إنجيل لوقا، صعود يسوع إلى أورشليم

 

تقديم

هذا هو الجزء الثاني في تفسير إنجيل ربنا يسوع المسيح للقديس لوقا. عنوانه: الصعود إلى أورشليم وهو يمتد من 9: 51 إلى 19: 27.
كيف يبدو هذا الكتاب؟ الأسلوب هو هو. نقسم الفصول الإنجيلية إلى مقطوعات كما تقرأ في الليتورجيا، ونفسّر كل مقطوعة في ذاتها، في علاقتها مع ما قبلها وما بعدها، في علاقتها مع الإنجيل كله. حين نشرح الفصل كله، نقع في خطرين: إما نوجز الشرح بحيث لا يستخلص القارئ الشيء الكثير. وإما نطيل الشرح فيضيع القارئ ويخاف ويترك الكتاب جانباً. ولكن الإقتصار على كل مقطوعة على حدة، يجعل المؤمن يقرأ حوالي عشر صفحات فيغذي صلاته الفردية، أو مشاركته الإنجيلية. وإذا كان كاهناً، اكتشف مواد لعظته أو لسهرة إنجيلية في رعيته. وقد يكتشف فيه دارس اللاهوت ما يشبع فضوله من دراسة علمية وتحليلية تغنيه عن كتب عديدة. 
قال بعض القراء: إن الجزء الأول من تفسير لوقا هو كبير، فمن يستطيع أن يقرأه؟ ولماذا لا نقرأه مستعينين بالنصّ الإنجيلي بل بالكتاب المقدس لكي نغني حياتنا الروحية فلا تبقى عواطف وشعوراً تتزعزع أمام أول صعوبة؟ وإن كنا لا نجد الوقت الكافي لقراءته كله، حينذاك نعود إلى الفصل الذي نحتاجه، كما نعود إلى قاموس من القواميس. وقال آخرون: لا نستطيع أن نجد فيه عظة كاملة. وقابلوا بينه وبين كتاب صغير هو "من القراءة إلى التأمّل مع القديس متّى". هذا الكتاب الصغير هو للمبتدئين، ونحن نشكر الرب إن وجد فيه المتقدّمون في الحياة الروحية ضالتهم. أما تفسير لوقا أو يوحنا، فهو يتوجّه إلى الذين يطلبون مزيداً من التعمّق في الإنجيل، مزيداً من البحث العلمي. وهو لا يقدّم لهم "عظة" جاهزة، بل يفرض عليهم أن يتعمّقوا فيه، كما في غيره، لكي يخلقوا "تفسيراً" ينبع من قلبهم، ولا يكّرروا أقوالاً قد تصبح حرفاً ميتاً إن لم ينفحها روح الإنسان وروح الله. 
هذا ما أردناه حين قدّمنا الجزء الثاني من تفسير القديس لوقا. فبعد مقدمات تستجمع ما قلنا في الجزء الأول، وموضوع عام حول ما يُسمّى الصعود إلى أورشليم، نقدّم تفسير المقطوعات مقطوعة مقطوعة، ساعين إلى مجابهة الصعوبات على المستوى الإجمالي كما على المستوى التفصيلي. ولم ننسَ من خلال الشرح الناحية الروحية والناحية الرعائية. فكلمة الله تتوجّه إلى البشر، سواء كانوا أفراداً أم جماعات. وكل همّنا أن تصل هذه الكلمة إلى الجميع، فلا يكون الكلام الذي كتبناه حاجزاً بين المؤمن وبين الله. ففي النهاية، إن كل كلام على الإنجيل يجب أن يوصلنا إلى صاحب الإنجيل، إلى يسوع المسيح، إلى حياته وآلامه وموته، إلى أعماله وأقواله. يجب أن يجعلنا نتعلّق بمن هو المسيح الرب الذي يدعو كل واحد باسمه. 
كم نودّ أن نكون قد وصلنا إلى هذا الهدف الذي وضعناه أمام عينينا!

 

 

 

المقدمات 

"رأيت أن أكتب إليك جَميع الأشيَاء بحسب ترتيبها، لكي تعرف جيّدًا قوّة التعليم الذي وعظت به"
(1: 3- 4)

يتضمّن هذا القسم الأول عودة إلى إنجيل لوقا في ما سميناه ظهور الكلمة والرسالة في الجليل، أي 1: 1- 9: 50. بعد أخبار الطفولة والحياة في الجليل، نصل إلى خبر الصعود إلى أورشليم. 
وهكذا يتوزّع هذا القسم الفصول التالية: 
1- أخبار الطفولة، 1: 5- 2: 44 
2- كلمة الله في الروح القدس، 3: 1- 4: 44 
3- الجذور والبدايات، 1: 5- 4: 44 
4- الإستماع إلى الكلمة، 5: 1- 9: 50 
5- صعود يسوع إلى أورشليم، 9: 51- 19: 27

 

 

الفصل الأول 

أخبار الطفولة
1: 5- 2: 52 

يتضمّن هذا القسم الأول من إنجيل لوقا مجموعتين من النصوص لا يجب أن نفصل بينهما: إنجيل الطفولة بحسب لوقا (1: 5- 2: 52). بدايات رسالة يسوع العلنيّة (3: 1- 4: 44). نميّز بين هذين الجزئين ولكننا نربط بينهما. 
ففي كل جزء نرى فعل الروح القدس (ترد لفظة الروح 19 مرة في القسم الأول) معطي كلمة الله، نرى تدفّق الخلاص الجديد والحالي الذي يمثّله مجيء المسيح إلى العالم، بل هو مجيئان: مجيء خفي في ميلاده (2: 11). مجيء علني في مجمع الناصرة (4: 21). وفي كلا الحالين يتدخل يوحنا المعمدان. هنا اختلف لوقا عن متّى الذي لا يذكر يوحنا المعمدان في خبر سنوات يسوع الخفية. إذا كان الروح قد أعطى الأنبياء أن يتكلّموا فيعود إلى السابق أن يجذّر يسوع في التيّار النبوّي في إسرائيل، أن يدخل ذاك الذي يعلن إنجيل الملكوت (أنجل: 10 مرات في لو، 15 في أع) قبل أن يختفي في ظلمة السجن (3: 20). في كلا الحالين، تجري الأحداث في خط جغرافي يربط اليهودية (مع أورشليم وبيت لحم) بالجليل (مع الناصرة وكفرناحوم). هذا الخطّ يحدّد مدى التاريخ الذي يتمّ حسب مخطّط الله. 
وفي الوقت عينه يرتسم انقطاع على ثلاثة مستويات تعرف التواصل. ففي داخل عمل الروح القدس نميّز بين سّر جذور يسوع (ف 1- 2) حتى كلمته الأولى (2: 49)، وخبر بدايات (ف 3- 4) ذاك الذي هو "كلمة النعمة" (4: 22). على المستوى الأدبي، تتميّز هاتان المجموعتان على مستوى الأسلوب: في الفصلين الأولين نجد لغة متشّربة من العهد القديم. وفي ف 3- 4 نجد أسلوب لوقا الخاص. وهناك انقطاع على مستوى التوازي بين يوحنا النبي ويسوع: يبرز تفوّق يسوع شيئاً فشيئاً، ويختفي وجه يوحنا المعمدان. وأخيراً، يتخذ المدى نفسه بعداً رمزياً جديداً: إن تاريخ الخلاص الذي تسجّلت أحداثه حتى الآن على أرض إسرائيل، صار في يسوع خبراً سعيداً (بشرى، إنجيل) للعالم يتعدّى حدود "الوطن" (والقرية) (4: 23، 24). 
نتوقف في جزء اول عند الحبل بالروح ومولد الكلمة (1: 5- 2: 52) 

1- موقع هذين الفصلين 
إن الفصلين اللذين يقدّمان طفولة يسوع يلعبان عند لوقا الوِظيفة التي لعباها عند متّى. حين كتبهما الإنجيليان عملا عملاً كرستولوجياً (يتحدّث عن يسوع المسيح): أدركا سرّ جذور يسوع على ضوء كل حياته، وخصوصاً على ضوء موته وقيامته. وهكذا توخّيا أن يعطياننا فهما لاهوتياً إجمالياً لشخص يسوع ولمصيره. 
إستعمل متّى ولوقا الأسفار المقدّسة ليسندا مقالهما، ولكنهما استعملاها بحسب نهجين مختلفين. تعامل متى مع كلمة الله مثل كاتب متنبّه وحكيم، مثل شخص قريب من الوعظ أو المدراش (درس وتأمّل في النصوص الكتابية): إنطلق من النصوص فقدّم برهانه وبيّن أن هذه الأقوال قد تمّت اليوم في شخص يسوع (آنية، تتمة). أما لوقا فلا يورد النصّ الكتابي بحرفيته، لأن عدداً من سامعيه، شأنهم شأن تيوفيلوس، لم يأتوا إلى المسيحية من العالم اليهودي. فيجب أن يدخلوا في العهد القديم، في ماضي يسوع الذي صار ملكاً خاصاً للجماعة المسيحية. إذن، يتذكّر لوقا العهد القديم فيجعل أسلوبه يتشّرب منه. هو يروي الخبر ويستخرج بعده اللاهوتي مستفيداً من تلميحات خفية أو ناسجاَ مجموعة من النصوص البيبلية كما فعل في نشيد التعظيم ونشيد المباركة. وهكذا كوّن "ذاكرة" سامعيه المسيحيّين الآتين من العالم الوثني. 
يقدّم لنا لوقا هنا شخص يسوع بواسطة موضوع الهيكل الذي هو مقام الله في وسط إسرائيل: فيه زار الملاك زكريا ساعة كان الشعب يصليّ (1: 10- 11). وفي الهيكل أيضاً، في نهاية الإنجيل، وبعد بركة القائم من الموت (24: 50- 51) (التي لم يستطع أن يعطيها زكريا، 1: 22)، إنطلق التلاميذ يباركون الله (24: 53).
قد يزول هيكل أورشليم (أع 6: 14). ففي يسوع، إبن الآب، يستطيع البشر أن يصلوا إلى الله. إنه الهيكل الجديد كما قال يوحنا. فكلمتا يسوع الأولى والأخيرة ارتبطتا بالهيكل: الأولى تشير إلى سّر الإبن والثانية إلى عبوره نحو الآب. فالكلمة الأولى قالها يسوع الذي وُجد في الهيكل بعد أن أضاعه والداه: "أما تعلمان أنه يجب علي أن أكون عند أبي" (في بيت أبي) (2: 49)؟ وحين صُلب، جاءت كلمته الأخيرة كصدى للكلمة الأولى: "يا أبت، في يديك استودع روحي" (23: 46)، وذلك حين انشقّ حجاب الهيكَل (23: 45). وإن الألقاب المعطاة ليسوع في هذين الفصلين، تعبرّ بأشكال مختلفة عن هوية ابن الله ورسالته وسط البشر. 

2- التأليف والبنية 
إن لهذين الفصلين اللذين يعالجان أصل يسوع الإلهي بعداً لاهوتياً (على مستوى اللاهوت) أكثر منه سيروياً (على مستوى السيرة وحياة يسوع). هذا لا يعني أننا ننكر قيمتهما التاريخية. ويبرز هذا البعد بشكل ملحوظ حين ننظر إلى التأليف الإجمالي وتلاحم الأحداث التي نقرأها هنا. 
هناك سبعة مشاهد تتوزعّ الخبر: 
1- البشارة بمولد يوحنا (1: 5- 25). 
2- البشارة بمولد يسوع (1: 26- 38). 
3- زيارة مريم إلى اليصابات ونشيد التعظيم (1: 39- 56). 
4- مولد يوحنا وختانه، نشيد المباركة (1: 57- 80). 
5- مولد يسوع وختانه (2: 1- 21). 
6- تقدمة يسوع إلى الهيكل ونشيد التسليم (2: 22- 40). 
7- ظهور يسوع في الهيكل (2: 41- 52).
نستطيع أن نرى صياغة رسمتين فكريتين في أساس الإعلان الرسولي الأول، في أساس الكرازة الأولى.
الرسمة الأولى هي رسمة البشارة (1: 5- 56) والتتمة (1: 57-2: 40). إنها تشكل التلاحم الرئيسي في "بداية خبر" يسوع: مولده (2: 1- 21)، وتقدمتة إلى الهيكل (2: 22- 40) يحقّقان بشارة الملاك إلى مريم (1: 26- 38). وقد أعدّ الطريق لهما البشارة لزكريا (1: 5- 25) ومولد يوحنا النبي (1: 57- 80). وحدث وجود يسوع في الهيكل يدلّ بوضوح على أن يسوع هو ابن الله (2: 41- 52). 
والرسمة الثانية تخضع للأولى فتربط رباطاً حميماً أصول يسوع بشخص يوحنا النبي. هذا وضع خاص بالقديس لوقا. فمرقس (1: 4، 9، 14) ومتّى (3: 1- 13) يبدأان الموازاة بين يسوع ويوحنا مع "مجيء" السابق. في هذا الوقت، لم يتكلّم لوقا عن "مجيء"، بل عن "بداية" ليدلّ على ظهور يسوع العلني (4: 14؛ 23: 5؛ رج أع 1: 22؛ 10: 37). إن تداخل يوحنا النبي في الخبر منذ "الجذور" يُبرز شخصه بنوع خاص. فهو يُسمّى فقط ذاك الذي يدخل يسوع في تقليد إيليا النبوّي (رج مت 3: 4؛ 16: 14؛ 17: 10، 13؛ مر 8: 28؛ أع 19: 4). إنه يمثّل هكذا إسرائيل الشاهد. إنه صورة مسبقة للكنيسة الشاهدة. 

أ- التأليف الأدبي
هناك نهج معروف وثابت لدى لوقا: التوازي. وقد أخذه من العالم اليوناني كما من الكتاب المقدّس. فالعهد القديم يقابل بين شخصين عظيمين: بين موسى ويشوع، بين موسى وإيليا، بين إيليا واليشاع. غير أن المقابلة تبقى ضمنية، وهي تبرز التشابه بين الشخصين. أما الموازاة التعارضية فهي عديدة في الأدب اليوناني وهي تشدّد على نقاط الإختلاف بين الرجال العظام. وسار كتبة فلسطين المهلينة (أخذت بالحضارة الهلينية) في هذا الخط فقابلوا بين رابي (معلّم) ورابي. وقدّم لنا سفر الأعمال مثالاً نموذجياً من الموازاة التعارضية بين رسالة بطرس ورسالة بولس. 
لهذا نتساءل: أما صاغ الإنجيلي "تعارضاً" بين يسوع ويوحنا؟ توسّع فيه في الفصلين الأولين من إنجيله فدلّ على نقاط الإختلاف بين السابق وبين يسوع (رج 3: 1- 20، 21- 22؛ 16: 16؛ أع 1: 22؛ 10: 27؛ 13: 25). لا يبدو الجواب حاسماً على ضوء الإشارات التي نجدها في النصّ. 
حين استعاد لوقا لحسابه تقاليد الجماعات المسيحية ليتثبّت من متانتها، ليغنيها بشهادات جمعها بنفسه، ليطبعها بفكره اللاهوتي الخاص، إكتشف سّر أصول يسوع كما روتها "الكنائس" وتأمّلت فيها ونقلتها وربطتها بشخص يوحنا ورسالته. فأخبار كرازة يوحنا وعماد يسوع تدل على ذلك سواء في الأناجيل الإزائية أم في الإنجيل الرابع. فيوحنا ويسوع قد ارتبطا بالحركات العمادية التي دلّت على يقظة دينية وتجرّد ذات ميول اسكاتولوجية. إستضاء التفكير المسيحي بالحدث الفصحي (حدث القيامة)، فشدّد على التواصل بين يوحنا ويسوع، وأبرز في الوقت عينه الهوّة التي تفصل بينهما.

ب- التقليد السابق للوقا 
هل نستطيع أن نعيد تكوين التقليد السابق للوقا؟ نجد في ف 1- 2 رسمة تقرّب بين بشارتي يوحنا (1: 5- 25) ويسوع (1: 26- 38)، وتوازي بين مولد يوحنا وما تبع ذلك من ختان وظهوره كنبي وحياة خفية (1: 57- 80)، ومولد يسوع وما تبعه من ختان وظهوره كمخلص وحياة خفية (2: 1- 40). هذه الرسمة هي سابقة للوقا الذي قد يكون أعاد صياغتها بطريقة شخصية.
فإذا استندنا إلى تحليل دقيق لمسيرة الأخبار، وإلى وضع الأناشيد وتوارد الآيات التي تختتم كل مقطع، نستطيع أن نقدّم البنية التالية: 
1- البشارتان (1: 5- 56) 
أ- بشارة يوحنا (1: 5- 25) ب- بشارة يسوع (1: 26- 38) 
ج- حدث ملحق: 
الزيارة ونشيد التعظيم (1: 39- 56) 
خاتمة: عودة مريم (1: 56) 
2- الميلادان (1: 57- 2: 52)
د- مولد يوحنا (1: 57- 58) هـ- مولد يسوع (2: 1- 25)
عنصر نشيد (1: 58) نشيد الملائكة والرعاة
ختانة. ظهور و- ختانة. ظهور
يوحنا "كنبي" يسوع "كمخلّص"
نشيد المباركة (1: 59- 85) نشيد التسليم (2: 21- 35)
حدث ملحق: حنة (2: 36- 38)
خاتمة: ردّة النمو خاتمة: عودة إلى الجليل (2: 39)
(1: 80) ردّة النمو (2: 40)
ز- حادث ملحق
وجود الطفل في الهيكل (2: 41- 52)
خاتمة: ردّة النمو (2: 52) 

عرف يسوع سريعاً على أنه ابن إسرائيل (مت 1: 1- 17) ومختار الله (مت 3: 17؛ مر 1: 11)، ونبيّ العلي (مت 11: 14؛ 21: 11؛ مر 8: 22؛ يو 4: 19؛ 7: 4؛ 9: 17). ومولده، كمولد يوحنا، قد أعلنه ملاك فدلّ على أنّ موقعه يتجاوز كل انتظار بشري. إذا كانت مهمة كل نبيّ أن يعلن المجانية المطلقة لخلاص يقدّمه الله، فمولد يسوع يشارك في سّر هذه المجانية. ليس هو فقط "كلمة النعمة"، بل كلمته هي نعمة (4: 22) مثل حياته نفسها (2: 40، 52). هذا ما يدلّ عليه ميلاده العجائبي. 
في هذا المعنى نستطيع القول إن الحبل بيسوع ومولده يشبهان الحبل بيوحنا ومولده. فهما يتسجّلان في تواصل تاريخ مجانية الله الذي لا يزال يتجدّد. ولكن هذا التوازي بين الحبلين والمولدين (حتى على مستوى التقليد السابق للوقا) قد توخّى إظهار نقاط الإختلاف بين يوحنا ويسوع، بين السابق والمخلّص.
يبدو الإختلاف أولاً بين الشخصين: يوحنا هو "عظيم أمام الله" (1: 15 أ). يسوع هو "العظيم" في المطلق (1: 35). لا ترتبط عظمة يسوع بطقس تكريم كما بالنسبة إلى يوحنا (1: 15 ب). بل هي تنبع من الله نفسه. إنه "إبن العلي" (1: 32). ويظهر الإختلاف ثانياً بين المهمّتين: كلّف يوحنا بأن يعدّ طريق الرب (1: 76) كنبي العودة الكبيرة (رج أش 40: 3). أما يسوع فهو ملك الدهور (1: 32، 33)، ذاك الذي قدّم إلى الهيكل (2: 24) فصار "قدس الأقداس" الذي أعلن مسحته دا 9: 24. الذي هو "ملاك العهد" الذي تحدّث عنه ملاخي (ملا 2: 6؛ 3: 1، 23، 24)، و"مجد إسرائيل" (2: 32) الذي صوّره مسبقاً معبد الخروج (خر 40: 35).
بين يوحنا ويسوع لسنا فقط أمام عتبة نتجاوزها. فلا معنى لوجود الأول إلا بالنظر إلى الثاني. ذاك الذي أعلن شاباً انه صوت صارخ في البرية، كان منذ الحبل به السابق أمام ربّه. تحرّك في حشا اليصابات فجعل أمه تتنبّأ، وهكذا نقل إلى مريم العذراء أن تنشد شكرها لله. 
ولا تظهر نقاط الإختلاف بين الولدين فقط في التوازي بين البشارتين والميلادين. فهناك حدثان ملحقان يوسّعان هذه الرسمة، بل يفجّرانها: ملحق الزيارة (1: 39- 56)، ملحق يختتم خبر أصول يسوع، هو وجوده في الهيكل (2: 39- 52).

ج- التدوين اللوقاوي
هناك "محطات تدوينية" موزّعة في ف 1- 2، وهي تتيح لنا أن نستكشف البنية الخاصة بلوقا ومقاله اللاهوتي. لقد أدخل الإنجيلي التقليد الذي جمعه حول أصول يسوع، في إطار تدويني لا يعود مؤسّساً على الموازاة. وهكذا بدا أميناً لا لحرفية مراجعه، بل لديناميّتها.
إذن، نعرض بناء للنصّ يدلّ على تلاحمه الأدبي الخاص. وهو يبرز ثلاث مجموعات: 1: 5- 80؛ 2: 1- 38؛ 2: 39- 52. وهكذا ينكشف دور الروح القدس: فهو الذي يجعل الشهود (اليصابات، زكريا، يوحنا بطريقته) يتكلّمون. وهو يعطي العاقر أن تحبل والبتول أن تنجب طفلاً. 
أ- البتولية الخصبة ب- الإبن المخلّص
1- دورة زكريا (1: 5- 23) مقدّمة تاريخية
بشارة يوحنا مولد يسوع
2- دورة اليصابات (1: 24- 58) رسالة سماوية: المجد لله في العلى 
الحبل بيوحنا ختانة يسوع 
بشارة يسوع التقدمة إلى الهيكل
الزيارة ونشيد مريم ظهور المخلّص
مولد يوحنا شهادة سمعان
نشيد التسليم
شهادة حنة
3- دورة يوحنا (1: 59- 80) ج- فصح يسوع
ختانة يوحنا الطفل عبد الله (2: 39- 52)
ظهور النبي يسوع في الهيكل
نشيد زكريا "عند أبي"
حياة يوحنا الخفية حياة يسوع الخفية

إن الإطار اللوقاوي في ثلاث دورات يستند إلى العناصر التدوينية التالية:
* في دورة زكريا: ثلاث بدايات رئيسية. "وحصل، وجرى" في 1: 5، 8، 23. إنها تذكّرنا أيام هيرودس، خدمة الهيكل، تكملة هذه الخدمة. 
* في دورة اليصابات: ثلاث بدايات ثانوية تدلّ على الزمن: بعد هذه الأيام حبلت اليصابات (1: 24). وفي الشهر السادس (بالنسبة إلى اليصابات) (1: 26). وجاء وقت اليصابات لتلد (1: 57).
* دورة يوحنا. تضمّنت بداية واحدة: وحصل... إرتبطت باليوم الثامن.
إن هذه الدورات الثلاث تتسجّل في داخل تاريخ إسرائيل الحاضر منذ البداية (1: 5) بذكر هيرودس، ملك اليهودية، حتى النهاية (1: 80)، بالإشارة إلى يوحنا الذي "ظهر في إسرائيل". وهي تتيح لنا أن ندرك إدراكاً أفضل دور زكريا واليصابات ويوحنا في علاقتهم المتبادلة، وفي علاقاتهم مع يسوع. فهم يمثّلون، كل بطريقته، هذا الإسرائيل الذي فيه حُبل بذاك الذي يتجاوزه والذي يكشف الروح عن سّره. إن اسمه بارز في قلب الدورة المركزية (1: 31): يسوع.
ويخصّص الفصل الثاني كله ليسوع. نجد فيه ثلاث بدايات: وحدث (2: 1، 6، 15): في القسم الأول المكرّس لمولد يسوع. ويقدّم القسم الثاني الأشخاص بأسلوب مقولب لا يتبدّل: وها ان: كان رجل (آ 25). وأبوه كان، وأمه (آ 33). وكانت نبية، حنة (آ 36).
إن التحرّك من ناصرة الجليل إلى اليهودية، الذي انطلق في بداية المجموعة الثانية (2: 4) سينتهي بالرجوع من أورشليم، إلى الجليل، إلى الناصرة (2: 39). دلّ سمعان الشيخ على المخلّص، ولكننا لسنا هنا في ذروة الخبر. فيجب أن ننتظر المجموعة الثالثة (2: 39- 52) وكلمة يسوع السّرية في الهيكل (2: 49) لكي نكتشف الكلمة الأخيرة في هذه العودة إلى الجذور. يرى الشّراح أن هذه المجموعة الثالثة (وجود يسوع في الهيكل) يجب أن تعتبر وحدة مستقلة وإن لم نكتشف بدايتها.

د- الطفل المخلّص، الطفل الخادم 
نحاول الآن أن نحدّد هدف المجموعتين الأخيرتين (2: 1- 38؛ 2: 39- 52). عنوان المجموعة الأولى: الطفل المخلّص. هذا ما أعلنه الملاك يوم الميلاد (2: 11؛ رج أع 5: 31) ففسّر هذا اللقب حين سمّى يسوع "المسيح الرب" كما في خطبة بطرس بعد العنصرة (أع 2: 38). والمجموعة الثانية تتكلّم عن الطفل الخادم (2: 43: الصبي) الذي ظهر في هيكل أورشليم. سيعود هذا اللقب في بداية سفر الأعمال، بموازاة لقب الرب (أع 3: 13، 26؛ 4: 27- 30). 
إن بداية ف 2 التي دوّنها لوقا، لا تكتفي بتحديد موقع مولد يسوع في حدود إسرائيل. بل هي تفتحه على البشرية كلها. فنحن ننتقل من عبارة "وحدث أنه في أيّام هيرودس، ملك اليهودية" (1: 5)، إلى عبارة "وحدث في تلك الأيّام أنه صدر أمر من أوغسطس قيصر بأن تحصى المسكونة كلها" (2: 1). فالحدث المركزي الذي يريد لوقا أن يشهد له، يغرز جذوره في ماضي إسرائيل (1: 5- 80) ويمتدّ امتداد العالم (2: 1- 38). 
أتاح لنا ف 1 أن نحدّد موقع هوية يسوع واسمه داخل تاريخ إسرائيل. هذا التاريخ الذي فيه أعطى الروح لاليصابات وزكريا بأن يتكلما، وليوحنا بأن يشهد بفرحه لذاك الآتي إلى بيته، قد توسّع ساعة حبلت الكلمة في الروح القدس. وبعد أن رسمت بداية ف 2 الكثافة التاريخية للحدث، قدّمت الإطار الجغرافي والسياسي: إحصاء شامل. لقد تمّت ولادة يسوع في امبراطورية، فضاعت في هذه الحركة الإدارية العامة. إن الكلمة التي صارت حدثاً، لم تشعر بها أيضاً الجماعة اليهودية الأمينة لشريعة موسى (2: 21- 38). نال الطفل اسمه ولكن سمعان (ومعنى اسمه: السامع) وحده أدرك سّره بإلهام من الروح القدس (2: 29- 32). 
وحدث الهيكل (2: 39- 52) حيث قال الصبي كلمته الأولى، يضمّ على مستوى تاريخ العهد، المسيرتين السابقتين. فتاريخ العهد هذا الذي يجمع يا وعد واحد إسرائيل (1: 5- 80) وكل الأمم (2: 1- 38) يتمّ في هذا الابن الذي حبل بالروح القدس: إنه حكمة الله، كلمة الاب الحية من أجل شعبه، وجواب شعبه البنوي، وطاعة غير مشروطة لأبيه. 
كيف تتمّ الوحدة بين هذين الفصلين؟ في ذلك الذي يوحّد التاريخ، في الروح القدس. فهو يعطي نعمة الكلام ونعمة الحبل. فمن تاريخ إسرائيل (له كلمة ظلّت عقيمة) ومسيرة الأمم (تحصي أيام البشر ولا تعطيها معنى) صنع الروح القدس تاريخ العهد. 

3- تقديم النصّ 
منذ الآية الأولى التي فيها نتحدّث عن "ملك اليهودية" حتى التي تتحدّث عن يوحنا كما ظهر لإسرائيل، يبدو المناخ مطبوعاً بالعالم اليهودي. لقد تمثّل كل إسرائيل في دورات زكريا واليصابات ويوحنا: زكريا مع الهيكل، الشعب مع ملكه (المرأة تدلّ على الشعب) والنبي مع أرضه. بيد أن النصّ يشدّد على الكلمة النبوية التي تسير مسيرتها في إسرائيل.
وفي تسلسل التاريخ المتواصل برزت ظاهرة جذرية وجديدة: تقبل زكريا واليصابات الروح لكي يتكلّما، ويوحنا لكي يشهد، أما مريم فلكي تلد. وهذا الجديد ظهر في الدورة الثانية: "في الشهر السادس" (1: 26). وهكذا لا يكون حدث البشارة والزيارة بداية مطلقة: إنه يتسجّل في زمن إليصابات أي في تاريخ إسرائيل. 
وكانت خطوة جديدة مع بداية ف 2: خرج أمر من أوغسطس قيصر. كان الحبل والانتظار في قلب تاريخ إسرائيل. أما أفق الميلاد فهو الإمبراطورية الرومانية. إن بكر مريم هو مخلّص جميع التابعين لسلطة الإمبراطور الذين ضمّهم هذا الإحصاء: إنه المسيح الرب أي سيد الكون والتاريخ. هكذا اعترف به الرعاة في البرية وسمعان وحنة في هيكل أورشليم. إنهم شهود مميّزون وصورة مسبقة للطريقة الجديدة والنهائية التي بها يجب أن يكون إسرائيل شاهداً في الأمم. 
في ف 1 برز معنى وبُعد مهمّة السابق النبوية. أما ف 2 فشدّد على هوية يسوع ومدلول مجيئه من أجل جميع الأمم. 
ونقرأ في نهاية ف 2 حدثاً يبدو بشكل نبوءة: إنه يوجّه أنظارنا نحو المستقبل. فأوّل كلمة تفوّه بها يسوع ألقت ضوءاً جديداً على ما قيل وجعلتنا نستشف سّر هذا "الطفل الخادم". وهو يشرف على قراءة الإنجيل. فهذه الكلمة الأولى لا تعبرّ عن إسم أو لقب جديد. بل تفهمنا كيف سيلتزم يسوع في تاريخ البشر: هو الإبن في المطلق. وإذ كشف لنا التزامه وخضوعه المطلق تجاه أبيه، أدخلنا في سّر شخصه الذي لا تحويه كلماتنا: "لم يفهما ما قال لهما" (2: 50).

 

 

الفصل الثاني

كلمة الله في الروح القدس
3: 1- 4: 44 

قسمنا هذه المرحلة الأولى إلى فصلين. تحدثنا في الأول عن طفولة يسوع حتى السنة الثانية عشرة التي فيها صار ابن الوصية. وفي عمر الثلاثين بدأت رسالة يسوع، ورسالة المكرّسين لله في شعبه. 

1- موقع هذين الفصلين 
حين نصل إلى ف 3، نحسّ أننا عدنا إلى لاهوت مطلع مرقس (1: 1- 13). فهو قد قدّم يوحنا المعمدان على أنه كلمة اسرائيل الاخيرة، وقد ترك يسوع يسبقه. يسوع الذي هو المسيح وابن الله الذي يحقّق إنتظار شعبه وانتظار البشر حين "يتعمّد بالروح القدس". رسم مرقس (1: 1) "بداية إنجيل يسوع". وتحدّث لوقا هو أيضاً عن بداية ليدلّ على بداية رسالة يسوع العلنية. فبعد أن كشف لنا الأصل الإلهي لـ"كلمة النعمة" التي حبل بها بقوة الروح القدس في حشا مريم العذراء، صوّر لنا ظهورها العلني وتأثيرها في العالم. 
وأنهى لوقا التوازي بين يوحنا ويسوع في ف 3- 4. شدّد على أهمية السابق على أنه "النبي" في خط أشعيا، أكثر منه المعمّد الذي يمارس طقس تطهير. وإذ اختتم خبر يوحنا الذي سجنه هيرودس، قبل أن يبدأ خبر حياة يسوع العلنية، دلّ على انتقال من نقص إعلان الخلاص الإلهي إلى كمال مجيئه الفعلي من أجل جميع البشر. فمع عماد يسوع نجتاز خطاً يفصل بين زمنين: واحد يعمّد في الماء وآخر سيعمّد "في الروح القدس والنار" (3: 16؛ رج أع 1: 5؛ 11: 16). ننتقل من النبوءة إلى الملكوت (7: 28)، من "الشريعة والأنبياء" إلى "الإنجيل" (16: 16). لا يتنكّر يسوع لماضي اسرائيل، وهو رجاؤه، ولكنه يقيم انقطاعاً بالنسبة إليه. وهذا الإنقطاع يعني التتمة بما أعلن في الماضي ووُعد به. 
لا ينطلق لوقا من تاريخ شعب الله وكتبه لينير الجديد الذي يقدّمه يسوع، بل من خبرة المسيحية التي تتأصّل في العنصرة. فانطلاقة يوحنا المعمدان من البرية إلى شاطئ الأردن، تذكّرنا بالخروج من مصر والدخول إلى أرض الموعد. ومجيء يسوع إلى الجليل، بعد حلول الروح القدس عليه، صورة مسبقة عن العبور إلى الأمم (جليل الأمم). فالمسحة التي نالها يسوع، تدلّ عند لوقا على فيض الروح الذي اكتشف قرّاؤه آنيّته، أكثر من خاتمة تاريخ عهد الله مع شعبه (كما في متّى). 
وفي سلسلة النسب التي يقدّمها لوقا، نجد البشرية كلها وقد أخذها يسوع على عاتقه. عاد الإنجيلي لا إلى داود وابراهيم، بل إلى خلق الإنسان. والتجارب الثلاث لا تبدو تجلّياً يدلّ على إنتصار يسوع، تجاه الخبرة التعيسة التي عاشها العبرانيون في البرية (كما في متّى). إن لوقا يقرأ هذا الحدث التقليدي في دينامية أخرى وعلى ضوء آلام وقيامة ابن الله المتجسّد، مستلهماً الصلاة الربية التي هي صلاة الابناء. وأخيراً حين يفتتح لوقا رسالة يسوع بكرازته النبوية في الناصرة (بينما مت 13: 54- 58 ومر 6: 1- 6 يحدّدان رجوع يسوع "إلى وطنه" فيما بعد)، يدلّ على الأصالة الإلهية لإنجيل ملكوت الله (4: 43) كما أعلنه يسوع، كما يدلّ على شموليته المطلقة.
ولنرَ كيف يساعد الروح القدس "كلمة النعمة" على التعبير عن ذاتها في لغة البشر، بعد أن أتاحت لهم أن يلدوها ويخبروا عنها بطريقة نبوية. 

2- التأليف والبنية 
إن المواد التقليدية التي استند إليها لوقا لكي يؤلف ف 3- 4، تجد ما يوازيها في مرقس ومتّى. غير أدن مجمل الخبر يبدو عمل لوقا. فهو يرّتب المقطوعات بطريقة شخصية ويدخلها في إطار تدويني خاص به.
توقّف التقليد الازائي عند "مثلّث البدايات": كرازة يوحنا المعمدان (مر 1: 2- 8؛ مت 3: 1-12؛ لو 3: 3- 9، 15- 18). عماد يسوع (مر 1: 9- 11؛ مت 3: 13- 17؛ لو 3: 21- 22). تجارب يسوع (مر 1: 12-13؛ مت 4: 1- 11؛ لو 4: 1- 13). ويحدّثنا هذا التقليد عن دخول يسوع على المسرح: إعلان الملكوت (مر 1: 14- 15؛ مت 4: 12- 17؛ لو 4: 14- 15). نداء الرفاق الأولين (مر 1: 16- 20؛ مت 4: 17). نشاط يسوع في الجليل (مر 1: 21- 39؛ مت 4: 13- 16، 23- 24؛ لو 4: 31- 44). إن تدوين هذه المتتاليات يفترق بين إنجيلي وآخر، ويدلّ على أصالة كل منهم. 
إذا عدنا إلى مثلّث البدايات، رأينا أن نصّ لوقا أطول النصوص. فهو يعيد كتابة المجموعة ويدخل فيها عناصر أصيلة: دعوة يوحنا ابن زكريا، يتحدّد موقعها في إطارها التاريخي (3: 1- 2). توجيهات عملية يقدّمها المعمدان (3: 10- 14). سجنه بيد هيرودس (3: 19- 20. هذا ما يجعله مر 1: 17- 18 ومت 14: 3- 4 في موضع آخر). سلسلة نسب يسوع (3: 23- 38) التي يجعلها متّى في بداية إنجيله (مت 1: 1- 16). وأخيراً الآية التي تختتم خبر التجارب (4: 13): "ولما أنجز إبليس جميع تجاربه، إنصرف عنه إلى الوقت المعين"، وقت الآلام. 
حدّد لوقا المجموعة الأولى (31: 1- 20) في هذه المتتالية تحديداً دقيقاً وكرّسها ليوحنا النبي. وشدّد على الإطار التاريخي بتضمين يتحدّث عن التترارخس (رئيس الربع، ربع مملكة هيرودس الكبير) هيرودس وأخيه تجاه يوحنا (آ 1- 2 و19- 20). هذا الأسلوب الادبي، يجعلنا ندرك تاريخ الخلاص الذي يتداخل في تواريخ البشر: يتدخّل الله في هذا التاريخ، فيدعو نبيّه. ولكن العالم رفض الدعوة التي وجّهت إليه من أجل التوبة. وأسكت هيرودس كلمة الله حين جعل يوحنا في السجن. ومع هذا، فكل هذه التواريخ لها معنى يكشفه اعلان النبي: فنسل ابراهيم يصل إلى المسيح الآتي. فمن تعرّف إلى مجيئه تصرف بإلهامه. 
ويشكل ما تبقى من النص (3: 21- 44) وحدة ثانية تتركّز على شخص يسوع ونشاطه، وذلك في توازٍ مع ما قيل عن يوحنا. أعاد الإنجيلي تأليف المعطيات التقليدية، فأبرز دور الروح القدس الذي ناله يسوع بعد المعمودية، كما ابرز ثلاث معارضات: عارض إبليس يسوع في شخصه (4: 1- 15)، وأهل الناصرة في تعليمه (4: 16- 30) والمتشيطنون والجموع في رسالته (4: 31- 44). 
في مشهد المعمودية، لم يعد يُذكر يوحنا. أما يسوع فيبدو في وضعين: هو يعتمد، هو يصليّ وهكذا دلّ على انتمائه إلى الشعب (بالعماد) وعلى علاقته البنويّة بالآب (بالصلاة). وهكذا أعلن الإنجيلي وجهتين من شخصية يسوع، ستدلاّن على بنية انجيله. الوجهة الأولى تغطي 3: 21- 9: 17 (العماد مع كل الشعب: مع البشر ومن أجل البشر). تشدّد الأولى على التجمّع حول يسوع (من يأتي إلي، 6: 47). والثانية تبرز الصعود (السير) على خطى يسوع (من أراد أن يتبعني، 9: 23). بعد صلاة يسوع كان حلول الروح القدس. وبعد صلاة الإخوة حلّت العنصرة (أع 1: 14؛ 2: 1- 13؛ 4: 31). 
إن رسمة حدث التجارب تختلف عما في متّى. فهي تقلب التجربتين الثانية والثالثة لتنهي المشهد في أورشليم وفي الهيكل (هما مهمّان في اللاهوت اللوقاوي). واستبق الكاتب الأمور فتحدّث عن عودة ابليس: وهو في الواقع سوف يتدخل خلال آلام يسوع (22: 3، 53). وهناك أقسام في الإناجيل كتبت حسب رسمة التجارب المثلّثة (كما في لوقا)، ولا سيّما مشهد الجزء بيسوع على الجلجلة (23: 35- 43). 
يربط لوقا رباطاً وثيقاً بين تجارب يسوع وخطبته التدشينية في الناصرة (4: 16- 30) وأعمال احساناته في كفرناحوم (4: 31- 44). أما المواد التقليدية (بمعنى: المأخوذة من التقليد) فنجدها في مر 1: 14- 39 الذي قدّم يوماً نموذجياً ليسوع في الجليل وذلك بعد العماد ومحنة البرية. هذا الأسلوب المرقسي يبرز التعارض بين كلمة يسوع وما لها من سلطان (مر 1: 21- 45)، وموقف الكتبة والفريسيين تجاه هذه الكلمة (مر 2: 1- 3: 6). إستلهم لوقا هذا المواضيع ولكنه قدمها بطريقة مختلفة: فخطبة الناصرة ونشاط كفرناحوم يحرّكان معارضة الأوساط التي توجّه إليها يسوع، ويبدوان صدى لتجربة البرية. 
وفي الوقت عينه تبرز الشمولية في الإنجيل الثالث، فقدرة الروح القدس تعمل في يسوع، في كلمته التي تعلّم وتشفي. والموضع الذي تقوم فيه هذه الكلمة هو المجمع حيث يلتئم اليهود في فلسطين كما في الشتات لسماع كلمة الله. ويتوقّف النّص عند موقعين جغرافيين: الناصرة موطن يسوع، ثم كفرناحوم، مدينة الحدود في الجليل التي تتحدّد في "البيت" وتنفتح على "سائر المدن" (4: 42). سنجد هذا الخط أيضاً في سفر الأعمال. وفي الوقت عينه يرتسم التمايز بين الأرض اليهودية والكون، وهو تمايز يدلّ على نظرة لوقا إلى تاريخ الخلاص الذي يصل إلى تواريخ البشر. 
نلاحظ من جهة التدوين أن لوقا اقحم خبر زيارة يسوع إلى موطنه بين تجاربه في البرية ونشاطه في الجليل، في الموضع الذي فيه صوّر لوقا نداء الرفاق الأربعة الأولين (مر 1: 16- 20). من الواضح أن الإنجيلي أراد أن يقدّم هنا برنامج يسوع ويرسم الخطوط الكبرى لرسالته التي سيتابعها الرسل في سفر الأعمال، وهو يسير في الوقت عينه إلى ما سيكون إليه مصيره: طريق نحو الآب تمرّ عبر معارضة البشر وجدالاتهم. 
وعلى مستوى الموضوع، نلاحظ أن المقطع عن نشاط يسوع في الناصرة وفي كفرناحوم يمتد حسب مواضيع التجارب الثلاث: إن قوة يسوع الحاضرة في "ابن يوسف"، قد أراد الناصريون أن يجتذبوها من أجل منفعتهم الخاصة (4: 16- 30. هكذا قال الشيطان ليسوع بأن يحوّل الحجر إلى خبز يشبع جوعه). إن سلطة "قدوس الله" تزجر الشيطان وتسكته (4: 16- 30: أراد أن يفرض نفسه على يسوع في التجارب، بل طلب منه السجود). إن امانة "المسيح" و"ابن الله" لرسالته خيبّت الإنتظار الشعبي (4: 38- 44. طلب منه الشيطان أن يرمي بنفسه عن جناح الهيكل فيراه الناس).
ويمكن أن نقدم ف 3- 4 في رسمة يظهر فيها التوازي كما فعلنا في ف 1- 2: تقابل بين دعوة يوحنا ودعوة يسوع. ظهورهما أمام معاصريهما. قبول ورفض لدى السامعين. فكما كان في فصليَ البداية، سيكون الأمر هنا هكذا: نقطة الثقل هي يسوع، والتوسّعات التي تعنيه بدت بارزة. وها نحن نقدّم هذه المعطيات المختلفة في اللوحة التالية.

أ- دعوة يوحنا (3: 1- 2) أأ- دعوة يسوع (3: 21- 22)
إطار تاريخي 7 اسماء
"كانت كلمة الله" "وإذ كان يصليّ اعتمد".
ب- هوية يوحنا (3: 2 ب) ب ب- هوية يسوع (3: 23- 38)
"يوحنا بن زكريا" "صوت من السماء: أنت ابني الحبيب" 
"وبدأ يسوع وهو...
ابن يوسف... ابن الله.
ج- يوحنا في البرية (3: 2 ب) ج ج- يسوع في البرية (4: 1- 14).
"في البرية" "اقتيد إلى البرية"
الخبز والحجر
السلطة والمجد
تجربة الله. أورشليم
د- رسالة يوحنا (3: 3- 25) دد- رسالة يسوع (4: 15- 30).
* "وجاء إلى الأردن" (آ 3- 6) ** وجاء إلى الناصرة (آ 15- 20)
عماد التوبة
أشعيا النبي (40: 3- 5) أشعيا النبي (61: 1- 2)
* نداء إلى الجموع ** نداء إلى الجميع
من هو ابن ابراهيم (آ 7- 9)؟ اليوم تمّ هذا الكتاب (آ 21)
* "ماذا يجب علينا أن نعمل (آ 10- 14)؟ ** "أما هو ابن يوسف" (آ 22)؟
* انتظار الشعب: ** انتظار الجميع:
من هو المسيح (آ 15)؟ أشفية في موطنه 
* "الاقوى يعمّد في ** لا يكرّم نبي
الروح القدس والنار" (آ 16- 18) في وطنه (آ 24- 27)
* سجن يوحنا ** رذل يسوع
بيد هيرودس (آ 19- 20) خارج المدينة
وانطلق (آ 28- 30).
هـ- رمز وهو يعمل الخير" (أع 10: 38)
"ونزل إلى كفرناحوم"
سلطة "قدوس الله"
مسيرة يسوع (31- 42)
كان يبشر في وعظه (آ 18) "ينبغي ان ابشرّ المدن
الاخرى (آ 43- 44)

يبرز هذا التقديم الخطوط الكبرى لكرستولوجية لوقا. ساعة ميلاد يسوع، أعلن الملاك البشرى للرعاة، فساعدهم على التعرّف إلى ابن مريم على أنه المخلّص والمسيح الرب (2: 11). وساعة التزم يسوع برسالته (والروح القدس عليه) (4: 8، 13)، سلّم سرّ هويته للقبول أو الرفض لدى البشر: إنه ابن يوسف وابن الله (3: 22- 23) يا قوة الروح القدس. 
عبر ف 1- 4 بدا يوحنا بن زكريا السابق الحقيقي (رج أع 13- 24)، لأنه يشارك مسبقاً يسوع في مصيره: النبي، البرية، العماد، حماس الشعب، المعارضة، السجن. وكانت تعليم الأول صدى لتعليم الثاني: "كل جسد يرى خلاص الله" (3: 1). "مسحني لأبشّر المساكين" (4: 18). 

3- تقديم النصّ
أ- يوحنا النبي (3: 1- 20) 
"كانت كلمة الله إلى يوحنا بن زكريا في البرية" (3: 2). أعلن لوقا بهذه العبارة بُعد هذين الفصلين. إن "كلمة الله" توقظ دعوة يوحنا. وفيما بعد سيمّحى يوحنا ليترك الكلمة يتكلّم (4: 32، 36) فيقول "كلمات النعمة" (4: 22). بدا يوحنا "معمّداً"، بل نبياً وكارزاً. فإن أعلن "عماد توبة" (3: 3، رج أع 13: 24)، وإن ذكر لوقا بعض المرات "عماد يوحنا" (7: 29؛ 20: 4؛ أع 1: 22؛ 10: 37؛ 18: 25؛ 19: 3- 4)، فنحن لا نرى يوحنا يعمّد أبداً عند لوقا. كل ما نسمع هو كلماته القاطعة. 
تفرّد لوقا فحدّد موقع الكلمة في الإطار السياسي والديني في عصره: موقع الامبراطورية الرومانية والمناطق المحتلّة أو الخاضعة للادارة الرومانية: اليهودية، الجليل... هذه هي الإشارة الوحيدة والدقيقة التي تتيح لنا أن نحدّد زمن حياة يسوع العلنية. في السنة الخامسة عشرة لطيباريوس (خلف أوغسطس الذي توفي في 19 آب سنة 14) التي توافق السنة 28 ب. م. كان بيلاطس حاكماً أو بالاحرى والياً على اليهودية (حسب مدوّنة أُكتشفت سنة 1961 في خرائب مسرح روماني في قيصرية البحرية في سنة 26- 36). أما التترارخس (رئيس الربع، قسمت مملكة هيرودس إلى أربعة أرباع، فصار كل من أبنائه رئيس الربع) هيرودس انتيباس، ابن هيرودس الكبير (1: 5)، فحكم الجليل والبيرية من سنة 4 ق. م إلى سنة 39 ب. م. وفيلبس، اخو هيرودس انتيباس، حكم مناطق الشمال. لا يذكر لوقا إلا المقاطعات الوثنية (مثل مقاطعة الامير لسانيوس) ليدلّ على المدى اليهودي واللايهودي لنشاط. يوحنا، ويعلن عن رسالة يسوع الشاملة. 
وسمّى رئيس شعب الله في النهاية: إنه قيافا، الذي كان عظيم الكهنة من سنة 18 إلى سنة 36. وضمّ لوقا إليه حنان حميه (رج يو 18: 13- 24؛ أع 4: 61) الذي ظل عظيم الكهنة حتى سنة 15، ثم عُزل. غير أنه احتفظ بتأثير كبير على سير الأمور الدينية والإجتماعية. وإذ ذكر لوقا سبعة أسماء (7 هو رقم الكمال للقارىء اليهودي)، دلّ على التجذّر التاريخي لرسالة يوحنا ويسوع في العالم اليهودي والعالم الوثني، كما دلّ على الذين سيقاومون هذه الرسالة (3: 19؛ 22: 66؛ 23: 17).
إن دعوة يوحنا تذكّرنا بدعوة ارميا (ار 1: 5)، ومصيره كنبي سجين يذكّرنا أيضاً بنبي عناتوت (ار 37: 15). أما مسيرته النبوية فتجري على ضوء أش 40: 3- 5: "صوت صارخ في البرية: أعدوا طريق الرب" (3: 3- 6). ومسيرة يسوع تستضيء بكلمة أشعيا (ا 6: 1- 2؛ 58: 6 ب): "روح الرب علّي. ولهذا مسحني لأبشّر المساكين" (4: 18- 19). بين هذين القولين تمّ ما كان مستحيلاً. أعلن أش 61 ما اكتفى أش 40 بأن يعلنه: تحرير الأسرى وعودتهم. وأعلن ما أعلن في قدرة روح الرب. 
إن قول أش 40: 3 الذي يرد في مت 3: 3 ومر 1: 3 (جمعه مع خر 23: 20؛ ملا 3: 1)، قد أورده لوقا كله فوصل إلى آ 5: "ويرى كل بشر خلاص الله" (2: 3). وهكذا دلّ على البعد الشامل للتعليم الذي لا ينحصر في الشعب اليهودي، بل يصل إلى أقاصي الأرض. 
من المفيد أن نلاحظ كيف أن لوقا جعل يوحنا يترجم النظرة الاشعيائية لسامعيه. عند متّى، عارض المعمدان بين وجهة اسيانية (الاسيانيون شيعة أقاموا في مغاور قمران، قرب البحر الميت) من النمط الاسكاتولوجي، وآمال مسيحانية ذات الوان وطنية، أو ترتبط بشريعانية (تعلّق مفرط بالشريعة) الفريسيين والصادوقين. أما في لوقا، فيوحنا يدعو "الجموع" بشكل عام إلى توبة صادقة تدلّ عليها ثمار ملموسة. والحكم بالفأس والنار معروف في التقليد الاشعيائي: إنه زمن الغضب الذي لا يفلت منه أحد، حتى الذين يعتبرون نفوسهم أولاد ابراهيم. ولكن دينونة الله هي قبل كلّ شيء ما يبزر الإنسان: يستطيع أن يخرج من هذه الحجارة ابناء لابراهيم، أي اناساً يتوافق عملهم مع وعد يضمّ البشرية كلها (أع 3: 26).
ورأى سامعو النبي أن الكلام يتوجّه إليهم مباشرة. فسألوا، شأنهم شأن شهود العنصرة وخطبة بطرس الأولى: ماذا يجب أن نعمل؟ إن اهتمام لوقا واضح وهو أن التوبة الحقيقية تتطلّب تبديلاً في المواقف. وكلّهم مدعوّون إلى هذا التبديل بمن فيهم العشارون والجنود الأجانب. 
في آ 15، حلّ محلّ الجموع التي تستمع إلى يوحنا، "شعب" مليء بالانتظار. وطرح السؤال حول تتمة وعد الله لشعبه في شخص المسيح. وفي آ 16، تتكثّف الموازاة بين يوحنا ويسوع في كلمة المعمدان النبوية: "أنا أعمّدكم بالماء. وسيأتي أقوى منّي من لا استحقّ أن أحل سيور حذائه. هو يعمّدكم بالروح القدس والنار". هذا القول يعبرّ عن التواصل بين يوحنا ويسوع على مستوى التقليد النبوي. ولكنه يدلّ في الوقت عينه على أن محطّة هامّة قد تمّ اجتيازها. تكرّر هذا القول ثلاث مرات في أعمال الرسل فأكّد على المرحلة الجديدة. مرة أولى استعاد يسوع هذا القول ليهيئ الرسل لحدث العنصرة واجتياح الروح (أع 1: 5). مرة ثانية ذكره بطرس أمام شيوخ كنيسة أورشليم الذين لاموه على حريته تجاه الشريعة. دخل إلى بيت ضابط غير مختون وأكل معه. أعلن له بطرس: "تذكّرت كلمات الرب يسوع. قال: يوحنا عمّد بالماء، أما أنتم فتعمَّدون في الروح القدس" (أع 11: 16). ومرة ثالثة في أفسس. أكّد بولس أمام اليوحناويين (تشيّعوا ليوحنا المعمدان) الذين ظلُّوا أمناء للمعمدان: "إن يوحنا قد عمّد بمعمودية توبة. وكان يطلب من الشعب أن يؤمنوا بالذي يأتي بعده، أي المسيح" (أع 19: 4). لم يعد التشديد هنا على الطقس، بل على التدبير الجديد. هل سيكون الروح القدس (الذي يتقّبله المؤمن) البرهان الملموس للنعمة التي وصلت إلى كل إنسان؟ إن تاريخ العهد قد دخل في مرحلة جديدة. فطوبى للذي يبقى على إيمانه ولا يشك (7: 23). 
وينتهي خبر مسيرة يوحنا بإشارتين. الأولى توجز كرازته بكلمات أشعيا: تحريض، تعزية، انجيل وبشارة. إن يوحنا يبشّر شعب الله (كما بشَّر اشعيا الناجين من صهيون) ويعلن له ذاك "الذي يعمّد بالروح القدس". الثانية تدلّ على معارضة البشر للانبياء، كما في زمن إيليا: رفض الملك، أما الشعب فطلب التوبة والارتداد. وجاء سَجن يوحنا، فدلّ على سجن يسوع، كما سيدلّ موت يوحنا على موت المسيح. 

ب- يسوع كلمة النعمة في الروح القدس (3: 21- 4: 44)
واختفى يوحنا المعمدان عن المسرح: ها هو في السجن. وهذا وضع طبيعي بالنسبة إلى الشاهد الذي تحوّل سريعاً إلى شهيد. لقد ربط لوقا مصير النبي بمصير يوحنا، ولكنه ميّز بوضوح كرازة.. يوحنا عن ظهور يسوع. فحين بدأ يسوع، دخل السابق في عالم الماضي. 
ويتم الانتقال تحت نظر الروح القدس. هذا ما اعلنته كلمة يوحنا النبوية، ودلّ عليه دلالة واضحة خبر "المسحة" في الأردن: شدّد النصّ على حلول الروح بشكل ملموس على يسوع كجواب على صلاته. وكان الاختلاف جذرياً بين يوحنا ويسوع: الأول هو نبي وخادم الكلمة. الثاني هو كلمة نعمة الله في ملء الروح. 
إن المجموعة الأدبية المكرّسة لدخوله يسوع على المسرح، تتضمن مجموعتين متداخلتين: فالمتتالية الأولى (عماد، سلسلة نسب، تجربة) تشدّد على هوية يسوع. والمتتالية الثانية (خطبة الناصرة، نشاط في كفرناحوم) تبرز وجه الرسالة. ويشكل خبر التجارب صلة الوصل بين هاتين المتتاليتين، لأنه يقدّم الآن ما يواجه ابن الله من تجارب وصعوبات.

 

 

الفصل الثالث

الجذور والبدايات 
1: 5-4: 44 

توقفنا في ف 1- 2 عند أصل يسوع المسيح، وفي ف 3- 4 عند بداية رسالته كمخلّص للبشر وابن الله. وها نحن نستعيد الطريق اللاهوتية التي سرناها برفقة القديس لوقا. 
إن مسيرة الإنجيلي هي مسيرة متنازلة. فهو لا يعود أولاً إلى نصّ كتابي وإلى تقليد غريب عن أغلبية سامعيه الذين هم وثنيون ارتدّوا إلى المسيحية. بل ينطلق من خبرة الروح الحاضرة ويعود إلى ينبوعها في يسوع الناصرة. وحين يلتقي به القرّاء، فهم يكتشفون في الوقت عينه تجذّره التاريخي ويلتقون مع إسرائيل في قراءة الكتب المقدّسة التي يتمّها يسوع محوّلاً نظرة شعب الله إلى العالم. 
وهذا التحوّل يظهر منذ أولى الصفحات في الإنجيل. ففي الرسم المتوازي بين البشارتين، جعلَنا لوقا نعبر من معبد أورشليم حيث يحتفل الكاهن زكريا، إلى مدينة في الجليل حيث تتقبّل صبية مخطوبة بشارة لم يسمع بها أحد. 
إهتمّ لوقا بعالم المدن حيث يجتمع الناس. واهتم بكل ما يشكّل حياتهم كما نظّموها مع تفاصيلها (وعوالمهم) المتعدّدة. أبرز الناصرة، تلك القرية المنسيّة في الجليل، ولا بيت لحم، مدينة الملك داود. وخسر "معبد" أورشليم الذي هو مركز حضور الله في شعبه، الذي فيه يتمّ مصير العالم بالنسبة إلى اليهودية، خسر دوره الريادي من أجل قرية لا يعرفها أحد. 
وهناك جديد آخر في إنجيل لوقا هو عالم النساء. نرى مريم واليصابات وحنة. وعالم الإنجيل أقرب إلى ابراهيم والعهد، أكثر منه إلى موسى وعطية الشريعة في سيناء. في ذلك الوقت كان شيوخ أورشليم مع كل خبرتهم وحكمتهم وسلطانهم الذي لا يناقش، كانوا على هامش الحدث العظيم تجاه صبيّة من الريف لم تتزوّج بعد. وهكذا نرى أن الإنجيل لا يخضع لمنطقنا، بل لمنطق الروح الذي يحيرّنا دائماً ويذهلنا. 

1- جذور يسوع المخلّص 
وقام تدخّل الله في الوقت عينه بتحويل العقول والقلوب، فبيّن ما تعني ولادة الكلمة بقدرة الروح. حين بشّر الملاك زكريا، تكلّم عن الصلاة. وحين كلّم مريم قال لها: وجدت نعمة عند الله. إضطرب الكاهن الشيخ حين رأى الرؤية. أما مريم فلفت نظرها كلمة تحية وسلام. صار زكريا أبكم بسبب قلّة إيمانه، أمّا إيمان مريم فجعلها خصبة بقدرة الروح القدس. 
ونتوقّف عند هذه النقاط الثلاث. 
بعد الصلاة العبادية التي تطلب تحرير أورشليم، جاء الحنان (معنى اسم يوحنا) كاستجابة لهذه الصلاة. وهذا الحنان (أو هذه النعمة) الذي رافق الحبل بيسوع، هو وجه الله الذي يرحم البشر. 
وكان عبور من المعبد إلى كلمة السلام المسيحاني (إبتهجي). وصلت إلى مريم فانطلقت تنقلها إلى اليصابات ويوحنا (1: 40). كل هذا يدلّ على خلاص لا ينغلق على شخص أو شعب، بل ينطلق إلى الآخرين. فالكلمة صار رسولاً قبل ولادته. أسرعت به أمّه إلى أرض يهوذا. وهذا ما سيفعله الرسل فيحملون كلمة الله حتى أقاصي الأرض. وكل هذا بقوة الروح الذي جعل يوحنا يتحرّك في حشا أمه، كما جعل قلوب السامعين لكلام الرسل تتفطّر قلوبهم ويطلبون العماد. 
لم نعد أمام عالم قديم، عالم أبكم (زكريا) وعاقر (اليصابات)، عالم ضعف إيمانه فصار ضعيفاً وغير قادر على التكلّم. لقد صرنا أمام عالم جديد. فها قد تجلىّ إيمان مريم (1: 45) التي تقبّلت قدرة الله في فجوة الضعف البشري، وبادرت إلى إنشاد شكرها أمام الذي صنع فيها عظائم. 
إن ميثاق البركة الذي عقده الله مع إبراهيم (تك 15: 1- 18) الذي استودع مواعيد الحياة (رج تك 12: 1- 3) قد تمّ في مريم. فبإيمانها جعلت حنان الله حاضراً في العالم. في هذا المعنى كان إيمان ابراهيم صورة عن إيمان مريم. ونقول الشيء عينه عن أعمال الرسل: بالإيمان تقبّل المرتدون الجدد نعمة الخلاص. وهذا الإيمان ينقّي القلوب (رج أع 15: 9). وهكذا كانت مريم نموذج المؤمنين. وإذ بيّن لوقا أن إيمان مريم هو فوق علاقات الجسد، أتاح لكل إنسان أن يدخل في تاريخ يسوع بالإيمان، وإن لم تكن له أية علاقة بشعب إسرائيل (أي: الوثنيون). إنّ تاريخ يسوع هو تاريخنا، كيف يكون ذلك؟ حين نقرّ أنّ طريقنا الذي نكتشف فيه كل يوم قدرة الروح القدس، ليس غريباً عن تاريخ يسوع. وهكذا يصبح يسوع في الروح القدس حامل النعمة التي يعيشها المؤمن. 
يدعو الإنجيلي قرّاءه، وعبرهم جميع البشر في كل العصور، ليتتلمذوا لدى طفل وُلد "اليوم" "كالمخلّص" و"المسيح الرب" المنتظر الذي يجتذبنا منذ كلمته الأولى إلى الله أبيه (2: 49). إنّ ولادة هذا الطفل تجعلنا نكتشف إلى أي مدى عقد الله ميثاقاً مع البشر. فهولا يسوع قد ضمّ إليه كل واقع بشري وأدخله في مسيرة نموّه. فهذا الولد يعطي ما هو خفي ومحتقر كل قيمته، ويظهر نسبية الأشياء بالعودة إلى الآب قبل كل شيء. 
إن لفظة اليوم تعبرّ عن آنية حنان الآب من أجل عالمنا. فهذا الحنان هو ينبوع كل حياة، وهو يعطي كل لحظة من لحظاتها قوامها. مع يسوع الآتي، يقدَّم المخلّص اليوم في قلب حياة كل واحد منا. وهذا "اليوم" هو ثمرة انتظار طويل، بدأ منذ أجيال مع الخلق فمرّ عبر وعد الحياة الذي أعطي لإبراهيم. وهو أيضاً ثمرة تاريخ حبّ الله عبر ولادة كل إنسان وحبّه وآماله وموته. هذا "اليوم" يتضمّن في نظر لوقا ما هو جديد جذرياً. 
فما أعطي ليست خلاصاً مجرّداً، بل المخلّص يسوع شخصياً (يسوع= يهوه يخلّص). ولكن، يا للمفارقة، يجب أن نتعرّف إلى هذا المخلّص من خلال سمات "طفل ملفوف بالقمط ومضجعاً في مذود" (2: 12). بهذا الطريق لا نخلطه مع "الالهة" الوثنية، ولا مع الأباطرة الذين "يحملون الخلاص" في الديانات المجاورة. إنه مخلّص ينمو وسط البشر. مخلّص هو حضور قدرة الله التي تلبّي انتظار إسرائيل، وأُفق أمام آمال الشعوب. ماذا يحمل هذا المخلّص؟ السلام للبشر، وهو سلام ينمو في مصالحة تدلّ على حنان الله. 
اليوم ولد لنا مخلّص. وأول كلمة تفوّه بها دلّت على أبيه. إنه الإبن الذي يوجّه حياته إلى الاب منذ البداية حتى الموت على الصليب (23: 46: يا أبتِ، في يديك أستودع روحي). ولا نفهم شيئاً من هذا المخلّص، من هذا النور الظاهر للأمم، من هذا المسيح الرب، إلا إذا رأينا فيه الإبن. وما أخبرنا به في كل حياته هو كيف نعيش كأبناء، كيف ننمو في روح الإبن. هذا ما كشفه طفل سُلّم إلى ظروف الكبار ومشيئتهم، إلى والديه والرعاة وكل الذين يطلبون الله. 
إذا كان لوقا في ف 1- 2 قد عاد إلى الكتب المقدّسة، إلا أنه لم يستعملها لكي يبرهن أن يسوع هو المسيح المنتظر، المتحدّر من داود والمتمّ النبوءات. بل هو اتخذ خطّاً معاكساً: توخى أن يجعلنا ندرك أدن يسوع يفسّر الكتب: قرأها على ضوء موته وقيامته فصارت مفهومة. ولكي يدلّ على ذلك، عمل عن طريق التلميح لا الإيرادات الواضحة. وهكذا جعل من العهد القديم قراءة مسيحية واضحة. ولجأ إلى النمطية التي عرفها العالم اليهودي والعالم الهليني: يوحنا ويسوع يشبهان هذه الوجوه الكبيرة في تاريخ إسرائيل (إسحق، جدعون، شمشون، صموئيل، إيليا، إرميا، عبدالله المتألّم). وذكّرتنا اليصابات ومريم بنساء نجح فيهنّ مخطّط الله (سارة، رفقة، حنة، إبنة صهيون). 

2- بدايات الرسالة 
في ف 3- 4، إرتدى يسوع قوّة الروح فدخل على مسرح العالم ليكشف له ملكوت الله ويدشّنه. وظهر يوحنا النبي أيضاً: إنه شاهد لواقع مقبل سيمّحى أمامه. لقد حل التدبير الجديد محلّ طقس العماد بالماء: فالعماد في الروح القدس هو ما يميّز الملكوت. لقد بدأت حقبة جديدة في تاريخ خلاص الله ساعة حلّ الروح على يسوع وهو يصليّ في الأردن. فهذا الروح الذي حضر ساعة الحبل به، سيبقى حاضراً فينا بشكل ملموس ومتواصل وفي فيض متجدّد بدأ مع مسحة يسوع المسيحانية. هي مسحة نبوية مثل مسحة عبد الله المتألمّ. وهي مسحة ملوكية، لأننا أمام الوارث الشرعي لملكوت الله، أمام الإبن الحبيب. ولكن لوقا يترك هذه الوجهة في الظلّ حتى تتويج يسوع الممجّد (أع 2: 32- 33؛ 3: 13- 15؛ 13: 33). 
يسوع في بداياته هو رأس البشرية الجديدة. والرسالة التي يتجنّد لها بقوّة الروح تضمّ البشرية كلها التي تجد معناها في بنوّته الإلهية.
وتجرّب ابن الإنسان على يد الشيطان، لندرك معنى المجابهات والمحن التي تلي. فطريق الإبن (وطريق الأبناء) مزروعة بالإضطهادات. هذه هي طريق الملكوت ولا طريق غيرها. والعودة الأخيرة إلى أورشليم حيث يتمّ آخر فصل من رسالته، تربط إرتباطاً وثيقاً التجارب وموت يسوع على الصليب وعبوره إلى الآب. هذه هي نهاية "خروجه"، كما كانت نهاية حجّه إلى بيت الآب وهو في عامه الثاني عشر. 
إن حلول الروح، وتصّرف يسوع النبوي تجاه وسوسات الشيطان تلقيان الضوء على الرسالة التي تبتدىء. ففي الناصرة كشف يسوع بركة الله في بُعدها الشامل والآني. فالتحرّر الذي أعلنه يعني كل إنسان: الفقير، السجين، الأعمى، المسحوق... إن ما حصل عليه إسرائيل من رحمة قد حلّ على جميع الفقراء وجميع المرضى. وهذا ما دلّت عليه أعمال إيليا واليشاع. غير أن لوقا لا يرينا يسوع مبشّراً خارج حدود إسرائيل: لهذا سيكون التعبير عن هذه الشمولية على هذا المستوى: لهذا فأقارب يسوع وأهل بلدته لا يملكون حقاً خاصاً على ابن يوسف وابن الناصرة. ولكن قلب التعليم (برنامج الناصرة) سيكون تمام كلمة النعمة اليوم. فبركة الله التي أعلنت اليوم، تتوجّه إلى جميع المسحوقين وجميع المرذولين: هذا ما تعنيه التطويبات. 
ولكنّ سامعي الناصري لم يهتموا بهذه البركة المعلنة، بقدر ما اهتموا بانفتاح شامل يشككهم. بيد أنه وجب عليهم أن يعرفوا أن الله حرّ في منح نعمه كما يشاء، وهذا منذ أيام إيليا واليشاع. ثم إنّ ما حصل من شكّ في الناصرة سيحصل كل مرّة تُعلن البشارة. ولقد دلّ سفر الأعمال أن الإنجيل لم يحمل السلامٍ والمصالحة بل التصادم والعنف. وسيكون اسطفانس أوّل من يموت شهيدا. ولكن كلمة الله ليست مقيّدة. ففي الناصرة عبرَ يسوع بين الذين رفضوا الكلمة التي أعلنها عليهم، وقادوه إلى خارج المدينة ليرموه من أعلى الجبل. وفي أورشليم، حُكم على يسوع (الذي ظهر في الهيكل) بالموت فقادوه إلى خارج المدينة. غير أن مصلوب الجلجلة سيقوم في اليوم الثالث.
ونشاط يسوع في كفرناحوم سيشدّد في النهاية على الطابع الشامل للرسالة: هذه المدينة الجامعة في الجليل (4: 31) ستكون نموذجاً لإعلان يصل إلى اليهودية (4: 44). والإنتقال من المجمع إلى بيت سمعان (4: 35) وشفاء الحماة، يطلقان الحركة العامة: كل واحد شُفي. كلهم شُفوا (4: 40). وفي الوقت عينه، بدا يسوع منتصراً على الشّر في أعماقه، لأنه أجبر الشياطين والأرواح النجسة أن تقرّ بقداسته وأصل رسالته الإلهية.
إن إنجيل الملكوت بدأ طريقه، ولا شيء يوقفه. هذا هو قرار الآب. لهذا قال يسوع: "يجب عليّ أن أبشرّ المدن الأخرى أيضاً لأني لهذا أُرسِلْت" (4: 44).

 

 

الفصل الرابع 

الإستماع إلى الكلمة 
5: 1- 9: 50

1- موقع هذه الفصول 
إن ف 1- 2 قد جعلانا نكتشف جذور يسوع الناصري: هو ابن إسرائيل وابن عصره. وهو أيضاً ابن الله والمسيح الرب. وقدّم لنا ف 3- 4 بدايات عمله على الأرض: مسحة الروح، الرسالة التي أخذها على عاتقه في حرية تحمل التحرير إلى البشرية. هذه الرسالة التي أعلنت إعلاناً نبوياً في الناصرة ستمتد في الجليل: في إطار المجمع، في بيت سمعان، وأخيراً في "سائر المدن". ولكن الموضع الطبيعي لكرازة يسوع يبقى المجامع. 
مع ف 5 تبدأ مرحلة جديدة. لم يعد يسوع وحده: فقد أحاط نفسه بتلاميذ ونساء يسيرون معه. واختار إثني عشر رسولاً. وها هي الجموع ترافقه في تحرّكاته. لا نجد عند لوقا كما عند متى ومرقس، توزيع رسالة المعلّم على منطقتين: الجليل ثم اليهودية مع أورشليم. ما يلاحظه لوقا هو الأسلوب الذي به "يسير"، ياخذ طريقه إلى أورشليم: تجوّل في بلاد اليهود وهو "يعمل الخير ويجري الشفاء" كما يقول سفر الأعمال (أع 10: 38). ولكنه كان يعلّم أيضاً كما تقول نهاية الإنجيل (23: 5). في القسم الثالث (9: 51- 19: 27) سنرى يسوع يتخذ وجهة محدّدة: هو يسير نحو أورشليم. إنه أمين لدعوته كنبي (13: 33). 
في انطلاقة يسوع الأولى (5: 1- 9: 50) نجد عند الذين يسمعونه طرقاً مختلفة للإستماع إلى كلمة الله. أما الإنطلاقة الثانية (9: 18- 19: 27) فيستحدّد موقعها بالأحرى في خطّ وحي يقود المؤمنين إلى الآب بقيادة الروح القدس، وشرط العبور مع ابن الإنسان في آلامه وموته.
وهكذا تقدّم لنا المرحلة الثانية التي نتوقّف عندها هنا، طريقتين تلمّسنا بهما الكلمة، حالتين روحيّتين تجتذبان مسيرتين تغني الواحدة الأخرى. هناك حالة "المعتادين على الجماعة" أي شعب إسرائيل الذي تمّ في المسيح ودُعي للإنفتاح. وهناك حالة "كل إنسان" الذي هو للوهلة الأولى غريب عن جماعة الشعب، ولكن قلبه تنقّى بالإيمان ووُعد بعطيّة الروح القدس.
نستطيع أن نكتشف رسمة أولى لهذه النظرة اللوقاوية إنطلاقاً من شخصَي بطرلس (5: 1- 11) وقائد المئة (7: 1- 10). إنهما يحتلاّن موقعاً هاماً في بنية الفصول التي ندرس الآن (ف 5- 9). ومفتاح هذا التقارب نجده في أعمال الرسل (ف 10): هناك التقى بطرس الضابط الروماني كورنيليوس، وأعلن له إنجيل القائم من بين الأموات. وإذ كان بعد يتكلّم، حلّ الروح القدس على كورنيليوس وأهل بيته، فصاروا باكورة "خائفي الله". وهذا ما بيّن لبطرس أنّ "الله أعطى أيضاً الأمم الوثنية التوبة التي تقود إلى الحياة" (أع 11: 18).
وفي بداية ف 5 من إنجيل لوقا، إلتقى سمعان بطرس يسوع الذي دعاه بعد الصيد العجيب ليكون صيّاداً يصطاد البشر للخلاص. فسقط بطرس على الأرض أمام يسوع وقال له: "إبتعد عني يا رب، لأنى رجل خاطىء" (5: 8). والضابط الروماني في ف 7، لم يتّصل بيسوع اتصالاً مباشراً: إنه سمع الناس يتكلّمون عن يسوع. ثم أرسل إليه وفداً أولاً ووفداً ثانياً. ومن بعيد وعبر الوسطاء، طلب الحياة لأحد أفراد بيته الذي هو على فراش الموت.
سمعان بطرس يقف وجهاً لوجه أمام يسوع. والضابط يبقى بعيداً. إتضع الأولى أمام يسوع وأقرّ أنه خاطىء. وشدّد الثاني على وضعه كخاضع، وطلب الحياة لشخص عزيز على قلبه. واحد تسلّم مهمة ورسالة، والثاني لا. لماذا وضع لوقا هذين الشخصين الواحد تجاه الآخر؟ حين ألّف فصول إنجيله، لاحظ مختلف الكنائس التي عاش فيها وخصوصاً كنيسة انطاكية حيث يتجاور اليونانيون واليهود المتهلينون (تحضّروا بالحضارة الهلينية) في الإيمان الواحد ويتسمّون بالإسم الواحد (أع 11: 19- 26. إنهم مسيحيون). واكتشف الطابع الشامل لتكامل مسيرتَيْ بطرس وقائد المئة اللذين اجتمعا حوله يسوع في قلب شعب الله.
وهكذا تتوسّع هذه المجموعة في خط برنامج يسوع في الناصرة (4: 16- 44): مواجهة أولى مع أبناء موطنه، الناصرة (إسرائيل)، مواجهة مع جميع المرضى في كفرناحوم (العالم).

2- التأليف والبنية 
إذا أردنا أن ندرك بنية هذه الفصول وأصالة لوقا، يجب علينا أولاً أن نقابل توالي المقطوعات عند مرقس ومتى ولوقا. بعد هذا نبرز المحطات التدوينية في تأليف الإنجيل الثالث.

أ- مقابلة إزائية 
سجّلت المرحلة الأولى في مرقس (1: 15- 3: 6) نشاط يسوع في إطار يوم من الرسالة في كفرناحوم (1: 21- 45). وظهرت ردّة الفعل عند البشر في خمسة مجادلات جليلية (2: 1-3: 6). فصل متّى هذا العرض إلى قسمين. في الأول (ف 8- 9) استعاد معجزات يسوع العشر (8: 1- 4، 14- 17؛ 9: 1- 17). واستعمل القسم الثاني خلال مجادلات يسوع مع خصومه (12: 1- 14). إتبع لو 5: 12- 6: 11 ترتيب المقطوعات حسب مرقس، ولكنه أتبع هذه المجموعة بخطبة (6: 12- 49) توازي في أمور عديدة خطبة الجبل (مت 5- 7).
وعالجت المرحلة الثانية في مرقس (3: 7- 6: 6 أ) إستقبال أقارب يسوع له. إحتفظ متّى فقط بعجائب يسوع (مر 4: 35- 5: 43)، وبدّل ترتيبها، وأدخلها في ف 8- 9 (صت 8: 18- 34؛ 9: 18- 26). وأخذ الأمثال (مر 4: 1- 34) فجعل منها خطبة الأمثال في ف 13. أخذ لوقا مثل الزارع (8: 4- 15) والسراج (8: 16- 18) والمقطع حول عائلة يسوع الحقيقية (مر 3: 31- 35) الذي صار خاتمة خطبته (8: 19- 21). أما متى فاستعاد هذا المقطع في 12: 46- 50. وانطلق لوقا من معجزات يسوع ليطرح السؤال عن يسوع (8: 22- 56).
إن هذا السؤال عن يسوع يشرف على المرحلة الثالثة في مرقس (6: 6 ب-8: 30). أدخله متّى كما هو في توسّع ف 14- 17 وتحدّث عن تأسيس الكنيسة. وأخذ لوقا قسماً منه من أجل ف 9. فقد استعمل في ف 7 مراجعه الخاصة (7: 11- 17، 36- 50)، ثم ما يوازي مت 11: 12- 19، في تدخّل مرسلي يوحنا السجين (7: 18- 35). ولكنه احتفظ من أجل ف 9 مهمة الإثني عشر (مر 6: 6 ب- 13؛ مت 10: 1- 14)، واعتبارات هيرودس (مر 9: 14- 16؛ مت 14: 1- 2) وتوزيع الأرغفة على الجموع (مر 6: 30- 44؛ مت 14: 13- 21).
ويظهر هذا العمل التدويني بشكل أوضح بفضل لوحة تدلّ على التقابلات الرئيسية في النصّ اللوقاوي.
5: 1- 11: دعوة سمعان بطرس 7: 1- 10 حدث الضابط. الروماني 
= يو 21 = مت 8: 5- 13
5: 12- 6: 11: المغفرة 7: 11- 50: إحياء إبن أرملة نائين 
مر 1: 40- 2: 12 حدث خاص بلوقا
: طعام الغداء شهادة يسوع على المعمدان
= مر 2: 13- 22 = مت 11: 12- 19
: السبت سمعان والخاطئة
حدث خاص بلوقا
= مر 2: 23- 3: 6 
6: 12- 16: الرسل الإثنا عشر 8: 1- 21: الإثنا عشر والنسوة 
= مر 3: 13- 19 = مر 1: 39؛ 15: 40- 41
6: 17- 19: يسوع والجمع
= مر 3: 17- 11
6: 20- 29: التطويبات وخطبة السهل الكلمة المزروعة
= مت 5-7 = مر 4: 1- 25
عائلة يسوع الحقيقية
= مر 3: 31- 35

ب- التدوين اللوقاوي
حين ننظر إلى التدوين اللوقاوي، نلاحظ بعض المحطّات في النصّ. يبدأ ف 5 بلفظة ترد مراراً عند لوقا: "وحصل". نعرف أن الجمع يزحم يسوع ويسمع كلمة الله. هكذا يبدأ خبر دعوة سمعان بطرس بعد الصيد العجيب. وتتلاحق ثلاثة أحداث: تطهير الأبرص، شفاء المخلّع وغفران خطاياه، دعوة لاوي. وقد بدأ لوقا الحدثين الأولين بشكل واحد: وحدث أن يسوع كان في إحدى المدن (5: 12). وحدث أن يسوع كان يعلم ذات يوم (5: 17). وتظهر بداية الحدث الثالث بشكل خاتمة: وبعد هذا خرج (5: 27).
ذكّرنا لوقا هنا بدعوة بطرس (5: 1- 11) حين كرّر عبارة: ترك كل شيء وتبع يسوع (5: 11- 28)، وحين لمّح إلى الخطأة (5: 8، 30- 32). 
ويمتد الوضع الذي أقامته هذه الأحداث الثلاثة في ف 6 حيث تعود عبارة واحدة فتبرز محطّتين تدوينيّتين واضحتين: خبر السنابل المقلوعة، وشفاء الرجل الذي يده يابسة: وحصل في سبت: كان مجتازا بين حقول القمح (6: 1). وحصل في سبت آخر: دخل المجمع (6: 6). وتنتهي المسيرة بصلاة يسوع واختيار الإثني عشر وخطبة السهل. وتبدأ هذه المجموعة مع 6: 12 (كما في 5: 7): "وحدث في تلك الأيام" (فيما بعد). 
تتضمّن خطبة السهل عرضاً متوازياً بين التطويبات (طوبى لكم) وبين التويلات (الويل لكم)، ثم كرازة تبدأ بهذه العبارة: "وأما أنتم أيها السامعون" (6: 27). بعدها يأتي توسّع يبدأ: "وضرب له أيضاً مثلاً" (6: 39). وينتهي كل هذا بقول يشير إلى سماع ما يقوله يسوع والعمل به، وهكذا نعود إلى موضوع البداية (5: 1: كان الجمع مزدحماً لسماع كلمة الله).
وينقلنا ف 7 إلى واقع جديد: بعد خطبة يسوع نعود إلى أخبار تشير إلى مسيرة أخرى. "ولما فرغ من هذا الكلام كله على مسامع الشعب، دخل كفرناحوم" (7: 1). وفي نهاية حدث قائد المئة نستعيد العبارة عينها: "وحدث فيما بعد" (7: 1). نجد هنا خبير إقامة إبن أرملة نائين وفيه "مجّد الناس الله" (7: 16) كما فعل المخلع الذي غفرت خطاياه وشهود المعجزة الذين استولى عليهم الخوف (5: 25- 26). بعد هذا يرد حدث مرسلي يوحنا المعمدان مع الشهادة التي أدّاها له يسوع. أخيراً وُجد سمعان الفريسي وجهاً لوجه مع الخاطئة، أمام يسوع. في هذا المقطع الذي يتحدّث مراراً عن "النبي" (7: 16، 26 مرتين، 28، 29)، نتكلم أيضاً عن غفران الخطايا (7: 47- 48؛ رج 5: 20) وعني الإيمان (7: 50؛ رج 5: 20 و7: 9). 
حينئذ نرى يسوع ينطلق عبر المدن والقرى، وهو يعلن إنجيل الملكوت. يرافقه الإثنا عشر والنسوة. وتأتي في المقدّمة عبارة هي صدى لما في 7: 11: "وحدث في تلك الأيام" (فيما بعد) (8: 1).
تزاحمت الجموع حول يسوع، فقدّم لها خطبة جديدة: قدّم مثل الزارع الذي فسّره للتلاميذ الذين جاؤوا يسألونه. وتنتهي هذه الخطبة بوصول أقاربه: أرادوا أن يروه. وكانت تلك مناسبة للمعلّم حتى يتحدّث عن القرابة الحقيقية: "الذين يسمعون كلمة الله ويعملون بها". كان الإنجيلي قد لامس موضوع كلمة الله في 5: 1. وختم الإرتباط بين "السماع" و"العمل" في الخطبة الأولى، خطبة السهل. 
هذه اللحمات الأدبية المختلفة تتيح لنا أن نكتشف توازياً لوقاوياً مميّزاً وراء تأليف هذه المجموعة (5: 1- 8: 21). إن الحالتين الروحيتين اللتين أشرنا إليهما يقدّمان نموذجين (سمعان بطرس، قائد المئة)، ثم مسيرة تبرز القيم الخاصة بكل من هاتين الحالتين، وأخيراً خطبة ليسوع. والمقابلة التالية تبرز الموازاة.
أ- الكلمة لإسرائيل (5: 1- 6: 49) ب- الكلمة الرسالية (7: 1- 8: 21)
النموذج: سمعان بطرس (5: 1- 11) النمرذج: قائد المئة (7: 1- 10)
المسيرة: غفران (5: 12- 26) المسيرة: إبن أرملة نائين 
(7: 11-17)
الوليمة (5: 27- 39) شهادة ليوحنا (7: 18- 35)
السبت (6: 1- 11) سمعان والخاطئة
(7: 36- 50)
خطبة السهل (6: 12-49) كلمة يسوع وسط أخصّائه
(8: 1- 21)
وتبدأ المجموعة التالية (8: 22- 9: 51) فتستعيد المتتالية الإزائية التي تتضمّن تسكين العاصفة (8: 22- 25= مر 4: 35- 41؛ مت 8: 18، 23- 27)، شفاء المجنون في أرض وثنية (8: 26- 39= مر 5: 1-20؛ مت 8: 58- 34)، شفاء النازفة وإقامة إبنة يائيرس (8: 40- 56= مر 5: 21-43؟ مت 9: 18- 26). وتبدأ هذه المتتالية بعبارة ظهرت في 5: 17 بشكل قريب جداً. "وحدث في ذات يوم" (8: 22). إنها تتسجّل في انطلاقة يسوع: في 8: 22، ركب السفينة مع تلاميذه. وصلوا إلى أرض الجرجاسيين في 8: 26، واستقبلهم الجميع في طريق العودة (8: 40). طُرح السؤال حول هويّة يسوع (8: 25) ومعنى عمله (ما جرى، 8: 34، 35، 56). نحن هنا أمام سؤال مطروح داخل حلقة من الأشخاص يرافقون يسوع، أو يلتقون به في الطريق، أو يسمعون كلمته ويعملون بها. 
بعد متتالية 8: 22- 56 نجد توسّعاً أخيراً يصل بنا إلى 9: 50 ونهاية الرسالة في الجليل، وبداية الصعود إلى أورشليم: بعثة الإثني عشر (9: 1- 6)، حيرة هيرودس حول يسوع (9: 7- 9)، تكثير الأرغفة (9: 10- 17). في 9: 18 لا يتبع لوقا متى ولا مرقس. فنحن نستعدّ لحقبة جديدة في تعليمه، تبدأ في 9: 51 وتنتهي في 19: 27. 
نلاحظ هنا عمل الرسل. لقد أرسلوا على خطى يسوع ليكرزوا بملكوت الله ويجروا الأشفية (9: 2). فحرّك عملهم الرسولي سؤال هيرودس (9: 9)، ذاك السؤال الذي ولد خارج حلقة المؤمنين. بعد هذا، دفع يسوع الرسل لكي يطعموا الجموع. 
وتمتدّ هذه المتتالية حتى 9: 51 حيث نقرأ: "وإذ كان زمن ارتفاعه من هذا العالم قد اقترب، صمّم أن ينطلق إلى أورشليم". نحن هنا أمام السفر إلى أورشليم. ترك لوقا هنا رسمة مرقس وسار في خطه. وغابت أسماء الأماكن، فلم يبقَ منها إلاّ ما نحتاجه في إطار الصعود إلى أورشليم. أجل، إن 9: 51 هو آية أساسية في إنجيل لوقا، وقد تهيّأ منذ 9: 18 المنعطف اللاهوتي الذي يشير إليه. 

3- تقديم النصّ 
أ- كلمة مرسلة إلى إسرائيل (5: 1- 6: 49) 
نستطيع أن نسمّي ف 5- 6: كلمة إلى إسرائيل. فكل المقاطع تحيلنا بالدرجة الأولى إلى ما يعني بوجه خاص شعب إسرائيل. فالخبر الأول هو خبر اعتراف خاطئ أمام تدخّل الله، وهو خبر دعوة. وتعالج الأحداث التالية شفاء الأبرص، غفران الخطايا (محفوظ لله وحده)، نداء خاطئ. وتبرز الجدالات بين يسوع من جهة والكتبة والفريسيين من جهة ثانية، بمناسبة هذه اللقاءات، فتدلّ على الإطار اليهودي الذي يحدّد موقع العمل. إنها تعني ممارسة الصوم والمحافظة على السبت. وخبر اختيار الإثني عشر الذي يذكّرنا بتكوين شعب الله في اثني عشر سبطاً، يعطي هذه المجموعة وجهها. 

ب- الكلمة الرسالية (7: 1- 8: 2) 
إن عبارة 7: 1 (بعد أن أتمّ كل هذه الأقوال في مسامع الشعب) لا تعود فقط إلى الخطبة التي تسبقها (6: 21- 49). بل تشمل ما يتضمّنه ف 5- 6 اللذين تشكّل خطبة السهل ذروتهما. وتبدأ مرحلة جديدة للذين لم يصمّوا آذانهم. في بداية هذه المرحلة الجديدة تبرز صورة قائد المئة الذي يدلّ على طابع انفتاح الكلمة حيال كل إنسان. لهذا نتحدّث عن الكلمة الرسالية، عن كلمة الرسالة التي تذهب إلى أبعد من العالم اليهودي. 
في الواقع، إن المتتالية التي تربط "خطبة التطويبات" بحدث الضابط الروماني، تكوّنت قبل لوقا ومتى. إستعادها لوقا فاستفاد من الرمزية المرتبطة بهذا الشخص (هو وثني، وينتمي إلى قوى الإحتلال، القوى الرومانية) ليوجّه ولْي خبره. هنا نقابل بينه وبين قائد مئة آخر هو كورنيليوس المقيم في قيصرية البحرية.
مع دخول قائد المئة على المسرح، تبدأ الرسالة أبعد من إسرائيل (7: 9). ففي ف 5- 6، جمعت أقوال يسوع وأعماله حلقات من السامعين: الإثنا عشر، جماعة التلاميذ، جمهور كبير من الشعب (6: 13، 17)، وحدّدت النداء الذي وجّه إليهم. أما في ف 7- 8 فتجاوز نشاط يسوع إطار العالم اليهودي بحصر المعنى.

ج- وحي مثلّث (8: 22- 9: 50)
بعد الفاصل في 8: 22 (وحدث في ذات يوم)، تبدأ مجموعة أولى من الأخبار تتوزع حول سفر يسوع على البحيرة: ركب السفينة (آ 22)، نزلوا من السفينة (آ 26). فركب يسوع في السفينة ورجع (آ 37)، ولما كان يسوع راجعاً (آ 40). نجد هنا تسكين العاصفة وخلاص المجنون (آ 22- 39)، ثم خلاص النازفة وقيامة إبنة يائيرس (آ 40- 56). ما يربط هذين الجزئين هو شخص يسوع الذي في قلب عمله يرفع زاوية من الحجاب فيدلّ على سرّه. وهكذا نصل إلى السؤال الأول الذي طرحه التلاميذ: من تُرى هذا (آ 25)؟ 
في 9: 1 نقرأ "ودعا الإثني عشر". في 9: 18 نجد العبارة المعروفة: "وحدث أنه كان ذات يوم يصلّي". نحن هنا أيضاً أمام سؤال عن يسوع يطرحه أناس من خارج حلقة التلاميذ، ويتكلّم باسمهم هيرودس: "من ذا الذي أسمع عنه مثل هذه الأخبار" (9: 9)؟ 
ويطل الوحي المثلّث كجواب على السؤالين اللذين طُرحا عن يسوع (التلاميذ، هيرودس). بدأ يسوع فسأل تلاميذه في هذا الموضوع (9: 18- 20)، ثم كشف لهم المصير الذي ينتظره (9: 22). وبدا حدث التجلّي (9: 28- 36) عند لوقا كنقطة إنطلاق لي "خروج" يسوع إلى أورشليم على ضوء قصد الآب. وجاء تكرار الإنباء بالآلام فجعل التلاميذ منذهلين أمام الكلمة التي لم يفهموها. 

4- معنى النصّ 
ما هي الطريق التي سرنا فيها منذ ف 5؟ هناك عنصر أول يلفت انتباهنا: إن لوقا يبقى حاضراً في نصّ يحدّثنا فيه عن يسوع. فإن اقترب منا يسوع شيئاً فشيئاً، فهذا لا يعني أن الإنجيلي يخسر مكانته. أما مرقس فيختفي بشكل واضح ويترك القارئ أمام شخص يسوع المسيح وابن الله. ومتّى يجعل القارئ يعيش الخبرة الكنسيّة في الجماعة الأولى الملتئمة حول ربّها. أما الإنجيلي الثالث فنحسّ أنه مليء بخبرة يريد أن يوصلها إلينا. إنه يأخذنا بيدنا ليجعلنا ندرك خبر يسوع، كما فعل مع تيوفيلوس، محبّ الله. 
لهذا قدّم مسيرتين لسماع الكلمة. لا شك في أنّ وحي يسوع هو واحد هنا وهناك، ولكن طريقة سماعه تختلف. لسنا أمام نمطين من الجماعات، ولا أمام جدلية اليهودي والوثني. بل أمام توجهين من السماع يكمّل الواحد الآخر. 
في المسيرة الأولى (في إسرائيل) نتقبّل الكلمة في "وجه لوجه" (تث 34: 10؛ إر 31: 34). هذه الكلمة الموحاة ستصبح مقياس كل عمل، وهي تحدّد ممارسة نموذجية. لهذا نرى في خطبة السهل تشديداً على محبّة الأعداء (6: 27- 35)، على الرحمة (6: 36)، على الإمتناع عن الدينونة، وعن الغفران (6: 37). ونطرح السؤال: هل تتجسّد الكلمة في تصرّفاتنا، هل تصبح حياة؟ 
في الحالة الثانية نتحقّق من السماع. فكل إنسان لم يدركه وحي الله يتوقّف عند واقع الحياة اليومي. حينئذ يكتشف أن هذه الحياة هي موضع سكنى كلمة الله في يسوع. حينئذ يعود إلى أساس كل حياة، إلى يسوع المسيح القائم من الموت. هنا تنطلق المسيرة من الحياة إلى الكلمة. وهنا يطرح السؤال: هل أنا متنبّه إلى سرّ الحياة؟ هل تصبح حياة الله كلمة في حياتي؟ قال يسوع: "تبصّروا كيف تسمعون" (8: 18).

أ- نقطتا الإنطلاق
وضع لوقا في إنطلاقة كل من هاتين المسيرتين نموذجاً يدلّ على معنى المسيرة: سمعان بطرس وقائد المئة. ففي بداية المتتالية التي تبدأ مع سمعان بطرس، نرى الجموع تتزاحم حول يسوع لتسمع كلمة الله (5: 1). ثم يقال لنا أن المعقم كان يعلّم الجموع (5: 5) من السفينة. وبعد هذا، جاءت كلمة يسوع (5: 5) فدفعت بطرس إلى أن يرمي الشبكة. ودُعي بطرس ألاّ يخاف (5: 10)، ثم تبع يسوع (5: 11). 
وفي متتالية قائد المئة كتب لوقا أن يسوع "فرغ من هذا الكلام على مسامع الشعب" ثم دخل كفرناحوم (7: 1) هذه المدينة الجامعة. ما سمعه الضابط عن يسوع جعله يكتشف كلمة تتوجّه إلى لقاء رغب فيه بأن يرى خادمه حيّاً ويخرج من وضعه السيّء. فالوفدان اللذان بعث بهما إلى يسوع يدلاّن على أنه يؤمن بالعلاقات البشرية. ولكن هذه العلاقات تبقى خاضعة لكلمة الشفاء التي يسمعها من الرب.
كيف تتوضّح هاتان المسيرتان؟

أولاً: المسيرة الأولى 
تبدأ المسيرة الأولى بلقاء مع الأبرص. آمن بالكلمة، ولكن عليه أن يتقبّل تطهيره كعطية مجانية لا تستطيع الشريعة إلاّ أن تتحقّق منه. وكان هذا الشفاء سبباً لتزاحم الجموع التي جاءت تسمع الكلمة وتطلب الشفاء. 
وحدثُ المخلّع الذي شُفي ونال الغفران، يجعل المسيرة تتقدّم. الله هو الذي يشفي وهو الذي ينقّي القلب. وسيبيّن الحدث أن "الكسحان" الحقيقيين هم الفريسيون ومعلمو الشريعة: تقوّوا بممارستهم للشريعة فظنّوا أنهم يكتفون بالخارج دون الداخل. نحن هنا أمام شفاء نموذجي لمخلّع الباب الجميل (أع 3: 1- 10) واينياس الذي قال له بطرس: "شفاك يسوع المسيح! إنهض وافترش لنفسك"! فنهض للحال (أ ع 9: 34). 
وتوجّهت خطبة الجبل إلى الجماعة المؤمنة. فعلى خلفية تكشف الملكوت، كانت هذه الخطبة نداء لالتزام نبوي يقدّم لكل إنسان في عمل شامل، لا في ممارسة شريعة محفوظة لشعب واحد. وهذا الإلتزام يقوم بأن نشهد للملكوت الذي أعطي لنا في يسوع. ويطرح السؤال: هل أنا نبي حقيقي أم نبي كاذب؟ هل أنا شاهد حقيقي أم لا؟ فالذي يقول باستمرار إنه شاهد للرب ولا يدخل في مصير ابن الإنسان (حيث الفقر والجوع والدموع والاضطهادات، رج 6: 20- 22). يكون شاهداً كاذباً: وما يدل عليه هو الغنى والشبع والضحك والكرامات (رج 6: 24- 26). 
هناك قراءة أولى للتطويبات والتويّلات تجعلها سلسلة من مواقف أدبية "نرضي" بها الله: حسب هذا التفسير، إن الله يحبّ الذين يقرّون بفقرهم، يحبّ الذين تتركهم خيرات الأرض في جوعهم، والذين يقبلون مصيرهم وإن ترافق بالدموع. وهناك قراءة ثانية تجعلنا نقرأ التطويبات والتويّلات بطريقة مادية: المساكين يملكون قيماً جعلنا الغنى ننساها. إنهم يعيشون في البساطة الحقيقية. هذا هو البعد الديني، بينما شدّدت القراءة الأولى على البعد الروحي. 
عندما يتحدّث لوقا عن الجوع والفقر والبكاء، فهو ليس أمام استعارة ورمز. إنه أمام الواقع اليومي بما فيه من قساوة. يسمّى الفقراء "سعداء" لأن الله يهتمّ بهم. لا بسبب استحقاقاتهم، بل بسبب الحالة نفسها التي فيها يعيشون. إن الله كأب محبّ، يعتني بصورة خاصة. بالمساكين والجياع والباكين والمضطهدين. ذاك كان دور الملك في أرض إسرائيل، بل في الشرق كله. ثم إن الحقيقة الإلهية للتطويبات لا تنفصل عن مصير إبن الإنسان. بل لا أساس لها إلا الثقة بأمانة الله كما تجلّت في يسوع. فالمساكين والجياع والباكون هم سعداء لأن الله عمل في يسوع بشكل نهائي من أجلهم، فأقام من بين الأموات (وجعله مسيحاً ورباً، أع 2: 36) ذاك الذي يتمّ رجاءهم (أع 26: 6). 

ثانيا: المسيرة الثانية 
تبدأ كما قلنا بشفاء خادم قائد المئة الذي هو نموذج المؤمن الذي لم يرَ يسوع ولم يسمعه إلا عبر أصدقائه وعائلته وإخوته. 
في حدث نائين، وجد الرب نفسه فجأة أمام الموت. نحن أمام امرأة ضربها الشقاء. قال لها يسوع: "لا تبكي" (7: 13). وهكذا أدخلها في تطويبة الذين يبكون. والإبن الذي أعيد إليها صار حامل كلمة. أحسّ الناس أن الله افتقد شعبه، زاره، صار قريباً منه (7: 16). وذكرُ اليهودية كلها وجميع البلدان المجاورة يدلّ على إتّساع الكلمة وتجاوزها إطار العالم اليهودي.
ويعود بنا الإنجيلي إلى الشهادة في خبر تساؤل يوحنا المعمدان عن يسوع. على المستوى التاريخي، إرتبط مجيء يسوع بكرازة يوحنا التي جذّرته في تقليد إسرائيل النبوي. ثم يتواجه سمعان الفريسي الذي يمثل تقليد شعبه بأدقّ ممارساته، مع امرأة وامرأة خاطئة وبالتالي منبوذة من الجماعة المقدّسة. هل يسوع هو نبي حقيقي أم لا؟ ذاك هو سؤال سمعان. هل يتقبّل حبّاً نجساً؟ ذاك هو تساؤل الخاطئة وقلقها. وكان الجواب رحمة شاملة ضمّت هذا وتلك في غفران واحد. وهكذا اجتمع المدينان في نعمة واحدة: فالنعمة التي عرفتها الخاطئة صارت درساً لسمعان (الإيمان الذي يخلّص)، صارت دعوة إلى السلام والمصالحة. 
وتتوجّه خطبة جديدة إلى الذين يتحلّقون حول يسوع: الإثنا عشر الذين يمثّلون شعب إسرائيل. نساء تخلّصن من خطيئتهنّ، جمهور كبير جاء من كل مكان. كل هؤلاء جمعهم يسوع في مسيرته: الإثنا عشر الذين "معه"، والنسوة اللواتي "يخدمنه" (رج أع 6: 2؛ 19: 22)، والجموع "التي تسير معه". هذا ما نجده أيضاً في أعمال الرسل. وجاء مثل الزارع: يسوع هو الزارع وهو الحبّة المزروعة التي نحفظها فنثمر بالصبر. 
إذا كان هذا هو السرّ الذي نجده في مجموعة الذين حول يسوع، وإذا كان تقبّل الكلمة والعمل بها هما جوهريان، فإن محاولة أهل يسوع بأن تضع يدها على هذا النبي وتمتلكه (كما أراد أن يفعل أهل الناصرة، 4: 16- 30) ستكون فاشلة. فجماعة يسوع تعيش من كلمته، وتكتشفها دينامية نموّ تتغلغل في العمل. كما تختبر في الطاعة للكلمة قدرة الروح القدس التي تدفعنا إلى الشهادة.

 

 

الفصل الخامس 

صعود يسوع إلى أورشليم
9: 51- 19: 27 

إن القسم الأول من الإنجيل اللوقاوي (الحقبة الجليلية من رسالة يسوع العلنية، 3: 21-9- 50) تجد ذروتها في اعتراف بطرس في قيصرية فيلبّس. فقد أعلن بطرس باسم التلاميذ: أنت "مسيح الله" (9: 20)، وهذا الإقرار الرسمي بمسيحانية يسوع قد فسّره حالاً وكمّله الصوت السماوي في خبر الصعود: "هذا هو ابني ومختاري، فله اسمعوا" (9: 35). يسوع هو المسيح، ولكنه مسيح متألم، هو عبد الله الذي يتمّ الآن "خروجه" (إنطلاقته، مسيرته) إلى أورشليم (9: 22، 31، 44). 
إن هذه النظرة إلى الموت المرتبط بضرورة الذهاب إلى المدينة المقدسة، أمر مشترك بين الأناجيل الإزائية. ولكن فكرة "سفر إلى أورشليم" ظلّت عند مرقس (10: 32: 11: 1) ومتّى (20: 17؛ 21: 1) فكرة عابرة. أما لوقا فتوسّع فيها توسيعاً كبيراً. فكل القسم المركزي في إنجيله بُني في رسمة "سفر"، رسمة "صعود" يسوع إلى أورشليم. ورتب لوقا داخل هذا الإطار القسم الأكبر من المواد الأدبية التي تفرّد بإيرادها. 

1- المعطيات 
نقف عند فرضية المرجعين فنقدّم الملاحظات التالية: 
أ- حتى 9: 50، إتبع لوقا بأمانة شبه كاملة ترتيب المواد التي وجدها في نموذجه المرقسي. غير أنه أغفل مر 6: 45- 8: 26 (جزء من الرسالة في الجليل)، وأدخل بعض العناصر غير المرقسية، لا سيّما 3: 1- 4: 30 و6: 20- 8: 3. 
إذن، نستطيع القول (مع إغفال بعض التفاصيل) إن لوقا استعاد تصميم مرقس ومواده في مر 1: 1- 9: 41. أخذ هذه المواد التي ترتبط بالحقبة الجليلية من رسالة يسوع العلنية، فامتدّت في إنجيله حتى 9: 50.
ب- بعد 9: 51، ترك لوقا النموذج المرقسي ليعود إليه في 18: 15 ويتبعه بطريقة شبه أمينة (ما عدا لو 19: 1- 27) حتى بداية خبر الآلام. وظلّ لوقا مرتبطاً بنموذجه من خبر الآلام (22: 1) حتى نهاية إنجيله (24: 12)، غير أنه بدا شخصياً ومتحرّراً. وهكذا عاد لوقا من 18: 15 إلى 22: 1، إلى ترتيب مرقس، واستعاد بأمانة ما وجد في مر 10: 13- 13: 37. هي المواد المتعلّقة بنشاط يسوع العلني في أورشليم. من لو 22: 1 إلى 24: 2 بدا لوقا حرّاً بالنسبة إلى مر 14: 1- 16: 8 (الآلام والقيامة). 
ج- أما الجزء اللوقاوي في 9: 15- 18: 14، فلا يوازيه شيء في مرقس، وهو أصيل من جهتين. من جهة أولى، جمع فيه الإنجيلي مواد غير مرقسية ترجع إلى المعين (معين الأقوال) الذي يشارك فيه متى، أو إلى اللوقاويات (أمور خاصة بلوقا، لا نعرف من أين وصلت إليه). ومن جهة ثانية، تضمّن هذا الجزء سلسلة من النبذات التدوينية (دوّن لوقا معظمها) التي تدلّ على أن يسوع ما زال سائراً (صاعداً) إلى أورشليم. نحن نجد هذه الإشارات إلى السفر حتى 19: 28. 
ونجد بين هذه النبذات ما يشير بوضوح إلى "صعود يسوع إلى أورشليم". 
9: 51: صمّم أن ينطلق إلى أورشليم. 
9: 53: لم يقبلوه لأنه كان متوجّهاً إلى أورشليم.
13: 22: وكان يجتاز في المدن والقرى، وهو يعلّم، قاصداً في طريقه إلى أورشليم.
13: 33: لا بدّ من أن أواصل السير اليوم وغداً وما بعده، إذ لا يليق أن يهلك نبي خارج أورشليم.
17: 11: وفيما هو شاخص إلى أورشليم، جاز على حدود السامرة والجليل.
18: 31: إنفرد بالإثني عشر وقال لهم: "ها نحن صاعدون إلى أورشليم.
19: 11: وفيما الناس يسمعون ذلك، ضرب أيضاً مثلاً، لأنه كان قد اقترب من أورشليم".
19: 28: ولما قال هذا، سار في المقدّمة صاعداً إلى أورشليم. 
إذا وضعنا جانباً لو 18: 31 الذي يستعيد مر 10: 33، نرى أن كل هذه النبذات تنتمي إلى اللوقاويات، وهي تبدو في معظمها بشكل مقدّمات أمام الخبر اللاحق. هذا هو الأمر بالنسبة إلى 9: 51 (مقدّمة لحديث عن اتباع يسوع): 13: 22 (مقدّمة لحديث عن الخلاص)؛ 17: 11 (مقدّمة لشفاء البرص)؛ 18: 31 (مقدّمة للانباء بالآلام)؛ 19: 11 (مقدّمة لمثل الدنانير)؛ 19: 28 (مقدّمة الدخول الإحتفالي إلى أورشليم). ثم إن سائر النبذات تبدو استعادة للتي سبقتها. تعيدنا 9: 53 إلى 9: 51؛ و 13: 33 إلى 13: 22؛ و 19: 41 إلى 19: 28. ويستعمل لوقا في أغلب المرات فعل "صعد"، سار، انطلق، شخصَ. مع تحديد الموقع: أورشليم. وأخيراً، هناك ثلاث حالات تُتبع النبذة بتحديد طوبوغرافي: في 9: 52، دخل يسوع وتلاميذه إلى قرية سامرية. في 17: 11، مرّ يسوع على حدود السامرة والجليل. وفي 19: 29 كان قريباً من بيت فاجي وبيت عنيا عند جبل الزيتون. 
وهناك. نبذات أخرى تشير بشكل عام إلى أن يسوع "يسير" دون تحديد واضح للمكان الذي يقصده. 
9: 56: إنطلقوا إلى قرية أخرى.
9: 57: وفيما هم سائرون، قال له إنسان في الطريق.
10: 38: وفيما هم في الطريق، دخل قرية.
14: 25: وكان جموع كثيرون يواكبونه، فالتفت وقال لهم. 
د- إن خاصية المواد التي يتضمّنها لو 9: 51- 19: 27، والأهمية التي يعطيها الإنجيلي للنبذات عن هذا الصعود، تدفعاننا إلى طرح الأسئلة التالية. 
أولاً: أما يساعد موضوع "السفر إلى أورشليم" على تنظيم مختلف المواد (أمثال، خطب، أقوال) في هذه القاطعة الكبرى حسب ترتيب تاريخي يكون كرونولوجياً وجغرافياً؟. وبعبارة أخرى، قد أراد لوقا أن يعمل عمل المؤرخّ فوصلت إلى يديه وثائق متنوّعة. أما حاول أن يرتّب هذه المواد في إطار خبر سفر (من الجليل إلى أورشليم) تلعب فيه النبذات محطات تاريخية هامة؟ 
ولكن هذه الطريقة في النظر إلى الأمور تبرز صعوبات جدّية. فحين نقرأ الوثائق التي يتضمّنها هذا القسم المركزي من الإنجيل، نحسّ كأن مختلف المواد التي تؤلّفه قد جمعت بالحري حسب مواضيع متنوّعة (الرحمة، ف 15. استعمال خيور الأرض، ف 16). أو حسب سامعين معيّنين (الجموع، التلاميذ، الفريسيون). ولم تجمع بالنظر إلى معطيات تاريخية وجغرافية. فالرباطات بين المقطوعة واختها هي متراخية في أغلب الأحيان. وقليلاً ما نعرف أين ومتى قيل هذا المثل وهذه الخطبة. وهناك عدد قليل يقع في محلّه في إطار مسيرة من الشمال إلى الجنوب. مثلاً، كيف نفهم أن يكون يسوع دخل قرية للسامريين في 9: 51- 56؟ أن ترد في 10: 13- 15 "تويّلاته" ضد كورزين وبيت صيدا اللتين تقعان إلى الشمال وفي الجليل؟. 
أخيراً، إن الإطار الزماني والمكاني لصعود يسوع إلى أورشليم (ف 9- 19) هو غير دقيق، وهو دقيق. فالإطار لا يتوافق مع الصورة. بل هناك تعارض وانشداد بين المعطيات الزمانية والمكانية في السفرة السامرية والأحداث المروية في هذه المناسبة. فهناك مقطوعات مأخوذة من المعين أو من اللوقاويات لا ترتبط أي ارتباط بالعالم السامري: 9: 57- 62 (اتبعك)؛ 5 1: 1- 2 (72 تلميذاً)؛ 15: 17- 20 (عودة الإثنين والسبعين)؛ 11: 37- 54 (رياء الفريسيين وكبرياؤهم)؛ 14: 1- 24 (المجاهرة بالحقيقة)؛ 10: 25- 28 (ماذا أعمل لأرث الحياة)؟... وفي النهاية، يذكر لوقا أريحا وهذا يعني أن يسوع مرّ في شرقي الأردن (ولم يمرّ في السامرة كما كان يفعل الحجّاج). ويبقى السؤال: أما يكون هذا الإطار بالأحرى مسيرة لاهوتية؟
ثانياً: بما أن هناك صعوبات تثيرها الفرضية الأولى، أما يجب أن نتوجّه نحو حلّ أبسط؟ حينئذ نرى في نبذات السفر المتكرّرة والتي دوّنها لوقا خدعة أدبية تحاول أن تضم مواد المعين واللوقاويات دون أن تبلبل ترتيب مرقس. ولكن في هذه الحالة يجب أن نبحث عن بنية هذا الجزء من إنجيل لوقا. كيف جمعت هذه المقطوعات المتفرّقة؟ 
ثالثاً: قد نتّخذ موقف دانو الذي طرح المسألة في العمق، فنتساءل عن الهدف العميق الذي وجّه لوقا في صياغة هذا الجزء المركزي من إنجيله. ثم نقول: إن خبر السفر هو إطار استعمله لوقا ليقدّم بعض مواضيعه اللاهوتية المحدّدة. 

2- ثلاثة أمثلة لتفسير خبر السفر 
أ- التفسير التاريخي 
قال دانو: ينطلق اصحاب هذا الإتجاه من فرضية تقوله إن الإنجيل يقدّم "تقريراً" محدّداً عن حياة يسوع على الأرض.. ويسعون إلى التوفيق بين المعطيات المتنافرة في الأناجيل الأربعة، ليعطوا صورة واضحة عن مسيرة حياة يسوع العلنية. وفيما يتعلّق بخبر السفر، يتّخذ هذا الموقف أشكلة عديدة: هناك من يقول (لايتفوت، لاغرانج) إن النبذات الثلاث الواضحة عن السفر (9: 51؛ 13: 22؛ 17: 11) هي إشارات إلى تذكّر لثلاثة أسفار مختلفة توافق الاسفار الثلاثة التي ذكرها يوحنا في إنجيله (يو 7: 10؛ 11: 55 با 13: 1). وتحدّث آخرون (هولزمان) عن دورة بين السامرة والجليل كرز فيها يسوع. واعتبر آخرون أيضاً (شانز، غوديه) أن 9: 51 ي تنظر إلى خبر متواصل لمسيرة يسوع الأخيرة إلى أورشليم. وأخيراً قال جيرار: إن 9: 51- 18: 14 هو جزء من إنجيل رابع إزائي (مع متى ومرقس ولوقا. هكذا تصبح الأناجيل خمسة!)، وهو يشكل خبراً مستقلا ومتماسكاً عن نشاط يسوع في الجليل. إنه يقابل القسم الجليلي في الأناجيل الإزائية الثلاثة.
ونتوقّف بشكل خاص عند دراسة جورج أوغ حول الجزء المركزي في إنجيل لوقا. 
إنطلق الكاتب مما ينتظر كل قارئ أن يجده حين يقرأ العبارة الإحتفالية في 9: 51 (وإذ كان زمن ارتفاعه من هذا العالم): بعد هذا المكان يتهيّأ لوقا ليعطي خبراً متتابعاً لسفرة يسوع الأخيرة (من الجليل نحو أورشليم) حسب ترتيب كرونولوجي. ولكن ما يبدو يقيناً لن يعود كذلك. فهناك مقاطع (حدث مرتا ومريم، 10: 38- 42، والبرص العشرة، 17: 11 ي) تدلّ على أن مثل هذا. الترتيب غير موجود. 
أخذ بعين الإعتبار هذا الإنشداد بين المواد المجموعة في 9: 51- 19: 27 وبين إطار جغرافي يسير بنا من الشمال إلى الجنوب، فبحث عن تفسير جديد ينظّم المواد التي يتضمّنها هذا الجزء من إنجيل لوقا، باحثاً عن المراجع التي استعملها هذا الإنجيلي. 
قال: عرف لوقا تيارين في التقليد. وامتلك كل تيار خبره الخاص عن سفر يسوع من الجليل إلى أورشليم. مرجع (أ) إستفاد منه ليدوّن 9: 51- 10: 42. ومرجع (ب) عاد إليه حين ألف 17: 11- 19: 28. 
أورد هذين المرجعين خبر سفر واحد قاد يسوع من الجليل إلى أورشليم. هكذا أدرك لوقا الأمور الذي أدخل خبر السفر (أ) في موضع من إنجيله يوافق مر 15: 1 (وانطلق من هناك، وشخص إلى أرض اليهودية وعبر الأردن)، وأقحم في خبره (ب) بعض أحداث تعود إلى مر 10 (مر 10: 13- 15= لو 18: 15- 17؛ مر 10: 17- 22= لو 18: 18- 23؛ مر 10: 23- 27= لو 18: 24- 27). 
إن السفر الوارد في 17: 11- 19: 28 (ب) هو نفسه الوارد في 9: 51- 10: 42 (أ). إن اختلف "المرجعان" من جهة مضمونهما، فالأساس هو واحد: بدأ كل منهما بالحدث الذي حصل على حدود السامرة والجليل (حدث السامريين في 9: 52- 56؛ حدث البرص العشرة في 17: 11- 19). حمل الأول يسوع إلى بيت عنيا (حدث مرتا ومريم في 10: 38- 42) التي منها دخل يسوع دخولاً احتفالياً إلى أورشليم. أما المرجع الثاني فانتهى حيث بدأ خبر الدخول إلى أورشليم في 19: 28 ي. 
ورأى أوغ أن لوقا لم يحتفظ في مرحلة أولى من التدوين إلاّ بخبر السفر (ب): إرتبط 9: 5 بشكل مباشر مع 17: 11: وإذ كان في طريقه إلى أورشليم. بعد ذلك أدخل الإنجيلي المواد التي قدّمها له المرجع (أ) لأنه لم يرد أن يترك شيئاً يساعدنا على التعرّف إلى شخص يسوع وتعليمه معرفة أفضل. خلال هذا التدوين الثاني، إستفاد لوقا أيضاً من وثائق هامة حول نشاط يسوع، ولكن ندرت في هذه الوثائق الإشارات إلى الزمان والمكان. لهذا أقحم لوقا هذه المواد الجديدة بين خبرَي السفر أي في 11: 1- 17: 10. 
حين درس أوغ هذا الجزء الأخير، لاحظ أن هذه المجموعة تتضمّن أمثالاً وخطباً. غابت الإشارات الكرونولجية والطوبوغرافية، فصار من الصعب أن نحدّد موقع الأحداث. كانت مقابلة الأخبار مع ما يمكن أن نجد في الأناجيل الأخرى، فكانت استنتاجات ثلاثة: 
- لو 11: 1- 17: 10: تورد نشاط يسوع خلاله رسالته في الجليل وفينيقية، ودكابوليس (المدن العشر) قبل ذهابه الأخير إلى أورشليم. 
- ألغى لوقا في القسم الأول من إنجيله جزءاً نجده في مر 6: 45- 8: 26 (رج لو 9: 12-17= مر 6: 35- 44؛ لو 9: 18- 22- مر 8: 27- 33). وهذا ما يدهشنا. 
- يعود هذا النشاط إلى حلقتين (حلقة 1، حلقة 2) تربط بينهما آية انتقالة هي 13: 1 (وفي ذلك الوقت عينه، أقبلى قوم وأخبروه). هذه العبارة الغامضة (في ذلك الوقت عينه) تجعل الحلقتين في علاقة زمنية واحدة، فتربطهما بذات الحقبة، حقبة الرسالة في الجليل. 
على هذا الأساس وسّع أوغ المادة بالشكل التالي:
تحديد المكان
مرقس حلقة أولى حلقة ثانية
- جنسارت 13: 1- 9
مر 6: 53 10- 17
33- 30
31- 33
- فينيقية ودكابوليس 11: 1- 13 41: 1- 6
مر 7: 24-31 25- 13
- دلمانوتا 14- 33 15: 1- 10
مر 8: 15 27- 28 17: 1- 10
29- 32
37- 54
- بيت صيدا جوليا
مر 6: 54؛ 8: 22 12: 1- 59 
لماذا أقحم لوقا هذه المادة بين خبرَيْ السفر إلى أورشليم؟ إهتمّ لوقا بهذه التعاليم، فأراد أن يدخلها في إنجيله. ولكن بما أنه لم يجد تحديد مكان ولا تحديد زمان، لم يعرف أين يضعها. من جهة، فهو لا يستطيع أن يجعلها بعد دخول يسوع إلى أورشليم. ومن جهة ثانية، أعلمه مر 10: 1 أن يسوع حين صعد للمرة الأخيرة من الجليل إلى أورشليم، احتشدت الجموع حوله فأخذ يعلّمها أيضاً كعادته. هذه الإشارة كانت كافية بالنسبة إليه. أخذ بعين الإعتبار كرونولوجية خبر السفر، فأقحم بينهما هذه الوثائق الجديدة التي بدت أمامه تبسيطاً للسفر لا مواصلة له. 
ماذا نقول في هذه النظرة؟ 
لاحظ أوغ أن الإطار الجغرافي للصعود إلى أورشليم ليس متماسكاً كل التماسك. ولكن على مَ ارتكز ليقدّم حلّه؟ نحن نبقى معه على مستوى الفرضية حين يقدّم خبرَيْ سفر مميّزين (أ: 9: 51- 10: 42؛ ب: 17: 11- 19: 28). لا يكفي أن نبين أن الحدث المروي في بداية كل من الخبرين يتحدّد موقعه على حدود السامرة والجليل (9: 25- 26؛ 17: 11- 19) لنستنتج وجود "ينبوعين". ويجب أن ينتهى (ب) في 18: 14 لا في 19: 27، لأن لو 18: 15- 43 يرتبط ارتباطاً واضحاً مع 10: 13- 52، ولو 19: 16- 27 يقابل مت 25: 14- 30 (المعين)، ولو 19: 28 ي يرتبط مع مر 11: 1 ي. وهذا الخبر الثاني لا يروي حتى وصول يسوع إلى أورشليم.
أما الجزء المتوسط (11: 1- 17: 10) الذي تصوّره أوغ وقسمه إلى حلقتين (11: 1- 12: 59؛ 13: 1- 17: 10) فهو أيضاً مجرّد افتراض ولا يجد له علاقة مع مت 6: 45- 8: 22. 
نلاحظ أن أوغ يعتبر لو 11: 24- 26 و33- 36 زيادتين جاءتا من المعين مثل 13: 18-18: 21. وان 13: 22 أ (وكان يجتاز في المدن والقرى) هي مقدّمة لما ورد في 13: 23-30. جاء رثاء على أورشليم (13: 34- 35) من المعين وعلى اثر ذكر أورشليم في آ 33. لقد استفاد لوقا من إطار المائدة في بيت الفريسي (14: 1- 6) ليدخل النصائح التي أوردها في 14: 7- 14 حوله اختيار المقاعد، ومثل المدعوين الذين يتهرّبون (14: 15- 26). ومثل الإبن الضال (15: 11- 32) ومثلاً ف 16 تنتمي في الأساس إلى مجموعة أمثال وصلت إلى يد لوقا فأدخلها بين 15: 10 و17: 1 (في الينبوع، كانت تتواصل).
يبقى أن الكاتب أبرز ثلاث نبذات سفر: 9: 51: وإذ كان زمن ارتفاعه قد اقترب، صمّم أن ينطلق إلى أورشليم (الأولى). 17: 11: وفيما هو شاخص إلى أورشليم، مرّ على حدود السامرة والجليل (الثانية). 19: 28: ولما قال هذا سار في المقدمة صاعداً إلى أورشليم (الثالثة). هذا ما يدلّ على ثلاثة صعودات إلى أورشليم، وبالتالي على ثلاث سنوات بشّر فيها يسوع. ويبقى بالنسبة إلينا أنه اعتبر هذا الصعود إلى أورشليم أمراً واقعاً ننطلق منه لندرس لا الواقع الجغرافي، بل الواقع اللاهوتي. 

ب- التفسير الأدبي 
رأى دانو في أساس هذه النظرة الإقرار بالطابع اللامرقسي لمواد لو 9: 51- 18: 14 واللجوء إلى ينبوع آخر غير مرقس لنفهم الأصل. وساعة نقرّ بالطابع اللامرقسي لهذا الجزء، ومهما كان المرجع الذي أخذت منه هذه المواد، يُطرح السؤال التالي: كيف أدخل لوقا هذه المواد في إطار مرقسي، وكيف ربط بين الإثنين؟ 
إن موضوع السفر موضوع تقليدي. إنطلق منه لوقا ووسّعه فجعله رسمة سفر. وتكرّرت النبذات فخلقت إطاراً أدبياً ثانوياً ومصطنعاً أدخل فيه عناصر غير مرقسية كانت في يده. أراد لوقا أن يشعرنا أن يسوع صاعد إلى أورشليم. 
هذا هو موقف بلنزنر الذي ينسب إلى نبذات السفر وظيفة أدبية وحسب، وينكر لها كل مدلول لاهوتي. يقول بأن خبر السفر يتضمّن عدداً من المواضيع اللاهوتية التي ترتدي بُعداً خاصاً عند لوقا. غير أن هذه المواضيع مختلفة، وهي تعود في أجزاء أخرى من لو بحيث لا تُبرز بشكل خاص الجزء المركزي (19: 51- 19: 14: يقول إن هذا الجزء يتوقّف في 19: 14 بالنظر إلى مقاييس أدبية، ولكنه يقول ان السفر ينتهي في 19: 27 من وجهة المضمون. وهذا ما فعلنا).
وقلّل بلنزنر أهمية تدخّل الإنجيلي ليربط مختلف المقطوعات في إطار سفر. إن موضوع السفر في 9: 51، 53 يرتبط ارتباطاً وثيقاً مع المقطوعة 9: 52- 56، ولكن هذا الرباط سابق للوقا. وانتهى السفر بشكل مؤقت في 9: 56 دون أن نعرف إن كانت "القرية الأخرى" التي سار إليها يسوع وتلاميذه هي سامرية أو جليلية. إن 13: 22 هي آية معزولة كلياً، ولا ترتبط بالمثل الذي يسبقها (13: 20- 21) ولا بالمقطوعة التي تليها (13: 32- 30) والتي لها مقدّمة خاصة بها (آ 23). 
أما 17: 11 فهو يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالخبر التالي (17: 11- 19). أما 17: 20 فلا يرتبط بما سبقه. والتلميحات الأربعة الغامضة إلى السفر في 9: 57؛ 10: 1، 38؛ 14: 20، قد أخذها لوقا من المقطوعات التي جاءت بعدها. نحن لا نستطيع أن نأخذها بعين الإعتبار، لأننا نجد أيضاً في الحقبة الجليلية حديثاً عن تنقّلات يسوع (رج 8: 1). وفي النهاية، يرى بلنزنر أن لوقا لا يهتم كثيراً بإطار السفر إلى أورشليم. فبين 9: 51 و18: 14، ينحصر خبر السفر في الواقع في 9: 51- 56؛ 13: 22؛ 17: 11.
ماذا نقول في موقف بلنزنر؟ 
يبدو أنه لم يتوقّف عند بعض المعطيات. كما أنه رفض أن يأخذ بعين الإعتبار الرباط بين الإشارات إلى السفر والمقطوعات المجاورة. لا شك في أنه رأى أن 9: 51- 53 و17: 11 يرتبطان بالمقاطع اللاحقة، ولكنه لم يستنتج أي شيء حول نيّة المدوّن. ثم ان العلاقة بين 9: 51، 53 و9: 52- 56 ليست تقليدية كما يقول. ونبذة السفر في 13: 22 ليست معزولة، بل هي جزء من وحدة أدبية كوّنها لوقا في 13: 22- 35. وأخيراً، لا يتوقّف بلنزنر عند 19: 11 و19: 28 اللتين تشيران إشارة واضحة إلى السفر إلى أورشليم. إذا استطعنا أن نبيّن أن خبر السفر يمتدّ حتى 19: 44 وأن 4 من 5 إشارات إلى السفر (9: 51؛ 13: 2؛ 17: 11؛ "19: 11"؛ 19: 28) تبدأ مقطوعات موحّدة في مضمونها، نستطيع القول إن خبر الصعود يدلّ على نية لاهوتية محدّدة. 

ج- التفسير اللاهوتي 
في مقال أوّل توسّع دانو في هذا الخط الثالث من التفسير لخبر السفر. إستشفّه العلماء، وقالوا اننا أمام بعض المواضيع اللاهوتية. لاحظ دانو أن علماء أبرزوا العلاقة الموجودة بين خبر السفر وأحد المواضيع المشرفة على المؤلّف اللوقاوي (أع + لو): إنتقال تقديم الخلاص من اليهود إلى الوثنيين. 
ولكن ممثلّي التاريخ التدويني ساروا في هذا الخط فأبرزوا النظرات الخاصة والتوجّهات اللاهوتية الخاصة بالمدوّن الأخير لكل إنجيل من الأناجيل. طلب كونزلمان أن لا نعزل خبر السفر عن سائر الإنجيل اللوقاوي وعن اللاهوت الذي يتضمّنه. فلخبر السفر في نظره وظيفة كرستولوجية، وهو يشير إلى تاريخ الخلاص. وشدّد آخرون (شنايدر مثلاً) على أن للمواد التي جمعت في خبر الصعود، وظيفة كنسيّة وتعليميّة. وانطلق لوهسي من المقطوعات "السامرية" (9: 51- 56؛ 10: 30- 37؛ 17: 11- 19)، فرأى فيها على مستوى تاريخ الخلاص، أساس الدور الرسولي الذي لعبته الكنيسة الأولى (في السامرة) والذي دوّن في أع 8: 4- 25. وأخيراً، رأى روبنسون أن صاحب المؤلّف اللوقاوي فهم تاريخ الخلاص على أنه طريق (هودوس). وأن الوظيفة الأساسية لخبر السفر كمرحلة "في طريق الرب" يرتبط بنظرة الشاهد الصادق الذي عليه تتأسّس حياة الكنيسة ورسالتها. 
وفي مقال ثان، قدّم دانو نظرته حول المسائل التي يطرحها خبر السفر: حدوده، بنيته، مدلوله اللاهوتي. 

أولاً: حدود خبر السفر
أين يبدأ الخبر وأين ينتهي؟ إنه يبدأ في 9: 51 بعبارة إحتفالية: "واذ كان زمن ارتفاعه قد اقترب، صمّم على الإنطلاق إلى أورشليم". مقدّمة غير عادية، وهي لا تُفهم إلا كافتتاحية لجزء جديد من إنجيل لوقا. وهذا ما يسنده واقع يدلّ على أن يسوع أنهى دورة عبر الجليل في الكرازة، ثم توجّه بعزم إلى مكان محدّد هو أورشليم. ويسنده أيضاً تكرار نبذات السفر التي تدلّ على أن يسوع ينفّذ قراراً اتخذه ولن يتراجع عنه. 
وأين ينتهي هذا السفر؟ هناك اختلاف بين الشرّاح. اعتبر دانو أن دخول يسوع إلى أورشليم (19: 29- 40) ورثاءه للمدينة (19: 41- 44) يشكّلان جزءاً أساسياً في هذا السفر ويقدّم برهانين. 

- البرهان الأدبي 
إن الطريقة التي بها صاغ لوقا النصّ المرقسي لدخول يسوع إلى أورشليم تفرض علينا أن نربط 19: 29- 44 بما سبق. فحين يجعلنا خبر مرقس (11: 1- 10) نفترض أن مدينة أورشليم تشارك في استقبال يسوع، يعلن لوقا أن المدينة لم تشارك في هذا اللقاء. بل التلاميذ وحدهم الذين هتفوا ليسوع. ثم ان الطريقة التي بها جعل لوقا الفريسيين على مسرح الأحداث (19: 39- 40) وزاد خبر رثاء يسوع للمدينة (19: 41- 44؛ رج 13: 33- 35) تبيّن 
تجاه إيمان التلاميذ موقف اللاإيمان عند مدينة أورشليم والمعارضة لدى الشعب اليهودي.

- البرهان الداخلي 
على مستوى المضمون، يشكّل خبر السفر إلى أورشليم من دون "الدخول إلى أورشليم"، جسماً بدون رأس. عاد دانو إلى غروندمان فبيّن أنّ خبر السفر يرتبط بموضوعين معروفين في لوقا: موضوع الإله "الذي يسير على الأرض"، والإله "الضيف" الذي يبحث عمّن يستقبله عند البشر (4: 34؛ 5: 1؛ 5: 29- 39؛ 7: 36- 50؛ 11: 37- 54؛ 14: 1- 24؛ 15: 1- 32؛ 19: 1- 27. رج أع 14: 11- 13 حيث قال الناس: "تمثل الآلهة بالبشر ونزلوا بيننا"). طبّق لوقا هذين الموضوعين على يسوع: ففي يسوع، يزور الله البشر ويقدّم لهم خلاصه. وبيسوع، يسعى الله لكي يستقبله الناس. وللبشر أن يقبلوه أو يرفضوه. هناك أولئك الذين رافقوا أرملة نائين: عرفوا معنى هذه الزيارة (7: 16: زار الله شعبه). وهناك الفريسيون وأهل أورشليم: لم يعرفوا وقت افتقاد (زيارة) الرب لهم (19: 44). 
في هذا الخطّ، يمثّل سفر يسوع إلى أورشليم، "زيارته" الأخيرة، وآخر محاولة لتقديم الخلاص. كان من المنتظر أن ينتهي هذا السفر باستقبال حافل من قبل الشعب اليهودي الذي "يستقبل" يسوع فيستقبل مرسل الله وخلاصه. ولكن الأمور لم تكن هكذا: رذل أهل أورشليم يسوع، فدلّوا على عمى إسرائيل. وصل لوقا في نصّه إلى هذه الخاتمة المأساوية، فجعل من دخول يسوع إلى أورشليم ذروة خبر السفر هذا (إنّ 19: 45- 21: 38 يشكّل وحدة متماسكة ترسم حقبة من تعليم يسوع في الهيكل). 

ثانيا: بنية خبر السفر 
كيف بُني هذا الجزء في إنجيل لوقا؟ فالمقطوعة الإنجيلية لا تحمل فقط معناها في ذاتها، بل من دخولها في سياق أوسع، ومن ارتباطها بالبنية الإجمالية في الإنجيل. على هذا الأساس قدّم لنا دانو البناء التالي: 1- 9: 51- 10: 42: بنية الخبر: نصوص تتوجّه إلى التلاميذ.
أ- ملحق أول: 11: 1- 13: 21.
2- 13: 22- 35: في الطريق إلى أورشليم. التنبيهات الأخيرة لإسرائيل وللمدينة.
ب- ملحق ثانٍ: 14: 1- 17: 10.
3- 17: 11- 19: وفي الطريق إلى أورشليم: عرفان الجميل لدى السامري الغريب.
ج- ملحق ثالث: 17: 20- 18: 30؛ 18: 31- 34.
4- 18: 35- 19: 44: نهاية الخبر. في 18: 35- 19: 28: نحن في أريحا أو في جوارها. في 19: 29- 44: التلاميذ يهتفون ليسوع وأورشليم ترذله. 
يبدأ خبر السفر وينتهي بقطعتين واسعتين تدلّ مقدّمتهما على وضع السفر (1، 4). وسط خبر السفر، أورد لوقا أيضاً مرتين وضع سفر في وحدتين أدبيّتين قصيرتين (2، 3). وبين هذه القطع الأربع التي تشكّل نواة يعبّر فيها لوقا عن الهدف الحقيقي لرسمة السفر، هناك ثلاثة ملحقات (ذات طابع تعليمي، لا ترتبط ارتباطا مباشراً بموضوع السفر، ولكن تركها لوقا هنا آخذاً بعين الإعتبار ترتيب المعين الذي هو مرجعه). 
وبمختصر الكلام، إن نبذات السفر الواضحة هي الأساس لكل بحث عن بنية خبر صعود يسوع إلى أورشليم. هذا ما يتيح لنا الآن أن نطرح السؤال الثالث الذي هو في نظرنا أهم من السؤالين الأولين: لماذا أعطى لوقا كل هذه الأهمية لخبر صعود يسوع إلى أورشليم؟ 

ثالثاً: المدلول اللاهوتي لخبر السفر 
ما الذي دفع لوقا إلى توسيع الموضوع التقليدي للسفر إلى أورشليم، وإلى إعطاء هذا الموضوع معنى أعمق؟ هذا ما لا نفهمه إلاّ على ضوء النظرات اللاهوتية التي تميّز الإنجيل الثالث. 

- تاريخ الخلاص هو "طريق" 
تصوّر لوقا (كما قال دانو على خطى روبنسون) تواصل تاريخ الخلاص في مقالات مكانية بشكل أساسي، كمسيرة، كسعي، كطريق حدّدها الله له وهي تقود إلى الوثنيين. 
كان كونزلمان قد شدّد على الوجهة الزمانية في تصوّر لوقا لتاريخ الخلاص. هنا نتذكّر تقسيمه المثلّث لتاريخ الخلاص: زمن الشريعة والأنبياء، زمن يسوع، زمن الكنيسة. إنّ هذه الوجهة الزمنية تتجاوب وتتكامل مع الوجهة المكانية. 
واعتبر روبنسون أن ما وجّه لوقا هو نص أش 40: 3 الحاضر في مر 1: 1- 3: بداية إنجيل... صوت صارخ في البرية: "أعدّوا طريق الرب". نلاحظ أن لوقا منذ بدء إنجيله (3: 4- 6) يستعيد إيراد أشعيا هذا ويتوسّع فيه فيقدّم أيضاً آ 4- 5 بحيث يستطيع أن يبرز أنّ "طريق الرب"، تقود إلى الوثنيين (أش 40: 5: وكل جسد، أو بشر، يرى الخلاص). ونلاحظ أيضاً أن يسوع تكلّم في خطبته التدشينية في الناصرة عن اللاإسرائيليين الذين نالوا البركة في السابق (4: 25- 27)، وأن العنصرة هي واقع مُعاش أمام الوثنيين (أع 2: 5: عن كل أمّة تحت السماء). ونلاحظ أخيراً أن أع ينتهي بفكرة قريبة جداً من تلك التي أشار إليها نص أش 40: 5 في بداية الإنجيل: "لقد أرسل هذا الخلاص إلى الوثنيين. وهم سيستمعون" (أع 28: 28). 
ثم يبيّن روبنسون على أساس تفحّص المفردات والألفاظ، أن هذا التمثّل لتاريخ الخلاص بشكل "طريق" توافق نظرة نجدها في كل مؤلّف لوقا (لو+ أع). ففي أع 13: 16- 41، عبّر صاحب أع عن مسيرة التاريخ بكلمتي "هودوس" (طريق)، "دروموس" (سعي): إن دخول يسوع على مسرح الأحداث (ايسودوس، آ 24) يبدأ حيث أنهى يوحنا سعيه (دروموس، آ 25). في لو 13: 33 و22: 22، يصوّر لوقا رسالة يسوع العلنية بشكل "طريق". وخلال التجلّي قيل (لو 9: 31) ان موسى وإيليا تحدّثا مع يسوع عن انطلاقه (اكسودوس). وفي أع أيضاً يسمّى تعليم المسيح "الطريق" (الطريقة، المذهب) (أع 9: 2؛ 19: 9، 23؛ 24: 14، 22). وتصوّر الرسالة "طريقاً" (أع 1: 21 ي). وبولس نفسه في خطبته الوداعية في ميليتس تحدّث عن عمله الرسولي على أنه "سعي" (دروموس، أع 20: 24). 
إن "للطريق" بعداً لاهوتياً: فهي تدلّ على تأوين مخطّط الله. وهذا ما نراه على مستوى الألفاظ 41: 43؛ ق مر 1: 38). وفي واقع يقول بأن حياة يسوع توجّهها "ضرورة" إلهيّة (داي: يجب، 2: 49؛ 9: 22؛ 17: 25؛ 24: 7، 26؛ أع 17: 3). وأن الروح القدس يقوده في هذه الطريق (4: 1، 14؛ أع 16: 6- 10). وأن هذا الروح عينه يقود أولى خطى الكنيسة الفتية في وجهة محدّدة (أع 2: 1 ي). وفي النهاية، إن لتاريخ الخلاص هذا بعداً شاملاً، مسكونياً: هو يضم الجميع منذ الخلق (أع 17: 24 ي؛ رج 14: 15؛ ق لو 3: 38؛ أع 17: 28) حتى إعادة بناء كل شيء (أع 3: 21). 
في هذه النظرة نفهم المدلول الذي يجب أن نعطيه لخبر السفر: إنه تعبير عن حقبة في مسيرة تاريخ الخلاص هذا، عبر طريق يتمّها يسوع من الجليل إلى أورشليم. وهذه الطريق ستواصل السير فيها الكنيسة الفتيّة من أورشليم إلى رومة، فتحمل الخلاص من اليهود إلى الوثنيين. 
يقدّم دانو هذه المعطيات على الشكل التالي: 
الإنجيل الأعمال 
طريق الرب طريق الكنيسة الفتية 
بداية- نهاية بداية- نهاية 
(المكان) الجليل، أورشليم (المكان) أورشليم، رومة 
(الزمان) المعمدان، الصعود العنصرة 
ينطلق الخلاص من اليهود فيصل إلى الوثنيين 

- أساس "تاريخ الخلاص". كيف يبدو تاريخ الخلاص في الرسالة إلى الوثنيين كما نراه في حياة يسوع؟ 
وبيّن لوقا أيضاً بفضل خبر السفر (الصعود إلى أورشليم) أن الرسالة الآنيّة للكنيسة لدى الوثنيين، تتأسّس في حياة يسوع وتجد ما يبزرها في خدمته الخاصة. 
فإحدى المسائل الرئيسية التي واجهها لوقا والكنيسة الأولى في السنوات 70، كانت إدخال الوثنيين إلى الكنيسة المسيحية الآتية من العالم اليهودي (أكثر من العداء اليهودي إزاء الكرازة المسيحية): هل سيفرض على الوثنيين الخضوع لممارسات الشريعة اليهودية للدخول في الكنيسة؟ إذا كان الجواب بالنفي، كيف سيتمّ التواصل في تاريخ الخلاص دون أي انقطاع؟ 
قدّم لوقا جوابه فبيّن أن يسوع عرف وضعاً مماثلاً خلال حياته العلنية. بدأ فقدّم الخلاص لليهود، ولكن اليهود رفضوه. ونجد التعبير الملموس لهذا اللاإيمان في كل من المقاطع الأربعة التي تشكّل خبر السفر إلى أورشليم، ولا سيما في التلميح إلى مدينة أورشليم التي ترذل يسوع (9: 29- 44: هذه هي الذروة). أما الوثنيون الذين التقى بهم يسوع في "مسيرته" فقد دلّوا على انفتاح واستعداد. ولهذا تحدّث يسوع عن إمكانية الوصول إلى الخلاص بالنسبة إليهم. 
وأبرز دانو لاإيمان اليهود وأورشليم في كل من القطع الأربع، فبيّن أن الله لم يكن خائناً لوعده. بل إن اليهود (ولا سيّما أورشليم) رفضوا وعد الخلاص ورفضوا تحقيقه بالنسبة إليهم. وهكذا صار تاريخ الخلاص باليهود ولليهود تاريخ اللاخلاص. غير أن لوقا الذي يكتب إنجيلاً لم ينهِ كتابه بتاريخ اللاخلاص، بل في خبر سفر نرى فيه منذ الآن الوجهة الإيجابية لهذا الرفض اليهودي للخلاص: يرسل إلى الوثنيين الذين سيستمعون. 
إن تصرّف يسوع هو القاعدة بالنسبة إلى المسؤولين في الكنيسة الرسولية: إنه يؤسّس ويشرعّ (يبين شرعية) على مستوى تاريخ الخلاص، الرسالة الحالية لدى الوثنيين مع الحرية التي تتطلّبه هذه الرسالة تجاه الشريعة. 
وهنا نقرأ مع دانو مضمون القطعتين الأولى والثالثة من خبر السفر في هذا المنظار الذي أشرنا إليه.
ففي 9: 51- 10: 42، تدل عبارة "صلّب وجهه" في 9: 51 على قرار اتخذه يسوع بحزم لا تراجع فيه بأن يصعد إلى أورشليم: إنه يريد أن يواجه إسرائيل اللامؤمن في "معقله". ونجد في هذه القطعة عينها إشارات تدلّ على إمكانية الخلاص لغير اليهود: الرسالة لدى السامريين (9: 51- 56)، خبر السامري الصالح (10: 30- 37)، رسالة الإثنين والسبعين الذين أرسلوا إلى جميع الأمم الأرض (هذا ما يدلى عليه هذا الرقم في التقاليد التوراتية، تك 10). 
في 17: 11- 19، نجد خبر شفاء البرص العشرة، وهو نصّ خاص بلوقا الذي بدأه أيضاً بنبذة سفر واضحة. فالهدف الذي يشير إليه لوقا ليس فقط حضاً على فضيلة عرفان الجميل، بل تعارضاً بين تسعة يهود لم يعودوا ليشكروا، وغريب (سامري) نظر نظرة المؤمن إلى المدلول الخلاصي لشفائه. 

- مواضيع لاهوتية أخرى 
وهناك مواضيع أخرى في خبر هذا السفر إلى أورشليم: موضوع الصعود من جهة. وموضوع "اتباع" يسوع من جهة ثانية. 
حين لمّح لوقا منذ بداية خبر السفر إلى حدث محدّد هو "الصعود" (9: 51: الإرتفاع) فقد أراد أن يدلّ على أن الطريق الذي يسير فيه يسوع والذي يقوده إلى الموت ليس النقطة الأخيرة في مسيرته: فهذه المسيرة تقود إلى الحياة وتصل إلى القيامة.
بيّن لوقا شرعية الرسالة إلى الوثنيين على أساس تعارض بين موقف اليهود وموقف الوثنيين، فعرف أن الخلاص ليس حركة آلية. لهذا حذّر قرّاءه المسيحيين الآتين من العالم الوثني من كل اكتفاء وتعالٍ، ودلّهم على شروط الإنتماء إلى المسيح والمتطلّبات الملموسة لهذا الإنتماء. فتلميذ يسوع هو ذاك الذي يتقبّله كالمخلّص، ذاك الذي يسير معه حتى طريق الجلجلة. وهذا ما يفسّر وجود أقوال عديدة حول اتباع يسوع في القطع الأربع من خبر السفر كما "رواه" لوقا (9: 57- 62؛ 10: 1- 24؛ 10: 25- 37؛ 13: 22- 30؛ 17: 13؛ 19: 1- 10). 

خاتمة 
هكذا بدا واقع خبر الصعود إلى أورشليم الذي سنتوسّع فيه مع الجزء الثاني من تفسير القديس لوقا. توزعّ الشرّاح حول تحديد اتساعه، حول بنيته، حول المعنى اللاهوتي الذي نجده فيه. وفي النهاية، يبدو خبر هذا السفر مقدّمة لدخول يسوع إلى أوشليم حيث موضع موته وقيامته وصعوده. وفشل زيارة (افتقاد) الله الأخيرة لشعبه سيتمّ حقاً في آلام يسوع الذي رذله شعبه وصلبوه. منذ تلك الساعة تكوّنت كنيسة آتية من خارج شعب الله، من قائد مئة مجّد الله ورأى في يسوع ذاك البار (23: 47) الذي يبرّر الكثيرين ويحمل خطاياهم (أش 53: 11).

 

 

المحطة الأولى
9: 51- 13: 21 
"وإذ كان زمن ارتفَاعه قد اقترب، صمَّم أن ينطلق إلى أورشليم"
(51:9)

تتوزّع المسيرة إلى اورشليم ثلاث محطّات. في المحطة الأول نجد الفصول التالية:
1- إتباع يسوع في مسيرته إلى أورشليم، 9: 51- 62
2- يسوع يرسل السبعين، 15: 1- 20
3- وتهلل يسوع، 10: 21- 24
4- من هو قريبي؟ السامري، 10: 25- 37
5- إستقبال الرب، 10: 38- 42
6- الصلاة البنوية، 11: 1- 13
7- يسوع وبعل زبول، 11: 14- 26
8- تقبّل كلمة الله، 11: 27- 28
9- آية يونان، 11: 29- 32
10- نور الإيمان، 11: 33- 36
11- الويل للفريسيين، الويل لعلماء الشريعة، 11: 37- 54
12- من يعترف بي أمام الناس، 12: 1- 12
13- الغنيّ الجاهل، 12: 13- 21
14- الإهتمام بأمور الأرض، 12: 21- 32
15- إنتظار السيد الآتي، 12: 32- 48
16- مجيء المسيح سبب خلاف بين البشر، 12: 49- 53
17- علامات الزمن، 12: 54- 56
18- صالح خصمك، 12: 57- 59
19- المهلة الأخيرة للتوبة، 13: 1- 9
25- إمرأة منحنية الظهر 13: 1- 17
21- حبة الخردل والخمير في العجين، 13: 18- 21

 

 

الفصل السادس 

اتّباع يسوع في مسيرته إلى أورشليم 
9: 51- 62

تفتتح هذه المقطوعة القسم الرابع من إنجيل لوقا: الصعود (أو الطريق) إلى أورشليم (9: 51- 19: 27). وسيُحدَّد هدفُ السفر فيما بعد على دفعتين. في 13: 22: "كان يعلِّم وهو في طريقه إلى أورشليم". وفي 17: 11: "وبينما هو في طريقه إلى أورشليم، مرّ بالسامرة والجليل". 
مهما تكن القيمة التاريخيّة لهذا الإطار الذي يستعمله لوقا هنا، فهدفه واضح: إن مضمون هذه الفصول العشرة، التي تألّفت من مقاطع خاصّة بالإنجيل الثالث، فجمع فيها لوقا أحداثاً وأقوالاً ترتدي طابعاً مشتركاً، إنّ المضمون يتوجّه نحو الوصول إلى أورشليم وبالتالي إلى آلام يسوع. إنه يقدّم لنا استهلالاً يُنذر باقتراب ساعة الموت. 

أ- قرية سامرية ترفض (أن تستقبل) يسوع (آ 51- 56) 
إن الأسلوب الإحتفاليّ في آ 51 يشدّد على أمرين إثنين: 
الأوّل: إن الزمن الذي أعطاه الآب لابنه ليحقّق عمله الأرضىّ قد وصل إلى نهايته، واقتربت ساعةُ اختطافه. فمهمّة يسوع إلى الارض تتسجّل داخل تتميم الأزمنة (مر 1: 15: تمّ الزمان، رج غل 4: 4) الذي يصِل بنا إلى مجيء الملكوت. وتنتهى هذه المهمّة بالإرتفاع أو الاختطاف (أنالمبسيس). لا ترد هذه المفردة إلا في هذا المكان من العهد الجديد. إمّا الفعل فيستعمل خصوصاً في مؤلف لوقا ليدلّ على اختطاف إلى السماء. هذا ما نجده في أع 1: 2، 11، 22؛ رج 10: 16 في مجرى الحديث عن صعود يسوع (ارتفاعه) إلى السماء. وهناك المعنى العاديّ: أخذ. رج أع 20: 13- 14 (لنأخذ بولس)؛ أف 6: 13 (إتّخذوا سلاح الله الكامل). هذا الفعل تستعمله الترجمة السبعينيّة لتتحدّث عن اختطاف إيليا (2 مل 2: 9- 11: أؤخَذ عنك أو أُؤخَذ من عندك). هذا الأمر يجعلنا قريبين من ذكر إيليا كما نقرأه في آ 54 (كما فعل إيليا) حسب مخطوطات عديدة.
الثاني: حين اعتمد يسوع أن يذهب إلى أورشليم كان اعتماده قراراً خطيراً. وعَى يسوع ضرورةَ التألّم والموت في هذه المدينة المقدّسة، وأنبأ مرّتين بآلامه كما يقول لوقا في 9: 2: "يجب على ابن الإنسان أن يتألّم كثيراً". وفي 9: 44: "سيُسلَّم إبنُ الإنسان إلى أيدي الناس".
ولكن الإنجيل الذي لا يهتمّ بالأمور السيكولوجيّة ولا بدراسات الحالات النفسيّة عند يسوع، يشدّد على أنّ يسوع لا ينطلق عن خفّة أو كسائح يسير بحسب المخطّط المرسوم، على الطريق الذي يقود إلى الموت. فالنصّ يقول حرفيّاً: صلَّب (قسّى، ثبّت) وجهه. الوجه يدلّ علي الشخص. وعبارة "صلَّب وجهه" تدلّ على عزم يتطلب شجاعة لكي نتغلب على الخوف. نجد هنا أُولى الإشارات إلى النزاع الذي سيعيشه يسوع في جتسيماني (22: 39- 46).
وأرسلَ يسوع أمامه رُسلاً يستطلعون الأمور في إحدى القرى (آ 52). كان هذا الإجراء ضرورياً بسبب الذين يرافقونه. لا نستطيع أن نتخيّل كِبَر الموكِب الذي يحيط به. على كلّ حال لم يكن بقَدْر موكب الشعانين (19: 29- 40) يوم انضمّ إليه جمعُ الحجّاج الاَتين إلى أورشليم من أجل عيد الفصح. أمّا الآن فعيد الفصح يبدو بعيداً. غير أنّ هذا الموكب ضمَّ فيما ضمّ الرسلَ الإثني عشر والنساءَ اللواتي رافقن يسوع (8: 2) وبـعضَ المتعاطفين الذي سيختار منهم اثنين وسبعين سيرسلهم "يتقدّمونه إلى كلّ مدينة وموضع عزَمَ أن يذهب إليه" (10: 1). 
هل نوى يسوع أن يعبُر السامرة ليصل مباشرةً إلى أورشليم؟ هذا ما نشكُّ فيه، لأنه لم يكن محتاجاً إلاّ إلى بضعة أيّام ليصل إلى هدفه. هل أراد أن يبشِّر السامريّين (مت 10: 5)؟ هذا ما لا نعرفه. ومهما يكن من أمر، فرفض قرية سامريّة أن تستضيف جماعة الجليليّين المتوجّهين إلى أورشليم (آ 53) يتوافق مع ما نعرف عن عدم التفاهم السائد بين اليهود والسامريّين (رج رو 4: 9). واتّبع يسوع التعليمات التي أعطاها لتلاميذه (9: 5: "وكل مدينة لا يقبلكم أهلها، فاخرجوا منها وانفضوا الغبار عن أقدامكم نذيراً لهم"). فلم يُلحَّ على البقاء في هذه القرية، بل ذهب إلى مكان آخر (آ 56). وسيوبّخ الأخوَين يعقوب ويوحنا (ابنى الرعد حسب مر 3: 17) لغضبهما وغيظهما: إنهما يريدان أن يأمرا نارَ السماء أن تعاقب هؤلاء القرَويّين الذين لا يعرفون شرائع الضيافة (آ 54). 
في الماضي، وعَى يوحنا أيضاً صفته السامية كرسول (لم يفهمها على حقيقتها) فأظهر سلوكاً لم يرضَ به يسوع. قال: "يا معلّم، رأينا رجلاً يطرد الشياطين باسمك فمنعناه، لأنه لا يتبعك معنا". فقال له يسوع: "لا تمنعوه، لأنّ من لا يكون عليكم فهو معكم" (9: 49- 50). 
وبعد الإنباء الثالث للآلام (حسب مر 10: 35- 40)، نرى الأخوين يطلبان طلباً غيرَ مألوف بالنسبة إلى مكانتهما في الملكوت الآتي. وخلال مشهد التجلّي (9: 28- 36)، كان إيليا قد تراءى لهما فتذكّرا نار السماء التي نزلت مرّتين بأمر من إيليا على جنود أرسلهم الملكُ أحزيا (2 مل 1: 9- 12). ومهما يكن من أمر، فيسوع لا يسمح، وهو يقترب من البشر، أن يعطى لهم إلاّ نعمة الله (يو 3: 17: "أرسل الله ابنَه لا ليدينَ العالم، بل ليخلّص به العالم"؛ 12: 47). فكل تسبيق للدينونة يجب أن يُستَبْعد. فالدينونة تخصّ الله لا البشر، حتى ولو كانوا رُسلاً. 
هناك عدّة مخطوطات قديمة تزيد في نهاية آ 54: "كما فعل إيليا أيضاً". وتشير آ 55- 56 إلى مضمون توبيخ يسوع لهما: "لا تعلمان من أيّ روح أنتما (لا تعلمان أيّ روح يحرّككما). فابن الإنسان أتى لا ليُهلك نفوس الناس، بل ليخلّصها". هذه الزيادات تستند إلى شهود غير كافية، ولهذا لا توضع في عدد كبير من الترجمات. وهي، وإن تكن معقولة (ترتبط الزيادة الثاني بنصّ 19: 10)، لا تنتمي إلى النصّ الأولانيّ، كما يقول معظم الشرّاح.

ب- كيف نتبع يسوع (آ 57- 62) 
من المعقول أن يكون لوقا قد جمع هذه المشاهد القصيرة الثلاثة (جُمع المشهدان الأوّلان في مت 8: 19- 22، والمشهد الثالث خاصٌّ بلوقا) لأنها تجيب على سؤال واحد: كيف نتبع يسوع؟ ويمكن أن نحدّد موقعها ساعةَ كان يسوع يستعدّ للإنطلاق. أمّا متّى فقد وضعها ساعة استعدّ يسوع لعبور بحر الجليل والتوجّه إلى جدارة (نقرأ هنا: ناحية الجراسيّين، مر 5: 1؛ لو 8: 26، 37). 
المهمّ لا الشخصُ الذي نراه على المسرح. ونلاحظ أنّ لوقا لا يقول بوضوح إن واحداً من الثلاثة تتلمذ أو لم يتتلمذ ليسوع. المهمُّ هو التعليم الذي يعطيه يسوع في تلك المناسبة. 
إن يسوع يضع متطلّباتٍ ثلاثاً لمن يريد أن يكون تلميذاً له. 
1- المتطلّبة الأولى: التخلّي عن كل ما يؤمِّن لنا الراحة (آ 57- 58) 
جاء الأوّل وكان مجهولاً. أمّا متّى فيقول: "دنا أحد الكتبة (أو معلّمي الشريعة)" (مت 8: 19). وأشار إلى أنّ الثاني كان واحداً من التلاميذ، وقد يكون هو أيضاً كاتباً. إذن، قدَّم هذا المجهولُ نفسَه ليتبع يسوع إلى أيّ مكان. كنا ننتظر أن يقدِّم (يكشف) له يسوع الهدفَ الأخير لحياته وهو أورشليم وآلامه. ولكنه أجابه أن ابن الإنسان لا يعيش في مكان من الأمكنة. وهو مهدَّد مثلَ حيوان البرّ الذي لا مكان له يختبئ فيه. والعبارة "مكان يسند إليه رأسه" تذكّرنا ببيت لحم (2: 7: "لم يكن لهما مكان حيث حلاّ")، وتؤكّد الصورةَ التي أعطاها الإنجيليّون عن حياة يسوع التائهة والتي لا تعرف الثبات. 
يسمّي يسوع نفسه هنا كما في سائر الأناجيل: ابنَ الإنسان. يدلّ هذا اللقب على الإنسان الذي هو عضوٌ في الجنس البشريّ (هذا هو معناه في التوراة). أو يدلّ على هذا الشخص السرّي الذي يرتدي كرامة الديّان السامي في نهاية الأزمنة، والذي يتحدّث عنه دا 7: 13 وسفر أخنوخ. إن يسوع يطبّق على نفسه هذا اللقب في المعنى الثاني. 
إن يسوع يشدّد على تعارض، قد لا يكون مُحاوِرُه شَعر به، بين صفته الأساسيّة والحياة. اليوميّة التي يعيشها، بما فيَها عداوةُ هؤلاء القرويّين السامريّين. أجل، إن الربّ يذهب من مكان إلى آخر، ولا مكان له في خليقته. 
وَضعُ التلميذ يكون كوَضع المعلّم: غريب ومسافر على هذه الأرض (1 بط 2: 11). كلاهما ليسَ له مَلجأ أمين (تقول عب 13: 14: "مدينة ثابتة"). فمن تبِعَ يسوع قبِلَ أن يتعرّض لشدائد الحياة. 
2- المتطلّبة الثانية: نُخضع كلّ شيء وبدون تأخير لواجب التبشير (آ 59- 60) 
ويقدِّم المحاور الثاني نفسَه. أمرَه يسوع أن يتبعه، فتعلّل بواجبات يقوم بها تجاه أبيه الذي مات واحتاج إلى من يدفنه. 
إن التقوى البنويّة في العالم اليهوديّ، والمؤسسة على الوصيّة الرابعة، تفرض على الأبناء أن يؤمّنوا دفنة لائقة لوالديهم. كانوا يدفنون الموتى حالاً بعد وفاتهم (أع 5: 6)، ولكن الاحتفالات الجنائزيّة كانت تدوم سبعة أيّام. 
أوّلاً: رفض يسوع أيّ تأخير، أيّ تأجيل. فمن يدعوه الربّ يتشبّه بإبراهيم الذي قام باكراً وأسرج حماره، وانطلق الى الجبل الذي عليه سيضحّي بابنه إسحق (تك 22: 3). على من يدعوه الربّ أن يطيع حالاً ولا يتأخّر. هناك ساعات حرجة في الحياة الأخلاقيّة، فإن لم نعمل فيها ما يجب عمله، فلن يعمله أحد. تهُبّ الريح. ولكن عندما تسكن، لن تعود السفينة تستطيع الخروج من المرفأ. 
ثانياً: أكد يسوع خضوع الواجبات البشريّة لمتطلّبات الملكوت. هو لا يعتبر الواجبات العائليّة أموراً لا قيمة لها (مت 15: 3- 9؛ رج 1 تم 5: 8). ولكن حين يكون صراعٌ ، فضرورات الملكوت تمرّ قبل سائر الضرورات. هناك أَولويّةُ ما هو مهمٌّ وملحّ، فلا يمنع آباءُ الأرض ربَّ الكلّ وسيّدهم من أن تكون له حقوقه كاملة. هذه هي الفكرة التي نجدها في 14: 26: "إن كان أحدٌ يأتي إليّ ولا يبغض أباه وأمّه وإمرأته وبنيه وإخوته وأخواته، بل نفسه أيضاً، فلا يستطيع أن يكون تلميذاً" (موازاة مخفّفة في مت 10: 37: "من أحبّ أباه وأمّه أكثر مني فلا يستحقّني"). فيها يقول لنا يسوع إن حبّنا للربّ يمرّ قبل حبِّنا للأقارب وحبّنا لذاتنا. وإن كان من صراعٍ بين أمانتنا للربّ وأمانتنا للعواطف البشريّة، تمرّ أمانتنا للربّ أوّلاً، وإن نتج عن ذلك انقطاع شبيه بذلك الذي ينتجه البغض. 
نتذكّر هنا ما تذكّره سامعو يسوع. نتذكّر مشهداً مماثلاً حدثَ حين دعا إيليا أليشاع (1 مل 19: 19- 21). طلب أليشاع أن يذهب ليقبّل أباه وأمّه قبل الإنطلاق. قال إيليا: تستطيع أن تعود إلى عملك، فماذا صنعتُ لك؟ كأني بإيليا تركه يعود إلى والديه. ولكن سلطة ربّ الملكوت أعظمُ من سلطة نبيّ، وها هنا أعظمُ من إيليا ومن سليمان. غير أننا نميّز أيضاً شيئاً آخر.
لا يهتمّ يسوع كثيراً بحفلات الجَنازة. إستأذن أليشاع ليقبّل الأحياء ويودّعهم. أما مُحاور يسوع فيطلب أن يذهب ليكرّم الموتى. ففي منظار الملكوت الذي يُدعى الإنسانُ إلى إعلانه، لم تعُد الأمور الجنائزيّة بذي بال. والحَنوطُ الذي هيّأته النسوة لجثّة يسوع (24: 1) لا أهميّة له بعد إنجيل الفصح. ليَدفِنِ الموتى موتاهم. 
نحن هنا أمام واجب نقوم به باحترام وإكرام، ولكنه لا يقع على مستوى الملكوت. فلنحتفظ من عالم وثنيّ يولد دوماً من جديد ويجتاح الكنيسة. إستعمل يسوع في جوابه لفظة "مَيت" مشيراً إلى المعنى الطبيعيّ والمعنى الروحيّ كما في يو 5: 21- 29؛ أف 2: 1. فالذين لم تتجدّد حياتهم بالإيمان ليسوا أحياءً للربّ. 
3- المتطلَّبة الثالثة: نترك الماضي ونتطلّع إلى الأمام (آ 61- 62) 
وقدَّم شخصٌ ثالث نفسَه كما فعل الشخص الأوّل. والشرط الذي وضعه شبيه بشرط أليشاع (1 مل 19: 19- 21)، مع العلم أنّنا نستطيع أن نترك مركزاً ووظيفة، كما نترك أشياءَ تعلّقَ قلبُنا بها، كما في 14: 33: "وهكذا لا يقدر أحدٌ منكم أن يكون تلميذاً لي، إلاّ إذا تخلى عن كل شيء له". 
وجاء جوابُ يسوع بشكل كلام مأثور عرفَه الأدب القديم. فإذا أراد الفلاّح أن يرسم ثَلماً مستقيماً وجب عليه أن لا يلتفت إلى الوراء. ونتذكّر هنا أيضاً أنّ أليشاع كان يمسك بالمحراث حين دعاه إيليا. مرَّ بقربه ورمى عليه رداءه فأعطاه شيئاً من قوّته ودمه على دعوته النبويّة. 
جواب يسوع هنا يشبه جوابه السابق، ولكنه جاء بصورة عامّة: إن اتّباع يسوع يفرض انقطاعاً عن الماضي. لا نقطع فقط الرباطات العائليّة القديمة. فنظرتنا إلى الوراء تدلّ على إرثٍ من القِيَم والخِبرات الأخلاقيّة اقتناها الإنسان خلال حياته. فإذا أردنا أن نكونَ جديرين بالملكوت، نتخلّى كلّـياً عن هذا الماضي على ما قال القديس بولس: "أَحسب كلّ شيء خَسارةً من أجل الربح الأعظم، وهو معرفة ربّي يسوع المسيح. من أجله خسِرت كل شيء وحسبت كل شيء نفايةً لأربح المسيح وأكون فيه" فل 8:3).
أجل، في هذه الحياة الجديدة، نحتاج إلى قلب غير منقسم، نحتاج أن نمشي ونحن نتطلّع إلى الأمام، كما قال بولس الرسول: "أنسى ما ورائي وأجاهد إلى الأمام فأَجري إلى الهدف" (فل 3: 13- 14). نتطلّع إلى ذلك الذي يمشي أمامنا، إلى يسوع المسيح "رأس إيماننا ومكمِّله الذي تحمّل الصليب، فجلس عن يمين عرش الله" (عب 12: 1- 2). 

ج- ساعات حاسمةٌ في الرسالة 
ونتوقف الآن عند المعنى الروحيّ. فنصُّ الإنجيل يَصدِم اليوم القارىءَ بجَفاء كلماته ومواقف يسوع التي يوردها. ولكن يجب أن لا نخفّف من مدلولها، بل نسعى وُلوج معناها وتميّز آنيّتها المستمرّة. 
لوقا هو إنجيل رحمة الله وحنانه، فكيف نفسّر النبرة القاسية التي نجدها في هذا النصّ؟ الجواب: لأنه يدخلنا في مرحلة جديدة من رسالة يسوع. عليه أن يترك الجليل "ليصعد إلى أورشليم". وهذا يَعني للمسيح عبورَ عتبة واتخاذَ قرار حاسم يُلزم حياتَه: إن بقي في الجليل مدّدَ الحياة السهلة مع نجاحاتها الأولى، وسقط في التجربة: أن يصير مسيحاً زمنيّاً، أن يصبح معبودَ الجماهير، أن يصنع حياته بيده. وإن عزم على الصعود إلى أورشليم، فهذا يعني قَبولَ إرادة الآب بصورة ملموسة، فيعطي حياته. هذا يعني انفصالاً عن الماضي والتزاماً بمستقبل غير أكيد ولكنه يوافق مخطّط الآب.
بعد هذا لن نَدهَشَ إن دُفع الربّ في هذا الإطار إلى التحدّث بقساوة عن الإنقطاعات الإنجيليّة الضروريّة لمن يريد أن يتبعه في خدمة ملكوت الله. ففي كلّ حياة مسيحيّة كما في تاريخ الكنيسة، هناك أوقاتٌ يجب أن نقطع فيها كل رباط مع طمأنينات قديمة، أن ننسلخ عن "هدوء الجليل" أمانة للربّ وللرسالة.

1- وحزَمَ يسوع أمرَه وانطلق إلى أورشليم
يسوع يواجه مستقبله. وهذا المستقبل هو أورشليم، هو "ساعته"، هو الزمن الذي فيه يُختطَف من هذا العالم، هو "عبورٌ من هذا العالم إلى أبيه". هو يعرف إلى أين يذهب. هو يذهب إلى حيث يريده الآب أن يذهب، حيث يقوده الروح. 
لقد سمعه التلاميذ يقول: "أمّا أنتم فضَعوا جيّداً هذه الكلمات في آذانكم: على ابن الإنسان أن يُسلَّم إلى أيدي الناس. فما فهموا هذا الكلام، وكان مُغْلقاً عليهم حتى لا يفهموا معناه. وتهيّبوا أن يسألوه عن هذا الكلام" (9: 44- 45). أمّا هو فيعرف إلى أين يذهب ولماذا يذهب: لكي يُتِمّ ما لأجله جاء، لكي يُتِمّ إرادة الآب. 
ذهب "بعزم"، "قسّى وجهه" مثل عبد يهوَه (عبد الله) الذي جعل وجهَه قاسياً كالحجر لأنه يعرف أنه لا يُخزى (أش 50: 7). إن هذا الإنطلاق الحازم يدلّ على إرادة يسوع الثابتة بأن يُتِمّ رسالته. الإنطلاق إلى أورشليم ليس في نظر لوقا انتقالاً من مكان إلى آخر: فتبديل المكان هذا يكشف قرارا صريحاً وإرادة مثابرة للقيام بالمهمّة. يذهب يسوع إلى أورشليم "ليخلّص أورشليم" (2: 38)، ليفجّر أورشليم الميثاق القديم، أورشليم العبوديّة، ويكشف أورشليم الجديدة، أورشليم العُليا، أورشليم الميثاق الجديد. بدأ بكامل حرّيته وإرادته مسيرةَ تحرير شعب الله التي لا تتمّ، بحسب قصد الله السرّيّ، إلاّ بآلامه وموته وقيامته. 
الكنيسة مدعوّة اليوم، وفي الكنيسة كلُّ مسيحيّ مدعوٌّ لكي يتبَعَ يسوع المسيح ويتابع رسالته الخلاصيّة، لكي يصعد هو أيضاً إلى أورشليم. هو مدعوٌّ لكي ينطلق بعزم في هذه الطريق. ففي تاريخ كنيستنا وفي تاريخ كلّ إنسان، هناك أوقاتٌ بارزة وانطلاقاتٌ حاسمة يجب أن نتميّزها لنلتزم ونسير نحو الهدف. 
مستقبلُ الكنيسة (مستقبل المسيحيّ) غير معروف في مادّيّته: نحن لا نعرف ما سنواجهه من أحداث محدّدة. فخلال الأزمات الشخصيّة أو الجماعيّة يُمسك القلقُ بنا. إذا كنّا لا نرى بوضوح تشعّب الأحداث الحاضرة وما يخبّئه لنا المستقبل، إلاّ أننا متأكّدون من الهدف، من معنى الرسالة الأخير: اختطافنا، ارتفاعنا، تمجيدنا مع المسيح. لهذا فرجاؤنا ثابت، وانطلاقاتنا حازمة وصريحة. ومهما كان مستقبلنا مؤلماً وقاسياً، فنحن متأكّدون من محبّة الآب، من أمانة كلمته، من النصر النهائيّ. وإن يكن الوضع حرِجاً، إلاّ أن اليقينَ الداخلي يبقى ثابتاً، والالتزامَ يكون كاملاً ومن دونَ تحفّظ. فالمتردّدون الدائمون الذين يؤجّلون كل يوم قرارهم بأن ينطلقوا إلى أورشليم، لا يتوافقون وموقفَ يسوع. هناك بحث، أو عدمُ بحث، يدلّ حسب الإنجيل على نقص في الإيمان والرجاء لدى المسيحيّ.

2- إستقبال رديء للرسل 
أرسل يسوع رسُلاً أمامه، فلاقَوا استقبالاً عاطلاً. هذا هو الواقع الذي نجده في الإنجيل. ولكنّ هذا لم يمنع يسوع من الإنطلاق إلى أورشليم. 
وكانت ردّة الفعل عنيفةً عند يعقوب ويوحنا. فلهم نظرتهم الخاصّة إلى دينونة الله: هو يشجُب ويدمّر كلّ الذين يرفضون تعليمه. ونرى أيضاً التلاميذ يواجهون الربّ ولا يقاسمونه نظرته إلى الملكوت. 
ويُفهمنا الربّ أنّ طرقهم ليست طرقَه ولا طرقَ الآب. هو لا يحكم مثلَهم. هو يرفض أساليبهم. ولهذا ينطلق نحو الهدف في طريق أخرى. 
كيف نتقبّل هذه الكلمات اليوم؟ 
الوضع الذي عاشه يسوع والرسل لم يزَل هو هو. والكنيسة لا تلقى الإستقبال الحارّ لدى أناسٍ مسجونين في أفكارهم المسبَّقة وعاداتهم وخطاياهم. ويحاول "رسل اليوم" أن يعجّلوا دينونة الله. ويرفض يسوع هذا الأسلوب. فالإنجيل محرِّرٌ ولا يقبله إلاّ أناسٌ أحرار مهما كانت النتائج لحامل الرسالة. 
نحن نقبل أسلوب يسوع الذي بدا ليعقوب ويوحنا كعلامة ضعف وتهرُّب من المواجهة. ولكن في نظر يسوع، هذا الأسلوب يعني رفض الأخذ بسلاح العدوّ. فالأساليب الإنجيليّة ليست أساليب العالم. فأسلحة الرسول الوحيدة هي "أسلحة الروح". يتمّ "خدمة الروح" (2 كور 3: 8) فيلبس "سلاح الله" (أف 6: 11)، ويستعمل "سيف الروح أي كلمة الله" (أف 6: 17). هو لا يرفض القتال، ولكن ذلك القتال الذي يصبو إلى تحرير الخصم. رسالة الكنيسة تقوم لا بأن تحكم وتشجُب، بل أن تخلّص، لا بأن تدمّر بل أن تفدي الإنسان. وقوّتنا هي قوّة الله نفسه، ونعمته تكفينا. وستكون الكنيسة دوماً ضعيفة في نظر العالم. فالمسيحيّ (وكلّ جماعة مسيحيّة ورسوليّة) لا يقوم بمهمّته إلاّ إذا اتّبع المسيح حتى أورشليم فقَبِل أن يتألّم ويموت من أجل خلاص البشر. 

3- متطلّبات الدعوة الرسولية 
هذه كلمات قاسية، فمن يطيق سماعها؟ أما يستطيع يسوع أن يخفّف من حدّة متطلّباته فيربح عدداً كبيراً من التلاميذ؟ يبدو أن هذا ليس أسلوبَه في العمل. 
جاءه مرشَّحٌ أوّل يريد أن يتبعه. ليس له مكان يُسند إليه رأسه. هل نحن مستعدّون لأن نسير معه دون توقّف، دون أن نحسب حساباً لوقتنا وملكنا وحياتنا؟ 
وطلب الثاني مُهلةً من أجل قضيّة عائليّة مقدّسة: دفنِ الموتى. ولكن ما يَهُمّ يسوع هم الأحياء. وإعلان الإنجيل يقود إلى الحياة، فالله يُسمّى لا "إلهَ موتى بل إلهَ إحياء" (20: 38). من قبل الكلمة، ولو كان ميتاً، لبث في الحياة. ومن رفض الكلمة ولو كان حيّاً، أقام في الموت. 
واستأذنه شخص ثالث. لا مكان للإستئذان: لقد بدأ العمل، فلم يبقَ لنا وقت لننظر إلى الوراء. فيسوع لا وقت له يضيّعه في طريقه إلى أورشليم. لقد عاش بنفسه هذه الإنقطاعات العائليّة، وعائلته لم تفهمه. وسيشدّد يسوع على هذه الإنقطاعات الضروريّة، على "بغض" التلميذ للأب والأمّ والزوجة (14: 26).
إن هذه الكلمات تطرق قاسية في أذنَي المسيحيّ وقلبه، وهو الذي أراد أن يتبع المسيح أينما يذهب. وهي تُريه المواقف الروحيّة المطلوبة من الرسول. فكما كان رداء إيليا على كتفَي أليشاع، فالرسول قد "لبس يسوع المسيح" وعاش عواطف الربّ فامتلكه الربّ. ولكن يبقى أنّ نتائج هذا النداء وتسليم المهمة الرسوليّة تظلّ ثقيلة. 
يُدعَى التلميذ إلى التخلّي عن كل طمأنينة مادّية تمنعه من اللجوء إلى الذي يرسله. والمدعوّ إلى الرسالة لا يستطيع أن يتأخّر تجاه ما هو مائت. والرسول الذي وضع يده على مِحراث يسوع المسيح، قد يحاول أن ينظر إلى الوراء بعد أن بدأ العمل الرسوليّ، بعد أن بدأ انطلاقته إلى أورشليم. ولكنّ يسوع يأمره بأن ينظر إلى الأمام رغم جاذبيّة الوضع السابق وتذكّرات بصل مصر ومتطلّبات الأهل والأقارب. 
إن متطلّبات يسوع هذه تبدو قاسية لدى عدد كبير من المسيحيّين. بل تبدو غير واقعيّة ومثاليّة في نظر المجتمع المعاصر. ويتساءلون: كيف نستطيع أن نعيشها في ظروف الحياة الملموسة؟ 
يهتمّ يسوع هنا بتربية تلاميذه. فإن كان الفقر بالروح والتجرّد الرسوليّ يكوّنان مُناخ كلّ حياة في المسيح، فهناك أوقات يجب أن ننفصل فيها عمّا نملك، عمَّن نحبّ، بل عن ذاتنا. هذا هو وضع يسوع في تلك الساعة من حياته البشريّة. وهناك أمام كلّ إنسان ساعة حاسمة تفرض عليه انطلاقةً جديدة مع كل ما تتضمّن هذه الإنطلاقة من تمزّق. إلى هذا يدعونا يسوع. 
نحن نتبعه فنحيا معه وبه وفيه من جديد المسيرةَ ذاتَها والمحنةَ ذاتها والفرحَ ذاته. فبالنسبة إليه، كما بالنسبة إلى المسيحيّ والجماعة الكنسيّة، ما يتحكّم بحياتنا هو المهمّة التي رسَمَها لنا الآب. إنه حبُّ الآب يُلهمنا الخِياراتِ الحاسمة.

 

 

الفصل السابع 

يسوع يرأس السبعين
10: 1- 20 

يشكّل هذا المقطع الخاص بلوقا محطّة هامّة في مؤلّفه (لو+ أع). لهذا نبدأ فنحدّد دوره في مجمل المؤلَّف قبل أن نحلّله بالتفصيل ونبرز مواضيعه المختلفة. 
نلاحظ أولاً أن عنوان المقطوعة لا يوافق المعنى كل الموافقة. فالإنجيلي لا يقابل بين الرسل (الإثني عشر، رج 6: 13 و9: 13) وبين "التلاميذ". فنحن نرى في كل هذا المقطع (بين 9: 54 و10: 32) اختفاء لفظة التلاميذ. فالسبعون الذي نتكلّم عنهم الآن (آ 21 11) يتميزون بأنهم "مرسلون" و"حاملو تعليم" (9: 52) نالوا سلطة من الذي يمثلونه (آ 16). ولكنهم ليسوا رسلاً مثل الإثني عشر. 
وعددهم ومهمّتهم ربطاهم لا بإسرائيل والقبائل الإثنتي عشرة وحسب، بل بكل شعوب الأرض. ونزيد أنه إن كان الإنجيلي أشار إلى عودتهم (آ 17) بعد إرسالهم (آ 1، 3)، فلأنه نظر إلى سياق الخبر. سيورد لوقا تعليمات أخرى يوجّهها المعلّم إلى "تلاميذه" ومنهم السبعون. ثم إن هذه العودة تبدو كاستباق نبوي. فعلى مستوى آخر تمتدّ مهمة السبعين حتى عودة الرب، وهذا ما سوف يخبرنا به سفر الأعمال. 

أ- موقع هذه المقطوعة في مؤلَّف لوقا
تجد مهمة السبعين مكانها في بداية هذا القسم المركزي في إنجيل لوقا. ويسمّى هذا القسم مسيرة يسوع الطويلة إلى أورشليم (9: 51- 19: 27).
يبرز الإنجيلي ترتيباً وجده عند مرقس وينظّم مواد استعادها متّى أيضاً في إنجيله. جاءت هذه المواد من الكرازة الرسولية السابقة للأناجيل الإزائية، فقدّمت الصعود إلى أورشليم ووزّعت فيه الإنباءات الثلاثة بالآلام. 
أمّا العناصر التي نجدها في هذا القسم المركزي فلا نجد ما يوازيها (الاّ شواذ قليلة) عند مرقس. لا يكرّر لوقا ما يقول، وإن هو كرّر خبراً فهذا التكرار له معناه. وفي الحالة الحاضرة لسنا أمام تكرار لرسالة الإثني عشر (9: 1- 6) بل أمام مهمّة جديدة تتّسع آفاقها: ستصل إلى العلم كله. ثم إن هذه المهمّة تبدأ في أرض سامرية (ق أع 1: 8؛ 8: 4). 
رافق إرسال الإثني عشر بعضُ التعليمات القصيرة (9: 3- 5). أما هنا فأدخل لوقا خطبة حقيقية تشكّل في نسيج إنجيله "خطبة الرسالة" التي تقابل الرسالة الحقيقية وهي التي تعد "الطريق لمجىء الربّ" (10: 1؛ 13: 35). 
هناك أولاً نظرة شاملة (مسكونية). وترتسم فوقها نظرة تقابلها هي نظرة اسكاتولوجية نستشفّها في هذا "الصعود إلى أورشليم" وخاصة في موضوع الوليمة. وهي تظهر في هذا المقطع بذكر مجيء الربّ الذي تحيط به صور خاصة هي: النار من السماء (9: 54)، الحصاد (10: 2)، الدينونة (10: 12- 15)، إنزال الشيطان عن عرشه (10: 18). ومقابل هذا يسمّى يسوع ربّ الملكوت (9: 54، 61؛ 10: 1، 17) وابن الإنسان (9: 56، 58)، ولا يذكر كالمعلّم الذي يقدّم تعليماً (هذا نجده في 10: 25). 
نشير هنا إلى أن العبارة التي تبدأ السفر الطويل هي عينها التي تبدأ خبر العنصرة (أع 2: 1). هناك ملء الزمن. نقرأ في 9: 51: "ولما حان الوقت". وفي أع 2: 1: "ولما جاء يوم العنصرة". وهناك ذكر الحصاد. فعيد العنصرة هو في الأصل عيد الحصاد، حصاد القمح. وفي الخطبة الى السبعين يتحدّث يسوع عن الحصاد وعن ربّ الحصاد (10: 2). 
والعالم الوثني الذي إليه تتوجّه مهمّة السبعين، هذا العالم يشير إليه النصّ بصور مختلفة. أولاً بالرقم 70 أو 72. نحن نعلم أن الرقم 70 يقابل في التقليد اليهودي عدد شعوب العالم (تك 10، تث 32: 8- 9). أمّا في التوراة اليونانية (السبعينية) فعدد الشعوب المذكورة في سفر التكوين يصبح 72 (6 * 12). ثانياً: تشبيه "الخراف بين الذئاب" (آ 3) يشير أيضاً إلى العالم الوثني في التقليد اليهودي، وسنعود إلى هذا فيما بعد. ثالثاً: يرمز ذكر صور وصيدا في الأناجيل (آ 13- 14) إلى استعداد الوثنيين لتقبّل البشارة تجاه قساوة قلب الشعب اليهودي. وهذه الإشارة الأخيرة تميّز بصورة خاصة نظرة لوقا في إنجيله كما في سفر الأعمال الذي يجد في هذا المقطع الخطوط الأولى لبرنامجه (أع 4: 25- 29؛ لو 13: 44- 51؛ 25: 23- 28).
وبما أن لوقا وعدنا في المقدمة انه يريد أن يروي الأحداث "بترتيب" (1: 3)، لم يرد أن يسبّق على الرسالة لدى الوثنيين. سيحدّد موقع بدايتها المتردّدة خلال سفر الأعمال في الزمن الذي جاء بعد العنصرة، وسيرينا في القديس بولس العامل الرئيسي الذي اختاره لهذا العمل يسوع القائم من الموت. غير أنه يربط هذه الرسالة بحياة يسوع على الأرض من خلال إرسال التلاميذ السبعين أمامه "إلى كل مدينة أو موضع عزم أن يذهب إليه". 

ب- تحليل النصّ وتفسيره 
ان 10: 1- 20 يكون وحدة تحيط بها عبارتان: "بعد هذا" (آ 1) "وفي تلك الساعة" (آ 21) والرسمة الإجمالية "إرسال (أو إنطلاق) وعودة" تحدّد هذين الجزئين بصورة طبيعيّة. استعملت هذه الرسمة في الحديث عن إرسال الإثني عشر (9: 10؛ رج مر 6: 7، 30) وسنجدها من جديد في سفر الأعمال ساعة الحديث عن المهمات البولسية (أع 14: 27؛ 21: 17- 20). 
في كل درفة نجد خبراً يشكّل إطاراً لأقوال يسوع. أغلبها جُمع في المرجع الذي استقى منه لوقا (رج مت 9: 37- 38؛ 10: 10- 16) وبعضها وُضع هنا بيد لوقا (مثلاً، آ 13- 16، 17- 20). 
وإذا أردنا أن نفهم النسيج العميق لهذه المجموعة والمدلول الذي ينتج عن هذا التنظيم، نعود إلى درس البنى ومعانيها. 

1- الجزء الأول: الإرسال (آ 1- 16) 
يركّز الجزء الأول (أو الإرسال) العمل كله حول شخص يسوع. فكما في الأخبار الإنجيلية، نجد توطئة اخبارية تقدّمِ عملاً توضح الأقوالُ معناه. وفى هذا الوضع تشكّل هذه الأقوال عملاً، عمل السيد الربّ، عملاً خلاّقا يؤسّس عمل السبعين الرسولي ويتمّ في الدينونة.
والعمل المنسوب الى يسوع في الخبر يتضمّن وجهتين ضروريّتين لتمثّل الرسالة في العهد الجديد كما في العهد القديم. هناك أولاً اختيار (رج 6: 13؛ مر 3: 13؛ يو 15: 16) نربطه "بتعيين" له أهميته الكبرى (مهما كانت أشكاله) في إقامة الخدم في الأزمنة الأولى للكنيسة (أع 1: 24؛ 6: 3- 6؛ 13: 2- 3؛ 14: 23). 
"أرسلهم إثنين إثنين"، كما في مر 6: 7. هذا التفصيل يؤسّس عادةً أخذت بها الكنيسة الأولى. ونحن نرى تحقّق هذا الترتيب في سفر الأعمال: برنابا وبولس، برنابا ومرقس، بولس وسيلا... 
وبعد أن عيّنهم يسوع أرسلهم إلى حيث عزم أن يذهب. لا يريد النصّ فقط أن يشير إلى مجيء يسوع التاريخي خلال حياته في فلسطين، بل أن يدلّ على مجيئه الاسكاتولوجي الذي ترتبط به الرسالة ارتباطاً وثيقاً. وهذا ما يفتح مساحة أمام الرسالة. والعبارة "كل مدينة (وكل) موضع" يوجّهنا أيضاً في هذا المعنى. أراد لوقا أن يعطيها بعداً شاملاً (مسكونياً) (رج الخطبة اللاحقة) فحوّر عبارة متّى: "المدن والقرى" (مت 9: 35). فلفظة "موضع تتعلّق بمناطق وبلدان". 

أولاً: مدخل إلى الخطبة 
إن الخطبة التي تحدّد البرنامج أو بالحري طبيعة هذه الرسالة، تبدأ بمدخل مركز على صورة الحصاد. هو إعلان بشكل نقيضة تقابل بين الكثرة والعدد القليل: حصاد كثير وفعلة قليلو العدد. وبعد هذا تأتي التعليمات. إن الأدب الاسكاتولوجي يلجأ مراراً إلى صورة الحصاد (يؤ 4: 13؛ مت 13: 39؛ رؤ 14: 15- 26). وترتبط صورة الحصاد بالفرح. رج أش 9: 2؛ مز 126: 5- 6؛ يو 4: 36. سيظهر هذا العنصر في القسم الثاني (آ 17- 20). أما لفظة "كثير" فتدلّ عادة في التوراة على العالم الوثني: شعوب كثيرة. نظرياً: 70 أو 72. رج أيضاً يو 12: 24 (أخرجت حبّاً كثيراً). 
العمّال هم قليلو العدد. هذا ما يدل أولاً على المجموعة التي أرسلها يسوع، لا الإثنا عشر فقط، بل السبعون أيضاً. ومن خلال هؤلاء يدلّ العدد على كل الجماعة التي كانت أقلّية في العالم اليهودي وبالأحرى في العالم الوثني. نحن أمام "القطيع الصغير" الذي يذكره لوقا في 12: 32. 
إن هذا العدد القليل من العمّال الأرضيين يقابل الجيش الكبير من الخدّام السماويين (دا 7: 10؛ لو 2: 13؛ مت 26: 53)، أي الملائكة الذين يعتبرهم التقليد منفّذي الحصاد الاسكاتولوجي (رج مت 13: 39- 41). إذن ينقلنا النصّ من الرمز الى الواقع التاريخي، ثم يمنح هؤلاء الحصّادين الأرضيّين (10: 20) وضعاً سماوياً. 
وبعد الإعلان التعارضي يأتي أمر هدفه أن يتغلّب على غياب النسبة بين الكثير والقليل: إذن، صلّوا، اطلبوا من ربّ الحصاد. 
هذا الأمر يتضمّن موضع الصلاة الذي يهتم به لوقا اهتماماً خاصاً، ويربط مبادرة الرسالة "بربّ الحصاد" أي بالله. وسيرينا سفر الأعمال نموذجاً عن هذا الوضع حين يحدّثنا عن القديس بولس. والزمن التاريخي لا يستنفد هذا الأمر، بل يبقي ينبوع الرسالة مفتوحاً: إذن، هناك مكان لآتين جدد يعملون في هذا الحصاد. 

ثانياً: تعليمات من أجل الرسالة
الأمر بالإنطلاق "إذهبوا" يستعيد في صيغة الجمع أوامر تدشّن دعوات تلقّاها أناس في العهد القديم ("إذهب، وأنا معك").
"إذهبوا". هذا الأمر المطلق يزيل كل حدود أمام مهمة المرسلين (يختلف عن مت 10: 5- 6). والساحة المفتوحة أمام هذه المهمة قد حُدّدت سابقاً في التوطئة الإخبارية. حدّدت جغرافياً (كل مدينة وموضع). حدّدت زمنياً (حيث عزم أن يذهب). وفي الحالتين اهتم لوقا بالتشديد على شمولية الرسالة وهذا ما يحدّده أع 1: 8: حتى أقاصي الأرض. 
ونجد أيضاً هذا الأمر على شفتي يسوع في نهاية الأناجيل. في مت 28: 18- 20: "إذهبوا وتلمذوا". في مر 16: 15: "إذهبوا إلى العالم كله". في يو 20: 21: "كما أرسلني أبي أرسلكم أنا". هذا الإرسال هو علامة حاسمة لتدخل الآب والقناة التي بها يمرّ هذا التدخّل (آ 16: من سمع منكم سمع مني). 

ثالثاً: المرسِل، المرسل، موضوع الإرسال 
إن آ 3 تعني الأشخاص المرتبطين في عمل الرسالة. أولاً، المرسل والمرسَلون في حوار مباشر: "ها أنا أرسلكم". وهذا ما يوضح الأمر الأساسي. فالمرسِل هو يسوع بصفته الرب (رج مت 28: 18). ثم، إن التعارض بين "الخراف والذئاب" (رج مت 10: 16: "النعاج") يرسم العلاقة بين المرسَلين والأشخاص الذين أرسلوا اليهم. لا تشير هذه الصورة فقط إلى أخطار الرسالة. فقد استعملت في أرض إسرائيل لتدلّ على وضع شعب الله وسط الشعوب الوثنية. وها قد انتقلت إلى "القطيع الصغير" إلى التلاميذ الذين يحميهم الراعي (هو المرسل نفسه: رج آ 19) حماية حقيقية من كل خطر. إذن، أرسلوا الى الشعوب الوثنية. 

رابعاً: أشكال الرسالة 
بعد هذه التحديدات حول الأشخاص يتوسّع القسم المحوري بصورة ملموسة في الرسالة ويحدّد أشكال ممارستها (آ 4- 11). وهي تدوَّن في نظرة واضحة أو غامضة من التنقّل الأفقي بدأته آ 1، تتبعه نظرة من التنقّل العمودي (معارضة بين فوق وتحت). 
الأشكال الأولى هي سلبية. تعبّر عن حركة انفصال وتعني تصرّف لمرسلين وما يحملون أو لا يحملون معهم. أولاً: لا محفظة، لا كيس، لا حذاء. ثانياً: لا تسلّموا على احد في الطريق. وهكذا يحلّ هذا الإنفصال الأدبي انفصالاً مكانياً ضمنياً (انطلاق المرسلين). فالمرسلون لا يدعون إلى أن يتركوا مكاناً جغرافياً، بل أن يتخلّوا عن عالم هو "العالم الحاضر" الذي يتميّز بامتلاك الخيرات والكلام الفارغ. يتحدّث 12: 33 عن الكنوز الحقيقية وأف 6: 15 عن حذاء فاعل.
غياب المال ورفض التحية في الطريق (لئلا نتأخّر عن الرسالة. رج 2 مل 4: 29) يدلاّن على أن العلاقة بين المرسلين والذين يرسلون اليهم لا تتأسّس على وسائل التبادل في "العالم الحاضر" (مال، كلام فارغ) بل على وسائل أخرى أكثر فاعلية سيحدّدها النص فيما بعد.
وتتعلّق الأشكال الإيجابية بالأمكنة (بيوت، مدن) وتعبّر عن تبادل ومشاركة في بعض الخيرات. 
ففيما يخصّ البيوت نجد ثلاث تعليمات. موضوع التعليمة الأولى (آ 5- 6): السلام على البيوت التي فيها يُستقبل المرسلون. مُنعت عنهم التحية الباهتة "في الطريق". أمّا هذا السلام فيمثّل عطيّة حقيقية تدل على وجهة ملموسة للسلام الذي هو علامة مجيء الملكوت، علامة الدخول إلى الملكوت (يو 20: 19- 21؛ رج 14: 27). نحن هنا أمام إحدى ثمار الروح (غل 5: 22) أو بالأحرى أمام الروح القدس عينه الذي به يرتبط عادة فعل "حل". يأتي الروح فيسكن البيوت (أو الجماعات) ليجعل منها مساكن الله ويحقّق التوافق في الأسر وبين الأخوة. هذا ما حصل في بيت زكا (19: 9). وهذا ما تحقّق لمسيحيّي أورشليم في أع 2: 44- 46؛ 4: 32. 
والتعليمة الثانية تتعلّق بالطعام (آ 7). فعلى الجماعات التي أسّسها المرسلون أن تهتم بحاجاتهم المادية. هذا ما نجده لدى القديس بولس: "الذين يعلنون البشارة ينالون رزقهم من البشارة" (1 كور 9: 14: خادم المذبح يأكل من المذبح). وهو سيطبّق هذا الأمر على "الشيوخ" (أو القسس والكهنة): "العامل يستحق اجرته" (1 تم 5: 18). يستعمل لوقا مفردة "أجرة"، شأنه شأن بولس. أما مت 10: 10 فيتحدّث عن الطعام. في سياق هذا المقطع تشدّد لفظة "أجرة" على فكرة التبادل الحاضرة هنا. فالطعام المادي يقابل هذا "السلام" الذي يحمله المرسلون، يقابل كلمة الله والروح القدس، وكل هذا هو الطعام الحقيقي للملكوت (1 كور 9: 11). 
والتعليمة الثالثة (آ 7) التي تحيط بالثانية تتعلّق بإقامة المرسلين. انها تدلّ على توقف مؤقت مارسه بولس في أعمال الرسل (14: 28؛ 15: 35؛ 18: 11- 18؛ 19: 10؛ 28: 30). ينضم هذا الأمر الى رسالة متنقلة فيدلّ على ثبات بيت الله أي الكنيسة وعلى ثمر الرسالة. 
وحين يتحدّث النص عن العلاقات مع المدن يبرز الإختلاف (أشار إليه النصّ خفية حين تحدّث عن البيوت) بين القبول والرفض. وينتهي كل هذا بالإشارة إلى الدينونة. 
وفي ما يخصّ التقبّل، يستعيد النصّ بشكل معاكس التعليمات حول البيوت. ينال المرسلون الطعام ويحملون الشفاء الذي يقابل السلام. وكل هذا هو نتيجة الروح وعلامة مجيء الملكوت: "ملكوت الله اقترب منكم" (أو: من أجلكم). هناك مقابلة بين ملكوت الله هذا والحياة أو الخلاص (19: 9) اللذين يدل عليهما الشفاء من أمراض الجسد أو من أمراض المجتمع بما فيه من خلافات ونزاعات. 
ويشدّد النص: "كلوا ممّا يقدّمونه لكم". هذا يشير إلى مشكلة طعامية طرحت على الكنيسة الأولى بعد أن انتشر الإنجيل وسط الوثنيين. هل يأكل اليهودي ما يأكله غير اليهودي، هل يأكل مع اليهودي؟ أما يتنجّس؟ هذا ما تعلّمه بطرس قبل لقائه بالضابط كورنيليوس (أع 10: 9- 34). هنا نجد بذار كلام بولس: يهودي مع اليهودي، يوناني مع اليونانيين. 
هناك قبول المرسلين وهناك رفض المرسلين، وهذا ما تحقّقنا منه في حياة يسوع (4: 29- 31) وفي حياة الرسل أنفسهم كما يروي ذلك أعمال الرسل. 
ونلاحظ هنا أيضاً تبادلاً: يُرفض الرسل ويُرفض تعليمهم، فيخرجون ويرافق "خروجَهم" فعلة نبوية: ينفضون الغبار العالق بأقدامهم (رج 9: 5؛ مر 6: 11؛ أع 13: 51). فإذا عدنا إلى القرائن وأخذنا بعين الإعتبار السوابق الكتابية، تشير هذه الفعلة إلى الدينونة وتدلّ على الموت (رج 3: 19) الذي تقابله حياة نتعرّف إليها في مرحلة القبول (2 كور 2: 14- 16؛ مر 16: 16). 
وهكذا تتّخذ إستعادة التعليم المتعلّق بقرب الملك، تتّخذ معنى إعلان دينونة ستوضحها آ 12 بالتذكير بعقاب سدوم، وبعبارة "في ذلك اليوم" (أي يوم الحساب). غير أنّ هذا التهديد يريد أن يدفع الناس إلى التوبة، ولهذا ترتبط هذه الآية بالجزء اللاحق. 

خامساً: نظرة إلى الدينونة ويوم الحساب (آ 12- 15) 
هناك سلسلة من التعارضات: سدوم وهذه المدينة، المدن اليهودية الخاطئة والمدن الوثنية التائبة. كل هذا يشكّل جزءاً جديداً مركّزاً على الدينونة والتوبة. وعبر هذه الأمثلة الخاصة، يشير النص إلى تعارض بين قساوة قلب الشعب اليهودي وتوبة الوثنيين (أع 28: 25- 28). وفكرة حلول شعب مكان شعب التي نقرأها في نهاية الجزء الثاني تبدأ هنا. أما آ 15 فتدخلنا في محور جديد. فالمستوى الأفقي المرتبط بالوجهة الجغرافية للرسالة عبر العالم يُمحى ويترك مكانه لمحور عمودي يقابل بين فوق (السماء) وتحت (الجحيم)، بين الإرتفاع والهبوط. وستمتدّ هذه النظرة في الجزء الثاني. 

سادساً: الخاتمة (آ 16) 
قرأنا سابقاً خاتمة مكثّفة تجمع القبول والرفض والمرسل والمرسلين وموضوع الرسالة، ثم تعود الى الينبوع الأول للرسالة: "الذي أرسلني" أي "ربّ الحصاد". انها تعبر عن الطبيعة العميقة للرسالة والمخرجين اللذين يبرزان أمام المرسل: إيمان أو عدم إيمان، مشاركة في ينبوع الحياة أم إنغلاق على هذا الينبوع.

2- الجزء الثاني: العودة (آ 17- 20)
يختلف بناء الجزء الثاني عن بناء الجزء الأول فيبدو بشكل استنتاج. فبعد العمل تأتي "الراحة". إن هذه الفظة البيبلية لا تظهر هنا كما في مر 6: 31، ولكن الواقع هو هنا: منذ الآن قُهر العدو بصورة نهائية. وها نحن نحدّد موقعنا هنا في السعادة اللاحقة، في ما وراء الدينونة واستباقاً لها. فرغم ظواهر الخبر وعلى مستوى المدلولات العميقة، ينقلنا النصّ إلى ما وراء التاريخ. لهذا يستعمل الأسلوب الرمزي. 
يتميّز هذا الجزء بمناخ من الإرتياح يرافقه تسلسل النداءات الى الفرح والسعادة، مقابل ما حدّثنا الجزء الأولى عن "ويلات" (الويل لك يا كورزين). 

أولاً: عودة المرسلين و"كلمتهم" (آ 17) 
وعاد السبعون فرحين فتسجّلت عودتهم في المستوى الأفقي بعد آ 15- 16: في الواقع، ان هذه المقدّمة الاخبارية لا تنفصل عن الكلمة التي وجّهها المرسلون إلى يسوع الذي يسمونه "الرب" فيدلون على قدرته. ويشير تقريرهم إلى أمر لم يذكره الجزء الأول، فيبدو كزيادة غير منتظرة تثير الدهشة لدى المرسلين: "حتى الشياطين". 
يذكر سفر الأعمال مثل هذه التقارير حين عودة بولس من رسالته (أع 14: 27: "جمعا الكنيسة وأخبرا بكل ما عمل الله على أيديهما"). هذا يعكس ولا شك عادة جرت عليها الجماعات الأولى، حيث كانت ليتورجية الكلمة لا تنفصل عن الحياة وتتضمّن شهادات حياة (أع 25: 3- 4، 12). من جهة ثانية نجد هنا تحقيقاً لقول أشعيا (55: 11): لا ترجع كلمة الله دون أن تنجح في مهمّتها. وسيقدّم لوقا في سفر الأعمال الرسالة على أنها نموّ الكلمة (أع 6: 17؛ 12: 24؛ رج 2 تس 3: 1). أما كلام المرسلين فيقدّم تراتبية بين ثلاث فئات من الكائنات: الشياطين الخاضعة للرسل (نحن)، باسم يسوع الرب (بفضل قدرته).

ثانياً: كلمة يسوع (آ 18- 20) 
ويجعلنا جواب يسوع على المستوى الجلياني فيوسّع تقرير الرسل الذي توقّف عند وقائع غريبة ولكن جانبية، وقائع لا غد لها مؤكّداً. امّا يسوع فيؤسّس ارتياحاً ثابتاً في ثلاثة تأكيدات. *الأول: تأكيد على سقوط الشيطان، أي نهاية ملكه (آ 18). إن لفظة "رأيت" تربطنا بلغة الرؤيا. وموضوع سقوط الكواكب وكأنها آلهة (رج أش 14: 12- 15) يحيلنا إلى ما نقرأ في يو 12: 31- 32 (أنا متى ارتفعت) وإلى رؤ 12: 7- 12 (الحرب بين ميخائيل واثنين). فالحركة العمودية التي اعلنتها آ 15 ظهرت من جديد لتدلّ على فصل نهائي بين المرسلين وقوى الشرّ: لقد أزيل المعارض أو المعاند. 
إن صورة "البرق" تدلّ على فجاءة الحدث. وإن فجاءة نهاية ملكوت الشيطان تقابل فجاءة مجيء الملكوت. كلاهما يأتيان فجأة، على مثال الروح الذي يهبّ فتسمع صوته ولا تعرف من أين يجيء ولا إلى أين يذهب (يو 3: 8). 
* الثاني: تأكيد على انتقال السلطة من يسوع إلى مرسليه (آ 19). استعاد النصّ بشكل آخر تقرير الرسل ففتحه على المستقبل وأعطاه بعداً دائماً. والصور المأخوذة من عدّة نصوص كتابية (مز 91: 3؛ تك 3: 15) تتعلّق بالعدو الذي أعلن يسوع سقوطه الآن، وتوافق ما قيل عن "الخراف" و"الذئاب" في آ 3. فعلى التلاميذ أن لا يخافوا من شيء: إنهم يملكون سلطة أقوى من سلطة الشيطان. لقد قهروا قوى الموت.
* الثالث: تأكيد يتألف من شقّين متعارضين. يعبر عنه النصّ بشكل تطويبة تكمّل التطويبات السابقة (آ 20). موضوعها: ارتفاع الرسل. وهي تقابل سقوط الشيطان. وهي تؤسّس بصورة متينة ونهائية سعادة المرسلين فتعود بهم من نتيجة عرضية الى سبب عميق: أسماؤكم كُتبت في السماء. 
مضمون هذه الآية يوازي مضمون 12: 32: "لا تخف أيها القطيع الصغير فقد سرّ أبوكم أن يعطيكم الملكوت". نحن أمام الإنتماء إلى الملكوت عبر الإنتصار على العدو. ولكن الآيتين تلفتان انتباهنا إلى عطية تربط المرسلين بالذي يرسلهم. إنهم ينعمون بهذه العطية وكأنهم وسطاؤها وعلامتها خلال رسالتهم. 
ما هي هذه العطية التي لا يحدّدها النص؟ نستنتجها من القرينة: يحتل المرسلون "المكان" الذي صار فارغاً بعد أن سقط الشيطان ("سيّد العالم"). إنهم يملكون على العالم الجديد (22: 29- 30). نالوا الملك الذي هيّىء للإنسان منذ البدء. 
"مكتوبة في السماء" نجد هنا تلميحاً إلى كتاب الحياة كما في رؤ 3- 5. رج خر 32: 32. وقد تعني السماء الله فنقول: كتبت لدى الله. إن النصّ الأساسي (خر 32: 32) يتضمّن صورة موسى (انتصر على فرعون فمجّده الله) مع 70 شيخاً. يشهد هذا القول على إظهار السلطات العجائبية في زمن الرسول وكأنها سلطات نسبيّة لا مطلقة (رج مت 7: 22؛ 1 كور 13). ويحذر من الأنبياء الكذبة والسحرة الذين تتحدّث عنهم التوراة. 
وهذا المصير (الملك) لا يُحفظ للرسل وحدهم، بل يُعطى أيضاً للسبعين الذي يحلّون محلّ الملائكة (70: 72) الذين يحفظون الأمم. بل يُعطى أيضاً لكل مسيحي يعمل من أجل الملكوت ويتمّ عمل الحاصد (مت 19: 28؛ 1 كور 6: 2). 
وبمختصر الكلام، نقتني الملك الحقيقي بالتعب اليومي (وبصورة ضمنية: بالصليب. رج 22: 9) الذي يثمر انتصاراً على قوى الشرّ. لأنه يتمّ بفضل قرار الآب الذي أظهره يسوع ودشّنه. ساعة تتحطّم البنى الكنسيّة التي تعبنا في تركيبها على مرّ العصور، ساعة تسيطر تجربة التشاؤم، تبدو هذه الصفحة الإنجيلية وكأنّها تتوجّه إلينا الآن. فتذكرنا أننا نعيش منذ العنصرة ساعة الحصاد: كل يوم تنضج ثمرة في مكان ما من العالم، والمعلّم يدعو فرقاً جديدة من الحصادين ليحلّوا محلّ الذين تعبوا. هذه الصفحة تجنّد الذين يريدون أن يسمعوا البشارة ويقاسموا الجميع ظروف حياتهم في موقف منفتح وبسيط عاملين بلا كلل ليملك السلام والاخوة، ليصبح العالم مسكن الله وأورشليم السماوية التي تصل إليها مواهب الأرض يحملها البشر الذين نالوا الخلاص.

 

 

الفصل الثامن 

وتهلّل يسوع
10: 21- 24 

إعتاد الشرّاح أن يسمّوا "قولاً يوحنّاوياً" مقطعاً إنجيلياً مشتركاً بين متّى ولوقا، تذكرنا فيه اللغة والتعليم بما نقرأ في إنجيل يوحنا. ونحن سنحاول في دراستنا أن نتقرّب من سرّ شخص يسوع الذي نستشفّه في أعمق رنّة كلماته. غير أن هذه الكلمات وصلت إلينا عبر كتابات تفسّر ما قاله يسوع وتجعل أقواله في أطر تاريخية متنوّعة. سنحاول أن نكتشف الظروف التي دفعت الرب إلى هذه الصلاة السامية. فلا نكتفي بأن نفهمها فهماً أفضل، بل نسعى إلى اكتشاف العلاقات العميقة التي تربط هذا التعليم بالعهد القديم. 

أ- السياق التاريخي والأدبي 
1- السياق التاريخي 
إن نظرة سريعة إلى إزائية (نصوص إنجيلية وضع الواحد بإزاء الآخر) تكشف توافقاً نصوصياً وثيقاً بين متّى ولوقا بالنسبة إلى الآيات المركزية (10: 21- 22: مت 11: 25- 27). واختلافات ملحوظة في المقدمة والخاتمة. 
فمتّى ولوقا لا يجعلان الحدث في الوقت عينه من حياة يسوع. دلَّ متّى على الوضع التاريخي بعبارة غامضة: "في ذلك الوقت". والقول عنده هو جزء من مجموعة تعطي صورة عن القوى المعادية التي تواجه إعلان ملكوت الله: هذا هو موضوع "الكتيّب الثالث" في إنجيل متّى. ونستطيع أن نفترض أن هذا الكتيّب يعكس وضعاً عاشه يسوع في منتصف حياته العلنية، وساعة دفعت معارضة الفريسيين المعلنة، يسوع إلى التشديد على الظروف الداخلية لتقبّل الملكوت. 
أما عند لوقا، فالقطعة تدخل في مجموعة تاريخية محدّدة وخاصة بالإنجيل الثالث. هذه المجموعة هي سَفر يسوع من الجليل إلى أورشليم قبل الآلام. هي "صعود يسوع إلى أورشليم". 
وهذا الإختلاف بالنظرة حوّل طريقة كل إنجيلى في فهم قول يسوع. بيّن متّى هنا كما في أماكن أخرى اهتمامه الأول بان يعطي نظرة متماسكة إلى تعليم يسوع. لم يحتفظ من حياته إلا بالعناصر البارزة، فرتّبها في إطار يحمل تعليماً. والقول الذي ندرس قد جعله متّى حالاً بعد تويّل (قال: الويل) تلفّظ به يسوع على مدينتَي كورزين وبيت صيدا اللتين تفوّقتا برداءتهما على مدينتين وثنيّتين هما صور وصيدا. لا شيء يتيح لنا على مستوى الأحداث أن نقيم علاقة (بين علّة ونتيجة) بين عدم إيمان هاتين المدينتين الجليليتين وشكر يسوع الإحتفالي. فلا نقاط مشتركة بين الواقعين، إلاّ بالتشديد على وضع فيه يتعارض هؤلاء الذين يرفضون الملكوت وهؤلاء الذين يقبلونه. هذا التعارض هو موضوع الكتيّب الثالث في إنجيل متى: أقوال حول يوحنا المعمدان (11: 2- 5)، حول جيل يسوع الذي لا يعرف الحكمة (11: 16- 19). وأقوال أخرى تتحدّث بوضوح عن الفريسيين (12: 1- 50). 
بدت نظرة لوقا بسيطة وطبيعية. فساعة أراد يسوع أن يقوم بمجهود أخير يوصله إلى أورشليم، نظّم حملة كرازة في محطّات تتوزعّ طريقه إلى أورشليم. واختار مع الإثني عشر سبعين آخرين أرسلهم إثنين إثنين ليهيّئوا مجيئه في كل مدينة وقرية عزم على العبور فيها. أمّا نتائج هذه الكرازة فكانت متنوّعة. والتويّلات على كورزين وبيت صيدا تقع في امتداد طبيعي لخطبة الإرسال التي تعطي المرسلين تعليمات يمارسونها إذا لم يُقبلوا في مكان من الأمكنة. إذن، نستطيع أن نفترض أن المدينتين رفضتا هؤلاء المرسلين. ولكن الإستقبال كان حاراً في أمكنة أخرى. في هذا المنظار جعل لوقا قول يسوع: "أشكرك، يا أبت، رب السماء والأرض". إذن، يجعل لوقا هذا القول يرد بعد التويّل على كورزين وبيت صيدا. 
وضع متّى الحدثين الواحد قرب الآخر. أما لوقا فجمعهما برباط طبيعي. ضمّ التويّلات ضدّ المدينتين إلى بداية رسالة السبعين. ثم جعل قول الشكر والمباركة بعد عودتهم. رجع التلاميذ وهم فرحون بنجاحهم. شاركهم يسوع في حماسهم واندفاعهم، ولكنّه خفّف الوجهة البشرية ليرفع قلوبهم إلى العلاء: "بل افرحوا بأن أسماءكم مكتوبة في السماوات" (10: 20). غير إن هذا الكلام حول مخطّطات الآب غير المحدودة، حرّكت لدى يسوع أيضاً شعوراً قوياً: جوهر رسالته هو أن يكشف هذه المخطّطات. وهكذا نكون حالاً في مقدّمة القول الإلهي: "في تلك الساعة تهلّل يسوع في الروح القدس". 
إن الفن الذي به يؤلّف لوقا خبراً بسيطاً ليس غريباَّ عن معقولية الحالات التي يقدّمها هنا. ولكن بما أننا نجد عند متّى آثاراً من هذا الترتيب، فهذا ما يكفي لكي يجعلها معقولة. وهذا ما يدلّ أيضاً على أن متّى ولوقا يتبعان المرجع عينه الذي سبق له وضمّ حدث كورزين إلى نصّ المجدلة. إنجذب متّى بمتطلّبات تصميم منهجي، فأسقط ملاحظات تاريخية قدّمها إليه مرجعه. أما لوقا فاكتفى بترتيبها بطريقة معقولة جعلتنا نرى عنده الظروف "التاريخية" التي فيها تلفّظ يسوع بقوله هذا. 

2- السياق الأدبي 
إختلفت نسخة متّى عن نسخة لوقا على مستوى التقديم. واختلفتا أيضاً على مستوى الخاتمة. إن خاتمة لوقا التي نسمّيها "مباركة العينين"، فقد عرفها متى ولكن في إطار آخر: "طوبى لعيونكم لأنها تبصر... إن كثيرين من الأنبياء والصديقين اشتهوا أن يروا ما أنتم راؤون ولم يروا" (مت 13: 16- 17). أما خاتمة القول في إنجيل متّى فهي نصّ مشهور (تعالوا إليّ، أيّها المتعبون) غاب كلّياً عن إنجيل لوقا. 
ونبدأ فنتفحّص حالة "مباركة العينين". 
يبدو سياق متّى للوهلة الأولى صالحاً. فهذا التصريح عن سعادة الذين يبصرون بعيونهم ويسمعون بآذانهم حدث البشارة، يأتي كخاتمة المقطع وهو مشترك بين الأناجيل الإزائية الثلاثة حيث يعطي يسوع السبب الذي لأجله يعلّم في الأمثال. إتفق لوقا ومرقس هنا على اتّباع نصّ قصير جداً. أما متّى فتوسّع في النصّ وأورد كل نصّ اشعيا (6: 8- 10) الذي لمّح إليه يسوع: "تسمعون ولا تفهمون، تنظرون ولا تبصرون" (مت 13: 14). 
نستشفّ نيّة متّى حين يقرّب "مباركة العينين" من هذا النصّ: حين لا تفهم الجموع ما ترى، أعطي للتلاميذ أن يعرفوا أسرار ملكوت السماوات (مت 13: 11). ولكن حين نتأمّل في النصّ نرى أن التقارب هو لفظي أكثر منه واقعي. فإذا أخذنا هذه المباركة في حدّ ذاتها وبمعزل عن السياق الذي وردت فيه عند متّى وعند لوقا، نرى أنها لا تعارض رؤية على مستوى اللحم والدم وفهم روحي. بل هي تعظّم فرح الرؤية المباشرة التي منحت للتلاميذ، تجاه أمل خاب لدى أنبياء ماتوا قبل مجيء المسيح. 
إذن، تعارض مباركة العينين نمطين من المؤمنين ينتمون إلى جيلين مختلفين ومتقاسمين. أما نصّ أشعيا والخطبة التي تتضمّنه بمناسبة إيراد الأمثال، فهي تعارض المؤمنين واللامؤمنين في جيل واحد. وهكذا يستضيء كل شيء في منظار لوقا: فـ "مباركة العينين" لم تعد فقط استعادة موسّعة (تعود في النهاية بحسب مبدأ التضمين) لوضع صوّرته مقدّمة القول الإلهي، فهذه المقدّمة دعت التلاميذ إلى الإبتهاج خصوصاً لأن أسماءهم دوّنت في السماوات. أما المباركة فأعلنتهم سعداء (طوّبتهم) لأنهم يبصرون تحقيق النبوءات (حين يرون يسوع). 
شدّد لوقا مرّة أخرى على التوافق التام بين المقدّمة والخاتمة حيث لاحظ تحرّك يسوع الذي التفت إلى تلاميذه قبل أن يقول "مباركة العينين". فكان الوضع المصوَّر هنا كثر دقّة من وضع متّى الذي أُجبر بسبب سياق النصّ أن يعطي لقول "مباركة العينين" بعداً عاماً أقلّه في الشقّ الأول (مت 13: 16)، ليجعله موافقاً لإيراد أشعيا الذي سبقه. في لوقا، يتوجّه يسوع أولاً إلى تلاميذه العائدين من الرسالة. غير أن الكلمات التي يوجّهها تدلّ في طبيعتها على توسّع في فكرته وعلى "رفع صوت" يودّ أن يصل إلى كل السامعين المقبلين لتعليمه. لهذا كان من الطبيعي أن يعود المعلّم بعد هذا الكلام الحماسي الى الذين كانوا مميّزين فرأوا بعيونهم ما اكتفى الآخرون بأن يؤمنوا به ويترجّوه. 
وهكذا يتميّز نصّ لوقا بسياقه، كما يتميّز بالموقع الذي يفرده لقول مباركة العينين حين يجعله خاتمة شكر تلفّظ به يسوع بعد عودة السبعين. مقابل هذا، يجعل متّى في نهاية فعل الشكر نداء مؤثراً يطلقه يسوع إلى كل المتضايقين الذين خيبت امالهم هذه الأرض. هذه الدعوة الختامية توافق بنية أفعال الشكر كما نجدها في العهد القديم ولا سيّما في المزامير (مبارك أنت يا الله). ففعل الشكر هذا يتوسّع (في المزامير، نشيد المباركة، نشيد التعظيم) حسب رسمة تتضمّن أربع مراحل: عبارة مباركة، سبب المباركة وربّما تصوير الإحسان الذي حصلنا عليه، أصل الإحسان (مخطّط الله الأزلي، أمانته لوعده)، النتائج المقبلة وهدف الإحسان الأخير. 
إذا عدنا إلى هذا القول الإلهي، نكتشف العناصر الثلاثة الأولى عند متّى ولوقا: تتوجّه عبارة المباركة مباشرة إلى الله. وهذا هو وضع يسوع الذي يشدّد بهذه الطريقة على الطابع الخاص لعلاقاته مع أبيه. هذا من جهة. ومن جهة ثانية، يُعطى موضوع فعل الشكر بوضوح: وحي مخطّط الله للصغار (لصغار القوم). أخيراً يرتبط أصل الإحسان (حسب فكرة معروفة في العهد القديم: برضى (بحنان) الله الأزلي، بمقاصده الخفية، بمسرّته (اودوكيا) التي أعلنها الملائكة ساعة ميلاد يسوع. والتلميح إلى "وجه" الله يبرز هذه الإشارة إلى "المجلس الإلهي" في أسبقية مطلقة. إن المجدلة القديمة تتقتل هنا طوعاً توسّعها المسيحي. فهذا الوحي يتمّ بعد الآن بوساطة الإبن. وهذا القصد الإلهي يدخل في الزمن بواسطة تجلّي يسوع. 
في هذه الظروف نفهم (عند لوقا) غياب العنصر الأخير الذي يصوّر نتائج هذا الوحي حتى كماله. فهذا هو المدلول العام لنداء يسوع الذي ينهي القول عند متّى: إن الوحي الذي حمله يسوع إلى الصغار، يتوخّى أن يمنحهم الهدوء والسلام. وهذا يظهر أيضاً بشكل أوضح إذا لاحظنا الرباطات الوثيقة بين هذا القول وتعابير فعل الشكر المستعملة في العهد القديم، بين هذا القول ومقاطع تميّز الأدب الحكمي والنبوي. ففي إعلان أسباب المديح تبدو النبرة الحكمية بارزة جداً. إنه لموضوع عزيز على الأنبياء وأصحاب كتب الحكمة (سي، حك)، وهو يقوم بالتشديد على الطابع الأخلاقي (ما يلزمنا) لمعرفة الله. فـ "الصغار" الذين يتكلّم عنهم يسوع هم مساكين المزامير وارميا واشعيا الثاني. كما أن "الوداعة" و"التواضع" اللذين يطالب بهما يسوع لنفسه هما صفات أساسية في حياة "الحكيم" و"البار" (أو: الصدّيق). ولقد اعتاد هذا الأدب الحكمي أن ينهي صوره المتعارضة عن سعادة الحكيم وشقاء الجاهل بدعوة ملحّة لسماع كلام الحكمة. هنا نستطيع أن نقرأ المجدلة الطويلة التي تنهي ابن سيراخ (51: 1- 30). فبعد مديح الله وتعداد خيرات حصلنا عليها، يأتي التحريض الأخير في آ 23: "تعالوا إليّ أيها الجهّال ولازموا مدرستي. لماذا تعتبرون نفوسكم بلا حكمة حين تكون نفوسكم بهذا العطش" (رج أم 8: 32- 33)؟. 
نلاحظ أن الدعوة الأخيرة إلى الحكمة تنتهي هنا بالمباركة (أم 8: 34: هنيئاً لمن يستمع إليّ) تتوجّه إلى الذي يسمع. وفي سي 24: 19- 22، تنتهي هذه الدعوة إلى الحكمة بصورة السعادة التي تنتظر المؤمنين. "تعالوا إليّ أيها المشتاقون واشبعوا من ثماري. من يذكرني يذكر ما هو أحلى من العسل، ومن يرثني يرث ما هو أحلى من الشهد. من أكلني ازداد جوعاً، ومن شربني ازداد عطشاً. من سمع لي فلا يخيب، ومن عمل بما أقول لا يخطأ". 
إن هذه النصوص تكفي لكي تبيّن أن المجدلة الحكمية تشكّل عنصراً رابعاً معروفاً في المجدلة البيبلية في زمنين: نداء لسماع الحكمة، وعد بالسعادة للذين يتبعونها. ونظنّ أن هذا هو وضع الخاتمة التي تفوّه بها يسوع في فعل شكره. لم يحتفظ متّى إلاّ بالشقّ الاول تاركاً الشقّ الثاني إلى سياق آخر يستجلبه توارد الفردات. أما لوقا فترك الشقّ الأول اختصاراً بسبب وفرة التوسّعات المماثلة التي نجدها في كل إنجيله. 

3- نصّ المجدلة وتصميمها 
ونستطيع الآن أن نقدّم الشكل الأول لمجدلة يسوع كما ناقلها إلينا المرجع العام من خلال مت ولو. إذا كان سياق لوقا هو الأقدم، هذا يعني أننا ننطلق من 10: 17- 24 ونعتبرها وحدة أدبية كاملة. غير أنه لا غنى من العودة إلى متّى، ليس فقط من أجل اكتشاف تفاصيل النصّ (يبدو أن متّى هو أكثر أمانة) (فلوقا قد زاد ذكر الروح القدس في آ 21، وخفّف من حدّة اللهجة السامية في آ 22)، بل لأنه احتفظ وحده بالخاتمة الطبيعية للقول، أو بالأحرى بالشقّ الأول لهذه الخاتمة. والتوازيات الحكمية تؤكّد لنا أين يجب أن نضع "تعالوا إليّ". ففي خاتمة أفعاله الشكر الحكميّة، كان هذا النداء يسبق "مباركة" الذين نعموا بالحكمة. وهكذا يكون لنا الترتيب التالي: لو 10: 17- 21+ مت 11: 28- 30+ لو 10: 23- 24. وهكذا يبدو تصميم المجدلة كما يلي:
1- مقدّمة تاريخية: عودة السبعين وتحريض يسوع حول الفرح الحقيقي (لو: 10: 17- 20).
2- المجدلة.
أ- إبتهاج المسيح ومديح إلى الآب (لو 10: 21 أ+ مت 11: 25 أ).
ب- أسباب المديح (سلبيّة وإيجابية): عمى الفهمين ووحي للصغار (لو 10: 21 ب+ مت 11: 25 ب).
ج- توافق الخبر مع مخطط الله الأزلي.
+ تذكير عام بهذا المخطّط (لو 10: 21 ج+ مت 11: 26).
+ تحقيق هذا المخطّط بواسطة الإبن (لو 10: 22+ مت 11: 27).
د- أهداف ونتائج هذا الخبر: نداء إلى المسحوقين وتخفيف الأثقال عنهم (مت 11: 28- 30).
3- خاتمة: كلام إل التلاميذ (لو 10: 23 أ) و"مباركة العينين" (لو 10: 23 ب- 24؛ مت 13: 16- 17).

ب- الإطار التعليمي
نكتشف هنا اتصالاً عميقاً بين هذا القول وأغنى التيارات الفكرية في التوراة كلها.

1- القطيع الصغير الذي يخصّ عبد الله 
يجب أن نعود إلى الإلهام النبوي والحكمي في هذا المقطع لنبيّن كيف انتقل إلينا في جوّ مسيحي. هناك أولاً عودة إلى موضوع "الفقراء" العزيز على قلب إرميا، والتلميحات إلى "عبد يهوه" في أشعيا الثاني. فهؤلاء الفقراء (أو: المساكين) هم "الصغار" الذين تدلّ عليهم المجدلة على أنهم نعموا بوحي يسوع. فالكلمة اليونانية المستعملة هنا هي "نابيولس": من لا يستطيع أن يتكلّم (الطفل). إن هؤلاء "الصغار" يقابلون "الحكماء" و"الفهماء": إنهم لا يستطيعون أن يدافعوا عن أنفسهم بأنفسهم. لهذا نقرّبهم من الذين تسمّيهم الدعوة الختامية "المعذّبين" و"المثقلين". اللفظة الأولى تعني في الأصل: ذاك الذي ضرب. ثم: صاحب التعب والمشقّة. واللفظة الثانية تعود إلى جذر نجده أيضاً في نهاية مت 11: 30 فيدلّ على ثقل وحمل. تلك هي صور معروفة استعملها الأنبياء ليدلّوا على مصير المؤمنين الحقيقيين بالرب. هؤلاء نجدهم قبل كل شيء وسط بؤساء الأرض، وسط المعذّبين: هذا لا يعني أن الفقر في حدّ ذاته والألم يعطيان الحق بالملكوت. بل يساعدان القلوب الجاهزة على انفتاح متواضع وواثق، على هذه الوداعة، على جهوزية تامة تقدّمهم إلى يد الحب الذي لا يرى. 
ويسوع قد قدّم نفسه كمثال ونموذج لهؤلاء "الفقراء" حين سمّى نفسه "الوديع والمتواضع". الكلمة اليونانية المستعملة هنا تقابل في السبعينية "عناو" العبرية (رج العناء في العربية). ولفظة "عناو" تميّز أيضاً وضع عبد الله المتألّم في أش 53: 7. إذن التلميح واضح إلى قصيدة اشعيا المعروفة التي نجد فيها ينبوع التفسير المسيحاني لهذا القول في العهد الجديد. 

2- أولاد الحكمة 
أما التيّار الحكمي فهو حاضر في وضع يسوع تجاه تلاميذه: فكل سياق القول هو سياق تعليم إلهي، سياق وحي يتطلّب خضوعاً تاماً، سياق حكمة جديدة بشكل جذري (رج لو 7: 35). ليس الصغار فقط هم الضعفاء: فالموازاة التعارضية التي تجعلهم تجاه "الحكماء" و"الفهماء" تدلّ على أننا أمام موقف خضوع تجاه تعليم حي. هؤلاء "الأطفال" لا يستطيعون أن يتكلموا ولكنهم يستطيعون أن يسمعوا. ونقول الشيء عينه عن يسوع "المتواضع". الفكرة الأولى: ما ليس بمرتفع ومترفّع، ما هو على مستوى الجميع، ما هو منفتح وبمتناول الجميع. 
حين نعود إلى أشعيا نرى أن ذكر تواضع عبد الله تتبعه حالاً صورة الحمل الذاهب إلى الذبح دون أن يفتح فاه. ثم إن يسوع هو متواضع القلب. والقلب في الكتاب المقدّس ليس مركز الشعور والإحساس (الكلى هي مركز الشعور)، بل ينبوع المعرفة والفهم. وهكذا نكون هنا أيضاً في سياق حكمي. أخيراً، لا يسمّي يسوع نفسه فقط "المتواضع" بل "الوديع". ليست الوداعة صفة الإنسان الذي لا يتحرّك لأنه ضعيف. الوداعة هي موقف تقبّل للآخر، حنان ورحمة، رغبة في الخير بسيطة ومتساهلة. وهكذا نبقى في إطار العلاقات التي تربط المعلّم بتلاميذه. يقف يسوع على نقيض الفريسيين "العلماء" الذي يحتقرون الشعب البسيط و"الجاهل": نستطيع أن نقترب منه بسهولة، لا اعتداد عنده. والوضعاء يرتاحون في التعامل معه. ولهذا يجدون في تعليمه ما يخفّف عن ضيقهم وحملهم الثقيل. 

3- معلّم خطبة الجبل 
دلّ هذا التحليل للمعطيات النبوية والحكمية، على ارتباط حكيم بين الفكر وتعليم يسوع كما نجده في الأناجيل الإزائية. 
قال بعض الشرّاح إن نداء يسوع (إلى المتعبين) الذي يختتم القول، يفترض عند يسوع تصرّفاً سيكولوجياً مختلفاً عن ذاك الذي يعكسه إنجيل مرقس. ففي الإنجيل الثاني يبدو يسوع سريع الغضب، متطلباً جداً، لا يأخذ بعين الإعتبار سامعيه: كم نحن بعيدون عن يسوع "الوديع والمتواضع القلب"؟ ولكن يسوع (كما اكتشفناه في هذا التأويل) يبقى المعلّم المتطلّب كما يصوّره مرقس. والتواضع والوداعة اللذان تكلّمنا عنهما هما، صفتا التلميذ الذي ينفتح، والمعلّم الذي يعطي ذاته فيصل به هذا العطاء إلى الصليب. 
إن هذا القول هو مع التطويبات شرعة التعليم المسيحي كما نكتشفه في الإزائيين، ولا سيّما في الخطب الكبرى التي نقرأها في متّى ولوقا. إذا اعتبرنا ان هذا المقطع (الذي غاب عن مرقس) انتمى إلى مرجع أولاني، فهذا يعني أن هذا المرجع دلّ (قبل القديس بولس) على فكر يسوع حول معنى رسالته، حول مدلول حياته في تاريخ قصد الله منذ العهد القديم. وكما يستعيد نشيد التعظيم (لو 1: 46- 56) نشيد حنة، أم صموئيل (1 صم 2: 1 ي)، كذلك تستعيد مجدلة يسوع نشيد الفقراء وصلاة عبد يهوه (الرب). وهكذا ينكشف المعنى الخفي للألم وسبب المفارقة المسيحية التي تكتشف الحياة في الموت. بما أن كلمة الله هي وحي الله بالذات ومعرفة ذاك الذي لا يُعرف، فلا نستطيع أن نقبلها إلا حين يموت فينا البشريّ موتاً تاماً. هذا يفترض انقلاباً في وجهات الحكمة الأرضية وتخلياً عن نظرة محض بشرية إلى السعادة.

4- الكلمة يكشف الآب 
هذه الطريقة في عرض التعليم المسيحي على أنه الجواب الوحيد لسرّ الإنسان في قلبه وحياته، هي عميقة في إنسانيّتها. ولكن "تعرية" القلوب هذه لا تتوخّى إلاّ أن تفتحها على كلمة الله. وانفتاح الإنسان هذا على انتظاراته العميقة، يقدّمها للعطاء الأسمى، لوحي حياة الله نفسه. فسرّ الهوّة التي يحفرها الألم في الإنسان هي الجهة المقابلة لسرّ آخر، هي نداء إلى غمر آخر مليء بملء الله. إنّ هذا القول يعلن الآب في الإبن بألفاظ تذكّرنا بما في الإنجيل الرابع. 
فالموازاة الوثيقة بين الآب والإبن من جهة، وبين الإبن وأخصائه من جهة أخرى، وموضوع وحي الآب بواسطة الإبن وحده، كل هذا يجعلنا في إطار يوحنّاوي. فالمفردات نفسها هي مفردات يوحنا: عرف من هو، الآب، الإبن، أراد، أوحى. فمنذ المطلع، يرى يوحنا في يسوع كلمة الله بالذات: من استمع إلى الله تقبّل ابنه وصار ابن الله بواسطة هذا الإبن (يو 1: 12-13). الله لم يره أحد قط، إلا الإبن الوحيد. وهذا الإبن يستطيع وحده أن يخبرنا عنه (يو 1: 18). وهكذا يعطي الله كل شيء لابنه (يو 3: 35). فمن عرف الإبن عرف الآب (يو 14: 9- 10) ومعرفة الله تعني تعرّفاً إلى أبوّته في يسوع وبيسوع إلى أبوّته في الذين يؤمنون به. وتعرّفُ المؤمن إلى الآب في الإبن، يجعل ولادة الابن بالآب تصل إليه. 

ج- أضواء على سرّ يسوع
هذا الإطار اليوحنّاوي لقوله قرأناه في مت ولو، يدهشنا حين نتذكّر أن قد مرّ نصف قرن ونيّف على التدوين الأول لهذا القول. وبما أنّ هذا التدوين يعود إلى ينبوع سبق متّى ولوقا، فهذا يعني أن القول سابق حتى لإنجيل مرقس ومعاصر للرسائل البولسية. 
ثم إن هذا الأسلوب "اليوحنّاوي" لا نجده بشكل واضح إلاّ في هذا الموضع من الأناجيل الإزائية. وإن يوحنا لا يحصر الكلام عن يسوع في هذه الطريقة السرية والاحتفالية. فهو يجعلها في فهم الأشخاص الآخرين. وهذا ما يفترض أسلوباً أدبيّاً لدى يوحنا. لغة يوحنا عند الإزائيين تتحلّى بالبساطة وتبدو موافقة للواقع التاريخي. ولهذا نتساءل: أيكون يسوع ذاك النبي المندفع وصاحب الكلام القاطع الذي صوّره مرقس؟ أيكون معلّم الأخلاق كما نراه في مت و لو؟ هل هو تجلٍّ روحي ليسوع التاريخي في إطار عالم متعالٍ؟ لماذا لا يكون كل هذا معاً؟ 
والقول الذي درسناه يكفي لكي لا نجعل جداراً وحاجزاً بين إنجيل وإنجيل. إنه يجمع في خطبة واحدة بانت وحدة إلهامها، وجهتين بدتا متعارضتين في كلام يسوع. فإذا كان لوحي الآب في ابنه نكهة يوحنّاوية حقيقية، فما تبقّى من الخطبة (حيث تدخل الآية بشكل طبيعي) يدلّ على وضع إنساني خاصّ بالأناجيل الإزائية. فيسوع نفسه المليء بالحنان البشري والمطبوع بطابع العظمة، هو ذاك الذي أشفق. على سامعيه وأطعمهم كما قال مرقس، والذي بكى على أورشليم كما قال لوقا. 
والتصريح الإحتفالي حول وحي الآب لا يبدو متنافراً في هذا الإطار الإزائي، بل يدلّ على تفتحه الرفيع. وهكذا نفهم أن يكون يسوع تكلّم بعض المرّات بشكل احتفالي كما في إنجيل يوحنا. ولكنه ظلّ في الوقت عينه يسوع كما حدّثنا عنه مرقس وكما نكتشفه في خطبة الجبل. 
أجل، إن هذا القول كشف على المستوى السيكولوجي الوحدة السرّية في شخص المسيح. وتعليمه يعتبر ملخصاً يأخذ بمجامع القلب لتعليم يسوع، سواء في الأناجيل الإزائية أم في الإنجيل الرابع. 
فهناك علاقة داخلية عميقة بين ما نستطيع أن نسمّيه التعليم النبوي والحكمي، والوحي الخفي لحياة الله الذي يرافق هذا التعليم. في الحقيقة نحن أمام وصلة بين وجهتين أساسيّتين للتعليم المسيحي. وهناك علاقة جوهرية بين موقف التواضع الذي يميّز تلميذ يسوع ووحي الآب بالإبن. وإذ أبرزت الأناجيل الإزائية موقف التواضع، أعلن يوحنا وحي الآب. وجاء هذا القول يجمع وجهتين متكاملتين لسرّ واحد. وهكذا تتخذ أقوال "أخلاقية" لدى الإزائيين طابعاً جديداً يجعلها تدخل في روحانية المسيح الذي مات وقام (كما عند القديس بولس). 
فبين انتظار قلب متواضع ينفتح (ويخضع) على كلمة الله وتجلّي هذه الكلمة في يسوع الذي يكشف الآب، يأتي هذا القول الإلهي فيربط بينهما. إنّ مواقف المسيحي، وحياته الأخلاقية والنسكيّة، وحرارة صلاته، وتعمّقه في معرفة مقاصد الله، كل هذا يقوم في استعداد داخلي واحد تسمّيه التطويبات "الفقر بالروح". ولقد جعل هذا القول من الفقر وضع انتظار في الإنسان لعطيّة الله، وتقديمه لغنى الاب اللامحدود الذي يجري من قلب الإبن كشراب حياة من أجل كل مؤمن. وهذا الشراب هو الروح القدس. 

خاتمة 
مع ذكر السبعين تلميذاً يبدأ توسّع جديد حيث الصلاة تصبح وحياً. والإنتصار لا يتأخر إلى مستقبل لا نـعرف متى يبدأ: فالنصر قد بدأ الآن. والمرسلون اختبروا "اليوم" قوة اسم يسوع على قوى الشرّ. وحماسهم قريب من حماس المرسلين الأولين: فيلبس في السامرة، بطرس بعد عودته من عند كورنيليولس، بولس بعد رسالته عند الوثنيين. 
إنّ آ 17- 22 تتضمّن في الواقع وحيين مميّزين: النصر الحاضر (آ 17- 20) وكشف عن حنان الآب ورضاه (آ 21- 22). جمعهما لوقا فشدّد على أنّ الرسالة وعمل النعمة في الروح القدس يشكّلان حدثاً واحداً: هو انتصار كلمة النعمة في قدرة الروح القدس. ونعيش هذا الإنتصار على أنّه قصد الآب ورضاه ومشاركة في قيامة المسيح. كل هذا يبدو منذ الآن وحي لمسرّة الآب ومشاركة في فرح الإبن. 
إن صلاة يسوع تضمّ لا السبعين فقط، بل كل الذين يقبلون أن يغمرهم حنان الآب. كل تلميذ يستطيع أن يشعر بسعادة ذاك الذي رأى الملكوت آتياً بقوّة. وهو يستطيع أن يختبر تحقيق الوعد الذي أعلنه الآباء والملوك وانتظروا تحقيقه.

 

 

الفصل التاسع 

من هو قريبي؟ السامري
10: 25- 37

أ- مقدّمة: عناصر النقد الأدبي 
إنّ خبر "السامري الصالح" خاص بإنجيل لوقا وهو يلي حواراً بين يسوع وكاتب (أو عالم بالشريعة) حول أعظم الوصايا. لقد أورد متّى (22: 34- 40) ومرقس (12: 28- 34) هذا الحوار كمقدّمة للخطبة الاسكاتولوجية. أما لوقا فجعله في سياق "الصعود إلى أورشليم" (9: 51- 18: 14) وحوّل مضمونه في ما يخص السؤال الأساسي للكاتب، والجواب الذي اعطاه الكاتب، ودمْج الاستشهادين الكتابيين. تدلّ هذه الإختلافات على أنّ لوقا تبع مرجعاً مستقلاً ضمّ القطعتين الواحدة إلى الأخرى. إلاّ أن يكون قد ضمّ العنصرين وبالتالي حوّل الخوار ليتكيّف مع الخبر. 
ومن جهة ثانية نرى توافقاً بين متى ولوقا لا نجده عند مرقس وخاصة في إيراد تث 6: 5؛ لا 6: 4- 5. ثم هناك نيّة الكاتب. قال مت 22: 35 ان الكاتب نصب فخاً ليسوع. وقالت لو 10: 25 إنه أراد أن يحرجه، أن يمتحنه ويجرّبه. رأى لوقا في الكاتب شخصاً مستعداً لقبول كلمة الله وللحوار مع يسوع (آ 27، 28، 37). أما مر 12: 34 فسيذهب أبعد من لوقا، فيرى أن هذا الكاتب ليس بعيداً عن ملكوت الله. 
انتقال من نيّة "طيّبة" لدى مرقس، إلى نيّة "سيّئة" لدى متّى ولوقا. هذا الإنتقال تمّ على أثر الصراع بين الكنيسة الأولى واليهود.
كل هذا يدعونا إلى أن لا نكتفي بتقليد لوقاوي مستقلّ كل الإستقلال في 10: 25- 38، كما لا نكتفي بعمل تدويني انطلق فيه لوقا من إنجيل مرقس. ولهذا يلجأ بعض الشرّاح إلى ينبوع تبعه لوقا وحده. أمّا متّى فجمع هذا الينبوع مع نصّ مرقس. أما الاب بوامار فجعل في أساس الإزائيين الثلاثة إعلاناً أجاب فيه يسوع على طريقة رابي هلال: سأله كاتب عن أعظم الوصايا، فأجاب: أحبّ قريبك مثل نفسك.

ب- أحب فتحيا 
ومهما يكن من أمر المراجع، لا بدّ من أن نلقي ضوءاً على الوجهات التي توسّع فيها لوقا وانتهت بهذا النداء: "اعمل هذا (أي: أحب) فتحيا". 

1- ماذا أعمل (آ 25؛ رج آ 28) 
حين قدّم لوقا سؤال الكاتب بعد أن حوّله، بيّن انه لا يهتم بالجدالات النظرية بين معلّمي الشريعة حول أعظم "الوصايا". نشير إلى أن لوقا لا يستعمل هنا كلمة "وصية". ما يهمّ لوقا هو محبّة الله ومحبة القريب كشرط للخلاص. لسنا أمام ما يجب "أن نقول"، بل ما يجب "أن نعمل" (مت 23: 3؛ لو 11: 28، 46). سأل: "ماذا أفعل"؟ أجيب: "إفعل هذا فتحيا" (آ 25، 28). وسيقال له في خاتمة المثل: "إذهب أنت واعمل مثله" (آ 37). 
إن الشريعة باقية كقاعدة حياة لا كموضوع جدال ومناقشات نظرية. ويسوع "يتمّها" أي يحرّرها من شروح قتلت فيها الروح، ويعيدها إلى المحبة وهذا ما يزيد من متطلّباتها (رج مت 5: 21- 48). فعلينا أن نعيش في كل الظروف حسب هاتين المحبتين ولا نجادل ولا نلتهي في مضمون الوصايا، فنحاول بذلك أن نتهرّب من متطلّباتها (رج مت 15: 1- 9). 
قد تكون هذه العودة إلى الجوهر سابقة للوقا، ولكنها توافق نظرته كل الموافقة. فبعد حرب طويلة ضدّ دخول روح الشريعة الضيّق إلى الكنيسة، كتب القديس بولس (معلّم لوقا): الشريعة كلها تتمّ في كلمة (وصيّة) واحدة: أحبب قريبك كنفسك (غل 5: 14؛ روم 13: 8- 10). فتلميذ جملائيل القديم عرف عن طريق الخبرة، ثم استنار بتعليم يسوع المحفوظ في الكنيسة، عرف ان استعمال الرابانيين للفتاوى بطريقة قانونية ومفصَّلة (حسب الحرف) جعل الظلمة تخيّم على الحب فلم يعد في المكان الأول، وجعل الإنسان ينصّب نفسه ينبوعاً لخلاصه الخاص. 
غير أنّ بعض المعلّمين الكبار في العالم اليهودي قد واجهوا كثرة الفرائض والمحرّمات التي توسّعت فيها "نقابتهم" ورتّبتها ترتيباً دقيقاً، فأعادوا الشريعة كلها إلى محبة القريب. وعبروا عنها خاصة بشكل سلبي: "لا تفعل للغير...". 
هنا نذكر هلال (حوالي 20 ق. م.) الذي قال: "ما تكرهه (لا تحبه) لنفسك لا تصنعه لقريبك". وما تبقى شرح وتأويل. هذه هي "القاعدة الذهبية" التي نقرأها للمرة الأولى في طو 4: 15 (ما لا تحبّه لا تفعله لأحد، رج حكمة احيقار الواردة في أع 15: 20، 29 حسب بعض الشواهد) ثم في لو 6: 31 ومت 7: 21 في تعبير إيجابي. قال يسوع: "عاملوا الناس مثلما تريدون أن يعاملوكم". وحوالي سنة 135 ب. م.، قال رابي عقيبة ان وصية لا 19: 18 هي مبدأ مهمّ في الشريعة (التوراة). وفي "رسالة ارستيس" (بداية القرن الثاني ق. م.) قدّم حكيم يهودي نصيحة إلى الملك بطليموس فيلدلفوس: يعامل شعبه بالحسنى، ويتذكّر أنه هو أيضاً يرغب في السعادة ويستند إلى رحمة الله تجاه البشر جميعاُ. 
يختلف لوقا عن متّى ومرقس اللذين يجعلان الجواب في فم يسوع. أما هو فيجعل يسوع يطرح سؤالاً على سؤال الكاتب ويدفعه إلى الإجابة. هذا يدلّ على أن لوقا لا يعتبر تعليم يسوع بداية مطلقة، بل امتداداً لما في الشريعة القديمة وتكميلاً له كما سنرى خاصة في المثل. 
هناك شرّاح يظنون أنّ لوقا لا يتكلّم عن الحدث الذي يشير إليه متّى ومرقس، وأن معلّم الشريعة يكتفي بأن يردّد تعليماً سمعه من يسوع. هذا ما قاله يرامياس. ولكن كالفيلد يعتبر أن الإتصالات الأدبية عديدة بين الإزائيين الثلاثة، بحيث لا يعقل أن نكون أمام حدثين مختلفين.

2- محبتان، محبّة الله ومحبّة القريب 
لقد ضمّ الكاتب في قول واحد الله والقريب كموضوع محبّة. هذا الضمّ عرفه العالم اليهودي. هذا ما يقوله فيلون الإسكندراني و"وصيات الآباء الإثني عشر" (وصية يساكر، وصية دان). ولكن إذا عدنا إلى الوصيات، وجدنا أنّ وصيّتي المحبة، وان جُمعتا، فقد وُضعتا بين سائر الوصايا. ولهذا لم تُعتبرا كمبدأ يوحّد العمل الأخلاقي كله. ثم إن يسوع يذهب أبعد من فيلون. فهو لا يهتم بأن يرتّب الفرائض والممارسات، بل أن يكتشف إرادة الله ويتمّها. من هنا يبرز دور المحبة. 
يجعل لوقا الجواب في فم الكاتب بانتظار أن يأخذه يسوع على عاتقه كتهيئة لما سيقوله فيما بعد. ولا ننسَ ان تعليم يسوع الأخلاقي يتجذّر في التقليد اليهودي، كما يتجذّر العهد الجديد في العهد القديم. 
بالإضافة إلى ذلك، يورد لوقا تقليداً يضمّ في جملة واحدة تث 6: 5 ولا 19: 18. هو لم يميّز كما فعل متّى ومرقس بين وصيّة "أولى" ووصية "ثانية". كما أنه لا يسعى إلى إقامة تراتبية بين وصيّتي المحبة، أو بين وصيّتي المحبة وسائر الوصايا. ولم يشدّد أيضاً كما فعل متّى (22- 39) فاعتبر أنّ الوصية الثانية "شبيهة" بالأولى. فاهتمام لوقا الرئيسي هو واقع محبّة القريب وشموليّتها حسب تعليم يسوع: ان الحوار في آ 25- 28 هو في الواقع مدخل لمثل السامري. 
ولكن هذا لم يمنع يسوع من أن يوافق (آ 28) على جواب الكاتب: "بالصواب أجبت". فتساءل عدد من الشرّاح: كيف نوفّق بين هذا القبول لدى يسوع والعداء الذي يتضمّنه فعل "جرّب، أحرج"؟ نجيب: عرف ناقلو التعليم الإنجيلي أنّ يسوع أخذ بقسم من تعليم الكتبة (رج مت 23: 3: إفعلوا كل ما يقولونه). ولكنه عاب عليهم انهم يقولون ولا يفعلون. فجوابا الكاتب في آ 27 و37 صحيحان وهما يفترضان إرادة طيّبة وبُعد النظر رغم ما فيهما من عداء خفي وحب للتظاهر (هو يعرف). 
يتضمّن جواب الكاتب (آ 27) شيئاً مهمّاً وقد عبر عنه بوضوح لا مثيل له: لا فصل بين محبّة الله ومحبة القريب. يستحيل علينا أن نظن أننا نحب الله الذي لا نراه بمحبّة تسيطر على كل كياننا، كما يطلب سفر التثنية، دون أن نحبّ القريب بصورة ملموسة. مثلاً: أعمال الرحمة، غفران الإساءة، الصلاة... 
قد لا تتضمّن محبة القريب هذه ميلاً حسّياً (هذا ما يحدث لنا مع الأعداء، رج 6: 35) غير أنّ عبارة "مثل نفسك" تشبه محبة يوناتان الذي تعلّق بداود وأحبّه "كنفسه"، فأعطاه رداءه وسلاحه ليصبح وإياه كائناً واحداً (1 صم 18: 1- 44). فزخم الشخص كله الذي يعطي ذاته للآخرين ليؤمّن لهم خيرهم الحقيقي، سيخضع لنفسه سائر الشرائع بما فيها شريعة السبت التي استند اليها خصوم يسوع ليمنعوه من إجراء شفاء امرأة مريضة (13: 14- 17). فمحبّة الله لا تقوم بأن نظن اننا نخدمه "حين نغلق احشاءنا" (يو 3: 17) على القريب في الضيق، كما فعل الكاهن واللاوي (آ 31- 32) أو الإبن الاكبر الذي تمسّك بطاعته لأبيه ورفض أخاه (15: 28- 30). 
ومقابل هذا، حبّنا لله وحده يدلّ على صدق حبّنا للقريب، فنقدم له الباعث الأخير بشكل طاعة بنوية (مت 7: 21 ي؛ لو 6: 46 ي) أو اقتداء بحنان الله وصلاحه الخلاّق وعمله الفدائي (6: 35- 36 وز؛ مت 20: 15)0 أنا أحب القريب في ذاته ومن أجل ذاته. ولكنني لا اعتبره قريبي إلا لأني أرى فيه خليقة الله وصورته. هذا ما نجده في العالم اليهودي الفلسطيني. فقد كان رابي بن عزي (حوالي 110 ب م) أول من ذكر شبه الإنسان بالله وجعل هذه الفكرة باعثاً للحب. وجاء حدث الفصح فحقّق المعجزة الجديدة وكشفها لنا: نحن أبناء الله في الإبن، الوحيد وأعضاء "بالقوة" في جسد المسيح عينه. 
لا شكّ في أن عدداً من الناس لا يلتقون الله إلاّ عبر قناع "قيم مثالية" يعتبرونها مطلقة. حين يخدمون القريب بتجرّد، فهم يعملون حبّا بالله دون أن يدروا. هذا ما تعلّمنا إياه لوحة متّى عن الدينونة: إن الذين أعانوا البائسين وصلوا إلى المسيح وبالتالي إلى الله. أحسّوا دون أن يعلموا بحضور الله على الأرض (مت 25: 37- 40). ولكن ما تتضمنّه هذه الأعمال من حقيقة، لا بدّ من أيضاًحه والإفصاح عنه، وهذه إحدى مهمّات الكرازة المسيحية التي تكشف للبشر عن الأسباب العميقة التي تدفعهم إلى المحبة. 

3- "فتحيا" (آ 28؛ رج آ 25)
ترتبط محبّة الله ومحبة القريب في نظر لوقا بميراث "الحياة الأبدية". هذه عبارة متواترة في العالم اليهودي المتأخّر مثل مزامير سليمان (14: 10) وسفر اخنوخ (40: 9). لقد طبّقها لوقا (رج أيضاً 18: 18: الرجل الغني) على مصير الفرد الذي ينال السعادة بعد الموت. وشدّد هنا على هذا الموضوع بتضمين حدّدته المقابلة بين "عمل" و"حياة" ("تحيا") في بداية القطعة (آ 25) وفي نهايتها (آ 28). 
يبدو أن آ 28 تلفح إلى لا 18: 5: "الإنسان الذي يعمل بشرائعي وفرائضي يحيا بها". ويورد بولس النصّ عينه (غل 3: 12؛ روم 10: 5) في معنى مختلف جداً: لا تستطيع الشريعة أن تبرّر لأن "البار بالإيمان يحيا" (حب 2: 4) ولأن لا 18: 5 يربط الحياة لا بالإيمان بل بممارسة كل الفرائض، وهذا أمر مستحيل عملياً (غل 5: 3؛ أع 15: 10). غير أن التناقض هو في الظاهر فقط: فلوقا يعرف كل المعرفة اننا نحصل على البرارة بالإيمان بالمسيح (أع 13: 38- 39). ويعلن بولس بدوره أن الإيمان الذي يبرّر هو الذي "يفعل بالمحبة" (غل 5: 6). وان التعدّي على هذه المحبة يمنعنا من أن "نرث ملكوت الله" (غل 5: 21). 

ج- مثل السامري (آ 29- 37) 
يبدو خبر السامري الخاص بلوقا كنموذج أكثر منه كمثل. فكل التفاصيل تعمل بنفسها (دون انتقال) لتبرز درسين إثنين. الأول: تعارض بين موقف "الرحمة" لدى المسافر وتهامل رجلَي العبادة، وهذا يدلّ على انّ الرحمة أفضل من الذبيحة. الثاني: هذه الرحمة التي مارسها سامري ليعين رجلاً يهودياً في الضيق، تدلّ على أن الغريب الذي لا يقيم في الأرض، بل العدو، يمثلاًن أيضاً القريب.

1- سؤال الكاتب (آ 29) 
أراد معلّم الشريعة أن يبيّن أنّ سؤاله كان مهمّاً، أن يبرّر نفسه لأنه طرح سؤالاً لا يعرف جوابه. أو أراد أن يبيّن اهتمامه بأن يكون باراً حسب الشريعة (16: 15؛ 18: 9)، فطرح سؤالاً ثانياً سيجبر به يسوع أن يجيب عنه بنفسه (آ 36: أي واحد في رأيك؟). 
هذا السؤال الثاني ("من هو قريبي"؟) يشكّل إنتقالة بين الحوار عن المحبة الذي عرفه متّى ومرقس، والمثل الذي كان مستقلاُّ عمّا سبقه فأقحمه لوقا في هذا المكان. إذن، نحن أمام سؤال مصطنع يهدف إلى إطلاق الحوار من جديد وإدخال موضوع جديد نسبيّاً (ق 1: 34؛ 12: 57). نحسّ أن لوقا يهتمّ كل الإهتمام لكي يصل بسرعة إلى الجزء الثاني حيث نجد ما يقدّمه الإنجيل حقّاً من جديد. والتشابه في البنية بين 10: 25- 37 و18: 18- 23 يؤكد لنا هذا الشعور. ففي الحالتين نجد أولاً سؤال عمّا يجب عمله "لنرث الحياة الأبدية" (10: 25؛ 18: 18)، ثم جواباً مأخوذاً من أسفار الشريعة (10: 27؛ 18: 20)، وأخيراً متطلّبة جديدة تعبّر في الإنجيل عن جذرية لا ترضى بالمساومة: توزيع كل ما لنا للفقراء (18: 22) ودفع من دون حساب عن رجل أساء إليه اللصوص، موقفان يشبه الواحد والآخر ويعلّماننا بذل الذات من أجل القريب. 

2- الخبر (آه 3- 35) 
إذا كان الخبر قد وُجد في الأصل بمعزل عن مفهوم "القريب"، يجب أن نبدأ بقراءته في حدّ ذاته دون أن نُدخل قبل الوقت مسألة القريب. 

أولاً: المكان 
الرجل الذي عرّاه اللصوص وضربوه وتركوه بين حي وميت، كان نازلاً من أورشليم إلى أريحا. إن تحديد الموضع هذا يدلّ على معرفة بالمحيط الفلسطيني: طريق تمتد على ثلاثين كلم، تمرّ في الصحراء وتربط المدينة المقدّسة بأريحا التي تقع تحت سطح البحر. هذه الطريق تصلح لتكون مخبأ للصوص. ويمّكننا اليوم أن نتخيّل المشهد إن نحن تركنا طريق السيارات ومشينا سيراً على الأقدام في "الطريق التركية" القريبة من "وادي القلت". 

ثانياً: إمتناع الكاهن واللاوي 
بعد أن قدّم لنا لوقا الجريح، مرّ بسرعة على الكاهن واللاوي: رأيا البائس مُلقى على حافة الطريق، فانتقلا الى الجهة المقابلة وابتعدا. لماذا هذا التصرّف البغيض؟ هل افترض لوقا أنّ هذين "التقيّين" ظنّا أنهما أمام جثة فخافا أن يتنجّسا فتمنعهما الشريعة من العمل في الهيكل ومن الإتصال بإخوتهما (رج لا 21: 1؛ عد 19: 11)؟ وهكذا بدا سلوكهما عادياً بالنسبة إلى السامعين! إذا كان السامعون لم يندهشوا، أمّا الراوي فقد دُهش من مثل هذا التصرّف. أما ذروة الخبر فنجدها في التعارض بين اليهود الذين لا يحبّون والسامري الذي يحبّ. 
ومن جهة ثانية، نلاحظ أن اليهوديين اللذين يقابلان السامري الرحوم ينتميان إلى الكهنوت اليهودي ويمارسان شعائره. حينئذ نفكّر بنصّ هو 6: 6 الذي يذكره متّى مرتين في 9: 12؛ 12: 7 ويشير إليه في 23: 23: "أريد الرحمة لا الذبيحة". فالكاهن واللاوي يشاركان في عمى الفريسيين الذين هاجمهم يسوع في إنجيل متّى (23: 1 ي). إنهما يرمزان إلى التعلّق الضيّق بالفرائض الطقسية. غير أنّ الله يهتمّ بالأحرى بممارسة الرحمة: هو يرأف بالخطأة ويطبّق شريعة السبت تطبيقاً يدلّ على حنانه وإنسانيّته، كما يقول متّى. وهو يطلب منا أن نعمل من أجل رجل تعيس ولو تجاوزنا (أو: ظننا أننا نتجاوز) شرائع الطهارة. وفي نصّ مرقس (12: 28- 31) عن الحوار حول الوصية الأولى، فهمَ الكاتب هذه الحقيقة بنفسه وهو القريب من ملكوت الله، فهمَ أن محبّة القريب "أفضل من كل الذبائح والقرابين". فشعائر العبادة التي تنظّمها الشريعة ليست فوق المحبّة التي هي قلب الشريعة. 

ثالثاً: "رحمة" السامري 
والرجل الثالث الذي مرّ قرب الجريح كان سامريا يعمر قلبه بالمحبّة. لا بدّ أن هذا القول أدهش سامعي يسوع بما فيه من دعابة قريبة من السخرية: واحد من هؤلاء السامريين الذين يحتقرهم اليهود ويعتبرونهم هراطقة (ضالين) ومنشقّين (عن الإيمان الحقيقي)، بغيضين وبلهاء وآخر الخطأة (2 مل 17: 24- 41؛ سي 50: 25- 26؛ يو 4: 9، 20؛ 8: 48). هذا الشخص ساعد رجلاً مجهولاً يظنه الناس يهودياً (نحن في اليهودية). وهكذا بيّن أنه فهم إرادة الله كما أعلنها هوشع أكثر من ممثلي العالم اليهودي الرسمي الذي يعتبر نفسه صاحب الدين المستقيم. على ضوء هذا الإنقلاب في الأدوار، شكلت طريقة تصرّف المسافر الغريب في دعوة لممارسة الرحمة (الشفقة، الحنان، الصلاح) بسخاء وفاعلية دون أي حدود على مستوى العرق واللون والدين. 
يبدو أن الخبر يستقي مواده من 1 مل 13: 12- 32 (النبي الذي يستقبل رجل الله) ومن 2 أخ 28: 8- 15: سمع رؤساء السامرة للنبيّ عوديد فعاملوا الأسرى بالرأفة، وحملوا الضعفاء، على حمير وجاؤوا بهم إلى أريحا. ويستقي الخبر أيضاً من هو 6: 9 حيث نقرأ: "وكما يرصد اللصوص إنساناً، كذلك زمرة الكهنة يقتلون في طريق شكيم" (يقتلون المؤمنين الآتين إلى المعبد). 
لا يتساءل السامري إن كان الجريح يهودياً أو غير يهودي، إبن بلده أو غريباً، صديقاً أو عدوّاً. يكفي أنه وجد نفسه أمام شخص متضايق ويحتاج إلى مساعدة. ولم يفعل له شيئاً دون آخر. بل فعل له كل ما يقدر على فعله. ويصوّر الراوي بالتفصيل تدخّل هذا السامري، فيبرز ما في امتناع الكاهن واللاوي عن المساعدة من بشاعة. 
وإن رحمة السامري التي بدت متجرّدة كل التجرّد، كانت مثالية إلى حد أنّ عدد من آباء الكنيسة اكتشفوا فيه سمات يسوع نفسها. وهكذا قرأوا مثل السامري ورأوا رموزاً في كل التفاصيل. السامري هو يسوع الجريح هو البشرية. أورشليم هي الفردوس. أريحا هي العالم. اللصوص هم الشياطين. الفندق هو الكنيسة حيث يعتني المسيح بالنفوس. الكاهن واللاوي يمثلاًن الشريعة التي لا تفعل شيئاً للإنسان. 
وإذا وضعنا هذا البحث عن الرموز جانباً، نرى أن المحيط الحياتي الأول لهذا المثل هو عمل يسوع الرسولي. لقد دافع عن نفسه وشرح لممثّلي النظام أي طبقة الكهنة والفريسيين، شرح لهم تصرّفه الرحيم تجاه المرضى الذين يشفيهم حتى في السبت (13: 10- 17؛ 14: 1- 6؛ مر 3: 1- 6 وز)، تجاه الخطأة الذين يعاشرهم ويردهم إلى الله (لو 5: 29- 32 وز؛ 7: 34- 50؛ 19: 1- 20؛ 15: 1 ي وأمثال الرحمة الثلاثة)، تجاه التلاميذ الذين يبرّئ ساحتهم عندما يقطفون سنبلاً ويأكلون يوم السبت (مت 12: 1- 8) أو يخالفون "تقاليد القدماء فلا يغسلون أيديهم قبل الطعام" (مت 15: 2).
إن كل مواقف يسوع هذه تدلّ على "رحمته" التي هي انعكاس لرحمة الله، وعملٌ بحسب إرادته كما نجدها في هو 6: 6 ومت 9: : 13؛ 12: 7. وهذه المواقف تجد صورة لها في هذا الخبر. واستعماله كلمة "أشفق، تحرّكت فيه الشفقة" في آ 33 تؤكّد هذا التفسير. ففي العهد الجديد يتفرّد الإزائيون باستعمال هذا الفعل الذي يشير إلى شعور يمسك في "الرحم"، ويعبّر دوماً عن شفقة يسوع (7: 13؛ مت 9: 36؛ 14: 14؛ 15: 32؛ 20: 34؛ مر 6: 34؛ 8: 2؛ 9: 2) أو شفقة الله التي صوّرها والد ابن الشاطر (15: 20) أو الملك الذي أعفى خادمه من دين كبير (مت 18: 27). جسّد يسوع شفقة الله ورحمته، فدلّت عليه جميع النصوص ومنها لو 10: 33: "أشفق عليه". 
تخفّى يسوع خلف السامري ليدعو سامعيه إلى أن يقاسموه رحمته الفاعلة، وبالتالي أن يكونوا رحماء كما أن الله رحيم (6: 36). دعاهم إلى أن لا يقتدوا بالموقف السلبي الذي وقفه الكاهن واللاوي، أن لا يتشبهوا بموقف الأخ الأكبر (لو 15) والعبد الذي لا شفقة في قلبه (مت 18). وقد أبرز لوقا هذه الدعوة الملحّة فقال: "إذهب انت واعمل مثله". 

3- الحوار الأخير (آ 36- 37)
أولاً: من صار (كان) قريب...
إذا كان لقراءتنا للمثل ما يبرّره، ننتظر في النهاية سؤالاً شبيهاً بهذا السؤال: "من من الثلاثة صنع مشيئة الله (مع العلم أنك تعرف الكتب المقدّسة ولا سيما هو 6: 6) في تصرّفه تجاه الجريح"؟ ويبقى ما تبقّى من الآيتين الأخيرتين على ما هو. ولكن يسوع سأل الكاتب: "من صار قريباً من الرجل البائس"؟ لقد كيّف لوقا (او سابقه) هذا السؤال الأخير على الذي طرحه الكاتب على يسوع والذي حسبناه مصطنعاً وذات معنى في الوقت نفسه: "من هو قريبي" (آ 29)؟ وها هو المثل ينتزع الكاتب من عالم تعوَّد عليه ويقدّم له نظرة ناشطة وعملية وديناميكية الى القريب، كما يقدّم الطريقة التي بها نحبّه لنرث الحياة الأبدية.
في هذا المنظار، يدلّ امتناع الكاهن واللاوي عن العمل على أنهما يشكّان في واجبهما ويتساءلان إن كان هذا الجريح قريبهما. حينئذ يبرز الإنتماء العرقي للسامري في وجه جديد: كما أن الجريح يقدر ان يتعرّف إلى قريبه (في المعنى الفاعل. هو الذي يفعل) في ذلك الذي اقترب منه واعتنى به كل العناية، كذلك انت تعرّف إلى قريبك (في معنى منفعل، من يفعل معه خيرٌ) في كل إنسان. تعرف إليه بالأعمال. لا تحسب فقط الممارس الأمين للشريعة من إسرائيل الحقيقي. بل أيضاً اليهودييّ الأمّي والذي لا يعرف الشريعة (شعب الأرض). ولا تحصر مدلول القريب في أخيك الذي من شعبك ودينك كما اعتدت أن تفعل، بل في كل إنسان ولو كان غريباً أو عابر سبيل والذي تعتبره من أعداء شعبك. 
هذا ما يقوله لوقا، على ما يبدو. إنه يكتفي بالإفصاح عمّا يتضمّنه الخبر حقاً، ويلقي عليه ضوءاً حمله يسوع ولا سيّما عبر الوصية: "احبوا أعداءكم" (6: 35). والتواصل يبدو بوضوح أكبر إذا قلنا إن يسوع، وهو اليهودي، رسم نفسه في ملامح مسافر خرج من هذا الشعب السامري الذي أظهر له محبة وعطفاً خاصين كما أشار إلى ذلك لوقا ويوحنا (لو 9: 51- 56؛ 17: 11- 19؛ يو 4: 1- 42؛ أع 1: 8؛ 8: 5- 25). 

ثانياً: اعمل مثله 
نلاحظ أن يسوع لم يطبق إسم القريب على الذي نال الرحمة بل على الذي مارس الرحمة. ولقد رأى الشرّاح في قلب سؤال الكاتب الهدف الأساسي من الخبر: لا تحاول أن تضع حدّاً لرحمتك فتدوّن لائحة بالذين يجب أن تحبّهم. بل اذهب إلى مساعدة كل من يحتاج إلى عونك. هناك انتقال من "أنا" (قريبي) إلى "أنت" (إذهب)، من المستوى النظري إلى مستوى العمل الملمولس تجاه كل إنسان نلتقيه في طريقنا: "إذهب انت واعمل مثله".

د- خاتمة 
ما هي الحالات الجديدة التي أشار إليها لو 10: 25- 37 في الكنيسة الأولى؟ هل فكر بالعلاقات الصعبة بين اليهود وتلاميذ المسيح، بين المسيحيين المتهوّدين (الذين من أصل يهودي) والمسيحيين الهلينيين (من أصل يوناني)، بين العبيد والأحرار (غل 3: 28؛ 1 كور 12: 13؛ كو 3: 11)؟ مهما يكن من أمر، نحن أمام نصّ مفتوح يؤوَّن تعليمه في مختلف الحالات حتى نهاية العالم. فالبشرية تتوصّل دوماً إلى استنباط تناقضات جديدة على مستوى الأفراد والجماعات. في الماضي، كان اليهود والسامريون. ثم أبناء الأرض والمهاجرون، العمّال وأرباب العمل، البيض والعبيد، الأصوليون والمتقدّمون... ولكن الإنجيل ما زال يتوجّه إلينا: هل انت مقتنع أنّ محبة الله والقريب تتمّ الشريعة كلها، وأن التقوى الدقيقة لا قيمة لها من دون الرحمة؟ وهل يقودك يقينك إلى عمل ملموس من أجل القريب، عرفته أم لم تعرفه، التقيت به صدفة أم تلتقيه كل يوم؟ هل ما زال في عملك وبالتالي في قلبك تمييز مؤسّس على العرق والوضع الإجتماعي والثروة والدين والثقافة والعمر والآراء السياسية؟ هل ان الصراع من أجل العدالة (لا تفترق عن المحبة الصحيحة) والالتزام بأشكال المساعدات الجماعية ينسيانك حاجات أقرب المقرّبين إليك، والعكس بالعكس؟ 
هذه الأسئلة وغيرها، ما زال المسيح الحي يطرحها على الذين يعرفون أن يسمعوا كلمته. إن كان جوابنا عملاً لا كلاماً فارغاً، ان تشبهنا به هو السامري الرحيم، سيكون لنا فرح اكتشافه في كل الذين أظهرنا لهم المحبّة والرحمة: "ما صنعتموه لأحد إخوتي هؤلاء الصغار، فلي صنعتموه" (مت 25: 40).

 

 

الفصل العاشر 

إستقبال الرب
10: 38- 42

عرفت زيارة يسوع إلى مرتا ومريم تفاسير متنوّعة على مرّ التاريخ. سنقدّم بعضاً منها حسب ترتيب كرونولوجي. بعد هذا، نحاول أن ندرك المعنى الذي أعطاه لوقا لهذا الخبر. ونسعى في النهاية إلى إكتشاف المدلول الأصلي لما رواه لوقا خلال صعود يسوع إلى أورشليم. 

أ- تفاسير الخبر في التقليد 
لا نجد دوماً تفاسير إجمالية. فالكتّاب يشدّدون على هذه الوجهة أو تلك في الخبر دون أن يعالجه معالجة تامة. 

1- الحاجة إلى قليل 
نجد مثالاً عن هذا التفسير عند بعض شهود النصّ الذي يقرأون بداية آ 42: "الحاجة إلى قليل". إن مرتا "ترتبك وتقلق من أجل أشياء كثيرة". ولكن يكفيها شيء قليل. نحن أمام درس في البساطة والزهد يوافق الفقر الذي اعتاد عليه يسوع. ولكن الامثولة التي نستنتجها من الخبر تذهب أبعد من ذلك. فبعد أن انتقد يسوعُ مرتا جعل من مريم مثالاً نحتذي به بشكل إيجابي. 

2- أوريجانس 
إن تفسير هذا الحدث لدى أوريجانس قد أثّر تأثيراً كبيراً في التقليد الروحي اليوناني واللاتيني. تبعه كيرلس الإسكندراني، غريغوريوس الكبير، توما الاكويني... قال أوريجانس: "نستطيع القول ببعض المعقولية إن مرتا ترمز إلى العمل؟ ومريم إلى التأمل والمشاهدة. إن سرّ المحبة ينزع من الحياة الناشطة إذا لم يكن هدفُ التعليم والتحريض الأخلاقي المشاهدة: فالعمل والمشاهدة لا يوجدان الواحد من دون الآخر".
إذن، تمثّل الأختان في نظر أوريجانس موقفين دينيين لا يستطيع التلميذ الكامل أن يفصل بينهما. عليه أن يعيش النشاط والعمل، ويعيش التأمل والمشاهدة. ولكن كل عمل يخضع بكليته للمشاهدة. 

3- أمبروسيوس 
قدّم أمبروسيوس تفسيراً مشابهاً لتفسير أوريجانس، ولكنه تفسير حرفي. قال: "نرى عبر مثل مرتا ومريم، تفانياً ناشطاً في أعمال الأولى، ويقظة نفسية دينية لكلمة الله عند الأخرى. إذا وافق هذا التيقّظ الإيمان، مرّ قبل الأعمال نفسها، كما كتب: إختارت مريم النصيب الأفضل الذي لا ينتزع منها. إذن، لنسعَ نحن أيضاً لامتلاك ما لا يستطيع أن ينتزعه منا... كونوا مثل مريم، ولينعشكم روح الحكمة: هذا أعظم وأكمل عمل تقومون به. فلا يمنعكم الإهتمام بالخدمة من معرفة الكلام السماوي... ومع ذلك، نحن لا نلوم مرتا على خدمتها الطيّبة. ولكن نفضّل مريم لأنها اختارت النصيب الأصلح". 
يرى أمبروسيوس، شأنه شأن أوريجانس، أن الأختين تمثلاًن نمطين من النشاط لا بدّ من وجودهما في حياة المؤمن. 

4- أغوسطينس
إهتمّ أغوسطينس هنا بكشل خاص بالرمزية الكنسية أكثر منه بالدرس الروحي. قال:
"حين قبلته مرتا في بيتها، فقد دلّت على الكنيسة التي تتقبّل الرب في قلبها. ومريم أختها التي كانت جالسة عند قدمَيْ المعلّم تسمع كلامه، فهي تدلّ على ذات الكنيسة ولكن في العالم المقبل. حينذاك يتوقّف عمل الخدمة تجاه المحتاجين، فتنعم الكنيسة فقط بالحكمة. إذن، كانت مرتا مهتمّة بالخدم المتعدّدة، لأن الكنيسة تمارس الآن مثل هذه النشاطات. فإذا تشكّت من أختها التي لا تساعدها، أعطت مناسبة لكلمة الربّ التي دلّت على هذه الكنيسة القلقة المرتبطة. ولكن هناك أمراً ضرورياً واحداً نصل إليه باستحقاقات هذه الخدمة. ولكن قيل أن مريم اختارت النصيب الأصلح الذي لا ينتزع منها. هو الأفضل لأن به نصل إلى الهدف، ولأنه لا يُنتزع منا. ولكن عمل الخدمة، وإن صالحاً، فسينزع منّا حين لن يعود هناك محتاجون نخدمهم". 
يرى أغوسطينس أن الأختين تمثلاًن مرحلتين متتاليتين لدى الكنيسة: مرحلة الكنيسة المجاهدة، ومرحلة الكنيسة الممجّدة. وبحسب هذا التأويل، لم يعد خبر مرتا ومريم تحريضاً، كما كان لإوريجانس وأمبروسيوس، بل وعداً يحرّك الرجاء عند المؤمنين. 

5- كيرلس، أسقف الأسكندرية 
عاد القديس كيرلس مراراً إلى هذا الخبر. مرّة تبع تفسير أوريجانس كما أوردناه. ومرّة أخرى استنتج من الخبر أمثولة حوله الطريقة التي بها نستضيف حاملي الكلمة. إنه يوصّي أهل البيت (كما يقول النصّ السرياني لعظاته): 
"أن لا يهتموا بخدمة وافرة. أن لا يطلبوا إلاّ ما هو في متناولهم. أن تكون المائدة بسيطة وزاهدة والطعام بسيطاً لا يزيد عن الحاجة". 
"وعلى المدعوّين أن يحملوا مقابلَ هذا، الخيرات السامية. مقابل العطايا الزمنية، يحملون العطايا الأبدية. مقابل عطايا الأرض، يحملون عطايا السماء. مقابل العطايا العابرة، يحملون العطايا الدائمة". 
قد الهم هذا التحريضَ وضعُ المؤمنين في أيام كيرلس، ولا سيّما تجاوزات الرهبان المتجوّلين. ولكننا لا نعتبر أن هذا التفسير يستنفد كل فكر كيرلس حول خبر مرتا ومريم. 

ب- فكر لوقا 
في أيدينا معطيات عديدة تساعدنا على إكتشاف فكر لوقا: السياق الذي فيه يتحدّد موقع الخبر. الفن الأدبي وبناء الخبر وسماته المتنوّعة وعلاقته بما نقرأ في مؤلّف لوقا، أي الإنجيل والأعمال. 

1- سياق الخبر 
المعطية الأولى التي تلقي الضوء على المعنى الذي ربطه لوقا بالخبر، هي السياق الذي وضعه فيه. لم يستطع دوماً أن يحدّد هذا السياق، فأكتفى مراراً باتباع ترتيب التقاليد التي في متناوله. وقد يحصل له أن يحوّل هذا الترتيب ليحقّق هذا "النظام" الأدبي الذي اتخذه له مثالاً في تأليفه. قال في 1: 3: "رأيت أن أكتبها إليك بحسب ترتيبها، لكي تعرف جيّداً قوّة التعليم الذي وُعظت به". 
في بداية صعود يسوع إلى أورشليم، الذي جعله لوقا محور كتابه (9: 51، 19: 27)، ضمّ أولاً عناصر متعدّدة حول رسالة التلاميذ (9: 51- 10: 20). هذه العناصر نجدها متفرّقة في إنجيل متّى. مثلاً إن لو 9: 57- 60 (أتبعك حيث تمضي) يقابل مت 8: 19- 22؛ ولو 10: 2- 12 (ارسال السبعين) يقابل مت 9: 37- 10: 16؛ ولو 10: 12- 15 يوازي مت 11: 21- 24 (الويل لكورزين، الويل لبيت صيدا)؛ ولو 10: 16 (من سمع منكم) يوازي مت 10؛ 40. 
بعد هذا، قدّم لوقا مجموعة تعاليم تتوجّه إلى التلاميذ حول متطلّبات وضعهم والنعم التي يحصلون عليها (10: 21- 11: 13): يُعطى لهم وحي الابن (10: 21- 24؛ ق مت 11: 25- 27؛ 13: 16- 17). شريعة المحبة التي يتوسّع فيها مثل السامري الصالح (10: 25- 37؛ ق مت 22: 34- 40؛ مر 12: 28- 31 فيما يخصّ القسم الأول: لا شك في أن لوقا عرف هذا السياق). خبر مرتا ومريم (10: 38- 42. هناك ميزات أدبية خاصة بلوقا في آ 38- 39 أ، وهي تدلّ على أن لوقا جعل هذا الحدث في هذا الموضع). وأخيراً مجموعة من العناصر حول الصلاة (11: 1- 13) يقابلها مت 6: 9- 13 (الصلاة الربية)؛ 7: 7- 11 (إسألوا تُعطوا، أطلبوا تجدوا). 
ووسط هذه المجموعة من العبر الروحية الأساسية، قد وضع لوقا خبر مرتا ومريم، فرأى فيه أمثولة مهمة جداً بالنسبة إلى التلاميذ. هناك من قالت إن لوقا وضع الخبر في هذا الموضع ليهيّئ تعليم يسوع حول الصلاة. ولكن خبر مرتا ومريم لا يتحدّث عن الصلاة. ثم إن لوقا جعل 11: 1 (وكان ذات يوم يصلّي) مقدّمة للصلاة الربية (11: 2- 4) ولشروط الصلاة ومفعولها (11: 5 ي)، ففصل بين خبر مرتا ومريم والحديث عن الصلاة. 

2- بنية الخبر وفنّه الأدبي 
وإذا أردنا أن نحدّد أمثولة الخبر ننطلق من النص: بنيته وفنّه الأدبي. فمع أن هذه الآيات الخمس تشكّل خبراً متكاملاً، إلاّ أن اهتمامات لوقا ليست اهتمامات مؤرخّ من عالمنا: فهو لا يذكر مكان الحدث ولا زمانه. قد يكون لوقا عرف أن الحدث حصل في بيت عنيا، لأنه يبدو مطّلعاً على التقليد الذي نجده في يو 11- 12. ومع ذلك، فهو لا يتحدّث عن المكان. لماذا؟ لأنه ألغى كل التفاصيل التي تؤخّر مسيرة الصعود إلى أورشليم. 
تصرّف لوقا، شأنه شأن متى ومرقس، فلم يحدّد موقع الخبر. وهو لن يعطي أي تاريخ خلال سفر يسوع. ولن يذكر إلاّ أريحا (18: 35؛ مت 20: 29؛ مر 10: 46) وأورشليم (11 مرة)، لأن أورشليم هي نهاية صعود يسوع وموضع تتميم سرّه. اهتمّ لوقا بأعمال يسوع وأقواله، لا بإعادة تكوين الإطار الزمني لهذه الأعمال والأقوال.
ويدهشنا هنا أنه يورد إسم مرتا ومريم. واقع فريد عند لوقا كما عند متّى ومرقس، الذين لا يذكرون أسماء محاوري يسوع إلاّ في حالات إستثنائية. يُذكر الإثنا عشر وزكا في 19: 2 وكليوبا في 24: 18. وبين الذين نعموا بالمعجزات، يذكر يائيرس (8: 40؛ مر 5: 22) وبرطيما (مر 10: 46. لا يذكره لوقا في 18: 35). وإذا كان لوقا ذكر اسم الأختين، فلأنه يهتمّ بهما اهتماماً خاصّاً. 
ومجمل النص يحاول أن يصوّر الطريقة التي بهما استقبلت مرتا ومريم يسوع. وكلمة المعلم النهائية التي تعارض بين موقفين تشكّل قمة الخبر وخاتمته، تشكّل الدرس الذي يجعلنا لوقا نستنتجه. 

3- ميزات الخبر 
توخت كل ميزات الخبر أن تهيئ هذه الخاتمة، وأن تقدّم قبل كل شيء رسماً لهاتين الأختين. إن مريم "جلست عند قدمَيْ الرب" (آ 39). حين أعطى لوقا المسيح هذا اللقب المميّز في إنجيله (بشكل "الرب"، هو كيريوس، رج 7: 13، 19؛ 10: 1، 39، 41؛ 11: 39؛ 12؛ 42؛ 13: 15؛ 16: 8؛ 17: 5- 6؛ 18: 6؛ 19: 8؛ 22: 31، 61؛ 24: 3، 34؛ رج 19: 31، 34؛ ق مت 21: 3؛ مر 11: 3) دلّ على سلطة يسوع. وموقف مريم هو في الحقيقة موقف التلاميذ أمام معلّمهم (8: 35؛ أع 22: 3؛ رج لو 7: 38؛ 8: 41؛ 17: 16). هي تسمع الكلمة، وهذا هو الواجب الأولى للتلميذ الحقيقي بحسب لوقا (6: 47؛ 8: 13، 15، 21). 
أما مرتا فهي مهتمة، منشغلة بأمور الضيافة: هي ربّة البيت (آ 38) وهي تحاول أن تؤمّن ليسوع أجمل خدمة يقدّمها فقراء فلسطين لضيوفهم (آ 40). تكاثر الشغل عليها، فاضطربت وارتبكت (آ 41). وهذه الغيرة تدلّ على إحترامها "للرب" (آ 40)، على رغبتها في أن تستقبله إستقبالاً يليق به. غير أنها لا تفهم أختها التي لا تفعل شيئاً، التي لا تشاركها في العمل. إنها تريد أن تنتزعها من سماع يسوع لتساعدها في ترتيب البيت أو إعداد الطعام. وهي واثقة من موقفها. فلهذا دعت يسوع بلهجة "لائمة" أن يقاسمها نظرتها. "يا رب، أما تبالي أن أختي قد تركتني أخدم وحدي؟ فقل لها إذن لتساعدني" (آ 40). وهكذا بدت الأختان مثل تمليذين يهتمان بإستقبال المعلم. ولكن مريم لا تهتمّ إلاّ بسماع كلمته. ومرتا بالقيام بواجبات الضيافة بسخاء. 
وجاء جواب يسوع حُكماً على موقف مرتا ومريم (آ 41- 42) وسمّاه لوقا "الرب" فدلّ على سلطة كلمته السامية. والحكم على مرتا يطرح مسألة معروفة في النقد الأدبي. فالقسم الأولى (أنت مهتمة مضطربة في أمور كثيرة) نجده في كل المخطوطات اليونانية (مع إختلاف طفيف بالنسبة إلى الفعل الثاني). ولكن يغيب في عدد من مخطوطات اللاتينية العتيقة والسريانية العتيقة. ويغيب القسم الثاني (آ 42 أ) من هذه الترجمات عينها (قد يكون هناك تصحيح لنص قاس أو حائل دون إنتقال "إنما الحاجة إلى قليل"). 
نجد القسم الثاني في شكلين قصيرين. "الحاجة إلى واحد" (عند شهود عديدين لهم وزنهم). ونجد أيضاً شكلاً طويلاً يضمّ الشكلين القصيرين: "الحاجة إلى قليل، بل إلى واحد". وبما أن هذه الاختلافة الطويلة تجد لها شهوداً مهمّين (من الاسكندرية)، فقد أخذت بها مجمل الطبعات النقدية للعهد الجديد، وعددٌ كبير من الشرّاح. غير أن الأمثولة القصيرة الثانية (الحاجة إلى واحد) تجد شهوداً متنوّعين في المكان والزمان والعدد. كما أنها تقدّم تعارضاً جيداً (كثير، واحد). والأمثولة الطويلة هي نتيجة دمج أمثولتين قصيرتين والتنسيق بينهما. وهكذا يبدو أن النص الأصيل هو: "الحاجة إلى واحد". 
حين يلوم يسوع مرتا بسبب اضطرابها واهتمامها "بأمور كثيرة"، فهو يستعيد موضوعاً طالماً تطرّق إليه في حديثه عن الهموم: يدعو المرسلين ألاّ يهتمّوا في دفاعهم أمام المحاكم التي يجلس فيها مضطهدوهم (12: 11؛ مت 10: 19: لا تهتموا لما تقولون).. يدعو تلاميذه ألاّ يقلقوا بسبب الطعام أو اللباس (12: 22- 26؛ مت 6: 25- 34: لا تهتموا لأنفسكم بما تأكلون). يحذّر مؤمنيه من "هموم الحياة" التي تخنق بذار الكلمة (8: 14؛ مت 13: 22؛ مر 4: 19)، أو تثقل القلوب (21: 39). في كل من هذه المقاطع، نجد شجباً للهموم لأنها تميل بالمؤمن عن الجوهر وهو: الاعتراف بابن الإنسان في 12: 7- 9 (مت 10: 31- 33). البحث عن ملكوت الله في 12: 31 (مت 6: 33). تقبّل الكلمة في 8: 11- 15 (مت 13: 18- 23؛ مر 4: 13- 20). إنتظار يوم إبن الإنسان في 21: 34- 36. أما في وضع مرتا، فالهموم تُشجب لأنها تميل بها عن "الضروري الوحيد" كما تقول الشعبية اللاتينية. 
"فالأمور الكثيرة" التي تهتمّ بها مرتا هي (بحسب السياق) واجبات الضيافة والخدم المادية التي تريد أن تقدّمها ليسوع. أما الضروري الوحيد "فيحدّده موقف مريم التي تركت كل شيء لتسمع كلمة يسوع. وهكذا تكون المعارضة واضحة بين طريقتين في إستقبال يسوع تمثّلهما الأختان: واحدة تهتم بواجبات الضيافة المادية. والثانية تهتم بسماع كلمة المعلّم. تقتل يسوع ضيافة مرتا بامتنان، كما تقبّل ضيافة الفريسيين (7: 36 ي: 11: 37؛ 14: 1)، أو طلب ضيافة زكّا (19: 5). بل جعل من قبول الضيافة قاعدة للمرسلين (9: 4؛ 10: 5- 9). وهكذا لا يكون شجب موقف مرتا لاستقبالها السخيّ. 
ولكن هناك سلّماً للقيم في نظر يسوع. فهو يختتم الخبر بتهنئة ووعد وجّههما إلى مريم. "إختارت النصيب الأفضل الذي لا ينزع منها". إن كلمة "ماريس" تعني النصيب" وهي تستعمل مراراً في السبعينية لتدلّ على حصّة في الطعام (تك 43: 34؛ 1 صم 1: 4- 5؛ 9: 23؛ نح 8: 10، 12؛ أس 9: 19، 22). لهذا رأى بعضهم تلميحاً إلى الطعام الذي اهتمت مرتا بإعداده. ولكن هذا المعنى لا يوافق الوضع ولا التعارض. فالحصة التي اختارتها مريم هي سماع كلمة الرب. وكلمة "ماريس" تعني هنا "نصيب" "حصة ميراث" (أي 20: 29؛ 27: 31؛ جا 2: 10؛ 3: 22؛ 5: 17؛ 9: 9؛ حك 2: 9؛ سي 14: 9؛ أش 17: 14؛ 57: 6؛ إر 13: 25...). والعبارة التي إستعملها يسوع تذكّرنا بما قاله المرتّل: "نصيبي، يا ربّ، أن أحفظ كلامك" (مز 119: 57؛ رج 16: 5: نصيبي هو الرب؛ عد 18: 20؛ تث 10: 9؛ سي 45: 22). وينهي المعلّم كلامه فيعد مريم بأن خيارها لا يخيب: من فضّل كلمة الله لن يُحرم منها أبداً. هذه هي العبرة من الخبر كله: على التلميذ أن يسمع كلمة المعلّم، وهي ستصل إليه دائماً أبداً. 

4- كلمة الله 
وهناك ميزتان تؤكّدان إهتمام لوقا بهذه العبرة. الأولى: مكانة سماع كلام يسوع في الإنجيل والأعمال. لا شمك في أن متّى ومرقس قدّما الفكرة عينها في شرح مثل الزارع (مت 13: 19- 23؛ مر 4: 14- 20؛ لو 8: 11، 15: رج مت 7: 24- 26). غير أن لوقا تفرّد في تحديد "تقبّل كلمة يسوع" على أنه "سماع كلام الله" (5: 1؛ 8: 11، 21؛ 11: 28). وسفر الأعمال يتركّز كله على الكلمة (عشر مرات. كلمة الله، أقلّه عشر مرّات. كلمة الرّب، أقله سبع مرّات). ففي نظر الإنجيلي الذي شارك بولس في مهماته الرسولية، كان سماع الكلمة الضروري الوحيد. 
وخبر تأسيس السبعة (أع 6: 1- 6) يطرح عدّة مسائل تاريخية دقيقة: من كان هؤلاء الهلينيون؟ ما كانت الوظائف الأصيلة لهؤلاء السبعة؟ ولكن مهما يكن من أمر هذه المسائل، ففكر لوقا واضح جدّاً، وهو يذكّرنا بخبر مرتا ومريم. فأمام تشكّيات الهلينيين أجبر الاثنا عشر على الاختيار بين الكرازة بكلمة الله وخدمة الموائد (أع 6: 2). حينئذ قرّروا بأن يسلّموا هذه الخدمة المادية إلى سبعة رجال يشهد لهم بالصيت الحسن، ممتلئين من الروح القدس والحكمة. وحفظوا نفسهم من أجل الصلاة وخدمة الكلمة (أع 6: 3- 4). إن خبر مرتا ومريم أعلن أولويّة سماع الكلمة على خدمة الضيافة. وخبر سفر الأعمال جعل خدمة الكرازة بالكلمة فوق خدمة الموائد. ولكن لوقا اعترف بالخدمتين. وفي الحالتين، بدت الكلمة المسموعة أو المعلنة القيمة العظمى. أحسّ يسوع بالعلاقة بين الاثنين، فأظهرها من خلال هذين الخبرين. 

5- إستنتاجات 
بعد أن تفحّصنا هذا النّص اللوقاوي، نستطيع أن نقدّم بعض الاستنتاجات: 
- أراد لوقا أن يقدّم في هذا النصّ قاعدة حياة من أجل التلاميذ. ولا مبالاته بمعطيات الخبر "التاريخية" (خصوصاً فيما يتعلق بالزمان والمكان) يدلّ على هذا الوضع كما يدلّ عليه الطابع الاحتفالي لكلمة يسوع الأخيرة. 
- هذه القاعدة هي أولوية سماع كلمة الرب في الإيمان، وهي أولوية مطلقة. هذا ما نكتشفه في التعارض بين الأختين، والمديح لمريم، والأهمية المعطاة للكلمة في إنجيل لوقا وسفر الأعمال. 
- لا تُلام مرتا بسبب ضيافتها التي هي تقبّل للمسيح في الإيمان والمحبة، والتي ستكون الشرط الموافق للرسالة الإنجيلية. ونكن يسوع يلومها على الارتباط، على الهمّ الزمني الذي يميل بها عن الضروري الوحيد. 
إذا قابلنا هذه الاستنتاجات مع تأويل الآباء، رأينا أنها ليست بعيدة عن تفسير أمبروسيوس. وهي لا تعارض فكر أوريجانس حين رفض أن يفصل العمل عن المشاهدة، وأعلن أولوية التأمل والمشاهدة (التي هي نظرة إلى الإيمان في خدمة ملكوت الله). أما رمزية أغوسطينس والنظرة العملية لدى كيرلس، فهما تطبيقان ظرفيان لكلمة الله في حالة من الحالات. 
ج- ما قبل خبر لوقا 
يبدو تفسير خبر لوقا سهلاً لأنه يتأسّس تأسّساً متيناً على مختلف المعطيات التي تفحّصناها. ولكن هل نستطيع أن نعود إلى الوراء، أن نعود إلى التقليد السابق للوقا لكي نرى إن كان تفسيره للخبر أمينا لمدلوله الأصيل. 
سؤال دقيق لأن المعطيات قليلة وأساليب التقارب غير أكيدة، ونتائج الشّراح مختلفة. ولكن في خبر مرتا ومريم، نحن نمتلك معطيات هامّة إن في داخل النصّ، وإن في التقاء نص لوقا مع التقليد اليوحناوي. 

1- خبر لوقا 
من المؤكّد أن لوقا طبع بطابعه هذا الخبر، على مستوى الألفاظ والأسلوب، وتقديم الأختين في بداية الخبر (آ 38- 39 أ). والارتباط الأصيل للخبر بالسياق يجعلنا ننسب إلى لوقا بناء هذه الإجمالة الأدبية. ويستعمل لوقا هنا حسب عادته لفظة "كيريوس" (آ 39، 41)، و"مهتمة" (آ 40) و"اختار، انتزع" (آ 42). كل هذا يجعلنا نقول إن لوقا استعمل هنا تقليداً سابقاً. 

2- النصّ الأولاني 
هل يتيح لنا تفحّص النصّ أن نتمثل الشكل الأصيل لهذا التقليد؟ هناك سمة تبدو لافتة للوهلة الأولى: إن كلمة يسوع النهائية تتجاوب مع بداية الخبر حول تصرّف الأختين، بحيث لا نستطيع أن نفصل النهاية عن البداية. فالخبر يشكّل وحدة أدبية متماسكة. غير أن بولتمان يسمّي النص "مشهداً مثالياً" وخبراً ذا "طابع رمزي": إنه "يعبّر عن الحقيقة بواسطة مشهد مصوّر". يرى أننا أمام خدعة أدبية تجعل في مرتا ومريم نمطين متعارضين من أنماط التصرّف الديني. وفي النهاية نحن أمام تأليف يعود إلى العالم الهليني. مثل هذا الموقف الذي يشدّد على طابع الخدعة الأدبية والتأليف الهليني، لا نستطيع قبوله: فمشهد الضيافة هذا يجعلنا في محيط فلسطين. وكلمة يسوع توافق كلّ الموافقة أقواله في الاهتمامات. والتقليد اليوحناوي يؤكّد قدم الخبر في لوقا. 
أما ديباليوس فقد حلّل معطيات هذا الخبر، فلاحظ أن أسمَيْ مرتا ومريم يدلاّن على اهتمام خاص بشخصهما، ورأى أننا أمام خبر مركّز على شخص من الأشخاص: فكثافة النصّ وغياب كل التفاصيل الخيالية، تبرهن على قيمته التاريخية الحقيقية. أما مدلول الخبر الأصيل فقد يكون اسكاتولوجياً ويعني مجيء الملكوت. مثل هذه الملاحظات تستند إلى فكر يسوع حول طلب ملكوت الذي يمرّ قبل كل اهتمامات هذا العالم (12: 22- 31؛ مت 6: 25- 33).

3- معطيات يوحنا 
إن التقاء خبر لوقا مع بعض معطيات يوحنا، يؤكد الملاحظات السابقة. فالأختان اللتان لا يسمّيهما متّى ولا مرقس، تظهران في مقطعين هامين في يوحنا (11: 1- 44؛ 12: 1- 8). ثمّ، تظهر مرتا وهي "تخدم"، وهي تقدّم وجبة طعام (يو 12: 2). وتظهر مريم "عند قدمَيْ" يسوع (يو 11: 32). هذا ما نراه عند لوقا حيث تبدو مرتا تلك المرأة النشيطة المستعدّة لأن تتدخّل (يو 11: 20)، لا لتنفتح على السرّ (يو 11: 24- 39). أما مريم فدلّت على إحترام عميق للمعلّم (يو 11: 32) وسخاء كبير (يو 12: 3)، فجلبت على نفسها إنتقاد الناس الواقعيين (يو 12: 4- 5). نالت "موافقة" من يسوع (يو 12: 7)، وأثّرت صلاتها الصامتة على يسوع عند قبر لعازر أخيها (يو 11: 33). 
لا شك في أن خبرَي لوقا ويوحنا مختلفان. ولكن صورة الاختين وموقف يسوع تجاههما، هما متشابهان بحيث نعتقد أننا أمام تقليد مشترك. إحتفظ هذا التقليد ببعض المعطيات عن مرتا ومريم، فرأى في الأختين تلميذتين ليسوع متفانيتين: واحدة نشيطة. والأخرى منفتحة على سرّ المعلّم. في هذا التقليد بدت مريم نموذج الإيمان العميق ومرتا مثال الخدمة والضيافة لا سيما بالنسبة إلى المرسلين الذين ينتقلون من مكان إلى مكان ليكرّزوا بكلمة الله.

خاتمة 
إن خبر هاتين الأختين يدعو المؤمنين إلى التأمّل في طريقة تقبّل يسوع: تقبّل عبّرت عند الأجيال في سخاء الضيافة. ولكن هذا التقبّل لا يتجاوب ومجيء الرب إلاّ إذا انفتح على كلمة الرب وولج في سرّه.

 

 

الفصل الحادي عشر

الصلاة البنوية
11: 1- 13

موضوع هذا الإنجيل هو فاعلية صلاة واثقة وملحّة. فكما صلّى إبراهيم وأعاد الكرة ستّ مرّات ليحصل على خلاص سدوم (تك 18: 20- 32)، هكذا يتوسّل الصديق إلى صديقه ويلجّ حتى ينال ما يبتغيه. على مثل هذه الصلاة يحضّنا يسوع، لا من أجل خلاص مدينة أرضية، بل من أجل مجيء الملكوت، ومن أجل الحصول على الروح القدس. 
نرى في مقطوعة لوقا (11: 1- 13) هذه مقدمة (آ 1) ثم ثلاثة أقسام صغيرة: الصلاة الربية أو الأبانا (آ 2- 4)، مثل الصديق "المزعج" (آ 5- 8) تحريض على الصلاة إلى الآب المستعد دوماً أن يعطي ولا سيّما "الروح القدس للذين يسألونه" (آ 9- 13). 

أ- المقدّمة (آ 1) 
إهتمّ لوقا بصورة خاصة بنقل تعاليم يسوع عن الصلاة إلى الكنيسة. وهو يجمع هذه التعاليم في جزئين يكادان يكونان متساويين: 11: 1- 13 و18: 1- 14. الجزء الثاني خاص كله بلوقا. أما الجزء الأول ففيه عناصر من متّى في مقطعين من خطبة الجبل (صت 6: 9- 13؛ 7: 7- 11). ولكن مثل "الصديق المزعج" (11: 5- 8) هو خاصّ بلوقا فلا نجد ما يوازيه في سائر الأناجيل. 
إن العناصر الموازية في هذا الجزء الأول تشكّل عند متّى زيادات أقحمت بطريقة مصطنعة في شميلة التعليم الأخلاقي الذي تكوّنه خطبة الجبل. وإقحام مقطوعة لوقا في خبر صعود يسوع إلى أورشليم (9: 51 - 19: 27) يبدو مصطنعاً أيضاً. فالرباط بما سبق (يسوع في بيت عنيا عند مرتا ومريم، 10: 38 ي) هو غامض. "وحصل انه إذ كان في أحد الأماكن يصلّي". ولكن بما أنّ لوقا يوجّه عقول قرّائه إلى ما سيحصل في أورشليم في نهاية هذا السفر، لا بدّ لنا، إذا أردنا أن نفهم فكره، أن نلقي الضوء على زوايا النصّ منذ 9: 51: يتوجّه النصّ هنا نحو عطيّة الروح القدس (آ 13). لا شك في أن لوقا يوافقنا إن نحن فكّرنا بما سيرسله المسيح القائم من الموت إلى تلاميذه: "ما وعد به الآب" (24: 49؛ أع 1: 4). 
يستحيل علينا أن نعرف أين ومتى علم يسوع الصلاة الربّية لتلاميذه. إلا أنّ لوقا يعطينا بمناسبة هذا التعليم تفصيلين يختلف بُعد الواحد عن الآخر. أولاً: بعد أن صلّى يسوع نفسه في أحد الأماكن، سأله أحد تلاميذه: "يا رب، علِّمنا أن نصلي". هذه الإشارة خاصة بكرازة لوقا الذي يحبّ أن يرينا يسوع مصلّياً. فبحسب لوقا ولوقا وحده، يتمّ ظهور العماد (3: 21) وظهور التجلّي (9: 28- 29) حين كان يسوع يصلّي. ولقد اعتاد يسوع أن يصلّي في العزلة (5: 16؛ 9: 18؛ ق مر 1: 35؛ 6: 46). وصلاته تسبق اختيار الإثني عشر (6: 12)، وتسبق ضعف الإيمان عند بطرس (22: 32)، وتصبح ملحاحة في جتسيماني (22: 43-45). إذن الصلاة التي ينسبها لوقا إلى يسوع قبل أن يعلّم تلاميذه "الأبانا"، تتسجّل في مجموعة إشارات مماثلة خاصة به ومن تأليفه. نحن لسنا أمام خبر تاريخي دقيق، بل أمام طريقة تشدّد على معطية صريحة من التقليد الذي يؤكد على أنّ صلاة يسوع كانت متواترة، بل متواصلة، ويبين أن يسوع هو معلّم الصلاة لا بأقواله وحسب، بل بمثله وكل حياته. 
أما طلب التلميذ "يا رب، علّمنا أن نصلّي كما علّم يوحنا تلاميذه"، فهي تعود إلى ينبوع سابق. وإلاّ لما كان لوقا أدخلها وهو الذي يرى في الربّ يسوع المعلّم الواحد والوحيد. ولا يمكن أن تخترع الجماعة الأولى هذه العبارة للسبب عينه. لهذا نقول إننا أمام تذكر تاريخي.

ب- الصلاة الربية (آ 2- 4) 
سأل التلميذ فأجاب يسوع بعبارة نموذجية يجب أن تسير عليها كل صلاة مسيحية بصورة أو بأخرى. قدّم الصلاة الربية: "أيها الآب". ولكن نسخة لوقا أقصر من نسخة متّى، وتتضمّن إختلافات طفيفة في الأقسام المشتركة. يعتبر الشرّاح ان نصّ متّى يمثّل بطريقة أفضل النصّ الأصلي بسبب مناخه اليهودي. هناك النص اللوقاوي الأصلي أو الذي ينقله التقليد اللاحق، هناك تضخيم التقليد الذي ارتبط به متّى أو وجود تقليدين مستقلّين وقديمين معاً. لا فائدة من التوقف عند هذه المسألة التقنية التي لم تجد لها بعد جواباً. المهم هو أن نجمع غنى هذين التقليدين اللذين يحملان فكر يسوع سيّد الصلاة، مع العلم أن الإستعمال الليتورجي ترك جانباً نصّ لوقا وأخذ بنصّ متى. 

1- أيها الآب
هذا هو الشكل البسيط. هناك مخطوطات ترتبط بمتّى فتقول: يا أبانا أو أبانا الذي في السماوات. نجد هذا الشكل في صلاة بستان الزيتون: "أيها الآب، إن شئت" (22: 42). وعلى الصليب: "اغفر لهم أيها الآب" (23: 34). "يا أبت في يديك استوح روحي" (23: 46). 
في العهد القديم، الله هو "أبو" إسرائيل، وذلك بسبب الحماية التي أحاطه بها وقت الخروج، التي ما زال يحيطه بها في مصيره الجماعي أولاً (هو 11: 3- 9؛ إر 3: 19؛ ملا 1: 6؛ أش 63: 16؛ طو 13: 24) وفي مصير كل من مؤمنيه (أم 3: 12؛ سي 23: 1- 4؛ حك 2: 13- 18؛ 5: 5، النظرة الفردية جاءت متأخرة). وفي العالم اليهودي الفلسطيني في زمن المسيح، وعى الشعب وعياً خاصاً حبّ الله الأبدي لشعبه ولكل الذين يتمّون الشريعة، وإن اعتادوا أن يتجنّبوا النداءة "يا أبي". نجد العبارة المنادية "أبانا الذي في السماوات" عند الرابانيين وفي الصلاة اليهودية. ويعرف مر 11: 25 (أبوكم الذي في السماوات) العبارة في قرائن أخرى، وهي أقدم ممّا في لوقا. نشير أننا نقرأ في لو 11: 13 عبارة "أباكم السماوي" التي تشكّل تضميناً مع بداية الأبانا. وانتقلت أبوّة الله على أبرار إسرائيل، على "نسل أبناء الله" (مز 73: 1، 15)، إنتقلت بواسطة يسوع إلى جماعة تلاميذه. الأبانا هي صلاة المسيحيين بصورة خاصة، هذا دون أن ننفي جموع التلاميذ غير المعلنين الذين قال فيهم مر 9: 4: "من ليس ضدّكم فهو معكم". 
لقد استناروا استنارة كاملة بنور الفصح، فكيف لا يفكّرون، وهم يتلون هذه الصلاة "بأبي ربنا يسوع المسيح"؟ فيسوع الذي هو "الإبن" في معنى فريد (مر 12: 6 وز؛ 13: 32؛ لو 10: 22 وز) قد توجّه خلال حياته على الأرض إلى الله فناداه "أبّا" (مر 14: 36). نحن أمام روح عائلية لا نجد مثلها قبل يسوع. وحسب القديس بولس، يلهم الروحِ كل الذين صاروا "أبناء في الإبن" أن يقولوا بدورهم: "أبا، أيها الاب" (غلى 4: 6؛ روم 8: 15). فمنذ الفصح تعبّر الكنيسة عن وعيها، حين تصلي الأبانا، بأنها محبوبة بالحب الذي به يحيط الله إبنه الوحيد (رج يو 3: 1؛ يو 20: 17: يصبح أبي أباكم في ملء الأبوّة). هذا ما أراد لوقا أن يشير إليه حين حوّل العبارة الأولانية في متّى فقال كما قال المسيح: أيها الآب، أبا. لقد أرانا لوقا يسوع مصلّياً قبل أن يعلّم الأبانا لتلاميذه: ما يحمله إلى الكنيسة هو صلاته البنوية الخاصة، مع حفظ المسافة بين الخالق والمخلوق، لأنه الوحيد ولأن لا خطايا له يطلب عنها مغفرة. 

2- ليتقدّس إسمك! ليأتِ ملكوتك! 
هناك شواهد قديمة تقرأ: ليأتِ ملكك علينا. ظهر الملك، فليعرفه الكون والبشر. وهناك شواهد أحدث عهداً (مرقيون، غريغوريوس النيصي، مكسيموس المعترف) تقول: "ليأتِ روحك القدس علينا ويطهّرنا". لقد تأثرت هذه العبارة، ولا شك، بليتورجيا المعمودية. 
ليتقدّس، ليأتِ (ليتحقّق فينا). طلبتان في طلبة واحدة، كما في طلبات متّى الثلاث: قبل أن نعرض حاجاتنا نجعل نوايا الآب وكأنها نوايانا. واستعمال المجهول هو طريقة يهودية بها نتحاشى أن نذكر اسم الله إكراماً له: نطلب من الرب أن يقدّس اسمه بنفسه عبر إقامة ملكه على الأرض، وهكذا (حسب متّى) تتم مشيئته الخلاصية. 
النصّ الأصلي لا يقول: "لتكن مشيئتك". ولكن هناك مخطوطات توردها، وأخرى تزيد: "كما في السماء كذلك على الأرض". أما لماذا لم يحتفظ بها لوقا؟ لأنه اعتبر أن الطلبتين الأولى والثانية تتضمّنان الفكرة الموجودة فيها. 
يدلّ الإسم في التوراة على الشخص نفسه كما يظهر في نشاطه. وقداسة الله هي ما يميّزه عن كل شيء. هو الآخر الكلي بقدرته والمتعالي في حبّه (هو 11: 9). إذن، نصلّي إلى الآب أولاً ليظهر قدرته ورحمته. وحسب لوقا، لقد بدأ الله يظهرهما في مرحلة حاسمة بالمجيء الأول لابن الله: بما أن القدير صنع بمراحمه أشياء عظيمة في مريم ومن أجل مريم، فـ "اسمه قدّودس" (1: 49- 50). ولكن هذه المرحلة الأولى، التي هي عمل الروح القدس الذي كوّن في مريم "الكائن القدوس الذي سيولد" (1: 35) وقاده بعد ثلاثين سنة في رسالته المسيحانية (4: 1، 14، 18؛ 10: 21)، هذه المرحلة خضعت للظهور الأخير، ظهور الله القدوس، فتحقّقت نبوءة حزقيال تحقّقاً كاملاً: "أقدس إسمي العظيم... أجعل روحي في داخلكم" (حز 36: 20- 28). وهذا التحقّق يجد ينبوعه في سرّ الفصح والعنصرة قبل كماله في يوم المجيء الثاني. 
يرى التلميذ الذي يعيش في الكنيسة وفي النظام الذي بعد الفصح، يرى أن إرسال الروح القدس هو أمر آني. حصل الآن وهو يشركه في حياة الآب. ولكن عليه أن يطلب دوماً في صلاته هذا الروح (آ 13) لأن الروح لا يُعطى إلا كباكورة (روم 8: 23). فعلينا أن نسال لكي تصل دينامية ما هو مؤقت إلى الهدف النهائي بتدخّل ساطع من عند الله. 
ونعبّر عن هذا الرجاء الاسكاتولوجي عينه بالطلبة التالية: "ليأت ملكوتك"! إستعمال الصيغة اليونانية للفعل يدلّ على اننا أمام حدث محدّد، تدخّل فريد ونهائي من قِبَل الله الاتي ليحقّق ملكه أخيراً وسط البشر رغم كل العوائق والصعوبات. إعتبر اليهود أنهم أمام واقع غير محدّد وهو الذي أنبأ به مي 4: 6- 7؛ أش 52: 7. وقد قالت صلاة "قديش": "ليكن مقدساً اسمك العظيم في العالم الذي خلقته حسب مشيئتك. ليملك ملكك وينبت فداؤك وليقترب مسيحك (الملك)". وبالنسبة إلى الرسل الذين يسمعون "ذلك الآتي" (7: 19)، فملكوت الله هو حاضرٌ منذ الآن بينهم (11: 20؛ 17: 21) بنشاطات يسوع المسيحانية، ولكن بشكل متواضع وخفيّ. فعليهم أن يصلّوا لكي تصبح حبّة الخردل الصغيرة "الشجرة الكبيرة" التي تحدّث عنها الأنبياء (حز 17: 23؛ دا 4: 9، 8= لو 13: 9 وز). وأخيراً، بعد الفصح، سيرفع المؤمنون أنظارهم، وهم الذين نالوا باكورة الملكوت في الروح القدس، إلى تتمّة هذا الملكوت بالقيامة (1 كور 15: 50). إن صلاتهم إلى الآب "ليأتِ ملكوتك"! تتوافق مع صلاتهم إلى الرب الذي ينتظرون مجيئه المجيد "ماراناتا" (1 كور 16: 22): "تعال ايها الرب يسوع" (رؤ 22: 20).
إذ القسم الأول من الصلاة الربية هو صلاة إيمان ورجاء إلى ذلك الذي يُنتظر منه أن يكمّل قصده الخلاصي. ولكنه لا يبعدنا مع ذلك عن اهتماماتنا الأرضية. فالعهد القديم يعتبر أن إظهار قداسة الله أو مجده (رج لا 10: 3؛ حز 28: 2) هو عمل البشر (عد 27: 14؛ تث 32: 51؛ أش 8: 13؛ 29: 23). نحن نهيّئ الطريق لهجمة عالم جديد بسلوك مقدّس (1 بط 1: 15- 16) نجتذب فيه رفاق الدرب ليمجّدوا الله في يوم الإفتقاد (1 بط 2: 12)، بحرب من أجل إحلال العدالة والمحبّة بين البشر. وهكذا نكشف بعض الشيء عن قداسة الله. وعلى صورة عبد الله السامي (أي يسوع) وفيه، يبقى علينا نحن "العباد المساكين" (17: 10) أن "نظهر إسم الاب" (يو 17: 6، 26). 

3- أعطنا الخبز الذي نحتاج إليه كل يوم 
ويحتاج الإنسان الضعيف والخاطئ إلى الخبز والمغفرة والعون على الشرّ، لكي يعيش في انتظار مجيء الملكوت. وحين يطلب كل هذا، فهو يتدرّب على الإتّكال البنوي على الله. 
كان طلب الخبز اليومي معروفاً في العالم اليهودي (رج أم 30: 8). لا يبدو أن يسوع يجعلنا نطلب الخبز من أجل الغد، أعنى بكلامه طعام الأرض أم طعام الملكوت (14: 15؛ 22: 30). فلفظة "ابيوسيوس" الفريدة في كل الكتاب المقدّس هي أكثر من غامضة لتسمح لنا بإسناد بعض التفاسير. إنّ "هي أبيوسيا" (هامارا) قد تعني في الغد في أع 7: 26 ("ورأى في الغد إثنين")؛ 16: 11 ("وفي الغد إلى نيابوليس"). فالشرّاح يستندون إلى أع وإلى الإنجيل المنحول، إنجيل العبرانيين، الذي يفترض (حسب ايرونيموس) أن يسوع استعمل الكلمة الأرامية "محر" (أي: الغد). ولكن قد يكون هذا الإنجيل المنحول فسّر خطأ كلمة "ابيوسيوس" التي لم يفهمها كما وجدها في إنجيل متّى القانوني. وقال آخرون إنّ يسوع صلّى الأبانا في العبرية لا في الأرامية. وجاءت الطلبة الرابعة تتذكر خر 16: 4 ("طعام كل يوم بيومه") فتقول: "أعطِنا خبزنا اليومي". فإذا عدنا إلى ما تتضمّنه اللفظة العبرية، تقابل كلمة "يومي" (الضروري من أجل اليوم الحاضر) في الوقت عينه "ابيوسيوس" وعبارة "كل يوم" (لوقا) أو "اليوم" (متّى). طلب لوقا الخبز لكل يوم، لأنه ينظر إلى الحياة المسيحية في مداها كما في 9: 23 (يحمل صليبه كل يوم: كات آمران). نحن مع لوقا في نظرة يونانية لا نظرة فلسطينية كما في مت 6: 34: "لا تهتفوا للغد. فالغد يهتمّ بنفسه. ولكل يوم من المتاعب ما يكفيه". 
مهما يكن من أمر الترجمة، فمن الواضح أننا لسنا أمام تأمين "على المستقبل". فيسوع يدعو تلاميذه ليطلبوا كل يوم بيومه الطعام الذي يحتاجون إليه. إنهم واثقون أن الله يوزعّ عليهم كلّ يوم طعاماً، على مثال ما فعل مع بني إسرائيل في البرّية، حين أعطاهم المنّ كل يوم بيومه (خر 16) حتى وصلوا إلى أرض الميعاد (يش 5: 12). 
صلاة الأبانا هي صلاة الفقراء، لا صلاة الناس المتخمين. صلاة أناس مجبورين أن يعيشوا كل يوم بيومه كما كان يجمع بنو إسرائيل زادهم اليومي من المنّ. فضل لوقا عبارة "كل يوم" وترك عبارة متّى "اليوم" واستعمل الفعل في صيغة الحاضر (في اليونانية) التي تدل على التكرار، فشدّد على فضيلة الفقر العزيزة على قلبه: لا زاد لتلاميذ المسيح (10: 8)، ولهذا فهم يحتاجون إلى طعام يرسله الله كما لأبنائه، لا "اليوم" فقط، بل "كل يوم". 
هذه الصلاة قريبة من الخطبة عن العناية الإلهية (12: 22- 32)، وهي لا تدعونا إلى الكسل والتهرّب من العمل. فعلى الإنسان "أن يخضع الأرض" (تك 1: 28)، أن "يأكل خبزه بعرق جبينه" (تك 3: 19). ولكن على التلاميذ أيضاً أن يعبّروا للآب الذي يعبدون، عن ثقتهم بأن حياتهم ترتبط بجذورها برحمته، بأنهم يحتاجون إلى حنانه (نعمته) ليتغلّبوا على الشرّ الذي فيهم وفي الآخرين، الذي يقف حائلاً بينهم وبين العمل، بين العمل وثمرته. 
وحين نستعمل صيغة المتكلم الجمع ("خبزنا" نحن)، نتذكّر اننا أمام صلاة جماعية. نسأل الخبز الذي نتقاسمه كلنا كعلامة فاعلة عن الإتحاد الأخوي والاهتمام بالفقراء، على مثال ما نفعل مع الخبز الافخارستي. 

4- اغفر لنا خطايانا لأننا نحن أيضاً غفرنا (عفونا) لمن هو مدين لنا، لمن أساء إلينا 
تحدّث متّى عن الدين. أما لوقا فتحدّث عن الخطايا أولاً، ثم عاد إلى الدين في الشق الثاني من الطلب. وهذا ما سيفعله في 13: 2، 4. وإذ يحدّد متّى موقع الغفران الأخوي في اللحظة التي تسبق الصلاة، فإن لوقا يجعله يمتدّ إمتداد الحياة المسيحية. 
إن الحاجز الاكبر بوجه رجائنا بالملكوت وبوجه خبز نشارك فيه، هو الخطيئة. يستعمل لوقا كلمة خطيئة ولكنه يحتفظ في الفعل بالصورة اليهودية القانونية التي تتكلّم عن الديون. نحن مدينون لا نستطيع أن نفي ديوننا (7: 42)، ولهذا نسلّم ذواتنا إلى سخاء الرب المستعد دوماً إلى أن يغفر كما وعد بواسطة أنبيائه ليوم الخلاص (إر 31: 34؛ حز 36: 33؛ زك 13: 1). وهذا الغفران الذي لا نستطيع بدونه أن نحيا في صداقة مع الله وفي احترام ذواتنا، هو ضروري لنا ضرورة الخبز وأكثر. فالمسيحيون يعرفون ثمن هذا الغفران أكثر من التلاميذ قبل الفصح. فهم يتأمّلون في الصليب الذي عليه سفك المسيح، صديق الخاطئين (مت 11: 19)، دمه في النهاية "لغفران الخطايا" (مت 26: 28)، سفكه وهو يحمل كلمة الغفران على شفتيه (23: 34). أجل، لقد سمع المؤمنون إعلان "التوبة من أجل غفران الخطايا" (24: 27) ونالوا المعمودية باسم المسيح من أجل هذه المغفرة كما قال بطرس لسامعيه يوم العنصرة (أع 2: 38): "توبوا وليتعمّد كل واحد منكم باسم يسوع المسيح فتُغفر خطاياكم ويُنعم عليكم بالروح القدس". ولكنهم يضعون بنفوسهم شرطاً يمنعهم من تلاوة الأبانا إن لم ينفّذوه: أن يغفروا لمن لهم عليهم دين. نحن أبناء سبقتنا رحمة الله بكل شكل، فلا نستطيع أن نتعلّق بها إن لم نترك غفرانه يحرّك غفراننا ومحبّته تمرّ فينا لتدرك الذين أساؤوا إلينا (6: 36- 37؛ مت 6: 14- 15، 18: 23- 25؛ مر 11: 25؛ يع 2: 13). ويقدم لوقا هذه المتطلبة بشكل جذري ملاحظاً أنها تنطبق على كل إنسان: مهما كان جرحنا عميقاً، فلا طريق لشفائه إلا بمقاسمة الله في محبته مقاسمة تجعلنا ننسى الإساءة. نحن هنا على محكّ الممارسة المسيحية. 

5- ولا تسمح أن ندخل في تجربة، لا تعرضنا للتجربة، لا تدخلنا في التجربة 
إن الطلبة الأخيرة في الصلاة الربية حسب متّى تجد لها تعبيراً سلبياً ("لا تدخلنا في التجربة")، ثم تعبيراً إيجابياً ("نجّنا من الشرير"). ترك لوقا التعبير الإيجابي واكتفى بالتعبير السلبي، وسنتعرّف الى السبب فيما بعد. ولكن نلاحظ أنّ لفظة "بيرسموس" عند متّى لا تعني المحنة الخيّرة (تث 8: 2؛ حك 3: 5- 6) بل التجربة التي تأتي من الشيطان. 
هل يُعقل أن يدخلنا الله في مثل هذه التجربة كما يقول الفعل اليوناني في معناه الدقيق؟ لن نتوقّف عند المناقشات التي يثيرها غموض الجملة، ولكننا نختار عبارة مخفّفة: "لا تسمح أن ندخل". وما يسند موقعنا هو صعوبة العبرية والأرامية على التمييز بين: "لا تدخل" وبين "افعل أن لا ندخل". في النصّ الأولاني وعند متّى، كان الحديث عن التجربة الاسكاتولوجية الكبرى، تجربة التخلّي عن الإيمان والتراجع عن السير وراء يسوع. وهذه التجربة كانت مخيفة إلى حدّ دعا يسوع تلاميذه ليصلّوا إلى الله حتى يمنعهم من الدخول فيها. ولكن لوقا يشير في معرض تفسيره لمثل الزارع إلى هذا السقوط الذي يتأتّى من المحنة اليومية (بيرسموس، 8: 13) ولا ينتظر الحرب الأخيرة بين الله والشيطان. إذن، علينا أن نتوسّل إلى الآب ليجنّبنا الدخول في مثل هذه المحنة (بمعنى التجربة) إذا لم نكن (رغم نعمته) أقوياء بما فيه الكفاية "لنخرج" (1 كور 10: 13) منها بدون ضرور لأمانتنا المسيحية. ومن المعقول أن لوقا أراد أن يسهّل هذا التكيّف على الوضع الحاضر فألغى القسم الثاني المتحدّث عن "انتزاعنا من يد الشرير". حين ألغى لوقا هذه النقيضة نقل الطلبة من العالم الاسكاتولوجي إلى حياة المسيحي العادية (8: 13؛ 22: 40). 

ج- مثل الصديق المزعج (آ 5- 8) 
أتبع متّى صلاة الأبانا بآيتين (6: 14- 15) تشكّلان تفسيراً لطلب الصفح الإلهي المشروط بالغفران الأخوي. أما لوقا فأدخل مثل الرجل الذي أيقظه من نومه صديقٌ يطلب منه ثلاثة أرغفة: أجبره على النهوض، أيقظ أسرته كلها، دفعه إلى أن يزيل القفل عن الباب أو المزلاج. إن كلمة "أرغفة" تربط المثل بالطلبة المتعلّقة بالخبز اليومي. ولكن هذا الأسلوب المصطنع يساعدنا هنا على تجميع عدة مقاطع تعالج موضوع الصلاة تجميعاً منطقيّاً. 
إنّ مثل الصديق المزعج هو خاص بلوقا، شأنه شأن المثل التوأم، مثل القاضى (8: 2- 8) الذي تزعجه إمرأة مظلومة. كلا المثلين يقدّمان درساً واحداً عن الثقة لأن صلاتنا تُستجاب. وكلاهما يتضمّنان برهاناً مبنياً على أداة "بالحري" ليقدّما لنا أمثولة: إذا كان صديق ضيّق القلب، إذا كان قاضٍ لا ضمير له قد لبّيا طلب طالب منهما، فكم بالحري يستجيب الله من يطلب منه بإلحاح! 
لا شكّ في أن "وقاحة" الصديق المزعج وعناد الأرملة التي أزعجت القاضي، هما صورة عن الجرأة والمثابرة في الصلاة. هذا ما يشدّد عليه لوقا في خبر الأرملة: "وكلّمهم بمثل على وجوب المداومة على الصلاة من غير ملل" (18: 1). ولكن الشخصين الرئيسيين ليسا الصديق المزعج ولا الأرملة، بل الشخص الذي رغم انزعاجه أعطى الطالب مطلبه، والقاضي الذي انصف الأرملة ليرتاح من لجاجتها. هذان الشخصان اللذان لا يحبّهما القارئ يمثلاًن الله بقدر ما يستجيبان طلبة شخصين يتوسّلان إليهما. أما على مستوى البواعث فالتعارض كامل، وصورة القاضي الظالم رسمت بالفحم الأسود. ونقول أيضاً عن الصديق المنزعج: لم يعط صديقه لأنه صديقه بل ليرتاح من لجاجته. أبرز لوقا هذين الوجهين "البشعين" ليستطيع أن يقدم برهانه المبني على أداة "بالحري". إذا كان قاض لا يخاف الله ولا يهاب الناس فعل هكذا، فكم بالحري ينصف الله مختاريه الذين يصرخون إليه نهاراً وليلاً.
لم يطبّق لوقا مثل الصديق المنزعج على الله، ولكنه سيطبّق الفكرة في الآيات التالية، فتظهر البرهنة واضحة في النهاية: إذا كان الناس الأشرار يعرفون أن يعطوا "العطايا الصالحة" لابنائهم، فكم بالحري الآب السماوي الذي هو الصالح وحده. 

د- الاب يستجيب الصلاة (آ 9- 13)
1- تطبيق على مثل الصديق (آ 9- 10) 
حين بيّن المثل طريقة عمل الله، دفع سامعي يسوع إلى صلاة جريئة واثقة ومداومة. فالكلمات التي تلي، تقدّم النتيجة الطبيعية في أسلوب سام، وإن يكن يسوع قد تلفّظ بها في ظروف أخرى، بما أنّ الله لا يستطيع في صلاحه إلاّ أن يسمع صلاة أبنائه، فتصرّفوا كما تصرّف الصديق الذي قرع بيت جاره لينال خبزاً: إسألوا يُعطى لكم (الله يعطيكم). أطلبوا تجدوا. دقّوا الباب يُفتح لكم (يفتح الله لكم). إن صورة الباب الذي يُقرع تتماسك مع "وقاحة" الصديق في المثل. وصورة الطالب تشير إلى موقف الشحاذ الذي لا ينال صدقة إلاّ إذا كان جريئاً وقرع الباب بعناد. والدرس الرئيسي هو درس لاهوتي: لا شك في أن الله يستجيب الذين يدعونه. ويأتي الإستنتاج فيفرض نفسه: إذن صلّوا بثقة وإلحاح. 

2- مقابلة الأب والأبن (آ 11- 13) 
عاد يسوع في بداية مثل الصديق المزعج إلى خبرة سامعيه اليومية: "من منكم" (آ5)؟ وها نحن نجد هنا الأسلوب التربوي عينه: "فأيّ أب منكم"؟ في الحالتين يلقي السؤال النور على الشخص المركزي عينه، على الله. ولكننا نقرّ أننا نرتاح حين نرى صورة الله في وجه أب يجيب على طلب ابنه، لا في وجه صديق ينزعج من صديقه. غير ان النصّ يشدّد هنا أيضاً على التعارض بكلمة "شرير" (آ 13) التي هي جوهرية من أجل مسيرة البرهان: "فإذا كنتم أنتم الأشرار تعرفون كيف تحسنون العطاء لأبنائكم، فما أولى أباكم السماوي! انه سيكون صالحاً تجاه الذين يسألونه". لا يذكر النصّ "شرّ" السامعين في حدّ ذاته، ولا من أجل نيّة هجومية ضدّ الفريسيين، بل ليبرز صلاح الله الذي يسمّى "أباً": انه الصالح والصالح وحده (18: 19 وز) وتجاهه كل إنسان هو شرّير (رج روم 3: 10- 18). وهو الحق وتجاهه كل إنسان هو كاذب (روم 3: 4). 
إذن، نحن دوماً أمام الدرس عينه: الآب يستجيب في صلاحه صلاة التلاميذ. لا تتحدّث آ 11-13 عن الثقة المستمرّة التي تنتج من هذا اليقين. ولكن، حين لم يقل المثل وتطبيقه (آ 5- 10) أيّ شيء عن موضوع الصلاة، فإن مقابلة الآب الذي لا يعطي ابنه حية عوض السمكة المطلوبة، ولا عقرباً عوض البيضة المطلوبة، تدفع يسوع بصورة طبيعية إلى أن يخبرنا عمّا يعطي الله. قال متّى: يعطينا أشياء صالحة. وحدّد لوقا: يهب الروح القدس. 
نحن لا نرى إمكانية تطوّر التعبير من لوقا إلى لفظة متّى الغامضة وغير المحدّدة، ولكن تحوّلاً أراده لوقا وهو إنجيلي الروح القدس والصلاة. هذا ما يبدو معقولاً جداً. الروح هو قدرة تفعل وتحوّل، وهو شخص حي: انه أسمى "عطية صالحة" تؤمّن تقديس الإسم في المستقبل (حز 36: 20- 28؛ رج 37: 14؛ 1 تس 4: 7- 8). إنه باكورة الملكوت الذي نطلب مجيئه، وهو الذي يمنحه الآب لصلاة إبنه الحبيب (3: 21- 22) ويستعد أن يرسله دوماً إلينا نحن أيضاً ليعلّمنا أن نحيا كأبناء ولنجعل صرخة أخينا الأكبر صرختنا: أبا، أيها الآب. 
وهكذا نرى تقابلاً بين تصحيح لوقا حين قال: أيها الأب، لا أبانا الذي في السماء، وبين تصحيحه الآخر حين ذكر الروح القدس. وهكذا جعلنا في إطار ثالوثي. نصلّي مع الإبن إلى الاب فننال الروح القدس. 

خاتمة
حين قدّم يسوع لتلاميذه نموذج صلاة، سلّم إلينا نحن أيضاً صلاته البنوية الخاصة المشدودة كلها نحو تمجيد اسم الله (يو 12: 28) وتتميم ملكوته. في هذا الضوء، تصبح صلاة الطلب نفسها سجوداً وعبادة، فتستقي من كمال مخطّط الله اليقين بأنها ستستجاب بصورة أو بأخرى. بعد هذا لن تظهر كبقيّة ديانة سحرية نعرّف بها الله بما نحتاج إليه ونحصل منه بالإكراه على ما يجب أن ننتظره من المجهود البشري. هذه الصلاة تعبّر عن ثقة التلاميذ بالله وتدرّبهم على هذه الثقة، كما تجعلهم فرحين أن ينالوا من الآب القوة اليومية ليحصلوا على خبز يشاركون فيه الآخرين، أن ينالوا منه ما لا تستطيع أي تقنية بشرية أن تعطيهم: الثقة بالحصول على الغفران، التغلّب على التجربة، الروح القدس الذي يحوّل القلوب على مثال الإبن ويلهمهم صلاة الابناء. فيقولون: ابا، أيها الأب ليتقدّس اسمك، ليأتِ ملكوتك.

 

 

الفصل الثاني عشر 

يسوع وبعل زبول

أ- المعجزة: انتصار يسوع على الشيطان (آ 14 أ)
1- داخل الصعود إلى أورشليم 
إعتاد لوقا في هذا القسم الطويل والمبتكر من إنجيله، الصعود إلى أورشليم (9: 51- 19: 28)، أن يعطي إشارات عن موضع المعجزة التي يذكر. أما متّى فيحدّد موقع هذه المعجزة في الجليل (مت 12: 22- 29). لا نتأخّر في البحث كيف نوفّق بين المعطيين الطوبوغرافيين. هناك من قال إن هذا التقسيم قد تمّ بعد أن "عزم على أن يتوجّه إلى أورشليم" (9: 51)، ولكن قبل أن يعبر حدود الجليل (متّى). إنه حلّ لا يرضي كل الأذواق. 
ومهما يكن من أمر، يبدو أن لوقا، أو المرجع الخاص الذي استعمله في هذا المقطع، يقدّم هذه الصعود إلى أورشليم في منظار محدّد. هو أكثر من مسيرة اتَّبعها يسوع ليذهب من الشمال إلى الجنوب، من كفرناحوم إلى أورشليم. انها بالأحرى مسيرة لاهوتية. لا شكّ في أننا أمام انطلاقة مادية تصل بنا إلى اليهودية. ولكن هذا الصعود يعني خاصة صعود يسوع المنتصر إلى أورشليم. أورشليم هي المدينة التي تقتل الأنبياء (13: 34؛ 20: 47) وهي أيضاً مدينة صهيون الاسكاتولوجية، ومركز انتشار كلمة الله إلى العالم كله (24: 47؛ أع 1- 2؛ غل 1: 18؛ 2: 1- 10). 
تتواجه صورتان عن أورشليم. أورشليم الموت لأنها تعطي الموت وهي مهيّاة للموت (19: 41- 44؛ 21: 20- 24). وأورشليم الحياة لأنها تقبّلت بلاغ السلام (19: 41- 44، 47؛ 21: 37) وحملته إلى العالم (24: 47، 49، 52). إنهما تتعارضان في مخطّط الله، ولكن الواحدة ترتبط بالأخرى ارتباطاً سرّياً: الأولى تعارض الثانية وتسلّم المخلّص إلى الموت، فتكون سبب انتصاره الفصحي. 
بعد هذا، لن نطلب من الإنجيلي تحديداً طوبوغرافياً دقيقاً. فعبر ظاهر الشيء، نبحث معه عن مدلول ديني ولاهوتي، ونتساءل كيف أن هذا التقسيم والجدال الذي يتبعه يفهماننا فهماً أفضل صعود يسوع إلى موضع مجده. هذا مع العلم أن لوقا سيوضح في مكان آخر العلاقة بين إخراج الشياطين والصعود إلى أورشليم. في 13: 32- 33 حيث السياق والبرهان لا يبتعدان عن المقطوعة التي ندرس، نكتشف هذه العلاقة. 

2- التقسيم علامة الإنتصار الفصحي واستباق له 
معجزات يسوع هي بصورة عامة علامات عن ملكوت الله الفاعل. هي لغة لمن يعرف أن يفهمها، كما يقول اغوسطينس. فالمسيح هو كلمة الله، وأعماله هي لنا كلمة وفعل. إذن، يجب أن نسمعها كوحي عن الله يُسرّه في قلوب المؤمنين ويجعلهم يتذوّقونه في الصمت والصلاة. 
والمعجزة الواردة هنا هي من نوع خاص، لأننا أمام طرد شيطان وشيطان أخرس، لأننا أمام تقسيم. وإذا أردنا أن نفهم مدلولها، ننظر إليها في إطار أوسع هو إطار صراع يسوع ضدّ الشيطان. هذا ما يشكّل خلفية الإنجيل الثالث كله وبصورة خاصة الصعود إلى أورشليم. 
بدأ هذا الصراع منذ بداية حياة يسوع، ولن ينتهي إلا مع ارتفاع ابن الإنسان على الصليب وتدمير سيّد هذا العالم بعد أن سقط عن عرش اغتصبه. 
لو خرج الشيطان منتصراً (4: 2 ي) بعد المواجهة الأولى، لعاود الكرّة (4: 13). وقد قام انتصار يسوع هذا الأول على الشيطان برفض مسيحانية زمنية وسياسية، مؤلّفة من الترف والمجد والقوة البشرية. كما قام بتأكيد واضح وقوي على اختيار نهائي لوسائل الرسالة التي أرادها الآب والتي قاسمُها المشترك هو التواضع والفقر: الصوم، التأمّل بكلام الله الذي يُعتبر طعاماً حقيقياً، الصلاة التي تمتدّ طويلاً في العزلة، الخضوع لمخطّط الله.
هذا الإنتصار الأول يُلقي الضوء على التسلّط الذي سيمارسه يسوع فيما بعد على الشياطين والأرواح النجسة. فإن كان ليسوع مثل تلك القوة وذلك السلطان عليهم (9: 1)، فذلك يعود إلى أنه ينعم برضى الآب (3: 22)، أنه ممتلئ من الروح القدس (4: 1): بكلمة واحدة من فمه، بالدعاء باسمه، يتحرّر الممسوسون ويُشفى المرضى (8: 28- 29، 32؛ 10: 17). وأمام مثل هذا السلطان الذي لا يقدر الشياطين والأرواح النجسة ان يقاوموه، يستولي عليهم الخوف (4: 33 ي؛ 8: 28) وكأنهم فهموا أن يسوع جاء يضع حدّاً لملكهم، وكأنهم رأوا فيه قوّة روح الله. 
وفي الواقع، إن كل تقسيم يقوم به يسوع أو تلاميذه الذين أشركهم في سلطانه الروحي (9: 1؛ 10: 19- 20؛ أع 5: 16؛ 8: 7)، كل تقسيم هو علامة تراجع مملكة الشيطان واقتراب ملكوت الله (10: 18؛ 11: 1- 2). ولهذا يجعله الإنجيلي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالكلمة التي تعلن مجيء الملكوت (6: 18- 19؛ 7: 21- 22؛ 8: 1- 2؛ 9: 2- 6)، ويلاحظ ان الشيطان يهاجم الكلمة (8: 12) كما يهاجم الإبن نفسه.
وهكذا يُلقي طردُ الشيطان الأخرس الذي يورده لوقا، نوراً خاصاً على صراع يسوع وانتصاره هذا. 
وأخيراً، يجب أن نلاحظ بأي إيجاز تمّ هذا التقسيم. في هذا العمل الخارق بدا عمل يسوع بسيطاً جداً وعظيماً جداً. إبتعد عن كل ظهور، فاكتفى ببضع كلمات، بفعلة، بلمسة رمزية فانحلّت الألسن.
ب- ردّات الفعل لدى البشر (آ 14 ب- 16) 
ربط لوقا بمعجزة شفاء الأخرس عناصر متنوّعة نجدها عند سائر الإنجيليين في سياقات أدبية مختلفة. فمرقس (3: 22) مثلاً لا يحدّد موقع الجدال عن رئيس الشياطين بالنسبة إلى معجزة محدّدة، بل يربطه بمجيء الكتبة من أورشليم. وإذا كان مت 9: 32- 34 قد جعل هذا الجدال يبدأ بعد شفاء المتشيطن الأخرس، فهو سيستعيده ويمدّه الى ما بعد (مت 12: 22- 24) فيزيد عناصر لا نجدها عند لوقا. بالإضافة إلى ذلك، يختلف ترتيب الاخبار بين متّى ولوقا. 
إذن، نحن هنا أمام تجميع أدبي لعناصر منفصلة كرونولوجياً في رسالة المسيح التاريخية. وقد تكون "دعوى الرياء" هي التي أشرفت على ردّات الفعل التي جمعها لوقا أمام معجزات يسوع. 

1- الجموع 
نحن أمام الشعب المتميّز عن الكتبة والفريسيين والرؤساء. إنه يتعجّب، كما يقول الإنجيلي (آ 14 ب). فدعوى اهل الرياء لا تعنيه، أقلّه في هذا المقطع. 

2- المفترون 
"لكن بعضهم قال..." (آ 15). حسب مر 3: 22، نحن أمام كتبة جاؤوا من أورشليم ففسّروا عجائب يسوع على أنها معجزات شيطانية. لقد قامت مهمتهم التقليدية في الشعب بان يكفلوا نقاء التقليد. إنصدموا أولاً بموقف يسوع الناصري من تقاليدهم، فانتهوا الى معارضته بكل الوسائل بما فيها الإتهام والإفتراء المهين بأن فيه شيطاناً: وهذا اسلوب استعملوه أيضاً مع يوحنا المعمدان (7: 33). إذن، يبدو اننا أمام تدخّل الكتبة. 
"ببعل زبول". ترجمت الشعبية اللاتينية: بعل زبوب أي بعل الذباب المذكور في 2 مل 1: 12، 3، 6، 16. ولكن هذا اللقب المحقر ينتج عن تلاعب في الألفاظ على كلمة تعني "بعل الأمير" الذي سيسمّيه التقليد اليهودي المتأخر: أمير الشياطين. 

3- وطلب آخرون آية من السماء
وأقحم لوقا آ 16. ثم إن الجواب في آ 17 يتجاهل ما طلبوه في آ 16 ويحتفظ بالرأي المذكور في آ 15. فإن ألغينا آ 16 وجعلناها (كما يقول بعض الشرّاح) بعد 11: 29 نحصل على تواصل كامل بين آ 15 وآ 17. فالمقابلة مع مت 12: 24- 25 ومر 3: 22- 23 تسند هذه الطريقة في النظر إلى الأمور. إلا أننا نظنّ أننا لسنا هنا أمام زلقة وقعت بالصدفة، بل أمام هدف أراده لوقا ليهيئ منذ الآن، وحسب عادته الأدبيّة (رج 21: 37؛ 22: 39) آ 29- 32. إذن ادخلت آ 16 في هذا المكان كعنوان ثانٍ مسبَّق. 
من هم هؤلاء المقاومون الجدد؟ لم ينكر الأولون طرد الشياطين. إعتبروا انه يجب أن يُنسب إلى بعل زبول. أما هؤلاء فاعلنوا أنهم غير راضين عن معجزات تمّت على مستوى الأرض: فالبرهان الساطع الذي يطلبونه والذي وحده يدلّ على صدق المسيح المنتصر، يجب أن يأتي من السماء (رج يو 2: 18؛ 6: 30). وقد تتضمّن هذه العلامة (الآية من السماء، هذا في فكرهم) إشارة اسكاتولوجية (21: 11؛ رؤ 6: 12). حسب مرقس (8: 11)، نحن أمام الفريسيين. حسب متّى (16: 1- 4)، أمام الفريسيين والصادوقيين. نفضّل مرقس الذي يبدو أكثر دقّة. ثم ان لوقا يميّز أيضاً بين الفريسيين (11: 39- 44) والكتبة (11: 45- 52) حين يتّهمهم يسوع بأنهم يُهملون العدل ومحبة الله... أما في المقطع الموازي، فإن مت 23 يخلط بين الفئتين داخل توبيخ واحد: "الويل لكم أيها الكتبة والفريسيون". 
ومهما يكن من أمر، فكل هؤلاء المقاومين ينتمون إلى "الجيل الشرير" (11: 29، 51). إختفت ردّة الفعل عندهم. ولكن حين يعبّرون عنها فإنهم يربطونها بمعجزة محدّدة. وبعد أن جعل لوقا الأشخاص كلاً في مكانه، بدأ يحدّثنا عن تصرّف المسيح تجاههم.

ج- يسوع تجاه ردّات الفعل عند البشر 
"أمّا هو فعرف أفكارهم وقال لهم..." (آ 17 آ)
لا يبدو يسوع مربّياً ينظر إلى الأمور من الخارج، ويحسب حساب فعلات وأقوال مادية أظهرها محاوروه. لا. فلوقا يشدّد مرّة أخرى (9: 47) على أنّ المعلّم يلج الى القلوب بسلطته السامية. 

1- المثل الأول: كشف القلوب (آ 17 ب-18) 
أولاً: معنى المثل واضح منذ الوهلة الأولى: ان صورة بيوت ينهار بعضها على بعض تدلّ بصورة عامّة على الخراب الذي يرافق موت السكان (13: 4؛ 20: 18؛ 23: 30). وحين طبّق يسوع هذا المثل على الشيطان، برهن عن طريقة العبث، ان ما يتهمه به أعداؤه باطل هو: "فإن كنت ببعل زبول أطرد الشياطين، فبمن يطرده أتباعكم" (آ 19 أب)؟ 
لقد لجأ يسوع الآن إلى برهان نسبي. يقبل محاوروه بالتقسيمات التي يمارسها أبناء دينهم، ولكنهم معلّمو هؤلاء المقسمين. هؤلاء المقسّمون هم "أبناؤهم" وهذا ما يدلّ على العلاقة الروحية بين المعلّم والتلاميذ. 
ولا يرفض الكتبة نشاط هؤلاء المقسّمين، ولا يتّهمونهم بالكذب أو بالتوافق مع العدو الأكبر (الشيطان)، حتى وإن استعملوا وسائل لاستمالة الشيطان (كما يقول يوسيفوس في القديميات اليهودية)، أو دعوا باسم يسوع (أع 13: 18؛ رج لو 9: 49). بعد هذا، أجبر المفترون على يسوع أن يعوا نوعية "قلبهم": إنهم يحكمون على الأمور بمكيالين ومقياسين بالنسبة إلى أتباعهم أو بالنسبة إلى ابن الإنسان. لماذا؟ بسبب نوايا قلوبهم السيّئة. 
ولكن يسوع المربّي الأسمى لم يعتد أن يترك محاوريه في جوّ من الخزي المرّ. لهذا سيدعوهم إلى التفكير في موضوع يهمّهم، في موضوع على مستواهم.

ثانياً: تربية العقل
"فبمن يطرده اتباعكم" (آ 19 ب)؟ يعتبرون أن اصبع الله يعمل عبر عمل المقسّمين. فلماذا لا يطبّقون الحكم عينه على عمل يسوع المحرّر والذي يعمل بسلطان لا سلطان فوقه؟ وإذ أراد يسوع أن يساعد عقولهم المتردّدة، أبان بخفاء النتائج الخطرة التي يجرها رفضهم التعلّق بالحق، وعدم التزامهم. ولهذا يقول يسوع: "لذلك هم يحكمون عليكم" (آ 19 ج). 
الفعل هو في المضارع. هل نحق أمام مستقبل اسكاتولوجي؟ في هذه الحالة يشير يسوع إلى الدينونة الأخيرة. ولكن إن كنّا في مستقبل تاريخي قد بدأ منذ الآن، نفهم أن المقسّمين اليهود الذي يعملون مثله (9: 49) يشهدون ليسوع: فالغلبة التي يحصل عليها إله إسرائيل بهم تعلن الإنتصار الكامل الذي يحرزه الإبن الوحيد (أع 19: 13). 
وسيدفع يسوع محاوريه إلى أبعد من هذا. لن يترك قلوبهم وعقولهم وإراداتهم معلقة، بل يقودها إلى النهاية، إلى وحي ملكوت الله من أجلهم. 

ثالثاً: إعلان ملكوت الله (آ 20) 
نحن هنا في ذروة النص. إحتفظ لوقا بعبارة "إصبع الله" فظلّ أميناً للتعابير الساميّة مثل متى (12: 28) الذي استعمل عبارة "روح الله". فالتعبير السامي القديم يشير إلى المعجزات التي اجترحها موسى حين الخروج من مصر (خر 8: 15؛ تث 9: 10) أو حين دوّنت ألواح الشريعة في سيناء (خر 31: 18). 
كان باستطاعة التقارب مع خر 8: 15 أن يدلّ الكتبة المتعمّقين في الكتب المقدّسة، على عدد من التطبيقات. فسحرة فرعون العاجزون تعرّفوا إلى إصبع الله الفاعل في موسى: أما كان يجب عليهم أن يفعلوا مثلهم؟ أما يكون يسوع موسى الجديد، والنبي العظيم الذي يعمل بإصبع الله (13: 33)؟ عاند فرعون، وهذا الجيل الشرير يعاند أيضاً. كم من التشابهات التي تدعو معارضي يسوع أن يروا فيه ذلك الذي أرسله الله لكي يحرّر شعبه، أن يقرأوا في انتصاره على الشيطان علامة عن مجيء ملكوت الله (7: 2).

2- المثل الثاني: يسوع هو الأقوى (آ 21- 22) 
أولاً: إن الرجل القوي والمسلّح والمؤمّن على نفسه في قصره المحصّن هو بعل زبول مع ملكه وسيادته على العالم. والذي يأتي فيكون أقوى منه ويتغلّب عليه هو يسوع "الذي جاء ليهدم أعمال إبليس" (1 يو 3: 8 ب). 
يستلهم هذا المثل أش 49: 24- 25 حيث نرى ان تدخّل الله وحده يفسّر دمار محارب لم يُقهر قبل ذلك الوقت. إذن، يتيح لنا النصّ الذي ندرس أن نستنتج أن قوة يسوع متعالية، وهذا ما يفترضه الخيار الذي سنتحدّث عنه. 

ثانياً: الخيار الحاسم (آ 23) 
لاحظ الشرّاح مراراً الطابع الخارق والمتطرّف لمتطلّبة يسوع تجاه أي شخص كان. لا يستطيع أحد أن يبقى على الحياد أمام ما يطلبه يسوع من كل واحد، وأمام هدف الصراع بين المملكتين. يجب أن نختار مع يسوع أو ضدّ يسوع الذي يقدر وحده أن يغلب إبليس. 
"من لا يجمع يبدّد". قد تشير الصورة الى الحصاد الاسكاتولوجي (3: 17) كما تشير إلى عمل الراعي مع قطيعه. وهي تدلّ بصورة مباشرة على رؤساء إسرائيل الروحيين، على الكتبة الذين يُدعون إلى اتخاذ موقف مع المسيح، وإلاّ شتّتوا القطيع الموكل أمره إليهم وعملوا عمل إبليس. 

3- المثل الثالث: تنبيه وتحذير (آ 24- 26) 
قد فُسّر هذا المثل تفسيرات عديدة، ولكن تفسيراً لم يفرض نفسه. الصعوبة الأولى تأتي من الفن الأدبي أو الفنون الأدبية التي يرتبط بها هذا المقطع. تحدّثنا عن "المثل الثالث" فاستبقنا التفسير الذي يبقى علينا أن نبرّره ونحدّده. 
نبعد التفسير التعليمي، لأنه يبدو واضحاً أنّ يسوع لا يعالج عوائد الروح النجس، مع أن هذا العنصر أو ذاك ينتمي إلى التراث العام في تعليم اليهود التقليدي. مثلاً: إقامة إبليس في البرية. فإذا افترضنا أننا أمام تعليم مباشر عن طريقة تصرّف الشياطين، نستنتج أنّ كل تقسيم يحمل اضراره، لأنه يعرّض الإنسان إلى عودة الروح وهجوم آخر له نتائج أخطر من "الإمتلاك" الذي نجا منه الإنسان مرّة أولى. 
إذن، نحن أمام قطعة ذات طابع مثالي. إذن، لن نعطي لكل كلمة وكل صورة معنى خاصاً. وهكذا نحتفظ من هذه المقابلة بالفكرة الأساسية: عودة الشيطان لكي يؤذي من جديد. 
ولكن من هو الإنسان (مع ألـ التعريف في اليونانية) الذي يصبح عن طريق الإستعارة "البيت"، وفي رأي الشيطان "بيتي"؟ نحن هنا أمام عناصر ترتبط بفن الإستعارة، وتتطلّب بالتالي انتباهاً خاصاً إلى كل تفصيل، وهذا عكس العناصر السابقة. من جهة أخرى، إن هذا المثل الذي أدخل فيما بعد في مت 12: 43- 45، قد سبقه التجديف على الروح (آ 31- 32) والكلمات عن القلب (آ 33- 37) وآية يونان (آ 38- 42). هذا المثل جعله لوقا قرب المثل الثاني وربطه به. 
لهذا نقدّم التفسير التالي: هذا الإنسان الذي يجد نفسه منعزلاً، لا دفاع له ولا مسيح، ساعة عودة الروح النجس مهاجماً، هذا الإنسان يمثّل "هذا الجيل الشرير" (11: 29، 32، 51- 52). وقد سمّي كذلك لأنه لم يتّخذ موقفاً (لم يختر) من ذلك "الذي يطرد الشياطين بإصبع الله" (آ 23)، ولأنه أخطأ ضدّ الروح القدس (12: 10؛ مت 12: 32). ورفضُ الإلتزام هذا يهيئ دماره. فقد طُلب منه أن يقود إسرائيل إلى معرفة الله، فرفض الدخول إلى الملكوت ووقف حاجزاً بوجه الناس ليمنع الذين يريدون الدخول (11: 52). بهذا الخيار، توجّه نحو العزلة الرهيبة (13: 35؛ 14: 24) التي هي الأرض المفضّلة للروح النجس. وما يؤكّد هذا التفسير هو قول يسوع الواضح في مت 12: 45: "وهكذا يكون مصير هذا الجيل الشرير". 
ولكن هذا الإنسان الذي يمثّل "هذا الجيل الشرير"، قد شُبّه أيضاً ببيت نظيف ومرتّب، ومحرَّر من الروح النجس. هنا نعود إلى فكرة المثل الثاني (آ 21). وجد إسرائيل نفسه مدعوّاً إلى أن يختار شخص يسوع (11: 23) في فعل إيمان شخصي وحرّ، فعل بدونه لن يتمّ شيء. إما رفض إسرائيل فهو سيعارض في الوقت عينه يسوع، سيكون وحده، سيكون "هذا الجيل الشرير". هو لا يجمع من أجل الحصاد الاسكاتولوجي، لا يجمع مع الراعي قطيع الله، بل يبدّد ويشتّت. وبما أنّ هذا الجيل الشرير لم يعد بجانب الرجل القوي الذي يعمل فيه اصبع الله، فسيجد نفسه من دون دفاع ساعة يعود الروح الشرير ويهاجمه. وهكذا يضع يسوع محاوريه، في نهاية هذا المثل الجديد، أمام نتائج يتعرّضون لها حين يرفضون أن يؤمنوا بالمسيح. 
ونلاحظ أخيراً التدرجّ في خطورة النتائج المرتقبة: وُضع الكتبة أولاً أمام إمكانية حكم يصدره عليهم أبناؤهم، أتباعهم (11: 19). بعد هذا يُنبّهون إلى أنهم قد يصبحون ضحيّة عودة الروح النجس الذي يهاجمهم. وقد يقيم فيهم بصورة نهائية. لا ننسى القيمة الرمزية للرقم 7 الذي يدلّ على شرّ الأرواح الشريرة وأعنفها. 
أمّا تلميذ يسوع، إسرائيل الجديد، فهو لا يهتمّ برجوع الشيطان المهاجم، بل بحياته الحميمة مع معلّمه، الذي هو الأقوى، الذي فيه يعمل اصبع الله. إنه يُقيم في الحبّ، إنه يجمع الخراف مع يسوع. 

خاتمة (آ 27- 28)
هناك تطويبتان. الأولى تُنشد عمل يسوع من أجل قدرته العجائبية، ومن أجل سيطرته على الحوار مع الكتبة. إن المرأة التي تلفّظت بها تمثّل الكنيسة الأولى. والتطويبة الثانية تعلن سعادة الذين آمنوا بوحي الله ووضعوا موضع العمل المتطلّبات التي يفرضها هذا الوحي. نحن في التطويبة الأولى في خطّ معاكس لهؤلاء الذين رفضوا أن يروا في عمل يسوع إصبع الله. وفي التطويبة الثانية ضدّ الجيل الشرير الذي رفض أن يؤمن بيسوع ويكون له تلميذاً. ولهذا ترك لهم بيتهم خراباً (مت 23: 38).

 

 

الفصل الثالث عشر 

تقبل كلمة الله
11: 27- 28

أ- السياق
هاتان الآيتان الخاصتان بالإنجيل الثالث، تتبعان حالاً حدث جدال بين يسوع وخصومه. طردَ يسوع شيطاناً من إنسان فتعجّبت الجموع. أما الخصوم فاعتبروا نفوسهم أنهم أمام تدخّل بعل زبول، رئيس الشياطين. فقدّم لهم يسوع جواباً موسّعاً: كل مملكة منقسمة على ذاتها تخرب. وطرد الشياطين يدلّ بالأحرى على تدخّل الله ومجيء الملكوت. ولكن يجب أن ننتبه، فقد يعود الروح النجس أقوى ممّا كان. 
وبعد هذا تأتي المقطوعة التي ندرس والتي جعلناها في خاتمة الفصل السابق. رأى فيها الإنجيلي مثلاً طيّباً عن سموّ تعليم المسيح وإشارة واضحة تدلّ على يسوع باني الملكوت. 

ب- الفن الأدبي 
إن هذه المقطوعة، وإن قصيرة، تشكّل نموذجاً لفنّ أدبي متواتر في الأناجيل الإزائية (5: 1- 11 وز؛ 5: 29- 32 وز؛ 6: 1- 5 وز...). هناك قول تفوّه به الرب فذكره التلاميذ. وهو يقدّم في إطار خبر موجز أو مرسوم رسماً سريعاً. يُوضع القول عادة في نهاية المقطوعة فيكون بارزاً ويشكّل ذروة المقطوعة. ويكون الخبر في خدمة القول ويشكّل له إطاراً. يكون الخبر مناسبة لإيصال كلمة يسوع الى القارئ. كل هذا يشكّل وحدة كاملة لها معناها الكامل، ويقدّم درساً له قيمته في ذاته. قد تكون هذه الوحدة الصغيرة وُجدت في البداية منعزلة ثم انتقلت في التقليد الشفهي السابق للإنجيل، إنتقلت إنتقالاً مستقلاً ولم يربطها أي شيء بالسياق الحالي. 
"وحصل، وكان...". إذ كان يسوع يقوله هذا (إذ كان يتكلّم هكذا). (واحد) رفع صوته (فتح فمه وبادر إلى الكلام) قال... ولكن (يسوع) أجاب... هذه العبارات في المقدّمة أو في الرباطات المقولبة تتكيّف مع سياقات مختلفة. 
ان المديح الذي تلفّظت به امرأة إكراماً لأم يسوع يتوافق مع أمور أخرى أشار اليها لوقا. ولكن جوهر الخبر هو في ما بعد المديح.
أمّا قمّة المقطوعة فهي قول المعلّم الذي يعلن بصورة واضحة جداً تطويبة سامية. طوبى... بل طوبى. لا يرذل المسيح المديح الذي تلفّظت به المرأة، بل يستفيد من الظرف ليعلن درساً أسمى يستفيد منه السامعون كلّهم. لا يكفي أن نتعجّب أمام تعليم يسوع المدهش، بل علينا أن نوافق حياتنا مع هذه الكلمة التي يعلنها من قبل الله. 
هذا النوع من الأجوبة يوافق طريقة يسوع في الكلام. ثم إن التطويبتين في آ 27- 28 تجدان ما يوازيهما ويشهد لصحّتهما. وهكذا بنى الإنجيلي كلامه على أساس متين فجاءت المقطوعة صادقة في معناها. أما المبنى (أي القول في صورته النهائية) فيعود إلى مرحلة الكرازة الرسولية وهو ينطبع بطابع الإنجيلي الخاص الذي لا شكّ فيه: ونلاحظ فيمك نلاحظ العبارة العامة "كلمة الله" التي تدلّ على تعليم يسوع كما نلاحظ توجيه القول من أجل الإرشاد في الكنيسة، وتخفيف جواب المعلّم في معنى يدلّ على عظمة أم يسوع.

1- تطويبة أم يسوع (آ 27) 
على أساس الحدث السابق، أثارت صحّة أجوبة يسوع وحكمته وسموّ تعليمه، إعجاب الناس. هذا ما يشير إليه لوقا مراراً (4: 15، 22؛ 5: 26؛ 7: 16؛ 8: 25...). وعبّرت إمرأة باسم الجمع عما شعرت به حيال يسوع: نظرت إلى الأمور تلقائياً من زاويتها كإمرأة ففكّرت بأم يسوع، وبان لها الحق أن تفتخر لأنها ولدت مثل هذا الإبن. وأصاب المديح يسوع وأمه معاً. هذا الشكل من التهنئة الذي يعود إلى الأم (أو الوالدين أو الأجداد) فيدلّ على سعادتها كان معروفاً في العالم اليهودي كما لا يزال معروفاً في محيطنا الشرقي. مديح عائلي أحسّت به المرأة. ولكنه مديح سهل. ولهذا سيضع يسوع النقاط على الحروف. 
يأخذ تعجّب المرأة شكل (الفن الأدبي) تطويبة، ويتضمّن شقّين متوازيين وضعتهما يد معلّم. هذا ما نجده أيضاً في 23: 29: "طوبى للعواقر، طوبى للبطون التي لم تحمل وللأثداء التي لم ترضع". وفي إنجيل الطفولة أورد لوقا في كلمات التطويب أو المباركة مديحاً وجّهته اليصابات إلى أم المسيح: "مباركة أنتِ في النساء ومبارك ثمرة بطنك... هنيئاً لك" (1: 42- 45). ثم نشيد التعظيم الذي قالت فيه مريم إن الأجيال تطوّبها (تهنّئها) بسبب تدخّل الله العجيب فيها (1: 48). لقد اهتم لوقا اهتماماً خاصاً بهذه التطويبات التي تمتدح أم المسيح وتهنّئها بالمولود الإلهي.

2- تقبّل كلمة الله (آ 28)
أولاً: إنتقالة 
لم ينكر يسوع امتياز مريم، ولكنه أراد أن يتجاوز مستوى القرابة الطبيعية (قرابة اللحم والدم) ليقدّم للجموع المهيّاة درساً سامياً وذا بعد شامل. 
إعتاد يسوع أن يقدّم أجوبته على هذه الصورة في مقاطع إنجيلية أخرى مبنيّة بحسب الرسمة عينها: يقترب شخص من المعلّم ويقول له كلاماً حول موضوع ملموس وهو ينتظر موافقته. فيجيب يسوع موجّهاً الإنتباه إلى مستوى أعلى، فيدلّ بصورة واضحة أو ضمنيّة أن محاوريه لم يفهموا كل الفهم واقع رسالته (رج 9: 51- 56؛ 10: 38- 42؛ 12: 13- 21؛ 20: 20- 26). 
ونجد الموازاة الأقرب الى النص الذي ندرس، حدث قرابة يسوع الحقيقية. نقرأ هذا الحدث في الأناجيل الإزائية الثلاثة (8: 19- 21؛ مت 12: 46- 50؛ مر 3: 32- 35). ولكن لوقا يختلف عن متّى ومرقس فيلغي السؤال القاطع: "من هي أمي، من هم إخوتي"؟ يبدو هذا السؤال وكأن يسوع يحسب قرابته البشرية وكأنها لا شيء. ولكن هذا هو ظاهر الكلام فقط.
وانفصل لوقا عن متّى ومرقس أيضاً حين ترك عبارة "عمل إرادة الله" كما قال مرقس، أو "عمل إرادة الاب الذي في السماوات" كما قال متّى، واحلّ محلّها. "يسمع كلمة الله ويعمل بها". عبارة يحّبها بسبب الأهمية حول القرابة الحقيقية بعد مثل الزارع الذي موضوعه مصير كلمة الله: فالقرابة الحقيقية توافق فئة السامعين الأخيرة "الذين يسمعون كلام الله ويحفظونه بقلب طيّب مطيع" (8: 15). ونقول الشيء عينه عن 6: 46. كتب لوقا: "لماذا تدعونني: يا رب، يا رب، ولا تعملون بما أقول"؟ أمّا متّى فقال: "ليس كل من يقول: يا رب، يا رب يدخل ملكوت السماوات، بل من يعمل إرادة أبي الذي في السماوات" (مت 7: 21). 
وهكذا نحصل في حدث القرابة على قول قريب ممّا في المقطع الذي ندرس مع الحفاظ على تعارض واضح بين كلام الله وقرابة اللحم والدم: "أمي واخوتي هم (لا حسب ما تظنّون أنتم) الذين يسمعون كلام الله ويعملون به" (8: 21). 
ففي هذا النصّ الذي لا يرتبط بالتقليد المشترك، الغى لوقا كل ظاهرة تعارض. هو لم يُرد أن يعارض المديح الموجّه إلى مريم، فبدأ كلمة يسوع بأداة إنتقال (مانون) التي تدل على تدرّج لا على نقض. نعم. ولكن هنيئاً بالأحرى، هنيئاً بصورة خاصة: إن مريم أم يسوع، هي الأولى التي تدلّ على صدق تهنئة المؤمنين السامية. كان لوقا قد بيّن في بداية إنجيله تعلّق مريم الكامل بكلام الله: حين قبلت بلاغ الملاك في البشارة (1: 38، 45)، وحيت احتفظت في قلبها بالأحداث التي كانت تمثّل بالنسبة إليها لغة السماء الحامل السرّ الإلهي (2: 19، 51). فبين الذين يسمعون كلام الله ويعملون به، كانت أم يسوع الأولى، ولم يسبقها أحد. هذا ما شدّد عليه لوقا.

ثانياً: كلام الله 
إنّ "كلام الله" يدلّ هنا على تعليم المسيح في المعنى الواسع. وهكذا يكون المعنى كل مرّة يستعمل لوقا هذه العبارة في إنجيله. مثلاً في 5: 1: "إزدحم الناس ليسمعوا كلام الله" (رج 8: 11، 21). 
ثم إن حركة الخبر تفرض أيضاً هذا التفسير. فطريقة يسوع في الكلام (وبينما هو يتكلّم) أثارت الإعجاب، فوصل هذا الإعجاب إلى مريم. حينئذ أعاد يسوع الإنتباه إلى تعليمه وزاد: لا بأس بالإعجاب ولكنه لا يكفي. مثل هذا التعليم يتطلّب أكثر. انه يتطلّب طاعة الإيمان. ففي يسوع يتكلّم الله نفسه كما تكلّم في الماضي عبر الأنبياء. في الأصل طبّقت العبارة على تعليم الأنبياء ثم اتسعت فشملت كل وحي العهد القديم. 
ويحبّ لوقا أن يقدّم يسوع على أنه النبي (4: 24 ي؛ 7: 16، 39؛ 9: 8، 19؛ 13: 33): هو يكشف رحمة الآب ومجيء الملكوت وموهبة الروح القدس، وبمختصر الكلام هو يكشف بداية الخلاص لكل الناس من ذوي الإرادة الصالحة. ويدلّ أيضاً على المتطلّبات التي يتضمّن هذا التعليم: تجرّد جذري، الفقر، الصلاة المستمرة، التواضع، المحبّة الشاملة. فتعليم المسيح النبوي هو في نظر لوقا جزء من عمل خلاصه. 
وينظر الإنجيلي الثالث إلى "كلام الله" الذي يعلنه يسوع، ينظر إليه في هذه الإشارات على أنه حدث مسيحاني وواقع اسكاتولوجي. نتذكّر هنا خاصة 8: 11: "الزرع هو كلام الله" كلام زرعه المسيح الآن وهو يتضمّن بذار الملكوت أي الخلاص والخيرات الاسكاتولوجية. وكرازة المخلّص تدخل هذا الواقع المسيحاني في قلب السامعين وهو ينمو ويثمر بوفرة بفضل استعداداتهم الطيّبة.

ثالثاً: إمتياز سامعي المسيح
إن مضمون هذا القول يوجّه أفكارنا إلى نصوص متوازية تعلن بشكل تطويبة امتياز شهود المسيح. في 10: 23- 24: "طوبى للأعين التي ترى ما ترون" (زاد مت 13: 16: "طوبى لآذانكم لأنها تسمع". سيتحدّث لوقا عن السماع في الآية التالية). أقول لكم: "كثير من الانبياء تمنّوا أن يروا ما أنتم ترون فلم يروا وأن يسمعوا ما أنتم تسمعون فلم يسمعوا". 
ويقدّم لنا العالم اليهودي أقوالاً مشابهة تعظّم امتياز معاصري "المسيح الآتي"، وتشدّد على سعادة الذين سيعيشون هذه الأحداث التي ينتظرها الإيمان بشوق. 
"طوبى للذين يسمعون كلمة الله". يؤكّد قول المسيح في هذه الألفاظ بداية تحقيق الحدث المسيحاني وامتياز معاصريه: المسيح هو هنا. الآن جاءت الكلمة التي تتضمّن بذار الملكوت. طوبى للذين ينعمون بهذه الكرازة. 
وهكذا تتضمن 11: 28 بلاغاً إنجيلياً وإعلاناً مبدأياً عن الحقبة المسيحانية التي بدإت تتحقق من إجل سامعي يسوع.

رابعاً: أمانة للكلمة المسموعة
وينتهي قول المسيح في معنى أخلاقي، وعلى هذا المعنى يشدّد. 
فالجمع بين المفردتين: "سمع، حفظ" يرتبط بأزواج من المفردات البسيطة التي تتحمّل عدة اختلافات: قال وعمل (أو: لم يعمل). سمع قولاً وفعل (أو: لم يفعل). عرف وحقّق. النظري والعملي. نقرأ مثلاً في مت 23: 3 عن معلّمي الشريعة والفريسيين: "يقولون ولا يفعلون". وفي روم 2: 13: "ليس الذين يسمعون كلام الشريعة هم الأبرار عند الله، بل الذين يعملون بأحكام الشريعة هم الذين يتبرّرون" (رج 2: 17- 24؛ يع 1: 22- 25؛ 1 يو 3: 18). 
والنصوص الموازية تلقي الضوء على هذه الفكرة. أعلنت "الخطبة التدشينية" مجيء الملكوت وأفصحت عن شرعته. وعرض 6: 47- 49 (= مت 7: 24- 27) الخاتمة: من يسمع كلمات المعلّم هذه ويحفظها، قد أسّس بيته على الصخر. وبكلام آخر، اتخذ الموقف الذي يفرضه مجيء الملكوت وهو متأكّد من الحصول على خيراته. 
ويفسّر 8: 11- 15 (= مت 13: 18- 23) مثل الزارع. هناك أربعة احتمالات. في كل مرة نتقبّل الزرع، نسمع كلام الله. ولكن فئة السامعين الأخيرة حصلت وحدها على الكلمة بقلب مستعدّ، وحفظتها وداومت على العمل بها. عند هؤلاء وحدهم أثمرت كلمة الله التي هي زرع الملكوت، أثمرت مئة ضعف. 
ويقابل الدرس المذكور في 11: 28 ما نجده بصورة موسّعة في نهاية خطبة الجبل أو تفسير مثل الزارع: العمل بالكلام الذي نتعمّق بسماعه. 
وهذا القول يترجم الدرس بصورة موجزة وبشكل مطلق. تعبير بسيط تكوّن في بداية الكنيسة، يوم أخذت عبارة "كلام الله" معنى تقني فدلّت بصورة عامة على كرازة الرسل، على التعليم (البلاغ) المسيحي، على إنجيل الخلاص في المسيح (نداء أولي أو تعليم موسّع) (رج أع 4: 31؛ 6: 2؛ 8: 14... نجد كلمة الرب، كلمة الخلاص...): إنه امتداد لكرازة المخلّص نفسه وقد ارتدى تعليم المسيح والكنيسة سلطة الله وبعداً اسكاتولوجياً، فطلب جواب الإيمان الذي يتصوّره إيماناً فاعلاً وممارسة للفرائض او التوصيات التي يتضمّنها هذا التعليم الموحى. والتطويبة التي نجدها أيضاً في يو 13: 17 (إن عرفتم هذا هنيئاً لكم إن عملتم به) ورؤ 1: 3 (هنيئاً للذين يسمعون هذه الأقوال النبوية ويعملون بما كتب فيها؟ رج 22: 7) (أي الخلاص، الملكوت) ترتبط بموقف القبول أو الرفض لدى السامعين. فمن قبل أن يؤمن صارت له كلمة الله (أي الإنجيل) قوة خلاص إلهي. 
هذا هو المعنى الأساسي لقول المسيح. إنه يذكّرنا بامتياز السامعين للتعليم المسيحي، كما يعيد إلى أذهاننا تحريضاً على الإيمان والطاعة. 
وعلى هذا المعنى الأساسي تتطعّم معانٍ ثانوية ترتبط بالمناخ اللوقاوي الذي وجد فيه هذا القول. 
أولاً: إشارة أخلاقية مع فعل "أكوو" الذي يعني سمع ويعني أصغى بانتباه. إزدحم الناس ليسمعوا (5: 1)، واقبلت الجموع لتسمع (5: 15؛ رج 6: 18، 47؛ 8: 8). ولكن في 10: 39، جلست مريم، أخت مريم، عند قدَمَيْ المعلّم تصغي إلى كلامه بانتباه، في موقف ديني، وحصرت نفسها في هذا السماع وهي متأكدة أنها نالت النصيب الأفضل. 
ثانياً: إختار لوقا فعل "حفظ" (فولاسو) لا فعل "صنع" (بوياين) الذي نجده في 6: 46، 47، 49؛ 8: 21، لأنه يتحمّل معاني عديدة. المعنى العام: حفظ. نفّذ كلمة أو أمراً. وبعد هذا احتفظ في العقل، في الذاكرة. من هنا: تأمّل، شاهد (وهناك أيضاً حفظ الوديعة، احتفظ من الشرّ). فكلمة الله تُحفظ في كل السلوك العملي. ولكننا نحتفظ بها في أعماق النفس، في القلب حيث زُرعت، وحيث يجب أن تنمو وتثمر دون أن تخنقها الهموم والملذّات والغنى (رج 8: 14). وتُحفظ في العقول بعناية ومحبّة كموضوع مشاهدة في مجهود يُعمل الفكر ويتعمّق فيه (2: 19، 51؛ رؤ 1: 3؛ 22: 7- 9). وتصبح الطاعة مع الدينامية الداخلية لكلمة الله فينا، فتلهم الحكم وتنعش العمل. من حفظَ الكلمة صيّرها جزءاً منه، "هضمها"، عاش منها في ملء الإيمان.
ثالثاً: وأخيراً يتضمّن فعل "حفظ" إشارة الى الإستمرار والديمومة. فكّر لوقا بالمداومة في الإيمان، بالأمانة رغم المحن والصعوبات اليومية. هو يلوم الذين يؤمنون لوقت معيّن ثم يتراجعون في ساعة المحنة. "أمّا الذي وقع في الأرض الطيّبة فهم الذين يسمعون كلام الله ويحفظونه بقلب طيّب مطيع ويثمرون بثباتهم" (8: 13، 15). الفئة الأولى تتراخى وتتراجع، الفئة الثانية تثبت وتداوم على العمل بكلام الله. 
في هذا الخط نقرأ: "يحمل صليبه كل يوم" ("كل يوم" خاصة بلوقا). يجب أن نصلّي باستمرار (11: 5- 8). يجب أن نداوم على الصلاة بلا ملل (18: 1- 8، خاص بلوقا). رج أيضاً أع 11: 23 (الأمانة للرب بكل قلوبهم)؛ 13: 43 (الثبات في نعمة الله)؛ 14: 22. وهناك نداء الى السهر والصبر في سفر الرؤيا (1: 3؛ 3: 8؛ 12: 17) يلتقي وكلام القديس لوقا. 
وهكذا يريد لوقا إيماناً يذهب إلى النهاية ويتحلّى بالإنتباه والعمل بالأمانة. في هذه الروح ضمّ الطاعة (عمل بإرادة الله) الى موقف إيمان كامل (حفظ كلمة الله). 
وسيستعيد يوحنا التحريض لحفظ كلام (وصايا) الله أو المسيح. هكذا نشهد على محبتنا لله: "إذا كنتم تحبّوني عملتم (حفظتم) بوصاياي" (يو14: 15؛ رج14: 21، 23، 24؛ 15: 10؛ 1 يو 2: 5؛ 5: 3). حفظُ الوصايا هو عربون معرفتنا للمسيح وإقامتنا فيه: "من أحبّني سمع كلامي ونجيء إليه ونقيم عنده" (يو 14: 23). "من عمل بكلامه اكتملت فيه محبّة الله حقاً" (1 يو 2: 5؛ رج 3: 24). وهو ينبوع الحياة الأبدية. قال يسوع "من يسمع لي ويؤمن بمن أرسلني فله الحياة الأبدية" (يوه: 24؛ رج 8: 51- 52). فالمسيح نفسه حفظ كلام الاب وثبت في محبّته (يو 8: 55؛ 15: 10). فماذا يبقى للتلاميذ أن يعملوا؟ 

خاتمة
كلّمنا الله بالأنبياء وفي الأزمنة الأخيرة بابنه وكلمته الشخصية. ووحيه هو في الوقت عينه تعليم خلاص (وبالتالي) متطلّبة قداسة. وسماعه امتياز لكل البشر، وهو ممكن لنا. دوّى كلام الله في الأسفار المقدّسة، وحمله التقليد الكنسي الحي فأدرك كل الأجيال. 
جاء هذا الكلام من الله فطلب جواب الإيمان الكامل، طلب تعلّق الكيان كله، تعلّق الفكر والقلب والتصرّف. إيمان تامّ نرى باكورته في مريم أم يسوع. 
الإيمان عطاء الذات عطاءً كاملاً لذلك الذي تكلّم. والله حاضرٌ في كلمته. لهذا كلمته حيّة فاعلة فينا. فإن انفتحنا عليها، وإذا قبلناها كقاعدة لكل وجودنا، إذا حفظناها حقاً، فهي تعمل فينا عملها التدريجي: تنيرنا، تشجّعنا وتعزّينا وتحوّلنا. الله هو هنا ويودّ أن يتّصل بنا ليوحّدنا بحياته ومعرفته ومحبّته. وحين يكلّمنا في أعماق حياتنا الحميمة لن يكون كلامه نداء خارجياً، بل يكون هو بنفسه سعادتنا.

 

 

الفصل الرابع عشر

آية يونان
11: 29- 32

لقد جاء الملكوت في كلمة الله. قال يسوع: طوبى للذين يسمعون كلمة الله ويحفظونها. ليس المهمّ أن نكون قريبين بالجسد من يسوع. المهمّ هو أن "نحبل" (مثل مريم) بالكلمة، ونحملها في قلبنا ونصبح شاهدين لها. وهنا ننتقل من يسوع النبي إلى يسوع كلمة الله المزروعة في العالم مثل حبّة من الحنطة. ولكن هل يؤمن اليهود بهذه الكلمة؟ إنهم دوماً يطلبون آية تبيّن صدق رسالة يسوع، وينسون أن يسوع هو الرسالة. أن حياته وموته وقيامته هي الآية العظمى التي عرف بها معاصروه. 
نتوقّف على ما سمى الإنجيل آية يونان من خلال محطّات ثلاث: على المستوى الروحي، على المستوى التفصيلي، على المستوى النقدي. إضاءات ثلاث على حدث واحد.

أ- على المستوى الروحي 
نتساءل أولاً من هو هذا الجيل الذي يتوجّه إليه يسوع، ولماذا يوبّخه لأنه يطلب آية. "الجيل" يدلّ على معاصري يسوع حين كان عائشاً على الأرض، فرأوا معجزاته وسمعوا كلامه. ويدلّ على كل الذين صار يسوع معاصرهم بواسطة قيامته وعطية الروح القدس. هناك تاريخ البشر، وهناك التاريخ الذي يقوده الآب في يسوع بقدرة الروح القدس. أما طلب الآية (آ 29؛ روج آ 16)، فيجب أن نرى إذا كانت في الخط الذي يسير فيه يسوع تمشياً مع إرادة الله (آ 9: سلوا تعطوا، أطلبوا تجدوا). هذا الطلب، كما قلنا سابقاً (آ 13: يعطي الروح القدس) يعني في النهاية الروح القدس. فمن طلب آية غير آية يسوع نفسه "الذي مُسح بالروح القدس والقدرة" (أع 10: 38)، الذي يسير إلى أورشليم في خروج يختطفه إلى الآب، يكون وكأنه يرفض الروح القدس. 
في الواقع، إن آية (سامايون. ترد الكلمة ثلاث مرات) مجيء الملكوت هي آيتان. أولاً، آية الكلمة المطلقة المؤسسة على سرّ موت يسوع وقيامته. هي "إعلان" جديد، و"حكمة" جديدة مفتوحة على كل إنسان: على ملكة التيمن، على أهل نينوى. ثانياً، آية نور القائم من الموت. فهذا النور لا يستطيع أن يمرّ في اللامؤمن (عمل الحرية البشرية). ولكن الذين يسمعون الكلمة ويحفظونها، يستطيعون أن يشعّوها، بعد أن تركوها تجدّدهم من الأعماق. 
في مت 12: 39- 40، فسّر يسوع آية يونان على أنها "دفنة" ابن الإنسان في الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ. في مر 8: 11- 12، ما أراد يسوع أن يعطي آية سوى شخصه الحاضر في العطاء الافخارستي. أما لوقا فربط آية يونان باعلان الكلمة: بكرازة يونان، ارتدّ أهل نينوى. وبحكمة سليمان سُحرت ملكة الجنوب. 
قدّم يسوع لمهاجميه الذين يتهمونه بأنه يطرد الشياطين ببعل زبول، جواباً جعلهم يسكتون. وها هو الآن يقدّم جواباً ثانياً للذين يطلبون منه آية، هي آية يونان. الشهود عديدون. "إحتشدت الجموع". وهي ستسمع يسوع يردّ الآن على الذين يطلبون منه آية ساطعة تؤكّد أنه مرسل حقيقي (آ 16). ستسمعه يوجّه "إلى هذا الجيل" كلاماً قاسياً. حين يتحدّث الكتاب عن الجيل فهو يشدّد على لا إيمانه. نقرأ في تث 1: 32: "وكأنكم في هذا الأمر لا تؤمنون بالرب إلهكم الذي سار أمامكم". 
أجل، ان الله رفض أن يعطي هذا الجيل آية إلا آية يونان. 
سفر يونان هو خبر تقوي، يبدأ فيه "البطل" برفض: لا يريد أن يسمع لله الذي يرسله في مهمة... وبعد ذلك، دُفع يونان مكرهاً فذهب ليكرز التوبة لنينوى. إختلف لوقا عن مت 12: 40، فلم تُشر آية يونان إلى إقامة في بطن الحوت. إذن، لم يُشر لوقا هنا إلى قيامة ابن الإنسان من الموت في صباح القيامة. ففي الشرح الذي أعطاه يسوع (آ 30)، هذه الآية هي فقط نداء إلى التوبة أطلقه يونان إلى أهل نينوى (شعب وثني عُرف بالظلم والقساوة). فكان له نجاح تام: فالملك، والناس جميعاً بل البهائم تابوا: صاموا، جعلوا المسح على أجسادهم.
وكذا نقول عن هذا الجيل: لن يكون له آية إلا ابن الإنسان وكرازته. الآية الوحيدة هي نداء إلى التوبة والعودة إلى الربّ. هل يعني هذا أن المسيح كان بخيلاً فلم يعط آيات؟ ولكن مثل لعازر والغني يدلّ على أن من لا يتوب حين يسمع كلمة الله لن يتوب حتى ولو رأى مائتاً يقوم (لعازر)، حتى لو رأى يسوع نفسه قائماً من الموت (آ 1: 31).
وهذا تدلّ عليه مقابلتان: عرف يسوع أنه لا يكون لكرازته فاعلية كما كان لكرازة يونان. وها هو يسوع يعود إلى مثلين (آ 31- 32). عاد أولاً إلى 1 مل 10- 13: لم تؤمن ملكة سبأ بما سمعته عن حكمة الملك (سليمان) إبن داود. فجاءت تمتحنه بأحاجيها. هذا الموقف الأول هو موقف الذين يطلبون آية من يسوع (آ 16). غير أن ملكة سبأ اعترفت حالاً بأن سليمان يتجاوز بحكمته كل ما سمعت عنه. لهذا ستقوم في الدينونة الأخيرة. أما بنو اسرائيل الذين رفضوا أن يسمعوا كلمات يسوع فسيحكم الله عليهم، فيقابل رفضُهم تعرّفاً إلى هذه الحكمة الآتية من السماء في يسوع، مع اهتمام ملكة سبأ بأن تتعرف إلى حكمة بشرية رأتها في سليمان. 
ونقول الشيء عينه عن موقف أهل نينوى الإيجابي. فهم يحكمون على معاصري يسوع. ونلاحظ إشارتين في كل هذا: واحدة توجّه أنظارنا إلى شمولية الخلاص: لقد كان الوثنيون أفضل من اسرائيل تجاه الدعوة إلى التوبة (7: 9: لم أجد حتى في اسرائيل مثل هذا الإيمان؛ رج أع 13: 44- 52؛ 28: 32- 29). ظن بنو اسرائيل أنهم هم الذين يحكمون على الوثنيين، ولكن انقلب الوضع. لأن الوثنيين هم الذين سيحكمون على بني إسرائيل في الدينونة الأخيرة. والإشارة الثانية ترد في خطّ الكرستولوجيا التي يعبّر عنها النصّ مع صيغة التفضيل: إن مجيء الملكوت وحدث يسوع هما أعظم من سليمان ومن يونان. يسوع هو اعظم من نبي، هو أعظم من أحكم ملك في اسرائيل.

ب- على المستوى التفصيلي
ونعود الآن إلى آ 29- 32 لنقرأ تفاصيلها.
1- واحتشدت الجموع (آ 29) 
"الجموع" هي تلك المذكورة في آ 14. تعجّبت حين رأت يسوع قد أخرج الشيطان من الأخرس. هذه الجموع لم تأتِ فقط من العالم اليهودي، بل من العالم الوثني أيضاً. جاءت من اليهودية وأورشليم وجاءت أيضاً من صور وصيدا (3: 7). في متّى، سيكون الاطار خاصاً: "أجابه قوم من الكتبة والفريسيين". 
إجتمعت هذه الجموع حوله، كانت تزحمه. فأخذ يقول (رج 3: 8). قد تكون آ 16 هي المدخل الحقيقي لهذا الحدث: "وأخذ غيرهم يطلبون آية". هكذا نكون أمام فئتين. فئة أولى تهاجم يسوع لأنه يطرد الشياطين، وفئة أخرى تطلب آية. لقد تنوّعت الحرب على يسوع. ولكن لوقا يعطي لهذا النصّ (آ 29- 32) مقدّمة أخرى. 
"هذا الجيل". هنا نتذكّر 7: 31: "بمن أشبّه هذا الجيل"؟ و9: 41: "أيها الجيل الغير المؤمن والفاسد". هم الجموع، والتلاميذ بشكل خاص الذين لم يستطيعوا شيئاً من أجل هذا الولد المصروع: رج مر 8: 12؛ مت 12: 39: جيل شرير، جيل زنى (والزنى في العهد القديم يدلّ على خيانة الله)؛ مت 16: 4. 
"جيل شرير". نجد ما يقابله في عالم قمران (المغارة الأولى): جيل الاثم. سُمّي كذلك لأنه يطلب آية. وكأنه لم يُعطَ بعد آية. نحسّ أن طلب آية وراء آية، هو امتحان متواصل. فقد يقع "النبي" ولن يستطيع أن يقوم. 
"يطلب آية" (رج آ 16). إستُعملت كلمة "سامايون" في يوحنا، لتدلّ على معجزات يسوع وما يرافقها من إيمان. ولكنها لم تُستعمل أبداً في هذا المعنى في الاناجيل الإزائية (مع أن أع 2: 22 يربط بين سامايون وديناميس وتاراس: العجائب، المعجزات، الآيات). تعود "سامايون" إلى ما يُدرك بالحواس فيدلّ على سلطة يسوع أو يبرّر الإيمان به. فمعاصروه الذين لم يقبلوا كرازته، وربطوا طرده للشياطين ببعل زبول (آ 14- 23)، يطلبون منه بالأحرى "آية من السماء". في أع 5: 36، يعود لوقا إلى توداس الذي ادّعى أنه شخص عظيم. أخبرنا يوسيفوس المؤرخّ كيف حاولت هذا الرجل أن يثبت مصداقيته: قاد مجموعة من تابعيه مع جميع ممتلكاتاهم، وهو يعتبر أنه النبي، وأنه سيأمر النهر فينشقّ ويفتح لهم طريقاً. والطلب إلى يسوع قد يُفهم على عكس أرضية فيها مثل هذا الاعتداد. فهناك أساس في العهد القديم يشير إلى آيات تأتي من السماء. قال أشعيا بلسان الرب لأحاز: "أطلب لنفسك آية من عند الرب إلهك" (أش 7: 11). وطلب جدعون من الرب آية تؤكّد أن الله يدعوه حقاً (قض 6: 17). ونتذكّر ما يقول بولس في 1 كور 1: 22: "اليهود يطلبون الآيات، واليونانيون الحكمة".
"لا تُعطى آية". يتوافق النصّ هنا مع عبارة مر 8: 12، في المعنى إن لم يكن في الألفاظ. فعبارة مرقس التي تبدأ بـ "الحقّ أقول لكم"، تتضمّن صيغة عبرية: سوى آية يونان. هذا يعني: لا تنتظروا شيئاً خارقاً. 
"سوى آية يونان". عاد يسوع إلى خبر قديم. هناك مخطوطات (الاسكندراني، الأفرامي) تقول: يونان النبي. واخرى (السينائي، الفاتيكاني، بردية 45، بردية 75) تقول فقط: يونان. إعتبر الناشرون أن الناسخ حاول أن ينسّق مع مت 12: 39 (يونان النبي)، لهذا اعتبر النصّ الأصلي: سوى آية يونان. 
إن تاريخ تفسير هذا المقطع، قدّم محاولة تفسير "يونان" على أنه يوحنا المعمدان. نجد في الأساس الموازاة بين "سمعان بن يونا" (في مت 16: 17) و"سمعان ابن يوحنا" (في يو 1: 42). إن اختصار "يوحانان" في "يونا" غير معروفة في المراجع العبرية والأرامية المعاصرة. قد يجد هذا المزج اساساً في 2 مل 25: 32؛ 1 أخ 26: 3 حسب السبعينية. ولكن النسخات المسيحية والنصوص الموازية هي المسؤولة عن الأختلافات بين النسخة الأسكندرانية والنسخة الفاتيكانية في قراءة السبعينية. 
حسب يرامياس، تعود آية يونان إلى معجزة نجاة يونان من الموت (يون 2). ففي نظر معاصري يونان، هذا الحدث هو المعجزة البارزة في حياة يونان. فالآية تعني المعجزة. ولكن المراجع التي يعود إليها تبقى متشعبة (3 مك 6: 8؛ يوسيفوس في القديميات). ويعود هذا الحدث إلى رأي اليعازر الذي دوّنت أقواله في القرن الثامن ب. م، وهذا يعني أنها تأثرت بالمسيحية. 
2- أهل نينوى، ممكلة الجنوب (آ 30- 32) 
يذكر لوقا "النينوايين" (لا نجد هذا في مت 12: 40، بسبب تحويرات الإنجيلي). وفي آ 32، نجد "رجال نينوايين" (كما في مت 12: 41). هذا الشكل الأخير يوافق الإستعمال اليوناني المتداول كما عرفه لوقا (أع 1: 11: رجال جليليون؛ 2: 22؛ 3: 12؛ 5: 35؛ 13: 16؛ 21: 28). 
"إبن الإنسان". هو يسوع في دوره كمرسل من السماء. إنه يواجه هذا الجيل بكرازته وحكمته (7: 34- 35). في نهاية هذه الآية اللوقاوية، أقحم المخطوط البازي وبعض مخطوطات اللاتينية العتيقة الإضافة المتاوية في 12: 40 (في قلب الأرض). أجل، سيكون ابن الإنسان "آية" في كرازته. وقال بولتمان: كما أن يونان جاء إلى أهل نينوى من البعيد، كذلك جاء ابن الإنسان إلى هذا الجيل من السماء. وهذا يعني أن الآية المطلوبة من أجل كرازة يسوع هي ابن الإنسان نفسه حين يأتي إلى الحكم. 
"يوم الدين". يوم الجزاء الإلهي (10: 14). هذا الكلام لا يشير فقط إلى القيامة، بل إلى المجيء الثاني. 
"ملكة الجنوب، ملكة التيمن". هي ملكة سبأ التي عرفت في 1 مل "1: 1- 29؛ 2 أخ 9: 1-12. هي ملكة شعب سامي عاش شمالي غربي عرابية، بالقرب من تيماء (رج تك 10: 28؛ أي 6: 19). ذُكرت الحبشة مع سبأ في أش 43: 3، وهذا ما جعل يوسيفودس المؤرّخ يقول إن سبأ هي عاصمة الحبشة والمدينة الملكية. ستصبح سبأ فيما بعد أرض السحر. 
"تقوم". هناك معنيان. معنى أول: تقوم من بين الأموات. معنى ثانٍ: تقوم لكي تتّهم هذا الجيل. وكلمة "رجال هذا الجيل" لا تعني الذكور دون الاناث. نقول: "أهل هذا الجيل". وكلمة "أنير" في العهد الجديد لا تعني فقط الرجال والذكور، بل كل إنسان.
"جاءت من أقاصي الأرض". رج السبعينية في مز 2: 8؛ 22: 28؛ 46: 10؛ 59: 14؛ 65: 6. إن صورة الملكة تعكس صورة يونان الذي أمره الرب بأن يذهب إلى الشرق، إلى نينوى البعيدة، فبدأ وذهب إلى الغرب، إلى ترشيش. 
"لتسمع حكمة سليمان". يروي العهد القديم أن "ملكة سبأ سمعت بسليمان، فجاءت تمتحنه بأسئلة صعبة". فأجاب سليمان. "على جميع أسئلتها". فرأت ملكة سبأ حكمة سليمان وقالت له: "حكمتك وغناك يفوقان كل ما سمعت" (1 مل 10: 1- 7). "وههنا" في آ 31. وفي آ 32. هذه طريقة السبعينية. "أعظم من سليمان". هنا نتذكّر 7: 35: "والحكمة يبرّرها جميع أولادها". أولاد الحكمة هم الذين تقبّلوا يسوع بالإيمان وتجاوبوا مع قصد الله (7: 30). إنهم حقاً أبناء الله. تحدّث مت 11: 19 عن "أعمال الحكمة" (الحكمة يبرّرها أعمالها). حكمة هذا الجيل قادته إلى أن يرذل يوحنا المعمدان ثم يسوع. أما حكمة الله فوجدت ما يبرّرها في أعمال يوحنا المعمدان ثم أعمال يسوع رغم مقاومة هذا الجيل. أجل، تتبرّر حكمة الله، لا بدينونة هذا الجيل على يسوع، ولكن يدينها أولئك الذين قبلوا يسوع، وبيّنوا أنهم ابناءها. وهكذا ارتبط الموضوع الحكمي بالموضوع النبوي. فابن الإنسان الذي كرز بكلمة الله هو أعظم حكمة من سليمان. 
"تابوا بإنذار يوحنا". أصلحوا حياتهم. عرفوا الآية التي قدّمت إليهم، عرفوا النداء إلى التوبة (ميتانويا): اصلاح الأعمال، بل تجديد القلب والعقل.

ج- على المستوى النقدي 
بعد التوقّف عند التفاصيل، نلقي نظرة عامة إلى هذا النصّ (11: 29- 32)، فنربطه بمجمل إنجيل لوقا كما بإنجيلي متّى ومرقس. 
زاد لوقا الآن على مجموعة أقوال يسوع في هذه النقطة من الصعود إلى أورشليم، عدداً من الجمل هيّأنا لها منذ آ 16، حين زاد على الجدال حول بعل زبول نبذة تتحدّث عن بعض الناس الذين أرادوا أن يمتحنوا يسوع طالبين منه "آية من السماء"، آية من عند الله (السماء هي الله عند اليهود الذين لا يتجرّأون أن يتلفّظوا باسم الله). ظل طلبهم بدون جواب. وها هو لوقا الآن (11: 29- 32) يصوّر يسوع وهو يردّ على هذا الطلب مع قوله حول "آية يونان". هذا الحدث يرتبط مع آ 14- 23 (يسوع وبعل زبول)، وآ 24- 26 (الروح النجس). في الواقع، إن آ 14- 54 ترينا يسوع في جدال مع أناس يطرحون عليه اسئلة.
1- بين متّى ولوقا
إستقى لوقا هذا الحدث من "المعين"، ونحن نجد ما يوازيه عند مت 12: 38- 42، ومواد المعين يوازيها مر 8: 11- 12 الذي تنقصه العودة إلى يونان والقول حول سليمان ومملكة سبأ. إن هذين الشكلين من الأجوبة التي قدّمها يسوع لطالبي "الآية"، يكوّنان مسألة متشعّبة. نجد هنا اربعة أشكال للجواب في التقليد الإنجيلي.
(1) في مر 8: 11- 12، طلب الفريسيون من يسوع "آية من السماء". تنهّد يسوع وقال: "الحق أقول لكم، لا تُعطى آية لهذا الجيل". 
(2) ما يوازي هذا النصّ المرقسي نجده في مت 16: 1، 4 الذي يصوّر الفريسيين والصادوقيين يطلبون في الوقت عينه "آية من السماء". هنا قال يسوع: "لن تُعطى آية إلا آية يونان". يُعتبر هذا النصّ المتاوي موازياً لما في مر 8: 11- 12، لأن متّى يتبع الترتيب المرقسي بدقة منذ مت 14: 1 (رج مر 6: 14). إن يسوع المتاوي لا يعد هنا إلاّ بآية مثل مرقس، لأنه لا يُعطي تفسيراً عن "آية يونان". ولم يُعطَ تفسير في مت 16، لأن التفسير قد سبق وأعطي في مت 12. ينتظر القارئ أن يعرف ما هي هذه الآية (يعود القارئ الحديث إلى الحواشي).
(3) صوّر لو 11: 29- 32 يسوع وهو يقول للجموع: لن تعطى آية لهذا الجيل سوى آية يونان. وزاد على هذا الكلام شرحاً (آ 30)، ثم مقابلتين (مملكة الجنوب، يونان، آ 31- 32).
(4) ويقابل هذا الشكل اللوقاوي للقول، مت 12: 38- 42، ما عدا الإشارة بأن الفريسيين هم الذين طلبوا آية من يسوع. وقال يسوع مرة أخرى: لن تعطى آية "سوى آية يونان النبي". وهذا ما يفسّر في آ 40 بالعودة إلى وضع يونان في بطن الحوت "ثلاثة أيام وثلاث ليال". ثم في آ 41- 42 بعودة أخرى إلى يونان، وبعدها إلى ملكة الجنوب. وهكذا نجد التكرار عند متّى (اختلف عن مرقس ولوقا): عاد مرة إلى مرقس (مت 16: 1، 4)، ومرة إلى المعين (مت 12: 38- 42).
إن هذه الأشكال الأربعة لقول يسوع حوله طلب الآية يطرح اسئلة مختلفة.
أولاً: هل نحن أمام قول واحد ليسوع وصل الينا في تقليد مختلف عند مرقس وفي المعين؟ أم نحن أمام جوابين مختلفين أعطاهما يسوع في ظرفين مختلفين؟ في الحالة الأولى، يمثّل الشكل المرقسي نسخة مقتضبة. في الحالة الثانية (التي ليست بمستحيلة)، لا نجد طريقاً أميناً. هذا ماعرضه الآب لاغرانج. وهكذا نكون أمام وضع مماثل مع تقاليد مرقس والمعين حول تجارب يسوع، مع فارق بسيط وهو أن متّى ولوقا دمجا الأشياء في حدث واحد.
ثانياً: نعود إلى الحدث كما في "المعين". إن التعبير اللوقاوي (11: 31- 32) يكاد يشابه حرفياً ما يوازيه في مت 12: 41- 42. إن المقابلة بين مت 12: 38- 39 ولو 11: 29- 30 ليست وثيقة. ولكنها تكفي لكي تحافظ على جذور النصين في المعين. فسبب المشكلة يأتي من مت 12: 40. هل تضمّن المعين العودة إلى وضع يونان في بطن الحوت؟ لو تضمّنها لما كان ألغاها لوقا. ولكن يبدو أن متّى زادها فربط خبر يونان باعتبار سريع حول قيامة يسوع. إن "آية يونان" كمرجع إلى قيامة يسوع، قد تكون من يسوع، وقد تكون نتيجة تأمّل كنيسة متّى. هذه الزيادة جعلت من "آية يونان" في متّى آيتين: واحدة عن القيامة. وأخرى حول المعين (سنعود إليه فيما بعد).
ثالثاً: بما أن قول يسوع عن ملكة الجنوب قد وُجد في متّى ولوقا معاً، فهذا يعني أنه كان في المعين. ولكنه "متطفّل" في خبر حول آية يونان. هل تلفّظ به يسوع في مناسبة أخرى وزيد بسبب توارد المفردات في المعين وفي هذا الموضع بالذات؟ قد يكون ضُمّ إلى القول على آية يونان لثلاثة اسباب. الأول: عودة مشتركة إلى "هذا الجيل". الثاني: تصوير واحد ليسوع على أنه أعظم من سليمان أو من يونان. الثالث: المجيء من البعيد. جاء يونان من البعيد ليكرز. جاءت الملكة من البعيد لتسمع. وهذا ما يطرح سؤالاً آخر حول ترتيب الأقوال المزادة، لأنها تختلف بين متّى ولوقا.
رابعاً: ما هو الترتيب الأصلي للأقوال المزادة في المعين؟ إعتبر عدد من الشرّاح أن لوقا احتفظ بالترتيب الأصلي. أولاً قامت مملكة الجنوب من أجل الدينونة ثم أهل نينوى (11: 31- 32). وهو ترتيب كرونولوجي أيضاً. واقترحوا القول بأن متّى قلب الترتيب الأصلي ليجعل مثل يونان وأهل نينوى قريباً ممّا زاده في آ 40 (ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ في بطن الحوت). هذا أمر معقول. ولكن الترتيب المتّاوي (ما عدا آ 40) قد يفسّر تفسيراً أسهل الترتيب الآني. إن "آية يونان" في آ 39، يتبعها في الشكل عينه لو 11: 30 الذي أُلغي في متّى من أجل آ 40، ثم في آ 40، وهذا ما يؤمّن موضعاً لربط آ 42. حينئذ يصبح تحويل لوقا للترتيب مهماً لإبراز كرازة يونان مع نداء الحكمة (لو 7: 35). في هذا المسيرة الطويلة، لا نستطيع أن نقول من حوّل ترتيب المعين في هذه الأقوال.
2- عودة إلى لوقا (11: 29- 32).
إن آ 29أ هي من قلم لوقا. وضعها هنا كاستعادة لما في آ 16. واحتفظ لوقا بالأصل في آ 29 ب ج، 30. إن آ 31- 32 تشبه مت 12: 42 (ما عدا الترتيب). من أصل 55 كلمة (في اليونانية) هناك 53 متشابهة.
قبل أن نفهم مدلول هذا المقطع ومعنى "آية يونان" في النسخة اللوقاوية، لا بدّ من تذكّر عناصر سفر يونان في التوراة. فالفصول الأربعة ليونان مطبوعة بالتوازي. إنّ ف 3- 4 يقابلان ف 1- 2. في القسم الأول، جاءت كلمة الله إلى يونان (في جت حافر، في الجليل)، وطلبت منه أن يصرخ في وجه نينوى (مدينة الأشوريين الكبرى) ويقول لها بأن عليها أن تتوب عن شرّها. أما يونان، فهرب من يافا داخل مركب قاده إلى الجهة المعاكسة (ترشيش، في الغرب). ولكنه عوقب لأنه حاول أن يهرب من وجه الله. رماه البحّارة في الماء، فاصطاده حوت أرسله الله. وقضى يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ (ومن هناك أنشد نشيد شكر). بعد هذا، طرحه الحوت على الشاطئ.
في القسم الثاني، جاءت كلمة الله أيضاً إلى يونان، ترسله مرة ثانية إلى نينوى. ذهب إلى هناك وكرز. فلبس أهل نينوى المسح، وصاموا، وتابوا عن شرّهم، من الملك إلى الأطفال، بل إلى البهائم. حينئذ ندم الرب. وإذ رأى النبي الجليلي حنان الله، تألّم من خلاص المدينة الشريرة. إعتزل إلى الشرق لكي يرى ما يحدث بالمدينة. وإذ أراد يونان أن يحمي نفسه من الشمس والحرّ، بنى لنفسه كوخاً، وأكمله الله حين انبت له يقطينة، فجعلت النبي سعيداً. وفي الغد، يبست النبتة فخسر يونان "مظلته" من الشمس والحرّ. واستاء يونان من جديد، واستاء حتى طلب الموت لنفسه. فكلّمه الربّ: هل انت جعلت اليقطينة تكبر؟ هل أنت تشفق عليها الآن؟ أما يجب أن اشفق على نينوى مع سكانها (1.200.000) الذين تابوا بسبب كرازتك؟ وهكذا حدّثنا هذا الخبر المعروف في العهد القديم عن اهتمام الله بخلاص يشمل جميع البشر. 
نلاحظ التعارض بين النبي اليهودي الغاضب والمعاند، وبين طاعة الملاحين، وتوبة أهل نينوى (حتى الحيوان)، وخضوع الحوت واليقطينة. كانت إقامة يونان في الحوت بشكل عقاب لنبي خلّصه الله من أجل مخطّطه. لم تكن هذه الإقامة علامة لمعاصري يونان. لا شيء في الخبر يوحي إلى انه عاد إلى هذا الحدث ليعظ أهل نينوى. هم لم يعرفوا شيئاً عن خلاص يونان العجيب.
لمحّ يسوع في لوقا إلى هذا الخبر، وردّ على طلب الجموع حول آية من السماء. ظهر الطلب في آ 16 لدى الذين أرادوا أن يمتحنوه. بحثوا عنده عن اكثر مما حاول أن يبيّن لهم في عجائبه. أرادوا ظهوراً ساطعاً على مثال ما طلب الشيطان في التجربة الثانية (4: 9- 11)، ظهوراً يدلّ على مصداقيته. فكان جواب يسوع: "لا تُعطى آية سوى آية يونان" (آ 29 ج). وفسّر هذا في آ 30: "كما كان يونان آية لأهل نينوى، كذلك يكون ابن الإنسان آية لهذا الجيل".
في أي معنى كان يونان آية لأهل نينوى؟ يعتبر عدد من الشرّاح أن الآية هي شخص يونان، كما نجا من الحوت. هذا ما نجده عند مت 12: 40 كما في المعين وكما استعمله لوقا. فإنّ لو 16: 21 الذي يُشير إلى شخص قام من بين الأموات، لا يفرض علينا أن نفكّر أن عودة لوقا إلى يسوع كابن الإنسان يدلّ على ذلك. بل هو يدلّ على شخص يونان كما ظهر لأهل نينوى. وهذا ما نجده في آ 30 بمعزل عن آ 31- 32. وحين ضمّت هاتان الآيتان، دلّ النصّ على شخص يونان وكرزاته اللذين دفعا أهل نينوى إلى إصلاح حياتهم. هذا هو معنى "آية يونان" في مجمل سياق لوقا. هذا هو المعنى في متّى أيضاً الذي زاد معنى آخر وهو الإشارة إلى القيامة بتلميح إلى إقامة يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ.
من هنا، نلاحظ في هذا المقطع اللوقاوي ما يلي: كما أن يونان كان نبياً أرسل من بعيد ليكرز أهل نينوى بالتقوى، هكذا ظهر يسوع أيضاً لهذا الجيل. واللقب الذي أعطي له (ابن الإنسان) لا يعود بنا إلى قيامته ولا إلى عودته، بل إلى رسالته على الأرض. لقد جاء من بعيد، أرسل نبياً مثل يونان من السماء ولكنه أعظم من يونان،. وكرازته هي الآية الوحيدة التي تعطى لهذا الجيل. وهذه الآية قد أعطيت، وقد سجّلت ردّة الفعل عليها في 7: 31- 34. فردة الفعل هذه تشير إلى إنذار حاضر: فالننيوايين الذين تنبّهوا إلى كرازة يونان، قد أصلحوا حياتهم. وهم سيقومون ويدلّون بإصبعهم متّهمين هذا الجيل الشرير في يوم الدين. 
وحين وضع لوقا القول حول مملكة الجنوب قبل القول حول النينوايين، ربط هذا الإنذار بموضوع الحكمة. لم يتنبّه أهل هذا الجيل إلى كرازة يونان، فلم يستطيعوا أن يتعرّفوا إلى الحكمة التي جاءت من السماء لكي تعظهم. لهذا السبب، ستقوم ملكة الجنوب (التي جاءت من أقاصي الأرض لتسمع حكمة سليمان) ستقوم هي أيضاً في يوم الدين، فتدلّ على أولئك الذين تحدّوا يسوع مع أن هنا "أعظم من سليمان".
جاء هذا الحدث بشكل مباشر بعد قول يسوع حول المبارَكين الحقيقيين (من يسمع كلمة الله ويعمل بها، آ 28)، فجعل كرازة يسوع وحكمته على أنها "كلمة الله". بالإضافة إلى ذلك، فإن الشخصين (سليمان ويونان) اللذين وجّها تعليمهما إلى الوثنيين (الملكة، أهل نينوى) نحجا في مهمّتهما. وهكذا حكموا على هذا الجيل. لا يجب أن ننسى ما أشار إليه لوقا من خلاص يصل إلى جميع البشر، بمن فيهم الوثنيون. 
في أي معنى نفهم أنّ يسوع هو أعظم من سليمان ومن يونان؟ واحد كان ملكاً، والآخر كان نبياً. هذان اللقبان أعطاهما لوقا ليسوع. ولكن يسوع قد أشير إليه كجالس على عرش داود (1: 32) وابن الله (1: 35؛ رج 3: 23؛ 8: 28؛ 9: 35؛ 22: 7). وقارئ لوقا الذي يتذكّر هذه الألقاب يتحقّق من "عظمة" ابن الإنسان الذي يكرز اليوم على هذا الجيل، كنبي ارسل من بعيد، فجاء من السماء.
ومرة أخر، لا نستطيع أن نهمل العودة الاسكاتولوجية إلى "يوم الدين". فاستعمال لوق للمعين، لم يخفّف من قوة هذا التحذير الذي يحاول أن يقدّمه لنا. ولكن لن يقال لنا شيء عن اقتراب هذه الدينونة. 
خاتمة 
إن هذا الخبر يحمل تعليماً إلى المسيحيين في كل جيل. تركوا التعليم الرئيسي لذاك "الواعظ" الذي جاء من بعيد، وانتظروا بالأحرى "آية من السماء" تطمئنهم. هذا التعلّق بمظاهر الوحي عند الناس، يدلّ على أن موقف "أهل هذا الجيل" ما زال حاضراً في وجودنا المسيحي اليوم.

 

 

الفصل الخامس عشر 
نور الإيمان
11: 33- 36 
أراد لوقا أن ينهي جواب يسوع حول آية يونان بقولين (يردان في مثل أو في صورة) يتعلّقان بالسراج والنور (آ 33- 36). الأول (آ 33) هو تكرار لما في 8: 16. ولكن الإطار السابق المركّز على عظمة ابن الإنسان، قد بدّل معناه تبديلاً تاماً. فكرازة الملكوت وشخص يسوع هما سراج موضوع على منارة (يرتفع عالياً)، لكي ينير بنوره أولئك الذين يدخلون إلى البيت. فلا حاجة إلى آية أخرى من السماء لتبين صدق رسالته (11: 29). ويتوجّه القول الثاني (آ 34- 36) إلى كل واحد منا (في صيغة المخاطب المفرد، أنت) يطلب آية. لقد أعطي النور للإنسان بواسطة العين. فإن كان السامع الذي يتوجّه إليه يسوع "رديئاً" ولا يتقبّل نور الإنجيلي، فيكون كيانه كلّه في الظلمة. فليفحص كل واحد نفسه. وليتحقّق هل النور الذي فيه قد صار ظلاماً؟ من كان متقبّلاً للنور ورفض أي ارتباط بالظلام، يقبل أن تنيره كلمة الله.
هذا الجيل يطلب آية. والمسيحي يتلقّى سؤالاً ملحاً: هل ترك في قلبه جزءاً مظلماً، أم ان جسده كله، بل حياته كلها تسير في النور؟

أ- قراءة اجمالية
ضمّ لوقا هنا أقوالاً أخرى على أقوال تحذيرية ليسوع. هي في حدّ ذاتها لا ترتبط بما سبق، وقد جاءت من قرائن مختلفة. ولكنها جمعت حول فكرة النور وتأثيره.
تعود آ 33- 35 إلى المعين. ونحن نجد ما يوازيها في اجزاء مختلفة من خطبة الجبل في متّى (5: 15؛ 6: 22- 23). فالقول الأول (آ 33= مت 5: 15) هو تكرار لنص لو 8: 16 (= مر 4: 21). ونجد له شكلاً آخر في إنجيل توما 33 ب. جاءت آ 34- 35 قريبتين جداً بألفاظهما من مت 6: 22- 23. أقحم لوقا لفظة "تبصَّرْ"، أنظرْ، فدلّ على نداء (احتفظ به مت 6: 23) داخل تحذير بُني في قول آ 34. وحُفظ شكلٌ من آ 34 في إنجيل توما 24 ج: "هناك نور داخل انسان النور وهو ينير الكون كله. فان كان لا ينير فهو ظلمة". هذا ما يحوّل القول في خطّ آ 33. وهو يكاد يكون أصيلاً في شكله، بعد أن أثّر فيه يو 1: 9؛ 5: 35. إن آ 36 تطرح مشكلة: هل تنتمي إلى المعين أم لا؟ هناك من يجيب بالإيجاب ويقول إن متّى ألغى هذه الآية بسبب طابعها التكراري. ولكن قد تكون زيدت بيد لوقا لكي توضح آ 34 أو 35.
من جهة النقد الأدبي، نستطيع أن نجعل هذه الآيات مع الأقوال الربية، وخصوصاً الأقوال الحكمية. وهناك من يجعل آ 34- 35 في إطار مثل شعري في صيغته.
إن هذه الأقوال التي تشكّل وحدة في مسيرة يسوع إلى أورشليم، تفسّر طبيعة هذا "الأعظم" من سليمان ومن يونان. ففي يسوع قد أعطي النور الذي لا يحتاج إلى علامة (آية من السماء) تشهد على صدقه. فخبر الطفولة قد دلّ على أنه "نور" (2: 32، بفم سمعان). والآن هذا النور صار واضحاً ولم يعد مخفياً. فإن كان لا ينير، فليست لأنه مخفياً أو منطفئاً، بل لأن شعب هذا الجيل صار أعمى العينين، وصارت الظلمة جزءاً منه.
قدّم القول الأول (آ 35) شخص يسوع وتعليمه كالنور الذي يضيء كل إنسان. كان قد تركّز 8: 16 على سماع التلاميذ لهذه الكلمة. أما آ 33، فتركّزت على يسوع نفسه. ومع أن النصّ الموازي في مت 5: 15 يصوّر السراج منيراً لكل الذين في البيت، شابه نصّ لوقا 8: 16 ج فقال إنه ينير الذين يأتون إلى البيت. وهذا يعني أنه يردّ الذين هم في الخارج، يردّ الوثنيين. إن الطابع الحكمي لهذا القول يتضمّن نصيحة إلى التلاميذ الذين يجب عليهم أن يضيئوا على الآخرين.
والقول الثاني (آ 34) هو حكمي أيضاً. إنه يفسّر وضع الذين يسمعون، أولئك الذين يرون النور أو يستطيعون أن يروه. هناك بعض الغموض في هذا القول الذي يتحدّث عن النور والظلمة: فالإنسان الذي يرى حسناً يرى النور ويُعتبر مستنيراً في داخله. والذي يرى رؤية رديئة، لا يرى النور وقد امتلأ ظلمة. للوهلة الأولى، يتعلّق هذا القول بوضع عيون الجسد التي ترى بوضوح أو لا. ولكن في السياق، نقرأ "بونيروس" (رديء) الذي يستعمل للحديث عن الجيل "الشرير" في آ 29. وهكذا يتّخذ القول الحكمي معنى آخر. صارت "الرؤية الحسنة" تكرَّس لكلمة الله التي نكرز بها (النور). ويصل بنا "السوء" إلى وجود "مظلم". فعلى التلميذ أن يحذر (آ 35): ليتأكّد أن النور ينير حياته وأن الظلمة لا تؤثّر فيه. إذا كان الجسد حقاً متقبلاً للنور (وليس فيه جزء مظلم)، فهو يتقبّل الإستنارة من النور الحقيقي الذي يشعّ، من كلمة الله التي كرز بها يسوع. 
إن هذه الكلمات حول النور تصوّر يسوع وكلمته، وتشدّد على عيون سليمة من أجل حياة مضاءة. لقد توجّهت في سياق لوقا إلى جيل يسوع الذي يطلب آية. طُلب من اسرائيل أن يكون نوراً للأمم من خلال نشيد عبد الله (أش 49: 6). والآن يشعّ يسوع كنور لم يعد مخفياً عن "جيله". ولكن هل عين هذا الجيل سليمة أم عليلة؟ هل تستطيع أن تقول مع المرتل: "الرب يضيء سراجي. إلهي ينير ظلمتي" (مز 18: 23)؟ هذا هو السؤال الذي يجب أن نطرحه على ذواتنا: هل ينيرنا النور الذي يعطيه الله، النور الذي لا ظلمة فيه؟ 

ب- قراءة تفصيلية
1- ما من أحد يوقد سراجاً (آ 33)
قدّم يسوع نفسه على أنه آية (آ 29- 32). فكم نحتاج إلى النور لكي نرى هذه الآية ونؤمن؟ "في مكان خفي". هذا ما نجده في بردية 45 ومخطوطات أخرى. أما أفضل المخطوطات فقالت: "كربتان" فجوة، قبو، تأثراً بنصّ مت 5: 15؛ مر 4: 21 القبو خاص بفلسطين ولن يستطيع أن يفهمه اليوناني الذي يكتب إليه لوقا. لهذا قد يكون استعمل لفظة عامة: مكان خفي.
"تحت المكيال". هذه العبارة غير موجودة في بردية 45، 75، ولكننا نجدها في السينائي والفاتيكاني والافرامي والبازي. لهذا جعلتها نشرات النصّ اليوناني بين قوسين.
"يبصر الداخلون النور". أما مت 5: 15 فقرأ: "ليضيء على كل الذين في البيت". قد يكون هذا هو القول الأصيل الذي حوّله لوقا ليجعل نهاية هذه الآية تتوافق مع الزيادة التي اضافها على مرقس في 8: 11 ج (يبصر الداخلون نوره).

2- سراج الجسد العين (آ 34- 36)
"العين هي سراج الجسد". يعني: حيث يستنير الإنسان، فالعين هي العضو الذي يدرك النور. إن وظيفة السراج قد تبدّلت هنا. والجسد يعني هنا الشخص البشري كله (رج روم 12: 1؛ فل 1: 20؛ أف 5: 28). 
"عينك سليمة". ليست عينين أو ثلاثاً. هي بسيطة. وعلى المستوى الأدبي: صادقة وصريحة، بل سخيّة. أم 4: 18- 19؛ مي 7: 8. ونحن هل نقبل شخص يسوع وتعاليمه أم لا؟
"عليلة". أي: مريضة، في حالة سيّئة. نجد في مت 20: 15؛ مر 7: 2 "العين الشريرة". غير أن المعنى لا يوافق النصّ هنا. لكن النصّ يشير إلى الشر الأدبي، لأنه يرتبط بعبارة آ 29: "جيل شرير".
"النور الذي فيك". النور الذي يدخل فيك. سبق للوقا وقال: أنظر، تبصّر. وهكذا شدّد على التنبيه الذي يقدّمه.
هناك خلاف حول ترجمة آ 36: أولأ: يعتبر تايلور أن العبارة ترجمة للأرامية: "ناهير نهوه كولا" فتقول: أما إذا كان جسدك كله مضاء، وليس فيه جزء مظلم، حينئذ يكون كله مضاء. مثل السراج الذي يضيء في الظلمة". هذه الترجمة ليست بمستحيلة. ثانياً: تعني الآية بكل بساطة: إذا كان القلب متقّبلاً حقاً للنور، سينال النور من النور الحقيقي حين يشرق، أي من المسيح.

ج- قراءة لاهوتية
1- السراج على المنارة
إن مثل السراج الذي لا يوضع تحت مكيال، بل على منارة يرد أربع مرّات في الاناجيل (مت 5: 15؛ مر 4: 21؛ لو 8: 16؛ 11: 33). وحين نتمعّن في النصّ نجد أنه يعود إلى تقليدين مختلفين. واحد يعود إلى نسخة مرقس والثاني إلى نسخة متّى. وإذ يورد لوقا الآية مرّتين فهو يدلّ على أنه عرف التقليدين، فجاء تدوينه نقطة أخيرة في التقليد الإنجيلي حول هذا المثل.
إن مثل السراج (11: 33) يدخل في مجموعة هي خطبة يسوع ضدّ خصومه. نجد أولاً جواب يسوع إلى أناس اتهموه أنه يطرد الشياطين بيعل زبول (آ 14- 20). وتبع هذا الجواب عدة ملحقات ترتبط بعضها ببعض ارتباطاً غامضاً (آ 21- 28). ثم نجد جواب يسوع إلى الذين يطلبون آية: لن يعطى لهذا الجيل آية إلاّ آية يونان (آ 29- 30 لا نفصلهما عن آ 31- 32). وزيدت بعض أقوال أخرى تبدأ بالقول حول السراج (آ 33- 36). وفي النهاية يرد جواب يسوع إلى فريسي تعجّب حين رآه يأكل دون أن يقوم بالإغتسال الطقسي.
إذن الإطار العام هو إطار هجوم. ويوجّه يسوع هذا المثل لا إلى تلاميذه، بل إلى سامعين لم يكونوا مستعدّين كل الإستعداد.
يتبع المثل حالاً (وبدون انتقالة) جواب يسوع إلى الذين يطلبون آية... ويقابل معاصري سليمان ويونان مع معاصريه الذين يطلبون آية: أما يكفي تعليمه الذي هو أعظم من تعليم يونان؟
ويقول يسوع: "لا يوقد أحد سراجاً...". نحن لا نوقد سراجاً لكي نخفيه. بل نجعله على منارة. والذين يدخلون لا يستطعيون إلاّ أن يروا نوره. هذه الصورة تفهمنا عن طريق القياس، لماذا رفض يسوع أن يعطي آية. فرسالته الإلهية واضحة في ذاتها. وهي لا تحتاج إلى برهان. وكما أن السراج الموضوع على المنارة يضيء على الذين يدخلون إلى البيت، هكذا يكون مرسل الله حين يُعلن تعليمه. فحقيقة رسالته تفرض ذاتها بذاتها. وهي لا تحتاج إلى آية لكي تثبتها. إذا كان أهل نينوى قد عرفوا يونان حين سمعوا كلمته، فماذا يكون موقف معاصري يسوع؟ إذن نفهم مثل السراج في هذا السياق كصورة واضحة عن رسالة يسوع الإلهية. فالذين لهم عيون ترى، لا يقدرون إلا أن يروه، أن يتعرّفوا إليه.
غير أن محاوري يسوع يطلبون آية، وهكذا يضعون شرطاً لكي يتعرّفوا إلى رسالته. لماذا لا يفرض اليقين نفسه عليهم؟ هل يمكن أن لا نبصر سراجاً مضيئاً وقد وُضع على منارة في صحن الدار؟ هنا جاءت آ 34- 36 لتجعلنا نفهم هذا الوضع. إنها تقدّم تطبيقاً آخر لموضوع السراج. "سراج جسدك عينك. إذا كانت عينك سليمة، كان جسدك كله في النور. وإذا كانت شريرة، كان جسدك كله في الظلمة" (آ 34). إذا كانت العين عليلة (مريضة)، فمهما شعّ النور في الخارج، فالإنسان يبقى في الظلمة. ويأتي التطبيق في آ 35: فانظر! أما يكون النور الذي فيك ظلاماً (آ 35)؟ إن محاوري يسوع يخطئون حين يظنون أن العلامة (الآية) الخارجية تتيح لهم أن يتعرّفوا إلى يسوع. فما يحتاجون إليه هو إصلاح داخلي. فالنور يشعّ أمامهم. فإن كانوا لا يشعرون به، فلأن عين قلبهم مريضة. 

2- العين سراج الجسد
ان القول عن "العين سراج الجسد" (11: 34- 35؛ مت 6: 22- 23) هو من أصعب النصوص الإزائية. فهو يرد في سياقين مختلفين عند متّى ولوقا، ويبقى معناه غامضاً بالنسبة إلينا. هل نحن أمام عين الجسد أم نحن أمام رمز؟ وفي هذه الحالة الأخيرة، ما معنى عين "بسيطة"؟ هل تدلّ على السخاء الذي يعطي بلا حساب؟ أو الطيبة التي لا تعرف الحسد؟ أو نور الوجدان الداخلي؟ مثل هذه المسائل ليست بمسائل لأنها تهمل الخلفية التاريخية لهذا القول. 
هناك أولاً تواز تعارضي: عينك بسيطة... عينك شريرة. ونعود ثانياً إلى العهد القديم. فالانطروبولوجيا البيبلية تأخذ الإنسان كله، ولا تعارض بين النفس والجسد كما فعل اليونانيون. فهي تدعونا إلى أن نرى في "العين" كما في "القلب" لا استعارة ومجازاً، بل تعبيراً عن الإنسان كله في وضعه السيكولوجي والاخلاقي والديني. فالصفة "سليمة" (تميم في العبرية، رج تمّ في العربية: من لم يكن فيه عيب) تدلّ على عطاء القلب الكامل أمام الله وعهده. فكما أن الضحية التي تقدّم إليه تكون "سليمة" "كاملة" (لا عيب فيها)، كذلك يكون الإنسان: يتقرّب إلى الله بدون تحفّظ ولا مساومة.
إن القول (العين سراج الجسد) ليس فقط قولاً مأثوراً من أقوال الحكمة ولا قاعدة سيكولولجية. فيسوع يتكلّم هنا من زاوية دينية، بل اسكاتولوجية من أجل الوضع المتأزّم الذي خلقه مجيئه. فالسياق الذي أعطاه متّى لهذا القول (الكنز الحقيقي في السماء، لا تعبدوا الله والمال) جعل البعض يحسبون أننا أمام العين السخية أو الحاسدة. في الواقع، نحن أمام خيار حاسم يفرض نفسه علينا: إما كنز سماوي وإما كنز أرضي. إما الله وإما المال. إما عين القلب البسيطة التي تعطي ذاتها كليا وإما عين القلب الشريرة التي تنقسم فتنغلق على النور. أكّد لو 11: 34- 35 هذا التفسير وكمّله مبيّناً بشكل أفضل أي "نور" يعني. هو نور التعليم الذي يحمله يسوع (رج 8: 16 الذي يكرر 11: 33 واطاره حوله التعليم بالأمثال) والذي يستطيع كل إنسان أن يتقبّله أو يرفضه، لا حسب امكانياته العقلية، بل حسب استعداداته الدينية. فالنور الموضوع على المنارة (11: 33) هو يسوع. والإنسان الذي عينه بسيطة، يفهم نداءه، وينفتح على هذا النداء بقلب سخي فيجد النور. أما الإنسان الذي عينه شريرة، فيحسب ألف حساب وينغلق على النور (آ 34- 35). هذه هي حالة الفريسيين الذين اعتبروا بفتاويهم أنهم يستطيعون أن يضعوا حدوداً لحقوق الله، وأن يحتفظوا بشيء من ذاتهم لذاتهم.
هي إشارة اسكاتولوجية تميّز مطلق متطلّبات يسوع، كما تدلّ عليها أقوال أخرى حول الباب الضيق والباب الواسع، حول الشجرة الصالحة والشجرة الرديئة، حول الذين معي والذين ضدي، حول يسوع الذي نقبله أو نرفضه لأنه يشكّكنا... أمامه لا بدّ أن نختار، ولا بدّ من الخيار الذي يقسم القلوب: من جهة، الصغار والبسطاء، والمتواضعون، والخطأة: انفتحوا فوجدوا الخلاص. ومن جهة أخرى، العظماء، والعلماء، والمكتفون بأنفسهم، والذين يعتبرون نفوسهم صديقين: انغلقوا فهلكوا. وفي أساس هذه القسمة، هناك الاختيار الإلهي ورضاه السري (10: 21؛ مت 11: 26) أي هذه المعطية في اللاهوت البيبلي الذي يحدّد الحاصلين على الخلاص دون أن يلغي مسؤولية الإنسان.

خاتمة
عبّرت آ 33- 36 عن تحوّل يتم في السامعين للكلمة. إستعاد لوقا قولاً جعله في نهاية الخطبة الرسولية. وزاد عليه قولاً ثانياً: قد يصبح الإنسان منغلقاً على النور، فلا يعود يتميّز الآية المعطاة له. والنور الذي يتحدّث عنه النصّ هو كلمة يسوع. فالجسد المضيء أو المظلم (الشفّاف والمنفتح على النور أو المنغلق) يدلّ على الموضع الذي فيه يعاش هذا النور، يدلّ على حياة التلميذ في أعماله اليومية. فالذي يسمع الكلمة ويحفظها (أو: يعمل بها) تستضيء حياته كلها ويصبح شاهداً للكلمة.

 

 

الفصل السادس عشر
الويل للفريسيين، الويل لعلماء الشريعة
11: 37- 54
دُعي يسوع إلى الغداء. دعاه أحد الفريسيين فدخل واتّكأ. وكانت له مناسبة أن يدلّ على الفرق بين موقفه وموقف الفريسيين وعلماء الشريعة، كما فعل حين غفر للخاطئة (7: 36 ي) وكما سيفعل حين يشفي المريض بداء الإستسقاء (14: 1 ي). في هذا الإطار الإخباري، بدأ يسوع فوجّه لوماً إلى الفريسيين. وبعد أن تدخّل عالم من علماء الشريعة، تابع يسوع انتقاده للكتبة. جاء كلام الربّ في صيغة "التويل". الويل لكم ايها الفريسيون... كان قد قال في 10: 13: الويل لك يا كورزين، الويل لك يا بيت صيدا. وعارض التطويبات في 6: 24- 26: الويل لكم أيها الأغنياء، الويل لكم أيها المشبعون، الويل لكم أيها الضاحكون. وها هو يقول: الويل لكم أيها الفريسيون وعلماء الشريعة.
أ- كان يتكلّم
نقطة الإنطلاق هي موقف يسوع. لم يقم بالإغتسال الطقسي. لم يغتسل قبل الأكل. أهمل عملاً "طقسيّاً" يفرضه التقليد. أتراه أيضاً علّم تلاميذه فتناولوا الطعام بأيدٍ نجسة أي غير مغسولة (مر 7: 2). إن الفريسيين لا يعتبرون هذا الغسل إجراء صحّياً. إنه طقس ديني. إنه دواء ضدّ النجاسات المختلفة التي تنتقل من الناس والأشياء إلى المؤمن كما تنتقل العدوى. أما صار يسوع نجساً بعد أن لمس ذاك الأخرس الذي فيه شيطان (11: 14)؟ أما تنجّس حين لمس الجموع التي كانت تزحمه من كل مكان (11: 29)؟ ولكن النجاسة لا تؤثّر في يسوع. فهو الذي يؤثّر فيها فيشفي المرضى ويخرج الشياطين ويدعو الناس إلى التوبة.
1- الويل للفريسيين (11: 39- 44)
وبدأ الرب كلامه حول مسألة الطهارة (آ 39- 41). إن اللقب الذي يعطيه لوقا ليسوع في بداية هذا "التوبيخ" يشدّد على سلطته التعليمية في مجال ظلّ حامياً في المسيحية الأولى. يدور اللوم حول النقيضة "الخارج/ الداخل". وهكذا ينتقل من ممارسة طقسية إلى تصرّف خلقي. إهتمّ الفريسيون إهتماماً زائداً بالطقس الخارجي والمادي، ثم انتقلوا من غسل الأيدي إلى غسل الكؤوس والجرار وسائر الأواني المنزلية. أمّا يسوع فعارضهم لأنهم لا يهتمّون بالنجاسة التي فيهم، لأن باطنهم مملوء خطفاً وشرّاً.
عندما يصنع الفخاري جرّته يهتمّ في الوقت عينه بالخارج وبالداخل، والخالق يهتمّ بباطن الإنسان كما بخارجه. يريد هذا ولا يترك ذاك. وأخيراً يؤكّد يسوع (وهذه ملاحظة يقولها لوقا بارتياح) أن الصدقة تحلّ محلّ كل قواعد الطهارة. من أعطى الفقراء كان له كل شيء نقياً. وهكذا نقل إلى مستوى الطهارة الطقسية ما قاله طوبيت: "الصدقة تنقّي من كل خطيئة" (طو 12: 19). ونحن نتصدّق ما في وسعنا اليوم، ونسمع ما يقوله الروح للكنائس، لأن الصدقة بدأت تأخذ أشكالاً عديدة من التضامن، تتعدّى مستوى الصدقة الفردية نقدّمها لشحاذ قد يكون صادقاً أو كاذباً. 
وفي العبارات الثلاث التالية (الويل، الويل، الويل)، يعدّد يسوع ثلاثة تصرّفات تقود الفريسيين إلى هلاكهم، لأنهم يقرأون الشريعة قراءة خاطئة وسيّئة.
أولاً: يدلّون على غيرتهم فيقدّمون العشور (ومنها ضريبة الهيكل) عن نباتات صغيرة لا يذكرها التشريع القديم (نح 13: 10- 13: عشور الحنطة والخمر والزيت). ولكنهم يهملون المتطلّبات الأخلاقية والدينية في الشريعة (10: 27: أحبب الرب، أحبب قريبك). لم يرذل يسوع الفريضة التي يعطيها التقليد الشفهي في هذه النقطة بالذات، ولكنّه يذكّرهم بطابعها الثانوي (آ 42). فهي تأتي بعد العدل وحبّ الله.
ثانياً: يطمح الفريسيون إلى أن يراهم الناس، أن يقرّوا بفضلهم في الساحات العامة من أجل ممارساتهم الخارجية، أو من أجل ما يفرضونه على نفوسهم فوق ما تفرضه الشريعة. ولكن، لا أجر لهم (آ 43). فإهمالاتهم الأساسية صارخة وهي تحكم عليهم.
ثالثاً: ونجد في ويل ثالث إتهاماً أشارت إليه آ 39، وتحدّثت عنه آ 44 بالصورة. هناك خلاف بين الظاهر والباطن. هكذا تكون القبور. يطأها الناس ولا يدرون. فالقبر هو شيء نجس بسبب الجثة التي يحويها. فإن لم يدلّ شيء على وجوده، سار عليه المارّ ولم يعلم، فتصيبه نجاسة خطيرة. إنّ ظاهر الفريسيين الذين لا لوم فيه ينسي الناس "باطنهم" الفاسد الذي ينتقل كالعدوى. هذا هو الرياء. إنفصام بين الخارج بما فيه من تملّق والداخل، والقلب الذي هو بعيد عن الله. ولكن يسوع لم يتلفّظ بعد بالكلمة، التي سنسمعها في 12: 1: "إحذروا خمير الفريسيين، إحذروا الرياء".

2- الويل لعلماء الشريعة (11: 54- 52)
إتهم يسوع الذين يمارسون الشريعة، لأنهم يتبعون بدقّة تصل إلى الوسواس ما هو سطحي، ويهملون الجوهر. وأحس عالم بالشريعة ان اتّهام يسوع أصابه هو أيضاً. إنه اختصاصي في هذا المجال، وتفاسيره تنظّم الحياة اليومية للفريسي العادي (آ 45): "تهيننا نحن أيضاً".
حينئذ بدأ يسوع "يحاكم" أصحاب "الفتاوى" في الأمور اليومية: ماذا نعمل وماذا لا نعمل؟ وأرسل اليهم يسوع أيضاً "الويل" على ثلاث مرات.
أولاً: إنّ علماء الشريعة يقومون بعمل متواصل لتفسير الشريعة، فيخلقون غابة من التنظيمات المفصّلة والمنقّحة والمدقّقة، فيضيع فيها المؤمن العادي. وهكذا صارت الفرائض سجناً وقيوداً تحاصر الشعب من كل جهة. غير أن علماء الناموس لا يعملون شيئاً ليساعدوا الذين سقطوا تحت أثقال الشريعة كما يفسّرونها (آ 46). كيف يساعدونهم؟ يدلّونهم على ما هو في أصل الشريعة: حبّ الله من أجل شعبه.
ثانياً: والتصرّف الثاني الذي يبرزه يسوع (آ 47- 48) والتوسّع الذي يستخرجه (آ 49- 51) يستندان إلى تقليد يهودي شفهي وقديم حول اضطهاد الأنبياء وقتلهم بيد شعب إسرائيل. فالمؤلّف المنحول (أي غير قانوني، ليس من الأسفار المقدّسة) "حياة الأنبياء" يخبرنا أن أشعيا نشر بالمنشار، أن إرميا مات رجماً بيد الشعب، أن عاموس قتل بضربة على رأسه... (رج عب 11: 32- 40). ويذكر هذا المؤلف أيضاً مقتل زكريا بن يوياداع (رج 2 أخ 24: 2) ويحدّد موقع قبره في أورشليم، كما يقول إن أشعيا دفن في أورشليم أيضاً.
هاجم يسوع أولئك الذين يشيدون مباني تذكارية حيث ترقد أجساد الأنبياء العظام، الذين قتلهم "اَباؤكم". فهذه الأبنية لا تدلّ على توبة أولئك الذين شيّدوهم. إنها تعني أن حاملي كلمة الله الحقيقيّين هم في نظرهم الأنبياء الموتى وحسب. هم الذين كانوا يلومون الأجيال السابقة. أما الاجيال الحاضرة، فلا تريد نبيّاً تسمع له.
غير أن ما تريده الحكمة البشرية، هو أن ترسل أنبياء ورسلاً يدعون الشعب إلى التوبة، ومقتلهم لن يوقف هذا المشروع. ومع ذلك، فاستشهاد الأنبياء ظاهرة في التاريخ. أوّل نبي شهيد هو هابيل (تك 4: 8). يروي التقليد الشفهي أن أخاه قايين قتله لأنه أكّد ان الله بار وأنه يقيم الموتى. وهكذا يسير الموضوع في نظر يسوع منذ الصفحات الأولى في التوراة العبرية (سفر التكوين) حتى 2 أخ 24: 22 ومقتل النبي زكريا في الهيكل.
الكرستولوجيا حاضرة في هذا المقطع وإن كانت خفية. فيسوع هو النبي الأخير، هو مرسل المرسلين، ولن يكون مصيره أفضل من مصير سابقيه. إنه النبي والوسيط بين الله والبشر في تعليم الخلاص. ولكن لتكن الأمور واضحة: إذا كان هذا الجيل لا يقطع كل رباط مع تصرّف الآباء المجرم، فعليه أن يؤدّي حساباً عن دم جميع الأنبياء. فالله ينتقم لشهدائه ويحكم على جلاّديهم، وهكذا تتمّ العدالة.
ثالثاً: ويرسل يسوع اتهاماً أخيراً: الويل لكم، يا علماء التوراة، قبضتم على مفتاح المعرفة. فعلمهم في الكتاب المقدّس جعل في يدهم المفتاح الذي يصل بالإنسان إلى معرفة الله ومخطّطه الخلاصي. فهم لم يدخلوا إلى ملكوت الله الذي حلّ بينهم. وأكثر من هذا، عملوا كل جهدهم لكي يمنعوا الآخرين من الدخول.
وينهي الإطار السردي الخبر بشكل مهدّد (آ 53- 54). بدأ الكتبة والفريسيون ينقمون على يسوع كل النقمة. فبدلاً من أن يتوبوا مستخلصين العبرة ممّا سمعوا، ساروا في الطريق التي كانت طريق آبائهم. سيماحكون النبي الأخير ويجادلونه ويضعون له الفخاخ حتى يوقعوه.
ب- دراسة تفصيلية
إن بداية آ 37 (وإذ كان يتكلّم) تستعيد آ 14 ب (تكلّم) عبر الوصلة في آ 27 (وفيما هو يتكلّم بهذا). إن هذه الآيات التدوينية تحدّد موقع التويّلات التالية في مجيء الكلمة كما دشّنها يسوع: "لقد اقترب منكم ملكوت الله" (آ 20). ويعطي النص أيضاً توضيحاً آخر. فالمقطع الذي ندرس يدخل بين إشارة أولى تقول "دخل" (آ 37، واتّكأ)، وإشارة أخيرة تقول "خرج" (9: 4- 5)، وانطلاقة السبعين (10: 8، 10) الذين يدخلون إلى مدينة أو يخرجون إلى الساحات. وهكذا نكون مرّة أخرى في ملء المسيرة الرسولية. فعلى الفريسيين وعلماء الشريعة أن يعيدوا النظر في ممارستهم على ضوء هذه المتطلّبة الرسالية. 

1- دعاه فريسي إلى الغداء (آ 37- 41)
"وحين قال هذا". إعتاد لوقا أن يستعمل المصدر مع حرف الجرّ "وفي تكلّمه"، إذ كان يتكلّم. رج 2: 27 (ولما دخل بالطفل)؟ 3: 21 (فشرع يقول لهم). قرأ المخطوط البازي والسريانية العتيقة: "طلب منه فريسي أن يتغدّى معه" (رج 7: 36). يبدو الفريسيون في هذا المقطع على أنهم يمارسون ممارسة دقيقة العوائد الدينية القديمة. يزيد الاسكندراني وغيره أمام كلمة فريسي لفظة "تيس": فريسي ما. وذلك بتأثير من 7: 36؛ رج 14: 1.
دعاه، طلب منه أن يتغدّى معه. قد يعني الفعل أيضاً (ارستان) طعام الفطور، ولكنه يعني في هذه الجملة طعام الظهر.
تعجّب الفريسي، بل انصدم وتشكّك من هذا المعلّم الذي لم يغسل يديه قبل الطعام. نقرأ في الكودكس البازي واللاتينية العتيقة والسريانية العتيقة: "حكم في عقله فأخذ يتساءل لماذا لم يغتسل". هذا يتضمّن أن يسوع قرأ له أفكاره.
لم يغتسل قبل الأكل. لم يقم بطقوس غسل اليدين (على الأكل)؛ رج مر 7: 1- 5؛ تك 18: 4؛ قض 19: 21. لا ننسى أن الإتصال بالجموع وطرد الشياطين يقع في هذا الإطار. أما تنجّس يسوع؟
نجد في آ 39: الرب، بشكل مطلق. يعطي لوقا هذا اللقب ليسوع قرابة عشرين مرة، هذا ما عدا المنادي: يا رب. إنه يدلّ بذلك على ملك يسوع السرّي. لا نجد كلمة الرب إلاّ مرّة واحدة في متّى (21: 3) ومرقس (11: 3)، بمناسبة الإستعداد للدخول إلى أورشليم.
"أنتم الفريسيين". يزيد المخطوط البازي "المرائين" متأثراً بمتّى، مع أنّ لوقا تحدّث عن "ريائهم" (12: 1)، إلاّ أنّه لم يستعمل أبداً الصفة "فريسي". أما الإسم "فريسيون" فيُستعمل في صيغة المنادي "أيها الفريسيون".
"خطفاً وشرّاً". قال مت 23: 25: "خطفاً وجشعاً". شدّد لوقا على التعارض أكثر ممّا فعل متّى. ولكنه لم يقل شيئاً عن ينبوع هذا الخطف. هناك تعارض بين ديانة شكلية وخارجية لدى الفريسيين، وديانة داخلية، ديانة القلب. نضع في قلوبنا متطلّبات الله. أما الفريسيون...
"أيها الحمقى" (آ 40). قد يكون لوقا أحلّ هذه التسمية محل "الفريسي الأعمى"، الذي في المعين (مت 23: 26؛ لو 12: 20). نجد هنا السبب الذي لأجله لا يرضى الرب بالديانة الخارجية والشريعانية (تعلّق مفرط بالشريعة). "فالذي صنع الخارج" في معنى أول هو الذي
يصنع الصحون وسائر الأواني. وفي معنى ثان، هو الله. هناك اختلاف مع مت 23: 26، غير أن التعارض بين الداخل والخارج هو حاضرٌ في المعين.
"تصدّقوا بما في وسعكم". حرفياً: "بما في الداخل". وفهم بعضهم: من داخل كؤوسكم وصحونكم. هناك مخطوطات قديمة تقول: مما في أيديكم. أعطوه للفقراء. هنا نجد موضوعاً عزيزاً على قلب لوقا: "بيعوا ما تملكون وتصدّقوا بثمنه على الفقراء" (12: 33). "إجعلوا لكم أصدقاء..." (16: 9). قال زكا: "أعطي الفقراء نصف أموالي" (19: 8؛ رج أع 9: 36؛ 10: 2، 4، 31؛ 11: 29: 24: 17).
رأى ولهاوزن في "أعطوا صدقة" ترجمة للأرامية "زاكو"، بدلا "داكو". وأن متى أعطى الترجمة الحقيقية: النقاوة. ولكن جاء من يعارضه.
إن آ 41 لا توازي مت 23: 26. لقد استعمل لوقا آ 40 كمقابل لنصّ مت 23: 26، وزاد كلامه عن الصدقة: تصدّقوا، حينئذ تصبحون أنقياء. 

2- ويلات الفريسيين (آ 42 44)
"الويل" (آ 42). لسنا هنا أمام لعنة، ولا أمام حكم لا عودة عنه. نحنٍ أمام صرخة شفقة: أنتم بؤساء وحالكم في الويل والتعتير. ونحن أيضاً أمام تحذير وتهديد مع نداء ملحّ إلى التوبة. نقرأ في 10: 13: الويل لك يا كورزين. يا ليتك تبت كما تابت صيدا وصور!
"تعشّرون، تؤدّون العشر". يُعطون عشر المدخول من أجل الملك أو الهيكل أو خدّامه. ولقد تنوّعت العادة في العهد القديم. أما القاعدة التي يلمّح إليها يسوع فنجدها في تث 14: 22- 27 (رج 12: 6- 29؛ 14: 28- 29؛ 26: 12- 15). ولكن هذه النصوص ليست واضحة. وهناك أيضاً (من الدستور الكهنوتي) لا 27: 30- 33؛ عد 18: 12؛ نح 10: 37- 38؛ 12: 44؛ 13: 5، 12؛ 2 أخ 31: 5- 12؛ رج ملا 3: 8، 10. جُمعت هذه الأمور حول العشور في بداية القرن الثالث ب م فدلّت على عقليّة يشير يسوع إليها هنا. مهما كان الطعام الذي نستعمله فقد نما في الأرض، ويجب أن يعشّر.
"النعنع والسذاب وسائر البقول". أما مت 23: 23 فقال: "النعنع والشّبث والكمّون". النعنع وحده هو موضوع العشر في نصّ لوقا. المهم هو التعارض بين عشور عن أمور بسيطة، وتغاضٍ عمّا يسيء إلى العدل ومحبّة الله. "العدل" أي الإستقامة والإنصاف. و"محبّة" الله أي "أغابي". لا نجد هذه اللفظة في الأناجيل الإزائية إلاّ هنا وفي مت 12: 42 (رج يو 5: 42). إنّ مت 23: 23 يستعمل بالحري: العدل والرحمة والإيمان. أنكون أمام كلمة "حسد" العبرية بمعانيها الثلاثة؟
"صدور المجالس في المجامع". أماكن الشرف، الأماكن الأولى. هذه الأماكن هي غير "كرسي موسى" (مت 23: 2). رج 20: 46: "يحبّون التحيات في الساحات، ومكان الصدارة في المجامع، ومقاعد الشرف في الولائم". فالعالم في الشريعة هو أول من نحيّيه.
في آ 44، وحسب الإسكندراني والبازي وغيرهما نجد: "أيها الكتبة والفريسيون المراؤون". نحن هنا أمام تنسيق مع مت 23: 27. القبور المخفية في الأرض والمليئة بعظام الموتى هي ينبوع نجاسة طقسية بالنسبة إلى اليهود (رج عد 19: 11- 22؛ لا 21: 1- 4، 11). بما أن الشعب لا يلاحظها فهو لا يعرف ما هي، ولهذا فهو يتنجّس عندما يتّصل بها. إنّ مت 23: 27 يرجع إلى عادة قديمة في تبييض القبور قبل الفصح، لكي تبدو جميلة. ولكن يبقى الداخل.
3- ويلات معلّمي الشريعة (آ 45- 52)
قال لوقا "علماء الشريعة" (نوميكوس). بدل الكتبة. وهكذا فعل في 10: 25؛ 14: 3. نجد "نوميكوس" مرة واحدة في متّى (22: 35). عالم الشريعة هو اختصاصي في الشريعة لدى الفريسيين وهو يساوي عمليّاً "الكاتب" المذكور في آ 53 مع الفريسيين. إحتجّ "العالم" فأجابه يسوع. قال: انت تشتمنا نحن أيضاً. فهم أكبر المتعلّمين بين الفريسيين أن يسوع ينتقد مجموعة "العلماء" المسؤولين عن تفاصيل التقوى اليهودية. سمّى "العالم" يسوع: يا معلّم. أي: يا رابي.
"تحمّلون الناس الأثقال". هي واجبات تُستنتج من تفسير الشريعة فتزيد فرائض على الفرائض المكتوبة. هناك 39 فئة من الأعمال لا يعملها المؤمن يوم السبت، وإلاّ تجاوز الوصية الثالثة. كان على التوراة أن تكون ينبوع خدمة لله في الفرح، فصارت عبئاً وثقلاً على المؤمن بسبب علماء الشريعة (رج أع 15: 10). تجاه هذا نقرأ في مت 11: 30 (لا شيء يوازيه في لوقا) ما قاله يسوع: "نيري هيّن وحملي ضعيف".
وأنتم لا تحرّكون هذه الأثقال بأصابعكم. لا تساعدون الشعب في شيء. ولكن هذا النصّ لا يعني أن علماء الشريعة يسهّلون الأمور لنفوسهم عندما يفسّرون الشريعة.
"تبنون قبور الأنبياء". لكي تكرّموهم وتخلّدوا ذكراهم. هذا في الظاهر. أما في الحقيقة، فأنتم تتأكدون أنهم لن يعودوا يزعجونكم كما في حياتهم. آباؤكم، أجدادكم قتلوهم. قال اسطفانس: "إضطهدوا كل نبي، وقتلوا الذين أنبأوا بمجيء البار" (أع 7: 52). وسيُقتل هو أيضاً (7: 54 ي). آباؤكم قتلوا (رج 1: 55؛ 6: 23، 26) وانتم توافقون حين تبنون القبور. قال مت 23: 31: "أنتم أبناء قتلة الأنبياء". حاول بلاك أن يفسّر هذا الإختلاف فعاد إلى الأرامية: اتون بنين اتون". نقابل بين "بنى" (يبني) وبين "بني" (أبناء الأنبياء). ولكن يبقى السؤال: هل يوازي لوقا مت 23: 31، أم هو يرتبط أيضاً بتقليد آخر؟
"قالت حكمة الله" (آ 49). أدخل لوقا الحكمة. أما مت 23: 34 فجعل هذه الأقوال مباشرة في شفتي يسوع. قد نكون أمام إيراد من العهد القديم في كتابات يهودية تعود إلى ما بين العهدين. ولكننا لم نجد بعد مرجعها. كيف نفهم عبارة "حكمة الله" (الله الحكيم)؟ هل تعود إلى الله أم إلى يسوع؟ هناك مقاطع في العهد الجديد تجعلنا نقول إن يسوع هو حكمة الله (1 كور 1: 24، 30؛ 2: 7؛ كو 2: 3). هل يلمّح لوقا إلى ما تتضمّنه 7: 35 (الحكمة يبرّرها جميع أبنائها: أبناء الحكمة هم الذين يتقبّلون يسوع بالإيمان ويتجاوبون مع قصد الله)؛ 11: 31 (أعظم من سليمان)؟ هذا ما فهمه آباء الكنيسة. والمقابلة مع متّى تدلّ على أن يسوع هو الحكمة. فما قالته الحكمة في لوقا قاله يسوع في متّى.
"أرسل إليهم أنبياء ورسلاً" (ابوستولوس). قال مت 23: 34: أنبياء، حكماء، كتبة. تحدّث لوقا عن الرسل بعد أن مات عددٌ كبير منهم (أع 12: 2- 5). وقول يسوع هنا يدلّ على أنه هو نفسه "النبي والرسول" (4: 24) والمتحدّث باسم حكمة الله. وفي ما يتعلّق بمقتل الأنبياء والرسل، رج 13: 33، 34: "لا يجوز أن يهلك نبي خارج أورشليم... يا أورشليم، يا قاتلة الأنبياء...".
"دم جميع الأنبياء" (آ 50). رج إر 7: 25: "منذ خرج آباؤكم من أرض مصر إلى هذا اليوم، وأنا أرسل إليكم عبادي الأنبياء كل يوم بلا انقطاع". رج رؤ 18: 24: "شوهد دم الأنبياء القديسين".
"منذ إنشاء العالم" (لا نجدها في السبعينيّة). ترد هذه العبارة مراراً في العهد الجديد: مت 13: 35؛ 25: 34؛ يو 17: 24؛ أف 1: 4؛ عب 4: 3؛ 9: 26؛ 1 بط 1: 20؛ رؤ 13: 8؛ 17: 8. هناك دين على هذا "الجيل" (تك 9: 5؛ 42: 22؛ 2 صم 4: 11؛ مز 9: 13؛ حز 3: 18، 20)، وهكذا يُنتقم لدم الأنبياء. أجل سيؤدي هذا الجيل (الشرير، الملتوي، الذي لم يؤمن) الحساب. نجد هنا تلميحاً إلى دمار أورشليم. رج 21: 32 (لن يزول هذا الجيل حتى يحدث هذا كلّه).
"من دم هابيل". نجد هنا تلميحاً إلى مقتله على يد قايين (تك 4: 8- 10؛ اخنوخ 22: 7). ترك لوقا لفظة "الصديق" التي احتفظ بها مت 23: 35 (هابيل الصديق). لم يكن هابيل نبياً بالمعنى الحصري للكلمة، ولكنه قال كلمة الله حسب التقاليد اليهودية. "إلى دم زكريا". هو زكريا بن يوياداع الذي رجمه الشعب (لأنه كلّمه باسم الرب) "بأمر من الملك يوآش في دار الهيكل" (2 أخ 24: 20- 22). لم يُعتبر نبياً، شأنه شأن هابيل. نحن أمام حقبة من الزمن تبدأ ببداية التوراة (العبرية) وتنتهي بنهايتها (سفر الأخبار الثاني هو آخر أسفار التوراة العبرية، كما أن سفر التكوين هو أؤلها): في البداية قتل هابيل وفي النهاية زكريا، فضمّا معهما كل الأنبياء.
عرف المعين "دم زكريا" (متّى، لوقا). ولكن مت 23: 35 زاد "ابن براخيا"، فصار زكريا "المقتول" نبياً (زك 1: 1). ولكن لا شيء في التوراة يشير إلى مقتل النبي زكريا "بين الهيكل والمذبح". وإن وُجدت عبارة "إبن برخيا" في المعين، فقد يكون لوقا تركها تجنّبا للإلتباس.
ويأتي "الويل" الأخير في آ 52: أخذتم مفاتيح المعرفة. أخذتم المفاتيح التي توصل إلى المعرفة. يتحدّث الشكل المتاوي لهذا القول (23: 13) عن الكتبة والفريسيين الذين أغلقوا "ملكوت السماوات" (قد يكون هذا نصّ المعين). لم يشر قول لوقا إلى الملكوت، وإن فسّر النصّ كذلك. فعبارة لوقا التي تتحدّث أيضاً عن شعب ينتظر الدخول، تبدو وكأنها تلمّح إلى بيت الحكمة (أم 9: 1). هذا يدلّ على الحكمة في المعنى الواسع مع الإشارة إلى مخطط الله الخلاصي.
4- وخرج يسوع (آ 53- 54)
كان يسوع قد دخل إلى بيت الفريسي (آ 37 ج). وها هو يخرج. هي المرة الوحيدة التي فيها نتحدّث عن تحرّك يسوع بهذا الشكل في خبر الصعود إلى أورشليم. خرج، وهذا يعني أنّ آخرين تبعوه.
نقرأ في المخطوط البازي حول آ 53- 54: "حين كان يقول لهم هذه الأشياء، بدأ الفريسيون وعلماء الشريعة يردّون عليه بعنف ويجادلونه بحضور كل الشعب عن أمور كئيرة، طالبين مناسبة يمسكونه بها لكي يتّهموه".

ج- تفسير النصّ
تابع لوقا خبر الصعود إلى أورشليم، فأورد بعض أقوال يسوع ضدّ الفريسيين وعلماء الشريعة (أي: الكتبة). وجدنا هنا ستة "تويّلات" (قال: الويل) موجّهة إلى مجموعتين في توازٍ تام كما في 6: 26 حيث تأتي التويّلات بعد التطويبات.
ما هو المرجع الذي عاد إليه لوقا ومت 23؟ هذا ما لا نستطيع أن نحدّده بدقّة. ولكننا نحسّ بتشابه عظيم بين هذين المقطعين (لو 11: 37- 54؛ مت 23: 1 ي) على مستوى المضمون والمواضيع والكلمات. إلاّ أنه تبقى اختلافات على مستوى ترتيب المواضيع والعبارات الخاصة. عاد متّى إلى المعين (هو مرجع خاص غرف منه متّى ولوقا)، كما عاد إلى مر 12: 38- 39.

1- النصّ من الوجهة النقدية
أولاً: نلاحظ بعض السمات في شكل هذه الأقوال لدى لوقا
1- إن لوقا نفسه هو الذي دوّن المقدّمة (آ 37- 38. الفريسي يدعو يسوع. هذا لا يعقل عند متّى ومرقس) وصلة الوصل بين الفريسيين وعلماء الشريعة (آ 45). فإن آ 37- 38 هما مقدّمة مجموعة الأقوال كلها، بل أيضاً مقدّمة الكلام حول الكأس والطبق (آ 39- 40) ومقدّمة الويلات ضد الفريسيين (آ 42- 44). دوّن لوقا آ 37 على مثال 7: 16 (دعاه أحد الفريسيين). إن آ 38 مع الإشارة إلى تهامل يسوع في غسل يديه، تعود إلى مر 7: 2. وترك اسلوب لوقا آثاره في آ 39 مع استعمال كلمة "الرب" و"قال له". بالإضافة إلى هذا، يرتبط القول الأول (حول غسل الأطباق) بشكل متراخٍ مع تهامل يسوع في غسل يديه.
2- إن أقوال يسوع في متى (23: 1 ي) تتوجّه مباشرة وبشكل متواصل ضدّ الكتبة والفريسيين (الويل 7 مرات، عدد الكمال، آ 2، 13، 15، 23، 25، 27، 29). أما لوقا فقد جعل من المواد التي "ورثها" سلسلتين تتألف كل منهما من ثلاثة تويّلات. في آ 42- 44: ضد الفريسيين. في آ 46- 52، ضدّ علماء الشريعة. هذا التوازي (2 × 3) هو عمل لوقا الخاص. وقد ينتج عنه إغفال "الويل" قبل القول الأول (آ 39- 40. الرقم 6 يدلّ على النقص. ترك يسوع الباب مفتوحاً أمام الفريسيين).
3- زاد لوقا آ 41 التي لا تجد ما يوازيها في متّى. ألّفها لوقا ليبرز الصدقة كتعبير عمّا في داخل الإنسان.
4- زاد آ 53- 54 اللتين تشكّلان مع آ 37- 38 الإطار الإخباري لأقوال يسوع هذه.
ثانياً: ونلاحظ ميزتين خاصتين بلوقا حين نقابله مع متّى
1- نقابل لو 11: 43 مع مت 23: 6؛ لو 11: 44 مع مت 33: 27؛ لو 11: 47- 48 مع مت 23: 29- 31؛ لو 11: 51 مع مت 23: 35- 36، ونلاحظ أن لوقا أوجز بعض الأمور.
2- أزال لوقا كل ما لا يقدّره أو لا يفهمه قارئ إنجيله المسيحي الآتي من العالم الوثني. مثلاً، ترك السذاب والشّبث، ووضع البقول (التي تؤكل) (آ 42). ترك في مت 23: 23 "أثقل ما في الناموس". وترك في مت 23: 8: "أن يدعوهم الناس رابي". وفي مت 23: 27: "القبور المكلّسة". وفي مت 23: 34: "تجلدون في مجامعكم". وفي مت 23: 35: "إبن برخيا". وفي مت 23: 13: "ملكوت السماوات".
3- أدخل لوقا "حكمة الله" (آ 49، حيث جعل متّى الموازي الكلمات على شفتي يسوع) وهو موضوع قريب من عالم الحكمة في 11: 35 (رج 7: 35). وأضاف "مفتاح المعرفة" (آ 52) فكان الإنجيلي الوحيد الذي يتحدّث عن المعرفة (غنوسيس، رج 1: 77).
4- بدّل لوقا ترتيب التويّلات. فما في متّى يقابل في لوقا آ 43، 46، 52، 42 (39)، 44، 47.
5- ضمّت آ 49- 51 إلى آ 46- 48 في المعين، وإن كنّا نفضّل أن ننسب "حكمة الله" إلى قلم لوقا.
6- نقابل آ 53- 54 مع خاتمات مشابهة في 6: 11؛ 19: 47؛ 20: 19؛ 22: 2 التي تجد ما يقابلها في مرقس. ولكنها تدلّ على تنامي العداء ضدّ رسالة يسوع.
7- إن آ 43 تتكرّر في 20: 46 الذي يعود إلى مر 12: 38- 39. بالإضافة إلى ذلك، نجد في آ 39- 40 الرقم 89 في إنجيل توما: "قال يسوع: لماذا تغسلون خارج الكأس؟ ألا تفهمون أن الذي صنع الباطن هو الذي صنع الظاهر"؟ قد يبدو هذا الشكل أولانياً. ولكنه في الواقع تبسيط لقول سابق مع التشديد على الوحدة الإلهية. ونجد أيضاً آ 52 في الرقم 39 أ من إنجيل توما. "قال يسوع: أخذ الفريسيون والكتبة مفاتيح المعرفة. أخفوها، فما دخلوا ولم يسمحوا للذين رغبوا في الدخول". وزيد على إنجيل توما مت 10: 16 ب (كونوا حكماء كالحيّات وودعاء كالحمام). نحن هنا أمام توسّع في النصوص القانونية.

2- النصّ من الوجهة الإخبارية
يتكوّن النصّ من إطار إخباري ألّفه لوقا (آ 37- 38، 53- 54)، ثم من مقدّمة إخبارية ثانوية (آ 45) وأقوال يسوع. هذه قد رتّبها بولتمان بين أقوال حول الشريعة (آ 39، 41، 42) وأقوال تدلّ على التهديد (آ 43- 44، 46- 48، 49- 51). إن التويّلات الستة هي في آ 42- 44، 46، 47، 52. وهذا يعني أن آ 42 تخصّ أقوال التهديد. وتعتبر آ 49 في السياق اللوقاوي كقول حكمة.
في هذا الجزء من خبر الصعود إلى أورشليم، يصوّر لوقا يسوع في جدال مع الوجوه الدينية في فلسطين. هل يُعقل أن يكون يسوع قال هذه الأقوال ضدّ الوجهاء، خصوصاً خلال غداء دُعي إليه؟ فالاختلاف بين السياق اللوقاوي والسياق المتاوي يكشف عن عمل ثانٍ في تجميع هذه الأقوال في وحدة متكاملة. قبلَ يسوع الدعوة إلى الغداء، ولكنه أهمل عادة غسل (الأيدي) قبل الطعام. فهذا ما يعتبره مضيفه مهماً جداً.
وهذه الصدمة لدى المضيف جعلت يسوع يقدّم ملاحظة حول النقاوة (لا نقاوة الذات أو الأيدي)، بل حول طقوس تطهير الآنية المنزلية. لا تكفي النقاوة الخارجية، فهي سطحية. فعلى الإنسان أن ينقّي داخل الكأس أو الصحفة أيضاً. إنّ داخل هذه الآنية هو رمز إلى داخل الكائن البشري الذي هو مملوء شرّاً وخطفاً. وأوصى يسوع الإنسان بأن ينظر إلى صانع الأواني: هو صنع الظاهر وهو الذي صنع الباطن. إن الإشارة إلى "الصانع" تعطي القول بعداً لم يغب عن القارئ. الصانع هو الله نفسه الذي سمّاه لوقا في أمكنة أخرى: "العالم بالقلوب" (أع 1: 24؛ 15: 8؛ لو 16: 15؛ رج 1 صم 16: 7؛ أم 24: 12). إنه يعرف الشرّ الذي فينا. وزاد لوقا نصيحة على هذا الكلام: إجعل مضمون الكأس والصحفة صدقة للفقراء، فتصبح النقاوة تامة بأي حال. فالخطف والشرّ لا يغسلان حياة الإنسان، بل يصل به وضعُه إلى الحصول أمام الله على نقاوة يكمّلها الغسل الطقسي. حينئذ يصبح كل شيء نقياً. فالإهتمام والقواعد السطحية قد تفتح الطريق أمام نقاوة في الداخل.
وجهت ثلاثة تويّلات إلى الفريسيين، معاصري يسوع، الذين عاشوا حسب القواعد الموجودة في شريعة موسى وكما فسّرها الكتبة تفسيراً دقيقاً. الويل الأول (آ 42) يعارض بين اهتمامهم بالتفاصيل وبناء العوائق حول الشريعة مع إهمالهم لما هو مهمّ حقاً: يعشّرون البقول وينسون العدل ومحبّة الله. لا يلغي يسوع العشور بل يقول: إعملوا هذه ولا تهملوا تلك. وجاء كلامه عن العدل ومحبّة الله صدى لما في مي 6: 8: "إصنع العدل، أحبّ الرحمة، وسر بتواضع أمام إلهك".
الويل الثاني (آ 43) يلوم الفريسيين لأنهم يضخّمون ذواتهم. هم يمارسون الشريعة بوقائعها، فرضوا عن نفوسهم، وأرادوا أن يمجّدهم الناس. والويل الثالث (آ 45) ينتقد الفريسيين لأنهم لم يفهموا أنهم غير ما يبدون. والشعب لا يفهم هذا الشرّ الموجود في الفريسيين والذي يعرّض الناس للنجاسة: إنهم كالقبور المليئة بعظام الموتى. يبدون قدّيسين، ولكنهم يخيّبون آمال الناس.
ويتبع هذا الكلام ثلاثة تويّلات تتوجّه إلى علماء الشريعة، وهي تتّصل بالشريعة والأنبياء والحكمة. فبعد سؤال من "عالم" من العلماء، وجّه يسوع الويل الأول ضدّ "علماء الناموس"، فكان صدى للويل الأول الذي وجّه إلى الفريسيين: إن هؤلاء "العلماء" يفسّرون شريعة موسى وتقاليد الآباء (مر 7: 5؛ رج غل 1: 14) تفسيراً دقيقاً يخلق عدداً من الفرائض تثقل على كاهل الشعب. لا تعني كلمة يسوع فقط أنهم يفرضون الاحمال على الآخرين، بل هم لا يريدون أن يحرّكوها. وهذا ما يجعل خدمة الله حملاً ثقيلاً.
ولا ينتهي عمل العالم بالشريعة حين يقول للضعفاء إنهم خطئوا وعليهم أن يتوبوا، بل عليه أن يحرّك اصبعه ليخفّف حملهم، ويجعلهم يفهمون أن شريعة الله هي تعبير عن حبّه لشعبه. ولكن علماء الشريعة لم يفعلوا شيئاً من هذا. والويل الثاني (آ 47- 48 مع الأقوال في آ 49- 51) يتوجّه إلى الفريسيين أكثر منه إلى علماء الشريعة. هو ينتقدهم لأنهم شيّدوا قبوراً ضخمة إكراماً لذكر الأنبياء الذين قتلهم آباؤهم. إن مشاركتهم في جريمة آبائهم تعكس ردة فعلهم تجاه يسوع، آخر "الأنبياء والمرسلين". فقد رفضوا أن يسمعوا له وأن يعرفوه. وهذا يتضمّن أيضاً أن آخر الأنبياء سيكون له ذات المصير الذي لقيه الأنبياء.
ولكن لا شيء يقاوم حكمة الله، وكلمة يسوع اتخذت منحى خطيراً: إن لم يقطع هذا الجيل كل رباط مع الماضي، فسيؤدّي جواباً على كل ظلم صُنع تجاه الذين اختارهم الله، من هابيل إلى زكريا، منذ البداية إلى النهاية. والويل الثالث ضدّ علماء الشريعة (آ 52) يكشف الوضع المحزن لهؤلاء الناس المتعلّمين: أعطي لهم مفتاح المعرفة، ليكشفوا معرفة الله وإرادته في التوراة والتقليد. أعطي لهم مفتاح البيت الذي بنته الحكمة (أم 9: 1). لم يدخلوا هم هذا البيت، ومنعوا الآخرين من الدخول. لهذا سيُعاقبون على إهمالهم.
في الآيات الإخبارية في النهاية (آ 53- 54) صار علماء الشريعة "الكتبة". وأشار النصّ إلى معارضتهم ليسوع بسبب أقواله عليهم وعلى الفريسيين.
إن أقواله المهدّدة ضدّ القوّاد الدينيين لدى اليهود صار مع الوقت تحذيراً ضدّ مدينة أورشليم وسكانها (13: 1- 9؛ 13: 34- 35؛ 19: 41- 44؛ 23: 28- 31).

خاتمة 
من "الخارج" إلى "الداخل"، من "الطاهر" إلى "النجس". هنا نحسّ أننا أمام خبرة بطرس قبل أن يذهب إلى بيت كورنيليوس: "كل حياتي لم يدخل في فمي نجس أو دنس" (أع 11: 8). فجاء جواب الربّ واضحاً: الله صنع الظاهر والباطن. كل شيء هو عمله، إذن كل مخلوق هو طاهر (أع 10: 15؛ رج مر 7: 19 ب). وفهم بطرس أنه لا يحقّ له أن يدعو "إنساناً نجساً أو دنسأ" (أع 10: 28). إذا كان الأمر هكذا، وجب علينا أن نرفض عالماً يجعل الحواجز على مستوى العلاقات البشرية. 
كان اتّهام يسوع عنيفاً ضدّ الفريسيين وعلماء الشريعة. إنهم يقتلون كل الذين يحيا فيهم روح يسوع، يتكلّم فيهم روح يسوع. لم يكتشفوا كرازة التطويبات ولا إيمان قائد المئة، ولا محبة الخاطئة التي جاءت إلى بيت سمعان. أزالوا مفتاح المعرفة فجعلوا نفوسهم خارج الملكوت. قتلوا الأنبياء. قتلوا يسوع نفسه. واضطهدوا الرسل، شهود الكلمة. وهكذا اغلقوا باب الملكوت عمّن يريد أن يدخله. 
شدّد الفريسيون على الطاهر والنجس، فلم يفهموا ما فعله السامري مع الجريح في الطريق. وشدّد علماء الشريعة على تفاصيل الحياة، فلم يفهموا موقف مريم الجالسة عند قدَمَيْ المعلّم تسمع له. كلّهم يهدمون الرسالة في أساسها لأنهم رفضوا التعرّف إلى روح يسوع.

 

 

الفصل السادس عشر
الويل للفريسيين، الويل لعلماء الشريعة
11: 37- 54
دُعي يسوع إلى الغداء. دعاه أحد الفريسيين فدخل واتّكأ. وكانت له مناسبة أن يدلّ على الفرق بين موقفه وموقف الفريسيين وعلماء الشريعة، كما فعل حين غفر للخاطئة (7: 36 ي) وكما سيفعل حين يشفي المريض بداء الإستسقاء (14: 1 ي). في هذا الإطار الإخباري، بدأ يسوع فوجّه لوماً إلى الفريسيين. وبعد أن تدخّل عالم من علماء الشريعة، تابع يسوع انتقاده للكتبة. جاء كلام الربّ في صيغة "التويل". الويل لكم ايها الفريسيون... كان قد قال في 10: 13: الويل لك يا كورزين، الويل لك يا بيت صيدا. وعارض التطويبات في 6: 24- 26: الويل لكم أيها الأغنياء، الويل لكم أيها المشبعون، الويل لكم أيها الضاحكون. وها هو يقول: الويل لكم أيها الفريسيون وعلماء الشريعة.
أ- كان يتكلّم
نقطة الإنطلاق هي موقف يسوع. لم يقم بالإغتسال الطقسي. لم يغتسل قبل الأكل. أهمل عملاً "طقسيّاً" يفرضه التقليد. أتراه أيضاً علّم تلاميذه فتناولوا الطعام بأيدٍ نجسة أي غير مغسولة (مر 7: 2). إن الفريسيين لا يعتبرون هذا الغسل إجراء صحّياً. إنه طقس ديني. إنه دواء ضدّ النجاسات المختلفة التي تنتقل من الناس والأشياء إلى المؤمن كما تنتقل العدوى. أما صار يسوع نجساً بعد أن لمس ذاك الأخرس الذي فيه شيطان (11: 14)؟ أما تنجّس حين لمس الجموع التي كانت تزحمه من كل مكان (11: 29)؟ ولكن النجاسة لا تؤثّر في يسوع. فهو الذي يؤثّر فيها فيشفي المرضى ويخرج الشياطين ويدعو الناس إلى التوبة.
1- الويل للفريسيين (11: 39- 44)
وبدأ الرب كلامه حول مسألة الطهارة (آ 39- 41). إن اللقب الذي يعطيه لوقا ليسوع في بداية هذا "التوبيخ" يشدّد على سلطته التعليمية في مجال ظلّ حامياً في المسيحية الأولى. يدور اللوم حول النقيضة "الخارج/ الداخل". وهكذا ينتقل من ممارسة طقسية إلى تصرّف خلقي. إهتمّ الفريسيون إهتماماً زائداً بالطقس الخارجي والمادي، ثم انتقلوا من غسل الأيدي إلى غسل الكؤوس والجرار وسائر الأواني المنزلية. أمّا يسوع فعارضهم لأنهم لا يهتمّون بالنجاسة التي فيهم، لأن باطنهم مملوء خطفاً وشرّاً.
عندما يصنع الفخاري جرّته يهتمّ في الوقت عينه بالخارج وبالداخل، والخالق يهتمّ بباطن الإنسان كما بخارجه. يريد هذا ولا يترك ذاك. وأخيراً يؤكّد يسوع (وهذه ملاحظة يقولها لوقا بارتياح) أن الصدقة تحلّ محلّ كل قواعد الطهارة. من أعطى الفقراء كان له كل شيء نقياً. وهكذا نقل إلى مستوى الطهارة الطقسية ما قاله طوبيت: "الصدقة تنقّي من كل خطيئة" (طو 12: 19). ونحن نتصدّق ما في وسعنا اليوم، ونسمع ما يقوله الروح للكنائس، لأن الصدقة بدأت تأخذ أشكالاً عديدة من التضامن، تتعدّى مستوى الصدقة الفردية نقدّمها لشحاذ قد يكون صادقاً أو كاذباً. 
وفي العبارات الثلاث التالية (الويل، الويل، الويل)، يعدّد يسوع ثلاثة تصرّفات تقود الفريسيين إلى هلاكهم، لأنهم يقرأون الشريعة قراءة خاطئة وسيّئة.
أولاً: يدلّون على غيرتهم فيقدّمون العشور (ومنها ضريبة الهيكل) عن نباتات صغيرة لا يذكرها التشريع القديم (نح 13: 10- 13: عشور الحنطة والخمر والزيت). ولكنهم يهملون المتطلّبات الأخلاقية والدينية في الشريعة (10: 27: أحبب الرب، أحبب قريبك). لم يرذل يسوع الفريضة التي يعطيها التقليد الشفهي في هذه النقطة بالذات، ولكنّه يذكّرهم بطابعها الثانوي (آ 42). فهي تأتي بعد العدل وحبّ الله.
ثانياً: يطمح الفريسيون إلى أن يراهم الناس، أن يقرّوا بفضلهم في الساحات العامة من أجل ممارساتهم الخارجية، أو من أجل ما يفرضونه على نفوسهم فوق ما تفرضه الشريعة. ولكن، لا أجر لهم (آ 43). فإهمالاتهم الأساسية صارخة وهي تحكم عليهم.
ثالثاً: ونجد في ويل ثالث إتهاماً أشارت إليه آ 39، وتحدّثت عنه آ 44 بالصورة. هناك خلاف بين الظاهر والباطن. هكذا تكون القبور. يطأها الناس ولا يدرون. فالقبر هو شيء نجس بسبب الجثة التي يحويها. فإن لم يدلّ شيء على وجوده، سار عليه المارّ ولم يعلم، فتصيبه نجاسة خطيرة. إنّ ظاهر الفريسيين الذين لا لوم فيه ينسي الناس "باطنهم" الفاسد الذي ينتقل كالعدوى. هذا هو الرياء. إنفصام بين الخارج بما فيه من تملّق والداخل، والقلب الذي هو بعيد عن الله. ولكن يسوع لم يتلفّظ بعد بالكلمة، التي سنسمعها في 12: 1: "إحذروا خمير الفريسيين، إحذروا الرياء".

2- الويل لعلماء الشريعة (11: 54- 52)
إتهم يسوع الذين يمارسون الشريعة، لأنهم يتبعون بدقّة تصل إلى الوسواس ما هو سطحي، ويهملون الجوهر. وأحس عالم بالشريعة ان اتّهام يسوع أصابه هو أيضاً. إنه اختصاصي في هذا المجال، وتفاسيره تنظّم الحياة اليومية للفريسي العادي (آ 45): "تهيننا نحن أيضاً".
حينئذ بدأ يسوع "يحاكم" أصحاب "الفتاوى" في الأمور اليومية: ماذا نعمل وماذا لا نعمل؟ وأرسل اليهم يسوع أيضاً "الويل" على ثلاث مرات.
أولاً: إنّ علماء الشريعة يقومون بعمل متواصل لتفسير الشريعة، فيخلقون غابة من التنظيمات المفصّلة والمنقّحة والمدقّقة، فيضيع فيها المؤمن العادي. وهكذا صارت الفرائض سجناً وقيوداً تحاصر الشعب من كل جهة. غير أن علماء الناموس لا يعملون شيئاً ليساعدوا الذين سقطوا تحت أثقال الشريعة كما يفسّرونها (آ 46). كيف يساعدونهم؟ يدلّونهم على ما هو في أصل الشريعة: حبّ الله من أجل شعبه.
ثانياً: والتصرّف الثاني الذي يبرزه يسوع (آ 47- 48) والتوسّع الذي يستخرجه (آ 49- 51) يستندان إلى تقليد يهودي شفهي وقديم حول اضطهاد الأنبياء وقتلهم بيد شعب إسرائيل. فالمؤلّف المنحول (أي غير قانوني، ليس من الأسفار المقدّسة) "حياة الأنبياء" يخبرنا أن أشعيا نشر بالمنشار، أن إرميا مات رجماً بيد الشعب، أن عاموس قتل بضربة على رأسه... (رج عب 11: 32- 40). ويذكر هذا المؤلف أيضاً مقتل زكريا بن يوياداع (رج 2 أخ 24: 2) ويحدّد موقع قبره في أورشليم، كما يقول إن أشعيا دفن في أورشليم أيضاً.
هاجم يسوع أولئك الذين يشيدون مباني تذكارية حيث ترقد أجساد الأنبياء العظام، الذين قتلهم "اَباؤكم". فهذه الأبنية لا تدلّ على توبة أولئك الذين شيّدوهم. إنها تعني أن حاملي كلمة الله الحقيقيّين هم في نظرهم الأنبياء الموتى وحسب. هم الذين كانوا يلومون الأجيال السابقة. أما الاجيال الحاضرة، فلا تريد نبيّاً تسمع له.
غير أن ما تريده الحكمة البشرية، هو أن ترسل أنبياء ورسلاً يدعون الشعب إلى التوبة، ومقتلهم لن يوقف هذا المشروع. ومع ذلك، فاستشهاد الأنبياء ظاهرة في التاريخ. أوّل نبي شهيد هو هابيل (تك 4: 8). يروي التقليد الشفهي أن أخاه قايين قتله لأنه أكّد ان الله بار وأنه يقيم الموتى. وهكذا يسير الموضوع في نظر يسوع منذ الصفحات الأولى في التوراة العبرية (سفر التكوين) حتى 2 أخ 24: 22 ومقتل النبي زكريا في الهيكل.
الكرستولوجيا حاضرة في هذا المقطع وإن كانت خفية. فيسوع هو النبي الأخير، هو مرسل المرسلين، ولن يكون مصيره أفضل من مصير سابقيه. إنه النبي والوسيط بين الله والبشر في تعليم الخلاص. ولكن لتكن الأمور واضحة: إذا كان هذا الجيل لا يقطع كل رباط مع تصرّف الآباء المجرم، فعليه أن يؤدّي حساباً عن دم جميع الأنبياء. فالله ينتقم لشهدائه ويحكم على جلاّديهم، وهكذا تتمّ العدالة.
ثالثاً: ويرسل يسوع اتهاماً أخيراً: الويل لكم، يا علماء التوراة، قبضتم على مفتاح المعرفة. فعلمهم في الكتاب المقدّس جعل في يدهم المفتاح الذي يصل بالإنسان إلى معرفة الله ومخطّطه الخلاصي. فهم لم يدخلوا إلى ملكوت الله الذي حلّ بينهم. وأكثر من هذا، عملوا كل جهدهم لكي يمنعوا الآخرين من الدخول.
وينهي الإطار السردي الخبر بشكل مهدّد (آ 53- 54). بدأ الكتبة والفريسيون ينقمون على يسوع كل النقمة. فبدلاً من أن يتوبوا مستخلصين العبرة ممّا سمعوا، ساروا في الطريق التي كانت طريق آبائهم. سيماحكون النبي الأخير ويجادلونه ويضعون له الفخاخ حتى يوقعوه.
ب- دراسة تفصيلية
إن بداية آ 37 (وإذ كان يتكلّم) تستعيد آ 14 ب (تكلّم) عبر الوصلة في آ 27 (وفيما هو يتكلّم بهذا). إن هذه الآيات التدوينية تحدّد موقع التويّلات التالية في مجيء الكلمة كما دشّنها يسوع: "لقد اقترب منكم ملكوت الله" (آ 20). ويعطي النص أيضاً توضيحاً آخر. فالمقطع الذي ندرس يدخل بين إشارة أولى تقول "دخل" (آ 37، واتّكأ)، وإشارة أخيرة تقول "خرج" (9: 4- 5)، وانطلاقة السبعين (10: 8، 10) الذين يدخلون إلى مدينة أو يخرجون إلى الساحات. وهكذا نكون مرّة أخرى في ملء المسيرة الرسولية. فعلى الفريسيين وعلماء الشريعة أن يعيدوا النظر في ممارستهم على ضوء هذه المتطلّبة الرسالية. 

1- دعاه فريسي إلى الغداء (آ 37- 41)
"وحين قال هذا". إعتاد لوقا أن يستعمل المصدر مع حرف الجرّ "وفي تكلّمه"، إذ كان يتكلّم. رج 2: 27 (ولما دخل بالطفل)؟ 3: 21 (فشرع يقول لهم). قرأ المخطوط البازي والسريانية العتيقة: "طلب منه فريسي أن يتغدّى معه" (رج 7: 36). يبدو الفريسيون في هذا المقطع على أنهم يمارسون ممارسة دقيقة العوائد الدينية القديمة. يزيد الاسكندراني وغيره أمام كلمة فريسي لفظة "تيس": فريسي ما. وذلك بتأثير من 7: 36؛ رج 14: 1.
دعاه، طلب منه أن يتغدّى معه. قد يعني الفعل أيضاً (ارستان) طعام الفطور، ولكنه يعني في هذه الجملة طعام الظهر.
تعجّب الفريسي، بل انصدم وتشكّك من هذا المعلّم الذي لم يغسل يديه قبل الطعام. نقرأ في الكودكس البازي واللاتينية العتيقة والسريانية العتيقة: "حكم في عقله فأخذ يتساءل لماذا لم يغتسل". هذا يتضمّن أن يسوع قرأ له أفكاره.
لم يغتسل قبل الأكل. لم يقم بطقوس غسل اليدين (على الأكل)؛ رج مر 7: 1- 5؛ تك 18: 4؛ قض 19: 21. لا ننسى أن الإتصال بالجموع وطرد الشياطين يقع في هذا الإطار. أما تنجّس يسوع؟
نجد في آ 39: الرب، بشكل مطلق. يعطي لوقا هذا اللقب ليسوع قرابة عشرين مرة، هذا ما عدا المنادي: يا رب. إنه يدلّ بذلك على ملك يسوع السرّي. لا نجد كلمة الرب إلاّ مرّة واحدة في متّى (21: 3) ومرقس (11: 3)، بمناسبة الإستعداد للدخول إلى أورشليم.
"أنتم الفريسيين". يزيد المخطوط البازي "المرائين" متأثراً بمتّى، مع أنّ لوقا تحدّث عن "ريائهم" (12: 1)، إلاّ أنّه لم يستعمل أبداً الصفة "فريسي". أما الإسم "فريسيون" فيُستعمل في صيغة المنادي "أيها الفريسيون".
"خطفاً وشرّاً". قال مت 23: 25: "خطفاً وجشعاً". شدّد لوقا على التعارض أكثر ممّا فعل متّى. ولكنه لم يقل شيئاً عن ينبوع هذا الخطف. هناك تعارض بين ديانة شكلية وخارجية لدى الفريسيين، وديانة داخلية، ديانة القلب. نضع في قلوبنا متطلّبات الله. أما الفريسيون...
"أيها الحمقى" (آ 40). قد يكون لوقا أحلّ هذه التسمية محل "الفريسي الأعمى"، الذي في المعين (مت 23: 26؛ لو 12: 20). نجد هنا السبب الذي لأجله لا يرضى الرب بالديانة الخارجية والشريعانية (تعلّق مفرط بالشريعة). "فالذي صنع الخارج" في معنى أول هو الذي
يصنع الصحون وسائر الأواني. وفي معنى ثان، هو الله. هناك اختلاف مع مت 23: 26، غير أن التعارض بين الداخل والخارج هو حاضرٌ في المعين.
"تصدّقوا بما في وسعكم". حرفياً: "بما في الداخل". وفهم بعضهم: من داخل كؤوسكم وصحونكم. هناك مخطوطات قديمة تقول: مما في أيديكم. أعطوه للفقراء. هنا نجد موضوعاً عزيزاً على قلب لوقا: "بيعوا ما تملكون وتصدّقوا بثمنه على الفقراء" (12: 33). "إجعلوا لكم أصدقاء..." (16: 9). قال زكا: "أعطي الفقراء نصف أموالي" (19: 8؛ رج أع 9: 36؛ 10: 2، 4، 31؛ 11: 29: 24: 17).
رأى ولهاوزن في "أعطوا صدقة" ترجمة للأرامية "زاكو"، بدلا "داكو". وأن متى أعطى الترجمة الحقيقية: النقاوة. ولكن جاء من يعارضه.
إن آ 41 لا توازي مت 23: 26. لقد استعمل لوقا آ 40 كمقابل لنصّ مت 23: 26، وزاد كلامه عن الصدقة: تصدّقوا، حينئذ تصبحون أنقياء. 

2- ويلات الفريسيين (آ 42 44)
"الويل" (آ 42). لسنا هنا أمام لعنة، ولا أمام حكم لا عودة عنه. نحنٍ أمام صرخة شفقة: أنتم بؤساء وحالكم في الويل والتعتير. ونحن أيضاً أمام تحذير وتهديد مع نداء ملحّ إلى التوبة. نقرأ في 10: 13: الويل لك يا كورزين. يا ليتك تبت كما تابت صيدا وصور!
"تعشّرون، تؤدّون العشر". يُعطون عشر المدخول من أجل الملك أو الهيكل أو خدّامه. ولقد تنوّعت العادة في العهد القديم. أما القاعدة التي يلمّح إليها يسوع فنجدها في تث 14: 22- 27 (رج 12: 6- 29؛ 14: 28- 29؛ 26: 12- 15). ولكن هذه النصوص ليست واضحة. وهناك أيضاً (من الدستور الكهنوتي) لا 27: 30- 33؛ عد 18: 12؛ نح 10: 37- 38؛ 12: 44؛ 13: 5، 12؛ 2 أخ 31: 5- 12؛ رج ملا 3: 8، 10. جُمعت هذه الأمور حول العشور في بداية القرن الثالث ب م فدلّت على عقليّة يشير يسوع إليها هنا. مهما كان الطعام الذي نستعمله فقد نما في الأرض، ويجب أن يعشّر.
"النعنع والسذاب وسائر البقول". أما مت 23: 23 فقال: "النعنع والشّبث والكمّون". النعنع وحده هو موضوع العشر في نصّ لوقا. المهم هو التعارض بين عشور عن أمور بسيطة، وتغاضٍ عمّا يسيء إلى العدل ومحبّة الله. "العدل" أي الإستقامة والإنصاف. و"محبّة" الله أي "أغابي". لا نجد هذه اللفظة في الأناجيل الإزائية إلاّ هنا وفي مت 12: 42 (رج يو 5: 42). إنّ مت 23: 23 يستعمل بالحري: العدل والرحمة والإيمان. أنكون أمام كلمة "حسد" العبرية بمعانيها الثلاثة؟
"صدور المجالس في المجامع". أماكن الشرف، الأماكن الأولى. هذه الأماكن هي غير "كرسي موسى" (مت 23: 2). رج 20: 46: "يحبّون التحيات في الساحات، ومكان الصدارة في المجامع، ومقاعد الشرف في الولائم". فالعالم في الشريعة هو أول من نحيّيه.
في آ 44، وحسب الإسكندراني والبازي وغيرهما نجد: "أيها الكتبة والفريسيون المراؤون". نحن هنا أمام تنسيق مع مت 23: 27. القبور المخفية في الأرض والمليئة بعظام الموتى هي ينبوع نجاسة طقسية بالنسبة إلى اليهود (رج عد 19: 11- 22؛ لا 21: 1- 4، 11). بما أن الشعب لا يلاحظها فهو لا يعرف ما هي، ولهذا فهو يتنجّس عندما يتّصل بها. إنّ مت 23: 27 يرجع إلى عادة قديمة في تبييض القبور قبل الفصح، لكي تبدو جميلة. ولكن يبقى الداخل.
3- ويلات معلّمي الشريعة (آ 45- 52)
قال لوقا "علماء الشريعة" (نوميكوس). بدل الكتبة. وهكذا فعل في 10: 25؛ 14: 3. نجد "نوميكوس" مرة واحدة في متّى (22: 35). عالم الشريعة هو اختصاصي في الشريعة لدى الفريسيين وهو يساوي عمليّاً "الكاتب" المذكور في آ 53 مع الفريسيين. إحتجّ "العالم" فأجابه يسوع. قال: انت تشتمنا نحن أيضاً. فهم أكبر المتعلّمين بين الفريسيين أن يسوع ينتقد مجموعة "العلماء" المسؤولين عن تفاصيل التقوى اليهودية. سمّى "العالم" يسوع: يا معلّم. أي: يا رابي.
"تحمّلون الناس الأثقال". هي واجبات تُستنتج من تفسير الشريعة فتزيد فرائض على الفرائض المكتوبة. هناك 39 فئة من الأعمال لا يعملها المؤمن يوم السبت، وإلاّ تجاوز الوصية الثالثة. كان على التوراة أن تكون ينبوع خدمة لله في الفرح، فصارت عبئاً وثقلاً على المؤمن بسبب علماء الشريعة (رج أع 15: 10). تجاه هذا نقرأ في مت 11: 30 (لا شيء يوازيه في لوقا) ما قاله يسوع: "نيري هيّن وحملي ضعيف".
وأنتم لا تحرّكون هذه الأثقال بأصابعكم. لا تساعدون الشعب في شيء. ولكن هذا النصّ لا يعني أن علماء الشريعة يسهّلون الأمور لنفوسهم عندما يفسّرون الشريعة.
"تبنون قبور الأنبياء". لكي تكرّموهم وتخلّدوا ذكراهم. هذا في الظاهر. أما في الحقيقة، فأنتم تتأكدون أنهم لن يعودوا يزعجونكم كما في حياتهم. آباؤكم، أجدادكم قتلوهم. قال اسطفانس: "إضطهدوا كل نبي، وقتلوا الذين أنبأوا بمجيء البار" (أع 7: 52). وسيُقتل هو أيضاً (7: 54 ي). آباؤكم قتلوا (رج 1: 55؛ 6: 23، 26) وانتم توافقون حين تبنون القبور. قال مت 23: 31: "أنتم أبناء قتلة الأنبياء". حاول بلاك أن يفسّر هذا الإختلاف فعاد إلى الأرامية: اتون بنين اتون". نقابل بين "بنى" (يبني) وبين "بني" (أبناء الأنبياء). ولكن يبقى السؤال: هل يوازي لوقا مت 23: 31، أم هو يرتبط أيضاً بتقليد آخر؟
"قالت حكمة الله" (آ 49). أدخل لوقا الحكمة. أما مت 23: 34 فجعل هذه الأقوال مباشرة في شفتي يسوع. قد نكون أمام إيراد من العهد القديم في كتابات يهودية تعود إلى ما بين العهدين. ولكننا لم نجد بعد مرجعها. كيف نفهم عبارة "حكمة الله" (الله الحكيم)؟ هل تعود إلى الله أم إلى يسوع؟ هناك مقاطع في العهد الجديد تجعلنا نقول إن يسوع هو حكمة الله (1 كور 1: 24، 30؛ 2: 7؛ كو 2: 3). هل يلمّح لوقا إلى ما تتضمّنه 7: 35 (الحكمة يبرّرها جميع أبنائها: أبناء الحكمة هم الذين يتقبّلون يسوع بالإيمان ويتجاوبون مع قصد الله)؛ 11: 31 (أعظم من سليمان)؟ هذا ما فهمه آباء الكنيسة. والمقابلة مع متّى تدلّ على أن يسوع هو الحكمة. فما قالته الحكمة في لوقا قاله يسوع في متّى.
"أرسل إليهم أنبياء ورسلاً" (ابوستولوس). قال مت 23: 34: أنبياء، حكماء، كتبة. تحدّث لوقا عن الرسل بعد أن مات عددٌ كبير منهم (أع 12: 2- 5). وقول يسوع هنا يدلّ على أنه هو نفسه "النبي والرسول" (4: 24) والمتحدّث باسم حكمة الله. وفي ما يتعلّق بمقتل الأنبياء والرسل، رج 13: 33، 34: "لا يجوز أن يهلك نبي خارج أورشليم... يا أورشليم، يا قاتلة الأنبياء...".
"دم جميع الأنبياء" (آ 50). رج إر 7: 25: "منذ خرج آباؤكم من أرض مصر إلى هذا اليوم، وأنا أرسل إليكم عبادي الأنبياء كل يوم بلا انقطاع". رج رؤ 18: 24: "شوهد دم الأنبياء القديسين".
"منذ إنشاء العالم" (لا نجدها في السبعينيّة). ترد هذه العبارة مراراً في العهد الجديد: مت 13: 35؛ 25: 34؛ يو 17: 24؛ أف 1: 4؛ عب 4: 3؛ 9: 26؛ 1 بط 1: 20؛ رؤ 13: 8؛ 17: 8. هناك دين على هذا "الجيل" (تك 9: 5؛ 42: 22؛ 2 صم 4: 11؛ مز 9: 13؛ حز 3: 18، 20)، وهكذا يُنتقم لدم الأنبياء. أجل سيؤدي هذا الجيل (الشرير، الملتوي، الذي لم يؤمن) الحساب. نجد هنا تلميحاً إلى دمار أورشليم. رج 21: 32 (لن يزول هذا الجيل حتى يحدث هذا كلّه).
"من دم هابيل". نجد هنا تلميحاً إلى مقتله على يد قايين (تك 4: 8- 10؛ اخنوخ 22: 7). ترك لوقا لفظة "الصديق" التي احتفظ بها مت 23: 35 (هابيل الصديق). لم يكن هابيل نبياً بالمعنى الحصري للكلمة، ولكنه قال كلمة الله حسب التقاليد اليهودية. "إلى دم زكريا". هو زكريا بن يوياداع الذي رجمه الشعب (لأنه كلّمه باسم الرب) "بأمر من الملك يوآش في دار الهيكل" (2 أخ 24: 20- 22). لم يُعتبر نبياً، شأنه شأن هابيل. نحن أمام حقبة من الزمن تبدأ ببداية التوراة (العبرية) وتنتهي بنهايتها (سفر الأخبار الثاني هو آخر أسفار التوراة العبرية، كما أن سفر التكوين هو أؤلها): في البداية قتل هابيل وفي النهاية زكريا، فضمّا معهما كل الأنبياء.
عرف المعين "دم زكريا" (متّى، لوقا). ولكن مت 23: 35 زاد "ابن براخيا"، فصار زكريا "المقتول" نبياً (زك 1: 1). ولكن لا شيء في التوراة يشير إلى مقتل النبي زكريا "بين الهيكل والمذبح". وإن وُجدت عبارة "إبن برخيا" في المعين، فقد يكون لوقا تركها تجنّبا للإلتباس.
ويأتي "الويل" الأخير في آ 52: أخذتم مفاتيح المعرفة. أخذتم المفاتيح التي توصل إلى المعرفة. يتحدّث الشكل المتاوي لهذا القول (23: 13) عن الكتبة والفريسيين الذين أغلقوا "ملكوت السماوات" (قد يكون هذا نصّ المعين). لم يشر قول لوقا إلى الملكوت، وإن فسّر النصّ كذلك. فعبارة لوقا التي تتحدّث أيضاً عن شعب ينتظر الدخول، تبدو وكأنها تلمّح إلى بيت الحكمة (أم 9: 1). هذا يدلّ على الحكمة في المعنى الواسع مع الإشارة إلى مخطط الله الخلاصي.
4- وخرج يسوع (آ 53- 54)
كان يسوع قد دخل إلى بيت الفريسي (آ 37 ج). وها هو يخرج. هي المرة الوحيدة التي فيها نتحدّث عن تحرّك يسوع بهذا الشكل في خبر الصعود إلى أورشليم. خرج، وهذا يعني أنّ آخرين تبعوه.
نقرأ في المخطوط البازي حول آ 53- 54: "حين كان يقول لهم هذه الأشياء، بدأ الفريسيون وعلماء الشريعة يردّون عليه بعنف ويجادلونه بحضور كل الشعب عن أمور كئيرة، طالبين مناسبة يمسكونه بها لكي يتّهموه".

ج- تفسير النصّ
تابع لوقا خبر الصعود إلى أورشليم، فأورد بعض أقوال يسوع ضدّ الفريسيين وعلماء الشريعة (أي: الكتبة). وجدنا هنا ستة "تويّلات" (قال: الويل) موجّهة إلى مجموعتين في توازٍ تام كما في 6: 26 حيث تأتي التويّلات بعد التطويبات.
ما هو المرجع الذي عاد إليه لوقا ومت 23؟ هذا ما لا نستطيع أن نحدّده بدقّة. ولكننا نحسّ بتشابه عظيم بين هذين المقطعين (لو 11: 37- 54؛ مت 23: 1 ي) على مستوى المضمون والمواضيع والكلمات. إلاّ أنه تبقى اختلافات على مستوى ترتيب المواضيع والعبارات الخاصة. عاد متّى إلى المعين (هو مرجع خاص غرف منه متّى ولوقا)، كما عاد إلى مر 12: 38- 39.

1- النصّ من الوجهة النقدية
أولاً: نلاحظ بعض السمات في شكل هذه الأقوال لدى لوقا
1- إن لوقا نفسه هو الذي دوّن المقدّمة (آ 37- 38. الفريسي يدعو يسوع. هذا لا يعقل عند متّى ومرقس) وصلة الوصل بين الفريسيين وعلماء الشريعة (آ 45). فإن آ 37- 38 هما مقدّمة مجموعة الأقوال كلها، بل أيضاً مقدّمة الكلام حول الكأس والطبق (آ 39- 40) ومقدّمة الويلات ضد الفريسيين (آ 42- 44). دوّن لوقا آ 37 على مثال 7: 16 (دعاه أحد الفريسيين). إن آ 38 مع الإشارة إلى تهامل يسوع في غسل يديه، تعود إلى مر 7: 2. وترك اسلوب لوقا آثاره في آ 39 مع استعمال كلمة "الرب" و"قال له". بالإضافة إلى هذا، يرتبط القول الأول (حول غسل الأطباق) بشكل متراخٍ مع تهامل يسوع في غسل يديه.
2- إن أقوال يسوع في متى (23: 1 ي) تتوجّه مباشرة وبشكل متواصل ضدّ الكتبة والفريسيين (الويل 7 مرات، عدد الكمال، آ 2، 13، 15، 23، 25، 27، 29). أما لوقا فقد جعل من المواد التي "ورثها" سلسلتين تتألف كل منهما من ثلاثة تويّلات. في آ 42- 44: ضد الفريسيين. في آ 46- 52، ضدّ علماء الشريعة. هذا التوازي (2 × 3) هو عمل لوقا الخاص. وقد ينتج عنه إغفال "الويل" قبل القول الأول (آ 39- 40. الرقم 6 يدلّ على النقص. ترك يسوع الباب مفتوحاً أمام الفريسيين).
3- زاد لوقا آ 41 التي لا تجد ما يوازيها في متّى. ألّفها لوقا ليبرز الصدقة كتعبير عمّا في داخل الإنسان.
4- زاد آ 53- 54 اللتين تشكّلان مع آ 37- 38 الإطار الإخباري لأقوال يسوع هذه.
ثانياً: ونلاحظ ميزتين خاصتين بلوقا حين نقابله مع متّى
1- نقابل لو 11: 43 مع مت 23: 6؛ لو 11: 44 مع مت 33: 27؛ لو 11: 47- 48 مع مت 23: 29- 31؛ لو 11: 51 مع مت 23: 35- 36، ونلاحظ أن لوقا أوجز بعض الأمور.
2- أزال لوقا كل ما لا يقدّره أو لا يفهمه قارئ إنجيله المسيحي الآتي من العالم الوثني. مثلاً، ترك السذاب والشّبث، ووضع البقول (التي تؤكل) (آ 42). ترك في مت 23: 23 "أثقل ما في الناموس". وترك في مت 23: 8: "أن يدعوهم الناس رابي". وفي مت 23: 27: "القبور المكلّسة". وفي مت 23: 34: "تجلدون في مجامعكم". وفي مت 23: 35: "إبن برخيا". وفي مت 23: 13: "ملكوت السماوات".
3- أدخل لوقا "حكمة الله" (آ 49، حيث جعل متّى الموازي الكلمات على شفتي يسوع) وهو موضوع قريب من عالم الحكمة في 11: 35 (رج 7: 35). وأضاف "مفتاح المعرفة" (آ 52) فكان الإنجيلي الوحيد الذي يتحدّث عن المعرفة (غنوسيس، رج 1: 77).
4- بدّل لوقا ترتيب التويّلات. فما في متّى يقابل في لوقا آ 43، 46، 52، 42 (39)، 44، 47.
5- ضمّت آ 49- 51 إلى آ 46- 48 في المعين، وإن كنّا نفضّل أن ننسب "حكمة الله" إلى قلم لوقا.
6- نقابل آ 53- 54 مع خاتمات مشابهة في 6: 11؛ 19: 47؛ 20: 19؛ 22: 2 التي تجد ما يقابلها في مرقس. ولكنها تدلّ على تنامي العداء ضدّ رسالة يسوع.
7- إن آ 43 تتكرّر في 20: 46 الذي يعود إلى مر 12: 38- 39. بالإضافة إلى ذلك، نجد في آ 39- 40 الرقم 89 في إنجيل توما: "قال يسوع: لماذا تغسلون خارج الكأس؟ ألا تفهمون أن الذي صنع الباطن هو الذي صنع الظاهر"؟ قد يبدو هذا الشكل أولانياً. ولكنه في الواقع تبسيط لقول سابق مع التشديد على الوحدة الإلهية. ونجد أيضاً آ 52 في الرقم 39 أ من إنجيل توما. "قال يسوع: أخذ الفريسيون والكتبة مفاتيح المعرفة. أخفوها، فما دخلوا ولم يسمحوا للذين رغبوا في الدخول". وزيد على إنجيل توما مت 10: 16 ب (كونوا حكماء كالحيّات وودعاء كالحمام). نحن هنا أمام توسّع في النصوص القانونية.

2- النصّ من الوجهة الإخبارية
يتكوّن النصّ من إطار إخباري ألّفه لوقا (آ 37- 38، 53- 54)، ثم من مقدّمة إخبارية ثانوية (آ 45) وأقوال يسوع. هذه قد رتّبها بولتمان بين أقوال حول الشريعة (آ 39، 41، 42) وأقوال تدلّ على التهديد (آ 43- 44، 46- 48، 49- 51). إن التويّلات الستة هي في آ 42- 44، 46، 47، 52. وهذا يعني أن آ 42 تخصّ أقوال التهديد. وتعتبر آ 49 في السياق اللوقاوي كقول حكمة.
في هذا الجزء من خبر الصعود إلى أورشليم، يصوّر لوقا يسوع في جدال مع الوجوه الدينية في فلسطين. هل يُعقل أن يكون يسوع قال هذه الأقوال ضدّ الوجهاء، خصوصاً خلال غداء دُعي إليه؟ فالاختلاف بين السياق اللوقاوي والسياق المتاوي يكشف عن عمل ثانٍ في تجميع هذه الأقوال في وحدة متكاملة. قبلَ يسوع الدعوة إلى الغداء، ولكنه أهمل عادة غسل (الأيدي) قبل الطعام. فهذا ما يعتبره مضيفه مهماً جداً.
وهذه الصدمة لدى المضيف جعلت يسوع يقدّم ملاحظة حول النقاوة (لا نقاوة الذات أو الأيدي)، بل حول طقوس تطهير الآنية المنزلية. لا تكفي النقاوة الخارجية، فهي سطحية. فعلى الإنسان أن ينقّي داخل الكأس أو الصحفة أيضاً. إنّ داخل هذه الآنية هو رمز إلى داخل الكائن البشري الذي هو مملوء شرّاً وخطفاً. وأوصى يسوع الإنسان بأن ينظر إلى صانع الأواني: هو صنع الظاهر وهو الذي صنع الباطن. إن الإشارة إلى "الصانع" تعطي القول بعداً لم يغب عن القارئ. الصانع هو الله نفسه الذي سمّاه لوقا في أمكنة أخرى: "العالم بالقلوب" (أع 1: 24؛ 15: 8؛ لو 16: 15؛ رج 1 صم 16: 7؛ أم 24: 12). إنه يعرف الشرّ الذي فينا. وزاد لوقا نصيحة على هذا الكلام: إجعل مضمون الكأس والصحفة صدقة للفقراء، فتصبح النقاوة تامة بأي حال. فالخطف والشرّ لا يغسلان حياة الإنسان، بل يصل به وضعُه إلى الحصول أمام الله على نقاوة يكمّلها الغسل الطقسي. حينئذ يصبح كل شيء نقياً. فالإهتمام والقواعد السطحية قد تفتح الطريق أمام نقاوة في الداخل.
وجهت ثلاثة تويّلات إلى الفريسيين، معاصري يسوع، الذين عاشوا حسب القواعد الموجودة في شريعة موسى وكما فسّرها الكتبة تفسيراً دقيقاً. الويل الأول (آ 42) يعارض بين اهتمامهم بالتفاصيل وبناء العوائق حول الشريعة مع إهمالهم لما هو مهمّ حقاً: يعشّرون البقول وينسون العدل ومحبّة الله. لا يلغي يسوع العشور بل يقول: إعملوا هذه ولا تهملوا تلك. وجاء كلامه عن العدل ومحبّة الله صدى لما في مي 6: 8: "إصنع العدل، أحبّ الرحمة، وسر بتواضع أمام إلهك".
الويل الثاني (آ 43) يلوم الفريسيين لأنهم يضخّمون ذواتهم. هم يمارسون الشريعة بوقائعها، فرضوا عن نفوسهم، وأرادوا أن يمجّدهم الناس. والويل الثالث (آ 45) ينتقد الفريسيين لأنهم لم يفهموا أنهم غير ما يبدون. والشعب لا يفهم هذا الشرّ الموجود في الفريسيين والذي يعرّض الناس للنجاسة: إنهم كالقبور المليئة بعظام الموتى. يبدون قدّيسين، ولكنهم يخيّبون آمال الناس.
ويتبع هذا الكلام ثلاثة تويّلات تتوجّه إلى علماء الشريعة، وهي تتّصل بالشريعة والأنبياء والحكمة. فبعد سؤال من "عالم" من العلماء، وجّه يسوع الويل الأول ضدّ "علماء الناموس"، فكان صدى للويل الأول الذي وجّه إلى الفريسيين: إن هؤلاء "العلماء" يفسّرون شريعة موسى وتقاليد الآباء (مر 7: 5؛ رج غل 1: 14) تفسيراً دقيقاً يخلق عدداً من الفرائض تثقل على كاهل الشعب. لا تعني كلمة يسوع فقط أنهم يفرضون الاحمال على الآخرين، بل هم لا يريدون أن يحرّكوها. وهذا ما يجعل خدمة الله حملاً ثقيلاً.
ولا ينتهي عمل العالم بالشريعة حين يقول للضعفاء إنهم خطئوا وعليهم أن يتوبوا، بل عليه أن يحرّك اصبعه ليخفّف حملهم، ويجعلهم يفهمون أن شريعة الله هي تعبير عن حبّه لشعبه. ولكن علماء الشريعة لم يفعلوا شيئاً من هذا. والويل الثاني (آ 47- 48 مع الأقوال في آ 49- 51) يتوجّه إلى الفريسيين أكثر منه إلى علماء الشريعة. هو ينتقدهم لأنهم شيّدوا قبوراً ضخمة إكراماً لذكر الأنبياء الذين قتلهم آباؤهم. إن مشاركتهم في جريمة آبائهم تعكس ردة فعلهم تجاه يسوع، آخر "الأنبياء والمرسلين". فقد رفضوا أن يسمعوا له وأن يعرفوه. وهذا يتضمّن أيضاً أن آخر الأنبياء سيكون له ذات المصير الذي لقيه الأنبياء.
ولكن لا شيء يقاوم حكمة الله، وكلمة يسوع اتخذت منحى خطيراً: إن لم يقطع هذا الجيل كل رباط مع الماضي، فسيؤدّي جواباً على كل ظلم صُنع تجاه الذين اختارهم الله، من هابيل إلى زكريا، منذ البداية إلى النهاية. والويل الثالث ضدّ علماء الشريعة (آ 52) يكشف الوضع المحزن لهؤلاء الناس المتعلّمين: أعطي لهم مفتاح المعرفة، ليكشفوا معرفة الله وإرادته في التوراة والتقليد. أعطي لهم مفتاح البيت الذي بنته الحكمة (أم 9: 1). لم يدخلوا هم هذا البيت، ومنعوا الآخرين من الدخول. لهذا سيُعاقبون على إهمالهم.
في الآيات الإخبارية في النهاية (آ 53- 54) صار علماء الشريعة "الكتبة". وأشار النصّ إلى معارضتهم ليسوع بسبب أقواله عليهم وعلى الفريسيين.
إن أقواله المهدّدة ضدّ القوّاد الدينيين لدى اليهود صار مع الوقت تحذيراً ضدّ مدينة أورشليم وسكانها (13: 1- 9؛ 13: 34- 35؛ 19: 41- 44؛ 23: 28- 31).

خاتمة 
من "الخارج" إلى "الداخل"، من "الطاهر" إلى "النجس". هنا نحسّ أننا أمام خبرة بطرس قبل أن يذهب إلى بيت كورنيليوس: "كل حياتي لم يدخل في فمي نجس أو دنس" (أع 11: 8). فجاء جواب الربّ واضحاً: الله صنع الظاهر والباطن. كل شيء هو عمله، إذن كل مخلوق هو طاهر (أع 10: 15؛ رج مر 7: 19 ب). وفهم بطرس أنه لا يحقّ له أن يدعو "إنساناً نجساً أو دنسأ" (أع 10: 28). إذا كان الأمر هكذا، وجب علينا أن نرفض عالماً يجعل الحواجز على مستوى العلاقات البشرية. 
كان اتّهام يسوع عنيفاً ضدّ الفريسيين وعلماء الشريعة. إنهم يقتلون كل الذين يحيا فيهم روح يسوع، يتكلّم فيهم روح يسوع. لم يكتشفوا كرازة التطويبات ولا إيمان قائد المئة، ولا محبة الخاطئة التي جاءت إلى بيت سمعان. أزالوا مفتاح المعرفة فجعلوا نفوسهم خارج الملكوت. قتلوا الأنبياء. قتلوا يسوع نفسه. واضطهدوا الرسل، شهود الكلمة. وهكذا اغلقوا باب الملكوت عمّن يريد أن يدخله. 
شدّد الفريسيون على الطاهر والنجس، فلم يفهموا ما فعله السامري مع الجريح في الطريق. وشدّد علماء الشريعة على تفاصيل الحياة، فلم يفهموا موقف مريم الجالسة عند قدَمَيْ المعلّم تسمع له. كلّهم يهدمون الرسالة في أساسها لأنهم رفضوا التعرّف إلى روح يسوع.

 

 

الفصل السابع عشر
من يعترف بي قدام الناس
12: 1- 12

إن الجدال الذي حصل خلال الغداء (11: 37 ي) دفع يسوع إلى أن يحذّر تلاميذه من خطرين. أولاً، من خمير الفريسيين (11: 39- 41، 44): إن التصرّف الذي شجبه النصّ السابق، هو مثل عمّا يجب أن يحتفظ منه التلاميذ. ثانياً، إن الموقف المعادي الذي يقفه منذ الآن الكتبة والفريسيون هو مناسبة مماثلة لتهيئة أخصائه للوقوف وسط الأنبياء والرسل المضطهدين. فمهما كان رأيهم في النجاح العظيم الذي أحرزته الكرازة لدى الجمع، فعليهم أن يواجهوا أولئك الذين يقتلون الجسد ويجرّونهم أمام السلطات القضائية.
أ- نظرة اجمالية إلى النصّ
هذا الفصل مطبوع بطابع القديس لوقا. غير أننا نجد فيه أقوالاً ليسوع وردت هنا وهناك عند متّى ومرقس. فهذه الوحدة الأدبية الأولى، أي تحذير يسوع من "خمير الفريسيين"، نجدها في مت 16: 15- 6 ومر 8: 14- 15، وهي ترتبط بالمقال عن الخبز. غير أن لوقا وحده يفسّر ما يجب أن نفهم بهذه العبارة: نحن أمام "رياء" الفريسيين أو بالأحرى أمام "حكمهم الفاسد". فكلمة "هيبوكريتس" تدلّ على الممثّل (الهزلي) الذي يلبس قناعاً (6: 42؛ 13: 15؛ 20: 20). إنها تدلّ على الذي يحكم من أسفل. حكمه ليس واقعياً (من تحت لتحت) ولهذا فسد وانحطّ. إستعمل متّى هذه اللفظة 14 مرة خصوصاً في ف 23 ليدلّ على الانفصام بين القول والعمل، بين الخارج والداخل، بين الظاهر والباطن (كيان الإنسان). واستعمل الأسم (الرياء) مرة واحدة في مت 23: 28، في مر 15:12، في لو 12: 1.
إن آ 2- 9 تستعيد جزءاً من التوجيهات التي نقرأها في "خطبة الرسالة" (مت 10: 16- 33؛ رج 6: 26). وتشير آ 10 إلى "التجديف على الروح القدس" فتجد ما يوازيها في الجدال حول بعل زبول في مر 3: 28- 30 ومت 12: 31- 32 (أغفله لوقا في النصّ الموازي في 11: 14- 23). أخيراً، إن آ 11- 12 اللتين تشيران إلى الإضطهادات، نجدهما مع بعض التحوير في 21: 14- 15 (أوتيكم فماً وحكمة لا يقوى جميع خصومكم) الذي يستعيد بعض العناصر من "خطبة الرسالة" في مت 10: 19- 20، والخطبة حول "مجيء ابن الإنسان" في مر 13: 11. إن هذه المقابلة الإزائية البسيطة تفهمنا أن لوقا لم يضمّ هذه المواد التقليدية صدفة واتفاقاً.
قد ندهش أن تكون أغفلت لفظة "مرائي" (التي تظهر في 12: 1) من نهاية ف 11 وفي التويّلَين على الكتبة وعلماء الشريعة، بينما يستعملها مت 23 مراراً في هجوم يسوع. في الواقع، إنّ الخطبة المتاوية تتوجّه أولاً إلى الجموع وإلى الناس (مت 23: 1) الذين يطلب منهم أن لا يقتدوا بالكتبة والفريسيين. بعد ذلك، إلتفت يسوع (آ 13- 35) إلى هؤلاء وكشف القناع عن ريائهم. أما لوقا فقلب الحركة، وأعطى نظرته بعداً شاملاً: فبعد أن دلّ الكتبة وعلماء الشريعة على الشرّ الذي يجلبونه على نفوسهم (11: 37- 54)، بيّن للتلاميذ وللناس أنهم ليسوا بمأمن منه، لأن عقاب الحكم الفاسد يهدّدهم أيضاً.
بدأت الآيات الأولى (آ 1- 3) بدعوة إلى الحذر. إنها تحدّد موضوع التعليم: إن حكم الفريسيين الفاسد يقوم بأن نجعل نفوسنا مكان الله، وكأننا أسياد الحياة والموت. ولكن هذه صفة خاصّة بالله (روم 2: 16؛ 3: 6). الله وحده هو سيّد الحياة، وبعطية الحياة التي كشفها في يسوع، هو يدلّ على التاريخ ويحكم عليه (أع 10: 42؛ 17: 31). إن فساد الحكم هذا لا ينفع على المدى الطويل. فما يخفيه سوف يظهر. إذن، لا بدّ من رفض الخوف الذي لا يجرؤ على العمل، الذي يقود إلى الحكم الفاسد (هذا ما تلمّح إليه آ 2 حيث الفعل هو في صيغة المجهول: يُكشف). وفي الوقت عينه، يجب أن نتجنّب كل نشاط يكون ثمرة حكم فاسد نعيشه في حلقة ضيقة ونحاول أن نجعله أمراً خاصاً بنا (هذا ما تدلّ عليه صيغة المخاطب الجمع "أنتم" مع الأفعال في صيغة المعلوم). 
تبدأ آ 4- 7 مع عبارة "أقول لكمّ" فتشكّل وحدة أدبية ثانية تتوجّه إلى فئة تسمّى: "أنتم أحبائي (أصدقائي)". وهم أولئك الذين نالوا الوحي المثلّث. طلب منهم يسوع أن يحذروا من الخوف الكاذب (الذي ليس بخوف) (ترد كلمة "خاف" خمس مرات في هذه الاَيات)، من الخوف الذي يجمّدنا ويمنعنا من الحركة. لا يستطيع المؤمن الحقيقي أن يخاف إلا ديّان الأحياء والأموات. إذن، يسلّم نفسه إلى عناية الآب الذي لا ينسى أحداً من أخصائه. 
وتبدأ آ 8- 12 مرة ثانية مع عبارة "أقول لكم". تتوجّه الآن إلى "كل من" (آ 8، 10)، إلى "من" (آ 9، 10) ثم إلى التلاميذ الذين يشار إليهم بصيغة المخاطب الجمع (آ 11، 12: متى قادوكم أنتم). أقحم لوقا في هذا الموضع أقوالاً مأخوذة من الجدال حول بعل زبول في متّى ومرقس قبل أن يتكلم بصريح العبارة عن الاضطهادات التي تنتظر التلميذ (رج مت 10: 17- 20) في شهادته. من جهة أخرى، إن متّى يذكر في سياق "خطبة الرسالة" الجدال حول بعل زبول (10: 25: سيد البيت سمّوه بعل زبول) الذي يفصّله فيما بعد (12: 24: يخرج الشياطين ببعل زبول). أما لوقا، فيبدو أنه استعاد هذا العنصر التقليدي وركّزه على الروح القدس. 
ويحدَّد دورُ الابن ودور الروح القدس في دينونة تتمّ في العالم، في دينونة "الاصدقاء" خلال "شهادتهم" (واعترافهم). إذا كان الآب هو الديّان بصفته سيّد الحياة (آ 6، 7، نحن هنا قريبون جداً من يوحنا)، فابن الإنسان هو من يعترف بنا أمام الآب (آ 8- 9). والروح القدس يشهد معنا أمام البشر (آ 11- 12) فيبدوا "البار قليط" في انجيل يوحنا (يو 14: 16، 26؛ 15: 26؛ 16: 7؛ رج أع 5: 32). 
وتشكل آ 10 صلة وصل: تدلّ على ان كلمة قيلت على ابن البشر تُغفر. أما "التجديف على الروح القدس" فلا يُغفر. إن التجديف في العهد القديم (خر 22: 27: لا تلعن الله ولا تجدّف على رئيس شعبك؛ 1 مل 21: 13: جدّف على الله وعلى الملك) يعني معارضة مميّزة ضد الله في محاولة لوضع اليد على قدرته. التجديف هو ذروة الكفر (مز 89: 51- 52)، وكان المجدّف يعاقب بالموت (رج لا 24: 16: من جدّف على اسم الرب يقتل قتلاً).
دينونة الله التي ترتبط بالحياة تغفر كل ضعف وتخاذل، كل انكار وخطأ. ولكنها تفشل حين نرفض نحن هذا الغفران. في النسخة اللوقاوية، "التجديف" (أي عكس المجاهرة والإعتراف بالله) النهائي هو الذي نوجّهه على رحمة الله كما تجلّت في يسوع. إنه القرار الواعي والحرّ الذي شجبته خطبة اسطفانس: "يا قساة الرقاب، وغير المختونين في قلوبكم وآذانكم. إنكم في كل حين تقاومون الروح القدس" (أع 7: 51). 

ب- النظرة التفصيلية
1- إحتشد الجمع (12: 1)
"على اثر ذلك". أي في الوضع الذي كوّنه الحدث السابق. في سياق التآمر على يسوع؛ رج أع 24: 18؛ 26: 12. إحتشد الشعب ألوفاً. حرفياً: ربوات (عشرات الألوف). هذا يدلّ على العدد الكبير من السامعين. هذه الإشارة العددية تجعلنا نفكّر في الاجمالات وما فيها من أعداد في أخبار سفر الأعمال. في 2: 41 هم ثلاثة آلاف. في 4: 4 صاروا خمسة آلاف. في 5: 14 تكاثر عدد المؤمنين بالرب. في 6: 1 كثر عدد التلاميذ (رج أع 6: 7؛ 9: 31؛ 11: 21، 24؛ 12: 24؛ 14: 1). هكذا أظهر لوقا شعبية يسوع من خلال الجموع التي تزحم حوله (رج لو 11: 29، وازدحمت الجموع). وهكذا يقابل لوقا أيضاً بين ردّة الفعل لدى الجموع وردة الفعل لدى وجهاء اليهود.
"في البداية". بدأ يسوع يكلّم تلاميذه. ولكن نستطيع أن نقرأ أيضاً: احذروا أولاً (قبل كل شيء). نجد العبارة الأولى في 3: 8: وبدأ يقول للجموع؛ 4: 21: فبدأ يقول لهم (رج 7: 15، 24، 49؛ 11: 29؛ 13: 26؛ 14: 18...). توجّه يسوع إلى تلاميذه (بروس مع المفعول به) 
"إحذروا (إياكم) من خمير الفريسيين". أي: إنتبهوا إلى نفوسكم. كونوا على حذر. هناك خطر في خمير الفريسيين. رج 17: 3؛ 20: 46؛ 21: 34؛ أع 5: 35؛ 20: 28. وفي السبعينية. رج تك 24: 6؛ خر 10: 28؛ 34: 12؛ تث 4: 9. لا تسمحوا أن يؤثر هذا الخمير في حياتكم (بروساخاين= حذر). الخمير الذي يخمّر الدقيق. تحدّث مر 8: 15 عن خمير الفريسيين وعن خمير هيرودس. ومت 16: 6، 12 عن خمير الفريسيين والصادوقيين. هذا الخمير هو الرياء. 

2- لا خفيّ إلا سيظهر (12: 2- 7)
"سيظهر، سيُعلن". هي صيغة المجهول. في المعنى اللاهوتي، يدلّ على الله الذي يكشفه ويعلنه. أو هو سوف يظهر في الوقت الذي حدّده الله. 
"على هذا" "لأن" أو: مقابل هذا؛ رج 1: 20؛ 19: 44؛ أع 2: 23؛ رج يه 9: 3. نحن لا نجد هذه العبارة في مت 10: 27. ولكننا نجدها في السبعينية (إر 5: 14، 19؛ 7: 13؛ 16: 11). في الظلمة، أي في السرّ بحيث لا يرى أحد ولا يسمع. "ما قيل في الأذن" يقابل ما قيل "في الظلمة" "في المخادع". أي في الداخل والابواب مغلقة، بحيث لا يصل إلى الذين في الخارج. لا نجد هذه العبارة (في المخادع) في مت 10: 27. رج قض 16: 9، 1 مل 22: 25. 
"أقول لكم: يا أحبائي" (آ 4). هذه هي المرة الوحيدة التي فيها يتوجّه يسوع إلى تلاميذه بهذه الصورة في الإناجيل الإزائية. رج يو 15: 13- 15 (لا أدعوكم عبيداً، بل أحبّاء). لا تخافوا الذين يقتلون الجسد. أي يضعون حدّاً لحياة الإنسان. وزاد مت 10: 28): "ولا يستطيعون أن يقتلوا النفس". إعتبر لوقا أن العبارة غير واضحة فألغاها. النفس هي المبدأ الشخصي للحياة. هي الأنا في الإنسان. هنا نتذكّر الموت الثاني الذي يتحدّث عنه سفر الرؤيا والذي يعني الهلاك الأبدي (رؤ 20: 14). 
"وليس لهم أن يفعلوا أكثر". بمعنى: لا يستطيعون. رج 7: 40؛ أع 4: 14؛ 23: 17- 19؛ 25: 26 (فعل اخاين: امتلك). 
"أنا أبين لكم". زادها لوقا كما في 6: 47... خافوا... قال مت 10: 28: "خافوا بالأحرى ممن يقدر أن يهلك النفس والجسد في جهنّم". هذا لا يعود إلى ابن الإنسان وقت الدينونة، ولا إلى إبليس أو الشيطان، ولا إلى قوى الشرّ، بل إلى الله. هناك كما قلنا إشارة إلى الموت الثاني (رؤ 2: 11؛ 20: 6، 14؛ 21: 8). وهناك في العهد الجديد نصيحة بأن نقاوم ابليس ولا نخاف منه (يع 4: 7؛ 1 بط 5: 9). ليست مخافة الرب امراً يستهين به تلميذ يسوع (أع 9: 31: كانت الكنيسة تسير في مخافة الرب). وليست فقط عنصراً تقوياً يبرزه لوقا (روم 11: 20؛ 2 كور 7: 1؛ فل 2: 12؛ 1 بط 1: 7؛ 2: 17). نجد هنا طريقة تفكير أولية ونموذجية، في أماكن عديدة من العهد الجديد حيث ينسب النصّ إلى الله سقوط الناس في جهنّم. أما اللاهوت الحديث فيتحدّث عن وجود الناس في جهنّم بطريقة أخرى. هذه هي طريقة لوقا في تكرار تعليم العهد القديم: "بداية المعرفة مخافة الله" (أم 1: 7). 
"جهنّم". احتفظ لوقا بلغة العالم اليهودي المتكلّم باليونانية. إن لفظة "جاهانا" التي نجدها في المعين لم ترد في السبعينية ولا في كتابات فيلون أو يوسيفوس. هي لفظة تتفرعّ من "ج ي_ هـ ن و م: وادي أبناء هنّوم. وقد ترجمتها السبعينية باشكال متعددة: يش 15: 8 ب؛ 18: 16 أ، 16 ب (نسخها مسيحيون تأثّروا بالعهد الجديد)؛ 2 مل 23: 10؛ إر 7: 32. تدلّ على سيل (وادي) الربابي الذي يجري أولاً شمالي جنوبي غربي اورشليم، ثم شرقي غربي جنوبي اورشليم قبل أن يصبّ في وادي قدرون. وُجد فيه في زمن العهد القديم "مشرف" سمّي "توفت" حيث كان يُحرق أطفال بني يهوذا ذبيحة للإله مولك (إر 7: 32؛ 19: 4- 6؛ 32: 34- 35؛ 2 مل 16: 3؛ 21: 6؛ 23: 10؛ رج 2 أخ 28: 3؛ 33: 6). بعد هذا صار الموضع مكاناً تحرق فيه النفايات، أو الفخّار (إر 18: 1- 4؛ 19: 2، 10، 13؛ نح 2: 13). وبما أن النار ارتبطت باكراً بالشيول ومثوى الموتى (تث 32: 22: غضبي يشتعل كالنار، ويحرق حتّى الجحيم الأسفل، كما في السبعينية)، حُسبت عنصر عقاب (أش 32: 10). في القرن الأول ق. م برز في العالم اليهودي اعتقاد بوجود بحيرة أو هوة من النار يتعذّب فيها في الآخرة اليهود الأشرار والظالمون والجاحدون (يه 16: 4؛ أخنوح 10: 13؛ 18: 11- 6؛ 27: 1- 3؛ رد رؤ 9: 1- 2، 11؛ 19: 20؛ 20: 1- 3، 10، 14- 15؛ 21: 8: الآن يرمى فيها الشيطان والأشرار، ووحش البر، ووحش البحر والموت نفسه). وجد اسم "جاهانا" في عزرا الثاني (نعرفه فقط في اللاتينية والسريانية والقبطية والحبشية. يعود إلى سنة 100 ق. م. تأثر المترجمون المسيحيون بالعهد الجديد). 
في زمن يسوع صارت جهنّم موضع العذاب للخطأة بعد الدينونة أو أقلّه بعد الموت.
"خمسة عصافير" (آ 6). الدوري أو عصفور آخر صغير جداً. وسعره زهيد يأكله الفقراء. يباع الدوري بفلسين أو غرشين أي واحد على ستين من الدينار. ومع ذلك فهو لا يُنسى أمام الله. هو في قلب الله (أش 49: 10؛ رج أع 10: 31).
"شعر رؤوسكم جمعيه محصى". هي المعرفة الإلهية التامة مع أن عدد الشعرات كبير جداً. مع أن كل شعرة هي صغيرة ولا تشكل شيئاً ذا أهمية. إذا كان شعركم محصى، في يد الله، فما يكون شخصكم؟ أنتم أفضل من عصافير كثيرة. لسنا على مستوى الكمية، بل على مستوى النوعية.
3- من يعترف بي (12: 8- 9)
"الناس... ابن الإنسان.. الملائكة". هناك تلاعب على الكلمات... من جاهر بي، من اعترف بي، من شهد لي... ملائكة الله هم أعضاء البلاط السماوي في الدينونية الأخيرة (2: 13؛ 15: 10؛ أع 10: 3؛ يو 1: 51؛ غل 4: 14؛ عب 1: 6؛ ق مز 97: 6 حسب السبعينية). إن كثرة المراجع تدلّ على قدم العبارة (في المعين) التي بدلّها مت 10: 32 فقال: "أعترف أنا أيضاً به قدّام ابي الذي السماوات". أيكون لوقا تجنّب الحديث عن "حضور الله" فقالت ملائكة الله؟ ولكنه استعمل هذه العبارة في 1: 19؛ 12: 6؛ 16: 15؛ أع 10: 4.
"ومن ينكرني" (آ 9). هذا لا يتطلّب إطاراً قضائياً أو محاكمة. نحن أمام اعتراف أو إنكار. رج ما قاله يسوع لبطرس: "لا يصيح الديك اليوم حتى تنكرني ثلاث مرات" (22: 34، 57، 61) (رج أع 3: 12- 15؛ 7: 35). 

4- الروح القدس (آ 15- 12) 
"كل من". هذه عبارة عزيزة على قلب لوقا. رج 2: 20، 3: 19؛ 12: 8، 48،؛ 19: 37؛ 24: 25؛ أع 2: 21؛ 13: 39؛ 26: 2. 
"من قال كلمة على ابن البشر". من تفوّه بكلمة ضده (قال مت 12: 32: من تكلّم عن ابن البشر. المعنى هو هو). هناك معارضة لابن الإنسان على الأرض. رج لو 22: 65؛ 23: 39. كان لقب ابن الإنسان (رج 5: 24) في المعين، ولكن هل كان في القول الأصيل؟ ربّما.
"من يجدّف على الروح القدس". استعمل لوقا حرف الجر مع فعل جدّف كما فعل مر 3: 29 (هذا يعني أنه تبعه). إن التجديف على الروح القدس لا ينحصر في استعمال كلمات مهينة، بل يتضّمن أيضاً كل نشاط يتعارض وعمل الروح. هناك نصوص تتحدّث عن "إصبع الله" (11: 20) فتدّل على تدخله الخلاصي في النشاط البشري. فإن رفضنا هذا التدخل، نكون وكأننا رفضنا الله (وأسأنا استعماله نعمته). هناك أساس لهذا القول في العهد القديم يتعلّق بخلفاء موسى الذين شاركوا في روح الله. رج عد 11: 17؛ 27: 18؛ تث 34: 9؛ أش 63: 7- 14؛ مز 106: 32- 33. أما عن التجديف: رج لا 24: 11- 23؛ عد 15: 30- 31.
لا يغفر له". أي: لا يغفر الله له. فالخلاص في شكل غفران للخطايا لن يُعطى لهؤلاء المجدّفين. 
"قادوهم إلى المجامع". رج أع 22: 19؛ 26: 11؛ 2 كور 11: 24 (تلميح إلى تث 25: 2- 3؛ رج مر 3: 10). "أمام الحكام والسلطات". هذا ما يدلّ على حكام العالم الوثني (في 21: 12: الملوك والولاة). وتدل المجامع على العالم اليهودي (رج تي 3: 1).
"لا تهتموا". لا تقلقوا: ماذا تقولون في الدفاع عن أنفسكم؟ في البازي نجد: كيف تدافعون عن أنفسكم. في مت 10: 19 نقرأ: كيف وما تدافعون به عن أنفسكم؟
"يعلّمكم". الروح القدس هو المعلّم. رج يو 14: 26: الروح القدس يعلّمكم كل شيء. رج 1 كور 2: 13: بالروح نعرف ما أنعم به الله علينا من نعم.

ج- تفسير النصّ 
وتابع لوقا خبر السفر إلى أورشليم مع أقوال أخرى ليسوع وجّهها أولاً إلى التلاميذ، وإن كان هناك حشد من الناس. أول قول هو تفسير منعزل لخمير الفريسيين (12: 1). وهو ينقلنا من نهاية ف 11: الويل للفريسيين الويل لعلماء الشريعة.
نُسب القول الأول إلى المعين، وإن حُفظ شكله في مر 8: 15 (إحذروا خمير الفريسيين؛ رج مت 16: 6، 12) مع العلم أن هناك خمس كلمات مشتركة (في اليونانية) بين لوقا ومرقس (من خمير الفريسيين). فالتقليدان المرقسي واللوقاوي قد عادا إلى كلام يسوع نفسه حول خمير الفريسيين، واختلفا في التعبير عنه. تفرّد لوقا فتحدّث عن "الرياء"، مع أنه لا يسمي الفريسيين "مرائين" كما يفعل متّى. لا يقول مرقس شيئاً عن الخمير. عند مت 16: 12 هو "تعليم" الفريسيين والصادوقيين. بما أن هذه اللفظة (الرياء) هي يونانية ولا يقابلها شيء في العبرية والأرامية، هذا يعني أن لوقا وضعها لكي يشرح "الخمير" في التقليد الإنجيلي.
هذا قول تهديد يوجّهه يسوع دون أن يتحدّث عن عقاب. أجل، إن يسوع يحذّر تلاميذه مما يميّز حياة بعض معاصريه. وهو يشبّه الرياء بالخمير الذي هو عنصر لصنع الخبز. فقد يكون في ذاته صالحاً، كما يستطيع أن يعمل عمل الفساد فيؤثّر في الخبز كله. نحن هنا أمام موقف كاذب في التقوى. وهذا ما يفسّر السبب الذي جعل يسوع يسمّي الفريسيين "القبور المخفيّة" (11: 44). لا يبدون في الخارج كما هم في الحقيقية. فيجب أن لا تنتقل عدواهم إلى التلاميذ الذين يعيشون الصدق في المعاملة والإنفتاح على الآخرين.
وحُفظت أقوال يسوع في آ 2- 9. تنبع هذه الكلمات التي تدلّ على التشجيع أو التحذير من أطر متنوّعة في رسالة يسوع. إنها وحدة مثالية حتى في قرائنها الحاضرة. إعتبر بعض الشرّاح آ 2- 3 كنهاية تحريض ليسوع ضدّ الفريسيين، وربطهما مع 11: 52 (أنتم لم تدخلوا.. لا خفيّ إلا سيظهر). ولكن لوقا خلق بنفسه هذا الإطار، فكيف نبدّله.
أخذ لوقا هذه الأقوال من المعين. ونحن نجد ما يوازيها في الترتيب عينه في كما 10: 26- 33، حيث تكوّن جزءاً من "خطبة الرسالة" التي وجّهت إلى الرسل الاثني عشر. أما لوقا فأعطاها هنا موقعاً مختلفاً. فالقول الأول (آ 2) يكرّر 8: 17 الذي يتفرعّ من مر 4: 22. زاد عليه متّى مقدمة (10: 26 أ) تربطه بقرائنه. وحفظ القول الثاني (آ 3) في شكل قديم جداً (مع المضارع المجهول) عند لوقا ومتّى. غير أن لوقا زاد "وراء الأبواب المغلقة، أو في المخادع". هذا ما أضاع التوازي بين الآذان والسطوة (غاب في مت 10: 27).
وإن وردت آ 2- 3 في المعين، فهي لا تبدو أصيلة. في 12: 4 أ كتبَ مقدّمة كما فعل في آ 5 أج (أقول لكم، رج 7: 26؛ 11: 51). حُفظ ما تبقى من هذه الآيات في شكل أصيل في متّى. بيد أنه من الصعب أن نقول إن كان 10: 29 (عصفوران بفلس)، هو الأصيل أو لو 12: 6 أ (خمسة عصافير بفلسين). قد يكون لوقا تأثّر ب 9: 13. مهما يكن من أمر، فالمعنى هو هو.
دوّن لوقا آ 6 ب (انوبيون، أمام). ثم إن آ 7 هي أقدم مما في مت 10: 30. ويتساءل المرء: أما تكون 21: 18 تكراراً للآية 7؛ في آ 8، أحلّ لوقا لقب "ابن الإنسان" محل ضمير المتكلّم "أنا" كما في مت 10: 32 (هو أقدم). في آ 8- 9، "ملائكة السماء" أقدم مما في مت 10: 32- 33 (رج مت 10: 29) عن "الآب". وتكرّر آ 9 ما في 9: 26 الذي يتفرّع من مر 8: 38. نجد في كلا الشكلين "ابن الإنسان" الذي أثر على تدوين 12: 8.
إحتفظت آ 2- 3 بقول حكمي من يسوع يدلّ عليه التوازي. وهو يبدو بشكل تهديد. ونضع آ 4- 5 في الاقوال النبوية المهدّدة. أما آ 6- 7 فهما آيتان تحريضيتان. وآ 8- 9 تهدّدان فتعدان بالخلاص أو تحذّران من الهلاك.
ما هو معنى قول يسوع في آ 2- 3؟ لا يمكن أن يبقى قلب الإنسان مغطّى ومخفياً إلى الأبد. فسيأتي يوم يُكشف فيه. حتى الأقوال السرية سوف تُسمع. وتتعلّق 8: 17 بظهور كلمة الله: سيعلن التلاميذ ما سمعوه في السرّ (رج مت 10: 26- 27). ولكن القول هنا يتعلّق بداخل الإنسان. ما قيل أو فُعل في السرّ لا يخفى على الله وهو سيأتي إلى النور في النهاية. تبدو هذه الكلمات كتفسير 11: 44 (الفريسيون هم كالقبور المستورة). ولكنها في السياق اللوقاوي تبدو تفسيراً "للرياء" (12: 1). 
في آ 4- 5 يقدّم يسوع نصائح لتلاميذه الذين يسمّيهم "أحبّاءه": أن لا يخافوا في سلوكهم، أن يعترفوا به في الإضطهادات. هنا يمزج التشجيع والتحذير. الخوف ممنوع في الإضطهاد، بل في الاستشهاد. خسارة حياة "الجسد" قد تسبّب الخوف. ولكنها ليست بشيء إن نحن قابلناها بخسارة الله نفسه الذي له سلطان أن يلقي الإنسان في جهنم. يجب على التلاميذ أن لا يخافوا خسارة حياة (بفعل البشر). بل أن يخافوا نتائج الجحود. إن موت الشهيد يجد الجزاء عند الله الذي يتعرّف إلى ذاك الذي اعترف به.
تحاول آ 6- 7 أن تمزج التشجيع السابق مع تفكير في عناية الله بتلاميذ يسوع. هم لن يوفّروا في الإضطهاد والاستشهاد، ولكن عليهم أن لا يخافوا في تلك الظروف. وهنا يأتي البرهان من الأقل إلى الأكثر: إذا كانت عناية الله لا تنسى العصافير التي نشتري الخمسة منها بفلسين. وإذا كان شعر رؤوسنا محصى. فكم تظهر عناية الله بتلاميذ يسوع وأحبائه. إذا كان اهتمام الله يصل إلى هذه الأشياء الصغيرة، أما يهتم بتلاميذ ذاك الذي جاء من السماء. لا نخف من الإضطهاد والاستشهاد. فأسماء التلاميذ مكتوبة منذ الآن في السماء (10: 20).
وزادت آ 8- 9 قولين لابن الإنسان تشدّدان على اعتراف التلاميذ بيسوع أمام البشر. فمن يجاهر بتعلّقه بيسوع، يكون له لا ابن الإنسان فقط، بل يسوع بكل ما هو (المسيح، حامل الروح). ويوعد بالجزاء الاسكاتولوجي. يعترف به يسوع كابن الإنسان حين يمارس الدينونة في البلاط السماوي (رج 9: 26 الذي يحدّد الوقت؟ رج 22: 69؛ أع 17: 31). أما التلاميذ الذين ينكرونه فسيجدونه هناك ليعاملهم بالمثل. وهكذا جاء الوعد والتحذير. وهكذا بدا البعد الإسكاتولوجي للحاضر. 
وزيد قول آخر (آ 10- 12) في خبر مسيرة يسوع إلى أورشليم. بدأ يسوع قوله، فانتقل من ابن الإنسان إلى الروح القدس. تحدّثت آ 8 عن يسوع كابن الإنسان في المجد أو الدينونة. أما آ 10 فتكلّمت عنه في وضعه المائت. هناك بعض التوازي بين آ 10 أ وآ 8، بين آ 10 ب وآ 9. غير أن مجموعة هذه الأقوال هي لوقاوية. لم تكن هكذا في المعين. وهذا ما يدلّ عليه موقعها في متّى.
إن آ 10 تجد ما يقابلها في مت 12: 32 حيث زاد الإنجيلي هذا القول من المعين على قول التجديف الذي جاء من مر 3: 28 (بدل 3: 29). وهكذا جعله جزءاً من الجدل حول بعل زبول (أخذ السياق من مرقس). وذكر ابن الإنسان مشترك في المعين بين متّى ولوقا، حيث القول في مر 3: 28 يتحدّث عن خطايا التجديف التي ستُغفر "لأبناء البشر". وهذا يصبح في نصّ متّى فقط "البشر" (بدون أبناء). ليس من السهل أن نقول إن كان مرقس هو الأصل أم المعين. ولكن شيئاً منه ينسب بلا شكّ إلى يسوع في المرحلة الأولى.
لوقا هو مسؤول عن المقدمة "وأما من"، وعن إيجاز القول، أي إلغاء ما يدلّ على العالم اليهودي (سواء في هذا العالم أم في الآتي) (لا ننسَ أن لوقا يتوجّه إلى الوثنيين). وتأثر لوقا أيضاً في تدوينه بالقول الذي حفظ في مر 3: 28- 29 الذي استعمل فعل "بلاسفامارين" (جدّف، شتم). فهو في الإطار المرقسي جزء من الجدال حول بعل زبول، وقد ألغاه لوقا كما اوجز خبره في 8: 4 بعد ندائه القصير. ونجد شكلاً آخر من هذا القول في إنجيل توما رقم 44: "من يجدّف على الآب يغفر له. من يجدّف على الابن يغفر له. ولكن من يجدّف على الروح القدس لا يغفر له، لا على الأرض ولا في السماء". هذا الشكل متأخّر وهو يرتبط بالإيمان بالثالوث، وقد حوّل العبارة اليهودية (هذا العالم والعالم الآتي) إلى شكل يرتبط بنصّ مت 28: 18 (رج لو 12: 56؛ كو 1: 20). وينقص الشكل اللوقاوي للخبر تفسيرُ "الخطيئة التي لا تغفر" التي نجدها في مر 3: 29 (ألغاها متّى من أجل قول المعين الذي زاده).
والقول الثاني (آ 11- 12) عن المائدة التي ينتظرها تلاميذ المسيح من الروح القدس، يجد ما يقابله في مت 10: 19- 20، حيث يشكّل جزءاً من خطبة الرسالة إلى "الاثني عشر رسولاً". قدّم لوقا للقوك بالعودة إلى المجامع والحكام والسلطات (لا نجد هذا في متّى). وحوّل التدوين، فجعل الإضطهاد يأتي من اليهود كما من الوثنيين (21: 12). ومن جهة ثانية كان "الروح القدس" التعبير الأصيل للمعين الذي صار في مت 10: 20 "روح أبيكم" (وهكذا كيّف القول عائداً إلى الآب في 10: 29، 32، 33). ونجد "الروح القدس" أيضاً في شكل آخر في مر 13: 11 الذي استقى منه لو 21: 14- 15. ولكن لوقا ألغى في ف 21 "الروح" وصار يسوع نفسه سند التلاميذ الذين سيدافع عنهم وعن رسالتهم.
رتب بولتمان قول آ 10 بين اقوال يسوع حول الشريعة (تتعلّق بالتقوى اليهودية بالنسبة إلى الشريعة). واعتبر أن الشكل المرقسي هو الأصيل، ولكنه أقر أن هناك شرّاحاً آخرين يعتبرون أن المعين (في آ 10) هو الأصيل. ولكن بسبب ترتيب لوقا لهذا القول (آ 10) في إطار تحريض للتلاميذ في نشاطهم الرسولي، إتخذ أيضاً وجه التحريض حول شهادة لا خوف فيها بوجه الإضطهاد. إذن نحن أمام أكثر من قول شرائعي. وحملت آ 11- 12 التعزية والتهديد. لم تأتِ في إطار إرشاد، بل في إطار تعزية وتشديد.
ليس من السهل أن نحدّد معنى آ 10. يبدو أن آ 10 أ تعارض للوهلة الأولى آ 9. وهذا الشعور يأتي من الطابع المنعزل الذي يميّز هذه الأقوال التي ضمّت الآن إلى السياق اللوقاوي. وقال كلوشمرمان إن آ 10 تكون أفضل إن جاءت بعد آ 11- 12. فحيث تتوجّه آ 8- 9 بوضوح إلى التلاميذ (المسيحيون الذي يتبعون يسوع) تبدو لفظة "ومن" كأنها تتضمّن سامعين عديدين. بالإضافة إلى ذلك، التعارض بين الكلام ضد ابن الإنسان والروح القدس يقابل الأقل بالأكثر. ما يقال أو يُعمل ضدّ يسوع كابن الإنسان يعود إلى رسالته على الأرض. إنهُ يرذل في حالته المائتة بيد شعبه (في السياق المرقسي اتخذ شكل نسبة طرد الشياطين إلى بعل زبول. هذا هو التجديف، 3: 22. وكذلك في السياق المتّاوي، 12: 32؛ رج 12: 27-29). لا صعوبة لشرح التجديف على ابن الإنسان، فالمسألة الحقيقية هي طبيعة الخطيئة ضد الروح القدس التي لا تغفر. 
ما هي الخطيئة التي لا تُغفر؟ اعطيت الشروح العديدة. الأول: فسّر في مر 3: 29- 30 كاتّهام ليسوع بأن فيه روحاً نجساً. إنه يطرد الشياطين، لا لأنه يتأثر بالروح القدس، بل لأن فيه شيطاناً. وهكذا نكون أمام خطيئة تدوم إلى الأبد. (سقط هذا الشرح في مت 12: 32، وأحلّ الإنجيلي مكانه قولاً أخذه من المعين). الثاني: فهم الآباء القول ضد ابن الإنسان على أنه يُغفر لأنه يأتي من غير المؤمنين. أما التجديف ضدّ الروح القدس فهو جحود يصدر عن تلاميذ المسيح، وهذه خطيئة لا تُغفر. الثالث (يختلف قليلاً عن الثاني): يعتبر الخطيئة ضد ابن الإنسان كرفض له من قبل معاصريه خلال رسالته في فلسطين. ولكنهم بعد القيامة وفيض الروح وكرازة التلاميذ سيستفيدون من الظروف فيرتدون ويتعمدون باسم يسوع المسيح (أع 2: 38). ولكنّهم يقترفون الخطيئة التي لا تغفر إن هم ظلوا على رفضهم (أع 13: 45؛ 18: 6؛ 26: 11). الرابع: يربط آ 10 رباطاً وثيقاً مع آ 11- 12 فيفهمها كرفض للشهادة التي يجعلها الروح القدس في فم التلاميذ. الخامس: الخطيئة التي لا تغفر، ليست فقط رفضاً للإنجيل أو الكرازة المسيحية، بل التمادي في معارضة تامة ودائمة لتأثير الروح القدس الذي ينعش هذه الكرازة. ما دام هذا الرفض للروح حاضراً، لا يمنح غفران الله إلى الإنسان. نحن هنا أمام المعارضة لله نفسه.
نستغرب أن يكون الإنجيليون احتفظوا بهذا القول عن غفران (أو: لا غفران) الخطايا. لكن للوقا أسبابه. هناك نكران بطرس للمسيح (22: 34، 57، 61). وهناك شهادته (أع 3: 12- 15) وشهادة أسطفانس (7: 35، 51-52). ولا ننسَ عب 6: 4- 6؛ 1 يو 5: 16. ثم إنه من الأهمية بمكان أن لا نقرأ في التقليد الإنجيلي حوله هذا القول، اسئلة طرحها المسيحيون فيما بعد. أما يستطيعون أن يتوبوا وينالوا الغفران؟ فالإنسان الذي يعاند في التجديد، هو الذي يعاند في معارضة لله نفسه. 
في آ 11- 12، وعد يسوع بأن الروح يعين التلاميذ المضطهدين حين يمثلودن أمام السلطات، سواء كانت يهودية أم وثنية، يعينهم في نشاطهم الرسولي. لم يعط يسوع الروح خلال رسالته على الأرض، ولكن وعد به، وقد صوّره إنجيل لوقا كينبوع قدرة يسوع نفسه (3: 22؛ 4: 1، 14، 18؛ 10: 21). وسيكون ينبوع قوة وفصاحة في التلاميذ حين يُدعون للدفاع عن نفوسهم في رسالتهم. فالذي هو حامل الروح (11: 13؛ رج أع 2: 33) سيعطيه بشكل خاص. في أع 4: 8 "إمتلأ بطرس بالروح القدس" فأدّى جواباً إلى "الرؤساء والشيوخ والكتبة" الذين اجتمعوا في أورشليم مع "حنان وقيافا ويوحنا والاسكندر" (عظيم الكهنة). رج أع 4: 25- 31؛ 5: 29- 32؛ 6: 9- 10؛ 7: 51- 56. لم تكن لهم مساعدة بشرية. بل أعطيت لهم القوة والفصاحة بفعل الروح القدس.
إن آ 10- 12 توضح مسؤولية التلاميذ. يكونون شهوداً لكلمة يسوع. ولكن لا ينسون أنهم قد يقاومون هم أيضاً الروح القدس.

 

 

الفصل الثامن عشر
الغني الجاهل
12: 13- 21

يتضمّن هذا المقطع الإنجيلي قسمين. الأول: خلاف حول ميراث (آ 13- 15). الثاني: مثل الغني الجاهل أو الغبي (آ 16- 21).
إنّ جواب يسوع إلى الوارث الذي حُرم من ميراثه يطرح سؤالاً محرجاً. ويبدو صعباً لأننا لا نقدر أن نلجأ إلى المقارنة مع النصوص الإزائية. فهذه المقطوعة خاصة بلوقا.
نشير هنا إلى أننا نجد التوازي التالي مع إنجيل توما المنحول: سأله رجل: "قل لإخوتي أن يقاسموني أموال أبي". أجابه: "يا رجل، من جعلني لك مقسماً"؟ والتفت إلى تلاميذه وقال لهم: "هل أنا مقسّم ميراث"؟ وقال يسوع: "كان رجل غني يملك أموالا كثيرة. فقال في نفسه: سأستعمل كل أموالي حتى أبذر وأحصد وأزرع وأملأ "أهرائي" من الثمار بحيث لا ينقصني شيء. تلك كانت أفكاره في قلبه. وفي تلك الليلة مات. فمن له أذنان فليسمع"!
نحن هنا أمام مسألة حرجة تتحدّث عن هذا المشتكي من أخيه: لقد رفض يسوع طلبه، فبدا رفضه وكأنه يعارض اتجاهات الكنيسة الحالية. أين هي العدالة؟ أما يجب على المسيحي أن يعمل بكل قواه ليزول الظلم من العالم؟ غير أن يسوع رفض أن يهتمّ بقضية فيها ظلم عُرضت عليه. انه يبدو غير مبال بما يحدث على الأرض، فبدا وكأنه لا يحسب حساباً لحاجات الإنسان الزمنية. ما يهمّه هو السعادة في الآخرة. وتُطرح المسألة عينها بالنسبة إلى التطويبات في إنجيل لوقا: "هنيئاً لكم إذا أبغضكم الناس... إفرحوا وابتهجوا لأن اجركم عظيم في السماء" (6: 22- 23).
ما كنا لنجد حلاً لهذه الصعوبة لو لم يتبع جواب يسوع المتهرّب للوارث مثل الغني الجاهل. إعتبر بعض الشرّاح أن ارتباط الجدال بالمثل يُنسب إلى الأنجيلي لوقا. قد يكون هذا الأمر صحيحاً وقد تكون المقطوعتان وُجدتا كل واحدة بمفردها. تقاربتا فكان لنا هذا الإستنتاج بالنسبة إلى لوقا.
في هذا المعنى أبرز الشرّاح أيضاً واقعاً وجدوه في إنجيل توما وهو أنّ القطعتين لا تتتابعان بل يرد المثل أولاً ثم الجدال بعد صفحات عديدة. ولكن من السهل أن نشرح الدافع الذي جعل الكاتب يفصلهما عن بعضهما: أراد أن يحمّل كل قطعة تعليماً غنّوصياً خاصاً. فصار الحوار في قلمه شجباً لكل فكرة مقاسمة، والمثل تحذيراً من خسارة الغنى الحقيقي الوحيد الذي هو المعرفة (غنوسيس).
في الواقع نحن أمام متتالية تترابط فيها الأمور ترابطاً تاماً: ان جواب يسوع إلى السائل تكمّله كلمة وُجهت إلى الجمع (آ 15) ثم شُرحت في المثل. ودراسة آ 15 أ من حيث اللغة تدل على انها من تأليف لوقا. ولكن ليس الأمر هكذا بالنسبة إلى آ 15 ب لأن آ 22- 23 تشكّلان لها صدى وجواباً. إذن، نقول إن السؤال حول مقاسمة الميراث يقدّم السياق الحقيقي للمثل. أراد يسوع أن يرد على الوارث المحروم من الميراث، فأخبر مثل الغني الجاهل. أما القول الذي يعيننا على استخراج الدرس من المثل (آ 21) فهو شرح دوّنه لوقا كما دوّن آ 15 أ.
والخطبة الصغيرة التي تتبع المثل (آ 22- 34) هي بدورها تفسير للقطعة كلها (آ 13-21).
هذا ما تدلّ عليه المقدّمة: "لهذا أقول لكم" (آ 22). هذه المقدّمة تعود إلى تقليد سابق للوقا، لأنها حُفظت عند متى رغم تبدّل القرائن (مت 6: 25: لا تهتمّوا). وقد يقول قائل: لم يسبق خطبةَ مت 6: 25- 34 الموازية لنصّ لو 12: 22- 32 طلبُ الوارث المستاء من تصرّف أخيه ولا مثل الغني الغبي. ولكن هذا لا يدهشنا. فالخطبة وحدها استطاعت ان تدخل بسهولة في إطار عظة الجبل: لو وضع الحوار هنا لكان قطع أقسام التوسّع. أما المثل، فما كان بالإمكان أن يكون في محلّه. نحن نعلم أن متّى لم يرد أن يورد مثلاً بكل معنى الكلمة قبل خطبة الأمثال (ف 13). ولهذا السبب أغفل مثل الصديق المزعج (لو 11: 5- 8) كما أغفل مثلَي الرجل الذي يبني برجاً والملك الذاهب إلى الحرب (لو 14: 28- 33) دون أن يتخلّى عن التعاليم التي ارتبطت بهذه الأمثال (رج مت 7: 7- 11؛ 10: 37- 39). لم يورد متّى قبل ف 13 إلاّ مقابلات توسّع فيها بعض الشيء، بين طير السماء الذي لا يهتمّ والإنسان الذي يهتمّ (مت 6: 26- 30)، بين الإنسان والشجرة اللذين يُعرفان من ثمارهما (7: 16- 20). وإن هو أورد مثلاً، حاول أن يخفي طابعه الأولاني بحيث يجب أن نلجأ إلى ما يوازيه عند لوقا أو مرقس لنكتشف المثل. ق مثلاً مت 5: 25- 26 ولو 12: 58- 59.
يُعطى التنبيه أولاً في صيغة سلبية (لا يهمكم لحياتكم، آ 22)، ثم يُستعاد في نظرة أكثر إيجابية: "تأمّلوا الغربان..." (آ 24). فوجود كلمة "مستودع" (أو مخزن، أو أهراء) في آ 24 يفهم كصدى لما في آ 18. قال الغني: "أهدم مخازني وأبني غيرها". ولكن الغربان "لا مخزن لها ولا مستودع". ومجمل الكلام، يعبّر النص عن الفكرة الواحدة في ثلاثة أشكال مختلفة: حوار، مثل، خطبة. ورغم غياب نصوص متوازية، فنحن نملك بعض الأمور التي تساعدنا على إلقاء الضوء على المقطوعة التي ندرس. 

أ- خلاف بشأن الميراث (آ 13- 15)
1- الطلب
"يا معلّم، قُلْ لأخي أن يقاسمني الميراث" (آ 13). إذا رجعنا إلى التشريع الإسرائيلي كما إلى القوانين الأشورية، نعرف أن الصبي وحده يحق له بالميراث. وبين الصبيان، كان للبكر حصة الأسد. لا يحقّ له فقط الثلثان من الأموال المنقولة، بل إن الأموال غير المنقولة من بيت وأراضٍ كانت تعود إليه كلها ولا تقسم. لقد صار رئيس العائلة فأعطي له كل شيء تقريباً.
والوضع الذي يفترضه الطلب الموجّه إلى يسوع هو واضح: الطالب هو الثاني في البيت. لقد وضعَ البكر يده على الميراث كله ورفض أن يعطي أخاه الحصة التي تعود له (رج 15: 12، 31). وبدل أن يلجأ إلى المحكمة، جاء إلى يسوع بعد أن رأى فيه رابي ومعلّم ناموس، بعد أن أخذ بعظمته. لقد درجت العادة في العالم اليهودي أن يلجأ شخصان إلى معلّم ناموس ليحكم في قضية اختلفا عليها.

2- رفض يسوع الطلب
أولاً: يسوع ورسالته
لا يقدّم يسوع رفضاً لطلب دون أن يعطي سبباً لرفضه. هذا ما اعتاد أن يفعل. أمّا الاسباب التي يعطيها في مختلف الظروف فهي ترتبط بالرسالة التي أوكله الاب بها. 
طلبت منه مريم أن يساعد اناساً نقصتهم الخمرة في قانا (يو 2: 3- 4). دعاه "إخوته" إلى أن يدخل أورشليم دخولاً إحتفالياً (يو 7: 3- 6). عاد إلى ساعته، أي إلى الساعة التي اختارها له الاب من أجل إتمام عمله الرئيسي. وحين طلب إبنا زبدى المكانين الأولين في الملكوت، أجابهما أنه لا يحق له أن يعطيهما لمن يشاء: هذا أمر محفوظ للآب (مت 20: 23). وحين سأله التلاميذ أن يكشف لهم عن يوم مجيئه الثاني، أجاب أن رسالته لا تتضمن كشفاً لهذا السرّ: لقد احتفظ الاب بهذا السرّ (مت 24: 36). وحين سأله اليهود آية، رفض أن يعطيهم آية إلأ آية قيامته التي ترمز اليها مغامرة يونان، وأفهمهم أن هذه الآية ستأتي في وقتها (مت 16: 1- 4؛ 12: 38- 40 وز).
والسبب الذي يقدّمه يسوع هنا يرتبط برسالته. فهذا واضح: إنه لم يُرسل ليفضّ الخلافات المتعلقة بالميراث (رج خر 2: 14 وما حدث لموسى حين أراد أن يصالح عبرانيين يتقاتلان: "من جعلك رئيساً علينا وقاضياً"؟) غير أنّ يسوع أكّد أنه أعطي كل سلطان في السماء وعلى الأرض (كما 28: 18). وقال في يو 5: 22: "الاب جعل الدينونة كلها للإبن". انه ملك، ولكن مملكته ليست من هذا العالم. انه قاضٍ وديّان، ولكنه لم يُرسل ليقضي في أمور الميراث.

ثانياً: يسوع يعلّم
يجب أن لا نشدّد كثيراً علي التعبير الجاف الذي ورد فيه جواب يسوع. فالحالات عديدة التي فيها يتكلم يسوع ويعلّم كالسيد والمعلّم. فالوارث المحروم قد وجّه اليه كلامه وحيّاه بلقب: يا معلّم. وجواب يسوع هو مثل، هو لغز، يدفع السامع الى التفكير. فلا نستنتج سريعاً أن يسوع لا يهتمّ بالعدالة وأنه يشجب الأمور المتعلّقة بالميراث. وهو نفسه سيحدّد فكرته بواسطة مثل آخر هو مثل الغني الغبي. ورأى لوقا بدوره أن من الضروري إبعاد تفسير تنقصه التفاصيل الدقيقة فيجعل فكر الرب خاطئاً (آ 21).
كم من الحالات المشابهة التي يعطي فيها يسوع لكلماته شكل المفارقة والتطرّف! فيجب أن لا نحملها مدلولاً لا تحمله. والمثل اللافت للنظر نقرأه في لوقا: "من يأتي إليّ ولا يبغض أباه وأمه... لا يقدر أن يكون لي تلميذاً" (مت 14: 26). أما متى فرأى أن يوضح كلام يسوع فقال: "من أحبّ أباً أو أمّاً كثر مني" (مت 10: 37).
وفي مناسبة أخرى، لا تعكس أقوال يسوع الإحتقار ولا اللامبالاة تجاه أمه. قالت له إمرأة: "هنيئاً للبطن الذي حملك" (11: 27- 28). فبدا وكأنه لا يهتم لهذا المديح الذي يوجّه إليه، ومن خلاله إلى أمّه. فأجاب: "بل هنيئاً للذين يسمعون كلمة الله ويحفظونها (يعملون بها)". في الواقع، إن يسوع مهتمّ بالذين يحيطون به، وهو يستفيد من هذه الكلمة التي تلفّظت بها هذه المرأة ليقدّم تعليماً يمسّ قلوب السامعين بصورة مباشرة. فالجواب لا يمنع من أن نفكر أن مريم تستحق التهنئة بسبب أمومتها، وبسبب إيمانها أيضاً. فمن تقبّل كلمة الله أفضل منها؟ وهذا ما يعرفه لوقا حقّ المعرفة (1: 38- 45). وفي مناسبة أخرى، ستكون ليسوع ردّة فعل مشابهة: "أمّي وإخوتي هم الذين يسمعون كلمة الله ويحفظونها" (8: 21). 
ونستطيع أن نتذكّر جواب يسوع إلى "إخوته" الذين يدعونه ليدخل إلى أورشليم دخولاً مسيحانياً. كان جوابه سلبياً، ولكنه كان جواباً ملغزاً، بحيث إنه في النهاية صعد إلى أورشليم (يو 7: 3- 10).
وإذا أردنا أن نتفهّم البعد الحقيقي لكل هذه الأقوال، لا بدّ من أن نأخذ بعين الإعتبار نيّة يسوع، ونيّة الإنجيلي الذي انطلق من ظرف معيّن ليقدّم تعليماً يتجاوزه. فقد كان يسوع يستفيد من طلب أو واقع خاص ليقدّم تعليماً عاماً للناس الذين يحيطون به. هذا ما فعل حين جاء إليه أمّه وإخوته (8: 19- 21)، وحين امتدحته المرأة (11: 27- 28). وسينطلق من حدثين خاصين وقعا في أيامه ليقدّم تعليماً عاماً حول وجوب التوبة: "أقول لكم: إن كنتم لا تتوبون، فستهلكون كلّكم مثلهم" (13: 1- 5). 

ثالثاً: وضع محدَّد
ولا بدّ من الأخذ بعين الإعتبار الإشارات التي تعطيها قرائن النص. نفهم هنا أنّ الطالب ليس فقيراً. إذا كان يطالب بالميراث، فليس لأنه يحتاج إلى مال يعيش منه. يبدو أنه جشع، طمّاع (آ 15) ويريد أن يكدّس الأموال. لا يطرح الإنجيل حقّ الميراث على بساط البحث، بل يرفض أن يقف عند هذا المستوى. 
الفعل اليوناني (باريسو) (آ 15) يدلّ على الزيادة والوفرة، بل على فيض الخيرات (9: 17؛ 21: 4؛ مت 15: 37؛ 25: 29). واللفظة "بليوناكسيا" تدلّ على من يملك أكثر من الآخرين، من يملك أكثر من الضروري، من يملك ما يفيض عنه. من هنا الطمع والجشع. وهكذا يبرز المثل أن الوارث غير راضٍ بما يملك من مال وفير. يطلب أيضاً مزيداً من المال، لا بعض الضروري ليؤمّن حياته. من هذا القبيل يشبه هذا الطالبُ الغنيَّ الغبي في البحث عن تكديس الأموال، وقد يتوجّه إليه مثل الغني الجاهل قبل سواه.
حين يُطرح على يسوع سؤال لا نفع من الإجابة عليه، أو تحمل الإجابة عليه خطراً، فهو يستبعده ويستفيد من الظرف ليقدم تعليماً مفيداً. سأل رجل مرّة عن عدد المختارين، عدد الذين يخلصون (13: 23). لم يكشف له يسوع العدد، بل نصحه بأن يعمل المستحيل ليكون من هؤلاء المختارين. ومرّة ثانية سأله التلاميذ متى تكون الأحداث الإسكاتولوجية التي أعلن عنها. أجاب: "إسهروا وصلّوا، لأنكم لا تعرفون اليوم ولا الساعة" (مت 25: 13؛ رج 24: 42، 44). فما ينفع الإنسان ليس معرفة عدد المختارين أو متى سيعود المسيح، بل أن يكون مستعدّاً فيحيا حياة المحبّة ليكون من عداد المختارين حين يأتي الزمن المحدّد. 
انه وإن لم يكن الغنى شرّاً في حدّ ذاته، فالوفرة قد لا تكون خيراً، بل تشكّل خطراً. فيسوع قال: "الويل لكم أيها الأغنياء" (6: 24). وقال: "أسهل على الجمل أن يدخل في ثقب الإبرة من يدخل غني في ملكوت الله" (18: 25). فهذا الذي قال هذا الكلام، هل يستطيع أن يضع سلطته في خدمة اثراء إنسان، ولو كان محقاً في طلبه؟ 
ويخبرنا لوقا. بعد أن قدّم يسوع جوابه إلى الإنسان المستاء من وضعه، توجّه إلى الجمع ليستخلص نتيجة ما حدث (رج 8: 21 وز؛ 9: 41 وز؛ 18: 24- 27 وز): "إنتهبوا وتحفّظوا من الطمع، ففي قلب الوفرة لا تكفل الخيرات حياة الإنسان". أو: إن كان أحد في وفرة، فحياته لا تقوم على ما يملك. أو: إن كان إنسان غنياً فخيراته لا تؤمن له حياته (آ 15). يشدّد النص على فكرة الطمأنينة والتأمين على النفس، أكثر منه على التنعّم بالخيرات. ينبّه يسوع الناس إلى أن وفرة الخيرات المادية لا تكفي لتؤمّن طمأنينة حقيقية. فسلام الإنسان الحقيقي لا يستند إلى الغنى. فحياته لا ترتبط فقط بخيرات الأرض. إنه تعليم سلبي. ونحن ننتظر شيئاً إيجابياً. فالدرفة الثانية ستنفتح في آ 22: "لا يهمّكم لحياتكم ما تأكلون". ولكن قبل الوصول إلى الدرفة الثانية، يتوسّع يسوع في فكرته عبر مثل الغني الغبي: "كان رجل غني أعطت أرضه غلة عظيمة".

ب- المثل (آ 16- 21)
حين نقرأ مثل الرجل الغبي، لن نطلب في كل تفصيل مدلولاً أو رمزاً خاصاً. ما يتضمّن التعليمَ هو خبر صغير نأخذه كله، هو أزمة تتعقّد ثم تنحلّ، هو وضع يصوّر هنا. إذن يكفي أولاً أن نشير إلى بعض التفاصيل المتعلّقة بالترجمة. 
ترد لفظة "نفس" مرتين (آ 19، 20) مع اختلاف في فروقات طفيفة. في الحالة الأولى، النفس هي الشخص، نفسي هي أنا (رج تك 12: 5: النفوس أي الأشخاص؛ خر 1: 5؛ 12: 4؛ لا 24: 18). في الحالة الثانية، النفس هي الحياة. فالذي تُطلب منه نفسه هو الذي يموت. وبسبب تكرار الكلمة الواحدة، نتأثّر بموت الغني المفاجئ. ويقوى تأثّرنا عملياً حين نعلم أنّ الموت سيفاجئه في هذه الليلة عينها (آ 20). 
في آ 20 نترجم حرفياً: "يطلبون نفسك" أي حياتك. لن نتساءل من هم هؤلاء الذين يطلبون. هل هم الملائكة أم غيرهم؟ نحن هنا أمام شكل من أشكال المجهول: تُطلب، تستردّ نفسك. هكذا اعتاد العالم اليهودي أن يتحاشى ذكر اسم الله، والمعنى: الله سيستردّ نفس الغني. انه سيّد الحياة والموت (1 صم 2: 6). 
جاهل (غبي) هو هذا الغني. شأنه شأن العذارى اللواتي طشن فلم يأخذن معهن زيتا (مت 25: 2). شأنه شأن الفريسيين الذين يحكمون على الأمور حسب الظاهر، شأنه شأن اليهود الذين لا يعرفون أن يميّزوا علامات هذا الزمان، لا يعرفون أنّ الوقت لا ينتظر (12: 54-56)، شأنه شأن الأعمى الذي يقود أعمى: كلاهما يقعان في حفرة (6: 30؛ مت 25: 14). كل هؤلاء نقصتهم الحكمة فلم يميّزوا الخيرات الحقيقية. وهذا هو أيضاً حال الرجل الذي يناقش في أمور الميراث. 
ما يشير إليه المثل هو أنّ حسابات الغني كانت خاطئة كل الخطأ. ولهذا خابت آماله. ظنّ بعض الشرّاح أن العبارة "الذي أعددته لمن يكون" (آ 20)، تفترض ان الشخص لم يكتب وصيته. هذا الإفتراض يتعدّى نيّة صاحب المثل الذي يريد أن يعلّمنا فقط أن الغني لن يستطيع ان يتنعّم بخيراته كما خطّط. وقد يكون في السؤال (لمن يكون؟) تلميح إلى الخلاف حول الميراث الذي هو مناسبة المثل. 
ظنّ الغني أن الغنى سيكون له ينبوع سعادة لا ظلّ فيها. ولكن هذه السعادة أفلتت منه فجأة. هكذا يكون حال من يضع آماله في الغنى، حتى وإن لم يمت فجأة مثل غني المثل. لا ننسى أننا أمام مثل، لا أمام خبر حقيقي يرويه يسوع. إن السعادة المؤسسة على خيرات الأرض لا تستحقّ أن يجعلها الإنسان هدف حياته ووجوده. لسنا بحاجة إلى فكرة الموت لنقول هذا القول، وإلاّ لما تعدّى تعليم المثل مز 49: 18 ("إذا مات إنسان لا يأخذ معه شيئاً ولا ينزل معه مجده إلى مثوى الأموات". ثم لا ننسى اننا أمام الموت الفردي، لا الموت الذي يكون في نهاية الأزمنة. 
موت الغني الجاهل إشارة صغيرة في المثل، ومدلوله يتعدّى هذه الإشارة. فالخبر الصغير يساعدنا، عن طريق المقابلة، على إدراك حقيقة عميقة لا نبرهن عنها ولا نضع لها حدوداً: جاهل هو الإنسان الذي يتكل على غناه ليؤمن لنفسه سعادة متينة! انه يفكر ويتصرف كما يفعل الوثنيون (آ 30). 
ولكن آ 15 التي تجد صداها في آ 22- 23، تشدّد بالحري على الحياة. إن حياة الإنسان غير مشروطة بما يملك (آ 15). انها أكثر من الطعام واللباس. كل خيرات الأرض هي في خدمة الحياة ولكن الحياة تتجاوزها: انها في علاقات الإبن مع أبيه، مع الله الذي يعرف ما نحتاج إليه (آ 30- 31).

خاتمة
هل يعني كل هذا أنّ علينا أن نعيش في عالم مثالي وغير واقعي، وننتظر كل شيء من تدخّل الله العجيب؟ كلا. فالمسيحي ليس من العالم. وهو لا يهتمّ بالغنى مثل الوثنيين. إلاّ انه يعيش في العالم (رج يو 17: 13- 16). ان لوقا لا يطرح المسألة كما نطرحها نحن. ولكنه لا يجهلها. وإن لجأ بعض المرات إلى المفارقة فهو يعرف أن يقدّم فكره. إنه يعلم أن الحياة المسيحية تتضمّن انشداداً بين نظرتين ملتبستين إلى العالم، لهذا زاد على المثل التوضيح التالي: "وكذلك الذي يكنز (يجمع) لنفسه ولا يغتني من أجل الله". أي: في نظر الله، أو قرب الله (هناك كنز في السماء. رج آ 16: كنز على الأرض) (آ 21). 
ليس الغنى شرّاً في حدّ ذاته. وقد يساعدنا على اقتناء كنز في السماء إذا جعلناه في خدمة القريب بشكل صدقة أو مساعدة (آ 33- 34؛ رج 16: 19). ولكن الغنى خطر لأنه يعرّض الإنسان إلى التعلّق به وطلبه من أجل ذاته، أي من أجل تنعّم أرضي أناني مثل الفريسيين (16: 14) أو مثل الغني الجاهل، أو مثل الغني الذي رفض أن يقدّم العون إلى لعازر. سيأتي يوم تنقلب فيه الأوضاع فيتعزّى لعازر ويتعذّب الغني (16: 25). 
ومهما يكن من أمر، يجب أن لا تأخذ الأموال المكان الأول في اهتمامات المسيحي. عليه ان يشتغل أولاً من أجل ملكوت الله، أي لمجد الله وخلاص البشر (آ 31: أطلبوا ملكوت الله). فإذا كان الله يعطي النبات الحيوان ما يحتاج إليه، أفلا يطعم الآب السماوي إبنه، أيعطيه حجراً بدل البيضة وحيّة بدل السمكة (11: 11- 13)؟

 

 

الفصل التاسع عشر
الإهتمام بأمور الأرض
12: 22- 32

إن تكديس الخيرات الأرضية هي طريقة سرابية نحاول بها أن نستعدّ للغد. لهذا، وبعد التنبيه إلى الجموع، إستعاد يسوع المسألة في جذورها خلال حوار حميم مع تلاميذه. طلب من التلاميذ إيماناً قوياً في العناية الإلهية، فجاء كلامه امتداداً لموضوع عرفه العهد القديم (السنة السبتية، لا 25: 2- 7): نتكل على الله الذي يعتني بشعبه. قال الشعب: ماذا نأكل في السنة السابعة إذا لم نزرع ولم نحصد؟ فجاء جواب الله بأنه يبارك السنة السادسة فتعطى غلّة ثلاث سنوات. وبعد أن قال يسوع بالضرورة المادية من طعام ولباس، أعطانا سبباً لعدم اهتمامنا: الله أعطى الحياة وهي أسمى عطاياه، أفلا يستطيع أن يعطي ما تحتاج إليه هذه الحياة؟

أ- نعيش من نعمة الله
هناك مجموعة (12: 13- 53) تتلاحم حول تدخّلين: رجل من بين الشعب طلب إلى يسوع أن يتدخّل من أجل ميراث (آ 13)، وواحد من بين التلاميذ، هو بطرس، يقول: ألنا تقوله هذا المثل أم للجميع (آ 41)؟ ويرتسم الخط الرئيسي بأنّ ما يفسد حكم الإنسان على الأمور يرتبط بما يملك. فالغني الجاهل لم يجعل نفسه موزّعاً لفيض عطايا الله، بل أراد أن تلتقي كل خيرات الله في أهرائه. فالحياة التي يعطيها الله هي ثقة به قبل أن تكون طمأنينة شخصية مليئة بالأنانية. هناك الغني الجاهل (آ 20) ويقابله "الوكيل الأمين" (آ 42) الذي يتصرّف في اتجاه الله.
في آ 22، يتقلّص السامعون. قال يسوع لتلاميذه. هذا يعني أننا لم نعد أمام الجموع (كما في آ 13) التي سمعت مثل الغني الجاهل (آ 16- 21). نجد بعد آ 22 ثلاث وحدات أدبية تصل بنا حتى آ 40. والآيات العشر الأول تقدّم حضاً على الثقة بالله كما في مت 6: 25- 33. إنّ موضوع الوحدة الأولى (آ 22- 28) هو الله الذي يفعل. وتعلن آ 22 عنصرَي هذه الوحدة: الطعام واللباس. وتبرز آ 25- 26 الفكرة المحورية التي تقول: أصل الحياة هو الله. منه قوامها، والإنسان لا يستطيع أن يسيطر عليها. وتتجاوب آ 24 وآ 27. نلاحظ شيئين. "تأمّلوا" الغربان، "تأمّلوا" الزنابق. كل هذا يعارض الإنشغال والإهتمام (آ 25- 26). فالذي يأتي ليتأمّل، لا يبحث كيف يكدّس من أجل نفسه، بل كيف يثق بالحياة التي يعطيها الله: إنه يقوت الغربان (آ 24)، إنه يلبس الزنابق لباساً لم يره سليمان في كل مجده (آ 28). 
تعود هاتان الملاحظتان إلى التقليد اليهودي. فالأولى التي تشير إلى الغربان نقرأها في مز 147: 9: "الرب يرزق البهائم طعامها، وفراخ الغربان حين تصرخ". والثانية توجّه أنظارنا إلى عظمة سليمان وغناه، فتعود بنا إلى 1 مل: 15: 4- 7 (رج 2 أخ 9: 3- 6). إذا كانت عظمة الإنسان التي يمثّلها سليمان ليست بشيء تجاه ما تعطيه الحياة، وإذا كانت هذه الحياة مجرّد وعد (تطرح في التنور، آ 28)، فلماذا لا ننتظر كلّ شيء من عظمة الله وقدرته؟ ولكننا لا نتجرّأ على الثقة به فيقول لنا يسوع: "يا قليلي الإيمان" (آ 28)!
وتشكّل آ 29- 34 الوحدة الثانية. هناك مقطوعتان. إن آ 29- 31 (لا تطلبوا... فاطلبوا) ترتبط بما سبق كما في مت 6: 31- 35. أما آ 32- 34 (الله يعطي... أعطوا) فهي توازي مت 6: 9- 21، ما عدا آ 32 التي هي خاصة بلوقا.
تتجاوب آ 31 وآ 33 (ملكوته... كنز في السماوات)، وتختتم آ 34 هذه الوحدة (الكنز، القلب). تدلّ آ 35 بوضوح على الوليمة الاسكاتولوجية فترتبط بالوحدة الثالثة (آ 35- 40) المركّزة على الرب، وعلى ابن الإنسان في مجيئه. في هذه الوحدة الثانية يرد "أبوكم" مرتين،
وكذلك الملكوت الذي هو ملكوته. وتجاهه نجد "القطيع الصغير". 
المنظار هو منظار مجموعة تلاميذ يسوع. إذا كان الله في عنايته يعطي كل شيء، فلم يعد من مكان لطلب يُمليه القلق (آ 32). بل يجب أن نبقى متنبّهين للعطاء فندخل في تيّاره. بما أن الآب يعطي الملكوت ويغمر بفيضه ما يرجوه البشر، فالموقف المنطقيّ الوحيد، هو أن نعطي بدورنا بسخاء، بأن نبيع كل مالنا لنعطيه. فقلب الإنسان يكون حيث كنزه يكون. هكذا نعبّر بحياتنا كلها عن فيض الملكوت. هذا هو خيار الفطنة الحكمة، هذا هو خيار الحياة.
وهكذا يدعونا الله ألاّ نهتمّ، فيلفت انتباهنا إلى الخبرة اليومية. فالخليقة تدلّ على أن الله يعطي الطعام (آ 24- 26) واللباس (آ 27- 28). هنا نجد تعارضاً بين الغربان التي لا مخازن لها ولا أهراء، والغني الجاهل الذي يبحث عن موضع يخزن فيه غلاله (12: 17). هنا يرد البرهان مع أداة "بالأحبرى". كم أنتم أفضل من الطيور! كم بالأحرى أنتم. وهكذا ننتقل من الطيور والنبات لكي نصل إلى الكائن البشري. 
ويتّخذ يسوع روح المداعبة، فيذكّرنا بأن الإنشغال لم يزد لحظة واحدة على حياة البشر (بل هو يقصّرها). ويتأسّف أن يكون تلاميذه "قليلي الإيمان" (أوليغوبستيا) (هذا هو الإستعمال الوحيد للفظة في لوقا. يستعملها متّى 4 مرّات وهي تقابل لغة الرابانيين: قطني أمانه): فمن شك في حماية الله وعنايته، دلّ على إيمان غير كافٍ. واستخلص يسوع ما يتضمّنه هذا الكلام (آ 29- 32) فشدّد على نقطة واحدة: لا تطلبوا ما تأكلون وما تشربون كما يفعل أولئك الذين يجهلوان الإله الأمين ولا يثقون به. حين نؤمن، نتيقّن أن الله يؤمّن حاجاتنا وهو العارف بها. ونتذكّر أنّ الملكوت هو القيمة السميا التي نبحث عنها (11: 2). فكل ما هو ضروري للحياة يبقى أمراً ثانوياً، والله يعطيه في أي حال. ونلاحظ أيضاً: كما أن موضوع الملكوت يرتبط في صلاة الرب (11: 2) ارتباطاً وثيقاً بعلاقة التلاميذ البنوية مع الله، فحين يأتي هذا الملكوت يكشف الله عن نفسه أنه أبوهم.

ب- تفاصيل النصّ
بعد هذه النظرة الإجمالية، نعود إلى تفاصيل النصّ.
1- تأمّلوا في الغربان (آ 22- 26)
"قال لتلاميذه". نجد يد لوقا في التعبير اليوناني. هناك مخطوطات تغفل الضمير فتكتب: "قال للتلاميذ". لهذا جعلته نشرة نستله ألاند بين قوسين. نلاحظ هنا مقدّمتين، واحدة من يد لوقا (آ 22 أ: "ثم قال لتلاميذه"). وأخرى من المعين (آ 22 ب: "من أجل هذا أقول لكم" رج مت 6: 25).
"من أجل هذا". ترتبط هذه الخاتمة في السياق اللوقاوي بالرجل الغني، بسلوكه ومصيره. هو اهتمّ وأفرط في الإهتمام. أما أنتم فلا تهتمّوا لنفوسكم... نجد هنا توازياً بين النفس والجسد على المستوى الأدبي لا على المستوى الفكري. النفس تعني الحياة، ولهذا يتحدّث النصّ عن الطعام. والجسد يرتبط بالظاهر واللباس. فالله الذي يعطي "الحياة" يرى أن البشر ينالون ما يحتاجون إليه من أجل وجودهم الحاضر. فالطعام واللباس هما في خدمة الحياة. إن الفعل "مارمنان" يعني: أعمل فكره بقلق كما يتضمّن الكدّ والجهد. غير أننا لا نستطيع أن نلغي فكرة الإنشغال. 
"أنظروا". جعل لوقا فعل "كاتانوياين": تأمّل، فكَّر. استعمل هذا الفعل في 6: 41 (لا تبصر الخشبة)، 20: 23 (أدرك مكرهم) فدلّ على نوع من المعرفة. استعمل مت 6: 26 في النص الموازي أنظروا. وينطلق البرهان في آ 24 من الأقل إلى الأكثر كما في آ 28: أنتم أفضل من الطيور. ربط الطعام بالطيور (هي تأكل دوماً) واللباس بالزنابق (بجمالها). 
ذُكرت "الغربان" هنا ولم تُذكر في مكان آخر في كل العهد الجديد. حوّل مت 6: 26 هذه اللفظة (من خاصة إلى عامة) إلى "طيور السماء" (إستعملها لو 8: 5 في مثل الزارع؛ 9: 58؛ 13: 19). ذكرت الغربان لأنها تصرخ طالبة الطعام (مز 147: 9؛ أي 38: 41). الله نفسه يهتمّ بها مع أنها طيور نجسة بحسب الشريعة (لا يحق لليهودي أن يأكل لحمها، لا 11: 15؛ تث 14: 14). ما زلنا حتى اليوم نحتقرها. وقد عرفها العالم القديم بأنها عديمة الاهتمام حتى بالعودة إلى عشّها. هي لا تزرع ولا تحصد. ثم تُذكر المخازن والاهراء... ولكن خيرات الله الفيّاضة هي المخزن الذي لا ينفذ. 
"من منكم"؟ ترد بداية الخبر بشكل سؤال مراراً عند لوقا: "من منكم له صديق" (11: 5)؟ "من منكم يريد أين يبني برجاً (14: 28)؟ "أي ملك يخرج" (14: 31)؟ رج 15: 4- 8؛ 17: 7؛ رج أيضاً 11: 11؛ 14: 5. هذا هو أسلوب تربوي عند يسوع يفرض على السامع جواباً يحرّكه في قلبه. سأله العالم بالناموس: "ماذا يجب أن أعمل لأرث الحياة الأبدية"؟ فسأله يسوع: "ماذا كتب في الشريعة، وماذا تقرأ" (10: 25- 26)؟ إذن على السامع أن يتخذ موقفاً يقوده إلى العمل (لا يكتفي بالنظريات): "إعمل هذا فتحيا" (10: 28). إعمل مثل هذا السامري (10: 37). 
من يستطيع أن يزيد على قامته ذراعاً واحدة؟ من يستطيع أن يزيد على حياته لحظة من الزمن؟ ترد لفظة "باخيس" في الأدب القديم فتدلّ على الذراع كقياس للطول (46 سنتم) (رج في السبعينية: تك 6: 15، 16؛ 7: 20؛ خر 25: 9؛ 16: 22؛ رج يو 21: 8؛ رؤ 21: 17). ولكنها تدلّ أيضاً على الزمان فترتبط بلفظة "باخويون". لهذا تردّد الشرّاح. العدد الكبير يفضّل المعنى الزمني عند لوقا، لأن فكرة زيادة ذراع تبدو غريبة. ولكن آخرين تحدّثوا عن القامة. مهما يكن من أمر، فالله هو الذي يطيل عمر الإنسان، أو يعطيه القامة الطويلة أو القصيرة. فالطعام الذي نأكله لا يقوم بالعمل وحده. إستعمل لوقا هنا فعلاً خاصاً، وأخذ بطريقة التعبير من أم 6: 27- 28: "أيحضن الإنسان ناراً ولا تحترق بالنار ثيابه؟ أو يدوس كومة من الجمر ولا تكتوي بالجمر قدماه"؟ هكذا من يزور...

2- تأمّلوا في الزنابق (آ 27- 32)
قال لوقا: "الزنابق". أما مت 6: 28 فزاد "في الحقل". هناك تشديد على بياض بهي، على لباس ملوكي. ومع ذلك، فهذه الزهرة لم تفعل شيئاً ليكون لها هذا الجمال.
"كيف تنمو! لا تشتغل ولا تغزل". نحن قريبون جداً من مت 6: 28. قد يكون متّى ولوقا تبعاً المعين بدقة، وقد يكون النسّاخ حاولوا أن ينسّقوا بين متّى ولوقا. ولكننا نجد نصّ لوقا في بردية 45، بردية 75، في الفاتيكاني والسينائي والاسكندراني. هذا يعني أن التشابه بين متّى ولوقا قديم جداً في هذا النصّ. 
"فإذا كان العشب". لقد حوّل يسوع الزنبق بجماله إلى "عشب" من أجل برهانه: من القليل إلى الكثير. هنا نتذكّر ما قيل عن العشب الذي يزول سريعاً. في أش 37: 27: "سكانها كعشب الحقل... الذي تلفحه الريح قبل نموّه". وفي 40: 6- 7: "كل بشر عشب وكزهر الحقل بقاؤه. ييبس ويذوي مثلهما". وفي أي 8: 12؛ مز 37: 12 (يذبلون كالعشب الأخضر)؛ 90: 5- 6؛ 102: 12؛ 103: 15. لقد اتخذت الصورة منعطفاً جديداً فشدّدت على عناية الله حتى بعشب الحقل. 
"يا شعباً قليل الإيمان". نجد هنا تشديداً على من لا يثق بأن الله يستطيع أن يعطيه ما هو ضروري لحياته المادية.
قال لوقا: لا تطلبوا (آ 29). أما مت 6: 31 فقال: "لا تهتمّوا". ثم زاد: "لا تقلقوا" (لا شيء في مت 6: 31 يقابل هذا الفعل). هل ألغى ما وُجد في المعين؟ أم أن لوقا استعمل هذا الفعل ليشدّد على موقف قد نقفه من خيور الأرض؟ 
"أمم هذا العالم". أي: الوثنيون، أي: الذين لا يعرفون الله. رج 1 تس 4: 5: "لا ينقاد لتيّار الشهوة كالوثنيين الذين لا يعرفون الله". هذا "الركض وراء" الطعام والشراب، يخلق القلق في حياتهم ويفقدهم السلام الداخلي. 
"أبوكم". هو الله بعنايته السماوية. هو أبو يسوع (2: 49) الذي نكون رحماء مثله وهو أبونا (6: 36). يتحدّث 9: 26 عن "مجد الاب" و 11 2 عمن نقول له: "أيها الآب، ليتقدّس اسمك". ويعلن لنا يسوع في 11: 13 عن "أبوكم السماوي الذي يمنح الروح القدس لمن يسأله" (رج 22: 29؛ 24: 49). ولكننا قد ننسى هذا الآب (رج هو 9: 1- 4). 
يتحدّث لوقا عن "ملكوته" (ملكوت الاب، آ 31). ويزيد مت 6: 33: "وبرّه". قال: "أطلبوا أولاً ملكوت الله وبرّه"، أي انتظروا خلاصه (رج مت 5: 6)، واعملوا من أجل الخلاص بحسب مشيئة الله. وهكذا حرّض يسوع تلاميذه على أن يجعلوا ملكوت الله يشرف على حياتهم، فيمتد تأثيره في العالم. قبل ذلك، علّمهم الصلاة لكي "يأتي" هذا الملكوت (11: 2). والآن، ها هو يشدّد على تراتبية القيم. كل من طلب هذا الملكوت، نال من الله ما يحتاج إليه من أجل حياته المادية. 
"لا تخف" (آ 32). يتكرّر هنا التأكيد الذي عرفناه في العهد القديم. وأبرزه لوقا مع زكريا (1: 13)، ومع الرعاة (2: 10)، ومع بطرس بعد الصيد العجيب (5: 10)، ومع يائيرس (8: 50؛ رج أع 18: 9؛ 27: 24). هذا الإطمئنان يُعطى للقطيع رغم صغر حجمه: هم كخراف بين ذئاب (10: 43؛ رج أع 20: 29). أما عبارة "القطيع الصغير" فنجدها في أش 41: 14 (كما في السبعينية): "يعقوب، يا أصغر إسرائيل، سوف أساعدك" (نجد في العبرية معنى آخر). في هذا القول، تسلّمت جماعة تابعي يسوع الصغيرة وعداً بعطية الله الكبرى.
"أن يعطيكم"، أن يسلّمكم الملكوت. أي: يجعلكم تشاركون فيه. إن عطية الملكوت هي صدى لما في دا 7: 13- 14، حيث يدعو "ابن الإنسان" بالملكوت (القديسون في شعب الله). والآن، صار هذا الملكوت "ميراث" تلاميذ يسوع. هنا نتذكّر 22: 29- 30 حيث يمنح يسوع نفسُه ملكوته لتلاميذه: "أنا أعدّ لكم الملكوت كما أعدّه أبي".

ج- تفسير النصّ
في هذه النقطة من خبر صعود يسوع إلى أورشليم، يميّز يسوع تلاميذه عن الجمع ويوجّه كلامه إليهم. أما موضوع هذه الأقوال فهو القلق والانشغال حوله أمور الأرض. إنها بداية نصائح مختلفة تتوافق مع باقي الفصل. إن هذه المجموعة من الآيات (آ 22- 32) هي تفسير لمثل الغني الجاهل.

1- تأليف النصّ
إن آ 22 أ هي انتقالة ألّفها لوقا. أمّا الأقوال في آ 22 ب- 31 التي ترجع إلى المعين، فقد توجّهت لا بشكل خاص إلى التلاميذ. بل إن التلاميذ سبق وألّفوا وحدة، وإن يكن من الصعب أن نقول إنهم اجتمعوا كلهم معاً في مناسبة واحدة. إن ما يوازي هذه الأقوال نجده في مت 6: 25- 33، في خطبة الجبل. إن لفظة "واصلة" (اهتم، في آ 22 ج، 25، 26) هي المسؤولة عن وحدة القطعة، وتشرف على استعمال لوقا لهذه الأقوال (آ 11- 12). كانت آية (مت 6: 27- لو 12: 25) قد أقحمت في المعين. إنها تمثل قولاً مستقلاً، ولكنها ارتبطت بالوحدة بسبب اسم الفاعل (مهتماً) الذي لا يتعلّق بالطعام ولا باللباس. وقد حوّل لوقا آ 26 التي تختلف اختلافاً كبيراً عن مت 6: 28 أ. وقام لوقا بعد هذا ببعض التحوّلات التدوينية، أهمها: أسقط الضمير مرتين في آ 2. قال مت 6: 25: "لا تهتموا لنفسكم بما تأكلون، ولا لجسدكم بما تلبسون". قال لوقا: لا تهتموا للنفس ولا للجسد. ثانياً: جعل الفعل "تأمّل" (كاتانوراين) في آ 24، 27. إستعمل "لا تقلقوا" في آ 29. وفي النهاية، زاد آ 32 المرتبطة بالمسيح القائم من الموت والواعد بالخلاص.
نجد شكلاً عن آ 22 في "إنجيل توما" القبطي (عدد 36): "قال يسوع: لا تهتمّوا من الصباح إلى المساء ومن المساء إلى الصباح بما أنتم مزمعون أن تلبسوا". هناك شكل لهذا القول نجده في نصّ يوناني قديم لهذا الإنجيل عينه. "قال يسوع: لا تهتموا من الصباح إلى المساء ومن المساء إلى الصباح، بقوتكم، بما تأكلون، بلباسكم، بما تلبسون. أنتم أثمن من الزنابق التي تنمو ولا تغزل، ولا ثياب لها. وأنتم، ماذا ينقصكم؟ من منكم يستطيع أن يزيد على قامته ذراعاً واحدة؟ فهو يعطيكم لباسكم". إن الشكل القبطي أقصر من الشكل اليوناني. وهذا الأخير هو تكثيف لنصّ لوقا (12: 22- 27 أ) أو متى (6: 25- 28). أما الشكل القبطي فهو بالأحرى اختزال لنصّ لو 12: 22 وحده.

2- الوجهة النقدية
إذا نظرنا إلى هذه الأقوال من الوجهة النقدية، نرى أنها نصائح "نبوية" حول الإهتمام بالطعام والشراب واللباس. وبعضها مطبوع بطابع التوازي على مثال الشعر (آ 22 ج، د، 23). والبعض الآخر مطبوع باستعمال الأمر (آ 22، 24، 27، 29، 31، 32) يتبعه تفسير أو شرح. 
إِن هذه الأقوال (آ 22 ب- 31. تشكّل مجموعة) ترشد التلاميذ إلى نظرة صحيحة وأساسية حول حياتنا على الأرض، حول الطعام واللباس. جاءت مباشرة بعد التحذير من كل أشكال الطمع (آ 15) ومثل الغني الجاهل (آ 16- 21)، فقدّمت نظرة أخرى إلى أملاك الأرض: أطرد كل قلق حول الطعام واللباس. إعرف أن الحياة هي أعظم من حاجات الإنسان اليومية. أخذ يسوع من محيطه تفاصيل حية لكي يبرز هذه النقطة: كن حرّاً مثل الغراب، مثل الزنبق، مثل عشب الحقل. هي تنمو ولا تنشغل لأن الله نفسه يهتمّ بها. فالغربان لا مخازن لها ولا أهراء. والزنابق لا تغزل ولا تنسج، والعشب ينمو بسخاء. وهناك مقابلة مع ملك إسرائيل والوثنيين: فالزنابق أبهى من سليمان في أبهى حلله. والطعام والشراب يسعى إليهما الوثنيون. من أنتم بالنسبة إلى كل هذا؟ إن تلاميذ المسيح أهمّ من كل هذا. 
والذروة في هذا التحريض ترد في آ 30 ب- 31: يعرف أبوكم السماوي أنكم تحتاجون إلى هذه الأشياء. "بل أطلبوا ملكوت الله، وهذه الأشياء تعطى لكم زيادة". هناك أولوية في القيم في 11: 2 تعلّم التلاميذ أن يصلّوا: "ليأتِ ملكوتك". والآن تعلموا أنهم يشاركون فيه بشكل خاصّ.
وتبرز آ 25- 26 هذه النقطة: إن الإنشغال لا يزيد لحظة على حياة الإنسان. إذا كان الإنسان لا يستطيع أن يؤمّن "شيئاً صغيراً"، فلماذا ينشغل بالباقي. ما يوجّه حياتنا هو الإهتمام بالله وبملكوته. والاهتمام بأمور الأرض هو حاجز في طريق البحث عن الملكوت وعن خدمته. 
وزادت آ 32 نصيحة أخرى إلى "التلاميذ"، إلى "القطيع الصغير"، إلى الجماعة المسيحية في صراعها. من أجل الوحدة والتماسك. أكّد لنا يسوع أنها تتجاوز كل خوف رغم حجمها الصغير. هنا نتذكّر الإجمالتين في أع 2: 42- 47 و4: 32- 35، وحدث حنانيا وسفيرة (أع 5: 1- 10) وتأثيره في الجماعة. إن كلمة يسوع حسبت حساب تشتّت الجماعة بعد موته، ولكنها وعدت بالمشاركة في الملكوت.

خاتمة
إن التعليم حول موقفنا تجاه خيرات هذا العالم يجد ذروته في نصيحة جذرية وملموسة أعطيت للتلاميذ: بيعوا ما تملكون وأعطوه صدقة. هذا ما عاشته الجماعة المسيحية الأولى. نحن هنا أمام نصيحة، لا أمام قاعدة (أع 5: 4). فمن أعطى أمواله للفقراء (سواء أعطاها كلها أو قسماً منها) إغتنى من أجل الله، إغتنى بالله، كوّن لنفسه كنزاً لا ينفد. بل نال الجزاء الأبدي. ولكن ما يطلبه المؤمن قبل كل شيء هو الملكوت. هذا هو القيمة الوحيدة. والباقي يُزاد لنا.

 

 

الفصل العشرون
انتظار السيد الآتي
12: 32- 48

يجمع هذا المقطع الإنجيليّ عدّة كلمات وجَّهها يسوع إلى تلاميذه (رج 12: 22) خلال صعوده وإلى أورشليم، وهو يتضمّن إجمالاً ثلاثة أمثال تدعو المؤمنين ليكونوا مستعدّين لمجيء سيّدِهم (آ 35- 38، آ 39- 40، آ 42- 48).
ويسبق هذه الأمثال آياتٌ ثلاثٌ أُخذت من الجزء السابق (12: 13- 34)، وفيها يدلّ يسوع أخصّاءه على الموقف الواجب اتخاذه أمام خيرات هذا العالم. وإذ أراد أن يجرّدهم منها، وجّه أنظارهم نحو الملكوت الموعود به. إن هذه الآيات التي وُضعت قبل أمثال الإنتظار، تدلّ على أساس الرجاء المسيحيّ.
وقبل أن نبحث عن معنى هذه النصوص في فم يسوع، ندرس المعنى الذي اهتمّ به لوقا بصورة خاصّة. 

أ- إنتظار لوقا
1- التاكّد من مجيء الملكوت (آ 32- 34)
أورد لوقا كلمة يدعو فيها يسوع تلاميذه ليبحثوا عن الخير الجوهريّ، ملكوتِ الله (12: 31). وإذ أراد أن يشجّعهم في بحثهم هذا، وضع أمامهم تأكيد السيد الأساسيّ: لقد أعطاهم الآب ملكوته (آ 32). وإذ سمّى يسوعُ تلاميذه "القطيعَ الصغير"، فقد جعلهم الشعبَ الذي يختاره الله ويحميه ويقوده ويوجّهه. هي صورة تقليديّة في العهد القديم (تك 48: 15؛ هو 4: 16؛ 13: 4- 6؛ مي 2: 12- 13؛ 4: 6- 7؛ 7: 14؛ صف 3: 19؛ ار 31: 10؛ 50: 19؛ حز 34: 11؛ أش 40: 11؛ 49: 9- 10) تتردّد مراراً في الإنجيل (مر 6: 34؛ 14: 27- 28 وز؛ مت 9: 9: 36؛ 10: 6، 16، 24؛ 18: 12- 14 وز؛ 25: 32؛ لو 19: 10). لم يبلغ هذا الشعب بعدُ إلى كماله النهائىّ لأنه ما زالت محتاجاً إلى تشجيع ("لا تخف")، ولأنه ما زال "صغيراً" (رج مت 7: 14؛ 13: 31- 33 وز؛ 22: 14). إذا كان يسوع قد أكّد له أن الآب قرّر في مبادرة نعمته السامية أن يمنحه الملكوت (رج 22: 30)، فنحن إذن أمام وعد. وهذا الوعد لا يترك أيَّ مجال للشكّ، لأن الخلاص حاضر منذ الآن في يسوع (وهذا ما شدّد عليه لوقا مراراً: 2: 11؛ 4: 21؛ 19: 9؛ 23: 43). وأخيراً، حين وجّه يسوع هذا الوعد إلى القطيع الصغير كلّه، جعلنا نستشفّ أن الملكوت هو خلاص جماعيٌّ وكمالُ شعب الله. وهكذا تكمّل هذه الآيةُ الآيةَ السابقة: "أُطلبوا الملكوت" لا تعني امتلاكَه بقوانا الخاصّة، بل تقبُّلَه كنعمة لا تفوقها نعمة.
في بناء لوقا، تكمّل آ 33- 34 تعليمَ يسوع حوله خيرات هذا العالم بطبيعة ملموسة، بتحريض على الصدقة. وهذا التحريض يحمل إلى كل التلاميذ ما قاله يسوع للغنيّ الوجيه (18: 22: "بِعْ كلّ ما تملك ووزعّ ثمنه على الفقراء"). إنّ لوقا يستعيد مراراً موضوع الصدقة فمقول مثلاً في 11: 41: "أعطوا صدقةً ممّا لكم (أو ممّا في الداخل) يكُنْ كلّ شيء لكم طاهراً". وفي 16: 9: "إِجعلوا لكم أصدقاءَ بالمال الباطل، حتى إذا نفدَ قبِلوكم في المنازل الأبديّة" (رج 19: 8 وما فعه زكّا العشّار؛ أع 9: 36 وما فعلته طابيثة؛ 10: 2، 4، 31؛ 11: 29؛ 24: 17). إن صورة الوعد بكنوز سماويّة قد تقودنا إلى نظرة إلى الخلاص وكأنه حدَثٌ فرديّ، فنظنّ أن عطايا الملكوت هي أجر نستحقّه وحقّ مكتسَبٌ على الله. لا ننسى توبيخات يسوع للفرّيسيّين في هذا المجال. وإن لوقا قد رذل مسبقاً هذه النظرة القانونيّة في آ 32 حين تكلّم عن مشيئة الله وعن نعمته. وسيرذلها في آ 34، لأنه إذا كان على التلميذ أن يوجّه قلبه إلى السماء، فلأن كنزه الحقيقيّ يقيم في نعمة الله: لا تكنُزوا كنوزاً لنفوسكم، بل اجعلوها قُرب الله (12: 21).
2- الخُدّام الذين ينتظرون سيّدهم (آ 35- 38) 
إن الأمثال الثلاثة التي تبدأ هنا تتطرّق كلّها إلى الموضوع الواحد: انتظار ذلك الآتي (آ 35- 38).
تتوجّه آ 35 إلى التلاميذ. وتطبِّق عليهم المثلَ الأوّل الذي سيشبّههم بخدّام (رجال، عبيد، عباد) ينتظرون رجوع سيّدهم خلال الليل. عليهم أن يكونوا في زيّ العمل: يرفعون أطراف ثوبهم ويشدّون أوساطهم ويشعلون مصابيحهم، رج أم 31: 17؛ لو 12: 37؛ 17: 8؛ يو 13: 4. في العهد القديم، هذا الزِِّي هو زِيّ الحرب أيضاً (2 صم 20: 8؛ 1 مل 20: 11؛ نح 4: 12؛ مز 45: 4؛ أش 5: 27) وزِيّ السفر (2 مل 4: 29؛ 9: 1؛ طو 5: 5) وبالتالي زِيّ الفصح (خر 12: 11). وبما أن اليهود ينتظرون المسيح في ليلة الفصح، رأى عددٌ من الشُرّاح في 12: 35 تلميحاً إلى الليلة الفصحيّة.
إن هذه الصور تدعو التلاميذ ليكونوا مستعدّين لمجيء سيّدهم. وقد دلّ عليهم لوقا على أنهم أبناء النور (16: 8). وبعد التطبيق، بدأ المثل في آ 36: إشترك سيّد الخدام في حفلة عرس وهو يعود في الليل (رج مت 25: 1- 13)، في ساعة لا ينتظرونها. ليكن خدّامه في تلك الساعة مستعدّين لاستقباله. فإن "وُجدوا متيقّظين" نالوا جزاءهم (آ 37). 
ويعلن يسوع هذا الجزاء أوّلاً بصورة عامّة، عَبْرَ تطويبة: هنيئاً، طوبى لهم. ويصوّر هذه السعادة التي ينالونها بمشهد مُدهش: السيد نفسه سيصبح خادماً. هذا ما لا يفعله أسياد هذا العالم. يعرف لوقا هذا الواقع (17: 7- 10)، ولكنه يعرف أيضاً أنّ يسوع صار خادماً لأخصّائه (22: 27)، وأنه سيسبقهم إلى مائدته في ملكوته (22: 20)، وتوازي آ 38 آ 37 أ فتدلّ على جهلنا لساعة مجيء السيّد.
ما هو معنى هذا المثل في نظر لوقا؟ حين دوّن إنجيله، كان يسوع قد غاب في مجد الفصح، وكان التلاميذ ينتظرون عودته (أع 1: 11؛ 3: 21). هم يجهلون يوم هذه العودة وساعتها. إذن، عليهم أن يظلّوا دائماً مستعدّين لاستقبال ابن الإنسان (21: 36) ونعمته.
3- السارق (آ 39- 40)
ويتوجّه المثل الثاني أيضاً إلى التلاميذ (آ 39)، وفيه، كما في المثل السابق وفي المثل اللاحق، خِبرةٌ دارجة ومعروفة. لو عرف ربُّ البيت أو لو كان عارفاً، وهذا ما يجعل من المثل تلميحاً إلى حدَثٍ حصل فعلاً فانطلق منه يسوع ليعطينا درساً وعبرة (رج 13: 1- 5).
ومهما يكن من أمر، فالمعنى واضح: حين يأتي السارق ليَنقُب جدران البيت الضعيفة (رج أي 24: 16)، فهو لا يعلن عن ساعة مجيئه. فمن أراد أن يواجه هذا الواقع، وجب عليه أن يكون محترساً متيقّظاً. وتطبيق المثل لا غموض فيه (آ 40): على التلاميذ أن يكونوا دوماً مستعدّين لمجيء ابن الإنسان وهو مجيء لا نتوقّعه.
إن هذه العبارة الإسكاتولوجيّة تدلّ هنا أيضاً على أن لوقا يفكّر بمجيء (باروسيا) الربّ في نهاية الأزمنة. وقد يدلّ النصّ على الساعة التي فيها يمثل كلّ إنسان أمام ربّه عند ساعة الموت.
4- الوكيل في غياب سيّده (آ 41- 48)
إن آ 41 التي تفتتح هذا المثل مَنوطة بلوقا، وقد دوّنها بيده واستعمل ألفاظاً تفرَّد بها دون سائر الإنجيليّين. هذا يدلّ على اهتمامه بالذين توجّه إليهم هذا المثل. سوف نرى في ما يلي من النصّ مع الميزات المتعلّقة بلوقا، أنه يتوجّه إلى المسؤولين في الكنيسة.
وأجاب يسوع على جواب بطرس (آ 42). أعطاه لوقا هنا لقب الربّ (كيريوس)، فدلّ على أنه سيد الكنيسة مع خدَمها، وذلك الذي سوف يأتي في المجد في نهاية الأزمنة.
يُرينا المثل وكيلاً سلّمه السيدُ مهمّةَ إعطاء خدمه وَجْبتهم من الطعام في حينها، وذلك خلالَ غيابه. ونجد سمَتين خاصّتين بلوقا تدلاّن على أنه يشير إلى المسؤولين في الكنيسة. يسَمّي الوكيل "اويكونوموس" (أقنوم كما يُقال في الأديار)، وهو لقب يطبّقه بولس على نفسه وعلى أبلّوس (1 كور 4: 1- 2: خدَمٌ للمسيح ووكلاء أسرار الله). ثمّ إنه يحدّد تنظيم عمل الوكيل في المستقبل. 
في اللوحة الأولى من المثل (آ 42- 44) يقوم الوكيل خيرَ قيام بمهمّته. ويحدّثنا لوقا عن جزائه كما في آ 37: ينبئ به أولاً في تطويبةٌ تتمّ يوم يجيء السيّد (آ 43). ثم يعلنه كتولية في وظيفة جديدة: يسلمه السيد إدارة كل أمواله (آ 44؛ رج مت 25: 21، 23). وهذا الجزاء يتجاوز (كما في آ 37) حدودَ المعقول. قد يفكّر لوقا بالوعد الذي وجّهه يسوع إلى الإثني عشر بعد العشاء السرّي حين قال: "أنتم ثبتُّم معي في محنتي، وأنا أعطيكم ملكوتاً كما أعطاني أبي، فتأكلون وتشربون على مائدتي في ملكوتي (يصوَّر الملكوت بشكل وليمة مسيحانية)، وتجلسون على العروش لتدينوا أسباط بني إسرائيل الإثني عشر" (22: 28- 30). 
في اللوحة الثانية (آ 45- 48) التي تعارض الأولى، يستفيد الوكيل من تأخّر سيّده (آ 45). يضرب الخدّام والخادمات. يختلف لوقا عن مت 24: 49 فلا يتحدّث عن "رفاق العبودية" (أو رفاق العمل) ليدلّ على اختلاف المسؤولين عن سائر الخدّام.
إنّ حياة هذا الوكيل عيدٌ دائم. ولهذا، لم يقم بمهمّته. حينئذٍ يصلُ السيّد في وقت غير منتظر (آ 46): "يكسر" الوكيل ويعامله معاملة الجاحدين الكافرين. حرفيّاً: يقطعه قطعتين ويجعل حظّه مع اللامؤمنين (يقول مت 24: 51: المرائين، والمرائي قد يصبح منافقاً أو أعمى، مت 7: 5)، نجد هنا تلميحاً إلى عذاب تحدّث عنه دا 13: 55، 59، وبالأحرى إلى جُرم يُجعَل الخاطئُ بموجبه خارج الجماعة. تقول قاعدة قمران: يطرحه خارجَ جماعة الخلاص ويجعل مكانه بين المنافقين. وقد قالت الترجمات: يطرده، يفصِله، يمزّقه تمزيقاً.
ويزيد لوقا اعتبارين على هذا العقاب. الأوّل (آ 47- 48 أ) يفسّر عقاب الوكيل الذي خاف معلّمه ولم يكن على قدر المهمّة الملقاة على عاتقه: عرف إرادة سيّده ولم يعمل بها، لهذا سيكون عقابه قاسمياً. والاعتبار الثاني (آ 48 ب) يعلن متطلّبات النعمة: حين يعطي الله الكثير فهو يطلب الكثير.
هذا المثل يتوجّه في نظر لوقا إلى المسؤولين في الكنيسة، وقد فهم بطرس التلميح فقال: "ألنا تقول هذا المثل أم للجميع"؟ لقد جاء سؤاله انتقالاً من تحريض للتلاميذ كلّهم (آ 35- 40) إلى تحريض للوكلاء الذين يُسأَلون عن إخوتهم (آ 42- 48).
لقد عرف الرسل (وبالتالي المسؤولون في الكنيسة) إرادةَ الربّ وائتُمنوا على الكثير (آ 47- 48). لقد وعدهم يسوع بأن يُشركهم في سلطانه وفرحه (22: 29- 30). فعليهم أن يقوموا بمهمّتهم (أع 20: 28- 32) بانتظار عودة السيّد.

ب- عودة إلى أقوال يسوع
إنّ معظم العناصر التي جمعها لوقا في هذا المقطع نجدها عند متّى، ولكن في قرائن أخرى وبتعابير مختلفة. لقد أعاد لوقا كتابة المراجع التي وصلت إليه، كما فعل متّى أيضاً.
ثم إن الخبرة الفصحيّة والحياة في الكنيسة قادتَا التلاميذ إلى تفسير أقوال معلّمهم وإلى تمثّل المستقبل بطريقةٍ محدّدة.
إذن نحاول أن نكتشف ما قاله يسوع عبر لوقا ومتّى، أن نكتشف ما فهمه التلاميذ. وها نحن نتفحّص عناصر نصّ لوقا عنصراً عنصراً.
1- لا تخف أيّها القطيع الصغير (آ 32)
لا نجد هذا القول عند متّى، وقد جعله لوقا هنا ليكمّل الدعوة إلى "طلب ملكوت الله" والبحث عنه (آ 31). عاد لوقا إلى المرجع الذي أخذ منه، فأورد إحدى كلمات يسوع بتعبيرها الآراميّ مع صورة القطيع التي أشار إليها المعلّم مراراً، مع الحديث عن ملكوت الله، عن عدد الذين يتقبّلونه، عن عطيّة الله المجّانية.
وإذا أردنا أن نفهم بدقّة معنى هذه الكلمات، نرجع إلى سِياقها: نرى فيها تشجيعاً في الصعوبات رغم قلّة عدد القطيع. فإذا أخذنا بعين الإعتبار وضع التلاميذ الملموس والتعليم الذي يوجّهه يسوع إليهم بصورة عاديّة، نستطيع أن نعلن أنّ هذا القول يدعو التلاميذ إلى أن يجعلوا ثقتهم في الآب السماويّ أمام الضِيق الإسكاتولوجيّ الذي أخذ يواجههم.
2- كنز في السماء (آ 33- 34)
إن نصّ لوقا يجد ما يوازيه عند متّى في عظة الجبل (مت 6: 19- 21). يختلف النصّ عن الآخر، ولكنّ كليهما يعودان إلى مرجع مشترك أعاد لوقا صياغتَه فشدّد بصورة خاصّة على موضوع الصدقة. قال يسوع فأعطى الأولويّة لقِيَم السماء واهتمّ بالقلب الذي هو مركِزُ الفكر والفهم والإرادة.
ويمكننا أن نتساءل: هل الآية الأخيرة (12: 34) ارتبطت بالأقوال السابقة أم كانت مستقلّة عنها؟ يبدو أنها كانت مستقلّة. غير أنها شكّلت وَلْياً منطقيّاً لنقيضة الكنوز: إنها تتكلّم عن الكنز، وتشير إلى ما يحدّد القيم الحقيقية. ثم إنها تستخلص العبرة من القولين السابقين حسب فنّ أدبيّ خاصّ بيسوع. وهي بصورة خاصّة تعطي نقيضة الكنوز معنىً يتوافق وفكرَ يسوع: إذا تعلّقنا بكنز السماء، فليس السبب في أن كنوز الأرض عابرة، كما تقول الحكمة البشريّة، بل لأن القلب فد صُنع لله.
هذه العبرة قد وجّهها يسوع إلى كل سامعيه، لا إلى التلاميذ وحدَهم.
3- الخُدّام الذين ينتظرون (آ 35- 38)
إنّ هذا المثل الذي لا يجد ما يوازيه عند متّى يتّصل في آ 36- 38 بمثل البوَّاب عند مر 13: 34- 36: فموضوع الخدّام الذين ينتظرون سيّدهم حين يعود في الليل، وتعداد مختلف الساعات التي يمكن أن يأتي فيها السيد (12: 38؛ مر 13: 35)، والعبرة العامّة التي هي واجب السهر (12: 37؛ مر 13: 35)، كلّ هذا يقرّب بين النصّين على مستوى المعنى لا على المستوى الأدبيّ: إن مر 13: 34 يذكّرنا بمثل الوزنات، ولو 12: 37 بمثل الوكيل الأمين. وهذه الإتصالات الأخيرة تشير إلى تفاصيل تدوينيّة. كل هذا يَعني الن نصَّيْ لوقا ومرقس يعودان إلى مثَل واحد من أمثال يسوع، وإن بانت الاختلافاتُ بينهما.
نحن لا نستطيع أن نعيد بناء كلّ تفاصيل الخبر الأصليّ. إلاّ أنّ فحص نصَّيْ لوقا ومرقس، والتعرّف إلى سمات أمثال يسوع، يتيحان لنا أن نقول بصورة معقولة: قدّم المثلُ الأوّلاني بوّاباً أوصاه سيده أن يظلّ ساهراً ليستقبله حين مجيئه في الليل. وهو قد يأتي في أيّة ساعة من ساعات الليل. وينتهي الخبر بتحذير، كذلك الذي نقرأه في مر 13: 36: "وما قُلته لكم أقوله لجميع الناس: كونوا ساهرين".
ما الذي يعني في نظر يسوع مجيءُ السيد؟ إنه يعني كما قال لوقا ومرقس، مجيئَه في نهاية التاريخ. فهو قد تكلّم مراراً عن مجيء ابن الإنسان في مجده وانتصاره. قال في مر 13: 26: "وفي ذلك الحين يُرى ابنُ الإنسان آتياً على السحاب في كلّ عِزّة وجلال" (رج مر 14: 62 وز؛ مت 10: 23؛ 24: 44؛ لو 18: 8).
ولكن المجيء الذي ينتظره سامعوه، سَواءٌ كانوا الشعبَ أم التلاميذ، فهو مجيء ملكوت الله، مجيءُ الله نفسه في يومه، يومِ الدينونة كما يتصوّره العالم اليهوديّ. وإن تلاميذه أنفسَهم لم يتعرّفوا، على ما يبدو، إلى مجيء سيّدهم الثاني قبل الخِبرة الفصحيّة (19: 11؛ أع 1: 6). 
فعلى يسوع أن يأخذ بعين الاعتبار مفهوميّة سامعيه، وإن لم تكن تزعجه. فهمُّه لا أن يصوّر المستقبل بدقّة، بل أن يجعل شعبه يستقبل مجيء الله ويواجه دينونته. وهذا المجيء يتمّ في نظره في حضوره الشخصيّ وفي عمله: إن ملكوت الله حاضرٌ هنا، وقد بدأت الأزمنة الإسكاتولوجيّة. فمنذ الآن نحن نستعدّ لمجيء الله.
إلى من وجّه يسوع نداءه هذا؟ قال يرامياس: إلى الكتبة. فيسوع يوبّخهم لأنهم "أغلقوا ملكوت السماوات في وجوه الناس" (كما 13: 23)، أو "استولَوا على مفتاح المعرفة" (11: 52). ولكن هذا التفسير يهمل سمَةً جوهريّة في المثل، وهي مجيء السيّد. إن هذا المثل يعني كل إنسانَ في نظر يسوع. لهذا وجّهه إلى كل سامعيه.
4- السارق (آ 39- 40)
المثل اللوقاويّ قريب ممّا يوازيه في مت 24: 43- 44. فتوافُقُ الإنجيليَّين يدلّ على أنهما تبعا مرجعاً مشتركاً. هذا المَرجِع هو شاهد قديم عن كلمة يسوع، ولكنه ليس الَشاهدَ الوحيد لأنّ أقدم رسالة لبولس (وهي سابقة لتدوين متّى ولوقا النهائيّ بثلاثين سنة) تشير إلى القول عن السارق. "تعرفون جيّداً أن يوم الربّ يجيء كاللصّ في الليل... أنتم أيها الإخوة، لا تعيشون في الظلام حتى يفاجئكم ذلك اليوم مفاجأةَ اللصّ" (1 تس 5: 2، 4). ونجد تلميحاتٍ مشابهة في 2 بط 3: 10: "ولكن يوم الربّ سيجيء مثلَما يجيء السارق". وحذَّر يسوع ملاك كنيسة سرديس: "فإن كنت لا تسهر جئتك كاللصّ، لا تعرف في أيّة ساعة أباغتك" (رؤ 3: 3). وقال أيضاً: "ها أنا آتٍ كالسارق، هنيئاً لمن يسهر" (رؤ 16: 15)!
يدلّ هذا المثل على وضع عامّ، ولا يتوقّف عند الأشخاص الذين يرسمهم أمامنا. وهو لا يتخوّف من أن يتمثّل مجيء الله كمجيء لصّ. نكتشف هنا سمَةً خاصّة من سِمات أمثال يسوع (16: 1- 8: الوكيل الخائن؛ 18: 1- 8: الأرملة والقاضي) تميّزها عمّا نجد لدى الرابّانيين. فصورة اللصّ لا نجدها إطلاقاً في التصوير الإسكاتولوجيّ لدى العالم اليهوديّ.
ما معنى هذا المثل في فم يسوع؟ طبَّقه متّى ولوقا على مجيء ابن الإنسان (وهكذا أيضاً رؤ 3: 3؛ 16: 15)، ولكن هل كانت آ 40 مجموعة مع آ 39 في النصّ الأصلي؟ نحن نعلم من جهة أنّ يسوع يصوّر في أمثاله أوضاعاً لا أشخاصاً. فاللصّ يدلّ في نظره على الخطر الذي يجب أن نواجهه، ولا يمثّل ابن الإنسان. ومن جهة ثانية، إنّ أقدم تفسير نعرفه للمثل (تفسير بولس في 1 تس 5: 2، 4) لايطبّقه على مجيء ابن الإنسان بل على مجيء يوم الربّ (وهكذا أيضاً في 2 بط 3: 10).
يوم الربّ هو موضوع يعرفه سامعو يسوع، وقد استعمله المعلّم مراراً ليدلّ به على الدينونة. "وأمّا ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعرفهما أحد" (مر 12: 32؛ كما 24: 36). "الحقّ أقول لكم: سيكون مصير سدوم وعمورة يومَ الدينونة أكثر احتمالاً من مصير تلك المدينة" (مت 10: 15 وز؛ 11: 22، 24؛ 12: 36). "سيقول لي كثير من الناس في يوم الحساب (الدينونة): يا ربّ، يا ربّ" (مت 7: 22).
وهكذا يمكننا القول إن يسوع أراد أن ينبئ في مثَل اللصّ الوضعَ الخطير الذي يحدثه مجيءُ ملكوت الله. وكما قلنا بالنسبة إلى المثل السابق، رأى يسوع هذا الحدَث أوّلاً في رسالته دون أن يستبعد تمامه النهائيّ الذي ستركز عليه الكنيسة انتباهها بعد الفصح.
إلى من توجّه هذا المثل؟ إن الوجهة الخطِرة لمجيء اللصّ تدلّ على أنّ يسوع فكّر بأناس أخذ منهم النُعاس، فأراد أن يوقظهم ويقيمهم من غفلتهم. هذا هو وضع الشعب السامع له.
5- الوكيل الأمين والوكيل الخائن (آ 41- 48)
إستقى لوقا آ 42- 46 من المَعين الذي استقى منه متّى (24: 45- 51). دوّن بنفسه آ 41، أدخل بعض التفاصيل في خبره، وزاد آ 47- 48.
إذا وضعنا جانباً هذه الزيادات، بدا المثل قريباً من أقوال يسوع الأصليّة: نجد خادماً جُعل على رأس خُدّام آخرين في البيت، جُعل مسؤولاً عنهم. وحين يعود السيّد الذي كان غائباً، سيتفحّص كيف قام هذا العبد بمهمّته، فيكافئه أو يعاقبه.
يوم تلفّظ يسوعُ بهذا المثل، لم تكن الكنيسة موجودةً بعد. فالجموع والتلاميذ الذين سمعوا هذا الخبر طبّقوه على المسؤولين في العالم اليهوديّ. لم يكن تطبيقهم بعيداً عن فكر يسوع الذي أعلن بقوّة دينونة الله ضدّ الكتبة في أيّامه (مت 23: 1- 36؛ لو 11: 39- 52).
علّمتنا أمثال الانتظار أوّلاً النداءَ الذي وجّهه يسوع إلى معاصريه ليتقبّلوا فيه مجيءَ الله، الدينونةَ والخلاص والملك.
منذ الفصح، تنتظر الكنيسة مجيء الله في يسوع المسيح. ونداء أمثال الإنتظار يتوجّه إلينا الآن. فعلينا أن نبقى ساهرين، أن نكون مستعدّين لاستقبال السيد ولتأدية الحساب عن المهمّة التي أوكلَها إلينا.
وهذه المجيئات في الزمن تسير بنا نحو المجيء الأخير والنهائيّ. وإن تفسير لوقا ومتّى قد ساعدنا لنعطي أمثال يسوع كاملَ معناها، ولنفهم أيضاً رجاء الكنيسة المُفْعَم بالفرح والمُنشد: "تعالَ، أيّها الربّ يسوع".

 

 

الفصل الحادي والعشرون
مجيء المسيح سبب خلاف بين البشر
12: 49- 53

إن أقوال يسوع الثلاثة التي تؤلّف هذه المقطوعة (آ 49، 50، 51- 53) ترتبط بسِمة مشتركة قلّ ما نشهدها في الأناجيل الإزائية: إن يسوع يقدّم هنا في كل مرة وجهة من رسالته متحدّثاً في صيغة المتكلّم المفرد: جئت أنا، كم أتمنى أنا!
هل تلفّظ بهذه الآيات الخمس مرة واحدة؟ هذا ما ليس بثابت. فقد جمع التقليد الإنجيلي مراراً أقوالاً تعود إلى أصول مختلفة. سنتفحّص فيما بعد من أين جاءت هذه الأقوال. ولكن لوقا يقدّمها معاً في سياق وشكل يلقيان بعض الضوء على طريقة تفسيره لها.
هذا ما يدلّنا على الأسلوب الذي نتبعه في درسنا. نبحث اولاً عن المعنى الذي أعطاه لوقا لأقوال يسوع. ونحاول ثانياً بأن نعود إلى النصوص لنكتشف فكر يسوع نفسه.

أ- تفسير لوقا
1- السياق
إن المفتاح الأول الذي يقدّمه لنا لوقا لكي ندخل إلى المعنى الذي أعطاه لأقوال يسوع هو السياق الذي يقدّمها فيه. فهو وإن اكتفى باتباع الترتيب الذي وجده في مرجعه (وهو واقع يصعب علينا التثبّت منه) فهو يأخذ على عاتقه هذا الترتيب ويقدّم تفسيره الخاص بالنصّ.
يقدّم الإنجيل الثالث المقطوعة التي ندرس في الجزء الأول من صعود يسوع إلى أورشليم (9: 51- 13: 21). هذا الجزء الموجّه منذ البدء إلى آلام يسوع وتمجيده (9: 51) أورد على التوالي رسالة التلاميذ السبعين (9: 52- 10: 24)، وعدّة تعاليم عن المحبّة وسماع الكلمة والصلاة (10: 25- 11: 13)، وجدالات مع خصوم يسوع (11: 14- 53)، وتعليمات إلى التلاميذ (توجّه يسوع إلى الجمع في 12: 13- 21 ثم عاد إلى التلاميذ في 12: 22) عن دورهم كشهود، عن استعمال خيرات هذا العالم، عن انتظار عودة الرب (12: 1-12، 13- 34، 35- 48). في هذا المكان تقع المقطوعة التي ندرس (12: 49- 53). بعد هذا يتوجّه يسوع إلى الجموع ليقول لهم إن عليهم أن يتّخذوا موقفاً سريعاً أمام علامات هذا الزمان (12: 54- 13: 9). 
وهناك إشارتان تدلاّن على أن لوقا يربط هذا المقطع بالسياق السابق لا اللاحق. من جهة يوجّه الكلام إلى تلاميذه لا إلى الجموع الذين سيلتفت إليهم فيما بعد (آ 54). ومن جهة ثانية يفترض بعض المعرفة لرسالة يسوع ويتطرّق إلى المتطلّبات المفروضة على الذين يريدون أن يتبعوه. أما في 12: 54- 13: 9، فالسامعون لم يتخذوا بعد موقفاً أمامه.
2- تفسير نصّ لوقا
أولاً: إن كلمة يسوع الأولى تحدّد رسالته (آ 49): جاء يلقي على الأرض ناراً وهو يرغب رغبة حارة بأن تشتعل هذه النار. هذا يعني ان النار لم تبدأ بعد. هناك من يترجم: "ماذا أريد إلاّ أن تشتعل"؟ أو: كم أريد أن تكون قد اشتعلت (منذ زمان)!
لقد استعمل العهد الجديد مراراً صورة النار ليدلّ على دينونة الله في التاريخ (تك 19: 24؛ خر 9: 24؛ لا 10: 2؛ 2 مل 1: 10، 12؛ عا 1: 4، 7، 10، 14) كما في نهاية الأزمنة (أش 66: 15- 16؛ حز 38: 22؛ 39: 6؛ ملا 3: 19). ولا تكتفي هذه النار بأن تحرق الهالكين والمحكوم عليهم، بل تطهّر أيضاً البقية المؤمنة (أش 1: 25؛ زك 13: 9؛ ملا 3: 2- 4).
يورد لوقا اقوالاً يدلّ فيها يسوع على العقابات الإلهية في الماضي: النار التي أشعلها إيليا (2 مل 1: 10، 12= لو 9: 54)، تدمير سدوم (تك 19: 24= لو 17: 29). ويُبرز أيضاً تهديدات يوحنا المعمدان الذي يعلن دينونة الأشرار بالنار (3: 9- 17). وهو قريب جداً من الآية التي ندرس في 3: 16 حيث يتحدّث يوحنا المعمدان عن شخصية ذلك الذي يسبقه: "إنه يعمّد في الروح القدس وفي النار".
كيف يفهم لوقا النار التي جاء يسوع يضعها على الأرض؟ لقد قُدّمت تفاسير عديدة لكلمة يسوع هذه. فكر بعضهم بالخلاف بين البشر الذي تثيره كرازة المعلم. يستند هذا الافتراض إلى الآيات اللاحقة (آ 51- 53). ولكن لوقا لم يفكّر يوماً أن يسوع رغب في مثل هذا الخلاف. وفكر آخرون بنار الدينونة الاسكاتولوجية حسب معنى الصورة عند الأنبياء وأصحاب كتب الرؤى. ولكن لوقا يشدّد على تيار يعارض الاسكاتولوجيا القريبة (17: 23؛ 19: 11؛ 21: 8- 9؛ أع 1: 6- 7). أتراه يقبل بأن يرى عدم الصبر إلى هذا الحد عند يسوع وخاصة في خبره عن العنصرة؟ إن لوقا يقدّم موهبة الروح في صورة النار (أع 2: 3، 19)، وقد يكون فكّر فيها في 3: 16. رأى في الروح القدس موهبة ربّ القائم من الموت إلى كنيسته (24: 49؛ أع 2: 33) بانتظار الإكمال الاسكاتولوجي (أع 1: 6- 8). يمكننا أن نظنّ أن يسوع، في نظر لوقا، ينتظر موهبة الروح كنهاية رسالته على الأرض.
بدا يسوع أمام اشتعال العالم الذي يتطلّع اليه كهدف لمهمّته، بدا كله مشدوداً في انتظار حار. هذه معطية مهمة عن وعي المسيح لرسالته.
ثانياً: إن كلمة يسوع الثانية تقابل بين النار التي جاء يشعلها وبين المعمودية التي سيقبلها (آ 50). الكلمات الأولى من هذه الآية تجد ما يوازيها في مر 10: 38 (المعمودية التي سأتعمّد بها). لا نجد شاهداً في اليونانية عن الإسم "بابتسما" (معمودية) إلاّ في العهد الجديد. لا نجده في السبعينية ولا في أي نصّ دنيوي سابق لهذا العصر. قد يكون كتّاب العهد الجديد وجدوه في لغة عصرهم. الأمر ممكن. أما العهد الجديد فلا يستعمل هذه اللفظة إلا عند الغسل الطقسي، ما عدا في هذا المقطع: معمودية يوحنا المعمدان (مر 1: 4 وز؛ 11: 30 وز؛ مت 3: 7؛ لو 7: 29؛ أع 1: 22؛ 10: 37؛ 13: 24؛ 18: 25؛ 19: 3- 4) والمعمودية المسيحية (روم 6: 4؛ أف 4: 5؛ كو 2: 12؛ 1 بط 3: 21). أما هنا، فإن لوقا لا يتطلّع إلى طقس سيخضع له يسوع. إنه يأخذ كلمة "بابتسما" في المعنى الاشتقاقي "تغطيس"، ويفهمه كاستعارة. 
ولكن أي معنى أعطى لوقا لهذه الصورة؟ يتّفق مجمل الشرّاح على أن يجدوا فيها إنباء بالآلام، ولكن الأسباب التي تدفعهم إلى هذا القول هي مختلفة. البعض يفسّر لوقا على ضوء مر 10: 38 (ولكن، لماذا لا يكون للوقا تفسير مختلف عن مرقس؟). واستند آخرون إلى مختلف المعاني التي يعطيها التقليد لكلمة "تغطيس": الأول، الموضوع البيبلي عن مياه المحنة (مز 42: 8: أمواجك عبرت عليّ؟ 69: 2- 3، 13- 15؛ 124: 4- 5؛ 144: 7؛ أش 43: 2؛ نش 8: 7). الثاني معنى الحكم (الدينونة والقضاء) بالماء (عد 5: 11- 31) الذي يوازي الدينونة بالنار التي أشارت إليها الآية السابقة (رج 17: 26- 27، 28- 29؛ 2 بط 2: 5، 6؛ 3: 5- 6 و7). ولكننا لا نجد هذا التوازي في العهد القديم حيث الدينونة الاسكاتولوجية تتمّ بالنار لا بالماء. الثالث، غطس دم الآلام، معمودية يسوع، إعلان موته من أجل غفران الخطايا. ولكن لوقا لا يربط ربطاً واضحاً موت يسوع بمعموديته ولا بغفران الخطايا. ويفضّل آخرون التوقف عند نصّ لوقا. يلاحظون أن نهاية الآية تقدّم معمودية يسوع على أنها محنة، وأن المقابلة بين آ 49 و50 تجعل من هذه المعمودية مقدمة للنار التي جاء يسوع يشعلها. هذه الملاحظات الأخيرة تبدو أقرب إلى الواقع لتحدد فكر لوقا: إنه يتطلّع هنا إلى الآلام كمدخل ضروري لعطية الروح التي أنبأ بها 12: 49. وسيقول الشيء عينه وفي شكل مشابه في 17: 24 و25 (مجيء ابن الإنسان، قبل ذلك يتألم؛ رج 24: 26: يعاني الآلام ثم يدخل في مجده). 
لا يستطيع لوقا أن يتلفّظ باسم المعمودية دون أن يفكر بتلك التي تستقبل المعمّدين الجدد في أيامه. إنه ينسب إلى هذا الطقس عطية الروح (أع 2: 38؛ 9: 17- 18) وغفران الخطايا (أع 2: 38؛ 22: 16). ولكنه في السياق الحاضر يفكر بعطية الروح. وليس بمستبعد انه، حين جعل من المعمودية صورة عن آلام المسيح، أشار إلى فكر بولس عن العماد المسيحي في موت المسيح (روم 6: 3- 4؛ كو 2: 12؛ رج أف 5: 25- 26). ولكن، بما انه لا يقدم هذه الفكرة في أي مكان من مؤلّفه (لو+ أع) فلا نستطيع أن نكون أكيدين من هذه الفكرة. 
ويجعلنا يسوع نستشفّ المكانة التي يمثّلها في حياته هذا العماد الذي سيقبله (آ 50 ب). رأى الشرّاح في هذه الجملة اللوقاوية (خاصة بناء فعل اخاين مع المصدر واستعمال فعل سوناخاين) تعبيراً عن قلق يسوع، بل عن ضيق قلبه. ولكن حين يستعمل لوقا فعل "سوناخاين" فهو يستعمله في صيغة المعلوم كما في السبعينية اليونانية، ليدلّ على الضغط والإكراه الخارجي (8: 45: الناس يزحمونك ويضايقونك، 19: 43؛ 22: 63؛ أع 7: 57). ويستعمله في صيغة المجهول ليشير إلى سيطرة المرض (4: 38: الحمى؛ أع 28: 8) أو الخوف (8: 37) أو الكلمة الإنجيلية (أع 18: 5). إذن، يريد لوقا أن يقول إن يسوع وجد نفسه أمام واجب يُفرض عليه بصورة ملحّة. وهذا الإعلان يساوي ذاك الذي أنبأ فيه يسوع أنه "يجب على ابن الإنسان أن يتألّم". ترد هذه العبارة مراراً عند لوقا. في الانباء الأول بالآلام (يجب على ابن الإنسان أن يتألم، 9: 22)، في الحديث عن مجيء ملكوت الله (17: 25)، قبل الذهاب إلى جبل الزيتون (يجب أن تتم هذه الآية، 22: 37)، وفي ظهورات القيامة (24: 7، 26، 4).
ثالثاً: إن هذه النظرة المأساوية تلقي الضوء على الآيات الثلاث الأخرى في المقطوعة التي ندرس (آ 51- 53= مت 10: 34- 36). بدأ يسوع فهاجم إحدى الالتباسات حول المسيحانية الزمنية عند معاصريه (آ 51). لقد أعلن الأنبياء مراراً زمن المسيح على أنه زمن السلام (أش 9: 5- 6؛ 11: 6- 9؛ 23: 17- 18؛ مي 5: 4؛ حز 24: 23- 30؛ 37: 24- 26؛ زك 9: 9- 10). ولوقا هو الذي دلّ بين الإنجيليين على يسوع حامل السلام (1: 79؛ 2: 14؛ 7: 50؛ 10: 5؛ 19: 38، 42؛ 24: 36، نصوص خاصة بلوقا). ولكن الأنبياء ندّدوا أيضاً بالأنبياء الكذَبَة الذين يعدون الناس بسلام سهل لا متطلّبات دينية فيه (مي 3: 5- 8؛ إر 6: 14؛ 8: 11؛ 14: 13- 16؛ 23: 16- 22؛ 28؛ حز 13: 8- 16). فالله لا يمنح سلامه الحقيقي إلاّ للذين يلبّون بصدق نداءه. 
ان يسوع لا يحمل السلام إلاّ للذين يقبلونه في الإيمان. ولهذا يستطيع أن يقول إنه يحمل السلام كما يحمل الخلاف والانقسام. ويقول نصّ مت 10: 34 الموازي لنصّ لوقا: "ما جئت أحمل سلاماً بل سيفاً". وهذه الصورة الملموسة قد تكون تعبيراً أصلياً تفوّه به يسوع. لا يتردّد لوقا أن يتحدّث عن السيف في 2: 36 (هو ارتباط مع 22: 49: أنضرب بالسيف؟)، ويفضل ان يوضح هنا معنى الصورة التي استعملها يسوع. فهو غالباً ما يهتم بأن يبين في مؤلّفه أن يدل على الخلاف الذي يحدثه الإيمان أو اللاإيمان في إسرائيل أمام الإنجيل: منذ قول سمعان الشيخ (2: 34- 35، وفيه حديث عن السيف) إلى خاتمة سفر الأعمال.
والآن يعلن يسوع الخلاف داخل كل بيت (آ 52). يستعيد لوقا أولاً في عبارة عامة الأشخاص الذين يتواجهون في الآية التالية: الأب والأم (= الحماة) من جهة، الإبن والإبنة والكنّة من جهة أخرى. يخفّف لوقا من قساوة مت 10: 53 الذي يقوله إن يسوع هو الذي يضع الخلاف في العائلات. 
يفكر لوقا في وضع اضطهاد حيث تقبّل الشاب الإنجيل وحافظ والداه على الديانة التقليدية (رج 21: 16: "سيسلّمكم والدوكم"). بعد هذا، يفصّل التعارضات داخل العائلة الواحدة في شخصين يتقابلان (آ 53). تقابل عبارته عبارة مت 10: 35 القريبة إجمالاً من مي 7: 6. لقد عرف لوقا نتائج الإنجيل المؤلمة وبيّن أن على التلميذ أن يجعل تعلّقه بسيده يمرّ قبل واجباته العائلية (9: 59- 62؛ 14: 26؛ 18: 29). وهو يبرز في السياق الحاضر التمزّق الذي يسبّبه "منذ الآن" الإيمان بيسوع المسيح.
3- المعنى العام لمقطوعة لوقا
تدلّ آ 52- 53 على أنّ لوقا يفكّر في حياة تلاميذ يسوع العائشين في كنيسة عصره. بما أنهم آمنوا بيسوع، فعليهم أن يضحّوا بعلائق عزيزة على قلبهم.
وبيّنت الآيات السابقة في رسالة يسوع أساس هذا التخلّي المؤلم. وإذا كان الرب يقدر أن يفرض على أخصائه مثل هذه المتطلّبة، فلأنه يحمل إليهم عطيّة الروح (آ 49). ولأنه امتلأ هو أيضاً من مهمته حتى الموت (آ 50). وفي النهاية، إن السلام الذي يحمله ليس طمأنينة سهلة يحلم الناس دوماً أن يقيموا فيها: إنه سلام ملكوت الله. ونحن لا ندخل اليه إلاّ بالصليب (آ 51).
إنّ فكرة لوقا هذه تتوافق كل الموافقة مع فكرة يسوع كما نجدها في الإنجيل. ولكنها تطبّق كلمات المعلم على وضع يختلف عن السياق الأصلي. مثلاً، قد خفّف الإنشداد الاسكاتولوجي. لهذا يجب علينا أن نبحث عن شكل ومعنى كلمات يسوع حين توجّه إلى تلاميذه.

ب- نحو تعليم يسوع
هناك إشارات عديدة تدلّ على أنّ مختلف عناصر مقطوعة لوقا كانت في الأصل مستلّقة بعضها عن بعض. من جهة، نجد الواحدة مفصولة عن الأخرى عند متّى ومرقس. إن آ 50 تجد ما يوازيها في مر 10: 38، وآ 51- 53، في مت 10: 14- 36. ومن جهة ثانية، تدل آ 49 وآ 50 على ردّة الفعل الشخصية لدى يسوع تجاه رسالته. لا نجد هذه الوجهة في نصّ مر 10: 38 الموازي للآية 50 التي قد تكون دؤنت بيد لوقا. ثم إن آ 51- 53 تحدّد بالأحرى نتائج هذه الرسالة بالنسبة إلى تلاميذ المعلّم.
إذن، يجب أن نتفحّص الآن كلاً من هذه الأقوال في ذاتها لنتعرّف، إذا أمكن، إلى شكلها الأصلي (أي: مبناها)، ونثبت صحتها إلى يسوع ونطلب المعنى الذي أراد يسوع أن يعطيه لها. 
1- جئت لألقي ناراً على الأرض (آ 49)
لا نجد هذا القول لا عند متّى ولا عند مرقس. نجد نصّاً موازياً في إنجيل توما، 10. ولكن هذا النصّ يرتبط بلوقا كما بين ذلك شورمان الألماني. لغة القول سامية بلا شك، وهي لا تدلّ على أي من الخصائص اللوقاوية. ومقابل هذا، هو قريب من مختلف أقوال يسوع، أولاً بالتعبير: "جئت". رج مر 2: 17 وز؛ مت 5: 17؛ 10: 34- 35؛ رج مر 10: 45 وز؛ مت 11: 19 وز؛ لو 19: 10. أعلن بولتمان أننا لا نستطيع أن نعترض اعتراضاً مبدئياً على واقع يعتبر أنّ يسوع لم يتكلّم عن نفسه أو عن رسالته في صيغة المتكلّم المفرد (جئت أنا)، غير أنه يشكّ في صحة نسبة هذه الأقوال إلى يسوع. ولكن فان يرسال يعترض على هذه الطريقة في الحكم على أقوال يسوع. وهناك أيضاً صورة النار القريبة من أقوال يسوع وصورة الإنشداد الاسكاتولوجي. ولهذا، يقول أكبر عدد من الشرّاح بصحة نسبتها إلى يسوع.
واستعمل يسوع أيضاً صورة النار في مر 9: 49: "كل واحد يملَّح بالنار أو يملّح من أجل النار (وكأنه ذبيحة)". وهناك اختلافة تقول: "كل ذبيحة تملّح بملح". هذه الإختلافة هي بمثابة تفسير يرتبط بسفر اللاويين (2: 13: كل قربان تملّحه بالملح)، وقد وضعت مثلاً في بعض الترجمات مع أنها زيادة. فالنار التي تملّح هي العقاب الذي يصيب الخاطئين فيحفظهم ليوم الغضب، أو النار التي تطهر المؤمنين (محنة، دينونة الله) لتجعل منهم ذبائح يرضى عنها الله. نسب حز 16: 4 و2 مل 2: 20 الى النار قيمة مطهّرة. يقول 1 بط 1: 6- 7 في هذا المعنى: "أنواع المحن التي تمتحن إيمانكم كما تمتحن النار الذهب" (رج 4: 12).
ونجد قولاً ليسوع، قد يكون صحيحاً، أورده أوريجانس: "من هو قريب مني قريب من النار. من هو بعيد عني بعيد عن الملكوت". نجد هذا القول أيضاً في إنجيل توما، 82. ونجد أيضاً الصورة عينها في القول عن الملح في مت 5: 13 وز (أنتم ملح الأرض) إذا أخذنا بالإفتراض الذي يرى في الملح مادة تجتذب النار إليها.
وحين ينسب يسوع إلى نفسه مهمة القاء النار على الأرض، فلا يعقل أنه ينبئ بعطيّة الروح: إنه لا يدلّ على الروح ابداً بواسطة هذه الصورة. ولا يستطيع أيضاً ان يحدّد مهمته بتدشين نار جهنّم التي يتكلّم عنها مراراً (مر 9: 38، 48 وز؛ مت 5: 22؛ 7: 19؛ 13: 40، 42، 50). يبقى أنه يفكّر في نار الدينونة الاسكاتولوجية مع نتيجتيها: نار تنقّي ونار تعاقب.
2- لي معمودية أقبلها (آ 50)
إن القسم الأول من هذه الآية اللوقاوية يجد ما يوازيه في مر 10: 38 ب مع البناء نفسه: أتعمّد بمعمودية. وبما أنّ القسم الثاني من الآية اللوقاوية مطبوع بأسلوب الإنجيلي الثالث، نظن انه دوّن ليكون موازياً مع آ 49 وآ 50. غير أن مر 10: 38 يبيّن ان العبارة الأوّلانية ترجع إلى تقليد قديم، إلى المسيح نفسه بسبب طابعها الملموس والابتكار الذي تتحلّى به.
أي معنى أعطى يسوع نفسه لمعموديته؟ من الواضح أنه لم يكن يفكّر بطقس من الطقوس. المعمودية هي في نظره صورة. ظنّ كثيرون انه يتحدّث عن موضوع مياه المحنة. ولكن العهد القديم لا يتكلّم أبداً عن المعمودية في هذا المعنى. ولا يُعقل أنه أراد أن ينبئ بدينونة، كما قالت فئة أخرى، لأن العهد القديم يمثل الدينونة بالنار أكثر منه بالماء.
وبالنسبة إلى يهودي في زمن المسيح، تدلّ المعمودية على الغسل الطقسي (الوضوء) والتطهير. وكلنا يعرف الأهمية التي يعلّقها يسوع على الطهارة الحقة، على غفران الخطايا. وإن المسيحية الأولى ربطت هذا الغفران بموت يسوع (1 كور 15: 3؛ غل 1: 4؛ روم 3: 25؛ 8: 3؛ مت 26: 28) فسبقها يسوع في هذا الخط مصوّراً موته على صورة موت عبد الله في أشعيا. إذن، قد يكون تصوّر هذه المعمودية (وبالتالي هذا الموت) كتطهير تمّ بيده من أجل شعب الله.
3- إنقسام داخل الأسرة (آ 51- 53)
إن آ 51- 53 تجد ما يوازيها في مت 10: 34- 36. ولها ما يقابلها مقابلة بعيدة في مر 13: 12 وز (سيسلم الأخ أخاه إلى الموت؛ رج مت 24: 9؛ لو 21: 16). إن نصّ لوقا ومتّى قريب من نصّ مي 7: 6 اليوناني. ويبيّن الأب دوبون كيف أنّ نصّ مرقس يعود إلى القول عينه مثل مت 10: 35- 36، ولكنه يبتعد عنه ليتكيّف وقرائن النصّ. أما نصّ إنجيل توما (عدد 16) الموازي فهو يرتبط في بدايته بإنجيل متّى وفي نهايته بإنجيل لوقا.
يختلف لوقا (آ 51- 53) عن متّى (15: 34- 36) اختلافاً واسعاً. غير أنهما قريبان بما فيه الكفاية ليتأسّسا على مي 7: 6. لقد لاحظنا أعلاه التصليحات التي قام بها لوقا بالنسبة إلى نصّ متى. ويقول الشرّاح إن نصّ متّى أقرب إلى كلمات يسوع بقساوة تعبيره، بأمانة أكبر لنصّ ميخا، وخاصة لأن هذا النص يقدّم موضوعاً يرد مراراً في عالم الرؤى اليهودية.
إن ثورة الأبناء على والديهم التي يصوّرها ميخا وكأنها آفة عصره، هي في نظر اليهودي الفوضى الكبرى. ويرى فيها النبي ملاخي الشرّ الذي سيأتي إيليا ليزيله "قبل أن يجيء يوم الرب العظيم الرهيب" (ملا 3: 24؛ رج سي 48: 10؛ لو 1: 17). وتجعل منه أسفار الرؤى موضوعاً اسكاتولوجياً، وسمة في الضيق العظيم الذي يسبق حدث الخلاص (أخنوخ 99: 5؛ 100: 1- 2؛ اليوبيلات 23: 16).
إذن، حين استعمل يسوع مي 7: 6 ليتحدّث عن خلاف الناس أمامه، طبع رسالته بطابع اسكاتولوجي: إنه يرى في هذا الخلاف الذي يسبّبه حضوره، الدينونة الأخيرة التي ستتم في وقتها المحدّد. لهذا يفرض على تلاميذه ان يختاروا بينه وبين "هذا الجيل".

خاتمة
قدّم يسوع نفسه على أنه ذلك الذي يأتي ليلقي نار الدينونة الأخيرة، ذلك الذي يواجه الموت لينقّي شعب الله، ذلك الذي يدعو كل واحد لكي يتجنّد على خطاه وينقطع عن كل ما يربطه بالعالم.
جمع لوقا هذه الأقوال وطبّقها على كنيسة عصره. رأى في يسوع الرب الممجّد الذي "بيده" الروح الذي يناله المؤمنون الآن بالمعمودية. ولكنه عرف أيضاً أن يسوع لم يدخل في مجده إلاّ بالآلام، لهذا عرض على المؤمنين هذا الطريق عينه. فعظمة ابن الله لا تخفي بشريّته: لا آلامه ولا الإندفاع الذي سار به نحو غاية رسالته. وهذه البشرية هي اليوم قوة للمؤمن ونموذج له. فمن آمن بيسوع اختاره ربا واتخذ موقعه في هذا العالم الممزّق بين الإيمان واللاإيمان (= الكفر)، حتى ولو كلّفه موقفه الموت مثل معلّمه.
كانت نظرة يسوع اسكاتولوجية. أما نظرة لوقا فشدّدت على الوجهة الكنسيّة. غير أن الروح هو في نظره منذ الآن عطية الأزمنة الأخيرة (أع 2: 17). ومنذ الآن بدأ مع يسوع يوم الخلاص. "ولد لكم اليوم مخلّص هو المسيح الرب" (2: 11). "اليوم تمّت هذه الكلمات التي تلوتها على مسامعكم" (4: 21). "اليوم حلّ الخلاص بهذا البيت" (19: 9: زكا). وأخيراً مع اللصّ على الصليب: "اليوم تكون معي في الفردوس" (23: 43).

 

 

الفصل الثاني والعشرون 
علامات الزمن
12: 54- 56

هذا المقطع الصغير هو واحد من هذه الأمثلة التي كان يسوع يتّخذها من حياة سامعيه اليومية، لكي يستخرج منها درساً وعبرة. فكما جعلهم يدركون سلوك الله تجاههم انطلاقاً من جوابهم على سؤال أولادهم (11: 11- 13)، إنطلاقاً من بحثهم عن خروف ضاع (15: 14- 17)، ها هو يدعوهم إلى تفكير خلاصي مشيراً إلى "شطارتهم" في تمييز الشتاء والحرّ.
نجد هذا المثل أيضاً في إنجيل متّى (16: 2 ب- 3) في وضع آخر وفي تعبير يختلف بعض الإختلاف. ولكن بما أنّ هذا المقطع غائب من عدّة مخطوطات في هذا الإنجيل، وبما أن مدلوله لا يبدو مختلفاً عن مدلول نصّ لوقا، نكتفي بهذا الأخير فندرس السياق والنص في حدّ ذاته وأخيراً الموضوع المركزي.
نشير على سبيل الملاحظة أن مخطوطات اسكندرانية مثل السينائي والفاتيكاني وعدداً كبيراً من المخطوطات التي دوّنت في قيصرية فلسطين البحرية، والسريانية العتيقة والترجمة القبطية، لا تتضمّن مت 16: 2 ب- 3. ولكن هناك عدّة مخطوطات قديمة ولها وزنها قد احتفظت بهذا النصّ الأصيل الذي يتميّز عن نصّ لوقا ولا يتفرّع منه. إنّ فعل "دياكريناين" (مت 16: 3) يبدو أقدم من "دوكيمازاين" (لو 12: 54. مفردة خاصة بلوقا) وقد يكون هو الكلمة العاكفة التي ربطت لو 12: 56 مع آ 57 في خلفيّتهما السامية.
أ- سياق النصّ
إن المقاطع السابقة في ف 12 قد جمعت عدة تعاليم قدّمها يسوع لتلاميذه: الشهادة التي عليهم أن يؤدّوها أمام الناس (آ 1- 12). إستعمال خيرات هذه الأرض (آ 13- 34). السهر بانتظار عودة السيد (آ 35- 48)، رسالة يسوع الخاصة وتأثيرها على تلاميذه (آ 49- 53).
وبعد آ 54- 56، تتركّز القطعة كلها على قرار نتّخذه الآن تجاه الدينونة الاتية: إن آ 57- 59 تدعو السامعين إلى تنظيم أمورهم قبل أن يمثلوا أمام الديّان. وترتكز 13: 1- 5 على خبرين متفرّقين مأساويين فتدعو الناس إلى التوبة. ويدلّ مثل التينة (13: 6- 9) على أنه لم يبقَ لنا وقت طويل من أجل التوبة.
تشكّل آ 54- 56 عنصراً أول في هذه القطعة حول القرار الذي نتّخذه فلا نتأخّر.
ب- نصّ الإنجيل
توجّهت الآيات السابقة إلى التلاميذ (12: 22، 41)، وهذا التوجّه وافق مضمونها: فمتطلّباتها الخطيرة (آ 1- 48) تفترض سامعين وطّدوا العزم على اتباع المعلّم حتى النهاية. والإشارات الخاطفة إلى قلق عميق لدى المعلّم وقلّة صبر (آ 49- 50) لا يمكن أن تُقال أمام الجموع، بل أمام حلقة صغيرة.
ومع آ 54، يتبدّل السامعون.
"وقال أيضاً للجموع" (آ 54 آ).
نلاحظ أن يسوع يتوجّه الآن إلى سامعين لم يعرفوا أن يميّزوا الحدث الذي يكوّن حضوره. في خبر مت 16: 1 الموازي، يقدّم يسوع جواباً إلى الفريسيين والصادوقيين الذين جاؤوا إليه يطلبون آية من السماء.
"متى رأيتم سحابة تطلع في المغرب، قلتم في الحال: جاء المطر. ويكون كذلك. وإذا هبّت ريح الجنوب، قلتم: سيكون حرّ. ويكون كذلك" (آ 54 ب- 55).
يهتمّ الفلاّحون دوماً بالطقس. وأهل فلسطين ولبنان وسورية يتميّزونه مسبقاً. ففي أيام إيليا، صعدت سحابة من البحر. وعند المساء كانت علامة مطر (1 مل 18: 44: هذا يدلّ على الأصل الفلسطيني لهذا النصّ). وعرف أيّوب ريح الجنوب وما تحمل معها من حرّ (أي 37: 17).
لاحظ يسوع هذه الأمور في أرض الناصرة، فانطبعت في ذاكرته مثل زنابق الحقل (مت 6: 28) وطيور السماء (مت 6: 26)، وطلوع الزرع (مر 4: 4- 8، 27- 29) والنموّ العجيب لحبة الخردل (مر 4: 31- 32)... ولكن الشيء الوحيد الذي يهمّه الآن هو العبرة التي يستطيع أن يستخرجها من هذه الصور الأليفة.
"أيها المراؤون! إنكم تعرفون أن تتأؤلوا وجه الأرض والسماء. وهذا الزمان كيف لا تفهمونه" (آ 56)؟
بدأ يسوع "درسه" في نداء عنيف: يا مراؤون (هيبوكريتس). ولكن يبدو أنّ هذه الترجمة لا توافق الوضع الحاضر الذي لا يلوم فيه يسوع محاوريه لأنهم يخفون شيئاً. هذه اللفظة تقابل في العبرية "حنف" (أي 34: 30، 36: 13 كما في السبعينية) وفي الأرامية "حنفاً" (في فم يسوع). هذه المفردة تعني الفاسد، الكافر (لا الخبيث). يستعمل لوقا هذه الكلمة أيضاً في 6: 42 (يا مرائي، أخرج أولاً الخشبة من عينك)؛ 13: 15 (يا مراؤون، كل واحد في السبت يحلّ ثوره)؛ ويستعملها متّى 13 مرّة.
يلوم يسوع الجموع الذين يحيطون به، ويلومهم بقساوة لأنهم لا يعرفون أن "يؤوّلوا هذا الزمان". إذن الفترة الحاضرة هي زمن خاص. وهناك آيات تساعدنا على تمييزه، كما أن هناك علامات تدلّ على اقتراب المطر أو الحرّ. إتّهم يسوع معاصريه بأنهم لا يعرفون ولا يدركون. بل هم يرفضون أن يروا. إنهم أكثر من مرائين. إنهم "عميان" بإرادتهم. إن سياق لوقا يدلّ بوضوح على هذا الزمان. حين جعل الإنجيلي آ 54- 56 صلة وصل بين الإشارة إلى رسالة يسوع (آ 49- 53) والقطعة حول التعجيل بالتوبة (12: 57- 13: 9)، حدّد رسالة يسوع كالمهلة الأخيرة المعطاة لإسرائيل لكي يبلغ الخلاص: هذه هي سنة النعمة (والرحمة) التي أعلنها يسوع في كرازة دشّنها في الناصرة (14: 18- 19).
لا يعدّد لوقا في هذا المقطع العلامات التي قدّمت لمعاصري يسوع لكي يؤؤلوا هذا الزمان. ولكنه ذكرها في مقاطع أخرى سوف نتوقّف عندها فنكتشف فكره.
خ- علامات هذا الزمان
أعلن يسوع مراراً في إنجيل لوقا أن رسالته تشكّل حقبة أصيلة في تاريخ شعب الله، وقدّم العلامات التي تبرّر إعلانه: في كرازته في الناصرة (4: 8- 21، أرسلني لأنادي... اليوم تمّت هذه الكتابة). في جوابه إلى مرسلي يوحنا المعمدان (7: 22- 23: إذهبا وأعلما يوحنا بما رأيتما وسمعتما). في جداله مع خصومه حول طرد الشياطين (11: 20: إذا كنت أنا باصبع الله أطرد الشياطين، فقد اقترب منكم ملكوت الله). ونستطيع أن نضمّ إلى هذه التصريحات نهاية مثل لعازر والغني (16: 27- 31) التي تجعلنا نستشفّ فكرة لوقا حول علامات الزمان. 
نبدأ فنرتّب مختلف هذه الآيات في رسالة يسوع. فالتي نظهر في البداية هي عجائبه. لا يتردّد يسوع في إبراز دورها. تحيّر يوحنا المعمدان من هذا "المسيح" المتواضع والمسالم، فأرسل يسوع يقول له: "العميان يستعيدون النظر، والعرج يمشون، والبرص يطهّرون، والصمّ يسمعون، والموتى يقومون..." (7: 22). عدّد يسوع هنا الأشفية الجسدية التي اجترحها (7: 21). صوّرها في ألفاظ أشعيا حين أعلن الخلاص (أش 29: 18؛ 35: 5- 6)، وبيّن أنها علامات عن مجيء ملكوت الله. نستطيع أن نقابل 4: 18 حيث يسمّى يسوع المرسل ليعلن للعميان العودة إلى البصر (رج أش 42: 7). يدلّ هذا النصّ أولاً (في أشعيا وفي الإنجيل) على رؤية الإيمان. ولكنه يلمّح أيضاً إلى معجزات يسوع في العميان (7: 21؛ 18: 35- 43) كعلامة عن استنارة القلوب (رج يو 9).
بعد هذا، نسب الخصوم إلى يسوع طرده للشياطين إلى قوة بعل زبول الذي يريد أن يضل الشعب ويميل به عن الله وشريعته (11: 15). رفض يسوع مقالهم: إن كنت أنا باصبع الله أطرد الشياطين، فقد اقترب منكم ملكوت الله (11: 20). إن ذكر اصبع الله يشير إلى معجزات موسى التي عارضها ممحرة فرعون ولكن عبثاً (خر 8: 15. ق مت 12: 28 الذكما يقول روح الله بدل اصبع الله). ولكن في عمل يسوع العجيب، قد تجلّى ملكوت الله وظهر معه زمن الخلاص النهائي.
تتنوّع فاعلية المعجزات بتنوّع الإستعدادات العميقة لدى الذين يشاهدونها. فبعضهم يرى فيها علامة رسالة يسوع الإلهية (5: 1- 11؛ 7: 16: مجّدوا الله قائلين؛ 8: 38؛ 19: 37)؛ إنهم منفتحون على نداء الله. وآخرون يرفضون هذا النداء: لقد لاحظ يسوع بعض المرّات فشل آياته. نبّه كورزين وبيت صيدا لأنهما لم تؤمنا رغم المعجزات التي صُنعت فيهما (10: 13). وفي نهاية مثل لعازر والغني، وحين توسّل الغني إلى إبراهيم لكي يرسل لعازر لكي يردّ اخوته، قال يسوع بفم إبراهيم: "عندهم موسى والأنبياء فليسمعوا لهم، فإن قام واحد من الموتى لا يصدّقونه" (16: 31).
يرينا هذا المقطع الأخير أن الكتب المقدّسة هي علامة أفعل لتقود إلى التوبة. هذه فكرة رئيسية للوقا في إنجيله وفي سفر الأعمال (البرهان الكتابي). فالكتب تدلّ على مخطّط الله في مسيرته الكاملة، في ثوابته، في نواميسه، وفي اتجاهه نحو الهدف الأخير. قال يسوع في يو 5: 28: إن الكتب تشهد لي: فهي ترسم ملامح تعليمه وسرّه. وكل عمل يسوع هو تتمة الخلاص الذي تعلنه وتهيئه. فمن عرف أن يقرأ الكتب بدت أعمال يسوع وأقواله كهدف مواعيدها وآيات نهائية لمجيء ملكوت الله (4: 18؛ 7: 22).
وتساعد الكتب لوقا بصورة خاصة على الإشارة إلى آية أصيلة تدلّ على حضور الخلاص في عمل يسوع. فيسوع يعطي مرتين في إنجيل لوقا الدليل على رسالته: إعلان البشارة للفقراء (4: 18؛ 7: 22= مت 11: 5). إنه يعود إلى أش 61: 1 ويبرز إحدى الوجهات الجديدة من مسيحانيّته وذلك تجاه الآمال البشرية (على مستوى اللحم والدم) لدى عدد كبير من معاصريه (10: 21).
حين يوبّخ يسوع سامعيه لأنهم لا يعرفون أن يؤوّلوا هذا الزمان، فهو يشير بشكل ضمني إلى كل العلامات التي قدّمها: معجزات اجترحها، كتب أتمّها في تعليمه وحياته، اهتمام خاص بالفقراء. وحين يرى يهودي أمين لوحي موسى والأنبياء هذه الإشارات، فهو سيتعرّف إلى خلاص انتظره شعبه.
خاتمة
إن النصّ الذي درسناه توجّه أولاً إلى معاصري يسوع. فقد دعاهم إلى أن يميّزوا في هذه الرسالة القصيرة التي قام بها معلّم الناصرة، زمن الخلاص الذي انتظره اسرائيل من أجيال وأجيال.
ولكن أقوال يسوع لم تخسر معناها مع نهاية حياته على الأرض. فزمن يسوع هو حاضرٌ دوماً هنا. وملكوت الله ما زال حاضراً في التاريخ، وهو يتجلّى بشكل خفي في علامات يقدّمها لإيمان يعرف أن يميّزها. هذه العلامات هي لنا كلمة الإنجيل في سرّ الكنيسة. مع سلطتها وحياتها. وكل انسان مدعوّ بهذه الطريقة إلى التعرّف إلى حضور الله الذي يعمل في عالمنا. لا شك في أنه ليس من السهل أن نميّز هذه العلامات، فهي لا تفرض نفسها بالقوة، بل تقدم نفسها لنقبلها بحرية وبعد جهاد طويل.
ملكوت الله حاضرٌ هنا بقدرته الخلاصية، وهو في متناول من يطلبه بقلب صادق. فطوبى لمن ينفتح على ندائه.

 

 

الفصل الثالث والعشرون
صالح خصمك
12: 57- 59

وتوجّه يسوع إلى الجموع الحاضرة هنا منذ 12: 1. إذا وضعنا جانباً التحذير من الطمع كما يصوّره المثل (12: 13- 21)، فهو لم يوجّه إليها كلامه. وها هو يفعل في 12: 53 ي بلهجة قاسية. إختلف الجمع عن التلاميذ، فلم يدرك بعد أن الزمان تبدّل تبدّلاً جذرياً بمجيء يسوع، أننا قد دخلنا في زمن النهاية.
فعلى كل واحد أن يكون جديراً بأن يحكم بنفسه، بأن يقرّر، بأن يجيب الجواب الصحيح على التحدّي الحاضر، على خطورة الساعة. هو لا يحتاج إلى مثل من يسوع يبيّن له ما يجب أن يفعل. إنه سيقف أمام العدالة. وهو يعرف النتائج بعد حكم سوف ينفّذ. فمن الأفضل له أن يرتّب الأمور مع خصمه قبل ذلك، أن يصالح خصمه بأقرب وقت. والمهلة التي بقيت له لكي ينجو من آلية المحكمة هي قصيرة، فلا تتعدّى الوقت الذي يقوده إلى "قصر العدل". إذن، التوبة أمر ملحّ.
وهناك تعليم ثانٍ في هذا المثل: إن التبدّل الجذري في الحياة الذي تفرضه عليّ الساعة الحاضرة، يتخذ شكلاً ملموساً ويومياً: حين أتصالح مع من ظننته خصمي، أدلّ على أنني وعيت معنى الزمن الذي دشّنه يسوع. إنه زمن كله جديد وهو ينتظر مني موقفاً جديداً لا يعود إلى القديم ولا يستوحي سلوكه من سلوك الآخرين ولا من مناخ العالم الذي يحيط به.
أ- احكموا بالصواب (آ 57)
إن المثل الذي يختتم هذا الفصل له مقدّمة سقطت من نصّ مت 5: 25- 26 الموازي (بادر إلى الإتفاق وخصمك ما دمت معه في الطريق). قد يكون متى أغفل المقدّمة لكي يكيّف المثل مع السياق الجديد. ولكن يبدو أننا أمام إنتقالة جعلها لوقا هنا ليربط بين آ 53 -56 وآ 57- 59. أحكموا بالعدل، كونوا عادلين في حكمكم. أحكموا بالحق (أع 4: 19. هذا ما قاله الرسل للمجلس) فتصلوا إلى الصواب (2 بط 1: 13: أرى من الصواب). يجب أن نميّز ما يجب أن نعمل في بعض الظروف التي تحصل لنا. نحن لا نحتاج إلى مساعدة أحد (21: 30: تعلمون من ذواتكم). بل لا نستطيع في وقت الدينونة أن نستند إلى إحد. إذن، لنرجع إلى ذواتنا منذ الآن وننظر إلى الأمور بدون تكاذب على نفوسنا.
ب- إذا ذهبت مع خصمك (آ 58)
هناك عمل مؤاتٍ يجب أن نقوم به. هذا ما يصوّره يسوع في مثل يجعل السامع في وضع شخص يذهب (وهو يسير الآن ولم يصل بعد. ما زال في الطريق. ما زال له بعض الوقت) مع خصم شرعي (له حقوق عليه، 18: 3: مثل الأرملة؛ مت 5: 25) ليمثل أمام القاضي. الوضع المفترض هنا هو وضع مدين يُساق أمام المحكمة. نحن هنا في جوّ العالم الهلنستي. فالخلاف بين اليهود يحكم فيه أحد الكتبة (12: 13 ي: قُلْ لأخي يقاسمني. إعتُبر يسوع ككاتب فطُلب منه أن يقضي بين الأخ وأخيه) فيعمل عمل القاضي. وقد يكون بولس استلهم هذه الطريقة لكي يمنع المؤمنين من الذهاب إلى المحاكم "الوثنية" (اليونانية). "أفليس فيكم حكيم يستطيع أن يكون حكماً بين إخوته" (1 كور 6: 5).
المهمّ هو أن نصل إلى اتفاق قبل أن نصل إلى المحكمة. ونحن بعد في الطريق، هناك يجب أن نقوم بكل مجهود. نقوم بنشاط ولو كان فيه بعض التعب والألم (أرغاسيا، خاص بلوقا ما عدا أف 4: 19؛ أع 16: 19؛ 19: 24- 25). المهتم أن نتخلّص من هذا الخصم. فالفعل (أبالاسو) يعني في صيغة المعلوم: أفلت، تخلّص (عب 2: 15، يحرّر الخاضعين للعبودية)، وفي الوسيط: فارق (أع 19: 12: تفارقهم الأمراض). وفي صيغة المجهول: تصالح. هذا هو المعنى الذي أخذ به متّى في النصّ الموازي (5: 25: صالح خصمك ما دمت معه في الطريق). هذا يعني: إستفد من كل مناسبة، لا تترك فرصة.
قال بعض الشرّاح إن صيغة الوسيط هي الأصحّ: لسنا أمام مصالحة بين خصمين، بل يفارق الواحد الأخر من أجل خير الإثنين. إن المثل ينصح الإنسان بأن يترك أموره بيد الكنيسة ويتوقّف عن مخاصمة الآخرين. وقال آخرون: الخصم هو الشيطان، فتخلّص منه. لا نستطيع أن نكتفي بهذه التفاسير لأن هدف المثل يقوم في خطر الوقوع في يد القضاء، لا في التخلّص من الخصم.
الخطر الذي يواجه الإنسان، هو أن خصمه سيسوقه بالقوة إلى القاضي، والقاضي سيدفعه إلى الشرطي، والشرطي يرميه في السجن حتى يفي دينه. الشرطي (براكتور) هو كالحاجب في المحاكم الرومانية ومنفّذ الحكم. يقابله في المجمع اليهودي "هوبيراتيس". وهكذا نكون في جوّ يهودي مع متّى، وجوّ روماني مع لوقا. ولكن جاء من قال إن "هوبيراتيس" إستعمل في العالم اليهودي كما في العالم الهليني ودلّ على منفّذ الحكم في المحكمة. أما "براكتور" فهو الذي يهتمّ بالديون وبسجن المديونين. إذا أخذنا بهذا الموقف، لا نستطيع القول إن لوقا "هلين" المثل الذي أخذه من العالم اليهودي.
ج- أقول لك (آ 59)
هكذا بدأ لوقا الإعلان الأخير، فاختلف عن متّى الذي بدأ: الحق (أمين) أقول لك. وشدّد على كلامه بواسطة النفي (لن) وصيغة المضارع: لا خروج لك من السجن حتى تدفع آخر جزء من الدين.. حتى آخر فلس، آخر نحاسة، آخر غرش. فاللفظة "لبتون" (21: 2؛ مر 12: 42) هي قطعة نحاس صغيرة تساوي "لا شيء". وهكذا، "ضخّم" لوقا مدى العقاب الذي يفرضه القاضي، فأبان أن لا مساومة ولا تساهل بعد إعلان الحكم.
ما هو معنى المثل؟ إتفق مع خصمك قبل أن يرسلك القاضي إلى السجن. لا تتأخر، لأنّ الموت لا يمهلك. لا تتأخّر فدينونة الله تكون نهائية. من الخطأ أن نتوقّف كثيراً عند تفاصيل المثل لكي نستخلص معنى كل تفصيل. في متّى، طبّق المثل على إمكانية تعطى لشخص أخطأ أن يقف أمام خصمه في الدينونة الأخيرة. قد يكون هذا هو المعنى الأصلي، فعمّمه لوقا وطبّقه على الإستعداد للدينونة الأخيرة. قالت بعضهم إن متّى جعل من المثل قولاً في الفطنة والحياة الخلقية. وطبّق آخرون هذا المثل اللوقاوي على وضع من الإنقسام في الجماعة.
خاتمة
هذا المقطع القصير ينهي بشكل قاسٍ هذا الفصل فيذكّرنا بـ "حكم فاسد" يجب أن نحترز منه (آ 1) ومن حكم على الآخرين نبدأ به منذ الآن (آ 4- 22). ونقرأ في آ 54- 57 توبيخاً يرسله يسوع حول قراءة علامات الأزمنة. أما آ 58- 59 فهما تنبيه إلى الإتفاق، إلى المصالحة مع الاخوة قبل أن يفوت الأوان. شدّد مت 5: 25- 26 (القسم الأول من خطبة الجبل) على التصرّف بين الإخوة إذا أرادوا أن يعيشوا "بر" الملكوت. وشدّد لوقا على خطر المراءاة، على خطر به نضلّ نفسنا بنفسنا، وهذا ما يؤثّر على حياة كل واحد منّا.
وهكذا نجد في هذه الآيات الأخيرة من ف 12 تنبيهاً إلى الجمع. كيف يجب أن يتصرّف كل إنسان؟ خلاصك يرتبط بموقفك تجاه أخيك. وهكذا نستعدّ لنص ف 16 مع الحديث عن ديون نتركها. هناك يقال لنا كيف نستطيع أن نحوّل مال الظلم فنصنع به أصدقاء يستقبلوننا في المظال الأبدية ساعة لا يعود المال ينفع في شيء.

 

 

الفصل الرابع والعشرون
المهلة الأخيرة للتوبة
13: 1- 9

إن الوحدتين الأخيرتين اللتين تبدأان ف 13 في إنجيل لوقا، واللتين لا تجدان ما يوازيهما في سائر الأناجيل، تتضمّنان نداء ملحّاً إلى التوبة.
أ- درس نستخلصه من الأحداث (آ 1- 5) 
يروي لوقا في هذه الآيات الخمس الأولى من المقطوعة أن يسوع إستفاد من واقعين محلّيين حصلا للناس، فحرّض سامعيه على التوبة. الواقع الأول: ذبح الجليليين على يد بيلاطس. أوصله إليه "بعض" الناس فحصلوا حالاً بشكل نداء إلى التوبة، على الأمثولة التي نستخرجها من الأحداث. الواقع الثاني: سقوط البرج في سلوام. يبدو أن يسوع عرف به منذ زمان بعيد، ولكنه ما زال ماثلاً أمام الأذهان بحيث استفاد منه يسوع ليقدّم درساً لسامعيه.
إعتبر بعضهم أنّ يسوع لم يتلفّظ في المناسبة نفسها بالقولين المذكورين في آ 1- 3 ثم آ 4- 5. فلا يُعقل أنه حصل على المعلومتين في الوقت عينه. ولكن النصّ لا يشير إلى أن المعلومات جاءت في الوقت عينه. ثم، ماذا يمنع أن يكون الخبر الأول قد ذكر يسوع بالخبر الثاني في عملية توارد أفكار.
يمكننا أن نتوقّف فنتأمّل في الحسّ التربوي عند يسوع: يعرف أن ينطلق من واقع حياتي فيقدّم لسامعيه تعليم الحياة.
كيف يبدو هذان الحدثان في الخبر وفي نسيج الإنجيل الثالث؟ نجيب أولاً على هذا السؤال في ثلاثة مقاطع، ثم نقدّم في المقطع الأخير شرحاً موجزاً للنمق.
1- ضوء من العالم الفلسطيني
لا نعرف هذين الواقعين في أي مرجع آخر، ما عدا في الإنجيل. ولكن الخبر الأول يبدو معقولا وهو يوافق كل الموافقة ما يقول لنا المؤرخّ يوسيفوس عن بيلاطس وقمعه ثورات البلاد في بحر من الدم. فالجليليون الذين "مزج دمهم بدم ذبائحهم"، قد يكونون من الغيورين الذين جاؤوا الى الهيكل في عيد الفصح: نما حزبهم في الجليل، وقدّمت مناسبات الحجّ لتحرّكهم المسيحاني المشبوه المناسبة للوصول الى المدينة المقدّسة.
أما حدث برج سلوام الذي سقط فسبّب سقوطه مقتل 18 شخصاً في ضاحية معروفة من ضواحي أورشليم، فهو واقع عرفه الناس وما زالوا يتذكرونه. إنّ هذه المحلّيات المختلفة، لا يمكن أن يستنبطها كاتب عاش خارج فلسطين وبعد دمار أورشليم. وكل هذا يشير إلى أن يسوع استعملها استعمالاً عملياً ليحضّ يهود زمانه على التوبة، وإلى أن الجماعة المسيحية الأولى احتفظت بهذا التنبيه لأنه ما زال يتوخه إليها الآن.
2- المحيط الحياتي الأصلي
جعل لوقا هذا التنبيه والمثل الذي يليه في قسم كبير خاص به (9: 51- 19: 27)، في إطار صعود يسوع الأخير إلى أورشليم. أما إطار هذه المقطوعة بهدفها التعليمي، فهو إطار مصطنع: إنه يضمّ بعض الأمور التي تعود بنا إلى الجليل، مثل توبيخ مدن الجليل (10: 13-15)، كما يضمّ أخرى تنقلنا مسبقاً إلى المدينة المقدّسة (13: 34- 35: يا أورشليم، يا أورشليم). إذن لا نستطيع أن نحدّد موقع هذه المقطوعة في الزمان وفي المكان.
وماذا في المضمون؟ نحن أمام نداء إلى التوبة. وهذا الموضوع يميّز الطبقة الأولى في كرازة يسوع. إذن، موقع هذه المقطوعة يحدّد بالأحرى في بداية رسالة يسوع. من جهة أخرى، نحن في الجليل الذي كان المسرح الرئيسي لنشاطه الأول، وهذا ما يتوافق مع ذكر الجليليين في آ 1- 2، في الحدث الذي أخبر به يسوع. لهذا ظنّ عدد من الشرّاح أننا هنا أمام نموذج من كرازة يسوع الأولى في الجليل. وزاد بعضهم: إن هذه الأقوال السابقة للفصح قد استعملها التلاميذ الذين أرسلهم يسوع أمامه في الجليل.
ولكن بيلاطس قام بهذه المجزرة الشرسة في أورشليم. وبقرب أورشليم حصل سقوط برج سلوام. ويؤكّد يوحنا (7: 14) بعض معطيات الإزائيين (13: 34- 25؛ مت 26: 57) فيثبت أن يسوع ينتظر نهاية حياته ليصعد إلى أورشليم ويعظ فيها. إذن، نستنتج أن المقطوعة التي ندرس تقع، على ما يبدو، في المرحلة الأولى من رسالة يسوع. ولكننا لا نعرف المكان الذي تمّ فيه هذا الحوار.
ومهما يكن من أمر الزمان والمكان، فالدعوة الى التوبة في منظار الدينونة الإسكاتولوجية القريبة، هي ولا شك موضوع أساسي في تعليم يسوع. فمنذ بداية حياته العامة، استعاد نداء يوحنا المعمدان (مت 3: 2 وز) فأعلن: "تمّ الزمان واقترب ملكوت الله. فتوبوا وآمنوا بالإنجيل" (مر 1: 15). وأكثرَ من المعجزات ليأتي بأهل الجليل إلى التوبة (مت 11: 20- 24)، وهي مسيرة صعبة في إيمان ومحبّة لا يدركان الله دون التوجّه إلى يسوع (مت 10: 37- 39). ونبّه الجموع أنه سيحكم عليها في يوم الدينونة إن لم تتب توبة تشبه توبة سامعي يونان (11: 32). وهذا الدرس الذي استخرجه من مصير الجليليين الذين ذبحهم بيلاطس أو أولئك الذين سحقهم البرج، يتوافق كل الموافقة مع كرازته العامة حول التوبة والإرتداد إلى الله.
3- السياق السابق لإنجيل الثالث
في آ 1، يلحم لوقا هذه المقطوعة بما سبق بعبارة: "وفي ذلك الوقت عينه". إهتم بأن يرتّب إنجيله، فأحبّ هذا النوع من الرباطات الكرونولوجية أو الجغرافية، مع ما فيها من استنباط لا بعد موضوعياً له، وجعله هنا ليبرز تشابهاً بين العناصر المرتبطة بعضها ببعض. وفي الواقع، إن مختلف المقطوعات التي تتوالى بعد 12: 35 تجعلنا نحسّ اننا أمام مجموعة متماسكة.
فكما ينتظر الخدم (العبيد) سيّدهم (12: 35- 38)، وكما يخاف ربّ البيت اللصوص (آ 39- 40)، وكما ينتظر الوكيل عودة سيّده في أي وقت من النهار أو الليل (آ 41- 48)، هكذا يجب أن نسهر ونكون مستعدّين لكي نؤدّي الحساب. لقد جاء يسوع على الأرض يلقي نار الدينونة والتطهير (آ 49- 50): يجب أن نتخذ موقفاً منه، نكون معه ولو دفعنا الثمن خلافاً داخل الأسرة (آ 51- 53). فالساعة خطيرة (آ 54- 56) والوقت يدهم الذين سيدينهم الله كما يدهم الذي يجب أن يعجّل فيتصالح مع خصمه ليتجنّب دعوى تضرّ بمصالحه (آ 57-59). هذا الوقت الذي لا ينتظر، هو وقت التوبة والشرط الضروري لكي لا تنتهي دينونة الله بحكمة لا استئناف فيه (13: 1- 9). وهكذا، فكل السياق السابق يلقي ضوءاً على هذه النبوءة التي تحمل تهديداً لنا. فلنتفحّصها. 
4- تفسير أقوال يسوع (آ 2- 5)
إن الحدثين اللذين يستخرج منهما يسوع تنبيهاً يُذكران الواحد بعد الآخر في جملة استفهاميّة. وفي كل مرّة يأتي جواب سلبي فيبدأ عبارة تعارضية (آ 3 وآ 5): "أتظنّون أن..؟ أقول لكم: كلا. ولكن إن كنتم لا تتوبون فستهلكون كلّكم مثلهم". هذه البنية باستفهام وتواز وتعارض وردة، تدل على محيط يسيطر عليه المرجع الشفهي ويساعد على عمل الذاكرة.
فمن خلال تناقض التعابير، يريد يسوع أن يدخل. إلى أذهاننا تعليمه فنستطيع أن نفصّله كما يلي:
أولاً: ليس الشقاء الأرضي دائماً عاقبة الخطيئة (آ 2، 13، 4- 5 أ)
في أيام يسوع، ورغم احتجاجات قديمة من قبل أيوب وحكيم سفر الجامعة، ما زالت العقلية الشعبية تربط بين الشقاء الأرضي والخطيئة. حين مرّ التلاميذ بجانب المولود أعمى سألوا يسوع: "رابي، من أخطأ هذا الرجل أم والداه" (يو 9: 2)؟ أجابهم يسوع: "هذا الرجل لم يخطىء، لا هو ولا والداه" (آ 3). وفي المقطوعة التي ندرس أيضاً، يرفض يسوع بعبارة سلبية اعتقاداً قديماً عن المجازاة على هذه الأرض، مجازاة تتمّ بصورة آلية ولا يفهمها البشر، مجازاة فردية وجماعية: "أقول لكم: كلا". فالجليليون الذين قتلهم بيلاطس لم يخطأوا أكثر من سائر الجليليين. وضحايا حادث سلوام لم يذنبوا أكثر من سائر سكان أورشليم. فالمصيبة ليست علامة الخطيئة لأن عدداً من الناس أخطأوا كما أخطأ هؤلاء الضحايا. كانوا من المجموعة البشرية الواحدة ومع ذلك لم يصابوا بأذى.
إن هذا الإعلان يكفي ليجعلنا نرذل إعتبارات لا تمتّ إلى المسيحية بشيء. إعتبارات نسمعها لدى الناس الذين يعتبرون الله سبب الأمراض والافات التي تصيب الأفراد والجماعات. الشرّ يبقى شكّاً وعثاراً لكل واحد لم يكتشف سرّ الصليب. ولكن لا يحقّ لأحد أن يجعل منه عقاباً يرسله الله. أما القديسون الذين نالوا وحياً واضحاً، فسرّهم يبقى في قلب الله، كما حدث للطوباوية رفقة، الراهبة اللبنانية.
ثانياً: "إن كنتم لا تتوبون، فستهلكون كفكم مثلهم" (آ 3 ب، 5 ب)
وتجاه الإعلان السلبي الذي يرد بصورة احتفالية (أقول لكم) تأتي ردّة تتضمّن تهديداً بالهلاك ضدّ الذين لا يتوبون. هذا ما أرادت أن تشدّد عليه المقطوعة، لأن هذا التهديد يأتي في الخاتمة ويتكرّر على دفعتين. أترى يسوع رفض أن يناسب بين الشقاء والخطيئة ليبرز بصورة أوضح شواذاً يرتبط بالشريعة القديمة عن المجازاة الجماعية على الأرض؟
نستطيع أن نتجنّب كل صعوبة على هذا المستوى إن نحن قلنا إن يسوع ينتقل من خطر موت زمني (موت الجسد) إلى موت أبدي. نحن لا ننكر أننا قد نكون هنا أمام فكر لوقا، إلا اننا نتردّد في قبوله بالنسبة إلى يسوع وبالنسبة إلى مرجع لوقا، وذلك بسبب تلميحات مثل التينة إلى مصير إسرائيل. ولأن الأداة "كذلك، مثل" تفترض طبعاً شقاء مثل الشقاء السابق، فالفكرة القائلة بأن إسرائيل كأمّة بشرية تسير إلى دمارها إن لم ترجع إلى صوت يسوع، ليست بمستبعدة من فكر المعلّم. ولكن العقاب الزمني الذي به يهدّد يسوع شعب الله لا يجب أن يدخل إلاّ كمقدمة للدينونة الشاملة في نهاية الأزمنة. هذه الدينونة تصيب صور وصيدون وسدوم ونينوى، ولكنها لن تكون قاسية بقدر تلك التي تصيب مواطني الرب وأبناء بلدته (10: 12- 15؛ 11: 31- 32؛ رج 17: 26- 30). وما يؤكّد هذا التفسير هو السياق الموجّه منذ 12: 35 نحو اقتراب الدينونة. ولكنه يصل بنا مع ذلك إلى مثل التينة فيصوّر دراما إسرائيل التاريخية (في فكر يسوع) كعلامة تستبق الدينونة الأخيرة.
هذا ما نراه عند لوقا في أماكن عديدة. ففي 19: 27 نقرأ: "أما أعدائي الذين لا يريدون أن أملك عليهم، فجيئوا بهم إلى هنا واقتلوهم أمامي". نحن هنا أمام خاتمة قاسية تدلّ على رذل بني إسرائيل من وليمة الملكوت (13: 28- 29؛ 14: 24). أما الصورة الخارجية التي تدلّ على هذه الدينونة، فهي ما صنعه أرخيلاوس ضدّ خصوم رفضوا أن يتولّى الملك. وهذا ما يدلّ على قساوة الدينونة التي تصيب إسرائيل الذي لم يؤمن. دمار أورشليم (19: 43- 44؛ 21: 20- 24) هو أيضاً صورة مسبقة عن دينونة إسرائيل وبالتالي عن دينونة العالم. وهكذا نقول عن المقطوعة التي ندرس: ما أصاب الجليليين وضحايا سلوام هو رمز عن الدينونة التي تصيب الخاطئين الذين لا يؤمنون.
إن فكرة الدينونة تساعدنا حتى نرى الخلاص كأنه وعد. قد تتنوعّ الصور المأخوذة من التقليد. قد تُوجد فكرة الذنب والعقاب كما في العهد القديم، وكما في لو 13: 1 ي. ولكن فكرة الدينونة في الآخرة هي التي تسيطر. إن تاريخ العالم ليس دينونة العالم. فدينونة العالم هي بالحري نهاية العالم.
والمثل (13: 6- 9) كما سنرى يجعلنا نرى تهديد تدخّل عقابي من قِبَل الله، نجد صورته في صاحب الكرمة. فكل شيء يتّسم بسمة العناية الإلهية في التاريخ البشري، وبالأخص في تاريخ إسرائيل. ولكن الردة في آ 3 وآ 5 تكتفي بأن تؤكّد أن عدم التوبة يقود إلى الموت، دون أن تدل على أن الله هو صاحب هذا الشقاء. إن الله لا يقدّم إلاّ الحياة وهو لا يصنع إلاّ الخير. ولكن الناس والشعوب يستطيعون أن يقبلوا خلاصهم أو يرفضوه. "يا أورشليم، يا أورشليم، كم مرّة أردت أن أجمع بنيك... فما أردتم" (13: 34).
ثالثاً: البعد المرتبط بهذين القولين
نستطيع الآن أن نفهم المعنى العميق لقولَيْ يسوع مع الأخذ بعين الإعتبار بمناخ الإنشداد والمفارقة بين السؤال والردة التي تتضمّن الجواب، وذلك في آ 1- 3 ثم آ 4- 5. لقد انتهينا من نظرية المجازاة القديمة، ولكن التهديد ما زال قائماً في هذه الساعة الحاسمة وأكثر من أي وقت مضى، على الجميع وعلى كل واحد منا. وأعلن يسوع: كلا. إن الرجال الذين قتلهم جنود بيلاطس أو سقوط البرج، لم يكونوا خاطئين أكثر من الآخرين. ولكنهم كانوا خاطئين، وكل انسان على الأرض خاطئ. فعلى الضربات التي كانوا ضحيّتها أن تكون لنا تنبيهاً ترسله العناية: إنها تدعو إسرائيل (ومن خلاله كل البشر) إلى التوبة والتعرّف إلى مرسل الله لينالوا هذا الخلاص الاسكاتولوجي. يسوع نفسه دشّن هذا الخلاص. فإن رفضناه بإرادتنا في هذا الوقت العصيب نجرّ على نفوسنا الضربة العظمى.
إنّ قول يسوع المعبّر عنه في أسلوب نبوي والذي استعاد لوقا قراءته، لن يبقى آنياً (يتوجّه إليّ الآن) إلاّ في منظار النهاية، منظار الدينونة الشاملة التي تحدّد المصير الأبدي لجميع البشر. لا يحتفظ لوقا بالنظرة إلى مصير إسرائيل المأساوي، الذي اهتمّ دوماً بأن. يميّزه عن نهاية العالم (في 21: 7 ي يفصل دمار أورشليم عن مجيء ابن الإنسان). فكل البشر لا يستطيعون أن يدفعوا "دينهم"، وهم يتوسّلون إلى رحمة الديّان السامي: ولن ينعموا بهذه الرحمة، ساعة الحساب، إلاّ إذا قبلوا موهبة التوبة التي تقودهم إلى الحياة (أع 11: 18).
"أصحاب الدين" (في آ 4) يقابلون الخاطئين في آ 2. فصورة دين الخطيئة المعروفة في العالم اليهودي على أنها شرّ نكفر عنه بالأعمال الصالحة، قد استعملها يسوع (7: 42: كان لمداين دين على رجلين؛ 11: 4 في صلاة الأبانا؛ مت 6: 12- 14؛ 18: 21- 35) ليدلّ على غفران يمنحه الله بجوده وصلاحه. فكأننا أمام دين لا نستطيع أن نفيه. ومثل العبد الذي لا يستطيع أن يفي دينه ولا يريد أن يشفق على قريبه (مت 18: 23- 35) يربط ربطاً مباشراً تأدية الحساب بالدينونة الاسكاتولوجية.
ب- مثل التينة العقيمة (آ 6- 9)
للوهلة الأولى يبدو تعليم مثل التينة قريباً جداً من النداء إلى التوبة كما تضمّنته المقطوعة السابقة. قد تكون القطعتان وُجدتا في الماضي منفصلتين. ولكن يبدو أنهما جمعتا في وقت سابق للوقا في بنية واحدة تشبه إلى حدّ بعيد بنية 15: 1- 32. فالدرس في المثلين الموازيين، مثلي النعجة الضالة والدرهم الضائع، يجد خبراً يوسعه مثل الإبن الضال. وهذا ما نقوله هنا. فدرس المثلين (الجليليون وبرج سلوام) يجدان توسيعاً لهما في خبر أطول هو مثل التينة العقيمة. وفي الحالين، يبدأ المثلان بسؤال (13: 2، 4: أتظنّون؟ 15: 4، 8: من منكم؟). وتعود العبارة عينها: "أقول لكم" (13: 3، 5؛ 15: 7، 10)، "وأيضاً" (13: 4؛ 15: 8). في الحالين نحن أمام مجموعة تتضمّن مقدمة قصيرة وقولين متوازيين يتبعهما مثل يدلّ على هدف القولين. ويبدو أن 13: 1- 9 و15: 1- 32، قد استقاهما لوقا من ينبوع واحد.
ومهما يكن من أمر، تشابهت المواضيع فتقاربت، كما قلنا، عند لوقا أو عند المرجع الذي استقى منه.
هناك تشابه، ولكن مع اختلافات طفيفة. وأهمها فكرة مهلة للنعمة. فهذه الفكرة ليست غريبة عن آ 1- 5: فسامعو يسوع يستطيعون أن يتجنّبوا الهلاك إن هم تابوا. وما يسري بالنسبة إلى القولين المعزولين يسري بالحري بالنسبة إلى نظرة لوقا الذي ضمّ إليهما مثل التينة. ففي آ 3 وآ 5، ظلّت كلمة يسوع، حسب لوقا، تنبيهاً وتخويفاً لا دينونة وحكماً نهائياً. لم يضِع كلُّ شيء بعد، شرط أن نتوب ونعود إلى الرب.
ولكن فكرة المهلة لن تصبح واضحة إلا في المثل. أمّا الدرس عن التوبة فهو واضح في آ 3، 5 ومتضمَّن في آ 6- 9. كل هذا يتيح لنا أن نرى في المثل شقّين إثنين: تروي آ 6- 7 واقعة من الوقائع، واقعة معقولة تبرز التهديد المسلّط على شجرة تين. وتتضمّن آ 8- 9 سمات لا نتخيّلها بسهولة في تصرّف المزارع الفلسطيني، فهي تشدّد على المهلة التي حصل عليها الكرام من أجل كرمته.
1- السياق والمحيط الحياتي الأصلي
لقد رأينا أي ضوء ألقاه على آ 1- 9 السياق العام لكرازة يسوع والسياق السابق لهذه المقطوعة منذ 12: 35. فالوقت الحاضر مهم أهمية رئيسية. نحن هنا عند الحدود الأخيرة لمنعطف حاسم يحدّد مصير كل واحد منا: فإن تأخرنا بعد عن إصلاح سلوكنا وعن التوبة، نهلك ولن يكون لنا دواء. إذن، طوبى للذين يوجدون مستعدّين (12: 37، 38، 40، 43)! ولكن الويل للآخرين (آ 45- 48) الذين لم يتعرّفوا إلى علامات الزمان (آ 54- 56)، الذين لم يتوبوا في هذه الساعة الأخيرة (13: 1- 5) ولم يستفيدوا من المهلة الأخيرة التي أعطيت لهم ليحملوا ثمراً.
إذن، الفكرة التي يعبّر عنها هذا المثل هي واضحة في جوهرها: عجّلوا وتوبوا. هذا ما يقوله يسوع للشعب، لأن هذه هي المهلة الأخيرة التي يمنحكم الله إياها قبل الدينونة الرهيبة.
وشدّدنا أيضاً على أنّ هذا النوع من النداء إلى التوبة يميّز بصورة خاصة المرحلة الأولى (خاصة الجليلية) من كرازة يسوع. ولكن بقي تردّد في ما يخصّ مثل التينة، لا سيما وأنه يذكّرنا بحدث التينة التي لعنها يسوع حين دخوله إلى أورشليم حسب مت 21: 18- 19 ومر 11: 12- 14. نحن في الحالين أمام تينة خيّبت أمل من جاء يطلب فيها ثمراً. إنها تمثّل (رغم التفسير الثانوي عند متّى ولوقا) إسرائيل المهدّد بأن يُقلع بسبب لا إيمانه وعدم توبته. ولكن لا شيء يؤكّد أنّ لوقا حوّل الحدث الى مثل، كما يقول بعض الشرّاح. أما تحويل المثل إلى خبر فيبدو ممكنا لأن تيبيس التينة هو المعجزة الوحيدة التي لا تتحدّث عن فعلة حنان ورحمة. ثم لا ننسَ محبة يسوع للطبيعة (زنابق الحقل، مت 6: 28)، واحترام العهد القديم للأشجار (تث 20: 19). ولكن التحليل الأدبي لا يسند هذا الإفتراض، ولهذا لا بدّ من الإقرار بقرابة لعنة التينة بفعلات رمزية عند الأنبياء، وبأعمال أو أقوال أخرى قاسية صدرت عن يسوع.
فإذا أعطينا مثل التينة كمحيط حياة أصلي لكرازة يسوع الأخيرة في أورشليم، قد تعني الثلاث سنوات التي فيها جاء صاحب الكرم يطلب ثمراً، قد تعني مدّة حياة يسوع الرسولية. ومعاصرو المسيح هم الشجرة التي لم تعطِ ثمراً. خيّبوا أمله حين رفضوا أن يتوبوا، فأرسل إليهم نداءً أخيراً قبل موته.
أما إذا حدّدنا موقع المثل في بداية رسالة يسوع، حينئذ تعني السنوات الثلاث الأزمنة التي هيّأت التتمة المسيحانية (أو ربما رسالة يوحنا المعمدان، ساعتها يكون الكرّام هو يوحنا وصاحب الكرم يسوع). والتينة هي صورة عن إسرائيل قبل المسيح، صورة حدّثنا الأنبياء مراراً عن عقمها. وأخيراً إن مهلة السنة (الإضافية) التي اعطيت للتينة (بدون نيّة كرونولوجية) تمثل امتداد رسالة يسوع (في هذه الحالة نُصبح قريبين ممّا في مرقس).
في هذا الإفتراض الأخير تتخذ العناية الخارقة التي استعدّ الكرام ليعطيها لشجرته المهدّدة، تتخذ قيمتها، وإلاّ فما معنى هذه المهلة إذا كنا أمام تنبيهات يسوع الأخيرة قبل موته؟ هذه العناية تمثّل حينئذ مجهود يسوع منذ بداية حياته العامة ليردّ شعبه إلى التوبة.
2- الخلفية الكتابية
إن الصور البيبلية التي تجعل من إسرائيل غرس الله تبقى في خلفية هذا المثل. فإن أش 5: 4 قد تنبّأ عن خيبة الرب: إنتظر عنباً في كرمه فما وجد إلاّ حصرماً برّياً. هذه القصيدة قد استعملها يسوع في مثل الكرّامين القتلة، فهدّد يها المسؤولين عن عقم الشعب المختار (مت 21: 34 وز). لا شكّ في أن يسوع مدين لهذا التقليد الأدبي الذي يصوّر إسرائيل كنبتة مختارة (أش 5: 1- 4؛ إر 2: 21؛ حز 17: 6؛ 19: 10- 11؛ مز 80: 9- 17). إنحطّت وصارت عقيمة فاستحقّت أن يدمّرها الله لينتقم منها (أش 5: 5- 6؛ إر 5: 10: 6: 9؛ 12: 10؛ حز 15: 6؛ 17: 10؛ 19: 12- 14). إن صورة الكرمة والتينة مترادفتان: تستعملان معاً في هو 9: 10؛ مي 7: 1؛ إر 8: 13 فتدلاّن على إسرائيل. وفي أرض تصلح للكرمة تنبت تينة المثل الذي ندرس.
إنّ هذه الخلفيّة البيبلية تغني إغناءً خاصاً قوة الإيحاء التي نجدها في الخبر الإنجيلي: إن الله أحبّ شعبه وأُغرم به، فاعتنى به وسهر عليه سهراً دائماً، ولكن جواب هذا الشعب كان العقوق ونكران الجميل بأبشع مظاهره. فقام عريس إسرائيل (هو 3: 1؛ 10: 1) بمحاولة كبيرة وأخيرة قبل أن يقطع الشجرة العقيمة: أرسل يسوع الذي دلّت عجائبه وسلطته الخارقة وحكمته العجيبة على شخصية تفوق البشر، أرسله ليدعو الشعب أخيراً إلى التوبة. هل سينجح؟ لا يعطي لنا مثل التينة الجواب، ونحن نفهم هذا فهماً أفضل إذا كان يسوع لم يزل في بداية رسالته. ولكن الشكوى التي تلي (آ 34- 35) ومثل الكرامين الأشرار سيعلماننا أن إسرائيل ترك الفرصة الأخيرة تفلت منه: فرؤساؤه وصلوا بعدم إيمانهم وكفرهم إلى الذروة فقتلوا الإبن الوحيد، إبن صاحب الكرم. وسيهتم بالكرم كرامون آخرون يعطون الثمر في أوانه إلى ربّ الكرم (مت 21: 43 وز).
3- تأوين الدرس الأخلاقي
بدأ مثل التينة وكأنه قيل في بداية رسالة يسوع. أما مثل الكرامين القتلة فهو يرجع إلى الفترة الأخيرة من حياة يسوع: بعد أن اختبر قساوة الفشل، توجّه فكره شيئاً فشيئاً إلى موته القريب، الذي بعده سيسلّم الكرم إلى كرامين آخرين. وقد يكون مثل التينة (والتهديدات التي سبقته: "تهلكون جميعاً") قد أعيدت قراءته في ذلك الوقت العصيب وكيّف ليوافق الوضع الجديد. وترك إسرائيل المهلة التي أعطيت له ليتوب ويؤمن، تركها ولم يستفد منها، وذلك بسبب خطيئة رؤسائه. هذا ما عرفناه وقد أشار إليه لوقا حين أقحم هذا المثل في سفر يسوع الأخير إلى أورشليم، الذي هو مسيرته إلى الموت. وزاد إسرائيل شرّا على شرّ فقتل مسيحه. لهذا سيناله العقاب الذي اعلنته الكلمات التي توجّهت إلى أورشليم (13: 34- 35؛ 19: 41- 44)، كما أنبأت به تهديدات أخرى مماثلة أطلقها يسوع في هذه المناسبة أو تلك (مت 8: 12؛ لو 13: 28): أجل ستُقطع التينة ولا دواء لها.
ولكن بالنسبة إلى لوقا الذي يكتب بعد سنة 70، لم يعد هذا الحكم التاريخي على الأمّة المختارة من التعليم الآني. فما وجده في مثل التينة على أثر ما وجده في الوسط التعليمي والإرشادي الذي انطلق منه المرجع الذي أخِذَ منه، هو دعوة متواصلة إلى التوبة وإلى الخصب الروحي. وهذه الدعوة لا تزال تفيد المسيحيين وكل المرشحين لقبول الإيمان. فكرازة الرسل لليهود والوثنيين كما قدّمها لوقا لنا في أعمال الرسل، انتهت دوماً بنداء إلى التوبة والإرتداد (أع 2: 38؛ 3: 19؛ 17: 30؛ 20: 21؛ 26: 20؛ 1 تس 1: 9- 10) للحصول على حكم يكون في صالحهم في الدينونة الأخيرة (أع 3: 19- 21؛ 10: 42- 43؛ 17: 30- 31). ويشير إنجيلي الرحمة مراراً إلى أن النداء عينه يتوجّه من جديد إلى المسيحيين الخاطئين. هو يعلن أنّ الخطأة مدعوّون إلى التوبة (5: 32؛ ق مر 2: 17). وتوبتهم تسبّب الفرح في البلاط السماوي (15: 7، 10؛ ق مت 18: 12- 14). وهكذا تضمّنت عدة مقطوعات خاصة في لوقا، مثل أمثال العشّار والفريسي، والدرهم الضائع والإبن الضال، وأحداث الخاطئة في بيت سمعان وزكا واللص الصالح، والجموع التي كانت تلطم الصدور وهي تترك الجلجلة (23: 48- 49)، تضمّنت دروساً سامية عن التوبة. وإذا وضعنا مثل التينة في هذا السياق، فهو يحتفظ بتعليمه الآني بالنسبة إلينا.
والدعوة إلى حمل الثمار تتوجّه إلينا كلنا نحن اليوم أيضاً. فالإنجيلي ينظر على خطى الرب إلى هذه "الثمار التي تليق بالتوبة" (3: 8 وز؛ رج أع 26: 20) التي يحملها المسيحي الخاطئ الذي يعود الى الرب تائباً. ويفكّر أيضاً بكل الثمار الروحية التي تتبع عادة المسيرة الأولانية، مسيرة الإرتداد. نتوسّع فقط في ما يحويه النصّ حين نقرأه على ضوء موضوع حمل الثمار كما نجده عند بولس ويوحنا. إذن، نفهم أنه يجب أن نعجل في أن نحمل على المسيح- الكرمة ثمر القداسة ولا سيما الحب الأخوي الذي ينتظره الله منا (يو 15: 1- 17؛ رج 13: 33- 35)، "ثمر الروح الذي هو غنى المحبة المتعدّد الأشكال" (غل 5: 22- 23)، نعجّل بانتظار عودة الرب.
ويطبّق لوقا نفسه موضوع حمل الثمار بطريقة مبتكرة على الحياة المسيحية. فهو لم يقرأ في مثل الشجرة التي تعرفها من ثمرها (6: 43- 44) تنبيهاً ضدّ الأنبياء الكذبة كما فعل مت 7: 15، بل وجّه فيه إلى التلاميذ نصيحة عامة بأنّ عليهم أن يثمروا: إن خصبهم هو العلامة التي تدلّ عليهم. وفي مثل الزارع، لا تمثل الأرض الطيّبة الناس الذين يتقبّلون الكلمة ويثمرون مئة تجاه واحدة، رغم ضيق الأزمنة الأخيرة والاضطهاد الذي يحلّ بالكنيسة الأولى، كما يقول متّى ومرقس. بل هو يهتمّ بالأحرى بالذين يبقون أمناء كل يوم (9: 23) وسط المحن والتجارب المتنوّعة. يهتمّ بالذين سمعوا كلمة الله بقلب طيّب ومطيع، فحفظوها وأثمروا بثباتهم (8: 15). أثمروا في وجودهم اليومي، في حياة يعيشونها خاضعين للشريعة الرومانية في أيام القديس بولس. أن يكون المسيحي مضطهداً أم لا، أن تبدو الدينونة قريبة أو بعيدة، فهو يعرف أنه تلميذ معلّم مات لكي يحمل ثماراً (يو 12: 23- 26): "إن ماتت حبّة الحنطة أخرجت حبّاً كثيراً".
4- التعليم حول طول بال الله
هل المهلة الأخيرة المعطاة للتينة قد تخيّلها يسوع ليشدّد على أنّ التوبة لا تنتظر وأن الدينونة قريبة؟ أم يجب أن نزيد على هذا الدرس درساً آخر عن رحمة الله التي تنتظر؟ وبعبارة أخرى، هل نشدّد فقط على أنّ المهلة المعطاة هي المهلة الأخيرة، أم نشدّد أيضاً على أنّ هناك مهلة مع أنه لا يمكن أن يكون؟ هل نقول مع مانسون: معنى المثل هو أن نقوله أنّ لصبر الله حدوداً في تعامله مع البشر؟ أم نفكّر مع شميد فنقول: إن فكرة مهلة للنعمة هي السمة التي بها يتعدّى هذا المثل أقوال يسوع السابقة عن البرّ والتوبة؟
ان حركة الخبر وما نجد فيه من أمور غير معقولة تفرضان علينا الحلّ الثاني: كل شيء يوجّهنا نحو نجاح المزارع الذي يتحدّى المنطق بعض الشيء. لو قطع هذه الشجرة التي تعطّل الأرض قبل ثلاث سنوات من الخبرة لكان حكيماً: وكان من الأفضل أن يزرع نبتة جديدة ولا يحاول تطعيماً آخرته الفشل مع خسارة في المال والوقت. من جهة ثانية، هل سينفع السماد الذي يجعله الكرام على هذه الشجرة البرية؟
ولكن السلوك الذي يستعدّ له هذا المزارع الذي يحاول المستحيل، لا يبدو "طبيعياً". فالمثل يفرض علينا أن نطبّق تفاصيله ولا نكتفي بالفكرة العامة: إن يسوع يدلّنا على سلوك يتجاوز عالم البشر ليصل بنا إلى عالم الله الذي لا يستحيل عليه شيء (18: 27). أليس هو الكرام الذي يخفّف من قساوة صاحب الكرم؟ لن يفهم تلاميذه إلا فيما بعد في أي شكل عجيب يسوع هو وسيطنا والمتشفّع بنا (روم 8: 34؛ 1 تم 2: 5؛ عب 7: 25؛ 8: 6؛ 9: 15؛ 12: 24؛ 1 يو 2: 1). ولكن سامعيه يستطيعون أن يدركوا منذ الآن أن رسالته تشكّل علامة فاعلة عن عنايته التي لا تتعب وعن طول بال الآب وصبره. وعظ يوحنا المعمدان بإله وضع الفأس على أصل الشجرة (لو 3: 9 وز). وهدّد يسوع أيضاً ولكنه بيّن أن الله لا يرضى أن يُعاقب قبل أن يحاول كل شيء ليجعل رحمته تمسّ قلب شعبه. ان شعاع الرحمة الذي نراه في هذا المثل يتناسق مع أعمال يسوع وأقواله المسيحانية التي حيرت السابق (7: 23؛ مت 11: 6) وجعلته قريباً من الشكّ والإرتياب وفقدان الإيمان.
نشير هنا إلى ما نقرأ في المخطوط البازي (النصّ الغربي). فقبل الأمر "اقطعها" يقال لصاحب الكرم: "احمل الفأس". نجد هنا تلميحاً إلى 3: 19 وز. وهكذا يتضح التعارض بين كرازة يوحنا وما فيها من عنف ولطف يسوع وحنانه. قد لا تكون هذه الزيادة صحيحة، ولكنها تعبّر عَن فكر الراوي تعبيراً أميناً.
ثانياً: وجهة لوقا
ان إبراز المهمة من أجل النعمة الموافق لأسلوب يسوع بدا قريباً كل القرب من القديس لوقا. وهذا ما نفهمه حين نعلم أنه أحلَّ خبر التينة العقيمة محلّ حدث التينة اليابسة (مت 21: 18- 22؛ مر 11: 12- 14) ليخفّف من قساوة الحدث بشعاع أمل يطلّ من الخبر. يرى بعض الشرّاح أنّ لوقا يشير إلى اليهود الذين احتفظوا لبعض الوقت بمناسبة التوبة بفضل الكرازة الرسولية. ثم انه لا شك بأن لوقا عرف حدث التينة اليابسة وأغفله عمداً. فهو الذي اعتاد أن يخفّف المشاهد العنيفة أو يهملها. وأخيراً إن رحمة الله والمسيح تشكل أحد المواضيع العزيزة على قلبه. كل هذا يثبت أنه أراد أن يقدّم لنا تعليماً عن طول بال الله "البطيء عن الغضب والكثير الرحمة" (خر 34: 6؛ مز 86: 15؛ 103: 8؛ 145: 8). إنه يتأخر إلى آخر حدود الممكن، وينتظر توبة الخاطئ (15: 20) ويعمل للحصول عليها (25: 4، 8؛ 19: 5).
والاهتمام الذي به دلّ لوقا على أنّ الله يمنح في حنانه مهلة للخطأة مع الإلحاح عليها بالتوبة، يلتقي ورجاء الكنيسة كلها في عصره. لقد اقتنعت الكنيسة الأولى بطول بال الله تجاه الخطأة وهو الذي أحبّهم حتى أسلم ابنه إلى الموت عنهم (روم 5: 8)، فانتظرت بهدوء رجوع الرب يسوع: "فإن تأخرت عودته ليدين العالم، فلأنه يصبر علينا ولا يريد أن يهلك أحد، بل أن يصل الجميع إلى التوبة" (2 بط 3: 9؛ رج روم 2: 4).

خاتمة
يحسّ المسيحي في كل وقت ولا سيّما في وقت الصوم بنداء الله إلى توبة متجدّدة، شأنه شأن آبائه في الإيمان. إنه نداء جدّي ورهيب: "فالله لا يهزأ منه" (غل 6: 7)، وسيأتي يوم تُقطع فيه الأشجار العقيمة. ولكن الله كشف عن نفسه في ابنه على انه أب يأخذ وقته ولا يعجّل، ينسى الذنوب (15: 30) ولا يني ينتظرنا بصبر لا حدود له.
وقد أعطيت لنا هذه المهلة لنقتدي به في رحمته (6: 36) لكي نحبّ ونغفر كما أحبّ هو وغفر (مت 5: 44- 45؛ لو 6: 35؛ كو 3: 13؛ أف 5: 1): هذا هو الشرط لكي ننعم نحن الفقراء المديونين الذين لا يستطيعون أن يدفعوا دينهم، هذا هو الشرط لكي ننعم بعفو كامل في يوم الحساب. وفي هذا الوقت، وقت التوبة، نردّد صلاة المزارع المتواضعة: إرحمنا يا رب أيضاً هذه السنة، فقد نحمل ثمراً. أو صلاة العبد المديون: "أمهلنى" أو "أعطني مهلة" (مت 18: 26). ولكن كيف ننسى أنّ هذا العبد "سلّم إلى الجلاّدين" لأنه لم يلغ لقريبه ديناً طفيفاً.
المحبة تصبر وترفق (1 كور 13: 4). هي تتحمّل وتغفر وتضع رجاءها في القريب وتعمل على إخراجه من الشر. مثل هذا السلوك ليس تلقائياً في الإنسان. إنه يتطلّب قوّة الروح. نحن هنا أمام أخلاق الله، لا أخلاق البشر. هذا ما يذكّرنا به مثل التينة العقيمة.

 

 

الفصل الخامس والعشرون
إمرأة منحنية الظهر
13: 10- 17

يوم يسوع هو يوم حاسم يعطيه الله: إنه بداية هلاك أبدي أو خلاص أبدي. وشفاء المرأة المنحنية الظهر (الحدباء، المحدودبة) يشكّل علامة عن بداية الخلاص. هناك إشارات سريعة لها مدلولها العميق ترينا بمناسبة الحديث عن هذه المرأة ما يعني زمن يسوع. قبل يسوع، كان الشقاء الأكبر والتعاسة العظيمة: مريضة من ثماني عشرة سنة. يتسلط عليها روح شرّير. هي منحنية ولا تستطيع أن تستقيم البتة. إنها كلها إلى الأرض، وتكاد تلتصق بها. لا تستطيع أن ترفع نظرها إلى فوق.
والتقى يسوع بهذه التعاسة. نظر إليها نظرة الحنان والرحمة. دعاها إليه، كلّمها، وضع يده عليها. هذه رسمة سريعة عما فعله يسوع دائماً. واستولى الخلاص على هذه المرأة، إنحلّت من رباط الشيطان ومن مرضها. فصارت حرّة الآن لكي تمجّد الله. كان ملتصقة بالأرض فرفعت عينيها وقلبها إلى العلاء.
ما رأيناه في برنامج يسوع في بدء حياته العملية حين ظهر للمرة الأولى في المجمع، ها هو قد تمّ الآن. لقد جاء يبشّر الأسرى بتحريرهم والعميان بالنور (4: 18). أجل، لقد جاء الخلاص.
ولكن المسؤول عن المجمع لا يعرف "زمان الخلاص". إنه أحد المرائين الذين يعرفون أن يفسّروا علامات الأرض والسماء، ولكنه ينغلق على بداية زمن الخلاص وبالتالي على آيات تتحقق. فتفسيره للشريعة وتعلّقه بالتقاليد البشرية أبعداه عن المحبة والرحمة من أجل المعذّبين فلم يفهم زمانه حقاً.
وأعطى يسوع للسبت معنى جديداً. ألقى نوره على زمن الخلاص الذي يعلنه الرب ويحمله. فشريعة راحة السبت هي في خدمة الإنسان. والله يتمجّد في هذه الراحة حين يظهر رحمته تجاه البشر. في السبت يتقبّل الإنسان كرامة جديدة، فلم نعد نجعله مع الثور والحمار الملتصق بالأرض. فهذه المرأة هي إبنة إبراهيم. تحطّمت سلطة الشيطان فيها، وتخلّصت من آثار الخطيئة التي هي المرض والموت. أجل، ها هو يسوع يدعو الناس إلى راحة أخرى: "تجدون الراحة لنفوسكم. نيري طيب وحملي خفيف" (مت 11: 28). مع يسوع صار السبت يوم الفرح للشعب كله. إنه اليوم الذي تمّ فيه الخلق، إنه يوم تمجيد الله والتأمل في كل ما عمله: "نظر الى ما عمله فإذا هو حسن جداً" (تك 1: 31).
كل هذا نجده في شفاء المرأة المنحنية الظهر. وجوّ هذه المعجزة يعيدنا إلى الفن الأدبي الذي عرفناه في 6: 6- 11 مع شفاء رجل يده اليمنى يابسة أو في 14: 1- 6 مع شفاء رجل تورّم جلده بالإستسقاء.
أ- المعجزة في حدّ ذاتها (آ 10- 13)
ترد هذه المعجزة بعد مثل التينة العقيمة (13: 6- 9)، فرأى بعض الآباء (امبروسيوس، غريغوريوس الكبير) في المرأة الحدباء صورة عن الكنيسة تجاه المجمع (أي: الشعب اليهودي) الذي تمثّله التينة. لا شك في أننا أمام تكييف للنصّ له عمقه النمطي ولكنه لا يجد له أساساً في النصّ. أما الاب فاغاني فرأى أن مثل التينة العقيمة يحيط به خبران رمزيان. الأول (13: 1- 5) يرمز إلى عقاب اليهود. والثاني (13: 10- 17) يرمز إلى خلاص الوثنيين. ولكن يبدو من الصعب أن يدعونا لوقا لكي نرى صورة عن الوثنيين في المرأة المنحنية، إبنة إبراهيم هذه التي يشفيها يسوع يوم السبت في المجمع فيتشكّك خصومه ويغضبون. إن الإشارات اليهودية تلفت انتباهنا لا إلى خلاص الوثنيين، بل إلى صلاح يسوع وحنانه، إلى حريته المتحلاّة بالذوق السليم والروح الدينية تجاه تفسير الشريعة تفسيراً يهودياً وتجاه رياء المسؤولين اليهود. فإن كان هناك من رباط على مستوى الأفكار بين مثل التينة وخبر المرأة الحدباء، فهو على مستوى الرياء الذي يشجبه هذه الخبر ويلمّح إليه ورق أخضر تحمله شجرة عقيمة. ولكن بما أن هذا الورق غير مذكور، يبقى الرباط مشكوكاً فيه بعض الشيء وإن كان يساعدنا على بعض التأمّل في هذا النصّ الإنجيلي.
أمّا هذه المقطوعة، مقطوعة المرأة الحدباء التي تبدو موضوعة قرب مثل التينة العقيمة، فنقسمها قسمين. نقرأ أولاً خبر المعجزة في حدّ ذاته (آ 10- 13). ثم الجدال يوم السبت.
يبيّن خبر المعجزة على قصره وبشكل خفي، يبيّن قدرة يسوع. يشدّد على طول المرض: 18 سنة. على خطورة الوضع: إمرأة منحنية ولا تستطيع أن تنتصب البتّة. وعلى شفاء سريع: إنتصبت قائمة في الحال. وقد حصل الشفاء بوضع الأيدي، وهو فعلة تدل بساطتها أيضاً على قدرة مجترح العجائب. لقد لجأ يسوع إلى وضع الأيدي مراراً. جاء الناس بالمرضى "فوضع يديه على كل واحد منهم وشفاه" (4: 40). ولما جاءه أعمى بيت صيدا وضع يديه عليه، ثم وضعها على عينيه فأبصر جيداً (مر 8: 23، 25). ووضع الرسل أيديهم على المرضى فشفوهم كما قال مر 16: 18. والمثال على ذلك ما فعله حنانيا مع بولس (أع 9: 12). كانت هذه الحركة في العهد القديم علامة تقليدية تدلّ على رضى الشخص وفعله (رج تك 48: 13- 19).
دلّ الشفاء على قدرة يسوع، وبالأحرى على صلاحه وحنانه. هذا ما أراد لوقا أن يبرزه. هو لا يشير إلى الشفقة كما فعل في خبر معجزة نائين (7: 13: "رآها الرب فاشفق عليها"): فوضع المرأة وكأنها مفصولة إلى إثنين لم يكن مؤثراً مثل وضع ابن وحيد خسرته أرملة وهو في ريعان شبابه. ولكن يسوع بادر إلى العمل في هذه المعجزة كما في إقامة ابن نائين ولم ينتظر طلب أحد. وبما أن في هذا الخبر أيضاً لا يذكر الإيمان كمقدّمة للمعجزة كما تعوّدنا أن نرى عن الإزائيين، فلا شيء يبعد انتباه القارئ عمّا سيفعل يسوع: نادى المرأة قبل أن تطلب. أعلنها محرّرة من مرضها قبل أن يضع يديه عليها. وأخيراً شفيت حقاً.
يحبّ لوقا أن يبرز عجائب يسوع على أنها معجزات تدلّ على صلاحه وحنانه ولا سيما من أجل المنبوذين في المجتمع. ولا ننسَ اهتمام لوقا بالنساء، وقد كنّ محتقرات لضعفهن. فإن يسوع غمرهنّ بحنانه الإلهي.
ويتّخذ الشفاء شكل تقسيم. هنا يمكننا المقابلة مع مر 9: 14- 29 وز؛ مت 9: 32- 34؛ 12: 22- 24؛ لو 11: 14- 15. قيل لنا أنّ المريضة "يمتلكها روح" (آ 11). ربطها الشيطان وقيّدها (آ 16). لا نجد نصّاً بهذه القوة يدل على أن المرض الذي دخل إلى العالم على خطى الخطيئة (رج تك 3: 14- 19) هو علامة قدرة الشيطان وسلطته على البشر (رج أع 10: 38: إستولى عليه إبليس). ولكن يسوع هو "الأقوى" (11: 22) الذي يطرد الشيطان من موضع أقام فيه: فقدرته وصلاحه يفعلان ضدّ هذا الشخص الذي يستعبد البشر (صورة قيود سجين). وهذه القدرة المحرّرة هي مدخل إلى تلك التي ستكون ليسوع "الرب" (آ 15). هو الرب الذي يشفي، هو الرب الذي يحلّ السبت كما يحلّ هذه المرأة من رباطها، هو الرب الذي يعمل كل هذه الأعمال المجيدة (آ 17). 
وينتهي الخبر، حسب الرسمة العادية، بذكر ردّة الفعل الدينية لدى الحاضرين أمام المعجزة: المرأة التي شفيت مجّدت الله (آ 13). ولكن الجموع لم تشاركها في عمل التمجيد إلاّ في القسم الثاني من المقطوعة: ستعبّر عن فرحتها أمام الأعمال المجيدة التي يصنعها يسوع.
إعتاد الإزائيون أن يتحدّثوا عن تمجيد الله بعد المعجزة. يروي مر 2: 12 كيف تعجّب الحاضرون ومجّدوا الله بعد شفاء كسيح كفرناحوم. وكذا فعل مت 9: 8 (رج 15: 31). ولكن لوقا يذكر هذا التمجيد بصورة متواترة. لا شك بعد شفاء الكسيح ولكنه يضاعف التمجيد. أولاً: ذهب الكسيح إلى بيته وهو يحمد الله. ثانياً: إستولت الحيرة على الناس فمجّدوا الله (5: 25- 26). ولما قام إبن أرملة نائين، سيطر الخوف على الجميع وقالوا وهم يمجّدون الله: قام فينا نبي عظيم (7: 16). ومجدّت هذه المرأة الله هي أيضاً لما أنعم عليها من تحرير (آ 13). وعاد الأبرص الذي شفي ليمجّد الله (17: 15)، وكذلك فعل الأعمى بعد أن أبصر (18: 43). وكانت قمّة التمجيد عند الصليب. رأى قائد الحرس ما جرى فمجّد الله (23: 47).
والفرح الذي يكاد يجهله كل من متّى ومرقس، يتفجّر في كل وقت من إنجيل لوقا. فمنذ الفرح بمولد يوحنا وميلاد يسوع بعد البشارة بهما (1: 14، 28، 41، 44، 58؛ 2: 10) إلى الفرح الذي يملأ قلوب الذين يلتقون بيسوع أو يرون معجزاته. أرسل يسوع السبعين فعادوا فرحين (10: 17) ودعاهم يسوع إلى الفرح الحقيقي: أسماؤهم مكتوبة في السماء (10: 20). وسيفرح يسوع معهم وسيبتهج حين يرى سرّ الله الخفيّ يكشف للبسطاء، للصغار (10: 21).
قام يسوع بأعمال مجيدة ففرح الجمع (13: 17). دعا يسوع نفسه إلى بيت زكا، فنزلت زكا يستقبله بفرح (19: 6)، بل استقبله كل أهل أورشليم (19: 37)، بانتظار فرح القيامة والصعود الذي سيعيشه الرسل (24: 41، 52). ومن لا يفرح مع الله حين يعود إليه ابنه التائب؟ هذا ما تعبر عنه أمثاله الرحمة الثلاثة (ف 15): الخروف الضائع والدرهم المفقود والإبن الضال. كما يعود الراعي وهو يحمل خروفه الضال "على كتفيه فرحاً" (15: 5) كذلك يكون الفرح في السماء (آ 7). وكما تطلب المرأة من جاراتها أن يفرحن معها (آ 9) كذلك يشرك الله الملائكة في فرح خاطئ يتوب (آ 10). هذا الفرح يملأ قلب الاب المحبّ حين عودة الإبن: "علينا أن نفرح ونمرح لأن أخاك هذا كان ميّتاً فعاش وضالاً فوُجِد" (آ 32).
ب- جدال حول السبت (آ 14- 17)
هذا الجدال هو الثالث الذي يذكره لوقا بمناسبة الشفاء من مرض. يرتبط الأول بشفاء الرجل اليابس اليد (6: 6- 11) والثاني بشفاء المستسقي (14: 1- 6). نشير إلى أنّ الشفاء الأول له ما يوازيه في متّى (12: 9- 14) ومرقس (3: 1- 6) في إطار خمس مجادلات بين يسوع والفريسيين. أما شفاء المرأة الحدباء والمستسقي فلا نجد ما يوازيهما في سائر الأناجيل. هل نحن أمام واقع واحد؟ كلا، بل أمام ثلاثة وقائع مختلفة. لا شكّ في أن الخبر الواحد أخذ من الخبر الآخر. مثلاً: ان جواب يسوع في حدث الرجل اليابس اليد حسب مت 12: 11 يقابل ما نجد في خبر المستسقي (لو 14: 5): "من منكم يقع إبنه أو ثوره"؟ 
ويبدو الخبر وكأنه قد انتهى بعد ذكر تمجيد الله في فم المرأة التي شفيت. ولكنه ينطلق من جديد ليصوّر غضب رئيس المجمع الذي رأى في هذا الشفاء تعدّياً على شريعة الله فيما يخصّ السبت. ثم يوبّخ الشعب دون أن يتجرّأ على مهاجمة يسوع بصورة مباشرة. نلاحظ ان كلمة "سبت" ترد خمس مرّات في هذا المقطع الصغير (آ 10، 14 مرتين، 15، 16؛ رج 6: 1- 10). وعاد رئيس المجمع إلى الكتاب المقدّس يدافع به عن احترام السبت (رج خر 20: 9- 10 وتث 5: 13- 14).
تظاهر رئيس المجمع انه يكلّم الجمع، فأجابه يسوع، ولكنه لم يوجّه كلامه إلى الجمع، بل إلى "الخصوم" الذين يميّزهم النصّ عن الجمع: يا مراؤون (آ 15). ولما تدخّل يسوع خجل هؤلاء المعارضون (آ 17). إن يسوع لا يسمّيهم، ولكننا نفهم أننا أمام الفريسيين ومعلّمي الشريعة الذين تكلّم رئيس المجمع باسمهم: إنهم هم الذين يدلّ عليهم يسوع حين يستعمل كلمة "مرائين". وهم الذين يحدّدون الأعمال الممكن القيام بها يوم السبت.
وعاد يسوع إلى طريقة المجادلة لدى الفريسيين. اهتمّوا بمصالحهم المادية، ولهذا فهم لا يتورّعون عن اخذ بهائمهم ليسقوها يوم السبت (آ 15). وحسب لو 14: 5 ومت 12: 11، هم يخرجون ابنهم أو بهيمتهم من حفرة أو بئر يوم السبت. سيكون الإسيانيون كثر قساوة: لا تساعد بهيمة تضع يوم السبت. إذا سقطت في بئر أو حفرة يوم السبت فلا تخرجها (وثيقة دمشق 11: 3- 4). إن الفريسيين هم على حق ضدّ الإسيانيين. ولكن تحرّرهم الجزئي مشتبه به، لأن عدم المنطق الفادح يرافقه. هؤلاء الناس الذين يحتالون على الشريعة حين تكون مصالحهم مهدّدة (مت 15: 3- 9)، يعتبرون أنه يحقّ لهم أن يمنعوا المعلم أن يشفي مريضاً يوم السبت. أين الإستنتاج المنطقي! أليس الإنسان أفضل من الخروف (مت 12: 12)؟ فإن سُمح بحلّ الثور وأخذه ليشرب، أما يُسمح بحلّ "ابنة إبراهيم لما من قيود الشيطان. هذا البرهان الواضح فرض نفسه على الجمع. ولكن "خصوم" يسوع لم يفهموه. إنهم "مراؤون" يربطهم تعلّقهم الأعمى (مت 15: 14؛ 23: 26) بتقاليد بشريّة، فلا يدركون براهين يقدّمها الذوق السليم. ثم إن شرّهم يدفعهم إلى رفض علامات عن رسالة إلهيّة أتمّها يسوع أمام أنظارهم (11: 15 وز؛ 12: 56).
أجاب يسوع فحرّر بجوابه النفوس من قيود الفتاوى التي تخنق الناس بالشكليات، كما حرّر المرأة الحدباء من أسر الشيطان. إستعاد روح شريعة السبت من خلال حرف المفسّرين المليء بالأشواك: نُظِّم السبت كوسيلة تؤمّن للعامل الراحة الضرورية (خر 23: 12؛ تث 5: 14- 15)، كتذكّر لحسنات الله من أجل شعبه (تث 5: 15)، كعلامة ميثاق بين الله الخالق والإنسان (خر 20: 11؛ 31: 12- 17؛ تك 2: 2- 3). "جُعل السبت للإنسان" (مر 2: 27)، لا الإنسان للسبت. إنه يسهّل ممارسة محبّة القريب، بشكل ملموس، وهذه هي الوصية العظمى في الشريعة (مت 22: 36- 40 وز)، ويذكّر برحمة الله من أجل أخصائه (مت 12: 7).
إذن، حين نمنع ممارسة محبة القريب لنحافظ على شريعة السبت نقلب النظام الذي رتبه الله (13: 15- 16؛ رج مر 3: 4). وماذا نقول حين نكون أمام معجزة شفاء لا تستطيع أن تأتي إلا من قدرة إله المحبّة! 
في هذا النص يحارب يسوع من أجل ديانة في الروح والحق: ذكّر خصومه بالمعنى الحقيقي لشريعة السبت. وسيكون في مكان آخر أكثر جذرية: إبن الإنسان هو ربّ السبت (مر 2: 28). مثل هذا القول ينبئ بإلغاء هذا النظام الذي احترمه حين عاش على الأرض (4: 16؛ مت 24: 20). ولكن موته وقيامته اللذين إتمّا تدبير التهيئة والوعد والصور، أحلاّ محلّه الأحد، "يوم الرب" (أع 20: 7؛ رؤ 1: 10).
إن لوقا الذي لا يهتمّ كثيراً بالأمور اليهودية احتفظ لنا بثلاثة جدالات حول معجزة يوم السبت. أما يدل هذا على أنه اختبر مع معلّمه القديس بولس أن إحلال نظام الأحد محل السبت لم يكن بالأمر السهل لدى المسيحيين الآتين من العالم اليهودي (كو 2: 16): "لا يحكم عليكم أحد في المأكول والمشروب أو في الأعياد والسبوت". الديانة الحقيقية هي الديانة الداخلية وهي تؤول إلى تمجيد الله الذي خلّصنا بالمسيح (آ 17). 
خاتمة
إنهم يعتبرون نفوسهم كرمة الرب، ولكنهم على ضلال! يمنعون عن عمل التحرير يوم السبت. إنهم على ضلال! يرفضون يسوع، يريدون أن يزيلوا هذا الخمير الذي يخمّر العجين كله (13: 21). فهل يقدرون؟ 
ومع هذا، جرت الآية أمام عيونهم. غير أن الشفاء ليس شغلاً بسيطاً. إنه عمل الله أو من يرضى عنه الله. وفي هذه المعجزة بالذات نحن أمام حلّ من رباط، من رباط الشيطان، وهذا عمل مسيحاني بكل معنى الكلمة. فلماذا لا نعمله يوم السبت. بل قال يسوع: "كان يجب أن تحل"، كان هذا أمراً ضرورياً، ولو لم يعمله لكان رفض مشيئة الله. 
وهكذا بدت الآية التي اجترحها يسوع آيتين. من جهة، دلّ على الشرّ الخفي الذي يجعل إسرائيل منحني الظهر ومقيّداً منذ زمن طويل. ومن جهة ثانية، دلّ على يسوع الذي يجعل إسرائيل ينتصب ويقوم كما أعلن الله بلسان الأنبياء: "سأقيم خيمة داود" (عا 9: 1 حسب السبعينية): يرد هذا النص في فم يعقوب في مجمع أورشليم (أع 15: 16). خيمة داود هي الكنيسة ولن تنطلق إنطلاقتها الحقيقية إلاّ حين تحلّ من قيود الشريعة وممارستها وتتعرّف إلى الحرية التي لنا في المسيح.

 

 

الفصل السادس والعشرون
حبّة الخردل والخمير في العجين
13: 18- 21

أ- مثل حبلأ الخردل
مع مثل الزرع الذي ينمو وحده (مر 4: 26- 29)، يطرح مثل حبّة الخردل عدداً من الأسئلة حول الأمثال التي تتحدّث عن النموّ. نحن أمام فكرة يسوع حول رسالته وعلاقتها بأحداث نهاية الأزمنة. ونحن أيضاً أمام نظرة حول ملكوت الله.
نبدأ أولاً فندرس المثل في الأشكال الثلاثة التي فيها وصل إلينا. نحاول أن نكتشف عناصر محدثة وعناصر تعود إلى يسوع. بعد هذا، نبحث عن هدف المثل، عن المعطية الرئيسية التي تدلّ على التعليم الديني الذي من أجله كُتب المثل. والقسم الثاني من عرضنا يحدّد هذا التعليم متسائلاً حول تطبيق المثل في إطار رسالة يسوع. والقسم الأخير يتوقّف عند التطبيقات الجديدة التي يدلّ عليها الإنجيليون الذين اهتموا بإعطاء القارئ المسيحي دروساً تتكيّف والوضع الذي فيه يعيشون.
1- النسخات الثلاث في الإناجيل
وصل إلينا مثل حبّة الخردل في ثلاثة أشكال مختلفة بعض الإختلاف. نلاحظ أولاً الفرق الكبير بين مرقس ولوقا. أمّا متّى فيقدّم نصّاً متوسطاً يتضمّن عناصر تدلّ. على ما في الإنجيلين الآخرين. نبدأ فنواجه نسخة مرقس مع نسخة لوقا.
أولاً: مرقس ولوقا
مر 4: 30- 32 لو 13: 18- 9 1 
وقال وقال إذن 
ماذا يشبه
ملكوت الله؟ 
بماذا نشبّه وبمَ أشبّهه؟ 
ملكوت الله؟ 
وبأي مثل نمثّله؟ 
إنه مثل حبهّ الخردل: إنه يشبه حبه خردل 
أخذها إنسان 
حين تزرع في الأرض وألقاها في بستانه 
تكون أصغر جميع البذور 
التي على الأرض. 
فإذا زُرعت 
طلعت فنمت 
وصارت وصارت 
أكبر من جميع البقول شجرة
ثم تفرع أغصاناً كبيرة 
حتى إن طيور السماء وطيور السماء 
تقدر أن تأوي أوت 
إلى ظلّها. إلى ظلّها. 

*- الفن الأدبي 
في نسخة مرقس، يعلن المثل واقعاً من الخبرة اليومية: كيف تسير الأمور عادة؟ حين تزرع حبّة الخردل، ينتج عنها نبتة كبيرة. أما نسخة لوقا فتروي لنا خبر إنسان زرع يوماً حبّة خردل في بستانه فانتجت شجرة. واقع حدث مرّة من المرّات.
هل نستطيع أن نختار بين الشكل التصويري في نسخة مرقس والشكل الاخباري في نصّ لوقا؟ أيهما يعود إلى يسوع؟ إن يسوع استعمل هذين الشكلين في تعليمه. يبقى أن نبحث عن الرباط الوثيق الذي يجعله تقليد لوقا (يسنده متّى) بين مثل حبّة الخردل ومثل الخمير. إن مثل الخمير يروي ما فعلته إمرأة حين جعلت الخمير في ثلاثة أكياس من الدقيق: شكل المثل هو شكل خبر، مثلان يرويان بالشكل عينه وقد أثّر الواحد على الآخر. فإذا افترضنا أنّ المرجع الذي استعمله متّى ولوقا قد ضمّا هذين المثلين، نعتبر أنه تمّت عملية تماثل: تسلّم مثل حبّة الخردل شكله الاخباري من السياق العام. وهكذا بدا الشكل المرقسي التصويري أوّلانياً (سبق الشكل اللوقاوي). اما إذا كان المثلان قد شكّلا في البداية زوجاً من الأمثال متّحداً، نقول إن الشكل الاخباري سبق الشكل التصويري على مستوى حبّة الخردل كما على مستوى الخمير.
نحن نختار الفرضية الثانية: جاء الشكل الاخباري سابقاً للشكل التصويري. فهذان المثلان يرتبطان بمجموعة من النصوص الإنجيلية حيث نرى يسوع يلجأ إلى مثلين (أو صورتين) متكاملين ليعطي تعليماً واحداً. فمثل الرجل الذي أضاع خروفه ومثل المرأة التي فقدت درهمها (15: 4- 10) يشبهان مثل الخردل والخمير، لأنهما يضعان أمامنا رجلاً وإمرأة. في 14: 28- 32 نجد ملاّكاً يبني برجاً وملكاً يستعد للذهاب إلى الحرب: نحن هنا أمام الفكرة عينها. وفي مت 13: 44- 46 نجد ذاك الذي وجد كنزاً وذلك الذي اشترى لؤلؤة ثمينة. في لو 12: 24- 28 (رج لو 6: 26- 30)، تعطي الغربان والزنابق امثولة في الثقة لتلاميذ يسوع. وفي مت 7: 24- 27 (رج لو 6: 47- 49)، بنى رجلان بيتهما. واحد بناه على الصخر، وآخر على الرمل. وقال يسوع: لا نرقع ثوباً عتيقاً بقماشة جديدة، ولا نضع خمراً جديدة في زقاق بالية (مر 2: 21- 22 وز) رج أيضاً مت 7: 9 وز (رغيف، سمك)؛ 7: 16 وز (الشوك، العلّيق). وهناك مثل الزؤان والشبكة (مت 13: 24- 30، 47- 48. في الأصل كانا زوجاً). ومثل الصديق المزعج والأرملة المزعجة (11: 5- 8؛ 18: 1- 8: كانا معاً).
هكذا اعتاد يسوع أن يقدّم تعليمه في مثلين متكاملين. لهذا يبدو لنا الجمع بين مثلَي حبّة الخردل والخمير، أوّلانياً، وهو يعود إلى يسوع.
*- البنية
يُبرز نصّ مرقس التعارض بين حالة حبّة الخردل في نقطة الإنطلاق (كانت "أصغر من جميع البذور التي على الأرض")، وفي نقطة الوصول (صارت "أكبر من جميع البقول"). والتوازي في العبارات يبرز أيضاً هذا الواقع. وهناك صيغة الأفعال. في آ 31- 32، نجد عملاً يدوم لحظة، ونتيجة تمتدّ في الزمن: طلع الزرع، صار أكبر من كل البقول، أفرع أغصاناً كبيرة، استطاع طير السماء أن يأوي إلى ظلّه.
نصّ لوقا هو أقصر من نصّ مرقس، فلا يشدّد على التعارض. هو لا يذكر صغر الحبّة ولا كبر النبتة (صارت عنده "شجرة"). كل صيغ الفعل هي في الماضي: رجل أخذ حبّة خردل، رماها في بستانه. نمت الحبّة. صارت شجرة. إستظلّ فيها الطير. من البداية إلى النهاية، نحن في خطّ متواصل لا انقطاع فيه. لقد أراد أن يشدّد على ضرورة المسيرة التي انطلقت: رُمي الزرع في البستان، حصل النموّ، خرج منه شجرة نعجب بارتفاعها. إذن، لا نبحث عن الهدف في التعارض، بل في ضرورة حتميّة تجعل الحبّة تتحوّل إلى شجرة.
ماذا نقول عن الإختلافات بين هاتين النسختين؟ شدّد مرقس على الحالة الأولى والحالة الأخيرة. أمّا خبر لوقا فلا يقول إن الحبّة اختيرت من بين كل الحبوب. إنّ صغر هذه الحبّة صار مضرب مثل عند اليهود. هذا ما يلمّح إليه مت 17: 20 (لو 17: 6): "لو كان فيكم إيمان مثل حبّة الخردل". لا نتخيّل شيئاً أصغر منها. وقال الرابانيون: نقطة دم مثل حبّة الخردل (صغيرة). تحدّث لوقا عن الشجرة. أما مرقس فقال: أعظم من جميع البقول.
إن التعارض الذي قدّمه مرقس يقرّب بين مثل حبّة الخردل ومثل الزرع الذي ينمو من ذاته، ومثل الزارع. في هذا الشكل يتحدّد موقع المثل في إطار رسالة يسوع، والصعوبة التي تنتج من صغر هذه الرسالة الظاهرة إذا قابلناها مع التحوّلات الكونية التي يدلّ عليها مجيء ملكوت الله. أما نسخة لوقا فتركّز الإنتباه على نموّ النبتة: إنها توافق وضعاً ليس وضع البداية "الصغير"، بل وضع التفتّح الجميل: إنه يعكس مسيحيّة في ملء انتشارها. 
ثانياً: متّى (13: 31- 32)
إن الفنّ الأدبي الذي أخذ به متّى هو الخبر: إنسان زرع حبّة خردل في حقله (قال لوقا: بستانه). تقول المشناة إن الخردل ينبت في الحقل لا في البستان. ولكن هل صحّح لوقا مرجعه؟ هو لا يستعمل في أي مكان آخر "كابوس" (بستان). فيبدو أنّ متّى أدخل كلمة "أغروس" في هذا الموضع وفي كل ف 13 (آ 24، 27، 36، 38، 44).
إتفق متّى مع لوقا حول الفنّ الأدبي. أما في البنية، فيتفّق مع مرقس فيبرز الصغر في نقطة الإنطلاق والكبر في نقطة الوصول. ويحدّد، شأنه شأن مرقس، أنّ حبّة الخردل هي "أصغر من كل البذور". وكتب أيضاً مثل مرقس أنّ هذه الحبّة صارت فيما بعد "أكبر البقول جميعاً". ولكنه زاد ملتقياً مع لوقا: حتى تصبح شجرة في أغصانها (قال مرقس: في ظلّها) تبيت الطيور.
التعارض هو هو بين مرقس ومتّى. ولكن الإنتقال لا يتمّ في النقطة عينها. عند مرقس تتعارض البذور مع كل ما يحصل فيما بعد (الحاضر الذي يمتدّ). أما متّى فكتب أن الرجل زرع حبّة الخردل، وان هذه الحبّة نمت (مثل لوقا). بعد هذا، يتابع متّى في الحاضر: صارت حبّة الخردل شجرة. جاء الطير وبات في أغصانها. إذن، هنا ينتمي النموّ إلى الماضي، شأنه شأن الزرع. والآن، صارت الحبّة شجرة. وضع متّى هو وضع لوقا، هو وضع الكنيسة في ملء انتشارها.
وأتبع متّى (مثل لوقا) مثل حبّة الخردل بمثل الخمير الذي جاء نصّه قريباً من نصّ لوقا: لقد اكتفى الإنجيليان بنسخ مرجعهما المشترك الذي غرفا منه. في مثل حبّة الخردل، قدّم متّى نصّاً يرتبط بمرقس ولوقا. هو يدمج مرقس مع المرجع الذي شارك فيه لوقا. وهذا ما نلاحظه في آ 32 حيث يصير الخردل اكبر البقول، ثم يصير شجرة.
إرتبط متّى بلوقا ومرقس، فجاءت شهادته ثانوية. أما لوقا فاحتفظ هنا بالشكل الاخباري للمثل، ومرقس بالشكل التصويري الذي يبرز تعارضاً سينطلق منه المثل ليجد تطبيقاً له.
2- معنى المثل في رسالة يسوع
إن هدف الخبر الامثالي هو في العلاقة بين صغر حبّة الخردل وكبر البقول. فنظنّ أن التعليم الذي نستخلصه يعني علاقة أخرى. نحن أمام مثل في شكل معادلة في أربعة عناصر: أ، ب، ج، د. عرفنا ما يدلّ عليه ج، د. يبقى علينا أن نعرف التطبيق في أ، ب. ونبدأ مع ب.
أولاً: النبتة الكبيرة التي يأوي إليها طير السماء
هذه هي الإشارة الأخيرة التي تلفت الإنتباه. إذ أراد المثل أن يصوّر عظمة نبتة الخردل، بيّن كيف أن الطيور تطلب مأوى "تحت ظلها" (مرقس)، "في أغصانها" (متّى، لوقا). من المعروف أن هذه النبتة تجتذب الطيور الذين يستطعمون حبّها، ولكننا أمام تضخيم حين نقول إن الطيور باتت تحت ظلّها، أو أقامت هناك (كاتاسكانوو).
نكتشف هنا صورة معروفة في التوراة، ندلّ بها على ملك عظيم يجعل شعبه في أمان. ففي مثل يوتام، قالت العلّيقة (التي تمثّل الملك أبيملك): "تعالوا وبيتوا في ظلّي" (قض 9: 15). وتحدّث مرا 4: 20 عن الملك صدقيا الذي أخذ أسيراً: "ملكنا الذي اختاره الرب، أوقعوه في حبائلهم، وهو الذي قلنا: في ظلّه نحيا بين الأمم". وصوّر با 1: 12 اليهود المنفيين وهم يرفعون الصلاة إلى الله: "لكي نعيش في ظلّ نبوكد نصّر، ملك بابل، وفي ظل إبنه بلطشصر". وصوّر حزقيال الفرعون، ملك مصر، بشكل أرزة عظيمة وقال: "في أغصانها عشّشت كل طيور السماء، وتحت فروعها وُلدت كل وحوش البرية، وفي ظلّها سكنت جميع الأمم العظيمة" (حز 31: 6).
ونجد في حز 17: 22- 23 وعداً بالإصلاح ينبئ بالمجد المقبل المحفوظ لإسرائيل: "فيأوي تحته كل طائر، وفي ظلّ أغصانه يأوي كل حيوان مجنّح". ونقرأ في دا 4: 9 عن حلم رأى فيه نبوكد نصّر شجرة عظيمة: "تحتها أوى حيوان البرّ، وفي أغصانها أقامت طيور السماء، ومنها تغذى كل ذي جسد"، هذه الشجرة تمثّل نبوكد نصّر (آ 18).
ونعود إلى مثل حبّة الخردل. فالعبارة المستعملة في مرقس (تحت ظلّه) ترد اكثر من عبارة متّى ولوقا (في أغصانها. تعود إلى دا 4: 18 في اليونانية، 4: 21). فالشجرة التي تعطي ظلاًّ للعصافير، هي صورة تقليدية تدلّ على الملك الذي يحمي عبيده بسلطانه. فالشجرة ترمز إلى الملك كما ترمز إلى مُلكه. وفي سياق كرازة يسوع، تدلّ الإشارة الأخيرة في المثل على المُلك الاسكاتولوجي الذي فيه يُظهر الله سلطانه فيحمي جميع البشر الذي كانوا جزءاً من ملكوت الله.
وهكذا تؤكّد الإشارة الأخيرة ما في المقدّمة من تعليم عن ملكوت الله. لقد تكلّم المثل عن الملكوت، لأنه ينتهي في ذكر وضع سيتحقّق حين يقيم الله ملكوته على الأرض.
إذن، وصلنا إلى العنصر الثاني في المعادلة: إنه يمثّل ملكوت الله في ملء تحقيقه الاسكاتولوجي. يبقى علينا أن نجد العنصر الأول.
ثانياً: أصغر كل البذور
إن قامة نبتة الخردل تبدو متواضعة، فلا تستطيع أن تدلّ على عظمة ملكوت الله. فإذا كان المثل قد قام بهذا الخيار، بدلاً من أن يلجأ إلى صورة "الأرز" التقليدية، فلكي يبرز حقارة نقطة الإنطلاق. فساعة أطلقت المسيرة التي تصل إلى المجيء المجيد لملكوت الله، نشهد حدثاً بسيطاً نكاد لا ندركه، فنشبّهه بحبّة الخردل الصغيرة.
حين أراد يسوع أن يدخل تعليمه في عقل سامعيه، إلتقى في العواطف والشعور التي اكتشفها فيهم: بعد أن بيّن لهم أنه يفهم صعوباتهم، إجتذبهم لكي يقدّروا الأمور حقّ قدرها. إذا كان الأمر هو هكذا هنا، فصغر حبّة الخردل يقابل لدى سامعي يسوع خيبة أمل أمام واقع "حقير". وهو كذلك إن قابلناه مع الصور العظيمة التي تدلّ عليها فكرة مجيء ملكوت الله. وهذا الواقع الذي يخيّب أمل المحيطين بيسوع هو الرسالة التي قام بها المخلّص خلال حياته على الأرض. معه صار ملكوت الله قريباً، ومع ذلك فهو لا يشبه إلاّ قليلاً القدرة والمجد اللذين يميّزان مثل هذا الحدث. لهذا أجاب يسوع: إن من هذه البداية "الحقيرة" يخرج الملكوت الاسكاتولوجي في كل بهائه، كما تخرج النبتة الكبيرة من حبّة الخردل الصغيرة.
نحن أمام ملكوت الله. نحن أمام الله بالذات. يعمل فيقيم أو يمارس ملكه. ويفسّر المثل أن الله لا يتصرّف من أجل إقامة ملكه بطريقة مغايرة لإنسان يرمي في الأرض حبّة خردل فيكون له نبتة ضخمة. إن رسالة يسوع لا تبدو بشكل مظاهري ساطع. ولكن هذا لا يمنع أن الله ينطلق منها لكي يدشّن المسيرة الاسكاتولوجية التي تصل إلى مجيء الملكوت. لقد بدأ تدخّل الله في نهاية الأزمنة. والحقارة الظاهرة لما يحدث الآن، لا تخفي الحقيقة الحاسمة: الله يعمل اليوم لكي يقيم مُلكه.
وننهي بملاحظة أخيرة. العلاقة بين شقّي المثل هي علاقة تعارض بين نقطة الإنطلاق (صغيرة) وبين نقطة الوصول (عظيمة جدّاً). ولكننا نخطئ إن حصرنا العلاقة في هذا التعارض. إن التعارض يرافق هوية هذا الملكوت وتواصله الحقيقي. هناك "وحدة عضوية" بين البداية والنهاية. إن النهاية متضمَّنة في البداية. والنهاية تخرج من البداية كالنبتة من الحبّة. هكذا ملكوت الله هو حاضرٌ الآن، بشكل سرّي وخفي في رسالة يسوع. فهو يخرج من رسالة يسوع في كل مجده وبهائه. من هنا وجب على معاصري يسوع أن يأخذوا بعين الإعتبار مدلول الرسالة التي أوكله بها الله. هي لا تعلن فقط الملكوت كشيء يختلف عنها. بل هي نفسها هذا الملكوت الذي يدخل منذ الآن في هذا العالم. وهكذا، فمن اتخذ موقفاً تجاه رسالة يسوع، يكون قد قبل أو رفض سلطان الله الاسكاتولوجي، يكون قد قرّر مصيره في العالم المقبل.
وهكذا نرى أن تعليم هذا المثل لا يعني فقط المستقبل. فهو لا يتوخّى أن يعلّمنا أن ملكوت الله سيأتي أكيداً أو سيأتي سريعاً، أو أن رسالة يسوع ستأتي بثمار عجيبة. بل يتوخّى أن يفهمنا المدلول الحاسم للزمن الحاضر، هذا الزمن الذي يتّخذ من رسالة يسوع قيمته الفريدة في تاريخ الخلاص. إن رسالة يسوع هذه قد دشّنت حقاً نهاية الأزمنة. وقد بدأ تدخّل الله الاسكاتولوجي فلا يبقى لنا إلاّ أن ننتظر لنرى نتائجه التي ستظهر.
هذا تعليم مهمّ لسامعي يسوع، شرط أن يفهموا كل أبعاده. ويبقى مهماً بالنسبة إلينا. لأنه إذا كان زمن رسالة يسوع يشكّل حقبة مميّزة، فهذا يعود إلى مهمّته الإلهية، وهي مهمّة ما زال يمارسها اليوم المسيحُ القائم من الموت. في هذه المهمة الفدائية، وفي النهاية، في شخصه وفي السيادة التي ارتداها، صار ملكوت الله قريباً من كل إنسان.
3- نظرة كل من الانجيليين الثلاثة 
أو لاً: مرقس
أشار مرقس، حالاً بعد مثل حبّة الخردل، إلى أن يسوع كان يتحدّث بالأمثال ليعلن كلمة الله للجموع. "ولكنه كان يفسّر كل شيء لتلاميذه على انفراد" (4: 33- 34). لا نجد تفسير هذا المثل، ولكننا نظنّ انه إن كان مرقس لم بعطنا إياه، فلأنه اعتبر أن تفسير مثل الزارع يكفي (توسّع فيه مطؤلاً في آ 14- 20) ليدلّ القارئ على الخط الذي فيه يبحث عن معنى مثلَي الزرع (آ 26- 29، 30- 32) اللذين انضمّا إلى المثل الأول.
دلّت آ 14- 20 أولاً على أن الزرع الذي تحدّثنا عنه من قبل هو الكلمة، هو الرسالة الإنجيلية. والمدلول عينه يرتبط في هذا السياق بالزرع الذي ينبت من ذاته، وبحبّة الخردل التي هي أصغر جميع البذور التي على الأرض. إذن، نحن هنا (في رأي الإنجيلي) أمام مثل يدلّ على تعليم المسيح.
في آ 17، قد يكون مرقس زاد "الاضطهاد من أجل الكلمة". وسنجد تفاصيل مشابهة في 8: 35 و10: 29. هذا ما يدلّ على أنه منشغل بالاضطهاد الذي يصيب المسيحيين الصابرين حتى المنتهى. هل زاد أيضاً في آ 19 مختلف العوائق التي تهدّد الثبات؟ ربما. وقد فهم مثل الزارع بالنظر إلى الصعوبات التي تجابه الكنيسة في عصره. هذا ما يجعلنا نفترض أن مرقس نشر أمثال يسوع بالنظر إلى الوضع الذي يراه ساعة كان يؤلّف إنجيله.
هذه الملاحظات تكفي لكي نتصوّر المعنى الذي أعطاه لمثل حبّة الخردل. فهذه الحبّة التي تمثّل تعليم المسيح، كانت صغيرة حين زُرعت: إن وقت الزرع يقابل زمن رسالة يسوع. وبعد ذلك الوقت نمت الحبّة وصارت نبتة تفرض نفسها فتفرع أغصاناً يستظلّها طير السماء. نحسّ أننا هنا أمام صورة للإنتشار المسيحي في نهاية العصر الرسولي. فبدا المثل تأكيداً متفائلاً لقوّة التعليم الذي حمله يسوع إلى العالم. وهو سيتوسّع لا محالة.
ثانياً: لوقا
إن مثلَي حبّة الخردل والخمير في الإنجيل الثالث يشكّلان خاتمة حدث شفاء المرأة المحدودبة (13: 10- 17). حصل المشهد في المجمع يوم السبت، أبصر يسوع المرأة المسكينة فحرّرها من علّتها. فاحتجّ رئيس المجمع، ولكن جاءه جواب لاذع: "أيها المراؤون! كل واحد منكم يحلّ ثوره أو حماره ويقوده من المذود لكي يشرب". وتلاحظ آ 17 خزي خصوم يسوع وفرح الشعب "بجميع الخوارق التي كانت تجري على يده". وتتابع آ 18: "إذن قال". نحسّ كأن المثلين وسّعا النظرة إلى الأمور: فالغلبة التي أحرزها يسوع في المجمع صارت استباقاً لغلبة وُعد بها ملكوت الله، وما زالت الآن في بدايتها.
نلاحظ أنّ لوقا لم يحافظ على التعارض كما في مرقس. بدلاً من أن يقابل بين صغر نقطة الإنطلاق وكبر نقطة الوصول، أبرز الضرورة الحتمية لمسيرة النموّ التي تصل إلى شجرة يستظلّ فيها طير السماء. ولاحظنا في الوقت عينه أن جميع الأفعال هي في صيغة الماضي. فقامة الشجرة الباسقة تقابل وضعاً رآه الإنجيلي أمام عينه: فهو لا يتأمّل في التفتّح الاسكاتولوجي لملكوت الله في ظهوره المجيد، بل في الإنتشار العجيب للكرازة الإنجيلية التي تحقّقت مع الجيل الرسولي. فالإنسان الذي زرع حبّة الخردل هو المسيح. أعطى الإشارة بالإنطلاق لحركة لا شيء يوقف مسيرتها المنتصرة. 
ثالثاً: متّى
وضع متّى مثلَي حبّة الخردل والخمير بين مثل الزؤان المزروع وسط الحنطة (13: 24- 30) وتفسير هذا المثل عينه (آ 36- 43). فإن كان معنى المثل (في سياق مرقس) يستنير بنور شرح مثل الزارع، فإن تفسير مثل الزؤان عند متّى هو الذي يقدّم لنا المفتاح. إذن، نعتبر أن الإنسان الذي زرع حبّة الخردل يمثّل "ابن الإنسان" (آ 37). والحقل الذي وضعت فيه هذه الحبّة هو العالم (آ 38). والنبتة التي تنمو فيه ترمز إلى ملكوت ابن الإنسان (آ 41). ونستطيع أن نواصل التفكير في الخط عينه: فالطيور التي تأوي إلى ظلّ الشجرة تدلّ على البشر الذين يدخلون في الكنيسة. ولكن اختلف مثل حبّة الخردل عن مثل الزؤان والشبكة (13: 48) والمدعوين إلى وليمة العرس (22: 10)، فلم يتكلّم عن أخيار وأشرار، ولم يقل إن هؤلاء سيُرذلون في الدينونة والإقامة النهائية لملكوت الله.
إنّ مثل حبّة الخردل لا يمدّ نظرته فيصل بنا إلى الدينونة. ففي نظر متّى، ينتمي الزرع ونموّ حبّة الخردل إلى الماضي. وقد وصلنا الآن إلى الوقت الذي فيه صارت النبتة شجرة يأتي طير السماء ويستظلّ في أغصانها. لا شكّ في الإنجيلي يفكّر في التوسّع الذي عرفته الكنيسة يوم دوّن إنجيله. 
4- خاتمة
كان الهدف الأول لمثل حبّة الخردل أن يفهم سامعي يسوع الأهمية الحاسمة للزمان الذي فيه يعيشون: فرسالة يسوع، رغم ظاهرها البسيط، تكوّن المرحلة الأولى للتدخل الاسكاتولوجي الذي به يقيم الله ملكه على الأرض. وبحث الإنجيليون في المثل عن تعليم للزمن الذي يعيشون فيه، لزمن الكنيسة. وهكذا تحوّلت النظرة. فالزرع الذي حمله يسوع إلى العالم، لم يعد صغيراً كما كان في البداية. بل توسّع فما وقف بوجهه عائق، وصار نبتة كبيرة، صار شجرة يقدّم ظلّ الخلاص للذين يطلبون تحته مأوى. ونكتشف في وضعين مختلفين في هذا المثل أمثولة ثقة وطمأنينة: إن رسالة يسوع قد بدأت المرحلة النهائية في تاريخ الخلاص، ولا شيء يمكنه بعد اليوم أن يوقف نموّ العمل الذي بدأت به.
ب- مثل الخمير في العجين
بعد هذه الدراسة عن مثل حبّة الخردل، نزيد بضع ملاحظات حول مثل ارتبط به ارتباطاً وثيقاً في التقليد الأنجيلي. هو مثل الخمير في العجين. نجد هنا ذات الأسئلة حول النقد الأدبي وحوله التفسير. وهكذا نكتفي بأن نذكّر بمناسبة الحديث عن مثل الخمير، ما قلناه عن مثل حبّة الخردل.
1- النقد الأدبي
مت 13: 33 لو 13: 21- 22
وقال لهم وقال أيضاً
مثلاً آخر بمَ أشبّه
ملكوت السماوات ملكوت الله
يشبه خميراً يشبه خميراً
أخذته إمرأة أخذته إمرأة
وخبّأته وخبّأته
في ثلاثة أكيال من الدقيق في ثلاثة أكيال من الدقيق
حتى اختمر الجميع. حتى اختمر الجميع.
نصّان متشابهان تقريباً. ألغى متّى السؤال الأول (بمَ أشبّه ملكوت الله؟). واستعمل فعلاً مزيداً في "خبأ".
هذان المثلاًن ألّفا زوجاً. إنهما يقدّمان صورتين متكاملتين لتعليم واحد. وهذا نهج تربوي اكتشفناه مراراً عند يسوع.
دلّت المقابلة مع مرقس أن نسخة مثل حبّة الخردل التي استعادها لوقا واستعملها متّى قد اختُصِرَت. صارت ثانوية عند متى لأنها لا تذكر التعارض. نحن لا نفهم لماذا اختار يسوع حبّة الخردل إلا إذا انطلقنا من مرقس: إختار يسوع قصداً أصغر جميع البذور الذي يعطي أيضاً أكبر البقول.
إن مثل الخمير في وضعه الحالي لا يقدّم تعارضاً، شأنه شأن مثل حبّة الخردل في لوقا. فنتساءل: هل تمّ فيه التحوّل عينه الذي حصل لمثل حبّة الخردل؟ إذا عدنا إلى الطحين، يحدّد الخبرُ أننا أمام ثلاثة أكيال من الدقيق: وهذا يعني أننا أمام كمّية كبيرة جداً (40 ليتراً تقريباً). فالتعارض يفترض أنّ كمية قليلة من الخمير تكفي لكي تخمّر كل هذه الكمّية. الفكرة هي هنا ولكنها متخفّية. فلا بدّ من توضيحها. وهكذا برز القول المأثور: "قليل من الخمير يخمّر العجنة كلها" (1 كور 5: 6؛ غل 5: 9). وينتهي المثل بلفظة "كل" (اختمر كله) التي كانت واضحة لو قيل في البداية "بعض" الخمير. حين نفترض "البعض" نربط مثل الخمير بمثل حبّة الخردل كما بدت في إنجيل مرقس.
وهكذا نعتبر أنّ مثل الخمير، شأنه شأن مثل حبّة الخردل، أبرز رباطاً بين "صغر" الخمير وكميّة العجين الذي اختمر "كله".
2- الهدف الأول للمثل
كيف تطبّق المثل؟ هنا نتساءل: ما الذي يقابل عنصري العلاقة اللذين يبرزهما الخبر الامثالي؟
أولاً: أكيال الدقيق
إن الثلاثة أكيال من الدقيق تمثّل كمية كبيرة جداً. نجد مثالاً على ذلك في تك 18. إذ أراد إبراهيم أن يستقبل ضيوفه السماويين الثلاثة الذين استضافهم، فال لسارة أن تعجن ثلاثة أكيال من الدقيق (آ 6). وقدّم جدعون لملاك الرب خبزاً بدون خمير. قدّم له "ايفة" أي ثلاثة أكيال من دقيق (قض 6: 19). وهي الكمية عينها التي قدّمتها حنّة حين جاءت إلى معبد شيلو لتكرّس ابنها صموئيل للرب (1 صم 1: 24). هذا لا يعني أنّ هذه الكمية هي أمرٌ عادي. فهى ليست عادية أكثر من "مئة ضعف" حصدها اسحق فيٍ تلك السنة (تك 26: 12؛ رج مر 4: 8 وز). فالرقم الذي أمامنا ليس رقما نجده كل يوم. إنه رقم بيبلي يدلّ على واقع اسكاتولوجي. فاني سياق كرازة يسوع، نتطلّع بشكل طبيعي إلى ملء ملكوت الله في حالته النهائية.
ثانياً: كمّية الخمير
إنّ كمّية الخمير القليلة تكاد لا تُحسب بالنسبة إلى كمّية الطحين الكبيرة. إنها تدلّ على رسالة يسوع التي تبدو شيئاً بسيطاً بالنسبة إلى التحرّك الذي يدلّ عليه مجيء ملكوت الله. فرغم هذه المظاهر المخيّبة للآمال، فالرسالة التي أوكل بها الله يسوع تمثّل بداية تدخّل الله الذي يصل بنا لا محالة إلى تحوّل تامّ في العالم الحاضر، إلى تجديد كامل يفترض عبوراً من العالم الحالي إلى العالم المقبل. وإذ أراد الله أن يقيم ملكه على الأرض، فعل ما فعلته ربّة البيت هذه: أخفت في العجين كمّية قليلة من الخمير. ومن حدث بسيط مثّلته رسالة يسوع على الأرض خرج ملكوت الله في كل مجده. وهذا يدلّ على أنّ سامعي يسوع يجب أن يهتموا اهتماماً كبيراً بما يجري أمام عيونهم، بالتعليم الذي يدوّي في آذانهم. أجل، ملكوت الله هو هنا. فلا بدّ من اتخاذ القرار.
3- هدف الإنجيليين
إن صغر نقطة الإنطلاق لا تهم كرازة المسيحية. فهي تنظر بالأحرى مرتاحة إلى الوضع الحالي: إنتشر التعليم الإنجيلي انتشاراً عجيباً في العالم فدلّ على قدرة الخمير الذي أدخله فيه يسوع. هي قوّة فاعلة، ولا يقف شيء في وجهها. ونحن نستطيع منذ الآن أن نتأمّل في نتائجها. إنّ إعادة تفسير المثل بالنظر إلى انتشار الكنيسة يعطينا درساً يتأسّس على الثقة بالماضى، على اليقين أن يسوع حمل إلى العالم واقعاً لا بدّ أن يحوّله. يبقى الأساس الذي أعطاه المثل الأوّلاني إلى هذه الثقة، فوجّه الإنتباه نحو المستقبل، نحو الظهور المجيد لملكوت الله، نحو ظهور يجد كفالته في حضور هذا الملكوت الذي يفعل الآن وإن كان بطريقة سرية وخفية.

 

 

المحطة الثانية
13: 22- 17: 10


"وكان يجتاز في المُدن والقُرى، وَهوَ يعلِّم، قاصِداً في طريقه إلى أورشيم." (13: 22)



نجد في المحطة الثانية الفصول التالية:
1- الباب الضيق، 13: 22- 30
2- رياء الفريسيين ومخطّط الله، 13: 13- 33
3- يا أورشليم، يا أورشليم، 13: 34- 35
4- شفاء يوم السبت، 14: 1- 6
5- أقوال حول المائدة، 14: 7- 14
6- المدعوّون إلى الوليمة، 14: 15- 24
7- متطلّبات الحالة المسيحية، 14: 25- 35
8- إفرحوا معي، 15: 1- 32
9- الخروف الضائع والدرهم المفقود، 15: 1- 10 
10- الإبن الشاطر، 15: 11- 32
11- مثل الوكيل الخائن، 16: 1- 13
12- الشريعة والملكوت، 16: 14- 18
13- مثل الغني ولعازر، 16: 19- 31
14- المعثرة والاصلاح الأخوي، 17: 1- 4
15- إيمان الرسل، فاعلية ومجانية، 17: 5- 10

 

 

الفصل السابق والعشرون
الباب الضيّق
13: 22- 35

نودّ الآن أن نتأمّل في مثل الباب الضيّق، ونحن نعتبره وحدةً عُضويّةً متميّزة عن غيرها. هذا يعني أننا نتطرّق إلى مسائل نقديّة وأدبيّة قبل أن نقوم بتفسير هذه المقطوعة.

أ- الوُجهة الأدبيّة والنقديّة.
1- القرائن
يقع مثلُ الباب المغلق في القسم المركزِّي من إنجيل لوقا، في سياق سَفرة يسوع الطويلة إلى أورشليم (9: 51، 18: 14). وقد جَمع فيه الكاتب بطريقة مصطنعة عدداً من المعاومات خاصًّا به. هذا يعني أنه لا يملك إطاراً محدّداً لهذه المعلومات التي تشكّل "إنجيل التلاميذ".
إن خبر السفر الطويل الذي يقود يسوع من الجليل إلى أورشليم، قد بُني حسب رَسمة تأليفيّة وضعها لوقا نفسُه. فكما أنّ 9: 51، 57؛ 10: 1، 38؛ 14: 25؛ 17: 11 تشكّل وصلات وضعها لوقا، هكذا نقول عن 13: 22 التي تساعد هي أيضاً على تركيب خبر السفر بصورة متتابعة.
والنداء الذي يوجَّه إلى أورشليم "يا أورشليم كم مرّةٍ أردت أن أجمع بينك"، يشكّل مفصلة خبر السفر كلّه. ترافقه مجموعتان من الأمثال (13: 18- 30 و 14: 7- 24) وشفاءان تمّا يوم السبت (13: 15 و14: 5). والمقطوعة التي ندرس تنتمي إلى مجموعة الأمثال الأولى.
ويكفي أن نتطلّع إلى المقاطع المتوازية في متّى لنلاحظ الطابع التأليفيّ لهذا المقطع الذي يشكّل فُسَيفساء من النصوص:
آ 24- مت 7: 13- 14 في خُطبة الجبل.
آ 25- مت 25: 10- 12 وخاتمة مثل العذارى العَشْر.
آ 26- 27- مت 7: 22- 23 في خطبة الجبل أيضاً.
آ 28- 29- مت 8: 11- 12 الذي يشكّل جزءاً من خبر شفاء خادم ضابط كفرناحوم.
آ 30- قول مأثور قد يتبدّل بتبدّل الظروف (مت 19: 30؛ 20: 16؛ مر 10: 30).
2- مثل الباب الضيّق
نحن لا نَدهَش إن اعتبر الشرحُ القديم هذا المقطع تجميعاً قام به لوقا، فنسب وحدته إلى تأليف الإنجيل الثالث. ولكن يبدو أنّ لوقا لم يضُمَّ هذه النُتَف المتفرّقة، بل وجدها قبله وأوردها كما اكتشفها.
يقول الشُرّاح اليوم إن المسيحيّين الأوّلين كيّفوا وفسّروا ونسّقوا أمثال يسوع حسب الحاجات الملموسة في جماعاتهم، وهكذا تكوّن مثَل الباب الضيّق من التنسيق بين صُوَر مختلفة. لقد وُلد مثل جديد كنتيجة الكرازة والصلاة والتعليم والعبادة في الجماعات المسيحيّة الأولى: تألّف كلُّه من أقوال يسوع، ولكن يسوع لم يقله كلَّه كما نقرأه والآن.
أن يكون لوقا وجد عناصره المختلفة ممزوجةً في وحدة عُضويّة، فهذا لم يمنعه من القيام ببعض التصحيحات: فعبقريّة لوقا الأدبيّة لا تنفصل عن أمانته الدقيقة للنصوص. مثلاً، إن عبارة "لا أعرف من أين أنتم" في آ 25 (رج آ 27؛ مت 7: 23) تدلّ على تدخّل الكاتب. ففعل "عرف" لا يمتلك عند لوقا غنى المعنى الذي نجده في الأدب الساميّ. قد يكون لوقا أوجز النص فأغفل مثلاً "يا رب، يا رب" كما نجد في مت 7: 12. 
غير أن هذه التصحيحات التدوينيّة التي قام بها لوقا ظلّت ثانويّة في هذا المقطع، وقد حسبها الشُرّاح في الماضي مهمَّةً فاعتبروا أن لوقا ألَّف السؤال في آ 23 منطلقاً من مت 7: 14. ولكن يبدو أنه أخذ من التقليد السابق هذا السؤال كمقدّمة آ 25، كما أخذ عبارة ذلك المجهول الذي طلب من يسوع أن يتدخل في خلاف على ميراث (12: 13). ويعتبر بولتمان ان آ 25 هي عبارة انتقاليّة تدوينيّة. فنحن نستطيع بصعوبة أن ننسب إلى لوقا أسلوباً قديماً يستند إلى الكلمة العاكفة (هنا، كلمة تورا، الباب، التي تربط آ 24 وآ 25). ولهذا يبدو من المعقول أن الإنجيلىّ وجد هذا القول فتركه في مكانه. ويعتبر لوازي بدوره أن آ 28- 29 (رَذْلُ اليهود الذين لم يؤمنوا ونداء الوثنئين) حُفظتا بطريقة أفضل في مت 8: 11- 12، أي في خبر شفاء خادم الضابط في كفرناحوم. ففي نظره، قد حوَّر صاحب الإنجيل الثالث هاتين الآيتين وبدّل مكانهما بأمانة انزعج منها. ولكننا نظنّ أنّ لوقا احتفظ لهما بالموضع الذي كان لهما في التقليد السابق. فبما أنه يعرف ويروي حدث ضابط كفرناحوم (7: 1- 10)، فهو لم يأخذ منه هذا القول. فلو أغفله، لما كان منطقيّاً مع نفسه، ولا سيما وإن النصّ يتكلّم بوضوح عن دعوة الوثنيّين الذين حلوا محلّ اليهود في تدبير الخلاص، وهذا موضوع عزيز على قلب صاحب الإنجيل الثالث. أخيراً، إن ربط آ 30 أي خاتمة مثل الباب الضيّق، بنص آ 28- 29 يأتي في محلّه ويعود أيضاً إلى الوثائق التي استقى منها لوقا. فهذا القول يقدّم الخاتمة التي تتطلّبها مقطوعة تلتحم فيها كل العناصر إلتحاماً وثيقاً.
3- خاتمة
يشكّل مثل الباب الضيّق (13: 22- 30) وضعاً غريباً من أوضاع انتقال الموادّ الإنجيليّة في الجماعات المسيحيّة الأولى. نحن هنا أمام مثل جديد مبنيّ من عذة أقوال تلفّظ بها المسيح في ظروف مختلفة، فجاءت معزولة بعضُها عن بعض عند متّى. نظنّ أن لوقا استقى هذا المثل الجديد في وثائقه مكتفياً ببعض التصحيحات الجانبيّة.
لهذا لن نفسّر سلسلة من المقاطع المنفصلة، بل شرحاً إجماليّاً لمَثل يشكّل وحدة جديدة خرجت من عناصر كانت في الأصل مشتّتة.

ب- التفسير
1- سؤال مألوف (آ 22- 23)
"وسار في المدن والقرى، يعلّم وهو في طريقه إلى أورشليم". في هذه الآية الانتقالتة، يذكّرنا لوقا بخبر السفر (رج 9: 51، 57؛ 10: 1، 38) الذي يشرف على القسم المركزيّ من إنجيله، وستبدو أورشليم في الأفق في المقطوعة اللاحقة. إذن، لسنا أمام سفر خاصّ قام به يسوع نحو قلب الديانة اليهوديّة، قبل الفصح الأخير ببضعة أشهر وبمناسبة عيد التدشين (يو 10: 22 ي). فالتعليم والسير في الطريق هما أمران عبّر عنهما كلّ إنجيليّ بطريقته وحسبَ المناسبات (رج مثلاً عن تعليم يسوع في القرى، مت 9: 35؛ مر 6: 6).
"فقال له رجل (واحد): أقليل عدد الذين يخلصون" (آ 23)؟ نحن لا نعرف ذاك الذي طرح السؤال كما لا نعرف نواياه. ولكن كلماته تدلّ على احترامه لهذا المعلم الذي هو يسوع. مِثلُ هذا السؤال طُرح مراراً في ذلك الوقت أمام الإهتمامات اللاهوتيّة الراهنة: هل يكون هناك عدد كبير من المختارين؟ لقد ناقش مِثلَ هذا السؤال حلقاتُ الرابّانيّين وعلماء الشريعة (عز 7: 47، 51- 52؛ 8: 1- 3، 4؛ 9: 16). قد يكون هذا الرجل فكّر في معاصريه اليهود الذي لا يقبلون القول بأنّ الوثنيّين يشاركون في الحياة الأبديّة.
2- الباب الضيق صار الباب المقفل (آ 24- 25)
"أجاب يسوع: اجتهدوا أن تدخلوا من الباب الضيّق. أقول لكم: كثير من الناس سيحاولون أن يدخلوا فلا يقدرون".
لم يصل إلى المتكلّم جوابٌ مباشر. فالسؤال النظريّ حول عدد المختارين الكثير أو القليل لا يعني كثيراً سلوكنا في الحياة. ولهذا يرفض يسوع أن يعطي جواباً على المستوى النظريّ. إنه يرفض أن يسير على خُطى المعلّمين العاديّين الذين يقدّمون افتراضات حول أسرار علم الله السابق. طُرح سؤالا فضوليّ في عالم الديانة، فقدّم يسوع تجاهه إعلانَ واجب عملي. فما يَهمّه هو أن نعرف ما يجب عمله لنكون بين المختارين. "إجتهدوا أن تدخلوا من الباب الضيّق": يجب أن نقوم بمجهود. إن الفعل اليونانيّ "أغونيزاستي" يذكّرنا بالألفاظ البولسيّة (1 كور 9: 25؛ كو 1: 29؛ 4: 12؛ 1 تم 4: 10؛ 6: 12؛ 2 تم 4: 7) ويتضمّن فكرة الحرب والقتال.
وحسب صورة مألوفة لدى اليهود في أيّام يسوع، تُشبَّه السعادة الأبدية، ومِنطقة الآخرة السريّة التي فيها سيعيش الأبرار بعد موتهم، تشبّه بغرفة تقام فيها وليمة. باب الدخول ضيّق. ونستطيع أن نتذكّر خرم الإبرة (18: 25؛ مت 19: 24؛ مر 10: 24). تشدّد الصورتان على المجهود (على الصراع) اللازم للدخول. لا مجال للتأخير. لا مجال للتردّد. فالبابُ الضيّق في آ 24 سيصبح في آ 25 الباب المغلق.
"وإذا قم ربّ البيت وأغلق الباب، فوقفتم أنتم في الخارج تدقّون الباب وتقولون: يا ربّ، يا ربّ إفتح لنا". وينساب الفكر من آ 24 إلى آ 25. فالمقابلة مع مت 25: 10- 12 تدلّ على أنّ رب البيت يمثّل هنا المسيح عينَه، وأننا أمام الوليمة المسيحانيّة. منذ الآن، الذين ظلّوا خارجاً، الذين تأخّروا، يمثّلون اليهود الذين سنتحدّث عنهم في الآيات اللاحقة، الذين لم يقبلوا المسيح، لم يستفيدوا من الظَرف المُعطى لهم ليدخلوا إلى الملكوت، إلى قاعة العرس. سيدقّون الباب، سينادون بإلحاح ربَّ البيت لكي يسمح لهم بالدخول: "يا ربّ، افتح لنا". ولكن من دون جدوى. سيجيبهم ربّ البيت: "لا أعرف من أين أنتم". فمن جهل أصل شخص دلّ على أنه لم يعرفه.
3- الضيق الذي يحسّ به المتأخرون (آ 26- 27)
"عندئذ تقولون". إن الذين في الخارج يوردون الألقاب التي تتيح لهم في ظنهم أن يدخلوا إلى قاعة العرس. فالمطالبون أو اليهود هم مواطنو ربّ البيت وألفاؤه: "أكلنا وشربنا أمامك" (معك). هذا يدلّ على الدالّة والحياة الحميمة التي يتضمّنها طعام مشترك. قد يكونون ظنّوا مثل رابي مئير: "من يُحسَب ابن العالم الآتي؟ ذلك الذي يسكن في أرض إسرائيل، يتكلّم اللغة المقدّسة، يتلو صباحاً ومساء صلاة شماع" (أي اسمع يا إسرائيل). ثم إن رب البيت، يسوع، قد علّم في شوارعهم (ساحاتهم). في مت 7: 23، يتوجّه السيّد إلى مسيحيّين غير مستحقّين، إلى أعضاء الجماعة الروحيّة التي ينتمي إليها. وهكذا يسير كل شيء في المجال الأدبيّ والأخلاقيّ. أمّا عند لوقا، فالمعارضون هم يهود، وعلاقاتهم مع السيّد هي علاقات اللحم والدم (رج 2 كور 5: 16).
ولكن هذا الواقع المحدّد يزيد خطورة مسؤوليّة اليهود ورؤسائهم. فماذا ينفع أن يكونوا عرفوا يسوع بصورة حميمة، أن يكونوا سمعوا عرض تعليمه إذا لم يمارسوا هذا التعليم. فإذا أرادوا أن يكونوا تلاميذه، لا يكفي أن يكونوا قد سمعوا المعلّم. يجب أن تطابق حياتُهم تعليمَه، أن يقبلوا بالمسيح في أعمالهم وتصرّفاتهم. ولهذا يصبح سيّد هذا المثل الديانَ الذي يعلن الحكم النهائيّ بالنبذ والرَذْل، على مثال ما نقرأ في مز 6: 9: "لا أعرف من أين أنتم. أُبعدوا عنّي يا كل فاعلي الإثم" (رج 12: 8، 9).
4- رذلُ اليهود اللامؤمنين ودعوة الوثنيّين (آ 28- 29)
أمام باب القصر "هناك يكون البكاء وصريف الأسنان". إنّ يأس المتأخرين الذين جعلهم حُكم الطرد من المنبوذين الهالكين، تصوّره عبارة مقولبة نجدها عند أخنوخ وهي ترتبط عادةً بالإسكاتولوجيا النهائيّة (لا يستعملها لوقا إلاّ في هذا المكان، رج مت 8: 12؛ 13: 42، 50؛ 22: 13؛ 24: 51؛ 25: 30). ففي هذا المشهد الإحتفاليّ، يتّخذ الاسم اليونانيّ "بروغموس" كلّ قمّته التصويريّة: صرف بأسنانه من الغضب أو صرَّ بأسنانه من الرعب. وحالة "الهالكين" هي أهلٌ للرثاء بحيث يقابلون وضعهم الميؤوس منه بالمصير السعيد المحفوظ لآبائهم، قدّيسي الأمّة: "حين ترون إبراهيم وإسحق ويعقوب والأنبياء كلّهم في ملكوت الله، وأنتم في الخارج مطرودون".
وهناك شعور آخر مُذِّل وثقيل يُحسّ به الذين يجدون نفوسهم أمام الباب فلا يقدرون أن يشاركوا في الوليمة: ينظرون إلى داخل القصر هؤلاء الجالسين إلى المائدة في ملكوت الله: أناسٌ جاؤوا من أقطار الكون الأربعة، "من المشرف والمغرب، من الشمال والجنوب". ويُطرَح السؤال طبعاً: من هم هؤلاءِ الناس؟ ليسوا فقط يهودَ الشَتات الذين سيشاركون في ملكوت الله (أش 43: 1 ي). يدلّ هذا الكلام أوّلَ ما يدلّ على الوثنيّين كما في النصّ الموازي (مت 8: 11- 12) في شفاء خادم ضابط كفرناحوم.
وهكذا تنقلب الأمور. ما ترجّاه اليهود واستشفّه إسرائيل من أنه سيسبق العالم الوثنيّ في معرفة الله وخدمته، لأن "الخلاص يأتي من اليهود" (يو 4: 22) لم يتمّ. دُعي إسرائيل إلى معرفة الله الحقيقي وفُضِّل على سائر الشعوب: "علَّمت في ساحاتنا" (آ 26). كان إسرائيل موضوع المواعيد المسيحيّة، بل موضوع تتميمها أيضاً في شخص المسيح. وإن حياة المسيح (الماسيا) كلّها تبقى شهادة ساطعة لمحبّة الله الخاصّة تجاه هذا الشعب: "أكلنا وشربنا تحت نظرك" (معك) (آ 26). ورغم هذا الإهتمام الإلهيّ الذي لم ينقطع، ورغم حضور المسيح الملموس في وسطه، لن يخلص كل إسرائيل: أمّا الوثنيّون فسوف يُقبلون في ملكوت الله.
5- يصير الأؤلون آخرين والآخرون أوّلين (آ 30)
هذا القول المألوف، هذا المثل الذي لا نعرف رباطه الأولانيّ بالتقليد، يشكّل الخاتمة التي يتطلّبها مثلُ الباب الضيّق.
نحن نشهد هنا إنقلاباً حقيقيًّا في الأولويّات والتصدّرات. يقابل يسوع مُجملَ اليهود، خصوصاً منذ مجيئه، بمجمل الوثنيّين. وحين يتأمّل في هاتين المجموعتين، يعلن أنه سيكون وثنيّون (آخرون) سيَخْلصون قبل اليهود (الأوّلون). وفي أعمال الرسل (13: 46- 48؛ 28: 25- 28) سيُبرز القديس بولس التعليم عينه: إن مجمل الأمم الوثنيّة ستسبق مجموعة شعب إسرائيل في ملكوت الله.
غير أن الفئات ليست واضحة بصورة مُطْلقة في قول الإنجيل. فلا نستطيع أن نقرأ القول بصورة حرفيّة ونطبّقه بدون تمييز على كل الأشخاص، كما لو أن كل الذين تلقّوا أوّلاً نداء الله سيحتلّون المقعد في الملكوت. نلاحظ أوّلاً غياب أل التعريف: أوّلون يصيرون آخرين؛ آخرون يصيرون أوّلين. وأنتم، أي اليهود المتأخرون الذين ظلّوا أمام الباب المغلق، سترون إبراهيم وإسحق ويعقوب، أي نخبة الأمّة اليهوديّة، في ملكوت الله (آ 28).
من الواضح أننا هنا في عالم الإسكاتولوجيا، في عالم الآخرة: ففي الدينونة الأخيرة يُرذَل الذين رفضوا التوبة مهما كان أصلهم، ويُقبَل في ملكوت الله أناسٌ جديرون بالآباء والأنبياء.
وبعد أن نأخذ بالمعنى الإسكاتولوجيّ نعيد مثلَ الباب الضيّق إلى إطاره الحقيقيّ، إطار الأزمنة المسيحانيّة وملكوت الله الذي حمله المسيح وبشّر به اليهود الذين وجدوا نفوسهم خارجاً لعدم إيمانهم. أمّا الوثنيّون فدخلوا إليه من كل جهات الأرض. إن مجيء المسيح يُحدث إنقلاباً بأمكنة الصدارة في تدبير الخلاص. لن نتكلّم بصورة مطلقة ولكننا نقول: هناك آخرون (وثنيّون) سيكونون أوّلين. وهناك أوّلون (يهود) سيكونون آخِرين.

ج- خاتمة
إن مثل الباب الضيّق كما نقرأه في إنجيل لوقا يَلفت انتباهنا بصورة خاصّة. دلّت إشارات عديدة على أن الكنيسة المسيحيّة الأولى مالت إلى توسيع تفسير الأمثال الخاصّة باليهود. أمّا هنا فالعكس هو الظاهر. ومهما يكن من أمر، فهذا المثل يبيّن أن الانشداد ظلّ واقعياً بين اليهود والوثنيّين في الكنائس المسيحيّة الأولى. وهكذا نكتشف وجهة خاصّة من الحياة المسيحيّة في القرن الأوّل.
لا حاجة إلى القلق من مسألة نظريّة لا تصِل بنا إلى الحياة العمليّة. لا حاجةَ للتساؤل عن قِلّة أو كثرة عدد المختارين. فعلى اليهود بالأحرى أن يسعوا ليكونوا من المختارين. فالحرب والجهاد، وهو جهادٌ مُلحٌّ لا ينتظر أيّ تأخير، يُفرضان علينا. فخلاص أبناء إبراهيم ليس مؤكّداً بصورة مسبّقة كما ظنّت حلقاتُ الرابّانيّين في زمن يسوع. فالقَبول "العلميّ" للمسيح، والأمانة الدقيقة لتعليمه، وإيمان يترجَم عملاً في الحياة، كل هذا يرسم الطريق الاكيدة وإن قاسية وهي تقود جميع الناس إلى الخلاص.
إن المصير المأساويّ لليهود المطرودين من قاعة الوليمة، يشكّل تنبيهاً جدِّياً لجميع البشر في كل الأزمنة. فلنخَفْ من أن يصبح الباب الضيّق باباً مقفلاً بوجهنا. ففي أيّامنا هذه، لم يزل المسيح يدعونا وينادينا ويطلب منّا أن نتخذ موقفاً. بيننا أيضاً "آخرون سيكونون أؤلين، وأوّلون سيكونون آخِرين". ونحن المسيحيّين القريبين من المسيح، أكلنا وشربنا معك، علّمت في ساحاتنا، فيبقى مثَلُ الباب الضيّق نداء مؤثّراً لكي نختار المسيح، لكي نضع تعليمه موضع العمل في حياتنا، لكي نجعل سلوكنا يوافق أقواله. بالنسبة إلينا، لا وقت نضيعه، وكل تأخر يُهدِّد مصيرنا الأبديّ. "إجتهدوا أن تدخلوا من الباب الضيّق. أقول لكم: كثير من الناس سيحاولون أن يدخلوا فلا يقدرون".

 

 

الفصل الثامن والعشرون 
رياء الفريسيين ومخطّط الله
13: 31- 33 

أ- سياق 13: 31- 33 
1- نفصل هذا النصّ عن سابقه (13: 23- 29) وعن لاحقه (13: 34- 35) اللذين ينتميان إلى التقليد المشترك. ولكن لوقا جعله في وحدة أدبية واسعة.
من جهة التدوين، لا يُعزل التحذير من هيرودس (13: 31- 33) عن مناداة (تضيف) مدينة أورشليم (13: 34- 35= مت 23: 37- 39). يدلّ على هذه الوحدة إشارة إلى الوقت (في تلك الساعة) ووضعٌ جديد (وصول الفريسيين وتنبيههم). ونهاية الوحدة تحدّدها عبارة المقدمة في 14: 1 (ودخل يوم السبت). إن تعنيف أورشليم الذي لا مقدّمة له، يعتبره لوقا جزءاً من جواب يسوع الذي يبدأ في آ 32. إن كاتب الإنجيل يعتبر 13: 31- 35 وحدة أدبية محدّدة.
2- إن 13: 22- 30 تؤلّف بدورها وحدة وقد سمّيت "مثلاً". وهناك إشارات أدبية تدلّ على أن لوقا ربط المقطوعتين، الواحدة (13: 22- 30) بالأخرى (13: 31- 35). فالظرف الزمني (في تلك الساعة) لا يرتبط بزمان مطلق، بل يعود إلى 13: 22- 30. إن 13: 22 ليس فقط مقدمة 13: 24- 30، بل مقدمة 13: 31- 35. نقرأ مرّتين موضوع السفر إلى أورشليم (13: 22؛ 13: 33). وهكذا نكون في 23: 24- 35 أمام قسم واحد يبدو في شكل تعاكسي. هناك الهجوم على اليهود وعلى أورشليم. والشر الذي به يُحكم على اليهود (13: 27) هو موت يسوع في عاصمتهم (13: 33- 34). إذن، 13: 31- 33 هو جزء في 13: 22- 35. وبما أن 13: 22- 35 يشكّل أحد المفاتيح في خبر صعود يسوع إلى أورشليم (9: 51- 19: 28)، الذي فيه عبّر لوقا عن المدلول اللاهوتي لهذا الخبر، إذن، نحدّد موقع 13: 31- 33 وندرسه في هذا السياق الأوسع.

ب- التقليد والتدوين
هل نستطيع أن نكتشف ما يعود إلى التقليد وما هو حصيلة التدوين اللوقاوي؟
1- هناك إتفاق شبه عام بأن 13: 31- 33 يتضمّن تقليداً قديماً جدّاً يعود إلى حياة يسوع. ففي جواب يسوع على تحذير الفريسيين، نجد صدى حقيقيًّا لواقع هو: أن يسوع خلال حياته على الأرض قد أنبأ بموته، بمصيره المأساوي. واعتبر آخرون أن لو 13: 31- 33 احتفظ بالسبب التاريخي الذي لأجله ترك يسوع منطقة الجليل. وما يؤكّد هذا الرأي هو الطريقة التي فيها يبدو الفريسيون في هذا النصّ. فموقفهم الطيّب تجاه يسوع (نبّهوه إلى نوايا هيرودس القاتلة) لا يتوافق مع التقليد الإنجيلي الذي يصوّر الفريسيين كأعداء يسوع المعاندين.
2- إذا كانت نواة الخبر أصيلة، إلاّ أن هناك أثاراً لأعمال تدوينية. قال ديباليوس: كان في يد لوقا قول تقليدي (آ 32 ب- 33) فجعله في إطار إخباري (آ 31- 32 أ). لم يهتمّ لوقا بالتدقيق التاريخي فأدخل الفريسيين الذين هم أعداء عاديون ليسوع (16: 14؛ 17: 20). وقدّم بولتمان تفسيرين. الأول: زادت الجماعة المسيحية آ 32 ب، فتكوّنت القطعة الأولانية من آ 31- 32 أ. الثاني: كانت آ 33 قولاً منعزلاً فزادها لوقا على آ 21- 32.
3- هناك تفسير آخر: إن آ 31- 33 هي تأليف تدويني.

ج- تفسير 13: 31- 33
تحيّر الشرّاح حول هذه الآيات الثلاث. ظنّ البعض أن جواب يسوع غامض وملغز وغير مفهوم. إن آ 33 تبدو تكراراً للآية، بل هناك "تعارض" بين الآيتين. في آ 32، يبدو يسوع وكأنه يريد أن يبقى "اليوم وغداً" لكي يكمّل رسالته. أما في آ 33 فيقول إنه يريد أن ينطلق "اليوم وغداً". وهناك الإشارة الكرونولوجية حول اليوم الثالث. في آ 33 ارتبط اليوم الثالث بذهاب يسوع. وفي آ 32 أعلن يسوع: "أكون في النهاية". إذا كان هذا الفعل يتضمّن تلميحاً إلى موت يسوع، نتساءل كيف أن ذهاب يسوع خارج منطقة هيرودس يتوافق مع موته. لماذا كان فعل "تالايوماي" يعني أن يسوع يضع حداً لنشاط الشفاء في اليوم الثالث، يبقى علينا أن نفهم كيف يستطيع يسوع أن يذهب إلى أبعد "اليوم وغداً". 
نحن هنا أمام كلمة ملغزة لا تفهمها إلاّ مجموعة خاصة، لا سيما أولئك الذين تبعوا يسوع (والقراء المسيحيون) لا الذين من الخارج (أي: الفريسيون). 
ونعود إلى دراسة البنية. إن كلام يسوع (آ 32- 33) هو جواب حقيقي على تدخّل الفريسيين. هذا يعني أننا لا نستطيع أن نفكر جواب يسوع إلاّ إنطلاقاً من جواب الفريسيين. نلاحظ في كلام الفريسيين عنصرين إثنين. الأول (أ): نصيحة (إنطلق، إذهب). الثاني في (ب): السبب (لأن هيرودس يريد قتلك). ويقابل جواب يسوع كل المقابلة هذا الكلام. بدأ يسوع فأعلن رأيه حوله السبب (آ 32: ب ب) ثم أجاب على النصيحة (آ 33: أ أ). في الشق الثاني من الجواب، توجّه يسوع مباشرة إلى الفريسيين. إذن، هناك موازاة واعية بين تنبيه الفريسيين (آ 31) وجواب يسوع (آ 32- 33). بل هناك موازاة بين شقيّ الجواب: نشاط يسوع العجائبي، أكمّل. الصعود إلى أورشليم. مقتل النبي. مثل هذه البنية ستساعدنا على تفسير هذه المقطوعة.

د- تدخّل الفريسيين (13: 31)
لن نتوقّف عند الألفاظ التي تبدو لوقاويّة بمجملها فتدلّ على يد لوقا في هذه المقطوعة، بل ننظر إلى البواعث المعروفة لنرى هل تتوافق مع النظرات الإجمالية في الإنجيل الثالث.
1- موقف الفريسيين
تحدّث البعض عن نوايا الفريسيين الحسنة. ولكن هل هذا القول يوافق صورة الفريسيين عند لوقا؟ بعد هذا، نفسّر آ 31 في خطّ هذه النظرة العامة.
إن لوقا يتكلّم دوماً عن الفريسيين بطريقة تقلّل من قدرهم. إنها يخطّئون يسوع، يراقبونه، يحرّكون الجدال معه أو مع تلاميذه (في 5: 21، قالوا إنه يجدّف؛ في 5: 30 تذمّروا على يسوع وتلاميذه؛ رج 5: 33؛ 6: 2؛ 6: 7؛ 7: 30). وعندما يدعون يسوع إلى بيتهم (هذه علامة احترام للوهلة الأولى)، فهم يستقبلونه ببرودة، ويراقبونه، ويحكمون عليه بقساوة (7: 38: يحكم سمعان على موقف يسوع 70: 44- 46: لم يستقبله حسب قوانين الضيافة؛ 11: 37: يتعجّب من سلوكه؛ 14: 1؛ 16: 14: أصدقاء الفضة).
إن هذه النظرة العامة تلقي الشك على تفسير 13: 31 بشكل يدلّ على نوايا الفريسيين الحسنة. وهناك مقطع يلقي الضوء على المعنى الحقيقي لتدخل الفريسيين في آ 31. فإن لوقا قدّم لنا حالاً بعد الخطبة ضد الفريسيين نصاً نراهم فيه بشكل غير مرضيّ (11: 53- 12: 1). في 12: 1 أعاد لوقا تفسير مر 8: 15 الذي تضمّن تحذيراً من خمير الفريسيين وخمير هيرودس. قال لوقا (12: 1): إحذروا رياء الفريسيين. في الظاهر هم ينبّهون يسوع إلى نوايا هيرودس القاتلة. في الواقع، هم يريدون أن يمنعوا يسوع من أن يكمّل رسالته. هكذا فهم لوقا عبارة: إذهب، إنطلق. وهكذا فسّر يسوع (بحسب لوقا) تدخّلهم: هناك طريقتان بهما نمنع يسوع من تكلمة رسالته: نحتفظ به، نسجنه في مجموعتنا مثل أهل الناصرة (4: 23)، وسكان كفرناحوم (4: 42) وأمّه واخوته، (8: 19- 20). أو نرفض إستقباله مثل أهل الناصرة (4: 29) والسامريين (9: 53) ومدينة أورشليم والفريسيين (19: 29- 39). لقد نسب الفريسيون برياء إلى يسوع نية سيّئة أرادوا أن يستفيدوا منها ليبعدوه عن الجليل.
2- هيرودس
ظنّ بعض الشرّاح أن الفريسيين توافقوا مع هيرودس ضد يسوع عدوّهم المشترك. هكذا يبعد التترارخس يسوع عن أرضه. ويجتذبه الفريسيون إلى اليهودية حيث يزيلونه. إستند هؤلاء إلى مر 3: 6؛ 8: 15؛ 12: 13 حيث توافق الفريسيون والهيرودسيون على مقاتلة يسوع. ولكن لوقا لا يستعيد موضوع المشاركة بين الإثنين. وفي 12: 1 يتحدّث فقط عن الفريسيين (يختلف عن مر 8: 15، لا يذكر هيرودس). 
ثم إن موقف لوقا من هيرودس لا يتميّز بعداء ضد يسوع بحيث يحاول قتله. فما نجده عند هيرودس هو عاطفة فضول تجاه هذا المجترح المعجزات الذي هو يسوع. إنه يرغب أن يرى معجزة (9: 9؛ 23: 8). والتقى الرجلان ورفض يسوع أن يلبّي رغبة هيرودس. بل هو ظلّ صامتاً. فاكتفى التترارخس بالهزء منه وإرساله إلى بيلاطس (23: 8- 12: برهان آخر على براءة يسوع).
لا ينسب لوقا إلى هيرودس نية حقيقية تدل على أنه يريد قتل يسوع، بل هو يرى إختراعاً خبيثاً من قبل الفريسيين ليُخفوا أهدافهم الحقيقية. 
كيف نفهم تسمية "الثعلب" الموجّهة إلى هيرودس؟ في المعنى الرمزي: شخص محتال، شخص هدّام. ولكن هناك تفسيراً لدى الرابانيين: شخص لا قدر له ولا قيمة، يعارَض مع الأسد الذي هو صورة عن الرجل القدير. وهناك شخص متقلّب يبدّل آراءه ومواقفه (مثل الثعلب). هو ضعيف وغير جدير بالثقة. وهكذا يعني النص: لن يخاف يسوع من هيرودس الذي لا يستطيع بشبه القدرة التي يملك أن يؤثّر على رسالة يسوع الإلهية.
3- تأثير مر 6
- إن جواب يسوع (آ 32) تذكّر مر 6: 13 (أخرجوا شياطين كثيرين).
- هناك تشابه في المضمون والشكل الأدبي بين آ 33 ب ومر 6: 4.
- نرى في آ 22 والمقدمة التدوينية للقسم آ 22- 35 تدلاّن على تشابه لافت على مستوى المضمون والبنية الأدبية لنصّ 9: 6 الذي يعود إلى مر 6: 6 ب، 12- 13 ولو 11: 1 (نجد فعل ذهب وحده).
- وهناك مقابلة أخرى. في مر 6: 10- 11= لو 9: 4- 5، يعطي يسوع لتلاميذه نصائح حول الموقف الذي يتّخذونه تجاه الذين يقبلونهم أو يرفضونهم، الذي يجعلون عملهم ممكناً أو مستحيلاً، عليهم أن يمكثوا أو ينطلقوا. إن تأثير هذا الموضوع على نص لوقا واضح، فإن إنجيله يتضمّن مقاطع نرى فيها الناس يمنعون يسوع من أن يكمّل رسالته أو لا يستقبلونه. وفي كل مرّة يعمل يسوع بالنصيحة التي أعطاها في 9: 4- 5: عليه أن يذهب ليكرز ويشفي (4: 42- 43). وهذا ما نجده في آ 31- 33. أراد الفريسيون أن يمنعوه من أن يكمّل رسالته (آ 31). فأجابهم بأنه يرغب في تتميم رسالته (آ 32) التي تتحقّق جزئياً حين يتابع مسيرته إلى أورشليم.
إن حضور الفريسيين والإشارة إلى موقفهم في نصّ يدخل فيه لوقا نهاية الخطبة ضدّ الفريسيّين، يبدوان أمراً. والملاحظات السابقة قد دلّت أن لوقا دوّن آ 31 ليعطي إطاراً لأقوال يسوع في آ 32- 33.

هـ- جواب يسوع (13: 32- 33)
1- ها أنا أطرد الشياطين (آ 32)
يبدأ جواب يسوع بفعلين في صيغة الأمر. ثم هاءنذا. بعد هذا يعدّد يسوع نشاطه العجائبي. أطرد الشياطين وأجري الأشفية. و"في اليوم الثالث أقاد إلى النهاية". كيف نفسّر هذه العبارة الأخيرة؟ هناك إتجاهان: إما أن نرى فيها نهاية نشاطات يسوع في الجليل. وفي اليوم الثالث، أكون في نهاية الأشفية وطرد الشياطين. هذا تفسير حرفي وبسيط. غير أنه يستند إلى المعنى الاشتقاقي للفعل وإلى السياق السابق. وإما أن نعتبر أن العبارة تتضمّن مدلولاً أعمق: إنها تشير إلى نهاية رسالة يسوع على الأرض: موته، قيامته وتمجيده (هذه المراحل الثلاث معاً). قد يكون لوقا اختار عبارة تحمل معنيين أو أكثر. حسب لوقا، إن الفريسيّين يرون في هذه العبارة تأكيداً بأن يسوع لا يضع حداً لنشاطاته إلاّ بعد فترة من الزمن. ولكن يبدو لنا أكيداً أن لوقا وضع في فم يسوع (بالنسبة إلى قرّائه المسيحيين) عبارة ذات رنّة مسيحية. وهكذا نستطيع أن نتكلّم عن إنباء بأحداث تنهي حياة يسوع على الأرض.
إستعمل لوقا هنا صيغة المجهول. فدلّ على أن فعل الفاعل هو الله الذي يضع حداً لنشاط يسوع. فهو الذي يحدّد متى وكيف تتمّ رسالة يسوع. والسياق يثبت هذا المعنى: فالمعنى الإجمالي في آ 32 هو أن يسوع يؤكّد رسالته الإلهية ضدّ رغبات هيرودس. ثم يأتي التعبير عن ضرورة ترتبط بالله: يجب (داي). "يجب أن كمّل اليوم وغداً".
ما الذي يضع الله له حداً؟ أولا، الوقت الذي فيه ينتهي نشاط يسوع العجائبي في الجليل. ففي 2: 42 نجد نفوسنا أمام نهاية حقبة محدّدة على بضعة أيام. غير أن هناك تفسيراً آخر في خطّ فكر لوقا. هناك ثلاثة نصوص استعمل فيها لوقا فعل "تالايو". في أع 22: 24 نقرأ أن بولس، رغم المضايق والاستشهاد الذي ينتظره في اورشليم، يريد أن "يكمّل شوطه" أي ينهي الرسالة (الخدمة) التي سلّمه الله إياها. وهكذا يرتبط الفعل لا مع فترة محدّدة (كما في لو 2: 42)، بل مع مجمل رسالة بولس (رج أع 3: 12). ونحس التعارض نفسه في لو 13: 32. إن حياة يسوع هي نموذج لحياة الرسل. ورغم خطر الموت (13: 31) فيسوع يريد أن يتمّ رسالته (كلها) بجملتها. وما يميزها هو الأشفية وطرد الشياطين التي يضع الله وحده حدّاً لها.
بمَ تقوم هذه النهاية؟ للوهلة الأولى نتطلّع إلى موت يسوع. هذا لا يقرّره هيرودس بل الله. ولكن قد يفكر لوقا أيضاً بالتمجيد والقيامة اللذين بهما يرفع الله حياة يسوع إلى كمالها. فالانشداد بين خطر الموت وإرادة تكملة الرسالة في آ 31- 32 يفهم على ضوء نقيضة أعمق تشرف على حياة يسوع: الآلام والمجد. الموت والقيامة. وفى نظر لوقا، بشكل اختطاف (انالمبسيس) يسوع، أي دخوله في مجد الآب، النهاية الحقيقة لحياته وتكلمة رسالته (رج 9: 51؛ 24: 26، 46). وهذا يعني بحسب لوقا انه لا يصل إلى هذا الهدف إلاّ عبر الألم والموت. إذا كان فعل "تالايون" لا يعبّر بشكل صريح عن فكرة الموت، فلوقا سيعود إلى فكرة الموت في الآية التالية. ونجد الفكرة عينها في عب 2: 10؛ 5: 9؛ 7: 28: إن "تكملة" المسيح على هذه الأرض هي تمجيده، دخوله إلى السماء، إلى مجد الله.
ويثبت هذا التفسير البنية التي أشرنا إليها سابقاً: معجزات يسوع (= رسالة يسوع). التكملة (= القيامة والتمجيد). السفر إلى أورشليم (= يسوع).
وهناك تأكيد آخر لهذا التفسير اللاهوتي لفعل "تالايو" نجده في عبارة "اليوم الثالث". فيسوع لا يستعمل هذه الإشارة الزمنية في إنجيله إلاّ ويربطها بالقيامة (9: 22؛ 18: 33؛ 24: 7، 46؛ ق 24: 21 أع 10: 40؛ رج مت 16: 21؛ 17: 23؛ 17: 64؛ 20: 19). فالقارئ المسيحي يربط طوعاً "اليوم الثالث" بقيامة يسوع بعد موته بثلاثة أيام. وهنا في آ 32 يلمّح لوقا إلى القيامة تلميحاً خفياً من خلال هذا القول الملغز.
وعبارة "أكمّل في اليوم الثالث" لا تدلّ فقط على النهاية، بل على التكملة. فلوقا كتب إنجيله عن الأحداث التي "تمّت فيما بيننا" (1: 1). فكل أحداث حياة يسوع العظيمة هي تتمة (وتحقيق) لإرادة الله كما أنبأ بها الأنبياء ودوّنت في الكتب المقدسة. في يسوع، وصلت المواعيد النبوية إلى تتمتها (18: 31؛ 22: 37؛ أع 3: 18؛ 13: 27- 29). في هذا الإطار العام لموضوع المخطط الإلهي الذي يتحقّق على مراحل، تدلّ عبارة اليوم الثالث عند يسوع على موته وقيامته وتمجيده.
3- أواصل السير (آ 33)
نقرأ هنا "بلان" (ولكن) التي هي خاصة بلوقا (15 مرة في الإنجيل). كما نقرأ "داي" (يجب) التي ترد 18 مرة في لو و 22 مرة في أع (8 مرات في متّى، 6 مرّات في مرقس، 10 مّرات في يوحنا). إن هذا الفعل يلعب دوراً هاماً في تصوير رسالة يسوع. فأهم أنشطة يسوع تسير في نور هذا "الواجب" الإلهي. "يجب أن أبشّر المدن الأخرى بملكوت الله" (4: 43؛ ق مر 1: 38). وفي 9: 22 أخذ لوقا من مر 8: 31 الآلام كما أرادها الله (يجب) واستعملها مرة ثانية في 17: 25 ومرة ثالثة في 24: 26. ويبدو لنا أن عبارة "يجب أن أواصل السير" ترتبط بموضوع الضرورة الإلهية. هذا صحيح، لا سيما وأن لوقا يعتبر أن سفر يسوع إلى أورشليم هو صعود إلى الموت والمجد (9: 51 ي). وهناك نصوص تتحدّث عن الآلام، فتزيد أنه يجب أن تتم الكتب (22: 37؛ 24: 44؛ رج أع 1: 16). نتذكّر هنا أيضاً 2: 49: "أما تعلمان أنه "يجب" علي أن أكون في بيت أبي". وحياة التلاميذ تسير في هذه الضرورة عينها. قال بولس في أع 14: 22: "بمضايق كثيرة يجب أن ندخل ملكوت الله". رج أع 9: 16؛ ق 19: 21؛ 23: 11؛ 27: 24.
"لا يليق أن يموت نبي خارج أورشليم". هذا موضوع معروف عن اضطهاد الأنبياء. أخذ لوقا هذا الموضوع من المعين، مع ما يليه مباشرة في 13: 34= مت 33: 37: "يا أورشليم...". سبّق لوقا على الموضوع وقدّمه بشكل عام لكي يطبّقه على وضع يسوع نبي الأنبياء.
هنا نبحث عن مدلول الإشارتين الزمنيتين في آ 32 وآ 33.
أولاً: اليوم الثالث (آ 32)
نحن لا نأخذ الثلاثة أيام على حرفيتها. رأى فيها بعضهم زمناً طويلاً أو قصيراً. وآخرون؟ زمناً محدّداً. وبعضهم فكّر في ثلاث سنوات امتدّت خلالها رسالة يسوع. يبدو أنه لا يجب أن نبحث عن فترة محدّدة من الزمن. نحن بالأحرى أمام عبارة ذات بعد لاهوتي، لا زمني. نجد في السبعينية عبارة اليوم وغداً. نجد العبارة (اليوم وغداً) في السبعينية حيث تدلّ على مرحلتين. نقرأ في يش 22: 18: "إن تمرّدتم اليوم على الرب، فهو يغضب غداً على كل جماعة اسرائيل". إن لفظة "غداً" تدلّ على منعطف غير منتظر يحوّل الوضع السابق تحويلاً جذرياً. وهذا التحوّل يتم مراراً بفضل تدخّل الله. ويعبّر العهد القديم عن الفكرة عينها بعبارة أخرى حيث "اليوم وغداً" تعارض "اليوم الثالث". في خر 19: 10- 11 كلّم الرب موسى: "إذهب إلى الشعب وقدّسه اليوم وغداً. وليغسلوا ثيابهم. ليكونوا مستعدين لليوم الثالث، لأن الرب في اليوم الثالث ينزل على عيون كل الشعب على جبل سيناء" (رج 19: 16). نقابل هذا النصّ مع هو 6: 2: "بعد يومين يحيينا. وفي اليوم الثالث يقيمنا فنحيا أمامه". في هذين المثلين يتحقّق الأمر في "اليوم الثالث". إن عبارة "اليوم وغداً" في خر 19: 10- 11 تلعب الوظيفة التي لعبتها لفظة "اليوم" في تعبير السلسلة الأولى من النصوص. يبدو أنه يجب أن نفسّر عبارة لو 13: 32 (اليوم وغداً) في الإتجاه نفسه. "اليوم وغداً" يطرد يسوع الشياطين ويجري الاشفية و"في اليوم الثالث" يُقاد إلى النهاية. إذن لسنا أمام تعداد الأيام ثلاثة، بل أمام تعارض بين مرحلتين. ففي بعض الوقت (لا يحدّده هيرودس ولا الفريسيون) يكمّل يسوع رسالته حتى يموت. ولكن في "اليوم الثالث" يأتي التحوّل الغير المتوقع، لتمجيده بيد الله.
ثانياً: غداً وما بعده (آ 33)
إن التعبير عن الزمن في 13: 33 يلعب وظيفة أخرى. فاليوم الثالث يدلّ على وضع جديد كما في آ 32. في آ 32، لعب الفعل "تاليوماي" فعله، في آ 33: "بورياستاي". في آ 32، نحن أمام تعارض لاهوتي. في آ 33 نحن أمام تعداد زمني. أما معنى "التالي" (ايخوماني) فيثبته اع 20: 15 (اليوم الثاني، الثالث، الرابع).
إذا أخذنا بعين الإعتبار الموازاة التي تحدّثنا عنها سابقاً نجد (1) عبارة "اليوم وغداً واليوم التالي". نحن أمام عدد غير محدود من أيام سيواصل خلالها يسوع سفره إلى أورشليم. (2) إن عبارة في "اليوم الثالث أقاد إلى النهاية" (آ 32) تجد ما يقابلها في آ 23: "لا يليق أن يموت نبي خارج أورشليم".
هذا تفسير معقول شرط أن لا نرى تناقضاً بين نشاط يسوع في آ 32 ومواصلة السفر في آ 33. قال بعضهم: كيف يلبث يسوع لكي يجري الأشفية، ثم يواصل طريقه إلى أورشليم؟ سؤال لا يشكل صعوبة. فإن لوقا يرى أن نشاط يسوع يتحقق خلاله سفره من مدينة إلى مدينة (3: 1- 9: 50)، أو خلال سفره إلى أورشليم (9: 51- 19: 27). يكفينا لكي نرى هذا الواقع أن نتفحّص الإجمالات اللوقاوية حول رسالة يسوع. مثلاً، 4: 14- 15؛ 4: 42- 44؛ 8: 1 (ق 9: 6؛ 13: 22). إن أقوال يسوع وأفعاله ترتبط دوماً بفعل يدلّ على الحركة، ونقول الشيء عينه عن مقدّمة المقطوعات: إن يسوع يصنع معجزة بمناسبة عبوره في المدينة (7: 11؛ 8: 26، 27، 29)، وفي أع 10: 38 نقرأ عبارة تدل على نظرة لوقا ببعدها اللاهوتي: "سائر يعمل الخير".
4- يسوع نبي مثل إيليا
أعطيت في الأناجيل ألقاب عديدة ليسوع، ومنها لقب نبي. ففي مرقس سمّى الناس يسوع مرتين "النبي" (6: 15؛ 8: 28). إستعاد لوقا التسمية من هذين النصين (9: 8، 19)، وزاد ثلاثة نصوص خاصة به (7: 16؛ 7: 39؛ 24: 19). بالإضافة إلى ذلك، هناك مقطعان يطبّق فيهما يسوع على نفسه قولاً عن مصير الأنبياء: 4: 24 (= مر 6: 4)؛ 13: 33 ب. نستطيع أن نستنتج أن تسمية "يسوع النبي" جاءت إلى لوقا من التقليد، فأبرزها هو بطريقة شخصية. عرف متّى نمطيّة يسوع وموسى. أما لوقا فعرف نمطية يسوع وإيليا. غير أن الصورة اللوقاوية عن "يسوع النبي مثل إيليا" لا تبدو صارخة مثل نمطية يسوع وموسى في متّى. نحن بالأحِرى أمام تلميحات خفيّة يكتشفها القارئ المتنبّه.
ألغى لوقا نصين مرقسيّين يبدو فيهما يوحنا المعمدان على أنه إيليا النبي: مر 1: 6 (= مت 3: 4؛ ق 2 مل 1: 8)؛ مر 9: 9- 13 (= مت 17: 9- 13، أبرز مت 11: 14- 15؛ 17: 10- 13 التسامي بين إيليا ويوحنا المعمدان). هذا يدلّ على أن لوقا يشابه بين يسوع وإيليا والنبي، ونفسّر في الخط عينه إغفال لوقا في مر 15: 35 (ها هو ينادي إيليا).
وبجانب هذه الإغفالات، هناك إشارات إيجابية تدلّ على تأثّر لوقا بما دوّنته التوراة عن إيليا (1 مل 17- 19، 21؛ 2 مل 1- 2) لا مجال لذكرها.
نجد في دورة إيليا خبراً (1 مل 19) يقول إن إيزابيل، إمرأة أحاب الملك، بعثت برسول إلى إيليا تهدّده بالموت (آ 1- 2) لأنه قتل أنبياء البعل. ويعود موضوع مقتل الأنبياء مرتين في الفصل عينه (آ 15، 14) ولكن بطريقة معاكسة: أبناء إسرائيل قتلوا أنبياء الرب. وفي لو 22: 43- 44 دلّ الإنجيلي على أنه عرف هذا الخبر: فالتشجيع الذي حمله الملاك إلى يسوع يشبه ذاك الذي نعم به إيليا حين هرب من وجه إيزابيل (آ 5- 8). وفي لوقا 13: 31- 33 نجد تطبيقاً للموضوع: "ملك" يهدد يسوع النبي بالموت بواسطة أشخاص آخرين. ولكن يبقى اختلاف كبير. رأى إيليا هذا، فانطلق وهرب لينجو بحياته (آ 3). أما يسوع فردّ بأنه سيتابع رسالته الإلهية الو 13: 32- 33؛ رج عا 7: 10- 17). جاء ملاك وشدّد إيليا. أما يسوع فأكّد حالاً أنه يريد أن يتابع مسيرته في طريق إرادة الله. إذن، هناك موازاة بين يسوع وإيليا، مع تفوّق يسوع على النبي إيليا.
خاتمة
إن التحذير المرائي الذي أرسله الفريسيون يتضمّن عنصرين: نصيحة ليسوع تدعوه إلى الهرب. وأسباب هذا الهرب. ردّ يسوع في آ 32 على الأسباب فقال: لا يستطيع هيرودس أن يضع حداً لرسالة يسوع الإلهية. لهذا سيتابع يسوع عمله في طرد الشياطين وإجراء الأشفية بعض الوقت أيضاً، ولكن سيأتي يوم يقود فيه الله حياة يسوع إلى تمامها. لقد أشارت آ 32 بشكل مباشر إلى يسوع، وبشكل غير مباشر إلى الفريسيين: فتصريحه عن هيرودس يفهمهم أنهم لن يستطيعوا هم أيضاً أن يمنعوا يسوع من متابعة رسالته. بعد هذا (آ 33) إلتفت يسوع إلى الفريسيين: إن فشل محاولتكم سيكون خيبة لكم، ولكن لا تخافوا. فأنا سأذهب إلى أورشليم حيث أموت حسب مخطّط الله.

 

 

الفصل التاسع والعشرون
يا أورشليم، يا أورشليم
13: 34- 35

ليست أورشليم هدفاً جغرافياً في مسيرة يسوع، في "صعوده إلى أورشليم". إنها موضع استشهاده. بل هي أكثر من هذا: ستكون المدينةُ المقدّسة السبب في موته. والشرّ الذي يجعل عدداً من محاوري يسوع يرذلون، هو مقتل النبي يسوع في عاصمة الشعب المختار.
يوجّه يسوع كلامه مباشرة إلى أورشليم، يناديها مرتين، يعدّد أخطاءها، ينذرها. قتلت مرسلي الله وما زالت. رفضت كل المحاولات التي بذلت لجمع أبناءها وحمايتهم من الدينونة الآتية. لهذا سيترك الله بيته كما في أيام حزقيال، فيدمّر الهيكل كما دمّر سنة 587 ق. م. ولكن هناك مهلة للتوبة والعودة إلى الله. ستقولون: "مبارك الآتي باسم الرب".
أ- قراءة إجمالية
تحدّثنا 13: 31- 35 عن موت يسوع في أورشليم. تبدو آ 31- 33 ملخصاً للفصلين 12- 13، وتشكّلان مقدّمة لمرثاة يسوع على أورشليم التي تمثّل البلاد كلها.
مع هذه الآيات، ينتقل مصير يسوع المأساوي إلى المقام الأول، فيلقي ضوءاً على سؤال طُرح في بداية الفصل حول معنى موت الإنسان (13: 1- 5: كيف مات هؤلاء). "أراد" هيرودس أن يقتل يسوع. نبّه الفريسيون يسوع، فترك الجليل الخاضع لسلطة التترارخس (رئيس الربع). هل يريد أن يتفلّت من الموت؟ بل هو يتابع مسيرته إلى أورشليم. ويُذكر هنا من جديد معني موته: هو لا يفاجئه. يعرف أين سيموت. وكيف سيموت. وهو متأكد أنه لن يموت في عرين هذا "الثعلب" (في التقليد الراباني: مقابلة بين الأسد والثعلب. ليس هيرودس هو الأسد، أي الملك المهاب). لقد تساءل هيرودس عن يسوع (9: 7- 9). وها هو يسوع يرسل الجواب من خلاله الأشفية التي يقوم بها.
إن يسوع يواجه موته بحرّية، بعد أن ينهي رسالته. وسيموت في أورشليم. أما حزن يسوع فليس على موته، بل على أورشليم. أراد أن يجمع أبناءها، ناداها. فأجابت بنواياها القاتلة. والنتيجة: "سيُترك لكم بيتكم خراباً". هنا نتذكّر إر 12: 7 يتحدّث بلسان الرب: "تركت بيتي وهجرت أرضي، وسلّمت محبوبتي إلى أيدي أعدائها". ويقوله إر 2: 5 مهدّداً شعبه: "إن كنتم لا تسمعون لهذا الكلام، سأجعل هذا البيت خراباً". وقال مز 69: 26: "تصير ديارهم خراباً، ولا يكون في خيامهم ساكن".
حين يُقتل يسوع، يكون الله قد طرد من أرضه. زال حضوره. ترك الهيكل وأورشليم (حز 11: 23: ذهب مجد الرب إلى شرقي المدينة، بانتظار أن يذهب مع المسبيين إلى بابل). إن الخطيئة التي كشفت في 13: 1- 9 تصل إلى هنا: فالناس سيقتلون مرسل الله (آ 34)، ويرفضون أن ينفتحوا على الحياة الوافرة التي تُعطى لهم. وهكذا نلتقي مع ردّة الفعل العنيفة على هذا المصير الذي أشارت إليه مسبقاً الخطبة التدشينية في الناصرة (4: 16- 30): "أخرجوه خارج المدينة (الناصرة أو أورشليم) وجاؤوا به إلى حافة الجبل الذي كانت مدينتهم مبنيّة عليه ليلقوه منها. لكنه مرّ من بينهم (قام) ومضى (في سبيله)".
هذا هو التعليم الذي نكتشفه في ف 13. إن موت كل إنسان، وخصوصاً موت يسوع، يكشف خطيئة الإنسان ويدعوه إلى التوبة. غير أن هذه الخطيئة لا تستطيع أن تفشل صبر اللهّ الذي لا حدود له. فملكوت الله بدأ يتحقّق وهو يتابع طريقه في العالم ولن يتوقّف. إنه كالزرع الذي ينبت من ذاته سواء نام الزارع أم قام (مر 4: 27). وهكذا تتخذ المسيرة إلى أورشليم معناها: لا رجوع عن هذا الصعود، مهما كانت النتيجة. قال يسوع "يجب" (آ 33). وهو يسير في طريقه بحزم وعزم. يقول النص الحرفي: قسّى وجهه (نقوله: استقتل) وسار إلى مصيره كنبي، وذلك من أجل حياة البشر. فمن هذا الموت ستتفجّر الحياة. لقد قال يسوع لرفيقيه في طريق عماوس: "كان على المسيح أن يتألّم كل هذا قبل أن يدخل في مجده" (24: 26).
كل هذا يدعو الناس إلى التوبة، وأورشليم إلى عودة جذرية إلى ربّها. سُفك الدم الزكي، سُفك دم المرسل الأخير، لهذا ترك الله هيكله ومدينته وما عاد يحمي شعبه. قدّم الخلاص إلى ممثّلي الشعب اليهودي مرة ومرتين (5: 21، 30؛ 19: 39، 47)، فجاء جوابهم رفضاً وعناداً. لهذا جاءت الدينونة التي ليست نتيجة عمل اعتباطي من قبل الله، بل تكريساً لمقاومة عنيدة تجاه كل نداءات النعمة. لم ينتج مصير إسرائيل عن حتميّة لا مناص منها. ولم يفرض فرضاً. إن إسرائيل اختار مصيره. ترك ربّه، فتركه ربّه، وترك له بيته "خراباً". هذا ما حدث لأورشليم سنة 70. وكان خراب المدينة رمزاً إلى نهاية عالم يهودي وبداية عالم آخر ينطلق مع شعب الله الجديد، مع إسرائيل الجديد.
ويؤكّد يسوع هذا العقاب بشكل احتفالي في آ 35: فمواطنوه الذين رفضوا أن يروا فيه ذاك الذي يجمع إسرائيل، لن يروه بعد الآن في هذا الدور. وإذا كان مرسل الله الملكي سيتلقّى هتاف مز 118: 26 حين دخوله إلى أورشليم (مبارك الآتي باسم الرب)، فهو لن يتلقّاه من أورشليم، بل من "مجموعة التلاميذ" (19: 38). أما قاتلو الأنبياء، فسوف ينتظرون عودة المرسل الإلهي على السحاب (21: 27) آتياً في القدرة والمجد. إنه سيتجلّى لا ليجمع كما فعل خلال حياته على الأرض، بل ليدين شعبه. ولكن شعبه تأخر فبكى عليه.
ب- قراءة تفصيلية
إن تفكير يسوع في موته كنبي في أورشليم، يتداخل مع رثاء على المدينة التي رفضت أن تستقبل مرسلي الله. تكلّم يسوع كما تكلّمت الحكمة (هو حكمة الله) فأعلن تحسّره: كم مرّة أراد أن يجمع شعب أورشليم بين ذراعيه كما تجمع العصافير فراخها. ولكنه رُذل هو نفسه. فلا يستطيع الآن إلاّ أن يعلن حكم الله على المدينة التي سيتخلّى عنها حضور الله. وهو لن يتراءى إلى أن يتمّ رجاء مجيء المسيح.
1- يا أورشليم، يا أورشليم (آ 34)
من يتكلّم هنا؟ الله، يسوع، الحكمة؟ بالنسبة إلى الحكمة، هناك تقابل بين ماضي أوشليم (مدينة داود) التي عارضت مرسلي الله، والحقبة التي فيها أرسلت الحكمة رسلها. إن الحكمة أرسلت خدمها إلى البشر، وتمنّت أن تقيم معهم (سي 24: 7- 12). إن يسوع استعمل لغة الحكمة ليعبّر عن شعوره وألمه تجاه رفض أورشليم لكل نداءاته. يسوع هو آخر مرسلي الحكمة.
"يا أورشليم". نجد الشكل الارامي للكلمة (رج 2: 22). ويستعمل اسم الفاعل (قاتلة) فيدلّ على أنّ أورشليم مستعدّة منذ الآن لتقتل رسل الله وترجمهم. يتحدّث 1 مل 18: 4، 13 عن إيزابيل التي قتلت الأنبياء، فهتف إيليا أمام ربّه: "هدموا مذابحك، وقتلوا أنبياءك بالسيف" (1 مل 19: 10). ويروي إر 26: 20 ي كيف تنبّأ أوريا بن شمعيا فطلب الملك قتله. وتحدّث يسوع عن الرجم في مثل الكرّامين القتلة. بل كاد يُرجم مراراً بيد اليهود (يو 8: 59؛ 10: 31: وجاء اليهود بحجارة ليرجموه). أما اسطفانس فسيموت رجماً (أع 7: 58- 59؛ رج 14: 5 وما تهدّد بولس وبرنابا).
المرسلون هم الأنبياء (أش 6: 8؛ إر 1: 7). وهم أيضاً بشكل خاص الرسل وأوّلهم يسوع المسيح (أع 10: 17؛ 11: 11؛ رؤ 5: 6). "كم مرة" (بوساكين) (مت 18: 21؛ 23: 37). هذا يدلّ في معنى أول على زيارات عديدة قام بها يسوع إلى أورشليم (كما يقول يوحنا، ويلمّح لولا من خلال ذكر أورشليم في صعود يسوع إليها). أولاد أورشليم هم في المعنى الأول: اليهود في شكلٍ عام. ولكن هناك معنى أعمق: فيسوع يعبّر عن شوقه العميق في أن ينتشر تعليم الملكوت في أورشليم، ويرى سكانها يتجاوبون مع هذه الرسالة الآتية من السماء.
"كما تجمع الدجاجة فراخها". فعلة العناية والاهتمام والحماية. ترد هذه الصورة مراراً في العهد القديم. يتحدّث تث 32: 11 عن "النسر الذي يغار على عشّه، وعلى فراخه يرفّ، فيفرش جناحيه ليأخذهم ويحملهم على ريشه". ويصلّي المرتّل فيقول: "إحفظني مثل حدقة العين، وفي ظلّ جناحيك استرني" (مز 17: 8). ويقول: "ما كرم رحمتك يا الله! في ظل جناحيك يحتمي البشر" (مز 36: 8؛ رج 57: 2؛ 61: 5؛ 63: 8؛ 91: 4). وقال الرابانيون: إن المرتدين يحتمون تحت جناح "شكينة" (أي: الحضور الإلهي، أي: الله). هذا ما أراده يسوع. أرسل كمنادٍ لملكوت الله الخلاصي، فرُفض نداؤه. رُفض اهتمامُ الله بشعبه. إن مشروع يسوع كواعظ بالملكوت قد لقي المعارضة التامة. لقد فضّل شعبه النبيذ القديم ورفض الجديد الذي يقدّمه له الله (5: 39). إنه يحتاج إلى الارتداد.
2- ها هو بيتكم يترك (آ 35)
بعض المخطوطات (مثلاً، البازي) تزيد "خرابا"، فترتبط بنصّ إر 22: 5. أما أفضل المخطوطات (بردية 75، السينائي، الاسكندراني...) فلا تذكر لفظة "خراباً".
ما معنى لفظة "بيت" (أويكوس)؟ إنها تشير إلى هيكل أورشليم، وقول يسوع يُنبئ بخرابه. رج مر 13: 2 الن يترك هنا حجر على حجر). وتشير أيضاً في معنى اوسع: أهل البيت. أي الشعب اليهودي عامة وسكّان أورشليم خاصة.
"أقول لكم" كما في 13: 24 (أقوله لكم: كثيرون يسعون أن يدخلوا، ولا يقدرون). نجد هذه العبارة في بردية 45، والسينائي... ولكنها غير موجودة في بردية 75، الاسكندراني... مع الأداة: ولكن. إذن من الأفضل أن نقول: "ولكن أقول لكم" مع الخطبة المباشرة: لن تروني.
"إلى أن يأتي وقت تقولون فيه". هناك اختلاف في المخطوطات. نقرأ في بعضها: "إلى أن يأتي حين تقولون". ألغى مت 23: 39 "يأتي حتى" فصار: إلى أن تقولوا. ويزيد مت 23: 29: من الآن، بعد. هي أداة اعتاد متّى على استعمالها (26: 29، 64).
"مبارك الآتي باسم الرب!. رج مز 118: 26 حسب السبعينية. سيعود الاستشهاد في 19: 38 بعد تحويل وزيادة معنى آخر: خلال دخول يسوع الملوكي إلى أورشليم، هتف حشد التلاميذ: مبارك الملك الآتي باسم الرب. إن مز 118 هو آخر مزامير الهلالي (113- 118) التي تُتلى في الأعياد الكبرى. ومع أن مز 118 هو مديح شكر يوجّه إلى الله من أجل الخلاص من الحرب (يعود الملك منتصرا فيستقبله شعبه عند دخوله إلى المدينة)، فإن آ 26 هي نشيد شعب أورشليم في استقبال الحجّاج الآتين إلى أورشليم للإحتفال بالأعياد ولا سيّما بعيد الفصح. 
خ- تفسيرالنمق
كان الحدث السابق (13: 31- 33) في خبر الصعود إلى أورشليم، قد انتهى مع جواب يسوع لتهديد هيرودس، والإقرار الضمني بأنه يواجه مصيره كنبي في أورشليم، التي يتوجّه إليها. إن آخر لفظة في هذا الحدث كانت: "أورشليم" (لا يهلك نبي خارج أورشليم، آ 33). وفي الحدث الذي ندرس الآن (آ 34- 35)، يبدأ الكلام مع أورشليم (تذكر مرتين). نحن أمام مناداة لأورشليم يرتبط بتوبيخ وتهديد. تكرار الإسم يدلّ على الأهمية المعلّقة على الكلمات التي تتبع. هذا ما نجده في تك 2: 11: "نادى ملاك الرب: إبراهيم، إبراهيم. عرفت أنك تخاف الله". وفي خر 3: 4 قبل وحي العلّيقة الملتهبة. ناداه الرب: "موسى، موسى".
إستقى لوقا هذا المقطع الصغير من المعين. ونجد ما يقابله في مت 23: 37- 39 الذي يلي لائحة طويلة من التوّيلات (الويل) وجّهت إلى الكتبة والفريسيين. يبدو أن متّى احتفظ بالنصّ الأصلي للمعين. فهنا يسوع يرثي المدينة وهو في داخل المدينة. أما في لوقا، فقد وضع الرثاء على شفتي يسوع الذي ما زال بعد في طريقه إلى أورشليم. في هذا السياف اللوقاوي يتّخذ الرثاء وظيفة مختلفة. نصّ لوقا قريب جداً من نصّ متّى. أمّا التصحيحات التي قام بها لوقا فهي تطفيفات وتتوخّى تحسين اللغة اليونانية.
من الوجهة النقدية، نستطيع أن نفهم المقطع على أنه قول تحذير وتهديد. الدينونة قريبة. يعلنها وجه نبوي ومعلّم حكمة يقترب من أورشليم. اعتبر بولتمان أننا أمام قول يهودي استعاده يسوع أو استعادته الجماعة المسيحية الأولى وزادت عليه: "لا ترونني حتى تقولوا". ومن أحد أسباب هذا القول هو الكلام عن عدد المرّات التي فيها كان يسوع في أورشليم. فالأناجيل الإزائية تتحدّث عن زيارة واحدة. هنا نتذكّر أننا لا نفهم فقط "كم مرّة" في المعنى المادي (مع العلم اننا نكتشف في صعود يسوع إلى أورشليم حسب لوقا أكثر من زيارة) والتاريخي. زيارة يسوع نفهمها بالمعنى الروحي، هي زيارة حكمة الله التي تبدو بشكل معلم يحذر تلاميذه.
إن هذا الحدث (آ 34- 35) يتوافق في إطار لوقا مع الخبر الذي سبقه (آ 31- 33). فالحدثان يرتبطان ب "خروج" يسوع (9: 31، من هذا العالم، أي: موته). ففي هذه المرحلة من الإنجيل الثالث، يصوّر لنا التقليد يسوع عائداً إلى نفسه على أنه المرسل الآتي من السماء، والمنادي بحكمة الله، والمتحدّث عن الوضع المؤلم الذي ستعرفه أورشليم، عاصمة شعب الله. في المعنى الأول، قد يكون يسوع نظر إلى المصير الذي يناله حين يصل إلى أورشليم. وعادت الكنيسة فقرأت الحدث كلّه على ضوء دمار أورشليم سنة 70 ب. م.
إن الرثاء الذي نقرأه هنا هو صدى لأرثية عديدة على أورشليم في العهد القديم. هناك مثلاً رثاء نُسب إلى إرميا بعد موت يوشيا (2 أخ 35: 25). إن يسوع يتألّم في صراخه على المدينة: أي مصير مجيد كان لمدينة داود وأي مصير يمكن أن يكون لها؟ ولكن كل هذا تبدّل. فعاصمة شعب الله التي كان بإمكانها أن تتقبّل يسوع وكرازته، تحوّلت فصارت المدينة التي ترفضه، رغم حماس في البداية كان في الواقع سطحياً.
يروي الخبر اللوقاوي أنّ الشعب جاء إلى يسوع من أورشليم ليسمع له (5: 17: جاؤوا من اليهودية ومن أورشليم؟ 6: 17). وكان بينهم أشخاص غير مستعدّين لأن يقبلوا بشارة الملكوت. هؤلاء في النهاية كانوا "أولاد" أورشليم (الأولاد يشبهون أمّهم) الذين أراد يسوع أن يجمعهم بقلب مفعم بالفرح. وسجّلت ردّات الفعل من قبل أهل أورشليم في 5: 21 (من هذا الذي يحدّث؟)، 35 (تذمّر الفريسيون وكتبهم)؟ 6: 2 (ما لكم تفعلون)، 7 (كان الفريسيون يراقبون يسوع)؟ 7: 30 (أبطلوا ما راده الله)؟ 11: 45 (أنت تشتمنا). رج 19: 39، 47؛ 20: 19؛ 22: 2.
حين قابل يسوع نفسه مع الدجاجة، استعمل صورة تدلّ على حبّه وعلى اهتمامه بمعاصريه، فدل هكذا بطريقة تبرز على إنشغال الله بعمل الخلاص الذي أرسل يسوع ليعلنه (4: 43). غير أن أورشليم لم تبحث عن السلام في حماية أجنحة الحكمة التي أرسلت من السماء. لهذا تُركت مثل أرملة لا معين لها وصار بيتها خراباً. وسواء كان البيت هيكل أورشليم أو شعب الله المقيم في أورشليم، فالدينونة هي هي.
ومن جهة أخرى، لن تنظر أورشليم إلى هذا المرسل من السماء والحامل حكمة الله (11: 49) إلى أن تراه آتياً في دور آخر. فالقول الذي حُفظ في المعين واستعمله متّى، يشير إلى مجيء يسوع المعادي، إلى مجيئه كديّان. ولكنه يتّخذ في لوقا مدلولاً آخر: إنه يدّلنا أولاً على يسوع الآتي إلى أورشليم كالملك "باسم الرب (19: 38). أي كالمنادي الملكي بملكوت الله. ولكن حينئذ كالملك المرذول الذاهب إلى الصلب والذي تبكيه "بنات أورشليم" (23: 28، 38).
وبجانب هذا، هناك عودة إلى مجيئه كديّان، إلى مجيئه المعادي في زمن النهاية (أع 1: 11). هذا الزمن سيأتي حين تستعد أورشليم لتهتف: مبارك الآتي باسم الرب. ولكن يكون قد فات الأوان.
هكذا نادى يسوع أورشليم فجاء نداءه بشكل تحذير وتهديد، بشكل نداء إلى التوبة. فهل تسمع أورشليم، فهل يسمع شعب الله صوت يسوع ينادي: اليوم إن سمعتم صوته، فلا تقسّوا قلوبكم؟

 

 

الفصل الثلاثون
شفاء يوم السبت
14: 1- 6

إن هذه القطعة التي ندرس تنتمي إلى "صعود يسوع إلى أورشليم" (9: 51- 19: 27). هذه القاطعة الطويلة هي خاصة بلوقا فى قسمها الاكبر. نجد فيها مواد مجموعة حول موضوع وُجد قبله أو ألّفه بيده. وهكذا نستطيع أن نكتشف تعليماً عن الصلاة (11: 1- 13) أو عن التجرّد والفقر (12: 13- 34) أو عن عودة الرب (12: 35- 39).
أمّا النصّ الذي ندرس فهو يفتتح جزءاً يتألّف من أربع مقطوعات تتأمّن وحدتها الأدبية بموضوع الطعام. دخل يسوع إلى بيت رجل فريسي يوم السبت ليأكل طعاماً، فاجترح هناك معجزة (14: 1- 6) ثم قدّم للمدعوين ثلاثة أمثال. مثل عن اختيار الأماكن (14: 7- 11)، مثل عن اختيار المدعوين (14: 22- 14)، مثل عن المدعوين الذين تهرّبوا من الدعوة (14: 15- 24).
الجوّ هو جوّ حرب في هذه المجموعة. فيسوع يقدّم تعليمه مفكّراً بالفريسيين الذين تعجّبوا حين رأوه يصنع معجزة يوم السبت.
أ- شفاء مستسقٍ يوم السبت (14: 1- 16)
1- خبر جدال يوم السبت
أورد لنا لوقا أربع مجادلات حول السبت. هناك مجادلتان تجدان ما يوازيهما عند متّى ومرقس: قطف السنابل (6: 1- 5؛ مت 12: 1- 8؛ مر 2: 23- 28) وشفاء الرجل اليابس اليد (6: 6- 11؛ مت 12: 9- 14؛ مر 3: 1- 6). وهناك مجادلتان خاصّتان بلوقا: شفاء المرأة المنحنية الظهر (13: 10- 17) وشفاء الرجل الذي تورّم جلده بالاستسقاء (14: 1-6). كتب لوقا إلى وثنيّين، لغتهم اللغة اليونانية وثقافتهم الثقافة اليونانية، كتب إلى أناس يهيمون بالحرية ونبل النفس، فعلّق أهمية خاصة على مثل هذه الأحداث التي فيها طالب الرب بقوّة وارتياح، طالب بأولوية الروح على حرف الشريعة.
أن تكون مثل هذه الأحداث تكاثرت خلال جولات يسوع الرسولية، فلا عجب في ذلك. فيسوع جاء ليكمّل الشريعة لا لينقضها. ولكن الإنسان يتكيّف سريعاً مع الإلغاء البسيط، ويفضّله على التطوّر نحو الأحسن. والحال، إذا عدنا إلى نظم إسرائيل كلها نجد أن السبت هو أقدسها في بداية العهد المسيحي.
فمنذ المنفى في القرن السادس ق. م. وساعة زال الإحتفال بسائر الأعياد بسبب دمار الهيكل، نمت أهمّية السبت. كان يوم راحة بسيط (أش 1: 13) فصار علامة تميّز العهد (الميثاق). ومع تكاثر وتحديد الفرائض المتعلّقة براحة السبت، صار السبت العلامة الفارقة في العالم اليهودي المنبعث من رماده. وعمل في فلسطين عزرا ونحميا بعد المنفى على جعل شعب الله أمّة مقدّسة، أي منفصلة عن سائر أمم العالم (نح 10: 29- 32). وما زال التشريع عن السبت يتوسّع على عتبة العهد الجديد، فوصل إلى درجة من الدقّة والقساوة، بحيث لم يعد يوم راحة وحسب، بل حملاً يسحق الإنسان.
ولهذا ثار يسوع على مثل هذا التجاوز الذي لم يترك للإنسان حرية ليتكرّس لخدمة الله. وفي الوقت ذاته أثار الدهشة ثم الغضب والحقد لدى الذين تسلّموا رسالة الحفاظ على نظم إسرائيل مهما كلّفهم ذلك من تضحيات.
إن أربعة أخبار الجدال التي أوردها لوقا هي عيّنات جانبية جعلت يسوع يواجه الفريسيين حوله مسألة السبت (رج أيضاً يو 5: 1- 9 والمخلّع؛ 9: 1- 41 والأعمى). حين نقرأ هذه الأخبار الأربعة الواحد بعد الآخر لا بد من أن يلفت انتباهنا التشابه في بنيتها الأدبية: نحن أمام أربعة مشاهد مقولبة قد تعكس رتابة ما عمله الفريسيون ليهاجموا يسوع، كما تدلّ على محيط الرسالة الذي تكوّن فيه التقليد الإنجيلي. إذن سنحاول أن ندرك واقع شفاء المستسقي على يد يسوع يوم سبت من خلال تعليم الجماعات المسيحية الأولى، وهذا التعليم شكّل أحد المراجع المميزة التي انتقى منها لوقا مواده.
2- طعام، يوم سبت، عند فريسي
"ودخل يوم السبت بيت أحد كبار الفريسيين ليتناول الطعام، وكانوا يراقبونه" (آ 1).
طعام، في يوم سبت، عند أحد الفريسيين. تلك هي الظروف الوحيدة الملموسة التي احتفظ بها لوقا أو مرجعه. ولكن كل واحد منها يلعب دوراً مهمّاً في هذا القسم من الإنجيل الثالث.
الطعام الذي دُعي إليه يسوع يشكّل خلفية المجموعة. ومن يقول "الطعام" في التوراة يدلّ على المشاركة والإتحاد والفرح. وإن كان ابن الله قبلَ أن يجلس إلى مائدة البشر، فلكي يستطيعوا أن ينعموا بصداقته. وستشدّد أمثال الوليمة (14: 7- 24) على التواضع والمحبة التي تملأ قلوب المدعوّين إلى هذه الأعياد البشرية وإلى الملكوت الذي ترمز إليه هذه الأعياد.
ويسوع مدعوّ عند وجيه من وجهاء الفريسيين، يحيط به أصدقاؤه. ففي مناسبتين أخريين قبل هذه، دُعي يسوع إلى دعوة مشابهة، كما يقول لوقا. في المرّة الأولى عند سمعان الفريسي (7: 36- 50) حيث أجبر يسوع على تذكير مضيفه بقواعد الضيافة وعوائدها، بعد أن دهش المضيف من موقف يسوع المتسامح تجاه امرأة خاطئة. وفي المرّة الثانية، أجاب على انتقادات فريسي آخر تعجّب لأنه لم يغتسل قبل الأكل. حينئذ أعلن يسوع كلماته القاسية: "الويل لكم، أيها الفريسيون" (1 1: 37- 54). وفي 14: 1- 6 الذي ندرسه، تبدو اللهجة أقلّ قساوة، ولكن المناخ ما زال متوتّراً. فالفريسيون لم يبدّلوا موقفهم، لأنهم "كانوا يراقبونه" كما قال لوقا (رج 6: 7 حيث نقرأ الكلمة عينها). إعتبروا نفوسهم المحامين عن النظام، فكانوا دوماً في موقف المراقبة. ولهذا لمل تكن دعوتهم إلى يسوع للطعام يوم السبت فعلة صداقة ومحبّة، بل فخا ينصبونه له.
3- أيحلّ الشفاء في السبت أم لا
أولاً: "وإذا مستسق واقف أمامه" (آ 2)
منذ البداية لعبت الظروف لصالح خصوم يسوع. دخل رجل مريض إلى قاعة الطعام. فهو متطفّل يحتمله الناس ولا يطردونه، شأنه شأن المرأة الخاطئة في 7: 36 ي. لكن حضوره خلق فجأة حالة من التوتّر لا يستطيع يسوع أن يتجاهلها. فالألم صلاة تصيبه في صميم قلبه وهو يستجيبها دائماً، ونكاد نقول خاصة في يوم السبت. وهذا أمر لا يستطيع خصومه أن يقبلوا به.
ثانياً: "فقال يسوع لمعلّمى الشريعة والفريسيين: أيحلّ الشفاء في السبت أم لا؟ فسكتوا" (آ 3- 4 أ)
إتّخذ يسوع حالاً المبادرة بهذا السؤال الأول. وليست هي المرّة الأولى يطرح فيها مثل هذا السؤال على الفريسيين. وهم يعرفون الخطر الذي يرافق الجواب: إن قالوا "نعم يحلّ الشفاء"، إتهمهم زملاؤهم بالسهولة والتراخي تجاه الشريعة. وإن قالوا: لا يحلّ الشفاء، "يظهرون حالاً في عيون الناس كأشخاص لا شفقة في قلوبهم". إذن، رفضوا أن يتّخذوا موقفاً. ظلّوا ساكتين. وهكذا حرموا من حق انتقاد يسوع فيما بعد.
ثالثاً: "حينئذ أخذ المريض وشفاه وصرفه" (آ 4 ب)
لم يتخوّف يسوع من صمتهم الذي يدلّ على سوء نيّتهم. ولما شفى الرجل صرفه. لم يعد له أي عمل في هذا الإجتماع.
رابعاً: ثم قال لهم: من منكم يقع ابنه أو ثوره في بئر يوم السبت ولا ينشله منها في الحال؟ فما قدروا أن يجاوبوه" (آ 5- 6)
وهذا السؤال الثاني الذي طرحه يسوع، ينقل المشكلة من عالم الشريعة إلى عالم الضمير والذوق السليم. على مستوى الشريعة، موقف يسوع واضح كل الوضوح: "جُعل السبت للإنسان، لا الإنسان للسبت" (مر 2: 27). فإذا أراد الفريسيون أن يأخذوا بهذا المبدأ الجديد في عيونهم، وجب عليهم أن يقبلوا أيضاً بأن ابن الإنسان هو "ربّ السبت" (6: 5).
وهل يستسلمون لبرهان يدلّ على الذوق السليم؟ البهيمة التي وقعت في البئر هي موضوع تمرين مدرسي، وقد فتحت الدرب أمام مناقشات نظرية عديدة. ولكن يسوع يواجه الخصوم بصورة مباشرة حسب عادته: "من منكم". والجواب واضح إلى درجة لا يحتاج بعدها الفريسيون أن يعبّروا عنه. فأقرّوا بالهزيمة: "ما قدروا أن يجاوبوه". وانتهى الخبر هنا. 
إذا قابلنا هذا الخبر مع أخبار الجدال التي يوردها الإزائيون، نجد أننا أمام خبر تقليدي. فالتفاصيل الملموسة قليلة وهي لا تعطينا المعلومات الكثيرة: في سبت من السبوت (رج 6: 2، 7؛ 13: 14). رجل تورّم جلده بالإستسقاء (رج 6: 6؛ 13: 11 ). يمكن أن يكون حصل هذا في أي وقت وفي أي مكان. والسؤالان اللذان طرحهما يسوع ينتميان إلى مجموعة الجدالات حول السبت (رج 6: 9؛ 13: 15).
ولكن سائر الأخبار تنتهي بإعلان مبدأ يعطي السبت معناه الحقيقي (مر 2: 27). أو بملاحظة تدلّ على معارضة الفريسيين المتنامية (مت 12: 14؛ مر 3: 6؛ لو 6: 11). أما هنا فلا نجد شيئاً من هذا. كل هذا يُروى وكأن المعجزة والجدال الذي تبعها لم يكونا إلا تفاصيل تعلقت بموضوع يهمّ الإنجيلي وهو "الطعام" الذي سيتحدّث عنه في أمثال ثلاثة هي إختيار الاماكن، إختيار المدعوّين، وتلبية الدعوة إذا أردنا أن نعامل هذا "الداعي" العظيم بما يليق به.
ب- الإنجيل في حياتنا
يسير يسوع في المدن والقرى، في المجامع والبيوت، ليبشّر بتعليمه. هو لا يتحاشى دعوة خصومه ومقاوميه، لأنه جاء يحمل الخلاص إلى الجميع. والمضيف الذي دعاه هو من وجهاء الفريسيين، وقد يكون عضواً في مجلس أورشليم الأعلى (23: 13، 35؛ يو 3: 1). والبيت الذي دخل إليه يسوع تفوح منه رائحة التعبّد للشريعة والتقاليد الأخلاقية التي تمارس بدقة ما بعدها دقّة.
واليوم سبت... لقد اعتاد اليهود أن يدعوا أصدقاءهم إلى الولائم في ذلك اليوم. هم يأكلون مرّتين في كل يوم من أيام الأسبوع، أما في يوم السبت فيأكلون ثلاث مرّات. والطعام الرئيسي هو طعام الظهر الذي يلي حالاً الخدمة الليتورجية في المجمع. على الرجال في أيام العيد أن يأكلوا أو يشربوا أو يجلسوا أو يدرسوا (الشريعة).
كان السبت اليوم الذي فيه يتذكرون حسنات الله الكبيرة: عمل الخلق (خر 20: 8- 11)، التحرّر من عبودية مصر (تث 5: 12- 15). ويحيط بالسبت حالة العيد التي تنفجر من إيمان باختيار الله لشعب إسرائيل. "بارك الله السبت. ولكنه لم يكرّس إلاّ إسرائيل كشعب وأمّة تعيّد له في السبت. ولهذا الشعب وحده سمح بأن يأكل ويشرب ويعيّد السبت على الأرض. والعلي بارك هذا اليوم الذي خلقه ليباركه ويقدّسه ويمجّده أكثر من سائر الأيام" (كتاب اليوبيلات 2: 31 ي). 
السبت هو علامة أمانة الله لعهده. فهو الذي يتيح لإسرائيل أن يعرف أن الله هو ربّه الذي يقدّسه (خر 31: 13). وكانوا يتصوّرون المجد الأزلي سبتاً لا نهاية له. والوليمة السبتية التي دُعي إليها يسوع في بيت الفريسي جُعلت هنا لتتذكّر مآثر الله ورجاء العالم الآتي والمشاركة في راحة الله السبتية.
ضيف الشرف في هذه الوليمة هو يسوع. دُعي بصفته معلّم الشريعة، رابي. كانوا قد اعتادوا أن يسمعوا معلّمي الشريعة المشهورين خلال الخدمة المقدّسة في المجمع، ويدعوهم لمقاسمتهم طعام الغداء.
كانت شهرة يسوع قد انتشرت في طوله البلاد وعرضها (7: 17)، فاعتبره الشعب نبيّاً عظيماً (7: 16). وطرح الفريسيون أيضاً السؤال ليعرفوا من هو (7: 39). كانوا يراقبونه على ضوء التقوى الفريسية. حكم عليه سمعان الفريسي بسبب علاقاته مع خاطئة (7: 36-50). وحكم عليه فريسي آخر (11: 37- 53) لأنه تهامل بالنسبة إلى فرائض الشريعة حول الطهارة. وحكموا عليه الآن بسبب تفسيره لشريعة السبت. والنتيجة: لا يمكن أن يكون نبيّاً. إنه لا يعلن كلام الله. جعل الفريسيون من تعليمهم وتفسيرهم للشريعة القاعدة التي بها تعرف مشيئة الله وكلمته. إذن، لا يتكلّم يسوع ولا يعمل باسم الله لأن ما يقوله ويعمله لا يوافق تعليمهم.
كان الداعي فريسيّاً من الفريسيّين الذين اهتمّ يسوع بهم ولم يقطع كل صلة معهم. عند متّى (ف 23) التوّيلات تجاههم هي حكم يدينهم. وعند لوقا (11: 42- 52) هي نداء إلى التوبة والإرتداد. حين استبعد الفريسيون الخطأة من جماعة الشعب، وحين مارسوا فرائض شريعة الطهارة ممارسة دقيقة، وحين اهتمّوا بتقديس الشعب، فقد كانوا يسعون ليقدّموا إلى الله شعباً مقدّساً. ظنّوا أن طريقة تفسيرهم للشريعة وتقاليدهم هي الطريق التي يريدها الله. واقتنعوا بذلك اقتناعاً مطلقاً بحيث اعتبروا أنّ الله لا يقدر أن يتّخذ سبيلاً آخر جديداً ليقدّس شعبه. بهذه الطريقة أغلقوا في وجههم الطريق الذي يجعلهم على خطى يسوع المبشّر بنظام الخلاص الجديد والاتي به إلينا.
وكان "ضيف" لم يدعَ إلى الوليمة، نطر من فوق "السياج" وهو يحاول أن يرى ضيف الشرف (رج 7: 37؛ 19: 3). دخل إلى البيت. حتى الفريسيون وعلماء الشريعة انزعجوا لأن كل مرض هو عقاب حياة لا أخلاقية. وقد كانوا يظنون أنهم يحدّدون بدقّة طبيعة الرذيلة الخفية في كل مرض من الأمراض. فالاستسقاء مثلاً هو علامة المجون وحياة الخلاعة. واتجهت الأنظار كلها إلى يسوع وإلى هذا الرجل، كما اتّجهت في وقت آخر إلى يسوع وهذه المرأة الخاطئة التي كانت تقبّل له قدميه.
وتصرّف يسوع. تصرّف كمن في يده ملء القدرة. هو الذي بادرهم إلى الكلام. سؤالهم سؤال طرحته المدارس منذ زمان بعيد ولكنها لم تجد الجواب الذي سيقدّمه يسوع: حين تكون حياة الإنسان في خطر، يُسمح بمساعدته على حساب راحة السبت. ولكن، إن لم يكن هناك خطر ننتظر نهاية السبت. والمستسقي ليس في حالة خطر الموت، إذن لينتظر. ولكن سؤال يسوع جاء بشكل تحدٍّ يدفعهم إلى مزيد من التفكير بالشريعة فلا يكتفون "بتقاليد الأقدمين" (مر 7: 5). يعتبر يسوع انه يقدر أن يفسر الشريعة كنبي باسم الله، بل هو يقدر أن يجدّد هذه الشريعة. قيل لكم، قالت لكم الشريعة، أما أنا فأقول لكم (مت 5: 17). سكت الفريسيون ولم يردوا على جواب يسوع. هم لا يريدون أن يبدّلوا شيئاً في تعليمهم. هم لا ينظرون إلى الإنسان بل إلى الشريعة. أمّا يسوع فيهمّه أولاً هذا الإنسان.
أخذ يسوع المستسقي، وضع يده عليه "ولم يتنجّس". شفاه وصرفه. الشفاء علامة. إنها تدلّ على أن الله مع يسوع وان يسوع يفعل بملء السلطان الذي قبله (أع 1: 38). ويشهد هذا الشفاء ان تفسيره لشريعة السبت انطلق من السلطان الذي منحه الله إياه. وهذا ما يثبت أن زمن الخلاص بدأ وأن راحة سبت الله بدأت تعمل والعالم يتجدّد. وما هذا الشفاء إلا دلالة على قرب الآيات الآتية.
ووجدت راحة السبت معناها الحقيقي، المعنى الذي أراده الله منذ الابتداء. شدّد علماء الشريعة على الجدال حول إرادة الله بالخلاص والحب اللذين هما الطابع الخاص بهذا اليوم. وجاء يسوع فملأ هذا النهار بالرحمة، بمحبّة الله. قُرّب إليه المستسقي فشفاه. لم يعد محور الحديث السبت، بل يسوع ربّ السبت، وهو الذي يعطي السبت معناه، بانتظار أن يأتي وقت يزول ويحل محلّه الأحد.
ودخل يسوع في طريقة جدالهم. إنطلق من ثور ننتشله بعد أن وقع في حفرة، من ابن وقع في بئر. إن الفريسيين يفسّرون الشريعة بطريقة بشريّة حين تكون مصالحهم مهدّدة. وهم في تفسيرهم لا يعطون "القريب" ما يعطونه لنفوسهم من مكاسب. ولكن يسوع طلب: "تحب قريبك مثل نفسك" (10: 27). فاللوم الذي يوجّهه يسوع إلى سمعان هو الذي يعمله في وضع هذا المستسقي: لا محبّة عندهم (7: 47). فالشريعة لا تضع حدوداً للمحبة ومحبّة الله لا تعرف حدوداً. وملكوت الله الذي يعلنه يسوع هو ملكوت رحمة الله.
لقد جعل يسوع راحة السبت في خدمة الإنسان (13: 15 ي). فالأعمال العجائبية التي أتمّها يسوع في ذلك اليوم دلّت على رضى الله تجاه خلائقه، على السلام والخلاص. والفرح الذي يملأ سبت نهاية الأزمنة هو تهليل البشر الذي ينبع من قلب مآثر الله وأعماله العظيمة. وان شفاء المستسقي يجعل من بيت هذا الفريسي قلب هذا الفرح، قلب هذا الخلاص. فأي شرف له، لو يفهم!
وإذا انتقلنا إلى الأحد. ففي قلب الأحد المسيحي نجد الخلاص الذي حمله يسوع المسيح بأقواله وأعماله، نجد أعظم ما قدّمته رحمته الإلهية والذي يتتم بصورة متواصلة خلال يوم الرب، عنيت به وليمة الافخارستيا. فبها نتحوّل، كما يتحوّل الخبز والخمر إلى جسد المسيح ودمه، لندلّ بحياتنا وأعمالنا وأقوالنا على محبّة الله ورحمته.
إن طعام السبت في بيت فريسي ينقلنا إلى منظار أبعد من طعام كل يوم، وبالأحرى في منزل "مراقَب". إنه ينقلنا إلى طعام نهاية الأزمنة في "راحة الله السبتية" (عب 4: 9 ي). ولكن الطعام الذي يناله المسيحيون في يوم الرب يقع بين طعام اليهود وطعام يوم السبت وما يرافقه من فرح وابتهاج واهتمام بالضيف والغريب واليتيم، وطعام نهاية الأزمنة في ملكوت الله. فالرب حاضر وهو الذي يوزعّ عطايا خلاصه. وعدنا بأنه "لن يشرب بعد اليوم من عصير الكرمة حتى يجيء ملكوت الله" (22: 18). فقد جاءت ساعة آلامه وموته. ولكن بانتظار ذلك اليوم الذي ينقلنا إلى نهاية الأزمنة، أخذ خبزاً فكان جسده الذي يُبذل لأجلنا. أخذ كأساً فكان دمه من أجلنا. لم يعطنا الرب فقط شيئاً من مخلوقاته، بل أعطانا ابنه فلم يبقَ له شيءآخر يعطينا.
كان بإمكان هذا الفريسي أن يجعل من بيته موضعاً يحلّ فيه الخلاص، كما كان الأمر بالنسبة إلى زكا (19: 9). ولكنه تصرّف كالجراسيين: طلب من يسوع أن يترك دياره. سأل يسوع مرّة أولى فرفضوا أن يقدّموا جواباً. وسأل مرّة ثانية فما قدروا أن يجيبوا. أخذ الحوار منحى آخر بعد أن أخذ يسوع يرحّب بصورة عامة بالعشّارين والخطأة. وسيكون أحد تلاميذه واحداً منهم.

 

 

الفصل الحادي والثلاثون
أقوال حول المائدة
لو 14: 7- 14

1- نَدْوة لوقاويّة
إنّ المقطوعة التي ندرس هي جزء من وحدة أدبيّة (14: 1- 25) سُمّيت "أقوال حول المائدة" أو "نَدوة" واجتماع.
هناك كلمة "طعام" وما يرافقها: أكل خبزاً= أخذ وَجبة طعام: 14: 1، 15. "غداء" و"عشاء" (14: 12). وليمة كبيرة، مأدُبة (14: 16). وكلمة "دعا". هناك المدعوّون وهناك من يدعو. إن كلمتَيْ طعام ودعا تجعلان أربع مقطوعات في مجموعة تأليفيّة واحدة: خبر شفاء مريض خلال وَجْبة طعام تؤخذ يوم السبت (اَ 1- 6). قَولان مأثوران عن الطعام (آ 7- 11، 12- 14)، مَثل الوليمة (آ 15- 24).
إن خبر غداء السبت (نقرأ في مقدّمته: "ليأكل خبزاً") ومثلَ الوليمة (نجد في مقدّمته أيضاً: ليأكل خبزاً) يحيطان بالقولين المأثورين بشكل تضمين واحتواء. ونحن نلاحظ في هذين المقطعين بُنية متشابهة من وجهة الأسلوب: مقدّمة، تعبيراً بشكل سلبيّ ثم بشكل إيجابيّ (تَوازناً متعارضاً)، نظرةً إسكاتولوجيّة. وهكذا يرتبط المقطع بالآخر. ويرتبط مثلُ الوليمة أيضاً بالقول الثاني (اَ 12 ي) لأن لائحة المدعوّين الفقراء هي هي (آ 13 وآ 21) مع إختلاف في الترتيب فقط: المشوَّهون، العُرج، العميان.
وتأليف المقطع يجعلنا نشعر وكأننا أمام حوارٍ يعُجّ بالحياة. لا شك في أنّ يسوع وحدَه يتكلّم، هذا إذا جعلنا جانباً أحد المدعوّين الذي قال: "هنيئاً لمن يجلس، إلى المائدة في ملكوت الله" (آ 15). ولكن هذا المونولوج يبدو بشكل خُطبة مباشرة في القول الأوّل (آ 7 ي) وفي مثل الوليمة، بحيث إن عدداً من الناس اهتمّ بهذه الأقوال: رب البيت، الضيوف، المدعوّون، الخَدَم. النداء يوجَّه إلى كل الذين يشاركون في الطعام: الذي يدعو، المدعوّون، أحد المدعوّين سؤالاً الى يسوع.. إذن كنا على حقّ حين سمّينا هذه المقطوعات: أقوال حول المائدة أو نَدوة واجتماع.
لقد نظّم لوقا نفسُه تأليف النصّ إنطلاقاً من الموادّ التي قدّمها إليه التقليد. فخبر شفاء الرجل المريض بداء الاستسقاء يومَ السبت نصٌّ خاصّ بلوقا (لا نجد ما يوازيه عند متّى ومرقس). حصل الإنجيليّ على هذا الخبر من التقليد فاستهلَّه بمقدّمة تدلّ على السمات الخاصّة بالأسلوب اللوقاويّ، واستعمل مشهد الغداء ليؤلّف الخطَبة والمثل الذي يتبعها. يتأصّل القولان حول الطعام في وسط يهوديّ، ولكنهما لا يرتبطان بخبر الشفاء السابق، لأن لا علاقةَ لهم بذُروة الخبر: "أَيحِلّ الشفاء في السبت أم لا"؟ ومثل الوليمة جزء من التقليد الخاصّ بلوقا، وهو لا يرتبط بنصّ مت 22: 1- 10 رغم التشابه بين المثلين. في كل هذه المقطوعات، وبالأخصّ في مقدّمتهما، نجد خصائص أسلوب لوقا ولغته، وهذا ما يدلّ على أن الإنجيليّ دوّن من جديد موادَّ استعملها. كما أنّه جمع في تدوينه مقاطع مختلفة حول فكرة الطعام والمائدة.

2- دُعي إلى طعام يوم السبت (14: 1)
إن آ 1 تشكل الإطار فتشير إلى موقع الخبر، غير أنّها تبقى غامضة. يسوع حلّ ضيفاً على فرّيسيّ. وموضوعُ يسوع الضيف خاصّ بلوقا. ونجد مراراً مشاهد طعام ترتبط بأقوال حول المائدة: 7: 36 ي (الخاطئة في بيت سمعان الفريسيّ)، 10: 38 ي (يسوع عند مرتا ومريم)؛ 11: 37 ي (في بيت أحد الفريسيّين؛ الويل لكم)؛ 14: 1 ي؛ 19: 1 ي (يسوع وزكا)؛ 22: 7- 38 (العشاء الأخير). أجل إن موضوع الوليمة هو شكل من الأشكال الأدبيّة التي عرفها العالم اليونانيّ (الوليمة عند أفلاطون مثلاً).
دخل يسوع بيت أحد كبار (أعيان) الفريسيّين. هذا يعني أنه دُعي إلى الطعام، وان لم يشر لوقا الى الدعوة. سُمّي الفرّيسي من الكبار أو الأعيان لأنه يلعب دور القيادة في حزب الفريسيّين. فقد كان لجماعة الفريسيّين رؤساؤها. يَروي لوقا مراراً أن يسوع دُعي إلى بيت الفريسيّين (7: 36؛ 11: 37؛ 14: 1). ويورد أيضاً أن الفريسيّين حذّروا يسوع من فخاخ هيرودس (13: 31- 33). إذن، هناك إشارات تدلّ على أن موقف يسوع تجاه الفريسيّين لم يكن سلبيًّا مَحضاً. إن يسوع مستعدّ لأن يحمل إليهم أيضاً الخلاص.
وكان السبت يومَ دخلَ يسوع ليشارك في الطعام. إعتاد اليهود أن يقيموا وليمة فخمة يوم السبت. "الله أعطى نسل يعقوب علامةً بموجبها يحتفلون معه بالسبت، فيأكلون ويشربون ويباركون العليّ". "إن من واجب الإنسان في يوم العيد أن يكتفي بأن يأكل ويشرب ويبقى جالساً ويدرس". كانوا يأكلون في الأيّام العادية مرّتين: غداءً بسيطاً في ساعات الصباح، وعشاءً في ما بعدَ الظهر (14: 12). ولكنّهم كانوا يأكلون ثلاثَ مرّات يوم السبت. وكانت الوجبة الرئيسيّة تلي الصلاة في المجمع. لم تكن راحة السبت تَحول دون ذلك، لأنّ الطعام يُهَيَّا منذ الجمعة (يوم التهيئة، رج مر 15: 42). وكانوا يَدْعون طوعاً في يوم السبت أشخاصاً يكرمونهم إكراماً خاصاً.
دعا مقدِّم الطعام يسوع مع أشخاص آخرين من معلّمي الشريعة والفزيسيّين (14: 3). دعا أناساً يميلون ميولَه. يسمّيهم يوحنا "نوميكوي" (نوموس. الناموس في العربية) فيدلّ على أنّ ما يميّزهم هو اختصاصهم بالشريعة (7: 30؛ 10: 25؛ 11: 47، 52؛ مت 12: 28). وكانت تهمّهم قضيّةٌ تتعلّق بالناموس هي شفاء يوم السبت. ولهذا ناقشوها خلال وجبة الطعام هذه. ففي مسائل راحة السبت والعُشور وفرائضِ الطهارة بحسب الشريعة، برزت المعارضة بين يسوع والفريسيّين الذين حاولوا أن يمثّلوا بممارستهم للشريعة المقدّسة والنقيّة، جماعةَ إسرائيل الحقيقيّ. ويستبق الإنجيليّ الخبرَ حين يكتب أن علماء الناموس والفريسيّين كانوا يراقبونه ويترصّدونه بمكر "ليرَوا هل يشفي في السبت" (6: 7). لم يكن المريض بالاستسقاء قد جاء بعد، ولكنه ظهر فجأة (14: 2). وكان يسوع ضيفَ الشرف الذي تتوجّه إليه كلّ الأنظار، كان في تلك الحفلة، يومَ السبت. هذه هي العناصر التي تحدّد موضوع الحوار.

3- مثَلٌ من أجل المدعوّين (14: 7- 11)
وجاءت خُطبةٌ عن الحكمة تتبّل هذه الوليمة. وجَّه يسوع إلِى المدعوّين "مثلاً" هو نتيجة الخِبرة والحياة. المثلُ هو تعليمٌ غيرُ مباشر بشكل تشبيه. إن يسوع يتكلّم هنا مثل معلَم من معلمي الحكمة.
وصل المدعوّون وجلسوا إلى المائدة، بل تمدّدوا على وسادة. لاحظ يسوع الواصلين: إنهم يحاولون أن يحتلّوا الأماكن الأولى، الأماكن الأقرب إلى رب البيت. تنتظم الوِساداتُ ثلاثاً ثلاثاً، ومكانُ الشرف يكون في الرأس أو وسطَ الوسادة المركزيّة. صيغة الفعل اليونانيّ هنا تدلّ على محاولة، وتعبّر عن رغبة حامية وطَموحةٍ للتسابُق من أجل المكان الأوّل. في زمن المسيح تحدَّد الرتبةُ على المائدة بصِيت المدعوّين، والصيتُ يرتبط بالعلم أو بالثروة.
كان الفريسيّون يبحثون عن مقاعد الشرف، عن الأماكن الأولى في المجامع (11: 43؛ 20: 46؛ مت 23: 6؛ مر 12: 38) وفي الولائم (20: 46؛ مت 23: 6؛ مر 12: 38) والتحياتِ في الساحات العامّة (12: 46 وز). كانوا مقتنعين بأنّ مثل هذا الإكرام حقٌ من حقوقهم، لأن الإكرام الذي يطالبون به يعود بالخير على الشريعة التي يمثّلونها.
ووجّه يسوع كلمته إلى المدعوّين: هي لا تهاجم هجوماً؟ شخصيّاً، ولا تجرح أحداً، ولا تسيء إلى أحد. عبَّر عنها يسوع بشكل تعليم وفتوى على طريقة الآداب الحِكميّة: "إن دعاك أحدٌ إلى وليمة" ("عرس" أو "وليمة عرس". رج أس 9: 22؛ لو 12: 36). إن دعاك أحد (أو دُعيت). يقدّم تعليمُ يسوع قاعدة من قواعد الفطنة. ليس من الفطنة بشيء أن نحتلّ الأماكن الأولى حين نصل إلى الحفلة. قد يأتي شخص يَنْعَم باحترامٍ أكثر منك. والرجال الأكثر إحتراماً يجيئون في الدقيقة الأخيرة. فالذي يدعو ويحدّد المقامات يخصّص لهذا الشخص المقعد الأوّل؟ فمن يحتلَّ هذا المقعد فعليه أن يذهب إلى الأخير، لأنّ سائر المقاعد مأخوذة. فبعد بدايةٍ طَموحة، ها هو يُحسّ بالذلّ أمام الجميع. لهذا، كن فطناً واتّخذ المكان الأخير. حينئذ تُكرَّم أمام الجميع إن منحك ربُّ البيت مقعداً أرفع.
ما قاله يسوع هو قاعدة بسيطة وقولٌ حِكميٌّ له تاريخه الطويل في الشعب. فنحن نقرأ في سفر الأمثال: "لا تفتخر أمام المَلك ولا تجلس في مكان العظماء. فإنّه خير أن يقال لك: ارتفع إلى هنا، من أن تُحَطّ أمام الأمير" (أم 25: 6- 7؛ رج سي 7: 4؛ 13: 9- 10). ويوافق علماءُ الناموس على هذه القاعدة فيقولون: تنازلْ درجَتين أو ثلاثاً حين تتّخذ لك مقعداً: خير أن يقال لك "اصعد" من أن يقال لك "انزِل".
يفسَّر المثل عن اختيار المقاعد بقول مأثور يضعهُ الإنجيليّون تارةً هنا وطوراً هناك. هذا ما يسمَّى: "قول تائه" (مت 23: 12؛ لو 18، 14) وقد يكون موضعه الأؤلانيّ هنا. إنه قول فى شِقَّين يدلّ على أصِله اليهِوديّ: يُوضع الفعل في صيغة المجهول لئلأ يُذكر اسم الله (يُوضع، يُرفع). فأصل هذا القول يرجع إلى خبرة عمل الله التاريخيّ تجاه شعبه: "أعلِي ما هو في أسفل، وأُسفِل ما هو عالٍ" (حز 21: 31؛ رج مز 147: 6؛ لو 1: 52). إن هذا القول يعِدُ بتبديل يالحالات وبتقييم الأمور بغير منطق البشر. ونجده، كما عند الإزائيّين، في الجدالات مع الفريسيّين كتهديدٍ لهم.
في هذا الحوار حول المائدة، يرفع هذا القول قاعدةَ الفطنة العالميّة والتي تميّز الحكمة البشريّة، على مستوى الكرازة بملكوت الله بفم يسوع، ويدخلنا إلى هذا الملكوت. فالوعد النبويّ بالاتّضاع والارتفاع يتمّ مع مجيء ملكوت الله. كما أنّ القول الثانى حول الطعام (آ 12- 14) ينتهي بوعد إسكاتولوجيّ، كذلك يوجِّه القولُ الأوّل أنظارنا إلى عمل الله في نهاية العالم. إن انتظار الملكوت الآتي يُشرف على النَدوة اللوقاويّة حول المائدة.
إن قاعدة الجلوس إلى المائدة تطرَحُ الشرط الذي بموجبه نُقبَل في ملكوت الله. لقد أكّد يسوع الضرورة عينَها بأن نصير صغاراً حين طلب من الذي يريد أن يدخل إلى ملكوت الله أن يرتدّ ويصير مثل الأطفال (مت 18: 4). فالارتداد الحقيقيّ، ذلك الذي يفتح ملكوت الله، غيرُ ممكن إن لم يُحسَّ الإنسان أنه ضعيف وصغير أمام الله (17: 10؛ 18: 10- 14). فالموقف الذي يعارض أكثرَ ما يعارض الارتداد، هو عاطفة نعتبر فيها نفوسَنا أبراراً وفوق سائر الناس. عاد يسوع إلى قول تقليديّ عرفه معاصروه فأدخله في كرازته حول ملكوت الله. إنه هو نفسَه "الكاتبُ الذي صار تلميذ ملكوت السماوات الذي يشبه ربّ بيت يخرج من كنزه أشياءَ جديدةً وأشياء قديمة" (مت 13: 52).

4- تنبيه إلى صاحب الدعوة (14: 12- 14)
ويتوجّه يسوع أيضاً إلى صاحب الدعوة، إلى الذي يدعو. لا يقدّم يسوع مثلاً بل حقيقةً ما زالت تحتفظ بقيمتها، وتنبيهاً يقع في حالة ملموسة. والإشارة المُعطاة إلى المضيف لها طابعُ الإلزام، وإن عبّر عنها يسو بلطف ودقة. يتكلّم يسوع بصورة عامّة، لا عن هذه الوليمة التي دُعي إليها، بل عن غداء أو عشاء. لم يَدعُ ربّ البيت فقط الأصدقاءَ والأقارب والأغنياء، بل دعا يسوعَ أيضاً وربما تلاميذَه. ويتكلّم يسوع مرّةً أخرى مثل معلّمٍ من معلّمي الحكمة.
تُعتبرُ الوليمة تعبيراً عن حبّ سخيّ. فالضيف لا يدعو فقط الذين تجمعهم به رباطاتٌ بشريّة كالصداقة والقرابة والعهد أو الأوضاع المشابهة. فهؤَلاء يستطيعون أن يعاملوه بالمثل ويدعوه. يجب أَلاّ تقابلَ إطلاقاً الدعوةُ دعوةً والعطيّةُ عطيّهً. أعطوا ولا تنتظروا في المقابل شيئاً (6: 35). الوليمة تعني محبّة لا تطلب المنفعة، تعني حبًّا لا ينتظر مقابِلاً.
وبعد الشِقّ السلبيّ في الموازاة (لا تدعُ)، هناك الشِقُّ الإيجابيّ: يجب أن تدعو من لا تنتظر أن يبادلك الدعوة. ومن تدعو إذن؟ "المساكين، المشوّهين، العرج، العميان". وقد يكون المشوّهون والعرج والعميان صفةً للفقراء: فمجموعات الفقراء المذكورة هنا كانت محتَقَرةً ومرذولة من قِبَل أنقياء إسرائيل. كان هؤلاء يُحرَمون من المشاركة في الحفلات الدَينيّة في الهيكل (2 صم 5: 8 حسب السبعينية، رج لا 21: 18). وهذا الحُرم العِباديّ القديم لم يزَلْ معمولاً به في جماعة قُمران. ونحن نقرأ في ملحق "القاعدة": "لا يدخل في جماعة الله أيُّ شخص أصيب بإحدى النجاسات البشريّة. وكل شخص أصيب بهذه النجاسات لم يعُد يقدر أن يقوم بوظيفة وسط الجماعة؛ وكلُّ شخص أصيب في لَحمه (= البرص) أو تربّطت رجلاه أو يداه، كلُّ أعرجَ أو أعمى أو أصمَّ أو مضروبٍ في لحمه بعاهات منظورة... كلُّ هؤلاء الأشخاص لا يدخلون فيأخذون مكانهم وسْطَ جماعة الناس المشهورين".
فإلى هؤلاء الفقراء بين الفقراء وجَّه يسوع انتباهه وحبّه. وحسب مثَل الوليمة، إنهم هم المدعوّون (14: 21). الذين يعتبرون نفوسهم غيرَ جديرين، الذين يُدفعون إلى الخارج يُقبلون في ملكوت الله، هم لا الفريسيّون المتكبّرون والواثقون بنفوسهم (14: 15). ومن أجل هؤلاء المساكين صنع يسوع سلسلة من المعجزات، وهكذا صار ملكوت الله منظوراً. والمعجزات التي تمّت لأجلهم ميّزت شخصيّة يسوع فسُمّيت أعماله الخاصّة. فأفقر الفقراء لا يستطيعون أن يرُدّوا الخير الذي مُنح لهم. يتدخّل الله نفسه من أجلهم، حين يبدأ نظام الأشياء الجديد. هنا تحُلّ صيغةُ المجهول (تكافأ) محلَّ اسم الله. فالذي يُحسن إلى هؤلاء الفقراء يُعَدّ سيّداً لأنه سيجد مكافأته في الله نفسِه.
وينتهي التنبيه بتصوّرٍ لأحداث نهاية العالم. ففي مثَل المدعوّين يتلقى الأبرار وعداً بأنهم يُرفعون. وهنا يوعَدون بالقيامة. في المرّة الأولى مرت الطريقُ عَبْرَ الاتّضاع والانخفاض. وفي المرّة الثانية عَبرَ التجرّد والتخلّي عن كل منفعة. لا يشير الوعد إلاّ إلى قيامة الأبرار. إن لوقا نفسَه يتطلّع إلى قيامة الجميع لا إلى قيامة الأبرار وحدَهم فيقول بلسان بولس: "راجياً قيامة الأشرار والأبرار" (أع 24: 15). إنه يؤكّد على "قيامة الموتى" (20: 35). إذن عبارة "قيامة الأبرار" لا تُستعمل في المعنى الحصريّ، وقد تكون تقليديّة فترتبط برجاء لا يشير إلاّ إلى قيامة الأبرار كما في أخنوخ ومزامير سليمان ووصيّة بنيامين أحدِ الآباء الاثني عشَر.
إن قاعدة الولائم الثانية لا تكتفي بوصيّة من أجل الطعام. إنها هي أيضاً تتطلّع إلى نهاية الأزمنة، إلى مجيء ملكوت الله الذي يتضمّن فيما يتضمّن من خيرات الخلاص "قيامةَ الأبرار". فالحبّ الذي يبحث عن مبادل، لن يكون له مكافأة حين مجيء ملكوت الله. والتنبيه المعطى هنا يردّدَ تعليم عظة "السهل": "إن أحببتم فقط من يحبّكم... إن أحسنتم فقط إلى من يحسن إليكم... إن أقرضتم فقط..." (6: 32- 35). 
يندّد يسوع برذيلتين وجدهما عند الكتبة الميّالين إلى النَزعة الفرّيسيّة: الطموح والجشع (20: 46- 47). فإليهم تتوجّه قواعد الطعام التي تنصح بالتواضع والمحبّة المتجرّدة. إن الطموح والجشَع يخضعان لدينونة قاسية جدًّا. أمّا الذين يمارسون التواضع والمحبّة المتجرّدة فسيكون لهم أن يشاركوا الله في ملكوته.

5- بُعد أقوال يسوع حول الطعام كما في إنجيل لوقا.
بدأت "النَدوة" اللوقاويّة بطعام السبت التي فيها شفى يسوع مريضاً، وانتهت بوليمة دُعي فيها أفقر الفقراء.
أعاد يسوع إلى السبت وإلى راحة السبت معناه الأصليّ حين شفى المريض. فالسبت هو يومُ تذكار أعمال الله العظيمة: عمل الخلق (خر 20: 8- 11)، التحرّر من عبودية مصر (تث 5: 12- 1). وهو يذكّر إسرائيل أنّ الله هو ربُّه ومخلّصه (خر 3: 13). السبت هو علامة أمانة الله لعهده، ونحن ننتظره أيضاً في المستقبل. فالكمال الأخير الذي ينتظره المؤمنون هو سبت لا نهاية له (عب 4: 9). وكانوا يظنّون أيضاً أنّ السبت يساوي ستّين عالماً جديداً. وكان يشرف على السبت مُناخُ العيد، لأنه يؤكّد لإسرائيل اختيار الله له: "بارك القدير السبت. ولكنه لم يكرّس (يخلّص) للاحتفال بالسبت شعباً آخر أو أمّة أخرى إلاّ إسرائيل. يحقّ له وحدَه أن يأكل ويشرب ويحتفل بالسبت على الأرض. وخالق الكون بارك هذا النهار الذي خلقه للمباركة والتكرين والمجد، وفضَّله على سائر الأيّام" (كتاب اليوبيلات 2/ 31- 32). وطعام السبت كان التعبيرَ عن فرحة العيد هذه وعن الوظيفة الاجتماعيّة التي ترتبط بالسبت. ويتمتعّ بخير السبت فقط الإسرائيليُّ وأهل بيته، بل العبيدُ والحيوانات الداجنة (تث 5: 14؛ خر 23: 12).
إن التفسير الفريسيّ القاسي ليوم السبت قد جعل ذاك النهار مظلماً فأضاع فرحه وحلاوته (14: 5). وإذ شفى يسوع المريض يوم السبت أعاد إلى يوم الله هذا معناه الأصليّ، وفتح الطريق ليصل الخير إلى العالم الذي يضربه المرض. وهكذا تدشنت راحة السبت في نهاية الأزمنة. فرأفة الله السخيّة التي ألقت دوماً بضوئها على السبت صارت مع يسوع حدثاً إسكاتولوجيًّا. فمنذ طعام السبت في بيت الفريسيّ توجهت أنظارنا إلى ملكوت الله الكامل، كما يشير إليه مثَل الوليمة. فحبّ الله السخيّ والفيّاض يحطّم الحواجز الضيّقة التي فرضها الفريسيّون على راحة السبت، فطُرحت مسألة الدخول إلى ملكوت الله. فالمستسقي الذي جاء إلى وليمة السبت ليطلب الشفاء، وممثّل "شعب الأرض (عم ها أرص)" المحتقَر، الشعب الذي لا يعرف الشريعة، وكيفيّة تفسيرها لدى الفريسيّين، هذا الرَجل سيُشفى فيتعرّف إلى قدرة ملكوت الله وسعادته. إن البشر الذين احتقرهم إسرائيل "الطاهر والمقدّس" ورذلهم، الفقراءَ والمشوّهين والعرج والعميان والتائهين الذين يدورون في شوارع المدينة، هؤلاء يستقبلهم الله في وليمته. أجل، لقد بدأ هنا تحوّلٌ كبير جدًّا: "طوبى للفقراء".
حين كتب لوقا إنجيله، لم تعد مسألة راحة السبت مسألةً آنيّة. فالجماعة المسيحيّة بدأت تعيّد اليومَ الأول من الأسبوع، وفيه "تَكسر الخبز" (أع 20: 7). ولكن من المهمّ أن نعرف بأيّ روح نحتفل بيوم الربّ وبكسر الخبز. هذا هو السؤال الذي حاول لوقا الإجابة عليه. لم يكن للجماعات الرسوليّة "قواعد كنسيّة" بعد. كانت تعود إلى يسوع وإلى المثالي الذي يقدّمه، لها، فتلقي الضوء على طريقة تصرّفها. إن للكتابات الإنجيلية محيطها الحياتيّ في الجماعات، وهكذا كانت قاعدة الجماعة، قاعدة حياتها وممارستها العباديّة. وفي إمتداد التطوّر الذي قاد من راحة السبت اليهوديّ إلى عشاء الرّب، ظهر أيضاً كسر الخبز الذي مارسته الجماعة المسيحيّة في يوم الربّ. والأقوال الموضوعة بين المقطوعات التي تتعلّق بالطعام تعني الطعام العاديّ والطعام الإسكاتولوجيّ كما تعني أيضاً الطعام الإفخارستيّ أي "كسر الخبز". فمسألة تصوّر الحفلات ودعوة أفقر الفقراء تلعبان هما أيضاً دوراً في عشاء يوم الربّ. هذا ما تشير إليه رسالة القديس يعقوب: "فإذا دخل في مجمعكم غنيّ في إصبعه خاتمٌ من ذهب وعليه ثياب فاخرة، ثم دخل فقير عليه ثياب عتيقة، فالتفتّم إلى صاحب الثياب الفاخرة وقلتم له: إجلس أنت هنا في صدر المكان؛ وقلتم للفقير: قف أنت هناك، أو: إجلس هنا عند أقدامنا، ألا تكونون ميّزتم أحدَهما عن الاخر وجعلتم نفوسكم قُضاة (ديّانيين) ساءت أفكارهم" (يع 2: 2- 4).
واجتماعات كنيسة كورنتوس لم تكن ينبوعَ خير بل ينبوعَ شرّ. فحين تلتئم الجماعة فهي لا تشارك في عشاء الربّ: "يأكل كلّ واحد عشاءَه الخاصّ، فيجوع بعضكم ويسكر آخرون". هذا الموقف اللااجتماعيّ الذي لا ينمّ عن المحبّة، يحتقر الذين لا يملكون شيئاً والذين هم أيضاً كنيسة الله (1 كور 11: 17 ي). ما يُشْرف على العشاء ليس روحَ المشاركة السخيّ والمتجرّد، بل روحُ الأنانيّة الذي يعطي وينتظر المقابل.
في خبر العشاء السرّيّ (22: 7- 38)، لم يتحدّث لوقا فقط عن العطيّة التي وهبها الرّب الذاهب إلى موت لأخصائه بشكل نظام، بل نقل أيضاً التعليمات التي أعطاها في "خُطبة الوَداع" (22: 21- 38). من جهة قاعدة العبادة، ينظّم خبر العشاء الاحتفال بالإفخارستيا. من جهة قاعدة الجماعة، إنه ينظّم حياة الجماعة التي قلبُها الحقيقيّ هو العشاء الإفخارستيّ. وأخيراً كقاعدة حياة، ينظّم العشاء كلّ مظاهر الحياة المسيحيّة. وهذه التعليمات تتضمّن أيضاً تحذيراً من الكبرياء والأنانيّة. فالإفخارستيّا تمنع الخلافات حول مكان الصدارة، وتطلب منّا أن نضع نفوسنا في خدمة الآخرين (22: 24- 27). إن أقوال يسوع حول المائدة وخبر العشاء مع خطبة الوداع تلتقيان في هدف واحد.
إن الإستعداد للعشاء الإسكاتولوجيّ والعشاء الإفخارستيّ يتحقّق بالإحتفال الأفضل بالطعام اليوميّ. فعشاء الربّ في المسيحيّة الأولى ضمَّ في شكله العاديّ وجبة الطعام والإفخارستيا، واحتفل بهما معاً في إطار الأحداث الإسكاتولوجيّة (1 كور 11: 17- 34). وقواعد اللِّياقة التي تُشرف على الولائم تصبح شروط قبولنا للمشاركة في الوليمة الإسكاتولوجيّة، وتحدّد الطريقة اللائقة (1 كور 11: 27) لقبول جسد الربّ ودمه. إن الإنسانيّة "المهذّبة" هي استعداد لقبول الكرازة المسيحيّة، وكلمةَ الله تحمل ثمراً كثيراً إذا قُبلت بقلب نبيل وصالح. إن مثال حياة اليونان وحضارتها قد هيّأ الدرب لقبول الخلاص.

 

 

الفصل الثاني والثلاثون
المدعوّون إلى الوليمة
14: 15- 24

أ- الخبر الامثالي
قيل أن السياق الاخباري لحياة يسوع يساعدنا على إلقاء الضوء على المضمون الأصلي لمثل المدعوين إلى الوليمة. ولكن لا ننسَ أن نصّ متّى أعيدت كتابته فلم يعد كما هو شاهداً لتقليد قديم جداً. ونسخة لوقا وإنجيل توما قد تصحّحتا بطريقة تختلف عمقاً، ولهذا فلا ننسبهما إلى يسوع. إذا أردنا أن يصل النصّ إلى رسالة يسوع، فالنصّ الذي عليه نرتكز هو الذي يخرج من النقد الأدبي. هل هذا ممكن؟ أجل، قد يكون العمل أقلّ صعوبة ممّا نتصوّر. لأن خطوط الخبر الكبرى أكيدة نسبياً ونحن نستطيع أن نبني عليها. وإن كان هناك بعض الأمور التي نتردّد فيها فهي ليست بالضرورية التي لا يُستغنى عنها. هذا يعني ان النصّ يستند إلى الخبر أكثر منه إلى نصّ محدّد تحديداً دقيقاً. ونذكر بإيجاز مسيرة الخبر.
• قدّم لنا صاحب المثل إنساناً أقام وليمة. لهذا يبدو أن المقدّمة لم تذكر المدعوين.
• يبدأ الخبر بحصر المعنى ساعة (إشارة إلى الوقت؟) أرسل هذا الرجل خادمه ليقول للمدعوين: تعالوا. كل شيء جاهز.
• لم يأتِ المدعوون، بل ذهبوا بدل ذلك إلى أشغالهم: واحد إلى حقله وآخر إلى تجارته.
• يفترض وَلْي الخبر أن الخادم عاد وأخبر سيّده.
• حينئذٍ غضب السيّد.
• وقال لعبده: إذهب إلى الطرق وآتِ بالذين تجدهم لكي يمتلئ بيتي.
• لأنه لا يذوق عشائي واحد من الذين كانوا مدعوّين.

1- بنية النصّ
ينقسم الخبر إلى لوحتين متوازيتين ومتعارضتين. وهذه بعض الملاحظات:
• الكلمات: في القسم الأول توجّه السيّد إلى المدعوّين (بواسطة عبده) ليقول لهم أن يأتوا. في القسم الثاني توجّه إلى العبد ليقول له بأن يذهب في طلب المدعوّين.
• التحرّكات: بدأ القسم الأول بإرسال الخادم وانتهى بعودته. ركّز على النداء المقبل وعلى واقع وهو أنّ المدعوّين ذهبوا إلى مكان آخر. أحيط بغضب السيّد وإعلانه ضدّ المدعوّين. أمّا القسم الثاني فمركّز على الأوامر التي أعطاها السيّد: أخرج وادخل.
• تميّز القسمان بالتعارض الذي يشير إلى المدعوّين الذين طلبوا إليهم أن يأتوا فلم يأتوا، واللامدعوّين الذين امتلأ البيت منهم. فالمدعوّون الذين ذهب العبد في طلبهم إلى بيوتهم (كانوا يستعدّون للخروج في الوقت الذي وصل) ينتمون طبعاً إلى مستوى السيّد الاجتماعي. أما اللامدعوّون الذين جمعوا على الطرقات فهم أشخاص من طبقة دنيا لم يفكر السيّد يوماً أن يدعوهم إلى وليمته.
نلاحظ أنّ التواصل بين قسمي الخبر يتأمّن بالإشارتين اللتين تحيطان بالأولى: غضب السيّد والإعلان الذي به استبعد المدعوّين.
ونلاحظ أيضاً أن بنية تعارضيّة مع ثلاثة أشخاص ليست نادرة في الأناجيل. نرى من جهة الشخص الرئيسي ثم مع ثانويين (أو مجموعة أشخاص) يتعارضون. البنية بقسمين واضحة في مثل الإبن الضال (15: 11- 24، 25- 32) ومثل عمّال الكرم (مت 20: 1-7، 8- 15) ومثل الفريسي والعشّار (8: 10- 12، 13- 14). نلاحظ بسهولة ان هذه البنية هي في خدمة تعارض بين اثنين.

2- مسيرة العمل الدراماتيكي
أولاً: اتخذت البنية شكل خبر فتوقّفت عند الوجهة الجامدة. فلا بدّ من الإهتمام الآن بالتحرّك الذي يميّز مضمون الخبر ويجعلنا ندرك جانبه الديناميكي. من السهل أن ندرك أن هذه الحركة تتوسّع في ثلاث مراحل توافق ثلاثة أوقات الرسمة الدراماتيكية. انها قصة رجل اتخذ مبادرة ففشل فتجاوز فشله.
* المبادرة الأولى مبادرتان: نعرف أولاً أنه قرّر أن يقيم وليمة (وقد يكون اتصل بالمدعوين). يبدأ الخبر ساعة يرسل خادمه ليقول للمدعوّين أن يأتوا.
* الفشل: لم يأتِ المدعوّون بل ذهبوا إلى انشغالاتهم الشخصية. يهتمّ المفسّرون بهؤلاء المدعوّين: الدوافع الحقيقية التي جعلتهم يرفضون، استعداداتهم الرديئة تجاه الذين دعاهم. وهذا سبب آخر لنقول إن الراوي لم يقل شيئاً من كل هذا (تكلّم متّى وحده عن إرادتهم الرديئة). لا يعطى أي حكم على موقف المدعوّين: لا يهتم الراوي بهؤلاء الأشخاص بل بربّ البيت وبالوضع الذي جعله فيه عائق الذين اتّكل عليهم. يبقى الخبر في النهاية خبر ربّ البيت.
* تعدّى السيّد فشله فاتخذ مبادرة ثانية. أو بالأحرى ميّز الخبر ردّتي فعل لدى هذا السيّد. أولاً: ردّة فعل عاطفية: غضب السيّد. ثانياً: ردّة فعلى عملية: أمر عبده بأن يدعو أول من يراهم. وينتهي الخبر بتفسيرين يتعلقان بكل من ردّتي الفعل، ولكن بترتيب معاكس: إذا كان على الخادم أن يأتي بمدعوّين آخرين، فلكي يمتلئ البيت. وان غضب السيّد هو الذي وجد تعبيره في حكم الإستبعاد الذي لفظ ضدّ المدعوّين.
ثانياً: لا يبدو من النافل أن نشدّد على الطريقة التي بها ركّزت هذه الدراما الصغيرة انتباه السامعين على الشخص الرئيسي وعلى تصرّفه.
* لم يقل الراوي شيئاً عن بواعث واستعدادات المدعوّين الذين تراجعوا، ولا عن بواعث واستعدادات الذين حلّوا محلّهم. إنه يعلمنا فقط عن استعدادات وبواعث ربّ الوليمة.
* بل إن الراوي يهتمّ باستعدادات السيّد في وقت واحد من الخبر. لا يقال شيء عن نيّة الذي ينظّم الوليمة. تحدّث بعضهم عن السخاء أو المنفعة الشخصية المحضة. هذا من عالم الخيال. أما نحن فلا نكتشفه بوضوح إلاّ حين يعرف أنّ المدعوّين تراجعوا فيغضب ويأمر خادمه بأن يذهب ويأتي بمن يحلىّ محلّهم.
* من الممكن أن نحدّد أيضاً المنعطف الحاسم الذي يبرزه الراوي: أمر السيّد العبدَ بأن يذهب إلى الطرقات ويدعو من يجدهم. يتركّز الخبر كلّه عند هذه المبادرة وهو يريد أن يشرحها ويبرّرها. تُفهم أولاً على انها ردّة فعل على تراجع المدعوّين الذين تحدّثنا عنهم في القسم الأول. وتفسّر انطلاقاً من حركة الغضب التي أحسّ بها السيّد. ترجمت في قرار الإستبعاد الذي أعلن ضدّ المدعوّين. وحدّد لنا الهدف من أجل تفسير هذا القرار المدهش: أراد المعلّم أن يمتلئ بيته.
* نرى الآن النقطة المحدّدة التي سعى الراوي إلى أن يجعل سامعيه يوافقونه فيها: سلوك السيّد الذي يسعى إلى تجاوز الفشل فيقرّر أن يقدّم وليمة إلى الطارئين. إنه يبني الخبر كلّه بالنسبة إلى هذا القرار ويعمل على جعله مقبولاً لدى السامعين.
* نفهم فى الوقت عينه أنّ الخبر ينتهي قبل أن تبدأ الوليمة. ليست الوليمة هي الأمر المهم في هذا الخبر، بل معرفة من يشارك، ولماذا كان المدعوّون اناساً لم يفكّر فيهم السيّد أولاً.

ب- وضع المثل في رسالة يسوع
بعد تفحّص أول للخبر الامثالي في ذاته، وقبل أن نطرح السؤال حول السبب الذي دفعه إلى روايته، نتعرّف إلى المناسبة التي وُلد فيها المثل. عملياً، نتعرّف إلى السامعين الذين ألف المثل لهم، ونوعية الأفكار التي في رؤوسهم والتي لا بدّ من تبديلها. بمختصر الكلام، نحاول أن نكتشف السياق الوجودي الذي يتيح لنا أن نحدّد بُعد المثل الأصلي والحقيقي.
1- ماذا تقول الدراسات
هناك مجموعتان. الأولى تجعل القسمة بين المدعوّين واللامدعوّين في داخل الشعب اليهودي. والثاني تجعل القسمة بين اليهود واللايهود.
أولاً: داخل العالم اليهودي
* تعارض سوسيولوجي: حلّ الشعب محلّ رؤساء اليهود. رفض رؤساء الأمّة اليهودية المملكة المسيحانية التي دعوا إليها، فاستبعدوا وحلّ محلّهم أشخاص من درجة دنيا لم ينتظروا طويلاً حتى يدخلوا.
وقال مارشال: فئتا المدعوّين ليستا الفريسيين من جهة والعشارين والخطأة من جهة ثانية، لا اليهود والوثنيين. فكل المدعوّين هم من مدينة واحدة. المدعوّون الأؤلون هم الأغنياء ومن طبقة ربّ البيت. والآخرون هم الوضعاء والفقراء الذين تجاوبوا مع دعوة الله أفضل من الأوّلين.
* إنّ عدداً كبيراً من الشرّاح يجعل التعارض على مستوى ديني: يمثّل المدعوّون الكتبة والفريسيين الذين يعملون بالشريعة ويعيشون بالتقوى. وحلّ محلّهم الخطأة والعشّارون. تحدّث بعضهم عن تهديد يرسله يسوع: إن لم تسمعوا سيأتي من يحلّ محلّكم. وأشار آخرون إلى الوضع الحاضر الذي يعيشه يسوع. من هم الذين حوله؟ العشّارون والخطأة الذين حلّوا محل النخبة الدينية. وفئة أخرى: دعا يسوع الجميع من دون تمييز، والمشاركة في المائدة هي استباق إلى المشاركة في الوليمة السماوية. فلا يُستبعد إلاّ من استبعد نفسه. ولكن يسوع يلاحظ أنّ المهمَلين هم الذين قبلوا الدعوة وجاؤوا.

ثانياً: بين يهود وغير يهود
يندّد المثل بموقف الشعب اليهودي كله لا بموقف جزء منه وحسب. أرسل إليهم يسوع تنبيهاً خطيراً: إن رفضوا تعليمه، سيستفيد غيرهم من الخلاص.
* هناك فئة أبقت على الغموض. لا يعرفون من حلّ محلّ إسرائيل. إذن، هم يتوقّفون عند التهديد ولا يقولون كيف يتحقق هذا التهديد.
* فئة ثانية تسفي اللامدعوّين: انهم الوثنيون الذين حلّوا محلّ إسرائيل الذي لم يؤمن. وهكذا يصبح المثل إعلاناً خفياً لا التباس فيه عن الرسالة لدى الوثنيين.

ثالثاً: خاتمة
ان السؤال حول هوية المدعوّين الأوّلين يتضمّن سؤالاً آخر: هل يوافق المدعوّون الآخرون واقعاً حاضراً في رأس السامعين، أم أنه واقع سيتتم في المستقبل؟ لهذا نبدأ بالسؤال الزمني: علاقة الخبر بالزمن الحاضر للراوي.
2- الزمن الحاضر
نعطي أولاً بعض النماذج من أمثال ذات نهاية مفتوحة. إن مثل الإبن الضال ينتهي في الحاضر: إن أورد الراوي تشكّيات الاكبر، واجهها بتحريض الأب الذي يشير إلى السامعين عبر الشخص الامثالي ويدعوهم إلى تبديل موقف تتعلّق به خاتمة الخبر التي لم تُروَ (15: 31- 32). ونجد النهج عينه في مثل عمّال الكرم حيث السؤال الأخير: "عينك شرّيرة لأني أنا صالح" (مت 20: 15). إنه يتوجّه من خلال عامل الساعة الأولى إلى محاور الراوي. لا يقول الخبر ما الذي كان جواب العامل لأن موقف المحاور الحقيقي هو الذي يقرّره.
إن نقطة الإنطلاق مع حاضر الراوي لا توجد بالضرورة في نهاية الخبر الامثالي. ففي مثل الزارع (مر 4: 3- 8) يتأخر الخبر مطوّلاً عند فشل يليه فشل ليأتي فجأة مع نجاح مدهش: إنّ تفسير أشكال الفشل يعكس الشعور الذي أعطاه الوضع الحاضر للسامعين. ولهذا جاء التأكيد الأخير ليعبّر عن ثقة الراوي بنهاية سعيدة في المستقبل. ونرى النهج عينه في مثل الزرع الذي ينبت وحده (مر 4: 26- 29): إنّ الزمن الحاضر يوافق هذه الفترة الطويلة التي فيها لا يعمل الفلاّح شيئاً لحقله. ولكن تأكّدوا انه سيعمل حين يحلّ وقت الحصاد. وتدلّ حبّة الخردل الصغيرة على عاطفة الضعف التي تشير إلى الزمن الحاضر. ومهما كان هذا الحاضر حقيراً فهو سيعطي نتائج هائلة (مر 4: 30- 32). في كل هذه الحالات يفسّر الحاضرُ الحقير بالنظر إلى الرباط الذي يوحّده بمستقبل باهر.
في المثلين الأولين، إتصل الخبر الامثالي بحاضر الراوي في النهاية. وهكذا نفهم ان الأمثال لم تبنَ كلها حسب النموذج عينه. ولا بدّ من العودة إلى مثل المدعوّين.

أولاً: الوضع الحاضر في الخبر
* زمن الأفعال. يُروى الخبر في الماضي. إذن، العمل هو ما يلفت انتباهنا. 
* مشروع الوليمة سابق للعمل الدراماتيكي بحصر المعنى. ونقول الشيء عينه عن اختيار المدعوّين.
* وينتهي الخبر قبل أن تبدأ الوليمة التي هي مستقبل بالنسبة إلى العمل. وسعادة ملكوت الله التي تشير إليها الوليمة هي في المستقبل أيضاً بالنسبة إلى السامعين. هناك تفسير آخر (دود الإنكليزي) يقابل بين الوليمة وحاضر رسالة يسوع فيقول: إنّ المشاركة في المائدة مع يسوع هي علامة للمشاركة في الوليمة السماوية.
* لم تبدأ الوليمة، بل لم يمتلئ البيت بعد. هذا أقلّه الوضع عند لوقا حيث ينتهي الخبر ساعة يرسل السيّد عبده ليأتي بمن يحلّ محلّ المدعوّين الأوّلين "لكي يمتلئ بيتي" (آ 23)، كما قال. فالعلاقة وثيقة بين بيت مملوء وبداية الوليمة، ولهذا لن نفصل بين الصورتين. لا شكّ في أن متّى يعلن في نهاية آ 10 أن قاعة العرس امتلأت. ولكن هذا التأكيد يهيّئ بالأحرى الدرب لثوب العرس ولا يشكّل امتداداً لمثل المدعوّين.
* بين ماضي الوليمة (فكّر بها) والمدعوّين ومستقبل البيت المملوء والإحتفال بالوليمة، يتميّز الحاضر في انه الوقت الذي فيه "أعِدَّت" الوليمة (مت 22: 14: 17). هذا هو الواقع الذي يميّز الحاضر ويبدأ الأعمال التي يهتمّ بها الخبر.
* شدّدنا بين هذه الأعمال على أن الإنتباه يتركز على أعمال السيّد. يتّخذ مبادرة أولى فيرسل من يقول للمدعوّين بأن يأتوا. ويصل إلى الفشل. فيتّخذ مبادرة ثانية: يأمر عبده بأن يأتي بمدعوّين آخرين. وتبرز هذه المبادرة لا بطابع الحلّ غير المنتظر الذي وجده السيّد وحسب، بل بالإهتمام بتوضيح البواعث التي دفعته إلى اقتراح هذا الحلّ: ألهمته ثورة غضب هدفت إلى مَلء البيت مهما كلّف الأمر، فدلّت على استبعاد الذين دُعوا أولاً.
لا تردّد في ذلك: يتركّز الخبر على وضع غير عادي، وضع ينتج عن أوامر أعطاها سيّد للمجيء بمدعوّين إلى وليمة هيّئت لغيرهم. لا يعارض الخبر هذا الوضع غير العادي، بل هو يشرح السبب الذي دفع السيّد إلى مثل هذا التصرّف الغريب.

ثانياً: الوضع الحاضر في رسالة يسوع
إذا كان الخبر الامثالي يهتمّ كل هذا الإهتمام بوضع غير عادي، نظنّ أنه يريد أن يفسّر وضعاً آخر غير عادي، وضعاً يثير الدهشة عند الذين يوجّه إليهم الخبر. في الخبر الامثالي، هناك مدعوّون غير مختارين (كل الذين وُجدوا، كما تقول آ 9 و10 من متّى)، يأخذون محلّ الذين دُعوا في وليمة ستقدّم قريباً. فمن حلّ محلّ المدعوّين الأوّلين؟ نذكر هنا التفسيرين: تعارض داخل الشعب اليهودي، أو بين الشعب اليهودي والوثنيين.
* التفسير الثاني (يهود وغير يهود) يُستبعد، لأنه لا يوافق أي وضع حاضر في رسالة يسوع. لا شكّ في أنّ التقليد الإنجيلي احتفظ لنا بأخبار بعض الأشفية التي أنعم بها يسوع على غير اليهود. ولكن هذه وقائع شاذّة قدّمت على أنها كذلك ودون أن تطرح على بساط البحث الفكرة القائلة بأنّ رسالة يسوع تتوجّه إلى اليهود: لم يكن هناك وضع يبلبل معاصري يسوع وأبناء أمّته. ونعرف أيضاً الإعلان الذي فيه أنبأ يسوع بأن "كثيرين يأتون من المشرق والمغرب ويتكئون في وليمة الملكوت" واستبعد أبناء إبراهيم والأنبياء (مت 8: 11- 12؛ لو 13: 28- 29). إن إنباء من هذا النوع يتعلّق بالعالم المقبل يبقى موافقاً للتقليد النبوي وهو لا يكفي لخلق وضع حاضر يتطلّب تفسيراً. إذن، لا نجد في خلال حياة يسوع العامة ما يمسّ امتيازات الشعب اليهودي بالنسبة إلى الأمم الوثنية.
* يرتبط التفسير الأوّل بوضع تدلّ عليه رسالة يسوع. لا شكّ في أنّ هذه الرسالة وجدت لدى العشّارين والخطأة ترحيباً أدهش وشكّك النخبة الدينية في المجتمع اليهودي. وُصف يسوع بأنه "صديق العشّارين والخطأة" (مت 11: 9؛ لو 7: 34) بفم ممثّلي هذه النخبة فاستفاد من الظرف ليتحدّث عن هذا الوضع الذي يصدمهم. ولم تسِر تفاسيره كلها في الخطّ عشه.
من جهة بيّن أن رسالته تعني بصورة خاصة الخاطئين لأنهم يحتاجون إليها. نقرأ قولين عند مر 2: 17: "ليس الأصحاء هم الذين يحتاجون إلى طبيب بل المرضى. ما جئت لأدعو الأبرار بل الخطاة". ويفسّر يسوع انه من الطبيعي أن يحيط الله باعتناء خاص كل الذين يقلق على خلاصهم: هذا هو موضوع الخروف الضال والدرهم الضائع (15: 4- 10) والإبن الضال (15: 11- 32) وعمّال الكرم (مت 20: 1- 15).
من جهة ثانية، شدّد يسوع على مسؤولية سامعيه في الوضع الذي يندّدون به. ما أرادوا أن يتجاوبوا والنداء الذي وُجِّه إليهم في رسالته. أما الآخرون فرحّبوا به، مع أنهم في الظاهر لم يكونوا مهيّأين. وكانت رسالة يوحنا المعمدان قد دلّت على اختلاف المواقف: "كل الشعب الذي سمع، والعشّارون أنفسهم، برّروا الله فاعتمدوا بمعمودية يوحنا. وأمّا الفريسيون ومعلّمو الشريعة فرفضوا ما أراده الله لهم فلم يتعمّدوا على يده" (7: 29-30؛ رج مت 21: 32). ويجد هذا التوبيخ تطبيقاً له في مثل الإبنين المختلفين (مت 21: 28- 31): الذي يعمل إرادة أبيه ليس ذلك الذي يقول "نعم" باحترام ولا يتمّ العمل المطلوب، بل ذلك الذي يتمّ العمل فعلاً ولو قال في البداية "كلا".
هذا الوضع هو أيضاً ذلك الذي يوضح أفضل إيضاح خبر المدعوّين الذين لم يلبّوا النداء. لم يأتوا إلى الوليمة، فرأوا هذا النداء يتوجّه (وينجح) إلى اناس لم يكونوا مهيّأين لينعموا به. إنّ التعارض بين المدعوّين ومن حلّ محلّهم يوافق ذلك الموجود بين النخبة الدينية والذين يعتبرون رذالة العالم اليهودي. ولكن نحتاج أيضاً إلى اعتبارات أخرى لنتأكّد من هذه النتيجة: ما يتعلق بهوية السامعين.
3- السامعون الذين توجّه إليهم المثل
يقدّم لنا الخبر الامثالي أربعة أشخاص: إثنان في صيغة المفرد: السيّد وعبده. إثنان في صيغة الجمع: المدعوّون ومن حلّ محلّهم. من جهة العمل الدراماتيكي، العبد هو ظلّ سيّده، من ينفّذ أوامره ويعطيه المناسبة لأن يعبّر عمّا في قلبه. فحين يتوجّه إليه سيّد الوليمة بالكلام، فهو يدلّ على شخصيته المميّزة.
لا يدخل "الذين حلّوا محلّ الأوّلين" على المسرح. هم يُذكرون في خطبة السيّد. لا شخصية لهم. إنهم ما يقابل المدعوّين الأوّلين. لم يكونوا مدعوّين، وسيدلّون على شخصية المدعوّين.
فالمدعوّون وحدهم يلعبون دوراً حقيقياً تجاه دور السيّد. إنهم مَن تتوجّه إليهم مبادرة ربّ البيت، والذين يجعلون هذه المبادرة تفشل بسبب تراجعهم. هناك ثلاث إشارات تساعدنا على التعرّف إلى مَن وجّه إليهم المثل من خلاله هؤلاء المدعوّين. أولاً: الإسم المُعطى لهم. ثانياً: الأعمال التي يقومون بها. ثالثاً: التعارض مع الذين حلّوا محلّهم.
أولاً: المدعوّون
هذا هو اسمهم "كاكلامانوي" (مت 22: 3، 4، 8؛ لو 14: 17، 24). لقد أرسلت إليهم دعوة (لو 14: 16). هل هم اليهود بالنسبة إلى غير اليهود؟ هل هم جزء من اليهود تجاه جزء آخر؟ ثلاث ملاحظات تساعدنا على توضيح الموقف.
* تسمية المدعوّين ليست في المعنى الذي نجده عادة في اللغة الدينية. حين نقرأ في رؤ 19: 9: "طوبى للمدعوّين إلى وليمة عرس الحمل"، لا نفكر بأن هؤلاء المدعوّين قد لا يدخلون إلى الوليمة. ونقول الشيء عينه عن عب 9: 15: "المسيح هو وسيط ميثاق جديد لكي ينال المدعوّون الميراث الأبدي الذي وُعدوا به". وفي "لفيفة الحرب" في قمران نجد مدوّنة: "مدعوّو الله". إنهم في الوقت عينه المختارون، وهذا لا شكّ فيه. 
في المثل الذي ندرس يختلف وضع المدعوّين: حسب لوقا لن يدخل أحد منهم إلى الوليمة. أمّا متّى فجعل عدداً قليلاً من المختارين تجاه عدد كبير من المدعوّين. وحين نشدّد على الفقرة القائلة بأنه لا يكفي بأن نُدعى إلى الوليمة لنكون بين المشاركين، نقابل بين المدعو والمشارك. هذا ما نجده في عبارة "أبناء الملكوت" التي تدلّ على المختارين في مت 13: 38 ولكنها في 8: 12 تنطبق على اليهود الذين استُبعدوا عن الملكوت الذي هُيّئ لهم.
* بما أنّ أمثال يسوع تتميّز عن أمثال الرابّانيين وأقدم التفاسير التي نجدها في التقليد المسيحي، يبدو أنّ الأسلوب الأفضل يدفعنا إلى الإبتعاد عن الإستعارة والمجاز.
* ففي تسمية "المدعويّن" يدلّ الفعل "كاليو" على دعوة سابقة (رج الإستعمال عينه في لو 7: 39؛ 14: 7، 8، 9، 12، 13، 16). أما في متّى فيرتبط هذا الفعل بالنداء الذي يدعو المدعوّين (مت 22: 3، 9. لا يستعمل لوقا الفعل في هذا المعنى). ولقد حاول الشرّاح أن يماثلوا بين هاتين "الدعوتين": فالثاني يقابل طبعاً رسالة يسوع، ويحدّد موقع الدعوة بحصر المعنى في الماضي من الزمن. إذن، نتذكّر في المثل أن على الخبر بمجمله أن يعود إلى واقع ديني، دون البحث عن تطبيق خاص على الألفاظ التي تؤلّف اللوحة.
* وتساءل: ما هي الأفكار التي تؤهّل المدعوّين للتنعّم بخيرات الخلاص، في فلسطين في القرن الأول؟ هناك جوابان.
- الجواب الأول: هناك اعتقاد عند الرابّانيين يقول: إن إسرائيل كله يخلص. هذا ما نجد في خلفية توسّع بولس في روم 9- 11 وهو يستند إلى وعي الوضع الذي يميّز إسرائيل الذي يرتبط بإبراهيم بالنسب وبالآباء بسبب استحقاقاتهم، الذي له الشريعة ويمارس الختان، علامة الميثاق. ثم إن الله لا يستطيع إلاّ أن يكون أميناً على مواعيده. جواب متفائل.
- الجواب الثاني: الأبرار وحدهم يشاركون في العالم الآتي. ولا يُقبل الخاطئون إلاّ إذا ارتدّوا. هذه النظرة نجدها في الأسفار الجليانية. ولها يشهد التقليد الإنجيلي. يكفينا أن نذكّر بتنبيهات يوحنا المعمدان ضدّ السراب القائل بأنه يكفي أن نكون أبناء إبراهيم لكي نخلص (مت 3: 7- 10؛ لو 3: 7- 9). وهناك تنبيهات يسوع حول الشروط اللازمة لكي نشارك في سعادة العالم الآتي (لو 13: 23- 30)، وكلماته التي تتحدّث عن الملكوت "المهيّا" للأبرار (مت 25: 40). في هذا الإطار، إن الإعلان "ما جئت لأدعو الأبرار بل الخطأة" (مر 2: 17) لا يفترض أن الأبرار يُستبعدون من الخلاص، بل يعلن أن برّهم يجعل منهم أشخاصاً قد تلقّوا الدعوة في الماضي.
إذن، تسمية المدعوّين تدلّ على واقع محدّد في المجال الديني. ولكن إن كان هناك من مقابلة، فسوف نرى في السياق الإنجيلي واليهودي أن هذه التسمية تنطبق على الأبرار، على اليهود الممارسين أكثر مما تطبّق على اليهود إجمالاً. لا يقول المثل فقط إنه يكفي أن يكون الإنسان يهودياً ليشارك في سعادة العالم الآتي. ويعني أيضاً: لا يكفي أن نعتد بالممارسات التي تميّز البار حسب الشريعة لكي نشارك في هذه الوليمة.

ثانياً: الأعمال التي تمنع المدعوّين من المجيء
حسب متّى: ذهب المدعوّون واحد إلى حقله والآخر إلى تجارته (آ 5). ويورد لوقا إعتذاراتهم: الأول إشترى حقلاً وعليه أن يذهب ليراه. الثاني إشترى خمسة أزواج من البقر وعليه أن يجرّبها. والثالث لا يقدر أن يجيء لأنه تزوّج (آ 18- 20). هناك شكّ بأن ينتمي الإعتذار الثالث إلى الخبر الأوّلاني. لا شيء في هذه الإعتذارات ما ينافي الأخلاق، كما أنّ لا شيء فيها يختصّ بأمور الديانة.
* لا شيء ينافي الأخلاق
تحدّث متّى عن إرادة سيّئة (آ 3)، عن لامبالاة (آ 5) من قبل المدعوّين: نرى هنا الإشارات الأخلاقية التي عوّدنا عليها الإنجيلي. وهذا سيظهر فيما بعد بالقول إنّ المدعوّين غير مستحقين (آ 8)، والملاحظة أنّ بين الذين حلّوا محلّهم هناك الأشرار والصالحون (آ 10). فينتج من الإعتذارات التي أوردها لوقا (وإنجيل متّى) أنّ للمدعوّين أشغالاً أهمّ من المشاركة في الوليمة. نظنّ أنّ الخبر الأوّلاني لم يقل اكثر من هذا، لم يتحدّث عن "رفض مليء بالإحتقار"، ولا عن كذب يختفي وراءه المدعوّون.
نلاحظ أنّ الراوي لا يحكم على الأعذار التي قدّمها المدعوّون. فالسبب واضح تماماً: إنه يريد أن يجعل السامعين يرون في سلوك المدعوّين صورة عن سلوكهم الخاص. فإن ندّد منذ الوهلة الأولى بسلوك المدعوّين، دفع السامعين لأن يبتعدوا عنه. ولكن هدف المثل هو أن يجعل السامعين يعون مسؤوليتهم.
نجد هنا أسلوباً أعطاه مثلُ العمّال في الكرم (مت 20: 1- 15) أوضح شكل له. يعمل الراوي بحيث يتضامن السامعون مع عمّال الساعة الأولى ويشاركونهم في احتجاجهم أمام سلوك ردت عمل لا يمكن إلاّ أن يكون ظالماً. حينئذٍ يستطيع جواب السيّد إلى العامل أن يصيب السامع ويجعله يفكر. فبقدر ما شاركوا غيظ العمّال الذين يمثلّونهم، بهذا القدر تصل إليهم الكلمة. ولا يختلف الأسلوب في مثل الإبن الضال (لو 15: 11- 32): يعبّر عن احتجاج البكر ضدّ ظلامة أبيه (آ 29- 30) بشكل يتعرّف فيه السامعون إلى عواطفهم الخاصة، وهكذا يفهمون أن جواب الاب يعنيهم (آ 31- 32). لا يصل المثل إلى هدفه إلاّ إذا نسينا تفاسير تسوّد وجه الإبن الطائع فتمنع السامع من أن يعي العلاقات العميقة التي تجمعه بهذا الشخص.
وحين نسوّد وجه المدعوّين، لن يصل الخبر إلى هدفه. ولهذا السبب يمتنع الراوي أن يندّد، قبل النهاية، بسلوك هؤلاء الأشخاص، ويجعلنا نفترض أن أعذارهم مقبولة. يجب أن يحسّ السامعون بنفوسهم قريبة من هؤلاء المدعوّين: بهذه الطريقة وحدها يصل إليهم المثل.
* لا طابع دينياً يرتبط بالأسباب التي منعت المدعوّين من الذهاب إلى الوليمة. نحن أمام حقل وبقر ومعاملات تجارية. إذن، لا شيء يدفعنا بأن نماثل المدعوّين مع يهود أو أعضاء من النخبة الدينية اليهودية تجاه العشّارين والخطأة. ولا فائدة من البحث عن انتمائهم الديني من خلال مشاغلهم. كان بالإمكان أن يعتذر مدعوّ لأنه ذاهب إلى الهيكل أو المجمع أو ليفي نذراً. ولكننا كنا حينذاك أمام انتقاد للممارسة الدينية. وهكذا يتوجّه التفسير إلى ما لا يوافق نيّة المثل.
فالخبر كما يظهر لا ينتقد هذا الشغل أو ذاك، بل أولوية هذه المشاغل على حساب دعوة لم يدرك الأشخاص أنها ملحّة، أنها لا تنتظر. إنّ تراجع المدعوّين خطير لا بسبب الأشغال التي يهتمّون بها، بل بسبب الساعة: من يتهرّب ساعة تكون الوليمة قد أعدَّت! يبدو المدعوّون غير واعين لما تطلبه منهم الساعة الحاضرة.
ومثل الإبنين (مت 21: 28- 31) قد يلقي ضوءاً على فكرتنا. يخبرنا أن الإبن الذي يحترم والده قال "نعم" ولكنه لم يتمّ العمل المطلوب. لماذا؟ لا يقول الراوي شيئاً، لأنه اعتبر ان هذا السبب لا أهميّة له من أجل حديثه. الشيء الوحيد الذي يهمه هو أن الإبن لم يعمل ما طُلِبَ منه. ونقول الشيء عينه عن مثل المدعوّين: لا يهتم بالأسباب التي منعت المدعوين من المجيء إلى الوليمة، بل في أنهم لم يجيئوا ساعة طلب منهم ذلك. لم يتّخذوا بالجدّية المطلوبة النداء الذي وُجِّه إليهم. نجد هنا التنبيه الذي وجّهه يسوع إلى الفريسيين وعلماء الشريعة حول موقفهم السلبي تجاه يوحنا المعمدان (مت 21: 32؛ لو 7: 29- 30) كما تجاه رسالته الخاصة.
ثالثاً: التعارض بين المدعوّين والذين حلّوا محلّهم
لا تُوضح طبيعةُ هذا التعارض، ولكن هناك إشارات عديدة تنير دربنا. أولاً: سمّي الأوّلون "مدعوّين". أما الفعل المستعمل في آ 9 من متّى (كاليو) فقد وضعه متى ليكون الوثنيون مدعوّين، هم أيضاً، شأنهم شأن اليهود. ولكن هذا حدث فيما بعد. ثانياً: هناك المدعوّون واللامدعوّون. لم يكن هناك اختيار بالنسبة إلى المدعوّين. جاء العبد بمن وجد. أمّا المدعوّون فقد كانوا موضوع اختيار خاص. ثالثاً: ذهب العبد إلى بيوت المدعوّين، ولكنه جمع الاخرين عن الطرقات. رابعاً: أشغال الأوّلين تدلّ على مستوى مالي رفيع (حقل، تجارة، خمسة أزواج بقر). أما الآخرون فهم فقراء.
ماذا يعني كل هذا؟ إنّ ربّ البيت الذي ينظّم الوليمة هو من مستوى اجتماعي رفيع وهو يدعو إلى مائدته أناساً من طبقته. وهكذا يتميّز الأوّلون عن الآخرين على مستوى الوضع الإجتماعي. فهؤلاء ليسوا مؤهّلين لأن يجلسوا إلى مائدة هذا الرجل الوجيه. وهكذا ننتقل من طبقة اجتماعية إلى طبقة أخرى.
يُحلّ ربُّ البيت محلّ هؤلاء المدعوّين المميزين اناساً من طبقة دنيا، أناساً يحسون تجاهه بعاطفة احتقار لا بدّ من أن تعود عليه: انه سيكتفي بضيوف لا يرفعون رأسه!
هذا الإحتقار متضمّن في المثل الذي ندرس. وهو يظهر بوضوح لدى عمّال الساعة الأولى الذين يتكلّمون عن رفاقهم أصحاب الساعة الاخيرة: "هؤلاء عملوا ساعة واحدة وقد ساويتهم بنا" (مت 20: 12)! ويظهر أيضاً في كلمات الاكبر عن أخيه الأصغر: "إبنك هذا (لا أخي) قد بدّد مالك مع الزواني" (لو 15: 30). وفي الطريقة التي بها يدلّ الفريسي على العشّار: "أشكرك يا الله لأني لست كسائر البشر ولا مثل هذا الفريسي" (الذي هو أقلّ من البشر) (18: 11). فلو أُعطي للمدعوّين مناسبة الكلام، لقالوا عن الذين حلّوا محلّهم ما يقوله الفريسيون وأصحابهم عن العشّارين والخطيئة، عن هذه السفالة التي لا تهتمّ بفرائض الشريعة (رج يو 7: 49)، بانتظار ما سيقوله اليهود. عن الوثنيين في فترة لاحقة.

رابعاً: خاتمة
* يتوجّه الخبر إلى ممثّلي النخبة الدينية في إسرائيل، إلى الفريسيين الذين يعون ما يفصلهم عن الخطأة، عن سفالة الشعب المختار.
* والوضع يقابل ذلك الذي تكوّن بحضور أشخاص حول يسوع: يتجنّبهم يهودي تقي. أمّا يسوع فيستقبلهم ويرحّب بهم. شكّ الفريسيون أمام هذا الوضع وانتقدوا يسوع. ولهذا، كان لا بدّ من شرح وتوضيح.
ج- مضمون المثل في حياة يسوع الرسولية
نتحدّث أولاً عن سلوك ربّ البيت، ثم عن سلوك الله، وأخيراً عن سلوك يسوع.
1- سلوك ربّ البيت
أولاً: الهدف الذي طلبه
هدف الدعوة إلى الفقراء والمشوّهين، ثم إلى التائهين في الطرقات هو أن يتمّ الإحتفال بالوليمة رغم غياب المدعوّين. هذا ما نقرأه في مت 22: 8: "الوليمة مهيّاة ولكن المدعوّين غير مستحقّين". ولكننا نحسّ أنّ التذكير بأن الوليمة مهيّاة (رج آ 4) (لا نجد ما يوازيه في لوقا) يشكّل وصلة تدوينية صارت ضرورية بعد حدث تدمير أورشليم (آ 6- 7). فإذا وضعنا هذا التقليد جانباً، لا نرى الخبر يتكلّم عن اهتمام ربّ البيت بأن يتمّ الإحتفال. ثم إن الخبر ينتهي قبل بداية الوليمة. إذن، لا نعطِ الإحتفال بالوليمة كل هذه الأهمية في المثل.
من هذا القبيل نرى تقارباً بين مثل المدعوّين ومثل العذارى العشر. حين وصل العريس، "دخلت معه المستعدات إلى مكان العرس وأُغلِقَ الباب" (مت 25: 10). إن الراوي أبقى السامع في الخارج برفقة المتأخّرات اللواتي يتوسّلن، ولكن عبثاً، بأن يُفتَح لهنّ الباب (آ 11- 12). أمّا هنا فلا ندخل إلى الوليمة التي هي بعد الخبر.
وفي المثل الذي يهمّنا، الهدف المباشر للإجراءات التي اتخذها ربّ البيت "هو أن يمتلئ بيتي" (لو 14: 23). "إمتلأت قاعة العرس" (مت 22: 10). لهذا لا بدّ من البحث عمّن يحالّون محلّهم. وحين يمتلئ المكان نستطيع أن نبدأ الإحتفال بالوليمة.

ثانياً: الغضب الذي شعر به
* إهتمّ الخبر بهذا الغضب الذي يحدّد (حسب لوقا) منعطفاً حاسماً في الخبر ويلوّن ولي الأحداث. أمّا عند متّى فالغضب يلعب دوراً عرضياً ويتوقّف عند دمار أورشليم.
لا نعرف شيئاً عن عواطف المدعوّين الذين اعتذروا، ولا عن عواطف الذين حلّوا محلّهم، ولا عن عواطف الخادم الذي ينفّذ المهمّات. لا نتعرّف إلاّ إلى غضب السيّد الذي يتصرّف بوحي من هذا الشعور.
كان بإمكان الخبر أن لا يشير إلى الغضب. رفض المدعوّون دعوته، فكان بإمكانه أن يفعل ما فعله العشّار ابن معيان. دعا وجهاء مدينته فلم يأتوا. قال: "ليأتِ الفقراء ويأكلوا لئلاّ يضيع شيء" (التلمود الفلسطيني). ولكن لماذا شدّد النصّ على الغضب؟
* لم توضح طبيعة هذا الغضب لا في هذا المثل ولا في مثلين إنجيليّين اخرين يذكران أيضاً هذا الغضب: ورد إلى السيّد خبر عن سلوك العبد الذي لا شفقة في قلبه "فاستشاط غضباً وسلّمه إلى الجلاّدين" (مت 18: 34). وحين عاد الإبن الأكبر وعرف بعودة أخيه "غضب وما أراد أن يدخل" (لو 15: 28). إنّ قرائن النصّ تفهمنا لماذا غضب الملك على عبده والبكر على أخيه الأصغر. وفي مثل الوليمة، سيفهمنا السياق لماذا غضب ربّ البيت على المدعوّين. وهذا ما نستنتجه من عدّة ملاحظات.
- غضب السيّد حين علم أنه لن يأتي أحد من المدعوّين. إذن الغضب هو نتيجة موقف المدعوّين.
- دفعه هذا الغضب إلى قول ضدّ هؤلاء المدعوّين: "لم يكونوا مستحقّين" (مت 22: 8). "لن يذوق عشائي أحد من أولئك المدعوّين" (لو 14: 24).
- وذكر الغضب يفسّر الإجراءات التي اتّخذها السيّد ليجد من يحل محلّ المدعوّين الأوّلين. وهذا ما نكتشفه في الخبر كما رواه لوقا: حين يرى المدعوّون أن غيرهم حلّ محلّهم يفهمون انهم استُبعدوا بطريقة نهائية. بهذه الطريقة عبّر لهم السيّد عن غضبه.

ثالثاً: خاتمة
السؤال الذي اهتمّ له الخبر الامثالي ليس أن نعرف لماذا لم يأتِ المدعوّون إلى العرس، ولا أن نفهم شيئاً عن استعداداتهم. ولا يهتمّ الراوي باستعدادات أولئك الذي حلّوا محلّهم وما صنعوه ليستحقّوا هذا الشرف الكبير. الإهتمام ينصبّ فقط على استعدادات السيّد تجاه تراجع مدعوّيه. فأمام مشهد غضبه، إتّخذ رفض المدعوّين لدعوته مدلولاً يحمل إليه الإغاظة، فصار غضبه ضدّ المدعوّين السبب لينال من حلّ محلّهم هذه النعمة. إذن المثل كله هو في إطار الغضب: عرض القسم الأول سببَ الغضب، والقسم الثاني نتيجته. إذن هناك دينونة وإعلان حكم.
2- سلوك الله
إن عدد الأمثال التي تشير إلى فكرة يسوع عن الله، ولا سيّما حين يكون تصرّفه موضوع جدال، تقدّم لنا نظرة أولى تدعونا إلى القول بأنّ سلوك الداعي إلى الوليمة يفهمنا سلوك الله كما تصوّره يسوع. ولكننا نمعن نظرنا في إشارتين نجدهما في هذا الخبر الامثالي: موضوع الوليمة، موضوع الغضب.
أولاً: الوليمة
إنّ العمل الذي يصوّر المثلُ مسيرته يتوجّه كله نحو طعام، يبقى في المستقبل بالنسبة إلى هذا العمل، وهو لا يصل إلى هدفه. إنّ هذا الطعام المقبل يشير إلى اكثر من وليمة عادية. ويظهر هذا البُعد الآخر خاصة في قول الإستبعاد الذي يصدره السيّد ضدّ المدعوّين (مت 22: 8؛ لو 14: 24). ولا بُعد لهذا القول إن لم نكن أمام طعام لا يرغب المدعوّون في المشاركة فيه. ولكن يصبح الأمر خطيراً بالنسبة إلى وليمة أخرى هي صورة عن الخلاص والسعادة في العالم الآتي.
هذا ما فهمه الإنجيليان. فعند لوقا يلي المثلُ وعداً موجّهاً إلى الذي يدعو إلى مائدته الفقراء والمساكين الذين لا يستطيعون أن يبادلوه الدعوة: "هنيئاً لك إذا فعلت لأنهم لا يقدرون أن يكافئوك فتُكافأ في قيامة الأبرار". ويتمّ الإنتقال إلى المثل بدهشة مدعوّ يعلن: "هنيئاً لمن يأكل خبزاً في ملكوت الله" (آ 15). ستدلّ وليمة ربّ البيت، حسب يسوع، على من سينعم بالمشاركة في وليمة الملكوت. وتشير نهاية متّى (22: 11- 13) إلى الدينونة التي تستبعد من الملكوت أولئك الذين لا يستحقون أن يشاركوا في سعادته: فالأبرار وحدهم الذين يلبسون حلّة العرس ينعمون بالوليمة التي تتبع الدينونة الأخيرة.
إنّ هذا التوافق بين الإنجيليّين أمرٌ طبيعي: فالوليمة صورة معروفة عن سعادة نهاية الأزمنة، وسنجدها بصورة خاصة في قول ورد مرّات كثيرة وفيه ينبّه يسوع سامعيه بأن مكانهم في وليمة الآباء قد أخذه أناس أتوا من المشرق والمغرب (مت 8: 11- 12؛ لو 13: 28- 29). وتشكّل هذه الصورة خلفية مثل العذارى العشر (مت 25: 1- 12؛ رج لو 13: 25- 27). وإذا خرجنا من التقليد الإنجيلي، نتذكّر الوليمة الغنيّة التي هيّاها الربّ في أورشليم واجتذب إليها كل الشعوب (أش 25: 6- 8. هذا ما يُسمى رؤيا اشعيا الصغيرة).
وتُذكر الوليمة في مثل. فنحن نعرف أن يسوع أعلن مجيء ملكوت نهاية الأزمنة، وأن هذا الخبر احتفظ بالوليمة إلى الزمن المقبل (لم تتمّ أمامنا).
وتحدّث الشرّاح عن الوليمة المسيحانية. ولكن في هذه التسمية بعض الإلتباس. نتصوّر بسهولة أن يترأس الوليمة الاسكاتولوجية الملك المسيحاني، لا إبراهيم أو الآباء (رج لو 13: 28- 29= مت 8: 11- 12؛ لو 16: 22- 26 ووليمة الآخرة مع لعازر): ولكن دور رئيس المائدة لا يليق بالله. ولكن يبدو مستحيلاً أن يكون إبراهيم والمسيح هما سيّد الوليمة والذي يهيّئها ويقرّر وقت الإحتفال بها، ويختار المدعوّين إليها. هذا الدور يخصّ الله وحده.
بقدر ما تذكّرنا هذه الوليمة بالوليمة الاسكاتولوجية، فرئيس الوليمة يلعب دوراً يوافق دور اللّه، وسلوكه يلقي الضوء على سلوك لا يمكن أن يكون إلاّ سلوك الله.
ثانياً: الغضب
* في اللغة البيبلية تدلّ لفظة "الغضب" أول ما تدلت على صفة خاصة بالله. نجدها مرتبطة بالله 375 مرّة في التوراة العبرية و80 مرّة متعلّقة بالبشر. وتستعمل اللفظة اليونانية (أورغي) 200 مرّة عن الله و50 مرّة عن البشر. ولفظة "تيموس" 200 مرّة عن الله و70 مرّة عن البشر. في العهد الجديد، نجد النسبة 28 إلى 8 مع "أورغي". ونزيد أن هناك حديثاً عن الغضب في 16 موضعاً دون تحديد آخر (مت 3: 7؛ لو 3: 7؛ 21: 23). ليس من الضروري أن نقول إن الجملة تعني غضب الله، فالنصّ واضح: "من علّمكم أن تهربوا من الغضب الآتي"؟ أي غضب الله (لو 3: 7). وفي الأمثال لن ندهش حين نرى ملكاً يغضب (مت 18: 34؛ 22: 7) أو رجلاً عادياً (لو 14: 21)، ولو كانت استعداداتهما تجعلنا نفكّر باستعدادات الله.
ونزيد هنا ما يقابل الغضب من رحمة وحنان ورأفة، وهذه كلها صفات الله قبل أن تكون صفات البشر. وتجتمع مراراً ألفاظ الغضب والرحمة والحنان في المقطع الواحد من التوراة. هذا ما نجده في مثل العبد الذي لا شفقة في قلبه (مت 23:18- 24): أشمفق الملك على عبده وأعفاه من دين كبير جداً. ولكن هذا العبد الذي نعم بالرحمة لم يفهم أنّ عليه أن يُعامِل قريبه بالرحمة، لهذا جلب عليه غضب سيّده.
أما مثل الوليمة فلا يذكر إلاّ الغضب، لأنه يتطلّع إلى سلوك السيّد بالنسبة إلى مدعوّيه الذين هم أيضاً سامعو الخبر. ولكن يكفي أن نبدّل النظرة تبديلاً طفيفاً لتظهر الرحمة: من هذه الوجهة نرى سلوك السيّد تجاه مدعوّين دعوا إلى الوليمة بنعمة فريدة. رأى الراوي الغضب تجاه المدعوّين ولم يتوقّف عند الرحمة تجاه الذين حلّوا محلّهم.
كل هذا ياقابل وضعاً عاشه يسوع خلال رسالته: رفضت نخبة إسرائيل الدينية تعليمه، فتقبله العشّارون والخاطئون. فكان غضب الله ضدّ الفئة الأولى وهو علامة استبعاد قد يصبح نهائياً.
3- سلوك يسوع
ولكن يسوع لا يقول شيئاً من دون أن يتحدّث عن نفسه، دون أن يحدّد موقعه بالنسبة إلى الوضع الذي يراه، بالنسبة إلى الطريقة التي فيها يفكّر برسالته. قال فونك: يسوع هو جزء من المثل، لا على أنه شخص في المثل، بل على أنه يخلق الوضع الذي يصوّره المثل. يسوع ليس ذلك الغريب الذي يحمل إليّ رسالته، إنه لا ينفصل عن رسالته. وهكذا حين نفهم المثل نفهم يسوع نفسه.
لا شكّ في أنّ يسوع ليس ممثلاً بصورة مباشرة في المثل، ولكن الوضع الذي يرد فيه المثل هو رسالته. وسلوك الله الذي يلقي عليه المثل ضوءه هو السلوك الذي يجد شكله الملموس في سلوك يسوع.
أولاً: المثل ويسوع
نلاحظ أولاً أنّ يسوع لا يروي مثلاً ليحدّثنا مباشرة عن نفسه. وفي المثل الذي ندرس هناك ثلاثة أشخاص نهتمّ بهم: سيّد الوليمة، الإبن، الخادم.
* سمّاه لوقا "ربّ بيت" (14: 21)، فصار عند متى "الملك" (22: 2، 7، 11، 13). هو الشخص الرئيسي. وهو يساعد السامعين على اكتشاف سلوك الله.
* "الإبن" الذي يحتفل الملك المتاوي بوليمة العرس إكراماً له (22: 2) هو ولا شكّ "إبن" المثل السابق في الإنجيل الأول (مت 21: 37): أرسله صاحب الكرم إلى الكرامين الذين قتلوا في الماضي خدمه. هذا الإبن قتلوه هو أيضاً بعد أن رموه خارج الكرم (آ 39). لا شكّ في أن الإنجيلي ماثل بين هذا "الإبن" ويسوع. إذن، أدخل متّى في هذا المثل شخصاً يمثّل يسوع. ولكن من الواضح أن ذكر الإبن لا يعود إلى أصل الخبر بل إلى قلم متّى. ثم إن شخص الإبن لا يلعب دوراً في الخبر نفسه. إنه هنا ليبرز مستوى الوليمة التي يقدّمها الملك.
* يتحدّث متّى عن الخدم في صيغة الجمع (22: 3، 4، 6، 8، 10)، وهكذا لا يكون تماثل مع يسوع. أمّا لوقا فيتكلّم عن الخادم في صيغة المفرد (14: 17، 21، 22، 23)، وهذا ما يجعلنا نفكّر بشخص محدّد. إن رسالته توافق رسالة يسوع الذي أرسله الله ليدعو الناس إلى وليمة الملكوت.
ثانياً: الوضع الدي خلقته رسالة يسوع
* إن وضعاً جديداً يميّز الوقت الحاضر بالنسبة إلى الأزمنة السابقة: أُعلن عن الوليمة وأرسلت الدعوة. والآن كل شيء "مهيّأ" (مت 22: 4؛ لو 14: 17). تحدّد نسخة لوقا أن "ساعة الوليمة" دقّت، ان كل شيء مهيّأ "الآن". كل التهيّئات انتهت وجاء وقت الجلوس إلى المائدة.
هذا ما يقابل العبارة التي تُجمل تعليم يسوع: "صار ملكوت الله قريباً". إن الزمن الحاضر يتحدّد بالنسبة إلى زمن الوعد ويدشّن زمن التحقيق. لا شك في أنّ ملكوت الله لم يتجلَّ بعد وأن الإحتفال بالوليمة لم يبدأ. ولكن يبقى أننا دخلنا في المنعطف الحاسم في تاريخ الخلاص. لقد صرنا في المرحلة الأخيرة التي سيتنعّم فيها المختارون بالسعادة التي أُعلن عنها منذ زمان قديم.
فما هو الحدث الذي ينتج هذا الوضع الجديد فيجعلنا نعبر من زمن النقص إلى زمن التمام؟ هذا الحدث هو الرسالة التي نالها يسوع من الله. هنا نلمس لمس اليد وعي يسوع للطابع الاسكاتولوجي لرسالته: انه يعتبر خدمته كالحقبة التدشينية لملكوت الله. معه يدخل تاريخ البشر في "الأزمنة الأخيرة".
* ويجد هذا الوضع الجديد متطلّبة جديدة. ففي هذا الوقت المحدّد الذي فيه يُطلق النداءُ للمجيء إلى الوليمة (مت 22: 4؛ لو 14: 17) تتعلّق المشاركة الفعلية في الوليمة فقط بالجواب على هذا النداء. لا خلاص ممكناً الآن إلاّ إذا قبلنا تعليم يسوع، إذا آمنا به وبرسالته الإلهية، إذا عملنا ما يطلبه منا.
هذا يعني اننا إذا أردنا أن نخلص لا يكفي أن نقدر أن نسمّي نفوسنا أبناء إبراهيم، كالوارث الشرعي للمواعيد التي اعطيت للآباء، لا يكفي أن أعلن ممارستي لشريعة موسى ممارسة دقيقة. ما يُحسب له حساب الآن ليس الرباط الذي يربطنا بإبراهيم أو بموسى، بل الموقف الذي نتّخذه حيال يسوع. وهنا نفهم فكرة يسوع عن أهمية رسالته إلى البشر الذين أرسل إليهم.
* والجديد في الوضع يظهر في الوقائع: ليس البارزون هم الذين تجاوبوا مع النداء، بل العشّارون والخاطئون. إن الزمن الحاضر يتميّز بتبدّل يدلّ من جهة على محبّة الله ورحمته للخطأة، ومن جهة ثانية على غضبه ضدّ الذين يشكّلون نخبة شعبه الدينية، ضدّ ما يجعلهم عمياناً أمام علامات الزمن لأنهم يظنّون نفوسهم فوق الآخرين.
إذن هناك دينونة بدأت تتمّ بمناسبة رسالة يسوع: دينونة رحمة للبعض ودينونة لا رحمة فيها للآخرين وهي تتمّ الفصل الذي تجعله الدينونة الأخيرة نهائياً. في هذا المعنى أيضاً ترتدي رسالة يسوع بُعداً اسكاتولوجياً. فهو الذي يقرّر الدخول إلى الملكوت أو الإستبعاد منه.
هذا المثل لا يدّل فقط على فكرة يسوع حيال رسالته كنبي اسكاتولوجي، بل على فكرته حول علاقته مع الله. هذا ما سنتأمّل فيه. 
ثالثاً: سلوك الله وسلوك يسوع 
نستطيع أن نعالج المسألة من ثلاث زوايا: إن يسوع ينسب إلى الله خبرة صنعها بنفسه. إنه يفسّر سلوكه الخاص متحدّثاً عن سلوك الله. إنه ينبّه سامعيه بأن موقفهم تجاهه هو في الوقت عينه موقف تجاه الله. 
* يفترض الخبر الامثالي خبرة معاشة: تقاطر الخطأة إلى يسوع أما الذين احترفوا درس الشريعة وممارستها، فظلّوا بعيدين أو قاوموا يسوع مقاومة واضحة. مثل هذا الوضع يشهد ضدّ يسوع في نظر الناس الذين يعتبرون نفوسهم شيئاً. يتحدّث يسوع عن هذا الوضع وكأنه اختبار ربّ بيت يوافق دورُه دورَ الله. والجواب إلى الذين ينتقدونه هو هنا: إنّ الخبرة المخيبة التي تعتبرونها خبرتي هي خبرة الله شخصياً. فالله هو الذي لا يجد جواباً لدى البشر الذين يسمّون نفوسهم أصدقاءه.
* يصوّر المثل عملاً أكثر منه خبرة: فربّ البيت اتخذ مبادرة الوليمة وإرسال الدعوات والطلب إلى المدعوين بأن يأتوا. ولكن لاقى الفشل لما تراجع المدعوّون. ولكنه صحّح الوضع حين أدخلَ مدعوّين جدداً. إن سلوك الشخص الرئيسي يقابل الصورة التي يتختلها سامعو المثل عن سلوك يسوع: لم ينجح لدى الناس الأتقياء فتطلّع إلى سفالة إسرائيل. ولكن من الواضح أنّ سلوك ربّ البيت هو صورة عن سلوك الله. فالله هو الذي اتخذ المبادرة بأن يدخل إلى وليمة الملكوت أولئك الذين حلّوا محلّ المدعوّين واحتلّوا أمكنة صارت فارغة.
فعبر المثل يتوضّح تصرّف يسوع نفسه الذي يضع النالس أمام تصرّف الله. في الواقع الملموس، عمل الله وعمل يسوع هما واحد. وسلوك يسوع هو الشكل الذي تتّخذه مبادرة الله في هذه الفترة، فترة تدشين الملكوت. وهذه المبادرة الإلهية تضفي على سلوك يسوع مدلوله الحقيقي.
ولكن المثل لا يهتمّ إلاّ بصورة غير مباشرة ببُعد سلوك يسوع. ولكنه يهتمّ بصورة مباشرة بإلقاء الضوء على البعد الحقيقي لموقف سامعيه. جُعل القسمُ الثاني كله في إطار غضب السيد، فبدا وكأنه تحذير وتهديد. فالموقف الذي يتخذه السامعون الآن تجاه يسوع هو الموقف الذي يتخذونه تجاه الله: فمَن رفض النداء الموجّه بواسطة يسوع تعرّض لغضبه هو. من هذه الوجهة أيضاً، لا يمكن أن نفصل يسوع عن الله ولا الله عن يسوع. فيسوع هو مرسل الله وبه يدعو الله الناس إلى الخلاص.
خاتمة
إدنّ رسالة يسوع وشخصه لا ينفصلان عن تعليمه. وتعليمه يدلّ على إله يعمل في الوقت الحاضر فيقدّم بواسطة ابنه الخلاص إلى البشر. فيا ليتهم يلبّون دعوته إلى الوليمة التي هيّأها لهم!

 

 

الفصل الثالث والثلاثون
متطلَّبات الحالةِ المسيحيّة
14: 25- 35

حين نقرأ هذه النصوص الكتابيّة، نتأمّل في متطلّبات مسيرتنا على خُطى الربّ يسوع. والنصّ الذي ندرسُ الآن يذكرنا بالشروط المفروضة على الذي يتوق إلى أن يحيا تلميذاً حقيقيّاً للمسيح.
وقبل أن نتعمّق بالتعليم الدينيّ الذي يقدّمه، نشير بإيجاز إلى الصعوبات النقديّة التي يواجهُها القارىء المتنبّه لدى قراءته هذا النصّ.
أ- على مستوى النقد الأدبيّ
يرى أكثر الشُرّاح في لو 9: 51- 19: 27 القسمَ المركِزيَّ في الإنجيل الثالث: إنه خبرُ سفرٍ طويل يقود يسوعَ من الجليل إلى السامرة، ويقدّم للكاتب مناسبة ليَجمع في إطار واحد ما تعلمه من مراجعه الخاصّة. في هذا القسم يحتل التلاميذ السبعون مكان الصدارة بجانب مجموعة الأثني عشر. ولهذا يسمّى "إنجيلَ التلاميذ".
فلا غرابة في الأمر إنْ توقّف الشرّاح، حتى الأقدمون منهم، عند الطابعَ الإصطلاحيّ لخبر السفر هذا. ثم، إن لوقا يعطي في هذا القسم الذي هو خاصٌّ به، كلَّ إمكاناته كمؤرخّ بفنّ المعلومات كما بترتيب الأحداث.
1- القرائن المباشرة (ف 14)
إن الطابع الإصطنايّ الذي يميّز القسم المركزيّ في الإنجيل الثالث، ينكشف بصورة خاصّة في هذه المقطوعة التي ندرس وفي قرائنها المباشرة. ففي ف 14 لا يجعل لوقا أيّ رباط بين تحريض آ 25- 33 وما سُمّي "حديث المائدة" الذي سبق هذا التحريض (رج آ 1، 7، 12، 15 التي تشكّل الإطار التدوينيّ). نحن هنا على التوالي أمام شفاء يوم السبت (آ 1-6)، أمام مثلٍ عن إختيار الأمكنة للجلوس إلى المائدة (آ 7- 11)، وتعليمٍ قصير حول اختيار مدعوّينا إلى مأدبة (آ 12- 14). هذا من جهة، ومن جهة ثانية، يصعب علينا أن نكتشف علاقة بين المقطوعة التي ندرس (آ 25- 33) والتنبيهِ إلى المِلح الذي يَفسُد فيصبح بلا طعم (آ 34- 35). لا شكّ في أنّ يسوع أشار مراراً إلى التشبيه بالملح الذي يرتبط ببعض العادات اليهوديّة: "الملحُ جيّد. ولكن إذا فَسَد الملح فبمَ تُرَدّ إليه المُلوحة" (آ 35)؟
2- بُنْية المقطوعة
ويبرز هذا الطابع الإصطناعيّ أمام أعيننا داخلَ هذه المقطوعة (آ 25- 33). نشعر وكأنّنا أمام عناصرَ استقلّت في الأصل، ثم تجمّعت الواحدُ بقرب الآخر لأنها تتعلّق بالموضوع الواحد.
نجد في آ 25 مقدّمة قصيرة دوّنَتها ولا شكّ يدُ لوقا. أمّا آ 26- 27 فنجدهما عند متّى في "الخُطبة الرسوليّة" (مت 10: 1- 43، رج خاصة آ 10، 37- 38)، وهما في محلّهما المنطقيّ لأنّ القرائن تعالج بصورة واضحة الإضطهاداتِ التي يتحمّلها التلاميذ من أجل المسيح.
وبعد هذا نقرأ مثلَين: مثلَ الرجل الذي يبني بُرجاً (آ 28- 30)، مثلَ الملك الذي فُرضت عليه الحرب (آ 31- 32). قد يكون يسوع قال هذين المثلين مرّاتٍ عديدة، ونحن لا نكتشف بسهولة تطبيقَهما الاصليّ. أمّا في نصّ لوقا فهما يحذّراننا من أن نعتنق حياة التلمذة ليسوع بالخِفّة والطيش، بل نجلس ونفكّر قبل أن نقرّر.
وهذا ما توضحه الخاتمة التي تبدو بشكل قول مأثور: "فكذلك كلُّ واحد منكم" (آ 33). إنّ هذا القول الموجَز الذى يفرِضُ على التلاميذ أن يتخلَّوا عن كلّ مُلك ومال، يعود إلى الألفاظ التي تعبّر عن فهم لتعليم يسوع استنتجه لوقا من التقليد الأوّلي. ولذلك، مع أنّ آ 33 تتجذّر، على ما يبدو، في التقليد السابق، فنحن سنكتشف تعليمها الدينيّ على ضوء التدوين اللوقاويّ.
3- هل مِن تماسكٍ تدوينيّ
بعد أن رأينا الطابع الإصطناعيّ للمقطوعة، هل نستغرب إن لم نجد فيها التناسق المطلوب؟ أوّلاً، في المثلين: يستطيع باني البرج والمَلِكُ الذاهب إلى الحرب أن يتخلّيا عن مشروعَيهما. أمّا التطبيق الأخلاقيّ في آ 33 فلا يترك لنا إمكانيّة الخيار: من أراد أن يكون تلميذَ المسيح من أجل الخلاص الأبديّ، فعليه أن يرتضي كلَّ التضحيات. ثانياً: إذا كانت آ 33 تفرض على تلميذ المسيح أن يتخلّى عن كل خيراته، أن يتخلّى عن كل ما يملك، فإن آ 26 تطلب منه حتى التخلّيَ عن عواطفه الشرعيّة (تعلّقه المحبّ بالآخرين) وعن حياته من أجل المسيح. عليه "أن يبغض أباه وأمّه وإمرأته". ثالثاً: تكلّم المثلان (آ 29- 32) عن الشروط التي يجب أن تتوافر لدى باني البُرج والمَلِك قبل أن يلتزم كلٌّ منهما بمشروعه. أمّا تطبيقُ آ 33 فيعني تلاميذ سبق لهم أن التزَموا. فانطلاقاً من هذه النقطة الأخيرة نفهم تبدّل المنظار الإنجيليّ. فالمثل يبقى تشبيهاً، وكلُّ تشبيه لا يَفي بكامل المُراد. إن الحقيقة تتعدّى الكلام لتصل إلى السير وراء المسيح، ولو أُجبر التلميذ أن "يَزهَد في جميع أعماله".
4- فرَضيه عمل
وهكذا نرى أن هذه المقطوعة تقدّم حقلاً مختاراً للنقد الأدبيّ. إلى أيّ حدّ نجد فيها كلمات المسيح نفسه؟ ما الذي جاء به التقليد، ما الذي جاءت به الجماعة المسيحيّة الأولى؟ ما هي العناصر التي دوّنها قلمُ لوقا؟ كلُّ هذه أسئلة تنتظر أجوبةً نهائيّة. يكفينا هنا أن نشير بإيجاز إلى خِياراتنا حول النِقاط المختلَف عليها.
تبدو آ 25 عملاً تدوينيًّا. جعلها لوقا كمقدّمة للمقطوعة.
أمّا آ 26- 27 اللتان نجدهما مع بعض اختلافات، لمحهما تعودان في جوهرهما إلى يسوع نفِسه (رج أيضاً لو 9: 23؛ مت 18: 24؛ مر 8: 34). ولكنّ آ 27 مطبوعة بصورة خاصّة بطابَع الجماعة المسيحيّة الأولى. فبعد مأساة يوم الجمعة العظيمة، شدّدت هذه الجماعةُ على "حمل الصليب"، بعد أحداث الفصح وحدَث موضوعَي "حملِ الصليب" و"السير وراء يسوع". وتدلّ آ 26- 27 أيضاً على يد لوقا. فالجملة في لوقا هي أطول ممّا في مت 10: 37. يزيد لوقا: "امرأته وإخوته وأخواته، بل نفسه (حياته)". ونفسّر هذه الزيادة بالميل التنسّكيّ الذي يميّز الإنجيل الثالث. قدّم متّى العبارة التقليديّة: "لا يستحقّني". فبدّلها لوقا وأعطاها بُعداً كنسيّاً: "لا يستطيع أن يكون لي تلميذاً". ومقابل هذا نحن نقدّر القديسَ لوقا المتضلّع من الأداب اليونانيّة لأنه احتفظ بالعبارة الأصليّة والاراميّة: "أبغَض أباه وأمه"، بينما خفّف متّى من حدّة الكلمة، وهو الذي يكتب إلى يهود صاروا مسيحيّين، فقال: "من أحبّ أباً أو أمّاً اكثر مني".
لا نعرف الظروف التي فيها تلفّظ يسوعُ نفسُه بهذين المثلين الخاصّين بلوقا (آ 29- 30، 31- 32) والمرتبطَين بالعالم الشرقّي عامّهً والفلسطينيّ خاصّة. ولكنّ لوقا أَقحَمهما في إطار التجرّد المطلوب من التلاميذ. أخيراً نحدّد موقع آ 33 على مستوى التدوين اللوقاويّ ("وكذلك..."). نحن نكتشف هنا يد لوقا الذي يشدّد أكثر من الإزائيَّين الأخَرَين على الفقر والتجرّد ("من لا يزهد في جميع أمواله"). ونعود من جديد إلى المنظار الكنسيّ: "لا يستطيع أن يكون لي تلميذاً".

ب- شرح المقطوعة: متطلّبات حالة التلمذة
1- المقدّمة (آ 25)
نحن في طريق من الطُرق. لا إشارةَ أخرى عن الزمان والمكان. الجموع تواكب يسوع، ترافقه. ويسوع هو موضوع إعجاب "الجموع الكبيرة" (التي تتساءل هل هو المسيح أم لا). إن "الجموع الكثيرة" ترمُز أيضاً إلى هؤلاء الناس العديدين الذين أُعجبوا بيسوع على مرّ العصور، وتأمّلوا بشخصه وحياته وتعليمه.
ولكنّ يسوع يقف على مسافة منها ويقدّم لها تنبيهاً وتحذيراً. في هذه المناسبة، نلاحظ التعارض الواضح بين "الجموع الكبيرة التي تسير برفقة يسوع" وفِعلة يسوع الذي "يلتفت" إليها. كم من هؤلاء المعجبين به الآن سيسيرون معه حتى النهاية؟ كم هو عدد الذين سيكونون بجانب المعلّم ساعة الفوضى العاقة والقريبة (رج مت 10: 36: "فأعداء الإنسان أهلُ بيته الخاص")؟ وهكذا تساعدنا هذه المقدّمة القصيرة على أن نتطرّق بقوّة إلى موضوع التجرّد.
2- التجرّد المُطْلق (آ 26- 27)
"من جاء إليّ...". ما حاول يسوع يوماً أن يحرّك عقليّاتٍ مهووسة تَضمن له النجاح. إذا شئنا أن نتبعه، يجب أن نريد ذلك بكامل وعينا: لا يكفينا تعلُّقٌ خارجيّ بشخصه، تعلّقٌ نزَواتيّ وعابر. فحالةُ التَلمذة تتطلّب التخلّيَ الداخليّ عن شخصنا، وعن كل ما نملك. وهذا المبدأ الذي أشار إليه لوقا في 9: 23 (رج ما يوازيه في مت آ 1: 24 ومر 8: 34) قد استعاده هنا وشدّد عليه.
فهذ الكلمات المُطْلقَة أوّلاً عن مهابة شخص يسوع، تُبرز في الوقت عينه كيف أن وضع تلميذ يسوع يختلف اختلافاً جَذرتا عن الوضع الذي تعرفه جماعات الرابانيّين.
أوّلاً: "أبغض"
لا شكّ في أن ثقل الجملة يكمُن في قوة تعبير فعل "أبغض" (ميساين). ما يَلفت النظر هو أن لوقا الذي تميّز إنجيله باتجاه تصوّف عميق، إحتفظ بهذه المفردة، بينما خفّفها متّى وهو المشدّد على الأخلاقيات، فكتب: "من أحبّ أباً أو أمّاً اكثر مني" (مت 10: 37). هل تهدف هذه المقارنة إلى أن تصدمنا؟ فالمعلم الذي فرض على التلميذ أن يحبّ حتى أعداءَه، يبدو هنا وكأنه يعارض نفسه بنفسه. ولكن يجب أن نتذكّر أن فعل "البغض" في العهد القديم ولاسيّمَا في الأدب الحِكميّ، لا يتضمّن رفضاً أنانيّاً لكل عِلاقة بشرية، بل ينزِع الطابع المُطلق عن أمور هذا العالم نزعاً إراديّاً (وهكذا نعيد تقييمه) فيجعلها تنتقل إلى المركز الثانى حين تكون مصالح الله في خطر. إن يسوع يفرض حبّاً مُطْلقاً (لا نسبياً) وصِدقاً كاملاً وتكريساً لشخصه من دون قيدٍ ولا شرط. هذا لا يعني إنكارَ العواطف الشرعيّة التي تربطنا بعائلتنا، أو محبّةَ حياتنا. ولكن يجب أن نُخضع كلّ شيء لمحبّتنا ليسوع. وعندما تتهدّد سلسلة القِيَم هذه، وحين يكون نزاعٌ بين العواطف البشرّية (حتى الشرعيّةِ منها) وخدمةِ المسيح، فلن يبقى موضع للتردّد: فخدمةُ المسيح ومحبّتُه تتغلبان على كلّ شيء فينا.
وجَذْريّة لوقا في تفسير متطلبات المسيح تُفهمنا لماذا توسّع الكاتب في لائحة العواطف التي يجب أن نتخفى عنها. يتحدّث مت 10: 37 فقط عن "الأب والأمّ والأخ والأخت" (يقول لوقا: الأبناء). يزيد لوقا "الزوجة الإخوة والأخوات والحياة (أو النفس)". لعبت المرأة دوراً هامّاً في لوقا، ولهذا زاد متأثرّاً بما في 18: 29 (ق مت 9: 29؛ مر 10: 19): "يبغض امرأته". هذا ما سُمّي الوجهَ الإنسانيّ في الإنجيل الثالث. ثم إن الكلمة اليونانيّة "بسيخي" التي تعني النفس والحياة تردُ مراراً عند لوقا (12: 23، 19: 24). ولهذا توسّع غيريغوريوس النازينزي في متطلّبة المسيح هذه فكتب: "لا يكفي أن نتخلى عمّا نملك، بل نتخلّى أيضاً عن نفوسِنا (عن ذواتنا)" (العظة 32/ 10).
حين يحدّثنا الإنجيل الثالث عن "بُغض الأب والأمّ والزوجة..."، فهو يشير إلى وضعٍ ملموس عاناه تلاميذ يسوع الأوّلون. فمن انضمّ إلى المسيح انعزل عن عائلته وصار منبوذاً في ذاك المحيط الفلسطينيّ. ولكن هذا كان أيضاً وضعَ المسيجيّين الأوّلين في زمن الإنجيليّ. ويبيّن لنا التاريخ على مرّ العصور، أن كلمات يسوع لاقت صدىً في حياة عدد كبير من المسيحيّين.
ثانياً: "حمل صليبه"
"من لا يحمِل صليبَه...". لقد اتّخذت العبارة معنى رمزيّاً في لغة التصوّف المسيحيّ في زمن آباء الكنيسة. فالصليب صار استعارة تدلّ على أحداث تُضايقنا في حياتنا، تقلقنا أو تؤلمنا. في هذا المنظار تعني عبارة "حمل صليبه"، الدخولَ في مخطَّط الله والقَبولَ بسخاء بهذه اللأحداث المؤلمة، وكأنّها أداة خلاصنا، وكأنها وسائلُ ترسلها العنايةُ من أجل تقدّم ملكوت الله. حين نَحمل صليبَنا بهذه الطريقة نتبع يسوع حقّاً.
ولكن هل نتوقّف عند المعنى الإستعاريّ ولا نتجاوزه؟ كلاّ. ففي زمن المسيح، حتى قبل آلامه، برزت شهادات تتيح لنا أن نفسّر "حملَ الصليب" بمعنى دقيق هو: أن يتخلّى الإنسان عن حياته، أن يكون مستعدّاً للموت، وفي النهاية أن يموت (رج 17: 33). في هذا المعنى الملموس تعني عبارة "حمل صليبه"، أن نكون في وضع نتحمّل فيه كلّ شيء من أجل المسيح، نتحمّل حتّى الموت. فعلى التلميذ الحقيقيّ أن يضع نفسه في وضع إنسانٍ حُكم عليه بالموت، فحمَلَ أداة تعذيبه وقتلِه. لا شكّ في أنه يجب أن نتوقّف عند الصليب، هذه العقوبةِ القصوى التي فرضها الرومان على العبيد، فعُرفت لدى أهل فلسطين في زمن يسوع. إن عبارة "حمل الصليب" تشير إلى صورة محدَّدة لسامعي يسوع (مثلاً في سنة 6 ب م صُلب مئات الأشخاص بعد ثورة شخص اسمُه يهوذا)، صورة مؤلمة يلمّح إليها يسوع بإيجاز حين يتحدّث عن الشروط المطلوبة لإتّباعه. ولكن كلمة المسيح "من لا يحمل صليبه" ستتخذ مدلولاً أكثر عمقاً في الزمن الذي يلي الفصح، أي بعد حدَث الجمعة العظيمة الدراماتيكيّ. هذه الكلمة دلت على صورة المسيح، رجلِ الآلام، الذي يسير وهو يتمايل تحت صليبه. إن كلمة يسوع هي نداء للمسيحيّين المعاصرين للوقا. ولنا نحن في القرن العشرين، هي نداء مؤثّر لكي نتبعه على طريق الجلجلة، لكي نشارك في صلبه وآلامه وموته.
ثالثاً: اتّباع يسوع
وتزيد آ 27 متطلَّبةً أخرى على متطلَّبة حمل الصليب: اتّباعَ يسوع والسير في خطاه. نلاحظ أنّ اللغتين العبرّيةَ والاراميّةَ لا تمتلكان مُفردة خاصّة تعني "اتّبع". ولهذا استعملتا عبارة "جاء وراء". وإذ يأخذ الشُرّاح بعين الإعتبار هذا الوضع الخاصّ، فهم يوافقون على القول إنّ عبارة "سار على خطى يسوع" (أو اتّبع يسوع) تستعمل عند الإزائيّين فتعني: كان تلميذ يسوع، محاش مع يسوع، شاركه في مصيره.
إن القول الوارد في آ 27 يدعونا إلى أن نمشي في خطى يسوع على الطريق التي تقود إلى الصليب. هاتان المتطلَّبتان تترافقان في التقليد الإزائيّ، فتلقي الواحدةُ الضوءَ على الأخرى. ونظنّ، كما قُلنا سابقاً، أنّ توحيد هذين الموضوعين، أي "اتّباع يسوع" و"حمل صليبه" تمّ بعد الفصح وبتأثير من الحدث المأساويّ الذي حصل يومَ الجمعة العظيمة. ومهما يكن من أمر، فلوقا يتوافق مع كلّ كتّاب المسيحيّه الأولى تقريباً (رج يو 15: 18- 20؛ روم 8: 17؛ 1 كور 1: 5؛ 4: 10- 12؛ 13: 14؛ غل 6: 17؛ فل 3: 10 ي؛ 2 تم 2: 12؛ 1 بط 2: 21) فيربط بصورة واضحة صليب المسيحيّ بشخص المسيح الذي حمل هو أيضاً صليبه ("حمل صليبه، تبعني، كان لي تلميذاً"). هناك مشاركة في الآلام بين المسيح والمؤمن، وهذه المشاركة هي عنصر يلازمُ حياة المسيحيّ. جوهر حالة التلمذة أن نشارَك يسوع في آلامه.
3- زَهدَ في جميع أمواله، تخلّى عن كلّ شيء له (آ 26- 33)
غير أنّ هذا التجرّد عن كلّ ما هو عزيز على قلبنا، حتى عن عواطف المودّة الشرعيّة (آ 26)، ومشاركةَ التلميذ في آلام المعلم (آ 27)، لا يكونان نتيجة مجهود فرديّ وعابر (أداة الوصل "غار": لأن أو الفاء تربط بين المثلين وما يسبقهما). فعلينا أن نذهب إلى حدود الجهاد، أن نستعدّ لنعطي ذواتِنا عطاءً تامّاً، أن نقبل بكل التضحيات التي تفرض علينا. ويجب خصوصاً أن نكون مستعدّين ("كذلك اذن..."، آ 33) لنتخلّى عن كلّ ما نملك من أجل المسيح.
أولاً: فكّرْ قبل أن تلتزم
من الصعب أن نحدّد بدقّة الدرسَ الذي أراده يسوع حين تلفّظ بهذين المثلين. ومهما يكن من أمر، ففي إطار لوقا الإصطناعيّ، هما يقدّمان تنبيهاً قاسياً ضدّ كل إلتزام سطحيّ. ولا جدوى في أن نتساءل: ماذا يعني البناءُ الغنيّ، وعلى ماذا يدلّ البُرج أو الملك؟ هذه التفاصيل وغيرُها، هي جزء من الإطار المثليّ التقديديّ. قال كالفيلد: إن باني البرج هو من صِغار المُزارعين. فأجاب بلومر، وهو على حقّ في ذلك: هذه التفاصيل هي جزء من بُنية الأمثال، وهي في حدّ ذاتها لا تعني شيئاً.
في المثل الأوّل، يتطلّب المشروع الذي قام به البناء تفكيراً وفطنة. "بدأ وجلس ليحسب النفقة". فالباني شأنُه شأنُ الملِك، يجدُ نفسَه أمام خِياريَن: إمّا أن يتخلّى وإمّا أن يرضى بالتضحياتَ الضرَوريّة. غير أن التطبيق الأخلاقيّ للمثل الأوّل، وإنْ لم يكن معلناً، فهو لا يترك أيّ مكان للخِيار: من أراد أن يكون تلميذ المسيح، فعليه أن يحسب حساب التضحيات المطلوبة منه، وأن يكون مستعدّاً لقبولها بقلب كبير. 
في المثل الثاني نرى ملكاً. "يذهب لمحاربة ملِكٍ آخر" (آ 31). بدأ هو أيضاً وجلس وأخذ يفكّر: إن وجدَ نفسَه خاسراً، إن فُرض عليه أن يذهب بعشرة آلاف لملاقاة رجلٍ معه عشرون ألفاً (آ 31)، فتفرض عليه الحكمة عندئذٍ أن يمتنع عن الحرب. وقبل أن يجتاح العدوّ بلاده، يرسل إليه بَعثة. يوفد إليه سفارة (آ 32) للبدء بمحادثات من أجل السلام. مصلحتُه أن يسالمه، وَمهما كلّفه الأمر يتجنّب هزيمة نكراء. وها نحنٍ كما في وضع البناء أمام خِيارين. ولكن هل يترُك التطبيق الأخلاقيّ مكانا للإختيار؟
ثانياً: "فكذلك إذن..." (آ 33)
تشكّل آ 33 خاتمة للمثلين. كان يمكن أن يعبّر عنها بالشكل التالي: كما أنّ باني البُرج يقبل بكل النفقات الضروريّة لئلا يسخر الناس به، وكما أنّ الملك يبدأ بمحادثات سلام لئلاّ يصاب بهزيمة تامّة، هكذا على من يتوق أن يكون تلميذ المسيح أن يقبل بكلّ التضحيات المفروضة عليه لئلاّ يهلك. ولكنّ القارئ الواعي يُحسّ بتبدّل في النظرة. تداول الباني والملك ليعرفا هل يلتزمان أم لا. أمّا المسيحيّ الذي إليه يوجّه لوقا إنجيله، فقد سبق له والتزم في خدمة المسيح. لقد قلنا سابقاً: إن هذه الخاتمة ("من لا يتخلَ عن كل ما له لا يقدر أن يكون لي تلميذاً") قد استنتجها لوقا من تعليم يسوع ودوّنها بطريقته الخاصّة. نحن نعرف جَذريّة لوقا حين يتكلّم عن الفقر. في هذا الإطار نفهم في معنى مُطْلق العبارةَ التالية: من لا يتخلَّ عن كل خيراته (عن كل ما يملك) لا يقدر أن يكون تلميذي.
ثم إن الكلمات الأخيرة في آ 33 (لا يقدر أن يكون تلميذي) تستعيد حرفيّاً النهاية التي نقرأها في آ 26 وآ 27. حين دوّنها لوقا، لم يفكّر بالتحرّك الذي به نصير تلاميذ، بل بما يميّز وضع تلميذ المسيح الملتزم إلتزاماً كاملاً بخدمة هذا المعلّم. وإذ يوجِّه لوقا إنجيلَه، إلى الكنائس المسيحيّة في عصره، وبصورة أدقّ إلى تلك الخارجة من العالم الوثنيّ، فهو لا يقيم تمييزاً واضحاً بين تلاميذ المسيح المباشرين (70 تلميذاً) والمؤمنين العاديّين. هذا يتضمّن في روايته أنّ التجردَ المطلق يفرض نفسه فلا يميّز بين مجموعة الرسل وأولئك الذين يتوقون أن يعيشوا كتلاميذ المسيح في كلّ العصور.
2- الملح جيّد (آ 34- 35)
ولكن قد نُدعى إلى "الوليمة العظيمة"، فنرفض أن نعيش مع يسوع مصيره كنبيّ تجاهله شعبه. فهذا ما تشدّد عليه الآيتان الأخيرتان في ف 14، بفضل التشبيه مع الملح الذي خسر طعمه، خسر ملوحته. ففي مت 5: 13، يكشف هذا القول عن الدور الذي يلعبه الشاهد ليسوع والسائر في طريق التطويبات. إن لم يتجنّد بنفسه لهذا الدور، فلا يحلّ أحد مكانه.
ويأتي القول عن الملح في مر 9: 49- 50 في نهاية تعليم يسوع الأخلاقي، ليدل على التخلي (عن كل شيء) والتنقية الضروريين من أجل بناء جماعة تتألّف من تلاميذ يسوع، من تلاميذ يتقبّلون نداء يسوع.
الملح يعطي الطعام طعمه فلا يكون تافهاً وفاقد اللذة. والمفح يحفظ الأطعمة فيبعد عنها الفساد. إن لم يفعل التلميذ في العالم ما يفعله الملح في الطعام، فهو يستحقّ أن يطرح خارجاً لأن لا نفع منه.
وإذا عدنا إلى لو 14: 34- 35، نجد في قول يسوع دعوة إلى التلميذ الذي يدعوه يسوع إلى الوليمة، لكي يتعرّف إلى مسؤوليته. هل هو مستعدّ أن يقاسم المعلم مصيره؟
وتنتهي آ 35: "من له أذنان للسماع فليسمع". هنا نعود إلى 8: 18 ونتبصّر كيف نسمع. ما هو موقفنا تجاه دعوة يسوع إلينا لكي نزهد في جميع أموالنا؟ هذا هو الشرط الوحيد لكي نكون تلاميذ حقيقيين.
خاتمة
إن المقطوعة التي فسّرناها مليئة بالمسائل النقديّة والأدبيّة. ولكنّنا وجدنا فيها نداء مؤثراً لنأخذ على مَحْمَل الجدّ وضعَنا كتلاميذ للمسيح. لسنا أمام عواطف سهلة ولا أمام إلتزام نزَواتي، عابرٍ ومشروط؛ على تلميذِ المسيح أن يفرض على نفسه استسلاماً من دون قَيد ولا شرط. فكلّ المسيحيّين، أي كل الذين يرغبون في أن يكونوا تلاميذ المسيح، يَعُون تسلسل القِيَم، فيستعدّون للتخلّي عن كل عزيز على قلوبهم، ولو كانت أكثر العواطف شرعيّة، حين يكون المسيح، القيمةُ العظمى، في خطر (آ 26). ويرى لوقا صورة خاصّةً: إن وضع تلميذ المسيح يفرض عليه التخلّي عن كلّ ما يملك (آ 28- 33). فمن يسمع هذه الكلمة يتلقَّ نداء لكي يشارك المعلّم في ألمه: لقد التزم بأن يتبع يسوع في طريق الجلجلة وهو حاملٌ صليبه الخاصّ (آ 27). أجل، إننا لا نقدر أن نتطلع إلى الوضع المسيحيّ إلا في علاقة مع المسيح. "إن جاء أحد إليَّ، إن لم يبغض أباه... من لا يحمل صليبه ويتبعْني لا يقدر أن يكون لي تلميذاً". 

 

 

الفصل الرابع والثلاثون
إفرحوا معي
15: 1- 32

بعد مقدّمة إخباريّة قصيرة (آ 1-3) يورد ف 15 أولاً مثلين توأمين بُنٍيا حسب النموذج الواحد: خبرَ الراعي الذي أضاع خروفاً (نعجة)، وخبرَ المرأة التي فقدت درهماً (آ 4- 15). وبعد هذا يأتي مثلٌ كبير، مثلُ الإبن الضالّ، وهو يُقسم إلىِ لوحتين تصوّران موقف الأب تجاه الإبن الأصغر (آ 11- 24)، ثم موقفه تجاه الأكبر (آ 25- 32). أمام هذه الصفحة التي سُمّيت قلب الإنجيل، يبدو التفسير على مستويَين: أو إنّه يتوقّف عند الأمثال التي تؤلّف هذا الفصل ومضمونَه في إطار رسالة يسوع، أو عند مُجمَل الفصل والمضمون الذي تعطيه الوحدة الأدبية (في فكر الإنجيلي) للعناصر التي تؤلّفه. سنعود إلى القراءة التفصيليّة فيما بعد؛ أمّا الآن فنقدّم القراءة الإجماليّة مع بعض إشارات عن الأمثال في حدِّ ذاتها.
أ- الأمثال الثلاثة
ا- الخروف الضائع
نحن نقرأ نُسخةً أخرى لهذا المثل في مت 18: 12- 14. البُنية هي هي: بعد سؤال إلى السامعين، يبدأ الحوار فيصوّر موقف الراعي الذي يلاحظ غياب أحد خرافه: يترك الباقين ويذهب في طلب الضالّ. ويُبرز القسم الثاني الفرح الذي يُحسّ به حين يجد الخروف. ويتبع الخبرَ في كلا الحالين تطبيق واضحٌ يتوجّه إلى السامعين: "وهكذا لا يريد أبوكم الذي في السماوات أن يهلك واحد من هؤلاء الصغار" (مت 18: 14). "هكذا يكون الفرح في السماء بخاطىء واحد يتوب أكثرَ من الفرح بتسعة وتسعين من الأبرار لا يحتاجون إلى التوبة" (15: 7).
ولكننا نجد اختلافات بين متّى ولوقا. عند متى، يروي يسوع المثل ويوجّهه إلى التلاميذ. أمّا عند لوقا فالمثل جوابٌ على انتقادات الخصوم المعادية. يعلّم المثل في متّى واجب الرعاية في الجماعة المسيحيّة من أجل "الصغار" الذين "يضلّون". لا بدّ من إعادتهم قبل أن "يهلكوا". أمّا لوقا فيبزر استقبال يسوع للخطأة: إن ارتداد واحد منهم يمنح الله سعادةً لا تضاهيها سعادة.
وإذا قابلنا النصَّين الواحدَ مع الآخر، نرى أنّ الإنجيليَّيْن كيّفا النصّ حسب القرائن التي وردت فيه، والاهتمامات التي تميّز عملهما. إحتفظ متّى بالتعبير الأقدم، وكان لوقا قريباً من المحتوى الأصليّ. وقد نستطيع أن ننطلق من النصَّين فنقدّم بناءً للخبر على الشكل التالي:
إذا كان لرجل مئة خروف وضاع واحد منها، أفَما يترك التسعة والتسعين على الجبال ليطلب الذي ضاع؟ وإن وجده سيكون له فرح أكثر من التسعة والتسعين التي لم تضلّ.
شدّد متّى على سلوك الراعي الذي يذهب في طلب الخروف الذي "ضلّ"، ولكنه لم "يهلك" بعد. فجعل من هذا البحث مثالاً يحتذي به أصحابُ المسؤولية الراعويّة في الكنيسة. وأبرز لوقا فرح الراعي الذي استعاد خرافه فرأى فيه صورة فرح الله حين يرتدّ خاطىءٌ من الخطأة. ويَلفِت النصُّ الأساسي النظرَ إلى ظرفين، يتّخذ فيه خروف واحد من الأهمية في عين الراعي أكثرَ من التسعة والتسعين الآخرين وساعةَ يفقد هذا الخروف، وساعةَ يستعيده.
يمكننا أن نظنّ حسب المنهجيّة الامثالية أن المقارنة التي يشدّد عليها الخبر توافق مفارقة أخرى تتحقّق في رسالة يسوع وتتطلّب تفسيراً. يعبّر المثل عن نفسه بلغة الكمّ والعدد: في بعض الظروف يساوي خروف واحد أكثرَ من تسعة وتسعين. وهذا التقويم العدديّ المرتبط بالصورة قد يوافق في الواقع عدم مساواة على مستوى الكَيف والنوع. فهل نعرف في حياة يسوع العامّة أحوالاً ميّز فيها أشخاصاً على آخرين؟ والجواب يفرض نفسَه: حين كان "صديقَ العشّارين والخطأة" (7: 34؛ مت 11: 19). أدهش يسوع أولئك الذين اعتبروا نفوسهم أبراراً وظنّوا أن رجل الله يحتفظ بنفسه للأتقياء لا للذين يعيشون حياة "سيئة". إذاً يتوافق محتوى الخبر الأمثالي كلَّ التوافق مع الوضع الذي يشير إليه لوقا في 15: 1- 2.
حين قدّم يسوع إلى الذين ينتقدون سلوكه مثالَ الراعي الذي يهتمّ بخروف يتعرّض للخطر، لا بتسعة وتسعين، لا خوف عليها، فهو يريد أن يبرّر سلوكه الخاصّ. ولكنه في الواقع لا يتكلّم عن نفسه من خلال هذا الراعي. فسلوك الراعي صورة عن سلوك الله. فالناس يخصّون الله. والله وحدَه يستطيع أن يقدِّر الخاطىء كإنسان هالك بالنسبة إليه. وبشكل عامّ، إن أمثال يسوع سعَت إلى تصوير سلوك الله، لا بصورة مباشرة إلى تصوير سلوك يسوع. وهكذا تتوافق مع التفسير الصريح للوقا (آ 7) الذي يوافق أيضاً ما يفترضه التطبيق في مت 18: 14.
عابوا يسوعَ على سلوكه، فحدّثهم يسوع عن سلوك الله. إن لهذا الأسلوب مغزاه، وهو يدعونا إلى أن نبحث في المثل لا عن تعليم عامّ ولا زمنيّ عن حبّ الله تجاه الخطأة، بل عن تماثُلٍ ملموس بين عمل يسوع وعمل الله: إن تفضيل يسوع للخطأة لا يُفهم في معناه الحقيقيّ إلاّ إذا رأينا فيه ظهور وتحقيق تدخّل الله من أجل خلاصة. هذا هو مضمون رسالة يسوع الإلهيّة، كما نقرأ في 19: 10: "فإنّ ابن الإنسان جاء ليبحث عن الهالكين ويخلّصهم". ونزيد أنّ الله نفسه يطلب بواسطة يسوع ما هلَك ويخلصه.
2- الدرهم الضائع
لن يوقفنا هذا المثل طويلاً بعد أن قرأنا مثل الخروف الضالّ. فمعناه يوافق معنى المثل الأوِّل. ولكنه يكتفي بأن يزيد صورة واحدة جديدة. والرباط وثيق بين المثلين بحيث تساءلنا لماذا لم يورد متّى مَثَل الدرهم هذا. هل ظنّ أنّ مَثَل المرأة لا يلقي ضوءاً كافياً على مسؤولية الرعاية تجاه "الصغار" في الجماعة المسيحيّة؟ الأمر ممكن.
وهنا أيضاً، إن التطبيق الصريح على الخاطىء الذي يتوب أو يرتدّ، لا يقابل ربما معنى الخبر كلَّ المقابلة عند لوقا. فعلى مستوى رسالة يسوع، ينصبّ اهتمامنا على الأهميّة التي تعلقها المرأة على الدرهم الضائع الذي لا قيمة له موضوعيّة تفوق قيمة الدراهم العشَرة الباقية. إن تصرّف هذه المرأة يوافق تصرّف الله كما يظهر في حياة يسوع العامّة.
3- الإبن الضالّ
سيفسَّر هذا المَثل فيما بعد. وإذا أردنا أن نُبرز بُعدَه، لا بدّ من التشديد على السِمَة الأهمّ والتي تبيّن بالتعارض ما يمثّله ابنٌ في نظر أبيه.
كان لكل من الإبنين فكرة خاطئة عن أبيه. ظنّ الأصغر أوّلاً أن سلوكه لن يسمح لأبيه بعد الآن أن يعتبره ابنه، فأمِلَ بالأحرى أن يكون كأحد أُجَرائه (آ 17، 19). ولكن أباه منعه من أن يتلفّظ بكلمة "أجير" (مستيوس آ 21). هو لا يرى فيه إلاّ إبناً محبوباً، إبناً كان ضالآً فوُجد (آ24).
واعتبر الأكبر نفسه "خادِماً" لدى أبيه: "كم لي من السنين أخدمك" (دولاوو، آ 29). بل، حسبَ نفسه خادماً لم يحصل على حقّه: وظهر الظلم في نظره حين ذبح أبَوه العجل المُسمّن من أجل الأصغر، ساعة لم يحصل هو على جدي يتنعّم به مع أصدقائه (آ 29-30). وتابع كلامه فقابل نفسه بأخيه: هو الأكبر ما فتىء يعمل من أجل مصالح أبيه. أما أخوه الدنيء التافه فبذّر مال أبيه مع الزواني (آ 30). وهكذا بدا له أبوه سيّداً شرّيرا وملاّكاً لا يميّز بين خِدمة تقدَّم له وإساءة تصيب خيراته.
إن جواب الأب هو نداء لتجاوز وُجهة الأجير. وهي تعني أوّلا العلاقة بين الأب والبكر: "كل ما هو لي هو لك " (آ 31). فهو حين اشتغل من أجل أبيه فقد اشتغل من أجل منفعته أيضاً. موقفه ليس موقفَ خادم ينتظر أجرته، بل موقفُ ابن كلُّ شيء يخصّه كما يخصّ أباه. ثم هناك الأصغر الذي يسمّيه الأكبر "ابنك هذا". أجاب الأب: "أخوك هذا". إذا كان ابني مثلَك فهو أيضاً أخوك. ونحن نفهم بسهولة أنّ قبول الأخ كأخ لا ينفصل عن قبول الأب كأب، وهو لا يتوافق مع روح الأجراء.
إنّ الوضع الذي يفترضه هذا الخبر يدلّ على صعوبة أحسّ بها معاصرو يسوع بأن يعتبروا كإخوة أناساً يُلامون على سلوكهم. فهم يرفضون مجالستهم كما يرفضون أن يروا فيهم أبناءً. ما زال الله يحبّهم حبّاً كبيراً. مِثلُ هذه الروح تعبّر عن نفسها أمام تصرّف يسوع تجاه العائشين على هامش المجتمع اليهوديّ الدينيّ. إذن، تبقى خَلفيّةُ هذا المثل هي هي خلفيّةَ المثلين السابقين. والجواب الذي يقدّمه يسوع لمحاوريه يلجأ إلى الوسيلة عينها: عرّفهم من خلال سلوكه إلى سلوك الله تجاه الخطأة. وسيتحدّد في الوقت عينه لومُ يسوع لهم: إذا كان خصومه يستصعبون أن يروا في سلوكه سلوكَ الله، فهذا يعني أن ديانتهم ديانةُ أجَراء تمنعهم أن يتّخذوا، بالنسبة إلى الله، موقفاً بنويّاً، وبالنسبة إلى البشر الذين يحتقرونهم، موقفاً أخوياً. وهكذا نصل هنا إلى جذور الصراع الذي يضع يسوع في وجه نمَط ديانة العبيد، التي تولّدُ عبادةً للشريعة تنسى الإنسان المخلوق على صوَرة الله.
ب- الفصل 15 في وَحْدته
أ- أسئلة تطرح
أوّلاً: لا نشكّ في أنّ ف 15 يشكّل في نظر الإنجيليّ وَحدةً أدبيّة محدَّدة. فهو ببُنيته يتبع رَسْمة المقطوعة 13: 1- 9. فبعد مقدّمة قصيرة (13: 1) يبدأ مثلاًن قصيران بسؤال يُطرح على السامعين، وينتهيان بإعلان نهائيّ (آ 2- 5: إن كنتم لا تتوبوا). ثم يتوسّع يسوع بفكرته في مثل أطول (آ 6- 9: وقاك هذا المثل). هناك فكرة وحيدة في 13: 1- 9 وهي أنّ التوبة والإرتداد أمرٌ مُلحّ: عجّلوا قبل أن يفوت الأوان. والتقاربُ مع ف 15 يدلّ على أننا أمام التعليم عينه. ولكن كيف نحدّد هذا التعليم؟
ثانياً: يتفوّق ف 15 على 13: 1- 9 لأنه يكرّر ردّة تشكّل رباطاً بين الأجزاء المختلفة. ينتهي المثلاًن الأوّلان بنداء: "إفرحوا معني لأني وجدت الخروف الذي أضعته" (آ 6). "إفرحوا معي لأني وجدتُ الدرهم الذي أضعته" (آ 9). ويستعيد جزئيّاً المثلُ الثالث العبارة عينها: "لنأكل ونفرح لأن ابني هذا كان مَيْتاً وعاش وضالاً فوُجد" (آ 24). "كان علينا أن نفرح ونعيّد لأنّ أخاك هذا كان ميْتاً فعاش وضالاً فوُجد" (آ 32). نحن أمام تفجّر الفرح عينه لدى ذلك الذي وجد ما كان ضائعاً. ولكننا نلاحظ أنّ "ضلّ" و"وجد" المستعملَين في معنى خاصّ في المثلين الأوّلين، تحوّلا حين استُعملا في مثل الإبن الضالّ. هذه إشارة إلى أنّ المثل الثالث وُضع بعد المثلين الأوّلين كإكمال نفسّره على ضوء آ 4- 10. وهكذا يرتبط المثل الثالث بالمثلين الأوّلين.
ثالثاً: ولكن هذين المثلين لا ينتهيان بالردّة التي أوردناها. لقد وضع لوقا تطبيقاً ثانوياً فأدخل فكرة التوبة والإرتداد (ميتانويا) التي هي عزيزة على قلبه. وطريقته هذه واضحة جدّاً في آ 7 التي نقابلها مع مت 18: 13: "الحقّ أقول لكم: إنه يُسَرّ به أكثرَ من سروره بالتسعة والتسعين التي لم تضلّ" (لم تهلك). ويحدّد لوقا: "أقول لك: هكذا يكون الفرح في السماء بخاطىء واحد يتوب أكثرَ من الفرح بتسعة وتسعين من الأبرار لا يحتاجون إلى التوبة" (آ 7) وستعيد آ 10 الفكرة عينَها: "إقول لك: هكذا يفرح ملائكة الله بخاطىء واحد يتوب". لا بدّ من القول إنه لا مثلُ الإبن الضالّ ولا مثلُ الخروف الضائع هيّأا هذه الإشارة إلى التوبة. إذن يبدو أنّ لوقا أراد أن يُدخل هذه المتطلَّبة وهو يفكّر بالخطأة منطلِقاً من المثل الثالث. هو لم يتوقّف على وُجهة الأجير في مثل الإبن الضالّ، فرأى في رجوعه إلى البيت الأبويّ مثلاً عن التوبة. فهل نستنتج أنّ لوقا فسّر المثلين الأوّلين على ضوء المثل الثالث، وأنه فهم ف 15 كتعليم عن التوبة الإرتداد؟ إن التقارب مع 5: 27- 32 يدعونا إلى الفطنة. فحدَثُ وليمة لاوي ينتهي بقولٍ تلفّظ به يسوع: "ما جئت لأدعو الأبرار بل الخطأة" (مر 2: 17). ولكنّ لوقا أوضح: "بل الخطأة إلى التوبة" (5: 32) فهل نستطيع أن نستنتج إنطلاقاً من هذا الإيضاح أنّ الحدَث كلَّه مركّزٌ عنده على الميتانويا، على التوبة؟
رابعاً: بدأ لوقا أمثال ف 15 بمقدّمة وضعها بنفسه متذكّراً حدث لاوي. وهكذا كانت لنا هذه الأمثال بمثابة جواب من يسوع على تذمّرات الفريستين والكتبة (آ 1- 2). إذن يجعل لوقا هذه الأمثال في إطار هجوميّ يرتبط بالظرف الذي أوجدها في رسالة يسوع. ولكن يبدو من الصعب أن نتخيّل أنه حين ربطَ هذه الأمثال بماض ولَّى وغاب، فقد عرَضها كقِطَع في مُتْحف لا ترتبط ارتباطاً مباشراً بالوضع الملموس الذي يعرفه قرّاؤه في أواخر القرن الأوّل. ولهذا يُطرح السؤال: كيف يتوجّه هذا الفصل إلى المسيحيّين الذي كتب لهم لوقا؟ يبدو أنّ السؤال يسير في اتّجاهَين مختلفين.
* الإتّجاه الأول: يكتفي الشُرّاح المهتمّون بهذه المسألة أن ينقلوا إلى الكنيسة مسألة يهوديّة تشير إليها المقدّمة: كما أنّ الفريسيّين يقسمون أبناء دينهم إلى فئيتن، الأبرار الذي يمارسون الشريعة، والخطأةِ الذي لا يعملون بها، هكذا يميل المسيحيّون إلى التمييز بين فئتين في الكنيسة: هم لا يقبلون أيَّ خَلْط بين "المسيحيّين الحقيقيّين "، المسيحيّين بكل معنى الكلمة، والذين يعتبرون نفسوهم مسيحيّين دون أن يكونوا كذلك بكلّيتهم. طُرحت المسألة باكراً بالنسبة إلى الوثنيين المرتدّين إلى المسيحيّة، ولا سيما بمناسبة الطعام المُشترك. واللوم الموجَّه إلى يسوع لأنه يأكل مع الخطأة، هو صدى لكلام وجَّهَهُ المسيحيّون المتهوّدون في أورشليم لبطرس لأنه أكل مع وثنيّين مرتدّين في قيصريّه (أع 10: 41؛ 11: 3) وفي أنطاكية (غل 2: 12). إذا كانت الكنيسة قد تجاوزت هذه المسألة يوم كتب لوقا إنجيله، فقد برزت مسائل أخرى: هل نقبل كمسيحيّين بكامل حقوقهم أناساً مرتدّين من ماضٍ مُريب ومشكوك به؟ هل نقبل من جديد في جماعة الإخوة مسيحيّين اقترفوا خطايا فظيعة؟ هل نعتبر مسيحيّين صريحين وإخوةً بكل معنى الكلمة أناساً لا يتوافق سلوكهم مع الإنجيل؟ إن هجوم الأمثال على الفريسيّين انقلب على المسيحيّين المتشدّدين، على هؤلاء الناس الذين لا يفهمون محبةالله للخطأة.
* الاتجاه الثاني: وإذا عُدنا إلى السياق العامّ لمؤلَّف لوقا، نجد اتجّاه فكر آخر. ينطلق لوقا من رواية إجماليّة لتاريخ الخلاص، فيهتمّ بإظهار الهُوّة التي حصلت زمن انتشار التعليم الإنجيليّ: هذا التعليم الذي رفضه معظم اليهود وجد مَن يستقبله عند الوثنيّين. إذن يشدّد على مسؤوليّة اليهود الذين استبعدوا نفوسهم من تدبير الخلاص الذي هيّأهم له العهد القديم. ويكفى أن نذكر إعلان بولس الكبير ليهود رومة، وهو الخاتمة العامّة للمؤلف كلّه (أع 28: 25- 28): "إعلموا إذن أنّ خلاص الله أُرسل إلى الوثنين، وسيستمعون إليه" (آ 28). وهذا ما يلقي الضوء على أُولى كلمات ف 15 في إنجيل لوقا: "إقترب منه كلّ العشّارين والخطأة ليستمعوا إليه" (آ1). إن لوقا يعرف جيّداً أنّ تبشير الوثنيّين لم يبدأ قبل القيامة. ولكن هل نستبعد أنه رأى مقدّمة لهذا التبشير في جماعة العشّارين والخطأة الذين جاؤوا ليسمعوا يسوع؟ وتذمُّرُ الفريستين والكتبة (آ 2) يدلّ على موقف اليهود اللامؤمنين من الرسالة المسيحيّة لدى الوثنيّين (أَ13: 44- 48).
2- مقدّمة ف 15 وخاتمته
نلاحظ علاقة وثيقة تربط بين المقدمة التي جعلها لوقا في بداية الفصل والحدَث الذي يختتمه، وهكذا نكتشف الفكرة التي توجّه المجموعة.
إنّ التعليق في المقدّمة يشير إلى معطَيَين.
أولاً: يحدّثنا عن العشّارين والخطأة الذين جاؤوا ليسمعوا يسوع (آ1).
ثانياً: يذكر تذمّرات الفريسيّين والكتبة، ويحدّد أنهم لاموا يسوع لأنه يرحّب بالخاطئين ويأكل معهم (آ2). من الواضح أن هذين المعطيَين لا يتمتّعان بالأهميّة عيٍنها: فما يقال عن الخطأة قد كُتب ليفهمنا موقف الفريسيين والكتبة. هم يعبّرون عن عدم رضاهم بالتذمّر: الفعل المستعمل هنا هو المستعمل في حدَث وليمة لاوي (5: 30 وهو يختلف عن مر 2: 16؛ مت 9: 11) وفي خبر زكّا (19: 1). وإذ أراد يسوع أن يردّ على هذه التذمّرات، خاطب الجموع بهذا المثل (آ 3).
لم تجد هذه التذمّرات صدىً في المثلين الأوّلين حيث لا يقول أحد شيئاً عن الراعي الذي يفضّل الخروف الضالّ على التسعة والتسعين الآخرين، ولا عن المرأة التي قلبت بيتها كلّه لتجد درهمها الضائع. ولن نجد أحداً يدعو هذين الشخصين ليكتفيا بما لديهما. ويبدأ التذمّر بصورة مكبَّرة مع الإبن الأكبر في المثل الثالث، بل يصبح "غضباً" ورفضاً للدخول إلى وليمة العرس (آ 28). ويظهر في لوم يتّهم عدالة الأب (آ 29- 30). وهكذا نُحسّ أنّ الإنجيليّ يهييء الطريًق إلى نهاية الفصل بعبارة المقدّمة.
إذن، قد يستطيع جواب الأب إلى بكره أن يقدّم لنا تفسير الفصل كلّه. لن نتوقّف على القسم الأوّل من هَذا الجواب: "أنت معي دائماً أبداً، وكلُّ ما لي هو لك" (آ 31). لا بدّ من إفهام الشابّ أنّ الربّ لم يقترف ظلماً تجاهه. فما يَهُمّ هو موقف الأب تجاه الإبن الذي لا يستحقّ الإهتمام، وهو يقابل موقف يسوع تجاه الخطأة. لقد عرف الكتبة والفريسيّون في لاهوتهم أن التوبة الصادقة والإرتداد الفعليّ (يثمر ثمار التوبة، 3: 8) يُقدّمان للخاطىء غفران ذنوبه. وأجاب البكر الذي أشار إلى "ابنك هذا" (آ 30)، فقال له: "أخوك هذا": "كان علينا أن نفرح ونعيّد لأنّ أخاك هذا كان ميتاً وعاش وضالاً فوجد" (أ 32). هذا أخوك والأمر يتعلّق بك. ولا تُفهَم هذه الخاتمة إلاّ كدعوة إلى البِكر ليشارك في الفرحة التي سبّبتها عودة الذي كان أخاه والذي ظلّ أخاه.
ولكن هذه الخاتمة تشكّل في الوقت عينه إعادة للردّة التي تتكرّر في الفصل كله، فلا تعلن فقط فرح الذي وجدَ ما كان ضائعاَ، بل تدعو الآخرين للمُشاركة في هذا الفرح: "إفرحوا معي لأني وجدت خروفي الضائع، الدرهم الذي أضعته". إذن لسنا فقط أمام تعليم عن فرح الذي استعاد ما أضاعه، بل تجاه نداء مُلِحّ يودّ أن يجتذب إليه سامعين رافضين. لا يريد الفصلِ أن يفسّر فقط أن غير الراضين هم على خطأ، أو أن يقول لنا لماذا لا يرضون. إنه يدلّ على الطريق للعبور من التذمّر إلى الفرح الذي نشارك فيه.
جعل لوقا للفصل مقدّمة تشرح معناه، ولكنه لم يقدّم خاتمة. فالفصل يبقى مفتوحاً على سؤال: هل يقبل البكر بأن يشارك في الأفراح التي نظّمها الأب ليعيّد عودة ابنه الضالّ؟ طُرح هذا السؤال على الكتبة والفريسيّين، وهو ما يزال يُطرَح على قرّاء الإنجيل المسيحيّين.
3- الوضع الكنَسيّ لهذا الفصل
إذا أردنا أن ندرك بدقّة بُعد هذا الكلام، بالنسبة إلى القرّاء الذين كتب إليهم لوقا مؤلَّفه، يجب أن نعِي المسألة الدقيقة التي فكّر بها حين دوّن هذه الصفحة من إنجيله. كانت هناك إمكانيّتان (اتّجاهان) ذكرناهما أعلاه: تحذيرُ بعض المسيحيين من الميل إلى رفض إخوتهم المعتبَرين خطأة، أو رغبةٌ فيٍ التشديد على مسؤوليّة القادَة اليهود الذين رفضوا كنيسة لا تعيش ديانة متشدّدة. مهما يكُنْ من أمر، فإن هذا الفصل يندّد بموقف يميلِ إلى نبذٍ الآخرين وإلى تكوين جماعة مختارة من النخبة، فتصبح مركز تعصّب منغلقةً على ذاتها وغيرَ قادرة على محبّة أناس يُعتبَرون منبوذين.
حين نتذكّر أنّ هذا الميل يعارض كلّياً روح الإنجيل، نفهم أن ف 15 لم يخسر شيئاً من آنيّته. فهو ينزل إلى عمقِ الأمور ويدلّ على أنّ فساد الحِسّ الأخويّ يرتبط بفساد الموقف الديني. إن مثَل الإبن الشاطر يندّد بصورة ملموسة بروح "الأجير"، وهذا ما يفسد معاً علاقاتِنا مع الله ومع الإخوة. ولكن هذا الفصل لا يكتفي بالتنديد بخطورة موقف مُلْتَوٍ. إنه يدلّ على طريق نتجاوز به هذا الموقف، فيدعونا لنشارك الله عواطفَه تجاه البائسين، ولمقاسمته اهتمامَه بالذين يريد أن يستعيدهم ويخلّصهم.

 

 

الفصل الخامس والثلاثون
الخروف الضائع والدرهم المفقود
15: 1- 10

أ- مقدمة
سعى يسوع خلال حياته العامة أن يهيىّء البشر إلى رحمة الله تجاه الخطأة في مواقفه وأقواله. هذا ما تعلمنا به الأناجيل ولا سيما الإنجيل الثالث الذي يظهر فيه لوقا "كاتباً يحدّثنا عن حنان المسيح ولطفه. إنه ذلك الذي يشدّد على شفقة المخلص على الفقراء والمساكين" (1: 5 ي؛ 6: 20 ي؛ 10: 31 ي). كما يبدي اعتباره للنساء اللواتي كن محتقرات في أيّامه، وغفرانه للضالين من أي نوع كانوا (7: 36 ي؛ 15: 1 ي؛ 19: 1 ي). إنه يريد أن يعلم قرّاءه في الكنائس البولسية الثقة برحمة الله. هو يعرف أن معظمهم ينتمون إلى الطبقات الإجتماعية المعدمة (1 كور 1: 25 ي). ويعرف أنهم ارتدوا مباشرة من العالم الوثني، وأن العناصر المتهودة تحاول أن تبلبل إيمانهم. من أجل هذا كتب إليهم فيما كتب مثل الخروف الضال والدرهم المفقود لينشد رحمة الله إلى جيل وجيل أمام الذين يتقونه.
ب- الظروف التاريخية
نحن نجهل كل شيء عن ظروف الزمان والمكان التي فيها قدّم يسوع هذين المثلين. فلا النص ولا السياق يعلماننا بأي شيء في هذا الموضوع. وكان إفتراض يقول إن يسوع ضرب هذين المثلين في نهاية رسالته العامة. في اليهودية أو بيريه، قرب إحدى المدن. لا شك في أن لوقا يضم هذه الأمثال في وسط إنجيله الذي يتخذ شكل صعود إلى أورشليم (9: 51؛ 13: 22؛ 17: 11). ولكننا نعلم أن هذه المسيرة نحو المدينة المقدسة، وهو المكان الذي فيه يتمّ الخلاص، والذي منه يمتد إلى العالم، هذه المسيرة هي في نظره مسيرة لاهوتية.
ولكن لوقا يقدّم لنا السياق المباشر لهذين المثلين بطريقة موجزة جدّاً: "وكان العشارون والخطأة يدنون من يسوع ليسمعوه. فقال الفريسيون ومعلمو الشريعة متذمّرين: هذا الرجل يرحّب بالخاطئين ويأكل معهم" (15: 1- 2).
في العالم اليهودي في بداية المسيحية، وبتأثير من الكتبة والمعلّمين من الشيعة الفريسية الذين أثقلوا الشريعة الموسوية بعدد كبير من الممنوعات التفصيلية، بل عظّموا هذه الممنوعات بحيث تفوّقت على الشريعة نفسها (مت 7: 6- 8؛ لو 11: 38 ي)، في ذلك المحيط أضاع الناس المعنى الحقيقي للبار والخاطىء. فالأبرار هم الذين يعرفون الشريعة كما يعرفها الفريسيون ويعملون بها. وأهم الشرائع هي: راحة السبت، الطهارة بحسب الشريعة، دفع العشور. فإن اخطأ الأبرار تكون خطاياهم "ديونا" (حبوت) وتُغفر بسرعة بسبب ممارساتهم العديدة. وهكذا لا ينقضي وقت إلاّ ويصبح الله مديناً لهم (لو 18: 9 ي). أمّا سائر الناس فكانوا خاطئين، أي مذنبين اقترفوا خطايا ملموسة وظاهرة وثابتة. هناك أولاً الوثنيون (غوييم) والمنشقون (السامرين) الذين جهلوا الشريعة الموسوية أو لم يقبلوها كلها فما استطاعوا ان يعيشوا حياة مقدّسة (مت 18: 17؛ يو 4: 9). ثم هناك اليهود الذين يسلكون سلوكاً لا أخلاقياً كالزناة والقاتلين والسارقين (لو 18: 11). وأخيراً هناك شعب الأرض، أغنياء أو فقراء، الذين لا يهتمون بالممارسات الفريسية، ولا سيّما هؤلاء الذين يمارسون مهناً منحطة مثل العشارين (يأخذون العشر، يجمعون الضرائب) والرعاة والدباغين.
والفئة التي تعتبر نفسها من الأبرار لا تقيم مع الذين تعلنهم خاطئين إلاّ علاقات دنيوية محضة. كانت تخاف أن تتنجّس بأي إتصال يتضمّن ما هو مقدس. كانت تمتنع عن الأكل معهم، لأنها تعتبر أن مباركة الأكل في بداية الطعام ونهايته تعطيه وجهاً قدسياً. وهذا الإبتعاد كان قوياً إلى حد ان الجماعات المسيحية الأولى المطعّمة بعناصر فريسية، ستجد صعوبة في التخلّي عن هذه العوائد (أع 15: 14، 28؛ 15: 1 ي، 21: 17 ي؛ فل 3: 1 ي؛ 2 كور 10- 11؛ غل 2: 4 ي). لهذا شدّد التعليم الإنجيلي على موقف المخلّص الشخصيّ تجاه الخطأة.
إن يسوع لا يقبل بالنظرة الفريسية في مجال العلاقات الإجتماعية والدينية. فهو يرحّب بالعشّارين الخاطئين الذين يريدون أن يسمعوا تعليمه (لو 15: 1)، بل يستقبلهم في بيت يلجأ إليه ويجلس معهم إلى المائدة (لو 15: 2؛ مر 2: 15). وهذا الموقف الذي هو تعليم عملي أثار تذمّرات فئة "الأبرار" الذين يراقبون يسوع ولا يستطيعون أن يوفقوا مثل هذه المعاشرات مع مناداته بأنه مرسل الله (رج لو 4: 18 ي؛ 7: 39).
فقدّم مثلاً الخروف الضال والدرهم المفقود الجواب على هذه الانتقادات (15: 3- 15). كشف فيهما المخلّص على ان اهتمامه "بالضالين" يلتقي بإهتمام الله نفسه وبالتالي لا يقبل إنتقاداً. هو لا يتأخّر هذه المرّة في التشديد على رياء خصومه الذين يكتفون بقداسة "سطحية" لا تستطيع أن تخلّصهم (لو 11: 39 ي؛ 18: 14؛ مت 5: 20؛ 6: 2 ي؛ 23: 13 ي). ولا يضيع وقته في تبرئة محيطه المؤقّت: فالعشّارون لم يكونوا بريئين من كل ظلم (3: 12 ي؛ 19: 8)، وعامّة الشعب كانوا يستحقّون لقب الخاطئين (7: 29، 37).
وتحدّثنا الأناجيل في مواضع أخرى عن أوضاع مشابهة تذكّرنا بالظرف المباشر لهذين المثلين، لا سيما بمناسبة دعوة لاوي، ومتّى، وارتداد زكا. في هذه الظروف، جلس يسوع الى المائدة مع العشّارين فانتقده الفريسيون لأنه يأكل مع العشّارين والخاطئين (5: 29- 30 وز؛ 19: 5-7؛ رج 7: 34 وز). هل نستنتج أن لوقا دوّن هذه المقدّمة (15: 1- 2) مستلهماً أحد هذه الظروف وبالأخص الوليمة في بيت لاوي (5: 29- 30)؟ هذا ما أشار إليه بعض الشرّاح واستنتج أن الأداة "أوتي " في 15: 2 تدل على الإستفهام كما نجده في مر 2: 16: "لماذا يرحّب هذا الرجل بالخاطئين ويأكل معهم"؟ ليس الأمر بمستحيل. ولكننا نتساءل حينئذ لماذا لم يستلهم لوقا تعبيره السابق (لو 5: 30 ب) لا تعبير مرقس (2: 16). ونلاحظ في مجال آخر أن علاقات يسوع كانت موضع إنتقاد خلال حياته العامة بشكل أو بآخر (رج لو 19: 7).
واختلفت الانتقادات كما اختلفت الأجوبة. نشير في وليمة لاوي انه دلّ على شرعيّة موقفه فأبرز حاجة القريب إليه: حضور الطبيب بقرب المرضى الروحيين، والذهاب إليهم لدعوتهم إلى التوبة. قال: "ليس الأصحاء بحاجة إلى طبيب بل المرضى. ما جئت لادعو الأبرار إلى التوبة، بل الخطأة" (5: 31- 32). والألفاظ التي يستعملها خلال وليمة زكا تدلّ دلالة أوضح على مضمون أمثال الرحمة هذه: "جاء ابن الإنسان ليطلب ويخلص ما هلك" (19: 10). ونحن نعرف أن صورة الخطأة الضالين الذين يشبّهون بخراف ضائعة، كانت قريبة من المخلّص ( مت 10: 6؛ 15: 24) كما كانت قريبة من الأنبياء (إر 50: 6، 17؛ حز 34: 4؛ أش 40: 11).
وبمختصر الكلام، إن الظرف الذي قيل فيه هذان المثلان لا يختلف عن ظروف أخرى مشابهة.
ج- مثلاًن توأمان
وضع مثل الخروف الضائع بقرب مثل الدرهم المفقود في موازاة تامة من أجل هدف تعليمي، وربطا بأداة عطف: "أو". ويبدو تماثل الشكل الأدبي والمعنى واضحا حين نضع المثل تجاه الآخر.
أي رجل منكم أية امرأة
له مئة خروف لها عشرة دراهم
فأضاع واحد منها فأضاعت درهما واحداً
لا يترك... لا تشعل...
الى أن يجده إلى أن تجده
فإذا وجده فإذا وجدته
يدعو أصدقاءه تدعو صديقاتها
وجيرانه وجاراتها
ويقول لهم وتقول لهن
افرحوا معي افرحن معي
لأني وجدت لأني وجدت
خروفي الضائع الدرهم الذي أضعته
أقول لكم: هكذا يكون أقول لكن: هكذا يكون
الفرح الكثير فرح
في السماء عند ملائكة الله
لخاطىء يتوب لخاطىء يتوب
أسلوب تربوي لدى يسوع. يقول مثلين فيشدّد في الثاني على ما قاله في الأول. وإليك بعض الأمثال: الأثواب المرقعة والزقاق البالية (مر 2: 21- 22). المملكة والبيت المنقسمان (مر 3: 24-25). ملح الأرض ونور العالم (مت 5: 13 ي). زنابق الحقل وطيور السماء (مت 6: 26 ي). البيت المبني على الصخر والبيت المبني على الرمل (مت 7: 24 ي). حبة الخردل والخميرة (مت 13: 31 ي). الكنز والدرة (مت 13: 44 ي). بناء برج والذهاب إلى حرب (لو 14: 28 ي). وفي المثلين اللذين ندرس نجد تعارضاً طبيعياً بين رجل وامرأة، وهذه علامة من علامات لوقا.
حين يقدّم متّى مثل الخروف الضال (18: 12- 14) ويغفل المثل التوأم، مثل الدرهم المفقود، فقد لا يكون احتفظ بالسياق المباشر. وسنرى أنه سيستعيده في الخطبة الرابعة في إنجيله هي الخطبة الكنسية (18: 1- 35). ثم إنه يكتشف أمثولة غير أمثولة لوقا: واجب السهر على خلاص آخر مؤمن في الجماعة. هناك من قال إن يسوع استعمل على دفعتين المثل عينه ليدلّ على تبدّل طفيف في فكره. بل يبدو من المعقول أن إنجيل متّى كيَّف المثل الأولاني على حاجات المسيحيين الذين وجّه إليهم، مع أنه لم يقم بتصليحات قام بها لوقا في إنجيله.
د- مثل الخروف الضائع (15: 3- 7)
1- صورة ولوحة (15: 3- 6)
يصوّر المثل مشهداً من حياة الرعاية كما يعرفها السامعون. فمشهد الرعاة الذين يقودون قطعانهم إلى المرعى أمر معروف في الشرق. وقد استعمل العهد القديم مراراً موضوع الحياة الرعائية ليدلّ على علاقات ألله بشعبه (مز 23: 1 ي؛ 80: 2؛ حز 34: 1 ي؛ إر 50: 6، 17؛ أش 40: 11). سار يسوع مع هذه العقلية البسيطة وجعلهم يدركون فكره.
يبدأ المثل باستفهام (رج 11: 5؛ 14: 28، 31) فيدخل السامع في اللعبة. قال: "من منكم له مئة خروف فأضاع واحداً منها لا يترك... ويركض وراء الضائع حتى يجده "؟ كان بإمكانه أن يقول أيضاً بطريقة مشابهة ولكن بشكل لا يجتذب الإنتباه: لنتخيّل شخصاً له مئة خروف... فالرقم العالي (رج 1صم 25: 2)، رقم مئة، يتيح له أن يميّز بين نوعين من الخراف، وهكذا يبرز تعلّق الراعي العميق بأي عنصر من قطيعه.
ان ضياع خروف ليس بالأمر الغريب في هذه الجبال (مت 18: 12) الوعرة. ثم لا نفهم بشكل مطلق التخلّي عن 99 خروفاً ما زالت مجتمعة والذهاب في طلب الخروف الضائع. نحن هنا أمام إيجاز أدبي هدفه أن يبرز تعلّق الراعي بكل من خرافه، وهو تعلّق يشدّد عليه الإستمرار في البحث والفرح حين يجده.
كدّس يسوع التفاصيل التي تدلّ على فرح الراعي كما سيكثر من مظاهر الحنان التي بها يعبّر الأب عن عاطفته في عودة الابن الضال (15: 20 ي). قال: "حين يجد الراعي خروفه يحمله على كتفيه فرحاً. وإذ يعود إلى بيته يدعو الأصدقاء والجيران ليقول لهم: افرحوا معي لأني وجدت خروفي الضائع ". قد نظنّ أن هذا التفصيل أو ذاك يتعدّى واقع حياة الراعي، مع العلم أننا رأينا كلّنا راعياً يحمل على كتفه خروفاً صغيراً، مع العلم ان الناس يخبرون جيرانهم بأفراح الحياة وأحزانها. ولكن يبقى أن هذه التفاصيل تهيّىء الدرب لعبرة المثل (15: 7) فتصوّر لنا بملامح بشرية سلوك الله نفسه. وإننا نجد الصور في الدياميس أو على القبور، وهي تمثّل المخلّص بشكل راعٍ صالح يحمل خروفاً رمزياً على كتفيه.
2- تطبيق تعليمي أو العبرة من المثل (15: 7)
قد أحلّ يسوع في تطبيق الصورة كلمة سماء محل راعٍ ، وخاطىء محل خروف، حاجة
توبة الخاطىء وتوبته محل ضياع الخروف وإرجاعه، وفرح السماء محل فرح الراعي.
الأداة "اوتوس" = هكذا التي تبدأ التطبيق، تدلنا على أننا أمام مثل حقيقي (15: 3) وتعوّض نقص الأداة المقابلة في بداية الصورة المقترحة (آ 4 أ). حين استعمل يسوع هذه الاداة أقام موازاة حقيقية بين الوضعين: المتخيَّل (آ 4- 6) والحقيقي (آ 7). لا شك في أن الموازاة ليست تامة، لأنه لم يذكر في الوضع الحقيقي ما فعله "الله " لإرجاع التائب، وبما أنه توجد مقابلة لم يُسمع بها (في ألفاظ مجرّدة) بين فرح يمنحه رجوع الخاطىء وفرح تعطيه أمانة تسعة وتسعين باراً. ولكن الاختلافات هي في الظاهر أكثر منه في الواقع.
لنعرف أولاً أن السماء التي تفرح هي الله. هذه اللفظة التي نجدها مراراً في معنى استعاري في الأناجيل والآداب الرابّانية (15: 18؛ مت 3: 2؛ 4: 17؛ 5: 12، 35...) تستعمل لتدلّ على تسامي الله فوق هذا العالم، وبالتالي على الطابع الفريد لطبيعته التي لا يشارك فيها شيء ممّا على الأرض. وفي المثل التوأم، مثل الدرهم المفقود، يحلّ ملائكة الله محل السماء خوفاً من صورة انتروبومورفية تشبيهية، لا من أجل إشراك البلاط السماوي في فرح الله.
إذن الله يفرح بعودة خاطىء تائب كما يفرح الراعي باستعادة خروفه الضال. وفرحه بعودته يدلّ على انه لم ينسَ الخاطىء بل اهتمّ به دوماً. لا شكّ في أنه لا يقول إنه ذهب يبحث عنه كما جرى الراعي وراء خروفه، ولكن كيف نتصوّر أن يكون فعل أقلّ من الراعي من أجل كائن عزيز على قلبه. هل هناك حاجة إلى تفصيل هذا البحث المعروف؟ وهل كان يستطيع يسوع أن يدلّ على عنايته الشرعية بالخاطئين (15: 1- 22) لو لم يكن الله الآب يلاحقهم بنعمته وحنانه؟ وإلاّ أين كان التعارض بين موقف الله وموقف الفريسيين، إذا ظلّ الله بعيداً مثلهم عن الخاطىء واكتفى بأن ينتظر عودته؟
وبعد أن لاحظنا التناسق بين الصورة الأمثالية وتطبيقها، يبقى أن نفسّر في الخطّ عينه هذه الفرحة العظيمة التي يحصل عليها الله بتوبة الخاطىء. نحن في الجهتين أمام فرح واحد. ولكن بدا فرح الله بكلمات مجرّدة: "سيكون فرح في السماء بخاطىء يتوب أكثر...". أما فرح الراعي فيعبّر عنه بكلمات ملموسة وهو ينفجر بأعمال وحركات: "حمل خروفه على كتفيه فرحاً وعاد إلى بيته ودعا أصدقاءه وجيرانه وقال لهم: افرحوا معي". كيف نشكّ في هذا الموضوع إذا تذكّرنا أن النص الموازي في مت 18: 13، يطبّق على الراعي، الذي يجد خروفه، عبارة مجرّدة استعملها لوقا ليتحدّث عن فرح الله العظيم بعودة الخاطىء؟ هذه الملاحظة تفرض علينا أن نفهم فرح الله بالنظر إلى فرح الراعي.
في نظر هذا الراعي تتساوى الخراف كلّها. فضياع أو استعادة أي منها كان قد دفعه للتعبير عن العوِاطف نفسها. لهذا يجب أن نعتقد أن امتلاك التسعة وتسعين خروفاً أمينا إمتلاكاً مطمئناً يمنحه ارتياحاً عميقاً يوازي بنسبة أكبر إستعادة الخورف المئة الذي ضاع. وحين يحمله على كتفيه ويدعو الجيران كلهم، تتفجّر فيه في وقت محدّد عاطفة يحس بها بصورة عادية. إن شعوره الذي أدركه الجميع هو ردّة فعل مباشرة على خوف سابق واسمه الفرح، أما عواطفه العادية فهي سلام وسعادة واطمئنان مع التسعة والتسعين الحاضرة.
هذه السيكولوجيا الشعبية تطبّق على الله نفسه. من الأكيد أنها تطبق عن طريق القياس، لأن الله روح (يو 4: 24). وقد توخّى المثل أن يفهمنا ملء غفران يُمنح لخاطىء تائب وعودته التامة الى صداقة الله، وحنان الله الأبوي الذي يُغدق عليه. ويريد أيضاً أن يبرهن لنا كم يجب أن نعاشر الخطأة والضالين على مثال يسوع لنثير فيها التوبة فنتيح لله أن يحبهم كما يشاء.
لن نقول كما قال بعضهم إن يسوع أراد أن يفهمنا أن الخاطىء التائب هو موضوع حب إلهي أكثر من "الأمين" أو هو أحقّ بهذا الحب من البار الذي يحتاج إلى التوبة، كأن هناك أحداً لا يحتاج إلى توبة: نكون معارضين لهذه السيكولوجيا الشعبية التي نجدها في صورة المثل، فنمزج الفرح والحب الحقيقي. ولا نظن أن يسوع حين تكلّم عن التسعة وتسعين باراً الذين لا يحتاجون إلى توبة أراد أن يسخر من الذي يعتقدون نفوسهم أبراراً كالفريسيين والكتبة: فكأني بنا نزيد على نص المثل الذي يقابل بصراحة بين أمناء حقيقيين وضالين حقيقيين (خراف وأناس). ولكن قد يكون الأمر صحيحاً إذا عدنا إلى مثل الإبن الضال (15: 25- 32) حيث الإبن الأكبر الذي يعتبر نفسه باراً يمثّل الفريسيين.
وبمختصر الكلام، إن مثل الخروف الضال في نص لوقا يعلمنا أساساً أن الله يتصرّف تجاه كل خاطىء مثل راع صالح تجاه كل خروف من قطيعه. هو لا يتركه لمصيره التعيس، بل يطلبه باستمرار بنعمته وحنانه ويحاول ان يعود به من ضياعه، ولن يرتاح إلاّ حين يعيد إليه كل صداقته ويدخله في جماعة الأبرار. وهكذا يبدو المثل إمتداداً لتعليم نصوص الأنبياء حول محبة الله ورحمته، إمتداداً يصل إلى كماله. وهذا ما يجب أن يشجّعنا في عمل الرسالة. نعرف منذ الآن حين نقترب من الخطأة وحتى أبعدهم، أن الله يعمل فيهم وأن الأمور تهيّأت من أجل قبول كلمة الله (رج روم 2: 1- 2). وأننا إن اقتربنا من الخطأة اقتدينا بالله وتجاوبنا مع رغبة حبّه. لقد أخطأ الكتبة والفريسيون حين تحاشوا الاتصال بالخطأة ساعة كان باستطاعتهم أن يقودوهم إلى الله.
وبكلمة أخرى، يكشف لنا المثل عن الحبّ الفريد الذي يشعر به الله تجاه كل إنسان. وهذا الحب يتسجّل في إرسال ابنه الوحيد لخلاص العالم (رج يو 3: 16؛ 10: 1 ي؛ 14: 13؛ ت 23: 28، 39؛ روم 3: 21؛ 5: 6 ي).
ونلاحظ أيضاً أن فكرة التوبة والارتداد لدى الخاطىء أو تبدلّ عقليته وسلوكه واضحة في تطبيق المثل (15: 7). هي ما زيدت فيما بعد، لأنه لا بد منها ليظهر المعنى في التطبيق. فيسوع لا يمكنه أن يصادق الخطيئة التي تتضمّن ثورة مفتوحة على الله وإنقطاعاً عقوقاً عنه ورفضاً لحنانه. إن الله لا يفرح إلاّ إذا رأى الخاطىء قد تاب واهتم بالعودة إلى من هو ينبوع الحياة. فبعد الأنبياء الذين أخضعوا غفران الله لتبدّل سلوك الأشرار، جعل يسوع من التوبة والإرتداد شرطاً أساسياً للوصول إلى الملكوت (مر 1: 15؛ لو 13: 3- 4؛ 19: 4- 5؛ 23: 28). فإن غابت هذه الفكرة من نصّ متى (18: 13) الموازي لنصّ لوقا، فلأن تطبيق المثل تبدّل حين تكتف مع سياق مختلف، لا لأن هذا التطبيق سبق ذلك الموجود في لوقا. فإن كان الإنجيل الثالث أدخل مدلول التوبة إلى حدث الوليمة عند لاوي (5: 32)، فهذا لا يعني أنه أدخله هنا في غير محله. فهو حين تحدّث عن لاوي أوضح فكرة متّى ومرقس (مر 2: 17- مت 9: 17).
ونلاحظ أخيراً أن يسوع حين تكلّم عن الأبرار الذين لا يحتاجون إلى التوبة (15: 7 ب)، ما أراد أن يؤكّد إمكانية الحياة دون أن نقترف خطيئة (يع 3: 2؛ 1يو 1: 8). إنه يتحدّث هنا فقط عن عودة الذين انفصلوا عن الله فلم يعودوا يعيشون في قطيعه. وهذا ما يشدّد عليه مثل الإبن الضال (15: 13).
3- مقابلة مع مثل مت 18: 12- 14
يبدأ متّى كما يبدأ لوقا بسؤاله بلاغي. يبدأ المثل: "ما قولكم"؟ جُعل المشهد على الجبال لا في البرّية فدلّ بالأحرى على منطقة المراعي الفلسطينية. ثمّ إن تعابير الفرح عند لوقا أكثر اتساعاً منه عند متّى. "وإذا وجده، ألا يفرح به"؟
ويختلف السياق والتطبيق عما نجد في لوقا. يقع المثل وسط خطبة تتوجه إلى التلاميذ (مت 18: 1 ي). وقبل أن يصل يسوع إلى المثل بحصر المعنى، وهو يشير إلى التلاميذ لا إلى الكتبة والفريسيّين، يقدّم عدة بواعث تدفعنا إلى الإهتمام "بالصغار" (صغار القوم) الذين يؤمنون به (مت 18: 6) أي أضعف تلاميذه الذين لم يتعلّموا، ولهذا يتشكّكون بسهولة. وأحد هذه البواعث، وهو يسبق المثل حالاً، هو أن الله يوكل ملائكته بالمحافظة على هؤلاء الصغار (مت 18: 10)، وهكذا يدلّ على عظيم اهتمامه بهم. والباعث المعطى في آ 11 يقوّي الاعتبارات السابقة: يُزاد على اهتمام الأب تضحية الابن الذي تجسّد ليخلص صغار القوم من الهلاك. إن آ 14 غائبة عن بعض المخطوطات (الفاتيكاني، السينائي). ويُعتبر انها جعلت هنا بتأثير من لو 19: 10. ولكن الصورة الأمثالية (مت 18: 12-13) وتطبيقها (آ 14) تمثلان الباعث الأخير الذي يدفعنا إلى الإهتمام بالصغار: فالله يتصرّف على مثال الراعي الذي يبحث عن خروفه الضال ولا يرضى أن يبقى ضائعاً. والله لا يريد أن يهلك أحد من هؤلاء الصغار.
هناك تناسق أساسي بين المثل وقرائنه كما بين صورة المثل وإطارها، ولكن هذا التناسق ليس تاماً في لوقا، لأن فرح الراعي (آ 13) لا يُذكر في التطبيق (آ 14)، ولأن إرادة الله الخلاصية تبدو سلبية تجاه بحث الراعي والذهاب وراء خروفه. إستعمل الإنجيليان مرجعاً واحداً خرج من تعليمين مختلفين في الجماعات المسيحية الأولى فكيّفه كلّ منهما مع إنجيله.
والأمثولة في متّى؟ يُطلب من التلاميذ أن يهتموا بخلاص الضعيف، إذا أرادوا أن يكونوا أمناء لإرادة الله الخلاصية. ويبقى الواجب حاضراً سواء نجح الراعي في إستعادة خروفه أو لم ينجح.
هـ- مثل الدرهم المفقود (15: 8- 10)
1- الصورة واللوحة (15: 8- 9).
صوّر يسوع مشهداً من داخل البيت لسامعين بينهم نساء عديدات. وتأتي أداة "أو" فتربط هذا المثل بسابقه رباطاً وثيقاً فتدلّ على أننا أمام وجهتين لفكرة واحدة.
نحن في بيت فلسطيني مؤلّف من غرفة واحدة قليلة الإرتفاع مع أرضية من تراب. لا تملك هذه المرأة الفقيرة، إلاّ عشرة دراهم (كما سمّاها أهل اليونان، أو ربع شاقل عند اليهود). وأضاعت المرأة عشر ثروتها، وهي خسارة أعظم من خسارة خروف من مئة. لهذا نفهم خوف المرأة ودقّة عملها في البحث عما فقدت: غرفة مظلمة لا يصل إليها النور الخارجي، وهذا ما يبرّر إشعال السراج. وطبيعة الأرض دفعتها إلى إستعمال المكنسة. وعليها أن تحرّك الحصيرة والأواني علّها تجد "كنزها".
وحين وجدت درهمها لم تستطع أن تحتفظ بفرحها لنفسها. فعلت كما فعل الراعي بعد أن وجد خروفه الضالة، نقلت سعادتها إلى جيرانها (9:15).
2- التطبيق العملي (15: 10)
ويبدأ التطبيق التعليمي بأداة "هكذا" (هوتوس) كما في مثل الخروف الضائع. إذن يقيم يسوع موازاة حقيقية بين الصورة الموسّعة والواقع الذي يمثّل. 
للوهلة الأولى أن هناك اختلافاً كبيراً بين هذا التطبيق وتطبيق مثل الخروف الضال. لا نشعر هنا بفرح عظيم بل فقط بفرٍح. وبدل السماء نجد ملائكة الله الذين يفرحون، والتسعة والتسعون باراً غابوا من عدد كبير من المخطوطات.
في الواقع، إختلافات ظاهرة أكثر منها حقيقيّة. لقد لاحظنا في تطبيق المثل المسابق الفرحة العظمى التي يحسّ بها الله أمام خاطىء يعود. هي تعبير عمّا يحسّ به بصورة عادية وليست برهاناً حقيقيًّا عن هذه العاطفة. ونعرف أنّ الكتب كانت تستعمل عبارات عديدة لتتحاشى أن تتلفّظ باسم الله. فعبارة أمام ملائكة الله تعني أمام الله، أمام دينونة الله.
إذن، أمثولة الدرهم المفقود هي أمثولة الخروف الضائع. وهي لا تتضمّن فقط فرح الله حين عودة الخاطىء التائب، بل محاولاته المتعدّدة من أجل هذه العودة. يصوّر مثل الخروف فرحة الراعي باستعادة خروفه، ومثل الدرهم إهتمام المرأة وما عملته من أجل إستعادة درهمها. صورتان متكاملتان تدل الأولى على ما يعمله الله ليرد خاطئاً الى التوبة، وتدلّ الثانية على عظيم فرحه عندما يعود هذا التائب إليه قائلاً: "أخطأت إلى السماء وإليك" (15: 18). فيكون جواب الأب عناقاً وقبلة وعيداً لا ينتهي.

 

 

الفصل السادس والثلاثون
الإبن الشاطر
15: 11- 32

هذا المثل هو أكثرُ الأمثال المعروفة والأعزُّ إلى قلب المسيحيين. لم يكشف يسوع في أي مكان آخر كما كشف هنا بطريقة دراماتيكيّة ومؤثّرة كنوز حنان الله الآب تجاه أبنائه الضالّين. لم يصل الأنبياء يوماً إلى هذا العمق المرتبط بأبسط الوسائل. مثلاً، تحدّث هوشع عن حب الله لزوجته (أي شعبه) الخائنة قالت: "نعم، إن أمّهم زنَت، والتي حبلت بهم تسربلت بالعار. قالت: أنطلق في آثار عشّاقي (أي الآلهةِ الوثنيّة وبصورة خاصّة بعل، إلهِ المطر) الذين يعطونني خبزي ومائي وصوفي وكتّاني وخبزي وشرابي. لذلك، هاءنذا أُغلِق طريقها بالشوك، وأبني فيه حائطاً فلا تجد سبيلها. تلاحق عشّاقها فلا تدركهم وتطلبهم فلا تجدهم. حينئذِ تقول: حينذاك أرجع إلى زوجي الأوّل، لأني كنت حينذاك أسعد من الآن " (هو 7:2-9).
وتحدّث إرميا عن شعور الله الشَغوف تجاه أفرائيم المتمرّد الذي ذهب إلى المنفى: "سمعتُ أفرائيم (أي شعب الشمال أو مملكة إسرائيل) ينتحب. قال: أدّبتني فتأدّبت كالعجل الغير المروَّض. أرجعني فأرجع، فإنك أنت الرب إلهي. أجل، بعد أن ملت عنك ندمت. فهمتُ وقرعتُ صدري. إلتحفت بالخزي والخجل، وحملت في نفسي عار صبائي. (أجاب الرب): أليس أفرائيم إبناً لي عزيزاً، ولداً أفضلّه؟! فإني بعد كل تهديد له أتذكّره (لا أريد أن أنساه) وتحرّكت أحشائي له، وفاضت رحمتي من أجله " (إر 31: 18- 20).
إنّ فحصاً مدقَّقاً للمثل يتيح لنا أن نبرز صحَّة الأمور المأخوذة من الحياة، ودقّةَ التحاليل السيكولوجية. ولكن، إن شدّدنا على الفنّ الذي يُشهد له، نكاد ننسى التعليم الدينيّ الذي يقدّمه لنا. لهذا سنركّز كلامنا على هذا التعليم. نبدأ بنظرة إجماليّة إلى قرائن المثل وبُنْيته. ثم نتوقف عند صورة كل من الإبنين، ذلك الذي عاد إلى أبيه، وذاك الذي لم يترك يوماً أباه. ونحاول في النهاية أن ندرك البُعد الملموس للمثل، ونربطه بعمل يسوع الرسوليّ.
أ- المثل في إطاره الإنجيليّ
أ- بنية ف 15
يشكّل ف 15 وحدة متكاملة. هناك مقدّمة تفصله عن ف 14، وانتقالة في 16: 1 تدلّ على أننا نمضي إلى شيء آخر. وإذا ألقينا نظرة إلى المضمون، نكتشف الإشارات الأدبيّة: فالأمثال الثلاثة الواردة في ف 15 تتقارب فتختلف عن التعاليم المذكورة في الفُصول اللاحقة. وإليك المقدّمة الإنجيليّة: "وكان جُباة الضرائب والخاطئون يَدنون من يسوع ليسمعوه. فقال الفريسيّون ومعلّمو الشريعة متذمّرين: هذا الرجل يرحّب بالخاطئين ويأكل معهم" (15: 1- 2).
أجاب يسوع على هذا الإنتقاد، فروى مَثل الخروف الضالّ (آ 3- 7) وربطه بمثَل الدرهم الضائع (آ 8- 10). ويبدأ في آ 11 الإبنُ الشاطر بوَصلة بسيطة: "وقال أيضاً". لا شك في أن آ 1- 3 تعني في نظر الإنجيليّ الفصل كلّه: فالأمثال الثلاثة تتوجّه إلى الكتبة والفريسيّين، وتحاول أن تفسّر سلوك يسِوع. ونحن نجد بناءً مشابهاً في 13: 1- 9 حيث النداء إلى التوبة موضَّحٌ أوّلاً بتشبيهين قصيرين (الجليليون الذين قتلهم بيلاطس، والثمانيةَ عشرَ شخصا ًالذين سقط عليهم البرج وقتلهم) ثم بمثل موسَّع هو مثلُ التينةِ العقيمة.
إن المثلين اللذين يبدأان ف 15 يتوازيان موازاةً وثيقة. ونلاحظ بصورة خاصّة ردّةً تتكرّر في خاتمتهما: "إفرحوا معي، لأني وجدت خروفي الذي كان ضالاًّ" (آ 6). "إفرحن معي، لأني وجدت درهمي الذي كان ضائعاَ" (آ 9).
يُقسَم مثلُ الإبن الشاطر إلى قسمين بواسطة ردّة مشابهة في آخر كل قسم: "فنأكل وننعم، لأن إبني هذا كان مَيْتاً فعاش وضالاًّ فوُجد" (آ 24). "فعلينا أن ننعم ونفرح، لأن أخاك هذا كان ميتاً فعاش وضالاً فوُجد" (آ 32). هذه الردّة التي تتكرّر تؤمّن تماسك الفصل كلّه، وتدعونا إلى القول إننا سنجد العِبرة نفسها منذ البداية إلى النهاية.
أحب يسوع أن يقدّم تعليمه، فلجأ إلى صورتين متكاملتين. هكذا فعل مع الفلاّح الذي زرع حبّة الخردل، والمرأة التي جعلت الخمير في العجين (مت 13: 31- 33)، ومع المُياوِم الذي اكتشفَ كنزاً، والتاجر الذي يطلب الجواهر الثمينة (مت 13: 44-46)، ومع الملاّك الصغير الذي يبني برجاً في كرمه، والملِك الذاهب إلى الحرب (14: 28- 32)، ومع الرجل الذي يوقظه في نصف الليل طالبٌ مزعج، والقاضي الذي تُقلقه أرملة عنيدة (11: 5-8؛ 18: 1-8). نحن في الأسلوب ذاتِه مع ف 15 و 13: 1-9: مقابلتان توأمان يزاد عليهما مثَل موسَّع يتألَّف من لَوحتين متكاملتين.
2- بُنْية المثل
"كان لرجل إبنان" (آ 11).
هذا هو العنوان. ويروي المثلُ سلوك هذا الرجل تجاه ابنه الأصغر أوّلاً (آ 12- 24) ثم تجاه ابنه الأكبر (آ 25- 32). وينتهي كلٌّ من القسمين بكلام الأب (آ 22- 24 وآ 31- 32)، وفيه سنبحث عن العِبرة التي في المثل. ومن الواضح أن الدور الرئيسيّ يلعبه الأب لا الإبن الشاطر، كما أن انتباهنا توقّف في المثلين السابقين على سلوك الراعي وربّة البيت، لا على الخروف الضالّ والدرهم الضائع. فالإبن الشاطر والإبن الأكبر يُتيحان للأب أن يعبّر عن عواطف قلبه.
ونجد بين قسمَي المثل تعارُضاً يساعدنا على إدراك العِبرة المقدّمة لنا. حين يقدّم يسوع أمثاله يقدّمها بشكلِ نَقيضة: مثلُ الإبن الذي يقول نعم والإبن الذي يقول لا (مت 21: 28- 31)؛ مثلُ الفريسيّ والعشّار (18: 9- 14)، مثلُ المديونين (7: 41- 43)؛ مثل العذارى الحكيمات والعذارى الجاهلات (مت 25: 1- 12). لا ليس القسم الثاني من الخبر زائداً وغيرَ ضروري، كما قال بعض الشُرّاح، بل هو يُبرز تعليمَ المثل وتطبيقَه المباشر.
إذاً، الأب هو الشخص المركزيّ، وسلوكُه وأقواله تحدّد العِبرة التي أراد يسوع أن يعطيَنا. أما الإبن الأكبر، فيمثّل السامعين الذين يتوجّه إليهم المثل. أمّا الإبن الشاطر فيقدّم المناسبة لهذا التعليم. نلاحظ أن الأب لا يوجّه كلامه إلى الإبن الشاطر، بل إلى عبيده (آ 24). أمّا دعوته إلى الإبن الأكبر فتشكّل خاتمة الخبر (آ 32. قال في المرّة الأولى: "إبني". وفي المرّة الثانية: "أخاك". أجل يُحفَظ العنصرُ الأهمّ إلى آخر الخبر).
ب- صورة الإبنين
1- الابن الأكبر (آ 25- 28)
هذه الآيات هي مقدّمةٌ تحدّد موقع الحوار الذي فيه ستنكشف العواطف العميقة لدى الشخصين. كان الأب قد أسرع إلى لقاء الإبن الشاطر، وها هو الآن يترك الوليمة ويخرج من البيت ليهدّىء غضب ابنه البكر. أمّا هذا فأخذ يحتج احتجاجاً يدلّ على ما في قلبه من مرارة: "كم لي من السنين في خدمتك (وأنا عابدٌ لك...)" (آ 29- 30).
تصدُمنا قساوةُ لهجته. ولكن قرائن المثل تدلّ كلى أن لاحتجاجه أساساً. هنا نذكر احتجاجات عمّال الساعة الأولى: "إن هؤلاء الآخرين عملوا ساعة واحدة، فساويتَهم بنا نحن الذين حملنا عِبءْ النهار وحرّه" (صت 20: 12). حين عبّر يسوع عن هذه الشكاوى بهذه الصورة القاطعة، أوضحَ اعتراضاً لدى سامعيه الذين اعتبروا نفوسهم مظلومين. بيّن لهم أنه يفهمهم، فدخل في وُجهة نظرهم ليكون لجوابه الوقعُ المطلوب.
بدأ الإبن الأكبر يرسم صورته هو: "كم لي من السنين في خدمتك، ولم أتعدَّ قطّ أمراً من أوامرك".ظلّ على أمانته السنينَ العديدة. هذا ما يجعله قريباً من عمّال الساعة الأولى الذين "حملوا عبء النهار وحرَّه". أمانة متواصلة في "الخدمة". وفعل "دولاوو" يُستعمَل للحديث عن عبادة الله. وتتميّز هذه الأمانة بالإعتناء بأن لا تتعدّى وصيّة من الوصايا. هذا الكلام يصوّر أمانة البكر لأبيه في أسلوب يحدّد المثالَ الدينيّ لدى الكتبة والفريستين، مثالَ الخضوع الدائم لوصايا الشريعة، والإهتمامَ بأن لا يتعدّوا أقلَّ الفرائض أهمّيةَ.
ويمكننا أيضاً أن نقابل بين لغة البكر ولغة الفريسيّ في مثل الفريسيّ والعشّار (18: 10- 14). يتشابه الشخَصان في الطريقة التي بها يبسُطان استحقاقاتهما وأمانتهما، والتي بها ينفصلان الواحدُ عن الآخر. ينفصل الإبن الأكبر عن "إبنك هذا" (مع الإحتقار)، وينفصل الفريسيّ عن "هذا العشّار".
إذن، يبدو أنّ المثل يتوجّه إلى أناس يعتبرون نفوسهم خدّاماً صالحين لله، ومهتمّين بأن لا يتجاوزوا وصاياه. وهؤلاء الناس يشكّكون بما يحسبونه ظُلامةً تصيبهم وتُمَسّ حقوقهم. ما يصدُمهم ليس تصرُّفَ إنسان خَاطىء، كالإبن الشاطر (ف 15) أو كالعشّار (ف 18). إنهم يحتقرون الخطيئة، والإبنُ الأكبرُ لا يرضى أن يسمّى الإبنُ الشاطر أخاه بل يقول لأبيه: إبنُك أنت. ما يصدُمهم هو موقف يسوع الذي هو موقف الله نفسِه وهو موقفا يعتبرونه مزعزِعاً للديانة.
إن جواب الأب إلى إبنه الأكبر، هو في الوقت عينه جوابُ يسوع إلى سامعي المثل: "يا ابني، أنت معي في كل حين. وكلُّ ما هو لي هو لك. فعلينا أن ننعم ونفرح، لأن أخاك هذا كان مَيْتاً فعاش وضالاً فوُجد" (آ 31- 32).
لا يقول الأب "يا إبني (أويوس) "بل يا ولدي" (تكنون) فيدلُّ على عاطفته العميقة. أظهر حنانه للإبن الضالّ، وها هو يظهر حنانه للإبن المتمرّد. يَشرح له أن لا سبيل إلى الإحتجاج، وأبوه ما أساء إليه يوماً: "أنت معي في كل حين، وكلّ ما هو لي هو لك". هذا ما قاله صاحب الكرم لعمّال الساعة الأولى بلهجة أخرى وبالنظر إلى وَضع مختلف (مت 20: 13-15). لا، لم تُمَسّ العدالةُ لا هنا ولا هناك.
ثم يكرّر الإبن ما قاله لعبيده في آ 24. ولكن بدلَ أن يقول: "إبني هذا الذي كان مائتاً"، صحَّح بلطافة ما قاله الإبن الأكبر الذي استعمل العبارة عينَها "إبنُك هذا" (آ 30)، فقال: "إن أخاك هذا". إذا كان الأب سعيداً بلقاء ابنه، فعلى الإبن أن يكون سعيداً بلقاء أخيه. وحثّ الأبُ ابنه ولم يجرَحْه، ولم يعنّفه، بل أراد أن يؤثّر على عواطف قلبه، ونحن نكتشف هنا طريقة يسوع لكي يربح سامعيه ويقرّبهم إلى فرح الله.
و ينتهي القسم الثاني من المثل بهذا التحريض. أمّا القسم الأوّل فزاد خاتمةً قصيرة: "وبدأوا ينعمون (يفرحون)" (آ 24). كنا ننتظر هنا كلمة تقول لنا إن البكر اقتنع بكلام أبيه. غير أن المثل انتهى بنداء ولم يقُل لنا شيئاً عن الجواب إلى هذا النداء. لا ننسى أن النداء يتوجّه في الواقع إلى سامعي المثل وهم سيعطون الجواب إذا شاؤوا. أجل، توجّه يسوع إلى الكتبة والفريسيّين وانتظر منهم الجواب (وهو ينتظره منا). هو لا يجادلهم، بل يحاول أن يقنعهم ويؤثّر على قلوبهم.
2- الإبن الأصغر (آ 12- 15)
يعلّمنا هذا الخبر، ببعض لمَسات قصيرة، ما يجب أن نَعلَمه من مغامرات الإبن الأصغر، فيساعدنا على تقييم الأحداث التي رافقت رجوعه. لن نتوقّف عند هذه المقدّمة التي تلخّص الأمور بإيجاز: طلب الإبن الأصغر "نصيبَه من البيت". "سافر إلى بلد بعيد". "بدَّد ماله". أحسّ بالضيق. وانتهى به الأمر "إلى مزرعة يرعى فيها الخنازير": إلى هذا الدرك من الذُلّ والحقارة وصل هذا اليهوديّ. وحين روى يسوع مثل هذا الخبر للفريسيّين أراد أن يثير القرَف عندهم أمام وضع يتعارض تعارضاً كلّياً مع مثالِ الطهارة الطقسيّة التي يطلبون.
وبعد آ 16 نترك الخارج وندخل إلى قلب الإبن الشاطر فنرى ما يحدث فيه: "كان يشتهي أن يملأ بطنه..." (آ 16- 19). تألّم الشاب من الجوع، وحسَدَ الخنازير التي يرعاها: هناك من يهتمّ بالخنازير، ولكن ليس من يهتمّ به، من يهتمّ بأن يؤمّن له الضروريّ من أجل حياته. وإذ كان في الضيق، فكَّر في الخبز الذي في بيته، والذي يأكل منه العمّال قدر حاجتهم. تذكر فقرّر: سيعود إلى البيت، بدل أن يموت جوعاً. إذن، ما دفعه إلى العودة ليس التفكيرَ بحبّ أبيه، ولا الندامةَ على ما فعل، بل الحاجةُ إلى الطعام. هي صورة بعيدة كلَّ البعدِ عن المِثاليّة. إن يسوع يرى هذا الإبن بعيون سامعيه فلا يعطيه عواطف سامية.
غير أن هناك الإقرارَ الذي نقرأه في آ 18-19 ويتكرّر في آ 21: "يا أبت، خطئت في السماء وأمامك، ولستُ أهلاً لأن أُدعى لك إبناً". هذا الإعتراف يذكّرنا بموقف العشّار الذي ما كان يتجاسر أن يرفع حتى عينَيه إلى السماء، بل كان يقرَع صدرَه ويقول: "اللهمَّ ارحمني أنا الخاطئ" (18: 13). ولكن السامع الذي سمع تفكّرات الإبن الشاطر، يعرف أنّ هذا الشاب يهتمّ بالخبز الذي سيأكله لا بالخطيئة التي اقترفها. لهذا هيّا خطاباً يليّن به قلب أبيه ليعطيه ما يشتهي، أي قسماً من هذا الخبز الذي يوزعَّ بوفرة على العمّال.
نحن نبتعد عن مِنظار المثل إذا صوَّرنا الإبنَ الشاطر وكأنه مثال التوبة الحقيقية والصادقة. توجَّه المثل إلى سامعين توافقُ عواطفُهم عواطفَ الإبن الأكبر، فصوّر الأصغر كما يراه الأكبر وكما يفِكِّر به السامعون. أخذ يسوع بوُجْهتهم، فلم يقدّم لهم الإبنَ الشاطر كنموذج ومثال. ما يَهُمّه أن يفهمهم، هو حبُّ الأب لإبنه ولو كان حقيراً وساقطاً. ويبيّن يسوع أن الإبن الأصغر لم يستحقَّ هذا الحبّ بتوبة مثاليّة. سيقول الأب نفسُه في آ 24 وآ 32 سببَ مغفرته لإبنه وفرحِه بعودته: هو لا يتكلّم عن توبة ذلك العائد وندامته، ولكنه يقول إن هذا الإبن ظلَّ ابنَه رغم ضلاله وضَياعه. هو لا يريد أن يعرف إلاّ شيئاً واحداً: عاد ابنُه، وما همَّته الأسباب التي دفعته إلى العودة. إبنه هو هنا، وقد وثق بأبيه ثقةً دفعته إلى أن يعود إليه رغم حقارته. أنجل لا يتأسّس الغفران على عواطف الإبن، بل على محبّة الأب تجاه ذلك الذي بقي ابنه رغم كلّ شيء.
من يمثِّل الإبن الشاطر؟ قال بعض الشُرّاح: إنه يمثّل الوثنيّين، بينما البكر يمثّل الشعب اليهوديّ. يبدو أن لا أساس لهذا التفسير في نصٍّ لا يتحدّث عن امتيازات ومواعيد نالها شعبُ الله في العهد القد.بم. نحن بالأحرى أمام رجل يعتبر نفسه بارّاً، لأنه أمين للربّ، حافظ لوصايا شريعته، ولهذا فهو يحتقر الخطأة. إذن، الإبنُ الشاطر يمثلّ الخطأة أو من يعتبرهم الفريسيّون خطأة، لأنهم لا يحافظون بدقّة على متطلَّبات الشريعة.
أجل، توجَّه هذا المثل إلى الفريسيّين والكتبة فبرَّر موقف يسوع الذي يرحّب بالعشّارين والخاطيئن، وأظهر أن ما يؤسّس هذا الموقف ليس استعداداتِ قلبِ هؤلاء الناس، بل عواطفُ الله تجاهَهم.
ج- المثل في رسالة يسوع
يقول لنا لوقا إن هدف المثل هو شرح الموقف الذي اتّخذه يسوع تجاه الخطأة. هذا ما يقودُنا إلى التكلّم عن محبّه الله للخطأة.
1- الأب
لقد لاحظنا كلماتِ الإبن الأكبر: "كم لي من السنين أتعبّد لك ولم أتعدَّ قط أمراً من أوامرك" (آ 29)؟ هذه الكلمات التي تميّز موقف الفريسيّين الدينيّ، تدعونا إلى أن نرى الله من خلال أب هذين الإبنين. أجل إنّ هدف كل الأمثال، سواءٌ أكانت أمثال يسوع أم أمثال الرابانيّين، هو أن يفهمنا طريقة تصرّف الله. فالتطبيق على الله واضحٌ في مثل الراعي الذي بحث عن خروفه، والمرأةِ التي أضاعت درهمها (آ 4- 10)، كما في أمثال الصَديق المزعج (11: 5- 10)، والقاضي الظالم (18: 1- 8)، وصاحب الكرم (التينة العقيمة، 13: 6- 9؛ الكرّامون القتَلة، 20: 9- 19؛ اَلعمَّال في الكرم، مت 20: 1- 15) والداعي إلى الوليمة (14: 16- 24). ونقول الشيء عينَه عن الزارع (8: 5-15)، عن الذي ألقى في بستانه حبّةَ خردل (13: 18-19)، وعن المرأة التي طمَرت خميرتها "في ثلاثة أكياس طحين " (13: 20- 21).
ذَهِلَ سامعو يسوع أمام هذا الأب الشيخ الذي أسرع (ركض) إلى لقاء إبنه، والذي عبَّر عن فرحته بالأوامر التي أرسلها وطلب أن تُنفَّذ بسرعة (أسرعوا، آ 22). عاد الإبن المحبوب، وهذا كلّ ما يهُمّ الأب. ونحن سنجد في هذا الحبّ الأبويّ السببَ لإعادة اعتبار الإبن. وهدْا الحبّ يدلُّنا على حنان الله الفيَّاض تجاه أبنائه الصالحين، والفرحة الذي يملأ قلبه حين يعود خاطىء إليه. يظهر هدَا الحبّ بعاطفة رقّة وشفقة وحنان. تحرّكت أحشاؤه كما تتحرّك أحشاءُ أمّ تجاه إبنها.
وحدَّث الأبُ ابنَه البكر (آ 31). يجب أن لا يعتبر نفسه مظلوماً: أبوه يحبُّه كما يحبُّ أخاه، وما يملكه هو يملكُه إبنه معه: كل ما هو لي هو لك. بعد هذا لا يبقى له إلاّ أن يفرح فرحَ أبيه بعد عودة أخيه. بهذا التحريض الأخير يرتبط تعليم المثل ارتباطاً مباشراً، والتفاصيلُ تساعدنا على فهم هذا التعليم. ليس الأب هو الله الآب، ولكن عواطفَه تدلُّنا على عواطفِ الله التي يجب على السامعين أن يلتصقوا بها.
2- كَشْفٌ عن رحمة الله
إن رحمة الله تجاه الخطأة تشكّك الفريسيّين، فتبدو وكأنها تمَسُّ حقوقهم المكتسبة، وهم الأبرار أمام الله. هذا ما يفترضه المثل. فلنحاول أن نحدّد مناسبة هذا التشكّك ونتساءلْ كيف أظهر الله رحمته.
ظنّ البعض أن تعليم يسوع أثار الشكّ لدى الفريسيّين. حين أعلن حزقيال أنه يكفي للخاطىء أن يتوب لتُغفَر له كلّ خطاياه، إحتجّ السامعون: "ليس سلوكُ الله بعادل" (حز 18: 25-29). أيكون يسوع قال كلاماً مماثلاَ لكلام حزقيال، فكانت ردّة الفعل عند الفريسيّين كما عند سامعي حزقيال؟ الجواب هو لا. ونحن نستبعد هذا التفسير لأننا أمام تعليم تقليديّ لا يُزعج أحداً. ثم إن المثل لا يصوّر التوبة الصادقة والكاملة التي تساعدنا على تصوّر هذا التعليم. نحسّ ونحن نقرأ المثل أنّ كل ما أراده الإبن الشاطر هو أن يجد خبزاً يأكله.
أما لوقا فيقدّم تفسيراً آخر: تذمّر الفريسيّون حين رأوا يسوع "يرحّب بالخاطئين ويأكل معهم" (آ 2). تُذكِّرُنا هذه الكلمات بوليمة لاوي (رج مر 2: 16). ولكننا نعرف أنّ يسوع اتّخذ مواقف مماثلة في ظروف أخرى. مثلاً، حين قبل دعوة زكّا (19: 7) أو حين استقبل الخاطئة التي جاءت إليه في بيت سمعان الفرّيسيّ (7: 39) وسيدخل يسوع إلى السماء برفقة اللص (23: 43). وكانت المناسبات من هذا النوع عديدة بحيث سمَّاه المتقيّدون بالأصول: "هوذا رجل أكول، شارب خمر، صَديقُ العشّارين والخطأة" (7: 34).
ويتثبّت شرح القديس لوقا هذا بالمكان الكبير الذي تحتلّه المأدبة في حفلة استقبال الإبن الشاطر (آ 23-27، 29- 30، 32). ولكنّ هناك اعتراضاً: تحدّثَ النقّاد عن تنازل يسوع تجاه الخطأة. أمّا المثلُ فتحدّث عن حبّ الله لهم. هنا، نفهم أنّ يسوع يتكلّم لا عن نفسه، بل عن الله. هو لا يفسّر أسباب سلوكه بل يصوّر سلوك الله. لاموه على تقرّبه من الخطأة، فأفهمهم أنّ الله يرى في الخاطىء إبناً عزيزاً على قلبه. لو كان ثَمَّةَ شخصٌ غيرُ يسوع، لشدّد على الذهاب إلى الخطأة ودعوتهم إلى التوبة والرجوع إلى السبيل القويم. ولكنّ يسوع يرفع المسألة إلى المستوى اللاهَوتيّ. فالذين لاموه، كشف لهم حنان الله تجاه أبنائه الضَالّين. جاء جواب يسوع لهم غيرَ مباشر، ولكنّ جوابه أصابهم في الصميم. كيف ينتقدون سلوكه الذي هو انعكاس لسلوك الله؟ فهم حين يلومون يسوع، إنما يلومون الله نفسَه.
ونتوقّف أيضاً عند أسلوب يسوع حين يتكلّم عن الله، وكأنه يتكلّم عن نفسه. وهذا ما نشهده أيضاً في مثل الزارع (8: 5- 15)، والرجل الذي ألقى في الأرض حبّة الخردل، والمرأة التي طمَرت خميرها في العجين (13: 8- 12). كل هذا صورٌ تدلُّ على طريقة الله في إقامة ملكه، كما تدلّ على أن رسالة يسوع، مهما كانت وضيعةً، هي المرحلة الأولى في إقامة هذا الملكوت. إنّ يسوع يعرف أن الله يفعل في العالم بواسطة رسالته، وأنّ الله يبدأ المسيرة التي سيخرج منها العالم جديداً فينتقل من حال إلى حال.
وإذا عدنا إلى أمثال الرحمة الثلاثة (ف 15)، نجد أننا لسنا، بطريقة مباشرة، أمام مجيء الملكوت، بل أمام ميزة من ميزاته الرئيسيّة. عرفنا خصوصاً بواسطة أشعيا (ف 61 مثلاً) أنّ نهاية الأزمنة ستشهد حنان الله على المساكين (الذين سيبشَرون)، على الفقراء، على المتألّمين. يرى يسوع هنا تحقيق برنامجه (7: 22). وعناية الله (أو حنانه) هذه تصل إلى الضالين والخاطئين، ويسوع يكشف هذه العناية كعلامة لمجيء الملكوت.
وحين يرحّب يسوع بالخاطئين، يدلّ على الله نفسه الذي يكشف عن حبّه لأبنائه المساكين، عن رغبته في أن يغفر لهم، عن إرادته بأن يُدخلهم إلى هذا الملكوت الذي تصوِّرُه مأدُبَةُ مثلِ الإبنِ الشاطر.
إنّ مثلَ الأب المحبّ يكشف لنا حنان الله على الخاطئين. ولكنّ هذا الكَشف يتمّ بمناسبة سلوك يدلّ به يسوع على هذا الحنان. وهو لا يكشف لنا قلبَ الله دون أن يُسلّمنا سرَّ رسالة يسوع. فقبل أن يحدّثنا يسوع عن حبّ الله، عاش هذا الحبّ إلى درجة جعلت كلّ سلوكه يستلهم هذا الحبّ. وليس وجوده على الأرض إلاّ شهادةً لحب الله الرحيم، بل ليس موته على الصليب إلاّ شهادةً لهذا الحبّ: لقد أحبّ الله العالم فضحّى بابنه الوحيد (يو 3: 16) ليخلّص أبناءه الذين سقطوا في عبوديّة الخطيئة (رخو روم 8: 32).
حين نقرأ مثل الإبن الشاطر، لا نستطيع أن نفصِل حبّ الله الذي يتكلّم عنه، عن موقف يسوع تجاه الخطأة. وحين عرَّفنا يسوعُ بعواطف الله، كشف لنا في الوقت نفسِه عن سّر حياته وموته.
د- خاتمة
حين دوَّن لوقا مقدّمة ف 15 (آ 1- 2)، دلَّ قارئَه على مناسبة المثل، ووجّهنا في الطريق الصحيح لنفسّر الخبر. ودراسةُ المثل أتاحت لنا أن نلاحظ أن هذه الإشارة توافق المضمون. فالتعليم الذي أعطاه يسوعُ للفريسيّين هو ذاته الذي حملته الكرازة الرسوليّة إلى المسيحيّين الأوّلين. أجل، الأمثولةُ الموجَّهة إلى الفريسيّين لا تزال تتوجّه إلينا، وهي تبدو في لوحتين متعارضتين ومتكاملتين. الأمثولةُ أمثولتان.
1- الأمثولة الأولى: ثقةٌ واتّكال
كشف لنا المثَلُ حنانَ الله الذي لا يقاس تجاه الخطأة. وإن ضلُّوا، فهو لا يزال يعتبرهم أبناءه ويحبّهم حبّاً نجد تعبيراً ضئيلاً عنه في حبّ الوالدين لأبنائهم مهما كانت حياتُهم رديئة. هذا يبيّن لنا أنّ علينا أن نذهب إلى الله بثقة ونحن واعون لشقائنا وحقارتنا وخطيئتنا. فالخطيئة لا تقف حاجزاً بيننا وبين الله. بل إنّ الحب يصبح قلقاً شبيهاً بقَلقِ الوالدين أمام ابنهما المريض المُشرِف على الموت.
ولا يكشف هذا المثل عواطفَ الله إلاّ من خلال عواطف يسوع، من خلال حبّه الرقيق، الذي جعله يذهب إلى الخطأة، والذي قاده في النهاية إلى الصليب. الفداء هو سرُّ المحبّة، محبّة الله للبشر الضالين والخطأة غيرِ المستحقّين. قَبِل يسوع أن يُسمّى "صديقَ العشّارين والخطأة". فلماذا نخاف؟ إنه حقاً صديقُنا.
2- الأمثولة الثانية: تحذير وتنبيه
توجّهَ المثلُ إلى الفريسيين، فحذَّرهم من موقف يشبهُ موقفُ الإبن البكر. ويُخطيءُ المسيحيون إن ظنّوا أنّ هذه الأمثولة لا تعنيهم. فإذا كان الإبنان في المثل متقاربَين، فالأخطاء التي تميّزهما تستطيع أن توجد في قلب كلٍّ منا. لقد أعلنَ المسيح لرئيس الجماعة المسيحيّة في سفر الرؤيا (2: 2- 4): "أنا عالم بأعمالك وجُهدل وصبرك، وأنك لا تُطيق احتمال الأشرار... صبرتَ وتألّمتَ من أجل اسمي ولم تَكِلّ. ولكن لي عليك أنك تركْتَ محبّتك الأولى".
يتميّزُ الإبن الأكبر بطاعة لا عيبَ فيها، بطاعة جعلَت منه الخادمَ الأمين لأبيه والمُخلصَ لمصالح أبيه؟ ولكن ينقصه شيءٌ واحد: إنه لا يُحبّ، لا يحبّ أخاه. وإن عودة أخيه دلّت على أن قلبَه يابسٌ رغم مظاهر الأمانة الثابتة. وهو لا يحبُّ والدَه نفسَه فلا يشاركُه في فرحته. نقَصَ الحبُّ من قلبه، فجعل نفسَه خارجَ الوليمة المسيحانيّة.
فعلى المسيحيّ أن يعرف أنه يستحيل عليه أن يحبَّ إن كان لا يحبّ أخاه (1 يو 4: 20- 21)، إن كان لا يشاركُ الله في حبّه لإخوته. أن يكون هذا الأخ خاطئاً (أو هو لا يقاسمنا وُجْهة نظرنا)، فهذا لا يبدّل الأمور. إنه يبقى في نظر الله إبناً محبوباً. لا نستطيع أن نحبّ الله إن كنّا لا نحبّ أبناءه، وفي الدرجة الأولى الضالّين والتعساء والخطأة، وحبُّنا لهم يدلّ على حبِّنا لله.
ولقد جاء يسوع المسيح يشهد لحبِّ الله للخاطئين. شهدَ بتعليمه، وشهد أيضاً بكلّ سلوكه وخصوصاً بموته. فلا يمكن أن نكَون تلاميذَ المسيح دون أن نشهد لحبّ الله للخطأة الذين ابتعدوا عنه، والذين لا يزال يدعوهم إلى مأدبة الخلاص.

 

 

الفصل السابع والثلاثون
مثل الوكيل الخائن
16: 1- 13

"إغتصاب أموال واحتيال، وأوراق مزوَّرة": هذا ما نجده من عنوان مثير لهذا الموضوع في الصُحف. وكنا ننتظر في الإنجيل أمثالاً تدعو إلى التقوى والفضيلة! وهذا ما يجعل الوعّاظ محرَجين أمام قصّة الوكيل الغشَّاش والخائن، الذي عرف كيف يدبِّر الأمور بطرق غير سليمة. أمّا لوقا الإنجيليّ فأتبَع هذا الخبر بأربعة أقوال أخلاقيّة، أربعة تطبيقات ملموسة على الحياة المسيحيّة. كل هذا يدلّ على أهميّة الخبر الذي ندرس. نتوقّف أولاً عند الخبر الذي يبدو تافهاً (آ 1- 7). ثم نعالج على التوالي العبر التي نستنتجها من هذا الخبر (آ 8، 9، 10- 12، 13).
1 - خبر اغتصاب أموال واحتيال
يبدأ الخبر فيصوّر لنا الواقع (آ 1- 2). أُتهم الوكيلُ بأنه يبدِّد أموال سيّده. لا يقول النصّ شيئاً عن نوعيّة هذا الإتّهام: إدارة سيّئة، وتهريب أموال؟ ولا يقول لنا أيضاً هل كانت هذه الاتّهامات مؤيَّدة ببراهين. كلّ هذا لا يهتم الراوي. فالشيء الوحيد الذي يجب أن نعرفه، هو أن الوكيل خسر ثقة معلّمه، فأحسّ أنه سيُعزل من وظيفته. هو لا يأمل أن يعود معلّمه عن قراره، فلم يبقَ له إلاّ أن يسلّم سجل الحسابات ويمضي.
إن هذا الوضع الجديد جعل الوكيل فجأة أمام المستقبل القاتم الذي ينتظره (آ 3- 4). بدأ يفكّر بصوت عالٍ ، شأنُه شأنُ الغنيّ الجاهَل (12: 17- 19) والابن الضالّ الذي بدّد أموال أبيه (15: 17- 19) والقاضي الظالم (18: 4- 5). أمامه طريقان لكي يكسب قوته: إما الفلاحةُ ونقبُ الأرض، وهذا عمل صعب، وإما الاستعطاء، وهذا عملٌ يُذلّ الإنسان ويَحُطّه. رفضَ هاتين الطريقتين، وفكّر بوسيلة تساعده على إيجاد اناس يستقبلونه عندهم يوم يُعزَل. لم يَقُل الراوي مضمون فكرته، ليبقى السامعُ متنبّهاً حتى النهاية. هذا ما فعله أيضاً في مثَل العَمَلة المرسَلين إلى الكرم: أمر صاحبُ الكرم وكيلَه أن يدفع للعملةَ أجرتهم دون أن يحدّد الكميّة التي تُعطى لكل فئة من الفئات (مت 20: 8). بهذه الطريقة، يَلفِتُ الإنجيليّ انتباهَنا إلى النقطة الأساسيّة في الخبر.
ونرى في آ 5- 7 كيف حقَّق الوكيلُ قراره الذي اتَّخذه في آ 4 ("عرفت ماذا أعمل"). دعا الوكيل مديوني سيّده وكان عددهم كبيراً. ولكن الراوي اكتفى بمثلَين. كان على المديون الأول مئة جرّة أو كيل أو بثّ (أي 30- 40 ليتراً) من القمح. كانت الصكوك في يد الوكيل، فدعا المديونين وطلب منهم أن يكتبوا صكاً آخر: خمسون جرّة بدل المئة، وثمانون كيساً بدل المئة. ما عفاهما منه يساوي لكل واحد 600 دينار، أي أجرة 600 يوم عمل. هذا يعني أننا أمام كميّة كبيرة من المال.
لم يذكر الخبرُ ردّةَ الفعل عند المديونين أمام هذا الأقتراح. لا شكّ في أن أحداً لم يتردّد تجاه هذا العطاء السخيّ، ولاسيّما وإن صكاً جديداً حلَّ محلَّ الصكّ القديم. واعتبر الوكيل أن هؤلاء الناس سيستقبلونه في بيوتهم (آ 4). صاروا مشاركين له في هذا "الغشّ". هو لا يخسر شيئاً إن افتُضح أمره، أمّا هم فيهمّهم أنْ لا يتكلّم أحد عنهم. وهكذا كنّا أمام عمليّة ابتزاز وتهديد.
لا شكّ في أننا أمام شخص قبيح جداً، ولكن الإنجيل يجعلُه لنا مثالاً. لهذا تبارى الشرّاح ليبيّضوا له صفحته. قابل كنوكس هذا الوكيل بالمُدين الذي لا رحمة في قلبه (مت 18: 23-25): ترك للآخرين ديونهم فاستحقّ أن يُتْرك له دينُه الثقيل. وقال الأب بوامار: إن المبلغ الموجود على الصكّ يتضمّن ما يحقّ لصاحب الأرض من دين، وما يحقّ للوكيل من "عَمالة". حين خفّض الوكيلُ المبلغ، تخلَّى عن أرباحه دون أن يمَسّ حقوق سيّده. هذا الإفتراض لا يتوافق مع النصّ الذي يتحدّث عن الذين "عليهم دينُ لسيّده"، عن مديوني سيده (آ5). ونهايةُ الخبر تدلّ على أن الوكيل يمارس سخاءً على حساب سيّده. إذن، لا نستطيع أن نتهرّب، وسلوكُ الوكيل سلوكُ محتالٍ لا ذمّةَ له ولا ضمير.
ونطرح سؤالاً أخيراَ قد لا نجد جواباً أكيداً عنه. هل اخترع يسوعُ هذا الخبر أم وجدَه بين الأخبار التي تتناقله "المحكمة"؟ إذا كان يسوع يتكلّم عنه، فسامِعوه يفترضون أنه يحكم باسم الأخلاقيات على من يسلك سلوك هذا الرجل. هذا ما حدث حين جاء من يُخبره عن مقتل الجليليّينٍ على يد هيرودس (13: 1، خلط دماءهم بذبائحهم). انتظروا تنديداً قاسيا بوحشيّة الحاكم. ولكن يسوع لم يأتِ إلى العالم ليؤكّد على أخلاقيات يقول بها الجميع. نحن إذن نكتشف طريقته في ما يستخرجه من حدَث من الأحداث ليقدِّم عِبرة عميقة ما كنا لننتظرها.
2- دعوة إلى الفطنة
هناك أسئلة عديدة يطرحها علينا هذا المثل، ولكنّ أصعبها والتي هي موضوع جدال كبير تتعلق بمعنى الكلمات الأولى في آ 8: "فمدح كيريوس (السيد، ربّنا) الوكيلَ الخائن (غير الأمين). فإذا كان الخبر يَعني سيّدَ الوكيل، فالملاحظة التي تَعنيه هي جزء من الخبر الذي جعله يسوع في مثل. ولكن، إذا عُدنا إلى مفردات لوقا، نعرف أن التسمية تدلّ عادة على "الرب" يسوع. حينئذ يكون الإنجيليّ قد بدأ يلخِّص بطريقته الخاصّة رأي يسوع في الشخص الذي روى صنيعه. هنا ينقسم الشرّاح فئتين. ثمّ لا تتحسن الحالة مع الذين يقترحون التمييز بين المعنى الأوَّل للجملة، وبين المعنى الذي اتخذته في الإطار الحالي: حينئذ يقوى الخلاف لأنّ التفاهم يزول حوله المعنى الأوّل لمفردة "كيريوس" (السيّد) كما يزول حول معناها على مستوى التدوين الإنجيليّ.
ولنبدأ ببعض ملاحظات: الأولى: كيف نفهم المديحَ الغريب الذي وجَّهه السيد إلى وكيله بعدَ أن عرف إحتياله عليه؟ الثانية: لم يكن لمدح السيّد من معنى لو لم يكن الوكيلُ من اللباقة، بحيث تجنّب أن يعرف السيدُ باحيتاله. الثالثة: لو كنّا أمام سيّد الوكيل، لكان من الضروريّ أن يذكر الخبر أنه أُعلم بالغشّ. مثلاً: "ولما أُعلم السيّد". الرابعة: لا نستطيع إن ننسب بقيّة الآية "لأن أبناء هذا العالم أكثر فطنة" إلى سيّد الوكيل. والرباط بين قسمَيْ الآية وثيق جدّاً، بحيث لا نرى كيف ننسب القسمَ الأوّل إلى السيد، والقسمَ الثاني إلى يسوع. وفي أيّ حال، لا شكّ في ما نقرأه في آ 9: إن يسوع هو الذي يستعمل العبارة "وأنا أقول لكم". ونحن نعلم أن لوقا ينتقل عادةً من كلام الغائب إلى قول المتكلّم (5: 14): "فأوصاه أن لا يقول لأحد". هذا هو كلام الغائب. "بل أمضِ وأر نفسك للكاهن". هذا هو قول المتكلم، رج أع 1: 4، 5؛ 23: 22؛ 25: 4- 5. السادسة والأخيرة: يجب أن نحسب حساب التوازي في لو 18: 6- 8 حيث نقرأ بعد مثل القاضي الظالم "ثم قال ربّنا (الرب): اسمعوا ما قال القاضي الظالم... أقول لكم: إنه ينتقم لهم سريعاً".
نحن هنا أمام عمل تدوينّي قام به لوقا الذي وجد بعد خبر الوكيل الخائن تطبيقاً من النمط العاديّ: "وأنتم أيضاً كونوا فطنين". ولكن بدا تطبيق آخر أكثر إقناعاً وهو الذي يورده في آ 9. ما أراد أن يلغي التطبيق الأوّل. ولكن حين أورده في كلام الغائب أخضعه بصورة من الصور إلى تطبيق آ 9. وهكذا، إذ أظهر أنه يفضّل التطبيق الثاني، أكّد على الطابع التقليديّ للتطبيق الأوّل الذي يشكّل في نظره إعتباراً بدائياً أورده "الربّ" يسوع.
إن الوجهة التي اتخذَتها آ 8 تتوافق توافقاَ تامّاَ مع اتّجاه الخبر السابق. فقد أعلمتنا آ 1- 2 بالوضع الحرج الذي وجد الوكيل نفسه فيه، ولكنهما لم تقولا لنا هل اقترف أخطاءً تستحقّ عزله. فاعتبارات هذا الرجل على مستقبله (آ 3) تشدّد على الطابع الدراماتيكي لوضعه. وتعلمنا آ 4 أنه وجد حلاً، دون أن تقول لنا بمَ يقوم هذا الحلّ. فما هي هذه الفكرة الرائعة التي ستؤمّن له مستقبله؟ لن نفهم إلاّ حينَ نراه يقوم بأعمال الغشّ. لا شكَّ في أن هذا الوكيل خائن وغيرُ أمين، هذا ما قالته آ 8. ولكن هذا لا يمنعنا أن نُقرّ بأنه وجد فكرة رائعة. وجد نفسه في وضع لا مخرجَ منه، فاكتشف الوسيلة التي تُخرجه، وهكذا بدا فطناً.
إذا كان منظار آ 8 يتوافُق مع منظار الخبر السابق، نستطيع القول إنه سابق للتدوين الإنجيليّ، بل هو يأتينا من صاحب الخبر، من يسوع نفسه. إن وضع الوكيل الخائن يَهُم يسوع، لأنه يعطيه المناسبة ليقدّم لا تعليماً باهتاً عن الأخلاق، بل نداءً إلى الفطنة على مثال هذا الرجل الذي جُعل في وضع حرج فاستفاد من الساعات القليلة الباقية له ليؤمّن مستقبله. فمن الواضح أن هذا الخبر يبدو تعبيراً عن تعليم يتميّز به يسوع. لنفكّر مثلاً في مثل التينة العقيمة: أُعطيت لها مُهلة أخيرة. إن كانت لا تثمر هذه المرة فهي ستقطَع لا مَحالة (13: 6-9). أو في مثل الخصمَين: أنت ذاهب في الطريق مع خصمك إلى القاضي. لا بدّ من إيجاد اتّفاق قبل أن تدخل قضيّتك في العالم القضائيّ المتشابك فتحمل إلِيك ما يزعجك ويضايقك (12: 58- 59). وهكذا توجَّه يسوع إلى شعب فضوليّ لا يعرف أن يتّخذ قراراً، فأفهمه خطورة وضعه. سلمه اللهُ مهمّة، ولا بد من إتخاذ موقف بالنسبة إلى هذا التعليم: قرِّروا حالاً ولا تنتظروا. قد يفوت الأوان. بهذا تتعلّق سعادتكم الأبديّة.
هذا هو معنى التفسير المتشائم الذي تزيده آ 8 ب تشاؤماً. كم من الفطنة عند أهل هذا العالم في تدبير أمورهم! عندما يكونون أمام مصالحهم الدنيئة يتّخذون كل الوسائل الناجعة، سواءٌ أكانت صالحةً أم سيّئة. لو كان عند أبناء النور هذا القَدْرُ من الفطنة والتقرير في ملاحقة أمورهم الخاصّة، في "طلب ملكوت الله وبرّه" (مت 6: 33)! وهكذا نرى الطابع النموذجيّ لسلوك الوكيل الخائن والذين يتشبّهون به. إنّ فطنتهم على مستواهم هي دافع للمسيحيين ليتشبّهوا به على مستواهم هم، أي على مستوى تحقيق التعليم الإنجيليّ.
3- دعوة إلى الصدَقة
توجّه خبرُ الوكيل الخائن لا إلى الشعب اللامبالي، بل إلى تلاميذ يسوع، بل إلى المسيحيّين الذين كتب لهم، فوجد في نظر الإنجيليّ خاتمته الحقيقيّة في إعلان آ 9. بدأت الآية بالعبارة "وأنا أقول لكم" فشدّدت على أهميّتها.
نلاحظ أولاً أن آ 9 هي ترسّم ونَسْخ آ 4. فكّر الوكيل بوضعه فقال: "عرفت ماذا أعمل، حتى إذا عزلني سيّدي عن الوكالة، أجد أناساً يقبلوني في بيوتهم". وأعلن يسوع بدوره: "إجعلوا لكم أصدقاء بالمال الباطل (مامون اديكياس أي الظلم) حتى إذا نفد، قبلوكم في المساكن (المظالّ) الأبديّة". طَرْحُ المشكلة هو هو: ماذا نعمل ليستقبلنا أصدقاؤنا حين نترك وضعنا الحاليّ؟ لا شك في أن وضع المسيحيّين لا يشبه وضع الوكيل: هو سيُعزل، أما هم فينفد مالهم. هنا مساكن يأمل الوكيل أن يجد فيها استقبالاً، وهناك مظالّ ابدية ننتظر أن نُستقبل فيها بحفاوة. وإذا عدنا إلى الوسيلة لنربح الأصدقاء الذين نحتاج إليهم، لا نجد أنّ آ 9 هي أوضح من آ 4. هي تقول فقط يجب إستعمال "مامون" (مال) الظلم، ولا تحدّد.
غير أن فكر لوقا واضحٌ جدّاً. فالتلميح إلى الوقت الذي فيه ينفد المال يستعمل فعلاً نادراً يذكرنا بالصفة المقابلة التي أدخلها لوقا في قول مت 6: 19- 20 وأعطاها الشكل التالي: "بيعوا ما تملكون (أملاككم) وتصدّقوا به (أعطوه صدقة، تصدّقوا بثمنه على الفقراء) واقتنوا لكم أموالاً (أكياساً) لا تبلى، وكنزاً في السماوات". فحسب الموضوع الحِكميّ التقليديّ (مز 49: 7- 9)، المال الذي نجمعه على الأرض ينفد (يتركنا، يهجرنا) في ساعة الموت. فلا بدّ في هذا الوقت من الإتّكال على كنز في السماء، أو من إيجاد أصدقاء في السماء يستقبلوننا في المنازل الأبديّة.
إن القول الوارد في 12: 33 يختم القسم الذي ينتمي إليه مَثَل الغنىّ الجاهل (آ 16- 21) الذي يقف على نقيضٍ مع الوكيل الفتن. لا شكّ في أن المُزارع الغنيّ يفكّر في المستقبل: سيهدم أهراءه ويبني "وسع منها ليضع غَلة تساعده على العيش الوفير خلال سنوات عديدة. غير أن هذا الرجل هو جاهل ( لا إدراك له) (آ 20). هو لم يَحسُب حِساب الموت فلم يفكر بتكوين كنز في السماء، مُشْركاً الفقراء في خيراته. لم يجد في ثروته وسيلة ليكون غنياً لدى الله (آ 21)، بل وسيلةً للتمتّع بالحب ة. هذا هو الغنى الذي يستحق اسم "مامون الظلم" (16: 9) والمال الذي نختصّ به نفوسَنا: منحنا الله إياه لكي نقتسمه مع غيرنا فاحتفظنا به لنفوسنا.
وإذا عُدنا إلى مثل الوكيل الفطن، نرى أن آ 9 تتكلّم لا عن كنز لا يفنى في السماء، بل عن أصدقاء سماويّين يقدرون أن يستقبلوا هناك من أحسن إليهم على الأرض. سنجد تأكيداً لهذه الصورة في القسم الثاني من ف 16. إن ف 16 يشكل وَحدةَ في فكر الإنجيليّ، وهذه الوَحدةُ تجد تعبيراً لها في الوَصْلة التدوينيّة في آ 14، التي تربط قسمي الفصل: "وكَان الفرّيسيون، وهم مِمّن يحبّون المال، يسمعون هذا كلّه ويهزأون به". هم يهزأون بالتعليم الذي أعطاه يسوع في آ 1-13 حوله استعمال المال بالوجه الصحيح. أجابهم يسوع إلى هُزئهم فروى خبر الرجل الغنيّ ولعازر الفقير، وحذّرهم من نتائج استعمال المال بالوجه السيّىء. توسّل الغني من اللهيب إلى إبراهيم ليرسل إليه لعازر مع نقطة من الماء على طرف إصبعه. هذا مستحيل. ولكن بعد قراءة آ 9 نفهم أن الأمور كانت جرت بطريقة مغايرة لو أن الغنيّ فكّر بأن يُعِين لعازر في تعاسته فيربح صداقته.
فالغني في 16: 19- 31 هو جاهلُ كالغني في 12: 16- 21، وسلوكُه يناقض سلوك الوكيل الفِطن الذي أعطتنا إيّاه آ 9 مثالاً ونموذجاً: فاستعجلوا قبل أن يفوت الأوان، واستعملوا بلباقة المال الذي بين أيديكم: أَعطُوا الفقراء فيفيدوكم ساعةَ لن تكون من قيمة للمال، ساعة يُفرض عليكم أن تتركوا هذا العالم. فالمال الذي نحتفظ به لنفوسنا سيكون لشقائنا وتعاستنا: إنه "مامون الظلم". ولكن إن أُعطي للفقراء، صار عُربون سعادة في المساكن الأبدية.
4- دعوة لأن نكون أهلاً للثقة
تؤلّف آ 10- 12 قولَين مكوّنين من شقَّين متوازيَين. الأول (آ 10)، هو مَثلٌ سائرٌ من النوع الحِكْميّ يعبّر فيَ إعلانَين متعارضين عن حقيقة اختبارية عامّة: "الأمين (من هو أهلٌ لثقة) في القليل هو أمين في الكثير، والظالم (الذي يُسيء الأمانة) في القليل هو ظالمٌ أيضاً في الكثير". والشقُّ الثاني (آ 11- 12)، يطبقّ هذا المبدأ على تلاميذ يسوع في منظار كَلّ هذا المقطع عن استعمال المال، وهو يبدو بشكل سؤالين متواَزيَين مترادفين: "فإنْ كنتم غير أمناء (غير أهل للأمانة) على مال الظلم (أو المالَ الباطل) فمن يأتمنكم على الخير الحقيقيّ؟ وإن كنتم غير أمناء على ما ليس لكم، فمن يعطيكم ما هو لكم "؟ من الواضح أن المثل السائر في آ 10 يتحمّل تطبيقاتٍ عديدة، ونحن نجد جوهره في مكان آخر وفي قرائن إنجيلية أخرى، هي قرائن مثَل الوزنات (مت 25: 21) أو مثل الأمناء أو الدنانير الذهبيّة (19: 17). ولكن من الواضح أيضاً أنه لا يَردُ هنا إلا بالنظر إلى النتائج التي نستخرجها في ما يخصّ المال. فلا نستطيع أن نفصل هذين الشقّين اللذَين يكّونان وَحْدة تخدُم فكرة واحدة، وتربطُهما الواحدُ بالآَخر رباطاً وثيقاً، مفردة "إذن " (أو إلفاء) الموضوعة في بداية الشِقّ الثاني.
وبصورة عمليّة، نستطيع أن نركّز انتباهنا على تفسير السؤالين في آ 11- 12. هذا التفسير هو موضوع جدال، أمّا الشروحُ المعروضة فتعود إلى ثلاثة أنماط رئيسيّة. الأوّل يرىَ في هذه الآية تشجيعاً على سلوك صادق ومستقيم في أمور الأرض، مع التأكيد بأننا ننال بهذه الطريقة (ليس فقط النجاح الأقتصاديّ بل أيضاً) التنعّم بخيرات السماء. هذا ما سُمّي البورجوازيّة البروتستانتيّة، وهو غريب عن روح الإنجيل وحَرْفه. النمط الثاني يتّخذ وُجهةً مشابهة، وقد سُمي التفسير الإكليروسيّ. كتب مونسنيور ديكان: "تحرِّض آ 11- 12 على إدارة خيرات الأرض إدارة حسنة، كشرط لإدارة الأمور الروحيّة". ويوضحُ هاوك: "لا نستطيع أن نسلّم إلى خُدّام الكنيسة الأردياء الذين ليسوا أمناء في مال الجماعة، لا نستطيع أن نسلمهم الحقيقة المسيحية". إن الأمانة في تدبير الخيرات المادّية، تُشكّل عند الذين يتسلّمون وظيفة إكليروسيّة كفالةَ أمانةٍ في تدبير أمور الدين. ليس هذا التفسيرُ كلّه واهناً بمعنى أنه يستند إلى اهتمام لوقاويّ بأن يشدّد على الذين يمارسون وظيفة الرئاسة في الكنيسة. ونستطيع أن نرى في 12: 42 أن مفردة "وكيل" أو قيّم (أوكونوموس) جديرة كلَّ الجدارةِ بان تدُلّ على هذه المسؤوليّة. ولكنَ هذه الملاحظة لا تتيح لنا أن نتحدّث عن الإهتمام عينه في 16: 10-12. فهذا الإهتمام لا يتوافق مع السِياق إلاّ في المعنى الطبيعيّ للمفردات المستعملة.
والنمط الثالث الذي نأخذ به يتوافق مع التفسير الأوّل ليقول إن الخيرات الموعود بها هي تلك التي سننالها في السماء. تعارض آ 11 الخيراتِ الماديّة فتتحدّث عن الخير "الحقّ"، تعارض هذه الخيرات، تعارض المالَ الذي ينفد في ساعة الموت. وهكذا نجد من جديد الكنزَ السماويّ الذي لا ينفد كما تقول 12: 33. فهذا الخير "الحق" يسمّى في آ 12 خيراً يخصّ أولئك الذين يمتلكونه. وهو يعارض الخيراتِ الزمنية، الخيرَ الذي يخصّ الآخرين، والذي نتصرف به في وقت محدود، ونتركه عند ساعة الموت. هذا الخير السماويِّ هو وديعة "يحفظها الله إلى ذلك اليوم" (2 تم 1: 12)، ويسلّمها إلى مختاريه يومَ يتركون هذه الأرض.
غير أن الحصول على هذا الخير السماويّ مرتبط بالأمانة التي نبرهن عنها في نطاق الخيرات الأرضيّة، تلك الخيراتِ التي لا قيمة حقيقيّة لها (آ 10)، تلك الخيراتِ التي نَسودُها حقاً (آ 12) فتصبح ظالمةً أو باطلةً بقدر ما نربطها بشخصنا (آ 11). إن الأمانة التي بها نكون أهلاً لثقة الذي سلّمنا خيراً من الخيرات، تتّخذ أشكالاً متنوّعة تتبع نيّة الذي سلّمنا هذا الخير: إذا كنا أمام وديعة، فلا بدّ من المحافظة عليها سليمة. وإن كنا أمام مال يجب أن نستثمره (19: 13)، نبذُلُ المستحيل لنزيد من قيمته. في مثل 12: 41- 46، الوكيل الأمين هو الذي يوزعّ بطريقة منظّمة لرفاقه حصّتهم من الطعام، والعبد الخائن (أو الرديء) هو الذي لا يقوم بهذا الواجب. هذا هو الإطار الذي تفرضه قرائن ف 16: فبين توصية آ 9 والتحذير الذي نجده في مثل لعازر والغني، تقوم الأمانة الوحيدة، التي بها تتضمّن آ 10- 12 أن نوزعّ "مامون الظلم" أو المال الباطل الذي بين أيدينا، أن نشرك فيه المحتاجين، أن لا نجعله أداة من أجل منافع شخصية. كم نحن بعيدون عن الحَثّ على ممارسة إدارة اقتصاديّة صالحة!
إذا كان هذا التفسير صحيحاً، يتوضّح أننا لن نرى تناقُضاَ بين وُجهة آ 10- 12 ووجهة آ 9، كما يفعل بعض الشرّاح. فإن آ 10- 12 تقول بصورة أخرى ما قالته آ 9: فالطريقة الفطنة والصادقة لاستعمال هذه الخيرات التي سُلِّمت إلينا والتي لا نستطيع اعتبارها ملكاً خاصاً بنا، هي الطريقة الوحيدة التي بها نجعل هذه الخيرات تفيد الفقراء الذين لأجلهم جُعلت في تصرّفنا. وهكذا يبقى لوقا منطقيّاً مع نفسه: فبعد أن يدعو المسيحيّين ليتحلوا بالفطنة، ها هو يطلب منهم أن يكونوا أهلاً للثقة التي أظهرها الله لهم حين جعل بين أيديهم خيراتِ الأرض.
5- الخِيارُ الذي لا بدَّ منه
والقولُ الذي يختتم المقطوعة التي ندرس، نقرأه أيضاً في إنجيل متّى الذي أدخله في خطبة الجبل (مت 6: 24).
بعد أن لاحظنا أن آ 10- 12 تتكون من قول عامّ وتطبيق هذا القول على طريقة استعمال المال، نلاحظ أيضاً أن آ 13 تتبع الخطّ عينه. نجد أوّلاً قولاً عامّاً يعبّر عن خِبرة ردّدها معلمو الحكمة في جملتين متوازيتين تقولان الشيء عينه. ثم يأتي التطبيق الموجَزُ الذي يتعارض وأسلوب الحكماءِ المُسْهب. هكذا يبرز هذا الأعلان الذي يبدو بشكل وصيّة وأمر.
لا يقول الحكيم إن العبد لا يمكنه أن يكون له "سيّدان" أو "ربّان". فهذا الوضع لم يكن نادراً، ولوقا نفسه يقدّم لنا نموذجاً في أع 16: 16، 19 (جارية بها روح عرّافة). نستطيع القول إننا لاحظنا في ذلك الوقت كيف أن العبد الموجود في هذه الحالة لا يمكنه أن يكون بين سيّدين. لا بدّ من أن يفضل واحداً على آخر، أن يخدُم الأوّل على حساب الثاني. هذا ما تعبّر عنه التضادّات: ابَغض وأَحبَّ، والى ونبذ (أو أجلَّ واحتقر أو لزم ورذل). نلاحظ أن القول يهتم باستعدادات العبد تجاه أسياده، وأنّ هذه الإستعدادات ترتبط بالخدمات التي يقدّمها إليهم: واحد يخدَمُ خدمةً كاملة، والآخر لا.
ويعلن التطبيق أن خدمة الله لا تتوافق وخدمةَ "مامون" أو المال. حين نكون أمام الله فكلمة "خدم" (أو عبد) تتخذ معنى خاصّاً: هي الخدمة (أو العبادة) التي تلزم الإنسان في أعمق اعماقه، والتي لا نستطيع أن نقدّمها إلى شخص آخر دون أدن نجدّف على الله ونَحُط من قيمتنا كبشر. ونلاحظ في الوقت عينه أننا ننتهك الأقداس حين نقابل بين عبادة الله وعبادة المال. لهذا السبب استعمل لوقا هنا وفي آ 9، 11 مفردة بربرية "مامون" (نعتبره ثابتاً، نثق به، نركُنُ إليه ونطمئنّ، نخضع له وننقاد. رج فعل أمن في العربية) غريبة على أُذن كاتب يونانيّ مثلِه. فإن استعمل "مامون" بدل "المال" فلكي يقول لنا: إن "مامون" صار اسم المال المؤلّه وهو المزاحمُ للإله الحقيقيّ لدى عُبّاد الأوثان الذين حصلوا عليه.
وهكذا نرى إلى أين يصل بنا هذا التعليم في استعمال المال. فالمسيحيّون الذين حصلوا عليه قد نالوٍه ليقاسموا المحتاجين إيّاه. فمن تعلّق به وتصرّف وكأنه يمتلك عليه حقّا مطلقًا، جعله وثناً وصنمًا يُعبد. وتجاوز حق الله الواحد، وهو حقُّ لا يتخلى عنه دون ان ينكر ذاته، دون أن يتخلّى عن محبّة الإنسان المخلوق حرّاً. أكبرُ عدوّ لحرّيتنا هو المال، هذا "المامون" الذي يريد أن ينتزعنا من الله ليخضعنا لإرادته. أجل، لا مساومةَ بينه وبين الله. "لا تستطيعون أن تعبدوا الله والمال".
خاتمة:
1- قد يخيبُ أمل عدد من القراء: يسمعون خبر الوكيل الخائن فينتظرون شجباً لهذا الشخص واعتباراً بسيطاً لكي نكون أمناء. إنهم يطلبون أن يقال لهم ما يثبّتهم أيضاً في رضاهم على نفسهم وعلى ضميرهم. إنهم مستعدّون أن يقولوا مع فريسيّ المثل: "أللهمَّ أشكرك لأني لست كباقي الناس الخطأة الفُجّار... ولا كهذا الوكيل" (رج 18: 11). لا شك في أنّ الإنجيل لا يوافق الغشّ، ولكنّ تعليمه ليس فقط تكراراً لأمور أخلاقية بدائية.
2- إن مثل الوكيل الخائن يقدم لنا تعليمين مميَّزين. التعليم الأول (آ 8) يشكّل نداءً لكي نعي متطلّبات الزمن الحاضر، وضرورةَ جواب مباشر لا رجوع عنه، لنداء نعمة الله. فعاقبة التأخر وخيمة. لا بدّ من اتخاَذ قرار، ويجب أن نتّخذه حالاَ. هذا هو تعليم يسوع الذي نستنتجه في آ 1-7. والتعليم الثاني نجده في آ 9.
3- يشدّد النصّ الحاليّ على آ 9 التي هي خاتمة الخبر السابق ونقطة انطلاق لاعتبارات لاحقة نجدها في الآيات التالية: المسألة الأولى: استعمال المال. ويحدَّد الموقف المسيحي في هذا المجال من دون التباس: يُستعمَل المال لمساعدة المحتاجين. فمن خزَنه حرمَ الفقراء ممّا يحقّ لهم وقاد نفسه إلى عبادة الأثان. فكم نحن بعيدون عن أخلاقية تعطي الطمأنينة لأناس "أراحوا ضميرهم ". فالإنجيل يُخرّب النظام الذي وضعناه لنفوسنا. يزرع في قلوبنا القلق. ونحن لا نطبّقه حرفياً كشريعة من شرائع موسى، نحن لا ننكر المشاكل الملموسة التي تجابهنا في حياتنا اليوميّة، ولكننا لا نخفي متطلّبات الإنجيل أو نخفّف من حدّتها، بل ننظر إلى الواقع بجِدّيّة، ونتعامل معه على ضوء كلمة الله التي هي سيف ذو حدّين يلجُ مَفرِق النفس والجسد، ويحكم على مقاصد القلب وأفكاره (عب 4: 12).

 

 

الفصل الثامن والثلاثون
الشريعة والملكوت
16 : 14- 18

يتضمّن لو 16 في جوهره مثلين (16: 1-9؛ 16: 19- 31) يفصل بينهما خطبة لا تتألّف من أمثال، بل من أقوال. فالقسم الأول من هذه الخطبة (16: 10- 13) يقع في امتداد المثل الأول، مثل الوكيل الخائن (16: 1- 9). أما القسم الثاني من الخطبة (16: 14- 18) فهو مقطوعة إنتقالية تختتم المثل الأول وتفتتح المثل الثاني الذي هو مثل لعازر والغني (16: 19- 31). نستطيع أن نُعَنْوِن القسم الأول: نظرة الإنجيل إلى الغِنى. والقسم الثاني: عبور من الشَريعة القديمة إلى عالم الإنجيل.
أ- قراءة إجمالية
تبدّل السامعون، فعاد الفريسيّون إلى المسرح. غير أنّ لوقا ربط هذا المشهد بدقّة بالمشهد السابق فقال: كانوا كلّهم يسمعون هذا الكلام. إن تعليم يسوع حول الإستعمال الحكيم للمال قد توجّه إلى التلاميذ، ولكنه لم يكن مخفيّاً عن الآخرين. فالكلمة الأخيرة حول استحالة "التعبّد" للّه والمال معاً، جعلت الفريسيين (إجمالاً، وليس فقط بعض منهم) ينتقلون من الدمدمة والتذمّر، إلى الهزء والتعيير. ظنّوا أنّ المال هو علامة رضى الله الذي يجازيهم ببرّهم. فالإنسان البار يجد مجازاته على هذه الأرض مالاً وفيراً وأبناء عديدين وعمراً طويلاً مع صحّة جيّدة.
كان الفريسيون من محبّي المال، فلهذا لا يستطيعون أن يخدموا الله (آ 13). لا شكّ في أنّ بعض الفريسيّين لم يكونوا من الأغنياء. ولكن لوقا استعمل الأفعال في صيغة الماضي فدلّ على وضع ما زال يتكرّر. وهكذا صار الفريسيّ نموذج الإنسان الذي يغلقه الغنى على تعليم الإنجيل.
وجاء جواب المعلّم في ثلاث مراحل: شجب البرّ الكاذب عند خصومه (آ 15). تلفّظ بثلاثة أقوال حول الشريعة (آ 16- 18). ثم روى مثلاً طويلاً عنوانه الغني ولعازر (آ 19-31). ندرس في هذا الفصل آ 14- 18 ونترك إلى فصل لاحق هذا المثل النموذجي الذي أدخلتنا فيه آ 14- 15 مع التشديد على حبّ المال.
الكلمة الأولى التي تلفّظ بها يسوع (آ 15) تردّ على الفريسيين وتدخلنا في المثل الذي يلي: لا تظنّوا أن غناكم يدلّ على استقامة تصرّفكم. فأنتم لا تملكون من البرّ إلاّ الظاهر والخارج. والغِنى لا قيمة له في حدّ ذاته، لأنه لا يدلّ مطلقاً على رضى الله عن مالكه. بل هناك أكثر من هذا: لقد تسجّل ناموس انقلاب الأوضاع في مخطّط الخلاص. رفض الغني أن يخضع ذاته له خلال حياته، فأجبر على ذلك في مماته.
وترد أقوال تواجه المسألة التي تطرح قيمة الشريعة والأنبياء في التدبير المسيحي. لا ننسى أنّ التوراة تتألّف من ثلاثة أجزاء: الشريعة (تورة في العبرية)، الأنبياء (نبييم في العبرية أو النبيّين)، الكتب (كتوبيم في العبرية). ذكر النص الجزئين الأولين، فكأنه ذكر التوراة كلها. سيُذكر موسى والأنبياء في مثل لعازر والغني (آ 29- 31) فيدلّون على كلام الله الذي نستمع إليه فنفهم معنى الحياة والموت.
نحن أمام جدال قصير بين يسوع والفريسيين. في قول أول (آ 16) قسّم يسوع تاريخ الخلاص إلى حقبتين كبيرتين. وكان يوحنا المعمدان صورة تصل العالم القديم بالعالم الجديد (رج 3: 20- 21). إنّ اجتياح الله للتاريخ يطرح علينا سؤالاً ملحّاً: علينا أن نتّخذ قراراً يتعلّق بالمال (آ 13) لا سيما وأنّ الملكوت أدخل إلى عالم الناس انقلاب الأوضاع (آ 15 ب: الرفيع عند الناس رجس عند الله). فمن إعلان الملكوت والكرازة بتعليم المسيح، تفجّرت دعوة ملحّة تتوجّه إلى كل إنسان. قد نفهم هذه الآية بأنّ الله يكره بحنانه كل إنسان لكي يدخل إلى الملكوت (14: 23: أخرج إلى الطرق واضطرّ الناس إلى الدخول). ونفهمها بأن كل واحد منا يستعمل كل قواه لكي يتجاوب مع الدعوة للدخول إلى الملكوت (أع 13: 48).
ويرد قول ثانٍ يحدّد العلاقة الموجودة بين الناموس (الشريعة) والملكوت (آ 17). لا نظنّ أنّ هجمة العهد الجديد تلغي العهد القديم. فكرازة الملكوت بفم يسوع توافق إرادة الله كما ظهرت في شريعة موسى. فمنذ سيناء ينتظر الله من الغني تصرّفاً محدّداً تجاه الفقراء، وهو لن يتراجع قيد أنملة. فمشيئته ثابتة أين منها ثبوت الأرض والجبال. هذا القول يهيىّء نهاية مثل لعازر والغني. لو سمع الغني كلام سفر اللاويين: "إذ حصدتم حصيد أرضكم أتركوا منه للفقير والغريب. لا تسرقوا، ولا تغدروا، لا تحتفظوا بأجرة الأجير عندكم إلى الغد" (لا 19: 9 ي). لو سمع سفر التثنية (24: 14 ي) وما يفرض على المؤمن من تصرّف تجاه الغريب واليتيم والأرملة، لما وصلت به الأمور إلى حافة الهلاك. نسي ولم يتذكّر، فنساه الله ولم يعرفه (رج مت 25: 41 ي).
والقول الأخير يشجب تصرّف الرجل الذي يطلّق إمرأته ويتزوّج غيرها. كما يشجب زواج إمرأة طلّقها زوجها. لقد أكّد يسوع أن هذه الممارسات، وإن سمحت بها شريعة موسى (تث 24: 1- 4) هي مساوية للزنى. هي عمل تأباه الشريعة (خر 20: 14). وإذ قال يسوع هذا لم يعط شريعة جديدة، كما لم يعط شريعة جديدة حول التعامل مع المال. إنهَ تجاوز مستوى الشريعة فأكّد أَنّ الزواج يخلق بين الرجل والمرأة وحدة لا تستطيع الشريعة أن تلغيها، ولا أن تحافظ عليها كل المحافظة. وتجاه التساهل الذي عرفه العالم الوثني (وعالمنا) تجاه أمور الجنس، إحتفظت الشريعة التي تمنع الطلاق بكل قيمتها.
حين كان الرجل يطلّق إمرأته كان يدفع لها بعض المال كتعويض ومساعدة. وهكذا يستطيع الإنسان أن "يرتاح" من زوجته لقاء المال. ففي هذا الفصل الانجيلي الذي يعالج موقف الناس تجاه ما يملكون، ذكّرنا القدّيس لوقا أن الرباط الزوجي ليس شيئاً يُشترى ويُباع. وكذلك الطلاق. وأن المرأة ليست شيئاً يتمّ حوله التبادل التجاري. فمع المسيح صارت المرأة مساوية للرجل. لم يعد هناك الرجل من جهة، والمرأة من جهة ثانية. صارا واحداً في المسيح بعد أن لبسا المسيح.
ب- قراءة تفصيلية
1- جشع الفريسيين (16: 14- 15)
"سمعوا كل هذا". خصوصاً الكلمات التي تدلّ على عدم توافق بين خدمة الله ومامون (أي المال الذي يؤمّن لنا حياتنا). ويتضمّن هذا الكلام تساؤل الفريسيّين: لماذا لا يتوافقان؟ هناك نصوص تقول إنه "حتى الفريسيين" سمعوا هذا. وهكذا يبدو التعارض واضحاً بينهم وبين التلاميذ.
"كانوا محبّي الفضة". إستعمل لوقا فعل كان مع اسم الفاعل ليدلّ على صفة ملازمة لهم. رج 11: 13 (كنتم عارفين)؛ 23: 50؛ أع2: 30؛ 3: 2؛ 16: 20، 37؛ 17: 24، 29؛ 22: 3؛ 27: 12؛ رج 20: 47. تبدّل السامعون، ولكن لم يتبذل الموضوع. منذ 16: 1 نحن في موضوع واحد مع بعض الإختلافات.
ظنّ مانسون أنَّ آ 15 لم توجّه أصلاً إلى الفريسيين، بل إلى الصادوقيّين الذيم لم يهتمّوا "بكنز السماء" (12: 33)، لأنهم لا يؤمنون بالقيامة (أع 23: 8). ولأن اسمهم يرتبط بالجذر "ص دق" فيدلّ على تقدير الناس لهم. نحن هنا أمام تنظير. ثم إنّ علاقة التقوى الفريسية بالبرّ (والصدق) لم تكن مجهولة.
"توهمون الناس" (آ 15). تبرّرون موقفكم في نظر الناس. تحاولون أن تحافظوا على صورة من البرّ أمام الناس (رج 10: 29؛ 18: 9، 14؛ 20: 20). تتضمّن كلمات يسوع إشارة إلى أنّ موقف الفريسيّين من المال يتجذّر عميقاً، مع بحثهم عن صورة للبرّ تعطيهم إسماً بين الناس.
"الله يعرف قلوبكم"، يعرف ما في قلوبكم، ما في دواخلكم. القلب هو مركز الفكر والرغبات، رج 1: 51؛ 3: 15؛ 5: 22؛ 10: 27، الله عالم بالقلوب. رج أع 1: 24؛ 15: 8؛ رج 8: 21. وهذه الميزة الخاصة بالله نجدها في عدد من نصوص العهد القديم (1 صم 16: 7؛ 1 مل 16: 7؛ 1 أخ 28: 9؛ مز 7: 10؛ أم 21: 2؛ 24: 12).
"الرفيع عند الناس". هو المال والتعلّق به (هذا حسب السياق). هذا ما يركض الناس وراءه عادة. توجّه هذا الكلام إلى الفريسيين فكان صدى لما في 11: 42- 44: الويل لكم أيها الفريسيون...
2- قولان حول الشريعة (16: 16- 17)
"إلى يوحنا". حتى يوحنا ضمناً. لقد كان واعظاً ومصلحاً يهودياً. والعهد الجديد لا يبدأ معه، بل مع يسوع. غير أنّ يوحنا كان أعظم من نبي (7: 26). فمع ظهوره (3: 1- 17) تدشّنت حقبة جديدة في تاريخ الخلاص. هنا نتذكّر كلمة "أرضي" في لوقا (1: 3؛ 3: 23؛ رج أع 1: 22).
"الناموس والأنبياء". هذه طريقة موجزة للحديث عن كرازة العهد القديم. إذا وضعنا جانباً مقدّمة إبن سيراخ، لا نجد هذه العبارة في التوراة ولا في الآداب الرابانية (نجدها في الأدب القمراني، مثلاً المغارة الأولى). في هذا التفصيل، إحتفظ لوقا بالترتيب الأصلي لأن الشريعة (أو موسى) تمرّ أمام الأنبياء (16: 29، 31؛ أع 13: 15؛ 24: 14؛ 28: 23؛ رج يو 1: 45؛ روم 3: 21). وهناك العكس في أع 26: 22: الأنبياء وموسى؛ رج مت 5: 17؛ 7: 12؛ 22: 40 الذي احتفظ بترتيب لوقا إلاّ في مت 11: 13 حيث نقرأ: فجميع الأنبياء والناموس. نحن هنا في جزئي التوراة العبرية. والجزء الثالث قد يكون المزامير (24: 44).
"ومنذئذ، ومنذ ذلك الوقت". أي منذ ظهور يوحنا في 3: 1-17، حتى وإن لم يصوّر لوقا يوحنا كمبشّر بالملكوت. بالنسبة إلى ملكوت الله، رج4: 43؛ 8: 1؛ أع 8: 12.
"يبشّر بملكوت الله". بواسطة يسوع، وبواسطة تلاميذه. رج 9: 2؛ 10: 9. بُشر وما زال يُبشّر به الآن في زمن لوقا. تفرّد لوقا فربط فعل "انجل" أوانغليزستاي" بملكوت الله.
"كل واحد يكره على الدخول إليه". هو طلب. هو دعوة ملحاحة من قِبَل المبشّر بالملكوت. نقرأ في مت 11: 12: "المغتصبون يأخذونه عنوة".
"السماء والأرض". رج 10: 21؛ 21: 33؛ رج أع 17: 24. هذا ما يدلّ على الكون المخلوق كله. رج أش 51: 6؛ أي 14: 12، رج أيضاً لو 12: 56؛ أع 4: 24؛ 14: 15؛ 17: 24. ستزول السماء والأرض لأنهما تتضمّنان المادة والفساد.
إنّ كرازة الملكوت واقع أكثر دواماً من السماء والأرض، وهي امتداد لما في الشريعة.
3- قول حول الطلاق (16: 18)
"كل من طلّق". حُفظ قول يسوع في الأناجيل الإزائية. إستعمل "ابولياين" (طلّق) في مر 10: 11؛ مت 5: 32؛ 19: 9. واستعمل أيضاً في مت 1: 19 مع قرار يوسف بأن "يطلّق" مريم لأنه ظّنها "خائنة" (هذا هو المعنى الأول. وهناك المعنى الروحي: أراد أن يتركها لأنه يخاف أمام قداسة من تحمله في أحشائها).
"وتزوّج أخرى". هناك فعل "غاماين". ونجد في البازي "لاباين" أخذ (إمرأة)، كما يُقال في اللغات السامية. "فقد زنى". هذا ما يحيلنا إلى خر 20: 14؛ تث 5: 18؛ رج لا 20: 10؛ تث 22: 22.
"ومن تزوّج إمرأة طلّقها زوجها". هناك مخطوطات (البازي وغيره) تهمل "زوجها". ولكن المعنى لا يتبدّل إطلاقاً.
ج- تفسير النصّ
نجد صعوبة كبيرة في ربط المقطوعة (16: 14- 18) ولا سيّما آ 16- 18 بالسياق السابق أو اللاحق الذي يعالج مسألة الغِنى. ولكن أترى الإنجيلي لم يهتمّ بعلاقة هذه الآيات بموقعها في النصّ؟ لا شكّ في أن هناك نيّة لاهوتية حاول لوقا أن يعبّر عنها.
حسب 16: 1، توجّه مثل الوكيل الخائن والتعليم الذي تبعه (16: 10- 13) إلى التلاميذ. ولكن الفريسيين كانوا هنا وكانوا يسمعون. وكانوا "أصدقاء (محبّي) المالي" (آ 14). يعيشون في البذخ والرخاء وينعمون بصيت طيّب يستفيدون منه ويبرزونه. وظنّوا أنه يحق لهم أن ينظروا إلى الناصري من عليائهم. إنه لا يملك شيئاً، لا المال ولا العلم (لم يدرس عند الرابانيين). والكتب المقدّسة أما تعتبر الغِنى بركة من الله؟ لهذا، هزأ الفريسيون من نظرة يسوع إلى المال والغِنى. فقدّم لهم يسوع جواباَ متشعّباً سنحاول أن ندرسه آية آية.
1- توهمون الناس (آ 15)
إنّ الغِنى والصيت الحسن الذي نكتسبه لدى الناس، ليسا إلاّ واجهة لا قوام لها في نظر الله الذي لا يحكم كما يحكم الناس، بل ينظر إلى القلوب. والخطأ الديني لدى الفريسيين الذين يعتبرون نفوسهم القوّاد الروحيين للشعب، فهو أنهم يتعلّقون بما يراه الله بلا قيمة، ويستندون إلى هذه التفاهة ليعتدون ببرّهم. إن معرفة الله للقلوب موضوع يرد مراراً في الكتاب المقدّس. رج إر 11: 20: "يا ربّنا القدير الذي يحكم بالعدل ويفحص المشاعر والأفكار" (فاحص القلوب، أي مركز المعرفة، والكلى أي مركز الإحساس). رج 17: 10؛ 20: 12؛ 1 مل 8: 39... ويشدّد الكتاب أيضاً على كره الله لما يراه الناس "عظيماً"، وعلى إذلاله للمتكبّرين. "هكذا انحطّ مقام البشر وسقطوا... عيونهم المتشامخة انخفضت، وانحطّت مكانتهم الرفيعة... تكون قدرة الرب على كل مستكبر متعالٍ وكل مترفّع فينحطّ" (أش 2: 7- 12؛ رج أم 15: 25؛ سي 10: 13- 18؛ لو 1: 51).
2- بقي الناموس (آ 16)
لا نستطيع بعد اليوم أن نعتبر كل شيء (ولا سيما الغِنى) من زاوية الشريعة الموسوية. فالشريعة والأنبياء ظلاّ إلى يوحنا ضمناً (فيوحنا يبقى في العهد القديم حسب الأزمنة الثلاثة في مؤلّف لوقا، في لو وأع). لقد تجاوزنا منذ الآن التدبير القديم. ويجب علينا أن نقرّر كل شيء من زاوية ملكوت الله الذي جاء به يسوع. فإذا أردنا أن ندخل هذا الملكوت، يجب أن نجتهد، أن نكون قاسين على ذواتنا، عنيفين على نفوسنا. هذا ما يشير إلى التجرّد الجذري الذي يطلبه الإنجيل. وهكذا يجتذب يسوع الفريسيين بعيداً عن بركات الغِنى التي حلموا بها. لقد قلب آمالهم وبدّد نظرتهم إلى الشريعة.
3- زوال السماء (آ 17)
إن الشريعة القديمة التي أرادها الله، لا يمكن أن تزول بفعل التدبير الجديد لملكوت الله. هذه الآية اللوقاوية تجد ما يقابلها في مت 5: 18 (الخطبة على الجبل) الذي يرينا كيف نفهمها. إن الشريعة الجديدة التي حملها يسوع "تتم" سمات الشريعة القديمة، كما تتم النبوءات. وهذا يعني أنّ يسوع حين حوّلها، حقّق هدفها العميق. فينتج عن ذلك بصورة خفيّة، إستعداد لنهاية مثل لعازر والغني: فالتعليم عن الغِنى قد هيّأه حقاً موسى والأنبياء. فقد كانوا كافيين لينيروا الغني حول الواجبات التي يفرضها عليه غناه.
4- من طلّق إمرأته (آ 18)
وكيف نفسّر في مثل هذا السياق منع الطلاق الذي نقرأه أيضاً في مت 5: 32 و19: 9 ومر 10: 11- 12؛ لم نكن ننتظر الإشارة إلى الطلاق في هذا الموضع. لهذا فهم بعض الشرّاح الآية في معنى إستعاري. فقد رأى جوليشر أنّ الإنجيل والشريعة مرتبطان إرتباطاً وثيقاً. فمن أخذ الشريعة وحدها أو الإنجيل وحده، فصل ما ربطه الله برباط لا يحلّ، واقترف الزنى على المستوى الروحي. وحسب وايس، من طلّق الشريعة لكي يثّحد بالإنجيل وحده، يقترف زنى، وكذلك من يتوقّف عند الشريعة القديمة بعد أن طلّقها الله. مثل هذه التفاسير مصطنعة وهي تمزّق النصّ ولا توضّحه. فإذا كانت إستعارة زواج الله مع شعبه موضوعاً معروفاً لدى الأنبياء، فهي لا تبرّر زواجاً رمزياً مع الإنجيل أو مع الشريعة.
إعتبر بعضهم أنّ منع الطلاق هو انقطاع واضح بين يسوع وشريعة موسى. واعتبر آخرون (وهذا أفضل) أن شجب الطلاق وتقديس الزواج اللذين أدخلهما الإنجيل، هما مثلان واضحان عن الطريقة التي بها ألغى يسوع الشريعة الموسوية وتجاوزها. لقد حقّق قصدها القديم الذي يوافق نيّة الخالق التي يعبّر عنها تك 2: 24. إنّ الإصلاح الذي قام به يسوع في فهم الغنى واستعمال أموال هذا العالم، لا يقلّ أهمية عن الإصلاح الذي حمله إلى مؤسّسة الزواج.
ونظن أنّه من الممكن أن نربط هذا المقطع بسياقه برباط أدق وأعمق، برباط ظلّ خفيّاً ونحن نحاول أن نكتشفه. نلاحظ أنه بعد ف 15 المخصّص للحديث عن رحمة الله، تسيطر على ف 16 مجموعة متطلّبات المشاركة الأخوية كما يفهمها يسوع: هناك شجب قاس لتجاوزات المحبّة تجاه القريب، وهذا الشجب (بعد مثل لعازر والغني الرديء) هو امتداد لبداية ف 17 (آ1-3) مع التنديد بالشكوك. أما نستطيع أن نفترض في هذه الظروف أنّ الإنجيلي رأى في الطلاق إساءة خطيرة للمحبة الأخوية. فالاتحاد الحقيقي بين زوجين هو تبادل في الحب وتشارك. لهذا فهو يتضمّن متطلّبات كبيرة على مستوى المحبّة الأخوية بين الزوجين (وهي تتعلّق بالزوجين). هناك ذات العلاقة بين منع الطلاق في 16: 18 ومثل الغني الرديء، كما بين الغني الرديء والتحذير من الشكوك أو طلب الإصلاح الأخوي والفران (17: 1- 4).
بعد هذا نلاحظ حالاً أنّ لوقا ربط موضوع الإيمان (في 17: 5- 6) بموضوع الخدمة المجرّدة (17: 7- 10). بعد أن استنار 16: 18 بقرائنه السابقة واللاحقة، وجدنا فيه صورة غير منتظرة عن حقيقة رئيسية أعلنها يسوع في مت 22: 40: "بهاتين الوصيّتين (محبّة الله ومحبّه القريب) ترتبط كل الشريعة والأنبياء" (رج مر 12: 31؛ روم 13: 8- 10؛ غل 5: 14).
خاتمة
إمّا أن نكون وكلاء أمناء لله، وإمّا نكون ملاّكين متعلّقين بالمال وخائنين لله. لا نستطيع أن نلعب "على الحبلين"، أن نكون مع المسيح وضدّ المسيح. الأمانة لله تعني التخلّي عن صفة الملاّك والتعامل مع المال بحسب الله. وإلاّ رذلنا ذاك الذي جعلنا وكلاء له، وأنكرنا الآب، ورفضنا أن نكون أبناءه وسط إخوتنا. فانبرى محبّو المال يهزأون بمثل هذا الكلام. لم يزالوا في العهد القديم، ولم ينتقلوا بعد إلى منطق الإنجيل. في الواقع، ليسوا خائنين فقط على مستوى المال، بل على مستوى العهد الذي قطعه الله مجّاناً مع شعبه. وضعوا يدهم على الشريعة واستغلّوها ليبرّروا نفوسهم أمام الناس. طنّوا أنها تعطيهم حقوقاً على الله، أنها تتيح لهم أن يدينوا الآخرين، أن يشيّدوا الحواجز بين البشر. فالشريعة، شأنها شأن المالي، لا تعطي حقاً لأحد. إننا نعيشها كشهادة وتعبير عن نعمة وعطاء مجّاني. فالله في النهاية هو الذي يعرف القلوب.

 

 

الفصل التاسع والثلاثون
مثل الغنيّ ولعازر
لو 16: 19- 31

هذا المثل خاصّ بلوقا، وهو يعود إلى تقليد قديم. فإذا أردنا أن نعطيه كامل معناه، نتفحّص الأخبار القديمة التي تشبهه. ثمّ نبحث عن معناه في إنجيل لوقا. وفي النهاية نحاول العودة إلى أصول التقليد الإنجيليّ.
أ- أخبار قديمة
هناك نصوص من مصر وفلسطين تشبه مثل الغني ولعازر. وها نحن نقدّم خبراً مصرياً ومثلاً تناقله الرابّانيّون.
1- خبر ستمي خاموئيس وابنه سانوسيريس
دُوِّن هذا الخبر على برديّة تعود إلى سنة 332 ق. م.، وقد يكون دوِّن في القرن السادس ق. م. وها نحن نقدّم الجزء الذي يهمّنا.
في يوم من الأيّام، رأى ستمي رجلاً غنياً يحملونه ليُدفَن في جبل. وكانوا يكرّمونه جداً وينوحون عليه. ونظر أمامه مرّةً ثانية فوجد رجلاً فقيراً يؤخَذ خارج ممفيس. لفّوه في حصيرة وأخذوه وحده دون أن يسير أحد وراءه. فقال ستمي: "بحياة أوزيريس، ربّ أمانتيت، يا ليت لي في أمانتيت ما كان لهذا الغنيّ الذي يبكون عليه بكَاءً مراً، لا ما كان لهذا الفقير الذي يأخذونه الى الجبل دون إكرام ولا عظمة". فقال له ابنه الصغير سانوسيريس: "ليكن لك في أمانتيت ما كان لهذا الرجل الفقير، ولا يكن لك ما كان لهذا الغني".
(وأنزل سانوسيريس أباه في أمانتيت).
أبصر ستمي شخصاً مميَّزاً يرتدي لباساً من الكتّان الناعم، ويقف بالقرب من أوزيريس في مقام رفيع... وقالت له سانوسيريس: "يا أبي ستمي. هل ترى هذا الشخص الرفيع الذي يرتدي لباساً من الكتّان الناعم، ويقف حيث يقف أوزيريس؟ إنه الرجل الفقير الذي رأيته يؤخذ من ممفيس، وكان قد لُفّ بحصيرة ولم يكن أحد يرافقه. أخذوه إلى مقرّ الموتى ووزنوا أعماله السيّئة مع استحقاقاته، فرجحت استحقاقاته على أعماله السيّئة... واقتادوا ذاك الغني إلى مقرّ الموتى ووزنوا أعماله السيّئة مع استحاقاته فرجحت أعماله السيّئة... فالذي يعمل الخير على الأرض ينال الخير في أمانتيت، والذي يصنع الشر يناله الشرّ".
إذا عدنا إلى التمثُّلات المصريّة عن الحياة الأخرى، نجد في هذا الخبر درسَين أساسيَّين. الأوّل: تعارض بين وضع البشر على الأرض ووضعهم في الآخرة. الثاني: التأكيد على المُجازاة بعد الموت.
2- خبر الرابانيّين عن الورع وابن العشّار معيان
يقدّم لنا التقليد اليهودي أشكالاً عديدة؟ أمّا أقدَمُ نسخةٍ فنقرأها في التلمود الفلسطينيّ، وهذا نصّها:
كان في أشْقَلون رجلان ورعان. كانا يأكلان معاً ويشربان معاً ويتفرّغان للتوراة معاً. مات أحدُهما ولم يحظَ بأيّ إكرام (ما سار أحدٌ في جَنازته). ومات ابن العشّار معيان. فعطّلت كل المدينة أشغالها وسارت وراء نعشه لتكرمه. حينئذ أخذ الورعُ الآخر الذي بقي على قيد الحياة ينتحب. قال: "الويل لنا. لا يحصل شرّ لأبناء إسرائيل الأشرار (أو أعداء إسرائيل)". وجاء حُلم قيل له فيه: لا تحتقر أبناء ربّك (أي بني إسرائيل). فالأوّل (أي الورع) اقترف خطيئة، ولكنه نجا (من الهلاك) (كفّر عن خطيئته بدفنة لم يكن فيها أحد). والثاني عمل عملاً صالحاً فنجا (أي نال جزاءه في دفنة عظيمة). ما هي الخطيئة التي اقترفها ذاك الورع؟ لم تكن خطيئته كبيرة، ولكنه وضع التفليم (أدوات مقدّسة) على رأسه قبل أن يضعها على يديه. وأيّ عمل صالح صنعه ابن العشار معيان؟ لم يكن ما صنعه عملاً صالحاً حقيقيًّا. ولكنه أعدَّ يومأ مأدبة لمستشاري (المدينة) فلم يأتوا. حينئذ قال: "يستطيع الفقراء أن يأكلوه، وهكذا لن يذهب ضياعاً". وبعد بضعة أيّام رأى الورع (الذي بقي حيًّا) في الحلم رفيقه الورع في حديقة. كان جالساً في الظلّ قرب عين ماء. ورأى أيضاً ابن العشّار معيان يمدّ لسانه على ضِفّة ساقية: يحاول أن يصل إلى الماء ولكن عبثاً.
يختلف هذا الخبر عن الخبر المصري فيما يخص التمثّلات المصريّة عن الآخرة. ثم هو لا يعارض بين غنيّ وفقير، بل بين عشّار وورع. أراد أن يبيّن عدالة الله بتدقيق وصل به إلى التشديد على الخلاف بين الدَفنتين. ولكن الخبَرين يقدّمان الرسمة الأساسيّة عينَها: معارضة بين دفنة الشخصَين. تبدّل في وضعهما من الأرض إلى الآخرة بواسطة الدينونة الإلهيّة على استحقاقاتهما في هذه الحياة. وهناك صورة الماء التي أعطيِت للورع ورُفضت للعشّار في خبر الرابانيّين. أما في الخبر المصريّ فيُوضع "صاحبُ الاستحاقات " قرب أوسيزيريس ينبوعِ الانتعاش والبرودة.
لا شكّ في أن الرابانيّين كيّفوٍا خبراً أخذوه من مصر فدخل في تعليمهم. وسيأخذه يسوع ويعطيه معنًى جديداً.
ب- معنى المثل لدى لوقا
إشارات عديدة تتيح لنا اكتشاف معنى المثل لدى لوقا: قرائن النصّ، تدوين النصّ، المواضيع المألوفة في فكر الإنجيليّ.
1- القرائن
يورد لوقا مثل لعازر والغنيّ في الشقّ الثاني من صعود يسوع إلى أورشليم (13: 22-17: 10) على أثر تعليم للتلاميذ عن المال (16: 1-13)، في مجموعة أقوال توجّهت إلى الفريسيّين (16: 14- 31) كتلك التي نقرأها في 13: 31- 14: 24 و15: 1- 32.
هذا التوجه هو مهمّ، لأن لوقا يهتمّ اهتماماً خاصًّا بالفريسيّين. يبدون متعاطفين مع يسوع في نظر لوقا الذي يعتبرهم الممثّلين الحقيقيّين للفكر اليهوديّ (أع 5: 34- 39؛ 26: 5؛ رج 3: 5). إنهم يؤمنون بالقيامة وهذا ما يجعلهم يعارضون الصادوقيّين (أع 23: 6- 9) ويقتربون من المسيحيّين (أع 26: 5- 8). وفي الإنجيل، يوجّه يسوع أكثر نداءاته إلى إسرائيل عبر الفريسيّين (13: 34- 35؛ 14: 16- 24)، ويدعوهم إلى تجاوز نظرة اليهود الضيّقة لفهم الشريعة فهماً مسيحيًّا (11: 39- 44؛ 1:14- 14؛ 15: 1ي).
تلك تبدو بصورة خاصّة وُجهةُ المقطع 16: 14- 31. يرى فيه الشُرّاح تجمّعاً من الآيات لا رابط بينها، كما يرون في آ 16- 18 معترضة تقطع تواصل النصّ. ولكن المقطع متماسك جدًّا على مستوى لوقا: فبعد آ 14- 15 حيث يكشف يسوع عن ثقة الفريسيّين بنفسهم، وهم ممثّلوا إسرائيل (ق 14: 11 و18: 14)، تبدو آ 16- 18 المقطع الوحيد الذي فيه يقول يسوع بوضوح فكرته حول دوام الشريعة وهدفها (يذكر يسوع الشريعة في 10: 26 ليدلّ على قاعدة حياة وفي 24: 24 كنبوءة عن سرّ يسوع. وهناك ذكر لموسى في 20: 37؛ 24: 27). ثم إن آ 16- 17 تعلنان نهاية المثل التالي وتشدّدان على قيمة الشريعة التي يجب الاستماع لها (رج آ 29، 31). والعبارة اليهوديّة "الشريعة والأنبياء" في آ 16 توافق موافقة واضحة عبارة لوقا "موسى والأنبياء" التي نجدها في آ 29 و31 (نجد توافقاً آخر بين 14: 13 و14: 21).
إن هذه القرائن تقدّم لنا إذن معطية مهمّة عن المدلول الذي يربطه لوقا بهذا المثل: إنه يوجّهه إلى ممثّلي الفكر اليهوديّ. إنه يريد أن يتكلَّم عن الشريعة.
2- تفسير النصّ
يضع المثل أمام عيوننا شخصين نموذجيّين يبدوان صورة حيّة عن دينونة الله للبشر. هذا ما نجده أيضاً في 10: 29- 37؛ 12: 16- 21؛ 9:18- 14. بُنيَ المثل في قسمين (آ 19- 26 و27- 31)، فجاء شبيهاً بفرح الاب الذي استعاد ابنه (15: 11- 24 و15: 25-32). كل قسم له موضوع وخاتمة، له فكرته الأساسيّة يعبّر عنها الشخص الرئيسيّ، كما في 15: 24 (لأن ابني هذا كان ميتاً فعاش وكان ضالاً فوجد. فأخذوا يفرحون) و15: 32 (ولكن كان علينا أن نفرح ونتنعّم، لأن أخاك هذا كان ميتاً فعاش، وكان ضالاً فوُجد). الفكرة الثانية هي الأهمّ وهي تُعطي الدرس الأساسيّ.
أوّلاً: تبدُل الحالات في الموت (آ 19- 26)
يبدأ المشهد الأوّل فيقدّم لنا شخصين في وضعهما على الأرض: الغني يعيش عيداً متواصلاً، يعيش في الرفاهيّة (إن بردية 75 وغيرها سمته "نافاس" الذي يعني "الشخص" في القبطية القديمة؛ لم يكن الاسم في النص الأصليّ، ولكن ناسخاً مصريًّا مسيحيًّا عرف خبر ستمي فوضع الإسم هنا). ولعازر المسكين يتألّم وحدَه في شقائه وفقره المُدقع (آ 20- 21). أعطى يسوع الفقيرَ اسماً، وهذه حالة فريدة في أمثال يسوع. وهذا ما قاد عدداً من الشُرّاح إلى القول باتصال بين هذا الخبر وقيامة لعازر في يو 11، ولا سيما مع آ 27- 31. ولكن لوقا الذي يستعمل في 10: 38 - 42 تقليداً عن شقيقتَي لعازر، لا يورد اسم لعازر. إذن، هو لا يقول شيئاً عن قيامته، ولا يمكن أن يتمثّله فقيراً. وهكذا يبدو من الواضح آن المثل الذي ندرس لا يشير في الأصل إلى شقيق مرتا ومريم. وإن أعطى المثلُ إسماً للمسكين، فلأنّ الخبر يفرض ذلك (آ 24، 25، 27). ظنّ بعض الآباء أن المثل هو خبر واقعيّ وأنّ لعازر شخص حيّ (ترتليانس، أمبروسيوس، كيرلس الإسكندراني). وإن اسم لعازر (الله يعين) يوافق موافقة خاصّة هذا الخبر.
حين يقدّم المثل الشخصين، فهو لا يقول شيئاً عن استحقاقات المسكين ولا عن خطايا الغنيّ (اعتاد الناس ان يتكلّموا عن "الغنيّ الشرير"، ولكن هذا القول لا يجد أيّ سند في نص المثل). لا شكّ في أن الغنيّ لا يعمل شيئاً من أجل الفقير، ولكن حُكم إبراهيم لا يوبّخة على ذلك (آ 25: "نصيبك من الخيرات في حياتك"). إن عدم الاهتمام بالمُجازاة والأجر حتى في خاتمة المثل، هي ميزة مهمّة بين خبر لوقا والنصوص المصريّة واليهوديّة. وهذا ما سنعود إليه حين نفسّر مُجْمَل المثل.
ويحوّل الموتُ فجأة وضع الغنيّ ووضع الفقير (آ 22- 23، رج 12: 20). وُجدَا معاً في موطن الأموات في زمن يعتبره لوقا سابقاً للدينونة الأخيرة (آ 27- 31). الآن يتألّم الغنيّ في العذابات، ويُكرَّم الفقير في وليمة بجانب إبراهيم (في حضن إبراهيم، كالإبن في حضن والديه، رج يو 13: 23). ونجد رسْمة سريعة عن العالم الأخير. أمّا التمييز بين الأبرار والأشرار، فنجد ما يقابله في نصوص يهوديّة سابقة ليسوع مثل سفر أخنوخ. غير أنّ النصوص اليهوديّة لا تسمّي أبداً "حضن إبراهيم" موطنَ الأبرار. قد تكون هذه الصورة مَزجت تمثّلات الخبر المصريّ الذي ذكرنا بصورة الوليمة المسيحانيّة (أش 25: 6) التي استعملها يسوع مراراً (كما 8: 11 ولو 13: 28- 29؛ مت 22: 1- 10 ولو 14: 16- 24؛ مت 26: 29 ومر 14: 25، مت 22: 11- 13 ولو 22: 30).
لا يتوقّف المثل عند تصوير الآخرة. هو لا يريد إلاّ أن يبيّن التبدّل في وضع هذين الشخصين. إحترق الغنيّ باللهيب، فتوسّل إلى إبراهيم ليُرسل إليه بواسطة لعازر قليلاً من الماء يُبرِّد به عطشه. فالمياه التي يشتهيها هي تلك التي تجعلها النصوص المصريّة دوماً قرب أوزيريس، فانتقلت إلى نصوص الرابانيّين.
واستخرج إبراهيم العبرة من وضع كلّ منهما. من جهة، بيَّن أن الحياة في الآخرة هي عكس الأوضاع الأرضيّة. السعداء في هذه الحياة الحاضرة يكونون أشقياء في الدهر الآتي. وأشقياء هذا العالم سيُميَّزون في العالم المقبل. إنّ هذا التأكيد لا يطرح مسألة المجازاة، بل يكتفي بإعلان امتياز الفقراء. هذا ما نجده في نشيد التعظيم المريميّ (1: 52-53: أنزلَ الأعزّاء عن الكراسي ورفع المتواضعين)، وفي التطويبات (6: 20- 21: طوبى لكم أيها المساكين)، وفي المتعسات (6: 24- 25: ما أتعَسكم، الويلُ لكم، أيها الأغنياء). ومن جهة أخرى، يزيد إبراهيم عبرة أخرى: إن الموت يحدّد مصير كل إنسان إلى الأبد (آ 26). لا يستطيع لعازر أن يجيء إلى الغني، ولا يقدر الغنيّ أن ينضمّ إلى لعازر. لقد تحدَّد مصيرُهما تحديداً لا رجوع عنه. هذا هو معنى صورة "الهوّة العظيمة" أو العميقة التي تفصل بينهما.
ثانياً: صلاة الغني من أجل ارتداد إخوته (آ 27- 31)
وسكت البائس المعذَّب. عليه أن يتقبّل وضعه. ولكنه يفكّر بالذين يمكنهم أن يقاسموه حالته، يفكّر بإخوته الذين يحيَون الآن حياة البذخ التي كان يعيشها هو (آ 27- 28). قدَّم اقتراحاً: لو ذهب إليهم لعازر في ظهور كذلك الذي ترويه التوراة (1 صم 28: 12- 19؛ 2 مك 15: 11- 16) أو نصوص الرابانيّين، ونبّههم إلى عاقبة عملهم. لو كان هدف المثل أن يعلّمنا عن الحياة في الآخرة، لدهشنا من هذه العاطفة الطيّبة عند هذا "الهالك" (هناك من يستنتج أن هذا العقاب ليس نهائيًّا، لأنّ إبراهيم يسمّي لعازر "يا ابني" في آ 25). ولكن هدف سؤال الغنيّ هو فتح الطريق لجواب إبراهيم الذي يشكل عِبرةَ الخبر.
أجاب إبراهيم: عندهم موسى والأنبياء (آ 29)، أي عندهم الكتب المقدّسة التي يسمّيها اليهود الشريعة والأنبياء (لو 24: 27، 44؛ أع 26: 22؛ 28: 23). ظنّ بعضُ الشُرّاح أن إبراهيم يحيلنا هنا إلى التعاليم البيبليّة عن الفقر وعن الغنى. ولكن العبارة تدلّ بالأحرى على كلّ التعليم الموحى به، وهذا التعليم هو طريق الحياة (10: 25- 28؛ 18: 18- 0 2؛ أع 7: 38).
وألحّ "الهالك": أكّد أن مجيء مائت يكفي لينال ارتداد إخوته، ليجنّبهم المصير الذي يقاسيه هو الآن. نحن هنا كما أمام اليهود الذين طلبوا آية مدهشة من يسوع (11: 16، 29).
واستخرج إبراهيم النتيجة (آ 31)، فجاء كلامه الذي شكّل الهدف الثاني للمثل. جاء يقدّم لنا الدرس الرئيسيّ: هناك علامات عديدة قُدّمت لإسرائيل لكي يتوب. ولكن التعليم الموحى به في الكتب المقدّسة هو أكثر إقناعاً من قيامة ميت (لم نعد فقط أمام ظهور بسيط كما في آ 27 وآ 29). هذه هي فكرة يسوع حين كان يرفض أن يعطيهم الآيات التي يطلبون (مر 8: 11- 12 وز)، حين كان متحفّظاً ومتواضعاً في معجزاته. أشار لوقا هنا إلى قيامة لعازر، بل أشار إلى قيامة يسوع التي كان لها مفعول ضئيل لدى إسرائيل.
3- مواضيع مألوفة لدى لوقا
إذا بحثنا عن فكر لوقا في هذا المثل، نلاحظ أنه يتضمّن مواضيع عزيزة على قلبه: الارتداد والتوبة، إمتياز الفقراء، مصير الإنسان بين الموت والدينونة.
أوّلاً: الارتداد والتوبة
يهتمّ لوقا اهتماماً خاصّاً بالارتداد والتوبة. ففي سفر الأعمال يرد فعل تاب (ميتانواين، غيّر فكره، بدّل موقفه، ابيستريفاين، عاد، رجع، التفت) 16 مرّة واسم "توبة" (ميت انويا) 6 مرات. ويستعمل لوقا المفردات الخاصة بالتوبة في إنجيله (9 مرات فعل ميتانواين، 3 مرات ابيستريفاين، 5 مرات ميتانويا). ولا ننسى أيضاً المشاهد التي تتحدّث عن التوبة دون أن تذكر مفرداتها (7: 36- 50؛ 19: 1- 10؛ 23: 40- 42). شدّد لوقا على الوُجهة الفرديّة والأخلاقية واليوميّة في التوبة (3: 8، 10، 14؛ 5: 32؛ 15: 7؛ 10: 17: 3- 4). ولكنه احتفظ مراراً في النداء إلى التوبة بوجهة الإعلان الإسكاتولوجيّ الموجَّه إلى الشعب أمام الدينونة الآتية، فلم يتميّز عن متّى ومرقس والكرازة الرسوليّة (3: 3؛ 10: 13، 11: 32؛ 13: 3، 5؛ 24: 47؛ أع2: 38؛ 3: 19؛ 5: 31؛ 11: 18؛ 14: 15؛ 17: 30؛ 26: 18). وهذا هو وضع 16: 30 حيث تدلّ القرائن أننا أمام ارتداد شعب إسرائيل وتوبته.
ثانياً: امتياز الفقراء
ليست سعادة الفقراء وتعاسة الأغنياء تعليماً خاصَّا بلوقا. فالإزائيّون الثلاثة (متى، مرقس، لوقا) يتّفقون على إيراد الكلمة القاسية التي تفوَّه بها يسوع عن صعوبة دخول الملكوت بالنسبة إلى الأغنياء (18: 25: "مرور الجمل في ثقب الإبرة أسهل من دخول الغني ملكوتَ الله"، مت 19: 24؛ مر 10: 25). ثم إن متى ولوقا يجعلان تطويبة الفقراء في رأس سائر التطويبات 61: 20؛ مت 5: 3)، كما يعتبران إعلانَ البشارة إلى المساكين العلامةَ المميّزة لحياة يسوع العلنيّة (7: 22؛ مت 11: 5= أش 61: 1). وكلاهما يندّدان بالمال الذي هو إله كاذبٌ نستطيع أن نعبده كما نعبد الإله الواحد (16: 13؛ مت 6: 24).
ولكن يبقى أن لوقا يشدّد بصورة خاصّة على امتياز الفقراء: هذا ما أعلنه لوقا في نشيد التعظيم (1: 52-53). ولقد جعل حياة يسوع تبدأ بإعلان البشارة للمساكين (إن 4: 8 يسبّق على الإستشهاد في أش 61: 1 الذي سيعود في 7: 22). ويتفرّد لوقا بإعلان تعاسة الأغنياء تجاه التطويبة الأولى (6: 24). ويشدّد لوقا على الطابع العابر للغنى الذي يخيّب الآمال (12: 15- 21؛ 16: 9- 11). ويعود مراراً إلى ضرورة التجرّد من المال (5: 11، 28؛ 14: 33؛ 28: 22)، إلى واجب الصدقة (11: 41؛ 12: 32؛ 19: 8؛ رج6: 30؛ 14: 12-14). ولهذا قال الأب دوبون البنديكتاني: عدم التوافق بين الغنى والدخول إلى الملكوت، هو تعليم عزيز على قلب لوقا.
ثالثاً: مصير الإنسان بين الموت والدينونة
إن التمثّلات عن مصير الإنسان بعد الموت هي عديدة جداً في العالم اليهوديّ المعاصر ليسوع. فالكشف عن القيامة لم يتمَ منذ زمن بعيد، ولهذا لم يقبله الجميع. ولم تتوحّد الأفكار عن الآخرة. لقد ظلّت النظرة القديمة عن الشيول (موطن الأموات) حاضرة في النصوص البيبليّة. فرؤساء الكهنة الصادوقيّون لا يقولون بالقيامة (20: 27؛ أع 23: 7- 8). واليهود العائشون في إطار هلنستي تأثّروا بالفكرة اليونانيّة عن الخلود (أثاناسيا، عدم الموت). وجاءت بعض النصوص اليهودية في ذلك الزمان، فتحدّثت عن فرز أوّل للموتى في حالة سابقة للقيامة العامّة (خصوصاً في أخنوخ).
وما نلاحظ هو أن لوقا تفرّد بين الإنجيليّين فجاء كلامه صدى لهذه النظرة الأخيرة: في المثل الذي ندرس حيث تدل آ 27- 31 على أنّ الدينونة الأخيرة لم تتمّ بعد، وفي الكلمة التي بها وعد يسوع اللّص بأنه سيكون معه "في الفردوس" في يوم موته عينه (23: 43: اليوم تكون معي في الفرودس). لا شك في أن هذا النصّ الأخير صعب، وقد فهمه عدد من الشراح عن الخلاص اْلنهائيّ الذي تدشّنه قيامة يسوع (إن مفردة "معي" تنزع الطابع الميتولوجيّ الذي كان لمفردة "الفردوس" في العالم اليهوديّ). ولكن الفردوس (أو جنّة عدن اليهوديّة) هو في عدد من النصوص، المكانُ الذي فيه ينتظر الأبرارُ القيامة. عاش لوقا جوّ العالم الهليني فتأثّر بالقديس بولس (2 كور 5: 6- 8؛ فل 1: 23). وبما أنه يهتمّ بالوجهة الفرديّة للخلاص، نستطيع القول إنه شدّد على مصير الإنسان بين الموت والدينونة، وأبرز أقوال يسوع في هذا المجال.
4- معنى المثل في نظر لوقا
حين نجمعُ المعطَيات التي اكتشفناها، نستطيع أن نحدّد المعنى الذي أراده لوقا من هذا المثل.
وجَّهه إلى الفريسيّين (آ 14)، فدلّ أننا أمام تعليم يخصّ إسرائيل. والهدف الثاني من المثل يدلّ على أن الموضوع هو نداء توبة يتوجّه الى هذا الشعب: له في الشريعة والأنبياء كلُّ النور الضروريّ ليجد طريق الخلاص. أمّا المعجزات فهي علامات ثانويّة، وهي لا تفيد الذين يرفضون تعليم الكتب المقدسة.
يدلّ القسم الأوّل من المثل على أنّ هذه التوبة أمر ملحّ لكل واحد منّا: يأتي الموت فيحدّد فجأة مصير الإنسان الذي لن يعود يقدر أن يبدّل مصيره. يهتمّ لوقا بامتياز الفقراء وبأخطار الغنى (رج 16: 1- 31)، ولهذا يشدّد في القسم الأوّل على مصير الغني والفقير. ولكن، إذ فسّر الخبرُ المصريّ (الذي كيّفه الرابانيّون) هذا المصيرَ عائداَ إلى استحقاقات أرضيّة، لم يجعل لوقا سعادة الفقير وتعاسة الغنيّ في الآخرة وكأنهما نتيجة حياتهما على هذه الأرض (آ 25). هذا لا يَعني أنه يجهل أن دينونة الله تتأسّس على أعمال البشر (رج 3: 9؛ 12: 35-48؛ 13: 1- 5، 23- 27؛ 14: 14؛ 16: 10- 12؛ 19: 12- 26؛ 21: 34- 36). ولكنه أراد أن يشدّد قبل كل شيء على نعمة الخلاص وامتياز الفقراء، وبطريقة جانبيّة على أخطار الغنى.
ج- بين لوقا ويسوع
لا نجد مثل الغني ولعازر إلاّ عند لوقا الذي طبعه بأسلوبه ومواضيعه المفضّلة. عاد يسوع إلى التقليد اليهوديّ فصوّر لنا في القسم الأوّل من الخبر مصير الأغنياء والفقراء كما فعل في التطويبات والمتعسات. أمّا القسم الثاني، فلا يجد سنداً له في التقليد اليهوديّ القديم، وهو يعالج مواضيعَ جدّ مختلفة: التوبة والارتداد، الآيات التي تقود إلى التوبة، عدم جدوى القيامة للحصول على التوبة والارتداد. نُحسّ هنا أننا أمام الكنيسة (أو لوقا) التي تتأمل في رفض شعب إسرائيل أن يؤمن بقيامة المسيح. هذا يعني أن الكنيسة (وبالتالي لوقا) أعادت قراءة مَثل يسوع على ضوء حياتها الحاضرة.
إن المثل واحد وهو يُنسَب إلى يسوع، والقسمان اللّذان يتوزّعانه يتكاملان ويستندان إلى تعليم يسوع. فالقسم الأوّل يختلف اختلافاً عميقاً عن الخبر المصريّ واقتباساته لدى الرابانيّين: إنه يرفض أن يطرح مسألة المجازاة، وهذا يتوافق وإعلان كرازة الخلاص للفقراء، ويميّز تعليم يسوع. والقسم الثاني يدلّ على الاهتمام بارتداد إسرائيل (رج مر 1: 15 وز؛ 6: 12 وز؛ مت 11: 21- 24 وز؛ 23: 37 وز؛ لو 13: 1- 5)، وعلى رفض الآيات الخارقة التي يطلبها اليهود (مت 12: 38؛ 16: 1، مر 8: 11- 12)، وعلى إبراز قيمة الأسفار المقدّسة. وفي النهاية، يكمّل القسم الأوّل القسم الثاني حين يقول: إذا كان الغنيّ قد هلك، فهذا يعود لا لأنه غنيّ، بل لأنه لم يرتدّ حسب ما يطلبه التعليم التقليديّ الوارد في الكتاب المقدّس (مت 11: 21- 24 وز؛ لو 13: 1- 5).
ولكن يبقى فرق بين فكر يسوع وعرض هذا الفكر في صوره الإسكاتولوجيّة بيد لوقا. كان يونانيًّا، وكان يهتمّ بمصير الإنسان الفرديّ، يهتمّ بوضع الإنسان بين الموت والدينونة. أما يسوع فعاش في التقليد الكتابي، واهتمّ قبل كل شيء بخلاص شعبه، فصوّر هذا الخلاص بصور ترتبط بالجماعة: الملكوت، الأرض، الوليمة، الأعراس. إتّخذ يسوع خبر الغنيّ والفقير في الآخرة فدلّ على دينونة الله. وسيأتي التمييز فيما بعد بين دينونة خاصّة تصيب الفرد بعد موته، ودينونة عامّة تتمّ في نهاية التاريخ. ونقول الشيء عينه عن كلمة يسوع للّص. كانت في نظره إعلانَ خلاص لا يميّز مراحلَ الخلاص بعضَها عن بعض. ثم فسَّر لوقا هذه النصوص في منظار اسكاتولوجيا فرديّة متطلّعاً إلى "حالة متوسّطة" للإنسان بين الموت والدينونة الأخيرة.
هذا الاختلاف بين لوقا ويسوع هو اختلاف ثانويّ ويدخل في إطار التفسير التقليديّ. ولكن جوهر المثل في نظر لوقا ويسوع هو أن الارتداد أمر ملحّ، وإليه يُدعى إسرائيل. إن شعب الله يجد في تقليده كلّ ما هو ضروريّ للتعرّف إلى طريق الخلاص: هو لا يحتاج أن يطلب آيات خارقة، لأن أعظم الآيات التي منحها الله لأخصّائه هي عطيّة كلمته.

 

 

الفصل الأربعون
المعثرة والإصلاح الأخوي
17: 1- 4

وعاد يسوع إلى تلاميذه، غير أن موضوع الحديث القصير الذي نجده هنا، ليس المال، بل كما في ف 16، طريقة عيش العلاقات الأخوية. وذلك في مجالين. في كلمة أولى يحذّرهم يسوع من الشكوك والمعثرة. من أن يقولوا أقوالاَ تجرّ الآخرين على خطاهم حتى الجحود. حينئذ الويل لهم. ثم يعلّم يسوع المسيحي كيف يكون ردّه على إساءة شخصية اقترفها ضدّه مؤمن آخر: نمارس أولاً الإصلاح الأخوي، نتجرّأ فنقول للآخر أنه أخطأ تجاهنا. فقد يعود الآخر إلى التوبة. بعد هذا أغفر، فالرب قد غفر لك مراراً.
أ- قراءة إجمالية
وتتبذل اللهجة منذ الآيات الأولى في ف 17. هي توجيهات محدّدة تعطى للرسل والتلاميذ في خطّ أخبار الفصل السابق وما فيها من مثالية. أما المناسبة، فالخبران اللذان توسّع فيهما الساعةَ يسوع: إنّ موقف الوكيل الخائن يصدمنا للوهلة الأولى. ويصدمنا صدمة أقوى موقفُ الرجل الغني الذي يعيش البزخ تجاه أخيه لعازر. ما هي ردّة فعلنا أمام هذه الشكوك التي تصل إلى الفقير، إلى الضعيف؟
إن القول حوله الشكوك والمعثرة (آ 1- 2) يضمّ عبارتين ترد الثانية وحدها في مر 9: 42. أمّا مت 18: 6- 7 فاستعادهما بشكل معاكس. العبارة الأولى تشير إلى الشكوك بشكل عام. والثانية إلى الشكوك التي تجعل "الصغار" (صغار القوم) يعثرون. ويزيد متّى: "الذين يؤمنون بي". إنّ السياق اللوقاوي يختلف للوهلة الأولى عن السياق المتاوي الذي هو "الخطبة الكنسية" (كيف تعيش الجماعة؟). في الواقع، يشير لوقا هو أيضاً إلى تحذير (آ 3) يذكّرنا بتحذير 12: 1 حيث دُعي التلاميذ أن يتنبّهوا إلى "خمير الفريسيين" وحكمهم الفاسد. في ف 12، لم يستطع الفريسيون أن يقبلوا أن يُعطى كلّ شيء مجّاناً وبوفرة. أمّا هنا، فالرجل الذي يشكّك هو الذي لا يدخل في "لعبة" وفاء الديون (رج 6: 35: أحسنوا واقرضوا غير راجين شيئاً) التي تجد ذروتها في الغفران. فالمعثرة الحقيقية في نظر لوقا، المعثرة التي تهدّد مجموعة التلاميذ، هي أن لا نترك رحمة الله تمرّ في قلوبنا.
تتحدّث آ 3- 4 عن المغفرة. وتجدان ما يوازيهما في مت 18: 15، 21- 22. في النسخة المتاوية، لا يضع يسوع أي شرط للمغفرة. أمّا نصّ لوقا فيخضعها لارتداد المخطىء. هناك فرض علينا بأن ننبّه أخانا الخاطىء. وقد قال لا 19: 17-18: "لا تبغض أحداً في قلبك، بل عاتبه عتاباً... لا تنتقم، ولا تحقد، بل أحبّ قريبك مثلما تحبّ نفسك". وقدّم متّى صورة عن مسيرة المصالحة نجد ما يشبهها في جماعة قمران.
إن نسخة لوقا دلّت على أمل كبير نؤسّسه على الخاطىء: نمهله كما أمهل الكرام التينة التي مرّت عليها ثلاث سنين ولم تثمر (13: 7-9). والإلحاح على التوبة الضرورية يبرز مهمّة المصالحة التي تتضمّن المغفرة. كما أننا لا نستطيع أن نردّ ديناً إلى شخص يرفض أن يستردّه، هكذا لا تكون المغفرة كاملة إلاّ إذا ارتدّ الآخر وطلبها. حينئذ تصبح المصالحة الحقيقية ممكنة.
قال يسوع في 12: 1: "إحذروا أنتم دوماً خمير الفريسيين". وقال في 17: 3: "إحذروا دوماً من أنفسكم". نحن هنا أمام العطاء والمغفرة. من دخل في هذا الجوّ انتبه إلى الحكم الفاسد وإلى المعثرة. ودخل في تصرّف يميّز الله الآب الذي يُنعم علينا بالأخوّة.
نعيش الغفران بين الاخوة، نؤسّس جماعة تمارس المشاركة والمغفرة. لهذا فـ "الرسل" المسؤولون عن إدخال إسرائيل وجميع البشر في عالم النعمة والرحمة، المسؤولون عن تأسيس جماعات تعيش من هذا الروح، طلبوا من الرب: "زدنا إيماناً" (آ5). هم أضعف من أن يمارسوا ويعلموا سرّ المصالحة والغفران. إنهم يحتاجون إلى إيمان كذاك الذي يقتلع الأشجار ويرميها في البحر.
ب- قراءة تفصيلية
1- تنبيه من الشكوك والمعثرة (17: 1- 13)
"قال لتلاميذه". نجد هنا التركيب اليوناني الخاص بلوقا. في آ5، سيصبح التلاميذ "الرسل". إن كلمات يسوع تتوجّه من خلال هذه التسمية المحدّدة إلى قرّاء لوقا المسيحيّين. إلينا نحن.
"لا بدّ أن تقع الشكوك". إنّ لفظة "سكندلون" تقابل في العبرية. "يقش": وقع في فخ وشرك. رج يش 23: 13؛ قض 2: 3؛ 8: 27 (هؤلاء الوثنيون يوقعونكم). أو: "كشل": عثر، زلّ، سقط. رج لا 19: 14؛ 1 صم 25: 31؛ مز 119: 165 (لا شيء به يعثرون). مع الوقت اندمجت الفكرتان فدلّتا على "سبب دمار" لشخص ما. والعثار في أقوال يسوع يُفهم انجذاباً إلى الجحود والتخلّي عن الأمانة لله ولكلمته كما أعلنها يسوع (رج 23:7: طوبى لمن لا يشكّ فيّ). ولكن تنبيه يسوع برز في عبارة عامة، لهذا لا نستطيع أن نستبعد نظرة أوسع وهي الإنجذاب إلى الخطيئة بشكل عام.
"إنما الويل". يستعمل لوقا "بلين" (رج 10: 11). هذا ما نجده في بردية 75، السينائي، الفاتيكاني، البازي. ولكننا لا نجد هذا الشكل في الاسكندراني وبعض الترجمات السريانية واللاتينية.
"خير له" رج طو 3: 6: الموت عندي أفضل من الحياة. هذا هو وضع المشكك. يتحدّث السينائي والفاتيكانن والبازي وبردية 75 عن الحجر الذي يدلّ على الأميال (اكتشف واحد في قمران. هو من البزلت) والإسكندراني عن حجر الرحى، الحجر الذي يديره الحمار. يبدو أننا بالأحرى أمام حجر الأميال. ونحن نجد حجر الرحى في مز 9: 42؛ مت 18: 6، فحاول النسّاخ التنسيق بين لوقا والإزائيين الآخرَين. يتحدّث رؤ 18: 21 عن حجر الأميال الذي رمي في البحر، فدلّ على ما سيحدث لبابل. أمّا في قض 9: 53، فلسنا أمام حجر الرحى (لماذا يوجد على السطح)، بل أمام "مدحلة" على السطح، تستعمل في الشتاء لرصّ التراب فلا تتسرّب المياه إلى الداخل.
2- كلام عن المغفرة (7: 3 ب- 4)
"إذا خطىء أخوك". قد يعني في المعنى الحرفي الأخ من الأب والأم. وفي المعنى الواسع: التلميذ. رج أع 1: 15؛ 6: 3؛ 9: 30؛ 10: 23. أما بالنسبة إلى أساس تعليم يسوع فنجده في لا 19: 17. مع العلم أنّ المغفرة لا تقف عند الاخوة والأقارب، بل تصل إلى كل إنسان على مستوى المحبة. يزيد البازي "إليك" (خطىء إليك). ويغفلها السينائي والإسكندراني والفاتيكاني. قد تكون زيدت رغبة في التنسيق مع نصوص أخرى.
"وبّخه، لمه". نحن هنا أمام تنبيه خفيف. نقول له خطأه بتهذيب. مثل هذا اللوم هو أفضل من التجريح به أمام شخص ثالث. تقول وصيّة جاد (وصيات الآباء الإثني عشر): "فيحبّ الواحد الآخر من كل قلبه. إن خطىء واحد إليك، كلّمه بسلام نابذاً سمّ البغض وغير حافظ للحقد في نفسك. فإن أقرّ بخطأه وتاب، فاغفر له". التوبة هي تبديل العقلية، تبديل الإتجاه والعودة إلى. إله العهد.
"سبع مرّات" هو عدد الكمال. هذا يعني أنه خطىء إليك أكثر من مرّة وتمادى في الخطأ. ومع ذلك، إن عاد تائباً فاغفر له. يجب أن لا يكون لغفرانك حدود. قال الإسكندراني وغيره: وعاد إليك سبع مرّات "في النهار" (تماشياً مع الشقّ الأول ف آ 4). أمّا السينائي والفاتيكاني فاغفلا في النهار وقالا فقط: "وعاد إليك سبع مرّات يقوله".
ج- تفسير النص
1- وقال يسوع لتلاميذه
يتابع لوقا خبر مسيرة يسوع إلى أورشليم، فيقدّم لنا بعض الأقوال التي لا ترتبط بالفصل السابق أو المثل السابق. هي أربعة أقوال في هذا القسم الثاني من الصعود إلى أورشليم. 17: 1- 2 أ: حول الشكّ أو حجر العثار. 17: 3 ب- 4: واجب المغفرة المسيحية. 17: 5- 6: قوة الإيمان المسيحي. 17: 7- 10: حول الخدمة المسيحية. بالإضافة إلى ذلك لا ترتبط هذه الأقوال بعضها ببعض. أقوال متنوّعة حول التلمذة. والقول الأول يشير إلى الشكوك أو حجر العثار الذي يضعه التلاميذ أمام الآخرين فيجعلهم يخطأون أو يجحدون إيمانهم.
ألّف لوقا هذه المقدّمة التي فيها يصوّر يسوع ملتفتاً إلى تلاميذه (آ 1 آ). للوهلة الأولى إن القول حول حجر العثار يرتبط بما في مر 9: 42 ومت 18: 6- 7. إن متّى يرتبط بمرقس، أمّا لوقا فلا يتطابق مع مرقس إلاّ في ثلاث عبارات "في البحر"، "حول عنقه"، "واحد من هؤلاء الصغار". وإن "الويل" في آ 1ج يشبه مت 18: 7 الذي ليس له ما يقابله في مرقس. نقرأ في النص المتاوي: "الويل للعالم من الشكوك. ومن الضروري أن تقع الشكوك. إنما الويل لمن تأتي على يده". إن التشابه بين النصّ اللوقاوي والنصّ المتاوي، يدلّ على أنّ جزءاً من لوقا يعود إلى المعين. وبما أنّ الأقوال في آ 3 ب- 4، 5، 6 تعود إلى المعين، يبدو من المعقول أن آ 1ب- 2 تعودان إلى المعين. وهذا يعني أنّ لوقا احتفظ بالترتيب الأصلي. غير أنّه تأثر بمرقس (9: 42. مقطع يقابل هذا الإهمال الصغير). لا شك في أنّه دوّن ما دوّن منطلقاً من المعين ومن مرقس في آ 1ب- 2. أمّا آ 3 أ فهي من تأليف لوقا.
إنّ الأقوال حول الشكوك تنتمي إلى عالم الشريعة. وقد رأى بولتمان في آ 2 مثلاً قديماً أخذته الكنيسة واحتفظ به لوقا بدون أن يبدّل فيه. واعتبر أنّ الجملة المرقسية "واحد من هؤلاء الصغار المؤمنين" هي شكل مسيحي لهذا المثل الذي زاد عليه متى "بي" (المؤمنين بي). أن يكون الشكل اللوقاوي المتفرّع من المعين، أقدم من مرقس، قد نقبل به. أما أن يكون أخذ بمثل قديم، فهذا أمرٌ آخر.
نبّه يسوع تلاميذه إلى أنّ الشكوك في الحياة المسيحية أمرٌ لا بدّ منه. إنّ البشر يتأثّرون الواحد بالآخر، بحيث إنّ بعض التلاميذ يخطأون بسبب خطيئة غيرهم. وأخذ تنبيهه شكل "ويل" وُجّه ضدّ الذي يكون ينبوع هدم ودمار (لا يبني). وقساوة المصير الذي ينتظر هذا الشخص هو من التعبير بحيث لا يحتاج إلى تفسير. إنه أساس التنبيه الأخير: "كونوا على حذر". لا تكونوا مثل هذا الرجل وإلاّ...
ويشير القول إلى سحر الجحود (على الآخرين) الذي يشكّل حجر عثار أمام التلاميذ الذين يُطلب منهم الصدف والثبات في الإيمان. فالتلميذ الذي دفع "أخاه" إلى العثار على مستوى الأمانة، لا يستحقّ الحياة، إنه يكدّس الخطايا على نفسه من أجل الموت. هنا نُدرك البعد الاسكاتولوجي لهذا التنبيه.
ويصوّر التلاميذ المسيحيون على أنهم "الصغار". وهي لفظة تذكّر قارىء إنجيل لوقا ب "الأطفال" في 10: 21. هم أشخاص لا عون لهم. إنهم ضعفاء على المستوى البشري.
إذا انطلقنا من السياق الحالي، لا نستطيع أن نقول من هم الأشخاص الذين تأتي الشكوك على يدهم. في أع 20: 29- 30، يلقي بولس خطبته الأخيرة على شيوخ أفسس في ميليتس، فيحذّرهم من "الذئاب الخاطفة" التي تدخل إلى القطيع، من "أناس يحاولون بأقوالهم الفاسدة أن يجتذبوا التلاميذ وراءهم". مثل هؤلاء الأشخاص هم من يذكرهم لوقا حين يورد "وبل" يسوع.
2- إذا خطىء أخوك
يتعلّق القول الثاني بواجب المغفرة، وهو ينظر إلى وضع مسيحي أخطأ في شكل من الأشكال تجاه تلميذ من التلاميذ.
عاد لوقا إلى المعين، ووجد ما يقابل نصّه في مت 18: 15، 21- 22 التي تشكّل قسماً من الخطبة الكنسيّة في الإنجيل المتاوي. يبدو أنّ لوقا حافظ على الترتيب الأصلي في آ 3 ب-4 ب. أما متّى ففصل القول الأول عن القول الثاني وأقحم بينهما 18: 16- 18 حول الإصلاح الاخوي. إن القولين في لوقا يحافظان على التوازي، وبالتالي يعكسان المعين الذي حوّله متّى.
نحن هنا أمام موضوع عزيز على قلب لوقا هو موضوع المغفرة. هناك مقاطع عديدة تتحدّث عن غفران الله للإنسان. أما هنا فنحن في اتجاه آخر هو مغفرة خطايا إقترفها إنسان ضدّ آخر، إقترفها تلميذ تجاه آخر. ما هو موقف هذا "الآخر"؟ يرى يسوع أنّه من الضروري أن نلوم المخطىء أو نوبّخه. أن ندلّه على مكامن الخطأ. فإن قَبِلَ التوبيخ أو اللوم، جاء الغفران. إن الهدف من التوبيخ هو التوبة التي يتَبعها الغفران. هنا نتذكّر الطلب الثاني في الصلاة الربية (11: 4): "إغفر لنا كما غفرنا".
وحفظ القول الثاني، فعلّم التلاميذ أن الغفران يُمنح ساعة تظهر التوبة. ولو كان ذلك "سبع" مرّات. ولو كانت أخطاء غير محدودة. وقد تكون إرادة الغفران غير مشروطة. إن سؤال بطرس في مت 18: 21 يرتبط بما في تك 4: 24: سبعاً وسبعين مرّة.
خاتمة
هذا هو معنى كلام يسوع. يحذّرنا من الشكّ، من الحجر الذي يعثر بها أخونا. فالمؤمن الصغير والضعيف قد يعثر حين يرى تصرف أحد أفراد الجماعة، فيخون المسيح وينكر إيمانه. وقد يشير بولس إلى هذه "الذئاب الخاطفة" التي تقود التلاميذ إلى الجحود. مثل هذه الظروف التي تصل بنا إلى السقوط، أمرٌ لا بدّ منه في الحياة المسيحية بسبب الشيطان (رج 22: 3، يهوذا). فالويل للتلميذ الذي يقود أخاه إلى خيانة الرب. بعد هذا، يعلّمنا يسوع كيف نتعامل مع شخص خطىء إلينا أو خطىء بشكل عام. هنا نجد الإصلاح الاخوي الذي تحدّث عنه متّى، كما نعرف أن نغفر حالما يظهر الآخر علامات التوبة. أنا خاطىء غُفِرَ لي. فإن رفضت أن أغفر لأخي أغلقت نفسي على غفران الله. أمّا إذا غفرنا للناس زلاّتهم، يغفر لنا الآب السماوي زلاّتنا. وإذا كنا رحومين مع القريب، كان الله رحوماً معنا.

 

 

الفصل الحادي والأربعون
إيمان الرسل، فاعلية ومجانية
17: 5 -10

يقدّم لوقا آيات هذا المقطع الست كأنها جواب الرب لرسله الذين يسألونه أن يزيد ايمانهم. وفي الواقع، يتضمّن هذا الجواب من جهة قولاً مجازياً (آ 6) نجده في اشكال وقرائن متنوعة عند متّى ومرقس وبولس. ومن جهة أخرى مثلاً خاصاً بلوقا (آ 7- 10). ويكفينا تفحّص سريع للنصّ لنستنتج أن القول والمثل استقلا في الأصل الواحد عن الآخر.
ندرس أولاً هذه العناصر على مستوى لوقا في الوضع وفي الشكل اللذين نجدها فيهما. ثم نعود إلى المعنى الذي كان لها في التقليد السابق.
أ- نصّ لوقا
إذا أردنا أن ندرك فكر لوقا في هذا المقطع ندرس القرائن ثم نعود إلى عناصر البناء
1- القرائن
يجعل لوقا هذه المقطوعة خلال صعود يسوع إلى أورشليم (9: 51- 19: 27)، وبالتحديد في نهاية الجزء الثاني من السفر (13: 22- 17: 10) الذي يجمع من التعاليم اكثر مما يجمع من الأحداث.
نميّز في هذا الصعود ثلاثة اجزاء. الأول، 9: 51- 13: 21. الثاني، 13: 12- 17: 10، الثالث، 17: 11- 19: 27. ونلاحظ أن كل جزء ينتهي بمثل: 13: 15- 21(مثل الوليمة)؛ 17: 7- 10 (التواضع في الخدمة)؛ 19: 11- 27 (مثل الدنانير الذهبية أو المنا).
بعد أن قدّم يسوع لتلاميذه فكرته عن المال (16: 1- 13)، توجّه إلى الفريسيين ليحدّد موقعه بالنسبة إلى الشريعة والأنبياء (16: 14- 31). ثم عاد إلى التلاميذ ليحذّرهم من الشكوك ويدعوهم إلى المغفرة الأخوية (17: 1- 2، 3- 4).
أن يتوجّه الآن إلى الرسل بعد أن كلّم محيطاً أوسع، يدلّ على انتقال إلى موضوع جوهري. كلنا يعلم الأهمية التي يعلقها لوقا على الرسل: إن التعليم المحفوظ لهم يشرف على الرسالة كلها. مثل هذا الدرس يجد مكانه في نهاية أحد اجزاء هذا السفر، وقد رآه لوقا موجّهاً كله نحو كنيسة المستقبل.
2- طلب الرسل (آ 5)
دوّن الإزائيون غالباً مقدمات مقطوعاتهم ليربطوا عناصر متعددة تلقوها من التقليد، وليحددوا موقع هذه العناصر. هذا هو وضع طلب الرسل المدوّن بأسلوب لوقاوي. مثلاً، ترد كلمة "ابوستولوس" (رسول) مرة واحدة عند كل من متّى ومرقس ويوحنا، وست مرات في لوقا، و 28 مرة في أعمال الرسل. ويتميز لوقا بتسمية يسوع "الرب " (هو كيريوس، أي مع ال التعريف).
إن آ 5 مليئة بالمعاني، وهي تقدّم عدة سمات خاصة بفكر لوقا. إنه يجعل الرسل يقدمون الطلب. هو لا يعود يتحدث عن التلاميذ كما في آ 1، لأننا أمام موضوع الإيمان. فالرسل في نظره هم الذين آمنوا بالفصح والقيامة فصارت رسالتهم دعوة لليهود والأمم إلى الإيمان "حتى اقاصي الأرض" (24: 26- 49؛ أع 1: 8؛ 15: 7؛ 20: 21).
توجّه الرسل إلى "الرب". ينفرد لوقا عن متّى ومرقس فيعطي هذا اللقب ليسوع بطريقة عادية خلال حياته على الأرض. وهو يفعل ذلك طوعاً ليدلّ على أمر هام. فإن اعطاه هنا هذا اللقب المجيد، فلأن الإيمان في نظره يتوجّه بصورة سامية إلى "الرب " الإله الذي اوحي لنا في الفصح (أع 5: 14؛ 9: 42؛ 11: 17؛ 14: 23؛ 16: 31؛ 18: 8؛ 20: 21).
إن السمة الأصيلة في آ5 تكمن في أن الرسل طلبوا من يسوع أن يزيد ايمانهم. قال الرسل: هبنا، زدنا إيماناً. يرى لوقا أن الرسل يتحلّون بالإيمان، ولكنهم لا يستخرجون كل النتائج التابعة لهذا الإيمان. قال لهم يسوع في 8: 25: "أين إيمانكم"؟
إن هذه الصلاة (زد إيماننا) لا تجد ما يقابلها في الأناجيل الا عند مر 9: 24 مع صرخة والد الإبن الممسوس: "أعن قلة إيماني". "عندي إيمان. ساعدني حتى يزيد". "ساعدني أنا غير المؤمن أو رغم عدم إيماني".
وفي ما تبقّى من مؤلّف لوقا، نرى أن الله وحده "يفتح للوثنيين باب الإيمان" (أع 14: 27)، ويطهّر القلوب بالإيمان (أع 15: 9). وهو يعطي التوبة لإسرائيل كما للأمم الوثنية (أع 5: 31؛ 11: 18). والله هو الذي سأله يسوع لكي لا يضعف إيمان بطرس (22: 32). بالإضافة إلى ذلك لا نجد نصاً في الإناجيل يقوله إن التلاميذ صلّوا إلى يسوع خلال حياته على الأرض. أما طلب الرسل الذي نقرأه هنا فيتحدّد موقعه بعد الفصح وساعة كتب لوقا إنجيله.
ولكن أي إيمان نعني؟ إنطلق عدد من الشرّاح من جواب يسوع، وتأثروا بالسياق الذي فيه وضع متّى ومرقس طلب الرسل، ففكروا بإيمان من نوع خاص، إيمان مواهبي ومتخصّص في صنع العجائب. ولكن لوقا نفسه لا يتكلم هنا على العجائب. وخلال مؤلَّفه كله لا نجد إلا إيماناً واحداً يقوم بقبول كلمة الإنجيل (8: 12- 13؛ 22: 67؛ أع 4: 4؛ 8: 12؛ 11: 21؛ 13: 12، 48؛ 14: 1؛ 15: 7؛ 17: 12-34؛ 18: 8 ب) بالإلتزام تجاه شخص يسوع (7: 5؛ 12: 46؛ 18: 8؛ 22: 32؛ أع5 : 14؛ 9: 42؛ 10: 43؛ 11: 17؛ 13: 39؛ 14: 23؛ 16: 31؛ 18: 18؛ 19: 4؛ 20: 21). إذن، لا بدّ من المحافظة على هذا المعنى في هذا المكان. ففي التعليم المسيحي الذي يقدّمه لوقا في إطار سفر يسوع، يبدو طلب التلاميذ درساً أساسياً: بالنسبة إلى الرسل، وبالأحرى بالنسبة إلى التلاميذ، الإيمان عطية من الرب يسوع يطلبها الجميع بحرارة.
3- جواب يسوع: "لو كان لكم إيمان" (آ 6)
هذه الكلمات الأربع هي أيضاً جزء من المقدّمة التي دوّنها لوقا. وما تبقّى يعود إلى التقليد وفيه يقدّم لوقا عناصر يشارك فيها متّى ومرقس كما يتفرّد بسمات خاصة به.
يعتبر يسوع أن الرسل يؤمنون. ودون أن يجيب بطريقة دقيقة إلى طلبهم، فهو يعلن قوة الإيمان: مهما كان إيمان الإنسان قليلاً فهو يستطيع بكلمة واحدة أن يقلع جمّيزة ويغرسها في البحر (او توتة. هذا ما تعنيه "سيكامينوس. هكذا ترجمت السبعينية "شكمه" العبرية. نشير إلى ان قلع الجمّيزة أصعب من قلع التوتة). صورة غريبة في عقليتنا العلمية الحديثة. ولكنها لا تدهش من اعتاد على أقوال فيها ما فيها من المفارقة، من تمثل حبة الخردل على أنها "أصغر كل الحبوب" (مر 4: 31= مت 13: 32). والجمّيزة هي نموذج الشجرة التي لا يمكن قلعها.
لسنا هنا أمام وسيلة تتيح لنا أن نصنع عجائب: فيسوع لم ينقل يوماً الجمّيزة إلى البحر، وهو لم يصنع معجزات إلا من أجل الخلاص، لا ليقدّم أعجوبة باطلة لا فائدة منها. إن كلمته تلجأ هنا إلى صورة من صور المفارقة: لا شيء يستحيل على الإيمان. وحين يورد لوقا هذا القولَ الموجّه إلى الرسل، فهو يفكر ولا شكّ بفاعلية إيمانهم الذي ملأ العالم بكرازة الإنجيل.
4- المثل: لا حقَّ للخادم (او العبد) (آ 7- 10)
هل يستطيع الرسل أن ينسبوا إلى نفوسهم استحقاق فاعليّة إيمانهم هذا؟ سبق للوقا فبيّن انهم ينتظرون زيادة إيمانهم من يسوع. وجاء المثلَ كامتداد لدرس عن اولوية النعمة.
يتركّز المثل كله على العبد (دولوس). الأجير عند لوقا هو مستيوس المذكور في 15: 17، 19. فالعبد في نظر لوقا وفي نظر قرائه، في العالم اليوناني والروماني، هو ملك صاحبه. فلا حقّ له أمام صاحبه. وحين يقوم بعمله كله، فليس له أن ينتظر شيئاً، لا اجراً ولا عرفان جميل. هذه هي ذروة المثل (آ 9).
نلاحظ أن لوقا ينفرد عن متّى ومرقس، فيستعمل كلمة "خاريس " بمعنى عرفان الجميل. يستعملها هنا وفي 6: 32، 33، 34 ("أي فضل لكم"؟). أما النصّ الموازي في متّى (5: 4 أ) فيتحدّث عن أجر وأجرة (مستوس). هذا يدلي على الأهمية التي يعلّقها لوقا على الرباطات الشخصية، لا على حق كل واحد منا.
ويتوجّه تطبيق المثل (آ 10) إلى التلاميذ. يسمّيهم لوقا عبيداً، شأنه شأن القديس بولس (أع 4: 29؛ 16: 17؛ روم 1: 1؛ غل 1: 10؛ فل 1: 6). فحين يتمّون عملهم (ما امروا به) كله، ليعتبروا نفوسهم كعبيد لا فائدة منهم.
ان كلمة "اخرايوس" تعني عادة: غير مفيد، غير فاعل، لا يعطي ثمراً. مثل هذه المعاني لا توافق المثل حيث العبد قدَّم خدمات حقيقية. لهذا لا نجد هذه الصفة في السريانية السينائية وفي نصّ مرقيون. إعتبر بعض الشرّاح "اخرايوس" أنها زائدة واقترحوا حذفها لأنها صعبة ففرضوا نفسهم على النصّ الإنجيلي ولم يحاولوا ان يفهموه. واقترح آخرون بأن يترجموها: غير أهل، مساكين. ولكن لماذ نتبع منطقنا الخاصّ ونضعف هذا القول العنيف؟ فيسوع لا يخاف المفارقة (رج 16: 17: زوال السماء والأرض؟ 18: 25: مرور الجمل في ثقب الأبرة) ولا التعارضات (رج 10: 5-6 و12: 51؛ 14: 26 و18: 20). وها هو يبين في هذا المثل أن لا حقّ للعبد على معلّمه بعد كل المجهود الذي قام به. فليقرّ الرسل هم أيضاً أنهم "غير نافعين" أمام الله: فله وحده المبادرة وهو الذي يعطي الفاعلية لرسالتهم (رج ا كور 9: 15- 18).
5- فكر لوقا
حين كتب لولا إنجيله كان الرسل قد أسسّوا الكنيسة. فحمل كلامُهم وعملهم ثماراً في كل البلدان المحيطة بالبحر المتوسط.
هذا النجاح هو ثمرة إيمانهم. إنه قوة ضعيفة وهو يشبه حبة الخردل. ولكنه بدأ يحوّل العالم. وهذا الإيمان ايقظه يسوع وحده بمجيئه وكلمته. وبعد قيامته سيكون الوحيد الذي يحركه وينميه ويزيده. هذا ما أقرّ به الرسل وأعلنوه: كل فاعلية عملهم هي منه لا من نفوسهم. قال بطرس: "لماذا تنظرون إلينا كأننا بقدرتنا او تقوانا جعلنا هذا الرجل يمشي" (أع 3: 12؛ رج 4: 7- 12)؟
الآن، لم يعد من رسل. ولوقا يقدّم هذا الدرس للذين ورثوا إيمانهم: ليقتنعوا من فاعلية إيمانهم، ليطلبوا هذا الإيمان بتواضع، وليروا في ثماره عمل الرب الإله.
إن لوقا الذي يشدّد على أن الإيمان هو نعمة، لا يلغي كل فكرة عن المجازاة. فهو يشير، شأنه شأن متّى ومرقس، إلى تلك التي وعد بها يسوع: أجر (مستوس) يعطى للمضطهدين من أجل ابن الإنسان (6: 23: إن أجركم عظيم في السماء)، للذين أحبّوا أعداءهم (6: 35). كيل ملآن مكبوس ومهزوز يُعطى للذين يعطون بسخاء (6: 37- 38). مجازاة كبرى للوكلاء الأمناء (12: 42- 44؛ 19: 17- 19). ثمار التجرد التي تقدّم المكافأة في يوم الأبرار (14: 14)، وتنيلنا اضعاف ما تركنا في هذه الدنيا، وفي الآخرة الحياة الأبدية (18: 30؛ رج 12: 33- 34). إن أمانة الوكيل الأمين هي حقيقية وستنال جزاءها، ولكنها غير موجودة من دون مبادرة الرب الذي يوقظها ويحركها ويقودها ويكملها. عندما يكون التلميذ أمام الرب، فلا يحاول أن يطالب بحقّه مثل الفريسي الذي تحدث عما يفعله لربه (18: 11- 12). عليه أن يسلّم نفسه بكليتها إلى النعمة. هذا هو بالحقيقة فعل الإيمان الذي يضعه لوقا في فم بولس (أع 13: 38- 39؛ رج فل 3: 4- 9).
ب- التقليد السابق للوقا
ونحاول الآن أن ندرك شكل ومعاني العناصر التقليدية التي جمعها لوقا وقدّمها في هذا المقطع.
1- "لو كان لكم إيمان" (آ 6)
نجد قوله يسوع هذا في عدة مقاطع من العهد الجديد وفي أوضاع وأشكاله مختلفة جدّا.
* مت 17: 20. يورده متّى بعد اخراج الشيطان من ولد يقع في النقطة. يورده جواباً على سؤال التلاميذ حوله عجزهم عن طرد الشيطان. يلتقي هذا النصّ بنصّ لوقا 17 حول الكلمات: "لو كان لكم إيمان بمقدار حبة الخردل، لقلتم لهذا الجبل". ولكن متّى يتحدث عن "نقل الجبل" لا عن قلع جميزة وزرعها في البحر.
* مر 11: 22- 23، يجعلنا مرقس هنا خلال إقامة يسوع في أورشليم، ويستنتج درساً من حدث التينة اليابسة. إن التعبير يختلف كل الإختلاف عمّا في النصّ السابق.
* مت 21: 21. نجده عند مر 11: 22- 23 بإطاره وعباراته المتنوعّة: الحقّ أقول لكم... تقولون لهذا الجبل... إنقلع وانطرح في البحر. ولكنه يختلف اختلافاً واسعاً ببدايته القصيرة.
* 1 كور 13: 2. يلمّح القديس بولس ولا شكّ إلى هذا القول: "لو كان لي الإيمان حتّى أحرك الجبال". ولكنه لا يقدّم لنا أية معطية عن قرائنه الأصلية.
من الواضح أن قول يسوع وصل إلى كتَّاب العهد الجديد عبر تقاليد مختلفة. ومن الصعب أن نعيد بناء هذه التقاليد وإبراز قيمتها النسبية. فعلى مستوى الإختيار بين الصورتين، "نقل الجبل"، "قلع الجميزة وغرسها" يختلف الشرّاح. بعضهم يعتبر أنّ الصورة الأولى هي الأقدم لأن مرقس ومتّى وبولس يشهدون لها، ولأنها تجد لها سنداً في العهد القديم (مز 46: 3؛ أش 54: 10) كما في العالم اليهودي. والآخرون يبرزون في صورة الجمّيزة أصالتها وتقاربها من بعض نصوص الرابانيّين. ومهما يكن من امر، فمختلف التقاليد تعود إلى قول على الإيمان الذي يغلب المستحيل. وفي الإطار العام للرسالة الإنجيلية، سيكون هذا الإيمان تقبلاً للتعليم عن الملكوت والتزاماً من أجل يسوع المسيح.
لا نستطيع أن نحدد الوضع الذي فيه قيل هذا القول، وقرائن العهد الجديد مختلفة. أما الصور بما فيها من مجاز ومفارقة، والإهتمام بالإيمان، يجعلاننا ننسبها إلى المعلم نفسه الذي وجهها بلا شك إلى الذين آمنوا برسالته.
2- العبد الذي لا يعطي انتاجاً (آ 7- 10)
إذا أردنا العودة إلى الشكل الأصلي للمثل، لن نجد كما في القول السابق موازاة مع متّى ومرقس. إذن، يبقى علينا أن نحصر درسنا في النقد الداخلي: آثار تدوين لوقا في لغة النصّ، تماسك البنية.
يقدّم المثل عدة عبارات تميّز اسلوب لوقا. "شمّر عن ساعديك" (باريزونيناي). نجدها ثلاث مرات عند لوقا ولا نجدها في سائر الأناجيل. وهناك عبارة "وبعد هذا"، "أكل وشرب"، "عرفان الجميل" "أمر".
وتقدم بنية النصّ سمة أخرى. نجد في أمثال يسوع بناء في ثلاثة أقسام حسب الرسمة الأصلية التالية: 1- من منكم؟؛ 2- واجد نفسه او وجد نفسه في ظرف ما؛ 3- يفعل او لا يفعل هذا الشيء.
وفي المثل الذي ندرس نجد بعد القسم الثاني (إن كان له عبد) ثلاث طلبات: 1- يقول له: أسرع واجلس للطعام (آ 7 ب)؛ 2- ولكن ألا يقول له... (آ 8)؛ 3- هل يعترف بجميل ذلك العبد... (آ 9). نحن هنا أمام موازاة تعارضية عرفها الشرق القديم. إنطلق منهـا لوقا فقدم فكرة عرفان الجميل.
من الواضح أن المثل يود أن يقنع قرّاءه من وضعهم كعبيد، مع العلم أن الوسط الفلسطيني لم يكن قاسياً تجاه العبد كالوسط اليوناني والروماني: فالشريعة تمنح العبد بعض الضمانات، فتنهي خدمته بعد ست سنوات (خر 21: 2). ولكن أفضل الشرائع لن تجد من يطبّقها. ومهما يكن من امر، فالعبد لا يملك عمله بل لا يملك نفسه. إنطلق المثل من هذا الوضع فصوَّر وضع المؤمن أمام الله. نحن نستطيع ان نقرب هذا الدرس من قول رابي انطيغون ده سوشو: "لا تكونوا كعبيد يخدمون سيدهم وهمهم ان ينالوا أجراً، بل كونوا كعبيد يخدمون سيّدهم ولا يفكرون بهذا الأمر". غير أن روح الخدمة المجانية ظل نادراً في وسط يسوع حيث هم المجازاة سيطر على التلاميذ أنفسهم (رج مت 19: 27: ماذا يكون نصيبنا؟). إن أصالة الفكرة ومفارقة العبيد غير النافعين هما إشارة إلى تجذر المثل في حياة الكنيسة.
إلى من وجّه المثل؟ إلى الخصوم، إلى الجمع، إلى التلاميذ، إلى الرسل؟ كلهم كانوا بحاجة إلى نظرة يسوع هذه. ونحن أيضاً حين نريد ان نمنّن الرب لعمل قمنا به أو حين نطلب اجراً شأننا شأن التجار.
خاتمة
عاد عنصرا هذا النصّ (أي القول والمثل) إلى يسوع الذي قد يكون تفوّه بهما في أوقات مختلفة. أراد بالقول أن يعلّم التلاميذ عن قدرة الإيمان التي تغلب المستحيل. وقدم بالمثل تعليماً إلى جماعة واسعة عن ضرورة المجانية المطلقة في خدمة الرب.
وطبع التقليد هذا الكلام بطابعه فاستعمله من أجل أهدافه. وفي النهاية، طبّقه لوقا على الرسل ليدلهم فيه على شريعة الإيمان. فالإيمان هو حياة كل تلميذ: سيرى فيه عطية من الرب فيصلي لكي تنمو فيه. وإذ يبقى متأكداً من قوة الإيمان، ينسب فاعليتها دوماً إلى الرب.

 

 

المحطّة الثالِثَة
17: 11- 29: 27

"وفيما هوَ شاخِصٌ إلى أورشليم، جَاز على حُدود السَّامِرة وَالجليل." (17:11)



نقرأ في المحطّة الثالثة الفصول التالية:
1- غريب مدعوّ إلى الخلاص، 17: 12- 19. 
2- يوم ابن الإنسان، 7 1: 20- 37.
3- الأرملة والقاضي، 18: 1- 8.
4- الفريسي والعشّار، 18: 9- 14.
5- يسوع والأطفال، 18: 15- 17.
6- نترك كلّ شيء ونتبع يسوع، 18: 18- 30. 
7- الانباء الثالث بالآلام، 18: 31- 34.
8- أعمى أريحا، 18: 35- 43.
9- زكا، الكنيسة وبيت الخطأة، 19: 1- 10. 
10- مثل الدنانير الذهبية، 19: 11- 27.

 

 

الفصل الثاني والأربعون
غريب مدعوّ إلى الخلاص
17: 12- 19

أ- الإطار العام: لاهوت لوقا
إتبع لوقا أسلوباً أدبياً فوزعّ مجموعة 9: 51- 19: 27 بعدد من الردّات تعود دوماً فتعيد انتباهنا إلى ما هو جوهري. وهناك ردّتان نجدهما في هذه المقطوعة التي ندرس الآن. الأولى ظاهرة للعين بحيث تشكّل عنواناً لهذا القسم: الصعود إلى أورشليم (رج 9: 51، 53، 57؛ 10: 1؛ 13: 22، 33؛ 17: 11). هل نحن، كما يظنّ البعض، أمام إشارة جغرافية؟ ولكن تكرارها يجعلنا نشكّ ونرتاب. وحين نقرأ في 18: 31، ساعة يستعيد لوقا سلسلة أخبار مرقس التي تركها، نرى أننا لم نترك مكاننا. قال يسوع: "ها نحن صاعدون إلى أورشليم". وهذا ما يدفعنا إلى القول أننا أمام إشارة لاهوتية. كل هذه المجموعة قد وُضعت في إطار مسيرة يسوع إلى موته وتمجيده، وفي إطار خلاص الذين يتبعونه.
والردة الثانية هي ذكر السامرة، وهي لا تلفت انتباهنا. ولكننا نجدها في هذا النصّ، ثم في 9: 52 (دخلوا قرية سامرية) و10: 1 (كل مدينة أو موضع عزم أن يذهب إليه). وينتهي ف 10 بمثل السامرقي الصالح. ثم نلاحظ أنّ لوقا ويوحنا يتكلّمان وحدهما بين كتّاب العهد الجديد بمحبّه عن السامريين. نحن هنا كما في "الصعود إلى اْورشليم" أمام إشارة لاهوتية لا جغرافية. إن لوقا يتبنّى اهتمامات المسيحيين الهلينيين (يتكلّمون اليونانية) بحمل البشارة الى المسكونة كلها. هذا ما نجده في سفر الأعمال. وإنّ موقف يسوع تجاه السامريين يسمح للهلينيين بأن يدافعوا عن حملهم البشارة بصورة مباشرة إلى الوثنيين.
ومهما يكن من أمر، من الواضح في سفر الأعمال أنّ الكرازة في السامرة هي المرحلة الأولى بعد الخروج من العالم اليهودي. إنها تلعب دور انتقال: ليس السامريون وثنيين، ولكنهم لم يعودوا يهوداً. ليسوا بيهود حسب المعنى الديني للكلمة، ولكنّهم انشقّوا عن العالم اليهودي. وفي منظار لوقا، حمل قبولهم الخلاص بيسوع أملاً إلى اللايهود، وإلى الوثنيين ودعوة الى الخلاص. إذن ليس بمستحيل أن يرمز السامريون، بشكل من الأشكال، إلى الوثنيين في نظر الهلينيين. وهذا ما يعلنه لوقا بعبارة واضحة في النصّ الذي ندرس.
ب- السياق المباشر
جعل لوقا خبر شفاء البرص العشرة بين سؤال طرحه الرسك عن الإيمان، واَخر طرحه الفريسيون عن مجيء ملكوت الله. شدّد يسوع من جهة على قدرة الإيمان الذي ينال ما يشاء من الله وعلى ضرورة الخدمة المتواضعة: ما يحصله لنا الإيمان هو نعمة لا عنوان فخر. وقال يسوع في جوابه إلى الفريسيّين: "ملكوت الله هو بينكم". فحيث يكون شخص يسوع وحيث يقدر أن يمنح الخلاص بفضل الإيمان، هناك يوجد ملكوت الله منذ الآن.
ج- شفاء البرص العشرة
توقّف عشرة برص على مدخل إحدى الاترفى. لا يهتمّ لوقا لإسم القرية. لا يحقّ لهم أن يدخلوا ويختلطوا بالناس. إنّ موقفهم يوافق الشريعة المعمول بها. وسيوافق موقف يسوع أيضاً التشريع فيرسلهم إلى الكهنة: "إذهبوا إلى الكهنة وأروهم أنفسكم" (آ 14).
1- إيمان البرص (آ 13 ب)
إيمان عجيت لدى هؤلاء الرجال التعساء! تألفّت صلاتهم من ثلاث كلمات فقدّمت لنا عمق تعليم القديسة لوقا.
أولاً: يا يسوع
إذا كان الإيمان هو لقاء بين شخصين في حوار بين "أنا" و"أنت"، فحوارهم كامل هو: يسوع، نحن. صار ضمير المفرد المتكلّم (أنا) ضمير الجمع (نحن)، فدلّوا على أنهم يتشاركون في الألم نفسه والخطيئة نفسها.
هذه الطريقة بتسمية المسيح باسم "يسوع" في نداء صلاة هي قليلة جداً في العهد الجديد، لا نجدها إلاّ ثلاث مرّات في مرقس وخمس مرّات في لوقا. ما نجده عند مرقس (مرّتين في فم الشياطين، ومرّة على شفتي أعمى أريحا، مر 10: 47) نجده كله عند لوقا. ويبقى إستعمالان خاصّان بلوقا: البرص في هذه المقطوعة، ولصّ اليمين في 23: 42: "أذكرني يا يسوع متى جئت في ملكوتك". سنتوقّف قليلاً عند حدث اللصّ، لأن لوقا، على ما يبدو، قابل بينه وبين هؤلاء البرص.
هزىء اللصّ "الرديء" (لصّ الشمال) بيسوع: "أما أنت المسيح! خلّص نفسك وخلّصنا". وحين قال "خلّصنا" فكّر بخلاص مادّي صرف. أي ينزل عن الصليب ويتحرّر من آلامه. والجواب نجده في إيمان اللصّ الصالح (لصّ اليمين): "يا يسوع، أذكرني". هذا أول ارتداد أثاره صليب يسوع. وسيتجاوب يسوع مع هذا الإيمان فيمنح اللصّ الخلاص الحقيقي: "منذ اليوم تكون معي". لا يقوم الخلاص الحقيقي بأن ينزل اللصّ عن الصليب بل أن يقبل بالصليب مع يسوع. فبدل أن نبحث عن هروب خارج الشرّ البشري، يجب أن ننضمّ إلى يسوع عبر طريق الألم. هكذا يُبرز الإنجيلي الخصب الخلاصي لذبيحة المسيح: أشرك اللصّ منذ ساعة موته في مصير يسوع.
يبدو أنّ لوقا رأى مقابلة بين هذه الحالة وحالة الأبرص العاشر الذي يسير مسيرة الإيمان حتى النهاية. إنه سامري. واستعمال لفظة "يسوع" في الحالتين يلفت انتباهنا إلى وضع مشابه. ففي سياق موت يسوع (على الصليب) أو في السير نحو الصليب، نحن أمام خاطئين (في العقلية الشرقية يرمز المرض إلى الخطيئة، وبالأحرى البرص) يناديان يسوع لينالا التحرّر (من اَلامهما الأرضية)، ولكنهما يحصلان على أكثر مما طلبا وأفضل: الخلاص بالدخول في "الفردوس" أو في ملكوت الله الذي هو منذ الآن "بينكم" (17: 21).
وحصلا على هذا الخلاص حين ناديا يسوع باسمه. نحن نعرف أهمية الإممم في النظرة القديمة. يرد إسم يسوع نادراً في الأناجيل كما قلنا، ولكنه يتواتر في سفر الأعمال. وعرفت كنائسنا الشحرقية "الصلاة ليسوع". ندعوه باسمه فقط أو في عبارة طويلة مثل هذه: "أيها الربّ يسوع المسيح ابن الله إرحمني أنا الخاطئ". صلاة بسيطة يردّدها الراهب أو المؤمن طوال نهاره بل طوال حياته فترافق كلماتها تنفّسه.
ثانياً: يامعلّم
يتفرّد لوقا في العهد الجديد حين يجعل الناس يسمّون يسوع بهذا اللقب ليعلنوا قدرته. هكذا سمّاه بطرس قبل الصيد العجيب (5: 5)، وألقاه الرسل كنداء إنى النجدة وسط العاصفة (8: 24). واستعمل بطرس مرّة ثانية هذا اللقب ليتحدّث إلى الرب المتجلّي (9: 33). وقاله يوحنا بدوره ليعبّر أمام يسوع عن تعجّبه حين رأى شياطين تطرد باسمه على يد رجل غريب عن مجموعة الرسل (9: 49).
إذن، يتخذ هذا النداء "يا معلّم" على شفاء البرص معنى قوياً جداً: إنهم يرفعون دعاءهم إلى الذي هو سيّد العناصر، إلى ذلك الذي إسمه يأمر القوى الجهنّمية.
ثالثاً: إرحمنا
هذا هو نداء التعاسة نوجّهه إلى من يقدر أن يغيثنا. إنه صراخ البرص والعميان في الإنجيل: "يا يسوع ابن داود إرحمنا" (مت 9: 27؛ رج لو 18: 38- 39). وهذا الصراخ يتردّد بدون انقطاع في مزامير التوسّل (مز 31: 10؛ 51: 3).
بهذا الصراخ ننادي الله وننادي ما فيه لا يخيبنا: رحمته، حنانه، نعمته. كلمتان يونانيّتان تقابلان "حنن" و"حسد" في العبرية، وهما تعيداننا إلى التحديد الذي أعطاه الله لموسى عن نفسه: "الله رحوم وحنان، غني بالرحمة والأمانة" (خر 34: 6). صورة الحنان هي فعلة الذي ينحني بمحبة نحو صغير أو فقير. والله هو الذي يرحم. انه يحبّ كما يحبّ العريس عروسه. هذا الحنان ينشده لوقا في نشيد المباركة ونشيد التعظيم.
إذا توجّهنا في الله إلى هذه العاطفة التي تشارك فيها أم تنحني على ابنها لتغفر له، أو عروسان يشهدان على حبّهما، فكيف يردّنا خائبين؟
لهذا سيرى يسوع أنّ إيمان هؤلاء البرص كافٍ لكي تتم المعجزة من أجلهم.
2- الشفاء (آ 14)
حسب التشريع، يعود إلى الكاهن أن يتأكد من المرض كما من الشفاء في حال أصاب الإنسان داء البرص. من الواضح هنا أن هؤلاء البرص قد ذهبوا إلى الكاهن الذي تعرّف إلى مرضهم. فذهاب آخر إلى الكاهن لا معنى له، إلاّ إذا وجب عليه أن يتاكّد من شفائهم. ولهذا جاء أمر يسوع "إذهبوا إلى الكهنة وأروه أنفسكم" كأنه وعد بالشفاء.
فبدل أن يشفيهم أولاً ثم يرسلهم يتأكدودن من شفائهم (رج 5: 14)، يبدو أن يسوع أراد أن يمتحن إيمانهم. وهذه المحنة قريبة من تلك التي فرضها اليشاع على نعمان السوري (2 مل 5). لم يتحرّك النبي من مكانه بل أرسل من يقول لنعمان: "إذهب واغتسل سبع مرّات في الأردن" (آ 10). كاد نعمان يضعف في إيمانه ويمرّ بقرب المعجزة دون أن يستفيد منها.
أمّا البرص فآمنوا حالاً بكلام يسوع. نحسّ أن لوقا يهتمّ هنا بإرشادنا: حين نتمّ كلمة يسوع نحصل على ما طلبنا: "طوبى للذين يسمعون كلمة الله ويعملون بها" (11: 28). إن لوقا يكشف لنا هنا كما في موضع آخر عن "الإلتزام الشخصي".
أمّا المعجزة بحدّ ذاتها، فلم يمكن أن يرويها راوٍ بطرايقة أكثر إيجازاً: "وبينما هم ذاهبون طهروا". نتأمّل عمل يسوع الخفي في معجزاته. إنه يختلف عن "صانعي العجائب" في العالم اليوناني أو الأوساط الرابانية فيما بعد. إنهم يكدّسون التفاصيل الغريبة بل المضحكة. أما يسوع فيجترح المعجزات التي طلبت منه بإلحاح بصمت وخفاء. وهذا ما يؤكّد لنا أننا أمام واقع تاريخي: لا شيء يُقال من أجل ممالقة صانع العجائب!
ونلاحظ من الوجهة الأدبية أنّ لوقا يكتفي بأن يشير إلى الأعجوبة بصورة عابرة. والسبب: لأنه يريدنا أن نبحث عن هدف خبره في وجهة أخرى. وهذا ما نكتشفه في ردّة الفعل التي حرّكها هذا الشفاء.
د- خلاص من أجل غريب (آ 15- 19)
هذا هو فنّ لوقا بأن يجعلنا ننتظر لنتعرّف إلى هذا الأبرص الذي انفرد عن رفاقه. قبل أن يقول لنا من هو هذا الأبرص يجعلنا نتعجّب من إيمانه. ولهذا لن نكون إلاّ موضوعيين حتى ولو كنّا لا نحبّ السامريين.
وانطلاقاً من موقف الرجل المصوَّر هنا، ومن كلمات يسوع فيه، سيسهل علينا أن نعرف من كان يسوع بالنسبة إلى هذا السامري. ولكن لوقا يقول لنا أيضاً من كان هذا السامري في نظر يسوع، أو بالأحرى إلى ما كان يرمز. وهذا الأمر ستكون له أهميته لنفهم الهدف الذي يوصلنا إليه الخبر: "إيمانك خلّصك".
1- من هو يسوع بالنسبة إلى السامري أو إيمان السامري
قبل أن نفصل مضمون إيمان السامري يجب أن نقدم ملاحظة هامة. يحصل لنا أن نقوم بأعمال لا نفهم كل بعدها إلاّ فيما بعد. مثلاً، الخطيبان اللذان يقولان "نعم" يوم زواجهما لا يعرفان بعد كل الغِنى الذي يتضمّن هذا "النعم". فبعد أن يعيشا حياة طويلة عبر الأفراح والآلام المشتركة يفهمان. فإذا أرادا في نهاية حياتهما أن يتذكّرا "نعم" بدايتها، فهل يكتفيان في ذلك الوقت بأن يعبّرا عمّا أحسّا به في يوم تبادل النعم؟ لا شكّ في انهما سيضعان في هذه الساعة الأولى كل ما كشفته لهما حياة بشرية كاملة.
وأمام المعطيات التي بين أيدي الإنجيليين، كان عليهم أن يختاروا ما يدوّنونه في كتابهم: جاء هذا السامري يشكر يسوع، وفي فعلته ما فيها من نبل. من جاء يشكر؟ جاء أقلّه إلى "نبي" بل إلى "النبي" (مع ال التعريف) أي المسيح المنتظر. ومهما يكن من أمر، محض ثقته لهذا الإنسان وحين عرف بعد قيامة يسوع وكرازة الرسل أنّ هذا الإنسان هو "ابن الله"، فهم ان فعل إيمانه في ذاك الوقت كان أغنى بكئير مما ظنّه. إذن، نحاول هنا أن نفهم ما يقول لنا لوقا عن إيمان السامري، وإن ألبسه عواطف لم يحسّ بها إحساساً واعياً ساعة شفاه يسوع.
أولاً: ان يسوع ينتمي إلى العالم الإلهي
لا نجسر أن نكتب: يسوع هو الله. ولكن لا بدّ أن نفعل. وهناك عبارتان تدعواننا إلى هذا الموقف: الأولى: إرتمى على وجهه على قدمي يسوع، إرتمى على الأرض. إن الإرتماء على الأرض هو علامة احترام عميق. فإذا وضعنا 5: 12 جانباً (نحن أمام أبرص) فهذا لا يُصنع في العهد الجديد إلاّ أمام الله. مثلاً مت 26: 39؛ 1 كور 14: 25؛ رؤ 7: 11؛ 11: 16.
العبارة الثانية: "وهو يشكره". يرد هذا الفعل 40 مرّة تقريباً في العهد الجديد ومفعوله دائماً الله (ما عدا مثلين دنيويين في روم و1 كور). يعبّر النصّ عن المفعول (نشكر الله) أو يتضمّنه كما في خبر العشاء السرّي وتكثير الأرغفة (شكر). نحن هنا أمام عمل ليتورجي، أي الافخارستيا، وهدفه لا يكون إلاّ الله. وهنا يوجّه الأبرص هذا العمل الليتورجي إلى يسوع.
ويقرّ الشرّاح جميعهم بالرّنة الليتورجية في هذه العبارة الأخرى: "وهو يمجّد الله". ولكن يبدو أن لوقا أراد أن يشير إلى أكثر من ذلك.
ثانياً: يسوع هو الهيكل الحقيقي الذي فيه نمجّد الله
يظنّ بعضنا أنّ البرص التسعة رجعوا إلى بيوتهم دون أن يمجّدوا الله. هذا ما لا يقوله لوقا. ولكن نستطيع أن نقول بشكل معقول إنهم تابعوا طريقهم حتى هيكل أورشليم ليروا نفوسهم للكاهن ويمجّدوا الله.
أمّا السامري فأحسّ أنّ الطاعة لأمر يسوع تتضمّن أكثر من حفظ مادّي لكلماته: إن أراد أن يمجّد الله وجب عليه لا أن يتابع طريقه إلى أورشليم، بل أن يعود أدراجه إلى يسوع. ووافقه يسوع على فعله: "أما كان فيهم من يرجع ليمجّد الله"؟ لقد أراد لوقا، ولا شك، أن يشدّد على هذه الفكرة: منذ الآن، المكان الوحيد الذي فيه نمجّد الله بصورة مقبولة هو قرب يسوع.
وإن لم يدعُنا أي تقارب أدبي، إلاّ أننا نشير إلى مشهد اَخر حصل في السامرة عند بئر يعقوب حيث كان يسوع في حوار مع السامرية (4: 20- 26: العابدون لله).
ثالثاً: يسوع "كاهن"
"إذهبوا إلى الكهنة وأروهم". ثم أعلن يسوع أن الذي لم يذهب، بل عاد إلى يسوع، هو الذي فهم. هل يريد لوقا أن يشير إلى أنّ الكاهن الحقيقي الواحد الذي إليه نذهب بعد الآن هو يسوع؟
رأى الشرّاح أن لوقا أراد أن ينهي إنجيله في رؤية يسوع، الكاهن الأعظم، الذي يبارك تلاميذه: "خرج يسوع مع رسله إلى بيت عنيا ورفع يديه وباركهم. وبينما هو يباركهم، إنفصل عنهم ورُفع إلى السماء" (24: 50- 51).
إن لفظة "بارك" أحداً وهي المعروفة لدى المسيحيين بحيث لم يعودوا يعيرون انتباههم لها، لا تعود إلاّ هنا في كل العهد الجديد. ولا نجد في سائر الأمكنة إلاّ: بارك الله. والحال أن نصّي العهد القديم الوحيدين اللذين يستعملان كلمة "بارك" في المعنى عينه، يرتبطان بالكهنوت. الأول: لا 9: 22- 24 (تكريس الكاهن الأعظم). والثاني خاصة: سي 50: 20 (يصور سمعان الكاهن الأعظم وهو يبارك الشعب في يوم كيبور، التكفير العظيم).
فحين يتحدّث لوقا عن هذه المباركة في يوم الصعود، فهو يلمح إلى كهنوت المسيح. إنه يصوّر بمواد العهد القديم وأشكال التقليد البيبلي القديم، آخر ظهور للمسيح بشكل رؤية: المسيح يبارك أخصاءه كما يفعل الكاهن في نهاية الليتورجيا.
في هذا الإفتراض، قد نجد هنا تلميحاص آخر إلى هذا الموضوع في لوقا.
لقد عرف لوقا بفضل ما حمله إليه التفكير اللاهوتي في جماعته، وبفضل ما اكتشفه بنفسه من يسوع، عرف أن يكتشف في إيمان الأبرص الذي شفي كل ما يتضمّنه من غِنى. ولكننا لم نصل بعد إلى المعنى الأساسي: فالهدف الأساسي لخبره يرتبط في النهاية بما فكر يسوع بهذا السامري.
2- من هو السامري بالنسبة إلى يسوع، وإلى مَ يرمز
يبدو هنا أيضاً أنه يجب أن نميّز بين فكر يسوع ساعة حصل هذا الحدث والتوضيح الذي قدّمه الرسل عامة ولوقا بصورة خاصة.
"كان سامرياً". حين راَه يسوع عائداً، أعلن: "أما كان فيهم من يرجع ليمجّد الله سوى هذا الغريب"؟ تظاهر يسوع أنه ينظر إلى هذا السامري، لا في وجهه الطبيعي، كأخ منشق، بل في وجهه كغريب أي "وثني". في البداية كانت المجموعة مؤلّفة من عشرة برص يهود وسامريين. بالنسبة إلى يسوع (أو لوقا) كانت هناك مجموعتان تسعة يهود ووثني واحد. والغريب وحده (أي الوثني) رأى في يسوع مرسل الله. نكتشف هنا الإهتمام المسكوني لدى لوقا. صار هذا الرجل في نظره رمزاً إلى الوثنيين الذين يدخلون قبل (13: 28- 29) اليهود إلى ملكوت الله لأنه تعّرفوا إليه. أعلن بولس لليهود في رومة: "فاعلموا إذن أن الله أرسل خلاصه إلى الوثنيين. وهم سوف يستمعون" (أع 28: 28).
فالوجهة الدفاعية والهجومية (التي يتوسّع فيها متّى في أمثال عديدة) ليست غائبة من هذا النص. ولكن لوقا قد أراد أن يشدّد بالأحرى على الوجهة الإيجابية: الرسالة الى الوثنيين (كما رأى الهلينيين ومعلّمه بولس يمارسونها) هي جزء لا يتجزّأ من رسالة يسوع. ولكن يسوع أعلن عنها ودشَّنها. فيبقى على الكنيسة أن تكمّلها. وسيقول يسوع بعد قيامته ملخّصاً رسالته كما قرأها في الكتب المقدّسة: "هذا ما كتب، وهو أن الصبح يتألم ويقوم من بين الأموات في اليوم الثالث، وتُعلن باسمه بشارة التوبة لغفران الخطايا إلى جميع الشعوب ابتداء من أورشليم" (24: 46- 47). أتمّ يسوع بنفسه القسم الأولى من رسالته. وسيتمّ الثانية بواسطة كنيسته. وهذا ما سيرويه لنا لوقا في سفر الأعمال.
لقد أعلن يسوع هذه الرسالة. هنا نتذكر أهمية خطبة يسوع في مجمع الناصرة كما صوّرها لوقا: إنها خطبة تدشينية تقابل عظة يسوع على الجبل في إنجيل متّى (لو 4: 18-27). وهذه الخطبة تنتهي بجملة سوف تثير غضب السامعين: "كان في إسرائيل كثير من البرص في زمن النبي اليشاع، فما طهر أحد منهم إلاّ نعمان السوري" (4: 27).
إن هذه الرسالة التي أعلنها يسوع بهذا الشكل، سيصوّرها لنا لوقا هنا وسيقول لنا كيف يدشّنها يسوع. نلاحظ تشابهات هذا الخبر مع خبر شفاء نعمان. والتقارب مع خطبة الناصرة (نعمان السوري) يجعل الامر أكيداً.
إذا كان لوقا بيّن لنا بهذه الفعلة الرمزية بلوغ الوثنيين إلى الخلاص بواسطة يسوع، يبقى له أن يقول لنا كيف يتحقّق هذا الخلاص. وهكذا نصل إلى "هدف" الخبر.
3- الخلاص بالايمان
"قم واذهب، إيمانك خلّصك" (اَ 19). لقذ أراد لوقا أن يوصلنا إلى هنا، إلى الإيمان الذي يمنح الخلاص. لنتوقّف عند الكلمات قبل أن نستخرج التعليم الذي يريد أن يوصله الإنجيلي إلينا.
أولاً: قم واذهب
لفظتان يحبّهما لوقا حبّاً خاصاً. وهذا التواز يدعونا إلى أن لا نضغط على المعنى لنستخرج منه أكثر مما يحمل، بل أن نبحث عن المناخ الذي تعطيه هاتان اللفظتان لمؤلّف لوقا كله.
* " قم". يتحمّل فعل "اناستامي" معاني عديدة، من المعنى البسيط الذي يمكن أن نهمله في الترجمة (إذهب وافعل ذلك. أو: إفعل ذلك) إلى المعنى القوي جداً الذي يدلّ على القيامة من بين الأموات. ويعطيه السياق بعض المرّات معنى إرشادياً. مثلاً، في النزاع، قال يسوع للرسل النائمين والذين يتعرّضون للدخول "في تجربة": "قوموا، صلّوا". فالحياة المسيحية هي جهاد (يدلّنا لوقا على يسوع في الآلام وكأنه "محارب" ينتصر على الشرّ بثباته وصبره). فإذا أردنا أن نحارب نكون واقفين.
* "إذهب". نقول عن هذا الفعل الملاحظة التي قلناها عن فعل "قام". فهناك المعنى البسيط، ولكنه يدلّ أيضاً على "الصعود" إلى أورشليم. لا نستطيع أن نفسره في هذا المعنى القوي في كل النصوص. ولكن لا شك أن تكراره عند لوقا يعطيه طابعاً ديناميكياً: نحن في مسيرة. ويحدّد لوقا الحياة المسيحية على أنها "الطريق" (طريقة حياة، مذهب) (أع 9: 2) فيكون كلامه صدى لكلام يسوع الذي سمّى نفسه "الطريق" (يو 14: 6). فالمسيحية هي طريق، ولوقا يدعونا إلى السير فيها. وهنا، يعلن يسوع الذي يسير في الطريق إلى أورشليم، يعلن لهذا الرجل: "قم وسِر في الطريق". وبما أن في كلّ مجموعة "الصعود إلى أورشليم" نترجم فعل "ذهب" ب "صعد"، نستطيع أن نعبر عن فكر لوقا فنورد كلام يسوع على الشكل التالي: "قم. إصعد (معي إلى أورشليم نحو صليبي وارتفاعي). إيمانك خلّصك".
ثانياً: إيمانك خلّصك
ألم يكن للبُرص كلّهم إيمان؟ لا شك في ذلك، وهذا ما قلناه أعلاه. ويسوع رأى إيمانهم كافياً فمنحهم المعجزة التي طلبوا. فالمعجزة تفترض الإيمان. ويسوع يرفض إن لم يجد إيماناً: ففي الناصرة "لم يصنع كثيراً من المعجزات" (كتب مر 6: 5: "تعذر عليه أن يصنع أية معجزة") بسبب قلة إيمانهم (مت 13: 58). ولكنه إن افترض الإيمان دائماً، فالمعجزة تنميه. وهذا هو الوضع هنا. فلا نستطيع أن نعيد إيمان السامري إلى ما كان عليه قبل الشفاء: حينئذٍ يكون يسوع كمن يلاحظ إن إيمان هذا الرجل كان مثل إيمان رفاقه التسعة. لقد أعطته المعجزة مناسبة البلوغ إلى إيمان أعمق سيساعده على الحصول على نتيجة أخرى. آمن البرص العشرة فنالوا الشفاء. أما السامري، فنال له إيمانُه المتنامي الخلاص في هذا الوقت. أما هذا هو الجواب الفعلي للطلبة التي عبّر عنها الرسل في 17: 5: "يا رب، زد فينا الإيمان، زدنا إيماناً"؟
هـ- خاتمة: مخلصون بالإيمان
هذا هو التعليم الرئيسي الذي يريد لوقا أن نحتفظ به بعد تأمّلنا في هذا الخبر. نحن مخلصون بالإيمان، مهما كان أصلنا، سواء كنا يهوداً أم وثنيين.
يصعب علينا، نحن المسيحيين، أن نتصوّر الجديد العملي الذي حمله مثل هذا القول. لا شكّ في أن الله ما زال يقول منذ ابراهيم: "تتبارك بك عشائر الأرض" (تك 12: 3). ولكن إن عاشه بعض "مساكين" الله، الا ان اللاهوتيين اليهود (الفريسيين) قد نسوه. إهتمّوا بممارسة الشريعة التي أعطاهم الله إياها ممارسة حرفية، فظنّوا أن هذه الممارسة الدقيقة والمؤلمة بعض المرّات تؤمّن لهم الخلاص. وجدوا "البرّ" كنتيجة للمجهود البشري. ولكن هذا يتعارض كل المعارضة مع فكرالمسيح: "كل شيءنعمة". نحن لانخلص لأننا عملنا شيئاً، بل لأننا فتحنا قلوبنا فعمل الله فيها. هناك "الإيمان" لا "العمل". هناك الإستسلام الكامل إلى الله الذي يخلّصنا.
ما يبدو لنا اليوم واضحاً (وإن لم يكن واضحاً. كم نتحدّث عن استحقاقاتنا!) لم يصبح كذلك إلاّ بعد تفكير عميق وحروب عقائدية طويلة. وهذا ما يشهد عليه أعح 1- 15. فمجمع أورشليم (إنعقد بعد موت المسيح بعشرين سنة تقريباً) شكّل نهاية هذا المجهود الفكري. أعلن بطرس: "نحن نؤمن" (نحن المسيحيين الاَتين من العالم اليهودي) أننا نخلص بنعمة الرب يسوع كما هم (المسيحيون الآتون من العالم الوثني والذين لا يمارسون شريعة موسى) يخلصون... فالله طهّر قلوبهم بالإيمان (أع 25: 11- 9).
وبجانب هذه الوجهة التعليمية التي يرافقها هدف هجومي على اليهود الذين لم يقبلوا الخلاص فرأوا الوثنيين يسبقونهم إلى الملكوت، بجانب هذه الوجهة يشير لوقا إلى همّه الإرشادي في نقطتين. الأولى: يدعونا إلى السير في الطريق، نحن أيضاً، مع يسوع، نحو الصليب والمجد. "ها نحن صاعدون ". هذا ما قاله يسوع (18: 31) فضمّ بصورة واضحة تلاميذه في مسيرته نحو الاَلام. فنحن ننال الخلاص من يسوع المصلوب، شأننا شأن اللصّ الصالح (لصّ اليمين)، شرط أن نحمل معه صليبنا في الإيمان.
والنقطة الثانية. يعلّمنا يسوع هنا أنه لا يكفي أن نقبل الخلاص. علينا أن نشكر الله. علينا أن نمجّد الله من أجل هذا الخلاص. تشكّى يسوع هنا لأنه لم يرجع إلاّ واحد من العشرة ليمجّد الله. ومع ذلك، أما يجب أن نعتبر مديح الله الهدف الأخير للحياة المسيحية. وهذا النشاط الذي سيرافقنا في الأبدية نبدأه منذ الزمن الحاضر، لأن الخلاص الذي بدأ اليوم يتمّ فينا، يدعونا إلى رفع آيات الشكر. وإن لوقا يلحّ على كل الذين خلصوا بالإيمان أن يمجّدوا الربّ فينضمّوا فرحين إلى زكريا الذي أنشد مجيء المسيح بيننا فقال: "تبارك الرب الذي افتقد شعبه وأقام لنا قوّة خلاص... لكي "نخدمه " في القداسة والبرّ كل أيام حياتنا" (1: 67، 75).

 

 

الفصل الثالث والأربعون
يوم ابن الإنسان
17: 20- 37

تفرّد لوقا فقدّم نصين رؤيويين، قدّم خطبتين اسكاتولوجيتيتن واسعتين حول الأحداث المتعلّقة بنهاية هذا العالم. جاء الأوّل قصيراً وقد استقى مواده من المعين. تركّز على المجيء المقبل لابن الإنسان. أما النص الثاني (21: 5-36) فاستقى الكثير من إنجيل مرقس ورتّب أحداثاً تاريخية معاصرة (دمار أورشليم، اضطهاد التلاميذ) مع النهاية الأخيرة بحصر المعنى. أما الخطبة الاسكاتولوجية التي نتوقّف عندها الان فتتكوّن من حوارين متمايزين وغير متساويين في الطول. عنوان الحوار الأول: يوم ابن الإنسان. أما الحوار الثاني فينتهي مع مثل القاضي الظالم الذي يشكّل له خاتمة.
أ- أمام الملكوت الآتي
نحن هنا في جوّ جلياني (جلا، أي كشف). فهذا الفن الأدبي (الفن الجلياني) عاد إلى أوضاع خطيرة فدفع حركة الرجاء إلى الذروة (رج روم 5: 3- 5). هذا الفن يوافق مناخ المحنة الذي يتحرّك فيه 17: 20- 37: إن مجيء الملكوت هو محنة.
1- متى يأتي الملكوت
سأل الفريسيون يسوع: "متى يأتي الملكوت" (آ 20)؟ أجابهم يسوع: لا نستطيع أن نراقب مجيء ملكوت الله بالعين المجرّدة، بالملاحظة الدقيقة. هذه العبارة النادرة في الكتاب المقدّس تدلّ على استحالة الإحاطة بالحدث لأنه يفلت من قبضة الملاحِظ المدقّق الذي يفاجئه مجيء الملكوت بشكل لا يتوقّعه. في 13: 18- 21 رأينا نمو هذا الملكوت يتمّ بشكل غير منتظر: ذاك كان تعليم مثلَي حبة الخردل والخمير في العجين. أما هنا فمجيئه مدهش. ولكننا نكتشف بوضوح أن العلامة والشاهد، أن الحضور الحيّ للملكوت هو "ابن الإنسان في يومه" (آ 24). مجيئه موضوع رغبة (آ 22)، وهو يضمّ كل شيء (آ 24)، ويرافقه الألم (آ 25). ظهر هذا الملكوت (آ 30)، فكان ظهوره حاسماً (آ 34- 36). لا يبدو هذا الملكوت بشكل "تجمّع" حسب الصورة التي نجدها في مر 13: 27 (يجمع مختاريه) وفي مت 24: 31. ولكنه يجيء فجأة (مثل البرق، آ 24؟ رج مت 24: 27)، فيدرك جميعَ الناس (آ29)، ويدرك كلَّ واحد (آ 34- 36) في قلب حياته اليومية.
إن بداية هذا الحدث (آ 20- 21) هي خاصة بلوقا. طرح الفريسيون سؤالاً حول "وقت" مجيء "ملكوت الله". فأجاب يسوع متحدّثاً عن "مكان". وهذا المكان هو في الواقع حضوره وسط الذين يسألونه. وهو حاضر أيضاً في أعماق كيانهم. وفي قلب حرّيتهم يستطيعون أن يعترفوا به أو يرفضوه.
إن آ 21 تجد ما يقابلها في مت 24: 23 ومر 13: 21، حيث نتكلّم عن الموضع الذي نستطيع أن نحدّد فيه موقع المسيح (كرستوس) (المسيح هو هنا أو هناك). وفي التوسّع الذي يلي (آ 22-37) تحلّ لفظة "ابن الإنسان" (آ 22، 24، 26، 30) محلّ عبارة "ملكوت الله ". وبالتالي يصبح هذا الملكوت شخصاً حياً. إن الملكوت المنتظر يعلن عن ذاته ويقدّم نفسه في نشاط يسوع المسيحاني وفي الوقت عينه يكون حديث عن "اليوم" (في صيغة المفرد، آ 24، 27، 30، 31) وعن "الأيام" (في صيغة الجمع، آ 22 مرتين، 26، 28). أما الخاتمة فتعود تتحدّث عن "مكان" يدل عليه يسوع أنه "جسده" (آ 37: حيث يكون الجسد).
2- كيف ياً تي الملكوت
في آ 22-37، أعاد لوقا صياغة مواد (المعين الذي استعمله أيضاً مت 24) أشارت في البداية إلى عقاب الأمّة اليهودية. هذا ما تدلّ عليه العودة إلى الطوفان (رج تك 7: 6- 23) وإلى خراب سدوم (رج تك 19: 15- 29). وبعد كل حدث، جاءت عبارة واحدة بشكل ردّة تتكرر: فأهلكهم جميعاً (آ 27، 29؛ رج مت 24: 39).
إن بعض الآيات تذكّرنا بعبارات من يسوع في الخطبة حول مجيء ابن الإنسان في مر 13 (آ 19- 23 و14- 16). أما القديس لوقا فوزعّ مواده في خطبتين. ذاك الذي نعالجه الآن سمي "الرؤيا اللوقاوية الصغيرة" (17: 22- 37). ثم نصّ 1 2: 5- 36 الذي سمّي "الرؤيا اللوقاوية الكبيرة" أو "الرؤيا الإزائية". إن الفرق بين الخطبتين يكمن في التمييز الذي يدخله لوقا بين النداء الحالي الذي توجّهه إلى الفرد الأمور الأخيرة، والوجهة الشاملة والكونية التي يتّخذها مجيء الآخرة بالنسبة إلى البشر.
مهما يكن من تاريخ التدوين اللوقاوي، من المهم أن نلاحظ تبدّل الأشخاص الذين يتوجّه إليهم: بعد الفريسيّين في آ 20، سيأتي التلاميذ في آ 22. والجواب القاطع الذي أعطي للأولين عن "ملكوت الله" سيتوضّح في كلمات شخصية ("ابن الإنسان") للذين يهتمون لا بأن "يعرفوا" ما سيكون، بل بأن "يحيوا" هذا الحاضر ويتقبلوه. إذن، حين جعل لوقا آ 20، 21، 22، 37 الواحدة قرب الأخرى، فقد تجنّب أن يخط انتظار الحدث الأخير على مستوى التنظير فيصبح هدفاً في ذاته. جوهر كلامه معارض للجليان. وهذا ما تثبته سائر المقاطع التي يظهر فيها السؤال حول زمن مجيء الملكوت (رج 19: 11؛ 21: 7؛ أع 1: 6): في كل مرّة كان جواب يسوع رفضاً لكل حساب جلياني.
ولعبارة "أيام ابن الإنسان" نكهة توراتية.ْ نقرأ في أش 39: 6: "ستأتي أيام يُحمل فيها إلى بابل". وفي عا 4: 2: "ستأتي أيام يرفعكن العدو" (رج 8: 11؛ 9: 13؛ زك 14: 1؛ إر 7: 32؛ 9: 25؛ 16: 4؛ 19: 6...). ونجد العبارة في أماكن أخرى في الإنجيل الثالث : 5: 35: "ستأتي أيام يرفع فيها العريس؛ 19: 43: "ستأتي أيام يحيط بك العدو" (رج 21: 6؛ 23: 29). تستلهم هذه العبارة "أيام نوح" و"أيام لوط" في آ26 و28. أي حدث تدلّ عليه هذه العبارة؟ يبدو أن آ 22 تتحدّث عن زمن رسالة يسوع على الأرض. كم يودّ المؤمن أن يعود إلى هذا الماضي المثلج الصدر، كم يودّ أن يعيده! ولكن في آ 24، 26، 30، نحن بالأحرى أمام زمن حاسم في المستقبل يصبح مقياس تصرّف البشر، أمام زمن حاضر بمدلوله منذ الآن وإن ظلّ هذا المدلول خفياً حتى الآن.
يبدو أن معنى آ 22- 24 هو كما يلي: سيمرّ التلميذ في أوقات محنة وظلمة تنقصه فيها كل طمأنينة وأمان. فيتمنّى حينئذ تأكيداً بعودة يسوع إلى التاريخ البشري، أو بالتعرّف إلى ابن الإنسان. ولكن عبثاً. فمجيء ابن الإنسان سيكون للجميع حدثاً لا يمكن أن يتجنّبوه كما لا يمكن أن يتوقّعوه. إنه يفرض نفسه كالبرق اللامع في الأفق فيكون فجائياً وواضحاً. ولكن البرق يدلّ أيضاً على ضياء القائم من الموت كما في 24: 4؛ أع 9: 3. وهكذا ننتقل من رؤية إبن الأنسان في المجد، وهذا ذروة تواريخنا، إلى رؤية القائم من الموت، وهذا رجاء التلاميذ.
ومع ذلك، فإن يسوِع يذكر الواقع القاسي الذي يسبق هذا التمجيد. فكما أن اختطافه نحو الآب سيمرّ في أورشليم (رج 9: 22، 44، 51)، كذلك سينكشف حدث مجيئه إنطلاقاً من معنى آلامه وموته: "عليه أولاً أن يتألّم كثيراً وأن يرذله هذا الجيل" (آ 25). فعبارة ابن الإنسان تدلّ هنا وفي الوقت عينه، على الواقع المؤلم وعلى التجليّ في المجد الذي فيه تدان أعمالُ البشر (رج أع 7: 56).
ويعبّر النصّ عن دينونة كل البشر بصور مأخوذة من التوراة والعالم اليهودي: "الطوفان " و"النار" (الدينونة أكيدة وهي تصيب الخطأة). يتدخّل مثل نوح (تك 7: 6- 23) في مت 24: 37- 39 بعد القول حول اليوم والساعة اللذين يجهلهما ابن الإنسان (آ 36). لماذا؟ لكي يبرز جهل البشر لما يتمّ الآن: إن جهلهم يشبه جهل معاصري نوح. أما لوقا فشدّد بالأحرى على الخيار الذي يتّخذه كل إنسان. فالخيار الشخصي وُجد في خبر نوح، نموذج البارّ الذي يصل إلى الخلاص. وزاد على هذا الخيار، مثل لوط (رج تك 19: 15- 29) كما في سي 16: 4-10؛ 2 بط 2: 4- 10: ترك لوط سدوم ليهرب من مجتمع فاسد.
وهكذا يدل نوح ولوط على منظار من الرجاء مفتوح أمام التلاميذ. فعليهم في قلب المحن أن يسلّموا نفوسهم إلى ابن الإنسان بدلاً من أن يستندوا إلى الأمور الأرضية: مثل الأكل والشرب والزواج والشراء والبيع والزراعة والبناء.
3- الحدث الحاسم
في هذا الوقت (آ 31- 32) أدخل لوقا مقطعاً نجده بأشكال أخرى في مر 13: 14-16؛ مت 24: 17- 18. يتحدّث هذان الإنجيليان عن الهرب من أورشليم بعد أن نجّستها "رجاسة الخراب" وحاصرها العدوّ. أما في لوقا، فنحن أمام الحدث الحاسم الذي يجعل بلا فائدة كل محاولة للإتكال على ما تربطنا به الحياة على الأرض. يجب أن نواجه هذا "اليوم الذي فيه يظهر ابن الإنسان". وهكذا نكتشف معنى التاريخ الذي عشناه والذي لا نستطيع أن نعيده إلى الوراء. "تذكّروا (إحفظوا في ذاكرتكم) امرأة لوط" (رج تك 19: 26: إلتفتت إلى الوراء فصارت عمود ملح). هذا ما تقوله آ 32 فتلقي الضوء على آ 22- 23: لا عودة إلى الوراء، لا مهرب ممكناً.
لم يعد هناك من شكّ بعد آ 31- 36: هذا المجيء الفجائي يفرض النص القرار والإلتزام (ماذا نعمل؟). إنه الكلمة الأخيرة (هذا هو معنى "اسكاتولوجيا" الأصلي) على حياة كل إنسان. إنه الواقع الأخير الذي نحدّد موقعنا تجاهه. في هذا المنظار أقحم لوقا هنا قول يسوع الذي ورد في 9: 24 (رج مر 8: 35؛ مت 16: 25) خلال تعليم أعطي للتلاميذ حول شروط "اتباع يسوع ": "من أراد أن يخلّص نفسه يهلكها. وأما من أهلك نفسه من أجلي فإنه يخلّصها". إن الشكل الحاضر لهذا القول يقترب أكثر من مت 10: 39 الذي هو جزء من "خطبة الإرسال ". غير أن لوقا ترك التعارض المتّاوي "وجد/ خسر"، وتحدّث عن "إرادة البقاء، الحفاظ على الحياة" تجاه "الإهلاك" (آ 27، 29: أهلك). نحن نحدّد مسيرة حياتنا في الساعة الأخيرة، بل في الأعمال اليومية.
هذا ما توضحه الآيتان الأخيرتان (آ 34- 35)، مع العلم أن آ36 تكرّر مت 24: 40 كما تورده بعض المخطوطات. فالتوازي مع مت 24: 40- 41 يدلّ على أن هاتين الآيتين ارتبطتا في البداية بالتنبيه حول الطوفان. ويُبرز نصّ لوقا بشكل واضح شموليةَ دينونة كل واحد منا، وهي دينونة لا نتوقّعها: إنها تحطّم كل العلائق الحميمة: بين الزوج وزوجته، بين العامل ورفيقه، في الليل أو في النهار (في تلك الليلة. رج مثل الغني الجاهل الذي تؤخذ منه نفسه "في تلك الليلة"، 12: 20). ففي وسط الأشغال العادية يُدان كل إنسان في ساعته.
ويختتم يسوع خطبته بجواب ملغز يردّ فيه على التلاميذ حول مكان (لا زمان) الدينونة في مجيء ابن الإنسان: "حيث يكون الجسد هناك تجتمع النسور". في مت 24: 28، يتبع هذا القول كلاماً حول وضوح البرق ويبدو موازياً له: إن وجود الجثة يجتذب النسور. إن لفظة "أئيتوس" تدل على "النسر" (رج حز 17: 37؛ رؤ 4: 7؛ 8: 13؛ 12: 14) أو "العقاب" (مت 24: 28؛ لا 11: 13؛ تث 14: 12) الذي يبحث وحده عن الجيفة ويأكلها. قد نكون هنا أمام تذكّر لما في أي 39: 26- 30.
أما عند لوقا، فنقرأ هذا القول (حيث يكون الجسد) في تماسك الخطبة ولا نحاول أن نفهمه عن طريق الإستعارة: كما أن الموت يعمل عمله، هكذا تتمّ الدينونة لا محالة (لا للهرب من هذا ولا من ذاك). إن حدث مجيء ابن الإنسان (على مستوى الزمان والمكان) يتفلّت (لا يقع) من قبضة البشر، أمّا هم فلا يفلتون منه.
إذن، يأتي النداء إلى القرار الشخصي ملحّاً. أدخلْ إلى السفينة (يا نوح)، اتركْ سدوم (يا لوط). فالوضع وصل إلى النهاية: "ستأتي أيّام...) كما في اختطاف العريس (5: 35)، كما في ساعة دمار الهيكل (21: 6) أو حين تدمّر المدينة(23: 29). ومع ذلك، فهذه الدينونة هي دينونة خلاص: نجا نوح من الطوفان، وأفلت لوط من النار والكبريت. لقد اتخذا القرار. هذا ما يحيّرنا. ولهذا أجاب يسوع بمثل ينتهي بدينونة تحمل الخلاص. ولكنه يحتاج إلى الإيمان (18: 8).
ب- قراءة تفصيلية للنصّ
بعد هذه النظرة الإجمالية ومحاولة إكتشاف المعنى الروحي، نعود إلى تفاصيل النصّ، فنفهم آياته آية آية وكلماته كلمة كلمة.
1- الحضور الحالي للملكوت (17: 20- 21)
إن موضوع الحوار في آ 20- 21 هو ملكوت الله، والمحاورون هم الفريسيون. لا يرفض يسوع مبدئياً أن يجيب عن سؤال حول زمن مجيء الملكوت. بل هو ينتقد غياب الإيمان عند محاوريه. فهم لا يرون أن المجيء النهائي والتام للملكوت الذي بدأ ينمو ويمتد في أعمال يسوع وأقواله، لن يحصل فجأة. هم لا يستطيعون أن يفهموا أن آلام ابن الإنسان تسبق هذا المجيء وهكذا يكون وضع التلاميذ (آ 25). ظنوا أن هذا المجيء يتمّ في أورشليم. رفض يسوع كل هذه التنظيرات وأعلن ان الملكوت هو هنا وقد بدأ عمله.
"سأله الفريسيون" (آ 20). إن السؤال حول مجيء الملكوت يطرحه أولئك الذين يؤمنون بالقيامة (أع 23: 6- 8). لا نجد شيئاً في النصّ يدلّ أنهم سألوا ليهزأوا منه أو يُحرجوه.
"متى يأتي ملكوت الله"؟ أي: متى هو مزمع أن يأتي؟ رج 11: 2؛ 22: 18؛ 19: 11. لا يذكر "مجيء" الملكوت في العهد القديم. ومع ذلك رج دا 7: 14، 18 (أعطي سلطاناً ومجداً وملكاً... يأتي قديسو العلي فيأخذون الملك).
"لا يأتي بالمراقبة والترصّد". أي لا نستطيع أن نرى ظواهره بشكل محسوس (بوجه منظور). إستعمل الاسم "باراتاراسيس" فعنى ترقّب النجوم والبحث عن أعراض المرض (في اليونانية القديمة لا يرد في السبعينة كلها بل فقط في ترجمة إكيلا، خر 12: 42). أما الفعل (باراتاراين) فنجده في العهد الجديد 60: 7 (الفريسيون يترقبون)، 14: 1؛ 20: 25؛ أع 9: 24؛ غل 4: 10 (المحافظة على الأعياد). لا يعود النصّ اللوقاوي إلى ممارسة الشريعة (لدى الفريسيين) والمحافظة على الطقوس. بل نفهم اللفظة في المعنى الهلنستي: لاحظ. راقب. لاحظ علامات (آتية من السماء) تنبىء مسبقاً بالأحداث. أو تلميحات جليانية حول الأوقات والفصول (حك 8: 8؛ 1 تس 5: 1؛ رج مر 13: 32؛ مت 24: 36). نحن أمام نوع من توقيت إسكاتولوجي. نتذكّر هنا أن لوقا صوّر يسوع القائم من الموت رافضاً مثل هذه الاهتمامات (أع 1: 7: ما لكم أن تعرفوا الأوقات والأزمنة). وقال أحد الشرّاح: هناك اعتقاد فريسي بترقب المسيح في ليلة الفصح. ولكن الأمر مستبعد.
إن كلام يسوع في هذا الشقّ من الآية يرفض علامات تدلّ على عقلية كتلك التي نجدها في 11: 29 (جيل فاسد)؛ 16: 27. هذا يتضمّن أن سؤالا الفريسيين ينبع من هذه العقلية.
"ولن يقال" (آ ا 2). ها هو هنا أو هناك. تستعمل العبارة نفسها عن المسيح في مر 13: 21 (أغفل لوقا هذا في إيراده الموازي في الخطبة الاسكاتولوجية في ف 21).
هو فيكم. في داخلكم (انتوس). أي إن ملكوت الله في قلوبكم، كقوة باطنية وغير منظورة. هذا المعنى تسنده السبعينية في مز 39: 4؛ 103: 1؛ 109: 22؛ أش 16: 11 (تقابلها السريانية البسيطة). ان هذا المعنى لا يوافق في جواب يسوع إلى الفريسيين. ودافع مارشال قائلاً إن الضمير غير محدّد. ولكن المسألة الحقيقية هي أن لوقا لا يتحدّث عن الملكوت كواقع باطني، كوضع داخلي في الكائن البشري. مثلاً، إن حضور الملكوت لا يساوي عنده مجيء الروح.
هو في وسطكم. أي إن ملكوت الله حاضر عندكم في شخص يسوع، في أعماله وأقواله. يسند هذا المعنى الأدب اليوناني والنسخة السريانية السينائية. ولكن يطرح السؤال: لماذا لم يقل لوقا "إن ماسو" بل قال "أنتوس "؟ رج 2: 46؛ 8: 7؛ 15: 3.
هو في متناولكم، هو لكم. أنتم تستطيعون أن تشاركوا فيه إذا شئتم. تستطيعون أن تختاروه. يسند هذا المعنى البرديات.
2- مجيء ابن الإنسان (17: 22- 37)
تتخذ الخطبة الاسكاتولوجية منحى آخر (آ 22- 37) بعد القول على الملكوت. تبدّل السامعون. إختفى إلفريسيون، وعاد التلاميذ إلى المسرح. وحلّ محل موضوع ملك الله الحالي موضوع مجيء ابن الإنسان (المقبل وغير المنتظر) وفجاءة هذا المجيء الذي يسبق المجيء النهائي لملكوت تحقّق تحققاً كلياً.
أولاً: وقال للتلاميذ (آ 22- 25)
رغب التلاميذ أن يروا الظهور المجيد لابن الإنسان، مع أنهم يعيشون أزمنة صعبة. سيخيب انتظارهم. ولن يروا بذاتهم هذا اليوم، فلا يضلّهم أنبياء مسيحيون كذبة حول المكان والزمان.
"قال لتلاميذه". إستعمل لوقا الفعل مع "بروس" كعادته. "ستأتي أيام". استعمل لوقا هذه العبارة في 5: 35. وسيستعملها في 21: 6 (قال مر 13: 2: لن يبقى حجر على حجر. قال لوقا: ستأتي أيام لا يبقى فيها حجر على حجر). رج 19: 43؛ 23: 29. إن هذه العبارة ترتبط بأقوال نبوية نجدها في السبعينية (عا 4: 2؛ إر 7: 32).
"تشتهون أن تروا". إن كلام يسوع يلمّح بشكل غير مباشر إلى الشق الأول من جوابه إلى الفريسيين في آ 20 د (لا يجيء بوجه منظور). هكذا يدلّ لوقا على رغبة الإنجيلي ومعاصريه برؤية ذلك اليوم (رج رؤ 6: 10: حتّى متى أيها السيد القدوس).
"يوماً واحداً من أيام ابن الإنسان". ننتقل من "أيام" إلى "يوم" ثمّ إلى "الليلة" (آ 43). إن "اليوم" (في صيغة المفرد) يشير إلى ذاك الذي يصوّره أع 1: 11 (أي: مجيء يسوع الثاني وعودته. لا يذكر لوقا لفظة "باروسيا"). وما تعني "أيام ابن الإنسان"؟ فترة من الزمن؟ وماذا يعني "يوم" من أيام؟ قد نكون في مقابلة بين "يوم" ابن الإنسان تجاه "أيام نوح" (آ 26) و"أيام لوط" (آ 28).
وأعطيت شروح أخرى لهذه العبارة الصعبة. الأول: ان لفظة "واحداً" تعني "الأول" كما في السبعينية في تك1: 5؛ عد 1: 1؛ عز 10: 17؛ رج مر 16: 2؛ لو 24: 1؛ أع 20: 7. هذا ما يلقي ضوءاً على يوم الوحي نفسه. الثاني: ان لافظة "ميان" تقابل في الأرامية "لحدا" (لام المفعول+ واحد) وقد تعني: كثيراً، حقاً. نترجم مع تايلور: تشتهون فيها حقاً أن تروا أيام ابن الإنسان... الثالث: يعني الرقم: حتى. ولكن هذا مشكوك فيه. الرابع: هناك الرقم واحد. ولكن ولْي الجملة يعتبر إقتداء ب "أيام المسيح " حسب عبارة رابانية تدلّ على العهد المسيحاني. ولكن ما عمر هذه العبارة لكي ندخل هذا المدلول في "أيام ابن الإنسان" في هذا المقطع اللوقاوي.
من الواضح أن لوقا لا يفكّر بحقبة من الزمن فيها يملك ابن الإنسان، بل هو يشدّد على فجائية هذا "الحدث" الذي يميّز الناس بعضها عن بعض. هنا نتذكّر 9: 51: وإذ كانت أيام إرتفاعه...
"ابن الإنسان" (رج 5: 24). تعود هذه العبارة أيضاً في آ 24، 26، 30. في هذا السياق الحالي، سيكون ظهوره دينونة.
ولكنكم "لا ترون". هذا لا يعني أن التلاميذ لن يعيشوا طويلاً (حتى يروه). أو أن الملكوت لن يأتي بعد. بل إن الملكوت لن يأتي "بشكل منظور". ولهذا لن ترونه. وهكذا يتضمّن تفسير يسوع الأول جواباً سلبياً.
"ويقال لكم" (آ 23). هنا كما في 6: 44 نجد الغائب الجمع. يشير يسوع إلى الضلال الذي قد يقع فيه التلاميذ خلال زمن الكنيسة. نستطيع هنا أن نقابل هذه الأقوال مع ردّة فعل يوسيفوس المؤرخّ حول تنبؤات قيلت في دمار أورشليم.
"لا تذهبوا، لا تركضوا". ما لكم ولهذه الخدعات؟ إن خلاصكم لا يرتبط بهذه التصريحات المثيرة حول مكان الظهور. هناك مخطوطات جرارة وبعض الترجمات السريانية تزيد: فلا تصدقوا (لا تصدقوها). وقرأت البردية 75 والفاتيكاني والترجمة الصعيدية فعلاً واحداً: "لا تسعوا" (وتركت الأول: لا تذهبوا).
"من أفق إلى أفق" أو "من طرف السماء إلى الطرف الآخر". كانوا يعتبرون السماء قبّة تبدأ في مكان وتنتهي في آخر. حرفياً: من تحت السماء إلى تحت السماء. من (منطقة) تحت السماء، إلى (منطقة) تحت السماء. أراد لوقا أن يصوّر سرعة البرق الذي يلمع في مكان فيصل إلى آخر. نلاحط أن مت 24: 27 قال: "ينطلق البرق من المشرق ويشعّ في المغرب". بسّط متّى نصّ المعين الذي احتفظ لوقا بأصالته.
"هكذا يكون ابن الإنسان". هكذا يظهر فجأة. هكذا يكون مجيئه ساطعاً كالبرق.
"في يومه"، هناك من يضع هذه العبارة بين قوسين لأنها غائبة من بردية 75 والفاتيكاني والبازي واللاتينية العتيقة والصعيدية. إلاّ أنها موجودة في السينائي والاسكندراني... يبدو أن إغفالها هو خطأ من النسّاخ الذين انتقلوا من "بو" (نهاية كلمة الإنسان) إلى "تو" (الضمير في يومه).
"أن يعاني الآلام". هذه الكلمة هي صدى لما في 9: 22. إن مفهوم المحنة الذي يسبق ظهور يوم ابن الإنسان، يجد ما يقابله في حياة التلاميذ (أع 14: 22: نمرّ بشدائد كثيرة لندخل ملكوت الله).
"في هذا الجيل". رج 7: 31؛ 9: 41. في 9: 22 أشار قول يسوع إلى الشيوخ وعظماء الكهنة والكتبة. أما هنا فلا يحدّد.
ثانياً: أيام نوح ولوط (آ 26- 30)
يقابل يسوع أيام النهاية بأيام نوح ولوط. فيذكّر التلاميذ أن عليهم أن يتركوا كل تنظير حول المجيء المجيد لابن الإنسان: هذا اليوم سيكون أيضاً يوم الدينونة النهائية.
"في أيام نوح" (رج ا بط 3: 20؛ كان نوح يبني السفينة التي فيها نجا). عُرف نوح لدى يهود فلسطين المعاصرين كمثال البرّ والتقوى: "طوال أيامي مارست الحق" (المغارة الأولى في قمران حول تك 6: 2؛ رج 2 بط 2: 5: نوح المنادي بالبر). لم يعرف معاصرو نوح إستقامته، فكانوا على مثال "هذا الجيل" (آ 25). وصوّرت آ 26 تهاملهم وكسلهم و"رضاهم" عن سلوكهم.
"ظلّ الناس يأكلون ويشربون". هي أعمال عادية، لا صالحة ولا طالحة في ذاتها. ولكنها تذكّر ب "فساد" الأرض في نظر الله كما في تك 6: 11 (رج 2 بط 2: 5)... حتى دخل نوح السفينة. رج تك 7: 7 حسب السبعينية. وجاء الطوفان. رج تك 7: 10، 21. فمات كل ما فيه نسمة حياة.
"أيام لوط" (آ 28). كان لوط إبن هاران، أخي ابراهيم (تك 11: 27). رافق ابراهيم من بلاد الرافدين إلى أرض كنعان. نصبا خيامهما في شكيم ثم قرب بيت إيل قبل أن ينزلا إلى مصر. وبعد أن أقاما بعض الوقت في مصر، عادا إلى بيت إيل. ولكن انفصل لوط عن عمه ابراهيم لأن الأرض ضاقت بهما (تك 13: 6) أو لأن الخلاف دبّ بين رعاتهما (تك 13: 7). فأقام لوط في وادي الأردن (تك 13: 11)، وظلّ ابراهيم في كنعان. غير أن أهل سدوم كانوا "أشراراً خاطئين جداً أمام الرب" (تك 13: 13). فطلب الملاك من لوط أن يترك مدينة سدوم الخاطئة (تك 19: 15) فذهب مع عياله إلى صوعر (تك 19: 23). في الوادي نفسها، نجد خبراً معاصراً ليسوع عن ابراهيم ولوط في نصوص قمران (المغارة الأولى) حول تك 20: 11- 22: 11.
"يأكلون، يشربون..." ستة أفعال تصوّر حياة أهل سدوم اليومية دون الإشارة إلى خطيئتهم المعروفة في العهد القديم. يشدّد النص على تهاملهم وكسلهم. هذه الأفعال تظهر في أمكنة أخرى من الأناجيل فتدلّ على تشتّت الإنسان وضياعه. فالشراء (14: 18، 19) منع المدعوّ من تلبية الدعوة إلى الملكوت. والبناء والأكل والشرب (12: 18- 19) جعلت الغني فقيراً أمام الله رغم كثرة غلاله. والبيع في الهيكل (19: 45) صيّر موضع الصلاة "مغارة لصوص". هنا نتذكّر أيضاً صورة حز16: 46 - 52 عن سدوم (كان أثم سدوم العجرفة والتخمة والرخاء).
"خرج لوط". أو بالأحرى أخرجه الملائكة (تك 19: 16- 17). دفعوه إلى أن يترك سدوم. "النار والكبريت". نجد هنا تلميحاً إلى تك 19: 24؛ رخ ؤ 9: 17- 18؛ 14: 10؛ 19: 25؛ 20: 10؛ 21: 8. إن الزلازل واشتعال البراكين صارت مع الوقت عناصر جليانية ، ووسائل لتدمير الأرض أو الجاحدين والخطأة. رج كما 29: 23؛ أي 18: 15؛ مز 11: 6؛ أش 30: 33؛ حز 38: 22. هناك الترتيب "النار والكبريت" نجده في بردية 75، السينائي، الفاتيكاني. ونجد "الكبريت والنار" في الاسكندراني والبازي بتأثير من تك 19: 24 حسب السبعينية (منطقياً: بالكبريت تشتعل النار).
"كذلك يكون" (آ30). أي بالطريقة عينها. هناك مخطوطات (السينائي، الاسكندراني) تقول: "هذا الأشياء تكون" (أي تحدث في يوم ابن الإنسان). "يظهر". جاء النص المتاوي المقابل لهذه الآية أكثر وضوحاً في الإشارة إلى عودة ابن الإنسان (مت 24: 39: باروسيا). إستعمل لوقا فعل "أبوكالبتاتاي" الذي استعمله بولس في 1 كور 1: 7 ليدلّ على "ظهور" الرب يسوع المسيح. مع أن لوقا تحاشى لفظة "باروسيا"، إلاّ أن فهمه ليوم (أو: أيام) ابن الإنسان يدلّ على فكرة "العودة" (باروسيا) كما يتوسّع فيها سائر كتّاب العهد الجديد.
ثالثا: ماذا نعمل (آ 31- 37)
في آ 31- 35، دلّ يسوع على سلوك المؤمن يوم يظهر ابن الإنسان لكي يمارس الدينونة. هناك وضعان يقدّمان مثلاً أول: من يكون على سطح البيت، يهرب فلا يأخذ معه شيئاً. من يعمل في الحقل يهرب ولا يلتفت إلى الوراء (كما فعلت امرأة لوط، تك 19: 26). ويقدّم وضعان جديدان مثلاً ثانياً حول سلوكنا تجاه مجيء إبن الله الفجائي: إثنان في فراش واحد، امرأتان تطحنان. يأخد الله واحداً فينجو من الدمار والثاني يهلك. نحن لسنا أمام موقف اعتباطي. فتصرّف الله يرتبط بالموقف الذي نقفه من التضحية بالحياة: من طلب أن يخلّص نفسه يهلكها. ومن يهلكها يحفظها. وينتهي كل هذا المقطع (آ 22- 37) بسؤال غامض طرحه التلاميذ (إلى أين يا رب؟) يجيب عليه يسوع بشكل غامض أيضاً. لا علامة تدلّ على مكان ظهور ابن الإنسان، ولا علامة تدلّ على الوقت الذي فيه يظهر. هذا يعني أن يسوع يعرف متى يكشف هذا السرّ. يبقى أن نعرف أن النهاية تأتي فجأة (الآن أو فيما بعد) دون أن تعطي أي إنذار للبشر.
"على السطح"، لا ننسى السطوح القديمة المصنوعة بالتراب والتي نصل إليها من الخارج. على الإنسان أن لا ينزل ويدخل إلى البيت ليأخذ شيئاً يخصّه. أن لا يلتفت إلى الوراء (حك 10: 7). وتعود آ 33 وتقول: تذكّروا امرأة لوط (تك 19: 26).
"من طلب أن يخلّص نفسه" (آ 33، رج 9: 24). يتضمّن القول في هذا السياق الحاجة إلى السهر. في المعين ينبع قول يسوع من الإشارة إلى نوح وعائلته (آ 26- 27). أما الآن فهو يُفهم عن الدينونة المرتبطة بظهور يوم (أيام) ابن الإنسان (آ 30).
"إثنان على فراش واحد". قد يكون الرجل وامرأته. وقد يكون الأخ مع أخيه والأخت مع أختها. المهم أن هناك اثنين يتميزان بوضع واحد. قال مت 24: 40- 41: يكون اثنان في الحقل، وتطحن اثنتان على الرحى. وقد يكون في ذكر "الفراش " إشارة إلى الليل. فالمسيح يعود في ليلة الفصح. ونتذكّر هنا العشر العذارى اللواتي رقدن وهن ينتظرن مجيء العريس.
"تؤخذ واحدة وتترك الأخرى". هل تؤخذ من الخراب، هل تؤخذ إلى الملكوت؟ وهل تترك الثانية للدينونة؟ أو: تؤخذ الواحدة للدينونة وتترك الثانية للخلاص؟ لكن يبدو أن التفسير الأول هو الأفضل على ضوء مثل نوح ولوط: أخذ واحد في السفينة، وأخذ الآخر من المدينة التي ستدمّر قريباً (هذا ما حدث عملياً في دمار أورشليم). أجل، إن دينونة الله تميّز بين الواحد والآخر.
في آ 36 زاد البازي والسريانية العتيقة واللاتينية العتيقة: "يكون اثنان في حقل، فيؤخذ أحدهما (مذكر) ويترك الآخر" (مذكر، ما عدا في مخطوطة واحدة، مؤنث). إنها منقولة عن مت 24: .4. وتهمل هذه الآية: البردية 75، السينائي، الاسكندراني، الفاتيكاني...
قال التلاميذ (آ 37): "إلى أين يا رب"؟ ولكن يسوع طلب منهم أن لا يطرحوا هذا السؤال (آ 23: هو هنا أو هناك). هذا يدل على أنهم لم يفهموا. هذا ما نجده أيضاً في أع 1: 6 (أفي هذا الزمان). لم يفهموا.واكتفى يسوع بأن يقول لهم: "ليست لكم أن تعرفوا"!
"حيث يكون الجسد". استعمل يسوع عبارة مأثورة لكي يردّ على تلاميذه. ستكون هناك علامة تدلّكم. هنا لا نمزج بين ما قاله مت 24: 28 عن الجيفة والعقبان (أفضل من النسور). وما قاله لوقا عن الجسد الذي تجتمع حوله النسور.
ج- تفسير النص
بعد أن أجاب يسوع الفريسيين عن سؤال حول مجيء الملكوت، توجّه بكلامه إلى التلاميذ يعلّمهم عن اليوم الذي فيه يظهر ابن الإنسان.
1- تأليف النصّ
إن يد لوقا هي التي دوّنت آ 22 أ (وقال للتلاميذ). هل باقي الآية هو من قلم لوقا؟ هذا ما يختلف فيه الشرّاح. ومهما يكن من أمر، فلا نجد ما يقابله عند متّى، وهو يورد كلاماً يدخلنا في الموضوع. والعبارة الملغزة "يوماً من أيام ابن الإنسان"، هي عبارة لوقاوية.
إن آ 23- 24، 26- 27، 33، 34- 35، 37 ب تجد ما يوازيها في إنجيل متّى (24: 26- 27، 37- 38؛ 10: 39؛ 24: 40- 41، 28)، وهي تعود إلى المعين. ضمّت في متّى مع مواد أخذت من مرقس لتؤلّف خطبة إسكاتولوجية طويلة. لم يكتف متّى بأن يحطّم وحدة المعين، بل أعاد صياغة بعض الأقوال الفرَدية وذكر "العودة" (أو: المعاد: باروسيا في 24: 27، 37، 39 مجيء ابن الإنسان)، كما فعل في 24: 13= مر 13: 4؛ رج لو 21: 7.
حين استعمل لوقا مواد المعين خلال كلامه عن صعود يسوع إلى أورشليم، استبق (فكرّر) ما سنجده في ف ا2. ليس ما يكفل لنا أن يسوع تلفّظ بهذه الأقوال حول مجيء ابن الإنسان، وهو في طريقه إلى أورشليم. فمع أن السياق الأصلي ليس في أيدينا، فلا يحق لنا أن ننسب جوهر المعين الذي استعمل هنا، إلى لوقا في المرحلة الأولى من التقليد الإنجيلي.
مع أن مانسون أكّد أن آ 25 هي جزء من المعين وتمثل قولاً أصيلاً ليسوع، إلاّ أن عدداً من الشرّاح يرون فيها تدويناً لوقاوياً يتوخّى تفسير آ 23- 24 ويماثل بشكل عام الإنباء بالآلام في 9: 22 مع إشارته إلى آلام ابن الأنسان الذي رذله شعبه.
إن آ 28- 32 خلقت أكبر الصعوبات في هذا المقطع. الأولى: إن آ 28- 29 توازيان آ 26- 27. ولكن بينما تعود آ 26- 27 إلى المعين، فلا شيء يقابل عند متّى آ 28- 29. إذا كانتا في المعين، فلماذا أغفلهما؟ نجد إرتباطاً بين مثل نوح ومثل لوط في حك 10: 4- 8؛ 3 مك 2: 4- 5 (سفر منحول)، وصية نفتالي (وصيات الآباء الإثني عشر) 3: 4- 5؛ 2 بط 2: 5- 7. الثانية: تعتبر آ 31 موازية مع مر 13: 15- 16، وبالتالي تبدو مأخوذة من مرقس (لا نجد ما يوازيها حقاً في لو 21: 20- 24). ولكن الألفاظ مختلفة جداً في هذه الآية اللوقاوية، والتحذير في السياق المرقسي يعود إلى رجاسة الخراب ويتوجّه إلى سكان فلسطين، لا إلى التلاميذ. الثالثة: إن التلميح إلى خبر امرأة نوح في نهاية آ 31 وفي آ 32 يشكّل تضميناً مع آ 28- 29. من هنا نستطيع أن نعتبر آ 28- 32 كوحدة كوّنها لوقا بسبب عبارة "في أيام".
تقابل آ 33 مت 10: 39، وقد تفرّعت من المعين. ضمّت هنا إلى بقية السياق وخرجت من سياق مختلف وأصيل. ثم إنها تكرار لنصّ لو 9: 24 (= مر 8: 35؛ مت 16: 25).
إن آ 34- 35 تبعتا آ26- 27 في المعين. فالنص المتّاوي الموازي هو 24: 40- 41. تحدّثنا عن آ36 في الدراسة التفصيلية. أما آ 37 فهي مركّبة: الشقّ الأول (آ 37 أ) هو نتيجة تدوين لوقاوي. الشق الثاني (آ 37 ج) هو قول مأثور يعود إلى المعين ويجد ما يوازيه في مت 24: 28.
واحتفظ إنجيل توما 61 بصورة آ 34: "قال يسوع: اثنان يستريحان هناك في السرير. واحد يموت، والآخر يحيا" (يبقى على قيد الحياة). قول باهت ويقع في سياق غريب في هذا الإنجيل المنحول. إنه لا يمثل شكلاً أولانياً للقول، بل يحاول أن يفسّر الشكل اللوقاوي للنصّ.
2- الفن الأدبي
إن الوحدة المكوّنة من آ 23- 37 تشكّل مجموعة من الأقوال النبوية (فيها التحذير والتهديد) التي قالها يسوع حوله مجيء يوم (أو: أيام) ابن الإنسان. رأى بولتمان في آ 23- 24 إنباء جليانياً، واختلافة عما قيل في مجيء الملكوت (آ 20- 21). أما آ 26- 35 فهي أقوال تهديد وتحذير لما في المجيء من وجه فجائي يأخذنا على حين غفلة، مع ما يتبع هذا المجيء من قسمة بين البشر.
يبدو أن آ 23- 24 هما إنباء إسكاتولوجي يستعمل اللغة الجليانية (يومض البرق) في إطار التهديد والتحذير. وهذا القول ليس اختلافة قبل لوقاوية للقول السابق عن الملكوت. ووضع هذه الأقوال بعضها بجانب الآخر هو فنّ لوقاوي، غير أن الموضوع يختلف كل الإختلاف. إن الأقوال في هذه الوحدة تختلف من جهة المضمون من خلال ارتباطها بظهور ابن الإنسان. فهذا لا يعني مجيء الملكوت. بالإضافة إلى ذلك، تحاشى لوقا باجتهاد أي ذكر "للمسيح" أو للمجيء (باروسيا)، وهكذا تعارض مع مر 13: 21 ومت 24: 3، 27، 37، 39. فالمشكلة التي تخلقها هذه الوحدة هي: لماذا دوّن لوقا هذا الموضوع في سيرة السفر إلى أورشليم، حين سيعود ويعالجه بشكل أدق 3 في ف 21؟ فكما أن لوقا أدخل رثاء على أورشليم داخل خبر السفر إلى أورشليم (13: 34- 35)، ها هو الآن يدخل تعليماً إسكاتولوجياً. هذا ما يوافق طابع التعليم الذي يُعطى للذين اختيروا ليكونوا شهوداً من الجليل خلال هذا الخبر. فالأقوال حول ظهور ابن الإنسان في هذه الوحدة ترتبط إرتباطاً سطحياً بالوحدة السابقة حول مجيء الملكوت.
لاحظ بولتمان (وكان على حقّ) أن آ 23- 24 تشيران إلى شخص يسوع في نظر الإنجيلي. هذا يعني أن يسوع هو في نظر لوقا ابن الإنسان الذي تحدّث عن ظهور يومه. لا شكّ في أن لوقا لم يخلق هذا القول، ولا شيء يمنعنا مني القول إن يسوع تفوّه به. غير أن هذا يطرح سؤالاً آخر حوله وجود إعتقاد بابن الإنسان الجلياني في العالم اليهودي الفلسطيني المعاصر. ما نعرفه هو أن لوقا فكّر في يسوع كابن إنسان سيكشف عن يومه. وان يكن هناك أي تردّد في هذا الشأن، فلنعد إلى أع 1: 11 ب ج حيث يقال انه سيأتي بالطريقة عينها التي بها ذهب إلى السماء.
وتضمّنت آ 26- 35 أقوال تحذير وتهديد تقابل أيام ابن الإنسان بأيام نوح (آ 26- 27) ولوط (آ 28- 32). فهي لا تنبهنا فقط إلى السهر المطلوب بسبب الحلول المفاجىء لهذه الأيام، بل وأيضاً بسبب المعاملة التي تميّز البشر (آ 31- 35). وفي النهاية، يأتي جواب يسوع في آ 37 ب بشكل قول تلفّظ به يسوع في إطار أصيل آخر. هذا القول كان مثلاً دنيوياً، على ما يبدو، فصار قولاً من أقوال الرب.
3- معنى الآيات
إستفاد يسوع من سؤال الفريسيين (آ20) فعلّم تلاميذه، لا عن مجيء الملكوت وحسب، بل عن ظهور يوم (أيام) ابن الإنسان. ويبرهن تعليمه الإسكاتولوجي أنه تحذير وتنبيه يصحّح كل استنتاج متسرّع حول مجيء يوم (أيام) يسوع. قال لتلاميذه إن ابن الإنسان لن يأتي بالسرعة التي رغبوا بها (آ 22). وعلّمهم الطريقة التي بها يأتي (آ 24) والطريقة التي بها لا يأتي (آ 23). وقال لهم أيضاً أقوالاً حول ما سيحدث أولاً (آ 25)، حول الوضع الذي يكون فيها البشر حين يأتي هو (آ 26- 30)، وحوله الدينونة التي تميّز الناس في "ذلك اليوم " وفي "تلك الليلة" (آ 31-35).
قبل كل شيء، على التلاميذ أن لا يخدعهم أنبياء يدلّون على علامات الأزمنة أو يشيرون إلى زمان ومكان الظهور. فيسوع أوضح أن مجيء ابن الإنسان سيكون فجائياً، سيأتي بلا شك. وهو لا يطلب من البشر أن يترقّبوه. فصورة البرق اللامع لا تعني فقط أن مجيء ذلك اليوم سيكون ساطعاً بل إن فجاءته ستكون مذهلة. إذا كان مجيئه فجائياً واضحاً للجميع، فسيسبقه شيء آخر سيحصل وهو آلام ابن الإنسان ورذله على يد شعبه.
حين قابلت آ 26- 32 مجيء يوم (أيام) ابن الإنسان مع أيام نوح ولوط، فقد نبّهت "هذا الجيل" من اللامبالاة والكسل. فكما دمّر الطوفان كل البشرية (اللامبالية)، ما عدا نوح وعائلته. وكما دمّر النار والكبريت شعب سدوم (الغير المهتم) ما عدا لوط وعائلته، هكذا ستحلّ الدينونة بالبشرية كلّها في يوم ظهور ابن البشر. ففي أيام نوح ولوط، تابع الناس أعمالهم العادية دون أن يفكّروا بشيء. فهذا ما عارض السهر والإنتظار. ولن يعطى لنا وقت لنأخذ شيئاً من متاع الدنيا أو شيئاً تركناه وراءنا. لن يكون لنا أن ننظر وراءنا. من هنا، يجب أن نكون مستعدين.
وتبرز آ 33- 35 الدينونة التي تقسم الناس في مجيء ابن الإنسان، وليس ما يكفل الخلاص (آ 33). فمن حاول أن يخلّص حياته (نفسه) يهلكها. وكل من يخسر حياته يحفظها. لم يفسر هذا القول. ولكنه يصبح واضحاً في سياق آ 27- 29: إن الخلاص من الدمار لن يتمّ فقط بالأكل والشرب والزواج والبيع والشراء والزرع والبناء (7 نشاطات، هي مجمل نشاط البشر. ذكر عشرة نشاطات: 6+ 4، ولكن بعضها تكرّر).
لا يعني تعليمُ يسوع أولئك التلاميذ الذين يظنون أن مصيرهم أفضل من مصير الذين حولهم، بل أولئك الذين فهموا وضعهم الميأوس منه (وسط اللامبالاة العامة والإكتفاء الذاتي) فتساءلوا: ماذا يجب أن نعمل لكي نخلص؟
خاتمة
إن هذا التعليم الإسكاتولوجي المظلم حول يوم ابن الإنسان جعله لوقا هنا لأنه فهم أن ظهور يسوع سوف يتأخّر. جعله جزءاً من حديث يسوع إلى تلاميذه، وهو في طريقه إلى أورشليم، ليفهم التلاميذ الذين يتبعونه في هذه الطريق متطلبّات حياتهم الخاصة (أع 14: 22). وسيُعطى شكل آخر لهذا التعليم في الخطبة الإسكاتولوجية الكبرى (ف 21)، ساعة ينهي يسوع تعليمه حول الهيكل ويتوجّه نحو مصيره.

 

 

الفصل الرابع والأربعون
الأرملة والقاضي
18: 1- 8

لا نقرأ هذا المثل إلا عند لوقا. وهو يطرح على الشرّاح مسائل عدة: دور لوقا في تدوينه. انتماء آ 6-8 إلى النصّ الأصلي. ترجمة آ 7. معنى النصّ في نظر يسوع.
نودّ ان نتفحّص هذا النصّ اولاً على مستوى لوقا، منطلقين من العناصر التي يقدّمها لنا: السياق، البناء، الأقسام المختلفة. وقبل ان نحاول تفسيره، نسعى إلى تمييز المواد التقليدية التي استعملها الإنجيلي.
1- السياق
أورد يسوع في الجزء الثالث من الصعود إلى أورشليم (17: 11- 19: 27) شفاءَ البرص العشرة (17: 12- 19)، ثم تعليما اسكاتولوجياً: سؤال الفريسيين عن مجيء ملكوت الله (17: 20- 21)، خطبة نبوية طويلة وُجهت إلى التلاميذ عن يوم ابن الإنسان (17: 22-27).
ويبدو أن يسوع أيضاً قال للتلاميذ مثل الأرملة والقاضي، أو مثل القاضي الذي تأخّر طويلاً قبل أن يحكم لأرملة تطلب الانصاف. إنه يرتبط ارتباطاً واضحاً بالسياق السابق عبر موضوع الدينونة والإشارة الأخيرة إلى ابن الإنسان (18: 8).
بعد هذا يأتي مثل الفريسي والعشار (18: 9- 14). أعطى لوقا المثلين بعدا مختلفاً (ق آ 1 وآ 9)، إلا انه ربط بينهما بالفن الأدبي الذي استعمله وبموضوع الصلاة.
2- بناء المثل
بُني المثل بناء محكماً، فتضمنت آياته الثماني الأمور التالية:
- مقدمة (آ 1) تدلّ على السامعين، على فنّ المثل الأدبي وهدفه.
- المثل في حد ذاته (آ 2- 5)
- تطبيق المثل (آ 6- 8)
* يستعيد الرب الحديث ليدعو إلى السماع (آ 6)
* يستخرج امثولة المثل بتناقض هو برهان "بالحري" (آ 7). وكل هذا ينتهي بتأكيد احتفالي: "أقول لكم" (آ 8 أ).
* سؤالا أخير يتحدّث عن ابن الإنسان (آ 8 ب)
وما يؤمّن وحدة المقطوعة هو التوجّه إلى القاضي من أجل الحكم. سيكون تأخر، وفي النهاية سيصدر الحكم فينصف هذه الأرملة.
3- المقدمة (آ 1)
آية لوقاوية بمفرداتها (قال مثلاً) والإهتمام بتحديد هدف المثل والحديث عن الصلاة. مثلاً في 14: 7 نعرف حالاً هدف المثل: للذين يختارون المقاعد الأولى. وفي 15: 1- 3 توجّه إلى الفريسيّين والكتبة الذي انتقدوا يسوع لأنه يرحّب بالعشارين والخاطئين. في 18: 9، للذين يثقون بأنهم صالحون ويحتقرون الآخرين. وفي 19: 11 للذين حسبوا أن ملكوت الله سيظهر في الحال.
توجّه يسوع إلى تلاميذه (رج 17: 22). أراد أن يعطيهم تعليماً هو تطبيق إرشادي للخطبة الإسكاتولوجية السابقة. وهذا ما نقوله أيضاً عن 1 2: 34- 36 (بعد 21: 8- 33): إنتبهوا لئلا تنشغل قلوبكم بالخمرة، أما النداء هنا فهو: صلّوا بلا ملل ولا تيأسوا. عباراتان بولسيتان (روم 1: 10؛ 2 كور 4: 1، 16؛ غل 6: 9؛ أف 3: 13؛ فل 1: 4؛ كو 1: 3؛ 2 تس 1: 11؛ 3: 13؛ فلم 4).
4- المثل (آ 2- 5)
ويظهر الشخص الرئيسي، وهو الشخص الوحيد الذي سنتحدّث عنه في التطبيق (آ 2). إنه قاض يعمل في مدينة صغيرة وهو مطلق الصلاحية ليحكم كما يشاء من دون استئناف. ويصوّر النص تفكيره العميق لأنه هو محرك الخبرة: لا أمل يرجى منه بأن يصدر الحكم. لن نبحث هنا عن بواعث لا تعني المثل في شيء مثل حبّ الثروة عند القاضي، أو كفره وعدم إيمانه. نشير هنا أيضاً إلى أن أغوسطينس قابل بين الأرملة والكنيسة وتبعه عدد من الشرّاح، ولكن هذا التماثل لا يجد ما يسنده في المثل.
وأمام هذا القاضي وقفت ارملة (آ 3). حالتها هي نموذج الإنسان الذي ليس له من يدافع عنه. جاءت الى القاضي المرّة تلوَ المرّة وقدمت له طلبها البسيط: انصفني من خصمي (قد يعني الفعل: انتقم ولكن هذا المعنى لا يتوافق مع طلبها إلى القاضي). الموضوع: دين، ميراث، ضرر؟ هل قضيتها شرعية ام لا؟ من هو خصمها؟ كل هذا يبقى مجهولاً.
فالخبر كله يتركّز على نقطة واحدة: يتساهل القاضي ويتأخر عن البت (آ 4) دون الإهتمام بما يفرضه التقليد عليه بأن ينصف الأرملة (خر 22: 21؛ تث 27: 19)، بأن لا يظلمها (إر 7: 6؛ زك 7: 10؛ ملا 3: 5)، بأن يقضي لها (أش 1: 17، 23).
وفي النهاية عزم القاضي على إصدار الحكم. وقدّم لنا السبب في حوار داخليٍ ، هو بعيد كل البعد عن التحليل السيكولوجي، ولكنه يشكّل نهجاً معروفاً في الأمثال من أجل توجيه العمل (مثلاً مر 12: 6 وز؛ مت 21: 28؛ 24: 48= لو 12: 45؛ رج 12: 17- 18؛ 15: 17- 19؛ 16: 2)، فبيّن أنه ليس للقاضي بواعث ذات قيمة (إستعاد هنا آ 2): هو يفعل مدفوعاً بالأنانية الصرف، لان هذه المرأة تتعبه، وستعود إليه المرة بعد المرة فتزعجه (حرفياً ضربته تحت عينه). وسيجد التطبيق طريقة "بالحري". إذا كان القاضي الظالم أجاب على إلحاح هذه الأرملة، فكم بالحري سينصف الله مختاريه؟
يبدو هذا المثل في شكله فنّاً أدبيّاً نقيّاً بإيجازه وبساطة العمل الذي فيه، وطابع الأشخاص الذين يبدون كنماذج، والإبتعاد عن كل تفصيل تفسيري. كل شيء يؤول إلى العمل.
5- تطبيق المثل (آ 6- 8)
إن هذا المثل، شأنه شأن عدد كبير من أمثال الإنجيل، ينتهي بتطبيق يستخرج مدلوله. ولكن سنرى أن هذا المقطع يطرح عدة أسئلة.
* يبدأ بآية مقدمة (آ 6) تشير إلى 16: 8- 9. إنه لوقاوي بكلماته الأولى (تدخّل يسوع في نهاية المثل، لقب "كيريوس" أي الرب، التأكيد الإحتفالي: "أقول لكم")، كما نكتشف فيه إشارات قديمة في ظاهرها مثل الدعوة إلى السماع بعد المثل والعبارة السامية "قاضي الظلم " (او: القاضي الظالم).
المعنى واضح. حين سمّى لوقا يسوع "الرب"، أراد أن يدلّ على سلطته في بداية تعليم مهمّ. وحين وصف القاضي بأنه "بلا عدالة"، فهو يسبق على كل التباس مع الديان العادل (وهذا ما نقوله أيضاً عن الوكيل الذي بلا عدالة، 16: 8). هنا ندرك كم يبتعد المثل عن الإستعارة (كل تفصيل له تطبيقه). إنه يتركّز كلّه على عمل القاضي، لا على شخصه الذي لا يمثل الله ابداً.
* وبعد المقدمة يأتي التطبيق بسؤال حماسي (آ 7) يبرز الإستنتاج "بالحري": من يتجاسر أن يظن أن الله لا يُنصف "مختاريه"؟ نادراً ما يستعمل لوقا هذه المفردة، وهو لا يطبقها ابداً على البشر. إن لهذه المفردة بُعداً اسكاتولوجياً (كما في مر 13: 25، 22، 27= مت 24: 22، 24، 31) وهي تدل على الذين يقبلون في ملكوت الله. فإن صرخوا ليل نهار، فلكي يطلبوا الدينونة الأخيرة التي تضع حداً لضيقهم (رؤ 6: 9- 11 حيث نجد إشارة إلى الإنتقام غائبة من الإنجيل).
وتبدو الكلمات الأخيرة في آ 7 صعبة بسبب بنائها. كيف نربط هذه الجملة بالتي قبلها؟ ما معنى كلمة "مكروتوماين"؟ قال بعض الشرّاح: نحن أمام ترجمة لأصل سامي. ولكن، قبل ذلك، أي معنى أعطى لوقا لنصّه اليوناني؟ من أجل هذا نعمل على مراحل.
* لا يمكن ان يكون للفعل "مكروتوماين " من فاعل إلاّ الله. لهذا يصوّر موقفه تجاه مختاريه وهم الأشخاص الوحيدون الذين يذكرهم النصّ في صيغة الجمع. ومعنى الفعل؟ لا نجده في الأدب الدنيوي السابق للسبعينية التي تستعمله عشر مرات تقريباً ليعني: "كان صبوراً، متسامحاً" (أم 19: 11؛ سي 2: 4؛ 18: 11؛ 29: 8؛ با 4: 25؛ 2 مك 6: 14). ويعني أيضاً: "ثابر، مدّ" (أي 7: 16؛ 2 مك 8: 26؛ جا 8: 12 في اختلافات). ثم "تأخر، أطال باله " (سي 35: 19). كل هذه المعاني نجدها في العهد الجديد: "صبر، أمهل" (مت 18: 26، 29، 1كور 13: 4؛ تس 5: 14؛ يع 5: 7- 8). "ثابر" (عب 6: 15)، "أطال روحه" (2 بط 3: 9). هذا المعنى الأخير هو الذي يوافق أفضل موافقة المقطع الذي ندرس، هذا المقطع الذي يتركز على مهلة (تأخر) تدخل الله من أجل مؤمنيه (كما في 2 بط 3: 9)، والذي يذكرنا بنصّ سي 35: 19.
* وقدّمت كل الافتراضات الممكنة من أجل بناء النصّ.
أولاً: أكثرُ الشرّاح يربط آ 7 ج مع آ 7 أ ("والله ألا ينصف"؟).
إما في موازاة دقيقة: أما يكون الله صبوراً تجاههم؟
إما في تعارض: "ويتأخر"؟ أو "ويصبر"؟
إما مع متّى: حتى ولو أطال روحه.
إما جملة زمنية: هو يطيل روحه، وإذ يبدو صبوراً.
ثانياً: بعضهم يربط "ويطيل روحه " بالمختارين الذين يصرخون إلى الله في جملة مع الموصول: "الذين يكون تجاههم صبوراً" او "الذين يسمعهم يصرخون فيحن عليهم" أو "الذين يكون حنوناً لهم". افتراض لا بأس به، ولكن هل أراد لوقا لنصّه هذا المعنى؟
ثالثاً: هناك من يجعل من آ 7 ج جملة مستقلة عن سابقتها:
- حاشية مأخوذة من سي 35: 19 حول موقف الله تجاه الكافرين. في هذا الحال، لم نعد بحاجة إلى بحث عن تماسك النص.
- تأكيدية مبدأية: إنه يتحنّن... إنه يصبر عليهم.
- تعجب مع شكّ: "ويطيل روحه عليهم".
* أجاب يسوع (آ 8) بعبارة تأكيد إحتفالي (أقول لكم) نجدها مرات عند لوقا في تطبيقات الأمثال: في أمثال الرحمة (15: 7، 15)، في مثل الوكيل الخائن (16: 9)، في مثل الفريسي والعشار (18: 14). إن الله سيُنصف أخصّاءه كما قالت آ 7 أ وسيفعل سريعاً، في الحال. إقترح بعضهم أن تترجم "ان تاخاي": فجأة، بدون انتظار، لأن بعض نصوص السبعينية (تث 11: 17؛ يش 8: 18-19؛ مز 2: 12) تشير إلى هذا المعنى. ولأن ردة الفعل قوية عند لوقا ضد انتظار مجيء (الرب) القريب (17: 23؛ 19: 11؛ 21: 8- 9). ملاحظة صحيحة، ولكن "ان تاخاي" تعني دوماً عند لوقا "بسرعة" (أع 12: 7؛ 22: 18؛ 25: 4). وهذا المعنى هو الأفضل كجواب على الإعتراض في آ 7 ج: كلا، ان الرب لا يتأخر ولا يتباطأ. إنه ينصفهم في الحال. وهذا التأكيد لا يزيد شيئاً على ساعة لا نعرفها (12: 35- 40؛ أع 1: 7).
وينتهي تطبيق المثل في وسط آ 8، وتُستخرج أمثولة الخبر كلها. سيكون الإنصاف سريعاً للذين يدعونه. إذن، ندهش حين تجد في آ 8 ب قولاً عن شخص وموضوع جديدين: ابن الإنسان والإيمان. وعبارة "بلان" (معروفة لدى لوقا) التي تبدأ القول تعطيه معنى "اما" و"لكن" كما في السبعينية.
نحن الآن أمام مجيء ابن الإنسان، وهو موضوع اسكاتولوجي متواز في الأناجيل (رج مر 8: 38؛ 13: 26؛ 4 1: 62 وز) ومتضمن هنا في سياق لوقا (رج ذكر "يوم ابن الإنسان" أربع مرات في 17: 22، 24، 26-30). لا يُصوّر هذا المجيء ولا يُذكر من أجل ذاته، إنه يشير فقط إلى نهاية الأزمنة.
حينئذ يُطرح سؤال تدلّ الأداة "انا" كم يكون الجواب غير أكيد. أيكون إيمان بعد في اليوم الأخير؟ تكمن السمة المهمة هنا في ذكر "الايمان" مع ال التعريف وبدون مضاف إليه. لا نجد هذه العبارة في الأناجيل الا في مت 23: 23 حيث تعني كما في التوراة: "الأمانة". يستعمل لوقا المفردة مراراً في الأعمال ليدلّ على التعليم الإنجيلي (6: 7؛ رج 15: 9)، على التعلق الحي بهذا التعليم (7:13؛ 14: 22؛ 16: 5) الذي يبرزه أيضاً بالإستعمال المطلق" لفعل "آمن" من دون مفعول (8: 12، 13؛ أع 2: 44؛ 4: 4، 32؛ 8: 13؛ 11: 21؛ 13: 12، 39، 48؛ 15: 5، 7؛ 17: 12، 34؛ 18: 8، 27؛ 19: 2، 18؛ 21: 20، 25). نحن أمام تجنّد للرب نعيشه في الأمانة الملموسة، أمانة الشهادة والحياة. وحسب 18: 1 قد يفكر لوقا خاصة بالمثابرة على الصلاة.
يدل سؤال يسوع على أن الخطر يهدّد هذا الإيمان. إن لوقا يفكّر حسب خبرته بالإضطهادات التي تفرض على المؤمنين واجب الشهادة ليسوع ولو خاطروا بحياتهم (6: 22- 23؛ 9: 26؛ 12: 4، 8- 12؛ 21: 12- 19؛ أع 7: 55- 60؛ 12: 2؛ 21: 13؛ 22: 20؛ 23: 11). وقد يفكر أيضاً بالأخطار التي سيحملها المضلّون إلى الكنيسة بعد موت الرسل (أع 20: 28). ولكنه لا يشدّد كثيراً على هذه النقطة.
وفي النهاية، يتضمّن هذا السؤال تحريضاً ملحاً للمؤمنين الذي ينتظرون مجيء ابن الإنسان. وعدهم المثل أن الله لن يتأخّر في إنصاف مختاريه الذين يعيشون في محن العالم. ولكن هل يبقون هم أيضاً أمناء حتى النهاية في الصلاة (رج 21: 34- 36)؟
6- المعطيات التي استعملها لوقا
أبرزت قراءة النصّ مراراً ما هو دور لوقا الأدبي ولا سيّما في ما يتعلق بالوصلات التي تشكّلها آ 1، 6، 8 ب (بلان). ولكن من الواضح أن لوقا يعمل على مواد تقليدية. لهذا يبدو من المفيد أن نستخرج هذه المواد قبل أن نحدد المعنى الذي أعطاه لها.
أ- يرى النقاد عامة أن آ 8 ب عن ابن الإنسان لم تكن تنتمي في البداية إلى المثل. يرتكز هذا الحكم ثابتاً على ما في موضوعَي ابن الإنسان والإيمان من جديد (غابا من المثل)، كما يرتكز على التعارض بين يقين الخلاص القريب (آ 8 أ) والشكّ بأمانة المؤمنين (آ 8 ب). ولكن من اين جاء القول في آ 8 ب؟
- شرّاح ينسبونه إلى تدوين لوقا. ولكن لا سند لهذا الإفتراض في المفردات ولا في الشكل ولا في المضمون.
- غيرهم ينسبون تكوين القول إلى مرحلة من التقليد سابق للوقا، ويربطونه بقلق الكنيسة المضطهدة او التي تجتاحها الهرطقة أمام تأخّر مجيء الرب.
- هذا التفسير ممكن ولكن هل وُلد القول فقط من الخبرة الفصحية؟ إنه يحمل عدة سمات من فكر يسوع: الأهمية المعطاة للإيمان، العودة إلى مجيء ابن الإنسان، التشاؤم فيما يخص الخلاص. ولهذا يقول عدد من الشرّاح إن هذا القول يعود إلى الرب، وإنه يعبّر عن الضيق أمام رفض تعليمه ورسالته.
ب- هل انتمى التطبيق (آ 6- 8 أ) في الأصل إلى المثل؟
- رفض بعضهم هذا الإنتماء لأسباب أدبية: مقدمة لوقاوية كما في 16: 8، غياب التطبيق في عدد من الأمثال ولا سيّما في المثل الموازي في 11: 5- 8، معارضة بين فكرة المثل (ليست اسكاتولوجية) وفكرة تطبيقها. ورأى بعض الشرّاح أن ينسبوا إلى لوقا تدوين آ 6- 8.
- إلا أن الذين يظنون أن التطبيق ارتبط منذ الأصل بالمثل لا يزالون عديدين. وبراهينهم الرئيسية هي: التماسك بين القسمين، التطبيق الكامل مع لفظة "بالحريّ"، الفائدة من التطبيق لفهم هذا المثل الصعب، لغة قديمة ولا لوقاوية. وهم يختلفون عن الأولين فيفهمون المثل الأصلي في معنى اسكاتولوجي، وهذا معقول جداً في مجمل الإنجيل كما ينبسون أيضاً آ 8 أ إلى يسوع. مثل هذا الرأي له أساسه الأكيد (علاقة مع الصديق الذي يوقظه صديقه في الليل، 11: 5- 8).
7- فكر لوقا وفكر يسوع
إن مختلف المعطيات التي اشرنا إليها حتى الآن تتيح لنا الإقتراب من المثل على مستوياته المتنوعة. حين قدّمه لوقا على أثر خطبة ابن الإنسان وختمه بالقول في آ 8 ب، دلّ على أنه يفهمه في معنى اسكاتولوجي. وفي هذا ظلّ اميناً لنظرة يسوع الأصلية، وهو سيسمّيه في النهاية ابن الإنسان. فكّر يسوع ولا شكّ في دينونة الله. فأشار لوقا ان يسوع هو الذي يمارس هذه الدينونة. وهكذا اعطى للمثل رنة كرستولوجية.
لا شكّ في أن لوقا دوّن المقدمة في آ 1. ودلّ فيها على أنه يرى في المثل دعوة إلى الصلاة المستمرة، وهذا تعليم عزيز على قلبه. وجرّت هذه النظرة الإرشادية تبدلاً في الإتجاه. ركّز يسوع المثل على القاضي وعلى مهلة القضاء. أما لوقا فاهتم بالأرملة التي صارت نموذج المؤمنين الذي يصلون بثبات وإلحاح. نحن نفهم كيف يتلمس الشرّاح طريقهم هنا حين يريدون أن يعطوا عنواناً للمثل: عليهم أن يختاروا بين مستويين يقرأونه فيه.
حين زاد لوقا في النهاية آ 8 ب، أعطى هذا القول وظيفة إرشادية، وظيفة تحريض على الإيمان. قد يكون عبّر هذا القولُ عن ضيقه كمسؤول عن خلاص شعبه.
وهكذا احتفظ لوقا بتقليد كلمات يسوع بأمانة. ولكنه لوّنها بتعليمه عن الكرستولوجيا، باهتمامه الإرشادي، وحاول أن يجيب على حاجات كنيسة عصره.

 

 

الفصل الخامس والأربعون
الفريسي والعشّ‍ار
18: 9- 14

مثل الفريسي والعشّار خاص بلوقا. أخذه من مرجع خاص (قد يشترك فيه مع متّى) استقى منه مواد القسم المحوري في إنجيله (صعود يسوع إلى أورشليم). بعد هذا المثل سيعود لوقا إلى مسيرة إنجيل مرقس.
مثل بسيط جداً، وهو لا يطرح أسئلة خاصة على المفسّر. هو يدخل، من الوجهة الأدبية، في مجموعة أمثال لا نجدها إلاّ عند لوقا: السامري الصالح، المزارع الجاهل، لعازر والغني. وهذه الأمثال هي أكثر من تشبيهات، إنها أمثلة ملموسة عن مواقف نقتدي بها أو نتجنّبها.
هذا المثل يضع أمامنا رجلين يصلّيان، وهو يلي مثلاً آخر نجد فيه أرملة تتوسّل إلى قاضٍ ظالم. ونلاحظ أيضاً أن آ 14 ب (من يرفع نفسه ينخفض) لا توافق كل الموافقة معنى المثل، وأنها توجد في مرقس ومتى.
إن هذه الملاحظات تحدّد تصميم هذه الدراسة. أولاً: المثل في حدّ ذاته والدرس الذي نستخرجه منه (18: 9- 14 أ). ثانياً: معنى التحريض على الصلاة الذي نجده في السياق (18: 1- 14 أ). ثالثاً: توسيع النظرة التي تعطيها آ 14 ب والسياق العام لهذين المثلين: الخطبة عن "يوم ابن الإنسان" (17: 20- 37).
أ- المثل الأصلي (18: 9- 14 أ)
نجد في هذا المثل ثلاثة أقسام: المقدّمة (آ 9) التي تحدّد السامعين. المثل في حدّ ذاته (آ 10-13) يصوّر لنا رجلين صاعدين إلى الهيكل، وصلاتهما تبرز موقفين روحيين مختلفين. الخاتمة (آ 14 أ) تستعيد بشكل تضمين آية المقدمة: "قال يسوع لبعض الذين يثقون بأنفسهم بأنهم صالحون (أبرار، صديقون)...". وتحدّد المعنى: "أقول لكم: هذا (العشار)، نزل إلى بيته مبرراً (مقبولاَ من الله)، لا ذاك (الفريسي)". "بار" (ديكايوس)، مبرّر (داديكايومانوس): كل معنى المثل يقوم في هذا الإنتقال من صيغة المعلوم إلى صيغة المجهول: هل نحن نبرِّر أنفسنا، أم نبرَّر أي إن الله يبرّرنا؟
1- السامعون هم ممارسون للشريعة (آ 9)
حين نعرف إلى من توجّهت رسالة وما هي اهتمامات ذاك الذي كتبها، نفهمها فهماً أفضل. غير أنه ليس من السهل دائماً أن نكتشف السامعين الحقيقيين للمثل... والإنجيل كما نقرأه اليوم هو نتيجة تفكير الجماعة الأولى وكرازتها. وبما أنه أولاً حياة ونداء إلى التوبة، لم يتردّد الرسل بأن يؤونوه لمحيطهم. وتحاول العظة اليوم أن تؤون لنا أحداثاً عنت في الأصل أشخاصاً يعيشون في وضع يختلف عن وضعنا. هذا ما فعله في الماضي الواعظون الأوّلون. وجه يسوع أمثاله، على ما يبدو، إلى خصومه من فريسيين وصادوقيين... ولكن حين رويت فيما بعد في أوساط لا نجد فيها فريسيين، كيّف الرسل أمثالهم على التلاميذ (الذين يمكن أن يميلوا إلى عالم الفريسيين مثلنا). وتبدّلُ السامعين هذا بدّل معنى المثل في بعض المرّات. ولكن التطوّر لم يلعب دوره في المثل الذي ندرس، وهذا برهان عن الطابع العتيق لهذا التقليد: "قال يسوع لبعض الذين.." أي للفريسيين. لا شكّ في انه لا يسمّيهم بصورة واضحة، أقلّه في هذا الموضع. لأنه سمّاهم باسمهم في مكان آخر ولم يراع شعورهم. قال يسوع للفريسيين الهازئين به: "أنتم تبرّرون أنفسكم عندَ الناس، لكن الله يعرف قلوبكم. رفيع القدر عند الناس رجس (موضوع كراهية) عند الله" (لو 16: 14- 15).
فلماذا لم يسمّهم هنا بوضوح؟ لأنه يرينا واحداً منهم على المسرح. هذا ممكن. ولكن لأن لوقا يريد أن يهدي هذا الخبر إلى كل "الفريسيين" (ونحن أيضاً) في كل العصور.
وبعد ألفَيْ سنة على قراءة الإنجيل، لم نحتفظ من كلمة فريسي إلاّ وجهة الإحتقار. لا شكّ في أنه كان هنا فريسيون أردياء. ولكن الفريسيين هم في البدء "قدّيسو" العهد القديم أي أناس متديّنون في العمق ربطوا حياتهم كلها بالله وبشريعته يدرسون تفاصيلها بمحبّة. هم يعرفون نفوسهم أنهم مدعوّون، شأنهم شأن كل يهودي، إلى العيش بحضرة الله القدّوس. ولكنهم شعروا أكثر من غيرهم أنه، إن كان الإتحاد بالرب شيء عجيب، فهو مخيف ويحمل متطلّبات قاسية. وفي أوقات الإضطرابات لن يتردّد بعضهم من أن يقدم نفسه لسيف الكفار ولا يهاب الموت. ولقد ظنوا في كل وقت أنهم يعبّرون عن إيمانهم بالله في حياتهم كلها. إنهم يمارسون الشريعة على أكمل وجه، بحيث لا يستطيع أحد أن يلومهم أنهم أهملوا فريضة واحدة من فرائض الشريعة. كانوا مثال التقوى، وكان الشعب يُعجب بهم ويحبّهم. وهذا ما جعلهم يؤثّرون عليه تأثيراً عميقاً.
ولكن لماذا يهاجمهم يسوع بكل هذا العنف؟ بسبب استعداد قلوبهم. وهذا ما يُجمله لوقا بكلمات لاهوتية سنفهمها في النهاية: يثقون بنفوسهم. يعتبرون نفوسهم أبراراً.
2- الفريسي والعشّار أو موقفنا الروحي الأساسي ينكشف في صلاتنا (آ 10- 13)
جعل يسوع أمامنا رجلين ذاهبين للقاء الله، صاعدين إلى الهيكل حيث يقيم الله. يصوّرهما في عمل هو قمّة هذا اللقاء، يصوّرهما في الصلاة.
"فريسي" و"عشّار". نحن أمام نقيضي المجتمع اليهودي الديني. الممارس الذي لا عيب فيه، الذي فحص ضميره فحصاً دقيقاً فلم يجد شيئاً يتّهم به نفسه، ونموذج الخطأة، العشّار الذي يكرس نفسه بوضعه ووظيفته للظلم والكفر، الذي يجعله الناس بين الخاطئين وفي صفّ الفجّار والزناة (مت 21: 31- 32).
نشير إلى أنّ وظيفة العشّار كانت جبي الضرائب وتقديمها للرومان الذين يبغضهم الشعب اليهودي بغضه لرومة المحتلّة. كان على العشار أن يقدّم كمية من المال يحدّدها الحاكم، فيجمعها بالقوّة من الناس ويزيد عليها ربحه الشخصي الذي يتنوّع بتنوّع وسع ضمير الجابي أو ضيقه.
أولاً: الفريسي "يشكر"
"وقف الفريسي". هذا هو موقف الصلاة العادية. والعشّار أيضاً "وقف ". إذن، لا يدل الوقوف على تظاهر بالصلاة. وقف الفريسي وأخذ يشكر الله: صلاة جميلة ونقيّة لا يطلب فيها شيئاً لنفسه. هي صلاة شكر لله. ثم ما الذي ينقصه ليطلبه؟ لقد غمره الله بكل عطاياه: وهو يعيش في حضرة الله، في الصلاة كما يفعل الآن وفي سائر حياته حيث تسيطر شريعة الله على كل اهتماماته. حفظ نفسه من كل خطيئة (أورد أخطرها وأقلّها خطورة)، وأكثر من الأعمال الصالحة، لا المفروضة وحسب مثل الصوم السنوي لعيد التكفير (كيبور) أو تقديم عشر غلاله، بل تضحيات يخضع لها طوعاً: يصوم مرّتين كل أسبوع، يعطي عشر ثمن كل ما يشتريه، في حال أغفل البائع أن يقوم بواجبه الديني.
من يتجزأ منّا أن يتلو مثل هذه الصلاة؟ فالفريسي ليس بخبيث. فما يقوله قد فعله حقاّ. إنه "قدّيس" أو "بار" كما تقول التوراة. هو يعرف ذلك، ويعرف أيضاً انه سيستحق من اجل هذا، الحياة الأبدية. لا شكّ في أنّ حياته صعبة، ولكنه متأكد من أنه سيمتلك في الآخرة ما ينعم به منذ الآن على الأرض: سينعم بحضور الله. إنه لا يحسد هذا العشّار مع غناه وحياته السهلة، وهو لا يريد أبداً أن يبادل حياته بحياة هذا "الخاطئ" الذي يكرهه الشعب لأنه لا يكتفي بأن "يسرق " الناس، بل يتعامل مع المحتلّ الغريب.
ثانياً: العشّار يعترف بخطاياه
جاء الفريسي يشكر الله. وجاء العشّار يقرّ بخطاياه. وقف هو أيضاً ولكن عن بعد. خفض عينيه وقرع صدره قائلاً: "خطيئتي عظيمة". إعتاد الناس أن يصلّوا بصوت منخفض. وقد يكون العشّار سمع صلاة الفريسي، وهذا يعفيه من الإقرار بخطاياه بعد أن أقرّ بها الفريسي عنه. بقي له الأهم وهو أن يحدّد موقفه تجاه الله، كما هو بالحقيقة. وهذا ما يقوم به بكلمات بسيطة ولكن عجيبة: "أغفر لي، يا الله، أنا الخاطئ".
"يا الله". الإيمان هو أوّلاً لقاء بين شخصين في حوار بيني أنا وبينك أنت، بين العشّار وبين الرب. عرف العشّار، شأنه شأن الفريسي، أنه بحضرة شخص يقدر أن يدعوه باسمه.
"إغفر". ما هو المعنى الدقيق لهذه الكلمة؟ كن راضياً، كن عطوفاً. هذا هو المعنى الذي نجده في أس 4: 17. توسّل مردخاي: "إستجب صلاتي، كن راضياً ( لا تغضب) على شعبك وحوّل صلاتنا إلى فرح". هي كلمة "هيلسكوماي" التي تعني في السبعينية: غفر الخطايا، كفّر عنها. ولماذا يغفر الله؟ من أجل اسمه. لا نجد سبب الغفران في الإنسان وبرّه واستحقاقاته، بل في قداسة اسم الله (مز 79: 9). واستُعمل الفعل مرّة ثانية فقط في عب 2: 17: "صار يسوع شبيهاً بإخوته في كل شيء ليصير في علاقاته مع الله كاهناً رحيماً وأميناً ليكفّر عن خطايا الشعب".
"أنا الخاطئ". لا معنى لمدلول الخطيئة إلاّ في علاقة شخص بشخص. وخارج هذا الإطار لا نعود أمام الخطيئة، بل أمام ذنب أو إساءة أو عاطفة نقص. وإذا تأمّلنا في تطوّر شعب الله، نلاحظ أنه بقدر ما تعمّق في فكرة الله، تعمّق أيضاً في فكرة الخطيئة. ففكرة الخطيئة هي الوجه الآخر لفكرة الله. لقد صرخ بطرس بعد الصيد العجيب: "إبتعد عني لأني خاطئ" (5: 18). لا نصل إلى التوبة حين "نعلك" خطايانا بدون انقطاع، بل حين نقف في حضرة الله، في حضرة المسيح المصلوب. وصرخة القلب هذه التي يطلقها بطرس أو العشّار، تكشف عن عمق عاطفتهما الدينية. لقد أحسّ لوقا بهذه العاطفة التي تُفهمه أنه خاطىء، لأنه اختار أن يحدّد موقعه في قلب المسيح ليروي لنا حياته: تفرّد فاستعمل هذه اللفظة في المفرد ليدلّ على شخص ملموس، واستعملها مع ال التعريف في هذه المرة فقط وكأنه يدل على نفسه. هذا لا يعني أن العشّار هو خاطىء من الدرجة الأولى، هو نموذج الخاطئين. هو لا يقابل نفسه بالآخرين. ولكن التعريف يخلق فينا إحساساً خاصاً: حين ينظر إلى نفسه لا يجد ما يحدّدها إلاّ هذه العبارة: أنا الخاطئ.
ثالثاً: قل لي كيف تصلّي
أشكرك يا الله لأني قدّيس... إغفر لي يا الله أنا الخاطئ.
إذا كانت الصلاة التي فيها نعبّر عن حوارنا مع الله، تكشف موقفنا الروحي الأساسي، فمن الواضح أن لوقا حين قدّم لنا هذا التعارض قدّم لنا نموذجين من المؤمنين: يبدو الأوّل وكأنه لا يهتم إلاّ بالله: أشكرك أنت. ويبدو الثاني مهتمّاً بنفسه: إغفر لي أنا. الفريسي متجرّد كل التجرّد. والعشّار لا يعرف أن يخرج من عالم حاجاته. هو يطلب. غير أنّ الأول يجعل من الله مفعولاً: أنا أشكرك أنت. والثاني يجعل من الله فاعلاً: أنت أغفر لي أنا.
"وقف الفريسي". هذا يدلّ على موقف ليتورجي عادي. ولكن حين يلتقي الفريسي بالله، فهو يحسّ غريزياً أن له مقامه، أن له وزنه. إنه كالغني الذي يرتاح في موقفه لأن المال في يده. والفريسي يثق بنفسه لأنه بار. لا شكّ أنه فعلاً بار وقدّيس ولا عيب فيه. ورفضه لكل خطيئة وأعماله الصالحة واستحقاقاته، كل هذا يعطيه دالة أمام الله: لقد "ربح " السماء منذ الآن. ولهذا فهو يكتفي أن يشكر أي أن يقف أمام الله كالدائن أمام صاحب المصرف ليحسب له حساب أمواله. فهو في الواقع مهتم كل الإهتمام بنفسه حين يصلّي. هناك الترجمة العادية: "صلّى في نفسه" (بروس هيوتون). ولكن يرامياس يلاحظ بحق ان الإنسان لا يصلّي "في نفسه" بلى بصوت منخفض. لهذا قد نكون أكثر أمانة لفكر لوقا حين نترجم: "كان يسمع نفسه يصلّي". وحرفياً: "إلتفت إلى نفسه (لا ألى الله) وأخذ يصلّي". إنه يجعل نفسه فاعل الأفعال كلها: انا أصوم، أنا أوفي: إنه كامل، وبسبب كماله العظيم، سيجبر الله أمامه على أن يكون مفعولاً يتجاوب مع ما يفعله الفاعل.
أما العشار فهو نموذج "الفقير"، المسكين: هو لا يملك شيئاً في ذاته يعطيه ثقة بنفسه أمام الله. إذن، لم يبقَ له إلاّ حلّ واحد: أن يجعل ثقته في الله. شابه الفريسي فجاء يلتقي الله في حوار بين "أنت" و"أنا". ولكن الفريسي استند الى أنا، إلى شخصه، ليشكر "أنت" الإلهي. أما العشار فأحسّ أولاً أن "أنت" أي الله يتوجه إليه بكلامه، أحسّ أنه يتقبّل حياته جواباً على كلام الله. إنه يتقبّل نفسه كهدية من الله حين يقول "أنا". هذا هو الإيمان: إنه جواب الإنسان على كلمة الله الذي يجعله إنساناً (موجودا) حين يقرّر أن يخرج من نفسه ليقف في الآخر، في الله.
نحن أمام صلاتين، أمام موقفين روحيين. ماذا يقول الله فيهما؟ سيقدّم لنا يسوع الجواب في خاتمة هذا المثل.
3- الخاتمة: عاد إلى بيته لا "باراً" بل "مبرّراً"
"أقول لكم: هذا نزل مبرراً إلى بيته، لا ذاك". سبق ولاحظنا أنّ هذه الجملة تؤلّف تضميناً مع بداية النصّ: "قال يسوع (هذا المثل) لبعض الناس الذين يتكلّمون على نفوسهم لأنهم صديقون أو أبرار". إذن، هذه هي النقطة الأساسية في المثل. ما الذي يريد يسوع أن يقوله؟
إن للفظتي "بار" و"بر" في التوراة معنى غنيّاً جداً. من كان باراً وجه تجاه كل إنسان الموقف الصحيح واللائق. والمبرّر أمام امتحان أو جدال، هو من يبرهن لا عن براءته، بل عن صحّة تصرّفه كله، وهكذا تسطع براءته الخاصة وتوافقُه مع شريعة الله. فالفكرة القانونية المرتبطة باللفظة في اللغة العادية زالت في الإستعمال البيبلي: من يتجرّأ ويقيس نفسه مع الله؟ من يظن أنه يقدر أن يدخل في جدال معه؟ ولهذا اتخذت لفظة "تبرر" أمام الله معنى "وجد حظوة في عينيه ". لقد تبدّل المعنى تبدّلاً كلّياً: فما الذي يتيح للإنسان أن يقف أمام الله لا نجده في الإنسان بل في الله. لم نعد أمام "البر" و"البرارة"، بل أمام "الحظوة" و"النعمة" و"الحنان". غير أن هذا لا يعني أن كلمة "بر" أفرغت من كل محتوى قانوني. إن قلنا هذا تناسينا كرامتنا كبشر. إذا كنا أبرمنا عقداً مع الله وتعديناه بخطايانا، فغفران بسيط من قبله قد يذلّنا فيجعلنا نشعر أن لا أهمية لخطايانا أمامه. بل إن كل ما نعمله لا يهمّه! ولهذا أراد الله أن "يستحق" الإنسان خلاصه. ولكن "العمل" الوحيد الذي يمكن أن يقف أمامه هو عمل إبنه الذي صار إنساناً. فيسوع المسيح وحده قد استطاع أن يجد لنفسه وباسمنا جميعاً الموقف الحقيقي الذي نقفه أمام الله، وذلك لأنه الإبن الذي صار إنساناً، لأنه الإنسان الذي لم يعرف الخطيئة. وهذا الموقف هو موقف البار المتألم الذي يسلم نفسه إلى الآب على الصليب، وينال منه في صباح الفصح بشريّته الممجدة كجزاء لتقدمته الداخلية. والطريقة الوحيدة التي به نقدر أن نكون أبراراً أمام الله، هي أن نجد نفوسنا مشاركين بالإيمان في موقف يسوع الداخلي هذا. حينئذ وحينئذ فقط، تنتج حياة يسوع هذه ثمارها فينا، وتظهر "عبر أعمالنا".
هذا هو ضلال الفريسيين الدراماتيكي: "جعلوا ثقتهم في نفوسهم لأنهم أبرار". جعلوا أعمالهم علّة خلاصهم. ولكنها نتيجة هذا الخلاص. إعتبروها استحقاقاً وكفالة أمام الله. ولكنها في الواقع عطيّة من الله.
هذا هو الموقف الذي يريدنا يسوع أن نرذله. إذا أردنا أن نجد حظوة لدى الله، يجب أن نكون العشّار والخاطىء والفقير الذي يعرف نفسه كما هو، ويستعد أن يتقبّل نفسه وكل خير فيه كهدية من الله. لا شك في أنّ هذا العشّار خاطىء. ولكن المسيحية ليست أولاً أخلاقية سامية. إنها تعبّر قبل كل شيء عن جوابنا إلى إله يوجّه كلامه إلينا في يسوع المسيح. المسيحية هي أولاً إيمان وتعلّق بيسوع الذي فيه وحده نقدر أن نلتقي بالله.
هذه هي التوبة التي يدعونا يسوع إليها. فالمسيحي ليس إنساناً "باراً" بل "مبرّراً"، ليس إنساناً يستحق كل نعمة بل خاطئاً أنعم عليه، عفي عنه. الموقف المسيحي كله يتلخّص في هذا الإنتقال من صيغة المعلوم (أنا أبرر نفسي) إلى صيغة المجهول (أنا مبرَّر، أي: إن الله يبرّرني). ومع ذلك يجب أن أبقى ناشطاً لأترك الله يفعل في. قد نظن بعض المرّات أنّ خطيئة الشيطان كانت في انه قال للّه: "لن أخدم ". وقال توما الأكويني: "قال الشيطان: أنا سأخدمك وهكذا أدرك السعادة بقواي الطبيعية وحدها". الحياة المسيحية هي عبور من لفظة "سأعمل" التي استعملها الشيطان (أنا الذي أعمل)، إلى جواب مريم "ليكن" (ليعمل الله فيّ ما يريد).
ويتابع يسوع كلامه بقساوة غير عادية: هذا ليس نصيحة وحسب. انه الشرط الذي لا بدّ منه لخلاصكم: العشّار تبرّر، وجد حظوة عند الله، لا الفريسي.
هذا هو التعليم الجوهري الذي أراد يسوع أن يعطينا بهذا المثل. ولكن لوقا قدّم لنا أمثولتين أخريين حين جعل المثل في سياق آخر وزاد عليه آ 14 ب.
ب- دعوة إلى الصلاة
تنظيم المقاطع في النصّ أمرٌ مهم جداً. وحين يعطي المدوّن لمقطوعات منعزلة وجدها في الجماعة الأولى، حين يعطيها مكاناً محدّداً في مجموعة، فهو غالباّ ما يزيد معنى جديداً، وإن بصورة جزئية. وهذا هو واقع النصّ الذي ندرس.
أراد يسوع بهذا المثل أن يعلمنا أننا إذا شئنا أن نخلص، يجب أن ننتقل من موقف الفعل (أريد أن أفعل) إلى موقف التقبّل (ليكن لي حسب قولك). ولهذا قدّم أمامنا على المسرح رجلين يصلّيان. إستفاد لوقا من هذا المثل، وهو الذي يشدّد كثر من سائر الإنجيليين على الصلاة، فقدّم تعليماً في هذا المعنى.
إنّ يسوع يصلّي قبل كل حدث مهمّ من أحداث حياته: إذ كان يصلّي، ظهر الله عليه خلاله عماده (3: ا 2). وقبل أن يختار الإثني عشر، قضى ليلته في الصلاة (6: 12). وبعد أن صلى في أحد الأيام على انفراد (9: 18) طرح على تلاميذه السؤال الذي حرّك جواب بطرس واعترافه. وحين شاهده أحد التلاميذ يصلي في أحد الأمكنة (11: 1)، طلب منه أن يعلّمهم الصلاة. ويصلّي يسوع أيضاً لئلا يضعف إيمان بطرس (22: 32). ومن على صليبه سيصلّي إلى الآب من أجل نفسه (23: 46) ومن أجاب صالبيه (23: 34). وحين روى لوقا خبر النزاع في جتسيماني، لم يحتفظ منه إلاّ بتعليم واحد: "إسهروا وصلّوا لئلاّ تدخلوا في تجربة" (22: 40، 46). وفي هذا اختلف عن متّى ومرقس اللذين احتفظا بتعليم عقائدي: على يسوع أن يعبر في هذه الساعة، ساعة الآلام (رج يو 20:12- 21).
ولا بدّ أن نذكر أيضاً أن الجميع في إنجيل لوقا ينشدون ويصلّون: عرف زكريا أنه سيكون له ولد، فهتف: مبارك الرب. وصنع الرب عظائم في مريم فأنشدت. وملائكة السماء سبّحوا الله. وكذا فعل سمعان الشيخ... والبرص الذين يريدون أن يشفوا والخطأة الذين يطلبون مغفرة خطاياهم.
هذا التعليم عن الصلاة يشكل خلفية الإنجيل كله، ولكنه يبرز في وقتين مهمين: في 11: 1- 13 حيث يزيد لوقا على الصلاة الربّية مقطوعتين أخريين تشدّدان على ضرورة الصلاة بإلحاح. وفي 18: 1- 14، يجمع مثلين، مثل "القاضي الظالم والأرملة المزعجة" ومثل "الفريسي والعشار".
في المثل الأول (18: 1- 8) أراد يسوع أن يفهمنا أن نتكل على الله في صلاتنا. إذا كان رجل قاس مثل هذا القاضي الظالم قد تحرّك لسبب أناني محض بتوسّلات أرملةً تعيسة، فكم بالحري الله، أبو المراحم، يسمع صراخ مختاريه. الحق أقول لكم: إنه يسرع إلى إنصافهم. ونجد التعليم عينه في مثل الصديق المزعج (11: 5- 8). قال يسوع: إنّ الله يصغي إلى صلواتنا. ويستخرج لوقا درساً من أجل قرّائه: إذن صلّوا بإلحاح، صلّوا ولا تملّوا إلى أن يستجيب الله لكم.
إذا قابلنا بهذا المثل مثل الفريسي والعشّار، نكون أمام تعليم عن الطريقة التي بها نصلّي. أجل، يقول لنا لوقا كيف نصلّي: حين تأتون إلى الله لا تستمعوا إلى نفوسكم، لا تلتفتوا إلى ذواتكم. بل كونوا واعين لفقركم وافتحوا قلوبكم على غفران الله وحبّه.
ج- الفريسي والعشّار هما نموذجان للمخلّص والهالك في الدينونة الأخيرة (آ 14 ب)
"فمن يرفع نفسه ينخفض، ومن يخفض نفسه يرتفع". إن هذه الآية (آ 14 ب) تشكل خاتمة المثل، وكل شيء يدلّ على أنها الخاتمة الثانية التي زيدت فيما بعد لتعطي المثل بُعداً آخر.
فهذه الخاتمة لا توافق كل الموافقة المعنى العام. قيل أن الخبر يصوّر التعارض بين "البار" و"المبرّر"، لا التعارض بين "المرتفع" و"المنخفض". لا يقول لنا يسوع إنّ الفريسي انخفض، بل انه لم يتبرّر. ولم يقل لنا إنّ العشّار انخفض حين أقرّ بخطاياه (وإن كان لم يقرّ بها)، أو انه ارتفع، بل انه ذهب "مبرّراً". إذا جعلنا هذه الآية خارج التضمين الذي يحدّد بداية الموضوع ونهايته (شأنه شأن المزدوجين في نقل كلام شخص آخر)، فهي تزيد على المثل أمثولة ثانية (مع العلم أن الأمثال القديمة تتضمن عادة درساً واحداً). وهذه الأمثولة نجدها في مكان آخر من التقليد: في نهاية مثل اختيار المقاعد في الوليمة (لو 14: 11). طبقها متّى مرة أولى على الفريسيين المتعجرفين (مت 23: 12)، ثم على التلاميذ الذين يتساءلون عمّن هو الأعظم في الملكوت (مت 18: 4) فجاءت مع اختلاف بسيط: "من اتضع وصار مثل هذا الطفل، فهو الأعظم في ملكوت السماوات ". إذن، كل هذا يجعلنا نظنّ أننا أمام قول معزول ربطه التقليد بالمثل. وهكذا يدلّ هذا العمل الأدبي على إحدى الإتجاهات التعليمية في الجماعة.
حين نقل الرسل تعليم يسوع أرادوا قبل كل شيء أن يكونوا أمناء لتعليمه. ولكن الوضع تبدّل، وهذا ما دفعهم إلى اكتشاف كل متضمّنات التعليم إكتشافاً أفضل. وهكذا دخل هذا الفهم الجديد في النصّ بصورة طبيعية. توجّه يسوع بالمثل إلى خصوم محدّدين، فجاءت خاتمةٌ أكثر اتساعاً تطبّق المثل على الوضع المسيحي الجديد. وبما أن عودة المسيح تأخّرت، شدّدت الكنيسة الأولى على نهاية الأزمنة والدينونة.
لا شكّ في أن هذا القول المعزول يبدو بشكل كلام مأثور ينطبق على ظروف مختلفة، أكثر منه على كرازة اسكاتولوجية. ولكن صيغة المضارع في الفعل قد تلمّح إلى زمن مقبل فتعيد الأمور كله إلى موضعها الحقيقي. وإذا عدنا إلى السياق، يبدو هذا التلميح إلى الدينونة الأخيرة واضحاً بصورة خاصة. فالشرّاح يقولون إن لوقا (وربّما التقليد السابق للوقا) ربط هذا المثل بالذي سبقه، مثل القاضي الظالم. ولكن هذا المثل ينتهي بخاتمة ثانية لا شكّ في بعدها الاسكاتولوجي: "حين يجيء ابن الإنسان هل سيجد إيماناً على الأرض" (18: 8 ب)؟ نحن هنا أمام استعادة واضحة للخطبة الكبيرة التي تسبق مجيء ابن الإنسان (17: 20- 36). حين زاد لوقا على الخبر الأوّلاني اعتباره الأخير، فقد فكّر بالمجيء العظيم ورأى في العشّار نموذج المختارين وفي الفريسي نموذج الهالكين. وهكذا جاء الإهتمام الاسكاتولوجي عينه الذي شدّد على التطبيق الجلياني على مثل المرأة التعيسة، جاء فزاد شيئاً على مثل الفريسي والعشّار، وهكذا ربط المثلين بالخطبة الجليانية التي سبقتهما. وهكذا يقدّم هذا المثل على مستوى تدوين الإنجيل الأخير، يقدّم غناه لمجموعة كبيرة تبدأ في 17: 20 وتنتهي في 18: 14.
طرح الفريسيون سؤالاً عن الزمن الذي فيه يجيء ملكوت الله. فأعطى يسوع هنا كما في مكان آخر (11: 29: جيل فاسد يطلب آية) جواباً أراده ملتبساً: ملكوت الله هو فيكم وبينكم بواسطة شخصي (17: 20- 21)
وفي الخطبة الجليانية الأولى في لوقا (17: 23- 37) توجّه يسوع بحديثه إلى تلاميذه فاستعاد مجمل المسألة مجيباً عن أسئلة ثلاثة. الأول: متى يأتي الملكوت؟ هو منذ الآن في يسوع، ومع ذلك يجب أن ننتظر أيضاً يوم انتصاره النهائي. الثاني: كيف يقوم هذا الملكوت؟ تتضمّن الدينونة وجهتين. وجهة ذاتية: سيحكم البشر بأنفسهم على أنفسهم بموقفهم العميق تجاه المسيح. سيخلص المختارون لأنّهم رفضوا أن يتكلوا على غناهم، رفضوا أن يتكلوا على ذواتهم فقبلوا أن يخسروا حياتهم من أجل يسوع. ووجهة موضوعية: إن الإبن سيختار الذين هم له. السؤال الثالث: أين تتمّ هذه الدينونة؟ سيقوم ملكوت الله في كل مكان وُجد فيه اناس عاشوا الحبّ أو البغض.
ويأتي المثلان اللذان يتبعان فيقدّمان صورتين ملموستين لهذه الخطبة. أولاً، التلاميذ الذين وجّه إليهم المثل الأول. قال يسوع: كما أنّ الأرملة وجدت أذناً صاغية لدى القاضي، فأنتم المختارون سيسمع لكم الدّيان الحقيقي. فلا تخافوا. ولكن حين يعود ابن الإنسان في مجيئه الثاني، هل سيجد اناساً مثلهم، هل سيجد إيماناً على الأرض؟ ثانياً، الفريسيون في كل زمن. يستعيد يسوع كلامه: كيف يقوم هذا الملكوت؟ إذا أردت أن ترتفع، فضع ثقتك في الله لا في نفسك. وكل مرّة نتشبّه بالعشّار يأتي ملكوت الله ويكون ابن الإنسان بيننا ودنينا.
خاتمة
ندرك في نهاية هذه الدراسة إدراكاً أفضل، كيف حاولت الجماعة الأولى أن تجيب على أسئلة المسيحيين فدُفعت إلى التعمّق في تعليم يسوع وتطبيقه على الوضع الجديد. دعانا يسوع إلى الإنتقال من موقف الذي يمنّن الله لأنه عمل عملاً صالحاً إلى موقف الذي يتقبّل كل شيء كهديّة من الله. دعانا إلى أن نضع ثقتنا في الله لا في ذواتنا، إلى أن نترك الله يعمل فينا.
شدّدت الجماعة على هذا التعليم فقالت: على هذا ستكون دينونتنا. ومنذ الآن، حين يكون هذا الموقف موقفنا، يصبح ملكوت الله (أي: يسوع) في وسطنا وبيننا.
وبما أن الصلاة تكشف موقفنا الروحي العميق، استفاد لوقا من المثل ليقول لنا كيف يجب أن نصلّي: لا نستند إلى ذواتنا، إلى أعمالنا، ولكن نخرج من ذواتنا على مثال المسيح على الصليب فنسّلم ذواتنا كلها بين يديّ الآب.

 

 

الفصل الخامس والأربعون
الفريسي والعشّ‍ار
18: 9- 14

مثل الفريسي والعشّار خاص بلوقا. أخذه من مرجع خاص (قد يشترك فيه مع متّى) استقى منه مواد القسم المحوري في إنجيله (صعود يسوع إلى أورشليم). بعد هذا المثل سيعود لوقا إلى مسيرة إنجيل مرقس.
مثل بسيط جداً، وهو لا يطرح أسئلة خاصة على المفسّر. هو يدخل، من الوجهة الأدبية، في مجموعة أمثال لا نجدها إلاّ عند لوقا: السامري الصالح، المزارع الجاهل، لعازر والغني. وهذه الأمثال هي أكثر من تشبيهات، إنها أمثلة ملموسة عن مواقف نقتدي بها أو نتجنّبها.
هذا المثل يضع أمامنا رجلين يصلّيان، وهو يلي مثلاً آخر نجد فيه أرملة تتوسّل إلى قاضٍ ظالم. ونلاحظ أيضاً أن آ 14 ب (من يرفع نفسه ينخفض) لا توافق كل الموافقة معنى المثل، وأنها توجد في مرقس ومتى.
إن هذه الملاحظات تحدّد تصميم هذه الدراسة. أولاً: المثل في حدّ ذاته والدرس الذي نستخرجه منه (18: 9- 14 أ). ثانياً: معنى التحريض على الصلاة الذي نجده في السياق (18: 1- 14 أ). ثالثاً: توسيع النظرة التي تعطيها آ 14 ب والسياق العام لهذين المثلين: الخطبة عن "يوم ابن الإنسان" (17: 20- 37).
أ- المثل الأصلي (18: 9- 14 أ)
نجد في هذا المثل ثلاثة أقسام: المقدّمة (آ 9) التي تحدّد السامعين. المثل في حدّ ذاته (آ 10-13) يصوّر لنا رجلين صاعدين إلى الهيكل، وصلاتهما تبرز موقفين روحيين مختلفين. الخاتمة (آ 14 أ) تستعيد بشكل تضمين آية المقدمة: "قال يسوع لبعض الذين يثقون بأنفسهم بأنهم صالحون (أبرار، صديقون)...". وتحدّد المعنى: "أقول لكم: هذا (العشار)، نزل إلى بيته مبرراً (مقبولاَ من الله)، لا ذاك (الفريسي)". "بار" (ديكايوس)، مبرّر (داديكايومانوس): كل معنى المثل يقوم في هذا الإنتقال من صيغة المعلوم إلى صيغة المجهول: هل نحن نبرِّر أنفسنا، أم نبرَّر أي إن الله يبرّرنا؟
1- السامعون هم ممارسون للشريعة (آ 9)
حين نعرف إلى من توجّهت رسالة وما هي اهتمامات ذاك الذي كتبها، نفهمها فهماً أفضل. غير أنه ليس من السهل دائماً أن نكتشف السامعين الحقيقيين للمثل... والإنجيل كما نقرأه اليوم هو نتيجة تفكير الجماعة الأولى وكرازتها. وبما أنه أولاً حياة ونداء إلى التوبة، لم يتردّد الرسل بأن يؤونوه لمحيطهم. وتحاول العظة اليوم أن تؤون لنا أحداثاً عنت في الأصل أشخاصاً يعيشون في وضع يختلف عن وضعنا. هذا ما فعله في الماضي الواعظون الأوّلون. وجه يسوع أمثاله، على ما يبدو، إلى خصومه من فريسيين وصادوقيين... ولكن حين رويت فيما بعد في أوساط لا نجد فيها فريسيين، كيّف الرسل أمثالهم على التلاميذ (الذين يمكن أن يميلوا إلى عالم الفريسيين مثلنا). وتبدّلُ السامعين هذا بدّل معنى المثل في بعض المرّات. ولكن التطوّر لم يلعب دوره في المثل الذي ندرس، وهذا برهان عن الطابع العتيق لهذا التقليد: "قال يسوع لبعض الذين.." أي للفريسيين. لا شكّ في انه لا يسمّيهم بصورة واضحة، أقلّه في هذا الموضع. لأنه سمّاهم باسمهم في مكان آخر ولم يراع شعورهم. قال يسوع للفريسيين الهازئين به: "أنتم تبرّرون أنفسكم عندَ الناس، لكن الله يعرف قلوبكم. رفيع القدر عند الناس رجس (موضوع كراهية) عند الله" (لو 16: 14- 15).
فلماذا لم يسمّهم هنا بوضوح؟ لأنه يرينا واحداً منهم على المسرح. هذا ممكن. ولكن لأن لوقا يريد أن يهدي هذا الخبر إلى كل "الفريسيين" (ونحن أيضاً) في كل العصور.
وبعد ألفَيْ سنة على قراءة الإنجيل، لم نحتفظ من كلمة فريسي إلاّ وجهة الإحتقار. لا شكّ في أنه كان هنا فريسيون أردياء. ولكن الفريسيين هم في البدء "قدّيسو" العهد القديم أي أناس متديّنون في العمق ربطوا حياتهم كلها بالله وبشريعته يدرسون تفاصيلها بمحبّة. هم يعرفون نفوسهم أنهم مدعوّون، شأنهم شأن كل يهودي، إلى العيش بحضرة الله القدّوس. ولكنهم شعروا أكثر من غيرهم أنه، إن كان الإتحاد بالرب شيء عجيب، فهو مخيف ويحمل متطلّبات قاسية. وفي أوقات الإضطرابات لن يتردّد بعضهم من أن يقدم نفسه لسيف الكفار ولا يهاب الموت. ولقد ظنوا في كل وقت أنهم يعبّرون عن إيمانهم بالله في حياتهم كلها. إنهم يمارسون الشريعة على أكمل وجه، بحيث لا يستطيع أحد أن يلومهم أنهم أهملوا فريضة واحدة من فرائض الشريعة. كانوا مثال التقوى، وكان الشعب يُعجب بهم ويحبّهم. وهذا ما جعلهم يؤثّرون عليه تأثيراً عميقاً.
ولكن لماذا يهاجمهم يسوع بكل هذا العنف؟ بسبب استعداد قلوبهم. وهذا ما يُجمله لوقا بكلمات لاهوتية سنفهمها في النهاية: يثقون بنفوسهم. يعتبرون نفوسهم أبراراً.
2- الفريسي والعشّار أو موقفنا الروحي الأساسي ينكشف في صلاتنا (آ 10- 13)
جعل يسوع أمامنا رجلين ذاهبين للقاء الله، صاعدين إلى الهيكل حيث يقيم الله. يصوّرهما في عمل هو قمّة هذا اللقاء، يصوّرهما في الصلاة.
"فريسي" و"عشّار". نحن أمام نقيضي المجتمع اليهودي الديني. الممارس الذي لا عيب فيه، الذي فحص ضميره فحصاً دقيقاً فلم يجد شيئاً يتّهم به نفسه، ونموذج الخطأة، العشّار الذي يكرس نفسه بوضعه ووظيفته للظلم والكفر، الذي يجعله الناس بين الخاطئين وفي صفّ الفجّار والزناة (مت 21: 31- 32).
نشير إلى أنّ وظيفة العشّار كانت جبي الضرائب وتقديمها للرومان الذين يبغضهم الشعب اليهودي بغضه لرومة المحتلّة. كان على العشار أن يقدّم كمية من المال يحدّدها الحاكم، فيجمعها بالقوّة من الناس ويزيد عليها ربحه الشخصي الذي يتنوّع بتنوّع وسع ضمير الجابي أو ضيقه.
أولاً: الفريسي "يشكر"
"وقف الفريسي". هذا هو موقف الصلاة العادية. والعشّار أيضاً "وقف ". إذن، لا يدل الوقوف على تظاهر بالصلاة. وقف الفريسي وأخذ يشكر الله: صلاة جميلة ونقيّة لا يطلب فيها شيئاً لنفسه. هي صلاة شكر لله. ثم ما الذي ينقصه ليطلبه؟ لقد غمره الله بكل عطاياه: وهو يعيش في حضرة الله، في الصلاة كما يفعل الآن وفي سائر حياته حيث تسيطر شريعة الله على كل اهتماماته. حفظ نفسه من كل خطيئة (أورد أخطرها وأقلّها خطورة)، وأكثر من الأعمال الصالحة، لا المفروضة وحسب مثل الصوم السنوي لعيد التكفير (كيبور) أو تقديم عشر غلاله، بل تضحيات يخضع لها طوعاً: يصوم مرّتين كل أسبوع، يعطي عشر ثمن كل ما يشتريه، في حال أغفل البائع أن يقوم بواجبه الديني.
من يتجزأ منّا أن يتلو مثل هذه الصلاة؟ فالفريسي ليس بخبيث. فما يقوله قد فعله حقاّ. إنه "قدّيس" أو "بار" كما تقول التوراة. هو يعرف ذلك، ويعرف أيضاً انه سيستحق من اجل هذا، الحياة الأبدية. لا شكّ في أنّ حياته صعبة، ولكنه متأكد من أنه سيمتلك في الآخرة ما ينعم به منذ الآن على الأرض: سينعم بحضور الله. إنه لا يحسد هذا العشّار مع غناه وحياته السهلة، وهو لا يريد أبداً أن يبادل حياته بحياة هذا "الخاطئ" الذي يكرهه الشعب لأنه لا يكتفي بأن "يسرق " الناس، بل يتعامل مع المحتلّ الغريب.
ثانياً: العشّار يعترف بخطاياه
جاء الفريسي يشكر الله. وجاء العشّار يقرّ بخطاياه. وقف هو أيضاً ولكن عن بعد. خفض عينيه وقرع صدره قائلاً: "خطيئتي عظيمة". إعتاد الناس أن يصلّوا بصوت منخفض. وقد يكون العشّار سمع صلاة الفريسي، وهذا يعفيه من الإقرار بخطاياه بعد أن أقرّ بها الفريسي عنه. بقي له الأهم وهو أن يحدّد موقفه تجاه الله، كما هو بالحقيقة. وهذا ما يقوم به بكلمات بسيطة ولكن عجيبة: "أغفر لي، يا الله، أنا الخاطئ".
"يا الله". الإيمان هو أوّلاً لقاء بين شخصين في حوار بيني أنا وبينك أنت، بين العشّار وبين الرب. عرف العشّار، شأنه شأن الفريسي، أنه بحضرة شخص يقدر أن يدعوه باسمه.
"إغفر". ما هو المعنى الدقيق لهذه الكلمة؟ كن راضياً، كن عطوفاً. هذا هو المعنى الذي نجده في أس 4: 17. توسّل مردخاي: "إستجب صلاتي، كن راضياً ( لا تغضب) على شعبك وحوّل صلاتنا إلى فرح". هي كلمة "هيلسكوماي" التي تعني في السبعينية: غفر الخطايا، كفّر عنها. ولماذا يغفر الله؟ من أجل اسمه. لا نجد سبب الغفران في الإنسان وبرّه واستحقاقاته، بل في قداسة اسم الله (مز 79: 9). واستُعمل الفعل مرّة ثانية فقط في عب 2: 17: "صار يسوع شبيهاً بإخوته في كل شيء ليصير في علاقاته مع الله كاهناً رحيماً وأميناً ليكفّر عن خطايا الشعب".
"أنا الخاطئ". لا معنى لمدلول الخطيئة إلاّ في علاقة شخص بشخص. وخارج هذا الإطار لا نعود أمام الخطيئة، بل أمام ذنب أو إساءة أو عاطفة نقص. وإذا تأمّلنا في تطوّر شعب الله، نلاحظ أنه بقدر ما تعمّق في فكرة الله، تعمّق أيضاً في فكرة الخطيئة. ففكرة الخطيئة هي الوجه الآخر لفكرة الله. لقد صرخ بطرس بعد الصيد العجيب: "إبتعد عني لأني خاطئ" (5: 18). لا نصل إلى التوبة حين "نعلك" خطايانا بدون انقطاع، بل حين نقف في حضرة الله، في حضرة المسيح المصلوب. وصرخة القلب هذه التي يطلقها بطرس أو العشّار، تكشف عن عمق عاطفتهما الدينية. لقد أحسّ لوقا بهذه العاطفة التي تُفهمه أنه خاطىء، لأنه اختار أن يحدّد موقعه في قلب المسيح ليروي لنا حياته: تفرّد فاستعمل هذه اللفظة في المفرد ليدلّ على شخص ملموس، واستعملها مع ال التعريف في هذه المرة فقط وكأنه يدل على نفسه. هذا لا يعني أن العشّار هو خاطىء من الدرجة الأولى، هو نموذج الخاطئين. هو لا يقابل نفسه بالآخرين. ولكن التعريف يخلق فينا إحساساً خاصاً: حين ينظر إلى نفسه لا يجد ما يحدّدها إلاّ هذه العبارة: أنا الخاطئ.
ثالثاً: قل لي كيف تصلّي
أشكرك يا الله لأني قدّيس... إغفر لي يا الله أنا الخاطئ.
إذا كانت الصلاة التي فيها نعبّر عن حوارنا مع الله، تكشف موقفنا الروحي الأساسي، فمن الواضح أن لوقا حين قدّم لنا هذا التعارض قدّم لنا نموذجين من المؤمنين: يبدو الأوّل وكأنه لا يهتم إلاّ بالله: أشكرك أنت. ويبدو الثاني مهتمّاً بنفسه: إغفر لي أنا. الفريسي متجرّد كل التجرّد. والعشّار لا يعرف أن يخرج من عالم حاجاته. هو يطلب. غير أنّ الأول يجعل من الله مفعولاً: أنا أشكرك أنت. والثاني يجعل من الله فاعلاً: أنت أغفر لي أنا.
"وقف الفريسي". هذا يدلّ على موقف ليتورجي عادي. ولكن حين يلتقي الفريسي بالله، فهو يحسّ غريزياً أن له مقامه، أن له وزنه. إنه كالغني الذي يرتاح في موقفه لأن المال في يده. والفريسي يثق بنفسه لأنه بار. لا شكّ أنه فعلاً بار وقدّيس ولا عيب فيه. ورفضه لكل خطيئة وأعماله الصالحة واستحقاقاته، كل هذا يعطيه دالة أمام الله: لقد "ربح " السماء منذ الآن. ولهذا فهو يكتفي أن يشكر أي أن يقف أمام الله كالدائن أمام صاحب المصرف ليحسب له حساب أمواله. فهو في الواقع مهتم كل الإهتمام بنفسه حين يصلّي. هناك الترجمة العادية: "صلّى في نفسه" (بروس هيوتون). ولكن يرامياس يلاحظ بحق ان الإنسان لا يصلّي "في نفسه" بلى بصوت منخفض. لهذا قد نكون أكثر أمانة لفكر لوقا حين نترجم: "كان يسمع نفسه يصلّي". وحرفياً: "إلتفت إلى نفسه (لا ألى الله) وأخذ يصلّي". إنه يجعل نفسه فاعل الأفعال كلها: انا أصوم، أنا أوفي: إنه كامل، وبسبب كماله العظيم، سيجبر الله أمامه على أن يكون مفعولاً يتجاوب مع ما يفعله الفاعل.
أما العشار فهو نموذج "الفقير"، المسكين: هو لا يملك شيئاً في ذاته يعطيه ثقة بنفسه أمام الله. إذن، لم يبقَ له إلاّ حلّ واحد: أن يجعل ثقته في الله. شابه الفريسي فجاء يلتقي الله في حوار بين "أنت" و"أنا". ولكن الفريسي استند الى أنا، إلى شخصه، ليشكر "أنت" الإلهي. أما العشار فأحسّ أولاً أن "أنت" أي الله يتوجه إليه بكلامه، أحسّ أنه يتقبّل حياته جواباً على كلام الله. إنه يتقبّل نفسه كهدية من الله حين يقول "أنا". هذا هو الإيمان: إنه جواب الإنسان على كلمة الله الذي يجعله إنساناً (موجودا) حين يقرّر أن يخرج من نفسه ليقف في الآخر، في الله.
نحن أمام صلاتين، أمام موقفين روحيين. ماذا يقول الله فيهما؟ سيقدّم لنا يسوع الجواب في خاتمة هذا المثل.
3- الخاتمة: عاد إلى بيته لا "باراً" بل "مبرّراً"
"أقول لكم: هذا نزل مبرراً إلى بيته، لا ذاك". سبق ولاحظنا أنّ هذه الجملة تؤلّف تضميناً مع بداية النصّ: "قال يسوع (هذا المثل) لبعض الناس الذين يتكلّمون على نفوسهم لأنهم صديقون أو أبرار". إذن، هذه هي النقطة الأساسية في المثل. ما الذي يريد يسوع أن يقوله؟
إن للفظتي "بار" و"بر" في التوراة معنى غنيّاً جداً. من كان باراً وجه تجاه كل إنسان الموقف الصحيح واللائق. والمبرّر أمام امتحان أو جدال، هو من يبرهن لا عن براءته، بل عن صحّة تصرّفه كله، وهكذا تسطع براءته الخاصة وتوافقُه مع شريعة الله. فالفكرة القانونية المرتبطة باللفظة في اللغة العادية زالت في الإستعمال البيبلي: من يتجرّأ ويقيس نفسه مع الله؟ من يظن أنه يقدر أن يدخل في جدال معه؟ ولهذا اتخذت لفظة "تبرر" أمام الله معنى "وجد حظوة في عينيه ". لقد تبدّل المعنى تبدّلاً كلّياً: فما الذي يتيح للإنسان أن يقف أمام الله لا نجده في الإنسان بل في الله. لم نعد أمام "البر" و"البرارة"، بل أمام "الحظوة" و"النعمة" و"الحنان". غير أن هذا لا يعني أن كلمة "بر" أفرغت من كل محتوى قانوني. إن قلنا هذا تناسينا كرامتنا كبشر. إذا كنا أبرمنا عقداً مع الله وتعديناه بخطايانا، فغفران بسيط من قبله قد يذلّنا فيجعلنا نشعر أن لا أهمية لخطايانا أمامه. بل إن كل ما نعمله لا يهمّه! ولهذا أراد الله أن "يستحق" الإنسان خلاصه. ولكن "العمل" الوحيد الذي يمكن أن يقف أمامه هو عمل إبنه الذي صار إنساناً. فيسوع المسيح وحده قد استطاع أن يجد لنفسه وباسمنا جميعاً الموقف الحقيقي الذي نقفه أمام الله، وذلك لأنه الإبن الذي صار إنساناً، لأنه الإنسان الذي لم يعرف الخطيئة. وهذا الموقف هو موقف البار المتألم الذي يسلم نفسه إلى الآب على الصليب، وينال منه في صباح الفصح بشريّته الممجدة كجزاء لتقدمته الداخلية. والطريقة الوحيدة التي به نقدر أن نكون أبراراً أمام الله، هي أن نجد نفوسنا مشاركين بالإيمان في موقف يسوع الداخلي هذا. حينئذ وحينئذ فقط، تنتج حياة يسوع هذه ثمارها فينا، وتظهر "عبر أعمالنا".
هذا هو ضلال الفريسيين الدراماتيكي: "جعلوا ثقتهم في نفوسهم لأنهم أبرار". جعلوا أعمالهم علّة خلاصهم. ولكنها نتيجة هذا الخلاص. إعتبروها استحقاقاً وكفالة أمام الله. ولكنها في الواقع عطيّة من الله.
هذا هو الموقف الذي يريدنا يسوع أن نرذله. إذا أردنا أن نجد حظوة لدى الله، يجب أن نكون العشّار والخاطىء والفقير الذي يعرف نفسه كما هو، ويستعد أن يتقبّل نفسه وكل خير فيه كهدية من الله. لا شك في أنّ هذا العشّار خاطىء. ولكن المسيحية ليست أولاً أخلاقية سامية. إنها تعبّر قبل كل شيء عن جوابنا إلى إله يوجّه كلامه إلينا في يسوع المسيح. المسيحية هي أولاً إيمان وتعلّق بيسوع الذي فيه وحده نقدر أن نلتقي بالله.
هذه هي التوبة التي يدعونا يسوع إليها. فالمسيحي ليس إنساناً "باراً" بل "مبرّراً"، ليس إنساناً يستحق كل نعمة بل خاطئاً أنعم عليه، عفي عنه. الموقف المسيحي كله يتلخّص في هذا الإنتقال من صيغة المعلوم (أنا أبرر نفسي) إلى صيغة المجهول (أنا مبرَّر، أي: إن الله يبرّرني). ومع ذلك يجب أن أبقى ناشطاً لأترك الله يفعل في. قد نظن بعض المرّات أنّ خطيئة الشيطان كانت في انه قال للّه: "لن أخدم ". وقال توما الأكويني: "قال الشيطان: أنا سأخدمك وهكذا أدرك السعادة بقواي الطبيعية وحدها". الحياة المسيحية هي عبور من لفظة "سأعمل" التي استعملها الشيطان (أنا الذي أعمل)، إلى جواب مريم "ليكن" (ليعمل الله فيّ ما يريد).
ويتابع يسوع كلامه بقساوة غير عادية: هذا ليس نصيحة وحسب. انه الشرط الذي لا بدّ منه لخلاصكم: العشّار تبرّر، وجد حظوة عند الله، لا الفريسي.
هذا هو التعليم الجوهري الذي أراد يسوع أن يعطينا بهذا المثل. ولكن لوقا قدّم لنا أمثولتين أخريين حين جعل المثل في سياق آخر وزاد عليه آ 14 ب.
ب- دعوة إلى الصلاة
تنظيم المقاطع في النصّ أمرٌ مهم جداً. وحين يعطي المدوّن لمقطوعات منعزلة وجدها في الجماعة الأولى، حين يعطيها مكاناً محدّداً في مجموعة، فهو غالباّ ما يزيد معنى جديداً، وإن بصورة جزئية. وهذا هو واقع النصّ الذي ندرس.
أراد يسوع بهذا المثل أن يعلمنا أننا إذا شئنا أن نخلص، يجب أن ننتقل من موقف الفعل (أريد أن أفعل) إلى موقف التقبّل (ليكن لي حسب قولك). ولهذا قدّم أمامنا على المسرح رجلين يصلّيان. إستفاد لوقا من هذا المثل، وهو الذي يشدّد كثر من سائر الإنجيليين على الصلاة، فقدّم تعليماً في هذا المعنى.
إنّ يسوع يصلّي قبل كل حدث مهمّ من أحداث حياته: إذ كان يصلّي، ظهر الله عليه خلاله عماده (3: ا 2). وقبل أن يختار الإثني عشر، قضى ليلته في الصلاة (6: 12). وبعد أن صلى في أحد الأيام على انفراد (9: 18) طرح على تلاميذه السؤال الذي حرّك جواب بطرس واعترافه. وحين شاهده أحد التلاميذ يصلي في أحد الأمكنة (11: 1)، طلب منه أن يعلّمهم الصلاة. ويصلّي يسوع أيضاً لئلا يضعف إيمان بطرس (22: 32). ومن على صليبه سيصلّي إلى الآب من أجل نفسه (23: 46) ومن أجاب صالبيه (23: 34). وحين روى لوقا خبر النزاع في جتسيماني، لم يحتفظ منه إلاّ بتعليم واحد: "إسهروا وصلّوا لئلاّ تدخلوا في تجربة" (22: 40، 46). وفي هذا اختلف عن متّى ومرقس اللذين احتفظا بتعليم عقائدي: على يسوع أن يعبر في هذه الساعة، ساعة الآلام (رج يو 20:12- 21).
ولا بدّ أن نذكر أيضاً أن الجميع في إنجيل لوقا ينشدون ويصلّون: عرف زكريا أنه سيكون له ولد، فهتف: مبارك الرب. وصنع الرب عظائم في مريم فأنشدت. وملائكة السماء سبّحوا الله. وكذا فعل سمعان الشيخ... والبرص الذين يريدون أن يشفوا والخطأة الذين يطلبون مغفرة خطاياهم.
هذا التعليم عن الصلاة يشكل خلفية الإنجيل كله، ولكنه يبرز في وقتين مهمين: في 11: 1- 13 حيث يزيد لوقا على الصلاة الربّية مقطوعتين أخريين تشدّدان على ضرورة الصلاة بإلحاح. وفي 18: 1- 14، يجمع مثلين، مثل "القاضي الظالم والأرملة المزعجة" ومثل "الفريسي والعشار".
في المثل الأول (18: 1- 8) أراد يسوع أن يفهمنا أن نتكل على الله في صلاتنا. إذا كان رجل قاس مثل هذا القاضي الظالم قد تحرّك لسبب أناني محض بتوسّلات أرملةً تعيسة، فكم بالحري الله، أبو المراحم، يسمع صراخ مختاريه. الحق أقول لكم: إنه يسرع إلى إنصافهم. ونجد التعليم عينه في مثل الصديق المزعج (11: 5- 8). قال يسوع: إنّ الله يصغي إلى صلواتنا. ويستخرج لوقا درساً من أجل قرّائه: إذن صلّوا بإلحاح، صلّوا ولا تملّوا إلى أن يستجيب الله لكم.
إذا قابلنا بهذا المثل مثل الفريسي والعشّار، نكون أمام تعليم عن الطريقة التي بها نصلّي. أجل، يقول لنا لوقا كيف نصلّي: حين تأتون إلى الله لا تستمعوا إلى نفوسكم، لا تلتفتوا إلى ذواتكم. بل كونوا واعين لفقركم وافتحوا قلوبكم على غفران الله وحبّه.
ج- الفريسي والعشّار هما نموذجان للمخلّص والهالك في الدينونة الأخيرة (آ 14 ب)
"فمن يرفع نفسه ينخفض، ومن يخفض نفسه يرتفع". إن هذه الآية (آ 14 ب) تشكل خاتمة المثل، وكل شيء يدلّ على أنها الخاتمة الثانية التي زيدت فيما بعد لتعطي المثل بُعداً آخر.
فهذه الخاتمة لا توافق كل الموافقة المعنى العام. قيل أن الخبر يصوّر التعارض بين "البار" و"المبرّر"، لا التعارض بين "المرتفع" و"المنخفض". لا يقول لنا يسوع إنّ الفريسي انخفض، بل انه لم يتبرّر. ولم يقل لنا إنّ العشّار انخفض حين أقرّ بخطاياه (وإن كان لم يقرّ بها)، أو انه ارتفع، بل انه ذهب "مبرّراً". إذا جعلنا هذه الآية خارج التضمين الذي يحدّد بداية الموضوع ونهايته (شأنه شأن المزدوجين في نقل كلام شخص آخر)، فهي تزيد على المثل أمثولة ثانية (مع العلم أن الأمثال القديمة تتضمن عادة درساً واحداً). وهذه الأمثولة نجدها في مكان آخر من التقليد: في نهاية مثل اختيار المقاعد في الوليمة (لو 14: 11). طبقها متّى مرة أولى على الفريسيين المتعجرفين (مت 23: 12)، ثم على التلاميذ الذين يتساءلون عمّن هو الأعظم في الملكوت (مت 18: 4) فجاءت مع اختلاف بسيط: "من اتضع وصار مثل هذا الطفل، فهو الأعظم في ملكوت السماوات ". إذن، كل هذا يجعلنا نظنّ أننا أمام قول معزول ربطه التقليد بالمثل. وهكذا يدلّ هذا العمل الأدبي على إحدى الإتجاهات التعليمية في الجماعة.
حين نقل الرسل تعليم يسوع أرادوا قبل كل شيء أن يكونوا أمناء لتعليمه. ولكن الوضع تبدّل، وهذا ما دفعهم إلى اكتشاف كل متضمّنات التعليم إكتشافاً أفضل. وهكذا دخل هذا الفهم الجديد في النصّ بصورة طبيعية. توجّه يسوع بالمثل إلى خصوم محدّدين، فجاءت خاتمةٌ أكثر اتساعاً تطبّق المثل على الوضع المسيحي الجديد. وبما أن عودة المسيح تأخّرت، شدّدت الكنيسة الأولى على نهاية الأزمنة والدينونة.
لا شكّ في أن هذا القول المعزول يبدو بشكل كلام مأثور ينطبق على ظروف مختلفة، أكثر منه على كرازة اسكاتولوجية. ولكن صيغة المضارع في الفعل قد تلمّح إلى زمن مقبل فتعيد الأمور كله إلى موضعها الحقيقي. وإذا عدنا إلى السياق، يبدو هذا التلميح إلى الدينونة الأخيرة واضحاً بصورة خاصة. فالشرّاح يقولون إن لوقا (وربّما التقليد السابق للوقا) ربط هذا المثل بالذي سبقه، مثل القاضي الظالم. ولكن هذا المثل ينتهي بخاتمة ثانية لا شكّ في بعدها الاسكاتولوجي: "حين يجيء ابن الإنسان هل سيجد إيماناً على الأرض" (18: 8 ب)؟ نحن هنا أمام استعادة واضحة للخطبة الكبيرة التي تسبق مجيء ابن الإنسان (17: 20- 36). حين زاد لوقا على الخبر الأوّلاني اعتباره الأخير، فقد فكّر بالمجيء العظيم ورأى في العشّار نموذج المختارين وفي الفريسي نموذج الهالكين. وهكذا جاء الإهتمام الاسكاتولوجي عينه الذي شدّد على التطبيق الجلياني على مثل المرأة التعيسة، جاء فزاد شيئاً على مثل الفريسي والعشّار، وهكذا ربط المثلين بالخطبة الجليانية التي سبقتهما. وهكذا يقدّم هذا المثل على مستوى تدوين الإنجيل الأخير، يقدّم غناه لمجموعة كبيرة تبدأ في 17: 20 وتنتهي في 18: 14.
طرح الفريسيون سؤالاً عن الزمن الذي فيه يجيء ملكوت الله. فأعطى يسوع هنا كما في مكان آخر (11: 29: جيل فاسد يطلب آية) جواباً أراده ملتبساً: ملكوت الله هو فيكم وبينكم بواسطة شخصي (17: 20- 21)
وفي الخطبة الجليانية الأولى في لوقا (17: 23- 37) توجّه يسوع بحديثه إلى تلاميذه فاستعاد مجمل المسألة مجيباً عن أسئلة ثلاثة. الأول: متى يأتي الملكوت؟ هو منذ الآن في يسوع، ومع ذلك يجب أن ننتظر أيضاً يوم انتصاره النهائي. الثاني: كيف يقوم هذا الملكوت؟ تتضمّن الدينونة وجهتين. وجهة ذاتية: سيحكم البشر بأنفسهم على أنفسهم بموقفهم العميق تجاه المسيح. سيخلص المختارون لأنّهم رفضوا أن يتكلوا على غناهم، رفضوا أن يتكلوا على ذواتهم فقبلوا أن يخسروا حياتهم من أجل يسوع. ووجهة موضوعية: إن الإبن سيختار الذين هم له. السؤال الثالث: أين تتمّ هذه الدينونة؟ سيقوم ملكوت الله في كل مكان وُجد فيه اناس عاشوا الحبّ أو البغض.
ويأتي المثلان اللذان يتبعان فيقدّمان صورتين ملموستين لهذه الخطبة. أولاً، التلاميذ الذين وجّه إليهم المثل الأول. قال يسوع: كما أنّ الأرملة وجدت أذناً صاغية لدى القاضي، فأنتم المختارون سيسمع لكم الدّيان الحقيقي. فلا تخافوا. ولكن حين يعود ابن الإنسان في مجيئه الثاني، هل سيجد اناساً مثلهم، هل سيجد إيماناً على الأرض؟ ثانياً، الفريسيون في كل زمن. يستعيد يسوع كلامه: كيف يقوم هذا الملكوت؟ إذا أردت أن ترتفع، فضع ثقتك في الله لا في نفسك. وكل مرّة نتشبّه بالعشّار يأتي ملكوت الله ويكون ابن الإنسان بيننا ودنينا.
خاتمة
ندرك في نهاية هذه الدراسة إدراكاً أفضل، كيف حاولت الجماعة الأولى أن تجيب على أسئلة المسيحيين فدُفعت إلى التعمّق في تعليم يسوع وتطبيقه على الوضع الجديد. دعانا يسوع إلى الإنتقال من موقف الذي يمنّن الله لأنه عمل عملاً صالحاً إلى موقف الذي يتقبّل كل شيء كهديّة من الله. دعانا إلى أن نضع ثقتنا في الله لا في ذواتنا، إلى أن نترك الله يعمل فينا.
شدّدت الجماعة على هذا التعليم فقالت: على هذا ستكون دينونتنا. ومنذ الآن، حين يكون هذا الموقف موقفنا، يصبح ملكوت الله (أي: يسوع) في وسطنا وبيننا.
وبما أن الصلاة تكشف موقفنا الروحي العميق، استفاد لوقا من المثل ليقول لنا كيف يجب أن نصلّي: لا نستند إلى ذواتنا، إلى أعمالنا، ولكن نخرج من ذواتنا على مثال المسيح على الصليب فنسّلم ذواتنا كلها بين يديّ الآب.

 

 

الفصل السادس والأربعون
يسوع والأطفال
18: 15- 17

علّمنا مثل الفريسي والعشّار أن نتقبّل الخلاص في مجانية تامة. فصلاتنا ومواجهتها مع أعمالنا تحكم علينا أمام ملكوت الله الحاضر في وسطنا. وهذا الحكم الذي هو في الوقت عينه نداء لكي نواصل الطريق، نكتشفه لا في مثل من الأمثال، بل في حدث الأطفال الذين قدّموهم إلى يسوع، وفي طلب الوجيه الغني (18: 18 ي).
في مشهد زيارة الأطفال ليسوع (آ 15- 17)، تبع لوقا عن قرب مر 10: 13- 16 (ق مت 19: 13- 15). غير أنه تحدّث عن أطفال تحملهم أمهاتهم، وألغى الإشارة إلى القبلة وإلى البركة. أما تدخّل يسوع فيعني أمرين: يستطيع الأطفال أن يأتوا بحرية إلى يسوع. ثم إن موقفهم المتقبّل يدلّ على الطريقة التي بها نقبل الملكوت كما ظهر عملياً بحضور يسوع. إن هذا القول يسند في السياق اللوقاوي الدرس الذي تعلّمناه من المثل الذي سبق (18: 9- 14: الفريسي والعشّار): يجب أن نتقبل كل شيء في تواضع ومجانية جذرية.
1- نظرة إجمالية
حين ألف لوقا خبر الصعود إلى أورشليم، إستقى حتى الآن من المعين وأغناه أغناء كبيراً بتقاليده الخاصة. أما الآن فهو يستعيد مسيرة خبر مرقس الذي تركه في 9: 49- 50 (يوازي مر 9: 38- 40).
ما زال يسوع يبيّن لنا أنه قريب من الفقراء، من الخطأة، من العشّارين (المثل السابق). فهل ندهش إن وجدنا خبراً يتركّز على الأطفال ويُبرز كلمة من كلمات المعلّم حول الأولاد الصغار: "دعوا الأطفال يأتون إليّ، ولا تمنعوهم، فلأمثالهم ملكوت الله".
فالطفل (والولد) في أيام يسوع وفي نظر معاصريه ليس ذاك الذي نعرفه اليوم في بيوتنا (هو مدلل، يطلب ما يريد فيُعطى). إنه يعيش على هامش المجتمع، إنه محتقر. ولا قيمة له (إذا كان ذكراً) إلا في المستقبل الذي يعد به. في مثل الأولاد الذين يلعبون في الساحة العامة (7: 31- 32)، يرى فيهم يسوع مثل الطيش والخفة: "زمّرنا لكم فلي ترقصوا، ونحنا فلم تبكوا". إن الولد يبقى قاصراً، ولن يصبح ناضجاً على المستوى الديني إلا في عامه الثالث عشر: حينئذ يستطيع أن يمارس الشريعة.
لهذا السبب، إعتبر التلاميذ أن يسوع يضيع وقته مع الأطفال. فما الفائدة من لمسه لهم؟ لو استفاد من هذه القوة ليلمس المرضى ويغدق عليهم إحساناته. أرادوا أن يعلّموا المعلّم، ونسوا أنهم تلاميذ.
وردّ عليهم يسوع رداً أول في آ 16: "دعوا الأطفال يأتون إليّ". هو لم يعتبر أن الطفل شخص مثالي نتعلّم منه البراءة والبساطة. ولكنه وبّخ التلاميذ لأنهم نسوا أن الشريعة الأولى في الملكوت هي انقلاب في القيم: كل شيء هو عطية مجانية من قبل الله فالملكوت مفتوح أمام الأطفال لأن لا حقّ لهم يظهروه لكي يشاركوا في الملكوت: فالدخول إلى الحياة لا يرتبط بممارسة من الممارسات يقوم بها البشر. ليست قيمة الإنسان بما ينتج، بل لأنه على صورة الله ومحبوب من الله. ومن مثل الطفل والخاطىء والعشّار يحنو عليهم الله وهم لا يحملون إلا ضعفهم وخطيئتهم ووضعهم الإجتماعي المذلّ؟
وجاءت آ 17 من خطّ آخر. نحن كما في الاطار الذي يحيط بالمثل السابق (آ 9، 14 ت). ما تبرزه هذه الآية ليس عطاء الله المجاني، بل الموقف الذي يجب أن يقفه الإنسان ليتقّبل كلمة الملكوت: نقبل ملكوت الله قبول طفل له. إن الطفل هو رمز الإنسان الذي ترتبط حياته ارتباطاً كليّاً بالآخرين، الذي لا يسيّر نفسه، بل يسلّم ذاته إلى آخر. هكذا نكون نحن أيضاً تجاه ملكوت الله. فمن أراد الدخول إلى الملكوت، وجب عليه أن يقتدي بتصرّف الطفل، أن ينتظر كل شيء بتواضع من الله: من ارتفع اتضع، ومن اتضع ارتفع. ذاك كان موقف العشّار الذي عاد إلى بيته مبرّراً.
2- نظرة تفصيلية
"وجيء إليه بالأطفال" (آ 15). إعتاد الناس أن يأتوا بأطفالهم إلى يسوع. إستعمل لوقا لفظة "برافوس" مراراً عديدة (1: 41، 44، 2: 12، 16؛ أع 7: 19)، ولم يستعملها انجيلي آخر. غير أننا نجدها مرتين في العهد الجديد. الأولى في 2 تم 3: 15: "أنت تعرف الكتب المقدسة منذ كنت طفلاً". الثانية في 1 بط 2: 2: "توقوا كأطفال ولدوا حديثاً إلى اللبن الروحي". واحتفظ لوقا بلفظة اخرى تدلّ على الطفل "بايديون" (في المفرد في آ 17، وفي الجمع آ 16). هذا يعني أن لوقا قام بعمل تدويني. إن المخطوط البازي استعمل دوماً "بايديون" فجعل نصّ لوقا يتوافق مع مر 15: 13. غير أن ادخال "برافوس" يخلق مشكلة صغيرة. إن إمكانية الوعي تبدو ضرورية عند الأولاد فيتّضح القول المتعلّق بملكوت الله نقبله كالطفل.
"ليلمسهم" أو "ليحملهم بين يديه". إذا كان المعنى الأول هو المفضّل، فهذا ما يجعلنا أمام بركة (أو لعنة) تنتقل إلى الولد. هذا ما يدلّ عليه 6: 19 (يطلبون أن يلمسوه، لأن قوة كانت تنبعث منه) رج 5: 13 (مدّ يسوع يده ولمسه). نقرأ في مت 19: 13 أن يسوع وضع يديه على الأطفال وصلّى.
حاول التلاميذ أن يزجروا أولئك الذي جاؤوا بهم. لم يفهم التلاميذ موقف يسوع. ظنوا أن هؤلاء الأطفال يضيعون وقت المعلم أو يستغلّون حنانه وعطفه (وهم لا يستحقون!).
في آ 16 نقرأ: ولكن يسوع دعاهم قائلاً. قال متّى: "ولكن يسوع قال". أما مر 10: 14 فتوسع: "ورأى يسوع ذلك فاغتاظ وقال لهم". من دعا (أو: نادى) يسوع! أمهات الأطفال، ومن خلالهم التلاميذ. بمعنى: "أتركوا الأطفال يأتون إليّ" (كما في آ 15 أ). كانت ردّة الفعل عنده سريعة تجاه لا فهم التلاميذ لموقفه.
"لا تمنعوهم، لا تقفوا في وجههم. إستعمل لوقا مراراً فعل "كولياين". في 6: 29 (لا تمنعه من ثوبك)؛ 9: 49، 50 (منعناه من طرد الشياطين باسمك. لا تمنعوه)؟ 11: 52 (والداخلون منعتموهم)؛ رج 23: 2؛ أع 8: 36؛ 10: 47؛ 17:11؛ 16: 6؛ 23:24؛ 27: 43. في أكثر الجمل، يحمل الفعل المعنى العام (منع، وقف). أما في أع 8: 36 (ما يمنع من أن اعتمد؟) و 10: 47 (هل يستطيع أحد أن يمنع ماء المعمودية؟) فنجده في سؤال حول منع شخص من قبول سر العماد.
قال مت 19: 14: "دعوا الأطفال، لا تمنعوهم أن يأتوا إليّ". وقال مر 10: 14: "دعوا الأطفال يأتون إليّ، لا تمنعوهم". فتبعه لوقا. وهنا نقابل هذا النص مع أع 8: 36 و10: 47 حيث يرد بعد فعل "منع" مصدر فعل اعتمد: لا تمنعوا عنهم العماد.. أما في لو 18: 16 فلا نجد هذا المصدر!.
"لمثل هؤلاء ملكوت الله". لم يقل يسوع إن ملكوت الله يخصّ "هؤلاء" الصغار الذين يحملهم بين يديه. بل "مثل هؤلاء". سواء كانوا أطفالاً أو كباراً. المهم الإنفتاح بتواضع على عطاء الله المجاني. قال يسوع في 6: 20 ب: "طوبى لكم أيها المساكين، فإن لكم ملكوت الله". وقال هنا: "لمثل هؤلاء ملكوت الله.
"ملكوت الله". هي عبارة استعملها يسوع في لوقا ومرقس، قال متى: ملكوت السماوات. فاليهود لا يجسرون أن يتلفظوا باسم الله. عبارة بيبلية ويهودية تدلّ على ملك الله المستمرّ علىالعالم (مز9-1: 3) الرب ملك لبس الجاه، ثبّت الكون في مكانه، عرشك ثابت منذ البدء؟ 95: 3؛ 99: 1- 4) وتنبىء بظهوره وانتصاره في زمن الخلاص (أش 52: 7: الحاملين بشارة الخير والخلاص، القائلين "الحق (آمين) أقول لكم" (آ 17). هي طريقة احتفالية يشدّد فيها يسوع تشديداً خاصاً على ما يقول. "من لا يقبل الملكوت". هذه طريقة نادرة في الكلام عن الملكوت. ولكنها في خطّ الدعوة المستعملة في 17: 21 (ملكوت هو في وسطكم. هل تقبلونه). تقبلونه كما لو كنتم اطفالاً، اولاداً صغاراً. سبق للوقا واستعمل هذا التشبيه في تعليم يسوع. في 7: 32: يشبه هذا الجيل اولاداً في الساحة... في 9: 47- 48: أخذ يسوع طفلاً وجعله بقربه وقال لهم: من يقبل هذا الطفل باسمي يقبلني... صفات الطفل هنا هي الإنفتاح، التواضع في المجتمع. هو "مقصّر" ولا قوة له. لا يعتبر أنه صار كاملا. وهو يحتاج إلى اهتمام دائم من والديه. نلاحظ أن ما يقابل هذه الآية نجده في سياق مختلف في مت 18: 3 ب الذي يدلّ على القبول بهذه الكلمات: ترجعون فتصيرون كالأطفال.
"لن يدخله". الملكوت هو "مكان" (روحي ولا شكّ) ندخله. قال يسوع بعد حواره مع الوجيه الغني: "ما أعسر على ذوي الأموال أن يدخلوا ملكوت الله" (18: 24). وقال بولس: "بمضايق كثيرة ينبغي لنا أن ندخل ملكوت الله" (أع 14: 22؛ رج لو 13: 23 والباب الضيق؛ 18: 25). ونجد فكرة الدخول مع نيقوديمس في يو 3: 5: "من لم يولد من الماء والروح، لا يقدر أن يدخل ملكوت الله"
3- تفسير النصّ
وبعد أن استعمل لوقا المعين وغيره من المراجع الخاصة به، عاد إلى مرقس. وهذا الحدث الذي يجعل يسوع يلمس الأطفال، يدعوهم إليه، ليس الحدث الوحيد في الخبر المرقسي حول انطلاق يسوع إلى أورشليم. لقد بدأ هذا الإنطلاق في مر 10: 1- 12 وروى جدال يسوع مع الفريسيين حول الطلاق. ألغى لوقا هذه المقطوعة لأنه سبق له وذكر كلام المعين عن منع الطلاق في 16: 18 (من طلّق امرأته وتزوج أخرى). بدل هذا، إنتقل لوقا مباشرة إليه الحدث الثاني في خبر الإنطلاق كما في مرقس (10: 13- 16) الذي يشكّل أفضل ولي للقول الأخير في آ 14 ب (من اتضع ارتفع) الذي ينهي المثل السابق، مثل الفريسي العشّار. هكذا صيغت الضرورة إلى التواضع في الحياة المسيحية، بطريقة أخرى: على الإنسان أن يقبل الملكوت كطفل ليستطيع الدخول إليه، شأنه شأن العشّار الذي اعترف بخطاياه متواضعاً أمام الله فكان في طريق الحقّ.
تبع لوقا خبر مرقس حول مباركة يسوع للأطفال بشكل دقيق (رج مت 19: 13- 15). إلا أنه ألغى تفاصيل حول غضب يسوع (رأى ذلك فاغتاظ) واحتضانه للأولاد ومباركتهم. غير أنه جدّد على مستوى الأسلوب والكلمات. يقول مرقس: رأى يسوع ذلك. أما لوقا فقالا: رآهم التلاميذ (نقل اسم الفاعل من المفرد إلى الجمع). وفي النهاية ألغى ما نقرأه في مر 10: 16 (إحتضنهم، وباركهم واضعاً يديه عليهم) الذي تحوّل في مت 19: 15 (وبعد أن وضع يديه عليهم مضى من هناك) واحتفظ لوقا (آ 17) من مرقس (10: 15): "الحق أقول لكم".
واحتفظ إنجيل توما رقم 22 بشكل آخر للخبر: "رأى يسوع الأطفال يُرضعون. قال لتلاميذه: هؤلاء الأطفال الذين يُرضعون هم مثل الذين يدخلون الملكوت. قالوا له: إن صرنا اطفالاً هل ندخل الملكوت؟ فقال لهم يسوع: حين تجعلون من الاثنين واحداً وحين تجعلون الباطن كالخارج والخارج الباطن، ويصبح ما هو فوق على مثال ما هو تحت، وحين تجعلون الذكر والانثى واحداً بحيث لا يعود الذكر ذكراً والانثى انثى. وحين تجعلون العيون مكان عين، واليد مكان يد، والرجل مكان رجل، والصورة مكان صورة، حينئذ تدخلون الملكوت". يبدو أن هذا الشكل استلهم الأناجيل الأزائية في قول يسوع حول الأطفال والملكوت، ولكن أعيدت صياغته ليؤكّد التعليم الغنوصي حول الوحدة الأولانية.
ونصل إلى الوجهة النقدية والفن الأدبي. جعل بولتمان هذا الحدث بين الأخبار التي ترافق قولاً إلهياً، من الخط السيروي. ولكنه تردّد في تفسير "أمثالهم" في آ 16 بواسطة القول اللاحق في آ 17. فإن هذه الآية تمثّل في نظره قولاً ربياً ومستقلاً وأصيلاً جاء من إطار مختلف في رسالة يسوع وأقحم في هذا الأطار الحالي. رأي لا بأس به، ولكن الحدث كله نما انطلاقاً من قول آ 16 اقتداء بخبر اليشاع في 2 مل 4: 27. مات ابن الشونمية، فاقتربت من رجل الله وارتمت على قدميه. فتقدّم جيحزي. فقال له رجل الله: "دعها لأن نفسها حزينة". وهناك مقابلة بين هذا الحدث وأخبار رابانية، ومنها خبر قيل في رابي عقيبة حسب التلمود البابلي. حين زاد لوقا القول النبوي وما فيه من تهديد وتحذير، فقد تبع مرقس. وطبّق على الكبار ما قالته المواد السابقة عن الصغار.
يبقى معنى الخبر. إن الحدث يصوّر يسوع مهتماً بالأطفال الذين قدّموا إليه، وبردّة الفعل لدى التلاميذ. لا يقال لنا لماذا زجر التلاميذ الوالدين الذين جاؤوا بأطفالهم، ولكن هذا يظهر من لا فهم التلاميذ ليسوع ولعلاقته بهؤلاء الأولاد الصغار. بدأ يسوع (كما في لوقا) فدعا الأولاد إليم مكرّراً أقوال مرقس: "دعوا الأطفال يأتون إليّ، فلأمثال هؤلاء ملكوت الله ". لم يسمح للتلاميذ بأن يبعدوهم، لأن المشاركة في ملكوت الله هي معدّة "للصغار" في المجتمع البشري.
ويحمل القول في آ 17 درساً آخر ينبع من حضور الأطفال: لا يعترف بهم فقط أنهم أعضاء في الملكوت، بل أنهم مثالا للكبار في قبول الملكوت. لم يوضحِ يسوع فكرته. ولكننا نستطيع أن نتحدّث عن انفتاح الأطفال وتقبّلهم للآخرين. براءتهم وبعدهم عن اتهام الآخرين، حرارة حبّهم وعدم الإعتداد بأنفسهم أنهم بلغوا الكمال. وهكذا صار الطفل رمزاً ومثالاً للذي يدخل ملكوت الله.

 

 

الفصل السابع والأربعون
نترك كل شيء ونتبع يسوع
18: 18- 30

نجد في هذا المقطع الطويل موقف يسوع من الغنى والأملاك، كما نجد بشكل خاصّ علاقته بملكوت الله وبوضع التلميذ. وهكذا نتجنّب خطراً فيه نفهم فهماً سيئاً تصريحات أخرى للمعلّم، نرى فيها إما رفضاً أساسياً لكل امتلاك، وإما دعوة إلى التنسّك والزهد. هذا من جهة. ومن جهة ثانية، نلتقي هنا بنقطة أساسية في كرازة يسوع: إن الإمتلاك والدخول إلى ملكوت الله يرتبطان ارتباطاً وثيقاً. نحن هنا أمام موضوع شدّد عليه لوقا بشكل واضح.
أ- المقابلة
إذا قابلنا الإناجيل الإزائية الثلاثة (18: 18- 30= مت 19: 16- 30= مر 10: 17- 31) نجد العناصر التالية:
في المقطوعة كلها، يتبع لوقا انجيل مرقس. والتحولات، الصغيرة منها والكبيرة، قد قام بها لوقا انطلاقاً من نصّ مرقس. إن أقدم الأناجيل يقدّم مجموعة موضوعية مؤلّفة من ثلاثة اجزاء مختلفة تعود إلى التقليد.
يتضمّن أول جزء حواراً تعليمياً بين رجل يسأل عن الطريق التي تقود إلى الحياة، ويسوع الذي يعطيه الجواب (مر 10: 17- 22). ويتكوّن الجزء الثاني من حوار بين يسوع وتلاميذه حول صعوبة دخول الملكوت على الأغنياء، ومن سؤال حول معرفة: من يستطيع في النهاية أن يخلص ( مر 10: 23- 27). والجزء الثالث يعلمنا بالجزاء الذي يناله كل من ترك كل شيء وتبع يسوع مر (10: 29- 31) وهكذابُني مجمل النصّ على مراحل. وقد ميّز مرقس كل مرحلة بمعطيات جديدة تبرز على "المسرح ". في كل مرة أدخل مشهداً جديداً، وفي كل مرة توجّهت كلمات يسوع إلى محاورين مختلفين: الرجل الغني، التلاميذ، بطرس (باسم الأثني عشر).
مشى لوقا بدقة مع هذا التصميم، ولكنه ربط برباط وثيق المشاهد بحيث كوّنت في إنجيله قطعة تعليمية واحدة تشدّد على مسألة الغنى والأملاك. ويبدو الرباط أوثق ما يكون بين الجزء الأول والجزء الثاني: فيسوع (في لوقا) يتابع حالاً وبشكل مباشر تصريحاته حول خير الغنى (18: 25 ي). يواصل يسوع كلامه مع الرجل الغني ويوجّه له اقوالاً ذات بعد عام. وسوف ننتظر آ 26 ليتبدّل المشهد: "فالذين سمعوا قالوا". لسنا أبداً أمام التلاميذ. فما يقوله يسوع هنا، لا يتوجّه بشكل خاصّ إليهم، بل إلى جميع الناس. فالغنى يمثّل خطراً في طريق الخلاص في أي حال ولكل إنسان. وفي الجزء الأخير فقط، يورد لوقا السؤال الذي طرحه يسوع حول وضع خاص، هو وضع التلاميذ الذين ساروا على خطى يسوع (آ 29).
قدّم لوقا، في ما قدّم، الإختلافات التالية: قال في مقدّمته (آ 18) إن الرجل هو "وجيه". هذا يعني أنه رئيس المجمع المحلّي أو مستشار في السنهدرين. اذن، هو في الوقت عينه غنيّ وصاحب تأثير على محيطه. إنه واحد من "عظماء" هذا العالم. لهذا السبب ألغى لوقا تفصيلاً صغيراً أورده مرقس: نظر إليه يسوع وأحبّه (مر 10: 21). قال له يسوع: "ينقصك شيء واحد: بع كل ما تملك" (آ 22). أضاف لوقا "كل " كما أضافها مثلاً بعد خبر الصيد العجيب: "تركوا كل شيء وتبعوه"(5: 11).
أراد مرقس أن يقول ما قاله لوقا. غير أن لوقا شدد عليه وأوضحه. ونجد الطريقة عينها في موضع آخر (5: 28 ودعوة لاوي؛ رج 14؛ 33). قالت مرقس: "كان ذا خيرات كثيرة". قال لوقا: "لأنّه كان غنياً جداً". ويتضّمن سؤال بطرس توضيحاً. فنص لوقا لا يقول إنهم تركوا كل شيء (مر 10: 28: تركنا كل شيء)، بل تركوا ما كان لهم، ما يخصّهم، املاكهم.
إختلف الإزائيون الواحد عن الآخر في إيراد جواب يسوع، وهكذا تحوّلت هذه الكلمة التي تفوّه بها المعلّم في سياق كل إنجيل. نلاحظ الإختلاف الأقل في "الخيرات التي نتخلى عنها". زاد لوقا "الزوجة". وقال: "الوالدان " لا "الأب والأم". وأغفل "الأخوة والحقول". والباعث على هذا التخلّي يبدو أقدم مما عند متّى ومرقس "لأجل ملكوت الله". إستعمل مرقس عبارات خاصة به: "لأجلي ولأجل الإنجيل". أما متّى فقال بكل بساطة: "لأجل اسمي".
ما يدهشنا هو أن لوقا ومتّى يتوافقان حين يتحدّثان بشكل عام عن الجزاء الأرضي، أما مرقس فيدخل في التفاصيل فيتكلّم عن البيوت والإخوة.. والحقول (مر 10: 29). ولكن الأسباب ليست كافية لنقول بأنه كان هناك مرجع بجانب مرقس، أو لنعارض القول بأولويّة مرقس على متّى ولوقا. فهذان الإنجيليان كتبا في وقت لاحق فوجّهتهما فكرةٌ واحدة وهي: إعتبار المكافأة المادية "في هذا العالم " ملتبسة ومشكوك فيها. وقد بدا متى أكثر تحفظاً من لوقا ومرقس فقال فقط: "كل من ترك بيوتاً... ينال أكثر بكثير أو ينال مئة ضعف (حسب مخطوطات أخرى) ويرث الحياة الأبدية" (19: 29).
إن المقابلة بين "هذا الزمان" و"الزمن المقبل" قد سقطت عند متّى. أما لوقا فكان أكثر وضوحاً. هو لم يحدّد فهم الجزاء الحاضر بشكك مادي أو روحي: "ما من أحد ترك إلا وينال أضعافها في هذا الزمان، وفي الدهر الآتي الحياة الأبدية" (آ 28- 30). بما أنّ لوقا لا يشير إلى الجزاء الأرضي إلا بشكل مقتضب وبألفاظ عامة، فالجزاء في "الحياة الأبدية" وفي نهاية الأزمنة يصبح بارزاً. وألغى لوقا هنا الكلمة حول "الآخرين" و"الأولين" (مر 10: 31؛ مت 19: 30)، فأنهى المقطوعة مع "الحياة الأبدية" التي كانت موضوع السؤال في بداية الخبر (آ 18: ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية؟).
ب- شرح وتفسير
1- الرجل الغني (18: 18- 23)
تكلّم متّى (19: 20) وحده عن "الشاب الغني". قال مرقس: إنسان حفظ الوصايا منذ صباه. وتحدّث لوقا عن "وجيه" أو "رئيس". سأل هذا الشخص عن الطريق الذي يقود إلى الحياة الأبدية. سؤال من تلميذ إلى معلّم يطلب جواب المعلم للتلميذ. هكذا كان يسأل اليهودي كل "معلّم في اسرائيل"، كل عالم في الشريعة، وينتظر منه الجواب. والجواب الذي اعطاه يسوع في البدء، كان يمكن أن يكون جواب أحد الكتبة: أنت تعرف الوصايا. فالطريق الذي يقود إلى الحياة، قد أشارت إليه الشريعة عبر مختلف الوصايا. فالشريعة هي طريق الخلاص والحياة. هذا ما أشار إليه الأنبياء أيضاً.
وفي الشق الثاني من الحوار، سنرى يسوع يكمّل جوابه بنداء للتخلّي عن كل الخيرات والسير على خطاه. يرتبط هذا الجواب هو أيضاً بالسؤال الأول المتعلّق بالحياة الأبدية. لسنا أمام "نصيحة" أو "مشورة" بل أمام "توصية" وأمراً يفرض نفسه علينا. إن لم يتبعه الإنسان لن ينال الحياة الأبدية. لا شك في أن هذه التوصية تعني اولاً هذا الرجل في الوضع الذي يعيش فيه، لأن الخطر الرئيسي الذي يهدّده في طريق الحياة الأبدية، يكمن في خيراته الكثيرة. ولكن بقدر ما نبيّن الرباط بين الغنى والحصول على ملكوت الله، نعلن في الوقت عينه حقيقة عامة، تسري على كل الذين يجدون نفوسهم في وضع مماثل. هذا ما يدلّ عليه أيضاً الجزء الثاني (18: 24 ي) بمنظاره العام. فيسوع لا يكتفي فقط بالتذكير بالوصايا. فهذا لا يتوافق مع الوضع الجديد الذي دشّنه مجيئه، دشّنه اقتراب ملكوت الله. هذا الوضع الجديد يتطلب "أكثر" (رج مت 5: 20: إن لم يزد برّكم على ما للكتبة والفريسيين). إنه يطلب تفهّماً عميقاً لمشيئة الله، وتحقيقاً جذرياً للوصايا. لا نستطيع الآن أن نحصل على الحياة إلا بالطاعة لكلمة يسوع، والتعلّق بشخصه. فكل قرار نتّخذه، نتّخذه بالنسبة إليه. ويكون الجواب واضحاً لا لبس فيه. وانقسام الحوار في زمنين أرانا الإختلاف والوحدة بين طريق الحياة القديمة والناقصة، والطريق الجديدة والكاملة.
2- خطر الغنى (18: 24- 27)
إن الخطر الذي يتهدّد الأغنياء تجاه الخلاص هو موضوع الجزء الثاني (18: 24- 27). أورد لوقا في ألفاظ تشبه ألفاظ مرقس، حوار يسوع الذي واصله مع الرجل: "ما أعسر دخول ملكوت الله على الأغنياء" (آ 20)! وما يلي في نصّ مرقس يدهشنا: بُهت التلاميذ، ضاعوا. ثم جاء اعلان ثانٍ ليسوع يشدّد على الأعلان الأولى: "يا أبنائي، ما أصعب الدخول إلى ملكوت الله" (مر 10: 24)! إن لهذه الكلمة معنى عاماً لا يصيب فقط أصحاب الأموال. إنها شكل مقتضب ومعمّم في الوقت عينه للقول السابق المتعلق بالأغنياء. ويبدو أن مرقس دوّنها، لأنه اعتبر الغنى حالة خاصة، وإن يكن فريداً في صعوبة الحصول على الخلاص. فالسؤال الثاني حول إمكانية الخلاص (مر 10: 26) يُطرح في المنظار عينه. لقد اهتمّ مرقس بهذه المسألة اهتماماً خاصاً، ساعة اقتصر متّى ولوقا (كل منهما بطريقته) على موضوع الغنى.
وهكذا جاء لوقا حالاً بمثل الجمل الذي يدخل في عين الأبرة. لم يفعل مثل متّى الذي أورد انتقالة قصيرة. "وأقول لكم أيضاً" (مت 19: 24). أما عند لوقا فسوف ننتظر فيما بعد لنجد ذكراً للسامعين الذي يطرحون سؤالاً حول الخلاص. "فالذين سمعوا قالوا" (آ 26). هو لا يدلّ على التلاميذ كما عند مرقس. فكّر الإنجيل الثاني بجميع البشر (الذين يصعب الخلاص عليهم). أما الإنجيل الثالث فواصل تفكيره في الأغنياء: مع أنهم في خطر كبير، إلا أنهم يستطيعون أن يبلغوا إلى ملكوت الله. غير أن هذه الأمكانية لا تأتي منهم. إنها تخصّ الله وحده، تخصّ قدرته السامية ومشيئته الحرة.
ويتواصل الحوار بين يسوع وتلاميذه في إنجيل مرقس حسب تدرّج دراماتيكي (مر 10: 23- 27). ذهل التلاميذ بسبب كلمة يسوع الأولى. أما يسوع فثبت هذ الكلمة وحدّد موقعها في إطار عام: ما أصعب الدخول إلى ملكوت الله. وهكذا عمّم وضعاً خاصّاً بصاحب الأموال الذي صار نموذجاً أمام الجميع (قد يصبح وضعنا مثل وضعه).
إن القول عن الجمل وثقب الأبرة يؤكد أن الجميع مهدّدون بالنسبة إلى الخلاص، وإن يكن الغني مهدداً بنوع خاصّ. حين أصاب الذهل التلاميذ تساءلوا (إذن، في نهاية المطاف): من يستطيع أن يخلص؟ وتوّج جواب يسوع الأخير الحوار فختم كلامه في تحية إلى قدرة الله التي لا حدود لها: "هذا مستحيل عند الناس، لا عند الله. فكل شيء مستطاع عند الله".
لا شكّ في أن مرقس يشدّد على المخاطر التي تهدّد الخلاص، على استحالة خلاص الإنسان بنفسه، على الاقرار الجذري بحرية الله التامة. هذا ما سيتوسّع فيه مع مثل الرجل الغني وفي أقوال متفرقة. نحن هنا أمام تأليف قام بتطعيم مسألة الخلاص على أقوال تتعلّق بالأغنياء. ثم إننا نجد في هذا التأليف آثار عمل تدويني قام به مرقس (10: 17، 24، 28). فهو يورد في مواضع عديدة من انجيله حوارات تعليمية بين يسوع وتلاميذه، وفي تدّرج يشبه ذاك الذي نجده هنا: خوف التلاميذ يرافق عدم فهمهم (مر 9: 9- 13؛ رج 8: 14- 21؛ 11: 12- 14، 20- 25).
3- سؤال بطرس (18: 28- 30)
يتوقّف الجزء الثالث عند الإثني عشر، عند "الرسل" بحصر المعنى. قال بطرس باسمهم: "ها نحن قد تركنا ما لنا وتبعناك" (آ 28). وتفردّ متّى فطرح السؤال بشكل واضح: "فماذا يا تُرى، يكون لنا" (مت 19: 27)؟ هذه الجزء موجز عند لوقا كثر منه عند متّى ومرقس. فهو يتضمّن فقط سؤالاً (غير مباشر) من بطرس وجواباً من يسوع يرد في جملة واحدة. فنحسّ أن هذا الجزء الذي يتحدّث عن المكافأة، هو أقل أهمية بالنسبة إليه. إنه سؤال خاص يعني الرسل ووضعهم الشخصي. فخدمة الملكوت تفرض علينا أن نتجرّد من الأشخاص والوطن والأسرة. غير أن هذا التجرّد يختلف عن ذاك المطلوب من الرجل الغني.
كنّا مع الرجل الغني أمام مسألة الحصول على الخلاص الشخصي. ونحن الآن أمام حرّية الرسول من أجل الخدمة. إذن، لا يفرض أي تخل مبدئي عن الخيرات، وهذه المتطلّبة لا ترتبط أيضاً بخدمة الرسالة. يقال فقط للرسل انهم لن يستطيعوا أن يكونوا أكثر سخاء من الله. وما تخلّينا عنه سنجده من جديد "أضعافاً وأضعافاً"، لا سيّما في عطية الحياة الأبدية في نهاية الأزمنة.
ونسأل: هل نستطيع أن ننتقل من بطرس والإثني عشر إلى الذين يمارسون المهام مثل المرسلين والعاملين المتجوّلين و"الأنبياء" في الجماعات؟ هل نستطيع أن نطبّق عليهم ما قيل عن بطرس؟ ما يدعونا إلى جواب إيجابي هو أن الجزئين الأول والثاني في مقطوعة لوقا هذه، يكوّنان وحدة تامة تطبّق على مجمل الجماعة. وهكذا يبرز الجزء الثالث مع سؤال بطرس بوضوح وفي ضوء جديد.
ج- الفن الأدبي
إن دراسة الفن الأدبي تفرض علينا أن نتوقّف عند كل جزء بمفرده. ونبدأ بالجزء الأخير.
1- الجزء الأخير
يتخذ الجزء الأخير عند متّى ولوقا شكل مشهد نموذجي يتركّز على قول مميّز يكوّن ذروته إن من جهة المضمون وإن من الوجهة الأدبية. هناك نوعان من النصوص في الإنجيل: نجد في النوع الأولى نصوصاً إحتفظت بتذكّر حدث تاريخي، وفي النوع الثاني نصوصاً تكوّن "مشهداً مثالياً" ليكون إطاراً لهذا القول. نحن نجد هنا النوع الثاني: طرح بطرس السؤال، فأجاب يسوع. توافق السؤال والجواب من جهة المضمون ومن جهة اللغة: يجب أن "نترك" و"نتبع ". فعلان في السؤال تكرراً في الجواب (رج مت 19- 28).
2- الجزء الثاني
ننطلق هنا من كلمات يسوع، لكي نحدّد الفن الأدبي لهذا الجزء (18: 24- 27). وهذا يسري بشكل خاصة على لوقا الذي بسّط المشهد كما قلنا. نحن أمام ثلاثة أقواك ليسوع مختلفة: إثنان عن الأغنياء، وآخر عن الخلاص بيد الله. القولان الأولان يكفيان نفسهما بنفسهما، فيشكّلان وحدة تامة بالموضوع الذي يعالجان، وبطريقة طرح الموضوع. طابعهما طابع نبوي، ووظيفتهما وظيفة تنبيه ملحّ. إلى من يتوجّهان؟ إلى الأغنياء. هذا الموضوع النبوي يُعالج في أسلوب جلياني. فلغة أسفار الجليان (أو الرؤيا) ظاهرة في عبارة وردت مرتين: "الدخول في ملكوت الله". غير أن الجمع بين هذين العنصرين يميّز طريقة يسوع في الكلام. وهناك إشارة ثالثة هي سلطة الخطبة التي تنبع من شخص الذي يتكلّم، من يسوع المسيح. إن يسوع لا يعلّل ما يقول، ولا يستند إلى كلمات الكتاب المقدس ولا إلى مبدأ معروف في "المدارس".
هذه الملاحظات تدعونا لأن نفكّر أننا أمام أقوال حقيقية ليسوع. وتصبح هذه الفرضية يقيناً حين نحدّد موقع هذه التصريحات في سائر التقليد الإزائي. نجد فيها عناصر اللغة الجليانية، مواضيع الغنى والإمتلاك في علاقتها مع ملكوت الله، سلطة الخطبة (رج مر 8: 36 ي، مت 6: 24= لو 16: 13؛ لو 12: 33 ي= مت 6: 19- 21). يجب أن نعتبر قولَي يسوع هذين كقولين منعزلين. نحن لا نستطيع إن نتخيّل السياق الأولاني الذي فيه لُفظا، فنعتبر أنهما ارتبطا باكراً بالحوار.
وتختلف المسألة فيما يخصّ الحوار القصير حول الخلاص (مر10: 26 ي). لا نستطيع إن نفهم جواب يسوع إلا إذا انطلقنا من السؤال، لأن فعل "خلّص" (الحاسم) لا نجده إلا في السؤال (من يستطيع أن يخلص؟).
نحن هنا أمام تأليف قصير لا نستطيع أن نعتبره مقطعاً تدوينياً (لمرقس). ففي الجواب، هناك تصريح يتركز على الله تركيزاً جذرياً، وهذا ما يدهشنا. فالجماعة اللاحقة التي كانت كرستولوجية في تفكيرها، لم تكن لتعبّر عن نفسها بهذا الشكل أو أن تحوّل المعنى الأولاني في هذا الخط. إن خلاص الله هنا يرتبط بقدرة الله وحدها، إنه عمل الله. لا يلمّح يسوع إلى "الخلاص" وهكذا يتضح أمام تصريح يسوع هذا، أننا أمام كلمات "حقيقية" له. فرباطها مع السؤال هو أولاني في أي حال لأن الجواب لا يُفهم وحده فهماً جيّداً. غير أن التعبير عن السؤال يكشف عن عمل "صياغة". ففي كلمة "خلّص " يجب أن نرى بشكل خاصّ تحديداً لاهوتياً (ولكن رج لو 13: 23 ي). نحن هنا وللمرة الأولى أمام لغة مقتضبة ومركّزة لا تُفهم فهماً كاملاً إلا في إطار مسيحي.
تتميّز هذه اللغة تميّزاً واضحاً بالنسبة إلى العبارات التي سبقت: "ورث الحياة الأبدية". "نال الحياة الأبدية". نستخلص من هذه الملاحظات أن السؤال والجواب يعكسان وضعاً حقيقياً في حياة يسوع، وأن السؤال وحده عبِّر عنه في لغة مسيحية. ومن وجهة الفن الأدبي، نحن أمام سؤال وجواب "تعليميين" نستطيع أن نقابلهما بأشكال مماثلة في تقليد مدارس الرابانيين. ولوّن مرقس أسلوب القول في خبره فأدخله في إطار "مسرحي".
3- الجزء الأول
ونصل إلى الجزء الأول، مشهد الرجل الغني. إذا نظرنا إلى هذا الجزء من جهة الأسلوب واللغة، وجدنا نفوسنا أمام حوار، بل حوار تعليمي. نحن أمام حوار، لأن النصّ يسير تدريجياً في سلسلة من سؤال وسؤال معاكس، من جواب وجواب معاكس. وفي النهاية هناك أمر وتوصية. وحوار تعليمي لأنه ينطلق من نقطة تعليمية: الطريق التي تقود إلى الحياة الأبديّة. ثم إن الجواب يُعطى بشكل تعليم: "واحدة تبقى عليك".
لا حديث عن الممارسة كما في وضع سأل الفريسيون فيه لماذا لا يصوم تلاميذ يوحنا المعمدان (مر 2: 18- 20)، أو فيه سأل أحدهم يسوع توجيهات عن الصلاة كما علّم يوحنا المعمدان تلاميذه (لو 11: 1ي). نحن هنا أمام سؤال تعليمي كما في السؤال حوله الوصية العظمى (0 1: 25؛ رج 18: 18)، حول قيامة الموتى (0 2: 27 ي)، حول مجيء ملكوت الله (17: 20). إذن، لا نكون دقيقين حين نسمّي هذه القطعة "خبراً". إن إنجيل النازرين (كتاب منحول) يتضمن أيضاً هذه المقطوعة. والمقابلة بين إنجيل لوقا وهذا الإنجيل تبدو مفيدة لأن شكل الحوار يمتدّ فيصبح فناً تصويرياً بشكل رواية. أما المضمون الذي يدلّ على الطابع اليهودي لهذا الإنجيل، فهو أن طلب يسوع يتركّز على الوصية التقليدية، وصية المحبّة. وهكذا ينتفي في النهاية ما تضمنته هذه المقطوعة من جديد وحاسم وهو أن نسير وارء المسيح.
"وشرع الغنيّ الثاني يتكلّم: أيها المعلّم، ماذا أعمل من صلاح لأحيا؟ قال له: أيها الرجل، أتمّ الشريعة والأنبياء. فأجابه ذاك: كل هذا فعلته. قال له (يسوع): إذهب وبع كل ما تملك، وزّعه على الفقراء، ثم تعال واتبعني. حينئذ بدأ الغنيّ يحكّ رأسه، لأن هذه الكلمة لم تُرق له. فقال له الربّ: كيف تقول: أتممت الشريعة والأنبياء؟ فقد كُتب في الشريعة: أحبّ قريبك مثل نفسك. وها إن عدداً كبيراً من اخوتك، أبناء ابراهيم، تغطّيهم الأوساخ ويموتون من الجوع، وبيتك يفيض بالخيرات دون أن يخرج شيء لهم. ثم التفت إلى سمعان تلميذه الذي كان جالساً بقربه وقال له: يا سمعان بن يونا، أسهل على الجمل أن يدخل من ثقب الأبرة من أن يدخل غنيّ إلى ملكوت السماوات".
إن هذا الحوار التعليمي يدلّ على بناء نجده أيضاً في أماكن عديدة:
- مقدمة تعرض الوضع بسرعة.
- سؤال يطرحه المحاور.
- سؤال معاكس من يسوع الذي لا يأخذ موقفاً بالنسبة إلى الحالة.
- جواب يسوع، وقد يكون كلمة من الكتاب المقدس.
- الخاتمة يقدّمها يسوع في توصية (أو أمر)، في وعد...
- ملاحظة نهائية حوله المشهد.
إن تسمية يسوع "المعلم الصالح" عند مرقس تدهشنا، لأننا لا نجدها في أي مكان آخر عنده. أما هنا فتصبح بداية جواب يسوع بلهجته المدهشة أيضاً: "لماذا تدعوني صالحاً؟ لا صالح إلاّ الله وحده". يجب أن نقبل بلا شكّ أن "صالح" السؤال يتحكّم به فقط جوابُ يسوع. فجواب يسوع الذي لم نعتد عليه يرتبط جوهرياً بهذه اللفظة. نستطيع أن نقول إن النصّ يشدّد على "الله وحده"، وإنه يعطي هكذا عنصر جواب لسؤال حول الحياة الأبدية. هذا يعني أن الحياة الأبدية هي عمل الله وحده وعمل حنانه. ولكننا لا نفهمها، لأن فكرة "الحنان" تلعب دوراً مستقلاً. وهكذا نفهم أننا في هذه المرحلة الأولى من الحوار أمام تقليد حقيقي، وان دوّن باسلوب خاصّ بكل انجيلي.
أعطي جواب يسوع (بحصر المعنى) في إيراد من الكتاب المقدّس، نجده (بشكل شبه كامل) في اللوحة الثانية من الوصايا العشر. ففي جواب الإنسان المعاكس، أكّد أنه صنع كل هذا منذ صباه. لن نرى هنا أثراً للتكبّر أو للعمى تجاه الذات، بل أعلان إيمان الإسرائيلي. وهذا الإعلان يتأسس على فكرة تقول إننا نستطيع أن نمارس الوصايا حين نعرفها. إذن، يجب أن نحسب هذه الكلمة جزءاً لا يتجزّأ من الحوار التعليمي. فنداء يسوع يفترض أننا حقّقنا ونحقّق مشيئة الله كما ظهرت حتى ذلك الوقت.
حينئذ يأتي الجواب الجوهري وهو يتألف من عدة جمل: "أمر واحد ينقصك. إمضِ وبع كل ما لك، وأعطه للفقراء، فيكون لك كنز في السماء، ثم تعال اتبعني" (مر 10: 21).
ما يلفت الإنتباه من جهة الأسلوب هو صيغة الأمر. هناك أوامر تُعطى بايقاع متلاحق، بذات القوة المتطلّبة التي لا تترك مكاناً لأي احتجاح. وما يلفت الإنتباه أيضاً هو تكديس الطلبات بعضها فوق بعض. إرتبطت الطلبتان الأساسيتان الواحدة مع الأخرى: مع كل شيء (واعطه للمساكين) من جهة، ومن جهة ثانية نداء للسير على خطى المعلّم. أما فيما يتعلّق بالطلبة الأولى، فلا نجد مقطعاً آخر يقابلها. والكنيسة الأولى نفسها لا تعرف هذه المتطلبّة في شكلها الجذري. ما يُطلب هنا، ليس التخلّي عن الخيرات (رج آ 28) ولا التنكّر لإمكانية التصرّف بها، ولا تقديم صدقة عظيمة. ما يُطلب بشكل جذري هو "البيع". فالخيرات المباعة ستستعمل أيضاً بشكل جذري: تعطى "للفقراء".
لا شكّ في أن هذا التخلّي يمنح غنى جديداً، يمنح كنزاً لدى الله. هل نفهم هذا "الكنز" في معنى مادي أم في معنى روحي؟ هذا سؤال قليل الأهمية. فنحن أمام تبادل بين التخلّي والربح. يتم هنا تحوّل سري: يصبح الغني فقيراً بشكل مطلق، ولكنه يغتني بشكل آخر. وهذا التبادل يتحقق أمام الله ويؤمّن لنا الحياة بقربه. وكان العنصران الثاني والثالث (أعطه للمساكين، فيكون لك كنز في السماء) نتيجة العنصر الأول الذي يطلب أن "نبيع كل شيء".
وإليك الآن الطلب الثالث: "إتبعني". إن التخلّي يتوجّه نحو هذا الهدف. إنه ليس غاية في حدّ ذته. إنه من أجل، السير على خطى المعلّم. بما أن التلميذ مدعوّ إلى هذا السير، فعليه أن يكون حراً كل الحرّية. هذا ما يجب أن نفهمه: ترث الحياة الأبدية إذا صرت تلميذي.
مهما كان هذا الإقتداء بيسوع، فالنصّ ينظر إليه على ضوء هذا التجرّد. ولكننا لا نجد هذه المتطلبة الجذرية في أي مقطع آخر، ولا على مستوى الكنيسة الأولى. هذا يدلّ أيضاً على أننا أمام وضع حقيقي احتفظ به التقليد.
خاتمة
طرح الوجيه السؤال: ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية؟ يذكّرنا هذا السؤال بسؤال طرحه معلّم الشريعة على يسوع (10: 25). إستعاد يسوع في جوابه الوصايا الرئيسية، ولكنه لم يلمّح إلى محبّة القريب (مت 19: 19) ولا إلى امكانية الأساءة إليه (مر 10: 19). هذا ما سبق وتكلّم عنه خلال لقائه مع معلّم الشريعة (10: 27). لم يذكر لوقا نظرة يسوع إلى الشاب، كما فعل مر 10: 21، ولكنه شدّد على متطلّبات ندائه: "كل ما لك، بعه ". ثم أبرز أهمية المشاركة والمقاسمة مع الفقراء قبل أن نتبع يسوع. ونلاحظ أيضاً الحزن الفجائي الذي يجتاح قلب هذا الرجل حين يلامسه نداء المعلّم. إن حزنه يدل على أن ملكوت الله أصابه. يدلّ على أن هذا الحزن هو نعمة في قلب كل هذا الغنى.
لم يقل لوقا شيئاً عن انصراف هذا الوجيه. وقد تكون عبارة يسوع حول دخول ملكوت السماوات للأغنياء، قد طرقت مسمعه. لقد كان بين "السامعين" الذين أبانوا ردّة فعل على ما قاله يسوع. أجل، السؤال يعني البشر جميعاً. ومسألة الخلاص هي المسألة الجذرية في هذا الحدث. وربط مصيرنا بمصير يسوع هو نعمة نتقبّلها منه. فليس من السهل أن نصير فقراء، ونحمل صليبنا ونسير معه في طريق يوصله إلى أورشليم. هذه نعمة نتقبلها: "فما هو مستحيل لدى الناس، غير مستحيل على الله". نتقوّى بهذا الرجاء ونسير إلى حيث يوجّهنا يسوع مهما كانت متطلباته قاسية.

 

 

الفصل الثامن والأربعون
الإنباء الثالث بالآلام
18: 31- 34

وتحدّد السامعون حين بادر بطرس وسأل يسوع. فشدّد يسوع لا على ترك الأموال المادية وحسب، بل على التخلّي عن العلاقات العائلية، وحتى عن الزوجة من أجل ملكوت الله. وكل هذا من أجل المشاركة في مصير ابن الإنسان.
بعد هذا مباشرة، يأتي الإنباء بالآلام مع عنف كلماته. نحن داخلون في تاريخ هو تاريخ يسوع الصاعد إلى أورشليم. سيسلّم إلى الأمم قبل أن يقتل ويقوم. هذا المصير يحكم على كل إنسان ويحيطه بسرّه. فالرسل "لم يفهموا شيئاً من ذلك، وظلّ قوله خفياً عنهم" (آ 34). إستعاد لوقا هنا قولاً ختم حدث وجود يسوع في الهيكل: "لم يفهم يوسف ومريم الكلمة التي قيلت لهما" (2: 5). نحن أمام سر ابن الإنسان في عامه الثاني عشر يوم صار ابن الوصية، وفي اليوم الذي تحدّد مصيره كاملاً بالنسبة إلى الرسل: "يُجلد ويُقتل، وفي اليوم الثالث يقوم" (آ 33).
1- قراءة إجمالية
يتضمّن الإنباء الثالث بالآلام عدة معطيات جديدة بالنسبة إلى الإنباءين الأول (9: 22: ينبغي لابن البشر أن يتألّم كثيراً) والثاني (9: 44: إن ابن البشر مزمع أن يُسلم إلى أيدي الناس؛ رج 17: 25: لا بدّ لابن الإنسان أن يتعذب وأن يرذله هذا الجيل). يتوجّه هذا الإنباء إلى الاثني عشر لا إلى التلاميذ. ويتحدّد موقعه في خبر السفر إلى أورشليم (الإنباءان الأول والثاني: خلال المرحلة الجليلية). وللمرة الأولى يكشف لهم يسوع بشكل واضح أن أورشليم ستكون الموضع الذي فيه يُقتل. قبل ذلك، كان حديث عن "الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة" (9: 22)، وكان تلميح إلى أن أورشليم هي الموضع الذي يُقتل فيه الأنبياء والمرسلون، وبالتالي الموضع الذي سيُقتل فيه يسوِع (12: 33- 34). هذا ما ذكره يسوع بشكل غير مباشر. وها هو الآن يدلّ على أورشليم بشكل مباشر وصريح.
ويتواصل خبر السفر إلى أورشليم ويتدرّج. فيستعمل لوقا للمرة الأولى: صعد إلى أورشليم. تعلو المدينة المقدسة 770 م عن سطح البحر. ويكون الصعود أصعب إن جاء الإنسان، كما جاء يسوع، (71: 11) في وادي الأردن، الذي يقع قبل أريحا على عمق 300 متر تحت سطح الأرض وهذا يعني أن الحجاج يصعدون 1070م. فوق سطح الوادي. نتذكّر هنا أن يسوع صعد إلى أورشليم وكان عمره اثني عشر عاماً (2: 42)، فدلّ على صعوده الأخير مع ما فيه من ذكر للثلاثة ايام التي تدلّ على موته وقيامته.
بدأ الإعلان بشكل احتفالي: "يجب" (داي، ينبغي، لا بدّ). هذا الفعل يدلّ على المبادرة الإلهية التي يتقبّلها يسوع طائعاً. ففي 9: 22 قرأنا: "ينبغي لابن الإنسان أن يتألم كثيراً". وفي 13: 33 قال يسوع: "ينبغي أن أواصل السير اليوم وغداً وبعده" (أي: ثلاث سنوات التبشير). وفى 17: 25 قال يسوع: "يجب على ابن البشر أن يتعذّب" (يسوع وحده يتلفظ بهذا الفعل "يجب" رج 24: 26).
إنباء واسع وواضح: بدأ: "سيتمّ كل ما كُتب (صيغة المجهول، أي الله هو الذي كتب مشروعه) بيد الأنبياء في ابن الإنسان". إن مخطّط الله في تاريخ الخلاص قد أنبأت به الكتب المقدسة وها قد بدأ يتحقّق.
ونلاحظ بين المعطيات الجديدة اثنتين. الأولى، لم يعد يسوع يذكر دور السلطات اليهودية. إكتفى بالقول: "أسلم". لا شكّ في أن اليهود أسلموه. نحن هنا على المستوى القضائي لا على المستوى اللاهوتي. وهكذا يُبرز الإنباءُ دور الوثنيين في آلام يسوع وموته (رج أع 2: 23: قتلتموه صلباً بأيدي الاثمة، الذين لا شريعة لهم، أي بأيدي الوثنيين). المعطية الثانية: يشدّد على الطابع النبوي للمعلّم في هذا الإنباء، استعمال أفعال تدلّ على أحداث الآلام. قال الإنباء: يُهزأ به، يُهان، يُبصق عليه. ونقرأ في 22: 63: "وكان الرجال الذين يحرسون يسوع يهزأون به ويضربونه. وفي 23: 11: "فازدراه هيرودس وهزأ به. وكذا فعل الجند" (23: 36). إن يسوع يتنبأ هنا كما في 9: 22: "وفي اليوم الثالث يقوم" (هذا ما لا نجده في 9: 44 ولا في 17: 25).
نتوقّف هنا بشكل عابر عند لفظة "أسلم" (في المجهول) (رج 9: 44). هي تدلّ في اعترافات الإيمان على الله الذي هو الفاعل الأول (رِج روم 4: 25) وتشتمل مجمل الآلام. يستعمل هذا الفعل في خبر الآلام حسب الأناجيل، فيدلّ على المرحلة الأولى: خيانة يهوذا الذي أسلم يسوع إلى السلطات (22: 4). موقف سكان اورشليم (أع 3: 13). أترى لوقا يتوقّف عند المعنى الأول (أسلمه الله) أم المعنى الثاني (أسلمه البشر)، أم هو يشير إلى الاثنين معاً؟
وينتهي المشهد بإشارة مثلثة لعدم الفهم عند الأثني عشر: لم يفهموا شيئاً. ظلّ قوله خفياً. لم يدركوا ما قيل. وهكذا شدّد لوقا على عمق اللافهم عند التلاميذ. بدأ هذا اللافهم في 9: 44 فدلّ حينئذ على الآلام فقط (يسلم ابن الإنسان. لم يفهموا. لم تُذكر القيامة هنا كما في مت 17: 23؛ مر 9: 31. أما هنا (18: 31- 34)، فمخطّط الخلاص كله، بما فيه القيامة، ظل خفياً عنهم. لم يكونوا يفهمون ما يقال. إن هذه الإشارة اللوقاوية إلى اللافهم ليست انتقاداً للاثني عشر، بل تشديداً على مخطّط الله العميق: إن الله نفسه يخفي مدلول الكلمة، لأن يسوع المسيح وحده القائم من الموت هو الذي يفتح أذهانهم لكي يفهموا الكتب (رج24: 45- 46).
2- قراءة تفصيلية
"أخذ الاثني عشر". كانوا بين السامعين (آ 26)، فاختلى بهم يسوع. وبرز شخص بطرس من خلال سؤاله: "ها نحن قد تركنا ما لنا" (آ 28). أخذهم على انفراد (بارالمبانين). هذا ما فعل معهم بعد عودتهم من الرسالة (9: 10)، وقبل التجلّي (9: 28). هنا يعود لوقا إلى مر 10: 32 ج.
الاثنا عشر قد اختيروا من بين التلاميذ، فنالوا لقب "الرسل". هذا اللقب يدلّ على الذين اختارهم يسوع وأرسلهم ليحملوا تعليم الخلاص. يختلف لوقا عن بولس فيحتفظ بلقب الرسول للاثني عشر (ما عدا أع 14: 4، 14).
"نحن الآن صاعدون إلى أورشليم". إلى المدينة أو إلى الهيكل. رج 2: 42؛ 18: 10؛ 19: 28؛ أع 3: 1؛ 11: 2؛ 15: 2؛ 21: 12، 15 (صعود بولس إلى أورشليم على مثال معلّمه)؛ 24: 11؛ 25: 1- 9. ولكن استعمال العبارة ليس خاصاً بلوقا. رج مر 10: 33.
"سيتم كل ما كتب في الأنبياء" إن اللّه سيتمه، سيوصله إلى كماله (المجهول اللاهوتي) خلال العمل البشري. هكذا يربط لوقا آلام يسوع بتنفيذ مخطّط الخلاص في التاريخ. رج 13: 32 (وفي اليوم الثالث أكمَّل)؛ أع 2: 23 (أسلم بحسب مشيئة الله). ينفرد لوقا بين الإزائيين فيستعمل فعل "تالين" بمعنى "تم" (12: 50: ما أشذ تضايقي حتى تتم؛ 22: 37: تتم هذه الكتابة: أحصي مع الخطأة، أع 13: 29: أتموا كل ما كتب)، أو بمعنى تتميم النبوءات الواردة في العهد القديم (رج يو 19: 28، 30؛ رؤ 17: 17)0 أما فعل "كتب" (غرافاين)، فيعبّر عما كُتب في الأسفار المقدسة. رج 4: 17 (وقع على الموضع الذي كتب فيه)، 7: 27 (انه هو المكتوب: ها أنا أرسل ملاكي)؛ 10: 26 (ماذا كتب في الناموس؟)؛ 20: 17؛ 21: 22؛ 22: 37؛ 24: 44، 46؛ أع 13: 29. ويتميّز لوقا باستعمال الأسم "المكتوب".
ما كُتب في الأنبياء. رج أع 2: 16؛ 3: 18 (انبأ به على فم جميع الانبياء)؛ 17: 3؛ 26: 22-23 (لا أقول شيئاً غير ما قاله الانبياء).
"في ابن الإنسان". ظهر هذا اللقب في الإنباءين الأولين (اللذين عادا إلى مرقس)، وظهر هنا أيضاً (رج 5: 24: لابن الإنسان سلطان؛ 9: 22). إن اللقب هنا قد يرتبط بفعل "تمّ " (يتم في ابن الإنسان) أو بفعل كتب (كتب الإنبياء في ابن الإنسان). هناك عدد من الشرّاح يفضّلون الاقتراح الثاني. ولكن يقول البعض الآخر، إن لوقا لم يعتد (مثل متّى) أن يشير إلى ما قاله الأنبياء (حتى في أع 28) وهكذا لا نقدر أن نقول هنا ما كتب عن ابن الإنسان في العهد القديم. من الأفضل أن نترك "كل ما كتب" في "غموضها" بشكل إجمالي في لوقا: مهما كان الذي كتب في الأنبياء، فقد تمّ في ابن الإنسان.
"يسلّم إلى الأمم" (الوثنية). أخذ لوقا صيغة المجهول من مر 10: 33 ب، وضمّ إليها المفعول الذي يستعمل مع صيغة المعلوم (قال مرقس: يسلمون إلى الأمم. قال لوقا: يسلّم إلى الأمم). دلّ مرقس (ومتّى) على أن رؤساء الكهنة والكتبة يسلّمون يسوع إلى الأمم. أما لوقا فلم يذكر رؤساء الكهنة والكتبة، بل ترك الفكرة مخفية. لا نجد هذا التفصيل في الإنباء الأول (مر 8: 31؛ رج لو 9: 22). في الإنباء الثاني (مر 9: 31؛ رج لو 9: 43 ب- 45) قيل انه "سيسلم إلى أيدي البشر" (1 يتروبوس). صار البشر في مر 10 أولاً رؤساء الكهنة والكتبة الذين سلموه إلى "الأمم". في لو 20: 20 ب (عكس مر 12: 13) لم يُقل لنا بمن يسلّم ابن الإنسان. بل هو يسلّم إلى "الأمم"، وهذا ما يعني مشاركة الرومان في خبر الآلام حسب لوقا.
كان كونزلمان على حقّ حين قال إن لوقا يستعمل كلمة "باراديدوناني" دون أن يشير إلى فكرة التكفير. إذا وضعنا جانباً الإستعمال السيّء للفظة "تكفير" هنا، فنحن نوافق هذا الرأي. ولكن يجب أن نلاحظ ان عودة الفعل ذاته مرتين في مر 10: 33 لا يحمل أي مدلول سوتريولوجي (ما يتعلّق بالخلاص). ونقول الشيء عينه عن مت 20: 18- 19. ولكن، لماذا تكون لنا نظرة واحدة إلى تعبير عن هذا المدلول في نصّ مثل هذا؟
"يهزأ به، يُهان، يُبصق عليه". نجد الكلمة الأولى والكلمة الثالثة في نصّ 10: 34 (يُستعمل الفعلان في صيغة المعلوم، لا المجهول). وزاد لوقا: "يُهان" (أو يُسخر منه). هناك مخطوطات كالبازي تودّ أن تلغي هذه اللفظة لكي تنسّق مع نصّ مرقس. إن استعمال المجهول يجعل النصّ غير واضح. من سام ابن الإنسان مثل هذه المعاملة؟ ولكن يبدو أن النصّ يعني "الأمم".
ما أنبىء به هنا قد تم في خبر الآلام اللوقاوي حيث هزأوا من يسوع بأقوالهم وأفعالهم.
"يُجلد ويُقتل". وجد لوقا أيضاً هذه الكلمات في مر 10: 34، وقد يكون أشار إلى أش 50: 6: "أدير ظهري للضاربين، وخديّ لناتفي اللحى. لم استر وجهي من التعيير والبصق".
"في اليوم الثالث". يقوم يسوع، لا "بعد ثلاثة أيام" (مر 8: 31)، بل اليوم الثالث (رج مت 16: 21). "يقوم" عاد لوقا هنا أيضاً إلى مر 10: 34.
"لم يفهموا شيئاً". مثل يوسف ومريم يوم ضاع يسوع في عامه الثاني عشر (2: 50). وها هو يسوع يتنبأ عن الاثني عشر الذين لا يبدو لهم مخطّط خلاص الله واضحاً. يجب أن يكشف حقاً. شدّد لوقا ثلاث مرات في هذه الآية على أن الرسل لم يفهموا. "لم يدركوا ما قيل لهم". ولكن مع خبرة بعد القيامة سوف يدركون (24: 13- 35). هل أراد لوقا أن يعذر الاثني عشر في هذه الآية؟
3- تفسير النصّ
في هذه النقطة من خبر السفر إلى أورشليم، بدأ يسوع يعلّم الاثني عشر بأسلوب خاصّ. فأعلن لهم مرة أخرى المصير الذي ينتظره في أورشليم (18: 31- 34).
وظلّ لوقا يتبع ترتيب مرقس للمواد، فأدخل في نصّه ما يقابل مر 10: 32- 34، أو ما سمّي الإنباء الثالث بالآلام. جاء هذا الإنباء في مرقس قريباً من الانباءين السابقين (9: 22، 43 ب- 45) بسبب المواد الواسعة التي أخذها الإنجيلي من المعين ومن مراجع خاصة به (9: 51-18: 14) بالإضافة إلى ذلك، أقحم لوقا مواد أخرى تشير بطريقة إو بأخرى إلى التعارض المقبل (رج 12: 50: لي معمودية؛ 13: 32- 33: اليوم وغدا وفي اليوم الثالث؛ 17: 25: ينبغي أن يتعذّب؛ رج9: 22).
كان 9: 22 قريباً بعض القرب في ألفاظه من مر 8: 31. أما 9: 43 ب، فجاء مستقلاً عن مرقس. ونقول الشيء عينه عن إنباء 18: 31- 34. ألغى لوقا كل إشارة إلى طريق يسوع إلى اورشليم (كما في مر 10: 32 أ)، وترك كل حديث عن خوف التلاميذ (مر 10: 32- ج). وبدأ مع اسم الفاعل (آخذاً الاثني عشر) الذي أخذه من مر 10: 32 د، وزاد مقدمة من عنده.
في البداية، تبع لوقا كلمات مرقس في 10: 32 أ، ولكنه ربطها بتتمة ما كتبه الأنبياء. وقدّم آ32-33 في صيغة المجهول، بينما جعلها مر 10: 33 ج- 34 في صيغة المعلوم. وفعل لوقا كما في 9: 22 فأحل "في اليوم الثالث" محلّ "بعد ثلاثة أيام" (كما في مرقس)، وفي النهاية ألّف قلمُ لوقا آ 34 التي هي تفسير خاصّ بلوقا حول عدم فهم الاثني عشر (لا شيء يقابل هذه الآية في مرقس). إنه يستعيد جوهر (لا كلمات) 9: 45. ومجمل القول، إن كان لوقا استلهم مرقس لتدوين هذا الحدث، إلا أنه أعاد تدوينه بشكل خاصّ جداً. وهو يتعارض مع مت 20: 17- 19 الذي يستلهم مرقس أيضاً. ومع أنه أوجز أقواله، إلا أنه تبع ترتيب الكلمات المرقسي أكثر مما فعل لوقا.
عالج شرام هذه الانباءات الثلاثة بالآلام وأعلن أن النموذج المرقسي للانباء بالآلام لم يؤثر على متّى ولوقا. مثل هذا الرأي يصعب قبوله في انباءات لوقا.
إذا عدنا إلى الفن الأدبي، نجد أن هذا المقطع ينتمي إلى أقوال يسوع، وهو يقع في خطّ الانباءين الأول (9: 22- 23) والثاني (9: 43 ب- 45)، كما يقابل أقوالاً أخرى أشار فيها يسوع إلى آلامه وموته وقيامته (مثلاً 13: 31- 35).
لقد وصلنا إلى نهاية خبر الصعود إلى أورشليم. ونحن نفهم مدلول هذا الانباء الذي أشار فيه يسوع إلى مصيره المقبل. والحدث المقبل يرينا يسوع آتياً إلى أريحا، على بعد مسافة قصيرة من أورشليم، المدينة التي فيها يتمّ مصيره. والانباء الذي يتفوّه به الآن، ويتوجّه به إلى الاثني عشر (يرتبط بمرقس: أخذ الاثني عشر على إنفراد)، يتخذ أهمية كبرى. جاء الانباءين الأول والثاني في ذروة ف 9. وجاء الثالث في خبر المسيرة إلى أورشليم، بعد أن هيأ له الدرب فصولٌ عديدة، فوصل بنا إلى الخاتمة.
غير أن هذا الانباء ليس تكراراً للانباءين الأولين. أولاً: ألغى لوقا كل إشارة إلى عظماء الكهنة والكتبة الذين (حسب مرقس) حكموا على ابن الإنسان بالموت وأسلموه إلى الأمم. قال لنا لوقا إنه أُسلم إلى الأمم، ولكنه لم يقل لنا من أسلمه. ثانيا: لم يلغِ لوقا تفاصيل وجدها عند مر 10: 33 ج- 34 كما فعل في 9: 34 ب- 45 (رج مر 9: 30- 32)، بل اعتبر أن الأمم سيسومون يسوع هذه المعاملات. ثالثاً: ربط لوقا كل هذا بتتمّة ما كُتب في الأنبياء. رابعاً: زاد تفسيره الخاص وتحدّث ثلاث مرات عن لا فهم الاثني عشر لمخطّط الله. ومجمل الكلام، إن هذا الانباء عن الآلام يهيّىء الدرب أمام حدث عمّاوس حيث البرهان عن النبوءة يجد تفسيره الواضح (24: 27، 44- 45). أخذ لوقا تفصيلاً من الكرازة المسيحية الأولى "كما في الكتب" (رج 1كور 15: 3- 4) وضمّها إلى انباء يسوع بآلامه وموته. غير أنه عبّر عنه بلغته.
كما صوّر الإنباءُ الثالث حسب مرقس، يسوع آخذاً الاثني عشر (10: 32 د)، هكذا فعل لوقا. وعاد إلى مر 10: 33 أ ليتحدّث عن "الصعود إلى أورشليم" (آ 31 أ) وعما سيحدث "لابن الإنسان" (آ 31 ج = مر 10: 33 ب). وحيث عدّد مرقس ستة أمور سوف تحدث، ذكر لوقا سبعة أمور فزاد لفظة "يهان" (هذا هو رقم الكمال). ولكن لوقا قدّم التعابير الأربعة الأولى في صيغة المجهول (يُسلم، يُسخر منه)، والتعابير الثلاثة الباقية في صيغة المعلوم (يجلدونه، يقتلونه، يقوم). وقال لوقا كما قال مرقس: "يقوم" (قال مت 20: 19: سيُقام أي سيقيمه الله).
رأى لوقا أن لافهم التلاميذ يرتبط بمخطّط الله في تاريخ الخلاص. ومع أن يسوع تكلم بوضوح في آ 32- 33، ضاع عليهم معنى ما قال. لم يفهموا أن ما قاله الانبياء عنه سيتّم. حين تنفتح عيونهم سوف يفهمون. وهكذا قدّم لوقا بطريقته الخاصة وعي المسيحيين الأولين الذي نجده عنه تفسيراً آخر في إنجيل يوحنا (2: 22؛ 12: 16؛ رج 11: 51- 52).

 

 

الفصل التاسع والأربعون
أعمى أريحا
18: 35- 43

وبدت أريحا في الأفق البعيد: هي باب الأرض المقدّسة والمدينة التي عرفت القبائل أنها لا تؤخذ. ولكنهم احتلّوها دون أن يضربوا ضربة واحدة. دلّوا على ضعفهم وعجزهم ففعل الله الباقي (يش 6). هذا رمز إلى عجز آخر (لو 18: 27) نجد فيه نفوسنا لكي ندخل الملكوت. ممرّ مستحيل، باب لا وصول لنا إليه. ولكن الباب فُتح والطريق صار سالكاً. ففي يسوع الذي يقترب من المدينة ويتجاوزها، إلتقى أعمى وعشّار بالخلاص. خلاص تمسّكا به في الحال فلم يفلت من أيديهما: تبع الأعمى يسوع، وفتح زكا بيته ووزعّ أمواله ففعل ما لم يفعله الوجيه الغني.
أما نحن فنتوقّف في هذا الفصل عند الأعمى الذي شُفي عند خروج يسوع من أريحا وفي طريقه إلى أورشليم. نبدأ بمتّى فنصل إلى مرقس مع لوقا في الوسط.
أ- خبران في متّى
يمتلك الإنجيلي الأول خبرين عن شفاء أعميين (مت 9: 27- 21؛ 20: 29- 34). هما يتشابهان ولكنهما يختلفان أيضاً.
1- مت 9: 27- 31 
أولاً: عبارات خاصة بمتّى
ما هي العبارات المشتركة بين 9: 27- 31 و20: 29- 34؟ هناك أوّلاً العدد 2: هما أعميان لا أعمى واحد. وفعل تبع (9: 27؛ 20: 29). وفعل مرّ، عبر (9: 27؛ 20: 30). انفتح (9: 30؛ 20: 33). صار (9: 27؛ 20: 30). لمس (9: 29؛ 20: 34). وأخيراً نداء الأعميين: يا ابن داود ارحمنا.
نستطيع أن نقابل 9: 27 مع 8: 23 و 9: 28 فنجد أننا أمام بناء متّاوي. والعبارة: ليكن لكما حسب إيمانكما (9: 29) بُنيت حسب النموذج الذي نجده في مت 8: 13 (قال لقائد المئة: إذهب. وليكن لك حسب إيمانك)؛ 15: 28 (قال للكنعانية: عظيم إيمانك. ليكن لك ما تشائين). واستعمل متّى فعل اقترب 52 مرة (6 مرّات في مرقس و11مرّة في لوقا). والأداة "حينئذ" (91 مرّة عند متّى، 6 عند مرقس، 51 عند لوقا)، وعبارة "من هناك" (12 عند متّى، 5 عند مرقس، 3 عند لوقا).
هكذا نحسّ بطابع الإنجيلي في هذا الحدث. وهناك أكثر من ذلك. إن وضعنا 9: 18- 26 (النازفة وابنة يائيرس) تجاه 9: 27- 31، يلفت انتباهنا تقاربُهما على مستوى التدوين. فالخبران ينتهيان بشكل مماثل (آ 22، 29: ذاع الخبر في تلك الديار). هذا ما سوف يحدث مع الرسل الإثني عشر بعد القيامة. موضوع الإيمان هو مركزي (آ 22، 29). وموضوع البيت: ولما بلغ يسوع البيت (أي الكنيسة التي تجتمع فيها الجماعة، آ23، 28). إن وضع الرئيس الذي سجد (آ18. يرد فعل سجد عند متّى 13 مرّة تجاه مرتين عند مرقس ولوقا) يدلّ على إيمان بالملك المسيح (هذا في العالم اليهودي). والأعميان هتفا: يا ابن داود، فرأيا في يسوع مسيح إسرائيل.
ثانياً: إشارات مرقسية
حين دوّن متى هذه المقطوعة، إستعمل مر 10: 46- 52 (أعمى أريحا) ومر 1: 43- 45 (شفاء الأبرص). نجد في مر 1: 31: انتهر، وكذلك في مت 9: 30 أ. نقرأ في مر ا: 44: انظر لا تقل لأحد. وفي مت 9: 30 ب: أنظر، لا يعرف أحد. نجد في مر 9: 45: أما هو فما إن خرج حتى أذاع. وفي مت 9: 31: أما هما فما إن خرجا حتّى أذاعا الخبر.
لا نجد فعل انتهر إلاّ نادراً في العهد الجديد. سنجده مرّة أخرى فيٍ مر 14: 5 وفي يو 11: 33، 38. وكذلك فعل أذاع، نشر. سنجده أيضاً مرّة أخرى عند مت 28: 15 (هذان الأعميان هما شاهدان يحملان الرسالة التي سيحملها الرسل بعد قيامة الرب). وهكذا أخذ متّى ما في خبر مرقس عن الأبرص وجعله في شفاء الأعميين.
ونكتشف في مت 9: 27- 31 عنصراً خاصاً بمرقس هو "البيت". البيت عند مرقس هو موضع "أبيفانيا سرية": في 7: 17؛ 9: 28؛ 10: 10، نجد البيت كموضع مميّز فيه ينفصل التلاميذ عن الجموع ويتلقّون وحياً خاصاً.
نلاحظ بشكل عابر أن مت 9: 27- 31 لم يعرف لفظة "يا رب" (كيريوس) في نداء الأعميين مثل 20: 29- 34. ثمّ إن الفعل "لمس" ترافقه لفظتان مختلفتان تدلّ على العيون (9: 29؛ 20: 34).
ثالثاً: تفسير الوضع
نجد في مت 9: 27- 31 تدويناً متّاوياً استقى موضوعه من مرقس. عاد إلى مر 10: 46- 52 فدوّنه مرتين. مرّة ظل قريباً من المثال الذي أمامه، ومرّة ثانية استقلّ عن هذا المثال. وهكذا نكون في مرحلتين: حركة من مر 10 إلى مت 20. حركة من مت 20 إلى مت 9. وهكذا كان الطابع المتّاوي بارزاً في مت 9 الذي هو كثر من "خبر معجزة"، الذي هو "مشهد مثالي". لقد صاغ هذه الإختلافة كما في مت 20: 29- 34، فدلّ على أنه معلم يعطي درساً في الإيمان كثر منه راوياً. وقد يكون متّى وجد خبر الأعميين في 9: 27- 31 في تقليد مستقلّ عن تقليد أريحا، فطبعه بطابعه.
2- مت 20: 29- 34 
أوّلاً: إشارات تدوينية
طبع متّى الخبر بطابعه منذ الكلمات الأولى في خبره. مثلاً نقابل مت 5: 1 ب (ولما جلس جاء إليه تلاميذ) و 8: 1 (ولما نزل من الجبل تبعه جمع كبير) و20: 29 (ولفا خرجوا من أريحا تبعه جمع كبير). عبارة ذات بنية مماثلة.
وهناك العدد: 2 (رج 9: 27). هناك الحاجة إلى إثنين لكي تقوم الشهادة. والأعميان سوف ينشران الخبر. وقد نكون في إطار ليتورجي حيث يتقدّم المحتفلون اثنين إثنين.
وما نلاحظه أيضاً هو مضمون عبارة المتوسّل: إرحمنا يا رب، يا ابن داود. وردت مرتين من دون تبديل (إن مرقس ولوقا بدلاها). وتبدأ كل مرّة بالعبارة نفسها: فصرخا يقولان (آ30، 31). هذه المحافظة على العبارة نفسها تدلّ على الإستعمال الليتورجي الذي أخذ به متّى في نداء صار صلاة مسيحية.
والنداء "ارحمني" نجده مراراً في الكتاب المقدّس (مز 6: 3؛ 9: 14؛ 30: 10...). وأدخل متى عليه لفظة الرب. فصار: كيريي إليسن. وهكذا نعود الى مت 8: 25 (تسكين العاصفة) حيث "المعلّم" في مر 4: 38 صار "الرب" في مت 17: 15 (ق أيضاً مر19 ؛ 9: 38).
هكذا أشار الأعميان إلى يسوع على أنه المسيح. أما متى فدلّنا على إله إسرائيل الذي ما زال يفيض رحمته تجاه شعبه المضايق في شخص يسوع.
إرتبط لقب "ابن داود" (من تقليد مرقس) بالعبارة الليتورجية، فدلّ على مسيح إسرائيل الذي تقوم مهمّته بأن يحمل التدخل الأخير والحاسم، تدخّل الربّ في التاريخ. فالذي نطلب منه أن يرحمنا هو إمّا "رب" إسرائيل الذي يمثّله يسوع، وإما "ابن داود"، "الملك" الذي يعمل باسم إله اسرائيل. لقبان متقابلان. واحد إلهي والثاني مسيحانى. وهذا ما يدلي على نضوج فكري حول شخص يسوع المسيح.
ونتوقّف عند فعل لمس في آ 34. إختلف متّى عن مرقس ولوقا، فلم يتلفظ يسوع بأية كلمة. بل أتمّ العمل المتعارف عليه لدى مجترحي المعجزات: لمس أعينهما. هذه الفعلة ترتدي شكلاً طقسياً. ونلاحظ أخيراً أن متّى أغفل عبارة "إذهب، إيمانك خلّصك" التي نجدها في مر 10: 52.
ثانياً: ارتباط النص بالسياق 
إن مت 20: 29- 34 يدخل في مجموعة تدوينية واضحة. فذكرُ "الجمع" (20: 31) يوجّه أنظارنا نحو الدخول المسيحاني إلى أورشليم. نجد في هذه المتتالية "الجمع الكثير" (21: 8). ثم "الجموع السائرة أمام يسوع ووراءه" (21: 9: يسيرون مع يسوع). كانوا يصرخون، يهتفون (21: 9) مثل الأعميين: يا ابن داود. إختلف متّى عن مرقس (11: 9- 10) وعن لوفا (19: 38) فجعل الجموع تهتف لابن داود. إذن، هناك رباطات وثيقة وعميقة بين مت 20: 29- 34 ومت 21: 1: 9 أمام لحظتين احتفاليتين تدلاّن على مرحلتين في مسيرة واحدة متصاعدة: واحدة تسير من أريحا إلى أورشليم، وأخرى تجعلنا على مدخل أورشليم.
وهناك مرحلة ثالثة هي نهاية هذه المسيرة: الهيكل. ألغى متّى في إنجيله كل نصّ يتوسّط الدخول إلى أورشليم والدخول إلى الهيكل لكي تتواصل المقطوعتان (بل المقطوعات الثلاث إذا حسبنا أيضاً أعمى أريحا). ففي مقطوعة الهيكل، تفرّد متى فأقحم في النصّ عنصرين خاصّين به: "شفاء عميان وعرج" (امتداد لما في 2 صم ه: 6- 10 بشكل مدراشي). حدث الأطفال الذين يهتفون هم أيضاً لابن داود. وهكذا تتلاحم هذه المقطوعة تلاحماَ بنيوياً مع المقطوعتين اللتين سبقتهما. ما يهمّ هنا ليس فقط حضور الأولاد (حسب الأسلوب المدراشي) الذين وجدوا هنا لكي يهيّئوا ويبرّروا ما نقرأ في 21: 16 (من فم الأطفال والرّضع)، بل مضمون الهتاف (يا ابن داود)، والموضع الذي حصل فيه (الهيكل، قلب "مدينة الملك العظيم"، رج مت 5: 35)، ومضمون مز 8 (آ 2 حسب السبعينية: أيها الرب ربنا، ما أعظم اسمك في كل الأرض). ونجد هنا أيضاً التلاحم بين "ابن داود" و"الرب" كما في حدث الاعميين. نحن هنا أمام نشيد ليتورجي (ابن داود الرب) نتلوه في مسيرة في ثلاث مراحل، وهذه المسيرة (الحج) تنتهي بتتويج المسيح في بيت الربّ.
وخبر الآلام الذي يتبع، يُعطي هذا التتويج معناه الحقيقي. ف "ابن داود" الذي نهتف له هو قبل كل شيء "الملك المتواضع" وهو ابن الانسان الذي يصعد إلى أورشليم ليسلّم هناك (20: 18: الانباء الثالث بالآلام). هناك سيسمّى المسيح "الرب".
ثالثاً: خاتمة
تضقن إنجيل متّى خبرين عن شفاء أعميين. جاء الأول (9: 27- 31)نهاية مجموعة من عشر معجزات (مت 8- 9) هي آيات ملكوت السماوات الذي أعلنه يسوع في خطبة الجبل. ودخل الثاني (20: 29- 34) في جزء يبدأ بالإنباء الثالث بالآلام (20: 17 ي) وينتهي بإيراد مز 8 الذي هو ذروة كل هذه المجموعة. فالوجهة الليتورجية في هذا المقطع واضحة. نحن نشهد احتفالاً حقيقياً في ثلاث مراحل يقود المسيح إلى هيكل أورشليم.
شدّد متّى من جهة على موضوع الإيمان في 9: 27- 31، لأن الدينامية اللاهوتية والكرازية فرضت عليه ذلك. ومن جهة ثانية، ألغى عبارة "إيمانك خلّصك " في مت 20: 29- 34 ليتجاوب مع دينامية أخرى: لقد جاءت الوجهة الليتورجية تبرز الوجهتين اللاهوتية والكرازية. ونقول الشيء عينه عن وجود "الرب" في الشفاء الثاني.
يتضمّن الخبران إشارات نجدها في إنجيل مرقس. في الخبر الأول (مت 9) نجد عناصر مأخوذة من مر1: 45- 3وضوع البيت. في الثاني (مت 20) نجد عناصر من شفاء أعمى بيت صيدا (مر 8: 22- 26). وهكذا نرى أن متّى صاغ هذين الخبرين إنطلاقاً من إنجيل مرقس.
ب- خبر لوقا
إن مشهد أعمى أريحا كما أورده لوقا (18: 35- 43) يختلف عن خبرَيْ متى ومرقس. فهو لا يحصل في الطريق إلى أورشليم، بل حين إقتراب يسوع من أريحا. ثم إن هذا المشهد يتبعه حالاً حدثٌ خاصّ بلوقا يتكلم عن زكّا (لو 19: 1- 10) ويحصل في أريحا نفسها. سنعود إلى الرباط بين المقطوعتين. ولكن نبدأ بالإشارات التدوينية.
1- الإشارات التدوينية
نستطيع القول إن لوقا أعطى خبر مرقس وجهة سيكولوجية وسردية متناسقة. خفّف من كلماته، وطبعه بطابعه الخاص.
فهناك بنية العبارة الأولى: "وحصل أنه حين اقترب من أريحا". نجد هذه العبارة مراراً عند لوقا (1: 8؛ 3: 21...). وقد وجد نموذجه في 2 صم 15: 5 حسب السبعينية. وفعل "اقترب، دنا" يتضمّن القرب كما يتضمّن أيضاً نيّة بالدخول إلى المدينة.
لم يحتفظ لوقا باسم الأعمى: إبن طيما. بل تحدّث عن أعمى من العميان. إن يسوع سيدعوه وهو سيتبع يسوع في الطريق، لذا أعطاه مرقس اسماً. وبدّل لوقا كلمة "شحاذ" باسم الفاعل ليدلّ عن أن هذا الرجل خسر هويته، وصار عمله الدائم الاستعطاء.
في آ 36- 37 نقرأ: إستعلم. أعلموه. هكذا يشدّد لوقا على دور الوسيط الذي لعبته الجموع. أعلموه أن المسيح "آتِ". هذا يجعلنا في أسلوب الظهورات. وفي آ 38- 39، هناك صيغتان فعليتان تعبّران عن نفسية الأعمى الذي يتوسّل. أولاَ: خرج، صاح (مرّة واحدة). إن فعل "بوآن" يشير الى صرخة يعمل فيها الإنسان العقل فيطلب النجدة. ثانياً: أخذ يصيح (دون أن يتوقف). إن فعل "كرازاين" يدلّ على صراخ غريزي يعبّر عن تأثير كبير. وهكذا تبرز الوجهة الدراماتيكية في الخبر.
كتب مرقس: يا ابن داود، يسوع، إرحمني حسب الموازاة: إبن طيما برطيما. أما لوقا فجعل الترتيب كما يلي: يا يسوع ابن داود ارحمني.
في آ 39 نقرأ: وكان السائرون في الطليعة. هذه عبارة معقولة أكثر من "انتهره كثيرون" (مر 10: 48). أو كما قال مت 20: 31: فانتهره الجمع.
في آ 40، خفّف لوقا نص مرقس. ولم ينسَ عمى الرجل: إقتادوه إلى يسوع. هو لم يقفز كما قال مرقس. في آ 41، قال الأعمى: يا رب (كيري، كيريوس). هذا ما نجده عند متّى، ولكن للوقا هدفاً سوف نراه. أما مرقس فقال: رابوني (أي: معلّم). قال مر 10: 52: قال له يسوع: إذهب إيمانك خلّصك. ولكن الأعمى كان قد قال: أريد أن أبصر. فجاء الجواب في لو 18: 42: أبصر. وهكذا ردّ يسوع على سؤال الأعمى. لا ننسى هنا ما قلناه عن روحانية مرقس. إن يسوع يدعو هذا الأعمى أن يتبعه. فحين يتبعه يُبصر.
والشق الثاني في آ 43 يبدو أصيلاً في الخبر. فالعبارة اللوقاويّة "مجّد الله" تعني أن الله بنفسه اجترح المعجزة. وهناك عبارة أخرى عزيزة على قلب لوقا: أعطى مجداً للّه. سبّح الله (رج 17: 18؛ أع 3: 9). هذا ما فعله الجمع. وهناك عنصر لوقاوي هو الربط بين فعل "مجّد" (سبّح) و"رأى" (2: 20؛ أع 3: 9). هذا ما نجده في آ 43: رأى الشعب فمجّد. بدأ الأعمى ف "رأى" (آ 43 أ) وعلى خطاه رأت الجموع. هو مجّد الله، والشعوب مجّدت الله.
هذه هي التحوّلات التي بها طبع لوقا نصّ مرقس. لسنا أمام أمور خارجية وبسيطة، بل أمام تعبير جديد يجب أن نكتشف كل ديناميته.
2 - نظرة شاملة
إنطلق لوقا من نصّ مرقس فكوّن خبر شفاء، فجاءت مجمل تصحيحاته في هذا الاتجاه. وهكذا بدا لعمله معنى محّدّد لا بدّ من اكتشافه.
في بداية الخبر، قدّم لنا لوقا "أعمى" (في صيغة النكرة، أعمى من العميان. وكانوا كثيرين). وقدّم لنا "جمعاً" (صيغة النكرة) من الجموع (آ 35، 36). هذا "الجمع " أعلم الأعمى بحضور يسوع الناصري. وفي نهاية الخبر، حدثت معجزة مع رجل ف "رأى" ومجّد الله. وبقربه "كل الجمع" (كل الشعب) رأى "فمجّد" (سبّح) بدوره الله. لقد انقلبت الأدوار. بدأ "الجمع" فأعلم الأعمى. وها هو الأعمى يحمل إلى الجمع وحياً عن يسوع الناصري الذي أعلنه "الرب" (آ 41). لم نعد أمام حشد من الناس، بل أمام شعب الله كله كما تكوّن بشكل نهائي. هذا هو الشعب كله الذي تعمّد مع يسوع في 3: 21 وها هو الآن يرى مع الأعمى الذي صار مبشّراً.
اَمن الأعمى أن يسوع هو الرب وجاهر بإيمانه، فصار مبصراً. وكان الجمع معادياً حتى الآن، فصار "الشعب كله". ففي تكوين "الشعب كله" (في كنيسة) الذي بدا الشفاء علامة له، تكمن المعجزة الحقيقية.
ولكن من هو "هذا" الأعمى، هل هو جزء من هذا الشعب؟ إن حدث زكا الذي يلي حالاً شفاء أعمى أريحا يردّ على هذين السؤالين.
من المفيد أن نواجه لو 18: 35- 43 ولوقا 19: 1- 9 في لوحة إزائية. فنلاحظ حالاً أن النصين بُنيا حسب النموذج الأدبي الواحد. وإذا أردنا أن نكتشف التعليم اللوقاوي، نجعل النص فوق الآخر كما في الورق الشفّاف. بفضل هذه العملية نكتشف أن اسم "هذا" الأعمى هو زكا (19: 2: رجل اسمه زكا). هذا الرجل الغني وقصير القامة الذي "كان يسعى ليرى"، ف "ما كان يستطيع" (19: 3= زكا في لوقا هو إبن طيما في مرقس). وكما في 18: 39، نرى الجمع يقف بين يسوع وزكا (1: 7: أخذوا يتذمّرون) بسبب مهنته المشهورة، وبسبب إيمانه الذي أعلنه في عمل الانصاف والمشاركة (آ8). هو أيضاً (مثل الأعمى) سمّى يسوع "الرب" (آ8؛ رج 18: 41). أما كلام يسوع في 19: 9، فهو امتداد لعبارة "إيمانك خلصك".
من الواضح أن لوقا أراد أن يبيّن لقرّائه أن تكوين "كل الشعب" يشمل زكّا أيضاً. ووجود هذا الشعب وتكوينه يرتبط ارتباطاً ضرورياً بهذا الرجل الذي هو آخر الخاطئين في أريحا. وهكذا كانت معجزة المسيح كاملة. فالخروف الذي كان ضالاً قد وُجد، فشارك الراعي الحاضرين في فرحته في "البيت"، بيت زكا حيث ستجتمع الكنيسة (19: 5؛ رج 15: 6).
وتستخرج آ10 بوضوح العبرة من 18: 18- 19: 9. في هذه المجموعة، يبدو حدث زكا جواباً على مشهد الوجيه الغني. فهذا دعا يسوع "المعلّم الصالح". أما زكا فسمّاه "الرب" على مثال الأعمى. إحتفظ الوجيه بكل ماله فظل "حزينا" (آ 23). أما زكا فوزعّ نصف أمواله على الفقراء فعرف الفرح (19: 6).
إختلف لوقا عن مرقس ومتّى، فابعد الدخول المسيحاني من الأفق التدويني لأعمى أريحا. فالطريقة التي بها صاغ خبر الشفاء، تدلّ على هدف كرازي آخر. وهكذا يكون السياق اللوقاوي لأعمى أريحا 18: 18- 19: 10.
ج- خبر مرقس
في مر 10: 46- 52، لا يتّخذ الشفاء حيّزاً كبيراً. لا كلمات. لا فعلة عجائبية (تدل على صانع المعجزات). فما يشدّد عليه مرقس هو أمر آخر. هناك معجزة أخرى سوف يحدّدها لنا.
يبدو شفاء أعمى أريحا موازياً لشفاء أعمى بيت صيدا (8: 22- 26). وهذا الشفاء الأخير يتبعه اعتراف بطرس (8: 22- 26) والانباء الأول بالآلام (8: 31- 33). وشفاء أعمى أريحا يتبعه الهتاف المسيحاني ساعة الدخول إلى أورشليم، وخبر الآلام. من هذا القبيل يبدو هذان الشفاءان وكأنهما خبرا انتقال. إنهما نصّان استراتجيان في مجمل الكتاب.
1- قراءة إجمالية
للطريق (هودوس) وكل ما يتعلّق بها (السير، الوقوف) أهمية كبرى في مر 10: 46- 52. فتبدو سائر عناصر النص خاضعة لهذا الموضوع: كل فعلة وكل كلمة.
"وجاؤوا" إلى أريحا. من جاء؟ سنجد التلاميذ وجمع كبير ويسوع خارجين من أريحا. هذا ما اعتاد مرقس أن يفعله، كأننا في تطواف. ذكر الذين خرجوا، ذكر الذين أدخلهم إلى أريحا ولم يسمّهم بأسمائهم. جاؤوا وخرجوا. ونقرأ الجملة الأخيرة (آ 52): "وتبعه في الطريق". الفعل هو في الماضي ويدلّ على الإستمرارية (تبعه وما زال يتبعه). استمرارية في التحرّك: يجب أن نمشي في الطريق. إستمرارية في القرب: نمشي وراءه، نتبعه.
سار برطيما. هذا ما يعارض وضعه في بداية الخبر. "كان جالسا" قرب الطريق". حالة جمود تعتبر نهائية. صيغة الماضي أيضاً: كان جالساً وظلّ جالساً إلى ما لا نهاية... لولا مرور يسوع. ويُبرز هذه المعطية الاستعطاءُ والعمى. لهذا فهو "ثابت" ملتصق مكانه. ومع ذلك فهو بعيد عن الناس. بدأ الخبر ساعة كان ابن طيما "خارج الطريق". ولما انتهى صار "في الطريق".
في آ 49 نقرأ: توقّف يسوع. بدّل وضعه. كان يمشي مع الناس، إنفصل عن كل الذين كانوا معه في الطريق عينه. حطّم حركة هو ديناميتها، فأعطى هذا "التحطيم" نتيجة غير متوقّعة. نعجب من موقف يسوع، ونعجب من موقف الأعمى الذي تخلّى عن ردائه، وقفز، وجاء إلى يسوع. فكأن ابن طيما لم يعد أعمى. لما كان أعمى كان جالساً، وها هو الآن يقفز. ونلاحظ أنه سيُدعى أيضاً لأعمى (تفلوس) حتى بعد تدخل المسيح. منذ ذلك الوقت، إستعاد اعتباره لدى يسوع والجمع (أدعوه... تشجّع، قم). وبدأ يتصرّف (قفز) كأنه ليس بأعمى. دُعي الأعمى فيم يعد "شحاذاً". تخلّى عن ردائه (فيه يضع الشحاذ ما يُعطى له)، فتخلى عن الجمود وذهب إلى يسوع.
2- صرخة الإيمان
يتكوّن قسم من الخبر من حوار بين ابن طيما ويسوع. وأول شيء في هذا الحوار تسمية المتحاورين ابن طيما، برطيما. إبن داود، يسوع. وهناك الجمع الذي يتدخّل. مرة أولى يدلّ على حضور "يسوع الناصري" (آ 47). سمع ابن طيما. هو لا يرى، إذن هو بعيد. يسوع الناصري، أي يسوع من دون وحي أصيل حول شخصه ورسالته. هو إنسان مثل سائر الناس، وهو قريب من الناس. ولكن هل يكفي مثل هذا القرب؟
الأعمى بعيد، وهو يعبّر عن بُعده بالصراخ والصياح. وسمّى يسوع: ابن داود. وهكذا أعطاه لقب مسيح إسرائيل. أدرك المسافة بينه وبين يسوع، فأعلنها، وإذ أعلنها لم يعد بعيداً. إن هذا الاعلان يفترض مسيرة تضمّ في صرخة واحدة ألماً لمسافة لا نستطيع أن نتخطّاها (كان جالساً. لا قبل له بالحركة. أعمى لا يرى. وفي ردائه أشياء وأشياء، مثل الرجل الغني) وإدراكاً لشخص نراه فنودّ أن نذهب إليه.
وتدخّل "الكثيرون" ليسكتوه. ولكنه ازداد صياحاً. نحن أمام إستمرار في القوة. ثم سقطت لفظة "يسوع " في المرة الثانية. قال فقط: "يا ابن داود، إرحمني". توقّفت الجموع عند يسوع الناصري. أمّا الأعمى فانطلق من يسوع ليصل إلى المسيح. هنا توقّف يسوع. ليس فقط لأن قلبه لان أمام صياح هذا الأعمى. توقّف لأنه اكتشف شيئاً جديداً في هذا النداء. إن الجموع بعيدة جداً عمن هو "إبن داود". ووحده الأعمى صار قريباً "مثل النازفة التي لمست يسوع". وسيتكرّس هذا القرب عندما يدعو يسوع "رابوني" التي تعني معلّمي، كما تعني ربي (رج يو 25: 16).
يقع هذا النداء الأخير (رابوني) بين كلمتين من يسوع: كلمة يدعوه بها (ادعوه)، كلمة يرسله بها (إذهب). هكذا أرسل يسوع الأبرص (1: 44: اذهب وأرِ الكاهن نفسك) ومجنون الجراسيين (5: 19: إذهب وبشر). قال يسوع للرجل الغني: إذهب وبع (10: 21). وأرسل التلميذين الى المدينة ليهيّئا الدخول إلى أورشليم (11: 2)، ويهيّئا الفصح (14: 13). حين يقول يسوع: إذهب، فهو يرسل في مهمة، هو يرسل ابن طيما كتلميذ إلى أورشليم. هو يدعوه لكي يتبعه.
خاتمة
أريحا هي المحطة الأخيرة قبل أورشليم. وصل إليها يسوع، دخل، خرج. وترك لنا لوقا خبرين عن هذا المرور: الأعمى الذي أبصر النور، وزكا الذي نال نوراً آخر. كان الجمع في كلا الخبرين الحاجز الذي يوصل إلى يسوع. تجاوزه الاثنان فكان لهما الخلاص. قال يسوع للأعمى: إيمانك خلّصك (آ 42). وقال عن زكا: "لقد وصل الخلاص إلى هذا البيت، لأنه هو أيضاً ابن لإبراهيم" (19: 9). شفاء على مستوى الجسد، شفاء على مستوى النفس. فالمسيح يعيد خلق الإنسان كله، نفساً وجسداً، قبل أن يصل به إلى أورشليم، موضع الآلام والصلب والقيامة.

 

 

الفصل الخمسون
زكّا، الكنيسة وبيتُ الخطأة
19: 1- 10

1- فِعلةٌ نبويّة
نحن في نهاية حياة يسوع العلنيّة. أخذ يسوع التلاميذ الاثني عشر على انفراد وقال لهم: "ها نحن صاعدون إلى أورشليم، فيتمّ كلّ ما كتبه الأنبياء في ابن الإنسان. فيسلَم إلى حكّام غرباء، فيستهزئون به ويبصقون عليه. وبعد أن يجلدوه يقتلونه، وفي اليوم الثالث يقوم" (18: 31- 33).
وفي الواقع، إنطلق يسوع إلى أورشليم ليموت هناك رغم غَباوة (عدم فهم) الرسل الذين ظلّ هذا الكلام مُغْلقاً عليهم، فما أدركوا معناه. ستتمّ الأحداث التالية في إطار دراماتيكيّ، وهي: شفاء الأعمى على طريقٍ أريحا، ارتداد زكّا. وهذا المُناخ يُبرز فعلات يسوع التي تتطلّب منّا اهتماماً خاصاً.
فهذا الشفاء وهذا الاهتداء الظاهر ليسا في نظر المسيح أعمال الرحمة الماديّة أو الروحيّة فحسب. إنهما يرتبطان بهذه اللغة النبويّة (تُعبِّر عن عمل الله وإرادته) التي أتقنها يسوع وهو رأس الأنبياء. فقد كان يعرف أن لغة البشر تترجم مدلولات بشريّة، ولكنها تبقى عاجزةً عن التعبير عن الواقع الروحيّ الذي لا يقع تحت الحواسّ. وما كان يجهل في امتداد تقليد إسرائيل النبويّ، أن الفعلة قد تحلّ في بعض الظروف محلّ الكلمة فتدلّ على اللامنظور بصورة أخّاذة. فعلات المسيح النبويّة تشكّك تعليماً ملموساً يدركه حتى الوضعاء، ويجعل الحكماء مُعجَبين فيتأمّلون في معنى هذه الكلمات الصامتة والغنيّة. لا شكّ في أننا نرى هنا استعداداً لفعلات سيجعلها يسوع تتمّ حتى نهاية التاريخ في الأسرار السبعة. واهتداء زكّا ينتمي إلى هذه الأقوال التي ترافقها الأعمال، كما أنه يقدّم لنا تعليماً محدّداً عن رحمة الله، عن مكانة الخطأة في مخطَّط الخلاص، عن البُعد السرّيّ الذي يمتلكه كلّ بيت يفتح أبوابه للمسيح.
حين اقترب يسوع من أريحا حيَّاه أعمى وناداه: "يا ابن داود، ارحمني". فرحمه وشفاه. حينئذ انضمّ هذا الأعمى الذي رأى إلى مرافقي الربّ. وأخذ الشعب كلّه ينشد مدائح إله يصنع مثل هذا المعجزات. وانتشر خبرُ هذه المعجزة عَبْرَ أريحا فوصل صداه إلى رئيس العشّارين (يجمعون ضريبة العُشر) فيها.
"ودخل يسوع أريحا وأخذ يجتاز المدينة. فجاء رجل اسمه زكّا. كان رئيس العشّارين، وكان غنيّاً" (آ 1- 2).
لم يعتَدْ لوقا أن يقدّم لنا التفاصيل عن الأشخاص الذين يتحدّث عنهم. ولكنه يكشف لنا هنا اسم هذا الموظّف: زكّا أي الطاهر والنقيّ. أما نتعجّب أن يكون هذا العشّار والسارق نقيّاً؟ لا، هذا الإسم لا يليق به. هو خاطىء بفعل وظيفته: يسرق الناس، ويعطي من حصيلة سرقته قسماً للحاكم الرومانيّ. هو خائن لربه ووصاياه، وخائن تجاه شعبه. زكّا هو المحروم الذي ترفض الجماعة أن تتعامل معه. إنه عشّار، ومن مهنته هذه حصل على الغنى، وحصل في الوقت نفسه على كل مصائبه.
2- رجل محروم
إنتمى العشّارون إلى النظام الضرائبيّ الرومانيّ. كان المُحتلُّ يبيع هذه الوظيفة بالمَزاد العلنيُّ، فينالها الذي يدفع المبلغ الأكبر. والمال الذي يقدّمه يمثّل مجمل الضريبة التي يُلزم نفسه بدفعها للصندوق العامّ. لهذا وجب عليه أن يكون غنيّاً جدّاً ليقوم بواجباته تجاه الدولة. وإن لم يجمع المال الذي وعد به، وجب عليه أن يدفع للسلطة من جيبه الخاصّ.
مثل هذا النظام يؤمّن المداخيل للدولة دون ان تدفع أجراً للموظّفين. ولكن العشّارين كانوا يبحثون عن وسائل تساعدهم على دفع المال الذي تعهّدوا به وعلى تأمين الربح الوفير لجيوبهم. لهذا كانوا يظلمون الناس ولاسيّما الفقراء والضعفاء، وهذا ما جعل الناس يكرهونهم.
كان زكّا رئيسَ العشّارين في أريحا التي كانت تخضع لرومة، شأنُها شأن سائر المدن اليهوديّة. وربما كان من هؤلاء الذين ذهبوا إلى يوحنا المعمدان يسألونه عن شرعيّة وظيفتهم (3: 12). حينئذ جاءهم الجواب: "لا تجمعوا من الضرائب كثر مما فُرض لكم " (3: 13). لم يكن المعمدان مغشوشاً فيما يخصّ "صدق" العشّارين في وظيفتهم. كان يعرف الوسائل التي يستعملونها من غشّ وعنف وحيلة وضغوط متنوّعة لكي يدخل المال إلى جيوبهم. ولهذا ختم لوقا كلامه عن يوحنا المعمدان فقال: "فجميع الذي سمعوا يوحنا، حتى العشّارون أنفسُهم، أقَرّوا بصدق الله فقبلوا معموديّة يوحنا" (7: 29). إن هذه الإشارة الخاصّة تفهمنا بما فيه الكفاية الطابعَ غيرَ العاديّ لموقف روحيّ لدى أُناس من هذه الطبقة الممقوتة.
ولهذا كان العشّارون يُشبّهون بخطأة مُعلَنين يبتعد عنهم الأتقياء. وإن الإنجيل سيذكر هاتين الفئتين معاً. قال: "وكان العشّارون والخاطئون يدنون من يسوع ليسمعوه" (15: ا؛ رج 5: 35؛ 18: 13). ولا يتردّد متّى في أن يجمعهم مع الزُناة ليُبرز رحمة الله التي حملها المسيح إلى البشر. قال: "العشارون والزُناة يسبقونكم إلى ملكوت الله" (مت 21: 31). والأخ الذي يرفض التوبيخ الأخويّ، فالشريعة الإنجيليّة تشبهه بالوثنيّين والعشّارين (مت 18: 17) وتجعله في عِداد المحرومين. نحن نفهم من هذه الكلمات أننا أمام أناس يعيشون خارج سلالة إبراهيم الروحيّة، أناس ليس لهم وصول إلى بركة الله.
وإذا أردنا أن نفهم قساوة مثل هذا الحكم على العشّارين، يجب أن نتجاوز المستوى الأخلاقيّ لأعمالهم التي بها يظلمون القريب. إنهم يمثّلون سلطان سياسة غريبة عن السلطة التيوقراطيّة (حكم الله بواسطة الكهنة) في إسرائيل، ويقومون بعمل وثنيّ في نظر الناس الأتقياء. كان اليهود يتساءلون صادقين: هل يُسمح لهم أن يدفعوا الجزية لقيصر؟ ولهذا بدا لهم العشّارون كأداة لهذا الخضوع الوثنيّ الذي يُبعدنا عن كلّ ديانة. لهذا مُنع العشّارون من حقّ الشهادة في المحكمة، كما شك الناس في إمكانيّة رجوعهم إلى الله بالتوبة.
وهكذا بدا العشّارون كالمحرومين فانعزلوا على ذواتهم. هنا نفهم إتّهام اليهود الأتقياء ليسوع بأنه يتعامل مع هذه الفئة الخاطئة في إسرائيل. تصرّفُه يشكّل خطراً على المجتمع الذي يرفض حتّى التحيّة لهؤلاء الخطأة، فكيف لا يرفض الأكل معهم؟!
3- واجتاز يسوع أريحا
"وحاول زكّا أن يرى من هو يسوع. ولكنه كان قصيراً، فما تمكّن أن يراه لكثرة الزحام. فأسرع إلى جمّيزة وصعدها ليراه، وكان يسوع سيمرّ بها" (آ 3- 4).
إذن إجتاز يسوع أريحا، ووصل إلى الحقول أو على الأقلّ إلى ضواحي المدينة. وإذ أراد زكّا أن يرى يسوع عابراً لم يختَر سطح بيت، بل شجرةَ جمّيز ساعدته أغصانها الواطئة على الصعود. إنطلق القديس أمبروسيوس من وضع الجميزة التي هي شجرة مثمرة ففسَّر هذا النصّ في إحدى عظاته. قال: "وهكذا رأى (يسوع) زكّا فوقه: فارتفاع إيمانه جعله يبرز وسط أثمار أعمالٍ جديدة كما على قِمّة شجرة مثمرة...