فهو يعبّر في نظرهم عمّا هو ضروري لكي يتعرّفوا إلى يسوع: كما أنّ على الطبيب أن يستطيع تأمين الشفاء لنفسه ليحوز على ثقة زبائنه المقبلين وتقديرهم، فعلى يسوع أيضًا أن يبرهن على سلطانه الخلاصيّ أمام أهل بلده قبل أن يحاول ان يقنعهم. وإلاّ اية قيمة لكلمات النعمة الخارجة من فمه؟
إن التلميح إلى ما يمكن أن يكون يسوع قد صنعه في كفرناحوم يدهشنا في هذه المرحلة من تدوين الإِِنجيل، ولا يُفَهم من الوجهة التاريخيّة المحضة، لأن يسوع بدأ رسالته في الناصرة حيث هو الآن، ولأن الإِِنجيل لم يروِ لنا بعدُ شيئًا عن نشاطه في كفرناحوم. لا شكّ في أنّ آ 14-15 تحدّثاننا بصورة عامّة عن تعليم يسوع في الجليل. ولكن يبدو أن لوقا لا يشير هنا إلى نشاط سبق خطبة الناصرة. نحن بالأحرى أمام مقدّمة لمجمل الخبر الذي يلي. في الواقع، سيصوّر لنا لوقا عمل يسوع في كفرناحوم حالاً بعد حدث الناصرة (4: 31- 43= مر 1: 21- 39). إذن، إن 23:4 تستبق ما حدث في كفرناحوم. ونحن نفهم هذا بالنسبة إلى الطابع الذي به طبع لوقا مقطوعة الناصرة: إنّها برنامج عمله فيما بعد. وهذه المقطوعة لا تروي فقط الحدث الأوّل من رسالة يسوع كما حصل في الزمن، بل تشير بصورة رمزيّة إلى مجمل هذه الرسالة: كيف رذله شعب إسرائيل وكيف تقبّله الوثنيّون.
ولهذا يميل لوقا في هذا المشهد عينه إلى اظهار معارضة محاوري يسوع بشكل قاسٍ بقدر ما تبدو هذه المعارضة نموذجًا لموقف اليهود بصورة عامة. وإن هو أوجز في آ 22 ما قاله مرقس وخفّف من قوة ردّة الفعل عند أهل الناصرة، فقد احتفظ بالشيء الجوهريّ: عدم إيمانهم (مر 6: 16). كما صوَّر بصورة جذريّة بُعد قلة الإِِيمان هذا في فم يسوع نفسه. والأمر ملفت بصورة خاصة في الطريقة التي بها يُعيد قراءة نهاية خبر مرقس ويعيد تدوينها كليًّا. قال مر 6: 5- 6 أ: "وتعذّر على يسوع أن يصنع أية معجزة هناك، سوى أنه وضع يديه على بعض المرضى فشفاهم، وكان يتعجّب من قلة إيمانهم".
إن عدم قدرة يسوع العجائبيّة عند مرقس لم تكن في المخطط: إنها نتيجة عدم ايمان أدهش يسوع وقيَّده بشكل من الأشكال. أما عند لوقا فلا مجال إلى أن يعمل يسوع معجزة واحدة، مع أن أهل بلده طلبوا منه بوضوح. إن سؤال أهل الناصرة لدى مرقس يدلّ بالأحرى على أنهم لا ينتظرون شيئًا من "ابن مريم". ولكن الوضع يتبدّل عند لوقا. قالوا له: "فاعمل هنا في وطنك ما سمعنا أنك عملته في كفرناحوم" (آ 23).
ويعبر يسوع نفسه عن هذه المتطلبة. ولكن كلّ شيء يشير إلى أنه يوردها لكي يرفضها: هو لا يقدر أن يفعل أي شيء من أجل أهل البلدة، بل هولا يريد. وإن كان لا يريد، فهذا ناتج في نظر الإِِنجيليّ، عن رفض مجمل الشعب اليهوديّ بأن يتقبّل كلمات النعمة الخارجة من فمه، بأن يقرّ أن يسوع هو الذي يُتمّ مواعيد العهد القديم . ولكن هذا لا يمنع لوقا من أن يورد بعد هذا سلسلة من المعجزات تمّت فعلاً على يد يسوع من أجل إسرائيل، أكان ذلك في كفرناحوم أو في مكان آخر. ولكن لوقا يشدّد على أن يسوع لم يُرد بملء حريّته أن يعمل معجزة واحدة في بلدته، فيقدّم لنا تفسيرًا لاحقًا عن عمل يسوع كلّه: إن اسرائيل لن يستفيد من الخلاص الذي حمله إليه يسوع.
وتقدّم آ 24 جواب يسوع على الكلمات التي نسبتها آ 23 إلى محاوريه، ثم تبدأ إعلان آ 25-27. وهنا أيضًا قام لوقا بتصحيح آخر لنصّ مر 4:6 له معناه. كتب مرقس: "لا نبيّ بلا كرامة إلا في وطنه". فكتب لوقا: "لا يُقبل نبيّ في وطنه". لا يكتفي لوقا بأن يستعيد بطريقة شخصيّة المثل الذي أورده مرقس عن النبيّ، بل يشدّد على ما يقول فتحلّ لفظة "دكتوس" (مقبول) محل "أتيموس" (بلا كرامة). اختار لوقا "أتيموس" قصدًا، فعاد إلى نبوءة أشعيا التي ذكرت اعلاه وأعلنت سنة نعمة، سنة مقبولة (دكتوس) من عند الربّ (آ 19). المعنى واضح: إن زمن الخلاص الذي دشّن يسوع تتمّته (آ 21) بكلمات النعمة الخارجة من فمه (آ 23) لا يتحقّق لأهل الناصرة الذين لا يقبلون يسوع، حامل هذا الخلاص.
والمثل الشعبيّ الذي أورده مرقس والذي يجد في يسوع تطبيقًا بين تطبيقات عديدة، ويقابل ملاحظة مؤسفة ولكن لا مدلول خاصًا لها، اتخذ هنا شكل بلاغ لاهوتيّ. لم نعد أمام نبيّ (من الأنبياء) استهان به أقاربه، بل أمام النبيّ الذي أرسله الله إلى شعبه ليخلّصهم في هذا الوقت المحدّد من تاريخهم، ولكن هذا النبي لم يكن مقبولاً في بلده.
والنتائج عند لوقا أكثر خطورة مما عند مرقس: لم نعد أمام عجز عجائبيّ موقّت ومحدّد في حياة يسوع. فلوقا يفهمنا أن مجمل شعب إسرائيل ابتعد بصورة نهائيّة عن عمل يسوع الخلاصيّ، لفائدة الوثنيّين. وهذا ما يدلّ عليه وَلْيُ الخبر. نحن هنا أمام رؤية تستبق رسالة يسوع وترتبط بخبرة عاشتها الكنيسة بعد الفصح.


2- معنى الزيادات التدوينيّة وأبعادها
أ- خلاص يُعطى للوثنيّين (آ 25- 27)
إن آ 25- 27 هي خاصة بلوقا. دوّنها، فدلّت على تحوّل ظاهر في النظرة، وارتسمت في منطق تقديم كرازة يسوع التدشينيّة في الناصرة كما رآها لوقا. وهي تُقدّم أيضًا الجواب الإِيجابيّ والشامل على آ 23- 24. هنا رذل أهل الناصرة ابنَ بلدهم النبي يسوع، فكان تصرّفهم نذيرًا لتصرّف مجمل شعب إسرائيل. أمّا في آ 25- 27، فالتذكير بما أتمّ إيليّا واليشاع من معجزات من أجل غير اليهود (أي: الوثنيّون) ينبئ بخلاص سيحمله النبيّ يسوع إلى الوثنيّين.
لن نبحث هنا عن تحقيق لكلمات يسوع خلال رسالته على الأرض، وهي ستنحصر جوهريًّا في شعب اليهود ولن تتوجّه إلى الوثنيّين إلا في حالات استثنائيّة. هذا ما نقوله عن ممسوس الجراسيين (26:8- 39 وز) وضابط كفرناحوم (7: 1- 10 وز) والأبرص السامري (17: 11- 19، خاص بلوقا). لا شكّ في أن يسوع سيقول بأن ايمان الضابط يتفوق على الايمان الذي وجده في إسرائيل (7: 9؛ مت 8: 10) وأن السامري الذي شفي مجّد وحده الله (18:17). ولكن هذا لن يدفعه إلى نشر عمله بصورة عادية لدى الوثنيّين. 
والعودة إلى إيليا وأليشاع لا توافق أيضًا الواقع التاريخيّ. فهما لم يحصرا عملهما في شعب إسرائيل، ولكنهما في الواقع بدأا عملهما لدى شعبهما. ولكن لوقا يحتفظ فقط بحدثين ساعداه على إبراز البُعد الشامل لعمل يسوع كما يتصوّره.
وعلى مستوى التعبير، فالتقديم اللوقاويّ يشدّد على الطابع النموذجيّ لهذين الحدثين ويعطيهما بعدًا استثنائيًّا لم يكن لهما في خبرَي كتاب الملوك. لا شكّ في ان إرسال إيليّا إلى أرملة صرفت صيدا ليؤمّن لها الطعام بصورة عجائبيّة وليقيم لها ابنها (1مل 7:17- 24) وشفاء نعمان السوري على يد أليشاع (2 مل 5: 1- 27) يدلاّن على أن قدرة إله إسرائيل وصلت من ذلك الوقت إلى الوثنيّين فنعموا بها. ولكن لا شيء في هذين الخبرين يفترض أن معجزتي هذين النبيّين تتضمّنان شيئًا يدلّ على أن إله إسرائيل يفضّل الوثنيّين على اليهود. فأليشاع سيصنع عجائب كثيرة من أجل أبناء أمته، ويقيم خاصة إبن الشونمية (2 مل 4: 8- 37).
غير أن لوقا يقدّم هاتين المعجزتين وكأن الله يفضل الوثنيّين على اليهود. قال: "كان في إسرائيل كثير من الأرامل في إسرائيل: وما أرسل الله إيليّا إلى واحدة منهنّ، بل أرسله إلى أرملة في صرفت صيدا. وكان في اسرائيل كثير من البرص في زمن النبي أليشاع، فما طهّر الله أحدًا منهم إلاَّ نعمان السوريّ". وُضعت هذه الكلمات في فم يسوع فدلّت، انطلاقًا من مثلين خاصين، على أن نبيَيْ العهد القديم لم يصنعا معجزات إلا من أجل غريبين عن شعب اسرائيل، لا من أجل الكثير من ابناء شعبهما الذين احتاجوا إلى تدخلهما.
والنتيجة الخفيّة هي أن يسوع نفسه، وهو النبيّ الذي لم يقبله أهل بلده، لن يمارس في النهاية خدمته إلا لدى الوثنيّين. وهكذا يرى لوقا لاهوتيّ التاريخ، أن حياة يسوع على الأرض والأقوال التي قالها والأفعال التي قام بها حقًا وسط شعبه، لم تحمل إلى هذا الشعب الخلاص الذي سينعم به الوثنيّون. إن مقطوعة الناصرة تصوِّر مسبقًا ما وصلت إليه رسالة يسوع الذي كان يتوقّع استقبالاً أكثر حرارة وايمانًا.
ورفض يسوع أن يصنع معجزة واحدة من أجل بلده، مع أنه سيصنع في كفرناحوم. فوطنه ومجمل الشعب اليهوديّ لم يرَ فيه النبيِّ الذي يُتمّ اليوم مواعيد الكتب المقدّسة، لهذا فهو لن يرى تحقيق هذه المواعيد التي ستتعدّى حدود إسرائيل وتمتدّ إلى العالم كلّه. وسيصوّر لوقا مسيرة هذه البشارة في سفر الأعمال. قد بدأ بطرح الفكرة في بداية الإِِنجيل، وستكون الذروة في ما سيقوله بولس لليهود في رومة: "أُرسل خلاص الله هذا إلى الوثنيّين وسيستمعون إليه" (أع: 28: 28).

ب- إعلان مصير يسوع المأساويّ (آ 28- 30).
ودوّن لوقا نهاية المقطوعة (آ 28- 30) فأنبأ بالمصير المأساويّ الذي يُنهي عمل يسوع على الأرض. ما أراد أهل وطنه أن يستقبلوه. بل هم حاولوا أن يزيلوه: "فلمّا سمع الحاضرون في الجمع هذا الكلام امتلأوا غضبًا (ردّة فعل مماثلة ضدّ اسطفانس في أع 7: 54). فقاموا ودفعوه إلى خارج المدينة..." ففي طرد يسوع العنيف خارج مدينة الناصرة، أراد لوقا أن يقدّم صورة مسبقة عن موت يسوع مهانًا ومصلوبًا خارج مدينة أورشليم. سنجد هذا الموضوع في مَثَل الكرّامين القتلة. أرسَل اليهم صاحبُ الكرم ابنه الحبيب، فرموه خارج الكرم وقتلوه (15:20؛ مر 8:12). منذ بداية حياة يسوع العامة، يركّز لوقا انتباه القارئ على النهاية: الموت الخلاصي للذي سيسمَّى يومًا ملك اليهود (23: 33).
"وجاؤوا به الى حافة الجبل الذي كانت مدينتهم مبنيّة عليه ليلقوه عنه. لكنّه مرّ من بينهم ومضى". يمكننا أن نتساءل: أما يدلّ الخلاص الذي نعم به يسوع هذه المرّة على الحماية التي يؤمنها الربّ للصديق في مز 91: 11-12؟ "يوصي ملائكته بك ليحفظوك في كل طرقك. على أيديهم يحملونك لئلا تصدم . بحجر رجلك". روى لوقا في 9:4- 12 أن الشيطان عاد إلى هذه الكلمات الكتابيّة خلال التجربة الثالثة ليدفع يسوع إلى أن يرمي بنفسه عن شرفة هيكل أورشليم. ولكن يسوع رفض أن يجرِّب الربّ الإِِله.
ما نقرأه في لوقا هنا هو صدى لهذا المشهد، وهو يبيّن أن يسوع يملك في ممارسة رسالته سلطانًا امتنع عن استعماله حين طلب منه الشيطان ذلك. وإلى أن تأتي الساعة الحاسمة (53:22؛ رج يو 7: 30، 44؛ 59:8؛ 10: 39) سينجو من أبناء بلده. ولكن الطريق التي تبعها ستقوده في النهاية إلى أورشليم ليموت فيها (9: 51، 53؛ 13: 22، 33؛ 17: 11؛ 19: 28).
أمّا هو فجاز (مرَّ) بينهم. نستطيع أن نقرأ هنا بإيجاز ما فعله المسيح النبيّ. أمّا أع 38:10 فيعبّر عن هذا المرور بايضاح: "مسحه الله بالروح القدس والقدرة، فمرّ وهو يعمل الخير ويشفي جميع الذين استولى عليهم ابليس، لأن الله كان معه ".

3- تعليم يتوجّه الينا اليوم
قد نظنّ أننا بعيدون عن موقف أهل يسوع. ولكن غالبًا ما يكون تصرّفنا مثل تصرّفهم دون شعور منّا. نحسب أن يسوع هو لنا وفي الوقت عينه نرذله. نعجب بكلمات النعمة الخارجة من فمه، ولكننا لا نعمل شيئًا لكي تتحقّق فينا اليوم، فنترك مناسبة الخلاص تمرّ دون أن نستفيد منها. قد نشهد ليسوع ولكننا لا نفهم تعليمه ولا ندخله في حياتنا.
لا نسمّيه "ابن يوسف" بل "ابن الله " ولكننا في الواقع نتجاهله. قد ننتظر منه أن يضع قدرته في خدمة مصالحنا، وإن لم يفعل عارضناه "ولم نقبله". نتعبّد لابن الله، ولكنّنا نرفض النبيّ الذي يوجِّه إلينا كلمة الله.
وهكذا نصل، نحن المسيحيّين، إلى ما وصل إليه اليهود من أهل يسوع. رفضنا الإِِنجيل فتوجّه إلى غيرنا وكنا نعتبرهم غرباء ووثنيّين. مثل هذه النظرة تُدهشنا وتملأنا غضبًا. لا نستطيع أن نزيل يسوع، نحاول ان ننكر اليقين، نحاول أن نقتل الكلمة التي يوجّهها إلينا الانبياء اليوم. ولكن يسوع يمرّ في وسطنا ويمضي. يسير في طريقه بعيدًا عنّا نحو أناس آخرين سيستمعون إليه. وحين نغلق آذاننا عن الإِِنجيل، لا نقدر أن نمنع انتشاره خارج كنائسنا. والمخرج الوحيد بالنسبة إلينا هو أَن نترك اليقينات الكاذبة والمخاوف التي تقيّدنا. والطريقة الوحيدة تقوم بأن نتبع يسوع في طريقه إلى أورشليم، في طريقه إلى الآلام والمجد.
الفصل الرابع والعشرون
قوّة يسوع تخرج الشياطين
4: 31- 37؛ مر 1: 21- 28

وتبدأ الرسالة في كفرناحوم. كفرناحوم هي مدينة في الجليل حيث "حصل" (23:4) شيء ما. فإِليها أرسل الضابط الرومانيّ رسلاً إلى يسوع (7: 1). كفرناحوم هي حقل رسالته الأهمّ، وفيها صار الله قريبًا من البشر في يسوع. يسميّها مت 9: 1 مدينة يسوع الخاصّة. كانت مسرح أعمال قدرة يسوع فافتخرت ولكنها ستدمَّر (15:10) فيتمّ فيها كلام أش 13:14- 15: "وان ارتفعت إلى السماء سوف تهبطين إلى الجحيم".
يحدّد لوقا: كفرناحوم وهي مدينة في الجليل. ففي الجليل تكوّن الرسل الأولون، وفيه اختار يسوع شهوده الأولين الذين سيسمّون "جليليّين". و"الجليل" (4: 31) تحيلنا إلى "اليهوديّة" (4: 44). إن "يوم" يسوع هذا يضمّ حقل رسالته المقبل كلّه. ومنذ الآن نجد التعبير عن الإِنشداد نحو الجليل والمدينة المقدّسة: "إلى مجامع اليهوديّة". يبدأ النصّ بفعل "نزل" (حرفيًا: جاء إلى تحت) (4: 31) الذي يذكر بفعل "جاء" في 4: 16. وِنهاية المقطوعة "كان كارزًا (أو مناديًا)" في آ 44 يقابل مع ساعة العماد: وكان بادئًا في 23:3.
تنقسم هذه "الرسالة في كفرناحوم" (4: 31- 44) إلى زمنين. هناك زمن أوّل (32:4- 37) يتركزّ على سلطة كلام يسوع (آ 36:32). إنه يتمّ يوم السبت في المجمع ومن هناك ينتشر صيت يسوع إلى النواحي. والزمن الثاني (38:4- 44) يتكلّم عن اشفية (آ 39- 40) تمَّت ابتداء من بيت سمعان، ومن هناك سينطلق يسوع إلى المدن الأخرى. ففي الزمنين، يواجه يسوع الشياطين والأرواح النجسة (آ 33، 35 . 36، 41). وهم يعرفون (آ 34، 41) من هو، ولكن البشر لا يعرفونه، كما يبدو، شأنهم شأن أهل الناصرة (آ 22).
إن نشاط يسوع خلال يوم السبت هذا يشكِّل برنامجًا: إنه يعلَّم، إنه يشفي (حرفيًا: يعتني بالمرضى كما يفعل الطبيب). ثم يشدّد النصّ بوضوح على الإِنتقال من المجمع إلى "بيت سمعان" في آ 038 إخراج الشياطين و"خوف" (آ 35 - 36). ثم شفاء و"خدمة" (آ 39). وكلّ هذا ينتهي بأشفية "عند غروب الشمس". قد نجد هنا تلميحًا إلى موت يسوع الذي فيه شُفينا كلّنا (رج 23: 44، 56).
ويهتمّ الشياطين بأن يكتشفوا بردّات فعلهم العنيفة ما في الأمر: "أعرف من أنت: أنت قدوس الله" (آ 34)، "أنت ابن الله" (آ 41). ولئلا يخطئ احد ترجم لوقا الكلام بوضوح: "عرفوا أنه المسيح" (آ 41). نحن هنا في الواقع امام التجربتين الثانية والثالثة على مستوى الرسالة، وشموع سينتصر عليهما. إن يسوع يشارك في قداسة الله فتدمّر كلمتُه سلطةَ الشيطان (رج 6:4؛ 53:22؛ أع 18:26). وشموع يجرَّب من قباء الجموع: انها تريد أن تراه يستغل نجاحه الأوّل (رج 4: 12). ولكنه لا يسمح لهم بأن "يحتفظوا به": يجب أن أبشر سائر المدن (آ 43) يجب أن ينطلق إلى اليهوديّة حيث آلامه وموته قبل قيامته. أجل، إذا كانت يده تشفي، إن كان يحرّر البشر من أجل خدمة الله (حماة بطرس)، فهو لا يعمل هذا من أجل مجده الخاص. انه ابن الله الذي يقوم برسالة أوكله بها الآب.

1- يسوع يعلِّم بسلطان (آ 31- 32)
هنا يلتقي لوقا مع مت 28:7 ب-29 ومر 1: 21-22
يبدأ مرقس "وفي الحال" التي هي اداة اخبارية بسيطة خاصّة بمرقس. أغفلها متّى ولوقا كما اعتادا أن يفعلا في الأخبار الموازية. فهي لا تدلّ دومًا على رباط كرونولوجيّ بما سبق: فدعوة الرسل (5: 10- 11؛ مت 18:4- 22؛ مر 1: 16- 20) تمّت في يوم من ايام الأسبوع، في يوم عمل. أمَّا شفاء المتشيطن فتمَّ يوم السبت.
نشير هنا إلى أن لوقا زاد "مدينة الجليل" بعد أن ذكر كفرناحوم. فقراؤه يجهلون الطوبوغرافيا الفلسطينيّة. هل كانت الجليل معروفة بعد الحرب اليهودية الرومانيّة التي انتهت سنة 70 ب. م. بدمار أورشليم؟ الأمر ممكن.
أليوم سبت. علّم يسوع في الناصرة يوم السبت (آ 16). وها هو في كفرناحوم يوم السبت، وفي المجمع بالذات. هكذا فعل يسوع وهكذا تبعه الرسل ولا سيّما بولس، فبدأوا تعليمهم في المجامع يوم السبت، في قبرس (أع 13: 5)، في انطاكية بسيدية (أع 12:13)، في ايقونيّة (أع 14: 1). ولكن تعليم يسوع لم ينحصر في يوم من الأيام، ولا في مكان واحد. وكذلك نقول عن الرسل. سينطلقون من المجامع ليتوجّهوا إلى الأمم الوثنية فيصل خلاص الربّ "إلى أقاصي الأرض" (أع 13: 44 -47).
ماذا علَّم؟ هذا ما لا يقوله النصّ في هذا الشأن. ولكنه يعطينا النتيجة: تعجّبوا من تعليمه، أصيبوا بالدهشة بالنسبة إلى تعليمه. لا شك في أنه عاد إلى الكتب المقدّسة والتقليد، ولكنّه لم يكتفِ بتكرارها كما يفعل الكتبة. كان يضع سلطانه كله، بل يضع شخصه فيها بشكل لم يسمع به أحد. وسبب "دهشة" السامعين هو ان هذا التعليم جديد، يُعطى بسلطان هو سلطان الله نفسه. فكلام الله يفعل وبالحري حين يخرج من فم الذي هو الكلمة بالذات.
والشطر الأخير. قال مر 1: 22: "مثل الكتبة"، فأشار إلى معلمي ذاك الزمان، الذين ينسخون الكتب المقدّسة والتقاليد فيتعرّفون إليها وينقلونها إلى الشعب. قال مرقس: "الكتبة". أمَّا متّى الذي يفكرّ بقرَّائه اليهود والمسيحيّين المتهوّدين فكتب "كتبتهم" أي كتبة اليهود. وهكذا ميَّز الجماعة المسيحيّة عن الجماعة اليهوديّة. اجل، بدأ الإِِنفصال فعلاً منذ الحرب اليهوديّة الرومانيّة وازداد جدًا في السنوات 80 يوم كتب إنجيل متّى، وكان الشرخ واسعًا على مستوى كنيسة متى والعداء عميقًا. ويبدو أنه هدأ في وقت لوقا، أو أنه كان بعيدًا عن قرّائه الوثنيّين. لهذا أغفل ذكر الكتبة واعتبره تفصيلاً يمكن أن يُهمل، فاكتفى بأن يشدّد على شخص المسيح ولا يشبّهه بأحد: "كان يتكلّم بسلطان".
تحدّث الفصل عن التعليم في بداية المقطوعة (آ 32)، وسيعود إليه في النهاية. قال مر 1: 27: "تعليم جديد". ولوقا (آ 36): "أي كلام"! فنحن أمام تضمين، فنعيد في النهاية ما قلناه في البداية، وهذا يدلّ على أن النص يهتم أول ما يهتم بالتعليم. فيسوع يدلّ على سلطانه بالتعليم قبل أن يدلّ عليه بطرد الشياطين. ما يهم الإِنجيليّين، ولا سيما مرقس، ليس مضمون التعليم، وإن هم أوردوا لنا الكثير منه، بل نشاط يسوع في ذاته. فهذا النشاط يدلّ على هويّة يسوع. ويتميّز هذا التعليم بميزتين: الجدّة والسلطان. هو جديد لا بما يورده وحسب، ولكن بنوعيّته. هو جديد لأنه يُعطى بسلطان. والسلطان لا يدلّ على كفاءة شبيهة بكفاءة الكتبة ومعلّمي الشريعة الذين كانوا يعرفون الشيء الكثير. هي كفاءة من نوع آخر.
كان الرابي يرتبط بمعلّميه فيكرّر كلامهم ويهتمّ أول ما يهتم بشرح حرف الشريعة: يتبسط في التأويل ويبقى أمينًا للنصّ والتقاليد التي رافقت النصّ، ويقرّ بجهله إن عرضت عليه أمور في الشريعة عجز عن شرحها. سلطانه كلّه من الشريعة وتفسيرها. أما يسوع فلم يتعلّم في المدارس (يو 7: 15). إنه لا يرجع إلى معلّم سابق ولا يقبل أن يكون عبدًا للحرف. إنه فوق الشريعة وهو يفسّرها. فله سلطان على الشريعة نفسها: "إن الإِنسان هو ربّ السبب أيضًا" (مر 28:2). فحين شفى الأبرص دلّ على أنه أقوى من الشريعة: فهي تلاحظ المرض فقط وتطرد المؤمن من جماعة الله. أما يسوع فيزيل النجاسة ويعيد المؤمن إلى الجماعة. والسلطان الذي يمارسه هو سلطان تحرير الإِنسان من كل العبوديات، بما فيها عبوديّة الخطيئة (مر 2: 10). إذن هو سلطان إلهي يظهر أيضًا في تعليمه.
والطريقة التي بها يعلّم يسوع تطرح السؤال حول شخصه. هذا ما يعبّر عنه أهل الناصرة. تعجّبوا من كلام النعمة الذي يخرج من فمه. ولكنّهم توقفوا عند صفته البشريّة، بل القبليّة والعائليّة. "انه ابن يوسف" (آ 22)! من أين جاءته كلّ هذه الحكمة؟ لا، ليسبى يسوع واحدًا من الربانيّين، بل هو يتصرّف كنبي يتصلّ اتصالاً مباشرًا بالله (رج تث 18 : 15،18). إنه يقول كلام الله ولا يعود إلى أي مقياس بشري يدلّ على صحة كلامه. إنه "قدوس الله" كما قال الشيطان ولم يخطئ، وهو من الله يستقي تعليمه. إنه يجد ينبوع سلطانه في حرية الروح وهو سلطان يكشف سرّ الله ويحرّر الإِنسان. ويُذكَر تعليم يسوع في موضوعين محدَّدين وهما في: الأمثال (مر 4: 1- 2) وإنباءات الآلام الثلاثة. هنا يكشف يسوع عن شيء خفي لا يدركه الانسان بنفسه. يكشف عن سرّ الملكوت (مر 4: 11) ويدلّ على وضع عبد الله المتألم (مر 33:8؛ 9: 31).
إن خبر التقسيم الذي سنعود إليه والذي يدخل في إطار تقديم تعليم يسوع، يهدف إلى أمر واحد وهو تصوير هذا السلطان كسلطان التحرير على كلّ الصُعُد وفي كل المجالات. لهذا نفسره في منظار ما يدلّ عليه التعليم، لا خارج قرائنه فكأنه معجزة خارقة وحسب. ونحن نجد التقارب عينه بين التقسيم والتعليم، وخضوع التقسيم للتعليم في رسالة التلاميذ (مر 6). يُقال في البداية ان الله أرسلهم وأعطاهم سلطان ليطردوا الأرواح النجسة (آ 7)، وفي الواقع طردوا عددًا من الشياطين (آ 13). ولكن حين عادوا أعطى مرقس ملخصًا عن رسالتهم: اخبروا يسوع بكل ما عملوا وعلّموا (آ 30).

2- يسوع يخرج شيطانًا (33:4- 37= مر 1: 23-28)
إن إخراج الشياطين لأول مرة يتّخذ كل معناه إن نحن وضعناه في سياق مر 1: 12- 22 وما يوازيه عند متّى ولوقا. فحين اعتمد يسوع إرتدى روح الله فبدأ حالاً يعلن شيء الملكوت الذي يضع حدًا لتسلّط الشيطان. في هذا الوقت بالذات تدخّل الممسوس فجعل صراع تجارب يسوع يمتدّ وذلك بعداوته للإِِنجيل. وحين انتصر يسوع دشنّ الأزمنة المسيحانيّة حسب رجاء إسرائيل وتقواه. نقرأ في وصية لاوي (من وصيات الآباء الإِثني عشر، كتاب منحول): "تنفتح السماوات، ومن هيكل المجد تأتي عليه القداسة بصوت أبوي، كما من إبراهيم إبن اسحق... ويقيَّد بليعار (بليعال) بيده فيعطي سلطانًا لأبنائه بأن يدوسوا الأرواح النجسة. وسيُسرّ الربّ بحبيبه إلى الأبد".

أ- قراءة النصّ
يبدأ الخبر كما في رواية معجزة فيعرض الحالة: "كان هناك رجل". نقابل مثلاً مع بدايات أخرى: حماة سمعان: "كانت حماة سمعان طريحة الفراش بالحمى" (مر 1: 30). "وجاء أبرص" (مر 1: 40). "جاؤوا إليه بمخلّع" (مر 3:2). ولكن تبدّلت الأمور حالاً. يذكر النصّ عادة مبادرة تدلّ على إيمان المريض أو إيمان مرافقيه. أما هنا فلا يتدّخل أحد. ويسوع نفسه لا يتحرك. حدث "انفجار". حين وجد الشيطان نفسه أمام يسوع أطلق صراخَه. نكتشف هذه النتيجة في خبر تقسيم آخر، حين شفاء الصبي المصاب بداء الصرع: "فلمّا رأى الروح (النجس) يسوع، أخذ يحرّك الصبيّ ويجعله يتلوّى" (مر 9: 20؛ رج لو 9: 39؛ مت 17: 14 ي). من الواضح ان اللقاء بيسوع أحدث صدمة. لا يمكن أن يبقى الشيطان في هذه الحالة لا مباليًا.
وهو يفسر وضعه بوضوح في عبارتين. الأولى: ما لنا ولك؟ أي ما الذي بيننا وبينك؟ ماذا تريد منا؟ بماذا تتدخل؟ تدلّ هذه العبارة على مسافة بين شخصين، أو على سوء تفاهم، أو على خلاف بعد ارتباط، أو على رفض كلّ علاقة أو كل مساومة بين عدوين. نحن أمام اعلان حرب. أو، كما تقول العبارة الثانية: (جئتَ لتهلكنا) اعلان عداوة قديمة ورفض للصراع لأن الشخص (هنا الشيطان) يعرف النتيجة مسبقًا. وسنجد عبارة الرفض والخوف من الهزيمة في مشهد أرضا الجراسيّين: "ما لي ولك "؟ ثم: "لا تعذبني" (مر 7:5؛ مت 13: 29؛ لو 8: 28).
في هذه الحوارات المدهشة يُعطي الشيطان يسوع لقبًا: "قدوس الله". في خبر الجراسيّين "ابن الله العليّ" عند مر 7:5 ولو 28:8، و"ابن الله" في مت 13: 29 . ان عبارة "قدوس الله" نادرة في العهد الجديد. نجد في أع 3: 14: "القدوس والبار" وفي 4: 27- 30: "فتاك القدوس". نحن أمام عبارة كريستولوجيّة عرفتها الكنيسة الأولى. في لو 1: 35 يرتبط "القدوس" مع "ابن الله". ولن نجد عبارة "قدوس الله" الاّ في يو 6: 69 في اعتراف ايمان بطرس (كما في قيصرية فيلبس في الأناجيل الإِزائيّة). يدلّ الإِِنجيل على يسوع كذلك "الذي يأتي من الله ويعود إلى الله" (يو 3:13؛ 16: 20)، أو ذلك الذي أرسله وقدّسه (يو 36:10).
أما في العالم اليهوديّ فلا تدلّ عبارة "قدوس الله" على لقب مسيحانيّ. لهذا دلّت في آذان سامعي يسوع على أن يسوع كان ينتمي إلى دائرة القداسة الإِلهية. دلّت على كائن يرتبط ارتباطاً خاصًا بالله. وهكذا عبّرت صرخة الشيطان (أنت قدوس الله) على أن لا توافق اطلاقًا بينه وبين يسوع.
يسمّي لوقا العدو "الشيطان". أما مرقس فيسمّيه "الروح النجس". لا يرتبط الروح بالنجاسة على مستوى الجنس أو غيره من الشرائع الأخلاقيّة. نجس أي غير طاهر. أي: لا يجب ان يُلمَس، وان لمسناه تنجسنا. هذا هو وضع خنازير الجراسيّين التي ارتبطت بالشياطين. النجس هو الذي يمنعنا من الإِقتراب من العالم القدسيّ، من عالم الله. النجس يعارض ما هو مكرَّس لله ومقدّس. إنه القوّة المعاديّة لله ولقداسته. في هذه الظروف نفهم أن الشيطان شعر بحضور يسوع وكأنه حرب وعدوان، فكان هذا "الإِنفجار". وسيؤكّد لنا وَليُ الخبر على مخاوف الشيطان. لقد هدّده يسوع، بل أمره امرًا إلهيًا لا يقبلّ المماطلة والتسويف. هذا هو معنى فعل "ابيتيمو" في العهد القديم اليونانيّ.
هنا يعطي يسوع أمرين. الأوّل: اصمتّ. حرفيًا: اجعل كمامة (على فمك). يستعمل الفعل في المعنى الحرفي في 1 كور 9:9: "لا تضع كمامة على فم الثور وهو يدوس الحبوب" (رج 1 تم 18:5: تث 25: 4). وفي المعنى المجازيّ، طلب بطرس من المسيحيّ ان "يسكت (يغلق، يضع كمامة) فم الجهل (جهالة الأغبياء) بسلوكه الحسن" (1 بط 15:2). ويقول مت 15:22 ان يسوع "أغلق فم" (أفحم) الصدوقيّين. وإنه أغلق فم الشيطان (مر 1: 25 وز؛ لو 4: 35) والبحر (مر 4: 38). وهـكذا نتصوّر الشيطان كحيوان مفترس يكبح الربّ جماحه ويمنعه من أن يُلحق الأذى بأحد.
الأمر الثاني الذي يوجّهه يسوع إلى الشيطان: "أخرج منه". هذا ما نجده أيضًا في مر 8:5 ولو 29:8 مع ممسوس الجراسيّين، وبصورة أوضح في مر 9: 25: "فلّما رأى يسوع أن الجموع يتبادرون إليه، إنتهر الروح النجس قائلاً: أيها الروح الأصمّ والأبكم. أنا آمرك: أخرج منه ولا تعد إليه بعد الآن". أما لو 42:9 فاكتفى بالقول: "إنتهر يسوع الروح النجس وابرأ الصبيّ". خرج الشيطان وكان خروجه نهائيًا.
وأخيرًا صوّر مرقس بألفاظ عنيفة كيف خرج الشيطان. هزّ الممسوس، صرعه وصرخ صرخة قوّية. ولكن لوقا لا يحب مثل هذه الصور التي تشتّت انتباه قرائه الذين لا يفهمون الخيال الشرقي وتبعدهم عن المعنى العميق. لهذا ألغى هذه الصور وتكلّم كطبيب: "خرج الشيطان من غير أن يصيبه بأذى". يدلّ هذا الصراخ على النتيجة التي حصل عليها يسوع (ق مر 26:5) ولكن من دون صراع، عكس ما حدث مع ممسوس الجراسيّين والولد المصروع. في هذين الحادثين الأخيرين واجه يسوع بعض المقاومة، أما هنا فالنصر سريع. وهذا ما يُعجب به الحاضرون وقد رأوا فيه أمرًا غير عادي: أطاعت الأرواح النجسة كلمة يسوع، خضعت لهذه الكلمة الفاعلة.

ب- معنى النص
ويفسّر الإِِنجيل مشهد طرد الشيطان فيخضعه لشيء آخر، ويعبّر عن هدفه في ايراد مثل هذه الأخبار. ولكن بم يقوم هذا الهدف؛؟
إنه يكمن في إبراز شخص يسوع واكتشاف تدريجيّ لعمله. فإذا أردنا أن نجيب على السؤال الأساسي: "من هو يسوع"؟ يجب أن نطرح سؤالاً آخر: "من يقدر أن يقول من هو المسيح"؟ إن خبر التقسيم هذا الذي ينتهي بسؤال يتضمّن جوابًا، وهو يدلّ على انشداد نجده في كل الإِِنجيل الذي يقود القارئ إلى الأعتراف بالإِيمان المسيحيّ، إلى الأعتراف بيسوع كالمسيح وابن الله، بل الله نفسه. التعرّف إلى سر يسوع غير ممكن إلاّ بعد طريق طويلة وطبقًا لبعض الشروط. كل ما يحدث قبل ذلك أو عن طريق أخرى هو غير مقبول. هناك دروب كاذبة، هناك فخاخ يجب أن نتجنّبها. ويعلّمنا مرقس مثلاً كيف نتجنّبها. فأخبار التقسيم التقليديّة تعطينا عناصر التعليم، شرطَ أن نفسّر تفسيرًا مختلفًا عنصرَي التقنية اللذَين اكتشفناهما في الأخبار الإِنجيليّة وهما: التلفّظ باسم الشخص، وضع "الكمامة".
ففي التقسيمات اليهوديّة أو الوثنيّة كان التلفّظ بإسم المقسِّم وسيلة يدافع بها الشيطان عن نفسه، مجهودًا يائسًا ليلغي سلطان الذي يريد أن يطرده. ولكن حين يلفظ المقسِّم بدوره إسم الشيطان فهو يسكت الشيطان خصمه ويسيطر عليه بانتظار أن يطرده. من الواضح أن هذه الوجهة السحريّة في الصراع لا تهم الإِِنجيل: إنه يلغيها كليًّا مبدّلا معناها. وهذا واضح من الإِجمالة في مر 1: 34؛ 3: 11- 12 ولو 4: 41: لقد صار الإِسكات (وضع الكمامة) أمرًا واضحًا بالسكوت وعدم الكلام. وما يدفع يسوع إلى إسكات الشياطين هو أنها تعرف هويته. فالإِِسم الذي تتلفَّظ به الأرواح النجسة هو أوضح في الإِجمالة (مر 3: 11- 12) منه في الأخبار.
لن نتخيل أن الجموع كانت تستطيع أن تسمع صراخ الشياطين. ولكن الإِِنجيل يفكّر بالقراء ويقدّم لهم تدبير الله في وحيه. ما يريد أن يقوله هو أن تكرار ذكر "يسوع ابن الله" بالشفاه وبصورة آلية دون الدخول في السر، يبقى عملية شيطانيّة تضرّ في النهاية برسالة يسوع والتعرف الحقيقيّ إلى شخصه.
من هو يسوع؟ معرفة الشياطين له معرفة خاطئة، وهم يقولون ما يعرفون قبل الأوان. واحد وحيد يعرفه وهو الاَب: "ما من أحد يعرف من هو الإِِبن إلاّ الآب" (22:10). لقد تاق الأنبياء إلى هذه المعرفة وتاق الملوك (يتحدث مت 17:13 عن الأبرار) ولكنّهم لم يحصلوا عليها. أما الله فكشفها للصغار أي للتلاميذ (رج مت 42:10؛ 25:11). كشفها لهم خاصة عند الصليب. فلا يكفي أن نعرف معرفة من يستولي على شيء بقوّته أو باستحقاقاته، بل أن نتقبل هذه المعرفة بالإِيمان وكأنها عطيّة من الله. ولا نُسرع في قول ما تعلمناه، فقد نخطئ أو نكون كمن يرمي جواهره أمام الخنازير. إن اعمال يسوع تجعل الجموع يتقاطرون إليه، تدفعهم إلى طرح السؤال: "ما هذا"؟ أو "من هو هذا"؟ ولكن هذه الأسئلة لا تأخذ كامل معناها إلا في الآلام. لا نستطيع أن نعرف حقًّا من هو يسوع إلاّ إذا تبعناه حتّى الصليب. وعلى ضوء القيامة نتعرّف إليه كالرب والإِله.

خاتمة
إن هذا الحدث جزء من مجموعة سُمِّي يوم كفرناحوم. فيه جمع مرقس (1: 21- 34) وتبعه لوقا (31:4- 41) ما فعله يسوع في سبت من السبوت في كفرناحوم: تعليم، طرد الشياطين، شفاء حماة بطرس، لوحة إجماليّة عند المساء. تتوزّع هذه الأحداث على التوالي في المجمع، في بيت سمعان، على باب المدينة. ولكن هذه المتتالية نفسها تنتمي إلى مجموعة أوسع (مر 1 :14- 39= لو 14:14- 41). وفيها يكشف يسوع عن نفسه في الجليل: يأتي إلى شاطئ البحر، يدخل كفرناحوم، يدخل إلى المجمع، يخرج منه، يذهب في المساء إلى باب المدينة، يترك في الصباح المدينة ليجول في الجليل. وفي النهاية يكرز في المجامع ويطرد الشياطين. وبعبارة أخرى، إنه يعمل في كلّ مكان ما عمله في مجمع كفرناحوم: يعلِّم ويطرد الشياطين.
إن هذا الحدث هو نواة حركة تركيز وتوسيع: إنه يركز على نشاط يسوع في المجمع (الموضع الرسمي الدينيّ)، في البيت، على باب المدينة (موضع الإِجتماع). ولكنّه يوسّع فيبين لنا أن التحرر الذي حمله يسوع إلى كفرناحوم سينتشر في الجليل ويصل إلى أورشليم. وبعد الفصح، ستصل الرسالة إلى العالم كلّه (مر 15:16). فهل نتعجّب إن ذاع صيته، لا في أورشليم واليهوديّة والسامرة؟ فسيحمل الرسل إسمه إلى أقاصي الأرض.
الفصل الخامس والعشرون
شفاء حماة بطرس
4: 38- 41

خبر بسيط ولكنه يحمل غنى كثيرًا. فنحن نكتشف فيه كما في سائر أخبار المعجزات، جوهر الكرازة الانجيليّة، أي إعلانَ الخلاص بواسطة المسيح. وإذا أردنا أن نفهم الخلفية اللاهوتيّة لهذا الخبر، نتتلمذ على يد المسيحيّين الأوّلين ونتعرّف إلى طريقة تفكيرهم فيما يخصّ الأشفية العجائبيّة. بعد هذا، نحدّد السِمات الأدبيّة والدينيّة الخاصّة بكل إنجيليّ.
يرى الشُرّاح اليوم أن المعجزات التي أوردها يوحنا تقدّم، مع وجهتها التاريخيّة، طابعًا رمزيًا. ولهذا فَهُم يشدّدون على الوجهات الروحيّة واللاهوتيّة لهذه "الآيات ": فشفاء المولود أعمى صورة مسبّقة عن استنارة الايمان، وتكثير الأرغفة ينبئ بالافخارستيّا. أتُرى الأناجيلُ الازائية بعيدةٌ كلَّ البعدِ عن إنجيل يوحنا؟
في الواقع، إن الفن الأدبيّ للأناجيل الأربعة يدعونا إلى البحث فيها كلّها عن أفكار لاهوتيّة أشرفت على اختيار التذكّرات الرسوليّة، وإبرازها وترتيبها. اذا كانت التقاليد الانجيليّة ارتدت شكلها الحاليّ على ضوء قيامة المسيح وفي مُناخ مشاركة في هذه القيامة، فيبدو من المُدهش أن لا يكون هذا المَناخ قد ترك أفي أثر في الأخبار الازائية. إذن، لن ننكر وجود منظار رمزيّ في الأناجيل الازائيّة. هذا ما سنطبّقه على خبر شفاء حماة بطرس في كل من مرقس (29:1 ي) ومتى (8: 14 ي) ولوقا (4: 38 ي).

1- خبر مرقس
حين نقرأ هذا المقطع في مرقس نلاحظ تعدّد الأشخاص وحيويّة الخبر. هذاْ ما لا شكّ فيه. ولكن ألا نجد شيئًا آخر في خبر كُرزَ به مدّةَ ثلاثين سنة قبل أن يحتفظ به مرقس في إنجيله؟ حين يورد مرقس الأحداث فهو لا يتوقّف عند مدلولها المباشر، بل يوجّه الفكر نحو مجالٍ أسمى من خلال معنى هذه الوقائع. وهكذا، ففي نظر مرقس تتلخصّ كلّ عجائب المسيح بصراعه ضدّ الشيطان: قد يهمل خبر معجزةِ شفاءٍ جسديّ يورده الازائيّان الآخران، ولكنه لا يترك جانبًا أيّ تقسيم وطرد شيطان. وكما يشهد مر 1 :39؛ 3: 15؛ 7:6 (ق مع 13:6) فهو يعتبر الأشفية الجسديّة، شأنُها شأن التقسيم، وكأنها انتصار على الشيطان. هذه المقاطع تدلّ على عقليّة مرقس، لاسيّما وإنّ متى ولوقا يفترقان عنه في هذه النصوص الموازية.
حين يشفي المسيح أمراض الجسد التي هي نتيجة الخطيئة وآثارها من قبضة الشيطان، فهو يحارب ضدّ الشيطان. لا شكّ في أن هذه القتالات هي مناوشات بالنسبة إلى القتال العظيم الذي يحدّد مصير البشر. ولكنها إذ تدلّ في الحقيقة على قدرة الله في المسيح، فهي تعلن وتهيئ وتدشّن منذ الآن انتصاره النهائيّ على الخطيئة والموت، انتصارَه على مملكة الشيطان.
في هذا المنظار نفهم أن يكون مرقس شدّد على الرباط بين الشياطين والموت: فحين تحدّث عن ممسوس الجراسيّين، ذكر القبور على ثلاث دفعات (مر 2:5، 3، 5)، فلفت انتباهنا إلى أمر مهمّ (لسنا هنا أمام عدم مهارة كما قال بعض الشرّاح). إنه يريد أن يصوّر الممسوس وكأنه إنسان مستعبَد للموت. ونقول الشيء عينه عن الممسوس الذي يقع في داء الصَرْع (مر 14:9- 29): شدّد مرقس، أكثر من متى ولوقا، على الوجهة الشيطانيّة للمريض وعلى الموت الظاهر الذي يسبق الشفاء (صار الصبي كالمَيْت آ 26). فالموت والمرض يدلّان في نظر مرقس على سلطان الشيطان. وكل شفاء يحقّقه يسوع هو انتصار مسيحانيّ ضدّ القوى المعادية، هو انتصار يكشف في يسوع منذ الآن عن قدرة الله التي تتدخّل من أجل الخلاص.
ولكننا أمام استباق، أمام تهيئة بداية. الشفاء عابر الآن، ولكنه سيصبح علويًّا فيما بعد، وفي النهاية سنتشبّه جسدًا ونفسًا بصورة المسيح المجيدة. إلا أن قدرة الله هي التي تعمل في كل هذه الحالات. وهذا ما تشير إليه لفظة "ديناميس " (قدرة) التي تدلّ على هذه المعجزات. ما يهمّ الانجيليّ ليس نتيجة العمل، بل القدرة التي تفعل وهي قدرة علويّة، قدرة إلهيّة تستطيع أن تحوّل وتخلّص كل شيء. فخلال حياة يسوع على الأرض، ورغم انحداره في الامحّاء، لم تستطع هذه القدرة إلاَّ أن تظهر. إنها تتدخّل قبل الساعة كعلامة تسبق وتعلن وتهيئ مجيء الملكوت بقوّة. وبما أنّ هذه الأعمال العجيبة التي صنعها يسوع خلال حياته على الأرض هي فقط بداية وإعلان، فهي ترتدي بالضرورة مدلولاً ديناميكيّا ورمزيًّا. فمرقس الواعي لتوسّع الأمور كما نرى في 4: 8 و 4: 26- 28 يعرف كلَّ المعرفة أن انجيل (الخبر الطيب والبشرى) الخلاص يتضمّن بداية (مر 1: 1) تهييء وتتطلّب انتصارًا حاسمًا. فالأعجوبة هي في نظره واقعٌ له معناه. أنها تتوجّه إلى غاية، فلا يبقى لنا إلاَّ أن ننجذب بديناميّة أعمال القدرة هذه لنشاهد الخلاص التامّ الناجز.
إنه لمن الضروريّ أن نتجاوز الحدَث الخام لنفهم معناه. هذا ما يعلّمنا إيّاه الانجيليّ الذي يلاحظ بعد أوّل تكثير للأرغفة والسير على المياه: "لم يفهموا شيئًا من أمر الخبزات، بل كانت قلوبهم عمياء" (مر 6: 52؛ رج 17:8- 21).
ثم إنه يسهُل على الفكر أن ينتقل من أمراض الجسد إلى أمراض النفس. وهذا ما يشهد له قول يسوع الوارد في مر 17:2: "ليس الأصحّاء في حاجة إلى طبيب، بل المرضى. ما جئت لأدعو الصدّيقين، بل الخطأة". والأمثلة عديدة: التينة اليابسة (مر 11: 12- 14، 19- 21)، وتكثير الأرغفة مع الاشارة إلى الافخارستيّا. والسوريّة الفينيقيّة التي هي باكورة الأمم الوثنيّة (مر 7: 24- 30)، وشفاء المخلّع وغفران خطاياه (مر 3:2- 12) ودعوة الرسل الصيّادين ليصطادوا الناس إلى الخلاص (مر 1: 16- 17).
هذه اللمحة عن مرقس تساعدنا على إدراك الأفكار التي تحرّك خبر شفاء حماة بطرس (مر 29:1- 31). عند منعطف مهمّ من الخبر نجد عبارة غريبة ومعبّرة تبرز فِعلة يسوع الرئيسيّة حين أقام المريضة (أنهضها). إن مرقس بلبَلَ تتابع الحركات التي كان بموجبها على يسوع أن يتقدّم، ثم يُمدُ يده، وأخيرًا يُنهض حماة بطرس. غير أنه معجَّل في الوصول إلى هدفه، وراغب في إبراز فعلة يسوع الأهّم: "دنا منها وأنهضها بعد أن أمسك بيدها". فالفعل المستعمل هنا "أغايرو" يدل أيضًا على قيامة الموتى، كما في العربيّة (أقام وأنهض). هذا المعنى معروف لدىِ مرقس، وهذا ما نكتشفه عبر مقاطع تتعلّق بقيامة البشر أو بقيامة المسيح. مثلاَ في مر 26:12: "أمّا ما هو من أمر قيامة الأموات ". وفي 16: 6 "تطلبين يسوع الناصريّ المصلوب: إنه قد قام وليس هو هنا" (رج مر 14:6، 16؛ 28:14).
هذا الفهم لفعل "أقام " نجده أيضا عند يوحنّا الذي رأى في إقامة الهيكل صورة عن قيامة المسيح (يو 19:2- 22). ونجده أيضًا في نشيد ليتورجىّ يرد في الرسالة إلى أفسس فيصوّر القيامة العماديّة وكأنّها قيام ونهوض: "إستيقَظ أيّها النائم وقم من بين الأموات " (أف 14:5). وأخيرًا، حين يورد لوقا في سفر الأعمال كرازة بولس، فهو يقابل بين داود الذي أقامه الله ملكا (أع 13: 22) من جهة، ويسوع الذي قام من بين الأموات من جهة أخرى (أع 13: 30، 37). 
ونجد في الانجيل الثاني على الأقلّ مقطعين يربطان بين النهوض والقيامة.
في مر 5: 41، قال المسيح للفتاة المائتة: "قومي ". وفي الحال نهضت الصبيّة. "وفي مر 9: 26- 27، نحن أمام "مصروع " صار كالمَيْت بحيث قال الناس: "إنه قد مات ". فأخذه يسوع بيده وأقامه. ففعلة الاقامة تدلّ على القيامة.
من أجل كل هذه المُعطَيات، نظن أنّ مرقس صوَّر شفاء حماة بطرس وكأنها قيامة عماديّة (بواسطة قبول سرّ المعموديّة). فعَبْرَ شفاء يعبّر عنه فعل "أغايرو"، ننطلق إلى مشاهدة القيامة والخلاص التامّ.
وماذا نقول عن التعليق الذي ينهي الخبر: "أخذت تخدمهم "؟ لا شكّ في أننا أمام أعمال وضيعة تفرضها عوائد الضيافة على حماة بطرس. ولكن إن توقّفنا عند هذا المعنى، تجاهلنا ديناميّة فكر مرقس. فالخدمة المصوّرة هنا هي بداية: إنها تدشّن خدمة كلّ الناس الذين شفاهم المسيح، هي خدمة تدوم وتتوجّه إلى المسيح كما إلى الجماعة الكنسيّة.
ما هو البًعد الحقيقيّ لعبارة "ولمّا خرج من المجمع جاء إلى بيت سمعان "؟ لقد ترك يسوع المجمع ليجعل من بيت سمعان بطرس كنيسة خلاص. أجل، إن صور حياة يسوع على الأرض لها قيمتها لا في كفرناحوم وحدَها، بل في الأرض كلّها.

2- خبر لوقا
ما قلناه يميّز مرقس، فلا نستطيع أن نطبّقه على لوقا أو متى. لا شكّ في أن كل العموميّات المتعلّقة بقدرة يسوع العجائبيّة، تنطبق أيضًا على لوقا. ولكن طريقة لوقا في عرض الأمور تختلف عن طريقة مرقس. مثلاً، ترك فعل "أغايرو الرئيسيّ عند مرقس وأحلَّ محلَّه "أنئيستامي " (أقام، أناستاسا). ما يهُمّ الراوي هو موقف يسوع الذي ينحني على الصبيّة ويأمر المرض. ما يهمّه هو صلاح (حنان) يسوع وقدرته الفاعلة حالا.
عمِلَ لوقا كمؤرّخ (1: 1- 4) فتجنّب نقل النصّ إلى المستوى الرمزيّ أو الاستعاريّ. وإذ أشار إلى الديناميّة الخاصّة لخبر المعجزات، اهتمّ لا بامتداد الحدَث نفسِه، بل بموقف المسيح وبعواطفه. إن يسوع كشف في أصغر معجزاته حنانا وقدرة سيتضخّمان ويتأوّنان في المسيح الممجد.
وهكذا، لا ينقل لوقا القارئ إلى حدث ماضٍ، بل يجتذبه ليفكّر بالمسيح الذي هو المخلّص الآن. أمّا العبارة التي تتوسّط الخبر فتتألف من صفتي الحنان (او الصلاح) والقدرة الضروريّتين لتؤمّنا خلاص البشر. فبدون حنان، لن يحاول المسيح أن يخلّصنا. ومن دون قدرة، لا يستطيع أن يخلصنا. واتّخاد هاتين الصفتين في المسيح، مسيحِ الأمس واليوم، أمرٌ يهمّ بالدرجة الأولى.
ولقد أشار لوقا إلى هاتين الوُجهتين في خطبة بطرس عند كورنيليوس: "يسوع الناصريّ... كيف مسحه الله بالروح القدس والقدرة، فسار في كلّ مكان يعمل الخير ويشفي جميع الذين استولى عليهم إبليس، لأنّ الله كان معه (أع 37:10- 38). نجد هاتين الوجهتين في الملاحظات الخاصّة بلوقا: إنحنى المسيح على المريضة فعبَّر عن صلاحه وحنانه. وأمر الحُمّى فنفّذت أمره، وهكذا دلّ على قدرته.
ونشير إلى سِمة خاصّة أخرى بنصّ لوقا. من جهة، يترك في الظلّ وجه التلاميذ، وهكذا يُبرز الشخصين الرئيسيّين. ومن جهة ثانية يحتفظ بصيغة الجمع في موضعين: "سألوه (هم) لأجلها". من هم الذين سألوه؟ "وأخذت تخدمهم ". من هم هؤلاء؟ إنهم التلاميذ. فالجماعة المسيحيّة، جماعة الأمس واليوم، تصلّي لخلاص المرضى والخطة (رج يع 5: 14- 15؛ أع 8: 15). نحن هنا في إطار لوقاويّ نكتشفه بصورة خاصّة في سفر الأعمال.

3- خبر متى
تجاوز متى مرقس ولوقا على مستوى الرمز، بحيث إنه صوّر، عَبْرَ تذكُّر أورده، موت المسيح وقيامته (مت 8: 29؛ 14: 26- 27) أو وضعَ الجماعة في أيّامه (مت 8:9؛ 14: 33). ونحن نرى طريقته هذه بوضوح.
بسَّط متى النصّ تبسيطًا وصل به إلى حدّ الجمود: لم يبق في المشهد إلا المسيح والمرأة المريضة وجهًا إلى وجه. لا حاجة إلى أيّ وسيط. المسيح هو الذي رأى المريضة وصنعَ المعجزة طوعًا. حين نعرف إلى أيّ حدّ (ما عدا حالات التقسيم) كان لا بدّ من التوسّل إلى المسيح لنأخذ منه معجزة، نظنّ أن خبر مرقس ولوقا هو أقرب إلى واقع الأمور. فهل صوَّر متى "الحقيقة التاريخية"؟ لاشكّ في ذلك، لو كان هدفه تقديم سيرة يسوع العلميّة. ولكن هذا التبديل ينبّهنا أنّ متى الذي ظلّ أمينًا للتذكّرات والتقاليد المتعلّقة بيسوع، أراد أن يجعلنا في حضرة المسيح المخلّص الذي لا يحتاج إلى أحد ليرى آلامنا، وشقاءنا، ليتحنّن علينا، ويبادر إلى خلاصنا.
ونجد إشارة أخرى الى هذا التبديل في القرينة المباشرة. فبعد أن تحدّث متى، شأنهُ شأن مرقس ولوقا، عن عدّة أشفية صنعها يسوع في تلك الليلة، زاد: "وهكذا تمّ قول النبيّ أشعيا: أخذ عاهاتنا وحمل أوجاعنا (مت 17:8؛ رج أش4:53). إن وجود هذا الاستشهاد في هذا الموضع يكشف عن نظرة متى إلى هذه الأشفية العجائبيّة. قال النصّ العبرانيّ (أش 53: 4): "أخذ أوجاعنا وحمل عاهاتنا". أمّا اليونانيّ (حسب السبعينيّة): "حمل خطايانا وتألّم من أجلنا". إنّ عبد الله يأخذ على عاتقه الآلام التي استحقّتها خطايانا لنا. فإذا طبَّق متى هذا المقطعِ لا على آلام المسيح، بل على الأشفية العجائبيّة، فهذا يعني أن هذه لأشفية تعبِّر (وترمز) في نظره عن خلاص ناله المسيح بآلامه، أنه يرى، عَبرَ هذه الأشفية، المسيح الذي تألم ومات من أجلنا ليشفينا من الخطيئة والموت.
إن كل هذه الاشارات تدفعنا إلى إعطاء فعل "أغايرو" (هنا اغارتي) معناه الأقوى. فكما استقامت الصبيّة قائمة من الموت (مت 25:9)، وكما قام يسوع (مت 6:28- 7)، هكذا قامت هذه المريضة بيد المسيح. في هذا المنظار يتّخذ موقف هذه المرأة التي شفيت فخدمت المسيح، معنى دينيًّا خاصًّا (بصورة أوضح ممّا نجد عند مرقس ولوقا).
هل نقول إنّ متى أعطى معنًى روحيًّا للاشارة الطوبوغرافيّة التي وجدها في بداية المقطوعة؟ حين جعل اسم بطرس محلّ اسم سمعان، شدّد على المعنى الكنسيّ لبيت بطرس هذا. والمسيح لا يخرج من المجمع ليذهب إلى بيت سمعان (كما في مرقس ولوقا). تعمّد متى في ما فعل. فالمسيح وأخصّاؤه يشكلّون في نظره إسرائيل الحقيقيّ، فلا يحتاجون إلى الخروج من المجمع. أمّا اليهود اللا مؤمنون فهم الذين يخرجون من جماعة الخلاص. هل اختار متى قرائن لخبره تختلف عن قرائن مرقس ولوقا؟ يجب أن لا نجعل هوّة بين مقطوعة إنجيليّة وأخرى، ولا ننسب كلّ نصّ إلى محيط يختلف عن الآخر. فالتفكير اللاهوتيّ عند متى لا يختلف كثيرًا عمّا نجده عند مرقس ولوقا.
فإذا كان خبر متى قد وجّه أنظارنا إلى تعليم عِماديّ، فهو لا يعارض الشكل الذي نجده في الازائيّين الآخرين. إنه يعبّر عن فكرة لاهوتيّة نجدها أيضًا عند مرقس ولوقا. لا معارضة بين ثلاثة، بين ديناميّة لا تنفد عند مرقس، بين تأمل في موقف يسوع الداخليّ والأزليّ عند لوقا، بين وضوح وجمال رمزيّ لدى متى.
أمّا المعنى المتّاويّ فيشير إلى سرّ إنسان بائس، وصل إليه نظر المسيح فقام بنعمته.

4- الفنّ الأدبيّ في الأناجيل
نودّ بعد هذه العُجالة أن نحدّد الفنّ الأدبيّ لهذه المقطوعة، بل للانجيل كلّه. فحين ننطلق من مثَلٍ ملموس نفهم فهمًا أفضل هدف الانجيليّين حين كتبوا لنا ما كتبوا.
هل أرادوا أن يقدّموا لنا سيرة المسيح؟ هل أرادوا أن ينقلوا إلى قرّائهم إيمانًا يتناسى الزمن؟ إذا أردنا الجواب عن هذه الأسئلة، تبقى الوسيلة الفضلى بأن نطرح السؤال على معاصري الأناجيل. فمهما يكن من أمر زمن كتابة أعمال الرسل، ومهما تكن طريقة لوقا في سرد الاخبار، فنحن نستطيع ان ننطلق من هذا الكتاب لنتخيّل ولادة الكرازة الانجيلية ونموّها.
إن هذه الكرازة تُعتبَر قبل كلّ شيء شهادة تتعلّق بقيامة المسيح: هذا هو محور الخُطَب التي ألقاها بطرس (أع 2: 32؛ 3: 15؛ 5: 30- 32؛ 10: 39- 41) أو بولس (أع 13: 30- 33؛ 17: 31؛ 25: 19). فلفظة إنجيل عينها لا تشير إلى سيرة المسيح، بل إلى اعلان قيامته وتمجيده: حين يحدّثنا لوقا في أع 5: 42 عن الرسل الذين يبشّرون (انجل، انجيل) بالمسيح يسوع، نعود إلى كل الخُطب المحيطة بهذه الآية (أع 4: 9- 12؛ 5: 30- 32) لنفهم أنهم "انجلوا"، كرزوا بقيامة يسوع المصلوب وتمجيده. وكذا نقول عن أع 13: 32: الانجيل الذي يعلنه بولس هو قيامة يسوع من بين الأموات.
ونتوقّف بصورة خاصّة عند حدث اختيار متّيّا: لا يُطلَب من الرسول الجديد أن يشهد لحياة يسوع كما عاشها على الأرض، بل لقيامته فقط (أع 1: 21 - 22). ولكن، إذا أراد الرسول أن يشهد للمسيح القائم من الموت، لا يكفي أن يكون قد رأى ظهورات الربّ، بل يجب عليه أن يكون قد عاش معه خلال حياته على الأرض (أع 1: 21). فإذا أردنا أن نعرف من هو هذا المسيح الممجّد، وأن نعرِّف الناس إليه، وجب علينا أن نعود إلى أعماله وأقواله السابقة.
وإذا أردنا أن نفهم كيف تنظَّم الانجيل كما هو الآن، لن نجد نصُّا أكثر إيحاءً من خُطبة بطرس في بيت كوِرنيليوس (اع 34:10-43). نجد فيها عددًا من الأمور التاريخيّة كما نجد عرضًا لاهوتيًّا. فالمعجزات هي أفعال حنان وقدرة تدلّ على حضور الله وعمله ضدّ الشيطان. وهكذا نستشف الفداء كله عبر كل فعلة خاصّة. ونلاحظ أيضًا التعارض والمُوازاة بين آ 37- 38 وآ 39- 42 (أع ف 10). حين يتحدّث بطرس عن المعمودية والمسحة والمعجزات، يعود إلى شهادة الحاضرين. وحين يتحدّث عن موت المسيح وقيامته، يُبرز شهادة الرسل. 
وهكذا نلاحظ مرّة أخرى أن الكرازة الانجيليّة تكمن أساسًا في الشهادة للموت والقيامة، كما تكمن في إضفاءِ معنًى عميق على أحداث حياة المسيح السابقة. ففي هذه الخطبة، يتوازى العماد والمسحة مع الموت والقيامة، فيتلقّيان نورًا جديدًا. ومقابل هذا، إن هذه الأحداث تساعدنا على فهم موت المسيح على أنَّه عِماد، و على فهم قيامته على أنها تولية مسيحانيّة (يجلس على عرشه كملك).
في الكرازة الانجيليّة، لن نلتفت الى الماضي بما أنه ماضٍ، ولا نؤلف سيرةً تسرد حياة يسوع بتفاصيلها، بل نلقي ضوءًا على مجد المسيح القائم من الموت بواسطة ماضيه (أي حياته العلنيّة على الأرض). وهذا التأثير المتبادل يفهمنا لماذا وُجدت الدقة في الأخبار، والحريّةُ في تقديمها عَبرَ الأناجيل. مبدأ الشرح هذا يتيح لنا أن نفهم حدود الجماعة الرسوليّة في تقديم حياة يسوع، وأن نتعرّف إلى همّ الانجيليّين بالبقاء قريبين من التاريخ.
مثلاً، أخبار الظهورات. هناك تقديم تعليميّ واستعمال أساليب خاصّة بالمؤرخين القدماء. ومع ذلك، فالاهتمام بإيراد الأحداث في إطار تاريخيّ يظهر أكثر مما في سائر مقاطع الإِنجيل أمّا الأخبار المرتبطة بحياة يسوع السابقة للفصح (أي قبل موته)، فقد رُويت على ضوء القيامة. ولا عجب في ذلك. فلو لم يقم المسيح، لفكّر الرسل بتدوين سيرة معلّمهم. ولكن إن قلنا إنهم كتبوا فقط سيرة يسوع، دمّرنا الايمان بقيامة المسيح. أمّا إذا عرضوا أن يسوع هو حيّ، فقد أرادوا أن يعلنوا المسيح المخلّص والمجيد.
إذن، ليست الأناجيل تقريرًا بسيطًا عن حياة يسوع وتعليمه، بل شهادة عن موته وتمجيده. فما تورده قبل كلّ شيء هو الخلاص الذي يقدّمه المسيح المائت والقائم من بين الأموات. إنها تستعمل تذكّرات الماضي وتجعلنا بحضور المسيح الحيّ والمجيد.
الفصل السادس والعشرون
الوعد لسمعان بطرس
5: 1-11

إن الحدث الإِنجيليّ الذي نتأمّل فيه اليوم هو كرازة تُعنَى عنايةً خاصّة بالكنيسة. إختلف لوقا عن مرقس (16:1- 20) فرسم لنا يسوع عائشًا في عُزلة تامّة (14:4- 44). قبل ان يُكلّم تلاميذه جمعَهم حوله. فالجزء الجديد الذي يبدأ في 5: 1 يَلي تصويرَ بداية المُهمّة التي فيها كرّس يسوعُ لشعبه نشاطًا واسعًا وعامًّا أخذ له كلّ وقته واهتمامه. وحين ألّف لوقا هذا المقطع (4: 14- 44) فكّر في توسّع شعب الله الجديد بعد الفصح. ولهذا فنحن لا نَدهَش إذا انتقل الانتباه في 5: 1- 11 آلى مُعاوني يسوع الرئيسيّين الذين أرسلهم، ولا سيّما سمعانَ بطرس رئيس الحلقة الرسوليّة. إن الكنيسة تخرج من عمل الرسل. هذا هو فكر لوقا.
تبدأ المعجزة والإِعلان الذي يرتبط بها (5: 4- 11) بلوحة تبينّ لنا يسوع مهتمًّا بالتعليم (5: 1- 3). إنه هنا في عظمة المبشّر المسيحانيّ وحاملِ كلمة الله، تحيط به الجموع التي تَزحمه: هذا ما يدلّ على المستقبل المحفوظ للكنيسة. ويؤكّد هذا المشهد التفسيرَ الذي يرى في الخبر اهتمامًا إكليزيولوجيًّا (كنسيًّا). فخبر رسالة يسوع الذي بدأ في العُزلة يلقي بنوره على الحدث الذي نعالج. أوّلاَ: يلقي بنوره على اللوحة التي فيها نرى يسوع يتابع تعليمه وحدَه (5: 1- 3). ثانيًا: ويمتدّ هذا النور أيضًا على عمله (4:5- 7)، وثالثًا: كما يمتدّ على الوعد (8:5 - 11) الذي به أظهر يسوع سموّ سلطانه، فله كلُّ المبادرة في هذا الحدَث الذي فيه دعا سمعانَ ورفاقه.
نجد الوجهة الاكليزيولوجية التي تميّز هذا الخبر في اهتمام رئيسيّ عقائديّ، وفي اهتمام ثانويّ تحريضيّ.
يظهر الاهتمام الأوّل في الرغبة بأن يتأسّس على إرادة عبّر عنها يسوعُ قبل الفصح، يتأسّس سلطان يرتبط بالأولويّة والمهمّة الملقاة على عاتق الرسل. قدّم لوقا مرّةً أولى سمعان ومعاونيه، وسمّى "صيادي بشر" (آ 10 ب) هؤلاء الذين سينفرزون عن جمهور التلاميذ (17:6) ليصيروا فيما بعدُ "الرسل " الاثني عشر (13:6). ويسمّي لوقا أيضًا الثلاثة الذين نجدهم معًا أكثر من مرّة (8: 51؛ 28:9 وز؛ أع 1 :13). إلاَّ أنّ الاهتمام الرئيسيّ يتسلّط خصوصًا على مكانة بطرس ودوره في الكنيسة. فهو كرئيس الرسل في قلب الخبر، كل هو في قلب الإِنجيل كلّه (45:8، 8:22 ضد مرقس؛ 22: 41 ضد متى؛ 22: 31- 32؛ 23:24؛ أع 1- 5).
والاهتمام الثانويّ يحرّك أيضا الخبر كلّه. فقد اهتمّت كنيسة الرسالة اهتمامًا خاصًّا بأن يكون في داخلها أناسٌ تركوا كلّ شيء وكرّسوا حياتهم للنشاط الرسوليّ. من هذه الوجهة يبدو سلوك سمعان بطرس ومعاونيه مثالاً يجب أن نقتدي به. وإن مِثلَ هذا الالتزام الكامل لا يمكن أن يكون إلا عمل النعمة. "فالمعجزة" الحقيقيّة في نظر لوقا تَكمُن في أن عمل يسوع (آ 6 ي) وكلمته جعلا سمعان مستعدًّا للخدمة الرسوليّة بقوة النعمة. هذا ما حاول الصيد العجائبيّ أن يحقّقه بالاشتراك مع كلمة يسوع. فلا يبقى للتأويل إلاَّ أن يُبرِز الموضوعَ الرئيسيّ والموضوع الثانويّ.

1- يسوع يعلّم
"وفيما كان الجمع مزدحمًا عليه يسمع كلمة الله، وكان هو واقفا على شاطئ بحيرة جنيسارت، أبصر سفينتين راسيتين عند الشاطئ، وقد انحدر منهما الصيّادون يغسلون الشِباك. فركب إحدى السفينتين، وكانت لسمعان، وسأله أن يبتعد قليلاً عن البَرّ. ثم جلس يعلّم الجموع من السفينة" (آ 1-3).
تبدأ المقطوعة بتعبير بيبليّ: وكان أنه فيما كان يعلّم... هكذا يُدخل لوقا خبره في مُجمَل الأحداث التي تميّز زمن المسيح. إن الإِنجيليّ يُهمل التحديدات الكرونولوجيّة وهو الذي لم يُشِر إلى عودة يسوع إلى الجليَل (رج يو 3:4، 43). 
ويحدّد لوقا موقع الوعد المُعطى لسمعان بطرس والنداءَ الموجَّه إلى الرسل الثلاثة الرئيسيّين في سِياق خاصّ يساعده على أن يبرز حالاً المدلول الإِكليزيولوجيّ والكرازيّ لبطرس والمهمَّة الرسوليّة. وهكذا يرسم أوّلاً مشهدّا على الشاطئ يشبه مشهدَ مر 7:3، 9 (رج أيضًا مر 13:2)، مشهدَ تعليم كما في مر 4: 1- 2. إستعان بهذين التعليقين اللذين أخذهما من مرقس فرسم صورة يبدو فيها المسيح المعلّم في كل عظمته في علاقة توحّده بالكنيسة. وكلامُ الراوي سيتيح للكنيسة فيما بعد لكي تكتشف كل بُعدِ الوعد في آ 10 ب، وهو يشكّل ذُروة خبر 5: 4- 11.
ويرينا لوقا الجموع مستعدّةً للسماع: من الوُجهة الاكليزيولوجيّة، يبدو هذا التقديم مرتبطًا بالتقديم الذي يُرينا المسيح يعلن كلمة الله. والنجاحُ الذي تشهد له الكنيسة يشكّل البرهان المسيحانيّ. يبدو أنه يجب أن نعتبر السِمات التي تدلّ على يسوع يحيط به شعبٌ يَزحَمه (رج مر 9:3، 4: 1، 32:6)، ويصعد إلى السفينة، يجب أن نعتبرها من المكمّلات. 
ووقف يسوع بكلّ مَهابة على الشاطئ. هذا ما يذكّرنا بالقائم من الموت في يو 21: 14. ولكن وِقفته هنا هي وِقفة إنسان يعلّم (17:6). يتفرّد لوقا فينسب إلى يسوع إعلان "كلمة الله " (8: 11، 21، هذا ما لا يقوله مرقس؛ 28:11. نصّ خاصّ بلوقا). من الوُجهة اللاهوتيّة، تبينّ هذه العبارة أنّ الوعظ في الكنيسة بدأ مع يسوع. أو بالأحرى، إنّ كرازة الرسل كانت فيما بعد امتدادًا لكرازة يسوع. والمضمون هو هو، فلا حاجةَ إلى تحديده في آ 1 وآ 3.
أبعدت السفينةُ يسوع عن الجموع (آ 3) بُعدًا يليق بمهابته. إن سفينة (قارب) بطرس هي مِنبرُ الوعظ ليسوع، كما في مر 4: 1. جلس فيها يسوع ليعلّم (لم يعد واقفًا كما في آ 1): هذا ما يوافق الوضع الذي يعرفه لوقا.
ويشدّد لوقا على القول: كانت لسمعان. هذا ما يهيّئنا لما سيقوله لنا الخبر عن الأمر الذي سيعطى له. لم يعد من الضروريّ أن يقدّم للقراء بُعد 38:4- 39. لقد اكتفى لوقا هنا كما في 38:4 بأن يسمّيه سمعان. ولكن الأمور ستتبدّل بعد 6: 14: "سمعان الذي دعاه بطرس ".
وهناك مقطع آخر في لوقا يدلّنا على يسوع وهو يأمر البحر بسلطانه: 8: 22- 25. ففي "كيريوس " (الرب) (آ 8) الذي يقف على البحيرة ويُعلن كلمة الله للجموع المستعدّة لسماعه، فيه يرى الإِيمان منذ الآن الرب الممجّد في العالم الآخر، وذلك الذي يسمع كلمته في الكنيسة من أعلى السماء. لا شذ في أن إعلان كلمته يفترض معاونين أرضيّين، وهذا ما سنتحدّث عنه فيما بعد.

2- أمر يسوع والمعجزة
"ولمّا فرغ من الكلام، قال لسمعان: تقدّم إلى المياه العميقة وألقُوا شباككم للصيد. فأجاب سمعان وقال: يا معلّم، قد تعبنا الليل كلّه ولم نُصب شيئًا. ولكن من أجل كلمتك ألقي الشِباك. فلمّا فعلوا أخذوا من السمك شيئًا كثيرًا حتى تخرّقت شباكهم. فأومأوا إلى شركائهم في السفينة الأخرى ليأتوا ويساعدوهم. فأتوا وملأوا السفينتين معًا حتى كادتا تغرقان " (آ 4- 7).
لا يقول لنا لوقا من رافق سمعان في سفينته (رج آ 9؛ مر 1: 16-17، مثلاً اندراوس). فهمّه أن تبرز أولوّيته في ملء ضيائها (رج أيضًا 9: 32 الذي يتميّز عن مرقس). من الواضح أنه حين أعطى يسوع الأوامر لبطرس، هيّأ يعقوب ويوحنا، رفيقاه في العمل (آ 7، رج آ 10)، سفينَتهما، وكأنهما يستعدّان للمعجزة التي ستحصل (آ 7).
إذا كان صيد الليل (وهو أفضل وقت للصيد) عقيمًا، فأيّ نجاح سيكون لصيد النهار؟ هذا ما أشار إليه بطرس. ولكنه بدا مستعدٍّا لكي يطيع يسوع: يجب أن تنفَّذ كلمة يسوع: "فلمّا فعلوا" (آ 6؛ رج 46:6-49؛ وأيضًا 28:5؛ 19:8 ي).
وأنزل بطرس مع معاونيه الشبكةَ الطويلة من القارِب.
لم يكن هدف اعتراض سمعان فقط أن يشدّد على خضوعه لكلمة المعلّمٍ، وهذا الخضوع يشكّل مثالاً يقتدي به كلّ مسؤول في الكنيسة. فالهدف كان أيضا إبرازَ الطابَع الغريب لأمر أعطاه يسوع، ولعظمة المعجزة التي سَتحصل.
ويشدّد الخبر (آ 8) على الوُجهة العجائبيّة للصيد: "كميّة كبيرة من السمك "؛ "كادت الشباكُ تتمزّق "؛ الحاجة إلى مساعدة؛ إمتلأ القاربان، كادا يغرقان. هنا يختلف لوقا عن يو 21: 1- 14. فالصيد العجيب لا يرمز إلى النجاح الذي به يمارس سمعانُ نشاطه الرسوليّ. فعلى المعجزة أن تهيّئ القارئ إلى انتقال من مستوى إلى مستوى، من صيد السمك، إلى صيد البشر والعمل الرسوليّ. إن الصيد العجيب الذي برهن على قدرة يسوعِ في مجال مألوف لدى هؤلاء الصيّادين، هذا الصيد أعطى لسمعان ورفاقه الثقة والشجاعة من أجلِ المُهمّة الرسوليّة التي حدّدها يسوع لسمعان حين قال له في آ 10: "إنك منذ الآن صيّاد للناس ". لا شكّ في أنّ هذا الإِعلان يشكّل ذُروة الخبر. اختلف لوقا عن مر 1: 17- 20 فبينّ أن القدرة التي بها حوّل يسوعُ هؤلاءِ الصيّادين إلى تلاميذ، لا ترتبط بكلمته وحدَها، بل بالعمل الذي به برهن عن سلطانه.

3- نتيجة المُعجزة والوعد لسمعان بطرس
"فلمّا رأى ذلك سمعانُ بطرس، خرَّ على ركبتَي يسوعِ، وقال: تباعدْ عنّي يا ربّ، فإنّي رجل خاطئ. فالرِعدةُ اعترته هو وجميع مَن معه بسبب صيد السمك الذي أصابوه. وكذلك يعقوب ويوحنا ابنا زبدى اللذان كانا شريكين لسمعان. فقال يسوع لسمعان: لا تخَف. إنك منذ الآنَ صيّادٌ للناس. ولمّا بلغوا بالسفينتين إلى البَرّ، تركوا كلّ شيء وتبعوه " (آ 8- 10).
وبرز من جديد شخص سمعان بطرس. هنا يسبّق لوقا على 14:6 فيعطيه شواذًا لقب "بطرس " الذي يدلّ على المهمّة التي سيتولّاها فيما بعد. لم يتردّد لوقا في أن يستعمل مرّةً أولى اللقب الذي سيلقي ضوءًا على ما ستقوله نبوءة آ 10 ب عن مستقبل بطرس.
وخرَّ سمعان بطرس أمام بهاء يسوع وقدرته الإِلهيَّين. أمام الربّ أحسَّ انه عَدَمٌ ولا شيء (رج 6:7). ما شعر به هو ورفاقُه، هو الرِعدة لا الذهولُ والتعجّب الذي يمكن أن يكون بدايةَ الفهم: إرتعد حين وجد نفسه بطريقة غير منتظَرة أمام فعل إلهيّ لم يسمع به، وِذلك في مجال عمله اليوميّ. فبدا له حضور يسوع أمرَا لا يُطاق (رج 37:8) مثل حضور تابوت العهد أمامَ أهل بيت شمس الذين قالوا: "مَن الذي يقدر أن يقف أمام الربّ الإِله القدّوس؟ إلى من يذهب فيبتعد عنّا" (1 صم 20:6)؟ وتوجّه سمعان إلى يسوع وسمّاه "الربّ " (كيريوس)، وهذا ما يعبّر عن بهائه الإلهيّ بوضوح لا نجده في لفظة "المعلّم " في آ 5.
حين كتب لوقا هذا المقطع، عرف أنّ سمعان بطرس سقط في يوم من الأيّام (33:22- 34، 54- 62) ثمّ نهض (22: 32، 61؛ رج يو 21: 15 - 19). لهذا اختار عبارة "الرجل الخاطئ" التي تسبّق على كل ما يمكنه أن يحصل، وتؤسّس دور بطرس فقط على نعمة يسوع. فإذا كان بطرس خاطئًا، فيسوع جاء يأخذ خطأة في خدمته. إن كان بطرس خاطئًا فنحن أيضًا خطأة، نحن الذين. في الكنيسة. والتعارض يظهر بوضوح أكثر فيما بعد حين تجتمع المُهمّة الملقاة على بطرس (22: 31- 32) مع الإِنباء بخيانته لمعلّمه (33:22- 34).
سنعرف فيما بعد (آ10 أ) أنّ يعقوب ويوحنا ابنَي زبدى اللذين كانا في السفينة الأخرى (آ 7) شهدا الحدث. يُذكَران على حِدة، وُيذكَر أيضا الذين كانوا مع سمعان بطرس (آ 9) في السفينة الأولى. حسِبَهما مر 1:19- 20 منخرطين في مشروع عائليّ. أمّا لوقا فقدّمهما لا "كزميلَين " (آ 7) بل "كشريكين " لسمعان. إنهما رفيقان في عمل واحد. هذا الوضع يشير مسبَّقًا إلى العلاقة التي ستقوم بينهم فيما بعد في الكنيسة.
بدأ يسوع وشجّع سمعان الذي استولت عليه الرعدة، ثمّ جعله تلميذَه وأعلن له مستقبله الرسوليّ. خرَّ سمعان أمام بهاء الربّ الإلهيّ، فكلّمه يسوع وكأنّه كائن سماويّ (رج مر 6:16؛ لو 1 :13، 30؛ 2: 10؛ أع 27: 24) يتراءى للبشر: "لا تخف " (آ 10 ب: تشجع). هكذا سيتحدّث يسوع بعد موته وتمجيده (مت 28: 10؛ رؤ 1: 17)، ولكن أيضًا خلال حياته على الأرض (مر 5: 36؛ 6: 50).
إن كلمة يسوع (آ 10 ب) التي جاءت فيما بعد لم تكن أمرًا يدعو سمعان إلى أن يتبع يسوع. إنها نبوءة تعلن نشاط سمعان الرسوليّ، وهي تُتمّ منذ الآن ما به تنبّئ: على سمعان بطرس أن يترك مهنته كصيّاد سمك ويهتمّ منذ الآن بصيد الناس. إن العبارة "تصطاد الناس " (آ 10 ب) وعبارة "صياد بشر" (مر 1: 17؛ مت 4: 19) تدلّان على أن المهنة لم تتبدّل إلاَّ في موضوعها: انتقالٌ من صيد السمك إلى صيد البشر وجَمْعُهم في شِباك الكنيسة.
منذ الآن (رج ار 16:16 وما فيها من نبرة محقّرة، نحن بعيدون عنها). تفهمنا هذه العبارة أن تتمّة هذا الإعلان الذي حقّقه يسوع نفسه في 13:6- 14 و 9: 1- 6 يبدأ فعلاً منذ الوقت الحاضر، بما أنّ سمعان قرّر أن يتبع يسوع. لقد تعلّم عن خبرة نتيجة طاعته لكلمة يسوع (آ 5-6). وهكذا يصبح إعلان آ10ب وكأنه أمر يوجّهه يسوع. فمعجزة يسوع وكلمته تتعاونان لتطلقا التزامًا سيحدّد حياة إنسان بكليّتها. افترض بعضهم فأخطأ حين رأى في خبر لو 38:4- 39 إستعدادًا سيكولوجيًّا لعطاء الذات الذي سيقوم به بطرس في 5: 11. إن قلنا كذلك، خفَّفنا من سلطان يسوع ورحمته اللذَين ظهرا عَبْرَ عمله وكلمته.
ولا بدّ من أن ينتهي الخبر (آ 11) مُوردًا ردّة فعل بطرس ورفاقه. ردّة الفعل: "تركوا كلّ شيء" (رج 28:5؛ 33:14) ليَتبعوا يسوع ويصيروا تلاميذه. عادت معجزة يسوع وكلمته إلى نشاط سمعان الرسوليّ وحدَه دون أن تتضمّن نداء لاتّباع يسوع. فالخبر شدّد على هذا النشاط الرسوليّ الجديد الذي سيبدأ حالاً (13:6- 14؛ 9: 1- 6): "منذ الآن" (آ 10 ب) ستبدأ. ولكن إنْ ذكر لوقا في النهاية أنّ سمعان ورفاقها " تركوا كلّ شيء" وتبعوا يسوع كتلاميذ، فلكي نرى أن إعلان يسوع في آ 10 ب قد بدأ يتحقّق. لسنا أمام نداء من يسوع ولو بشكل معجزة صنعها. ولسنا أمام نداء ليكونوا تلاميذ كما في مر 1: 16- 20= مت 18:4- 22. نحن أمام وعد تلقّاه سمعان فدفعه مع رفاقه إلى اتّباع يسوع. ليس الهدف الرئيسيّ من الصيد العجيب دعوةَ الشهود ليكونوا تلاميذ، بل تهيئتُهم لمهمّتهم الرسوليّة وإفهامُهم مضمون هذه المهمة.
هناك تماثلٌ في نظر لوقا بين أن نكون تلاميذ ونكون مسيحيّين. ولقد اهتمّت الكنيسة الرسوليّة بالطريقة التي بها سيقرّر أناس أن يتركوا كلّ شيء ويكرّسوا حياتهم للنشاط الرسوليّ. في هذا المنظار، يتضمّن الخبر موضوعًا ثانيًا لا نستطيع أن نهمله: بطرس ورفاقه هم مثال يجب أن نحتذيه: رأوا المعجزة التي صنعها الربّ، سمعوا الوعد الذي قدّمه لهم، فأتمّت النعمة ما بدا من قبلُ، وكأنّه التزام بطوليٌّ لا قِبَل للإِنسان به.
هذا الموضوع التحريضيّ يبقى في الدرجة الثانية. فالموضوع الإكليزيولوجيّ هو الأهمّ، ولا بدّ من إبرازه في نهاية هذا التأمّل.
تأثّر تدوين 5: 1- 11 بنصّ مر 1: 16- 20 و7:3- 9 و 4: 1- 2. أمّا نواة الخبر الأوّلانيّة فتذكّرنا بلا شكّ بنصّ يو 21: 1- 8، 11: ففي الحالتين يرتبط الصيد بنشاط بطرس الرسوليّ ويكتفي يوحنا بأن يلمّح إليه. فالتأكيدات اللاهوتيّة في الخبرين تتكاملان: حسب تعليم الكنيسة الأولى، بينّ يوحنا أن المهمّة الرسوليّة لا تُفهَم جوهريًّا إلا بعد الفصح. واتّفق لوقا مع التقليد الإزائيّ فبحث عن أساس هذه المهمّة في الأحداث السابقة للفصح (رج أع 1: 21- 22). إن الوعد المعطى هنا لبطرس في بداية حياة يسوع العلنيّة يوافق في نهاية رسالته المهمّة التي أُوكل بها في العليّة (22: 31- 32) من أجل زمن بعد الفصح ولأسباب لاهوتيّة ورساليّة. بدا أساس رسالة بطرس في نظر لوقا مرتبطًا بالوِظائف التي نالها من كلمات المسيح القائم من الموت. وإن اختيار الاثنيّ عشر أيضا (13:6- 14) من أجل الرسالة (9: 1- 6) لم يتجدّد بعد القيامة من أجل الزمن الذي يلي الفصح. فنشاط الرسل في فكر لوقا يستند فقط إلى الكتب المقدّسة (24: 46- 47) وتنبؤات يسوع حول امتداد الرسالة من أورشليم إلى أقاصي الأرض (أع 1 :8). ولكنهم لن يبدأوا رسالتهم قبل أن يحِلّ الروح الذي هو موضوع وعد الآب (48:24؛ أع 1: 4، 8).

خاتمة:
حاولنا أن نقرأ خبر الصيد العجيب بعينَي لوقا. فقد أراد في هذا الحدَث وعَبْرَه أن يرينا الكنيسة في نهاية الزمن الرسوليّ، بل الكنيسةَ في كلّ العصور. وأراد أن يبينّ لنا أن هذه الكنيسة تأسّست على المهمّة التي سلّمها يسوع إلى بطرس ورفاقِه في الرسالة، وهي تحتاج إلى قدرة الربّ لتقوم بعملها الرسوليّ حتى نهايةِ العالم.
الفصل السابع والعشرون
شفاء الأبرص
12:5-16؛ مر 1 :40-45؛ مت 8: 1-4

1- الشفاء: أريد فاطهر (آ 12- 13)
نرى في شفاء الأبرص كيف يعمل يسوع في إحدى المدن التي يزورها خلال كرازته المتنقلة (4: 44). وجد أبرص أمامه في تلك المدينة، مع أن على البرص أن يتجنّبوا المدن. نقرأ في لا 45:13: "فعلى الأبرص الذي أصابه هذا المرض أن يمزّق ثيابه، أن يطلق شعره ولا يربطه، أن يغطّي لحيته ويصرخ: نجس، نجس. ويكون نجسًا ما أقام فيه هذا المرض. ويبقى نجسًا فيعيش منفردًا، وتكون إقامته خارج المخيّم (أو البلدة) ".
قال لوقا: غطّى جسده البرِص. هذه ملاحظة طبيب. والبرص مرض لا يُشفى، فالذي يصاب به يعتبر ميتَا.
في العقلية البيبلية، قدرة الله وحدها تستطيع أن تشفي من البرص. هكذا صرخ موسى حين رأى مريم مصابة بهذه البلوى: "اللّهمّ اشفها" (عد 13:12). وسيكون النبيّ أليشاع الوسيط بين الله ونعمان السوريّ في مرضه. قال ملك إسرائيل: "هل أنا الله لكي أخلّص هذا من برصه " (2 مل 7:5)؟ وانتظر نعمان أن يدعو أليشاع اسم الربّ الهه فينجو من مرضه (2 مل 5: 11). ويبدو الشفاء من هذا المرض علامة مسيحانيّة. حين أرسل يسوع تلاميذه قال لهم: "اشفوا المرضى، اقيموا الموتى، طهّروا البرص واطردوا الشياطين" (مت 10: 8). وحين جاء موفدا يوحنا يسألان عن "هذا الذي يجيء" أعطاهما يسوع علامة عن مجيء المسيح فقال: "العيمان يبصرون، والعرج يمشون، والبرص يطهرون " (مت 11: 5؛ رج لو 7: 22). أما في لو 17: 11- 19، فالبرص العشرة يرمزون إلى شعب المخلَّصين.
أين شفى يسوع هذا الأبرص؟ في مدينة من مدن الجليل. نشير هنا إلى أن الجليل كان أوسع مما نعرفه اليوم. متى شفاه؟ هذا ما لا يقوله الإنجيليّون الازائيّون. يقول مر 1: 39- 40: "كان يبشّر في مجامعهم ويطرد الشياطيَن، وجاءه أبرص". لم يفصل مرقس بين الآيتين، أما متى ولوقا فأوردا مقدمة للقاء يسوع بالأبرص. قال مت 8: 1: "ولما نزل يسوع من الجبل، تبعته جموع كبيرة. وها إن ابرص دنا منه... " حين شفى يسوع هذا الأبرص، إنتصر على نجاسة تنتقل بالعدوى وتُعتبر أكبر عقاب يصيب الإنسان (تث 28: 27، 35). البرص علامة الخطيئة التي تطرد الإِنسان من الجماَعة: أي الجماعة الدينيّة والجماعة المدنيّة. تمنعه بصورة خاصّة من المشاركة في الصلاة. هذا ما حصل لعزيا الذي أراد أن يقرِّب البخور في الهيكل. ولما رأوا البرص في جبهته اسرعوا في إخراجه. وهو أيضًا اضطر أن يخرج لأن الربّ ضربه (2 أخ 16:26- 20). ولكن يسوع ألغى الحدود بين الطاهر والنجس، فأعطى هكذا علامة عن رسالته.
أمّا لوقا فيبدأ خبر شفاء الأبرص على الوجه التالي: "وحصل انه اذ كان في احدى المدن، وها إن رجلاً" (5: 12). هذه ملاحظة غامضة عن المكان. وتقابلها ملاحظة غامضة عن الزمان في 17:5: "وحصل في احد الايام ".
أحسّ هذا الإنسان بشقائه فلم يهتّم بالشريعة، ولا بالفريضة التي تفصله عن سائر البشر، ولا بخبرته المرّة من ان هذا المرض لا يشفى. بالنسبة إليه، قوة يسوع هي فوق الشريعة وفوق الموت.
إرتمى على وجهه إلى الأرض فدلّ على شقائه، وتوسّل طالبًا فدلّ على ثقته. أعلن أنه يؤمن أن قدرة الله نفسه تعمل فيه. قال: اذا حصل وأردت فأنت تقدر أن تطهّرني، ان تشفيني. توسّل الى مراحم يسوع: إن شئت... يسوع هو أمل حياته. فإن اراد، استعاد الأبرص وجوده وحياته مع الله ومع البشر.
عامله يسوع بالرحمة. مدّ يده ولمسه (رج 44:8؛ أع 4: 30). لم يهتمّ يسوع بالشريعة الموسويّة لأنه يمارس الرحمة. وحين لمسه أدخله في جماعته، أعاده إلى جماعة الله وجماعة البشر.
"أريد فاطهر". إستعاد يسوع توسّل الأبرص فصار توسّل الأبرص وكأنّه توسله. أما حمل أوجاعنا وأخذ عاهاتنا؟ هذه هي إرادة يسوع، وهذه الإرادة طهّرته من البرص وردّته إلى الله وإلى شعائر العبادة.
كان يسوع في إحدى المدن، "وفي تلك المدينة طهّر رجلاً مملوءًا بالبرص ". فالمدينة تبدو الموضع الذي تنتشر فيه النجاسة. ولكن يسوع يستطيع أن يعيد الصحة الى ملء البرص هذا، كما ملأ شِباك سمعان بالسمك.
يلاحظ لوقا أن المريض ارتمى أمام يسوع وعبّر عن طلبته. الفعل المستعمل هنا (دايستاي= طلب، توسّل) خاص بلوقا. نجده مرّة واحدة في مت 38:9 ("أطلبوا من ربّ الحصاد") وست مرّات في الرسائل البولسية. ولكننا نجده 15 مرّة عند لوقا (8 في لوقا و7 في أع).
أمّا عند مرقس فارتمى الأبرص على ركبتيه أمام يسوع وتوسّل (باراكالو). يستعمل مرقس هذا الفعل وحده هنا. ويربطه بموقف جسديّ، مثل لوقا. نحن أمام توسّل إلى يسوع الذي له السلطان أن يشفي، بل يشفي من البرص. واختلف مرقس عن متّى ولوقا، فلم يجعل أي لقب ليسوع في فم المريض. قال متّى: "يا ربّ، إن أردت " (2:8). ومثله قال لوقا. أمّا مرقس فقال فقط: "إن أردت ".
بكلمة يسوع طهر الأبرص، بكلمة يسوع أُعلن طاهرًا. فيسوع يمتلك قدرة النبيّ أليشاع الذي شفى نعمان السوريّ، كما يمتلك قدرة الكهنة الذين يعلنون أن فلانًا مصاب البرص أو يعلنون طهارته وشفاءه من بلواه. أمّا يسوع فيتجاوز أليشاع كما يتجاوز الكهنة في إسرائيل. كلمته وحدها تكفي: هي تطهّر وتعلن الأبرص طاهرًا وجديرًا بأن يعود إلى الجماعة.
قال لوقا: مدّ يسوع يده ولمسه. وهكذا دلّ على العطف والشفقة (رج مت 3:8). أمّا مرقس فقال: "اشفق عليه يسوع ومدّ يده ولمسه" (1: 41). ولكن هناك قراءة صعبة نجدها خاصّة في النصّ الغربي: "اغتاظ (غضب) يسوع، ومدّ يده... ". كيف فسّر الشُرّاح غضب يسوع هذا؟ قال القديس إفرام: نقصت ثقته حين قال ليسوع: "إن شئت ". أو: أجبر يسوع على التوقف عن الكلام. أو: هي ردّة فعل المخلّص في صراعه مع قوى المرض والموت، أو في مواجهته للشيطان. وقد يكون انزعج يسوع لأن الأبرص تعدّى الشريعة. وهذا يدلّ على موقف دقيق من المخلّص تجاه الفرائض الموسويّة. ولكن إن كان الأبرص اقترب من يسوع فتجاوز الشريعة، فيسوع أيضا تجاوز الشريعة حين لمس الأبرص. وقد يكون الأبرص عارض ارادة يسوع بأن يعظ متحاشيًا التجمّعات (آ 35- 39، 45)، أو لأنه لا يريد أن يظهر على أنه المسيح وابن الله (آ 34، 43- 44). فنحن نقرأ في آ 43: "انتهره يسوع وصرفه في الحال ". نفهم هذا في اطار الصمت الذي يفرضه يسوع على اعماله. ولكن من يستطيع أن يمنع قدرة الله أن تشع وتنتشر!
في مر 1: 41 زاد الانجيليّ لفظة "له ". "قال له " (قال متّى ولوقا فقط: قال). وفي آ 40 زاد مرقس وحده "له" . سجد وقال له. من الواضح أن مرقس يشدّد على العلاقة بين يسوع والأبرص، كما يُبرز واقع الاتصال وعمقه.
في آ 42، أشار مرقس إلى ذهاب البرص وتطهير الأبرص (زال البرص، طهر). أما لوقا فلم يحتفظ إلاَّ بالقسم الأول: "زال عنه البرص". واحتفظ متى بالقسم الثاني بعد أن حوَّله. البرص هو الذي طهر عند متّى، لا الأبرص كما عند مرقس. عملان متلازمان حيث الأوّل (ذهاب البرص) هو السبب الضروري للثاني (طهارة). سوف نرى لماذا كان مرقس سخيُّا بالكلام.

2- أمر يسوع: لا تخبر أحدًا (آ 14- 16).
إن آ 43 خاصة كلّها بمرقس. فالفعل "انتهر" (كلفه بقساوة) يبدو قاسيًا (رج مر 14: 5: وبّخ الحاضرون المرأة التي سكبت الطيب على رأس يسوع). وفعل "صرف " أو طرد الذي يحتفظ به مرقس للحديث عن طرد الشياطين (34:1، 39؛ 15:3، 22؛ 13:6) مع الظرف "حالاً" يُبرز ما في كلام يسوع من حدّة. وأخيرًا يقول يسوع: لا تخبر "أحدًا".
إن يسوع لا يعمل المعجزات ليمجّد نفسه أو ليؤمّن لنفسه دعاية واسعة في محيطه. قال أع 38:10: "مرَّ وهو يعمل الخير، ويشفي كلّ الذين استولى عليهم الشيطان، لأن الله كان معه ". وقال متّى عن عبد الله ومختاره، عن يسوع: "لا يخاصم ولا يصيح، وفي الشوارع لا يسمع أحد صوته " (مت 19:12). فيسوع بعد أن شفى المرضى أمر بقساوة بأن لا يخبروا عنه، بأن لا يعلنوا هويّته أمام الناس (مت 12: 15- 16).
أمرت الشريعة الأبرص بأن يذهب الى كاهن يُعلن شفاءه، يعلن أنه طهر (لا 13: 49). بعد هذا يقدّم ذبيحة عن طهره (لا 14: 1- 32). لقد أراد يسوع أن تتمّ الشريعة وقد كان هو نفسه خاضعًا للشريعة لمّا قبل الختان وقدّم والداه عنه ما تفرضه الشريعة (لو 2: 21- 24). ولكن، يجب أيضًا أن تصل الشهادة إلى الكهنة فيعرفوا أن زمن الخلاص قد حلّ. وقد أعلن النبي أشعيا أن زمن الخلاص يحمل الشفاء إلى جميع المرضى: "حينئذ تتفتّح عيون العميان وآذان الصمّ، ويطفر الأعرج كالغزال ويترنّم لسان الأبكم " (أش 35: 5- 6). وقال عبد الله في اش 61: 1: "روح السيّد الربّ عليَّ. لأن الربّ مسحني. أرسلني لأبشّر المساكين وأعصب القلوب المنكسرة وأُنادي للأسرى بالحريّة وللمسجونين بإطلاق سراحهم ". إن مواعيد السعادة هذه أثارت لدى المسبيين في إسرائيل أناشيد الحمد لله المخلّص (اش 61: 10- 11)، فما يكون تأثيرها على شعب الله بعد أن تحقّقت.
أجل، ما زالت الأخبار حول عمل يسوع الخلاصي تنتشر. منعهم من أن يتكلّموا، ولكن الخبر يُعلَن في كل مكان. فالنعمة تتضمّن قوة تدفعها إلى أن تنطلق إلى الأمام فلا يقف في وجهها حاجز. وهي تحتجب أمام جموع جديدة ترغب في تقبّل كلام يسوع وقوة خلاصه.
هنا ترد كلمة "شهادة" في الأناجيل الإزائيّة الثلاثة. تدفع هذه الكلمة على شهادة قانونيّة ضد أحد (مر 6: 11) أو أمام أحد (مر 13: 9). في 13: 9 هي شهادة موآتية أو مهمّة، وهذا يتعلّق بالطريقة التي تقبل. إن قبلوا شهادة الرسل، كانت الشهادة معهم، وإلا كانت ضدّهم. ونقول الشيء عينه عن هذا النصّ: سيشهد هذا الشفاء لهم إن هم قبلوه وعلموا أن ملكوت الله جاء. وسيشهد ضدّهم إن لم يقبلوا بالآية. هي شهادة تُحمل إلى الكاهن الذي يكتشف الشفاء، ومن خلاله إلى السلطات اليهوديّة، بل إلى الشعب كلّه.
ونقرأ آ 45 عند مرقس التي غابت عند متّى، وحوّلها لوقا تحويلاً جذريًا. ما إن شُفي الأبرص حتى تعدّى أمر يسوع: "إيّاك أن تخبر أحدًا". خرج وأخذ يذيع بقوة الحدث الذي عاشه. ومع أن يسوع اختفى في أماكن مقفرة، إلا أن الناس الذين تأثّروا بهذا الكلام كانوا يجيئون إليه من كل مكان.
أمره يسوع أمرًا عسكريًّا، دعاه وألحَّ عليه (هذا هو معنى فعل "بارانغالو") بأن يسكت. ولكن لوقا يشير إلى أن الكلمة ما زالت تنتشر بحريّة. كانت تعبر الأماكن وتجتاز الحواجز (هذا معنى الفعل: ديارخستاي). فهذا الفعل اليونانيّ الذي يستعمله لوقا 32 مرّة في إنجيله وفي سفر الأعمال يدلّ على ما يفعله يسوع أو شهوده. أجل، لقد صار هذا الأبرص شاهدًا ليسوع وهو "لا يقدر إلاَّ أن يتحدّث بما رأى وسمع " (أع 4: 20).
نجد في هذا الخبر نقطة أولى ونقطة أخيرة: إن مسيرة الأبرص المحددة بالزمان والمكان، قد ارتدت فاعليةً لا حدود لها حين دخل هذا الرجل من جديد في الجماعة التي طُرد منها. فبالعبور من الصلاة الفرديّة (آ 40) إلى مجيء عدد كبير من الناس (آ 45) نجد ظاهرة انجذاب حول يسوع، هذا الشخص الذي هو اجتذاب كليّ ومستمر.
تحرّر الإنسان من عوائق مرضه الجسديّة والدينيّة، فلم يعد يقدر أن يمتنع عن إعلان ما حدث له بقوّة. وعودته إلى جماعة المؤمنين صارت علامة تدعو هؤلاء الأصحّاء والأحرار ظاهريّا إلى أن يجوعوا ويعطشوا إلى بر الله الحقيقيّ. وهم يستطيعون أن يطلبوا هذا البرّ منذ الآن لدى يسوع اللامنظور. بعد هذا صار خروج الرجل الذي نعم بالمعجزة رسالة. فكما ارسل التلاميذ، كذلك أُعطي الرجل السلطان بأن يعلن الملكوت (مر 15:3؛ 7:6، 12- 13). وهذه الرسالة لن تكون إلا فاعلة (مر 6: 30) لأن دورة العلاقات التي نُسجت بين يسوع والرجل (آ 40: قال له الأبرص... قال له يسوع) أدخلت الرجل في حياة حميمة جدًا وفي غنى لا ينفذ.
إن رسالة ابن المعجزة هي نتيجة طرده بقساوة من قبل يسوع. طريقته تشكّكنا! ولكن الأبرص نجا من مرضه وأُعيد إلى الحياة (آ 42: طهر) بأسلوب مماثل. ردّة الفعل الأولى لدى يسوع تجاه الأبرص هي "الغيظ او الغضب " (آ 41). وحركة الرفض هذه هي جواب يسوع، وهو جواب يهيّئ مباشرة الشفاء. فيسوع لا يتحمّل حضور الأبرص. ولكن الأبرص لا يُطرد في ذلك الوقت. ردّة فعل يسوع هي ضد البرص والأبرص، لا ضد الانسان. وحين جاء هذا "الغضب" من المسيح على البرص الذي هو قوة موت، ألقى بقدرته التي تمنع هذا الإنسان من أن يبقى أبرص بعد: قُهر مرضُه وقُهر معه سببُ المرض.
ولمّا تحرّر الأبرص من كل قيد وعاد "إنسانًا"، لم يعد مكانه قرب يسوع كفرد منعزل. فمرضه الذي فرض عليه هذه العزلة قد زال الآن. ولهذا، يطرده يسوع كفرد منعزل. هذا الواقع لا يُطاق لدى يسوع، لدى رجل ينعم بالعافية، كما لا يًطاق البرص عند مريض. فوضعُ الابرص لدى يسوع هو وضع الإنسان المخلَّص: لقد صار عضوًا في الجماعة، في جماعة المؤمنين، في شعب الله بَطريقة عجائبيّة. إنه نبيّ وعليه أن يعلن عظائم الله. وهذا ما سوف يعمل.
ماذا أعلن هذا الرجل؟ هو لم يعلن شفاءه، وشيوع منعه من ذلك (آ 44 أ): أعلن الحدث الفريد الذي عاشه بحضور آخر، اسمه يسوع ولقبه المسيح؛ أعلن (كرز) بالصوت العالي، نشر الخبر. هذا يدلّ على أمانة الرجل الكاملة التي أثّرت فيه وأدخلته في لقاء فريد أتاح له الحياة. وحين صار نبيًّا أعلن هذه الكلمة.
الفصل الثامن والعشرون
شفاء المخلع
17:5- 26؛ مت 9: 1- 8؛ مر 2: 1- 12

إن خبر مخلّع كفرناحوم الذي نال أولاً مغفرة خطاياه ثم الشفاء من مرضه، يرد في الأناجيل الإزائيّة الثلاثة. يتبع لوقا (17:5- 26) نصّ مرقس (2: 1- 12) عن قرب. أَما خبر متى (9: 1- 8) فيتميّز أوّلاً بإشارة سلبيّة: لا يهتمّ بالتفاصيل والصور التي نجدها عند مرقس، وهو مُوجز إلى حدّ الغموض، فنلجأ إلى مرقس ولوقا لنُدخل المشهد في الواقع اليوميّ. إنه يهتمّ أوّلَّ ما يهتمّ بالناحية التعليميّة، ولهذا فهو يهمل كل ما يشتّت انتباه القارئ الذي يعيش النصّ الإِنجيليّ وكأنّه ليتورجيا وصلاة.
ينقسم هذا الحدث الى ثلاث مراحل. أوّلاً: وُضع المخلّع أمام يسوع، فبدأ يمنحه غفران خطاياه. ثانيًا: وإذ أراد أن يبيّن أن له سلطانا على مغفرة الخطايا، شفى المريض البائس. ثالثًا: تورد الخاتمة اعتبارات الشعب الحاضر. 

أ- الايمان وغفران الخطايا (5: 17- 20= مت 8: 1- 2= مر 2: 1-5).
يقع المشهد في كفرناحوم، حيث أقام يسوع منذ بداية حياته العلنيّة. صارت هذه البلدة "مدينته " لأنه فيها يدفع الضرائب (مت 17: 24- 27). كفرناحوم مؤلّفة من كلمتين. كفر: ضيعة، قرية. ناحوم: اسم شخص حمله نبيّ في القرن السابع ق. م.
لا يقدّم متى أية إشارة إلى إطار الحدث: كان يسوع في منطقة جدارة (مت 28:8- 34)، جنوبي شرقي بحيرة طبرية. بعد، أن عبر البحيرة (20 كلم تقريبًا) رجع إلى مدينته. أما مرقس فيقدّم تفاصيل عديدة: "ورجع يسوع بعد أيام إلى كفرناحوم؛ فسمع الناس أنه في البيت. فتجمّع منهم عدد كبير ملأ المكان حتى عند الباب. وأخذ يعظهم بالكلمة" (مر 2: 1- 2). يسوع هو "في البيت " (رج مر 3: 20؛ 17:7؛ 28:9). لا شكّ في بيت سمعان واندراوس (مر 1 :29)، حيث يقيم يسوع. وهناك أخذ يعلّم الذين يستمعون إليه ويحاصرون البيت ليصل إليهم كلامه. الوعظ بالكلمة عبارة كرّسها الاستعمال الحديث عن الكرازة بالإِنجيل (أع 4: 29- 31؛ 8: 25).
أمّا عند لوقا، فشفاء المخلّع يبدأ بطريقة احتفاليّة كبيرة: ما سيحدث هنا في وقت محدّد، قد يمتد حتى ملء الأزمنة. سمع الناس بتعليم يسوع وأشفيته التي انتشرت في كلّ فلسطين ووصلت إلى كلّ مدينة وقرية. فقبل أن يسير يسوع على طرق الجليل واليهوديّة وأورشليم، إلى هناك سبقته الكلمة، بل نبّهت أُولئك الذين سيجادلونه ويحكمون عليه بالموت.
تحدّث متّى عن "مدينة" يسوع، وقال مرقس: كفرناحوم. أما لوقا فوسّع جماعة السامعين ليدلّ على أهميّة ما سيُعلنه يسوع من تعليم. لقد جاء السامعون "من جميع قرى الجليل واليهوديّة ومن أورشليم ". وزاد لوقا عبارة: "وكانت قدرة الربّ تشفي المرضى على يده ". الربّ هو الله. والقدرة تُذكر مرارًا في إنجيل لوقا لتدلّ على معجزات العليّ (1: 35) أو معجزات يسوع (4: 36؛ 6: 19؛ 8: 46؛ أع 10: 38) أو معجزات الرسل (9: 1؛ أع 3: 12؛ 4: 7، 33).
ويرسم مرقس لوحة تهيئ ما يلي من الخبر: "وجاء اليه أربعة رجال يحملون كسيحًا، فلمّا عجزوا عن الوصول إليه لكثرة الزحام، نقبوا السقف وكشفوا فوق المكان الذي كان فيه يسوع ودلوا الكسيح وهو على فراشه ".
بيت مؤلف من غرفة واحدة كبيرة كما في الشرق القديم. لا شبابيك فيه بل باب واحد أو بابان. سطحه مؤلَّف من بعض الجسور الخشبيّة وضعت فوقها أغصان شجر وطبقة من التراب. في وسط السقف نجد "القوفعة" وهي فتحة تغلق في الشتاء لتمنع المطر، وتبقى مفتوحة في الصيف فتمرّ عبرها الحبوب المجفّفة، وتصل الشمس حيث يكون ضيف الشرف. إذن، كان يسوع هناك تحت هذه الفتحة حين دلّوا المخلّع قدَّامه.
يقول مرقس: نقبوا السقف وكشفوا فوق المكان الذي كان فيه يسوع. يكفي أن ينزع الرجال الأربعة "الغلقة" حتى ينفتح السقف. أما لوقا فتحدّث عن "القرميد". إنه يكيّف خبره حسب عقليّة القارئ اليونانيّ الذي لا يعرف مثل هذا السقف. ولهذا قال: دلّوا المريض عبر القرميدات. إن يسوع حاضر في كنيسته كالربّ الحيّ الذي تمجّد. ولكن صورته كما كان على الأرض تبقى حاضرة. فكيف نتصوّر يسوع حيّا لدى أبيه؟ كيف نرسم عنه صورة ملموسة؟ نحن لا نستطيع ذلك إلا في الشكل الذي عاش فيه على الأرض وعمل وتكلّم. تصبح صورة يسوع سهلة الفهم علينا إن ظهرت في عالم نفهمه ونعيش فيه. ولهذا جعل لوقا المشهد يتمّ "في بيت يونانيّ ".
يتحدّث لوقا عن سرير (آ 18) كما في مت 2:9، ثمّ يستعمل في آ 19 و 24 تصغيرًا (سرِّير) ليدلّ على أنّنا أمام فراش بسيط. تحاشى لوقا (ومتى مثله) الكلمة التي استعملها مرقس.
لم يحتفظ متّى من كلّ هذا المشهد إلاَّ بالشيء القليل: "جاؤوه بكسيح مُلقى على سرير". أين كان يسوع؟ هذا ما لا يقوله الإِنجيليّ. هل كان في الشارع أم في البيت؟ وما هي الحيلة التي لجأ إليها الحاملون؟ أغفل متّى كل هذا وذهب إلى جوهر الخبر.
وتابع مرقس: "فلمّا رأى يسوع إيمانهم قال للمقعد: يا ابني، مغفورة لك خطاياك " (آ 5). هنا لا يوجز متىّ النصّ، بل يزيد كلمة: "تشجّع يا ابني، مغفورة لك خطاياك ". من الواضح أن الإِنجيليّ يركز انتباهه كله على كلمة يسوع. أما الباقي فجانبيّ. وإذ أراد أن يشدّد عِلى إعلان يسوع ويبرزه، زاد الكلمة الصغيرة: "تشجّع ". هذه الكلمة سيقولها أيضَا للنازفة: "تشجّعي يا ابنتي، إيمانك خلّصك " (مت 9: 22).
أما لوقا فقال: "يا رجل، مغفورة لك خطاياك ". نجد هذه التسمية في 14:12؛ (يا رجل، من أقامني عليكما قاضيًا؟) وفي 58:22. 60 (في فم بطرس ليدافع عن نفسه). نجد تسمية "يا ابني " في حوار عائليّ (48:2؛ 15: 31؛ 25:16). وقد يستعمل تسمية "صديقي " (11: 5؛ 14: 10). فإن هو استعمل هنا كلمة "يا رجل " فقد أراد أن يبرز المسافة بين يسوع والمخلّع. 
إحتفظ متّى بكلمة يسوع وأبرزها، كما احتفظ بالإشارة التي تشرحها وتبرّرها: رأى يسوع إيمانهم. ولكنه لم يذكر "الحاملين " فأخذ الكلمة "إيمانهم " عن مرقس كما هي. ثمّ نتساءل: كيف عرف إيمان هؤلاء الرجال؟ يظهر هذا الإِيمان في الحيلة التي رواها مرقس ولوقا، وقد احتفظ به متّى لأنه اعتبره جوهريُّا من أَجل فهم إعلان يسوع: "مغفورة... ".
يتحدّث الإِنجيل مرارًا عن الإِيمان كشرط لشفاء عجائبيّ. ذكرنا كلمة يسوع للنازفة: "تشجّعي يا ابنتي، إيمانَك خلّصك " (مت 22:9؛ مر 5: 34؛ لو 48:8). وأعلن يسوع لضابط كفرناحوم: "ليكن لك حسب إيمانك " (مت 13:8؛ لا يتحدّث لو 7: 10 عن الإِيمان في نصّه الموازي). وقال للكنعانيّة: "يا امرأة، عظيم إيمانك! فليكن لك ما تريدين " (مت 28:15؛ رج الآية الموازية في مر 7: 29 وهي لا تمتدح إيمان هذه المرأة). وقال يسوع للأعميَين اللذين آمنا أن ليسوع السلطان بأن يشفيهما: "فليكن لكما حسب إيمانكما" (مت 28:9- 29؛ رج مر 10: 52؛ لو 42:18). إنه يطلب الإِيمان من الذين يطلبون شفاء، وبما أن أهل الناصرة لم يؤمنوا، رفض يسوع أن يصنع في بلدته ما صنعه في كفرناحوم (مر 6: 1- 6).
ولكن يسوع لم يأتِ فقط ليشفي الاجسام المريضة. إنه يُشبّه نفسه بطبيب، غير أن مرضاه هم الخطأة الذين جاء يحمل إليهم الخلاص: "ليس الأصحاء هم الذين يحتاجون إلى طبيب بل المرضى... ما جئت لأدعو الصدّيقين بل الخطأة ثم (مت 9: 12- 13؛ لو 5: 31- 32). وقال: "إن ابن الانسان جاء يطلب ويخلّص ما قد هلك " (لو 19: 10).
وهذا الخلاص الروحي يخضع للايمان، شأنه شأن الأشفية العجائبيّة. وهذا ما نكتشفه في المكان الانجيلي الوحيد الذي فيه يمنح يسوع غفران الخطايا كما فعل مع مخلّع كفرناحوم. إلى الخاطئة التي اظهر لها حبّه أَعلن: "مغفورة لك خطاياك ". ولم يهتم لتعجّب الحضور فزاد: "إيمانك خلّصك، إذهبي بسلام " (لو 48:7- 50؛ يو 3:8- 1). ولكن يسوع يخلّص هذه المرأة من عقاب جسدي استحقّه زناها.
والعلاقة عينها تظهر مراراً بين الايمان وغفران الخطايا في الكرازة الرسوليّة. أعلن بطرس في خطبة قيصرية: "كل من يؤمن به نال باسمه غفران خطاياه " (أع 43:10). وبولس في خطبة إنطاكية بسيدية: "به نبشركم بغفران الخطايا. من امن به يتبرّر من كل ما عجزت شريعة موسى أن تبرّره منه " (أع 38:13- 39). وأعلن بولس في خطبته أمام الملك أغريبا أن المسيح أرسله إلى الوثنيّين "ليفتح عيونهم فيعودوا من الظلمة إلى النور، ومن سلطان الشيطان إلى الله فينالوا بالايمان به غفران خطاياهم وميراثا مع المقدسين (أو القدّيسين) " (أع 26: 18). نشير هنا إلى أنّه يفرض مع الايمان التوبة والارتداد.
هذا الموضوع يلقي النّور على فكر متّى. فبعد أن الغى الحاملين وحيلتهم ليصلوا إلى يسوع، ذكر الايمان الذي بموجبه منح يسوع المريض غفران خطاياه. إذا كان الايمان ضروريًا للحصول على شفاء عجائبي فهو لا يقل ضرورة للخاطئ الذي يمنحه يسوع شفاءً روحيًّا فيحلّه من خطاياه.
نحن لا نتوقّف عند المرحلة السابقة لتكوين النص، ولكننا نقول إن المقطوعة تألَّفت أساساً من مقطعين مختلفين: خبر شفاء ثمّ مناقشة حول غفران الخطايا. وقد تمّ الجمع بينهما في مرحلة لاحقة.

ب- سلطان ابن الانسان (لو 5: 21- 28: مت 3:9- 7؛ مر 2: 6 – 11).
لا تبدّل في طريقة الاخبار: إنتقل متّى بسرعة إلى ردّة الفعل لدى الكتبة، احتفظ بكل اهتمامه بكلمات يسوع. أما مرقس فلم يكتفِ بأن يورد اعتبارات الكتبة: صوّرهم أولاً ثم اوضح ما شككهم في اعلان يسوع: "وكان بين الحضور بعض الكتبة جالسون، فقالوا في أنفسهم: كيف يتكلّم هذا الرّجل هكذا؟ إنّه يجدِّف. من يقدر أن يغفر الخطايا إلاَّ الله وحده " (مر 6:2- 7)؛ لا يفسّر متّىٍ حضور الكتبة ولا يحتفظ بما قالوه إلاَّ اتّهامهم يسوع بالكفر والتجديف معتبرا تفسيرهم باطلاً: الله وحده يقدر أن يغفر الخطايا.
أمّا لوقا فقد اهتمّ بترتيب خبره. فأشار منذ البداية إلى حضور خصوم يسوع: "وكان في أحد الأيام يعلّم، وبين الحضور بعض الفرّيسين ومعلّمي الشريعة جاؤوا من جميع قرى الجليل واليهوديّة ومن أورشليم " (17:5). وتختلف اعتباراتهم في لوقا عما في متّى ومرقس. قال متّى: "هذا الرجل يجدّف " وقال مرقس: "كيف يتكلّم هذا الرّجل هكذا؟ إنّه يجدف " أمّا لوقا فجعل الحاضرين يطرحون السؤال: "من هو هذا الذي ينطق بالتجديف " (5: 21)؟ يتعلّق السؤال مباشرة بهويّة يسوع. وسيعود في الألفاظ عينها في 49:7: "من هو هذا الذي تصل به الأمور حتّى غفران الخطايا"؟ فبالطريقة التي يطرح السؤال، يهيّئ الجواب الذي فيه سيماثل يسوع بينه وبين الانسان (يسوع هو ابن الانسان). ونجد طريقة مماثلة في 22:10: "لا أحد يعرف من هو الابن إلاَّ الآب ولا من هو الآب إلاّ الابن ". النص الموازي في متّى لا يستعمل اسم الموصول "من " فيقول: "لا يعرف أحد الابن إلاَّ الآب ولا يعرف الآب إلاّ الابن " (مت 11: 27).
نحن نفهم بسهولة اعتراض الكتبة: كل خطيئة هي ذنب ضد الله (الانسان في علاقته الجذرية مع الله. لسنا على مستوى علم النفس او الاجتماع...). والله وحده هو من يغفر لمن أغاظه. فحين منح يسوع الغفران للخاطئ فهو قد حلّ محل الله. مثل هذا الموقف غير معقول لدى محاوري يسوع. صُدموا هنا كما صُدموا حين قال للمرأة الخاطئة إن خطاياها غفرت. بدأ الحضور يتساءلون في نفوسهم: " من هو هذا الذي يغفر الخطايا" (لو 48:7- 49)؟ وسببت اعلانات اخرى من يسوع نتيجة مماثلة. فالطريقة التي بها قدّم نفسه على أنّه ابن الله اتّهمته بالتجديف: "كيف تقولون لي أنا الذي قدّسه الآب وأرسله الى العالم: أنت تجدف (تكفر)، لأني قلت: أنا ابن الله " (يو 10: 36). 
ونقابل هذا النص خصوصًا بالمشهد الذي يشكّل ذروة محاكمة يسوع أمام السنهدرين. إستحلف عظيم الكهنة يسوع أن يقول له إن كان المسيح. لم يكتفِ يسوع بأن يجيب على السؤال بل زاد:" وأنا أقول لكم: سترون بعد اليوم ابن الانسان جالسًا عن يمين القدرة (الله القدير) وآتيًا على سحاب السماء" (مت 26: 64). تماثل يسوع مع الكائن السماوي الذي أعطاه دانيال اسم "ابن الانسان " (دا 13:7) ومع "الرب " الذي قال عنه داود إنه يجلس عن يمين الله (مز 110: 1). وكانت ردّة الفعل فوريّة: "حينئذ شق رئيس الكهنة ثيابه وقال: "إنّه يجدف (يكفر). أنحتاح بعدُ إلى شهود" (آ 65)! التقارب يفرض نفسه، لأن يسوع في حدث المخلع يطالب بسلطان غفران الخطايا كونه ابن الانسان. اتهموه بالكفر بسبب الفكرة التي كونها عن دوره كإبن الانسان.
عرف يسوع أفكار الكتبة أو حسب اختلافة "رآهم ". هكذا يقول متى. امّا مرقس فهو يتوسّع: "وحالاً عرف يسوع في فكره كل المعرفة ما يجول في أفكارهم، فقال لهم: ما هذه الأفكار في قلوبكم " (8:2)؟ إهتم متّى بأن لا يطيل، ولكن هذا لم يمنعه من أن يصف افكار الحضور وصفًا اخلاقيًا: هي "أفكار شرّيرة" أو "سيئة". هم لم يحاولوا أن يفهموا. حكموا بسرعة واستسلموا لاستعداداتهم السيئة. أمَّا لوقا فلا يعطى حكمًا على أفكار الكتبة، بل يكتفي بالقول: "ما هذه الأفكار" (22:5)؟ لم ينعتها بالسيئة ولم يربط اتهامهم بالكفر. هنا يبتعد لوقا عن متّى في نظرته الى الكتبة والفرّيسيّين.
وإذ أراد يسوع أن يُبرهن أن له الحق في غفران الخطايا، أتم المعجزة، أعاد الصحة إلى المُقعد. ولكنه شرح في الوقت عينه أصل هذا السلطان وطبيعته. إنّه يملكه لأنه "ابن الانسان ". إن يسوع يجترح المعجزة ليعرف محاوروه أن "ابن الانسان له سلطان بأن يغفر الخطايا". فالشفاء العجائبي هو علامة، وهو يشهد أن ليسوع سلطانًا أسمى من سلطان شفاء مريض، سلطانًا يخص "ابن الانسان ".
ولن يصبح تفسيره واضحًا إلاَّ إذا رجعنا إلى دا 13:7- 14: "فإذا بمثل ابن الانسان آتيًا على سحاب السماء فبلغ الى القديم الايام (الله الازلي) وقرب إلى أمامه. وأُوتي سلطانًا ومجدًا وملكًا. فجميع الشعوب والامم والالسنة يبعدونه وسلطانه سلطان أبدي لا يزول وملكه لا يقوَّض ".
هذا القول يؤسس سلسلة من النصوص الانجيلية التي تتعلّق بابن الانسان. تُحدِّثنا عن إعلان يسوع أمام السنهدرين (مت 26: 64) وفيه يماثل يسوع نفسه مع ابن الانسان الذي يصوّره دانيال آتيًا على سحاب السماء. وفي الخطبة الاسكاتولوجية يشير يسوع إلى "ابن الانسان الآتي على سحاب السماء في كل عزّة وجلال " (مت 24: 30) ويشدّد على الطابع المفاجئ والغير المنتظر لهذا الحدث (آ 27، 37، 39، 44). ونقرأ في مقدّمة مثل الدينونة الأخيرة: "حين يأتي ابن الانسان في مجده وجميع ملائكته معه (رج زك 14: 5؛ 1 تس 13:3) يجلس على عرش مجده وتجتمع امامه كل الأمم " (مت 25: 31- 32؛ رج 13: 41: "يرسل ابن الانسان ملائكته فيجعلون خارج ملكوته كل المفسدين والأشرار"). وفي مت 16: 27 نقرأ: "سيأتي ابن الانسان في مجد أبيه مع ملائكته، وحينئذ يجازي كلَّ واحد حسب أعماله ". رج مت 28:19: "متى جلس ابن الانسان على عرش مجده في تجديد كل شيء". وهناك قول يعلن فيه يسوع أن "ابن الانسان هو ربّ السبت " (مت 12: 8؛ مر 28:2؛ لو 6: 5). وهناك مقاطع يحل فيها إبن الانسان محلَّ عبد الله وينطبق على يسوع الذي يُتمّ نبوءة أش 53 (مت 17: 22؛ 20: 18؛ 26: 2، 24، 45 وز). وأخيرًا هناك الإعلان الأخير بدون تسمية ابن الانسان: "كل سلطان اعطي لي في السماء وعلى الارض " (مت 18:28).
على ضوء هذه القرائن يتحدَّد "سلطان ابن الانسان " كسلطان أُعطي للديان السامي، كسلطان يمتدّ إلى كل أمم الارض ليتمّ الدينونة العامة. وبفضل هذا السلطان المحدَّد يطالب يسوع بحق غفران الخطايا.
هنا نرى تدرّجًا في كلمات يسوع إلى المخلّع (آ 2) ثمّ إلى الكتبة (آ 6). حين قال: "مغفورة لك خطاياك "، إستعمل صيغة المجهول التي تفهم في اللغة اليهودية تهربًا من ذكر اسم الله. فالمعنى الحقيقي هو: "خطاياك مغفورة من قبل الله " او "الله غفر لك خطاياك ". هذه الطريقة الكلامية تقابل طريقة النبي ناتان. اعترف داود: "اخطأت الى الربّ ". فقال النبي للملك: "الربّ غفر خطيئتك. لن تموت " (2 صم 13:12). وهكذا نرى أن اعتراض الكتبة لم يكن له أساس. لم يقل يسوع: "أنا اغفر لك خطاياك ". بل اكتفى باعلان غفران منحه الربّ.
ومع ذلك، إنطلق يسوع من هذا الإِعتراض وخطا خطوة اخرى: طالب لابن الانسان (اي لنفسه) بحق وسلطان منح الغفران. ويقول النص "على الارض ". هذا ما يميِّز الوضع الحالي لابن الانسان مقابل مجده المقابل حين يأتي على سحاب السماء. هنا نفكر بالمقابلة بين السماء والارض في مت 6: 10، 19؛ 18: 19؛ 23: 9؛ 28: 18 وبالاخص 16: 19؛ 18: 18.
منذ الآن يمتلك يسوع السلطان السامي الذي يتيح له أن يجلس على عرشه من أجل الدينونة الأخيرة. إذن، يحقّ له أن يستعمل هذا السلطان. وهكذا يستبق الحكم الذي سيعلنه في نهاية الأزمنة. فإن أراد أن يقدّم ساعة الدينونة (والحساب)، فليس هدفه أن يعاقب الخطيئة بل أن يغفر ويسامح. لم يأت وقت الحساب بعد، بل يسبقه زمن نعمة ورحمة. ولا ننسَ أن غفران الخطايا هو إحدى العلامات المميّزة في الاقوال النبوية التي تصوِّر خيرات العهد المسيحاني. رج مثلا أش 33: 24؛ ار 31: 34؛ 33: 8؛ حز 16: 36؛ 36: 25- 33.
معجزات يسوع هي علامات. والمعجزة المادية هي علامة خارجية عن معجزة المجيء المسيحاني الذي سيحرّر البشر من قبضة سلطان الشر وينجّيهم من الخطيئة. هذه هي معجزة المعجزات أي المعجزة الحاسمة، معجزة الخلاص المسيحاني الذي يتم بقدرة الله الحي والعامل عبر المسيح. ومعجزات الانجيل هي علامات تشهد على حضور المسيح وسط العالم اليهودي. 
المعجزات تدلنا على سرّ شخص يسوع. فحين أرسل يوحنا وفدًا يسأله ان كان هو الآتي، أجاب يسوع بكل بساطة: "إذهبا وأعلما يوحنا بما سمعتما ورأيتما: العميان يبصرون... " (مت 3:11- 5 وز). ولشفاء الممسوسين بُعد خاص أيضا. قال يسوع: "إن كنت بروح الله أطرد الشياطين، فهذا يعني أن ملكوت الله جاء إليكم " (مت 28:12؛ لو 11 :20).
شهد شفاء مخلع كفرناحوم على سلطان يسوع بانه يغفر الخطايا فكان له بُعدٌ عميق جدًا: كشف أن يسوع هو إبن الانسان الذي يتحدث عنه سفر دانيال. وهو يمتلك سلطانًا يعطيه الله للديان السامي الذي يُتم الدينونة في نهاية الأزمنة. وحين غفر يسوع الخطايا، فهو قد استبق الأمور فمارس على الأرض الوظائف التي يمارسها حين يجيء على سحاب السماء تحيط به الملائكة القديسون.

ج- سلطان أعطي للبشر (لو 5: 25- 26؛ مت 8:9؛ مر 2: 12) 
ويختتم مرقس ولوقا ومتّى الحدث فيشيرون إلى تأثّر الجمع بما حدث. نقرأ مر 2: 12ب: "تعجبوا كلهم ومجّدوا الله وقالوا: ما رأينا مثل هذا في حياتنا". وعند لو 5: 26: "فاستولت الحيرة عليهم كلّهم فمجّدوا الله. وملأهم الخوف فقالوا: اليوم رأينا عجائب ". السمة المسيطرة في هاتين الخاتمتين هي التعجّب والحيرة: لقد . دهش الناس.
أما متّى فلا يشير إلى ردّة الفعل هذه التي تبدو بشريّة محضة، وتدل على الذين لا يدركون المعنى العميق للحدث. حين لا نفهم نندهش. عند متّى، الناس فهموا وهو سيقول لنا ماذا فهموا. ولهذا فهو لا يقول شيئًا عن تعجّبهم. ونجد هذا الاسلوب عينه في نهاية حدث السير على المياه. عند مرقس، كان التلاميذ في حيرة لانهم لم يفهموا: "فتحيّروا كثيرًا وتعجّبوا، لان معجزة الأرغفة فاتهم معناها: كانت قلوبهم عمياء". أمّا متّى فلا يتحدّث لا عن الحيرة ولا عن العمى. فالتلاميذ فهموا مليّا هذا الحدث، ولهذا أعلنوا إيمانهم: "فسجد له الذين كانوا في القارب وقالوا: بالحقيقة أنت ابن الله (مت 33:14. لا نص موازيًا لهذا النص في لوقا).
حين قدّم متّى الامور بطريقته الخاصة فكّر بقرائه. أراد أن يساعدهم على استخراج العبرة من الحدث. هل فهم معاصرو يسوع أم لم يفهموا؟ المهم هو ما يفهمه المسيحيّون اليوم. يهتمّ متى بأن يعلَم ولهذا يحاول أن يستخلص العبرة من الأحداث. مثلاً مقطوعة الخمير (مت 16: 5- 12؛ ق مر 8: 14- 21)، والقول عن رجوع ايليا (مت 17: 10- 13؛ ق مر 9: 11- 13).
ويرافق فهم الحدث عاطفة خوف: الخوف الذي يحسّ به الأنسان. أمام ظهور إلهي (مت 6:17- 7؛ 27: 54؛ 5:28، 10). خوف مقدس نترجمه مدائح نرفعها إلى الله. يجتمع المديح والخوف على الطريقة التقليدية في رؤ 14: 7؛ 15: 4؛ 19: 5.
لماذا تعجّب الجمع عند مرقس؟ "ما رأينا مثل هذا في حياتنا". وعند لوقا؟ "رأينا اليوم أمورًا غريبة، عجيبة". تولدت الدهشة مما رأوا أي من الشفاء الذي شاهدوه. هذا ما لفت انتباههم، لا الكلمات التي بها أعطى يسوع المعجزة معناها السامي. ولكن الوضع يختلف عند متّى: ما يثير الخوف هو السلطان الذي أعطاه الله للبشر. وقد أختار متى لفظة "سلطان " عمدًا. في آ 6 أكّد يسوع أن لابن الانسان السلطان بأن يغفر الخطايا. فهذا السلطان في حدِّ ذاته يخصّ الله وحده. ولكن حين شفى يسوع المخلّع برهن على أنّه يقدر أن يمارس هذا السلطان الإلهي، سلطان غفران الخطايا. التعارض هو هنا: سلطان يعود إلى الله وحده وقد أعطي للبشر (آ 8): هناك أناس مارسوا سلطان صنع المعجزات. ولكن ما يبدو جديدًا، وما لم يسمع به أحد هو أن ليسوع السلطان بأن يغفر الخطايا: حتّى الآن لم يُعطِ الله مثل هذا السلطان لأحد.
لاشك في أن لوقا تبع مرقس. ولكننا نكتشف على ضوء نصوص لوقاوية أخرى أنّه ينقل خبره في نظرة تختلف عما في النموذج الذي أخذ منه. هناك تقارب أول مع شفاءين أوردهما سفر الأعمال. الأول، كسيح الباب الجميل في الهيكل. قال له بطرس: "باسم يسوع المسيح الناصري قم وامشِ " (أع 3: 6). ارتبطت قدرة يسوع التي تحدث عنها لوقا (5: 17) باسم يسوع، هذا الاسم الذي به وحده نخلص (أع 4: 13). والثاني اينياس. قال له بطرس: "يا اينياس، شفاك يسوع المسيح. فقم ورتّب فراشك بيدك " (أع 9: 34). دل هذان الشفاءان علِى عمل الخلاص يقوم به القائم من الموت بواسطة شهوده، في أورشليم أوّلاَ، ثم على الساحل الفلسطيني، في لدة.
ونقرأ خبر المخلّع على ضوء الغفران الذي منحه يسوع على الصليب. قال اللص ليسوع: "اذكرني يا ربّ، متى جئت في ملكوتك ". أجابه يسوع: "الحق أقول لك: اليوم ستكون معي في الفردوس " (42:23- 43). أجل، من على صليبه بدأ الدينونة، ولكنّها دينونة رحمة لا دينونة عقاب. فهو ما جاء ليهلك العالم بل ليخلّص العالم.
وهكذا نكتشف موضوعًا لوقاوًّيا خاصًّا هو موضوع مصالحة الله مع الانسان، يعبِّر عنه النص حتى في الجسد بواسطة العودة الى الصحة. هذه هي فاعليّة كلمة يسوع وسلطانه: إن الرجل الذي يؤمن قد حمله إيمان اخوته، فقام واقفًا أمام الجميع (آ 20؛ رج أع 16:3: "فالايمان بيسوع هو الذي جعله في كمال الصحة"). بعد أن شفي ذهب إلى بيته وهو يمجَد الله يرافقه شهود دهشوا من شفائه (آ 25- 26؛ رج أع 4: 21: "كان الناس كلّهم يمجّدون الله ").
حين يقرأ يهودي هذا الخبر الانجيلي، تبدو العلاقة واضحة بين الخطيئة والمرض. ويبرز سؤال ساعة يعتبر الانسان انه يغفر الخطايا. هذه النقطة هي أساس الجدال عند مرقس. أمّا لوقا فعرف ما يؤثر كل التأثير في عقل القارئ اليوناني: إن سلطان ابن الانسان على باطن المخلع (غفران الخطايا) له تأثير على. جسده. لهذا ختم الخبر على الشكل التالي: "رأينا اليوم عجائب ". فالنظر إلى هذا الانسان المعافى (رج أع 4: 10) يُتيح للجميع بأن يقرّوا بآنيّة الخلاص (اليوم، الآن، الرب يخلّص) الذي ظهر في ميلاد يسوع (2: 11: "مخلص هو المسيح الربّ " وأعلن في الناصرة (4: 21). ان بركة الله تظهر حقُّا بصورة ملموسة وسط شعبه عبر قوة الذي أرسله في ملء الروح القدس ليشفي المرضى ويغفر الخطايا.
الفصل التاسع والعشرون
يسوع يدعو لاوي
5: 27- 32 ؛ مت 9: 9- 13؛ مر 2: 13- 17

1- لاوي أو متى
إن خبر إظهار جديد لقدرة يسوع في العمل انتهت مرة أخرى بنداء يوجّه إلى تلميذ. قال له يسوع: إتبعني. بعد صيد السمك (5: 1- 12) "تركوا كل شيء وتبعوه "، تبعه سمعان ويعقوب ويوحنا، وها هو لاوي يترك كل شيء ويتبع يسوع. هم كانوا صيادين أما لاوي فقد كان من العشارين وجباة الضرائب.
كان العشارون ممقوتين وغير محبوبين لدى الشعب بسبب جشعهم الذي كان مضرب المثل. كانوا يجبون "العشر" من كل غلة وربح. يتفقون مع "مصلحة الضرائب " على كمية من المال يؤدّونها لها. وكل ما زاد عن هذه الكمية كان يدخل في جيوبهم. ثم كان العشارون محتقرين لأنهم كانوا يتعاملون مع الوثنيين، ولا سيّما إذا كان هذا الوثني حاكمًا للبلاد كالرومان.
واختار يسوع واحدًا من هؤلاء العشّارين ليكون من تلاميذه. إختاره من وسط مهنته النجسة. ذهب إليه، إلى مكتبه، ومن هناك اجتذبه إليه فتبعه. ولكن قبول عشّارين في الحلقة الرسوليّة لا بدَّ أن يخلق الشكوك. ويا ليته كان واحدًا فقط، فالقديس مرقس يقول في 2: 15: "كثيرون من الذين تبعوه من جباة الضرائب".
شفى يسوع المقعد رغم خطيئته، بل غفر له خطيئته قبل أن يقول له: "قم واحمل فراشك واذهب إلى بيتك " (لو 5: 24؛ مر 2: 9). ودعا لاوي رغم أنّه عشّار خاطئ. غفر له ودعاه ليكون له تلميذًا. لم تعد الخطيئة حاجزًا يمنع الانسان من تقبل الخلاص. فالذي يحمل الخلاص يغفر الخطايا أيضًا.
نظر يسوع إِلى لاوي، كلّمه فكفى. فنظرة يسوع وكلمته قديرتان بأن تجعلا الفرّيسي يترك كل شيء. ترك من خدمهم في الماضي، ترك مأمون (أي المال الذي به يؤمِّن الانسان على حياته، الذي تعبّد له) ترك رغباته التي انقاد لها وصار تلميذ يسوع. وكانت نتيجة نداء يسوع تبدّلاً جذريا في حياته. فيسوع حين يدعو يخلق الانسان من جديد، يعطيه قلبًا مستعدُّا لتقبّل طريقة حياة لم يعتَدْ عليها. كان سمعان صيّاد سمك، فصار صيّاد بشر يجمع الناس من أجل الملكوت. وكان بولس غيورًا على شريعة الآباء، فصار غيورًا على الإِنجيل. وهذا ما حدث للاوي.
سمّى مرقس ولوقا هذا الرسول الجديد "لاوي" فأخفيا في شكل من الأشكال أصل متى. أما متى فأحلّ اسمه محلّ لاوي وشدّد على صفته كعشّار داخل الحلقة الرسوليّة. قال في 9:9: رأى يسوع رجلاً اسمه متى فقال له اتبعني. ودعا متى يسوع إلى مأدبة دعا إليها أصحابه القدامى ليودعهم. وحين ذكر متى الرسل الإثني عشر وضع صفته قرب اسمه: متى العشّار أو جابي الضرائب. وهكذا حاول أن يتجاوز الشك الذي يمكن أن ينتج عن حياته السابقة مشدّدًا على رحمة الله التي تدعو الخطأة وخصوصًا الخطأة على ما قال يسوع في نهاية هذه المقطوعة: فجئت لأدعو الخاطئين . هو لم يدع الفريسيين الذين يعتبرون نفوسهم أبرارًا، بل العشّارين الذين يعرفون ضعفهم فلا يتّكلون على نفوسهم بل على الربّ. وكما افتخر متى بمهنته السابقة ليُبرز رحمة الله تجاهه، كذلك تذكر بولس مهنته السابقة كمضطهد للكنيسة. كان شتّامًا ومضطهدًا ولكن نعمة الله عملت فيه فصار مساويًا لسائر الرسل.
لاوي هو ابن حلفى في مرقس، وقد دعاه يسوع كما دعا الرسل الأربعة الأوّلين. رأى سمعان، قال له: إتبعني. فترك الشبكة وتبعه. ورأى اندراوس ويعقوب ويوحنا. ورأى لاوي في بيت الجباية. قال له: إتبعني. فقام وتبعه. لاوي هو جابي كفرناحوم التي كانت على الحدود بين ولاية هيرودس انتيباس وولاية هيرودس فيلبس (تترارخس تراخونتيس). هذا يعني أنّه كان معروفًا وله مكانته في المنطقة.
العشّارون هم "الخاطئون "، أي الذين يعتبرهم اللاهوت الرسميّ كذلك. وإذا عدنا إلى متى، نرى العشّارين في خانة واحدة مع الوثنيين (5: 46- 47؛ 17:18) ، مع الخطأة (9: 10؛ 11: 19)، مع الزناة (21: 31)، وهذا شرف لهم: سيكونون في رفقتهم ليسبقوا "الأبرار" إلى ملكوت الله. جعل متى ومرقس العشّارين مع الخطأة (مر 2: 15؛ مت 9: 10). ولكن لوقا أراد أن يُبطل إلصاق تسمية الخاطئين بالعشّارين فقال: "حضر عدد منَ العشّارين وغيرهم " (آ 29). 
الفرّيسيون هم المنفصلون عن "الخطأة". يهتمّون بمعرفة الشريعة وبتطبيقها بحذافيرها. ابتعدوا عن الذين لا يمارسون الشريعة كاملة وعدّوهم أنجاسًا وغير طاهرين. يقول متى: الفرّيسيون. ولوقا: الفرّيسيون وكتبتهم. ومرقس: كتبة الفرّيسيين. من المهم أن نعلم أنّ الكتبة انتموا بأكثريتهم إلى جماعة الفرّيسيين.
لم يتجاسر الفرّيسيون أن يوجّهوا كلامهم إلى يسوع بصورة مباشرة. فحدّثوا الرسل عن معلّمهم متهمينه بأنّه يأكل مع العشّارين والخطأة. في نظر الفرّيسيين، إقترف يسوع خطيئتين. الأولى: جلس بصورة علنية مع الخطأة. الثانية: شارك معهم في الطعام الواحد والبركة الواحدة، وأية مشاركة بين البر والإثم. نشير هنا إلى أن لوقا يجعل التهمة في الحلقة الرسوليّة: "لماذا تأكلون وتشربون مع العشّارين"؟

2- الأساس المرقسي
أول نص إنجيلي مكتوب نعرفه هو إنجيل مرقس وعليه ارتكز لوقا في القسم الجليلي من إنجيله ليتركه خلال صعود يسوع إلى أورشليم. واستفاد متى أيضًا من إنجيل مرقس، ولكنه افترق عنه أكثر مما فعل لوقا الذي صحّح بعض الأمور الطفيفة مثل: أصحّاء بدل أقوياء قال مت 12:9 ومر 17:2: ليس الأقوياء (الذين يقدرون أن يحملوا السلاح) بحاجة إلي طبيب. أمّا لوقا فقال: ليس الأصحّاء (الذين في صحة جيّدة). نشير هنا إلى أن الكلمة الآرامية تعني في الوقت عينه من كان قوُّيا ومن كان في صحّة جيّدة.
ولكن نص متى هو توسيع وعمل تدويني لتقليد أقدم منه. نستطيع أن نكتشف هذا التقليد في آ 15- 17 التي تحيلنا مباشرة إلى حياة يسوع وطريقة عيشه في محيطه الفلسطيني.

أ- النص المرقسي.
إن مشهد نداء لاوي "على شاطئ البحر" (آ 13 كـ14) قد دوّنه مرقس ليعطي صورة لافتة عن كلمة يسوع: "ما جئت لأدعو الأبرار بل الخطأة" (آ 17). لا شك في أنّ الإِنجيليّ وجد اسم المدعو في مقدمة لخبر المأدبة (آ 15). كما اكتشف رسمة الخبر في رواية دعوة الرسل الأوّلين، بطرس وأخيه اندراوس يعقوب وأخيه يوحنا (1: 16- 20): الوضع. رأى يسوع. دعا يسوع. أطاعه المدعو.
ومر خبر المأدبة مع العشّارين (آ 15- 17) في تطور واسع تضخم فيه التقليد المرة بعد المرة. في الأصل، كان حديث عن المشاركة في المائدة مع العشّارين. ولكن في بدايات الرسالة المسيحيّة لدى الوثنيين، إستعاد المرسَلون هذا الخبر فنقلوا من العشّارين (كان الفرّيسيون يعتبرِونهم وثنيين= خطأة) إلى الوثنيين دعوة يسوع إلى الخطأة (آ 17). وأشاروا حالا ألى الخطأة في الخبر في آ 15، 16 ب لكي تكون الفكرة واضحة. فالمقابلة مع الطبيب (آ 17) التي بها برر يسوع اهتمامه ببعض فئات من الناس، دخلت في الخبر وطبقت على يسوع الذي يُعتبر مخلص الخطأة، وهذا حين ضم مر 2: 1- 12 و15:2- 17 إلى مجموعات المجادلات الجليلية. أخيرًا ذكر مرقس نفسه التلاميذ العديدين الذين تبعوا يسوع.
إنّ التقليد الذي يتحدّث عن الوليمة لدى العشّارين بعد أن طالب يسوع بسلطان غفران الخطايا (آ 21: 1- 12) كان سابقًا لمرقس. ولكن الإِنجيلي مدّ خطوط هذا الموضوع فدلّ على أنّ يسوع يمارس تجاه العشار لاوي سلطانه بأن يغفر الخطايا، وبأن يدعو الخطأة لكي يتبعوه (آ 13- 14). فالنداء لاتباع يسوع هو في نظر الإِنجيلى نداء للخروج من ماضي الخطيئة، لا دعوة إلى أن ننفصل عن الخطأة. بل إن هذا النداء يلزمنا بالتضامن مع الخطأة لأنهم مرضى ومنفصلون. وحقّهم الوحيد في الإرتداد يتطلّب منا أن نضع حدّا لهذا الإِنفصال ليستطيعوا أن يسمعوا الدعوة إلى ملكوت الله.

ب- حياة يسوع العلنية.
نستطيع أن نعيد بناء حدث المأدبة كما يلي: "وحصل أنّه لمّا كان جالسا إلى المائدة في بيت لاوي بن حلفى، وُجد عدد من العشّارين على المائدة مع يسوع وتلاميذه. ورأى الكتبة الذين من حزب الفرّيسيين أنه يأكل معهم فقالوا لتلاميذه : إنّه يأكل مع العشّارين ". وحين سمع يسوع هذا الكلام قال: "ما جئت لأدعو الأبرار بل الخطأة".
وفي الجدالات بين يسوع وخصومه، كما يوردها الإِنجيليّ، ينكشف مرارًا سؤال يحرّك الجماعات الأولى. ولكن تفاصيل الجدال الدقيقة (اسم الضيف الذي يستقبل، الكتبة أصحاب الميول الفرّيسية) تمنعنا من التفكير في تقديم كلمة يسوع تقدمة بسيطة في 15:2- 17. فأورد الخبر انطلاقًا من تذكر تاريخي. لاموا يسوع لأنه صار شبيهًا بالخطأة (رج مت 11: 19وز)، لأنه يخسر من "شعبيته " حين يجلس مع العشّارين للطعام فأجاب مؤكّدًا أنّ رسالته (جئت= أُرسلت من الله) تتوجّه خاصّة إلى الخطأة، أي الذين يضعونهم "رجال الدين " على هامش المجتمع. فالنداء إلى الملكوت كما يعلنه يسوع في كرازته يعني بصورة خاصّة الخطأة الضالين الذين ذهبوا إلى البعيد (لو 15: 1- 8: النعجة الضالّة)، وكل الذين يبعدهم "الأبرار" ويجعلونهم على هامش الحياة. هؤلاء لا بدّ من دعوتهم إلى مائدة الله في جماعة البشر. إنّهم خراف ضالّة نذهب في طلبها (مت 9:9).
إنّ سامعي يسوع الذين يعرفون مثله العهد القديم، يعلمون أنّ يهوه راعي إسرائيل الصالح يعتبر كل إسرائيل شعبه الذي يخصه، وهو لا يسمح أن يُرذَل عضوٌ من أعضاء هذا الشعب ويهلك. إذن، اختار يسوع بيت لاوي ليدلّ على رحمة الله الذي يريد أن يجمع شعبه كلّه بواسطة يسوع ليجعل منه شعب الله الاسكاتولوجيّ، وذلك ساعة يتأسّس الملكوت.
خبرٌ عمل فيه التقليد كثيرًا، فكيف قرأه متى الإِنجيلي (وجماعته) وكيف فسّر ظهور يسوع؟

3- التدوين المتاوي.
بدّل متى موضع شفاء المخلّع (مر 2: 1-2؛ مت 9: 1-8) فجعله لا في بيت من بيوت كفرناحوم، بل في الطريق التي تقود من بحر الجليل إلى المدينة، أي إلى مدينة يسوع الخاصّة (9: 1). وفي الطريق، حين جاء يسوع "من هناك " (آ 9) حصل نداء العشّار الذي لا يسمَّى لاوي في الإِنجيل الأوّل، بل متى.

أ- نداء متى العشّار (آ 9).
حين كان يسوع ذاهبًا من شاطئ البحيرة إلى بيته في كفرناحوم، دعا العشّار الجالس إلى مكتب الجباية. منذ ذلك الوقت صار متى من جماعة التلاميذ الذين أبرز مت 18:8 ي أمانتهم المثالية في اتباع يسوع. فالنداء غير المشروط والطاعة الفوريّة يُميّزان أخبار الدعوة في العهد الجديد ويدلّان في الوقت عينه على سلطة يسوع المواهبية التي لا تجاريها سلطة، وعلى خضوع التلاميذ لهذه السلطة خضوعًا مطلقًا.
إذا وضعنا جانبًا تبديل اسم المدعو (من لاوي إلى متى) تبدو التبديلات التدوينية طفيفة من مر 14:2 إلى مت 9:9 . اعتاد متى أن يجعل اسم "يسوع " في بداية المقطوعات. ويعود في الوصلات التدوينية إلى إشارة مكانيّة غامضة "من هناك " (أكايتن). لا يشاهد يسوع "لاوي بن حلفى" بل "رجلاً اسمه متى"، وهي عبارة من تدوين متى تمنعنا أن نرى في متى اسمًا آخر للاوي. فالتعبير يفرض علينا عكس ذلك: أن نلاحظ أن صاحب الإِنجيل الأوّل أحلَّ متى محل لاوي. أحلَّ العشّار المغمور رجلا من مجموعة الإثني عشر يسمّيه بوضوح في لائحة الرسل: "العشار" (مت 3:10).
لماذا تبديل الاسم هذا؟ يبدو الجواب واضحًا. اختلف متى الإِنجيلي عن مرقس فماثل مجموعة تلاميذ يسوع مع الإثني عشر أي لا فرق بين الإثنين، والإثنا عشر هم تلاميذ يسوع. فليس ليسوع إلاَّ إثنا عشر تلميذًا. بما أنَ لاوي غير موجود بين الإثني عشر، فيجب أن يحل محله متى.
إنّ صاحب الإِنجيل الأوّل الذي كرَّم الرسول متى إكرامًا خاصا قدّمه "كالعشّار" في مجموعة تلاميذ يسوع. إنّه نموذج عن الذين دعاهم يسوع (آ 13) الذي سُمِّي في مكان آخر: "صديق العشّارين والخاطئين " (مت 11 : 19).

ب- مأدبة للعشّارين (آ 10- 13).
وكانت وليمة للعشّارين في بيت يسوع الذي يحدّد متى موقعه في كفرناحوم. ويبدأ المشهد بعبارة توراتية: "وحصل، وكان أن" كما في السبعينية. وزاد الكاتب: "وها إن ". يلجأ متى إلى هذه العبارة في المقدمة ليصوّر أحداثا تكشف بصورة ملفتة لاهوت يسوع، أو أعمالاً تدلّ على عظمته الإلهية وقدرته. إذن، يستعمل الإِنجيلي هذه العبارة ليلفت نظرنا مسبقًا إلى مضمون خبره المهم. 
شدّد متى على أنّ العشّارين والخاطئين "جاؤوا" إلى بيت يسوع. فالوضع ينتج عن ما رواه الإِنجيلي سابقًا: سمع الخطأة عن غفران حصل عليه المقعد، سمع العشّارون عن نداء وُجّه إلى متى، فجاؤوا الآن إلى ذلك الذي لا يعاملهم باحتقار مثل الفرّيسيين، بل يدعوهم إلى مائدته.
نشير هنا إلى اختلاف بين لوقا من جهة، ومرقس ومتى من جهة أخرى. نقرأ في مت 9: 10 "وكان أنّه، حين كان على المائدة في البيت، وها إنّ عشّارين ". لا يحدّد النص البيت، ولهذا ذهب بعض الشرّاح فاعتبروا أنّه بيت لاوي. ونقرأ في مرقس بطريقة أوضح: "وكان أنّه اتّكأ إلى المائدة في بيته ". إذن، أولم يسوع وتلاميذه وليمة للعشّارين والخطأة، بانتظار الوليمة العظمى، وليمة العشاء السري. أما لوقا فقال بوضوح: "وأقام له لاوي وليمة كبيرة في بيته " (آ 29). هنا نلتقي مع وليمة أخرى أولمها عشّار آخر اسمه زكّا (19: 1- 10) وانتهت في المعنى عينه: "فإبن الانسان جاء ليبحث عن الهالكين ويخلّصهم ".
إن المأدبة في بيت يسوع هي صورة عن الوليمة الاسكاتولوجيّة التي تحدّث عنها يسوع سابقًا: "كثيرون يأتون من الشرق والغرب ويتكّئون في الوليمة مع أبراهيم واسحق ويعقوب في ملكوت السماوات، وأمّا أبناء الملكوت فيُطرحون خارجًا في الظلمة" (مت 8: 11- 12). لا يرسم متى هنا واقعًا تاريخيُّا من حياة يسوع فحسب، واقع الواعظ المتجوّل الذي يأتي مع تلاميذه إلى بيت لاوي، بل يجعل خبره في إطار الوليمة الاسكاتولوجيّة حيث تستقبل رحمةُ الله الخطأة العديدين.
حسب متى، تشكك الفرّيسيون من تصرّف يسوع، لا "الكتبة الذين من حزب الفرّيسيين " (مر 2: 16). فالمقطوعات الثلاث في هذه المتتالية تنتظم حول محاوري يسوع المتنوّعين: الكتبة حين شفى المخلّع (كما في مرقس). الفرّيسيون خلال الطعام مع العشّارين. تلاميذ يوحنا (مر: والفرّيسيون) حين طُرح السؤال حول الصوم. وهكذا برزت صراعات بين يسوع ومختلف المجموعات في إسرائيل، هذا الشعب (شعب الله) الذي أُرسل إليه يسوع فلم يجد عنده إيمان، كما أشار متى إلى هذا الأمر مرارًا. وموضوع الصراع يحدِّد في كل كلمة حالة مجموعة المعارضين (وموقفهم يرمز إلى رذل إسرائيل ليسوع)، ولكنّهم في النهاية يكوّنون جبهة موحّدة في وجه يسوع.
سأل الكتبة تلاميذ يسوع: لماذا يأكلون مع العشّارين والخاطئين؟ دوّن متى نصه بطريقة تعليميّة فأبرز جواب يسوع ليبرّر تصرّفه. شدّد على أن يسوع أجاب على سؤال الفريسيين بصفته "المعلّم ". حين كلّموا التلاميذ عنه قالوا "معلمكم "! يسوع هو معلّم تلاميذه (ومعلِّم الكنيسة التي يرسل إليها متى إنجيله)، المعقم الذي يعلّم بالكلمة والعمل، المعلّم الذي يسرّنا أن نتعلّم منه: "إذهبوا وتعلّموا" (آ 13).
إذن، ليس يسوع فقط مسيح الكلمة والعمل، بل المعلّم بالكلمة والعمل، بل المعلّم الذي توافق أعمالُه أقواله، عكس الفرّيسيين والكتبة الذين "يقولون ولا يفعلون " (مت 3:23) أراد متى أن يبيّن أنّ يسوع هو المعلّم الحقيقي الذي عنده يتوافق التعليم والعمل (رج 5: 19؛ 7: 21- 23؛ 7: 24- 27)، بل يكون التعليم والعمل واحدًا. فعلى التلميذ أن يتعلّم من يسوع وهو يقدر أن يتعلّم منه لأنّ "نيره هيّن وحمله خفيف " (11: 30)، لأن شريعته شريعة الوداعة والتواضع (11: 29).
ويبرز نص متى سلوك يسوع في شكل جديد. فالعبارة "لا يحتاج الأصحّاء إلى طبيب، بل المرضى" تبدو واضحة للجميع وهي تتحقّق في الأعمال. إنّ يسوع يعمل كالطبيب الذي يجترح المعجزات: يشفي المرضى ويترك دَين الخطأة. ويدعو سامعيه ليكتشفوا معنى عمله: "إذهبوا وتعلّموا"، يعني هذا الذي فعلته. حينئذٍ أورد متى هو 6: 6: "أريد الرحمة لا الذبيحة". هذا يعني أن ما يوجّه سلوكه هو معرفة إرادة الله التي يجب على سامعيه أن يعرفوها أيضًا ويحقّقوها كما وردت عند الأنبياء. بما أنّ اليهود يقرّون بسلطة الكتب المقدّسة، فحين أورد لهم يسوع نص هوشع لم يترك لهم أي عذر: إنّهم مُجبَرون على الإقرار بأنّ سلوكه قد أراده الله، وإلا لم يبقَ لهم إلاَّ أن يرفضوا إرادة الله.
ويعبَّر عن إرادة الله بكلمة "الرحمة". فيسوع يدلّ في سلوكه على رحمة الله لأنّه يعتني بالخاطئين: "فأنا ما جئت لأدعو الصالحين بل الخاطئين ". هنا نشير إلى أنّ لوقا زاد: "إلى التوبة" فصار كلام يسوع: "ما جئت لأدعو الصالحين إلى التوبة، بل الخاطئين " (آ 32). زاد هذه العبارة ليوضح موضوعًا عزيزًا على قلبه (13: 1 -5، 15: 1ي؛30:16).
إن يسوع ينجّس نفسه في نظر الفرّيسيين حين يعاشر العشّارين والخاطئين. وهذه المعاشرة تجعله غير قادر على المشاركة في الطقوس وشعائر العبادة. ولكن يسوع قلَب هذه النظرة رأسًا على عقب. قال في خطبة الجبل: "حين تقدّم ذبيحة على المذبح وتتذكّر أنّ لأخيك عليك شيئًا، فاترك ذبيحتك هنا أمام المذبح. إذهب أوّلا وصالح أخاك ثمّ عد وقدّم قربانك " (مت 23:5- 24). فالطقوس والذبائح تأتي بعد عمل الرحمة والمصالحة. والذي يقلب تراتبية القيم هذه يستحقّ توبيخ أشعيا حين قال: "هذا الشعب يكرِّمني بشفتيه، وأمّا قلبه فبعيد عنّي. فالعبادة التي يؤدّيها لي باطلة؛ والتعاليم التي يعلّمونها ما هي إلاَّ فرائض بشريّة. (مت 7:15- 9). إنّ تصرّف يسوع الذي يدلّ على إرادة الله ورحمته، يضع البشر هكذا أمام حُكم الله ودينونته. فماذا سوف يعملون؟
أي روح سيكون روح التلاميذ؟ ما الذي يجب أن يظهر أوّلاً عند الرسل؟
ما الذي يجب أن يمارسه المسيحيون الذين سمعوا نداء المسيح؟ خلال الوليمة نفهم كيف يكون تلميذ يسوع الذي يحب لوقا أن يرينا إيّاه مدعوًّا إلى الطعام (36:7 ي؛ 12: 38 ي؛ 14: 1ي؛ 19: 1ي). حين يأتي إلى بيت العشّار، فهو لا يتنجّس، بل يقدّس الذين يقتربون منه. وهكذا يقدّس التلاميذ العالم فيقدّمون الخلاص للجميع، للأبرار كما للخاطئين. إنّهم لا يهتمّون بخلاص يحصلون عليه بممارسات خارجيّة. بل بالحبّ الذي يتجرّأ على كل شيء فيصير كل شيء للجميع ليربحوا أكثر عدد ممكن (1 كور 22:9).
الفصل الثلاثون
جدال حول الصوم
5: 33-39

يردُ الجدال حول الصوم في الأناجيل الازائيّة الثلاثة (5: 33- 39- مت 9: 14- 17= مر 18:2- 22). وهو جزء من سلسلة تتضمّن خمسة جدالاتٍ جليليّة: شفاء مخلّع كفرناحوم (17:5- 26= مت 9: 1- 18- مر 2: 1- 12)، وليمة مع الفريسيين (5: 27: 32= مت 9- 13= مر 2: 13- 17)، جدال حول الصوم (17:5- 26= مت 9: 1- 8= مر 2: 1- 12)، قطف السنابل يوم السبت (6: 1- 5= مت 12: 1-8= مر 23:2-28)، شفاء الرجل ذِي اليد اليابسة (6:6- 11= مت 9:12- 14= مر 3: 1- 6). جُعلت هذه الجدالات في بداية رسالة يسوع العامّة، وكان لها امتداد مع جدالات أخرى وقعت في نهاية رسالة يسوع في أورشليم: السلطة المعطاة ليسوع (20: 1- 8= مت 21: 23-27= مر 11: 27-33)، الجزية لقيصر (20: 20- 26= مت 22: 15- 22= مر 13:12- 17)، قيامة الأموات (20: 27- 40= مت 22: 23- 33= مر 12: 18- 27)، الوصيّة الأولى والعظمى (10: 25- 28= مت 22: 34- 40= مر 28:12- 34)، أصل المسيح وعلاقته بداود (20: 41 -44= مت 22: 41- 46= مر 12: 35- 37). ففي الحالين، جدالاتِ الجليل وجدالاتِ أورشليم، نحن أمام نصوص تكوّنت قبل أن تدخل في التقليد الازائيّ، وجمعت فكان لها البعدُ عينُه. ونلاحظ أنّ الهيرودوسيّين يرتبطون بهيرودوس دون أن نستطيع تحديد هذا الارتباط. هم يظهرون مرّتين في الانجيل، في السلسلة الأولى (مر 3: 6)، وفي الثانية (مر 13:12= مت 22: 16). وراح بعض الشُرّاح (دانيال) يقابل بينهم وبين الأسيانيّين.
نقرأ المجادلات الجليليّة في الأناجيل الازائيّة الثلاثة وفِى الترتيب عينِه، مع أمر خاصّ بمتى وهو أنّ المجادلات الثلاث الأولى ترِد في ف 9، والمجادلتَين الأُخرَيَين في ف 12. نحن سنتوقّف عند المجادلة الثالثة حول الصوم
إن الحديث عن الصوم واختطاف (ارتفاع) العريس يحملان لنا تعليمًا عقائديّا عن يسوع وتصرفاته: إنه المسيح السامي الذي يُدعى إلى تحقيق مسيحانيّته بشكل متواضع على مثال عبد الله (عبد يهوه).
سنتعرّف إلى ما يسمّى التاريخَ التكوينيّ للأناجيل الازائيّة: وُلدت في حضن الكنيسة، وتألّفت من موادَّ كانت موضوع كرازة قبل أن تُكتب. من هذا القبيل، تكيّفت أقوال يسوع وأعماله وحاجات الجماعة، واستُعملت لحلّ المسائل التي تطرَح عليها.
نتوقّف أوّلاً على المسائل الأدبيّة، ونقوم ثانيًا بتفسير النصّ، ثم نقدّم الخاتمة.

1- المسائل الأدبيّة
هناك المقطع عن الصوم ومثلان يرافقانه: الثوبُ العتيق، الخمرة العتيقة. مرقس هو أطول الازائيّين (2: 18- 42). يبدأ بعبارة "كانوا صائمين " (لا نجد ما يقابلها عند مت ولو). هذا يَعني أنّ تلاميذ يوحنا والفريسيّين اعتادوا أن يصوموا، أو أنهم كانوا صائمين في ظرف محدّد، صومًا تقليديُّا، ولكنه اختياريّ. فالصوم الوحيد الذي تفرضه الشريعة على الجميع هو صوم يوم التكفير (كيبور) العظيم الذي مارسه ولا شكّ يسوعُ وتلاميذه.
مَن هم الذين سألوِا يسوع؟ يقول النصّ: جاء. قد يكونون بعضَ الناس، وقد يكونون تلاميذ يوحنا والفريسيّين المذكورين سابقًا في نهاية آ 019 إن الكلمات "ما دام العريس معهم لا يستطيعون أن يصوموا" هي تكرار الفكرة التي يعبّرُ عنها السؤال السابق، وهذا أمر خامس بمرقس. وتأتي العِبرة في آ 22: "تُتلف الخمر والزِقاق معًا". أمّا متى ولوقا فقالا: تَسيلُ الخمرة وتتلف الزِقاق (الأوعية).
أمّا متى (9: 14) فربط حدَث الصوم بالوليمة عند لاوي بواسطة الأداة "حينئذٍ" أو الفاء (توتي اليونانيّة)، وهذا الظرف التاريخيّ معقول كما قال بعض الشرّاح. إنّ متى العشّار الذي احتقره الفريسيّون مرارًا قد وضع خمرته المعتّقة أمام هؤلاء الصُيّام المحترفين. واعتبر آخرون أنّ هذه الأداة جزء من أسلوب متى الأدبيّ (ترد توتي 92 مرّة في مر، 15 في لو)، وهي لا تدلّ على رباط زمنيّ.
من يسأل يسوع هنا؟ تلاميذ يوحنا. في آ 15، لا يقول يسوع ان رفاق العريس لا يستطيعون أن يصوموا، بل أن يكونوا في الحِداد، أن يحزنوا (بنتايو) ما دام العريسُ معهم.
ويوضح لوقا النصّ (33:5) فيربط المقطع عن الصوم بالوليمة لدى لاوي. لام الفريسيّون والكتبة تلاميذ يسوع لأنهم يأكلون مع العشّارين والخطأة، فأجاب يسوع: "لا يحتاج الأصحّاء إلى طبيب، بل المرضى. ما جئت لأدعو الصالحين إلى التوبة، بل الخاطئين " (5: 31- 32). وأردف الانجيليّ: "أما هم فقالوا له: "تلاميذ يوحنا... ". وهكذا قدّم لوقا السؤال حول الصوم، فيبدو ان الحديث تواصل دون توقّف. إذن، الذين سألوا يسوع هم فريسيّون وكتبة، واعتراضهم يختلف عمّا نجد في مرقس: هم يتحدّثون لا عن صوم آنيّ يقوم به تلاميذ يوحنا، بل عن أصوام متكرّرة، بل عن صلوات متكرّرة، وهذا أمرٌ لم نكن لننتظره. والشكل الذي يتّخذه جواب يسوع في آ 34 يبدو نقدًا مباشرًا للفريسيّين الذين يحاولون أن يتسلّطوا على الناس: "هل تستطيعون أن تجعلوا رفاق العريس يصومون "؟ (قال مرقس: "أيستطيع رفاق العريس أن يصوموا"؟). 
ويقدّم لوقا مثل الثوب بطريقة غريبة. في متى ومرقس، تُستعمل رُقعةٌ من نسيج جديد (غير مطروق) من اجل ثوبٌ ممزَّق، وهذا ما يحدث في الحياة اليوميّة. أمّا لوقا فيفترض أننا نخزُق ثوبًا جديدًا لنَرقَع ثوبًا عتيقًا، وهذا أمر غير معقول.
ما يقول به الشُرّاح هو أن الانجيل الثالث انطلق من إنجيل مرقس وحوّله. فأمّا مر 18:2 فترك القارئ متحيّرًا حول المعنى الدقيق للنصّ: صوم اعتادَه الناس، أو يقومون به في ظرف محدّد؟ بَتَّ لوقا المسألة. لا نجد في الانجيل الثاني ارتباطًا كرونولوجيًّا وجغرافيًّا بين هذا المقطع وما يجاوره. أمّا لوقا فجعله في بيت لاوي، والمناسبةُ وليمةٌ أولمها ذاك اللاوي ليسوع (5: 29). قال مر 2: 20 "في ذلك اليوم " بعد أن قال في بداية الآية "ستأتي أيّام ". أزال لوقا هذا التنافر وجعل صيغة الجمع في الموضعين: "يصومون في تلك الأيّام ".
يبدو مثلا الثوبُ والزُقاق في مرقس وكأنهما مَزيدان على الجدال حول الصوم. أمّا لوقا فربطهما بالسياق السابق بواسطة هذه الكلمات: "وقال لهم هذا المثل ". إذا كان لوقا حوَّل مُعطيات مثَل الثوب (نخزُق ثوبًا جديدًا لنرقع ثوبًا عتيقا)، فقد أراد أن يشدّد على الرباط مع ما سبق وما لحِق: إن الرقعة الجديدة التي يتحدّث عنها متى ومرقس هي شيء قليلُ القيمة. أمّا الثوب الجديد الذي يتحدّث عنه لوقا فهو يعود بنا إلى التدبير الجديد، على مثال كلام يسوع عن زمن العرس أو النبيذ الجديد الذي نضعه في الأوعية الجديدة.
استعمل مر 22:2: تَلِف (أبو ليمي) فقط فقال: "تُتلف الخمر والزقاق معًا" أمّا لوقا فاستعمل فعلين: الخمرة تسيل والأوعية تتلف. وفي هذه الآية عينها، إن الجملة التي تبدأ مع "والآ" تُقدّم كمعترضةً، وهذا ما يجعل النهاية تستغني عن فعل آخر: لا يضع أحدٌ الخمرة الجديدة في أوعية عتيقة، بل (توضع) الخمرة الجديدة في أوعية جديدة. أمّا لوقا فلا يعتبر الجملة التي تبدأ مع "وإلا" وكأنها معترضة: "يجب أن توضع الخمرة الجديدة في زِقاق جديدة".
وما هو معنى آ 39 الخاصّة بلوقا (لم ترِد في الكودكس البازي واللاتينية العتيقة)؟ "وما من أحدٍ يشرب خمرة عتيقة (معتقة) ثم يرغب في الجديدة فيقول: الخمر المعتّقة هي الأطيب ". ما يبدو غريبًا للوهلة الأولى هو أنّ هذا القول يبدو وكأنه يستحسن النظام العتيق، وهذا ما يعارض فكر يسوع. ولهذا قال بعضهم: إن الخمرة المعتّقة، وهي الأفضل، تمثّل تعليم يسوع، وهذا ما يجعلها تدلّ بطريقة المفارقة على النظام الجديد. كيف نفسّر هذه الظاهرة؟ تلقّى لوقا هذا القول من التقليد، فوضعه هنا لارتباطه بالموضوع (صورة الخمرة). فإن فهمنا هذا الكلام بالنظر إلى السِياق السابق، نجعله تحسّرًا من يسوع على عدد من سامعيه الذين يستصعبون الانفتاح على النظام الجديد. إنهم يشبهون أُناسًا اعتادوا الخمرة العتيقة، فما عادوا يريدون أن يشربوا من الجديدة. وهناك تفسير آخر. تعلّمنا الخبرة العاديّة أننا نكون على حقّ حين لا نتخلّى عن الخمرة المعتّقة لنأخذ الخمرة الجديدة. إذن، نحن لا نشرب في الوقت عينِه خمرة معتّقة وخمرة جديدة، كما لا نُمزّق ثوبًا جديدًا لنَرْقَعَ ثوبًا عتيقًا. هذا يعني ان تعليم يسوع يفرض علينا ان نتخّذ موقفًا. إنه يرفُض المساومة.
ما هي علاقة متى بمرقس؟ يبدو أنّ مرقس يقدّم النُسخة الأولانيّة، وإن وجدت أمور قديمة في متى، مثلاً، سائلو يسوع (تلاميذ يوحنا في متى. ويزيد مرقس: الفريسيّون). وما هي علاقة متى بلوقا؟ هناك توافُقات سلبيّة (غياب العناصر عينِها) وإيجابيّة (وجود الكلمات والجمل عينِها). قال مر 2: 19 ب: "ما دام العريس بينهم لا يستطيعون أن يصوموا". أغفل متى ولوقا هذه العبارة لأنهما اعتبرا الجواب واضحًا. ويتوافق متى ولوقا ضدّ مرقس حين يستعملان فعلين بدل فعل واحد هو "تَلِف " فيقولان: "تراق الخمرة وتَتلَف الأوعية". ويستعمل مت 16:9 ولو 5 :36 فعل "إبيبالو" (ألقى على، وضع، جعل) ضدّ مر 2: 21 "إبيربتو" (رقَع، خاط). يبدو أنّ متى ولوقا يرتبطان بمرجِع مشترك يختلف عمّا نجده في مرقس، وقد يكون متى السامي كما ترجم إلى اليونانيّة.
يبقى أن نقول كلمة عن الغنى الأدبيّ لهذا المقطع. نضع جانبًا مثلَي الثوب والوعاء لأنهما يُشيران إلى انقطاع مع الماضي يبدو أكثرَ جَذريّة من جواب يسوع حول الصوم. اعتبر لوازي أننا أمام سؤالين: واحدٍ يتعلّق بتلاميذ يوحنا وجد جوابَه بالمقابلة مع العريس؛ وآخرَ يتعلّق بالفرّيسيّين وجد حلاًّ له في المثلين اللاحقين. وقال تايلور: إن هذين المثلين هما بقيّة أخبار تلفّظ بها يسوع، لم يعد يذكر التقليد ظروفها وإطارها التاريخيّ. وبما أنهما يتحدّثان عن نُظُم اليهوديّة المتحجرة والتي لا تتوافق مع الروح الجديد، ارتبطا مع الجدال حول الصوم بحقبة دينية لا بدَّ من أن نتجاوزها.
ونتوقّف خصوصًا عند المجادلة حول الصوم. نحن أمام خبر حيّ قدَّمه الازائيّون بصورة مقتضبة، فجاء مغايرًا للاخبار الطويلة في الانجيل الرابع. لا تفاصيل، لا تحديدات جغرافيّة وكرونولوجيّة، لأن ما يَهُمّ الكاتب هو تقديم كلام الربّ بشكل يؤثر على حياة الجماعة. هنا نتذكّر خبر الدعوة (مر 1: 36- 20) أو تقدمة الأرملة (مر 12: 41- 44) أو يسوع عند مرتا ومريم (لو 10: 38- 42). 

2- تفسير النصّ
يبدو معنى المقطوعة حول الصوم واضحًا. ولكن الصعوبات عديدة، ونحن سنعالجها الواحدة بعد الأخرى. أوّلا: السؤال المطروح على يسوع. ثانيًا: الجزء الأوّل من جواب يسوع، أي إن الوضع الحاليّ للتلاميذ لا يتوافق مع الصوم. ثالثًا: القسم الثاني من جواب يسوع، أي في أيّ معنى سيفرض الوضع المقبل على التلاميذ بأن يصوموا.


أ- السؤال المطروح على يسوع
في لوقا، سُئل يسوع عن الصوم خلال وليمة عند لاوي. ويبدو أنّ متى يوافق لوقا مع وصلة آ 14 (فدَنا إليه تلاميذ يوحنا). إن الكرازة المسيحية الأولى قرّبت بين الحدَثين. إِكتشفت علاقة بينهما، مع أن الواقع يختلف من حدث إلى آخر. من جهة، لا يسبّب الطعام شكًّا إلا لأنه يؤخذ مع الخطأة. من جهة ثانية، يطرَحُ على بساط البحث الطعامُ (هل نأكل، أم لا نأكل؟) في حدّ ذاته، ويعتبر معارضًا لممارسة الصوم. وبما أننا أمام تمييز بين تلاميذ يوحنا وتلاميذ يسوع، فهذا يعني أننا لسنا في الأيام الأولى لرسالة يسوع.
من هم أصحاب السؤال المطروح على يسوع، ومن هم الذين يعارضون تلاميذه؟ إن لوقا يضع السؤال في فم الفريسيين والكتبة الذين تشكّكوا حين رأوا يسوع يأكل مع العشارين والخطأة (5: 30: يقول لوقا: العشارون وكتبته). صُدِم الفريسيون لأن يسوع لم يأخذ بممارستهم للصوم. وهذا أمر معقول، لهذا اتّفق الازائيّون على القول إنهم انضمّوا إلى تلاميذ يوحنا، وطرحوا السؤال على يسوع. ولكن متى ينسب هذا السؤال عينَه إلى تلاميذ يوحنا. أمّا لوقا فيقول إن الفريسيّين سألوا يسوع، ثم يجعلهم يتحدّثون عن الفريسيّين في صيغة الغائب. ويذكر مرقس تلاميذ الفريسيِّين مع تلاميذ يوحنا. ولكن الفريسيّين ألَّفوا حزبًا لا مدرسة، ولم يكن لهم تلاميذ بحصر المعنى. نقول مع شُرّاح عديدين إن لفظة "الفريسيّين " جعلت مع تلاميذ يوحنا، مع العلم أننا في الاصل أمام مقابلة بين تلاميذ يوحنا وتلاميذ يسوع (مر 27:11 ي) يوم شكّلَ الفريقان فئة واحدة، وما عادا يتميّزان إلاَّ في قضيّة الصوم. وهذا الوضع هو معقول في أيّام يسوع، أو على الأقلّ بعد موته بزمن قصير.
وزاد لوقا موضوع الصلاة على موضوع الصوم. هذا ما فعل أيضًا في 11: 1 قبل أن يقدّم الصلاة الربيّة. أمّا هنا فأدخل الصلاة، لأنّ الصلوات المتواترة والأصوام تميّز بالأحرى الفريسيّين لا تلاميذ يوحنا.
ويبدو السؤال غريبًا في متى. يتساءل تلاميذ يوحنا لماذا يصومون: "لماذا نصوم نحن والفريسيّون وتلاميذك لا يصومون " (مت 9: 14)؟ ألا يعرفون لماذا يصومون؟ هذا أسلوبٌ ساميٌّ يميّز إنجيلِ متى. والصوم الذي يتحدّثون عنه، هل هو صوم محدّد، ام إن التلاميذ اعتادوا ألاَّ يصوموا؟ حينئذ يكون اليوحناوّيون من الصائمين الكبار كالفريسيّين، أو نكون أمام صوم اختياريّ. هنا يُطرح السؤال: ما هو الباعث على الصوم عند هذه الفئة وتلك؟

ب- إعلان يسوع
أوّلاً: القسم الأول: التلاميذ لا يصومون الآن
يؤكدّ القسم الأوّل من إعلان يسوع أنّ الوضع الحاليّ للتلاميذ لا يتوافق والصوم. "أيستطيع رفاق العريس أن يصوموا (مت: أن يحزنوا) ما دام العريس معهم "؟ والجواب هو كلا. وقد اعتبره متى ولوقا كافيًا. أمّا مرقس فزاد: "لا يستطيعون أن يصوموا". نشير إلى أن هذه العبارة المرقسيّة سقطت من بعض المخطوطات اليونانيّة، واللاتينية العتيقة، واللاتينيّة الشعبيّة (4 مخطوطات)، والسُريانيّة البسيطة (3 مخطوطات). ولكن النص هو في مكانه، وهو يدلّ على طريقة مرقس في الكتابة (رج مر 1: 32، 45؛ 8:2؛ 11: 16؛ 12: 23، 41؛ 13: 19؛ ق مع النصوص الموازية).
قال النصّ: "ما دام العريس بينهم ". هذا ما يوجّه أبصارنا إلى زمن العُرس، وحضورِ العريس دون أيّ تلميح إلى ما يحصُل بعد. ولكن الجواب السلبيّ الذي يتبع عند مرقس يُزيل كلّ التباس من المعنى. هم لا يستطيعون أن يصوموا ما دام العريس معهم. هذا يعني أنّه سيتركهم، وحينئذ يصومون.
"رفاق العريس هم أبناء الُعرس أو بنو خِدْر العرس (اوي اويوي نومفوس) "بني ها- حوفه" (من دون الواو، ح ف هـ). بنو البشر هم البشر، وابن مئة سنة تعني: عمرُه مئة سنة. و "أبناء خدر العرس" هم كل المدعوّين الى العرس او الشبّان الذين يرافقون العريس خلال العيد (قض 14: 11). يهتفون بزرع الفرح بين المدعوّين، يُعفَون من بعض الممارسات ومنها الصوم. كان العرس يدوم سبعة أيّام، وكان العريس مِحورَ الاحتفالات يحيط به شباب (رفاق العريس) يقدّمون له خدماتِهم خلال هذه المدّة.
شبّه يسوع حضوره وسط البشر بزواج: هو العريس، وتلاميذُه هم رفاق العريس: مع مجيء يسوع بدأ عهد الخلاص المسيحانيّ. إن زمن حضور يسوع وسط البشر هو زمن السعادة التي أنبأ بها اش 35: 5- 7 يوم يُشفى العميان والصُمّ والعُرج والبُكم، وتسيل المياه الحيّة (7: 22= مت 11: 5؛ يو 4؛ 14؛ 37:7- 39). هو زمن تحرُّر فيه يسمع الفقراء والمظلومون البشارة، فيه تُفتَح السجون حسب اشِ 61: 1- 2 (لو 18:4- 19). إنتهى عالم قديم يشبه ثوبًا عتيقًا لا يستحقّ أن نرْقَعه، أو وعاءً قديمًا لا يمكن استعماله بعد الآن. حين جاء المسيح بين البشر حمل إليهم بهجة زمن العرس. فالخمرة الجديدة تسيل أنهارًا (يو 2: 1- 11). ونضج حصادٌ وفير وهو ينتظر الحصّادين (10: 2- مت 37:9؛ يو 35:4- 38) وشجرة التين التي تعرّت في الشتاء وبدت كأنها ميتة، اخضرّت من جديد ونبتت أوراقها (مر 13: 28).
وكل هذا لأنّ المخلّص الاسكاتولوجيّ قد جاء أخيرًا. فيسوع هو الراعي الذي يجمع الخراف المشتّتة (32:12؛ مت 15: 24)، والطبيب المرسَل إلى المرضى ليشفيهم (مر 17:2 وز)، والمعلّم الذي يُدخل تلاميذه في أسرار الله ومشيئته (1: 21- 22)، والمرسل الذي يدعو الناس إلى الوليمة المسيحانيّة (14: 15- 24)، والمهندس الذي يشيّد معبد نهاية الأزمنة (مر 58:14؛ مت 18:16؛ يو 19:2)، والملكُ الذي يدخل منتصرًا إلى المدينة المقدّسة (مر 11: 1- 10 وز). هذه الصور (مع صورة العرس) كانت تقليديّة لدى الأنبياء، وهي تدلّ على عهد النعمة. استعادها يسوع وطبّقها على نفسه، فدلّ على أنه جاء ليحمل إلى البشر الخلاص النهائيّ في شخصه.
أيستطيع رفاق العريس أن يصوموا ما دام العريسُ معهم؟ أيُعقَل أن نفرض صومًا على أشخاص يحضرون العرس؟ إذن، من المستحيل أن نجعل التلاميذ يصومون ساعةَ يحمل إلى المعلّم فرحَ الخلاص النهائيّ. نسب العهد القديم إلى يهوه (الربّ) اسم العريس منذ أيّام هوشع، وقرأ التقليد اليهوديّ مز 45 قراءة مسيحانيّة. كما رأى في نشيد الأناشيد شخص المسيح الذي يمثّل يهوه. 
قال مرقس ولوقا: لا يستطيعون أن يصوموا. وقال متى: لا يستطيعون أن يحزنوا، أن يلبسوا الحِداد. أيشير النصّ في فم تلاميذ يوحنا إلى حداد لَحق سجن يوحنا (مت 2:4) أو موته (مت 14: 1- 12)؟ نحن أمام تعبير عنِ الحزن لا عن التنّسك والاماتة.
ومهما يكن من أمر، نستطيع أن نقرأ النصّ على الشكل التالي: بسبب العلاقات الحميمة بين يوحنا وشموع، ظنّ تلاميذ المعمدان أنّ تلاميذ المسيح سيشاركونهم في صومهم. أجاب يسوع: لم يكن معلّمكم العريسَ المسيحانيّ. الآن جاءت ساعة الخلاص النهاِئيّ الذي دشنه العريس المسيحانيّ. وزاد يسوع: ولكن هذا العريس سوف "يُرفع " يومًا، كما حدث لمعلّمكم. في ذلك الوقت يصوم تلاميذه. نحن هنا أمام افتراض لا بأس به، وسنحاول البحث فيه.

ثانيًا: القسم الثاني: التلميح إلى موت عبد الله قتلاً.
حين يُرفعَ العريس يصوم التلاميذ. ما معنى هذا الرفع، هذا الاختطاف؟ ما هي طبيعة هذا الصوم الذي يربطه يسوع بهذا الحدث؟
إن فعل "ابايرو" يعني في صيغة المعلوم: رفعَ وأخذ ثم ابتعد. وفي المجهول: أخذ، خُطف، رُفع...
ماذا يقول عن اختطاف العريس؟ يشير يسوع إلى أنّه سيُنتزَع من هذا العالم بعد أن يُقتل فلمّح إلى اش 8:53 الذي يتحدّث عن استشهاد عبد الله: "بالضيق والقضاء أُخذ (في العبرية). أُخذت حياتُه عن الأرض" (في السبعينيّة). وتقول فئة ثانية: نحن أمام تنبُّؤ خفِيّ عن الآلام. ويعتبر آخرون أن يسوع يفكر بالزمن الذي فيه سيترك تلاميذَه. فالعبارة "حين يؤخَذ منهم العريس " تقابل "ما دام العريس معهم ". واختفاء يسوع يدلّ على صعوده أو على موته.
يتفّق الشُرّاح على ربط هذا المقطع الانجيلىّ بسرّ الآلام. نحن أمام تنبُّؤ من قبل يسوع، وإن يكن هذا التنبّؤُ خفيًّا غامضِّا، لن يفهمه التلاميذ إلا فيما بعد. في ذلك الوقت جمع يسوع في شخصه وُجهتين لا يتوافقان في الظاهر عن انتظار الأنبياء الاسكاتولوجيّ. من جهة، أشار إلى أنّ حضوره وسط البشر يدلّ على مجيء حِقبة النعمة، وأيام الزواج النهائية وهجوم الفرح الذي لا يُقلقه شيءٌ ولا أحد. ومن جهة ثانية، فتح أمامنا نِظرةً معارضة ومؤلمة: كما أنّ تلاميذ المعمدان خسِروا معلّمهم، كذلك سيخسَرُ تلاميذ يسوع معلّمهم. هذا يعني أن مجيء المسيح يدلّ على إقامة ملكوت الله في نهاية الأزمنة. ولكن هذا الحدث يتضمّن مراحل: فيسوع هو ابن الانسان السامي والمجيد كما تحدّث عنه دانيال، ولكنه سيُرذَل ويعرف موت الذلّ على مثال عبد الله قبل أن يبلغ انتصارَ صباحِ الفصح.
أجل ، لِم يحتَج يسوع إلى فشله الرسوليّ في الجليل، ليفهم أن مهمّته هي أن يحقّق مهمّة عبد الله المتألّم. هذا ما ظهر في مشهد العِماد، وهو يتّضح في القول حول العريس المسيحانيّ.
ونزيد أيضًا ملاحظة: إن "اختطاف " يسوع في لو 9: 51 ينطبق في الوقت عينه على الآلام والصعود، وكذلك فعل "رِفع " الخاصّ بالإِنجيل الرابع (يو 3: 14؛ 28:8؛ 12: 32، 34) يرتدي معنَيين. من جهة يدلّ على رفع يسوع الماديّ على الصليب، ومن جهة ثانية على ارتفاعه الروحيّ، أيّ صعوده وتمجيده (أش 13:52). وإنّ اختطاف العريس في مر 2: 20 يلمّح إلى انتزاع يسوع النهائيّ من هذا العالم بسرّ الصعود.

ثالثًا: الصوم الذي يلي ارتفاع العريس
أعلن يسوع: حين يُرفَع العريس يصوم التلاميذ. هناك ثلاثة تفاسير لهذا الصوم الذي سيمارسه التلاميذ في الزمن الذي يلي موت يسوع. الأوّل التفسير القانونيّ: أقام يسوع شريعة الصوم التي ستسير عليها الكنيسة فتتذكّر آلام المعلّم. الثاني، التفسير النبويّ الذي يقول به عدد كبير من الشُرّاح: تنبّأ يسوع عن صوم تلاميذه بعد أن يترك هذا العالم، ولكنّنا نعود هنا إلى التفسير الأوّل، لأنّ كلّ كلام ليسوع يتعلّق بسلوك التلاميذ، هو بمثابة وصيّة في نظر الجماعة المسيحيّة.
الثالث، التفسير الرمزيّ. إن لفعل "صام " معنى رمزيّا. إن جواب يسوع ينقل الجدال على مستوى غير مستوى محاوريه. هو ليس بمستعدّ لأن يناقش مسألة الصوم، ولا أن يساوم معهم في هذا المجال فيما يتعلّق بالمستقبل. ولكنه يستفيد من الظرف ليكشف عن نفسه لهم ويجعلهم يدركون، من خلال الصور، ما يعني حضوره وغيابه في قلب البشريّة. فحضوره كوليمة عرس تنفي الحزن والحرمان. وسيأتي يوم يتوقّف هذا الحضور. حينئذ "يصوم " التلاميذ صومًا غيرَ الذي يصومه اليوحنّاوّيون. إذا كان حضور يسوع الحالي يحمل إلى البشر فرحًا من نوع فريد، فغيابه يمثّل لهم حرمانًا فريدًا أيضًا.
إن هذا القول يعبّر عمّا يعني للرسل الأوَّلين موتُ يسوع قبل فرحة القيامة العظيمة. الصوم هو علامة، والفكرة التي وراءها ستحتلّ المكانة الأولى كما يقول تايلور في تفسيره للقديس مرقس. لا شكّ في أنّ هناك صومًا جسديّا بالنسبة إلى تلاميذ يوحنّا كما إلى تلاميذ يسوع. غير أنّ هناك مقابلةً بين نظام قديم ونظام جديد كما يقول مثلاَ الثوبِ العتيق والخمرةِ المعتّقة.
ما يَهُمّ يسوع ليس فقط أن يحدّد ممارسات مقبلة في الجماعة المسيحيّة، وإن يكن تحدّث عن الصوم وفائدته في مت 16:6- 18 ومر 29:9 (لا يطرد الا بالصلاة والصوم). ما يَهمُّه هو أن يشدّد على العلاقة السريّة التي تربط مصير التلاميذ بمصيره. ففي مت 9: 15 الصوم يقابل الحزن والحِداد. وهكذا نكون أمام موقف نفسانيّ لا أمام ممارسة جسديّة. المسيح هو الآن هنا. والتلاميذ يتمتعون بفرح يشبه فرح الأعراس. وحين يؤخذ عنهم بعد دراما شرِسَة وبغيضة، ستبدأ المحنة بالنسبة إليهم، سيبدأ "صوم روحي " حقيقي يعبّر عنه في المناسبة بصوم جسديّ من نوع جديد، سببُه الابتعادُ عن العريس المسيحانيّ. إن الرباط الذي يشُدّ التلاميذ إلى شخص معلّمهم هو من القوة بحيث يختبرون غيابه كحَرقة تشبه حَرقة حبيب نشيدِ الأناشيد.
ولن يمتدّ هذا الصوم الروحيّ فقط من الجمعة العظيمة إلى أحد القيامة. فالمحنة ستدوم ما زالت الجماعة في حجّها على هذه الأرض. وهذا الوقت يوافق السفر الطويل الذي قام به السيد في مثَل الأمناء (19: 12 ي) أو الوزنات (مت 25: 14 ي)، أو انتظار العريس الليليّ في مثل العذارى (مت 25: 1ي). إن زمن الصوم هو الوقت الذي فيه نبذل الكثير لنشارك في إقامة ملكوت الله.

3- خاتمة.
إن هذه المقطوعه عن الصوم تحمل لنا غنًى تعليميًّا حقيقيًّا:
أوّلاً: إنها تشكّل شهادة بليغة جدًّا عن وعي يسوع أنه المسيح المتسامي. إنه المسيح الذي يتجاوز ممارسات التقشّف التقليديّة، فيعلن أن لا قيمة لها إلا بالنسبة إليه (حضوره يُلغيها وغيابه يعيدها). إنه مسيح ينسُب إلى نفسه دور العريس المسيحانيّ الذي أُعطي عادةً ليهوه في العهد القديم.
ثانيًا: وحين يعلن يسوع أنه المتسامي، فهو يدلّ بكلمات خفيّة على أنه عبد الله الذي اخذ بعد حكم ظالم وانتُزع من أرض الأحياء (أش 8:53).
ثالثًا: يبدو يسوع متّحدًا دومًا مع تلاميذه منفصلاً عن الجمع، ولا سيما في إنجيل مرقس. التلاميذ هم الذين "يتبعون " يسوع الذي "هم معه "، ويشكّلون النواة الأولى للكنيسة. ما يَلفِت النظر في مقطوعة الصوم هو الطريقة التي بها يضمّ يسوع ضمًّا حميمًا مصيرَه إلى مصير تلاميذه، وهكذا يجعل نفسه في قلب وجودهم: هنا نتذكّر كلمةً قالها يسوع وأوردها الإزائيّون الثلاثة: "أمّا الفقراء فهم عندكم دائمًا أبدًا، ومتى شئتم، أمكنكم أن تحسنوا إليهم، وأمّا أنا فلست معكم دائمًا أبدًا" (مر 7:14 وز). ففي العهد الجديد، ما زالت تشرف على حياة الإنسان الأخلاقية المتطلّبات الأساسيّة التي عبّرت عنها الوصايا العشْرُ والأنبياء. ولَكن كلّ شيء يتّخذ معنى جديدًا مع شخص يسوع: نحن نصوم بسبب يسوع، وحين نخدم الفقراء إنما نخدمه هو كما يقول مت 25: 31- 46.
نحن هنا ولا شكّ أمام صوم جسديّ. ولكنّنا بصورة خاصّة أمام صورة للوجود الأرضي تحياه الجماعة المسيحيّة بين الصعود والمجيء الثاني. إنها حِقبة ألم يُثيرها الابتعادُ عن العريس المسيحانيّ، والرغبة الحارّة بأن نجده من جديد.
الفصل الواحد والثلاثون
السنابل يوم السبت
6: 1- 5؛ مت 12: 1- 8؛ مر 2: 23- 28

1- في يوم السبت
كان للفقراء الحقّ في أن يقطفوا السنابل في الحقول، أو بالأحرى أن يُسقطوا الحبّ ليأكلوا إن هم جاعوا. "إذا دخلت في حقل قريبك المزروع بالقمح فاقطف بيدك وافرك القمح، ولكن لا تُلق منجلاً على سنبل قريبك " (تث 26:23). كانوا يفركون السنبل بين أيَديهم ويأكلون الحبّ. ورأى بعض الفرّيسيّين هذا العمل فنبّهوا التلاميذ إلى ما في عملهم من تعدّ على شريعة السبت.
إن اقتلاع السنابل جزء من أشغال الحقل والحصاد، وهذه الأشغال جزء من 29 عملاً رئيسيًّا مقسَّمة بدورها إلى أعمال ثانويّة، وكل هذا كان يُعتَبَر تعدّيًا على السبت. فإن قام أحد عن سَهو بعمل محرَّم يوم السبت ينبَّه عليه ويُطلب منه أن يقدّم ذبيحة تكفيريّة. ولكن إذا تجاوز المؤمن شريعة السبت عن عَمد أمام الشهود ورغم تحذير المحذّرين، فالعقاب يكون الرجم.
أمّا التحذير الذي يوجّه إلى التلاميذ فهو يعني يسوع أيضًا. المعلم مسؤول عن تصرّف تلاميذه: أو هو لم يعلّمهم، أو هو لم ينبّههم على ما في أعمالهم من تعدٍّ على الناموس.
نلاحظ هنا النموذج عينه الذي رأيناه مثلاً في السؤال حول الصوم. قام التلاميذ (أو أهملوا) بعمل (33:5): لم يصوموا. حينئذ يطرح سؤال: لماذا لا يصومون (مر 18:2)؟ ويأتي جواب يسوع القاطع: "أتقدرون أن تجعلوا أهل العريس يصومون " (لو 34:5)؟ ونقول الشيء عينه عن قطف النسابل. قال بعض الفرّيسيّين: "لماذ تعملون ما لا يحلّ في السبت "؟ وجاء جواب يسوع يدافع فيه عن تلاميذه.
قال مت 12: 1: "في تلك الأيّام، مرَّ يسوع في السبت ". نحن هنا أمام عدّة جدالات حول السبت (مت 12: 9- 14؛ لو 13: 10- 17؛ 14: 1- 6؛ يو 5: 1- 18؛ 19:7- 24). سيبيّن يسوع أن له سلطة على الشريعة وبالتالي على فريضة السبت.
لماذا يفعل تلاميذك؟ لا يهتم الفريسيّون بالسرقة التي اقترفها الرسل، ولا بالطعام في يوم صوم، بل بعمل محرَّم. فأصحاب الفتاوى، كما قلنا اعلاه، يعتبرون أن اقتلاع سنبلة يساوي حصاد حقل كامل. قال الربّ: "في ستة أيّام تعمل، وفي اليوم السابع تكفّ عن العمل، حتّى في أيّام الفلاحة والحصاد تكفّ عن العمل " (خر 21:34).
هنا يختلف الإِزائيّون الثلاثة في تقديم النصّ، والخلاف علامة غنى، وهو يدلي على نيّة خاصّة لدى كلّ منهم. لا نجد آ 27 (جُعل السبت للإِنسان، لا الإِنسان للسبت) إلا في مرقس. يَعتبر الشرّاح أنه جعلها في فم يسوع كامتداد لتحرير الإِنسان من الشريعة.
ونتوقّف عند لوم الفرّيسيّين للتلاميذ، وهو يختلف عند متّى ولوقا عمّا هو في مرقس. عند متّى ولوقا قطف التلاميذ السنابل ليأكلوا. إنهم جائعون. أذنت الشريعة (تث 23: 26) بهذا العمل الذي ألغي تدريجيًّا. أما عند مرقس فالرسل يقتلعون السنابل، لا ليأكلوا، بل ليفتحوا لهم طريقًا في الحقل. هو عمل "تخريبيّ ". في هذا المجال نعتبر أن متّى ولوقا يمثّلان تقليدًا قديمًا، لأن جواب يسوع يستند إلى ما فعله داود ورفاقه: أكلوا ما لا يُسمح لهم بأكله.
أما الظرف الخطير الذي يبرّر لوم الفرّيسيّين، فهو أن هذا اليوم هو يوم سبت. هذا هو الباعث الأساسيّ في وضع النصّ الحاليّ، وهو يؤمِّن الرباط بين المشهد وذلك الذي يليه. ولكن هل ذُكر السبت في النصّ الأوّلاني؟ إذا عدنا إلى يو 5 نعرف أن الشفاء تمَّ. ولكن الكتبة ربطوه بيوم السبت ليكون لهم ما يشكون يسوع. وهنا يُطرح سؤال: كيف نفسّر حضور الفرّيسيّين في هذا المكان يوم السبت، ونحن نعلم أن المسافة المسموح باجتيازها يوم السبت قصيرة جدًا؟ فهل كان الفرّيسيّون من المزارعي؟ ثمّ إن جواب يسوع الذي يورده الكتاب المقدّس لا يُشير إلى السبت حين يتحدّث عن داود وما فعله هو ورجاله.
وهناك اختلافة في لو 6: 1. نحن نقرأ في النصّ المعروف: "وجرى في (يوم) سبت ". ولكن مخطوطات سبعينيّة عديدة تقول حرفيًا: في سبت ثان أول (دوتيرو بروتو) أي: في السبت الثاني من الشهر الأوّل. نحن هنا أمام تعبير يهوديّ معروف. في ذلك الوقت القريب من الحصاد، يُمنَع المؤمن من أن يأكل حبًا من الحصاد الجديد (لا 23: 14). إن هذه المعطية التي توافق عادات العالم اليهوديّ تبدو هنا في محلّها وهي قديمة جدًّا.
في مر 2: 24 ومت 12: 2 وجّه الفرّيسيّون اللوم إلى يسوع في شأن تلاميذه الذين يفعلون ما لا يحلّ عمله. أما لو 2:6 فجعل اللوم يتوجّه إلى التلاميذ: "لماذا تعملون ما لا يحلّ عمله يوم السبت " (رج 30:5)؟ لم يُرِد لوقا أن يتوجّه لومَ الفرّيسيّين إلى يسوع احترامًا للمعلّم أو ربما خوفًا منه. ثمّ إن اللوم يتّخذ معنى خاصًا إن نحن أخذنا باختلافة آ 1: كيف يأكلون من الحبّ الجديد؟ 

2- مراحل الخبر
انطلاقًا من كل هذه الملاحظات نستطيع أن نرسم مختلف مراحل البر.

أولاً: في مرحلة قديمة
انتزع التلاميذ سنابل قمح لأنهم جاعوا. وهذا ما أشار اشمئزاز الفرّيسيّين. أجابهم يسوع منطلقًا من مثَل داود: لا تقف اية شريعة أمام حاجة حياتيّة. أمام هذه النظرة القاسية والضيقة التي تعطي الأولويّة للشريعة، قدّم يسوع نظرة واسعة ومدهشة فأعطى الأسبقية لحاجات الانسان الأولية. وما عتّمت الجماعة الأولى أن اقامت موازاة ضمنية بين داود ويسوع: إذا كان داود تجاوز الوصية وسمح لرجاله بأن يتجاوزوها، فلماذا لا يفعل يسوع ذلك وهو أعظم من داود. إن يسوع يغطّي تلاميذه بحضوره، إنّه المعلّم.

ثانيًا: في مرحلة لاحقة.
هذه المرحلة سبقت أناجيلنا الحالية فتكوّنت في الجماعات المسيحيّة على ضوء الفصح. حُدِّد موقعُ الحدث يوم السبت، فصار التجاوز خطيرًا جدًا، لأن السبت يشكّل في نظم اليهوديّ دخول زمن الله في زمن البشر. فمن احتفل بالسبت شارك في عمل الله الخلاّق، ومن احتقر السبت احتقر هذا العمل وارتكب خطيئة خطيرة.
في هذا الإِطار حُمِّل جواب آ 28 "ابن الإنسان هو ربّ البيت " حُمِّل معنى مهمًّا جدًا: لقد رأت الجماعة الأولى في يسوع ابن الإنسان في المعنى العميق للعبارة، كما أقرّت له بسلطان مغفرة الخطايا في الجدال الأول (2: 10). وهكذا تبدّل بُعد هذا المشهد. لم نعد فقط أمام إعجاب واقتداء باتساع نظر يسوع. فيسوع هو هنا ابن الإنسان، هذا الكائن السماويّ والسريّ الذي يدشّن دينونة نهاية الأزمنة كما يقول داود والتقليد اليهوديّ. وبما أن الله وحده هو سيّد السبت، فإن قلنا هذا عن يسوع أقررنا له بكرامة إلهيّة.

ثالثًا: الخبر المتّاوي.
يتوسّع هذا الخبر في موضوع ابن الإنسان الذي هو ربّ السبت (مت 12: 5- 7): إذا كان الكهنة في الهيكل يتجاوزون شريعة السبت، لأن خدمة الربّ في الهيكل أهمّ من شريعة السبت، أما يستطيع أن يتجاوزها يسوع "لأنه اعظم من الهيكل "؟ بهذه الطريقة أشار متّى إلى مسيحانيّة يسوع.
وزاد متّى قول هوشع (6:6) فحدّد موقع يسوع في التقليد النبوىّ العظيم، تقليد العبادة بالروح: فخدمة (عبادة) الربّ الحقيقيّة لا تقوم أولاً بالعمل بقواعد طقسيّة بشكل خارجيّ، بل بتقدمة القلب لله، بمحبة القريب. وقد عكس هذا المستوى الأخير جماعة مسيحيّة متهوّدة (من أصل يهوديّ) كانت على صراع مع الفرّيسيّين حول ممارسة الشريعة اليهوديّة ولا سيّما المحافظة على السبت. والأمر واضح إلى حد أن البراهين المتعلقة بداود وممارسة الكهنة هي صدى لصراعات حول التفسير بين الصادوقيّين والفرّيسيّين: كان الأوّلون متزمّتين بالنسبة إلى الآخرين ولكنهم كانوا يسمحون لنفوسهم بأن يتجاوزوا شريعة السبت في الهيكل (مت 12: 5). أمّا الآخرون فارتكزوا على مثَل داود فأكّدوا أن الإِنسان يستطيع أن ينقذ حياة إنسان يوم السبت (رج لو 9:6). هنا يقدّم متى جوابًا إلى الفرّيسيّين مستعملاً بلباقة براهينهم ضدّ الصادوقيين.
والجماعة المسيحيّة المتهوّدة التي يتوجّه إليها متّى ظلّت أمينة للممارسات الدينيّة اليهوديّة مثل الختان والسبت. وحين اكتشفت تدريجيًّا الجديد الحقيقي الذي أدخله يسوع المسيح، وعت إصالتها وما في ممارستها من جديد. وما كانت تستطيع ذلك لو لم تجد في حياة يسوع نفسها نقطة ثابتة كانت في أساس هذا الإكتشاف.
تقول معظم الشواهد: "كيف دخل إلى بيت الله في زمن أبياتر عظيم الكهنة". إن عبارة "في زمن أبياتر، عظيم الكهنة" غير موجودة في الكودكس البازي والسريانيّة... هي تحسب حاشية وهي غير صحيحة لأن 1 صم 2:21 - 7 الذي سنعود إليه يتحدّث عن أحيمالك.
يعود متّى إلى 1 صم 2:21- 7: وصل داود إلى نوب، إلى احيمالك الكاهن. طلب منه خمسة أرغفة أو ما تيسّر. فأجاب الكاهن: عندي خبز مقدّس. أجاب داود: يتقدّسون بالخبز المقدّس. فدفع إليه الكاهن من الخبز المقدّس لأنه لم يكن هنالك خبز خلا خبز التقدمة الذي يُرفع عن مائدة الربّ ليُوضع مكانه خبز ساخن.
إذن، كان يوضع خبز التقدمة مدة أسبوع على طاولة في الهيكل (المسكن) كذبيحة مقدَّمة لله. وما كان يحقّ لأحد أن يأكل منه إلا الكهنة وبعد اسبوع من عرضه. ولكن داود ورجاله أكلوا منه لأنهم كانوا جائعين ولم يكن خبز آخر في تصرّفهم. ما لامَ أحد داود، لا الكتاب المقدّس ولا احيمالك الكاهن الذي اعطاه هذه الخبزات ولا معلّمو الشريعة. إذن، الضرورة هي عذر كافٍ لتجاوز الشريعة. إذن، لا يتجاوز التلاميذ شريعة السبت حين يقطفون سنبلاً ويفركونه في أيديهم لأنهم كانوا جائعين.
عرف يسوع طريقة الجدال في المدارس اليهوديّة وردّ على السؤال بسؤال. وعاد إلى الكتب المقدّسة. وأفهم مجادليه أنهم حين يفسّرون الشريعة، لا يكفي بأن يتوقّفوا عند الحرف، بل يجب أن يبحثوا عن إرادة الله. إن الله لم يعطِ شرائع العبادة ليعذّب الناس. فالرحمة تجاه البشر اعظم في نظره من إتمام فرائض العبادة. وراحة السبت لن تمنعنا من مدِّ يد المساعدة إلى الذين يتألمون. الله يريد الرحمة لا الذبائح.

رابعًا: مرقس
أخذ مرقس أيضًا الخبر في المرحلة الثانية، شأنه شأن متّى، فأعطاه توجيهين اثنين.
التوجيه الأول: تحدّث إلى محيط وثني لا يَفهم بسهولة فرائض السبت فاختار خطًّا يفهمونه: مرور في حقل وتخريبه. ولكن منطق الخبر خسر من قوته ولم يَعُد مثَلُ داود يعني شيئًا.
التوجيه الثاني: زاد آ 27: جُعل السبت للإِنسان لا الإِنسان للسبت. وهكذا أعطى مرقس المشهد بُعدًا جديدًا، بعيدًا كلَّ البعد عن مواقف الربانيّين حتّى المتطورة منها. لا شك، كان هناك بعض الربانيّين القائلين: "سُلِّم السبت اليكم ولم تسلَّموا إلى السبت " (رابي سمعان بن منايا، حول سنة 280). ونصح رابي آخر "بتنجيس سبت واحد من أجل حفظ سبوت عديدة". ولكن مثل هذه المواقف كانت نادرة لا سيّما في زمن المسيح حيث قاد الجميع إلى التصلّب في ما يخص تنظيم السبت. ثم إنها لم تكن تمس الطابع المميز لإِختيار إسرائيل. فالإِختيار وإن طبع بالسبت يبقى أول كل شيء وسابقًا لكل شيء: فبإسم هذا الإِمتياز العرقي قد يتسامح المعلّمون في شأن شريعة السبت.
ولكن يسوع يعلن في مرقس مبدأ إنفتاح شامل ولكنّه يشكك الناس: لم نَعُد أمام شواذات خاصة تبرّرها أمثلة توراتيّة، ولا أمام إمتيازات لشعب اختاره الله. نحن أمام إنسان، أمام كل إنسان. منذ الآن صار السبت في خدمة الإنسان وليس العكس. وراء السبت صارت كل شريعة، سواء جاءت من الله أوَ البشر، في خدمة الإنسان. هذا يشكّل للإنسان المتدّين في ذلك العصر ثورة حقيقيّة.
نحن نفهم هذا القول الخاص بمرقس في جماعة تحرَّرت من مسائل الممارسات اليهوديّة، وتقبّلت كل إنسان مهما كان عرقه. وهذا ما يوافق الجماعة المسيحيّة في رومة التي يتوجّه إليها مرقس.

خامسًا: لوقا.
كان للتقليد حول راحة السبت أهميّة كبرى للجماعات التي لم تعد تمارس السبت بل الأحد. هذا التبدّل كان كاملاً يوم دوّن لوقا إنجيله. وما اهتم به هو البواعث التي يُسند إليها فهمَه الجديد لشريعة راحة السبت. رأى يسوع ذاك الذي يدلّ بقدرته على إرادة الله.
واعتاد يسوع أن يقول لهم: "ابن الإِنسان هو سيد حتى على السبت ". يسوع بصفته ابن الإِنسان الذي أعطاه الله نفسه كل سلطانه، يستطيع أن يفسّر بحريّة تامة شريعة راحة السبت. لقد تدخل في دائرة الله المقدّسة حين غفر الخطايا. وها هو يتدخل في راحة السبت التي هي رمز إلى راحة الله بعد خلق العالم (تك 2:2- 3)، في عالم تمجيده في شعائر عبادته. إنه يستعمل قدرته ليخلّص البشر من تعاستهم وضيقهم. ولقد سمح الله له أن يتدّخل في أقدس الأقداس لأن زمن الخلاص بدأ، هذا الزمن الذي يدلّ على الرحمة العظمى للبشر.
نشير هنا إلى قول ما زال العلماء يجادلون في صحته لأنه لا يرد إلاّ في الكودكس البازيّ. هو يزيد على لو 6: 5: "وفي اليوم عينه رأى رجلاً يقوم بعمل يوم السبت. فقال له: يا رجل، إن كنت تعلم ما تفعل فطوبى لك. ولكن إن كنت لا تعرف فأنت ملعون قد تعدّى الشريعة.
ونقرأ في رؤيا موسى: "إن راحة اليوم السابع هي رمز القيامة في اليوم الأخير، لأن الربّ استراح في اليوم السابع من كلّ العمل الذي عمله).
أذن، الفكرة الرئيسيّة في حدث السنابل المقطوفة هي أن تصرّف التلاميذ في يوم السبت يجب أن يرتبط بالسبت العظيم المسيحانيّ. فراحة اليوم السابع تشير إلى السلام، إلى الراحة التي ينعم بها البشر في العالم الآتي. وقد كانت أقوال الرسالة إلى العبرانيّين صدى لهذه الفكرة حين فَسّرت مز 95 (رج عب 7:3- 13:4). "بقيت، إذن، لشعب الله راحة مثل راحة الله في اليوم السابع. لأن من دخل في راحة الله يستريح من أعماله كما استراح الله من أعماله. فلنبذل جهدنا في سبيل الدخول في تلك الراحة" (عب 9:4- 11).
ونعود إلى آ 1: السبت الثاني من الشهر الأول. في ذاك الوقت القريب من الحصاد كانت الشريعة اليهوديّة تمنع المؤمنين من أكل القمح الجديد. فتدّخل يسوع ليزيل هذا المنع: نستطيع بعد اليوم أن نأكل من الحصاد الجديد. وفِعلَة التلاميذ لم تَعُد موضوع لوم. بل هي تدل الجميع على أن زمن السبت العظيم قد جاء. والسنبلات التي فركوها وأكلوها، تصوّر مسبقًا خبز الدهر المقبل وتشير إلى الخبز المسيحانيّ. هذا ما تدلّ عليه آ 4: أخذ، خبزًا، أعطى، فتذكّرنا بالإفخارستيّا (22: 19).
ونقرأ تثبيتًا لافتًا للنظر في 15:14: "طوبى لمن يأكل خبزًا في الملكوت ". يعود مُحاور يسوع إلى السبت ويتطلّع إلى الخبز الإِسكاتولوجيّ. فالفصل الرابع عشر الذي يتحدّث عن النداء المجانيّ للدخول إلى الملكوت قد وُضع كلّه في جو الخبز المأكول يوم السبت: "ودخل يسوع يوم السبت بيت أحد كبار الفريسيّين ليتناول الطعام ".
إن جواب يسوع إلى الفريسيّين يذهب أبعد من هذا كلّه. هو لم يكتفِ بأن يبينّ أن فِعلَة التلاميذ كانت كشفًا عن الأزمنة الجديدة، بل أعلن مشدّدًا أنه هو ربّ السبت. تأكيد على سلطان يتجاوب مع تأكيد آخر؛ "إن لإِبن الأنسان السلطان أن يغفر الخطايا على الأرض ". فنتيجة غفران الخطايا هي تجديد الخليقة وإعادة الكون إلى جماله الأول. فسلطة ابن الإنسان الذي يغفر الخطايا تمتد إلى إعادة بناء الكون كما ينتظره الدهر الآتي.
الفصل الثاني والثلاثون
رجل يده يابسة
6:6-11: مث 9:12-14؛ مر 3: 1-6

إن هذا المقطوعة تكمّل المقطوعة السابقة فتدّل على أن راحة السبت ليست عبوديّة، كما لا يجب أن تكون مناسبة للكسل والتأخّر عن العمل. السبت مكرّس "لعمل الخير" (9:6؛ مر 4:3). إذا عُدنا إلى الحالة المعروفة في حدّ ذاتها، فقد كان الجدال ممكنًا، لأن شفاء يد يابسة ليس أمرًا ملّحًا بحيث يفرض نفسه يوم السبت. هذا العمل يمكنه أن ينتظر. ولكن يسوع يرفض أن يناقش حالة خاصة. إنه يريد أن يؤكد المبدأ العام بقوّة: الإِنسان هو الأوّل، والسبت في خدمته. ثم إن يسوع هو ربّ السبت، فلا يستطيع أحد أن يلومه. وأخيرًا إذا كان شفاء مريض هو عمل خلق عظيم، فيجب أن يعمل يوم السبت وهكذا ينال السبت أكبر إكرام.
1- الفريسيّون يراقبون يسوع (آ6- 8)
جاء يسوع إلى المجمع. وإذا رجل يده يابسة. هذا ما يتفّق عليه الإِنجيليّون الثلاثة. هنا نتذكر ما حصل لرجل الله في أمل 4:13 ي. مدَّ الملك يربعام يده ليمسكه فيبست يده... فقال الملك لرجل الله: إستعطفِ الربّ، فاستعطفَ رجل الله الربّ فارتدّت يد الملك إليه وعادت كما كانت أوّلاً. نرى هنا دور المتشفّع الذي يلعبه رجل الله على مثال موسى (خر 32: 11) وصموئيل (1 صم 7: 5؛ 12: 19) وأرميا (ار 7: 16؛ 3:37). أمّا يسوع فلا يستعطف ويتشفّع، بل يجترح المعجزة قائلاً: "مدَّ يدك ". ولمّا قال له هذا، مدّها فعادت صحيحة مثل اليد الأخرى.
إهتمّ لوقا بأن يعطينا معلومات دقيقة. كان يوم سبت آخر، وكان يعلم. هذا ما لا يقوله متّى ولا مرقس. اليد اليمنى (لا اليد فقط) هي يابسة. اليد اليمنى هي عضو العمل البشري ورمزه، وشفاؤها يدلّ على خلاص الإنسان الذي يُعاد إليه دورُه كسيّد على الخليقة.
قال مت 12: 10: "فسألوه ليتّهموه ". وقال مر 2:3: وكانوا يراقبونه ليتّهموه ". أمّا لوقا فتوسّع. قال: "راقبه معلمو الشريعة (أو الكتبة) والفريسّيون ليجدوا ما يتّهمونه به. أمّا هو فعرف أفكارهم " (آ 7). ماذا ستكون ردّة الفعل عندهم؟ كان التقليد اليهوديّ الرسمي يسمح بإنقاذ إنسان يوم السبت، ولكن عمل يسوع الخلاصي الذي يدشّن السبت العظيم يعيد على بساط البحث كل الفرائض التقليديّة المتعلّقة بحفظ السبت.
أجل، إن موقف يسوع يدلّ على أنه يفهم السبت في معناه العميق. وسيصوّر هذا الشفاء السبت المسيحانيّ في وجهته الأساسيّة كيوم خير، كيوم طيّب (رج 1 صم 8:25؛ أس 17:8)، كيوم خلق جديد، وإعادة الكون إلى جماله الأوّل. فالأشفية في نظر يسوع هي أكثر من علامة بسيطة عن مجيء الملكوت. إنها جزء لا يتجزأ من الأزمنة المسيحانيّة (رج أش 3:32- 4؛ 35: 5- 6). ويسمّي سفرُ الأعمال زمن إرسال المسيح كزمن "تجديد" (إعادة بناء) كل ما تكلّم عنه الله بالأنبياء (أع 3: 21).
عرف يسوع أفكارهم. هذا ما قاله لوقا في 22:5 حين تكلّم الفريسيون في انفسهم عن يسوع الذي يغفر الخطايا مع متّى ومرقس (رج مر 8:2؛ مت 9: 4)، واعاده هنا وحده كما سيعيده أيضّا في 47:9 . إنه الربّ وهو العارف بما في القلوب.
إن اليد اليابسة لا تشكّل خطرًا مباشرًا على الحياة. فماذا سيفعل يسوع حين يرى شقاء هذا الرجل؟ لقد اتخذ خصومه موقفًا عدائيًا واضحًا. في الصراع السابق حول راحة السبت (6: 1- 5) لاحظوا خلسة أن التلاميذ يتجاوزون الشريعة. أما الأن فهم يراقبون يسوع ليمسكوه وهو يتجاوز الشريعة، وهكذا يقتادونه أمام محكمتهم.
ودعا يسوع الرجل ليقف في الوسط كمتّهم في المحكمة: هل يُحكم عليه أم يُعفى عنه؟ هل ستعود إليه الصحة أم أنه سيبقى في مرضه. هنا يقابل يسوع العمل الذي سوف يعمله مع عمل خصومه الذين يراقبونه بمكرهم: هو يريد أن يعمل الخير، هم يريدون أن يعملوا الشر. هو يريد أن يشفي إنسانًا معطوبًا، وهم يريدون أن يقتلوا. كانت الشريعة لا تسمح بأي عمل طبّي، لا تسمح حتّى بالعناية بالمريض (هذا هو المعنى الحرفي لفعل "تيراباوو")، وبالأحرى، لا تسمح بتخليص بهيمة من الموت. هنا يتخّذ يسوع برهانه من حياة أبناء الريف الذين يتوجّه إليهم: إذا أرادوا أن يخلّصوا خروفًا من حفرة، فهم لا يتردّدون في تجاوز تعليم المعلّمين. ألا يفهمون أن باستطاعة يسوع أن يشفي إنسانًا رغم ما يقوله التعليم الرسميّ؟
إنطلق يسوع من تفسير خاص يسمح بإعانة حياة مهددة. ثم عمَّم هذا التفسير على كلّ شفاء وعلى كلّ عمل صالح يُعمَل يوم السبت. فمن لم يشفِ كان وكأنه قد قَتل، ومن لم يعمل الخير كان وكأنه يعمل الشر. وهكذا يجعل يسوع السبت في خدمة الخير والحياة. هذا ما سيقوله في يو 17:5: "أبي يعمل كل حين، وأنا أعمل مثله ". فعمل الله ليقود العالم إلى كماله لم ينتهِ بعد وهو لا يتوقف. ويحدّد يسوع موقع عمله على مستوى عمل الآب وفي قلب عمل الآب المستمر. فكيف يتجاسر الفريسّيون أن يراقبوه!

2- مراحل تكوين الخبر.
هنا نتوقف عن تفسير المقطع ونتعرّف إلى مراحل تكوين الخبر قبل أن يصل إلينا في الصيغة التي نقرأها اليوم.

أوّلاً: في البداية.
في البداية نحن أمام خبر شفاء. هناك إشارات تفترض أن ذكر السبت لم ينتمِ إلى الطبقة القديمة. لا يُذكر السبت إلاَّ في البداية. وفي الأقسام الذي يتقابل فيها متّى ومرقس بصورة دقيقة لا يُذكر السبت (مت 9:12؛ مر3: 1) فيبدو الخبر متماسكًا جدًا: "ودخل إلى المجمع وكان هناك رجل يده يابسة. فقال للرجل: مد يدك، مدَّها فشُفيت ".

ثانيًا: النصّ السابق لمرقس
وتوسّع خبر الشفاء هذا في جدال في إطار يوم السبت. ففي النصّ الحالي، إنحصر الشفاء في تعليقات قصيرة. فتركّز كلّ شيء على المواجهة بين يسوع وخصومه: تم الشفاء في قلب المجمع (الفريسيّون هم هنا في بيتهم، في بيت الشريعة). حصل الشفاء يوم السبت وقد يكون حصل خلال إجتماع ليتورجيّ. وإطار هذه المواجهة صار أوسع من الجليل. إنه يهيئ الدرب للمواجهات الأخيرة في أورشليم، في الهيكل، حالاً قبل الآلام.

ثالثًا: تقديم مرقس
أبرز مرقس عنف هذه المواجهة، فَبنى خبرَه كلّه على سلسلة من التعارضات ليتجاوب الواحد مع الآخر. أ: دخل يسوع إلى المجمع. ب: اليد اليابسة. ج: مراقبة يسوع. د: السؤال. هـ: فعل الخير. ونعود إلى الوراء. هـ هـ: فعل الشر. و: خلص. وو: قتل. دد: صمت. ج ج: نظر حوله. ب ب: اليد التي تعافت. أ أ: خرج الفريسيّون من المجمع.
إختفى الأشخاص الثانويون، أي المجمع والتلاميذ، فظل يسوع وحده تجاه خصومه. سنتعرّف إليهم في نهاية الخبر (رج مت 14:12. ذكرهم لوقا في البداية). انهم يراقبون يسوع ويأملون انه سيجترح الشفاء ليقدروا أن يشكوه. لا يهمّهم أمر المريض، بل أمر يسوع. ولهذا سيسكتون خلال المقابلة كلّها. أمّا يسوع فيعمل ويتكلّم في وضح النهار، لأنه يريد أن يتجنّب كلّ التباس. في المشهد السابق لم يكن هو موضوع الهجوم المباشر بل تلاميذه، ولهذا اكتفى بالرد. أمّا هنا، فقد اتخذ بنفسه المبادرة فشكّل موقفه تحديًا لهم. طالب يسوع بملء مسؤوليته لما سيحدث. جاء بالمريض إلى وسط القاعة، ثم طرح على خصومه سؤالاً على طريقة الجدالات في المدارس الربانية: "هل يسمح "؟ سؤال لبِق ولكنه ملتبس. إنه يسمح بتجاوز شريعة السبت من اجل خلاص الحياة. في هذا المعنى يكون الجواب بالإِيجاب. ولكن حسب الربانيّين، لا تسري هذه الشريعة إلاَّ في خطر موت قريب. إذن، يكون الجواب: كلا.
لم يُرد يسوع أن يحصر نفسه في هذه الفتاوى المفصلة. فالسبت بالنسبة إليه هو ساعة الخلاص. ومن لم يشفِ مريضًا قتله. لهذا بدّل النظرة العادية إلى الجدالات في هذا الموضوع تبديلاً كليًا. وإذا قابلنا هذا الحدث مع أحداث أخرى جرت في يوم السبت ظهرت إصالة المقطع الذي ندرس (رج لو 13: 10- 17؛ 14: 1- 6؛ يو 5: 1- 19؛ 9: 1- 41). إن جواب يسوع يشكّل إنتقالة بين سائر الأخبار الإزائيّة والأخبار اليوحنّاويّة. ففي خبريْ مرقس ولوقا، بل وفي خبر متّى الذي يدمج خبر مرقس مع لو 14: 5، يصوَّر سؤال يسوع بمثل ملموس: "من لا يحلّ ثوره أو حماره " (لو 15:13)؟ "من منكم يسقط خروفه (مت 12: 11) أو إبنه أو ثوره (لو 14: 5) في حفرة"؟ في هذه السلسلة الأولى، ظلّت البراهين المقدّمة من النمط الربانيّ. وجواب يسوع لم يَبدُ ثوريًا، وهو قد يلتقي تفاسير مدارس متحررة في إطار من استقامة الرأي. ولكن هذا الخبر بعيد كل البعد عن هذا الجو: فمرقس يتجنّب أن يعطي مثلاً ملموسًا. لسنا أمام خيار بين آراء لاهوتيّة مختلفة وممكنة، بل أمام خيار جذريّ: "هل نعمل الخير أم نعمل الشر؟ هل نخلص نفسا أم نقتلها؟ ". وهذا الخيار الجذريّ يرتبط بالوصية الأساسيّة: لا تقتل.

3- مُدَّ يدك. مَدَّها فعادت صحيحة (6: 9- 11).
إنّ يسوع يعمل في وقت محدَّد من التاريخ، في زمن محدّد وفي ظروف معيّنة. هكذا نظر إلى الرجل المريض، هكذا نظر إلى الفريسيّين. فكان نظره إلى قلب تاريخ الخلاص حاسمًا للحياة المسيحيّة. فحياة يسوع وكلمته التاريخيّة تحدّدان حياة الكنيسة وزمنها إلى أن يعود.
حين رأى يسوع الرجل في الوسط، وحين رأى الجميع آلامه ورغبته في الشفاء، طرح السؤال على الحاضرين. إن هذه الحالة المحدّدة والفردية تخضع لسؤال مبدأي. هنا زاد لوقا بعضا الشيء على مرقس. قال مر 3:3: "قم في الوسط ". أما لو 8:6 فقال: "قم وقف في الوسط ". وقال مر 4:3: "وقال لهم ". أما لو 9:6: "أمّا يسوع فقال لهم: أسألكم". ولكن يبقى لوقا متتبّعًا لخطى مرقس مع بعض تصحيحات سنذكرها في أوانها.
من يتجرّأ على القول إنّ شريعة السبت تمنع من فعل وتفرض علينا أن نفعل الشرّ ؟ فالسبت ليس لليهود فقط يوم راحة، بل يوم عمل خير، يوم الفرح. وما الذي يجعل من السبت يوم العيد والفرح؟ طعام فاخر، دراسة الشريعة، عمل صالح. وطلب أيضا من اليهوديّ أن يؤمِّن طعامًا للمسافرين المحتاجين الذين يمرّون عليه. هل نسي اليهود كل هذا؟ وها إنّ يسوع يعيد إلى السبت معناه الحقيقيّ. فيه يختبر المؤمن الفرح، فيه يعطي الفرح.
هل ننقذ حياة؟ هل ننقذ نفسًا؟ لا يتكلّم النص اليوناني فقط عن حياة الجسد، بل عن النفس، عن حياة الانسان كله. وهذا الانسان يريد الحياة كاملة. أما يستطيع أن يستعيدها بالشفاء؟
لخّص متى نصه كعادته وطوَّل خطبة يسوع: "أي إنسان منكم له خروف... " (آ 11- 12). وسبق على اعتراضات قد تأتيه من قرائه اليهود الذين يجادلونه حول إلحاحيّة هذا الشفاء فلم يتكلّم عن خلاص نفس (أو حياة)، بل أعطى مثل الحيوان الذي وقع في حفرة. أمّا قرَّاء مرقس الأمميون (أي من الأمم الوثنية)، فما كانوا يستطيعون أن يفهموا مسألة دينيّة يطرحها وجود خروف وقع في بئر يوم السبت. لهذا احتفظوا، كما قلنا، بمثل ذي بُعد شامل يُدركه الانسان بسهولة.
طرح يسوع السؤال وأجال نظره في الحضور. نظر إلى كل واحد، ونظر إليهم كلِّهم. لا جواب. ما أرادوا أن يقرّوا بخطأهم، ولا هم استطاعوا أن يفلتوا من حكمته. فالصورة التي كونوها عن الله تملي عليهم تسلط حرف الشريعة. أمّا يسوع فيعلن إرادة الله، يعلن صورة أخرى عن الله. إلهه هو إله الرحمة، الإِله القريب جدًّا من البشر، والإِله الذي لا يُدركه البشر.
تفرّد مرقس فأبرز موقف الخصوم. سكتوا ساعة طلب منهم سؤال يسوع جوابًا واضحًا. "نظر إليهم وهو غاضب حزين لقساوة قلوبهم " (مر 3: 5). إنّ مرقس يلاحظ دائمًا ردّة الفعل عند يسوع رأى الأبرص فأشفق عليه (1: 41) ثمّ انتهره (43:1)، جاء الأصّم فرفع يسوع عينيه نحو السماء "وتنهّد" (34:7). وطلب الفرّيسيون منه آية "فتنهّد من أعماق قلبه " (12:8). حدّثه الشاب الغني فنظر إليه وأحبّه (10: 21). أمّا ردّة الفعل هنا فهي قاسية وعنيفة، فيها الغضب والحزن لأن خصومه "قساة القلوب ". هذه اللفظة النادرة في العهد الجديد (ما عدا في بولس) تدلّ على العمى الذي يسيطر على التلاميذ (مر 3: 5؛ 17:8) أو اليهود (يو 12: 40؛ 2 كور 3: 14؛ روم 7:11، 25) أو الوثنيين (اف 18:4). إنّها تدلّ على عجز جذري عن إدراك واقع الله: فالانسان المتروك على نفسه أو الذي فضَّل النور على الظلمة، لا يقدر أن يتعرّف إلى ما فعله الله من أجل شعبه. منذ فرعون، صارت قساوة القلب هذه أساس الموقف الرافض للايمان.
نشير هنا إلى أنّ لو 6: 15 يقول: "وأجال نظره فيهم جميعًا". هو لا يذكر غضب يسوع ولا حزنه، لأنّ ربّه مليء بالنعمة والجمال، فلا يمكن أن تسيطر عليه هذه العواطف التي لا تليق بالانسان، فكيف بابن الله. أمّا متى، فلا يشير مطلقًا إلى نظر يسوع.
ولاحظ مت 14:12 ومر 6:3 أنّ الفرّيسيين عزموا على قتل يسوع. وضمَّ مرقس إلى الفرّيسيين الهيرودسيين أي جماعة هيرودس أنتيباس حاكم (تتراخس) الجليل وبيريه (4 ق. م.-39 ب. م.). فلا يمكن أن يتمّ عمل ضد المسيح من دون مساندتهم. نجد هؤلاء الهيرودسيين مع الفرّيسيين وهم يسألون يسوع عن دفع الجزية لقيصر "لكي يمسكوه. بكلمة (مر 13:12).
أمّا لوقا فكتب عن الفرّيسيين: "جنَّ جنونهم وتشاوروا: ماذا يفعلون بيسوع "؛ لا يفصح لوقا عن نواياهم، لا سيّما وأن تهديدهم سابق لأوانه. ثمّ لا ننسَ أنّ لوقا لا يدخل الفرّيسيين أبدًا في المؤامرة التي أدّت إلى موت يسوع. إنّه ينسب مسؤولية هذا الحدث إلى رؤساء الكهنة.
عادت اليد صحيحة، أعيد تكوينها. هذا رمز عن تجديد الكون الذي هو وجهة رئيسيّة في زمن الخلاص. فالذي بدأ الآن سيجد ملء كماله في يوم من الأيام.
وتنتهي أخبار المعجزات عادة بالحديث عن إعجاب الجموع. أمّا هنا فالاعجاب يتحول إلى "مجلس موت " يقرّر إزالة يسوع. إجتمع الأضداد على يسوع: الفرّيسيون هم معارضو الرومان والهيرودسيون هم معاونوهم. اجتمعت القوّة الدينيّة والقوّة السياسيّة على يسوع.
وترك الفرّيسيون المجمع. هذا التحرّك الذي يقابل دخول يسوع إلى المجمع في بداية المشهد يدل على معنى رمزي. نزع يسوع القناع عن الذين يتظاهرون بأنهم مدافعون أمناء عن الشريعة. ولكنهم يتجاوزونها في الواقع اليومي. أمّا يسوع فبقي في المجمع ربّما مع ذلك الذي شُفي، كما ظلّ وجهًا لوجه مع المرأة الزانية (يو 9:8). لم يحكم أحد على اليابس اليد، ويسوع لم يحكم عليه. لم يحكم أحد على الزانية، ويسوع لم يحكم عليها. حلَّت الرحمة محل الدينونة. فذهبت الزانية على أن لا تخطأ فيما بعد، وذهب الرجل الذي شفي وهو يمجّد قدرة الله. أمّا خصوم يسوع فظلّوا في عماهم ولم يؤمنوا.

خاتمة:
إنّ هذه المجادلات الخمسة (5: 12- 6: 11) التي توقفنا عندها هي كبرى مواضيع الكرازة النبويّة عن زمن المسيح: المغفرة التي تحرر، الوليمة ومشاركة الله في حياته، السبت وإِعادة كل شيء إلى جماله. كوَّنت فِعلتان من أفعال قدرة يسوع الاطار لكلمته: "مغفورة لك خطاياك " (5: 20). وترتبت صور العالم الجديد حول موضوع الطعام مع كلمة يسوع: "ما جئت لأدعو الأبرار إلى التوبة، بل الخطأة" (32:5). وتركز الجدالان الأخيران على كلمة جديدة من يسوع: "ربّ السبت هو ابن الانسان " (6: 5).
فالسلطة التي كانت موضوع جدال (4: 32، 36: ما هذا الكلام) صارت ثابتة ومتينة. أُعلنت بقوّة مرّتين، في 5: 24: "سأريكم أنّ ابن الانسان له سلطان على الأرض " وفي 6: 5: "وربّ السبت هو ابن الانسان ". أدخلت أوّلاً الناس في الحيرة والخوف (26:5) ولكنّها ما تعتّم أن تواجه الجنون (6: 11)، تواجه الرفض، تقابل ما يحمل عمل الربّ من جديد. ولكن يسوع قال: "يجب عليَّ أن ابشّر سائر المدن بملكوت الله " (43:4) فبعد علامات القدرة والسلطان تتخذ البشارة شكل خطبة هي شرعة الملكوت.
الفصل الثالث والثلاثون
اختيار الاثني عشر
12:6-19؛ مت 15: 1-4؛ مر 13:3-19

أ- مقدمة: مسائل التاريخ واللاهوت الكتابي.
1- تكوين الاثني عشر.
إنَّ يسوع كوَّن منذ حياته على الأرض مجموعة الاثني عشر. أجل، إنّ تكوين هذه المجموعة قبل موت المعلّم واقع تاريخي ثابت. هناك بعض الكتّاب الغربيين الذين حاولوا أن يشكّوا في هذا الواقع فأرجأوا تنظيم الحلقة الرسوليّة إلى ما بعد القيامة لكنّهم لم يتوصّلوا إلى زعزعة الاشارات التي بين أيدينا.
فإذا عدنا إلى 1 كور 15: 5 التي تعدّد الذين نعموا بظهورات القائم من الموت، فهي تذكر "الاثني عشر" كمجموعة مميّزة عن تلك المكوّنة من الرسل أي سائر حاملي رسالة الانجيل. وقد عرف بولس من التقليد، سنة 49، في أورشليم، وقد تعود معرفته إلى عشر سنوات قبل ذلك حيث التقى بطرس والآخرين، عرف بوجود مجموعة الاثني عشر شاهدًا. ميَّزهم الربّ فلعبوا دورًا لم يجادلهم فيه أحد، دورًا مسيطرًا في الجماعة الفصحية الأولى. وتشهد أقدم طبقات التقليد الازائي في هذه الجماعة، على تعليم أكيد في شأن الاثني عشر: إنّ اختيارهم وتكوينهم في مجموعة مميّزة يعود إلى حياة يسوع على الأرض. قال مر 14:3: "أقام إثني عشر". ثم في آ 16: "أقام (صنع) الاثني عشرة. إنّه تعبير سامٍ وهو سابق ولا شكّ لمرقس، يستلهم 1 صم 6:12 (الرب أقام موسى وهارون)، 1مل 13: 33 (أقام كهنة، 2 أخ 2: 17؛ رج مر 1: 17).
نحن أمام عمل خلاَّق يجمع هؤلاء الرجال في سلطة واحدة ويضمّهم إلى نشاط يسوع، ونحن لا نجهل أن يهوذا الخائن كان "واحدًا من الاثني عشر" (مر 14: 10؛ مت 14:26 ؛ لو 47:22؛ يو 6: 71). وأخيرًا أورد لنا لوقا (28:22 ي) ومتى (28:19) قولا ثمينًا من أقوال يسوع في سياقين مختلفين.. وقد أعيد تكوينه على الشكل التالي: "ستجلسّون على اثني عشر كرسيًّا وتدينون أسباط إسرائيل الاثني عشر". إنّ هذا القول الذي يتناسق مع رجاء اليهود بتجديد القبائل الاثنتي عشرة في الأيّام الأخيرة، ويدلّ على رقم 12 رسولاً بطريقة ترضي المؤرّخ، ينسب إلى التلاميذ الأعزّاء على قلب يسوع مشاركة في نصره المسيحيانيّ وتسلطه على إسرائيل آخر الأزمنة. وهذا ما يتوافق موافقة كاملة مع النظرة الاسكاتولوجيّة (في المعنى الواسع) لكرازة يسوع.

2- إرسال الاثني عشر
كوّن يسوع مجموعة الاثني عشر وأرسلهم في مهمة عبر الجليل. أجل، إذا كان يسوع أسَّس حقا الاثني عشر ليكونوا معه ويقاسموه حكمه على إسرائيل الجديد، أما يبدو طبيعيًّا أن يكون أرسلهم ليبشّروا مثله أهل الجليل باقتراب هذا الاسرائيل الاسكاتولوجي الذين يشكّلون نواته الأولى بانتظار أن يصيروا رؤساءه المقبلين. ليس إرسال الاثني عشر استباقًا اختلقه مرقس انطلاقًا من كلمات نسبتها الكنيسة إلى المسيح القائم من الموت، كما قال بولتمان. فإرسال الاثني عشر في جولة كرازة مع تعليمات مناسبة هو أمر يشهد له التقليد السابق للأناجيل الازائيّة ويؤكّده المناخ الفلسطيني لهذه التعليمات، خاصة الضيافة المؤمَّنة للمرسلين، السلام الذي يعود إلى الرسول إِن لم يقبله الناس. ويكفل هذا الواقع تاريخيًّا أنّه يقع في منظار اسكاتولوجي يتوافق موافقة كليّة مع ما نعرفه عن رسالة يسوع في الجليل. الاشارة الأولى لهذا المناخ الاسكاتولوجي: قطيع يحتاج إلى راعٍ أمين، حصاد وفير (مت 9: 36). هاتان صورتان معروفتان لدى الأنبياء، وهما تدلان على الأزمنة المسيحانيّة والاسكاتولوجيّة (حز 34: 23 ي؛ زك 13: 7؛ أش 27: 12: يؤ 4: 13). بالاضافة إلى ذلك، على المرسَلين، شأنهم شأن يسوع نفسه (مت 17:4 وز)، أن يعلنوا اقتراب الملكوت المنتظر (مت 7:10). وما يفسّر هذا الاقتراب فهو السَفَر العاجل مع أقل ما يمكن من المتاع (مت 10: 9- 10) ودون أن يسلّموا على أحد (لو 10: 4). أخيرًا ينتمي إلى أقدم ما في خطبة الارسال التنبيه التالي: "لن تكمّلوا مدن إسرائيل حتى يأتي ابن الانسان " (مت 23:10 ب). لا وقت لنا: قبل أن تكمّلوا الحصاد سيأتي السلطان المسيحانيّ وملك الكون الذي أنبأ به دانيال (13:7). مجيء غير محدّد ولكنّه يتحقّق فعلاً بموت يسوع وقيامته.

3- كيف رأى الازائيون رسالة الاثني عشر في الجليل:
إن تاريخية تأسيس الاثني عشر على يد المسيح خلال حياته على الأرض، والحديث عن مهمتهم الرسوليّة في الجليل لا ينفيان الترتيب الأدبي أو اللاهوتي عند هذا الانجيلي أو ذاك. يمنح الانجيليون الثلاثة تكوين مجموعة الاثني عشر أهمية كبرى، ولكن مرقس (13:3- 19) يتفرّد بالحديث عن هذا التأسيس ويعتبره حدثًا مميّزًا عن إرسالهم إلى الجليل (مر 6: 6 ب- 13).
وحين نتحدّث عن الارسال نتساءل دون أن نستطيع أن نستنتج استنتاجًا أكيدًا: هل النظام الأولاني للمرجع (متى الآرامي كما ترجم إلى اليونانية) هو الذي يأخذ به الانجيل الأوّل؟ أم أنّ متى اهتمّ بالطريقة المنطقية فقلب نظام مرقس (الذي لا يذكر الارسال إلاّ بعد "يوم الأمثال " في 4: 1- 34)، وذلك بسبب فشل حَمْل الانجيل بصورة مباشرة؟ وهذا الفشل نلاحظه في أسلوب التعليم بالأمثال (رج مت 13:13).
وأخيرا نعود إلى ما يتعلّق بصورة خاصة بالتعليمات حول الرسالة: يجب أن نحدّد وجهات الازائيين المختلفة. إنّ مرقس جعل وحدة تأسيس الاثني عشر كحدث أساسي في تكوين الملكوت، إلاَّ أنّه أوجز خطبة الارسال ولم يشدّد بما فيه الكفاية على تعليمات يسوع (مر 8:6- 12) كقاعدة الحياة الرسولية في الجماعة الفصحية. أمّا متى إنجيلي الكنيسة فاهتمّ بتعليمات يسوع ووسّع خطبة الارسال بزيادات مثل الاعلان المسبق للاضطهادات لدى اليهود والوثنيين (مت 10: 17- 39). وقد ضمّ هذا الاعلان إلى التعليمات عن الرسالة فقدم للكنيسة "ملخصًا قصيرًا وكاملاً للمرسل " في إطار مسكوني يتوافق بصعوبة مع الحدود الموضوعة مؤقتًا أمام الرسالة في الجليل.
أمّا لوقا الذي يمرّ بسرعة على التعليمات الموجّهة إلى الاثني عشر (2:9- 5)، فهو يستعيدها ويتوسّع فيها بمناسبة الحديث عن إرسال "سبعين آخرين " (10: 1- 12 لا يجاريه متى ولا مرقس): فباهتمامه بحلقة التلاميذ المرسلين، وهي حلقة أوسع من حلقة الاثني عشر، أسّس لوقا على مبادرة يسوع الوضعَ الذي يصوره في سفر الأعمال: مع اسطفانس وبرنابا وفيلبس وبولس الذين يحملون البشارة دون أن يكونوا من مصاف الاثنىِ عشر. ومن خلال الرقم 70 الذي هو رقم الامم الوثنية في نظر العالم اليهودي، نستشف رسالة بعد فصحية تتوجّه إلى العالم كلّه.

ب- تأسيس الاثني عشر.
12:6-16؛ مت 10: 1-4؛ مر 13:13:3-19.
يميّز مرقس بوضوح كبير بين دعوة الرسل الأربعة الأولين (1: 16- 20)، واختيار الاثني عشر "ليكونوا معه " (3: 13- 19)، وإرسال الاثني عشر في مهمّة رسوليّة (6:: 6- 13). إذن، خبر تأسيس الاثني عشر هو في مكانه. أمّا لائحة أسماء الرسل فتأتي في سياق آخر. ولهذا يحس مرقس بصعوبة حين يريد أن يُقحم هذه اللائحة في خبره. نقرأ في آ 14: "وأقام الاثني عشر". ثم في آ 16: "وأقام الاثني عشر وجعل لسمعان اسم بطرس ". ثم تأتي الأسماء الأحد عشر متسلسلة تسلسلاً غير منطقي ومرتبطة بحرف العطف (الواو: كاي اليونانية).
تبع لوقا مرقس ولم يُرد أن يرتّب نصّه، بل أخذه كما وصل إليه من مرجعه. في آ 13 ب بدأ جملة طويلة لن يكملها إلاِّ في آ 20. قال في آ 13: "وإذ اختار إثني عشر منهم سمّاهم رسلاً وهم... وتابع في آ 20: "وإذ رفع عينيه إلى تلاميذه، قال ".
في متى، تبدو هذه المقدمة كمدخل لخطبة الارسال (ف 10). نتذكّر هنا مخطّط الانجيل الأوّل وكيف يستند القسم الأوّل كلّه (23:4- 9: 35) إلى بناء على أساس التضمين والاحتواء. وهكذا، تتجاوب لائحة الاثني عشر مع نداء التلاميذ الأربعة الأولين في 18:4- 21: فالتلاميذ الأربعة الأول في اللائحة يُذكَرون كما في 4: 18- 21 وبالكلمات عينها التي استُعملت لتصور دعوتهم. "وصعد إلى الجبل " (مر 13:3). لن نحدّد موقع هذا الجبل على الخريطة. فلسنا على مستوى الجغرافيا، بل أمام مدلول لاهوتي. ففي العهد القديم، كان الجبل موضعًا مقدّسًا بصورة خاصّة، عليه تقدَّم الذبائح (1 صم 12:9؛ 1مل 4:3) وتقيم جماعة الأنبياء (1 صم 10: 5؛ 2 مل 1 :9؛ 25:4). الجبل يدلّ على جبل سيناء بصورة خاصّة. واختيار يسوع للاثني عشر على الجبل يدلّ أنّنا أمام الشعب الجديد الذي يُقابل شعبًا آخر اجتمع ليأخذ شريعة تجعل منه شعبًا خاصًّا لربّه.
وزاد لوقا على مرقس الاشارة إلى الصلاة: "صعد إلى الجبل ليصلّي فقضى ليله في الصلاة لله ". شدَّد لوقا مرارًا على صلاة يسوع في الساعات المهمّة من حياته؟ في العماد: "بينما هو يصلّي انفتحت السماء" (3: 21). وقت التجلّي: "وبينما هو يصلّي تغيّرت هيئة وجهه " (9: 29). حين أعطانا الصلاة الربيّة: "وكان يسوع يصلّي في أحد الأماكن. فلمّا أتمّ الصلاة قال له واحد من تلاميذه: يا ربّ علّمنا أن نصلّي " (11: 1).
إمتدّت صلاته طوال الليل. غطّت الظلمة الكون وامّحى كل شيء أمام عظمة الله. وهكذا وحَّدته الصلاة بأبيه، لا سيّما وأنّ إرادة أبيه هي إرادته. صلَّى، فكان اختيار تلاميذه مطابقًا لارادة الله.
إختار إثني عشر. هذا هو رقم الكمال الذي عرفه الشعب اليهودي حين تحدّث عن الأسباط الاثني عشر، كما عرفته الشعوب القديمة في الشرق والغرب. فأبناء اسماعيل هم 12 بحسب عشائرهم (تك 16:25). وكذا نقول عن أولاد عيسو أو أدوم (تك 36: 15 ي). والرسل الذين هم نواة الشعب الجديد كانوا 12 رسولاً.
يذكر متى أوّلاً نداء إلى الاثني عشر ثم تولية سلطان لهم. وبين الحدثين يُدخل نصّ مرقس الموازي (مر 7:6) إرسالهم الذي سيتحدّث عنه متى فيما بعد (مت 10: 5). بعض الشرّاح يقولون إن متى ارتبط بمرقس فأعطى نص مرقس ترتيبًا منطقيُّا (الارسال بعد تولية السلطة). أمّا غيرهم فلاحظ أنّ لو 9: 2 يجعل الارسال بعد تولية السلطة. وهكذا يكون من المعقول أنّ متى ولوقا تبعا بأمانة مرجعًا، وهذا المرجع ليس مرقس.
مهما يكن من أمر، فالمسيرة تبدأ في نظر الازائيين الثلاثة مع "دعوة" (نداء) الاثني عشر. إنّه النداء الأوّل الذي يشير إليه متى. أمّا مرقس ولوقا فقد ذكرا نداء أوّل وقت اختيار الاثني عشر على الجبل، وهو الذي ندرسه الآن. فهل نستطيع القول إنّ متى الذي لا يورد حدث الاختيار هذا، على معرفته به، دمج النداءين معًا: نداء الدعوة ونداء الارسال؟ في هذه الحالة، يكون النداء الثاني (الذي يظهر وحده) إعادة للنداء الأوّل الذي تضمّنه كما فهم ذلك مر 3: 14 إلاَّ أنّ تفحّصًا دقيقًا لفعل "دعا" (بروسكالايو) في إنجيل متى يدلّ على أنّ وهذا الانجيلي يستعمل دومًا هذا الفعل كما في 10: 1 في الصيغة عينها، وأنّه لا يربطه أبدًا بحدث ينتمي إلى ماضٍ بعيد ولا إلى دعوة بالمعنىٍ التقني لهذه الكلمة. وهذا المعنى التقني ليس مؤكّدًا بالنسبة إلى مر 13:3 أيضًا. إذن، من المعقول أنّ متى يشير إلى نداء (دعوة إلى اجتماع) كما فهمه لو 9: 1 من أجل الرسالة في الجليل.
ودُعي الاثنا عشر إلى الاجتماع فقلّدهم يسوع سلطانه في طرد الشياطين واجتراح المعجزات. هذا ما يقول متى ( 10: 1) ومرقس (3: 13- 15). أمّا لوقا فسيتحدّث عن السلطة المعطاة للرسل في الفصل العاشر. بدأت بشارة الخلاص، فضمَّ يسوع إليه الاثني عشر وأشركهم في سلطانه.

ج- لائحة الاثني عشر.
أراد متى أن يجمع قبل خطبة الارسال حالاً كل ما يتعلّق بحلقة الاثني عشر، فأقحم هنا لائحته التي تبدو وكأنّها قطعة غريبة. نلاحظ مثلاً الرباط في آ 5: هؤلاء الاثنا عشر، يسوع أرسلهم. ق لو 2:9: "ثم أرسلهم ليبشّروا". ولهذا يكاد الشرّاح يتّفقون على القول إنّ اللائحة ارتبطت في الأصل بتأسيس الرسل كما هو الأمر في لوقا (6: 14 ي) ومرقس (16:3- 19)، فبدلّ متى مكانها. ولكن الجدال لا يزال قائمًا: هل استقرض متى نصه من مرقس مع بعض التصليحات كما تشير إلى ذلك توافقات بين مرقس ولوقا ضد متى؟ مثلاً:
مكان اسم متى يقع في الانجيل الأوّل بعد توما وفي الانجيلين الثاني والثالث قبل توما. بدأ مت 10: 2 اللائحة: الأوّل سمعان. أمّا مر 3: 16 ولو 6: 14 فألغيا كلمة "الأوّل ". سمّي متى العشّار (آ 3). فلم يذكر لوقا (آ 15) ومرقس (آ 18) هذه الصفة. وإن لم يكن استقرضه من مرقس، هل أخذه من مرجع سابق للازائيين؟. وهذا المرجع تضمّن النص الأوّلاني في المقدّمة التاريخيّة لخطبة الجبل كما يدلّ على ذلك بعض التوافقات بين متى ولوقا ضد مرقس. مثلاً، مكان اندراوس. يأتي حالاً بعد بطرس في متى ولوقا، أمّا في مرقس فيأتي بعد يعقوب ويوحنا وشَرْحِ اسميهما. يرد اسم يعقوب وبوحنا مع لقب "ابني الرعد" عند مرقس، ولا يرد كذلك عند متى ولوقا... وهناك توافق بين متى ومرقس ضد لوقا.
أوّل رباط متّاوي باللائحة يتحدَّث عن "الإِثني عشر رسولاً". ولن ترد هذه العبارة عند متى بعد ذلك، بل سيقول: "الاثنا عشر" (10: 5؛ 17:20؛ 26: 14، 20، 47) أو "الإِثنا عشر تلميذًا" (10: 1، 11: 1؛ رج 28: 16) أو "التلاميذ" (13: 10؛ 14: 15؛ 8:26، 56). فالإِنجيل الأوّل يخلط بين التلاميذ والرسل، وفي هذا يتجاوز مرقس ولوقا. أمّا العَبارة الخاصّة في 10: 2 فهي تستعمل كلمة "رسول " في المعنى الدقيق الذي اتخذته في استعمال الكنيسة الأولى لتدلّ على الإثني عشر وعلى بعض الشهود الرسميين الآخرين لقيامة يسوع. قد يكون الإِثنا عشر اعتبروا ساعة رسالتهم الجليلية على أنّهم "السليحين " (أبوستولوي أو المرسلون) "سليحي " يسوع لو أنّ هذا النظام القانونيّ اليهودي وُجد في زمن المسيح، ولكن هذا الشيء ليس بأكيد. ولكن لا شيء يفرض أن يكون هو بنفسه قد أعطاهم هذا اللقب رغم ما كتب لو 13:6 الذي استهلّ نص مرقس مشيرًا إليهم كمرسلين موقتين.
تبدأ اللائحة بأوّل المدعوين (مت 18:4- 22). سمعان المسمّى بطرس واندراوس. ثم يعقوب ويوحنّا. لا يقول متى مثل مرقس ولوقا إن يسوع سمّى سمعان بطرس، ولكنه يشدّد وحده على أن بطرس هو الأوّل. وهذا ما يتوافق مع المكانة المميّزة التي أُقرّ له بها في تأسيس الكنيسة (مت 17:16 ي). وزاد متّى أيضًا "العشار" قرب إسمه. فالإِنجيل الأوّل المرتبط ارتباطًا خاصًّا بالرسول متّى يُحيلنا هنا إلى مت 9: 9 (دعوة العشار أو موظف "الجمارك ") حيث حلّ إسم متّى محل لاوي (مر 14:2؛ لو 27:5). يمكننا أن نتساءل: سعى متّى إلى أن يماثل بين التلاميذ والإِثني عشر، ولهذا قد يكون وضع إسمًا مكان آخر لأن لاوي لا ينتمي إلى مجموعة الإِثني عشر.
إن تداوس في لائحة متّى ومرقس سيصبح لباوس في عدد من المخطوطات ويقابل يهوذا في لو 16:6؛ أع: 1: 13؛ يو 22:14. ولكن من الممكن أن يكون تردّد بين أشخاص عديدين: تشتت الإِثنا عشر باكرًا فما عُرفت هوية هذا أو ذاك. ثم إنه كان ليسوع أشخاص محبوبون إلى قلبه مثل نتنائيل ولعازر. وقد يكون الشك باقيًا على إسمين هما تداوس ولباوس، هذا إذا قبِلنا مع كولمان الالماني ان يهوذا هو واحد وهو يهوذا الاسخريوطيّ، تكرر في النص المخطوط خطأ. 
إنّ متّى يعطي إشارة صغيرة عن اصل ثلاثة رسل ومستقبلهم: متّى الذي كان عشارًّا. سمعان الذي كان وطنيًا غيورًا. ويهوذا الذي سيكون خائنًا. لا ننسى أنّ متى يقدّم لنا صورة مثالية عن الرسل، وهذا ما يدلّ على الطريق- التي سلكوها ليرتفعوا إلى مستوى رسالتهم. ولكن كلمة يسوع وعمل الروح نجحا في تحويلهم تحويلاً فعليًا إلى مشاركين في عمل المسيح وإلى اساسات في كنيسته. لهذا كرمتّهم الكنيسة دومًا، وهذا ما تشهد عليه اللوائح العديدة التي ظهرت في أشكال متنوعة في الجماعات الأولى.
هناك إذن أربع لوائح تتألف من 11 أو 12 رسولاً ثم هناك لائحة جزئيّة (يو 2:21) وأسماء متفرّقة: مت 2:10- 4؛ مر 16:3- 19؛ لو 14:6- 16؛ أع 1: 13. فإذا قابلناها بعضها ببعض، نجد أنه لم يكن للكنيسة الأولى لائحة رسميّة تحتفظ بدرجة ثابتة لكلّ رسول. حتّى الأسماء التي أوردها لوقا في إنجيله وفي أعمال الرسل، لا تتتابع في الترتيب عينه.
إلاَّ أننا نستطيع أن نميّز ثلاث مجموعات من أربعة أسماء. المجموعة الأولى تتألف من بطرس واندراوس ويعقوب ويوحنّا. بطرس يمثل دائمًا رأس اللائحة. وتتضمّن المجموعة الثانية فيلبس، برتولماوس، توما، متى. وفيلبس يمثل دومًا الدرجة الخامسة في اللائحة. والمجموعة الثالثة تتضمّن يعقوب بِن حلفى، تداوس، سمعان، يهوذا. ويحتل يعقوب دومًا الدرجة التاسعة في اللائحة.
جعل مرقس اندراوس في الدرجة الرابعة مبرزًا الأسماء الثلاثة: بطرس ويعقوب ويوحنّا، وهم شهود مميَّزون في حياة يسوع: إقامة ابنة يائيرس (مر 5: 37)، التجلّي (مر 9: 2)، النزاع في بستان الزيتون (مر 14: 33). إذن، يبدو أن مرقس رتَّب لائحة متى بالنظر إلى إنجيله. شدّد مرقس على المجموعة الرئيسيّة المؤلفة من ثلاثة، وهذا ما يوافق كرازة بطرس الذي لا يهتم كثيرًا بأن يحتل المكان الأول. أما متى فاهتم بإبراز أولويّة بطرس.
قلنا إن متى زاد كلمة "عشار"، فدلّ على وظيفته القديمة. ذكر هذه الإِشارة فوقَّع إنجيله حين ذكر نفسه مع سائر الرسل. ونقول لو أن لفظة "عشار" وُجدت في اللائحة الرسميّة التي تتناقلها الكنائس، لما كان مرقس ولوقا أغفلاها، وهما اللذان تحدّثا عن نكران بطرس ليسوع وفيه ما فيه من تشديد على خطيئة أحد الرسل بل أوّلهم.
سمّى متّى ومرقس سمعان "كانانايوس " فتُرجمت الكنعانيّ " أو "الغيور" (من قنا العبريّة) وقال آخرون: القانوي أي الذي من قانا. أما لوقا فكتب الغيور. هناك من يعتبره من حزب الغيّورين، هؤلاء الوطنيّين الذين يحاولون أن يتحرّروا من سلطة الأجنبي. وآخرون شدّدوا على غيرته من أجل الشريعة. إنه يعارض متّى كل المعارضة: متّى هو العشار الذي يُبغضه معلّمو الشريعة، أمّا سمعان فيشتعل غيرة من أجل الشريعة. لقد فتح يسوع حلقة الرسل للأضداد، فوحَّدهم في شخصه حين دعاهم إليه.
وأخيرًا، يهوذا الإسخريوطيّ. أُعطيت تفسيرات عديدة. هو ابن قريوت القرية الواقعة جنوبي فلسطين (رج يش 25:15؛ عا 2:2). هو الكذاب حسب جذر آرامي وعربي (خرط أي كذب). نحن أمام صفة محقّرة أُعطيت ليهوذا بعدما فعل ما فعل. هو "سيكاريوس " أي حامل "سيكا" ذلك الخنجر الصغير الذي استعمله الغيّورون ليقتلوا خصومهم.
قال عنه متّى ومرقس: هو الذي أسلم يسوع. أمّا لوقا فقال: كان خائنًا.

د- وتبعت الجموع يسوع (6: 17- 19).
نقرأ هنا إجمالة عن نشاط يسوع المسيحانيّ: مت 15:12- 21؛ مر 7:3 - 12؛ لو 17:6- 19. كان مرقس (1: 32- 34 وز) قد أعطى إجمالة سابقة وتبعه لوقا. أمّا متّى (23:4- 25) فاستعمل مر 7:3- 12، ولهذا أوجز نصّه هنا.
تشدّد هذا الإجمالة على المستمعين إلى يسوع: "جمهور من تلاميذه وجمع كبير من كلّ اليهودَيّة وأورشليم وساحل صور وصيدا. جاؤوا إليه ليسمعوه وُيشفوا من أمراضهم ". يشدّد لوقا على الحضور الملموس لهذه الجموع ببعض عبارات لافتة: رفع يسوع عينيه نحو تلاميذه (آ 20). أو: يحاول جميع الناس أن يلمسوه (آ 19). إنهم يزحمونه كما في البداية (5: 1). يوجّه يسوع كلامه إلى كلّ إسرائيل الذي يراه ويلمسه: هناك الإثنا عشر، ثم التلاميذ، ثم الشعب. ولكن العلاقة بالسامعين سوف تتبدّل في ف 7- 8.
الفصل الرابع والثلاثون
التطويبات حسب القدّيس لوقا
6: 20- 26

1- المقدّمة (آ 17)
تشير هذه المقدّمة إلى التطويبات، إلى المكان وإلى سامعي الخطبة: يتكلّم يسوع في السهل ويتوجّه إلى الجموع.
نحن نَدهَش حين نعرف أن خطبة الجبل في مت 5- 7 تبدو عند لوقا كأنها خطبةٌ في السهل... في الواقع، يرتبط كل من متى ولوقا بتدوين إنجيليّ قديم يعرض بَعدَ سلسلة من المُجادلات العناصرَ التالية:
أوّلاً: لوحةً عامّة صغيرة تتعلّق بنشاط يسوع في الجليل لدى الجموع (رج مر 7:3-12 وز).
ثانيًا: خبرَ تأسيس الاثني عشر على يد يسوع في الجبل. كان قد اعتزل هناك في التأمّل والصلاة، بعيدًا عن الجموع (رج مر 13:3- 19 وز).
ثالثًا: خُطبةً موجّهة إلى "التلاميذ" أو إلى الرسل، أو إلى مجموعة أوسعَ اختار يسوعُ الرسل من بينهم.
لم يحتفظ مرقس بالخطبة. بدّل متّى موضع تأسيسه الإِثني عشر، ولكنه احتفظ بالمقدّمة ("صعد إلى الجبل ") فصارت مقدّمة الخطبة. وهكذا خطب، يسوع في الجموع من أعلى الجبل، ولكنّه توجّه بصورة خاصّة إلى التلاميذ الذين أُفرزوا عن الجمع وتجمّعوا في حلقة حميمة حول المعلّم: "فلمّا رأى يسوع الجموع، صعد إلى الجبل، ولمّا جلس دنا إليه تلاميذه" (مت 5: 1).
بدّل لوقا بين العنصرين الأوّل والثاني، ولم يُبق على الجبل إلاّ تأسيسَ الحَلقة الرسوليّة. بعد هذا، نزل يسوع حالاً إلى السهل، نَحو الجموع المتشوّقة إلى تعليمه ومعجزاته (آ 18). ولكن المقدّمة المباشرة للخطبة (آ 20) تفهمنا أنّ يسوع يتوجّه بالدرجة الأولى إلى التلاميذ: "ثم رفع عينيه إلى تلاميذه وقال" . بدّل لوقا ترتيب المقطوعات وجعل خطبته في السهل (لم يبقَ في الجبل مع تلاميذه وحدَهم). عاد إلى الجموع فوسّع حلقة سامعيه. نقرأ في آ 17: "جماعة كثيرة من تلاميذه "، "جمهور غفير من الشعب ". رسالة شاملة. هكذا أرادها المعلّم. فَعبْرَ السامعين الأوّلين، ستصِل كلمة الله منذ الآنَ إلى جميع البشر.

2- التطويبات قبل لوقا ومتّى
تعوّدنا أن نقرأ التطويبات في إنجيل متّى (3:5- 12). وحين نقرأها في لوقا نقابلها طوعًا بما في متّى، فنتساءل كيف نفسر هذه التشابهات المحدّدة وهذه الاختلافات الكبيرة؟ ما الذي قاله يسوع بالضبط في هذا المجال؟
التفسير الوحيد المقبول لهاتين النسختين للتطويبات، هو أنّ متّى ولوقا استعملا كلٌّ بطريقته الخاصّة حالةً سابقة للنصّ. والدراسة النقديّة تتيح لنا أن نعيد بناء هذا "المَعين " بصورة معقولة.
طوبى للمساكين، فإنّ لهم ملكوتَ السماوات
طوبى للحزانى فإنهم يعزَّون
طوبى للجياع لأنهم سيشبعون
طوي لكم حين يبغضونكم وينبذونكم ويشتمونكم ويهينون اسمكم بسبب ابن البشر. إفرحوا وتهلّلوا، لأن أجركم عظيم في السماء.
هكذا اضطهدوا الأنبياءَ الذين سبقوكم.
إن هذا النصّ الأساسيّ ("وثيقة أولانيّة") يجمع مُعطياتٍ تعود إلى أصول مختلفة. ونحن نستشفّ فيها نقصًا في التماسك، سواءٌ في المبنى أم في المضمون.

أوَّلاً: المبنى
نقرأ التطويباتِ الثلاثَ الأولى في صيغة الغائب بشكل مقتضَب وموزون (أسلوب شفهيّ). أمّا التطويبة الرابعة فيعبّر عنها النصّ في صيغة المخاطَب ويتوسّع فيها مطوّلاً تاركًا الوزن والإيقاع.

ثانيًا: المضمون
تشكّل التطويبات الثلاثُ الأولى إعلانًا عن مجيء ملكوت الله والمخصّصين للدخول إليه. يستعيد يسوع هنا (كما في مت 11: 5 وز؛ لو 18:4) لغة أش 61: 1- 2؛ 49: 10، 13؛ 7:52 ،9. ويقدّم نفسه بهذه الصورة على أنّه الرسول الأخير وحامل البشرى ووسيط الخلاص الموعود به: إنه يأتي الآن من أجل الفقراء والحزانى والجياع. نحن أمام تسميات ثلاثٍ لفئة واحدة من المستفدين من ملكوت السماء، من التعزية المسيحانيّة، من الوليمة الإسكاتولوجيّة؛ تسمياتٍ ثلاثٍ لواقع الخلاص الواحد.
إن هذه التطويباتِ الثلاثَ تعكس بصورة مباشرة كلماتِ المخلّص، وتعلن بُشرى حدَث الملكوت الذي هو بلاغ مفرح، به يدشّن المسيح مُهمّته الرسوليّة بصورة فاعلة.
أمّا التطويبة الرابعة، تطويبةُ المضطهَدين من أجل ابن الإنسان، فإنها تنقل مضمونًا مختلفًا. هي لا تعلن مجيئًا قريبًا للملكوت من أجل الذين يتأّلمون الآن... بل تحدّد موقعها في منظار الاضطهادات المقبلة والأَجر النهائيّ. وهي لا تتوجّه إلا إلى المسيحيّين، هؤلاء الذين سيُقاسون الاضطهاد بسبب إبن الإِنسان. فالتعبير المُسْهَب والبواعث الكرستولوجيّة الواضحة تدلّ على تفكير مسيحيّ. قد يعود جوهر هذه التطويبة إلى المسيح بصورة غير مباشرة، ولكن بعد أن قاسى يسوع نفسُه الاضطهاد وانتظر أن يكون مصيرُ تلاميذه مشابهًا لمصيره.

3- تقديم لوقا
يستعيد لوقا أربعَ تطويبات من الوثيقة الاولانيّة مع بعض التصليحات البسيطة، وُيتبعها بأربع ويلات تقابلها بالتفصيل. وهكذا نكون أمام تعارُض أدبيّ وتعليميّ.
كان النصّ الأولانيّ قد برز في شكل مفارَقة وتعارُض: أعلن أنّ الأشقياء هم سعداء، وزاد لوقا النقائضَ المعاكسة فأعلن شقاءَ سعداءِ هذا العالم. كرّر المفارقات عينَها ولكن بصورة سلبيّة. كان قريبًا من المُعطى الأصليّ، ثم أعطاه قوّةً ووضوحًا.
لا شكّ في أنّ ربطَ التوّيلات (قال: الويل) بالتطويبات والمطابقةَ التامّة في التعبير، يعودان إلى عمل الإِنجيليّ التدوينيّ. فهذه التهديدات العنيفة والمتكرّرة، وهذه الأحكام التي لا استئناف فيها ("الويل لكم... الويل لكم...") لا يمكن أن تنتمي إلى إعلان يدشّن الخبر الطيّب. كما لا يمكن أن تتوجّه إلى التلاميذ المذكورين في آ 20، ولا إلى الجموع المذكورة في آ 17 والمتشوّقة إلى سماع الكلمة. لقد أعلن يسوع فقط شقاءَ السامعين الذين رفضوا بعناد تعليمَ الخلاص الذي يقدّمه: شقاءَ سكّانِ مدن البحيرة، والكتبةِ والفريسيّين والمرائين. عاد لوقا إلى هذا السِياق المتأخّر فاستعاد مبدأ الحُرم والانقطاع عن الجماعة تجاه التطويبات وما تحمله من سعادة. ثم إن إعلان التوّيلات يتضمنّ خصائص لوقاويّةً على مستوى اللغة والأسلوب.
قد يكون مضمون التويّلات قد وُجد في التقليد السابق للوقا، ونحن نجد بعضَ نبراته في رسالة القديس يعقوب (9:4؛ 5: 1). ولكنّنا ننسب إلى لوقا زيادة "الويل، الويل " إلى التطويبات، وأسلوبَ التَوازي في التعبير عنها، ونحن نتعرّف إلى هذه الزيادة حين نتعرّف إلى انتقالة آ 27: عاد إلى المستفيدين الحقيقيّين من التطويبات، وإلى الذين توجّهت إليهم الخُطبةِ كلها، أي التلاميذ، فقال لهم: "أمّا أنتم أيّها السامعون، فإني أقول لكم: أحِبّوا أعداءكم ". إن الويلات تتوجّه إلى سامعين آخرين.
تبدأ التطويبات في الإِنجيل الثالث في صيغة المخاطَب. ولكن هذه الصيغة ليست الفنَّ الأدبيّ العاديّ للتطويبات بل للتويُّلات. أيكون لوقا قام ببعض التصليحات في نصّ التطويبات الأوّلاني، منطلِقًا من التوّيلات التي زادها؟ وهكذا توحّد النصّ وبرزت النقائض. تعدّت النبرة زمن يسوع واتّخذت شكلاً عنيفًا: الكلام يتوجّه مباشرة إلى السامعين (والقراء) وعليهم أن يتخذوا موقفًا.

4- تحليل النصّ
أوّلاً: الفقراء والأكنياء (آ 20- 34)
تَذْكر التطويبة الأولى الفقراء ولا تزيد تحديدًا آخر كما في متى: "المساكين بالروح ". ففي السِياق اللوقاويّ، تدلّ هذه التسمية المُطْلَقة على الفقراء والبؤساء والذين لا يملكون شيئًا، تدلّ على طبقة اجتماعيّة دُنيا.
ويشير الويل الأوّل إلى الأغنياء بالمعنى المعروف، إلى طبقة اجتماعيّة، طبقةِ الذين لا ينقصهم شيء.
إن تسمية الفقراء والأغنياء في رأس اللائحة يشرف على التَعداد اللاحق. ففي التطويبات الثانية والثالثة والرابعة، نحن أيضًا أمام فقراء، آلَ بهم فقرُهم إلى الجوع والبكاء وشقاء الأيّام. وفي المقابلِ، كان الأغنياء هؤلاء المتخمين والضاحكين والذين يكرّمهم الناس.
وكان وعد بالملكوت، بملء السعادة، للفقراء والمساكين. وهذا الوعد سيكرّر بكلمات أخرى التهانَي السابقة: يشبعون في الوليمة المسيحانيّة، ويشاركون في الفرح النهائيّ، وينالون أجر السماء. ولكن سنرى أنّ لوقا ينظر إِلى هذه السعادة في المستقبل، إلى ما بعدَ الموت. لم يعد المنظارُ منظارَ الملكوت الحاضر منذ الآن، بدخول المسيح على مسرح الأحداث. لقد وعى لوقا تأخّر المجيء. والملكوت سيكون في العالم الآخر.
والأغنياء بدورهم سيَلحقهم الشقاء في العالم الأخير. لا سعادة لهم ينتظرونها. فهم منذ الآنَ ينالون ما يُرضيهم، ينالون عزاءهم.

ثانيًا: الجائعون والمُشْبَعون (آ 21 أ، 25 أ)
ويذكر لوقا حالاً بعد الفقراء، لا الحزانى (كما في الوثيقة الأولانيّة) بل الجائعين. فبعد الأغنياء يأتي المُشْبَعون. نلاحظ مرارًا عند لوقا هذا التقريبَ بين الفقراء والأغنياء، هذه الطريقةَ في عرض الأمور. فالمزارع الغنيّ في 12: 19 يحلُم بأن يأكل ويشرب ويتنعّم. ولعازر الفقير كان يرغب في أن يملأ بطنه من الفُتات المتساقط عن مائدة الغنيّ (16: 21). إذن، من الواضح أننا أمام فئات اجتماعيّة واقتصاديّة، لا أمام استعدادات داخليّة.
الويل (هذا خاصٌّ بلوقا) لا يتكلّم فقط عن الذين شبعوا بل عن المُتْخَمين والمكتظّين. حرفيًّا: عن المملوئين. مفردة واقعيّة الى أقصى حدود الواقعيّة.
ويزيد الإِنجيليّ كلمة صغيرة: أنتم الجائعون "الآن ". وقال أيضًا: أنتم الباكون "الآن ". وفي النصّ المُوازي: أنتم المُشْبَعون "الآن "، أنتم الضاحكون "الآن ". فقُربُ الخلاص الموعود به لم يعُد واضحًا كما كان في التعبير الأوّلانيّ. يستعمل لوقا هنا هذا الظرف في معناه المعروف والبسيط لا في مدلول تِقنيّ يرتبط بالركيزة القديمة: وبعبارة أخرى لا تدلّ المفردة على "الآن " (أو "اليوم ") الإِسكاتولوجيّ، يوم الخلاص الذي يُتمّ مواعيد الماضي (رج 2: 29؛ 4: 21). إنه يقابل بين الوضعَ الحاليّ للاغنياء أو الفقراءِ ووضعِهم المقبل.

ثالثًا: الباكون والضاحكون (آ 21 ب، 25 ب)
في التطويبة الثالثة لا يتحدّث لوقا عن الحزانى، بل الباكين (الذين سيضحكون) ويقابلهم بالضاحكين الذين سيبكون. إن هذه المفردات تُدهشنا. إستعمل في التويُّلة ما استعمل أيضًا في التطويبة. ويتخلّى لوقا مرّةً أخرى عن مرجع كتابيّ مميّز نجده في أش 13:49؛ 61؛ 2 يتحدّث عن الحزانى. وإذ أراد أن يبرز التعارض بين مصير الفقراء والمتأّلمين الحاضر ومصيرِهم المقبل، بين مصير الأغنياء والضاحكين الحاضرِ ومصيرِهم المقبل، فقد فضّل استعمال هذه المفردات المعبّرة وإن لم تكن دينيّة.
في القِسم الثاني من التويُّلة ("لأنكم ستحزنون وتنوحون ") تبدو لفظة تحزنون وكأنّها زائدة، فتثقّل الإِيقاع. إنّها تأتي من التطويبة الأصليّة.
إنطلق لوقا من الوثيقة السابقة وأعطاها وُجهةً جديدة دون أن يبدّلَها تبديلاً كاملا.

رابعًا: المحتقَرون والمكرَّمون (آ 22- 23، 26)
تتعلّق التطويبة الأخيرة أيضًا بالفقراء، فلم نعد أمام المُعطى الأوّلاني الذي أشار إلى المضطهَدين من أجل المسيح. يستعيد لوقا بأمانة هذا المُعطى السابق. غير أنه يتجنّب لفظة "اضطهاد" المعبّرة والصحيحة. وفي التويُّلة لا ينادي المضطهِدِين (تجاه المضطَهَدين) بل الذين ينعَمون برضى جميع الناس: "الويل لكم إذا ما الناس جميعًا قالوا فيكم حسنا". وهكذا اختفت في التويُّلة فكرة الباعث الدينيّ ("من أجل ابن الانسان "). ما لفتَ نظرَ الإنجيليّ هو تحمّلُ المعاملات السيّئة، لا السببُ الذي من أجله نتحمّلها.
في التطويبة الرابعة يفكّر لوقا بمسيحيّي عصره الذين يواجهون الظلم مرارًا. هذا الوضع يجعلهم على مستوى الفقراء في التطويبات السابقة. ومقابِلَ هذا، إن فقراء التطويبات الأولى هم المسيحيّون الأوّلون (خلفاء "التلاميذ" في آ 20) الذين ينظر إليهم الكاتب في وضعهم الاجتماعيّ الذي تدنىّ.
ويتوافق لوقا مع مَرجعِه فيذكر المعاملات السيّئة التي قاساها حقًا المسيحيّون الأوّلون من قِبَل أبناء جنسهم الأغنياء والأقوياء والمُعادين للدين الجديد: البُغض (17:21 وز؛ مت 22:10)، الحُرم (يو 2:16؛ رج 22:9؛ 42:12)، التعيير (1 بط 14:4؛ عب 10: 33؛ 13: 13؛ أع 5: 41)، التشنيع. يشدّد لوقا على تكديس هذه المعاملات السيّئة، لا على بُعد كل معاملة على حِدَة. إن لوقا يعرف كم قاسى المسيحيّون الأوّلون من اضطهاد من قِبَل اليهود: 49:11 ي؛ 12: 11- 12؛ 12:21؛ أع 4: 1ي؛ 17:5ي ؛ 9:6 ؛ 3:8؛ 13: 50 ؛ 2:14-19؛5:17-13.
وتحدّث المَرجع عن الوعد بالأجْر فقال: إفرحوا وابتهجوا. ترك الإِنجيليّ الفعل الثاني، مع أَنّه مُفْردة بيبليّة ومسيحيّة: فعل "اغالياماي ". لا نجده إلاّ في التوراة وفي نصوص تأثّرت بالتوراة. إنه يدُلّ في العهد القديم على فرح الأزمنة الأخيرة: أش12: 6؛ 25: 9؛ 35: 1- 2؛ 41: 16؛ 49: 13؛ 51: 11؛ 61: 10؛ 65: 14- 19؛ مز 96: 11- 12؛ 97: 1، 8؛ 126: 2، 5- 6. إستعاده العهد الجديد فعبّر عن البهجة أمام حدَث الخلاصي: 1: 14، 44، 47؛ 10: 21؛ أع 26:2، 46؛ 16: 34؛ يو 35:5؛ 56:8؛ عب 1: 9؛ 1 بط 1 :6، 8؛ 13:4؛ يهو 24؛ رؤ 7:19.
ترك لوقا فعل إبتهج وأحلّ محلَّه فعل "تهلَّل " (سكيرتاوو: رقص، قفز) فشدّد على المفارقة دون أن يرتبط بالكتاب المقدّس.
وزاد لوقا: "في ذلك اليوم ". قد تدلّ هذه العبارة على اليوم الإِسكاتولوجيّ العظيم (10: 12؛ 17: 31؛ 21: 34، وهنا في آ 22- 23 يُذكر ابنُ الإِنسان وُيذكر الأجرُ المهيّأ في السماء). ولكنها في الواقع تُفهَم في معنى عاديّ. نحن نقابلها مع "الآن " التي أقحمَها لوقا في السِياق فشدّد على المفارقة: حين يُضطهَد التلاميذ، عليهم في ذلك اليوم أن يفرحوا.
حين يقاسي التلاميذُ المعاملات السيّئة، يجدون نفوسهم في الوضع عينِه الذي عرفه الأنبياء القدماء الذين اعتبرهم التقليد أكبر المضطهَدين في تاريخ شعب الله (مت 23: 29- 35 وز؛ 13: 57 وز؛ لو13: 23؛ 1 تس 2: 15؛ روم 11: 3؛ عب 11: 32- 40؛ يع 5: 10؛ رؤ 11: 18؛ 6:16؛ 24:18). فإنْ قاسموهم مصيرَهم في الاضطهاد، فهم سيعرفون في النهاية سعادتهم في السماء.
وأعاد لوقا صياغة الجملة الأخيرة التي كانت مُلتبِسة: سبق الأنبياء المسيحيّين، ولكن المسيحيّين ليسوا أنبياء. إذن، هو يَذكر لا سابقي التلاميذ، بل سابقي المضطهدين وهكذا يُقحم موضوعًا عزيزًا على قلبه: فالآباء (بنو إسرائيل في الماضي) قد اضطهدوا الأنبياء (11: 47- 48؛ أع 7: 51- 52).
ويرِدُ الويل بصورة مقتضَبة. كان الإِنجيليّ قد احتفظ في التطويبة بجملة طويلة وجدها في مَرجعِه. أمّا الآن فهو يوجز كلامه حين يتحدّث عن الذين يمدحهم الناس، وُيبرز التعارض الذي يقابل خاتمة التطويبة: إن الذين يُجلّهم الناس سيكون مصيرهم كمصير الأنبياء الكذَبة.
بعد هذه الملاحظات الأدبيّة حول التطويبات والتويُّلات، نطرح سؤالاً من الوُجهة التعليميّة: لماذا زاد لوقا التويّلات (ويل) على التطويبات (طوبى، هنيئًا)؟ لماذا هذه اللوحة التي يتباين فيها الأوّلون؟ لماذا هذه التناقضات القوّية التي تجعله ينسى عدّة تذكّرات كتابيّة وُجدت في المُعطى الأوّلاني؟
5- لوقا ومثال الفقر لديه.
حين يعالج لوقا موضوع الفقر أو التجرّد، فهو يبدو جَذْريًّا ومتصلّبًا إلى حدٍّ يجعله يعزّز متطلِّبات المسيح.

أوّلاً: تناقضات تقليديّة
أعلن يسوع نفسُه بوضوح الموقفَ الأساسيّ: هناك تعارُض أساسيٌّ بين الملكوت والمال، بين التعلّق بخيرات الأرض وطلب الله.
لا يستطيع أحد أن يعبد سيّدين: الله والمال. فلا بدَّ له من أن يُبغض واحدًا من الاثنين (13:16؛ مت 6: 24). فالشابُّ الغنيّ المتعلّق بخيراته لم يستطع أن يتبع يسوع (18: 22- 23 وز). فالاهتمام بالرفاهيّة واللباس والطعام يَنفي الاستسلامَ البنويّ للعناية الإلهيّة وطلبَ الملكوت (29:12- 31؛ مت 6: 31- 32). والغنى وملذّات الحياة تخنق كلمة الله المزروعةَ في قلب الإنسان (8: 14 وز). حيث يكون كنز الإنسان، في السماء أو على الأرض، هناك يكون أيضًا قلبه (34:12؛ مت 21:6).
ليست هذه التعارضات خاصّةً بلوقا. فهي تعود إلى التقليد المشترك، وترجع أساسًا إلى يسوع نفسِه. وحين دوّن لوقا تعارضات ف 6 كان عملُه امتدادًا لخطٍّ رسمَه المعلّم.

ثانيًا: لوقا والغِنى.
غالبًا ما تندّد البيبليا (العهدُ القديم والعهد الجديد) بالغنى بسبب التجاوزات التي يجرّها وراءه: ظلم الفقراء، الغشّ، التكبّر، الكفر بالله، الفِسق والدعارة. ولكن لوقا يهاجم الغنى ويحكُم عليه، لا بسبب التجاوزات التي ترافقه وحَسْب، بل في حدّ ذاتِه.
يتفرّد لوقا فيسمّي المالَ "الظالم " (الفاسد والمنحرف، مامون الظلم، 9:16)، كأن المال هو دومًا نتاجُ الظلم. فيورد حُكم يسوع على الفرّيسيّين "أصدقاءِ الفضّة": "الرفيع عند الناس رجِسٌ عند الله " (14:16- 15). وفي مثَل الغنيّ ولعازر الفقير (خاصّ بلوقا، 19:16- 31) يصوّر التعارض بين وضعيهما: يلبَس الغنيّ الأرجوان والبَزّ ويتنعّم كلّ يوم بأفخر المآكل. أمّا الفقير فهو جائع ومضروب بالقروح. لا يقول النصّ إن الغنيّ سلبَ الفقير، إنه يتنعّم بخيرات اقتناها ظُلمًا. لا خطيئةَ له إلا تعلُّقه بغناه. ولكن من هذا الغنى تنبع لامبالاتُه المُرعبة تجاه بؤس الفقير الذي هو قريب منه. وبعد الموت انقلب التعارض. صار الغنيُّ في اللهيب وقاسى العطش. وحُمل الفقير إلى حضن إبراهيم أي إلى وليمة الملكوت (28:13- 29؛ مت 8: 11). لا يُوجَّه أيُّ لوم واضح إلى الغنيّ. فالدرس نقرأه في انقلاب الأوضاع: "نلتَ خيراتك في حياتك ولعازز أيضًا بلاياه. فهو الآن ههنا يتعزّى وأنت هناك تتعذّب ". تعارضٌ بين الغنيّ والفقير، تعارضٌ بين هذه الحياة والأُخرى. يكتفي لوقا بتصوير التعارض دون أن يعلن تقييمًا أخلاقيًّا: فالمال مذموم في حدِّ ذاته.
ويتفرّد لوقا بإيراد مثَل الغنيّ الجاهل (16:12- 21). ملاَّك كبير أغلَّت أرضه غلاّتٍ كثيرة، فأخذ يتلذّذ في فكره بخيراتٍ يكدّسها، وحياةٍ يتنعّم بها ولا يخشى الغد: "يا نفسي، إنّ لك ههنا خيراتٍ كثيرة مدَّخرة لسنين كثيرة. فاستريحي وكُلي واشربي وتنعّمي ". هو لا يستعمل ماله من أجل الشرّ، بل يخطِّط للتنعّم به. ولكنه لا يتوق إلى شيء آخر. هو يضع ثقته في ماله وكأنه خير مُطلَق وكأنه قيمة نهائيّة. ويأتي المنعطَف الحَرِج، تأتي ساعةُ الموت. فيختتم لوقا كلامه: "لا ندخّر إلاَّ من أجل الله " (آ 21)، فالملكوت وحدَه هو الخير الحقيقيّ (آ 31).
إن الغنى يولّد لا محالةَ اهتمامًا يحصُر الإِنسان في هذه الأرض، يميل به عن القريب، عن الآخرة، عن الملكوت، عن الله. الويلُ للأغنياء.

ثالثًا: لوقا والفقر. 
إذا أردت أن تستعمل مالك استعمالاً صالحًا فأَعطِه. هذه هي نظرة لوقا. والوكيل الخائن (العديم الاستقامة) تعلّم كيف يستعمل المال ليربح أصدقاءَ فيستقبلونه في المَظالّ الأبديّة، في الآخرة (16: 9).
ويجب خصوصًا إن نتجرّد من المال تجرّدًا حقًّا. نُعين المحتاجين، ونعطي الفقراء الذين لا يستطيعون أن يعاملونا بالمِثل (6: 30، 35؛ 11: 41؛ 14: 14؛ 8:19). نتحرّر من المال، ونكون فقراءَ حقًّا لنتبع المسيح. ليس مثال الفقر عند لوقا تجرّدًا باطنيًّا وحَسْب (الفقر بالروح)، بل تجرُّدٌ فعليٌّ وكاملٌ . في هذا المجال يعبّر الإِنجيليّ الثالث عن فكره بطريقة جَذريّة فيدعَمُ متطلّبات المسيح بكلمة أو بعبارة.
وفي حدَث الشابّ الغنيّ، جعل لوقا جوابَ يسوع لا في جملة شرطيّة ("إن شئت " كما في متّى) بل في جملة جازمة (كما عند مرقس): "يُعوزك بعد شيء. بِعْ كلّ ما لك ووزّعه على المساكين ". لقد زاد لوقا لفظة صغيرة: "كلّ " (22:18) فدلّ على عُمق التجرّد.
أورد متّى نصيحة يسوع: "من يسألْك فأَعطه ". فشدّد لو 6: 30: "كلُّ من سألك أَعطه " (أعطِه كلَّ مرّة يسألك).
وكتب مت 6: 19- 20: "لا تكدّسوا لكم كنوزًا على الأرض، بل اكنُزوا لكم كنوزًا في السماء" (لا يحدّد متّى الطريقة). أما لو 33:12 فقال "بيعوا ما تَملك أيديكم وأعطوا صدقة. اصطنعوا لكم أكياسًا لا تفنى وكنزًا في السماوات لا ينفد".
ونقرأ خبر دعوة بطرس وأندراوس. ناداهما يسوع فتركا شباكهما وتبعاه. هذا ما قاله متّى ومرقس. أمّا لوقا فكتب: "تركوا كلّ شيء وتبعوه " (11:5). تحدّث متّى ومرقس عن لاوي حين دعاه الربّ فقالا: "قام فتبعه ". أمّا لوقا فشدّد قائلاً: "ترك كلّ شيء وتبعه " (28:5).
وفي 11: 41 و 33:14 أقحم لوقا بالقوة الدعوةَ آلى التجرّد الكامل وإلى الصدقة. وعلى الفقراء أنفسِهم أن يُعطوا من القليل الذي يملكون. فالذي يملك فقط ثوبَين، "يعطي من ليس له " (3: 11. خاصّ بلوقا). وفَلسُ الأرملة هو موضوع مديح من قِبَل يسوع: "إن هذه المرأة الفقيرة قد أعطت كلّ ما تملك " (4:21).
وفي بداية سفر الأعمال ترسُم الإجمالات (2: 44- 45؛ 4: 34- 35) صورةً مثاليّة عن زمن الاندفاع الروحيّ الذي فيه تخلّى المؤمنون الأوّلون عن كلّ ما يملكون، وجعلوه مشتركًا ووزّعوه. في هذه الإجمالات التدوينيّة التي لا يرتبط فيها لوقا بمَراجعه، فهو يتكلّم من غنى قلبه، فيبسّط الواقع ويعبّر عن مثاله الخاصّ وعن طريقته الخاصة في تصوّر مسيحيّةٍ لا انقسامَ فيها في الفقر الإراديّ وفي المشاركة الأخويّة، في الابتهاج الروحيّ ورجاءِ الملكوت، في شفّافيّة المحَبّة. 

رابعًا: لوقا ونظرة الناس.
إذا أردنا أن نلقي الضوء على التطويبة الرابعة، نتذكّر أنّ لوقا يهتمّ بصيت الناس، بالاعتبار الذي نحيطهم به، بعلامات الاحترام التي نظهرها لهم.
تحدّث متّى ومرقس عن المقتدِرين الذين يجعلون الناس يحسّون بتسلّطهم. فزاد لوقا لقبًا مطريًا يطالبون به: أوارجاتيس (محسنون) (22: 25). وأورد لوقا وحدَه مثلَ الذين يختارون المقاعد الأولى أو الأخيرة في الولائم (14: 7- 11). إنه يهتمّ بالعظمة أو المجد (آ 10)، أو بالخجل (آ 9) الذي يحسّ به المدعوّ أمام الناس. وفي مكان آخر يلاحظ "خجل " الإنسان الذي يُجبر على التسوّل (3:16). وفي سفر الأعمال، يشدّد مطوَّلاً على الصيت الذي يتمتّع به الأشخاص الذين يتكلّم عنهم (أع 34:5، جملائيل؛ 3:6؛ 10: 22، كورنيليوس، 16: 1- 2، 22: 12).
هذا الشعور الخاصّ لدى لوقا يفسّر تأثّره بالاحتقار أو التعيير الذي يصيب المسيحيّين، كما تتحرّك مشاعره أمام فقرهم المُدْقع. ومع ذلك، هذا هو مثال التلاميذ على هذه الأرض: أن يطلبوا المقعدَ الأخير، أن يفرحوا في الاتّضاع. ففي هذا العالم يتوجّه المديح والكرامةُ إلى الأغنياء وحدَهم (رج يع 2: 1- 4).

6- تعليم لوقا
إن هذا الإِطار اللوقاويّ الواسع يلقي ضوءًا ساطعًا على التطويبات والتويُّلات. فقساوة التعارضات ترتبط بمتطلبة لوقا الجَذريّة، فيما يخصّ الفقرَ والغنى. فالمستوى الإجتماعيّ الذي يقف فيه يعكس مثالَه بتجرّدٍ فعليّ وفقر حقيقيّ. وانتظار الملكَوت في الآخرة يقابل لاهوتَه حول الزمن المتوسّط الذي هو الآنَ زمنُ الكنيسة. فتبدُّل الأوضاع يصوّر تبدّلَ القِيَم الذي أدخله وحي المسيح إلى العالم.
أعلن التعليم الأولاّنيّ مجيء المسيح للفقراء الذين هم أخصّاء الله. وأعاد لوقا كتابة التطويبات على ضوء خبرة مسيحيّة اختبرها. وحين تذكّر الفقراء والمذلولين فكّر خصوصًا بتلاميذ أيّام الكنيسة الأولى، فكِّر بالذين عاشوا بطريقة بطوليّة الفقرَ من أجل المسيح. هذه الخبرة التي عاشها بقيادة الروح، رسَمت له بوضوح طريق المعلّم.
وحين أعلن يسوع أن وضعَ الفقراء يستحقّ التطويب، أسمعنا نداءً متضمّنًا حتّى نأخذ بهذه الطريق بإرادتنا، إمّا في تجرّد باطنيّ (كما في متّى) وإمّا في تخَلٍّ فعليّ عن كلّ شيء. وقد تألّفت الجماعات المسيحيّة الأولى من تلاميذ ارتضَوا بإرادتهم بالفقر مع كل نتائجه: الجوعِ وكلِّ أنواعِ الحِرمان، الشقاءِ والدموع، التعيير والاحتقار. وهكذا حقّق هؤلاء الناس بطريقة ملموسة رجاء الملكوت في تَخَلًَ جَذريّ عن خيرات الأرض، في إيمان مجرَّد بمواعيد المسيح، في فرح روحيّ وتعلّق بالقِيَم العُلويّة وحدَها.
لقد تقبّل لوقا هذا التفسير الخاصّ للإِنجيل كما أعلنه يسوع وأعاد تدوينه حسب نفسيّته الخاصّة. فالفقر الإراديّ بدَا في أوّل عهد المسيحيّة كمثال حياة قاسٍ، ولكنّه مثالٌ يحرّك النفوس. ولقد تأثّر لوقا بهذا المثال وقلْبُه يتعلّق بالمُطلَق. 
وحين نشرح التطويبات لا نكتفي بأن نقول إنّ لوقا حنّ على شقاء البشر وأخذ بإشعاع المحبة المسيحيّة، وتشكّك من قساوة قلب الأغنياء. إنه أدرك بصورة عميقة تساميَ خيرات الملكوت، فخاف من كلّ ما يقسم قلب الإنسان بين قِيَم الآخرة ومنافعِ الأرض، بين الله ومامون (أي المال). فعلى المسيحَيّ أن يختار بقلب كامل وغير منقسم، أن لا يطلب إلا خيراتِ العلاء، أن يتخلّى عن كلّ شيء ليتبع المسيح، أن لا يعطي قلبه إلا لله.
هذا هو النداء الذي يوجّهه إلينا لوقا الآن: أن لا نطلب إلا الملكوت في الفقر الإراديّ، أن نتخلّى عن كلّ شيء من أجل المسيح.

الفصل الخامس والثلاثون
التعليم الجديد
6: 27- 38؛ مت 5: 38- 48

يسوع نبيّ عظيم بأقواله وأعماله. هذا ما اختبره تلميذا عمّاوس وتحدثا به مع رفيقهما في الطريق (24: 19). وهذا ما سنتعرّف إليه الآن مع الرسل الإِثني عشر الذين تمّ اختيارهم. سنتعرّف أولاً إلى تعليم جديد يختلف عمّا قاله الكتبة كلّ الاختلاف، وهو يشدّد لا على الشريعة نكمّلها، بل على الرحمة نعيشها على مثال الآب السماويّ الذي هو رحوم.
أورد متّى "عظة الجبل " (ف 5- 7) ولوقا "عظة السهل ". يرينا متّى في 5: 17- 48 أن "البر الأكبر" المطلوب من التلاميذ يقوم أساسًا على الحبّ، هذا الحبّ الذي يجد كماله في محبّة الأعداء. ويعارض في ست نقائض بشارة يسوع الجديدة مع شريعة العهد القديم. أما لوقا فلا يتكلّم عن هذا الاختلاف في النظرة إلى الله حسب الشريعة وحسب المسيح. ولا يقول للتلاميذ إن عليهم أن يتجاوزوا الفرائض التي وضعها الأقدمون، أو إن تتميم إرادة الله يجب أن يكون أكبر من برّ الفرّيسيّين. ففي كنيسة تحدرت من الشريعة اليهوديّة، صارت وصيّة المحبّة التي أعلنها يسوع، صارت شرعة التلاميذ الجديدة. لا حاجة بعد اليوم إلى جدال حول الشريعة القديمة، لهذا ترك لوقا كل الاستشهادات التي نجدها عند متّى وراح مباشرة إلى الجوهر. قال مت 43:5: "سمعتم أنه قيل: أحبّ قريبك وأبغض عدوّك، أما أنا فأقول لكم: أحبّوا أعداءكم وصلّوا لأجل الذين يضطهدونكم ". ترك لوقا نصّ العهد القديم وقال مباشرة: "ولكني أقول لكم أيها السامعون: أحبوا أعداءكم وأحسنوا إلى مبغضيكم. باركوا لاعنيكم وصلّوا لأجل الذين يفترون عليكم " (6: 27- 28). ثم يعود لوآ 32- 33 إلى مت 5: 46- 47.
إن ما نقرأه في لو 20:6- 49 هو ثلث ما في متى، وإن نحن تفحّصنا النصّ تفحّصًا أدبيًّا نجد أن لوقا لا ينقل متّى. فالنسختان تعودان إلى مرجع واحد، وكل منهما استعمله في خط إنجيله. لا شكَّ في إن متِّى اهتمّ بنقل كلام المعلم، ولكنه دوّنه في أسلوب "خطبة عن الشريعة". أما لوقا فاحتفظ بإعلان يسوع النبويّ في أنقى مظاهره. إن تسلسل الأفكار عند لوقا بسيط وهو يربطنا بأثمن وأقدم ما في التقليد.
يبدأ هذا التعليم الجديد بالتطويبات والتوّيلات (ويل، ويل)، بخطبة تعني الذين يريدون أن يتبعوا يسوع. الخلاص (السعادة) هو للفقراء والويل (التعاسة) للأغنياء. بعد هذا نعود إلى القسم الجوهريّ من خطبة السهل في لوقا، وهو لا يتكلّم إلا عن المحبة. المحبّة لا تردّ على الشرّ بالشر، بل تردّ على الشرّ بالخير (27:6 - 31). لا تستند المحبّة إلى التبادل، ولا فضل لنا إن أحببنا من يحبنا (32:6- 34)، بل هي مستعدّة لأن تعمل الخير في كلّ حال، لأن تغفر، لأن تعطي دون أن تنتظر من يردّ لها العطاء (آ 35-38).

1- أَحبّوا أعداءكم (آ 27- 28).
إن الأغنياء الذين توجَّه إليهم "الويل " ليسوا هنا. فالتفت يسوع من جديد الى تلاميذه الحاضرين هنا أمامه، ونحن أيضًا الذين نسمعه. حدّثهم بكل عظمته: "أمّا أنتم فأقول لكم ". كلامه بلاغ آتٍ من عند الله، وهو يتكلّم كمن له سلطان، لا مِثل معلّمي الشريعة والفرّيسيين (مت 29:7). لقد أعاد يسوع الشريعة كلّها، لقد أعاد "البر" الذي هو إتمام إرادة الله، إلى وصية المحبة: "أحب الربّ إلهك من كل قلبك، كل نفسك وكل قدرتك وكل فكرك، وأحب قريبكُ مثلما تحب نفسكِ " (27:10). إنّ الطّريق الى محبة الله بكل القلب قد تحررت بعد التطويبات والتويلات، فلم يبقَ من حديث إلاّ حديث محبة القريب..
نحن هنا أمام فداء يتوجّه إلى "الذين يسمعون يسوع " لكي يتركوا محبة الله (ورحمته) تفعل في داخلهم. قدّم إلينا متّى نقائض تبرز "البر" الجديد الذي يعيشه المؤمنون الجدد. أما لوقا فلم يحتفظ إلاَّ بالنقيضة الأخيرة المتعلّقة بمحبة الأعداء في خط أم 25: 21: "إن جاع عدوّك (من يبغضك) فاطعمه خبراً، وإن عطش فاسقه ماءً، فإن فعلت هذا تركم على هامته جمرًا والربّ يكافئك ". وذكرنا لوقا أيضًا بأن لا نقاوم من يطالبنا.
نقرأ عند متّى: "سمعتم أنّه قيل ". هذا يعني بكلام واضح: قال الله لكم (رج روم 9: 12- تك 23:25؛ روم 9: 25= هو 2: 25). قال، أمّا أنا فأقول: من يقدر أن يبدّل شريعة الله إلاَّ الله نفسه؟! وقال متى: سمعتم. هذا يدلّ على قراءة الشريعة في المجمع. فهذه الشريعة المقدّسة والتي لا تمس، التي يحيط بها مجدُ سيناء ومعجزات الخروج، هذه الشريعة واجهها يسوع: "أمّا أنا فأقول لكم ". لو وصلتنا آراء الربانيين لقالوا إنّه يجدف. ولكن ما يعتبره اليهود تجديفًا هو خدمة الدعوة المسيحانية. إنّه موسى الجديد الذي يؤسس نظامًا جديدًا ويقدّم شريعةً جديدةً تُلغي ما في القديمة من عتيق.
ما يطلب منّا المسيح هو محبّة القريب. قال لا 18:19: "أحبب قريبك كنفسك". كانت وصيّة بين سائر الوصايا، فعزلها يسوع ورفعها فوق كل وصايا الشريعة ليعطيها الأهميّة الأولى. وفسّرها تفسيرًا جديدًا. ليس القريب فقط إبن الأسرة أو القبيلة أو البلدة أو الدّين. القريب هو كل انسان، حتّى من نحسبه عدوًّا. وإنطلاقًا من هذا التفسير الجذري للمحبة، ستُبنى أخلاقيات الشرعة الجديدة.
"أعداؤكم " هم أعداء مجموعة التلاميذ، الذين يفترون عليهم، يسيئون إليهم، يضطهدونهم. إنّهم أعداء كل تلميذ. فأنا أفكر بصورة خاصة بعدوّي الذي أساء إليّ. ومع ذلك، يطلب يسوع منّا أن نحبّهم. ولكن، هل يأتي الحب بصورة آلية "بكبسة زر"؟ هل تأتي العاطفة. بمجرّد أمر أُصدر إلينا؟ هل نستطيع أن نقتني بكل بساطة العاطفة التي تجتذبنا إلى القريب؟ ما يطلبه يسوع هو أن نحسن (نعمل الخير)، نبارك (ولا نعلن)، نصلّي (ونتشفّع) من أجل الذي يبغضنا ويلعننا ويسيء إلينا.
لا يقوم حبّ القريب فقط بأن نغفر لمن ظلمنا. لا يتحدّث يسوع هنا عن الغفران، فالغفران أمر مفروغ منه. فالتلاميذ لا يغفرون فقط، بل يفعلون كل ما يعود بالخير إلى العدوّ. يردّ التلميذ على البغض بعمل الخير، وعلى اللعنة بالمباركة، وعلى المعاملة السيئة بالصلاة.
إنّ الذي يحبّ عدوّه لا يجعل نفسه فقط في خدمة هذا العدوّ بالخير الذي يصنعه له، بل يجنّد الله طالبًا منه أن يفعل ما لا يقدر أن يحقّقه بنفسه لعدوّه. لن يبقى في قلبنا موضع إلاَّ واجتاحته المحبّة من أجل أعدائنا: العمل المنظور، الرغبات، الكلمات، القلب الذي هو مركز الصلاة.

2- من ضربك على خدّك (آ 29- 30).
قدّم متّى (38:5) شريعة المِثل: من أخذ لك حياتك (نفسًا تخصّك) تأخذ له حياته، ومن أخذ لك عينك تأخذ له عينه وهكذا تتم المساواة في الأذى علي ما قالت شرعة حمورابي (القرن التاسع عشر ق. م.) وشرعة العهد: "نفس بنفس (اي: حياة)، عين بعين، سن بسن، يد بيد، رجل برجل، كيّ بكي، جرح بجرح، رض برضّ " (خر23:21- 25؛ رج لا 24: 20). ثم يقول لنا متى مبدأ عامًّا: "لا تقاوموا الشرّير" ويقدّم لنا ثلاثة تطبيقات عملية: "من ضربك.... من أخذ ثوبك... من سخّرك ميلاً" وينهي كلامه بتعليمة إيجابية: من طلب أعطه. تبع لوقا ما نجده عند متّى. ولكنه بدّل ما قاله متى في التطبيق العملي الثاني. ذكر متّى القميص ثمّ الرداء. ولكن الرداء يؤخذ قبل القميص، وهو يُلبس فوق القميص.
هنا نجد تدرّجًا على مستوى الغفران. طالب لامك في نشيده بالانتقام سبعين مرّة (تك 23:4- 24). أمَّا شريعة المِثل فسمحت بالانتقام مرّة واحدة. طلبت خطبة الجبل أن لا نقاوم الشرير. أما الخطبة الكنسية فأمرت التلاميذ أن يغفروا سبعين مرّة سبع مرات (مت 18: 21- 22). مقياس الانتقام إِنقلب فصار مقياس الغفران.
بدّل لوقا بعض الشيء بالنسبة إلى متّى. حدثنا متى (46:5- 47) عن الأعداء التقليديين لليهودي التقي: العشّارون والوثنيّون. أمّا لوقا فوسع مدلول العدو إلى كلّ من يسيء إلينا، من يهاجمنا شخصيًّا أو يحاول أن يستولي على أملاكنا. إذن، العدو هو كل من يمس ما يخصّنا أكان صيتنا أم جسمنا أم ثوبنا أم مالنا.
حبّ الأعداء أمر صعب: ندافع عن نفوسنا ضد الظلم، نريد أن ننتقم من الذي أساء إلينا. نريد أن نضع حدًّا للشر برَدّ قاس: عملتُ لك ما عملتَه لي. أخذت لي عيني فأخذت لك عينك (رج مت 5: 38).
طلب منّا يسوع أن لا نردّ على الشرّ بالشرّ، بل أن لا نقاوم الشرّ. هذه المبادئ تسري فيما يخص الظلامة الشخصيّة التي أصابتنا (من ضربك على خدّك)، كما تسري على ما يخص أملاكنا (من أخذ الرداء).
ويفرح تلميذ يسوع بأن يعطي عطاءً لا حدود له، ولا يضاهيه فرح: "كل من يطلب منك (شيئًا) فأعطه (إياه) " دون أن تنظر إلى بلده أو معتقداته أو آرائه الشخصيّة ومواقفه السياسية وكرامته (غني أو فقير، متعلّم أو أمّي). اعطِ، أعطِ دومًا. ويذهب يسوع أبعد من ذلك: الملك الخاص الذي أُخذ بالقوة أو الحيلة، لا تطالب به. من مُني بخسارة لا يحاول أن يدافع عن نفسه أو يستعيض ما هو له. ولكن، إلى أين نحن ذاهبون ان حلّ الظلم محل العدل؟
هل نستطيع أن نستمع بهدوء إلى متطلّبات يسوع هذه؟ هناك ثورة في داخلنا، هناك إعتراضات عميقة. كيف يتخلّى الشخص البشري عن حقوقه؟ بهذه الطريقة نفتح الباب أمام هجمة الشر ونشجّع أحقر الغرائز بين البشر! 
الأمثلة التي أعطاها يسوع مدهشة وهي تستعمل أسلوب المفارقة، لأن النّاس يتصرّفون في الواقع بين بعضهم حسب قواعد مختلفة كل الإختلاف. وهذه الأمثلة تبيّن لنا إلى أي حد يعاكس سلوك البشر العادي إرادة الله. فعلى ملكوت الله أن يمسك بهم لكي يحوّلهم. نظن أن الشر يُدمّر إن نحن قاومناه، إن رددنا على الشر بالشر. ولكن يسوع يعلن أننا نغلب الشر بالخير، نتجاوزه بعمل الخير. جاءنا يسوع بملكوت الله، وبالخير الذي ينتشر في هذا الملكوت تتثبت غلبة الخير على الشر.
طريقة يسوع في التعبير عن فكرته مليئة بالصور وهي قاسية. إنه يريد أن يزرع فينا القلق (لا طمأنينة النعام)، أن نحس بوخز الضمير. يريد أن يوقظنا من سباتنا، أن يحرّك خمولنا، أن يدفعنا إلى التوبة. والأمثلة التي أعطاها تدل على موقف يريد أن ينشره. هو لا يقدم لنا مقالاً أخلاقيًّا مع أداة الشرط (اذا...) أو الاستدراك (ولكن). لم يُرد بكلامه أن يحدد تشريعًا جديدًا يتضمن أربعة بنود: أوّلاً، من ضربك على خدك، ثانيًا: من أراد أن يأخذ رداءك... ان قلنا هكذا لم نفهم معنى كلمات يسوع. هذه الأمثلة هي تحقيقات نموذجيّة لموقف أساسي. وما يريده يسوع منّا هو هذا الموقف. فعلى التلميذ أن يترجمه في تفكيره ويحقّقه في أعماله عبر ظروف حياته الملموسة.

3- القاعدة الذهبية (آ 31)
كيف نترجم محبة الأعداء بالأعمال؟ ما الذي يجب أن اعمل من أجل قريبي، من أجل عدوّي؟ لقد تكلّم معلّمو الحكمة في كل مكان، لدى اليهود ولدى الوثنيين، وأوصلت إلينا التوراة اليهودية القاعدة الذهبيّة.
أوردها متّى (7: 12) كملخَّص للشريعة والأنبياء، وكخاتمة للإلتزام من أجل البر في الملكوت. إنّها قاعدة التضامن البشري التي أعطاها طوبيط الشيخ لإِبنه: "ما لا تريده لنفسك، لا تفعله لأحد غيرك " (طو 15:4). ونقرأ في سي 21: 15: "إفهم ما عند القريب مما عندك " أو: "احكم على (شعور) القريب انطلاقًا من نفسك ". وأعلن رابي هلال قولاً مأثورًا مشابهًا لهذا القول: "ما لا تحبّه لا تفعله لقريبك. هذه هي الشريعة كلّها وما تبقى شروح وتفاسير". 
وعرفت الحكمة اليونانية (هيرودوتس، ايسوكرتس) هذه القاعدة منذ زمن بعيد. وقد عبَّر عنها الرواقيون بالعبارة التالية: "ما لا تريد ان يُفعل لك، لا تفعله لأحد غيرك،. إن الإِنسان يحمل في ذاته كتاب الشريعة والعودة الى مواقفه ليحكم على مواقف الآخرين. فرغباته وحاجاته تعلّمه كيف يتصرف مع القريب. 
ولكن وردت هذه القاعدة مرارًا في صيغة سلبية. فاستعادها يسوع وأعطاها شكلاً جديدًا. أعطى الآخرون قاعدة تدعونا إن لا نعمل ما يزعج القريب. أمّا يسوع فطلب منّا أن نعمل ما يرضي القريب، بل العدو، ما يُفرح الآخرين. هذا هو الفرق الشاسع بين ما قاله الأقدمون وما قاله يسوع: لا نمتنع عن الشرّ وحسب، بل نفعل الخير. فتلميذ يسوع لا يكتفي بأن لا يعمل، بل هو يعمل كل الخير الذي باستطاعته. حبُّنا لنفسنا هو القاعدة والمقياس لحبّنا للقريب: "أحبب قريبك كنفسك ". ولكننا سنرى فيما بعد ان مقياس محبّتنا للقريب هو محبّة الله لنا: "أحبّوا بعضكم بعضًا كما أنا أحببتكم " (يو 34:13). 

4- إن أحببتم من يحبّكم (آ 32- 36).
قدّم يسوع لنا الآية الذهبية فكشف كنوز الانفتاح والرحمة التي جعلها الله في القلب البشري. يبقى علينا أن نتقبّلها، ان ننفتح على الآخرين ونقبلهم ونعاملهم بالرحمة، وهكذا تتجلّى "النعمة" والحنان في المجتمع وتتحوّل العلاقات بيننا وبين الآخرين.
ثم يُوضح لوقا الموقف المطلوب، ويقابله بالموقف الذي يقفه "الخطأة". ما يميّز سامع الكلمة من الذي لا يسمعها، هو أن الأول ينال قوة بأن يتجاوز مستوى التبادل في الحبّ البشري الطبيعي، ويعيش هذا التجاوز كنعمة ظاهرة في حياته. إنّه ضعيف، إنّه عاجز ولكن الله يَغمره بعطاياه، ولهذا فهو يشهد بحياته لمجانية الله: "هو لا ينتظر شيئًا مقابل ما عمل " (آ 35). كانت الشريعة اليهودية قد قالت: "إن رقّت حال أخيك وقصرت يده عندك (أي: عن دفع ديونه لك) (فلا تطالبه) بل اعضده (اسنده) وليعش معك كغريب وضيف نازل في بيتك، وهكذا يكون كأخيك (رج لا 33:19- 34). لا تأخذ منه ربى ولا ربحًا، وهكذا تدل على مخافتك لله وتسمح لأخيك أن يعيش في جوارك ". (لا 35:25- 36). 
هذا ما طلبته الشريعة من اليهودي حيال أخيه اليهودي الذي يقيم معه. ولكن يسوع طلبه من كل إنسان. ففي النهاية ما يؤسس الموقف الذي فيه نقبل الجميع هو موقف العلي نفسه. ففي هذه السنة التي يقبلنا فيها (رج 19:4)، يمنحنا ان نحيا كابناء. قال سي 8:4- 11: "املٍ اذنك الى الفقير ورد عليه تحيته بوداعة. أنقذ المظلوم من يد الظالم ولا تكن جبانًا حين تصدر الحكم. كن أبا لليتامى، وبمنزلة رجل لأمهم. هكذا تكون ابن العلي الذي يحبّك أكثر من أمّك".
ويمنحنا الله أيضًا أن نحبّ حيث يبدو الحبّ مستحيلاً: فهو صالح لناكري الجميل، للذين لا يستحقون النعمة (اخاريستوي= بدون رحمة. رج 2 تم 3: 2). هو صالح للأشرار (بونيروي) أي التعبون والمتعَبون.
هذا هو الأجر العظيم الذي أُعلن عنه في آ 23، للذين يبغضهم الناس بسبب شهادتهم من أجل إبن الانسان: لقد عاشوا التطويبات فانفتحوا على رحمة الآب (آ 36). لا بد من الدخول في صيرورة، أي أن نصير شبيهين بالآب الرحيم، نصير على صورته. ونكون صادقين في تشبهنا به إن أحببنا أعداءنا متجاوزين قاعدة التبادل التي تطبع العلاقات بين البشر.
في العهد القديم كان المؤمن يصلِّي ضد عدوّه. يقول مز 13:17 بلسان إنسان بريء: "قم يا الله، قاومه، إصرعه. نجِ نفسي من المنافق بسيفك " (رج مز 4:48؛ 23:69- 29). أما في الشريعة الجديدة فيجب أن نصلّي من أجلهم. وحجة المؤمنين هي إقتداء بمحبة الآب السماوي الشاملة. كتب لوقا: انتم أيّها السامعون، ففكّر بقرائه وأوَّن لهم كلمة يسوع كما فعل بالنسبة إلى التطويبات.
في آ 32- 33 كان لوقا قريبًا من مت 5 :46- 47، ولكنّه تجنّب ذكر الوثنيين لأنه يكتب إليهم. قال مت 5: 47: "إن كنتم لا تسلّمون إلاَّ على أصدقائكم، فأي شيء غريب عملتم، أما يعمل الوثنيون هذا"؟ أمّا لوقا فتحدّث عن الخاطئين. "إن أحسنتم إلى المحسنين إليكم فأي فضل لكم؟ لأن الخاطئين أنفسهم يعملون هذا" (آ 33). وتحدّث متّى عن "الأجر" وهي كلمة معروفة في اللاهوت اليهودي. أمّا لوقا فاستعمل كلمة "خاريس" (نعمة)، التي تعني الجمال والعطية والفضل، والتي يعرفها اليونانيون ويحبّونها. وأخيرًا، حوَّل لوقا سؤال مت 46:5 ج (أما يعمل العشّارون هذا؟) و5 :47 ج (أما يعمل الوثنيون هذا؟) الى تأكيد ليجعل النصّ واضحًا قال: "الخاطئون أنفسهم يقرضون الخاطئين " (آ 34).
وُينهي متّى كلامه: "كونوا كاملين كما أن أباكم السماوي كامل هو" (مت 5 :48). يستلهم هذا القول لا 2:19: "كونوا قدّيسين لأني أنا قدوس ". حدّثنا متّى عن الكمال (رج 19: 21: قال يسوع للشاب الغني: إن شئت أن تكون كاملاً)، ولوقا عن الرحمة التي هي عزيزة على قلبه (رج 37:10 ومثل السامري الصالح الذي عامل الجريح بالرحمة).
أعطى متّى مثلين عن المحبّة (46:5) والتحيّة (آ 47). أمّا لوقا فأعطى ثلاثة أمثلة: عن المحبّة (آ 32)، عن الخير (آ 33 (وعن العطاء (آ 34). ثمّ عاد فتحدّث عن محبّة الأعداء، عن محبّة الجميع على مثال الآب السماوي (آ 35). 
على تلاميذ يسوع أن يتمّوا إرادة الله تتميمًا كاملاً وجذريًا. هم لا يستطيعون أن يعيشوا عيش الخاطئين (أي: البعيدين عن الله وعن وصاياه). إنّهم ملح الأرض والنّور على الجبل (مت 13:5 ي). لهذا لن تكون محبّتهم مبنيّة على التبادل: أحبّك حتى تحبّني، أُعطيك حتى تعطيني! إن لم يحبّوا إلاَّ الذين يعبّرون لهم عن محبّتهم، فليسوا أفضل من الخاطئين. عليهم أن يحبّوا حتى الذين لا يقدرون أن يردّوا لهم المحبّة. عليهم أن يحبّوا لأن تلك هي إرادة الله. قال يسوع في مت 3:6- 4: "إذا أحسنت إلى أحد فلا تجعل شمالك تعرف ما تفعله يمينك، حتى يكون إحسانك في الخفية وأبوك الذي يرى في الخفية هو يكافئك ". وقال يسوع لرجل دعاه في لو 12:14 ي: "إذا أقمت وليمة، فلا تدعُ إليها أصدقاءك، بل أدعُ الفقراء والمشوهين... هم لا يقدرون أن يكافئوك، فيكافئك الله في قيامة الأبرار".
ونترجم الحبّ بالخير الذي نعمله: نعطي، نقرض... فالذي يحب نجده في كل موضع فيه شقاء. فالحب الذي يحدّثنا عنه يسوع هو حبّ فاعل. "لا تكن محبّتنا بالكلام أو باللسان، بل بالعمل والحق " (1 يو 18:3).
ويعد يسوع بالمكافأة لهذا الحبّ. يتعرّف الله إلى أعمال الانسان ويدل على رضاه ويعطي نعمته.
"أعطوا غير راجين شيئًا". هذه هي علامة محبّة التلاميذ. لا عرفان جميل من قبل الناس، لا مديح، لا عطاء في المقابل. لا يتوافق الحبّ مع الحسابات. إنّه ينبع من أعمق أعماق الانسان وينتشر. فحين يعطي التلميذ قرضًا فهو لا ينتظر أن يستعيد قرضه، بل يريد أن يساعد.
والتلميذ الذي يتم وصية محبة الأعداء ينال أجرًا كبيرًا. يُدعى إبن العلي على مثال يسوع نفسه (32:1). يشارك يسوع في بنوّته وفي سلطانه.
وليست البنوّة الالهيّة واقعًا سننتظره في نهاية الأزمنة. إنّها تعطى لنا يوم نحب أعداءنا حبُّا حقيقيًّا. فبالحبّ المتجرّد، بالحبّ الذي لا يتأسس على التبادل، يصبح التلميذ شبيهًا بالله.
"كونوا رحماء كما أن أباكم رحوم " (آ 36). فالرحوم هو الذي يتأثّر بشقاء البشر، ينفتح على ضيق الآخرين وتعاستهم، يساعد كل الذين حنت ظهورَهم المصائب.
يعلن يسوع أن الله رحوم. ثمّ إن ملكوت الله يبدأ بالرحمة في إنجيل لوقا، يحدّثنا عن حريّة للاسرى، ونور للعميان، وخلاص للمظلومين. فيسوع الذي أرسله الله ليعلن زمن الخلاص، بل ليحمل زمن الخلاص هذا، يجول أرض فلسطين وهو يعمل الخير. يغفر الخطايا ويهتم بالخاطئين، ويتكلّم عن فرح الآب السماوي.
وتُعلِّم رحمةُ الآب التلاميذَ ما عليهم أن يفعلوا ليتشبّهوا بهذه الرحمة. يقول التقليد اليهودي: "كما أنّ الله ألبس العراة (تك 3: 21) ألبس أنت العراة مثله. كما ان الله زار المرضى (تك 18: 1) زُرْ أنت المرضى مثله. كما أن الله سُمي الرَحوم والحنون، كن رحومًا وحنونًا واعطِ كلَّ واحد ولا تنتظر جزاء. سمي الله الصالح، فكن أنت صالحًا".
للحبّ مقياسان بهما يقيس الانسان موقفه الملموس ويختبر صدقه: رغبة قلبه العميقة (أحبب قريبك كنفسك) ورحمة الآب السماوي. وهذان المقياسان هما في الواقع مقياس واحد. فالتلميذ هو إبن الله، إنّه صورة الله. وشموع يعيد صورة الله إلى الانسان لانّه جاء يعلن ملك العلي الذي هو الآب الرحوم.

5- لا تدينوا (آ 37- 38).
ندين شخصًا حين نحكم عليه. هكذا دان الفرّيسي المرأة الخاطئة (37:7). قال متّى: "لا تدينوا" (مت 7: 1) فعمل لوقا مثله ولكنّه زاد عبارة مشابهة: لا تحكموا على أحد. لا تدينوا لئلا تُدانوا. إن المجهول اللاشخصي يمنعنا من إستعمالِ الاسم الالهي. لا تدينوا أحد وتحكموا عليه، فلا يدينكم الله ويحكم عليكم. إذًا، لسنا أمام تبادل بين البشر: من يدين الناس يدينه الناس.
وهنا يبدو نص متّى قريبًا من الدينونة الأخيرة (مت 25: 31- 46) "عندما يجلس إبن الانسان على عرش مجده وتُجمَع لديه كل الامم ".
أمّا نص لوقا فيتوجّه نحو المحبة الاخوية التي هي إحدى الاهتمامات الرئيسية في الانجيل الثالث. أجل، إن آ 37- 38 تدلاّننا كيف نعيش المحبّة بصورة عملية كنعمة مشابهة لرحمة الله. لسنا هنا أمام تبادل وإن يكن التعبير واردًا بشكل تبادل. في الواقع، إنّه يدل على دينامية رحمة الله التي تدعونا إلى الدخول بحرية في عالم لا دينونة فيه على أحد، لا حُكمَ فيه على أحد، على عالم الصفح والغفران.
لا يكلّمنا يسوع عن الجواب المناسب إلى الذي يحبّنا أو يحسن إلينا (آ 32 - 34)، بل يشدد على المبادرة تجاه الذين لا يحبّوننا. أولاً، بطريقة سلبية: لا تدينوا، لا تحكموا (آ 37 أب) ثم بطريقة إيجابية: إغفروا (آ 37 ج)، أَعطوا (آ 38). ما الذي يدفعنا الى هذه المواقف؟ نجد الجواب في قول مأثور قديم: بالكيل الذي تكيلون به يكال لكم). نجد هذا القول في التقليد اليهودي، كما نجده في العقود التجارية في مصر أو اليونان. يتضمّن الشق الثاني صيغة المجهول، وهكذا نشير إلى الله دون ان نسميه: الله يكيل لنا. فالسخاء الفياض الذي يُعطى لمن يسمع يسوع يعود إلى رحمة الله التي لا تنفد لاجلنا. مثل هذا السخاء هو فيض الرحمة التي يغمرنا بها الآب. "أي فضل لكم ثم (32:6، 34) تساوي: من أي فضل تعيشون؟ والجواب: من فضل الله.
أجل، من يُعطي القليل ينال القليل، ومن يعطي بسخاء يُعطَى له بسخاء. من يعطي البشر، من يغفر للبشر ينال عطايا الله وغفرانه. ومن لا يعطي ولا يغفر، لا أمل له بعطاء الله وغفرانه.
الفصل السادس والثلاثون
التلميذ والأخوة الفاعلة
6: 36- 45

هذا الجزء الصغير من إنجيل لوقا هو قطعة من خطبة وجّهها يسوع إلى الجمع حين نزل من الجبل الذي عليه اختار الاثني عشر (رج 12:6- 20 و7: 1). بدأت هذه الخطبة بإعلان النعمة التي يمنحها الله للفقراء والمضطهَدين، لا للأغنياء وللذين يقول فيهم الناس كلامًا حسنًا (6: 20- 26). بعد هذا وصل يسوع إلى موضوع خطبته الخاصّ وهو تحديد موقف التلاميذ الحقيقيّين. عالج أوّلاَ محبّة الأعداء (27:6- 35)، وبعد أن انتقل إلى حضّ على المغفرة الأخويّة (6: 36- 38)، وصل بنا إلى المقطع الذي ندرس.
يجد هذا المقطع ما يوازيه عند متى: في خطبة الجبل (مت 3:7- 5، 18، 16) وفي. قرائن أخرى (من15: 14؛ 10: 24- 25؛ 12: 33 ج، 30، 34 ب). من الواضح أن الانجيليّين استقيا من ينابيع مشتركة، ولكنّهما رتّبا العناصر التي أخذاها كل على طريقته. ونحن نفهم الاختلافات في البُنية وفي التعبير، إمّا بعمل التقليد الذي سبقهما، وإمّا بمجهودهما الخاص لابراز كلمات يسوع إلى قرّائهما.
ولكن ما يهمُّنا في النهاية هو كلمات يسوع. ونحن لا نستطيع أن ندركها إلاَّ عَبْرَ ما يقدّمه لنا الانجيليّون. إذن، سنبدأ بدرس نصّ لوقا: الموضع الذي يجعله لهذا المقطع في خطبة يسوع، المعنى الذي يعطيه لهذا النصّ. بَعد هذا نحاول العودة إلى كلمات يسوع.

أ- موضع آ 39- 45 في خطبة لو: آ 20- 49
قدّم الشُرّاح عدّة تصميمات للوقا في بُنية خطبته، وهذه الافتراضات قادتهم إلى تفاسير مختلفة للنصّ الذي ندرسِ. أمّا نقطة الاختلاف الرئيسيّة فهي الوظيفة المُعطاة للآية 39: "وضرب لهم أيضَا هذا المثل ".
أوّلاً: يرى بعضُهم في الكلمات الأولى لهذه الآية عبارة مقدَّمة تدلّ على بداية جزء جديد. وهذا ما يقودهم إلى أن يربطوا آ 36- 38 بالجزء السابق وهو مخصص كلّه للمحبّة. أمّا الجزء الذي يبدأ في آ 39 فيسمّونه مجموعة امثولات، امثولة في المحبة او الطاعة، تحذير من المعلمين الكذبة.
ثانيًا: واهتمّ آخرون بالموضوع الجديد الذي يبدأ في آ 36- 38 ويمتد في آ 41- 42: فبعد محبّة الأعداء (آ 27- 35) تأتي الرحمة تجاه الاخوة وعدم إطلاق الدينونة: "ما بالك تنظر إلى القذى التي في عين أخيك "؟ اذن، هم يَجمعون آ 36 - 42 في قطعة واحدة فيجدون فيها تحريضًا بأن لا ندين، أو درسًا في الرحمة. أمّا وَلْيُ الخطبة، فيفرز فيها بعضهم آ 43- 45 (او 43- 46) حيث يحدّد مثَل الشجرة وثمارها الورَع الحقيقيّ أو الرحمة، وآ 46-49 (او 47- 49) التي تختتم الخطبة. وآخرون يجدون وحدة في آ 43-49: يستندون إلى تكرار فعل "صنع " (بويايو، صنع ثمرا) في آ 43 (مرتين)، 46، 47، 49، وإلى الموضوع العامّ حول واجب العمل.
إن للحَلَّين سيئاتِهما. فالحلّ الأوّل يفصل آ 41-42- عن آ 37 التي تحمل المعنى عينَه وترتبط بهما عند مت 7: 1- 5. وهو يجد صعوبة ليجد وَحدةً في آ 39 - 45 التي تقدّم سلسلةً من الصور والمواضيع قليلةَ التماسك. ويصطدم الحلّ الثاني مع آ 39- 40 اللتين لا تجدان موضعهما في تعليم عن الرحمة الأخويّة.
ومهما يكُنْ من أمر، فلوقا يتبع هنا مجموعة من الأقوال رُتّبت لا حسب تماسك منطقيّ، بل بأساليب بُنيويّة سامية. ونحن نجد إشارتين في هذا النصّ. لقد رأى الشُرّاح مرارًا أنّ القول على الأعميَين (آ 39) جاء إلى هذا السِياق عَبْرَ صورة العين (ذكرت ستّ مرّات في آ 41-42). والتِقنيّة السامية، تقنيةِ الكلمة العاكفة تَبرز بصورة خاصّة باستعمال فعل "صنع " طوال آ 43- 49.
و إذا أردنا أن نختار واحدةً من البُنيتَين على مستوى لوقا، يَلفِت نظرَنا وضوحُ الجزئين اللذَين يحيطان بالمقطع الذي ندرس: آ 27-35 عن محبّة الأعداء (نقرأ في بداية آ 35 تكرارًا لما في آ 27)، آ 43-49 حول واجب العمل (تكرارًا فعل صنع، عمل). غير أنّ تماسك آ 36-42 يبدو أقلَّ وضوحًا، وما يبلبله هو آ 39- 40. أمّا آ 41- 42 فهما تقابلان آ 37. وتقدّم آ 37 الدرسَ بأن لا ندين الآخرين. والحثَّ على السخاء في آ 38 يجد مكانه في هذه المجموعة التي تعالج المحبّة الأخوية. أمّا العبارة البادئة في آ 39، فليس من الأكيد أن لوقا يستعملها في بداية جزء جديد. فقد حصل له أن استعمل هذه العبارة (وضرب لهم أيضًا هذا المثل) ليربط المثل بالقرينة السابقة (5: 36؛ 12: 16؛ 13: 6؛ 18: 1، 9؛ 21: 29). من أجل هذه الأسباب يبدو لنا تجميع آ 36-42 في وَحدة متماسكة حلاًّ لا بأس به.
في هذه الفرضيّة، ترتبط آ 39-45 بجزئين مختلفين. هذا ما نأخذه بعين الاعتبار حين نفسّر هذه الآيات.

ب- التفسير: فكر لوقا في 6: 39- 45
إذا أردنا أن نكشف كامل معنى هذه العناصر، نجعلهما في الجزئين اللذَين تنتمي إليهما.
1- الرحمة الأخويّة (آ 36- 38) 39- 42
يفتتح لوقا هذا الجزء بدعوة للاقتداء برحمة الآب (آ36: "كونوا رحماء كما أنّ أباكم رحيم ")، ويربط بها ثلاثة أشكال متوازية من نداء يسوع: "لا تدينوا فلا تدانوا" (آ 37). وتأتي بعدها دعوة إلى السخاء يفسّرها وعد الكيل الجيّد الملبَّد المهزوز الذي يقدّمه الله إلى الذين أحسنوا العطاء (آ 38).
وتصل بنا آ 39 إلى موضوع آخر. إنه قول مأثور يسميّه لوقا "مثلاً". لم نعد أمام السخاء تجاه القريب في الدينونة أو الصدقة، بل أمام النظرة المستنيرة الضروريّة لمن يريد أن يقود الآخرين. رأينا أعلاه أن تبديل الموضوع هذا والعبارة التي تبدأ الآية، دفعت عددًا من الشُرّاح ليجدوا هنا بداية جزء جديد. قد يكون البرهان حاسمًا لو أنّ الآيات التالية تتوجّه أيضًا إلى المسؤولين عن إخوتهم. ولكن ليس هذا وضع آ 40 ولا آ 41-42. فإن آ 39 وُضعت هنا، على ما يبدو، لارتباط صورة الأعمى بصورة العين في آ 41-42، وهذا الارتباط لا يعود إلى لوقا بل إلى العالم السامي الذي أخذ منه هذه الآيات. أحسّ لوقا بعدم تماسك هذه البنية، ولهذا دوّن مقدمة لهذه الآية (وضرب لهم أيضًا).
ولكن ما هو المعنى الذي أعطاه لهذا القول الذي لا يبدو في مكانه؟ إنه يفكّر بمسؤولي الكنيسة الذين يتوجّب عليهم أن يقودوا إخوتهم. تفرّد بين الانجيليّين فسمّى "المتقدّم " او "المترئّس " (هيجومينوس في 26:22، رج عب 7:13، 17، 24) في الكنيسة، واهتمّ اهتمامًا خاصًّا بالمُوَكّلين على إخوتهم (رج 12: 41 وسفر الاعمال). إنه يذكّر المسؤولين ببُعد النظر الذي تفرضه عليهم وظيفتهم: لا يحقّ لهم أن يكونوا عميانًا. في هذا الجزء الذي يدعو كلّ التلاميذ ألاّ يدينوا إخوتهم، يقدّم لوقا تحريضًا للذين يقضُون في الأمور ويدعوهم ان يتجنّبوا كل تقدير خاطئ.
وترتبط آ 40 بالتي سبقتها، لأن العلاقات بين المعلّم والتلميذ تقابل العلاقات بين القائد والذي يتبعه. ولكن، شدّدت آ 39 على مسؤوليّة القائد، وحدّدت آ 40 موقف التلميذ: فلا يطلب أن يرتفع فوق معلّمه. ليجعل كل عنايته بأن يقتدي به.
وحّد شورمان آ 39-45 فوجد فيها هجومًا على معلّمي الضلال في الكنيسة في زمن لوقا. وهكذا فهو يرى في آ 39 تحذيرًا للتلاميذ من المعلّمين المضلّين. كما يرى أنّ لوقا يشير في آ 40 إلى معلّمين كذَبة يعتبرون نفوسهم تلاميذ المسيح، فيحملون تعليمًا جديدًا يظنّونه أعلى من تعليم معلّمهم. ولكنّ عبارة لوقا تتعلّق بتصرّف التلاميذ لا بتعليمهم. إذن، يتوجّه مُجْمَل المقطع إلى التلاميذ. وبقول شورمان أيضًا إن المثل في آ 41-42 يتوجّه إلى المعلّمين المُضِلّين. وفي ظنّنا أنه يتوجّه إلى التلاميذ كما في آ 37 "لا تدينوا لئلاّ تُدانوا".
ان التفسير الذي يقدّمه شورمان لا يبدو حاسمًا خصوصًا فيما يتعلّق بالآيات 40، 41- 42، 45.
ونعود بعد هذا الاستطراد إلى لوقا: المعلّم هو يسوع. والتلميذ هو كل مؤمن من المؤمنين. وفي هذه القرائن المخصّصة للرحمة والغفران، لا يستطيع لوقا إلاَّ أن يفكّر بالمعلّم الذي يرحّب بالخطأة ويعلن لهم الغفران (5: 20- 24؛ 47:7- 49؛ رج 19: 9- 10؛ 43:23). فمَثَلُه هو شريعة حياته.
يشير مثل القَذى والخشبة (آ 41-42) إلى العلاقات بين الاخوة. تتكّرر فيه كلمة "أخ " أربع مرّات، فتَعني عند لوقا أعضاء الجماعة المسيحيّة كما في 3:17 ("إن خطئ أخوك فعاتبه، وإن تاب فاغفر له "). هذا المثل الغريب الذي يعبّر عنه في صيغة المخاطَب، شأنُه شأنُ أقوال الحكماء (وفي خطبة لوقا، آ 29- 30: "من ضربك على خدّك الأيمن ")، يتوجّه إلى كل تلميذ. إنه يلوم من ينتقد عند أخيه أقلَّ زلّة وِيتعامى عن زلاته التي تكون أكثر خطورة. نحن أمام صورة عن الحضّ على ألاَّ ندين لئلاّ نُدان (آ 37).
يسميّ يسوع "هيبوكريتس " كلّ من يرى القذى في عين أخيه (آ 42). لا ترِد هذه الكلمة إلا مرّتين في السبعينيّة (أي 30:34؛ 3:36)، وهي تترجم "حنف " العبريّة التي تدلّ على الانسان الذي مالَ عن الله. ويستعمل لوقا أيضًا مرّتين هذه المفردة: يطبّقها في 56:12 على الجموع التي لا تعرف أن ترى يوم الخلاص. وفي 15:13 على الخصوم الذين يريدون أن يمنعوا يسوع من صنع المعجزات يوم السبت. إذن، هو لا يعني الخبث والتخفيّ الواعي بل الحُكم المضِلّل الذي لا يقدر أن يتعرّف إلى الحقّ. الكلمة قاسية بالنسبة إلى "الاخ "، ولكن يسوع يوجّه مرارًا إلى تلاميذه توبيخات لاذعة (رج 13:11).
إذن، تبدأ آ 36- 42 وتنتهي بنداءِ أن لا ندين إخوتنا، أن نكون رحومين لهم (آ 36- 37، 41- 42). وتسير آ 38 في الاتجاه عينِه فتحثّنا على السخاء. وهكذا تدعونا كلّ هذه الآيات الى المحبة الأخويّة الملموسة. وكذلك نقول عن آ 40. وتبدأ آ 39 موضوعًا آخر هو بُعدُ نظر "القوّاد". ولكن قد يكون لوقا فهمه في خطّ قرائنِه كنداءٍ إلى المسؤولين عن الجماعات، ليمارسوا وظيفتهم في الحقّ والمحبّة. إذن، نستطيع أن نقول إن لوقا عالج محبّة الأعداء الذين من خارج الجماعة، ثم وحّد مختلف أقوال آ 36- 42 حول موضوع المحبة الأخويّة في الجماعة المسيحية.

2- يُعرف التلميذ الحقيقيّ بأعماله: آ 43- 45 (46- 49)
يتوجّه الجزء الأخير من خطبة لوقا حول فعل "صنع " الذي يدلّ على موضوع الفاعليّة، ما هو مفيد وناجح.
يبدأ بصورة: الشجرة الجيّدة (الصالحة)، الشجرة الفاسدة، او الرديئة (حرفيُّا: المهترئة) تُنتجان بالضرورة ثمرًا يوافق طبيعتهما (آ 43). قد تنطبق الصورة على أمور مختلفة، ولكنّ وَلْيَ النصّ يدلّ على أن لوقا يفكّر في ما يصنعه البشر: التلاميذ الحقيقيّون يثمرون ثمرًا صالحًا، ثمر كلمة معلّمهم. والتلاميذ الأردياء لا يثمرون إلاَّ ثمرًا رديئًا. إن أعمالهم هي التي لكشف صفاتهم العميقة وتتيح للناس أن يحكموا عليهم (يرى شورمان في آ 43- 44 تحذيرًا من المعلّمين المُضلين. هذا ما يقوله مت 16:7- 20 ضدّ الأنبياء الكَذبة. غير أنّ لوقا يتطلّع إلى سلوك التلاميذ). ويقدّم لوقا مثلاً ينطبق على المبدأ العامّ: لا يُجنى من الشوك تين، لا يقطف من العُلَّيق عنب.
وبعد الصورة يأتي التطبيق (آ 45): الشجرة الصالحة هي الرجل الصالح الذي يعمل الخير لأنه يستخرجه من أعمق أعماقه، من قلبه (حرفيا: من كنز قلبه. ننسب إلى لوقا ذكر القلب، وهذا غائب من النصّ المُوازي في مت 12: 35). والشجرة الرديئة تكون عكس ذلك. الثمار هي أقوال الانسان الذي سيُدان عليها. هذا هو المعنى إذا تمسّكنا بنهاية الآية (الأقوال التي تفيض من القلب) وعدنا إلى النصّ الموازي في مت 32:12- 37. ولكن في إطار لوقا خصوصًا بالنظر الى آ 46-49 التي تلي، الثمارُ هي أعمال التلميذ. إن بُنية آ 45 تعكس ترتيب مت 34:12 ب- 35 فتجعل الأعمال قبل الأقوال. ومهما يكن من أمر فالدرس واضح: من أراد أن يكون تلميذًا صالحًا، عليه ان يُثمر ثمرًا جيّدًا، أن يعملِ أعمالا صالحة. وإذا أردنا أن نصل إلى هذه الغاية، يجب أن يكون قلبنا صالحا. هذا نداء إلى توبة عميقة تظهر في الحياة الملموسة.
وتتوسّع الآيات التالية في موضوع ضرورة الأعمّال فتدعونا إلى حفظ أقوال يسوع والعمل بموجبها. تهاجم آ 46 التلاميذ اللامنطقيّين الذين يعلنون أن يسوع هو الربّ ولا يعملون بما يقول لهم. وفي آ 47-49 نقرأ مثلين متعارضين، مثَل الانسان الذي يؤسّس بيته على الصخرة، ومثل الذي يبني بيته على التراب، بلا أساس. نحن أمام نوعين من السامعين ليسوع: الذي يعمل بموجب كلمات يسوع، والذي لا يعمل بموجبها.
إذن، تبدو كلّ مجموعة آ 43-49 كنداء لعمل نافع. يتكلّم يسوع فيدعو تلاميذه إلى العمل. ولن يكونوا تلاميذ صالحين إلاَّ إذا أثمروا ثمرًا جيّدًا، إذا تجاوبت أعمالهم مع تعليم المعلّم.

ج- نحو أقوال يسوع
أظهرت قراءة النصّ أن يسوع لم يتلفّظ مّرة واحدة بمختلف الأقوال التي جمعت هنا. فان آ 39 و 40 لا تتوافقان بسهولة مع سياق النص. ثم إن عددًا من آيات لوقا نجدها عند متى في قرائن جدّ مختلفة. نجد آ 39 في مت 14:15، آ 40 في مت 10 :24-25 (يو 16:13؛ 20:15)، آ 45 في مت 35:12 و 34 ب. هذه السِمَة ليست حاسمة، لأن متى جمع هو أيضًا أقوال يسوع حسب نظرته إلى التعليم والكرازة. ولكن تفحّص مختلف أقوال هذا الجزء يدلّ على أنها لعبت في الأصل وظيفةً غيرَ التي نجدها هنا في لوقا.
والأمر واضح بصورة خاصّة بالنسبة الى آ 39. فالتحذير ضدّ القوّاد العُميان يشير إلى المعلّمين الذين يقودون إخوتهم. فليس بمستحيل أن يكون يسوع قد وجّه هذه الكلمات إلى تلاميذه وهو يفكّر بمهمّتهم المقبلة (هكذا يفسر لوقا أقوال يسوع. ولكن المعقول هو أن يسوع تلفّظ بهذه الكلمة في إطار هجوم على المعلّمين اليهود في عصره، فلامهم بسبب عَماهم (مت 16:23؛ 14:15؛ 24:23؛ يو 39:9- 41). هكذا فهم مت 15: 14 كلامه، وهذا هو التفسير المعقول لكلامه في معناه الأصليّ.
أمّا آ 40 فقد توجهت منذ البدء إلى التلاميذ. هذا ما يدل عليه مضمونها، وهكذا فسّرها كل من متى ويوحنا. أورِدها متى في خطبة الارسال (مت 10: 24 - 25) فجعلها تنبيهًا للمرسلين: سيُرفضون كما رُفِض معلّمُهم. ويعطيها يوحنا مدلولاً مشابهًا عندما يعلن للتلاميذ أنهم سيُضطَهَدون (يو 15: 20). ويتبع هذه الآية بالتفسير التالي: "إذا كانوا اضطهدوني فسوف يضطهدونكم أيضا". أمّا بعد غسل الأرجُل، فإن يو 16:13 يعلن درسًا في الخدمة المتواضعة تُفرَض على التلاميذ كما على يسوع. إن هذين الندائين للاقتداء بالمعلّم الخادم (عبد الله) المضطهد، يميّزان فكر يسوع الذي قد يكون أعطى هذا المعنى وذاك، لقول المعلم والخادم.
ويَستعمل مثلُ القذى والخشبة (آ 41-42) صورة معروفة في تعليم الربّانيين، وطابعه طابع هجوميّ: في بدايته بشكل لوم، وفي المنادى الأخير: يا مرائي. وحين يتحدّث يسوع عن "الأخ " فهو يشير إلى كل يهوديّ، حسب عادة عصره. وقد يوجّه لومه إلى تلاميذ أو هو يتطلّع إلى كل السامعين بصورة إجمالية. ولكن نبرة القول الهجوميّة تجعلنا نفكر أنه يتوجّه هنا إلى الخصوم. نحن في وضع مشابِه لما في مر 18:2، 24؛ 7: 5 حيث يتلقّى تلاميذُ يسوع الهجوم.
وتطرح آ 43-45 مشكلة خاصّة لأنها تجد ما يوازيها في مت 7: 16- 20؛ 12: 33-35: نقرأ آ 43 في مت 18:7 (و 12 :33 أب)، آ 44 أ في مت 12: 33 ج (و16:7 أ، 20)، آ 44 ب في مت 16:7 ب، آ 45 أب في مت 12: 35، آ 45 ج في مت 12: 34 ب. يبدو أن متى ولوقا أخذا موادّهما من تقليد تنوّعَ قبل أن يصل إليهما. بُني مقطعا متّى حول موضوع مركزيّ: مت 15:7- 23 هو تحذير ضدّ الأنبياء اَلكذَبة (يستعيد مت هذا الموضوع في 11:24، 24)، مت 12: 32- 37 يعلن أنّ الناس سيُدانون على أقوالهم. وبما أنّ متى قد جمع مرارًا أقوال يسوع حسب هدف تعليميّ، فقد يمكن أن يكون شتّت عناصر مرجع واحد احتفظ بها لو 43:6- 45، وأعاد كتابتها بطريقته. غير أن آ 45 التي لا تجد ما يوازيها في مت 7 ترتبط ارتباطًا متراخيًا مع آ 43-44: لا يتكلّم لوقا عن الشجرة ولا عن الثمرة ولا عن "صنع ". كل ما نجده هو بعض نقاط الاتصّال مع مت 52:13. لهذا يعتقد عدد من الشُرّاح أن آ 45 ارتبطت بهذا الاطار بواسطة لوقا او بواسطة المرجع الذي استقى منه.
ومهما يكُن من أمر، فإن آ 43-44 لا تدعواننا أوّلاً إلى ان نثمر ثمرًا جيّدًا حسب سياق نصّ لوقا، على ما يبدو. إنهما تعبّران بالأحرى عن مبدأ يتيح لنا ان نميّز الرجل الصالح من الشرير (في آ 33 كما في مت 7: 16، 20 و 33:12، يطلب منا ان "نعرف "). ولكن على من يقَع هذا التمييز؟ إن مت 15:7- 23 يطبّقه على الأنبياء الكذَبة، وهذا التطبيق يرتبط بزمن متى لا بزمن يسوع. قال التقليد اليهوديّ إن الثمار تدل على أعمال الانسان. ومن الممكن أن يكون يسوع قد أشار لا إلى تعليم هذا أو ذاك من المعلّمين، بل إلى الأعمال التي تتيح لنا أن نتعرّف إلى التلميذ الحقيقيّ (كما في آ 45 أ ب، 46، 47- 49).
كانت آ 45 في الأصل منفصلة عن آ 43. ويبدو أنّ آ 45 أ ب ("الانسان الصالح من كنز قلبه الصالح يخرج الصلاح، والانسان الشرير من كنز قلبه الشرير يخرج الشرّ") كانت في الأصل منفصلة عن آ 45 ج ("فمن فيض ما في القلب يتكلم الفم ")، لأنّ هذا الشطر الأخير يبدو بشكل مثل ربّاني ويشير إلى أقوال الانسان؛ أمّا آ 45 أ ب فتنطبق على كلّ أعماله. ما نجده من فكر في آ 45 أ ب، عزيزٌ على قلب يسوع: فلا قيمة لأعمال الانسان إلا بقلبه (مر 15:7 - 23). وإن نسبنا لفظة القلب إلى لوقا (غابت من مت 35:12)، فهذا التحديد يفسّر أفضل تفسير فكر يسوع. أمّا المثل في آ 45 ج، فقد يكون يسوع وجده فرأى فيه ما يعبّر أفضل تعبير عن فكرة حولَ بُعد أقوال الانسان.

خاتمة:
لقد تنظّمت أقوال يسوع تنظيمًا عميقًا حتى وصلت إلينا في بُنية لوقا (39:6-45) الأدبيّة. ونقول الشيء عينه عن مت 16:7- 20؛ 12: 33- 35. تواترت هذه الأمور في التقليد الانجيليّ فدلّت على اهتمام مستمرّ لدى الكنيسة وهو: الانطلاق من كلمات المعلّم لتكشف قاعدة حياتها أمام ضرورات عصرها. وقد وجّه هذا العملَ الأدبيّ الايمانُ بكلمة يسوع الحيّة والعناية بنقل هذه الكلمة نقلاً أمينًا. وهذه الأمانة تفسّر بعض النقص في تماسك عناصر النصّ الانجيليّ. ما أراد الانجيليّ أن يَضيع أيّ شيء من كلام المعلّم، فجعل العبارةَ بجانب العبارة ولو على حساب المنطق الأدبيّ.
أمّا النصّ الذي قرأناه، فهو يقدّم لنا متطلّبتين رئيسيّتين من متطلّبات يسوع، المحبّةَ الأخوية، وحفظَ كلمة يسوع والعملَ بها. وهكذا كان لوقا في هذين الدرسين الشاهدَ الأمين للمعلّم.
الفصل السابع والثلاثون
شفاء غلام الضابط الرومانيّ
7: 1-10

ان المعجزة التي يوردها لوقا في هذا الإِنجيل تقدّم عدة سِمات مبتكَرة: يصنع يسوع المعجزة عن بُعد بناءً على طلب ضابط وثنيّ، ويُقِر بإيمانه الخارق: "لم أجد مثل هذا الإِيمان حتّى في إسرائيل ".
سنجد هذه السِمات عينَها مع بعض الاختلافات في خبرين إنجيليين آخرين: (مت 8: 5- 13، يو 4: 46- 54). يبدو أنّنا أمام واقع واحد أورده الإنجيليّون الثلاثة انطلاقًا من تقليد تنوّع في كرازة الكنيسة.
سندرس أوّلاً خبر لوقا، ثم نقابله مع متّى ويوحنا. وهذا سيتيح لنا في النهاية أن نلاحظ كيف فسّر التقليد معجزة يسوع.

أ- خبر لوقا (7: 1-10)
إن هذا الخبر يلي مباشرةً خُطبة التطويبات (20:6- 49)، كما نقرأ في المقدّمة: "ولمّا فرغ من هذا الكلام " (آ 1). كان يسوع يحدّث تلاميذه بحضور الجمع (17:6- 20). ولمّا انتهى دخل إلى كفرناحوم التي جعلها منطلق رسالته.
وقدّم لوقا حالاً مُحاوِر يسوع الرئيسيّ في هذا الخبر (آ 2). إنه قائد مئة، إنه ضابط مهمّ بالنسبة إلى القرية الصغيرة التي يقيم فيها (آ 6، 10). وهو يرتبط، حسب العُرف، بهيرودس أنيتيباس حاكِم المِنطقة. لا شكّ في أنه رئيس مخفر في هذه القرية القريبة من الحدود بين تترارخية (مقاطعة) أنتيباس وتترارخية أخيه فيلبس. في هذه الحال، قد لا يكون هذا الضابط رومانيًّا. ولكن مهما يكن من أمر، فليس يهوديًّا (آ 5، 9). وكان لهذا الضابط غلام، عبد (دولوس في اليونانية) عزيزٌ على قلبه. كان هذا العبد مريضًا، بل أشرف على الموت.
قَلِق الضابط، ففكّر بالمعجزات التي صنعها يسوع في كفرناحوم (37:4- 41) وفي كل المِنطَقة (14:4؛ 12:5- 16؛ 6:6- 11، 17- 19) (آ 3). فهمَّ بأن يطلب من المعلّم أن يأتي وينتزع غلامه من الموت، لأنه ظنّ أن على يسوع أن يأتي قرب المريض لكي يشفيه، كما فعل حتى الآن؛ ولكن أحسّ بما في طلبه من مخاطرة، لأن اليهوديّ لا يدخل إلى بيت وثنيّ (رج أع 28:10؛ 3:11). فلم يتجرّأ أن يأتي شخصيًّا إلى يسوع (آ 7). فاعتبر أنه من الأفضل أن يرسل إليه طلبه بواسطة وفد من القرية: "اوفد إليه بعض شيوخ اليهود". إن المقابلة بين خبر لوقا وخبرَي متّى ويوحنّا ستبينّ لنا أن لوقا تفرّ د بالإِشارة إلى صعوبة العلاقات بين اليهود والوثنيّين، وهذه الصعوبة تحتلّ مكانةً بارزة في سفر الأعمال.
قَبِل الشيوخ بالقيام بالمُهمّة التي أوكلهم بها الضابط (آ 4) لأنهم يجلّونه ويعتبرونه. ذهبوا إلى يسوع وعرضوا عليه طلب الوثنيّ باهتمام وغيرة: "إنه يستحقّ أن تصنع له هذا. هو صديق اليهود" (آ 5)، وقد بنى لهم مجمعًا كما فعل وثنيّون آخرون في فريجية ومصر، وغيرِهما. قد يكون هذا الضابط من "خائفي الله " شأنُه شأنُ الضابط كورنيليوس الذي رسم لنا لوقا صورتَه في أع 10: 1-2.
تقبّل يسوع بكل بساطة الطلب الذي قدّمه الشيوخ، وانطلق حالاً معهم (آ 6). ولكن ما إن اقترب الضابط حتى غيّر الضابط رأيه. إنه يريد أن يُعفي يسوع من موقف يعارض عاداتِ اليهود. فأرسل الآن أصدقاء يُبقونه بعيدًا عن بيت وثنيّ، وبالتالي غير طاهر. وحمل هؤلاء الأصدقاء كلام الضابط: إنه يحيي يسوع "الرب ". تعنى هَذه اللفظة في فم الضابط: السيّد. ولكن في فم كنيسة لوقا، فهي تعنى الربَّ الله الذي هو سيّد الحياة والموت.
ويدعو الضابط يسوع أن لا يُتعب نفسه وبأتي. فهو ليس بمستحقّ أن يستقبل يسوع تحت سقفه، مع أنه طلب منه في البداية أن يأتي إلى بيته وينقذ غلامه (آ 3). إن كان لم يتجرّأ أن يذهب إلى يسوع، فلأنه غير مستحقّ (آ 7) وهذه سِمَةٌ خاصّة بلوقا الذي يتفرّد فيبينّ كيف أن الوثنيّ يتعاطى مع يسوع عَبْرَ وُسَطاء. وأخيرًا، ألحّ الضابط على يسوع بأن يفعل بكلمته وحدَها، فهي ستكون فاعلة من أجل غلامه (يستعمل لوقا هنا كلمة "بايس " مثل مت 9:8، لا دولوس). ويشرح يقينَه بمقابلة مع وظيفته كضابط (آ 8): هو خاضع لسلطان أعلى منه، ومع ذلك تكون كلمته فاعلةً حين يأمر الخاضعين له. ماذا يكون من أمر يسوع وهو يمتلك سلطانًا ساميًا (32:4، 36)! إن كلمته تستطيع أن تفعل عن بعد.
إن كلمات الضابط شخصيّة، فنحسّ وكأن الوُسَطاء لم يتلفّظوا بها، بل هو بنفسه قد تلفّظ بها. وهذا ما نجده عند متّى الذي يجعلها على شفتي الضابط. 
فامتلأ يسوع إعجابًا أمام هذا البلاغ (آ 9): "اعجِب جدًّا". لا نجد هذه الملاحظة إلا عند لوقا، ولا يورِد أيُّ مقطع آخر من الأناجيل إيرادًا واضحًا مثلَ ردّة الفعل هذه عند المعلّم. إلا أننا سنجد عبارة شبيهة أمام ثقة الكنعانيّة بيسوع في مت 28:15: "أيتها المرأة، عظيمٌ إيمانك "!
أمام موقف الضابط المتأكّد من قدرة كلمة يسوع، رأى يسوع إيمانًا حقيقيًّا. فالتفت إلى جميع اليهود الذين يتبعونه (وهذه سِمةٌ خاصّة بلوقا) وقابل إيمان الوثنيّ بالإِيمان الذي وجده حتى الآن: لم يجد مثل هذا الإِيمان العميق حتى في إسرائيل. لا تبدو العبارة قاسيةً كما في مت 8: 11 ("لم أجد عند أحد في إسرائيل مثل هذا الإِيمان ")، لأنها تعتبر إسرائيل فوق سائر الشعوب. إنها تدلّ على أنّ الإِنجيل بُشِّر به خارج إسرائيل. وهكذا يفكّر لوقا بوضع عصره يوم وصل كلام يسوع إلى اليهود وإلى الوثنيّين.
إنتظرنا هنا جوابًا من يسوع على الطلب الذي وجّه إليه، لأن أخبار المعجزات تتضمّن عادة "كلمة شفاء" (4: 35 : "أُخرج من الرجل . رج 13:5، 24؛ 6: 10؛ 14:7؛ 54:8؛ 12:13؛ 14:17؛ 42:18)، وهذا واضح في مت 13:8: "ليكن لك بحسب إيمانك ". وشُفي الغلام من تلك الساعة. ولكن عند لوقا، لا الضابط هو هنا ولا غلامُه ليتلقّيا جوابَ المعلّم. ودوّن لوقا بطريقته الخاصّة عودة المرسَلين (الموفَدين) (آ 10) الذين هم ولا شكّ أصدقاء الضابط (آ 6) لا الشيوخ. ما يَهمّ لوقا أن يقوله هو أن الغلام استعاد الصحّة.
ما يميّز هذا الخبر هو أنه لا يهتمّ كثيرًا بالشفاء الذي يشير إليه بكلمة في آ 10: "تعافى". بل هو يهتمّ بموقف الوثنيّ: استعدادته بالنسبة إلى اليهود (آ 3- 5)، شعوره بعدم استحقاق فلا يسمَحُ لنفسه أن يلتقي يسوع (آ 6- 7 أ)، إقراره بسلطان المعلّم (آ 7 ب- 8)، إيمانه الحقيقيّ الذي وجده يسوع (آ 9). من الواضح أن لوقا أراد أن يورد لنا خبر أعجوبة، بل مثلَ إيمان وجده عند هذا الضابط الوثنيّ.

ب- مقابلة بين خبر لوقا وخبرَي متّى ويوحنّا
من المفيد أن نقابل خبر لوقا مع خبرَي متّى ويوحنّا، فندرك ثبات التقليد وإصالة كلّ من الإِنجيليّين الثلاثة.

1- مقابلة مع مت 8: 5- 13
أوّلاً: نجد في خبر متّى أمورًا مشتركة مع خبر لوقا
فالقرائن هي هي عند الإِنجيليّين: يَرد الخبر في لوقا حالاً بعد خطبة التطويبات. وفي متّى، لا يفصله عن التطويبات إلاّ شفاء الأبرص (2:8- 4) الذي أورده لوقا في 5: 12- 16.
بما أن متّى جمع في ف 8- 9 عددًا من المعجزات، نستطيع القول إنه أقحمَ هنا شفاء الأبرص، ساعةَ كان المَعينُ المشترك بين لوقا ومتى يجعل خبر الضابط حالاً بعد خطبة التطويبات.
ويلتقي الإِنجيليّان عند المعطيات الأساسيّة عينِها: دخول يسوع الى كفرناحوم؛ طلب إليه ضابط وثنيّ أن يشفي واحدًا من أهل بيته. واعتبر نفسه غير مستحقّ أن يستقبل المعلّم تحت سقفه، فطلب إليه أن يعمل بواسطة كلمته وحدَها، لأنه يمتلك كلّ سلطان. ودَهِشَ يسوع أو تعجّب (تومازو) من موقف هذا الوثنيّ، وأعلن أنه لم يجد مثل هذا الإِيمان في إسرائيل. وشُفي الغلام حالاً عن بعد. نجد أن متى ولوقا ركّزا الخبر كلّه على موقف الوثنيّ لا على خبر المعجزة.
والإِتصالات الأدبيّة واضحة جدًّا بين مت 8: 5، 8- 10 ولو 7: 1 ب، 6 ب، 7 ب، 8-9.

ثانيًا: ولكن هناك اختلافات كبيرة بين خبرَي متّى ولوقا
كلاهما يوردان الحدَث في سياق خطبة التطويبات، ولكنّهما لا يعطيان المعنى الواحد لهذه الخُطَبة. فعند لوقا لا يتكلّم يسوع عن الشريعة. أمّا متّى فيقدّم يسوع كذلك الذي جاء ليكمّل الشريعة (مت 17:5- 19). وبعد هذا يتوسّع في التعارض بين البرّ الجديد الذي سيحدّده (مت 5: 20- 48). لهذا سيتّخذ خبر الضابط عند متّى فارقًا جديدًا لأنه يطرح مسألة العلاقات بين اليهود والوثنيّين، ويحصرها حصرًا بالشريعة كما فهمها العالم اليهوديّ في أيّامه. فأمام الضابط الوثنيّ، أبرز يسوع أوّلاً الشريعة (8: 17، كما سنشرحها)، ثم تجاوزها فاستجاب الصلاة الموجّهة إليه. في الخبر السابق، خبرِ الأبرص، دلّ مت 3:8 و4 على أنّ يسوع يتمّ الشريعة ("إمضِ وأرِ نفسك للكهنة") ويتجاوزها ("مدّ يسوع يده ولمسه ").
عند متّى، المريض هو غلام (بايس) الضابط (مت 6:8، 8، 13)، وهذا يعني خادمَه أو ابنَه. عند لوقا، إنه عبد (دولوس، 2:7، 3، 10)، ولكنّه سيصبح غلامًا في فم يسوع (7:7؛ رج مت 8:8). قد نكون هنا أمام اللفظة التي وجدها الإِنجيليّان في المرجع اليونانيّ.
في نظر لوقا (2:7)، العبد هو مريض وقد أشرف على الموت. وفي مت 6:8، هو يكابد عذابًا قاسيًا لأنه مُقْعد.
حسب متّى، جاء الضابط شخصيًّا إلى يسوع. وحسب لوقا، هو لا يلتقيه؛ بل أرسل إليه على التوالِي "شيوخ اليهود" (3:7)، ثم أصدقاء (7: 6). شعرنا في معرض تفسيرنا أنه نتج عن تدخّل هؤلاء الوسطاء عدّة صعوبات في خبر لوقا: فطلب آ 6 يتوافق بصعوبة مم طلب آ 3. وبلاغ آ 6- 8 يُفهَم فهمًا أفضل إنْ نحن وضعناه على شفتي الضابط، كما في مت 8: 8- 9، لا على شفتَي الموفَدين. وسنرى فيما بعد، أنّ لوقا لم يورد "كلمة الشفاء" كما في مت 13:8، لأنّ الضابط لم يكن بقربه، بل بعيدًا عنه. إن هذه السِمات المختلفة تدفعنا إلى القول أنّ وفدَيْ الوسطاء لم ينتميا إلى الشكل الأصليّ للخبر. 
في مت 7:8 يعتبر عدد من الشُرّاح أن يسوع دهش أوّلاً لطلب الضابط، بل رذلَ طلبه (كما في مت 26:15: "لا يحسن أن يؤخذ خبز البنين ويُلقَى لصغار الكلاب "؛ رج مر 27:7). ولهذا ترجموا: "هل أذهب أنا وأشفيه "؟ وهكذا أبرز متى الصعوبة التي شعر بها يسوع ليدخل إلى بيت الضابط، وهيّأ بالتالي جواب الضابط في آ 08 أمّا عند لوقا، فيسوع قبِل حالاَ بأن يذهب إلى بيت الوثنيّ. هذا يتجاوب مع المثال الرسوليّ الذي أعلنه الإِنجيل الثالث.
إن مت 8:8- 9 لا يختلف عن لو 6:7 ب- 8 إلا بسِمات خاصّة بلوقا (إرسال الأصدقاء في 6:7 ب، شرح غياب الضابط في 7:7 أ)، وببعض اختلافات تدوينيّة وضعها لوقا بيده، لا مجال لذكرها هنا.
إن مت 10:8 هو أقدم من لو 9:7 على ما يبدو. فقد قام الإِنجيليّ الثالث ببعض تصحيحات أدبيّة، وخصوصًا بتصحيحين لهما مدلولهما: حينَ أعطى مفعولاً (اوتون، به) لفعل "تومازو" فقد جعل المعنى كما يلي: أُعجب يسوع بالضابط. أمّا عند متّى فالفعل من دون مفعول يعني: أن يسوع دَهِش، تعجّب. تجنّب لوقا الحديث عن دهشة يسوع وأبرز جمالَ إيمان الوثنيّ. والحكم على إيمان إسرائيل قد خُفّف عند لوقا الذي يشير إلى أن الإِنجيل بُشّر به لبني إسرائيل كما للوثنيّين (هذا ما قلناه في التفسير).
غير أنّ قول مت 8: 11- 12 ("يأتون من المشرق والمغرب... ") حول مجيء الوثنيّين ورَذْل إسرائيل الذي اعتَبر نفسَه وارث الملكوت، لا يرِد عند لوقا في خبر الضابط، بل في موضع آخر (28:13- 29) وبشكل مختلف. فإن انتمى هذا القول في الأصل إلى هذا الخبر، فكيف فصلَه لوقا عنه مع أنه يعبّر عن فكرته في خطّ موقف الضابط الذي يصوّر مسبَّقًا مجيء الوثنيّين إلى الإِنجيل؟ هذا من جهة، ومن جهة ثانية، إن بداية مت 13:8 (حيث نقرأ: "ثم قال يسوع "، مع أنه كان يتكلّم، رج 8: 10 و13) تبدو بشكل لُحمة تدوينيّة. ولهذا اعتبر معظم الشُرّاح أن متّى أقحمَ هاتين الآيتين في خبر الضابط (جاك دوبون في التطويبات).
إن مت 13:8 يقدّم جواب يسوع على طلب الضابط. غابت هذه السِمة عند لوقا، لأنّ الضابط ليس هنا. ومن جهة ثانية، أراد لوقا أن يختم خبره فدوّن آ 10 التي تتحدّث عن عودة الوفد الذي أرسله الضابط إلى يسوع.

ثالثًا: كيف فسّر الشرّاح الإختلافات بين متّى ولوقا؟
- ظنّ بعضهم (مانسون) أن المَعين المشترك بين متّى ولوقا قدّم لهما فقط الحِوار حيث يبدو نصّاهما قريبَين الواحدُ من الآخر (مت 8: 8- 10؛ لو 6:7 ب- 9). ولكن يبدو من الصعب أن نقبل أن التقليد احتفظ بهذا الحوار دون إطار إخباريّ يتلقّاه، وذُروة تُبرز معناه.
- واعتبر آخرون (هانشن) أن متى ولوقا ارتبطا بمراجع (أو نسخات) مختلفة. هذا الإِفتراض يبرز اختلافهما، ولكنه لا يشرح التشابه العجيب بين الإِِنجيليَّين في الحوار بين الضابط ويسوع.
- وقالت فئة ثالثة (شورمان) إن متّى ولوقا تبعا مَعينًا واحدًا، حافظ عليه لوقا. هذا يصحّ بالنسبة إلى زيادة 8: 11- 12. ولكن إذا نظرنا بصورة إجماليّة وجدنا أن خبر متّى يبدو أكثر تماسُكًا من خبر لوقا.
- وأخيرًا، أعلن آخرون (كنوكس) أن متى ولوقا استقيا من معين واحد، ويعتبر أن لوقا أعادَ صياغة النصّ الأوّلاني. من جهة، يبدو نصّ لوقا أقلّ تماسُكًا من نصّ متّى؛ ومن جهة ثانية، إن السِمات الخاصّة بخبر لوقا تتوافق وخبرتَه واهتماماتِه: إنه يعرف الصعوبات التي يحرّكها لقاء اليهود مع الوثنيّين (رج أع 10: 1- 11، 18). وإنه التقى وثنييّنن أظهروا سخاء تجاه اليهود (كورنيليوس في أع 2:10)، كما التقى يهودًا دافعوا عن قضيّة الوثنيّين أمام أبناء دينهم (بولس وبرنابا في أع 2:15- 4، 12). فهل نَدهَش إن هو انطلق من زمن الكنيسة فقدّم لنا خبرًا من حياة يسوع؟ نحن اليوم لا نكتب التاريخ بهذا الشكل، ولكن دراسة لوقا تدلّ على أنه كان متحرّرًا بالنسبة إلى مراجعه، فلم يكتفِ بتقديم تقرير مفصّل كما يفعل الصِحافيّ، بل أبرز لقرّائه لاهوتاً قرأ فيه أعمال يسوع وأقواله في حياة الكنيسة (4: 16- 30؛ 5: 1- 11؛ 28:9- 36؛ 19: 11- 26، 47- 48؛ أع 2: 1ي؛ 10: 1- 11، 18؛ 15: 1- 35).

2- مقابلة مع يو 46:4- 54
لا شكّ في أن يوحنّا يستخرج خبره من المرجع الذي أخذ منه خبر معجزة قانا (ق يو 2: 11: "تلك هي أولى عجائب يسوع " و 54:4: "تلك هي الآية الثانية التي صنعها يسوع ").

أوّلا: يلتقي يوحنّا مع متّى ولوقا في عدّة نقاط
تتّفق الأخبار الثلاثة على عدّة مُعطَيات مميَّزة: طلب "ضابط " من يسوع (يو 49:4: كيريي: مت 8:8= لو 6:7) أن يشفي له أحد أعضاء بيته (يو 51:4 يسميه "بايس " مثل مت 6:8 ،8 ،13 ولو 7:7) المريض في كفرناحوم. تيقّن من فاعليّة يسوع فشُفي المريض عن بعد. ويهتمّ الإِنجيليّون الثلاثة بإيمان الطالب أكثر من اهتمامهم بتصوير الأعجوبة.
نشير هنا إلى أن متّى ولوقا يتحدّثان عن ضابط في الجيش؛ أمّا يوحنّا فعن ضابط ملكيّ (باسيليكوس). تُستعمل اللفظة اليونانيّة لأقرباء الملك، كما تُستعمل لموظّفيه المدنيّين والعسكريّين. ويطبّقها فلافيوس يوسيفوس على الموظّفين المدنيّين، بل على جنود الملك. إذن نحن عند يوحنّا أمام موظّف ملكيّ، وربما عسكريّ. يوردُ متّى ويوحنا نفسَ اللقاء الشخصيّ بين الضابط ويسوع، وإطلاق المعلّم للضابط: الإعلان بشفاء المريض (يو 4: 50؛ مت 13:8). العبارة: في أيّة ساعة، للإستعلام عن الوقت الذي فيه شفي الغلام (يو 53:4؛ مت 13:8). ويمكننا أيضًا أن نقرّب بين اعتراض في البداية في يو 48:4 ("أوَلاَ تؤمنون ما لم تعاينوا العجائب والآيات "؟) وهتافه في مت 8: 7 كما قلنا أعلاه: "هل أذهب أنا وأشفيه "؟
والغلام هو في متّى ابن الضابط كما هو في يوحنّا (هيوس، 46:4، 47، 50، 53، رج بايس في 4: 49).
أمّا نقاط الإِلتقاء بين لوقا ويوحنّا فهي قليلة وبسيطة. المريض أشرف على الموت (يو 47:4 ولو 2:7). ثم هناك بعض مفردات لا يطبّقها الإِنجيليّان على نفس الأشخاص (يو 47:4 ولو 3:7؛ يو 4: 50- 51 ولو 6:7).

ثانيًا: يبتعد يوحنّا عن متّى ولوقا في عدّة نقاط
يختلف خبر يوحنا عن المَعين المشترك بين متّى ولوقا. فالطالب هو في نظره موظّف (ليس من الضروري أن يكون عسكريًّا). ولا شيء يشير أنه وثنيّ. التقى يسوع في قانا (46:4) لا في كفرناحوم، وتوسّل إليه من أجل "ابنه ". لامه يسوع بقساوة لأنه يتطلّب آية قبل أن يؤمن (آ 48). لا يشير الموظّف إلى أنه لا يستحقّ، ولكنّه يشدّد على يسوع لكي يأتي. هو لا يدعو المعلّم إلى أن يشفي له ابنه بكلمة واحدة. ثم إن يسوع لا يمتدح ايمانه، بل يطلب منه هذا الإِيمان قبل أن يطلقه إلى بيته. حين أطاع الوالد البائس بدأ يؤمن (آ 50). عاد إلى البيت فعلم وهو في الطريق بشفاء ابنه (آ 51). حينئذ بلغ إلى ملء الإِيمان مع كل أهل بيته (آ 53).
أمّا الفرق البارز بين يوحنّا ومتّى ففي مت 8: 11- 12. ونلاحظ أيضًا أن "بايس " هو مُقْعد (مخلع) في مت 6:8 . أمّا يوحنا فلا يحدّد مرضه، شأنُه شأنُ لو 2:7.
ولكن الإِختلافات عديدة بين يوحنّا ولوقا: عند لوقا، المريض هو ابن الضابط، وعند لوقا هو عبدُه. لا يتحدّث يوحنّا عن وفد الشيوخ ثم الأصدقاء إلى يسوع. وأخيرًا، إن لوقا لا يعلن شفاء المريض حين يُطلَق الضابط، كما في متّى ويوحنّا.

ثالثًا: تفسير هذه المُعطَيات
شدّد التأويل القديم على الإختلافات بين يوحنّا والإزائيّين، واستنتج أن ما يرويه يوحنّا غير ما يرويه متّى ولوقا. ولكن هذا الرأي قد تعدّاه الزمن.
والشُرَّاح المعاصرون يتوافقون على القول إن الإِنجيليّين الثلاثة يقدّمون نفس الواقع حسب تقليد أخذ به الإِِزائيّان كما أخذ به يوحنا.

ج- قراءات ثلاثٌ للحدَث.
إذن، تُقدّم الأناجيل ثلاثَ قراءات مختلفة لحدَث ضابط كفرناحوم. وسنحاول أن نحدّد المعنى الذي أعطاه كلّ إنجيليّ لهذا الحدث في إطار كتابه وتفكيره.
قدّم متّى في الخُطبة على الجبل أمانَةَ يسوع للشريعة (مت 5: 17- 19) وسلطته الجديدة عليها (مت 5: 20- 48). ثمّ أورد سلسلة من المعجزات دلّت على قدرة المعلّم. وتقف المعجزتان الأولَيان أمام الشريعة: لا يخاف يسوع أن يلمس الأبرص (مت 3:8)، رغم أن الشريعة تعتبره نجسًا (لا 13: 45- 46). ثم يرسله إلى الكاهن ليتبينّ شفاءه فيسير حسب الشريعة (لا 2:14- 3). ويتعجّب يسوع أيضًا من الضابط الذي يطلب منه أن يدخل إلى بيته النجِس (لأنه بيت وثنيّ) (مت 7:8)، ثم يتعرّف إلى إيمان هذا الوثنيّ، بل يعلن أن هذا الإِيمان هو أعظم ما وجده في إسرائيل. ويتنبّأ بدخول الوثنيّين إلى ملكوت الله ونبذ إسرائيل (مت 8: 11- 12). إذن، يبدو الضابط كالسابق والممثّل لكل الوثنيّين. إن متّى ينظر إلى وضع المسيحيّة في عصره: رفض إسرائيل الرسميّ الانجيل، فانتشر الإِنجيل في العالم الوثنيّ. وأنهى خبره مؤسّسًا شفاء المريض على إيمان الضابط.
ما يهمّ لوقا في هذا الخبر ليس الشريعة التي لم يتكلّم عنها في الخطبة السابقة بل لقاء وثنيّ مع يسوع. هو يعرف الصعوبة التي يلاقيها وثنيّ ليستقبله يهوديّ. ويبيّن أيضًا في سفر الأعمال أن الإِنجيل وصل إلى الوثنيّين عبر إسرائيل: فالمبشّرون الأوّلون كانوا كلّهم يهودًا، وقد بدأوا تبشيرهم في المجامع اليهوديّة حتى في المدن الوثنيّة. هذا ما يفكّر به لوقا حين يرينا "شيوخ اليهود" يتدخّلون لدى يسوع من أجل وثنيّ. وإن شدّد على طيبة الضابط تجاه اليهود (7: 5) فهو لا يريد أن يبينّ حسنات الوثنيّ بقدر ما يشير إلى العلاقات الطيّبة بين اليهود والوثنيّين خلال حياة الكنيسة الأولى (صورة مختلفة عمّا عند بولس الرسول، رج أع 11: 22- 24، 27- 30؛ 15: 1- 35؛ 17:21- 26). فمِحْور الخبر عنده كما عند متّى هو الحوارُ الذي فيه يتفجّر إيمان الضابط. ففي نظره كما في نظر بولس، يصل الإِنسان إلى الخلاص بالإيمان (12:8، 50؛ أع 9:14؛ 16: 31). وأخيرًا، حين أعلن يسوع أن إيمان الوثنيّ أعظمُ من الإِيمان الذي وجده في إسرائيل، فهو يفكّر (مثل متى) بتقبّل العالم الوثني للإِنجيل. ولكن لوقا لا يقسو على إسرائيل مثل متّى، لأنه ليس منخرطًا كالإِنجيليّ الأوّل في الحرب ضدّ المجمع. كما أنّه بيّن مرارًا في سفر الأعمال يهودًا يؤمنون بالإِنجيل.
ويحتفظ يوحنا في خبره بعدّة سِماتٍ نجدها عند متّى ولوقا، غير أنّه يعطيها اتّجاهًا مختلفًا. إن ركّز الخبر على إيمان الضابط (48:4- 50، 53)، فهو لا يعارض بين إيمان الوثنيّين وإيمان بني إسرائيل. فالموظف الملكيّ يبدو يهوديُّا. ويسوع يوجّه كلامه إلى إسرائيل أكثر منه إلى أب قلِق فيَلُومه لأنّه يتطلّب الآيات والمعجزات لكي يؤمن (آ 48).
بالإِضافة إلى ذلك، يتحدّث متّى ولوقا مطوَّلاً عن إيمان الضابط قبل جواب يسوع وشفاء الغلام (بايس). أمّا يوحنّا فلا يتكلّم عن إيمانه إلاَّ بعد كلمة يسوع (آ 50). فيدلّ على أن آية يسوع تقود الأب إلى الإِيمان الكامل. أخيرًا، يلاحظ يوحنا ثلاث مرّات أننا أمام طلب بأن "يحيا" (آ 50، 51، 53) الولد: هذا هو المكان الوحيد الذي لا يدل فيه هذا الفعل على الحياة الأبدية. إذن، يبدو من المعقول أنّه يريد أن يقدّم الموضوع المركزيّ للإِيمان بيسوع، ينبوعِ الحياة الأبديّة. فمسألة العلاقات بين اليهود والوثنيّين هي مهمّة جدًّا في نظر متّى ولوقا، وثانويةٌ في نظر يوحنا. لقد صارت مسألة من الماضي في أيّامه. أمّا المسألة الأولى في نهاية القرن الأوّل فهي مسألة الإِيمان.
أصغى الإِنجيليّون الثلاثة إلى مشاكل عصرهم. وحين أرادوا أن يقدّموا لها جوابًا عادوا إلى التقليد الواحد الذي يربِطُنا بيسوع المسيح.
الفصل الثامن والثلاثون
إحياء ابن أرملة نائين
11:7-17

أقام إيليّا ابنَ أرملة صَرفتِ صيدا، وأقام يسوعُ ابن أرملة نائين. فالمقابلةُ واضحة بين العمَلين، ولوقا يستلهم خبر سفر الملوك الأوَّل (ذكره في 25:4 ي) ليدوّن خبرَه، وليقدّم لنا يسوعَ على أنّه إيليّا الجديد. ولكنّه يشير أيضًا إلى أنّ نبيَّ الجليل يتجاوز سابقه بما لا يُحَدّ. هذا ما نكتشفه خلال هذه الدارسة.
ينتمي الخبر إلى تقاليد خاصّة بلوقا. هل تعرَّف إليه حين كان مع معلّمه بولس في قيصريّة، حوالي سنة 55- 66؟ إِستفاد من هذه الإقامة الجبريّة فزار داخل البلاد وأخذ معلومات من شهود يسوع في الجليل، وقد تكون أرملةُ نائين انضمّت إلى حلقة النساء التقيّات اللواتي تعرّف إليهنّ لوقا بصورة خاصّة (8: 1 - 3؛ أع 39:9- 41). وقد يكون لوقا أفاد من مراجع مكتوبة وصلت إليه (رج آ 13 والحديث عن شفقة يسوع مع عبارة "وقال لها"). كلّها افتراضات لا نستطيع التحقّق منها، وبالأخصّ الافتراضان الأوّلان. والافتراض لا يُنافِى الآخر. ومهما يكن من أمر، فما هو أكيد هو أنّ لوقا حصل على معلومات ثمينة، وطبع هذا الخبر بأسلوبه وأغناه بالمواضيع التي كان يحبّها.

أ- توطئة لدراسة النصّ
1- الخبر كما دخل في الإِنجيل.
الخبر موجَزٌ وطبيعيّ. لا تفاصيلَ غريبةً تبعدُنا عن المعقول، ولا نجد عرضًا مصطنعًا أو معقّدًا. لا تعظيمَ مجانيًّا لصانع العجائب هذا. إنّ يسوع يقيم ميْتًا بكلمة بسيطة، وهذا ما يدلّ على تساير سلطانه. وإذا كان كل شيء يهيّئنا لكي نتعرّف إلى المخافة الدينيّة التي تحرّك المشاهدين، وإلى مديح الله، وإلى إعلان الزيارة الإِلهيّة ("تفقّد الله شعبه ") التي تطرح السؤال حول هويّة يسوع النبيّ، فنحن لا نُحسّ بأي تصنّع أو مناورة مسبَّقة: إن الظرف المباشر للمعجزة هو شفقة يسوع العفوّية (آ 13: "فلمّا رآها الربّ أشفق عليها").
هذا من جهة. ومن جهة ثانية، جُعلت المعجزة في نائين وهي قرية لا تزال تحمل إسمها اليوم، وهذا ما يجذّر خبر إقامة الميت تجذيرًا ثابتًا في التقليد الفلسطينيّ. نشير هنا إلى أنّ نائين لم تذكر في العهد القديم، ولا عند المؤرّخ يوسيفوس، ولا في العهد الجديد، ما عدا النصَّ الذي نقرأ. إذن، لم يعرف لوقا بواسطة التوراة بوجود هذه القرية المغمورة التي يسمّيها "مدينة". إن موقع معجزة أليشاع (2 مل 8:4- 37) هو في شونَم، القريةِ القريبة نائين. ولكن قد يكون التقارب بين القريتين أمرًا عرضيًّا.

2- الأسلوب
هاتان الملاحظتان السابقتان تجعلان المؤرّخ يضع ثقته في جوهر الخبر العجائبيّ. ولكنّ طريقة الرواية هي خاصّة بلوقا. فنحن نجد مواضيع "تمجيد" الله، يسوع النبيّ، تفقّد الله لشعبه. وهي مواضيع عزيزة على قلب لوقا. والمَيْت هو "إبن وحيد" (آ 12) كما أنّ إبنة يائيرس هي وحيدة (42:8؛ مت 9: 18: "ماتت ابنتي "؛ مر 23:5: "ابنتي الصغيرة")، وكما أنّ الابن المصروع هو وحيد (38:9: "ولدي الأوحد"؛ مت 17: 15: "ارحم ابني "؛ مر 9: 17: "جئت إليك بابنيّ ") عند لوقا.
وتحدّث لوقا عن النعش (التابوت) (آ 14)، ولا نعشَ في إسرائيل كما في أماكن عديدة في هذا الشرق. قد يكون لوقا أراد أن يتكيّف وعاداتِ أهل اليونان، أو قد يكون جاهلاً للعالم الفلسطينيّ. نشير هنا أيضًا إلى "قرميدات " بيت كفرناحوم (5: 19)، وإلى أساسات بنيت بين البيت والصخر (47:6- 49)، وإلى سهل يجري فيه نهر حقيقيّ (48:6- 49)، وإلى سراج لا يوضع في "قبو" (مخبأ، مكان خفيّ) (33:11). إن كلمة "نعش " (سوروس في اليونانيّة) تدلّ على وعاء مُغْلَق، ولا يمكن أن تشير إلى المَحمِل الذي يضع عليه أهل فلسطين موتاهم ولا يغطّونهم. في تك 26:50 حسب السبعينية تقابل "سوروس " كلمة "أرون " التي تدلّ على صندوق وُضع فيه يوسف قبل أن يُدفن على الطريقة المصرية.
وأخيرًا، إن لوقا يتتبّع خبر معجزة إيليّا في صرفت صيدا (1 مل 17:17- 24). ففي الحالتين نحن أمام ابن وحيد لأرملة، والحدَث يحصل عند باب المدينة، والولد يسلَّم إلى أمّه، صانع المعجزة يسمَّى "النبيّ " (لوقا) أو "رجل الله " (1 مل).

3- قرائن النصّ.
لا نستطيع أن نكتشف هنا توسيعًا منطقيًّا أو هدفًا لاهوتيًّا خاصًّا بلوقا في ترتيب ألقِسم الثاني من إنجيله (3: 1- 9: 50) الذي يحدّثنا عن رسالة يسوع في الجليل (بعد 14:4): إن لوقا يتبع مرقس وُيقحم أخبارًا خاصّة به تشكّل "القاطعة الصغيرة" (6: 20- 8: 3).
داخلَ هذه القاطعة تبدو موحَّدةً مختلفُ عناصر ف 7 الواقع بين خُطبة السهل (6: 20- 49) وأوّل تعليم بالأمثال (8: 1- 21). نحن أمام قدرة يسوع المسيحانيّة والمتسامية وهو الذي يشفي خادم أحد الضبّاط (7: 1ي) ويقيم ابن أرملة نائين، فيحقّق بهذه الصورة المعجزات التي أنبأ بها أشعيا (جواب إلى يوحنا المعمدان، 18:7 ي؛ أش 61: 1). وهو الذي يغفر بسلطانة للخاطئة التي انكبّت على قدميه تقبّلهما (36:7 ي).
وفي الوقت عينه تُصوَّر مُختلف ردّات الفعل عند أناس واجهوا هذه القدرة العلوّية، هذه الزيارة (التي بها تفقّد الله شعبه) التي هي عمل يسوع: إيمان الضابط الوثنيّ ("ما وجدتّ مثل هذا الإِيمان حتى في إسرائيل ") وسخاؤه ("بنى لنا المجمع")، تذمّرات المتشكّكين الذين رفضوا إرادة الله وجعلوا مخطَّطه من أجلهم باطلاً (7: 30)، تعاطف الشعب بعد إحياء ابن أرملة نائين: "ظهر فينا نبيٌّ عظيم وتفقّد الله شعبه) (16:7)، صراخ "أبناء الحكمة" (35:7) الذين تحرّكهم خشية دينيّة فيرون إصبع الله في نشاط يسوع المليء بالشفقة أو الرحمة (13:7). ولكن الشعب يكتشف كلّ ما في عمل يسوع السامي من غنى. وسيقول لنا يسوع إن لقب نبيّ لا يكفي (رج 19:9).
إذا كان مُجْمَل ف 7 يلقي ضوءًا على خبر نائين، إلا أنه يبدو من الممكن أن نحدّد بُعده على ضوء رباطه المباشر مع المقطوعة التي تتحدّث عن الوفد الذي أرسله يوحنا المعمدان (18:7 ي). لقد أَقحم لوقا خبر إحياء ابن الأرملة قبل هذه المقطوعة التي فيها يجيب يسوعُ السابقَ "إن الموتى يقومون " (آ 22) فهيّأ وبرّر مسبَّقًا أقوالاً بعثها يسوع إلى يوحنا. هذا الافتراض تثبّته آ 21: إهتمّ لوقا بتبرير جواب يسوع المتعلّق بالطَرش والصُمّ (كوفوس) الذين يسمعون، والعميانِ الذين يبصرون. وهكذا رأى مبعوثا يوحنا بأعينهما سلسلة من الأعمال العجائبيّة. إختلف متّى (3:11) عن لوقا، فروى شفاء العُميان (مت 27:9- 31) وشفاءَ ممسوسٍ أخرس (مت 32:9- 34). أمّا لوقا، فما أورد بعدُ معجزاتٍ من هذا النوع. أمّا إقامة ابن نائين فتُعفيه من التحدّث عن إقامة الموتى في البيان العامّ في آ 21، وهذا ما يبرّر بما فيه الكفاية جواب يسوع.
وهكذا نُدفَع إلى البحث في هذا الجواب عن مدلول معجزة نائين. إن متّى جعل حدَث إقامة ابنة يائيرس (مت 18:9- 26) الذي يسبق البيان إلى يوحنا المعمدان، يلعب هذا الدور. لهذا، فهو يُلغي الأمر بالصمت (مت 9: 26: "وانتشر الخبر في تلك الأنحاء كلّها"؛ ق مر 5 :43: فأوصاهم يسوع بشدّة أنْ لا يعلم أحدٌ بما حدَث") الذي يحتفظ به لوقا (56:8: "أوصماهما بأن لا يُخبرا أحدًا بما جرى").
تحيَّر المعمدان من أسلوب يسوع في العمل، فتساءل هل هو ديّان نهاية الأزمنة، فأرسل اثنين من تلاميذه. فأجاب يسوع مصوّرًا معجزاته ونشاطه التبشيريّ لدى المساكين " في ألفاظ مأخوذة من أشعيا (61: 1؛ رج 35: 5- 6، 8؛ 19:26؛ 18:29- 19): لم يأتِ الوقت بعد (وقد لا يأتي أبدًا بصورة حصريّة ورئيسيّة) لغضب الله كما انتظره المعمدان وأعلنه للذين يرفضون أن يؤمنوا. ما يتحدّث عنه أشعيا هو ساعة يسوعَ صانعِ المعجزات والمبشّر بالرحمة. أمّا فيما يتعلّق بإقامة الموتى، فالجواب يعود إلى أش 26: 19: "الموتى يقومون، والذي هم في القبور يستيقظون ". وإن لوقا يرى في معجزة نائين تحقيقًا لهذه النبوءة.
وبهذه المعجزة التي ترتبط بجواب يسوع إلى مبعوثي يوحنا، يكمّل لوقا بالرسم والصورة لوحةَ رسالة يسوع المسيحانيّة في مشهد الناصرة التدشينيّ: إن الاستشهاد الطويل من أشعيا حول الذي مُسح واوكلت إليه مهمّة تبشير المساكين، وإعادة النظر إلى العميان والحريّة إلى المظلومين (اش 61: 1- 2= لو 18:4- 19) قد وجدت الآن ما يبرّرها.
هذا الاستشهاد خاصّ بلوقا. وهناك مقطعان آخران خاصّان بالإِنجيل الثالث، يستعيدان تعديدًا مماثلاً يستلهم إشعيا: "المساكين، العُرج، الجدع، العميان " (لو 13:14، 21؛ ق مت 22: 10) هم المميّزون في الملكوت. تهنّئهم التطويبات اللوقاوّية. هم تعساء "الآن " ولكنهم سينالون السعادة.

ب- قيامة شابٍّ من نائين (آ 12- 15)
بعد مقدّمة (آ 11) حدّدت موقع الحدَث وحدّثتنا عن يسوع السائرِ في الطريق مع التلاميذ والجموع الغفيرة، جاءت آ 12- 15 فروَت المعجزة في حدّ ذَاتها.

1- شفقة يسوع
إذا عُدنا إلى الرَسمة الكلاسيكيّة لأخبار المعجزات، نجد في هذه المقطوعة ذِكرًا لواقع الشرّ، ولتدخّل يسوع الفاعل بطريقة سامية، ولردّة الفعل عند المشاهدين. يشير لوقا إلى واقع الشرّ بكلمة واحدة: نحن أمام ميْت وهو وحيد أمّه. إنّه موضوع على مَحمِلٍ جَنائزيّ. إنّهم ذاهبون ليدفنوه، وقد جاوزوا باب المدينة وبدأوا يتوجّهون إلى البريّة.
وُيبرز لوقا الطابعَ المفاجئ والحقيقي للقيامة بشكل يَلفِت النظر: أطلق يسوع أمرًا قصيرًا ولكن قاطعًا، فاستوى المَيْتُ جالسًا. وأخذ يتكلّم. إنَّه حيّ. 
ولكن أَغفل الإِنجيل هنا عنصرًا تعوّدنا أن نجده وهو الإِيمان الذي يُطلَب قبل المعجزة. يلمّح إليه النصّ حين يقول إن حاملي النعش توقّفوا ساعةَ لمسَه يسوع. فلا شيء يُبعد انتباه القارئ عن شفقة صانع المعجزات، وقد شدّد عليها الكاتب بلباقة حين رتّب الخبر ترتيبًا يعطي المشهد شَحنةً قويّة من التأثّر والاحساس: نحن أمام امرأة، أرملة، تبكي بكاءً مرًّا، تدفن ابنها، ابنَها الوحيد، الذي لم يزل في ريَعان الشباب. أحسّ يسوع بهذا التأثّر يدخل الى أعماقه.
لا شكّ في أنّ لوقا أراد أن يقدّم هذه المعجزة على أنها التعبير الأكمل عن الشفقة عند يسوع. وإذا قابلنا خبر شفاء المصروع في 37:9- 43 مع ما يوازيه في متّى (14:17 - 18) ومرقس (14:9- 27)، نجد أنّنا مع صلاح وحنان يدهشنا. والعبارة "سلّمه (ردّه) يسوع إلى أبيه " تذكّرنا بما نقرأ في 7: 15 (سلّمه إلى أمّه) التي تستلهم الخبر البيبليّ عن إقامة ابن أرملة صرفت صيدا. والخبر اِلبيبليّ عينُه قد ألهم أيضًا أع 9: 36- 42 (إقامة طابيثة). نحن أمام قالبٍ واحد تَدخل فيه أخبارُ مثل هذه المعجزات.
إنّها المرّةُ الوحيدة التي فيها ينسب لوقا إلى يسوع بصورة مباشرة عاطفةَ الشفقة. ولهذا استنتج بعضُ الشُرّاح أنّه عاد إلى مَرجِعٍ سابق. ولكنّه إن عاد فقد أخذ مُعطَياته على عاتقه. وحين صوّر لوقا بلسان يسوع رحمة (شفقة، حنان) الله على شكل رحمة أبٍ لابنه العائد (15: 20)، فقد أراد أن يبينّ رسالته كمخلّص رحوم تبدو عنايتُه بالخطأة العلامةَ الفاعلة لاهتمام الله بهم.
الفعل المستعمل عن الشفقة هو "سْبَلانخنيزاستاي" النادر الوجود في السبعينية. إنّه يقابل في العِبريّة والعربية "رَحْم (سبلنخنون). وهو يدلّ على عاطفة قوّية، على شعور يُمسك بمجامع الإنسان (كما في مَخاض). إن أَلم الأمّ المسكينة ولَّد في يسوع شعورًا من هذا النوع. ولكن اعتاد لوقا أن يتجنّب الإشارة إلى عواطف يسوع، كما يقول ريغو (رج مت 36:9؛ 14: 14؛ 15: 32؛ 18: 27، 30، 34؛ مر 6: 34؛ 8: 2؛ 9: 22؛ لو 10: 33؛ 15: 20). لهذا فسِياقُ الخبر واستعمال الكلمات يدعُواننا إلى تجاوز المعنى البشريّ المَحض، لنكتشف عَبْرَ حركة إحساس صحيحة، علامةً عن رسالة يسوع المسيحانيّة: إذ جاء يخلّص الإِنسان من شقائه، كشف له هذا الحنان الإِلهيّ الذي تكلّم عنه العهد القديم بصورة مؤثّرة (هو 25:2؛ إر 31: 20؛ مز 8:103- 13؛ أش 7:54).
وشفقة يسوع هذه التي هي علامة فاعلة تدلّ على شفقة الله الذي يدشّن ملكه، تتوجّه إلى الجموع عامّة (مت 9: 36)، ولكن بصورة خاصّة إلى المميّزين في الملكوت أي الفقراء والمرضى والخطأة؛ أمّا الذي نعِمَ بهذه الشفقة هنا فهو أمرأة، كما أنّ التي سيغفر لها فتبدو مثالاً للحبّ هي امرأةٌ أيضًا (36:7- 50؛ رج 2:8). إن لوقا يهتمّ بصورة خاصّة بالنساء اللواتي هنّ موضوعُ رحمة الله. وقد لفتَ نظرَه حنانُ يسوع تجاه كل الذين احتقرهم العالم القديم، كالخطأة والنساء والغرباء، وشدّد على أنّ المرأة هي أيضًا مدعوّة إلى ملكوت الله. إليها يتوجّه خبر الخلاص المُفْرح الذي حمله المسيح إلى الفقراء، كما يتوجّه إلى كلّ الضعفاء في هذا العالم.

2- إقامة مَيْت، علامة إسكاتولوجيّة
لقد دلّنا درسُ السِياق على أنّ لوقا جعل من حدث نائين تبريرًا مسبَّقًا لجواب يسوع إلى يوحنا: "الموتى يقومون " (آ 22). فقيامة هذا الشابّ تشكّل منذ الآن علامة كبرى عن حلول الأزمنة المسيحانيّة وعن هوّية يسوع الذي هو الأتي (آ 19). ولكننا نودّ أن نخطو خُطوةً أخرى.
إنّ لوقا الذي يَروي خبرَيْ إقامة موتى اضطلعَ بهما المسيح (إبن أرملة نائين، وإبنة يائيرس: 8: 40- 56)، بينما لا يروي متى ومرقس إلاّ خبرًا واحدًا (إبنة يائيرس)، كما يورد إقامة طابيثة بيد بطرس (أع 36:9- 43) وإقامة أفثيخس على يد بولس (أع 7:20- 12)، يريد أن يذكّر المسيحيّين كما فعل يوحنا بمناسبة إقامة لعازر، أنّ يسوع هو "القيامة" (يو 11: 25) وأنّ كلّ الذين يؤمنون به سيقومون في اليوم الأخير. ونحن سنسير على خطاه ونصدّقه خصوصًا حين نعرف أنّ بين النصّين الوحيدين اللذين يكلّماننا بوضوح عن قيامة الأبرار، واحدٌ هو خاص بلوقا (14: 14: "تكون مكافأتك في قيامة الصدّيقين") والثاني يتوسع فيه لوقا بشكل مبتكَر. نعود هنا إلى الجدال مع الصادوقيّين (0 27:2- 38). هناك زيادتان رئيسيّتان في آ 36: "ولا يمكن من بعدُ أن يموتوا لأنّهم يكونون مثلَ الملائكة، وأبناءُ الله يكونون أبناءَ القيامة) وآ 38: "وليس هو إلهَ أموات، بل إلهُ أحياء، لأنّ الجميع يَحيَون له ". نحن لا نستحقّ حقًّا اسم "ابن الله" الذي ينسبه العهد القديم إلى الملائكة، إلاّ إذا صرنا بالقيامة شبيهين بالملائكة (آ 36). إنّ الله يبقى دومًا أمينًا للذين خدموه بأمانة مثل الآباء: "الجميع يَحيَون له" (آ 38) حين يؤمنون به على هذه الأرض (رج غل 2: 19) أو يستمرّون بالاتّحاد به عَبْرَ الموت (رج روم 6: 10).
لا شكّ في أنّ إقامة شابّ نائين كانت للوقا ولقرّائه رمزًا ينبئ بالقيامة المجيدة. ولكن هذا لا يُفهَم إلاَّ على ضوء الفصح. وهذا ما يشير إليه لوقا حين يسمّي يسوع "الربّ " (كيريوس، آ 13). فالمسيحيّ وحدَه، والمؤمنُ الذي بعد الفصح، يستطيع أن يفهم أنّ معجزة يسوع هذه على الأرض هي انعكاس مسبَّق للحياة الجديدة التي ستُعطى لنا على صورة المسيح القائم من الموت وبفعله، والتي ستكون أبعدَ ما يكون عن استعادة مؤقّتة لحياة فاسدة.
ومن جهة أخرى، إنّ فعل "إيغايراين " (آ 14: ايغارتاتي: قم) لا يدلّ فقط في اللغة المسيحيّة الأولانيّة (التي أخذ بها لوقا) على قيامة المسيح (رج 1 كور 15: 4؛ أع 3: 15؛ 5: 30؛ 37:13؛ لو 24: 6؛ مر 16: 14) وعلى قيامة المختارين في نهاية الأزمنة (37:20؛ رج 22:7). إنّه ينطبق أيضًا على اليقَظة الروحيّة التي يحقّقها العِماد، وهذا ما يشهد له النشيد الليتورجي القديم الذي نقرأه في أف: 14:5: "استيقظ أيّها النائم وقُم من بين الأموات فيضيءَ لك المسيح " (رج كو 12:2؛ 3: 1). نحن لا نقول إنّ أصل خبر لوقا يعود إلى شعائر العبادة. ولكنّنا نعتقد أنّه أشار في الوسَط اللوقاويّ إلى القيامة العِماديّة التي هي باكورة الحياة الأبديّة.

ج- وبعد حدَث القيامة (آ 16- 17).
نحن نجد ذروة الخبر في آ 16 التي تشير إلى بُعد المعجِزة. وتشكّل آ17 امتدادًا لها. لم يكتفِ يسوع بأن يجفّف دموع أمٍّ ثَكْلى. فلقد فهِمَ كلّ المشاهدين أنّ نبيًّا عطيمًا قام بينهم، وأنّ رأفته تدلّ على رأفة الله. الله قد "افتقد" شعبه (لاؤس، كلمة بيبلية تتوارد في لو وأع) كلّه. أعدّنا لوقا لنفهم منذ المقدّمة نتائج
هذا العمل، فأحاط يسوعَ بتلاميذه وجمعٍ يتوجّه إلى نائين. والتقى جمعان يسيران الواحدُ باتّجاه الآخر، فيلتقيان قرب الباب، ويشاهدان معًا الحدَث: وهكذا نفهم أن تكون فلسطين كلّها مع البلدان المجاورة قد عرَفت بالخبر.

1- إفتقاد الله.
إنّ الخوف المُفْعَم بالاحترام (وهو شكل ملتبس لديانة صريحة) يمسك بالجمع أمام هذا الظهور الإِلهيّ العجيب (إقامة مَيْت) ويدفعه إلى تمجيد الله لأنّه أقام فيهم نبيًّا عظيمًا. لقد عرف الإِزائيون الثلاثة (مر 12:2؛ مت 8:9؛ 15: 31) تمجيد الله بعد المعجزة، وبصورة خاصّة لوقا الذي ينهي معجزة مخلّع كفرناحوم بالقول: "وانطلق إِلى بيته وهو يمجّد الله. فدهشوا جميعًا ومجّدوا الله، وقالوا وقد امتلأوا خوفًا: لقد رأينا خوارق " (25:5- 26؛ رج 16:7؛ 13:13؛ 15:17 ؛ 43:18؛ 47:23). ولكنّنا نتوقّف هنا عند مضمون التمجيد: "قام فينا نبيّ عظيم وافتقد الله شعبه ".
هناك موازاةٌ بين قيام النبيّ وافتقاد الله. لا شكَّ في أنَّ القسم الثاني من العبارة مفتوح على فهم أوسع ممّا في القسم الثاني، إلاّ أنّ لوقا يحاول أن يرينا في كلا القسمين مضمونًا إيجابيٍّا ونقصًا خطيرًا.
إن موضوع افتقاد الله (أو المسيح) يَبرز أربع مرّات عند لوقا، ومرّةً واحدة في سائر العهد الجديد. فهو في التوراة اليونانيّة يرتبط بكلمتي إبسكبتوماي، إبسكوبي اللتين تقابلان "فقد" وغيرها في العبريّة وتعنيان: راقب، لاحظ، سهر على، أحصى، عاقب... نحن في بعض المرّات أمام الدينونة الأخيرة (حك 7:3، 13؛ 1 بط 12:2)، ولكنّنا بالأحرى أمام تدخل إلهيّ مُهمّ في تاريخ إنسان أو شعب. حين "يفتقد" الله على هذه الصورة، فهو يريد أن يسبر قلب "الإِنسان ويمتحنه " (مز 3:17؛ حك 1 :6) أو بالأحرى أن يعاقبه (خر 32: 24؛ أش 10: 3؛ 23: 17؛ إر 6: 15؛ 9: 24؛ 10: 15؛ 11: 22- 23؛ مز 6:59؛ زك 3:10)، أو يخلّصه. في هذا المعنى الأخير، يفتقد الله امرأة ليمنحها ولدًا (تك 21: 1؛ 1 صم 12:2). ويفتقد شخصًا دلّ على أمانته له (إر 15:15؛ أي 12:10؛ مز 106: 4). ولكنه يفتقد بصورة خاصّة شعبه فيخرجه من مصر (تك 24:50؛ خر 16:3؛ 4: 31؛ 19:13). أو يعيدُه من المنفى البابليّ (إر 36)10 حسب السبعينيّة؛ 10:29 حسب العبريّة، حز 34: 11- 12؛ مز 80: 15؛ زك 3:10؛ يه 33:8). وهناك حسنات تاريخية أقلّ أهميّةً تسمّى زيارات الله وافتقاده: مثلاً را 1: 6: "سمعت نُعمي أنّ الرب افتقد شعبه ". هي عبارة قريبة ممّا نقرأهنا في لو 16:7.
ولكنّ لوقا الذي يقتدي بالسبعينيّة اقتداءً بارعًا، كان باستطاعته أن يترك عبارة راعوت. فإنّ 16:7 موجود في النشيد المسيحيّ المتهوّد الذي وضعه في فم زكريا، والد يوحنا المعمدان: "مبارك الربّ إله إسرائيل، لأنّه افتقد شعبه وأجرى لهم فداء" (68:1). نحن أمام الفداء المسيحانيّ الذي بدأ يتحقّق، والذي كان التحرير من مصر وبابلونيا صورةً عنه: فافتقاد الله هو عينُه افتقاد الكوكبِ الشارق (1: 78) أي المسيح.
ولكن هل تعرّف الجمعُ في نائين إلى مسيحانيّة يسوع ورسالته؟ هذا ما نشُكّ فيه حين نلاحظ مسيرة الإِنجيل فنصل إلى تأؤه يسوع وتحسُّره: "لم تعرفي وقت افتقادك " (19: 44) (أي الوقتَ الذي فيه افتقدك الربّ، يا أورشليم). 
دعا لوقا قراءه لينضمّوا إلى هذه الجوقة الممجّدة فيعلنوا إيمانهم المسيحيّ، ولكنّه لا يخفي سوء التفاهم الدراماتيكيّ الذي يفصل يسوع عن محيطه، فيما يخصّ صفتَه كنبيّ، وطبيعةَ زيارةِ الله وافتقادِه.

2- يسوع نبيّ ومسيح.
تعرّف الجمع إلى افتقاد الله في ظهور نبيّ يستطيع أن يقيم الميت، كما فعل إيليّا وأليشاع في الماضي. وهكذا دلّ على بداية إيمان، وانفرز عن أصحاب النوايا السيّئة، مثلَ سمعان الفرّيسي الذي رفض أن يسمّي يسوع نبيًّا (39:7). إنّ لوقا يشدّد على الوُجهة الإِيجابيّة لهذا الموقف: لقد أشار بسِمات تدوينيّة مختلفة أنّ الإِقامة التي تمّت في نائين جعلت من يسوع إيليّا الجديد. وشدّد في مكان آخر على وعي يسوع أنّه النبيّ. قال يسوع: "لا بدّ من أن أواصل السير اليومَ وغدًا وما بعدَه، إذ لا يليق أن يهلك نبيٌّ خارج أورشليم " (33:13، عبارة خاصّة بلوقا).
ولكن لا يكفي أن نتوقّف عند هذا الحدّ في نظر لوقا وقرّائه. هو لم يستعمل لفظة النبيّ (رج يو 1: 21) الذي يدلّ على المسيح، على موسى الجديد الذي أنبأ به تث 15:18- 18، ولكنّه يشير على ما يبدو، إلى هذه الكرامة فيقول نبيّ "عظيم ". ولكنّ الجمع الذي ينظر إلى المسيح نِظرةً وطنيّة وأرضيّة، لا يستطيع أن يرتفع إلى هذا المستوى. فهو يَحسِبُ يسوعَ يوحنا أو إيليّا أو نبيُّا قام من بين الأموات (7:9- 8؛ 9: 19): ليس افتقادُ الله له بَعدُ "افتقاد الكوكب المُشرق " (78:1). فالتلاميذ وحدَهم سيرَون قريبًا (في 7: 11 يميز لوقا بين التلاميذ والجمع) في يسوع المسيحَ، وسيعلنه بطرسُ كذلك باسم الجميع (9: 20): "أنت مسيح الله ".

3- يسوع الخادم والربّ.
إنّ إيمان التلاميذ السابقَ للفصح، الذي أعلنه بطرس، قد صوّره لنا لوقا في خبر تلميذَي عمَّاوس اللذين حلَما بكآبة بهذا "النبيّ المقتدر في الفعل والقول " والذي أسلمه رؤساء الكهنة إلى الموت (24: 19). والموازاة مع أع 7: 22 تجعلنا نفسّر هذه العبارة بالمعنى المسيحانيّ ونطبّق على يسوع نص تث 18 حول النبيّ الشبيه بموسى.
ولكن لا يكفي أن نرى في يسوع موسى الجديد والمحرّر المسيحانيّ والإِسكاتولوجيّ. يبقى علينا أن ننفتح على مخطّط الله المتعلّق بالتحرير الموعود به، وعلى الطريقة الغريبة التي بها يتمّ يسوع هذا التحرير. وهذا ما كان. فحالاً، بعد إعلان بطرس لمسيحانيّة يسوع، كشف يسوع لأخصّائه ضَرورة الصليب والقيامة: "يجب على ابن الإِنسان أن يتألمّ ويُحكم عليه بالموت ويقوم (22:9؛ رج 18: 31- 33). فهذا هو مخطّط الله كما رسمته الأقوال الإلهيّة حول نبيّ الله وعبده. فإن رأينا في يسوع، شأنُنا شأن جمعِ نائين، نبيًا يصنع المعجزات مثل إيليّا، بقِينا على المستوى السطحيّ للسرّ. وإنّ أعلنّا مع بطرس والتلاميذ أنّه "مسيح الله "، نكون قد أعلنّا إيماننا ولكن دون أن ندرك طرُق الله كلَّ الإِدراك. فعلى التلاميذ بعد هذا أن يقبلوا بشريعة الفشل والاستشهاد الملتصقة بكل مُهمّة نبويّة (4: 24؛ 33:13- 34). وبصورة أعمق، عليهم أن يكتشفوا في يسوع العبدَ المتألّم والممجّد. ولكن هذا لن يصبح ممكنًا بالنسبة إليهم إلاّ على ضوء الفصح والقيامة.
غير أنّ لوقا يلقي مسبَّقًا هذا النور الفصحيّ على حادث نائين وعلى إنجيله كلّه. فالخبر الذي نقرأ (آ 13) هو الأوّل في سلسلة من النصوص اللوقاويّة، وهو يسمّي يسوع "الربّ " (كيريوس، يهوه) وهو اسم الله في السبعينيّة، وقد طبّقته الكنيسة الأولى (رج مثلا أع 2: 36) على المسيح القائم من الموت فدلّت على سلطانه الشامل الملتصق بوضعه الالهيّ. فاستعمال لقب "ربّ" هو في مكانه، في هذا السياق . الذي يبدو فيه يسوعُ ملتحفًا بسلطة سامية على الحياة والموت، وموضوعَ إيمانِ الكنيسة وعبادتها (فل 2: 10).
إنّ النبيّ العظيم الذي تغلّب على الموت في نائين، هو الذي سيتغلّب على موته الشخصيّ بقيامته. ستتعرّف إليه اليهوديّة (آ 17، أي فلسطين كلّها رج 4: 44. سينتشر الخبر في الجليل وأبعدَ من الجليل) والتلاميذ الحقيقيّون، ولا سيّما تلميذَي عمّاوس اللذَين تذكّرنا مسيرتهما الروحيّة بمسيرة عدد من النفوس الطيّبة التي ستصل إلى اكتشاف يسوع بصورة سامية. ظنّ كليوبا ورفيقه أنّ يسوع هو "نبيّ قدير في القول والعمل " (24: 19). وأمِلا أنّه هو الذي "يخلّص إسرائيل " (آ 21). إنّه المسيح الوطنيّ والمنتقم، موسى الجديد الشبيه بصاحب الخوارق المعارضة لمصر. ولكنّ موته المذلّ جعلهما يتحيّران. فهذا المجهول الذي يرافقهما في الطريق يشرح لهما الكتب ويدلّهما على أنّه "يجب على المسيح أن يكابد هذه الآلام ليدخل في مجده " (آ 26).
إنّ دراما الجلجلة تُتمّ بصورة خاصّة نبوءَة عبد الله الذي حدّثنا عنه أشعيا فدلّ على أنّ استشهاد العبد المتألّم وصل به إلى الرفعة والمجد (أش 13:52 حسب السبعينيّة؛ أع 13:3). فهذا الدرسُ الإلهيّ حول تأويل الكتاب المقدّس قد أشعل، قلب التليمذين، فعرفا المعلّم فجأة عند كسر الخبز. ولكنّ يسوع اختفى في تلك الساعة. حينئذٍ عادا بسرعة إلى الأحد عشر الذين أعلنوا لهما: القد قام الربّ حقًّا وظهر لسمعان " (آ 34).
إنّ الكنيسة تعرف الآن أن النبيّ الجليلي العظيم هو عبد الله الذي حرّر العالم من خطاياه. وهي تعرف أنّ افتقاد الله السامي هو فِعلةُ ابن الله المتجسّد وفِعلتُه الفدائيِّة، وأنّ هذا الافتقاد يتواصل حتّى مجيء الربّ الثاني بالعمل المحيي الذي يقوم به الربّ المنبعث. إنَّ الكنيسة تفكّر بكل هذا حين تجمع في تمجيد واحد أهل نائين وفلسطين والمسيحيّين المجتمعين اليوم من أجل كسر الخبز في القداس الالهي.
الفصل التاسع والثلاثون
وفد يوحنا المعمدان الى يسوع
لو 7: 18-23؛ مت 21: 1-6

يَروي متى ولوقا أنّ الناس رأوا يومًا عند يسوع اثنين من تلاميذ يوحنا المعمدان، أرسلهما معلّمهما يسألان يسوع: "أأنت من يأتي أم ننتظر آخر"؟ أجابهما يسوع: "إذهبا وأعلما يوحنا بما سمعتما ورأيتما: العُميُ يبصرون والعُرجُ يمشون والبُرص يطهرون والصُمّ يسمعون والموتى يقومون والمساكين يبشَّرون. وطوبى لمن لا يشكُّ فيَّ ".
ما معنى السؤال الذي طرحه يوحنا، وما معنى جواب يسوع؟ هناك علاقة بين السؤال والجواب، والواحدُ يلقي ضوءَه على الآخر. سنتوقف أوًّلاً عند سؤال يوحنا، وكيف فُسّر وكيف فُهمت عبارة "من يأتي". ثم ننتقل إلى جواب يسوع وما يقوله عن نشاطه الخيّر وعن تحذيره من الشكّ.

أ- سؤال يوحنا.
إنّ سؤال يوحنا يحيّرنا. ألا يعرف شيئًا عن شخصيّة يسوع؟ كيف نوفّق بين وفدٍ أرسله إلى المعلّم مع الأخبار الإِنجيليّة حول تيوفانيا الأردنّ (مت 3: 16 - 17 وز؛ يو 1 :32)، مع إعلانات المعمدان الواضحة في مت 14:3 ويو 1: 29- 34؟ قبل أن نطلب من النصّ الإِنجيليّ حلّ المسألة، نلقي نظرة على الشروح التي قدّمها المؤوّلون، وهي تعود إلى ثلاثة: شكّ مختلق، جهل حقيقيّ. موقفان متطرّفان، وبينهما موقف معتدلٌ يكتشف عند يوحنا المعمدان تردُّدًا ودهشةً ونَفاد صبر.

1- شكٌّ مختلق.
نجد هذا الشرح مرارًا عند الآباء. وها نحنِ نقدّم تأويل القدّيس أغوسطينس: "كان تلاميذ يوحنا يُقدِّرون معلّمهم أَجَلَّ تقدير. سمعوه يشهد ليسوع فدهشوا. وحين قرُبت ساعة موته أراد يوحنا أن ينال تأكيدًا من يسوع نفسه. قال تلاميذ يوحنا فيما بينهم: يوحنا يقول فيه أشياءَ عظيمة، أمّا يسوع فلا يقول شيئًا في يوحنا. قال يوحنا: إذهبوا وقولوا له. لا لأنّي أشكّ وارتاب، بل لتتعلّموا أنتم. إذهبوا وقولوا له: ما قلته لكم دومًا إسمعوه بآذانكم. سمعتم المنادي، تثبّتوا ممّا قاله لكم لدى الديّان. إذهبوا وقولوا له: أ أنت هو الآتي أم ننتظر آخر؟ ذهبوا، وقالوا له ما قالوا من أجل نفوسهم لا من أجل يوحنا.
وقدّم هيلاريون ويوحنا فم الذهب وغيرُهما التفسير عينه الذي لم يعد يأخذ به الشُرّاح المعاصرون. أمَّا فحواه فهو أنّ يوحنا يعرف كلَّ المعرفة أنّ يسوع هو الآتي، وأنْ لا مجالَ لانتظار مسيح آخر. أمّا الشكّ الذي في سؤاله فلا يمثّل فكره الخاصّ، بل فكرَ تلاميذه. تظاهر بالجهل ليقدّم ليسوع مناسبة يشهد فيها بوضوح لمسيحانيّته أمام مرسَلي السابق.
ولكن هذا التفسير يصطدم بمُعطَياتِ النصّ.
أوّلاً: مناسبة الوفد معلومات تلقّاها يوحنا. أعلمَه تلاميذه بنشاط يسوع (18:7أ)؛ "سمع وهو في السجن بأعمال المسيح " (مت 2:11أ). فأرسل تلاميذه منطلِقًا ممّا سمع، لا ممّا طرحه تلاميذُه من أسئلة حول يسوع.
ثانيًا: توجّه يوحنا عَبْرَ تلاميذه بسؤاله إلى يسوع. هو الذي قال. أمّا أغوسطينس فبدَّل النصّ: إذهبوا وقولوا له. في لوقا ردّد الرسولان كلام معلّمهما: "أرسلَنا يوحنا إليك فقال ". السؤال هو سؤال يوحنا. أمّا عند متى، فيبدو يوحنا وكأنّه يتوجّه مباشرةً إلى يسوع دون الحاجة إلى مرسال.
ثالثًا: سأل يوحنا، فأرسل يسوع جوابه إلى يوحنا. فما على الرسولين إلاّ أن ينقلا الجواب: "إذهبا وأَعلما يوحنا". المرسلان هما من الوُسَطاء. أمّا السائل الحقيقيّ فهو يوحنا المعمدان.

2- جهل أو عدم فهم
وفي نقيض آخر نجد عدّة شروح تقودنا إلى نموذَجين:
النموذج الأوّل يمثله لوازي. ويتلخّص شرحه بما يلي: لا يتذكّر كاتب الإِنجيل الأوّل أنّ يوحنا عرف أن يسوع هو المسيح قبل أن يعمّده. فيستعيد حسب المَعين سلسلةً من النصوص تدلّ على أنّ يوحنا لم يشتبه في سجنه برسالة المسيح، وأنّ يسوع لم يحسب يوحنا بين الذين آمنوا بالإِنجيل. فالسؤال الذي حمَله إلى الموفَدين ليس شكُّا يتبع الإِيمان، بل أوّلُ اشتباهٍ يستيقظ في فكره حول الدور العظيم الذي يخصّ واعظ الجليل.
عرف يوحنا بعجائب يسوع فاستيقظ فيه الإِيمان. ولكن هل ننسى ما قاله متى؟ "أنا المحتاج أن أعتمد منك وأنت تأتي إليّ" (مت 14:3). وفي 3: 11: "أنا أعمّدكم بالماء للتوبة. وأمّا الذي يأتي بعدي فهو أقوى منّي . 
النموذج الثاني نجده عند غوغيل. يقول عن المقطع الذي ندرس: نحن أمام هجوم على تلاميذ يوحنا، وهو يدلّ على أنّ معلّمهم رفض أن يخضع أمام البراهين الساطعة عن مسيحانيّة يسوع، رغم المعجزات التي صنعها.
إذن نحن لا نبحث في تقليد يعود إلى حياة يسوع العامّة، بل في جِدال مسيحي الجيل الأوّل مع تلاميذ يوحنا. وُجدت الأقوالُ المنسوبة إلى يسوع فأخذَتها الجماعة المسيحيّة وجعلتها جوابًا لسؤال يوحنا.

3- دَهشٌٌ وتردّدٌ ونَفادُ صبر.
يتّفق معظم الشرّاح المعاصرين على القول إن يوحنا دَهِشَ من موقف يسوع الذي لا يتطابق مع ما ينتظره من المسيح. ويتوزّع الشُرّاح من تردّد يوحنا في إيمانه بيسوع، إلى نفاد صبر حين رأى يسوع يتصرّف كما يفعل.

أوّلاً: تردُّدٌ حقيقيّ
قال الكردينال انيتزار في تفسيره لإِنجيل متى: ونحن حقًّا أمام "ساعة جتسيماني" في حياة المعمدان. فحسب نبوءات العهد القديم (يؤ 3: 1ي؛ عا 18:5 ي؛ ملا 3: 2 ي)، إفترضت كرازة المعمدان أنّ ظهور المسيح يوافق يوم الدينونة الأخيرة. لا يستطيع الإِنسان أن يفلت من غضب الديّان السامي إلاّ بتوبة مباشرة. غير أنّ الطريقة التي بها ظهر يسوع بدت مغايرةً لهذه النظرة. وحين كان يوحنا في سجنه وسمع بأعمال المسيح تساءل: هل يوافق هذا النشاط المسيحانيّ ما كَرز به هو في الماضي على ضفاف الأردنّ؟ لم يفهم سلوك يسوع فدخل القلَقُ إلى نفسه. وعرف المِحنةَ التي عرفها موسى وإيليّا.

ثانيًا: نَفاد صبر.
لم يعد يوحنا يقدر أن ينتظر أن لا يظهر يسوع كما ينتظره. لماذا تتأخّر ساعة الدينونة؟ قال الأب لاغرانج في إنجيل القديس لوقا: "هل تخيَّلَ الإِنجيليون الذين اعتبروا يوحنا كالسابق أنّه لم يكُن يعرف دوره؟ حتى في هذه الحالة، قد يشكّ يوحنا برسالته الخاصّة، ولا يشكّ برسالة يسوع العلويّة. هذا يعني أنّه لم يفهم طريقة يسوع فنفَدَ صبره ".
إنّ سؤال يسوع لا يعبّر عن الشكّ أو التردّد، بل عن إيمان عِيلَ صبرُه حين رأى يسوع يلعب دور المسيح بهذا الشكل. ولكن مهما يكن من موقف يوحنا، فهو يعرف كلَّ المعرفة أنّ يسوع هو المسيح.

ب- ذلك الآتي.
رغب يوحنا في أن يعرف من يسوع نفسِه هل هو الأتي أم يجب أن ننتظر آخر. معنى "أرخومانوس" ذلك الذي سوف يأتي، ذلك الذي ننتظر مجيئه. الحديث في هذا السِياق يشير إلى المسيح. عرف اليهود أنّه سيجيء لأنّ الأنبياء . قد أعلنوا مجيئه، ولكن هذه الطريقة بتسمية المسيح "ذلك الآتي" ليست مألوفةً. ولهذا نتساءل: هل نحن أمام نظريّة مسيحانيّةٍ خاصّة؟ وبشكل ملموس، هل لهذه التسمية ارتباطات بنبوءة محدَّدة؟
نبدأ أوّلاً بإشارات عامّة إلى نصوص العهد الجديد التي تتكلّم عن مجيء مسيحانيّ، عائدةً إلى العهد القديم. ثم نتفحّص معنى "الآتي" في إطار كرازة يوحنّا المعمدان.

1- نظرة إجماليّة.
أوّلاً: إنّ نبوءة إبن الانسان في دا 7 تستحقّ المكانة الأولى بالنسبة إلى هذا النصّ. في آ 13 أ نستطيِع أن نقرأ: "رأيت في رؤى الليل، فإذا مع سُحب السماء مِثلُ ابن الانسان كان آتيًا". في الخُطبة الإسكاتولوجيّة أعلن يسوع الكوارث التي بعدها" يُرى ابن الانسان آتيًا على سحاب السماء مع قدرة ومجد عظيم " (مت 24: 30؛ مر 26:13؛ لو 27:21). وأعلن يسوع أمام قُضاته: "سترون ابن الانسان جالسًا عن يمين القدرة وآتيًا مع (في متى: على) سحاب السماء" (مر 14: 62؛ مت 26: 64). إنّ التلميحات إلى "مجيء" ابن الإِنسان هذا متواترة في الأناجيل (مت 16: 27- 28 وز؛ 25: 31؛ لو 18: 8؛ 23: 42؛ أع 1: 11؛ رؤ 1:7)، وقد أثّر نصّ دانيال على ما تقوله الأمثال عن مجيء السيد الذي يطالب عبيده بالحِساب (مت 21: 40 وز؛ 24: 24- 26 وز؛ 25: 10، 19؛ 1تس 5: 2). وإذ "يجيء" ابن الابنسان من السماء، يبدو كالديّان السامي الذي يعلن حُكمًا يرتبط به المصير الأبديّ لكلّ إنسان.
ثانيًا: تبدو صورة مجيء ابن الإنسان حسب دانيال وكأنها صدى لعبارات نقرأها مثلاً في زك 14: 5: "وسيجيء الربّ إلهيّ وكلّ قدّيسيه معه ". هذا ما يقوله مر 38:8: "إنّ ابن الإِنسان يجيء في مجد أبيه مع ملائكته القدّيسين " (رج لو 26:9؛ مت 27:16). وفي مت 25: 31 نقرأ: " وحين يجيء ابن الإِنسان في مجده وكلُّ ملائكته معه ". إنّ مجيء ابن الإِنسان الإسكاتولوجيّ يُحلُ محلَّ مجيء الله شخصيًّا من أجل شعبه.
ثالثًا: إنّ وصول يسوع إلى أورشليم بصورة احتفاليّة يذكر الإِنجيليّين بقول زك 9: 9: "ها إنّ ملكك يأتي إليك وديعًا وراكبًا على أتانٍ وجحش ابن أتان (مت 21: 5؛ يو 15:12). نحن هنا أمام مجيء ملوكيّ للسيد المسيح الذي يدشّن مُلكه.
رابعًا: ويورد الخبرُ عينهُ هتافاتِ الجمع ليسوع. إنها مأخوذة من مز 118 :26: "مبارك الآتي باسم الرب " (مت 9:21 وز؛ يو 13:12). وترِدُ الآية نفسُها في فم يسوع في نهاية "رثائه لأورشليم ": "لن تَروني حتى تقولوا: مباركٌ الآتي باسم الرب " (13: 35؛ مت 23: 39).
خامسًا: وفي مَعرض دخول يسوع المنتصر إلى أورشليم، نشير إلى نصّ بيبلي آخر هو تك 49: 10. أعلنَ يعقوب المائت بشأن يهوذا: "لن يزول الصولجان من يهوذا ولا عصا الرئاسة من بين رجلَيه إلى أن يأتي شيلوه: له تخضع الشعوب. يربط بالجَفنة جحشِه وبأفضل كرمةٍ ابنَ أتانه" (آ 10- 11). لا يرجع الخبر الانجيليّ بصورة واضحة إلى هذا المقطع، ولكن هناك سِمات تتيح لنا القول أنه كان تقارُبٌ بين نصّ تك، والنصّ الانجيليّ، ولا سيما وإنّ نقاط الاتصال عديدة بين قول يعقوب وقول زكريا. ونظنّ أنّ نبوءة زك 9: 9 دوّنت لتقدّم تفسيرًا لنصّ سفر التكوين. ونقول الشيء عينَه عن حز 32:21 الذي يعلن العقاب لملك أورشليم "إلى أن يأتي ذلك الذي له الحكم فاجعله له". 
ونعود إلى تك 49: 10 مع كلمة "شيلوه". قالت اليونانيّة والسُريانيّة: إلى أن يأتي ما حفظ له. وقال الترجوم: إلى أن يأتي المسيح، الملكُ المسيح. وأوضح نصّ قمراني: إلى أن يأتي مسيح البِرّ ونسلِ داود. هذا التفسير المسيحانيّ سابق لولادة المسيحية، وهو يلقي الضوء على خلفيّة خبر دخول المسيح إلى أورشليم، كما على عبارات مثل: "إلى أن يجيء الربّ (1 كور 4: 5؛ 26:11).
وهناك تفصيل يجعلنا قريبين من سؤال يوحنا. في تك 10:49، ان "طاعة" (يقهد في العبرية) النص الماسوري تقابل "الانتظار" (تقوه في العبرية، بروسدوكيا في اليونانية) في الترجمات. ولا ننسى سؤال يوحنا إلى يسوع: "أأنت هو الآتي أم يجب أن ننتظر آخر"؟
سادسًا: تتحدّث الرسالة إلى العبرانيين عن الذي يأتي فتورد نصّ حبقوق. أُمر النبيّ بأن يدوِّن الرؤية التي رآها لأنها لا تتحقق في القريب العاجل: "إن تأخرت فانتظرها. ستجيء مجيئًا (اي ستجيء بصورة أكيدة) ولا تتأخر" (حب 3:2). اللفظة التي تدلّ على "الرؤية" في العبريّة هي في صيغة المذكّر، وهي في اليونانيّة في صيغة المؤنّث. فبعد أن تحدّث نصّ السبعينيّة عن "الرؤية" تابع في صيغة المذكّر: "إن تأخر فانتظره فهو يجيء مجيئًا ولا يتأخّر". فمن يعني بكلامه؟ الأمرُ واضح بالنسبة إلى الرسالة الى العبرانيّين: إنه يعني المسيح ومجيئه. وإذ أراد الكاتب أن يزيل كلّ شكّ، زاد التعريف: "في أقرب آن يأتي الآتي ولا يبطئ" (عب 10: 37).
سابعًا: وفي إنجيل يوحنا، في ف 6 المتحدّث عن تكثير الأرغفة، رأى الجمع الآية التي صنعها يسوع فقالوا: "هذا الرجل هو في الحقيقة النبيّ الآتي إلى العالم ". واذ علم يسوع أنهم عازمون أن يأتوا ويختطفوه ليقيموه ملكًا، اعتزل أيضًا في الجبل وحده) (يو 6: 14- 15). نحن أمام النبيّ الذي سيأتي في نهاية الأزمنة ليدشّن المملكة المسيحانيّة. ولا يكتفي يوحنا بأن يقول: "الذي يأتي، بل يحدّد "الذي يأتي إلى العالم " (يو 1: 9؛ 19:3 ؛39:9؛ 27:11؛ 46:12؛ 16: 28؛ 37:18)، "الذي يأتي من السماء" (يو 3 : 31)، "ومن الله" (يو 3: 2). فالذي يأتي هو "ماسيّا" (مشيحا) (يو 4: 24) أو المسيح (يو 7: 27، 31، 41، 42؛ 11 : 27). وهو أيضًا النبيّ (رج تث 15:18، 18) الشبيه بموسى.
وهكذا حدّدنا موقع السؤال الذي طرحه يوحنا المعمدان على يسوع: "أأنت هو الآتي "؟ كما حدّدنا معنى السؤال العامّ: نحن أمام سلطان نهاية الأزمنة في وظيفتَيه كديّان سامٍ وكملك داوديّ، وعُدنا إلى نصوص التوراة وخصوصًا الى تك 49: 10 حيث ذلك الآتي هو "انتظار" الشعوب. تقارب لا بأس به، وسنستعين بكرازة يوحنا الواردة في الأناجيل لنلقي الضوء على البُعد الحقيقيّ لسؤاله الذي طرحه على يسوع .

2- كرازة يوحنا المعمدان
أَوّلاً: إذا عُدنا إلى الانجيليّين الأربعة نرى أن مهمّة المعمدان تجد تحديدًا لها في قول أش 40: 3: "صوت صارخ في البريّة: أعدّوا طريق الربّ " (مر 1: 3 وز؛ يو 1: 23). وأكمل الازائيّون الاستشهاد الكتابيّ: "إجعلوا سبلَه قويمة". نلاحظ أن أشعيا قال: "اجعلوا سُبُل إلهنا قويمة". ولكن الانجيل تحدّث عن الربّ يسوع المسيح.
وإذ أراد يوحنا أن يتكلّم عن هذا "الرب" قال: "الذي هو أقوى مني جاء بعدي، ولست أهلاً لأن أنحني وأحُلّ سير حذائه " (مر 1: 7؛ لو 16:3؛ رج أع 25:13). أمّا في مت 3: 11 فنقرأ: "الذي يأتي بعدي هو أقوى منيّ ". ويقول يو 1 :26- 27: " في وسطكم يقوم من لا تعرفونه، فهو الذي يأتي بعدي، وأنا لست مستحقًّا أن أحُلّ سَير حذائه" . إنه يأتي، هذا ما قاله أش 40: 10 "ها إن الربّ يأتي بقوّة، وذراعه تتسلّط ".
وإذ أراد يوحنا أن يفهمنا أنّ الآتي هو أقوى منه، قابل بين معموديّته، معموديّةِ الماء، والمعموديّةِ التي يمارسها الربّ في الروح والنار، وهي معموديّة هائلة ومدمّرة. ويقدّم تشبيهين: إن الآتي يشبه فلاّحًا يستعدّ لتنظيف بيدره، فيفصل القمح عن التِبن ويرمي هذا التبنَ في النار (17:3؛ مت 12:3؛ نحن أمام عقاب الخطأة، رج ار 2:51). ثم، إن الفأس على أصل الشجرة. فكلّ شجرة لا تثمر ثمرًا جيّدًا تقطع وتلقى في النار (9:3؛ مت 10:3؛ 19:7؛ رج ار 22:46).
المعنى واحد في هذين التشبيهين، وهما يُرياننا في ذلك الآتي الديّانَ السامي الذي سيكون "قويًّا" في العقاب الهائل الذي يصيب الخطأة. ويطابق مجيئُه احتدامَ غضب الله الذي يدمّر كلّ شرّ على الأرض.
ثانيًا: ونتعرّف إلى المهمّة الملقاة على عاتق يوحنا المعمدان من خلال نصّ ملا 3: 1 أ: "ها أنا أرسل ملاكي (رسولي) فيهيئ الطريق أمامي ". حدّد الانجيليّون النص بتأثير من خر 23: 20 حسب السبعينية: "ها أنا أرسل رسولي أمام وجهك ليحفظك في الطريق ". قال مر 1: 2: "ها أنا ذا أرسل ملاكي أمام وجهك ليهيئ لك الطريق ". وقال مت 10:11 ولو 27:7: "ها أنا ذا أرسل ملاكي أمام وجهك، فهو يهيئ لك الطريق قدّامك ". تقوم مهمة الرسول (الملاك) الالهيّ بإعداد الطريق لا لله نفسِه بل لذلك الذي يتوجّه إليه الله، أي يسوعَ المسيح. نحن أمام تصحيح مسيحيّ شبيه بما صنع لنص أش 3:40 او زك 14: 5 الذي قال: "سيأتي الربّ إلهي وكلّ قديسيه معه". فقال مت 25: 31: "حين يأتي ابنُ الإِنسان وكلّ ملائكته معه ". إن دور يوحنا كسابق هو أن يهيّئ الطريق لشخص ليس الله الآب.
من هو هذا الشخص؟ هذا ما نعرفه انطلاقًا من ملا 3: ا ب: "وللوقت يأتي إلى هيكله السّيدُ الذي تطلبونه وملاك العهد الذي تتوقون إليه، ها هو يأتي يقول الربّ القدير". هذا الربّ الذي ليس هو "يهوه الله " يسميّه النصّ "ذلك الآتي ".
وسيصوّر لنا وَلْيُ النصّ مجيئه على الشكل التالي:" ومن يحتمل يوم مجيئه؟ من يَثبت عند ظهوره؟ إنه يصل مثل نار الممحِّص وكأشنان القصارين. يجلس ليمحّص وينقّي الفضّة، فينقّي بني لاوي كالفضّة والذهب (ملا 2:3- 3).
إن صُوَر ملاخْيَ قريبة من صور المعمدان. فالفلاّح يقطع الشجرة التي لا نفع منها ويلقيها في النار، ويَفصلُ القمح عن التبن الذي يستعمل الموادّ المنظّفة. سنجد صُوَرًا مشابهة لهذا في كرازة يسوع: حين يفسّر مثلَ الزُؤان أو مثلَ الشبكة (مت 13: 40- 43، 49- 50): "يرسل ابنُ البشر ملائكته ".
نستطيع أن نستنتج على ضوء النبوءات الاسكاتولوجيّة في العهد القديم ما يلي: يبدو أنّ المعمدان فهم رسالته كالسابق للديّان السامي، كذلك الذي يقود الخطأة إلى التوبة والارتداد للحصول على غفران خطاياهم، قبل أن يفوت الأوان. وحين يظهر "الذي يجيء بعده " في كل بهائه المرهب، ستدقُّ ساعة الحساب فلا يستطيع الخاطئون أن يفلتوا من عقابه. في هذا السِياق يصبح للسؤال "هل أنت الآتي؟ " معنى واحد: هل أنت ذلك الذي أعلن مجيئه؟ هل أنت الديّان الرهيب الذي يرسل الكافرين إلى العذاب الأبديّ؟

ج- جواب يسوع
طرح يوحنا سؤالاً واضحًا ولكن جواب يسوع بدا مَخفيًّا. فالبلاغ الذي حمله إلى موفَديْ يوحنا يبدو بشكل ملخّص لنشاطه الخيّر لدى الجموع. هو جواب يخّيب الأمل: إن المعمدان يعرف كلّ هذا، وصدى معجزات يسوع دفعه إلى أن يسأل. ولكن إذا نظرنا مليًّا نرى أن يسوع لم يتهرّب كما اعتاد أن يفعل في مثل هذه الحالات. فبلاغه مليء بتلميحات تعطيه مدلولَه الحقيقيّ.
يقوم جوهر جواب يسوع في تَعداد للأعمال الحسنة التي ينشرها بين البؤساء.

1- أعمال المسيح
يتحدّث متى عن أعمال المسيح، أي عن تلك التي تدلّ أنه المسيح المنتظر. فهناك معجزات خاصّة لها بُعدٌ مسيحانيّ، وهذا ما نجده عند متى حين دخول يسوع إلى أورشليم والهيكل. فقد أشار إلى سلسلة من الأشفية: "وجاء إليه العُرج والعُميان وهو في الهيكل فشفاهم " (مت 14:21). حينئذ هتف الأولاد: "المجد لابن داود" (آ 15). حين شفى يسوع هؤلاء تلقّى هذه التسمية المسيحانيّة. إذن، هناك مقابلة بين الأشفية التي يصنعها يسوع كشفاء المرضى وإعلان البشارة للمساكين، وصفتِه كالمسيح الآتي. هذا هو معنى البلاغ إلى الذي أرسله يسوع إلى يوحنا المعمدان.

2- الخيرات المسيحانيّة (آ 22)
إذا عُدنا إلى متى نرى أنّ يسوع شفى أعميَين (مت 27:9- 31). كما شفى مخلّعًا فقال له:" قم واحمل سريرك واذهب " (مت 9: 1- 8). وعبارة "البرص يطهرون " تدلّ على ما نقرأ في مت 8: 1- 4. ولكننا لا نجد مثلاً عن الصُمّ الذين يسمعون (رج مر 32:7، 37؛25:9) لأن لفظة "كوفوس " تدلّ عنده على الخُرس (مت 9: 32- 33؛ 12: 22؛ 15:- 30- 31) وروى متى شفاء ابنة يائيرس في 23:9- 26. والبشرى التي تصل إلى المساكين تشير إلى التطويبات.
ولكن الوضع يختلف عند لوقا. لقد روى تطهّر البُرص (12:5- 16) وشفاء المخلّع (17:5- 26) وإقامة ابن أرملة نائين (7: 11- 17)، وأورد التطويبات (6: 20 ي). ولكنه لم يذكر الصُمّ ولا العُميان. ولهذا جاءت حاشية تدلّ على هذا النصّ: "في تلك الساعة شفى يسوع كثيرًا من المصابين بالأمراض والعاهات والذين فيهم أرواحٌ شرّيرة، وأعاد البصر إلى كثيرين من العُميان " (آ 21). هذه الزيارة لها معناها، وهي تدلّ على أنّ يسوع أتمّ كلّ الأعمال المذكورة في جوابه إلى يوحنا.
غير أنه لا يكفي أن تكون هذه الوقائع المذكورة حقيقيّةً لكي يجد يوحنا الجواب على سؤاله، ثمّ لا ننسى أنّ النصّ لا يذكر نشاطًا هامًّا في حياة يسوع وهو إخراج الشياطين.
إذن نبحث عن شيء آخر. إن جواب يسوع يلمّح إلى نبوءات أشعيا؛ لا إلى مقطع محدّد، بل إلى عدّة نصوص.
في الآيات التي أوردها يسوع، هناك عبارة "المساكين يتلقَّون البشارة". هذه هي السِمة الأهمّ والأعمّ، وهي تلخّص سائر الآيات. هي لا تدلّ على نشاط عجائبيّ بالمعنى الحصريّ، ولهذا فهي تدهشنا. فالفعل "اوانجاليزوماي" نجده في أش 61: 1- 2 ونحن نقرأه كما في السبعينيّة: "روح الرب عليّ لأنه مسحني. أرسلني لاحمل البشارة إلى المساكين، لأشفي منكسري القلوب، لأعلن للأسرى تحريرهم، وللعميان استعادة النظر، لأخبر بسَنَة نعمة من الرب ويومِ جَزاء، لأعزّي المحزونين ". لا نجد في النصّ العِبريّ ذكرًا للعميان، بل فَي النصّ اليونانيّ الذي كان توراة المسيحيّين في الكنيسة الأولى.
ونجد مع هذا النصّ الرئيسيّ نبوءاتٍ أشعيائيّة أخرى تصوّر الأزمنة المسيحانيّة. نقرأ في أش 35: 5- 6: "حينئذ تنفتح عيون العميان، وتسمع آذان الصُمّ. حينئذ يقفز الأعرج كالغزال ويتوضّح لسان الأبكم ". ذكر أشعيا العميان والصُمّ والعُرج وسيذكر الموتى في 19:26 "سيقوم الموتى والذين في القبور سينهضون ". ونورد ايضًا أش 29: 1- 19 الذي يتحدّث عن الصُمّ والعميان والمساكين: "وفي ذلك اليوم يسمع الصُمّ أقوال الكتاب . وتبصر عيون العميان الذين في الدَيجور والظلام. يزداد المساكين فرحًا وبهجةً بالرب، والذين لا رجاء لهم يمتلئون سرورًا".
لم يبقَ إلا البرصُ الذين لا يتكلّم عنهم أشعيا، ولكن بما أنّ شفاءهم هو "تطهير"، نتذكّر أش 8:35: "ويكون هناك مَسلكٌ طاهر، يُسمَّى الطريقَ المقدّس ".
وهكذا اتخّذ جواب يسوع إلى يوحنا كلّ معناه. لم يكتفِ يسوع بكلمة "نعم " تماثله مع "القويّ " الذي انتظر يوحنا مجيئه الرهيب. بل أورد شهادات عن نشاطه الخيّر. عرف به المعمدان، ولكن يسوع اختار كلماته ليفهمه أنه باهتمامه بالمتأَّلمين يُتمّ المواعيد التي تشير إلى المسيح. عَمِلَ عَمَلَ المسيح، إذن لا شكّ في أنه مَن انتظر السابقُ مجيئه.

د- الشكّ
وجدنا الجواب على سؤال يوحنا في تَعداد الأعمال المسيحانيّة التي صنعها يسوع الذي يتمّ هكذا نبوءة أشعيا. ولكن يسوع لا يكتفي بالاجابة عن سؤال طرح عليه. فزاد: "طوبى لمن لا يتشكّك بسببي، هنيئًا لمن لا يفقد إيمانه بي " (23:7= مت 11: 6). زيادة مهمّة. ونستطيع القول إنّ المخلّص ذهب أبعد ممّا طلب منه، فكشف الباعث العميق الذي دفع السابق إلى إرسال تلميذَيه. بعد أن اجَاب يسوع على السؤال الواضح، فكر بالعواطف الخفيّة التي يمكن أن يولّدها جوابه.

1- تحليل الآية
هناك أوّلاً حرف العطف "كاي " (الواو) قبل التطويبة: "وطوبى أيضًا". إن الإِنسان الذي يعلنه يسوع سعيدًا (يهنئه، يطوبّه) يشارك المساكين في الخيرات المسيحانيّة.
وكلمة "ماكاريوس " (طوبى، هنيئًا) تشير إلى سعادة الذين أُتيح لهم أن يشاركوا في الخلاص المسيحانِيّ، في ملكوت الله. إن عبارة "المساكين يتلقَّون البشارة" تقابل التطويبة "هنيئًا للمساكين، لأن لهم ملكوت الله ". لقد جعلَ يسوعُ مع الذين ينعمون بتدبير الخلاص، ذلك الذي لا يتشكّك بسببه، وإن لم يكن مسكينًا أو مريضًا.
وتبدو التطويبة في صيغة المفرد. إنها تتوجّه بصورة خاصّة إلى يوحنا المعمدان. كما أنها تبدو بشكل شَرط. لو أنه فقد إيمانه! إن يسوع يشجعّ بهذه الصورة المعمدان لئلاّ يتشكّك من تصرّف يسوع الذي يعامل الضعفاء والخطأة بالرحمة.
وفعل "تشكّك " يعود إلى اليونانيّة "سكانداليون " الذي يدلّ على الفخّ والحاجز والحجر الذي نعثر به. وفي المعنى المجازيّ، الشكّ هو كلّ ما يسبّب سقوطًا على المستوى الدينيّ أو الأدبيّ.
قد يستطيع أن يكون يسوع مناسبة شكّ ليوحنا. فلقد كان كذلك بالنسبة إلى مُواطنيهٍ في الناصرة، وقد تشكّكوا بسببه (مر 3:6؛ مت 57:13): لم يَروا فيه إلا إنسانًا عاديًّا فلم يؤمنوا به. وفي جتسيماني تشكّك الرسل أنفُسهم بسبب يسوع (مر 27:14- 29؛ مت 26: 31، 33): تزعزعوا في إيمانهم (لو 32:22). هنا نتذكّر كلمة سمعان الشيخ في لو 34:2: "إن هذا الطفل قد جعل لسقوط وقيام كثيرين في إسرائيلَ وعلامةً للمخالفة). فالذين لا يؤمنون بيسوع، يصبح يسوع لهم مناسبةَ سُقوط. إن سعادة الازمنة المسيحانيّة الموعود بها لمن لا يفقد إيمانه بيسوع، تخصّ في النهاية ذلك الذي يؤمن بيسوع، فلا تزعزعه الصعوبات التي يصطدم أيمانهُ بها.
سأل يوحنا يسوع عن شخصه، فأجاب يسوع متحدّثًا عن العميان والمساكين: جوابٌ غيرُ مباشَر يصوّر علامات حضور المسيح، ولا يقول شيئًا عن المسيح. وتأتي آ 22: "لمن لا يشكّ في". إن الموقف الذي يتّخذه كلّ واحد منا بالنسبة إلى يسوع يجعلنا بين السعداء الذين يشاركون في خيرات الأزمنة المسيحانيّة. أكَّد القسم الأوّل أنّ الأزمنة المسيحانيّة بدأت. والتنبيه الأخير جعل شخص يسوع في قلب أزمنة الخلاص هذه. والتحذير من الشكّ هو قريب من قول آخر: "من يستَحْيِ بي وبكلامي في هذا الجيل الفاسق الخاطئ، يستَحْيِ به ابن البشر" (مر 38:8؛ رج مت 33:10؛ لو 26:9؛ 9:12). إن خلاص كل واحد منّا يرتبط بشخص يسوع. فهو ذلك الآتي الذي ننتظره.

2- مِحنة يوحنا
هناك شيء يصعب قَبولُه في البلاغ الذي وجّهه يسوع إلى السابق: إنه يدعوه بان لا يتشكّك بسببه. وهذه الصعوبة لا تكمن في الصفة المسيحانيّة التي يتمتّع بها ذلك الذي يقوم بهذه الأعمال. فالسؤال الذي طرحه يوحنا يفترض أنه مستعدّ أن يرى في يسوع المسيح المنتظر. ثم لو أنَّ يسوع أراد ان يُفهم يوحنا أنه المسيح، لدعاه لا أن يتشكّك بل أن يَلِج معنى رسالتِه العميق ويؤمن بها.
إن الصعوبة تكمن في ما يؤكّده بلاغ يسوع بوضوح: إنه يصوّر نشاط يسوع المسيحانيّ. يقدّم عرضًا للطريقة التي بها يحقّق يسوع دوره كمسيح. سأله يوحنا عن صفته المسيحانيّة، فشدَّد يسوع على طبيعة هذه المسيحانيّة، وإن يكن أكّد واقع هذه المسيحانيّة بصورة غير مباشرة. قال يسوع: دور المسيح يقوم بأن يخفف عن التُعسَاء. أجل قد يتشكّك يوحنا، لا لأنّ يسوع هو المسيح، بل بالطريقة التي بها يتصوّر مهمّته كمسيح.
هناك تعارُضٌ بين صورة الديّان الرهيب الذي أعلن يوحنا مجيئه، وصورةِ المخلّص الرحوم الحنون التي نكتشفها في جواب يسوع. نحن نجد هذا التعارض في تصرّف يسوع. سأله عظيمُ الكهنة ليعرف هل هو المسيح ابن المبارك. لم يكتفِ يسوع بأن يجيب: نعم. فلو فعل لتضمّن جوابُه القبول بالدور السياسيّ الوطنيّ الذي يلتصق بهذا اللقب. ففِعلُ التشديد على الطابع السامي لرسالته يجعل منه الديّانَ السامي لكل البشِر (مر 14: 61- 62 وز). وحين أعلن بطرس مسيحانيّته، تحدّث يسوع أيضَا عن ألامه، فتشكّك بطرس واحتجّ (مر 29:8-33 وز). فمحنة يوحنا تشبه محنة بطرس في قيصريّة فيلبس، ومحنة الرسل حين أُوقف يسوع (مر 27:14، 29). إن فكرتهم عن دور يسوع المسيحانيّ هي ناقصة، وهي لا تتوافق مع ما يعتبره يسوع جوهر رسالته.
وهناك مقابلة مع يونان الذي حمّله الله بلاغ "غضب ": عليه أن يُنبئ بدمار نينوى. ولكن أهل نينوى ارتدّوا إلى الله، فتخلّى الله عن تهديده. وهكذا لم تتحقّق نبوءة يونان. تشكّك يونان:" علمت أنك إله رؤوف رحيم طويل البال كثير الرحمة ونادم على الشر، ولذلك بادرت إلى الهرب" (يون 4: 2). لقد تشكَّك رسول الغضب الإِلهيّ من رأفة الربّ الذي لم يُرد أن يضربه وكان للمعمدان الاختبارُ عينُه: أُرسل ليعلن برء منفذِ مآثر الله ضدّ الخطأة، فاكتشف مسيحًا لا يستعمل قدرته إلا ليشفي المرضى ويسامح الخطأة. تحيّر وكاد يضيع، فأرسل إليه يسوعُ كلمة تشجيع في المحنة الروحيّة التي يجب عليه أن يجتازها.
لا ينتج شكُّ يوحنا من مسيحانيّة يسوع المتضمّنة في جواب يسوع. فالخطر يأتي ممّا يقوله يسوع بوضوح عن الطريقة التي بها تظهر هذه المسيحانيّة. انتظر المعمدان شيئًا آخر. ما انتظره هو ما وعظَ به يوم اعتبر نفسَه مُرسَلاً من الله ليعلن للخطأة ساعةَ العقاب القريبة. فالذي أعلن مجيئَه هو هنا: من هذا القبيل، يبدو جوابُ يسوع واضحًا وضوحًا كافيًا لكي يطمئنه. ولكن تبلبل يوحنا حين رأى يسوع يفهم دوره بطريقة لا توافق ما قاله. أمّا الشرح الذي قدّمه يسوع، فعودة إلى أشعيا الذي وجدت كلماتُه تتمّتَها في عمله الخيّر. ولم يقل شيئًا عن الأقوال المهدّدة التي شدّد عليها المعمدان، فاكتفى بأن يدعوه أن لا يتشكّك، أن لا يترك إيمانه يتزعزع: "هنيئًا لمن لا يفقد إيمانه بي ".

خاتمة:
لم يُرد يسوع أن يعفي السابق من المحنة التي سيمرّ فيها الرسل بدورهم. فعِثارُ الرسل سيكون عِثارَ الصليب. آمنوا بيسوع واعتبروه المسيح الموعود، وانتظروا ظهور مجده البهيّ. ولكن حين حدّثهم يسوع عن اتضّاعه وآلامه وموته المُذِلّ، لم يفهموا. وتذمّر بطرس. وحين أكّدت أحداث الجمعة العظيمة إنباءاته كاد إيمانه يتزعزع.
أدرك يوحنا الطابع المتساميّ لدور ذلك "الآتي ". وعرف فيه الديّانَ الذي يقطع الشجرة التي لا تحمل ثمرًا، وينقّي بيدره فيرمي في النار التبنَ، ويغطّس الخطأة في عِمادِ النار والروح. ولكن المسيح الذي هو هنا يتصرّف مثل عبد الله الذي لا يكسر القصبة المرضوضة ولا يطفئ السراج المدخّن (مت 12: 20= اش 3:42). وهو يعلن أن المسيح "جاء يطلب ويخلّص ما قد هلَك " (لو 19: 10). ويحدّد رسالته فيقول: "أرسل الله ابنه لا ليدين العالم، بل ليخلّص به العالم) (يو 12: 47). دوره هو دور طبيب النفوس يريد أن يعيد الصحّة إلى مرضى الروح، إلى الخطأة (مت 9: 12 وز). لم تأتِ الساعةُ التي فيها يفصل الزؤانَ عن القمح (مت 13: 29-30). وبدل أن يفكّر يسوع بمعاقبة الخطأة وتدمير الشرّ، فهو يكرّس حياته ليخفّف عن المتألمين ويرسل النور إلى العُميان.
الفصل الأربعون
يوحنا المعمدان ويسوع
7: 24-25؛ مت 11: 7-19

جمع لوقا هنا ثلاثة مقاطع من التقليد عن المعمدان. إنطلق من عظمة يوحنّا ليحدّثنا عن عظمة يسوع. في المقطع الأول، طرح المعمدان سؤالاً في رسالة يسوع (18:7- 23). في المقطع الثاني أعطى يسوع رأيه في رسالة يوحنّا وبالتالي في رسالته هو (24:7- 30). وفي المقطع الثالث تحدّث يسوع عن موقف الشعب تجاه يوحنّا وتجاهه هو (7: 31- 35)، بعد أن رسم شخصيته في عبارة قصيرة: "صديق العشّارين والخطأة".

1- نظرة يوحنّا إلى يسوع.
موضوع هذه المقاطع الثلاثة هو إستقبال الشهود، إستقبال يوحنّا وإستقبال يسوع. يوحنّا هو النبيّ وحامل تقليد إسرائيل وهو يطرح سؤالاً حول الشهادة عن يسوع. فيسوع لا ينفصل عن تاريخ شعبه وعن الشهود الذين أُعطي لهم أن يأكلوا ويشربوا معه (أع 10: 41). ولكن تقليد إسرائيل هذا لم يتعرّف إلى ذلك الآتي (آ 19) يفتقد شعبه ويزورهم. ثم إن المتكئين مع إبن الإِنسان إلى مائدته هم العشّارون والخطأة (آ 34). هذه هي إرادة الله (آ30). من هنا التأكيد الجذري: من لا يقبل يوحنّا أعظم مواليد النساء، من لا يقبل صغار الملكوت (أي التلاميذ) يحتقر مخطط الله.
في نصّ لوقا (18:7- 23) نرى أن يوحنّا عرف من تلاميذه بأفعال يسوع، فأرسل يسأل. لم يقل لنا بوضوح كما في مت 2:11- 10 إن يوحنّا هو في السجن. أما في متّى، فالسؤال المطروح يدلّ على شك حقيقي، على ارتيابه:
لم يرَ يوحنّا في نشاط يسوع (الذي هو عبد الله) الخيِّر (مت 8- 9) عملَ الديّان الإِلهي الذي جاء يُنقي بيدره والذي بشّر يوحنّا بمجيئه القريب (مت 3: 10- 12). أما نظرة لوقا فمختلفة بعض الشيء: أرسل الوفد إلى الربّ وردّد مرتين: هل أنت هو الآتي؟ الآتي هو ابن الإِنسان كما في دانيال (13:7) وهو المسيح الملك في زك 9:9؛ 14: 5؛ مز 26:118. والسؤال الذي طرحه يوحنّا في الإِنجيل الثالث يعبّر عن تقليد إسرائيل النبويّ: هل يسوع هو ذلك الذي يتمّم النَبوءات؟
إن جواب يسوع إلى الوفد والعودة إلى أشعيا أمر طبيعي عند متّى بعد أعمال قدرة يسوع: شفى الأعميين والمخلّع والأبرص والأصمّ الأخرس وأقام الصبية التي ماتت. كل هذا قد تمّ، وهو يدلّ على أن يسوع هو المسيح المنتظر. فابن الإِنسان جاء يدين العالم بقدرته على الشفاء. أمّا لوقا فأظهر يسوع يشفي المرضى ويخرج الشياطين "في تلك الساعة"، فدلّ على أن هذا يحقّق الآن البرنامج الذي قدمّه في الناصرة (18:4). وهكذا يشدّد لوقا على آنيّة الخلاص: أُعلنت البشارة للفقراء (7: 22). فالمسيح الذي هو يسوع نعرفه بإحسانه من أجل الصغار. إنه المسيح. ولكن لا كما تخيله يوحنّا إنطلاقًا من أقوال نبويّة تدلّ عليه على أنه الديّان السامي. والخطوة التي يجب إجتيازها بين النظرتين عن دور المسيح ستكون مناسبة للتنبيه الذي ينهي البلاغ الذي أرسله يسوع إلى يوحنّا.
أعلن يسوع تطويبة جديدة تشكّل نداء إلى يوحنا لئلا يعثر في إيمانه بسبب الذي قال عنه سمعان الشيخ إنه سيكون "سبب سقوط وقيام عدد كبير في إسرائيل، إنه سيكون علامة معارضة دائمة" (2: 34). أن نرى في يسوع ذلك الآتي يفترض أننا نتقبّل بالشكر علامات ذلك الذي يُعلن البشارة للفقراء كلّهم. فعلى يوحنّا وكل تقليد إسرائيل الذي يُمثّل، أن يروا ذلك المسيح الذي يتمّم المواعيد ويفجِّر رجاءهم فيجعله يتسع وسع العالم.

2- قيمة شهادة يوحنّا.
ويطرح السؤال: هل تجاوز الوضع يوحنّا النبيّ؟ ما قيمة شهادته بعد أن جاء المسيح؟ سيحدّد يسوع في الخطبة التي يلقيها في الجموع (آ 24- 25) دور شهادة يوحنا وبُعدها.
بدأ فحدّد موقعه في تيار إسرائيل النبويّ وطلب من محاوريه أن يتذكّروا: ما الذي دفعهم إلى البرية حيث أعلن يوحنّا معمودية التوبة (3: 2-3)؟ أفضول باطل؟ هل اجتذبهم الغنى؟ كلا. فالنبيّ يعظ عن التجرّد (3: 10 ،14). وهو الذي سمتّه الكتب المقدّسة "ملاك الله " (رج ملا 3: 1؛ خر 23: 20). إن يوحنّا هو قمّة ونهاية هذا التقليد الطويل الذي لا نستطيع أن نلغيه. وفي الوقت عينه يمثّل عتبة العالم الجديد (رج 16:3: "يجيء من هو أقوى منّي "؛ 16:16: "بقيت الشريعة وتعاليم الأنبياء إلى أن جاء يوحنّا، ثم بدأت البشارة بملكوت الله "؛ أع 1: 5: "يوحنا عمّد بالماء، وأمّا أنتم فتتعمدون بالروح القدس " (رج 16:11).
كلّ شيء جديد. دخل الخطأة والعشّارون في مخطّط الله فقبلوا معموديّة يوحنّا. ولكن الذين اعتبروا نفوسهم أبرارًا، أي الفريسيّون ومعلّمو الشريعة، فرَذلوا يوحنّا ورذلوا معه مخطّط الله. وهكذا إستحال عليهم أن يتعرّفوا إلى يسوع. فالذين رذلوا يوحنّا رذلوا يسوع أيضًا. أمّا الذين قبلوا يوحنّا فلم يجعلوا مسيرة الله إليهم باطلة.
هذا الكلام يتوجّه إلى معاصري يوحناّ، إلى كل إنسان. فالذي ليس بيهوديّ، عليه أن يقبل الدعوة بأن يدخل في تاريخ بدأ في تقليد غير تقليده. إذن، عليه أن يتقبل تقليدًا غريبًا لا يستطيع أن يتهرّب منه. عليه أن يلتقي يسوع عبر شهود أكلوا وشربوا معه، عبر العشّارين والخطأة، عبر الصغار الذين صاروا أصدقاء يسوع ورفاقه. وهذا واضح من خلال مثل الأولاد القاعدين في الساحة، وهو المثل الذي به ينهي يسوع خطبته. يقابل فيه بين "الشعب " (آ 29) و"هذا الجيل " (آ 31). إن معنى هذه اللفظة الأخيرة في عد 13:32 ("الجيل الذي فعل الشر")؛ تث 1: 35 ("لن يرى أحد من هذا الجيل الشرير الأرض الصالحة")، 22:9؛ مز 95: 10 ("مللت من ذلك الجيل وقلت: هم شعب قلوبهم في ضلال ")، معناها المتفرّد. " أمّا في نظر يسوع فهي تدلّ على البشرية كلّها. أو بالأحرى على هذه البشرية الرائحة إلى الهلاك. فالمثل لا يصيب فقط الفرّيسيّين وعلماء الشريعة في ذلك المكان، بل كل إنسان يتردّد في أن يرى النعمة التي يقدّمها له يسوع.
و"الشعب " في لوقا يتميز عن التلاميذ وعن رؤساء العالم اليهودي. إنه مؤلّف من اليهود، إنه إسرائيل الذي عاصر المسيح وعاصر الإِنجيلي. بعضهم قبل الإِيمان، والعدد الكبير ظلّ على رفضه (4: 16- 30). فيه يدخل يسوع وفيه يتجذّر الخلاص المسيحانيّ الذي يراه لوقا في امتداد العهد القديم.

3- مديح يوحنّا (24:7-28).
أ- درس النصّ.
تحدّثت آ 18- 23 (مت 11: 1- 6) عن يسوع وعن رسالته. أمّا الآن فتتحدّث عن رسالة يوحنّا المعمدان. بعد أن أجاب يسوع على سؤال مرسلَيْ يوحنّا، سأل الجمع ليعرف فكرهم قبل أن يعلن فكره. ويبدأ حوار صغير. يطرح المعلّم أسئلة ويقدّم بنفسه الأجوبة. أشار إلى الجموع التي اجتذبتها كرازة المعمدان إلى البريّة (رج مت 3: 5 وز) فسأل عن السبب. وقدّم ثلاثة شروح، مع العلم أن الشرحين الأوّلين وُضعا هنا ليُبرزا الشرح الثالث: يذهب الناس إلى يوحنا لأنهم يعتبرونه نبيًّا. بعد ذلك، يعبّر يسوع عن رأيه. "أقول لكم " (آ 26). ويزايد على رأي الجموع: "أكثر من نبيّ ". وبرّر تأكيده باستشهاد من الكتاب المقدّس.
قام لوقا ببعض التصليحات في نص مت 7:11- 9. إمتنع عن تكرار لفظة "ناعمة" فأحلَّ محلَّها الثياب الفاخرة وتحدّث عن العائشين في الترف. هذا يدلّ على المناخ الشهواني الذي يسيطر في قصور الملوك وبصورة خاصة لدى الملك الذي يتحدّث عنه الإِنجيل، إن السامعين يكتشفون في هذه الصور تلميحات إلى احداث قريبة. إن يوحنّا الذي قاوم هيردوس أنتيباس لم يكن ذلك الطبع المتقلّب الذي ينحني أمام الملك كالقصبة أمام ريح البريّة. ولم يكن من هؤلاء المتزلّفين أمام الملك. إنه النبيّ.
ويرد في آ 27 (مت 11: 10) استشهادٌ لقرأه أيضًا في مر 1: 2، وهو يعود إلى ملا 3: 1. تأثرت بداية النصّ بما في خر 23: 20 ("هأنا أسيّر، أرسل، أمامك ملاكًا يحفظك في الطريق") ونص ملا 3: 1 "أمام وجهي" أي أمام وجه الربّ، صار: "أمام وجهك " أي أمام وجه يسوع. هذه القراءة تشهد لإيمان الجماعة الأولى التي ترى في يسوع لا المسيح وحسب، بل الربّ الذي يأتي.
كتب مت 11: 11: " لم يُقَم في مواليد النساء" (أي لم يُقِم الله، أو: ما ظهر). تجنّب لوقا هذه الطريقة الساميّة. قال: "ليس في مواليد النساء من هو أَعظم من يوحنّا" (آ 28). ولكن الأصغر (= يسوع) في ملكوت الله هو أعظم منه " (= من يوحنّا). تتوافق هذه القراءة مع اهتمامات الإِنجيليّين الذين يبينون لتلاميذ يوحنّا كرامة يسوع وكرامة يوحنّا. فيسوع الذي خضع لعماد يوحنّا واستعاد تعليمه عن التوبة (مت 3: 2= 17:4) بدا وكأنه أقل من يوحنّا، ولكنّه في الواقع "أقوى" (مت 3: 11) منه. وبعد هذا، طبّقت الجماعة على كل تلميذ ما قالته عن المعلّم. نحن لسنا هنا أمام قداسة المعمدان الشخصية، بل أمام تفوق التدبير المسيحيّ على الشريعة والأنبياء بمن فيهم يوحنّا المعمدان.

ب- يوحنّا نبيّ.
شعرت الجموع أن يوحنّا نبيّ. بّتهم يسوع في تفكيرهم. وأشار الإِنجيليّون بوضوح منذ البداية إلى أنهم يتكلمون الآن عن يوحنّا: "تحدّث يسوع للجموع عنٍ يوحنّا" (آ 24؛ مت 7:11). بعد أن تنبه القارئ سيفكر بيوحنا وُيدرك حالاً التعارض بين التفسيرين اللذين أعطاهما يسوع، وبين السبب الحقيقي الذي لأجله تتقاطر الجموع إلى البرية.
والتعارض واضح بصورة خاصة في الحالة الثانية. الحديث عن زيارة لإِنسان يلبس الثياب الناعمة يدفعنا إلى أن نفكر بلباس المعمدان: "وكان يوحنّا يلبس ثوبًا من وبر الجمال، وعلى وسطه حزام من جلد" (مت 3: 4). فالثياب الناعمة تُبرز ثوب يوحَنّا الخشن الذي يدلّ على ثوب إيليّا (2 مل 1 :8). أجل يوحنّا هو نبيّ بلباسه الخارجي.
وتُذكر القصبةُ التي تهزها الريح. القصبة تتزعزع، تتحرك. أما يوحنّا فثابت لا يتزعزع. إنه قريب من النبيّ آرميا: "كلِّمهم بكل ما آمرك به. لا تفزع منهم لئلاّ أفزعك أمامهم. جعلتك اليوم مدينة حصينة وعمودًا من حديد وأسوارًا من نحاس فتواجه البلاد كلّها: تواجه ملوك يهوذا والأمراء والكهنة والشعب. يحاربونك ولا يقدرون عليك لأني معك لأنقذك " (إر 1: 17- 19).
إن النبيّ يتكلّم باسم الله، فعليه أن ينتظر معارضة البشر، ولكن لا يحق له أن يرتجف من تهديداتهم: الله معه، وقوة روحه تجعله لا يتزعزع. وهذه الثقة بالنفس هي سمة تميّز يوحنّا المعمدان وتجعله في خط الأنبياء العظام في الماضي. أجل، يوحنّا هو نبيّ. هذا هو رأي معاصريه، وهذا ما تشهد عليه عدّة مقاطع من الإِنجيل. أراد هيرودس "أن يقتله، ولكنّه خاف من الشعب الذي كان يعدُّ يوحنّا نبيا" (مت 14: 5). سأل يسوع وجهاء أورشليم: من أين تأتي معمودية يوحنّا، أمن السماء أم من الناس (مت 25:21)؟ حينئذٍ تحيّر محاوروه. كيف ينكرون الأصل السماويّ لرسالة المعمدان: سيجلبون عليهم غضب الشعب "لأنهم كلّهم يعدّون يوحنّا نبيًّا" (مت 26:21). فهو كنبيّ قد نال "من السماء" التعليم الذي يعلنه. إنه مرسل الله والمتكلّم باسمه. هذا هو شعور الجمع، ويسوع يوافق على هذا الرأي. ولكنّه يريد أن يذهب أبعد من ذلك فيدلّ على عظمة يوحنّا المعمدان التي لم تكن عادية.

ج- أعظم من نبّي.
لم يتعجّب سامعو يسوع حين قال لهم عن يوحنّا "إنه أعظم من نبيّ ". لقد استشفّوا شيئًا من عظمة يوحنّا هذه: "وكان الشعب ينتظر ويتساءلون كلّهم عن يوحنّا: أما هو المسيح " (لو 3: 15)؟ أن يكون أكثر من نبيّ! إذن هو المسيح شخصيًّا؟ ولكن يوحنّاّ احتجّ على هذا الكلام: "ما أنا الذي تظنّون أني هو" (أع 13: 25). سأله الفريسيّون، فأنكر إنكارًا قاطعًا: لستَ المسيح ولا إيليا ولا نبيّ آخر الأزمنة (يو1: 19- 25؛ رج 28:3).
وأخذ يسوع موقفًا من كلّ هذا. أجل، يوحنّا هو أعظم من نبيّ. ولكن من هو إذن؟ وإذا كانت عظمته تتجاوز عظمة الأنبياء، فبمَ تقوم هذه العظمة؟ شرحها يسوع عائدًا إلى الكتب المقدّسة: "هذا الذي كتب عنه: ها أنا أرسل ملاكي أمام وجهك وهو يهيئ طريقك أمامك ". يشير هذا الإِستشهاد إلى مقطعين من التوراة. أوّلاً: ملا 3: 1: "ها أنا أرسل ملاكي (رسولي) فيتفحّص الطريق أمام وجهي ". ثانيًا: خر 23: 20: "ها أنا أرسل ملاكي أمام وجهك ليحفظك في الطريق ". الرسول الذي يتكلّم عنه ملاخي هو إيليا (ملا 23:3) الذي يعود إلى الأرض ليهيئ مجيء الله الآتي ليدين العالم. والرسول الذي يتكلّم عنه سفر الخروج هو ملاك الربّ: يقود الشعب ويحميه في مسيرته عبر البريّة. إن الإِستشهاد الإِنجيليّ يربط بصورة خاصة نصّ الخروج بنصّ ملاخي الذي يعود إليه في مكان آخر ليدلّ على أن المعمدان لعب دور إيليّا (مت 14:11؛ 17: 10- 13). ولكن لا نهمل نصّ سفر الخروج. فيوحنّا في رسالته كالسابق، لا يلعب فقط دور إيليا، بل دور الملاك الذي يقود الشعب إلى أرض الميعاد.
ويوحنّا كونه "نبيّ العلي " "يسبق الربّ " (76:1) "بروح إيليا وقوّته " (17:1). وقد دلّ على نفسه بمقابلة تحدّد، دوره تحديدًا عجيبًا: "أنتم أنفسكم تشهدون بأني قلت: ما أنا المسيح، بل رسول قدّامه. من له العروس فهو العريس. وأمّا صديق العريس فيقف بجانبه يُصغي فرحًا لهتاف العريس. ومثل هذا الفرح فرحي وهو كامل " (يو 28:3- 29).
إن العريس يتسلّم العروس من صديقه. وهذا ما حصل ليوحنا الذي يريد أن يمّحى أمام من هو أعظم منه. لعب دوره كصديق فأدّى خدمة أرفع من خدمة الأنبياء الذين يتفوق عليهم: لم يُعلن فقط مجيء الآتي ويهيئ له الدرب، بل حمل إليه شعبًا مستعدًّا، ودشَّن له الزمن المسيحانيّ.
تأتي عظمة يوحنّا الفريدة من رسالته كالسابق. وحين نحدّد دوره بهذا الشكل ندلّ في الوقت عينه على أن ذلك الذي هيَّأ له الدرب هو الربّ بالذات، هو المسيح. فالذين يؤمنون أن يسوع هو حقًا ذلك الآتي، يقدرون وحدهم أن يقرّوا بالمكانة التي تعود إلى يوحنّا المعمدان في تدبير الخلاص.

4- الصبيان في ساحة المدينة (7: 31- 35).
هذا هو الشعب: صبيان في ساحة المدينة لا يعرفون أن يكتشفوا علامات نعمة الله. لم يكتشفوا يوحنّا ولن يعرفوا أن يكتشفوا يسوع. فعناد المعاصرين ونزواتهم تظهر في حُكمهم على يوحنّا ويسوع. وجدوا أن المعمدان قاسٍ، يعيش عيشة تقشّف فاعتبروه مجنونًا. ورأوا أن يسوع لا يتحلّى بالقداسة التي تفصله عن الخطأة فاعتبروه إنسانًا يستفيد من الحياة، ويصادق العشّارين والخاطئين. كان يوحنّا رسول التوبة والإِرتداد إلى الله. وجاء يسوع فأعطى الخلاص للجميع، ولا سيّما للذين اعتبروا من الهالكين فيئست منهم جماعة إسرائيل.
ووراء الإِثنين، وفي أساس عملهم يتحدّد موقع قرار خلاصي. يوحنّا هو المعمِّد. هو نبيّ آخر الأزمنة، وهو يهيئ الدرب للذي يحمل الخلاص. يسوع هو ابن الإِنسان. معه تبدأ نهاية الأزمنة. فالله أعطاه كل قوة وسلطان وكرامة وملك. أعطاه ملكًا لا يزول على كل الشعوب والقبائل والألسنة، أعطاه ملكًا لن يُدمَّر أبدًا (دا 7: 14).
هنا يأتي مثل الأولاد الذين لا يعجبهم عجب. يصوّر هذا المثل القصير لعبة أولاد. يلعب الصبيان "لعبة العرس" فيرقصون والبنات "لعبة الجنازة" فتبكين كما تبكي النساء على رأس الميت. لا تمييز بين راقصين يعبّرون عن فرحهم وبين باكيات يندبن ميتهن. كلّهم يلعبون معًا ولا يتفاهمون.
ويُبدي يسوع غضبه من خلال هذا المثل: أنتم تُشبهون هؤلاء الأولاد وصغارة نفوسكم لا تُحتمل. تتصرّفون كالأولاد ودينونة الله قريبة. أجل، لم يفهموا التعليم الذي أعطي لهم، فلم يدركوا معنى حياة يوحنّا القشفة، ولا موقف يسوع البهيج الذي يعلن الفرح المسكوني (7 29، 34). هذا النقص في التمييز منعهم من التعرّف إلى شهود النعمة، ومن قبول شهادتهم.
وتأتي خاتمة ملغزة: "لكن الحكمة يبرّرها جميعُ أبنائها". هذا ما يقول لوقا (آ 35). أما مت 19:11 فيقول: "الحكمة تبرّرها أعمالها". نحن هنا أمام "أعمال المسيح " (مت 2:11) التي سمع بها يوحنّا المعمدان وهو في سجنه. إن أعمال الله تشهد أنه بار في جميع ما يعمل عبر يوحنّا، وخاصة عبر يسوع مهما كانت معارضة هذا الجيل قوّية (مت 16:11). يسوع هو حكمة الله (مت 42:12؛ 1 كور 1: 24)، وأعماله تبرّره. أمّا حكمة هذا الجيل فعملت على رذل يوحنّا المعمدان ثم المسيح، وبالتالي على رفض مخطّط الله الخلاصي.
أمّا نصّ لوقا فقد يعني: إن أبناء الحكمة (= المؤمنين) برَّروا (أعطوا حقَّ) الله حين آمنوا بالمسيح. عند ذاك نعود إلى آ 29: "كل الشعب الذي سمع، حتى العشّارون، برّروا الله (أقرّوا بصدق الله) فتعمّدوا بمعموديّة يوحنّا". أي عرفوا إرادة الله وعملوا بها.
نشير هنا إلى أن لوقا لا يماثل بين يسوع والحكمة (لا يقول إن يسوع هو حكمة الله). فالحكمة تمثّل بالأحرى تماسك مخطّط الله الخلاصي (رج 11: 49). نحن هنا أمام استقامة المخطط الإِلهي الذي يصبح جليًّا للذي يقبله. و"أبناء الحكمة" هم الشهود المتنبّهون إلى مخطّط الله، إلى خلاص الله.
فالذين أدركوا معنى مجيء المسيح بعد أن عرفوا دورَ يوحنّا، أي الشعب والعشّارون (آ 29) والفقراء (المساكين) الذين تلقّوا البشارة (آ 22)، كلّ هؤلاء "برّروا الله " (آ 29) ومخطّط حكمته. عمليًا: شهدوا شهادة صادقة بارتدادهم لمجيء ابن الإِنسان الذي أعلنه تقليد إسرائيل النبويّ.

خاتمة
قد تبدو طرق الله عبر تاريخ الخلاص صعبة الفهم علينا، ولكنّها ليست إعتباطيّة. إنّها حكمة الله. جاء يسوع بطريقة لم يتخيّلها تلاميذ يوحنّا، ولم يعلَمها الفريسيّون وعلماء الشريعة، ولم تنتظرها أحزاب إسرائيل المختلفة.
وجاء يوحنّا بطريقة تختلف عما تصوّره إسرائيل. لم يكن يوحنّا إيليّا الراجع، بل شخص آخر يشبه إيليّا. وتختلف الكنيسة عمّا يريدها الناس أن تكون. والقدّيسون هم غير ما يظنّهم الناس.
فإبن الحكمة وحده يتعرّف إلى الحكمة الحقيقيّة، إلى حكمة الله في أعماله. إبن الحكمة هو الذي ولدته الحكمة، حوَّلته، تسرّبت إليه فجعلته يفكّر مثلها ويحكم حكمها.
أن يكون الشعب البسيط قد رأى في يوحنّا السابق للمسيح، ولم يشكّ ولم يضعف إيمانه بسبب يسوع، كل هذا ليس عمل البشر بل عطيّة الله. هذه هي الحكمة التي يعطيها الله. لهذا يَرفع الربّ نشيدَ شكره للربّ الذي أخفى هذا عن الحكماء والفهماء (10: 21). إن الحكمة البشرية لا تكفي لكي نعرف مخطّط الله الخلاصي ونقبل بهذا المخطّط. الله وحده يوحي إلينا بذلك.
هناك عبارتان تكمّل الواحدة الأخرى. الأولى: طوبى لمن لا يشك فيَّ. الثانية: الحكمة يبرّرها أبناؤها. فالحكم البشري المحض يتشكك من قرار الله الخلاصي، ولكن حكمة الله تبرّر هذا القرار. فإذا أراد الإِنسان أن يتعرَّف إلى الخلاص في يوحنّا ويسوع، إحتاج إلى حكمة الله، إلى أن يتخلّى عن تفكيره البشري. عليه أن يبدّل نظرته، أن لا يحسب نفسه مرجع كلّ شيء. عليه أن يخرج من نفسه ليستنير بنور الله وكلمته. عليه أن يتخلّى عن حكمته ويصير طفلاً. فملكوت الله يُعطى للأطفال.
الفصل الحادي والأربعون
صديق الخطأة
7: 36- 8: 3

نصّ جميل، بل من أجمل نصوص لوقا وهو يخرج من النبع، من قلب هذا النبيّ الذي لا يحمل كلمة الله بفمه فقط، بل بكلّ حياته. نصّ متشعّب سندرسه ونكتشف شفافيّته التي قدمها لنا لوقا من خلال عناصر حملها إليه التقليد.
بعد أن نضع هذه المقطوعة في سياقها، ندرسها ونكتشف عناصرها. وفي النهاية نقرأ الخبر كما دوَّنه لوقا.

أ- سياق النصّ.
كلّنا يعرف أن لوقا يتبع مسيرة إنجيل مرقس، ولكنه يُقحم على دفعتين نصوصًا خاصة به أو مشتركة بينه وبين متّى. النصّ الذي ندرس هو جزء من هذه القاطعة التي تبدأ في 6: 20 وتنتهي في 3:8. وهى تتضمّن جزئين. الأوّل (20:6- 49) هو "الخطبة في السهل " والمؤلفة من عناصر مشتركة بين متّى ولوقا. الثاني (7: 1- 3:8) يُورد سلسلة من الأخبار بعضها خاص بلوقا. ويبدو هذان الجزئان وكأنهما تفسير على مستوى العمل لما قاله كلاوبا على طريق عمّاوس: "كان يسوع نبيًّا قديرا في القول والعمل عند الله والشعب كلّه " (24: 19). وكما أن متّى أتبع "خطبة الجبل" بسلسلة من عشر معجزات، كذلك فعل لوقا فصوّر لنا يسوع أوّلاً كالقدير في القول (6: 20- 49)، وثانيًا كالنبيّ القدير في العمل (7: 1؛ 3:8).
ينتظم هذا الجزء الثاني حول شهادة يوحنْا المعمدان ليسوع (18:7- 35). قبل هذا يرد خبران يرويان شفاء خادم الضابط (7: 1-10) وإقامة ابن ارملة نائين (7: 11-17). وبعد هذا نقرأ خبرًا عن الخاطئة. كلّ هذا يؤلف وحدة متماسكة. والأمر واضح بالنسبة إلى المعجزات والشهادة. طرح يوحنا من سجنه على يسوع سؤالاً: سؤال مؤثّر من عند ذلك المتألّم من أجل الكلمة، ومشجّع بالنسبة إلينا حين يهاجمنا الشك بحضور الله وعمله. والسؤال هو: "أأنت هو الآتي... " (20:7)؟. وتصرّف يسوع هنا كما في خطبته التدشينية في مجمع الناصرة. أجاب يوحنا مُوردًا نصًّا من النبيّ أشعيا (19:26؛ 35: 5- 6؛ 61: 1). ولكنّه أحلّ "الأعمال" محلّ العبارة "اليوم تمّ هذا". قال لوقا: "وشفى يسوع في تلك الساعة كثيرًا من المصابين بالأمراض " (7: 21). وهكذا برهن ليوحنّا ولتلميذيه انه حقُّا ذلك الآتي، لأنه يُتمّ الكتاب.
والمعجزتان اللتان رواهما لوقا تبدوان وكأنّهما عنصر من عناصر البرهنة: شفاء خادم الضابط، ثم إقامة شاب في نائين، وهذا خبر خاص بلوقا. وأمام هذه الآية الأخيرة هتفت الجموع: "قام نبيّ عظيم بيننا" (7: 16). إذن يسوع هو هذا النبيّ الذي أعلنته الكتب والذي هيّأ له يوحنّا الطريق.
ولكن كيف استُقبل هذا النبي؟ حين رجع موفدا يوحنّا، قال يسوع: البعض، أي كلّ الشعب وبالأخصّ المحتقرون، العشّارون "برّروا" الله، قالوا إنه على حقّ حين قبلوا أن يعتمدوا من يد يوحنّا. أما الآخرون، أي الفرّيسيّون وعلماء الناموس فرفضوا هذا العماد وبيّنوا أن مخطط الله باطل وعديم الجدوى بالنسبة إليهم.
نحسّ هنا وكأن كلّ شيء قد قيل. وإن حدث الخاطئة يبدأ جزءًا آخر. ولكن إذا أمعنّا النظر اكتشفنا أن العنصرين الرئيسيّين اللذين أشرنا إليهما سابقًا ما زالا موجودين هنا. فالسؤال الذي يطرحه الفرّيسي على نفسه هو: "لو كان هذا الرجل نبيًّا لعرف من هي هذه المرأة. فأجابه يسوع بعمل قام به: غفر خطاياها. وهذه الخاطئة التي يعتبرها سمعان أحقر الناس، قد استقبلت هذا النبي استقبالاً عجيبًا. إذن، هذا الخبر جزء لا يتجزّأ من المجموعة.
نجد في هذا النصّ منهجًا أدبيًا متواترًا عند لوقا: إنه يؤلّف أخباره في لوحتين. في اللوحة الأولى يبيّن كيف أذن الكتب المقدّسة تتمّ بيسوع وفي يسوع فنكتفي بما تقول لنا. وتأتي اللوحة الثانية بشكل سؤال يعيد طرح الموضوع، فيبيّن لنا لوقا أن الطريقة التي بها أتمّ يسوع الكتب المقدّسة هي أجمل وأعمق من كلّ ما يمكننا أن نأمل به أو نتخيّله. ونأخذ مثل خبر البشارة (26:1- 38). أعلن الملاك لمريم أن ابنها سيكون من نسل داود، وابن الله العليّ فيتم نبوءة أشعيا (ف 7) والأقوال التي قيلت في ابنة (مدينة) صهيون. هذه هي اللوحة الأولى. وتأتي اللوحة الثانية مع سؤال مريم فيكشف الملاك أن الابن سيكون أعظم من هذا: سيكون ابن الله. ونقول الشيء عينه عن محاكمة يسوع أمام المجلس الأعلى لليهود (السنهدرين). أورد متّى ومرقس سؤال عظيم الكهنة ليسوع، ولكن لوقا جعل السؤال سؤالين. الأوّل: هل أنت المسيح؟ والثاني: هل أنت ابن الله؟ فقدّم يسوع جوابين. هو أوّلا ابن الإِنسان والمسيح وابن داود. وهو ثانيًا ابن الله في المعنى الحصري للكلمة (66:22-70).
والتأليف عينه حاضر في هذه المقطوعة. فمعجزات يسوع دلَّت على أنه النبيّ المنتظر، لأنه يتمّ الكتب المقدّسة. وهكذا اعترف به الفقراء والخاطئون. ويتابع لوقا (في لوحة ثانية) أن يسوع هو نبيّ في معنى لم يُسمع به، لأنه يمارس سلطة الله عينها: إنه يغفر الخطايا. لم يستقبله فقط العشّارون، بل أحقر الناس الذين تمثّلهم هذه المرأة التي هي بالنسبة إلى سمعان: "الخاطئة".
وصل لوقا إلى هذه النتيجة جامعًا العناصر المشتّتة. ونحن سنحاول أن نكتشفها.

ب- عناصر النصّ
1- عناصر تطرح سؤالاً
أولاً، 7: 36- 39. لوقا يقدّم لنا الأشخاص.
نحن في وليمة فخمة، والمدعوون متمدّدون على الأسرَّة. وفِعلَة المرأة التي تقبّل قدميّ يسوع المبللتين بدموعها وتمسحهما بشعرها غير المربوط، هذه الفعلة غير مقبولة في عقلية الناس. ولكن قد نفهمها. أما وضع الزيت (أو الطيب)، أو العطر) على القدمين فهذا ما يُدهشنا. فالطيب هو للرأس لا للقدمين. وإذا قلنا إنها وضعت الزيت على القدمين، فلماذا تمسحهما بشعرها؟ هنا نفكّر بمشهد دهن آخر أورده متّى ومرقس ويوحنّا: مريم التي من بيت عنيا صبّت على رأس يسوع (كما يقول متّى ومرقس) أو على قدميه (كما يقول يوحنّا) قارورة طيب. فما هي العلاقة بين هذين المشهدين؟

ثانيًا، 7: 40- 43.
يدخل هذا المثل بصورة طبيعيّة في الخبر، ويبدو معناه واضحًا. فالمثل يتضمّن عادة مقابلة بين شيئين. الأوّل نجده في المثل والثاني في الخبر الذي يليه: "كما أن الذي يُترك له القليل يُحب قليلاً، والذي يُترك له الكثير يُحب كثيرًا، كذلك... ".
يبدو الحُبّ في هذا الخبر كنتيجة للمغفرة لا كسبب لها. كنّا ننتظر الحديث عن عرفان الجميل. وقال آخرون: لا نجد في الآرامية كلمة تدلّ على عرفان الجميل فجُعل مكانها لفظة "الحبّ ". المهمّ ليست اللفظة، بل تطبيق المثل كما سوف نرى.

ثالثًا، 7: 44- 49: هل نحن أمام تطبيق المثل أم وَلْي الخبر؟
نلاحظ أوّلاً أنّ الرباط بين الخبز والمثل ليس متماسكًا. فالتعارض في المثل هو بين "كثير" و"قليل " والآن هو بين "كل شيء" و"لا شيء" (ما سكبت أمامي). والمفردات مختلفة. نتكلّم هنا عن "غفران الخطايا" أما المثل فاستعمل مفردة خاصة بلوقا (ترد 3 مرّات في إنجيله و 4 في أع ) وبولس: "عفا عن الدين ". 
والصعوبة الكبرى هي في آ 47. كنّا ننتظر تطبيق المثَل على الشكل التالي: أنت يا سمعان أظهرت قليلاً من الحبّ، هذا يدلّ على أنه تُرك لك القليل. وإذا كانت هذه المرأة أظهرت كثيرًا من الحبّ، فهذا يدلّ على أنه تُرك لها الكثير. 
وتبدو آ 44-46 وكأنّها تسير في هذا المعنى فتقدّم لنا علامات الحبّ التي أظهرتها المرأة ولا مبالاة سمعان. ولكن خاتمة آ 47 تدهشنا. فإذا أعطينا الاداة "هوتي" المعنى السببي العادي نحصل على الترجمة المنتشرة في أوساط عديدة: "لهذا أقول لك: غفرت لها خطاياها الكثيرة لأنها أحبت كثيرًا " (أظهرت كثيرًا من الحب).
وتجاه المعنى الواضح للمثل، يصبح الحبّ الآن سبب المغفرة. ولهذا تُربط الاداة "اوتي" (لأن) بعبارة "أقول لك ": "لهذا أقول لك إن خطاياها غُفرت لأنها أحبّت كثيرًا". وبعبارة أخرى: لأنها أظهرت حبًّا كثيرًا، لأني أُلاحظ هذا الحبّ أستطيع أن أقول لك: غُفرت خطاياها. نجد هنا معنىً متماسكًا مع المجموعة وان لم يكن المعنى الأول الذي يبرز لنا. وهناك ترجمة تشدّد على مجّانيّة عمل يسوع: "غفر لها الكثير فأحبّت كثيرًا". بدأ يسوع فغفر، حينئذ بدأت تحبّ حبًّا صحيحًا.
تتألّف آ 47 من شطرين. الأوّل، 47 أ (غُفرت..، لأنها) يبدو متماسكًا مع الخبر. و47 ب (من يغفر له القليل) مع تذكيرنا بالحبّ القليل يحيلنا بالأحرى إلى المثل.
ثمّ إننا. لا نجد في آ 48- 49 الألفاظ التي نجدها في المثل، بل تلك التي نجدها في خبر إنجيليّ آخر هو شفاء المخلّع (17:5- 26). يتبع لوقا مرقس، ولكنه يبتعد عنه في بعض المفردات. فالكلمات في الشفاء هي تلك التي نجدها هنا.
لو 7 لو 5
آ 1-35: يسوع يعلّم ويشفي آ 17: وكان يسوع في احد الأيّام يعلّم...
وقدرة الرب تشفي
آ 37: وها ان امرأة آ 18: وها ان أُناسًا يحملون مخلَّعًا
آ 48: ثمّ قال: مغفورة خطاياك آ 20: وإذ رأى إيمانهم قال: يا رجل، مغفورة لك خطاياك 
آ 49: فأخذ الذين على المائدة يقولون آ 21: فأخذ الكتبة والفرّيسيون يفكّرون. من هذا
في نفوسهم: من هذا الذي يغفر الذي ينطق بالكفر (التجديف)؟ من يقدر أن
الخطايا يغفر الخطايا إلاّ الله وحده
آ 50: ولكنه قال للمرأة:
ايمانك (رج 5: 20) خلّصك
آ 40: فأجابهم يسوع وقال آ 22: وعرف يسوع أفكارهم فأجاب وقال
(وهنا يأتي المثل) (وهنا يأتي الشفاء)
لا شكّ في أنّنا لاحظنا التشابهات على مستوى الرسمة العامة كما على مستوى المفردات.

رابعًا، 7: 50 خاتمة الخبر كلّه
تبدو هذه الآية وكأنّها بعيدة عن الموضوع. عالج الخبرُ والمثلُ موضوع الخطيئة والغفران والحبّ. وينتهي يسوع هنا في موضوع الإِيمان والخلاص.
ماذا نستنتج من هذا التحليل السريع؟ يبدو أن لوقا ألَّف هذه المجموعة منطلقًا من عنصرين وُجدا من قبل، هما المثل والخبر. وقد أعاد صياغتهما بالنظر إلى اللاهوت الذي يقدّمه لنا.

2- مثل المديونين
مثل معروف يحمل مقابلة. ولكن ما كان معناه في فمّ يسوع، وفي أيّ محيط من حياة الجماعة تكوّن؟ قيل أننا أمام مسألة الرسالة إلى اليهود والوثنيّين. الأمر ممكن.
هناك كلمة خاصة بلوقا: "عفا (حرفيًّا: صنع نعمة، تحنّن) عن الدين"، لا "ترك ". حين استعمل جذر "النعمة" الذي يميّز الله، أراد أن يوجّه أنظارنا إلى المعنى الذي نعطيه لهذا الخبر: إن الذي ينعم على إنسان ويعفيه من دينه لا يمكن إلاّ أن يكون الله نفسه. وما يلفت النظر هو أن هذه المفردة تستعمل مرّتين في هذا المقطع (آ 42- 43) ومرّة ثالثة في خبر الأشفية التي أتمّها يسوع أمام عيون مرسلَيْ يوحنّا. هنا بدل لوقا أيضًا نصّ مرقس فقال: "وأعطى لعميان كثيرين نعمة النظر" (7: 21، أي البصر). هذا يُبرز الرباط الذي أشرنا إليه أعلاه بين خبر الخطأة والشهادة المرسلة إلى يوحنا. ولكنّه يوجّهنا أيضًا نحو خاتمة الخبر: إن يسوع هو الذي "صنع هذه النعمة" (تحنّن)، فنسب إلى نفسه عملاً إلهيًّا خاصًا، كما سيفعل فيما بعد حين يغفر الخطايا.

3- خبر الخاطئة
إذا اجتزأنا من هذه المقطوعة آ 40- 43 (المثل) وآ 47 ب، يبقى الخبر متماسكًا إن من جهة النصّ وإن من جهة المفردات. فهو يدور حول فكرة محدّدة: "هل يسوع حقًا نبيّ" ؟ يطرح سمعان هذا السؤال، ولكّنه لا يعرف كيف يجيب عليه لأنه نسي (أو: هو لا يستطيع أن يتخيّل) معطية المسألة: "لو كان هذا الرجل نبيًّا لعرف من هي هذه المرأة: هي خاطئة" (آ 39). فمن الواضح بالنسبة إليه أنه لو عرف يسوع لما سمح لهذه المرأة أن تلمسه: فالإِنسان يتنجّس إن لمس خاطئة أو جثّة أو خنزيرًا. فأجابه يسوع: أعرف من هي. ولأني أعرف حقُّا من هي أسمح لها أن تأتي إليّ، لأني "جئت من أجل الخطأة".
من المعقول أن يكون المعنى الأوّل للآية 47 أ في الخبر: "غُفر لها لأنها أحبّت ". لاحظ يسوع هذا الحبّ في فعلات المرأة، فأعلن أن الحبّ يغفر الذنوب أو هو أقلّه الأساس الضروري الذي عليه يُبنى غفران الله. ولهذا فهو يلتفت إلى الخاطئة ويستنتج: "غُفرت خطاياها" (آ 48). هذه الجملة ليست إعلانًا لواقع بل "حلَّة" من الخطايا. فكأنّي بيسوع يقول لها: "أنا أحلك من خطاياك ".
إن هذا التأكيد الهادئ الذي رنّ في آذان سامعيه اليهود بدا وكأنه كفر وتجديف: "من هذا الذي ينطق بالكفر؟ من يستطيع أن يغفر الخطايا إلاَّ الله وحده" ؟ هذا ما فكّر به الفرّيسيّون حين شفى يسوع المخلّع (5: 21). الله وحده يغفر الخطايا، وقد وعد بذلك في نهاية الأزمنة، ساعة يأتي ليقيم ملكوته ويقطع ميثاقًا (عهدًا) جديدًا (ار 31: 34؛ حز 36: 25- 32 ؛ دا 9: 24).
وتبدو لنا آ 49 كخاتمة لهذا الخبر: "من هو هذا الرجل الذي تصل به الأمور إلى حدّ غفران الخطايا" ؟ هل نحن أمام تساؤل أم مديح؟ نقرأ مثلاً نهاية حدث تهدئة العاصفة. هتف التلاميذ: "من هذا؟ حتى الرياح والأمواج (البحر) (يأمرها) فتطيعه ". إن معجزات عديدة تجد ذروتها في مديح الله. فلماذا نحن هنا أمام تساؤل؟
إذا كان يسوع تصرّف كالله نفسه، فلماذا لم يُعلن التلاميذ لاهوته؟ مثل هذا التساؤل يتجاهل المحيط الذي عاش فيه يسوع. كيف يَعبد اليهودي من يحسبه إنسانًا؟ ونلاحظ أن ذروة الخبر ليست في المديح، ولكنها تترك النظر معلقًا بيسوع. وَجد الشهود نفوسَهم أمام تأكيدين لا يقدرون أن يعبّروا عنهما دون أن يخونوا إيمانهم بالله الواحد أو اليقين الذي يفرض نفسه عليهم، فتركوا السؤال يتفجّر من أعماق قلوبهم: "من هو هذا الرجل" ؟

4- مسائل تاريخيّة
لا بدّ لنا هنا من طرق مسألة النقد التاريخيّ. نقول إن في أساس هذه المقطوعة عنصرين: المثل والخبر. فأيهما سبق الآخر فضمه إليه أو كوَّنه؟ هناك افتراضات عديدة. ولكنّنا نقول مع عدد كبير من الشُرّاح إن المثل والخبر قديمان معًا. فنحن نجد موضوع "الدائن " في عدد من الأمثال. مثلاً، الوكيل الخائن في 16: 1- 9، والمديون الذي لا شفقة في قلبه في مت 23:18- 37. وخبر المرأة التائبة التي تعبّر عن حبّها ليسوع نجده في خبر المرأة الزانية (القريب من لوقا) في يو 8: 1- 11. وهكذا أخذ لوقا المثل والخبر وجعلهما في بناء وضع فيه لاهوته. 
وما هي العلاقة بين خبري الدهن بالطيب اللذين احتفظت بهما الأناجيل: الخاطئة في لوقا، ومريم من بيت عنيا في متى ومرقس ويوحنا؟ نحن ولا شكّ أمام خبر واحد عالجه كلّ إنجيليّ بطريقته الخاصّة. أغفل لوقا خبر "بيت عنيا" في إطار الآلام، لأنه سبق له ورواه حين تحدّث عن الخاطئة في بيت سمعان الفرّيسي. ولنا مثل عن طريقة لوقا في خبر الصيد العجائبيّ: رواه يوحنا بعد القيامة (يو 21: 1- 11) أمّا لوقا فجعله في البدء حين ترك الرسل كل شيء وتبعوا يسوع (5: 1-11).
هناك إختلافات بين المشهدين (الخاطئة، ومريم) في التفاصيل كما في العمق. في الأول، نحن أمام غفران الخطايا المرتبط بحبّ عبّرت عنه امرأة تجاه يسوع. في الثاني نحن أمام إكرام يقدَّم ليسوع قبل دفنه. ولكن سيأخذ المشهد الأوّل من المشهد الثاني بعض العناصر والعكس بالعكس. في بيت عنيا، جاءت إمرأة إلى يسوع وهو في بيت سمعان وضمَّخت رأسه بالطيب: هكذا يُكرَم الضيف. وعند الفرّيسي عبّرت إمرأة خاطئة عن ندامتها فبكت على قدمي يسوع، ثم خافت لأنها تجرأت ففعلت ما فعلت، فمسحت بشعرها دموعها عن قدمي يسوع: موقف ندامة معروف. وبعد هذا امتزجت التفاصيل: سمّي الفريسي سمعان، وصلت الخاطئة مع قارورة طيب صبّتها على قدمي يسوع. وسيروي يوحنّا أن مريم التي من بيت عنيا صبّت الطيب على قدمي يسوع ومسحتهما بشعرها (لوقا قريب من يوحنّا).
مهما يكن من أمر هذا البناء، لا بد لنا من أن نقرأ النصّ كما وصل إلينا في إنجيل لوقا. لقد كشف لنا النقد الأدبيّ التبديل الذي قام به الإِنجيليّ، وهذا ما يساعدنا على فهم فكرته.

ج- حب الخاطئة هو علامة غفران منحه يسوع
كشفت لنا دراسة القرائن أهميّة هذه المقطوعة. تساءل يوحنا المعمدان: هل يسوع هو حقّا النبيّ الآتي؟ أجاب يسوع بمعجزات تُتم الكتب. لم يخطئ الوضعاء. قبلوا معمودية يوحنا فتبرّروا أي عملوا إرادة الله فرضي الله عنهم. وها هم يهتفون الآن: "ظهر فينا نبيّ عظيم " (16:7).
وقال لوقا: هذا جميل، ولكنّي سأريكم أجمل من هذا. سأبيّن لكم كيف أن يسوع هو نبيّ في معنى لا يمكنكم أن تتخيّلوه. ولكنكم تدخلون هنا في سرّ يكشفه الله وحده، لأن أحدًا لم يعرف حكمة الله إلا الذين أعطي لهم أن يصيروا تلاميذ الله، أبناءه. إذا قبلتم بسرّ يسوع صديق العشّارين والخطأة، إذا رضيتم بأن تكونوا بجانب الخاطئة لتنالوا غفران خطاياكم، حينئذ تبرّرون الحكمة (تدلّون على أنها صادقة) لأنكم صرتم ابناءها (رج 35:7).

1- جاءت خاطئة إلى يسوع (36:7- 39)
يتفرّد لوقا فيبيّن لنا على ثلاث دفعات يسوع مدعوًا عند الفرّيسيّين. لم يأتِ يسوع من أجل طبقة إجتماعيّة واحدة، بل من أجل فئة من الناس هم الخطأة، أي الذين يقرّون بعجزهم عن أن يخلِّصوا أنفسهم بأنفسهم وينتظرون خلاصهم من عند الله، سواء كانوا أغنياء أم فقراء، فرّيسيّين أم عشّارين...
"وها ان إمرأة خاطئة". لا يقول النصّ شيئًا عن هويّتها. لا نستطيع أن نقول، رغم ما قالت بعض التقاليد، إنها مريم المجدليّة أو مريم بيت عنيا. أخفى لوقا اسمها فلماذا نريد أن نعلنه؟ هو لا يقدّم لنا سيرة شخص من الأشخاص، بل تعليمًا من تعاليم يسوع. لقد عرفت المدينة هذه المرأة بأنها خاطئة. وها هي قد جاءت إلى بيت إنسان فرّيسي، إنسان يحاول ان ينفصل عن الخطأة. ولماذا جاءت؟ بعد أن أحسّت بنظرات الاحتقار أو الحسد ثقيلة عليها، هل التقت يومًا، شأنها شأن الشاب الغنيّ، نظرة حبّ لا نظرة احتقار أو شهوة ؟ قال لوقا: "وإذا بامرأة... "
وصلت... تلبّد الجوّ، وموقفها زرع الحيرة. إنحنت خلف يسوع تقبّل قدميه وتغمرهما بدموعها. وخافت من جرأتها ووقاحتها، فقامت بفعلة غير لائقة: حلَّت شعرها ومسحت به قدمَيْ يسوع. إن الحبّ يقوم بأعمال لا تهتمّ باللياقات. هي هنا وكل الأنظار موجَّهة إليها.
كانت ردّة الفعل عند الفريسيّ داخلية. "قال في نفسه ". وكأن في قوله توبيخًا ليسوع: "لو كان هذا الرجل نبيًّا". قالت بعض المخطوطات: لو كان هذا الرجل النبي (المنتظر). هذه الأختلافة تدلّ على ما أحس به الكتبة: ليسوا أمام نبيّ من الأنبياء، بل أمام المسيح.
وأظهر يسوع حنانه فجعل النظرات العاتبة تتحوّل عن المرأة إليه. لم تكن المرأة لتتحمّلها، لهذا أخذ يروي خبرًا يجتذب اهتمام الحاضرين.

2- المثل (7: 40- 43).
"فأجاب يسوع وقال لسمعان ". حين نقابل هذا الخبر مع خبر المخلّع نلاحظ تبدّلاً واضحًا في ترتيب الخبر. هناك يجيب يسوع على سؤال سري طرحه الفريسيون: "من هو هذا"؟ فيورد "برهانًا" خارجيًا، يقدّم معجزة الشفاء. هنا كل شيء داخلي. كلَّنا يعلم أن هدف المثل أن يجعل الشخص يفكّر بوضع يعيشه ولا يعيه. كم يصعب علينا أن نكون موضوعيين حين ننظر إلى نفوسنا. إذن يقدّم المثل لنا خبرًا عن حياتنا ولكنَّ الراوي يرويه وكأنّه يفكّر بآخر. نؤخذ بمعقولية الخبر فنحكم حكمًا موضوعيًّا، هو في الواقع حكم على نفوسنا. هذا ما حصل لداود يوم قدّم له ناتان مثلاً (2 صم 12: 1ي): "هذا الرجل يستحق الموت ". قال له ناتان: "أنت هو هذا الرّجل ". وهذا ما حدث للفرّيسي حين حكم على المثل، فأعلن له يسوع: "بالصواب حكمت ". وكأنه يقول له: "حكمت حكمًا صائبًا على نفسك ".
الفرق مهم بين ترتيب حدث المخلّع وهذا النص. لسنا أمام "برهان " يأتي فيما بعد لكي يُقنع السامع. بل أمام حكم على وضعنا الداخليّ قبل أن نسمع كلمة الوحي. إذا أردنا أن نُدرك شيئًا من هذا السرّ لا نستطيع أن ندرسه من الخارج. يجب أن نحسّ أنّنا معنيون بالأمر، أن نعرف أن هذه هي الحياة التي نعيشها. لن يكون الإِيمان متماسكًا إلاَّ من داخل الإِيمان. وحينئذ نفلت من النظرة القانونية المتحجرة: لسنا أمام دين نفيه، وإلاّ أصبح موقفنا أمام الله موقف التاجر. نحن أمام نعمة الله وحنانه: فالدائن يظهر حنانه، ينعم علينا فيعفو عن الدين، كما أنعم يسوع على العميان فأعاد إليهم النظر.
إن دخول المثل في الخبر مهم. وهو سيحوّل وَلْيَ الخبر.


3- ولي الخبر (7: 44- 49).
يحسّ السامع (والقارئ) أنّه الآن معني بالخبر. هو يعرف أن ما أمامه هو مغامرته الروحيّة الشخصيّة. لهذا يستطيع يسوع أن يعيد الى المرأة أنظار الحاضرين التي تجدّدت: لن يحكموا عليها بعد الآن، بل يتأملون عمل الله فيها: "أنت ترى هذه المرأة". وأفهم يسوع سمعان أنّه أظهر له حبًّا قليلاً. لا شك في أنّه لم يتجاوز حدود التهذيب تجاه ضيفه، ولكنّه لم يقدّم له علامات الاكرام التي توجَّه الى الضيوف الكبار. أما الخاطئة فغمرته بالإِكرام العميق مدفوعة بحبّها.
وأعلن يسوع: "لذلك أقول لك: غُفرت خطاياها الكثيرة لأنّها أحبّت كثيرًا". الحبّ هو نتيجة الغفران وعلامته. وهكذا يصبح الخبر امتدادًا لتعليم الأنبياء. مثلاً يرى حزقيال الميثاق الجديد فيعلن بفم الله: "أجمعكم من كل البدان... أحوّل قلب الحجر إلى قلب من لحم. أضع روحي فيكم فتكونون لي شعبًا وأكون لكم إلهًا. حنينئذ تتذكّرون سلوككم الشرّير" (حز 36: 25- 31). 
ويتوجّه الخبر إلى هذا الإِستنتاج: "من هو هذا"؟ وهكذا يعود بنا الإِنجيليّون دومًا إلى السؤال الأساسي. ويهتمّ لوقا بأن يركّز نظرنا على شخص يسوع: فالتعلق بيسوع المسيح لا يستند إلى أعماله ومعجزاته، بل إلى شخصه. والسؤال المطروح ("من هو هذا") يطرح علينا وان كنّا نقول منذ الفصح: هو إبن الله. فسرُّه غني جدًا بحيث يطرح علينا دومًا أسئلة جديدة حتّى ينميّنا في معرفتنا له.
إنطلق لوقا من نصينّ مخلتفين فقدّم لنا خبرًا مرتبًا لا نستطيع أن نقرأه دون أن نحسّ أنّه يتوجّه إلينا ويطلب منّا جوابًا: هذه هي مغامرتنا الروحيّة نقرأها في الفرّيسي والخاطئة. كل واحد منّا يعرف أنّه أمام يسوع، خاطئ نَعِم بالغفران لقد حصلنا على جواب السؤال الذي طرحه الفرّيسي: "لو كان هذا الرجل نبيّا لعرف من هي هذه المرأة التي تلمسه: إنّها خاطئة". أجل يسوع يعرفنا، يعرف أنّنا خطأة ولهذا يأتي إلينا لأنّه صديق الخطأة. ولكنّنا نعرف أيضًا أنّنا لا نقدر أن نأتي إليه إن لم نرتدّ، إن لم يحدث فينا إنقلاب، إن لم نرغب بالبعد عن الخطيئة. فحبّه كحبّ الدائن، بل يتعدّاه بصورة لا محدودة. حبّه يعيد إلى من يتقبّله نقاوة القلب. والحب الذي نظهره له هو عرفان جميل لحبّه لنا قبل ان نحبّه.
إنّ هذا الخبر الغني يوجّهنا إلى قلب سرّ اللقاء مع يسوع المسيح. ولهذا لم يتردّد لوقا في أن يوسّعه، فزاد الجملة الأخيرة التي تشكّل خاتمته الحالية.

4- الخلاص بالإِيمان (7: 50)
"إيمانك خلّصك " أورد الإِزائيّون الثلاثة قول يسوع هذا حين شفى نازفة الدم (مر 5: 34 وز) ونجده عند لوقا في نصينّ آخرين خاصينّ به: خبر الخاطئة (7: 50) وخبر شفاء البرص العشرة (19:17).
كان لوقا تلميذ بولس فتعرّف الى الحرب التي قام بها معلّمه في خط الهلينيين لكي تقر الكنيسة في "مجمع " أورشليم بالمبدأ القائل: نحن لا نخلص بما نقوم به من أعمال (الشريعة، رج فل 9:3: "بري أنا") بل بما يقوم الله فينا من أعمال. الإِيمان هو تعرّف الى الخلاص الذي يعطينا الله إياه في المسيح وشكران على هذا الخلاص.
حين زاد لوقا هذه الجملة جعل من موقف هذه المرأة رمزًا للموقف المسيحي. ونحن نستطيع أن نقابل هذا الموقف مع موقف مريم العذراء. قدم لنا لوقا مريم كإبنة صهيون الملبيّة كل التلبية لنداء الله. فصارت على مثال إبراهيم أم المؤمنين (لا يستحيل شيء على الله، 1: 37؛ رج تك 14:18). ولكن هذا النموذج قد يثبط عزيمتنا لأن مريم هي بلا خطيئة، هي الإستعداد الدائم. وقدّم لنا لوقا في فم هذه الخاطئة كلمة الإِستعداد للإِنطلاق في حياة جديدة نالت الخلاص. بيّن لنا ما يستطيع الله أن يفعله في بتول تستسلم إليه بكليتها في الإِيمان. وأرانا هنا ما يقدر الله أن يفعله في قلب خاطئ ينفتح كل الإِنفتاح على حبّه.
غير أن هذا الخلاص ليس شيئًا فرديًّا وجامدًا. فالخلاص الذي يمنحه الله يدفعنا إلى الإِنطلاق. فكما قال يسوع لنازفة الدم التي شُفيت وللسامري الذي طهر من برصه، ها هو يقول للخاطئة: "اذهبي". الفعل الذي استعمله لوقا هنا عميق جدًّا، فهو يدل على "صعود" يسوع الى أورشليم، إلى السرّ الفصحي وهو يتوزع كل القسم الأخير من إنجيله. الإِيمان هو في نظره دفع وزخم. يجعلنا ننطلق مع المسيح إلى الصليب والمجد.

5- ملخص عن نشاط يسوع (8: 1- 3).
ويوقف لوقا خبره، كما اعتاد أن يفعل، ليقدّم لنا لوحة إجمالية صغيرة، ليقول لنا أين وصلنا في الخبر. هذه اللّوحة هي خاتمة هذا الخبر
"وسار يسوع بعد ذلك في المدن والقرى، يعظ ويبشّر بملكوت الله ". وهكذا يُجمل لوقا في هذا الجزء نشاط يسوع. أولاً، عمله كواعظ، ككارز. ففعل "كاروساين " يدلّ على وعظ المعمدان ووعظ التلاميذ في الجماعة. لسنا أمام خطبة بل أمام نداء (وصرخة وهتاف) يطلقه المنادي الذي يسبق الملك ويدلّ عليه. ومفردة: "انجل " (أعلن الإِنجيل، أعلن البشرى) تدلّ على تعليم ترافقه أشفية كما قال اشعيا. فالخلاص يصل إلى الفقراء في أجسادهم كما في قلوبهم. 
"وكان يرافقه التلاميذ الإِثنا عشر وبعض النساء". يقدّم لنا لوقا مسبّقًا لوحة صغيرة عن الجماعة المسيحيّة الأولى. لم يخترعها الرسل بعد الفصح. إنّها إمتداد لما بدأ به يسوع. فالكنيسة المسيحية ليست واقعًا نبت بعد الفصح، فإخترعت يسوعَ الإِيمان من أجل قضيّتها. قد وُجدت قبل الفصح، وتألّفت من الإِثني عشر الذين كانوا معه، رافقوه. ويتحدّث لوقا عن النساء. لهن دور في الكنيسة الأولى. وسيقول في سفر الأعمال إن الكنيسة لا تتألّف فقط من الرسل الإِثني عشر بل من تلاميذ عديدين (منّا نحن) سيلعبون دورًا هامًّا في نشر الإِنجيل.
واهتمَّ بولس بحضور النساء. كنَّ محتقرات في أيّامه فاشركهنَّ يسوع في الخدمة الرسولية وكانت مريم المجدليّة أول المنادين بالقيامة. تقول أ3: "يخدمنه ". هذا الفعل يدلّ في سفر الأعمال على نشاط الرسل الاثني عشر (أع 1: 17، 25) ونشاط السبعة (أع 6: 1) الذين اهتموا بالعالم اليوناني. وقبل هذا، صوَّر الفعل موقف يسوع الأساسي نفسه: "لم يأتِ ليُخدم بل ليخدم " (مر 45:10). وقد قال في قلب سرّه الفصحيّ: "انا بينكم كمن يخدم " (27:22). قد تعني هذه الخدمة إعانة المؤمنين في حاجاتهم. وهكذا يدلّ على موقف المسيحي الأساسي الذي يسير على خطى يسوع فيخدم الله وأخوته. 
ويوضع لوقا فكرته هنا. لا يرتبط هذا اللقب الكريم بالاستحقاقات. فالنساء اللواتي يرافقن يسوع قد انتُزعن من سلطان الشيطان: أَمسكهنَّ بالخطيئة وربما بالمرض. فالذين يحيطون بيسوع ليسوا من أصحاب الصحة الجيدة. كانوا موضوع شفاء فحملوا آثار ضيقاتهم السابقة. لم يكونوا أشخاصًا معروفين ومشهورين إلا بخطاياهم. رافقوا يسوع فلم يكن لهم ما يفتخرون به إلا يسوع الذي كان موضع افتخارهم.
الفصل الثاني والأربعون
مثل الزارع
8: 1 – 15

لوقا كاتب شخصي فلا يكتفي بأن ينسخ سابقيه دون أن يطبع بطابعه ما أخذه من الوثائق أو التقاليد السابقة. فقد وصلت إلينا معظم ينابيع معلوماته التي استعملها ليكتب القسم الأكبر من إنجيله. وهذا ما يتيح لنا أن نحدّد بدقة طريقته في العمل، ويساعدنا على الإِِحاطة بأصل المعلومات التي يقدّمها لنا في مقاطع أخرى.

أ- الزرع هو كلمة الله.
أولاً: نلاحظ بادئ ذي بدء أن مثل الزارع صار عند لوقا مثل الزرع. هو لم يكتب في البداية كما فعل مر 4:4 ومت 3:13: "ها هو الزارع خرج ليزرع ". بل حدّد فقال: "خرج الزارع ليزرع زرعه " (8: 5). وفي تفسير المثل لن يذكر الزارع كما فعل مرقس (4: 14) ومتّى (18:13). فالانتباه كلّه يتركّز على مصير الزرع الذي يشير إليه الإِنجيل الثالث بشكل واضح: "الزرع هو كلمة الله " (8: 11). وسلوك الزارع لا يلفت انتباهه.
ثانيًا: يُسبق مرقس تفسير المثل بقول حول الاسلوب الأمثالي (مر 4: 10- 12). وهذا التفسير تفصله عمّا سبق استعادةٌ تدوينية: "ثم قال لهم " (13:4). وتتبعه أقوالٌ لها مقدّمات خاصة بها: 4: 21: "وقال لهم"؛ 4: 24: "وقال لهم ". أمّا لوقا فيجعل من كل هذه القطع خطبة تتواصل بدون انقطاع (8: 10- 18). من الواضح أنّه يرى في الأقوال التي تستخرج التفسير بحصر المعنى، وسيلة لإِبراز معنى المثل. وهذا واضح بصورة خاصة في تصحيح آ 18. لم يقل لوقا كما قال مر 4: 24؛ "انتبهوا لما تسمعون بل: "انتبهوا الى الطريقة التي بها تسمعون". فعلى المثل أن يفهمنا الطريقة التي بها نسمع كلام الله.
ثالثًا. لا نستطيع أن نفصل عن 8: 4- 18 المقطوعة الصغيرة حول قرابة يسوع الحقيقية (19:8- 21). ففي مرقس، نقرأ هذه المقطوعة حالاً قبل مثل الزارع ولكن في إطار مختلف: مع أن المثل قيل على شاطئ البحر (مر 4: 1، 35) إلاّ أن يسوع موجود في داخل البيت (مر 3: 20، 32). أمّا عند لوقا فكل شيء يحدث في مكان ما على الطريق، والجموع تحيط بيسوع (4:8) بل تزحمه (19:8). ولكننا حينئذ لن نفهم كيف يكون أقارب يسوع "في الخارج " (8: 20 = مر 3: 32).
وإذ أراد لوقا أن يتجنّب تبديلاً في المشهد، إهتمّ بأن لا يقول في آ 9 أن التلاميذ سألوا يسوع "على حدة" (كما قال مر 4: 10). فلا مسافة عند لوقا بين الجموع والتلاميذ. ولهذا أغفل مر 33:4- 34: "وكان يسوع يكثر من هذه الامثال ليعلم الناس كلام الله على قدر ما يفهمون، وما كلَّمهم إلا بالامثال، ولكنه متى انفرد بتلاميذه فسَّر لهم كلَّ شيء". أجل، إنَّ لوقا يفترض الجمع حاضرًا وهو يسمع كلمات يسوع كما يسمعها التلاميذ.
أخذ لوقا حدث قرابة يسوع الحقيقيّة وجعله في نهاية الجزء المكرّس للأمثال وربطه به. كما قام في الخاتمة بتصليحات لها معناها. فأم يسوع وإخوته لم يعودوا "أولئك الذين يعملون بمشيئة الله " (مر 35:3؛ رج مت 12- 50)، بل "أولئك الذين يسمعون كلمة الله ويعملون بها" (8: 21). نحن الآن أمام "كلام الله "، وإعلان يسوع بمناسبة مجيء أقاربه صار خاتمة كل التوسيع الذي بدأ في آ 3، فحدّد الدرس الذي نستخلصه من المثل.
رابعًا: لا تظهر عبارة "كلمة الله " إلاّ في مقطع واحد في مرقس (13:7: تبطلون كلام الله) وفي متّى (6:15: ابطلتم كلام الله)، وهي ترتبط بإحدى الوصايا العشر (أكرم اباك وأمّك). أمّا عند لوقا فقد قرأناها في 8: 11 و8: 21. كما استعملها في ملاحظة تدوينية في 5: 1: "وإزدحم الجمع حول يسوع "ليسمع كلام الله ". أمّا النص الموازي في مرقس (4: 1- 2) فيتحدّث عن تعليم يسوع.
ونجد هذه العبارة أيضًا في 28:11 وفي وضع شبيه بما في 8: 21. أعلن يسوع: "طوبى للذين يسمعون كلمة الله ويحفظونها". وتعود العبارة 20 مرّة بشكل "كلمة الربّ " فتدلّ حصرًا على التعليم المسيحي كما يبشّر به الرسل. ويستعملها بولس في المعنى عينه. يتحدّث عن "كلمة الله " في 1 تس 13:2؛ 1 كور 14: 36؛ 2 كور 17:2؛ 4: 2؛ فل 1: 14؛ كو 1: 25. ويتحدّث عن "كلمة الربّ " في 2 تس 3: 1. وترتبط عبارة كلمة الله في روم 6:9 بالعهد القديم.
في الواقع، لا يبدو المضاف إليه (الله) ضروريًّا. فقد يكون متضمنًا فيقال فقط: الكلمة. هو ما يفعله مرقس في تفسير المثل فيقول: "الزارع يزرع الكلمة. والذين هم على جانب الطريق حيث زُرعت الكلمة. يأتي الشيطان حالاً وينتزع الكلمة التي زُرعت فيهم " (مر 4: 14- 15؛ رج آ 16- 20). إذا وضعنا جانبًا المقطع الذي يقابل مرقس (رج لو 12:18، 13، 15) نجد مفردة "الكلمة" في أماكن عديدة من سفر الأعمال (4: 4؛ 6: 4؛ 8: 4...).
ان تشديد لوقا له معناه. فهو يرى ويريد أن يرينا في مثل "الزرع " تعليمًا يتعلّق بالبشارة الإِنجيليّة وبالطريقة التي نسمع هذه البشارة.
خامسًا: أراد لوقا أن يوضح النصّ فاستعمل مرتين كلمة "الزرع" (8: 5، 11) حيث لم يستعملها النصّ الموازي في مرقس عن مثل الزارع. ولكننا نجد "الزرع " من جديد في مر 26:4- 27، في مثل الزرع الذي ينمو فلا يعرف به أحد (رج 2 كور 9: 10: "الذي يوفّر للزارع زرعًا") يمكننا أن نتساءل هنا: أمّا نجد إشارة إلى أن لوقا عرف هذا المثل في المكان الذي أورده مرقس ولكنّه أغفله قصدًا؟ ولماذا أغفله؟ لان مثل الزرع الذي ينبت دون أن يدري به أحد لا يتوافق مع فكرة يشدّد عليها لوقا في 4:8- 21: يجب أن ننتبه إلى الطريقة التي بها نسمع كلام الله (18:8). يجب أن نسمع كلمة الله ونعمل بها (21:8). إن كلمة الله تدعو الانسان لكي يتجاوب معها تجاوبًا فاعلاً.
لا بد من الأخذ بعين الاعتبار هذا السياق لنفهم لوقا الذي لا يتحدّث عن "سر" الملكوت أي مخطط الله المتعلّق بمجيء ملكه، بل عن "الاسرار، أي عن المتطلّبات التي نقوم بها لنصل إلى الملكوت، عن الطرق التي نتبعها لنشارك في الملكوت.

ب- الذين لا إيمان لهم
يتطرّق المثل إلى ما يعطيه الزرع بعد أن يُبذر، فيميز أربع امكانيات توافق أربعة أنواع من الأرض سقط عليها الزرع. والتفسير اللاحق يطبّق هذه الحالات على سامعي كلمة الله.
يبدو أنّ لوقا أحسّ ببعض الدهشة حين رأى الخبر الأمثالي يوضع بجانب تفسيره. فبدا له هذا المثل وكأنّه أمر شاذ. ولكنّه قبله واستفاد منه. فإذا أردنا أن نكتشف فكرته في كل من هذه الامكانيات المذكورة، نقرب بين لوحتي العرض. ونبدأ فنتفحّص ما يتعلّق بالفئة الأولى من السامعين: آ 5 ب، آ 12. 
اولاً: تتميّز آ 5 ب بضمّ إشارتين خاصّتين بتدوين لوقا: "وبينما هو يزرع وقع بعض (الحب) على جانب الطريق فداسته الأقدام وأكلته طيور المساء". حين كتب لوقا "طيور السماء" كما إعتاد أن يفعل قام بتصليحة بسيطة فأعطى لخبره رنّة بيبلية. نقرأ في 12؛ 24: الطيور (أنتم أفضل الطيور). ونجد "طيور السماء" في 58:9 (= مت 8: 20)؛ 13: 19 (= مر 4: 31- 32)؛ اع 10: 12؛ 11: 16. أمّا العبارة فترد خمسين مرّة تقريبًا في التوراة اليونانية. لن نبحث عن العلاقة بين هذا التحديد (طيور السماء) وما قيل عن الشيطان في آ 12.
الزيادة الأولى تلفت انتباهنا بعدم واقعيتها: اذا كان الناس مرّوا في الطريق وداسوا الحب بأرجلهم، فما الذي يبقى من طعام لطير السماء؟ إذن نتساءل: أما لهذه الإِشارة بُعد رمزي؟ إنّها تشير إلى مسؤولية الذين لا يهتمون إلاَّ قليلاً بكلمة الله: يرفضونها (7: 30)، يرذلونها (أع 13: 46)، يظلون غير مؤمنين (أع 14: 2؛ 19: 9؛ 28: 24) فيبرهنون عن إهمال سيُدانون عليه. وموقف العابرين يدلّ على موقف اليهود كما يصوّره سفر الأعمال. ولكن لا نشدّد على سمة لا يستعيدها لوقا في تفسير المثل.
ثانيًا: أمّا التصليحات في تفسير المثل فهي أكثر أهميّة. كتب مرقس (15:4): "إنّهم هؤلاء الذين على جانب الطريق حيث زُرعت الكلمة. وحين يسمعون يأتي الشيطان حالاً وينتزع الكلام المزروع فيهم ". أمّا لوقا فقال (12:8): "فالذين هم على جانب الطريق هم الذين سمعوا: ثم يأتي الشيطان وينتزع الكلمة من قلبهم لئلا يؤمنوا فيخلصوا".
حسَّن لوقا بناء جملته. بدَّل اللفظة العبريّة "سطن " (الشيطان) ووضع ما يساويها في اليونانية: "ديابولوس ". لم يقل "فيهم " مثل مرقس، بل أوضح: "من قلوبهم "كما فعل مت 19:13. نجد مفردة "القلب" 16 مرّة عند متّى، 11 مرّة عند مرقس، 22 مرّة عند لوقا، 20 مرّة في سفر الأعمال. وُيزاد على هذا العدد عند لوقا "معرفة القلب " كارديونوستيس مرتين. فالزيادة واضحة في 6: 45 أ؛ 8: 15؛ 47:9؛ 21: 14 (ضعوا في قلوبكم).
أمّا العنصر الجديد والرئيسي حقًّا فنجده في النهاية: حين ينتزع الشيطان الكلمة من قلب المؤمنين، فلأنه يريد أن يمنعهم من بلوغ الإِيمان الذي يؤمّن لهم الخلاص. لقد شدّدنا في القسم الأول من هذه الدراسة على إهتمام لوقا بموضوع كلمة الله. ونحن نلاحظ الآن إهتمامًا آخر: إنّه يُبرز دور الإِيمان. لا يتحدّث متّى ومرقس عن الإِيمان في هذا السياق، أمّا لوقا فيشير إليه على دفعتين: حين يتحدّث عن أوّل مجموعة من السامعين (12:8) وحين يتحدّث عن المجموعة الثانية (13:8). إذا كانت كلمةُ الله كلمةَ خلاص فهي لا تقدر أن تخلّص إلاَّ الذين يؤمنون بها. فلا خلاصّ إلاَّ للذين يؤمنون.
ثالثًا: ويهتمّ لوقا بصورة خاصة بالفكرة الجديدة التي أدخلها إلى نهاية آ 12. نجد مرّة واحدة عند متى 22:9= مر 34:5= 34= لو 48:8 عبارة: "إيمانك خلّصك " (تتوجّه إلى نازفة الدم). ستعود العبارة مرّة ثانية عند مرقس في شفاء المولود أعمى (مر 52:10= لو 42:18). ولكننا نجدها ست مرّات في إنجيل لوقا. ففضلاً عن النصّين اللذين ذكرنا، نجد في النص الذي ندرسه الآن، عبارة "إيمانك خلّصك". في 7: 50 (المرأة الخاطئة)؛ 8: 50 (إبنة يائيرس)؛ 17: 19 (الأبرص)، ونجدها أيضًا في سفر الأعمال، في 9:14: "فرأى بولس أنه يؤمن لكي يخلص ". في 16: 31: "آمِنْ بالربّ يسوع تخلص أنت وأهل بيتك ". ونجد أيضًا عبارات مماثلة بمناسبة الأشفية (رج أع 3: 16) أو في الحديث عن الخلاص الأبديّ (رج أع 43:10؛ 13: 12، 48؛ 7:15- 11؛ 18:26).
نلاحظ أيضًا أنّ لوقا أغفل الكلمات التي قالها المارّون مستهزئين بيسوع: "المسيح، ملك إسرائيل! لينزل الآن عن الصليب فنرى ونؤمن " (مر 32:15). إنّ موقف هؤلاء الناس غريب عن الإِيمان كما يتصوّره لوقا. لهذا فهو لم يُورد أقوالهم.
ونعرف أيضًا كم أبرز لوقا مفهوم "الخلاص ": كلمة "سوتاريا" (69:1، 71، 77؛ 19: 9)، وكلمة "سوتاريون " (2: 30؛ 3: 6) اللتان تعنيان الخلاص. وكلمة "سوتار" (1: 47؛ 2: 11= المخلّص). هذه الكلمات غير موجودة عند مرقس ولا عند متى. أمّا فيما يخصّ فعل "سوزو" فنستطيع أن نقابل لو 36:8؛ 50 مع ما يقابله في مرقس. قال لوقا: "كيف خلص " أمّا مر 16:5 فقال: "ما حصل للرجل ". وقال يسوع ليائيرس: "آمن فقط فتخلص " (الفتاة) (لو 8: 50). أمّا في مر 36:5 فنقرأ كلام يسوع: "لا تخف. يكفي أن تؤمن ". ونلاحظ أخيرًا في لو 19: 10: "جاء إبن الإِنسان ليبحث عن الهالكين ويخلّصهم ".
كل هذا يفهمنا أنّ الزيادة في 12:8 ترتبط بموضوع يعلِّق عليه لوقا أهميّة خاصّة: إنّه موضوع الخلاص المرتبط بالإِيمان.
رابعًا: إن كان الأمر هكذا، فقد نرى نهاية آ 12 كزيادة مجّانيّة محضة وضعها الانجيلي. ولكن إذا أمعنّا النظر وجدنا أنّ هذه الزيادة تعوَّض ما أغفله لوقا في آ 10. إذن، ليست مجرّد تصحيح. ففي آ 10 شدّد لوقا على امتياز التلاميذ الذين "أُعطي لهم أن يعرفوا أسرار الملكوت " ولكنّه تحفّظ في ما يتعلَّق بما يقابل هذا الامتياز: الآخرون يرون دون أن يروا ويسمعون دون أن يفهموا. واختفت كليًّا خاتمة مر 12:4: "لئلاّ يرتدّوا فيُغفر لهم . من السهل أن نفهم نظرة إنجيليّ الرحمة والغفران أمام نصّ يجعل يسوع وكأنّه يمنع بعضًا من سامعيه أن يتوبوا فينالوا غفران الله. ولكنّه فعل أحسن من إزالة كلمة تصدم قارئه، فنقلها إلى آ 12 وبدّل ألفاظها تبديلاً طفيفًا فصارت: "لئلاّ يؤمنوا فيخلصوا".
لقد دلّت هذه الجملة الأخيرة في مكانها الجديد على الهدف الذي يلاحقه الشيطان لا يسوع. فالشيطان، هو المسؤول عن عدم إيمان الذين لا يتقبّلون كلمة الله. وهو الذي يسبِّب هلاكهم. كما أنّه هو الذي سبب هلاك حنانيا حين دفعه إلى أن يكذب على الروح القدس (أع 3:5). وسيكون "ابن الشيطان " أيضًا ذلك الذي يحاول أن يُبعد الوالي سرجيوس بولس عن الإِيمان (أع 8:13،10). ولا ننسَ أنّ الشيطان دفع يهوذا إلى الخيانة (3:22؛ رج 13:4؛ يو 2:13) كما هدّد إيمان بطرس بالخطر (22: 31).

ج- الذين يتراجعون
أوّلاً: في القسم الأمثاليّ، يكرّس مرقس (4: 5- 6) توسيعًا معلّلاً وطويلاً عن مصير الحَبّ الذي سقط على الأرض الصخرية. وما يلفت النظر أوّلاً عند لوقا (6:8) هو قصر هذا التوسع (14 كلمة بدل 33 عند مرقس). وهو لا يتكلّم عن الأرض الصخرية، بل عن "الصخر" دون أن يهتمّ بواقع وهو أنّ الحبّ لا ينبت على الصخر. أهمل التوسّع بما فيه من ملاحظة وأهمل فعل الشمس الحارقة التي تيبس النبتة، فقال بإيجاز إن الحبّ نبت ثم يبس. ونسب هذا اليباس لا إلى غياب الجذور بل إلى غياب الرطوبة. كل هذا يدلّ على أنّنا أمام إبن مدينة، لا ابن ريف يعرف بأصول الزراعة. ثم إن الكلمة اليونانيّة المستعملة هي أكثر جمالاً. أخيرًا، وإن لم يتحدّث عن الجذر في المثل، فهو سيعود إليه في تفسير المثل (13:8).
ثانيًا: يعلّمنا التفسير أنّنا أمام أناس "سمعوا الكلمة فأخذوها حالا بفرح " (مر 16:4). وقال لوقا (13:8): "حين سمعوا قبلوا الكلمة بفرح ". فكّر لوقا بتقبّل كلمة الله، فبدّل الفعل اليونانيّ، كما بدّل بناء الجملة، مركِّزًا الانتباه على هذا القبول للكلمة بالشكر. "لا جذور لهم ". كذا قال لوقا وأغفل "فيهم ". قال مرقس: هم "رجال وقت وساعة"، فحدّد لوقا: "يؤمنون إلى حين ". يعود فعل "آن " الذي التقينا به في الآية السابقة، وهو يدلّ بصورة خاصّة على استقبال كلمة الله. فالذين نتحدّث عنهم الآن يختلفون عن الفئة الأولى من السامعين: هم يؤمنون بالكلمة التي سمعوها، ولكنّ إيمانهم عابر وهو لا يدوم. إنّه لا يكفي لكي يؤمّن الخلاص.
ثالثًا: والإشارة التي تنهي الآية تُدخل معطية جديدة. وما يلفت انتباهنا هو العلاقة الوثيقة بينها وبين الإِشارة التي بها انتهى تفسير المثل. إليك كيف يفسّر مرقس ما حدث للذين هم "رجال وقت قصير"؛ "حينئذٍ يحدث ضيق أو اضطهاد بسبب الكلمة، وحالاً (للوقت) يشكون " (يتشكّكون ويتراجعون). أمّا لوقا فاكتفى بالقول: "وفي وقت التجربة (المحنة) يتراجعون (يرتدون، يتراخون) ". إنّ لفظة "ضيق " عند مرقس تشير إلى إخبار إسكاتولوجيّ: فالآلام التي يتحدّث عنها هي جزء من المصائب التي تصيب العالم قبل نهاية الأزمنة. ووُضعت كلمة "اضطهاد" لتفسّر كلمة "ضيق " وتكيّفها على وضع المسيحيين. فالاضطهادات التي تصيب الجماعة تدخل في الضيق العظيم، في نهاية الأزمنة.
ولكنّ لوقا أحلَّ محل هاتين اللفظتين مفردة "المحنة" (أو التجربة) التي تحمل أبعادًا أوسع. فهي تدلّ على كل ظروف الحياة التي يُطلب فيها من المسيحيين أن يُظهروا نوعيّة إيمانهم، وبالأخصّ هذا الثبات الذي ستتحدّث عنه آ 15. حين اختار لوقا هذه المفردة، دلَّ أنّه لا يفكّر في وضع خاص، بل في الحياة المسيحيّة بمجملها مع مختلف الصعوبات التي تتحدّى أمانة المؤمن. فعلى المسيحيّ أن يحمل صليبه ويتبع يسوع لا عندما تقرب النهاية ولا خلال الاضطهاد وحسب، بل "كل يوم ". قال مر 34:8: "من أراد أن يتبعني يحمل صليبه ويتبعني ". إمّا لوقا فقال (23:9): "يحمل صليبه كل يوم ".
إذا نقص "الثبات " الضروريّ في "المحنة" فالمسيحيون لا "يعثرون " (يشكّون) فقط. ولن يجدوا فقط مناسبة سقوط روحيّ، إنّهم يتراخون ويتراجعون. نحن هنا في إطار إيمان موقّت، ولهذا يعني الفعل المستعمل تراجعًا عن الإِيمان وجحودًا (1 تم 4: 1؛ عب 3: 12). لا يستطيعون أن يتجاوزوا تطلّبات الإِيمان وسط صعوبات الحياة، فما يعتّمون أن يرتدوا عن الإِيمان، أن يتخلّوا عن إيمانهم.

د- لا يصلون إلى النضوج.
أوّلاً: في القسم الامثالي يقوم لوقا (7:8) بسلسلة من التصليحات الأدبيّة المحضة التي لا يهتمّ بها التفسير. سقط الحبّ لا "في " الشوك بل "وسط " الشوك. لم "يطلع " الشوك فقط بل "نما معه ". لم "يخنق " الشوك الحب فقط، بل وصل به إلى الموت كما فعل البحر بقطيع الخنازير الذي غرق (33:8). بعد هذا لم يَعُد من الضروريّ أن يقول إنّ الحبّ لم يعطِ ثمرًا.
ثانيًا: ما يلفت نظرنا في التفسير أوّلاً (8: 14) هو إيجاز لوقا بالنسبة إلى مرقس (24 كلمة مقابل 37 عند مرقس). الحبّ الساقط وسط الشوك يمثّل الذين بعد أن سمعوا اختنقوا في الطريق وما وصلوا إلى النضوج.
بدأ مرقس فحدّثنا عن السامعين ثم انتهى بالكلمة. أمّا لوقا فلم يعد يفكّر إلاّ بالسامعين الذين لا يجعلون الثمر ينضج. وفي انقلاب مماثل، ليست الرغبات (الشهوّات) هي التي تدخل إلى الإِنسان (مرقس)، بل الناس هم الذين يذهبون إلى الشهوات. ويدلّ لوقا أنّ الاختناق يتمّ تدريجيًّا (آ 7: طلع معه).
قال لوقا: لم ينضجوا، فدلّ على الذين يتقبّلون الكلمة. وقال مرقس على الكلمة إنّها تبقى "بلا ثمر". وتعود مفردة "الكلمة" مرّتين في النص الموازي للوقا فيقال: "الذين يسمعون الكلمة". ثم يقال عنها أنّها لم تثمر. أمّا لوقا فلا يذكر الكلمة وهذا ما يدهشنا في إطار يشدّد على هذا الموضوع. أيكون أنّ لوقا تجنّب التكرار، فأراد أن يقدّم عرضًا متماسكًا؟ ولكن أما يكون هناك أيضًا شيء آخر؟ إن انتباه لوقا يتركّز على استعدادات السامعين، ولهذا لم يذكر الكلمة التي هي الموضوع الرئيسي في هذا التوسيع.
ثالثًا: ويقوم لوقا بأهمّ التصليحات في أسباب الفشل الجديد. كانت ثلاثة في إنجيل مرقس: "هموم الدنيا (أو الدهر أو العصر)، سحر (خداع) الغنى، سائر الشهوات ". وظلّ ثلاثة عند لوقا: "الهموم، الغنى، ملذّات الحياة". الكلمتان الأوليان قاطعتان في إيجازهما. ولن ندهش حين نجد عند لوقا حكمًا دون استئناف على الغنى. فهناك عدد من النصوص تشدّد على اللعنة (ويل) التي تنزل بالأغنياء، وعلى متطلبة تجرّد كامل.
والهموم. نجد أوّلاً تحذيرًا من الهمّ المتعلّق بالطعام واللباس (12: 22- 24 = مت 25:6- 33). وهناك مقطعان خاصّان بلوقا. الأوّل: يلوم الربّ مرتا لأنّها قلقة ومهتمّة بأمور كثيرة (10: 41). وينبّهنا في 34:21: "انتبهوا لئلاّ تنشغل (تصبح ثقيلة) قلوبكم بالخمرة والسكر وهموم الدنيا".
لم يأخذ لوقا عبارة "الشهوات ". فالكلمة "ابيتيميا" تعني فقط رغبة قوّية، وقد تكون الرغبة صالحة أو شرّيرة (16:15؛ 16: 21؛ 22:17؛ 15:22: قال يسوع: إشتهيت أن أتناول عشاء). ولا يستعمل فعل "اشتهى" بالمعنى البيبلي (مت 28:5؛ روم 1: 24؛ 12:6؛ 7:7، 8؛ 9:13، 14؛ 1 كور 10: 6) إلاَّ مرَّة واحدة، وذلك في خطبة بولس إلى شيوخ أفسس (أع 33:20).
إذن، أحلّ "الملذّات " محلّ "الشهوات ". فالملذّات ترتبط بالحياة الحاضرة. وما يعنيه بهذه اللفظة (رج تي 3:3؛ يع 4: 1، 3؛ 2 بط 13:2؛ 2 تم 4:3) نتخيّله حين نقرأ كلمات وضعها في فم الملاك الذي زاد غناه: "يا نفسي، لك خيرات وافرة مخزونة (مخزّنة) لسنين كثيرة: فاستريحي وكلي واشربي وتنّعمي (عيدي) " (19:12). أو حين نقرأ صورة عن الرجل الغني ويتحدّث لوقا عن الذين يؤمّون قصور الملوك فهو لا يفكر فقط "بثيابهم الناعمة" (مت 8:11)، بل يراهم "يلبسون الثياب الفاخرة ويعيشون في الترف " (في التنعّم) (7: 25). 
الهموم والغنى والملذّات تحدّ أفق هؤلاء الناس في هذه الحياة الحاضرة. واهتمامهم بالبشارة الإِنجيليّة لن يكون بالقوّة التي تسلخهم عن هذه الحياة الحاضرة (بيوس) لتتيح لهم بأن ينفتحوا على "زوئي"، على الحياة الحقيقيّة التي هي الخلاص أيضًا.

هـ- قلب طيّب مطيع.
أوّلاً: في آ 8 تتميّز الصورة الامثالية مرّة ثانية بإيجازها. لا يتوقّف لوقا عند نموّ النبتة المتدرّج: "تنبت، تنمو" (مر 8:4)، بل يكتفي بأن يكرّر فعل "طلع " (رج آ 6). كما لا يهتمّ بتنوّع الغلّة: 30، 60، 100. فيحتفظ بالرقم الأخير ثم يتخلّى عنه في التفسير. والأرض التي سقط فيها الحبّ هي طيّبة بمعنى خصبة. أمّا التفسير فيستعيد لفظة "جميلة". وأخيرًا لا "تعطي " النبتة ثمرًا، بل "تصنع " ثمرًا. يقول في 20: 10 عن الكرّامين أنّهم "يعطون " من الثمر الذي أنتجوه. وقد نستطيع المقابلة مع 8: 21 حيث "صنع " يعني أتمّ كلمة الله.
ثانيًا: يتفرّد لوقا في آ 15 فيورد بوضوح الاستعدادات الطيّبة لدى السامعين: "الذين سمعوا الكلمة بقلب جميل (مطيع) وطيّب (صالح) ". لاحظنا في معرض حديثنا عن آ 12 أنّ لوقا يستعمل كلمة "قلب " في المعنى البيبلي: مركز الاستعدادات الدينيّة.
أمّا الطريقة التي يصف بها القلب: جميل وطيّب. أي كامل وخارق من كل الوجهات. هذا يعكس المثال الإِنسانيّ لدى اليونانيّين: كمال يظهر في الخارج ويصل إلى قلب الإِنسان في صميمَ أعماقه. وهكذا لعب المثال اليونانيّ دورًا في الاستعدادت لتقبّل الإِنجيل بالاتصال مع "القلب ". نحن أمام تحقيق روحيّ لهذا المثال الذي يهيئ الإِنسان لتقبّل كلمة الله بالاستعدادت المطلوبة.
ثالثًا: وهناك سمتان تميّزان تقبّل الكلمة كما يتصوّره لوقا. هو لم يكتب كما فعل مرقس أنّ أصحاب الفئة الأخيرة" تقبّلوا (الكلمة) وحملوا ثمرًا"، ثلاثين، ستين، مئة مقابل حبّة واحدة (مر 4: 20). بل أوضح: "يحتفظون بها ويحملون ثمرًا بفضل ثباتهم " (رغم الأخطار التي تهدد الكلمة).
كان قد أشار أنّه لا يكفي بأن نتقبّل الكلمة بفرح "إذا كنّا" سنتراجع في "وقت المحنة". وها هو يستعمل فعل "كاتاخو": تمسك بقوّة. وهكذا لا نفلت ما تمسكه يدنا. استعمل بولس هذا الفعل حين تحدّث عن التقاليد التي ينبغي أن لا نتخلّى عنها (1 كور 2:11؛ 2:15؛ رج 1 تس 15:2 ولكن مع فعل "كراتيو") وتحدّث بولس أيضًا عن "كلمة الحياة" التي نتمسّك بها (فل 16:2= اباخو) فلا نفلتها. وهكذا يدلّ "كاتاخو" على الجماد بثبات وهذا ما يتوافق مع "الثبات " (هيبوموني).
ويهتمّ لوقا بثبات المسيحيّين. فيكون كلامه صدىً لتحريضات تدعوهم ليثبتوا في الإِيمان (أع 22:14)، ليبقوا أمناء للرب، أمناء للنعمة (أع 23:11؛ 43:13). وتعني "هيبوموني " الثبات الذي يجعلنا نبقى في مكاننا تحت الشدّة أو أمام الصعوبات وترتبط بكلمة "بايرسموس " أي المحنة والتجربة (آ 13). فتجاه المؤمنين المؤقّتين الذين يتقبّلون كلمة الله بفرح ثم يتراخون ويتراجعون في وفت التجربة، نجد الذين يحفظون الكلمة ويدلّون على ثباتهم خلال المحنة فلا يتزحزحون. لا شك في أنّ لوقا يصوّر سلوك أناس أصحاب قلب طيّب وجميل ويقابلهم بمؤمنين يتراخون في المحنة. إذن، ما يميّز المؤمن الحقيقيّ هو ثباته (وعناده) وسط صعوبات الحياة المسيحيّة.

خاتمة:
كل هذا التعليم يدور حول سؤال: كيف نسمع كلمة الله ونعمل بها؟ في الخبر يشدّد لوقا على "الزرع " (آ 5). وفي تفسير المثل يهتمّ أوّلاً بحالة الإِيمان. إذا كان هناك أناس لا يؤمنون بالبشارة الإِنجيليّة، فلنبحث عن السبب لا في طريقة تقديم البشارة بل في عمل الشيطان. يقوم الإِيمان بتقبّل كلمة الله. ولكن هذا التقبّل الأوّل لا يكفي. فنجد نفوسنا منذ آ 13 أمام مسألة الثبات. فالمؤمنون سيمرّون في المحنة، وبعضهم سوف يتراخى ويتراجع. والهموم وملذّات الحياة تجعل البعض يتهرّبون من المحنة ولكنّهم لن يصلوا إلى النضوج الذي هو الخلاص . ولا يصل إلى الخلاص إلاّ الذين تمسّكوا بالكلمة بقوّة، وبرهنوا عن ثبات (وعناد) فعملوا بكلمة الله وسط المحن.
الفصل الثالث والأربعون
مثل السراج
8: 16- 18؛ 11: 33- 36
إن مثل السراج الذي يُوضع لا تحت المكيال بل على المنارة يرد أربع مرّات في في الأناجيل. في مت 5: 15 ومر 4: 21 ولو 8: 16 و 11 :33. فإذا تمعنّا في هذه النصوص نجد أنها ترجع إلى تقليدين مختلفين: واحد يمثّله متى والآخر يمثله مرقس. ويُظهر لنا لوقا في المقطعين اللذين يوردان المثل أنه يعرف التقليدين: سيخفّف من الاختلافات ويطبع كلامه بطابعه الخاص. وهكذا يبدو تدوينه كخاتمة التقليد الإِنجيليّ حول هذا المثل.
سندرس أوّلاً النصّ ثم السياق الأوّل والسياق الثاني قبل خاتمة تبينّ غنى هذا المثل.

1- النص
ونبدأ بقراءة 16:8 و11 :33 
16:8 11: 33
ما من أحد يوقد سراجًا ما من أحد يوقد سراجًا
ويغطيه بوعاء ويضعه في مخبأ (مكان خفي او تحت مكيال)
أو يضعه تحت سرير
بل يضعه على منارة (مكان مرتفع) بل على منارة
ليرى الداخلون نوره ليرى الداخلون ضياءه، شعاعه

(أو نوره)
ونقرأ مت 15:5 ومر 21:4 مر 21:4
مت 5:15 هل يجيء السراج (كما يجيء المسيح نور العالم، 
لا يوقد سراج 1 :7)
ويوضع تحت المكيال ليوضع تحت المكيال
أو تحت السرير؟
أليس ليُوضع
بل على المنارة على المنارة؟
فيضيء لجميع الذين هم في البيت.
أولاً: يستعمل متى صيغة لا شخصيّة: لا يُوقَد سراج. هذه الطريقة آراميّة. أمّا لوقا فأعطى فاعلاً للجملة: "لا يُوقد أحدٌ سراجًا". أمّا مرقس فكتب: "هل يجيء السراج "؛ لقد جعل الجماد يتحرِّك. وزاد ألـ التعريف، لأن السراج معروف وهو المسيح. واستعمل لوقا "ابتو" لا "كايو" ليدلّ على "أوقد، أشعل " (رج 15: 8؛ أع 28: 2).
ثانيًا: ونصل إلى المكيال. في لو 33:11 نقرأ: "في مخبأ أو تحت المكيال ".
ولكن "تحت المكيال " غائبة في شواهد قديمة (برديات. مخطوطات في خط اسفيني، والسريانيّة السينائيّة، القبطية الصعيديّة). قد تكون جاءت من متى أو مرقس.
في 16:8 قرأ لوقا في مت ومر: "يُوضع تحت المكيال " فأحلّ محلّها: "يغطّى بوعاء". وضع كلمة غامضة مكان كلمة تقنية قد لا يعرفها قرّاؤه. وفي 33:11 صارت عبارة "وضع تحت المكيال ": "يوضع في مخبأ في مكان خفيّ ". المكان الخفيّ هو "الكرار" حيث يوضع النبيذ والمؤونة. يفكّر لوقا ببيت كبير يتضمّن بيتًا للمؤونة، فلا مكان للمكيال فيه.
ثالثًا: في 8: 16 يذكر لوقا مع مرقس "السرير" الذي يتمدّد عليه الناس للطعام. ولكن يتحدّث مرقس عن السرير مع أل التعريف. فليس إلا سرير واحد في بيوت فلسطين الفقيرة. أما لوقا فيعرف بيوتًا تمتلك اسرّة عديدة وقناديل عديدة (لا قنديلاً واحدًا كما عند مرقس).
رابعًا: يُوضع على منارة، على مكان مرتفع ومُعدّ للسراج. هنا يلتقي لوقا (33:11) مع متى.
خامسًا: "ليرى الداخلون نوره (ضياءه) ". كان متّى قد قال: "ويضيء لجميع الذين في البيت ". هنا تختلف الصورة بين الإنجيليّين: عند متى، يضيء السراج للذين هم في البيت. عند لوقا، يضيء للذين يأتون من الخارج ويدخلون إلى البيت. فالإِنجيليّان يتخيّلان بيتين مختلفين: يفكّر متى ببيت فلسطيني مؤلّف من غرفة واحدة. ينيره السراج كلّه فيستفيد من نوره كل الذين في البيت. أمّا لوقا فيفكّر ببيت واسع له مدخل ينفتح على كلّ الغرف. يوضع السراج في المدخل فيستفيد منه الذين يمرّون من هناك إلى الغرف.
ولكن هناك من يرفض هذا التفسير: السراج يضيء الداخلين إلى البيت وإن لم يكن لهذا البيت مدخل. والسرير الذي يتحدّث عنه المثل لا يوضع في المدخل. ثم لا يوقد السراج في المدخل حيث يطفئه الهواء. لا ننسَ أن لوقا يكيّف الصور حسب نظرته إلى العالم الهليني. ففي مثل البيتين (48:6- 49) لا يتحدّث عن وادٍ لا ماء فيه خلال الربيع والصيف والخريف، فيجتاحه الماء فجأة في يوم ممطر عاصف (مت 24:7- 27). بل يتحدّث عن سهل يجري فيه نهر يعرف الفيضان. ونقول الشيء عينه عن بيت كفرناحوم (19:5) إنه مغطى بالقرميد (كما في بلاد يونان) لا بالتراب الممزوج بالقش كما في فلسطين (مر 4:2). وأخيرًا، يجعل لوقا ابن ارملة نائين في "نعش " (14:7) على الطريقة اليونانيّة. وهكذا ينسى أنه في فلسطين حيث يجعل الميت على "محمل " ويدفن في الأرض فيلتصق جسده بالتراب.
وهناك معنى أعمق: فالسراج الذي يضيء الذين في الداخل والذين في الخارج هو رمز الإِيمان أو معرفة أسرار ملكوت الله (8: 10). هو لا يضيء فقط التلاميذ والذين ينتمون إلى الكنيسة ويعيشون فيها، بل يمنح نور المسيح إلى جميع البشر، إلى الذين ما زالوا في الخارج والذين "سيدخلون " عندما يرون. إذن نحن أمام اهتمام مرسل يودّ أن يحمل البشارة إلى أقاصي الأرض. وهكذا يختلف لوقا عن متى، وهو الذي جعل خطبة يسوع لا على الجبل (مت 5: 1)، بل في السهل (لو 17:6) لتصل لا إلى تلاميذه فقط (دنا إليه تلاميذه فأخذ يعلّمهم) بل إلى "جمهور من تلاميذه وجمع كبير من الناس من جميع اليهودية وأورشليم وساحل صور وصيدا". ولا ننس أخيرًا أن الداخلين هم في الخارج، هم الوثنيون ولا بد من استقبالهم في الكنيسة، لهذا يوضع السراج على منارة.

2- السياق الأوّل
أوّلاً: إن 8: 16 هو جزء ممّا سمّي "مقطوعة الزارع " (8: 4- 21). وحّد لوقا بين هذه الآيات لتخدم تعليمًا واحدًا سنوضحه فيما بعد.
فبعد الحاشية في آ 1- 3 وهي توطئة لقسم واسع مخصَّص لرسالة يسوع المتجوّل في الجليل (متى 35:9)، تنفتح المقطوعة التي ندرس على مشهد يبدأ في آ 4 دون تبديل في المشهد.
يقدّم لنا مر 31:3- 34:4 عناصر المقطوعة، ولكن لوقا لا يكتفي باستعادة النصّ كما يجده.
أولاً: ينقل مر 31- 35 (قرابة يسوع الحقيقية) إلى الخاتمة (لو 8: 19- 21). ثانيًا: يُغفل أمورًا عديدة. مثلا مثل الزرع الذي ينمو وحده ومثل حبة الخردل (مر 4: 26- 30). فهما لا يتوافقان مع تعليم لوقا عن الزارع. وأغفل لوقا أيضًا خاتمة مرقس (33:4- 34) كما خفّف في 9:8- 10 قساوة ما قاله مر في 10:4-12.
ثانيًا: يَبرز التعليم الذي تقدّمه هذه المقطوعة في الخاتمة. لم ينقل لوقا فقط حدث أقارب يسوع لينهي به مقطوعة الزارع، بل بدّل الألفاظ التي بها حدّد يسوع الذين يعتبرهم أمه وإخوته. فعند مر 35:3 نقرأ: "كل من يعمل إرادة الله ". عند لو 8: 21: "هؤلاء الذين يسمعون كلمة الله ويعملون بها". اختار لوقا الكلمات بالنظر إلى المثل حيث الزرع يمثّل كلمة الله (8: 11). ونحن لا نكتفي بأن نسمعها بل نجعلها تثمر. هذا هو معنى "يعملون بها" في آ 21. 
وَيبرز هذا التعليم عينه في تفسير المثل عبر تصليحات صغيرة. فالزرع الذي يقع على الصخر يصوّر سلوك الذين يقبلون الكلمة بفرح حين يسمعونها. وإذ ليس لهم جذور يؤمنون إلى حين (زمنًا قصيرًا)، ثمّ يتراخون ساعة المحنة (8: 14). أمّا مر 17:4 فيتحدّث عن الشكّ (والعثار) الذي يشعر به السامع بمناسبة ضيق واضطهاد بسبب الكلمة. ويوسّع لوقا نظرته حين يتحدّث عن "المحنة" أو "التجربة". كما يُبرز الخراب الذي يحسّ به الذين لا يثبتون فيتراخون ويعودون عن إيمانهم.
ويقابل هذا الفشل التعيس مع وضع الذين يسمعون الكلمة بقلب طيّب ومطيع فيحفظونها ويحملون ثمرًا بفضل ثباتهم. أدخل لوقا مفردة "الثبات " كتكملة للمحنة. فالثبات الذي نجده في قلب طيّب ومطيع هو ضروريّ بسبب المحن التي تواجه أمانة المسيحيّين. بدونه تستحيل المثابرة على العمل بكلمة الله. فسماع الكلمة ليس بشيء إن لم يتبعه ثمر.
وقال مر 4: 24: "انتبهوا إلى ما تسمعون ". فقال لوقا: " فانتبهوا إلى الطريقة التي بها تسمعون ". فما نسمعه لا يفيدنا إن لم نسمعه باستعدادات تساعدنا على ممارسة ما سمعناه.
ثالثًا: إن آ 16-18 تشكّل داخل 8: 4- 21 حيث يوجّه لوقا مختلف العناصر لخدمة تعليم واحد، وحدة ترتبط كل حلقة فيها بأختها. لا نستطيع أن نفسّر آ 16 دون أن نأخذ بعين الاعتبار أنّ آ 17 التي تبدأ بحرف "الفاء" تبدو بشكل تفسير. وتجد آ 17 ضوءًا لها بالاستنتاج الذي نجده في آ 18 أ (إذن، انتبهوا) وبالتفسير الذي يعطى لنا في آ 18 ب ("لأنّ من له ").
حسب آ 16: من الواضح أن مَن يوقد سراجًا لا يفكّر بأن يخفيه. بل يضعه على منارة ليضيء. وتشرح آ 17 هذا السلوك راجعةً إلى مبدأ عام: "ما من خفي إلا سيظهر، ولا من مكتوم إلا سيُعرف وينكشف (في وضح النهار) ". نحن أمام مثل وقول مأثور في الحكمة الشعبية. إن الآية الموازية في مرقس (4: 22) تقول: إن كان من خفي فيجب أن ينكشف. إنه يشير إلى نيّة الذي أخفى شيئًا: هو لم يُخفِه لكي يبقى خفيًا بل ليُكشف في يوم من الأيام. نحن أمام نية يسوع حين يروي الأمثال التي لا يدرك الجمعُ معناها. في لو 17:8 كما في 2:12 ومت 26:10، لسنا أمام نيّة مبيّتة. بل تصوّر مسيرة حتمية ينكشف بموجبها كل ما هو خفيّ، ينكشف بالضرورة وبصورة دائمة. هذه هي الحقيقة العامة التي نتأكّد منها في وضع الذي يوقد السراج ويضعه في مكان مرتفع بحيث يضيء.
حسب مرقس: لا بدّ أن ينكشف السرّ الخفيّ في الأمثال. كُشف أوّلاً للتلاميذ ولكن سينكشف للجموع في الوقت المناسب. وفي هذا الإِطار، سرّ الملكوت، والسرّ المسيحانيّ لا يمكن ان يبقيا مكتومين. وهذا ما يَطلب استعدادًا وانتباهًا من السامعين.
حذف لوقا مر 23:4 ووصلة آ 24 وقال حالاً: "إنتبهوا إلى الطريقة التي بها تسمعون " (كيف تسمعون). وتفسير آ 18 ب يبرّر هذه التوصية: "لأن الذي له يعطى له، والذي ليس له (شيء) يؤخذ منه حتى الذي يظنّه له ". يتوضح هذا التفسير إن أخذنا بعين الاعتبار أنه يختتم تفسير مثل الزارع. فكلمة الله تثمر عند الذين يتقبلونها بقلب طيب ومطيع. وفي لغة آ 18 ب: "عند الذين لهم ". ما لهم هو استعداداتهم الحسنة وهذا ما يتيح لهم أن يأخذوا أيضًا. ولهذا السبب نرى كلّ هذه الأهميّة للطريقة (كيف) التي بها نتقبّل الكلمة.
وبعد أن فهمنا التنبيه في آ 18 نستطيع أن نعود إلى آ 17. وهذه هي الفكرة: طريقة السماع مهمّة (آ 18) لأنه ليس خفيّ إلا وسينكشف في النهاية (آ 17). وفي السياق الحالي يجد المبدأ العام في آ 17 تطبيقه الطبيعيّ: إن استعدادات الإِنسان الخفيّة تنكشف بالضرورة عبر النتيجة التي تثمرها كلمة الله فيه. شأنه شأن أرض نعرف نوعيتها من إمكانيتها بأن تعطي ثمرًا.
ونعود إلى آ 16: فسلوك الذي يوقد سراجًا يدلّ على السلوك الذي ننتظره من التلاميذ. فمن سمع كلمة الله ولم يجعلها تحمل ثمرًا يشبه إنسانًا يوقد سراجًا ثم يخفيه بوعاء أو يضعه تحت سرير. فالسراج المضاء لا يفيد في شيء. وكذلك لا فائدة من سماع كلمة لا نعمل بها. فحين نوقد سراجًا إنما نوقده ليضيء. وحين نتقبّل كلمة إنما نتقبّلها لكي نعمل بها. فلينتبه المسيحيّون إلى استعدادات قلوبهم. سيُعرفون من نتيجة الكلمة في حياتهم. فإن حوّلت سلوكهم تحويلاً حقيقيًّا، يعرفون باتصالهم بها أنهم نالوا النور. سيكونون بأنفسهم نورًا وشهودًا للنور.
ونعود أيضًا إلى الوراء، إلى أبعد من آ 16. وضع مرقس فاصلة بين تفسير مثل الزارع ومثل السراج: "وقال لهم ". أمّا لوقا فاكتفى بأداة العطف (في اليونانيّة) التي تبرز العلاقة مع القطعة السابقة. فإن آ 15 تتحدّث عن الزرع الذي سقط في الأرض الطيبة. وإنه يمثّل "الذين سمعوا الكلمة بقلب طيّب ومطيع، وحفظوها فأثمرت بفضل ثباتهم ". إذا كان تفسيرنا للآية 16 موافقًا لفكر الإِنجيليّ، فالعلاقة مع آ 15 واضحة: صورة الانسان الذي يضع سراجًا على منارة،َ تدل على سلوك ترسمه آ 15 فالنور الذي يعطيه سراج على منارة يمثّل الثمر الذي حمله الذين قبلوا الكلمة بقلب طيّب ومطيع.
لا نظنّ أننا نقدر أن ننسب إلى مثل السراج في لو 16:8 المعنى الذي يتّخذه بشكل طبيعيّ في النصّ الموازي في مر 4: 21. فمرقس يهتم قبل كلّ شيء، في فصل الأمثال، بالسبب الذي لأجله قال يسوع الأمثال. بهذه المسألة يتعلق الإِعلان الكبير في آ 11- 12 والحاشية الأخيرة في آ 33- 34، وبها ترتبط أيضًا الأقوال المجموعة في آ 21- 25. حينئذ يدلّ مثل السراج على أن الوحيّ الذي نعم به تلاميذ يسوع قد هيّأه الله لكي ينتشر انتشارًا واسعًا. أما نظرة لوقا فمختلفة كل الاختلاف، وهي تقترب بالأحرى من نظرة متى في 15:5 حيث مثل السراج يحدّث التلاميذ عن ضرورة الاعمال الصالحة ليلعبوا الدور المطلوب منهم لدى البشر. "فليضئ نوركم هكذا قدّام الناس ليشاهدوا أعمالكم الصالحة ويمجّدوا اباكم الذي في السماوات " (آ 16) ولكن هناك فارقًا بسيطًا: يهتمّ متى بدور التلميذ وسط البشر، أما لوقا فيهتمّ بطريقة سماع الكلمة: كيف نحفظها ونعمل بها.

3- السياق الثاني
أولاً: في لو 33:11، يدخل مثل السراج في مجموعة واسعة من خُطب يسوع ضد خصومه (14:11- 54). أولاً: نجد جواب يسوع لأُناس يتّهمونه بأنه يطرد الشيطان ببعل زبول (آ 14- 20). ويتبع هذا الجواب ملحقات مختلفة لا رابط واضحًا بينها (آ 21- 28). ثانيًا: نجد جواب يسوع لأناس يطلبون آية: آية: لن يعطى لهذا الجيل آية إلاَّ آية يونان (آ 29- 30). ومع آ 29- 30 نربط آ 31- 32. وتزاد أقوال أخرى أولها القول في السراج (آ 33- 36). ثالثا وأخيرًا نجد جواب يسوع لفريسي تعجب لأنه لم يغتسل قبل الأكل (آ 37- 41). ويمتدّ الجواب في سلسلة من "ويل " تتوجّه الى الفريسيّين (آ 42- 44) وعلماء الشريعة (آ 45- 52). وكلّ هذا ينتهي بحاشية عن ردة فعل السامعين (آ 53- 54). إذن، السياق العام سياق هجوم. والمثل يتوجّه هنا لا إلى التلاميذ بل إلى سامعين ساءت استعداداتهم.
ثانيًا: يأتي المثل مباشرة وبدون أية انتقالة بعد الجواب للذين يطلبون آية. أجاب يسوع أولا: "لن يعطى لهذا الجبل آية إلا آية يونان " (آ 29). ولكن ما هي "آية يونان " هذه؟ فكّر مت 12: 40 بالأيام الثلاثة والليالي الثلاث التي قضاها يونان في بطن الحوت. فرأى فيها صورة عن إقامة يسوع في القبر قبل قيامته. وهكذا يماثل بين "آية يونان " والقيامة.
غير أنّ نصّ لوقا لا يتوجّه في هذا المعنى. فإن آ 30 تفسّر: "فكما كان يونان آية لأهل نينوى، كذلك يكون ابن الإِنسان آية لهذا الجيل ". ظنّ بعض الشُرّاح أن هذه الكرازة دلّت في تعبيرها الأَوّل على حدث ابن الانسان ومجيئه العجيب والرهيب. ولكن هل هذا ما أراده لوقا؟ مهما يكن من أمر، هناك شيء أكيد: صار النبيّ آية لأهل نينوى بشخصه (آ 30). يتوقّف انتباهنا لا على آية صنعها يونان، بل على الآية التي كانها هو بنفسه. ولا شكّ في أن آ 32 تحاول أن تنير هذه الكلمة الملغزة: "سيقوم أهل نينوى يوم الدين (الحساب) مع هذا الجيل ويحكمون عليه، لأنهم تابوا بإِنذار يونان وها هنا أعظم من يونان". لقد صدّق (آمن) أهل نينوى يونان. كفاهم أن يسمعوا تعليمه لكي يتوبوا. لم يحتاجوا إلى آية أخرى. فلا حاجة إلى إدخال خبر الموت. فأهل نينوى آمنوا حين سمعوا كلمته وعرفوا أنه النبيّ الذي أرسله الله. ويقابل يسوع موقفه مع موقف معاصريه الذين يطلبون آية: أما يكفي تعليمه؟ أما يكفي أنه هنا وهو أكبر من يونان؟
ثالثًا: وتتابع آ 33: "ما من أحد يوقد سراجًا". حين نشعل سراجًا فلا نشعله لنخفيه، بل لنضعه على منارة. والذين يدخلون لا يقدرون ألا أن يروا نوره. تُفهمنا الصورة قياسًا، السبب الذي لأجله لا يعطي يسوع آية. فرسالته الدينيّة أكبر برهان على ذلك. فكما أن السراج الموضوع على مكان مرتفع ينير كلّ الذين يدخلون إلى البيت، هكذا حين يعلن مرسل الله تعليمه، فإن حقيقة رسالته تفرض نفسها بنفسها. فهي لا تحتاج إلى آية لتؤكّدها. إذا كان أهل نينوى عرفوا يونان بعد أن سمعوا كلمته، فكم بالحري معاصرو يسوع. إذا نفهم مثل السراج في هذا الإِطار كدلالة على صدق رسالة يسوع الإلهيّة. فالذين لهم عيون ليروا لا يستطيعونَ إلاَّ أن يتعرّفوا إليه.
رابعًا: ومع ذلك طلب محاورو يسوع آية وجعلوا طلبهم شرطًا ليقرّوا برسالته. لماذا لا تفرض الحقيقة نفسها عليهم؟ أيمكن أن ندخل إلى بيت ونرى سراجًا مضيئًا على المنارة ولا نراه؟ لهذا زيدت آ 34- 36 لتلقي ضوءًا على هذا الوضع الراهن. إنها تقدّم تطبيقًا آخر لموضوع السراج: "سراج جسدك أو عينك. إن كانت عينك سليمة كان جسدك كلّه منيرًا (في النور). وإن كانت عينك مريضة (شريرة، رديئة) كان جسدك أيضًا مظلمًا (في الظلام) (آ 34). اذا كانت العين مريضة، فإن شعّ النور في الخارج وأنار إنسانًا، فهذا الإِنسان يبقى في الظلمة رغم كلّ شيء. ويأتي التطبيق في آ 35: "فانظر إذن: أليس النور الذي فيك ظلامًا"؟ لقد أخطأ محاورو يسوع حين ظنّوا أن آية خارجيّة تتيح لهم بأن يتعرّفوا إلى رسالة يسوع الإلهيّة. فما يحتاجون إليه هو تحوّل داخلي. النور يضيء أمامهم. فإذا كانوا لا يحسّون به، فلأن عين قلبهم مريضة.
أجل، قدّم لوقا مثل السراج في إطار هجومي. فرأى في كلمات يسوع توبيخًا يتوجّه إلى الذين لم يقتنعوا بحقيقة رسالته الإِلهيّة. كان أهل نينوى من أبناء النور فتابوا عندما سمعوا يونان. وإذا كان معاصرو يسوع لم يتوبوا مع أن النور قُدّم إليهم بوضوح أكبر، فلأن استعداداتهم الداخليّة تمنعهم من التعرّف إلى الحقيقة.

خاتمة
بدّل لوقا نهاية المثل فقال: ليرى الداخلون نوره، ففكّر بنور الإِنجيل الذي لا يحفظه التلاميذ لنفوسهم بل يشعّونِ على جميع البشر الذين لم يروه بعد. وفي ف 8، يُفهِم السراجُ الذي على منارة المسيحيّين واجبهم بأن يترجموا في أعمالهم التعليم الذي قبلوه. فمن اكتفى بسماع الكلمة دون العمل بها يكون غير منطقيًّا مع نفسه، شأنه شأن الرجل الذي يضيء سراجًا ويضعه تحت سرير. وكما أن السراج يضيء، كذلك يحوّل الانجيل سلوك الذين يسمعونه.
ويتحدّث ف 11 إلى أناس يعلنون استعدادهم لأن يؤمنوا بيسوع ورسالته الإِلهيّة شرط أن يعطيهم آية؛ أن يصنع أمامهم معجزة باهرة. رفض يسوع طلبهم. ما هو واضح في ذاته لا يحتاج إلى برهان خارجيّ. يكفي أن ينظروا إليه ليروا أنه جاء من عند الله. فالحقيقة واضحة كسراج على منارة. يكفي أن تفتحوا عيونكم وأن تكون عيونكم صحيحة. ولكن هذا ما ينقصكم: عيونكم مظلمة واستعداداتكم الداخليّة تمنعكم من النظر. لا تشتكوا من النور فالشرّ قابع فيكم، فحاولوا أن تصلحوه.

الفصل الرابع والأربعون
عائلة يسوع الحقيقيّة
19:8- 21؛ مت 46:12- 50؛ مر 3: 31- 35

منذ البداية، وجّه يسوع نداء خاصًا إلى بعض التلاميذ الذين لم يؤمنوا به فحسب، بل ساروا وراءه: بطرس، إندراوس، يعقوب، يوحنّا... وترك قرية الناصرة وأقام في كفرناحوم ومن هناك إنطلقت رسالته إلى الجليل.
في كفرناحوم أقام على ما يبدو في بيت بطرس، وقد أشار مر 1: 29 ي إلى هذا الذي سمّاه "البيت ". لقد صار بيت بطرس بيت يسوع والتلاميذ، إنه رمز إلى الكنيسة.
وتقاطرت الجموع فلم يعد يكفي عدد المدعوين الأوّلين لإستقبال السامعين من مرضى وأصحّاء. وسّع يسوع الحلقة، فصار الذين حوله إثني عشر. وسلّمهم بعض سلطانه مثل طرد الشياطين (مر 13:3- 19). ومع ذلك، ما إن يعود إلى "البيت " حتى لا يكفي النهار كلّه لإِستقبال الناس: "تعذّر على يسوع والتلاميذ أن يجدوا وقتًا يأكلون فيه " (مر 3: 20).
وهذا "السحر" الذي مارسه يسوع مع الحركة الشعبية التي أثارها لفتت الأنظار فانتشر الخبر في كل البلاد. وصلت شهرة يسوع إلى اورشليم، وبالحري إلى الناصرة. فخاف أقرباء يسوع على "ابن العشيرة". قالوا: "فقد صوابه " (مر 21:3).

1- أقارب يسوع (آ 19- 20).
تحرّك أقارب يسوع، وردّة فعلهم لا تقرّبهم من يسوع. فيسوع في نظرهم هو ذلك الذي "يسكر" بمواهب الشفاء فيفقد صوابه. وقرروا أن يمسكوه ويعيدوه إلى الحياة العاديّة. مرة أولى، وكان ابن 12 سنة، سمح يسوع لنفسه أن "يفلت"، من أهله خلال حج الفصح في أورشليم. أعطته أمه ملاحظة فأجابها جوابًا سريًا ولكنّه عاد إلى الناصرة يعيش عيشة الصبي الخاضع لوالديه (2: 41- 51). وظنّ أقاربه، هذا ما تدلّ عليه كلمة "أخوة" في النصّ وذلك حسب العالم العبري (تك 8:13؛16:14؛ 15:29؛ لا 10: 4؛ 1 أخ 22:23)، ظنّوا انه سيفعل الآن كما فعل في الماضي.
يستعمل مرقس (3: 21) "فقد صوابه " بلسان الإخوة، كما أورد حكم الكتبة: "هو ممسوس، أي فيه شيطان " (22:3). إنهم من الخارج ولا يستطيعون أن يفهموا.
وصل الأخوة إلى كفرناحوم. لم يقدروا أن يصلوا إليه بسبب الجموع التي تحيط به، "تملأ المكان حتى الباب " (مر 2:2). فنقل الناس إلى يسوع خبر وصولهم. إنهم يريدون أن يروه، أن يكلّموه.
لا يقول لنا الإِنجيليّ إن كان يسوع قَبل أن يكلّمهم أو رفض. لا شيء يمنع من القول إن يسوع ذهب إلى أمه وإخوته بعد أن قال ما قال، وإنه ذهب إلى الناصرة بناء على طلبهم وقام برسالته هناك. في هذا الإِطار نفهم تلميح لو 23:4 إلى معجزات تمّت في كفرناحوم (رج مت 13: 54- 58؛ مر 6: 1- 6).

الذين من داخل الجماعة (آ 21).
إن توجَّه الجواب إلى أقارب يسوع، كان له مدلول سلبي: لستم أنتم أمي وإخوتي. وإن توجّه إلى "الجالسين حوله " (مر 3: 34) فهو تعليم إيجابي. فالجلوس على الأرض حول "رابي " (معلّم) هو عند اليهود عمل التلاميذ حول معلّمهم. هكذا تعلّم بولس شريعة الآباء عند قدميّ جملائيل (أع 3:22). ذاك كان موقف مريم: "جلست عند قدميّ الربّ تستمع إلى كلامه " (لو 39:10؛ رج 4: 20؛ مت 23: 20؛ 55:26).
إستفاد يسوع من الظرف ليعطي تعليمًا. جاء التعليم في لوقا بسيطًا، أمّا في مت 12: 48 ومر 33:3 فجاء بشكل سؤال: "من هي أمي؟ من هم إخوتي " (رج مر 10: 18 والسؤال: "لماذا تدعوني صالحًا" ؟).
وأجال يسوع نظره، كما يقول مرقس في آ 34. إنه نظر محبة، والذين يتطلّع فيهم هم حقًا أمه وإخوته وأخواته. ولماذا؟ يعطي يسوع الشرح. هنا يختلف لوقا عن متّى ومرقس. قال مرقس: "من يعمل بمشيئة الله هو أخي وأختي وأمي ". أمّا متّى فقال: "مشيئة الآب الذي في السماوات ". عبارة خاصة بمتىّ. أمّا لوقا فقال: "أمي وإخوتي (لم يذكر الأخيات) هم الذين يسمعون كلمة الله ويعملون بها". نحن هنا في خطّ نهاية مثل الزارع. "فالذين يسمعون بكلمة الله ويحفظونها" هم أرض طيبة (15:8). كما أنّنا أمام تلميح إلى مريم التي أعلنت خضوعها للربّ في مشهد البشارة: "أنا خادمة للربّ فليكن لي حسب قولك، حسب كلامك " (38:1). أجل، المؤمن الحقيقيّ يسمع كلمة الله بالإِيمان ويعمل بها.
وسنقرأ العبارة نفسها في لو 28:11. إمتدحته امرأة فقالت: "طوبى للمرأة التي حملتك (في أحشائها، على ذراعيها) وأرضعتك ". فقال يسوع: "بل طوبى للذين يسمعون كلام الله ويحفظونه، ويعملون به ". نحن هنا أمام نظرة إلى أمومة مريم حسب الجسد، وهذا سر عظمة التي هي والدة الله (تيوتوكس كما أعلنها مجمع أفسس). وها هو يسوع يعلن عظمة أخرى لهذه الأم، هي عظمة الإِيمان. مريم هي المؤمنة (45:1) التي تتأمّل في قلبها (أي بكل حياتها) حدث يسوع الذي وُلد منها في مذود بيت لحم (19:2). مريم تمثل هنا كل المؤمنين الذين يعارضون تلاميذ الفريسيّين (مت 9: 32- 34) أو اليهود بشكل عام، كما يقول لوقا.
إن يسوع يكشف عن عمق الرباط الذي يوحّده بالذين يعملون إرادة الآب، يسمعون كلمة الآب ويعملون بها. وكلامه عن ضرورة الولادة الجديدة يكمِّل هذا التعليم ويعطيه كل قوته وكل واقعيته (يو 3:3- 5؛ رج 1: 13؛ تي 3: 5). وهكذا دلّنا يسوع على وسيلة تبقينا متّحدين به بطريقة تتجاوز رباط الولادة حسب اللحم والدم.

3- عائلة يسوع الحقيقيّة.
بعد هذا نفهم لماذا أقحم لوقا في هذا المكان كلمة يسوع عن القرابة الحقيقيّة التي جعلها مرقس (3: 31- 35) ومتّى (46:12- 50) قبل أمثال النمو. الهدف اللاهوتي هو هو عند الإِزائيّين الثلاثة: القرب من يسوع وعلاقات اللحم والدم التي تربط يسوع بأسرته وشعبه، يجب أن يتجاوزها التلميذ ليُدخل فيه الروح القدس الذي يقيم في يسوع. ولكن، حين يورد لوقا حدث زيارة أقارب يسوع، فهو يجعل من هذا الحدث، كما قلنا، تطبيقًا لمثل الزارع.
فمنذ موت يسوع وقيامته، تنير كلمة الله قلوب الذين يقبلونها وسط الضيقات التي تحملها إليهم. وتفعل في قلوب الذين رضوا أن يسيروا مع يسوع، سواء كانوا الإِثني عشر (8: 1)، أو النسوة (8: 2) أو التلاميذ (8: 22). وهكذا يصبح اعتداد أقارب يسوع وأهل بلدته باطلاً لا فائدة منه. لم يقبلوا حقًا الكلمة (16:4- 30، الناصرة)، فصاروا غرباء مع انهم أقارب. سمّاهم مرقس (3: 31، 32) الذين هم في الخارج، الذين يسمعون كلّ شيء بالأمثال (مر 4: 11)، ولكنّهم لا يبصرون ولا يفهمون (مر 12:4). إن الإِقتراب من يسوع حسب الجسد (يريدون أن يروه، آ 20)، ان مرافقة يسوع بعد أن أكلوا وشربوا معه (رج 13: 26) يصبحان بُعدًا وافتراقًا. إن تقبّل كلمة الله (6: 47- 48) والعمل بها يجعلنا من أقارب يسوع وأخصّائه.

خاتمة.
بعد هذه المسيرة الطويلة، نودّ أن نقابل بين خاتمة مجموعة الأمثال وشرحها: "الذين يسمعون كلمة الله ويعملون بها" (8: 21)، وبين نهاية الخطبة التي تنهي المسيرة الأولى: "كلّ من يسمع ويعمل... كلّ من يسمع ولا يعمل " (47:6). سنكتشف حينئذٍ أن خطبة الكلمة إلى إسرائيل والمثل عن الكلمة المُرسلة إلى العالم ينتهيان، بالطريقة عينها. نقص سامعي الكلمة في إسرائيل ممارسة الرحمة (كونوا رحماء، 6: 36). أمّا سامعو الكلمة التي سلَمت إلى العالم، إلى جميع البشر، فقد ظلّوا غرباء عن السر. هم يقلقون ويهتمّون وينشغلون كثيرًا (10: 41)، ولكن ينقصهم تقبّل السر والتأمل فيه. فالإصغاء والسماع هما اللذان يعطيان لأعمالهم كلّ خصبها في الروح القدس.
الفصل الخامس والأربعون
يسوع يهدئ العاصفة
8: 22- 25= مت 18:8- 27= مر 4: 35- 41

أ- المقدمة.
ركب يسوع مع تلاميذه القارب وأبحروا على بحيرة طبرية. أخذ التعب منه فنام على وسادة. وفجأة هبّت ريح عاصفة. خاف التلاميذ وأيقظوا يسوع. فهدّأ يسوع العاصفة بكلمة ووبّخ التلاميذ على خوفهم وقلّة إيمانهم.
منذ القرن الثاني، إتّخذ هذا الحدث معنى عميقًا. ما اكتفت الكنيسة بأن تتأمل في قدرة يسوع الذي يسيطر على عناصر الكون، بل رأت مقابلة بين وضعها الحالي والوضع السابق. الكنيسة هي قارب تهاجمه العاصفة على أمواج هذا العالم. عليها أن تثق بربّها: إنها لن تغرق. إنّها تحمل يسوع إلى البشر فلا تتغلّب عليها قوّات الجحيم.
هكذا فسَّر آباء الكنيسة الحدث وما شكّوا يومًا في واقعه. بحثوا عن أبعاده لكي يجدوا القوّة في حياتهم كمسيحيّين. ولكن العالم المعاصر (منذ القرن الماضي) يتساءل: هل نحن أمام رمز أم أمام حقيقة تاريخيّة؟ قد يقبل بشفاء إنسان، ولكنّه يتوّقف عند نواميس الطبيعة التي لا تتبدّل: كيف يمشي إنسان على الماء؟ كيف يكثر الأرغفة؟ كيف يهدئ العاصفة بكلمة؟ قال العقلانيّون: هدأت العاصفة صدفة، حين أمرها يسوع. لسنا أمام معجزة بل توارد ظروف. وجاء أصحاب النظريّات الإِخباريّة يربطون كلام الإِنجيل بالفولكلور اليونانيّ أو الأساطير الوثنيّة أو الأخبار التقوية. وها نحن نقدَّم بعضها.
* تهدئة العاصفة في الفولكلور اليونانيّ حقّ من حقوق الآلهة. وقد ينتقل هذا السلطان إلى أشخاص مميَّزين بصورة عابرة، جوابًا على صلاة أو عمل سحري. وتأتي الأسطورة فتعظّم الأمبراطور في تدخّله على الأمواج الثائرة: تمجّده ككائن إلهي. نقرأ في 2 مك 8:9 عن أنطيوخوس ابيفانيوس: "ظنّ في زهوه الذي لم يبلغ إليه إنسان (هو فوق البشر) أنه يأمر على أمواج البحر".
* ونجد تقاليد مماثلة في العالم اليهودي، وإن يكنّ مضمونها الديني مختلفًا. هاجمت العاصفة رابي جملائيل (90- 130 ب. م.) وهدّدت حياته فهتف: "يبدو أنّ ما يحصل لي سببه الرابي اليعازر بن هركانس " (الذي أرسله إلى النفى). فانتصب وقال: "يا سيد العالم، أنت تعرف أنّي ما فعلت هذا إكرامًا لي أو لبيتي بل إكرامًا لك لئلاّ تتزايد الإِِنقسامات في إسرائيل ". حينئذٍ هدأت العاصفة.
*وروى رابي تنحوما (حوالي سنة 380): سافر صبيّ على سفينة وثنيّة. هدّدت العاصفة السفينة فدعا الوثنيّون آلهتم ولكنّهم لم ينجحوا. فطلبوا من اليهوديّ الصغير أن يدعو إلهه. صلّى الصبيّ فهدأت العاصفة فامتلأ الوثنيّون إعجابًا.
* وكان لبولس بعض السلطان على العناصر. فاجأته العاصفة مع 275 شخصًا على السفينة، خلال سفر يقوده كسجين إلى رومة. ظلّ واثقًا بذلك الذي خطّط له ليذهب إلى عاصمة الأمبراطوريّة: تحطّم المركب عند جزيرة مالطة ولكن نجا الركّاب كلّهم (أع 8:27- 44).
* وفي سفر يونان. هبّت العاصفة بينما النبيّ نائم مطمئن. رموه في البحر فهدأت العاصفة.
مقابلة الإِنجيل مع هذه النصوص تبينّ اخْتلافًا عميقًا في النية التي أشرفت على هذه الأخبار. أو تبيّن أن الإِنجيل يقاوم كلّ تقارب. ينقص عنصر رئيسي للمقابلة.
في الأخبار الهلينيّة يُبرز الخبر تأليه الأمبراطور. أمّا هنا فيطرح سؤالاً حول هوية يسوع ويطلب جوابًا من إيمان الرسل. في خبر جملائيل ويونان لعبت العاصفة وظيفة أخلاقيّة. العاصفة علامة ساطعة على الظلم المفترض الذي مارسه الأوّل وعلى عصيان الثاني لله. ما إن لعبت العاصفة دورها حتى هدأت. في خبري الصبيّ اليهوديّ وبولس، لعبت الصلاة وبرودة الأعصاب دورهما في تجنّب الكارثة. إذا وضعنا حالة بولس جانبًا، فلن نجد شبهًا بين هذه الأخبار والحدث الإِنجيليّ. فالقوّة التي سيطرت على العناصر ليست القوّة الإِلهيّة التي تجاوبت مع صلاة يسوع، بل قوّة يسوع نفسها التي حرّكها خوف التلاميذ. كلّ هذا يبيّن أنّنا بعيدون عن هذه الأخبار بما فيها من طابع أسطوريّ.

ب- التحليل الأدبيّ.
نبدأ بمرقس الذي يبدو أكثر بساطة في استعمال مراجعه. هذا لا يعني أنّه ليس لاهوتيا شأنه شأن متّى ولوقا، ولكنّه يساعدنا مساعدة كبيرة على إستعمال المواد التي استعملها.

1- الخبر حسب القدّيس مرقس.
يورد مرقس الحدث على اثر يوم الأمثال (4: 1- 34). وفي الليلة ذاتها ركب يسوع القارب مع تلاميذه ليذهب إلى الجهة المقابلة من بحيرة طبرية. هبّت فجأة عاصفة فهدأها بكلمة. ولمّا وصلوا إلى ناحية الجراسيّين أخرج الشيطان من ممسوس (5: 1-20). ثمّ عاد في القارب إلى كفرناحوم. هناك شفى إمرأة تتألّم من نزف دمها وأقام إبنة يائيرس، رئيس المجمع (5: 21- 43). إنّ هذا السياق الإِجماليّ يؤثر على التفسير الذي يقدّمه مرقس للحدث الذي ندرس. ولكن إلى من ننسب هذا التفسير؟ إلى مرقس أم إلى التقليد الذي استقى منه؟. 
أوّلاً: السياق السابق.
نجد للوهلة الأولى رباطًا كرونولوجيًّا وثيقًا بين الحدث الذي ندرس وفصل الأْمثال. كان يسوع يعلّم "بجانب البحر. فتجمّع حوله جمهور كبير حتّى إنه صعد إلى قارب في البحر وجلس فيه، والجمع كلّهم في البر على شاطئ البحر" (4: 1). وحين حلّتَ نهاية يوم الوعظ هذا، "في مساء ذلك اليوم عينه، قال لهم: تعالوا نعبر إلى الشاطئ المقابل. فتركوا الجموع وساروا بيسوع في القارب الذي كان فيه، وكانت معه قوارب أخرى" (35:4). إن هذه التفاصيل الكرونولوجيّة تعطي الخبر وجهًا معقولاً وطبيعيًا.
"نام المسيح ". إن نام يسوع رغم العناصر الهائجة، فلأن التعب غلبه بعد نهار مرهق من الوعظ لجمهور كبير. وإن رافقته قوارب أخرى فلأن القارب الذي يحمله هو أصغر من أن ينقل التلاميذ كلّهم.
يبدو أنّ هذا الرباط الكرونولوجيّ عائد إلى مرقس. فقد ربط هذا الحدث بالخبر السابق عبر رباط كرونولوجيّ (في ذلك اليوم عينه، ولمّا جاء المساء)، كما أنّه أحاط الأمثال بإجمالة في البداية (4: 1- 2) وبخاتمة في النهاية (4: 34). في هذه الحالة تكوّن آ 1- 2، 34- 35 النسيج السيروي الواحد.
ثم إنّ مرقس يتفرّد بجعل حدث تهدئة العاصفة في مساء ذاك النهار. أمّا لوقا فيربطه برباط رخو بمجموعة الأمثال التي لا تبدو موحدة على مستوى الزمان والمكان. فيسوع يعطي هذا التعليم "في يوم من الأيام "، وإذ كان "في الطريق ". وحدث الأقرباء الذين طلبوا يسوع يفترض أنّ الواعظ عاد إلى البيت (لو 8: 20). أمّا متى فيجهل هذه المتتالية. إنّ حدث العاصفة يلي مجموعة المعجزات الثلاث التي ينتمي إليها شفاء حماة بطرس.
إذن نستطيع أن نستنتج: إنّ الرباط بين "يوم الأمثال " ومعجزة العاصفة هو من وضع مرقس. وعلى مستوى التقليد السابق، لا يُلقي التعليم الأمثالي على الحادث الذي ندرس ضوءًا خاصًا.

ثانيًا: السياق اللاحق.
وهل يبدو هذا السياق متينًا؟ هل تَّم اللقاء مع ممسوس الجراسيين في الليل؟ وإلاّ، جدّف الرسل طوال الليل ليقطعوا الكيلومترات العشرة التي تفصل الضفّة عن الأخرى ومارسوا بعض الصيد قبل أن يصلوا في النهاية إلى الشاطئ المقابل عند الصباح. مثل هذا التسلسل للأحداث غير مستحيل. ولكن متتالية الخبرين تبرز بعض الصعوبات على المستوى الأدبي. فالتقسيم على ممسوس الجراسيين يقدّم نوعًا أدبًّيا يتحاشاه التقليد الإِنجيليّ. كما يدهشنا السياق المباشر: لماذا يختفي الرسل هنا بينما هم يحتلّون المكان الأوّل في الأخبار السابقة؟
كل هذا يوجّهنا إلى القول إلى أنَّ الأخبار جُمعت بهذه الطريقة من أجل هدف لاهوتي. وهذا الجمع نجده عند متى المستقلّ عن مرقس ولوقا، وهذا يعني أنَّ الربط بين الخبرين سابق للتقليد الإِزائي، وهو يوجّهنا لكي نفهم هذا المقطع فهمًا لاهوتيًّا.

ثالثًا: النص.
يدلّ النص على صفات مرقس الأدبيّة كراوٍ له فنّه الذي يَعجّ بالحياة فيجعل القارئ يرى ما يسمعه. تتضمّن هذه الدراما الصغيرة ثلاثة مشاهد. وَيبنى كلّ مشهد على تعارض حتى النهاية السعيدة التي تحلّ الإِنشداد المتصاعد.
في المشهد الأوّل: الخوف على قارب تغمره الأمواج ويكاد يغرق. ومقابل هذا نوم يسوع العميق في مؤخرة القارب (آ 37- 38 أ).
في المشهد الثاني: ضياع هؤلاء الصيّادين المحترفين الذين يوقظون يسوع ليعيدوه إلى وضعهم المأساوي. وتجاه هذا، عظمة وجلال المعلّم الواقف بوجه الريح والأمواج. يأمرها بسلطانه فيتمّ الهدوء فجأة على البحيرة الثائرة (آ 38 ب- 39).
في المشهد الثالث: يتركّز الانتباه على الأشخاص وردّة الفعل عندهم: عبّر التلاميذ عن خوفهم أمام ظهور هذه القدرة على عناصر الكون (آ 41).
لن نشدّد على طابع الخبر، ونحن نعلم العواصف المفاجئة على هذه البحيرة المحصورة بين ثلاثة جوانب. كما نعلم أنّ من يحرّك السفينة من المؤخرة ينام على وسادة. أيقظ التلاميذ يسوع لا احترامًا وتقديرًا لمعجزة قد يصنعها، بل بسبب ضياعهم والضيق الذي يُحيط بهم. أمّا ذروة هذه الدراما الصغيرة فكلمة ملوكيّة تفرض الصمت على الرياح والأمواج.
أمّا الخوف المقدّس، فيدلّ على تدرّج الرسل في معرفة يسوع. اكتشفوا فيه قوّة تسيطر على الكون، ولكنَّهم ظلّوا على مستوى التساؤل: من هذا إذن؟

رابعًا: الاتجاه اللاهوتي.
تركنا آ 40 قصدًا، وفيها يوبّخ يسوع تلاميذه الذين سيطر عليهم الخوف. ففي هذه الآية سنكتشف الإِتّجاه اللاهوتي في الخبر. ويكفي من أجل هذا أن نقابل هذا الحدث مع خبر مبنيّ حسب الرسمة عينها وإن يكن مضمونه مختلفًا. فاللوحة التالية تبرز الفن الأدبيّ "لخبر المعجزة" المشترك بين معجزة تهدئة العاصفة وطرد الشيطان من ممسوس كفرناحوم.
- ونبدأ مع مر 1 :23-27.
* يقدّم لنا النصّ المريضَ: "وكان في الجمع رجل يمتلكه (يسيطر عليه) روح نجس فأخذ يصيح " (آ 23).
* الممسوس يوجّه كلامه إلى يسوع: "ما لنا ولك (ماذا تريد منّا) يا يسوع الناصري؟ أجئت تهلكنا؟ أنا أعرف من أنت: أنت قدّوس الله " (آ 24).
* وأمر يسوع الشيطان: "فانتهره يسوع قال: إخرس واخرج منه " (آ 25).
* النتيجة: شفاء الممسوس: "فهزّ الروح النجس الرجل هزًّا عنيفًا وخرج منه وهو يصرخ صراخًا قويًّا" (آ 26).
* وإستولى الخوف على كل الحاضرين: "فتعجّب الناس كلّهم وتساءلوا قائلين: ما هذا؟ حتى الأرواح النجسة يأمرها فتطيعه " (آ 27).
- والنص الثاني (مر 4: 37- 41).
* يصوّر لنا العاصفة: "هبّت عاصفة شديدة" (آ 37).
* أيقظ التلاميذ يسوع: "أيقظوه وقالوا له " (آ 38).
* يسوع يأمر العاصفة: "أصمت، اخرس " (آ 39 أ).
* هدوء العاصفة: "سكتت الريح " (آ 39 ب).
* التلاميذ: "من هو هذا؟ حتى الريح والبحر يطيعانه " (آ 41).
- لا نجد مكانًا للآية 40 في هذه اللوحة. أما زيدت على رسمة سابقة من أجل درس يتجاوز ما نكتشفه عادة في "خبر المعجزة"؟ هو تعجُّب الحاضرين أمام قدرة الله التي ظهرت. فالقدّيس مرقس لا يكتفي بأن يكون راوًيا، بل يحدّد موقع روايته في نظرة تعليميّة.
فالشاهدون لهذا "التقسيم " الذي يسيطر على الكون ليسوا الجموع المتحلّقة حول نبي جديد يصنع المعجزات. فالقوارب التي تهدّدها العاصفة تنقل فقط التلاميذ. وتجاه الخطر وتجاه نوم المعلّم سيطر الخوف عليهم. فجاءت صرخة يسوع في آ 40 تُبرز هذا الضياع وعدم الثقة.
إذن، نستطيع أن نقرأ خبر مرقس بطريقتين: إمّا خبر معجزة وإمّا كتعليم كرازيّ أو بالأحرى خبر معجزة مع هدف تعليميّ. فهل نستنتج أنّه وُجد في مرحلة أولى بدون آ40 ؟ هذه الفرضية ليست ضروريّة. ولكن إذا أردنا أن نستنتج هدف الحدث اللاهوتي نبدأ بخبر المعجزة ثم نعود إلى الخبر التعليميّ. 

خامسا: خبر المعجزة (4: 37- 39، 41).
يصل بنا الخبر كما في شفاء ممسوس كفرناحوم إلى سؤال يطرحه الشهود حول هوّية يسوع الذي يملك كل هذه السلطة على الشياطين أو العناصر الثائرة: "ما هذا"؟ "من هو هذا"؟
في خبر المعجزة يكمن فن الراوي بأن يبرز عظمة فعلة يسوع بتعارضات متوازية:
هيجان الريح والموج هدوء يسوع النائم
تضعضع التلاميذ يسوع هو السيد المطمئن
هناك عدّة أخبار معجزات، مثل شفاء المخلّع، تنتهي بتمجيد الله: "فتعجّبوا كلّهم ومجّدوا الله قائلين: ما رأينا مثل هذا في حياتنا (12:2). فالبهاء الإِلهي لا يظهر فقط بفعلة إنسان نال من الله سلطانًا عجيبًا. بل يظهر بشكل جديد وخارق عبر فِعلة يسوع التي هي فِعلة إلهيّة: الله وحده يقدر أن يأمر البحر، تلك القوّة الجهنّمية التي يقسِّم عليها يسوع كما يقسِّم على الشيطان.
إذا كان يسوع يتصرف تصرّف الله نفسه، فكيف لا يُعلن التلاميذ ألوهيته! مثل هذا التساؤل يتجاهل العالم الإِسرائيليّ الذي يرفض عبادة إنسان. وما نلاحظه هو أنّ هذا الخبر لا يجد ذروته في مديح الله، بل يترك النظر معلّقًا بيسوع. هناك واقع يظهر آمالهم وهناك إيمانهم بالله الواحد. أي الإثنين يختارون؟ بل تركوا قلبهم يهتف من الأعماق: "إذن، من هو هذا الرجل "؟

سادسًا: الخبر التعليميّ (4: 37- 41).
إِنّ مناداة يسوع إلى التلاميذ في آ 40 تدلّ على هدفه في أن يعلمهم فانطلاقًا من هذه الدهشة المقدّسة التي أثارتها سيادته على العناصر، أراد أن يربيّ التلاميذ الذين لم يصلوا بعد إلى الإِيمان به رغم المعجزات التي رأوها. وحين شدّد مرقس على عدم فهم التلاميذ أمام يسوع الناصريّ، فقد أعطى للمعجزة بُعدًا آخر. هو لا يكتفي بطرح سؤال عن هويّة صاحب المعجزات، بل يعطي يسوع مناسبة يوبّخ فيها التلاميذ.
لامهم يسوع لثقتهم الضعيفة: "لماذا أنتم خائفون (دايلوي)؟ أما عندكم إيمان بعد"؟ الكلمة "دايلوي " تدلّ على ضياع عنيف. نجدها في 2 تم 1: 7: يقابل بولس بين الإِنسان الذي يتصرّف تجاه الخطر وكأنَّ الله غير موجود، وبين روح القوّة والمحبة والفطنة. وحسب يو 27:14، خلال العشاء الأخير يستحلف يسوع أخصّاءه المضطربين لذهاب معلّمهم القريب: لا تقلقوا. عنهم عطية السلام. وعندما يتخلّص الإِنسان من ضيقه فهو يدخل عبر القلق إلى هدوء عظيم يطلبه يسوع (مت 20:6-23). ويدلّ بولس على مثل هذه الثقة وقت العاصفة التي هزّ السفينة التي تقلّه إلى رومة (أع 23:27- 25).
في العاصفة، لم يكن للرسل هذا الاتكال على الله الذي كان نوم المعلّم الهادئ رمزه المنظور. أمّا يسوع فظلّ في طمأنينة واثقة يعطيها الإِيمان بإِله يسهر على أبنائه الذين يعانون الشدّة. حين وبَّخ يسوع تلاميذه على قلقهم أوضح الأمثولة التي يستخرجها من المعجزة.
ويلومهم يسوع خاصّة لأنّهم لم يثقوا به. "آمنوا بالله. آمنوا بي أيضًا" (يو 14: 1). إذا كان يطلب من أخصّائه هذه الثقة المطلقة في كل الظروف، حتى ولو كان نائمًا، فقد أعطاهم البراهين العديدة عن سلطته الجديدة كل الجدّة. إنّه بالنسبة إليهم أكثر من شاهد ثابت للاستسلام الذي نقرأ عنه في الكتاب المقدّس. إنّه يستطيع، مثل الله، أن يضبط الريح وأمواج البحر.
حين قدَّم مرقس تجاه هؤلاء الناس المؤمنين فعلة يسوع السامية، فقد أعطى لخبر المعجزة معنى رمزيًا. فنوم المعلّم ليس فقط نتيجة تعب بعد نهارٍ مضنِ. إنّه يدلّ بطريقة نموذجيّة على الثقة التي يمحضها الانسان لله. إنّه يكشف صفة فريدة لهذه الثقة التي عاشها إبن الله وحده تجاه أبيه. حين نام، دعا تلاميذه الخائفين أن يكتشفوا في صمته أو غيابه الظاهر حضور الذي يقدر على كل شيء.
أجل منذ البدء رُوِي هذا الحدث كحضور كرستولوجي، يقرّبنا من سرّ يسوع المسيح، يطرح علينا سؤالاً حول هوية يسوع. وقُرئ أيضًا كتعليم حيّ وناشط عن الإِيمان الذي هو ثقة كاملة بالذي تخضع له عناصر الطبيعة كلّها.

2- الخبر حسب القدّيس لوقا.
الخلافات طفيفة بين نص مرقس ونص لوقا.

أوّلاً: السياق.
سياق لوقا هو سياق مرقس: والرباط هو هو بين خبر تهدئة العاصفة وشفاء ممسوس الجراسيين. ولكن وإن وُضع هذا الحدث بعد الامثال، فلأنَّ لوقا يكلّل الأمثال بما فعله أقارب يسوع وبالدرس الذي أعطاه المعلّم بعد هذه الحادثة (لو 19:8- 21). ينتج عن هذا تراخٍ في الوحدة الكرونولوجيّة "ليوم الأمثال ". واختفى أيضًا الإِطار المكاني. لم تُقَل الامثال بجانب البحيرة (لو 8: 4). وتدخّل قرابة يسوع يدلّ على أنّ الربّ هو في البيت. إذن، لم يحصل حدث العاصفة في "مساء" يوم الوعظ بل في "يوم من الأيام ". هذا التحفّظ تجاه كل توقيت يحوّل معنى بعض تفاصيل الدراما. لم يعد نوم يسوع تعويضًا عن تعب نهارٍ سابق.

ثانيًا: النص.
صحَّح لوقا بعض العبارات القاسية في مرقس . لا شكّ في أنّ التلاميذ أيقظوا معلمهم ، ولكن بأي احترام "دنوا" من يسوع! نادوه مرتين وظلّ نداؤهم في حدود الاكرام :" يا معلّم، يا معلّم، نحن نهلك" (8: 24)! وخفّف لوقا أيضًا من قوة التوبيخ الذي وجّهه يسوع إلى تلاميذه الضائعين. ألغى ما يتعلّق بالقلق وقدّم حالاً الدرس اللاهوتي عن الإِيمان. أخيرًا، شدّد على الطابع المقدّس للخوف عند الحاضرين فحوّله إلى إعجاب (8: 25).
ويتركّز تصوير المشهد لا على الحدث، بل على التلاميذ. "عبروا"، "ساروا" "أصبحوا في خطر". ويرينا إيّاهم متّحدين بيسوع في هذا العبور الذي اتّسم بالخطر فجأة فأعطاهم مناسبة ليختبروا إيمانهم به ويكتشفوا أن لا داعي للخوف إذا كانوا معه. غير أنّه يحتفظ باتجاه الخبر الأوّل، كما عند مرقس: دهشة التلاميذ أمام عظائم الله.

3- الخبر بحسب القدّيس متى.
شدّد متى على الاتجاه الكرازيّ الذي وجده عند مرقس بحيث زالت البنية الأدبيّة لخبر العجزة.

أوّلاً: السياق.
لم يبقَ منه إلاّ رباط الخبر مع الدخول إلى أرض وثنيّة. ثم إنّ هذا الحدث الثاني يُبرز اختلافات بارزة تدلّ على استقلال متى عن مرقس.
السياق السابق مختلف كل الاختلاف. ما يسبق الحدث حسب الترتيب المتّاوي ليس خطبة الأمثال (13: 1- 54) بل خطبة الجبل. فخبر العاصفة المهدّأة يدخل في مجموعة المعجزات التي بينّ فيها يسوع أنّه قويّ بالأعمال (8: 1 - 9: 34) كما هو قويّ بالأقوال.
إذا عُدنا إلى شفاء حماة بطرس نرى أنّ الإيراد الكتابيّ الذي يكلّل مجموعة المعجزات الأولى أعطى هذا الشفاء معناه الكامل. ولكن تختلف المجموعة الثانية (18:8- 17:9) عن المجموعة الأولى، فلا تذكر فقط معجزات بل نداءات لأَتباع يسوع. يحيط بهذه المعجزات أخبار دعوات لإِتباع يسوع، ويرافقها هدف تعليميّ، فلم تَعُد فقط آيات ساطعة عن الفداء الذي يتمّه يسوع حين يشفي المرضى. إنّها أعمال رجل تتسلّط كلمته على القلوب التي تستسلم له، كما تتسلّط على قوى الجحيم التي تخضع له. وتفرض هذه الكلمة متطلّبات جذرية على حريّات تتقدّم إليه (18:8- 22). وهي تسيطر على العناصر الهائجة (23:8- 27) وتطرد الشياطين من الممسوسين (28:9- 34) وتغفر خطايا المخلّع وتحرّر جسده من القيود (9: 1- 8) وتنتزع العشّار عن مكتب جباية الضرائب (9:9).
من هذا الاتجاه التعليميّ الذي يعطيه السياق للخبر، نجد إشارة أكيدة تدلّ على أنّ متى أقحم بين الآيتين الأولوين خبري دعوة (18:8- 22).
ساعة أراد يسوع أن يركب السفينة تقدّم كاتب يستعدّ لأن يتبع يسوع إلى أين يذهب. وطلب "واحد من تلاميذه " مهلة قصيرة قبل أن ينطلق. نقابل هنا متى مع لوقا. فعند لوقا (57:9- 60) دعا يسوع واحدًا من المرشحين الثلاثة إلى الحياة الرسوليّة. أمّا عند متى فالإِثنان قدّما نفسيهما ليتبعاه فكأنهما يلبّيان "وصية يسوع " الموجّهة إلى التلاميذ بأن "يعبروا إلى الشاطئ المقابل " (18:8). يشدّد النص على الصعوبة باتّباع المعلّم أينما يذهب وحالاً كما يتمنّى المرشّح الأوّل، يشدّد عليها برفض يسوع طلب الثاني: أن يذهب ويدفن أباه.
هل مُحاورا يسوع هما تلميذان أم لا؟ الأوّل سمّى يسوع "معلّم " كما سمّاه الشاب الغنىّ (19: 16) والكتبة والفرّيسيون (12: 38) وموفدوهم (22: 10). كما سمّاه أيضا كذلك ذاك الفرّيسي الذي سأل يسوع عن أوّل وصية في الناموس (36:22). ولكن هذا الاسم لا يرد أبدًا في فم التلاميذ.
أمّا الثاني فيقدّمه متى على أنّه "واحد من التلاميذ". وهو يتوجّه إلى يسوع فيسمّيه "الربّ . إذن، إن كان متى رأى في الثاني أحد التلاميذ، بينما المرشّحون الثلاثة عند لوقا ليسوا من أتباع يسوع، فلكي يبينّ أنّ موقفهم ليس مثل موقف لاوي الذي ناداه المعلّم فترك كل شيء (9: 9) بل يتجاوب مع متطلّبة الكمال المرتبطة بوضع التلميذ. نحن أمام استعادة وتعميق للنداء الأوّل حسب تربية تُمارسُ حسب ظروف حياتنا مثل عبور البحر للذهاب إلى أرض وثنيّة.
ونستشفّ الهدف التعليميّ أيضًا عبر المفردات التي تعطي الحدثين المجموعين وحدةً أدبيةً لها معناها. هناك كلمات تربط النصّين بالموضوع العام لهذه المجموعة (تتألّف من حدث المرشّحين وتهدئة العاصفة): ذهب (18:8، 19)، تلاميذ (8: 21، 23)، تبع (8: 22- 23).
ويبدو واضحًا أيضًا أنّ متى تطلّع في الحدث الأوّل (آ 18- 22) إلى تلاميذ ينتمون منذ الآن إلى جماعة يسوع. ثم بينّ في هجوم البحر الثائر ضد القارب مناسبة لهم لكي يعمّقوا التزامهم الأوّل. لقد اكتشفوا تجاه العناصر الهائجة أنّهم إن أرادوا أن يكونوا تلاميذ حقيقيّين، وجب عليهم أن يتبعوا يسوع أينما يذهب من دون قيد ولا شرط، وفي أيّ ظرف كان. وهكذا تقرأ الجماعة المسيحيّة مصيرها: إنّها مدعوّة لأن تتبع يسوع عن قرب ومن دون خوف.

ثانيًا: النص.
اهتمّ متى بتعليم جماعته فأعاد كتابة هذا النص الذي أخذه من التقليد. ركّز هدفه، لا على الوضع بجملته، كما فعل مرقس، ولا على التلاميذ الذين يمرّون في الصعوبات، كما فعل لوقا، بل على القارب الذي نظر إليه من الخارج. القارب الذي غمرته الأمواج (8: 24). هذا القارب الذي يصعد إليه يسوع للمرّة الأولى فيتبعه التلاميذ (23:8). وفي النهاية، لم يكن "التلاميذ" هم الذين تعجّبوا بل "الناس " فقالوا: "من هذا حتى تطيعه الرياح والبحر"!
نحن هنا أمام فئة لاهوتيّة عند متى. فهذه المفردة (الناس) تدلّ عادة في الإِنجيل الأوّل على اللامؤمنين، على البعيدين عن الله (13:5؛ 10: 17، 32، 33). على الذين يحتاجون إلى البشارة (4: 19؛ 5: 16؛ 6: 21- 22). على الذين يتكلّمون عن يسوع كما لو كانوا من الخارج (13:16) على الذين لا يفهمون شيئًا من أمور الله (16: 23: "أفكارك أفكار البشر لا أفكار الله").
إذن، ليس التلاميذ هم الذين يتعجّبون، بل أناس من الخارج "من هذا العالم " الذين يتكلّم عنهم القدّيس بولس فيهتف أمام الظواهر المواهبية: "حقًّا، الله هو في وسطهم " (1 كور 25:14). كان على التلاميذ أن يعرفوا الربّ الذي يعيشون معه. وها هو يسوع يوبّخهم لأنّ "إيمانهم الصغير" يسبِّب لهم البلبلة وعدم الإِيمان، لا النقص في الإِيمان.
ويعمل متى كعادته: يعرّي الشرح من كل التفاصيل التصويريّة: المخدّة في المؤخّرة، العاصفة الشديدة، هجوم الأمواج فوق القارب حتى كاد يمتلئ. يعرّيه ليعطيه إطارًا "ليتورجيًّا" من أجل هدف تعليميّ. فنداء التلاميذ يشبه نداء بطرس حين أخذ يغرق في الماء (30:14). صار نداءً ليتورجيُّا:" خلّصنا، نجّنا. وهو يتوجّه إلى يسوع، لا كالمعلّم (رابي) بل كالربّ (كيريي) الذي يعترف به الإِيمان المسيحيّ. يتوجّه إلى يسوع الممجَّد على أنّه الربّ والإله (2:8، 6، 21؛ 28:9؛ 15: 27؛ 17: 15؛ 20: 30، 31، 33).
وأخيرًا يتفجّر هذا النداء (هذه الصرخة) من وضع أعطته مفردة "زلزال" (سايسموس) لونًا إسكاتولوجيُّا. فاستعمال هذه المفردة في إطار جلياني يدعونا إلى أن لا نرى في هذه العاصفة "اضطرابًا في البحر" (رج مج 2: 6). إنّها في الخطبة الإسكاتولوجيّة إحدى العلامات التي تسبق نهاية الأزمنة (مت 7:24). حين استعاد متى هذه اللفظة بينَّ أنّه ورث الأخبار البيبليّة عن الظهورات (تيوفانيا): فالزلزال يرافق ظهور الله على سيناء. (خر 18:19؛ 1 مل 19: 11) أو ظهوره لأيوب (أي 38: 1؛ 26:40). وفي موت المخلّص وقيامته سيرتجف الكون (مت 27: 51، 54؛ 2:28- 4). وهكذا اتّسع مسرح العاصفة المهدّأة بهذه المفردة الإسكاتولوجيّة فاتّخذ شكلاً كبيرًا جدًّا.

ثالثًا: اللاهوت المتّاوي: يا قليلي الإِيمان.
تتوزّع الشواهد توزيعًا يشبه للوهلة الأولى توزيع مرقس في أشكال متعارضة. أوّلاً، الظل والضوء، العاصفة ونوم يسوع، هجوم الأمواج على القارب مع عبارة موجزة: "وكان نائمًا". ثانيًا، في قلب الصمت وهدوء الأمواج يتفجّر إعجاب الناس (آ 26 ب- 27). وبين هاتين اللوحتين نجد حوارًا قصيرًا يقابل بين النداء إلى النجدة (آ 25: نجّنا) وانتهار البحر (آ 26 ب). ثالثًا وأخيرًا: نجد في قلب التأليف توبيخًا يوجّهه يسوع إلى التلاميذ: يا قليلي الإِيمان. كان هذا التوبيخ خارج المعجزة في خبر مرقس ولوقا، فصار عند متى في قلب المقطوعة، صار الرسمة التي تنظّم الصورة كلّها.
إذن، ما يشرف على فهم الحدث كلّه هو لاهوت متى حول "قلّة الإِيمان ". كلمة خاصّة بمتى (اوليغوبستيا) قد أخذها من التقليد. فرض يسوع على تلاميذه الاستسلام الكامل إلى الآب الذي يعرف ما نحتاج إليه: "فإذا كان الله هكذا يلبس عشب الحقل، وهو يُوجد اليوم ويُرمى غدًا في التنّور، فكم أنتم أولى منه
بأن يلبسكم يا قليلي الإِيمان (لو 28:12= مت 6: 30)؟ هذا هو الموقف الذي يطلبه يسوع من أخصّائه كما قلنا في حديثنا عن مر 4: 40: ثقة مطلقة بالربّ. ما نظّمه متى هو تطبيق توبيخ يسوع على التلاميذ. كل مرّة يتعلّق الأمر بهم يدلّون على "قلّة إيمانهم". أمّا حين يُعلن يسوع "عظيم إيمانك" ، فهذا المديح لا يتوجّه إلى التلاميذ، بل إلى أحد الذين يمرّون فترة في طريق المعلم ثم يختفون حالاً: الأبرص، الضابط، حاملو المخلّع، النازفة، الكنعانيّة.
ماذا يعني توبيخ يسوع بالضبط حسب متى؟ نحن نفهمه فهمًا أفضل إن قابلناه بلاهوت مرقس. عند مرقس، يبدو التلاميذ قصيري النظر عديمي الفهم مُنغلقين وقساة القلوب (مر 6؛ 51- 52؛ 8: 17، 18). أمّا عند متّى، فهم في النهاية يفهمون ويرون في يسوع ابن الله. تختلف النظرة بين إنجيلي وآخر. إنَّ مرقس يصوّر وضع التلاميذ قبل أن يشرق على عقلهم نور القيامة. ما كان بإمكانهم أن يفهموا. لاحظ يسوع بعد مثل الزرع: "أما تفهمون هذا المثل" (13:4)! أمّا متى فيكتشف في موقف التلاميذ السابق للفصح ما يعلن إيمان المسيحيّين بعد الفصح. حين تبعوا يسوع آمنوا منذ ذلك الوقت، ولكن بقي لهم أن يعيشوا هذا الإِيمان. ولكن إذا نظرنا إلى تصرّفاتهم، فأعمالهم لا توافق بَعدُ ما تعلنه شفاههم. فإن جاءت صعوبة ضعفت ثقتهم. يهتمّون بمسائل الطعام (مت 16: 8)، يقلقون من الخطر يهدّد حياتهم (مت 8: 26؛ 14: 31)، يعجزون عن طرد شيطان صعب! حينئذ يتغلّب عليهم الاضطراب والخوف وكأنّ لا إيمان لهم. إنّ تصرّفهم الحقيقي لا يتوافق مع تعلّقهم المبدأي بيسوع.
فالمسافة بين الذي يؤمن والذي لا يؤمن تقاسٍ بإدراك سرّ يسوع إدراكًا حقيقيٍّا أوّل. هذه هي نظرة مرقس: الإِيمان يكون كاملاً أو لا يكون. أمّا بالنسبة إلى متى فالخط الفاصل يمرّ في قلب المؤمن وهو يتنقل من الإِيمان الكامل إلى الكفر وعدم الإِيمان. هو لا يُقاس بمدى انفتاح العقل على سرّ يسوع، وإن كان متى احتفظ هو أيضًا ببعض النصوص التي تتحدّث عن عدم فهم التلاميذ. هو يقاس على مستوى التصرّف: فالتلميذ القليل الإِيمان لا يعيش من النور الذي يمنحه إيّاه إيمانه. وفي النهاية، تلتقي نظرتا الإِنجيليين: فالمؤمن الذي لا يتحرَّك حسب إيمانه، يصبح لا مؤمنًا ويتراجع فيصل إلى مستوى الكافر، مع فارق بسيط وهو أنّه يستطيع أن يمسك بنفسه من جديد ويتعلَّق بيد يسوع الذي يخلّصه كما فعل مع بطرس حين أخذ يغرق. عند مرقس، نقل يسوع التلاميذ من اللاإيمان إلى الإِيمان الفصحي. أمّا متى فبيَّن كيف ربّى يسوع إيمانًا ناشئًا فجعله إيمانًا حيًّا كل الحياة. وفي السياق الذي أقحم فيه متى هذا الحدث، دلَّت "قلّة الإِيمان" على وضع التلاميذ، لا سيّما وأنّ الخبر كلّه موجَّه من أجل تربيتهم. 

رابعًا: عودة إلى لوقا.
جمع لوقا حدثَيْ العاصفة والممسوس (22:8- 39) في وحدة وأدبيّة واحدة يحيط بها صعودان إلى القارب (آ 22 و37)، وقد جُمعت عناصرُ رمزية عديدة. من جهة، ينام يسوع من التعب في القارب. وهذا، يدلّ على موته ووضعه في القبر. ومن جهة ثانية نشاهد عناصر من الفوضى: الخنازير وهي حيوانات نجسة تقيم في أرض مرتفعة؛ يسوع الجليلي هو في جراسة في الجهة المقابلة للبحيرة، في أرض وثنيّة؛ إبن المدينة يعيش خارج المدينة، بل في القبور والبراري. يمسكه الشيطان، يجعله شخصًا آخر ويعطيه قوّة غاشمة عمياء.
أمّا الجواب على كل هذه الأمور غير الطبيعية، فيأتي من يسوع الذي يظهر كالوسيط. فهو الذي يتجاوز التعارضات. حين انتقل من "النوم" إلى "اليقظة"، أي من الموت إلى الحياة. خلَّص (آ 36). وبفضله عاد النظام بعد الفوضى، حين أمر الشياطين أن تدخل في الخنازير التي ارتمت حالاً في البحيرة (المكان الأسفل). وبعد أن أعاد يسوع الأمور إلى نصابها، نجا الممسوس وهدأ واستطاع أن يترك القبور وشمكن المدينة فيصبح حاملاً لكلمة الله.
حسب هذه الرمزية الملموسة، انتقل يسوع من الموت إلى الحياة، فنقل الرجل الضائع من موت القبور إلى الحياة في البيت. وتنتهي دورة العودة إلى النظام بعودة يسوع إلى الجليل. ونلاحظ أيضًا فيما يخصّ رمز الماء: هو مكان موت الخنازير، ولكنّه بالنسبة إلى يسوع موضوع عبور يسود عليه. ولهذا فموته أو رقاده على البحيرة، في المكان الأسفل، في مكان قوى الشرّ، رقاده هو موقت، وسينهض حالاً ليتغلّب عليه.
إنّ نص لوقا عن تهدئة العاصفة قريب جدًّا من نصّ مرقس (35:4- 41)، كما قلنا. ولكن انطلاق يسوع على البحيرة لا ينهىِ "يوم الأمثال" فتبدو الإِشارة إلى الوقت غامضة. عند لوقا، يسوع هو الذي يتخذ مبادرة الإِبحار مع تلاميذه. وهدفه أن يدرك الضفّة الأخرى. ثم يلاحظ النص أنّ يسوع نام قبل أن يصوّر هيجان العاصفة وخوف التلاميذ. نحن هنا في إطار كونيّ: العاصفة، الرياح، المياه. ورقاد يسوع ونهوضه (آ 24) يدلاّن على القيامة (24: 36- 43). ثم يشدّد لوقا من جهة على ضياع الذي وضع ثقته فجابهته أحداث تتجاوزه، ومن جهة أخرى على هذا الإِيمان المليء بالإِعجاب الذي يلي هذا الضياع.

خاتمة:
نحن الذين نقرأ تاريخ الزمن الماضي مدعوّون إلى أن نحدّد موقفنا في مسيرة تجنّدنا على خطى يسوع نحو الله. فعلينا أن نقاوم قلّة الإِيمان التي تهدّد هذه المسيرة. وبعد أن نكتشف من هو يسوع نسير معه في سرّ الثقة الكاملة بالله. هذا عند متى. أمّا عند لوقا، فلا قوارب ترافق يسوع وكل تلاميذه. فالبحيرة هي الحدود التي يتجاوزها يسوع ليذهب إلى العمق أي إلى الوثنيّين. وصلوا إلى بلاد الجراسيين، تجاه الجليل، ثم عاد يسوع إلى الجليل حيث ينتظره الناس (8: 37، 40). أشار مرقس إلى الرسالة. ولكن لوقا شدَّد عليها. فعبور البحيرة ليس بحثًا عن الراحة بعد نهار متعب، بل ذهاب إلى محيط وثنيّ. إنّ هذه البادرِة تدلّ على إرادة يسوع أن يحمل الخلاص إلى الكون، وإن انحصر نشاطه موقتًا في الجليل.
الفصل السادس والأربعون
في بلاد الجراسيّين
8: 26- 39؛ مت 8: 28- 34؛ مر 5: 1: 20

حدث غريب: على الشياطين أن يتوقّفوا عن تعذيب فريستهم البشريّة. بل سمح لهم يسوع فدخلوا في الخنازير وغرقوا في البحر مع ضحاياهم الجديدة. حين نقرأ هذه العناصر الخارقة والشعبيّة نتحيّر ولا نحتفظ من الخبر إلاّ بأربعة أو خمسة مشاكل نتجادل فيها ولا ننتهي: هل التقى يسوع ممسوسًا أم ممسوسين؟ ما معنى إمتلاك الشيطان للإِنسان؟ ما هو المرض العقلي الذي أصاب هذا الممسوس؟ كيف نبرّر تدمير هذا القطيع من الخنازير، وهل ما عمله يسوع شرعي ؟ أين يقع هذا المكان الشاهق الذي منه إندفع القطيع إلى البحيرة وغرق؟ ما هي القيمة التاريخيّة لهذا الخبر؟
لا ننكر قيمة هذه المشاكل، ولكنّنا نودّ أن نوجّه دراستنا في اتِّجاه آخر. ننطلق من واقع وهو أن خبر مرقس شعبيّ ومليء بالصور المشوقة. قد يتشكك بعض الناس من هذا "الراوي ". أمّا نحن فنعجب أمام هذا المزيج الذي قدّمه في "روايته ": بعد أن نشارك في حرب يسوع على الشياطين، بعد أن نضحك ملء قلوبنا عمّا عمل لهم، ننتقل الى الإِستعدادات المطلوبة لكي نفهم جديًّا أن المسيح خلّصنا من خطر الموت، أن إبن الله الذي جاء من أجل خلاصنا قد طرده البشر.
نتوقّف عند الإِزائيّين الثلاثة ونكتشف المعنى الذي جعله كلّ منهم في هذا الخبر. عند مرقس: إنتصر يسوع "بالحيلة" على القوى الشيطانيّة. ولكن إبن الله بدا ضعيفًا ومن دون سلاح أمام نيّة البشر السيئة: طُرد، وغُلب ظاهرًا، فابتعد عن تخوم "العالم الوثنيّ ". ولكنّه ترك في تلك الأرض شاهدًا "أخذ ينادي في المدن العشر بما عمل يسوع له ". وأبرز لوقا هذا الإِنسان الذي هو ضحية الشيطان، ودلّ على الخلاص الذي حمله إليه يسوع القدير. ورأى متى في هذا المشهد صورة مسبّقة عن الآلام: "طلبوا إليه أن يرحل عن ديارهم ".

أ- خبر مرقس (5: 1- 20).
يبدو خبر مرقس للوهلة الأولى معقّدًا تتلاحق فيه التكرارات. هو يحاول أن يصوّر نزول يسوع من القارب، وصول المتشيطن وقدرته الخارقة. في الواقع، مرقس هو صاحب حدس، وهو يفكّر من خلال الصورة والحركة. فتأليف كلّ متتالياته تتضمّن لاهوتًا مهمًا. ففي بضعة أسطر ترد ثلاث مرّات لفظة "ألمقبرة ". نحن هنا أمام صورة مسيطرة تحمل معنى لاهوتيًّا: فهذه المقابر الموجودة في خلفية الخبر تدلّ بوضوح على أنّ الشياطين يرتبطون بالموت. فالإِنسان الذي يمتلكه الشياطين لا ينتمي بعد الآن إلى عالم الأحياء. وعبر هذا الإِِِِنسان المهدِّد والمُزبِدِ، نرى قدرة الشياطين والموت تظهر بصورة تفوق الطبيعة. ويصوّره لنا مر 3:5- 4 بتكرار الجملَ مشدّدًا على السلاسل والقيود التي يقطعها ويكسرها.
تظهر كلمة مقبرة مرتين، وكلّ مرة في شكل مختلف. كانت المقابر محفورة في الصخور، أو كانوا يستعملون المغاور الطبيعيّة فتشكّل ملجأ يحتمي فيه هذا الرجل. ألمقابر هي موطن النجاسة. نقرأ في أش 65: 4: "يجلسون في القبور ويبيتون (يقضون الليل) في المغاور (أو: المدافن. أو: الأماكن المحفوظة) يأكلون لحم الخنزير وفي أطباقهم طعام نجس ".
نقرأ هنا "أرض الجراسيّينَ " حسب مرقس أو "أرض الجرجسيّين " (حسب لوقا) أو "أرض الجداريّين " (حسب متّى). جدارة هي مدينة هلنستيّة في شرقي الأردن. تبعد 10 كلم إلى الجنوب الشرقي من بحيرة جنسارت. تقع في ديكابوليس أي المدن العشر. إذا انطلقنا من مت 28:8، نفهم أنّ أرض هذه المدينة إمتدّت حتّى بحيرة جناسرت. ولكن لم يتفق الشرّاح بعد. هناك إختلافات في نصّ مر 5: 1. بعضها يضع "الجداريّين" كما في مت 28:8 أو "الجرجسيّين " حسب فرضيّة من اوريجانس وعلى مثال ما في لوقا. يتحدّث مرقس عن جراسة، ولكن هذه المدينة بعيدة عن البحيرة لتوافق المكان المذكور في آ 14 (نشروا الخبر في المدينة). قد تدلّ بلاد الجراسيّين في نظر مرقس على المنطقة التي تقع شرقي البحيرة، على منطقة وثنيّة سيكون ليسوع سلطانٌ على الشياطين فيها. ولكنّنا لا نفهم لماذا نجد "أرض الجرجسيّين " في لوقا. فهناك إختلافات تسمّيها أرض الجداريّين أو أرض الجراسيّين كما في متّى ومرقس. مهما يكن من أمر، فنحن في منطقة وثنية تقع شرقي بحيرة جنيسارت. هذا ما قلناه عن مرقس. 
سيتحدّث مرقس في 5: 20 عن المدن العشر (ديكابوليس). وقعت شرقي الأردن ونعمت منذ أيام بومبيوس الرومانيّ ببعض الإِِِستقلال السياسيّ. كان أكثر سكّانها من الوثنيّين. هناك أخذ الرجل الذي طُرد منه الشيطان ينادي فاتحًا الطريق للمبشّرين بالإِنجيل (مر 1: 38). أمّا لوقا فيتحدّث عن مدينة (27:8 ،34 ،39) قد تكون قرية كبيرة هي بالنسبة إلى لوقا باكورة العالم الوثنيّ الذي لن تبدأ الكرازة فيه قبل الفصح.
في نصّ مرقس تتردّد كلمة "مقابر" مرتين (آ 2 أ، 5 أ) وكلمة "سلسلة" ثلاث مرّات، و"قيود" و"ربط " و"أحد" مرتين. ويتكرّر فعل "قطع " و"حطم ". كلّ هذا يجعلنا في إطار عبوديّة يعيش فيه هذا الممسوس.
حين شاهد هذا المسوسُ يسوع عن بعد، كانت أول ردّة فعل عنده أن "يسرع ويسجد له ". هل نحن أمام حيلة من عدو يتظاهر بالإِحترام وروح المسالمة؟ أم أن الممسوس أُجبر رغمًا عنه أن يخضع لإِجتذاب يسوع السرّيّ؟ لن نحتار لأننا لن نعرف يومًا الباعث العميق الذي دفع هذا الإِِِِنسان البائس نحو المسيح. ليست السيكولوجيّا هي التي تعلّمنا، بل نتيجة العملَ الذي قام به المسيح. 
غير أن اولى الكلمات التي تلفّظ بها هذا الرجل تدلّ على مزيج من الخوف والحيلة: "ما الذي بيني وبينك (ما لي ولك) يا يسوع، إبن الله العليّ؟ أستحلفك بالله، لا تعذّبني "! شيطان خبيث يستحلف يسوع باسم الله! هذا الماكر يلجأ إلى التجديف! ولكن إذ بينّ يسوع أنه يعرف إسمه وصفته، جعل نفسه في موضع القوّة وبدأ بكلام التهديد.
عبر كلّ ما هو هزء وتهديد ونية سيئة، بجعلنا مرقس نكتشف حقيقة الأحداث والأشخاص. فالذين يهزأون من يسوع ويسمّونه "النبيّ " (14: 65)، والجنود الذين يضعون على رأسه إكليلاً من شوك (17:15- 18، التاج)، والعابرون الذين يطلبون منه أن يعيد بناء الهيكل في ثلاثة أيام (29:15)، كلّ هؤلاء يقولون الحقيقة عينها: إنه النبيّ والملك والقائم من الموت الذي يعيد بناء جسده الذي هو الهيكل الحقيقيّ. وقد يكون الأمر هو هو في هذا النصّ. فلا يقوله الشيطان تملقًا أو تهديدًا هو إعتراف بسرّ يسوع وإعلان له. فوقت العماد والتجلّي أعلن صوت من السماء بنوة يسوع الإِلهية (1: 11؛ 7:9). فأقرّ بها الشياطين على طريقتهم (3: 11؛ 7:5). ولكن يجب أن ننتظر موت يسوع وارتداد الضابط الوثنيّ (15: 39) لكي تشارك السماء والأرض في إعلان يسوع ربّا على الكون (رج فل 2: 10).
إلى من ننسب هذا الكلام (ما لي ولك)؟ إلى الممسوس أم إلى الشيطان؟ لا يميّز مرقس بين الواحد والآخر. إنه يصوّر ما يرى وما يسمع. ولكن في الواقع، الشيطان هو الذي يجعل الممسوس يتكلّم. شيطان يقيم في بيته وهو في أرض وثنيّة. فالعالم مقسوم قسمين: القسم العلويّ أي السماء يخصّ الله العليّ . والجحيم أي الهاوية والمياه السفلى هي موطن الشياطين. والأرض موزّعة أيضًا بين قوتين: إسرائيل لله والأمم للشياطين. حينئذٍ نفهم ردّة الفعل لدى الشيطان: "ما الذي بيني وبينك "؟ هل هناك من عداوة؟ قوّتان مميزتان ومِنطقتان منفصلتان. فلماذا يأتي إبن العليّ إلى منطقة لا تخصّه؟ ان يصنع معجزات ويطرد الشياطين في أرض إسرائيل، فهذا أمر طبيعيّ والأرض أرضه. ولكن كيف يأتي إلى ارض وثنيّة ليعذّب الشياطين في عقر دارهم؟ 
العذاب الذي ينتظر الشياطين هو الذي يصوّره سفر الرؤيا (20: 10): "والقي إبليس في بحيرة (مستنقع) النار والكبريت، فانضمَّ هناك إلى الوحش والنبيّ الكذاب، ليتعذّبوا كلّهم نهارًا وليلاً إلى أبد الدهور". نلاحظ هنا كلمة "بحيرة". وفي النصّ الإِنجيليّ سيغرق الناس في البحيرة!
يحصل هذا المشهد في أرض وثنيّة والأمر واضح بالنسبة إلى الإِنجيليّ وإلى القارئ. أوّلاً: نحن في الجهة المقابلة من البحيرة في أرض الجراسيّين (5: 1). ثانيًا: لن يقبل إسرائيلي أن يقيم في القبور ولو كان مجنونًا أو ممسوسًا (3:5).
ثالثًا: إعتاد الوثنيّون أن يسمِّوا إله إسرائيل "العليّ ". رابعًا: طلب الشياطين أن لا يُطرَدوا من هذه الأرض لأنها أرض وثنيّة. إنّهم في دارهم (5: 10). خامسًا وأخيرًا: وجود قطيع من الخنازير يدلّ على أنّنا لسنا في أرض إسرائيل، والخنزير حيوان نجس (5: 11).
وإذا أردنا أن نتوقّف عند رنّة الكلمات الخفية نستطيع أن نتساءل: حين صوّر مرقس الممسوس "يرى يسوع عن بعد فيسرع إليه " (6:5)، أما لمَّح بطريقة رمزية إلى وضع الوثنيّين الذين هم بعيدون؟ نجد هذه العبارة في الخبر الثاني لتكثير الأرغفة الذي يهتم بصورة خاصة بالأمم الوثنيّة. "ومنهم من جاء من مكان بعيد" (3:8) أي من العالم الوثنيّ. وصوَّر بولس المسيحيّين الآتين من العالم الوثنيّ فقال: "كنتم فيما مضى بعيدين " (أف 13:2).
ومهما يكن من هذه التقاربات الدقيقة، يبدو من الواضح أن مرقس يصوّر عمل يسوع الخلاصي من أجل إنسان وثنيّ. وبعد هذا سيورد خبر طرد الشيطان من إبنة السورية الفينيقيّة (24:7- 30) ثم شفاء الأصمّ الأخرس في قلب منطقة المدن العشر (7: 31- 37) ثم تكثير الخبز من أجل الوثنيّين (8: 1-10). نحن هنا أمام تدرّج صاعد يصل بنا إلى العالم كلّه. فالعدد 4 (8: 9) يدلّ على الكون بأقطاره الأربعة، وحين يقول مرقس: 4000، فهو يعني المسكونة كلّها ولا سيّما العالم الوثنيّ.
إلاّ أن يسوع بدأ الهجوم منذ البداية: "أُخرجْ من هذا الرجل، أيها الروح النجس ". نلاحظ أن أمر يسوع للشيطان يرد في صيغة الماضي غير الكامل (وكان يقول) مع إن سائر الأفعال ترد في الحاضر التاريخي (7: 9- 19). هذا الماضي يدلّ على أعمال تستمر وتتكرّر. يُستعمل هنا ليدلّ على أن هذا العمل لم يصل إلى هدفه حالاً وسريعًا. لهذا نحن نتطلّع إلى الفشل أو أقلّه إلى حرب طويلة. إذن، يستطيع يسوع أن يكرِّر أمره دائمًا على هذه الصورة، وسينتظر لينفّذ أمرُه. هذا ليس بغريب. فنحن في أرض وثنيّة. ثم إذا عدنا إلى عقلية العصر، نعرف أنه من الضروريّ أن نعرف إسم المحاور لتكون لنا سلطة عليه. وهنا، يعرف الشيطان إسم يسوع، أمّا يسوع فيجهل إسم الشيطان. ورغم الأمر المكرّر، رفض الروح النجس أن يخرج وهو واثق بقوّته. لم تسر الأمور على ما يرام!
فعلى يسوع أولاً أن "يحتال " على الخصم أي أن يجبره على كشف إسمه. ويستعمل مرقس هنا أيضًا الماضي غير الكامل ليدلّ على مقاومة العدو. ولكن يسوع يلح وفي النهاية ينتصر. غير أنه إنتصار قصير لأن القوّة الشيطانيّة التي تكشف نفسها تبدو قويّة وعنيدة: "إسمي لجيون لأننا كثيرون ". هنا يمتزج المفرد مع الجمع. هل يدلّ المفرد على الممسوس؟ بل يدلّ بالأحرى على الكائن الشيطانيّ. أما الأسم "لجيون " فقد يشير إلى قوّة التقسيم والتفكيك التي تعمل في هذا الرجل التعيس. ويدلّ بصورة خاصة على أن الكائن الشيطانيّ هو قوّة هائلة ومنظّمة (رج مت 53:26: 12 فيلقان من الملائكة، أي قوّة منظّمة). فمن يقدر أن يغلب "لجيون " هذا؟ كيف تجرأ يسوع أن يهاجمه؟
غير أن لجيون يتوسل إلى يسوع. إنتظرنا حربًا عنيفةً، فإذا العدو يُقر حالاً بقدرة الذي أجبره على كشف إسمه. وهكذا يبدو يسوع، كما يصوّره مرقس، ذلك الذي يملك قوّة لا تُعاند، وفي الوقت عينه ذلك الذي يلجأ إلى كلّ فهمه و"حيلته " الروحيّة ليستعمل قدرته في الوقت المناسب.
حين عرف يسوع إسم الشياطين تفوّق عليهم. فلجأوا إلى التوسل: كرّروا توسلهم واستمرّوا يطلبون بإلحاح (الماضي غير الكامل) بأن لا يُطرَدوا من المنطقة. ولكن يسوع لا يتراجع. وتأتي توسلة جديدة في آ 12 للمساومة حول مسكن جديد. والغريب هو أن يسوع قبل إقتراحهم. هل خلط بين الرحمة والضعف؟ أما غشه الشياطين؟ في هذا الهجوم المكوّن من الحيلة والفخاخ، يبدو يسوع من جديد في وضع سيء، وقد ينجو الشياطين: إنتقلوا إلى الخنازير.
نشير هنا إلى أن "لجيون " (أي جوقة، فيلق) الرومانيّ يضمّ ستة آلاف رجل. أمّا عدد الشياطين الكبير فيدلّ على خطورة الوضع لدى الممسوس. هذا ما نراه في مت 45:12 حيث حلّ محل الشيطان الواحد سبعة شياطين (7= علامة الكمال) (رج لو 26:11). ونقرأ في لو 2:8 أن مريم المجدلية خرج منها سبعة شياطين، فدلّت هذه الآية على قوّة قبضة الشيطان.
طلب الشياطين أن ينتقلوا إلى الخنازير. هناك إعتقاد شعبيّ يقول إن الشيطان المطرود يطلب ملجأ آخر (مت 43:12 وز). أما غرق الخنازير فيدلّ على نهاية سلطان الشيطان على المنطقة وتحرّرها من النجاسة.
وكانت حركة لا تقاوم. دخل الشياطين في الخنازير، فاندفعوا كلّهم إلى البحر. لا لم يفلت العدو من قبضة يسوع. والإِذن للشياطين بأن يدخلوا في الخنازير كان فخًّا. ظنّوا أنّهم يفلتون. فإذا هم يهلكون ويعودون إلى البحر الذي هو في العقليّة الساميّة القديم موضع القوى الشريرة.
يسمّي مرقس بحيرة الجليل "البحر". ففي اللغة العبرية كل كمية ماء هي بحر. والبحر يرتبط بالغمر العظيم والتّنانين. وهكذا نفهم معنى حدث العاصفة التي هدأت: فالمسيح كشف بفعلته قدرته الخلاّقة (تك 1 :6- 10) وسلطته على القوى الشريرة التي تريد أن تعود بالعالم إلى العدم. ونفهم قساوة سفر الرؤيا على البحر الذي سيزول لتحلّ محلّه الخليقة الجديدة (رؤ 13:20- 21: 1). وحين ينحدر إلى البحر الشياطين مع الخنازير، هذه الحيوانات النجسة (13:5)، فهذا يعني أن الأمور عادت إلى النظام الأوّل بفعل المسيح: حاولت قوى الشر والنجاسة أن تجتاح أرض البشر، ولكنّها عادت إلى مكانها الأصلي، إلى البحر. طُرحت في الغمر العظيم ولن تخرج منه. من هذه التصورات نستطيع أن نستخرج أقلّه تعليمين. الأوّل: ليس مكان الشر في الإِِِِنسان. الثاني: الشر قوّة تدمير. حين دخل في الرجل جعله يهشّم نفسه. وحين دخل في الخنازير قادها إلى الهلاك.
فالأرواح النجسة عذبّت في إطار موتٍ ، الممسوسَ ودفعته إلى أن يجرح جسده بالحجارة. وأخيرًا قادت إلى الموت ضحاياها الجديدة. أمّا المسيح الذي هدّأ العاصفة وتغلّب على قوى العدو الشيطانيّة، فقد أزاح هذه القوى القاتلة من مكانها. طردها من الممسوس التعيس، طردها من هذه الأرض الوثنيّة وأنزلها إلى أعماق البحر.
يشدّد مرقس أيضًا على الرباط بين الشيطان والموت في خبر الولد الذي يقع في داء الصرع: "رماه الروح النجس مرارًا في النار لكي يهلكه " (22:9). وقبل أن يترك الشيطان الولد هزّه بعنف فبدا الولد وكأنه ميت فقال كثير من الناس: "إنه مات " (9: 26).
إذن، إنتهى القسم الأوّل من الخبر بانتصار المسيح على الشياطين. فهل يكون له النجاح نفسه لدى البشر الذين جاء يخلّصهم؟
وتصوّر لنا آ 14 (جاء الناس ليروا) وآ 15 (جاؤوا، شاهدوا، إستولى عليهم الخوف) تحرّك الجموع التي جاءت تتحرّى الأمر. ويصوّر لنا مرقس المشهد بعين الجمع: فالمتشيطن الذي ما زال في نظرهم ذلك الذي يمتلكه الشيطان، ها هو جالس، لابس، سليم العقل. ولكنّهم متأكدون أنه هو الذي كان في قبضة لجيون، في قبضة جيش من الشياطين. فمن التعارض بين ما يعرفون عنه وما يرون الآن فيه، يتفجّر خوف مليء بالإِحترام. ولكن بدأت هذه العاصفة تتبدّل حين عرفوا بأمر الخنازير. قال مرقس: "أخبرهم الشهود بما جرى للرجل... وبما أصاب الخنازير". كانت ردّة الفعل سريعة. طلبوا من يسوع أن يرحل عن ديارهم.
هذا الذي تغلّب على جوق الشياطين، تغلّبت عليه إرادة البشر السيئة. في الحرب السابقة، إستعمل يسوع خطة حكيمة فانتصر. وهو يستعمل هنا أيضًا خطّة تدلّ على حكمته الإلهية. فطاعته للأمر الواقع ترتبط بفهم عميق لرسالته المسيحانيّة، طرده الناس فاختفى في الظاهر. ولكنّه لم يقل كلمته الأخيرة وعلى مضطهديه أن يأخذوا حذرهم من "حيلة" إله يسلِّم نفسه مقيّدًا بيديه ورجليه.
في الوقت الحاضر وحسب الظواهر، الفشل تام. ولكن الممسوس الذي شُفي، يطلب من يسوع في صلاة بسيطة وعميقة "أن يكون معه . لم يُستجب طلبه، ولكنّه تسلَّم رسالة في بلده. لماذا رفض يسوع أن يرافقه هذا التلميذ الجديد؟ لا شك في أن ساعة الوثنيّين لم تأت بعد. فلا بدّ من تهيئة الطريق الآن. ومن خلال هذا السبب المباشر نفهم أن المسيح الذي طرده البشر قد ترك رغم كل شيء شخصًا يشهد له أمامهم.
هذا الشاهد الذي تسلّم مهمة إعلان ما صنعه الربّ، أعلن ما فعله يسوع. فالموازاة بين يسوع والربّ قد أرادها مرقس ليدلّ على دور يسوع الخلاصي وعلى إتّحاده بالله الآب. وها هي الكرازة تحمل ثمارها والخبر ينتهي بهذه الكلمات: "وكان جميع الناس يتعجّبون ".
قابلنا هذا النصّ مع أش 65: 1- 5. في الحالتين يقترب الله من أناس متمرّدين وهو يتوسل إليهم. رفضوا حضوره وطردوه. ولكن تختلف نهاية المقطوعتين. في أشعيا نجد غضب الله. في مرقس يتعجّب الناس الذين سمعوا " ألمنادي ".
هذه النهاية الرسوليّة والكرازيّة والكنسيّة تعطي الخبر إتجاهه الرئيسي. لا ننسَ أن الجزء المرقسي (8:3- 6:6) الذي يقع فيه هذا النص (5: 1- 20) يتركّز على تربية التلاميذ.
يصوّر لنا مرقس يسوع بوجه القوى الشيطانيّة وبوجه البشر. تغلّب على الشياطين رغم قوّتهم ولكن البشر غلبوه بحريتهم وجشعهم. هذا ما سيحدث في الآلام. ولكن وراء هذا الفشل الظاهر نكتشف وجه إله ساطع يسلّم ذاته في الضعف إلى البشر. فكيف لا يتعجبون حين يسمعون شهادة مرسلي المسيح ويكتشفون رحمة الله العجيبة؟ هذا ما يكون عليه زمن الكنيسة.

ب- خبر لوقا (26:8- 39).
يبدو خبر لوقا في قراءة أولى قريبًا جدًا من خبر مرقس. في الواقع تكفي بعض التعديلات الطفيفة، لتعطي الحدث إتّجاهًا مختلفًا. أشرف على خبر مرقس التوازي بين حرب يسوع ضد الشياطين وفشله أمام البشر. أمّا عند لوقا فكل شيء مركّز على الإِِِِنسان الذي حرّرته قدرة يسوع من الشيطان وقدّمت له الخلاص.
يشدّد لوقا في بداية الخبر (26:8) على أنّنا تجاه الجليل. إذًا نحن أمام وثنيّ في أرض وثنيّة سينعم بقدرة يسوع. وهذا التقسيم (طرد الشياطين) يرمز مسبقًا إلى الخلاص الذي سيُحمل إلى كلّ الأمم. وتصوير الممسوس (27:8) يهتمّ لا بإظهار شراسة الشياطين، بل حالة هذا الكائن التعيس الذي لم يعد بشرًا: إنفصل عن أخصّائه، إبتعد عن عالم البشر، عاش بدون ثياب (العري علامة الفقر وخسران الشخصيّة، رج تك 7:3؛ حز 7:16؛ هو 2: 11- 12)، فلم يبق له مسكن إلاّ مسكن الموت (القبر).
لا يحتفظ لوقا هنا إلاّ بالسمات التي تنطبق مباشرة على الرجل الذي يمتلكه الشياطين. وهكذا يجتذب إليه الشفقة والإِِنتباه. أمّا ما تبّقى من تصوير نجده عند مرقس، فقد نُقل إلى مكان ستبُرز فيه قدرة الشياطين غير العادية قدرةَ يسوع الإلهيّة (8: 29- 30). في الوقت الحاضر وصل إلينا القسم الأوّل من الحوار بين يسوع والممسوس (8: 28- 29 أ).
إقترب نصّ لوقا من نصّ مرقس، ولكنّه تجنّب هذه الدعابة القريبة من التجديف التي وجدناها في النصّ المرقسي. فرفض الطاعة الذي يتضمّنه الفعل في 8: 29 أ (الماضي غير الكامل) يُفسَّر بتصوير قوّة الروح الشرير التي لا تقهر (29:8 ب). ولكن لوقا يهتمّ ثلاث مرّات في هذه الآية بأن يزيل كلّ إلتباس بين الروح الشرير وضحيته البشريّة؛ ففي قلب هذه الآية عينها، يوضح أن الروح إستولى على هذا الرجل. وأخيرًا في نهاية الآية، هو الشيطان الذي يجرّ الممسوس ويسوقه إلى البراري.
أخيرًا، خضع الشياطين لقدرة يسوع فأجبروا على الكشف عن اسمهم. وها هم يتوسّلون إلى يسوع بأن "لا يأمرهم أن يذهبوا إلى الهاوية". كلمة "هاوية خاصّة بلوقا وهي مع فعل "خلص " في آ 36 إحدى الوسائل التي تفهمنا الخبر. كتب لوقا إلى قارئين يونانيين في معظمهم، فتحاشى أن يحصر نفسه في عالم من التصوّرات السامية: فموضوع البحر مع كل رنّاته البيبلية، كما نجده عند مرقس، قد تبدّل. فعالم المياه الذي هو إطار الخبر، لم يعد "البحر" بل بكل بساطة: بحيرة (33:8). ولكن الفكرة الأساسيّة التي تتكلّم عن موضع للقوى الشيطانيّة فقد استعيدت في مفردة "الهاوية" الغنيّة جدًا في أذن اليونانيّين. وهذا ما يشهد عليه رؤ 20: 1- 3: "ثم رأيت ملاكًا نازلاً من السماء يحمل بيده مفتاح الهاوية وسلسلة عظيمة. فأمسك التنين تلك الحيّة القديمة، أي إبليس أو الشيطان. وقيّده لألف سنة ورماه في الهاوية وأقفلها عليه وختمها! (رج رؤ 9: 1، 2، 11؛ 7:11؛ 8:17). تعني الهاوية البحر، مثلا خر 15: 5؛ أش 44: 27؛ 51: 10؛ 13:63؛ يون 2: 9؛ كما تعني الأرواح الشريرة مرورًا بمثوى الأموات (مز 71: 20؛ روم 10: 7).
إذن يبدو أن الهاوية تمثّل المكان الذي تملك فيه أرواح الشرّ. منها خرجوا ليفسدوا الأرض وينجّسوها. ولكن المسيح سينتصر عليهم ويجبرهم على الرجوع إلى عالمهم. وهكذا بكلمة بسيطة انفتح أمامنا منظار على الصراع الأساسي الذي يجعل يسوع في وجه قوى الشرّ. ونحن الذين نعرف أن يسوع تابع مسيرته بعد هذه المبارزة الخفيفة ليرمي القوى الشريرة في الهاوية ويخلّص البشر. نفهم مع لوقا أن هذا الخبر يقدّم نظرة إجماليّة إلى الفداء المسيحيّ ويلقي عليه نورًا جديدًا.
وبانتظار الساعة الحاسمة، إنتصر يسوع على أعدائه. ولكن لوقا يفترق هنا عن مرقس الذي أبرز صراع يسوع ضدّ الشياطين. أما لوقا فحين صوَّر هزيمتهم واختفاءهم في البحيرة شدّد على تمرّد الإِِِِنسان: "خرجوا من هذا الرجل " (8: 33).
هذا الانتباه إلى مصير الإِِِِنسان نجده في التصوير اللاحق (8: 34- 36). لا يشركنا الخبر هنا، كما في مرقس، في دهشة الناس الذين وصلوا، بل يجعلنا مباشرة في حضرة الواقع: أمام انسان تحرَّر الآن من شياطينه وتزيّن من جديد بكل صفاته البشريّة، وجلس عند قدمي يسوع جلسة التلميذ مع معلّمه (35:8؛ رج 39:10: جلست مريم عند قدمي الربّ يسوع تستمع إلى كلامه).
ونقرأ كلمة يضعها لوقا في فمّ الشهود فتلقي النور على الخبر كلّه: "أُخبروا كيف خُلّص الذي كان فيه الشيطان من قبل " (36:8). لسنا فقط أمام شفاء، بل أمام خلاص يحمله ابن الله. لا شكّ في أن هذا الخلاص ما زال محصورًا في الوقت الحاضر، ولكنه بعد قليل سيمتدّ إلى جميع البشر الذين سينجون من قبضة الشرّ ويعودون إلى عقلهم ويتقبّلون التعليم من المسيح.
أمام هذا الحدث النبويّ الذي يعلن للحاضرين خلاصهم، ما هي ردة الفعل عندهم؟ ما نلاحظه عند لوقا هو أن الشهود الذين يوردون الخبر لا يلمّحون إلى الخنازير أي تلميح (اذن، نحن أمام قضية ثانويّة، فالمهمّ هو انتصار يسوع على الشياطين. رج مت 33:8). كلّ شيء ركِّز حصرًا على الإِِِِنسان
المخلص (8: 36؛ ق مر 5: 16؛ مت 33:8). وإذا كان أهل الناحية قد طلبوا من يسوع أن يترك ديارهم فلأنهم "كانوا في خوف شديد" (37:8). وإن هذا الخوف لا يرتبط في الخبر اللوقاويّ أي ارتباط بأية خسارة ماديّة تتعلّق بالخنازير، بل هو صدى لخوف إكرامي استولى على الجمع حين شاهد المتشيطن القديم بعد أن تحوّل وشُفي ونال الخلاص (8: 35).
ونستطيع أن نستنتج ممّا أغفله لوقا أو لمّح إليه: أراد أن يفهمنا أن الجراسيّين لم يطردوا يسوع بسبب مسائل ماديّة. بل طلبوا إليه بتواضع عميق أن يبتعد عنهم، تدفعهم إلى ذلك مخافة مقدّسة (اما هكذا تصرّف بطرس بعد صيد السمك؟ "ابتعد عنّي يا ربّ، أنا رجل خاطئ" رج 8:5). وهكذا كانت فعلة الجراسيّين كما قدّمها لوقا مشرّفة لهم. فإذا أراد لوقا ورفاقه أن يردوا هؤلاء الناس وكل الأمم الوثنيّة، فعليهم أن يصوّروهم في مثل هذا الوجه المشرق.
والحدث الأخير في الخبر (38:8- 39) يشبه ما في مرقس (5: 18- 20). أراد الممسوس القديم أن يتبع يسوع. ولكن يسوع أوكله بمهمّة لدى أهل بيته. نشير هنا إلى اهتمام لوقا بأن يتكلّم لا عن المتشيطن القديم (رج مر 18:5) بل عن "الرجل الذي خرج منه الشياطين " (38:8). والفرق مهمّ بين طريقتي الكلام. أخيرًا إن لوقا لم يتحدّث عن عاطفة الإِعجاب التي ينسبها مر 5: 20 إلى الجموع بعد خبر المتشيطن القديم. فقد أشار مرّتين إلى الخوف لدى السكان، واعتبره عاطفة إعجاب متواضعة، فلماذا يعود إلى هذا الموقف. وهكذا أتاح له هذا الاغفال أن ينتهي بفكرة كرستولوجيّة. كان مرقس قد قدّم موازاة بين الربّ ويسوع: "اخبرهم كل ما صنعه الربّ لك وكيف رحمك. فذهب وأخذ ينادي في المدن العشر بما عمل يسوع له " (مر 19:5- 20). أما لوقا فقدّم موازاة أخرى: "كل ما صنعه الله لك ". فرجع ينادي "بكل ما صنعه يسوع له " (8: 39). هذا ما يشدّد بصورة أوضح على العلاقة الموجودة بين الله ويسوع. إن المسيح يعيد كل شيء إلى أبيه، ولكن الخلاص يصل إلينا بيسوع. ونحن نجد في هذه الموازاة اللوقاويّة وحدة العمل بين الآب والابن.
إذن نستطيع أن نلخّص خبر لوقا بثلاث كلمات رئيسيّة: الهاوية، خلَّص، مخافة. اختلف لوقا عن مرقس الذي وازى بين انتصار المسيح على الشياطين وهزيمته الظاهرة أمام البشر. أمّا لوقا فقدّم لنا انسانًا تعيسًا تستعبده القوى الشيطانيّة. فنجَّاه يسوع وخلَّصه. وهكذا يعلن الخبر مسبقًا عمل المسيح الفدائي الذي يتّسم بقدرة عظيمة: رمى أرواح الشرّ في الهاوية، خلَّص البشر بمن فيهم الوثنيّون، وحرّك لدى الجميع مخافة ستقودهم إلى عبادة الله.

ج- خبر متى (28:8- 34)
إن نظرة سريعة إلى الإِزائية تكفي لتبينّ لنا أن خبر متى أقصر من خبر مرقس وخبر لوقا. فمقطوعة متى لا تصل إلى نصف مقطوعة مرقس. ثمّ إن نصف القراءات التي يستعملها متى موجودة عند مرقس. في هذه الحالة نتساءل: أية علاقة أدبيّة بين الإنجيلين؟ كان قد لاحظ الأب لاغرانج منذ سنة 1923 (إنجيل متى) وبرهن أنَ متى لا يمكن أن يرتبط مباشرة بمرقس. فإذا أخذنا بعين الاعتبار نظرية المرجعين نستطيع أن نرى في نصّ متى هذا مثالاً نموذجيًّا عن مقطوعة تنتمي إلى مرجع ثانٍ غير مرقسي، إلى انجيل متى الآراميّ. كان لهذا الإِنجيل الآرامي وللتقليد المرقسي أصل مشترك يتجذّر في الكرازة الأولى، وهذا ما يفسّر التشابهات بين مت 28:8- 34 ومر 5: 1- 20.
غير أننا لن نتوقّف عند هذه النظرة السطحية. فلوقا الذي بدا قريبًا جدًا من التقليد المرقسيّ، أعطى خبرَه إتجاهًا مختلفًا عن خبر مرقس. أما متى الذي هو بعيد ماديًّا عن التقليد المرقسيّ، فهو قريب من اهتمامات مرقس الكبرى. لا شكّ في أنّ متى يتألّم من موقف الرفض الذي أظهره البشر، وبالأخصّ بنو قومه حيال آلام يسوع والذي يظهرونه اليوم تجاه الكرازة الإِنجيليّة. فيلاحظ هنا ان اقناع البشر أصعب من افحام الشياطين.
لا يورد متى الطلب الذي قدّمه إلى يسوع الممسوسُ القديم الراغب بأن يبقى معه. تبسّط الخبر فقُسم إلى قمسين واضحين: يسوع والشياطين، يسوع والبشر.

1- يسوع والشياطين (8: 28- 32)
منذ البداية يبرز اختلاف واضح بين متى والتقليد الذي اتبعه مرقس ولوقا. انهما لا يعرفان الا ممسوسًا واحدًا، بينما يقدّم لنا متى ممسوسين اثنين وقد نتساءل: كيف يستطيع أن يعيشا معًا وهما شخصان متوحّشان إلى هذا الحدّ؟! من السهل أن نلاحظ أن متى يقدّم شخصين (الاعميان قرب اريحا، 20: 30) أو حيوانين (حين الدخول إلى أورشليمِ، 21: 2، 7: الآتان والجحش) حيث لا يقدّم الإِنجيليّان الآخران إلا شخصًا واحدًا وحيوانًا واحدًا. هل نحن أمام انزلاق غير متعمّد في التقليد، أم أمام اهتمام لاهوتي؟ لا شكّ أمام اهتمام لاهوتي. وسنوجّه ابحاثنا في هذا الاتجاه. فالرقم 2 يجعلنا نفكّر بعد الشهود الذي تطلبه الشريعة ليثبت أمر من الأمور. ويجعلنا نفكّر أيضًا وبصورة خاصّة بالشعبين اللذين جاء يسوع يخلّصهما وينيرهما وهما اليهود والوثنيّون. هذا هو تفسير اغوسطينس حول اعميي أريحا (مت 20: 30). أمّا اوريجانس فرأى في اعميي اريحا اليهود في قسميهما: مملكة يهوذا ومملكة اسرائيل. أمّا هيلاريون وامبروسيوس فرأيا في هذين الأعميين آلام الوثنيّة في فرعيها: ابناء حام (تك 10: 6 ي: مصر، الحبشة، ليبيا، قبائل الشمال في الجزيرة العربيّة)، وابناء يافت (تك 10: 2 ي: آسية الصغرى، شعوب ايونية المتاخمون للبحر الأسود، قبرس، ر ودس، اسبانيا).
ترتبط القوى الشيطانية بالقبور اي بالموت، عند متى كما عند مرقس ولوقا. وهي تمنع الناس من المرور في الطريق. إن موضوع الطريق متجذِّر في العقلية السامية التي تصوّر علاقة الإِِِِنسان بالله في صورة طريق نقطعها (مت 17:20 ي واهميّة طريق يسوع إلى أورشليم، أي الطريق نحو الآلام والقيامة. ولوقا أبرز أيضًا المعنى اللاهوتي لهذا الصعود إلى أورشليم). فالخلاص يُعتبر خروجًا جديدًا. والمسيح يقدِّم نفسه على أنه الطريق (يو 14: 6). والمسيحيّون الأوّلون هم تباع الطريق (أع 9: 2؛ 18: 25- 26، أي طريقة حياة، مذهب). إذا أخذنا بعين الاعتبار هذه العقلية وهذه الطرق التعبيريّة، وإذا لاحظنا أننا نجد هذه الصور في كرازة يسوع وفي إنجيل متى (13:7). واذا اعطينا اسم الإِشارة (تلك) قيمة التضخيم التي له في اليونانيّة، نعطي لتصوير متى معنى رمزيُّا وروحيُّا: إن القوى الشيطانيّة في قوى الموت تصدّ الطريق بوجه البشرية. انها تمنعنا من ان ننتقل إلى الله ونشاركه في حياته السعيدة.
والسؤال الذي يطرحه الشياطين على يسوع هو هو في متى كما في مرقس ولوقا: "ما لنا ولك يا ابن الله؛ أجئت إلى هنا لتعذّّبنا قبل "الأوان" ؟ ولكن عبارة " قبل الأوان " تعطي الجملة والتقسيم كلّه علامة مميّزة: بهذا التلميح يبدو عمل المسيح استباقًا للصراع الاسكاتولوجيّ ولانتصار نهاية الأزمنة. لا شكّ في أن رجوع ابن الإِِِِنسان المجيد وحده، يضع حدًا نهائيّا لعمل القوى الشريرة. ولكن انتصار الفصحَ هو اسكاتولوجيّ منذ الآن في نظر متى وفي نظر كل مسيحيّ. فحين دشّن المسيح الأزمنة الجديدة بموته وقيامته، إنتصر على قوى الشرّ. وإن يسوع قد واجه الشياطين وانتصر عليهم حتى قبل هذه "الساعة" الحاسمة ورغم اتضاعه في امحائه (كينوسيس)، لأنه سرّ هذا الملكوت الجديد في شخصه وحياته. وهكذا نجد تواصلاً عجيبًا بين عمل يسوع على الأرض، وعمل المسيح القائم من الموت، وعمل الربّ في نهاية الأزمنة.
إذا أردنا أن نفهم معنى هذه العبارة "قبل الأوان " نتذكّر نهاية خبر التجربة عند لوقا: وابتعد عنه الشيطان إلى "الأوان" (المحدّد) (لو 4: 13). ونستطيع أن نقرّب أيضا هذا النصّ من مت 3:16 الذي يتحدّْث عن "علامات الأزمنة"، وبالأخصّ من مت 18:26 حيث يعلن المسيح: "زماني قريب ". (أي جاءت ساعتي، ساعة الموت والقيامة). رج أيضًا مر 1: 15: "تمّ الزمان (الذي حدّده الله ليتمّ مواعيده) واقترب ملكوت الله ". وفي يو 7: 6- 8، قال يسوع: "ما جاء وقتي (أواني) بعد". ما جاء الوقت المؤاتي للعمل الحاسم الذي يسمّيه يسوع ساعته.
إن لفظة "هنا" وعبارة "قبل الأوان " خاصتان بمتى في هذا الخبر. وهما تشيران إلى زمن الدينونة الأخيرة حيث يخسر كلّ الشياطين قوّتهم. أما تقسيم يسوع فيستبق هذه الشفاءات الأخيرة. ولفظة "هنا" تشدّد على أن يسوع يعمل في منطقة وثنيّة، وهكذا يكون عمله استباقًا لخلاص كل الأمم الوثنيّة. وقد تعنيان أخيرًا المسيحيّين الذين من أصل وثنيّ ودخولهم إلى الكنيسة. هل حلَّ زمان دخولهم، أم لا بدّ من الانتظار؟ نحن نقرأ في مت 10: 5: "لا تقصدوا ارضًا وثنية (أو لا تسيروا في طريق وثنيّة) ولا تدخلوا مدينة سامريّة. بل إذهبوا إلى الخراف الضالة من بني إسرائيل ". وحين طلبت الكنعانيّة من يسوع أن يشفي ابنتها، أجاب: "لم أرسل إلا إلى الخراف الضالة من بني إسرائيل" (15: 24). لم تأتِ ساعة الوثنيّين بعد. وستأتي بموت المسيح وقيامته. رج مت 5-13؛ 33:21- 44.
طرد يسوع الشياطين بدون أية صعوبة ظاهرة، حسب متى الذي يصوّر لنا منذ الآن المسيح الممجّد عبر أخبار حياته على الأرض. ونلاحظ أيضًا تشديد الكاتب على سقوط الخنازير في البحر وهلاكهم في المياه. قد نرى في هذا التشديد تلميحًا إلى مياه العماد التي تبتلع في الموت قوة الإِِِِنسان الشريرة.

2- يسوع والبشر (8: 33- 34)
كان انتصار يسوع على القوى الشيطانية سهلاً نسبيُّا، ولكن ماذا يستطيع أن يفعل أمام إرادة البشر الشريرة؟ ذهب رعاة القطيع إلى المدينة واخبروا كل شيء (كل ما حدث) وقضية (ما جرى) الممسوسين. هنا نفهم ما يشير إليه متى: ما هو "كلّ " شيء في نظرهم يتميّز تمييزًا واضحًا عن "قضية الممسوسين" . إذن، ما يهمّهم حصرًا هو مصير قطيعهم. انهم متعلّقون بخيراتهم وهم يصوّرون مسبقا كل الاغنياء الذين تمتلكهم ممتلكاتهم. حينئذ طلبوا من يسوع "أن يعبر خارج ديارهم ".
إن اللفظة المستعملة لترحيل يسوع قد تبدو باهتة. ولكنها تبدو مع عبارة قبل الأوان من الكلمات المهمّة في الخبر. فنحن نجد هذا الفعل عينه في سياق الساعة الاسكاتولوجيّة، في بداية الآلام حسب القديس يوحنا. "قبل عيد الفصح، عرف يسوع أن ساعته جاءت لينتقل (ليعبر) من هذا العالم إلى الآب" (يو 13: 1). قد يعني ذكر الفصح في بداية هذه الآية اليوحنّاوية أن الانجيل الرابع يرى في هذا "العبور" تحقيق الفصح الحقيقيّ (رج خر 27:12). وقد يكون متى أراد أن يلمّح إلى أن ترحيل يسوع، هذا "العبور" قبل الأوان، يدلّ على "عبوره " من هذا العالم إلى الآب ويصوِّر مسبقًا الفصح الحقيقيّ.
أَبعد متى مجمل تفاصيل الخبر وتجاهل الحدث الأخير الذي أورده تقليد مرقس ولوقا، فأبرز الوجه المأساويّ لترحيل المخلّص، وشدَّد على التعارض بين انتصار يسوع على الشياطين وهزيمته أمام البشر الأحرار. إن طريق الوصول إلى الله مفتوحة، ولكن البشر لا يريدون أن يسيروا فيها. لا شكّ في أن متى حين أورد هذا الخبر فكّر بخبر آلام المسيح، وحاول أن يُفهم سامعيه ما في رفض المخلّص القدير من عقوق وبلاهة. وأفضل تفسير لهذا الحدث المتّاوي نجده في المطلع الإِنجيليّ ليوحنّا (1: 10- 11): "كان في العالم، وبه كان العالم، والعالم لم يعرفه. جاء الى بيته فما قبله أهل بيته".

خاتمة
لقد فهمنا من خلال قراءتنا لمرقس أن المسيح حين سمح بأن يُطرد من عند البشر كَشف عن ضعف الله العجيب الذي أسلم ذاته في حب جنونيّ، فلم يبقَ له شيء يدافع به عن نفسه. برنامج خطِر وصل به إلى المأساة. ولكن في النهاية سيتعرّف البشر بدهشة إلى كلّ هذا الحبّ.
وأرانا لوقا رجلاً لم يعد فيه شيء من البشر. فمارس يسوع نحو هذه الضحيّة التعيسة عمل تحرير وخلاص. وهذا ما سيفعله لجميع الأمم الوثنية. 
وقرأنا مع متى حياة المسيح وملكوته: تجاه انتصار سهل على قوى الشر، نجد هزيمة مأساويّة أمام الناس الأحرار. فيتفجّر النداء الملحّ للقارئ: وانت، هل ستطرد ذلك الذي يحرّرك من الشرّ ويبلغك إلى حيث يقيم الله؟
الفصل السابع والأربعون
شفاء النازفة وإقامة ابنة يائيرس
8: 40- 56- مر 5: 21- 43= مت 18:9- 26

يظهر هذا الخبر المضاعف في التقليد الإِزائيّ خاصًّا جدًّا: فشفاء النازفة يوضع بين طلب يائيرس من أجل ابنته، وبين إقامة هده الإبنة من الموت. وفي سائر الأناجيل سنجد أنّ كل معجزة تشكّل وحدة مستقلّة. يرى معظم الشرّاح أنّ هذا التداخل يوافق تذكّرًا تاريخيّا. أما لوهماير فيرى أنّ الاختلافات على المستوى اللغوي واللاهوتي تدلّ على أنّ الخبرين كانا مستقلّين في النهاية.
جاء الجدال حول المسيح وبعل زبول بين وصول أقارب يسوع (آ 21- 22) وبين محاولتهم الوصول إليه (آ 31- 35)، وكان الجدال بين الإِثنين (آ 23 - 30). رج لو 11: 15- 23؛ مت 12: 42- 32. وفي مر 7:6- 33 يأتي خبر هيرودس ومقتل يوحنا المعمدان (آ 14- 29) بين مُغادرة الرسل (آ 6- 13) وعودتهم من الرسالة (آ 30- 33). رج أيضًا مر 11: 11- 21 (التينة وطرد الباعة من الهيكل)؛ 14: 1- 11 (المؤامرة والدهن بالزيت في بيت عنيا). وحين يستعمل مرقس هذه الطريقة، فمن أجل هدف لاهوتيّ، والأمر واضح بصورة خاصّة في 3: 21- 35: يرذله أهله كما ترذله سلطات أورشليم الدينيّة. وفي 11: 11- 21: ترمز التينة إلى الهيكل حيث لم يجد يسوع ثمرًا.
نجد موازاةً بين خبرَيْ المعجزة. هناك أوّلاً الرقم 12. فالنازفة مريضة منذ 12 سنة. وعمر الصبيّة يوم ماتت هو 12 سنة. ثم إنّ الشفاءين تمَّا بواسطة اتّصال بيسوع. النازفة لمست رداء يسوع، وشموع أمسك الصبيّة بيدها. وأخيرًا إنّ الموضوعين الرئيسيين في الخبرين هما هما: "خلص " و"آمن ".
يُورد لنا الإِزائيون الثلاثة هذا الحدث المضاعف، هذا الخبر في خبرين: مت 18:9- 26؛ مر 5: 21- 43؛ لو 8: 40- 56.

أ- شفاء النازفة.
يرينا متى في هذه المرأة نموذج المؤمن الذي يأتي إلى يسوع طالبًا الخلاص.
أمّا مرقس فيقدّم عددًا من التفاصيل، ولكنّه لا يروي من أجل الراوية. بل يحدّثنا عن خلاص يُعلنه يسوع ويحمله إلى الذين يأتون إليه بالإِيمان، لا خلاص من المرض وحسب، بل خلاص من الموت سيدلّنا على قيامه يسوع بعد موته.

1- وجاء يائيرس (8: 40- 42).
إنتظر شعب إسرائيل يسوع وها هو "يرحّب " به، بعد أن رفضه الوثنيّون حين طلبوا إليه "أن يبتعد عنهم " (37:8). فبتاريخ الخلاص هيّأ الله شعبه للمخلّص الآتي. أمّا الوثنيّون فما كانوا ينتظرون شيئًا. ما كانوا ينتظرون هذه القوّة الرهيبة حتى على قوى الشرّ.
وإنّ رئيس المجمع (المسؤول عن المجمع أو الموكَّل على أموره) لا ملجأ له ولا قوّة أمام قدرة الموت. وألمه العميق ينعكس في كلماته: له ابنة وحيدة. إبنة محبوبة. عمرها 12 سنة: كبُرت وصارت على باب الخطوبة. وها هي الآن عند ساعة الموت.
كل سلطة بشريّة بدت عاجزة في هذه الظروف. والأمل الوحيد الذي بقي للأب هو يسوع. فذهب يطلب، وأرفق طلبه بسجود متواضع أمام يسوع: "إرتمى على قدميه". وتوسّل إليه أن يأتي إلى بيته، أن يدخل إلى بيته. إنّه يختلف كلّ الإِختلاف عن الضابط الرومانيّ، ويسوع هو في بيته أينما كان في أرض إسرائيل. أمّا الضابط فرأى أنّ يسوع اليهودي لن يدخل بيته هو الوثنيّ، لهذا قال له: "لا تزعج نفسك، أنا لا أستحقّ أن تدخل تحت سقف بيتي" (6:7).
إرتمى رئيس المجمع أمام يسوع فدلّ على إيمانه. هذا هو موقف الشياطين الذين اكتشفوا فيه ابن الله (مر 3: 11؛ 6:5) وموقف الذين جاؤوا يتوسّلون إليه (مر 1: 40؛ 7: 25) أو رأوا فيه مرسَل الله (مر 17:10؛ 15: 19).
الفعل اليوناني "انتظر" يدلّ على موقف الجموع (8: 40) تجاه يسوع العائد من جديد. وكان قد دلّ على الشعب الذي "انتظر زكريا بعد أن رأى رؤية في الهيكل " (1: 21)، أو تساءل عن هوية يوحنا النبيّ (15:3). سأل يوحنا يسوع بواسطة تلميذيه: "أأنت هو الآتي أم ننتظر آخر" ؟ أي نحن ننتظر أن تفعل وأنت المسيح، أن تدين شعب إسرائيل وتنقّيه (3: 11- 17). وأخيرًا نقرأ في مثل الوكيل الخائن (الذي لا يعرف الأمانة):" يأتي سيده في يوم لا ينتظره " (12: 46). في كل استعمال لهذا الفعل (بروسدوكان) نحن أمام انتظار مسيحانيّ سيكون مجيءُ يسوع الجوابَ عليه.
وعبّر عن هذا الانتظار رئيسُ المجمع. جاء إلى يسوع، توسّل إليه ولكنّه لم يحدّد طلبه في لوقا كما في متى ومرقس. قال مت 18:9: وماتت ابنتي. تعال وضع يدك عليها فتحيا". وقال مر 23:5: " تعال وضع يدك عليها فتخلص وتحيا". يجب أن يخلّصها يسوع لكي تستعيد الحياة. فليأتِ يسوع ويضع يده عليها، وهو الذي وضع يده على المرضى (مر 6: 5؛ 32:7؛ 23:8، 25). هذا ما انتظره أيضًا نعمان السوري من النبيّ أليشاع: "يضع يده على المرض " (2 مل 5: 11).
هذا في مرقس ومتى. أما في لوقا فنجد هذا الرجل يواجه موت ابنته فيلجأ إلى يسوع وكأني به لا يجسر أن يطلب شيئًا. ولكن يسوع لا يحتاج إلى أكثر من ذلك. ما إن رأى ابن أرملة نائين حتى أشفق على الأم التي فقدت وحيدها (7: 12- 13). وها هو يشفق على الأب الذي فقد وحيدته.

2- وقفَ نزف دمها في الحال (43:8- 44).
ويبدأ الخبر من جديد فيصوّر لنا تعلّق الشعب بيسوع: الجموع تهجم عليه، تزحمه. الكلمة المستعملة هنا هي مستعملة أيضًا بمناسبة الحديث عن الشوك الذي يخنق الزرع (8: 14). لقد انتظر الشعبُ يسوع واعتبر أنّه الملجأ العظيم. إنّه يمتلكه، بل يمسكه الآن فلا يريد أن يتخلى عنه. لقد استقبله بحرارة وها هو الآن يكاد يخنقه.
وها نحن أمام إنسان آخر ينحني ظهره من وطأة الألم. ها هي امرأة تنفصل عن الشعب. خبر مرضها محزن. هي تتألّم منذ 12 سنة. هي مريضة في جسدها وقد تعب منها الناس. ونجسة من جهة الشريعة (لا 25:15) فلهذا تحاشاها الناس "الأتقياء". أنفقت كل ما تملكه على الأطّباء، ولكن أحدًا لم يقدر أن يشفيها. كلمة قاسية: لا أمل لها بالشفاء.
يحمل إلينا مرقس اعتباراتها عن الأطبّاء، إيمانها بقدرة هذا الرجل الذي يصنع المعجزات، قرارها بأن تستفيد خفية من هذه القوّة السريّة، وإحساسها المباشر والفجائي بالشفاء. أجل، لم يشعر أحد بما فعلت.
ونعود إلى لوقا. لم يبقَ لها إلاَّ أمل واحد، شأنها شأن يائيرس. فهذا الرجل (يائيرس) وهذه المرأة يُشبهان طوبيط وسارة في محنتهما. لم يبقَ لهما أمل بشري. في سفر طوبيا أرسل الله ملاكه، وفي الإِنجيل جاء الرب بنفسه يحمل أمراضنا ويأخذ على عاتقه عاهاتنا. ولكن المرأة لا تستطيع أن تفعل مثل يائيرس، لا تستطيع أن تقترب منه وترتمي على قدميه وتخبره عن شقائها. كيف لها أن تظهر أمام الجمع كلّه وهي نجسة؟! ولكن لا بدّ من الاقتراب من يسوع. فجاءت من ورائه بحيث لا يراها أحد ولمست طرف ثوبه.
أمرت الشريعة بني إسرائيل أن يضعوا في طرف ثيابهم، أهدابًا ليتذكّروا وصايا الله (عد 38:15- 40). توسّل يائيرس إلى يسوع ليأتي إلى بيته. ظنّ ولا شكّ أنّ الشفاء لا يتمّ إلاّ بوضع الأيدي. أمّا المرأة فحاولت أن تتّصل بيسوع، حاولت أن تلمس ولو طرف ثوبه.
فوقف نزف دمها في الحال. هكذا يتكلّم الأطبّاء. شُفيت بدون دواء، بدون كلمة. لمسته فقط فحصلت في لحظة على ما لم تستطع أن تعطيه إيّاها الفنون الطبيّة خلال سنوات. لوقا هو طبيب وقد خفّف حكم مرقس القاسي على الأطبّاء. قال مر 26:5: "ما استفادت شيئًا، بل صارت من سيء إلى أسوأ". ألغى لوقا ما كتبه مرقس الذي يستقي منه، ولكنّه أقرّ أنّ الفنون الطبّية وعلومها كانت عاجزة في هذه الحالة. ولاحظ كطبيب يعرف مهنته: وقف نزف دمها في الحال.
أجل، تجرأت هذه المرأة رغم الجموع التي تزحم يسوع فلمست طرف ثوب يسوع. يروي لوقا الخبر بموضوعيّة دون أن يشركنا في نيّة المرأة حين فعلت ما فعلت. ولكنّنا نقرأ في مت 9: 21 ومر 5 :28 ما فكرت به تلك المرأة: "يكفي أن ألمس ثوبه (في متى)، ثيابه (في مرقس) لأخلص " (لأَشفى).
تتضمّن هذه النيّة فكرة قوّة تعمل حين نتّصل بشخص قدير. أما كان الناس يتراكضون إلى يسوع ليلمسوه (مر 3: 10؛ 56:6؛ لو 6: 19: "كانت تخرج منه قوّة وتشفي الجميع ")؟ والشيء نفسه يحدث بالنسبة إلى بطرس: "كانوا يحملون مرضاهم إلى الشوارع ويضعونها على الأسرّة والفُرش حتى إذا مرّ بطرس يلمس بظلّه واحدًا منهم " (أع 15:5). كما يحدث لبولس (أع 19: 11- 12). 
ولكن ولي الخبر سيشدّد على قيمة اللمس بالنسبة إلى هذه المرأة التي لا يعرفها أحد. الجموع تزحم يسوع، ولا تكفي أن تلمسه (آ 30- 32). أمّا لمسة هذه المرأة فلمسة إيمان (آ34): لقد رأت في يسوع قدرة الله التي تخلّص البشر.
أجل، هناك قوّة خفيّة ولكنّها حقيقيّة، لا تنكشف إلاَّ أمام المؤمن (مر 6: 5- 6). أمّا اللامؤمن فلا يشعر بها. وهذا كان وضع الجموع. الإِيمان وحده يتيح لنا أن نتجاوز الظواهر الخارجيّة لنصل إلى المسيح. ومن اقترب من المسيح أُعطي له الخلاص.
إيمان مدهش لدى هذه المرأة، ولا سيّما وأنّ يسوع هو "مسيح " خفيّ ومجهول. تحيط به جموع تطلب "العجائب"، "وتلاميذ" يضحكون حين يقول عن الصبيّة أنّها نائمة. يبدو يسوع رجلا بين معاصريه الذين يرون فيه" ابن النجّار" (مر 3:6). لم ينل بعد قدرة القيامة، ولكن هذه القوّة الخارجة منه تعلن الخلاص لمن يؤمن به.
تحدَّتِ المرأة "الحرم" الذي تحمله الشريعة ضدّها. فشُفيت ورافق شفاءها عودةٌٌ إلى جماعة المؤمنين، إلى كل الذين جعلوا "في الخارج" كالوثنيين بسبب شرائع طهارة خارجيّة (مر 7: 1- 33). إذن، لسنا فقط أمام شفاء خارجي تم باتّصال خارجي مع شخص يسوع، بل أمام خلاص تعلنه كلمته وتمنحه لكل الذين يأتون إليه بالإِيمان.

3- إيمانك خلّصك.
ما صُنع في السرّ، قد جاء به يسوع إلى العلن. عرف ما حدث. واحد لمسني (حرفيًّا: أمسكني). قّوة خرجت مني. ليس العمل الماديّ، عمل الإِتّصال واللمس هو الذي اجترح المعجزة بل قوّة المسيح. هو وحده عرف. الشعب لم يعرف ولا بطرس. فيسوع هو السيد والمسلَّط في معنى أعمق بكثير مما يفترضه بطرس. لقد أمر الأمواج، وها هو يأمر نزف الدم. المعجزات تكشف عن قوّة يسوع: إنّه يتحكّم بالطبيعة. إنّه السيد بكل معنى الكلمة.
حين شُفيت المرأة لم تعد مجهولة. فهمت أنّ الله هو القريب في يسوع. عرفت أنّها لا تستطيع أن تبقى في الخفاء. إرتجفت في خوفها من اللاهوت الذي ظهر في يسوع، فارتمت على قدميه. وأعلنت أمام الجميع أنّ ما حصل لها هو عمل الله. هذه المرأة التي تعوّدت الخوف والتي عاشت بعيدًا عن الناس، تحوّلت بفعل عمل الله الذي أتمّه يسوع فيها، تحوّلت إلى منادية بعظائم الله أمام الشعب.
لا، ليس لمس الثوب هو الذي منح الشفاء للمرأة، بل إيمانها. قال لها يسوع: "إيمانك خلّصك". ما شفاها هو اتّصالها الخلاصيّ بيسوع المخلّص والفادي. بالإِيمان صارت ابنة البيت. قُبلت في بيت يسوع وجماعته. فوجدت السلام واستعادت الصحّة. فالسلام هو النظام. ولكنَّ إيمانها أعطاها سلامًا بدا الشفاء من مرضها صورة خارجيّة عنه.
طرح يسوع السؤال: "من لمسني "؟ أجاب بطرس: "كلّهم يزحمونك ". حينئذٍ أعطى يسوع تفسير هذا اللمس: "عرفتُ أنّ قوّة خرجت منّي . وتفرّد لوقا بالإِشارة إلى أن ما قالته المرأة قالته "أمام الشعب كلّه). الشعب هو شعب الله. وها هي تنادي أمام الشعب بأعمال الله.
نلاحظ هنا الشبه اللافت بين نهاية حدث الممسوس وهذا الخبر.
آ 36: والذين رأوا أخبروهم كيف خلص الذي كان في قبضة الشيطان".
آ 47: "فلمّا رأت المرأة... أخبرت أمام الشعب كله كيف شُفيت في الحال".
ينظر الإِنجيلي إلى هذا الشفاء وكأنّه خلاص. وللمرّة الأولى نقرأ في إنجيل لوقا كما في مر 34:5، كلمة يسوع: "إيمانك جعلك مخلَّصة. إذهبي في طريقك دومًا نحو السلام " (آ 48؛ رج 7: 50). فالمرأة التي أحسّت في جسدها أنّها شُفيت وطهرت، إنضمّت إلى الشهود الذين رأوا خلاص الممسوس لتردّ على سؤال يطرحه التلاميذ في القارب (آ 25: من هذا؟): هذا هو الذي يحمل الخلاص المسيحاني ولكن إلى أين يصل هذا الخلاص؟ هل يتوقّف عند المرض أم يصل إلى الموت؟

4- لا تخف، بل آمن.
أجل، إنّ الموت لا يشكّل حدًّا أمام قوّة يسوع. فالرب مستعدٌّ لأن يقيم الصبيّة الميتة إن كان الوالد مستعدًّا لأن يؤمن. آمِنْ فتخلص (ابنتك). الإِيمان هو شرط الخلاص. هذا ما قال بولس وسيلا لسجّان فيلبي: "آمن بالربّ يسوع تخلص أنت وأهل بيتك " (أع 16: 31).
إختفى يائيرس وسط الجمع الذي يرافق يسوع. فوصل إليه أناس يخبرونه بموت ابنته ويدعونه إلى أن لا يُزعج المعلّم: "ماتت ابنتك، فلماذا تُزعج المعلّم بعد هذا"؟ لقد تأخّر يسوع بعد أن عمل الموت عملَه. وهكذا نجد تعبير اللاإيمان الذي يضع حدًّا لقدرة يسوع. صمت الأب فلم يوافقهم الرأي، وهكذا دلّ على أنّه ما يزال مؤمنًا. لهذا شجّعه يسوع: "لا تخف! يكفي أن تؤمن " إحتاج يائيرس إلى هذا التشجيع ليتغلّب على خوفه، لأنّه سيشهد تجلّي قدرة الله في يسوع.
يشدّد مرقس مرارًا على الخوف والدهشة والرعدة التي تمسك بأناس يشاهدون المعجزة (مر 1: 27؛ 2: 12؛ 4: 41؛ 5: 15). ولكن كل هذا لا يقود إلى الإِيمان. لهذا حرّض يسوع يائيرس لئلاّ يضعف إيمانه: كل شيء ممكن للذي يؤمن " (مر 23:9).
لم يؤمن هؤلاء الناس فأرادوا أن يحوّلوا يائيرس عن مشروعه فشابهوا البكائين الذين ضحكوا من كلام يسوع عن نوم الصبيّة. وفضوا أن يروا في يسوع قدرة الله فضحكوا وبعضهم سوف يعادون يسوع.
وأبعد يسوع هؤلاء اللامؤمنين. أوّلاً أولئك الذين أرادوا أن يصرفوا يائيرس عن مشروعه (لا تزعج المعلّم). ثم أخرج البكائين. لم يبقَ معه إلاّ بطرس ويعقوب ويوحنا ثم والدا الصبيّة. هو لا يريد أن يجترح المعجزة، معجزة القيامة، إلاّ أمام شهود قلائل. أمام رسله الثلاثة. بطرس بصفته الرسول الأوّل. ثم يعقوب ويوحنا. هؤلاء الثلاثة سيشهدون تجلّيه على الجبل (28:9) ونزاعه في بستان الزيتون. وهم يكتشفون الآن قدرته على الموت، وهي استباق لتلك التي ينالها في القيامة.
كما أنّ الرب القائم من الموت لم يظهر للشعب كلّه، بل "لشهود اختارهم الله من قبل " (أع 10: 41). هكذا لم يرد يسوع أن يظهر سلطته على الموت أمام الجميع، بل أمام بعض الشهود فقط. لم يُنشَّأ الرسل على سر سلطان الله هذا الذي يرتبط بآلام يسوع وموته وقيامته. ولهذا لا بدَّ من الانتظار. نشير هنا إلى أنّه لمّا أقام إيليا وأليشاع الموتى لم يتركا أحدًا يشهد الحدث (1مل 17: 19؛ 2 مل 4: 33).
مهما كانت الجنازة فقيرة، لا بدّ على الأقلّ من عازفين بالمزمار وبكَّاءة. فالندب ينشد في جوقتين ويرافقه التصفيق بالأيدي والضرب على الدف. يبدأ الندب بعد الموت في البيت ويمتدّ حتى الجنازة والدفن. كلّهم يبكون ويقرعون الصدور ليدلّوا على الألم. ولكنّ يسوع أوقف هذا الندب. "ما ماتت الصبيّة، لكنّها نائمة". لقد رأى الموت بنظر الله وتكلّم بفم الله. ولكنهم ضحكوا منه، لأنهم عرفوا أنّها ماتت. لم يفكّر الجمع لحظة أنّ ليسوع سلطانًا على الموت. عرفوا أنّ الصبيّة ماتت والموت لا يعيد ما أخذه. ضحكوا انطلاقًا من علمهم البشريّ. أمّا الوالد فوجب عليه أن يؤمن رغم كل ما اختبره البشر.
نلاحظ هنا قول يسوع: "تعافي من دائك " (مر 34:5). ولكن العافية عادت إليها منذ لمست ثوب يسوع. لهذا صحّح متى مرقس فاعتبر أنّ الشفاء تمّ بكلمة يسوع. قال يسوع: "ثقي يا ابنتي، إيمانك شفاك " (مت 22:9) فشفيت المرأة من تلك الساعة.
ونلاحظ أيضًا، حسب متى: كانت الصبيّة قد ماتت حين جاء الأب إلى يسوع. إذن، جاء يتوسّل إلى يسوع ليعيد الحياة إلى ابنته (مت 18:9: ماتت... فتحيا). وهكذا أبرز الإِنجيليّ بشكل أقوى إيمان يائيرس. ثم لا ننسَ أنّ الكلمات التي استعملها مرقس (تحيا، تخلص، على فراش الموت) تشدّد على الموت القريب. ليس من أمل بشريّ بالشفاء. فالابنة ماتت ولم تبقَ إلاَّ مراسمُ الدفن.
إنّ الجدال حول نوم الصبيّة أو موتها (آ 52- 53) وواقع يقظتها (آ 54) يعطيان المعنى الأخير لرقاد يسوع في القارب (آ 23) واستيقاظه (آ 24): إنّ الخلاص الذي يتمّمه هو مشاركة في مصيره الخاص.
إنّ عودة الحياة بفعلة يسوع وكلمته تبرز في ثلاث عبارات. أوّلاً عادت إليها روحها (نفسها). في الموت تنفصل الروح عن الجسد. ويسوع صلّى قبل موته فقال: "في يديك أستودع روحي " (23: 46). ثانيًا: قامت الصبيّة. عادت قوّة الحياة وملأت أعضاء جسمها. ثالثًا: يجب أن تأكل. فإن أكلت اقتنع الحاضرون أنّها عادت إلى الحياة. وهذا ما سيحدث ليسوع في قيامته: عادت إليه روحه، قام، أكل وشرب بحضور تلاميذه.
أمر يسوع والدَيّ الصبيّة بأن لا يخبرا أحدًا بما حدث. ولكن هذا الأمر لا يتوجّه إلى الرسل الثلاثة الذين شهدوا هذه المعجزة. فعليهم أن يعلنوا أسرار ملكوت الله، وقيامة الموتى جزء من هذه الأسرار، وقيامة هذه الفتاة هي صورة مسبقة عن قيامة المسيح.
لقد أظهر يسوِع قوّته تجاه القوى التي بدا الإِِِِنسان أمامها ضعيفًا. هدّأ الطبيعة الهائجة، حَّطم قدرة الشيطان، تغلّب على قدرة الموت والمرض الذي لا شفاء منه. وكل هذا حدث لأنّ قدرة الله تعمل فيه. إنّه تجلّي قدرة الله على الأرض. ناداه بطرس المعلّم مرّتين وسمّاه الشياطين إبن الله. إنّه المخلّص والفادي. جاءت هذه المعجزات الثلاث (تهدئة العاصفة، إخراج الشيطان، وشفاء النازفة وقيامة ابنة يائيرس)، فجعلت يسوع في ذروة عمله في الجليل. لا شيء يخيف البشر بعد الآن إن هم قبلوا أن يؤمنوا. لقد انتزع يسوع من البشر كل خوف من القوى المعادية. وجاء الخلاص بيسوع. فالذي يؤمن به يفرح بقدرته الخلاصيّة. لقد بدأت بركات نهاية الأزمنة تتحقّق ونحن ننتظرها منذ الآن بالرجاء.
الفصل الثامن والأربعون
إرسال الاثني عشر
9: 1-9، مر 11:6-13

1- المدخل.
يرتدي خبر إرسال الإِثنيّ عشر أهميّة كبيرة للكنيسة في كلّ العصور. فالجماعات المسيحيّة لم تعتبر هذا العمل حدثًا من الأحداث البسيطة، بل عادت إليه دائمًا لكي تكتشف فيه إرادة يسوع عليها.
يَردِ هذا النصّ في مرقس (7:6 -13). بعد دعوة الرسل الأربعة الأوّلين تمّ إختيار الإِثنيّ عشر. ويرد عند لوقا في القسم الجليليّ تاركًا إرسال السبعين إلى فترة "الصعود إلى أورشليم".
ما الذي إكتشفه المؤمن في هذه المسيرة؟ يسوع هو المنتصر على العناصر وعلى قوى الشر حتّى وراء حدود إسرائيل، وهو لأخصّائه ينبوع القيامة والحياة. تجاه خبرة الذي أعطى إيمانه ليسوع، جاء سؤال هيرودس كصدى له، سؤال هيرودس الذي يرى الأمور من الخارج: "فمن هذا الذي أسمع عنه " (آ 9)؟ هذا السؤال لا ينبع من إلتزام المؤمن الشخصيّ. إنه ردّة فعل المراقب الذي يعيش خارج حياة مجموعة التلاميذ. وتعود هنا ثلاث مرّات كلمة "إثنيّ عشر" فتلمّح إلى إسرائيل الجديد السائر إلى تجمّع سيقوده إلى أورشليم ويطلقه من هناك في رسالة تصل به إلى أقاصي الأرض.
العمل التدوينيّ الذي قام به لوقا واضح هنا. أغفل لوقا عودة يسوع إلى الناصرة، وهذه العودة تختتم القسم الثاني في مرقس (6:6 أ) وخطبة الأمثال في متّى (53:13- 58). فالناصرة كانت بالنسبة إليه نقطة إنطلاق، ومنها أعلن برنامجه: "روح الربِّ عليّ... " (18:4 ي). أمّا فيما تبقّى فهو يتبع ترتيب مر 6: 6 ب- 44 تاركًا جانبًا خبر مقتل يوحنّا النبيّ (مر 17:6- 26) الذي تحدّث عنه في 3: 19- 20. بهذه الطريقة، يجعل نصّه يشدّد على أمور أخرى. عند مرقس، يشرف على القسم كلّه السؤالُ عن يسوع، ولكنّه إن كان سؤالاً مطروحًا على البشر، فهو يتوجّه بصورة خاصة إلى التلاميذ وهو يدعوهم إلى الجواب: جعلهم يسوع في برنامج عمله فوعوا أنّهم لا يفهمون، وأحسّوا بقساوة قلوبهم (مر 52:6؛ 18:7؛ 17:8- 21). أمّا لوقا فشدّد بالأحرى على السؤال الذي يطرحه على الإِثنيّ عشر والتلاميذ، على الذين في الخارج.
أمّا ترتيب متتالية 9: 1-17 فيبدو بسيطًا. هناك ثلاثة مشاهد: إرسال الإِثنيّ عشر "إلى كلّ مكان " (آ 6). حيرة هيرودس وتساؤله (9: 7- 9)، وأخيرًا عودة الإِثنيّ عشر وإطعام خمسة آلاف شخص في البريّة (9: 10-17). إن يسوع هو الذي يُرسل، وهو الذي يجمع. يرسل الإِثنيّ عشر ومعهم يجمع الناس بعد أن سمعوا الكلمة من أجل وليمة خبز هي صورة عن وليمة أخرى، هي وليمة الملكوت تصوّرها تلك الوليمة الأخيرة التي سيأخذها يسوع للمرّة الأخيرة مع تلاميذه (22: 16- 18).
تذكّرنا هذه الرسمة المتتالية السابقة (22:8- 56): مسيرة يسوع المنتصرة على البحيرة. هناك إعلان عن إنطلاق في آ 2: "أرسلهم يعلنون بلا إنقطاع، يَشفون بلا إنقطاع ". وتحقّق ما أرسلهم إليه: "مرّوا في القرى يعلنون البشارة ويشفون (يعتنون ب) المرضى في كلّ مكان (آ 6). لهذا تأثر هيرودس "بما يجري " (آ 7) فطرح السؤال. ولمّا عاد التلاميذ أخذهم يسوع إلى بيت صيدا حيث تبعه الجموع (آ 11) فأعطاهم طعامًا بواسطة التلاميذ (آ 16: أعطى تلاميذه ليوزعوها). وفي النهاية، يُطرح السؤال عن الرسل (آ 1) الذين يعملون ما يعمله يسوع (آ 11) ويشاركون الناس في ما وزّعوا عليهم (آ 16).

2- الإِرسال (9: 1- 6).
منذ بداية ف 8، الرسل هم حاضرون بجانب يسوع وإن لم يُذكَروا مرارًا. نقرأ في 8: 1: وسار يسوع بعد ذلك في المدن والقرى... وكان يرافقه الإِثنا عشر". ولكن لوقا لا يتحدّث مطوّلاً عن إرسالهم: فهو سيستعيد معنى الإِرسال العميق ويوضحه حين يرسل السبعين (أو: 72) تلميذًا (10: 1- 16). يورد متّى هنا خطبة رساليّة طويلة. أمّا نسخة لوقا فتقترب من نسخة مر 6:6 ب-13 مع بعض تفاصيل لها معناها.
أوّلاً، تحدّث لوقا عن "دعوة" (إلى إجتماع)، دعوة إلى الإِثنيّ عشر وأعطاهم سلطانًا وقدرة (قال مرقس فقط: سلطان) على كلّ الشياطين (تحدّث مرقس عن الأرواح النجسة) مع القدرة على شفاء الأمراض (هنا يلتقي لوقا مع مت 10: 1). نحن هنا أمام مشاركة في قدرة يسوع نفسه (46:8؛ رج أع 19: 11-16). وكما أُرسل يسوع بروح الربّ (18:4- 43)، ها هو يرسلهم "يعلنون " (18:4، 19، 44؛ 8: 1) مثله ملكوت الله و"يشفون " (6: 19). 
وتبدأ " خطبة الإرسال " أو بالأحرى نصائح المعلّم من أجل الرسالة، وهي تتعلّق بالنقاط التي أوصى بها يوحنّا المعمدان الآتين ليعتمدوا على يده: مقاسمة الثياب والطعام، عدالة في مسائل المال، لا عنف ولا تطرّف (3: 10- 14). ولكن يسوع يجعل الموقف جذريًا لا مساومة فيه: يكون الرسول بدون سلاح، بدون زاد.
"أي بيت دخلتم، أقيموا فيه ". يشهد سفر الأعمال على الإِقامة في البيوت التي استقبلتهم. نعرف أن (بطرس أقام عدّة أيام في يافا عند دبّاغ إسمه سمعان" (أع 43:9) وطلبت ليدية من بولس ورفاقه راجية: "أدخلوا بيتي وأقيموا فيه إذا كنتم تحسبوني مؤمنة بالربّ ". ويعلّق لوقا: "فأجبرتنا على قبول دعوتها" (أع 15:16). وأقام بولس في كورنتوس عند اكيلا وبرسكلة (أع 3:18- 4). ونجد أيضا في سفر الأعمال فِعلة الذين رفضوا أن يستقبلوا المرسلين. "حرض اليهود وجهاء المدينة (انطاكية بسيدية)... فاضطهدوا بولس وبرنابا وطردوهما من ديارهم، فنفضا عليهم غبار أقدامهما وانتقلا إلى إيقونة" (أع 13: 50- 51).
وأخيرًا يتحدّث لوقا عن شمول الرسالة واتساع حقل عمل المرسلين:
"إجتازوا بين القرى يعلنون البشارة ويشفون في كلّ مكان". نحن هنا أمام صورة مسبقة عمّا سيحدّثنا عنه أعمال الرسل.
هذه الصورة عن الرسل تطرح سؤالاً على الناس: ماذا تعني هذه الدعوة وهذا الإِرسال؟ اثنا عشر ينادون بالملكوت، يشفون المرضى ويطردون الشياطين! لماذا يعيشون بدون سند بشريّ؟ لا عصا يدافعون بها عن نفوسهم، لا خبز يؤمنّون به مورد حياتهم، لا مال، ومن يستغني عن المال. ويكتفي الرسول بثوب واحد. هؤلاء كانوا الشهود الأوّلين للإِنجيل. فجعلوا الناس يتساءلون وما زالوا!
إذن، يتضمّن الإِزائيون خطبة إرسال توجّهت إلى الإِثنيّ عشر في متّى ومرقس ولوقا، وخطبة إرسال إلى السبعين في لوقا. نقرأ الخطبة الموجّهة إلى الرسل خاصة في مت 10: 5-16 مع بعض النصوص الموازية في مرقس ولوقا. أمّا النصّ الذي نقرأه الآن فمشترك بين مرقس ولوقا مع بعض النصوص الموازية من متّى. وسنعود فيما بعد إلى الخطبة الموجّهة إلى التلاميذ السبعين مع بعض النصوص الموازية في متى.
أمّا فيما يتعلّق بمراجع هذه الخطب فهناك افتراضان.
الأوّل: إحتفظ التقليد الأوّلاني بذكرى رسالتين، رسالة الإِثنيّ عشر ورسالة السبعين. أهمل مرقس ما يتعلّق بالسبعين، لا سيّما وإنه لا يورد إلاَّ خطبًا قليلة من يسوع. أمّا لوقا فكان أمينًا لمراجعه، فقدّم الخطبتين وفصلهما الواحدة عن الأخرى. واعتاد متّى على تقديم نظرة شاملة في ما يدوّن، فجمع الخطبتين في نصّ واحد.
الإِفتراض الثاني: رأى بعض الشراح تشابهًا أدبيًا بين خطبتَيْ الإِرسال عند لوقا، الخطبة إلى الإِثنيّ عشر والخطبة إلى السبعين، فظنّوا أنه لم يكن إلاَّ إرسال واحد دُوِّن في إطار يهوديّ (الرقم 12) وفي إطار وثنيّ (الرقم70). وهكذا نكون في تقليد مماثل لذلك الذي إنطلق من معجزة واحدة لتكثير الأرغفة، فقدّمها في إطار يهوديّ (12 سلّة) وإطار وثنيّ (7 قفّات). قد يكون النصّان وُجدا من قبل في التقليد الإِزائيّ، سواء فيما يخصّ تكثير الأرغفة أو إرسال التلاميذ فأخذ بهما الإِنجيليّون. ولا ننسَ أن أعمال الرسل يحدّثنا عن الإِثنيّ عشر في ف 1-15 ثمِّ يعود إلى السبعة الذين إرتبطوا بالرسل قبل أن ينطلقوا بدورهم ويؤسسوا الكنائس في كلّ حوض البحر الأبيض المتوسّط.
يسمّي لوقا هؤلاء المرسلين "الإِثنيّ عشر" (آ 1). ثم يقول في 10:9: ورجع "الرسل ". إن لقب الرسل ينتمي إلى اللغة المسيحيّة في ما بعد الفصح، وكان محفوظًا للإِثنيّ عشر كمرسلي المسيح الذين سيقومون بالمهام عينها التي قام بها المسيح.
إنّ إختيار الإِثنيّ عشر ينتمي إلى الماضي في نظر مرقس ولوقا اللذين يكتبان، ربّما بعد موت كلّ الرسل. ولكن الاهتمام بهم يتعدّى المستوى التاريخي. فهم يمثّلون وجهة ملموسة وحالية من عمل يسوع وتعليمه. وما يشهد على ذلك هو أن الإِنجيليّين أوردوا التعليمات التي أعطاها لهم يسوع، وكأنّها تتوجّه إلى كنائسهم، بل إلى كنائس اليوم.
نرى في هذه التعليمات إنعكاسًا للممارسة الرسالية في الكنائس بعد الفصح. هل ذهب الرسل إلى البعيد بدون زاد ولا مال؟ سمح لهم مرقس بأن يأخذوا "عصا". أمّا لوقا، وهو المشدّد على جذرية الفقر الإِنجيليّ، فلم يسمح لهم إلاّ بثوب واحد: لا عصا، لا كيس، لا خبز، لا مال. لا حاجة إلى ثوبين. هل يسيرون حفاة؟ نحن هنا في إطار جولات رسوليّة محدودة، في بلاد معروفة مثل الجليل. فالمرسلون يحسبون حساب الضيافة وهم متأكّدون أن "العامل يستحق طعامه " (مت 10: 10).
والتوصية بالبقاء في البيت الأول الذي استقبل المرسلين قد وُضعت تجاه الذين يبحثون دومًا عن الأفضل، أو يبحثون عمن يؤمّن لهم حياة رفهة. مهما يكن من أمر، نستطيع أن نكتشف من خلال كلمات يسوع نموذج الذين أرسلوا أو إنطلقوا لينشروا الإِنجيل: قُبلوا هنا في منزل فصار هذا المنزل مركز إجتماع الكنيسة الفتية، مثل بيت يهوذا الدمشقي حيث كان شاول يصلّي بعد ارتداده (أع 9: 11)، وبيت سمعان الدبّاغ في يافا (أع 43:9؛ 10: 23)، وبيت كورنيليوس (أع 10: 24، 44، 48: "يقيم عندهم بضعة أيام "). وبيت مريم أم يوحنّا الملقّب بمرقس، وكان هناك جماعة كبيرة تصلّي (أع 12:12). ولا ننسَ سجّان فيلبي الذي دعا الرسوليّين إلى بيته (أع 33:16)، وياسون إبن تسالونيكي (أع 17: 5- 8) وداماريس ابنة اثينة (أع 17: 34).
وقد يكون هؤلاء المرسلون قد رُفضوا فأُجبروا على الذهاب إلى مكان آخر. هذا ما حدث لبولس وبرنابا (أع 13: 50- 51: إنطاكية بسيدية). وهذا ما حدث ليوحنّا الرسول ومن يوفدهم من الإِخوة: إن ديوتريفس "يرفض أن يقبل الإخوة ويمنع الذين يريدون أن يقبلوهم ويطردهم من الكنيسة" (3 يو 10). ولقد عرفت كتابات المسيحيّة الأولى (مثلاً الديداكيه 13 / 3، 7) مثل هؤلاء الوعاظ المتنقلين الذين سمّوا رسلاً حسب ما نقرأ في روم 7:16: "سلّموا على اندرونيكس ويونياس، نسيبيّ ورفيقيّ في السجن، وهما من المشهورين بين الرسل (مسيحيون من الجيل الأول في الكنيسة، شاركا في الرسالة، سُجنا)، بل اهتديا (انتميا) قبلي إلى المسيح" .
هناك سمتان تبرزان في وجه الرسول.
الأولى: يتحدّث متّى على التوالي عن إمكانية قبول المرسلين أو عدم قبولهم (مت 10: 11- 15). أمّا مر 6: 11 ومثله لو 9: 5 (يتحدّث لو 8:10-10 مثل متّى عن إمكانية القبول والرفض) فيتوقفان مطوّلاً عند إمكانيّة الرفض. فيسوع لم يؤمن به أهل الناصرة، وسيرذله رؤساء شعبه (مر 8: 31). وهو يبين ضرورة المخاطرة بالحياة لمن يريد أن يشهد له. طريقه هي طريق الذين يرسلهم وسيختبرون ما اختبره: "ما كان خادم أعظم من سيده. فإذا اضطهدوني فإنهم يضطهدونكم، وإذا سمعوا كلامي فإنهم يسمعون كلامكم " (يو 15: 20).
السمة الثانية: أوصى يسوع المسافر بأن يكون حِملُه "خفيفًا"، أي أن لا يتعب نفسه بمتاع هذه الدنيا. وهذا ما يتوافق مع التجرد المطلوب من كلّ مؤمن، وذلك في سبيل يسوع والإنجيل. فالمرسَل لا ينقل تعليمه وعمله بقدرته الخاصة. إنه تلميذ يتبع يسوع في تحرر كامل من المال، من رباطات العائلة، بل من حياته نفسها. نحن نعيش مهمة حمل الإِنجيل في ظروف صعبة، ولهذا نترك جانبًا كلّ ما هو نافل لأن الزمان قصير.
أشار مرقس إلى العصا يحملها الرسول، وإلى الحذاء ينتعله، فكيف يحمل كلمات يسوع مع ظروف الرسالة خارج فلسطين؟ قد يكون في هذا الكلام تلميح إلى العبرانيّين المستعدين للخروج من مصر إلى أرض الميعاد (خر 12: 11): "نعالكم في أرجلكم وعصيكم في أيديكم ". وقد تكون السرعة المذكورة في لو 10: 4 إشارة إلى فصح الربّ الذي يأكله المؤمنون "بعجلة" (خر 12: 11).
ومهما يكن من أمر، فهذا التجرد يدلّ على سرعة التحرك وعلى الإِستعداد المطلوبين من العاملين في البشارة. أجل، هذا هو وجه الرسول الذي يتخلّى عن كلّ شيء ليتكيّف وظروف الرسالة الصعبة.

3- حيرة هيرودس (9: 7- 9).
قال مر 6: 14: و"سمع هيرودس " فأوضح مت 14: 1: "سمع هيرودس ما يُسمع " أي ما يقال عن يسوع. شدّد مرقس على شهرة يسوع. أما لوقا فقال دون أن يوضح: "وسمع هيرودس بكلّ ما يجري ".
سمّى مرقس هيرودس "الملك ". هو لقب شرف، لقب شعبي. وصحح متّى ولوقا اللقب الرسمي وهو تترارخس. أي رئيس الربع، ربع مملكة هيرودس الكبير الذي مات سنة 4 ق. م. يتحدّث النص عن هيرودس انتيباس، شقيق أرخيلاوس وإبن هيرودس الكبير وملتقة. تسلّم بعد موت أبيه الجليل وبيرية (4 ق. م- 39 ب. م.).
تحدّث هيرودس مع ندمائه، رجال الحاشية (حرفيًا: ابناؤه بمعنى خدمه)، عن يسوع وربطَه بيوحنّا المعمدان. إن خبر موت يوحنّا (مت 14؛3- 12) ورَبْط موته بقيامة الأموات (مت 2:14؛ مر 6: 14؛ لو 7:9) يدلاّن مسبقًا على موت يسوع وقيامته. مصير يوحنّا هو صورة مسبقة عن موت يسوع.
يقول مر 6: 20 عن هيرودس: "حين يسمع يوحنّا كان يحار في أمره". فالكلمة اليونانيّة التي تدلّ على الحيرة لا ترِد إلا في هذا المكان من مرقس. وقد استعادها لوقا، على ندرتها، في 7:9 (سمع، تحيَّر) فدلّ على أنه عرف خبر مقتل يوحنّا، ولكنّه تحاشى إيراد هذه الصفحة الملطخة بالدم والزنا حيث رقصة أميرة خلاعية ستكون ثمن حياة "أعظم مواليد النساء" (28:7). نشير إلى أن لوقا تحدّث عن سجن يوحنّا لأنه وبّخ هيرودس (3: 19- 20).
قال (الناس): يوحنّا قام (مر 6: 14؛ لو 9: 7). وجعل مرقس (آ 16) هيرودس يردّد كلام الناس وكأن ضميره يوبّخه: "أجل، إن يوحنّا الذي قطعتُ أنا رأسه قد قام ". أمّا لوقا (آ 9) فتجنّب أن يضع على شفتي هيرودس أقوالاً عن قيامة الموتى. فهذا الأمير الهلينستي لا يعتقد بقيامة الموتى. قال هيرودس: "فمن هذا الذي أسمع عنه مثل هذه الأخبار"؟ وكان يطلب أن يراه. وسيكون له أن يراه خلال مسيرة الآلام (23: 8- 12).
من يمكن أن يكون يسوع؟ قال مرقس: هو إيليّا. ولكن زاد لوقا: "إيليّا ظهر". هذا ما كان الناس يعتقدون به إنطلاقًا من ملا 23:3: "ها أنا أرسل إليكم إيليّا النبيّ قبل أن يأتي يوم الربّ العظيم الرهيب". وقد عبّر التلاميذ عن هذا الإِعتقاد بعد مشهد التجليّ (مت 17: 10؛ مر 9: 11).
قد يكون يسوع "نبيُّا يشبه أحد الأنبياء" كما قال مرقس. أو أنه "نبيّ من القدماء قام "، كما قال لوقا. ظنّ الناس أن الأنبياء زالوا من زمن قديم، ولهذا قد يكون يسوع كسر الطوق وجاء نبيًا كسائر الأنبياء، أم أنه كان النبيّ المنتظر في نهاية الأزمنة حسب تث 18: 15؛ رج يو 6: 14؛ أع 3: 22- 23.
إن تعداد الآراء حول يسوع (مر 14:6- 16؛ لو 7:9- 9) يهيئ سؤال يسوع لتلاميذه (مت 16: 13- 20؛ مر 8: 27- 30؛ لو 9: 18- 21) ويبرز الطابع الفريد لشخص يسوع ورسالته. فهذا الذي يُطعم الآلاف ويمشي على الماء ويُحدث الأشفية المتعدّدة لا يشبه أحدًا من الذين سبقوه. إنه المسيح الذي أخبر عنه الأنبياء بمن فيهم يوحنّا المعمدان، وهيأوا الدرب لمجيئه. إنه "مسيح الله" (لو 9: 20؛ مر 29:8)، إنه "المسيح إبن الله الحيّ" (مت 16: 16). طابع شخصه فريد وحاسم: إنه الذي يرتبط بالله برباطات حميمة لا مثيل لها. إنه ذلك الذي أوكلت إليه مهمّة لا تساويها مهمّة وهي خلاص العالم. 
إن سؤال هيرودس يستبق ذلك الذي ستطرحه السلطات الدينيّة والمدنيّة والعسكرية في كلّ مكان، تجاه الرسل أو الشهود الأوّلين. وهو سؤال كلّ المسؤولين في إسرائيل. رأى هيرودس أن يسوع نبيّ من طبقة يوحنّا. ولكن انحصر يوحنّا في منطقة الأردن، أمّا يسوع فيحرّك الناس في مقاطعة الجليل، بل هو يرسل موفدين من قبله.
سمع هيرودس بكلّ ما يجري. أرسل عيونه، أرسل الهيرودسيّين فأخبروه. هو يتطلّع من الوجهة الخارجيّة، من الوجهة السياسيّة. هو خائف من الجليل المعروف بثوراته المتكرّرة، وقد يحرّك هذا "الجليليّ " النار تحت الرماد! عند مرقس، يُطمئن هذا "الملك " نفسه ببرهان دينيّ: يوحنّا قام أو إن قوتّه العجائبيّة ما زالت تعمل! فلا خطر على المملكة. أمّا لوقا فقد جعل سؤال هيرودس يصل إلى شخص يسوع عبر شهوده. كم يودّ أن يراه!
ولكن يبقى السؤال: من هو يسوع؟ سمع عنه هيرودس وسوف يراه. ولكن هذا لا يقوده إلى معرفة يسوع. هو يحاول أن يكوّن رأيًا عن يسوع دون أن يجعل نفسه في استعداد داخليّ تجاه متطلّبات يسوع. ليس الطريق إلى معرفة يسوع طريق البحث العلميّ والخبرة الملموسة، إنه طريق الإِيمان. فأسرار ملكوت الله هي عطيّة من الله وهو يعطيها "للبسطاء، لا للحكماء والفهماء" (10: 21).
الفصل التاسع والأربعون
الخبز الذي يشبع الكثيرين
10:9-17

هذا الخبر مشهور ومعروف جدًا، وهو يَرِد في الأناجيل الأربعة. ونحن نستطيع أن نتخيّل المشهد بفضل التفاصيل العديدة التي تقدّمها لنا ستّة أخبار إنجيليّة (مت 13:14- 21؛ مر 6: 30- 44؛ لو 9: 11- 17؛ يو 6: 1- 15؛ مت 15: 32- 39؛ مر 8: 1- 10). سنتوقّف اولاً عند مر 30:6- 44 ونقابله مع سائر النصوص الموازية لنستخلص التعليم الانجيليّ ونلقي ضوءًا على هذا الخبر في حياة يسوع. فنحن لا ندرك الحدَث بسهولة. والأبحاث حول تاريخ التقليد ستساعدنا على معالجَته و تحديد موقعه في وقت جوهريّ من حياة يسوع العلنيّة. وهكذا نكتشف الخطوط الكبرى التي فيها توسّعت الكرازة الأولى بالنسبة إلى معجزة تكثير الخبز.

أ- الحدَث
إن تركنا العِنان لمخيّلتنا، أخطأنا في تقديم الكرازة حول هذه "الكلمة". فمخيّلتنا ستتوسّع في أفكار مسبّقة وآراء منحازة. هل تبينِّ لنا هذه المخيّلة الخبز والسمك يتكاثران بين يدي يسوع فتأخذنا الدهشة، أم هل نحاول إعادة بناء الحدَث لنجعله مقبولاً لدى قارئ حديث يتضايق من الوجهة الخارقة "للمعجزة"؟ سنسمع هنا هونتر المؤوّل الأنغليكانيّ الذي حدّد الموقف الواجب اتخاذه:
"أمّا تكثير الخبز فهناك، على ما يبدو، امكانيّتان: الاولى: أن نظنّ أن يسوع الذي هو ابن الله الأزليّ، قد كثر فعلاً الخبزات والسمك. هنا تُطرَح المسألة اللاهوتيّة لتحديد قدرة يسوع التي يتضمّنها التجسّد. فهل يتوافق التعليم الحقيقي حول هذا الموضوع مع امتلاك مثل هذه السلطة على الطبيعة؟ الامكانيّة الثانية: أن نقول إنّ الخبر كله تاريخيٌّ، ما عدا القولَ إنّ الشعب شبع وفضَل كثير من الطعام، وأن نعطي لكلّ هذا معنى سرّ (عشاء سرّيّ جليليّ) تمَّ في الهواء الطلق، وقدَّم فيه يسوع لكل واحد قطعة من الخبز: إن الذين قاسموا يسوع ما قدّمه في حياته المتواضعة على الأرض سيشاركونه في المجد".
فمن خلال التقاليد الانجيليّة وتعليم كل من الأنجيليّين، سنحاول أن نعود إلى أصول التقليد.

1- عمل قام به يسوع
إذا تفحّصنا الأخبار الانجيليّة الستِّة نضعها في نموذجين. النموذج الأول: مت 13:14- 21؛ مر 6: 30- 44؛ لو 9: 10- 17. النموذج الثاني: مت 15: 32- 39؛ مر 8: 1- 10. أمّا يو 6: 1- 15 فهو يرتبط بالنموذجَين معًا. تُحيلُنا هذه الأخبار إلى حدثين يَرويان تكثير الخبز بل إلى كرازتَين تتوسّعان في معنى حدَثٍ واحد. يجعلنا النموذَج الأوّل في إطار فلسطينيّ، والنموذجُ الثاني في إطار هلّنستيّ.
وهكذا نكون أمام حدَث واحد من حياة يسوع. وقد قدَّم الشُرّاح عنه تفاسير رمزيّة أو ميتولوجيّة (سطُرية). قال لوازي مثلاً: نحن هنا أمام تمثّل رمزيّ (ولكنه ليس حقيقيًّا) لتعليم يسوع للجموع. مِثلُ هذه التفاسير تترك جانبًا بعضَ المعَطيات الثابتة من الشهادة الانجيليّة، وتتجاهل إحدى الاهتمامات الرئيسيّة في الكنيسة الأولى وهي: ربط إيمانها وممارستها بأفعال يسوع خلال حياته العلنيّة. نلاحظ هنا أن عرض الازائيّين يشبه طريقة يوحنا العاديّة في عرض المعجزة: إن الحدَث الماضي من حياة يسوع يرد هنا بالنظر إلى الممارسة الأسراريّة في الكنيسة الأولى، بالنسبة إلى ايمان تعيشه الكنيسة وشعائرِ عبادة تحتفل بها.
إن لهذا الخبر طابعًا فريدًا في الأناجيل الازائية، لا بسبب مضمونه وحسب، ولكن بسبب شكله أيضًا. مثلاً عند مرقس: إن العبارة التقليديّة (تعجّبوا كلّهم، دهشوا) التي تختتم عادة أخبار المعجزات عنده، هي غائبة. غير أننا نجد في 52:6: أن التلاميذ "لم يفهموا شيئًا من أمر الأرغفة، بل كانت قلوبهم عمياء... ". يقول دود: إن مرقس لا يقدّم لنا هذا "كخبر معجزة" بل كحكاية "سرّ". هدفه لا أن "يدهش او يحيّر" بل أن يدعونا لكي "نفهم "، لكي ندرك المعنى العميق والواقع الخفيّ المختبئ وراء الواقع المنظور، لكي ننفتح على السرّ الذي ينكشف لنا.

2- أخذ خبزًا (آ 16).
هذه الآية هي قلب الخبر (مر 6: 41 وز). لا شكّ في أنه يجب علينا أن نتخلّى عن تصوير الحدَث كشاهد حياديّ او كصحافيّ يقدّم تقريرًا أو واقعة. إن دراسة هذه الآية تتيح لنا أن نميّز على الأقلّ مرحلتين في التقليد السابق للازائيّين. "أخذ يسوع الخمسة الأرغفة والسمكتين "، ولكنه كسر الخبزات وحدَها ووزّعها على التلاميذ بعد أن باركها. أمّا السمكتان فوزّعهما على الجميع. صارت جملة لوقا مثقّلة حين ذكر عملَي يسوع واِلفئتين اللتين أعطاهما الخبز (التلاميذ) والسمك (الجميع). وإننا نجد العمل عينَه في مر 43:6: يبدو وكأنه زاد ما يتعلّق بالسمكتين. فاهتمامه كلُّه ينصبّ على "الكِسَر" (كلسماتا) التي هي نتيجة "كسر" (كاتاكلاوو) الخبز. لهذا قرأ فان يرسال آ 41 في حالة التقليد الأولى على الشكل التالي: "وأخذ الأرغفة الخمسة والسمكتين ووزّعهما (على الجميع؟) ". أُقحمت العناصر الأخرى بين ذكر السمكتين في وقت مبكّر في التقليد، أُقحمت قبل ان يدوّن مرقس إنجيله، لتقدّم عن الحدث تفسيرًا إفخارستيًّا.
ولكن قبل أيّ توضيح، الحدَثُ هو هنا في فرادته وفي سرّه: في ذات مساء، كان يسوع في مكان قفر فأخذ هذا الطعام ووزّعه على الجميع. قال لوهماير: إن الخبز يُحيلنا إلى ظهور "هذا الرجل الذي أيَّده الله بالعجائب والآيات والمعجزات " (أع 2: 22؛ رج 10: 38). أمّا التوسيعات والتفسيرات الافخارستيّة والاسكاتولوجيّة فجاءت فيما بعد لتعبّر عن المعنى العميق لما عمله المعلّم.

3- هل نحن أمام معجزة؟
إذا أخذنا الكلمة في المعنى الذي يشير إليه يوحنا حين يتحدّث عن "الآية"، يكون الجواب نعم. نحن أمام حدَث معبّر بما فيه الكفاية، بحيث إن الشهود اكتشفوا مع كلّ ما يحملون في داخلهم من رجاء وانتظار وانفتاح على عمل الله، صورة وعربونًا عن "الأزمنة الجديدة" وبدايةَ تحقيق المواعيد. هو عمل لا يُدرَك معناه العميق إلا على ضوء "الساعة" التي حقّقها يسوع. هو حدَث يظهر فيه "الله معنا" الذي يعترف به الايمان الفصحيّ ويتّحد به التلاميذ في سرّ الخبز الذي نتقاسمه.
لا تُفهَم المعجزة خارج إطار انتظارٍ و "قراءة" ممكنة. سيُذكَر هذا الانتظار وهذه المواعيد في تقديم مت 13:14- 21. في مثل هذا الاطار ندرك الحدَث كأنه "آية". وحن نتكلّم عن الحدَث فنحن نفكّر في الوضع العامّ (المكان، الزمان، التوترّات)، ونفكر بالعمل الذي قام به يسوع وبالكلمات التي تلفّظ بها. في هذه المرحلة الأولى، قد يكون للتفصيل مدلول محدود، ثم يصبح هذا التفصيل من دون مدلول يذكر. هذا ما حدث لتفصيل السمكتين ساعة سيطر التفسيرُ الافخارستيّ. وشدّد لوهماير على هذه المعجزة التي لا تلفت النظر، بل تتوجّه أساسًا إلى التلاميذ.
يقول لنا الانجيل هنا إنّ الحدث (الوضع، عمل يسوع وكلامه) كان معبّرًا، فأثار عند المشاهدين (الرسل أوّلاً ثم الجموع) حماسةً مسيحانيّةَ. فإذا أردنا أن ندرك هذا، نحدّد موقع الحدَث في إطار حياة يسوع العلنيّة.

ب- مفترق في حياة يسوع العلنيّة
نصل من خلال متى ومرقس إلى تقليد سيصير في هذين الانجيلين "حلقة الخبز". قلبُ هذه الحلَقة تكثيرُ الخبز، وهي تتضمّن الخبرين اللذَين نجدهما عند متى ومرقس. يرتبط خبر "التكثير" الأوّل بخبر السير على المياه (إن نهاية الخبر الثاني قد احتفظت بما يذكّرنا به، رج مر 8: 10؛ مت 39:15). ونجد هذا الرباط عينَه عند يوحنا الذي يستند (كما يقول دود) إلى تقليد مستقلّ. وما يشرف على التأليف في هذه المرحلة ليس اهتمامًا بسيرة يسوع وتفاصيل حياته. الهدف هو تعليم عن سر شخص يسوع كما كُشف للتلاميذ. ومكان وأهميّة معجزة الأرغفة في هذه الحلقة (سيشدّد عليهما التدوين المرقسيّ، رج 8: 14- 21) يدلان بوضوح على أنه يجب أن نقرأ خبر المعجزة في هذا الاتّجاه.
ولكن إقحام "حلقة الخبز" في لُحمة الأناجيل، وبالتالي في رسمة سيرويّة (بيوغرافيّة) لم يتمّ بالصُدفة. فالأخبار نفسُها احتفظت بآثار لذكرَيات محدّدة. فالذين تبعوا يسوع منذ البداية لم ينسَوا المُناخ ولا الطابَع الدراماتيكيّ لهذا القِسم من حياة المعلّم العلنيّة. وإن مقابلة نقديّة بين معطَيات يوحنا ومعطيات الازائيّين (مر 6- 8 وز) تتيح لنا أن نحدّد موقع هذا الحدَث في مسيرة حياة يسوع. ويعطينا يوحنا كعادته إشاراتٍ تاريخيّةً ثمينة.
نحن في نهاية المرحلة الجليليّة. بدت السلطات معاديةً ليسوع. أمّا الجموع فتحمَّست في البداية ثم خاب أملُها بسبب الرجاء المسيحانيّ المادّيّ الذي يحرّكها. وهناك التلاميذ الذين أراد يسوع أن يفهمهم طبيعة مسيحانيّته الحقيقيّة. نحن في إنجيل مرقس في مسيرة نحو ذَروة أولى: اعتراف إيمان يعلنه بطرس الذي رأى في يسوع المسيح، وحصل على أوّل تعليم عن طريق الالم التي سيتّبعها يسوع (مر 8: 27- 33).
تضمّن مرقس خبرين لتكثير الخبز، وأمورًا أخرى أقحمها الكاتب. أمّا التقليد الذي كان بتصرّف يوحنا فكان أكثر وضوحًا وأكثر بساطة، فرُبط بطريقة وثيقة بين تكثير الأرغفة واعتراف بطرس: إن الحوار الدراماتيكيّ في يو 6: 66- 71 هو نقل يوحنّاويّ لنصّ مر 27:8- 33. وإذا أردنا أن نلقي بعض الضوء على الوضع، نستطيع أن نقابل بين النصوص التالية: في يو 14:6- 15: أرادوا "ان يجعلوه ملكًا". في مر 6: 45: "اجبر" يسوع تلاميذه على ركوب السفينة والانطلاق، "ريثما يصرف الجمع ". في مر 17:8 ب- 21: التلاميذ لا يفهمون. وفي يو 26:6، 60- 71: فهم التلاميذ كلام يسوع فهمًا خاطئًا، فتركه عدد كبير منهم، وأعلن بطرس وسائر الرسل إيمانهم. كلّ هذا يعلن النهاية المأساويّة.
وها نحن نقدّم لوحة فرضيّة، ولكنّها تعطينا فكرة لا بأس بها عن الواقع: 
على أثر تكثير الأرغفة، كانت ثورة حقيقيّة كامنة في البريّة... هنا نفهم لماذا تصرّف يسوع كما قال مرقس. فَهِم أنهم يحاولون أن يبعدوه عن رسالته بالعمل السياسي، فقاوم هذا التيّار بإرادته، وفصل عن الشعب تلاميذَه الأقربين وذهب الى العُزلة. فخيَّب عملُه عددًا من "المتشيّعين " له وتركه عدد كبير من الناس. وفي النهاية كوّن الاثنا عشر نواةً أمينة استعدّت من أجل انطلاقة جديدة.
"أتريدون أيضًا أن تذهبوا"؟ هذه الكلمات المؤثّرة هي الجواب على سؤال يسوع كما أورده مرقس: من أنا، من تظنّون أني أنا؟ وكان اعتراف بطرس: أنت المسيح. هذا الاعتراف كان النتيجة المباشرة لموقف التلاميذ الذين تخلُّوا عن يسوع، وقد تفرّدَ يوحنا فذكره. إنه تسلسل أحداث منطقيّ، وهو يعطي تفسيرًا مقنعًا لما كان منعطفًا في حياة يسوع العلنيّة (مونتيفيوري).
لا نستطيع أن نقرأ خبر تكثير الأرغفة دون أن نفكّر بهذا الوقت المؤزَّم الذي فيه وجد يسوع نفسه مرذولاً من قبل الذين أ يقدروا أن يتجاوزوا آمالهم البشريّة، والذي فيه دُعي بطرس وإخوته لفعل إيمانٍ ربطهم بيسوع وسيَّرهم على خطاه.
إن العمل الذي قام به يسوع هنا ظلّ غامضًا، والاقوال التي تلفّظ بها لِتدُلَّ على رسالته في إقامة الملكوت، لم تُفهم في ذلك الوقت. ولكن بعد الآلام و"الأحداث المجيدة"، وضّحت الجماعة "عشاءَ الوداع " الذي يعلن مسبَّقًا عشاء خميس الأسرار.

ج- خبر لوقا: يسوع يستقبل الجموع ويشبع جوعهم
لم يكن عَرضُ لوقا كلُّه مبتكَرًا: فالترتيب العامّ للخبر كما وصل إليه في المراجع، كان ثابتًا بحيث فرَض نفسَه عليه. ولكن إن قابلنا النصوص نجد بعض الاختلافات في مقدّمة الخبر (آ 10- 11) وفي جسم الخبر (حِوارات مبسّطة، تشديد على عمل التلاميذ في آ 15)، وفي الخاتمة التي تُبرز وفرة هذا الطعام السرّيّ، لا عددَ المدعوّين الكثيرين.
ولكن لوقا يدلّ على الابتكار فيما يخصّ إطار هذا الحدث. ففي نهاية الخبر، يغفل أخبارًا كثيرة (ق مر 45:6- 26:8)، ويبتعد عن مرقس في حلقات سابقة (خُطبة رسوليّة موجزة، تلميح إلى هيرودس لا إلى يوحنّا المعمدان). ومع تكثير الأرغفة، واعتراف بطرس، والتجلّي، والأحداث الأربعة التابعة، نحن هنا أمام دورة كاملة أعطاها لوقا وظيفة أساسية في بنية إنجيله الاجماليّة. فالذي يتكلّم هنا ليس "المؤرخ " الذي يصحّح الاشارات الجغرافيّة في مرقس، بل اللاهوتيّ: لم تأتِ بعد ساعة الكرازة إلى البعيد، وعلى عبد الله ان يمُرّ أوّلاً بالصليب، عليه أن يبدأ صعوده الطويل إلى أورشليم (9: 51؛ 24: 46 - 47). ونتيجة كلّ هذا هو إبراز الاطار الدراماتيكيّ لتكثير الأرغفة: نهايةَ الرسالَة في الجليل، مُناخ أزمةٍ يفرض خيارًا، نظرة إلى الآلام والمجد الآتي (9: 20 ي). 
لن نقوم بتفسير النص كلّه، ولكننا نتوقّف عند بعض الوُجُهات التي شدَّد عليها لوقا في الخبر نفسه وفي إطار الخبر. فهذا ما يدعونا من جهة إلى فعل إيمان بشخص المسيح؛ ومن جهة ثانية، يفتح أمامنا كرازة إفخارستيّة.

1- الذي يلبّي حاجاتِ الناس الحقيقيّة هو هنا
كان الاعلان الاحتفاليّ: "اليوم تمّت هذه الكلمة التي تليت على مسامعكم " (4: 21). منذ هذا الاعلان وُضع السامعون (وقارئوا لوقا أيضًا) أمام الحدَث المنتظر: النبيّ هو هنا وهو يدشّن الملكوت. ثم كان انتظار البشر، وهم "سيشبعون " إن أرادوا ان ينفتحوا على هذا الاعلان الواصل اليهم بقوّة. فبعد زمن المواعيد والانتظار، جاء وقت التحقيق والنهاية، جاء وقت "إعلان الانجيل " (رج 16:16 وهو خاص بلوقا).
والكلمات التي استعملها لوقا هنا تكفي لتصوّر هذا الاطار الاسكاتولوجيّ، ولتضع أمامنا السؤال الأساسيّ: هل يسوع وملكوته هما اللذان يلبّيان انتظار البشر في نظرنا؟
"كان يحدّثهم عن ملكوت الله ". يسوع "يتكلّم ". الفعل المستعمل هو "لالاين " وهو يدلّ عند كتَّاب العهد الجديد ولاسيما عند لوقا، على وحي الله بالأنبياء وبابنه. "حامل الوحي " هو هنا، و"الكلمة" أُعطيت. وأُعلنت الرسالة التي تحرّر البشر. وفي هذا الاعلان نفسه اجتاح الواقعُ الالهيّ الجديد عالمَنا وأظهر فيه ديناميّتَه ففتح لنا بالايمان باب الخلاص. إعتاد لوقا ان يُبرز قدرة (ديناميس) الله وسلطته (اكسوسيا) كما ظهرتا في المسيح (4: 14، 36؛ 5: 17) وفي مرسَليه (9: 1- 2، 10: 19، 24: 49، أع 1 :8، 7:4، 33). ونحن سنرى علامة عن هذه القدرة في المعجزة الواردة هنا.
"وشفى من كان منهم في حاجة إلى شفاء". فمن خلال الآيات المعطاة هنا في أشفية الجسد، عرف لوقا أنهم كلّهم يحتاجون الى هذا الشفاء (تيرابايا، رج رؤ 22: 2) الذي يقدِّمه المسيح إلى كل الذين يحملون في قلبهم الرغبة بالخلاص، الذين لا ينغلقون على بِرّهم الخاصّ، الذين لا يحسبون نفوسهم "أصحّاء" ولا يحتاجون إلى طبيب (5: 31- 32، 7:15). فالمسيح نفسُه يجعل البشر يَعُون حاجاتِهم الحقيقيّة بكلمته وبحضوره، ساعةَ يظهر لهم ذلك الذي يُشبع جوعهم (10: 40- 42). 
ويشدد لوقا بصورة خاصّة على المدلول الروحيّ للحدَث. هو لا يسعى أن يصوّر الوضع بطريقة دراماتيكيّة على مستوى حاجات الجسد. فما يعطيه يسوع هو أبعدُ من "الحاجات " المباشرة الضروريّات الجسديّة. قال لوقا: "أخذ النهار يميل " (آ12؛ رج 29:24؛ ق مت 15:14: "ولما اقبل المساء")، والناس يستطيعون بسهولة أن يجدوا "مأوى وطعامًا" في الجوار. وفي آ 13، لا يذكر لوقا كميّة المال الكبيرة (200 دينار، مر 37:6). قالَ المرجع خمسة آلاف رجل. فقال لوقا: نحو خمسة آلاف، واشار بصورة عابرة الى "المكان القَفْر (آ 12، رج آ10 ب). ارتبط ذكر "البريّة" بالحدَث في الكرازة الأولى بسبب الأبعاد اللاهوتيّة لكلمة البريّة في التوراة، ولاسيما في أسفار الشريعة الخمسة.
إن "الطعام " المقدَّم هنا لا يهدّئ فقط الجوع الماديّ، بل إنه علامة وآية. في هذا المنظار نستطيع أن نسهب ملاحظة الرسل الذين لم يفهموا بعد، ماذا سوف يصنع يسوع ولا ماذا يحمل إلى البشر: "إلا اذا استطعنا نحن بوسائلنا أو بالمال الذي لدينا أن نعطي لهذا الشعب كلّه ما يحتاج اليه ". انها عطيّة الخلاص يصوّرها هذا الطعام السرّيّ والمُشِبع والوفير.

2- استقبل شعبًا وجمعه وجعل منه جماعة
تبعت " الجموع يسوع، " فرحّب بهم ". شدّد لوقا على حنان المسيح الذي يتجاوب وانتظارَ الناس وطلبَهم، فجعله مثالاً للمرسلين الجُدُد، للذّين سيوكل إليهم بعده بأن يعطوا الشعوب الكلمة والخبز (مر 6: 40- 44). ويجب أن يقدَّم هذا الطعام دومًا للبشر، منذ اليوم في حياة الكنيسة. لا شك في أنّ لوقا فكّر في الكنيسة (الشعب، لاوس) حين أنهى خبره بذكر الطعام الباقي: "بقيت اثنتا عشْرةَ قُفّةً" للذين سيأتون فيما بعد (آ 17 ب).
لم تتشتّت الجموع، بل وجدت نفسها مجموعة في شركة المائدة التي تشير الى الشعب الجديد والوليمة الأخيرة التي فيها "يأكل الفقراء ويشبعون " كما تقول المواعيد (أجلسوهم خمسين خمسين، هذا هو التنظيم المِثاليّ لشعب الله، تث 1: 15).

3- الخبز الحقيقيّ الذي يُشبع
من الواضح أنّ الآيتين الأولَيَين قمّة الخبر. لا نستطيع أن نقول كيف يستطيع شاهدُ عِيانٍ بسيط أن يَروي الحدث. ولكن حين صوّرت الجماعةُ الاولى كلّ حركات يسوع مع كلمات طقسها الافخارستيّ، فقد دلّتنا على تفسيرها للمعجزة. ولقد شدّد لوقا أيضًا على هذا التعليم: فموضوع السمك يختفي بوضوح أكثر ممّا عند مرقس (لن يذكر في نهاية آ 16 ولا آ 17).
تُوازي كلُّ التفاسير بين تأسيس الافخارستيّا وخبر تكثير الأرغفة، ولكننا نجد عند لوقا موازاةً اخرى معبّرة هي خبر تلميذَي عمّاوس (13:24- 14). وها نحن نقدّم رَسْمة سريعة:
24: 30 9: 15 ب – 16 22: 19
تكلّم يسوع في الطريق الملكوت هو هنا (آ 11 ب) يشير النصّ إلى الملكوت 
فكشَف مخطّط
الله في الكتب المقدسة في مرحلته الأخيرة
(آ 15- 16)
وكان لمّا اتّكأ معهما أجلسوهم كلّهم. فأخذ الخمسة
أخذ الخبز الأرغفة والسمكتين ونظر إلى السماء
وقال المباركة (بارك) وقال المباركة عليها وشكر
وكسر وناولهما كسرها وجعل يعطيها وكسر وأعطاهم
للتلاميذ لتوزع على الجميع
لسنا في حاجة إلى أن نشدّد على التشابهات. ما يهمّنا خصوصًا في ف 24 هو حركة الخبر الذي يساعدنا على استخلاص مدلوله العميق: إن الكتب المقدّسة تشهد للمسيح، ولكن اللقاء بالربّ الحيّ والقائم من الموت والحاضر مع الجماعة يتمّ بصورة خاصّة في الافخارستيّا.
ونقول الشيء عينه عن تكثير الأرغفة: فتركيب النصّ (نلاحظ ما أخذه لوقا عن طقوس الافخارستيّا) يعلّمنا كيف نفسّره. كل ما يلبّي انتظار البشر العميق، كلّ ما عبّر عنه العهد الجديد في رجائه المسيحانيّ والاسكاتولوجيّ، "الملكوت " الذي تكلمَت عنه الأناجيل الازائيّة، كل هذا أُعطي لنا بيسوع، فحصلنا عليه بصورة مميَّزة في الافخارستيا. وهذا لا نفهمه إلا بالعودة الى شخص يسوع "إلهنا معنا" (رج التساؤلات التي تحيط بهذا الخبر، 7:9- 9 و 9: 18- 21)، إلى آلامه الفدائيّة وقيامته (رج الانباءات بالآلام في 9: 22 ي واللقاء مع هيرودس في 8:23- 12 الذي اشار اليه 9: 9).
إذن، لا نحصر فِعلة يسوع "بإعلان للتأسيس الافخارسيّ ". إنه مرّ بيننا وهو يقدّم كلمته طعامًا: أشبعنا من معرفة الله، وأعطانا آياته عربونًا لِما يحمله إلينا. وعى رسالتَه فقام بأعمال تشير اليها، فدلّ على بداية تحقيق هذه الرسالة. وستجد هذه الأعمال تكميلها أو التعبير الكامل عنها في الآية العظمى وفي العطيّة العظمى التي هي الافخارستيّا. فالتجسّد يكمُل في عطيّة الافخارستيّا. ومشاركتنا في الافخارستّيا يَفترض تعلّقًا إيمانيُّا بسر المسيح الذي هو "الخبز الحيّ النازل من السماء"، وأفضل تفسير للخبر الذي نقرأ هو "الخطبة عن خبز الحياة" في يو 6. 

4- متطلّبات المشاركة في هذه "الوليمة"
لا يكتفي لوقا بان يستعيد بصورة حرفيّة بعض مقتطفات من مرقس، فهناك هدف محدّد يوجّه تأليف نصّه. فهو حين يتحدّث عن قلب الحياة المسيحيّة (تأسيس الافخارستيّا وأوّل عربون للوليمة المسيحانيّة) يقدّم من جهة الصليب ومجد الفصح، ومن جهة ثانية مواعيد حياة التلميذ ومتطلّباتها.
وهكذا تتحدّد الأحداث التي تتمّ في أورشليم، ويبدو في الأفق صليب الآلام والعبور من الموت إلى المجد. شارك التلاميذ يسوعَ في عمله، فوجب عليهم أن يَدخلوا في مرحلة جديدة ورهيبة من دعوتهم. سيدخلهم التجلّي بصورة أعمق في هذا السرّ. والجموع التي "تبعت " يسوع (9: 11) وشاركت في المأدبة التي قدّمها، هل فهمت ما تتضمنه كلمة "يتبعني" (آ 23)؟ أمّا التلاميذ فسوف يتعلّمون.
في عبارات قريبة من عبارات خميس الأسرار (22: 21- 38)، ذكرنا متطلّبات الالتزام على خُطى يسوع بالنسبة إلى "الجميع " أو بالنسبة إلى جماعة "التلاميذ" (آ 43، 46- 49): تعلق إيمانيّ كامل، خدمة أخويّة في التواضع، أمانة يوميّة ولو كلفتنا التضحية بكل شيء لنا. لا بدّ من أن نخسر حياتنا من اجل المسيح، أن نحمل صليبنا كلّ يوم ونتبع يسوع على الطريق الذي يقود إلى الصليب والى مجد الملكوت.
الفصل الخمسون
إعتراف بطرس والانباء الأوّل بالآلام
18:9- 24

يرسم نص 18:9- 24 حِقبةً هامّةً في حياة يسوع، كما تبدو عند الازائيّين. إن اعتراف بطرس والإِِنباء الأوّلَ بالآم المسيح والأقوال التي تورِدُ الشروط لاتّباعه، كل هذا ينتمي إلى الأناجيل الثلاثة الأولى. اذا قابلناه وجدنا ان مر 27:8- 9: 1 هو الأقصر، ويليه لو 9: 18- 27. وأطول الثلاثة هو مت 13:16- 28.
يعتبر عدد من الشُرّاح أن جواب يسوع الموسّع على اعتراف بطرس كما نقرأه في مت 17:16- 19 انتمى أصلاً إلى قرينة الخبر الذي ندرس. غير أن مرقس أهمله. ولكن إن قابلنا النصينّ نرى أن التطويبة (طوبى لك، يا سمعان) والوعد بالأولوّية الذي ناله بطرس، قد زادهما متى على نصّ مرقس، هذا مع العلم أنه يمكن أن تكون هذه الزيادة قديمة.
نحن لن نتوقّف عند نصّ متّى. ولكن إن أردنا أن ندرك بُعد خبر لوقا واتّجاهه الخاصّ، بدا من الضروريّ أن نقابله مع نصّ مرقس الذي هو مرجعه. 

أ- قرائن الحدَث
ندرس أوّلاً قرائن هذه المقطوعة فنكشف مُعطَياتٍ مفيدة.

1- في إنجيل مرقس
يعتبر عددٌ كبير من الشُرّاح أن مر 27:8-33 يحتلّ موضعًا رئيسيُّا بحيث استحقّ أن يسمى "قُطْب " كلَ إنجيل مرقس. في القسم الأوّل (مر 1 :14- 26:8) أثارت كلمات يسوع وأقواله افتراضات حول هوّيته من قبل الناس. ولكن يسوع تعمّد المحافظة على سريّة مسيحانيّته. وكان التلاميذ أوّل من أعلنوا بفم بطرس طبيعة يسوع الحقيقيّة: إنه المسيح. إذا كان هذا الاعتراف يختتم القسم الأوّل من مرقس ويشكّل ذروته، فان مر 27:8- 33 يشير من جهة أخرى إلى منعطف حاسم يشرف على القسم الثاني (مر 27:8- 8:16).
ترك يسوع بصورة نهائيّة الجليل كحقل عمل خلال رسالته العامّة. وبعد اليوم، ستكون أورشليم مِحورَ نشاطه. وللمرّة الأولى فتح قلبه فتكلّم عن آلامه. وبعد أن أكّد بوضوح أنه سيتبع طريق الألم، استطاع أن يكشف سرّه المسيحانيّ. لقد رتّب مرقس مضمون الجزء الأوّل (27:8- 52:10) في القسم الثاني حول ثلاثة إنباءات بالآلام تتوّزع هذه الحِقبة (8: 31؛ 9: 31؛ 10: 33- 34). من الوجهة الجغرافيّة تنقسم هذه الحِقبة كما يلي: قيصرية فيلبس (27:8- 9: 1). التجلّي على الجبل (2:9- 29). في كفرناحوم (9: 30- 50). في اليهوديّة وبيره (10: 1- 31). الانطلاق إلى أورشليم (10: 32- 52).

2- في إنجيل لوقا
كيف استغلّ لوقا عناصر هذه البُنية في إنجيله؟ هو لم يحتفظ بوحدة هذا الجزء كما وجده عند مرقس، بل أقحمَ بين مرِ 27:8- 9: 40 (لو 9: 18- 50) ومر 10: 1- 52 (لو 15:18- 43) عدّةَ مَوادَّ غريبةٍ عن مرقس، تشكّل ما يسمّى التدسيس الكبير في 9: 51- 14:18.
لقد تعمّد الانجيليّ الثالث أن يبتعد عن مرقس. فقَبل الأخبار التي وضعها مرقس في إطار سفَر نحو الجنوب (مر 10: 1- 52)، أقحم لوقا مجموعة من الأخبار جاءته من مصادر أخرى، فجعلها في إطار سفَر إلى أورشليم، مشيرًا على دفعات إلى الهدف الذي يتوجّه نحوه يسوع (9: 51، 53؛ 22:13، 33؛ 17: 11). إنطلق لوقا من حديث مرقس عن الصعود إلى أورشليم ( مر 10: 52) فبنى خبر سفَر، وأعطاه حجمًا جعله يحتلّ ثلث إنجيله تقريبًا (9: 51- 44:19). وهكذا وضع فاصلاً كبيرًا بين 9: 50 و 9: 51، فقسم إنجيله إلى قسمين: يسوعَ يتجوّل في فلسطين ( 3: 21- 9: 50). يسوع يصعد إلى أورشليم حيث " يُختطَف " من هذا العالم (9: 51- 53:24).
ما كان عند مرقسَ بدايةُ القسم الثاني (مر 27:8- 9: 40) صار عند لوقا خاتمةَ القسم الأوّل (18:9- 50)، وفي الوقت عينِه مقدّمةً لخبر السفَر. سيُهمل لوقا بعض الأمور ويقوم ببعض التصليحات ليجعل نصَّ مرقس مركَّزًا على ضرورة الألم. فطريق الربّ إلى أورشليم تبدو صعودًا نحو آلامه. وتتميّز بُنية 18:9- 50 بعبارات مقدّمةٍ خاصّة بلوقا، كما بتناوُبٍ بين مشاهدَ يكون فيها الرسل وحدَهم (18:9- 22، 28- 36، 43 ب-50) ومشاهدَ تتمّ أمام عيون الجموع (9: 23- 37، 37- 43 أ).

ب- تحليل لو 9: 18- 24= مر 8: 27- 37
توقّف النصّ في آ 24 لاعتبارات ليتورجيّة، لا لأسباب تأويليّة. فالأقوال حول الشروط الضروريّة لاتّباع يسوع لا تنتهي إلا في آ 27 (مر 9: 1). ونحن نستطيع أن نميّز في هذه الوحدة الأدبيّة ثلاثةَ أقسام صغيرة: اعترافَ بطرس (9: 18- 21= مر 27:8- 30)، وإنباءً بالآلام (9: 22= مر 8: 31- 33)، وأقوالاً عن تلميذ يسوع (لو 23:9- 27= مر 8: 34- 9: 1). هذا لا يمنع أن يكوّن اعتراف بطرس والانباءُ بالآلام، وحدةً موحّدة لدى مرقس ولدى لوقا.

1- المقدّمة (9: 18= مر 8: 27)
يبدأ لوقا هذا المقطع الجديد بعبارة مثلَّثة خاصّةٍ به. وتتألّف هذه العبارة من ثلاثة أقسام. الأول: المكان. الثاني: تحديد الزمن والظروف (ذات يوم). الثالث: فعل في صيغة الماضي يشير إلى العمل (يصلي).
وهكذا يفصل لوقا حلقتين: تكثيرَ الأرغفة الذي تمّ أمام الجموع، والاعترافَ الذي لم يشهده إلاَّ التلاميذ. أبقى لوقا رسالة يسوع داخل حدود الأرض المقدّسة، لهذا لم يتحدّث عن قيصرية فيلبس الواقعةِ شماليَّ الأرضِ المقدّسة (مر 27:8). وكما الغى مر 45:6- 26:8، جعل اعترافَ بطرس يجيء حالاً بعد خبر تكثير الأرغفة، الذي حدّد موقعه (بتأثير من مر 45:6 و22:8) في نواحي بيتَ صيدا (9: 10، 18).
لا يبدأ لوقا هذه المقطوعة بإشارة جغرافيّة، بل يصوّر يسوع وحده في وقفة صلاة. إن سِمَة يسوع الذي يصلّي منفردًا، قد أخذها لوقا من مرقس (مر 46:6- 47 قد الهم لو 18:9) فجعلها أحدَ المواضيع المشرفة على إنجيله. يذكر الانجيليّون الازائيّون الثلاثة صلاة يسوع في جتسيماني (مر 14: 35 وز). ويشير مرقس أيضًا إلى مناسبتين صلّى فيهما يسوع (مر 1: 35؛ 46:6). لا نجد عند لوقا ما يوازي هذين النصَّين، ولكنه سيحدّثنا مرارًا عن يسوع المصلّي: بعد عماده (3: 21: "وبينما هو يصلي ") بعد أوّل تحمُّس اظهرته الجموع (16:5: "كان يعتزل في البراري ليصلي ")، قبل اختيار الاثني عشر (6: 12: "وفي تلك الأيّام صعد إلى الجبل ليصلّي ")، قبل اعتراف بطرس به (18:9)، ساعة التجلي (28:9- 29)، قبل أن يعلّم صلاة الأبانا (11: 1)، على الصليب (34:23، 46).
وهكذا يريد لوقا أن يبيّن لنا أنّ كل الأحداث الهامّة في حياة يسوع تتمّ في جوّ من الصلاة. بالاضافة إلى ذلك، اهتمّ فأورد وحدَه عدّة تعاليم ليسوع عن الصلاة: مثَلُ الصَديق الذي يذهب في نصف الليل إلى صديقه (11: 5- 8). مثَلُ الأرملة والقاضي الظالم (18: 1- 8). مثلُ الفريسي والعشّار (18: 9- 14). وإذا كان لوقا قد أَقحم مرّتين موضوع الصلاة في 18:9- 50، فلأنه يراه مُهمًّا من أجل تفسير السَفَر إلى أورشليم تفسيرًا لاهوتيًّا.
ويدخل حضور التلاميذ في إطار الخبرِ. أمّا العمل بحصر المعنى فيبدأ مع سؤال يسوع: "من أنا في رأي الجموع "؟ كتب لوقا "الجموع " حيث قال مرقس "الناس ". إستند بعضُهم إلى موازاة مع مر 33:8 ففهموا لفظة 27:8 في معنى محقَّر: نحن أمام أُناس غرباء عن الله، أُناس لا يفهمون شيئًا من أمور السماء. وحُكْمُ هؤلاء الناس على يسوع يعارض حُكْمَ بطرس في مر 8: 29. لن نناقش هنا دقّة هذا التفسير. ولكنّ لوقا لم يفهم مرقس بهذه الطريقة. لا نستطيع أن ننطلق من "الجموع " (أي الناس، كما يقول مرقس) لنستنتج أن لوقا رذَلَ حُكم الجموع الذي يعاكس حكم بطرس.

2- حكم الجموع واعتراف بطرس (9: 9- 20= مر 8: 28- 29)
أوّلاً: تصرف يسوع
يبدو يسوع لُغزًا في نظر معاصريه. يرى لوقا مِثْلَ مرقس أن معاصري يسوع تحيّروا من تصرّف يسوع الثوريّ والغامض فتساءلوا: "إذن، من هو هذا" (8: 25؛ مر 4: 41)؟ وقدّموا مختلف الافتراضات حول هوّيته الحقيقيّة. وأورد لوقا على خطى مرقس الأشخاص الذين ماثلتهم الجموع مع يسوع: يوحنّا المعمدان، إيليّا، أحد الأنبياء القدماء. مهما اختلفت الآراء، فقد أجمع الناس على جعل يسوع في فئة الأنبياء. والعبارات التي نجدها توازي تلك التي نقرأها في حكم هيرودس على يسوع (لو 7:9- 9؛ مر 14:6- 16).
9: 7 – 9 9: 18 - 20
وسمع هيرودس الوالي بكلّ ما *وكان يسوع مرّة يصلّي في عزلة والتلاميذ
كان يجري، فتحيّر معه، فسألهم: ومن أنا في رأي
الناس"؟
*لأن بعضَ الناس كانوا يقولون: *اجابوا:
"يوحنا قام من بين الأموات"، "يوحنا المعمدان"،
وبعضَهم: "ايليا ظهر"، وبعضُهم يقول: "إيليّا"،
وبعضَهم أيضًا: "نبيّ من القدماء وبعضُهم أيضًا: "نبي من القدماء
قام" قام"
*ولكن هيرودس قال: *فقال لهم:
"يوحنا أنا قطعت رأسه. "ومن أنا في رأيكم أنتم"؟
فمن هذا الذي أسمع عنه حينئذ أجابه بطرس:
مثلَ هذه الأخبار؟ وكان "أنت مسيحُ الله ".
يطلب أن يراه.
الموازاة لافتةٌ للنظر. نجد في النصَّين، المقدّمةَ ثم رأيَ الناس ثم حُكمَ شخصٍ واحد وهو هيرودس في النصّ الأوّل وبطرسُ في النصّ الثاني. أراد مرقس أَن يجعل هذين النصَّين يتعارضان. يستعيد هيرودس أحدَ الآراء الذي أطلقه الناس. بالنسبة إليه، يسوع هو يوحنا المعمدان الذي قام. أمّا بطرس فيعلن أن يسوع هو المسيح. يقابل مرقس حُكمًا صائبًا بحُكم خاطئ. أمّا لوقا فيبني توازيًا متدّرجًا. يرفض هيرودس (وبحقّ، كما يقول لوقا) الرأيَ القائل بأن يسوع هو المعمدان الذي قام. إن يوحنا المعمدان ليس المسيح (3: 15- 17). إذن، ليس يسوعُ المسيح هو يوحنا المعمدان الذي قام (7:9- 9). ويطرَح هيرودس نفسُه سؤالاً حول هوّية يسوع. وفي لوقا، يستعيد يسوع هذا السؤال (9: 20) فيجيب عليه بطرس بإعلان إيمان مسيحانيّ. فكَّر لوقا بقرّائه اليونانيّين وفسَّر لهم لقب "كرستوس " متّبعًا إيّاه بكلمة "الله "، فجعله شبيهًا بلقب "ابن الله " (4: 41) العزيزِ على قلبه.

ثانيًا: يسوع المسيح
لا يوافق يسوعُ بطرسَ ولا يلومه على اعترافه به. هذا لا يَعني أنّ لوقا اعتبر هذا الاعتراف خاطئًا. بل حِسبَه ذا قيمة كبيرة، لأنه يعبّر عن إيمانه الخاصّ بيسوع كمسيح، كشخص مسحَه الروحُ (18:4؛ أع 38:10). وفي إنجيل الطفولة كان الملاك جبرائيل قد أعلن لمريم مسيحانيّته بشكل ملك أبديّ وعد به ابنُ داود (32:1- 33). هذا الاعلان يتمّ في كماله مع الارتفاع الذي يتبع القيامة: حينئذ يبدأ مُلكه المسيحانيّ (أع 2: 36). إذن، يسوع هو منذ ولادته المسيحُ الذي عيّنه الله. ولهذا مُسح بالروح خلال حياته الأرضيّة (35:1؛ 22:3؛ 18:4) وتصرَّف بقوّة هذا الروح.
يتصوّر لوقا مسيحانيّة يسوع في علاقتها مع بنوّته الالهيّة. فالبنوّة هي بشكل من الأشكال في أساس المسيحانيّة. يسوع هو ابن الله كالمسيح الذي أشار إليه الملاك (32:1، 35). وهو يسمّى كذلك ساعة عماده (22:3) وتجلّيه (9: 35). وفي النهاية، إن قيامته تنصّبه كابن الله (أع 13: 33). ولد بالروح فهو ابن الله. تحرّك بالروح فأُقيم كابن الله. ارتفع كابن الله عن يمين الآب، فأعطى الروح لأخصّائه حسب وعده (49:24؛ أع 1 :8؛ 2: 33). ففي نظر لوقا، ترتبط المسيحانيّة بتحريك الروح والبنوّة الالهيّة ارتباطًا وثيقًا.

ثالثًا: يسوع نبيٌّ مثلُ إيليّا
إذا عُدنا إلى شميلة لوقا الكرستولوجيّة نعتبر أنّ الانجيل الثالث لا يرى تعارُضًا جَذريًّا بين حُكمِ الناس وحُكم بطرس. هو لا يرفض أن يشبّه يسوع بنبيّ، شأنُه شأنُ مرقس. ذكرنا نصَّين أخذهما لوقا (8:9، 19) من مرقس. ونجد أيضًا ثلاثةَ نصوص خاصّةٍ بلوقا حيث يرى الشاهدون لعجائب يسوع أنه النبيّ. بعد قيامة ابن أرملة نائين "سيطر الخوفُ على الجميع وقالوا وهم يمجّدون الله: ظهر فينا نبيّ، وتفقّد الله شعبه " (16:7)؛ وتعجّب سمعان الفريسيّ من هذا النبيّ الذي لم يعرف "مَن هي المرأة التي تلمُسه " (39:7). وسيعبّر تلميذا عمّاوس عن رأي الشعب في "يسوع الناصريّ الذي كان نبيًّا قديرًا في القول والعمل " (24: 19).
إن لقب النبيّ يتجاوب مع طريقة لوقا بإدخال يسوع على مسرح حياته العلنيّة. حين أورد الخطبة البرنامج في الناصرة (4: 16- 30) وفيه يوسع لوقا خبر مر 6: 1- 6أ، يطبِّق يسوع على نفسه نص نبي من الانبياء (18:4- 19؛ رج أع 33:13). ولكن ما إن لفتَ انتباههم إلى متطلّبات آياته النبويّة، حتى تحوّلت ردّة الفعل الأولى، وكانت موافقة، الى موقف مُعادٍ (23:4- 24، 28- 29). فمنذ بداية نشاط يسوع، برزَت شريعة ستنظّم تصرّفه وتبشيره: ما اختبره يسوع في وطنه، هو الذي اختبره إيلّيا وأليشاع (4: 25- 27).
اتّفق لوقا مع متى فرأى في يسوع موسى الجديد. ولكن حين يريد أن يصوّر يسوع بسِمات نبيّ، فهو يعود إلى صورة إيليّا. وإن لم تكن الصورة واضحةً مثلَ صورةِ موسى عند متى، إلا أن لوقا يقدّم لنا مِرارًا نموذَج إيليّا ليشير إلى المسيح. إنه يترك جانبًا نصوصًا يشبِّه فيها مرقسُ المعمدانَ بإيليّا (مر 1: 6؛ 9: 9- 13؛ رج 15: 34- 35).
بالاضافة إلى ذلك، تُوجّهنا عدّة إشارات إيجابيّة إلى تقديم لوقا ليسوع على أنه إيليّا الجديد. هناك 25:4- 27، وفيه يقابل يسوع وضعَه بوضع إيليّا. وخبرُ إيليّا مع أرملة صَرْفت صيدا (1 مل 7:17- 24) قد أثّر على نصّ لوقا حين حدّثنا عن إقامة ابنِ أرملة نائين، وقد كان وحيدًا لأمه، شأنُه شأنُ ابن أرملة صرفت صيدا (7: 11- 17).
و "الخروج " (إكسودس) الذي يجعل يسوع يمرّ عَبْرَ الموت والقيامة، ليصل به إلى "الاختطاف " والصعود، يذكّرنا أيضا بإيليّا: يتحدّث عن المسيح المتجليّ مع موسى وإيليّا (9: 30- 31: يتحدّثان عن خروجه). وفي خبر الصعود إلى أورشليم سنجد أكثر من تلميح إلى خبر إيليّا (9: 51- 54، النار، 61- 62، المحراث واليشاع، 13: 31- 33). وبمختصر الكلام، لا يرفض لوقا رأيَ الذين يشبّهون يسوعَ بنبيّ مثل إيليّا، بل هو يدخله في شميلته الكرستولوجيّة. 

3- فرض الصمت والانباءُ الأوّلُ بالآلام (9: 21- 22= مر 8: 30- 31)
أوّلاً: هدف مرقس
لا نستطيع أن نفهم فرض يسوع الصمت على تلاميذه، والإِنباء بالآلام الذي يرافقه في مر 8: 30- 31، إلاّ على ضوء الموضوع المِحْوريّ في إنجيل مرقس وهو السرُّ المسيحانيّ. من الواضح في نظر مرقس أنّ يسوع هو المسيح (مر 1: 1). ولكن مسيحانيّة يسوع تبقى خفيّةً في القسم الأوّل من إنجيله (1: 14- 26:8) لسبب لا يقوله. فأشفية يسوع وتقسيماته تدلّ بطبيعتها دلالةً واضحة على سرّ شخصه المتسامي. ولكن حين فرض يسوع الصمت، فقد منعهم من كشف هذا السرّ (مر 1: 25، 34، 44؛ 3: 11- 12؛ 43:5؛ 36:7- 37؛ 8: 26).
وهكذا سيمنع يسوعُ بطرسَ من أن ينشر الايمان بمسيحانيّته. ولكنّ هذه المرّة تختلف عن سائر المرّات، وهي المرّة الوحيدة التي فيها يقول لنا الانجيليّ السبب الذي لأجله أمر يسوع بحفظ السرّ: على ابن الانسان أن يتألم ويموت خاضعًا خضوعًا أمينًا لمخطّط الله (يجب، داي، مر 8: 31)، قبل أن يكشف عن مجده المسيحانيّ. وإن ظهورًا لمسيحانيّته قبل الأوان، يعطّل تحقيق القرار الالهيّ حول آلام المسيح. وساعةَ تصبح آلام يسوع أمرًا لا مفرَّ منه، لن توضع حدود لاعلان سلطانه المسيحانيّ (9: 9؛ 14: 61- 62).

ثانيًا: من الضروريّ أن يقاسي الآلام
هذا هو مخطّط الله، حسب ما في الكتب. فإن لم يشكّل السرّ المسيحانيّ الموضوع المِحْوريّ في إنجيل لوقا بحيث يشرف على بُنْيته، إلا أن الانجيل الثالث فهمَ فهمًا تامًّا العلاقة السببيّة التي وضعها مرقس بين فرض الصمت على الرسل والإِنباء الأوّل بالآلام. فقد قام بتصليحات صغيرة على نصّ مرقس. فالأداة "أمّا هو" في آ 21 فتجعلنا نفترض أن لوقا، شأنُه شأنُ مرقس، يعتبر أنّ اعتراف بطرس يلتقي والواقع. وإذ استعمل في آ 22 اسم الفاعل (قائلاً أن)، أوضح فكرة مرقس: إن ضرورة آلام يسوع هي الباعثُ الذي يمنع من أن تُشْهر مسيحانيّتُه. 
إن موضوع الضرورة الالهيّة (يجب) والشهادةَ الكتابيّة (وكلاهما حاضران عند مرقس) قد ضخّمه لوقا بحيث لا يَعني فقط آلام يسوع، بل حياتَه كلها. فنقطة انطلاق الإِنجيليّ هي نظرته إلى تاريخ الخلاص من وجهة مركّزة على لله تركيزًا محضًا. فعلى مدى هذا التاريخ، منذ الخَلق حتى "زمن تجدّد كل شيء" (أع 3: 21) نحن أمام مخطّط الخلاص الذي يتأوّن. فحياة يسوع بما فيها "طريق الربّ " من الجليل إلى أورشليم تتمّ أيضًا حسب إرادة الله. وكل تصرّفه مطبوع بعلامة "الواجب " (يجب، داي) الذي يعرضه الله عليه. حتى في إنجيل الطفولة، نعرف أنه "يجب " على يسوع أن يكون في بيت أبيه (49:2). وتصوَّر مهمّته بإعلان ملكوت الله كأنه واجب فرضه عليه ذلك الذي أرسله (43:4). وموضوع الآلام الضرورية في نظر الله (9: 22= مر 8: 31) سيستعيده لوقا ثلاثَ مرّات (17: 25؛ 24: 7، 46). ففي أورشليم "يجب " على يسوع أن يأخذ على عاتقه مصير الأنبياء (33:13).
ونجد قرب هذا الموضوع الأوّل موضوعًا آخر لا يقلّ أهميّة عنه هو البرهان الكتابيّ. فالآلام ليست قدَرًا لا بدّ منه يتحملّه يسوع شاء أم أبى. ولكن الله دوّنه مسبّقًا في الأسفار المقدّسة. ولقد أطاع يسوع مخطّط الله، وسار بكامل وعيه نحو الآلام، فتمّم بهذه الصورة الكتب المقدسة (37:22).
إختلف لوقا عن مرقس الذي اعتبر أن مسيحانيّة يسوع تُكشَف حالما يبدو مستحيلاً أن يقف أيّ عائق بوجه الآلام التي أرادها الله. فشدّد أننا لا نفهم مسيحانيّة يسوع ولا آلامه قبل القيامة. وحدَه الربّ القائم من الموت يجعل تلاميذه يتصوّرون ضرورة (في نظر الله، حسب الكتب) آلام المسيح (24: 5- 9، 25- 27، 44- 46).
لا شكّ في أنّ يسوع تكلّم بوضوح في هذا المعنى خلال حياته على الأرض. ولكن كلّ هذا الوقت لم يكْفِ التلاميذ لكي يفهموه. ومريم نفسُها لم تدرك الطريقة الغريبة التي بها تصرّف يسوع (48:2- 50)، وإخوته لم يدركوا الأصل الإِلهيّ لرسالته (19:8- 21)، والتلاميذُ لم يستطيعوا أن يفهموا قبل قيامته أن الآلام تتوافق وإرادةَ الله (9: 31، 45؛ 18: 34؛ 22: 37- 38، 39- 46؛ 4:24، 11، 25). ويومَ فسّرَ لهم الربّ القائم انطلاقًا من الكتب أنّ كل هذا يجب أن يتمّ هكذا، بدأ تفهُّم هذا السرّ يُشعل قلوبهم بنوره (32:24).

ثالثًا: القيامة هي عمل الله
إستعاد لوقا بصورة حرفيّةٍ نصَّ مرقس المُنبئَ بآلام المسيح، وزاد عليه بعض التصليحات. قال مرقس: بعد ثلاثة أيّام. أمّا هو فقال: اليوم الثالث (33:18؛ 24: 7).
إستعمل مرقس فعل انئيستامي " (أقام) ليتحدّث عن القيامة؛ أمّا لوقا فاستعمل "آغايرو" (أيقظ). إعتدنا ان نترجم هذين الفعلين: أقام. غير أننا نتساءل: أما بدّل لوقا عمدًا لفظة مرقس؟ لا شك في أن لوقا يستعمل فعل "انئيستامي " يأخذه عن مرقس) بمعنى " قام " ( 33:18 = مر 10: 34. لو 7:24، 46). ولكن بدل أن يصوّر قيامة يسوع على أنها عمل قدرته الخاصّة، فهو يقدّمها على أنها عمل الله. فيستعمل في سفر الأعمال خمس مرّات العبارة الكرازيّة: الله أقام يسوع (انيئستامي، أع 3: 15؛ 4: 10؛ 5: 30؛ 10: 40؛ 13: 30، 37). وحين نعلم أنّ لوقا يشدّد على الطابع اللاهوتيّ للقيامة، نستطيع أن نتساءل: أما تتضمّن صيغة المجهول لفعل "أيقظ " في 22:9 معنى: "أيقظ بيد أحد". وهكذا يشير لوقا في هذه الآية أيضًا إلى أنّ القيامة، شأنها شأنُ الآلام، قد أرادها الله وحقّقها.

رابعًا: إغفال القول عن الشيطان
أسقط لوقا تدخّلَ بطرس الذي يريد أن يبعد يسوع عن آلامه، وتوبيخ يسوع له. هذا ما يسمّى القولُ عن الشيطان (مر 32:8- 33: "إليك عني، يا شيطان "!) هناك سببان دفعا لوقا ليسقط هذا القول. السبب الأوّل: بدا له من المستحيل أن يكون بطرس قد جُرّب بِيَد الشيطان في ذلك الوقت، لأن يسوع تخلّص من مهاجمات الشيطان منذ تجاربه حتى بداية آلامه (13:4؛ 3:22). السبب الثاني، قدّم سفرُ الأعمال بطرسَ بوجهه المميّز (لو 5: 1- 11). فكيف يورد الكلامَ القاسي الذي قرأه في مر 8: 33: "إليك عنّي يا شيطان فإنّ أفكارك ليست أفكارَ الله، بل أفكار الناس"!

4- الأقوال عن تلميذ يسوع (23:9- 24= مر 8: 34- 35).
إن هذه الأقوال التي تعلن الشروط لاتّباع يسوع تتوجّه إلى الجموع و"إلى التلاميذ" (مر 8: 34)، "إلى الجميع " (لو 23:9). لا شكّ في أنّ الإِنجيليَّين يفكّران بالمسيحيّين الذين إليهم يكتبان. قد يكونون تبَلْبلوا بسبب اضطهادات احتملوها أو ينتظرونها. وفي هذه الحالة الحرِجة وأمام خصومهم، راح بعضهم يجحدون إيمانهم بيسوع لينجُوا من خطر الاضطهاد أو التهديد بالموت. ولقد أرادت أقوال يسوع أن تكون ردّةَ فعل ضدّ الخوف من الألم، وهو أمرٌ طبيعيّ لدى إنسان.
فالتلميذ الذي يريد أن يتبع المسيح يتشبّه به. غير أنّ المسيح الذي يعترف به المسيحيّون لم يلتحق فقط بالمجد خلال حياته على الأرض. هو لم يستبعد الألم الذي أراده الله، بل أخذه طوعًا على عاتقه. فإن أراد التلميذ أن يسير على خُطى يسوع، أي أن يتّحد به، وجب عليه أن ينكر ذاته، أن يكون مستعدًّا، إذا دعَت الحاجة، ليموت عل الصليب مثلَ المسيح. ولن نستطيع أن نتبع المسيح ونكون جديرين بالاسم المسيحيّ إلا إذا قبلنا بإمكانيّة الاستشهاد والموت في سبيل المسيح (14: 27؛ مر 8: 34). وبعبارة أخرى، بقدر ما يخاطر المسيحيّ بحياته (نفسه، بسيخي) معترفًا بيسوع المسيح بوجهِ خصومه، يخلّص حياته يوم يأتي ابنُ الإِِِِنسان للدينونة (9: 24، 26= مر 8: 35، 38).
هذا هو الإطارُ الحياتيّ الذي فيه نضع أقوال يسوع كما وردَت في مرقس وفي المَعين الذي احتفظ به لوقا في 27:14. ويومَ خفَّ خطر الاضطهاد، كيَّف لوقا نصَّه في 23:9، فزاد "كلّ يوم ". وهكذا حوّل الدعوة إلى الاستشهاد (كما في مرقس) إلى نداء إلى الجهاد. فعلى المسيحيّ أن يحمل صليبه كلّ يوم، أي أن يموت عن نفسه بحياة من التقشّف والإِماتة.
إذن، تُقدَِّم هذه الآيات قاعدة حياة للمسيحيّ. فمن أراد أن يحمل هذا الاسم، يحتفظ بمكانة للصليب والألم في حياته. هذا لا يعني أننا نستسلم إلى مرض من يحبّ الألم، بل نحن نستند إلى الإِقتداء بالمسيح. فكما قبل هو أن يتألّم حسب إرادة الله، كذلك يحمل المسيحيّ صليبه، وإلاَّ لن يكون له تلميذًا.

خاتمة
تساءلت الجموع والتلاميذ حول يسوع: من هو هذا الرجل؟ ولكن سينقلب الوضع في قلب الإِنجيل. ويسوع هو الذي يسأل تلاميذه فيدفعهم إلى أن يعلنوا إيمانهم به، أن يؤكّدوا على العلاقة التي توحّدهم به.
يشير الإِنجيل كلُّه إلى هذا السؤال الذي يجتاح حياة التلاميذ. فالإِنجيل هو الله الذي يأتي شخصيًّا ويلتقي البشر. لقد مضى زمن كان يعرّفنا فيه على إرادته وشريعته والقيم الواجب تقويتُها. لقد جاء الزمن الذي فيه وصل الملكوت، وصل المسيح ليُتم كلّ برّ ويخلّص شعبه.
إنتظر الشعب ذاك اليوم الذي هو يوم انتصار الله. ولكن أمام أفعال يسوع وأقواله، لم يدركوا هذا اليوم العظيم. رأوا في يسوع مرسل الله ولكنهم ظلّوا ينتظرون. وسيقول تلميذا يوحنا المعمدان ليسوع: " أأنت هو الآتي أم ننتظر آخر" (مت 3:11)؟ إن المسيح يحمل خيرات الله، ولكنه لا يتمّ عمل الغضب الإِلهيّ ضدّ الذين يرفضون التوبة. لهذا تردّد يوحنا في التعرّف إلى المسيح لأنه لم يتمّ ما اعلنته بعض النصوص النبويّة.
فالذين تبعوا المعلّم منذ البداية وشهدوا كلّ أحداث رسالته في الجليل، طرح عليهم يسوع السؤال: "مَن أنا في رأيكم "؟ قبل أن يصعد إلى أورشليم دعاهم لكي يتّحدوا به بإيمان مستنير وأن يسيروا على خُطاه إلى النهاية.
وهذا السؤال عينُه يطرحه المسيح على كلّ المسيحيّين في مختلف مراحل حياتهم. ويطرحه بصورة خفيّة ودون أن يفرض نفسه: إن علامات مجيء الله ومحبته تقابل من جهة انتظار القلب البشريّ. ومن جهة ثانية تتجاوز هذا الانتظار وتحيّره. فالله هو أكبر من قلبنا. ومبادرات محبّة الله ستبقى أسمى وأعمق من أفكارنا وخِبْراتنا. قال الربّ في هو 11: 9: "أنا إله لا إنسان ". لهذا يبقى جواب المسيحيّ سرَّ الحريّة والنعمة أمام نداء الله الذي يتوجّه إليه.
الفصل الحادي والخمسون
اتباع يسوع
9: 23- 27

1- نحن هنا في نهاية رسالة يسوع في الجليل، وقبل أن يبدأ الصعود الطويل إلى أورشليم. وإليك كيف تبدو المتتالية التي نقرأ فيها هذا النصّ: إرسال الاثني عشر (9: 1- 6)، قلق هيرودس وتحيّره (آ 7-9)، تكثير الأرغفة (آ 10- 17). هذه المقطوعات الثلاث تسبق النصّ الذي ندرس، ويليه مشهد التجلّي (آ 28- 37)، شفاء الولد الذي صرعه الشيطان (آ 37- 43)، الإِنباء الثاني بالآلام (آ 44- 45)، حوار مع التلاميذ (آ 46- 50).
نلاحظ أولاً أن إرسال يسوع لأخصائه في الفقر والاتكال على الله (3:9- 4) يقابل على المستوى الأدبيّ والموضوعيّ قولين يقلبان كلّ النظريّات البشريّة حول ما هو عظيم ومحدود (46:9- 48).
ثانيًا: إن حيرة هيرودس حول يسوع والإِشارة إلى قطع رأس يوحنا (9: 7- 9) تواجهان عدم الفهم عند التلاميذ والإِنباء الثاني بالآلام (9: 44- 45). ثالثًا: نجد خبرَيْ معجزات. الأوّل يُبرز وفرة عطية الله (9: 13- 17)، والثاني يدلّ على دهشة الناس أمام عظمة الله (42:9- 43). رابعًا: إن اعتراف بطرس "أنت مسيح الله " (9: 20) يجد جوابًا فصحيًّا وتأكيدًا سماويًّا في شهادة الآب حين أعلن: "أنت ابني المختار، فاسمعوا له " (9: 35). خامسًا: إن أمر يسوع لهم بالصمت (9: 21) يجد الدافع له في كلمة بطرس التي نقصها الادراك حول خيام ثلاث تُنصَب على الجبل (33:9). سادسًا: إن ظهور موسى وإيليّا (9: 30) يقابل الإِعلان الأوّل للآلام (22:9). وهكذا يتّضح أن ف 9 مبنيّ بحسب تناسق دائريّ يشكّل مركزه إعلان الشروط لاتباع يسوع: من أراد أن يتبعني (23:9 ي). أما موضوع طرفي هذه البنية ووسطها فهو شخص التلميذ السائر على خطى يسوع. ولا عجب في ذلك، فإن ف 8 و 9 يحدّثاننا عن إشراك الإِثني عشر في رسالة يسوع.
نترك جانبًا شهادة بطرس لحقيقة يسوع (18:9- 21) بعد أن شرحناها في فصل سابق كما نترك أول إنباء بالآلام (22:9)، لنتوقف عند الشروط الضروريّة لاتّباع يسوع.
2- قلنا إن ف 9 يشكّل تناسقًا دائريًّا مركزه هذه الآيات الخمس التي ندرس (آ 23- 27). ونزيد إن هذا المركز مبنيّ هو أيضًا حسب تناسق دائري. نلاحظ أولاً أننا لا نجد إلاَّ استفهامًا واحدًا: "ماذا ينفع الانسان " (آ 25)؟ وإن هذا الاستفهام يميّز قولاً حول عدم التناسب بين الانسان والعالم كلّه. ثانيًا: إن الآيتين اللتين تحيطان بعبارة الحكمة هذه (ماذا ينفع الإِِِِنسان؟) تبدآن باللحظة الواحدة وتتضمّنان تعارضًا من نمط واحد: خلص- خسرِ. استحى بي- يستحي به ابن الانسان. ثالثًا: إن الآية الأولى (آ 23) تقدّم عرضًا (من أراد أن يتبعني) يرتبط بشرط (ينكر نفسه). أمّا الآية الأخيرة (آ 27) فتعلن وعدًا بالملكوت.
ونستطيع أن نقدّم هذه الآيات حسب الرسمة التالية:
أ- آ 23: العرض وشرطه أأ- آ 27: الوعد بمشاهدة الملكوت
ب- آ 24: الشرح ب ب- آ 26: الشرح
انقلاب بين خلّص وخسر انقلاب بين اليوم وغدًا.
ج- آ 25: قول وحكمة
لا نسبة بين الانسان والكون
حين ننطلق من هذه البنية نستطيع أن نتأمّل في تفسير الآية الأخيرة التي تبدو سريّة للغاية. قال بولتمان: "لقد احتفظت المسيحيّة دومًا برجاء ملكوت الله في وقت قريب، مع أن انتظارها كان عبثًا. فمع أن عددًا من معاصري يسوع قد ماتوا، إلا أنه يجب المحافظة على الأمل بأن ملكوت الله سيأتي أيضًا في هذا الجيل ".
قد يكون هذا التفسير محقًا لو أن الآية كانت معزولة. ولكن يسبقها بصورة مباشرة خبر التجلّي حيث اختير ثلاثة من الاثني عشر ليكونوا شهودًا لمجد يسوع ولصوت ابيه. كما أنها تَدخُل في بنية تتناسق مع العرض الذي يقدّمه يسوع عمن يريد أن يتبعه. ثمّ نلاحظ أن هذه الآية (آ 27) تجد ما يوازيها في خبر الطفولة حيث قيل عن سمعان: جاءه تنبيه إلهيّ من عند الروح القدس "بأنّه لن يرى الموت حتى يعاين مسيح الربّ " (2: 26). ونزيد أن آ 23 التي توازيه، تتوسّع في كلام يسوع بشكل لفظ يزاد على أصل المعنى من غير أن تحمل الزيادة فائدة: "إن إراد أحد أن يتبعني... فليتبعني ". أما يجب أن نفسّر التناسق ككشف عن الطابع اللا مشروط لاتّباع يسوع على طريق الصليب؟ هنا نعود إلى القديس اغوسطينس في تفسيره لخطبة خبز الحياة وخاصة آ 26 (يو 26:6): "أنتم تطلبوني، لا لأنكم رأيتم الآيات، بل لأنكم أكلتم الخبز. قال أسقف هيبونة: "أنتم تطلبوني من أجل اللحم والدمّ لا من أجل الروح. فعديدون هم الذين لا يطلبون يسوع إلا من أجل خيرات زمنيّة! فهذا تاجر وهو يطلب صلاة الكهنة، وذاك يضطهده من هو أقوى منه فيلجأ إلى الكنيسة... ولا يكاد احد يطلب يسوع من أجل يسوع "
إن عبارة "طلب يسوع من أجل يسوع " توافق ولا شكّ الأمر الذي أُعطي من السماء خلال التجلّي: "إسمعوا له " (35:9). وقد رأى فيه الصوفيون دومًا الفرح الكامل. نحن أمام اللامشروط الذي لا نكتشفه إلا إنطلاقًا من يسوع، أي من الملكوت الهاجم على عالمنا. إذن، لا حاجة إلى أن نتخيّل انتظارًا ساذجًا عند الكنيسة. إن هذا القول يعبِّر عن التمييز بين زمن يسوع وزمن الكنيسة الآتي بعد زمن يسوع: عليه في زمن مسيرته نحو الساعة المجهولة حيث يأتي الآب إليه، عليه، بالنظر إلى رسالته، أن يمضي إلى نهاية المسيرة التي تقود البشريّة المخلوقة والخاطئة إلى يوم الله الآتي.
إذن، يتميّز زمن يسوع بالالحاحيّة واقتراب النهاية، لأن إرادة الله في الخلاص والدينونة تتضمّنها كلها حياة يسوع المحدودة والمعدّة للموت. زمن يسوع ليس زمن الكنيسة الذي هو امتداد له ويجد تحديده وقياسه في زمن يسوع الاسكاتولوجيّ. ولقد فهم التقليد هذا الواقع حين قال إن يسوع وصل إلى نهاية الطريق، ساعة ما زال تلاميذه بعد في الطريق.
ورغم هذه المسافة التي تفصل المعلّم عن التلميذ، نجد توازيًا حقيقيًّا بين "مصير" ابن الإِِِِنسان الذي تعلنه آ 22، ومصير التلميذ الذي يُطلب منه أن ينكر ذاته ويخسر نفسه بسبب يسوع. فكيف لا نستنتج أن المجموعة المكوّنة من الإِنباء بالآلام وإعلان الشروط المطلوبة من التلميذ هي صدى للآية 18 أ (وكان يسوع مرّة يصلّي) التي ترينا يسوع في عزلة مع تلاميذه. فمن الواضح أن الحياة مع يسوع في البداية تجد امتدادها الحقيقيّ في المطابقة لموته وقيامته أي في سير على خطاه يفرض نفسه علينا بشكل غير مشروط. وهذا الموقف ليس بممكن إلا باعتراف إيمان هو في الوقت عينه رفض بأن نحصر يسوع في حدود خبر معروف ومرتبط بالماضي. فإِنكار الذات هو أكثر من وصيّة اخلاقيّة. إنه المدى الذي يحيا فيه الإِِِِنسان مع يسوع. فكلّ هذه العبارة: نكون مع يسوع، نتبع يسوع... هي وجهات مختلفة للذي هو هو: فالطريق الملكيّة قد فتحها ذلك الذي تسلّم نفسه كإبن الإِِِِنسان، قد دعي كل النّاس إلى السير فيها على خطاه بكامل حرّيتهم. هذه الطريق هي "خروج " (اكسودوس) سيتكلّم عنه موسى وايليا في التجلّي: "كانا يتكلّمان عن "خروجه " الذي سيتمّ في أورشليم " (9: 30). وهذا "الخروج " هو انتقال من الموت إلى الحياة، هو حمل الصليب، هو خسارة حياتنا من أجل شخص آخر. وبمختصر الكلام نحن أمام إحدى ثوابت الإِنجيل التي نجدها أيضًا في نشيد الفيلبيّين (6:2 ي) كما في كلمات يسوع الداخل إلى أورشليم كما أوردها يوحنّا (26:12): "من أراد أن يخدمني فليتبعني، وحيث أكون أنا يكون هو هنـاك خادمي. من خدمني أكرمه أبي ".
3- مع آ 23- 27 نتعرّف إلى مجموعة أولى من أموال يسوع جُمعت بطريقة مصطنعة وتفلّتت من أي سياق محدَّد. يتضمّن ف 9 ثلاث مجموعات من الأقوال (رج مر 8: 34؛ 9: 1؛ مت 16: 24- 28) تحدّد ما يعني "اتباع يسوع ". بعد هذا فإن آ 46-50 (رج مت 33:9- 37؛ مت 18: 1- 5؛ 38:10- 41) تتحدّث عن القبول في داخل الجماعة كما في خارجها. وأخيرًا إن آ 57- 62 (رج مت 8: 19- 22) تتوجّه بالأحرى إلى التجنّد الرسوليّ. 
نكتشف مع أوّل مجموعة لأقوال يسوع صدى للتجارب الثلاث بعد مجيء الروح القدس بالمسيح إلى الاردنّ (4: 1-13): لا نطلب أن نخلّص نفسنا (آ 24)، أن نربح العالم (آ 25)، أن نصل إلى المجد متناسين مصير ابن الانسان (آ 26).
فالمقدمة (آ 23) تشدّد على أن هذا النداء يعني كل إنسان: "إن كان أحد يريد أن يتبعني ". ليس إتباع يسوع امتيازًا محفوظًا لنخبة معيّنة، بل هو دعوة إلى جميع الناس ليدخلوا معه في طريقه إلى الآب. فالتلميح إلى التجارب واضح بما فيه الكفاية. فلوقا لا يورد هنا ردة فعل بطرس التي تهدف إلى إبعاد يسوع عن الموت، ولا جواب يسوع اللاذع (رج مر 8: 32- 33؛ مت 16: 22- 23: إذهب خلفي يا شيطان). غير أنه يعرف أن الإِِِِنسان يشبّ كالحصان أمام واقع الموت. ولكنّه يكتفي الآن بأن يشير إلى المصير الذي يُدعى كل إنسان إلى المشاركة فيه. فالمشاركة في مصير يسوع في طريقه إلى الآب، تفترض أن نتخلّى عن ذاتنا ونحمل صليبنا كلّ يوم.
ليس إنكار الذات استقالة ورفضًا بأن نكون حسب شخصيّتنا. إنه تقبّل حياتنا كنعمة تُعطى لنا وحَملِ ثقل المحن والتناقضات "كل يوم " (يشدّد لوقا وحده على هذه الوجهة). فنحن لا نخلّص نفوسنا كمن ينجو بجلده، محاولين أن نتدبّر أمورنا فنفلت من الألم والموت مهما كان الثمن. بل يُطلب منّا أن نتخلّى عن كل اكتفاء لنجد في يسوع علّة حياتنا الواحدة والوحيدة.
ماذا ينفعنا أن نحصل على النجاح أو السلطة إذا كان هذا ثمر طموح شخصيّ يكون في النهاية من أجل دمارنا؟ فما يُطلب من التلميذ هو أن يتبع معلمه في المحنة والتجربة ويجد فيه الغلبة متخليًّا عن كل محاولات التسلّط.
وفي النهاية، فالسؤال المطروح على التلميذ هو حول انتمائه الحقيقيّ إلى يسوع، حول الشهادة التي يقدّمها له، منذ الآن وبكل حياته. فمنذ الآن يتقرّر مصير الانسان على ضوء ما سيظهر فيما بعد. فمصير الإِِِِنسان كمصير يسوع ينكشف أمام "الآب وملائكته القدّيسين " أي في الدينونة النهائية. فكل واحد يجد نفسه مع يسوع في الحقّ بالالتزامات المتعاقبة التي قام بها على الأرض.
فالذين يلازمون المسيح يتأكّدون أنهم لن يذوقوا الموت إلى أن يروا ملكوت الله آتيًا. فهذا الملكوت يعمل منذ الآن في حياة يسوع (9:10- 11؛ 20:11؛ 20:17- 21)، وقد صار ملموسًا بعد القيامة في حياة الذين يشهدون له، وهذا ما نراه في موت اسطفانس الذي رأى قبل موته "ابن الإِِِِنسان واقفًا عن يمين الله " (أع 56:7) والذي مات وهو يسلّم روحه للآب كما فعل يسوع على الصليب.
إذن، لسنا أمام وعد بأن ننجو من الموت الطبيعيّ، بل تأكيد بأننا نكتشف في الآلام الحاضرة التي قاساها يسوع، قدرة حياة ذلك القائم من الموت. والرسل الذين حَكم عليهم المجلس اليهوديّ الأعلى سيختبرون بدورهم هذه القدرة. يقول فيهم القديس لوقا: "فخرج الرسل من المجلس فرحين لآن الله وجدهم أهلاً لقبول الإِهانة من أجل اسم يسوع" (أع 5: 41).
الفصل الثاني والخمسون
تجلي الرب البهي
9: 28- 36؛ مت 17: 1- 9، مر 9: 2- 10

إنّ سرّ تجلّي يسوع يقود المؤمن نحو الفصح أي نحو سرّ واحد هو سرّ الموت والقيامة. فالإِنجيليون الثلاثة رأوا في هذا الحدث وقتًا حاسمًا في مسيرة يسوع نحو الآلام. فبعد أن اعترف به التلاميذ مسيحًا، ها هو ينبئ بآلامه وموته، ثم يتجلّى لهم ليثبّت إيمانهم. أو بالأحرى، هو الله الذي أراد أن يقوّي إيمان التلاميذ فكشف لهم بطريقة عابرة مجد ابنه، هذا المجد الذي سيتجلّى عبر الآلام، سيتجلّى في ملئه بالقيامة والصعود.
إنّ حدث التجلّي يشكّل وقتًا مجيدًا وسريًّا في حياة يسوع. لهذا سنحاول أن نكتشف غناه ومدلوله وبُعده. فنحدّد موقعه في مجمل تقليد العهد الجديد ثم في التقليد الإِزائي الذي نعتبره شهادة واحدة، وأخيرًا في سياق كل من الأناجيل الإِزائيّة الثلاثة. من هذا المنظار سنحاول أن نحدّد زمن التجلّي وإطاره اللذين هما عنصران مهمّان لتأويل هذا السرّ.

1- الابن الممجَّد (يو 12: 27- 28).
إن التجلّي الذي يورده الإِزائيون الثلاثة بصورة مشابهة، يقع بعد اعتراف بطرس المسيحانيّ في قيصريّة، والإِِنباء الأوّل بالآلام. يقع في منعطف رئيسيّ من حياة يسوع العامة.
ونلاحظ أنّ يوحنا الذي اهتمّ كل الاهتمام بالتشديد على مجد يسوع، لم يُورد، أقلّه ظاهرًا، حدث التجلّى، كما أنّه يبدو مهملاً لأخبار ولادة يسوع وعماده على يد يوحنا المعمدان وتأسيس الافخارستيا والنزاع في جتسيماني. إنّ علاقة الإِنجيل الرابع بالتقاليد القديمة حول رسالة يسوع يتضمّن عدّة أسئلة لم تزل عالقة، ولكن هناك عدّة أسباب تجعلنا نفكّر أنّ يوحنا لم يجهل هذه الأمور التي لم يتكلّم عنها. بل هو قد فَهم معناها فهمًا كاملاً ونقلها إلى مكان آخر: هذا ما نكتشفه في مطلع إنجيله (في البدء كان الكلمة)، وفي خبر لقاء يسوع بيوحنا، وفي الكرازات العماديّة، وفي الخطبة التي تلي تكثير الأرغفة...
فبعد دخوله المسيحانيّ إلى أورشليم، وخلال حوار مع بعض خائفي الله من اليونانيين، أعلن يسوع: "جاءت الساعة التي فيها يتمجّد ابن الإِِِِنسان ". وزاد قائلاً: إن تلاميذه سيتبعونه في ذلّه ومجده. ثم تفوَّه بكلمات شبيهة بالتي قالها ساعة النزاع: "الآن نفسي مضطربة. فماذا أقول؟ يا أبي، نجني من هذه الساعة! ولكنّي من أجل هذا بلغت إلى هذه الساعة. يا أبي، مجد اسمك " (يو 12: 27).
بعد هذه الكلمات التي تدلّ على الحيرة والتخلّي، وتعبّر عن الخيارين اللذين يجد يسوع نفسه أمامهما (هل أقول: نجني من هذه الساعة، أم أقول: مجّد اسمك)، يشير يوحنا إلى الصوت السماويّ: (حينئذٍ جاء صوت من السماء: مجّدته وسأمجّده أيضًا" (يو 28:12). ليس هذا القول الإِلهيّ هو ذلك الذي سُمع في الجبل، ولكن العارف بالتقليد الإِِزائيّ وبطريقة يوحنا في الكتابة، يكتشف في هذا القول الصوت السماوي ومجد التجليّ، كما يكتشف العلاقة مع مشهد جتسيمانيّ. غير أنّنا نلاحظ أنّ يوحنا قلب الترتيب الذي نجده عند الإِزائيين: بدأ بالنزاع وانتهى بالتمجيد. تشوّهت صورته أوّلاً فصار كالعبد، قبل أنَ يتجلّى في مجد الله الآب.
والسياق الذي دخل فيه التجليّ، أي الإِنباء بمصير إبن الإِِِِنسان، هو تعليم يوجَّه إلى التلاميذ (والشعب كما يقول مر 8: 34) وعدم فهم عند التلاميذ. هذا السياق نجده عند يوحنا في لوحة تدلّ على يد معلّم بارع. بعد هذا يصبح الحدث: الصوت الذي يعلن مجد يسوع دون أن يشير إلى مجد شعّ في وجهه وثيابه. فالتمجيد يعني مباشرة اسم الآب. بعد هذا لن يتركّز التمجيد على فترة قصيرة من الزمن، بل يمتدّ إلى الماضي وإلى المستقبل. إنّه لا يشكّل فقط ذروة وجوده، بل هو مركز شعاعه. يبدو المجد عند الإِزائيين مثل برق يلمع على الجبل. أمّا يوحنا فيراه مشعًّا في كل أقوال يسوع وأعماله ومعجزاته، ولا سيّما في "الآيات " التي نرى من خلالها أعمال الآب ومجده.
قال أحد الشرّاح: "إنّ الإِنجيل الرابع هو تيوفانيا (ظهور) متواصلة حيث لا مكان لمشهد التجلّي كما صوّره الإِزائيون. إنّه فقط لمحة عن المجد الذي يسطع من كل خطب الكلمة المتجسّد وأعماله. ويسوع لم ينحنِ فقط في خضوع كليّ أمام مشيئة الآب من أجل خلاص البشريّة في بستان الزيتون، بل كان في كل حياته يقول: "طعامي أن أعمل بمشيئة الذي أرسلني وأتمم عمله " (يو 4: 34). ونقول أيضًا: لم يظهر مجد يسوع فقط على جبل التجلّي، بل ظهر في حياته كلّها. إن ذلّ الآلام والمجد السماويّ ظهرا كمعطيين استمرَّا طوال حياة يسوع على الأرض.

2- نجمة الصبح (2 بط 1: 16-18).
يُذكَر حدثُ التجلّي عند الإِزائيين الثلاثة، ويُلمح إليه يوحنا. وهناك إشارة أخرى واضحة إلى التجلّي نقرأها في بداية رسالة بطرس الثانية. إنه يطلب من قرّائه أن يعيشوا بطريقة تليق بدعوتهم ويستحلفهم أن يكونوا مستعدّين للمجد الذي ينتظرهم في ملكوت المسيح الأبديّ. وسيظلّ الكاتب طوال حياته يذكرهم بهذه الأمور، وعند موته سيترك وراءه ما يذكرهم بها (تلميح إلى إنجيل مرقس). ويردف:
"فما اتّبعنا نحن خرافات ملفّقة حين أطلعناكم على قوّة ربّنا يسوع المسيح وعلى مجيئه لأنّنا بعيوننا رأينا عظمته. فحين نال من الله الآب إكرامًا ومجدًا جاءه من مجد الله تعالى صوت يقول: هذا هو ابني الحبيب الذي به رضيت. سمعنا نحن هذا الصوت آتيًا من السماء، وكنا معه على الجبل المقدّس " (2 بط 1: 16- 18).
إنّ هذه اللغة تترجم عظمة السرّ وبهاءه بطريقة تختلف عما في الأناجيل الأربعة. فالمشهد ينحصر في الجوهر: لا غمام، لا خيمة، لا أشخاص سماويون. لم يأتِ الصوت من الغمام بل من السماء. لسنا أمام جبل خاص، بل أمام الجبل المقدّس، بعد أن صار ظهور الرب على سيناء نموذجًا لكل تيوفانيا في العالم اليهودي. يشدّد الكاتب، شأنه شأن مز 8: 6 وعب 2: 6- 9، على مجد يسوع وكرامته. أمّا نقله للإِعلان السماوي الذي يشبه ما في إنجيل متى، فهو يُلغي عبارة: "إسمعوا له ". فالأمر الذي أعطاه الصوت قد وُضع موضع العمل يوم قدّم بطرس شهادته. هل نرى في صيغة المتكلِّم الجمع ("نحن ") إشارة إلى بطرس الذي تُصوِّره "رؤيا بطرس " على جبل الزيتون كشاهد وحيد لتجلّي الرب القائم من الموت؟ أم نرى فيه الشهود الثلاثة الذين ذكرهم الإِزائيون، أم كل شهود المسيح الذي قام وتجلّى؟ من الصعب أن نحدّد. ومهما يكن من أمر، فصفة الشاهد للتجلّي التي ينسبها بطرس إلى نفسه تعطي لتعليمه أهميّة كبيرة.
ولكن من أين للتجلّي هذه الأهميّة بحيث يُذكر حتى قبل القيامة؟ هناك جوابان. الأوّل: التجلّي هو برهان على مجيء الرب القريب: لقد رأى شهوده مسبقًا قدرة يسوع المسيح ومجيئه. الجواب الثاني: إنّ التجلّي يشهد لكلام الأنبياء ويوافق على مجموعة تعاليمهم حول العهد المسيحانيّ. قال بطرس: "ازداد يقيننا بكلام الأنبياء" (2 بط 1: 19). خرج الأنبياء عن صمتهم، بل إنّ كلمتهم التي برّرها التجلي وثبّتها، ستبقى حتى زمن المسيح. إنّها كسراج في مكان مظلم تنشر نور الإِنجيل إلى أن يشعّ في قلب المسيحيين كوكب الصبح ونور المجيء. إنّ لتعليم بطرس هذا بُعدًا كبيرًا. فإن كانت الأخبار الإِنجيليّة عن التجلّي تحتفظ بشهادة العهد القديم للمسيح يسوع، فبطرس يرينا العهد القديم وقد تثبَّت نهائيًّا بالتجلّي.

ب- التقليد الإِزائي.
يستند التفسير الكتابيّ إلى شهادة الأناجيل الإِزائيّة الثلاثة. نحن نعرف أنّ متى ولوقا يرتبطان بمرقس، الذي يرتبط بدوره بمراجع وتقاليد سابقة.
إنّ التجلّي يمثّل في التقليد الإِزائي مكانة أدبيّة ولاهوتيّة أساسيّة على منعطف جوهريّ من حياة يسوع العامة. فلقد كان للتجلّي محتوى خاص في نظر يسوع نفسه، فدلَّ على وعيه لمسسيحانيّته في خط أوقات مشابهة: مثلاً، العماد في الأردن والتجارب في البريّة. حدثَ التجلّي في وقت حاسم أحس فيه يسوع رفض رؤساء إسرائيل الدينيين ولامبالاة الشعب، وعُرف كمسيح بفم بطرس. حدثَ فكشف للتلاميذ كيف سيتمّ عمل يسوع: إنّ تمجيده سيكون قيامة في نهاية عبور في الألم والموت. لم تفهم الجموع يسوع، فطلبت مسيحًا وطنيًّا، واحتقرته سلطات الأمّة فتراجع واهتمّ بتعليم تلاميذه. وسيكشف لهذه المجموعة الصغيرة من المؤمنين سرّ شخصه عبر المصير المحفوظ له. إذن، هدفَ التجلّي إلى إظهار مجد اليوم الأخير مسبقًا أمام التلاميذ الذين ركّزوا أنظارهم على حياته اليوميّة معهم. لقد تكلّم الله إلى هؤلاء التلاميذ الخائفين. فالمجد حاضر منذ الآن في ابن الإِِِِنسان العائش أمامهم. إذن، عليهم أن يسمعوا ليسوع ويتبعوه على الطريق الصاعد إلى أورشليم، نحو المجد، بالصليب. فقبل مرارة الآلام العابرة. نال التلاميذ الثلاثة خبرة مسبقة للمجد النهائي. وهكذا تكوّن رباط متشعّب بين خبر التجلّي والعناصر المختلفة التي تسبقه.
هناك اعتراف قيصرية (18:9- 21= مت 16= 13- 20= مر 8: 27- 30)، والإِنباء الأوّل بالآلام (9: 22= مت 16: 21- 23= مر 8: 31- 33)، والأقوال حول ما ينتظر التلاميذ (9: 23- 26= مت 16: 24 - 27= مر 8: 34- 38)، والقول حول المجيء القريب (لو 27:9= مت 28:16= مر 9: 1): " في الحاضرين هنا من لا يذوقون الموت حتى يشاهدوا ملكوت الله في مجد عظيم ".
يذكّرنا خبر التجليّ ببُعده النبويّ ببعض الصفحات العظيمة في الانجيل. فحضور إيليّا ضمّ إلى الخبر بعض أقوال إسكاتولوجيّة عن رجوع إيليّا. والعودة إلى المحن أقامت رباطًا مع أحداث النزاع والآلام. أمّا رؤية المجد فوجّهت أنظارنا إلى الظهورات الفصحية، إلى اختفاء يسوع الاحتفالي بالصعود، إلى انتظار مجيء الرب بالمجد. ففي قلب التقليد الإِزائيّ عينه يجعل خبرُ التجلُي صورةَ الرب تشعّ فتجمع فيها أهمّ مراحل تدخّله الخلاصي.
ولكن لكل إنجيليّ طريقته في التأمّل بحدث التجلّي. وأنوار تفسيرهم ستساعدنا على الولوج إلى فهم السر.

1- التجلّي حسب القدّيس متى.
سنحلّل نص متى مشدّدين على ما هو خاص به، تاركين جانبًا العناصر المشتركة، أي نواة الخبر الأولى التي سنجدها في إنجيل مرقس.

أوّلاً: بهاء ابن الإِِِِنسان.
يجعلنا متى نستشفّ تفسيرًا جليانيًّا واضحًا للتجلّي. فالله رأى أن يكشف في شخص ابنه سرَّه لتلاميذ اختارهم. لذلك فتح عيون هؤلاء الشهود ليروا بنعمة الوحي المجد الإِلهي المخفي في وضع بشريّ أخذه الابن على عاتقه، وليعرفوا فيه ابن الإِِِِنسان الذي أنبأ به دانيال من أجل نهاية الأزمنة.
ويبرز الطابع الجليانيّ في الفن الأدبيّ ومواضيع الخبر والرباط مع القول الإسكاتولوجيّ الذي يلعب دور المقدّمة المباشرة، ومع اعتراف بطرس الذي يتفرّد متى فيشدّد على طابع الوحي الإِلهي فيه. كان يسوع قد سأل تلاميذه عن رأي الناس فيه، ثم سألهم رأيهم الخاص. حينئذٍ هتف بطرس: "أنت المسيح ابن الله الحي " (مت 16:16). وأورد متى وحده جواب يسوع بما فيه من بركة ومواعيد: "طوبى لك يا سمعان بن يونا، لأنّ هذا الوحي جاءك، لا من اللحم والدم، بل من أبي الذي في السماوات " (مت 16: 17).
اهتمّ متى بالتشديد على الوحي الإِلهيّ المجانيّ وغير المنتظر الذي نجده في إعلان إيمان بطرس. وهذا الوحي سنجده من جديد خلال التجلّي الذي صار فيه يسوع منظورًا في بهائه. وبرز بطرس مرّة أخرى حين اقترح بأن ينصب ثلاث خيام. ما اكتشفه في قيصريّة بإلهام إلهيّ، ها هو يتأمّله في مجد المسيح المتجلّي بنعمة فريدة من الله.
يبدأ خبر التجلّي بقول إسكاتولوجيّ ينهي في الوقت عينه تعليم يسوع حول الشروط الضروريّة لاتباعه. فعبر المحن والصليب سيكافأون حتى في هذه الدنيا. وإنّ حدث التجلّي الذي شهده بطرس ويعقوب ويوحنا، يبدو وكأنّه أمر مسبق. قال مر 9: 1: "وقال لهم: الحق أقول لكم: في الحاضرين هنا من لا يذوقون الموت حتى يشاهدوا مجيء ملكوت الله في مجد عظيم ". أمّا متى فحوَّر النص بصورة مميّزة "الحق أقول لكم: في الحاضرين هنا من لا يذوقون الموت حتى يشاهدوا مجيء ابن الانسان في ملكوته " (مت 28:16).
إنّ نص متى يتوافق مع قول يسوع السابق الذي أشار إلى مجيء ابن الإِِِِنسان القريب في مجد أبيه مع ملائكته. ففي آ 27 و28 يستعمل متى صيغة الحاضر فيلغي ذكر المجيء النهائيّ لملكوت السماوات ليُحلّ محلَّه مجيء ابن الإِِِِنسان الداخل إلى ملكوته. هو منذ الآن سيد ملكوت الله. وهكذا يمتدّ مشهد المجيء ويتّخذ شكلاً دراماتيكيًّا. يبدو أنّ متى أراد أن يبيّن لبني عصره من المسيحيين المتهوّدين الذين دهشوا من تأخّر المجيء، أراد أن يبينّ لهم أنّ المجيء هو هنا، وحضور (باروسيا) الرب يتحقّق الآن. إنّ يسوع إبن الإِِِِنسان يسير مسيرته فينكشف مجده. الدينونة وملكوت الله يتحقّقان.
حين تحدّث متى عن التجلّي استعمل لفظة"هوراما" (رؤية) (مت9:17) التي نجدها في دانيال (8:7؛ 10: 1)، ووسّع خبره حسب الرسمة العاديّة وكليشاهات الأدب الجليانيّ. نحن أمام مشهد من "صوت وضوء". ينتج عن هذا أنّنا لن نبحث عن موضع محدّد للجبل العالي، جبل التجلّي: فالجبل هو الموضع الذي يجعلنا قريبين من الله (آ 1).
إذ أراد مرقس أن يصوّر تجلّي يسوع، اكتفى بالحديث عن بهاء ثيابه البيضاء "بحيث لا يقدر قصار على الأرض أن يبيّض مثلها". أمّا متى فكتب لنا: إنّ ثياب يسوع كانت أيضًا بيضاء كالنّور. وزاد: إنّ وجهه كان مشعًّا كالشمس (آ 2). هذا يقربنا من الأدب الجليانيّ (دا 10: 6) ولا يبعدنا عن صور قدّمها يسوع نفسه عن مجيء ابن الإِِِِنسان المجيد. اكتفى متى بأن يوضح مرقس في خط تسامي المسيح. فجاءت الرؤى اليوحناوية تؤكّد هذا الخط (رؤ 1: 12- 16).
وأعلنت الرؤى اليهوديّة أنّ وجوه الأبرار ستتحوّل إلى جمال مشعّ فتصبح ساطعة كالملائكة الذين يشبهونهم ويمتلئون مجدًا (رؤيا باروك 51: 3 - 10). هذا ما يقوله لنا متى في التفسير الإِسكاتولوجيّ لمثل الزؤان: "وأمّا الأبرار فيشرقون كالشمس في ملكوت أبيهم " (مت 43:13).
وظهور موسى وإيليّا يرتبط أيضًا بسيناريو المجيء والظهور الإلهي في آخر الأزمنة. فالرؤى اليهوديّة تتضمّن عددًا من التلميحات إلى ظهور أبطال قدماء حين يأتي المسيح: عزرا، باروك، إرميا وغيرهم. "ترون أخنوخ ونوحًا وسامًا وابراهيم واسحق ويعقوب يقفون عن يمين الفرح " (وصية بنيامين 10: 5- 6). وتُبرز رؤيا بطرس المسيح المتجلّي يحيط به لا موسى وإيليّا وحسب، بل كل أبرار العهد القديم. ولكن كان اهتمام خاص بالأشخاص الذين انتقلوا إلى الآخرة دون أن يموتوا، حسب الكتب المقدّسة، مثل اخنوخ وإيليّا. نحن نعرف أنّ إيليّا نُقل إلى السماء وأنبأ ملاخي بعودته كسابق للمسيح (ملا 23:3-24). هذا ما اعتقده الشعب في أيام يسوع. أمّا عن موسى، فالتقاليد غير واضحة. قال تث 34: 6: "لم يرَ أحد قبره ". سيتحدّث انتقال موسى عن وجوده السابق وعن دوره كمتشفّع. ثم إنّ رؤيا يوحنا (11: 1- 13) ترى في موسى وإيليّا الشاهدين والسابقين لمجيء ابن الإِِِِنسان.
وترافق الرؤية الجليانيّة عادة كلمة وحي: هو صوت يأتي من الغمام كما في المعموديّة عند متى الذي احتفظ بالعبارة: "به رضيت " (آ 5؛ رج 2 بط 1: 17). إنّ سبب الرضى الإِلهيّ الذي قد يرتبط بنص أش 42: 1 كبداية قول إلهي، نجده أيضًا في قرائن جليانيّة.
وتفرّد متى بملاحظة الخوف عند الرسل الذين وقعوا على وجوههم (آ 6- 7). نحن لسنا أمام لوم يُوجّه إلى بطرس ويعقوب ويوحنا. فالرعب المقدّس هو الموقف العادي في العالم الجليانيّ (دا 7:10-9). أنهضهم يسوع، وهذا فعل معروف، وفرض عليهم (بأسلوب مباشر عند متى) بأن يحتفظوا بسر هذه الرؤية التي نعموا بها.

ثانيًا: عظمة موسى الجديد.
يصوّر لنا إنجيل متى يسوع على أنّه موسى الجديد ومشترع العهد الجديد وإسرائيل الجديد. وينتظم تعليم يسوع في خمس خطب أخرى مثل أسفار الشريعة الخمسة. ثم إنّ يسوع يؤكّد بوضوح أنه جاء يتمّ الشريعة ويعلن الشريعة الجديدة حسب روح الله: "لا تظنّوا أنّي جئت لألغي الشريعة والأنبياء، ما جئت لألغى بل لأكمّل " (مت 17:5).
والتعارضات الاحتفاليّة في ف 5، تدلّ على إرادة يسوع هذه. وعلى هذا الضوء يُذكِّرنا جبلُ الخطبة الكبرى التي تدشّن رسالة يسوع (مت 5- 7، عظة الجبل) بسيناء حيث أعطى الله الشريعة لموسى. وتجارب يسوع في البريّة ارتبطت هي أيضًا بخروج إسرائيل، وهناك عرف موسى التجربة والمحنة حتى جبل نبو حيث مات تجاه الأرض المقدّسة.
إقتيد يسوع في بداية رسالته إلى جبل عالٍ جدًّا (مت 8:4). هناك رفض أن يسجد للشيطان ليحصل منه على قدرة لا يعطيها إلاّ الله. وتجاه هذا الإِكرام الأوّل لله، جاء الصوت السماويّ على جبل التجلّي العالي. أعلن أنّ هذا الرجل هو ابن الله فأكّد على التعليم الجديد والمصير الذي ينتظر عبد الله، وشدد على طريق المجد السماويّ عبر الذلّ والاحتقار. والسموّ على السماء والأرض الذي ناله يسوع من الآب سينقله إلى التلاميذ المجتمعين على جبل الصعود (مت 18:28- 20).
إقتدى متى ببولس في 2 كور3- 4 وبصاحب عب 3: 1- 6 فأراد أن يقنع قرّاءه أنّ شريعة يسوع المسيح تجاوزت شريعة موسى. وهكذا وجدت عدّةُ تفاصيل في التجلّي الفصحيّ. فالخيام تذكّرنا بالإِقامة في البريّة، والجبل بسيناء، والأيّام الستة بتلك التي تسبق التيوفانيا حين صعد موسى الجبل مع رفاق اختارهم فظللتهم غمامة مضيئة (فقط عند متى) وسمع صوت الله. ونزل موسى من الجبل بوجه مضيء لم يستطع بنو إسرائيل النظر إليه (خر 24؛ 34؛ 40).
أشار مرقس إلى حضور إيليّا وموسى بجانب يسوع (مر 9: 4)، أمّا متى فبينّ أنّ موسى هو الأوّل على مستوى التاريخ ومستوى التراتبيّة. ففي موسى وإيليّا جاءت الكتب كلّها تشهد ليسوع وتكرّمه، ومعه موسى. أمّا الصوت السماويّ فطلب من التلاميذ أن "يسمعوا" "للابن الحبيب " الذي تجلّى. هنا نعود إلى تث 18: 15 (رج أع22:3؛ 37:7؛ يو 1 :45؛ 6: 14؛ 7: 40) مع نبوءة قرأتها الكنيسة الأولى: "سيقيم لك الرب إلهك من وسطك وبين إخوتك نبيًّا مثلي فله تسمعون ".
هذا النبيّ الشبيه بموسى والأعظم من موسى هو يسوع. واختفاء موسى وإيليّا بعد الاعلانَ الإِلهيّ يدلّ على أنّ صور العهد القديم، بل أكرمها، قد زالت أمام حقيقة الإِبن. فيسوع يكفي وهو معلّم الناس ومشترع البشريّة النهائيّ. "فرفعوا عيونهم، فما رأوا إلاّ يسوع وحده " (آ 8). وسنجد في أيقونات التجلّي المسيحَ المجيد يبارك التلاميذ باليمنى ويمسك باليُسرى الإِنجيل الذي جاء يعلنه والذي بحسبه سيدين ابن الإِِِِنسان الأحياء والأموات.

ثالثًا: تكريم الرب.
حدّد متى موقع حدث التجلّي في إطار حياة يسوع العامة، ولكن بُعده الإِسكاتولوجيّ يكشف ولا شك آثار الإِيمان ولاهوته الفصحيّ. يستعمل كلمة "الرب " (كيريوس)، لا "رابي" كما فعل مرقس. هذا اللقب الذي تستعمله السبعينية لتنقل اسم "يهوه" العبريّ، قد أعطته الكنيسة الأولى للمسيح القائم من الموت، فدلّت على بنوّته الإِلهيّة وانتصاره على الموت (أع 34:2- 36). ونجد أثرًا آخر للإِيمان الفصحيّ في البرهان الكتابيّ الذي نجده في القول السماويّ والذي يشبه الكلام في معموديّة يسوع. نحن نرى في ابن الإِِِِنسان حسب دانيال وفي موسى الجديد ابن الله حسب الطريقة التي بها قرأت الكنيسة الأولى نبوءات عبد الله والمزمور الثاني. ولقد شدّد متى خلال إنجيله على نبوءة يسوع الإِلهيّة (مت 14: 33؛ 16: 16؛ 22: 2؛ 27: 40، 43). والأثر الثالث نجده حين اقترب يسوع من تلاميذه ليساعدهم على النهوض بعد أن سقطوا إلى الأرض. "دنا منهم " (آ 6-7؛ 28: 17- 18، ظهور يسوع القائم من الموت). ونجد هذا الفعل أيضًا في خبر السير على المياه (مت 22:14 ي). كل هذا يدلّ على قرب المسيح المنبعث من تلاميذه. إنّه حاضر بينهم رغم غيابه الظاهر في عالم القيامة. ونلاحظ أيضًا فعل "قام " للتحدّث عن قيامة يسوع (آ 9) وإنهاض التلاميذ الذين وقعوا على وجوههم. إنّ قوّة القيامة تعمل في حياة رسل المسيح وإيمانهم. 
وهناك ملاحظات ترتبط بهذا البُعد الكنسيّ للتجلّي ولإِنجيل متى كلّه. فالتجلّي يجد مكانه وسط أحداث تسبق وتهيئ خطبة يسوع الكبرى الرابعة التي تسمى "الخطبة الكنسيّة" (مت 18). ومن جهة ثانية، إنّ الأمر للرسل بأن يسمعوا ليسوع، يُعدّ الطريق لأن يسمع الناسُ للرسل (مت 15:18 -17). والكلمة التي تفهمنا ف 17 في متى هي "الابن ": يسوع ابن الإِِِِنسان هو أيضًا ابن الله وذلك الذي جاء يمنح أخصاءه البنوة الإِلهيّة ويجعلهم أحرارًا (مت 26:17). واختيار الرسل الثلاثة المميّزين جزء لا يتجزّأ من تنشئة يحتفظ بها يسوع لعُمُد الكنيسة في المستقبل. يشير متى إلى أنّ يوحنا هو أخو يعقوب ويحافظ على كرامة الرسل، فلا يشدّد على عدم فهمهم للقيامة (آ 9) ورجوع إيليّا (آ 13)، ويبرّر رعبهم حين سمعوا الصوت السماويّ. حين عرض بطرس أن ينصب ثلاث خيام، وكان أسلوبه مفعمًا بالاحترام. وأخيرًا ألغى ما قاله مر 9: 6: "وكان لا يعرف ما يقول من شدّة الخوف الذي استولى عليه هو ورفاقه ". 
ففي نظر متى الإِنجيليّ، يسوع المتجلّي الذي يرى فيه أيضًا الرب المنبعث وموسى الجديد وابن الإِِِِنسان المنتظر في المجيء، هو أيضًا مؤسس كنيسة هي مجموعة مؤمنين حمل إليهم التعليم والحياة قبل أن ينقلهم إلى ملكوته. وحين رسم متى وكنيسته التجلّي استعملا اللغة التي استعملها الرسل أمام أولى ظهورات القائم من الموت.

2- التجلّي حسب القدّيس مرقس.
سبق مرقس متى ولوقا، لهذا لا نستطيع أن نحلّل نصه على ضوء نموذج أو مرجع عرفناه. ولكن يمكن أن نستخلص تدريجيًّا الإِطار الأدبيّ واللاهوتي، وهذه هي الوسيلة الوحيدة لكي نقترب من التقليد السابق لمرقس، وبالتالي من الحدث الذي كان في أساس الخبر.

أوّلاً: مركز مضيء في الإِنجيل.
كيف يبدو تأليف مرقس؟ بعد مقدّمة نقرأ فيها كرازة يوحنا المعمدان وعماد يسوع، يبرز قسم أوّل يتألّف من أسفار في الجليل (1: 14- 23:7) وقسم ثانٍ من أسفار تتمّ خارج الجليل (24:7- 9: 5) ثم قسم ثالث مركزه أورشليم (ف 10- 15) وأخيرًا خاتمة فيها اكتشاف القبر الفارغ وخوف النسوة. فوق هذا التقسيم التاريخيّ حيث يبدو التاريخ رسمة مبسّطة، هناك تقسيم حسب المواضيع نجد فيه: سلسلة أولى من خمس مجادلات، في الجليل (2: 1- 6:3). سلسلتان من الأحداث تُروى بطريقة متوازية حول موضوع الخبز (6: 35- 8: 26). سلسلة ثانية من خمس مجادلات، في اليهوديّة (11: 27- 12: 37). أخيرًا فصل الآلام. كل هذا لا يقدّم لنا بناء تاريخيًّا ولا لاهوتيًّا، بل صورة مدهشة، وجه يسوع المسيح ابن الله.
ألّف متى ولوقا خبرًا. أمّا مرقس فقدّم رسمة كرازية بسيطة. لا نجد عنده خبر الطفولة (ولكن نتذكّر أنّ الكنيسة الأولى تجعل الشهادة الرسوليّة تبدأ مع عماد يوحنا: أع 1: 21-22). كما غابت ظهورات القائم من الموت، لأنّ إنجيل مرقس ينتهي في 8:16 بصورة مفاجئة كما بدأ: "فخرجت النسوة من القبر فارّات من شدّة الحيرة والفزع، ولم يقلن لأحد شيئًا لأنّهن كُنَّ خائفات".
وتساءل الشرّاح: هل كانت هناك خاتمة أوّلانيّة ثم غابت لسبب نجهله. فجاءت هذه الخاتمة التي نعرفها (16: 9- 20) تسد هذا الفراغ؟ وأعلن آخرون أنّ مرقس توقّف عند آ 8 وهو الذي قاسم الجيل المسيحيّ الأوّل أمل عودة المسيح القريبة: بما أنّ الجوهر هو عودة الربّ في المجد، فالقيامة التي تدشّن حقبة من المحن المسيحانيّة، محن الكنيسة ومحن المسيح، هي استباق لهذا المجيء. حينئذٍ ارتبط الرجاء بوعد يسوع (14: 28) الذي ذكر في 7:16: "بعد قيامتي أسبقكم إلى الجليل" . وحين ركّز لوقا إنجيله على أورشليم، كوّن مرقس إنجيله حسب مخطط جغرافيّ ولاهوتيّ جليليّ.
بعد أن أعلن الإِنجيل في الجليل، صعد يسوع إلى أورشليم من أجل آلامه كما يليق بأكبر الأنبياء. ثم ظهر من جديد في الجليل (جليل الأم ورمز العالم) حيث كان ظهوره الأوّل، في أزمنة النهاية التي دشنتها القيامة وفي زمن المجيء المجيد في نهاية الأزمنة. من هنا ظهورات المسيح في الجليل مثل تكثير الخبز والسير على المياه والتجلّي.
كما أنّ يسوع تقدّم التلاميذ في الماضي من الجليل إلى أورشليم (10: 32)، هكذا سبقهم الآن القائم من الموت من أورشليم إلى الجليل (14: 28؛ 16: 7). لقد كانت رسالة يسوع الجليليّة ابيفانيا خفيّة. ورسالة الجماعة المرقسية الحاليّة هي رسالة في وضح النهار، لأنّ السرَّ المسيحانيّ قد كُشف بالقيامة (9: 9). جعل مرقس الجليل في حاضر الكنيسة فأعطاه أساسًا يتوجّه إلى الأمام وإلى الوراء، وذلك حين نظم مداه بأبعاد ثلاثة. 
أوّلاً: الوعد: "يسبقكم إلى الجليل ". هذا يعني في الوقت عينه حاضر الرسالة وماضي ظهورات القائم من الموت ومستقبل المجيء المنتظر. إنطلق الإِنجيليّ من وضع كنيسته الحالي (الرسالة لدى الوثنيّين) فأسّسها في حياة المسيح (الرسالة في الجليل والظهورات) وفتح لها مدى مطلقًا (المجيء).
حين بدا مرقس متحفّظًا بالنسبة إلى القيامة التي جعلها نسبيّة بانتظار المجيء، فهو قد دلّ على فن رفيع ولاهوت عميق. وهكذا يقيم خبر التجلّي في مسيرة كرازيّة توجّه الإِنجيل كلّه. لم يكن من الضروريّ حقا لخطبة مرقس الإنجيليّة أن تعطينا خبر القيامة، لأنّ التجلّي يشكّل له استباقًا، ولأنّ 9: 9 تربط بين الخبرين رباطًا واضحًا. فهناك في قلب الإِنجيل ديناميّة خاصّة وحركة فكر تجد ذروتها في الوحي على الجبل العالي ساعة التجلّي. وإنّ فضَّل مرقس أن يضع الثقل كلّه في قلب إنجيله، فهذا عائد إلى نيّته الأولى: أن يشدّد على المدلول الحالي لحياة يسوع ابن الله وموته وقيامته للجماعة الكنسية.

ثانيًا: ملكوت الله يأتي بقوّة.
إنّ إنجيل مرقس يجعلنا نستَشفّ بنية يلعب فيها التجلّي دورًا مركزيًّا. فنحن نستطيع أن نقتلع خبر التجلّي من مكانه دون أن تتأثّر البنية. فإن ربطنا قول يسوع حول قرب المجيء (9: 1) بالجدال حول عودة إيليّا كالسابق (9: 11 - 13) لن يكون انقطاع في الفكر ولا في الشكل الأدبيّ.
فيسوع، بعد أن تحدّث عن متطلّبات قاسية فرضها على تلاميذه لكي يتبعونه، زاد: "الحق أقول لكم: في الحاضرين هنا من لا يذوقون الموت حتى يشاهدوا ملكوت الله يأتي بقوّة (بمجد عظيم) " (9: 1). إنّ مجيء ملكوت الله هو موضوع الانجيل. "وبعد إعتقال يوحنّا، جاء يسوع إلى الجليل يُعلن بشارة ملكوت الله ويقول: تمّ الزمان واقترب ملكوت الله. فتوبوا وآمنوا بالبشارة" (14:1- 15). أمّا قوّة الله فستظهر في وضح النهار ساعة المجيء. هذا ما يؤكّده يسوع مرارًا في جدال حول القيامة والزواج (12: 18- 27) وفي خطبته الاسكاتولوجية (13: 24- 27) وخلال الدعوى المقامة عليه: "وسأله رئيس الكهنة ثانيًا: هل أنت المسيح ابن المبارك؟ أجابه يسوع: أنا هو. وسترون إبن الانسان جالسًا عن يمين القدرة وآتيًا مع سحاب السماء" (14: 61- 62).
وإذا وضعنا جانبًا حدث التجليّ، نرى الجدال التالي يعالج عودة إيليا: "ثم سألوه: لماذا يقول معلّمو الشريعة: يجب أن يجيء إيليا أوّلاً؟ فأجابهم: نعم، يجيء إيليا أوّلاً ويُصلح كل شيء. فكيف يقول الكتاب ان ابن الانسان سيتألّم كثيرًا وينبذه الناس؟ لكني أقول لكم: إيليا جاء وفعلوا به على هواهم، كما جاء عنه في الكتب " (9: 11-13).
ان التماثل الدقيق بين المعمدان ويسوع بالنسبة إلى إيليا وانبياء إسرائيل القديم هو موضوع يشدّد عليه مرقس هنا وفي 14:6- 16 و27:8- 29. وكان لهذا الجدال قبل كل شيء بُعدٌ اسكاتولوجي، بعد أن أعلن ملاخي عودة إيليا كالسابق للمسيح (ملا 23:3- 24). لقد أقرّ يسوع بهذه الوظيفة وهذه القوة ليوحنّا المعمدان كما يقول مرقس (2:1- 8) ولوقا (7:1). وبمختصر الكلام، إن الجدال حول مجيء إيليا المماثل لمجيء المعمدان يرتبط بكلمة يسوع حول مجيء الملكوت.
يمكن أن يكون خبر التجلّي قد أُقحم هنا بسبب لاهوت مرقس والبنية التي حاول أن يعطيها لانجيله، وكتعليق يفسّر تأخر مجيء يسوع الثاني. لقد حقّق مرقس في هذه الفرضية تناسقًا عجيبًا لأن قول يسوع الاسكاتولوجي قد وجد له صورة مسبّقة في حدث التجلّي. وظهور إيليا المذكور أولاً يدفع الرسل الى طرح السؤال عن دور إيليا.

ثالثًا: سر التجلّي
إكتشف بعض الشرّاح تضمينًا أدبيًّا في آ 2، 8 من المقطوعة التي ندرس. من جهة، كتب مرقس أن "يسوع أخذ معه بطرس ويعقوب ويوحّنا وأخذهم إلى جبل مرتفع وحدهم على إنفراد" (إنفرد). ومن جهة ثانية يقول: "وتلفّتوا فجأة حولهم، فما رأوا معهم إلاّ يسوع وحده ". هذا التضمين يجعل آ 9- 10 خارج الاطار، لانهما تحويان موضوعين خاصين بإنجيل مرقس: السرّ المسيحاني الذي فرضه يسوع، وعدم فهم التلاميذ.
لقد فرض يسوع السرّ على التلاميذ بعد التجلّي كما في أماكن عدّة من إنجيل مرقس: "وبينما هم نازلون من الجبل، أوصاهم يسوع أن لا يخبروا أحدًا بما رأوا، إلاّ متى قام ابن الإِِِِنسان من الأموات. فحفظوا وصيّته... " (9: 9- 10). نجد هذا "السرّ " في أخبار المعجزات، في طرد الشياطين، في الجدالات والأمثال. فالآيات التدوينيّة وترتيب المقطوعات تشهد على أن السرّ هو حاضر بصورة واعية طوال الانجيل. فكيف نفسّر موقف يسوع هذا او طريقة مرقس في عرض رسالة يسوع؟
"السرّ" هو موضوع عقائدي في الجماعة الأولى، أتاح لمرقس أن يخفي المسافة بين يسوع التاريخ ومسيح الإِيمان الجديد. إهتمّ يسوع باتباع طريق التواضع، طريق انبياء إسرائيل وعبد الله الذي أخذ على عاتقه مصير إسرائيل، ليتجنّب كل تجربة مسيحانية سياسية وكل إكراه في الإِيمان، فأخفض كرامته المسيحانية والالهية حتّى ساعة الفصح. ولكن غداة الفصح، قرأت الكنيسة الفتية حياته على ضوء وضعه كالسيد والربّ. لام اليهود يسوع لأنّه لم يحقّق مواعيد مسيح مجيد، فأجاب المسيحيّون: إنّ رسالته كانت مجيدة، ولكنّ يسوع عارض شهرة متنامية ولكن قد تكون ملتبسة. وهكذا" يقابل السرّ المسيحاني إنشدادًا أراده مرقس بين ظهور الملكوت ظهورًا لا يُقاوَم وبين إرادة يسوع بأن يخفي هذا الاجتياح الاسكاتولوجي حتّى الساعة المسيحانية. ولكن النيّة اللاهوتية والدفاعية ترافقها نية تعليمية ورعاوية. حين ميَّز مرقس إعلان إنجيل يسوع وتعليمه، وحين شدّد على مختلف درجات هذا التعليم الموجّه إلى الجمع أو التلاميذ أو الرسل الثلاثة المميّزين، وحين أبرز ما رفض يسوع أن ينقله الى الآخرين، حين فعل مرقس هذا دعا قرّاءه وسامعيه إلى فهم متدرِّج لمجيء المخلّص وإنجيله.
إن ظهور (ابيفيانيا) المسيح السريّ يتطلب تنشئة بطيئة، ونحن نجد رمزه في سر التجلّي: رؤية محفوظة لبعض الرسل اختارهم وانفرد بهم على الجبل. نداء سماوي بأن لا يستمعوا إلاّ للابن. وأخيرًا أمر بأن يحفظوا السرّ (مر1 :25، 34، 44؛ 3: 12؛ 43:5؛ 7: 36؛ 8: 26- 30).
يسوع هو في نظر متّى الربّ الذي نعبد. وفي نظر مرقس هو المسيح الذي لم يفهمه الناس. ويشير الانجيل الثاني إلى المسافة التي تفصل الانسان عن سرّ يسوع. تفرّد مرقس فزاد هذا الاعتبار عن "السر" الذي فرضه يسوع: "فحفظوا وصيته، ولكنّهم أخذوا يتساءلون: ما معنى: قام من بين الأموات " (9: 10).
نلاحظ أن مرقس لم يورد موضوع حوار يسوع مع إيليا وموسى. فالرسل الثلاثة، وهم من عالم الأرض، ظلّوا بعيدين. لذلك حين وجّه بطرس كلامه الى يسوع سماه فقط "رابي" (يا معلّم)، وعرض عليه أن ينصب ثلاث خيام، فدلّ على حيرته. وشدّد مرقس على هذه الحيرة فقال: "وكان لا يعرف ما يقول من شدّة الخوف " (6:9؛ رج 14: 40: وحاروا بماذا يجيبونه في جتسيماني). وهذا الخوف الذي يشبه خوف النسوة حين ظهر عليهن ملاك القيامة (16: 5- 8)، يدلّ على استصعاب التلاميذ بل عجزهم عن فهم البعد المسيحاني لأقوال يسوع وأعماله. لقد فسَّر بطرس تفسيرًا خاطئًا الظهور المسيحاني على الجبل. كل ما يستطيع أن يقوله ليس في محلّه بسبب الخوف أمام إجتياح عالم الله لحياته. وحين يلاحظ مرقس في آ 8 ان التلاميذ تلفّتوا فجأة حولهم فما رأوا معهم إلاّ يسوع وحده "، فهو يرى لومًا موجَّهًا إلى الرسل لأنهم لم يستمرّوا في النظر إلى يسوع في الإِيمان برفقة قديسي العهد القديم وفي حياة حميمة مع الآب. وحين تساءل هؤلاء الرسل أنفسهم حول قيامة الموتى، لم يكونوا أمام مسألة عامة، لأن القيامة هي عقيدة يقول بها الجميع ما عدا الصادوقيّون. إن التلاميذ يعثرون بالموت الذي سيمرُّ فيه يسوع. هل سيُخطف المسيح إلى السماء على مثال إيليا موسى؟ هل سينحدر في الموت قبل أن يقوم؟ لقد أبرز مرقس عدم فهم الرسل لهذا الأمر في كتابه (13:4، 40- 41؛ 6: 50- 52؛ 17:8- 21؛ 32:9؛ 10: 24، 26، 32، 38). وسيلاحظ يوحنّا من جهّته أن التلاميذ لم يدركوا البعد الكتابي والمسيحاني لفعلات يسوع إلاّ بعد القيامة التي ستدخلهم في سر إبن الله (يو 22:2؛ 12: 16؛ 7:13؛ 26:14؛ 20: 9).

رابعًا: آثار العيد.
ها قد وصلنا إلى ما سمي "النواة السابقة لمرقس"، إلى تقليد لا نجد فيه إعتبارات مرقس وطريقة أخباره. نتوقّف عند المحيط الحياتي وعند تاريخيّة الحدث مع العلم أنّنا في جوار قيصرية فيلبّس، وأننا في منعطف من حياة يسوع العامة. 
يلفت نظرنا ثلاثة تفاصيل: عرضُ بطرس بأن ينصب ثلاث خيام (آ 5)، إشارةٌ زمنية إلى ستة أيام، الجبل العالي (آ 2).
لن نفهم عرض بطرس إن لم نجعله في الاطار التاريخي لعيد المظال الذي يذكر بني إسرائيل بإقامتهم تحت الخيام أربعين سنة في البرية في خدمة الربّ وفي ظل حضوره (الغمام المضيء). قد يكون هذا العيد تيوفانيا سيناء. وقد يكون إمتدّ حتى دخول أرض الميعاد. لقد ظلّ اليهود يحنّون إلى هذه الحياة البدويّة، وقد جسَّدوها في عيد المظال الذي يمتد اسبوعًا كاملاً فينهي دورة الفصح والعنصرة، والذي به إرتبط إنتظار مجيء المسيح. ويشهد العهد الجديد في موضع آخر عن تجمّع خيام الابرار قرب الخيمة السرية، قرب مسكن الله (لو16: 9؛ عب 8: 2-5؛ رؤ 7: 15؛ 21: 3).
أعلن رايزنفلد أن عيد المظال صار تنصيب الله ملكًا. وهكذا يكون هذا العيد الإِطار الملموس للتجلّي، حيث يبدو يسوع ملكًا في مناخ عبادي.
وأعطى بلتنسوايلر قيمة سِيَرويّة لخبر التجلّي. فاليوم السابع من عيد المظال، يوم الهوشعنا العظيم، يشكّل قمّة العيد. كانوا يقيمون في الخيام ويرتدون الثياب البيضاء ويجعلون الهيكل يفيض نورًا وفرحًا. والإشارة الكرونولوجيّة (ستة أيام) في مرقس تجد معناها لانها لا ترد إلاّ هنا وفي خبر الآلام. هي ترتبط بالخيام فتعطينا مفتاح اللّغز. ففي اليوم السابع، صعد يسوع الى الجبل في جوّ وطني ومسيحاني. والمكان يوافق المكان الذي إعتزل فيه يسوع بعد معمودية يوحنا وخلال أولى تجارب حياته، كما يوافق جتسيماني حيث إختار أن يختلي قبل توقيفه مع ثلاثة من تلاميذه. إن سحر مسيحانيّة سياسية يُفهم في إطار عيد المظال. ولكنّ يسوع وقف جانبًا. لم يكن أحد ينتظر التجلّي الذي هو علامة معطاة ليسوع نفسه. إذ هو يتأمّل في معنى رسالته، جاء النور والعزاء من السماء. فرح بطرس حين رأى السماء تنفتح وظنّ أن العيد وصل الى نهايته فأعلن السعادة المسيحانيّة: "حسن لنا أن نكون هنا. فلننصب ثلاث خيام " (آ 5). أراد أن يحدّد موقع السر، أن يجعل الساعة المباركة تمتد طويلاً، أراد أن يثبت التاريخ في مكانه. ولكنّ يسوع أبعده عن هذه الأفكار. أنزله إلى السهل وجعله يتوجّه نحو أورشليم والفصح الذي يدشّن المرحلة الأخيرة من التدخل المسيحاني.
ويرى ترال في هذا الحدث نمطية عيد المظال كما طُبِّقت على يسوع (وهذا ما نقوله عن دخول يسوع المسيحاني إلى أورشليم) بفم مؤمنين وجّهوا أنظارهم إلى المجيء ثمّ إنّ عيد المظال يساعدنا على الإِِحاطة بحدث التجلّي في حياة يسوع كما على مستوى التفكير المسيحي.
وتوقَّف بعض الشرّاح أمام عيد ظهور المسيح المتجلّي في ق