إنجيل لوقا، يسوع في اورشليم

تقديم
هذا هو الجزء الثالث والأخير من تفسير إنجيل ربنا يسوع المسيح بحسب القديس لوقا. كان عنوان الجزء الأول: ظهور الكلمة والرسالة إلى الجليل. وُضعت له مقدّمات عرّفتنا بكاتب الإنجيل، بالوجهة التعليمية، بزمن يسوع والكنيسة. ثم فسّرت النصوص حتى 9: 50، فتوقّفت أولاً عند "ولادة الكلمة وظهورها في العالم" (1: 1- 4: 13). وثانياً عند "رسالة يسوع في الجليل". وكان عنوان الجزء الثاني: صعود يسوع إلى أورشليم. فبعد مقدّمات عرضت نظرة شاملة إلى الجزء الأولى وتحدّثت عن هذا الصعود، كانت ثلاث محطات. الأولى (9: 51- 13: 21) استضاءت بهذه الآية: "وإذ كان زمن ارتفاعه قد اقترب، صمّم أن ينطلق إلى أورشليم. والثانية (13: 22- 17: 10): "وكان يجتاز المدن والقرى، وهو يعلم، قاصداً في طريقه إلى أورشليم". والمحطة الثالثة (17: 11- 19: 27) أوصلتنا إلى أورشليم واستنارت بهذه الآية: "وفيما هو شاخص إلى أورشليم، جاز على حدود السامرة والجليل".
وها هو الجزء الثالث. عنوانه: يسوع في أورشليم، الآلام والقيامة. بعد مقدّمات تتحدّث عن الإنجيل حسب القديس لوقا، عن التقليد والتدوين في الإنجيل الثالث، وعن يسوع الرب، يتوزّع الكتاب على قسمين: مجيء يسوع في حياتنا (19: 28- 21: 38). ثم: آلام يسوع وقيامته.
الأسلوب هو هو كما في الجزئين الأولين، وكما في تفسير مرقس ويوحنا. بعد نظرة شاملة إلى القسم الذي ندرس، نتوقّف عند كل مقطوعة ونتوسّع في تفسيرها. قد يكون التفسير طويلاً. فلأنّنا فكرّنا بأولئك الذين يستعينون بالكتاب من أجل السهرات الإنجيلية أو المشاركة. قد نجد دراسات أدبية وكلمات يونانيّة. إننا فكّرنا بطالب اللاهوت والباحث عن التعمّق في النصّ الأصلي للإنجيل. أما ذلك الطالب المعنى الروحي والبعد الرعائي، فما له إلاّ أن يترك هذه الأمور جانباً، إن هي حالت بينه وبين فهم النصّ، ويذهب إلى ما يراه مغذّياً لحياته.
تفسير لوقا في أجزائه الثلاثة، أردناه كتاباً متعدّد الاستعمال. فنرجو أن نكون قد وفّقنا في ما وضعنا نصب عيوننا من هدف. والرب نسأل أن يجعل منه أداة يوصل القارئ إلى كلمة يسوع كما وصلت إلينا في إنجيل لوقا، بل إلى شخص يسوع الذي ما زال يكلّمنا كما كلّم التلميذين على طريق عماوس. فيا ليت قلوبنا تضطرم حين يسير برفقتنا ويفسّر لنا الكتاب، فيجعل كلامه في أعماق قلوبنا وحياتنا.
القسم الأول
المقدّمات

يتضمّن هذا القسم الأول الفصول التالية:
1- الإنجيل حسب القديس لوقا.
2- الإنجيل الثالث: من التقليد إلى التدوين.
3- يسوع الرب في إنجيل لوقا

الفصل الأول
الإنجيل حسب القديس لوقا

هناك تقليد سابق لنهاية القرن الثاني، يدلّ على أن صاحب الإنجيل الثالث هو لوقا. رجل أصله من أنطاكية. كان طبيباً ورفيق بولس في أسفاره. تقليد جاء من رومة (قانون موراتوري) وغالية (أي فرنسا الحالية) (مع ايريناوس) وأفريقيا الشمالية (مع ترتليانس) ومصر (اكلمنضوس، أوريجانس). وهذا التقليد الشامل هو قديم بما فيه الكفاية لكي يستحق ثقة المؤرخ.
وزادت مخيّلة المؤمنين التقيّة على هذه المعطية، سلسلة من السمات التي لا يمكن التحقّق منها: لوقا هو واحد عن السبعين تلميذاً. بل واحد من التلميذين اللذين رافقهما يسوع على طريق عمّاوس. لوقا هو رسّام العذراء مريم. لا شك في أنه أعطى عنها صورة جميلة جداً في إنجيل الطفولة (ف 1- 2). ولكن يبدو أن لوقا كان وثنيّاً، وأنه الكاتب الوحيد في العهدين القديم والجديد، الذي لم يكن يهوديّ الأصل. إنه وثني وصاحب ثقافة يونانية وقد كتب ما كتب إلى اليونان سواء كانوا في إنطاكية أو في بلاد اليونان.
كان مت وليد جماعة محدّدة، جماعة من اليهود انتقلوا إلى الكنيسة وصاروا مسيحيين. وكان مر خلاصة ما علّمه بطرس. أما لو فهو عمل كاتب لا يذكر اسمه، بل اسلوبه: قام بتحقيق دقيق قبل أن يكتب الأحداث بحسب ترتيبها ويقدّم قوة التعليم إلى الشريف تاوفيلوس.
أورد متّى فقاهة كنيسته. وأورد مرقس الاعلان الإنجيلي الأول كما تفوّهت به شفتا بطرس. أما لوقا فأراد أن يدوّن كتاباً يضع فيه "جميع ما عمل يسوع وعلّم من البدء حتى اليوم الذي صعد فيه إلى السماء بعد أن أعطى تعليماته للرسل الذين اختارهم بقوّة الروح القدس" (أع 1: 1- 2).
نتوقّف هنا عند ثلاثة مواضيع: لوقا والتقليد، لوقا ولاهوت التاريخ، لوقا والروح القدس.
1- لوقا والتقليد
كل مؤرّخ، ولوقا يعتبر نفسه مؤرّخاً يتضمّخ تاريخه بالتقليد، هو في شكل من الاشكال رجل التقليد. فهو يحاول أن يعود عبر الشهادات إلى منابع قريبة من الأحداث التي يتكلّم عنها. في هذا المعنى، لوقا هو مؤرّخ. غير أن موقفه ليس موقف مؤرّخ دنيوي. فهذا التقليد الذي يجعل نفسه صدى له وكفيلاً، ينعم بقيمة وسلطة لا يمكن أن تكونا موضع تساؤل. هو لا "يحكم" على هذا التقليد من علياء "فكره الفلسفي". ولا هو يعتبر أنه يعطي بخبره أساساً تاريخياً لكرازة غاب عنها التاريخ. بل عليه فقط أن يبيّن نوعية تعليم الكنيسة والتقليد الرسولي.
نحن نستطيع أن نحدّد بعض التحديد، الإطار التاريخي الذي عاش فيه الإنجيلي. نحن في عصر قلق واضطراب. وهذا ما تدلّ عليه أخبار أعمال الرسل. فبولس يتكلّم في وصيّته إلى شيوخ أفسس عن هؤلاء "الذئاب المخيفة" (أع 20: 29- 30) التي تهدّد الكنيسة. وفي الرسائل الرعائية، ما زال يشجّع تيموتاوس أو تيطس ليثبتا في صحّة العقيدة (1 تم 1: 3- 7؛ 4: 1- 3؛ 6: 3- 4؛ تي 1: 10- 11؛ 3: 9- 10؛ 2 تم 2: 14- 18؛ 3: 1- 8؛ 4: 3). ويورد لوقا أحداث الكنيسة الفتيّة حيث تظهر مثل هذه الانحرافات: سمعان الساحر (أع 8: 9- 13؛ 18- 24). عليما الساحر (أع 13: 8- 12). طاردو الأرواح النجسة من اليهود المتجوّلين (أع 19: 13- 17). بل إنه يعلم أن بعض "الناس يحاولون بأقوالهم الفاسدة أن يجتذبوا التلاميذ وراءهم" (أع 20: 30).
أوصى بولس الرعاة بالسهر. أما لوقا فأهتمّ بطريقته الخاصة بأن يقدّم الدواء لمثل هذه الأخطار ويؤمّن استقامة الرأي في الجماعة. لم يكن شاهداً، شأنه شأن بطرس ويعقوب ويوحنا واندراوس. ولكنه عرف بدقة التعليم الكنسي والتقليد الرسولي، وحاول أن يبرزهما في العمق وحين "نشر" كتابه، أراد أن يجعل ثقة تاوفيلوس مؤسّسة على أمور موضوعيّة. هو لا يعلن فقط، شأنه شأن مرقس، البشرى، "الإنجيل" (غابت لفظة "اونجيليون" من لو). بل يؤلّف "كتاباً" يستعمله المبشّرون لكي يعلّموا في الكنيسة.
تحدّث لوقا في مطلع كتابه عن "تعاليم" تلقّاها تاوفيلوس، تعاليم كُرز بها. إن هذه الفقاهة تدلّ بلا شكّ على التعليم الذي يتبع الكرازة ويهيّئ الطالب للمعموديّة (عب 5: 11- 6: 2؛ أع 8: 35؛ 10: 37- 43؛ 16: 31- 32؛ أف 4: 20- 21؛ كو 1: 6). لا نستطيع أن نؤكِّد بأن هذه الفقاهات سبقت العماد وهيّأت له الطريق، أو أنها جاءت بعد قبول سرّ العماد. رج 1 بط 1: 13- 21؛ 3: 18- 22؛ كو 3: 1- 4: 6؛ أو: أع 5: 42؛ 6: 2؛ فل 4: 9؛ 1 تس 2: 7- 12. كما لا نستطيع أن نجزم بأن تاوفيلوس كان من الموعوظين الذين يستعدّون للعماد، أو من المعمّدين الجدد.
يبدو أن كتاب لوقا قد دوّن ليكمّل الفقاهة الأولى التي تكوّنت من بعض "أقوال" يسوع كما وردت مثلاً في 1 تم 1: 15؛ 3: 1؛ 4: 9؛ 2 تم 2: 11؛ تي 3: 8. تلك كانت أولى المحاولات لجعل الكلمة الحيّة "حبراً على ورق". وبعد الآن، سنحاول أن نلتقي بهذه الكلمة ونسمعها عبر هذه الأقوال التي يسهل حفظها، والتي تذكّرنا بالأحداث الكرونولوجيّة الهامة. هذه هو معنى لفظة "أخبار" كما ترد في لو: أعيال، أقوال...
إن خطبة بطرس إلى الضابط الروماني كورنيليوس (أع 10: 37- 43) تقدّم لنا نموذجاً أميناً لهذه الفقاهة العمادية: ذُكرت حياة يسوع منذ عماده على يد يوحنا إلى قيامته. والحال هذه هي الرسمة التي عليها بنى لوقا إنجيله. هذه الرسمة لا تعود إلى لوقا بل إلى الكرازة الأولى التي انطلق منها الإنجيلي الثالث وطبعَها بطابعه.
وإذ أراد لوقا أن يبيّن تطابق التعليم الذي تلقّاه تاوفيلوس مع حقيقة الكرازة الرسولية، عمل على جمع المحاولات التي سبقته وتنظيمها. تتبّع خطاها في بحث دؤوب ودقيق. ولكنه اختلف عن المؤرّخين الذين عاصروه. فلم ينقد أولئك الذين كانوا أول من دوّنوا التقاليد التي استعملها. بل اقرّ بفضلهم عليه: لقد كانوا شهود عيان للكلمة، فحملوا حالاً بعد قيامة يسوع التقليد الرسولي. أما لوقا فلا يستطيع أن يسمّي نفسه "خادم الكلمة". إنه من الرعيل الثاني وربما الثالث. فقد ألّف كتابه في نهاية الجيل الرسولي. غير أن لهذا الوضع محاسن.
عاد لوقا إلى هؤلاء الشهود الأولين، وعاد حتى وصل إلى "الأصل"، إلى البداية. فتفحّص "جميع" المحاولات متوخّياً أن "يرتِّب" هذه المجموعة من المعطيات. وهكذا صار لوقا إنجيلي تاريخ قصد الله. ولكن قبل أن نعالج هذا الموضوع، نتوقف عند بعض الإشارات الأدبيّة التي ترينا فيه "رجل التقليد" الرسولي الحقيقي.
ما يشهد على ذلك أولاً هو لغة الكتاب وأسلوبه. بدا نصّ مت في إطار ليتورجي. ونص مر شعبياً. أما لو فقدّم إلى أذن يونانية مزيجاً عجيباً من الرفعة والمألوف. لماذا؟ لأنه أراد أن يكون أميناً لمراجعه. وهذه الأمانة للتقليد الذي وصل إليه، قد دفعته أن يضحّي بثقافته الواسعة واهتمامه بالكلام البليغ. ودلّ أيضاً على احترامه للتقليد في الطريقة التي بها رتّب خبره. هنا نستطيع أن نقابل بين مت ولو. فإنَّ مت يعيد "تأليف" ما وصل إليه، فيضمّ إلى خبر وصل إليه، أقوالاً قالها الرب في سياق آخر. ففي الخطبة على الجبل، جاءت الصلاة الربية (صلاة الأبانا) في إطار الصلاة التي هي أحدى الفرائض الأساسية الثلاث في الشريعة الجديدة! ست 6: 9- 13). ولكن هل علّمها يسوع في هذا الوقت؟ يبدو أن لوقا جعلها في إطارها الحقيقي (11: 1- 4). وربط مت 8: 11- 12 القولَ عن دخول الوثنيين إلى الملكوت، بشفاء ابن ضابط كفرناحوم، وهذا ما يتوافق مع مدلول هذه المعجزة. أما لوقا فلم يتجرّأ على التقريب بين المعجزة والقول، فجعل خبر الشفاء في 7: 1- 10 والقول المتعلّق بالوثنيين في 13: 28- 29.
مثل هذه الملاحظات التي تجري على مختلف التقاليد المنعزلة، تنطبق أيضاً على الترتيب العام في الإنجيل. فإن لو الذي يرتبط بمرجع قريب من مر، يراعي هذا المرجع، بل أوقف مسيرة الخبر وقدّم في اللحمة المرقسيّة أموراً خاصة به.
* المطلع (1: 1- 2: 52). لاشيء يقابله عند مر.
* في الجليل (3: 1- 9: 50). هناك قسم أول (3: 1- 6: 19) يقابله مر 1: 1- 3: 19+ 3: 20- 35. وقسم ثانٍ (6: 20- 8: 3؛ ثم 8: 4- 9: 50) يقابله مر 4: 1- 9: 50 ما عدا 6: 45- 8: 29 (خاص بمرقس).
* نحو أورشليم (9: 51- 19: 27). يقابله فقط مر 10: 13- 52.
* في أورشليم (19: 28- 24: 53). يقابله مر 11: 1- 16: 8.
قدّم لو متتالية مشابهة لمتتالية مر ثم متتالية خاصّة به. وجاءت القاطعة القصيرة (6: 20- 8: 3) والقاطعة الكبيرة (9: 51- 18: 14) فأوقفتا تواصل الخبر المرقسي دون أن تدمّراه. وهكذا دلّ لو على أنه يراعي التقليد. هو لا "يشقلب" المعطيات التي وصلت إليه، بل يحاول أن "ينقلها" بدوره بكل أمانة.

2- لوقا ولاهوت التاريخ
أ- أحداث في الزمان والمكان
غير أن هذه الأمانة تفرض على رجل التقليد أن لا يكون عبداً لحرف الوثائق التي يستعملها: فعليه أن يستعيدها وينظّمها ويقدّمها حسب مخطط يعود فيه إلى الوراء. قام لوقا ببحثه ورتَّب المواد المجموعة فدلّ على أنه لاهوتيّ تاريخ قصد الله.
إهتتم المؤرّخ بأن يحدّد في الزمان والمكان الأحداث التي يوردها. لم يستطع لوقا ذلك دوماً، بسبب نقص في وثائقه، أو بحثاً عن بناء لاهوتي يفضله على تكوين خارجي لسيرة يسوع. وقد يصل بعض المرات إلى دقّة كرونولوجيّة لافتة. مثلاً، هذان المقطعان الاحتفاليان اللذان يفتتحان خبر طفولة يسوع (2: 1- 3)، وخبر رسالة يوحنا المعمدان (3: 1- 2). نجد فيهما أسماء سبعة من الرؤساء.
وفي مقاطع أخرى يخفّف المؤرّخ من تأكيدات يعتبرها مفرطة. قال مت ومر إن التجلي "بعد ستة أيام" على اعتراف بطرس. أما لو فصحّح: "بعد حوالي ثمانية أيام" (لو 9: 28). واعتاد أن يجعل لفظة "حوالي، تقريباً" أمام أرقام بدت أكثر من دقيقة (1: 56؛ 3: 23؛ 9: 14؛ 22: 59؛ 23: 44). كما أنه ألغى ما اعتبره تكراراً. ترك نصّ مرقس حول دعوة التلاميذ الأولين (مر 1: 16- 20)، واكتفى بمشهد الصيد العجيب (5: 1- 11). ثم نراه يورد الأخبار في إطار يختلف عن إطار مر. أورد مر في 3: 22- 30 حدث يسوع وبعل زبول حالاً بعد اختيار الرسل الاثني عشر. أما لو 11: 14- 23، فجعله بعد الصلاة الربية ومثل الصديق اللجوج. ونقول الشيء عينه عن مثل حبّة الخردل الذي يرد عند مرقس (4: 20- 32) في خطبة الأمثال، ولكنه يرد عند لوقا (13: 18- 19) في إطار آخر ومع مثل الخمرة (ق مر 6: 1- 6 ولو 4: 16- 30؛ مر 8: 11- 13 ولو 11: 16- 29).
واعتاد لوقا أن لا يورد الأخبار المتشابهة. أورد مر تكثيرين للأرغفة (6: 30- 44؛ 8: 1- 10): واحد لليهود والآخر للوثنين. أما لو فأخذ الأولى (9: 10- 17) وترك الثاني. فللعالم الوثني كسر خبزه في أع. أورد مر خبرة التينة التي لعنها يسوع فيبست (11: 12- 14، 20- 21). أما لو 13: 6- 9 فتحدّث عن التينة التي لا تحمل ثمراً. أعطي لها بعض الوقت. ترك لو مشهد السير على المياه كما ورد في مر 6: 45- 52 (= مت 14: 22- 33)، واكتفى بمعجزة تهدئة العاصفة (لو 8: 22- 25) الذي يذكره مر 4: 35- 41 ومت 8: 23- 27. لم يعد لو إلى المسح بالطيب في بيت عنيا (مر 14: 3- 9؛ مت 26: 6- 13؛ يو 12: 1- 8)، لأنه سبق له وتحدّث عن غفران يسوع للخاطئة (لو 7: 36- 50). وألغى لو أيضاً أحد مثولَي يسوع أمام المجلس الأعلى (22: 66- 71)، كما ألغى حدث الخمر الممزوج بالمرّ لئلا يكرّر حدث الاسفنجة التي قُدّمت ليسوع (23: 36).
ألغى لو بعض الشيء. وزاد بعض التفاصيل أو أوضح بعض الأمور. مثلاً، حصلت تهدئة العاصفة لا في مساء يوم الأمثال، بل في مساء يوم آخر (8: 22). وأشار أيضاً إلى أن التجليّ حصل في الليل على جبل اعتاد يسوع أن يصليّ عليه (9: 32- 37؛ رج 6: 12؛ 23: 39- 40). لهذا، نستطيع أن نفهم أن تكون عيون التلاميذ مثقلة بالنعاس خلال هذا المشهد (9: 32). ثم إن لو تحدّث ثلاث مرات عن "الصعود" إلى أورشليم (9: 51- 52؛ 13: 22؛ 17: 22). فكأنه أراد أن يفهمنا أن يسوع صعد ثلاث سنوات إلى العيد، وبالتالي امتدت رسالته على ثلاث سنوات، كما قال يوحنا. وأخيراً بدا لوقا مؤرّخاً حين قدّم لقارئه معلومات جغرافية: كفرناحوم والناصرة هما مدينتان في الجليل (4: 31؛ 1: 26). أما "بحر الجليل" (حسب مت ومر) فيسميه لو "بحيرة جنسارت" (5: 1؛ 8: 32؛ رج 8: 26؛ 19: 29؛ 23: 51).
إن هذا التقديم اللاهوتي قاد لو إلى إلغاء عدد من المعطيات الطوبوغرافيّة التي يحتفظ بها مر. ذكر مر 2: 1؛ 9: 33 كفرناحوم. أما لو 5: 17؛ 9: 46 فلم يذكرها. أشار مر 9: 30 إلى الجليل. أما لو 5: 27؛ 6: 17؛ 9: 43، فقد أغفل ذكره. وهو لم يتكلّم عن الدكابوليس أو المدن العشر في 8: 39 (رج مر 5: 20). إعتاد مر أن يحدّد موقع كل خبر من أخباره: في قيصريّة فيليبس (8: 27)، في جبل الزيتون (13: 3)، في جتسيماني (14: 32). وقال: في الطريق (10) 17). في الهيكل (12: 35) وتجاه الخزانة (12: 41). أما لوقا فلا يهتمّ بهذا الأمر في إنجيله، لكنه يعوّض في أع 14- 28 المليء بأسماء الأمكنة.
لماذا لم يحتفظ لو بأسماء الأمكنة في إنجيله؟ قد يكون نقص في مراجعه. وقد تكون هناك نظرة لاهوتية خاصة جعلته يتطلّع فقط إلى أورشليم. يبدو أن لوقا لم يتوقّف عند طريقة البناء في فلسطين (5: 19؛ 6: 47- 49)، عند العادات (6: 29؛ 7: 14؛ 8: 5- 6)، عند الطوبوغرافيا (4: 29؛ 9: 10؛ 12: 55؛ 21: 29). كل هذا يدلّ على أن لوقا لم يتوخّ أن يكتب سيرة يسوع بطريقة دنيويّة. لا شكّ في أنه قصد أن يدوّن خبرا "مرتباً ومتتابعاً" للأحداث. غير أنه ما أراد أن يغيرّ اللحمة العامة للأحداث كما فعل يوحنا في الإنجيل الرابع. كل ما أراده لوقا هو أن يعرض لتاوفيلوس مسيرة الخبر الإنجيلي. لذلك اهتمّ بتأليف أدبي رفيع، واهتمّ بأن يفهم قصد الله في أعماق قلبه.
وتفنّن لوقا في انتقالاته بين خبر وآخر داخل الأحداث، فتفوّق على مرقس. ففي 5: 33، وبعد أن انتقد الفريسيون يسوع لأنه يأكل مع الخطأة، طرحوا سؤالاً حول صوم التلاميذ: خبران متجاوران في مر 2: 13- 22، ولكنهما جُمعا هنا من أجل القارئ. وعرف لوقا أن يهيِّئ القارئ للأحداث اللاحقة. قال في 4: 13 إن إبليس ترك يسوع "إلى حين". إنه سيعود ليدخل في يهوذا في بداية الآلام (22: 3؛ رج 22: 53). 
إن ترتيب الأخبار يجعلنا في إطار تاريخي. وإذ يورد لو بعض المعجزات، فهو يفهمنا فهماً أفضل جواب التلاميذ على نداء المخلّص 51: 1- 11). وهو يقدّم لنا منذ بداية إنجيله تكتّل أعداء يسوع. ويحدّد أن الباعة طردوا من الهيكل حالاً بعد الدخول إلى أورشليم (19: 45- 46). ويوزّع بشكل منطقي خبر العشاء الاخير (22: 14- 38) كما يضمّ بشكل متدرّج مراحل نكران بطرس ليسوع (22: 54- 62).
هذه الأمثلة تدلّ على الترتيب الذي توخّاه لوقا في خبره. ولكن هذا البحث عن التماسك لا يجد هدفه في نفسه: إنه يعبرّ عن اهتمام الإنجيلي الثالث بإبراز نظرة لاهوتية حقيقية في تقديم الأحداث. لهذا نبدأ بتحليل بسيط قبل أي نقدّم اعتبارنا حول لوقا كلاهوتيّ التاريخ.

ب- موقع أورشليم في إنجيل لوقا
تركّز الإنجيل الثالث كله على أورشليم، لهذا تبسّطت مسيرة يسوع: ألغي السفر على حدود الجليل (مر 6: 45- 8: 26). و"طار" اسم قيصرية فيليبس (مر 8: 27) والجليل (9: 30). والموعد الذي حدّده يسوع بعد القيامة (مر 14: 28؛ رج 16: 7) قد تحوّل في لو 24: 6- 7 فصار: "تذكّروا ما قال لكم حين كان في الجليل".
إذن، نحن أمام خبر قد قدّم من أجل هدف محدّد. بدأ في أورشليم (1: 5)، وانتهى في أورشليم (24: 52- 53). ذكر خبرُ الطفولة صعودين نموذجيين إلى أورشليم (2: 22- 38؛ 2: 41- 55). وفي مقدّمة الحياة العلنيّة، وجدت تجربة يسوع ذروتها، لا على الجبل كما في مت، بل في أورشليم (4: 9- 12). وأخيراً بدت القاطعة الكبرى صعوداً احتفالياً إلى أورشليم. جمعت الأقوال والأخبار بطريقة مصطنعة (قد يكون لوقا وجدها في مراجعه)، وامتدت سلسلة من الخطب الهجومية في 11: 14- 14: 24. ثم كانت أقوال مختلفة ترتبط بما يسمّى توارد الألفاظ (12: 1- 12؛ 14: 25- 53؛ 16: 16- 18).
ثم برز الرقم 3 كما في مت: ثلاثة أخبار دعوات (9: 57- 62). ثلاثة أقوال حول امتيازات التلاميذ (10: 18- 24). ثلاثة أمثال عن رحمة الله وحنانه (15: 1- 32). ثلاث تعليمات عن الصلاة (11: 1- 13). ثلاث كلمات حول الشريعة (16) 16- 18)، ثم آراء متفرّقة (17: 1- 6).
متى تفوّه يسوع بهذه الأقوال؟ في 9: 59 نقرأ: "قال يسوع لرجل آخر". في 11: 5 نعرف أن مثل الصديق اللجوج جاء بعد الصلاة الربّية (رج 13: 18- 20؛ 15: 11). بعض المرات ترتبط المقطوعات بشكل غامض. "بعد ذلك". "في تلك الساعة". أو هي تتجاور بدون أي وصلة (10: 1- 21، 25؛ 12: 1، 35، 47؛ 13: 21؛ 16: 1؛ 17: 1، 3، 4، 7).
حين يرتّب لو مواده بهذا الشكل، يدلّ دلالة واضحة على قصده: لا يريد أن يذكر أية إشارة جغرافية إلا أورشليم. لهذا جاءت النتيجة رائعة. في 9: 51، نرى عبد الرب الذي يواجه صراعاً و "نزاعاً" (رج أش 50: 6- 8 حسب السبعينية) يعود صاعداً إلى الله (رج يو 13: 1). في 9: 53، نرى يسوع وقد رذله السامريون لسبب غريب: إنه يتوجّه إلى أورشليم. ثم "سار يسوع إلى قرية أخرى" (9: 57) تحمل إلينا ثلاثة أخبار تجمعها لفظة "تبع". في 10: 1، يتحدّث النصّ عن أماكن "عزم يسوع أن يذهب إليها". وبعد بعض الخطب وعودة التلاميذ ومثل السامري الصالح، يستعيد لوقا مسيرة خبره: "وبينما هم سائرون" (في الطريق، 10: 38). نحن في بيت عنيا، هذا ما يعرفه لوقا ولكنه لا يذكره. بل هو يفضل العبارات المبهمة: "وكان يسوع يصليّ في أحد الأماكن" (11: 1). "وكان يسير في المدن والقرى، يعلّم وهو في طريقه إلى أورشليم" (13: 22). بعد وقت قليل نصحوا يسوع بأن "يذهب من هنا". ولكن من أين؟ أما هو فأجاب: "يجب أن أسير في طريقي اليوم وغداً وبعد غد. لأنه لا يجوز أن يهلك نبيّ في خارج أورشليم" (13: 31- 35). ثم وجّه كلاماً قاسياً إلى المدينة المقدّسة (13: 34- 35).
ومع ذلك، فهذا الصعود الطويل لم ينتهِ بعد. فيسوع سيعطي بعض التعاليم خلال طعام تناوله في بيت أحد كبار الفريسيين (14: 1- 24). ونقرأ في 14: 25: "وإذ كانت جموع كثيرة تسير معه". ها هو ينطلق من جديد يرافقه الناس. وأخذ يعلّمهم بالامثال. وإذ ظلّ يمشي دوماً نحو أورشليم، "مرّ على حدود السامرة والجليل". "ها نحن صاعدون إلى أورشليم، ويتمّ ما كُتب عن ابن الإنسان".
هنا نجد إشارة طوبوغرافيّة نقرأها في التقليد المشترك: دخل يسوع إلى أريحا (19: 1؛ رج 18: 35). غير أن لوقا عاد إلى موضوعه: "وقال يسوع أيضاً مثلاً، لأنه كان قريباً من أورشليم. وكانوا يظنّون أن ملكوت الله سيظهر في الحال" (19: 11). بعد هذا، نجد تصويراً احتفالياً للدخول إلى المدينة المقدّسة: "وإذ تكلّم يسوع بذلك، سار في المقدّمة صاعداً إلى أورشليم. ولما اقترب من بيت عنيا" (19: 28- 29). "ولما اقترب من منحدر جبل الزيتون" (19: 37). "ولما اقترب، نظر إلى المدينة وبكى" (19: 41). وحين دخل إلى الهيكل (19: 45)، طرد منه الباعة.
مهما كان من أمر هذه الصناعات الأدبية، فهي تؤثر في القارئ. وهكذا يندرج هذا الصعود اندراجاً ناجحاً في لحمة الإنجيل الذي بدأ في أورشليم، ووصل يسوع إليها ظافراً. وبعد ليلة بستان الزيتون، اقتيد سجيناً إلى المدينة المقدسة وهناك حُكم عليه بالموت وصُلب. وفيها قام من الموت وظهر للتلاميذ، ومن بيت عنيا صعد إلى السماء. حينئذٍ عاد التلاميذ إلى أورشليم وهم يمجّدون الله. ومن أورشليم سينطلقون لينشروا الإنجيل حتى أقاصي الأرض (أع 1: 8).
إذن، يرى لوقا في تاريخ مخطّط الله تواصلاً عجيباً، منذ زمن إسرائيل حتى زمن الكنيسة مروراً بزمن يسوع. ونحن نجد رسمة عن هذا التواصل في خطبة اسطفانس أمام متّهميه (أع 7: 1 ي) أو خطبة بولس في انطاكية بسيدية (أع 13: 16- 22).
وهذا ما يتيح لنا أن نستخرج نتيجة أولى: لن نجد في لو (كما لم نجد في مت ومر) سيرة يسوع مكتوبة بطريقة علميّة، وكأنها تقرير صحافي أو كتاب تاريخ بالمعنى الحديث للكلمة. لقد أراد الإنجيل الثالث، شأنه شأن مت ومر، أن يورد الأحداث التي حصلت قبل الفصح، وقرأها على ضوء القيامة. وإن القائم من الموت يبرز قاعدة هذا التاريخ حين يعرض للتلميذين على طريق عماوس، أو للرسل المجتمعين في العلية: "لا بدّ من المرور في الصليب للوصول إلى المجد" (24: 25- 26، 45- 46). 
ويتسجّل لاهوت التاريخ هذا تسجّلاً تاماً في خطّ التقليد المشترك: فالأناجيل هي نظرة إلى أحداث تاريخ الخلاص الذي أتمه يسوع في إطار فصحي. إلا أن لوقا قد احتفظ بأصالة وجهته الخاصة مع أمانة لمخطّط التقليد العام.

3- لوقا والروح القدس
أ- حقبات ثلاث في تاريخ الخلاص
إذا أردنا أن نتعمّق في فهم الرؤية التاريخية عند لوقا، وجب علينا أن نتوقف عند مؤلّف لوقا كله، أي لو وأع، ونقابل بينه وبين مت ومر. أعلن مر الإنجيل والخبر الطيّب: يسوع الذي هو المسيح وابن الله، قد جاء ليخلّصنا بموته وقيامته، من الخطيئة والموت. وخبر يسوع هذا، شأنه شأن إعلان الكلمة، لا بدّ أن يؤثّر على السامع والقارئ ليدعوهما إلى الحياة في الكنيسة وفاقاً لهذه البشرى. غير أن مرقس لا يصل بنا إلى هذه النتيجة، بل يترك لكنيسته مهمّة توضيح المتطلّبات التي تجعل المؤمن يشعر الآن بهذه الغلبة التي حازها يسوع على الشيطان وقوى الشرّ.
هذا التطبيق الملموس الذي تركه مر جانباً، والذي لا ينتمي أصلاً إلى الإنجيل بحصر المعنى، قد قام به مت طوعاً. فالإنجيل الأول هو صدى كنيسة حيّهّ مع كل الإتجاهات التي تميّزها، والمحيط الحياتي الذي وُلد فيه. وهو يقدّم للقارئ فقاهة حقيقيّة يتحدّث فيها يسوع الناصري والرب القائم من الموت، بشكل مباشر إلى المؤمنين.
غير أن هذا ليس هدف لوقا، فقد توخّى أن يرسم تاريخ قصد الله، منذ مجيء يسوع على الأرض، حتى امتداد الملكوت إلى أقاصي الكون. واتساع هذا المشروع يفرض إضاءة خاصة على هذا التاريخ. 
فحتّى لوقا، سيطر الحدث الفصحي على كل حقل الرؤية اللاهوتية، بحيث أخضع لها كل ما سبقها، كما أخضع كل ما تلاها. ففي يوم الفصح تمّ الوعدُ المعطى لإسرائيل. وعلى هذا الضوء الجديد، استنارت الأحداث السابقة كما الليل عند طلوع الفجر. عند مر، تحدّدت "بداية" الإنجيل في زمن كرازة يوحنا المعمدان الذي سبق وأعلن ملكوت الله. وفي يوم القيامة (أو الفصح) اتخذ كل شيء معناه، لأن الملكوت الأزلي ليسوع، ربّ السماء والأرض، قد تدشن حقاً.
أما عند لوقا فنجد رسمة مثنّاة. رسمة الوعد والتتمّة: مع يسوع قد أعطي كل شيء، تمّ كل شيء. غير أن "البداية" لم تعد في النقطة عينها، والنهاية جُعلت فيما بعد الفصح. "بقيت الشريعة والأنبياء حتى يوحنا. وبعد هذا، أعلنت بشارة ملكوت الله" (16: 16): روى لوقا العماد الذي تقبّله يسوع من يد يوحنا، ولكنه بيّن قبل ذلك أن المعمدان قد جُعل في السجن بفعل هيرودس (3: 19- 22). فزمن التتمّة يبدأ، لا مع كرازة يوحنا، بل مع رسالة يسوع: إمتلأ يسوع من الروح القدس (4: 4) وكرز في المجامع. وفي الناصرة قال أمام الجمع: "روح الرب علي... اليوم تمّت هذه الكلمة التي تُليت على مسامعكم" (4: 21).
هذا ما أعلنه بطرس لكورنيليوس، الضابط الروماني: "إن الله مسحه بالروح القدس والقوّة، فمضى يعمل الخير ويشفي الذين سقطوا تحت سلطة إبليس، لأن الله كان معه" (أع 10: 38). لقد "تمّ" هذا الزمان الجديد (لو 1: 1)، تمّت المواعيد المعطاة لإسرائيل. تدشّن هذا الزمان "الآن"، في كرازة الناصرة، وهو يمتدّ "منذ (هذا) البدء إلى اليوم الذي فيه ارتفع إلى السماء بعد ما أعطى بالروح القدس وصايا للذين اختارهم رسلاً" (أع 1: 1- 2).
ذاك هو في تاريخ قصد الله، المنعطف الحقيقي والنهائي: مجيء يسوع. غير أن هذا الجديد لا يسطع في لحظة واحدة، ولهذا يوضّح لوقا التقليد الإنجيلي ويتوضّح فيه. فبانتظار عودة يسوع، هي تتمة أخرى تبدو كالظهر الذي يلي الفجر الفصحي، وتستبق المجيء الثاني بشكل من الأشكال. "فحين تمّ يوم العنصرة" (أع 2: 1)، تدشّنت حقبة جديدة، حقبة رسالة الكنيسة.
إن حياة يسوع بدت في الإنجيلين الأولين، كنقطة مركزيّة تُوحّد وتفصل بين حقبتين رئيسيتين في تاريخ الخلاص، زمن الوعد وزمن التتمة. أما في لوقا، فالتتمة تكون على مرحلتين: زمن يسوع، وزمن حلول الروح الذي وعد به الآب (أع 1: 4) على الرسل. إذن، لا يتضمّن التاريخ فقط حقبتين، حقبة إسرائيل، وحقبة يسوع التي هي في الوقت عينه حقبة الكنيسة. بل يتضمّن ثلاث حقبات: زمن إسرائيل، زمن يسوع، زمن الكنيسة.
مثل هذا التقديم قد يحمل الخطر إن نحن بسّطناه وحصرناه في رسمة خطوطيّة لا تحتفظ إلا بتسلسل الأزمنة. حينئذٍ لن نصبح في خط القرون الوسطى التي تحدّثت عن زمن الآب، وزمن الإبن، وزمن الروح القدس، وكأن هناك انفصالاً بين الاقانيم الثلاثة. أما لوقا فاعتبر أن الروح يعمل في هذه الحقبات الثلاثة، وإن تميّزت الواحدة عن الأخرى. ترك الرسمة المثنّاة (وعد، تتمّة) في الخفاء وجعل فوقها التقسيم المثلّث.
ب- موقع الروح القدس في تاريخ الخلاص
فالروح القدس لم يأت بعد يسوع ليدلّ على حقبة جديدة، بل دلّ على أنه يعمل منذ زمن يسوع. فقد دلّت نصوص لو على أن يسوع امتلأ منذ البداية من الروح القدس. لهذا سُمّي لو (أكثر من مت ومر) إنجيلي الروح القدس. فالإشارة المتواصلة إلى الروح، تعطي مسيرة التاريخ وحدة حقيقيّة عبر مختلف الأحداث التي يرويها.
هناك من قال إن لوقا قطع كل رباط مع التقليد الإنجيلي الصحيح، فأبرز في الوقت عينه زمن الكنيسة وزمن يسوع، وجعلهما على المستوى عينه! وقال: إن الإنجيل الحقيقي يفترض انتظار المجيء في مهلة قريبة بحيث لم يعد من مكان لفسحة من الزمن بين الفصح والمجيء. أما مع لو الذي وعى تأخّر عودة الرب، فالكنيسة تجد أمامها مستقبلاً لا حدود له. حينئذٍ يتسلم "زمانها" قواماً خاصاً، فيجعل من زمن يسوع حقبة محدودة. إن زمن يسوع هو حضور الأزل في وقت من التاريخ، غير أنه ليس مفتوحاً على اقتراب النهاية. إنه يؤسّس الزمن المتوسّط، زمن الكنيسة.
مثل هذا التفسير يبدو اعتباطياً، فيتجاهل وحدة التقليد الإنجيلي. لا شكّ في أن المسيحيين الأولين انتظروا في البداية عودة المسيح المباشرة، واعتادوا على "مهلة المجيء الثاني". ولكن متى وعى المؤمنون أن هذا المجيء يتأخّر؟ أقلّه مع مر الذي هو أول تفسير لتعليم يسوع. ولقد انطلق لوقا من هذا الوعي وعمّقه انطلاقاً من وضع يحمل معناه في ذاته.
فإذا أردنا أن نتعرّف إلى هذا الوضع، نتوقّف عند ظروف الكنيسة الفتيّة، لا حسب شهادة لوقا وحسب، بل في خطّ التقليد البولسي الذي سبق تدوين الأناجيل. حين يذكّر بولس أهل تسالونيكي بساعات ارتدادهم المباركة، بلقائهم مع الله والمسيح، فهو لا يشير فقط إلى مضمون إيمانهم، بل يقول: "لأن البشارة بالإنجيل لم تكن بالكلام وحده، بل رافقتها القوة والروح القدس واليقين التام" (1 تس 1: 5). فخبرة الروح القدس، والإيمان بسّر الفصح، والأمل بمجيء الرب، هذا هو الإنجيل الذي نعمل به، نعلنه، ونتقبّله. أما نقطة الانطلاق في الكرازة فهي خبرة الروح القدس التي لا تشكّل مضمون الإنجيل في حدّ ذاته، بل هي علامته وختمه. لهذا لا تُذكر هذه الخبرة إلا بشكل عابر وكوعد، غير أنها تفرض نفسها على عقل المؤمن الذي يستمع إلى الكلمة.
ففي نظر الإنجيليين ولوقا بشكل خاص، الروح القدس هو الذي يعطي تاريخ يسوع معناه. والختم الموضوع على كرازة بطرس في بيت الضابط كورنيليوس، ليس البرهان الكتابي، بل خبرة الروح الحيّة: "وإذ كان بطرس يتكلّم، حلّ الروح القدس على كل الذين كانوا يسمعون الكلمة" (أع 10: 44). ما يشكّل شهادة بالنسبة إلى الوثنية، يسري من أجل اليهود (أع 5: 31- 32)، كما يسري بالنسبة إلى كل قارئ للإنجيل.
إذن، نضع في أساس مؤلّف لوقا خبرة الروح القدس في الكنيسة. فإن اتخذ فيما بعد زمنُ الكنيسة بُعداً حقيقياً في قصد الله، فلأن الروح القدس يعمل فيه ويؤمّن له اتساعاً يمتدّ بين ذهاب يسوع وعودته. وفي الوسط عينه، يتّخذ زمن يسوع الذي يمتدّ بين إعلان الملكوت والصعود، قيمة خاصة. فحياة يسوع ليست فقط ينبوعاً يخلق الغفران. وليست فقط شرطاً لمجيء الروح أو للدخول في الخلاص. إنها أيضاً الصورة والعربون اللذان يؤسّسان الرجاء المسيحي. إن زمن يسوع الذي فيه ما احتاج التلاميذ إلى من يقيهم العدوّ ويبعدهم عن التجربة، هو صورة عن السماء. فالملكوت ليس قريباً وحسب، بل هو حاضر هنا في يسوع، لأن الروح هو في يسوع. ولهذا تقوم الحياة المسيحية بأن ننظر إلى الوراء، إلى يسوع الذي جاء إلى الأرض وعاش بيننا. وأن ننظر إلى الأمام، إلى يسوع الذي يجيء.
إذن، يبدو لوقا مبشّراً حقيقياً، لأنه يحاول أن يبيّن أن حياة يسوع هي في الحقيقة تأوين الإنجيل. إنه ممثل حقيقي للتقليد الرسولي، بقدر ما يجعلنا حاضرين للأحداث التي يوردها. إنه ليس بشاهد، شأنه شأن يوحنا. إنه بالأحرى رجل التقليد الذي ظلّ أميناً لمراجعه.
ويعلن لوقا أيضاً أن الزمن الحاضر في حياة يسوع يبقى "حاضراً" إلى الأبد. فهذا "اليوم" الذي أعلن في مجمع الناصرة (4: 21، اليوم تمّ)، ورد بعد يوم الولادة (2: 11: اليوم وُلد لكم مخلّص)، وقبل يوم الموت (23: 43، اليوم تكون معي). هذا اليوم الذي يتكرّر على مدّ حياة يسوع على الأرض (5: 26؛ 13: 33؛ 19: 5، 9، 42). هذا اليوم يشبه "أيامنا" (أع 13) 41؛ لو 24: 18) كما أعلنها الأنبياء (أع 3: 24). هذا في الواقع ما حصل "بيننا" (لو 1: 1).
فضمير المتكلّم الجمع في "بيننا" (نحن)، لا يدلّ فقط على تلاميذ في الزمن الماضي، بل على مؤمني الزمن الحالي أيضاً. فمؤلّف لوقا يبدو قريباً من سفر التثنية الذي يسعى بأن يجعل كلمة الله حاضرة الآن: "اليوم يأمرك الرب إلهك" (تث 26: 16).
وآنيّة الإنجيل الثالث تبدو واضحة حين نقابله مع أع. فالروح عينه هو الحاضر في لو كما في سفر الأعمال. فالروح هو الذي يقود يسوع. والروح هو الذي يقود الرسل (أع 8: 29، 39؛ 10: 19؛ 11: 12، 28؛ 13: 2، 4...). فالرؤى تكشف لهم المهمات الجديدة التي يجب أن يقوموا بها (9: 10- 11؛ 10: 3- 4؛ 10- 11...). وهم ينجون من السجن ومن جميع العواقب بشكل عجيب (أع 5: 19؛ 8: 26؛ 12: 7).
إذا كانت كل هذه الأمور تشير إلى أوضاع إنجيلية، فالتلاميذ بدورهم يعلنون الملكوت (لو 9: 2) منذ زمن حياة يسوع، كما سيفعلون أيضاً في زمن الكنيسة (أع 8: 12؛ 19: 8؛ 25: 25؛ 28: 23). وإيراد أشعيا نفسه (49: 6) حول "نور الأمم" يدلّ على يسوع (لو 2: 32)، كما يدلّ على المرسلين (أع 13: 47). والاضطهاد نفسه أصاب يسوع (لو 4: 29) كما يصيب التلاميذ الذين ينفضون الغبار العالق بأرجلهم (9: 5؛ 10: 11)، والذين يتوجّهون إلى الوثنيين (أع 13: 46- 47؛ 18: 6). والمناخ عينه من المديح والفرح والصلاة يغمر زمن يسوع كما يغمر زمن الكنيسة. ولقد صار موت يسوع النموذج الأول لاستشهاد اسطفانس، وكل مؤمن يشهد للرب. 
وأخيراً، إن الشموليّة التي عملت بها الكنيسة حسب المهمّة التي أوكلت بها، تفرض نفسها كواقع ينير الإنجيل. بل هي تشكل الإنجيل نفسه الذي يشع أبعد بكثير من حدود إسرائيل. وفي هذا يتميّز لو عن مت: ربط لو يسوع بآدم (3: 38) أما مت فعاد بنسب المسيح إلى داود، إلى إبراهيم. حين جاء يسوع على الأرض، لا يفرح فقط بنو إسرائيل، بل جميع البشر. لقد أنشد الملائكة السلام للبشر الذين يحبّهم الله (2: 14) لأن "المسيح الرب" هو "مخلّص" الجميع (2: 11). وقد أورد لو في خطبة المعمدان كلام أش 40: 5: "يرى كل بشر خلاص الله" (3: 6؛ رج أع 2: 21؛ 28: 28). ويقدّم لو مثالاً للمؤمنين: السامري الصالح (10: 25- 37). الأبرص الذي كان سامرياً وغريباً (17: 11- 19). قائد المئة الذي لم يوجد مثل إيمانه في إسرائيل (7: 9).
ونقول في الخطّ عينه إن لو هو إنجيل حنان الله وحبّه للبشير (تي 3: 4). فيسوع هو صديق الخطأة الذين يُرذلون، والنساء بما فيهنّ من ضعف، والغرباء. إنه يدلّ على رحمة الله التي لا يمكن أن تُسبر. 
والإنجيل الثالث يقدّم قاعدة حياة من أجل المجتمع. فالمعمدان يدلّ الجموع والعاملين في الضرائب والجنود، على واجب حالتهم (3: 10- 14). والخطبة التدشينية تسير في المنوال نفسه. فنجد تعليمات مثل هذه: "أعطِ دوما من يسألك" (6: 30). "كونوا رحماء" (6: 36). "أعطوا كيلاً ملآناً، مهزوزاً فائضاً". أعطوا بلا حدود، ولا تتطلّعوا إلى يوم الدينونة (6: 38). فكيف لا تجتذب القارئ مثل هذه الأمثلة. فالضابط الغريب الذي أحبّ أمتنا وبنى لنا مجمعاً، هو موضوع اهتمام يسوع. لا الكاهن واللاوي اللذان أبصرا المجروح وهو يكاد يموت، فتحوّلا إلى الناحية الثانية من الطريق ومضيا (10: 31- 32).
ويشدّد لو على الاهتمام بالفقراء والخطأة: يجب أن تدعو إلى مائدتك، لا الأغنياء الذين ترجو منهم أن يدعوك، بل البؤساء والمساكين (14: 12- 14). والهوّة التي حفرها الغني بينه وبين الفقير، لم يستطع أن يعبرها لا الآخرة (16: 25- 26). أما الفريسي الذي يحتقر في داخله الخطأة ويبتعد عنهم، فهو ينفصل عن الله نفسه، ولا يجد تبريراً لديه (18: 10- 14). 
لوقا هو إنجيلي قصد الله. وهو في الوقت عينه ذاك الذي حدّد بشكل ملموس متطلّبات التعليم الإنجيلى. تحدّث عن موقف المؤمن تجاه الغنى، ودلّ على المسافة التي يسير فيها التجرّد ونكران الذات. فعلى تلميذ يسوع أن يحمل الصليب "كل يوم" (9: 23). لقد دخل لوقا في تفاصيل الحياة اليومية. ولكنه عرف أن ملء الفرح قد غمر قلب المؤمنين.
خاتمة
كان للوقا طريقته الخاصة في أن يكون أميناً للتقليد. إستحق بسبب مزاياه البشرية لقب المؤرّخ على مثال المؤرّخين القدماء. فهمَ ملء الفهم الروحي حياة يسوع، وعرف أن هذه الحياة هي الإنجيل الذي يتممّ المواعيد الإلهية بالحدث الفصحي. وعرف أيضاً أن هذا الإنجيل يُنشئ مع مجيء الروح في يوم العنصرة، حقبة جديدة في تاريخ العالم: زمن الكنيسة. وإذ دلّ لوقا على حضور الروح، لم يركّز شأنه شأن يوحنا، حياة يسوع في سّر لقاء الله الدائم مع الإنسان. بل كشف البعد "الروحي" لتاريخ البشر الذي اسمه قصد الله.
الفصل الثاني
الإنجيل الثالث
من التقليد إلى التدوين

يحاول أسلوب تاريخ التقليد أن يحدّد فكر الإنجيلي إنطلاقاً من عمله التدويني على التقليد الإنجيلي السابق. ولكن ما هو هذا التقليد؟ يتفق الشرّاح على القول بأن لوقا أفاد من ينبوع خاص به (اللوقاويات). ولكنهم يختلفون حول تحديد اللوقاويات: هل هي مراجع شفهية أم خطية؟ هل دوّنت في اليونانية أو في الأرامية؟ ثم ما هي طبيعة المراجع المشتركة بين لوقا والإزائيين الآخرين؟ ثم هناك اتصالات أكيدة بين لوقا ويوحنا.
ينقسم موضوعنا قسمين: بنية الإنجيل الثالث. الأسباب التي دعت لوقا إلى ترتيب هذه البنية.
1- بنية إنجيل لوقا
للوهلة الأولى تبدو بنية لو قريبة من بنية مت ومر، لأنها تروي كرازة يوحنا المعمدان، الرسالة الأولى في الجليل، الصعود إلى أورشليم، الآلام والقيامة. ولكن من خلال هذا التوازي العام، نجد اختلافات عديدة. ونبدأ دراستنا بالحقبات المختلفة في إنجيل لوقا على مستوى الطوبوغرافيا والمضمون التعليمي والوظيفة في مجمل الإنجيل الثالث.
أ- أخبار الطفولة (ف 1- 2)
إن أخبار هذا القسم الأول هي خاصة بإنجيل لوقا. وهي تشكّل حقبة محدّدة تحديداً واضحاً بالموضوع، بالزمن، بالفنّ الأدبي. عرف لوقا أن هذه الأخبار لا تنتمي إلى الكرازة الرسولية الأولى (أع 1: 22؛ 10: 37؛ 13: 24- 25). إستعمل هنا مراجع خاصة به، وما زلنا حتى الآن ندرس فنّها الأدبي، اللغة الأولى، الينبوع الذي تفجّرت منه. ولكن مهما يكن من أصل هذه المواد، فقد بناها لوقا بطريقته في موازاة دقيقة بين يوحنا المعمدان ويسوع: بشارتان متوازيتان. لقاء بين الطفلين في حشاء أم كل منهما، ولادتان وختانان، مهمتان تُعلنان في نشيد نبوي، حاشيتان عن طفولة كل منهما.
إن هذا التوازي يبرز التعارض بين الولدين. وهذا التعارض يجد تعبيراً له في الأماكن التي جرت فيها كل منهما: بدأت حياة يوحنا في الهيكل وامتدت في جبال اليهودية. وبدأت حياة يسوع في الناصرة، فالتقت بحياة يوحنا في جبال اليهودية، ثم جرت في بيت لحم ووجدت ذروتها في هيكل أورشليم قبل أن تعود إلى الناصرة.
أما الفن الأدبي لهذه الأخبار فقريب من أخبار طفولة بعض الأبطال ولا سيّما تلك التي نجدها في الكتاب المقدس. مثل إسحق، شمشون، صموئيل. نجد فيها تحديداً لرسالة يوحنا ورسالة يسوع. يوحنا المعمدان هو السابق (1: 15- 17، 76- 77). يسوع هو ابن داود 11: 62، 69)، وابن الله (1: 32- 35)، والمخلّص والمسيح الرب (2: 11)، ومسيح الرب (2: 26) ونور الأمم (2: 32). "أقيم لسقوط وقيام كثيرين في إسرائيل". جُعل للمعارضة ووُعد للسيف (2: 24- 25). وأول كلمة تفوّه بها في الهيكل في عامه الثاني عشر، عارضت بين والديه على الأرض وأبيه السماوي (2: 49).
إن وظيفة هذا القسم واضحة في الإنجيل الثالث: تتوخّى تحديد موقع يوحنا المعمدان ويسوع في تاريخ الخلاص. جُعل السابق خاضعاً للمسيح. أُعلن إنجيل سّر يسوع منذ البداية.
ب- رسالة يوحنا المعمدان (3: 1- 25)
هذه الحقبة التي نجد أكثر موادها عند متى (3: 1- 12) ومرقس (1: 1- 8) هي محدّدة في لو أكثر مما هي عند الإزائيين: في البداية بتزامن تاريخ احتفالي (3: 1- 2). وفي النهاية بإعلان سجن يوحنا المعمدان بأمر من هيرودس (3: 19- 20). سنجد عناصر هذه الحاشية الأخيرة فيما بعد عند متى (14: 3- 4) ومرقس (6: 17- 18). إستبق لوقا الأمور ففصل فصلاً واضحاً بين زمن يوحنا المعمدان وزمن يسوع. وابرز أيضاً هذا الفصل، فلم يذكر اسم يوحنا في عماد يسوع (هكذا اختلف عن مت 3: 13 ومر 1: 9). إن هذا الفصل القاطع بين حقبات متعاقبة تضمّ أخباراً معاصرة، هو نهج خاص بلوقا. نجده مثلاً في 1: 56 (الذي هو في الظاهر بعد أحداث 1: 57- 66). ونجده في أع 10: 1- 11: 18 (يقع بعد 11: 19-21).
وفصلَ لوقا أيضاً بين رسالة يوحنا ورسالة يسوع على مستوى الأمكنة. جعل عمل يوحنا "في منطقة الأردن" (3: 3؛ رج 4: 1) حيث لن يعمل يسوع عملاً ولن يكون له أثر (عكس مت 4: 15، 25؛ 19: 1؛ مر 10: 1). أما فيما يتعلّق بوعظة يوحنا المعمدان، فإن لوقا يورد تقريباً ذات المعطيات التي يوردها متى ومرقس: الدعوة إلى التوبة أمام الدينونة الآتية (3: 7- 9). إعلان الأقوى الذي يعمّد في الروح والنار (3: 16- 17). غير أنه يُبرز الوجهة العمليّة واليوميّة للتوبة (يتحدث عن "الثمار" في صيغة الجمع في آ 8. زاد آ 10- 14 وواجب كل انسان)، ويشدّد على أن المعمدان ليس المسيح (آ 15) على مثال يو 1: 20؛ 3: 28.
إن الفصل الذي يثبته لوقا هنا بين زمن المعمدان وزمن يسوع يقابل الشكل الخاص بالقول في 16: 16أ. ففي موازاة مع مت 11: 12 أ، انتمى يوحنا المعمدان إلى زمن الملكوت، "ومن أيام يوحنا المعمدان حتى الآن ملكوت الله يُغتصب". وهذا ما يتوافق مع مت 3: 2 حيث يعلن يوحنا اقتراب الملكوت (عكس لو 3: 3). ولكن حسب لو 16: 16 أ: "لقد بقي الناموس والانبياء إلى يوحنا. ومنذئذٍ يُبشّر بملكوت الله". هل نفهم هنا "إلى يوحنا" في معنى حصري أو مشتمل؟ هل ندخل يوحنا في زمن الملكوت أم نستبعده منه؟ إن لوقا يميّز تمييزاً واضحاً زمن يوحنا عن زمن يسوع في 3: 20 ويحتفظ ليسوع بكرازة الملكوت (4: 43 يختلف عن مت 3: 2). لهذا نقول إن يوحنا المعمدان ينتمي إلى العهد القديم.
وظيفة هذه المعطيات عن يوحنا المعمدان هي أن تدلّ على الحقبة الأخيرة في الإعداد للعهد الجديد.
ج- كرازة يسوع الأولى (3: 21- 9: 55)
إن مجمل مواد هذه الحقبة موجودة في متى (3: 13- 18: 35) ومرقس (1: 9- 9؛ 50). ولكن لوقا يحدّد بوضوح هذا القسم بأربعة أحداث في البداية (3: 21- 4: 30)، وبفاتحة تدلّ على الحقبة المقبلة (9: 51: وإذ كان زمن ارتفاعه قد اقترب، صممّ أن ينطلق إلى أورشليم). 
هناك إشارة أصيلة إلى الأماكن. يجري العمل عند متى ومرقس أولاً في الجليل قرب البحيرة. ثم بدأ يسوع أسفاره في منطقة صور وصيدا (مت 15: 21؛ مر 7: 24، 31)، في المدن العشر (دكابوليس، مر 7: 31). واتجه إلى قيصرية فيليبس (مت 16: 13؛ مر 8: 27). لا يتحدّث لوقا أبداً عن خروج من العالم اليهودي، بل يشير إلى محاولات قصيرة وغير ناجحة على ضفّة البحيرة الشرقية في بلاد يسمّيها أرض الجرجاسانيين. إنه يحدّد نشاط يسوع في الجليل (4: 14- 31؛ 8: 26؛ رج 22: 5؛ 24: 6؛ أع 10: 37) أو في اليهودية (4: 44؛ 6: 17؛ 7: 17). إن هذا الاسم الأخير يدلّ عنده كما عند سائر الكتّاب اليونان في عصره، على كل بلاد اليهودية بما فيها الجليل. إن جغرافية رسالة يسوع توافق مؤلّف لوقا: ففي رأيه، لن يبدأ تبشير الوثنيين قبل الفصح والقيامة (24: 47). 
تُقدّم بنية هذا القسم عند لوقا عدة سمات أصيلة: هناك زيادتان تشدّدان على أهمّية المشاهد الأولى. إن سلسلة نسب يسوع في 3: 23- 38 (يفصل بين تسمية يسوع كابن الله: بفم الآب، في 3: 22. وبفم إبليس في 4: 3) تربط يسوع بآدم لتدلّ عليه فيما بعده "آدم الجديد" (أع 17: 26- 31).
كرازة يسوع في مجمع الناصرة (4: 16- 30) هي بداية مهمّة يسوع العلنيّة. هذا المشهد المليء بإشارات خاصة من اسلوب لوقا، هو استباق ظاهر لما سوف يحدث: نجد ما يوازيه في زمن متأخِّر في متى ومرقس (مت 12: 54- 58؛ مر 6: 1- 6). ثم إنه يورد معجزات يسوع في كفرناحوم (آ 23) حيث لم ينزل بعد (آ 31). إذا كان لوقا قد قدّم هذا المشهد، فلأنه يتيح له بأن يحدّد رسالة يسوع في إسرائيل مع ميزاتها الجوهرية. إن وقوفه في المجمع يدلّ على أن تعليمه يتوجّه الآن إلى اليهود في خطّ العهد القديم الذي يتمّه (آ 21). ويستبق بالنسبة إلى لوقا أسلوب المرسلين الذين يبدأون كرازتهم في المدن الوثنيّه بالوعظ في المجامع (أع 9: 20؛ 13: 5، 14، 44؛ 14: 1؛ 7: 1، 10، 17؛ 18: 4، 7، 19؛ 19: 8). 
يقدّم يسوع نفسه هنا بالعودة إلى أش 61: 1- 2: مُرسل يحمل البشارة إلى الفقراء. وردّة فعل أهل الناصرة، ومحاولتهم للايقاع بيسوع (آ 28- 30)، ترسمان مسبقاً رفض إسرائيل ليسوع، والصليب الذي يتهيَّأ له. أما تذكّر المعجزات التي منحها إيليا واليشاع للوثنيين (آ 25- 27)، فتعلن أنه بعد رفض اليهود للبشارة، سيتوجّه المرسلون إلى الوثنيين أع 13: 40- 49؛ 18: 6؛ 22: 18- 21؛ 28: 23- 28). وهكذا يكشف كلُّ هذا المشهد رسالة يسوع لدى إسرئيل: إن "سنة النعمة" (أش 61: 2؛ لو 4: 19) تبدو كالزمن المقدّم لشعب العهد القديم: هل سوف يتوب ويتعرّف إلى ربّه؟
بعد هذين المشهدين الأولين، قام لوقا ببعض التحوّلات التي لها معناها. الأول هو نداء التلاميذ الأولين الذين ضمّهم إلى الصيد العجيب (5: 1- 11). جعل مت 4: 18- 22 ومر 1: 16- 20 دعوة سمعان واندراوس، يعقوب ويوحنا، في بداية مهمّة يسوع وقبل معجزات كفرناحوم. وجد لوقا هذا المشهد في ذات الموضع في مرجعه، وهو الذي يروي مجيء يسوع إلى بيت سمعان (4: 38)، ولكنه لا يعرّفنا بسمعان إلا في 5: 2- 3. لا شكّ في أنه أخّر خبر الدعوة بعد المعجزات ليجعل جواب التلاميذ معقولاً.
وخطبة الأمثال في 8: 4- 18 هي أقصر ممّا في مت 13: 1- 52 ومر 4: 1- 34. يبدو أن لوقا وجد في مراجعه خطبة أوسع، لأنه يورد السؤال حول هدف الأمثال (آ 19). ولكنه أوجز هذه الخطبة ونقل بعض عناصرها إلى موضع آخر (13: 8- 9؛ رج مت 13: 1 3- 32؛ مر 4: 30- 32: حبّه الخردل) ليعطيها مدلولاً أوضح. والمثلان اللذان يحتفظ بهما، يعطيان الخطبة معنى يوافق الخطبة كلَّها. فبعد تفسير مثل الزرع، حيث تُسلم أسرار ملكوت الله إلى التلاميذ وتخفى عن الآخرين (آ 19)، جاء مثل السراج (آ 16- 18) فحمل إضافة مهمة بالنسبة إلى لوقا: يُعطى النورُ لينير. والسّر ليُعرَف. فبعد الكرازة الخفيّة لإسرائيل، سيأتي الاعلان الفصحي وما فيه من وضوح.
وأخيراً، جعل لوقا حدث أمّ يسوع واخوته حالاً بعد خطبة الأمثال (8: 19- 21)، بينما جعله مت 12: 46- 50 ومر 3: 31- 35 قبلها. لا شكّ في أن مرجعه تبع الترتيب الذي عرفه مرقس، لأنه يواصل كلامه بخبر تهدئة العاصفة (8: 22- 25). فنظنّ أنه فصل خبر اخوة يسوع لينهي كلامه عن سماع كلام الله (آ 11- 12، 13، 14، 15، 18) بكلمة أخيرة هذا الموضوع (آ 21).
لماذا ميّز لوقا هذه الحقبة الأولى في رسالة يسوع العلنية (3: 21- 9: 50)؛ هل أعطاها معنى خاصاً ووظيفة خاصة في التاريخ المقدّس؟ إن الإطار الطوبوغرافي الذي يهيّئه لا يدلّ على أنه أراد أن يقدّم رسالة يسوع لدى إسرائيل. وما يسند هذا التفسير هو مدلول مشهد الكرازة في الناصرة الذي جعله في البداية، والمعنى الذي تتخذه عنده خطبة الأمثال. فالمضمون التعليمي لهذه الحقبة الأولى يوافق هذا الهدف: أعلن يسوع إنجيل الملكوت (4: 43؛ 8: 1؛ رج 6: 20؛ 7: 28؛ 9: 2، 11). واسند هذا الإعلان بانتصاراته على إبليس (4: 33- 37، 41؛ 6: 18؛ 7: 21؛ 8: 2، 12- 13، 26- 39؛ 9: 38- 43) وبمعجزاته (4: 38- 40؛ 5: 4- 7، 12- 26؛ 6: 6- 11، 18- 19؛ 7: 1- 7، 21؛ 8: 2، 22- 25، 40- 56؛ 9: 11- 17). إنه يستقبل الخطأة ويدعوهم إلى التوبة (5: 20- 29- 32؛ 7: 36- 50). يجمع حوله تلاميذ (5: 1- 11، 27؛ 6: 13- 16)، ويضمّهم إليه في رسالته (8: 1- 3؛ 9: 1- 6).
في هذا النشاط يكشف يسوع بشكل خاص سرّه. أولاً: مهمّته كنبيّ (4: 18- 19، 24- 28؛ 17: 16، 39؛ 9: 8- 19). ثانياً: لقبه كابن الإنسان في وضعه الحاضر مع سلطته وفقره (5: 24؛ 6: 22؛ 7: 34) كما في ألمه ومجده المقبل (9: 22، 26، 44). ثالثاً: لقباه كمسيح بطرس في 9: 20) وابن الله (أعطاه إياه الآب في 3: 22. أقرّ به إبليس والشياطين في 4: 3، 9، 41، 8: 28. كشفه الآب للتلاميذ في 9: 35). ويتدرّج هذا الوحي حتى نهاية هذه الحقبة التي تجد جديدها في إعلان موت وقيامة ابن الإنسان (22: 31، 44. هنا نسبَ لوقا إلى يسوع لقب "عبد الله" المختار في 9: 35 ولم يعطه إياه في العماد مثل مت 3: 17؛ مر 1: 11).
وهكذا جعل لوقا من القسم الأول من رسالة يسوع زمن اعلان لسرّ يسوع لإسرائيل. أما القسمان الآخران فيتحدّثان عن تتمّة هذا السّر.
د- صعود يسوع إلى أورشليم (9: 51- 19: 27)
يشكّل هذا القسم عنصراً أصيلاً في الإنجيل الثالث، بسبب الأهمية الكبرى التي اتخذها. لا شكّ في أن لا 19- 20 ومر 10 يتحدّثان أيضاً عن صعود يسوع إلى أورشليم. ولكن ما دونّاه هو أقصر بكثير ممّا في الفصول اللوقاوية العشرة، ويقابل لو 18: 15- 19: 28. ثم إن مدلول ما كتباه أضعف مما عند لوقا، مع أنهما عبرّا عنه في مت 16: 21؛ 20: 18- 19؛ مر 18: 33- 34. إستقرض لوقا مواده من مراجع مختلفة، ولكن يده ظاهرة في كل مقطوعة والتحامها بما سبق، في الإشارات المتعدّدة إلى هذا السفر.
ما يحدّد هذا القسم هو مضمونه، وآيتان لوقاويتان تشكلان الفاتحة الاحتفالية (19: 51) والخاتمة (19: 28) التي تستعيد البداية: "ولما قال هذا ذهب في الأمام، صاعداً إلى أورشليم".
طوبوغرافية هذه السفرة غامضة جداً. كرّر لوقا مراراً أن يسوع "يمضي إلى أورشليم، (9: 51، 53؛ 13: 22- 33؛ 17: 11؛ 18: 31؛ 19: 11- 28). ولكنه يكتفي أن يشير إلى السفر (9: 57؛ 10: 38؛ 14: 25؛ 18: 37، 19: 1). كما أنه لا يقدّم إلا القليل من المعطيات الجغرافيّة الدقيقة: قرية سامرية (9: 52). "بين السامرة والجليل" (17: 11). أريحا (18: 35: 9: 1) "قرب أورشليم"، (19: 11). إن تفحّصنا مجمل هذه الإشارات الطوبوغرافية في هذا القسم، نكتشف أموراً غير طبيعية: إن "ويلات" يسوع ضد كفرناحوم وبيت صيدا وكورزين تأتي متأخرة (10: 13- 25)، وذلك بعد أن بدأ يسوع مسيرته نحو أورشليم (نقول الشيء عينه عن تهديد هيرودس في 13: 31، وقد جعله لو 3: 1، 23: 6- 7 في الجليل). الكلام الموجّه إلى أورشليم في 13: 34- 35 يأتي قبل الوقت، قبل دخول يسوع إلى المدينة المقدسة (نقول الشيء عينه عن حدث مرتا ومريم في 10: 38- 42، الذي حدّده يوحنا في بيت عنيا. رج يو 11: 1- 32؛ 12: 1- 3. إن لوقا عرف هذه القرية).
إذن، يبدو بناء هذا السفر مصطنعاً. هذا ما لاحظه الشّراح مراراً. ولوقا نفسه شعر بهذا الوضع، كما يدلّ على ذلك 13: 34- 35 (يا أورشليم، يا أورشليم). من الواضح أنه لا يسعى إلى تحديد موقع الأحداث، بل إلى بناء مسيرة دقيقة. أما ما توخّاه، فجمع عناصر إنجيلية في إطار له معناه العميق.
فما هو معنى هذا السفر، هذا الصعود إلى أورشليم؟ نجد الجواب على هذا السؤال في إشارات عديدة قدّمها لوقا في نصّه. الأولى: الفاتحة التي جعلها في بداية السفر (9: 51): سبب انطلاق يسوع إلى أورشليم هو اقتراب زمن اختطافه عن هذا العالم. بعد الإنباءات بالآلام القريبة (9: 22، 31- 44) صارت هذه السفرة مسيرة إلى الموت. وما يثبت هذا التفسير هو المكانة التي تحتلّها في هذا القسم الإنباءات بالآلام.
هناك أولاً نصوص موازية لمرقس ومتّى (18: 31- 34). بالاضافة إلى ذلك، يورد لوقا اضطراب يسوع أمام المعمودية التي سوف يتقبّلها (12: 50)، وإعلان نهايته الأخيرة في أورشليم كما يليق بكل نبيّ (13: 32- 33)، وضرورة الآلام المفروض على ابن الإنسان (17: 25). غير أننا نلاحظ أن لوقا لا يفصل هذه الآلام عن المجد الذي يدخل يسوع فيه (رج 24: 16): وهذا ما يعبرّ عنه حين يذكر الصعود في البداية (9: 51: ارتفاع على الصليب وفي مجد الصعود)، حين يعلن يوم ابن الإنسان (17: 22- 24، 30)، حين يعلن قيامته (18: 33؛ ق مت 20: 19؛ مر 10: 34) في مثل الوجيه الذي جاء ليتولىّ الملك (آ 10، 22، 27).
ولكن هذه النظرة الكرستولوجية لا تستنفد في نظر لوقا كل مدلول السفر. فهو يتضمّن عدّة عناصر تعليميّة: نداء بأن نتخذ قرارنا بالنسبة إلى يسوع وأمام الدينونة الآتية (12: 54- 13: 9؛ 13: 22- 30؛ 14: 15-24؛ 17: 26- 27؛ 19: 11- 27). تعاليم عن حياة التلاميذ الملموسة. هناك توجيهات عن الصلاة (11: 1- 13؛ 18: 1- 8)، عن التجرّد (12: 51- 53؛ 14: 26- 27)، عن المال (12: 13- 30، 14: 28- 33؛ 16: 1 ي؛ 18: 18- 30؛ 19: 1- 10)، عن الشهادة التي نؤدّيها ليسوع (12: 1- 12)، عن السهر إنتظاراً لعودة المعقم (12: 35- 48)... وطوال صعود يسوع هذا نحو الصليب، يشدّد لوقا على دروس يعطيها لتلاميذه في إطار ذهابه. إن هذه الوظيفة التعليميّة ظاهرة جداً في "صعود يسوع إلى أورشليم".
وتبقى لفظة مهمّة وإن كانت موضوع جدال. إن لوقا ربط سفَر يسوع بالسامرة: مرور في قرية سامريّة (9: 52- 56). عبور بين السامرة والجليل (17: 11). لا شكّ في أن مجمل أحداث السفر يجري في المناطق اليهودية حيث نجد الفريسيين والكتبة (11: 37- 12: 1؛ 13: 31؛ 14: 1- 6؛ 15: 2؛ 16: 14؛ 17: 20) ومعلّمي الشريعة (10: 25؛ 14: 45- 52؛ 14: 3)، ومجمعاً علّم فيه يسوع لا أحد السبوت (13: 10). هذا ما شعر به لوقا أيضاً. ولكننا نتساءل عن هدفه حين ذكر "السامرة" في بداية هذا القسم وفي نهايته. قد نكون أمام صورة مسبقة عن رسالة يسوع بين الوثنيين. هذا التفسير يجد سنداً له في الحديث عن رسالة السبعين تلميذاً (أو: 72. حسب المخطوطات عدد الأمم الوثنية هو 70 في العبرية، 72 في السبعينية) التي تفرّد لوقا فأوردها وجعلها في بداية السفر (10: 1- 17: يستعمل لوقا عناصر خطبة وجّهت إلى الرسل: مت 9: 37- 38؛ 10: 7؛ 16: 40؛ مر 6: 8- 11؛ لو 9: 2- 5). إن لهذه الرسالة مدلولين إثنين. الأول: دلّت على أن الرسالة لم تُحصر بالإثني عشر. الثاني: وهكذا نستعدّ لأخبار ترد في أع عن كرازة اسطفانس وفيليبس وبرنابا وبولس وأبلوس.... ولوقا نفسه. إن رقم 70 (أو: 72) هو رقم الأمم الوثنية حسب النظرة اليهودية. إذن، هو يدلّ على أن رسالة التلاميذ تشير مسبقاً إلى الرسالة في الأمم الوثنية بدءاً من السامرة كما قال أع 1: 8. ففي هذا الإنجيل الذي يهتم بشكل خاص بهذه الرسالة، تكون سفرة يعلن فيها يسوع مراراً مجيء الأمم (13: 25- 29؛ 14: 16- 24؛ رج 13: 18- 21)، إنباء بالمهمّة الرسولية.
هـ- يسوع في أورشليم (19: 28- 24: 53)
يتحدّد موقع القسم الثالث من رسالة يسوع في أورشليم. وينقسم ثلاثة أجزاء. يبدأ الجزء الثاني في الأناجيل الثلاثة الإزائية بمطلع الآلام (مت 26: 1؛ مر 14: 1؛ لو 22: 1). وينقلنا الجزء الثالث إلى صباح القيامة (مت 28: 1؛ مر 16: 1؛ لو 24: 1).
أولاً: كرازة يسوع في الهيكل (19: 28- 21: 28)
يبدأ هذا الجزء عند لوقا بوصول يسوع إلى أورشليم (19: 26- 44)، حيث نسمع هتاف الشعب لملك يسوع المسيحاني. وعند لوقا، جمهور التلاميذ هو الذي يهتف ليسوع، وينشد الله من أجل معجزات شاهدها. ويسمّون يسوع "الملك". يبدو هذا المشهد قريباً جداً من تتويج سليمان ملكاً (1 مل 1: 28- 40).
حدّد متّى ومرقس في الهيكل كل القسم التالي حتى الآلام (مت 21: 12- 16، 23؛ مر 11: 11، 15- 18، 27؛ 12: 35، 41) ما عدا الخطبة الاسكاتولوجية التي "أُلقيت" على جبل الزيتون (مت 24: 3؛ مر 13: 3) والليالي التي قضاها يسوع في بيت عنيا (مت 21: 17؛ رج 26: 6؛ مر 11: 11- 12، 19؛ رج 14: 3). أما لوقا فحدّد موقع الأحداث عينها في الهيكل (19: 45؛ 20: 1؛ 21: 1) وزاد عليها أيضاً الخطبة الاسكاتولوجية (21: 1- 5) وحاشيتين عامتين حول تعليم يسوع في الهيكل، في بداية هذا الجزء (19: 47) وفي نهايته (21: 37- 38). أما الليالي فقضاها يسوع على جبل الزيتون (21: 37؛ رج 22: 30). وهكذا دلّ لوقا على أن يسوع لم يترك أورشليم.
واستخلص بعض الشرّاح من هذه المعطيات الطوبوغرافية فرضيّة مبتكرة: حدّد لوقا موقع كل كرازة يسوع هذه في الهيكل معارضة مع أورشليم التي لن يدخلها يسوع إلاّ من أجل حاشه وآلامه (22: 7- 14). وهكذا نكون في خطّ مشهد الباعة المطرودين من الهيكل، وهو مشهد يدلّ فيه يسوع أنه عملَ عملَ الملك فوضع يده على الهيكل. إن لوقا يرى في الهيكل مركز اليهود الديني، وفي أورشليم المركز السياسي حيث يعمل هيرودس وبيلاطس.
غير أن أمام هذه الفرضيّة صعوبات، لأنها لا تأخذ بعين الاعتبار كل معطيات لوقا. أولاً: نشكّ أن يكون لوقا رأى في مشهد الباعة المطرودين وضع يد يسوع على الهيكل. فلا إشارة إيجابية تدلّ على وضع اليد هذا. ولأن يسوع يعلن دمار هذا المعبد (21: 6؛ رج 13: 35). ثانياً: لا يفصل يسوع الهيكل عن المدينة المقدسة (4: 9؛ أع 21: 20- 30؛ 22: 17- 18). ثالثاً: توجّه القسم الثاني كله من لو نحو أورشليم. فهل يكون 19: 28- 21: 38 وقفة في هذه المسيرة نحو المدينة المقدسة؟! رابعاً: أدخل لوقا في هذا الجزء مقطوعتين عن أورشليم تشكّلان رمزاً مبتكراً جاء به (19: 41- 44؛ 21: 20- 24).
أما المقطوعة الأولى (19: 41- 44) فهي تلي المشهد المسيحاني للشعانين: حين رأى يسوع أورشليم بكى عليها. ولامها لأنها "لم تعرف ما هو لسلامها". وفي قول شبيه بأقوال الأنبياء، أعلن حصار المدينة المقدسة، وقتْلَ ابنائها، ودمارها، "لأنها لم تتعرّف إلى زمن افتقاده لها". هذه الكلمات تدلّ على معنى مجيء يسوع إلى أورشليم. جاء ملكاً مسيحاً، ودعا المدينة لكي تقرّ بملكه. وأعلن رفضها له والدينونة التي تعاقب هذا الرفض.
وفي المقطوعة الثانية (21: 20- 24) التي هي جزء من الخطبة الاسكاتولوجية، إستعاد لوقا أيضاً إعلان هذه الدينونة. سار في خطّ اللوحة الاسكاتولوجية عن الضيق الأخير في مت 24: 15- 22 ومر 13: 14- 20، فصوّر بوضوح حصار المدينة ودمارها (21: 20- 24). إن هذا، بالنسبة إليه، حدث تاريخي يتميّز كل التميّز عن الاسكاتولوجيا في 21: 25- 27 (هناك من يشدّد على الطابع الاسكاتولوجي لدمار أورشليم، لارتباطه بنهاية عمل الله في العالم). يجب أن نرى في هذه المقطوعة عملاً تدوينياً قام به لوقا، منطلقاً من أحداث سنة 70 (مرجع خاصّ به).
مهما يكن من أمر أصل هاتين المقطوعتين، فهما تعطيان مدلولاً مبتكراً عند لوقا لكرازة يسوع في أورشليم. ويشدّد لوقا أيضاً على أهمية هذه الحقبة بواسطة إشارات عامّة (19: 47؛ 20: 1؛ 21: 37- 38) تعطيها مدى أطول من ثلاثة أيام مرقس (1: 12- 20)، أو يومَيْ متّى (21: 18). في هدا الإطار، تتخذ العناصر الهجوميّة التقليديّة التي يستعيدها لوقا في ف 20، كل معناها، فتدلّ على قرار بالهلاك اتخذه رؤساء اليهود (20: 1- 19)، وعلى عداء سافر من قبل مختلف أوساط المعلّمين (21: 20- 47). 
وتختم الخطبةُ الاسكاتولوجية هذا الجدال المأساوي بإعلان عن دمار المدينة، وعن افتتاح زمن الوثنيين (21: 20- 24). إن لوقا يرى أن كرازة يسوع في أورشليم تشكّل التنبيه الأخير للمدينة، و"الافتقاد" الذي فيه يتمّ مصيرها المأساوي. وقد يرى في هذه الكرازة التي لا معجزات فيها آية يونان التي أعلنها في 11: 29- 30: إن الآية الوحيدة التي قدّمها النبي إلى نينوى كانت إعلان دمارها (يون 3: 4). وهي الآية عينها يقدّمها يسوع إلى أورشليم حتى الآلام، وقبل أن يعطيها في النهاية آية القيامة. 
ثانياً: آلام يسوع (ف 22- 23)
قدّم لوقا في هذا الجزء سلسلة الأحداث عينها التي نجدها في مت 26- 27 ومر 14- 15. ولكنه يبتعد مراراً عن هذين الخبرين، ويزيد عناصر جديدة من عنده. لقد عرف تقليدَ مرقس ومتّى. وحين يبتعد عنه، فهو يفعل ذلك عمداً، لكي يبرز فكرة شخصيّة.
وبين الإشارات التي لها معناها في بناء لوقا، نشير إلى ما يلي:
* أغفل المسح بالطيب في بيت عنيا (مت 26: 6- 13؛ مر 14: 3- 9)، لئلا يكرّر ما قال في 7: 36- 50 (الخاطئة في بيت سمعان الفريسي). وقد قيل: لأن هذا العمل تمّ خارج الهيكل. أو: إنه حدث ذو طابع بشري. أو: لماذا هذا المسح ويسوع لم يمت بعد؟ عندما يموت يمسحونه بالطيب. أسباب عديدة. ولكن مهما يكن من أمر، فهذا المشهد قدّم لمتّى ومرقس إطاراً للحديث عن خيانة يهوذا: هو الشيطان الذي يلهمه (22: 3)، كما سيتدخّل في الآلام (22: 31، 53؛ رج 22: 40- 46). 
* قدّم خبر العشاء الأخير عند لوقا (22: 14- 38) بناء مبتكراً جداً. فخبر تأسيس الافخارستيا (آ 15- 20) قريب جداً مما نجد عند بولس (1 كور 11: 23- 25). وقد رتّبه بشكل يبرز التوازي مع الفصح القديم الذي سيتمّ في الملكوت. وتتبعه خطبة طويلة تضمّ عناصر عديدة نجد منها قسماً كبيراً في متى (18: 1؛ 20: 25- 28؛ رج 19: 28) ومرقس (9: 34- 35؛ 10: 42- 45): بجانب الإعلان التقليدي عن الخيانة والنكران (آ 21: 23 ثم آ 33- 34)، تشكّل هذه الخطبة وصيّة يسوع الأخيرة (آ 29) ومقدّمة لخطب يو 14- 17. يدعو يسوع تلاميذه ليخدموا مثله (آ 24: 27). ويعد الاثني عشر بأن يشركهم في ملكه (آ 28- 29). ويعلن دور بطرس في جذور الإيمان الفصحي (آ 12؛ رج 24: 34). ويحدّد زمن الصراع الذي تبدأه الآلام بالنسبة إلى تلاميذه (آ 35- 38: زمن التلاميذ مع يسوع، ماضٍ مثالي لا حرب فيه، وزمن المحنة الذي تدشّنه الآلام). كل شيء يتركز على زمن الكنيسة الذي يبدأ.
* إن تدوين لوقا لـ "لنزاع" في جتسيماني (خبر يبني الجماعة، يقرأه الشهيد تجاه محنته. استعمل فيه لوقا خبراً مستقلاً عن مت ومر) يدلى على الدرس الذي يتضمّنه من أجل التلاميذ (22: 40: صلّوا. لئلاّ تدخلوا في تجربة: 22: 46: صلّوا). إن المعطية الخاصة بلوقا عن ظهور الملاك، تستوحي إشارات مشتركة بين محنة يسوع ومحنة إيليا (آ 43- 45؛ 1 مل 19: 7- 8). لا ننسى القرابة عند لوقا بين يسوع المسيح وإيليا.
* جعل لوقا مثول يسوع أمام السنهدرين يتمّ في الصباح (22: 66- 70) وهكذا اختلف عن مت ومر، آخذاً بمعطية تاريخية. فإن تدوين آ 67- 69 يستعمل مرجعاً مع مت 26: 63- 65 ومر 14: 61- 64. وهكذا يميّز لوقا في هذا المقطع لقب "المسيح" ولقب "ابن الله" كما فعل في 1: 32- 35).
* وكانت زيادات خاصة أخذها لوقا من تقاليد خاصة، لكي يقدّم مواضيعه المحبّبة: إن مثول يسوع أمام هيرودس (23: 6- 12) يقابل مملكة يسوع مع مملكة هذا الملك الصغير على الأرض. وأقوال يسوع لبنات أورشليم (23: 27- 31) تعلن مرة أخرى دمار أورشليم. وصلاة يسوع من أجل صالبيه (32: 34؛ ق أع 7: 60) تدلّ على غفرانه. وحدَث "لصّ اليمين" (23: 40- 43) يقدّم تعليماً عن الارتداد والتوبة ويبرز مُلك يسوع. أجل، إن موضوع مُلك يسوع يشرف عند لوقا على ترتيب آ 37- 43 حيث آ 37 تقابل مت 27: 42، 40 ومر 15: 32، 30. أما آ 38 فتقابل مت 27: 37؛ مر 15: 26.
* إن أقوال يسوع الأخيرة وهتاف قائد المئة في لوقا (آ 46- 47) تختلفان عمّا في مت 27: 46، 50، 54 ومر 15: 43، 37، 39. ومع ذلك، لقد عرف لوقا تقليد مت ومر. يبدو أن لوقا فضّل أن يضع على شفَتي يسوع صلاة الثقة (مز 31: 6) لا تشكي مر 22: 2 الذي لا يفهمه القارئ اليوناني. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، تجنَّب أن يجعل قائد المئة يعلن أن يسوع هو ابن الله. فهذا كلام سّري. غير أنه عوّض هذا التبديل حين جعل في بداية الصلاة نداء إلى أبيه (يا أبت، في يديك أستوح روحي). وهكذا تتجاوب آخر كلمات يسوع مع أولى كلماته (2: 49) فتعلن بنوتّه الإلهية.
إذا توقّفنا عند السمات الخاصّة بلوقا في خبر الآلام، نلاحظ أنها تقدّم لنا تعليماً. فالآلام هي هجمة إبليس الأخيرة (22: 3، 31، 53). العشاء السرّي هو تأسيس الفصح الجديد (22: 32، 41- 42، 44؛ 23: 34، 46). وهناك تعليم واضح عن الغفران (22: 32، 51، 23: 23، 34، 40- 43). كل هذا يرينا في يسوع المعلّم الذي يعلّم تلاميذه (22: 34- 38، 40، 46، 51) والنبيّ (23: 27- 31) وإيليا الجديد (22: 43، 45) وعبد يهوه (22: 27، 37) والملك (23: 3، 6- 12، 37- 43) وابن الله (22: 29، 42- 79؛ 23: 34، 46). إن الحاش والآلام في نظر لوقا هي وحي يسوع وتعليمه الأخير.
ثالثاً: قيامة يسوع (ف 24)
بُني ف 24 بناء بسيطاً في ثلاثة أحداث. القبر الفارغ (آ 1- 12. المقطوعة الوحيدة التي نجد ما يوازيها في مت ومر). تلميذا عمّاوس (آ 13- 35). الظهور للأحد عشر (في جزئين: عرفوه في آ 36- 43، حمّلهم البلاغ الفصحى في آ 44- 49). وكلّ هذا ينتهي بخاتمة قصيرة تتحدّث عن الصعود أناشيد شكر التلاميذ في الهيكل حيث بدأ الإنجيل. إن هذه المجموعة الأدبية تشكّل وحدة ثابتة بالعمل والمكان والزمان.
حدّد لوقا مكان الظهورات في أورشليم، واستبعد خروج الأحد عشر من المدينة المقدّسة (آ 48). هذا ما يعارض تقليد الظهورات الجليليّة التي نجدها في سائر الأناجيل (مت 26: 32؛ 28: 7، 16- 20؛ مر 14: 28؛ 16: 7؛ يو 21). عرف لوقا هذا التقليد، ودلّ على معرفته به حين أورد 24: 6 (تذكّرن ما قاله حين كان في الجليل) حيث حوّل معطية مت 28: 7 ومر 16: 7. ولكنه صمت عن هذا الواقع لكي يحافظ على بساطة بناء كتابيه: بنى إنجيله بشكل صعود إلى أورشليم. وسفر الأعمال بشكل انتشار ينطلق من أورشليم (أع 1: 8). مثل هذه الرسمة لا تترك مكاناً للعودة إلى الجليل. وهذا ما يوافق حرية التأليف التي يعرفها كاتب التاريخ في العصور القديمة. وهكذا جاء مؤلّف لوقا متوازياً في جزئيه، فأبرز وحدة حدث الفصح.
وجاءت وحدة الزمان شبيهة بوحدة المكان. فكل الأحداث الواردة تدخل في يوم كامل. هذا في الظاهر. أما في الواقع، فالسلسلة التي تصل إلى الصعود (آ 51) لا يمكنها أن تدخل في إطار 24 ساعة لتقدّم الليل حين وصل التلميذان إلى أورشليم (لا سيّما إذا قرأنا 160 غلوة لا 60 غلوة في 24: 13). ثم إن لوقا يعرف أنه وجد 40 يوماً من الظهورات قبل الصعود ليكون للأحد عشر "براهين عديدة" عن القيامة فيلجون معناها (أع 1: 3). ولكن نظرته لاهوتية لا كرونولوجية. فهو يريد أن يقدّم، شأنه شأن الإنجليين في أخبار الظهور للأحد عشر (مت 28: 16- 20: 19- 23)، في مشهد واحد مجمل الوحي الفصحي، حقيقة جسد القائم من الموت، الإعلان عن سيادته وسلطانه (لهذا جعل الصعود هنا، كما جعل يو 20: 22 الروح القدس يحلّ على الرسل قبل العنصرة)، المهمّة التي سلّمت إلى التلاميذ فجعلت منهم رسلاً. هذا اليوم هو يوم الفصح، وذروته الإنجيل، وخاتمة زمن يسوع (بعد هذا، يأتي زمن الكنيسة).
هذا اليوم هو أيضاً بداية حقبة جديدة، وهذا ما يشدّد عليه لوقا بشكل خاص. لا شكّ في أن جميع الإنجيليين يعرفون أن قيامة يسوع هي نقطة انطلاق المهمّة الرسولية (مت 28: 19- 20؛ مر 16: 15- 20؛ يو 20: 21- 23). ولكن تفرّد لوقا فكرّس كتاباً كاملاً لهذه المهمّة، ففصله عن الإنجيل. وهكذا ميّز زمن يسوع عن زمن الكنيسة. ودلّ على هذا التمييز حين ذكر الصعود مرتين: في نهاية الإنجيل، دلّ على ارتفاع يسوع وجلوسه عن يمين الآب، فاختتم الوحي عن المسيح الربّ. وفي بداية أع، دعا الرسل لكي يقوموا بالمهمّة التي أوكلوا بها.
ولكن إذ ميّز لوقا هاتين الحقبتين في تاريخ الخلاص، شدّد في الوقت عينه على تواصلهما العميق. فكل سمات الرسالة التي يرويها في أع ترتبط بظهور القائم من الموت على الأحد عشر في نهاية الإنجيل (24: 44- 49): إعلان موت المسيح وقيامته كما هو مسجّل في الكتب المقدسة (آ 46: 44- 45؛ رج أع 2: 32- 32؛ 3: 13- 15؛ 14: 10- 11؛ 5: 30- 31؛ 10: 39- 40؛ 13: 28- 30؛ 26: 22- 23). نداء إلى التوبة لغفران الخطايا (آ 47 أ؛ رج أع 2: 38؛ 3: 19؛ 5: 31؛ 10: 43؛ 13: 38- 41؛ 26: 18). الرسالة إلى جميع الأمم انطلاقاً من أورشليم (آ 47 ب؛ رج أع 1: 8؛ 2: 39؛ 3: 25؛ 13: 46- 47؛ 26: 17، 23؛ 28: 28). وظيفة الشهود التي سلّمت إلى رسل يسوع (آ 48؛ رج أع 2: 32؛ 3: 15؛ 5: 32؛ 10: 41؛ 13: 31؛ 22: 15؛ 26: 16). مجيء الروح الذي يتيح لهم بأن يحملوا هذه الشهادة (آ 49؛ رج أع 1: 4؛ 5: 2، 8، 31؛ 5: 32؛ 15: 19).
في نهاية هذا التحليل لبناء لوقا، نستخرج بعض الملاحظات.
* دلّ لوقا على قسمات في إنجيله واضحة، فتفوّق على مت ومر كما على التقليد السابق. وهذا ما نحسّ به بشكل خاص في حقبة يوحنا المعمدان، وصعود يسوع إلى أورشليم.
* تفرّد لوقا ففصل بين الإنجيل وحقبة المهمّة الرسولية. وصوّر هذه الحقبة دالاً على مراحل وصول الرسالة إلى الوثنيين.
* دلّ لوقا على موقع كل قسم بشكل محدّد. يوحنا هو في منطقة الأردن. مهمّة يسوع الأولى هي في أرض يهوديّة. تمّت الظهورات في أورشليم.
* هذه القسمات توافق مراحل وحي المسيح، لهذا صارت أزمنة في تاريخ الخلاص. فبعد أخبار الطفولة التي تقدّم سّر يسوع كلّه، ما زال زمن يوحنا المعمدان ينتمي إلى العهد القديم. وقُسمت رسالة يسوع إلى ثلاث مراحل متعاقبة بواسطة وحي سرّ الفصح. إنتهت المرحلة الأولى مع إعلانه. وشكلت المرحلة الثانية تهيئته. وسارت تتمته على مدى المرحلة الثالثة. أما أع فهو إعلان هذا السّر وتكوين الكنيسة التي وُلدت منه.
2- أسباب هذا البناء في لوقا
لماذا أدخل لوقا هذه التقسيمات في التقليد الإنجيلي؟ هناك أولاً سبب أدبي: إستقى لوقا من الكتّاب اليونان في عصره مقدّمة مع عنوان في رأس الكتاب (1: 1- 4؛ أع 1: 1- 2). ربطَ الخبر بالكرونولوجيا الرسمية في زمانه (3: 1- 3). دوّن خطباً عديدة في أع. وقسمَ كتابه إلى جزئين.
غير أن لوقا لا يريد أن يكون فقط مؤرّخاً دنيوياً. فالأحداث التي يوردها هي أعمال إلهيّة. فهو يتحدّث في مطلع إنجيله "عن أحداث تمّت (المجهول يدلّ على عمل الله. الله أتمّها) بيننا" ويسمّي "خدام الكلمة". ويدلّ على الطابع الإلهي لمؤلّفه حين يعود بشكل واضح أو ضمني إلى الكتب المقدّسة، فيجد فيها إعلاناً للأحداث التي يورد تفسيراً لها. تاريخه هو تاريخ مقدّس. وإن ميّز فيه حقبات، فلأنه اكتشف فيه مراحل متعاقبة في عمل الله.
أ- في الانجيل
ونبدأ مع الإنجيل حيث أسباب هذه القسمة واضحة، ولا تطرح سؤالاً. إذا كان لوقا قد ربط زمن يوحنا المعمدان بالعهد القديم، وفصله عن زمن يسوع، فإن أع يقول لنا السبب: يروي لوقا أن بولس التقى في أفسس بمعمّدين جدد لا يعرفون إلا معمودية يوحنا، ولم يسمعوا أبداً بالروح القدس (أع 18: 25؛ 19: 2- 3). وهكذا بيّن لوقا أن الخلاص لا يتمّ إلا بيسوع المسيح. إذن، ربط يوحنا بالحقبة السابقة، زمنَ العهد القديم.
وهناك سببان لقسمة رسالة يسوع إلى ثلاث مراحل: أراد أن يبيّن أن وحي يسوع كفه يتركّز على سرّ موت المسيح الذي أعلن، هيّيء، تمّ. كما ربط تتمة هذا السرّ بأورشليم التي هي مركز الوحي القديم ونقطة انطلاق الوحي الجديد. من هنا قسمة إنجيله حسب المكان في، "اليهودية"، في السفر، في أورشليم.
ب- بين الإنجيل والأعمال
وهناك قسمة بين الإنجيل والأعمال. بين زمن يسوع وزمن الكنيسة. ما هو سبب هذه القسمة؟
أولأ: تأخّر المجيء
إن تأخّر المجيء قاد لوقا لكي يميّز بين زمن الكنيسة وزمن المسيح. فالكنيسة الأولى انتظرت عودة ربّها بعد مهلة قصيرة، ولم تميّز زمن الفصح عن زمن الملكوت الاسكاتولوجي. وبما أن هذه العودة لم تتمّ، تصوّر لوقا زمن الكنيسة كشكل جديد لحضور يسوع الظافر لدى أخصّائه.
لا شك في أن لوقا احتفظ بالإنباءات الاسكاتولوجية التقليدية، وانتزع اللون الاسكاتولوجي عن بعضها. هنا نذكر دمار أورشليم في الخطبة الاسكاتولوجية (21: 20- 24) حيث يحُلّ لوقا محلّ قول اسكاتولوجي الإنباءَ بحدث تاريخي لاحظ أنه قد تمّ (سنة 70 ب. م.). ونجد حالة مشابهة في جواب يسوع إلى السنهدرين (22: 69) حيث يعلن لوقا ارتفاع يسوع الفصحي لا عودته كديّان اسكاتولوجي (مت 26: 64؛ مر 14: 62؛ رج لو 9: 27؛ ق مر 9: 1 الذي يعلن عودة منظورة. أما لوقا فيتحدّث عن وعد بملكوت منظور في الكنيسة بالايمان). إن نزع اللون الاسكاتولوجي عن توجيهات حوله حياة التلاميذ واضح في لوقا الذي يطبّق على حياة المؤمنين اليوميّة اقوالاً ارتبطت بالضيق الاسكاتولوجي (8: 11- 15؛ 9: 23؛ 12: 52).
ولكن هل تُعتبر هذه التفاسير تشككاً من قبل لوقا تجاه تأخّر عودة مجيء الرب؟ هنا يبدأ الجدال. فإن لوقا احتفظ بأقوال عديدة عن اقتراب الدينونة (18: 8، خاص بلوقا، 21: 32). وتعلّق بتعليم يسوع التقليدي عن الساعة (12: 35- 40؛ 17: 22- 37؛ 21: 34- 36). ثم نقول إن تأخر المجيء لم يكن خاصاً بلوقا، بل سبق لوقا. كما أن هناك أموراً أخرى غير تأخّر عودة الرب جعلت لوقا يعي الواقع الجديد لزمن الكنيسة.
ثانياً: عطيّة الروح القدس للتلاميذ
إن أول جديد في زمن الكنيسة هو عطية الروح القدس للتلاميذ. لا شكّ في أن لوقا دلّ في إنجيل الطفولة على أشخاص ألهمهم الروح القدس. إمتلأ يوحنا المعمدان من الروح القدس وهو في بطن أمه (1: 15- 41). وألهم الروح القدس اليصابات فباركت مريم (1: 41- 45)، وزكريا فأنشد "مبارك الرب الاله" (1: 67)، وسمعان الشيخ فتقبّل يسوع بين يديه في الهيكل وأعلن: "الآن تطلق عبدك بسلام" (2: 25- 35). ولكن في نظر لوقا، كل هؤلاء الاشخاص ينتمون إلى العهد القديم الذي ينتهي مع يوحنا المعمدان (16: 16)، وينالون الروح كما ناله الانبياء في الماضي (لا يقول لوقا إن مريم ألهمت فانشدت "تعظم نفسي الرب". لقد نالت الروح بشكل خاص فصارت في العهد الجديد).
وأورد لو علاقات يسوع مع الروح. دلّ مثل مت 1: 18- 20 أنه حُبل بيسوع من الروح القدس (1: 35). وكما في مت 3: 16؛ 4: 1؛ وكما في مر 1: 10- 20، رأى يسوع ينال ملء الروح في المعمودية (3: 22؛ 4: 1). ولكنه اختلف عنهما فلاحظ أن يسوع لم يخضع للروح القدس (4: 1؛ ق مت 4: 1؛ مر 1: 12). شدّد بالأحرى على عمل الروح في يسوع (4: 14، 18؛ 10: 21). ولاحظ وحده أن يسوع يرسل الروح (24: 49؛ رج أع 2: 33).
إن إرسال الروح بيد يسوع على التلاميذ، يشكّل بالنسبة إلى لوقا الحدث الأول في زمن الكنيسة. أعلنه يسوع ساعة انطلاقه (24: 49؛ أع 1: 4- 5). أتمّ وعده يوم العنصرة. ومنذ ذلك الوقت صار الروح في الكنيسة واقعاً ملموساً وحاضراً على الدوام (يذكر لوقا الروح 55 مرة في أع). أعطي الروح للاثني عشر لكي يكرزوا بالكلمة (أع 2: 4، 14؛ 4: 31). ليشهدوا ليسوع (4: 8، 5: 32). أرسل لكي يقود نشاطهم (5: 3، 9؛ 10: 11- 29؛ 11: 12؛ 20: 28). أعطي الروح للكارزين والمرسلين من أجل المهمّات عينها (6: 10؛ 7: 55؛ 8: 29، 39؛ 13: 4- 9؛ 16: 6- 7). إنه يلهم الأنبياء (11: 28؛ 21: 4- 11). ويُعطى بشكل خاص للمؤمنين ليكوّن الشعب المسيحاوي الذي أعلنه الأنبياء (20: 28؛ 6: 3، 5؛ 8: 15- 17؛ 9: 17، 31؛ 10: 44- 47؛ 13: 52؛ 19: 6).
قبل لوقا، وعد التقليدُ الإنجيلي بعطية الروح للتلاميذ في اعلانات يوحنا المعمدان (3: 16؛ مر 1: 8؛ مت 3: 11)، وفي تشجيع يسوع لشهوده أمام المحاكم (12: 12؛ مر 13: 11؛ مت 10: 29). غير أن لوقا زاد في إنجيله أموراً أخرى على هذه المواعيد: جعل من عطية الروح أفضل خير نناله في الصلاة (11: 13، يختلف عن مت 7: 11). طبّق على الشهادة الرسولية القول المتعلّق بالتجديف على الروح القدس (جعل 12: 10 قبل 12: 11- 12 في إطار اعتراف). جعل الوعد بالروح آخر كلمات البلاغ الفصحي (24: 49).
إن لوقا يرى أن عطية الروح للكنيسة واقع لاحظه فلفت نظره. رأى فيه علامة تدخّل الله في الكرازة الإنجيلية، علامة عمل يسوع القائم من الموت في كنيسته. هذه العلامة تضمّ في نظره زمن الكنيسة إلى زمن المسيح وزمن الأنبياء، وتميّز هذه الحقبات الثلاث لأن عمل الروح يختلف بين حقبة وأخرى (الالهام للنبي، الملء ليسوع، المواهب في الكنيسة). وهكذا نجد اساساً متيناً لنرى في اختبار لوقا للروح، أحد الينابيع الهامة لكي يقسم تاريخ الخلاص كما فعل.
ثالثاً: الكرازة الرسولية
وهناك واقع آخر تلا عطيّة الروح وجعل لوقا يتصوّر زمناً خاصاً بالكنيسة. هو الكرازة الرسولية التي نراها مراراً وتكراراً في مؤلّف لوقا (لو+ أع).
خلال مهمة يسوع العلنيّة، كان نشاط الاثني عشر محدوداً. فالأناجيل تتفق على هذا الرأي في انطلاقتها من التقليد الذي لا يقدِّم لها إلا معطيات ضئيلة عن رسالة الاثني عشر في الجليل (9: 1- 6، 10؛ مر 3: 14- 15؛ 6: 7- 13، 30؛ مت 10: 1). إحتاج التلاميذ إلى بعض الوقت لكي يلجوا تعليم معلّمهم وسرّ شخصه. واحتاجوا خصوصاً إلى واقع الفصح، وهم الذين لم يفهموا شيئاً حين أنبأ يسوع ثلاث مرات بآلامه وقيامته (9: 45؛ 18: 33؛ مر 8: 31- 33؛ 9: 32؛ مت 16: 22- 23).
وربطت الأناجيل أيضاً وعي الرسل لمهمتهم ككارزين، بظهور القائم من الموت. في هذا المجال، كان لوقا في التقليد المشترك. ولكن لفتت نظره جدّة هذه الكرازة، فدوّن البلاغ الفصحي (24) 44- 48) في تعابير الكرازة الرسولية. وخصّص أع كله ليعرض هذه الكرازة. أظهر بدايتها في العنصرة وفاعليتها المباشرة في تكوين الجماعة الأولى. وتتبّع انتشارها من أورشليم إلى السامرة وفي العالم الوثني بواسطة بطرس وبولس.
وتبرز لغة لوقا الجديدَ الذي تمثّله الكرازة الرسولية. يسميها أكثر من 20 مرة شهادة: أع 4: 33؛ 22: 18. شهد: 2: 40؛ 8: 25؛ 10: 42؛ 18: 5؛ 20: 21، 24؛ 23: 11؛ 26: 22؛ 28: 23. شاهد، شهود: 1: 8، 22؛ 2: 32؛ 3: 15؛ 5: 32؛ 10: 39، 41؛ 13: 31؛ 22: 15، 20؛ 26: 16. وإذ يتحدّث لو عن الشهادة لتلاميذه، نجد مقطعين من ثلاثة يشيران إلى الرسالة المقبلة (21: 13؛ ق مر 13: 9؛ مت 10: 18؛ لو 24: 14، 48: خاصان بلوقا). أما المقطع الثالث فهو قول جارٍ (9: 5؛ ق مر 6: 11). قبل الفصح، قال لوقا مرة إن الاثني عشر "بشروا" (أنجلوا) خلال مهمة جليلية قصيرة (9: 6). ولكنه يطبّق هذا الفعل 14 مرة على نشاط المرسلين في أع 5: 42؛ 8: 4، 12، 25، 35، 40؛ 11: 20؛ 13: 32؛ 14: 7، 15، 21؛ 15: 35؛ 16: 10؛ 17: 18. ونزيد على هذا لقب "المبشِّر) الذي أعطي لفيليبس (21: 8).
وأخيراً، انتظر لوقا العنصرة ليتحدّث عن "تعليم الرسل" وعمل مشاركيهم (أع 2: 42؛ 5: 28؛ 13: 12؛ 17: 19). ليرينا أياهم يعلّمون (أع 4: 2، 18؛ 5: 21، 25، 28، 42؛ 11: 26؛ 15: 1، 35؛ 18: 11، 25؛ 20: 20؛ 21: 21، 28؛ 28: 31) ويسمّيهم "معلمين" (ديدسكالوس) (13: 1). إن إنجيله لا يطبّق هذه الألفاظ أبداً على التلاميذ عكس مت 5: 10 ومر 6: 39.
هناك سمة تميّز الكرازة الرسولية في أع هي استعمال الكتب المقدسة. أشار لوقا قي أخبار الظهورات الفصحية إلى أن القائم من الموت "فتح أذهان" تلميذي عماوس (24: 25- 27، 32) والأحد عشر ليفهموا الكتب المقدسة (24: 44- 45). قال التقليد حتى الآن إن التلاميذ لم يطبّقوا على يسوع إلاَّ مز 18: 25- 26 ليحتفلوا بدخوله إلى أورشليم (19: 38، مر 11: 9؛ مت 21: 9). في العنصرة برز التأويل الذي سوف يتوسّع في خطب الكرازة.
إن الكرازة الرسولية وتأويلها هما في نظر لوقا واقع جديد يميّز الحقبة التي بدأت مع العنصرة. لهذا تحدّث لوقا عن وجهة خاصة بهذا الزمن، زمن الكنيسة.
رابعاً: الاضطهاد ضد تلاميذ يسوع
لم تتأخّر الكرازة الرسولية، فحرّكت عداوة السلطات اليهودية، وأثارت الاضطهاد ضد تلاميذ يسوع.
هذا ما سبق وأعلنه يسوع في بعض أقواله التي ضمّها التقليد في عدة مجموعات. حالة التلاميذ (مت 16: 24- 27؛ مر 8: 34- 38؛ لو 9: 23؛ مت 10: 16- 39 يتوجّه إلى الرسل. ومر ولو إلى التلاميذ). شجب المضطهدين اليهود (مت 23: 29- 35؛ لو 11: 47- 51). الضيق الاسكاتولوجي (مت 24: 19- 13؛ مر 13: 9- 13؛ لو 21: 12- 19). هذه المجموعات التي تكوّنت في التقليد، تشهد أن الكنيسة الفتيّة عرفت الاضطهاد باكراً على مثال معلّمها.
إحتفظ لوقا بهذا التقليد، ولكنه أضاف عليه إشارات جديدة. روى كيف أن نبوءة يسوع تمّت منذ أيام الكنيسة الأولى: في تدخّل السنهدرين ضد بطرس ويوحنا (أع 4: 1- 31). وضد الاثني عشر (5: 17- 41). ثم في موت اسطفانس (6: 9- 7: 60). ثم في الهجوم على كنيسة أورشليم (8: 1- 3؛ 12: 1). ضد المؤمنين في دمشق (9: 1- 2)، ضد بولس (9: 23، 29)، ضد يعقوب (12: 2)، ضد بطرس (12: 3- 5). إن ذكر الروح الذي يفعل في شهود يسوع أمام المحاكم (أع 4: 8؛ 5: 32؛ 7: 55) يدلّ على تتمّة وعد يسوع في لو 12: 11- 12.
إن هذه الخبرة دعت لوقا في إنجيله إلى التمييز بين هذا الاضطهاد والضيق الاسكاتولوجي. هذا ما لاحظناه في لو 8: 11- 15؛ 9: 23؛ 12: 52. وهذا ما نلمسه في الخطبة الاسكاتولوجية التي تميّز بوضوح زمن النهاية (21: 10- 11، 25- 27) عن زمن الاضطهاد ودمار أورشليم (21: 12- 24). إن يسوع يدعو تلاميذه إلى الثبات (21: 19)، لا إلى الصبر إلى المنتهى كما في مت 10: 22؛ 24: 13؛ مر 10: 13. إن لوقا يرى أن الاضطهاد هو سمة تميّز حقبة الكنيسة التاريخية.
ونجد الطابع التاريخي (لا الطابع الاسكاتولوجي) للاضطهاد عند لوقا، حين لا ينظر إليه كضرورة لا مهرب منها، كضرورة نتحمَّلها بطريقة منفعلة (لا نتحرَّك)، بل يسعى إلى الدفاع عن الكنيسة في مؤلَّفه. هذا ما نشهده في خبر محاكمة يسوع أمام بيلاطس الذي يعلن ثلاث مرات أن هذا المتهم هو بريء (لو 23: 4، 14، 22). ونجد المعاملة عينها لدى الحكام الرومان تجاه تلاميذ يسوع (أع 13: 7- 12؛ 16: 35؛ 18: 14- 15؛ 25: 14- 21، 25- 26؛ 26: 31).
كل هذه الميزات تعطى كامل معناه لكلام يسوع في لو 22: 35- 38. إن واقع الاضطهاد في الكنيسة الفتيّة ساعد لوقا على ادراك الزمن الجديد الذي يلي آلام يسوع.
خامساً: الرسالة لدى الوثنيين
وهناك واقع لوقاوي يميّز زمن الكنيسة عن زمن يسوع هو الرسالة لدى الوثنيين. عرف التقليد الانجيلي منذ البداية إعلان يسوع حول خلاص الوثنيين (13: 28- 29؛ مت 11: 12؛ لو 14: 16- 24؛ مت 22: 1- 10). تحدّث متّى ومرقس عن نشاط يسوع لدى الوثنيين. ومع أنهما عرفا أن مهمة الرسل وسط الأمم لم تبدأ قبل الفصح، فمع ذلك أوردا إنباءات عديدة في هذا المعنى جعلاها على شفتي يسوع (مت 10: 18؛ 24: 14؛ مر 13: 10؛ مت 26: 13؛ مر 14: 9).
أما لوقا فشدّد على أن الرسالة لم تبدأ قبل الفصح. لا شكّ في أنه أورد في إنجيله أقوالاً عن خلاص الوثنيين مثل 13: 28- 29؛ 14: 16- 24. نزيد: قول سمعان الشيخ عن يسوع النور الموحى للوثنيين (2: 32). تتمة أش 40: 3 (مت 2: 3؛ مر 1: 3) حتى آ 5: "كل بشر يرى خلاص الله" (لو 3: 6). إعلان أزمنة الأمم التي بدأت بدمار أورشليم (21: 24). وهناك صور نمطيّة نجدها في 4: 25- 27، ولا صعود يسوع إلى أورشليم عبر السامرة. ولكن هذه كلها انباءات فقط. لقد اختلف لوقا عن متّى ومرقس فلم يورد أي نشاط ليسوع في أرض وثنيّة، كما لم يتحدّث قبل الفصح عن نشاط واضح للتلاميذ وسط الوثنيين (لا نجد في لو ما يقابل مت 10: 18؛ 24: 14؛ مر 13: 10؛ مت 26: 13؛ مر 14: 9).
سوف ننتظر بعد القيامة لنرى يسوع يسلّم إلى شهوده مهمّة إعلان البشارة على جميع الأمم (24: 46- 48). وسيصوّر أع هذه الحقبة الجديدة منذ 1: 8، فيرينا بأي بطء وبأي صعوبات وعى الاثنا عشر مهمّتهم المسكونيّة.
إذا كان لوقا قد ميّز بين زمن الكنيسة وزمن يسوع، فقد وجّهه إلى ذلك خبرةُ أمور جديدة ميّزت كنيسة عصره: حضور الروح، الكرازة الرسولية، الاضطهادات، الرسالة لدى الوثنيين. هذه الأمور المجهولة في زمن يسوع، هي ميزات تحدّد واقع الكنيسة التي تنتظم وتنمو في الزمن. حين كان يسوع حياً، لم يختبر شهوده هذه الاختبارات، فلم يروا المستقبل الذي لم يتحرّر بالنسبة إليهم من النظرة الاسكاتولوجية.
غير أن لوقا رأى هذا الزمن الجديد كامتداد طبيعي لزمن يسوع. فيسوع قد أعلن وهيّأ هذا الجديد خلال حياته على الأرض. وكانت قيامته نقطة الانطلاق. لقد وجّه كل شيء وهو يحقّقه اليوم كالرب العامل بقدرة روحه. أجل، إن الكنيسة في نظر لوقا هي العمل الذي أراده يسوع.
خاتمة
ماذا يعني قسمة الزمن هذه التي طبعت مؤلَّف لوقا، انجيلا وسفر أعمال؟ أنها تدلّ على نمّو عمل الله في الوحي وعلى تحقيق سرّ الخلاص. فالعهد القديم أعلنه حتى يوحنا، ويسوع كشفه وأتمّه في إسرائيل. وأعلنه الرسل حتى أقاصي الأرض. وهكذا يتحقّق قصد الله في التاريخ على مراحل. وهذا العمل المتدرّج يفجّر مبادرة الله السامية وحكمته المتنوّعة بلا حدّ (أف 3: 10) وقدرته الظافرة.
إن هذه الحقبات المتعاقبة تشكّل لسامعي الانجيل مراحل تربويّه. إنهم يتعرّفون شيئاً فشيئاً إلى وجهات السرّ. ويسمعون أيضاً النداء لكي يشاركوا فيه يوماً بعد يوم بطريق أعمق: بالتوبة والارتداد. بالرسالة. بالاتحاد في سرّ الصليب. بالشهادة للقائم من الموت. بتشييد الكنيسة. وعبر هذه المراحل المتعاقبة يكتشفون يوماً بعد يوم أنهم مسؤولون عن عمل الخلاص.
الفصل الثالث
يسوع الرب في إنجيل لوقا

لقد لاحظ الشرّاح مراراً أن لوقا يتميّز عن سائر الانجيليين فيعطي يسوع اللقب المسيحي: الرب (كيريوس). لا نجد هذا اللقب عند متّى ومرقس قبل الفصح، إلاّ في خبر دخول المسيح إلى أورشليم (مر 11: 3= مت 21: 3). وفي إنجيل يوحنا يُستعمل اللقب بصورة عاديّة بعد القيامة. ولكنه يُستعمل ثلاث مرّات في حياة يسوع العامة. في 4: 1: "وعرف الرب يسوع". في 6: 23: "بعد أن شكر الرب". وفي 11: 2: مريم سكبت "الطيب على قدمي الربّ يسوع".
ولكن الأمر يختلف عند لوقا حيث يطبّق لقب الربّ على يسوع 19 مرّة. أجل لوقا سمّى يسوع في أخبار الحياة العامَّة "الربّ" فاستبق الاستعمال في سفر الأعمال. إنه تكلّم عن الربّ كل مرّة دلّ الحدث الذي يرويه على صورة مسبقة لزمن القيامة، لحياة الكنيسة أو نهاية الأزمنة (إسكاتولوجيا). نحن هنا أمام تطبيق خاص للعلاقة العامّة التي تربط الإنجيل الثالث بسفر الأعمال: يبدو أن لوقا رأى في الإنجيل صورة مسبّقة عن تاريخ الكنيسة. مثلاً، سألت الجموع يوحنا المعمدان بعد كرازته الاسكاتولوجية: "ماذا يجب علينا أن نعمل" (3: 10، 12، 14)؟ فكان هذا السؤال إعلاناً مسبقاً لجموع العنصرة التي طرحت السؤال نفسه بعد خطبة بطرس (أع 2: 37). ثم إن لوقا يروي التجليّ (9: 28- 36) في منظار الصعود كما يرويه سفر الأعمال.
نبدأ أولاً بأخبار الطفولة والقيامة، ثم نعود إلى حياة يسوع العامة فنكتشف تطبيق لقب الرب على يسوع المسيح في إنجيل لوقا.
1- أخبار الطفولة والقيامة
أ- الملك المسيح
أولاً: خلال الزيارة، وحين رأت أليصابات مريم، هتفت: "من أين لي أن تأتي إليَّ أم ربي" (1: 43)؟ فكلمة "ربي" تعود إلى مز 110: 1 حيث يدعو داود الملك المسيح "ربي". وإن لهذا اللقب في فم أليصابات رنّة ملوكيّة ومسيحانيّة. نحن نلاحظ في المقطوعة السابقة (1: 32- 33) أن لوقا شدّد على الطابع الملكي للمسيح وهذا ما يدعونا إلى أن نفهم في المعنى عينه لقب "كيريوس" في 1: 43. قال أفتيميوس: "بعد هذا وحين جاء يسوع، أعلن ابن أليصابات انه لا يستحقّ مثل هذه الزيارة من سيّده. والأم أحسّت انها لا تستحق زيارة من تلك التي هي سلطانتها". إذاً مريم هي هنا كأم المسيح الملك.
ولكن السياق يدفعنا إلى أن نذهب أبعد من هذا ونعطي "كيريوس" بُعداً يتسامى على البشر. فالمسيح الذي صوّر ملكه الأزلي في آ 33، قد أعطي له في آ 32 صفة محفوظة لله في العهد القديم: "يكون عظيماً". ثم، إنه يُدعى في المقطع عينه "ابن العلي". وفي آ 35: "ابن الله" في معنى جديد كل الجدّة. إن مجمل هذه المعطيات تدلّ على أننا حين نتحدّث عن "المسيح الملك" و"الرب" إنما ندخل في عالم الله.
ثانياً: ويقدّم لنا إنجيل الطفولة تطبيقاً آخر للفظة "كيريوس" على يسوع. النصّ مهمّ جداً لأنه يربط البلاغ الملائكي بزمن ميلاد يسوع، ويتضمّن تقريباً بين كلمتين هما "المسيح- الرب" (كرستوس- كيريوس). قال الملاك: "ها أنا أبشّركم بفرح عظيم. اليوم وُلد لكم في مدينة داود مخلّص هو المسيح الربّ" (2: 11). نتعرّف هنا أولاً إلى معنى العبارة الملوكي والمسيحاني: فذكرُ "مدينة داود" يفهمنا أن الولد هو (الملك الممسوح) المسيح الذي يُجعل على "عرش داود" (آ 32). من جهة ثانية، هناك إشارات تفرض علينا أن نفسّر العبارة في معنى متعالٍ: الأولى: لا تُذكر هذه العبارة إلاّ في هذا المكان، وهي تستعمل في وقت احتفالي. الثانية: الموازاة مع خبر البشارة حيث تلقّي المسيح لقب ابن الله. الثالثة: ظهور مجد الربّ (آ 9) ووضعُ لقب "المخلص" كبدل لعبارة تتألف من كلمتين، المسيح الرب. الرابعة والأخيرة: الموازاة مع أع 2: 36 في خاتمة خطبة بطرس في عيد العنصرة: "الله جعل يسوع هذا الذي صلبتموه أنتم مسيحاً ورباً". ولماذا؟ لأنه جلس عن يمين الله (أع 2: 34- 35). هذا يعني أنه يضع يده على كل امتيازات الملك المسيح ساعة يتمجّد في السماء. وهو ينال الآن وبحقّ، لقباً إلهياً، لقب الربّ.
ونستنتج من هذين النصين في إنجيل الطفولة: يجب أن نأخذ لقب الرب في معناه القوي، في المعنى المسيحاني والإلهي. وأهمية هذين المقطعين في ف 1- 2 أنهما مضمَّخان باللاهوت. فيهما عبّر لوقا بحرية كيف يرى يسوع في شخصه وفي عمله. بعد هذا، يصبح اللقب برنامجاً لسائر الإنجيل.
ب- المسيح القائم من الموت
وننتقل الآن إلى أخبار القيامة. نجد هنا أيضاً استعمالين مميّزين للقب "كيريوس" (24: 3، 34).
* ينتمي النص الأول إلى مشهد النساء عند القبر: "ولما دخلن لم يجدن جسد الرب يسوع". لا نقرأ هذه الجملة إلاّ في لوقا. ولكن الكلمتين الاخيرتين تلفتان إتباهنا: الرب يسوع. قلنا إن عبارة المسيح الرب (كرستوس كيريوس) لا توجد في مكان آخر من العهد الجديد. ونقول إن عبارة الربّ يسوع (كيريوس ياسوس) لن ترد في إنجيل لوقا. فمع ان الكاتب يستعمل مراراً لقب الرب، إلاّ انه لا يستعمله في كلمتين إلاّ في هذا المقطع الوحيد، أي في المكان الذي يروي أحداث صباح الفصح.
حين أراد سائر الإنجيليين أن يتكلّموا عن جسد يسوع المدفون، استعملوا دوماً عبارة: جسد يسوع (مت 27: 58- مر 15: 43؛ يو 19: 38- 40؛ 20: 12). وكان لوقا نفسه قد اتبع هذا الاستعمال في الفصل السابق (23: 52) فارتبط بمراجعه (رج مت 27: 58 ومر 15: 43). ولكننا كنا في دفن يسوع. أما في 24: 3 فهو ينقلنا إلى صباح الفصح. وما يلاحظ هو أن عبارة "كيريوس ياسوس" لا ترد إلاّ مرّة واحدة أخرى في كل الأناجيل: في نص متأخّر (مر 16: 19، في خاتمة مرقس الطويلة) يروي صعود الربّ مورداً مز 110: 1: إنه يجعلنا في الإطار الفصحي عينه الذي نجده في لو 24: 3. هدا من جهة. ومن جهة ثانية، تبدو عبارة "كيريوس ياسوس" متواترة في سفر الأعمال (1: 21: قضاها الرب يسوع بيننا؛ 8: 16؛ 9: 17؛ 11: 20؛ 15: 11؛ 16: 31؛ 19: 5، 13؛ 20: 21، 24، 35؛ 21: 13). نجد هاتين الكلمتين في تعبير يشير إلى اعترافات الإيمان الأولى: "اسم الربّ يسوع". 
كل هذا يساعدنا على فهم طريقة التعبير عند الإنجيلي في 24: 3. فالموضوع المسيطر على ف 24 هو حدث الفصح: فالمسيح امتلك بقيامته حياة جديدة ومجيدة (آ 23 ب، 26، 27، 46- 47). في الواقع نرى في هذه الآيات الأولى إشارات تدوينتة (لا نجد ما يوازيها عند متّى ومرقس) تتيح للوقا أن يعدّ الطريق لما سيقوله في ولي الفصل: 9 لم يجدن جسد الربّ يسوع" (آ 3). سيقول تلميذا عماوس في آ 23: "فما وجدن جسده". فلقب الربّ في هذا المقطع يشير منذ الآن إلى بلاغ الاحد عشر ورفاقهم في مساء يوم الفصح عينه: "قام الربّ حقاً" (آ 34).
إذن نرى ما تعنيه عبارة "جسد الربّ يسوع" في 24: 3: إنه جسد يسوع (23: 52)، جسد الذي أسلم إلى أيدي الخطأة (24: 7 أ)، الذي تألم (آ 26) وصلب (آ 7 ب)، والذي هو منذ الآن قائم (آ 6 أ، 7 ج، 34 أ) وحيّ (آ 5 ج، 23 ج). دخل في المجد (آ 26)، وسيظهر لأخصّائه كالربّ (آ 34). بعد هذا نفهم لماذا لا نجد عبارة "كيريوس ياسوس" إلاّ في هذا المكان من إنجيل لوقا. فهي مفصل بين زمن الحياة العامة وزمن القيامة. في هذا الوقت ننتقل من زمن يسوع إلى زمن الربّ الحاضر في كنيسته.
* النصّ الثاني بسيط جداً. حين عاد تلميذا عمّاوس إلى أورشليم، أعلن لهما الأحد عشر ورفاقهم سّر الفصح: "الربّ قام حقاً وتراءى لسمعان" (24: 34). أشار الشراح إلى اتصالات بين هذا المقطع واعترافات الإيمان الأولى. ونلاحظ بصورة خاصة توازي هذا النص مع 1 كور 15: 4- 5. ومن جهة ثانية، تقدّم لنا مقطوعة تلميذي عماوس (24: 13- 35) ملخصاً لإنجيل القيامة. إذن يبدو أن لوقا يريد أن يعلن أمامنا في مساء يوم الفصح نفسه أول إعلان إيمان فصحي. فالربّ في آ 34 كما في بداية الفصل يدلّ على المسيح الذي قام حقاً. ومن المهمّ أن نعرف ان هذه الآية تختتم 24: 13- 35 الذي يروي أن تلميذي عماوس عرفا الربّ "عند كسر الخبز" (آ 35؛ رج آ 31). فالافخارستيا هي العلامة الكبرى لقيامة الربّ، العلامة التي بها عرفا أن الرب حيّ وحاضر معهما. 
إن استعمال لوقا للقب "كيريوس" في 24: 3، 34، يهدف إلى أن يفهمنا أن المسيح قام وأنه يبقى حاضراً وسط أخصّائه. ونرى من خلال هاتين الآيتين (آ 3، 34) أن أول استعمال لهذا اللقب يرتبط بواقع قيامة المسيح. وتدلان في الوقت عينه على حضوره الفاعل في كنيسته. هذا ما يعطينا الوسيلة لكي نفهم استعمال لوقا لهذا اللقب في سائر فصول إنجيله.
2- أخبار الحياة العامة
نشير أولاً إلى ان العدد الاكبر من استعمال "كيريوس" سيتركّز في صعود يسوع إلى أورشليم (9: 51- 19: 28) وخبر الدخول إلى أورشليم (19: 29- 40؛ رج آ 31، 34، 138. ولا يعود اللقب يظهر في خبر الآلام إلاّ في موضع واحد، بمناسبة توبة بطرس (22: 61: "فذكر بطرس قول الربّ"). بما أن المنظار العام للسفَر الكبير إلى أورشليم هو كرستولوجى وتعليمي وإرسالي، نستطيع أن نقول إن لقب كيريوس سيوجّه أنظارنا إلى أؤرشليم (9: 51)، إلى زمن الكنيسة.
أ- رب الأزمنة المسيحانية 
نتوقّف عند المقطعين اللذين يسبقان سفر يسوع إلى أورشليم (9: 51- 19: 28).
* إن حدث ابن أرملة نائين (7: 11- 17) هو المقطع الأول الذي فيه يطبَّق لقبُ الربّ على يسوع بعد إنجيل الطفولة. "حين رأى الربّ الأرملة أشفق عليها وقال لها: لا تبكِ" (7: 13). كيف نشرح هذا الاستعمال هنا؟ ظنّ بعض الشرّاح أن يسوع يبدو في هذا المقطع كالربّ المنتصر على الموت. ولكن في هذه الحالة، لماذا لم يعطِ لوقا اللقب ذاته ليسوع في خبر شفاء ابنه يائيرس (نجد "يسوع" في 8: 40، 41، 45، 46، 50)؟ بل يجب بالحري أن نقرِّب هذه المقطوعة من المقطوعة التالية (7: 18- 23) التي تتحدّث عن وفد أرسله يوحنا المعمدان إلى يسوع.
* ففي 7: 19 نجد استعمال كيريوس للمرة الثانية في هذا الفصل. وإن ما دفع يوحنا إلى التحرّك بحسب لوقا (آ 18) هو المعجزات التي ورد الحديث عنها فيما سبق. فقيامة ابن أرملة نائين هي صورة مباشرة عن العلامات المسيحانية التي سيعدّدها يسوع في آ 22، في جوابه إلى التلميذين اللذين أوفدهما يوحنا. وهناك تقابل بين آ 12 وآ 14، 22. أعاد يسوع ميتاً إلى الحياة فبدا تدخّله أحد الأعمال المسيحانية (رج مت 11: 2: "أعمال المسيح") التي تدلّ على صدق رسالته.
يبدو أن كيريوس استُعمل للسبب عينه مرّة ثانية في بداية خبر وفد المعمدان: "دعا يوحنا اثنين من تلاميذه وأرسل يقول إلى الربّ: أأنت هو الآتي أم يجب أن ننتظر آخر" (آ 18- 19)؟ إختلف لوقا عن متّى فجعل التلميذين يطرحان سؤالاً ثانياً على يسوع وبصورة مباشرة (آ 20) فيشدّدان بذلك على البُعد المسيحاني للحدث.
إذا كان يسوع قد سُمِّي كيريوس في هاتين الحالتين، فلأنه يظهر هنا بصفته المسيح (11: 2). فاللفظة قريبة من الأخرى بحسب لوقا الذي كتب عبارة "المسيح الربّ" في 2: 11، وهو يقرّب بين اللقبين من جديد في أع 2: 36 ("جعله الله رباً ومسيحاً"). وفي هذين النصين (7: 13، 19) اللذين يطبّق فيهما لقب الربّ على يسوع، يظهر بعض الشيء البُعد الكنسي والمتعالي. ومن المهمّ أن نلاحظ أن مدلولهما يرتبط ارتباطاً جوهرياً بوظيفة يسوع المسيحانية. لم تعد الوجهة الملوكية للمسيحانية ظاهرة: فيسوع يبدو هنا مسيحاً بأعمال الرحمة، حسب تعليم الأنبياء. وفي سلسلة تطبيقات اللقب خلال المسيرة الكبرى إلى أورشليم، ستظهر عدد من التضمّنات اللاهوتية.
ب- الربّ والملك المسيحاني
أولا استعمال للفظة كيريوس في قسم السفر الكبير إلى أورشليم، يُقرأ في مقدّمة إرسال التلاميذ: "وبعد هذا، عيّن (اختار) الرب سبعين (أو: 72) آخرين وأرسلهم اثنين اثنين أمامه، إلى كل مدينة أو موضع أزمع أن يذهب إليه" (10: 1). حين تكلّم لوقا عن رسالة الاثني عشر لم يستعمل لقب "الرب". فكيف نفسرّ هذا الاستعمال في 10: 1؟ هنا نعود إلى الفكرة التي تُشرف على رسالة التلاميذ: نحن أمام صورة مسبقة عن الرسالة إلى الوثنيين. وهناك إشارات تربط رسالة التلاميذ بالآيات الأخيرة من الفعل السابق، وهي تصوّر البداية الاحتفالية لسفَر يسوع الطويل إلى أورشليم. وتشير 10: 1 (رج 5: 27) إلى هذه العلاقة، حيث يقول لوقا: "عيّن عشرة آخرين". قد تعود بنا لفظة "آخرين" إلى رسالة الإثني عشر (9: 1- 6)، كما تلمِّح إلى إيفاد مرسلين إلى السامرة في بداية السفر. وإذا قابلنا 9: 52 مع 10: 1 وجدنا أن الموازاة واضحة.
فالمرسلون الأولون والسبعون الاخرون أرسلوا أمام الرب ليهيِّئوا مجيئه. ففي كلتا الحالتين نحن أمام السفر الكبير الذي يقود يسوع إلى أورشليم.
هنا نلاحظ المواضيع الملوكية في تصوير هذا السفر، ولا سيما في البداية وفي النهاية. إلى المرشحين الذين تقدَّموا إلى يسوع ليتبعوه (9: 57- 62)، يتكلّم يسوع مرتين عن المتطلِّبات التي تتضمّنها كرازةُ ملكوت الله (آ 60، 62). وفي خطبة إرسال التلاميذ، ترد مرتين عبارة: "ملكوت الله اقترب منكم" (آ 9، 11). وحالاً، قبل دخول أورشليم، جعل لوقا مثل الدنانير (الأمناء) (19: 12- 27) الذي أقحم فيه مثل طالب الملك (آ 12، 14، 15 أ، 27). ان هذا الرجل الذي تولى الملك (آ 15 أ) ولم يكن مواطنوه يريدونه أن يكون ملكاً عليهم (آ 14، 27)، هو يسوع الذي سيدخل أورشليم كالملك المسيح الذي سيُحكم عليه بالموت ولكنه سيعود ليتغلّب على أعدائه. ونذكر أخيراً أن لوقا استعمل وحده لقب كيريوس مرتين في خبر الدخول المسيحاني إلى أورشليم بحصر المعنى (19: 31، 34) وتفرّد بإدخال لقب "الملك" في هتافات الجموع: "تبارك الملك الآتي باسم الربّ" (آ 38).
كل هذا يتيح لنا أن نفهم بدقّة بُعد استعمال لقب "الربّ" في خبر إرسال السبعين (10: 1). فوجهة اللقب الملوكية مسيطرة: يسوع الذي يرسل سبعين موفداً أمامه، هو مثل ملك عظيم يسير أمامه المنادون بمجيئه. وسيكون دورهم تهيئة مجيء الرب "في كل مدينة أو موضع أزمع أن يذهب إليه". وهم يردّدون على مستوى أوسع ما بدأه الرسل الذين تقدَّموه إلى السامرة ليهيِّئوا له (كل شيء) (9: 52). لن نفهم هذا في المعنى الماديّ كما في تهيئة منزل مثلاً. بل عليهم أن يهيِّئوا المنطقة لاستقبال الربّ، يهيِّئوها لتقبّل تعليمه. وبمختصر الكلام، المهمّة الرسولية التي يقوم بها التلاميذ هي عينها التي أوكلت إلى السابق: "يهيِّئ للربّ شعباً مستعداً) (1: 17) "يسير أمام الربّ ليهيّئ له طرقه" (1: 76؛ 7: 27= ملا 3: 1). هذا يعني أن القرائن هي ملوكية ومسيحانية.
إذن، من المهم أن تُسعمل لفظة "الرب" في بداية السفرة الطويلة هذه (10: 1). وتسمية المسيح تكون تضميناً مع خبر الدخول المسيحاني إلى أورشليم، حيث نجدها مرتين (19: 31، 34؛ رج آ 38). هذا رأيناه في نصوص إنجيل الطفولة (1: 43؛ 2: 11) وفي سياق وفد يوحنا المعمدان (7: 13، 19): إن لقب "كيريوس" في 10: 1 يدلّ على يسوع الملك والمسيح. ولكن تزاد الآن وجهة جديدة وجوهريّة على مسيحانيته: نحن نعرف منذ الآن أن مصير الرب سيتمّ في أورشليم. منذ الآن تظهر أمام عيوننا من بعيد أحداثُ الآلام والقيامة.
ج- ربّ الكنيسة
رأينا البُعد المسيحاني والكرستولوجي لأول ذكر للقب الربّ في السفر إلى أورشليم. ولكن لن يكون الأمر كذلك في النصوص التي سنعالجها. فإذا أردنا أن نفسّرها تفسيراً صحيحاً، نتذكّر أن "للصعود إلى أورشليم" وظيفة تعليمية واضحة. ففي المشاهد التي تلي، يُدعى يسوع "الربّ) مراراً، بسبب علاقاته المباشرة مع أخصّائه: إن لوقا يرى هنا ومنذ الآن استباقاً لما ستكون عليه علاقات المؤمنين بالربّ في حياة الكنيسة.
* أولا حالة لافتة للنظر بصورة خاصة نجدها في زيارة يسوع لمرتا ومريم (10: 38- 42). "جلست مريم عند قدمَي الربّ تسمع كلامه" (آ 39). تذمّرت أختها. "فأجابها الرب: مرتا مرتا، أنت مهتمة قلقة بأمور كثيرة، مع أن المطلوب واحد" (آ 42). صوّر لنا لوقا هنا موقف التلميذ أمام معلّمه. ونحن نكتشف فيه اتصالات عديدة باللغة المسيحية الأولى.
إن مريم "تسمع كلمة الربّ". سماع الكلمة عبارة تميّز لغة الكرازة في سفر الأعمال (4: 4؛ 10: 44، في المطلق: "سمعوا الكلمة". ومع مضاف إليه: 13: 7، 44؛ 15: 7؛ 19: 10: كلمة الربّ). إستند بعض الشرّاح إلى هذه التوازيات فأعطوا المقطع الذي ندرس تفسيراً كرازياً أو رسالياً: إن مريم تمثِّل للكنيسة الأولى وللوقا، موقفَ الذين يتقبَّلون بشارة الإنجيل.
ولكن هذا التفسير غير كافٍ. فلوقا يُدخل هذا الموضوع أيضاً في نصوص الإنجيل التدوينية (8: 21؛ 11: 28: رج 6: 47) حيث تتخذ عبارة "سمع كلمة الله وعمل بها (أو: حفظها)" معنى لاهوتياً بارزاً: لم نعد أمام السماع الأول للتعليم يمارسه الذين يأتون إلى المسيح. فالعبارة تصوّر بالحري ثبات المؤمنين في التعليم وخضوعهم لكلمة الله داخل الجماعة المسيحية. وعبارة "جالسة عند قدمي المعلم" التي تصوّر موقف التلميذ الأمين، تسند هذا التفسير كلّ إسناد.
وتقدّم لنا تأكيداً له معناه إشارات لوقاويّة خاصّة في 8: 4- 21 الذي يتكلّم عن طريقة سماع كلام الله. فحسب شرح مثل الزارع، الحَبّ الذي سقط في الأرض الطيّبة، "هم الذين سمعوا الكلمة بقلب طيب ومطيع (حرفياً: جميل وصالح)، وحفظوها وأثمروا بثباتهم" (آ 15). يصوّر لوقا ثبات المسيحيين الذين ظلّوا أمناء لكلمة الله، رغم المحن، وجعلوها تحمل ثمراً كثيراً. وبعد هذا، نقرأ عند لوقا دعوة "للسماع" يعبرّ عنها بما يلي: "إنتبهوا كيف (إلى الطريقة التي بها) تسمعون" (آ 18) وأخيراً، إن الإنجيل الثالث وحده ينهي هذا الخبر (8: 4- 21) بقرابة يسوع الحقيقية (8: 19- 21). فحسب آ 21، أمّ يسوع وإخوته "هم الذي يسمعون كلمة الله ويعملون بها". لا شك في أن لهذه الكلمات بُعداً كنسياً: إنها تصوّر مجموعة التلاميذ الذين هم أمناء لكلمة الله، فصاروا جزءاً من "أسرة" المسيح الروحية (صاروا "أمّه وإخوته") واتحدوا به اتحاداً حقيقياً. هذا هو التصرّف الذي يفكر به الإنجيلي حين يقول لنا إن مريم كانت "جالسة عند قدمي المعلم" كالتلميذ الحقيقي، وكانت "تسمع كلامه".
ومشهد لو 10: 39- 42 يوازي موازاة دقيقة تصوير البتولية المسيحية في 1 كور 7: 32- 35. لا بد أن يكون احدهما تأثّر بالآخر، وهذا ظاهر من مقابلة بين النصين: واحدة تهتم بأمور كثيرة (1 كور 7: 33)، والأخرى بأمور الرب (1 كور 7: 32). ونلاحظ أيضاً أن "كيريوس" يرد مرتين في لوقا (آ 39، 41. ونزيد: يا ربّ في آ 40). ونقرأه في 1 كور 7 أربع مرات (آ 31 مرتين، آ 34، 35). النصيب الأفضل الذي اختارته مريم هو أن تسمع كلمة الربّ (آ 39) بانتباه. واستعمال "ماريس" (أمور) تأثَّر بالمزمور 16: 5 (الربّ ميراثي): في كلمة يسوع، حصلت مريم على كلمة الحياة التي تعطيها ميراث الحياة الأبدية (10: 25). لقد صوّر لنا لوقا مريم في موقف يعتبره بولس الميزة الأساسية للبتولية المسيحية: "تعلّق متين بالرب".
إذن، إن للقب "الرب" في خبر مرتا ومريم رنة مسيحيّة وكنسيّة واضحة. ونحن نفهم إنطلاقاً من تقليد معمَّم أن هذا المشهد يقدّم لنا مثال الحياة التأمّلية ونموذجها. لم يفكر لوقا بكل هذا، ولكن "الربّ" الذي يتحدّث عنه ليس فقط يسوع الانسان الذي نعم يوماً بضيافة الأختين في قرية من قرى فلسطين خلال سفره إلى أورشليم: انه منذ الآن الرب الحاضر في كنيسته. ومريم تمثِّل في نظره كل المؤمنين الذين يجب عليهم مثلها أن يصغوا إلى كلمة الرب ويعملوا بها.
* ويقدّم لنا النصان التاليان "الربّ" في إطار مختلف كل الاختلاف: يوبّخ يسوع فيهما اليهود على تعلّقهم المتحجِّر بممارسات الشريعة. يقع الجدال الأول في بيت فريسي دعاه إلى الطعام. جلس يسوع إلى المائدة ولم يغتسل قبل الأكل فتعجّب الفريسي. أقحم لوقا في جواب يسوع سلسلة من التويلات (الويل، الويل) ضد الفريسيين وعلماء الشريعة (11: 42- 52) توازي في جوهرها ما نجد في مت 23 والخطبة الكبرى ضد الكتبة والفريسيين. عند متّى هو "يسوع" الذي يتكلّم (مت 23: 1). أما خطبة الإنجيل الثالث فتُنسب إلى "الرب": "فقال له الربّ: أنتم أيها الفريسيون تطهِّرون ظاهر الكأس والاناء وباطنكم كلّه طمع وخبث" (11: 39). 
وتقدّم لنا حالة مماثلة في ف 13. كان يسوع يعلّم في المجمع يوم السبت، فتقدّمت إليه امرأة منحنية الظهر منذ 18 سنة. فأبرأها يسوع من مرضها. فغضب رئيس المجمع وتوجّه إلى الجمع ليدعوهم أن لا يستشفوا يوم السبت. حينئذٍ تدخَّل يسوع: "فأجابه الرب وقال له: يا مراؤون! أما يحلّ كل واحد منكم رباط ثوره أو حماره من المعلف ويأخذه ليسقيه" (13: 15)؟
إذا أردنا أن نفسرّ في هاتين الحالتين استعمال لقب "الربّ"، لا بد من الأخذ بعين الاعتبار بعض الأمور الأدبية الخاصة بتدوين لوقا لإنجيله. ففي الجزء الذي يسبق خبر الصعود الكبير، ترك لوقا جدالات يسوع مع خصومه حول التقاليد الفريسية أو حول الطاهر والنجس (مت 15: 1- 20= مر 7: 1- 23). وفيما بعد، خلال أسبوع الآلام لن يعطينا شيئاً يذكّرنا بخطبة مت 23 ضد الكتبة والفريسيين. إذن، نستطيع القول إن لوقا جمع في 11: 39- 52 كل ما أراد ان يورده من كلمات يسوع ضدّ الفريسيين وطريقتهم في تفسير الشريعة. وهكذا، تصبح هذه الخطبة القصيرة بمثابة برنامج.
أما فيما يخصّ خبر شفاء المرأة الحدباء يوم سبت (13: 10- 17)، فمن المهمّ أن نجعله في موازاة مع خبر شفاء الرجل المريض وبداء الاستسقاء. لقد تمّت هذه المعجزة الأخيرة يوم سبت وخلال مأدبة أُقيمت له لدى أحد كبار الفريسيين. هنا استعمل لوقا اسم "ياسوس": "وإذا أمامه رجل تورّم جلده بالاستسقاء. فبادر يسوع وقال لعلماء الشريعة والفريسيين: أيحل الشفاء في السبت أم لا؟ فسكتوا. حينئذ أخذ (المريض) وشفاه وصرفه".
لا اختلاف للوهلة الأولى بين الخبرين. واستعمال "الرب" في 13: 15 و"يسوع" في 14: 3 هو مصادفة ولا معنى خاصاً لها. ولكن إذا أمعنا النظر، نلاحظ في وضع المريض بالاستسقاء (14: 3) أن يسوع يتكلّم قبل أن يجترح المعجزة ويطرح على الفريسيين وعلماء الشريعة سؤالاً أخلاقياً بسيطاً. أما في وضع المرأة المنحنية الظهر، فيسوع يتكلّم على دفعتين: حين يورد الإنجيلي كلماته إلى المرأة (13: 12)، أو حين يصوّر غضب رئيس المجمع (آ 14)، يستعمل اسم "يسوع". ولكن بعد تدخّل رئيس المجمع تدخلاً علنياً، وحين أراد لوقا أن يصوّر حدّة ردّة الفعل التي أثارها هذا الموقف عند يسوع و (آ 15- 16)، تكلّم بطريقة مغايرة: الآن، "الرب" أو الذي يردّ (آ 15 أ) على الفريسيين. إذن يبدو أن لوقا استعمل فقط اسم "يسوع" (أو الضمير) في المقاطع الاخبارية. ولكنه يحلّ محلّه لقب "الربّ" حين يرتفع على مستوى المبادئ ويصوّر لنا يسوع مؤكّداً على حريته التامَّة وسلطانه تجاه فرائض الشريعة.
وفي خلفيّة هذا الاستعمال اللوقاوي للفظة "كيريوس" في 11: 39 و13: 15، يجب أن نضع إعلان يسوع نفسه في خاتمة الجدال الأول عن السبت: "إبن الانسان هو سيّد، رب (كيريوس) السبت" (7: 5). فيسوع يطالب بسلطان سام على نُظُم أعطاها الله نفسه. إنه ينسب له بالحقيقة سلطة متعالية. ولكننا نفهم فهماً أفضل ألفاظ لوقا في هذين المقطعين حين نتذكر ما يُروى لنا في سفر الأعمال عن خطر المسيحيين المتهوِّدين في بداية الكنيسة. ولقد قال بعض الشرَّاح إن لوقا يصوّر الفريسيين في إنجيله، لا كأشخاص تاريخيين وحسب، بل كممثّلين لاتجاه خطير ظلّ حياً في أيامه. فيجب أن نتذكر كم شدّد في سفر الأعمال على التحرر التدريجي الذي عاشته الكنيسة تجاه الشريعة اليهودية. فالمسيحيون المتهوِّدون قد اعتبروا أن الانسان لا يخلص إن لم يتصرف حسب العادات الراجعة إلى موسى (أع 15: 1). فكان جواب الرسل: "نحن نؤمن أننا نخلص بنعمة الربّ يسوع" (أع 15: 11). لهذا نستطيع القول إن الرب الذي وبّخ اليهود في الانجيل على تعلّقهم بالشريعة هو منذ الآن في نظر لوقا "ربّ" المؤمنين.
* ويُستعمل لقب "الربّ" في مقطع يرد في سياق يتطرّق إلى الإيمان. نحن هنا أمام القول عن الإيمان "مقدار حبة من الخردل" (17: 5- 6). يرد مثَل يسوع هذا في إنجيل متّى في سياقين مختلفين مع بعض اختلافات: مرة أولى كخاتمة لحدث الابن الذي يقع في داء الصرع (مت 17: 20)، ومرّة ثانية في الجدال حول التينة التي يبست (مت 21: 21= مر 11: 22- 23). يتّصل نصّ لوقا بالمقطعين معاً، ولكنه لا يرتبط لا بالمعجزة الأولى (الولد المصروع) ولا بالمعجزة الثانية (التينة اليابسة)، بل يقع في سياق آخر (17: 1- 10) نجد فيه سلسلة من التوصيات للتلاميذ: عن الشكوك (آ 1- 2)، عن الغفران (آ 3- 4)، عن قوة الإيمان (آ 5- 6). وينتهي هذا كلّه بمثل عن العبد البطّال (آ 7- 10). نحن أمام إطار تدويني يعطينا فيه لوقا بعض القواعد العمليّة التي تعلّمنا كيف نتصّرف في الجماعة المسيحية. إن هذا السياق الكنسي يلقي بعض الضوء على استعمال "كيريوس" مرتين في آ 5- 6.
يسبق كلمة يسوع عند لوقا وعنده وحده طلبُ التلاميذ. "قال الرسل للربّ: زد فينا الإيمان" (آ 5). بعد هذا يأتي قول يسوع. "أجاب الرب: لو كان فيكم إيمان مقدار حبة من خردل لقلتم لهذه التوتة انقلعي وانغرسي في البحر لأطاعتكم" (آ 6). نلاحظ هنا موضوع الإيمان.
من المهمّ أن نلاحظ أن لوقا وضع على المسرح أمامنا لا "التلاميذ" كما في آ 1 (قال لتلاميذه)، بل الرسل (قال الرسل). هذا التبدّل يعود إلى بدوين لوقا الذي استعمل اللفظة في المعنى الذي كان لها في الكنيسة الأولى وعند القديس بولس. فمهمّة الرسل لدى المسيحيين الأولين كانت بأن يشهدوا (أع 1: 8) قبل كل شيء لقيامة يسوع (أع 2: 32؛ 3: 15؛ 4: 33؛ 5: 32؛ 13: 31؛ 22: 15) ولمجمل حياته العلنيّة (أع 1: 22؛ 10: 39- 40). فالمسيح نفسه القائم من الموت قد سلّم إليهم هذه المهمّة بأن يكونوا شهوده. وإذ استعمل الإنجيلي في 17: 5 هذا اللقب الرسمي (الرسل بدل التلاميذ في 17: 1)، فقد فعل لأنه أراد أن يتطرّق هنا إلى موضوع الإيمان: فالإيمان يلعب دوراً رئيسياً في المهمّة الرسوليّة. فالشهود الأولون لم يكونوا فقط شهود عيان لأحداث رأوها. ولكن حين شهدوا لهذه الأحداث أشاروا في الوقت عينه إلى معناها الحقيقي: فبعد الفصح ومجيء الروح، صاروا يعرفون الآن بُعدها في تاريخ الخلاص. كانوا شهوداً لا لهذا الحدث أو ذاك وحسب، بل كانوا في الوقت عينه شهوداً لإيمانهم.
إذن، اهتم لوقا اهتماماً خاصاً بتكوين هذا الإيمان لدى التلاميذ. فقد أورد وحده كلمة يسوع إلى سمعان: "طلبت لك أن لا تفقد إيمانك (صلّيت من أجلك لئلا تسقط). وأنت متى رجعت فثبِّت اخوتك" (22: 32). ومن جهة ثانية، رأينا أن موضوع الإيمان يحظى لديه باهتمام خاص لا نجده عند متّى ومرقس. ونلاحظ أخيراً أنه إذا ارتبط الإيمان عند متّى ومرقس بأخبار المعجزات، لم يكن الامر هكذا دائماً في الإنجيل الثالث (رج 7: 50؛ 18: 8؛ 22: 32). ونلاحظ هذا التبديل أيضاً في المقطع الذي ندرس: ففي مت 17: 20 ارتبط القول عن الإيمان بمعجزة الولد "المصروع"، وفي مت 21: 21 (= مر 11: 23) ارتبط بلعن التينة. أما عند لوقا فلا يرتبط قول الربّ بأي من هاتين المعجزتين. كما لا نجد الألفاظ التي بها انتهى القول في مت 17: 20: "لا يستحيل عليكم شيء". فلا شيء يذكّرنا بتدخّل عجائبيّ عند يسوع. نحن الآن أمام إيمان الرسل بصورة إجماليّة وأمام نموّ هذا الإيمان. ونخطئ إن نحن حصرنا هذا الإيمان في ثقة بالله أو في إيمان لاجتراح المعجزات. أجل، لسنا هنا أمام ثقة بسيطة بالله، بل أمام تعلّق مطلق بكلمات يسوع التي تفتح للتلاميذ الطريق لعالم جديد، وذلك عكس كل الحسابات البشرية. الإيمان بالله يتضمَّن هنا الإيمان بيسوع.
* نلخّص ملاحظاتنا حول التدوين اللوقاويّ لندرك إدراكاً أفضل الرنَّة الخاصّة التي يتّخذها لقب الربّ في هذا المقطع. فالموضوع هو إيمان التلاميذ. ولكن لوقا يوسّع نظرته فلا يربط الإيمان بمعجزات يسوع. لقد وضع القول في سياق كنسيّ: والإيمان المصوَّر هنا هو الذي تمارسه جماعة التلاميذ. ولكن لوقا يخصّ بحديثه "الرسل" وهذا ما يوجّهنا بصورة أقوى نحو إطار الكنيسة الأولى.
في هذه الظروف نفهم أن يكون هذا القول عند لوقا قد تلفّظ به "الربّ". فالإيمان الذي يطلبه "الرسل" هو بداية وضيعة لما سيصير إليه إيمانهم بعد الفصح كما يصوّره سفر الأعمال. طلب الرسل من الرب أن يزيد لهم إيمانهم، وهذا يعني أنه وحده مصدر إيمانهم. فعطيّة الإيمان هي موهبة من مواهب الروح (1 كور 12: 9). غير أن عطية الروح ستتمّ بالمسيح ساعة تمجيده السماوي وحين يصير "مسيحاوياً" (أع 2: 33- 36). ومن جهة ثانية، إن الإيمان المسيحي يكون في الكنيسة إيماناً بالرب يسوع (أع 20: 21؛ رج 24: 24؛ روم 10: 9).
إذن، كانت للوقا أسبابه حين ربط إيمان التلاميذ بلقب "الرب". ونحن نرى في 17: 5- 6 أننا تجاوزنا هذا الوضع أو ذاك من حياة يسوع العامة. فالايمان الذي يتحدّث عنه النص هنا، لم يزل زرعاً صغيراً (مثل حبة خردل)، ولكنه بذار الإيمان المسيحي. إنه في نظر الكنيسة إيمان الرسل، ولا يمكن إلاّ أن يكون إيماناً "بالربّ" يسوع.
* ونجد السياق الكنسي عينه في 22: 61، وهو المقطع الوحيد الذي فيه يستعمل الإنجيلي لقب "الربّ لما في الخبر المكرّس للآلام. فالآية جزء من خبر نكران بطرس، المشترك بين التقاليد الثلاثة. ففي آ 60 حيث يروي لوقا أن الديك صاح بعد الانكار الثالث، ظلّ نصّه موازياً لنص متّى ومرقس. ولكن بداية آ 61 لا توجد إلاّ عنده وحده: "فالتفت الربّ ونظر إلى بطرس". بعد هذا، رجع لوقا إلى نص الإزائيين الآخرين مع تفصيل بسيط: "حينئذ تذكَّر بطرس كلام "الربّ" الذي قال له: قبل أن يصيح الديك اليوم، تنكرني ثلاث مرّات". قال مت 26: 75 ومر 14: 72: "وتذكر بطرس كلمة يسوع الذي قال له". ذكر متّى ومرقس يسوع، أما لوقا فذكر "الربّ".
لقد أدخل لوقا في هذا المكان لقب "الربّ" مرتين، والسبب واضح. فما يرويه هنا عن بطرس هو أول مثال للتوبة المسيحيّة. ففي لاهوت الكنيسة الأولى ولا سيما في نظر لوقا، كان "تذكر" أقوال يسوع عاملاً مهماً في طريق الارتداد وتكوين الإيمان. فحين روى لو 24: 6- 8 حدث مجيء النسوة إلى القبر صباح القيامة، حوَّل مر 16: 7 وكمَّله فربط البلاغ الفصحي (وإيمان النسوة) "بتذكر" إنباءات يسوع حول آلامه وقيامته. وحسب أع 11: 16، إن "تذكّر كلمة الرب" أفهم بطرس المعنى الحقيقي لحلول الروح على بيت كورنيليوس. وفي المقطع الذي ندرس أيضاً (22: 61)، "تذكّرَ بطرس كلام الرب" فعاد إلى التوبة. فلسنا فقط أمام تنبؤ ماديّ قاله يسوع في العشاء السري. فالحدث نفسه، أي تتمة كلمة يسوع، جعلت التلميذ يكتشف سلطة المعلم النبوية، بل يكتشف شيئاً من شخصيّته. وموضوع التذكّر هذا المرتبط بموضوع الفهم هو موضوع فصحيّ وكنسيّ في مؤلف لوقا: هنا يقترب الإنجيلي الثالث من يوحنا (رج 2: 17، 23؛ 12: 16؛ 14: 26).
من جهة ثانية، يجب أن نتذكّر المكانة التي يحتلّها موضوع التوبة والارتداد في سفر الأعمال. فالارتداد يعني بالنسبة إلى المسيحيين الاولين أن نلتفت إلى الرب (أع 9: 35؛ 11: 21)، أن نلتفت إلى الرب يسوع. وهذا يعني الاقرار بان يسوع صار "الرب" منذ قيامته وتمجيده. والالتفات إلى الربّ يعني الإيمان بالربّ. ثم إن التوبة اعتُبرت عطيّة من المسيح الذي صار ربّاً: "فهو الذي وضعه الله ليمنح شعب إسرائيل التوبة وغفران الخطايا".
في هذه الظروف نفهم السبب الذي لأجله أدخل لوقا لفظة "كيريوس" مرتين في سياق توبة بطرس (22: 61). لا شكّ في أن يسوع لم يكن بعد تمجَّد. ولكن تذكر كلام يسوع الذي حرّكته نظرة طويلة إلى بطرس، كان للرسول كشفاً حقيقياً، كما ستختبره الكنيسة بعد الفصح. فهذه الكلمة حرّكت ندامته وإيمانه. فبالقدرة الخفيّة والحاضرة، كانت كلمة الرب هي التي تفعل. وإذا كنا نقول بحقّ إن للتوبة وجهة كنسيّة، فالأمر يصحّ بصورة خاصة في ارتداد بطرس. وهذا الارتداد كان قبل الفصح ما سيكونه كل ارتداد مسيحي: إنه ارتداد إلى الربّ.
* يبقى لنا أن نتفحّص حالة تسبيق واحدة في الحياة الكنسيّة: استعماله لفظة "الربّ" في حدث زكا (19: 1- 10). فحدث زكا، شأنه شأن أحداث أرملة نائين، ومرتا ومريم، والمرأة المنحنية الظهر، خاص بلوقا. ولكن من الوجهة التي تهمُّنا، نجد مقابلة خاصّة بينه وبين حدث المرأة الحدباء: هما الحالتان الوحيدتان اللتان فيهما يأتي داخل الخبر اسم يسوع (13: 12، 14 بالنسبة إلى الحدباء؛ 19: 3، 7، 9 بالنسبة إلى زكا) ثم لقب "الرب" (13: 15 ثم 19: 8).
إذا أردنا أن نفهم الفرق بين الطريقتين في تسمية يسوع، يجب أن نطبِّق المعيار الذي طبّقناه في وضع المرأة الحدباء: حين يكتفي لوقا برواية الحدث الخارجي، أي حين يبقى على المستوى الإخباري، يستعمل "يسوع" أو الضمير (هو). لهذا يقول لنا إن "زكا حاول أن يرى من هو يسوع" (آ 3). ولما وصل يسوع إلى الجمّيزة حيث صعد الفريسي قال الانجيلي: "رفع يسوع نظره إليه وقال" (آ 5). ولكن حين أراد أن يصوّر القبول العميق الذي حصل في زكا بسبب حضور المسيح، وعزمه المفاجئ بأن يعطي الفقراء نصف أمواله، كتب لوقا في آ 8: "تقدّم زكا وقال للرب: ها أنا، يا رب، أعطي الفقراء نصف أموالي، وإذا كنت ظلمت أحداً في شيء، أردّه عليه أربعة أضعاف". إن الموقفة الذي اتخذه زكا هنا متلفّظاً بهذه الكلمات، يبرز احتفاليّة إعلانه ويعطيه طابعاً دينياً وليتورجياً (كأني به ينذر نذراً). ففعلُ زكا ظهر في نظر لوقا، إنجيلي الفقراء، كمقدمة لتوزيع الأموال في الكنيسة كما يخبرنا أع 2: 45؛ 4: 33- 35. هنا نتذكّر نصاً آخر من سفر الاعمال. ففي أع 20: 35 يورد لوقا كلمة "الرب يسوع": "في العطاء سعادة لا نجدها في الأخذ". أهميّة هذا النص هو أنه يورد لنا قولاً من يسوع في حياته العلنية، كما يحدّد تصرفاً ملموساً في الجماعة المسيحيّة. إذن، هو قول من عند الرب يسوع. لهذا، فعمل زكا هو في نظر لوقا عمل مسيحي. لقد صار عشّار أريحا تلميذ يسوع. لا نستطيع أن نبرهن عن هذا القول للمؤرخ. ولكن إذا نظرنا إلى معنى فعلة زكا، نرى أننا أمام تفسير أعطاه الإنجيلي نفسه.
د- الحياة المسيحية ومجيء الرب
احتفظنا للمقطع الأخير استعمال "كيريوس" كلقب ليسوع في الأمثال الاسكاتولوجية (12: 42؛ 14: 23؛ 16: 8؛ 18: 6).
* أول هذه النصوص يقع وسط متتالية (12: 35- 48) تشرف عليها فكرةُ مجيء الرب. إن المقاطع الموازية في متّى هي جزء من الخطبة الاسكاتولوجية (25: 43- 51). جمعت هنا في إنجيل لوقا مواد مختلفة: أولاً: مثل صغير (ليس له ما يوازيه عند متّى ومرقس) عن العبيد الذين يسهرون منتظرين عودة سيّدهم (آ 35- 38). ثانياً: قول عن رب البيت والسارق مع دعوة إلى التلاميذ ليكونوا منتظرين عودة ابن الانسان (آ 39- 40= ست 24: 43- 44). ثالثاً: سؤال بطرس الذي يرغب في أن يعرف إلى من يوجّه هذا المثل (آ 41- 42 أ، ليس له ما يوازيه وسندرسه). رابعاً: جواب يسوع في مثل ثانٍ عن أمانة العبيد (آ 42 ب و 46= مت 24: 45- 51). خامساً: قول عن العقوبات المختلفة التي تنتظر العبيد الأردياء (آ 47- 48 خاص بلوقا).
أما المفردات التي توحِّد هذه المجموعة فهي: عبد أو عبيد (خادم أو خدم) (آ 37، 43، 45، 46، 47). السيّد أو الربّ (كيريولس 4 آ 36، 37، 41، 42 أ، 42 ب، 43، 45، 46، 47). جاء (آ 36، 37، 38، 39، 40، 43، 45، 46). إذاً تتألف المتتالية من سلسلة تحريضات "للخدم" ليكونوا متيقّظين ومستعدّين "لمجيء" "الربّ". فالسياق هو إرشاديّ واسكاتولوجيّ معاً.
تعود كلمة "كيريوس" 9 مرات في 13 آية. في الخبرين (آ 35- 38 وآ 42 ب- 48) تدلّ على "سيّد" المثل الذي ينتظر الخدمُ رجوعه: وبصورة ملموسة هو ابن الانسان الذي يأتي في ساعة لا نتحسَّب لها (آ 40). ولكن ترد المفردة مرتين في نص إخباري في آ 41 و42 أ، وهو نصّ دوَّنه لوقا، بل زاده كمقدمة مباشرة للمثل الثاني: "حينئذٍ قالت بطرس: يا رب، ألنا تقول هذا المثل أم للجميع؟ فأجاب الرب...". لا هذا الجواب أفهمه يسوع أنه يوجّه مثله إلى مجموعة الرسل أنفسهم. لهذا حلّ محل "دولوس" (العبد، الخادم، رج مت 24: 45)، لفظة "أويكونوموس" (الوكيل) في لو 12: 42، وهي كلمة يطبِّقها بولس على وظائف الخدمة في الكنيسة (1 كور 4: 1- 2؛ تي 1: 7). وجعل لوقا الفور في صيغة المضارع (باليونانية)، فأفهمنا بأن لوقا يعطي المثل إتجاهاً كنسياً: "من هو إذن الوكيل الأمين الذي سيقيمه الربّ على خدمه..."؟
إذن "كيريوس" في بداية هذا المثل (آ 42 ب) لا تدلّ فقط على سيّد العبيد (أو الخدم): انه منذ الآن ربّ الجماعة. ونحن نرى أية رنّة تتّخذ هذه الكلمات في بداية الآية (آ 42 أ) أي في جملة المقدمة: "فأجاب الربّ". فيسوع الذي يجيب بطرس، هو منذ الآن "الربّ" الذي سيتحدّث عنه المثل. نشاهد هنا مرّة أخرى ظاهرة تسبيق مضاعفة: فللمثل بُعد كنسي واسكاتولوجي. يسوع هو "الربّ" أولاً، لأنه السيّد الذي يقيم تلاميذه كرؤساء في الكنيسة. ولكنه أيضاً "الربّ " الذي سيأتي في يوم لا ينتظره الوكيل. واستعمال "كيريوس" الاسكاتولوجي في المسيحيّة الأولى أمر متواتر: "الربّ" هو الملك المسيح الذي نصب ملكاً في السماء (أع 2: 36) والذي سيعود في مجيئه من أجل الدينونة. والوظائف التي سيمارسها، هي وظائف الربّ والملك المسيحاني (1 تس 2: 19؛ 4: 15- 16؛ 2 تس 2: 1- 2؛ 1 كور 16، 22- 23 وعبارة ماراناتا، يا ربّ، تعال؛ رج رؤ 22: 20).
* لن نقول إلاّ بضع كلمات عن تطبيق اللقب على المسيح في سائر الأمثال الاسكاتولوجية. ففي مثل الوكيل الخائن (16: 1- 8)، هناك نقطة لم يُحسم الجدال فيها بعد. على من تدل لفظة "كيريوس" في آ 8؟ "فامتدح السيد (أو: الرب) هذا الوكيل الخائن على فطنته". إذا عدنا إلى الموازاة مع 18: 6- 8 (متتالية واحدة مع "كيريوس" في آ 6 و"أقول لكم في آ 8)، يبدو أن "كيريوس" لا يدلّ على سيِّد الوكيل بل على يسوع الرب. فالمثل الذي ندرس، شأنه شأن المثل الذي درسناه في 12: 42- 46، ينفتح على منظار كنسي: يتوجَّه يسوع إلى تلاميذه (16: 1؛ آ 9: أقول لكم، رج 12: 22). وهنا أيضاً يجعل أمامنا "الوكيل". في آ 9- 13 يدعو تلاميذه إلى حسن استعمال المال، إلى الأمانة، إلى التجرّد من الغنى. ولكن لهذه التحريضات لوناً اسكاتولوجياً واضحاً (آ 9: "المساكن أو الخيام والمظال الأبدية"). فهذا المثل (آ 1- 7) والتطبيقات التي يستخرجها منه يسوع (آ 8- 13) تتضمّن بُعداً ارشادياً واسكاتولوجياً. وهذا يكفي لنشرح أن لوقا يدلّ على يسوع حين يذكر لقب "الرب" في آ 8.
وتبقى حالة أخيرة نتفحّصها: مثل القاضي الظالم (18: 1- 8). لا يرى فيه بعض الشّراح إلاّ تعليماً عن المداومة على الصلاة. وآخرون يعطونه معنى إسكاتولوجيّاً مباشراً. قال الأب لاغرانج: فكرة العدالة جوهرية في هذا المثل. ولكن يجب أن لا نعارض معارضة جذرية التفسيرين: فالتحريض على الصلاة باستمرار هو حاضر أيضاً في النص (18: 1). ولكننا أمام صلاة لننال تدخّل الله في نهاية الأزمنة. فالمقطوعة جزء من متتالية اسكاتولوجية موضوعها مجيء ملكوت الله وأيام ابن الانسان (17: 20- 18: 8). والفكرة واضحة في خاتمة المقطع الذي ندرس: "ولكن حين يجيء ابن الانسان، هل يجد إيماناً على الأرض" (18: 8 ب)؟ فالموضوع الرئيسي في 18: 1- 8 هو موضوع "الانصاف" (اكديكاسيس). نجده 4 مرات في هذا المقطع: في الفعل، آ 3، 5. في الاسم، آ 7، 8. رج أيضاً 21: 22 في الخطبة الاسكاتولوجية: "أيام نقمة". فمثَل القاضي الذي ينصف الأرملة، يفهمنا أن الله "ينصف ختاريه الذين يضرعون إليه ليلاً ونهاراً" (آ 7).
هذا هو التطبيق على دينونة الله مع مقدمة تدوينية: "وقال الربّ" (آ 6). سُمّي يسوع "الربّ" تجاوباً مع هذا السياق الاسكاتولوجي. قابل هنا بين 12: 40، 42 و18: 6، 8.
إن وجود "كيريوس" يفسرّ هنا كما في سائر الأمثال الاسكاتولوجية كظاهرة استباق. نحن هنا أمام كلام يستبق نهاية الأزمنة: يرى الانجيلي يسوع في الوظائف التي سيمارسها كابن الانسان في الدينونة الأخيرة. أما الارشاد فليس غائباً: فالرب عينه هو الذي يحرّض أخصاءه (آ 8 ب) لكي يحافظوا على إيمانهم وسط المحنة الكبرى. وهو أيضاً ذلك الرب الذي يدعوهم لكي يصلّوا بدون انقطاع.
خاتمة
* منذ التطبيقات الأولى للقب الربّ على يسوع في إنجيل الطفولة (1: 43؛ 2: 11)، وفي بداية الحياة العلنية (7: 13، 19)، شعرنا بالمعنى المسيحاني. ونجد هذه الوجهة عينها في النصين اللذين يحيطان بالسفَر الطويل إلى أورشليم: مقدمة إرسال (10: 1)، وخبر دخول "ملك" أورشليم المسيحاني (19: 31، 34؛ رج آ 38). هذا اللقب هو في موقعه لأن الكرامة الملوكيّة قد اعتبرت دوماً صفة المسيح الرئيسيّة.
* ولكن يسوع لم يصّر كلياً في نظر لوقا "مسيحاً" و"رباً" في تنصيبه في المجد (أع 2: 36). فهذا اللقب (كيريوس) المطبَّق على يسوع لم ينل معناه الكامل إلاّ بعد موته وتمجيده. لهذا استعمله لوقا مرتين في إنجيله (24: 3، 34) ليدلّ على المسيح القائم من الموت. إنه لقب مسيحاني ولكن حسب ملء المعنى المسيحي.
* أرانا 24: 34 أيضاً أن استعمال اللقب ارتبط بشعائر العبادة: فالرب هو يسوع الممجَّد وفي الوقت عينه ذلك الذي يمارس سلطانه في الجماعة المسيحية في الوقت الحاضر. هذا هو الاستعمال المميّز والذي يرد بتواتر للقب "كيريوس" في إنجيل لوقا. إنه يستبق الأمور فيسمِّي يسوع "رب الكنيسة". هو "الرب" الذي حرّر أخصّاءه من فرائض الشريعة اليهودية (11: 39؛ 13: 25). هو "الرب" الذي يدعو المؤمنين إلى التوبة (22: 61) والإيمان (17: 5- 6). هو "الربّ" الذي يسمعون كلمته كتلاميذ كاملين (10: 39، 41). هو "الربّ" الذي يحضّهم على توزيع أملاكهم كما فعل زكا (19: 8) وبرنابا (أع 4: 36- 37). لا تزال الرنة الملوكية والمسيحانية حاضرة هنا. ولكن الانجيل أعاد تفسير سلطان المسيح هذا على ضوء الفصح والقيامة. نحن أمام سلطان متعالٍ، سلطان إلهي.
* وهناك الاستعمال الاسكاتولوجي داخل هذا الاستعمال الكنسي. حين يدل الانجيل على يسوع "كالربّ" في الأمثال الاسكاتولوجية (12: 42؛ 14: 23؛ 16: 8؛ 18: 16)، فهو يدل عليه كابن الانسان الذي يعود في مجيئه. كانت وظيفة الديّان هذه إحدى امتيازات الملك المسيح في التقليد. ولكن انضمّ إلى المعنى الاسكاتولوجي معنى إرشادي وكنسي: فالرب الذي ينتظر المؤمنون رجوعه هو الرب الحاضر في الكنيسة: إنهم يعيشون متحدين معه منذ الآن في الإيمان.
* حين طبَّق لوقا على يسوع لقب "الربّ" في إنجيله، أعطانا طريقة في إعادة تفسير المسيحانية الملوكية تفسيراً مسيحياً. وما يميِّز هذا التفسير هو اتجاهه الكنسي وبعده المتعالي. وهكذا نرى بوضوح أن الانجيل الثالث كُتب في منظار سفر الأعمال. فالذي وعدنا بتدوين "رواية الاحداث التي جرت بيننا" (1: 1)، لم يدوِّنها كرجل يكتب التاريخ وحسب. إنه المؤمن الذي سأل "الشهود العيان" فتأمَّل في ما قالوه له على ضوء القيامة، وعلى ضوء حياة الكنيسة العائشة بحضور الرب المجيد. لهذا فالرب هو يسوع المسيح الذي عاش على الأرض، وهو الإله العائش مع كنيسته حتى مجيئه الثاني.
القسم الثاني
مجيء يَسُوع في حَيَاتنا

توزّع الجزء الثاني الذي عنوانه "صعود يسوع إلى آورشليم" على ثلاث محطات هي السنوات الثلاث لحياة يسوع العلنية. أما هذا الجزء الثالث فهو يتوزّع بعد المقدّمة على قسمين. الأول: مجيء يسوع في حياتنا. والثاني: آلام يسوع وقيامته. ونبدأ بالقسم الأول فنجد فيه الفصول التالية:
1- يسوع في أورشليم، 19: 28- 21: 38.
2- دخول يسوع إلى أورشليم، 19: 28- 40.
3- لا يبقى حجر على حجر، 19: 41- 44.
4- طرد الباعة من الهيكل، 19: 45- 48.
5- سلطة يسوع على المحكّ، 20: 1- 8.
6- مثل الكرّامين القتلة، 20: 9- 19.
7- دفع الجزية إلى قيصر، 20: 10- 26.
8- كلهم يحيّون له، 20: 27- 38.
9- المسيح ابن داود وربّه، 20: 39- 47.
15- فلس الأرملة، 21: 1- 4.
11- مضايق المسيحيين قبل نهاية العالم 21: 5- 19.
12- خراب أورشليم، 21: 20- 24.
13- مجيء ابن الإنسان، 21: 25- 28، 34- 36.
14- شجرة التين، 21: 29- 33، 37- 38.
الفصل الرابع
يسوع في أورشليم
19: 28- 21: 38

تأمّلنا في الفصول السابقة لاهوت تاريخ يسوع كما جرى أمام عيوننا خلال صعوده إلى أورشليم واختطافه إلى الآب في عبور من هذا العالم. واكتشفنا أنّ طريق يسوع هي طاعة للروح القدس. في البداية، دُعي التلاميذ ليسيروا وراء يسوع ويسمعوا وحيه. ولكن الإنجيلي قدّم في الوقت عينه المصير الذي سيعرفونه حين يسيرون وراء يسوع. لقد دخلوا إلى أورشليم حيث يموت معلّمهم. هل يقبلون أن يربطوا مصيرهم بمصير يسوع؟
1- تأليف النص وبنيته
إنّ إطار هذا القسم هو الهيكل. ففيه أو بالنسبة إلى الحديث عنه تتمّ الأعمال وتبرز الجدالات. لم نعد كما في القسم السابق في الطريق إلى أورشليم.
يبدأ هذا القسم بلفظة معروفة "وحصل" (وحصل أنه لمّا اقترب من المدينة). فهي صدى لما في 18: 35 (وحصل أنه لمّا اقترب من أريحا). يتّفق معظم الشرّاح على القول إنّ جبل الزيتون والهيكل قسم تدويني. فحول هذين القطبين يتمّ مصير يسوع. ولكن التشديد هو على الهيكل (19: 45، 47؛ 20: 1؛ 21: 5، 37، 38)، وبهذا يختلف هذا القسم عن ف 22- 24. منذ الدخول الاحتفاليّ لمرسَل الربّ عبر الرواق الشرقيّ (19: 45) حتى الإجمالة الأخيرة (21: 37- 38) (وكان في النهار يعلّم في الهيكل، وفي الليل يخرج)، يتمّ العمل كله تقريباً في الهيكل. أما جبل الزيتون الذي يُذكر ثلاث مرات (19: 29، 37؛ 21: 37) فيبدو في المقام الثاني.
وإليك بعض المعالم التدوينية التي تدل على القسمات في هذه المجموعة. نجد أولاً: الطريق من جبل الزيتون إلى الهيكل (19: 29- 48) تتوزّعها ثلاث مرات فعل "اقترب" (آ 29، 37، 41)، ويليها دخول إلى الهيكل (آ 45) حيث شرع يسوع يعلّم (آ، 47). ثانيا: جدالات في الهيكل مع جواب يسوع (20: 1- 21: 4) وكلامه عن معنى التاريخ البشري وضرورة الصلاة المتواصلة (21: 5- 36). وتنتهي المجموعة بإشارة إلى العلاقة بين جبل الزيتون والهيكل (21: 37- 38).
ونستطيع أن نقدّم رسمة لهذه الفصول التي تسبقها رؤيا تكشف الحياة المسيحية (17: 20- 37)، وتختمها رؤيا (21: 5 ي) تهيّئنا للمحن التي تنتظرنا.
أ- من جبل الزيتون إلى الهيكل (19: 29- 48)
- مجيء مرسل الله (19: 29- 40).
- بكاء على المدينة المقدسة (19: 41- 44)
- دخوله يسوع إلى الهيكل (19: 45- 48).
ب- إعلان في الهيكل (20: 1- 21: 38).
- معارضة ودينونة (20: 1- 21: 4).
- الرؤيا أو كشف عن تاريخ البشر (21: 5- 38)
* تجاه المحن (21: 5- 27).
* الصلاة المستمرة (21: 28- 38).
2- تقديم النصّ
إن نشاط يسوع في أورشليم سيصل به إلى الآلام والموت على الصليب. فبعد 19: 28، عاد لوقا إلى الترتيب التدويني في مت ومر.
برز انشداد بين جبل الزيتون الواقع إلى الشرق من المدينة المقدّسة، والهيكل الذي يقع تجاهه ويقع في قلب أورشليم. ونذكر الآن الرباطات الرئيسية في هذه المجموعة. فلفظة "وحصل" (19: 29؛ 20: 1) تدخلنا من جهة في طريق "جبل الزيتون" (19: 29- 37) باتجاه الهيكل (19: 45- 47). ومن جهة ثانية وجد التعليمُ الذي أوصله يسوع إلى الشعب في الهيكل، امتداداً في "الرؤيا الكبرى" بفضل سؤال طُرح عن الهيكل (21: 5: يقولون عن الهيكل إنه مزيّن بالحجارة الكريمة). وينتهي القسم كلّه بالإشارة إلى "الشعب كله" (21: 38) داخل انشداد بين الهيكل وجبل الزيتون.
أ- من جبل الزيتون إلى الهيكل
جاء دخول يسوع إلى الهيكل في امتداد لمثل الدنانير فصار قضيّة تعني "جميع جمهور التلاميذ" (آ 37) في علاقة كل واحد منهم بربِّه (آ 31، 34: الرب يحتاج). لن نجد عند لوقا أثراً لانقلاب شعبي أو لمظاهرة مدمّرة تدعو إلى إقامة مملكة داود كما قال مت 21: 8- 9 ومر 11: 8- 10 (رج يو 12: 13- 19). فاللهجة ليتورجية أكثر منها إخبارية. نحن هنا كما في حجّ خلال عيد المظال.
يجري الخبر بطريقة بسيطة. يورد حدث أول الاستعدادات لدخول يسوع إلى الهيكل (19: 29- 36)، ثم تحقيق هذا الدخول (آ 37- 40). ويرينا مشهد آخر يسوع يبكي على المدينة (آ 41- 44). وفي مشهد ثالث نرى يسوع يضع يده على الهيكل ويطرد منه الباعة (آ 45- 48). توزّعت نصّ لوقا إشارات طوبوغرافية: اقترب من بيت فاجي وبيت عنيا قرب جبل الزيتون (آ 29). نزل من جبل الزيتون (آ 37). اقترب من المدينة (آ 40). دخل إلى الهيكل (آ 45). نجد فقط الإشارتين الأولى والأخيرة في مت ومر.
أخذ لوقا هنا بترتيب مر 11: 1- 26. غير أنه ألغى المقطعين عن التينة الملعونة واليابسة (آ 11- 14- 19- 22؛ رج مت 21: 21- 22) والغفران (آ 25- 26؛ رج مت 6: 14- 15). فقد سبق له وقدّم في 13: 6- 9 مثل التينة التي خيّبت أمل ربّ الكرم وحرّكت الصبر المليء بالرجاء عند الكرّام. ثم إنه زاد قطعة خاصة به. هي تسبيق على الرؤيا: رثاء يسوع للمدينة (19: 41- 44؛ رج 21: 5- 6، 20- 22؛ مر 13: 2، 14؛ مت 24: 2، 15- 16).
وهكذا انطبع تأليفه بطابع شخصي، لاسيّما وأنه يعلن المواضيع التي سوف يتوسّع فيها في القسم الثاني من المتتالية: تعليم للشعب في الهيكل (آ 47- 48). وهذا ما يعود في 20: 1؛ 21: 37. والتلميح إلى حصار المدينة (آ 43- 44) سيعود في 21: 20- 22. ومجيء الملك الذي دلّت عليه أعمال قدرته (آ 37- 38)، سيصير مجيء ابن الإنسان بالقدرة والمجد (21: 27). واقتراب يسوع من المدينة ووصوله إلى جبل الزيتون (آ 29) سيتحوّل إلى اقتراب "فدائكم" (21: 28)، إلى اقتراب ملكوت الله الذي يشبّه بالصيف (21: 30- 31). في هذا الوقت، كان يسوع يقضي لياليه في جبل الزيتون (21: 37؛ رج 22: 39).
"بيتي يكون بيت صلاة" (آ 46). إن تذكر نبوءة أشعيا هذه (56: 7) ساعة دخل يسوع إلى الهيكل ذاهباً إلى لقاء أبيه، ترافقه إشارة تقول بأنهم قرّروا أن "يهلكوه" (آ 47؛ رج مر 11: 18). هم، أي عظماء الكهنة والكتبة ووجهاء الشعب. وهكذا أخذ يدشّن الموقف الذي فرضه على تلاميذه ليواجهوا مجيء ابن الانسان: "الصلاة في كل حين" (21: 36؛ رج 18: 1).
ب- إعلان في الهيكل
هنا وجد يسوع نفسه وحيداً (ذُكر التلاميذ مرة واحدة في 20: 43)، تجاه "كل الشعب" وفي مواجهة مع القوّاد الرسميين: عظماء الكهنة، الكتبة، الشيوخ. وخلال هذين الفعلين الأخيرين يكون "الشعب" بجانب يسوع. واختفاء الفرّيسيين يبرز الطابع السياسي للأحداث المقبلة، معارضةً مع خبر الدخول النبوي والملكي إلى الهيكل. بعد أن اهتمّ يسوع بالهيكل، ها هو يواجه مواجهة مباشرة أصحاب السلطة الدينية والسياسية والاقتصادية.
إنّ مجمل ف 20- 21 يوازي مر 11: 27- 13: 37. وهو ينقسم إلى متتاليتين اثنتين: تتضمّن الأولى الجدالات اللاهوتية في الهيكل (20: 1- 44: رج مر 11: 27- 12: 37)، مع كلام يُوجّه إلى الكتبة (يتوسّع فيه مت 23) ودرهم الأرملة (20: 45- 47؛ 2: 1- 4؛ رج مر 12: 37- 44). وتورد المتتالية الثانية الخطبة عن مجيء ابن الانسان (رج مر 13: 1- 37) التي تسمّى عند لوقا "الرؤيا الكبرى" (21: 5- 36). وضمّ متى (21: 23- 25: 46) أمثالاً سيستعيد بعضها لوقا: الابنان (مت 21: 28- 32). المدعوّون إلى العرس (مت 22: 1- 10؛ رج لو 14: 15- 24) وثوب العرس (مت 22: 11- 14). العبد الأمين أو الشرير (مت 24: 45- 51؛ رج لو 12: 41- 46). العذارى العشر (مت 25: 51- 13). الوزنات (مت 1 25: 14- 30؛ رج لو 19: 11- 27). الدينونة الأخيرة أو دينونة الأمم (مت 25: 31- 46). 
إنّ هذه التوسّعات المختلفة في المواد التقليدية، قد تأثرت بالخط الذي اتخذه الإنجيلي. فعند مرقس، دفعت الجدالات في الهيكل ومجيء ابن الإنسان في المجد، دفعت القارئ لكي يدرك عمق السرّ في حياة يسوع وموته. ودفع مت المسيحي إلى الدخول في التتمّة التي هي المسيح. فالمسيح دخل في مجد أبيه، وهو يقود على خطاه كل أبناء الملكوت. لقد فصل متى ومرقس فصلاً واضحاً بين مجموعتي النصوص. فالخطبة عن مجيء ابن الإنسان تتوجّه بالأحرى نحو الآلام والمعنى الذي تتخّذه هذه الآلام بالنسبة إلى المؤمنين.
أما عند لوقا، فالعلاقة مع آلام يسوع وموته، قد عبّر عنها منعطف ف 13 وصعود يسوع إلى أورشليم. وبُنيت خطبة ف 21 بموازاة خطبة ف 17: من جهة، قراءة لمصير كل إنسان. ومن جهة ثانية، قراءة لمصير البشريّة على ضوء مصير المسيح وفي ديناميّته. لهذا كان الجدال أكثر من "ممارسة مدرسية". كان حواراً حول الخيار الذي اتخذه يسوع. والسؤال المعروف في العالم اليهوديّ عن أعظم الوصايا في الشريعة، لم يعد له مكان في هذا الإطار. لقد جعله لوقا في فم عالم الناموس (10: 25- 28) الذي روى له يسوع مثل السامري الرحيم (10: 29- 37).
في ف 20 نجد البداية المعروفة: "وحصل" (وحصل إذ كان يعلّم).هي المرة الأخيرة يرد فيها هذا الفعل قبل أخبار القيامة (24: 4، 15، 30، 51). إذاً لم تكن المعالم التدوينيّة في ف 20- 21 واضحة كل الوضوح، إلا أنها تكفي لكي تبرز مسيرة الخبر.
نلاحظ أولاً الأهمية التي يتخذها "الشعب" (هو لاوس) في هذه المتتالية. ترد كلمة "لاوس" 36 مرة في لوقا، و10 مرات بين 19: 47 و21: 38. و8 مرات في أناجيل الطفولة. استعمل مرقس اللفظة مرتين، متى 14 مرة، يوحنا مرتين أو ثلاثة، أع 48 مرة. تكلّم لوقا عن "كل الشعب" في ولادة يسوع (2: 10) وفي عماده (3: 21). في 7: 29؛ 8: 47؛ 9: 13؛ 11: 53، 18: 43؛ 19: 48؛ 20: 6، 45؛ 21: 38؛ 24: 19 مع تلميذي عماوس. إذن 12 مرة في لو و7 في أع. 
إن الاستعمالات العشرة في 19: 47، 48؛ 20: 1، 19، 26، 45؛ 21: 23، 38. هي خاصة بلوقا. أربع مرات حل "الشعب" محل "الجمع" في مر (19: 48؛ 20: 6، 19، 45). وكل مرّة برزت معارضة بين الناس الذين مع يسوع وبين رؤسائهم الروحيين والسياسيين، أعطى لوقا هذه اللفظة (المستعملة في السبعينية لتدلّ على شعب الله) بُعداً لاهوتياً: إنه اسرائيل حين رفض أن يتعرّف إلى مخلّصه ومسيحه. كان جاهلاً فلم يشارك رؤساءه في جريمتهم. وبين المعارضين نجد "عظماء الكهنة والكتبة" (19: 47؛ 20: 1، 19؛ 22: 2، 66؛ 23: 10؛ رج 9: 22) الذين يتابعون عمل "الكتبة والفريسيين" (5: 21، 30، 6: 7؛ 11: 53؛ 15: 2)، ويتحالفون بعض المرات مع الشيوخ (9: 22؛ 20: 1، 22: 52؛ رج 7: 3). وسنجد فيما بعد "الرؤساء" (أو: الاقطاب) في 23: 13، 35؛ 24: 10.
3- التعليم الذي نستخلصه من النصّ
أ- مصير يسوع النبي والملك
ليس ملكوت الله إيديولوجية أو برنامجاً مجرّداً، بل هو حدث يدخل في حياة البشر ويُلزم وجودهم الشخصي. في هذا الإطار، ينير مصيرُ يسوع تاريخ البشر ويوجّهه نحو الآب.
فبعد مثل الدنانير، لم نعد أمام المصير الفردي. لم نعد في طريق، بل على جبل الزيتون وتجاه المدينة (19: 29)، أو في الهيكل، بيت الله (19: 46). إنّ خبر دخول يسوع النبويّ لا يذكر حتى اسم أورشليم. بل إن لوقا يلغي (أو: ينقله من مكانه) العناصر التي تشكّل وساطة بين الهيكل والخارج. ألغى حدث التينة اليابسة ومثل الإبنين، ونقل مثل العرس. ثم إن الخبر لا يتحدّث إلاّ مرة واحدة عن انتقال يسوع من جبل الزيتون إلى الهيكل (19: 29- 45)، وذلك قبل الخاتمة (21: 37- 38).
إن هذه الرسمة التدوينية تعود بلا شك إلى رؤيتي حزقيال. تدلّ الأولى على ذهاب مجد الرب من الهيكل (حز 11: 22- 33) قبل أن ينضمّ إلى المنفيين على جبل كبار (رج حز 1: 1- 28). والرؤية الثانية تدلّ على عودته إلى الهيكل بعد المنفى (حز 43: 1- 9).
في هاتين الرؤيتين، يقدّم النبي تقديماً لاهوتياً نجاة اسرائيل كحدث خلاص. وكما أعلن انطلاق حضور الله وتوقفه على الجبل الشرقي (قال الترجوم: جبل الزيتون) قبل أن يلاقي المنفيين، تنبَّأ أيضاً عن عودته، عن زيارته (افتقاده) (رج لو 19: 44) لشعبه ليقيم معه إلى الأبد. ففي التدوين اللوقاوي، يمثّل اقتراب يسوع من جهة جبل الزيتون و"احتلاله" للهيكل بعد أن أخرج الباعة منه تتمة نبوءات حزقيال: لقد جاء مجد الرب لكي يقيم وسط أبناء اسرائيل.
غير أن تقارباً آخر يحدّد شكل هذا السكن داخل انجيل لوقا: خبر الافخارستيا في جماعة الاثني عشر (22: 1- 20). فهناك توازٍ في العبارات بين مشهد تهيئة الدخول المسيحاني ومشهد تهيئة الفصح. فالرسمة الأساسية هي هي: أرسل يسوع اثنين من تلاميذه ليهيّئا مجيئه. ودلّهما مسبقاً على العنصر الذي يساعدهما على الذهاب (الجحش، رجل). ألغي اسم المدينة هنا وهناك، وكانت النهاية الهيكل أو العلّية في البيت. قادنا الانتقال الأول إلى المعبد حيث يجتمع اليهود. ووصل بنا الانتقال الثاني إلى جسد المسيح ودمه، إلى المركز الذي يبني الملكوت.
وهكذا بدا الدخول إلى أورشليم، في نظر لوقا، محطّة في الطريق. اذا كان يسوع قد اقترب من المدينة فلأنه أراد في النهاية أن يدخل إلى البيت. لا كالمسيح على جحش ابن أتان، بل كرجل يحمل جرّة ماء (22: 10). وفي المدى الجديد الذي هو العليّة، صار الذين تقبّلوا جسده ودمه حجارة في الهيكل الجديد.
ونتساءل: ما معنى جبل الزيتون والهيكل في هذا السياق؟ يرتبط جبل الزيتون ارتباطاً واضحاً بالليل (21: 37): إنه موضع النزاع (22: 39). وهو يمثّل عالم الصمت. وهو موضع الصعود (24: 50؛ رج أع 1: 12). إنه يدلّ على دخول يسوع في قلب العالم، على امحّاء الله الذي هو حضور وبركة (24: 50- 53؛ رج أع 3: 26)، وينبوع نموّ للملكوت.
والهيكل هو الموضع الذي فيه يلاقي الشعب الله. كانت خيمة الشهادة في البريّة فبنى سليمان بناء حجرياً اعتبره اسطفانس مقاومة للروح القدس وربطه باضطهاد الانبياء (أع 7: 44- 53). في هذا الهيكل، أطلق يسوع كلمته النبوية والتزم الدخول في حياتنا (ف 20- 21). ولكنهم سيعارضون شهادته ويقودونه إلى الموت. أما هو فسيعيد إلى الهيكل مدلوله المرتبط بالخروج والعبور (9: 31)، مدلوله كطريق نحو الآب (24: 45- 46) بواسطة الموت والقيامة.
هنا نلاحظ النتائج الكرستولوجية لهذه الرمزية اللوقاوية. فمنذ الآن يستطيع يسوع أن يعلن "الملك" (19: 38)، "الرب والمسيح" (أع 2: 36) بعد أن نال الروح القدس وأفاضه (أع 2: 33) فكمّل صورة موسى والملك: أدخل شعبه إلى أرضه وساسه باسم الله. إنه "القائد والمخلّص" الذي رفعه الله (أع 3: 15؛ 5: 31). ولكنه يبقى في مقدّمة السائرين في طريق الخلاص. إن لقب "ملك" الذي أعطي ليسوع سيزول من أع لأنه ارتبط بالبعد الأرضي لخروجه. سيحلّ محله لقب "الرب" عبر لقب "ابن الانسان" فيشير إلى تلاشي يسوع وعبوره في الموت (9: 44؛ 24: 7) كما يشير إلى مجيئه في المجد (22: 69؛ أع 7: 56). واذ بدا يسوع كالنبي كشف نفسه شاهداً لكلمة النعمة التي تلفّظ بها في الهيكل قبل أن يعلنها على الصليب بصفته وسيط رحمة الآب.
ب- مصير يسوع ومصيرنا
كيف ينير مصير يسوع النبي والملك المنصَّب في أورشليم ليموت فيها، كيف ينير مصير يسوع الذي صار رباً ومسيحاً حين ارتفع عن يمين الآب؟ كيف ينير حياتنا الذاهبة إلى الموت؟ هذا هو السؤال الذي تطرحه الرؤيا الصغيرة (ف 17) والرؤيا الكبيرة (ف 21). ما هو الفارق بينهما؟ وأية علاقة بينهما وبين ابن الانسان؟ وبعبارة أخرى، نتساءل كيف أنّ يسوع، ابن الانسان، يتدخّل في مصير جماعاتنا ولا مصير البشرية؟ كيف نوفّق بين "يجب" (ينبغي) الني يشرف على حياة يسوع مع الحرية البشرية وثقل النظم الاجتماعيّة والتاريخيّة؟
نبدأ فنتساءل: ما هي فكرة لوقا عن الزمن والتاريخ في ضوء مصير يسوع؟ نتذكّر هنا تواتر فعل "حصل" (غينساي) في لوقا. يرد 129 مرة في لو، 124 في أع، 75 مرة في لا، 55 في مر، 51 في يو. نتذكّر هنا بداية المقاطع مع "وحصل" (23 مرة) "قد حصل" (15 مرة) وعبارة "ما قد حصل" (5 مرات في لو، 5 في أع). يدل هذا الاستعمال في نظر لوقا، على أن بعض الأحداث ترتدي أهمية لافتة وتتّخذ ثقلاً حاسماً بالنسبة إلى يسوع.
نستطيع أن نقرّب هذا الاستعمال من لفظة "اليوم" (سامرون). يستعملها لوقا 11 مرة في لو و9 في أع (8 في مت، مرة واحدة في مر، غابت من يو). نلاحظ في شكل خاص 2: 11 (اليوم ولد مخلّص)؛ 4: 21 (اليوم تمّت هذه الكتابة): 19: 9 (اليوم حصل الخلاص)؛ 23: 43 (اليوم تكون معي).
تدلّ مفردة "اليوم" على زمن الخلاص الذي تدخّل في قلب الواقع البشري، حيث تحصل الأمور. فوقائع الحياة ليست فقط أعمالاً عابرة، إنها أيضاً أحداث (ريماتا، 19 مرة في لو، 14 في أع، 5 في مت، 2 في مر، 12 في يو) تُعطى لنا فيها كلمة (لوغوس) تحيا، يُعطى لنا فيها ابن الإنسان الآتي. نشير إلى أن "لوغوس" ترد 33 مرة في لو (منها 16 في صيغة المفرد) وهي تدلّ على كلمة الله أو كلمة يسوع. وفي أع 65 مرة (مت: 33؛ مر: 24؛ يو: 40). أما "ريما" (كلام، حدث) فتدلّ على تدخّل الله ووحيه في وجود البشر (في العبرية: د ب ر).
في هذا السياق يتخذ الفعل "يجب" (ينبغي) كل معناه. يرد 18 مرة في لو، 23 في أع (مت: 8، مر: 6، يو: 10). نجده بشكل عام في فم يسوع، خصوصاً في أربعة مواضع تدلّ على مصيره. خلال وجوده في الهيكل: "يجب أن كون عند أبي" (2: 49). وقبل اختيار الرسل قال: "يجب أن أبشرّ المدن الأخرى" (4: 43). وقال: "لا يجب أن يهلك نبيّ خارج أورشليم" (13: 33). وقال لزكا: "يجب أن أقيم في بيتك" (19: 5).
وهناك ستة استعمالات لفعل "يجب" ترتبط بمصير "ابن الانسان". "يجب على ابن البشر أن يتألمّ كثيراً" (9: 22). "يجب عليه من قبل أن يتألم كثيراً" (17: 25). "يجب أن تتمّ فيَّ هذه الكتابة" (22: 37). "يجب على ابن الانسان أن يُسلم إلى أيدي الخطأة ويُصلب" (24: 7). "أما كان ينبغي للمسيح أن يكابد هذه الآلام" (24: 26)؟ "يجب أن يتمّ جميع ما كُتب عني" (24: 44). أما الاستعمالات الباقية فتعني بالأحرى إرادة الله مش خلال الأحداث التي تحصل. يتجاوب 13: 14 و13: 16 فيدلاّن على ملحاحيّة عمل الله الخلاصي. ويبرز 15: 32 تقبّل الآب الرحوم لابنه. في 11: 42 نجد نظرة إلى إلىرسة، وفي 18: 1 إشارة إلى دينامية الحريّة في قلب أحداث العالم. وفي النهاية، نحن أمام تمييز يمنحه الروح القدس للمؤمنين الذين يعرفون الاضطهاد (12: 12).
كل هذا يفترض "قصد الله" (بولي تو تيو، 7: 30؛ 23: 51؛ أع 2: 23؛ 4: 28؛ 13: 36؛ 20: 27). يستعمل سائر الانجيليون "إرادة" (مشيئة) الله (تالاما): مت: 6 مرات. مر: مرة واحدة. يو: 11 مرة. يستعملها لوقا 3 مرات ليتحدّث عن الله (11: 2؛ 12: 47؛ 22: 42)، ومرة واحدة ليتحدّث عن الانسان (23: 25). رج أع 13: 22؛ 21: 14؛ 22: 14. ونرى مراراً أن قصد الله يتعارض وقصد البشر (23: 51؛ أع 27: 12، 42).
هذا القصد ليس قدراً أعمى يمارسه الله لا البشر. إنه إرادة خلاصية تحرّك حرية الانسان بحرية ابن الانسان. إن قصد الله الخلاصي يعمل عبر أمانة ابن الانسان. فما هو موضع الالتزام الفردي عند كل واحد منا؟ إذا تطلّعنا إلى لقاءات يسوع، إرتبطت بخطين. هناك موضوع شفاء. وفي هذه المناسبة تُقال كلمة فيصل صداها إلى أبعد من الحدث. مرة واحدة أعطى يسوع توصية (8: 39: عد إلى بيتك)، ولكنه اعتاد أن يطلب الانفتاح على النعمة التي تقدّم لنا. ولكن بعد الصعود إلى أورشليم، إرتسم نمط آخر من اللقاء: إن يسوع يطلب مشاركة واضحة في مصيره، ويدعو إلى التزام يحرّك حرّية الانسان.
خاتمة
الحدث الذي يشكّله الملكوت يكشف عن ذاته في عمل به يجعل يسوع حياتنا مطابقة لحياته عبر الخيارات تجاه موتنا ونظمنا العابرة. فمجيء يسوع في تاريخنا البشري يخلق تضامناً بيننا وبينه. بعد هذا يصبح هيكل الله حياة كل انسان. وهكذا برز بُعدا حياة يسوع على الأرض كما اكتشفناهما في مشهد العماد: اعتمد مع الشعب كله، فدلّ على تضامنه معه. وكان في وضع صلاة فدلّ على ارتباطه بالآب. وستقدّم العنصرة لكلّ الذين يدعون باسم الرب (أع 2: 21) الروح القدس الذي يجعلهم مشاركين في مصير يسوع.
الفصل الخامس
دخول يسوع إلى أورشليم
19: 28- 40

إنّ دخول يسوع إلى أورشليم يرد في الأناجيل الأربعة. الاختلافات عديدة بين إنجيل وآخر، منها اللافت ومنها الذي نكاد لا نراه. لهذا السبب، سننطلق من نظرة شاملة إلى انجيل لوقا ثم نعود إلى ما تقدّمه الأناجيل الأربعة عن هذا الحدث المسيحاني الذي انطلق من جبل الزيتون ليصل إلى أورشليم. هناك أُعلن الملك الآتي باسم الرب. هناك أعلن المجدُ في الأعالي والسلام في السماء على ما أنشد الملائكة ليلة الميلاد.
1- نظرة اجمالية إلى النص
مع هذا الحدث يبدأ القسم الخامس من انجيل لوقا. لقد انتهى سفَر يسوع الطويل (الصعود إلى أورشليم). وعاد لوقا فانضمَّ إلى الأناجيل الثلاثة لكي يروي دخول يسوع إلى أورشليم. يكرَّس هذا القسم من الإنجيل اللوقاوي بشكل خاص، لعمل يسوع في الهيكل الاورشليمي. فالأحداث الأربعة (28- 40، 41- 44، 45- 46، 47- 48) هي أحداث انتقالية، لأنها تبدو أيضاً كقمّة في السفَر الذي تحدّثنا عنه. وهي في الوقت عينه تصوّر بشكل عام اقتراب يسوع وردّة الفعل هناك. أورشليم هي مدينة مصيره وهيكلها هو بيت أبيه.
هيّأ لوقا قرّاءه لهذا القسم من الإنجيل بإشارات عديدة إلى أورشليم التي طبعت بطابعها صعود يسوع إليها. في 9: 51: صمَّم أن ينطلق إلى أورشليم. في آ 53: كان متوجّهاً إلى أورشليم. في 10: 30: رجل منحدر من أورشليم. 13: 4: الساكنين في أورشليم (رج 13: 22، 33، 34؛ 17: 11؛ 18: 31: ها نحن صاعدون إلى أورشليم، 19: 11: كان قد اقترب من أورشليم).
مع هذا الحدث الأول من هذا القسم (19: 28- 40)، وصل يسوع إلى جوار المدينة واستعدَّ للدخول إليها حيث ينادى به ملكاً (وسيذهب إلى الهيكل مباشرة. يضع يده عليه كما على المدينة وكأنهما يخصّانه). وهذا الحدث يتمّ أيضاً ما أعلن في 13: 35. فقد قال يسوع في رثائه لأورشليم: "أردت أن أجمع بنيك، فلم تريدوا. فها هوذا بيتكم يُترك لكم خراباً. وأقول لكم: لن تروني حتى تقولوا: مبارك الآتي باسم الرب".
أ- نواة الحدث
تعود نواة هذا الحدث الذي هو دخول يسوع الملكي إلى هيكل أورشليم، إلى إنجيل مرقس (مر 11: 1- 10؛ مت 21: 1- 9). عمل لوقا كما فعل متى، فأعاد صياغة الحدث ليتوافق مع هدفه، ولكنه هكذا حوّل مواد مرقس بعد أن أقحم في المتتالية الحدثين السابقين (زكا العشار، 19: 1- 10، مثل الدنانير، 19: 11- 27). لقد ألّف لوقا آ 28 لتكون مقدّمة انتقالية. إنها تربط هذا الحدث بالمثل الذي سبقه (يسوع هو الملك العائد إلى ملكه، 19: 12) وتعود نواتها إلى المعين. وإن آ 29- 38 ترد كما في مرقس بعد أن ألّف لوقا آ 37 وزادها. حاول بعض الشرّاح أن يبيِّنوا أن لوقا استعمل غير مرقس في تأليف آ 29- 36، 38، ولكن البرهان لم يكن مقنعاً.
إنّ تدوين لوقا واضح. في آ 29: وحصل. في آ 30، تحويل الفعل اليوناني "أتى به" (رج آ 35). في آ 31: ألغى لوقا نهاية الآية: "ثم يردّه إلى هنا سريعاً" (مر 11: 3). استعمال جملة اسمية في آ 33: وفيما هما يحلاّن الجحش. وفي آ 34، وضع لوقا الخطبة المباشرة. قالا: "الرب يحتاج إليه" (مر 11: 6: قالا لهم كما قالت يسوع). في آ 36، لم يذكر لوقا الاغصان (مر 11: 8) بل اكتفى بالقول: "أخذ الناس يفرشون أرديتهم". في آ 38 زاد "الملك" وأغفل "هوشعنا"، كما أغفل العودة إلى مملكة داود أبينا، وأحلّ محلّها نداء آخر: "السلام في السماء والمجد في العلى". مع أن هذا التدوين ضمّ في بعض وجهاته عنصراً أو عنصرين من التقليد اليوحناوي، إلا أن هذا التأثير لا يدلّ على وجود مرجع آخر غير مرقس. 
ونعود إلى آ 39- 40. أولاً: لسنا مؤكدين بأن هاتين الآيتين تعتبران جزءاً من هذا الحدث، لاسيّما وأن بعض الشرّاح يربطونهما مع آ 41- 42. ثانياً: يبدو أنهما شكل قريب من ست 21: 15- 16. ثالثاً: هناك شرّاح يعتبرون آ 37- 40 وحدة متكاملة. هذه النظرة الأخيرة تهمل التشابه بين آ 38 وهدف لوقا.
زاد لوقا آ 37 في موضع دراماتيكي من انجيله ليبرز هذا الموضع الجغرافي القريب من أورشليم، ويجعل المديح لله من أجل المعجزات التي صنعها يسوع يصل إلى المدينة المقدسة.
ب- لوقا ويوحنا
يشبه هذا الحدث اللوقاوي خبر دخول يسوع إلى أورشليم كما في يوحنا (12: 12- 6). هناك جمع كبير حاضر في أورشليم (من أجل الفصح (12: 1). جاء إلى ملاقاة يسوع ورفاقه، حين عرف أنهم داخلون إلى المدينة. جاء مع سعف النخل وهتفوا: هوشعنا. مبارك الآتي باسم الرب، مبارك ملك اسرائيل. وحين بدأ التطواف، وجد يسوع جحشا فركبه، وهكذا تمت كلمات زك 9: 9 (هناك قسم. والقسم الآخر في أش 40: 9). وزاد الانجيلي تفسيره: لم يفهم التلاميذ علاقة هذا الحدث بالكتب إلا فيما بعد.
هناك أربعة أمور تجعل المشهد اللوقاوي قريباً من المشهد اليوحناوي. الأول: دخل يسوع إلى أورشليم راكباً على حمار. ثانياً: الهتاف المأخوذ من مز 118: 26: مبارك الآتي باسم الرب (استعمل أيضاً في متى ومرض). ثالثاً: زيادة لقب "ملك" (كمّله يو 12: 13 فقال: ملك اسرائيل). رابعاً: يسمّى الحيوان في لو 19: 33، 35 "الجحش" (وهي الكلمة التي استعملها يوحنا حين أورد نص زك 9: 9).
أما الاختلافات بين يوحنا ولوقا فهي كثر أهمية. أولاً: لا يعرف خبر لوقا شيئاً عن الجمع الخارج من أورشليم للقاء يسوع. ثانياً: لا يتحدّث لوقا عن سعف النخل (ابتعد لوقا أيضاً عن مر 11: 8). ثالثا: لا يقول لوقا: ملك "اسرائيل" (ربما لسبب سياسي). رابعاً: سيجهل وجود الحيوان. خامساً: لا يذكر زك 9: 9 وكيف تمّت النبوءة (ربما لسبب سياسي). سادساً: لا يذكر تفسير الانجيلي الرابع حول عدم الفهم عند التلاميذ.
مقابل هذا، يتبع لوقا مرقس، فيصوِّر يسوع. أولاً: آتياً من بيت فاجي وبيت عنيا وجبل الزيتون. ثانياً: عارفاً كل شيء عن الجحش. ثالثاً: مرسلاً تلميذين مع التعليمات لكي يأتيا به. رابعاً: جالساً على الحيوان المجلَّل بالاردية وماشياً على أردية مفروشة على الأرض. خامساً: نازلاً من جبل الزيتون. سادساً وأخيراً: متقبِّلاً تحيّة الناس وهتافهم "السلام في السماء، والمجد في العلى". ونذكر أيضاً أن تطهير الهيكل في انجيل يوحنا لا يرتبط مع خبر دخول يسوع إلى أورشليم.
ج- الأساس التاريخي والمسيحاني
إنّ نواة الحدث (آ 28- 38) تُفهم من الوجهة النقديّة كخبر حول يسوع ارتبطت به آ 39- 40 بشكل إعلان للخبر. فالعلاقة بين آ 39- 40 والباقي، ومختلف الأشكال التي بها وصل خبر يسوع إلينا، تطرح علينا سؤالاً حول تاريخيته. إذا كانت آ 39- 40 شكلاً مستقلاً عن مت 21: 15- 16 حيث الأطفال (لا التلاميذ) يلامون، فيردّ يسوع على هذه التهجّمات بإيراد من مز 8: 3. حيئذ يُطرح سؤالا حول موقع هاتين الآيتين وشكلهما في الطبقة الأولى من التقليد الإنجيلي. بالإضافة إلى ذلك، إنّ "وجود" الجحش في خبر يوحنا يتعارض بقوة مع معرفة يسوع المسبقة في خبر الازائيين حول الحيوان (أو الحيوانين كما في مت 21: 7). ثم إنّ استعمال زك 9: 9 بطرق مختلفة في الأناجيل الازائية يطرح سؤالاً.
إستعمل لوقا لفظة "جحش" (بولوس). وحيث نجد عبارة "ما ركب عليه أحد من قبل" يعكس فكرة مر 11: 2 مع زك 9: 9. أما مت 21: 4- 5 فقد أورد بوضوح زك 9: 9 قائلاً: "وكان هذا ليتمَّ ما قاله النبي". 
إنّ الأساس التاريخي للمشهد قد يكون دخول المسيح إلى أورشليم مع جمهور من الحجّاج الفرحين والمنتظرين الخلاص. وركب يسوع حماراً وهتف له تابعوه كلام مز 118: 26. هنا يجب أن نتذكر أنّ يسوع في التقليد اليوحناوي قد ذهب أقله ثلاث مرات إلى أورشليم (2: 13؛ 5: 1؛ 12: 12). أما التقليد الازائي فلا يعرف ليسوع إلاّ صعوداً واحداً إلى أورشليم من أجل عيد الفصح (مر 14: 1؛ مت 26: 2؛ لو 22: 1). جاء الحجّاج إلى عيد حنوكة (أو تدشين الهيكل) أو عيد المظال. ودخل يسوع معهم.
هل إن لدخول يسوع إلى أورشليم إشارة مسيحانية في نظر رفاقه (الطبقة الأولى في التقليد الانجلي)؟ من الصعب أن نقدِّم جواباً على هذا السؤال. ولكن حين نما التقليد الانجيلي (الطبقة الثانية والطبقة الثالثة)، فُهم هذا الدخول بشكل مسيحاني.
يقول كومل: إذا كان يسوع دخل إلى أورشليم راكباً على حمار وسط هتاف الجموع، واذا كان التلاميذ قد تذكّروا هذا الواقع فيما بعد، فهذا يعني أن يسوع جعل نفسه في خط زك 9: 9. فالرابانيون قد طبّقوا هذه الآية على المسيح، فعرفها يسوع كما عرف معناها. ولكن لم يؤثِّر التأويل المسيحاثي لنص زك 9: 9 على انتظار مسيحاني ناشط. غير أنّ يسوع ربط نفسه بهذه النبوءة وأظهر أنه يريد أن يكون مسيحاً بدون أبهَّة، أنه يريد أن يكشف عن ذاته في عمل وضيع يرتبط بنهاية الأزمنة.
عمل لوقا مع مرقس فبدّل بعض التفاصيل في خبر دخول يسوع إلى أورشليم. إهتم بأن لا يُفهم دخولُ يسوع إلى أورشليم كحدث اسكاتولوجي (وصول مملكة أبينا داود، مر 11: 10). أو كحدث سياسي (إعادة الملك إلى اسرائيل، أع 1: 6). بل إن يسوع جاء إلى أورشليم كأحد الحجّاج، فهتف له الناس كما للملك، وهيَّأ مصيره، آلامه، وانتقاله إلى الآب.
د- معنى الحدث في انجيل لوقا
أولاً: سار يسوع في طريقه من الجليل، فدخل إلى مدينة مصيره وهدفِ كل تجوّلاته (23: 5)، إلى الموضع الذي منه "يُرفع" (9: 51)، إلى موضع عبوره (إكسودس) إلى الآب (9: 31).
ثانياً: لم يدخل يسوع فقط إلى مدينة مصيره، بل إلى هيكله. ولما يدخل فقط كحجّ من الحجّاج آتٍ من أجل الفصح بعد أن حيَّاه الحجّاج بالتحيّة المسيحانية (مز 118: 26)، بل "الملك" و "ذاك الآتي" (نفهم في المعنى اللوقاوي هذه العبارة). هذه التحية تذكِّرنا بـ 13: 35 حيث ذُكر الاستشهاد في خبر الصعود إلى أورشليم. أما الآن "فالآتي" ليس فقط عبارة ملكية تعطى له، بل صدى يتوافق مع سؤال حمله وفد أرسله يوحنا من سجنه: "هل أنت هو الآتي" (7: 19)؟ وبكلمة أخرى، إن التحية التي هتف بها "حشد التلاميذ" (آ 37) هي مثقلة بمدلول أخذته من ملاخي (3: 1. من هنا أخذ الازائيون لقب الآتي).
إذن دخل يسوع أورشليم "الملك"، "ذاك الآتي" وكتتمّة نبوءة ملاخي. قالت السبعينية في مت 3: 1: "ها أنا مرسل رسولي وهو يهيِّئ الطريق أمامي. وفي الحال يأتي الرب الذي انتظره إلى هيكله ومرسل الله الذي تنتظرون. ها هو آتٍ، يقول الرب القدير". لهذا ذهب يسوع مباشرة إلى "الهيكل" (آ 45) كما يقول لوقا.
ثالثاً: اعترض الفريسيون على هذا الهتاف يطلقه التلاميذ ليسوع. وشرح يسوع كالمعلم: "إن سكت هؤلاء صرخت الحجارة" (آ 40). لا بدّ من هذا الهتاف حتى لو جاء من الحجارة التي بها بُنيت أورشليم بناءً محكماً (مز 122: 3). وكما في بداية خبر الصعود إلى أورشليم، رفض السامريون أن يدخل يسوع إلى قراهم (9: 52- 53)، فالفريسيون يرفضون الآن دخوله إلى أورشليم (تساوى السامريون واليهود).
"إقتربت أيام ارتفاعه" (9: 51). قد جاءت هذه الأيام ولكن بمعنى جديد مع أن "ملكوت الله" لا "يوشك أن يظهر" (19: 11). فالآن "كل ما كُتب في الانبياء" عنه قد تمّ (18: 31) في هذه المدينة. ستحمل "هذه الأيام" يسوع عبر الألم إلى "المجد" (24: 26) وتفتح الطريق من أجل تاريخ الخلاص. فيكمّل طريقه بواسطة الشهود الذين رافقوه من الجليل، الذين جنَّدهم للعمل وسلّمهم المهمة (24: 48).
إن الدخول إلى هيكل أورشليم هو تدشين مرحلة الآلام، وهو المرحلة الأخيرة في حياة يسوع. ولكن قبل بداية الآلام الخاصة، عليه أن يمارس في أورشليم رسالة التعليم في الهيكل. هو يصل الآن. لم نعد في المعنى الاسكاتولوجي ولا في المعنى السياسي. هو لا يأتي ليقيم الملك في أورشليم. إنه يأتي كملك أورشليم ومنها ينطلق السلام السماوي في طريق جديدة. وهذا التشديد على يسوع "الملك" في مشهد الدخول سيتواصل في خبر الآلام.
2- التقليد الانجيلي المربَّع
هنا نعود إلى ما يقوله كل من الانجيليين عن حدث هذا الدخول إلى أورشليم
أ- خبر مرقس (11: 1- 10)
نلاحظ خبراً في خبرين. من جهة، أرسل يسوع تلاميذه يهيّئون المطية (آ 1- 6). ومن جهة ثانية، هتفت له الجموع (آ 7- 10). هذه الرسمة نجدها أيضاً في خبر الاستعداد للاحتفال بالفصح (مر 14: 12- 16). هذا يعني أن يسوع رتّب كل شيء كما شاء. مهما يكن السّر حول مستقبل المسيح المباشر الذي فيه دخل التلاميذ، فالأوامر التي أعطيت لهم هي واضحة ولا لبس فيها.
ما نكتشفه عند مرقس هو الحديث عن "مملكة المصلوب". نجد أولاً مقابلة بين لقب "الرب" (الذي لا يرد مراراً عند مرقس كما عند متى ولوقا) ولقب "المعلّم" في 14: 14. هذا وضع فريد في الإنجيل الثاني: يسوع يتحدَّث عن نفسه على أنه "الرب" كما اعتاد أن يعلن نفسه "ابن الانسان". لسنا فقط أمام لقب تهذيبي (السيد) يُحتفظ به للشخصيات الكبيرة أو معلّمي الشريعة (رابي) أو حتى الملك. "كيريولس" تترجم هنا يهوه أي: الرب الإله.
بعد هذا، فالجحش في نظر مرقس هو مطية الملك المسيحاني. والهتاف الذي يرتفع يدل على أنَّ يسوع هو ابن داود، هو الملك، هو ملك اسرائيل، كما قالت الأناجيل فدلت على طريقتها في تأوين مز 118: 25- 26.
إن دخول يسوع إلى أورشليم هو جزء من منطق الوعد الداوديّ الذي أعطي لاسرائيل. ولكن يجب أن ندخل إلى "بقية" اسرائيل ونقاسمه إيمانه لكي ندرك ما يتمّ في "مدينة الملك العظيم" (مز 48: 3). وهذا ما يميّز النبوءة عن تحقيقها.
الآلام هي الحدث العظيم الذي به يرفض يسوع كل تكرار عقيم (كل سنة) فيكفل إلى الأبد أمانة الإنسان لكلمة الله. فالدور الحقيقي للدخول إلى أورشليم هو إيصال المسيح إلى مدينته ليتحمّل فيها الآلام. إنه الملك المنتظر. بل سيعلنه الضابط الروماني: "ابن الله حقاً".
ب- خبر متّى (21: 1- 9)
أولاً: تدوين إجمالي وتأوين الكتب
يستلهم متى في العمق خبر مرقس، ولكنه يقوم أيضاً بتحوّلات عديدة. وهو يرافق يوحنا في استعمال قسم من زك 9: 9. كان هدف متى أن يشدِّد على أتضاع يسوع وتواضعه إِبّان دخوله المسيحاني إلى مدينة الملك العظيم (رج مت 5: 35). إن يسوع هو ملك، شرط أن يكون قبل ذلك "الملك المتواضع". إلى مثل هذا الملك تتوجّه تطويبة الودعاء في مت 5: 5. وكان الملك نفسه قد أعلن: "أنا وديع ومتواضع القلب" (مت 11: 29). 
دخل يسوع إلى أورشليم من أجل مسيرة دراما الآلام، التي بدونها لا يستطيِع أن يكون ملكاً حقيقياً. هنا نفهم إلى أيّ حدّ "مسحن" (أعطى طابعاً مسيحانياً) قول زك 9: 9 المعروف جداً عند اليهود. وألغى عبارة "إبتهجي بكل قواك يا بنت صهيون"، فأزال علامة الفرح (الواضحة جداً عند لوقا). مقابل ذلك، أحلّ محلّها الكلمات الأولى في أش 62: 11، فأشار ساعة كان يستعدّ يسوع ليتحمّل آلامه في أورشليم، إلى نظرة اسكاتولوجية حول أورشليم التي ستعود إلى بهائها بشكل نهائي (أش 60: 1- 62: 12).
ثانياً: حيوانان ومطية واحدة
يذكر متى هنا "الجحش" و"الاتان" (آ 2، 5، 7). إن نص زكا 9: 9 يتحدّث عن حيوان واحد (جحش ابن أتان). أو لا يرتبط بأي حيوان آخر (كالفرس). ووجود الاتان بجانب الجحش يدلّ على أنه ما زال صغيراً. هذا ما يقابل كلام مر 11: 2: ما ركب عليه إنسان.
وتظهر صعوبة أخرى. تقوله آ 7: وضع التلاميذ أرديتهم على الحيوانين وصعد يسوع "عليهما"! هنا لا ننسى الرقم، الذي يرد بتواتر في انجيل متى. فالحماران سيكونان شاهدين. وهما بخصوعهما سيدلاّن أولئك الذين رفضوا أن يسيروا في طريق الرب كيف يتصرفون. هنا نتذكر حمار بلعام (عد 22: 21- 35). رأت الأتان ملاك الرب قبل أن يراه "النبي" بلعام، وخضعت لأوامره قبل أن ينحني النبي ويسجد إلى الأرض. ونتذكَّر أيضاً كلام أش 1: 3: "عرف الثور قانيه والحمار معلفاً هيّأه صاحبه، أما اسرائيل فلم يعرف، وشعبي فلم يفهم".
ثالثاً: "ابن داود" هو "الرب"
جمع الانجيلي الدخول إلى أورشليم مع أعميَي أريحا (كما فعل مرقس). ففي خبر الشفاء (مت 20: 29- 34)، يذكر "الجمع" (آ 31، اوخلودس، يقول لو 18: 39: الذين يسيرون في المقدمة) فيدلّ على الدخول إلى أورشليم. وفي 21: 1- 9 نجد "الجمع الكبير جداً" (آ 8). ثم "الجموع الذين قدّامه والذين وراءه" (آ 9. أي: كل الذين يتبعون يسوع). كل هذه الجموع صرخوا، شأنهم شأن الأعميين: "ابن داود". هذه الإشارة الخاصة بمتى (عبارة مختلفة في مر 11: 9- 10) و لو 19: 38، تشدّد على الرباط العميق بين مت 20: 29- 34 ومت 21: 1- 9. نحن أمام لحظتين احتفاليتين تدلاّن على مرحلتين في مسيرة واحدة: الأولى تدل على الطريق الصاعد من أريحا إلى أورشليم. والثانية، على الدخول إلى أورشليم. 
والمرحلة الثالثة في هذه المسيرة الصاعدة (بها يلتحم أيضاً الدخول إلى أورشليم) هي الهيكل. أبعد متى كلى نصّ يتوسّط الدخول إلى أورشليم والدخول إلى الهيكل (أخّر حدث التينة العقيمة إلى مت 21: 18- 19؛ ق مر 11: 12- 14)، لكي تتوالى المقطوعتان (بل المقطوعات الثلاث إذا حسبنا خبر أعميي أريحا) توالياً تاماً وتلتحمان. في حدث الهيكل، أقحم متى عنصرين خاصين به: شفاء "عميان وعرج" (رج 2 ص 2، 5: 6- 10، تقارب مع داود الذي يحتلّ أورشليم). حدث الأولاد الذين يهتفون هم أيضاً ليسوع: ابن داود.
أين يتمّ هذا الهتاف؟ في الهيكل، قلب مدينة الملك العظيم. وهو يعود بشكل ضمني ولكنه واقعي إلى مز 8: أيها الرب ربنا، ما أعظم اسمك في كل الأرض (آ 2، حسب السبعينية). وهكذا نجد التلاءم بين "ابن داود" و"الرب". وكنّا قد وجدناه في هتاف الأعميين: "ارحمنا، يا ابن داود" (20: 31). وهكذا نكون في مسيرة ليتورجية مع محطات ثلاث، في مسيرة حجّ تنتهي بتتويج المسيح في مسكن الرب الوحيد في أرض اسرائيل. 
وسيعطي خبرُ الآلام هذا التتويج مدلوله الحقيقي. فـ "ابن داود" الذي نهتف له، هو الملك المتواضع (آ 5). وهو أيضاً ابن الإنسان الذي يصعد إلى أورشليم لكي يسلّم (20: 18: الانباء الثالث بالآلام). إن "ابن داود" هو "الرب" حين يكون "الملك المتواضع". هذه هي قمم ثلاث في انجيل متى.
ج- خبر يوحنا (12: 12- 19)
إن نص يوحنا ليس خبر دخول إلى أورشليم. ففي نظر يوحنا، قد جاء يسوع في السابق إلى هذه المدينة خلال رسالته العلنية. فالطريق التي تقود هنا إلى أورشليم (آ 12) هي موضع "مظاهرة". إختلف يوحنا عن مرقس ومتى اللذين يجعلان "مسحة بيت عنيا" في بداية خبر الآلام (مر 14: 3- 9؛ مت 26: 6- 13)، فجعلها حالاًَ قبل "الدخول المسيحاني" (12: 1- 11: يسوع يُمسح كملك).
أما الخبر فيختلف بشكل ملحوظ عمّا في الاناجيل الثلاثة. غير أن هناك تقارباً بين يوحنا ومتى (إيراد زك 9: 9)، وتقابلاً بين يو 12: 17- 18 (آية لعازر) ولو 19: 37 ("المعجزات" التي جعلت النالس يهتفون).
ما هو موقع ومضمون فعلات الشعب وكلمات الهتاف؟ إختلف يوحنا عن الازائيين الثلاثة، فحدّد موقعها في القسم الأول من خبره. وسبب هذا القلب نجده في كلمات الهتاف نفسها: "ذاك الآتي" هو "ملك اسرائيل". طبع النصَّ بطابع سياسيّ ووطنيّ (رج 1: 49؛ 6: 14)، فابتعد كل البعد عن العبارة الموازية في لوقا.
في القسم الثاني من الخبر اليوحناوي (آ 12 ي)، قام يسوع بفعلة نبوية (غير منتظرة): وجد جحشاً فركب عليه. إن ايراد الكتاب المقدس الذي يلي هذه الفعلة يعطيها بُعدها وأهميتها. "ها ملكك يأتي" (زك 9: 9). أغفل يوحنا تفكير يسوع السابق في عمله، واستعدادات التلاميذ له، كما أغفل عبارة متى "وديعاً وراكباً على جحش". فالعنصر الذي يفهمنا هذا الايراد نجده في كلماته الأولى: "لا تخافي، يا ابنة صهيون". يعود هذا النص إلى صف 3: 14- 16: "ترنّمي، يا ابنة صهيون... الرب ملك اسرئيل هو في وسطك فلا ترين شراً من بعد. في ذلك اليوم يقال لأورشليم: لا تخافي يا صهيون".
تلك هي خلفيّة نص يوحنا وسياقه المباشر وتسمية يسوع "ملك اسرائيل". إن الصورة (الإلهية) للملك قد تعرّت من كل أثر "وطني" في صف 3. فقد دخلت في مجموعة أقوال تبدأ بهذه الكلمات: "في ذلك اليوم أجعل للشعوب شفاهاً طاهرة ليدعوا باسم الرب ويعبدوه بقلب واحد" (آ 9). هذه هي الصورة التي يُسقطها يوحنا على "ملك اسرائيل" كما هتفت له الشعوب.
إن تقديم ملكية المسيح بشكلها الشامل، على مثال ملكية الله نفسه في أورشليم (صف 3: 15 ب)، تنطلق من اسرائيل إلى سائر الشعوب. هذا ما يقوله يوحنا في 12: 19. وهذا ما يهيّئ الطريق لوَحْي يقدّمه يسوع لليونانيين (12: 0 2)، ساعة تمجيد ابن الإنسان (12: 23).
3- خبر لوقا (19: 28- 40)
نبدأ ببعض ملاحظات تفصيلية، ثم نتحدّث عن موضوعين خاصين بلوقا.
أ- ملاحظات تفصيلية
أولاً: آ 28- 29
"بعد أن قال هذا" (آ 28)، يعني بعد أن أكمل مثل الدنانير (19: 11- 27) مع إشارة إلى شخصه كملك ذهب إلى أرض بعيدة ليأخذ لنفسه لقب ملك. لهذا لن يأتي الملك حتى يعود مع هذا اللقب الذي منحه الله إيّاه بجدارة. وقبل عودته، عليه أن ينتقل إلى أبيه، إلى حين خروجه و عبوره (9: 31).
"إنطلق يسير في المقدمة". هو فعل "بورويستاي" الذي يعود في ذروة هذا المشهد. هو في الماضي، وهذا ما يدل على التواصل والاستمرار. هو دوماً يسير أمام تلاميذه. فيبقى عليهم أن يتبعوه (رج مر 10: 32؛ ق لو 18: 31). تحرّك من الشرق، من أريحا، إلى أورشليم، إلى الغرب.
"دنا من بيت فاجي وبيت عنيا" (آ 29). حين يصعد الإنسان في الطريق الرومانية، من أريحا إلى أورشليم، يمرّ قرب بيت فاجي وبيت عنيا القريبتين والواقعتين على التلة المشرفة على أورشليم من الشرق (فوق وادي قدرون). تبع لوقا مر 11: 1 حين ذكر بيت فاجي وذكرها قبل بيت عنيا. بسّط متى مرجعه فذكر فقط بيت فاجي (مت 21: 9).
كانت بيت فاجي (التين الفجّ قدّمه مع خبر التينة العقيمة) قرية صغيرة على جبل الزيتون، ولكن موقعها بالضبط ليست معروفاً. يماثلونها اليوم مع ابوديس إلى الجنوب الشرقي من بيت عنيا وفي المنحدر الجنوبي الشرقي لجبل الزيتون. نحسّ لدى قراءتنا لوقا الذي يتبع مرقس، أن المسافر الآتي من أريحا يمرّ أولاً في بيت فاجي ثم في بيت عنيا. ولكننا لا نستطيع أن نستخلص الشيء الكثير من ترتيب مرقس لهاتين القريتين. بعد الصليبيين، حدّد بعضهم بيت فاجي في كفر الطور، في الجبل.
وكانت بيت عنيا قرية صغيرة أخرى، تبعد 3 كلم تقريباً إلى الشرق من أورشليم وعلى المنحدر الغربي لجبل الزيتون. ذُكرت في يه 1: 19 (حسب السبعينية: باتاني أو بيت عاني) وربما في نح 11: 32 (عنَنية). هي بيت العناء والفقر والحزن، أو ربما بيت حنانيا، بيت عنانيا (لا وجود للحاء أو العين في اليونانية). ستُذكر بيت عنيا أيضاً في 24: 50؛ رج مر 11: 1، 11، 12؛ 14: 3؛ مت 21: 17؛ 26: 6؛ يو 11: 1، 18؛ 12: 1 (لا نخلطها مع بيت عنيا بجانب الاردن، يو 1: 28). اليوم تُسمى القرية العازارية بعد أن حدّد موقع مدفن لعازر على يد أحد الحجّاج في القرن الرابع.
"الجبل المسمّى جبل الزيتون". هذه تلة من عدة تلال تشرف على أورشليم من الشرق وعبر وادي قدرون. وتمتدّ هذه "السلسلة" من الشمال إلى الجنوب على امتداد ثلاثة أميال تقريباً مع ثلاث "قمم" أعلاها رأس المشارف (أو جبل سكوبوس). إن القمة المركزية اعتُبرت دوماً جبل الزيتون (زك 14: 4). أما القمة الجنوبية فترتفع فوق قرية سلوان وتسمّى مراراً جبل الفساد.
"أرسل اثنين من تلاميذه". يبدأ الخبر: وحدث أنه...
ثانياً: آ 30- 31
"جحش". تبع لوقا مر 11: 2 فسمّى الحيوان "بولوس". استعمل مت 21: 2 "اونولس" (حمار) بسبب ما يرد في زك 9: 9. لم يغيرّ متى فقط اللفظة، بل صوّر لنا يسوع وكأنه يطلب "مطيتين" ليركب عليهما.
"مربوط هناك". رأى بعض الشّراح في هذه العبارة تلميحاً إلى تك 49: 11. بارك يعقوب يهوذا لأنه "يربط بالكرمة جحشه، وبالدالية ابن أتانه". ويبدو أن هذا النص حمل معنى مسيحانياً. ويبدو التلميح أوضح في الخبر المتّاوي الذي يرتبط بالعهد القديم أكثر من الخبر اللوقاويّ.
"ما ركب عليه أحد". أخذ هذا التفصيل من مر 11: 2. لا نتوقّف عند المنطق البشري فنقول: كيف ركب يسوع جحشاً وصعد به الجبل؟ نحن هنا في مقابلة مع حيوان الذبيحة. يجب أن لا يعلوه نير. يقول عد 19: 2: "بقرة لم يعلها نير" (رج تث 21: 3؛ 1 صم 6: 7).
"الرب يحتاج إليه" (آ 31). يأخذ لوقا هذا الجواب من مرقس. هنا نقول كما سبق، إن "الرب" (كيريوس) هو يهوه كما عرفه العهد القديم. 
ب- لم يدخل يسوع إلى أورشليم
تبع لوقا (كما رأينا) مرقس في القسم الأول من خبره (آ 28- 35). لكنه قام ببعض التصحيحات.
نلاحظ أولاً أن لوقا لم يُشر إلى دخول يسوع إلى أورشليم. بل قال فقط (آ 28، 41) إن المسيح توجّه إلى هذه المدينة، أو اقترب منها. لقد أدخله الانجيلي حالاً "إلى الهيكل" (آ 45). إن هذه الملاحظة مهمّة بالنسبة إلى الشميلة اللوقاوية: كل شيء يبدأ في الهيكل (1: 5 ي؛ 24: 53). 
وهناك إشارة أخرى لافتة في هذه الآية الأولى من الخبر اللوقاوي: استعمال لفظة "أورشليما" ليدلّ على المدينة المقدسة. إعتاد لوقا أن يستعمل الصيغة العبرية "أورشليم" التي لا نجدها إلا مرة واحدة في متى (مت 23: 37، ونجدها 26 مرة في لو، 39 مرة في أع). يبدو أن لوقا يستعمل أورشليم حين يرافق ذكر المدينة بُعدٌ لاهوتي، أي حين تلعب المدينة دوراً محدّداً بالنسبة إلى تاريخ الخلاص الذي مركزه تاريخ يسوع.
ولكن هل يثبت الشواذ القاعدة؟ وهل أراد لوقا أن ينقل أهمية الحدث من "أورشليم" إلى "الهيكل"؟ إذا كان الجواب بالإيجاب، فلماذا؟ إن التحليلات التالية تتيح لنا أن نجيب على هذا السؤال. هناك ظاهرة مماثلة نجدها في خبر تقديم يسوع إلى الهيكل (2: 22 ي) وهو المقطع الوحيد في لو 1- 2 حيث تسمّى المدينة المقدسة "أورشليما". فإلى الهيكل سيأتي سمعان "مدفوعاً بالروح" (2: 25). وفيه يلتقي يسوع على ذراع والديه ليتمّ "فرائض الشريعة، ويعلن مجيء "الخلاص" (2: 38) لجميع الأمم.
هذا من جهة. ومن جهة ثانية، يبدو 19: 28- 40 صدى لنص 13: 35: "لن تروني إلى أن يأتي يوم تقولون فيه: مبارك الآتي باسم الرب". أن تكون هذه الجملة خاتمة مناداة يسوع لأورشليم (رج 19: 41- 44 الذي هو رثاء لأورشليم، ويربط بين 19: 28- 40 و19: 45- 46 الذي هو دخول إلى الهيكل) أمر يلفت النظر. فمتَّى جعل هذه المناداة (التي انتهت كما عند لوقا مع مت 18: 26) حالاً بعد الخطبة الاسكاتولوجية، بعد الدخول إلى أورشليم (23: 37- 39) بوقت طويل. لهذا، يجب أن نبيّن الترابط بين 13: 35 و19: 28- 40.
إنّ آ 37 تتضمّن أموراً غنيّة وخاصة بلوقا. يُذكر أولاً جبل الزيتون الذي ذُكر في آ 29 (كما في متى ومرقس): إن استعادة اسم المكان هذه تدلّ على أن حدثاً جديداً يبدأ. وسوف نرى أن الأمر هو كذلك. ونقول الشيء عينه عن تكرار فعل "اقترب" (دنا). إذن، نحن أمام موازاة مع آ 29 (ولما دنا... ولما دنا...).
عبارة "كل حشد" هي خاصة بلوقا. "وكل حشد التلاميذ" عبارة نجدها في أع 6: 2، وهي تدلّ على جماعة المسيحيين. إن هذا التقريب بين الإنجيل الثالث وأعمال الرسل يبدو مهماً جداً لإلقاء الضوء على لو 19: 37. ففي الشميلة اللوقاوية، تتداخل الاكليزيولوجيا (قول في الكنيسة) والكرستولوجيا (قول في يسوع المسيح) في كل صفحة من صفحات مؤلفه (لو+ أع) بحيث يجب أن نقرأ لو وأع كما في خبرة الورق الشفّاف. وهكذا نلج إلى المدلولات التي تؤلِّف مجمل دينامية الانجيل الثالث والاعمال. بعد هذا يمكننا أن نتساءل عن 19: 37: أما تدلّ "مجموعة التلاميذ" منذ ذلك الوقت، على جماعة مؤمني شعب الله الجديد الذي كوّنه يسوع المسيح؟ 
وهناك أيضاً فعل خاص بلوقا: ايناين: سبّح. من المفيد أن نلاحظ العلاقة بين "رأى" و"سبح". نجدهما في 2: 20، 18: 43؛ أع 3: 9. واللوحة التالية تدلّ على التقارب بين النصوص الاربعة:
لو 2: 20 لو 18: 43 لو 19: 27 أع 3: 9
الرعاة كل الشعب جميع جمهور التلاميذ كل الشعب
يمجدون رأى طفقوا رأوه
ويسبحون فسبّح يسبّحون يمشي
الله الله الله فسبّحوا
عن كل ماسمعوا على كل المعجزات
ورأوا التي رأوا الله
يتألّف كلّ من هذه المقاطع من أربعة عناصر متشابهة. الأول: فاعل يتبدّل، ولكنه يدلّ في مرتين على الشعب، وبمناسبة شفاء. أما المفعول به فهو دوماً الله. وهناك عمل: سبّح. والباعث على التسبيح: رأى (أعمال الرسل). الله الذي هو موضوع التسبيح هو أيضاً بسبب أعماله الينبوع والباعث. وهكذا تتكوّن مسيرة (أصلها في الله) ترفع الإنسان إلى مستوى ذاك الذي يوجّه إليه المديح.
دخل هتاف يسوع (19: 37) في سلسلة بدأت ببداية الإنجيل (2: 20)، فحمل المشهد والأشخاص إلى موضع فيه يجد زمان البشر ومداهم بُعداً آخر: هناك ارتفاع بالنسبة إلى العمل السابق: ففي نظر لوقا، يسوع والمؤمنون المتضامنون معه في مصيره، تحرّروا من العبوديّات الأرضيّة الملتصقة بدخول ملكي إلى أورشليم. بعد هذا، نفهم الباعث الذي دفع لوقا إلى إلغاء الدخول إلى أورشليم: فعلَ هذا فأبرز الدخول إلى الهيكل الذي هو مسكن الله الذي لا لبس فيه. ونفهم أيضاً أن يرد مز 118: 26 (مبارك) للمرة الثانية والأخيرة (عكس متى). فإن أداة "حتى" (13: 35) قد وصلت إلى هدفها ونهاية مسيرتها مع يسوع وعبر الدراما التي يعيشها والتي تقوده إلى المجد (مسيرة الصعود النبوية: موسى وإيليا ظهرا في المجد، كلّماه عن خروجه الذي يتمه في أورشليم، 9: 31). التقت الاسكاتولوجيا بالتاريخ وتسجّلت فيه. والإنسان الذي اختبر هكذا اختباراً حقيقياً يجد نفسه أمام عمل مشاهدة وتأمل، عمل يحرّره ويمتلكه بكليته في آن (19: 37 ب). إن تاريخه يلتقي الاسكاتولوجيا ويتعامل معها.
ج- عاملون في ليتورجيا سماوية
تتضمن آ 38 الوسيلة التي بها نفهم كل المقطع في عبارة "هو الملك" (باسيلوس). نحسّ بأهمية وبُعد هذا اللقب (يختلف لوقا هنا عن متى ومرقس ويوحنا) على ضوء آ 37 (التي حلّلناها) و آ 38 ب: "السلام في السماء والمجد في أعلى السماء". والتوازي واضح هنا أيضاً مع 2: 13- 14
لو 2: 13- 14 لو 19: 37- 38
جمهور (بلاتوس) كل جمهور (بلاتوس)
من الجند السماوي التلاميذ
المجد لله في السلام في
أعلى السماء السماء
والسلام على الأرض والمجد في
للناس الذين يرضى عنهم أعلى السماء
مشهد مماثل في بداية حياة يسوع ولا نهايتها. والتوافق بين "جمهور الجند السماوي" و"كل جمهور التلاميذ" واضح: في الحالتين نحن أمام عاملين في ليتورجيا سماوية. ثم إن لوقا تفرّد فألغى "هوشعنا" من خبر الدخول إلى أورشليم (آ 38). لقد أراد أن يتجنّب كل ما يذكّرنا بحجّاج الأرض وما يشير إلى طموحاتهم الوطنية. فعبر العلامات التي تدلّ على وجود علاقات عضوية بين هذين النصين (المجد في أعلى السماء)، يجب أن نلاحظ ما يميّزهما في الوقت عينه. نقرأ من جهة: "السلام على الأرض" (2: 14). ومن جهة ثانية: "السلام في السماء" (19: 38). ففي داخل الاندفاع الذي يكشف مجد الله، ندرك حركتين متقابلتين: انحدار وصعود. لهذا ترك "الله" (2: 14) مكانه السماوي "للملك" (19: 38)، فكان تحوّل له معناه.
ونقول الشيء عينه عن كلمات التسبيح والمجد: لقد انتقلت من أفواه الكائنات السماوية (2: 14) إلى أفواه "التلاميذ" (19: 38) الذين أخذوا مكان الرعاة والملائكة. انقسمت هاتان الفئتان خلال انحدار يسوع في وقت ميلاده، فاجتمعتا الآن في وقت ارتفاعه: "كل مجموعة التلاميذ" أي كما في أع 6: 2: المؤمنون بيسوع المسيح.
واللوحة التالية تبيّن ترابط كل هذه العناصر.
لو 12: 14، 20 لو 19: 37- 38
*جند السماء كل جمهور التلاميذ (آ 37)
- المجد في أعلى السماء لله - رأى كل المعجزات
- السلام على الأرض للبشر - سبّحوا الله
* الرعاة (آ 20) (كل جمهور التلاميذ) (آ 38)
- رأوا كل ما - المجد في أعلى السماء للملك
سبّحوا الله السلام في السماء
إنّ السياق الذي دخلت فيه مقطوعة لو 19: 28- 40، يتضامن مع التعبير الأصيل للدخول إلى أورشليم. فإن آ 28 (قال يسوع هذا) تربط هذا الخبر بمثل الدنانير (19: 11- 27) الخاص بالانجيل الثالث. ومقدمة هذا المثل (آ 11 في امتداد 9: 45 و18: 34) تدلّ بوضوح على أنَّ هذا المثَل هو صورة رمزية عن ارتفاع يسوع (آ 12)، وهو حدث سيكون الدخول (أو عدم الدخول: هو لا يريد أن ينتقم كما فعل الملك في المثل) خبراً مسبقاً ونبوياً. وهكذا نكتشف في هذا المقطع تصحيحاً لاهوتياً أو كرستولوجيا لمسيح يبرز اقترابُه من أورشليم وجهةً لا تتوافق مع مجمل الانجيل.
خاتمة
أمام هذا الدخول الاحتفالي، لم يستطع الشعب ولا السلطة السياسية أن يبقيا في اللامبالاة: فيسوع قد أعلن ملكاً شرعياً ومسيح اسرائيل. هتفت له الجموع بسعف النخل التي ترمز إلى شعب مستقلّ (1 مك 13: 37- 51). وهو ذهب مباشرة إلى الهيكل الذي عليه يتأسّس كل النظام الديني والسياسي في اسرائيل. إحتلّ "السور الخارجي"، وجعل منه "مركز القيادة". ولم يتجرّأ عظماء الكهنة ولا السلطات الرومانية أن يمنعوه من هذا الدخول (والاحتلال). ومع ذلك، فقد أغفل الانجيليون تأثير الواقع السياسي، وشدّدوا لا على المواجهة السياسية، بل حدّدوا موقع الأحداث في ضوء القيامة.
الفصل السادس
لا يبقى حجر على حجر
19: 41- 44

يبدأ مر 13: 2 الخطبة الاسكاتولوجية بإنباء ليسوع حول تدمير الهيكل: "أترى هذه الأبنية العظيمة! إنه لن يُترك هنا حجر على حجر إلا ويُنقض" (رج مت 24: 2؛ لو 21: 6). ويورد إنباء آخر بدمار الهيكل خلال محاكمة يسوع وفي ألفاظ مختلفة: "ثم قام نفر يشهدون عليه بالزور ويقولون: لقد سمعناه يقول: إني انقض هذا الهيكل الذي صنعته أيدي البشر، وفي ثلاثة أيام أبني آخر غيره" (مر 14: 57- 58؛ رج مت 26: 61- 62). هذا الاتهام الذي يجد صداه في هزء المارين على الجلجلة (مر 15: 29؛ مت 27: 40)، نجد ما يوازيه عند لوقا في محاكمة اسطفانس (أع 6: 14)، وعند يوحنا في إعلان ليسوع بعد تطهير الهيكل (يو 2: 19).
يتساءل الشّراح حول العلاقة بين هذين الانباءين: هل من ارتباط أدبي بين الواحد والآخر؟ هذا ما يقودنا إلى لو 19: 44 حيث يعلن يسوع تدمير أورشليم بيد أعدائها فيقول: "لا يتركون فيك حجراً على حجر".
نتوقّف عند العلاقة بين هذين الانباءين، ثم ننتقل إلى العلاقة بين لو 19: 44 ومر 13: 2.
1- الانباءات حول دمار الهيكل
أ- آراء متعددة
* الأول: رأى في 13: 2 ج (لن يترك هنا حجر على حجر) شكلاً من الانياء الذي يرد بأشكال أخرى في مر 14: 58؛ 15: 29؛ يو 2: 19؛ أع 6: 14. إذن، نسب التقليدُ إلى يسوع إنباء عن دمار الهيكل. لم يخترعه مرقس. مقابل هذا، لم يحتفظ الإطارُ المعطى للإنباء في مر 13: 1- 2 بالمعطية الأولانيّة. وبما أن هذا الإطار أثّر على ألفاظ الإنباء، فهذا ما يجعلنا نشك بأن مر 13: 2 يمثل تعبيراً اولانياً.
* الثاني: إذ أراد مرقس أن يبدأ الخطبة الاسكاتولوجية، عاد إلى قول مثَّل فيه مر 14: 58؛ 15: 29، (رج يو 2: 19؛ أع 6: 14) شكلاً أقدم. إن هذا الشكل الأقدم يعبرّ عن وعي الجماعة المسيحية بأنها تشكّل الهيكل الجديد. لم نعد أمام حديث عن دمار هيكل أورشليم. ربط مرقس هذا المدلول الجديد بالقول فجعله في بداية ف 13 (كما رأى في 13: 14، في "رجاسة الخراب" لا كلاماً عن تنجيس الهيكل، بل عن خرابه).
* الثالث: إن مر 13: 2 يمثّل أقدم شكل لإعلان يسوع، حيث لم يكن بعد حديث عن دمار الهيكل. أما مر 14: 58 وسائر المقاطع التي تتحدّث في الوقت عينه عن الهيكل الجديد، فهي تمثّل أشكالاً ثانوية للقول عينه.
* الرابع: اعتبر 13: 1- 4 مقدّمة صاغتها يد مرقس. والإنباء في آ 2 ج يشكّل تحويلاً تدوينياً للقول القديم الذي حُفظ في مر 14: 58. وفي الخط عينه قيل: ألّف 13: 2 ج على أساس مر 14: 58 وجُعل له إطار يوافقه.
* الخامس: كوّن مرقس إنباء 13: 2 منطلقاً من القول المحفوظ في يو 2: 19 مع قول من المعين الذي يجده في مت 23: 38 ولو 13: 35: "هوذا بيتكم يترك لكم". يركّز 13: 2 عمل مرقس على أساس تقليد يقول إن يسوع أنبأ بدمار الهيكل.
* السادس: لا شكّ في أن آ 1- 4 تنسب إلى مرقس التي دوّنها كمقدمة للخطبة التي تلي. ولكن لا نربط آ 2 ج مع مر 14: 58؛ 15: 29؛ يو 2: 19؛ أع 6: 14 التي تمثّل اعلاناً آخر ليسوع. يجب أن يتمّ التقارب مع لو 19: 44 الذي يعلن لأورشليم أن أعداءها لن يتركوا فيها حجراً على حجر. إذن، عرف التقليد قولين ليسوع، يتميّزان ولا يعود الواحد إلى الآخر.
ب- القول في إطاره
إذ أراد الشّراح أن يبيّنوا أن مرقس دوّن 13: 2 ج، عادوا إلى إطاره (13: 1- 2 ب). هذا الإطار ألّفه مرقس. إذن، ألف أيضاً الإنباء: "لن يبقى حجر على حجر". نحن هنا في جوّ مرقسي (رج مر 5: 2؛ 9: 9). ولفظة "هيكل" تميّز هذا القسم الذي كرّسه مرقس من أجل نشاط يسوع في أورشليم. وهو صدى لما كتبه الإنجيلي في 11: 11، 15 عن دخول يسوع إلى الهيكل. "قال له أحد تلاميذه". هذا ما يسمّى الحاضر التاريخي (لاغاي). "يا معلّم". هكذا اعتاد التلاميذ في مرقس (لا في متّى ولوقا) أن يتوجّهوا إلى يسوع. في آ 2، سبق الإنباء سؤالا ليسوع: "هل ترى هذه الابنية العظيمة"؟ فجواب يسوع عند مرقس يسبقه عادة مثل هذا السؤال، وهذا ما يبرز التأكيد الذي يلي.
ج- القول في علاقته مع مر 14: 58
يرد إنباء بدمار الهيكل في مر 14: 58 وز؛ 15: 29 وز؛ أع 6: 14؛ يو 2: 15 (رج 2 كور 5: 1: نقض هذا الخباء). أعلن يسوع أنه يدمّر الهيكل ويعيد بناءه في ثلاثة أيام: نحن أمام قول ملغز، قول رمزي يتخّذ رنّة اسكاتولوجية. إن مر 13: 2 يتميّز عن هذا الإعلان السّري في نقاط عديدة: الوضوح. لا ينسب إلى يسوع عمل تدمير الهيكل. يلغي فكرة إعادة بنائه التي ارتبطت بمنظار اسكاتولوجي.
هذه العبارة تعود في لو 19: 44: "أعداؤك (يا أورشليم)، لن يتركوا فيك حجراً على حجر". قد نكون أمام تعبيرين يعلنان دمار الهيكل وإعادة بنائه. والعبارة البسيطة التي يمثّلها مر 13: 2 ولو 19: 44 (حيث لا نجد إلا صورة الدمار)، تتحدّث عن الهيكل كله أو المدينة المقدسة. إذن، لا بدّ من العودة إلى لو 19: 44 (لا إلى مر 14: 58) لنفهم الإنباء في مر 13: 2. لهذا سنعود في القسم الثاني إلى لو 19: 44.
2- دمار أورشليم ودمار الهيكل
السؤال الذي يُطرح حول لو 19: 44 هو: هل نجد فيه شهادة مستقلة عن مر 13: 2؛ هناك من يقول إن لوقا يرتبط بمرقس. ولكن تدوين لوقا في 19: 41- 44 يستند إلى ينبوع خاص به. فهذا الينبوع قدّم آ 44 ب: أعداؤك "لن يتركوا فيك حجراً على حجر". وهذا يعني أن الإنباء الوارد في مر 13: 2 انتمى إلى تقليد سابق لمرقس، استقى منه مرقس كما استقى لوقا.
أ- عودة إلى لو 19: 41- 44
إن آ 41- 44 هي من تدوين لوقا، وإن عاد إلى ينبوع سابق. في آ 41: هناك "هوس" (متى). لا ترد في مت. ترد مرة واحدة في مر، 19 مرة في لو، 29 مرة في أع. "بوليس" (مدينة). ترد 26 مرة في مت، 8 في مر، 39 في لو، 24 في أع. "كلايو" (بكى): مت: 2. مر: 3 (+ 1). لو: 11. أع: 2. وعبارة "بكى على" لا نجدها إلا في لو 23: 28 أب. ويجب بشكل خاص أن نلاحظ وظيفة هذه الآية في تدبير الإنجيل الثالث: إنها ترتبط بمجمل الإشارات التدوينية التي تقدّم القسم المركزي في الخبر بشكل صعود إلى أورشليم: 9: 51، 52؛ 13: 22، 33؛ 17: 11؛ 19: 1، 29، 37. وهكذا نصل في 19: 45 إلى الدخول إلى الهيكل. نلاحظ أيضاً 18: 31 مع إشارات تتعلّق بالمحطات الأخيرة (18: 35؛ 19: 1، 29، 37). كما نلاحظ إشارات أوسع في 9: 56، 57؛ 10: 1- 38؛ 13: 31؛ 14: 25؛ 19: 36.
ويبدو عمل الإنجيلي واضحاً في آ 42. نقرأ "رسالة السلام" أي السلام المسيحاني، هنا وفي 14: 32 (من أمر السلام). أما الظرف الزمني "الآن" (نين) فنجده 4 مرات في مت، 3 في مر. ولكن 14 مرة في لو، 25 في أع. وهناك موضوع "الجهل" (عدم المعرفة) الذي يعودوا آ 44 ج؛ رج 23: 34؛ أع 3: 17؛ 13: 27؛ 17: 30. لم تعرف أورشليم رسالة السلام، لم تعرف أن ساعة افتقاد الله لها قد حلّت. وكذلك لم يعرف أهل أورشليم، كما يقول بولس لأهل أنطاكية بسيدية.
ونقول الشيء عينه عن آ 44: "لأنك لم تعرفي يوم افتقادك". لا ترد "انت اون" إلا في لو 1: 20؛ 12: 3؛ أع 13: 23؛ 2 تس 2: 10. ونجد موضوع "الافتقاد" (زيارة الله) مع موضوع "الجهل". رج 1: 68، 78؛ 7: 16؛ أع 5: 14. قد يكون هناك ينبوع استقى منه لوقا لكي يدوّن آ 43- 44 ب. مثلاً فعل "سيناخو" في آ 43، لا يرد في مر، يرد مرة واحدة في مت، 6 في لو، 3 في أع: إن المنظار الذي فيه يتطلّع النصّ إلى دمار أورشليم، ليس منظار كارثة اسكاتولوجية، بل كحدث يرتبط بالتاريخ.
ب- مواد آ 43- 44
قد نكون هنا أمام قصيدة دوّنت في الأرامية. ونلاحظ أمرين: الأول: هناك المقدمة: "فستأتي (لأن ستأتي) عليك أيام". وبعدها، يرد النصّ في خمس جمل قصيرة تبدأ بواو العطف (كاي): يحيق به، يحاصرونك، يضيّقون عليك، يمحقونك، لا يتركون. الثاني: نجد في هاتين الآيتين عدداً من الضمائر (تسعة، يزاد 2 في آ 42، وواحد في آ 44 ج)، عليك (أنت)، يحيق بك (أنت)، اعداؤك (أنت)... هذه الضمائر المتواترة في الأرامية تبدو ثقيلة في اليونانية. وقد حاول لوقا أن يلغيها (مثلاً، لم يقل "أبانا"، بل "أيها الآب"). فلو كتب لوقا هذه "القصيدة" لأعاد كتابتها. ولكنه أخذها من مرجع يرتبط بالأرامية.
إن الصورة التي تقدّمها هاتان الآيتان عن دمار أورشليم، تبدو نسيجاً من التذكّرات البيبلية. فما تقوله آ 43 عن حصار المدينة يستلهم أش 29: 3 (رج 37: 33؛ حز 4: 1- 3). وسحقُ المدينة مع أولادها في آ 44 أيستلهم هو 10: 14؛ 14: 1؛ أدش 3: 26؛ نا 3: 10، مز 137: 9. هذا التصوير المأخوذ من نصوص متعدّدة، قد ينطبق على سقوط أية مدينة في يد جيش عدوّ. وإذا كان ما قيل عن الحصار يوافق ما حصل لأورشليم سنة 70، فنحن لا نجد يا كل فظاعة هذا الحصار شيئاً يذكّرنا بصورة أبناء أورشليم المسحوقين على الأرض (آ 44 أ). لقد رافق كارثة أورشليم نار عنيفة انتهت فيها المقاومة اليهودية. ولكن لوقا لم يذكر هذه النار. لهذا يبدو من الصعب أن نتخيّل أن لوقا الذي كتب بعد أحداث سنة 70، لم يجد إلا إشارات غامضة واصطلاحية، ولَوْ ألّف نصّه بحرّية تامة. فإن ارتبطت آ 43- 44 بأساليب التفسير والفنّ الجلياني، فهذا يعني أنهما تعودان إلى الينبوع الذي أخذهما منه.
وهناك ملاحظة ثالثة لا تعني فقط السياق المباشر، بل القول في 19: 44 ب (لا يتركون فيك حجراً على حجر). فإذا اعتبرنا أن هذه الآية ترتبط بما في مر 13: 12، يجب أن نعترف أن لوقا الذي وصل إلى مر 11: 10، ذهب يبحث عن قول جاء فيما بعد، ثم كرّره في الخطبة الاسكاتولوجية (21: 6). مثل هذا التفسير قد يجد أساسه في مرقس لا في لوقا الذي اعتاد أن يتحاشى التكرار. وإن حصل له وكرّر القول الواحد مرتين، فقد لا يكون لاحظ أنه أمام مرجعين مختلفين. هذا ما نقوله هنا. فالمرجع الذي أخذ منه 19: 44 ب، هو ذاك الذي أخذ منه 19: 43- 44 أ.
خ- لو 19: 43- 44 و23: 29- 31
حين وصل يسوع إلى أورشليم، بكى على المدينة المحكوم عليها بالدمار (19: 41- 44). هذا الحدث الذي يحلّ عند لوقا محل حدث التينة الملعونة (مر 11: 12- 14، 20- 25)، يجد ما يوازيه في مكان آخر: حين خرج يسوع من المدينة ليعيش الآمه، دعا "بنات أورشليم" لا ليبكين عليه، بل على نفوسهن وعلى أولادهنّ بالنظر إلى الكارثة المقبلة (23: 27- 31). إن المشابهة بين الإنباءين تلفت النظر: كلاهما يبدأان بهذه العبارة: "ها ستأتي أيام" (19: 43 أ؛ 23: 29 أ). كلاهما يصوّران عقاب المدينة بواسطة عبارات تذكّرنا بأقوال نبويّة عن شقاء يتحدّث عنه العهد القديم: 19: 43: أش 29: 3؛ 19: 44 أ؛ هو 10: 14؛ 14: 1؛ أما 23: 20 فيورد حرفياً هو 10: 8 ج (يقولون للجبال: اهبطي علينا. وللآكام: غطّينا). وينتهي الإنباءان بقول مصوّر لا يعود إلى التوراة. نقرأ في 19: 44 ب: "لا يتركون فيك حجراً على حجر". وفي 23: 31: "إن كان قد فعلوا هذا بالعود الرطب، فماذا يكون بالعود اليابس"!
إن التقارب بين هذين المقطعين اللذين جُعلا بشكل متوازٍ في بداية ونهاية إقامة يسوع في أورشليم، يتيح لنا أن نظنّ أن كليهما ارتبط بينبوع استقى منه.
هناك موقعان يبدوان على طرفَي نقيض. واحد يقول بأن الإنجيلي ألّف من ذاته 23: 27- 31. وآخر يقول إنه نسخ نصاً سابقاً دون أن يقوم فيه بلمسة واحدة. ولكن هناك بين الاثنين تفاسير متوسطة. مثلاً، إمتلك لوقا قطعة تقليدية قديمة من أصل أرامي شكّلت آ 29- 31. فألّف هو آ 27- 28 ليستطيع أن يُدخل هذه القطعة في خبر الحاش والآلام. وكان رأي معاكس: النواة القديمة لهذه القطعة، نجدها في آ 27- 28، 31. وقد زاد لوقا عليها آ 29- 30. وإذ أراد أن يؤلّف آ 29 (طوبى للعواقر...) استلهم "الويل" عن النساء الحبالى والمرضعات كما نجده في 21: 23، كما عاد إلى قول أش 54: 1- 10 حول سعادة العاقر (التي سيكون لها أبناء عديدون). أما آ 30 التي تبدو بنيتها مماثلة لما في آ 29، فقد عادت بشكل مباشر إلى هو 10: 8.
في المعنى التقليدي والطبيعي، تدلى النقيضة بين العود الأخضر (الرطب) والعود اليابس، على تعارض بين البار والناس الخطأة. وارتباط آ 31 مع آ 28 يماثل بين العود اليابس والنسوة اللواتي يبكين على يسوع: ولكن هذه النتيجة غير مقبولة. يجب أن تُندب هذه النسوة بسبب الآلام التي تنتج عقاب شعب خاطئ: لسن مسؤولات عن المأساة التي تصيبهنّ. وهي مأساة تشير إليها آ 29- 30 بشكل غير مباشر.
خاتمة
ينتج عن هذا البحث أن النصوص الإنجيلية احتفظت بشهادتين تتعلّقان بالقول: "لن يبقى حجر على حجر". إذن، نحن أمام قول كان جزءاً من التقليد الإنجيلي. ووجوده في مر 13: 2 يدلّ على أن مرقس أخذه من تقليد سبقه.
هناك قول يتحدّث عن دمار أورشليم وآخر عن الهيكل. واحد ينسب هذا الدمار إلى عقاب، وآخر إلى عمل الأعداء. واحد يراه في صيغة المخاطب، وآخر في صيغة الغائب. واحد يتوجّه فيه الإنباء إلى أورشليم، وآخر إلى التلاميذ. ومن جهة التفسير يبقى السؤال الجوهري: هل جاء التدمير المعلن في منظار أحداث نهاية الأزمنة (كما في سياق مرقس)، أم بمعزل عن هذا المنظار (كما في لوقا)؟
الفصل السابع
طرد الباعة من الهيكل
19: 45- 48

تتحدّث الأناجيل الأربعة عن الطريقة التي بها دخل يسوع للمرة الأولى إلى هيكل أورشليم، وطرد منه باعة الحيوانات والصيارفة، ثم أعطى معنى لعمله (19: 45- 46؛ مر 11: 15- 19؛ مت 21: 12- 17؛ يو 2: 13- 22). خبر قصير لا يشبه رواية الآلام أو أخبار المعجزات. يروي الإنجيليون هذا الحدث وكأنهم لا يعيرونه انتباههم الخاص. ومع ذلك، فقد ذكروه كلهم وحاولوا أن "يدافعوا" عن يسوع حين فعل ما فعل.
1- سياق النصوص
نبدأ بدراسة النصوص. نكتشف السياق ثم المدلول الذي نسبه كل إنجيلي إلى الخبر.
أ- مر 11: 15- 19
جعل مر خبر طرد الباعة والجدال الذي تبعه داخل حدث التينة الملعونة (11: 12- 14 ثم 11: 20 ي). هذا التقديم للواقع لا يجد ما يوازيه في سائر الأناجيل. إن إدخال خبر في نصفَيْ خبر آخر اسلوب مرقسي نجده مثلاً في 3: 20- 35 (وصول أهل يسوع، افتراء الكتبة، ثم عودة إلى أهل يسوع في آ 31)، في 5: 21- 43 (ابنة يائيرس، شفاء النازفة، عودة إلى ابنة يائيرس في آ 35). وهكذا يدلّ مرقس على الرباط الوثيق بين الحدثين الممزوجين داخل إطار واحد.
وفي هذه الحالة التي ندرسها، رأى مرقس في اللعنة الموجَّهة إلى التينة وفي النتيجة التي حصلت، عملاً نبوياً يعلن دمار الهيكل وينقل معناه إلى طرد الباعة. إذن، يشكّل هذا الطرد في نظره دينونة كلها سلبية على الهيكل وعلى العبادة التي تقام فيه (الذبائح. لا كل عبادة اطلاقاً). ودخول يسوع الاحتفالي إلى أورشليم (11: 1- 11) الذي يعتبره الشّراح سابقاً بعض الشيء لطرد الباعة، قد جعله الإنجيلي عمداً هنا قرب خبر 11: 15 ي. فلا شيء يؤكّد أن الأحداث جرت حسب هذا الترتيب، لأن الإنجيل الرابع يفصل بينها. إن الترتيب الحالي لهذين الخبرين (الدخول إلى أورشليم، طرد الباعة) لم يكن هكذا في بداية التقليد الشفهي، عكس ما نجد في مقطع مزج فيه مر 14: 12- 16 مع 14: 17- 26. فالمشهدان يجريان في مكانين مختلفين ومع أشخاص مختلفين. ثم إن الحدث الأول لا يعدّ العدّة للحدث الثاني. ثم، إذ جمع مرقس في نهاية إنجيله كل الأخبار التي حصلت في أورشليم، جعل الدخول إلى أورشليم في البداية، وطرد الباعة من الهيكل مقدمة للجدالات التي بدأت في 11: 27. وهكذا أخذت أخبار محدودة بعد المواجهة بين "المصلح" (يسوع) وممثّلي الفئات اليهوديّة.
إذن، يتضّح أن وجود خبر دخول المسيح إلى أورشليم قبل خبر طرد الباعة، جاء لأسباب أدبية: أراد مرقس أن يبرز البُعد الاسكاتولوجي لفعلة يسوع في الهيكل، لأن آ 9- 10 توحيان بأن المعلّم هو ذاك "الذي يأتي". وأخيراً، إن الجدالات في 11: 27- 12: 27 (مع مثل الكرّامين القتلة في 12: 1- 12) تجعل العنف الذي مارسه يسوع في الهيكل عنفاً على مستوى كلام يفتتح حلقات الجدال. بدا يسوع كمعلم للشريعة في 11: 27 فبدا كذلك في خبر طرد الباعة، لا كقائد حربي أو محرّر سياسي.
ب- مت 21: 12- 17
إذا كان رذل الهيكل والقيادات التي تسنده، وهو رذل تمّ بكلمة يسوع النبوية، إذا كان هذا الرذل يشكّل الموضوع المركزي في مر 11- 12، فالمقطع الموازي في مت، يدلّ على معنى مختلف بالنسبة إلى طَرْدَ الباعة. فلعنة التينة جُعلت بعد هذا الحدث وفُصلت عنه عبر معجزات يسوع وجدال بين المعلّم وعظماء الكهنة والكتبة (21: 14- 17). لم تَعد "اللعنة" متعلّقة بطرد الباعة، وهذا حدث خسر معناه كرذل للهيكل، فصار تطهيراً للهيكل. والتشديد على الطابع المسيحاني للدخول الاحتفالي (21: 91؛ رج آ 4- 5، 9)، والجدال الذي تلا بشكل مباشر طرد الباعة (آ 15- 16)، وتعرّف الجموع إلى يسوع على أنه النبيّ (11: 11، 26، 46)، وتضخيم العنصر العجائبي (11: 14، 19)، كل هذا ساعد على لفت الانتباه إلى شخص يسوع. فحين طهّر المسيح- النبي المعبد، كشف في الوقت ذاته عن نفسه.
ج- لو 11: 45- 46
في إنجيل لوقا تختفي لعنة التينة، ويرتبط طرد الباعة من الهيكل رباطاً قوياً بسياق يصوّر إقامة يسوع بشكل احتفالي في الهيكل ليعلم فيه الشعب. وفي المناخ الخاص الذي ينسبه لوقا إلى زمن حضور يسوع وسط البشر، جاء المعلّم بأبهّة عظيمة (19: 28- 40) إلى الهيكل (آ 45)، وترك جانباً المدينة المتمرّدة (19: 41- 44)، وأبعد هؤلاء المزعجين الذين هم الباعة (19: 45- 46). وتصّرف في هذا المكان المقدّس وكأنه معلّم مدرسة مع تلاميذه (19: 47؛ 20: 1). في هذه اللوحة الغريبة، لم يعد طرد الباعة سوى حدث ثانوي في قلب مسيرة واسعة تنتهي بإقامة يسوع في مكان مميّز، ومن هناك يستطيع أن يوجّه كلامه إلى إسرائيل كله ويعطي هكذا نهاية ساطعة لرسالته التعليمية.
د- يو 2: 13- 22
إذا عدنا إلى الإنجيل الرابع، وجدنا خبر طرد الباعة في سياق مختلف كل الاختلاف. تردّد شّراح مر في اعتبار السياق الإنجيلي مصطنعاً، وحاولوا أن يجدوا له أساسا تاريخياً. أما شّراح يو، فتركوا إطار الخبر واختاروا الاهتمامات اللاهوتية والأدبية. يبقى أن نكتشف في هذا السياق الذي كوّنه الإنجيلي، المدلول الذي نسبه إلى طرد الباعة من الهيكل.
إن خبر عرس قانا (2: 1- 12) الذي يسبق حالاً خبر طرد الباعة، يبدو بلا رباط معه. ومع ذلك سمّي الحدثان: ساميون، آية، علامة. نقرأ في 2: 11: "هذه هي الآية الأولى التي صنعها يسوع في قانا الجليل". ويلمّح 2: 18، 23؛ 3: 2 إلى هذه الآية التي يريد اليهود أن يروها. إن آية قانا حرّكت إيمان التلاميذ. هذا من جهة. ومن جهة ثانية، قدّمت للقراء مفتاحاً لتفسير مسيرة يسوع على الأرض. لقد بدت لهم هذه الآية زمناً خاصاً وعيداً توقّفت فيه الامور.
أما خبر طرد الباعة فيسير في مناخ العيد (2: 13- 23). وتتبعه حالاً اجمالة (2: 23- 27) ثم عدّة أخبار تشدّد على إيمان الجموع بيسوع (3: 2، 22، 26؛ 4: 1، 39- 42، 45، 52). وإذا توقّفنا عند السياق، استطعنا القول إن طرد الباعة يتخذ هنا معنى قريباً ممّا في لوقا أعطى هذا الحدثُ ليسوع شعبية ومهابة ضروريتين بحيث يسمع جميع اليهود (والسامريين) تعليمه ويؤخذون به. لا شكّ في أن الإطار الكرونولوجي لا يلتقي مع ما في لوقا. ومضمون الخبر اليوحناوي يعطي مدلولاً أعمق للحدث، وهذا ما سنراه فيما بعد.
2- مدلول النصوص
إذا أردنا أن نتفحّص النصوص الإنجيلية عن طرد الباعة، ننطلق من أقصرها إلى أطولها. نبدأ مع لوقا وننتهي مع يوحنا. ويمرّ بين الاثنين متّى ومرقس.
أ- إنجيل لوقا
يقدّم لو 19: 45- 46 نسخة قصيرة جداً عن الخبر. ويصل إلى هدفه حين يفصل عن الخبر ردّة فعل الجموع والرؤساء اليهود، فينقلها إلى الأيام التالية (آ 47- 48)، ساعة جعلها مرقس حالاً بعد الحدث، في اليوم ذاته (مر 11: 19). ثم إن لوقا ألغى قلب خبر مرقس، وأوجز كلام يسوع بشكل بسيط. وهكذا اقتصر الخبر على جملة واحدة وبسيطة جداً، جعلت من "الباعة" الضحيّة الوحيدة والسامعين الوحيدين ليسوع، عكس ما نجد عند مت ومر.
وبما أن لوقا لا يقول لنا من هم هؤلاء الباعة، وبما أنه يعطي قول يسوع شكل وصيّة تفرض أن يكون الهيكل موضع صلاة، خلق عند قرّائه المسيحيين الآتين من العالم اليهودي، شعوراً بأن يسوع كان قاسياً على هؤلاء المقلقين الجشعين. كما أنه جعل الصمت المتأمّل والضروري للتقوى والكرازة، يحلّ محل ضجّة الباعة المتجوّلين. وارتفع المستوى، فتمّ طرد الباعة بدون عنف ظاهر. إن لفعل "اكبالاين" معنى ضعيفاً. إنه يعني بكل بساطة: أخرج. وهكذا أعار لوقا حدث طرد الباعة من الهيكل أهمية ضئيلة.
ب- إنجيل متّى
واختصر إنجيل متّى أيضاً خبر مرقس (21: 2- 3. لا يحتوي ما يوازي مر 11: 16، لم يدع أحداً ينقل متاعاً من الهيكل). أحلَّ محلّ ردّة فعل الجموع والرؤساء اليهود (مر 11: 18) إجمالة تروي الأشفية (آ 14) وجدالاً مع عظماء الكهنة والكتبة (آ 15- 16). جُعلت هذه الآيات هنا فلم تندمج داخل المقطع، ولكنها حدّدت موقع طرد الباعة وسط حماس شعبي أثاره دخول يسوع الاحتفالي إلى أورشليم.
مع أن الخبر المتّاوي ارتبط بسياقه، فهو لا يختفي فيه (كما هو الأمر بالنسبة إلى لوقا) وإن كان أقصر منه. طرد يسوع لا الباعة وحسب، بل جميع الباعة والشارين الموجودين في الهيكل، وهذا ما يعطي المشهد أبعاداً لم يعرفها خبر مرقس. ففي مر 11: 15 نظنّ أن بعض الباعة والشارين أفلتوا من هجمة يسوع العنيفة. وكان الأمر عند مت كما عند مر، فبدا عمل يسوع عنيفاً، فوصلت نتائجه إلى الصّرافين وباعة الحمام الذين كانوا يسهّلون أمور الحجّاج. ولم تكن "محلاّتهم" ظاهرة ومزعجة. إذن، نحن بعيدون كل البعد عن الهدوء الذي به أخرج يسوع الباعة، كما يقول لوقا. نحن أمام عمل عنيف يضع البلبلة في الهيكل.
وإذ" أرادت آ 13 أن تفسرّ هذا الفعل، استعادت بشكل شبه حرفي كلمات يسوع كما وردت في مر 11: 17. غير أنه ألغى عبارة "لجميع الأمم" وأحلّ فعل "صنع" محلّ فعل آخر يرتبط بإطار اسكاتولوجي. منذ الآن صار الهيكل بيت صلاة. وكل يوم نجعله مغارة لصوص. فيسوع كمسيح ونبيّ يستطيع منذ الآن أن يحقّق الاصلاحات الجذريّة. وهكذا فهم متّى طرد الباعة من الهيكل كعمل مسيحاني شبيه بالمعجزات.
ج- إنجيل مرقس
وبدا الخبر عند مرقس (11: 15- 16) أوسع مما في لو ومت. جُعل داخل لعن التينة فأعطي معنى جذرياً. وقد زاد مرقس (آ 16) على المعطيات الملموسة التي وجدناها في مت، منعاً (غريباً) بأن يحمل الناس متاعاً وهم يعبرون الهيكل. لسنا هنا أمام زيادة وضعها الإنجيلي، عكس آ 18 التي تحاول أن تبيّن أن الشعب اليهودي لم يُرذل، بل الهيكل والمدافعون عنه. إن ايراد أش 56: 7 والتلميح إلى إر 7: 11 اللذين يشكّلان جوهر كلمات يسوع في آ 17، يبدأان بشكل احتفالي: "كان يعلّمهم ويقول لهم: أما هو مكتوب"؟
ولكن ما هو معنى الآية؟ لا نستطيع القول أن "لستاي" (اللصوص) تدلّ هنا على الباعة كما في لوقا، أو على الغيورين، كما ظنّ بعض الشّراح. وهذا ما يدفعنا إلى الظنّ بأن مرقس فهم قولَ يسوع كشجب للهيكل: إنه ليس "مفتوحاً" ليهيّئ تتمّة الوعد كما في أش 56: 7. إنغلق على ذاته فتحوّل إلى مخزن، إلى مغارة لصوص. لم يعد من الممكن الرجوع إلى الوراء من أجل إصلاح ممكن. فصيغة الماضي الكامل في آ 17 جاءت تؤكّد أن لا دواء تجاه اللعنة الموجّهة إلى التينة (آ 14). هنا نطرح السؤال: هل هذا هو المعنى الجذري الذي أعطاه التقليد لطرد الباعة؟
د- خبر يوحنا
قدّم يوحنا خبر طرد الباعة بشكل يشبه خبر الإزائيين في نقاط عديدة: الإطار هو هو. الوضع هو هو. وتدخّل يسوع هنا كما تدخّل هناك مع إعلان يقول: "إرفعوا هذا من ههنا. ولا تجعلوا بيت أبي بيت تجارة" (آ 16). لا شكّ في أن هناك عدداً من الاختلافات بين خبر يوحنا وخبر الازائيين. وإذا قابلنا يو مع مر بدت هذه الاختلافات ثلاثة. لم يطرد يسوع إلا الباعة كما عند لوقا. أحلّ محلّ منع الناس من عبور الهيكل وهم يحملون متاعاً، هجوماً بالسوط ضدّ باعة البقر والغنم. توجّه كلام يسوع فقط إلى باعة الحمام، ولم يستشهد بالكتب المقدّسة. ولكن سيتبع كلامَ يسوع ايرادُ مز 69: 10 (غيرة بيتك أكلتني) وجدال مع "اليهود".
أولاً: المستوى الدفاعي
إنطلق يوحنا من التقليد الإزائي، وقام فيه بتبديلين رئيسيين على المستوى الدفاعي وعلى المستوى اللاهوتي. حين وجّه يوحنا عمل يسوع ضد الباعة وحدهم، حين أدخل موضوع السوط الذي جدله حيث كان، حين دلّ بشكل ملتبس أدن يسوع استعمل هذه الأداة ضدّ البقر والغنم، حين فعل يوحنا ما فعل، أبعد تفسيراً خاطئاً لطرد الباعة: ليس يسوع لصّاً ولا سياسياً يضع البلبلة في الشعب. بل أراد أن يبيّن أن العنف الذي مارسه يسوع في هذه المناسبة لم يكن عنفاً "مسلّحاً" ولم يكن عن سابق تفكير. فمتى كان السوط عنيفاً بالنسبة إلى البقر؟
إن تفسير آ 15 أ (اصطنع سوطاً من حبال) كزيادة دفاعية جعلها الإنجيلي هنا، تشبه إشارات خاصة بالإنجيل الرابع وتسير في الاتجاه عينه. مثلاً، في 6: 15 حيث يتهرّب يسوع من الذين يريدون أن يختطفوه ليقيموه ملكاً. مثلاً، الحوار مع بيلاطس في 18: 33- 37 للدلالة على المصلوبين اللذين كانا مع يسوع. مثلاً، المعارضة بين "الراعي" (15: 1- 2) و"الباب" (15: 7- 9)، و ملك اليهود" من جهة، ومختلف اللصوص من جهة أخرى. هذا المنطق الدفاعي المتأخّر الذي لم تعرفه الأناجيل الإزائية، قد أدخله الإنجيلي نفسه في خبر طرد الباعة من الهيكل، انطلاقاً من الحالة التي وجد نفسه فيها.
ثانياً: المستوى اللاهوتي
والتصحيح الثاني الذي قام به يوحنا على خبر طرد الباعة كما وصل إليه من الإزائيين، يرتبط بالمستوى اللاهوتي: نسب إلى الخبر معنى أعمق مما قدّمه التقليد عائداً إلى أش 56 وإلى إر 7. إن يو 2: 16 ب يستعيد مر 11: 17 وز ويحتفظ بجوهر القول الموجود عند الإزائيين، خصوصاً إذا فهمناه شجباً للتجارة في الهيكل كما في لوقا. ولكن زوال كل استشهاد بالكتب المقدسة، يخفّف قوة هذا الإعلان. فكأن الإنجيلي أراد بالأحرى أن يجذب انتباه القارئ إلى الآية الكتابية التي يوردها في آ 17 (غيرة بيتك تأكلني) (مر 69: 10)، وإلى الجدال بين يسوع واليهود، كما نراه في الآيات التالية.
ولكن آ 17 ي تربط طرد الباعة بآلام (آ 17) يسوع ثم بقيامته، وتُعلن إحلال جسد القائم من الموت محلّ هيكل أورشليم. سنقول فيما بعد لماذا نشكّ بأن يكون التقليد قد ربط هذه الآيات بطرد الباعة. ولكن من الواضح أولاً أن الإنجيلي قد دوّنها بنفسه. أو ربّما أعاد صياغتها: فالعمق اللاهوتي فيها يرتبط بتفاسير مخفية تجعلنا في إطار يوحناوي. وإذ ضمّ الإنجيل الرابع هذا المقطع (آ 17 ي) إلى خبر طرد الباعة، أعطى الحدث بُعداً واسعاً جداً: هو في الوقت عينه تجل مسيحاني، وإعلان عن دمار الهيكل، وعمل به يفرض يسوع سلطانه على الشعب دون أن يكون موقفه موقفاً ثورياً.
3- ماذا يقول التقليد
إن المقطوعة التي روت طرد الباعة من الهيكل تشبه إلى حدّ بعيد مر 11: 15- 17. ولكن ما هو محيطها الحياتي؟ قيل كرازة الكنائس المسيحية الآتية من العالم الوثني، وذلك بسبب شمولية تحديد الهيكل الذي هو "بيت صلاة لجميع الأمم". غير أن هذا العبارة تعود إلى العهد القديم حيث أعلنت عبارة "كل الأمم" دخول الوثنيين المرتدّين إلى عبادة ذبائحية في هيكل أعيد بناؤه في نهاية الأزمنة. إن هذه الوجهة الشاملة للحج إلى الهيكل وتقدمة الذبائح فيه، لا ترتبط بالمسيحيين الآتين من العالم الوثني ولا بالمسيحيين بشكل عام. لهذا حذف متّى ولوقا عبارة "لجميع الأمم" التي تليق بالكنيسة والكرازة الرسولية، لا بالهيكل اليهودي.
كان مرقس "معادياً" لهيكل أورشليم، فكيف يزيد هذه العبارة ليعظّم هذه "المؤسّسة"؟ إذن، جاءت هذه العبارة من تقليد أقدم، من كنيسة خارجة من العالم اليهودي، كنيسة لم تطرح بعد مسألة دخول الوثنيين إلى عالم الخلاص. جاءت من كنيسة أورشليم. يروي لنا أع أن الرسل كانوا يتردّدون على الهيكل، وكان موقفهم منه موقفاً إيجابياً كما يقول أع 2: 46؛ 3: 1- 11؛ 5: 12. بل كانوا يستفيدون من التجمّعات ليكرزوا بالانجيل (3: 11؛ 5: 25). وسوف نرى أثر ذلك حتى في أع 21: 15 ي. أما الهلينيون فكانوا متحفّظين فيما يخصّ الهيكل وشعائر العبادة فيه (أع 6: 13- 14؛ 7: 44- 51).
إذن، اعتبرت كنيسة أورشليم (قبل سنة 70) الهيكل أيّ اعتبار، ولجأت إليه كموضع صلاة وكرازة رسولية. ولكن وجود الباعة في الساحة الخارجية حيث كانت تعقد اجتماعاتها، أزعجها وضايقها. لهذا وجدت في فعلة يسوع الطارد الباعة برهاناً يماثل بين النشاط التجاري في الهيكل والتمرّد على إرادة الله. وهكذا يكون المحيط الحياتي لقول يسوع حول طرد الباعة، كرازة الكنيسة الأولى حول استعمال أروقة الهيكل ولا سيّما رواق الأمم. أنه مقدّس شأنه شأن رواق اليهود.
الفصل الثامن
سلطة يسوع على المحك
25: 1- 8

إن تطهير الهيكل بواسطة يسوع كانت تدخلاً خطيراً في الحياة الدينية للشعب اليهودي. فيجب أن يكون الشخص مرتدياً أعلى سلطة في المجال الديني لدى اليهود لكي يغامر فيقوم بإصلاح بسيط في ما يخصّ الهيكل. لهذا بدا من الطبيعي للسلطات اليهودية أن يسألوه عن سلطته التي بها فعل ما فعل. لا شكّ في أنهم لم يتجاسروا أن يوقفوه الآن بسبب تأثيره العظيم على الجموع (19: 48). لقد أرادوا منه جواباً على سؤالهم يجعله غير مقبول لدى الناس. ولكنهم أخطأوا في حساباتهم كل الخطأ.
1- نظرة عامة
لا يهتمّ لوقا بأن يعيد رسمة الجدالات الرابانية التي عرفت أربع نقاط: الحكمة، الاسطورة، السخرية، مبادئ السلوك. بل احتفظ فقط بثلاثة جدالات تلامس مسألة السلطة التي ينعم بها يسوع فتدلّ على مصداقيته (20: 1- 19). والخيار الذي نتخذه بالنسبة إلى النظام السياسي (20: 20- 26). ومسألة الآخرة والقيامة (20: 27- 40). بعد هذا، يستطيع يسوع أن يبيّن أن هويته ورسالته تؤسّسان برنامج حياة يطرحه على الناس (20: 41- 21: 4).
قسمنا المتتالية الأولى جزئين. الأول: رسالة يسوع ومعمودية يوحنا، أو السؤال حول سلطة يسوع (20: 1- 8). والثاني: مثل الكرّامين القتلة (20: 9- 19) وما فيه من تعريض بالكتبة ورؤساء الكهنة. ندرس الجزء الأول الآن، ونترك الجزء الثاني إلى فصل لاحق.
يبدأ الخبر اللوقاوي كما في مت 21: 23: كان يسوع منشغلاً بالتعليم في الهيكل. وزاد لوقا أنه وجّه كلامه إلى "الشعب"، وأنه أعلن له البشارة، بشّره بالإنجيل (آ 1). يتحدّد الحدث في "يوم من الأيام". هذه العبارة قد وردت في 5: 17 (في ذات يوم، كان يسوع يعلّم)؛ 8: 22 (في يوم من الأيام، ركب السفينة). ولكنها اتخذت لوناً خاصاً في 17: 22: "أحد أيام ابن الانسان" (أي يوم مجيئه الثاني). أما الجدال الذي نشهده، فله بعد حاسم: من هو يسوع بالنسبة إلينا؟ هل هو بُشرى وخبر طيّب في حياتنا؟ 
ويدور الجدال الأول (آ 1- 8) حول مسألة سلطة يسوع. إنفصل عن مشهد طرد الباعة من الهيكل. أما مر 11: 27- 33 ومت 21: 23- 27 فقد ربطاه به بواسطة حدث التينة التي يبست حين لعنها يسوع. والسلطة التي يشير إليها النصّ اللوقاوي، هي تلك التي تدلّ على صدق تعليم يسوع والبُشرى التي يعلنها في الهيكل.
جاء ممثّلو السنهدرين، وهو أعلى محكمة دينية في البلاد، وسألوه. جاء رؤساء الكهنة والكتبة مع الشيوخ (رج 19: 47: مع الوجهاء)، أي أصحاب السلطة المعترف بها رسمياً. كان باستطاعتهم أن يطلبوا من يسوع شهادات ثبوتية، لأنه لم يكن من جماعة الكتبة، ولم ينل "الرسامة" التي تمنحه سلطة التعليم.
أجابهم يسوع ببساطة بأن سلطتهم لم تخضع لمعمودية يوحنا (7: 30: لم يعتمدوا على يده، كما فعل الشعب): كانوا المدافعين المتحمّسين عن النظام القائم، فلم يتبيّنوا حقيقة يوحنا النبويّة. فضَّلوا وضعهم وما فيه من خير لهم على مسيرة قصد الله. وهذا ما جعل سلطتهم على المحكّ. أما سلطة يسوع فتتلاقى مع الحسن الديني العميق لدى "كل الشعب... الذي كان على يقين أن يوحنا نبي" (آ 6). وسنفهم مع 20: 9- 19، ومثل الكرّامين القتلة، أن سلطتهم لا تعطي الحياة، بل تصل بهم إلى قتل مرسل الله.
2- دراسة تفصيلية
أ- في ذات يوم (آ 1)
في ذات يوم، في يوم من الأيام. تعود العبارة إلى التعليم اليومي المذكور في 19: 47 أ (كان كل يوم يعلّم). هناك بعض المخطوطات تزيد "هذه" (الأيام)، فتوضح العودة إلى تعليم يسوع. يتحدّث النصّ عن "تعليم" يسوع و"تبشيره" (أو: كرازته). لا تمييز بين هاتين اللفظتين. أما كلمة تبشير فترتبط بلفظة "إنجيل" (اونجلزستاي). لا يتحدّث النصّ هنا عن الملكوت. وسوف ننتظر آ 21 لنعرف أن موضوع تعليم يسوع كان: "طريق الله".
لم يتواجه يسوع فقط مع شرطة الهيكل (22: 4، 52؛ رج أع 4: 1؛ 5: 24، 26) الذين قد يكونون ردّوا عليه حين طهر الهيكل. بل جاءت السلطات (الكتبة...) كلها تتحدّاه. هناك "رؤساء الكهنة" (ترد اللفظة في السينائي والفاتيكاني) أما الاسكندراني فيقول فقط: الكهنة.
ب- قالوا له (آ 2)
خاطبوه، قالوا له. بأية سلطة؟ سبق لوقا وتحدّث عن سلطة يسوع في 4: 32 (كان كلامه بسلطان)، آ 3 (يأمر بسلطان وقدرة)؛ 5: 24 (لتعلموا أن ابن الانسان له سلطان أن يغفر الخطايا). وسوف ترد لفظة سلطان هنا في آ 8. لقد حاولت سلطات أورشليم أن تدفع يسوع لكي يعلن بشكل علني الأساس الذي يستند إليه لكي يعلم ويبشر. قالوا: "قل لنا" (نحن). أما في يو 2: 18 فنقرأ: "قالوا له: أية آية ترينا فتفعل هكذا"؟
من هو الذي أعطاك هذا السلطان؟ من هو "الشخص" الذي سمح ليسوع بأن يعلّم؟ لقد تحقّق السنهدرين أن يسوع ليس "رابي" في المعنى المعروف للكلمة. هو لم يمرّ في المدارس مثل سائر الرابانيين. لهذا، أرادوا أن يوقعوه. تبع لوقا مرقس، ونسي أنه أعطى صورة سابقة عن يسوع في إنجيله: إنه ذاك الذي فُتحت فوقه السماوات، وحل عليه الروح "في صورة جسميّة"، وأعلن فيه الصوت السماوي: "أنت ابني الحبيب" (3: 21- 22).
ج- أجابهم (آ 3- 4)
أجاب وقال. أما مرقس فقال في جوابه بمَ يماثل يسوع بين نفسه وبين المسيح أو النبي، بل ردّ على السؤال بسؤال. وهو لم يعارض سلطة المجلس بأن يطرح عليه سؤالاً.
لي سؤال. حرفياً: لي كلمة (لوغوس): كلمة تفسير حول ما يفكّرون به عن تعليم يوحنا وعماده. زادت بعض المخطوطات "واحد" (كلمة واحدة، سؤال واحد) ليتوافق نصّ لوقا مع نصّ مر 11: 29. هناك سؤال بشكل امتحان في مر 10: 3 حول الطلاق. وهناك طريقة يوحنا في عرض جواب يسوع في 18: 19- 22: "كلّمت العالم جهراً... سل الذين سمعوا". قالوا له: "قل لنا". ردّ عليهم: "قولوا لي".
معمودية يوحنا. هل هي من السماء، (أي: من الله) أم من البشر؟ كان سؤال السلطات عاماً. أما سؤال يسوع فجاء خاصاً، وتوجّه إليهم في تصرّفهم الشخصي. ما هو رأيهم في العماد الذي وعظ به يوحنا ومارسه؟ تضمّن سؤاله أن سلطة يوحنا جاءت من السماء. وكذلك سلطته هو. يتضمّن هذا الجواب أن يسوع هو المسيح، ولكن النصّ لا يقول ذلك علانية.
لم يكن يوحنا "رابي" من الرابانيين، ومع ذلك، كانت له سلطة فرضت نفسها على الشعب. ويسوع لم يكن "رابي" مثل غيره. هنا نتذكّر سؤالاً مشابهاً طرحه جملائيل على المجلس: إن كان هذا المشروع من الناس، سوف ينتقض. وإن كان من الله فلا تستطيعون نقضه (أع 5: 38- 39).
د- فكّروا فيما بينهم (آ 5- 6)
فكّروا (تحاوروا، تجادلوا) وقال بعضهم لبعض. لقد جعل يسوع السنهدرين في موضع الدفاع بعد أن كان في موضع الهجوم. تحاوروا لا حول قلب الموضوع، بل حول نتيجة جوابهم. "تحاوروا قائلين". هذا ما نجد في مر 11: 31. أما في لو 20: 14 (رج مت 21: 25)، فالحوار هو في داخلي، في القلب والعقل: "فكّروا في نفوسهم".
"من السماء". هذا هو الجواب الطبيعي المنتظر. "السماء" هي تورية تجعلهم يتجنّبون التلفّظ باسم الله. رج 15: 18 (خطئت إلى السماء، أي إلى الله وإليك يا أبي). يو 3: 17 (إلاّ أن يُعطاه من السماء، أي من عند الله). "لماذا لم تؤمنوا به"؟ هذا يعني: لماذا لم تطيعوا الله وتتقبّلوا العماد؟ رج 7: 28- 30 (رفضوا ما أراده الله لهم).
"وإن قلنا من الناس". هذا ما يفضّلونه من جواب في هذا الظرف، وهكذا يرفضون يوحنا ويرفضون يسوع دون أن يشغلوا بالهم. ولكن ليس هذا ما يفضّله الشعب الذي قد يرجمهم. حسّن لوقا النص اليوناني (وكذلك فعل متّى بطريقته) كما تسلمه من مر 11: 32: "وإن قلنا من الناس؟... كانوا يخافون الشعب" (رج مت 21: 26). هنا الرجم حتّى الموت كما قال آباء الكنيسة (أبيفانيوس، غريغوريوس النيصي). يرد فعل "رجم" (ليتازين) في أع 5: 26؛ 14: 19. وفي يوحنا يرتبط الرجم بالتجديف (10: 31- 33؛ رج 8: 39؛ لا 24: 11- 16).
"كانوا على يقين". حسّن لوقا النصّ اليوناني. "كانوا يعدّون يوحنا نبياً في الحقيقة" (مر 11: 33). قال لوقا: "كانوا متيقنين أن يوحنا نبي" (يوحنا نبي، رج 1: 76؛ 7: 26- 30).
هـ- أجابوا: لا يعلمون (آ 7- 8)
هم لا "يعرفون" من أين جاءت معمودية يوحنا. أحلّ لوقا الخطبة المباشرة مكان الخطبة غير المباشرة التي وجدها في مر 11: 33. أعلنوا جهلهم بجوابهم، ولكن جهلهم المتخفّي هو جواب بليغ. لم نعد بحاجة إلى كلام آخر. لقد خافوا من الرجم. بل في الواقع خافوا من وجوب القبول بالحقيقة، من مواجهة الحقيقة. أقرّوا أهم لا يستطيعون أن يحكموا على يوحنا. وبالتالي، لا يستطيعون أن يحكموا على يسوع. فهو الذي سيدينهم. 
قال يسوع: وأنا لا أقول لكم (رج 22: 67- 68). في مر 11: 29 د (إن قلتم، قلت) جاء وعد يسوع بالجواب مشروطاً. وفي 11: 33 د عبرّ يسوع عن رفضه بأن يفي. أغفل لوقا الوعد (وإن مشروطا"). وها هو يكرّر الآن رفضه للجواب. ففي سؤال يسوع المعاكس (سؤال على سؤال)، وفي رفضه للجواب، طلب يسوع من السلطات أن تعترف بسلطته. هذا يتضمّن أنه عزف ما هي سلطته بوضوح. ما أوكل به من مهمّة. وما هو في الحقيقة.
3- سلطة يسوع ومعمودية يوحنا
في هذه الفصول التي تتحدّث عن أيام يسوع الأخيرة في أورشليم، قال لنا: في يوم من أيام الأسبوع المقدّس. كان المخلّص يعلم الشعب الذي جاء بأعداد كبيرة لكي يسمعه. جاءه وفد من مجلسه اليهود الأعلى. غضبوا من تصّرفاته، ولا سيما حين طهّر الهيكل. بأي سلطة تجاسر ففعل كل هذا. إنهم وحدهم رؤساء الشعب اليهودي. وحم وحدهم ينظمون أمور الديانة في الأمّة. وهم لم يعطوه الحق بأن يتصرّف على هذا الشكل في الهيكل. فالشخص الوحيد الذي يحقّ له أن يتدخّل في أمور الهيكل من دون إذنهم هو المسيح (ولكن أما يكون يسوع هو المسيح؟ لم يطرحوا على نفوسهم مثل هذا السؤال). ولكن بما أنهم رفضوا كلامه على أنه المسيح، ظنّوا أنهم بسؤالهم سيضعونه أمام حائط مسدود، فيدلّ على أنه خالف الشريعة. فتعرف الجموع فيخفّ حماسها تجاهه. بل تنقلب عليه.
ولكن الرب هو سيّد الوضع. أجاب على السؤال بسؤال معاكس، فجعلهم هم أمام الحائط المسدود. هل عمّد يوحنا بسلطانه الخاص، أم تصرف حسب مشيئة الله؟ ونصل إلى الاستنتاج: هل يسوع يفعل ما يفعل بسلطته، أم يسير حسب قصد الله؟
كانت السلطات اليهودية التي وجّه إليها يسوع السؤال، من الفطنة بحيث فهمت أنها يجب أن تعتني كل العناية بالجواب. فإن قالوا: تصّرف يوحنا كمرسل من عند الله، سيجيبهم يسوع: لماذا لم تؤمنوا؟ لماذا لم تعتمدوا؟ لماذا لم تؤمنوا بكلام يسوع الذي هو المسيح؟ وإن أجابوا: لم يكن يوحنا مرسلاً من قبل الله، بل من قبل نفسه، تعرّضوا للرجم. فالجمع اعتبر يوحنا نبياً عظيماً، وقبلَ العماد من يده.
وهكذا "حشر" يسوع معارضيه في الزاوية. ظنّوا أنهم يعرفون كل شيء عن أمور الديانة. واحتقروا الشعب الذي اعتبروه جاهلاً. أعماهم بغضهم ليسوع، فدلّوا أنهم لا يمتلكون المعرفة التي تتيح لهم أن يجيبوه على سؤاله. 
حين نعود إلى موقف السلطات العام تجاه يسوع الذي رأى فيه المعمدان المسيح (يو 1: 29)، نفهم أنهم رفضوا السلطة السامية التي تصّرف يوحنا بموجبها. خافوا من الشعب، فما أعطوا جواباً صريحاً صادقاً. وبما أنهم رفضوا مثل هذا الجواب ليسوع، رفض يسوع بدوره أن يقدّم جواباً على سؤالهم. وهكذا فشلوا في إسقاط يسوع في "الفخ" الذي نصبوه له، ودلّوا على عدم صدقهم وعلى عدم أهليتهم لان يكونوا القوّاد الروحيين للشعب. قالوا في مثل هذا الأمر الخطير الذي انتظر فيه الشعب نوراً، قالوا إنهم لا يعرفون. وهكذا خسروا حقهم بأن يُعتبروا معلّمي الناس، وبالتالي بأن يطرحوا سؤالاً على يسوع. هم لما يتقبّلوا يوحنا، فكيف يتقبّلون يسوع؟ 
رفض يسوع أن يجيبهم. إن كنتم لا تقرّون بسلطة ترونها أمامكم، فليس من برهان يستطيع أن يقنعكم. وهكذا جعلوا نفوسهم معارضين للشريعة حين أرادوا أن ينظّموا حياة الشعب.
خاتمة
مارس يسوع المحبة تجاه الله وتجاه الإنسان بشكل لم يجاره فيه أحد قبله أو بعده. وفي الوقت عينه تصّرف بسلطة مطلقة لم يسبقه إليها أحد. وحين نكون أمام البحث عن الحق والعدل، فهو لا يتردّد بأن يدلّ على سلطته حتى أمام أعلى سلطات الأرض، حتى وإن كلّفه كلامه حياته. فمعه لا سبيل إلى المساومة. وهو لم يبحث يوماً عن رضى أية سلطة بشرية. فتبع بلا تردّد الطريق الذي يقود مباشرة إلى النهاية المرّة في الطاعة لدعوته الإلهية.
إن لهذا الجدال بُعداً كرستولوجياً. فيسوع صُوّر كنبي تسلّم مهمته من السماء. صُوّر كشخص يتكلّم ويعلّم ويعظ باسم الله نفسه. وما يتضمَّنه حدث تطهير الهيكل، وما ستؤكده الأحداث التالية هو أن يسوع هو "الابن" (20: 13) وحجر الزاوية (20: 17) والمعلّم (0 2: 39)، وابن داود ورته (20: 41- 44).
ويعرف قارئ لوقا أن سلطة يسوع تأتي من الله. فهو نفسه قد قال في 4: 43 إنه أرسل "ليعلن ملكوت الله". هناك من يتساءل: ماذا كان حدث لو أعطى يسوع للسلطات جواباً صريحاً واضحاً، فقال إنه مرسل من لدن الآب؟ لو فعل هذا لضاع معنى الجدال في الأناجيل الإزائية. ولكان الإنجيل الرابع طرح سؤالاً على يسوع كما يقدّمه القديس لوقا.
الفصل التاسع
مثل الكرّامين القتلة
20: 9- 19

بين الأمثال التي تروي تاريخ مخطّط الله، كمثل الابنين (مت 21: 28- 32) ومثل الأعراس الملكية (14: 15- 24= مت 22: 1- 14)، نجد مَثل الكرّامين القتلة (20: 9- 19= مت 21: 23- 44- مر 12: 1- 11). في هذا المثل يعلن يسوع مصير إسرائيل فيحدّد موقعه في تاريخ الأنبياء الطويل. ولكنه في هذه المرة يربطه بمصيره الخاص: يدلّ على نفسه أنه الإبن الحبيب، ويتميّز بوضوح عن كل الخدّام الذين سبقوه. وهكذا دلّ على أنه جاء في الاخير لكي يتمّ التاريخ المقدّس.
وعلى مستوى النقد الأدبي، هذا المثل هو أحد الثلاثة التي أوردها الإزائيون الثلاثة. أما هذا المثل فهو قريب من الأمثلة "التاريخية". إنه يشكل استعارة تجعلنا نكتشف وراء كل شخص ووراء كل مشهد واقعاً من نوع آخر.
1- تفصيل المثل عند لوقا
إن المثل الذي طفق يسوع يرويه، يتوجّه إلى الشعب الحاضر في الهيكل (آ 9)، فيحرّك عنده ردّة فعل: لا سمح الله (آ 16 ب). ومع هذا، فالرؤساء الروحيون في إسرائيل الذين سبق لهم وحاولوا أن يقتلوا يسوع (رج 19: 47)، فهموا جيداً أن هذا المثل قيل أولاً عليهم. في متّى ومرقس، يتوجّه المثل فقط إلى السلطات. وأدخل لوقا الشعب فعرض علينا أن نكتشف المعنى على ضوء آ 16 ب.
إن تكن الاشارات الاستعارية غير بارزة في آ 9 ب- 12، وإن كان لوقا قد اكتفى بتلميح قصير إلى أش 5: 12 (زرع الكرمة)، يبدو أن الخبر هو استعارة عن تاريخ الخلاص. فصورة الكرمة تطبّق مراراً على إسرائيل في العهد القديم. وصاحب الكرمة هو الله. في هذا المثل أجّرت الكرمة، سلّمت إلى الكرّامين، طُلب منهم أن يعطوا ثمراً، أن يعطوا هذا الثمر الذي ينتظره الله من شعبه كما يقول لوقا (رج 3: 8- 9؛ 6: 43- 44؛ 8: 8؛ 13: 6- 9).
إن موضوع "السفر الطويل إلى الخارج" الذي التقيناه في أمثلة أخرى، قد يدلّ على المهلة التي تفصل الفصح والقيامة عن عودة الرب في نهاية الأزمنة. وقد يدلّ أيضاً على الزمن السابق لمجيء المسيح الأول. ونرى في الكرّامين مسؤولي الشعب الذين وبّخهم الأنبياء مراراً (حز 34) لتقاعسهم الصارخ. والخدّام يمثّلون الأنبياء الذين أرسلهم رب الكرم الواحدَ بعد الآخر. لا يشير لوقا إلى مقتل بعضهم (ق مر 12: 5). مع أن الموضوع يهمّه (13: 34). ولكن في تدرّج متنام على مستوى المعاملات السيّئة، إحتفظ لوقا بالموت للإبن وحده. وبجانب "الاضطهادات"، هناك فشل ملموس في الرسالة: صُرفوا صفر اليدين (آ 10- 11)، وطردوا (آ 12). 
مع آ 13- 15 أ، تمتدّ الاستعارة الكرستولوجية. إن رب الكرم يواصل صبره وأمانته لمعاهدة ماضية. ففي المونولوج الذي فيه يعبرّ عن شخصيّته، نراه يبحث عن محاولة أخيرة، لأنه لا يريد أن يهمل امكانيّة (لعلّهم) حلّ سعيد. فأرسل أقرب الناس إليه لكي يمثِّله. أرسل ابنه الحبيب بما له من حقوق مشروعة. هذا اللقب مهمّ وهو يعود بنا إلى تك 22 وفي الأدب الراباني يدلّ على "ولد وحيد قتل". هنا يسوع نفسه هو الذي يسمّى بهذا الإسم. قد طبّق على نفسه لفظة الإبن في 10: 22 (أبي أعطاني كل شيء). وها هو يعلن أنه وارث الآب. من هنا ينبع كل سلطانه (رج 20: 1- 2). وهو ينبئ بوضوح تام عن موته في آ 14- 15: إن المسؤولين في العالم اليهودي يطردون المرسَل الأخير ويقتلونه.
وينتهي المثل بشكل دراماتيكي ويثير ردة فعل لدى الشعب (آ 15 ب- 16). لقد نفد صبر رب الكريم بعد أن طال. وعلى ضوء نبوءة يسوع في 19: 41- 44، قد يكون في مثل الكرّامين تلميحٌ إلى دمار أورشليم، وهو الحدث المأساوي الذي أزال عظماء الكهنة عن مسرح التاريخ. و"الآخرون" الذين يُعطى لهم الكرم، هم الرسل الذين تسلّموا شعب الله الجديد المؤلّف من اليهود والوثنيين. ولكن إليهم أيضاً يطلب يسوع حسابات (رج 12: 41- 48). وجاءت ردّة الفعل لدى الحاضرين واضحة (آ 16 ب): رفضوا الجريمة ورفضوا العقاب. لا يكون تضامن الشعب مع رؤسائه تاماً إلاّ في كارثة وطنية. في سنة 70، كل سكان أورشليم ذاقوا الأمرين.
حينئذٍ ألقى يسوع على هذا الشعب ذات النظرة التي ألقاها على بطرس (22: 61)، وتابع كلامه (آ 17- 18). طرح سؤالاً أوّل على سامعيه حول معنى الكتب المقدسة (آ 17). ولكنه لن يعطي جواباً لا هو ولا سامعوه. كل شيء ظلّ خفيّاً. ونقف مع استشهاد من مز 118: 8 حيث يطبّق يسوع على نفسه القاعدة الالهية التي تتحدّث عن انقلاب في الأوضاع (6: 20 ي). فتجاه فعل "رذل" الذي استعمله يسوع مرتين في إنبائه بالآلام (9: 22؛ 17: 25)، نجد الارتفاع والتمجيد. وهكذا لا ينتهي المثل بنبوءة عن موت الإبن، بل نرى فجر القيامة وقد بدأ طلوعه. بعد القيامة، سيستعمل بطرس النصّ الكتابي عينه ليعلن أن الله أعاد المصلوب إلى حقوقه الأساسية: حين جلس على العرش بالقيامة، صار حجر الزاوية في الشعب الجديد (أع 4: 11). إن هدف الكتاب المقدّس هو أن يكشف قصد الله الخفي الذي ينصف الإبن، وهو لا يأخذ كامل معناه إلا على ضوء الفصح والقيامة. فالتلاميذ أنفسهم سيحتاجون إلى القائم من الموت لكي يفتح لهم عقلهم حتى يفهموا (24: 25- 27، 32، 45). ولكن الساعة لم تحُن بعد لكي يقول يسوع ما كُتب في مز 118: 22.
وتشدّد آ 18 على المنحدر الثاني في دينونة الله. جمعت أش 8: 14- 15 مع دا 2: 34- 44. في أش الله هو في الوقت عينه صخرة يتأسَّس عليها أيمان أسرائيل، وحجر عثار للشعب بقدر ما يبدو الشعب لا مؤمناً. ونتيجة هذا الجمع كان تشاؤم نقرأه في مثل راباني: إذا سقط حجر على قدر، فالويل للقدر. وإن سقط القدر على الحجر، فالويل للقدر. فالحجر ليس فقط القطعة الأولى في البناء. فهو أيضاً يلعب دوراً هاماً في الهدم كما يقول المثل.
فعلى السامعين أن يختاروا، أن يقرأوا موقفهم تجاه يسوع الذي هو آية خلاف (2: 34). هذا هي الطريقة الوحيدة بأن لا يكونوا من الذين يرفضون أن يؤمنوا بالقائم من الموت، ولا من الذين يأتي ليدينهم في نهاية الأزمنة. وكان للتأكيد بُعد عام (كل من، كل إنسان، وليس فقط الشعب اليهودي). فاللاإيمان ليس ميزة الرؤساء القتلة وحدهم. ولا ننسى أن يسوع بكى منذ قليل على أورشليم في 19: 14 ي.
ستستنير آ 17- 18 بنور القيامة وتصبح واضحة كل الوضوح بالنسبة إلى التلاميذ. ولكن قراءة المثل بشكل استعارة (آ 9: 16 أ) قد جعل السلطات الدينية تفهم (آ 19). إلا أنها لما تتخلّ عن مشروعها المجرم. ولكنهم ما زالوا يخافون الشعب، وهذا ما يمنعهم الآن من تحقيق نواياهم. 
2- التحليل الأدبي
يتوسّع خبر المثل في خمس محطّات. المقدمة (20: 9= مت 21: 33- مر 12: 1). إرسال الخدم (20: 10- 12= مت 21: 34- 36= مر 12: 2- 5). إرسال الإبن (لو 20: 13- 15 أ- مت 21: 37- 39 = مر 12: 6- 8). المستقبل (20: 15 ب- 16- مت 21: 40- 41 = مر 12: 9). التفسير الكتابي (20: 17- 18= مت 21: 42- 44 = مر 12: 10- 11). والخاتمة التاريخية (20: 9= مت 21: 45- 46 = مر 12: 12) تبدو بشكل تحقيق للمثل. سنعود إلى كل محطة ونقرأها في الأناجيل الإزائية الثلاثة.
أ- المقدمة (آ 9)
هناك اختلاف واحد بين الأناجيل الثلاثة: امتنع لوقا عن ايراد النبوءة مع ما فيها من تفاصيل كما في أش 5: 1- 7 (حوّط بسياج، حفر معصرة وبنى برجا، رج مت 21: 33). في هذه القصيدة أنشد أشعيا مرثاة على كرم صديقه الذي أعطى حصرماً برياً بدل أن يعطي ثمراً طيباً. ولهذا، عزم الصديق على تدميره. وبعد هذا يأتي التطبيق: إن كرم رب الجنود هو إسرائيل. نترك الآن جانباً مقابلة هذه القصيدة مع النص الأنجيلي، ونحاول أن نكتشف الوضع الأصلي لهذه المقدمة.
هل يعود أش 5: 2 إلى الأصل؟ لما يخف لوقا من أن يقصّر النصّ ويترك منه بعض الشيء لكي يصل مباشرة إلى هدفه. أما مرقس، فما اعتاد أن يسترسل في إيراد الاستشهاد. هذا يعني أننا أمام نص سابق للإزائيين. فقد يكون مرقس قد تسلّم نصّاً موسّعاً اختصره لوقا. والنص النبوي قريب من الترجمة اليونانية (السبعينية) لا سيما حين تبتعد عن النصّ العبري.
أش عبراني أش يوناني مت/ مر
وبنى برجاً وبنى برجاً وبنى برجاً
في وسطه في وسطه
وحفر فيه وحفر فيه وحفر فيه
معصرة معصرة معصرة
ونقبه وأحاطه وغرس
ونقى حجارته بسياج كرماً
وغرس فيه وغرس فيه وأحاطه
افضل كرمة كرمة سوريك بسياج
لم يكن الاستشهاد حرفياً كما في مز 118: 22- 23، إلا أن كلاًّ من نصّ مت ومر يرتبط ارتباطاً وثيقاً بنص السبعينية (وإن لم يكن ترتيب الكلمات ذاك الذي نجده في السبعينية). نستطيع أن نتحدّث عن تذكّر النص اليوناني، لا سيّما وأن مناخ المثل الاشعيائي والقرابة في الفن الأدبي وشكل الحوار "الهجومي"، تدلّ على تأثير حقيقي من النص النبوي على المثل نفسه. هل كان الايراد في النص الأصلي؟ ربما لا. فهو يشدّد على تفاصيل تُوجّه الانتباه إلى محبة السيد لكرمه. وهذا ليس هو المعنى الاجمالي للمثل، ولا يتوافق مع رجل أجّر كرمه وذهب إلى مكان بعيد. فقد تكون زيدت هذه التفاصيل لا مرحلة سابقة للتدوين الإزائي. لماذا؟ هذا ما نقوله فيما بعد.
تخصّ الكرمة "انساناً". وقال متّى في لغة يونانية خاصة: كان "رب البيت" (اويكودسبوتس). وسيقول مرقس ولوقا مع متّى فيما بعد: "رب الكرم". هل كان هذا الرجل غريباً، كما قال بعض الشرّاح؟ لا يبدو أن الأمر هو كذلك. فالنصّ واضح: ذهب إلى مكان بعيد (قد تعني العبارة: إلى العالم الوثني. بعد أن بشّر العالم اليهودي).
حين يسمع اليهودي مثل هذا المثل، يفكّر حالاً بقصيدة أشعيا. ويعرف أن حبّ الله سيتحوّل غضباً، لأن كرمه كان عقيماً. فكيف لم يستشفّ من خلال هذا الانسان الذي يغرس كرماً، ظلّ دينونة إلهية جديدة تهدّده؟ يبدأ المثل مثل نشيد الكرّام في كرمه. ولكنه يوجّه الأفكار في اتجاه آخر.
ب- إرسال الخدم (آ 10: 12)
هناك توافق في العمق واختلافات عديدة بين إنجيل وآخر على مستوى التفاصيل: عدد الوفود والخدم الذين أرسلوا، تصوير المعاملات السيّئة التي لاقاها الخدم.
تحدّث مرقس ولوقا عن ثلاثة وفود. وهناك تدرّج في تصوير المعاملات السيّئة. نبدأ مع مرقس: الخادم الأول ضُرب. الثاني: ضُرب على رأسه وأهين. الثالث: قتُل. ولكن هذه الحركة التدريجية سوف تنقطع حين يذكر مرقس مقتل الخادم الأخير قبل الإبن. ثم يزيد: "وأرسل آخرين كثيرين فضربوا بعضاً وقتلوا بعضاً" (مر 12: 5). قدّم لوقا هذا التدرّج بإيجازه العادي، فصوّر المضايقات التي أخذت تزداد خطورة حتى الموت. الأول: ضُرب. الثاني: أهين. الثالث: جُرح وطُرد (هذا تفصيل يصل بنا إلى مصير الإبن). وترتبط خطيئة الكرّامين ارتباطاً أفضل بالحكم العام: لقد طُرد الخدم الثلاثة. ويوضح لوقا على دفعتين أنهم عادوا صفر اليدين ولم يحملوا إلى رب الكرم شيئاً من ثمر الكرم.
أشار متّى إلى بعثتين. وكانت الثانية استعادة للأولى: جلدوا بعضاً، قتلوا بعضاً، رجموا بعضاً (هذا ما حدث للأنبياء وللشهود الأولين في الكنيسة). أرسل الوفد الثاني: "صنعوا بهم كذلك". هنا نعود إلى كلمة يسوع في مت 23: 37 (رج لو 12: 34). وهكذا التقى متّى مع مرقس ولوقا فشدّد على إلحاح رب الكرم بارسال خدّامه رغم عداوة الكرّامين. 
نلاحظ أن ربّ الكرم أكثر من الوفود، كما نلاحظ اهتمامه بأن يحصل على ثمار من كرمه. وبما أن الكرّامين رفضوا أي تجاوب معه، كان لهم ما استحقوا.
ما معنى هذه الوفود؟ هنا يتذكّر السامعون محاولات الله المستمرّة ليعيد شعبه إلى العهد بواسطة عبيده الأنبياء (2 مل 17: 13- 14). تحدّث متّى عن الرجم، ولمّح مرقس إلى المرسلين العديدين. واستعمل لوقا لفظة لاهوتية: بمبساي: أرسل. نحن هنا أمام واقع "غير معقول": لماذا يرفض الكرّامون أن يرسلوا من الثمار إلى ربّ الكرم؟ وهكذا نكون أمام استعارة تدلّ على وفود الأنبياء المستمرة إلى شعب اسرائيل الرافض دوماً نداء الله. ولن تتبدّل الحال مع المرسل الأخير، مع الابن، مع يسوع المسيح.
ج- إرسال الإبن (آ 13- 15 أ)
بعد وفود الخدم، أرسل الابن في النهاية. وبعد المعاملات السيئة ضد الخدم، جاء الجرم الرئيسي ضد الوارث. هنا يلتقي التقليد الأدبي في نقاط جوهرية عديدة حول إرسال الإبن: أولاً، هو الأخير (في آخر الأمر، مت ومر). أمل السيد أن الكرّامين سيهابون ابنه. ولكن الإبن مات لأن الكرّامين رغبوا في ميراثه. وتبقى اختلافات على هذا الأساس المشترك والعميق: عرض الخبر بشكل دراماتيكي (ترجّى السيد أن يُستقبل ابنه استقبالاً أفضل). ترتيب ظروف القتل (أولاً، طُرح خارجاً ثم قُتل أو العكس). لقب "الحبيب" في مر ولو (ابني الحبيب).
وضع غير معقول. كيف يخاطر هذا الأب فيرسل ابنه إلى كرّامين توضّحت نواياهم السيئة؟ كيف يتخيّل الكرَّامون أنهم يستطيعون أن يرثوا خيرات الإبن؟ قال بعضهم: وقد يموت الأب. لا نستطيع هنا أن نحصر تفكيرنا في المعنى الحرفي. هذا في الواقع ما عمله الله في محبته فأرسل ابنه. وهذا هو الواقع الذي تمّ حين قتل رؤساء اليهود يسوع المسيح وأرادوا أن يضعوا يدهم على كرمه.
إذا كانت صورة الإبن قد ظهرت في نهاية التاريخ، فقد كان ظهورها دلالة على خطورة ثورة الكرّامين. هكذا رُفض آخر "تعليم" أرسله الله. وهكذا نكون أمام رسالة يسوع وموته، أمام رفض للإنجيل. إلى من ننسب تفسير الاستعارة هذه؟ لا شك بأن يسمع بدأ بها وطبّقتها الجماعة المسيحية على نفسها. عرف يسوع أنه الإبن وأنه ذاهب إلى الموت. وعرفت الكنيسة أن تقرأ الكتب المقدسة من خلال ما حصل ليسوع في آلامه وموته وانتصاره الأخير.
هنا نطرح سؤالين: هل أنبأ يسوع بموته بهذا الشكل؟ هل أعلن عن نفسه أنه ابن الله الوحيد؟ إن يسوع تحدّث عن موته بوضوح أمام تلاميذه. وأشار إلى هذا الموت أمام خصومه، لا ليقاوم مشاريعهم السيّئة (ربما لينبِّههم إلى ما في عملهم من شّر كما مع يهوذا)، بل ليدلّ على أنه عالم إلى أين يذهب. هكذا وعى الأنبياء (مثل إرميا) مصيرهم أمام شّر الرؤساء. ويبيّن يسوع في هذا المثل آلامه القريبة بعد اضطهادات قاساها الانبياء. فهناك أقوال (مت 23: 32- 33) تربط موت يسوع بنشاط الكتبة والكهنة. لم يكن يسوع أول من ربط مصيره بمصير الأنبياء الذين سبقوه، ولكنه تفرّد بالقول على أنه يُتمّ اضطهاد البار.
ثم إن ما يقوله يسوع لا يعني فقط رسالته، بل شخصه أيضاً. فصورة الإبن في المثل تدلّ على أننا أمام ابن الله. أما قال يسوع لتلاميذه إنه "الإبن" (مت 11: 27؛ مر 13: 32)؟ أما دعاه "أبا، أيها الاب" كما يفعل الأبناء مع والديهم؟ قد يكون تريّث يسوع في إعلان هويته أنه المسيح أو الإبن. ولكن النهاية صارت قريبة. لهذا أعلن يسوع ما أعلن في هذا المثل، فلم يفهم الشعب. أما الكتبة والأحبار فأحسّوا أن يسوع ليس نبياً مثل سائر الأنبياء وحسب. غير أن عقولهم توجّهت إلى المصير المحفوظ للكّرامين، لا إلى صفة الإبن.
وهناك أيضاً لقب "الحبيب"، وترتيب ظروف مقتل يسوع. هذا ما سيساعدنا على توضيح المعنى العميق للمثل.
أوضح مرقس ولوقا أن هذا الإبن هو الحبيب (أغاباتوس)، على مثال ما في المعمودية (لا 3: 17 وز) والتجلّي (مت 17: 5 وز). أخذ يسوع هذه الصفة وان لا تزد شيئاً جوهرياً على الاساس. لا شك في أننا أمام شخص اسحق الذاهب إلى الموت. أجل، إن يسوع يفكّر في آلامه القريبة. 
قال مرقس عن الإبن: قتلوه وطرحوه خارج الكرم. أما متى ولوقا فقالا: طرحوه خارج الكرم وقتلوه. هذا ما حدث في الواقع بالنسبة إلى يسوع. يقول يو 19: 17 إن يسوع "خرج من المدينة ليذهب إلى الجلجلة". وقالت عب 13: 12: "تألم خارج باب المدينة". هكذا كان اليهود يتصّرفون بالمحكومين بالإعدام بسبب التجديف (لا 24: 14- 16). وهذا ما حدث لاسطفانس الذي رُجم "خارج المدينة" (أع 7: 58). نلاحظ أولاً أن مرقس بدّل في تسلسل الاحداث (قتل، طرح) ليجعل خبره معقولاً تجاه الوثنيين. ونلاحظ ثانياً أن "طرح" (اكبالو) يسوع خارج المدينة يبدو انتقاماً من يسوع الذي سبق و "طرح" الباعة إلى خارج الهيكل (مت 21: 12 وز).
إن تاريخ الخلاص يتمّ في يسوع. إنه يعلن لمعاصريه أنهم قد يُطرحون خارج الملكوت حين يَطرحون خارج المدينة آخر الخدم الأنبياء الذي هو أيضاً ابن الله.
د- المستقبل (آ 15- ب 16)
بعد هذا المقطع تصبح الأفعال كلها في المضارع وتدلّ على المستقبل. فكأن موت الإبن القريب سيحدّد الزمن في نقطة نهائية: نستشفّ المستقبل في "الظلّ" مع يقين يمنحه وحي قصد الله.
إن نهاية هذا المثل عرفت توسّعات عدة في ما يُسمَّى التفسير الكتابي. ونعالج أولاً إعلان العقاب للكرّامين. تتوافق الأناجيل الثلاثة حوله طبيعة هذا العقاب وظروفه: إنها تربطه بمجيء السيد، وبتأجير الكرم إلى كرّامين آخرين. يأتي، يعاقب، يستبدل. إن موت الإبن ليس نهاية الدراما، بل سلوك رب الكرم. فهناك أمثال أخرى تدل على مصير الخدم الاردياء (12: 46= مت 24: 51). فالعذارى الجاهلات اصطدمن بباب مقفل: "لا أعرفكنّ" (مت 25: 11- 12). وكذا نقول عن الخادم الذي لم يتاجر بوزنته (مت 25: 11- 12).
كيف بدت نهاية المثل؟ بشكل سؤال كما في أش 5: 3- 4 (ماذا كان يجب أن أعمل؟). وهو سؤال ينتظر جواباً لا على مستوى القول وحسب، بل على مستوى الحياة. هل أعطى السامعون جواباً؟ إن شكل الحوار الذي يدلّ عليه متّى ولوقا يظهر في أمثلة أخرى: الابنان (مت 21: 31). السامري الصالح (10: 36- 37). وضعَ متّى على شفاه السامعين حكماً على الكرّامين، وهذا ما يدخل في التقليد التوراتي (2 صم 12: 5؛ 14: 18)، كما في خطّ لاهوت متّى. أما لوقا الذي اعتاد أن يوزّع المسؤوليات في موت يسوع، فقد جعل "الشعب" يحتجّ ضد حكم يصيب الكرّامين.
وتتوافق الأناجيل الثلاثة على معنى هذه النهاية. فمجيء رب الكرم هو من النمط الاسكاتولوجي. وعقاب الكرّامين يدخل في منطق الخبر. ونقلُ الكرمة إلى كرّامين آخرين هو الشيء الذي لم يكن ينتظره سامعون يهود. ففي التقليد البيبلي، قد يعاقَب إسرائيل، ولكنه يبقى الشعب المختار. أما هنا فلا تنتهي المأساة في عقاب الكرّامين. ولا يصوّر مصيرهم كما في الأمثال التي ذكرناها. فالاهتمام ينصبّ على الذين ذهبوا، بل على الكرمة التي يجب أن تصل ثمارها إلى الله.
وهذا التمييز بين الكرمة والكرّامين. قال أش 5: 7: "إن كرم رب الجنود هو بيت إسرائيل". إذن، الكرمة هي شعب إسرائيل. والكرّامون هم رؤساء إسرائيل. ولكن كيف ينتقل إسرائيل إلى رؤساء يختارهم يسوع بنفسه؟ في بداية المثل، كان إسرائيل هو الكرم. وبالنهاية صار إسرائيل الكرّامين الذين يستحقون العقاب. وصار الكرم الكنيسة.
ونقول أيضاً إن الكرم دلّ على ملكوت الله لا على الشعب التاريخي. وهكذا فسخت الوحدة بين ملكوت الله وإسرائيل. بعد هذا، لم يعد الرؤساء وحدهم الكرّامين، بل مجمل إسرائيل. "منه ينتزع الملكوت ويُعطى "لآخرين". من هم هؤلاء الآخرون؟ لا إسرائيل التاريخي. وتبقى النبوءة "غامضة" بعض الشيء قبل أن تتوضّح. وحين تعيش الكنيسة الأولى رسالتها ستفهم أنها كرم الرب وإسرائيل الجديد.
هـ- التفسير الكتابي (آ 17- 18)
ومع عقاب الكرّامين وجد المثلُ نهايته. بل انتقل الخبر من مصير الكرم والكرّامين إلى الإبن المقتول عبر رمزية حجر الزاوية (مز 118: 22- 23. إيراد حرفي حسب السبعينية). كان الاستشهاد موجوداً قبل أن يدوّن في الأناجيل الثلاثة. وسوف تعود إليه الكنيسة الأولى لا في هذا المثل فقط بل في أع 4: 11؛ 1 بط 2: 7. 
ترك لوقا مز 118: 23 وزاد قولاً مأخوذاً من أش 28: 16 ودا 2: 45. نحن هنا أمام التأمّل عينه على ضوء نصوص كتابيّة أخرى.
وتأتي في النهاية الخاتمة التاريخيّة (آ 19)، فتبيّن لنا سامعي يسوع: الشعب والخصوم. نلاحظ هنا تبديل معنى المثل بالنسبة إلى أشعيا. فيسوع لا يعلن دمار الكرم، بل إحلال كرّامين "آخرين" محلّ كرّامين أولين. ولا يُبرز يسوع عقمَ الكرمة، بل تسلّط الكرّامين على الثمار. ثم إن الكرمة لا تدلّ على إسرائيل التاريخي، بل على واقع حيّ في قلب الله هو ملكوت الله. ونلاحظ أيضاً أن الجماعة المسيحية رأت في ذهاب السيد وعودته، المسيح الذي ذهب ويعود. ونلاحظ ثالثاً أن الدينونة تترك أمام الخطأة امكانيّة التوبة. نحن نجد ولا شكّ إشارة إلى موت يسوع ووحياً عن بنوّته الالهية. ولكننا نجد أيضاً تهديداً وتحذيراً (إن لم تتوبوا فسوف تهلكون جميعاً) وإعلان دينونة قريبة.
إن يسوع يشرف على تاريخ الخلاص. وقد ربط دينونة إسرائيل الأخيرة بمصيره الخاص. قد سبقه خدم آخرون، فطُردوا وقتُل بعضهم. وجاء هو "في الأخير". إنه الإبن. طرد وقتل، فدفع هذا العملُ الله إلى أن يعيد النظر في موقفه تجاه إسرائيل. وهكذا أعلن يسوع مصيره بالنظر إلى تاريخ الخلاص الماضي. ومع إنباءات الآلام، سوف يتطلع إلى المستقبل.
3- النظرة اللاهوتية
كان لهذا المثل الذي رواه يسوع أهمية كبرى في نظر المسيحيين الأولين. فقد وحّد بشكل متناسق، الوحي عن مصير الكنيسة والوحي عن مصير يسوع. ولهذا تحدّد وتطبّق بقدر حاجة المؤمنين. وذلك منذ قرئ المثل بالنظر إلى الوضع الجديد الذي خلقه الحدث الفصحي.
أ- النظرة السابقة للأناجيل الإزائية
نتوقّف هنا عند اثنين: التفاصيل التي جُعلت في تصوير الكرم، والايراد الكتابي.
أولاً: تفاصيل أش 5
قال يسوع: "زرع إنسان كرماً". وجاءت التفاصيل: حوّطه بسياج، حفر فيه معصرة، بنى فيه برجاً. هذا ما يجعلنا في خطّ أشعيا الذي يقابل بين عقم الكرم ومحبة الله. هذا نشيد حبّ الله لكرمه. ماذا كنت أستطيع أن أفعل لكرمي ولم أفعله؟ والوفود المتعاقبة في المثل، توخّت التشديد على تواصل مخطّط الله الذي وجد ذروته في مقتل الإبن. هذه الوفود تدلّ دلالة ملموسة على حبّ الله الذي لا يتخلىّ عن شعبه. وهذا الضوء الجديد يبرز خطيئة الكرّامين. وهناك أيضاً طرد الخدم صفر اليدين، الضرب على الرأس، مقتل الخدم. وتحدّث متّى عن مجموعتين. هل نحن أمام "شاهدين"؟ أم يريد متّى أن يوسّع المثل فيفكّر ب "أنبياء" لدى الوثنيين؟ 
وتفكير رب الكرم بابنه، ولقب "الحبيب" يجعلاننا في الخط عينه. كل هذا يدلّ على "ولع" الله بكرمه، ويشدّد على مخطّطه وهو مجيء الملكوت. كل هذا جعل الكنيسة تتعمّق في المثل، وحوّلت النظر إلى الله وحبّه. كما جعلها تبرز موضوع الدينونة وهذا ما نجده في التفسير الكتابي.
ثانياً: الإيراد الكتابي
تحدّدَ موقع الإيراد الكتابي في نهاية المثل فدلّ على أنه خارج بنيته، وأوضح اتجاها جديداً. ففي الجماعة المسيحية الأولى، فُهم مصير يسوع الذي رذله إسرائيل ثم قام، على ضوء النصوص البيبلية التي تتحدّث عن حجر الزاوية (أش 28: 16؛ رج 8: 14- 15؛ مز 118؛ دا 2: 44- 45؛ رج إر 51: 26؛ زك 4: 7). قرأت الجماعة هذه النصوص فرأت فيها إعلاناً نبوياً عن مصير ربها: صار حجر عثار لليهود. رفضه إسرائيل الرسمي. ولكنه جُعل حجر الغلق في بناء الكنيسة صباح الفصح. نظرت الكنيسة إلى حاجات الوعظ والدفاع المسيحي، فجمعت أقوالاً كتابية قصيرة وجعلتها في يد المعلّمين (كتاب صغير يرافق الواعظ بسبب كبر المخطوطة وارتفاع ثمنها). والتفسير الذي نقرأ في مز 118 جاء يوضّح فكرة حقيقية ليسوع. عرف يسوع أنه "يُرذل" (17: 25) ولكن ليكون مبدأ وحدة. وعبرّت الكنيسة عن يقينه هذا بصورة الحجر التقليدية: يُرذل فيجعله الله في قمة البناء.
واستغل هذا الرمز في وجهتين. حين نتوقّف على دور الحجر بالنسبة إلى مجمل البناء، نشدّد على تواصل مخطّط الله (أش 28: 16- 17)، على ثبات ملكوته الذي يدوم إلى الأبد (دا 2: 44). وحين ننظر إلى مصير الحجر الذي رُذل ثم رُفع إلى القمة (مز 118؛ أش 8: 14- 15)، نفهم أننا أمام إعلان مصير المسيح الشخصي. وقد اهتمت الكنيسة الأولى بمصير الرب أكثر من اهتمامها بمصير الملكوت.
حين شدّدت الكنيسة على الوجهة الكرستولوجية، حوّلت معنى المثل الأصلي الذي أشار إلى انتقال الملكوت إلى "آخرين". كان يسوع قد تحدّث عن موته (هو الأخير) في تاريخ الخلاص. وإذ أرادت الكنيسة أن تواجه شكّ هذا الموت، تطلّعت إلى مجد القيامة. كان هناك الدرفة الأولى من مصير عبد الله المتألم: سيذلّ "العبد". وقال المسيحيون: سيرتفع العبد ويمجّد. تحدّث المثل عن موت الإبن الآتي، وظلّ هذا الكلام محجوباً للسامعين الذين ظلّوا غارقين في الظلام. ولما تمّ الحدث، أضاءت الجماعة الأولى بضوء الفصح على إعلان موت الإبن فاتبعته حالاً بمجد القائم من الموت.
بعد هذا، لم يعد المثل فقط إعلاناً وانباءً، بل صار نظرة إلى الوراء (تعود الكنيسة إلى الماضي). إن هذا التبدل لم لمجن فكر يسوع، بل أوضحه بالنسبة إلى الكنيسة. وألقى التفسير الكتابي على هذا المثل ضوءاً ما أراد يسوغ أن "يُعمي" به خصومه (لم يأتِ الوقت بعد من أجل مجد القيامة). هذا الضوء قد دخل فيه إيمان المسيحيين الأولين، فكان منطلقاً لفهم بنوّة يسوع. والعزم الذي به سار يسوع إلى الموت، دلّ على أنه يتوجّه إلى مجد القيامة. فالواحد لا ينفصل عن الآخر.
في هذ المرحلة، شدّد التقليد بالاحرى على مصير الملكوت، على عمل الله الذي أقام ابنه. وهكذا يصبح المثل صرخة الانتصار: يسوع يعرف أنه "يُوقف". وهو يعرف أيضاً أنه سيكون الحجر الذي بدونه لا يقوم بناء إسرائيل. وهكذا نكون أمام وجهة كرستولوجية.
ب- نظرة مرقس
شدّد مرقس على الوجهة المسيحانية الاولانية. وهذا ما نكتشفه من التحويلات التي قام بها في التدوين القبل الازائي، ومن النظر إلى السياق الذي فيه جعل هذا المقطع.
في الظاهر لا يبدو مصير يسوع فريداً. يشدّد مرقس على المعاملات السيّئة التي قاساها الخدم. وقال إن الثالث قتُل وتبعه "عدد كبير" من المرسلين، وهكذا قطع التناسق الذي كان عند لوقا والذي أبرز مصير الإبن. ولكن هذا الشعور الأولى يمَّحى حين يصوّر عذاب الإبن: عنه وحده قيل إن الكرّامين استهانوا بجثته. قُتل الإبن في الكرم، ثم رُمي جسده خارج الكرم، أي خارج الملكوت الذي أعلن يسوع مجيئه القريب. فكأنه وجب على المسيح أن يُرذل ويُسحق حسب ما نقرأ في مز 19: 12. حسب لاهوت مرقس في خبر الآلام، يجب على يسوع أن يكون وحده لكي يتمّ الفداء. وحين أشار مرقس إلى جثمان الإبن المرمي خارج الكرم، شدّد مسبقاً على ألم يسوع وما فيه من ذلّ وانتهاك مقدّسات.
بيد أن الانسان الذي رُذل هكذا، قد جعله الله مفتاح التاريخ. فلنتعجَّب أمام عمل الرب. والجماعة الليتورجية التي تسمع عبر هذا المثل خبر الآلام والقيامة، تنهي "الرواية" بنشيد الفصح الذي هو هللويا.
إذا كان مثل الكرّامين القتلة يطلب من جماعة مرقس أن تلقي نظرة فصحيّة إلى الحدث، فهو يبقى إعلان دينونة قريبة. فإطاره يبرز الوضع المأساوي الذي فيه دخل المسيح. وحين أعلن يسوع هذا المثل، كان عائشاً في ظلّ موت مهدّد.
سبّق مرقس على نبذة قديمة تتحدّث عن المؤامرة في 12: 12، فأعلن منذ 11: 18 أن عظماء الكهنة والكتبة سعوا إلى قتل يسوع، ولكنهم خافوا من الجمع الذي دلّ على اعجابه بهذا النبي. إن هذا المناخ الدراماتيكي يبرز كل تفصيل من التفاصيل. دين يسوع ولكنه هو الديان. اتهم ولكنه هو من يَتهم. حُكم عليه ولكنه هو الذي يحكم كالنبي في شعب إسرائيل.
خ- نظرة لوقا
إتخذت رواية لوقا اتساعاً أكبر، وتدرَّجت المعاملات السيئة، فبرز موت الإبن الذي يشكّل ذروة المثل. نحن أمام خبر نراه بعيوننا. وهذا الخبر هو دراما يرى فيها الشعب المواجهة بين الله والكرّامين.
منذ زمن بعيد (20: 9) بدأ الله عمله. وآية الخلاف التي ظهرت بوضوح مع مجيء الإبن جعلت الكرّامين يعثرون. وهكذا نجد من جهة كرّامين تحصّنوا وراء إرادتهم بأن يطردوا الله من ملكوته. ومن جهة ثانية سيّد الكرم الصبور والكريم الذي يرجو ("ربّما"، آ 13) أن يهابوا ابنه و "يرسله" بدوره كما "أرسل" قبله الانبياء (آ 11- 13)، وكرّامين يصرفون عبيد الله صفر اليدين (آ 10: 11). هي معارضة تامّة بين الله والكرّامين.
هذا الصراع من التاريخ القديم يتركّز اليوم في توتّر حول شخص يسوع الحاضر هنا والذي يتكلّم. إن آية الخلاف التي تحدّث عنها- سمعان الشيخ في بداية حياة يسوع، قد انتصبت أمام الشعب كله (آ 9): فعلى كل واحد أن يجيب بدوره. وُضع اسرائيل أمام نظرة تقول إن ملكوت الله يسلّم إلى آخرين، فأجاب: "كلا، معاذ الله" (آ 16). الوضع خطير، ولهذا يقول الإنجيلي إن يسوع حدّق بنظره الثاقب وقال كلمته القاسية حول الحجر الذي رذله البناؤون.
إنطلق لوقا، شأنه شأن مرقس، من الاتجاه الكرستولوجي (كما وجد في التقليد القبل إزائي). فأغناه بدرس حول الاختيار وجده في سياق الخبر: أنكون مع المسيح أم ضدّ المسيح؟ ولا تنتهي خاتمة الخبر بهتاف جماعة تنشد ليتورجية عمل الرب العظيم (لا يورد لوقا مز 118: 23: هذا هو عمل الرب)، بل بتنبيه هائل (كما في عظة) يوجّه إلى الشعب كله (آ 9) الذي ميّزه عن الكتبة وعظماء الكهنة (آ 19). كل واحد مدعوّ لكي يلتحق بالمسيح. "من وقع على هذا الحجر تحطّم، ومن وقع الحجر عليه سحقه" (آ 18).
د- نظرة متّى
يقدم لنا متّى لوحة عن تاريخ الخلاص. بعد مقدمة قصيرة (مت 21: 33) يُبنى المثل في درفتين: حُرم رب الكرم من ثمار كرمه رغم الوفود التي أرسلها وأنهاها بابنه (آ 34- 39). حينئذٍ سلّم كرمه إلى كرّامين آخرين يؤدّون الثمار في حينها (آ 40- 44). كل لوحة تبدأ بجملة زمنية: "ولما حان أوان الثمر" (آ 34). "وحين يأتي رب الكرم" (آ 40). 
إذا استندنا إلى آ 43 نكتشف المعنى الاجمالي للمثل بحسب متّى. نحن لسنا أمام استعارة عن الخلاص، ولا أمام اتهامٍ يدلّ على خطيئة إسرائيل، بل أمام تعمّق في المثل الأصلي. تطلّع المثل أولا إلى مصير الملكوت، ثمّ إلى شخص القائم من الموت ومصير الإبن. فالنظرة الكنسيّة ضمّت في داخلها الاتجاه الكرستولوجي الذي أبرزه مرقس ولوقا. أما متّى فأعلن أن مجيء الشعب الجديد يرتبط بمصير ذاك الذي يتكلّم والذي سيموت والذي سيقوم.
إذن، يجب أن نأخذ جانبه، أن "نتحزّب" له لئلا يسحقنا حجر الغلق. هذا تحريض يدلّ على الهمّ الرعائي في الجماعة التي تقرأ اليوم المثل لتقدّم درساً لأولادها. فملكوت الله الذي انتزع هو يسوع نفسه. والدينونة التي أصابت إسرائيل التاريخي قد تقع على الكنيسة. هناك دينونة تمارس على مستوى الميثاق الجديد. وقد تكون خطيئة إسرائيل هي خطيئة "الجيل" الجديد. فلا يفلت أحد من واجب إعطاء الثمر لرب الكرم.
خاتمة
نكتشف أولاً في هذا المثل إعلاناً عن عقاب إسرائيل، أقلّه تجاه أولئك الذين رفضوا المسيح. وهذا العقاب يتهدّدنا نحن اليوم أيضاً. ونكتشف ثانياً تتمّة نبوءة سمعان الشيخ. حقاً صار يسوع آية خلاف وعثار: جُعل لسقوط وقيام الكثيرين. كل واحد يختار. أن يبني على هذا الأساس، على حجر الأساس، أم أن يتحطّم ويُسحق. نظرة يسوع كانت نظرتين. نظرة مغضبة إلى عناد أهل المجلس، ونظرة عطف تدعو الشعب إلى التفكير والتأمّل. وانفصل الشعب أقلّه مؤقتاً عن رؤسائه. اعتبر يوحنا المعمدان نبياً وها هو يعترف أقله اعترافاً ضمنياً بالأصل الإلهي لرسالة يسوع.
الفصل العاشر
دفع الجزية إلى قيصر
20: 20- 26

وتواصل الجدال بين يسوع وسلطات أورشليم التي تضع له "الفخاخ". فبعد سؤال عن "تطهير الهيكل"، ومثل الكرَّامين القتلة الذي قاله عليهم، لم يستطيعوا أن يفعلوا به شيئاً، لأنهم خافوا من الجمع (مر 12: 12). وكانت محاولة أخرى: هل ندفع الجزية للمحتلّ الروماني في فلسطين؟ وما هي علاقة هذه "الجزية" بالكرازة بملكوت الله؟
1- نظرة عامة
بعد جدال أول حول سلطة يسوع (20: 1- 8)، ها نحن أمام جدال ثانٍ (20: 20- 26). مجاله مجالا سياسي، لا مجال ديني. لا يتحدّث عن ارتباط يسوع بالله الذين منه تنبثق سلطته، بل عن ارتباطه بالسلطة الرومانية. ما هو رأي يسوع في السلطة المدنيّة والعسكريّة؟ كيف يرى وضع الامبراطورية الرومانية التي تحتل بالقوة كل الشرق الأدنى؟
هذا ما جاء يبحث عنه "جواسيس" أو "عملاء" أرسلهم المجلس الأعلى. "تظاهروا بأنهم صديقون" (آ 25). ولكنهم في الواقع كذبة. قد جاؤوا ليوقعوه في حبائلهم على أنه ثائر على السلطة الرومانية.
جاء التدوين اللوقاوي هنا حَذقاً لبقاً: لا يسمّي يسوع هؤلاء السائلين "مرائين" كما فعل مت 22: 18 (لم تجربّوني، أيها المراؤون). ولم يدرك مكرهم، كما قال مر 12: 15. وهو لا يوبّخهم لأنهم يحاولون أن "يجرّبوه" كما قال مر 12: 15 ومت 22: 18. بل استعاد فعل "راءى" فدلّ على تصّرف مبعوثي السنهدرين، وبيّن حالاً نواياهم السيّئة بأن يسلّموه إلى سلطة الوالي.
إن هذه المقدّمة التي طبعها لوقا بطابعه تترك جانباً الفريسيين. فإن مت 22: 15 ومر 12: 13 جعلاهم مع الهيرودسيين، فدلآ على تلاحم السلطة الدينية مع السلطة السياسية من أجل إهلاك يسوع. أما لوقا فلا يشير إلى انتماء الذين حاولوا أن يوقعوه في حبائل الوالي. ولكن ما يقوله عن مجهود لكي يظهروا "صديقين" (أبراراً)، يدلّ على أنهم الفريسيون (16: 15؛ 18: 9). هنا نتذكر (19: 39) أن لوقا لا يريد أن يدخل الفريسيين في الحكم على يسوع.
هؤلاء "الجواسيس" يدلّون على ارتباطهم بالله، فيدلّون على أنهم "صديقون". ومع ذلك فهم يحاولون أن يوقعوا يسوع. إما تجاه الرومان، فيتَّهمونه بأنه عميل يدعو إلى الثورة. وإما تجاه الشعب، فيتهمونه بأنه يتعاون مع المحتلّ. طرحوا عليه السؤال: "هل ندفع الجزية لقيصر أم لا"؟ سؤال لبق، فلا يمكن التهرّب! ولكن يسوع لم يجُب عليه. ففعل كما في الجدال السابق: أعاد معارضيه إلى الموقف العملي. "أروني ديناراً". يبدو أنه لا يمتلك ديناراً واحداً... أما هم فعرضوا "مالهم" حالاً... ولا شكّ في أن الشعب ابتسم تجاه هذين الموقفين المتعارضين. من يتعامل في الحقيقة مع السلطة الرومانية؟ لا شكّ ذاك الذي يتعامل مع دنانيرها. حينئذ أعطى يسوع أوضح جواب ممكن، أعطى جواباً ملتبساً: "أعطوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله". قد يكون يسوع هنا استقى من نصّ سفر الجامعة (8: 2) الذي يعتبر أن كل سلطة تأتي من الله. "إحفظ أوامر الملك، ولا تجادل حول سلطته، لأنك حلفت يميناً لله" (بأنك تطيعه).
فلو نقل الناس إلى "الروماني" كلمات يسوع، لما كان له أن يعلّق عليها. وإن نقلوها إلى "الغيورين" لم يحتاجوا إلى تفسير: "أعيدوا لقيصر ماله، ولله ما يخصّه". نحن هنا أمام برنامج كامل: في الظاهر، يستطيع كل واحد أن يجد الجواب الذي يريده، ولهذا جاءت الآراء متباينة. مثلاً، كتب يوسيفوس عن الاسيانيين أنهم يُقسمون فيلزمون نفوسهم بأن يحافظوا على إيمانهم تجاه الجميع، وخصوصاً تجاه السلطات، لأن السلطة تأتي إلى إنسان من الناس بفضل مشيئة الله. وكتب عن غيوري يهوذا الجليلي أنهم ما كانوا يقبلون أن يدفعوا الجزية للرومان، ولا كانوا يتحمّلون أسياداً مائتين بجانب الله. أما الفريسيون فأملوا من الله تحرّرهم، وانتظروا هذا التحرّر مرافقاً لسقوط الامبراطوربة الرومانية.
هل فهم السامعون ما يحمل جواب يسوع من "قوّة تدمير"؟ هذا ليس بأكيد. فقد انتزع كل قدسيّة عن السياسة. أعادها إلى نفسها. اعترف بقيمتها. وشدّد على مسؤوليتها تجاه ذاتها. في أع، سوف نرى إلى أي حدّ جعل إعلانُ القائم من الموت، كل فلسفة، وكل سياسة، نسبيّة، فدلّ على حدودها.
2- دراسة نقدية للنصّ
ما زال لوقا يتابع ترتيب المقطوعات كما وجده في مرقس. وجاء هذا الحدث (20: 20- 26) موازياً لما في مر 12: 13- 17 (رج مت 22: 15- 22). غير أن لوقا ألّف مقدّمة وأشار إشارة واضحة إلى سلطة رومة السياسية وحكم الوالي. والإشارة إلى اعتداد سلطات أورشليم (بأنهم صديقون، آ 20 أ) تجد ما يقابلها في مر 12: 15. والسبب الذي لأجله أعاد لوقا صياغة آ 20 يظهر في 23: 2- 5 الذي يرتبط بهذه الآية. 
وتتبع آ 21- 25 الخبر المرقسي مع بعض التحويلات التدوينية. وإليك أهمّها. (1) "ما تقوله وتعلّمه هو الصواب" (آ 21 ب)، بدل التعبير المرقسي: "نحن نعلم أنك صادق ولا تبالي بأحد" (12: 14 ب). (2) أدخل لوقا تعبيراً أخذه من السبعينية: "تحابي الوجوه" (آ 21 ج) أو تُفضّل واحداً على آخر بدون سبب. (3) استعمل كلمة يونانية خاصة (فوروس، الجزية) محل كلمة من أصل لاتيني "كنسوس" (آ 22). (4) استعمل لوقا عبارته المفضّلة "قال إليهم" (آ 23) بدل مر 12: 5 "قال لهم". (5) حلّت كلمة "مكر" محل كلمة "رياء" في آ 23. (6) ألغى لوقا السؤال: هل ندفع أم لا (مر 12: 14)؟ ثم السؤال الآخر: "لمَ تحاولون أن تجرّبوني" (مر 12: 5 ب)؟ وينتهي الحدث بقول (آ 26) ألفه لوقا مستلهماً مرقس: صمت معارضي يسوع أمام الشعب.
حُفظت لنا أشكال من الخبر في أماكن أخرى.
الأول هو مقطع من إنجيل ألّف في بداية القرن الثاني (على ما يبدو) اسمه بردية اغريون. "جاؤوا إليه متفحّصين فحاولوا أن يجرّبوه قائلين: يا يسوع، يا معلم. نحن نعلم أنك جئت من عند الله. ولهذا تتعدّى شهادتك شهادة جميع الأنبياء. قل لنا: هل يجب أن ندفع للملوك ما يخصّ سلطانهم؟ هل ندفع أم لا؟ ولكن يسوع فهم نواياهم فقال مغضباً: لماذا تسمونني بفمكم "المعلّم" ساعة لا تستمعون إلى ما أقول؟ حسناً تنبّأ عنكم أشعيا حين قال: هذا الشعب يكرّمني بشفتيه أما قلبه فبعيد جداً عني. فهم يعبدونني باطلاً". هذا النص هو مزيج من مواد مأخوذة من يوحنا ومن التقليد الإزائي. إنه يرتبط بالأناجيل الأربعة، ولهذا فهو لا يتضمّن أي شيء سبق أخبار الأناجيل الإزائية.
الثاني قد حُفظ في مؤلّفات يوستينوس الشهيد. "في ذلك الوقت جاء إليه بعض الشعب وسألوه: هل يجب أن يدفعوا الضرائب لقيصر؟ فأجابهم: قولوا لي صورة من تحمل هذه النقود؟ قالوا له: صورة قيصر. فأجابهم أيضاً: إذن، إدفعوا ما لقيصر لقيصر. وما الله لله". تبع النص لو 20: 24 ب ثم مت 22: 21 ج، وهكذا لا نكون أمام تقليد مستقلّ عن التقليد الإزائي.
الثالث هو خبر حُفظ لا إنجيل توما. "دلّوا يسوع على نقد ذهبي وقالوا له: إن عملاء قيصر يطلبون الضرائب منا. قال لهم: أعطوا قيصر ما لقيصر. وأعطوا الله ما لله. وما هو لي، أعطوني إياه". صار الدينار النحاسي نقداً من الذهب، وصار الخبر قصيراً بحيث نكاد لا نفهمه لولا ما نقرأ في الأناجيل الإزائية التي يرتبط بها إنجيل توما هنا. ثم فُصل يسوع عن الله وخضع له.
3- دراسة تفصيلية
أ- راقبوه (آ 20)
راقبوه، راصدوه، تحيّنوا الفرصة. الفعل اليوناني المستعمل هنا يدلّ على المكر والكذب. استعمله لوقا في 6: 7 (يراقبون هل يشفي)؛ 14: 1 (كانوا يراقبونه). والفاعل قد يكون الكتبة ورؤساء الكهنة الذين ذُكروا في نهاية الحدث السابق (آ 19).
قرأ المخطوط البازي اسم الفاعل: مضوا، تركوا رواق الهيكل حيث حصل الحدث السابق. هذا يدلي على تقارب مع مر 12: 12: "تركوه ومضوا". أرسلوا جواسيس. أناساً مستأجرين لكي يكذبوا. إن هؤلاء الأشخاص الذين جنَّدتهم سلطاتُ أورشليم، كانوا معروفين بتعفقهم بشريعة موسى. "ديكايوس": بار، صدّيق. هذا ما يُفهم عن السلوك الأخلاقي كما في التشريع. قال بعضهم: إن هؤلاء الجواسيس هم فريسيون. ولكن الفريسيين لا يظهرون في هذا القسم من إنجيل لوقا. ثم إن لفظة "صديق" ليست محصورة فيهم. رج 2 كور 11: 15: "يظهر خدمه بمظهر الخدَم الصديقين".
"ليأخذوه في كلامه". أي: ماذا سوف يقول؟ يريدون أن يعرفوا إذا كان موقف يسوع صادقاً تجاه رومة أو تجاه شريعة موسى. وهكذا يصلون إلى مآربهم، ويضعون يدهم عليه. هنا نتذكر كلام يسوع في 18: 32: يُسلَم إلى الأمم. سيسلمونه إلى الوالي. وهكذا نكون في جوّ سياسي على مثال ما في 23: 2- 5: "يمنع الشعب من دفع الجزية إلى القيصر، ويدّعي أنه المسيح الملك". أما في مر 12: 13 ومت 22: 15- 16 فلا نجد وجهة سياسيّة واضحة.
ب- سألوه قائلين (آ 21)
سأله الجواسيس الذين أرسلوا إليه. يا معلّم (ديدسكالوس، رج 3: 12؛ 7: 40). أنت تتكلّم بالصواب. حسب التعليم المستقيم. رج 7: 43 (بالصواب حكمت). 10: 28 (مثل السامري، بالصواب أجبت). في مر 12: 14 ب قالوا إنهم يعرفون أن يسوع هو صادق وأهل لأن يصدّق. أما تدوين لوقا فيليق بما يعلّمه يسوع. بما أنه تعليم مستقيم فهو يفرض الصمت. وهذا ما حدث في نهاية الخبر.
لا محاباة عندك. لا تأخذ جانب الواحد دون الآخر. وهذا ما يهيّئ القول الآتي. نقرأ في أع 10: 34 في خطبة بطرس في بيت كورنيليوس: "الله لا يحابي الوجوه"، لا يفضّل أحداً على أحد، لا يفضّل اليهودي على الوثني. في العبرية "نسا فنيم". رفع رأس فلان. وأخفض رأس الآخر. قدّر الأول ورضي عنه بخلاف الآخر. "طريق الله" (مر 12: 14) أي السلوك الذي يفرضه الله. إرادة الله وما يطلبه من الإنسان (كما في الشريعة). طريق الله تجعله "صديقاً" مثل الصديقين الذين جاؤوا ليوقعوا به. يا للسخرية! يا للكذب!
ج- هل يجوز لنا (آ 22)
هل نكون عائشين حسب الشريعة ونحن صديقون؟ زاد لوقا على مرقس "لنا" لأنه ألغى السؤال الثاني من مر 12: 14- 15. ولفظة "لنا" تأخذ رنّة خاصة بالنسبة إلى هؤلاء الجواسيس. إن كلمة "فوروس" قد استعملها يوسيفوس ليتحدّث عن الجزية الرومانية التي فرضها بومبيوس على منطقة اليهودية وعلى أورشليم. في هذا السياق الإنجيلي، قد نكون أمام الضريبة المباشرة المفروضة على بلاد اليهودية.
"قيصر". هو حاكم الامبراطورية الرومانية. كان في ذلك الوقت طيباريودس (3: 1). في الأصل، كان "قيصر" لقب "غايوس" يوليوس قيصر. في 13 أيلول سنة 54 ق. م.، تبنّى أوكتافيوس. بعد مقتل قيصر على يد بروتوس وكاسيوس في أذار سنة 44، اعتُرف باوكتافيوس كابن ليوليوس قيصر بالتبني. ولهذا سمّي: غايوس يوليوس قيصر اوكتافيانوس. واتخذ خلفاؤه من بعده اسم "قيصر".
د- أدرك مكرهم (آ 23- 26)
أدرك يسوع أنهم مستعدون لكي يلجأوا إلى جميع الوسائل من أجل مأربهم. أدرك أن سؤالهم لا ينبع من رغبة حقيقيّة في المعرفة. كان الدينار النحاسي 3.8 غرام. استعمل في العالم الروماني منذ سنة 268 ق. م.، وظلّ يستعمل حتى عهد سبتيموس ساويروس (193- 211 ب. م.). نجد على الدينار رأس طيباريوس والعبارة التالية: "طيبارويس قيصر، ابن أوغسطس الإله السامي". كانت الصورة والكتابة على النقود تدلّ على أن هذه النقود هي ملك القيصر. وفي خلفيّة جواب يسوع توبيخ: إن الصورة على النقد هي رجس عند اليهودي التقي، كما يقول خر 20: 4.
"أعطوا ما لقيصر...".. بدَّل لوقا ترتيب الكلمات كما وجده عند مرقس. "تا تو تيو": أشياء الله. ما يخصّ الله. ما هو لله. نقرأ هذه العبارة في 1 كور 2: 11: "ليس أحد يعرف ما قي الله إلاّ روح الله". ما يخصّ الله، ما يمنحه الله، يتعارض ما هو للبشر. وفي 1 كور 2: 14 (روح الله - الأسرار المعروفة لدى الروح)؛ 7: 32- 34 (ما يخصّ الله وما يخصّ العالم)؛ مر 8: 33 (أفكار الله، أفكار البشر). في هذه الأقوال تبدو "تا تو" أشياء يجب أن تعود إلى الشخص الذي تخصّه.
إن يسوع في إنجيل لوقا لا يمنع من امتلاك المادة لكي ندفع الضرائب للسلطة الدنيويّة. غير أن تعليمه في هذا الحدث لا يعارض ما قاله في 16: 13 د: "لا تعبدوا الله والمال معاً". فالجزية لقيصر ليست "جزية" ندفعها لمامون.
ورأى الشعب. هذا يحيلنا إلى اتهامات يسوع من قبل سلطات أورشليم (23: 1- 2). "لم يستطيعوا أن يأخذوا عليه شيئاً". لأنه لم يردّ على سؤال الجواسيس كما انتظروا. "دهشوا، لزموا الصمت". لقد فشل عملاء السلطة في أورشليم، مع أنهم كانوا "صديقين"!
4- ما لقيصر لقصير، وما لله لله
أجبرهم يسوع على التلفّظ باسم قيصر، وقد أرادوا أن يتجنّبوه. حينئذ قال لهم: "أعطوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله" (آ 25). من جهة، تحاشى محاباة الوجوه (آ 21 ج). عليهم أن يدفعوا لقيصر ما يجب، وبالأحرى أن "يدفعوا" لله ما يجب. لا علاقة لهذا التعليم بيسوع نفسه، بل هو يوجّه سلوك تلاميذه. من جهة ثانية، لا يرتبط جوابه بالنقود أو بأية ضريبة. فكل شيء يدلّ على إبراز القسم الثاني من القول: أدّوا ما لله لله. وهكذا ظهرت ثلاثة تفاسير لقولة يسوع هذه.
* التفسير الأول: كلام عن المملكتين. يعود هذا التفسير إلى زمن الآباء. لا يوحي يسوع فقط بدفع الجزية للملك، بل يريد أيضاً أن يعلّمنا موقفاً خاصاً تجاه السلطة السياسيّة أو الدولة، وهو موقف يؤثّر على حياة البشر. إنه يعود إلى الأفكار اليهودية القديمة. مع دا 2: 21، 37- 38؛ أم 8: 15- 16؛ حك 6: 1- 11. لقد تدشّن ملكوت الله. ولكنه لم يُزل الممالك السياسية في هذا العالم، ولم يحلّ محلّها. تجاه هذه السلطة السياسيّة، دلّ يسوع على حرّية سامية. ولكنه لم يُرد أن يثور على حقوقها الشرعيّة تجاه البشر. هذا التفسير هو صحيح بقدر ما يكتشف الأساس لدور الدولة في فكر يسوع. ولكنه يتّجه إلى المساواة بين ما هو لله وما هو لقيصر. وهذا هو ضعفه.
* التفسير الثاني: التفسير الساخر. أراد بعض الشراح أن يتجنّبوا التشديد على ما في التفسير الأول من وجه سياسي، ففهموا كلام يسوع وكأنه سخرية ومداعبة. لم يهتمّ يسوع أبداً بجزية تُدفع لقيصر. وتوصيته "أدّوا ما لقيصر لقيصر" هي مداعبة لا يجب أن تُحمل على محمل الجدّ. يعطي الواحد لقيصر ما يخصّ قيصر. ولكن ما هي أهمية هذا تجاه ملكوت الله؟ إن هذا التفسير يجعل القسم الثاني يعارض القسم الأول. ولكن أداة العطف هي "الواو"، لا "بل" اعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله. لا، بل ما لله لله.
* التفسير الثالث: تفسير يعارض الغيورين. أراد يسوع أن يعارض معارضة جهارية رفض الناس بأن يدفعوا الجزية الرومانية، غير أن كلامه لا يعالج مسألة الدولة. أراد أن يقول لسامعيه إنهم يستوضحون سؤالاً ثانوياً وحسب. وإنهم يتوقّفون عند أمور لا تتعدّى عالم الأرض. النقد يخصّ قيصر. أما أنتم فتخصّون الله. الناقد الذي يحمل صورة قيصر، يجب أن نردّه إلى قيصر. والبشر الذين يحملون صورة الله، يجب أن يكونوا لله.
إن هذا التفسير الثالث يوجّهنا في الخط الصحيح. فيسوع لا يقابل بين مملكتين متوازيتين، بل يفصل بينهما. ثم إن يسوع يشددّ لا على الصورة فقط، بل على الكتابة أيضاً. و"ما هو الله" يعود بنا إلى أش 44: 5 حيث يتحدّث النبي عن خدمة الله. "أنا أخصّ الله" (في السبعينية: تو تيو ايمي).
يفترض قول يسوع مقابلة بين ما تدلّ عليه صورة قيصر، وما تدلّ عليه صورة الله (تك 1: 26- 27). فالملكوت الذي يكرز به يسوع لا يطرح على بساط البحث ملك القيصر. ولكن ليس هذا هو الوجه الأهمّ في الحياة البشريّة. فالإنسان يخصّ الله وهو يحمل صورته. لله سلطة الملك على البشر، كما له السلطة بأن يعترفوا بسيادته.
وجب على كل ذكَر في زمن يسوع أن يدفع نصف شاقل ضريبة للهيكل كل سنة (خر 30: 11- 14). وحين سيطر بومبيوس على البلاد، حوّل هذه الضريبة من أجل رومة. ولما جاء يوليوس قيصر، خفّف هذه الضريبة، بل عفا اليهود منها في السنة السبتية. وإحصاء كيرينوس كان في خدمة الضرائب التي تُجمع بشكل خاص في سورية وفي اليهودية (أع 5: 37: يهوذا في زمن الاحصاء).
إن جزءاً من المسألة في القرن الأول في فلسطين التي كانت الخلفيّة للسؤال الذي طرح على يسوع، كان: ما هي ردّة فعل شعب الله (اليهودي، والمسيحي فيما بعد) تجاه الحكم الوثني؟ إن قوّات رومة تحتل البلاد وتفرض الجزية. لا نقرأ هذا الحدث وكأنه سؤال موجّه إلى يسوع: هل هو بجانب الغيورين الذين رفضوا دفع الجزية إلى رومة؟ هل هو بجانب الفريسيين الذين قبلوا بهذا الواجب؟ لم يوافق يسوع هذه الفئة ولا تلك. جُعل أمامه سؤالٌ بشكل فخّ، فقدّم جوابه ورفع السؤال إلى مستوى عالٍ: تجاوز مسألة الجزية لقيصر، وأشار إلى سلطان الله على جميع البشر.
لا ننسَ علاقة كلام يسوع بتعليم بولس في روم 13: 1- 7، وبطرس في 1 بط 2: 13- 17. لا يحضُّ بولس الرومان على الطاعة وعلى دفع الجزية في "عالم الربّ" (1 تس 4: 15؛ 1 كور 7: 10)، بل يحضُّهم على دفع الضرائب، لأن السلطات خدّام لله. يجب أن نطيع السلطة السياسية وندفع الضرائب، لأن السلطة "خادمة للرب من أجل الخير" (روم 13: 4 أ). هل عاد بولس إلى قول يسوع هذا؟ الأمر ممكن. وقد يكون عاد إلى مت 17: 27 أ حيث دفع يسوع ضريبة الهيكل.
خاتمة
إن كلام يسوع لا هذا الخبر يبيِّن كذب اتهام يسوع بالعمل السياسي في 23: 2. مثل هذا الاتهام لا نجده إلا في انجيل لوقا. لقد فهم خصومه مملكته المسيحانية وكأنها مملكة سياسيّة. لا، ليس يسوع ملك اليهود الذي يعارض ملك القيصر. ومع ذلك سيُحكم عليه بالموت بناء على هذه التهمة 23: 37- 38).
في القرون المسيحية الأولى طُلب من المؤمنين أن يختاروا بين الولاء التام للمسيح والولاء التام للسلطة الدنيوية التي ترفض حق الله الواحد على البشر. غير أن الولاء للسلطة السياسية لا يعني العصيان للرب الذي هو أحقّ بالطاعة من البشر (أع 4: 19). يبقى أن يسوع حين قال: أعطوا ما لقيصر لقيصر، طلب منا الطاعة للحاكم شرط أن لا تتعارض هذه الطاعة مع شريعة الله.
الفصل الحادي عشر
كلهم يحيون له
20: 27- 38

كل شيء يجعلنا نتيه في هذا الخبر: سؤال الصادوقيّين الذي يبعث على الضحك، جواب يسوع عن حالة الأموات حين يقومون، النصّ الذي يرد كبرهان عن القيامة. ولكن أما يحصل لنا أن نقع في الخطأ الذي وقع فيه الصادوقيون؟ أما يقودنا جواب يسوع إلى قلب الايمان؟
1- السياق التاريخي والأدبي
يورد الازائيون الثلاثة هذا الحدث ويجعلونه في سياق واحد. يبدو متى قريباً جداً من مرقس، أما لوقا فيختلف عنهما في دقائق مهمة. 
نحن في أواخر الأيام التي سيعيشها يسوع على الأرض: دخل إلى أورشليم دخولاً مسيحانياً، يوم الشعانين. طرد الباعة من الهيكل، وأقام في بيت عنيا. وهو الآن يصعد مراراً إلى أورشليم فيقدّم أهمَّ ما في تعاليمه: مثل الكرَّامين القتلة، خطبة نهاية الأزمنة. أما المقطوعة التي ندرس فتقع في سلسلة من المجادلات القائمة في هذه الأيام بين يسوع وخصومه.
هل أراد التقليد الاولاني الذي جع هذه النصوص أن يبيِّن أن يسوع كان يعرف الأسلوب الراباني معرفة تامة؟ الأمر ممكن. فقد اعتاد الرابانيون أن يتلقّوا ثلاثة أسئلة يجيبون عنها. وبعد هذا، يطرحون بدورهم سؤالاً على تلاميذهم. هكذا تبدو المتتالية التي نجدها عند مت 22: 15- 46: سأل الفريسيون عن الجزية الواجبة لقيصر. سأل الصادوقيون عن القيامة. ثم سأل الفريسيون عن أعظم الوصايا. بعد ذلك طرح يسوع سؤالا حول المسيح ابن داود وربّه. إتبع مرقس هذه المتتالية ولم يحد عنها. أما لوقا فلم يكن معتاداً على طرائق الرابانيين، كما لم يكن قرّاؤه اليونانيون يهتمون لها. لهذا لم يتبع هذه الرسمة اتباعاً دقيقاً، وحدّد موقع السؤال عن أعظم الوصايا في مكان آخر (10: 25- 28).
نحن أمام مجادلة. أية فائدة يحمل إلينا هذا الفن الأدبي؟ لماذا تذكَّره الرسل؟ هناك أولا سبب عملي: حين واجهوا الخصوم أنفسهم، تذكَّروا كيف أن يسوع "أسكتهم (مت 22: 34) فأرادوا أن يتعلّموا منه. وهناك فائدة أخرى: حين يقدم المسيح براهينه ينطلق من الكتب المقدسة. ففي مساء الفصح "فتح عقل تلاميذه ليفهموا الكتب" (24: 45). علَّمهم أن يقرأوا فيها "كل ما يعنيه" (24: 27)، أن يكتشفوا فيه مفتاح الكتب المقدسة. وهذا التفسير المنطبق على المجادلات جعلهم يدركون إدراكاً أفضل المقابلة بين العهدين. وهو يدعونا اليوم أيضاً إلى "قراءة مسيحية للعهد القديم".
2- سأله بعض الصادوقيّين (20: 27- 33)
ما الذي مثّله الصادوقيون الذين يذكرهم مرقس ولوقا هنا للمرة الأولى والأخيرة؟ ما الذي يمثّلونه في زمن المسيح؟
في بداية المسيحية، انقسم اليهود الذين وعوا ايمانهم في ثلاث مجموعات كبيرة.
أ- إيمان واحد وتعابير عديدة
أشهر هذه المجموعات الفريسيون. نحن ننظر إليهم بقساوة. ولكنهم في الواقع "قدّيسون" أي أنالس ركّزوا حياتهم على الله، وحاولوا أن يجعلوا من كل وجودهم مع أدن تفاصيله جواباً على إرادة الله كما تعبرّ عنها الكلمة، أكانت مكتوبة أم منقولة عن "تقاليد الآباء". غالباً ما كانوا كتبة (أي لاهوتيون في ذلك الزمان) يقضون حياتهم في الدراسة والبحث. هم قديسون. ولكن من المؤسف أنهم كانوا يعرفون ذلك. وما كانت خطيئتهم؟ كانوا يفكِّرون بأنهم يقدرون أن يعتمدوا على قداستهم ليتقرَّبوا إلى الله. كان يسوع قاسيا تجاهم، مع أنه أعجب بهم، لأنه رآهم يجعلون قداستهم الحقيقيّة وكأنها لم تكن، وذلك باعتدادهم بأنفسهم أنهم قديسون. وكان يسوع قاسياً أيضاً، فحذر الشعب الذي يكرمهم ويتأثر بهم، من مثل هذا الموقف.
والاسيانيون؟ لا يتكلم الإنجيل عنهم. أيكون أن يسوع لم يلمّح إليهم لأنه يتوافق معهم في نقاط كثيرة؟ الأمر ممكن. إن هؤلاء "الرهبان" تركوا العالم ليعيشوا على شاطئ البحر الميت في جماعة الميثاق الجديد (أو العهد الجديد)، فيستعدّون في الصلاة والتأمّل لمجيء ملكوت الله.
كان الصادوقيون من أصل أرستقراطي، وفيهم نجد طبقة "رؤساء الكهنة". إختلفوا عن الفريسيين فكانوا متساهلين يا التعليم، قاسين في السلوكيات ولا سيما بالنسبة إلى الآخرين. كانوا محافظين وأصوليين فلا يرضون أن يتطوَّر الإيمان ويغتني بفكر جديد، بل يريدون أن يبقى الإيمان كما كان. لا يحتفظون من الكتاب المقدس (أقله بصورة عمليّة) إلا بشريعة موسى (بنتاتوكس). إذن ينكرون ما يجدونه في سائر الأسفار بل يعتبرونه انحرافاً تعليمياً. مثلاً، قيامة الموتى، وجود الملائكة.
مثلَ بولس يوماً أمام السنهدرين أو المجلس الأعلى، فاستفاد بلباقته من هذه الاختلافات التعليمية: "وكان بولس يعرف أن بعضهم صادوقيون والبعض الآخر فريسيون، فصاح في المجلس: أيها الاخوة، أنا فريسي. وأنا أحاكم لأني أرجو قيامة الأموات. فلما قال هذا، وقع الخلاف بين الفريسيين والصادوقيين، انقسم المجلس لأنّ الصادوقيّين لا يؤمنون بقيامة الأموات وبوجود الملائكة والأرواح. وأما الفريسون فيؤمنون بهذا كله" (أع 23: 6- 10).
لا يذكر الإنجيل الصادوقيين مراراً. أولا، هم لا يبالون بيسوع. ثانياً: سوف يقاومونه بعنف متزايد، لأنهم خافوا أن تحمل إليهم كرازته مشاكل مع الرومان: لم يكونوا يشغلون بالهم على مستوى المبادئ، فتعاملوا مع المحتلّ العدو، لأنه جعل السلطة في يدهم. وسيتدخل قيافا عظيم الكهنة لدى بيلاطس فينال منه حكماً بالإعدام على هذا "المزعج" الذي هو يسوع.
هؤلاء هم الأشخاص الذين نصبوا فخاً ليسوع.
ب- الإيمان بالقيامة أمر مضحك
طرحوا سؤالا بمهارة. هم يعرفون أنّ يسوع يقاسم الفريسيين إيمانهم بالقيامة. فحين طرحوا عليه هذه المسألة، أرادوه أن يتخلىّ عن اعتقاده أو يجعلوه موضع هزء فيبيِّنوا له إلى أي وضع شاذ يقود هذا التعليم.
انطلقوا من شريعة يعرفها الشعب وان كان لم يعد يمارسها: هي شريعة السِلْفية. عرف الاشوريون والحثيون هذه العادة، وجعلها سفر التثنية قانوناً (تث 25: 5- 10): فعلى الرجل أن يتزوَّج امرأة أخيه حين يموت زوجها دون ولد ذكر ليقيم نسلاً لأخيه المتوفي. والطفل المولود من هذا الزواج يعتبر قانوناً ابن الرجل المتوفي. قد يدهشنا هذا الأمر. ولكن في هذه الحضارات، النسب قانوني (يعترف الرجل بابنه) أكثر منه بيولوجي (ولد من لحمه ودمه). تدلّ هذه العادة على رغبة جامحة في قلب الإنسان بأن تمتدّ حياته بعد موته في أولاده. وفي زمان لم يكن له فكرة عن قيامة ممكنة، اعتبر الناس أن خلود الاسم يعبرّ أحسن تعبير عن هذه القيامة. 
إذن، انطلق الصادوقيون من هذه الشريعة فبنوا "حادث ضمير" طرحوه على يسوع. إن سؤالهم يبدو مضحكاً. ولكنهم دفعوا إلى آخر الحدود نتائج ضلال قد يكون ضلالنا نحن أيضاً. حين نفكِّر بالقيامة، أما نتساءل: كيف تكون الحياة بعد الموت؟ أما نتخيَّل الحياة في السماء على مثال ما نعيش الآن وكأن الحياة بعد الموت امتداد (نسخة محسنة) لحياتنا على الأرض؟
إنّ جواب يسوٍ ع يجعلنا نعي ضلالنا قبل أن يبرهن لنا أن عقيدة القيامة ليست أمراً اختياريا، بل تقع في قلب إيماننا بالله.
فإذا أردنا أن نفهم هذه العقيدة، نتذكر بإيجاز الطريق التي سلكها شعب اسرائيل منذ البداية حتى زمن المسيح، ليصلوا إلى هذا التعليم.
ج- تلمّسات طويلة نحو الإيمان بالقيامة
إن قراءة العهد القديم تقودنا إلى مفارقة نلاحظها حين نقابل الشعب الاسرائيلي مع سائر الشعوب. فالمصريون مثلاً أعلنوا باكراً إيمانهم بحياة "بعد الموت". أما شعب الله فانتظر حتى القرون السابقة للمسيحية ليحصل على أنوار من أجل هذا الموضوع. رجاء واحد أسند الشعب خلال أجيال وأجيال: هو الأمل بأن ينتصر الله على الشر، بأن يأتي فيقيم مملكة ملك السلام في العالم. وحين بدأ يظهر موضوع القيامة، ولاسيّما خلال المنفى (587- 538 ق. م)، تحدّث حزقيال عن قيامة الشعب: فالله الأمين لعهده يريد أن يحقِّق وعداً قطعه لإبراهيم، فيرى من واجبه أن "يقيم" شعبه الذي دمَّرته كارثة وطنيّة تدميراً يكاد يكون كاملاً (حز 16: 60؛ 37: 1 ي). نحن هنا على نقيض مع "رجاء" أناني ومنغلق على ذاته يعلن: "أريد أن أخلّص نفسي". وحين سيكتشف اسرائيل فيما بعد القيامة الشخصيّة، يتّخذ هذا الإيمان مكانه في رجاء أوسع، رجاء نكتشفه يوماً بعد يوم، هو رجاء تجدّد الكون كله: "ها أنا أجعل كل شيء جديداً" (رؤ 21: 1- 5)!
وبرز هذا الإيمان بالقيامة الشخصيّة، على ما يبدو، بمناسبة اضطهاد شنّه انطيوخس ابيفانيوس سنة 167- 165 ق م. استشهد عدد من اليهود بسبب إيمانهم بالله. وهنا طُرح السؤال: هل سيرى هؤلاء المؤمنون الذين بذلوا حياتهم في سبيل الله، هل سيرون نفوسهم محرومين من الله بالموت؟ هذا مستحيل. حينئذ أفهم الله شعبه أنّ المؤمنين يقيمون يوماً في حياة الله وسط عالم ينيره الله بحضوره (دا 12: 1- 3؛ 2 مك 7: 9- 23؛ 14: 16). وإن سفر المكابيين الرابع (سفر غير قانوني نجده في التوراة اليونانية) الذي كُتب في بداية المسيحية يلخّص هذا الاعتبار: شجعت أم الشهداء السبعة أبناءها على الموت وحذّرتهم من تجاوز أمر الله "عالمين أنهم ان ماتوا في سبيل الله عاشوا لله مثل إبراهيم واسحق ويعقوب وسائر الآباء" (4 مك 16: 25)
ولكن قبل هؤلاء، شعر بعض المؤمنين أن الموت لا يمكنه أن يضع حداً لعلاقتنا مع الله. وبرز هذا الشعور بصورة خاصّة في صلاة الأبرار، وحسب خطّين متكاملين. أعلن مز 16: 10: "لا يمكنك أن تترك صديقك يرى الهاوية" (الموت والفساد). وهتف صاحب مز 73: 23- 26: "تمسكني بيدي اليمنى وإلى المجد تأخذني، يا سندي وميراثي إلى الأبد".
وبعبارة أخرى، أعلن النص الأول: "محبتك أعظم من أن تتركني لا الموت". وأعلن الثاني: "أنا أحبك الآن فكيف لن أحبّك بعد هذه الحياة"؟ تقرّبان مختلفان وأساس واحد هو الحبّ: حبّ الله للإنسان وحب المؤمن لإلهه. ولكننا لم نزل هنا على مستوى الشعور أو أمام تأكيدات عابرة كما في دا 12. كيف بدت الأمور في زمن المسيح؟
د- تعابير مختلفة
وتنوّعت النظرات حسب المجموعات والشيع. تحرّك الفريسيون بين موقفين. ارتبطت القيامة بمجيء ملكوت الله كما يقيمه مسيحه. فإذا آمن بقيامة قبل هذا المجيء، نتمثّله بشكل مادي كحياتنا في الزمن الحاضر ولكن في نسخة محسنة. سيدافع عن هذه النظرة المادية معلمون جاؤوا في زمن متأخر فأعلن أحدهم: "في ذلك اليوم ستلد المرأة كل يوم". ولكن يبدو من المعقول أن الفريسيين في زمن يسوع جعلوا القيامة بعد مجيء المسيح. إذن فكّروا بحياة تتجلىّ (تتحوّل كما تصوّرها دانيال أو أمثال أخنوخ وهو كتاب منحول وقد يعود إلى الاسيانيين): "في تلك الأيام تثِبُ الجبال كالكباش، وتقفز التلال كالخراف التي ارتوت لبناً، ويكون الأبرار كلهم مثل الملائكة في السماء" (اخنوخ الأول 51: 4).
يصعب علينا أن نعرف فكر الاسيانيين في هذا المجال، فهم لم يفصحوا عنه. ولكن إن
كانت أمثال أخنوخ مرتبطة بهم، فهذا يكفي ليدلّ على أنهم تصوّروا القيامة عالماً تجلىّ واستنار وتحوّل. وهناك نصوص عديدة ترينا الأبرار مجموعين مع الملائكة: هم يحاربون من أجل "أبناء النور" الذين يقاومون الأشرار. أو "أبناء الظلمة" (قاعدة الحرب 1: 13- 16؛ 3: 20- 23).
ومن المفيد أن نتوقّف لحظة عند هذا الأمل بأن ينضمّ الإنسان إلى الملائكة، لأنه يساعدنا على فهم كلام يسوع فهماً أفضل. حين يصير المزمن "راهباً" في قمران، فهو يدخل في "جماعة الملائكة". ويكفي لذلك أن نورد بعض أشعار من النشيد الحادي عشر (المغارة الأولى 3: 20- 23): "أشكرك يا ربّ، لأنك حرّرت نفسي من الهاوية... عرفت أن هناك رجاء للذي جبلته من التراب من أجل الجماعة الأدبية. فأنت نقّيت الضمير الفاسد من مختلف الخطايا ليستطيع أن يقف مع جند القديسين ويتّحد بإخوته أبناء السماء (= الملائكة)... ليمدحوا اسمك لا حماس مشترك". 
فالدخول في جماعة قمران يعني إمكانية المشاركة منذ الآن في هذه العبادة التي يقوم بها الملائكة في الليتورجيا. نحن نترك هنا عالماً من الرموز حيث يصعب علينا أن نميّز بين الواقع والصورة المحض. ولكن الواقع المرموز عنه هو مهمّ، وهو يساعدنا على فهم ما تعنيه عبارة حياة "مثل حياة الملائكة": هو لا يشدّد على القداسة ولا على "مادية" هذه الحياة. إنّ عبارة "نكون مثل الملائكة" لا تعلمنا أي شيء عن الوجهة "الجسدية" لهذه الحياة. نحن قبل كل شيء أمام موقف باطني، أمام حياة لا تنتهي. نستطيع فيها أن نقف بحضرة الله الحي، في أعظم نشاط ممكن، في نشاط روحاني هو مدير الله.
لقد عبرّ الاسيانيون عن فكر عدد كبير من الفريسيين، بل عن فكر يسوع نفسه، وهذا ما يدعونا لأن ننقي أفكارنا عن الحياة في الآخرة: هم لا يقدّمون نظريّات عن حالة الأجساد القائمة من الموت، بل يفكّرون بموقف باطني، بحياة مكرّسة لمديح الله. وهذا هو فحوى جواب يسوع للصادوقيّين.
3- جواب يسوع (20: 34- 38)
لم يسجن يسوع نفسه في منظار خصومه المضحك. بيّن لهم "أنهم في ضلال" (مت 22: 29؛ مر 12: 24) حين يتخيّلون الحياة بعد الموت على مثال الحياة في هذا العالم.
أ- لا نستطيع أن "نتخيل" حياة القائمين من الموت (آ 34- 36)
إن جواب يسوع هو هو في الازائيين الثلاثة، أقلّه جزئياً: "في القيامة لا يتزوّجون، لأنهم يكونون كالملائكة". وزاد لوقا: "هم لا يموتون". فلماذا الزواج الذي هو وسيلة نشر الحياة، في الحياة الأبدية؟!
حين أراد الصادوقيّون أن يصوّروا (أو بالأحرى أن يقدموا كاريكاتوراً) الحياة المقبلة، اختاروا نقطة محدّدة هي الزواج. ولكن سؤالهم وجواب يسوع يتوجّهان قبل كل شيء إلى أمر واحد: "كيف" تكون الحياة؟ إذن، لن نجد هنا أي تعليم عن حالة الزوجين المقبلة ولا عن اختفاء العالم الجنسي. نحن لا نعرف شيئاً من هذه الأمور. هل الذين أحبّوا بعضهم في الزواج لن يحبّوا بعضهم بصورة خاصة بعد الموت؟ ولكن، حين نقيم إقامة نهائية في الحب الكامل، حبّ الله وكل خليقة، هل نهتمّ بعد للدرجات؟ ومهما يكن من أمر، فيسوع لا يتكلّم عن هذا. إنه يقول لنا فقط: لن تكون تلك الحياة على مثال حياتنا على الأرض: هي حياة متجلاّة، حياة في الله، حياة مديح كحياة الملائكة.
وقد توسّع لوقا في هذا الجواب ليعطيه وجهة تحريضية. بدأ فأقام تعارضاً بين "أبناء هذا العالم" (عالمنا) وبين "الذين يعتبرون أهلاً للحصول على ذاك العالمي" (العالم الآتي).
هناك "عالمان" (أو: دهران). إنّ أصحاب كتب الرؤيا منذ القرن الثاني ق م، يقسمون التاريخ إلى زمنين: "هذا العالم"، العالم الحاضر، الخاطئ. إنه سينتهي بمجيء المسيح الذي يقيم "العالم المقبل" العالم الكامل. إذن يتعارض العالمان على مستوى الزمن وعلى مستوى النوعيّة. يستعيد لوقا هذا التمييز، ولكنه يزيد لطائف أخلاقيّة هامة. فعبارة "أبناء هذا العالم" (هذا الدهر) لا تدل في ذاتها على الإحتقار. إنها تعبرّ فقط عن وضع ما: إنهم في هذا العالم بفعل ولادتهم. أما الدخول في "العالم الآخر"، فيرتبط بشرط أخلاقي: لا يدخل إلى العالم الآخر إلاّ "الذين اعتبروا أهلاً لأن ينالوه".
لا يهتمّ لوقا هنا إلاّ بمصير الأبرار (وهذا هو الوضع مراراً في الكتاب المقدس). وبالكلمات التي يستعملها، يحضّنا على أن نعمل كل شيء لنُحسب بين هؤلاء الأبرار. ففعل "اعتبر أهلاً" يدلّ على أننا سنُفحص: هل عشنا حياة المحن هذه متحدين بالمسيح؟ لا نجد هذا الفعل في العهد القديم، ولا نجده إلا مرتين في العهد الجديد: "خرج الرسل من المجلس فرحين لأنهم اعتبروا أهلا (وجدهم الله أهلا) لقبول الأمانة من أجل اسم يسوع" (أع 5: 41). ويشير بولس في 2 تس 1: 5 إلى "حكم الله العادل الذي فيه تعتبرون أهلاً لملكوت الله الذي في سبيله تتألمون". إنّ لوقا يحثّنا مرة أخرى على إنكار ذواتنا لنجد الفرح في يسوع، لنحيا "اليوم" ("كل مرة") آلامه لنشارك في قيامته: دخلنا إلى هذا العالم بالولادة، فلا بدّ لنا من العبور مع المسيح بالصليب والقيامة للحصول على العالم الآخر.
واختيار فعل "حصل" (نال) يؤكّد لنا هذا الشعور. فهو يعني عادة: تحمّل الألم والموت للحصول على الخلاص (2 تم 2: 10) أو القيامة (عب 11: 35). ويسوع نفسه قد حصل بموته على خدمة أفضل (عب 8: 6). 
إذن، هذا ما أراد لوقا أن يوضّحه لنا: لن نسعى إلى تخيّل ذاك العالم الآخر لنعرفه بطريقة مادية: كيف هو؟ المهمّ هو أن نعرف أنه عالم متجلٍ، والدخول إليه يفترض عبوراً في الموت مع المسيح.
وهناك عبارة أخرى تبرز هذه الفكرة: "نكون أهلا للحصول على ذاك العالم وقيامة الموتى". هل تتميّز العبارة الأولى عن الثانية (من نال ذاك العالم نال قيامة الموتى)؟ أو هل العبارة الأولى صفة للعبارة الثانية (نحصل على "القيامة في ذاك العالم")؟ الأمر قليل الأهميّة، لأنّ المعنى هو هو. فالنصّ يشدّد على الواقع الباطنيّ: نحن أمام عالم يتحدَّد بالحياة الجديدة والخالدة التي يمنحنا إيّاها. ولكنه عالم لا نستطيع أن نتصوّره أو نتخيّله.
"لأنهّم يكونون في وضع الملائكة عينه". لماذا اخترع لوقا هذه المفردة "ايسأنغالوس" أي مساوٍ للملائكة، وهي غير موجودة لا في اليونانية الكلاسيكية ولا البيبلية؟ لا شك في أنه أراد أن يجنّب قرّاءه اليونانيين المتحفّظين أمام قيامة الأجساد، أراد أن يجنّبهم تخيّل أرواح محض أو "نفوس منفصلة" (عن الجسد) "مثل الملائكة".
ولكنّه لا يتوقّف هنا. فلقد زاد على نص مرقس ومتى: "يكونون أبناء الله". يحبّ لوقا أن يبني فكرة في زمنين: يدلنا أولا على اكتمال كل ما رجوناه انطلاقاً من الكتب المقدسة، وهكذا نعتبر نفوسنا مغمورين بالعطاء. ولكنه يزيد حالا: ولكن هذا أجمل من كل ما تخيَّلتم. نجد هذه الرسمة في خبر البشارة: سيكون يسوع "ابن العلي" (بمعنى "ابن داود"). إذن، لقد تمّ العهد القديم. ويزيد لوقا حالا: سيكون "ابن الله" بالمعنى الحصري للكلمة.
ويقول لنا لوقا هنا: لن نعيش فقط في حضرة الله في خدمة المديح كالملائكة، بل سندخل في حياته الحميمة كالأبناء، بل نكون مثل ابنه الوحيد. نجد هنا بقلم لوقا موضوعاً عزيزاً على قلب معلمه بوليس: لقد توخّى الله أن يجعل منا أبناءه (أف 1: 5). لقد أرسل الله ابنه لنصير فيه أبناء (غل 4: 5- 7؛ روم 8: 14- 15)
نكون "أبناء الله". والسبب الذي يعطيه لوقا له معناه العميق: "يكونون أبناء الله إذ (لأنهم) يكونون أبناء القيامة". هذه العبارة الغريبة تدلّ على أنها قديمة. فإن لم تكن من يسوع نفسه، فهي تعود إلى محيط يتكلَّم الآرامية. يشدّد لوقا على القيامة لأن قرّاءه اليونانيين لا يقبلون بها بسهولة (1 كور 15)، ولأنها بصورة خاصة الوقت الحقيقي للعبور إلى حياة الله. هذا ما كان أولاً بالنسبة إلى يسوع الذي "ثبت أنه ابن الله بقيامته من بين الأموات" (روم 1: 4). في هذا المقطع تحمل عبارة "ابن الله" المعنى المخفف: "ابن داود" والمسيح الجالس على عرش كالرب على العالم. لا شكَّ في أنَّ يسوع ككلمة الله هو ابن الله منذ الأزل. ولكن بالنسبة إلى الكلمة المتجددة، بالنسبة إلى بشريّة يسوع، القيامة هي العبور إلى الحياة الحقيقيّة. وإذا "كنّا قد صرنا كائناً واحداً مع المسيح بموت شبيه بموته، سنكون أيضاً واحداً بقيامة مشابهة" (روم 6: 5). "فكما أنّ المسيح قام من بين الأموات بمجد الآب، علينا نحن أيضاً أن نحيا حياة جديدة" (روم 6: 4) كم نحن بعيدون عن سؤال الصادوقيين المضحك! أرادوا أن يجرّوا يسوع إلى حقل الفتاوى، أما هو فأدخلنا إلى قلب عالم الإيمان. لا شكّ في أننا لم نجد ضوءاً على "كيف" تكون حياة القائمين من الموت. ولكن هذا النوع من النظريات لا يهمّنا. فجوهر التعليم ليس هنا: لسنا فقط أمام حياة جديدة لا يتخيّلها بشر، نقضيها في المديح بحضرة الله (كالملائكة). بل إن هذه الحياة هي حياة ابن الله. فإذا أردنا أن نكون أهلاً لها نقبل أن نعبر مع المسيح في الموت لنبلغ فيه إلى حياة القائمين من الموت.
وكان باستطاعة يسوع أن يتوقّف عند هذا الحد. لقد بيّن للصادوقيّين أنهم يضلّون حين يسألون "كيف" تكون الحياة المقبلة. وها هو يبرهن لهم الآن انطلاقاً من الكتب المقدسة أنهم يخطئون إن رفضوا أن يؤمنوا بالقيامة. 
ب- الله الحي الذي يُحيي (آ 37- 38)
إنّ برهنة يسوع قد أدهشت القرّاء في كل زمان: فالبرهان الذي يعطيه لا يبدو مقنعاً إلا بدرجة قليلة! مع أن هناك نصوصاً يمكن الاستناد إليها مثل دا 12 و 1 مك 7. ويدافع الشّراح عن يسوع فيقولون: إنه فكّر هنا كما يفكّر كل رابي. فقيمة البرهان ليست بالنصوص التي يقدِّمها، بل باليقين الذي يعبرّ عنه في هذه المناسبة.
غير أنّ يسوع يريد أن يعلّمنا كيف نقرأ التوراة. نحن نلجأ إليها غريزياً كما يذهب بنَّاء إلى مقلع حجارة فيأخذ حجراً مقصوصاً مقصّباً ويضعه في بنائه. إن يسوع يعلّمنا أن نحترم التيار الذي ينعش النصوص، وأن نترك ديناميتها تأخذنا إلى البعيد. لم يكن الصادوقيون يقرّون إلاّ بسلطة البنتاتوكس أو أسفار الشريعة الخمسة. فأورد يسوع نصاً من سفر الخروج ليدلّ على أنهم مجبرون على القول بالقيامة ولو حصروا نفوسهم في هذه الأسفار.
إن البرهان الذي استخرجه يسوع من سفر الخروج قد فهمه متَّى ومرقس بطريقة، ولوقا بطريقة أخرى. لهذا ننطلق مما قاله الإنجيليان الأولان لنفهم تفسير لوقا.
أولاً: الاله الذي يخلّص عبر الموت
"أنا إله إبراهيم وإله اسحق وإله يعقوب". اعتدنا أن نفهم: الله الذي عبده الآباء. ولكن هذه العبارة، شأنها شأن نصوص عديدة تعود إلى زمن المسيح، تعني: الإله الذي حمى هؤلاء الآباء وخلصهم. إنه الإله الذي هو ترس الآباء وصخرتهم، إله العهد الأمين بالنسبة إلى ذاته وإلى الالتزام الذي اتخذه. أعلن بطرس في أع 3: 13 (رج 5: 30): "إله ابراهيم واسحق ويعقوب، إله آبائنا قد مجَّد فتاه يسوع": فتمجيد يسوع هو خاتمة العهد الذي قطعه الله مع الآباء. يشدّد النص على مبادرة الله المجانيّة، لا على جواب الإنسان وأمانته. وهذا هو معنى هذه التسمية في سياق خر 3- 4: كما كنت إله آبائكم أي قائدهم وحاميهم وعونهم وسندهم، هكذا أكون مخلِّصهم في الضيق الحاضر. هذا التفسير يقوّي معنى الجملة التالية.
"ليس إله الأموات بل إله الأحياء". إذا كان إله شخص هو مخلص هذا الشخص، وإذا كان الذي جعل الله حاميه قد مات دون رجعة، فهذا يعني أنّ الله فشل في الوظيفة التي اتّخذها على عاتقه تجاهه. إستطاع أن يخلِّصه من مصائب عابرة، ولكنه لم يقدر أن يخلصه من المصيبة الوحيدة الحقيقية التي هي الموت. فالتكلم عن "إله الأموات" هو تناقض فادح. إنه إقرار بالفشل كما لو كنا نتكلم عن "درع الموت": فإذا كان قد مات، فهذا يعني أن درعه لا يفيد في شيء. وبكلام آخر، يبدو برهان ربّنا كالتالي: إذا كان إبراهيم مات ولم يقم، فالعون الذي وعده به الله وسمّى نفسه "إله إبراهيم" كان مهزلة. إذن، يجب أن يعود إبراهيم إلى الحياة.
نجد هنا العلاقة بين الميثاق (العهد) والقيامة، كما في العهد القديم. فإن أراد الله أن يكون أميناً لوعده، فعليه أن "يقيم" شعبه. ويطبِّق يسوع على كل مؤمن بمفرده ما تقوله الكتب المقدسة عن شعب الله بمجمله. في هذا المجال نجد صورة مماثلة، صورة الراعي: يسمّى عادة راعي شعبه. وسمَّاه مز 23 راعي كل واحد من المؤمنين.
خاف لوقا أن لا يفهم قرّاؤه اليونانيون هذا البرهان، فأوضح الجملة: "ليس هو إله أموات بل إله أحياء" بجملة أخرى قد يكون لها معنيان: "فهم جميعاً يحيون به" أو "لأجله". إذا أخذنا الحالة الأولى ("به") نفهم أن لوقا أوضح ما قاله متّى ومرقس. وإذا أخذنا بالحالة الثانية ("لأجله") نكون أمام تفسير آخر.
هناك من قال: "كلهم نالوا به الحياة". فالله هو الذي يعطي الحياة لإبراهيم: لا يستطيع الاله الحي أن يتوقف عن إعطاء الحياة. إذن، إبراهيم والآباء ينعموه دوما بهذه الحياة. وهم لا ينعمون لا وحدهم بل "كل الذين اعتبروا أهلاً". ولكن لماذا نجعل لوقا في خط متّى ومرقس، ولماذا لا نختار "لأجله"؟
ثانيا: الإله الذي نحبُّه عبر الموت
إذن، يبدو من الأفضل أن نحتفظ بالترجمة التالية: "كلهم يحيون له" (أو لأجله). في هذه الحالة يكون لوقا فهم البرهان بطريقة تختلف عمّا في متّى ومرقس: الله هو إله إبراهيم واسحق... الله الذي عبدوه وخدموه ولأجله عاشوا. لو كانوا ماتوا بصورة نهائية، فهذا يعني أن اتجاه حياتهم كان خاطئاً. ولقد عبرَّت أم الشهداء السبعة عن الفكرة عينها فقالت: "حين يموتون من أجل الله يحيرن من أجل الله". فإن كان الموتى لا يقومون، فالله قد مات. هو لا يقدر أن يكون الاله الحي الذي يشبع قلب الذين يحبونه إن كان عاجزاً أمام الموت كالبشر. قلبَ يسوع بشكل غريب مسألة القيامة كما يراها الناس، فبيَّن أنّ من ينكر قيامة الموتى ينكر الله نفسه. هذا هو البرهان عينه الذي يقدمه بولس في 1 كور 15: 13، 16: "إن كان الموتى لا يقومون، فالمسيح لم يقم أيضاً". فالإيمان بقيامة الموتى ليس عقيدة اختيارية: إنه الإيمان بالله نفسه.
فإذا أخذنا بتفسير متّى ومرقس ثم بتفسير لوقا، نجد الخطَّين اللذين اكتشفهما اسرائيل فعرف أنّ الموت لا يمكن أن يكون النهاية. قال مز 16: أنت تحبني كثيراً لذلك لن تتركني في الهاوية. وتابِع متّى ومرقس: الاله الذي خلص إبراهيم والآباء، لا يقدر إلاّ أن يخلصهم أيضاً من الموت، وإلاّ صار إلهاً ميّتاً.
والخط الثاني: أحبك أما الرب في هذه الحياة، فكيف لا أحبك بعد هذه الحياة (رج مز 73)؟ وأردف لوقا: إن إبراهيم والآباء وكل الذين اعتبروا أهلاً لأن يحصلوا على العالمي الآخر يحيون لله. فيستحيل على الله أن يخدعهم وإلاّ صار إلهاً ميتاً. قد يختلف التفسير، ولكنه يتأسّس دوماً على الحبّ، على اللّقاء الشخصي بين كائنين؟ الله والمؤمنون.
هذا التذكير مهمّ جداً في عصر وجب فيه على المؤلف أن يدل أكثر من أي وقت مضى على أنه يقدر "أن يؤدي حسابا عن الرجاء الذي فيه" (1 بط 3: 15). يتخوّف الناس اليوم كثيرا، وهم على حق، من إيمان ينحصر في "ديانة" مؤسسة فقط على ضرورة اختراع جواب لحاجاتنا الأساسية. والحال اننا لا نؤمن بحياة بعد الموت، لان اختراع آخرة تطمئننا يشجعنا على تحمّل حياة تنتهي بالموت.
نحن نؤمن بالقيامة لأنّنا متأكّدون أن الله الحيّ يحبُّنا وأننا نحبُّه رغم فقرنا. فالإيمان بالقيامة ليس أفيوناً مطمئناً، بل يقين واعتراف بأننا التقينا الله الحي ورأينا قدرته الحية وروحه يعملان في ابنه يسوع المسيح "بكر المائتين".
حينئذ يستطيع لوقا أن يحرّضنا: التحدث عن القيامة إلى الناس الذين حولنا، ليس جدالاً في نصوص الإنجيل وليس تقديم براهين فلسفية أو لاهوتية. أفضل "برهان" نعطيهم إياه هو أن نحيا كل يوم من أجل الله ولله.
الفصل الثاني عشر
المسيح ابن داود وربّه
20: 39- 47

حتى النهاية، حاول يسوع أن يعيد الشعب اليهودي ورؤساءه إلى رشدهم، أن يدعوهم إلى الإيمان به. وطلب منهم بطرق مختلفة أن لا يظلّوا على عماهم فيرذلوه. لم يكن يسوع بارداً تجاه مضطهديه ولا قاسياً. بكى (19: 41) على قساوة قلوبهم، وكان هدفه الرئيسي نداء لهم إلى التوبة. هو لا يفرح بأن الدينونة ستفتقدهم، بل هو يقوم بمحاولة أخيرة ليخلّصهم من جنونهم. هذا هو معنى المقطعين الأخيرين اللذين ندرسهما في نهاية ف 20.
في الأول (20: 41- 44) تابع يسوع تعليمه في الهيكل، فطرح بنفسه سؤالاً على سامعيه، هو في الوقت عينه سؤال تأويلي. إذا كان مز 110 المنسوب إلى داود في العهد القديم، يشير إلى المسيح "الرب"، فكيف يكون المسيح ابن داود؟
في الثاني (20: 45- 47) أرسل يسوع إلى الشعب تنبيهاً حول طريقة عيش الكتبة. إنتقد حبّ الظهور عندهم، والاعتداد بالنفس، والكذب والغشّ. ستحلّ بهم قريباً دينونة الله القاسية.
1- نظرة عامة
توزّعت الجدالات ف 20. كان الجدال الأول (آ 1- 8) حول سلطة يسوع بعد أن طرد الباعة من الهيكل. وقبل الجدال الثاني ودفع الجزية لقيصر (آ 20- 26)، وردَ مثلُ الكرّامين القتلة، ففصل بين الشعب ورؤسائه الذين هم خصوم ليسوع. ودار الجدال الثالث حول القيامة (آ 27- 38). لا يقوم فقط ابرهيم واسحق ويعقوب، كما يقول التقليد، بل إن جميع البشر "يحيون في الله". فهدفُ حياة كل إنسان (والمسيح أولاً) هو الآب، لا آخرة مبنيّة على صورة هذه الحياة الحاضرة.
ووافق بعض الكتبة يسوع في ما قاله. فختم لوقا كلامه بهذه العبارة. "لا يجرؤوا بعد أن يسألوه عن شيء" (20: 40).
إذا قابلنا هذه الجدالات الثلاثة مع ما قيل عن الملكوت في ف 13، اكتشفنا تماسكاً بين المقاطع هنا وهناك. ففي 13: 28، كان إبراهيم واسحق ويعقوب في الملكوت مع جميع الأنبياء. وجاء أناس من المغرب والمشرق، من الشمال والجنوب، فاتكأوا إلى المائدة في الملكوت. فالأنبياء، ومواطنو الامبراطورية، والأجيال التالية، وجدوا نفوسهم في هذه الآيات. وما أعلنه يسوع بمناسبة هذه الجدالات، يدلّ على انفتاح لا يصدّق: فبرنامجه أمين لتعليم الأنبياء، وهو واسع وسع الامبراطورية فيضمّ جميع أجيال البشر. وسلطة يسوع (سؤال طُرح في بداية ف 20) تأتيه من بنوّته الإلهية. فعنه وحده نستطيع أن نقول: "إنه ابن الله. إنه ابن القيامة" (20: 36).
فمن هو يسوع هذا؟ يبقى السؤال مستتراً. ويجيب عليه يسوع بسؤال: "كيف يقال أن المسيح هو ابن داود" (آ 41)؟ لا يقول يسوع من هو. فالإيمان هو حوار بين الله والإنسان. وسيقول يسوع: "وأنتم من تقولون إني هو" (9: 20)؟ وفي النصّ الذي ندرس، يتكلم يسوع وحده، وهو ينتظر جواباً. قال التقليد المعروف إن المسيح هو "ابن داود" (2 صم 7: 12- 16؛ 1 أخ 17: 11- 14). ويقال أيضاً إن المسيح هو "ربّ داود"، فكيف نفهم هذا الكلام إن لم يكن المسيح أيضاً الربّ بكل معنى الكلمة؟
اعتداد مفرط! غير أن سؤال يسوع هو في الواقع جواب على أسئلة عديدة طُرحت فيما قبل. فالمسيح الجالس عن يمين الله له ملء السلطان في الكون. والمسيح الذي هو ربّ الملكوت لا يحتاج ولاء لقيصر. والمسيح الذي هو ابن داود وربّه، هو الحيّ ويتجاوز الأجيال كلها.
فعلى الشعب أن يختار. لقد نبّه يسوع تلاميذه بوضوح إلى برنامجين يقدّمان لهم. من جهة، برنامج الكتبة (20: 45- 47) الذين صارت معرفتهم تظاهراً وتبجّحاً، ولسلطتهم استغلالاً للفقراء الذين لا يحقّ لهم أن يتكلّموا، والأرامل اللواتي لا يجدن من يحامي عنهنّ. صلواتهم المملّة وأرديتهم الطويلة هي مهزلة.
ومن جهة ثانية، هناك برنامج يسوع الذي يبذل حياته مثل هذه الأرملة المسكينة (21: 1- 4). أعطت درهميها، فأعطت كل ما تملك. أعطت أكثر من "هؤلاء جميعاً". هم أعطوا مما فضل عنهم. أما هي، فأعطت "ما هي بحاجة إليه. اعطت كل معيشتها" (آ 4). لقد صارت هذه المرأة المسحوقة والسخيّة، صورة حيّة عن يسوع الذي أرادوا أن يطردوه من الكرم، فقدّم حياته لأبيه عن الذين أرادوا قتله.
2- دراسة تفصيلية
أ- فأجاب بعض الكتبة (آ 39- 40)
كان جواب يسوع مقنعاً وأصيلاً بحيث إن بعض الكتبة (من جماعة الفريسيين الذين يؤمنون بالقيامة) أقرّ أنه أجاب حسناً على سؤال الصادوقيين. هذه التهنئة هنا هي خاصة بلوقا. فرح الفريسيون لأنهم أفحم الصادوقيين. في مر 12: 32، وجّه أحد الكتبة إلى يسوع تهنئة مماثلة لأنه حدّد الوصية الأولى.
بعد الجواب الذي أدّاه يسوع إلى صادوقيين نعتهم بالجهل والضلال، فهل يتجاسرون بعد ويطرحون عليه سؤالاً؟ مثل هذه الخاتمة ليست في محلّها بعد آ 39. في مت 22: 40 ومر 12: 34، هي خاتمة للجدالات السابقة كلها. إنتهت أسئلة الخصوم، فطرح يسوع سؤاله عن ابن داود.
ب- ثم قال لهم (آ 41- 42)
هذه هي مقدّمة لوقا الخاصة. هنا يسوع يسأله. ومحاوروه ليسوا هم هم عند الازائيين الثلاثة. عند مت: الفريسيون. عند لو: الكتبة الذين وافقوا على جوابه للصادوقيين عن القيامة. عند مر: يتوجّه يسوع إلى أناس غير محدّدين. إلى جمع كبير يستمع إليه بارتياح.
"المسيح" هو عامل الله الذي يمسحه ويرسله من أجل فداء شعبه وخلاصه. وهو سيكون من نسل داود. "كيف يقال"؟ في مر 12: 35 ب يُنسب القول إلى الكتبة.
"داود نفسه". داود هو أصغر أبناء يسّى، هو الثامن حسب 1 صم 16: 10- 11؛ 17: 12. هو السابع حسب 1 أخ 2: 13- 15. مُسح ملكاً على يهوذا بعد موت شاول، فصار حالاً ملكاً في الشمال. جعل من المدينة البيوسية، أورشليم، عاصمته، ومدّ سلطانه من الفرات إلى حدود مصر. أكد له ناتان النبيّ شرعيّة نسله وتواصله في قوله ترد في 2 صم 7: 8- 16. وستبقى سلالة داود حاكمة في أورشليم حتى سقوطها سنة 587 ق. م.
"في سفر المزامير". يصوّر داود في 1 صم 16: 23 وهو يضرب بالعود ليريح شاول. وفي 2 صم 23: 1 يسمّى: "مرنّم إسرائيل العذب". ويتحدث 1 أخ 16: 7 أنه عمل من أجل تدشين الهيكل مزامير الشكر. وجاء التقليد اللاحق فنسب إليه 73 مزموراً في سفر المزامير. وواحد من هذه المزامير هو مز 110. وتنامى التقليد فنسبت جماعة قمران إلى داود: 3600 مزمور، 364 نشيداً للمحرقة السنويّة (نشيد لكل يوم)، 52 نشيداً لقربان يوم السبت (مرة في الاسبوع. إذن، لسبوت السنة كلها)، 30 نشيداً لعيد البدر، وسائر الاحتفلات الجماعية، وعيد التكفير أو الغفران (كيبور)، 45 أناشيد ترنّم فوق الممسوسين. وهكذا أبان تقليد قمران أن داود تفوّق على سليمان (300 مثل، 1005 أناشيد). كانت مجموع اناشيده 4050 وقد قالها في نبوءة وُهبت له من قِبل العلي.
"قال الرب لربي". في الأصل، قال الرب لسيدي الملك. أما هنا، فالملك الذي يتوجّه إليه داود كـ "الرب" هو الملك المسيحاني المنتظر. تبع ايراد مز 110: 1 نص السبعينية، ولكنه الغى أل التعريف أمام الرب= يهوه. هذا ما صنعه أيضاً مر 12: 36. "إجلس عن يميني". الربّ يعطي الملك مركز الصدارة، وهذا ما يدلّ على مباركة حكمه.
ج- حتى أجعل اعداءك (آ 43- 44)
تبع لوقا السبعينية بشكل يكاد يكون حرفياً، فتخلىّ عن مرقس. نجد رسمة عن هذا الكلام في إحدى اللوحات التي تمثِّل امين حوتب الثالث مع ملوك آسية والنوبة.
"داود يدعوه رباً". أي: يدعو المسيح "رباً". طبّق يسوع على نفسه ما أعلنه داود. رج أع 2: 36: "الله جعل يسوع رباً ومسيحاً".
"فكيف يكون ابن داود"؟ إن النظام في المجتمع البطريركي يفرض أن يسمّي الابن أباه "السيد، الرب" (كيريوس). لا العكس. فلفظة "ابن" تعني "الخضوع". إن المسيح ليس فقط ابن داود، بل أكثر من ذلك. هو الربّ. قال لوقا كيف ( بوس) يكون ابنه؟ أما مر 12: 37 ب فقال: "من أين" (بوتن) له أن يكون ابنه؟ 
د- "والشعب يسمع" (آ 45-46) 
نجد من جهة الشعب "لاوس" والتلاميذ (ماتيتاي) يسمعون تنبيه يسوع ضدّ سلوك الكتبة. ومن جهة ثانية الرؤساء. هكذا تتّسع الهوة بين سلطات أورشليم والآخرين. رج 18: 43: "رأى الشعب ذلك، فسبّحوا الله"؛ 19: 47- 48: الرؤساء يطلبون أن يهلكوه. والشعب يستمع إليه بارتباح. 
ذُكر "التلاميذ" في 19: 39 (أزجر تلاميذك) مع دخول يسوع إلى أورشليم، ولم يُذكروا حتى الآن. نلاحظ أن التلاميذ يظهرون أيضاً في مت 23: 1 خلال هجوم يسوع على الفريسيين: "كلّم يسوع الجموع وتلاميذه". 
"إحذروا الكتبة". إن تحذير يسوع يشكّل نصيحة فيها يدعو التلاميذ بأن لا يقتدروا بطريقة عيش الكتبة. في ف 12: 1، كان يسوع قد حذّر تلاميذه من خمير الفريسيين الذي هو الرياء. وفي 5: 21، تعرّفنا إلى طرقة تفكيرهم مع شفاء المخلّع.
"الحلل الفضفاضة". أي: الثياب الطويلة. في الأصل، نحن أمام المعنى العام كما في تك 27: 15 (ثياب عيسو)؛ خر 29: 5، 21 (ثياب هارون)، 31: 10 (الثياب المقدسة). هكذا استعملت الكلمة للثياب المقدسة. لا نجد هذه الكلمة (ستولي) في قمران. أما في الأدب الرباني، فدلّت على ثياب العيد، وعلى لباس يميّز "العظماء" عن سائر الناس. لبس الكتبة مثل هذه الثياب ليدلّلوا على وجاهتهم وسط الشعب، وليدعوا الناس إلى الاقتداء بهم. إن نصّ السريانية العتيقة يترك "ستولايس" التي تعني اللباس، ويقرأ "ستوايس" (حذفت ل) التي تعني الأروقة (كما في أع 3: 11؛ 5: 12). هذا ما يحوّل معنى الآية تحوّلاً تاماً: قرب الأروقة الطويلة، الواسعة.
"التحيّات في الساحات العامة". زاد لوقا: "يحبّون" التحيّات على مر 12: 38. رج لو 11: 43: "تحبّون المجالس الأولى". وقال: تحبّون "المتكآت الأولى في الولائم". كانت محفوظة للكبار في الجماعة (رج 14: 7) وأولئك الذين يتخيرّون لأنفسهم المتكآت الأولى، حبّاً بأنفسهم وبحثاً عن الظهور.
هـ- يأكلون بيوت الأرامل (آ 47)
يسلبون الأرامل أموالهن، لا سيّما حين يتقدّمن إلى القضاء. رج 18: 2- 5 ومثل الأرملة والقاضي الظالم. فسّرت لفظة "أكل" في طرق متنوّعة: (1) يأخذ الكتبة مالاً (رشوة) لكي يساعدوا الأرامل مساعدة مشروعة، وإن يكن قبول مثل هذا المال ممنوعاً. (2) يخدع الكتبة الأرامل فيما يحقّ لهنّ. هم كالمحامي الذي يحاول أن ينفّذ وصيّة الزوج اهتماماً بمال الأرملة. (3) يستفيد الكتبة من ضيافة هذه النساء المحدودة الامكانيّات، فيأكلون ما عندهنّ من خير كالشرهين الذين يتحدّث عنهم "صعود موسى". (4) أساؤوا التصرّف في ملكية أرامل كرّسن نفوسهن لخدمة الهيكل، مثل حنّة النبيّة (لو 2: 36 ي). (5) أخذ الكتبة مالاً كثيراً من هذه النساء التقيات كجزاء لصلوات طويلة رُفعت لاجلهن. (6) أخذ الكتبة بيوت الأرامل بسبب ديون لم تُدفع.
لا نجد تفسيراً في داخل النصّ. لهذا تبدو هذه التفاسير الستة معقولة. قد نتوقّف عند التفسير الثاني مع المثل الشعبي: حاميها حراميها. أي من طلب منه أن يحمي الأرزاق هو الذي سرقها. كما نتوقّف عند الخامسة: يعد الكتبة الأرامل بالصلاة لقاء المال الذي يأخذونه منهنّ.
"يتكلّفون الصلاة الطويلة". إن المخطوط البازي يلغي حرف العطف (الواو). وهكذا ترتبط هذه العبارة بما سبقها، فتبرز التفسير الخامس وارتباط الصلاة بأكل بيوت الأرامل. ولكن حرف العطف واضح في جميع المخطوطات. وهكذا نكون أمام عدد من أخطاء الكتبة، حيث يوضع الخطأ بجانب الآخر: الحلل، التحيّات، الولائم، بيوت الأرامل، الصلاة الطويلة.
لا ينتقد النصّ "الصلوات الطويلة"، بل يندّد بها لأنها تُتلى "تظاهراً". فالسبب الحقيقيّ الذي لأجله يطيل الكتبة صلواتهم، هو ظاهرة التقوى لكي يثق بهم الشعب حين يراهم (رج مت 6: 5). وتثق بهم الأرامل حين "يرافعون" عنهنّ.
"ستنالهم دينونة قاسية". ستكون الدينونة سلبيّة بالنسبة إليهم. سيكون الحكم قاسياً (رج 23: 40؛ 24: 10). رج روم 2: 2- 3؛ 3: 8؛ 1 كور 11: 43، رؤ 17: 1 حيث نقرأ: "هلم فأريك دينونة الزانية العظيمة". نحن أمام دينونة الله في نهاية الزمن، وهي ستصيب الكتبة بسبب تصّرفاتهم وما فيها من حبّ للتظاهر وأنانيّة وظلم القريب ولا سيّما الأرامل.
3- حول ابن داود (20: 41- 44)
أ- النص في الاطار الإزائي
انطلق لوقا في كلامه عن ابن داود من مر 12: 35- 37 أ (رج مت 22: 41- 46). غير أنه ألغى من مر في هذا الموضوع وصيّة الحياة الأبدية التي جعلها مرقس هنا (12: 28- 31؛ رج مت 22: 23- 33)، وجعلها في شكل آخر في 10: 25- 28. أخذ لوقا نصّ مرقس واختصره بعض الشيء. ألغى الاشارة إلى يسوع الذي "يعلّم في الهيكل" (مر 12: 35 أ). ليس فقط بسبب 19: 47 (كان كل يوم يعلّم في الهيكل). بل بسبب الإطار العام في هذا الموضوع من إنجيله. بالإضافة إلى ذلك، لم يذكر الكتبة (مر 12: 35 ب)، لأنه سبق له وذكرهم في آ 39 (أجاب بعض الكتبة)، كما سوف يذكرهم في آ 46 (إحذروا الكتبة). يفترض أنهم حاضرون وسط السامعين في هذا الحدث. وبذل لوقا أيضاً شكل الخطبة غير المباشرة في آ 41. قال لهم: كيف يقال (في مر 19: 35: قال لهم إن). وما يدهش، هو أن لوقا رغم تشديده على الروح القدس في لو وأع، أغفل تفصيلاً حول داود "الذي قال بالروح القدس" (مر 12: 36). وأخيراً، استعمل مثل مت 22: 45 لفظة "كالاي" (دعا، آ 44) بدل "لاغاي" (قال).
ب- الفن الأدبي
ما هو طابع هذا الحدث من جهة الفن الأدبي؟ ليس من السهل أن نحدّده. هل هو قول راباني، أم خبر حول قول تلفّظ به يسوع؟ في مر، العنصر الإخباري هو قليل جداً، ولسنا متأكّدين أننا أمام جدال. أمّا الشكل اللوقاوي فيوجز الشكل المرقسي، ساعة يجعل متى من الحدث حواراً وجدالاً. إن جوهر ما احتفظ به النصّ هو سؤالين وجّههما يسوع إلى سامعيه (الكتبة في لو، الفريسيون في مت). والسؤال الثاني الذي يطرحه (آ 44) هو جواب ضمني على السؤال الأول (آ 41).
وتعدّدت الآراء. الأول: نحن أمام قول يدخل في النصّ. الثاني: نحن أمام خبر يضمّ قولاً من أقوال يسوع الذي يسأل ويجيب. الثالث: هناك سؤال طرح على يسوع (أنت تعلّم أن المسيح هو ابن داود) فأجاب عليه بسؤال معاكس. الرابع: القول هو ثانوي وقد أنتجته الجماعة الأولى التي اعتبرت يسوع ابن الإنسان لا ابن داود. أو الكنيسة الهلينية التي أرادت أن تبيّن أن يسوع ليس فقط ابن داود بل رب داود.
في الواقع، قد يكون المسيحيون استعملوا هذا المقطع في الجدال مع اليهود، ليشدّدوا على نسل المسيح. نحن أمام استعمال حرّ لنصّ مز 110: 1 في المسيحية الأولى.
طرح يسوع (كما في لو) سؤالين على سامعيه في الهيكل. والسؤال الأولى: كيف يقولون إن المسيح هو ابن داود؟ وقبل أن يجبه أحد، أورد مز 110: 1 وطرح سؤالاً ثانياً: كيف يستطيع داود (الذي يعتبر صاحب المزامير وخصوصاً مز 118) أن يكون أب الملك المسيحاني ساعة يدعوه "الرب"؟ والسؤالان يسيران معاً. فالمسيح هو ابن داود. وهو أكثر من ذلك. هو ربّ داود.
ج- المسيح ابن داود
إن كلام يسوع يطرح على بساط البحث مسائل عديدة.
* المسألة الأولى: كيف انطلق الانتظار المسيحاني في العهد القديم وتوسّع في العالم اليهودي الفلسطيني في القرن الأول؟ إن انتظار المسيح الداودي يرتسم في التوراة على وعد بداود جديد. يمسحه الرب، يرسله من أجل إصلاح إسرائيل وانتصار الله القدير وبسط سلطانه. تقول نصوص قمران: "حتى مجيء النبي ومسيحَيْ هارون وإسرائيل". نقرأ في مزامير سليمان: "أقم لهم، يا رب، ملكهم، ابن داود في ذلك الوقت الذي تراه مناسباً". "ملكهم الذي مسحه الرب".
* المسألة الثانية: علاقة مز 110 مع انتظار المسيح في العالم اليهودي الفلسطيني السابق للمسيحية. المزمور هو أحد المزامير الملوكية الذي ألّف ساعة دخول الملك في السلالة الداودية. فهو (الرب) يتوجّه إلى الملك (السيد) لكي يرتقي العرش ويجلس من عن يمينه. فنتيجة لانتصاره سيجعل الله أعداء الملك موطئاً لقدميه. هل فهم هذا الارتقاء عن المسيح المنتظر؟ في العالم اليهودي، كلا. وهكذا يكون التفسير المسيحاني قد بدأ مع المسيح وردّدته المسيحية الأولى كما نقرأ في رسالة برنابا: "قال الرب للمسيح ربي".
* المسألة الثالثة: جاء إيراد مز 110: 1 من النص اليوناني، وهذا ما يدلّ على أن القول نبت في العالم الهليني. فالنصّ العبري يقول: قول يهوه (الرب) لسيدي (أدوني). ولكن نتساءل: كيف كان يُتلى المزمور بصوت عالٍ في القرن المسيحي الأوّل (قال أدوني لأدوني)؟ تلفّظ به يسوع في الأرامية: أمر (قال) مريا (السيد) لـ ماري (لسيدي). وهكذا قد يكون القول نبت في العالم الفلسطيني قبل أن ينتقل إلى العالم الهليني.
* المسألة الرابعة: في أي معنى طرح يسوع هذين السؤالين؟ هناك ثلاثة تفاسير رئيسية. الأول: طرح يسرع على بساط البحث الأصل الداودي للمسيح. سبق ليسوع وأعلن أنه المسيح. ولكن هل كان المسيح ابن داود؟ فيسوع هو من الجليل وابن يوسف النجار، فكيف يكون المسيح؟ أراد يسوع أن يتهرّب من هذه الصعوبة فوجد مقطعاً في الكتب المقدسة يقول إن المسيح هو ابن داود. ولكن التقليد حول المسيح الداودي المنتظر كان من القوّة في القرن الأول المسيحي بحيث لا نتصوّر أن ينكره أحد أو يعتبره غير صحيح. الثاني: المسيح هو أكثر من ابن داود. أصله أصل متسامٍ ورفيع. إنه الرب. لمّح يسوع إلى هويّته دون أن يعلن أنه المسيح أو الرب. لمّح إلى أنه أكثر من ابن داود. الثالث: عاد يسوع إلى ابن الإنسان في دا 7: 9- 13 وطبّقه على نفسه. بما أن مز 110: 1 ودا 7: 13 قد ارتبطا يا كلام يسوع أمام رئيس الكهنة (مر 14: 62؛ لو 22: 62)، نجد ضوءاً على استعمال مز 110 هنا. يسوع هو ابن داود. بل هو أكثر من ذلك. هو ابن الإنسان. ولكن إدخال "ابن الإنسان" في هذا المقطع يبدو اعتباطياً، كما كان إدخال "ابن الله" في التفسير الثاني.
المشكلة الحقيقية ليست في فهم الحدث على المستوى الثالث، المستوى التدويني، بل على المستوى الأول، مستوى يسوع المسيح ووعيه لمسيحانيته. أشار يسوع إلى أنه المسيح دون أن يُعلن ذلك بوضوح. وفي هذا الحدث طرح سؤالاً نظرياً ولمّح إلى علاقة بين المسيح المولود من داود والمسيح الرب. هذه هي نقطة الانطلاف في اعتراف الجماعة المسيحية في فلسطين: يسوع هو الرب.
يبرز تحدّر يسوع من داود في مؤلّف لوقا (1: 32- 33؛ 3: 31) بروزاً واضحاً. وسيشدّد أع 2: 25- 26 على النبوءة الداودية حيث يذكر مز 16: 8- 11 ويسمّى داود "نبيّاً". وسيستعمل بعد ذلك مز 110: 1 ليعلن يسوع "رباً ومسيحاً". وهذا يتضمّن أن ملء فهم علاقة يسوع بداود وطبيعته كربّ، يرتبط بالإيمان بالقيامة.
4- رئاء الكتبة (20: 45- 47)
تتفرّع هذه الآيات اللوقاويّة من مر 12: 38- 40 (رج مت 23: 1، 6 الذي يستعمل مواد مرقسية مع المعين ليقدّم لائحة الويلات: الويل لكم أيها الفريسيون). أما لوقا فدوّن مقدّمة خاصة به (آ 45)، ثم تبع مرقس بشكل يكاد يكون حرفياً. جاءت آ 46 تكراراً لما في 11: 43 الذي يعود إلى المعين حيث نجد انتقاداً طويلاً للفريسيين وعلماء الشريعة (11: 37- 54).
من جهة الفن الأدبي، نحن أمام قوله ليسوع ينبّه فيه تلاميذه حيال تصّرف الكتبة. هناك عودات سابقة إلى الكتبة، وليست كلّها سلبية أو إنتقادية. ففي آ 39، هنّأ بعض الكتبة يسوع لجوابه إلى الصادوقيين. وفي آ 41، قد نكون أمام كلام للكتبة (كما في مر) حاول يسوع أن يفسره. أما الآن فيوجّه يسوع تحذيراً لنا من تصّرف هذه السلطات الاورشليمية. ينبّه تلاميذه بأن لا يقتدوا بهم في ارتداء الحلل الفضفاضة، في حبّهم للتحيات في الساحات العامة وعلامات الاحترام، في البحث عن مقاعد الوجاهة في المجامع وأول المتكآت في الولائم. كل هذا مهزلة وتظاهر، لا يستطيع أن يكون جزءاً من طريقة العيش لدى تلميذ المسيح.
يعتبر الكتبة أنهم أشخاص مهمّون جداً. يأكلون بيوت الأرامل. يخافون نشاطهم الرديء بواجهة من التقوى الدينيّة وبتطويل صلوات يرفعونها إلى الله. ولكن لأجل هذا، ستحلّ بهم دينونة الله بشكل قاسٍ جداً. فهم في الواقع قوّاد الشعب ومعلّموه، وهكذا يظهر يسوع في هذا المشهد كالمدافع عن أناس يستغلّهم "الوجهاء".
نحن هنا أمام حكم لا رجوع عنه على الكتبة. هذا ما نجده عند لو كما عند مر. قد نكون هنا على المستوى الثاني من التقليد الإنجيلي، مستوى الكنيسة على ضوء القيامة وانطلاقها من محيطها اليهودي. إن هذا التحذير النبوي الذي يُطلقه يسوع يجد صداه في أش 1: 23: "لا ينصفون اليتيم بشيء، ولا تصل إليهم دعوى الأرملة". وفي 10: 2: "تكون الأرامل غنيمتهم واليتامى نهباً لهم". وفي حز 22: 7: "يعاملون الغريب بالظلم، ويضطهدون اليتيم والأرملة". وفي أي 22: 9 يتساءل أيوب: "هل أرسلت الأرامل فارغات وحطّمت أذرع اليتامى"؟ وفي 24: 3: "الأشرار يستاقون حمار اليتيم ويرتهنون ثور الأرملة". قد يكون الكلام قد وجّه إلى بعض الكتبة، ولكنه تعقم على ضوء خبرة الكنيسة الأولى.
خاتمة
إن المدلول العجيب للعهد الجديد يكمن في هذا: منذ البداية حتى النهاية، عبر نبوءات واضحة وأحداث رمزية، يقود كل شيء إلى المسيح الموعود به. ففي مجيء المسيح كانسان إلى هذا العالمي، تمّ جزء من العهد القديم، وسيتمّ كله في المجيء الثاني. سنعرف حقاً أنه الرب الذي قيل له: اجلس عن يميني حتى أجعل اعداءك موطئاً لقدميك. وآخر عدوّ له هو الموت (1 كور 15: 26).
ليس يسوع ابن داود على مثال سليمان، وهو لا ينحدر منه على مستوى اللحم والدم. فحين دخوله إلى أورشليم بيّن أنه أكثر من ابن داود. أنه المسيح. كما علّم أنه ليس فقط مرسلاً من عند الله. أنه الابن الحبيب. وهو يدلّ الآن على أنه الرب الاله.
الفصل الثالث عشر
فلس الأرملة
21: 1- 4

صمت معارضو يسوع حين رأوا هدوءه ووقاره ومرمى كلامه. وما عاد أحد يتجاسر بأن يطرح عليه سؤالاً (25: 40). وأرسل تحذيراً أخيراً ضدّ ديانة كاذبة لدى القوّاد الروحيين في العالم اليهودي. ويقول لنا مرقس: "جلس قبالة الخزانة" (مر 12: 41). ورأى أرملة.
إن ذكر الارامل في الحدث السابق، قاد الإنجيلي إلى إيراد تفسير يسوع لما فعلته إمرأة أرملة قدّمت تقدمتها البسيطة من أجل هيكل أورشليم (21: 1- 4). ما زلنا أمام تعليم يُعطى في الهيكل.
1- دراسة تفصيلية
قدمّنا في الفصل السابق النظرة العامة، وأشرنا إلى الرباط بين الأرملة (أعطت كل ما تملك) وبين يسوع الذي بذل ذاته من أجل أحبّائه. ما فعلته هذه الأرملة التي دلّت على سخائها، يعارض أنانيّة الكتبة وحبّهم للظهور وظلمهم للضعيف.
أ- تطلعّ فرأى أغنياء (آ 1- 2)
تطلّع يسوع. هكذا ربط لوقا هذا الحدث مع الذي سبقه. فعارض مرقس الذي يفترض خبره تبديلاً في المشهد. بالإضافة إلى ذلك، يرينا مر 12: 41 يسوع وهو "ينظر إلى الجمع"، كما ينظر إلى عدد كبير من الأغنياء.
"الخزانة". أو: صندوق الهيكل. تُذكر الخزانة في نح 12: 44 (غرف تخزن فيها القرابين)، 1 أخ 14: 49 (خزانة الهيكل)؛ 2 مك 3: 6، 24، 28، 40 (خزانة الهيكل مملوءة بالأموال التي لا تحصى). أما الكلمة اليونانية، فتدلىّ على صندوق تجُمع فيه التبرّعات والضرائب من أجل الهيكل. كانت صناديق عديدة في الرواق الذي أمام الهيكل: شاقل جديد، شاقل قديم، تقدمة الطيور، طيور من أجل المحرقات، خشب، بخور، ذهب. وكانت هناك ستة صناديق من أجل التقادم الطوعيّة.
"أرملة مسكينة" (آ 2). هي لا تملك شيئاً. ترتبط حياتها بالآخرين. يجب عليها أن تعمل لكي تأكل. لا يقال إن هذه الأرملة هي عجوز أو مريضة. إنها امرأة محتاجة، ولا سند لها إلا الله.
ألقت فلسين. قطعتين صغيرتين من النحاس. نقدين من أصغر النقود المستعلمة في فلسطين في ذلك الوقت. رج 12: 59 حيث نقرأ: "إنك لا تخرج من هناك حتى تؤدّي آخر فلس عليك". زاد المخطوط البازي: أي فلس، ربع آس. هكذا توافق لو مع مر. أراد مر أن يفهم قرّاءه الرومان فاستعمل لفظة "كودرنتس". ما أراد أن يقوله هو أن ما دفعته هذه المرأة يساوي "لا شيء". هذا في نظر الناس. لا في نظر المسيح.
ب- في الحقيقة أقول لكم (آ 3- 4)
ما قدّمه الأغنياء لم يحرّك يسوع. فلا تضحية في تقدمتهم. فهم يمتلكون الكثير، بحيث تبدو حباتهم شيئاً بسيطاً. أما الأرملة فقدّمت أقلّ ما يمكن أن يقدّم. هي الأخيرة. فصارت الأولى. أما الأولون فصاروا آخرين. هذا هو منطق يسوع الذي "حطّ الأعزاء عن عروشهم ورفع الوضعاء".
"الحق أقول لكم". هذه العبارة تدلّ على أهميّة ما سوف يقوله يسوع. نجدها في 4: 24 وبعد خبرة الناصرة المرّة: "الحق أقوله لكم، ليس نبي مقبولاً في وطنه". ونجدها في 9: 27 مع الحديث عن القيامة المرتبطة بمشهد التجليّ: "الحق أقول لكم: إن في القائمين هنا من لا يذوقون الموت حتى يروا ملكوت الله"، حتى يتعرّفوا إلى الرب يسوع في مجده الفصحي.
"ألقت كثر من الجميع". بدا يسوع حزيناً حين علّق على هذا العمل. هديّتها أعظم من هدايا الأغنياء. فقد "ألقت كل معيشتها". أما هؤلاء فقد كان عطاؤهم تظاهراً تجاه الناس، وفضلة مما يملكون.
نقرأ في الاسكندراني والبازي... "تقادم الله"، أي قدّموها لله. أترانا أمام صلاة لم يقبلها الله كما يقول أشعيا. "شبعتُ من محرقات الكباش... دم العجول ما عاد يرضيني... إذا بسطتم أيديكم للصلاة أحجب عينيّ عنكم، وإن أكثرتم من الدعاء لا أستمع لكم، لأن أيديكم مملوءة من الدماء" (أش 1: 11- 15). ماذا يجب أن يفعلوا لكي يرضى الله عن تقدماتهم؟ "أغيثوا المظلوم، أنصفوا اليتيم، حاموا عن الأرملة" (آ 17). 
"هي في فقرها أعطت كل ما تحتاجه من أجل معيشتها". من أجل القيام بأود حياتها (بيوس). نتذكر هنا النازفة التي "أنفقت كل معيشتها" (8: 43). ومقابل هذا، نرى تصّرف الابن الضال الذي عاش في التبذير (15: 12- 30). في نهاية هذه الآية تزيد بعض المخطوطات المتأخّرة: "وإذ قال هذا، نادى بأعلى صوته: من له أذنان سامعتان فليسمع". هذا ما قاله يسوع بعد مثل الزارع (8: 8). نحن أمام نداء إلى الانتباه الضروري لكي نُدرك بُعد هذا التعليم. هذا العمل يدعونا إلى التفكير وإلى اتخاذ الموقف المناسب: صارت الأرملة مثالاً نقتدي به (رج 12: 21 حيث يزيد بعض الشهود العبارة التي زيدت هنا في 21: 4؛ رج 14: 35).
2- دراسة إجمالية
إنطلق لوقا في خبره من مر 12: 41- 44 (لم يذكر متّى هذا الحدث). دوّن لوقا مقدّمته الخاصة بهذا الحدث، ولكنه تبع مر بشكل يكاد يكون حرفياً حين وصل إلى الجوهر، إلى كلام يسوع حول ما فعلته هذه الأرملة.
في آ 1، ألغى تفصيلاً مرقسياً يقول بأن يسوع جلس تجاه خزانة الهيكل، وأن عدداً كبيراً من الأغنياء كانوا يلقون تقادمهم من أجل الهيكل. هكذا أزال التقابل بين الأرملة الفقيرة والآخرين في تدوينه للخبر. 
في آ 2- 4، تبع لوقا نسخة الخبر كما وجدها عند مرقس، ولكنه أوجزها ملغياً لفظة لاتينية "كودرنتس" (أي: فلس). وألغى لوقا أيضاً: "ونادى تلاميذه"، كما في مر 12: 43 أ (رج لو 20: 45: ثم قال لتلاميذه). واستعمل لوقا أيضاً كلمة شعرية "بنيكرا" أي فقير ومحتاج بدل "بتوخي" الفقير، البائس. وذلك حين صوّر الأرملة في بداية خبره (آ 2). بعد هذا أورد تعليق يسوع (آ 3) كما وجده في مرجعه. وفي آ 4، حسّن لغة مرقس بشكل طفيف. إذن، لن نبحث عن مرجع للوقا إلا مرقس نفسه.
وإذا عدنا إلى الفن الأدبي، وجدنا أن الحدث هو خبر حول قول من أقوال يسوع. خبر من حياة يسوع مع قول حُفظ لنا في آ 3- 4. قد نكون هنا أمام مثل عملي. وأمام تأليف موحّد لا سيّما في النسخة المرقسية. فالذبيحة الصغيرة يقدّمها الشعب الفقير ترضي الله أكثر من التقدمات الكبيرة والمحرقات.
ما هو معنى تعليق يسوع على تقدمة الأرملة الصغيرة؟ هناك خمس محاولات لشرح كلام يسوع. الأولى: إن القيمة الحقيقية للعطيّة ليست كمّيتها، بل قيمتها بالنسبة إلى ما نملك، وما تكلّف المعطي من تضحيات. الثانية: المهم ليس الكمية التي نعطيها، بل الروح التي بها نعطي التقدمة. هناك تقدمة الذات. نسيان الذات. التجرّد. التخلي عمّا نملك بدون حساب. الثالثة: التقدمة الحقيقيّة تقوم حين نعطي كل ما نملك. الرابعة: يجب أن تقابل الصداقات وسائر العطايا التقويّة، ما يملك الإنسان من وسائل العيش. الخامسة: يعبرّ الخبر عن نيّة يسوع تجاه صاحب الصدقة. 
نحن نرى أننا إذا وضعنا المحاولة الأولى جانباً، فسائر المحاولات لا تجد لها أساساً في الإنجيل نفسه. فلا شيء يقال عن "الروح" الداخلية لدى الأرملة. ثم إن التعارض في الخبر يكمن بين "أكثر" و "أقلّ"، لا بين "عطية صادقة" و "عطية غير حقيقية". لا نجد في النصّ أساساً للعطاء بحسب امكانيّات كل واحد منا. إن الأرملة أعطت كل ما تملك. أعطت أكثر من امكانياتها. وحين نحصر مرمى الخبر في نصيحة حول صدقة نعطيها، نضيّع الدرس الرئيسي. لا شكّ في أنّ هذا الخبر لا يتحدّث اطلاقاً عن صدقة نعطيها لفقير.
إذا أخذنا الإطار الواسع لإنجيل مرقس، يطرح هذا الحدث علينا سؤالاً حين نفهمه مديحاً من قبل يسوع. هذا ما ينتج عن كلام يسوع حول "قربان" في مر 7: 10- 13. قيل هنا: حاجات البشر تسبق القيم الدينيّة حين تتصارع. ونقابل كلام يسوع حول شفاء يوم السبت (3: 1- 5: اليد اليابسة). حين نأخذ ردّات فعل يسوع في أماكن أخرى من إنجيل مرقس، هل نتحدّث عن حماسه ومديحه لتقدمة أرملة أعطت كل ما لها من أجل معيشتها؟ إن الكلمة حول "قربان" (لله) تبدو وكأنها تضع حدوداً لتفسير كلمات يسوع في هذا الحدث.
في السياق المباشر لإنجيلي مرقس ولوقا، ندّد يسوع بالكتبة الذين يأكلون بيوت (أموال) الأرامل. والآن، ها هو يعلّق: هذه الأرملة قدّمت كل ما تملك، ألقت كل معيشتها وما يقوم بأودها. إن تفكيرها الديني أتمّ الشيء الذي اتهُم به الكتبة. في الحدث السابق، لم يرضَ يسوع عمّا يفعله الكتبة تجاه أموال الأرامل. وهو لا يرضى هنا عمّا يراه الآن. هو لا يكيل مديحاً للأرملة، بل يرثي بالأحرى مأساة رآها في ذلك اليوم. لقد علّمها القواد الدينيون وشجّعوها على أن تفعل ما فعلت. ويسوع يشجب سلّم القيم الذي دفعها إلى عملها. وبمختصر الكلام، تعليق يسوع هو بكاء ورثاء، وليس مديحاً وتهنئة.
خاتمة
هذا هو تفسير الشراح الذي أخذ بجانب من المثل. وقد نتوقف عنده ونقابله مع النصّ السابق. ويبقى التفسير التقليدي حاضراً: ليس ما نعطيه في سبيل الله هو المهمّ. بل الروح الذي به نعطي. نعطيه بطواعيّة، لأن الله يحبّ المعطي الفرحان.
الفصل الرابع عشر
مضايق المسيحيين قبل نهاية العالم
21: 5- 19

تنهي الأناجيل الإزائية الثلاثة رسالة يسوع العامة بخطبة كبيرة عن نهاية العالم، قيلت بمناسبة نبوءة حول دمار الهيكل. والمقطوعة التي ندرس الآن تتضمّن في النص اللوقاوي مقدّمة الخطبة وقسمها الأول. أما ما نشعر به عند قراءتها فهو أننا نبدو أمام نتف متفرِّقة. ولن ندرك بعدها إلاّ إذا وعينا دورها في مجمل الخطبة. أما الوجهة التي اتخذها لوقا حين أورد تعاليم يسوع، فستبرز بصورة خاصة إن نحن قابلناها مع مر 13 الموازي لنص لوقا هذا.
1- السؤال حول دمار الهيكل (21: 5- 7)
ماذا يقول مرقس؟ حين ترك يسوع الهيكل دعاه أحد تلاميذه ليتأمَّل في هذا البناء الذي شيَّده هيرودس الكبير بعظمة لا تضاهيها عظمة. أجاب يسوع معلناً أنه لن يبقى منه حجر على حجر وذلك في الوقت القريب. وصعدوا منحدر جبل الزيتون. فجلس يسوع وجلس معه بصورة خاصة أربعة من تلاميذه: بطرس، يعقوب، يوحنا، اندراوس. وألقى يسوع خطبة وجّهها حصراً لهم ليجيب عن سؤالهم: نحن أمام وحي موجّه إلى بعض التلاميذ المميَّزين.
ولكن المشهد عند لوقا يختلف عمّا في مرقس. حين وصل إلى أورشليم دخل إلى الهيكل (19: 45). وهناك جُعلت كل التعاليم الواردة حتى نهاية ف 21. كل ما قاله يسوع قد سمعه الشعب الذي يتزاحم لسماعه (19: 48؛ 20: 1، 9، 26، 45؛ 21: 38)، مع أن بعض أقواله يوجَّه بصورة مباشرة إلى خصومه (20: 19، 20، 27، 39، 41) والبعض الآخر إلى تلاميذه (20: 45). أما الاعتبار عن جمال الهيكل، فيُنسب إلى بعض أشخاص لا يسمَّون باسم خاص (21: 5). فهم أنفسهم سيطرحون على يسوع السؤال الذي ستكون الخطبة جوابه (آ 7). لا يقول لو إن السائلين هم تلاميذ. ومهما يكن من أمر، فالحاشية الأخيرة (آ 38) تذكِّرنا بأن الشعب كان هنا لسماع يسوع.
إذن، لسنا مع لوقا أمام خطبة محصورة ببعض المميَّزين أو بالتلاميذ وحدهم، وإن دلّ مضمونها على أنها موجّهة إليهم بصورة خاصة. نجد هنا أسلوباً مشابهاً للذي استعمله ليوسّع حلقة سامعي "خطبة الجبل" فينقل هذه الخطبة إلى السهل (6: 12- 19). وفي الوضع الذي ندرس، استفاد لوقا من هذا التقديم ليميِّز هذه الخطبة عن الخطبة الاسكاتولوجية الأولى المحصورة بالتلاميذ (17: 22- 18: 8).
وهناك تفصيل يؤكّد أن لوقا يوسّع حلقة جمهوره. إن الذين سألوا يسوع في آ 7 سمّوه "يا معلم" (ديدسكالوس). إن هذه الطريقة في مناداة يسوع، يحصرها لوقا في "الذين هم من الخارج". أما التلاميذ فيقولون: ابيستاتس أي مربي. وهذا ما نلاحظه في التصليح الذي قام به لوقا في نص مرقس. ق مر 4: 38 و9: 38 مع لو 8: 24؛ 9: 49؛ رج أيضاً لو 5: 5؛ 8: 54؛ 9؛ 33؛ 17: 13 (صراخ البرص). إذن، توجّهت هذه الخطبة إلى الشعب، فاتخذت بصورة طبيعية بُعداً عاماً جداً.
والنبوءة عن تدمير الهيكل "الذي لن يُترك فيه حجر على حجر"، كانت قد وردت في 19: 44 حسب تقليد آخر يدلّ فيه على أورشليم (لا على الهيكل). نلاحظ زيادة "ستأتي أيام" في 21: 6 كما في 17: 22. إنها العبارة التوراتية التي تبدأ قولاً نبوياً يُنذر بالشقاء. إذن النبوءة عن تدمير الهيكل تقدِّم لنا هنا مناسبة الخطبة لا موضوعها. وننتظر أن نجد هذا الموضوع في سؤال آ 7.
السؤال سؤالان: السؤال الأول: متى يحدث؟ السؤال الثاني: ما هي العلامة التي تساعدنا على التعرّف إلى أن الحدث سيحصل قريباً؟ هذه الطريقة في طرح السؤال توافق طريقة متّى ومرقس. ولكن الحدث الذي يعود إليه لوقا هو دمار الهيكل، بينما ينتقل متّى ومرقس من النظرة إلى دمار الهيكل إلى النظرة إلى نهاية العام. كتب مرقس: "قل لنا متى تتمّ هذه الأمور وما هي العلامة على أن كل هذه الأشياء ستنتهي"؟ ألغى لوقا كلمة "كل" وأحلّ فعل "حدث" محل "انتهى": "يا معلم، متى ستحصل هذه الأشياء وما هي العلامة على قرب حدوثها"؟ من الواضح أن السؤال يعني فقط دمار الهيكل.
تبديل غريب. فعند لوقا كما عند مرقس، تمتدّ الخطبة حتى نهاية العالم ومجيء ابن الإنسان في المجد. أما التعليمة فنفهمها كاهتمام لوقا في الخطبة كلها بأن يفصل بين دمار الهيكل ونهاية العالم، ويرفض كل علاقة بين الاثنين. لقد أراد لوقا منذ البداية أن يتجنّب المزج بين الحدثين. إذن يتوقّف الآن وبصورة موقتة عند مصير الهيكل، ولن يتكلم عن نهاية العالم إلاّ حين يقدر أن يبيّن بوضوح أن لا علاقة لهذه النهاية بأحداث سنة 70 (دمار أورشليم).
تبدأ الخطبة بتنبيه أولاني (آ 8- 9). ولن نصل إلى الموضوع إلاّ في آ 10- 11 وتصوير الكوارث الكونية. وينقطع الموضوع بتوسّع طويل عن أحداث ستحصل "قبل هذا"، وهي أحداث لا تدلت على نهاية قريبة: من جهة، إضطهادات سيتحمَّلها المسيحيون (آ 12- 19). ومن جهة ثانية، عقاب سيحلّ بأورشليم (آ 20- 24). حينئذ نعود إلى الكوارث الكونيّة التي ستحصل في نهاية العالم (آ 25- 33). وتنتهي الخطبة بتنبيه جديد (آ 34- 36). عملياً، نحن أمام عرض دائري:
أ- تنبيه أول (آ 8- 9)
ب- كوارث كونية (آ 10- 11)
ج- ما سيحصل قبل هذا
- اضطهادات ضد المسيحيين (آ 12- 19)
- عقاب أورشليم (آ 20- 24)
ب ب- كوارث كونية في نهاية العالم (آ 25- 33)
أ أ- تنبيه نهائي (آ 34- 36)
نرى أن المقطوعة التي نفسرّها تتوقّف في وسط الخطبة. ولكن لا ننسَ أن كل عنصر يتَّخذ معناه بالنسبة إلى موقعه في المجموعة. 
2- تحذير مضاعف (21: 8- 9)
تحذِّر آ 8 المسيحيين من الكذَّابين الذين يحاولون أن يضلّلوهم. يستعيد لوقا أولاً طريقة مرقس في تصويرهم: يعتبر هؤلاء الناس أحم يأتون "باسم" يسوع ويقولون: "أنا". وهكذا يحاولون أن ينتحلوا شخصيّة المسيح. يهتمّ مرقس اهتماماً خاصاً بخطر المسحاء الكذبة، وسيعود إلى هذا. الخطر في نهاية الخطبة (مر 13: 21- 22). يجترحون آيات وأعاجيب ويضلّلون عدداً كبيراً من الناس. أغفل لوقا التنبية الثاني. ولن يقول في تحذيره في آ 8 إنهم سيتوصَّلون إلى تضليل كثير من الناس.
ومقابل هذا يتطلَّع لوقا إلى خطر آخر يبدو له كثر إلحاحاً: هو خطر الكذبة الذين يعلنون أن "الزمن قريب جداً". بأي "زمن" يفكر لوقا؟ قد نظن إذا انطلقنا من سؤال آ 7، اننا أمام زمن دمار الهيكل. لا شكّ في أن لوقا لا يفكّر في هذا الأمر. نحن نرى هذا منذ الآية التالية التي تتكلّم عن كوارث لا نستطيع أن نستنتج منها أن "النهاية" صارت قريبة. وسيذكر ولي الخطبة الآيات التي تدلّ على "أن الفداء قريب" (آ 28)، على أن "ملكوت الله قريب" (آ 31). فالضلال الذي يريد لوقا أن يحذِّر المسيحيين منه، هو ذلك الذي تشير إليه ملاحظة 19: 11: "وقال أيضاً مثلاً لأنه كان قريباً من أورشليم وكانوا يظنّون أن ملكوت الله سيظهر في الحال". هذا هو الخطر الذي يقلق لوقا: أن يُؤخذ المسيحيون بسراب أناس يتخيَّلون أن زمن النهاية قريب وأن ملكوت الله سيظهر في المجد وأن ابن الإنسان سيأتي على السحاب بين وقت وآخر. منذ بداية الإنجيل ألغى لو 4: 15 عبارة مر 1: 15: "لقد تمّ الزمان". استبعد "الزمان" في 4: 13 وارتبط بالآلام، وأعلن في 4: 21 أن الكتب قد "تمت".
مثل هذه الانباءات (الزمان قريب) تحرّك حَّمى عابرة تتبعها خيبة أمل وربما أزمة إيمان: حينئذٍ يتوقّف الانتظار الذي يغيب في الرجاء (رج 21: 34- 36). لهذا يقول لوقا مشدّداً: "لا تتبعوهم، لا تسيروا وراءهم". 
وتندّد آ 9 بخطر مماثل يقوم بأن نفسَّر في إطار علامات عن نهاية الزمن القريبة، أحداثاً لا علاقة لها بهذه العلامات. قال مرقس: سيُسمع "بالحروب وأخبار الحروب". ويوضح لوقا: "الحروب والاضطرابات". وهذا ما يدلّ على الثورات وأعمال التمرّد. وهذا ما يجعلنا نفكر أولاً في الثورة اليهودية على الرومان. حينئذ يجب أن لا نخاف.
ويفسّر مرقس: "لا بد من أن يحدث هذا، ولكن لا تكون هي الآخرة". ففي نظر مرقس، تبدو الحروب وأخبار الحروب كعلامات بعيدة عن الآخرة. إنها تدلّ على "بداية الأوجاع" (مر 13: 8). أما عند لوقا فلم يعد للحروب والثورات من قيمة تسبيق للآخرة. ولو كان هذا التسبيق بعيداً. لا علاقة لها مطلقاً بالنهاية. إنها ستحصل قبل النهاية، ولكنها لا تنبئ بالنهاية.
يعرف لوقا أن الآخرة لا تأتي قريباً. وهو يخاف الخطر الذي شكّله هذا السراب على إيمان المسيحيين فيقودهم إلى خيبة أمل لا يقدرون أن يتجنّبوها. وما يُشرف على بداية خطبته الاسكاتولوجية هو الاهتمام بهذا الخطر الذي يحذِّر منه المسيحيين.
3- الكوارث الكونية (21: 10- 11)
يقيم نص متّى الموازي علاقة وثيقة بين الحروب وأخبار الحروب التي تكلّم عنها، وبين الكوارث التي سيتحدّث عنها. بدأت آ 8 بأداة "لأنه" (غار في اليونانية)، فدلّت على تفسير لما سبق: "لأنه ستقوم أمّة على أمّة". لا يستعيد لوقا هذه الأداة، بل يبدأ آ 10 بحاشية قصيرة: "حينئذٍ قال لهم". وهكذا فصل هذه الآية عن الآيتين السابقتين فصلاً تاماً. نحسُّ بعد تنبيهات أولانية تشجب انتظاراً للنهاية خاطئاً، أن الخطبة تتطرّق الآن إلى موضوعها الحقيقي: سيقول لنا ما هي العلامات التي تدلّنا على أن النهاية قريبة. هذا هو المعنى الذي يشير إليه التعارض بين مضمون آ 10- 11 ومضمون الآيتين السابقتين.
ويتثبّت شعورنا حين نلاحظ التصليحات التي قام بها لوقا في هاتين الآيتين. أعلن مر 13: 8: "ستقوم أمّة على أمّة ومملكة على مملكة، وتقع الزلازل في أماكن كثيرة، وتحدث مجاعات". إستعاد لوقا الكلام فقال: "ستقوم أمّة على أمّة، ومملكة على مملكة. وتقع زلازل شديدة، وتحدث مجاعات وأوبئة في أماكن كثيرة". إعتاد لوقا على التوسّع ولكنه! يفعل هنا بصورة واضحة جداً. ستكون الزلازل "شديدة". وزاد "الأوبئة" على المجاعات في خطّ النصوص التوراتية. ولكن لوقا لم يكتفِ بهذا، بل زاد أيضاً: "وتجري أحداث نحيفة وتظهر علامات هائلة في السماء". إن الكوارث التي تصيب الأرض كلها، يرافقها زلزال كوني. نحن نرى هنا تسبيقاً للكوارث التي ستُحوَّر في آ 25- 26: "ستظهر علامات في الشمس والقمر والنجوم، ويصيب الأمم في الأرض قلق شديد ورعب من ضجيج البحر واضطراب الأمواج. ويسقط (يموت) الناس من الخوف ومن انتظار ما سيحلّ بالعالم (المسكون، أي المعمورة) لأن قوّات السماء تتزعزع". يبدو أننا نجد هنا تفسير ما نقرأ في آ 11: "أحداث مخيفة"، "علامات" سماوية. 
إذن، يمكننا أن نرى أن الكوارث التي تعدّدها آ 10- 11، لا تتميز تمييزاً حقيقياً عن تلك التي تقدّمها آ 25- 26 على أنها استباق مباشر لظهور ابن الإنسان (آ 27)، والتي يجب أن تكون علامة رجاء للمسيحيين (آ 28).
ونلاحظ في الوقت عينه أن لوقا ألغى الحاشية التي بها أنهى مرقس آ 18: "هذا سيكون بدء الأوجاع". قد يكون ظنّ أن قرّاءه اليونانيين لا يفهمون هذه العبارة فلم يوردها. ولكن التصليحات التي قام بها في آ 10- 11 تدلّ على أنه ارتأى أن يلغي تفسيراً لا يرى في الأحداث الواردة إلاّ استباقاً بعيداً للانحلال النهائي: إنها في نظره كوارث تبدو جزءاً لا يتجزأ من النهاية، كما إنها لا تُفصل عن مجيء ابن الإنسان.
ولكن علاقة آ 10- 11 بالنهاية ليست موضحة. فنستنتجها من تعارض يجعله لوقا بين هاتين الآيتين واللتين سبقتهما، ومن تعارض تركز عليه الآية اللاحقة حين ننتقل إلى ما سيحدث "قبل هذا كلّه" (آ 12). لن يتوضّح المعنى حقاً إلاّ مع التوسّع على الظواهر الكونية التي يراها المسيحيون فيعرفون أن "فداءهم قريب" (آ 25- 28) وأن "ملكوت الله قريب" (آ 29- 31): وذلك حين نستطيع أن نقول حقاً: "الزمان قريب" (آ 8). إن لوقا يهتمّ في هذه النقطة من الخطبة بأن يدلّ قرّاءه على أحداث لا يمكن أن تعتبر كعلامات النهاية. لهذا السبب عادت بنا آ 12- 24 إلى الوراء.
4- الاضطهادات ضد المسيحيين (21: 12- 19)
"ولكن قبل هذا كلّه". إن الاشارة الكرونولوجية التي بها تبدأ آ 12 هي مهمّة جدّاً. وهذا ما دفع لوقا لأن يزيد هذا التفصيل على نصّ مرجعه (رج مر 13: 9). إن "الأشياء" التي تسبقها الاضطهادات، تتماثل مع أحداث آ 10- 11 فتنضمّ في الزمن إلى التي تحدّثت عنها آ 8- 9: نحن أمام أحداث ستحصل "أولاً"، مع أن النهاية لن تأتي "حالاً". وهذه الأحداث تختلف في الوقت عينه عن الظواهر الكونية (آ 28): "فحين تبدأ تتم" يعرف المسيحيون أن خلاصهم قريب. فلا مدلول اسكاتولجي للاضطهادات (ضد المسيحيين) التي لا تنحصر فقط في الزمن الذي يستبق حماية العالم استباقاً مباشراً. إن الاضطهادات تدلّ على وضع المسيحيين في هذا العالم وما طال تاريخ العالم.
إذا قابلنا هذه الآيات الثماني التي يكرّسها لوقا للتحدّث عن اضطهاد المسيحيين مع ما يوازيها في مر 13: 9- 13، نجد اهتماماً بتوحيد المقطع بعد أن كان لدى مرقس قطعاً متفرقة. وإذا دخلنا في العمق نجد اهتماما بتشجيع المضطهدين وتشديداً على البواعث التي تقوِّيهم في محنهم. وهكذا تتحوّل الانباءة نداء إلى الثقة بالله. هذا ما سنبيِّنه أولاً. ثم نتوقّف عند النداء إلى الثبات الذي يميِّز هذه المتتالية.
أ- نداء إلى الثقة بالله
تخبر آ 12 التلاميذ بالمعاملات السيِّئة التي ستصيبهم من قبل مضطهديهم: توقيف، سجن، مثول أمام المحاكم اليهودية والوثنية، وكل هذا من أجل اسم يسوع. يستعيد لوقا ما نجده في مر 13: 9 ويتوسّع فيه. ولكن مرقس يزيد "شهادة لهم" (رج مت 10: 18؛ 24: 14). أما لوقا فيوضح: "ويكون هذا فرصة لكم تشهدون فيها للبشارة" (آ 13). فالشهادة التي يشدّد عليها لوقا ليست تلك التي تعني المضطهدين ("لهم") بل تلك يجب أن يحصل عليها المضطهدون ("لكم"). فإذا درسنا هذه الآية درساً دقيقاً، نجد أن الشهادة التي تؤدّيها العذابات التي يحتملها المضطهدون، ستدافع عنهم أمام منبر الله. إنها تشكِّل نوعاً ما دقائق يعتمد عليها حكم الله ليقرّر خلاص كل إنسان. لقد قلب لوقا النظرة إلى الأمور وهذا القلب له معناه. إنه يجعل نفسه مع المضطهدين ليدلّهم عك الفائدة التي يستطيعون أن يستخرجوها من محنهم والتي هي كفالة خلاص لهم. هذا هو أول اعتبار يشجِّع فيه لوقا المضطهدين. 
وزاد مرقس بالنسبة إلى الشهادة المؤذاة للمضطهدين: "لأنه يجب إعلان البشارة (الإنجيل) أولاً إلى جميع الشعوب" (مر 13: 15). ولكن لا مكان لهذا الإعلان في نظرة لوقا في هذا الموضع من الإنجيل: إنه سيستعيد الفكرة في موضع آخر، في 24: 47 حين يقول: "وتعلن باسمه بشارة التوبة إلى جميع الشعوب ابتداء من أورشليم".
حين يُساق تلاميذ يسوع أمام قضاة معادين لهم، يجب أن لا يهتمّوا بما سيقولون. أعلن نص مرقس (13: 11) أن ما سيقولونه سيُعطى لهم في ذاك الوقت: الروح القدس يتكلّم بفمهم. ولكن نص لوقا يعد بأكثر من ذلك: لن يكون للمضطهدين أن يهيِّئوا جوابهم مسبقاً "لأني سأعطيكم من الكلام والحكمة ما يعجز جميع خصومكم عن ردّه أو نقضه" (21: 14- 15). نتذكّر هنا أع 6: 10: كان مناقضو اسطفانس "عاجزين عن مقاومة الحكمة والروح الذي به يتكلّم". إذن، لن ينال المسيحيون فقط ما به سيتكلّمون، بل الوعد بأن كلامهم لا يقاوَم. سيبقى خصومهم في خزيهم. هذا اعتبار آخر يشجع فيه لوقا المضطهدين: سينتصرون حتى أمام المحاكم البشريّة.
وتقول لنا آ 16- 18 أين يجد المسيحيون أعداءهم: في محيطهم المباشر: "سيسلّمكم والدوكم واخوتكم وأقرباؤكم وأصدقاؤكم أنفسهم (إلى الحكام). وبعض منكم سيُقتلون". يتوقف مرقس عند هذا المنظار المظلم. أما لوقا فيزيد وعداً يحمل الرجاء: "شعرة واحدة من رؤوسكم لا تسقط". من الواضح أن اقحام هذا القول في الآية، يبدِّل لون اللوحة تبديلاً خاصاً. لم يخترع لوقا هذا القول ولكنه تذكّر إعلاناً ليسوع قاله في سياق آخر: "شعور رؤوسكم نفسه معدود كله" (12: 7؛ رج مت 10: 30)! الأسلوب واضح: لقد أواد لوقا أن يصحّح الشعور القاسي الذي يحسّ به المسيحيون أمام صورة المحن التي تنتظرهم. توسّل لوقا قولاً تلفَظ به يسوع في مناسبة أخرى، فذكّر قرّاءه بحماية خاصة وعدهم بها الرب. هذا هو الاعتبار الثالث الذي سيشجِّع المضطهدين وينفحهم ثقة بالله في مضايقهم.
ونجد الاهتمام عينه في الآية الأخيرة. غير أن الاعتبار الذي تقدّمه يبقى مشروطاً: هناك وعد بالخلاص، لا للجميع، بل للذين برهنوا على ثباتهم في المحنة: "بثباتكم تخلصون".
ب- نداء إلى الثبات
أنهى مرقس هذا المقطع عن الاضطهاد بالوعد التالي: "من يثبت إلى المنتهى فذاك يخلص" (مر 13: 13 ب). تشير لفظة "المنتهى" بصورة طبيعية في هذا السياق (آ 4، 7)، تشير إلى نهاية العالم، لا إلى نهاية الفرد أي موته: فالاضطهادات جزء من المحن التي تسبق الآخرة، وهي ستمتدّ إلى ذلك الوقت الذي سيكون أيضاً وقت الخلاص. وبانتظار ذلك يجب أن لا نتزعزع: أن نثبت، أن نحافظ على موقفنا. هذا يشير إلى الثبات الذي يوجّهه بصورة جوهرية وضعٌ اسكاتولوجي وأمل بخلاص قريب.
نحن نفهم حالاً أن لوقا لا يمكنه أن يتبنّى هذا المنظار. فهو يعرف أن النهاية ليست قريبة: فالمسحاء الكذبة هم الذين قالوا بها (آ 8). وهو يرفض كل علاقة بين الاضطهادات ونهاية الأزمنة. فالاضطهادات ليست في نظره محنة تميّز الأزمنة الأخيرة: إنها تحدّد وضع المسيحيين في العالم وفي التاريخ الذي يواصل مسيرته. لهذا نفهم أن لوقا تجنّب العبارة الملتبسة "حتى المنتهى". هذا المنظار نجده أيضاً في 22: 69. قال مر 14: 62: أعلن يسوع أمام المجلس الأعلى: "وسترون ابن الإنسان جالساً عن يمين القدرة وآتياً مع سحاب السماء". أما لوقا فاكتفى بالقول: "منذ الآن سيكون ابن الإنسان جالساً عن يمين قدرة الله".
ولا يكتفي لوقا بأن يلغي هاتين اللفظتين (ايس تالوس، حتى المنتهى)، بل أعاد تأليف الجملة بصورة أخرى: "بثباتكم تربحون نفوسكم". يبدو أن هذه العبارة تأثرت بقول آخر ليسوع: "من حاول أن يؤمِّن على حياته يخسرها، ومن خسر حياته يحفظها" (17: 33). فالفعل "كتاؤماي" "ربح" (21: 19) يرادف عملياً "باريبويوماي" "أمَّن" (17: 33). يتيح لنا هذا التقارب أن نفهم أن قول 21: 19 قد اتخذ مدلولاً عاماً: لم يعد مرتبطاً بالوضع التاريخي الخاص، وضع الذين يعيشون قريبين من نهاية العالم. إنه يرتبط بكل وقت وزمان. حين تكلّم لوقا عن الثبات (هيبوموني)، استلهم استلهاماً مباشراً الفعل الذي استعمله مرقس "هيبومينو". لقد خسرت المفردة نكهتها الاسكاتولوجية التي ارتبطت بنص مرقس ارتباطاً جوهرياً، واتخذت معنى آخر. صار "الثبات" شكلاً من أشكال المثابرة التي تتطلّبها محنُ الحياة المسيحية. في هذا المعنى أدخل لوقا الفكرة في تفسيره لمثل الزارع: يختلف المسيحيون الحقيقيون عن المؤمنين السطحيين الذين يتراخون ويتراجعون ساعة الشدة (8: 13). لقد سمعوا الكلمة "بقلب طيِّع مطيع، فحفظوها واثمروا بثباتهم" (8: 15).
من الواضح أن هذا النوع من المثابرة يهمّ لوقا. لهذا نراه يعود إليه مراراً في سفر الأعمال. يبيّن لنا كيف يحرِّض برنابا مسيحيّي أنطاكية "ليبقوا متعلقين (بروسمينو، ثابتين) بالرب بكل قلوبهم" (أع 11: 23). وفي أنطاكية بسيدية، يدعو بولس وبرنابا المرتدين الجدد "ليبقوا متعلّقين (ثابتين) بنعمة الله" (أع 13: 43). وفي نهاية رحلتهما الرسولية، "كانا يشدّدان عزائم التلاميذ ويحرّضانهم على الثبات (التعلّق، امينو) في الإيمان ويقولان لهم: لا بد من أن نجتاز كثيراً من المضايق لندخل ملكوت الله" (أع 14: 22).
فالثبات (هيبوموني) الذي تتحدّث عنه 21: 19، لا يختلف عن هذه الشجاعة في التعلّق بالإيمان. فهو الذي يتيح للحياة المسيحيّة أن تثمر (8: 15). إنه يؤمِّن خلاص النفسي (21: 19) والدخول إلى الملكوت (أع 14: 22).
الثبات هو هذا النوع من الأمانة الذي تتطلّبه مصاعبُ الحياة التي تجعل المثابرة على المحكّ. إنه ضروري في كل وقت، وبصورة خاصة في وقت التجربة: حينئذٍ يجب أن نكون مستعدين لأن نخسر حياتنا حتى نخلّصها حقاً (17: 33). ثم إن هذا الثبات يستند إلى مواعيد يسوع لتلاميذه بحماية الله وعونه. وهكذا يصبح شكلاً من أشكال الثقة بالله الذي لا يتخلىّ عن أحبّائه في صعوباتهم.

الفصل الخامس عشر
خراب أورشليم
21: 20- 24

بعد الكشف عن عداوة السلطات اليهودية ليسوع، وضُح كل الوضوح أنهم لن يرجعوا إلى الله ولن يتعرّفوا إلى مسيحه. لهذا ستكون آخرة الشعب ورؤسائه ومدينته الخراب والدمار. هذا ما ينبِّههم إليه يسوع في هذه الخطبة الطويلة التي تعني في مستوى أول دمار أورشليم وما يسبق هذا الدمار من أحداث. وفي مستوى ثانٍ، الأمور الأخيرة. قدّم متّى ومرقس المضايق الأخيرة في أسلوب جلياني. أما لوقا فأعلن خراب أورشليم ورأى في هذا الخراب إعلاناً عن دينونة الله الأخيرة. قال يسوع في 19: 24: "لو عرفتِ في ذلك اليوم، ولكنه خفيَ عن عينيك". وكانت إشارة أولى عما سيصيب أورشليم: "يحيط بك أعداؤك بالمتاريس، ويحاصرونك، ويطبقون عليك من كل جهة، ويهدمونك على أبنائك" (آ 43- 44).
1- نظرة عامة
نحن هنا في ما يُسمَّى "الرؤيا الكبيرة" التي تتميّز عن "الرؤيا الصغيرة" (ف 17). إنطلقت خطبة يسوع هذه من سؤال عن حجارة الهيكل الذي هو مسكن حضور الله. فأعلن يسوع دماره (آ 6)، بحيث نتساءل: أين سيقيم الله في تاريخنا؟
أول ما عمله لوقا في ف 21 هو أنه كيّف الخبر المرقسي (ف 13) لقرّائه الهلينيين. تحدّث مر 13: 7 (رج مت 24: 6- 14) عن "النهاية" (تالوس) التي تعني بالنسبة إلى اليهودي تتمّة مخطّط الله. أما بالنسبة إلى اليوناني فهي تدلّ على الخاتمة، على ما ليس "الآن". إذن، ليست جديرة بأن أهتمّ بها في حياتي.
تحدّث لوقا عمّا سيحصل قريباً (آ 9). لا شكّ في أن مصير ابن الإنسان هو الكلمة الأخيرة في تاريخنا، ولكن هذا المصير هو حاضر اليوم في كل أحداث حياتنا.
عند مر 13: 3 ألقى يسوع هذه الخطبة على تلاميذه، على جبل الزيتون، وبعد أن ترك الهيكل (13: 1؛ رج مت 24: 1- 3). أما لوقا فلا يحدّد موقع تعليم يسوع، بل إن الخاتمة (آ 37- 38) تجعلنا نفترض أنه ما زال في الهيكل، وأنه توجّه بكلامه إلى الشعب (20: 45؛ 21: 38). 
يبدو نصّ مر 13 بشكل تصالب مبني بناء محاكماً. أما مت 24- 25 فصوّر "عودة (مجيء، باروسيا) ابن الإنسان، وتتمّة الدهر" (24: 1- 36) قبل أن يتوسّع في موضوع التزام الإنسان بالسهر والامانة (24: 37- 25: 30). وأخيراً أرانا ابن الإنسان يدين الأمم (25: 31- 46). أما عند لوقا، فترتيب الخطبة يبدو بسيطاً. إن آ 5- 7 تطرح سؤالين (رج مر 13: 4؛ مت 24: 3): متى؟ ما هي العلامة؟ وتوضح آ 8- 9 الزمن الذي به ترتبط الأحداث التي تتكلّم عنها الخطبة. تصوّر آ 10- 26 الإطار الكوني، وداخل هذا الإطار مصير أورشليم ودمارها (آ 20- 24).
المقدمة (آ 8- 9) تشكّل تحذيراً من المسحاء الكذبة (توداس، يهوذا الجليلي، أع 5: 36- 37). ويأتي إطار الخطبة (آ 10- 11) في وجهه الكوني، وزمن الاضطهاد (آ 12: 19) كما نراه في أع. غير أن هذا الاضطهاد لا يصل بنا إلى الحائط المسدود، ولا يجعل مخطّط الله ورحمته يؤولان إلى الفشل. ومع هذا الاضطهاد هناك شهادة يؤدّيها التلاميذ مع الروح القدس. وينتهي كل هذا بنداء إلى الثقة: "شعرة واحدة من رؤوسكم لا تهلك". وبنداء إلى الثبات المرتكز على أناة الله: "بثباتكم تقتنون نفوسكم" (آ 19).
2- دمار أورشليم
ونصل إلى رؤية دمار أورشليم التي تبدو في موازاة مع مصير التلاميذ. قام لوقا هنا بعمل أصيل: إستلهم المضايق الاسكاتولوجية التي صوّرها مر 13: 14- 20 ومت 24: 15- 22، وجعل نصب عينيه سقوط أورشليم في قبضة جيش تيطس. كان تعبير "رجاسة الخراب" في دا 9: 27 (رج دا 11: 31؛ 12: 11) يدلّ على صنم مهين وُضع في الهيكل. صار في مر 13: 14 ومت 24: 15 رمزاً إلى الجحود في قلب الموضع المقدس. ولكنه زال من النص اللوقاوي. و"الخراب" هنا هو دمار المدينة (رج 13: 35؛ 19: 43- 44). ومجيء الجيوش الرومانية يدلّ على فراغ أورشليم وهجرة السكان نحو جبال اليهودية وأريافها، وربّما نحو بلاّ في الشمال.
وهناك أمر له معناه. ألغى لوقا الآيات التي تتحدّث عن الهرب بعجل (رج مر 13: 15- 16؛ مت 24: 17- 18) التي تعود إلى الرؤيا اليهودية وتعبرّ عن رفض التعاهد مع قوى الشّر. ولكنه استعاد جوهر هذه الآيات في "الرؤيا الصغرى" التي تعني مصير كل واحد منا (17: 31: من كان على السطح، من كان في الحقل). وأشار الإنجيلي إلى أن دمار أورشليم "يُتمّ" كل ما كُتب (تث 32: 35؛ يوم النقمة؛ إر 46: 10؛ رج هو 9: 7؛ إر 5: 29؛ 6: 2- 6؛ م ي 3: 12). وهكذا أدخل الحدث التاريخي في نحطط الله حسب رسمة معروفة: الوعد/ تتميم الوعد. وفي الوقت عينه دلّ على أن الحدث لم يعد منذ الآن منفصلاً عن موت يسوع الذي يتمّ الكتب.
ويتواصل عمل لو فيلغي التلميح إلى الخليقة التي استلهمها دا 12: 1 (مر 13: 19؛ مت 24: 21: منذ بدء الخليقة التي خلقها الله). ولكنه يستعيد الرثاء على النساء الحوامل والأمهات الصبايا، فيقدّم لنا صورة الحياة في آفاق الموت. ويأتي "ضيق" (أنانكي= ضرورة، ضرر) عظيم فيملأ الأرض. وينصبّ "الغضب" على هذا الشعب، على كل شعب إسرائيل بدون تمييز. ما يسبّب هذا "الغضب" أناس يحاصرون أورشليم، كما يضايقون شهود الملكوت. ويدلّ سقوط أورشليم على القتل والسلب واستعباد المدينة المقدسة. بهذه الصور المأخوذة من الأنبياء (إر 20: 4؛ 21: 7؛ دا 8: 13؛ زك 12: 3؛ مي 4: 11)، يجعلنا لوقا نكتشف كيف صارت أورشليم (الخربة) وسط الأمم، علامة ويقيناً وشهادة، لا عن غضب الله على هذا الشعب، بل عن عمله الخلاصي الذي يصل إلى المؤمن في قلب الاضطهاد والضيق (رج أع 14: 22).
ويذكر نصّ لوقا ثلاث مرات "الأمم" (اتني). فموت يسوع يفتتح هذه الحقبة السّرية التي اسمها "أزمنة الأمم". ماذا تعني هذه العبارة؟ تعني زمن العنف الذي يمارسه المجتاح، أو بالأحرى زمن الرجاء، بكلمة النعمة التي تقدّم لكل إنسان (رج أع 28: 28- 31) في حريّة الروح القدس. غير أن الإنسان لا يقدر أن يعرف متى يكون هذا الزمن. إنه على كل حال زمن مفتوح، لأن "التتمّة" التي تتحدّث عنها آ 24 لا تدلّ على "نهاية"، بقدر ما تدلّ على دينامية تُدخل في ذاتها كلَّ مدى تاريخنا.
المدينة المقدسة هي نموذج عن تاريخنا في لو. ودمار أورشليم يرتبط بموت مرسل الله. غير أن هذا المرسل سيغفر لجلاّديه ضد ساعة موته، ويحمل معه اللصّ إلى الفردوس. إن ابن الإنسان "الذي يمضى بحسب ما هو مقرّر" (22: 22)، هو عبد الله الذي يحمل معه البركة (أع 3: 36). لا شكّ في أن مصير أورشليم مريع جداً. ولكنه ليس عقاباً عقيماً. إنه علامة خلاص تنير في الآتي من الأزمنة، كل ضيق نعيشه في حياتنا. وبما أن لوقا يتحدّث عن "شعب" يمرّ في "الغضب"، فهذا يعني أنه يستبعد اللعنة والرذل والعقاب النهائي. فالشعب في لوقا يختلف عن رؤسائه المعارضين ليسوع. الشعب يطلب رضى "معلّم الجليل". نقرأ في 21: 38: "وكان الشعب جميعاً يبكّرون إليه في الهيكل (يقومون في الصباح الباكر ويأتون إليه) ليسمعوه بلا انقطاع". ومع ذلك، يبقى أن هذا "الشعب" سيمرّ في ضيق عظيم خلال دمار المدينة المقدسة، وهذا الضيق سيكون علامة للجميع. إذا كانت المدينة المقدسة التي بكى عليها يسوع لأنها عزيزة على قلبه، ستدمّر، فهل يفلت واقع حياتنا من هذا المصير؟
3- قراءة تفصيلية
أ- أورشليم أحاط بها الجنود (آ 20- 21)
يتحدّث النصّ عن "المخيّم" (ستراتوبادون). عن الجيوش التي تحيط بأورشليم. نشير هنا إلى أن لوقا يستعمل لفظة "ياروسليم". رج 2: 22؛ 10: 30. "الخراب اقترب". الخراب (اراموسيس) كلمة أخذها لوقا عن مر 13: 14 (رجاسة الخراب). عاد الإنجيلي إلى السبعينية كما في دا 12: 11: "من وقت إزالة المحرقة الدائمة وإقامة رجاسة الخراب". سوف تتوقّف شعائر العبادة في الهيكل في أيام أنطيوخس الرابع، من سنة 167 إلى سنة 164 ق. م. (دا 9: 27؛ 11: 31). لا سنة 167، سيكرّس الهيكل لعبادة زوش، إله اليونان، وهذا ما يدلّ على رجاسة الخراب. فلفظة "خراب" هي في العبرية: ش م م. وهي تقابل: "بعل ش م م" أي بعل السماء الذي هو زوش، إله السماء. وهكذا تعني العبارة: رجاسة زوش، بعل السماء، تجاه قداسة الرب الإله (رج دا 8: 13). أجل، إن هذه الرجاسة (تمثال زوش) حملت الدمار إلى البلاد (رج 1 مك 1: 54؛ 1 مك 6: 2). أما الرجاسة الجديدة التي يتحدّث عنها لوقا فهي الجيوش التي تحيط بالمدينة (19: 43) وتدلّ على أن النهاية صارت قريبة (21: 9). وهكذا يصحّح يسوع ما أعلنه الأنبياء الكذبة "أن الزمان قريب". فقال: إن دمار أورشليم صار قريباً. هنا نتذكّر ما قاله في 13: 35 عن "البيت المتروك" (المهجور). أجل، سيُهجر الهيكل ويُدمّر، وكذا يصير بالمدينة المقدسة.
"فالذين في اليهودية" (آ ا 2). ليهربوا. هذا ما قاله مر في 13: 14 ب. إلى أين يهربون؟ إلى الجبال التي تحيط بأورشليم من الشرق والشمال والجنوب. هل هذا التفصيل هو صدى لهرب الشعب كما حصل حقاً سنة 70؟ هذا ما يقوله الشّراح. فلوقا قد كتب هذا الفصل على ضوء ما حدث ساعة حاصرت الجيوش الرومانية أورشليم. هنا يقول اوسابيوس في التاريخ الكنسي: "إن شعب الكنيسة في أورشليم تلقّى أمراً من خلال قوله نبوي قبل الحرب: الذين هم في المدينة، عليهم أن يهربوا ويقيموا في مدن بيريه المسماة بلا". هل عرف لوقا بهذا القول؟ هذا ما لا نستطيع أن نؤكّده.
"اليهودية". هي المنطقة المحيطة بأورشليم (1: 5). يجب أن يهربوا ولا يعودوا. والذين في الريف، لا يحاولوا أن يدخلوا المدينة كما اعتاد الناس أن يفعلوا حين يأتي العدوّ. هذا يعني أن المدينة سوف تسقط.
ب- أيام انتقام (آ 22- 23)
نحن أمام تلميح إلى هو 9: 7: "جاءت أيام العقاب" (أو: الافتقاد). أما في السبعينية فنقرأ: "جاءت أيام الانتقام". إن هوشع يبكي إسرائيل الذي رذل الرب ولم يتنبَّه إلى نبته. لهذا سيأتي الافتقاد: العقاب، الانتقام. أدخل لوقا هذا التفصيل في الشكل المرقسي للخطبة عائداً إلى اللوقاويات (أمور خاصّة بلوقا). غير أن لوقا لا يشرح في أي معنى يكون دمار أورشليم "انتقاماً". ما هو سبب هذا الانتقام؟ نتذكّر هنا 18: 7: الله ينصف مختاريه (مز 44: 24- 25؛ زك 1: 12: ماذا ينتظر ليفعل؟)، ولا سيّما المسيحيين الذين يرون أن مجيئه قد تأخّر (2 بط 3: 9: الرب لا يؤخّر تمام وعده، رؤ 6: 9- 11). نجد عبارات عن انتقام الله في تث 32: 35 إلى الانتقام والجزاء)؛ إر 46: 10 (يوم انتقام من أعدائه). نحن هنا أمام عقاب الخطأة. وخطيئة أورشليم كبيرة بعد أن قتلت ربهّا.
"يتمّ جميع ما هو مكتوب". أي: الكتب المقدسة التي تدلّ على إرادة الله ومخطّطه الخلاصي. رج 18: 31: "يتمّ كل ما كتبه الأنبياء في ابن الإنسان"؛ 20: 17... كل ما كُتب لا ينحصر في ثلاثة مقاطع تلمِّح إليها آ 14. نجد هنا لفظة "كل" كما في 3: 16؛ 4: 15؛ 9: 1. نحن نجد أقوالاً عن دمار أورشليم في مي 3: 12: "لذلك ستُفلح صهيون بسبب أعمالكم كحقل، فتصير أورشليم خراباً وجبل بيت الرب وعراً". هي المرة الأولى فيها يدوّي إعلان دمار أورشليم، مدينة ومعبداً، بشكل جذري. وسيكون لهذا القول النبوي من الوقع، بحيث يتذكّره الناس بعد مئة سنة (إر 26: 18: تنبّأ ميخا المورشتي).
وفي إر 6: 1- 8 نقرأ أيضاً عن حصار أورشليم: "أهربوا يا بني بنيامين من أورشليم. من الشمال لاح شرّ عظيم يدمّر صهيون الجميلة المترفة... إقطعوا الأشجار وانصبوا على أورشليم مترسة". وفي 26: 1- 9 نسمع كلام إرميا حول دمار الهيكل والمدينة (الهيكل مثل شيلو والمدينة تصير خراباً بلا سكان) ومحاكمة الشعب بسبب أقواله. إن خراب المدينة يعني "نهاية" تاريخ الله الخلاصي. كانت في الماضي المدينة التي فيها تقرّر مصير يسوع، والموضع الذي فيه تمّ الخلاص، والمكان الذي منه انطلقت كلمة الله فوصلت إلى أقاصي الأرض. ولكن كل هذا وصل إلى "نهايته". ولقد "تمّ" كل شيء. 
"الويل للحبالى" (آ 23). لسنا هنا أمام لعنة وحكم لا رجوع عنه، بل أمام بكاء وتشك. أمام تهديد هو في الوقت عنيه دعوة إلى التوبة (10: 13؛ 11: 42- 52؛ 21: 23؛ 22: 22؛ وخصوصاً 6: 24- 26؛ ويل لكم أيها الأغنياء). "الحبالى". نحن أمام تعبير مأخوذ من السبعينية: ويل للواتي يحملن ولداً في أحشائهن (رج السبعينية في تك 16: 4، 5، 11؛ 38: 24- 25؛ قض 13: 3، 5؛ 27 صم 11: 5). بل للواتي يرضعن (تك 21: 7). إنهن سيرون بؤس أطفالهنّ.
في هذه الآية تبع لوقا مر 13: 17 ولكنه ألغى 13: 18 التي تشير إلى إمكانية دمار أورشليم في الشتاء (صلّوا لئلاّ يكون هربكم في الشتاء. حرفيّاً: لئلا يكون هذا. قد يكون: هذا الخراب في الشتاء). هذا يعني أن مرقس كتب إنجيله قبل أحداث سنة 70. أما لوقا فكيّف كلامه مع الأحداث التي عرفها وكتب بعد حدوثها بخمس عشرة سنة تقريباً. نشير هنا إلى أن حصار المدينة امتد من نيسان حتى نهاية آب سنة 70. وهكذا تكون الأحداث قد تمّت خلال الصيف. إن لوقا يعيد قراءة أحداث الماضي على ضوء مر 13: 14- 18 كما على ضوء أسفار العهد القديم.
"في تلك الأيام" (1: 39؛ 4: 2). هي أيام الانتقام كما قالت آ 22. يكون ضيق. على هذه الأرض، هذه البلاد، أورشليم وبلاد اليهودية كلها. ترك لوقا في آ 23 نصّ مر 13: 19 الذي يعود إلى دا 12: 1، فدلّ على أنه يتطلّع إلى مصير أورشليم على ضوء كلام الأنبياء وخصوصاً دانيال، لا على ضوء الواقع الذي تمّ سنة 70. أما لوقا فألّف بنفسه آ 23 منطلقاً من الحدث الذي عرفه اليهود.
"سخط (غضب) على هذا الشعب". الغضب يدلّ على ردّة فعل الله القدوس تجاه الخطيئة (أش 30: 27- 33). هذا لا يعني أنه يغضب على الخاطئ، وهو لا يزال يعامله بالرحمة. بل هو يرفض الخطيئة التي هي شرّ يدمّر الإنسان والكون.
ج- يسقطون بحدّ السيف (آ 24)
يعود النصّ هنا إلى سي 28: 18: "كثيرون سقطوا بحدّ السيف، وأكثر منهم بحدّ اللسان". فيدلّ على شرّ الافتراء. أما لوقا فيأخذ القسم الأول من الآية، ويطبّقها على وضع أورشليم ساعة سقوطها. "يُسبون إلى جميع الأمم". نجد هنا تلميحاً إلى تث 28: 64 الذي نقرأه كما يلي في اليونانية: "يشتّتكم الله وسط الأمم". هو موسى يوجّه كلامه إلى العبرانيين فيباركهم أو يهدّدهم باللعنة. أما في السياق اللوقاوي، فالسبب يعود إلى ما فعله الرومان. لقد أقحم لوقا هذه الآية (أخذها من اللوقاويات) ليشدّد على مصير اليهود في أورشليم. رج حز 30: 3؛ 32: 9؛ إر 21: 7، عز 9: 7.
"تدوس الأمم أورشليم". يعود النصّ هنا إلى زك 12: 3 الذي يرد كما في السبعينية: "ويكون في ذلك اليوم أني أجعل أورشليم حجراً تدوسه جميع الأمم" (في العبرية: أجعل أورشليم حجراً ثقيلاً لجميع الأمم). هذه العبارة هي جزء من قول زكريا ضد أورشليم التي تحتاج إلى أن تُشفى من خطيئتها وعدم إيمانها. لن تستطيع أن تحتملها أية أمّة. تبع لوقا النصّ اليوناني. رج دا 8: 13، رؤ 11: 2. أما لفظة "اتني" بمعنى الأمم الوثنية، فنجدها في لو 12: 30 (يطلبها الأمم).
"إلى أن تتمّ أزمنة الأمم". أي: حتى يكون وقت انتصار الرومان كاملاً. حين تأتي "نهاية" أورشليم، يكون زمن الوثنيين قد انتهى. هذا يعنى الزمن الذي بعد سنة 70، حين تعود أورشليم واليهودية من جديد إلى الخضوع لرومة بعد ثورة اليهود الفاشلة.
لا يوافق لوقا مرقس عندما يلاحظ أن الرب قصّر هذه الأيام "من أجل المختارين" (مر 12: 20). بل هو يبرز مدى "زمن الانتقام". ولكن حتى زمن الوثنيين سيفتح الطريق لمجيء ابن الإنسان. رج دا 2: 44- 45؛ 7: 18، 21- 27.
4- الرب يدين أورشليم
تابع يسوع خطبته الاسكاتولوجية، فتوجّه نحو مدينة أورشليم نفسها وأنبأ بدمارها وزوالها. صورة مؤلمة تبدو أمامنا. عاد بها لوقا إلى مر 13: 14- 20 (كما 24: 15- 22).
تتضمّن هذه الآيات أقوالاً نبويّة ليسوع. هناك المستوى الذي قالها فيه يسوع، وهناك مستوى التدوين اللوقاوي الذي أعاد قراءة كلمات يسرع على ضوء ما حصل سنة 70 واجتياح الجيوش الرومانية لأورشليم.
عاد يسوع الآن إلى "النهاية" (21: 9)، وأنبأ كيف ستكون أورشليم محاصرة بواسطة الجيوش، وهذا ما يدلّ على خراب المدينة المقدسة. لا نجاة للذين في داخلها (آ 22). سيأتي "يوم الانتقام" فيغذّي التفسير عن النهاية. هكذا يكشف لماذا يجب على أهل أورشليم أن يهربوا من المدينة، لا أن يهربوا إليها. وأعلن يسوع أيضاً، في جوّ جلياني، أن الضيق سيحلّ بالنساء سواء كنّ حوامل أم مرضعات.
وعبارة "في ذلك الوقت" (في تلك الأيام) تفهمنا الإشارة التاريخية التي يتحدّث يسوع عنها. وحتى استعمال مرقس لذات العبارة، يجب أن يُفهم عن الكارثة التي ستحلّ بأورشليم. عظيماً سيكون الضيق الذي يحلّ بهذه الأرض (البلاد) والسخط الذي يصيب هذا الشعب (آ 23 ب). لا يفسّر الضيق ولا يفسّر السخط: نستطيع فقط أن نتوسّع بشكل نظري في ظهورهما الملموس.
غير أن قارئ إنجيل لوقا يستطيع أن يردّد كلمات سمعان الشيخ في أخبار الطفولة "عن سقوط عدد كبير في إسرائيل" (2: 34). أو ردّة فعل أبناء مدينة يسوع (4: 29). أو كلمات يسوع نفسه عن أورشليم التي تقتل المرسلين إليها (13: 34). عاد لوقا إلى العهد القديم (سي 28: 18؛ تث 28: 64)، فأنبأ أن سكان أورشليم سيصيبهم السيف أو السبي إلى أراضٍ غريبة. بالإضافة إلى ذلك ستدوس الأمم الوثنية أورشليم وتسيطر عليها سيطرة كاملة بعد أن تعمل فيها ذبحاَ وتقتيلاً.
حين نقرأ نسخة لوقا لأقوال يسوع عن دمار أورشليم، نلاحظ أن لوقا ألغى عبارة "رجاسة الخراب"، وتوقّف عند "دمار" أورشليم. أحلّ محلّ هذه الصورة الآتية من دانيال، صورة أورشليم تحيط بها الجنود، ويُقتل أبناؤها، ويذهب بهم إلى السبي، وتداس أرضها، فتأثّر بالأحداث التاريخية المرتبطة بدمار أورشليم سنة 70 ب. م. لم يقرأ لوقا ما كتبه المؤرّخ اليهودي يوسيفوس، مع أننا نستطيع أن نستفيد من تفاصيل يوسيفوس لكي نستوضح الخبر اللوقاوي. ولكنه لوّن أقوال يسوع النبويّة بعبارات أخذها من العهد القديم.
صوّر يوسيفوس جيوش تيطس الرومانية تحيط بالمدينة، واستعمل لفظة "ستراتوبادون" التي استعملها لو 21: 20. وأحصى يهود أورشليم واليهودية الذين سقطوا بحدّ السيف (1.100.000). أما الذين أخذوا كأسرى ليكونوا في ركاب تيطس حين يدخل ظافراً إلى رومة فبلغ: 97000. وإذا أردنا أن نتصوّر "ويل" يسوع للنساء مع أولادهن، نشير إلى خبر رواه يوسيفوس: إن امرأة من بيريه، إسمها مريم، كانت بين اليهود الذين يموتون جوعاً. أخذت ابنها عن صدرها وذبحته وهيّات لها طعاماً (رج 2 مل 6: 24- 31). وسيتحدّث تاقيتس عن أورشليم المدمّرة التي عاد إليها تيطس فيما بعد، وأخذ يسير وسط الخرائب.
في هذا النصّ كما في 19: 41- 44، إعتبر بعض الشراح أن لوقا يرتبط بصورة دمار أورشليم على يد نبوكد نصر في نهاية القرن السادس ق. م.، لا بما فعله تيطس سنة 70 ب. م. هذا ما لا شكّ فيه على مستوى الأسلوب واللغة اللذين استقاهما لوقا من الترجمة السبعينية. ولكن يبقى السؤال: لماذا أحلّ هذه العودة الخفيّة إلى دمار أورشليم في زمن الرومان محلّ "رجاسة الخراب"؟ إن لوقا لم يذكر الرومان، كما أن مرقس لم يذكر انطيوخس الرابع ولا الرومان. بل اكتفى بالقول: "ليفهم القارئ". فمع أن لوقا لم يتبع مرقس في هذا "التنبيه"، فهو يعلم، وهو من يكتب بعد الحدث، أنه سيفهم حقاً من قبل قارئيه.
لا أحد يعارض أن لوقا لوّن كلمات يسوع حول دمار أورشليم الآتي بتلميحات إلى العهد القديم. وإذ فعل ما فعل، أراد أن يجعل من دمار أورشليم حدثاً في تاريخ الخلاص. "والنهاية" في آ 9 ترى الآن كـ "زمن الانتقام" حين "يتمّ" جميع ما هو مكتوب (آ 22). "كل ما هو مكتوب" يعود إلى تلميحات أربعة من العهد القديم ذكرناها وهي: هو 9: 7 في آ 22؛ سي 28: 18؛ تث 28: 64 في آ 24 أب؛ زك 12: 13 في آ 24 ج.
بالإضافة إلى ذلك، لا تُفهم كلمات يسوع على أورشليم فقط كأقوال نبوية ضدّ أورشليم (مي 3: 12؛ إر 7: 1- 14؛ 22: 5)، بل كأقوال ضدّ مدن الجليل (بيت صيدا وكورزين) (10: 13- 15) حيث أعلنت الدينونة الأسكاتولوجية.
ويبقى أنّ ما قاله يسوع عن دمار أورشليم الآتي، يشكّل أساساً لتوسّع كبر، لأن هذه المقطوعة أوصلت القسم الأول من خطبة يسوع إلى نهايتها. وها هو يسوع سيشرع بالكلام عمّا سيحدث للعالم كله.
خاتمة
إن خبر الدينونة الذي افتقد الشعب اليهودي (والهيكل) بعد أن رذلوا المسيح، قد دُوّن بشكل تحذير إلى جميع الأمم، كما إلى جميع الأفراد الذين يتمرّدون على الله فيرفضون الإيمان بابنه يسوع.
الفصل السادس عشر
مجيء ابن الانسان
21: 25- 28، 34- 36

أخذ هذا النص من خطبة يسوع حول نهاية العالم، وهو يتوقّف عند القطع الثلاث الأخيرة: مجيء ابن الإنسان (آ 25- 27)، التأكد من أنه يجيء (آ 28- 33)، تحريض على السهر (آ 34- 36).
نجد في خطبة يسوع هذه صعوبات جمّة. أولاً بموضوعها الذي هو سرّ نهاية التاريخ. ثانياً بميزاتها الأدبية: أسلوب الرؤى اليهودية. ثالثاً باختلافات مع متّى ومرقس، وهذا ما يدلّ على أن التقليد أعاد قراءة كلمات يسوع وصياغتها.
إذن، قبل أن نفسّر هذه الصفحة من إنجيل لوقا، نتوقّف عند الميزات الأدبيّة لخطبة يسوع.
1- خطبة يسوع عن نهاية العالم
أ- أنبياء ورؤى يهودية
إن خطبة يسوع عن نهاية العالم (أو: الخطبة الاسكاتولوجية) ترتبط بفنّ أدبي هو الفن الجلياني (نجده في أسفار الرؤى عند اليهود). هذا الفن الذي دشَّنته التوراة قبل المسيح بمئتي سنة في سفر دانيال، يتمثّل في العالم اليهودي السابق ليسوع في عدد كبير من المؤلفات: سفر أخنوخ، انتقال موسى، أسرار أخنوخ، رؤى إيليا وصفنيا وابراهيم. وستؤلَّف رؤيا عزرا ورؤيا باروك بعد دمار أورشليم سنة 70.
إرتسمت الخطوط الأولى لهذا الفن الأدبي لدى الأنبياء المتأخرين في العهد القديم: حز 40- 48؛ أش 24- 27؛ 34- 35؛ زك 9- 14. ويتميَّز هذا الفن الجلياني عن الفن النبوي بما يلي:
- طابع الكتابة والتقنية. يعظ النبي كل يوم بيومه، وكتابه هو مجموعة خطبه التي كانت مبعثرة ربما في ذاكرة سامعيه. أما الرؤيا فهي مؤلَّف مكتوب دوّن حسب اصطلاحات أدبية أخذ بها كتَّاب الرؤى.
- طابع الاغفال. يقدم النبي نفسه ويكلّم شعبه بدون التباس ويعتبر نفسه مسؤولاً عما يقوله. أما الرؤيا فهي مغفلة. تُنسب إلى شخص عظيم عاش في الماضي (أخنوخ، دانيال، موسى، عزرا...)، وسلطته تسند التعليم الذي يقدّمه هذا الكاتب الذي أخفى اسمه.
- الهدف هو إعلان نهاية الأزمنة. لا شكّ في أن الأنبياء أعلنوا مراراً دينونة الله، ولكنهم لم يطيلوا كلامهم في تصويرها. فاهتمامهم ينصبُّ على الحاضر وفيه يطلبون إيمان سامعيهم وارتدادهم إلى الله. أما الرؤى فكُتبت دائماً خلال الأزمات، فوجّهت انتباهنا نحو المستقبل حيث ننتظر دينونة الأبرار والأشرار، حيث ننتظر الخلاص. وتصوِّر الرؤى تصويراً مفصلاً الأحداث الاسكاتولوجية التي تسند أمل الشعب المختار.
حين سأل تلاميذ يسوع معلّمهم عن نهاية الأزمنة، استعمل لغة الرؤى وأساليبها لكي يجيبهم. ولكننا نلاحظ أنه يبتعد عنها في نقطتين هامتين. الأولى: إنه يتكلّم باسمه الشخصي ويستند إلى سلطته الخاصة فلا يحتاج أن يتخفّى وراء شخص عظيم عاش في الماضي. الثانية: إنه لا يهتم بتصوير المستقبل بقدر ما يهتمّ بالموقف الذي يتَّخذه المؤمنون. في هاتين النقطتين يبدو يسوع أقرب إلى الأنبياء منه إلى الرؤى. وهذا التشابه الأدبي يبيّن أن رسالته قريبة من هؤلاء الملهمين العظام في العهد القديم.
ب- التقاليد المتوازية يا الأناجيل الازائية
في يدنا ثلاث نسخ لخطبة يسوع الاسكاتولوجية: خطبة مرقس (ف 13)، خطبة متّى (24- 25)، وخطبة لوقا (ف 21). يتوافق الانجيليون الثلاثة في وضع هذه الخطبة قبل الآلام حالاً، واعتبارها تعليم يسوع الأخير. هذا يعني أن الخطبة تعود إلى التقليد المشترك، بل إلى أقدم ما في التقليد الانجيلي. 
يتَّفق الإزائيون الثلاثة على مناسبة الخطبة: أنبأ يسوع بدمار الهيكل، فطرح التلاميذ سؤالاً عن وقت نهاية الأزمنة وعلامتها (مر 13: 1- 4 وز).
ولكننا نكتشف عدّة اختلافات تفصيلية بين الإنجيليين الثلاثة: حدّد متّى ومرقس الحدث على جبل الزيتون، وجعلا الخطبة تتوجّه إلى بعض التلاميذ. أما لوقا فيجعلها في الهيكل ويوجّهها ظاهرياً إلى الجمع كلّه: لقد أرادها إعلاناً عاماً لدمار أورشليم عقاباً لها على رفض يسوع (19: 42- 44: 23: 28- 31). حدّد مرقس (آ 3) اسم التلاميذ الذين طرحوا السؤال. وأشار متّى (آ 3) بوضوح إلى مجيء المسيح ونهاية العالم... ولكن اتفق الإنجيليون الثلاثة على الجوهر الذي وجدوه في المرجع المشترك الذي استقوا منه: أعلن يسوع دمار الهيكل. ربط التلاميذ هذا الإعلان بإعلان نهاية العالم. فسألوا معلمهم: متى يتمّ هذا الحدث وما هي علامته؟
ان الخطبة الاسكاتولوجية التي تشكّل جواب يسوع، ترد في نصوص متوازية عند متّى ومرقس ولوقا. ولكن الاختلافات بين هذا النص وذاك تفرض علينا أن نتفحّص هذه الخطب الثلاث على التوالي.
أولاً: نص مرقس (13: 5- 37)
يمكننا أن نقسمه إلى مقاطع مختلفة.
* المقطع الأول (آ 5- 8): "بداية الأوجاع". نجد فيه نوعين من العلامات البعيدة التي تدلّ على النهاية: كرازة المعلمين الكذبة (آ 5- 6)، العلامات المعروفة في أسفار الرؤى اليهودية (آ 7- 8).
* المقطع الثاني (آ 9- 13): اضطهاد التلاميذ. هو العلامة المسيحية الخاصة عن مجيء ملكوت الله. كما دخل يسوع إلى المجد بالصليب، هكذا يدخل التلاميذ إلى الملكوت بشهادة الدم.
* المقطع الثالث (آ 14- 23): الضيق العظيم. هذا المقطع هو امتداد للصورة السابقة عن الاضطهاد في أسلوب جلياني خاص. ان آ 14 و19 تلمّحان إلى دا 9: 27 و12: 1 اللتين ترمزان إلى الاضطهاد الاسكاتولوجي، في نهاية الأزمنة.
* المقطع الرابع (آ 24- 27): مجيء ابن الإنسان ليجمع مختاريه. يستقي هذا المقطع تفاصيله من لوحات الدينونة في أش 13: 10؛ 34: 4؛ دا 7: 13- 14. وما نلاحظه هو أن هذا المشهد يتحدّث فقط عن خلاص المؤمنين ولا يقول كلمة في القيامة والدينونة اللتين يفترضهما بالضرورة.
* المقطع الخامس (آ 28- 32): العلامات والساعة: يقين الخلاص، جهل للزمن الذي فيه يتحقّق.
* المقطع السادس (آ 33- 37): مثَل يدعونا إلى السهر.
وهكذا تكون خطبة مرقس في أساسها إعلاناً للخلاص وإشارة إلى الشرط للحصول على هذا الخلاص: شهادة المؤمن في زمن الاضطهاد.
ثانياً: نص متّى (24- 25)
يتضمّن قسمين أدبيين جد مختلفين.
* القسم الأول (24: 4- 36). يتبع عن قرب تصميم مر 13: 5- 32، ويبتعد عنه من وقت إلى آخر ليدخل بعض التفاصيل التحديدية (آ 5، 15، 26- 28، 30- 31)، كما يعالج بطريقة مغايرة اضطهاد التلاميذ في آ 9- 14. أقرب نص مواز لنص مر 13: 9- 17 هو مت 10: 17- 21 الذي قد يكون الأقرب إلى كلمات يسوع في عدّة نقاط. هذا المقطع الذي لم ينتم في الأصل إلى الخطبة الاسكاتولوجية، قد أدخل فيها فيما بعد ليفسر المقطعَ المتحدّث عن الضيق العظيم.
* القسم الثاني (24: 37 ي). أدخل متّى حسب عادته سلسلة من التعاليم الإضافية عن الموقف الذي تتطلبه الدينونة: السهر، الأمانة، المحبة.
مدلولا الخطبة هو هو كما عند مرقس ولكن التطبيقات الإرشادية تبدو أكثر وضوحاً.
ثالثاً: خطبة لو 21: 8- 36.
تتبع مراراً تصميم خطبة مرقس عن قرب. ولكن هناك اختلافات هامة ينسبها بعض الشّراح إلى عمل لوقا الذي فسَّر كلمات يسوع على ضوء أحداث سنة 70 (هذا هو الافتراض الأكثر معقولية)، وينسبها البعض الآخر إلى مراجعه الخاصة. ومهما يكن من أمر هذه المسألة الصعبة، لا بدّ لنا من تحديد فكر لوقا الذي يبدو واضحاً في هذا النص بأقسامه المختلفة. 
- القسم الأول (آ 8- 24): أحداث سابقة لاحظ لوقا أنها تحقّقت.
* المقطع الأول (آ 8- 9): أحداث ستحصل أولاً دون أن يعني هذا أن "الوقت حان": مسحاء كذبة، أخبار حروب وثورات (قد يكون لوقا عرف موت نيرون سنة 68).
* المقطع الثاني (آ 10- 11): سلسلة أخرى من العلامات تتميّز عن السابقة بمقدمة جديدة: "حينئذٍ قال لهم". وهذه السلسلة تعدّد آيات نهاية الأزمنة (رج آ 25- 26). إنها العلامات الاسكاتولوجية المعروفة في الرؤى اليهودية. وهي تتجاوز العلامات السابقة ببُعدها العام ووجهتها الكونية.
* المقطع الثالث (آ 12- 19). يرى لوقا كما يرى مر 13: 9- 13 أن العلامة الكبرى لاقتراب ملكوت الله هي اضطهاد المسيحيين. روى لوقا المشاهد الأولى في سفر الأعمال (4: 1- 21؛ 5: 17- 41...). وعرف، قبل أن يكتب إنجيله، اضطهاد رومة في أيام نيرون. وهكذا نفهم انه شدّد على اقتراب هذه العلامة التي تسبق علامات السماء (آ 12).
* المقطع الرابع (آ 20- 24): دمار أورشليم. هذا المقطع هو أكثر ما في خطبة لوقا ابتكاراً. يستعمل سمات نجدها في مر 13: 14- 20 ومت 24: 15- 22 التي تصور المضايق الاسكاتولوجية، ولكنه يطبِّق هذه السمات على الكارثة التاريخية التي حصلت سنة 70: صوَّر حصار أورشليم على يد الجيوش الرومانية (آ 20). ودعا التلاميذ إلى الهرب من المدينة التي حُكم عليها بالدمار (آ 21- 23 أ). وتطبيق المواد الجليانية على واقع عرفه لوقا، يدلّ على أن هذا الواقع هو في نظره استباق للدينونة الأخيرة. إنه يفتح حقبة جديدة في تاريخ الخلاص (آ 23 ب- 24): بالنسبة إلى إسرائيل، ضيق يعاقب تصلبه في رفض الإنجيل. وبالنسبة إلى الوثنيين مهمة إنجيلية صار "كفر" إسرائيل مناسبة لها (أع 13: 46- 47؛ 28: 25- 28؛ روم 11: 11- 15). وفي نهاية "زمن الأمم" هذا، ما زال لوقا يرجو، شأنه شأن بولس (روم 11: 25- 32)، ارتداد إسرائيل في النهاية (لو 13: 34- 35).
- القسم الثاني (آ 25- 27): مجيء ابن الإنسان. هذا ما نفسّره فيما بعد مع القسمين الثالث والرابع.
- القسم الثالث (آ 28- 33): اليقين بأنه سيأتي.
- القسم الرابع (آ 34- 36): تحريض على السهر.
إن الطابع الأصيل لخطبة لوقا هو أنه حدّد، إنطلاقاً من التاريخ، سلسلة الأحداث القريبة فميَّزها تمييزاً واضحاً عن نهاية الأزمنة.
2- التفسير
أ- مجيء ابن الانسان (آ 25- 27)
عدّدت خطبة لوقا حتى الآن سلسلة من الأحداث القريبة شهدها الإنجيلي (آ 8- 9، 12- 19، 20؛ 24). وفجأة تخلىّ نظره عن الإطار التاريخي ليوجّهه إلى نهاية الأزمنة. إنفصلت هذه النهاية انفصالاً واضحاً عن الحقبة السابقة فدلّت عليها العلامات الكونيّة (آ 25 أ) التي ميّزها لوقا عن العلامات السابقة (آ 10- 11).
وتبدو هذه العلامات الكونيّة في الرؤى كإطار معروف للدينونة الأخيرة. نجدها في اللوحات النبويّة التي ترسم انتصار الرب على "جيش السماء" على آلهة أشور وبابل الكواكبية. يورد مرقس ومتى في هذا المقطع الموازي للوقا، أش 13: 10؛ 34: 4 على خطى يسوع. ولكن لا الانجيليون ولا يسوع يفكرون الآن في حرب الإله الحي ضد الآلهة الوثنية. فهذه الصور التقليدية القديمة تعبّر بصورة بسيطة عن تدخّل الله النهائي في عالم يريد أن يحرّره من الشر (رج روم 8: 19- 22؛ رؤ 21: 1- 8). 
فصّل متّى ومرقس الكوارث الكونيّة على طريقة أسفار الرؤى. أما لوقا فتوقّف بالأحرى عند ردة الفعل عند البشر قبل اقتراب النهاية (آ 25 ب- 26). لقد كان بهذا الشكل قريباً من التوراة ومن فكر يسوع: إن الدراما الاسكاتولوجية هي قبل كل شيء دراما بشرية.
إعتبرت الرؤى اليهودية أن نهاية الأزمنة تتضمّن سلسلة من الأحداث المتشعّبة: القيامة، الدينونة، خلاص المختارين، عقاب الأشرار، إقامة عالم جديد (أورشليم السماوية).
أعلن يسوع هذه الأحداث المختلفة في مقاطع أخرى من الإنجيل. مثلاً، القيامة في مر 12: 25- 27، الدينونة في مت 25: 31- 46؛ خلاص الأبرار وهلاك الأشرار في مت 8: 11- 12. ولكنه كثّف هنا، وهذا ما يشهد له الإزائيون الثلاثة، كثّف كل أحداث نهاية الأزمنة في مجيئه المظفَّر كابن الإنسان (آ 27). سيحدّد متّى ومرقس أنه يأتي ليجمع مختاريه. هذا هو كلام يسوع الأولاني. وزاد متّى عدّة سمات جليانية قد تكون جاءته من مراجع أخرى.
ومجيء ابن الإنسان هذا هو في نظر يسوع الإعلان الجوهري. والدليل على ذلك هو أنه يُذكر مراراً في الأناجيل (مر 8: 38 وز؛ 4 1: 62 وز؛ مت 10: 23؛ 13: 41؛ 19: 28؛ 25: 31؛ لو 12: 8؛ 17: 3؛ 18: 8). وهذا الإعلان يلمّح إلى مشهد القضاء في دا 7: 13- 14 حيث يمثّل ابن الإنسان "شعب قديسي العلي"، بعد أن تولى السلطة السامية في نهاية محنه (دا 7: 18، 22، 27). اتخذ يسوع لقب "ابن الإنسان" كلقب شخصي وكتعبير عن دوره كمخلص، وكحامل لمصير البشرية.
أوجز لوقا نصّه أكثر مما فعله متّى ومرقس، فأبعد الصور الجليانية الجانبية ليوجّه انتباهنا إلى قدرة ومجد يسوع المنتصر على الشر وربّ الملكوت. لا شكّ في أنه ينتظر منه خلاص المؤمنين (آ 28)، ولكنه لا يذكره حتى في لوحة النهاية. فهو لا يميّز هذا الخلاص من ظهور الرب المظفَّر والقائم من الموت الذي هو ينبوع هذا الخلاص.
ب- إنتظار الخلاص (آ 28، 34- 36)
بعد أن قدّم النص مجيء الرب النهائي، انتهى في تحريض يعلمنا كيف يجب أن ننتظره. نحن هنا أمام مقطعين خاصين بلوقا: واحد يلي مباشرة النص السابق (آ 28) وآخر هو ختام الخطبة كلّها (آ 34- 36). يختلف الواحد عن الآخر ويقدمان تعليمين متكاملين.
أولاً: آ 28
هي نداء إلى الرجاء. فالعلامات والأحداث التي أنبأ يسوع بها هي نحيفة جداً: المحن، الاضطهادات، دمار أورشليم، إضطرابات كونيّة. ولقد لاحظ لوقا الضيق الذي فيه تلقي هذه الوقائع الهائلة إسرائيل والبشرية. ولكن المؤمنين بيسوع لن يخافوا شيئاً من هذه الأحداث التي تدلّ على انتصار معلّمهم وسيادته على الكون. وإذ يرون اضطرابات الكون الذي ما زالت مستعبداَ للخطيئة حتى الآن، عليهم أن يتعرّفوا إلى اقتراب ملكوت الله، إلى إعلان "خلاصهم" (أبوليتروسيس). لا نجد هذه المفردة في الأناجيل، ولكن لوقا أخذها من بولس الذي استعملها مراراً ليدلّ على عمل يسوع الخلاصي وثماره من أجلنا.
هذا الخلاص هو عطاء حاليّ ينضم إلى البر والحكمة والقداسة (1كور 1: 30) أو إلى غفران الخطايا (كو 1: 14؛ أف 1: 7). وهو أيضاً عطيّة مقبلة يربطها بولس بقيامة أجسادنا (روم 8: 23) واتمامنا النهائي في آخر الأزمنة (أف 4: 30). يفكر لوقا هنا بهذه الموهبة الأخيرة، ولكنه يعرف أن هذه النعمة السامية تجد استباقها للمعمَّد في عطية الروح الذي هو باكورة (روم 8: 23) وعربون (2 كور 1: 22؛ 5: 5؛ أف 1: 14) الخلاص الآتي. وهكذا يتأسّس الرجاء المسيحي تأسيساً متيناً. ويستقبل المؤمن بفرح علامات مجيء ربه وهي تعلن له تحرّره النهائي.
ثانياً: آ 34- 36
تقع خاتمة الخطبة في منظار آخر. هي لا ترى مجيء الرب الذي أعلنت عنه العلامات كما في آ 11، 25، 28، ولكنها تدلّ على هذا المجيء المفاجئ وغير المنتظر كما في أمثال السهر (12: 35- 46) أو في لوحة يوم ابن الإنسان (17: 22- 36). صورتان معروفتان، وقد استعملهما يسوع كليهما لأنه اهتم لا بتصوير المستقبل تصويراً أدبياً، بل بدعوة أحبّائه ليستعدوا له بأمانة.
والموقف الذي يفرض نفسه على المؤمنين في هذا المقطع الأخير هو السهر المتواصل. ليحترسوا من التجارب الكبيرة: من الخمرة والسكر (12: 45؛ 1 تس 5: 6- 7؛ روم 13: 13). ليحترسوا من هموم الدنيا التي تميل بهم عن الخير الوحيد الذي يُحسب له حساب (8: 14؛ 12: 22- 31؛ 17: 27- 28). وليكونوا مستعدين، لأن "ذلك اليوم" يباغت ويفاجئ (1 تس 5: 3) كل سكان الأرض، كما يسقط فخّ صيّاد على طريدة لا تنتظر. فكّر لوقا هنا بنصّ أش 24: 17 الذي طبَّق على الدينونة الأخيرة صورة الفخ التقليديّة.
الإنسان المستعد في نظر لوقا هو الذي يضع اهتمامه في المهمّة التي سلَّمها السيّد إلى عبيده (12: 35- 48). هو الذي يصلي دائماً ولا يملّ، كما قيل له في 18: 1 وبوم ابن الإنسان. فإن كان المؤمن بتوجّه دوماً إلى ربّه ليسجد له، ليطلب عونه، ليطلب أن يأتي ملكوته، كيف سيؤخذ على غفلة في هذا المجيء الذي هو كل رجائه. وإذ يستعد هكذا بالأمانة والصلاة لن يخاف محن النهاية: سيكون واقفاً حين دينونة ابن الإنسان. 
خاتمة
هذا هو إنجيل مجيء ابن الإنسان. منذ المجيء الأول، أجبر كل واحد على اتخاذ موقف مع يسوع أو ضده (2: 34- 35). وفي كل جيل وحتى نهاية التاريخ، يُدعى كل إنسان لأن يختار. لقد قمنا بهذا الخيار عبر إيماننا، ولكننا نعلم أنه يبقى فينا مناطق مظلمة لم يدخل إليها الإيمان بعد. لهذا يدعونا هذا الإنجيل إلى أن نزيلها: توجّهوا إلى الرب الآتي. اسهروا فتكونوا مستعدّين لاستقباله والدخول في ملكوته.
الفصل السابع عشر
شجرة التين
21: 29- 33، 37- 38

في المقاطع السابقة، أنبأ يسوع بالمصير المريع الذي ينتظر شعب أورشليم عندما تدمّر المدينة المقدّسة والهيكل. سيكون الوضع هائلاً بحيث رأى فيه الرب صورة مسبقة عن الأيام الأخيرة والدينونة، على ما في مر 13 حيث الإنباء عن مصير أورشليم امتدّ في نبوءات حول الأيام الأخيرة. جاءت خطبة لوقا في هذا المجال قصيرة، ولكنه فصل دمار أورشليم عن الدينونة الأخيرة. فبعد أن عاد في آ 24 إلى الحقبة التي فيها تتمّ أزمنة الأمم، أي إلى نهاية الزمن الحالي (وسيطرة رومة)، إنتقل إلى ما يتعلّق بالأزمنة الأخيرة التي تسبق مجيء يسوع وترافق هذا المجيء.
نحن هنا في مقطع طويل يمتدّ من آ 25 حتى آ 38. توقفّنا في فصل سابق عند مجيء ابن الإنسان (آ 25- 28). ثم انتقلنا إلى تحريض أخير حول السهر (آ 34- 36). وها نحن نتأمّل في مقطع أول حول "شجرة التين" (آ 29- 33)، وننهى ف 1 2 بخاتمة مع آ 37- 38، وهكذا نكون قد انتهينا من موضوع إقامة يسوع في أورشليم وقبل أن نبدأ التأمّل في مسيرة الآلام والموت والقيامة.
1- قراءة إجمالية (21: 8- 38)
صار مجيء ابن الإنسان قريباً، وهذا ما توسّع فيه مثل التينة التي أورقت (آ 30- 31؛ رج آ 8- 20)، ودلّت عليه علامات تاريخيّة أشارت إلى هذا المجيء (إذا رأيتم هذه وقعت، آ 31: 32- 36؛ رج آ 7- 9). ونسمع صيغة الأمر كما في آ 29- 31، 34- 36: "قفوا وارفعوا رؤوسكم، لأن خلاصكم قريب" (آ 28).
نجد هنا دعوة ملحّة لكي نرى في اضطهادات التلاميذ (آ 12: 19) ودمار أورشليم (آ 20: 24) علامة عن اقتراب الملكوت، واعلاناً للفداء النهائي. إن كلمة "فداء" (ابوليتروسيس) معروفة جداً عند القديس بولس. إنها تدلّ على الخلاص الذي يحقّقه يسوع (روم 3: 24) ويجعله في تصرّف الإنسان (1 كور 1: 30؛ كو 1: 14؛ أف 1: 7). يجب أن "نرى" على الأرض مجيء ابن الانسان، لا في السماء: هذا ما يذكرنا به كلام الرجلين للرسل ساعة الصعود: "ما بالكم واقفين تنظرون إلى السماء" (أع 1: 11)؟
إن مثَل التينة التي تفرخ تعطي صورة ملموسة عن إعلان آ 28: الرجاء الذي يجعلنا نرفع رؤوسنا، يستند إلى خبرة شخصيّة (إذا ما رأيتموه بأنفسكم، آ 3) من التمييز الذي يدرك اقتراب ملكوت الله. وهكذا ندرك "الاسكاتولوجيا" (نهاية الأزمنة) في الواقع اليومي، كما تقول آ 32 التي تلمّح أيضاً إلى "الكل" أي إلى اضطهاد التلاميذ ودمار أورشليم. في هذا الكل الذي يتمّ، ترتبط حياتنا بمصير يسوع الذي هو ابن الإنسان الذي يلجِ كل شيء حتى الكون، بقدرته الفدائية. هذا هو معنى القول الإحتفالي في آ 32- 33: "إن هذا الجيل لا يزول... السماء والأرض تزولان ...".
"هذا الجيل" يعني بالأحرى "الجنس البشري" (وهناك من يقول: اليهود الذين حُكم عليهم من خلال دمار مدينتهم). رج 16: 8: "إن أبناء هذا الدهر أكثر فطنة من أبناء النور". نحن هنا أمام الذين لا يعرفون إلا العالم الحاضر ويعملون له. ونقرأ في أع 2: 40: "تخلّصوا من هذا الجيل المعوجّ". الجيل يدلّ على معاصري يسوع، كما يدلّ على معاصري لوقا. 
نلاحظ هنا أن. لوقا ألغى القول الذي يتحدّث عن جهل الابن لزمن المجيء. نقرأ في مر 13: 32 (وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعرفهما الابن) ومت 24: 36. إن هذا السؤال هو زمن (مع أل التعريف) المجيء، وهو خارج نظرته. ولكنه يتحدّث في أع عن جهل التلاميذ حول "الأزمنة والأوقات" التي حدَّدها الله في سلطانه (أع 1: 6- 7). نحن هنا بالتحديد أمام مراحل مجيء الملكوت في قلب التاريخ.
أما خاتمة الخطبة (آ 34- 36) فتدعو إلى اليقظة مثل مر 13: 33- 37 ومت 24: 37- 44. إنها تشدّد على فجائية مجيء ابن الإنسان (آ 35) كما في أمثال السهر (12: 35- 36) أو إعلان يوم ابن الإنسان (17: 22- 36). إن صورة الشبكة التي تسقط (مثل فخ سيطبق) تذكّرنا بنصّ أش 24: 17 (الرعب والفخ لكم يا سكان الأرض). هذا السهر الذي يجعل القلب دوماً مستعداً نترجمه بممارسة على مستوى العفة والوعي والهدوء (1 تس 5: 2- 8). إن مجيء ابن الإنسان يعني البشرية كلها (إر 25: 29). لن يفلت أحد. ولكن قد نُفاجأ بالأحداث فلا ندري أنها تسبق حضور ابن الإنسان الآتي.
وهكذا تستعيد آ 36 كل ما سبق: "كل ما سوف يقع". هذا هو موضوع الخطبة كلها (رج آ 7 متى يكون هذا. متى يقع هذا): أحداث تاريحنا المضطرب الذي فيه يجري موت يسوع صارت شكاً لغير المؤمنين. يجب أن نكون "واقفين أمام ابن الإنسان"، لأنه هو المعيار الذي بالنسبة إليه نُدان (أع 10: 42؛ 17: 31). إنه الكلمة التي تلفّظ بها الله كلمة أخيرة في حياتنا. لهذا، يجب منذ الآن "أن تبقى عيوننا مفتوحة دوماً وأن نصليّ في كل آنٍ". منذ ف 17 ولا سيّما منذ 18: 1- 8 بدت الصلاة موقفاً أساسياً نقفه في المحنة، محنة الايمان. ولقد صارت صلاتنا صلاة يسوع. قال يسوع لبطرس (وبالتالي للتلاميذ وكل واحد منا): "صلّيت لأجلك لئلاّ يزول إيمانك" (22: 32).
وتستعيد نهاية هذا القسم (آ 37- 38) الانشداد بين جبل الزيتون والهيكل. وهو انشداد كان حاضراً في 19: 29- 48. فالهيكل هو موضع التعليم (19: 45، 47- 48؛ 20: 1) خلال النهار. وبدا جبل الزيتون الذي يرتبط بمجيء يسوع إلى الهيكل (19: 29- 37) والذي هو موضع الزيارة الليلية (21: 37: في الليل يخرج ويبيت في الجبل)، بدا موضع السّر الذي فيه يلتقي يسوع بأبيه. في الصلاة (22: 39) عبر مواجهته لمصيره، فيدلّ على صدق تعليمه في الهيكل.
2- تفاصيل النصّ
أ- وتكون علامات في الشمس (آ 25- 28)
قدّم يسوع جواباً أيجابياً (بعد الجواب السلبي: لا تتبعوهم، لا تخافوا) لسامعيه (آ 7 ج) فأشار إلى "العلامات"، علامات كونيّة. ما أنبيء به في آ 10- 11 (حروب، ثورات) يجب أن لا يُفهم فهماً خاطئاً، وإن وجب أن يقع أولاً. إن يسوع يتكلّم عن الشيء نفسه، ولكن في معنى مختلف. كلمات يسوع في لوقا هي ملخّص لما في مر 13: 24- 25، وقد جعلت في شكل آ 10- 11. تستعمل لغة جليانية تشبه لغة يوء 3: 3-4: "أصنع عجائب في السماء والأرض، دماً وناراً وأعمدة من دخان، فتنقلب الشمس ظلاماً والقمر دماً". مثل هذه العجائب مشتركة في أقوال التوراة النبويّة. رج أش 13: 10 (نجده في مر 13: 24 ب- 25 أ)؛ 34: 4؛ حج 2: 6، 21؛ حز 32: 7.
"وكرَب للأمم على الأرض". إن العلامات الكونيّة في السماء تقابل الكوارث التي تقع على الأرض. قد نكون أمام تلميح إلى أش 24: 9 الذي نقرأه في السبعينية: "تتضايق الأرض تضايقاً، وتضطرب اضطراباً" (في العبرية: تنكسر الأرض، تتطاير الأرض، تتحطّم تحطماً)؛ رج مز 65: 8 (عجيج البحار، عجيج أمواجها وضجيج الأمم). وهكذا نكون مع قول لوقا حول عجيج البحر. نتذكّر مز 46: 4: "تدفّقت مياهها وجاشت، وارتعشت من ارتفاعها الجبال"؟ رج مز 89: 10 (لك سلطان على هيجان البحر، فتهدّئ أمواجه عند ارتفاعها). إن قوّة العناصر على الأرض صارت سنداً للغة الجليانية.
"وتزهق الناس من الخوف" (آ 26). لن يعودوا يستطيعون أن يتنفَّسوا. إمّا يُغمى عليهم وإمّا يموتون. هذا ما يعارض موقف المسيحيين الذين يقفون منتصبين ومرفوعي الرؤوس (آ 28). "ما سيأتي على المسكونة" (الأرض المسكونة، المأهولة، رج 4: 5). رج أع 11: 28 (مجاعة ستعمّ المسكونة، اويكوماني). هذه العبارة التي لا نجدها عند مت ولا عند مر، قد زادها لو ليفخر الخطبة الأولى التي عنت أورشليم واليهودية. إن مثل هذا الحكم على المسكونة، يتميّز عن الحكم على أورشليم، وإن يكن هذا صورة مصغّرة عن ذاك.
"قوّات السماوات تتزعزع". نحن هنا في تلميح إلى أش 34: 4 (يعني كل جند السماء، وفي السبعينية: كل كواكب السماء). ولكن هناك اختلافة في السبعينية (في الفاتيكاني) تقرأ 1: كل قوات السماء تنحلّ. كانوا يتصوّرون الافلاك وكأنها جيوش. أخذ لوقا قوله من مرقس وحوّله بعض الشيء. في أشعيا، شكّلت هذه الكلمات جزءاً من قول نبويّ حول نهاية أعداء الله المريعة الذين يصوّرون رمزياً كجيوش السماء. هذا ما يتضمّن انقلاب نظام الخلق والعودة إلى الخواء (رج أع 17: 26).
"حينئذٍ يشاهد الناس" (آ 27)، حرفياً: يُشاهَد). نتذكّر هنا ما قاله الرجلان للتلاميذ خلال الصعود في أع 1: 11: "يسوع هذا الذي صعد عنكم إلى السماء سيعود مثلما رأيتموه ذاهباً إلى السماء". "ابن الإنسان آتياً في السحاب". أخذ لوقا هذه العبارة من مر 13: 26، وحوّل الاسم من الجمع (الغيوم) إلى مفرد (غيم، سحاب). يشير النصّ إلى دا 7: 13 الذي نقرأه في السبعينية: جاء فوق سحاب السماء مثل ابن الإنسان. في خطبة لوقا الاسكاتولوجية، يعود القول إلى "مظهر" المسيح القائم من الموت، الآتي للدينونة كابن الإنسان (12: 8- 9: من اعترف بي... من أنكرني) لينجّي أخصّاءه. إن وظيفة ابن الإنسان في مر 13: 26- 27 هي وظيفتان: الدينونة (آ 26)، جمع المختارين (آ 27). إحتفظ لوقا بالوظيفة الأولى وتطلّع إلى نجاة التلاميذ (آ 28). "في كثير من القدرة والمجد". رج مر 13: 26. كل اهتمام لوقا يتوجّه إلى مجيء المسيح المجيد.
"إنتصبوا، إرفعوا الرؤوس" (آ 28). لا يليق بتلاميذ المسيح أن يشاركوا الناس في الخوف والتلاشي اللذين تتحدّث عنهما آ 26. بل يكون موقفهم موقف الرأس المرفوع والانتظار المفعم بالفرح. إنهم يستعدّون لاستقبال نجاتهم القريبة.
"النجاة". الفداء. تظهر هذه الكلمة عند لوقا. ولكنها لا تحمل معها مدلول "الفدية". إن نصيحة يسوع الآن تعارض ما قاله في آ 21 عن الهرب من أورشليم. غير أن الفداء (النجاة) لا يرتبط هنا بموت المسيح وقيامته، بل بعودته الثانية (أع 3: 19- 21؛ روم 8: 23؛ أف 4: 30). والمثل الذي سيرد الآن يعطي صورة عن اقتراب هذه النجاة.
ب- وضرب لهم مثلاً (آ 29- 33)
قدّم يسوع مثلاً كما في 6: 39 (أيقدر أعمى أن يقود أعمى) أو 18: 1 (ضرب لهم مثلاً عن وجوب المداومة على الصلاة). "أنظروا إلى التينة". هنا نتذكر مثل التينة التي لا تثمر (13: 6- 9). في مر 13: 28 ومت 24: 32، تؤخذ ثمرة التين من أجل درس يُعطى للتلاميذ. ولكن يسوع زاد كعادته: التينة "وسائر الشجر". هو يحبّ لفظة "كل" (3: 16؛ 4: 15؛ 9: 1). ثم هو لا يرى أمثولة في التينة وحدها، بل في جميع الأشجار. هذا لا يعني أن لوقا لم يعرف كيف تنمو التينة، أو أنه يكتب لأشخاص لما يروا التينة في حياتهم. بل نحن أمام طريقة بلاغية. في يوء 2: 22- 23، شجرة التين والخمر هما علامة عن بركة الرب لشعبه. غير أن هذا المعنى الذي يقدّمه العهد القديم، لا يدخل في مدلولا المثل.
"إذا رأيتموها برعمت" (آ 30). هناك براعم فتيّة تدلّ على زمن الصيف وثماره. "تستطيعون أن تروا وتقولوا في ذواتكم". لسنا بحاجة إلى تعليم وتدريب. ترون بدون مساعدة أحد. "إن الصيف قريب". هذا هو مرمى المثل: "البراعم" تدلّ على اقتراب الصيف.
"فلذلك أنتم أيضاً" (آ 31). أنتم الذين تسمعون كلامي وتزنونه. نجد العبارة عينها في 17: 10 (وهكذا أنتم أيضاً، إذا فعلتم كل ما أمرتم به). "حين تشاهدون كل ما يحدث". يستخلص يسوع النتيجة فيطبّق أمثولة المثل على الآيات التي ذكرها في آ 11، 25.
"ملكوت الله قريب". هكذا يبرز لوقا المعنى الرمزي للمثل فيتحدّث عن الملكوت، وهذا ما لا نجده في مر 13: 29 (يقول: ابن الإنسان قريب).
الملكوت قريب قرب الصيف، وهو يأتي بصورة أكيدة كما الصيف يأتي بعد براعم الشجر. نتذكّر هنا كلمات يسوع حول اقتراب الملكوت في 10: 9- 11 (ملكوت الله اقترب منكم... ملكوت الله اقترب): 19: 10 (ملكوت الله سيظهر في الحال). وما تقوله آ 28 عن "النجاة" تؤكّده الآن هذه الآية عن الملكوت. فتأكيد يسوع حول اقتراب الملكوت يتعارض مع "الزمن المناسب" الذي أعلنه الأنبياء الكذبة في 21: 8. قرب الملكوت يشبه قرب دمار أورشليم (21: 20). وهكذا ارتبط ظهور الملكوت بمجيء يوم ابن الإنسان (آ 25: 28).
"الحق أقول لكم". حرفياً: آمين، أقول لكم. أي: صدّقوني. أخذ لوقا هذه العبارة من مر 13: 30. ولكنه اعتاد أن يغفلها. "إن هذا الجيل لا يزول ما لم يتمّ (يحصل، يحدث) الكل". عاد لوقا إلى مر 13: 30 وترك لفظة "توتا" (هذه): هذا كلّه. نحن هنا في صدى لما في 9: 27 (في الحاضرين هنا. من لا يذوقون الموت حتى يشاهدوا ملكوت الله). إن هذا القول الاحتفالي لا يعود فقط إلى أورشليم، بل إلى حماية العالم أيضاً. فدمار أورشليم هو نموذج عن نهاية العالم، ومجيء الملكوت، ويوم ابن الإنسان. إن لفظة "الكل" ليست أداة بلاغيّة في لوقا. بل هي تعود إلى مر. غير أنها لا ترتبط بالمستوى الجلياني كما هو الأمر بالنسبة إلى "نهاية" أورشليم أو حماية العالم.
إلى مَ تعود لفظة "هذا الجيل"؟ سؤال صعب في هذه الخطبة الاسكاتولوجية. وقد قدّمت له أجوبة عديدة. (1) الجيل المعاصر ليسوع. (2) الشعب اليهودي. (3) البشرية شكل عام. (4) جيل الذين يرون آيات النهاية. إذا توقّفنا عند الجواب الأول، فهمنا الإنجيل على المستوى الأول، مستوى يسوع المسيح. نترك الجواب الثاني، ونتوقّف عند الجواب الثالث والرابع. فلوقا يكتب بعد دمار أورشليم. وهكذا نكون في المستوى الثالث. و"هذا الجيل" يدلّ على البشرية كلها (رج 7: 31؛ 9: 41). 
"السماء والأرض تزولان" (آ 33). السماء والأرض، أي العالم كله، المخلوقات كلها تعود إلى العدم. هذا أمر مستحيل (رج ر 1: 17). إذن، يستحيل أن تزول كلمات يسوع. إن يسوع يماثل بين استمرارية كلماته النبويّة وكلمة الرب التي نجدها في العهد القديم (أش 40: 8: كلمة إلهنا تبقى إلى الأبد: 55: 10- 11؛ مز 119: 89). كلماته ثابتة ثبوت السماء والأرض. وهي تدوم حتى "النهاية". أما معرفة الأوقات والأزمنة فليست لنا. الآب حدّدها بسلطانه وهو يكشفها لنا.
خ- وكان في النهار يعلّم (آ 37- 38)
استعمل يسوع هذه العبارة ليدلّ على عادة يسوع بأن يعلّم كل يوم في الهيكل. هذا ما سبق وقاله لنا لو في 19: 47- 48. وفي الليل، كان يخرج. هل خاف من اليهود؟ على كل حال، سوف يمسكونه خلال الليل. "كان يقيم في الجبل". هذا لا يعنى أنه كان يقضي ليله في العراء. قد تكون هناك مغارة يأوي إليها. نجد شيئا قريباً من هذا في مت 21: 17: "خرج من المدينة إلى بيت عنيا وبات فيها".
"الجبل المدعو جبل الزيتون". رج 19: 29. جبل الزيتون يقع شرقي أورشليم. إن هذه الملاحظة تهيّئ الطريق لنصّ 22: 39- 47: خرج ومضى كعادته إلى جبل الزيتون... وفيما هو يتكلّم إذا بجماعة أقبلت (إلى جبل الزيتون).
"كان جميع الشعب يقوم باكراً ليأتي ويسمع له في الهيكل". الفعل "اورتريزاين": بكّر، نهض في الصباح الباكر. نجده في السبعينية في حز 24: 4؛ 32: 6؛ 34: 4؛ 2 مل 6: 15.
بعد هذه الآية تورد مخطوطات أسرة 13 (13، 69، 124، 346، 788، 826، 983) خبر المرأة التي أخذت في زنى (= يو 7: 53- 8: 11). نستطيع أن نقابل سياق يو 8: 1- 2 مع إجمالة لوقا لنفهم إقحام هذا المقطع في هذا الجزء من إنجيل لوقا.
3- تعلّموا من التينة
تابع يسوع خطبته الاسكاتولوجية، فاتخذت كلماته بُعداً آخر. كان قد أنبأ "بنهاية" أورشليم التي دمّرها الوثنيون وداسوها. وها هو ينتقل إلى نهاية أخرى، إلى ما سوف يحصل للعالم. كان القسم الأول من الخطبة نبوياً، وقد عبرّ عنه الإنجيل وهو ينظر إلى نهاية أورشليم التي تمت سنة 70 ب. م. والقسم الثاني عاد إلى موضوع مجيء ابن الإنسان، وقد سبق ولامسه في 17: 22- 37.
وإذ أراد أن يبرز الحاجة إلى ردّة فعل على ما سيحصل للعالم، وعلى قرب النجاة (أو الفداء)، زاد يسوع مثلاً عن شجرة التين (21: 29- 33) واستخلص منها كثر من درس.
نجد المثل في آ 29- 30. ثم تطبيق المثل في آ 31. وارتبط بهذا التطبيق بعض أقواله يسوع التي كانت مستقلة أو داخلة في قرائن أخرى. قال بعض الشّراح: لا شكّ في أن هذا المثل جزء من الخطبة الاسكاتولوجية. ولكن، هل قاله يسوع حرفياً، أو هل نبع من التقليد اليهودي أو المسيحي؟ وقال شارح آخر: إن مر 13: 28 يعود إلى يسوع، أما آ 29 فقد زيدت لتكيّف المثل مع المسيحيّة الأولى العائشة في جوّ جلياني كما نجده في 1 تس 4: 16 (الرب سينزل... يقوم الموتى) و 1 كور 16: 22 (مارانا تا، تعال أيها الربّ). ليس من سبب حقيقي يدفعنا لأن ننكر صحة الشكل المرقسي للمثل نفسه. أما هل كان جزءاً من الخطبة الاسكاتولوجية، فهذا شيء آخر. 
في الشكل اللوقاوي، استخلص يسوع درساً من التينة وسائر الأشجار. ما إن تظهر البراعم حتى يعرف الإنسان أن الصيف صار قريباً. فالبراعم والأزهار تدلّ على الصيف وثماره. ويستنتج: تعلّموا أن تقرأوا العلامات الأخرى. حين ترونها، إفهموا أن ملكوت الله هو قريب. هكذا يجري مثل لوقا وخاتمته.
وإذ أراد يسوع أن يبرز كلامه، أورد أيضاً قولين شدّد بهما على اقتراب مجيء الملكوت (وبالتالي مجيء ابن الإنسان) وعلى جدّية ما يقوله من كلام. في القول الأول احتفظ لوقا بشيء من الاسكاتولوجيا المقبلة، مع أنه ميّز في خطبته بين ما حدث أولاً (سنة 70) وبين "النهاية". مهما كان مجيء الملكوت قريباً، فهذا لا يعني أن أحداً يعرف "متى". في أي حالة، نحن أمام تنبيه إلى "هذا الجيل" (7: 31؛ 9: 41؛ 11: 29- 32، 50- 51؛ 16: 8؛ 17: 25؛ أع 2: 40).
ما حُفظ لنا هنا هو ولا شكّ قوله من يسوع حول شيء يجب أن يعيشه "هذا الجيل". ولكن ما هو؟ هذا ما لا نعرفه. وقد حُفظت لنا أشكال لهذا القول في مت 10: 23؛ مر 9: 1. أن يكون هذا القول قد استعمل في قرائن إنجيلية مختلفة، يدلّ على أن المسيحية الأولى طبّقته (وربّما دوّنته) من أجل أهداف خاصة بها. وقد جُعل هنا لكي يوافق انتظار المسيحية الأولى لمجيء الملكوت القريب. هي قد ورثت من يسوع انتظاراً لشيء هام، فحدّدت طبيعته حسب حاجاتها بعد أن تأخّر مجيء المسيح.
خاتمة
ما أجمل أن نعرف أن نهاية تاريخ البشرية، ليست فوضى وشقاء، ينحدر فيهما انحداراً الكون بعد أن تسيطر عليه الخطيئة والاثم. نهاية الكون تكون في سيادة الله عبر مسيحه الممجّد في مجيئه الثاني. وهي سيادة الحب والبر.
وكل مرة تحدّث يسوع عن مجيئه الثاني والأحداث التي تسبقه، كان ينبّههم إلى السهر بإيمان يهيّئ مجيئه هذا. ولم يكن مرمى انباءاته عن النهاية لكي ترضي فضول البشر حول برنامج القرون الآتية، أو لكي تفرح تلاميذه لدى سقوط الأشرار وهلاكهم. ما أراده في تشديده على الأحداث الأخيرة، هو دعوة إلى التوبة والأمانة في السهر اليومي. ما أراد الربّ أن يقدّم لنا عرضاً مفصّلاً عن الأحداث المقبلةِ، بل تعليماً من أجل حياتنا اليومية. في مثل هذا التعليم نجد الثقة والشجاعة من جهة، كما نجد من جهة أخرى مخافة تدفعنا إلى السهر منتظرين مجيء المسيح الثاني.
القسم الثالث 
آلام يسوع وقيامته

يتوزّع هذا القسم الفصول التالية:
1- درب الصليب والقيامة، 22: 1- 24: 53
2- خيانة يهوذا، 22: 1- 6
3- عشاء الرب، 22: 7- 20
4- خطبة يسوع بعد العشاء، 22: 21- 30
5- صلاة يسوع من أجل بطرس، 22: 31- 34
6- استعداد للمحنة الكبرى، 22: 35- 38
7- صلاة يسوع على جبل الزيتون، 22: 39- 46 
8- محاكمة يسوع
9- القبض على يسوع، 22: 47- 55
10- نكران بطرس للمسيح، 22: 56- 62
11- إهانة يسوع "النبي"، 22: 63- 65
12- يسوع أمام المجلس الأعلى، 22: 66- 71
13- محاكمة يسوع لدى الرومان، 23: 1- 5
14- يسوع أمام هيرودس، 23: 6- 12
15- يسوع أمام بيلاطس، 23: 13- 25
16- درب الصليب، 23: 26- 32
17- المسيح هو الملك المصلوب، 23: 33- 43
18- موت يسوع، 23: 44- 49
19- دفن المسيح، 23: 50- 56
20- ليس هو هنا، بل قام، 24: 1- 12
21- الرب يسوع مع تلميذي عماوس، 24: 13- 35 
22- ظهور يسوع للاحد عشر، 24: 36- 43
23- تأمّل بين الفصح والعنصرة، 24: 44- 53
24- قيامة المسيح في إنجيل لوقا.
الفصل الثامن عشر
درب الصليب والقيامة
22: 1- 24: 53

1- وضع هذه الفصول
جعلَنا القسمُ السابق أمام محنة يسوع. فكشف لنا أن هذه المحنة تعنينا عن قرب في حياتنا. وأدركنا أن يسوع يدعونا لكي نقاسمه مصيره. وهكذا نعيش إيماننا بخلاص شامل يتمه خروجُه من هذا العالم واختطافه من أورشليم. إن موته الذي أعلن في شكل نبوي مع دمار أورشليم، يجعل البشر يواجهون الرجاء الذي تصل إليه الآلام (الحاش كما نقول في السريانية): القيامة التي هي عطيّة الآب. ما جعلنا الانتقال من ف 23 إلى ف 24 (من الانقطاع إلى الجديد) نستشفه، يجب أن نتقبّله الآن في خروج يسوع نحو أبيه. سنجد تماسك الخبر ودخوله في حياتنا اليومية.
إذا وضعنا جانباً هذا "الخروج" الحقيقي والتاريخي، خروج يسوع إلى الآب، فالخلاص الذي يحمله لا يستطيع أن يأخذ كامل معناه. لأن التضامن الذي فيه يدخل بواسطة جسده، لم ينكشف بعد بكلّيته. وحين يتقبّل يسوع موتنا، حين يكون ضحيّة عنفنا، سيكون لكل واحد منا طريق حرية ووفرة حياة. والطريقة التي بها يلتصق الله بالإنسان حتى في خطيئته وتعاسته وشّره، هي أن يكون بنفسه مذلولاً، هي أن يرافق البشر في رفضهم. وهكذا يُصاب إصابة قاتلة دون أن يلغيه هذا الرفض إلغاءً تاماً. وهكذا يكشف لنا يسوع أن حريّته المحبة ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بحرّيتنا الضعيفة والقاتلة. في هذا المجالس، قال القديس بولس: "إن الذي لم يعرف الخطيئة، جعله الله خطيئة (ذبيحة عن الخطيئة) من أجلنا لكي نصير فيه برّ الله" (2 كور 5: 21. هكذا تتمّ إرادة الله). هذا هو سّر موت المسيح وقيامته كفعل خلاصي من أجل جميع البشر.
وهكذا يسطع مخطّط الله الخلاصي في تاريخ البشر. ومع ذلك، يندهش الشّراح حين يرون اهتمام لوقا القليل بقيمة صليب يسوع على المستوى السوتيريولوجي، مستوى تاريخ الخلاص. ويرون السبب في عدم اهتمام اليونان بفكرة الفداء الذبائحي وتفضيلهم لفكرة الاستشهاد الذي يقدّم مثلا يُحتذى به. أو أنهم يضعون لوقا في خانة أولئك الذين وضعوا الخطوط الأولى للتفكير المسيحي. وفسّرت فئة ثالثة هذا التوزّع وكأنه تحوّل في اهتمامات للوقا: فيشدّدون بالأحرى على مسؤوليات المؤمن المدعو إلى التوبة والارتداد أمام موت يسوع. لهذا، نقول في هذا المعنى إن لوقا تيقّن من فاعليّة ذبيحة المسيح، فمنع نفسه من التحدّث عنها مراراً لئلاّ يحوّل الخلاص إلى فداء يتمّ بشكل آلي (بطريقة سحرية)، فيضعف من أهمية التوبة التي لا غنى عنها.
عرضُ لوقا لموت المسيح عرضٌ أصيل، ولكنه لا يهمل مع ذلك معطيات التقليد. وجب على الانجيلي أن يأخذ بعين الاعتبار عقليّة قرّائه المسيحيين الآتين من العالم الوثني، الذين طلبوا منه أن لا يشدّد، كما فعل الانجيليون الذين من أصل يهودي، على المعنى التكفيري لذبيحة يسوع. لهذا، شدّد بالأحرى على التضامن الذي دلّ عليه موت يسوع من أجل البشر، وهذا التضامن يدعو المسيحي إلى الدخول دخولاً حراً في الموت مع مخلّصه، لأن الحياة تفرض مثل هذا الثمن. ف "لاهوت المجد" لا يلغي "لاهوت الصليب"، بل يفترضه ويدلّ على أنه المرحلة الضرورية لكي تصل إلينا فاعلية الخلاص ويدركنا حقاً غفران الله.
هناك ثلاث قولات (لوغيا) خاصة بلوقا تتيح لنا أن ندخل في هذه النظرة. الأولى نجدها في العشاء الأخير، حيث يعلن الفصح (22: 16) والكأس (22: 18) حدث ملكوت الله. هنا يقول يسوع، عبد الله، لرسله: "وأنا أعدّ لكم الملكوت كما أعدّه لي أبي" (22: 29). والقولة الثانية تنبثق مباشرة من الموت على الصليب. قال يسوع للصّ: "اليوم تكون معي في الفردوس" (23: 43). والقولة الثالثة تلفّظ بها القائم من الموت في طريقه إلى عمّاوس. بعد أن كسر الخبز قال: "أما كان ينبغي للمسيح أن يُكابد ابن الإنسان هذه الآلام، ود ذا يدخل في مجده" (24: 26؛ رج 34: 7)؟
إن هذه القولات الثلاث تلقي ضوءاً على النظرة التي اختارها لوقا ليفهم سامعيه الآتين من العالم الوثني كيف أن موت يسوع، الذي هو نتيجة عنف البشر، يشكّل فسحة تاريخية فيه يتمّ مخطّط الله الشامل من أجل البشر. فقولة العشاء السرّي تجذِّر هذه المشيئة الخلاصية. وفعل "أعدّ"، هيّا (دياتيتستاي) لا يستعمل إلاّ في أع 3: 25 بمناسبة الحديث عن الميثاق (العهد) المعقود مع ابراهيم: "فأنتم بنو الأنبياء والعهد الذي عاهد (أو: أعدّ، هيّا) الله به آباءكم، قائلاً لابراهيم: في نسلك تتبارك جميع عشائر الأرض" (رج تك 22: 18). ويُستعمل أيضاً في عب 8: 10 (= إر 31: 33)؛ 9: 16، 17؛ 10: 16 حيث نقرأ: "هذا هو العهد الذي سأقطعه معهم من بعد تلك الأيام".
وقولة الجلجلة تدعو كل واحد منا إلى "يوم" (اليوم) هذا الخلاص الشامل. والقولة التي تفوّه بها يسوع على طريق عماوس تدلّ على تتمة خلاص يسوع حسب "منطق" رحمة الآب. "أما كان ينبغي..."؟ ففي عبور يسوع إلى الآب، يتمّ "خروج واختطاف" يجتذبان كل إنسان إلى الموت، بل إلى الحياة مع الله.
2- تأليف النصّ وبنيته
يتألّف هذا القسم من متتاليتين تقليديتين: آلام يسوع وقيامته. تبدوان كدرفتين في دبتيكا واحدة. قسمة كبيرة واضحة. ولكن أين هي علامة القطع بين المجموعتين؟ إن معظم الشّراح يجعلون المجموعة الأولى تتكوّن من خبر الآلام. وتضمّ ف 22- 23. والمجموعة الثانية تشير إلى الاعلان عن القيامة في ف 24. ولكن وجود "وحصل أنه" (كاي اغاناتو) في 24: 4 (وحصل أنه إذ كن مذعورات) جعل البعض يبدأون الدرفة الثانية في هذا الموضع من ف 24. نلاحظ أن فعل "وحصل" (24: 4، 15، 30، 51) يدخل في سياق الخبر، فيدلّ على أننا أمام شيء جوهري في مسيرة تاريخ الخلاص.
كيف تنتظم هاتان المجموعتان في القسم الأخير من الإنجيل الثالث؟ نستطيع أن نجد في كل منهما أربعة أحداث تتوزع على الأمكنة التي فيها تتمّ الدراما. الفصل الأول في الحاش (الآلام) يتمّ "في البيت" (22: 10: إتبعاه إلى البيت) (في المدينة) الذي اختاره يسوع ليأكل فيه الفصح. في 22: 39، خرج يسوع مع رسله إلى "جبل الزيتون" حيث أوقفه أناس جاؤوا من الهيكل (22: 52) فاقتادوه إلى بيت رئيس الكهنة (22: 54): تلك هي المرحلة الثانية. بعد هذا، مثُل يسوع مرتين أمام السلطات: مرّة أولى أمام المجلس اليهودي الأعلى (سنهدرين) (22: 66). ومرّة ثانية أمام بيلاطس، الوالي الروماني (23: 1): هذا ما يشكّل الوحدة الثالثة. أما المجموعة الرابعة فتتضمّن نقل المحكوم عليه إلى موضع الصلب (23: 33) مع تجارب يسوع وموته ودفنه وموقف النسوة "اللواتي كنّ قد أتين من الجليل".
أما أحداث القيامة فتبدو منسّقة تنسيقاً أوضح: إعلان القيامة بفم النسوة. خبر تلميذي عماوس. ظهور يسوع وسط تلاميذه. البركة الأخيرة. تتوالى هذه الأخبار الأربعة بشكل سريع، وكأن كل شيء يتمّ في يوم واحد، أو أقله في فترة قصيرة من الزمن.
وبمختصر الكلام، نستطيع أن نقدّم القسمة التالية:
1- آلام (حاش) يسوع (22: 1- 24: 3).
أ- الافخارستيا في البيت (22: 1- 38).
ب- صلاة الابن وامّحاؤه (22: 39- 65).
ج- الوحي النبوي: المسيح والملك (22: 66- 23: 25).
د- المسيرة إلى الآب (23: 26- 24: 3).
2- القائم من الموت يسير على طرقاتنا (24: 4- 53).
أ- إعلان الحي للنسوة (24: 4- 12).
ب- طريق عماوس (24: 13- 35)
ج- حضور القائم من الموت (24: 36- 49)
د- ا لبركة (24: 50- 53).
إذا أردنا أن نحدّد مراحل هذه المسيرة، نكتشف علامات قطع أدبية واضحة. ولكن التأليف اللوقاوي يدلّ على أصالته بالنسبة إلى مت ومر، إن في تنظيم المجموعات الكبرى أولا تلاحم المتتاليات. لهذا، فالمقابلة مع مت ومر تبرز الطابع الخاص بالإنجيل الثالث.
في مجمل حاش يسوع (ف 22- 23)، يسبق الافخارستيا في البيت (22: 1- 38) المسحُ بالطيب في بيت عنياكما في مر 14: 3- 9 ومت 26: 6- 13. هذه هي اللوحة الأولى. فمن الفصح إلى الافخارستيا (22: 1- 23) تُصوّر الاستعدادات للفصح وتأسيس الافخارستيا. وهذا التأسيس زيد على الفصح. بعد هذا، قدّم لوقا لوحة ثانية تتحدّث عن الخدمة والمحن (22: 24- 38) وقد بدأها بعبارة تدل على "وحصل بعد هذا". نحن لا الواقع أمام خطبة قصيرة بعد العشاء السّري، نجد فيها الموضوع اليوحناوي حول تنازل المعلّم (يو 13: 12- 16) وقولة متاوية عن العروش التي وُعد بها الاثنا عشر (مت 19: 28). وجاء إعلان نكران بطرس ليسوع، وفيه تشترك الأناجيل الأربعة (مت 26: 30- 35؛ مر 14: 26- 31؛ يو 13: 36- 38)، ثم إعلان توبة بطرس (22: 31- 34). وضُمَّ إلى هذين الاعلانين قول خاص بلوقا حول القتال الحاسم والسيفين (22: 35- 38).
إن المجموعة المخصّصة لصلاة الابن وامحّائه (22: 39- 65) تتضمّن ثلاثة أجزاء: صلاة يسوع وسط تلاميذه الذين يتعرّضون للتجربة (22: 39- 46). توقيف يسوع مع ما في هذا التوقيف من دلالة على حلول سلطان الظلمة (22: 47- 53). نكران بطرس مع هزء الحرس بالنبي (الذي هو يسوع) (22: 54- 65). ونرى على التوالي امّحاء وجه يسوع الذي خانوه وأنكروه وهزئوا به. غير أن لوقا لا يتحدّث عن هرب التلاميذ كما فعل متّى (26: 56 ب) ومرقس (14: 50). كما لا يبرز بما فيه الكفاية الانتقالات الأدبية. نقرأ في آ 39: "وإذ خرج مضى على عادته". وفي آ 47: "وفيما هو يتكلّم أيضاً". وفي آ 54: "وإذ قبضوا عليه قادوه".
وتورد المجموعة الثالثة مثول يسوع أمام السنهدرين وأمام بيلاطس. كما تورد إعلان يسوع النبوي بأنه المسيح والملك (22: 66- 23: 25). لا نستطيع أن نقول حقاً إننا أمام "محاكمة" أمام المجلس الأعلى: فالحكم قد صدر مسبقاً. واستجواب يسوع الموجز كل الإيجاز، يلقي الضوء على هويته الالهية (آ 66- 71). بالإضافة إلى ذلك، يحدّد لوقا موقع هذا المشهد في الصباح (آ 66: ولما كان النهار) لا في الليل كما فعل متّى (26: 57- 66) ومرقس (14: 55- 64). غير أنه يفترض مثولاً آخر حصل خلال الليل في "بيت عظيم الكهنة" (آ 54. قد يكون مثوله أمام حنان، رج يو 18: 13- 23، الذي هو غير مثوله أمام قيافا، يو 18: 24- 28). بدّل موضع نكران بطرس ومشهد الهزء اللذين سبقا محاكمة يسوع.
إن المتتالية التقليدية عن مثول يسوع أمام بيلاطس (23: 1- 25)، تتضمّن ثلاثة مشاهد: استجواب يسوع. الحكم على يسوع. هزء الجنود بيسوع (لا 27: 11- 31؛ مر 15: 1- 20؛ يو 18: 28- 29: 16). أما التقليد الذي استعاده لوقا، فيزيد على هذه المتتالية التقليدية إرسال يسوع إلى هيرودس (آ 6- 12). بعد أدى هزئ به الملك (وحاشيته) ألبسه ثوباً أبيض. ولكن يسوع لم يكلّل بالشوك ولم يرتدِ "رداء قرمزياً" كما قال مت 27: 27- 31 ومر 15: 17- 20 ويو 19: 1- 3. إن إدخال هذا الحدث في الخبر، أتاح للوقا أن يدخل الاعلان المثلّث ببراءة يسوع الذي نجده في فم بيلاطس (آ 14، 15، 22).
وأخيراً، تصوّر لوقا المجموعة الرابعة بشكل "مسيرة يسوع إلى الآب" (23: 26- 24: 3). وتتوزّع هذه المجموعة في ثلاث محطات: تطواف نحو الجلجلة (آ 26- 31) مع حدث "بنات أورشليم" (آ 28- 31). محن ثلاث تعرّض لها المصلوب من قبل الحاضرين، وجوابه عفواً يقدّمه لجلاّديه ورفيقه على الصليب (آ 32- 34). وفي النهاية، عبور إلى الآب، كلام قائد المئة، راحة السبت العظيم، اكتشاف القبر الفارغ (23: 44- 24: 3). إن موت يسوع يبدو في الإنجيل الثالث استسلاماً بين يدي الآب ومسامحة للبشرية. مثل هذه النظرة تلتقي ونظرة يوحنا.
أما فيما يخصّ مجموعة "القائم من الموت على طرقاتنا" (24: 4- 53)، فيشرفُ على خبر لوقا حدثُ "طريق عماوس" (آ 13- 35) الذي يضمّ وحده 22 آية فيغطّي نصف ف 24 تقريباً. هذا الفصل الخاص بلوقا قد ترك أثره في خاتمة مرقس الطويلة (16: 12- 13). وتحيط بهذا الحدث لوحتان: إعلان يوجّهه (المسيح) الحي إلى النسوة، وهو يبدأ بفعل "وحصل"، كما يتبعه ذكر دهشة بطرس (آ 12). ثم حضور الرب وسط تلاميذه الأحد عشر ورفاقهم (آ 36- 49). إن لهذين المشهدين ما يوازيهما في التقليد الإزائي (مت 28: 1- 8، 16- 20؛ مر 16: 1- 8، 14- 18) وفي إنجيل يوحنا (20: 1- 13، 19- 23)، غير أن لوقا يطبع الخبر بطابعه الشخصي. كما يشدّد ثلاث مرات على مصير ابن الإنسان (آ 7، 26، 46) كما أعلنه يسوع (آ 6) تتمةً للكتب (آ 25- 27، 44- 46). فهو يتحدّث بوضوح عن وعد بالروح القدس (آ 49) سيصوّر فيضُه في سفر الأعمال (ف 2). والبركة (24: 50- 53) التي تختتم الانجيل، هي خاصة بلوقا. إنها تذكّرنا ببداية الإنجيل وتعلن أعمال الرسل.
3- تقديم النصّ
أ- آلام يسوع
يتفق الشّراح المعاصرون على القول بأن خبر آلام يسوع في لو يقدّم لنا صورة "النبي الشهيد"، الشاهد الشاهد، الذي يقدّم نفسه مثالاً للمسيحيين المضطهدين خلال القرن الأول. وما يؤكّد هذا الكلام هو خبر موت اسطفانس (أع 7: 55- 60) الذي دوّن حسب رسمة موت يسوع. غفر اسطفانس، كما غفر يسوع. وسلّم نفسه إلى الله كما فعل يسوع قبله. 
ولكن لوقا يرى أن يسوع ليس شاهداً بين سائر الشهود، ولا نبياً بين سائر الأنبياء. إنه ذاك الذي نال مسحة الروح من أجل رسالته الفريدة: فتعليمه هو كلمة الخلاص النهائية (4: 18- 21). وموته كنبيّ في أورشليم (13: 33) هو ختم رسالته وتوقيع بالدم على تعليمه. هذا ما نراه في مثوله أمام المجلس الأعلى، وهو خبر يبدو أصيلاً في 22: 66- 71. سألوه هل هو المسيح. أجاب يسوع وهو عارف ما ستكون عليه نتيجة جوابه: لن يصدّقوه، لن يطلقوا سراحه. غير أنه لا يستطيع أن يسكت. عليه أن يؤكد أنه ليس فقط المسيح الذي انتظره إسرائيل، بل ابن الله في كمال المعنى الذي تحمله هذه العبارة. وإنه سوف يموت بسبب ذلك. غير أن هذا الموت هو الشهادة التي تفرضها رسالته، والطريق الوحيدة التي بقيت له لكي يكون أميناً لأبيه ويحمل الحقيقة إلى أحبّائه.
هل أعطى لوقا استشهاد يسوع هذا فاعلية خلاصيّة؟ هناك من ظنّ ذلك على ضوء نصوص يهوديّة متأخّرة نَسبت إلى موت الشهداء سلطان تكفير خطايا الشعب. غير أن هذا التفسير لا يبدو معقولاً لسببين: الأول، لا يربط لوقا تكفير الخطايا بموت يسوع. الثاني، لا يحتل التكفير عند اليونان المكانة التي يحتلّها في العالم اليهودي.
ورغم ذلك نستطيع القول إن لوقا يجد في استشهاد يسوع وظيفة خلاصية. أولاً، لأنه يعلن بشكل احتفالي بنوّة يسوع الإلهية، وهي موضوع ينال الخلاص. ثانياً، لأن طريق الخلاص لتلاميذ يسوع تقوم بأن يحملوا الصليب على خطى معلّمهم (9، 23؛ 14: 27؛ 23: 26). إن خبر موت اسطفانس يدلّ بما فيه الكفاية على أن موت يسوع يفتح الطريق إلى الخلاص.
فيسوع في آلامه ليس فقط النبي الشهيد والشاهد الأول. فهناك تشديد على مسيرته إلى الآب، على عبوره إلى الآب. فهذا هو معنى كلامه خلال شهادته أمام المجلس الأعلى: "ولكن، من الآن يكون ابن البشر جالساً عن يمين قدرة الله" (22: 69). ففي الحاش حسب لوقا، نكتشف شيئاً فشيئاً حياة يسوع الحميمة مع أبيه. فمنذ بداية الخبر حتى نهايته، يسوع هو تجاه أبيه. في بستان الزيتون، هتف: "أيها الآب... لا مشيئتي، بل مشيئتك" (22: 42). وعلى الصليب هتف: "يا أبتاه اغفر لهم" (23: 43). وفي النهاية: "يا أبتاه، في يديك أستوح روحي" (23: 46). هذا الحضور وجهاً إلى وجه هو حوار وصلاة وعلاقة الابن مع أبيه. وفي هذه العلاقة سيدخل اللّص بنعمة من الله فيسمع كلمات يسوع: "اليوم تكون معي في الفردوس" (23: 43).
إن هذا الدخول في العهد (الميثاق) (معي... أنت)، في حياة الابن الحميمة، هذا العهد الجديد (22: 20) الأبدي، هو ذروة هذه الفصول التي فيها يكشف لنا لوقا معنى الحدث بما فيه من نور وظلمة بالنسبة إلينا. ففي هذه العلاقة الفريدة بين يسوع وأبيه، في هذه البنوّة التي تقدّم عهداً للإنسان الخاطئ، تظهر بشكل حاسم كرامةُ يسوع الملوكية: إنه الابن الوحيد الذي عرف المحنة من أجلنا (22: 29؛ 23: 43).
إن نسخة لوقا عن الآلام، تستعيد بشكل إجمالي رسمة مرقس: الآلام السّرية في مجموعة التلاميذ (مر 14: 12- 52). الآلام العلنية مع المحاكمتين (مر 14: 52، 15: 19). كشف القلوب أمام المصلوب (مر 15: 20- 41). ولكن ترتيب المشاهد يتبدّل لإبراز المسيرة التاريخية للأحداث. ركزّ مرقس المتتالية الأولى (14: 12- 52) على موقف يسوع الذي. سلّم نفسه إلى الآب وإلى البشر. أما لوقا فقدّم إزاء ذلك تأسيس الافخارستيا (22: 1- 38) وتوقيف يسوع على جبل الجلجلة. فهنا وهناك أحاط بعمل يسوع (الفصح والافخارستيا، الصلاة والنزاع) تدخّل يهوذا (22: 3- 5؛ رج آ 22- 23، 47- 48) وتدخّل بطرس (22: 31- 34، 54- 62) وسط الاثني عشر. وتبديل محل خبر نكران بطرس يبرز هذا التقديم للأحداث.
ويهتمّ لوقا اهتماماً خاصاً بالاثني عشر وبمن يقف تجاههم: إنهم مجموعة رجال يواجهون تجارب الشيطان. غير أن يسوع يقدّم لهم ميثاقا جديداً يحمله لا صلاته إلى الآب. وهكذا تأتي لوحتان فتقسمان إلى اثنين "آلام يسوع السّرية"، حيث يسلّم يسوع نفسه لرسله الذين يخونونه: الافخارستيا التي أسّسها في قلب محنته. صلاة امّحاء الابن التي صارت فاعلة من أجل بطرس.
أولاً: الافخارستيا في البيت
كان باستطاعتنا أن نقسم هذه المتتالية إلى ثلاثة أحداث: خيانة يهوذا والاستعدادات للفصح (22: 1- 13). الاحتفال بالفصح والوصول إلى الافخارستيا (22: 14- 23). "خطبة بعد العشاء" التي تتواصل في حوار (22: 24- 38). وما يثبت هذه القسمة فعل "حصل" الذي يعود في آ 14 وآ 24. ولكن هناك من يرى في "وحصل" (في آ 14) فعلاً مشتركاً بين الإزائيين فيشدّد على آ 24 الأصيلة في لوقا. "ولما كان المساء" (مت 26: 20؛ مر 14: 17). إذن، نقدر أن نحدّد مجموعة أولى ننتقل فيها من الاحتفالي بالفصح المرتبط بخيانة يهوذا (آ 1- 3) إلى عطية الميثاق الجديد الذي ينضمّ إليها الكشف عن الخيانة (آ 20- 22). أما المجموعة الثانية فتتكوّن من خطب ثلاث وجّهها يسوع إلى الرسل، إلى بطرس، إلى الرسل.
ثانياً: صلاة الابن وامحاؤه
وإذ تنقلنا المتتالية الثانية إلى النزاع في جبل الزيتون، تحدّثنا عن صلاة يسوع. لقد ألغى الإنجيل الرابع مشهد النزاع لأنه ذكر جوهره في 12: 23- 33 (يا أبتاه، نجني من هذه الساعة). أما خبر لوقا فيتوزّع في ثلاث مراحل: الأولى، النزاع (آ 39- 46). الثانية، التوقيف (آ 47- 53). هاتان المرحلتان تتشابهان مع التقليد الإزائي. أما المرحلة الثالثة فتتضمّن نكران بطرس للمسيح في بيت عظيم الكهنة (آ 54- 62) ومشهد الهزء خلال الليل (آ 63- 65). قلب لوقا هذين المشهدين بالنسبة إلى مت ومر اللذين جعلا اجتماع السنهدرين يتمّ في الليل. أما يوحنا فأورد مشهد المثول أمام حنان (18: 12- 23) وميّزه عن مشهد المثول أمام قيافا (18: 24- 28). إفترض لوقا التقليد اليوحناوي فلمّح إلى "محاكمة" ليلية (22: 54) ولم يمزجها مع المثول أمام المجلس الأعلى. هل نحن أمام اهتمام تاريخي؟ ربّما. فالتشريع اليهودي يمنع المجلس من الانعقاد ليلاً ليتفحَّص المجرمين، كما يفرض أن لا يُعلن حكم الاعدام يوم المحاكمة. 
ثالثاً: يسوع مسيح وملك
"ولما كان النهار". هذه العبارة التدوينية تدلّ على مسيرة متدرّجة كما في 22: 7، 14، بالنسبة إلى "يوم الفطير" و"الساعة". في مت 27: 1 ومر 15: 1 (رج يو 18: 28)، يدلّ "الصباح" (بروي) على انتقال من المحاكمة الليلية أمام المجلس إلى محاكمة تمّت في وضح النهار أمام المحكمة الرومانية. أما لوقا فتحدّث عن "النهار" الذي بدأ يطلع، الذي هو آتٍ. نتذكّر هنا "اليوم الذي فيه يُعلن ابن الإنسان" (17: 30).
حتى الآن ما زال يسوع يصليّ ويخلّص. حتى الآن ما زال الجنون القاتل يتعاظم. فمن يعرف ان يرى الأمور، يفهم أن الخلاص يتغلّب على قوة الظلمة. والانحدار في ليل النزاع والخيانة والهزء ينتهي ب "النهار" الذي هو نهار الدخول إلى الملكوت. ففي جبل الزيتون، وفي الليل، سيطر الصمت والدخول في ظلمة الوضع البشري. وها هي الكلمة تظهر من جديد مع "النهار": كلمة علنية يتلفظ بها يسوع أمام السلطات، على طريق الجلجلة، على الصليب. وهكذا تجد المحاكمة مكانتها في هذا الموضع من الخبر.
ب- قيامة يسوع
يتحدّث ف 24 عن حضور يسوع بيننا، عن الطريقة التي بها يدخل في حياتنا. غير أن هذا الحضور يبقى متحفّظاً فيتّخذ ظاهر الغياب: غياب جسد يسوع الذي وُضع في القبر واختفى بشكل سّري. غياب ذاك الذي "اختطف" نحو أبيه والذي سيعود ليعيش معنا في الامّحاء. وبين هذين الغيابين يرتسم طريق أمامنا. فالنسوة، وبطرس، وتلميذا عماوس، لا يبدأون (كما في سائر الأناجيل) مسيرة الإيمان الذي ينطلق من متطلّباته الخاصة، بل نحن بالأحرى أمام مسيرة القلب. وهي مسيرة نكتشف فيها أن يسوع يوجد حيث نحتاج إليه، في واقع لا نتوقّعه. ففي عماوس، ظنّه التلميذان غريباً، جاهلاً، مدعواً... مع أنه قريب جداً، وعارف بالكتب المقدّسة، مع أنه صاحب البيت.
كيف يكون هذا الطريق بين غيابين؟ يبدو الأول بشكل حاجز لا نستطيع تجاوزه: "كنّ متحيرّات" (آ 4). والثاني بشكل "بركة": "وفيما هو يباركهم" (آ 51). وكيف يتدرّج هذا الطريق من "غياب يسوع" إلى "غياب نعيشه مع يسوع" (أخذ يسير معهما، آ 15)؟ في الواقع، يبدو هذا الطريق في خمسة مشاهد، إذا اعتبرنا أن "السبت العظيم" يشكل انتقالة من الآلام إلى القيامة.
فالصعود والمباركة الأخيرة (24: 50- 53) يتوازيان مع السبت العظيم الذي يبدأ (23: 54- 24: 3): صار الغياب ملئاً وحضوراً. وحدث زيارة النسوة إلى القبر (ثم بطرس) (آ 4- 12) يوازي ظهور القائم من الموت على الأحد عشر ورفاقهم الذين صاروا شهوداً (آ 36- 49). وخبر تلميذي عماوس، الخاص بلوقا، يشكّل قلب المتتالية (آ 13- 35)، فيبدو تقليداً أصيلاً يفترق كل الافتراق عن سائر مواد هذا الفصل.
حين نتطلّع إلى المعالم التدوينية في التأليف اللوقاوي، نكتشف النقاط التالية. في الوحدة الأولى (السبت العظيم) نلاحظ التكرارات: السبت (آ 54، 56). الحنوط والأطياب (23: 53؛ 24: 1). الجسد (23: 44، 24: 3). القبر (23: 55؛ 24: 2). وجدن، لم يجدن (24: 2، 3). كل هذا يؤمّن التماسك في الخبر. وتتميّز الوحدة الخامسة باستعمال كلمة "وحصل" (آ 51) وتكرار فعل "بارك" ثلاث مرّات (آ 50، 51، 53). ونجد في المقطعين المتوسّطين (آ 4- 12، 36- 49) موازيات لافتة: "وقف بهن رجلان" (آ 4)= "وقف هو نفسه في وسطهم" (آ 36). "كنّ مذعورات" (آ 5)= "لمَ هذا الاضطراب" (آ 38)؟ "لم يصدّقوهن" (آ 11) = "كان مدهوشاً ممّا جرى" (آ 12)= كانوا مندهشين (منذهلين) (آ 41). تذكّروا كلام يسوع الذي ينبئ بموته وقيامته (آ 6- 7= آ 46). ونلاحظ أخيراً أن الاعلان على النسوة يبدأ بفعل "وحصل" (آ 4). أما المقطع عن عمّاوس فينطلق من خبر سابق أدخله لوقا في سياقه مع فعل "حصل" (كاي اغاناتو، آ 15، 30).
إن مسيرة ف 24 تبدو مسيرة من زمن أول (غياب/ إعلان) إلى غياب ثانٍ (حضور في البعد/ مباركة) بفضل خبرة عماوس. فالزمن الأول ينطلق من الموت والتحيرّ أمام القبر الفارغ، ويتحدّد موقعه على مستوى إعلان بسيط يقول إن يسوع حيّ. والثاني يقدّم خبرة تُعاش مع القائم من الموت الذي يُرى ويُلمس، وينتهي في فرح الانفصال الذي يُعاش بشكل مباركة. من جهة، نحن أمام كلمة لم تُفهم بعد. ومن جهة ثانية، سمح يسوع بأن يلتقوه، يعرفوه. ثم اختُطف من بينهم وهو يباركهم.
نستطيع أن نجمل تعليم هذه المتتالية كما يلي. في البدء فراغ يتعمّق مع نساء سمعن إعلاناً ولكن لم يصدّقهن أحد. ومع بطرس الذي لم يرَ شيئاً مع أنه رغب في أن يرى. وجمع يسوع تلاميذه في إضمامة افخارستية (أخذ واكل أمامهم، آ 43) وجعلهم شهوده (آ 48، أنتم شهود لذلك).
إذا قابلنا خبر لوقا هذا مع خبر الانجيليين الثلاثة الباقين، نرى أنه لا يقدّم لنا يسوع كالقائم من الموت الذي نلاقيه في الجليل، أرض الإيمان التي منها انطلق تعليم الملكوت (مر 16: 7). ولا كالربّ الممجّد الذي يظهر في تيوفانيا كما على جبل سيناء (مت 28: 1- 5)، فيوفد تلاميذه في رسالة شاملة (مت 28: 16- 20). ولا كالمسيح المرتفع في المجد والعائش وسط التلاميذ، إخوته، ليشركهم في رسالته كابن الله (يو 20).
أما عند لوقا فالفكرة المركزية وربّما الوحيدة هي فكرة مجيء يسوع الخفي (المحتجب) في قلب حياتنا وعلى طرقاتنا. هو لا يفجّر العالم بظهوره كما في مت أو يو، بك هو يكشف عن ذاته قائماً من الموت في الواقع اليومي. وإذا كان التلاميذ قد ارتاعوا حين رأوه، فلأنه أظهر حضوره بشكل كبير. وان كانوا لم يصدّقوا، فبسبب فرحهم. فشعورهم لا يستطيع أن يتوافق مع هذه العلاقة المباشرة. فالظهورات تحمل الحيرة والاضطراب، وهي هنا لكي تدخلنا في نمط آخر من الحضور، في المسافة والبركة. 
وإنطلاقاً من هذا الشكل الجديد من الحضور، تنطلق الشهادة. ففي ف 24 (آ 45- 49) لا نجد إرسال تلاميذ في المعنى الحصري للكلمة. فالارسال يكون في أع. أمّا هنا، فيسوع لا يهتمّ بأن يرسل، بل يدخل تلاميذه في طريقة حضوره الجديدة: إنه يتغلغل عبر مختلف التصرّفات البشريّة لكي يوقظ فيها الحرّية. حين نقرأ هذا النصّ، نستطيع القول إن "تاريخية" القيامة تقاس بحضور يسوع: حضور يومي جداً بحيث لا نتوقّعه. وغير متوقّع بحيث يحيرّنا. إن عمل الله عبر القائم من بين الأموات في حياتنا اليومية، هو اكتشاف مذهل لا سيما للذي لا يعش عهداً مع الله، كما كانت الحال بالنسبة إلى الوثنيين.
في هذا المنظار، إختلف لوقا عن سائر الانجيليين حين تكلّم عن الرباط بين الإيمان وواقع القيامة. عند مرقس أو يوحنا، الإيمان يكشف عن الواقع. عند لوقا، الوقائع تكشف عن الإيمان. مع الأفعال والخطب يفهم الإيمانُ الحدثَ فهماً "روحياً" أي في الروح القدس. وهذا ما نكتشفه شيئاً فشيئاً في أعمال الرسل. وقراءة الحدث هذه تعمِّقه! فيسوع يفتح القلب ليفهم (تحققوا، إفهموا، أنظروا). فمسألة الإيمان لقارئ لو هي أن يكتشف في أحداث حياته الخاصة أعمال الله في تاريخنا، أن يرى حضور احيّ الذي يقدّم لنا ذاته. حينئذ نفهم بلاغ "الرجلين" عند القبر: إِنهما يقرأان الحدث قراءة سماوية. في هذا الوقت ظلّ الأحد عشر مُغلَقين، وبطرس لم يفهم. وتلميذا عماوس تركا الاخوة وذهبا مع حزنهما.
في هذا المقطع يلعب "التذكّر" دوراً لا تلعبه "الرؤية": حين نتعرّف إلى يسوع يصبح أولا غير منظور. فالتذكّر يتيح لنا أن نعيد قراءة الحدث على ضوء الروح القدس مثل مريم، أم يسوع (2: 19، 51). وحين يظهر يسوع، يبدو الفرح عائقاً أمام إيمان التلاميذ الذين اضطربوا تجاه هذا السّر القريب. كيف يكتشفون الفهم العميق لهذا الحضور الذي يهيّئه يسوع لهم؟
4- التعليم الذي نكتشفه في النص (22: 1- 24: 53)
ما هو المدلول العميق لآلام يسوع وقيامته في لو؟ ان يحدّثنا عن الطريقة "الملموسة" و"التاريخية" التي بها يسوع، ابن الإنسان، قد اخترق سّر الآلام والموت ليدخل إلى حياة أبيه الحميمة في قلب وجودنا اليومي. هناك عبارتان تحدّدان هذا "الحدث". "يا أبت، إغفر لهم". "يا أبت، في يديك استوح روحي". إن هذين الدعاءين اللذين وجّههما يسوع إلى أبيه يدلاّن في الوقت عينه على تضامنه مع البشر الذين هم ضحيّة الشر وفاعلوه، وعلى انتزاعهم من هذا الشر بنعمة الله.
أ- موضوع التضامن
ونبدأ بموضوع التضامن. إنه أفضل طريقة لكي يعبّر لوقا عن تجسّد الله في يسوع المسيح. ويظهر هذا التضامن بشكل خاص يا خبر تأسيسه الافخارستيا والخطبة التي تليه. كما نجد تعبيراً عنه في جلوس يسوع مع تلاميذه إلى مائدة واحدة، مع أنهم خطأة مثل يهوذا "الذي كان من عداد الاثني عشر" (22: 3). ويشدّد لوقا ثلاث مرات على هذه المشاركة التي تذكّرنا بالطعام مع الخطأة (5: 29- 30، 33- 35؛ 7: 36- 50). "أعدّا لنا الفصح لنأكله" (22: 8). أما في مت 26: 17 ومر 14: 12، فقد تكلّم التلميذان عن فصح يهيّئانه للمعلم. ونقرأ في 22: 11: "أين الردهة التي آكل فيها الفصح مع تلاميذي" (= مت 26: 18؛ مر 14: 14)؟ ونقرأ آية خاصة بلوقا: "إشتهيت شهوة أن آكل هذا الفصح معكم" (22: 15). وسيظهر هذا الطعام الفصحي عهداً جديداً في دمّ يسوع "المراق عنكم" (22: 19).
ترد مرتين لفظة "عنكم" عند لوقا فتبدو خاصة به. أما مت 26: 28 ومر 14: 24 فيستعملان عبارة سامية "من أجل الكثيرين (لغفران الخطايا)". وإعلان الخيانة يشير من جديد إلى هذا القرب الذي يتيح ليهوذا أن يسلّم ابن الإنسان (22: 21= مت 26: 23؛ ومر 14: 20). وتذكّرُ مز 41: 10 (صديقي أكل خبزي وانقلب علليّ) ظل محتجباً، بينما هو واضح في مر 14: 18 ويو 13: 18. زال الهيكل (مركز حضور الله) وعفّى عنه الزمن. ولكن بعطية جسد يسوع في البيت، صار الله قريباً (في متناول) من جميع البشر.
وتدلّ الخطبة القصيرة بعد العشاء على حياة الجماعة التي يعيشها يسوع مع أخصّائه، في خطّ قريب من غسل الأرجل (يو 13: 12- 17) و"الوصية الجديدة" (يو 13: 34- 35) في الانجيل الرابع. نلاحظ كلام يسوع: "أنا بينكم كالخادم" (22: 27). هكذا دشّن ستراتجية "الخدمة" ضدّ سياسة التسلّط. وهكذا أورد لوقا بطريقته "القولة" عن الفدية كما نقرأها في كما 20: 28 ومر 10: 45. غير أنه احتفظ فقط بالخدمة وألغى فكرة "الفدية".
تضامن يسوع مع الانسان "فخدم" حتى الموت. وفي هذا كان الشاهد الأول. تجنّب لوقا الحديث عن "ذبيحة" لأن هذه اللفظة تضلّل قرّاءه. غير أنه استعاد موضوع التضامن (فعل "أعدّ" يعود إلى جذر "عهد")، وذكّرنا بمصير واحد يربط الابن بتلاميذه: "أنتم قد ثبتّم معي في محني. وأنا أعدّ لكم الملكوت كما أعدّه لي أبي، لكي تأكلوا وتشربوا على مائدتي في ملكوتي" (22: 28- 30).
إن تشارك يسوع الحالي مع تلاميذه يقود إلى الجلوس القريب إلى مائدة واحدة معه في ملكوته. وهكذا تكون مسيرة الخلاص قد بدأت منذ الآن. لقد استشفّها بطرس، ولكنه لا يستطيع بعد أن يسير فيها. "يا ربّ، أنا أمضي معك إلى السجن" (22: 33). وتنتهي خطبة بعد العشاء بإيراد واضح لنشيد عبد الله المتألّم (الرابع)، وهو لا يرد إلاّ هذه المرّة في لوقا: "أحصي مع الأثمة" (22: 37= أش 53: 12). إن هذا الايراد لا يدلّ على الألم التكفيري الذي قاساه النبي والخادم السّري، بل على تضامنه مع المرذولين والخطأة.
بعد هذا الوقت، نشاهد امّحاء يسوع المتواصل. حين صلى على جبل الزيتون، ابتعد "نحو رمية حجر" عن تلاميذه الذين ناموا من الحزن. أما الرجالي الذين جاؤوا ليوقفوه كأنه لصّ (22: 52)، فذكّرهم قال: "كل يوم كنت معكم في الهيكل ولم تمدّوا علي يداً. ولكن، هي الآن ساعتكم، وهذا سلطان الظلمة" (22: 53). سينزل يسوع في هذه الظلمة العميقة ساعة ينكره بطرس حين يسمع الناس يقولون: "كان أيضاً معه" (22: 56، 59). أو: "أنت أيضاً منهم" (22: 58). وأعلن يسوع أمام السنهدرين: "من الآن يكون ابن البشر جالساً عن يمين قدرة الله" (22: 69). إنه ذاهب إلى أبيه (رج 22: 42). وفي الوقت عينه يسلّم إلى إرادة البشر (23: 25). 
حين اقتيد يسوع إلى خارج المدينة ليُصلب، بدا تضامنه مع البشر واضحاً في لو. قال لنساء أورشليم أن لا يبكين عليه، بل على نفوسهنّ وعلى أولادهنّ: إنهن يقدرن أن يقرأن في موته المصيرَ الذي ينتظرهن. بعد هذا سيُجعل في مصاف الأثمة (23: 32). ويتجادل الناس حول صليبه في الخلاص الذي لا يستطيع أن يمنحه. ولكنه في ذلك الوقت أخذ موت البشر على عاتقه فأمّن لهم طريق خلاص. هذا ما عبرّ عنه تدخّل "لصّ اليمين". أقرّ ببراءة يسوع وطلب منه أن يذكره. فاعلنت له كلمة يسوع حالاً أن ما ترجّاه قد تحقق: "اليوم تكون معي في الفردوس" (23: 43). أجل، صار يسوعُ ابنَ الانسان لكي يستقبل الانسان في حياة الله الحميمة. هذا هو تضامن يسوع معنا في عهد جديد وميثاق أبدي.
ب- مسامحة البشر وانتزاعهم من الشرّ
إن انتقال يسوع إلى أبيه، يدلّ على عودة البشر إلى نعمة الله، على مسامحتهم وانتزاعهم من الشّر. ساعة سلّم الابن روحه بين يدي أبيه، صار القرب إلى الله مفتوحاً أمام كل واحد منا. هذه هي المسيرة الثانية التي تخرج من قلب الظلمة حيث انحدر يسوع فشارك البشر في موتهم وصار ضحيّة عنفهم القاتل. كانت الحرب هائلة، كانت مواجهة بين الحياة والموت، بين الله والشيطان. فقبضة الشيطان قاسية كما يقول لوقا في 22: 3، 11؛ 23: 35- 39. وبيلاطس نفسه سيكون دمية في يد المجرّب (23: 25).
ونتعرّف إلى تدرّج العودة إلى النعمة عبر خبر الآلام. هناك "ضرورة" (ينبغي) مخطّط الله الذي يمرّ في ذبح حمل الفصح واكله (22: 7- 8): وتتمته في الملكوت تمرّ في عذاب يسوع (22: 15- 16). فهذه هي طريق ابن الانسان (22: 22). ووسط تخاذل التلاميذ، بدت صلاة يسوع الفاعلة كأمل بالعودة (22: 32: صلّيت لأجلك). ففي الحرب الروحية التي يخوضها الشاهد الآن، ستكون أمانة المعلّم لرسالته (22: 37) وصلاته التي تحرّك صلاة تلاميذه (22: 40- 46) قوّة تساعدهم على الصبر في تحمّل التجربة والاضطهاد الآتي. فيسوع يبقى في تدخّله من أجل خادم عظيم الكهنة الذي جُرح (22: 51) ذاك الذي يمرّ وهو يفعل الخير. إنه يخضع بحرّية "لسلطان الظلمة" (22: 53).
حين استُجوب يسوع أمام السنهدرين وبيلاطس، عرّف الناس بهويّته: هو المسيح، ابن الانسان، ابن الله، الملك. غير أن هذه الهويّة الحقيقية التي تجعله حقاً مخلّص العالم، لا يمكن أن تُعرف الآن. بل سوف تُعرف في موته الذي ستحدّد معناه كلمات ثلاث عن الغفران والمشاركة والصبر: غفران طلبه من الآب لأجل جلاّديه (23: 34). مشاركة في رجاء الملكوت مع "لصّ اليمين" (23: 42). صبر في إخضاع كل كيانه لمخطّط الآب. إن طريقة الموت هذه هي طريقة موت "البار". هذا ما أقرّ به قائد المئة (23: 47) قبل أن يسمّيه بطرس "القدوس والبار" (أع 3: 14؛ رج 7: 52). فعبر حياة لا لوم فيها وموت غير عادل، ستفتح النعمة طريقاً لها إلى قلب الإنسان. وهذا الطريق هو عمل الروح القدس.
خ- القيامة
ويدلّ الفصل عن القيامة كيف أن الموضوعين السابقين يلتقيان: فالقائم من الموت يمرّ في طرقاتنا ويسير معنا (24: 15، 29). وهو يترك لنا، كعلامة عن حضوره، جسده الافخارستي (24: 30- 31، 35). كما يدعو الجماعة الشاهدة (24: 9، 47) لتحيا في قدرة الروح القدس (24: 49). حين انتقل إلى أبيه، انتقل فينا كما أسلم في آلامه إلى إرادة البشر وإلى إرادة الله. ما يحرّك هذا التضامن ويجعله فاعلاً هو مخطّط خلاص الله الذي أعلن في "الحي" (24: 5). تحمّل مصيره من الألم الذي اعتبره ضرورة نعيشها (24: 7، 26)، ثم كتاباً نفهمه (24: 45- 46)، وشهادة نؤدّيها (24: 48)، وأخيراً بركة نتقبّلها (24: 50- 53).
خاتمة
إن خبر الآلام والقيامة عند لوقا يقدّم يسوع كالنبي والملك الحامل البشريّة في طريقه النبوي إلى الآب. كان البُعد النبوي حاضراً في حياة يسوع منذ بداية رسالته. وسيمتدّ هذا البعد في امّحاء نزاعه والقبض عليه.
وستظهر المهمّة النبوية من خلال شهادة يسوع أمام المجلس الأعلى. قالوا: "لقد سمعنا نحن من فمه" (22: 71) الكلمة النبوية. وهذه الكلمة ستقوده إلى الموت، شأنه شأن أنبياء شعبه.
وظهر الطابع الملكي ليسوع منذ البشارة في الناصرة والولادة في بيت لحم. وقد تسلّمه بشكل خاص حين دخوله إلى أورشليم: "مبارك ذلك الآتي، الملك، باسم الرب" (19: 38). ومجيء ابن الانسان يدلّ على قدرة الله على الكون. إلى هذا الملكوت دعا تلاميذه خلال العشاء السري. وفي النهاية سيدعو الفص الذي طلب منه أن يذكره في ملكوته: "اليوم تكون معي".
مع لقب النبي والملك تُجمل آلامُ يسوع وقيامته كلَّ رسالته وسط البشر، وتدعونا إلى السير وراءه. وهو يدعونا لكي نستقبل الآخرين ونغفر لهم، كما يدعونا إلى عيش تضامن جديد مع البشر.
الفصل التاسع عشر
خيانة يهوذا
22: 1- 6

بعد أن صوّر لوقا رسالة يسوع في هيكل أورشليم (19: 28- 21: 38)، بدأ جزءاً آخر مهماً من إنجيله. ففي هذا الجزء سيصل يسوع إلى ذروة "خروجه" (اكسودوس، 9: 31). كما أنه سيبدأ "صعوده" إلى الآب. في هذه النقطة، يلتقي لوقا مع الإنجيليين الثلاثة الآخرين، فيقدّم خبر الآلام (22: 1- 23: 56 أ) بطريقته الخاصة. فهذا "الصعود" بدأ يتمّ في خبر القيامة (23: 56 ب- 24: 53). حتى الآن، صُوّر يسوع وهو يمارس عمل التعليم بشكل حصري في الهيكل. مع ف 22- 23، ستكون مسيرته في مدينة أورشليم أو في جوارها.
1- نظرة عامة
منذ الآيات الأولى في ف 22، يبرز عنصران رئيسيان في خبر الآلام: الفصح والشيطان (آ 1- 3). أما موضوع هذه القطعة فهو تسليم (باراديدستاي) يسوع (آ 4- 6) على يد الخائن الذي هو من عداد الاثني عشر. ويكون تأثير هذا الخبر قوياً علينا، لا سيّما وأن لوقا لا يورد في هذا الموضوع المسح بالطيب في بيت عنيا كما فعل كل من متّى (26: 6- 13) ومرقس (14: 3- 9) ويوحنا (12: 1- 8). إن ما يوازي هذا النصّ موازاة بعيدة عند لوقا، هو خبر الخاطئة التي جاءت إلى بيت سمعان فغفر لها الربّ (7: 36- 50).
عيد الفطر هو بداية آلام يسوع، وبداية آلام الكنيسة. ففي هذا العيد أوقف الملك هيرودس (أغرببا الأول. وابن أخ هيرودس انتيباس الذي يتحدّث عنه لو 22: 8- 12) بطرس (أع 12: 1- 4) "وكان ينوي أن يعرضه للشعب بعد عيد الفصح" من أجل المحاكمة.
عيد الفطر هو عيد "الخبز بدون خمير". كانوا يأكلون الفطير "سبعة أيام" للاحتفال بفصح الربّ (لا 23: 5- 6؛ عد 28: 16- 17). هذا العيد الذي يسبقه استبعاد الخمير من البيوت، كان يبدأ في عيد الفصح الذي فيه يذكّرهم الحمل المذبوح، المشوي والمأكول، بالخروج من مصر والتحرّر من العبودية (حز 12: 1- 27). كانوا يحتفلون بالفصح في ليل 14- 15 نيسان (يقابل 15 أذار- 15 نيسان في الروزنامة التي نستعمل)، في ملء القمر (البدر). فكان العيد مناسبة وعي مسيحاني، ولهذا كان ينتهي مراراً بثورة سياسية. هذا ما يرويه لوقا في 13: 1- 2، وكيف أن بيلاطس مزج دماء الذابحين بدماء ذبائحهم.
لا شكّ في أن "عظماء الكهنة والكتبة" يريدون أن يتجنّبوا مثل هذا الانقلاب الشعبي. فلوقا يلاحظ أنهم "كانوا يخافون الشعب" (آ 2 رج 20: 19؛ أع 5: 26). فالشعب يمشى مع يسوع، ويستمع بفرح إلى كلامه (21: 38). ويلاحظ لوقا أيضاً أن يهوذا (يوضاس) يحاول أيضاً أن يسلمه دون أن يكون الجمع على علم بذلك، دون أن يتدخّل الجمع (آ 6). إن هذه المقدمة الاحتفالية تعلن الإطار الفصحي الذي فيه يتسجّل خبر الحاش والآلام.
لم يتكلّم لوقا بعد عن الشيطان (ساتاناس) (رج 10: 18؛ 11: 18؛ 13: 16) خلال تجارب يسوع، بل عن "إبليس" (4: 2، 3، 5، 12). غير أنه كان قد أعلن عن عودة المجرّب (4: 13: بعدما جرّبه، فارقه إلى حين). نشير هنا إلى أن ابليس يعني: المفتري. والشيطان هو: المتهّم، الحاجز.
غاب الشيطان بعد التجارب، وها هو يظهر الآن (رج يو 13: 2- 27). وفي نظر لوقا، هذا الشخص "السّري" هو الذي يحرّك كل الخيوط. فهو "يشرف" على محاولة "تسليم" يسوع. وهذه المحاولة هي محاولة شيطانية: ينفّذها أولاً يوضاس (22: 4، 6، 21، 22- 48)، ثم بيلاطس (23: 25) وعظماء الكهنة (24: 20؛ رج 22: 52- 53). إن لوقا يرى في الآلام آخر مجهود يقوم به الشّرير ضدّ مخطّط الله.
2- دراسة تفصيلية
أ- عيد الفطير (آ 1- 2)
عيد الخبز الفطير، المسمّى الفصح. ماهي لوقا بين هذين العيدين المنفصلين في الأصل (رج مر 14: 1: الفصح وعيد الفطير). إن فريضة الحجّ في هذا العيد السنوي تفسّر حضور الجموع الكبيرة من الناس في أورشليم. رج 22: 6، 47؛ 23: 4- 48. إن العلاقة بين هذه الأحداث التي ستقع وعيد الفصح، تجد لها صدى على هامش الكتاب في عودة إلى يسوع محفوظة في تلمود بابل، في برايتا (برانية، جاءت من الخارج وزيدت على تقليد المشناة، تعود إلى القرن 3 ب. م.). يتحدّث هذا النصّ عن يسوع الذي مارس السحر، وقاد إسرائيل إلى الجحود. كان له تلاميذ، وقادهم زمن الفصح.
"كان يقترب". يحدّد مر 14: 1: قبل الفصح بيومين. بدّل لوقا كلام مرقس، واكتفى بالحديث عن "اقتراب". فهو يهتمّ بأن يجعل خبر يسوع أوسع ما يكون في التاريخ، لا في إطار ضيّق.
"رؤساء الكهنة والكتبة". نحن أمام سلطات أورشليم على ما في مر 14: 1. قد ذُكرت هاتان الفئتان في 19: 47- 48. في 20: 1، 19 نجد "الشيوخ" أيضاً. وتجاههم يقف "الشعب" (لاوس). رج آ 2 ج، 6. قال مر 14: 1: "يمسكون يسوع بحيلة ويقتلونه". أما لوقا فخفّف من حدة الكلام والصورة: وسيلة بها يبعدونه، يرذلونه (انايرين. يرد هذا الفعل هنا للمرة الأولى). "كانوا يخافون الشعب". هذا ما سبق وقاله لوقا في 20: 19.
ب- ودخل الشيطان في يهوذا (آ 3- 6)
مع أن الشيطان ذُكر في 10: 18 (رأيت الشيطان هابطاً من السماء كالبرق)؛ 11: 18 (إنقسم الشيطان على نفسه): 13: 16 (ربطها الشيطان منذ 18 سنة)، فلوقا يتحدّث عنه هنا مع تلميح إلى 4: 13 حيث سقي "إبليس": فبعد أن جرّب يسوع، ابتعد عنه حتى الوقت المحدّد. وها هو يعود الآن بشكل واضح كتفسير لسقوط واحد من الاثني عشر، وكسبب يشرف بشكل مريع على خبر الآلام. نقرأ في 22: 31: الشيطان طلب أن يغربلكم. وفي آ 53: هذا لسلطان الظلمة.
إن عبارة "دخل الشيطان" ترد في يو 13: 27 (رج 13: 2). هناك اعتقاد بدائي يقول إن الشيطان يدخل في إنسان أو في حيوان. رج مر 5: 12- 13؛ لو 8: 30- 32 (مجنون الجراسيين). ونقرأ في استشهاد أشعيا (كتاب منحول، 3: 11): "دخل بليعال في قلب منسّى، وفي قلب أمراء يهوذا وبنيامين والخصيان ومستشاري الملك".
يهوذا (أو: يوضاس) المدعو الاسخريوطى. رج 6: 16. أصله من قريوت (يش 15: 25: عا 2: 2). هو الكذَّاب. رج خرّط في العربية. وقد يعود الاسم إلى اللاتينية. حامل "سيكا" أي الخنجر الصغير. وهكذا يكون يهوذا من جماعة الغيورين الذين يرفضون بشكل حادّ السيطرة الرومانية على البلاد. "كان من عداد الاثني عشر". إختاره الرب، كما اختار بطرس وأندراوس ويعقوب ويوحنا.
"مضى وفاوض" (آ 4). دخل في "معاهدة" مع عظماء الكهنة وضبّاط الهيكل لكي يسلم يسوع إليهم. بالنسبة إلى رؤساء الكهنة، رج 9: 22 ودور هذه الفئة في المجلس الأعلى. سوف يُذكرون مراراً في لو. وبدلا "الكتبة" (آ 2) نجد هنا "ستراتيغوس" (الضبّاط، رؤساء الحرس) الذي سيرد أيضاً في 22: 52 (رؤساء كهنة وقادة حرس). إرتباطهم بالهيكل واضح وهو يدلّ على وظيفتهم. في أع 4: 1؛ 5: 24، 26، يتحدّث لوقا عن "ستراتيغوس" (في صيغة المفرد) الذي قد يدلّ على رئيس حرس الهيكل، كما نجد في "قديميات" يوسيفوس. عُرفت هذه الوظيفة في التقليد الراباني (سفن ها- كهنيم، أو: الضابط في الكهنة). هؤلاء "القوّاد" الذين يتكلّم عنهم لوقا في آ 4، 52، هم حرّاس الهيكل، وقد عُرف سبعة منهم يهتمّون بتنظيم الداخلين إلى الهيكل. يبدو أن دورهم كَبُرَ مع الأيام، بحيث أدخلهم لوقا في المفاوضة مع يهوذا من أجل قبض المالي وتسليم يسوع.
"يسلّمه إليهم" (باراديدوناي). تظهر هذه الكلمة في 9: 44 (الانباء الثاني بالآلام): 18: 32 (الانباء الثالث)؛ 21: 12، 16 (عن التلاميذ)؛ رج أيضاً 22: 6، 21، 22، 48؛ 23: 5؛ 24: 7، 20.
"ففرحوا" (آ 5). هذا الفعل نجده أيضاً في مر 14: 11. "يعطوه فضّة". تبع لوقا مر 14: 11. ولكن مت 26: 15 حدّد وحده قيمة المال: "ثلاثين من الفضة". حين نعرف ردّة فعل لوقا على المال (مامون، إله ثابت. يُعبد) وعلى الممتلكات المادية، يتَّخذ هذا التفصيل معناه الزميم. إنه يدلّ على العنصر الشيطاني في الشّر الذي يقترفه يهوذا.
"أخذ يترقّب فرصة". نجد هنا معارضة بين "المعاهدة" وبين المجهود المتواصل لكي ينفّذ هذه المعاهدة بالتفصيل. "فرصة مناسبة". فيهوذا لا يعرف أين يأكل يسوع الفصح مع تلاميذه. "بمعزل عن الجمع". رج 19: 48؛ 20: 26.
3- بداية الآلام الخلاصية
أ- المقدمة (آ 1- 2)
إن أول حدث لخبر الآلام لدى لوقا هو حاشية حول مؤامرة رؤساء أورشليم ضدّ يسوع (آ 1- 2). ويتبعه حالاً ما هيّأه هؤلاء الرؤساء مع يهوذا (آ 3- 6). هذه الآيات الأولى تطنّ في آذاننا في شكل مريع ينذر بالشرّ. وتدلّ على أننا نبدأ هنا قسماً جديداً من الإنجيل.
تبدو هذه الحاشية اللوقاوية شكلاً تدوينياً لما في مر 14: 1- 2. ويمكن أن تُقابَل مع الشكل الموسّع لمقدّمة متّى لخبر الآلام (26: 1- 5). فحتى الشّراح الذين يظنّون أن لوقا عاد إلى "رواية" مستقلة وغير مرتبطة بمرقس، ينسبون هذه الآيات (آ 1- 6) إلى المرقسيات (أي الأمور الخاصة بمرقس). إذن، ارتبط لوقا ارتباطاً كلياً بمرقس، واستعمل فعله المفضّل "انغيزاين" (في متناول اليد، صار قريباً) في آ 1، بدل "كان" في مر 14: 1. وأدخل أيضاً السؤال غير المباشر (آ 2). وألقى تفصيلاً مرقسياً حول "لا في عيد الفصح" لأنه اعتبر أن هذا الخبر (وإن تبع مرقس) يصوّر القبض على يسوع الذي يحدث في ذلك اليوم. وألغى لفظة "بحيلة".
لم يطبّق أصحاب المدرسة النقدية نظريتهم على رواية الحاش والآلام، لأنهم اعتبروها أولانية. ولكنهم عادوا فاعتبروا أنهم يستطيعون أن يحلّلوا بشكل مماثل هذه الأقسام من التقليد الانجيلي. وذلك مع أن معظم الأحداث هي جزء من التقليد الاخباري، هي أخبار عن يسوع. غير أن ما زاده لوقا قد يقع داخل مقولات أخرى. فمؤامرة الرؤساء وخيانة يهوذا اللتان تبدآن خبر الحاش، تتضّمنان "خبراً تاريخياً". هنا نجد ردّاً على الذين قالوا إن خيانة يهوذا (يوضاس) هي اختراع من المسيحية الآتية من العالم الوثني لتنزع كل اعتبار عن المسيحية الآتية من العالم اليهودي. كما نستبعد أن يكون مرقس اخترع هذه المقدّمة التي عاد إليها لوقا. فقد يكون ورثها من محيط فلسطيني أوّل.
أما مرمى هاتين الآيتين الأوليين في خبر لوقا عن الآلام، فهو أن تحدّدا موقع الدراما الآتية وآخر أيام يسوع في أورشليم. وذلك في ارتباط مع احتفال اليهود بهذا العيد الوطني المهيب، عيد الفصح. إنهما تقدّمان مرة أخرى محاولة سلطات أورشليم، من رؤساء كهنة وكتبة، لكي يزيلوا يسوع (11: 53- 54). وتلاحظ هاتان الآيتان أيضاً، أن السلطات هي على علم بالاختلاف بين ردّة فعلها تجاه يسوع وردّة فعل الشعب. هذا ما سبق وأشار إليه 19: 48. وها هو يتردّد في جوّ من "الخوف" كما في 20: 19 (خافوا من الجمع).
إن مناسبة الآلام التي يخضع لها يسوع الآن هي عيد الفصح (وارتباطه بعيد الخمير، رج 2: 41). بما أن "الفصح" ذُكر في بداية رواية الحاش، كان ارتباط يا المسيحية الشعبيّة بين هذا "العيد" وفعل "باسخاين" (إحتمل، تألم) كما في مليتون السرديسي. وهكذا كانت علاقة بين "الفصح" و "الحاش" (أو الآلام) (رج ايريناوس في كتابه ضدّ الهراطقة). وفي زمن الجدال الاربع عشري (عيد الفصح في 14 نيسان اليهودي) الذي قال بأنه يجب أن نحتفل بالقيامة في يوم الفصح (أوسابيوس)، كان هناك تجديد في المعنى عينه. وهكذا صارة الصفة "فصحي" أوسع من يوم في الكلندار (الروزنامة) اليهودي. ففي الفصح جعل الانجيلي بداية رواية الآلام.
ب- المؤامرة (آ 3- 6)
إن ما يتبع الحاشية حول مؤامرة رؤساء الكهنة والكتبة ليزيلوا يسوع، هو خبر خيانة يهوذا الاسخريوطي. كنا قد لاحظنا كيف ترتبط آ 3- 6 ارتباطاً وثيقاً بالحدث السابق، لأن لوقا ألغى حدث الدهن بالطيب الذي تذكره سائر الأناجيل (رج مر 14: 3- 9). ألغى ذاك الحدث لأنه أورد ما يشبهه في 7: 36- 50، ولأن فيه إشارة إلى إعلان "الانجيل" (مر 14: 9) الذي سيتمّ بعد القيامة وفي أعمال الرسل، ولأنه سيتحدّث عن مسح جسد يسوع بالطيب بعد الموت (23: 56- 24: 1). وهكذا أعاد لوقا الرباط الأولاني بين آ 1- 2 و آ 3- 6 كما كان في رواية الحاش الأولى. 
عاد الخبر اللوقاوي إلى مر 14: 15- 11 ما عدا المقدمة في آ 3 أ التي تتحدّث عن دخول الشيطان في يوضاس والتي تعود إلى اللوقاويات وما فيها من صدى بالنسبة إلى التقليد اليوحناوي (يو 13: 27: تناول اللقمة فدخل الشيطان فيه؛ رج 13: 2). نرى التدوين اللوقاوي في زيادة "قوّاد الحرس" (آ 4)، واستعمال صيغة خاصة أمام السؤال المطروح بشكل غير مباشر (آ 4، على طريقة)، وفي عبارة زادها في النهاية "بمعزل عن الجمع" (آ 6. وحده لوقا يستعمل الاداة "أثر" في العهد الجديد، رج 22: 35). فعل لوقا كما فعل مرقس فأورد كلام يهوذا في صيغة الخطبة غير المباشرة. أما متّى فجعله في خطبة مباشرة (26: 14- 16: ماذا تعطوني لأسلمه لكم)، وأعطى جمالاً للنصّ حين ربطه مع العهد القديم بالتلميح إلى "ثلاثين من الفضة" (زك 11: 12).
ينسب الشكل اللوقاوي لهذا الخبر إلى تأثير شيطاني، السببَ الذي لأجله انقلب يهوذا الاسخريوطي، وهو من تلاميذه الاخصّاء، على يسوع. وهكذا يكون هذا التعارض ذروة في دراما الآلام. لم يُرذل يسوع فقط من قبل أهل مدينته (4: 28- 29). لم يُرذل فقط من قبل أهل أمته (11: 53- 54؛ 19: 47- 48؛ 20: 1، 19). بل رذله واحد من تلاميذه، واحد من الاثني عشر "دعاه واختاره" (6: 12- 16). إن تواتر هذه الصورة (أو ما يشبهها) عن يوضاس، يشهد على الفظاعة التي ربطتها المسيحية الأولى باسمه (6: 13، 16؛ مر 14: 10، 20، 43؛ يو 6: 70- 71؛ 12: 4).
غير أن لوقا لم يفعل كما فعل يوحنا (12: 6) فيصوّر يوضاس كـ "سارق" اعتاد أن يأخذ مما يوضع في "الكيس المشترك". تجاه هذا، تكلّم عن تأثير شيطاني وترك نقل خبر مؤامرة يهوذا مع رؤساء الكهنة وقوّاد الحرس تفعل فعلها في القارئ. "مضى، ذهب". "تفاوض". "إتفقوا أن يعطوه فضّة". "ترقَّب الفرصة" لكي يسلّم يسوع. تحيرّ لوقا كيف يفسرّ خيانة يسوع المريعة على يد أحد أخصّائه، فجعل الشّر يدخل في يهوذا في شخص "ابليس". هكذا فعل العهد القديم حين جعل "الشيطان" يجرّب داود (1 أخ 21: 1- 6)، لا الربّ بنفسه كما قال 2 صم 24: 1 ي. والشيطان هو الذي جرّب أيوب. غير أن أيوب لم يقل سفاهة في الربّ، ولم يسقط في تجربة التجديف على الله كما فعل يوضاس حين خان المعلّم. 
وبين خيانة يوضاس وقراره بأن يسلّم يسوع إلى عظماء الكهنة وقوّاد الحرس (22: 3- 6) وبين مشهد القبض على يسوع (22: 47- 53)، نقرأ عن عشاء يسوع الأخير، عشاء يسوع الحميم مع أخصّائه، مع الاثني عشر.
4- خبر الحاش والآلام
أ- في التقاليد الأولى
إن خبر الآلام، شأنه شأن خبر الطفولة وخبر القيامة، هو فن أدبي ثانٍ يتفرّع من الفن الأدبي الذي اسمه الإنجيل. ولقد اعتاد الشّراح أن يروا في خبر الحاش الجزء الأول في التقليد الإنجيلي الذي سيصل إلى رواية متكاملة تبدأ في الجليل وتنتهي في أورشليم. هل دوّن هذا الجزء في وقت سابق لمرقس؟ ربّما، في شكل شفهي. ومهما يكن من أمر هذا التدوين، نستطيع أن نشير إلى النقاط التالية:
* علم بولس بخبر الصليب (1 كور 1: 18. دوّنت 1 كور حوالي سنة 56) فتحدّث عن "كلام الصليب" (لوغوس تو ستاورو). قد تشير هذه اللفظة (لوغوس) إلى الخبر المتعلّق بأحداث صلب يسوع وقيامته. 
* مع أن بولس لا يورد العدد الكثير من أقوال يسوع (1 تس 4: 15؛ 1 كور 7: 10- 11؛ 11: 23- 25)، فهو يلمّح مراراً إلى الآم يسوع وموته ودفنه: العشاء الأخير (1 كور 11: 23- 25)، الخيانة، "الآلام" (غل 3: 10: الآم المسيح). الصليب (غل 2: 8)، الصلب (غل 2: 20؛ 3: 1؛ 1 كور 1: 23؛ 2 كور 13: 4). التعليق على خشبة (غل 3: 13)، الموت (1 تس 5: 10، 1 كور 11: 26؛ 15: 3؛ روم 4: 25؛ 5: 8- 10؛ 6: 3). الدفن (1 كور 15: 3؛ روم 6: 4). يتحدّث بولس عن "اليهود الذين قتلوا الرب يسوع" (1 تس 2: 14- 15). عن رؤساء هذا العالم الذين صلبوا ربّ المجد (1 كور 2: 8). وتحدّثت كو 2: 14 عن المسيح الذي محا الصكّ "وأزاله مسمّراً اياه على الصليب". رغم أن هذه التلميحات تبدو معزولة في كتابات القديس بولس. ومع أنها جُعلت في إطار لاهوتي لا تاريخي، إلاّ أنها تدلّ على أن بولس عرف بخبر الصليب كما تداولته المسيحية الأولى بشكل رواية تبدأ بالعشاء السرّي وتنتهي على الصليب.
* إن الأناجيل القانونية الأربعة، أي الإزائية ويوحنا، تتضمّن رواية عن الآلام فيها الكثير من الشبه الذي يلفت النظر: خيانة يسوع على يد يوضاس، العشاء الأخير مع التلاميذ، القبض على يسوع خارج المدينة، نكران بطرس، استجواب أمام رئيس الكهنة، شبه استجواب أمام بيلاطس يقود إلى الموت، الصلب، العنوان على الصليب، الموت، الدفن. هذا يعني أن الانجيليين عرفوا أخباراً مثبتة عن هذه الحقبة من حياة يسوع.
* إن هذه النواة الأولى لهذه الأخبار المتواصلة تبدو كأول انتشار للكرازة كما نجدها في 1 كور 15: 3- 4: المسيح مات من أجل خطايانا، دُفن، قام في اليوم الثالث. وسنجد امتداداً لهذا الكلام في خطب سفر الأعمال. "كان يسوع الناصري رجلاً أيّده الله بينكم بما أجرى على يده من العجائب والمعجزات... وحين أسلم إليكم... صلبتموه وقتلتموه بأيدي الكافرين" (أع 2: 22- 23).
* لقد نبتت الحاجة إلى خبر متواصل عن الآلام عند الوعّاظ (والمرسلين) المسيحيين الذين واجهوا اعتراضاً هاماً: إذا كان يسوع مسيح الربّ، فلماذا صُلب؟ وإذا كان "عاملَ" الله من أجل خلاص البشر، فلماذا سمح الله بأن يموت على الصليب كمجرم؟ وهكذا صار هذا الاعتراض "حجر عثار لليهود وجهالة للأمم" (1 كور 1: 23).
إذا كانت الكرازة هي شاهد عن الخلاص، فبين المواد التي رُويت، هناك رواية الآلام التي تحمل مدلولاً حقيقياً في هذه الكرازة. فهي ترتبط بأول عمل في نهاية عالم آمن به الناس وترجّوه. فهذا الخلاص صار منظوراً لا في شخص الربّ وكلامه وحسب، بل في تعاقب عدد من الأحداث. ووضعُ هذه المواد في خبر متواصل قابل حاجة ماسّة: التعامل مع مفارقة الصليب. فحين رُويت أحداث الحاش والقيامة، لم تُروَ فقط من أجل شرح وتفسير ما حدث، بل لتربط عدّة أحداث فرديّة مع الحديث عن مسؤولية في موت يسوع. على هذا السؤال كان جواب بطرس في أع 2: 36: "يسوع هذا الذي صلبتموه، قد جعله الله ربّاً ومسيحاً".
هل وُجد خبر متواصل للآلام قبل مرقس؟ قال بعض العلماء إن نصّ مرقس هو الأول. ولكن الفرق بين مرقس ولوقا ويوحنا يجعلنا نقول بأن مرقس ورث أقله نواة رواية شدّدت على توقيف يسوع. ولاحظ الشّراح أن الخبر اليوحناوي يتوافق مع مر بشكل عام من الدخول إلى أورشليم إلى توقيف يسوع، ولكن بشكل أوثق فيما بعد. كما لاحظوا إن الانباءين الثاني والثالث بالآلام في التقليد الإزائي (مر 9: 31 وز؛ 10: 33 وز) يبدأان مع القبض على يسوع بيد الخصوم (1 كور 11: 23). ولاحظوا أن خبر مر 14: 43 يتحدّث عن وصول يهوذا إلى جتسيماني على أنه "واحد من الاثني عشر"، وكأنه لم يُعرف كذلك في 14: 10 (أحد الاثني عشر). هذا يعني أننا هنا أمام "ينبوع" مختلف.
ورأى العلماء توسّعاً في التقليد يبدو كما يلي: (1) كرازة تعلن كما في 1 كور 15: 3 ب- 5. (2) رواية قصيرة للحاش تبدأ مع توقيف يسوع. (3) رواية طويلة للحاش تبدأ مع دخول يسوع إلى أورشليم وتتضمّن تطهير الهيكل، السؤال حول سلطة يسوع، الإعلان عن خيانة يهوذا، العشاء الأخير، الصلاة في جتسيماني. (4) خبر الحاش في مرقس.
ب- مواضيع الآلام في خبر مرقس
من يقرأ بتمعّن رواية الآلام في الأناجيل القانونية الأربعة، يتضّح له أنها ليست فقط أخباراً وتفاصيل واقعية. فقراءتنا للأناجيل الأربعة تدلّ على أن هناك مواضيع وعوامل لعبت دورها. فهناك ملامح لاهوتية وملامح دفاعية.
أولاً: العوامل (أو: المواضيع) اللاهوتية 
* الإيمان بالمسيح القائم من الموت. هذا صدى للكرازة الأولى (1 كور 15: 3- 5؛ روم 4: 25؛ أع 2: 36؛ 4: 10). لقد رُوي خبرُ الصليب فوجد ذروته في الإعلان الفصحي: "ليس هو هنا، بل قام" (24: 6؛ رج مر 16: 6؛ مت 28: 6). والتفاصيل عن توقيف يسوع واستجوابه ومثوله أمام بيلاطس وصلبه، لم تروَ فقط في إطار نظرة إلى رسالة يسوع؟ بل رتّبت بالنسبة إلى إعلان انتصاره على هذه الأحداث بقدرة الله. والموضوع الذي توسّع فيه آباء الكنيسة حول "المسيح المنتصر على الموت" يدعونا إلى أن نتعلّق تعلّقاً ضمنياً بخبر الآلام نفسه.
* تتمة إرادة الله. هذا ما أشرنا إليه سابقاً في الإشارة إلى إيرادات العهد القديم، 22: 37 يورد نشيد عبد الله المتألم في أش 53: 12؛ 23: 24 ب- 35 يلمّح إلى مزمور الصدّيق الذي يسلم دعواه إلى الرب (مز 22: 8- 19)؛ 23: 36 الذي يلمّح إلى مز 69: 22 (في عطش سقوني خلاً)؛ 23: 46 الذي يلمّح إلى مز 31: 6: "في يديك أستودع روحي" (رج مر 14: 61؛ مت 26: 67؛ 27: 12).
* تشديد على وضع يسوع البشري. إن المعرفة السابقة والاعلان عن الخيانة (مر 14: 18- 21؛ لو 22: 21- 23) صارا واضحين مع ذكر اسم "يوضاس" (مت 26: 25؛ يو 13: 21- 26) وتشديد على قدرة يسوع. نقابل هنا ما قيل في مر 14: 46 (- مت 26: 50) والعودة إلى الآب الذي يستطيع أن يرسل 12 جيشاً من الملائكة (مت 26: 53)، أو الإشارة إلى مهابة يسوع حين قال "أنا هو" (يو 18: 6) فسقط إلى الأرض أولئك الذين جاؤوا ليقبضوا عليه. إعادة كتابة صرخة يسوع على الصليب وما فيها من معنى عميق. في مر 15: 34: "إلهي، إلهي، لماذا تركتني" (مز 22: 1؛ مت 27: 46)؟ ألغى لوقا هذه الصرخة، لأنه لم يجدها لائقة بابن الله. فأحلّ مكانها: "يا أبت، في يديك استودع روحي" (23: 46؛ رج مز 31: 6). وترك الصرخة في يو 19: 30: "لقد تمّ". هنا نتذكّر إنجيل بطرس (كتاب منحول): "يا قدرتي، أيتها القدرة، لقد تركتني". صارت لفظة "إيل" إسم جنس لا إسم علم فعنت "القدرة" لا "الله".
ثانياً: العوامل (أو المواضيع) الدفاعية
* إعلان عن براءة يسوع. حُكم على يسوع بأنه مجرم في مر 14: 46 ج (حكموا عليه بأنه يستوجب الموت)؛ مت 26: 66 ب (فأجابوا: يستوجب الموت). ألغى لوقا هذا الكلام (رج 22: 7) وجعل مكانه إعلاناً مثلّثاً عن براءة يسوع. في 23: 4، قالت بيلاطس لرؤساء الكهنة والجموع: "لا أجد جرماً على هذا الرجل". وفي 23: 14- 15، قال بيلاطس أيضاً: "فحصته أمامكم فما وجدت أنه ارتكب شيئاً مما تّتهمونه به، ولا هيرودس وجد أيضاً". وفي 23: 22 قال بيلاطس مرة ثالثة: "أي شرّ فعل هذا الرجل؟ لا أجد عليه ما يستوجب به الموت" (رج يو 18: 38: لا أجد سبباً للحكم عليه؛ 19: 4، 6؛ أع 3: 13).
* تبرئة الوالي الروماني بونسيوس بيلاطس، وتخطئة رؤساء اليهود. هذا ما نجده حين نقابل بين روايات الآلام في الأناجيل الأربعة. في مر 14: 1، 43، 53. 55،؛ 15: 1، 11! يُذكر رؤساء اليهود. وفي 15: 15 يتحدّث النصّ عن بيلاطس الذي "يريد أن يرضي الجمع".
وتختلف رواية متّى بعض الشيء عن رواية مرقس في المقاطع الموازية (26: 3، 47، 57، 59؛ 27: 1، 20). غير أن هناك شيئاً خاصاً زاده متّى على مرقس فبدّل الصورة عن دور بيلاطس. (1) نبّهته إمرأته بأن لا يفعل شيئاً "بهذا الرجل البريء" (27: 19). (2) غسل بيلاطس يديه وأعلن جهاراً أنه غير معنيّ بهذا الأمر: "أنا بريء من دم هذا الرجل. أنظروا أنتم بأنفسكم". فأجاب الشعب كله: "دمه علينا وعلى أولادنا" (27: 24- 25). (3) طلب رؤساء الكهنة والفريسيون من بيلاطس حرساً للقبر (27: 62).
وارتبط خبر لوقا أيضاً بخبر مرقس، فاستقلّ عن متّى، وأخذ طريقاً مختلفة. ميّز لوقا مراراً بين "الشعب" أو "الجمع" (22: 2؛ 23: 27، 35 أ، 48) وبين "الرؤساء" أو "الشيوخ" من رؤساء كهنة وكتبة (22: 2، 52، 54؛ 23: 1، 4، 13، 35 ب، 51). وألغى كل إشارة إلى شهود زور وإلى اتهام يسوع بأنه يريد أن ينقض الهيكل. وبدلاً من هذا، بيّن أن الرؤساء وحدهم اتهموا يسوع كمن يثير شغباً سياسياً (23: 2، 5، 8- 19). وأعلن بيلاطس ثلاث مرات أن يسوع بريء، كما قلنا أعلاه. وحين تراجع بيلاطس في النهاية، أوضح لوقا أن أصواتهم تغلّبت، فسلّم بيلاطس يسوع "إلى مشيئتهم" (23: 23- 25). فاقتادوا يسوع إلى الصلب (آ 26): وبينما هم ذاهبون به). في هذه الآيات، تعود صيغة الغائب الجمع (هم) إلى رؤساء الكهنة والقوّاد والشعب (آ 13). ولن يظهر الجنود الرومان إلا في آ 36. وتجاه هذا، سيعلن قائد روماني: "في الحقيقة، كان هذا الرجل بريئاً" (آ 47).
وأخيراً، ما بدأ يظهر في لوقا، وجد ملء عبارته في خبر الحاش عند يوحنا. أعلن قيافا الفائدة من موت يسوع (11: 47- 53 وخصوصاً آ 50: أن يموت واحد خير لكم من أن تهلك الأمّة). تعامل جنود رؤساء الكهنة والفريسيين مع يوضاس (18: 3، 12- 14. يبدو الخبر هنا ملتبساً عند يوحنا). حين جيء بيسوع إلى أمام بيلاطس، أعلن بريئاً ثلاث مرات (18: 38؛ 19: 4، 6). وحاول بيلاطس أن يطلقه (18: 31؛ 19: 12). وفي النهاية، حين تراجع بيلاطس (19: 16)، أسلم يسوع "إليهم" (رؤساء الكهنة، آ 15). "فأخذوا يسوع. فخرج وهو يحمل صليبه" (19: 17).
وإذا عدنا إلى "إنجيل بطرس" نجد أنه يشدّد على شيء آخر: "لما رأى بيلاطس أنه لا أحد من اليهود، لا هيرودس، ولا أحد من قضاته، وافقه حين غسل يديه بطريقة رمزية، خرج إليهم. حينئذٍ أمر هيرودس الملك أن يقاد الربّ إليهم".
ترك التلاميذ الربّ فعذرهم الإنجيلي. قال مر 14: 50: "تركوه كلهم وهربوا". وأقصى شكل لهذا الهرب يصوّر بشكل رمزي في هرب الشاب العريان الذي ترك وراءه رداءه (14: 51- 52). لا شيء في لو يوازي مر 14: 50. بل هو يذكر بين الواقفين عند الصليب، لا النساء اللواتي رافقن يسوع من الجليل وحسب، بل "كل معارفه، كل أصدقائه" (صيغة المذكّر (الجمع) (23: 49). أما في يو 18: 8 ج، فيسوع نفسه هو الذي تركهم يذهبون. تحدّث مر 14: 27 ومت 26: 31 عن جميع التلاميذ الذين سيتركون يسوع. أما لو 23: 31- 34 فتحدّث فقط عن بطرس الذي سيكون ضحيّة الشيطان. ولكنه سوف يعود.
نشير هنا إلى أن آلام يسوع صارت نموذجاً للحديث عن آلام تلاميذه. هكذا صوّر استشهاد اسطفانس (أع 7: 54- 8: 1). ونشير ثانياً إلى أن الإنجيليين لم يرووا كل ما حدث، بل اختاروا ما اختاروا من أجل تعليم الجماعة. فما وعظ به يسوع الناصري يرتبط بما أتمّه من أجل الجنس البشري. وهكذا نكون في هذا القسم من التقليد، لا أمام رواية تفصيلية تورد بدقّة (كما في تقرير صحافي) ما حصل ليسوع في أيامه الأخيرة، بل بالأحرى أمام تفسير لما حدث، وهذا التفسير هو صدى لما نقرأ بطرق مختلفة في سائر أسفار العهد الجديد.
ج- خبر الآلام في إنجيل لوقا
أولاً: لوقا ومرقس
إن خبر الآلام في مر هو أقصر ما رواه الإنجيليون الأربعة. وقد يكون وجد ما رواه في تقاليد سابقة له، ما عدا حدث الشاب الذي فرّ عرياناً (14: 51- 52). فاذا وضعنا هذا الحدث خارج خبر توقيف يسوع (14: 43- 50)، يتوزع الخبر المرقسي في ثمانية عشر حدثاً. وأحداث لوقا العشرون تقابل 14 حدثاً تتبع ترتيب مرقس. إن تواصل الخبر اللوقاوي يتأسّس على مرقس ويرتبط به. والفروقات بين لو ومر في هذا المجال هي إغفالات أو زيادات بسيطة.
ألغى لوقا أربعة أحداث: (1) الدهن بالطيب في بيت عنيا (مر 14: 3- 9). فقد أشار إليه في 7: 36- 50. (2) إنباء يسوع بأن تلاميذه سوف يتركونه (مر 14: 27- 28). فالتلاميذ لا يتركون يسوع أبداً في الإنجيل الثالث. كانوا بقربه كالأصدقاء (23: 49). (3) هرب الشاب العريان (مر 14: 51- 52). (4) هزء الجنود بيسوع (مر 15: 16- 20). غير أن لوقا زاد خطبة في أربعة أجزاء في 22: 21- 23، 24- 30، 31- 34، 35- 38. كما زاد خبرين على مر: إرسال يسوع إلى هيرودس (23: 6- 12) والحكم الذي أصدره بيلاطس (23: 13- 16): "فحصته أمامكم... سأجلده وأخلي سبيله".
ولكن تبقى المواد التي جعلها لوقا داخل خبر الآلام غير التي نجدها في الخبر المرقسي الموازي. إستلهم لوقا مرقس في خبر الآلام، كما استلهمه في أماكن أخرى، ولكنه وضع أموراً خاصة به، أو أعاد تدوين جملة مرقس التي بدت في نظره "ثقيلة". أما عودة لوقا إلى المعين (مشترك بينه وبين متّى) فمحدودة في 22: 28- 30 (ثبتّم معي في محنتي).
وهكذا يبدو واضحاً لدى عدد من الشّراح أن لوقا استعمل في خبر الحاش مواد لم يأخذها من مرقس. (1) هناك عدد كبير من اللوقاويات. (2) عدد من الأقوال أوردها لوقا ويوحنا، فأوضحت تفاصيل غابت عن خبري مت ومر. (3) حين يحتفظ لوقا بألفاظه، فهو يحتفظ هنا بأقلّ عدد ممكن (هنا 27%. في سائر إنجيله 50%). ولكن عدداً آخر من الشّراح اعتبر أن لوقا أخذ مر وحوّل خبره عن الآلام: زاد بعض الأخبار أو بعض الأقوال التي أخذها من اللوقاويات أو من المعين. قد يبدو الموقف الثاني أقرب إلى المعقول. واتصل خبر لوقا بخبر يوحنا. وهذا ما يدلّ على أن لوقا عرف التقليد اليوحناوي قبل أن يكتب بصورة نهائية.
ثانياً: أصالة لوقا
إن خبر الآلام في لوقا يشبه الخبر المرقسي. ضمّ الأحداث الأولى (22: 1- 38)، ثم آلام يسوع وموته ودفنه (22: 39- 23: 56). في هذا، هو يختلف عن الخبر اليوحناوي الذي يجعل خبر الآلام يبدأ في ف 13 وينتهي في ف 21. أما في الأناجيل الإزائية، فالأحداث الأولى (الدهن بالطيب...) تُعتبر جزءاً من خبر الآلام.
لقد اهتمّ خبر الآلام اللوقاوي بعرض مصير يسوع في شكل خاصّ جداً. وإليك العناصر التي تميّز العرض اللوقاوي: 
موضع الدراما هو الهيكل. فالهيكل "بيت أبي" (2: 49) قد تطهّر ليصبح منبراً من عليه يلقي يسوع تعليمه. فهناك أعلن يسوع حكمه على أورشليم (21: 20) وعلى رؤسائها (20: 19). والآن، ها هي أورشليم برؤسائها تعلن الحكم على يسوع. ويبدأ هذا الجزء من الانجيل مع مؤامرة الرؤساء، ويجد ذروته قي خيانة يوضاس ليسوع.
* انتصار يسوع على الشّر الذي يصوّر في شخص إبليس. ترك يسوع من أجل الوقت المحدّد (4: 13). وها هو يعود الآن، "فيدخل في يهوذا" (22: 3). ويحاول أن يغربل التلاميذ كما تُغربل الحنطة (22: 31). وينجح في دفع بطرس إلى إنكار يسوع، لأن هذه هي "ساعته" وساعة "سلطان الظلمة" (22: 53). تفرّد لوقا عن الازائيين فتحدّث عن تدخّل الشيطان في خبر الآلام. ولكن شاركه في ذلك يو 13: 2، 27 (بكلمات خاصّة به). وهكذا، ليس الرومان هم الذي قرّروا مصير يسوع، بل إبليس الذي امتلك تلميذاً رافق يسوع على طرق فلسطين وعدّ بين الاثني عشر (22: 3). أما انتصار يسوع على سلطة الشيطان فنجده في صلاة من أجل بطرس (22: 31) ووعد من أجل اللص التائب على الصليب (23: 43).
* شارك لوقا متّى ومرقس في تصوير يسوع الذي يواجه موته بهدوء وهو عارف أن تلك هي مشيئة الآب بالنسبة إليه (22: 39- 46). غير أن هناك عبارة خاصّة بلوقا في 22: 37 (يجب أن تتمّ فيّ هذه الآية: أحصي مع المجرمين) (رج 24: 7- 26). كل هذا يبرز ما في لوقا حول رحمة يسوع وغفرانه وقدرته الشافية وصلاته وشفقته. فيسوع في لو لا يواجه الموت وحده كما في مر. فقد جاءت بنات أورشليم إلى لقائه (23: 28). كما كان بقربه نساء رافقنه من الجليل مع "كل أصدقائه" (23: 49). وقمة التعبير عن حنانه نجدها في كلامه إلى اللصّ المعلّق بجانبه: "اليوم تكون معي في الفردوس" (23: 43). هذا هو المدلول الحقيقي لموت يسوع الخلاصي.
* إن خبر الآلام في لوقا هو امتداد لخبر "الطريق" التي بدأها يسوع، لخبر انتقاله إلى الآب (9: 51؛ 17: 25؛ رج 24: 7، 26). هو السابق والرائد في طريق الآلام هذه، مواجهاً مصيره (31: 33؛ 17: 25؛ 22: 37). وهو يواجه هذا المصير كالبار الكلي البرارة (23: 41- 47). ويواجهه طوعاً وطاعة لإرادة الآب (22: 42، 51). 
* ويتَّخذ خبر انتصار يسوع على الشيطان وجهة تحريضيّة في إنجيل لوقا لا نجدها في سائر الأناجيل. فالمخلّص المتألمّ هو ابن الإنسان الذي تهاجمه قوّة الشر، وهو البار المتألمّ الذي هو مثالنا في صبره وغفرانه. إن لوقا ينظر إلى هذه الأحداث، لا كتتمة للخلاص وحسب، بل كخبر إنسان "قدّيس" اتحد بالله اتحاداً وثياقاً. أجل، إن لوقا يرى في موت يسوع استشهاداً، وفي يسوع المائت الشهيد الأول الذي يسير على خطاه اسطفانس (أع 7) وبطرس ويعقوب (أع 12).
لقد مات يسوع فصار نموذجاً للبار المتألمّ، وأتمّ الخلاص من أجل البشريّة. الآلام هي دراما يُدعى فيها القارئ إلى المشاركة، إلى الالتزام، مثل سمعان القيريني الذي حمل صليبه وسار وراء يسوع.
يُدعى القارئ لكي يقوم بفعل إيمان بالله الذي أتمّ الكتب، وبيسوع ابن الله الذي أوضح بموته الكتب. ويُدعى القارئ أيضاً لكي يعبد شخص يسوع الذي قدّم نفسه كابن الله وحامل قدرة الله. ويتعرّف إلى ضعفه مع بطرس في نكرانه، ومع الذين حكموا على يسوع. لكي يعبد رحمة الله المتناهية، ويشارك في صبره وطول أناته. وليس يسوع مثالاً وحسب، إنه نموذج البار المضطهد الذي يجمل في شخصه الاضطهادات في كل مكان وزمان، ويكشف بواسطة انتصاره، عن الغلبة التي يحوزها أولئك الذين يتبعونه.
الفصل العشرون
عشاء الرب
22: 7- 20

تتواصل رواية الآلام في لوقا بخبر عشاء الربّ. هناك الاستعداد لأكل عشاء الفصح في حلقة يشارك فيها يسوع وتلاميذه. وهناك حديث عن عشاء يسوع الأخير الذي فيه يحتفل يسوع بالفصح ويعيد تفسيره. قاسم الرسل الخبز والخمر، فأعطى هذه العناصر المادية مدلولاً جديداً. كما أوصى تلاميذه بأن يعيدوا في الأيام الآتية هذا العشاء تذكاراً له.
1- نظرة عامة
ما زال يسوع يتمّم قصد الله. وهذا القصد يظهر في صور مختلفة. أولاً بالفعل والفاعل: "إقترب عيد الفطير" (آ 1). "جاء يوم الفطير" (آ 7). "أتت الساعة" (آ 14). "يأتي ملكوت الله" (آ 18). كل هذا يدلّ على تحرّك تاريخ يتمّ في هذه الساعة. وهو تحرّك يجد تمامه في ملكوت الله (آ 16، 18). وبعد هذا تأتي لفظة "يجب، ينبغي" (داي) التي سبق لوقا واستعملها ليشير إلى مصير يسوع. خصوصاً في 2: 49 (يجب أن أكون عند أبي)؛ 4: 43 (يجب أن أعلن إنجيل ملكوت الله)؛ 9: 22 (يجب على ابن الانسان أن يتألّم كثيراً)؛ 13: 33 (يجب أن أسير في طريقي اليوم وغداً)؛ 17: 25 (يجب عليه قبل ذلك أن يتألّم كثيراً)؛ رج 22: 37؛ 24: 7، 26، 44.
أ- عشاء يسوع والفصح
الله هو الذي يقود تاريخ الخلاص المركّز على الفصح الذي يعود ست مرات في هذه الآيات. "يقال له الفصح" (آ 1). "عشاء الفصح" (آ 7). "هيّئا عشاء الفصح" (آ 8). "أين أتناول عشاء الفصح" (آ 11)؟ "قاما بتهيئة عشاء الفصح" (آ 13). "أن أتناول عشاء الفصح" (آ 15). هذا الفصح (حمل الفصح) "يُذبح" (آ 7). "يهيّأ" (آ 8، 9، 13). "يؤكل" (آ 8، 11، 15، 16). هي الألفاظ الذبائحية الوحيدة التي يوردها الانجيلي. في الواقع، هو يُدخل آلام يسوع في إطار العيد اليهودي، عيد الفصح، قبل أن يدلّ في شخصه على تجليّ هذا العيد والكشف عن صورته العميقة.
في إطار قصد الله الذي ظهر في الماضي عبر التحرّر من العبودية، طُلب من شعب الله الذي نال هذه النعمة بشكل مجاني أن يتذكّر هذا التحرّر بالاحتفال بالفصح. وفي هذا الإطار تتسجّل مبادرة يسوع: "أرسل بطرس ويوحنا" (آ 8). تفرّد لو 22: 8 فذكر بطرس ويوحنا. أما مر 14: 13 فقال: "أرسل اثنين من تلاميذه". وفي مت 26: 17- 18 طرح التلاميذ السؤال على التلاميذ، فأجابهم يسوع: "اذهبوا إلى المدينة". لقد شدّد لوقا على الدور المميّز لهذين الرسولين بين الرسل. فسيشهدان وحدهما مع يعقوب قيامة ابنة يائيرس (8: 51)، ويشاركان في التجليّ (9: 28). يُذكران في المقام الأول بعد الصعود (أع 1: 13)، ويجترحان أول معجزة في تاريخ الكنيسة (3: 1، 3، 4، 11). هما يخطبان معاً في الشعب (4: 1، 13، 19)، ومعاً يذهبان إلى السامرة (8: 14) ليضعا ختم الاثني عشر على هذه الكنيسة الفتيّة. وهما مدعوان مع سائر الرسل إلى الخدمة (لو 22: 24- 27).
إن إرسال بطرس ويوحنا يذكّرنا بارسال تلميذين ليهيّئا دخول يسوع إلى أورشليم والهيكل. "لما اقترب من بيت فاجي وبيت عنيا، أرسل اثنين من تلاميذه" (19: 29). الموازاة لافتة بين الإرسالين: فيسوع الملك (رج 19: 38) لم يدخل إلى المدينة إلا ليصل في النهاية إلى هذا البيت الحميم حيث تنتظره علّية تحفظ عادة للضيوف. ولكن جاء يسوع (19: 30- 35) إلى أورشليم في إطار مسيحاني وهو راكب على جحش. أما هنا فهو صورة مسبقة عن رجل الآلام في ذاك الرجل الذي يحمل جرّة ماء، أو الخادم الذي يغسل أقدام تلاميذه. ما بدأه يسوع في الهيكل حيث ستُذبح حملان الفصح (الحمل الفصحي)، سيتمّ في البيت، في هذه العلّية حيث سيؤكل حمل الفصح "حين تأتي الساعة".
هل أكل يسوع مع تلاميذه الفصح اليهودي كما تشير إليه الشريعة أم لا؟ ما زال هذا السؤال موضوع الجدال. فالأناجيل الإزائية لا تتفق مع يوحنا. حسب مت، مر، لو، إحتفل يسوع بالوليمة الرسمية، بالفصح اليهودي، وصُلب غداة هذا العيد، في اليوم الأول الذي فيه يؤكل الفطير. مثل هذا الأمر يبدو صعباً. وحسب يو، سبّق يسوع في الوليمة الطقسية ومات ساعة تذبح الحملان الفصحية في ساحة الهيكل. إفترض بعض الشّراح أن ما قاله الازائيون يوافق الحقيقة التاريخية. وقال آخرون: بل هو يوحنا. ولجأت فئة ثالثة إلى كلندار مختلف تبعه يسوع وهو المعمول به في محيط قمران. أو ذاك المعمول به في جماعات الشتات اليهودي التي لا تذبح حملاً كما في الهيكل. أن تكون هذه الوليمة الوداعية، من الوجهة التاريخية، إحتفالاً فصحياً أم لا، يبقى أن يسوع أعطاها مدلولاً فصحياً بالنظر إلى موته هو.
ب- إطار العشاء السّري
يتضمّن نصّ العشاء السّري في الإنجيل اللوقاوي شيئاً خاصاً له فائدته: إنه يسبق خبر تأسيس الافخارستيا (آ 19- 20) بتذكّر الفصح اليهودي والوعد بأن هذا الفصح بتمّ في ملكوت الله (آ 15- 18). فالتقليد المخطوطي لم يفهم دوماً هذا العرض، لم يفهم ما سمّي "النصّ الطويل" في المخطوطات اليونانية. لهذا، اقتطع منه آ 19 ب- 20، فقدّم لنا "النصّ القصير" كما نجده في المخطوطات اللاتينية. غير أن موضوع لوقا أوضح: ففي هذا المدى الجديد، في العلّية المخصّصة للضيوف، في قلب هذا البيت، أتمت الافخارستيا الفصح اليهودي داخل الميثاق الجديد، العهد الجديد.
لا يصوّر لوقا من هذا الفصح إلا العناصر الجوهرية: حمل الفصح وكأس الخمر. ويتجادل الشّراح: هل نحن أمام الكأس الأولى أم الكأس الثالثة؟ كانت الوليمة تتضمّن: (1) طعاماً بسيطاً (مثل مازة) مع الكأس الأولى. (2) تقديم الاشكال الرئيسية مع الكأس الثانية، وذلك بعد القراءة وتلاوة جزء من الهلل الفصحي (مز 113- 118). (3) يُتلى فعل الشكر على الخبز الفطير، على حمل الفصح مع الأعشاب المرة، وتُشرب الكأس الثالثة (مع مباركة على "كأس البركة"، رد 1 كور 10: 16). (4) الكأس الرابعة ونهاية نشيد الهلل الفصحي.
يبدو أننا أمام "كأس البركة"، الكأس الثالثة التي عليها يتلو رب البيت صلاة الشكر والمباركة. "مبارك أنت، أيها الرب إلهنا، ملك الكون، أنتما تغذّي العالم كله بحنانك ونعمتك ورحمتك. نشكرك أيها الرب إلهنا، لأنّك اعطيتنا هذه الأرض الطيّبة والواسعة ميراثاً. إرحم أيها الربّ إلهنا، إسرائيل شعبك وأورشليم مدينتك وصهيون موضع جلالك وهيكلك ومذابحك. كن مباركاً، أما الربّ يا من تبني أورشليم". إن هذه المباركة على الفطير هي أقدم التعابير المعروفة. إن المباركتين الأوليين، بركة الله المغذي، والبركة على الأرض، قديمتان. وبعد سنة 70 ب. م. زيدت المباركة الرابعة والصلاة لكي "يتذكّر الله مسيحه": "يا إلهنا وإله آبائنا، تذكرنا، واعتبر ضعفنا، تذكّر آباءنا، تذكّر المسيح ابن داود خادمك، تذكّر أورشليم مدينتك المقدسة، تذكّر شعبك كله بيت إسرائيل، لترتفع إليك صلاتنا وتصل وتُقبل من أجل خلاصنا وخيرنا".
خ- نصّ التأسيس
من أين جاء نصّ التأسيس؟ إختلفت الآراء. يعتبر البعض آ 15- 18 كتوضيح تدويني لما في مر 14: 22- 25. ويرى فيها آخرون خبراً قديماً للتأسيس الافخارستي يختلف عن نصّ مرقس.
وتأتي كلمات يسوع في هذا الإطار الفصحي. أولاها تلمّح إلى رغبته الحارّة (إشتهيت شهوة، رج 15: 16؛ 16: 21؛ 17: 22) في أن يأكل هذا الفصح مع تلاميذه قبل أن يتألمّ. منذ البداية بدا معنى ما يفعل واضحاً: إنه يتضمّن دخوله في الآلام. والكلمة الثانية تعبرّ بشكل نبوي على أن هذا الفصح يتمّ في ملكوت الله. هكذا يشير إلى الرجاء المسيحاني الذي تتضمّنه المباركة الثالثة التي يقوم بها ربّ البيت على الكأس الثالثة. وإذ تحدّث عن هذه الكأس كرّر النبوءة: إن تتمة الفصح في موته وقيامتة، تدشّن ملكوت الله. سينتهي خروجه (اختطافه) قريباً، وهو سيتكئ إلى مائدة الآب. ولكنه منذ الآن يدعو تلاميذه ليعيشوا معه، بشكل رمزي، هذا العبور إلى الآب. لهذا، يشركهم في الكأس التي يشرب. وهكذا ينتقل الاهتمام من حمل الفصح إلى ذاك الذي يحقّق في شخصه صورته وما تحمل من تحرير حقيقي. 
في هذا الإطار الفصحي يأتي التأسيس الافخارستي فيدخلنا في فتحة رجاء عبر تذكّر تحرير تمّ في الماضي. ففعلة يسوع تدلّ على بداية جديدة: عمل كما في بداية الطعام: كسر الخبز. ولكن عمله الآن هو "فعل شكر"، افخارستيا. ثم، بعد أن تعشّوا، أخذ الكأس. يرى لوقا أن هذه الفعلة هي التي تقوم بها الجماعات المسيحية على خطى يسوع: "إصنعوا هذ دوماً لذكري" (رج 1 كور 11: 24- 25).
تبع لوقا وبولس (1 كور 11: 23- 25) ما سمّي "التقليد الانطاكي" الذي يشدّد على إعادة فعلة يسوع، كما قال هو بنفسه لتلاميذه: "لذكري". أما مرقس ومتّى فاستعادا "التقليد الفلسطيني" الذي يصوّر موت يسوع بشكل ذبيحة عبادية.
إن افخارستيا الجماعات الأولى جعلت لوقا يكتشف تقليداً قديماً جداً، نجد شهادة عنه في رسائل القديس بولس: "كأس البركة التي نباركها، أليست مشاركة في دم المسيح" (1 كور 10: 16)؟ فالمسيح يحوّل بموته المبارَكة اليهودية إلى افخارستيا مسيحية، بموته مع "الجسد الذي يبذل لأجلكم" و"الدم الذي يهُرق لأجلكم". فالموهبة التي يمنحها لرسله هي جسده ودمه، هي كل حياته التي تدخل في أعماق قلب الإنسان. فالجسد يدلّ على الإنسان الحي. والدم يدلّ على الحياة (لا 17: 11، 14؛ ثت 12: 23). أجل، أعطانا يسوع ذاته كلها. أعطانا حياته.
لا يبرز لوقا البعد الذبائحي لموت يسوع مثلاً، كما فعل مر 14: 24 (الدم الذي يسفك) ومت 26: 28 (يسفك من أجل أناس كثيرين). أشار متّى ومرقس إلى "دم العهد" (حز 24: 8) الذي فيه صار إسرائيل شعب الله. أما لوقا فتحدّث عن موت يسوع بلغة "العهد الجديد"، "الميثاق الجديد"، (كايني دياتيكي)، كما فعل بولس في 1 كور 11: 25 (العهد الجديد بدمي).
نستطيع أن نقرأ في هذا الكلام تذكّراً لما في إر 31: 31- 34 حيث يدلّ "الميثاق الجديد" على ارتداد الشعب المنفيّ ارتداداً داخلياً وعودته إلى أرضه. ولكن يبدو أن لوقا اكتشف بالأحرى تضامن يسوع ووساطته في موته: "جسدي يُبذل لأجلكم... دمي يُسفك من أجلكم". وهكذا جعل نفسه في خطّ نبوي، هو خطّ عبد الله المتألمّ ورسالته في العالم (أش 42: 6-7: جعلتك عهداً للشعوب ونوراً لهداية الأمم). حين يتحدّث لوقا عن العهد، فهو يعود إلى عهد الله مع ابراهيم (1: 72؛ أع 3: 25؛ 7: 8). وهذا العهد يتمّ في يسوع "عبد الله المتألمّ" (1: 54، 69؛ أع 3: 13؛ 4: 25، 27، 30). إن عبارة العهد في دم يسوع (العهد الجديد بدمي) تعني دخول البشرية كلها في عبوره إلى الآب، وارتباط مصيرها بمصيره كالمرسل والنبي.
إن الاحتفال بالافخارستيا يجعل هذه الشهادة ممكنة. هذا هو معنى العبارة اللوقاوية: "إصنعوا هذا لذكري". فالعبور الفصحي من الصليب إلى القيامة، يدفع الشهود إلى الدخول في عمل الابن الخلاصي. وهذا ما يجعلنا قريبين من منظار خطبة بولس في شيوخ أفسس: كلّمهم عن "كنيسة الله التي اقتناها الله بدم ابنه" (أع 20: 28). إن خروج (اختطاف) يسوع الذي نحتفل به في الافخارستيا يبدو بشكل عهد يدعو جميع البشر ويجمعهم لكي يدخلهم في اتحاد مع الآب، لكي يدخلهم في ملء ملكوت الله (آ 16- 18).
2- قراءة تفصيلية
نحن هنا أمام قسمين كبيرين: الاستعداد لعشاء الفصح (22: 7- 14). ثم العشاء الأخير (22: 15- 20).
أ- الاستعداد للعشاء (آ 7- 14)
أولاً: وجاء يوم الفطير (آ 7)
هناك علاقة بين يوم الفطير وعيد الفصح، أشرنا إليها في 22: 1 (رج 2: 41). إن هذه الحاشية تتعارض مع 22: 1 التي تتحدّث فقط عن "اقتراب" عيد الفطير لا عن مجيئه. إن التدوين اللوقاوي لما في مر 14: 12 قد حاول أن يزيل الصعوبة التي نحسّ بها حين نقرأ نصّ مر. فهذا النصّ يتحدّث عن "أول يوم من عيد الفطير، حين تُذبح الخراف لعشاء الفصح". علّق أحل الشّراح فقال: ليس من يهودي مثقّف يسمّي زمن العيد "اليوم الأول من العيد". فالأممي (من الأمم، غير يهودي) وحده يتحدّث عن يوم تقدمة حمل الفصح وليلة عشاء الفصح فيسميهما "اليوم الأول من العيد". 
حرّك التعبير اللوقاوي هذه المشكلة بعض الشيء، ولكنه جعلنا نشعر أن عيد الفطير يمتدّ يوماً واحداً، بينما هو يمتدّ سبعة أيام. هذا هو السبب المعقول لتبدّلات في بعض المخطوطات مثل الكودكس البازي، اللاتينية العتيقة، السريانية العتيقة التي قالت "يوم الفصح" بدل "يوم الفطير". ولكن يبدو أن مرقس ولوقا قدّما تعبيراً شعبياً ستعارضه مثلاً نصوص تشرح خر 12: 15.
"حين يُذبح خروف الفصح". كان من الضروري، كان ينبغي. تبع لوقا مر 14: 12 حين استعمل "بسخا" في معنى "حمل الفصح". هذا ما تفعله السبعينية في خر 12: 21 (قدّموا ذبيحة فصح للربّ)؛ تث 16: 2- 6؛ عز 6: 20 (ذبحوا الفصح، ذبحوا حمل الفصح). أما الضرورة (ينبغي) الناجمة عن الفريضة "الموسوية" فنجدها في خر 12: 6 حيث نقرأ: "كل جماعة إسرائيل بين المساءين"، في العشية، بين الساعة الثانية والساعة الخامسة تقريباً. كانوا يفعلون ذلك في رواق الكهنة. خلال القرن الأول، بحضور ربّ البيت أو ممثّله. إن فعل "تيأين" يدل على مضمون ذبائحي في هذا الإطار. رج السبعينية في خر 16: 6 حيث "تيأين" يقابل في العبرية "ذبح" ويستعمل من أجل الفصح.
ثانياً: أرسل يسوع بطرس ويوحنا (آ 8- 11).
التلميذان اللذان أرسلهما يسوع (مر 14: 13) هما بطرس ويوحنا، كما يقول لوقا. يوحنا هو ابن زبدى. تلميذان لعبا دوراً كبيراً في هذا الخبر. وسيكونان "قائدين" في الكنيسة. إنما يُدعيان الآن من أجل الخدمة (22: 26). مع أن لوقا تبع مرقس، إلا أنه وضع هذين الاسمين عائداً إلى مرجع خاص به.
"عشاء الفصح" أو "حمل الفصح" كما في آ 7. إن عبارة "أكل الفصح" هي صدى لما في خر 12: 11 (كلوه بعجلة، فهو فصح الرب)؛ 12: 43- 46؛ عد 9: 11، تث 16: 7؛ 2 أخ 30: 18؛ عز 21:6. "أين نهيّئ"؟ هذا ما قاله مرقس قبل لوقا. "حالما تدخلان المدينة". بدّل لوقا بعض الشيء عبارة مرقس. "يلاقيكما رجل". قد يكون يسوع أعطاهما علامة، لأن النسوة هنّ اللواتي يذهبن عادة لجلب الماء (هذا ما نعرفه من القرن الأول ب. م.). هكذا كانت رفقة عند العين حين جاء خادم ابراهيم وجماله (تك 24: 15). وهكذا التقى يسوع السامرية (يو 4: 7). إن معرفة يسوع المسبقة أمر واضح في لوقا وفي مرقس. أما مت 26: 18 فيقول: "إذهبوا إلى فلان في المدينة وقولوا له". هذا يعني أن يسوع رتّب الأمور قبل الوقت.
"ربّ البيت" (آ 11). قد يكون ربّ البيت غير الشخص الذي يحمل الجرّة. "يقول لك المعلّم". لا حاجة إلى التوضيح. إما لأن يسوع سبق ورتّب الأمور مع ربّ البيت الذي أرسل من يحمل جرّة. وإما لان ربّ البيت قد يكون تلميذاً من تلاميذ يسوع. هنا نتذكر 19: 21 وقبل دخول يسوع إلى أورشليم: "السيد يحتاج إليه" (إلى الجحش).
ثالثا: غرفة واسعة مفروشة (آ 12- 14)
هي العلّية. غرفة واسعة في الطابق الأول. يقول المخطوط البازي: بيت. وغيره: بيت كبير "مفروش". أخذ لوقا هذا التفصيل عن مر 14: 15. لا سبعينية حز 23: 41 "كنبة واسعة" وهذا ما يدلّ على متّكأ للتمدّد إلى المائدة. "فوجدوا مثلما قال لهما". إن التدوين اللوقاوي يبرز ما وجده بطرس ويوحنا في خطّ مر 14: 16. "فقاما بتهيئة عشاء الفصح". أي جاءا بالحمل، ذبحاه، شوياه... وأعدّا الغرفة لاستقبال 13 شخصاً هم يسوع ورسله.
"ولمّا أتت الساعة" (آ 14). أي غروب شمس 14 نيسان (حسب التقويم القديم). وليلة عيد الفصح (الذي يقع في 15 نيسان). إن لفظة "هورا" لا تعني فقط "المساء" (رج مر 14: 17)، بل تشير إلى زمن تاريخ الخلاص. هي تقابل "ساعة" من نوع آخر، ساعة أعداء يسوع وسلطان الظلمة (22: 53). في وقت عصيب من هذا التاريخ، احتفل يسوع بالعشاء الأخير مع رسله، وهو عشاء ترتبط به الافخارستيا المسيحية.
"إتكّأ إلى المائدة". إعتاد اليهود في الماضي على الوقوف حين كانوا يأكلون حمل الفصح، ليدلّوا على عجلة في الانطلاق (خر 12: 11: كونوا متأهّبين للرحيل. كلوه بعجلة). غير أن هذه العادة زالت منذ زمن بعيد. وصار الاتكاء إلى المائدة في عشاء الفصح واجباً نفسياً، ورمزاً إلى الحرية بالنسبة إلى الفقراء. استعمل لوقا لفظة "إتكّأ" (انابستاين) في 11: 37؛ 14: 1، 17: 7.
"والرسل معه". لا نجد فعلاً هنا. الرسل هم الاثنا عشر الذي وردت اسماؤهم في 6: 13- 16. هذا جزء من تدوين لوقا لما في مر 14: 17 الذي يقول: "وصل مع الاثني عشر". نقرأ "الرسل" (ابوستولوي) في المخطوط السينائي والفاتيكاني والبازي، في اللاتينية العتيقة والسريانية العتيقة. كير أن السينائي صحح فكتب: "الاثني عشر" لكي يتوافق مع نصّ مت ومر. وجاء مصحّح آخر فكتب "الرسل الاثني عشر". وهذا ما نجده في الاسكندراني وعدد كبير من المخطوطات الجرّارة.
ب- العشاء الأخير (آ 15- 20)
أولاً: اشتهيت أن أتناول العشاء (آ 15)
قال لهم يسوع: إشتهيت شهوة. كم اشتهيت... هذا يدلّ على عظم رغبة يسوع. عبارة مع المفعول المطلق نجدها مثلاً في تك 31: 30 (حسب السبعينية). كما نجدها في المغارة الأولى من مغاور قمران (رؤ تك): "وأنا ابراهيم بكيت بكاء مرّاً". ما معنى هذه العبارة؟
* رغب يسوع أن يأكل عشاء الفصح المقبل، ولكنه عرف أنه سيموت قبل ذلك، قبل أن يأتي ذاك العشاء. يستند هذا التفسير إلى نظرة تقول إن يسوع لم يكل العشاء الأخير في عيد الفصح. إذا جعلنا جانباً المسألة التاريخية، هناك محاولة تفسير النصّ اللوقاوي حسب معطيات يوحنا عن العشاء الأخير، وهذا ما لا نستطيع قبوله. كما يفترض هذا التفسير أن يكون الفعل: كنت قد اشتهيت، وليس فقط: اشتهيت.
* إن الماضي (اشتهيت) يعبرّ عن رغبة لم تتمّ، لم تتحقّق: كم كنت سعيداً لو استطعت أن آكل حمل الفصح معكم قبل موتي! والسبب نجده في آ 16، 18. يودّ أن يعطي الكأس للرسل، ولكنه لا يودّ أن يشرب منها. نحن هنا في مقابلة مع لو 15: 16 (وكان يشتهي) حيث نجد استعمالاً مشابهاً للفعل "ابيتيماين". بالإضافة إلى ذلك، نفهم آ 16، 18 كامتناع غير معلن: سيشرب يسوع الكأس فقط في الملكوت. مثل هذا التفسير يبدو ممكناً، زمان حاول أن يحمّل النصّ اكثر ممّا يحمل.
* لقد رغب يسوع جدّياً بأن يأكل هذا الفصح. ولقد تحقّقت رغبته. هذا هو الوجه الأول لفهم هذا النصّ: رغبة حارة، حقيقيّة، ممكنة. وقد تمّت الآن، تحقّقت، تفسير بسيط وعادي. وهذا هو الأصحّ.
"عشاء هذا الفصح". أو: حمل الفصح هذا. الذي هو أمامكم. لسنا فقط أمام عودة إلى الاحتفال بالفصح في هذه السنة (رج آ 7). لقد صار عيد الوداع الذي تطلّع يسوع إليه يحمل الثمرة الجديدة. الرسل هم الشعب الجديد الذي معه يُقام "العهد الجديد" (آ 20). لهم أعطى جسده طعاماً، ومن أجلهم أراق دمه.
"قبل أن أتألم". استعمل فعل "باسخاين" بشكل مطلق بمعنى "ألم الموت" كما في 24: 26؛ أع 1: 3؛ 3: 18؛ 17: 3؛ رج 1 بط 2: 21-23؛ عب 2: 18؛ 9: 26؛ 13: 12. في لوقا، يربط يسوع عشاء الفصح (حمل الفصح) بآلامه الخاصة. في هذا المستوى الثالث من التقليد الإنجيلي، لسنا فقط أمام تشديد على موت يسوع، بل على مدلول هذا الموت أيضاً. وهكذا نكون في إعلان أول، خلال هذا العشاء، عن آلام يسوع القريبة. وسنجد مقابل هذا في آ 18.
ثانياً: لا اتناوله حتى يتمّ (آ 16)
"أقول لكم". قد نكون أمام عبارة سابقة للوقا. وستعود في آ 18. "لا آكله من بعد"، مرة أخرى. بعد هذه المناسبة. الموضوع في هذه الآية هو "الطعام". وسيقابله في آ 18 "الشراب". كلام واقعيّ عن المستقبل، لا إعلان عن الامتناع عن المشاركة في حمل الفصح، كما قال بعض الشرّاح. إختلفت القراءات هنا. في بردية 75 والمخطوط السينائي، الاسكندراني، الفاتيكاني: لا آكل (مي فاغو). فزادت بعض الترجمات: من بعد، من جديد. هذا ما نجده في المخطوط البازي (اوكاتي). "حتى، إلى أن" (هيوس هوتو). هذا ما نجد في 12: 50؛ 13: 8 (حتى أقلب التربة): رج 15: 8 (حتى تجده)؛ 22: 18 (حتى مجيء الملكوت).
"حتى يتمّ في ملكوت الله". استعمل فعل "بلارون" (تتمّ) في 4: 21 (اليوم تمّت هذه الكلمات)؛ 19: 31 (يتمّمه في أورشليم)؛ 24: 44؛ أع 1: 16؛ 3: 18. وهكذا أعطى يسوع بُعداً اسكاتولوجياً جديداً لعشاء الفصح الذي أخذه مع رسله. فعشاء الفصح ليست فقط تذكراً لخلاص العبرانيين من عبودية مصر، بل هو خلاص من نوع آخر، في جو الانتظار المسيحاني والرباط الذي جعله يسوع الآن بين فصح يفسّره تفسيراً جديداً وبين ملكوت الله، يدخل بعداً اسكاتولوجياً مختلفاً. سيفسّر فيما بعد، في آ 18 (حيث يُذكر الملكوت أيضاً)، في آ 19= (إعملوا هذا لذكري) حيث يعطي يسوع توجيهاً. إن حرف الجر "إن" يُفهم في المعنى الزمني. و "في الملكوت" قد يفهم في معنى الأداة: بواسطة الملكوت. يتحدّث 13: 29 عن مائدة في الملكوت توضع للوثنيين الآتين من الأقطار الأربعة، فتبدو كمقدّمة لما قيل في العشاء الأخير. رج 14: 15 والمشاركة في الوليمة المسيحانية (رد رؤ 19: 9).
إرتبطت إمالة اسكاتولوجية مختلفة مع عشاء الرب في 1 كور 11: 26 حيث تعتبر الوليمة اعلاناً لموت يسوع إلى أن يجيء. لا تعني الاسكاتولوجيا الملكوت، بل المجيء.
ثالثاً: أخذ كأساً (آ 17- 18)
تسلّم الكأس. قد يكون أحد الرفاق أعطاه إياها. إعتاد المشاركون في عشاء الفصح أن يشربوا في كؤوسهم الخاصة. أما يسوع فأدخل عنصراً جديداً. أول عمل يعني الكأس الأولى أو الكأس الثانية في العشاء الفصحي. أما التعبير عن عمله هذا فيبدو تقليدياً.
إن عدداً من الشّراح الذين أخذوا بالنصّ القصير لهذا الخبر (آ 15- 19 ب) يقولون إن الديداكيه أو تعليم الرسل (9: 1- 3) يسند خبر لوقا عن العشاء السّري الذي يتحدّث فقط عن متتالية الكأس والخمر كما في آ 15- 19 ب وبدون الزيادة في آ 19 ج د- 20. أما مقطع الديداكيه فهو: "والآن فيما يخصّ الافخارستيا، أشكروا بهذا الشكل. أولاً: عن الكأس قولوا: نشكرك، يا أبانا، على الخمرة المقدسة لداود فتاك (عبدك) التي عرّفتنا بها بواسطة يسوع فتاك. لك المجد إلى الأبد. وعلى الخبز المكسور قولوا: نشكرك، يا أبانا، على الحياة والمعرفة اللتين عرّفتنا بهما بواسطة يسوع فتاك. لك المجد إلى الأبد". ويتبع هذا صلاة تتحدّث عن الخبز المكسور للكنيسة.
يجب أن نلاحظ أن الديداكيه لا تشير إلى العشاء الأخير. ما نجده هنا هو تفسير للافخارستيا. بالإضافة إلى ذلك، يبدو أن ما يقال في هذا المقطع يعكس ممارسة ليتورجية أكثر منه تفسيراً للافخارستيا. وإن عكسَ ممارسة ليتورجية، يجب أن نبيّن أن هذه الممارسة هي قديمة، قدم الخبر اللوقاوي، وأنها تحمل الكلمات التي وردت في العشاء الأخير.
"وشكر". أي شكر الله. استعمل الفعل في الصيغة المطلقة أيضاً في آ 19 (رج 17: 16؛ 18: 11). وهو يستعمل في العهد الجديد عن الشكر لله في معنى ديني كما في يه 8: 25؛ 2 مك 1: 11؛ 10: 7، كما في فيلون الاسكندراني ويوسيفوس المؤرّخ. ومن استعمال هذا الفعل هنا وفي مر 14: 23 وفي مت 26: 27 وفي 1 كور 11: 24، انبثقت لفظة "افخارستيا" فدلّت على طقس مسيحي يرتبط بتوصية يسوع في آ 19 د: "إصنعوا هذا لذكري".
إن فعل الشكر يدلّ على مباركة الله لما أعطي لنا. اعتُبرت اللفظة آتية من العالم اليهودي الهلنستي. وقد يكون لها أساس في مزامير قمران. هذا الشكر تعبرّ عنه 1 تم 4: 4- 5 فتقول: "كل ما خلقه الله حسن، فما من شيء يجب رفضه، بل يجب قبول كل شيء بالشكر، لأن كلام الله والصلاة يقدّسانه".
"خذوا هذا واقتسموه بينكم". يستحيل القول إن يسوع ذاق الكأس قبل أن يوزّعها على الرسل. فإن كان الأمر كذلك، سيكون لهذا الكلام المعنى الذي في آ 16. فتوصية يسوع في لوقا تدعو الرسل إلى مشاركة جماعيّة في العشاء الأخير. هنا نتذكّر الشرح اللاهوتي المجرّد الذي قدّمه بولس في 1 كور 10: 16- 21. إنه "مشاركة" في "مائدة الربّ".
"أقول لكم" (آ 18). رج ما قلنا في آ 16. "منذ الآن، بعد، بعد اليوم" (ابو تو نين). عبارة تميّز أسلوب لوقا. يشير هذا الكلام في فم يسوع إلى اقتراب آلامه. لهذا، لن يبقى طويلاً مع الرسل خلال عشاء الفصح. ألغت بعض المخطوطات هذه العبارة (الاسكندراني، الافرامي). ولكن احتفظ بها السينائي والفاتيكاني وعدد كبير من المخطوطات.
"لن أشرب من ثمرة (عصير) الكرمة". الخمرة عنصر من عناصر العشاء الفصحي. لسنا هنا أمام امتناع غير معلن، ولا أمام "نذر" نذره يسوع على نفسه بأن لا يشرب الخمر بعد اليوم. فشرب الخمر يقابل أكل حمل الفصح (عشاء الفصح) في آ 16. ثمرة الكرمة هي العنب وعصير العنب (الخمرة). رج السبعينية في تث 22: 9 وأش 32: 12 حيث تصبح "الكروم المثمرة" (في العبرية)، "خمرة مثمرة" (في اليونانية).
"حتى يأتي ملكوت الله". نحن أمام تعبير آخر عن التتمّة الاسكاتولوجية للعشاء الفصحي في الملكوت (رج آ 16). كان حديث عن "مجيء" الملكوت في 11: 2؛ 17: 20.
رابعاً: أخذ خبزاً (آ 19)
أخذ بعض الخبز، أخذ رغيفاً من الخبز. هذا يعود إلى الخبز الذي كُل في بداية العشاء الرئيسي. رجع لوقا إلى مر 14: 22: آخذ (اسم الفاعل) خبزاً. قال البعض: قد نكون أمام الخبز الفطير كما في سبعينية خر 29: 2؛ لا 2: 4؛ 8: 26؛ عد 6: 19.
"وبعد أن شكر". تبع لوقا مر 14: 22، ولكنه بدّل اسم الفاعل "اولوغيساس" (مدح، بارك: الله، الخبز) في موازاة مع آ 17. يرد "اوخرستيساس" لا 1 كور 11: 24، وقد يكون خاصاً بلوقا (اللوقاويّات). إن السبعينية اعتادت أن تترجم "ب ر ك" (بارك) باليونانية "اولوغاين". أما "يدا" (رج في السريانية: أودي) فتترجمه "شكر" (أش 12: 1؛ 38: 19).
"كسر وأعطاهم". قُسم الرغيف الواحد، فشاركوا فيه كلّهم. عاد الفعلان إلى مر 14: 22. نلاحظ أن بولس كتب في 1 كور 11: 24: "كسر وقال". هذا جزء من التعابير التقليدية وربّما الليتورجية مع أربعة أفعال: أخذ، بارك، كسر، أعطى. إنطلق لوقا من العبارة المستعملة هنا، فتحدّث عن "كسر الخبز" (24: 35؛ أع 2: 42؛ 20: 7، 11) الذي يدلّ على الافخارستيا. فالفعل "كلان" (كسر) يستعمل في العهد الجديد في إطار الخبز المكسور في الوليمة (24: 30؛ أع 2: 46؛ 20: 7، 11؛ 27: 35؛ رد 1 كور 10: 16؛ 11: 24؛ مر 8: 6، 19؛ 14: 22؛ مت 14: 19؛ 15: 36؛ 26: 26). كان ربّ البيت يتقاسم الخبز مع الحاضرين فيدلّ على ارتباطه بهم.
"هذا هو جسدي". تعود هذه العبارة حرفياً إلى مر 14: 22 ب (توتو استين تو سوما مو)؛ رج مت 26: 26 ج. في 1 كور 11: 24 يختلف ترتيب الكلمات. كما كان ربّ البيت في العشاء الفصحي يفسّر الخبز الفطير في عودة إلى تث 16: 3 الحم عوني، خبز العناء والشقاء)، هكذا فسّر يسوع خبز العشاء الفصحي الجديد. فماثل بينه وبين نفسه (الخبز هو جسدي. هو أنا). لم يعطِ رفاقه فقط خبزاً ليأكلوه، بل أعطاهم ذاته. إن لفظة "سوما" تدلّ على الجسد كما تدلّ على الشخص. رج 1 كور 9: 27 (أقسوا على جسدي، أي على ذاتي)؛ 13: 3؛ روم 12: 1؛ فل 1: 20. 
إن "سوما" في اليونانية السبعينية تترجم عدداً من الألفاظ العبرية. وخصوصاً: "بسر" (البشرية)، اللحم والدم كما نقول في العربية. في لو 3: 6: باسا سركس: كل بسر، كل بشر، يرى خلاص الله (أش 40: 5). رج عد 16: 22؛ 27: 16؛ مز 145: 121. وقد عرف العالم اليهودي الفلسطيني عبارة اللحم والدم ليدلّ على الكائن البشري (سي 14: 18؛ 17: 31) وكذا نقول عن المسيحية الأولى (غل 1: 16، مت 16: 16؛ 1 كور 15: 50؛ عب 2: 14). هل نحن في خلفيّة التمييز بين الخبز (= الجسد) والخمر (= الدم) كما استعلمه يسوع في آ 19- 20؟
وإذا عدنا إلى فقة اللغة نتساءل: هل الفعل "استين" (يقابل "ايس"، "هو" في العربية) يعني: هو حقاً، هو مماثل كما في لو 3: 22؛ 4: 34؛ 6: 5؛ مت 3: 17؛ 10: 2؛ 13: 55؛ 14: 2؛ أو "رمزياً روحياً" كما في يو 10: 7، 11؛ 11: 25؛ 15: 1؛ 1 كور 10: 4؛ غل 4: 24. إن المقطع البولسي التفسيري في 1 كور 11: 26- 29 صار الأساس لفهم مسيحي قديم لهذا الفعل: المعنى الواقعي. بما أن يسوع استعمل الارامية، فلم يحتج إلى فعل: دين بسري هو: هذا هو جسدي.
"يُبذل من أجلكم". الذي هو هنا لكي يُبذل من أجلكم. لا نجد هذه العبارة في مر ولا في مت. أما 1 كور 11: 24 فتتضمّن شكلاً أبسط: "الذي هو من أجلكم". وزاد الشكل اللوقاوي: "ديدومينون" = المعطى. هناك مخطوطات مثل السينائي، الافرامي، البازي... (نسخة مصححة)، زادت على نصّ 1 كور: "كلومينون" = المكسور (من أجلكم). من الصعب أن نعرف أيهما أقدم، الشكل اللوقاوي أم الشكل البولسي.
ما معنى فعل "ديدوناي"؟ أعطى، بذل. أعطى من خلال تقدمة، من خلال ذبيحة، في الموت. رج لو 2: 24 (ليقدّما الذبيحة)؛ مر 10: 45 (يبذل حياته)؛ غل 1: 4؛ 2 كور 8: 5؛ يو 6: 51؛ 1 تم 2: 6؛ تي 2: 14؛ 1 مك 2: 50؛ 6: 44. في هذا المعنى نفهم الفعل في المقطع اللوقاوي الذي ندرس.
"من أجلكم". إن العمل البدلي في بذل الذات عند يسوع هو إعادة تفسير تقدمة الفصح القديم. وهذا يتضمّن وجهة سوتيريولوجية في حياته وموته. وأداة "هيبر" ترد مراراً في العهد الجديد: روم 5: 6 (مات المسيح من أجل الخاطئين)؛ 8: 32؛ يو 11: 50؛ 1 كور 15: 3، 29؛ 2 كور 5: 14؛ 1 بط 2: 21؛ رج سي 29: 15؛ 2 مك 7: 9؛ 8: 21. ويؤكّد النصّ على الوجهة البدليّة لحياة يسوع وموته دون ارتباط بموضرع عبد الله المتألمّ الذي سيظهر في آ 37 ولكن في معنى مختلف. وإذا أردنا أن نفهم علاقة هذه العبارة بموت يسوع، نعود إلى 23: 44- 49.
"إصنعوا هذا لذكري". قوموا بهذا العمل، وعندما تقومون به تذكروني وتذكرون كل ما عملته من أجلكم. لا نجد هذه التوصية في مت ولا في مر، بل في 1 كور 11: 24 ج (ستعود مع الكأس في آ 25 ج). ورث بولس ولوقا لفظة "أنامناسيس" (الذكر، التذكر) من التقليد القديم. وجاء "إصنعوا هذا" تفسيراً جديداً لحمل الفصح وما فيه من تذكّر. "تتذكرون يوم رحيلكم من مصر كل أيام حياتكم" (تث 16: 3 د). وكما أحلّ يسوع ذاته محلّ حمل الفصح، هكذا حلّ "ذكره" محلّ تذكّر (أنامناسيس) حمل الفصح. وسيفسرّ بولس هذا التذكّر بالنظر إلى الاحتفال بعشاء الرب في 1 كور 11: 20، 26. نتذكّر المسيح وما عمله في العشاء الأخير أمام الرسل. هكذا يبقى ذكره فينا وعندنا.
إن هذه التوصية (إصنعوا هذا لذكري) تعود إلى ما قبل لوقا وما قبل بولس. إنها تعود إلى تقليد ليتورجى مختلف عن التقليد الذي استقى منه متّى ومرقس. فهمها بولس تذكّرا "لموت الربّ" (1 كور 11: 26). وسيفهمها التقليد المسيحي اللاحق في شكل عملي (الممارسة الافخارستية) وفي وجه اسكاتولوجي (انتظار مجيء الربّ).
خامساً: الكأس من بعد العشاء (آ 20)
الكأس التي بعد العشاء هي "كأس البركة" (1 كور 10: 16). الكأس الثالثة التي تتلى عليها المباركة (مبارك أنت يا ربّ). نجد في 1 كور 11: 25 ذات الكلمات التي في لوقا ولكن في ترتيب مختلف. "هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي". ماثلت عبارة لوقا بين الكأس وبين العهد الجديد. أما مر 14: 28 فماثل بشكل مباشر بين الكأس والدم. "هذا (الكأس أو ما يتضمّنه) هو دمي للعهد". جاء تعبير مر قريباً جداً من حز 24: 8. أما لو فاسقط اللغة الذبائحية التي وجدها في مر. لا نجد في عبارة لو تماثلاً مباشراً كما في 1 كور 11: 25 ب (هذه الكأس هي العهد الجديد)، ولكننا أمام المعنى عينه.
"العهد الجديد" يلمّح إلى إر 31: 31، إلى وعد بميثاق يقيمه الله مع بيت إسرائيل وبيت يهوذا. هذه العبارة أخذها الاسيانيون في قمران ليصوّروا جماعتهم (المغارة الأولى، تفسير حبقوق). إن "العهد" الجديد يعكس "العهد القديم" (رج 2 كور 3: 14) الذي قطعه الله مع شعبه على الجبل: أخذ موسى دم الذبائح ورشّ نصفه على الشعب والنصف الثاني على المذبح، وقال: "هذا هو دم العهد الذي عاهدكم الربّ به" (خر 24: 8). في هذا الشكل الجديد أقيم العهد "بدمي" (مع دمي). فدم يسوع نفسه معنيّ ب "ذبيحة الخلاص" (خر 24: 5 حسب السبعينية). قد استعملت الكأس في معنى رمزي في مز 116: 13: "أرفع كأس الخلاص وباسم الربّ أدعو".
قال لا 17: 14: "نفس (حياة) كل جسد هي دمه". و 17: 11: "جعلته (أي: الدم) لكم على المذبح لتكفّروا به عن نفوسكم (عن حياتكم)". في هذا الإطار نفهم أن دم يسوع هو حياته التي تعطى لنا. 
"الذي يراق من أجلكم". الذي هو هنا لكي يراق من أجلكم (رج آ 19). قال مر 14: 24: "يراق من أجل الكثيرين". ومت 26: 27: "يراق من أجل الكثيرين لغفران الخطايا". لا نجد هذه العبارة في 1 كور 11: 25، بل نقرأ: "هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي. كلما شربتم، فاعملوا هذا لذكري". نصّ مر هو أولاني. ويأتي بعده نصّ مت الذي هو توسّع ليتورجي. وحصر لو (أو مرجعه) النظرة إلى التقدمة البدليّة في تبديل من "الكثيرين" إلى "لأجلكم". وهذا ما يتوافق مع نهاية آ 19: "يسفك من أجلكم".
إراقة الدم عبارة تدلّ على الموت في العهد القديم. رج تك 9: 6؛ حز 18: 10؛ أش 59: 7 (رخو روم 3: 15)؛ لو 11: 50. ورأى شّراح عديدون في لفظة "لأجلكم" (أو: لأجل كثيرين) تلميحاً إلى أش 53: 12: فعبد الله المتألمّ "بذل نفسه للموت، وأحصي مع العصاة، وحمل خطايا كثيرين".
3- قراءة أدبية وروحية
نقسم هذا المقطع إلى قسمين: تهيئة العشاء (22: 7- 14)، العشاء الرباني (22: 15- 20) ونتوقّف عند الأمور النقدية، عند أهداف الكاتب وارتباط هذا الحدث بالتقليد الليتورجي.
أ- الاستعداد لعشاء الفصح 
يتواصل خبر الآلام في لوقا مع الاستعداد لعشاء الفصح، ويُطرح سؤال: هل تدخل آ 14 مع آ 7- 13، أم تعتبر مدخلاً للقسم الثاني الذي هو العشاء نفسه؟ هي في كل حال انتقالة تختتم القسم الأولى وتعدّ القسم الثاني.
أولاً: الدراسة الأدبية
يعود مجمل الحدث (آ 7- 14) إلى ما دوّنه مر 14: 12- 17 (رج مت 26: 17- 20). قال عدد من الشّراح: إن آ 7- 13 هي نسخة عن مر مع مقدّمة بسيطة وتبديلات طفيفة. إن لوقا جعل يسوع يتَّخذ المبادرة في إرسال اثنين من تلاميذه (في مر 14: 2: سأل التلاميذ؛ في لو: أرسل يسوع)، كما سمّى التلميذين: بطرس ويوحنا (إن آ 8 هي كلها من تأليف لوقا وتتعارض مع مر 14: 12 ب- 13 حيث لا يذكر اسم التلميذين اللذين يطرحان السؤال على يسوع فيرسلهما). ويبدو أن آ 14 هي شكل دوّنه لوقا منطلقاً من مر 14: 17. العنصر الوحيد اللافت هو استعمال "هورا" (الساعة)، وهذا ما يجعلنا قريبين من اللاهوت اليوحناوي (يو 13: 1: عرف أن ساعته).
إذا عدنا إلى المستوى النقدي، بدا الحديث جزءاً من التقليد الاخباري في الانجيل، بدا خبراً عن يسوع. إعتبر بعض الشّراح أننا أمام تدوين ثانوي جاء موافقاً لخبر العشاء الفصحي. وقابل آخرون المعرفة المسبقة عند يسوع مع معرفة صموئيل حين أطلق شاول بعد أن مسحه (2 صم 10: 2- 13). ولكن معرفة صموئيل جاءت تدلّ شاول على أن الربّ مسحه حقاً. أما في هذا الحدث، فلا علامة خاصة في معرفة يسوع السابقة. على كل حال، نحن أمام تقارب خارجي. فلوقا قد ورث بالأحرى خبر مرقس.
إن مرمى الحدث كما رواه لوقا بسيط جداً: إنه مقدّمة للحدث التالي، خبر العشاء الأخير. أبرز لوقا شخص يسوع الذي اتخذ المبادرة في "يوم التهيئة". رغب أن يحتفل بعيد الفصح السنوي مع رسله المختارين حسب فرائض العهد القديم. "في الموضع الذي يختاره الربّ ليحلّ فيه اسمه" (تث 16: 6). فمنذ أيام الملك يوشيا على أبعد تقدير، أخذوا يأكلون حمل الفصح في ساحة هيكل أورشليم (2 أخ 35: 16- 19). ولكن بسبب العدد الكبير من الحجّاج، صار "الموضع" مدينة أورشليم كلّها، على أن تُذبح الحملان في ساحة الهيكل. 
أرسل يسوع التلميذين. هذا ما كتبه لوقا في خطّ مرقس. أيكون يسوع رتّب الأمور مسبقاً، أم لم يرتبها؟ الأمران ممكنان. أما السبب الذي لأجله أراد يسوع أن يأكل الفصح مع رسله، فهذا ما نكتشفه في الحدث التالي (العشاء). أعطيت توصية غامضة لبطرس ويوحنا. ولكن يبدو واضحاً أن مثل هذا التعبير يتخوّف من يوضاس الذي كان يطلب فرصة مناسبة ليسلم يسوع بمعزل عن الجمع (آ 6).
نكتشف تشابهاً بين هذا الحدث وخبر دخول يسوع الملكي إلى هيكل أورشليم، لا سيّما حين أرسل التلميذين (لا يذكر اسمهما هنا) ليأتيا بالجحش (19: 29). فالتشابه يدلّ على أننا أمام مرجع مشترك. ثم إن إرسال "شخصين" اثنين في مهمة، عادة قديمة جداً (وجود شاهدين) "شرَّعها" يسوع حين أرسل تلاميذه "اثنين اثنين أمامه" (10: 1). وإذ شدّد لوقا على معرفة يسوع المسبقة، دلّ على أنه يسيطر على العناصر خلال الآمه. فهو بكامل سلطانه وملء حريته يذهب إلى الآلام والموت طوعاً.
ثانياً: مسائل ثلاث
تُطرح هنا ثلاث مسائل. الأولى: هل نحن أمام العشاء الأخير، أم العشاء الفصحي؟ الثانية: ما هي علاقة العشاء الأخير بالتقليد اليوحناوي؟ الثالثة: كيف حُسب يوم الفطير؟
* العشاء الفصحي، العشاء الأخير
لا نجد عبارة "العشاء الأخير" في العهد الجديد. فقد استعملت بالنظر إلى ما فعله يسوع مع تلاميذه "في الليلة التي أسلم فيها" (1 كور 11: 23- 25؛ رج يو 13: 1- 2). كان بولس عالماً كل العلم بالطقس الذي احتفلت به الكنيسة الأولى حوالي سنة 56 (1 كور 10: 16- 21) والذي سمّي "عشاء الرب" (1 كور 11: 20)، فارتبط بأقوال يسوع وأعماله في تلك الليلة الأخيرة مع تلاميذه. ورث بولس الخبر من التقليد القديم. ومع أن أكور 10: 11 لا تذكر العشاء الأخير على أنه عشاء الفصح، إلا أن بولس يبدو عالماً بالتفسير الفصحي للعشاء الأخير حين يتحدّث ست "المسيح حمل فصحنا" (1 كور 5: 7) في سياق عيد الفطير. وكذلك يذكر "كأس البركة" (1 كور 10: 16) فيلمّح إلى كأس الخمر التي تقال عليها كلمات الشكر في نهاية العشاء الفصحي.
رأت الأناجيل الإزائية في العشاء الأخير عشاءً فصحياً (22: 1، 7، 14؛ مت 26: 2، 5، 17- 20؛ مر 14: 1: 2، 12- 17). وتفوّق لوقا في ذلك على متّى ومرقس. فمن الواضح أن الرسولين أعدّا العدة لطعام يؤكل عند غروب الشمس، في نهاية اليوم الرابع عشر من الشهر الأول، نيسان (= أذار، نيسان)، يؤكل ليلة عيد الفصح (15 نيسان). بالإضافة إلى ذلك، وحسب الأناجيل الإزائية، يُوقف يسوع في الليلة عينها (22: 39- 47- 54؛ مت 26: 30، 47- 50، 57؛ مر 14: 26، 43- 53). ويحُكم عليه بالموت في اليوم التالي، في 15 نيسان (لو 22: 66- 23: 1، 25، 46؛ مت 27: 1، 26، 50؛ مر 15: 1، 15، 37). ثم قيل بعبارة واضحة إن هذا اليوم هو "يوم التهيئة، اليوم السابق للسبت" (23: 54- 56؛ مت 27: 62؛ مر 15: 42). وبعبارة أخرى، إن عيد الفصح (15 نيسان) في تلك السنة وافق اليوم السابق للسبت، وافق يوم الجمعة، اليوم السادس. كل هذا يدلّ على أن العشاء الأخير الذي أخذه يسوع مع تلاميذه كان عشاءً فصحياً.
* العشاء الأخير والتقليد اليوحناوي
إن تاريخ العشاء الأخير في التقليد اليوحناوي يختلف عمّ قلناه. فإن 13: 1 يتحدّث عن يسوع الذي يتعشّى "مع أخصّائه" "قبل عيد الفصح" (13: 1- 2). إشارة غامضة. ولكن يُقبض على يسوع بعد العشاء (18: 2- 3، 12- 13). وفي اليوم التالي يسلم إلى بيلاطس الوالي. أما الذين سلّموه فرفضوا أن يدخلوا إلى دار الولاية لئلا يتنجّسوا فلا يستطيعوا أن يأكلوا حمل الفصح في العشاء (18: 58). وصُلب يسوع ومات "في يوم التهيئة للفصح" (19: 14). وسيسمّى في 19: 31 "اليوم السابق للسبت"، وهو يوم عيد كبير. هو عيد في عيدين: هو يوم السبت المقدس وعيد الفصح.
وهكذا "يبيّن" التقليد اليوحناوي أن يسوع أكل الفصح عشية 13 نيسان. أي قبل التاريخ الذي أشارت إليه الاناجيل الإزائية. ومع أن التقليد الإزائي والتقليد اليوحناوي يجعلان موت يسوع في اليوم الذي قبل السبت، إلا أن التقليد الثاني يفترض أن العشاء الأخير لم يؤكل في يوم الفصح. وهذا الاختلاف بين التقليدين أثار جدلاً حول عشاء يسوع الأخير: هل كان عشاء فصحيّاً أم لا؟
تبع التقليد الليتورجي التقليد اليوحناوي فاحتفل بعيد عشاء الرب يوم الخميس، وبيوم موت الرب يوم الجمعة (كما قال الإزائيون أيضاً). فالاختلاف بين التقليدين الإزائى واليوحناوي (أي العشاء الأخير يوم الفصح أو قبل الفصح) حمل تفسيراً لاهوتياً: جعل الإزائيون العشاء الأخير عشية 15 نيسان لأنهم أرادوا أن يربطوا هذا العشاء بعيد الفصح. أما يوحنا الذي ماثل بين يسوع و "حمل لله" (يو 1: 29- 36)، فاراد أن يصوّره ذاهباً إلى الموت ساعة كانت الحملان تُذبح. أي قبل عشية 15 نيسان. هنا نتذكّر يو 19: 31- 37 (خصوصاً آ 36: حدث هذا ليتمّ قول الكتاب) مع إيراده لنصّ العهد القديم: "لم يكسر له عظم" (خر 12: 46 ج). مهما كان تفسير هذا التقليد أو ذاك، يبقى أن نعرف تاريخ العشاء الأخير وطابعه الفصحي.
* كلندار عيد الفطير
وقدّم "حلّ" للاختلاف بين التقليدين، ينطلق من الكلندار (الروزنامة الليتورجية). فالكهنة اليهود (18: 13- 14، 28) تبعوا الكلندار الرسمي. أما يسوع وأخصّاؤه فقد تبعوا كلنداراً مختلفاً. كان الأول الكلندار الصادوقي. والثاني: الكلندار الفريسي. وقال آخرون: الأول هو كلندار اليهودية، والثاني، كلندار الجليل. ولكننا أمام فرضيات نظرية. لأنه ليس من الأكيد أن مثل هذه الكلندارات وُجدت في فلسطين في القرن الأول المسيحي.
واكتشف في الآونة الأخيرة أن الاسيانيين استعملوا كلنداراً شمسياً يتألّف من 364 يوماً، ويختلف عن الكلندار الرسمي الذي كان قمرياً مع عناصر شمسية. يرتبط الكلندار الشمسي بمقاطع من العهد القديم. مثلاً: لا 23: 5 يتحدّث عن "اليوم الرابع عشر من الشهر الأول" (رج 2 مك 6- 7 أ). هناك نصّ قمراني يتحدّث عن سفر في عيد الفصح. هذا يعني أن المسافر يتبع كلنداراً غير المستعمل لدى يهود فلسطين.
وإنطلاقاً من هذا، اقترح بعض الشّراح ما يلي: صوّر الإزائيون يسوع يعدّ للفصح ويأكله في خط التقليد الاسياني. وقُتل في اليوم السابق للفصح حسب الكلندار الرسمي، كما يقول يوحنا. إذن، أكل يسوع العشاء الأخير حسب الكلندار الشمسي (الاسياني)، عشية 15 نيسان، أي مساء الثلاثاء، وصُلب حسب الكلندار القمري (في 14 نيسان، في يوم التهيئة للسبت ولعيد الفصح).
ولكن جاءت الاعتراضات على هذه الفرضية. منها: لا إشارة في التقليد الانجيلي تقول إن يسوع تبع الكلندار الشمسي لا القمري. كل ما نعرفه يأتي من يوحنا الذي تحدّث عن ثلاثة احتفالات بالفصح. ومنها: يبدو من الصعب التنسيق بين المواد الإزائية والمواد اليوحناوية. ومنها: لا نستطيع الجواب على سؤال يقول متى أكل يسوع التاريخي العشاء الأخير، أو هل أكله كعشاء فصحي. ولكننا ما زلنا هنا على المستوى الأول في التقليد الإنجيلي. ومع ذلك، لا شكّ في أن العشاء الأخير قد فهمه لوقا عشاء فصحياً، وفسّره بهذا الشكل على المستوى الثالث، فلا حاجة إلى جعل التقليد اليوحناوي يتنسق مع التقليد الإزائي.
ب- العشاء الرباني
أولاً: لوقا وسائر الأناجيل
في هذا العشاء، احتفل يسوع بالعشاء الفصحي وأعاد تفسيره. شارك رسله في الخبز والخمر، وأعطى هذين العنصرين معنى جديداً. وأوصى تلاميذه أن يعيدوا هذا العشاء لكي يذكروه في الأزمنة المقبلة. فما هي علاقة نصّ لوقا بما في سائر الأناجيل من خبر؟
اختلف الخبر هنا عن الذي احتفظ به التقليد اليوحناوي الذي يكرّس له خمسة فصول طويلة (يو 13- 17). هناك تذكر للعشاء الذي أخذه يسوع "مع أخصائه". وخلال هذا العشاء قام بعمل رمزي (غسل أقدام الحاضرين. وهذا فعل لا يقوم به العبد بالنسبة إلى سيده، بل المرأة بالنسبة إلى زوجها، 13: 15)، وأعلن أن شخصاً حميماً سوف يخونه (13: 2- 3، 18- 19، 27- 30)، وقدّم خطبة وداع طويلة (13: 31- 17: 26).
إن الخبر اليوحناوي يقدّم الطريقة التي بها تذكّرت جماعة التلميذ الحبيب العشاء الأخير، فجاء مختلفاً عمّا في الإزائيين. هل من علاقات بين نصوص مت ومر ولو؟ 
إن الخبر اللوقاوي يجد ما يقابله في مر 14: 22- 25 (مت 26: 26- 29). ولكنه يبدو ضُعف ما نقرأ عند الازائيين الآخرين. فمع أن لوقا استلهم مرقس، إلا أنه عمل شيئين رئيسيين في هذا المقطع. الأول: نقل موقع خيانة يوضاس (مر 14: 18- 21)، فبدّل تبديلاً خفيفاً ترتيب مرقس ليقدّم "خطبة" بعد العشاء نفسه. وهكذا أورد أقوال يسوع وجعلها في شكل خطبة وداعية. الثاني: أحلّ محلّ الخبر المرقسي للعشاء الأخير، شكلاً خاصاً به يأتي من اللوقاويات (آ 15- 17، 19 ج د- 20 وربّما آ 18 لأننا نجد في هذه الأخيرة تشابهاً مع مر 14: 25). يستحيل أن تكون آ 15- 18 إعادة لصياغة مر 14: 25، أو أن تكون آ 19- 20 مرتبطتين مع 1 كور 11: 24- 25. وهكذا نقول إن آ 15- 18 لا تعود إلى مرجع مرقس كما أن آ 19- 20 لا تعودان إلى نصّ لوقاوي وإن كان لوقا قرأ 1 كور. فالموازاة مع القديس بولس تدلّ على مرجع سابق للوقا قد استعمله لوقا. أما آ 19 أ ب (وأخذ خبزاً وشكر وكسره) فهي تعود إلى مر 14: 22. وما تبقّى من آ 19- 20 يُنسب إلى اللوقاويات.
نكتشف تدوين لوقا في استعمال فعل قال مع "بروس" (آ 15 أ). والعبارة الساميّة التي مرّت في السبعينية: إشتهيت شهوة (آ 15 ب، وقد تكون سابقة للوقا). واستعمال الاداة "برو" أمام المصدر، وفعل "باتاين" بشكل مطلق (قبل أن أتألمّ). هذا ما يدلّ على ألم الموت، رج 24: 46؛ أع 1: 3؛ 3: 18؛ 17: 3.
إذا عدنا إلى شكل النصّ، بدا الحدث قطعة من التقليد الاخباري، بدا خبراً عن يسوع. وهذا الخبر تأثّر في مرقس وفي لوقا بالاستعمال الليتورجي. إعتبر بعضر "المحدثين" أن آ 19- 20 قد أقحمتا هنا فيما بعد، فضاع تفسيرُ التوازي اللوقاوي كله. لماذا قالوا مثل هذا القول؟ بسبب غياب خبر التأسيس من يوحنا. نحن لا نعرف لماذا غاب عن يوحنا هذا الذي نجده في الأناجيل الإزائية الثلاثة وفي 1 كور. فالمشهد في يو 13 لا يعتبر فصحاً، وهذا راجع إلى المسألة الكرونولوجية (متى احتفل يسوع بالفصح) التي ناقشناها سابقاً. أجل، ليس ما يؤكّد أن يسوع احتفظ بخبر أولاني للعشاء الأخير. أجل، هناك وجهة ايتيولوجية (تحاول أن تدرس الأسباب) في خبر العشاء عند لوقا الذي يحاول أن يجذّر العشاء الأخير أو الافخارستيا في هذا الخبر. وما نقوله عن هذا المقطع نستطيع أن نقوله عن لوقا كله (والأناجيل كلها) الذي يحاول أن يجعل حياة يسوع تتجذّر في حياتنا وفي ممارستنا.
ثانياً: نقد النصوص
وقبل أن نواصل تحليل الخبر اللوقاوي عن العشاء، نودّ أن ندرس نقد النصوص في هذا الحدث. نحن أمام مسألة هامة قلّما نجد مثلها في الإنجيل كله. وهذا يعني آ 19 ب- 20 أو بالاحرى آ 19 د- 20: "الذي يبذل من أجلكم. إصنعوا هذا لذكري". وصنع يسوع الشيء عينه مع الكأس بعد العشاء فقال: "هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي (مع دمي) الذي يهرق من أجلكم". نجد هنا ستة أشكال من التقليد النصوصي:
* ما يسمّى النصّ الطويل (آ 17- 20). نقرأه في بردية 75 وفي المخطوط السينائي، الاسكندراني، الفاتيكاني، الافرامي... وعدد كبير من المخطوطات الجرّارة مع الشعبية والسريانية والقبطية والارمنية والجيورجية.
* ما يسمّى النصّ القصير (آ 17، 18، 19 أ ب حتى: هذا هو جسدي). نجده في المخطوط البازي ومخطوطات ترتبط باللاتينية العتيقة.
* نقرأ آ 19 ب، 17- 18 في مخطوطين من اللاتينية العتيقة، مع اختلاف في كلمة أو اثنين.
* نقرأ آ 19، 17، 18 في السريانية العتيقة التي نشرها كيورتون الانكليزي (حذفت لفظة "يبذل"، وتبدّل ترتيب الكلمات).
* نقرأ آ 19- 20 أ (وبعد العشاء)، 17، 20 ب (هذا هو دمي، العهد الجديد. لم تُذكر الكأس)، آ 18. نقرأه في السريانية القديمة المسماة السينائية.
* نقرأ آ 19- 20 (ألغيت آ 17- 18) في السريانية البسيطة وفي بعض نسخات البحيرية.
سنة 1881 نُشر النصّ القصير واعتبرت آ 19 ج د- 20 نصّاً أقحم في الغرب. وكان جدال انتهى بإعادة الآيتين اللتين حُذفتا. فالنصّ الطويل تسنده مخطوطات هامة. كما أنه القراءة الأصعب، وهذا ما يدلّ على صحة النصّ. فالنصّ الطويل يحافظ على الكأسين. وهكذا نقوله إن آ 19 ج ب- 20 هما جزء من خبر لوقا عن العشاء الأخير. وهكذا تشكل آ 15- 20 وحدة هامة متكاملة تتألّف من جزئين. الأول (آ 15- 18): احتفال يسوع بالعشاء الفصحي. الثاني (آ 19- 20): تفسير يسوع للعشاء أو تأسيس الافخارستيا. ينطبع الجزء الأول بالتوازي (آ 15- 16 ثم آ 17- 18) (وفي كل حالة، تبدأ الآية الثانية مع "أقول لكم") ويورد ما صنع من أجل ملكوت الله الذي فهم في شكل اسكاتولوجي. ونجد توازياً مختلفاً في آ 19 وآ 20 (كلام على الخبز، وكلام على الكأس بعد العشاء). ويتضمَّن الجزء الأول أيضاً إشارات واضحة إلى العشاء الفصحي لا نجدها عند مت ومر. فالإشارة إلى الفصح في مر 14: 22- 25 تبقى غامضة بينما هي واضحة في المقطع اللوقاوي مع لفظة "باسخا" (آ 15). إن كان الأمر هكذا، تكون هذه القطعة من التقليد الإنجيلي أقدم مما في مرقس، بعد أن اعترف الشّراح بطابعها الفصحي.
وكانت اعتبارات حول طابع العشاء الأخير. فُهم على أنه (1) مثل عشاء "قدوس" وهو عشاء مع مباركة خاصّة تقدّسه، يؤخذ في بداية السبت. على أنه (2) عشاء "حبوره" (رج حبرا في السريانية، الرفيق)، وهو عشاء نأخذه مع الاصدقاء، أو داخل الاخوّة الدينية لدى اليهود. على أنه (3) عشاء اسياني. يشارك فيه أعضاء الجماعة، كما أخبرنا يوسيفوس بذلك. كلها فرضيات لم تفرض نفسها.
وبالنسبة إلى تاريخية العشاء الأخير: (1) أرسل يسوع اثنين من تلاميذه ليعدّا مثل هذا العشاء (مر 14: 12- 13، 17؛ رج يو 13: 1). (2) احتفل به مع التلاميذ في أورشليم. (3) احتفل به خلال الليل (مر 14: 17؛ 1 كور 11: 23؛ يو 13: 30). (4) إتّكأ إلى المائدة (22: 14). (5) كسر الخبز خلال العشاء (مر 14: 22- 23). وقال لوقا بعد الخمر (22: 19). (آ) انتهى العشاء مع انشاد المدائح (مر 14: 26). نحن هنا على المستوى الأول في التقليد الإنجيلي. وفي المستوى الثالث من الشكل اللوقاوي، يقدّم الطابع الفصحي أفضل تفسير للخبر.
ثالثاً: لوقا وعيد الفصح اليهودي
إذا أردنا أن نفهم فهماً أفضل ثقل الخبر اللوقاوي، نتذكَّر بشكل موجز ما نعرفه عن عشاء الفصح الفلسطيني في القرن الأول المسيحي.
* المرحلة الأولى: مباركة (قدوس) لتقديس يوم العيد، كأس الخمر الأولى، أول طبق من الأعشاب (أعشاب خضراء. أعشاب مرة. صلصة من الثمار مع البهار والخل). وتُقدّم وجبة الطعام ولكنها لا تؤكل. وتُصبّ كأس الخمر الثانية.
* ليتورجية الفصح: يقدم ربّ البيت في اللغة الارامية جواباً على سؤال يطرحه أصغر الحاضرين: "لماذا تختلف هذه الليلة عن غيرها"؟ ويتبع ذلك نشيد الهلل في العبرية، ينشد القسم الأول الذي هو مز 113 حسب مدرسة شمعي، ومز 113- 114 حسب مدرسة هلال. وتُشرب الكأس الثانية المسّماة "كأس هاغاده".
* العشاء بالمعنى الحصري: تُلفظ مباركة على الفطير: (مصوت، الخبز الفطير). يؤكل حمل الفصح مع الفطير والأعشاب المرّة (خر 12: 8). تبارك الكأس الثالثة، الكأس التي بعد العشاء، "كأس البركة" (1 كور 10: 16). 
* الخاتمة: القسم الثاني من مزامير الهلل: مز 114- 118 حسب مدرسة شمعي. مز 115- 118 حسب مدرسة هلال. ويبقى جدال حول الكأس الرابعة: هل كانت تختم العشاء في القرن الأول؟ 
خلال القرن الأول، كان اليهود في فلسطين يحتفلون سنوياً بالعشاء الفصحي في أورشليم، فيستعيدون خبرة آبائهم كما تصوّر في خر 12: 3- 14؛ عد 9: 1- 14؛ تث 16: 1- 8، مع تشديد على تحرّر من عبوديّة المصريين. هي ذكرانة (أنامناسيس) في المعنى الحصري للكلمة. ذكرانة لتحرّر تاريخي. واستباق لتحرير اسكاتولوجي ومسيحاني. في هذا المعنى كانوا ينشدون في القسم الثاني من "هلل" مز 118: 26: "مبارك الآتي باسم الرب".
ونرى هذين البعدين للعشاء الفصحي في الخبر اللوقاوي عن العشاء الأخير. فهو يعود بوضوح إلى عشاء الفصح (آ 15؛ رج ر 7- 8- 13). ويعود "تو بسخا" إلى الحمل نفسه. ثم الخبر والكأسان خلال العشاء. الكأس الأولى في لوقا (آ 17) تعود إما إلى الكأس الأولى (قدوس) وإما إلى الكأس الثانية (كأس ها غادة). أما الكأس الثانية في لوقا والتي تسمّى "الكأس التي بعد العشاء" (آ 20 أ) فتعود إلى الكأس الثالثة، "كأس البركة". والبعد الاسكاتولوجي حاضر أيضاً في عودتين إلى "ملكوت الله". فالعشاء الفصحي الذي لن يأكله يسوع من بعد، سيجد كماله في ملكوت الله. وهكذ نكون أمام عودة إلى ما يسمى "الوليمة المسيحانية"، وإن غابت هنا الوجهة المسيحانية.
في القسم الثاني من الخبر (آ 19- 20) يعيد يسوع تفسير عنصرَي العشاء الفصحي بكلمات من عنده (غير مأخوذة من الليتورجيا اليهودية). فكلماته على الخبز وعلى "الكأس التي بعد العشاء" قد فهمت تفسيراً جديداً لإعلان ربّ البيت على الخبز الذي أكله آباؤنا حين خرجوا من مصر. وبدل أن يماثل يسوع بين الخبز الفطير وخبز الضيق، ماثل بين هذا الخبز وجسده، ماثل بين هذا الخبز ونفسه.
وزاد يسوع في النسخة اللوقاوية، حول الجسد: "الذي يُبذل من أجلكم" (آ 19). تقدّم هذه الزيادة البعد البدلي للجسد كما تشير إلى إمالة ذبائحية (ر 19، ديدوناي). ويقدّم يسوع في هذا العشاء الامالة السوتيريولوجية لخبز أعاد تفسيره. ما نجده في آ 15 يتضمّن قيمة سوتيريولوجية لآلام يسوع. فكلماته تعود إلى موته. قد نستطيع التكلّم عن طابع هذا العشاء: هو عشاء بين رفاق مثل ما نقرأ في أع 2: 42، 46 مع إمالة اسكاتولوجية. هو تذكّر موته كما نجد في 1 كور 11: 23- 26. ولكن يبقى أن لا شكّ في علاقته بالفصح اليهودي من جهة وبموت يسوع من جهة ثانية. وهكذا ننتقل في هذا العشاء من عالم العهد القديم إلى عالم العهد الجديد.
رابعاً: الطابع اللاهوتي
إن الطابع البدلي والسوتيريولوجي لتفسير يسوع للعشاء الأخير، يبدو بشكل أوضح في كلماته على "الكأس التي بعد العشاء". "هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي، الذي يهراق من أجلكم" (آ 20). إن الشكل اللوقاوي للتفسير ليس أقل من نصّ مرقس فيما يخصّ الطابع الذبائحي. إن لفظة "يهراق" تدلّ على الموت أكثر من "يُبذل". ولكن وإن لم يكن لنا "دم العهد" (كما في مر 14: 24) الذي يلمّح بوضوح إلى خر 24: 8، إلا أن تماهي كأس الخمر مع "العهد الجديد بدمي" هو أيضاً تلميح إلى ذبيحة العهد كما في مرقس، وإن عاد "العهد الجديد" إلى إر 31: 31. إن التلميح إلى ميثاق سيناء حيث رشّ موسى دم الذبائح على الحاضرين وعلى المذبح، هو أيضاً واضح في التعبير اللوقاوي. بما أنه الآن "عهد جديد" فالميثاق عُقد لا في العجول المذبوحة بل "في دمي الذي يهراق من أجلكم". 
بالإضافة إلى ذلك أوصى يسوع رسله: "إصنعوا هذا لذكري" (آ 19). فكما كان العشاء الفصحي لليهود في فلسطين تذكاراً سنوياً، هكذا طلب يسوع أن يتكرّر "العشاء" مع الخبز والخمر لكي يتمثّلوا خبرتهم معه. لقد أعطى يسوع ذاته، أعطى "جسده" و "دمه" كطريقة جديدة للاحتفال بعيد التحرير في إسرائيل. فجسده الخاص ودمه يجعلان من حمل الفصح علامة للملكوت الذي يتحقّق منذ الآن، وإن لم يصل إلى ملئه وكماله إلا في الأزمنة الأخيرة.
كان مشهد العشاء داخل إنجيل لوقا العشاء الأخير في معنى آخر. لأن الإنجيلي أعدّ العدّة لهذه الذروة حين ذكر ستة "عشاءات" أخرى في إنجيله، وجاء هذا العشاء السابع كتكملة للستة التي سبقت. في 5: 29- 32، أقام له لاوي وليمة كبيرة في بيته، حضرها عدد من العشارين. في 7: 36- 50، دعاه أحد الفريسيين إلى الطعام عنده. في 9: 12- 17، نحن أمام وليمة يهيّئها يسوع لنحو خمسة آلاف. في 10: 38- 42، كان يسوع في ضيافة مرتا ومريم. في 11: 37- 44، دعاه أحد الفريسيين إلى الغداء عنده، فدخل بيته وجلس للطعام. وفي 14: 1- 24، دخل بيت أحد كبار الفريسيين ليتناول الطعام، وهناك تحدّث عن "آداب" المائدة وأعطى مثل الوليمة. ونجد صدى لكل هذا ولا سيّما للعشاء الأخير في كسر الخبز مع تلميذي عماوس (24: 28- 32)، وربّما مع جميع التلاميذ في 24: 41- 43 وإن بدا يسوع وحده يأكل السمك المشوي الذي قدّموه له.
خاتمة
إن خبر العشاء الأخير في لو، كما في مت وفي مر، يحاول أن يجذّر الاحتفال المسيحي بالعشاء الأخير، بالافخارستيا، في أقوال يسوع وأعماله في ذلك العشاء. عاد بولس في 1 كور إلى هذا الطقس كما كان يحُتفل به في بداية المسيحية (1 كور 10: 14- 22)، عاد إليه قبل أن يذكر "عشاء الربّ" (11: 20) أو يعطيه شكل الكلمات التأسيسية (11: 23: 25). وكانت خطوات نقلتنا من العشاء الأخير إلى عشاء الربّ، إلى سّر القربان المقدس كما تحتفل به الكنائس المسيحية.
ثم إن يسوع، في الإنجيل اللوقاوي، أشار إلى آلامه في العشاء الأخير (آ 15)، فربط هذا الخبر بلاهوت نجده في الرسالة إلى العبرانيين وفى الرسالة الأولى إلى بطرس حيث قدّم موت يسوع على الصليب مع فعل "بسخاين". قالت عب 9: 26: "كان عليه أن يتألمّ مرات كثيرة منذ إنشاء العالم". وقالت: "لذلك مات يسوع في خارج المدينة ليقدّس شعبه" (عب 13: 2). ونقرأ في 1 بط 2: 21- 23: "فالمسيح تألمّ من أجلكم وجعل لكم من نفسه قدوة لتسيروا على خطاه...". ونقرأ في 3: 18: "فالمسيح نفسه مات مرة واحدة عن الخطايا، مات وهو البار من أجل الأشرار ليقرّبكم إلى الله". وهكذا نلتقي في هذه النصوص مع خبر لوقا وتشديده على ضرورة موت المسيح. قال: يا أبو، في يديك أستودع روحي. قال هذا وأسلم الروح.
الفصل الحادي والعشرون
خطبة يسوع بعد العشاء
22: 21- 30

ويتواصل خبر العشاء الأخير في انجيل لوقا، فيوجّه يسوع كلامه إلى تلاميذه بعد الطعام. في مقطع أول (22: 21- 23) أعلن بصريح العبارة أن واحداً من تلاميذه سوف يسلمه. أنه واحد من الذين يأكلون معه الآن على المائدة. في مقطع ثانٍ (22: 24- 26) ردّ على التلاميذ الذين ما زالوا على نظرتهم إلى المسيح المجيد، الذين ما زالوا يتساءلون عن الأكبر بينهم، عن الأول. وفي مقطع ثالث (22: 28- 30) وعد الذين ظلّوا على الأمانة معه خلال حياته على الأرض، ورغم عداوة السلطات اليهودية، وعدَهم بالملكوت، وعدَهم بسلطان من نوع آخر.
1- نظرة عامة
أتمّ يسوع قصد الله وأكل عشاء الفصح مع تلاميذه. ولكن هذا العشاء حمل في ذاته ثمار الموت. فيسوع يبذل ذاته "من أجلكم"، يهرق دمه "من أجلكم". وها هي قد بدأت مسيرة الموت مع خيانة يوضاس.
أ- الخيانة التي تهدّد الرسل
تبدو الخيانة نفسها مع ما فيها من شّر وكأنها دخلت في قصد الله. فالربّ يحوّل الشّر خيراً، وخطايا البشر تجعلهم خارج مخطّطه، ولكن مخطّطه يتابع مسيرته. ثم إنّ يسوع ذاته قبلَ مسيرة الموت بملء إرادته، وهذا ما سوف يعبرّ عنه في صراعه في جتسيماني. ولكنّه منذ الآن قال: "ابن الإنسان يسير ويمضي إلى الموت، كما هو محتوم" (آ 22). هكذا قالت الكتب (رج أع 8: 23؛ 10: 42؛ 17: 31). وإذ يتبعها يسوع فهو في الوقت نفسه يتبع إرادة الله.
حين "دلّ" يسوع على الخائن، لم يذكر بوضوح نصاً كتابياً. كان باستطاعته أن يورد مز 41: 10 (صديقي الذي وثقت به أكل خبزي وانقلب عليّ) كما فعل مر 14: 18. ولكنه استلهمه بشكل غامض. إن تقديم الأمور على هذا الشكل يدلّ على أن الخيانة ليست "قضية" يهوذا وحده. في الواقع، كل من التلاميذ معنيّ بها، ونحن أيضاً الذين نقرأ الانجيل اليوم.
لما جعل لوقا إعلان الخيانة بعد تأسيس الافخارستيا، ولما وزّع المراحل مع أداة "بلان" (مع ذلك) في آ 21 وآ 22، دلّ على أننا لسنا أمام حدث طارئ لم يكن متوقعاً. دلّ على أننا أمام "طريق". طريق يسير فيه يسوع إلى الألم ثم إلى المجد. طريق يسير فيه الخائن فيصل به رغم محاولات يسوع إلى اليأس. طريق به يمرّ الخلاص الذي يتمّه ابن الإنسان. طريق هو طريق عبد الله المتألم الذي تحدّث عنه أشعيا فدلّ على تضامنه معنا: "كلنا كالغنم ضللنا، مال كل واحد إلى طريقه، فألقى عليه الرب إثم جميعنا" (53: 6). إنه "مجروح لأجل معاصينا، مسحوق لأجل خطايانا، وبجراحه شفينا" (آ 5). تلك هي الطريق التي أرادها الله لابنه من أجلنا ومن أجل خلاصنا نحن البشر.
وشدّد لوقا في الوقت عينه، على أنّ في قلب هذا العشاء الذي فيه يغذّي يسوع تلاميذه، يتفجّر الجدال كما في بداية الخليقة: كل واحد يلقي التبعة على الآخرين، كل واحد يريد أن يتبرّر. هكذا فعل آدم فقال للرب إن حواء هي التي أغوته. وهكذا فعلت حواء. خطيئة البدايات ما زالت حاضرة في حياة الرسل وفي حياتنا. ولكن التلاميذ ما أرادوا أن يعوا خيانتهم، ونحن أيضاً. في هذا المعنى قال القديس بولس: "في الليلة التي أسلم فيها يسوع، أخذ خبزاً" (1 كور 11: 23). الرب أسلمه عنا جميعاً. ونحن أيضاً أسلمناه بخيانتنا. هذا ما يدل عليه المقطع الثاني بما فيه من بحث عن المقام الأول ساعة يمضي المسيح في طريق الموت.
ب- الخدمة المطلوبة من الرسل
قبل أن نبدأ المقطع الثاني، نتوقّف عند لفظة تفوّه بها يسوع: "الويل". لسنا هنا أمام لعنة. لسنا هنا أمام إعلان بالهلاك الأبدي ليوضاس. الويل يعني هو تعيسة هذا الرجل. يا ليته يعي وضعه. نحن هنا في مرحلة أولى من مراحل يسوع لكي يردّ يوضاس إلى نفسه. وستكون مرحلة أخرى في بستان الزيتون: "أبقبلة تسلّم ابن الانسان"؟ وسمّاه باسمه "يهوذا" (آ 48).
وألغى لوقا القول القاسي الذي لا تتحمله أذن قرائه: "كان خيراً له أن لا يولد" (مر 14: 21ج؛ مت 26: 24ج). وسيعود إلى مصير يهوذا في سفر الأعمال كما فعل مت 27: 3- 10. ساعة أراد بطرس أن يكمّل عدد الرسل الذي نقص بغياب يوضاس (يهوذا)، "تحدّث" عن ذلك الذي "انشقّ من وسطه، واندلقت أمعاؤه كلها" (أع 1: 16- 20). وربط بطرس ما حدث بالكتب المقدسة فبيَّن أنّ مصير يوضاس هو بين يدي الله. فلا نحكم عليه بمنطقنا البشري المبتور.
"وحصل" (اغاناتو دي). هذا فعل اعتدنا عليه في انجيل لوقا. حصل جدال، سيكون لنا بعده "خطبة ما بعد العشاء". ولكن هذه الخطبة ستتحوّل تدريجياً إلى حوار. ارتبطت آ 24 مع آ 23، لأنّ جميع التلاميذ معنيّون، سواء كنا أمام خيانة أم نكران. جميعهم يدفعهم الحسد والغيرة. نلاحظ هنا أن لوقا لم يورد حدث طلب ابني زبدى مع ردّة فعل رفاقهم (مر 10: 35- 45؛ مت 20: 20- 25). ولكنه استعاد بعض هذه الاشارات في آ 25- 27. كما أنه لا يروي كيف ترك الأحد عشر يسوع حين قبُض عليه (مر 14: 50؛ مت 26: 56 ب؛ رج يو 18: 8- 9). هو لا "يهاجم" الرسل. بل يشدّد على ثقة يسوع بهم رغم ضعفهم. فهو يعرفهم كل المعرفة. وسيعود لوقا فيبيِّن لنا أنّ الرسل كانوا عند الصليب مع النسوة. إنهم "الأصدقاء" الذين يتحدّث عنهم 23: 49.
إن المزاحمة الموجودة بين الرسل أعطت يسوع المناسبة لكي يقدّم لهم ولنا هذا التنبيه. تساءلوا: "من يبدو الأكبر بينهم" (آ 24؛ رج مت 18: 1؛ مر 9: 34)؟ هذا هو السؤال حول السلطة، وهو يذكّرنا بأول الجدالات في الهيكل (20: 1- 8: السلطة المعطاة ليسوع). تجاه سياسة التسلّط الذي تمارسه الأمم والملوك، عرض يسوع ستراتيجية من نوع آخر، هي ستراتيجية "الخدمة". حينذاك لن يحُسب حساب للمركز ولا للقوة ولا للقيمة الشخصية؟ بل نعترف بالآخرين، نتخلىّ عن حقوقنا، نحسب الآخرين أفضل منا، كما قال القديس بولس.
هنا ندرك ما في هذا البعد من ثورة، من دمار لنظرتنا السابقة ونظرة العالم: ما يميّز مجموعة التلاميذ هو الجهوزيّة التي لا شرط فيها، هو الاستعداد التام للخدمة التي لا تعرف حداً. نجد هنا لفظة "اورجيتس" أي المحسن. أعطي هذا اللقب بشكل خاص لبعض الملوك اليونان في مصر. ومنذ الامبراطور أوغسطس قيصر، سمّي الأباطرة الرومان: مخلّصي الكون والمحسنين إليه. أما الموقف المسيحي، فهو موقف السامري الذي يجعل نفسه في خدمة الجريح دون أن يمنّنه ويفرض نفسه عليه (10: 29 ي). الموقف المسيحي هو الذي لا تعرف شماله ما فعلته يمينه (مت 6: 3). 
ونجد لفظة أخرى "هيغومينوس": الموجّه، القائد. تدلّ هنا على رئيس الجماعة سواء كانت روحية أو زمنيّة. تسميهم عب 13: 7، 17، 24 "المرشدين"، "المدبّرين" (رج أع 15: 22). أترى احتاج رؤساء الجماعة في كنيسة لوقا إلى مثل هذا التنبيه بعد أن أخذوا بطريقة عيش الأمم! ثم لفظة "نيوتيروس". تدلّ في العالم الفلسطيني على الاصغر، على الذي يقف في أدنى رتبة على مستوى السلطة. قد نكون أمام تلميح إلى مجموعة "الشبّان" الذين تسلّموا بعض الخدم في الكنيسة (أع 5: 6، كفّنوا حنانيا؛ 1 تم 5: 1: تي 2: 6؛ 1 بط 5: 5).
أين نجد ينبوع هذا الموقف المسيحي؟ في يسوع نفسه. في العمل الذي به سلّم نفسه للبشر من خلال تأسيس الافخارستيا. وتوضح آ 27 هذه النقطة فتقدّم نصاً يوازي توصيات يسوع بعد أن غسل أرجل تلاميذه في يو 13: 12- 17: "إذا كنت أنا السيد والمعلّم غسلت أرجلكم، فيجب عليكم أنتم أيضاً أن يغسل بعضكم أرجل بعض". نقرأ في مر 10: 45، "لأن ابن الانسان لم يأتِ ليُخدم بل ليخدم ويبذل نفسه فداءً عن آخرين". لا يستعيد لوقا القول حول الفدية، بل يحتفظ فقط بموضوع الخدمة. قيل إن لوقا عاد إلى مر وأخذ ما أخذ، أو إلى تقليد أول عن عشاء الفصح. مهما يكن من أمر، لقد دلّ الانجيلي أن يسوع يعتبر عطاء ذاته من خلال الافخارستيا (22: 27) خدمة ما بعدها خدمة. وسيتوسّع يو 13: 1- 20 في وجهتَي هذا القول، في الوجهة الإرشادية (نخدم بعضنا)، وفي الوجهة السوتيريولوجية (لا يكون لك نصيب معي، في آلامي ومجدي).
في الواقع، يبدو أنّه وُجدت رسمة قديمة نكتشفها عبر الفنّ الادبي المسمّى "وصية" (انسان يموت يوصي الذين حوله). هذه الرسمة هي أساس الخطبة اللوقاوية فتربط مواضيعها بعضها ببعض. هي رسمة "الخروج" الذي أراد يسوع أن يتمّه في أورشليم (9: 31). فالنص الذي ندرس يستلهم مسيرة تحرير اسيرائيل ومسيرته في البرية كما في سفر الخروج: الفصح (خر 12). المنّ (ف 16). الجدال (ف 17). تأسيس القضاة (ف 18، قال يسوع: تجلسون لتدينوا)، العهد ووساطة موسى (ف 19- 24). 
هذا ما نجده في المتتالية السابقة للوقا: الفصح قد تمّ (آ 19- 20). وتحرّك الجدال الذي حرّكته الخيانة (آ 21- 24). وبدت الافخارستيا خدمة (آ 25- 27). تنظم "القضاة" (آ 31) وترتّب العهد (آ 28- 29)، وظهرت وساطة سمعان (آ 31- 32). ونستطيع أن نزيد تخاذل بطرس (آ 33- 34) ومسيرة الرسل الجديدة (آ 35- 38)، وهذا ما يوافق حدث العجل الذهبي وأمْر الرب إلى شعبه بأن يتابع المسيرة (خر 33- 34).
إن هذه الرسمة السابقة للوقا تبرز العشاء الأخير و"وصيّة" يسوع (الأخيرة) كتكوين شعب العهد الجديد الذي تحقّق في دم يسوع. استعاد لوقا هذا التقليد القديم وأبرز المتطلّبة التي تنبثق من "الخدمة". هذا ما يجب على الرسل وسائر الشهود أن يضعوه موضع العمل بعد موته (أع 1: 17، 25؛ 6: 1، 4؛ 11: 29؛ 12: 25؛ 20: 24؛ 21: 19)، ومهما تكاثرت المحن عليهم.
ج- المحن التي تنتظر الرسل
وتابع يسوع كلامه إلى هؤلاء الاثني عشر الذين لا يستطيعون أن "يخدموا، على مثال معلّمهم، والذين سيخونونه بطريقة تشبه من بعيد ما فعله يهوذا (يوضاس). وهكذا سلّم إليهم خدمة شعب الله. كما قال القديس بولس لشيوخ أفسس: "لترعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه الخاص" (أع 20: 28).
وتتسجّل آ 28 في هذه الخطبة لتدلّ على نظرة لوقاوية تضمّ زمن أعمال الرسل في رؤية نبوية، في قراءة لاحقة للأحداث على ضوء كلام الله: فشهود الساعة الأولى قد رافقوا يسوع منذ البداية (أع 1: 22)، وشاركوه في محنه (بايرسموي، رج أع 20: 19: أقاسي المحن) بانتظار أن يقاسموه موته. فمن أجلهم أعدّ الملكوت كما "أعدّه" له أبوه. استعمل فعل (دياتيتستاي) مرتين في آ 29. إنه يعني: جرّب من أجل (رج عب 9: 16). أعدّ بحسب الوصية، اتفاقية عهد. وموضوع هذا العهد، هذا الميثاق (دياتيكي، رج آ 20: ثبتّم معي. هذا هو أساس كل ميثاق) هو "الملكوت". لا "ملكوت الله" بحصر المعنى، هذا الملكوت الذي يرى تمام الفصح (آ 16، 18). بل الملكوت الذي يدشّنه بموته وقيامته: إنه "ملكوته" (آ 30، مائدتي في ملكوتي، رج 23: 24).
لقد "أعدّ" يسوع الملكوت رغم هجومات البشر (11: 16: وطلبوا آية ليجرّبوه؛ أع 20: 19)، بل رغم هجومات الشيطان (4: 13: جرّبه إبليس بكل تجربة) عليه، وعلى تلاميذه. وهذا الملكوت يبدو بشكل وليمة مسيحانية. وبفضل الافخارستيا التي سلّمها يسوع إليهم "لذكره" يجلس يسوع مع تلاميذه إلى مائدة واحدة. وهذا الجلوس قد بدأ منذ موته وقيامته. بل يدلّ على أنّ "ملكوت الله هو في داخلكم" (17: 21). وهو يتحقّق لجميع البشر ولجميع المجتمعات. هذا ما يسميه سفر الرؤيا: "مجيء ابن الانسان".
في العهد القديم أسّس "القضاة" ليكونوا في تصّرف الشعب (خر 18: 22). أسّسوا لـ "يخدموه" ويجعلوا السلام والعدالة تحكمان بين الناس. وهذا ما رتّبه يسوع بالنسبة إلى رسله: حمّلهم هذه الخدمة ليصلوا بها إلى كمالها.
في القول عن "العروش الاثني عشر" (عدد أسباط اسرائيل، ثم الرسل)، لا يتحدّث لو كما فعل مت 19: 28 عن "التجديد" (الولادة الجديدة)، وعن تنصيب الملك (رج مت 25: 31). هذا الإغفال له معناه. ففي نظره تشكّل "دينونة أسباط اسرائيل الاثني عشر" ممارسة حقيقية لرسالة الاثني عشر المدعوين لأن يشهدوا شهادة نبوية أمام أسباط اسرائيل، ليتحدّثوا عن تتمة المواعيد التي أعطيت للآباء، وأهمها رجاء القيامة (أع 26: 22- 23).
أخذ الرسل مكان رؤساء الشعب الذين رفضوا يسوع. وسيساعدهم "الشيوخ" أو "القسس". لقد لعب هؤلاء في الكنائسي الأولى (رج أع 11: 30؛ 14: 23؛ 15: 2، 4، 6، 22، 23) دوراً سيمتدّ طويلاً، فيكمّل ذاك الذي قام به الشيوخ في الجماعات اليهودية (7: 3؛ 9: 22؛ 20: 1؛ 22: 52؛ أع 4: 5، 8، 23؛ 6: 12؛ 23: 14؛ 24: 1؛ 25: 15). نلاحظ هنا مرة أخرى كيف يلغي لو العودة إلى نهاية الازمنة، الحاضرة في مت، ويشدّد على آنيّة (منذ الآن) الدينونة في الشهادة التي يؤدّيها الرسل المضطهَدون.
2- قراءة تفصيلية
أ- إنباء يسوع بالخائن (آ 21- 23)
"ها هو. انظروا" (ايدو). مع "بلان" (ومع هذا، لكن)، نحن في تعارض مع هذا الحدث الذي سبقه. "يد الذي يسلّمني". عاد لوقا إلى مر 14: 18، فتحدّث عن "يد" الخائن المتكئ إلى المائدة (رج 1 صم 24: 13- 15). لم تكن مواد مر 14: 18 ضرورية من أجل خبر لوقا، لأنه سبق وصوّر يسوع وتلاميذه بعد أن أكلوا. "معي". غابت هذه اللفظة من المخطوط البازي وغيره. رج مر 14: 8 أج. "على المائدة" أي على هذه المائدة التي نحن حولها. ستعود هذه اللانظة في آ 30 مع معنى مختلف.
"ابن الانسان" (آ 22). إحدى العبارات التي بها سمّى نفسه "يسوع الناصري". فيسوع هو الذي يستبق الدينونة، ويخلّص الخطأة، ويدشّن العهد المسيحاني. "يسير في طريقه". إستعمل مر 14: 21 فعل "هيباغان"، أما لوقا فاستعمل "بوريوماي" لأن يسوع يتحدّث عن مصيره الصاعد. هنا نتذكّر 4: 30 ساعة كان يسوع في الناصرة: "مرّ من بينهم ومضى". أجل، إن يسوع يواصل طريقه التي لا يمكن أن تقف هنا، بل تصل إلى أورشليم (13: 33).
"كما هو محتوم، مقرّر". تكلّم نص مر الموازي عن ابن الانسان "الماضي كما هو مكتوب". إنّ عبارة "كاتوس غاغربتاي" (كما هو مكتوب) نجدها في لو 2: 23؛ أع 7: 42؛ 15: 15. أما هنا، فيدخل لوقا لفظة أخرى بسبب نص العهد القديم الوارد في مر. وقال: "حسب ما هو محدّد". أي حدّده الله وقرّره. هذا هو المجهول اللاهوتي (رج 5: 20: غُفرت خطاياك. أي: غفرها الله). استعمل لوقا فعل "هوريزاين" (حدّد، قرّر) هنا، كما في أع 2: 23؛ 10: 42؛ 11: 29؛ 17: 26، 31، مع إشارة إلى إرادة الله لا أربعة مقاطع. وهكذا ربط لوقا مع هذه الجملة، خيانة يسوع بيد يهوذا، بمخطط الآب الخلاصي وتحقيقه في التاريخ. ويقوم هذا المخطط على خلفتة تقول بضرورة الآلام والموت. 
"أخذوا يتساءلون" (آ 23). أعاد لوقا صياغة مر 14: 19. هو في الاصل سؤال يُطرح على يسوع. ولكن لوقا يجعله سؤالاً يتطارحه الرسل. "من منهم سيفعل". هذا السؤال هو صدى للفظاعة التي أحسّت بها المسيحية الأولى تجاه خيانة يسوع على يد أحد أخصَّائه. حسب الخبر اللوقاوي، يبدو أن يوضاس كان بينهم، لاسيّما وأن القارئ لم يعرف شيئاً عن انطلاقه (ق مت 26: 25؛ يو 13: 26- 30). نلاحظ أن هذا النص يحمل حضّاً للرسل وتحريضاً.
ب- من هو الاكبر (آ 24- 27)
"نشب نزاع بينهم". أي بين الرسل. نحن أمام مقدّمة عامة وغامضة. لا تذكر طموح ابني زبدى (مر 10: 35- 37) ولا حزن الآخرين (10: 41). لا يحتاج لوقا إلى إدخال مثل هذه التفاصيل في سياق يستعمل فيه أقوال يسوع حول الخدمة الرسولية. "من هو الاكبر"؟ من هو الأعظم؟ نحن هنا أمام صيغة التفصيل "مايزون".
"ملوك الأمم" (آ 25). أي ملوك الأمم الوثنية (رج 12: 30: هذه الأشياء تطلبها الأمم الوثنية في العالم). إنّ جواب يسوع (أو شرحه) لا يحلّ النزاع. ولن نعرف يوماً من هو الأكبر، من هو الاعظم. بل يشدّد على الطريقة التي بها نكون كباراً: نتبع يسوع.
"وأما فيما بينكم" (آ 26). لا شك لا أن هناك تمييزاً أو درجات في الحياة المسيحية. غير أن يسوع يقول إن على الاكبر أن يخدم الأصغر. لسنا هنا على مستوى السلوك ولا على مستوى طريقة الحياة. سبق للوقا وقال من هو الأصغر. "من يقبل هذا الطفل باسمي فإياي يقبل" (9: 48 أ).
"المتكئ أم الذي يخدم" (آ 27). هكذا يحكم المجتمع البشري على الناس. ولكنَّ حُكم يسوع هو غير ذلك. نتذكر 22: 8 حيث بطرس ويوحنا (دورهما مهم) أرسلا ليعدّا عشاء الفصح. عملا عمل الخدم. طرح يسوع السؤال وأجاب عليه أولاً بالكلام. ثم بالعمل. "أنا بينكم كالخادم". هذا هو موجز حياة يسوع وخدمته. وقد يكون هذا هو المعنى بالنسبة إلى عشاء الفصح حيث يخدم يسوع كما في انجيل يوحنا. حياة يسوع خدمة، وهي بذلك مثال للخدمة الرسولية.
ج- أنتم ثبتُّم معي (آ 28- 30)
أنتم أيها الرسل (آ 14). حضّهم يسوع على الخدمة المتواضعة. ألغى لوقا "الحق أقول لكم" كما في مت 19: 28. ونقرأ في المخطوط البازي بداية هذه الآية (آ 28): "أنتم نموتُم في خدمتي كمن يخدم". ولكن هذه الزيادة تبدو مشبوهة لأنها تعطي باعثاً آخر للمجازاة. "أنتم ثبتم". لقد ثبت الرسل مع يسوع خلال رسالته كلها، حتى ساعة رذلَه اليهود وقاوموه. كانت تجارب يسوع عديدة، ولم تأته فقط من إبليس، بل حتى من المقرّبين إليه. نتذكّر هنا (مر 8: 33) أنّ يسوع سمّى بطرس "شيطان" لأنه ليس بجانب الله، بل بجانب الناس. ألغى لوقا هذا التفصيل من انجيله، ولكننا أمام محنة لاقاها يسوع خلال رسالته على الأرض.
"أعدّ لكم (أهبكم) الملكوت" (آ 29). هذه هي المجازاة التي يقدّمها يسوع لرسله، لأنهم ثبتوا معه خلال محنه. سيشاركونه في مجده الملكي. نتعرّف هنا للمرة الأولى إلى ملكوت يسوع (رج 23: 42). هي قمة بالنسبة إلى نصوص سابقة (1: 32- 33؛ 19: 11- 27، 28- 40: مثل الدنانير: ملكوت الله موشك أن يظهر). نجد في هذه الآية صدى لعلاقة يسوع بأبيه وبأحبائه، كما سيتوسّع فيها الإنجيل الرابع (يو 15: 9؛ 17: 18، 21، 22 نج 20: 21). هناك مخطوطات تقرأ في بداية هذه الآية: أصنع عهداً لكم. أو: أترك لكم عهدي، وصيتي. إن زيادة "دياتيكي" على كلمات يسوع توجهنا نحو خطبة بشكل وصية. ولكنّ فكرة الوصية مستبعدة لأنّ الفاعل هو الله.
"تأكلون وتشربون" (آ 30). في وليمة ملكوت الله الذي ترثونه مع يسوع (رج 13: 29؛ 14: 15). نجد عبارة "العروش الإثني عشر" في مت 19: 28، وقد تعود إلى المعين. ألغى لوقا لفظة "اثني عشر" بسبب خيانة يهوذا، لا بسبب فهم واسع للقيادة الرسولية. أما صورة هذا القول فتعكس مز 122: 4- 5: أورشليم التي جاءت إليها الاسباط، أسباط الرب... جُعلت عروش للقضاء، عروش "بيت داود". هذا لا يعني أننا نحصر دور الرسل في "الدينونة والقضاء". فالعروش في لوقا هي عروش ملكية، والقضاء يعني الاهتمام بأمور الناس وتوجيههم (رج في العربية: قضى في الناس). وهكذا يكون الرسل "القوَّاد" في شعب الله الذي أعيد تكوينه.
3- يسوع ورسله قبل الآلام
أ- المقطع الأول
بعد العشاء وجّه يسوع كلامه إلى رسله. هنا اختلف لوقا عن مرقس الذي أنهى خبر العشاء بالترانيم والمدائح، ثم ذهبوا إلى بستان الزيتون. صوّر الانجيل الثالث يسوع وهو يخطب في رفاقه (22: 21- 38)، وبهذا بدا فريداً بين الإزائيين. غير أنه يتوافق مع التقليد اليوحناوي. هذا على مستوى الخطبة. أما على المستوى التفصيلي، فالاختلاف كبير جداً. تأتي الخطبة بعد العشاء عند يوحنا بشكل وصية منسوبة إلى شخص يقول كلامه الأخير قبل موته. أما لوقا، فلم يقترب إلا قليلا من الفن الادبي، فنّ "الوصية".
تتألف خطبة لوقا من أربعة أقسام غير مرتبطة ارتباطاً وثيقاً. (1) إنباء يسوع بخيانة يهوذا (آ 21- 23). (2) ملاحظات يسوع حول تلاميذه ومكانتهم في الملكوت (آ 24- 30). (3)- إنباء بنكران بطرس ليسوع (آ 31- 34). (4) قول حول السيفين (آ 35- 38). أما في هذا الفصل فنتوقّف عند القسمين الأوّلين (آ 21- 30).
إنّ آ 21- 23 هي آيات تدوينية. أعاد لوقا صياغة مر 14: 18- 21 أو ما يوازيه. وآ 24- 30 متعدّدة العناصر. ألّف لوقا آ 24. وأعاد في آ 25- 26 صياغة مر 10: 42- 45. عادت آ 27 إلى اللوقاويات وجزء من آ 28- 30 إلى المعين. وجاءت آ 31- 34 أيضاً متعدّدة العناصر. جاءت آ 35- 38 من اللّوقاويات.
قال بعض الشّراح إننا أمام نص سابق للوقا. في الواقع، لوقا هو مسؤول عن دمج مواد جاءت من مر واللوقاويات والمعين. كل هذا أدخله لوقا في خطبة بعد العشاء الأخير.
ما معنى هذه الآيات؟ إنّ إعلان يسوع لا يكشف فقط معرفته بأنَّ أحد أخصّائه سيخونه خيانة تقوده إلى الموت، بل يدلّ على أنه لم يكن ينتظر إلا الصدق والأمانة. وهكذا يبرز التعارض بين مشاركة يسوع في العشاء الاخير والعمل الذي يستعدّ يهوذا لأن يقوم به. لا شكَّ في أن يسوع يتضايق ويتألمّ من هذا الوضع، ولكنه يعرف أنّ مثل هذه الخيانة دخلت في مخطّط الله وعلمه السابق. صارت جزءاً من مصير ابن الإنسان. وهكذا يكون هذا المقطع خطبة إرشادية: إن المشاركة في عشاء الرب ليست كفيلة بأن تمنع التلميذ من خيانة معلّمه. هنا نتذكَّر كلام يسوع في بستان الزيتون: "صلّوا لئلا تدخلوا في تجربة" (22: 40).
ب- المقطع الثاني
يتضمّن هذا المقطع كلمات يسوع حول نزاع دار بين الرسل الذين كانوا في العشاء. لا نجد ما يوازي هذا الحدث في خطبة بعد العشاء، ولكن لنص آ 25- 26 موازاة في مر 10: 42- 45 (رج مت 20: 25- 28. ولنص آ 28 و30 صدى في مت 19: 28. والنتيجة هو أن هذا المقطع اللوقاوي متعدّد العناصر كما سبق وقلنا. إنه يدلّ على اهتمام لوقا بأن يكون له خطبة بعد العشاء الأخير.
احتفظت آ 25- 27 بأقوال يسوع، وجاءت آ 24 بشكل مقدمة. هي أقوال تحريضية مع صيغة المتكلم المفرد في آ 27 ج (أنا في وسطكم كالذي يخدم).
ج- المقطع الثالث
نجد في هذا المقطع ما ينتظر الرسل لأنهم رافقوا يسوع في محنه. إن آ 28 (ثبتم معي) تجد ما يوازيها في مت 19: 28ج (من أراد أن يتبعني). والجزء الأول من آ 30 يقابل الجزء الأخير في مت 19: 28 (هذا يعني أننا في المعين).
لقد احتفظت آ 28- 30 بأقوال يسوع، فجاءت بشكل وصيّة من قبل شخص ذاهب إلى الموت. فبعد النصيحة عن الخدمة التي أعطاها الرب لتلاميذه في آ 25- 27، ها هو يشدّد على الأمانة التي أظهرها الرسل تجاه يسوع في محنه. ولهذه الامانة جزاء مزدوج: مشاركة في مهمة يسوع كملك، مشاركة في مهمته كديّان.
علّم يسوع رسله أن يتطلّعوا إلى المشاركة معه في المجد، لا إلى التميّز بعضهم عن بعض على مستوى الاعتبارات الأرضية (من هو الأعظم). فالجماعة في هذا المجاس لا ترتبط بالأعظم في نظر البشر المائتين، بل بثباتهم معه في محنه. وهكذا تُوجّهنا كلمات يسوع إلى الآلام الآتية على مثال ما سنسمع مع تلميذي عمّاوس: "كان ينبغي للمسيح أن يكابد هذه الآلام قبل أن يدخل في مجده" (24: 26).
الفصل الثاني والعشرون
صلاة يسوع من أجل بطرس
22: 31- 34

1- سياق النصّ
بعد أن روى مرقس (14: 26- 31) ومتّى (26: 30- 35) البركة على الخبز والكأس في العشاء الأخير، أوردا ما قاله يسوع لتلاميذه وهو في طريقه إلى الجسمانية: في هذه الليلة تشكون بي كلكم (ستقعون كلكم بسببي). فقد كُتب: أضرب الراعي فتتبدّد الخراف. حينئذٍ احتجّ بطرس قائلاً: لو سقطوا كلهم، فأنا لا اسقط. فأنبأه يسوع بانكاره المثلّث له: "تنكرني ثلاث مرات".
أما عند لوقا فتأسيس الافخارستيا (22: 24- 38) يتبعه حوار طويل جدّاً: وهذا الحوار الذي يتضمّن فيما يتضمّن الانباء بإنكار بطرس ليسوع، يتمّ كلّه في العلّية (رج آ 12) حيث تئم العشاء السري. بدأ الحوار بجدال بين الرسل (آ 14): أرادوا أن يعرفوا من هو الأعظم بينهم، تدخّل يسوع فذكرهم في مثل، بواجب مفروض على الرؤساء بأن يخدموا. غير أنه وعد محاوريه بمركز كبير في ملكوته، شرط أن يثبتوا معه في محنه. "أنا أعدّ لكم الملكوت كما أعدّه لي إبي. وهكذا تأكلون وتشربون على مائدتي في ملكوتي، وتجلسون على عروش لتدينوا أسباط إسرائيل الاثني عشر (آ 29- 30). 
إذن، تهيّأ الانباء بإنكار بطرس ليسوع في لوقا، بشكل يختلف عمّا في متّى ومرقس. لا ينبّه يسوع تلاميذه بانهم سيسقطون كلهم، بل يؤكّد عكس ذلك: "أنتم الذين ثبتّم معي في محنتي". إن اتجاه لوقا بأن يخفي "سقوط" التلاميذ هو واضح هنا. ولا نجد عنده تلميحاً غير مباشر إلى سقوطهم في آ 31- 32 اللتين تهماننا الآن، واللتين تشكّلان المقدّمة المباشرة للإنباء بإنكار بطرس ليسوع. نقرأ في هاتين الايتين: "سمعان، سمعان! هوذا الشيطان قد طلب في إلحاح أن يغربلكم كالحنطة، وأنا صلّيت لأجلك لكي لا يزول إيمانك. وأنت متى عُدت، فثبّت اخوتك".
أول سؤال نطرحه: من أين جاءت هاتان الآيتان؟ هل أخذهما لوقا من التقليد أم صاغهما بنفسه؟ فإن لم يكن هو الذي دوّنهما، أيكون سياقهما الادبيّ أولانياً؟ إن غياب هاتين الآيتين عند مرقس ومتّى، لا يفرض علينا أن نجيب سلباً (كلا) على السؤال الأخير. فقد يكون لوقا عاد في خبر الآلام إلى مرجع مستقلّ. وقد يكون هذا المرجع قد تضمّن خبراً طويلاً عن العشاء الأخير. وبما أن الآيات التي تأتي حالا قبل آ 31- 32 (وهي آ 25- 26، 30) تجد ما يوازيها عند متّى (20: 25- 26 و19: 28)، فهذا ما يجعلنا نعتقد أن الإنجيلي الثالث جمع هنا مواد تخصّ مستقبل الرسل.
وهناك إشارة أخرى تدلّ على أن لوقا أقحم هاتين الآيتين في السياق الحالي. هناك صيغة الجمع (أنتم) الغريبة في آ 31، نجدها في جملة تتوجّه إلى سمعان وحده، وتشبهها صيغ في المخاطب المفرد (أنت: صلّيت لأجلك) في آ 32. إن آ 31 تتوجّه إلى سمعان كممثّل لمجموعة الرسل. غير أن العبور من "سمعان" إلى "أنتم" (صيغة الجمع) يبقى مميّزاً. ولكننا وجدنا في الاّيات السابقة صيغة المخاطب الجمع (22: 15، 16، 18، 19، 20، 26، 27، 28، 29، 31، 35، 37)، لأن يسوع كان يتوجّه حينذاك إلى التلاميذ. بعد هذا، يجب أن نتساءل: أما توجهت العبارة "طلب الشيطان أن يغربلكم كالحنطة" في الأصل إلى الرسل جميعاً؟ إن كان الأمر كذلك، يكون بناء لوقا مهلهلاً. والعبارة التي استعملها يسوع توافق في التقليد اللوقاوي ما نقرأ عند مرقس ومتّى: "ستشكون (ستسقطون) كلكم بسببي".
ونعود الآن إلى الشق (آ 31- 32) الذي فيه يتوجّه يسوع إلى بطرس: سمعان، سمعان... هل هذه الكلمة هي سابقة للوقا؟ إن تكرار المنادى قد يجعلنا نعتقد هذا، لا سيّما إذا وازينا مع استعمال "بطرس" في إعلان الانكار. غير أن يد لوقا تبدو بوضوح لا سيما مع استعمال فعل "ثبّت" (ستاريزاين). حين نتفحّص النصوص التي تعني بطرس في متّى، نلاحظ أن الانجيلي الأول قد أعاد صياغة تقليد سابق وكتفه بأسلوبه الخاص. أما هكذا فعله لوقا؟ إن هذا القول (ما عدا: متى عدت) يمثّل تقليداً قديماً لا يروي نكران بطرس ليسوع. وقد صلىّ يسوع من أجله لكي لا يسقط. وقد جعل لوقا عبارة "متى عدت" لكي يتوافق هذا القول القديم مع تقليد الانكارات الثلاثة.
كل هذا يبقينا على مستوى الفرضيات. ومهما يكن من أمر، فنحن أمام كلمة من كلمات يسوع تعظّم شأن بطرس ودوره المقبل.
2- مدلول هذه الكلمة
وننتقل الآن إلى مدلول هذه الكلمة على مستوى التدوين اللوقاوي كما نجده الآن. إن سمعان هو عضو في الحلقة الرسولية. وهو الذي طلب الشيطان أن يهزّه في الغربال كما تهزّ الحنطة. فالرسل هم تحت الغربال، أي تحت التجربة، شأنهم شأن بطرس. هل نحن أمام مقابل جزئي لما نقرأه قي مر 8: 33: "فوبّخ بطرس وقال له: إذهب خلفي يا شيطان". هذا ما نشكّ فيه، لأن لوقا قد ألغى هذا المقطع حين تحدّث عمّا حصل في قيصرية فيليبس (مر 8: 27- 33 وز). فهل يعود ويدخل هذا القول الذي يقلّل من قدر بطرس؟ هذا ليس بمعقول. ثم إن يسوع قد صلىّ من أجل سمعان. ولهذا نستنتج أن الشيطان لم يتغلّب عليه.
إن صلاة يسوع من أجل بطرس تتضمّن نتائج إيجابية. أولاً: لم يسقط بطرس. ثانياً: حين عاد ثبّت أخوته. أن يكون إيمان بطرس قد احتاج إلى صلاة يسوع، هذا ما يربطنا بتقليد متّى. ففي مت 14: 28- 31 نرى الرسول "ذاك الرجل القليل الايمان" الذي نجا بيد يسوع من الغرق. كما يربطنا بالصيد العجيب حيث يبدو بطرس خاطئاً يحتاج إلى قدرة يسوع.
ما معنى "متى عدتَ"؟ أولاً: متى عدت إلى الله بالتوبة. ثانياً: متى عدت إلى أورشليم بعد تشتّت التلاميذ. ثالثاً: متى عدت "واقفاً على رجليك" (غير متزعزع). رابعاً؟ متى أعدت اخوتك. خامساً: عد وثبّت اخوتك، أي ثبتّهم مرة أخرى.
أما آ 32، فلا نرى كيف جعلها لوقا موافقة لفاعلية صلاة يسوع مع التلميح إلى السقوط الذي تتضمّنه القاطعة "متى عدت". بما أن هذه الآية تسبق بشكل مباشر الإنباء بالنكران، ففكرة العودة تنطبق على الزمن الذي يلي هذا النكران. فقد تعني فكرة لوقا أنه فضل صلاة يسوع، لن يبقى نقص إيمان يتضفنه نكران بطرس ليسوع. وأن إيمان بطرس سيحيا من جديد بعد القيامة (24: 34).
هذا أمر مهمّ. وأهمّ من ذلك هو النتيجة الثانية لصلاة يسوع: سمعان سيثبّت أخوته. من هم هؤلاء "الأخوة"؟ يبدو أنهم الرسل للوهلة الأولى: فهم الذين طلب الشيطان أن يغربلهم كما الحنطة. هل تعني هذه الفكرة أن سمعان لم يسلّم وحده إلى الشيطان بفضل صلاة يسوع، أن إيمانه لم يعرف انكسافاً دائماً؟ فوجب عليه والحال هذه أن يثبّت الاخرين، أن يعود بهم إلى الإيمان بيسوع المسيح. ولكن لوقا لا يقول في أي مكان بأن التلاميذ خسروا إيمانهم بيسوع. فحين روى خبر العشاء الأخير، أغفل كلمة يسوع التي تتحدّث عن سقوط التلاميذ وتشتّت القطيع (مر 14: 27 يورد زك 13: 7). وأورد كلمة أخرى قال فيها المعلّم: "أنتم الذين ثبتّم معي في محنتي" (22: 28). ولا يقول لنا لوقا أيضاً إن جميع التلاميذ تركوا يسوع وهربوا (رج مر 14: 50). بل يجعلنا نشعر أنهم لبثوا كلهم في أورشليم خلال الآلام. فنحن نقرأ في 23: 49 أن "جميع معارفه" كان ينظرون إلى الصلب (رج 24: 33).
وهكذا نستنتج أن لوقا عنى بـ "إخوة" سمعان مجموعة أوسع من الاثني عشر رسولا. وان أمر يسوع بأن "يثبّتهم" لا يعني بالضرورة أن "يعيدهم إلى الإيمان".
إذا عدنا إلى سفر الأعمال، نجد أن للفظة "إخوة" معنى واسعاً جداً. ففي 1: 15 نجد بطرس واقفاً "في وسط الأخوة". لقد كانوا حوالي 120 شخصاً. وحسب 15: 23، أرسل كتاب من قبل "الإخوة"، أي الرسل وشيوخ أورشليم، "إلى الإخوة الذين من أصل وثني والموجودين في أنطاكية، في سورية وفي كيليكية". وفعل "ثبت" (ستاريزاين) يتضمّن تشجيعاً للجماعات المسيحية لا سيّما بالوعظ والتعليم. من هذا القبيل يبدو أع 15: 32 مهمّاً جداً: "أما يهوذا وسيلا، فإذ كانا هما أيضاً نبيّين، وعظا (حرّضا) الإخوة (جماعة أنطاكية) بكلام كثير، وشدّداهم". إذن نظنّ أن كلمة يسوع الواردة في لو 22: 32 تعلن عن مهمة بطرس الرسولية كما صوّرها أع 1- 15. نجد في هذا الفصول، الرسول يتحدّث باسم جماعة أورشليم وشاهداً على إيمانه (أع 1- 5)، ذاهباً يزور المرتدين الجدد في السامرة (ف 8)، ثم في لدة ويافا (9: 32- 43)، وفي النهاية خاطياً الخطوة الحاسمة حول عماد كورينليوس (ف 10- 11).
غير أننا نلاحظ أن لوقا جعل سمعان جانباً في مهمّة تثبيت الاخوة. أما في سفر الأعمال فهناك أشخاص أخر عديدون يقومون بهذا العمل: بولس. برنابا، يهوذا، سيلا. وحين يلعب بطرس هذا الدور، فهو يلعبه برفقة يوحنا. فلماذا نجد تعارضاً في لو 22: 32 بين "سمعان" و "أنتم" في آ 31؟ هل لأن لوقا قد عرف التقليد الذي يجعل بطرس أول الاثني عشر؟ إن صلاة يسوع ووعده يستبقان الأمور فيتحدّثان عن الاولويّة التي اعترف بها لبطرس بعد القيامة. نحن هنا أمام تهيئة من نوع أدبي يشبه ما في الصيد العجيب (5: 1- 11).
هل نكتشف علاقة بين كلمة الربّ كما دوّنها لوقا، وتلك التي يوردها مت 16: 17- 19؛ قال كولمان: إن ما دوّنه لوقا خلال العشاء الأخير قد يكون شكل الإطار الأولاني لوعد يسوع لبطرس كما نقرأه في متى. فمن جهة كما في أخرى، طابع إيمان بطرس هو هو: فهو لا يستطيع أن يستند إليه (ولا إلى استحقاقاته) ليؤكّد اعتماد يسوع عليه، عند لوقا: بفضل صلاة يسوع لم يزل إيمان بطرس إلى الأبد. عند متى: هذا الإيمان هو عطية نالها بطرس من الآب الذي في السماوات. ولكن الدور المعطى لبطرس هو هو في كلا الحالتين. عند لوقا: أن يثبت الأخوة، أن يثبت المؤمنين بالتحريض والتعليم. عند متّى: بطرس هو الصخر الذي يستخدم كأساس. الدور الأول يجد امتداده ونموّه. الدور الثاني قد ناله بطرس مرة واحدة.
وهناك صورة ثانية عند متّى: وُعد بطرس بسلطان المفاتيح، بسلطان الحلّ والربط. وهذه الصورة تتضمّن نشاطاً متواصلاً. ولكنها ليست قريبة بشكل خاص من تلك التي نجدها عند لوقا. هناك موازاة أدقّ مع يو 21: 15- 17 حيث ينال سمعان بن يونا أمراً مثلّثاً بأن يرعى قطيع يسوع.
خاتمة
إن هذا المقطع القصير يُبرز عنصرين. الأول: هو المهمّة الخاصة التي أوكل بها بطرس على خطى معلّمه في خدمة إخوته: تأمين رباط الأخوّة حيث تفسّخت بسبب التنافس والمزاحمات. وهذه المهمة تجد ما يشابهها في سفر الأعمال (20: 28): كل مسؤول عن الجماعة يستلم المهمة التي تسلّمها بطرس وهي تثبيت الأخوة.
والعنصر الثاني هو فاعيلة صلاة يسوع: فمنها تفجّر من أجل بطرس قدرة على التوبة أو على السير في طريق التوبة على خطى يسوع. فالحياة التي يعطيها يسوع هي أقوى من السقوط ومن الموت. فإذا أراد التلميذ أن ينتصر على الشيطان الذي بدأ عمله بقوّة مع بداية الآلام (آ 3)، يجب عليه أن يسلّم ذاته للآب كما فعل يسوع على جبل الزيتون. إن الشيطان يريد أن يضلّ بطرس والتلاميذ حول معنى الآلام: يجعلهم لا يفهمونها، يجعلهم يرفضونها كشرط للسير على خطى المسيح. ولكن الربّ قال: "أنا صلّيت لأجلك".
الفصل الثالث والعشرون
الاستعداد للمحنة الكبرى
22: 35- 38

هذا القسم الأخير من خطبة يسوع بعد العشاء الأخير يورد حواراً بين يسوع وتلاميذه. وفيه شرح لنصيحة أعطاها إياهم، وها هو الآن يحوّلها بالنظر إلى الأزمنة التي يعيشها هو وربّما يعيشونها هم. هذه الأزمنة ما زالوا بعيدين عن إدراكها. أما كلمات يسوع في هذا الحدث فتلمّح إلى نصيحة أعطاها للاثني عشر خلال رسالته العلنية، وساعة أرسلهم يعلنون الملكوت ويشفون المرضى. أما الآن والضيق أمامهم، فعليهم أن يقوموا باستعداد من نوع آخر. عليهم أن يتهيّاوا لأيام العنف التي تنتظرهم.
1- نظرة عامة
إن الجماعة ستواجه منذ الآن زمن المحنة مع يسوع الحاضر معها حضوراً سرياً، الحاضر معها حضور الخدمة. وابليس الذي دخل في يوضاس لن يوفّر الأحد عشر أيضاً. فصورة الغربال المستعملة في آ 31 قد أخذت من عا 9: 9 فأعلنت أن إسرائيل سيُغربل وسط الأمم فيموت الخطأة منه بالسيف. حين كانت الخيانة تحاك حوله، سلّم يسوع إلى رسله خدمة شعب الله. والان ها هو يسلّم بطرس الذي سيخونه، مهمة تقوم بأن يثبّت إخوته (آ 32). من أين ستكون له هذه القوّة؟ من صلاة يسوع. قال له: "صلّيت لك أن لا تفقد إيمانك".
ولكن تبقى الافخارستيا التي هي سّر العهد الجديد (آ 19- 20)، وموضوع الخطبة التي تدعو إلى الخدمة في الكنيسة (آ 24- 27) وقلب الوعد الذي ناله الاثنا عشر في ملكوت يسوع (آ 28- 30). هذه الافخارستيا تبقى رغم "سقوط" البعض (آ 31- 34) نقطة الانطلاق ليسوع النبي وعبد الله المتألمّ (آ 35- 38).
في الماضي، أرسل التلاميذ في مهمّة تعرف الفقر والضعف (رج 10: 1- 4: أرسلهم مثل الخراف بين الذئاب. لا تحملوا محفظة ولا كيساً ولا حذاء). وعند عودتهم ظهر فرحهم ساطعاً حين رأوا الشياطين تخضع لكرازتهم (رج 10: 17- 20: حتى الشياطين تخضع لنا باسمك). والآن، بدأت حقبة جديدة بالنسبة إليهم. إنه وضع يصوّره لسفر الأعمال. 
بعد أن تجاهل اليهود شروط السلام (رج 19: 42: ليتك، يا أورشليم، عرفت اليوم طريق السلام) وقرّروا أن يقتلوا النبي والملك، أعلنت "الحرب". لسنا هنا أمام نداء إلى الجهاد المسيحاني على طريقة جماعة الغيورين. فيسوع رفض أن يدافع عنه تلاميذه بالسيف (22: 49- 50: كفى، لا تزيدوا). ولسنا أمام حرب على القيصر ارتبط بها الجدال الثاني في الهيكل (20: 20- 26: أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله). نحن أمام نداء لمواجهة الجهاد الرسولي في إطار الرذل والطرد، في إطار من العداء والاضطهاد، في إطار الاتعاب الرسولية التي سيعرفها شهود الانجيل.
إن تتمة نشيد عبد الله المتألمّ (حسب آ 37) الذي يقول: "وأحصي مع المجرمين" (العصاة، الذين لا ناموس لهم ولا شريعة، سفالة الشعب) (رج 53: 12) تدلّ على المدى الذي فيه يُرذل يسوع. فعلى الرسل الذين سوف يشهدون له أن لا ينتظروا مصيراً آخر غير مصيره. ولكن أليس أول الداخلين إلى الملكوت أحد المجرمين (23: 45)؟
لقد وصلت مهمّة الابن إلى نهايتها. وهي تنبئ بمهمّة التلاميذ. فلا أحد يفلت من "ضرورة" (يجب، داي في اليونانية) مسيرة قصد الله الذي يتوافق يسوع معه. غير أن الرسل لم يدركوا بعد هذه "الضرورة". إنهم يريدون أن يفلتوا من هذا المصير. يريدون أن يدافعوا عن أنفسهم: وهذا ما يدلّ عليه السيفان اللذان حملوهما معهم. ولكن المعلّم قطع الطريق أمامهم. "يكفي هذا الحديث، لم تفهموا شيئاً".
كان تفسير خاطئ في عالم بيزنطية وفي الغرب المسيحي ففسّر "السيفين" على أنهما سلطتان تجتمعان "باسم يسوع": السلطة الروحية والسلطة الزمنية. وباسم هذا التوافق بين السلطتين، عرفت الكنيسة الشواذات العديدة التي لا مجال لذكرها الآن. وكان تفسير آخر على مستوى الجماعات التي تحاول أن تدافع عن نفسها بسلاح العالم لا بسلاح المسيح. فقيل أن يسوع طلب من مرافقيه أن يحملوا سيفين، لا سيفاً واحد وحسب. فشرحوا كلمة "يكفي"، بمعنى أنه يكفي ما معكم من سلاح. فماذا فعل هذا السلاح؟ أمّا "يكفي" كما قلنا، فهي تعني أن الرسل لم يفهموا بعد قصد يسوع الرافض للعنف، فقال: أوقفوا هذا الحديث.
أجل، هي ساعة العنف والاضطهاد. وعلى شهود المسيح أن يعرفوا كيف تكون المواجهات المقبلة. فهو بنفسه قد رسم لهم الطريق حين طلب منهم أن يحملوا صليبهم ويتبعوه، أن يتخفوا عن كل ما لهم لكي يكونوا له تلاميذ حقيقيين (14: 25-33). هو لم يدافع عن نفسه، بل تقبّل الكأس، كأس الآلام والموت، التي قدّمها له الآب.
إن تأسيس الافخارستيا والخطبة التي تلت هذا التأسيس، قد دلّتا دلالة نبويّة على المعنى الذي أعطاه يسوع لموته: هو خروج من هذا العالم، هو اختطاف وعودة إلى الآب. فالعمل الافخارستي الذي يتمّ يا العهد الجديد الابدي، يجعل الخلاص الذي يحقّقه موت يسوع وقيامته، حاضراً لا العالم. إنه لواقع آني ونهائي، إنه لا داخل حياتنا لا في خارجها. ليس في هالة من الغيوم.
أما الأقوال التي قالها يسوع على مجموعة التلاميذ، فهي تكشف نظرته النبويّة إلى التاريخ المضطرب الذي سيعيشه الشهود والجماعات، وذلك بسبب كلامهم. لكنهم قد سلّموا إلى نعمة الروح التي لا يتوقعها بشر (12: 12: الروح القدس يعلّمكم لا تلك الساعة ما يجب أن تقولوه). وبشهادتهم وسط المحن يجعلون الخلاص حاضراً وفاعلاً. في هذه الخطبة، نجد شهادة عن آنيّة "مجيء ابن الإنسان" كما أعلنها سفر الرؤيا.
2- قراءة تفصيلية
أولاً: بين الماضي والحاضر (آ 35- 36)
"ثم قال لهم". هكذا يبدأ لوقا بمقطع جديد. في الماضي أرسلتم بلا مال ولا كيس... وهكذا عاد النصّ إلى إرسال السبعين في 10: 4. هناك مخطوطات تفضل ذكر "الحذاء". هنا نتذكّر أيضاً ارسال الاثني عشر في 9: 3: "لا عصا ولا كيس ولا خبز ولا مال". واستخلص العبرة: هل نقصكم شيء؟ هل احتجتم إلى شيء؟ وانتظر يسوع بلا شكّ جواباً سلبياً: كلا، لم ينقصنا شيء. هذا يدلّ على الضيافة التي لاقوها لدى الشعب الذي أعلنوا فيه كلمة الله وشفوا مرضاه. استعمل لوقا "اوتنوس" بدل "اودنوس" المستعملة في اللغة اليونانية الكلاسيكية (لا شيء). إذا وضعنا جانباً 1 كور 13: 2؛ 2 كور 11: 9، لا ترد هذه اللفظة الهلنستية إلا عند لوقا: 23: 14؛ أع 15: 9؛ 19: 27؛ 20: 33؛ 26: 26. إن جواب الرسل الآن هو صدى لردّة فعل التلاميذ حين عادوا من الرسالة (10: 17).
"أما الآن" (آ 36). ها هو يسوع يعود إلى الحاضر. إنه ينظر إلى آلامه التي ستبدأ قريباً، كما ينظر أيضاً إلى هذه الحقبة من تاريخ الخلاص التي ستدشن في الآلام. فقبل أن تبدأ آلام يسوع، سوف يعدّ نفسه بالصلاة في بستان الزيتون. ولكن الإنجيلي يقرأ من خلال كلام يسوع الحقبة التي تعيشها الكنيسة. يرى من خلال "زمن يسوع"، "زمن الكنيسة". نحن في هذه الآية أمام تعارض بين رسالة "هادئة" كانت "حتى الآن" وأزمة الآلام التي تلي هذه الرسالة. مثل هذا التعارض حاضر، ولكنه ليس وحده في كلمات يسوع التي تتوجّه أيضاً إلى قرّاء لوقا. إلينا نحن. وهناك تعارض أيضاً بين وقت يكون فيه يسوع مع تلاميذه في الجسد وبشكل منظور، ووقت يغيب فيه بالجسد فيشعرون بحضوره عبر الروح القدس. هذا ما تدلّ عليه اداة "نين" (أما الآن، فقد تبدّل الوضع تماما).
"من عنده مال"... ثم "من ليس عنده". لم نعد بحاجة إلى أمور نستعملها في وقت "السلم" والرسالة الهادئة. بل نحن بحاجة إلى ما نستعمله في وقت "العنف". نجد أربعة تفاسير لهذه الجملة لدى الشّراح. (1) هناك مفعول واحد لعبارة "من له" (هو إخون) وعبارة "من ليس له" (هو مي إخون). مال، كيس، المعنى: من له مال وكيس فليحتفظ بهما. ومن ليس له فليبع ثوبه ليشتري بثمنه سيفاً. (2) مفعول "من له" هو مال، كيس. ومفعول "من ليس له" هو السيف. وهذا ما نفهمه انطلاقاً من نهاية الجملة. المعنى: نحن نحتاج إلى كيس ومال وإلى سيف أيضاً. (3) مفعول "من له" هو مال، كيس. أما "من ليس له" فلا مفعول له، بل يستعمل بشكل مطلق. المعنى: يجب أن يكون معنا مال، كيس. ومن ليس معه شىء يجب عليه أن يبيع ثوبه ويشتري سيفاً. (4) "من له" و"من ليس له". يستعملان كلاهما بشكل مطلق. المعنى: من معه يكون أفضل أن حمل مالاً وكيساً. ومن ليس معه، عليه أن يبيع ثوبه ويشتري سيفاً. التعارض هو بين الذي يملك (الغني) والذي لا يملك (الفقير).
أي معنى نختار؟ المهم هو أن يكون في يدنا "سيف"، لأن الحقبة التي نعيش فيها هي حقبة العنف. هي حقبة ستعرف فيها الكنيسة الاضطهاد. وهذا ما سوف يرويه لوقا في أع 8: 1 ب- 3؛ 9: 1- 2؛ 12: 1- 5. إذن، المهمّ أن نتجهّز لا بسلاح مادي، بل بسلاح من نوع آخر هو سلاح خاص. نحن بعيدون جداً عن جماعة الغيورين. كما أن هذه الآية لا تعني شيئاً بالنسبة إلى هرب المسيحيين المتهوّدين من أورشليم إلى بلا قبل سنة 70 وسقوط أورشليم. كما لا تعني استعمال السلاح المادي في مجتمعنا الحاضر. هنا نعود إلى آ 49- 50 حيث يمنع يسوع تلاميذه من استعمال السلام لكي يدافعوا عنه.
إن أقوال يسوع حول تجهيز نفوسنا بالمال والكيس والحذاء والسيف، نأخذها في معنى رمزي. وهكذا نكون على نقيض التفسير الحرفي الذي يستعمل كلام الإنجيل لأغراض خاصة، ولا يخضع لكلام الله في الصلاة والخضوع. ولا ننسى المعنى الروحي المرتبط بهذا السلاح كما في أف 6: 11- 17: "نحن لا نحارب أعداء من لحم ودم... لذلك إحملوا سلاح الله الكامل... خوذة الخلاص، سيف الروح".
ثانياً: تمام الآية المكتوبة (آ 37)
"وأنا أقول لكم". يلفت يسوع انتباه رسله إلى أمر مهمّ. هذا ما قاله في العشاء الأخير: "أقول لكم: لا أتناوله..." (22: 16). "يتمّ ما كتب" (تو غاغرامنون). سيرد مقطع العهد القديم في الجزء التالي من الآية. في 20: 17 نجد العبارة ذاتها: "ما معنى هذه الآية: الحجر الذي رذله البناؤون"؟ رج 18: 31: "يتمّ" فيّ "كل ما كتبه الأنبياء عن ابن الإنسان". ما نجده في الكتب المقدسة يدلّ على إرادة الله التي تقبّلها يسوع بملء حريته.
"يتمّ فيّ". يجد نهايته وهدفه الأخير (تالاين كما في 18: 31). نحن هنا أيضاً أمام المجهول اللاهوتي. الله هو الذي يتفه. "أحصي مع المجرمين". أحصاه الله، جعله مع الخطأة والذين لا شريعة عندهم. هذا هو إيراد واضح لمقطع من نشيد عبد الله المتألمّ (أش 53: 12، لا إيراد إلاّ هنا). نشير إلى أن لوقا تفرّد فطبّق على آلام يسوع نبوءة عبد يهوه هنا كما في أع 8: 32- 33 (وزير ملكة الجبشة). كما أعطى يسوع اسم "عبد الله" (فتاه) في أع 3: 13، 26؛ 4: 27، 30.
قال النص الماسوري (العبري) في أش 53: 12: "حُسب (عُدّ) مع العصاة". أما نص السبعينية فقال: "جُعل في مصاف من لا ناموس لهم". إن لوقا يستعمل النصوص عن عبد يهوه كجزء من موضوع "الذل والمجد"، دون العودة إلى الذبيحة البدلية. هذا ما يتوسّع فيه لوقا فيما بعد.
إدن إيراد لوقا هو تأمّل في النصّ العبري أكثر منه في النصّ اليوناني. في أشعيا الثاني، يبدو عبد الله جزءاً من البشرية الخاطئة التي هي موضوع دينونة الله وغفرانه. إن حكم الناس على يسوع هو نتيجة دينونة الله التي تحمل إليه النصر. قال بطرس في خطبته الأولى: "يسوع هذا الذي صلبتموه، قد جعله الله مسيحاً وربّاً" (أع 2: 36). غير أن المعنى الحقيقي لإدخال الإستشهاد الأشعيائي، هو أنه إن كان المسيح قد عومل كذلك، فكذلك سيُعامل أتباعه. إن العداوة تجاه الرسل تجد أساسها في العداوة تجاه يسوع. مايحصل "للملك "يحصل "للشعب".
إن جمع يسوع مع لصين سيتمّ في مشهد الصعب (23: 32- 33). غير أن اتهام خدمته بانها كانت "سياسية" (23: 2- 5)، دلّ على أنه منذ البداية جُعل مع الخارجين على الشريعة كما قال أشعيا الثاني.
"ما جاء عليّ يجب أن يتمّ". أي، كل ما يعنيني. ما علاقة هذه العبارة بسابقتها؟ إن "اخاين تالوس" (كان له نهاية) يُفهم بأشكال عديدة. (1) هو في نهاية. مع "باري امو" (عليّ) وحياة يسوع على الأرض، تعني هذه العبارة: عملي على الأرض صار إلى النهاية، أي سينتهي في المعنى الرمزي. (2) كان له ملئه، كماله. أي: كل ما أنبئ به في مخطط الله قد تمّ، قد تحقّق. (3) وصل الآن إلى هدفه، إلى غايته. فُهم "تالوس" ما رمت إليه حياة يسوع ورسالته. يبدو أن المعنى الثاني هو الأقرب بالنسبة إلى "تا باري" رج 24: 19، 27؛ أع 1: 3؛ 8: 12؛ 18: 25؛ 19: 8؛ 23: 11، 15؛ 24: 10؛ 28: 7، 15، 23، 31.
ثالثاً: ها هنا سيفان (آ 38)
"أنظر... ها هنا". لا سيف واحد، بل سيفان. هكذا فهم الرسل كلام يسوع في آ 36. هم معه ليقاتلوا ويدافعوا عنه! أضاعوا النقطة التي كان يتحدّث عنها، وسيكون واحد منهم مسلّحاً في آ 49- 50.
كانت محاولات منذ يوحنا فما الذهب (العظة 84 في متّى) بأن يترجم "ماخيرا" بشيء غير "السيف". مثلا، سكين اللحام الذي يُستعمل من أجل حمل الفصح. لا شكّ في أننا إذا عدنا إلى لغة هوميروس (القرن 10 ق. م.) نجد هذا المعنى. ولكن بعد هيرودوتس، صارت اللفظة تدلّ على السيف بشكل عام. وهكذا استعملت مرات عديدة في السبعينية اليونانية. 
حاول بعضهم أن يفسرّ إساءة فهم التلاميذ لكلام يسوع حوله السيف بالعودة إلى الارامية. في هذه اللغة تعني لفظة "سيف" النهاية، الهدف (تالوس) أو السيف. ولكنه لا يشير إلا إلى نصوص الرابانيين والتراجيم. الكلمة التي تعني الهدف هي "سيافه" التي لا يمكن أن تصبح "سيفاً" وهكذا لا نستطيع أن نستخلص أي شيء من لغة الأم عند يسوع، اللغة الأرامية.
"يا ربّ". على ضوء القيامة، اتخذت هذه اللفظة "كيري" معنى عميقاً على أنها تقابل "يهوه"، اسم الله في العهد القديم. أجاب يسوع: "كفى". لقد أساء الرسل فهم بُعد كلمات يسوع. فرفض أن يقدّم شرحاً آخر. لقد تحقق أنه يواجه مصيره وحده. لقد قال ما اعتبره ضرورياً لكي ينبّههم إلى الضيق الذي بدأ منذ الآن.
لقد فُهمت كلمات يسوع هذه بطرق متعدّدة. إما بطريقة حرفية: عنى يسوع حقاً سيفين. إنهما يكفيان من أجل "القتال" المقبل. وإما بطريقة أخرى. قال كيرلس الاسكندراني في تفسيره للوقا: أهذا كل ما لديكم؟ لهجة يسوع لهجة مداعبة. غير أن المداعبة لا تعني عدد السيوف، بل عقليّة الرسل الذين لم يفهموا بعد طريق يسوع. إنه لا يحتاج إلى سيوف من أجل الدفاع عن نفسه.
3- قراءة أدبية ولاهوتية
سمّي هذا المقطع مراراً "السيفان". ولكن هذا العنوان لا يوافق النصّ كل الموافقة. هناك من اقترح: "في ذلك الوقت والآن". ولكن ظلّ العنوان غامضاً. لذا تحدّثتا عن "الاستعداد للمحنة". على كل حال، يدلّ هذا المقطع على الطابع المبعثر لخطبة يسوع بعد العشاء الأخير في لوقا.
إن هذا القسم من الخطبة لا يجد ما يقابله في أي إنجيل آخر. قد يعود إلى اللوقاويات (تقليد خاص بلوقا). أو قد يكون لوقا دوّنه منطلقاً من أخبار وصلت إليه، ومهيّئاً الطريق أمام استعماله السيف قي مر 22: 49- 50. كان يسوع يكلّم رسله وهم بعد معه إلى المائدة (آ 35). قد نكون أمام تلميح إلى توصيات إلى الرسل (9: 3) وبالاحرى إلى التلاميذ السبعين (10: 4). غير أن هذه الآيات لم تصل إلى لوقا في الشكل الذي نعرفه. فقد دوّنها هو بطريقته مستعملاً ألفاظاً خاصة به: "اتر" (بلا، بدون، آ 35). "غاغرامنون"! يتوب رج آ 37). "داي" (يجب، ينبغي). "تالستاي إن اموي": تجد معناها الأخير فيّ (آ 37).
كيف يبدو الفن الأدبي لهذه الآيات؟ الأساس هو حوار بين يسوع ورسله. قد تُفهم آ 36- 37 كقول تلفّظ به يسوع مع آ 38 د التي تشكّل مرمى هذه "الخطبة". إذن، نعتبر هذه الآيات أقوالا متفرّقة ليسوع قد جمعها لوقا من التقليد وأعطاها شكلها النهائي. الاقول في آ 36 هو تحريض في قسم منه، وتحذير في القسم الآخر (هل احتجتم إلى شيء؟ الجواب: كلا. إذن...). والقول في آ 37 هو قول نبوي، هو نظرة إلى الوضع الصعب على ضوء كلمة الله. وآ 38 هي تفسير "ساخر" يقطع الطريق أمام كل جدال لاحق. 
إن سؤال يسوع في آ 35، يفترض أنه عودة إلى توجيهات أعطاها للاثني عشر حين أرسلهم (9: 1- 6؛ رج 6: 13 ج د). غير أن الألفاظ "مال، كيس، حذاء"، موجودة في توجيهات يسوع إلى التلاميذ السبعين (10: 1- 12). إن لوقا لا يحاول أن يجد حلاً لهذا "التعارض" البسيط. فسواء كنا أمام ارسال الرسل أو التلاميذ، ها قد جاء الوقت لكي "يصحّح" يسوع تعليماته بسبب الأزمة الآتية.
وعبارة "أما الآن" التي تبدأ آ 36، تبرز الوضع الذي سيواجهه الرسل والذي يجب أن يستعدّوا له. فالمعارضة ضد يسوع بدأت تتقوّى في لو 6: 11؛ 11: 53- 54؛ 20: 19؛ 22: 2. ها قد وصلت إلى القمّة، لهذا اقتضى تنبيه الرسل، فعليهم أن يأخذوا حذرهم، أن ينتبهوا لنفوسهم، لأنهم جزء من هذه الأزمة. أشار يسوع إلى ثلاثة أشياء أوصى تلاميذه بأن لا يحملوها معهم. وها هو الآن يعود إلى هذه الأشياء عينها (مال، كشف، حذاء) فيعلّمهم بطريقة احتفالية أن عليهم أن يأخذوها معهم. فمع أن واجب الرسل ما زال يفرض عليهم بأن يعلنوا الملكوت، فهم الآن مدعوون ليروا المقاومة التي واجهها يسوع خلال رسالته. أما سبب هذا "التعليم" الجديد، فهو معرفته بأن ما كتب عنه سوف يتمّ. ستكون المقاومة إلى درجة يحسبونه عاصياً، مجرماً، بلا شريعة.
إن يسوع في إنجيل لوقا يعبرّ عن ذاته في دور عبد يهوه الذي كتب عنه النبي: "أفاض (بذل) للموت نفسه، وأحصي مع العصاة، وهو الذي شفع فيهم وحمل خطايا كثيرين" (أش 53: 12). تفرّد لوقا بذكر هذه النبوءة دالاً على إرادة يسوع. ما قاله أشعيا الثاني عن عبد الله في العهد القديم قد وجد الآن معنى جديداً في الأزمة التي يواجهها يسوع. لقد استعمل لوقا القول النبوي بشكل نمطي كإنباء يجد تحقّقه في آلام يسوع وموته.
يرى بعض الشّراح أن الأزمة التي هي في الأفق تنحصر في آلام يسوع. لا شكّ في أن هذا جزء من الرجوع المباشر إلى "أما الآن". ولكننا لا نستطيع في مؤلف لوقا أن نتوقّفط عند هذا الحدّ. فما يحدث لحامل الإنجيل في الاحداث التالية من الخبر اللوقاوي (لو) هو رمز إلى خبرة سيعيشها شهود الكلمة في الجزء الثاني من مؤلّفه، في سفر الأعمال.
وينتهي الحدث بإشارة إلى عدم فهم لدى الرسل. بما أن يسوع ادخل في آ 36 مسألة جديدة تدعو الرسل لكي يحملوا معهم سيفاً، فقد فهموا كلامه بشكل حريا وقالوا له: "يا ربّ، ههنا سيفان" (آ 38). وجاء كلام يسوع على سبيل المداعبة التي هي شبه ساخرة. "يكفي". لا حاجة إلى الكلام. لم يفهموا شيئاً بعد كل هذه الطريق التي سار عليها معهم. تألمّ هنا كما سبق له أن تألمّ حين بكى على أورشليم التي أراد أن يجمع بنيها كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها، فما أرادت (13: 34؛ مت 23: 37- 39).
خاتمة 
ما نجده في الخطبة اللوقاوية هو قريب جداً من خطبة يسوع بعد العشاء السّري في يو 13-17. فيسوع هو "الطريق إلى الآب" (يو 14: 16). هو يصلي إلى الآب لكي يُعطي الروح (يو 14: 15)، هذا الروح الذي يشهد وسط بغض العالم (يو 15: 18- 21). يشهد عبر شهادة المرسلين (يو 15: 26- 27)، ورغم ضعفهم وتخاذلهم (يو 16: 32- 33). فصلاة يسوع لا تزال فاعلة عبر الأجيال وهي خميرة الوحدة بين تلاميذ يسوع، وهي وحدة على مثال تلك التي بين الآب والإبن (يو 17: 9- 11، 20- 23).
الفصل الرابع والعشرون
صلاة يسوع على جبل الزيتون
22: 39- 46

إن خبر نزاع يسوع (وصلاته في جبل الزيتون) في الإنجيل الثالث يختلف اختلافاً كبيراً عن ذاك الذي نجده في متّى ومرقس. إنه يشبه إلى حد بعيد ما نجده في يو 12: 27- 31. ومع ذلك، فهناك معطيان أساسيان في خبرَيْ النزاع عند مرقس ومتّى نجدهما بدون تبديل عند لوقا: طلب يسوع المشروط بأن يُعفى من هذه الكأس مع الاستسلام في النهاية إلى مشيئة الآب. ثم فى عوة إلى الصلاة وجّهها يسوع إلى تلاميذه. وها نحن نبدأ بخصائص الخبر اللوقاوي. وبعد نظرة عامة إلى مؤلّف لوقا (لو+ أع)، نربط بهذه النظرة خبر نزاع يسوع وآلامه.
1- خصائص الخبر اللوقاوي
أ- التفاصيل الرئيسية في حدث النزاع
لا يذكر لوقا "جتسيماني". في آ 39، يقدّم لنا إشارة غامضة: "خرج وذهب كعادته إلى جبل الزيتون". وإن الانجيل الثالث لا يقول شيئاً عن اختيار ثلاثة تلاميذ ليسهروا ويصلّوا مع يسوع. وهكذا يبدو أن طلبات يسوع تتوخه إلى مجموعة التلاميذ كلّهم.
في آ 14، يقول لنا الإنجيلي إن يسوع حين وصل إلى جبل الزيتون، انفصل عن تلاميذه مقدار رمية حجر. وخرَّ على ركبتيه وجعل يصليّ.
لم نكن لننتظر الفعل الذي يعبرّ عن فكرة الانفصال (ابوسباوو)، يعني حرفياً: أخرج بعنف، انتزع. مثلاً: انتزع الرجل عن امرأته وأولاده، انتزع شخصاً من يد شخص آخر. هذه الكلمة نادرة في الكتاب المقدس: 4 مرات في العهد الجديد، و 10 مرات في السبعينية. نقرأ في حز 19: 5: رأى شعب إسرائيل كل أمل يبتعد عنه، ينفصل عنه، ينتزع منه. وفي سفر الأعمال، في نهاية خطبة بولس التي بها ودّع شيوخ أفسس، جثا على ركبتيه للصلاة. حينئذٍ بكوا كثيراً وارتموا على عنق بولس وقبّلوه. وكان أكثر ما أحزنهم قوله لهم: لن تروا وجهي بعد اليوم. ثم شيّعوه إلى السفينة. ولما انتزعنا نفوسنا منهم (فارقناهم. لوقا يتكلم في صيغة المتكلّم الجمع)، أبحرنا متوجهين إلى "كوس" (20: 36- 21: 1). كان لوقا رجل شعور واحساس، وكان حاضراً المشهد، فاستعمل فعلاً قوياً به يدلّ على ألم الانفصال: انتُزعنا منهم.
لماذا لا نحافظ على قوّة هذا الفعل في نصّ لوقا عن النزاع. فبعد توطيد روابط الصداقة بين يسوع ورسله خلال وليمة الوداع (العشاء السّري)، وبعد أن أعطاهم جسده ودمه في الافخارستيا، وهي عطية لم يُسمع بها، بدا الفراق ثقيلاً على قلب يسوع. لا شكّ في أن يسوع اعتاد أن يطلب العزلة من أجل الصلاة. أما في جتسيماني فنحن أمام مفارقة: إن يسوع يريد أن يصليّ وحده، ومع ذلك يرغب بأن يرافقه تلاميذه الاعزّاء مرافقة روحيّة.
وبدا يسوع متعباً حين ابتعد عنهم قدر رمية حجر. ماذا عنى لوقا بكلامه؟ رغم ابتعاد يسوع، فإنه كان باستطاعة التلاميذ أن يروا ويسمعوا معلّمهم. وبالتالي، إن الحدث الذي رواه الإنجيلي كان له شهوده. فمنهم أخذ لوقا بشكل مباشر أو غير مباشر جوهر التفاصيل التي يعطينا.
وقال لنا لوقا إن يسوع أخذ يصليّ بعد أن "جثا علي ركبتيه". كانوا يصلّون عادة وهم وقوف (رج 1 مل 8: 22: هكذا صلى سليمان؛ مت 6: 5: يحبون الصلاة وقوفاً؛ لو 18: 11: وقف الفريسي يصلي). ولكن إذا كان المؤمن يريد أن تكون صلاته حارة وملحّة ومتواضعة، يجثو راكعاً. رج مز 59: 6 (تعالو نسجد ونركع له)؛ أش 45: 23 (ستنحني لي كل ركبة)؛ دا 6: 11 (كان يركع على ركبتيه ثلاث مرات في النهار)؛ أع 7: 60 (سجد اسطفانس وصاح بأعلى صوته)؛ 9: 40 (سجد بولس وصلىّ)؛ 20: 36؛ 21: 5. وأحل لوقا هنا لفظة ليتورجية محلّ كلمة استعملها مرقس (14: 35: سقط، إرتمى على الأرض).
هنا يطرح التدوين اللوقاوي سؤالاً على النقد النصوصي: هل نقول: إن شئت فأبعد عني هذه الكأس؟ أو: إن شئت ابعاد هذه الكأس عني. الطريقتان ممكنتان. ثم إن الحلّ لا يبدّل كثيراً في فهم النصّ.
وأشار لوقا في آ 43 إلى تدخّل ملاك جاء من السماء (لا نقول: إنه ينتمي إلى البلاط السماوي). جاء ليقوّي يسوع ويشجّعه. لا ننسى أولاً أن الملاك يدلّ على حضور الله. إن اللفظة التي تعبرّ عن هذا الظهور (تراءى، رؤي) لا توجد إلا مرة واحدة في مرقس (9: 4) وفي متّى (17: 3). إلا أنها ترد مراراً عند لوقا (1: 11؛ 9: 31؛ 24: 34؛ أع 2: 3؛ 7: 2، 26...) لتدلّ على ظهور "منظور". إن يسوع يحتاج إلى قوّة النفس والجسد. والملاك حمل إليه هذه القلوّة. كيف ذلك؟ هذا سّر الله.
في آ 44، نلتقي بلفظة "نزاع" (أغونيا). تدلّ هذه الكلمة اليونانية على الحرب والصراع والتمارين الرياضية. كما تدلت على اضطراب في النفس وقلق وضيق (رج 2 مك 3: 14؛ 15: 19). ما يدلّ عليه لوقا هنا ليس فقط العلامات التي تسبق موت يسوع القريب. وليس فقط الخوف أمام موت مريع ينتظره. بل هو الضيق حين يفكّر بمحنة يواجهها وحرب يقوم به من أجل خلاص العالم. قال يسوع للذين جاؤوا يقبضون عليه: "هي ساعتكم وهذا هو سلطان الظلمة" (22: 53). أجل، نحن أمام ضيق وصراع، والمسرح هو يسوع بكل قواه البشريّة.
يبدو يسوع هنا كأحد المصارعين قبل بداية المعركة: وجه شاحب، ارتعاد في الجسم، عرق غزير. بل يبدو على جبل الزيتون ذاك المصارع الكامل. هنا نتذكّر أن تجارب يسوع في البرية، وفي بداية رسالته العلنية، اعتُبرت بداية صراع مرير هو صراع الآلام بعد بدايته في جتسيماني. نحن هنا أيضاً في إطار المحنة والتجربة (آ 40- 46) كما في البرية. وكان لوقا قد أنهى خبر التجارب بما يلي: "ولما استننفد الشيطان كل التجارب، ابتعد عنه إلى الوقت المعيَّن" (وقت الآلام) (4: 13). وفي 22: 28، سيتحدّث يسوع عن كل رسالته العلنية وكأنها سلسلة من التجارب والمحن، وسيكون النزاع (والآلام) ذروتها. "أنتم الذين ثبتّم معي دوماً في محنتي".
كان النزاع على جبل الزيتون (آ 39). ونلاحظ أيضاً أن الصعود تمّ أيضاً على جبل الزيتون (أع 1: 12). إن لهذا التقارب معناه. فالنزاع هو بداية طريق الآلام والذلة التي عرفها يسوع. غير أن الصعود هو الهدف الأخير لهذه الطريق. وكل ما وُجد بين هذين الحدثين، يعتبره لوقا ذروة حياة يسوع وذروة تاريخ الخلاص. فلقد قال المسيع القائم من الموت إلى تلاميذه: "أما كان ينبغي للمسيح أن يكابد هذه الآلام ليدخل إلى مجده" (24: 26)؟
وصوّر الإنجيلي كيف صار عرق يسوع مثل قطرات دم تسقط على الأرض. هو الطبيب يتكلّم. هو لوقا يبرز الوجهة الجسدية في هذا الضيق، بينما رسم متّى ومرقس الضيق الروحي الذي عرفه يسوع.
إعتبر بعض الشّراح أن عرق الدم هو صورة عن المجهود الذي قام به يسوع. واستندوا إلى أداة التشبيه "مثل" (قطرات الدم). هنا نقول إن أداة التشبيه قد تتوافق مع واقع الأشخاص أو الاشياء. مثلاً في لو 15: 19: "عاملني مثل أحد اجرائك". أو في 16: 1: "وشي به على أنه يبدّد أمواله". ويبدو أن الدم هو الذي يسقط على الأرض. ولوقا لا يتحدّث عن العرق الذي يسيل.
إذن نحن أمام دم حقيقي يخرج من جسم المخفص. والسبب هو تأثُر عنيف وعميق. وبما أن ألم يسوع في جتسيماني كان فريداً من نوعه، يمكننا أن نفترض أن الظهور "الجسدي" لهذا الألم كان ذا طابع فريد وبالتالي كان عجائبياً.
ما هو مدلول هذه الظاهرة؟ ربطها الشّراح مع عماد الدم (الاستشهاد) الذي أعلن في 12: 49- 50 (لي معمودية اعتمد بها، وما أشدّ تضايقي حتى تتم!). أو مع دم العهد في الوليمة الافخارستية؛ 22: 20). أو أخيراً مع الدم الذي سال من جنب المسيح المصلوب (يو 19: 34). هذه الشروح لا تنفي بعضها بعضاً، وهي تلتقي و نقطة مشتركة: إنها تحيلنا إلى دم المسيح الفدائي.
إن الدم الذي أراقه المسيح في جتسيماني، كالدم الذي أراقه على الصليب. هو الذي يصالح البشرية الخاطئة مع الله. أن يبدأ هذ الدم فيسيل في نزاع يسوع، أي ساعة بدأ يقول "نعم" لمخطّط الآب الذي يطلب منه التضحية بحياته، فهذا ما يدلّ على أنه سفك دمه بحرّية تامّة. وإذا كان الأمر هكذا، فالطابع العجائبي لعرق الدم المرتبط بعمل المسيح الحرّ هذا يصبح معقولاً وإن لم يفرض نفسه بشكل مطلق.
الخصوم هم الذين سيريقون دم يسوع فيما بعد. أما في جتسيماني، فهو الذي يقبل بأن يبذله من أجل خلاصنا.
ب- إرتباط حدث النزاع بالسياق المباشر
بعد أن تفحّصنا التفاصيل الرئيسية في الخبر اللوقاوي عن النزاع، نلاحظ ميزتين خاصتين بهذا الخبر. إنه يرتبط ارتباطاً وثيقاً بما سبق وبما يلي. بمَ يقوم هذا الارتباط المضاعف؟
أولاً: ارتباط بما سبق
لقد أشرنا إلى اثنين من هذه الرباطات. الأول: حرب يسوع مع الشيطان في بداية حياته العلنية. الثاني: المقطع الذي يسبق حالاً مشهد النزاع (22: 35- 38).
ترتبط دراما الجسمانية بتجارب يسوع في البرية، فترتبط لا الوقت عينه بتجربة آدم وحواء في الفردوس الأرضي. فبين عماد يسوع وإقامته في البرية، أقحم لوقا سلسلة نسب يسوع (3: 23- 30) ليرينا آدم الجديد الذي سينتصر حيث سقط آدم الأولى.
وحين أعلن يسوع عن الحرب الحاسمة حالاً قبل مشهد الجسمانية (22: 35- 38)، لا نستطيع أن نقرأ قراءة حرفية كلا يسوع (مع ما فيه من مفارقة) الذي نصح تلاميذه بأن يأخذوا معهم سيوفا. ففي هذا المقطع عينه يطبّق يسوع على نفسه نصّ أش 53: "أحصي مع المجرمين". إذن، لن يفعل يسوع شيئاً لكي يدافع عن نفسه، ولن يطلب من أخصّائه أن يدافعوا عنه. قبلَ مسبقاً أن يكون مع المجرمين.
ثانياً: إرتباط بما يلي
تشكل الجسمانية عند متّى ومرقس وحدة تامة تتميّز عن الأحداث التي تلي. ولكن الأمر يختلف في الإنجيل الثالث الذي يغفل خاتمة الحدث كما نقرأها في الإنجيليين الأولين: "ناموا الآن واستريحوا، جاءت الساعة". إن مشهد النزاع عند لوقا ينتهي كما بدأ، بنداء ملحّ إلى الصلاة: "ما لكم تنامون، قوموا وصلّوا لئلاّ تدخلوا في تجربة" (آ 46). فكأنيّ بالانجيلي أراد أن يقول لنا إن الجسمانية هي بداية محنة هائلة: وخلال هذه المحنة، يجب على التلاميذ أن يمتنعوا عن النوم ويداوموا على الصلاة.
التلاميذ هم كلهم هنا، وليس ثلاثة تلاميذ فقط. يدعوهم يسوع إلى الصلاة فقط، وهو لا يتحدّث عن السهر عند لوقا. وهناك أخيراً اختلاف في البنية بين لوقا والانجيلين الأولين. عندهما نلاحظ ثلاث مراحل في نزاع يسوع. أما عند لوقا فقد اختفت هذه الرسمة المثلّثة، فجاء تأليفه مركّباً على الشكل الثالي: صلاة يسوع في قلب المشهد (آ 41- 44) يحيط بها تحريضان للتلاميذ، والتحريض الثاني (آ 46) يكرّر ما قاله الأول بشكل يكاد يكون حرفياً. تصوّر الصلاة في آ 42، 44 أ. أما حالة التعب والضيق التي تتمّ فيها هذه الصلاة فيعبرّ عنها في آ 43 (معونة الملاك المعزي) وفي آ 44 ب (عرق الدم).
يزور يسوع بطرس ويعقوب ويوحنا ثلاث مرات (مر 14: 37، 39، 40) فتنقسم صلاته ثلاثة اقسام. والرقم 3 يدلّ على حرارة الصلاة وقوة الألم في هذا المشهد كما رواه متّى ومرقس. ويدلّ أيضاً على تحقّق الصلاة واستجابتها كما يقال في المثل العامي: الثالثة ثابتة.
ماذا كانت صلاة يسوع؟ "يا أبتِ، إن شئت". وهكذا نجد نفوسنا أمام الصلاة الربيّة: أبانا الذي في السموات، لتكن مشيئتك. إن تذكرات "الابانا" تتركّز عند متّى في خبر النزاع. أما في النصّ اللوقاوي فلا نجد "لتكن مشيئتك" (11: 2- 4). بل نجد: "لا تدخلنا في تجربة". وهذا ما يشير إليه نصّ النزاع. مقابل هذا، قبل النزاع وبعده نقرأ تذكّرين للصلاة نفسها خاصة بالإنجيل الثالث، وهذا ما يربط حدث جتسيماني بما يسبق وبما يلي: في خبر العشاء السري يقابل 11: 3 وطلبة ليأت ملكوتك ما في 22: 18 (إلى أن يأتي ملكوت الله). وفي خبر الآلام، يوافق 11: 4 (واغفر لنا خطايانا) ما في 23: 24: "إغفر لهم يا أبت، لأنهم لا يدرون ماذا يفعلون".
2- نظرة لوقا في إنجيله وسفر الأعمال
نحن نعرف أن الإنجيل وسفر الأعمال يكوّنان كتاباً واحداً في جزئين. وهكذا لا نستطيع أن نحدّد بالضبط المنظار الخاص بخبر النزاع كما يرويه لوقا إلا إذا أخذنا بعين الاعتبار هذين الجزئين الموحَّدين توحيدا حميماً. 
الإنجيليون هم لاهوتيون قبل كل شيء. ولوقا اللاهوتي يختصّ هنا بأنه لا يتوقّف حصراً عند شخص يسوع. فانتباهه في هذين الجزئين يتوجّه في الوقت عينه إلى هذا الشخص، إلى ما هيّاه (إسرائيل)، إلى ما تبعه (الكنيسة). إذن، لقد كتب لنا تاريخ خلاص.
ولا يمكن اليوم أن نتحدّث عن فكرة لوقا حول تاريخ الخلاص دون العودة إلى معطيات إنسانية وهي ترد في ثلاث مراحل: هناك أولاً زمن إسرائيل، زمن الشريعة والأنبياء. يبرز من 16: 16 أن كرازة يوحنا المعمدان مثلّث المحطّة الأخيرة في هذه المرحلة. هناك ثانياً زمن يسوع الذي يشكل قلب الزمن: خلال حياته العلنيّة، لم يتوجّه يسوع إلا إلى إسرائيل، ولكنه هيّأ منذ ذلك الوقت الجماعة المسيحانية. وارتبط تحقيق الخلاص المسيحاني بالآلام. وهناك ثالثاً زمن الكنيسة الذي يمتدّ من قيامة يسوع وصعوده إلى عودته في المجد.
حين نقدّم هذه النظرة لا ننسى القسمة التقليدية التي تتحدّث عن الوعد وعن تتمّة الوعد. أما زمن الكنيسة الذي أفرد له لوقا كتابا (هو سفر الأعمال) فقد جعله سائر الإنجيليين داخل الإنجيل بحيث نقرأ في مستوى أول حياة يسوع وفي مستوى ثانٍ حياة الكنيسة.
ويرى لوقا أن قلب تاريخ الخلاص وذروته هما ثلاثة أحداث مرتبطة ارتباطاً وثيقاً: الآلام، القيامة، الصعود. من الواضح أن كل ما يسبق يتوجّه إلى هذه الأحداث. وما يلي ينبع منها. وهكذا يكون انطلاق سفر الأعمال من آلام يسوع وقيامته وصعوده.
وإذا عدنا إلى لو 1- 2 (ما يسمّى المقدمة)، فالأمور التي تجري في الناصرة أو في بيت لحم تستقطبها أورشليم حيث ستتم آلام المسيح (سيف الحزن لمريم في 2: 35) وسره الفصحي (يسوع في الهيكل بعد ثلاثة أيام، يا بيت الآب، لو 2: 41- 52).
ونجد البنية عينها في تقديم رسالة يسوع العلنية الموجّهة كلها إلى أورشليم. هنا يمّيز لوقا ثلاث حقبات: الحقبة الجليلية (3: 1- 9: 59) التي فيها أعلن (الخروج" (اكسودوس) الذي سيتمّه يسوع في أورشليم (9: 31، خاص بلوقا). وحقبة ثانية (9: 51- 19: 27) سمّيت الصعود إلى أورشليم (وقد سمّيت أيضاً: سفَر في السامرة). تبدأ بهذه الكلمات: "وحدث أنه، إذ كان يتمّ الزمن الذي فيه يرفع يسوع، سار بعزم في طريق أورشليم" (9: 51). والحقبة الثالثة (19: 28- 24: 53) تجري كلها في أورشليم. فلوقا لا يتحدّث عن ظهورات للقائم من الموت في الجليل. وتتضمّن هذه الحقبة الأخيرة جزئين: الكرازة في الهيكل (19: 28- 21: 38)، والآلام والقيامة (22: 1- 24: 53).
حين نفهم حياة يسوع بهذا الشكل، نراها تسير على الشكل التالي: إنطلقت البشارة من الناصرة فبلغت تدريجياً إلى كفرناحوم والمناطق التي تحيط ببحيرة جناسرت، ووصلت إلى السامرة وبيريه واليهودية. وفي النهاية، وجدت حياة يسوع ذروتها في أورشليم مع أسرار الآلام والقيامة والصعود.
من الواضح أننا نلاحظ في سفر الأعمال حركة معاكسة. نحن لا نصل إلى أورشليم. بل ننطلق من أورشليم إلى أقاصي الأرض. فمن المدينة المقدسة، مهد الكنيسة الأولى، أشعّ الخلاص في موجات متتالية على اليهودية والسامرة والجليل، على الوثنيين في قيصرية وأنطاكية. ثم حمله بولس عبر مختلف مناطق العالم الروماني فوصل به إلى رومة، قلب الامبراطورية، وهكذا تحقّقت نبوءة يسوع في بداية سفر الأعمال (1: 8): "ستكونون لي شهوداً في أورشليم، في كل اليهودية والسامرة، وحتى أقاصي الأرض".
3- خبر النزاع في مؤلف لوقا
هنا نضع في كل هذه المجموعة خبر الآلام وفي الوقت عينه حدث النزاع الذي يرتبط ارتباطاً حميماً بالآلام. فالمعطية الرئيسية التي نشدّد عليها هي: إن الآم يسوع وموته التي قبلها في الجسمانية وأتمّها على الصليب هي في نظر لوقا قبل كل شيء نهاية اضطهادات واستشهاد الانبياء في إسرائيل، بل كل الابرار والصدّيقين الذي سبقوه. وهي ثانياً نقطة انطلاق اضطهادات أصابت الكنيسة، أصابت تلاميذ المسيح. هكذا نتوقّف عند ثلاث درفات. نتحدّث أولاً عن الدرفتين الأولى والثالثة ونتوقّف مطولاً عند الدرفة المركزيّة وعنوانها: المسيح هو ملك الشهداء.
أ- الدرفة الأولى
نرى في الدرفة الأولى آلام واستشهاد الأنبياء القدامى، والأبرار في البشريّة كلها. لقد ربط الانجيليون الأربعة يسوع الانسان بعائلة الأنبياء الروحية ولا سيّما موسى الذي هو في العهد القديم نبيّ الانبياء. ومثلُ الكرّامين القتلة الذي ينتمي إلى التقليد المثلّث (20: 9- 18- مر 2: 1- 11= مت 21: 33- 44)، يقابل بين مقتل يسوع (الابن) ومقتل الانبياء القدامى (الخدم). في هذا الصدد نتذكّر كلام يسوع في التقليد المثنّى (13: 34- 35- مت 23: 37- 38): "أورشليم، أورشليم، يا قاتلة الانبياء وراجمة المرسلين إليها...".
غير أن للوقا معطيات خاصة نقدّمها بإيجاز. عند مرقس ومتّى بدأت كرازة يسوع بنداء إلى التوبة لأن "ملكوت الله اقترب" (مر 1: 15؛ مت 4: 17). أما لوقا فجعل يسوع يدشّن رسالته في مجمع الناصرة، وهناك يطبّق على نفسه قول أش 61: 1- 2: أعلن نفسه "ممسوح" الروح "ويحمل البشرى إلى المساكين" (لو 4: 16- 21). وفي الحال تحرّكت المعارضة. غير أن يسوع يحافظ على رباطة جأشه. يقول: لا نبيّ يكرّم في وطنه. وأورد مثل إيليا واليشاع اللذين سمع لهما الوثنيون فنعموا بقوتهما العجائبية (4: 22- 27). وينتهي المشهد بمحاولة قتل (4: 28- 30). هل نعجب بعد ذلك أن يكون يسوع في الخط الروحي للانبياء، ونشعر مسبقاً أن بعد مقتل هذا العدد الكبير من مرسلي الله، ستأتي آلام وموت مرسل المرسلين، إبن الله الوحيد؟ أجل، إدن مصير الانبياء المؤلم هو صورة مسبقة عن مصير يسوع.
روى لوقا أقامة وحيد أرملة نائين فأشار بخفر إلى ما فعله إيليا حين أقام وحيد أرملة صرفت صيدا (7: 11- 17؛ رج 1 مل 17: 17- 24)، وهكذا دلّ على أن يسوع هو أيليا الجديد. وتذكر الإنجيل الثالث إيليا حين رُفع إلى السماء فسمّى الآلام وقيامة يسوع وصعوده "اختطافاً" (9: 31). ويبيّن لنا يسوع يرسل هذا "البلاغ" إلى هيرودس: "لا يليق بأن يموت نبي خارجاً عن أورشليم" (13: 23). وأردف حالاً في 13: 34: "يا أورشليم، يا قاتلة الأنبياء". وتفرّد لوقا فقال لنا إن موسى وإيليا تحاورا مع يسوع في حدث التجليّ، عن خروجه (انطلاقه، موته، 9: 31). وهذا يعني أن مصير يسوع المؤلم والمجيد قد وجد رمزه في مصير كل من موسى وإيليا. هنا نتذكّر أيضاً وجود موسى وإيليا كشاهدين في رؤ 11: 3 ي. ونتذكر ما في رؤيا إيليا الحبشية، وفي سائر التقليد عن المناوئ للمسيح (انتيكرست). فإيليا وموسى هما شخصان متألمّان. ووجودهما في حدث التجليّ يعلن آلام يسوع ويثبّت الإنباء بالآلام في مر 8: 31 ي.
ومن الانبياء تتوسّع نظرة يسوع. ففي حدث تلميذي عماوس، لم يكتفِ يسوع بالانبياء، بل جال في الكتب كلها ليتحدّث عن آلامه: "من موسى إلى جميع الانبياء" (24: 27). وهذا لم يكن بممكن لو لم تكن آلام المسيح قد تهيّات لدى الانبياء ولدى الأبرار في تاريخ البشرية الطويل. هنا نستعيد كلام لو 11: 50- 51 (مت 23: 35- 36)) "دم جميع الانبياء المهدور منذ إنشاء العالم، من دم هابيل إلى دم زكريا الذي قتل بين المذبح والقدس". لم يكن هابيل نبياً، ولكنه كان أوّل ضحية سقطت بيد البشرية الآثمة (تك 4: 2- 9؛ 1 يو 3: 12)، فصار مصيره قريباً من مصير يسوع (عب 11: 4؛ 12: 24).
ب- الدرفة الثالثة
الدرفة الثالثة في هذا البناء اللوقاوي هي آلام واضطهادات واستشهاد قاساها تلاميذ المسيح في الكنيسة. إن الطريق التي قادت المسيح من الألم إلى المجد (24: 26) مرّت على دفعتين في بدايتها وفي نهايتها، عبر جبل الزيتون. فهناك كان النزاع. وهناك كان الصعود. وأعمق من هذا هو الرباط الذي أقامه لوقا بين آلام يسوع (مع انطلاقته في بستان الزيتون) ومحنة الجماعة المسيحية الأولى كما نجدها في سفر الأعمال.
حين تحمّل الرسل الاضطهاد من اليهود، ربطوا هذه المحنة بالإنباء النبوي الذي تحدّث فيه مز 2 عن ثورة البشر على المسيح (أع 4: 25- 26). فالتلاميذ يعانون بغضاً قاتلاً كان قد لاحقهم في الماضي (أع 5: 33؛ 7: 54). بعد هذا، إن آلام المسيح في الإنجيل تتجاوب مخطّط الله، وتشرف عليها لفظة "يجب" السّرية. "يجب على ابن الانسان ممن يتألمّ كثيراً" (9: 22؛ رج 17: 25؛ 24: 26). ويطبّق "يجب" (أو ينبغي) على دعوة بولس: "سأريه كم ينبغي له أن يتألمّ لأجل اسمي" (اع 9: 16). ونقرأ الشيء عينه عن مجمل المسيحيين في أع 14: 22: "بمضايق كثيرة ينبغي لنا أن ندخل ملكوت الله".
والواقع الذي يعني الكثير هو أن اسطفانس، أول الشهداء، بدا قريباً جداً من يسوع المتألمّ. فظروف محاكمته وموته تذكّرنا بآلام المسيح. وقد اختار لوقا العبارات والألفاظ ليرى في استشهاد اسطفانس صورة عن الشهيد الأول يسوع المسيح. وما قاله لنا سفر الأعمال عن اسطفانس يقوله عن بطرس (وسجنه في أع 12: 1 ي يدلّ على موت وقيامة) وعن بولس (صعوده إلى أورشليم مثل صعود يسوع).
ج- الدرفة الوسطى
يبقى علينا أن ندرس الدرفة الوسطى أو الدرفة الثانية: هي درفة آلام المسيح التي تبدأ في مشهد الآلام. هناك الانبياء من قبل، وهناك الشهداء في الكنيسة من بعد، وبين الاثنين آلام الرب في قلب تاريخ العالم الديني. أجل، إن موت المسيح هو الاستشهاد الاعظم الذي يؤسِّس شعب الله الجديد. ويبيّن لوقا كيف أن يسوع هو شهيد في خط الشهداء الذين سبقوه.
الشيطان هو الذي يحارب الشهداء (22: 3، 53). كل استشهاد يتضمّن صراعاً وكفاحاً. وآلام يسوع تبدأ بالنزاع (اغونيا). إن الشهيد ينتظر عوناً من السماء (22: 43). ظهور كائنات سماوية، براءة يسوع، اتهامه بأنه يقاوم القيصر. وفي النهاية سيرى قائد المئة أن هذا الرجل كان باراً (23: 47). وسيقرع الناس صدورهم توبة وندماً (23: 48). أجل يسوع هو الشهيد الشجاع (لا نجد عنده صرخة مز 22: إلهي، إلهي، لماذا تركتني) الذي يقتدي به اسطفانس، ويسير على خطاه بطرس وبولس وسائر التلاميذ.
خاتمة
قالت لنا الافخارستيا ما هو العهد الجديد. ويسوع يعيشه الآن حين يُسلم، حين يترك التجربة تصل إليه مع الشرّ وسلطان الظلمة. ويعيشه خصوصاً حين يسلّم نفسه إلى الآب ويطلب الغفران لقاتليه. هذان الزمنان يتلخّصان في اقحاء يسوع في البداية (آ 39: خرج وذهب كعادته) وفي استسلامه في النهاية (23: 46: في يديك استوح روحي). ونجد في هذه النهاية استباقاً في صلاة النزاع: أيها الآب، لا تكن مشيئتي، بل مشيئتك (آ 42).
رأينا في مشهد النزاع كيف قاسم يسوع حالتنا البشرية قلقها وضياعها وضعفها: لقد جُعل حقا مع المجرمين. وعرف قساوة تاريخنا وما فيه من تمزّق: سُحق يسوع داخل عالم محطّم فخسر انسانيته. ولكنه عبر كل هذا نراه يصلي. إمتلأ من الروح القدس، فظلّ الابن الخاضع لأبيه. وهذا ما يعطيه القوّة لكي يبقى أخاً للجميع. لم يتخلّ عن يهوذا، ولا عن بطرس... ولا عن الجمهور الذي جاء لينظر.
حدّثنا لوقا عن النزاع، فكان خبره قاسياً على المستوى البشري، وفي الوقت عينه منفتحاً على ستر حياة الله الحميمة. بدأ يسوع آلامه بالصلاة، فكان النبيّ الذي يدخل إلى أعماق رسالته التي قادته إلى الموت... بل إلى القيامة.
الفصل الخامس والعشرون
محاكمة يسوع

محاكمة تمت في أورشليم منذ ألفي سنة تقريباً. دخل فيها العالم اليهودي بشعبه، ولكن برؤسائه خاصة. ودخل فيها العالم الروماني عبر الوالي الذي حكم على يسوع بالموت بناء على طلب اليهود وخصوصاً الصادوقيين. هذا ما سوف نتعرّف إليه من خلال الأناجيل الأربعة على ثلاثة مستويات: الأخبار والنقد الأدبي، الأخبار والنقد التاريخي، استنتاجات تفسيرية ولاهوتية.
1- الأخبار والنقد الأدبي
نبدأ فنتعرّف إلى النصوص. هناك تداخل بين إنجيل وآخر، لا سيّما بين متّى ولوقا، ولكننا نتوقف عند كل خبر من الأخبار بسبب معلومات أصيلة وطريقة مبتكرة في عرض الأمور. نتوقف عند الاختلافات ولا سيّما عند اختلافين رئيسيين يقعان في قلب قسمَيْ المحاكمة. بعد هذا، نقدّم لوحة إجمالية عن توالي الأحداث في ذاك الصباح من يوم الجمعة العظيمة.
أ- الصعوبة الأولى: القسم اليهودي من المحاكمة
نجد الصعوبة الأولى في القسم اليهودي من المحاكمة. هل هناك جلسة أم جلستان؟ أمام حنان أم أمام قيافا؟ في الليل أم في النهار؟
تحدّث متى ومرقس عن جلستين تمتا كلتاهما أمام المجلس الأعلى: كانت الأولى في الليل (رمز الليل وعالم الظلمة) فجاء خبرها مفصّلاً، والثانية عند الصباح وقد أشار إليها الانجيليان سريعاً. كيف نفهم هذا الخبر؟
إن جلسة رسمية خلال الليل أمر غير عادي وينافي الشريعة. وهل جاء جميع أعضاء المجلس في تلك الساعة؟ وبعد هذه الجلسة التي تمّت بالحكم على يسوع، ما هي الإفادة من اجتماع ثانٍ عند الصباح، لا يقول لنا مرقس عنه شيئاً؟
نعود إلى لوقا الذي أراد أن يكتب كل شيء "بترتيب" (1: 3). تكلّم عن جلسة واحدة وجعلها في الصباح. والصورة التي يقدّمها توافق الجلسة التي جعلها متّى ومرقس في الليل. وهكذا نتبع لوقا بنظرته المعقولة: تمّت جلسة السنهدرين في الصباح الباكر.
ولكن لماذا نقل متّى ومرقس هذا المشهد وجعلاه مشهدين؟ نجد التفسير عند يوحنا. فيوحنا هو شاهد من الطراز الأول حين ينزل من تحلّقه اللاهوتي ليعطينا إشارات إلى الأمكنة والأزمنة. فيوحنا التلميذ الحبيب كان مع بطرس الشاهد العيان الوحيد لهذه الأحداث. دخلا وحدهما إلى قصر عظيم الكهنة وساعة هرب سائر التلاميذ. حدّثنا يوحنا هو أيضاً عن مثولين ليسوع أمام "المحكمة": واحد أمام حنان والثاني أمام قيافا. لما يعطنا أي تفصيل عن الثاني، ولكنه صوّر لنا المحاكمة عند حنان: سأل عظيم الكهنة يسوع عن تعليمه وعن تلاميذه. رفض يسوع أي يجيب. فصفعه خادم رئيس الكهنة. هذا ما حدث خلال الليل وحالاً بعد الوصول من الجسمانية.
إقترح بعض الشّراح على خطى الكودكس السينائي والسريانية العتيقة وكيرلس الاسكندراني أن يبدّلوا موضع الآية التي تذكر انتقال يسوع من عند حنان إلى قيافا (يو 18: 13). "فالترتيب القديم (كما يقولون) يجعل الاستجواب والضمت والصفعة عند قيافا".
ولكن هذه الفرضية غير مقبولة لسببين. الأول: هي تستند إلى شهود نادرة وغير أمينة وغير متوافقة. لقد حاول النسّاخ أن يحلّوا الصعوبات التأويلية التي ما زالت تلفت انتباهنا اليوم. الثاني: إن حصيلة التصحيح تعطينا جلسة واحدة عند قيافا، ولكن الخبر يصبح مختلفاً جداً: لا شهود زور، لا استجواب عن يسوع المسيح وابن الله، لا محكمة تنتهي بالحكم بالاعدام.
إذن، نحافظ على الترتيب التقليدي للنصّ الذي يجعل استجواب يسوع الأول يتم عند حنان. وهكذا نقول إن يوحنا لم يعطنا تفاصيل جلسة السنهدرين الرسمية مع قيافا. لماذا هذا الصمت لدى يوحنا؟ عرف الازائيين فتحاشى التكرار. ثم إنه وزّع مضمون هذا المشهد في عدة أماكن من إنجيله: خلال المحاكمة أمام بيلاطس، وبصورة خاصة خلال جدال يسوع مع اليهود في الهيكل، الذي دوّنه يوحنا فذكّرنا بجلسة السنهدرين كما يرويها الازائيون.
وهكذا وجدنا بفضل لوقا ويوحنا الزتيب الحقيقي للأحداث: مثول أول أمام حنان في الليل، مثول ثانٍ أمام قيافا والمجلس كله في الصباح. تحدّث مرقس ومتّى عن جلستين، لأنه كان في الواقع جلستان. ولكنهما ربطاهما بالسنهدرين، لأنهما تجاهلا أو أغفلا ما يتعلّق بحنان. هذا ما خلق فراغاً فملآه باستباق لجلسة الصباح. وقد يكون سبب هذا التحول، أن في التقليد الذي يرتبط به مرقس (هو تقليد بطرس)، إحتلت إنكارات بطرس المركز الأول في ما حدث تلك الليلة في قصر عظيم الكهنة: حين كان يسوع يشهد عن مسيحانيته، كان بطرس ينكر أنه يعرف المسيح.
وسنجد في التقليد الازائي أموراً من هذه الجلسة حدثت في جتسيماني حيث أوقف يسوع: تحدّث إلى أهل المجلس الذين كانوا حاضرين كما يقول القديس لوقا (22: 52).
وهكذا مثل يسوع مرتين أمام السلطات اليهودية. الأولى خاصة وشبه رسمية تمّت في الليل أمام حنان وأهل بيته. والثانية رسمية وقانونية، تمّت في النهار أمام قيافا والمجلس الأعلى.
ب- الصعوبة الثانية: المرحلة الرومانية من المحاكمة
نتساءل: متى وأين تمّ الجلد والتكليل بالشوك والاهانات؟ هنا يختلف الانجيليون أيضاً. جعل متّى ومرقس كل هذا يتمّ في دار الولاية، وبعد الحكم على يسوع. في يوحنا، المسرح هو هو وكذلك الفاعلون (الجنود الرومان)، ولكنه يجعل كل هذا في وسط المحاكمة لا في نهايتها. ماذا نختار؟
يبدو الجلد في موضعه عند متّى ومرقس. فبعد الحكم بالاعدام، وكمقدّمة للصلب، اعتادوا أن يجلدوا المحكوم عليه، لا ليزيدوا ألمه ألماً، بل ليخفّفوا من ألمه: فالتعليق على الصليب لجسم صحيع قد يدوم طويلاً فيموت المصلوب من الانهاك. لهذا، كانوا يجلدونه فيتحطم اللحم ويسيل الدم فيصبح الموت أسرع. إذن، يستحيل على والٍ روماني أن يجلد شخصاً لم يتأكد الحكم عليه (ليشبع حقد متهميه). وهكذا نتبع متّى ومرقس اللذين جعلا الجلد في نهاية المحاكمة.
أيكون هناك جلد أول يسبق الاستجواب؟ ربّما. هذا ما أراد قائد الألف أن يصنع مع بولس "ليعلم ما سبب ذلك الصياح ضده" (أع 22: 24). وقد يكون يوحنا أراد أن يجعل يسوع "المتوّج بالشوك" أمام من يمثل امبراطورية رومة. إنه منذ البداية الملك الحقيقي.
وأين نضع الاهانات؟ في "وقت استراحة" بين استنطاق وآخر، "ألّفوا" مهزلة "يسوع الملك". واستفاد بيلاطس من هذه الصورة محاولاً أن يخلّص يسوع: أنتم تخافون طموح هذا الملك، رجل مسكين: هذا هو الرجل! فبعد الحكم بالإعدام، لم يعد من وقت لمثل هذه الأعمال. فالوقت وقت الظهر، واليهود يستعدون لعشاء الفصح. فلا يعقل أن ينتظر الناس الجنود يقومون بمشهد الإهانة. لهذا نقول إن مرقس ومتّى جعلا هنا مشهداً تمّ من قبل.
وهكذا كانت الاهانات في وسط المحاكمة كما قال يوحنا، والجلد في نهايتها، كما قال مرقس ومتّى. لا ندهش من هذا الاختلاف في التدوين. فنحن هنا أمام نهج معروف تتقارب فيه الأمور المشابهة، فيرتبط الجلد بالاهانات عند يوحنا والاهانات بالجلد عند متّى ومرقس.
ج- من قام بهذه الأعمال
ونطرح السؤال: إلى من تنسب هذه "المهزلة"؟ إلى الجنود الرومان؟ ولكنهم عرفوا بانضباطيتهم في الخدمة. هل عملوا بتوصية من الوالي؟ ولكن كيف يأمر الوالي بمثل هذه المهزلة؟ قد يكون أراد أن يثير الشفقة عند اليهود! ولكن أين كرامة موقعه واعتقاده بأن يسوع بريء؟
هنا نعود إلى لوقا. هو لا يتكلّم عن الجلد والاهانات من قبل الرومان (نراه في الإنجيل والاعمال مهتمّاً بصيت رومة الطيّب). بل يذكر وحده، وفي منتصف المحاكمة، نقل يسوع إلى هيرودس. هناك يهان بطريقة تشبه مشهد الاهانات عند سائر الانجيليين. هزئ منه هيرودس ورجاله. ألبسه ثوباً لمّاعاً (أحد أثوابه العتيقة من أجل السخرية) وأعاده إلى بيلاطس بهذه الحالة. وهكذا يكون يسوع "ملكاً مهزلة" عند هيرودس، التتراخس اليهودي ورجاله، أي الجليليين القريبين من يسوع. حينئذٍ نفهم أن يكون الجنود الرومان رأوا يسوع على هذه الحال، فزادوا مهزلة على مهزلة. بدأ المشهد عند هيرودس فجعل الإنجيليّون المشهد كله يتم في دار الولاية. ولكن هذا يبقى مجرّد افتراض.
د- لوحة الأحداث
كيف جرت الأحداث في ذلك اليوم، يوم الجمعة العظيمة؟
اقتيد يسوع سجيناً إلى قصر عظيم الكهنة، وهناك قضى الليل بانتظار اجتماع المجلس في الصباح. خلال تلك السهرة، قضى حنان وبعض الرؤساء وقتهم يستجوبون يسوع حوله تعليمه وتلاميذه. لم يكن الاستجواب رسمياً، ولكن سلطة حنان أعطته ثقلاً في مسيرة الأحداث. فحنان كان عظيم الكهنة، وما زال يحتفظ باللقب. وقيافا، رئيس الكهنة الحالي، هو صهره. وقد كان خمسة من أبنائه رؤساء كهنة. أجاب يسوع بوقار، فدلّ على أنه لا يريد أن يوضح موقفه. صفعه الخادم صفعة، كانت بداية لإهانات سيصوّرها الانجيليون الأربعة بالتفصيل. بما أنه رفض أن يتكلّم، قضوا الليل في الهزء به. بصق عليه الرؤساء وطلبوا منه أن "يتنبّأ"، وصفعه الخدم الذين يحرسونه.
بدأ الاستجواب في قاعة من قاعات قصر عظيم الكهنة. ولكنَّ صمتَ يسوع خيّب الأمال من أجل المجادلة. فأخذوا يسوع إلى الرواق حيث سينكر بطرس معلّمه. ولهذا استطاع يسوع أن يلقي عليه نظرة "لوم" فيدفعه إلى البكاء.
وأطلّ الصباح، فاجتمع المجلس في قصر الكهنة حيث يقيم قيافا: بل إلى "قصر المحكمة" في الزاوية الجنوبية الغربية للهيكل. في هذا المعنى نفهم لو 22: 66. "وأحضروا يسوع إلى محفلهم". أما متّى ومرقس فلا يقولان أين التأمت جلسة النهار. فنكاد نظنّ أن كل شيء حصل في قصر عظيم الكهنة. ومهما يكن من أمر، انتهت المحاكمة بالقول إن يسوع يستحقّ الموت.
حينئذٍ اقتادوه إلى دار الولاية، إلى بيلاطس. من اقتاده؟ الرؤساء وشرطتهم. حين نقرأ لوقا نحسّ أن الشعب يرافقهم منذ الآن. ولكن حسب متّى ومرقس، سيتدخّل الشعب فيما بعد، وساعة بدأت الحلقة الأولى من المحاكمة. واستنطق بيلاطس يسوع دون أن ينال منه جواباً أو قراراً يعترف بـ "ذنبه". في هذا الوقت، صعد الشعب إلى دار الولاية، كما قال مرقس (15: 8). لم يصعد الشعب بسبب يسوع، بل لأن عيد الفصح قريب ولهم الحق بأن يطلبوا العفو عن مجرم. حينئذٍ استفاد بيلاطس من المناسبة فقال: أتريدون أن أطلق يسوع؟ كاد الجمع يقبل. أما رؤساء اليهود فاستبقوا الأمور. أطلبوا العفو لبرأبا. واقتنع الشعب بسهولة: فبرأبا هو مغامر سياسي، دخل في تحرّر وشارك في قتل بعض الناس: لقد برهن عن شجاعة وطنيّة ضد المضايقة الرومانيّه. أما يسوع فيريد منّا أن ندفع الجزية لقيصر. وها هو يسلّم نفسه دون أن يقوم بأي دفاع. ليمت! أشعل الرؤساء النار، واندفع الشعب يقول: إصلبه.
ما أراد بولس أن يرضي بغض اليهود الذين يكرههم. أراد أن يربح بعض الوقت ليستنير حول قضية هذا الجليلي. فارسله إلى هيرودس، والي الجليل، الذي كان حاضراً في أورشليم من أجل الاعياد. ولكن هيرودس تهرّب وهزئ من هذا "المسيح الكاذب" الذي يدّعي الملك. وعاد يسوع إلى بيلاطس كـ "ملك مهزلة". راه الجنود عائداً بهذا الشكل "المضحك" فزادوا إهانات على إهانات. وظنّ الوالي أنه يستفيد من هذا الوضع، فعرض هذا المسكين المشوّه على عيون الشعب: هذا هو الخطير الذي يبلبل الشعب! وكانت له مناسبة لكي يهزأ منهم. ولكن الرؤساء اليهود ثبتوا على موقفهم وهيّجوا الجمع. وبما أنهم لم ينجحوا لجأوا إلى وسيلة أخيرة: هدّدوا بيلاطس بأن يشكوه إلى رومة. لقد أصابوا الوتر الحسّاس. لقد سبق له وعرف الصعوبات مع السلطة المركزيّة. كل شيء ولا رومة: تراجع، دلّ على احتقاره لهم، وبيّن أنه لم يقتنع باتهاماتهم الكاذبة. جُلد يسوع وأرسل إلى مكان العذاب.
هذا هو تسلسل متناسق للأحداث نستخلصه من الأناجيل الأربعة. تسلسل يبدو معقولاً من الناحية التاريخية. ولكن أين موقعه من التشريع اليهودي الروماني.
2- الأخبار والنقد التاريخي
أ- المحاكمة اليهودية
انتُقدت جلسة السنهدرين لأنها تجاوزت التشريع اليهودي في نقاط عديدة. فاستنتج بعضهم أن لا قيمة تاريخية لهذه الاخبار. وقال آخرون بوجود أمور غير قانونية تجاوزها اليهود لكي يحكموا بالموت على يسوع. نحن لا نقبل بهذين الاستنتاجين. أولاً: إن معلوماتنا عن مسيرة المحاكم اليهوديّة تعود إلى القرن الثاني ق. م. ولا نعرف إن كان هناك قانون قديم قد عُمل به في زمن يسوع المسيح. ومن جهة ثانية، لا ننتظر من الأناجيل تقريراً حرفياً لما حدث في المحكمة. نحن أمام تعليم ديني استخلص فيه الانجيليون ما يهمّ قرّاءهم: لماذا حكم على يسوع بالموت؟ بماذا أتهم؟ وما هو السبب الحاسم؟ هذا ما توقّف عنده متّى ومرقس ولوقا، فتركوا أموراً عديدة. هناك عن جلسة السنهدرين 10 آيات في متّى، 8 آيات في مرقس، 5 آيات في لوقا. فهل هذا يغطّي كل ما حدث في ذلك الوقت؟ كلا. وهذا ما لا يتوخّاه الانجيل.
إذن، لا فائدة من نظريات تتأسّف لغياب إحدى الشكليات، أو لغياب عرض شامل لما جرى في تلك المحاكمة التي تحتاج أقله إلى 23 قاضياً، هذا ما عدا الشهود. وكانت هناك فرائض، لو عمل بها في زمن يسوع، لدلّت على تجاوزات. الحكم بالاعدام يتطلب جلستين تتمان في يومين نحتلفين. ولكن يسوع لم يمثل إلاّ مرة احدة أمام المجلس. ثم، لا يصدر حكمٌ ليلةَ عيد أو ليلة سبت. ويسوع حُكم عليه يوم الجمعة. من المعلوم أن الحكم بالاعدام في زمن يسوع كان محفوظاً للسلطة الرومانية. فالسلطة اليهودية سلّمت السلطة الرومانية "ملفّ القضية". وهكذا جاءت جلسة السنهدرين جلسة استشارية ينظر في معطياتها الوالي الروماني.
أراد "اليهود" أن يقولوا إن بيلاطس هو الذي حكم على يسوع. إذن، يتحمّل المسؤوليةَ الرومانُ أولاً وأخيراً. ولو كان لليهود سلطة الموت والحياة على يسوع، لكانوا رجموه ولم يصلبوه. فيدافع يوحنا عن الموقف المسيحي، منطلقاً من الواقع الذي عرفه. لقد طلب اليهود يد الرومان، ولكنهم كانوا قد حكموا مسبقا على يسوع بالموت. وهكذا أبرز يوحنا وضعاً تاريخياً شدّد فيه على ضعف الوالي وبالتالي على مسؤولية الرؤساء واليهود في موت يسوع. 
ب- المحاكمة الرومانية
ظن بعضهم أنه من غير المعقول أن بيلاطس أرسل يسوع إلى هيرودس. كان ضيف المدينة المقدسة بمناسبة عيد الفصح. كان خارج أرضه فلم تكن له سلطة. فكيف يقرّر في ما يخصّ يسوع؟ لا شكّ في الأمر. ولكن أما يستطيع أن يوكّل أحداً ينظر في القضية ويعلن الحكم؟ لقد تحيّر بيلاطس ولم يجد جرماً في حياة هذا الجليلي الذي لا يعرفه. ففوّض تترارخس الجليل أن يدرس القضية ويسوع هو أصلاً من مقاطعته. ولكن لم يكن لهيرودس شيء واضح يقوله على يسوع. وأحسّ أن المتهم يحتقره، فأعاده إلى بيلاطس.
وهناك أيضاً حقّ العفو الذي جعل في الميزان يسوع وبرأبا. هنا نتذكّر بردية تعود إلى سنة 86- 88 ب. م. وفيها يقول والي مصر سبتيميوس فاجاتس لمتهم: أنت تستحق أن تجلد لهذا السبب وذاك. ولكنني أعفو عنك وأردك إلى الشعب وسأكون أكثر انسانية منك. هل كان للمصريين عادة كما كان لليهود في أحد أعيادهم؟ هل كانت هناك مناسبة فوق العادة ليمنح الوالي عفواً؟ مهما يكن من أمر، ففي فلسطين كان الشعب الاسرائيلي في عيد الفصح يطلب إخلاء سبيل متّهم. لا نجد شهادة عن هذه العادة إلا في الأناجيل، ولا يمكن أن نشكّك في ذلك، فالفصح يذكّر اليهود بتحريرهم من عبودية مصر. وحين يمنعهم والٍ حكيم تحريرَ أحد السجناء، فهو يدلّ على عاطفته الدينية وعلى تسامحه. وهكذا أراد بيلاطس أن يطبّق على يسوع هذا العفو، فلم يستطع. لقد فضّلوا عليه برأبا.
حكم بيلاطس على يسوع. وإذا كان قد سار حسب القانون، فهو قد وافق على حكمهم. ولم يكن ذلك من دون سبب. أما السبب فنجده على الصليب: ملك اليهود. والناس جميعاً عرفوه لأنه كتب في لغات عديدة. إذن، مات يسوع كثائر سياسي خطير. أراد اليهود أن يتخلّصوا من هذا الشخص الذي يتهدّد سلامتهم على ما قال قيافا: "خير لنا أن يموت واحد عن الشعب ولا تموت الأمة كلها" (يو 11: 50).
وهكذا وصلنا إلى قلب الموضوع بعد أن رأينا تسلسل الأحداث التي تشكّل المحاكمة، وتفحّصنا الشكل القانوني. تبقى الاستنتاجات التأويلية واللاهوتية.
3- استنتاجات تأويلية ولاهوتية
أعلن لنا الانجيليون أن اليهود أسلموا يسوع على أنه ثائر يريد أن يكون ملكاً، وجعلوا بيلاطس يحكم عليه بذلك. ولكن السبب الحقيقي ليس سياسياً، بل دينياً. ثم إن بيلاطس لم يلاحظ أي جرم سياسي حقيقي، فحكم على يسوع لأنه تعب منهم أو خاف على سلطته (أنت عدو قيصر). 
إن السبب الحقيقي الأول الذي دفع اليهود ليحكموا على يسوع كان ذا طابع ديني. هذا ما تعنيه جلسة السنهدرين كما ترويها الأناجيل. إنها تتضمّن مرحلتين: في الأولى، يُذكر قول يسوع ضد الهيكل. إعتدّ أنه يدمّره ويبنيه في ثلاثة أيام. في الثانية، أعلن بوضوح وبناء على سؤال رئيس الكهنة أنه المسيح ابن المبارك، وأنهم سيرونه آتياً على السحاب وجالساً عن يمين القدرة. هذا ما بدا لهم تجديفاً هائلاً يستحقّ الموت.
لقد فهم الرؤساء اليهود أن يسوع يقيم نظاماً جديداً، وديانة روحية تختلف عن العالم اليهودي الحالي: هذا ما يعنيه تدمير الهيكل وإعادة بناء هيكل آخر. هكذا فعل ميخا وإرميا. تجرّأوا فتكلّموا ضد الهيكل، فكادا يدفعان حياتهما ثمناً لكلامهما المتهوّر. ولكنهما لم يعتبرا أنهما يقلبان الاوضاع كلها، بل كان كلامهما نداء إلى التوبة. أما يسوع فاعتبر نفسه مؤسّس ديانة جديدة، وسمّى نفسه المسيح. لم يكن "مسيحاً" كسائر المسحاء الذين يحاولون أن يعلوا شأن الشعب اليهودي ويطردوا رومة من بلادهم. أمّا يسوع، هذا النبي الناصري، فما اهتمّ بالنظام الزمني، ففكّر بملكوت روحي يكون الله محوره، ويكون هو معه. فقد جعل نفسه أكثر من إنسان، واعتبر أنه على علاقة حميمة مع الآب، علاقة فريدة تجعله على مستوى متعالٍ. هذا هو التجديف الحقيقي في نظر اليهود. مثل هذه "الاعتدادات الجنونية" ضلّلت الشعب الذي يصدّق كل شيء. صدمت المعلمين وأخافتهم لأن الناس يسيرون مع كل ريح. فلا بدّ من قطع الشّر في جذوره وإزالة هذا النبي الكاذب!
ولكن كيف نقدّم اتهاماً لاهوتياً لحاكم روماني؟ لو فعلوا، لكان تصّرف كما فعل غاليون مع الذين اتهموا بولس: "إن تكن ثمة جناية أو منكر، فمن الحق علينا قبول شكواكم. أما إذا كانت مسائل تتعلّق بكلمة وأسماء، وبتوراتكم، فهذا أمر يعنيكم، ولا أريد أن أحكم في هذه المسائل". ثم طردهم من المحكمة (إع 18: 14- 16).
لهذا السبب عرف اليهود كيف يقدّمون القضية بشكل يؤثّر على الوالي: إتهموا "المسيح الكاذب" بنظرات وأهداف سياسية. في هذا الوقت من الخضوع لسلطان خارجي، كان كل طموح مسيحاني ثورة وطنية. لهذا تحفَّظ يسوع في كشف شخصه وبرنامجه للشعب الذي اكتشف أحلاماً زمنية في ما يقوله يسوع عن الملكوت الروحي. لهذا فضّل الصمت مراراً وأمر تلاميذه أن يحفظوا السّر. ورغم فطنته، أراد شعب الجليل أن يقيمه ملكاً. ويوم الشعانين، ابتهج سكان أورشليم أنفسهم لهذا الرجاء الجديد، لأن يوم تجديد إسرائيل صار قريباً. عرف الوالي الروماني كل هذا الهياج الشعبي، إستند إليه رؤساء اليهود ولعبوا على الوتر الحسّاس فسقط بيلاطس في حبالهم.
ولكن نقصَهم البرهان أن يسوع هو شخصياً محرّك هذه الجموع. أنه حرّك الآمال الثورية. ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً. وهذا ما لاحظه بيلاطس فردّد ثلاث مرات في إنجيل لوقا: "لا أجد أي ذنب لهذا الانسان" (لو 23: 4). "لم أجد أي ذنب لهذا الانسان الذي تشكونه" (23: 14). "إن هذا لم يأتِ ما يستوجب الموت" (23: 15). فالوالي لا يستطيع أن يكتفي بامور ظاهرة واتهامات واهنة. ولكنهم ما استطاعوا أن يقدموا إليه شيئاً. اتهُّم بأنه ملك، ولكن مملكته روحية، متعالية. هي من عالم آخر، فلم يرَ فيها بيلاطس خطراً على رومة... وعلى الحدود، قد يكون هذا الرجل صاحب أحلام... وفي أي حال ليس بمجرم.
إن الملاحظة حول براءة يسوع على مستوى السياسة كما أعلنها بيلاطس، هي حقيقة تاريخية يجب المحافظة عليها. فهي توافق كل ما تقوله الأناجيل عن يسوع. وصمتُ الوثائق الدنيوية يسير أيضاً في هذا الخطّ. فهي لا تتكلّم عن ثائر (سياسي) إسمه يسوع حاول أن يهيّج الشعب على السلطة الرومانية. لقد تحدّث يسوع عن احترام السلطات، وطلب أن تدفع الجزية لقيصر، فلم يعطِ ممسكاً لخصومه لكي يتّهموه كثائر سياسي. هذا ما فهمه بيلاطس. ولهذا قاوم هذا الضغط "الشعبي" الذي يحرّكه الرؤساء.
وفي النهاية استسلم خوفاً، خاف على نفسه وعلى مركزه، وربّما على حياته. لقد كان بيلاطس رئيساً قاسياً وصاحب إرادة صلبة، وما كان يترك الشفقة تدخل إلى قلبه. فما نعرفه عن حكمه الذي دام عشر سنوات، يدلّ على أنه لم يبالِ حين سفك الدم بأمور العدالة والانسانية. يصوّره فيلون، المفكّر اليهودي الذي عاش في الاسكندرية في القرن الأول المسيحي: شراء الناس، العنف، السرقة والابتزاز، معاملات سيّئة، إهانات، تنفيذ أحكام من دون قضاء، قساوة هائلة وبدون سبب. وتميّز خصوصاً ببغضه لليهود. فما ترك مناسبة إلا وحاول الاساءة إليهم وجرحهم في كرامتهم.
واستفاد من حدث يسوع لكي يذلّ اليهود: هذا هو ملككم! مهزلة! لم يكن يسوع هو الذي يهمّ بيلاطس. فيسوع كان مناسبة لكي يفشل خصومه الممقوتين. فقد أحسّ أن قضيتهم خاسرة وأن ليس لهم اتهام ثابت ضد هذا الرجل. هم يريدون أن ينتزعوا منه الموافقة بالقوّة. ثم يلحّون وهو يقاوم، هازئاً منهم في شخص هذا الملك المسكين الذي لا يشكّل أي خطر إلا "عليهم"!
ولقد كان ثبت حتى النهاية، لو لم يبرز تهديد بالشكوى إلى رومة. هذا ما يحسب له بيلاطس ألف حساب. فالسلطة العليا في الامبراطورية لا تريد أن تثير حساسية هذا الشعب المقلق. فقد اجبر طيباريوس بيلاطس على أن يتراجع فيزيل التروس الذهبية التي يستاء منها اليهود. وستأتي شكوى فيما بعد فيُعزل بيلاطس، ويذهب إلى المنفى إلى بلاد غالية (فرنسا الحالية) وهناك ينتحر غصباً عنه. إن بغضه لم يمنعه من الحسابات: يجب أن لا يخسر مستقبله لسبب بسيط كهذا. ما الذي يكلّفه إن دفع إلى الموت يهودياً يراه بريئاً. وهذه لم تكن المرة الأولى ولن تكون الأخيرة. كل ما يطلب منه: الموافقة وبعض الجند. سيعطي اليهود ما طلبوا دون أن يأخذ على عاتقه الحكم الذي أصدره المجلس اليهودي واعتبره موافقاً للشريعة. لم يندم إلا على شيء واحد وهو أنه تراجع أمام خصومه.
وهكذا يكون اليهود المسؤولين الحقيقيين عن موت يسوع. هم مسؤولون لأنهم انتزعوا بالقوّة الحكم على يسوع بالموت. وهنا نميّز بين الشعب والرؤساء. فالشعب لم يفهم شيئاً من الوجهة الدينية اليهودية. رأى في يسوع ذاك "الرابي" الذي سحره، فاقترب منه واستمع إليه بارتياح. رأى معجزاته ولا سيّما تكثير الارغفة، بل أمل أن هذا "النبي" سيتولىّ قضية الإستقلال الوطني. وها هو الآن في دار الولاية يريد أن يدافع عن يسوع، فإذا هو بفعل رؤسائه يفضّل برأبا على يسوع، ويهتف بملء صوته: إصلبه. أجل، كان الرؤساء هنا وهم الذين قادوا كل هذا التحرّك.
لسنا فقط أمام بعض الصادوقيين، بعض الوجهاء، بعض الإنتهازيين الذين فعلوا ما فعلوا ليرضوا الوالي. إن الهجوم على يسوع كان عمل السنهدرين كله، هذا المجلس الذي يضمّ مختلف قوى الأمة: الصادوقيون الذين هم كبار الارستوقراطية المتحرّرة، الفريسيون الذين هم الممثلون لعالم يهودي غيور ودقيق. إذن، تحالفت عدة اتجاهات فطالبت بموت يسوع. لعب البغض دوره والحقد والحسد والكبرياء ضدّ هذا النبي الشاب، وبرزت الغيرة الدينية خصوصاً عند الفريسيين، بما فيها من عمى وتصلّب. نظّموا ضميرهم على قياسهم فاعتبروا أنه يجب أن يحكموا على يسوع. أما كان هذا وضع بولس في بداية حياته ضد الكنيسة؟ ولكنه فهم فيما بعد الخطأ الذي وقع فيه. جاءته النعمة فرأى أنه يقاوم الله (أع 5: 39: هذا ما قال جملائيل لأعضاء المجلس).
وفي النهاية، السبب الحقيقي للحكم على يسوع نجده في جلسة السنهدرين: ما أراد اليهود مسيحاً يحوّل ديانتهم، بل يقلبها رأساً على عقب. ما قبلوا أن يؤمنوا برسالته. هل فهموا أن يسوع هو ابن الله، مساوٍ للآب، في المعنى المتعالي الذي يعرفه ايماننا المسيحي؟ كلا. فمثل هذه الفكرة لا تُعقل بالنسبة إلى فكر يهودي. والرسل أنفسهم لم يفهموا هذه الحقيقة إلا على ضوء القيامة وبعد أن نالوا الروح القدس. أجل لو عرف اليهود شيئاً من هذا "لما صلبوا ربّ المجد" (1 كور 2: 8).
ولكنهم أدركوا أن يسوع سمّى الله أباه. واعتبر أنه على علاقة حميمة معه. وهذا ما بدا لهم تجديفاً يستحقّ الموت. ولكن ما دفعهم إلى إزالته هو عمله أكثر من شخصه: ما أرادوا ديانة محض روحية. ما أرادوا الديانة الشاملة التي يكرز بها. وفي هذا الخط، سيلاحق اليهود بولس حتى النهاية، لأنه أعلن أن الوثنيين هم أصحاب الميراث كاليهود، أن البعيدين صاروا قريبين بدم المسيح.
كان العالم اليهوديّ منطقيّاً مع نفسه. لو قبل ديانة يسوع، لكان وقعّ على زواله. كيف نضع قطعة قماش جديدة في ثوب بالٍ؟ كيف نجعل الخمرة الجديدة في زقاق عتيقة؟ هذا ما لم يرد رؤساء اليهود أن يفهموه. لهذا قتلوا يسوع... رفضوا أن يجتمعوا حول يسوع، كالصغار حول الدجاجة، فصار بيتهم خراباً.
خاتمة
في محاكمة يسوع لعبت كل من السلطة اليهودية والسلطة الرومانية دورها. مثّل بيلاطس السلطة الرومانية، والرؤساء السلطة اليهودية. بدأ العالم اليهودي محاكمة يسوع، وأتمّها العالم الروماني. هو جاء من أجل العالم اليهودي ومن أجل العالم الوثني (أي الروماني)، فحكما عليه. قتلا الله. قال اليهود: لا نريد أن يملك هذا علينا (لو 19: 14). وطلب الوثنيون من يسوع أن يتحوّل عن تخومهم (مر 5: 17). أجل، جاء يسوع إلى خاصته، وخاصته لم تقبله. كان النور الاتي إلى العالم (يو 1: 9- 10) فلم يعرفه العالم. أما الذين عرفوه فصاروا أبناء الله. هم اليهود الذين آمنوا به، وكان الرسل منهم. وهم الوثنيون الذين جاؤوا إليه بواسطة بولس. ولكن أيضاً بواسطة كل المرسلين الذين يحملون الإنجيل إلى أقاصي الأرض. محاكمة يسوع قادته إلى الموت. ولكن موته صار حياة حتى للذين قتلوه. فهو ما جاء ليهلك العالم، بل ليخلّص العالم.
الفصل السادس والعشرون
القبض على يسوع
22: 47- 55

إن النسخة اللوقاوية لأول حدث من أحداث الحاش بالمعنى الحصري للكلمة، تتوزّع على ثلاث مراحل موزّعة توزيعاً واضحاً. ما قام به يوضاس الخائن، ما قام به أحد التلاميذ الامناء. وبعد كل موقف كانت كلمة ليسوع. قال ليوضاس: "أبقبلة تسلّم إبن البشر"؟ وقال للتلميذ الأمين: "قفوا عند هذ الحدّ". وفي المرحلة الثالثة إتخذ يسوع المبادرة ووجّه خطبة صغيرة إلى رؤساء اليهود الذين جاؤوا ليقبضوا عليه.
نجد نظرتين في هذه المجموعة من الآيات. النظرة الأولى تحيط بالخبر كله، فتجعل القارئ ينتظر وهو يعرف أن يسوع أوقف، كما تجعله يعرف أن يسوع لم يخضع هنا لأية قوّة بشريّة. والنظرة الثانية تنبثق من المرحلتين الأولى والثانية، فتدلّ على أن يسوع بمارس حتى النهاية أعمال الرحمة، ولا يكتفي بالحديث فقط عن رحمة الاب تجاه الخطأة، وستظهر هاتان الظاهرتان أيضاً في ما يلي من خبر الآلام.
1- قبلة يهوذا (22: 47- 48)
يبدأ هذ الحدث بجملة انتقالية تربط هذ الحدث بالسابق: "وفيما هو يتكلّم". عبارة نجدها في مر 4 1: 43 ومت 26: 47. وهكذا نشاهد مجيء الفرقة يقودها يهوذا.
تأتي لفظة "أوخلوس" بدون أل التعريف، وهي تدلّ على الفرقة العسكرية. لسنا أمام تجمّع شعبي كما في موقس. رج مر 14: 43؛ أع 1: 15؛ 6: 7. نشير إلى أن لفظة "جمع" في لو كما في أع هي ذات مدلول غامض، وبدون رمزية دينيّة محدّدة. يوردها لوقا ليدلّ على النجاح الباهر الذي حازته كرازة يسوع.
وهناك عبارة "المسمّى (المدعو) يهوذا" الاغومينوس الذي يقال له). إعتاد لوقا أن يستعمل لفظة "كالومينوس" للذي يسمّى، يُدعى. رج 6: 15 (سمعان المدعو الغيور)؛ 8: 2 (مريم المدعوة المجدلية)؛ 19: 29، 37؛ 22: 3 (المدعو الإسخريوطي)؛ 23: 33 (المدعو الجمجمة)؛ رج أع 1: 12، 23؛ 3: 11؛ 8: 10؛ 9: 11؛ 10: 1؛ 13: 1؛ 15: 22، 37؛ 27: 14. كان هذا استعمالاً مع أل التعريف. وهناك استعمال بدون أل التعريف في 7: 11 (مدينة تدعى نائين)؛ 9: 10؛ 10: 39؛ أع 7: 58؛ 27: 8، 16. كما أن لوقا يستعمل عبارات أخرى أمام اسم العلم. وندهش حين نقرأ عبارة "المسمّى يهوذا" وكأننا نتعرّف إليه للمرة الأولى. فالقارئ قد عرف يهوذا (يوضاس) في 6: 16 (يهوذا الاسخريوطي الذي صار خائناً)؛ 22: 3 (يهوذا الملقّب بالاسخريوطي).
إذا قابلنا خبر لو مع مت ومر، نجده وكأنه يقلب الأدوار. فيجعل الفرقة في الواجهة. ولكن الفرقة في حدّ ذاتها، سوف تختفي فيما بعد كلياً من النصّ. وفي هذا القسم الأول نرى يهوذا وحده الذي يدنو إلى يسوع ليقبّله.
قال مت 26: 47: فإذا يهوذا (إيدو يوداس). وقال لوقا: فإذا الفرقة. إن استعمال "إيدو" بدون واو العطف (كاي) في خبر من الأخبار، يبدو نادراً في لو + أع. إن عبارة: "كاي إيدو" نجدها 26 مرة في لو، 8 مرات في أع، 27 مرة في مت. وتغيب كلياً عند مر وعند يو. إنها تقابل العبري "وهنه".
في الواقع، لا يختلف لوقا هنا اختلافاً جذرياً عن سائر الأناجيل. غير أنه يوجّه كل شيء إلى قبلة يهوذا: يقدّم على التوالي الفرقة، ثم يهوذا، وأخيراً فعلة يهوذا تجاه يسوع: دنا إليه ليقبّله. في هذه الآية، يؤكّد لو استقلاليته ويجعل من يهوذا قائد الفرقة. وهذا ما يقوله أيضاً بوضوح في أع 1: 16: "كان دليل الذين أوقفوا يسوع".
إذا عدنا إلى مرقس الذي تبعه متّى، نجد أن حضور يهوذا ودوره محدّدان في هذا الظرف بالذات: يجب أن تتعرّف الشرطة إلى يسوع. لهذا كانت القبلة الوسيلة لكي يوقفوا يسوع. قالت مر 14: 44: "وكان مسلمه قد أعطاهم علامة: الذي أقبّله هو هو، فأمسكوه وقودوه في احتياط" (رج مت 26: 48). لم يبقَ شيء من وظيفة يهوذا كدليل للفرقة عند لوقا. بل هو يسير في مقدّمة الفرقة ويوصلها إلى يسوع. الفعل هو "بروارخوماي"، سار أمام، قاد، سبق (1: 17، يوحنا). يبدو أن العبارة مطبوعة باللغة اللاتينية. وهذا ما دفع البعض إلى الحديث عن مرجع آخر عبر مر استعمله لوقا هنا. ولكن هذا الموقف بيدو ضعيفاً، لأن لو 22: 47 آ يتضمّن عشر ألفاظ مشتركة مع مر (تبقى 4 ألفاظ خاصة به).
وفعلَ لوقا مثل مر 14: 43 ومت 26: 47؛ فذكر أن يهوذا هو "أحد الاثني عشر". إيضاح مفيد في سياق يبرز فيه الجوّ الدراماتيكي والشعوري بشكل خاص. وهكذا نصل إلى قبلة يهوذا التي لا تفسّر إلا في اختلافة المخطوط البازي في نهاية آ 47 التي تستعيد بإيجاز مر 14: 44. ولكن يطرح السؤال: هل أعطى يوضاس حقاً قبلة لمعلمه في نظر لوقا؟ حين نفرأ النصّ نجد فقط أن يهوذا "اقترب" ليقبّله. هنا استعمل لوقا الفعل المجرّد (فيلاين، قبّل) ولم يستعمل المزيد (كاتافيلاين) كما في مر 14: 45. قد يكون لوقا أدرك إمالة عاطفية فاستعمل الفعل المجزد احتراماً لشخص يسوع. أما حين يتحدّث عن قبلة ترافقها عاطفة عميقة، فهو يستعمل الفعل المزيد. رج 7: 38، 45 (الخاطئة في بيت سمعان)؛ 15: 20 (الابن الضال)، أع 20: 37 (قبّلوا بولس).
نحن أمام أسلوب واضح خصوصاً حين نعرف أن هذا التفصيل (الذي أغفله لوقا، لم يقل "قبّله". لكن هناك اختلافة تحاول أن تنسّق بين نصّ لوقا وسائر النصوص، تقول: اقترب فقبّل يسوع) ليس منعزلاً في الخبر اللوقاوي عن الآلام. اعتبر لوقا هذه الفعلة مهينة ليسوع، فجعله يقطع حركة يهوذا بكلمة: "يهوذا، بقبلة تسلّم ابن الإنسان". قد نكون أمام جملة استفهامية: "أبقبلة تسلّم ابن الإنسان"؟ أو أمام النفي: "لا تسلّم بقبلة ابن الإنسان". إن بُعد العبارة ليس بواضح. فهي تستعيد عبارات تسجّلت في التقليد وردّدها لوقا كما فعل متّى ومرقس.
بدأ يهوذا بفعل، فأوقفه يسوع. لأنه رآه "يجدّف" على المحبّة التي تعبرّ عنها القبلة. وبدأ الابن الضال يلقي خطابه. ولكن والده أوقفه حين قال: "لا أستحقّ أن أدعى لك ابناً" (15: 21). بل هو ابنه ويبقى ابنه. "قال له يسوع" (22: 48 أ). هذا ما نجده في مت 26: 50 مع اختلاف بسيط في الترتيب.
"بقبلة تسلّم إبن الإنسان". رج 9: 22، 44؛ 17: 24- 25؛ 18: 31- 33؛ 22: 4، 26، 21، 22، 23، 25؛ 24: 7، 20. لا يفترق لوقا عن متّى ومرقس حين يستعمل "باراديدوناي" (أسلم) بالنسبة إلى آلام يسوع. ولقب "ابن الإنسان" يبقى حاضراً عند لوقا في منظار الآلام، بل يضاف في الخطبة الاسكتولوجية الأولى (17: 24- 25؛ رج مت 24: 27). وهكذا يدلّ لوقا على أهمية هذا اللقب في إنجيله.
نجد في جواب يسوع ليهوذا بديلاً عمّا أعلنه يسوع في جتسيماني في مر 14: 41: "هوذا ابن البشر يسلم إلى أيدي الخطأة". ولكن يمكن أن نتساءل: هل نحن في كلام يسوع ليهوذا أمام توبيخ يلوّنه "القرف" بغية التأثير على القارئ؟ أم نقرأ هذه العبارة السابقة للفعلة المشؤومة، وكأنها تحاول أن توقفها. أي: المحاولة الأخيرة لتبديل قلب يوضاس والمجيء به إلى التوبة؟ هناك من يستند إلى حدث اللص (23: 39- 43) ويأخذ بالرأي الثاني.
نحن ولا شكّ أمام حالتين مختلفتين. فلصّ الجلجلة قد قام بالعمل الحاسم الذي يلاقيه كلام يسوع الايجابي. أما يوضاس فلم يفعل شيئاً. غير أننا إذ أردنا أن نرى في كلمة يسوع إلى يهوذا آخر خشبة خلاص قبل الجريمة، فسوف نجد إشارات عديدة في إنجيل مليء بالرحمة وبالنداء إلى التوبة: 1: 77- 78؛ 5: 32 (ق مر 2: 17)؛ 6: 36؛ 7: 36- 50؛ 13: 1- 19؛ 15: 1- 32؛ 18: 9- 14. إن توجيه الكلام إلى الخائن باسمه، وهذه ظاهرة لوقاوية (7: 43؛ 19: 15؛ 22: 31؛ 23: 42؛ أع 5: 3؛ 9: 4، 10، 17، 43، 40؛ 10: 3، 13، 31؛ 11: 17؛ 22: 7، 13؛ 26: 14، 24)، يخلق في قلبنا شعوراً بأن يسوع أراد بكلامه إلى يوضاس أن يؤثّر على قلبه ويبعده عن الشّر.
وننهي هذا القسم بملاحظة حول قبلة يهوذا التي لم "تتمّ" بحسب لوقا. هذا ما يدخل في التفاصيل التي استبعدها لوقا لأنها تمسّ بكرامة يسوع. ففي النزاع لم يسقط يسوع على الأرض (رج مر 14: 35؛ مت 26: 39)، بل ركع ركوع المؤمنين وأخذ يصليّ (22: 41). ولم تُذكر قبلة يهوذا (22: 47). وتحدّث لوقا بسرعة عن توقيف يسوع وكأنه لم يوقف (22: 54)، كما تحاشى فعل "كراتين" (أوقف، أمسك) في حديثه عن يسوع. وفي مشهد الهزء بيسوع (22: 63)، كان موجزاً فألغى الحديث عن البصاق. لا يتّهم يسوع بأنه مجدّف بعد حكم السنهدرين (22: 71) كما في مر 14: 64 وقت 26: 65. وفي لوقا لا نرى يسوع مقيّد اليدين أمام بيلاطس (23: 1) كما في مر 15: 1. والجلد بيدو بشكل حيلة بارعة (23: 16، 22). وصمتَ لوقا فلم يتكلّم عن هزء الجنود الرومان بيسوع (رج مر 15: 16- 20؛ مت 27: 27- 31). ما تحدّاه أحد "بأن ينزل عن الصليب"، بل أن "يخلّص نفسه" (23: 35، 37، 39). وصرخته الأخيرة هي صرخة الاستسلام بين يدي الله (في يديك استودع روحي)، وهي بعيدة كل البعد عمّا في مر 15: 34 ومت 27: 46 (إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟).
2- ضربة السيف (22: 49- 51)
ظلّت قبلة يهوذا في غموض. ومع ذلك تابع الخبر مسيرته مع حدث ضربة السيف. ترد آ 49 دون أن يوازيها شيء في سائر الأناجيل، فتدّل على تدرّج في العمل بفضل العبارة اللوقاوية "وإذ رأوا". إن فاعل هذا الفعل هو مجموعة رفاق يسوع.
ترد عبارة "ايدونتوس دي" (إذ رأوا) 15 مرة في لو، 5 مرات في أع، 9 مرات في مت، 3 مرات في مر. ولا ترد بعد ذلك في أي سفر من أسفار العهد الجديد. أدخلها لوقا 5 مرات حين تبع مرقس. في 5: 12 (رج مر 1: 40): وإذ رأى يسوع. في 8: 34 (رج مر 5: 14): وإذ رأى الرعاة ما جرى. في 8: 47 (رد مر 5: 33): وإذ رأت المرأة. في 18: 24 (رج مر 10: 23): وإذ رآه يسوع. في 20: 14 (رج مر 12: 7): فإذ رآه الكرّامون. كما ترد هذه العبارة في السبعينية 12 مرة في تك، 4 في خر، رج أي 2: 12؛ 1 مك 4: 35. يجب أن لا نشدّد أكثر مما يجب على البعد الخاص بالنظر. قد نكون أمام وصلة بين مقطع وآخر. 
وهناك عبارة "هوي باري اوتون" (الذين معه). هي تدلّ على التلاميذ الذين تبعوا يسوع ساعة أوقفوه، وهم الذين سمّاهم لوقا بشكل واضح في 22: 39 (تبعه تلاميذه)، 45 (وجاء إلى تلاميذه). لم يذكر لوقا التلاميذ هنا لئلا ينسب إليهم عملاً "مضحكاً" لا يوافق عليه يسوع. أرادوا أن يدافعوا عن يسوع، وأي دفاع! وكانت نتيجته قطع اذن عبد عظيم الكهنة بشكل يخلو من البراعة، عمل لا يشّرف أولئك الذين حاول لوقا مراراً أن يبرّر موقفهم. فهو يعذرهم لأنهم كانوا نائمين ساعة كان يسوع في نزاعه. قال: "كانوا نائمين من الحزن" (23: 46). كما أن لوقا لم يذكر هربهم، وأغفل حلف بطرس ولعنه حين كان ينكر يسوع. وأخيرا ضمّ لوقا إلى النسوة الحاضرات إلى الجلجلة "جميع أصدقاء"، يسوع وجميع معارفه، فدلّ بذلك على الرسل (23: 49).
توقّع الرسل ما سوف يحصل. توقّعوا أن يُوقف معلّمهم، فتوجّهوا إليه وسالوه: "يا ربّ، أنضرب بالسيف"؟ نحن هنا أمام سؤال، لا أمام تحريض خفي يوجّهه التلاميذ إلى نفوسهم. ولكن السؤال ظلّ بدون جواب، بل إن أحد التلاميذ لا ينتظر الجواب، بل كال خادم عظيم الكهنة بضربة من سيفه فقطع "أذنه اليمنى".
نتوقّف هنا عند تفاصيل النصّ. "إسومنون" (ما سيجري). نجد اللفظة في 22: 49؛ أع 8: 27؛ 22: 5؛ 24: 11، 17؛ 25: 13؛ رج مت 27: 49؛ مر 11: 13؛ عب 13: 17. نجد في المخطوط البازي "غاتومنون" في المعنى عينه وهي تحاول أن تنسّق الحدث مع مت ومر اللذين يرويان كيف أوقف يسوع.
نجد هنا أداة "أي" كبداية خطبة مباشرة: هل؟ هذه طريقة سامية انتقلت إلى العهد الجديد بواسطة السبعينية. رج تك 17: 17؛ 44: 19؛ عا 3: 3، 6؛ 6: 12. إذا وضعنا جانباً مت 12: 10؛ 19: 3؛ مر 8: 23، لا نجد هذه الأداة في العهد الجديد إلا في لوقا (13: 23؛ 22: 49؛ أع 1: 5؛ 7: 1؛ 19: 2؛ 21: 37؛ 22: 25).
إن لفظة "كيريي، (يا ربّ) الموجّهة إلى يسوع خلال حياته على الأرض، نجدها 19 مرة في لوقا، ومنها 17 مرة غابت من مرقس. وفي المرتين الباقيتين، حوّل لوقا نصّ مرقس 5: 12 (ق مر 1: 40)؛ 18: 41 (ق مر 10: 51). إستعمل لوقا أيضاً 6 مرات "ابستاتس" ليتحدّث عن يسوع "على الأرض" في أع، تاركاً لفظة "كيريوس" للمسيح القائم من الموت.
"واحد من 9 مع المجرور كما في مر 14: 47، عبارة نجدها في السبعينية مراراً. كما استعمل لوقا مع متّى (26: 51) فعل "باتاساين" (ضرب، كال)، لا فعل "باياين" كما في مر 14: 47. فكان قريباً من السبعينية. في 22: 50 استعمل لوقا "اوس" وفي الآية التالية التصغير "اوتيون" (اذن). ولكن لا فرق بين الاثنين. وفي 5: 18- 19، استعمل "كليني" و"كلينيديون" (تصغير كليني) (الفراش). إن التفصيل عن "الأذن اليمنى" مشترك بين لوقا ويو 18: 10. يبدو أن الشخص الذي ضرب كان أعسر اليدين لكي يقطع الأذن اليمنى لهذا الخادم التعيس. غير أن هذه "الزيادة" الاخبارية توافق فعلة يسوع الذي يعمل عادة بيده اليمنى: كان الجريح أمامه فشفى له بسهولة أذنه اليمنى.
وانفتح فراغ جديد في خبر يعفي يسوع من اتخاذ موقف، مع أنه يفهمنا أن ما فعله هذا التلميذ لقي عنده موافقة خفيّة. ولكن، إن كان سمح به، فهو سيوقف حالاً ما يمكن أن يليه. عرف لوقا تقليد ضربة السيف، ولم يجد من المناسب أن يغفلها. ففعل مثل متّى: حاول أن يستعملها في أفضل الظروف. فلا شيء يتتم دون أن يقررّه يسوع. وضربة السيف تدخل في عداد ما قرّره. غير أن يسوع لم يوافق. وإن تركه يتمّ فهو سيوقفه حالاً لأنه يكره كل عنف. أما العبارة الخاصة التي يستعملها فتعني حرفياً: "اترك (هذا أو هذه) (تكون، تسير) حتى الآن". لم نجد حتى الآن عبارة مثل هذه العبارة في كل العالم اليوناني. غير أن الاطار الذي وقعت فيه يوضحها. ثم إنها تجد ما يوازيها في 22: 38 حيث تبدو عبارة "هيكانون استين" (كفى) واضحة. "يكفي الآن، لا تكمّلوا".
وهكذا رفض يسوع كل دفاع من أجله يتوسّل العنف. ما يحدث الآن قد أراده الله، وأراده يسوع نفسه. ثم إن الذي كرز في الماضي بتصرف يتّصف بالوداعة واحتمال جميع الناس (6: 27- 35)، لا يوافق على استعمال طرق مغايرة من أجل الدفاع عنه، مع العلم أن لوقا يقدّمه لنا نموذجاً خلال آلامه (صلاته، غفرانه، نسيانه لذاته وتفكيره بالآخرين).
إن هذا التعليم يرتبط "بعظة السهل" (تقابل عظة الجبل في كما 5- 7) في 6: 17 ي. بل يرتبط بالاحرى هنا، بهذا المشهد الخاص بلوقا الذي نقرأه في نهاية الحوار بين يسوع وتلاميذه: لما يفهم التلاميذ (لم يذكرهم لوقا هنا. "قالوا") شيئاً، ففسّروا تفسيراً مادياً ولا معنى حرفي كلمة يسوع، وقدّموا نفوسهم للدفاع عنه قائلين: "يا رب، إن ههنا سيفين". نحن أمام استعداد متهوّر ومضحك، شبيه بالتدخّل الذي تلاه على جبل الزيتون. رفض يسوع هذين التدخّلين، ساعة تحدّثوا عن سيفين، وساعة ضرب أحدهم بالسيف. وجاء التعليم في الحالتين هو هو: لا يريد يسوع "سيوفاً" حتى من أجل الدفاع عن نفسه (وعن كنيسته).
واهتمّ يسوع بأن يتابع ممارسة الرحمة التي عاشها طوال حياته. وهكذا تفرّد لوقا فروى لنا كيف شفى يسوع الجريح بلمسة عجائبية (لا يحدّد لوقا العمل بالتفصيل). أما هكذا كان يفعل مع المرضى خلال نشاطه في الجليل، وخلال سفرة قادته إلى أورشليم وتخوم المدينة المقدسة (18: 35- 43)؟ وهكذا أعطى في ذاته مثالاً لما يفرضه على تلاميذه. أما كان قد قال لهم: "أحبوا أعداءكم، أحسنوا إلى من يبغضكم" (6: 27)؟
ونعود هنا إلى بعض التفاصيل. "لمس" يسوع كما فعل في 7: 14 (لمس النعش) و 18: 15 (قدّمو إليه الأولاد ليلمسهم). وقد يلمسه الآخرون. يلمسه الشعب لأن قوة كانت تنبعث منه (6: 19). ولمسته الخاطئة (7: 39) في بيت سمعان الفريسي. ولمسته النازفة فوقف في الحال نزف دمها (8: 44- 54، 47). ويرد فعل "شفى" (يستاي) مرة في لو، 4 في أع. والاسم "ياسيس" يرد في 23: 32 (أجري الاشفية)؛ أع 4: 22، 30. حين يتحدّث لوقا عن شفاء عبد رئيس الكهنة، تزيد اختلافة في المخطوط البازي: "مذ يسوع يده ولمسه، فعادت أذنه صحيحة" (رج 6: 10؛ مر 3: 5).
3- كلام يسوع إلى السلطات اليهودية (22: 52- 53)
وجاءت مقدّمة (آ 52) دوّنت في أسلوب لوقاوي فأعلمتنا أن السلطات اليهودية لم ترسل جنودها (كما نجد في سائر الأناجيل)، بل ذهبت هي بنفسها لتقبض على يسوع. تفرّد لوقا فاتخذ هذه المبادرة الجريئة. نجد هنا "السنهدرين". وتتحوّل اللوحة بعض الشيء حين نجد "قادة حرس الهيكل" بدل الكتبة (9: 22؛ 20: 1؛ 22: 66). فكأني بالمجلس الأعلى صار أداة حربتة جاء به لوقا إلى المكان الذي قبض فيه على يسوع، من أجل هدف وضعه أمامه.
تبدو آ 52 خاصة بلوقا كما قلنا. فعبارة "إيبان دي" لا توجد إلا في لوقا (59 مرة في لو مع تحويل نصّ مرقس 13 مرة؛ 15 مرة في أع. رج يو 12: 6). وهناك فعل قال مع "برولس" (له) الذي لا نجده عند مت ومر، بل نجده 100 مرة في لوقا (مع 29 مرة في تحويل نصّ مرقس) و49 مرة في أع (20 مرة في سائر أسفار العهد الجديد).
أوقف "الرؤساء" يسوع. هذا ما حدث لاسطفانس أيضاً (أع 6: 11- 12). لم يوقفه "الشعب" بل "الشيوخ والكتبة". نشير هنا إلى أن عبارة "قوّاد الهيكل" لا نجدها إلا في 22: 4، 52؛ أع 4: 1؛ 5: 24، 26. 
إن الخطبة التي يوجّهها يسوع إلى هذا المجلس الرفيع تشبه (ما عدا في القسم الأخير) إلى حدّ بعيد ما نقرأ في مر 14: 48 ب- 49 الذي استلهمه لوقا بدون شكّ. غير أن الاختلافات عن مرقس لها مدلولها العميق.
إذا كان لوقا قد جعل يسوع يلوم سامعيه لأنه حملوا السيوف والعصي، وكأنهم جاؤوا يمسكون لصاً، وهذا ما لا يليق بالكتبة والشيوخ، فقد فرض عليه هدفه الخاص بأن يلغي هنا هدف هذه الهجمة التي تتوخّى القبض على يسوع. فقد جعل فعل "سيلمباناين" جانباً ليستعمل في 22: 54 (ألقوا القبض). فهم لا يقبضون على يسوع (ق مر 14: 53: إقتادوه) إلاّ بعد أن يقول ما أراد أن يقوله.
ذكر لوقا إقامة يسوع في الهيكل، وسهولة القبض عليه من قبل السلطات ولا سيّما قواد الهيكل. ولم يذكر التعليم الذي كان يعلنه في الماضي في هذا المكان، كما فعل مر 14: 49 (كنت في الهيكل أعلّم)؛ مت 26: 55. لماذا أغفل لوقا هذه الأمور؟ هل هو أمام مرجع غير مر؟ بل قد أراد أن يتجنّب التكرار. فقد سبق له وذكر مرّتين وفي الألفاظ عينها هذا التعليم (19: 47؛ ق مر 11: 18؛ لو 21: 37: ليس لهذا المقطع ما يوازيه). وهكذا بدا له هذا الموضوع جانبياً فاكتفى بإشارة إجمالية إلى الإقامة في الهيكل. هناك، كان باستطاعة أعدائه أن يقبضوا (يضعوا اليد) عليه. لا شكّ لا أن لوقا تذكّر مر 14: 46 (ألقوا الأيدي وأمسكوه). ولكنه احتفظ بعبارة كتابية كما فعل في 20: 19 (ق مر 12: 12) و21: 12 (لا نجد ما يوازي هذا المقطع). وضع مرقس "كراتاين" (أوقف، سجن، رج مت 26: 4، 48، 50، 55، 57). وطبّق لوقا الفعل على القديس بولس (أع 24: 6). ولكنه لم يستعمله أبداً في معرض حديثه عن يسوع، احتراماً لشخص يسوع وبالتالي لتلاميذه الذين أشركهم يسوع مسبقاً في مصيره (21: 12: سيلقون الأيدي عليكم).
فيسوع ما زال حراً حتى الآن. وهو بحرّية تامة يسمح لهم بأن يلقوا الأيدي عليه، ساعة تأتي ساعتهم وقدرة الظلمة. وهي ستأتي قريباً. إن هذه الجملة الخاصة بلوقا تحلّ محلّ التلميح إلى تتمة الكتب، كما نقرأ في مر 14: 49 ب (لكي تتمّ الكتب) أو في مت 26: 56 أ (تتمّ كتب الانبياء). أعاد متّى كتابة الجملة، فما عاد إلى نصّ محدّد. فقدّم لوقا جملة موازية هي مثال عن أسلوبه الاسكاتولوجي الذي يكفل أع 26: 18 المرجع الذي أخذت منه، فيحدّد الهدف لرسالة بولس: "أن يفتح عيون (الشعب الإسرائيلي والشعوب الوثنية) ويعيدهم من الظلمة (ابو سكوتوس) إلى النور، ومن سلطة (اكسوسيا) الشيطان إلى الله" (رج لو 1: 79؛ 2: 32).
في 22: 53 ج (ولكن هي الآن) جاءت عبارة بارزة فأقامت رباطاً مع السياق. فيسوع لن يُوقف إلا بعد خطبته. حتى الآن، لم يمسكه أحد. وإذا أراد أعداؤه أن يصلوا إلى مبتغاهم، وجب عليهم أن ينتظروا أن يقول لهم: لقد حل الوقت وهذه ساعتهم من أجل العمل (قد تكون لفظة ساعة ارتبطت مع مر 14: 35- 41). ولكن لا يضلّوا نفوسهم: إنهم أدوات بين يدي إبليس. وهذا ما نعرفه منذ زمن بعيد. قُهر الشيطان في وقت من الأوقات بعد أن حمل يسوع إلى جناح الهيكل. ولكنه استعدّ ليأخذ بثأره (4: 13). وقد اتَّخذ هذا الثأر شكله مع يهوذا الذي دخل فيه إبليس (22: 3)، والذي حرّك بعمله دراما الآلام كلها. وعملت القوى الشيطانية في الآلام، وضاعفت عملها في هذه المحاكمة التي بها يرتبط خلاص البشر (رج 1 كور 2: 8). فاليهود والرومان، الشرطة ويهوذا التلميذ الخائن، لا يستغنى عنهم. ومع ذلك، إنهم في قبضة قوة هائلة قد قرّر الله أن يقضي عليها (هذا ما نجده في يو 13: 2- 27).
لقد نبّه الكاتب القارئ من كل تفسير دنيوي لما حدث ولما سيحدث. لهذا، فهو يستطيع الآن أن يتحدّث عن القبض على يسوع. تحدّث مر 14: 50 ب ومت 26: 56 ب عن هرب التلاميذ. أما لوقا فلم يقل شيئاً في هذا المجال، لأنه أراد أن يقدّم للقارئ صورة رفيعة عن مجموعة التلاميذ، بانتظار أن يجعلهم حاضرين مع النسوة عند صليب المخلّص (23: 49).
4- قبضوا عليه وقادوه (22: 54- 55)
في لو 22: 54- 61 يتميّز ترتيب الأحداث عمّا في مت ومر. لقد رويا على التوالي مثول يسوع في الليل أمام السنهدرين، ومشهد الهزء، وإنكار بطرس. أما لوقا فبدأ بنكران بطرس ثم الهزء بيسوع. وترك إلى الصباح مثول يسوع أمام المجلس الأعلى.
لماذا اختار لوقا هذا الترتيب؟ لأنه أراد كعادته، أن يجعل في مجموعة واحدة ما يتعلّق بشخص من الأشخاص (مثلاً، يوحنا المعمدان، 1: 5- 80؛ 3: 1- 20) أو بموضوع من المواضيع. أما مرقس فأدخل القارئ في خبر الانكار قبل مشهد السنهدرين، فجعل بطرس في قصر عظيم الكهنة.
إذن، جعل لوقا يسوع يمثل أمام المحكمة العليا في الصباح. ما الذي حدث بين وصول يسوع إلى بيت عظيم الكهنة والحكم عليه؟ أولاً، إنكار بطرس ليسوع الذي جعله لوقا يمتدّ في الزمن (22: 59). ثم كان الهزء بيسوع الذي امتدّ حتى الصباح (22: 65). هكذا دلّ لوقا على أن يسوع الذي عُذّب وأهين ظلّ هادئاً أمام القضاة. وهكذا قدّم لوقا درساً للمؤمن في ساعة المحنة.
عاد لوقا إلى نسخة مرقس في معرض سرده لإنكار بطرس ليسوع. ولكنه قام ببعض التحويلات الخاصة: ذكر مرة واحدة صياح الديك، وأعطى دفعاً للعاطفة عند القارئ دون المساس بشخص بطرس.
إذ أراد لوقا أن يقول إن يسوع أوقف، تذكّر الكلمة التي قالها يسوع للفرقة في مر 14: 48 ب (خرجتم على لصّ بسيوف وعصي). دوّنها في 22: 52 ب، وحذف منها اللفظتين الأخيرتين. فيسوع في نظره لم يوقف (لم يقبض عليه) بعد. أما الآن، فقد تمّ توقيفه. بعد هذا يتبع لوقا مر 14: 53 أ (وذهبوا بيسوع إلى رئيس الكهنة) فيقول إنهم أخذوا يسوع إلى "بيت" رئيس الكهنة. فاجتماع المجلس (ق مر 14: 53 ب) يتمّ في الصباح. أما الان، فالانتباه مسلّط كله على شخص بطرس وتصّرفه. نعرف هنا (كما في مت ومر) أنه تبع "من بعيد" يسوع الذي قبض عليه. هو لم يتخلّ عنه. وكذلك الرسل العشرة الباقون الذين لا يقول لنا لوقا إنهم هربوا.
وهكذا يجعلنا لوقا في دار بيت عظيم الكهنة. فيصوّر لنا الإطار الطبيعي والاشخاص الحاضرين. وفي النهاية يصل إلى بطرس. أشعلت نار في وسط الدار، وتحلّق الخدم حولها يستدفئون. وها هو بطرس "في ما بينهم". لقد صار كل شيء جاهزاً من أجل بداية الحوار بين بطرس والجارية... وهكذا نستعد لفصل آخر عنوانه: نكران بطرس للمسيح.
الفصل السابع والعشرون
نكران بطرس للمسيح
22: 56- 62

نقرأ خبر نكران بطرس ليسوع في الاناجيل الاربعة. فهذا الخبر كان دوماً جزءاً من رواية الآلام. ويتّفق الإنجيليون الأربعة على نكران بطرس المثلّث وعلى بعض تفاصيل بسيطة. ولكنهم يختلفون أيضاً في أمور مهمة أو أقلّ أهمية. فخبر مرقس مثلاً يفترق عن الثلاثة الآخرين في أنه يربط نكرانات بطرس الثلاثة بصياح الديك مرتين. كيف نفسّر هذا التفصيل؟ لهذا، سنقوم بتحليل نقدي لخبر مرقس، ونتفحّص الأخبار الموازية التي تساعدنا على إلقاء الضوء على خبر مرقس كما على التعبير عن التقليد المتعلّق بنكران بطرس.
1- تحليل نقدي لخبر مرقس (14: 66- 72)
أ- الانكار الأول (أ 66- 68)
نجد في هذه الآيات خبراً حياً عن أول نكران. وجَّهت فجأة خادمةٌ إلى بطرس الكلام، بعد أن رأته معنياً في قضية يسوع الناصري. فتهرّب بطرس في الحال وقال: "لا أعرف. لا أفهم ما تقولين". ولكنه لم يحسّ نفسه في أمان. فابتعد وكأنه يريد أن يكذّب بابتعاده ثقتَه بنفسه عندما تكلّم.
هنا نلاحظ آ 68 ب: ومضى نحو الخارج: تحوّل من مكان إلى آخر. وحين قال مرقس إن بطرس خرج نحو الخارج، فهو يعني أن بطرس ذهب إلى الرواق حيث داخل في البداية وبدأ يصطلي (آ 54). هذا هو معنى العبارة. وقد استعملها متى في الانكار الثالث، ليقول لنا إن بطرس خرج من الرواق، مسرح خطيئته (مت 26: 75). ولكن بعد النكران الأول (مر 14: 68 ب) لم يكن لهذه الكلمات معناها الطبيعي، لأن بطرس لم يخرج بعد حقاً. ثم هناك عبارة "إلى الدهليز" أو الرواق. نحن هنا أمام إشارة تحاول أن تصحّح التي سبقتها، بل تعارضها. بما أن بطرس (حسب الخبر الذي يلي) لم يزل في متناول الناس الذين كان يصطلي معهم في الدار، فهذا يعني أنه لم يخرج. لم يصبح خارج الكنيسة رغم خطيئته. ظلّ في الدار، على الباب، مثل الخطأة التائبين في بداية الكنيسة.
وتتضمّن آ 68 أيضاً صعوبة أخرى: هل انتهت مع عبارة "فصاح الديك"؟ أم أن هذه العبارة لم تكن موجودة. الأمثولتان تجدان من يسندهما في المخطوطات. الاسكندراني والافرامي والبازي واللاتينية العتيقة والشعبية تحتفظ بالعبارة (فصاح الديك). ويغفلها السينائي والفاتيكاني والباريسي (19، القرن 8) والسريانية السينائية والصعيدية والبحيرية. لماذا أغفلت؟ إما لأن الامر ليس بمعقول. وإما تمشياً مع سائر الاناجيل التي تحمل أول صياح للديك بعد النكران الأول. ولماذا أبقي عليها؟ بسبب تنبؤ يسوع في 14: 30 (قبل أن يصيح الديك مرتين، تنكرني ثلاث مرات) الذي تذكّره مرقس في آ 72: "فتذكّر بطرس الكلام الذي قاله له يسوع: قبل أن يصيح الديك مرتين، تنكرني ثلاث مرات".
ولكن من أين تأتي لفظة "ديس" (مرتين)؟ لسنا متأكّدين من وجودها في آ 30 ولا في آ 72. وهنا يتوزّع الشهود مرة أخرى. في آ 30، جعلت "ديس" تارة قبل "الديك" وطوراً بعد "الديك" ويغفلها السينائي والافرامي والبازي والحبشي والأرمني. ونجد الاختلاف عينه في التقليد النصوصي مع تذكر "نبوءة" يسوع في آ 72. ويتجاهل شهود لفظة "ديس" في آ 68 و72، ويلغون صياح الديك في آ 68. وهكذا يصبح نصّهم شبيهاً بنصوص الأناجيل الأخرى. وهناك شهود (الفاتيكاني، الباريسي) يلغون صياح الديك الأول في آ 68 ويحتفظون بلفظة "ديس" في آ 30 و72. هذا يعني أنهم لم يكونوا منطقيّين مع أنفسهم: في آ 68، تبعوا النص الموازي في مت والانجيلين الآخرين. غير أن "ديس" كان مجذَّراً في نص مر 14: 30- 72، فلم يتجاسروا على إغفاله.
ماذا نستنتج من كل هذا؟ كان النص صعباً وقد قاوم التقليد الجاري الذي يدعو إلى إلغائه. لهذا فإن "ديس" (مرتين) هي عنصر حقيقي في نبوءة يسوع في انجيل مرقس. وهذا ما اقتنع به ناشرو العهد الجديد فأخذوا به في نصّهم. وبعد هذا، انتمت عبارة "وصاح الديك" (آ 68 ب) إلى النصّ ويجب أن نحافظ عليها (مثل هذه العبارة تُلغى ولا تُزاد). وهذا ما نجد إثباتاً له في عبارة آ 72: "صاح الديك ثانية".
حاول عدد من الشّراح أن يفسرّوا "ثانية" كما فسّروا "مرتين" في آ 30 و72 بحيث برّروا التقليد الجاري الذي لا يعرف إلا صياحاً واحداً للديك مع نكران بطرس ليسوع. فهم يرون أن "الصياحين" في خبر مرقس والملحق في آ 72 تدلّ على إدراك خاطئ لتنبؤ يسوع في آ 30 و72. حين قال يسوع ما قال، لم يفكّر في صياحين للديك يتعاقبان في مهلة قصيرة، بل في صياحين للديوك، واحد عند منتصف الليل والآخر عند الساعة الثالثة (يدلاّن على بداية الهجعة الثانية ونهايتها. لهذا سمّيت باسم الديك في اليونانية). إذن (بحسب رأيهم)، أراد يسوع أن يقول لبطرس: هذه الليلة، وقبل نهاية الهجعة المسماة "هجعة الديك"، ستنكرني ثلاث مرات. أو ربما يكون يسوع أعطى إشارة زمنية بسيطة ففهمها مرقس على حرفيتها.
ولكن لا بدّ من الإقرار بأن كل شرح من هذا النوع يعارض المعنى الأول للكلمات في خبر مرقس. فمتى ولوقا، والنساخ الذين جعلوا نص مرقس مثل نصّيهما، تركوا "ثانية" و"مرتين" لأنهم فهموهما في المعنى الحرفيّ. إن خبر مرقس (وهذا ما سوف نلاحظه) يفترض هذا المدلول الحرفيّ وواقعيّة صياح الديك مرتين. فبدلاً من أن نلغيهما، يجب أن نتساءل من أين جاءا. ونلاحظ أولاً أن آ 66- 68 هي خبر إنكار. كانت الخادمة في رواق بيت عظيم الكهنة. وجّهت كلامها إلى بطرس فأعلن بقوة أنه لا يعرف يسوع. وما إن خرج من الدار حتى صاح الديك.
ب- الإنكار الثاني (69- 70 أ)
ليس من السهل أن نفهم كيف يتواصل خبر الإنكار الثاني مع خبر الإنكار الأول. فالخادمة كانت السبب في الإنكار الأول (آ 66). ولكن كيف استطاع مرقس أن يكتب: حين رأت الجارية بطرس؟ هذه العبارة هي في مكانها مع آ 67. أما هنا فهي تدهشنا. فلماذا وجب على هذه الخادمة أن تراه من جديد، بعد أن رأته مرة أولى وتفحّصت وجهه (آ 67) ورأته يخرج؟ وإن قيل أن نظر الخادمة التقى بنظر بطرس في الدهليز (آ 68)، نتساءل أيضاً عن معنى هذا الخروج الذي ليس بخروج، لأنه لم يحمِ بطرس من النظرات الفضولية والأسئلة الحرجة. فكأني به لم يخرج. إنه ما زال قريباً من الناس الجالسين حول النار بحيث يجيب على ملاحظة تتوخه إليهم لا إليه، وهكذا ينكر معلّمه مرة ثانية (آ 70 أ)، في هذه المرة، ظلّ بطرس محلّه وتحدّى الخادمة والآخرين. نحن نفهم هذا الموقف كما نفهم خروج بطرس في آ 68، إن كان هناك من خروج حقيقي.
ج- الانكار الثالث (آ 70 ب- 71)
يفترض خبر الانكار الثالث أيضاً أن الخروج في آ 68 لم يحصل، وأن بطرس ما زالت حاضراً وسط الناس المتحلّقين حول النار، وأن ملاحظة الخادمة جعلت الانتباه يتحوّل إليه. حسب ست 26: 73، عرف الحاضرون أن بطرس هو جليلي من لهجته. وهذا يفترض أن بطرس شاركهم في الحديث، إلا إذا كانت الكلمات التي تلفّظ بها في الإنكار الأول أو الإنكار الثاني، قد كفت لتجعلهم يقدّمون هذه الملاحظة. مهما يكن من أمر، تبدو هذه الملاحظة طبيعيّة إذا كان بطرس قد لبث بينهم (لا إذا كان قد ابتعد عنهم). هوجم بطرس فرد على الهجوم بقوة وأسند "تصريحه" إلى اللعن والحلف.
د- النتيجة (آ 72)
"وفي الحال". سقطت هذه العبارة من مخطوطات عديدة. ولكن بما أن هذه المخطوطات تضمّنت في أكثريتها أول صياح للديك (آ 68)، ظنّ النسّاخ أن هذه العبارة مع عنصر المفاجاة ليست في مكانها هنا. كير أن متى ولوقا قرأا عبارة من هذا النوع في "نسخة مرقس" التي وصلت إليهما. لهذا نحافظ على العبارة فنقرأ: "وفي الحال صاح الديك ثانية".
يرى مرقس أنه رغم صياح الديك الأولى، أشار الصياح الثاني إلى تتمّة نبوءة يسوع حالما حصل الإنكار الثالث. ولفظة "ثانية" هي في مكانها في خبر يعرض مرتين صياح الديك. سقطت هذه اللفظة في شهود لا يعرفون صياح الديك الأول في آ 68 (السينائي مثلاً)، ولكنها تتوافق مع ما في خبر مرقس من أصالة. ونلاحظ أخيراً أن مرقس لم يقل إن بطرس خرج بعد الإنكار الثالث (إنه لأمر طبيعي، وهذا ما يقوله مت 26: 75) لأنه سبق وقاله في آ 68. ولكن ليس من المعقول أن يكون بطرس قد طفق يبكي في الدار أو في الدهليز وذلك بمرأى من الجميع.
د- عودة إلى آ 68
وها نحن نعود إلى آ 68 ب ج التى قد تحتوي سّر تأليف خبر مرقس. فالانجيل الثاني يربط وحدة الانكار المثلث بصياحين للديك. إن آ 66- 68 (كما قلنا) تشكّل وحدها خبراً مقتضباً ولكن حيّاً لإنكار بطرس ليسوع ينتهي بهذه الكلمات: "ومضى إلى الخارج، فصاح الديك". ولكن لو خرج في تلك الساعة لمَا كان بالإمكان أن نروي إنكارين آخرين. لهذا أقحم مرقس عبارة "إلى الدهليز" بعد أن قال: ومضى نحو الخارج. ظلّ بطرس قريباً "من التجربة" رغم خروجه. وهذا ما خلق صعوبات من أجل فهم آ 69- 72.
أراد لوازي أن يكتشف "النص الأبسط" الذي اعتبر أن مرقس حوّر فيه، فاقترح بأن يُلغى ذهاب بطرس (الذي لم يذهب) وصياح الديك (آ 68). حينئذ تصبح ملاحظة الخادمة الثانية طبيعية: أولاً، وجّهت السؤال. تهرّب بطرس، فتوجّهت حالاً إلى الحاضرين الذين كانوا قرب النار وقالت لهم: كان منهم. ولكن هل نستطيع أن نلغي خروج بطرس؟ كلا. فمرقس قد قرأ هذا الخروج في المرجع الذي وصلى إليه. وزاد "نحو الدهليز" ليستطيع أن يروي الإنكارين الثاني والثالث اللذين عرفهما في مرجع آخر.
وها نحن نقدّم الفرضية التالية: إن خبر الإنكار في انجيل مرقس هو حصيلة دمج تقليدين يتطرّقان إلى نكران بطرس ليسوع. نجد الأول في آ 66- 68 والثاني في آ 69- 72. القرابة بين التقليدين واضحة: كلاهما حدثا في رواق عظيم الكهنة. كلاهما عرفا الدور الذي لعبته الخادمة، كما عرفا صياح الديك. قبل أن نتفحّص بُعد هذه الخاتمة بالنظر إلى تأليف خبر مرقس، نتفحّص سائر الاناجيل التي تروي ثلاثة إنكارات وصياح ديك واحدا، ونتساءل عن علاقتها بإنجيل مرقس.
2- الأخبار الموازية
أ- خبر متى (26: 69- 75)
إذا ألقينا نظرة إجمالية إلى الإنجيل الأوّل، رأينا أن مت 26: 69- 75 تبع بشكل أمين جداً خبر مرقس، وصحّح الأمور التي بدت صعبة. قرأ بلا شك "وخرج في الدهليز" أو نحو الدهليز (مر 14: 68 ب)، ولكنّه خفّف العبارة فجعلها في جملة اسمية: "وإذ كان خارجاً في الدهليز، نحو الباب". وهكذا احتفظ بعبارة "ذهب إلى الخارج" لخروج بطرس الحقيقي بعد الانكار الثالث (آ 75). أحسّ متى بالصعوبة فلم يقل كما قال مر 14: 69. إن الخادمة التي دفعت بطرس إلى إنكاره الاول رأت بطرس، بل حدّد: "رأته جارية أخرى" (آ 71). واعتبر أن الناس الذين كانوا حول النار لم يكن باستطاعتهم أن يوجّهوا كلامهم إلى بطرس (الذي خرج نحو الدهليز) إلا إذا اقتربوا منه (آ 73). لم يورد متى أول صياح للديك (مر 14: 68) بدا له هذا الأمر غير معقول فصحّحه محتفظاً بالانكارات الثلاثة: إذا افترضنا أن متّى عرف المراجع التي استقى منها خبر مرقس، فهو لا يرتبط إلا بخبر مرقس لكي يروي نكران بطرس ليسوع.
ب- خبر لوقا (22: 56- 62)
تبع لوقا خبر مرقس، ولكنه بدا أكثر تحرّراً من متى. حوّل بعض الألفاظ، وأبرز التسلسل في الانكارات الثلاثة. محا كل أثر لخروج بطرس "الاول" (مر 14: 68 ب). وأحلّ محلّ التدخل الثاني للجارية (مر 14: 69) تدخَّل رجل (لا امرأة) (22: 68 ب). وهكذا نجد في خبر لوقا إنكاراً مع امرأة، وإنكارين أمام رجل. هذان الانكاران هما مهمّان لأن شهادة الرجل مقبولة في المحكمة لا شهادة المرأة. ثم إننا أمام شاهدين. فكيف يستطيع بطرس أن ينكر ما فعله؟
ما أراد لوقا أن يزيد شيئاً على الانكار، فترك جانباً الحلف واللعن (مت 27: 72، 74؛ مر 14: 71)، وهذا ما يوافق ميله إلى التخفيف من قساوة مرقس ضدّ الرسل: مثلا، ترك "إذهب يا شيطان"، رج مر 8: 32- 33؛ مت 16: 22- 23؛ ترك سؤال ابني زبدى، رج مر 10: 32- 33. لم يذكر هرب التلاميذ. أما الاشارة المهقة في خبره فنقرأها في 22: 61: "إلتفت الرب ونظر إلى بطرس". هكذا اعتاد أن يضيف عبارة مؤثرة فيجعل الخبر دراماتيكياً (7: 12: ابن وحيد لأمه؛ 8: 42: لأن له ابنة وحيدة؛ 9: 38: إنه وحيدي).
إذن، يبدو أن لوقا أخذ من مرقس خبر الإنكار المثلث.
ج- خبر يوحنا (18: 15- 18، 25- 27)
روى يوحنا هو أيضاً إنكارات بطرس الثلاثة وأتبعها بصياح الديك (18: 15- 18، 25- 27). تميّز بالحديث عن التلميذ الآخر المعروف من رئيس الكهنة والذي أدخل بطرس إلى الرواق (آ 15). إن الخادمة التي سبّبت الإنكار الأول هي البوّابة العاملة في بيت عظيم الكهنة (آ 16- 17). والشخص الذي طرح على بطرس سؤالاً فأنكر يسوع للمرة الثالثة، هو قريب لذاك الذي قطع بطرس أذنه ساعة توقيف يسوع (آ 26). إعتاد يوحنا أن يسمّي الأشخاص: فالتلميذ الذي قطع أذن عبد رئيس الكهنة هو بطرس (18: 10). والمرأة التي مسحت يسوع بالطيب هي مريم أخت مرتا (12: 3). والذي احتجّ على هذه الفعلة كان يهوذا (12: 4- 5). وهكذا فعل يوحنا هنا، فقال: "نسيب الذي قطع سمعان بطرس أذنه" (آ 26).
تماشى خبر يوحنا مع خبر لوقا، فجعل النكرانين الثاني والثالث أمام رجلين. 
وهكذا يبدو يوحنا أميناً لتقليد النكران المثلث الذي برز بشكله الأول في الانجيل الثاني.
د- الاستنتاج
ماذا نستنتج من هذا العرض لأخبار موازية لخبر مرقس؟ إذا افترضنا أن متى عرف مراجع مرقس، إلاّ أنه فضل خبر مرقس على سائر الأخبار القديمة. وكذا نقول عن لوقا. لماذا تركز خبر النكران المثلّث في التقليد الانجيلي، بينما ألغي صياح الديك من مت، لو، يو، وقاوم عوامل قاسية حاولت أن تلغيه من مر؟
نستطيع أن نقول للوهلة الأولى إن خبر الانكار المثلّث قد فرض نفسه، لا مراعاة للدقة التاريخيّة وحسب، بل لأنه يدلّ على واقع نكران بطرس ليسوع بشكل لا يقبل الشكّ. سنعود إلى هذه النقطة فيما بعد. ولماذا ألغي صياح الديك الاول؟ الجواب: كيف سمعه بطرس ولم يَتُب حالاً؟ في مرقس، تصرّف بطرس وكأنه لما يسمع صياح الديك. وإذا كانت الدموع هي ردّة الفعل المباشرة على صياح الديك (في التقليد، رج مر 14: 72: وأخذ يبكي؛ مت 26: 75: فخرج وبكى بكاء مراً؛ لو 22: 62: فخرج وبكى بكاء مراً)، نفهم أن يكون متى ولوقا قد أغفلا صياح الديك الأول الذي لم يعطِ أية نتيجة.
3- التقليد ومعنى خبر مرقس
إذا كان مرقس استعمل تقليدين قديمين لكي يؤلّف خبره، فوضعُه لا يختلف جوهرياً عن وضع متى ولوقا. وإذا كان مرقس قد دوّن خبر نكران بطرس مستعيناً بتقليدين سابقين (يمكن أن يكونا قد دوّنا أو ظلاّ على المستوى الشفهي)، فوجودهما مهم لمن يريد أن يصدر حكماً على القيمة التاريخية لهذا التقليد. فقد عارضه غوغيل الذي لم يؤمن بتاريخية نكران بطرس ليسوع، وتبعه بولتمان. ولكن نتيجة دراستنا تعارض هذا الرأي. فخبر إنكار بطرس، وإن يكن ثانوياً، يعود إلى تقليد قديم عرفه مرقس في شكلين مختلفين.
أ- خبر بطرس في التقليد
نجد الشكل الأولى في مر 14: 66- 68 (بدون "نحو الدهليز" ومع "صاح الديك") فبدا بسيطأ جداً ولم يُورِد إلاّ إنكاراً واحداً سبّبته جارية. والشكل الثاني جاء موسّعاً فزاد على الإنكار الأول إنكاراً ثانياً هو جواب بطرس على الحاضرين الذين "هاجموه" (آ 69- 72). تحدّث لوقا ويوحنا عن رجلين. ولكن يبدو أن خبر مرقس (الجارية) هو أقدم. ومهما يكن من أمر، نحن نعلم أن خبر مرقس لم يولد من لا شيء. لهذا يبدو من الصعب أن ننكر تاريخيّة نكران بطرس ليسوع.
ويبدو أن خبر بطرس لعب دوراً حاسماً في التقليد المتعلِّق بنكران بطرس. لقد ألّف بطريقة محيرّة، وبدا في شكل غريب. ضمّ مرقس تقليداً إلى تقليد، فخلق خبراً جديداً يتضمّن ثلاثة انكارات وصياحين للديك، وذلك حسب "نبوءة" يسوع: قبل أن يصيح الديك مرتين، تنكرني ثلاث مرات (مر 14: 30، 72).
ألّف مرقس خبره فأراد أن يكون أميناً لشخص يسوع ورسالته. لم يخضع لاهتمام تاريخي، بل لمتطلّبة لاهوتية سنحاول أن نبيّنها الآن.
كان عليه أن يثبت واقع نكران بطرس في كل خطورته، فيجعله بمنأى عن كل اعتراض.
إن قاعدة الشرع اليهودي لا تجعل الواقع ثابتاً إلا بشهادة شاهدين أو ثلاثة (عد 35: 30؛ تث 17: 6؛ 19: 15). وظلت هذه القاعدة حاضرة في المسيحية الأولى (مت 18: 16 ي؛ 2 كور 13؛ 1 تم 5: 19؛ عب 10: 28؛ يو 5: 6 ي). ولم تكن تكفي شهادة الخادمة لتثبت نكران بطرس. أولاً لأنها شاهدة واحدة. ثانياً لأنها امرأة، وشهادة المرأة غير مقبولة. لهذا أسند كلامها إلى شهادة الحاضرين (مر 14: 69- 70. لهذا أخذ بطرس يحلف ويلعن). وإذا كان نكران بطرس قد تكرّر ثلاث مرات في فترة قصيرة، فهذا يدلّ على أنه واقع لا يردّ. وإن كان الديك صاح مرتين، فهذا يدلّ على صحّة نبوءة يسوع (مر 14: 30، 72) كما يعطي شهادتين الهيتين تثبتان شهادات البشر وتربطان بالله التاريخ الذي تدخلان فيه.
ب- التشديد على واقع نكران بطرس
ولكن لماذا هذا الاهتمام بإثبات واقع نكران بطرس ليسوع؟ هل هناك عداوة للرسول؟ هل هناك نيّة تريد أن تذلّه أمام رسول آخر؟ هذا ما يبدو في الظاهر. فنحن لا نجد عند مرقس "أنت الصخرة وعلى هذه الصخرة" (مت 16: 17- 19). وأغفل مرقس خبر ظهور يسوع على بطرس (1 كور 15: 5) مع العلم أنه عرف به (مر 16: 7). واحتفظ مرقس بعبارة: "إذهب خلفي يا شيطان" (8: 31- 33): وأعطى لخبر الإنكار شكله القاسي بالنسبة إلى بطرس. فهل نستنتج، كما فعل البعض، أننا أمام اتجاه مناوئ لبطرس دوّن في محيط هلنستي وبولسي، ومناوئ للوجهة المتهوّدة التي مثّلها بطرس؟ كلا ثم كلا.
أولا: لا يعامل مرقس سائر التلاميذ أفضل ممّا يعامل بطرس (10: 35-45؛ 14: 27-50). ولا شيء يوحي بأن ما عمله مرقس هو لإفادة بولس. ثانياً: لا يستسلم مرقس إلى حرب "كنسيّة"، بل هو يعبِّر من خلال نكرن بطرس عن إحدى أهم فكراته اللاهوتية وهي: قساوة قلوب الذين أرسل يسوع إليهم.
لم يستطع مرقس أن يفهم المسيرة المحيّرة لمهمة يسوع التاريخية، فشله الظاهر، فشله السريع والكامل، إلا بالعودة إلى عمى القلوب الذي اصطدم به، بل سبّبه بشكل من الأشكال بأقواله وأعماله. هذا العمى أصاب أولا الشعب اليهودي ورؤساءه (3: 5؛ 4: 11- 12). ولكنه أصاب أيضاً تلاميذ يسوع أنفسهم. فقد شدّد مرقس على عماهم على دفعتين، وكل مرة بمناسبة تكثير الأرغفة، هذا الظهور الساطع لحضور ابن الله بينهم. قال مر 6: 52؛ 8: 17- 21: "كانت قلوبهم عمياء". فإذا كانت معجزتا الخبز لم تحطّما قساوة قلوب التلاميذ، فكم يحتاج يسوع إلى معجزات ليحطّم قساوة الشعب كله؟ موت يسوع وقيامته هما اللذان يزيلان العمى ويحطّمان القلوب القاسية.
لهذا كان نكران بطرس ليسوع خلال ذهابه إلى الموت، شهادة رئيسية عن عمى التلاميذ، يمثّلهم ذاك الذي شدّد بقوة وقبل الجميع على أمانته ليسوع حتى الموت (14: 31). في هذا المنظار يرتدي صياح الديك الأوّل كل معناه. لن نقول إنه معقول أو لا معقول. ولا نبحث له عن تبرير تاريخي، سيكولوجي، أو تقويّ. المهمّ هو التبرير اللاهوتي. فصياح الديك الأوّل (14: 68)، شأنه شأن الصياح الثاني (14: 72)، لا ينتمي إلى واقع الأرض وما فيه من ثقل. إنه يدوّي كعلامة إلهية ترافق الدراما البشرية وتنيرها. لم يتأثّر بطرس بهذه العلامة، ولم يسمعها كما يجب ان يسمعها (وهذا طبيعي). فصياح الديك يكشف حقاً عمى (قساوة) بطرس والطابع الحتمي للانكارات الثلاثة التي تتم عندما يصيح الديك ثانية.
إن إنباء يسوع في دقّته المخيفة، جعلت نكران التلميذ في ضوء المعرفة الالهية المسبقة، وهو نور قد نظنُّه جامداً بلا رحمة. ولكننا نخطئ. فنحن أمام علم مسبق للمعلّم الذى عرف تلميذه وعرف أنه يستطيع أن يتغلّب على عماه. لهذا، فكلمة المعلم التي أدركت التلميذ في أعماق كيانه، هي التي حطّمت تصلّبه: "حينئذ تذكّر بطرس الكلمة التي قالها له يسوع، فاسترسل لا البكاء" (آ 72).
وأخيراً يتخذ خبر نكران بطرس كل معناه من السياق الذي وضعه فيه مرقس. فحسب 14: 53- 54، أوقف يسوع في جتسيماني، واقتيد لدى عظيم الكهنة. تبعه بطرس عن بعد ودخل إلى بيت عظيم الكهنة حيث سيحكم المجلس على يسوع، وانضمّ إلى الخدم المتحلّقين حول النار يستدفئون. هناك لمحته خادمة فكانت السبب في الانكار الأول (آ 66). ولكن بين آ 54 وآ 66، أقحم مرقس مثول يسوع أمام المجلس الذي حكم عليه بالموت (آ 55- 65). خضع مرقس في كل هذا لدقة كرونولوجيّة، بل لرغبة في أن يجعل النكران حيث يجد النور الحقيقيّ فيمنحه كلّ مدلوله اللاهوتي. وازى بين نكران بطرس ومثول يسوع أمام المجلس، فجاء الحدثان متقابلان في الزمن. هذا ما دلّ عليه مرقس حين رتّب الخبر فارتبطت آ 66 (عبر آ 55- 65 التي تروي الحكم على يسوع)، مع آ 53- 54 (هما مقدمة لخبر النكران). "وفيما كان بطرس في الدار، في الأسفل، أتت إحدى جواري رئيس الكهنة" (آ 66).
إن لهذا التوازي معناه. فبطرس لم ينكر معلّمه مرّة واحدة وبغفلة منه، في ظروف تفسّر سقطة عابرة في حياة رجل مغمور. فبطرس أنكر يسوع في موضع الآلام، في الساعة التي فيها يعارض نكرانه كل المعارضة أمانته لمعلّمه، في دار بيت دلّ فيه يسوع على هويّته السرية في تصريح كلّفه حياته (14: 62). إن هذا التوازي بين نكران التلميذ واعتراف ابن الانسان الذي بذل حياته للكثيرين (10: 45)، يعبرّ عن موت يسوع في فكر الانجيلي. أعلن يسوع عن آلامه فاحتجّ بطرس معتداً بقوته، وأنبأ يسوع بالنكران. ولا بدّ من كلمة الراعي الذي ضرب من أجل خرافه (14: 27) لكي يتحطّم من الداخل تصلبُ قلب التلميذ. فالصليب يفتدي مسبقاً أولئك الذين نصبوه.
خاتمة.
يتألّف خبر مرور يسوع أمام السلطات اليهودية من ثلاث لوحات. بطرس هو في قلب اللوحة الأولى. لقد نسي حواره مع معلّمه بعد العشاء السري. جاء إلى بيت عظيم الكهنة. تبع يسوع كما يفعل كل تلميذ. ولكنه تبعه عن بعد كما عمل التلاميذ خلال صعود يسوع إلى أورشليم. وفي هذا الرواق "الدافئ" سيطعن يسوع في ظهره ثلاث مرّات. مرّتين أنكر أنه يعرف يسوع، أنه من تلاميذه. أين التضامن مع يسوع ومع سائر التلاميذ. كذب بطرس على الخادمة وعلى الرجل الذي سأله، بانتظار الرد الثالث على "التهمة": لا أفهم ما تقول.
أجل سقط بطرس ثلاث مرات في محنة وجب عليه أن يمرّ فيها. والرقم ثلاثة يدلّ على خطورة عمل قام به أمام شاهدين. من اعترف بي أمام الناس... من أنكرني أمام الناس. أية شهادة هي شهادة بطرس! ولكن نظرة يسوع حوّلت الشّر خيراً، وصلاته جعلت بطرس يتوب بعد أن اعتبر أنه لن يسقط. من أنكر ربه نال الغفران، وسيكون له أن يشهد بثقة أمام المجلس الأعلى. تعلّم الشجاعة من معلّمه الذاهب إلى الموت، القائم إلى الحياة، فأعلن: "نحن شهود. والله أولى بالطاعة من البشر".
الفصل الثامن والعشرون
إهانة يسوع "النبي"
22: 63- 65

تتحدّث الأناجيل الأربعة عن إهانات أصابت يسوع خلال آلامه بيد اليهود. ولكنها تختلف في تفاصيل عديدة. الزمان، المكان، الصورة.
1- نظرة إلى الأناجيل الأربعة
إن مر 14: 65 يحدّد موقع الاهانات بين المحاكمة الليليّة في السنهدرين وإنكارات بطرس الثلاثة. ما زلنا في قصر عظيم الكهنة (مر 14: 53- 54). وأهل السنهدرين انفسهم، وبعد أن حكموا على يسوع بأنه يستحق الموت، أخذوا يسيئون معاملته، فاقتدى بهم الخدم في هذا العمل المهين. ميّز مرقس بين "بعضهم" وبين "الخدم" في مر 14: 65. فالبعض هم جزء من الكل المذكور في 14: 64 (حكموا جميعاً). هم أهل السنهدرين. أما الخدم (هيباراتس) فيفترقون عن شرطة الهيكل.
في مت 26: 67- 68، الظروف هي هي. وقد يكون أهل المجلس (آ 66) هم فاعل الفعل في آ 67 (فبصقوا في وجهه ولطموه). أما لفظة "بعضهم" (لكمه) فتدلُّ على فئتين من المهينين ليسوع. فقد تأتي الكلمات من قسم آخر من أهل المجلس. أما في لو 22: 63- 65، فلا نجد ذكراً لأهل المجلس (حرّاس يسوع). فلن يعقدوا جلستهم قبل الصباح. أما الآن فما زلنا في الليل (22: 54- 55) حيث انتهى بطرس من إنكار معلمه. وحرس يسوع الذين أوقفوه قضوا وقتهم يهزأون منه.
قد لا يدخل يوحنا في هذا الخطّ. إلاّ أن الصفعة التي نالها يسوع خلال الليل على يد خادم عظيم الكهنة حنان، قد تجد مكانها في موضوع الإهانات التي أصابت يسوع "النبي".
وإذا انتقلنا إلى طبيعة هذه الإهانات، هناك توافق واختلافات. فالإهانة في يو 18: 22 هي قصيرة و"معلّلة": أعطيت صفعة بملء اليد ليسوع لأنه قدّم جواباً "غير لائق": "أهكذا تجاوب عظيم الكهنة"؟ أما عند الإزائيين، فهناك تفصيل في نوعية الضرب الذي تلقّاه يسوع. هناك اللكمات. وزاد عليها مرقس ومتّى الصفعات (ضرب على الوجه بيد مفتوحة، رج مت 5: 39) والبصاف (فعلة إهانة. وقد يصبح طقساً؛ رج عد 12: 14؛ تث 25: 9). واستعمل لوقا ألفاظاً أخرى: تلاعبوا به (امبايزاين). نجد هذه اللفظة في الإنباء الثالث بالآلام (18: 32؛ مر 10: 34؛ مت 20: 19). وفي حفلة الإهانة عند هيردوس (23: 11)، وفي سخرية الجنود الرومان (مر 15: 20= مت 27: 31. غير موجود عند لوقا) وأخيراً سخرية اليهود تحت الصليب (مر 15: 31- مت 27: 41)، وسخرية الرومان (لو 23: 36). أجل عند لوقا، تلاعبوا بيسوع (كالكرة بين أيديهم) وضربوه.
حين نقرأ مرقس ومتّى نحسّ بـ "فيض" من البغض من قبل القضاة الذين حكموا الساعة على يسوع. عند لوقا نجد بعض الأشخاص الثانويّين الذين يريدون أن يمضوا "الليلة" الطويلة دون أن يملّوا. وأخيراً تمتزج هذه "الوحشية" مع "عمل مسرحي" يختلف من إنجيل إلى آخر. حسب لوقا، غطّوا وجه يسوع بحجاب. الكلمة اليونانية "باريكلبتاين" تعني غطّى من كل جهة (خر 28: 20؛ عب 9: 4)، أحاط كالثوب. إذن، لا نفكِّر بعصاب على العينين، بل بحجاب كبير على مثال حجاب المرأة في الحداد. وبعد هذا طلبوا منه أن "يتنبأ": من الذي ضربك؟ حسب مرقس، يغطَّى الوجه أيضاً، ويطلب من يسوع أن يتنبّأ في المطلق. حسب متّى، لا يغطَّى الوجه، ولكن على يسوع أن يعرف (يتنبأ) من ضربه، كما في لوقا.
وإذا تابعنا مسيرة الآلام تذكّرنا إهانات أخرى مماثلة عند هيرودس انتيباس (لو 23: 10، رجال هيرودس)، عند بيلاطس (من قبل الجنود الرومان) خلال المحاكمة (يو 19: 1- 3) أو بعد الحكم الأخير (مر 15: 16- 20= مت 27: 27- 31). وهناك هزء اليهود عند الصليب (مر 15: 29- 32 وز) وهزء الجنود (لو 23: 36: كان الجنود يسخرون منه). هكذا نضع أمام عيوننا مختلف العناصر في مسألة شغلت شراح الكتاب المقدس: أين، متى، كيف آسيئت معاملة يسوع وأهين خلال آلامه؟
2- مقابلة بين الأناجيل الإزائية
أ- على مستوى المبنى أو النقد الأدبي
نشدّد هنا على ارتباط الأناجيل بعضها ببعض. ونتوقَّف عند نقطتين.
أولاً: الوجه المغطّى
إذا كان متّى قد تبع مرقس، كما يقول الشّراح، فكيف أهمل الإشارة إلى الوجه المغطى بحيث لم نعد نفهم سؤالا الإزائيين: من ضربك؟ قال أحدهم: لا يتوافق الحجاب مع البصاق واللطم. وقال آخر: لا يرتبط متّى هنا بمرقس. ولكن التفاصيل واضحة بأن متّى يرتبط بمرقس في هذا المقطع.
ثانياً: عبارة "من الذي ضربك"
إتفق متّى ولوقا على مرقس فجعلا الجنود يسألون يسوع: من الذي ضربك؟ هنا نتذكر أن لوقا جهل متّى والعكس بالعكس ولم يلتقيا على مستوى الأخبار إلاّ عبر مرجع مشترك هو مرقس.
ب- على مستوى المعنى أو النقد التاريخي
إنّ المشهد يأخذ معاني عديدة ليست كلّها واضحة بالنسبة إلينا. ففي لوقا يبدو النص معقولاً: تغطّى وجه يسوع بحجاب فما استطاع أن يعرف من ضربه. نحن أمام "حزّورة" سمّاها الجلادون "عرافة ونبوءة". هذه اللعبة معروفة في محيطاتنا حيث تعصب عين أحدهم فيعرف من ضربه. 
عند متّى، يبدو المشهد أقلّ وضوحاً. إذا لم تكن عينا يسوع معصوبتين، فما الذي يمنعه من أن يقول (يتنبأ) من ضربه. هناك من قال: عليه أن يعرف اسم الشخص الذي ضربه. ولكن لا شيء يسمح لنا بهذا الافتراض. وقال آخرون: أعمته الضربات واللكمات. ولكننا نزيد هنا على النص. هل نقصت متَّى اللباقة في الكتابة، أم أنه فعل ما فعل بسبب اهتمام لاهوتي عنده لا بدّ من أن نكتشفه.
مع مرقس لا نرى ما الذي يجب أن يعرفه (يتنبأ به) يسوع. ولهذا بدا الحجاب على الوجه بلا فائدة (غيابه عند متّى أزعجنا). قال الشّراح: ليس له أن "يحزر" شيئاً محدّداً بل أن يدلّ بشكل عام أنه نبي. إنطلق الخدم من كلامه عن الهيكل فدعوه هازئين لكي يمارس لعبته كنبي. أو أرادوا أن ينزع من رأسه هذه الفكرة.
من خلاله هذه الطروح وهذه التفاسير، لا نستطيع أن نعرف ما الذي حدث حقاً. ولهذا تخلىّ عدد من الشّراح عن البحث. لم ينكروا أنه حدث شيء ما، ولكنهم ظنّوا أن التعبير يرتبط قبل كل شيء بالكتب. لم يهتمّ الانجيليون بأن يرووا بدقة تفاصيل هذه الأحداث (واختلافهم يبرهن عن ذلك)، بقدر ما أرادوا أن يبيِّنوا تتمّة الكتب في الآلام.
وقدّمت عدّة نصوص. 1 مل 22: 24 (لُطم ميخا على فكه): نبي يهان لأنه افترق عن سائر الأنبياء. مي 4: 4 الذي يتكلّم عن قاضي إسرائيل الذي ضرب على خدِّه بالقضيب. ولكن لا تقارب على مستوى الألفاظ مع النصوص الإنجيلية. أما مع أش 50: 6 (أدير ظهري للضاربين، وخدّيّ لناتفي اللحى) فنوى وضعاً مماثلاً لوضع يسوع ولغة تشبه لغة الانجيليين. وحين نتذكّر تأثير أناشيد عبد الله المتألم على اللاهوت المسيحي الأول، نفهم الدور الذي لعبه أش 50: 6 هنا. هذا لا يعني أن المسيحيين الأولين اخترعوا هذا الحدث ليقولوا إدنَّ قول الأنبياء قد تم! هم انطلقوا من حياة يسوع فرأوا فيها مثالاً، وأبرزوا هذا المثال مستندين إلى الأسفار المقدّسة.
ولكن العودة إلى الكتب لا تكفي لتفسّر التفاصيل في هذه النصوص. فلوقا لا يعود إلى أشعيا. ثم إنّ هناك أموراً من مرقس ومتّى لا نجدها في أشعيا. أما يكون من الأفضل القول إننا أمام تيارات عديدة من التقليد دُمجت فأعطت هذا النص المتشعّب.
ج- على مستوى النصوص
هنا نعود إلى مرقس ونتوقّف عند اختلافتين رئيسيتين في 14: 65.
أولاً: البصاق والغطاء
النص الذي نقرأ: بصقوا وغطّوا وجهه. ولكننا نجد في النص البازي والسريانية السينائية وغيرهما: بصقوا على وجهه. أما في السريانية البسيطة والأرمنية والجيورجية فنقرأ الأمثولتين: بصقوا على وجهه وغطّوا وجهه. إذن، يبدو أنه يجب أن نقول: بصقوا على وجهه ولكموه. وهكذا يصبح مرقس قريباً من متّى كما نعرفه الآن. هو لم يقرأ الإشارة إلى الوجه المغطّى، لهذا لم يجعلها في إنجيله. وفي داخل مرقس، إن حذفنا "غطّوا وجهه" يصبح الترتيب أفضل.
ولكن ذكر الحجاب هو في محلّه في لوقا، بعد الضرب وحالاً قبل "تنبأ" الذي يفسّرها. ولكنه ليس في محله عند مرقس: فكيف نبصق على إنسان ونصفعه ووجهه مغطّى.
ثانياً: تنبّأ لنا أيها المسيح
هناك شهود ينتمون إلى نسخات قيصرية والاسكندرية، فيزيدون "لنا أيها المسيح". هذه الأمثولة تزيل الصعوبة الثانية التي أشرنا إليها: توافق متّى ولوقا ضد مرقس. فإذا وُجدت هذه العبارة عند مرقس (أقله في بعض المخطوطات) نفهم وجودها عند متّى ولوقا. وهكذا يصبح مرقس مثل متّى. ولكن هل نستطيع أن ندافع عن هذا الموقف على المستوى النصوصي؟ يبدو أنه لا يمكن. وهذا التنسيق ببين النصوص يجعلنا نرتاب في يد أزالت كل اختلاف بين إنجيل وآخر. هذا مع العلم ان عبارة "لنا أيها المسيح" لا توجد في المخطوطات الكبرى، بل في مخطوطات ثانوية.
3- بُنى الأناجيل الثلاثة
وبما أننا لا نجد اختلافات هامة عند متّى ولوقا، نستطيع أن نقدّم بنى الأناجيل الثلاثة الأولى كما يلي:
متّى مرقس لوقا
بصاق بصاق هزء وضرب
لكمات لكمات
صفعات
غطاء
تنبأ تنبأ تنبأ
المسيح
من ضربك من ضربك
الصفعات

أ- بنية لوقا
ونبدأ فنقابل بين لوقا ومرقس. كانوا يقولون إن لوقا يرتبط بمرقس هنا وفي أماكن عديدة من إنجيله، فيصحّحه ويكمِّله: تحاشى بعض العبارات القاسية، أحلّ الجنود محلَّ أهل المجلس حين جعل جلسة المجلس تتمّ في الصباح. هكذا خفّف من مسؤولية الرؤساء اليهود وألغى مشهد الإهانات الثاني على يد الجنود كما أورده مر 15: 16- 20 (ليس في لوقا ما يقابله). وأخيراً أوضح "تنبأ" في مرقس بسؤاله (من ضربك؟) جاء به من مخيلته أو من مرجع آخر. وهكذا كان شبه اتفاق بأن لوقا استند إلى مرقس في ما كتب.
ولكن ظهر وعي جديد يقول إن خبر الآلام اللوقاوي يستعمل مرجعاً خاصاً. تارة يكتفي به وطوراً يمزجه مع مرقس. إن الامكانية الأولى تتحقق في النص الذي ندرس. فنصّ لوقا لا يرتبط في شيء بنصّ مرقس. الممثّلون مختلفون وأعمالهم مختلفة. وإذا ألغينا "غطوا وجهه" من مرقس، لن يبقى شيء مشترك بين مرقس ولوقا سوى "تنبأ". فهذه اللفطة لم يأخذها لوقا من مرقس، بل وجدها في مرجعه كعنصر من لعبة معروفة.
ب- خبر مرقس
ونتساءل هنا: هل نصّ مرقس متماسك أم هو مركّب من تقليدين أو ثلاثة؟ فهناك عملية تلحيم مع "ويقولون له" أو: "وأوسعه الخدام لطماً". أجل، هناك تقليد يصوّر الاهانات التي تلقّاها يسوع حسب نمطية عبد الله المتألم. وهناك تقليد (يمثله لوقا) يجعلها مشهد هزء على مثال لعبة "إعرف من ضربك". وهناك تقليد ثالث ذكر واقعاً ملموساً من تلك الليلة، ذكر لطمة ألقمها ليسوع خادم حنان خلال الاستجواب.
ولكن كيف نتخيَّل كثر من تقليد في آية واحدة هي مر 14: 65؛ يبدو أن هناك في خبر الآلام حسب مرقس طبقتين تتوزّعان مختلف الأحداث، بل تتوزّع عناصر الحدث الواحد. لقد اكتشف كون في نزاع جتسيماني تقليدين مختلفين (آ 32، 35، 40، 41، ثم آ 33- 34، 36- 38). تقليد يرتكز على موضوع كرستولوجي لساعة ابن الانسان، وتقليد يتوسّع في موضوع إرشادي هو الصلاة والسهر الضروريان تجاه المحنة. ومثّل لوقا التقليد الثاني مع بعض التصحيحات. أما يوحنا فمثَّل التقليد الأول. ودمج مرقس التقليدين.
وهناك مثل آخر: إنكار بطرس ليسوع كما حلّله ماسون. هنا أيضاً نجد تقليدين. مرتين صاح الديك، صارت الانكارات ثلاثة. وصلىّ يسوع ثلاث مرّات. ونقول الشيء عينه عن جلسة السينهدرين. عرف مرقس جلستين. أو بالأحرى تحدّث بالتفصيل عن جلسة تمت في الليل (15: 55- 64)، وأشار بسرعة إلى جلسة تمّت في الصباح (15: 1) لم نعرف موضوعها ولا علاقتها بجلسة الليل. أما لوقا فلم يتكلّم إلاّ عن جلسة واحدة تمّت في الصباح (لو 22: 66- 71) فجاءت قريبة من جلسة الليل عند مرقس. فاستنتج عدد من الشّراح أننا أمام نسختين عند مرقس. وأنه لم يكن هناك إلاّ جلسة واحدة في الصباح، وهذا أمر طبيعي. والنتيجة هي أن مرقس يجاور بين تقليدين يمثِّل أحدهما (وهو الافضل) لوقا.
وهكذا نجد في مر 14: 65 تقليدين. فالكلمات الست الأخيرة (وتلقّاه الخدم باللطمات) تعود إلى تقليد آخر. أما الكلمات الأولى فقد تكون من تقليد قريب ممّا في لوقا مع بعض التصحيحات في الإنجيل الثاني والإنجيل الثالث.
هزئ "الناس" من يسوع لأنه ادّعى أنه "نبي". فكان هذا التذكّر في أساس ما صاغه الانجيليون من صورة لعبد الله المتألم، أو لعبة معروفة. وكانت لفظة "تنبأ" هي العنصر الأساسي والمشترك بين مختلف التقاليد.
ج- خبر متّى
استعمل متّى (26: 67- 68) خبر مرقس، كما فعل في سائر خبر الآلام. وأبرز البنية المركّبة لمرقس حين جعل الصفعات بعد اللكمات وقبل "تنبأ". ونرى محاولة "الترتيب" عينها في حدثَي النزاع ونكران بطرس ليسوع. ولكن وجود "من ضربك" يدلّ على أن متّى عرف لوقا أو المرجع الذي استقى منه لوقا. وهذا المرجع عرف الحجاب، ولكن متّى أهمله. فجاءت النتيجة غير معقولة، لأنه بدون حجاب لوقا في خلفية عبد الله المتألم كما في مرقس، تصبح لفظة "تنبأ" (من ضربك) ذات معنيين. إذا كان متّى وهو لاهوتي أكثر منه راوياً، قد أهمل ما هو معقول، أتراه اهتم بالحدث من زاوية التعليم والكرازة. هنا تتخذ إشارة خاصة بمتّى كل أهميتها. فقبل عبارة "من الذي ضربك" زاد: لنا، يا مسيح. نحن هنا أمام صدى لما في آ 63 (هل أنت المسيح). حين كرّر متّى هذا اللقب حالاً قبل النداء إلى "التنبؤ"، قام بتقارب له معناه من أجل فهم المشهد كلّه.
هناك معنى للفظة "مسيح" عرفته جماعة قمران: لا مسيح ملكي بل مسيح كهنوتي. نجد هذا المعنى في أماكن عديدة من الأناجيل الإزائية، ولا سيما في سؤال قيافا وجواب يسوع (مر 14: 61- 62 وز). إن كرامته كعظيم كهنة اسكاتولوجي، واعتداده التجديفي بأن يدمّر الهيكل وأن ينظّم عبادة جديدة، قد جعلاه مستحقاً الموت. هذا الاعتداد هو الذي يفسّر عند متّى التحدّي الهازئ "يا مسيح، تنبأ"، لأن النبوءة موهبة محفوظة لرئيس الكهنة (رج يو 11: 51). إن عودة "يا مسيح" (في آ 68) إلى "المسيح" (في آ 63) لها قيمتها على مستوى متّى التدويني، وقد جعل مشهد السنهدرين قبل الاهانات (كما عند مرقس). ولكنها تعبرّ على هذا المستوى عن هدف لاهوتي أبرزه متّى فأهمل التفصيل الذي يتحدّث عن الحجاب الذي يغطّي وجه المسيح.
وهكذا يلتقي التقديم المتّاوي مع المعنى العميق للحدث، وهذا ما جعل التقليد يحتفظ به ويرويه. تحدّث لوقا عن تقنية اللعبة "الصبيانية" بما فيها من قساوة. وفكر مرقس بشكل خاص بالنبي المهان الذي هو عبد الله المتألم. وبيّن متّى في يسوع، المسيحَ، وعظيم الكهنة، والنبي الذي رذله شعبه. ووراء هذه التقديمات الثلاثة نستشفّ مشهداً (لا نستطيع أن نعرف كل تفاصيله) دار حول لقب "النبي" فتوففت عنده الجماعة الأولى وتأمّلت فيه.
الفصل التاسع والعشرون
يسوع أمام المجلس الأعلى
22: 66- 71

تُطرح أسئلة عديدة حول مثول يسوع أمام المجلس الأعلى. ما هي سلطاته في أيام الولاة الرومان؟ هل كان يحق له أن يحكم بالاعدام وينفِّذ الحكم؟ ها هي الاتهامات الرئيسية التي كانت السبب في حكم الاعدام؟ وهناك جلسة تمّت في الليل. وجلسة التأمت في قصر عظيم الكهنة. كل هذا سنحاول أن ندرسه من خلال الأناجيل الإزائية الثلاثة.
1- مرقس (14: 55- 64)
كان مرقس كاتباً ومعلّماً فدوّن ما نقرأ في 14: 55- 64، ولم يتوخّ فقط أن يورد الوقائع. فالنظرة اللاهوتية واضحة عنده.
أ- سياق الخبر
أول إشارة نجدها في السياق. فالمشهد لا يبدأ قبل أن ينطلق الحدث التالي: أدخل مرقس بطرس إلى قصر عظيم الكهنة (14: 54) فهيّا القارئ للإنكارات الثلاثة (14: 66- 72). إن مرقس يجعل الخبر يتداخل في المتتالية. مثلاً 3: 22- 30 (الجدال حول بعل زبول) دخل بين 3: 20- 21 و3: 31- 35 (عائلة يسوع)؛ 5: 23- 24 (النازفة) بين 5: 21- 24 و5: 35- 43 (إقامة ابنة يائيرس)، 6: 14- 29 (استشهاد يوحنا المعمدان) بين 6: 7- 13 و6: 30 ي (إيفاد الرسل وعودتهم)؛ 11: 15- 19 (تطهير الهيكل) بين 11: 12- 14 و11: 20 ي (لعنة التينة)؛ 14: 3- 9 (الدهن بالطيب في بيت عنيا) بين 14: 1- 2 و14: 10- 12 (المؤامرة).
يفعل مرقس هذا، فيُبرز الرباط العميق بين مشهدين متتاليين. فنكون حينئذٍ أمام دبتيكا في درفتين. قد أدّى يسوع شهادته. فهل يقتدى التلميذ به، أم يكون جاحداً (كما فعل بطرس)؟ وهكذا نجد تعبيراً عن إرشاد خفي من خلال خبرين متوازيين. إن الخبر الثاني يتوسّع في ثلاث مراحل، وتكون الثالثة هي الأقوى لأن بطرس ينكر يسوع ويرفق نكرانه بالحلف واللعن (14: 71). ويقسم مشهد السنهدرين حسب الطريقة عينها: فبعد أن أدّى الشهود الأولون شهادتهم الغامضة، نقرأ اتهاماً ملموساً هو الكلمة على الهيكل. وأخيراً يتدخّل شخص مخيف هو رئيس الكهنة فيفرض عن، يسوع أن يتّخذ موقفاً. ويأتي مشهد الاهانات بعد هذا فيدلّ في الدبتيكا: حُكم على يسوع وعُوقب بينما ذهب بطرس "معافى" رغم خيانته.
قد يظنّ البعض أن هذه التقاربات "زائدة". فكيف نتخيّل أن "يفبرك" مرقس الحدث الأول بالنظر إلى الثاني؟ إدن كان الأمر كذلك، فيكون الانجيلي أبرز التشابهات. ويبرز النمق علامات تدلّ على يد المدوّن النهائي الذي "يصحّح" رواية سابقة. وأهم تصحيح نجده في آ 59: أورد الشهود كلمة يسوع حول الهيكل فاتفقت شهادتهم. ومع ذلك، فالنصّ يتابع فيعلمنا: "لم تتفق شهادتهم". وبعد هذا يأتي سؤال عظيم الكهنة: "أما تجيب بشيء؟ ماذا بشهد به هؤلاء عليك" (آ 60)؟ لا معنى لهذا السؤال، لأن الشهادات لا قيمة لها بسبب تعارضها. ولكن الأمر ليس كذلك إذا جعلنا جانباً آ 59: فبعد شهادات متنافرة أوردها الشهود الأولون (آ 56)، توضح الاتهام وصار دافعاً: هي كلمة يسوع حول الهيكل. ولكن يسوع لا يجيب على هذا الاتهام: إنه يحفظ نفسه من أجل اقرار من نمط آخر. ذاك الذي سيطلبه عظيم الكهنة منه، والذي سيقرّر مصيره.
ذاك كان الخبر في البداية، قبل أن تأتي يد وتصحّح فيه: حين زاد مرقس آ 59، جعل الكلمة حول الهيكل من دون جدوى. وعلى هذا المستوى أيضاً يجب أن نجعل الشهادة الثانية في خط الشهادة الأولى، بحيث يصبح كل شيء شهادة زور (آ 56- 57). هذه التحُّولات التي نستطيع أن ننسبها إلى الإنجيلي قد تسبّق على اعتراض: فالهيكل الذي دمّر أو كان مهدّداً بالتدمير حين تدوين مرقس (دوّن حوالي سنة 70. إن ف 13 يجعلنا في زمن الحرب اليهودية دون أن يؤكد على دمار أورشليم)، لم يكن يخاف من يسوع الذي ترك هذا العالم منذ سنوات وسنوات.
فإذا حذفنا هذه الاضافات، صار النصّ متماسكاً. فرغم كل الاتهامات التي اتهم بها يسوع، فهو لن يحكم عليه إلا لأنه "المسيح ابن المبارك". ماذا يعني هذا؟ لا شك في معنى هذا اللقب، حسب مرقس. ونخطئ إن رأينا فيه فقط المسيح الداودي كما انتظره اليهود. فلقب "المسيح" الذي يكمّله لقب "ابن الله" يتخذ بعداً متعالياً جاء من عماد يسوع في الاردن وبدأ يدخل إلى الإنجيل شيئاً فشيئاً. ففي القسم الأول للإنجيل، كان الوحي رسمة سريعة يجب أن يحتفظ بها التلاميذ لأنفسهم (9: 8). ولم يعبرّ عنه في وضح النور إلا في إطار الآلام، ساعة زال كل خطر بأن يعزل عن عنصر آخر، عنصر جوهري مثله: فمجد ابن الله يجتمع عن طريق المفارقة مع عار الصلب (15: 39). هذه هي الكرستولوجيا التي يعبرّ عنها هذا المقطع. وهكذا نجد بوضوح تام التعليم الذي أعطي في 8: 27- 9: 13 مع النتائج ذاتها بالنسبة إلى المسيحيّين: إن الكرستولوجيا عند مرقس ليست نظرية، بل عملية وهي تدعو الانسان إلى اتخاذ قراره: نهلك لنخلص، نعطي حياتنا لكي نشارك في المجد.
تسلّم مرقس قطعة مكوّنة، وهذا ما يدلّ عليه تصحيحات أخيرة. فإذا أخذنا طريق التقليد، فهمنا أولاً أننا أمام قطعة مركّبة. فالعنصر الأكيد الوارد هنا هو القول على الهيكل (نميّزه عن إعلان دمار الهيكل في مر 13: 2؛ لو 19: 44) الذي نجده في قرائن أخرى من العهد الجديد. في مر 15: 29= مت 27: 39 (على شفاه الهازئين عند الجلجلة)؛ في أع 6: 14 (الاتهام ضد اسطفانس الذي هو امتداد لشخص يسوع)؛ في يو 2: 19 (أُهدموا هذا الهيكل). هذا يعني أننا أمام تقليد مستقلّ استعمل فيما بعد في إطار المحاكمة.
ما هو وضع هذه المقطوعة؟ رأى فيها بولتمان توسّعاً أدبياً ينطلق من نبذة قصيرة هي مر 15: 1: رأي مشكوك فيه. إن كان 15: 1 يكرّر 14: 55- 64، إلا أنه لا يتفرعّ منه. وقال براومان: إن خبر مشهد السنهدرين قد "فبرك" انطلاقاً من حدث المثول أمام بيلاطس (15: 2- 5: النصان يتوازيان في الوضع الحالي): هكذا خضع "المؤلّف" لوجهة مسيحية شدّدت على مسؤولية اليهود في قتل يسوع. ثم إن يسوع لم يحُكم عليه فقط كملك لليهود، بل على أنه ابن الله. ولكن هذا التفسير يستند إلى مسبّقات تاريخية.
ماذا نقول؟ هناك طابع أصيل للحدث. يبقى أن نبحث عن الظروف التاريخية التي وُلد فيها، عن المحيط الحياتي.
ب- المحيط الحياتي
إن العنصر الحاسم هنا هو الحوار بين عظيم الكهنة ويسوع (آ 61 ب- 62)، الذي هو ذروة الخبر. أعلن فيه يسوع هويته: إنه "المسيح، ابن المبارك". إن هذين اللقبين ليسا مترادفين في حدّ ذاتهما. فالأول كرستودس هو الترجمة اليونانية لكلمة "مسيح" أو الشخص الذي مُسح بالزيت المقدس، وأرسل في مهمة. الثاني (إبن المبارك) يدلّ على "ابن الله". فالمبارك يعني يهوه، الرب. ولقب "إبن المبارك" لا نجده في محيط يهودي كدلالة على المسيح. إذن، هو يزيد على اللقب الأول شيئاً يتجاوز المقولات اليهودية، لهذا نبحث عن جذوره في موضع آخر.
إذا كان يسوع لا يسمّي نفسه (في الكلمات التي حُفظت لنا عنه) ابداً بهذه الطريقة، فإن لقب "ابن الله" هو من أهم الألقاب الكرستولوجية في الكنيسة الأولى (إستعملت الكنيسة الأولى هذا اللقب ولكنها لم تخلقه من العدم)؛ هكذا عبرّت عن شخصية الرب المتعالية، عبرّت عن لاهوته. وهكذا تعود هذه الكلمات إلى اللاهوت المسيحي.
وهذا ما يسند ملاحظة ثانية: حالا صاح رئيس الكهنة: إنه يجدّف. ردّة فعل غير مفهومة إن كان اللقبان اللذان اعترف بهما يسوع لا يتضمّنان مدلولاً مسيحانياً في المعنى اليهودي للكلمة: من يعلن نفسه "مسيحاً" فقط، لا يعتبر مجدّفاً في نظر اليهودي. ثم إنه لم يحكم على شخص لاعتبارات مسيحانية أو ملوكية. ولكن يصبح الأمر مفهوماً إذا كان يسوع قد أعلن بنوّته الالهية حسب المعنى الذي يراه المسيحيون: هذا ما جعل عظيم الكهنة ومحيطه يشمئزّون. لقد اتهم الكتبة يسوع بأنه يجدّف حين تسلّط على حقوق الله وغفر الخطايا (مر 2: 7 وز). ولقد فهم الانجيل الرابع هذا الأمر حين استلهم هذا التقليد: "لا نرجمك من أجل عمل صالح، بل لأنك تجدّف. فمع أنك انسان تجعل نفسك الله" (يو 10: 33).
إذن، يجب أن نقبل (حسب إرادة الراوي) بأن للقب "ابن الله" على شفَتيْ عظيم الكهنة، المعنى الرفيع الذي عرفه المسيحيون. ما هي النتائج التي نستنتجها؟ هذا الحوار هو حوار مسيحي. ألّف ليلقي الضوء على سّر المسيح ابن الله، الذي حُكم عليه بذلك، الذي جمع في شخصه مجد اللاهوت وانحدار الناسوت العميق لبشرية معدّة للألم والموت. وفي الوقت عينه، عكس هذا الحوار الرأي اليهودي المعاصر للكنيسة الناشئة: أن نرى ابن الله الحبيب في شخص المصلوب، مع أن اللعنة الالهية تصبّ عليه (تث 21: 23؛ رج غل 3: 13)، فهذا ما يستحق الاتهام بالتجديف.
هناك من جعل التجديف لا في القسم الأول من الجواب، بل في القسم الثاني. فبعد القسم الأول (إغو ايمي) أردف يسوع: "سترون ابن الانسان جالساً عن يمين القدرة وآتياً على سحاب السماء" (آ 62 ب). هكذ زاد يسوع توضيحاً على فكرة عظيم الكهنة: مسيحانيته هي من نمط خاص، وهي ترتدي طابعاً إلهياً. من هنا الاتهام بالتجديف. ما هو ردّنا على هذه المحاولة؟ لا جدوى فيها. فلقب "ابن الله" يمتلك كل ما يجب ليجعل عظيم الكهنة والحاضرين يتشكّكون. وبعبارة أخرى، حين أغفلت الرواية القسم الثاني من جواب يسوع، كانت متماسكة كل التماسك. قد تكون هذه القطعة جاءت فيما بعد، وإن انتمت إلى الخبر الاولاني، فهي تثبت الجذور الجماعية للخبر.
نجد هنا دمجاً بين شهادتين توارتيتين (دا 7: 13- 14؛ مز 110: 1) تتسجّلان في الاساس التقليدي للاستشهادات البيبلية التي طبقتها الكنيسة الرسولية على يسوع (دا 7: 13- 14؛ مر 13: 36= مت 24: 30- لو 21: 27؛ رؤ 1: 7، 13؛ 14: 14. مز 110: 1؛ مر 12: 36 وز؛ 16: 19؛ أع 2: 34- 35؛ 8: 34؛ 1 كور 15: 25؛ أف 1: 20؛ كو 3: 1؛ عب 1: 3، 13؛ 8: 1؛ 10: 12، 13؛ 12: 2). دلّت هذه القطعة على المجيء (ق مر 13: 26)، فاتخذت منحى كرستولوجيا: إن يسوع الذي اختفى مجده الآن تحت عار الآلام، سيجعل هذا المجد يشعّ في انتصاره المقبل.
هناك من رأى في 14: 62 ب إعلاناً لتمجيد يسوع السماوي، فطبع هكذا بطابع لوقاوي نصّ متّى ومرقس. مهما يكن المعنى الحرفي لنصّ دا 7: 13، فنحن في مر 14: 62 ب لا أمام صعود نحو الله، بل أمام نزول للمسيح (الذي سبق له فتُوّج) في مجيئه الثاني.
حين نفهم جلسة السنهدرين بهذا الشكل (حسب مرقس)، فهي تبدو كحصيلة لتفكير مسيحي أولاني حول آلام يسوع. قد يكون وُلد هذا النصّ في جماعات مسيحية من أصل يهودي تحدّثت في لغة سامية (عبارة "المبارك"، "القدرة"). أخذه مرقس وقام ببعض التصحيحات فساعده على تقديم تعليمه الخاص.
2- متّى (26: 59- 66)
لقد انطلق متّى من مرقس، كما فعل في مقاطع عديدة من إنجيله. ولنتفخص أولاً القسم المخصّص للشهادات. إذا كان متّى في آ 60 لا يقول شيئاً آخر لم يقله مرقس، فليس الأمر كذلك مع الجوقة الثانية من الشهود (حين كتب متّى أنهم لم يجدوا شهادة ضد يسوع، مع أن الشهود كانوا عديدين، فقد أراد أن يفهمنا أن هؤلاء الشهود لم يتفقوا): هنا ألغى كلّ شيء يدلّ على اتهام كاذب. وجاء شاهدان، لأن الدعوى لا تصحّ إلا بشاهدين على الأقل (عد 35: 30؛ تث 17: 6؛ 19: 5). توافقت شهادتهما، ولكن لم يبقَ شيء من مر 14: 59. بعد هذا نفهم فهماً أفضل سؤال عظيم الكهنة في آ 62. هذا الترتيب ليس بشكل قديم تدلّ عليه نظرة لاهوتية: حُرمت الكلمة حول الهيكل مما يصدم (كما في مرقس)، فأبرزت الكرستولوجيا المتّاوية. حين كتب الإنجيلي: "أستطيع أن أدمّر هيكل الله، وأن أعيد بناءه في ثلاثة أيام"، مجدّ قدرة المسيح (وهذا موضوع جوهري في خبر الآلام حسب متّى)، وبيّن في الوقت عينه أن يسوع يتخلىّ عن هذا المشهد في شكله الظاهري: صمته ليس إنكاراً. إنه رفض بأن يتماهى مع مسيح يدلّ على نفسه بأعمال ساطعة. وهكذا نجد تعليماً خاصاً بمتّى: ذاك الذي يعبرّ عنه في خبر التجارب (4: 1- 11)، حين التوقيف في الجسمانية (26: 53)، وأخيراً حين هزأ الناس منه على الجلجلة ونرى التصحيحات المتَّاوية في حوار آ 62- 64. تفرّد متى عن الانجيليين فاستعمل عبارة "الله الحيّ" (16: 16: إلتقى متّى هنا مع لو 22: 67 ضد مرقس، إن كنت المسيح). والجواب "أنت قلت" قد قرأناه مع يهوذا (26: 25): فهذا الجواب وإن كان إيجابياً، إلا أنه ليس ساطعاً مثل "أنا هو" كما في مرقس: فلمتّى نظراته الشخصيّة حول ما تبقّى من النصّ. ففيه يرتسم تعارض يجعلنا نلتقي مع النظرة التي اكتشفناها في نهاية الخطبة المناوئة للفريسيين (23: 39): لا شك في أن يسوع هو "المسيح ابن الله"، ولكن هذه الكرامة لا تبشر بالخير في نظر إسرائيل: وإذ كان الشعب يضع ختمه على قلة ايمانه بمحاولة قتل (26: 4)، أعلن يسوع أنه "منذ الآن"، لن يكون له اتصال بهم إلا على مستوى الدينونة. وهو بدوره سوف يحكم على إسرائيل في مجيئه. جاءت النية الهجومية غامضة عند مرقس، فأشرفت على هذا المقطع في متّى، وهكذا كان منطقياً مع اللهجة العامة في إنجيله.
3- لوقا (22: 67- 71)
إذا استطعنا أن نقول إنّ متى أعاد كتابة الخبر المرقسي عن مشهد المحفل، حسب نظرته الخاصة، نتردّد في القول عينه عن لوقا (22: 67- 71). ظنّ بعض الشّراح أن لوقا اكتفى بصياغة نصّ مرقس منطلقاً من نظراته الشخصية. ولكن عارضهم آخرون عائدين إلى مجمل خبر الآلام عند لوقا، حيث استعمل الانجيلي مرجعاً خاصاً.
ولنتوقّف عند خبر مثول يسوع أمام المحفل كما في لو 22: 67- 71. فنظرة سريعة إلى إزائية ترينا الاختلافات. فلا بحث عن الشهود ولا طلب لشهادتهم. لا ذكر لعظيم الكهنة، بحيث يبدو أن المجلس كله يقوم باستنطاق يسوع. ثم إن السؤال صار سؤالين (اختلف لوقا عن متّى ومرقس)، فأشار الأول إلى لقب المسيح والثاني إلى لقب ابن الله. في الجواب الأول، بدأ يسوع بجملة (آ 68: إن سألتكم فلا تجيبون) لا نجدها عند مرقس ومتّى. وتنتهي الجلسة (آ 71: ما حاجتنا بعد إلى شهود؟ لقد سمعنا نحن من فمه) بشكل غريب: لا اتهام بالتجديف، ولا حكم على المتهم.
من هو المسؤول عن هذا التأليف؟ لنحاول التعرّف إليه متحرِّين العناصر الرئيسية
فالسؤال الأول الذي طُرح على يسوع يشير فقط إلى لقب المسيح. والجواب لا نجده كله عند متّى ومرقس. مقابل هذا، إن السؤال وبداية الجواب يدلاّن على اتصال وثيق مع يو 3: 12 (إذا قلت لكم أمور الأرض ولا تصدّقون فكيف تصدّقون إن قلت لكم أمور السماء؟)، بل مع يو 10: 24- 25.
لو 22: 67- 68 يو 10: 24- 25
إن كنت المسيح إن كت المسيح
فقله لنا فقله لنا جهراً
إن قلت لكم فلا تصدّقرن أجابهم يسوع: لقد قلته لكم
وإن سألتكم فلاتجيبون لاتصدّقون
نشير هنا إلى لو 22: 68 حيث زادت بعض المخطوطات: "فلا تجيبون ولا تطلقوني". هذا ما يدلّ على أنّنا أمام نصّ قديم. بل نحن أمام تصحيح كرستولوجي يعني أن القضاة سيصل بهم الأمر إلى إعلان براءة يسوع (مثل بيلاطس) إذا أجابهم يسوع على سؤالهم (22: 16؛ 23: 20- 22).
كيف نفسّر هذا الاتصال بين لوقا ويوحنا؟ هل تبع يوحنا لوقا؟ أم غرف الاثنان من تقليد مشترك؟ هناك أمر اكيد وهو أن لوقا لم يخلق من عنده جواب يسوع هذا، لأنه يخالف عاداته اللغوية. ثم إن كلمة من هذا النوع لا يمكن أن توجد وحدها، لأنها تفترض سؤالاً يسبقها. نستطيع أن نفترض وجود تقليد يتميّز عن المحاكمة، وجود جدال حول مسيحانية يسوع. ولكن السؤال يعود بنا إلى سياق المحاكمة. لهذا نستنتج أن لوقا استفاد من نسخة مستقلة عن استجواب يسوع أمام المحفل.
غير أن هذا لا يعني أن لوقا قد أهمل مرقس. فوليْ الجواب (آ 69: يكون ابن البشر) يقابل ما نقرأ في مر 14: 62 ج: أما يكون أن لوقا قد أقحم هذه الكلمات (إيراد يسوع عن ابن الانسان) في مرجعه. هذا ما نرتاب فيه، لا سيما وأن ما تلفّظ به يسوع الساعة من كلام، هو رفض للجواب. إذن، لن ننتظر شيئاً آخر. ولكن لنتأمّل في نصّ لوقا فنرى أنه لا يماثل نصّ مرقس.
هناك اختلافان رئيسيان نلاحظهما: أولاً، يشير لوقا إلى الزمن (منذ الآن). ثانياً، إن الاعلان لا يدلّ على رؤية (سوف ترون كما في متّى ومرقس) ولا على مجيء ابن الانسان. فالتذكّر الكتابي مبتور: "ولكن منذ الآن (أعلن يسوع) يكون ابن البشر جالساً عن يمين قدرة الله". استعمل لوقا "منذ الآن" بطريقته الخاصة (1: 48؛ 5: 10؛ أع 18: 6)، فاختلف بها عن متّى. ثم إن هذه العبارة تتوافق كل الموافقة مع اللاهوت الذي يعبرّ عنه هذا المقطع. لقد زال المجيء من الافق بشكل موقت، وحلّ محلّه تمجيد سماوي للمسيح ، حلّ محلّه تفسير للحدث الفصحي نرى آثاره في 2: 32- 33 (نوراً ومجداً)؛ 3: 13؛ 5: 30- 31. قد يكون لوقا أراد أن يستبق اعتراضاً: نظنّ أن أهل المجلس سيشاهدون المجيء. فلوقا هو منطقيّ مع أفكاره الخاصة حول الاسكاتولوجيا: إن مجيء المسيح الثاني قد تأخّر إلى زمن غير محدّد. "منذ الآن" هو زمن الكنيسة الذي سوف يبدأ. هو الزمن المتوسّط حين حضور المسيح في المجد يرافقه عمل الروح في العالم وفي تاريخ البشر.
إذا عادت آ 69 إلى ما يوازيها في مرقس، فلا نستطيع القول إن مجمل النصّ أخذ من مرقس. فالعناصر اللامرقسية في آ 67 ب- 68 واضحة، والملاحظات التي تلي تثبت هذا الموقف. لماذا صار السؤال الذي طُرح على يسوع سؤالين؟ في مرقس، سأل عظيم الكهنة يسوع فضمّ لقبَيْ المسيح وابن الله. أجاب يسوع بالايجاب. أما في لوقا، فكل من اللقبين كان موضوع سؤال: رفض يسوع أن يجيب على الأول واعترف بالثاني. نسب بعض الشّراح هذا كله إلى يد لوقا وحدها التي أرادت أن تفصل يسوع عن نظرة سياسية إلى المسيح، أو أن تشدّد على التعارض بين ذلّ الحالة الحاضرة والمجد القريب. نحن لا ننكر قيمة هذه التفاسير، ولكننا نتساءل: هل هذا التمييز هو عمل لوقا الذي صحّح مرقس؟ حينئذاك ننسب إلى لوقا نظرات كرستولوجية ليست نظراته. فإن حصل له وقدّم لقبَيْ المسيح وابن الله بشكل منفصل، فهو يفعل بشكل واضح بحيث يتماثلان لا فكره (4: 41: أنت ابن الله. عرفت أنه المسيح؛ أع 9: 20- 22). ثم، إن اسم المسيح لا يظهر في لوقا أبداً كتعبير عن نظرة شعبية مختلف عليها حول شخص يسوع ودوره.
في الواقع، كان في متناول لوقا نسخة خاصة بالجلسة، توسّع فيها مستلهماً مرقس. فإن المرجع ميّز بوضوح بين المسيح وابن الله. وكانت تحوّلات بيد لوقا، لهذا يصعب علينا أن نكتشف النسخة الأصلية. أما أهم تصحيح فهو إقحام الكلمة حول ابن الإنسان، التي نسب إليها لوقا دوراً حاسماً: حين أعلن يسوع تمجيده السماوي، خفّف من قساوة الجواب الأول، ولكنه طالب أيضاً بشكل ضمني بامتياز خارق، كما جعل قضاته يستنتجون: "إذن، أنت ابن الله"؟ فأجاب يسوع: "أنتم أنفسكم تقولون إني هو". وبعبارة أخرى: ما قلتموه الساعة هو الحقيقة بالذات.
أعيدت كتابة هذا الحوار فبدا واضحاً، ودلّ على لاهوت الانجيلي. ولكن لنتوفف أيضاً عند خاتمة الجلسة (آ 71). تدهشنا ردّة الفعل الأولى لدى أهل المجلس (ما حاجتنا بعد إلى شهادة)، لأن المجلس لم يطلب شهوداً. إن هذه الجملة تبيّن أن لوقا عرف واستعمل خبراً من نمط خبر مرقس. ولكنه يصحّحه مخفِّفاً من اللامنطق الذي نتج عن هذه العملية. بما أن لا فائدة من الاستماع إلى الشهود، فقد زالوا. من هنا هذه العبارة التي أحلّت الاسم المجرد (شهادة) علّ الاسم الملموس (الشهود). وتجتب ترتيب الألفاظ بأن يبرز ما يجب أن يكون في المستوى الثاني. فالمعنى صار: منذ الآن نستطيع أن نستغني عن قسم من الجلسة، لأن لا معنى لها. بعد مثل هذه البداية نختتم كلامنا.
هذا ما فعله المجلس حين أعلن: "لقد سمعنا نحن من فمه". إذا جعلنا فعل "سمع" جانباً، لا يشبه مرقس لوقا في هذه الآية. أترى لوقا هو الذي دوّن هذه الخاتمة الغريبة؟ نجد في لوقا "من" فمه مع الأداة "إك" (4: 22، 11: 54؛ 19: 22؛ أع 22: 14) لا مع الأداة "أبو" (نجدها في السبعينية 15 مرة). أما هنا فمع "أبو" على خطى السبعينية كما اعتاد لوقا أن يعمل. ثم، نستطيع القول إن لوقا تجنّب (إحتراماً ليسوع) اتهامه بالتجديف. ولكن لا نجد شيئاً عن الحكم. قد لا يبدو لوقا مسؤولاً عن هذا الغياب (لا يقول شيئاً). وإلا لن يكون موافقاً لما يقوله في وليْ الخبر وفي سفر الأعمال حيث موت يسوع هو عمل اليهود وحدهم (ولو كان الأمر غير معقولاً). حسب لو 22: 25- 26، 33، اليهود هم الذين اقتادوا يسوع إلى الجلجلة وصلبوه. نجد "الجند" في آ 36، ولكنهم يكتفون بالهزء بيسوع (رج أع 1: 23، 36؛ 5: 30: 10: 39). إذن، لا يمكن أن يكون لوقا قد ألغى حكم المجلس على يسوع بالاعدام، بل وجده في مرجعه.
نشير هنا إلى أن لوقا تحدّث بسرعة عن التوقيف (22: 54؛ ق مر 14: 46؛ مت 26: 50 ب)، ولا يذكر الجلد (ق مر 15: 15= مت 27: 26)، بل لا يذكر اللفظة في فم بيلاطس (قال: سأؤدّبه 23: 16، 22). وإن كان حديث عن "التجديف"، فهو لا ينسب إلى يسوع، بل إلى الحرس (22: 65) أو لصّ الشمال (23: 39) الذين جدّفوا على يسوع.
ونعود إلى خاتمة لوقا الذي أرادها كما هي. لماذا؟ إذا أردنا أن نحيط بمشروع الإنجيلي، نعود إلى مجمل المقطع. يقوم يسوع بعملية "توليد" فيقود الحوار ويقود خصومه (أو قضاته المزعومين) إلى استنتاج كرامته كابن الله. لهذا غاب "الرئيس": فالشخصية الفرديّة الوحيدة هي يسوع. من هنا هذا الاستجواب الذي يبدو بشكل أسئلة تطرح على الطلاب لا بشكل تحقيق قضائي ينتهي باعلان الحكم. ولكن لا نخطئ: فالهدف ليس تبرئة اليهود. فهؤلاء الذين نالوا للمرة الأولى الوحي الكامل، هم ذاتهم الذين سوف يقتلون "ربّ الحياة". ولهذا عليهم أن يتوبوا (أع 3: 15، 19). لا شكّ في أن لوقا، وإن لما ينكر خطأهم، قد أبرز رحمة يسوع اللامحدودة التي وصل بها الأمر إلى مسامحة جلاّديه الذين لا يعرفون ماذا يعملون (23: 34؛ رج أع 3: 17). غير أن هذه النهاية ترتبط بموضوع آخر، ولا تلغي شيئاً من المضمون الخاص بحدث السنهدرين.
إن أراد لوقا أن يقدّم هنا أكثر من تقرير دقيق عن الحدث، فنقول الشيء عينه عن ساباقه. فبقدر ما نستشفّ معطيات المرجع الذي استعمله الانجيلي، فهي تقدّم ما تقدّمه النسخة المرقسية. إن الجزء الأول من الاستجواب حوله هويّة يسوع المسيحانية مع رفضه بأن يجاوب، يجعلنا في خطّ تاريخي. ولكن هذه المرحلة الأولى لا تفترق عن الثانية. وكلتاهما تتوخّيان تحديد هويّة يسوع الحقيقة: ليس مسيحاً سياسياً، بل ابن الله. لا ننسى أن هذا اللقب الأخير يرتبط بالمسيحية. ثم إذ جعل الكاتب المجلس كلّه يستجوب يسوع، رأى في هذا المجلس تجسيداً للأمة اليهودية. وهكذا تبدو هذه القطعة تأليفاً ذات هدف تعليمي. فإطار المحاكمة هو مناسبة كرستولوجية فيها بعض التعارض: إختلفت الكنيسة عن نظرات مسيحانية خاصة بالعالم اليهودي، فدتت على موضوع إيمانها.
لن نحاول أن نرسم مسيرة المشهد أمام السنهدرين حيث دين يسوع وحُكم عليه. فحين دوّن الكتاب الأخبار الإنجيلية أرادوا لا أن يحتفظوا بتذكّر للأحداث، بل أن يغذّوا إيمان الجماعات. نجد تعليماً في هذه الأخبار، ولكن لا ينتظر المؤرّخ أن يجد معطيات سيروية يبحث عنها.
4- صياغة كرازيّة
لما تولد هذه الأخبار التي قرأناها من "لا شيء". بل هي تمثّل صياغة كرازة تنطلق من عنصر تقليدي هو: مثول يسوع أمام المحكمة اليهودية. ففي الأناجيل الإزائية الثلاثة، يبدأ الحدث بالإشارة إلى اجتماع المجلس لهذه الغاية: "إجتمع كل عظماء الكهنة والشيوخ والكتبة" (مر 14: 53 ب؛ رج لو 22: 66: إلتأم مجلس شيوخ الشعب، رؤساء الكهنة والكتبة؟ رج ست 26: 57). هذا ما قال مرقس وزاد (بعد نكران بطرس ليسوع) أن "عظماء الكهنة وكل المجلس طلبوا شهادة على يسوع" (14: 55 أ). ونقرأ الشيء عينه في مت 26: 57 ب، 59. ولم يشذّ لوقا عن القاعدة (22: 66)، غير أنه اختلف اختلافاً كبيراً عن متّى ومرقس: فالنبذة التي تسبق حالاً خبر الاستجواب (بعد إنكار بطرس ليسوع ومشهد الإهانة)، قالت إن الامور حدثت "حين طلع النهار". وهكذا عارض موقف متّى ومرقس اللذين قالا إن المحكمة التأمت في الليل. غير أن الاختلاف ليس كاملاً. فإن مرقس ومتّى أشارا، بالإضافة إلى هذه الجلسة الليلية، إلى جلسة جديدة أمام السنهدرين في الصباح، جلسة قيدّ يسوع على أثرها وسلّم إلى بيلاطس (مر 15: 1؛ مت 27: 1- 2). إذن، لم يكن لوقا وحده حين تحدّث عن جلسة صباحية. ولكن التقى مرقس ومتّى مع يوحنا الذي أغفل السنهدرين في هذا السياق (رج يو 11: 47- 53، حيث يقرر السنهدرين الذي يرأسه قيافا، بأن يتخلص من يسوع)، ولكنه روى كيف اقتيد يسوع من جتسيماني إلى عظيم الكهنة حنان لكي يستجوب (18: 12- 14؛ 19: 13) خلال الليل (رج يو 18: 28). نلاحظ أخيراً قصرعظيم الكهنة (22: 54 أ؛ مر 14: 53 أ؛ مت 26: 57 أ؛ يو 18: 13). هذا مهما كان معنى لفظة "اولي" (دار، قصر) في يو 18: 15. تحدّث لو 22: 54 عن "بيت" رئيس الكهنة "أويكيا". زاد متّى على مرقس (ولوقا) اسم عظيم الكهنة: قيافا. قد يكون هناك اتصال مع التقاليد اليوحناوية.
هنا نطرح سؤالاً: كيف سار التقليد المسيحي مسيرته حول القسم اليهودي في محاكمة يسوع؟ إذا قرأنا ما في مر 14: 53، 55؛ 15: 1 نكتشف نمطين من المعطيات: الأول مشترك بين مرقس (ومتّى) ويوحنا: ما إن أُوقف يسوع حتى اقتيد إلى عظيم الكهنة (مر 14: 53 أ؛ يو 18: 13). والسلطات اليهودية هي التي أسلمت يسوع إلى بيلاطس (مر 15: 1 ب؛ يو 18: 13). والنمط الثاني: غاب عن إنجيل يوحنا، وتحدّث عن اجتماعين للمجلس الأعلى (مر 14: 53 ب، 55؛ 15: 1 أ).
إن هذه المقاطع تبرز اجتماعين متمايزين. فنحن لسنا أمام نظرية ترى في مر 15: 1 أ تذكيراً يربطنا بخبر الجلسة الليلية التي قطعها مشهد الانكارات، وتدلّ على أن هذه الجلسة تمّت في الصباح. فالعبارة التي استعملها مرقس تدلّ على جلسة جديدة للمجلس في أول ساعات الصباح.
إذا أردنا أن نتحقّق من متانة التقليد المتحدّث عن جلستين، لا نجد شيئاً في يوحنا، بل في لوقا. ففي هذا الإنجيل (22: 66) تمّت الجلسة الوحيدة ساعة جمع مرقس السنهدرين مرة ثانية. أما نجد هنا تأكيداً لنبذة مر 15: 1 أ؛ نعم، إذا كان لوقا يقدّم معطية مستقلّة عن مرقس. هذا ما يجب أن نتفحّصه، لأن لوقا عرف واستعمل خبر مرقس عن الآلام، بل إن جلسة السنهدرين (الوحيدة) عنده، هي اختلافة عن جلسة مرقس الأولى واستلهاماً جزئياً لها. وهكذ نتساءل: أما قصد لوقا بأن يفصل بين اجتماع المجلس من جهة، وإنكار بطرس ومشهد الاهانات من جهة ثانية؟ وذلك لكي يتجنّب استنطاقاً ليلياً اعتبره غير معقول. هنا نتذكّر أنه كان في يد لوقا مرجع شخصي (انطلق منه واستفاد من نصّ مرقس). ولكن هل جهل هذا المرجع المحاكمة الليلية فلم يذكر إلا الجلسة الصباحية؟ لا نستطيع أن نحكم على مرجع لوقا، ولكن نتساءل: هل لو 22: 66 هو نبذة أصيلة، أم إعادة صياغة نصّ مر 15: 1 أ؛ في الحالة الثانية، قد يتبع تسلسل الأحداث عند لوقا التدوين الأخير: أخذ لوقا خبر مرقس الليلي وجعله في الصباح.
خاتمة
ويبقى الكثير نقوله عن محاكمة يسوع. فأصل الأخبار متشعّب: هل وُجد هناك خبر مسلسل للآلام نستطيع أن نكتشفه من خلال الأخبار الإنجيلية الأربعة؟ ما هي علاقة يوحنا مع الأناجيل الإزائية الثلاثة؟ ما هو مضمون المرجع الذي استقى منه لوقا؟ كلها أسئلة تنتظر جواباً. ولكن بالنسبة إلينا، يبقى دور اليهود أساسياً في الحكم على يسوع وتسليمه إلى بيلاطس. هل كان هناك أسئلة غير رسمية وتشاورٌ في الليل، قبل الجلسة الرسمية عند الصباح؟ هذا هو المعقول الذي نتبعه في خبر آلام المسيح.
الفصل الثلاثون
محاكمة يسوع لدى الرومان
23: 1- 5

إذا كانت السلطات اليهودية قد اتخذت احتياطاتها لتنقل يسوع أمام المحكمة الرومانية، فلأنها لم ترد ولم تكن تستطيع أن "ترتب" بنفسها المصير الأخير لهذا المتهم. وقد لا تكون حكمت على يسوع بالاعدام، لأن الخبر الذي يذكر هذا الحكم (مر 14: 64) يعود إلى أصل مسيحي. فما حدث عند حنان هو اجتماع إعلامي في منزله لما يكن له أية سلطة قضائية. ومهما يكن من أمر اجتماع الصباح، فهناك واقع لا شكّ فيه وهو: إن بيلاطس البنطي هو الذي حكم على يسوع بالموت. هذا ما يقول العهد الجديد، وتاقيتس الروماني الذي أورد عذابات المسيحيين في رومة بأمر نيرون. قالت: "يأتي اسمهم من المسيح (كرستوس) الذي أسلم إلى العذاب خلال رئاسة طيباريوس وولاية بونسيوس بيلاطس" (الحوليات 15: 44). إنّ يسوع صُلب. وهذا عذاب روماني، لا يهودي، في زمن المسيح. وهذا يعني أن السلطة الرومانية فرضته. فلو أن المحكمة اليهودية حكمت على يسوع بالاعدام، لكان رُجم ولم يُصلب.
1- حقّ المجلس الأعلى
ولكن لماذا نذكر بونسيوس بيلاطس؟ لماذا لم تعمد السلطات اليهودية إلى تنفيذ حكم الاعدام بيسوع؟ أجاب يوحنا بفم الذين أرادوا أن يزيلوه: "لا يحقّ لنا أن نقتل أحداً ثم (18: 31).
ونقدّم ملاحظات عامة حول الوضع السياسي لليهودية في ذلك الزمان. فمنذ اعتلاء هيرودس الكبير العرش سنة 40 ق. م.، خسر السنهدرين (المجلس الأعلى للأمة اليهودية) السلطة التي كانت في يده على أيام الحشمونيين. بعد هذا، حلّ محلّ شريعة الآباء نظام جديد فرضته الامبراطورية الرومانية. وما بقي من حقّ محليّ مارسته السلطة اليهودية بسبب تساهل (أو تنازل) السلطة الرومانية. وقد احتفظ المجلس بالحقّ المحلي بشكل امتيازات تنعم بها السلطة الرومانية. فهل نستطيع أن نحسب بين هذه الامتيازات حقّ تنفيذ الحكم بالاعدام؟
هناك من أجاب بالإيجاب. وهكذا أنكروا كل تاريخية لمحاكمة يسوع. بما أن السنهدرين كان حراً في قتل يسوع، وجب عليه أن يمارس الرجم (لا الصلب). ولكن يسوع صُلب، والصلب عقاب روماني. إذن، لم يكن هناك من محاكمة يهودية. والخبر الانجيلي هو خدعة أدبية. هذا هو موقف ليتزمان. ولكن مهما تكن الأسباب الذي دفعته إلى اتخاذ هذا الموقف، فالحقّ الذي يمتلكه السنهدرين لتنفيذ حكم الاعدام، يبقى مدار شكّ.
نجد بعض الشهادات في الأدب الراباني حيث السنهدرين مارس حقّ الموت حتى دمار الهيكل. هذا ما ظنّه عظماء الكهنة. ولكن هل مارسوا هذا الحق؟ هنا نذكر بعض الوقائع التي حصلت في فترة قريبة من السنوات التي تهمنا.
أ- رجم يعقوب
أول واقع هو رجم يعقوب "أخي الرب" ومسيحيين آخرين على مسؤولية عظيم الكهنة حنان الثاني سنة 62. قال عنه المؤرّخ يوسيفودس: ظنَّ أنه يستفيد من ظرف مؤات، لأن فستوس مات منذ فترة قصيرة وما زالت ألبينوس لا الطريق. إذن، جمع قضاة السنهدرين، فمثل أمامهمم يعقوب، أخو يسوع الذي سمّي المسيح وغيره آخرون. إتهمهم بأنهم تجاوزوا الشريعة وأسلمهم إلى الرجم. أولئك الذين عدّوا من كثر المعتدلين من سكان المدينة، وأولئك الذين كانوا متشدّدين في ممارسة الشريعة انصدموا بهذا العمل. إذن، أرسلوا وفداً سرياً إلى الملك أغريبا وألحّوا عليه (لا سيما وأن حنان لم يكن مستقيماً حتى في تصرّفه الأول) أن يأمره بأن يتحاشى مثل هذه الاعمال. وبعض منهم ذهبوا إلى ألبينوس الذي كان آتياً من الاسكندرية، وأعلموه بأن حنان لم يكن له سلطان بأن يدعو المجلس من دون موافقته. إقتنع ألبينوس بهذا الكلام، فكتب غاضباً إلى حنان وهدّده باجراءات يعاقبه بها. وبسبب ما فعله حنان، حطّه الملك أغريبا من درجته كعظيم كهنة وأحلّ محلّه يشوع بن دامنايوس.
يورد هذا النص تدخّلين.
الأول لدى أغريبا، وهو يبرز لا شرعية "العمل الأول" الذي قام به عظيم الكهنة. ولكن ما الذي حدث؟ هل لأنه دعا إلمجلس؟ هذا ليس بعمل لا شرعي في نظر هؤلاء اليهود الاتقياء. هل لأنه قتل يعقوب ورفاقه؟ ولكن هذا ليس العمل "الأول" بل العمل الأخير. تبقى لا شرعية الحكم بالاعدام. وهذا ما يتوافق مع السياق السابق الذي فيه شدّد يوسيفوس على قساوة الصادوقيين في ممارسة العدالة.
الثاني لدى ألبينوس. كان سببه أن عظيم الكهنة لا يستطيع أن يدعو المجلس من دون إذن الوالي. ملاحظة غريبة لسببين. الأول، يبدو أن اليهود يدلّون ألبينوس على امتيازاته الخاصة. والثاني: وحده انعقاد المجلس يرتبط بالسلطة الرومانية المحليّة. قد يكون يوسيفوس أخطأ في هذين السببين. وانطلق شّراح من السبب الئاني فاستنتجوا من النصّ أن السنهدرين المجتمع بأمر الوالي كان حراً بأن يفعل ما يشاء حتى بإصدار الحكم بالاعدام.
في الواقع، ما يشدّد عليه النصّ أن حنان استفاد من فراغ السلطة ليدعو يعقوب إلى أمام السنهدرين فيحكم عليه ويرجمه. من الواضح أنه لو كان للمجلس السلطة التامة في ما يتعلّق بحكم الاعدام، لما قال يوسيفوس إن حنان استفاد من الظرف المؤاتي بسبب شغور كرسي الحكم.
ب- يشوع بن حنانيا
المثل الثاني يقع في أيام ألبينوس (62- 64) الوالي. قام فلاح مسكين اسمه "يشوع بن حنانيا" فأخذ يجول أورشليم وهو يهتف: "صوت الشرق، صوت الغرب، صوت الرياح الأربع، صوت ضدّ أورشليم وضدّ الهيكل، صوت ضدّ ارمروس والعريس (إر 7: 34)، صوت ضدّ الشعب كله". أوقف الرجل بأمر من "مواطنين وجهاء" فأوسعوه ضرباً. ثم إنّ هؤلاء القضاة أنفسهم اقتادوه إلى ألبينوس. فجلده حتى العظام لكي يعذّبه، ولكن لم يحصل منه على شيء سوى تكرار قوله المشؤوم. حسبه مجنوناً فأطلقه. أما "المواطنون الوجهاء" أو "القضاة" فهم أهل المجلس الذين لم يبقَ لهم إلاّ أن ينفّذوا الحكم.
ويثبت تقليص سلطة السنهدرين، سلسلة من المقاطع الرابانية نستخلص منها قي ما يتعلّق بموضوعنا: قبل دمار الهيكل بأربعين سنة، خسر المجلس سلطته في الحكم بالاعدام. وهذا ما يقودنا إلى بونسيوس بيلاطس (26- 36). لا يذكر أي واقع من هذا النوع خلال هذه الحقبة لدى يوسيفوس. ويتّفق الشّراح على القول إن عدد 40 قد يعود بنا إلى سنة 6 ب. م.، حين بدأ في اليهودية نظام الإدارة الرومانية المباشرة.
ج- معطيات أخرى
وهناك معطيات أخرى تبدو وكأنهَّا تعارض ما سبق. هناك استشهاد اسطفانس (أع 7: 55- 8: 3): مشهد نرى فيه أعضاء المجلس يهجمون على اسطفانس ويقودونه إلى العذاب. لا نجد حكماً. بل هجمة شعبية غطّاها المجلس الأعلى لليهود.
وتُذكر حالة أخرى في أع 12: 2: قُتل يعقوب بن زبدى بأمر الملك هيرودس أغريبا الأول في حقبة (31- 44) انقطع فيها نظام الولاة في اليهودية. وفي أيام أغريبا نفسه نفّذ حكم الاعدام بابنة كاهن جنحت فأحرقت على تلّة من الحطب.
وبعد هذا نجد التهديد ضد الوثنيين الذين يتجرّأون أن يتجاوزوا حرم الهيكل. أشار فيلون إلى هذا الحرم مرة واحدة، ويوسيفوس مرتين. ففي خطبة تيطس (الامبراطور) (كما في الحرب اليهودية) نجد لوماً لليهود بسبب الحاجز بين رواق الأمم وما تبقّى من الهيكل، وكان قد كُتب فيه تحذير باليونانية واللاتينية يهدّد بالموت من يتجاوز هذا الحاجز. كُتب هذا التحذير بالاتفاق مع الرومان.
2- الأخبار الانجيلية
إن الأناجيل الأربعة تروي مثول يسوع أمام محكمة بيلاطس. ولكن لا نبحث عن تقرير دقيق للأحداث. نحن بالأحرى أمام درس ديني.
أ- مرقس (15: 2- 15)
إذا وضعنا جانباً حدث برأبا، يتميّز نصّ مرقس بإغفال للأمور التاريخية. يبدأ فجأة من دون اتهام، من دون أي شيء يتيح لنا أن نعرف لماذا سأل بيلاطس يسوع: هل أنت ملك اليهود؟ وندهش حين لا نسجّل أية ردّة فعل عند بيلاطس بعد أن اعترف يسوع بأنه "ملك الجهود" ("أنت قلت". تأكيد مدروس في آ 2). إعتبر أن هذا اللقب يخصّه، فيجب أن يُتّهم بالخيانة العظمى. ولكن بيلاطس يتابع الجلسة وكأن شيئاً لم يكن. وفي النهاية، لم يصدر حكمٌ، بل تراجع الوالي وتخلىّ عن يسوع لكي يرضي الجمع. إن هذا الخبر الذي يشبه خبر الجلسة أمام السنهدرين، تتداخله مواضيع كرستولوجية ودفاعية تتجاوز "تقريراً موضوعياً" عن مسيرة المحاكمة.
ب- لوقا (23: 2- 25)
ويتميّز الخبر اللوقاوي بشيء خاص يلفت نظر القارئ: هناك انقطاع في المشهد: يُرسل يسوع. (في فاصل) إلى هيرودس انتيباس (آ 7- 12)، وهذا عنصر سوف نعود إليه فيما بعد. وما تبقّى من الخبر نجده في مرقس. أما الاتهام بالتخريب، فلا يهتم له بيلاطس. فهو يقرّ على ثلاث دفعات أن يسوع بريء، وأن مثل هذه الاتهامات لا جدوى منها.
ج- متّى (27: 11- 26)
يرتبط متّى بمرقس، ويزيد عليه حدثين. الأول، هو تدخل امرأة بيلاطس من أجل المتهم (آ 19). الثاني، هو المشهد الذي فيه يبرّئ بيلاطس نفسه: يغسل يديه أمام الجموع، فتجيب الجموع معلنة تحمّل مسؤولية موت يسوع (آ 24- 25). تتحدّث امرأة بيلاطس وكأنها يهودية عارفة بالشريعة. أما بيلاطس فيقف في خط الكتب المقدسة. كل هذه المجموعة تتداخلها مواضيع توراتية ومتّاوية. الحكم هو وسيلة وحي (رج مت 1: 20، 2: 12، 13، 19، 22). إن غسل اليدين هو عادة يهودية لا رومانية. رج تث 21: 6- 9؛ مر 26: 6؛ 73: 13.
د- يوحنا (18: 28- 19: 16)
يقدّم لنا الانجيل الرابع في خبره للمحاكمة الرومانية، تأليفاً مبنياً بناءً دقيقاً وذات بُعد لاهوتي رفيع. هناك نقاط مشتركة مع مرقس، وهذا ما يطرح مسألة ارتباط الواحد بالآخر. رُذل بيلاطس في فئة "العالم". وهذا يعني أننا في خبرة كنيسة رفضها واضطهدها العالم اليهودي والعالم الروماني. 
قدّم لنا يوحنا معطيات جديدة هي مدى للحدود التي وضعت لسلطة السنهدرين (18: 31). وقدّم أيضاً تفصيلين، واحد كرونولوجي (18: 28: كان الصباح؛ 19: 14: تهيئة الفصح)، وآخر طوبوغراقي (19: 13: ليتو ستروتوس).
3- استنتاجات تاريخية
أ- عظماء الكهنة والشعب
إن دور عظماء الكهنة في تقديم يسوع إلى بيلاطس ليميته، هي معطية مشتركة بين الأناجيل وهي تتسجّل في أعمق أعماق التقليد. وهذا الدور يتواصل (كما تقول الاخبار) خلال المحاكمة: لم يكتفِ عظماء الكهنة بأن يشتكوا على يسوع (مر 15: 3؛ مت 27: 12)، بل هيّجوا الشعب ليطلب الحكم بالاعدام عليه (مر 15: 11 مت 27: 20). إن موقف الجمهور اليهودي وانتصاره على تردّد الوالي هما أمران جوهريان في الأخبار الأربعة، ولا نستطيع أن نغفلهما على أنهما رمز يستبق العداوة اليهودية المقبلة تجاه الكنيسة الفتية.
ضعفت السلطة القضائية، فانتقل الشعب إلى المركز الأول، تاركاً في الكواليس عظماء الكهنة. مثل هذه المشاهد معروفة لا سيّما في أيام بيلاطس حيث نرى الجموع اليهودية تتدخّل لدى السلطة الرومانية لتصرخ وتطالب بما ترغب (منها الأعلام في الهيكل، وبناء القناة). أن يكون عظماء الكهنة قد تركوا الغرائز الشعبية تلعب لعبتها رافعين البرهان الديني الذي يمثّل يسوع على أنّه العدّو الذي جدّف على الهيكل، فهذا أمر سهل لا سيّما وأنّ الحجَّ الفصحي يجتذب الجموع كل سنة إلى الهيكل.
ولكن هناك ملاحظة تدعونا إل التحفّظ بعض الشيء: إن تدخّل الجمع في خبر الانجيلين الأولين ينحصر في حدث برأبا. في لوقا، تدخلت الجموع قبل ذاك الوقت (33: 4) بالاتفاق مع عظماء الكهنة في استباق يتيح للانجيلي أن يبرز على ثلاث دفعات إعلان البراءة الذي أورده مرقس مرة واحدة (15: 14). وفي يوحنا، لن يعود من حديث إلاّ على "اليهود" (19: 7، 12، 14). إن النسخة الأقدم تُقرأ عند مرقس ومتّى اللذين يشهدان على الفصل التقليدي بين قسمي الخبر. ولكن الجمع اصطدم بصعوبة خطيرة في القسم الثاني ومع طلب اخلاء برأبا. ولهذا نستطيع أن نتحدّث عن تجمّع هائج مع وفد من المجلس الأعلى وراء يسوع يحيط به جنود: هكذا يعلمون بيلاطس بالأمر ويسلّمون يسوع إلى سلطته. في مر 15: 11، 14 يتوجّه التصريح إلى الشعب. وفي مر 15: 3، عظماء الكهنة وحدهم يقدّمون الشكوى. وزاد لوقا في 23: 4 أ الجموع على عظماء الكهنة ليسمعوا كلهم في تلك الساعة حكم البراءة.
ب- موضع المحاكمة
كان للمقاطعة اليهودية عاصمتان: قيصرية هي العاصمة الادارية حيث اعتاد أن يقيم الوالي الروماني. والثانية أورشليم. كان الوالي يصعد بعض المرّات إلى أورشليم، ولا سيّما بمناسبة الأعياد الكبرى. فتدفّقُ الناس الآتين إلى الحج يفرض مراقبة دقيقة للوضع بحضور الوالي. ذاك كان الوضع خلال محاكمة يسوع.
أين كان يقيم الوالي حين يأتي إلى أورشليم؟ إما في قلعة انطونيا، على الزاوية الشمالية الشرقية لساحة الهيكل. وإما في قصر هيرودس، على تلة تقع غربي أورشليم. الموقع الثاني هو الأصح. وإليك البراهين: 
* قيصرية، كان مقام الوالي في قصر هيرودس (أع 23: 35) حيث نرى بولس سجيناً في دار هيرودس بأمر الوالي فليكس. ولهذا نستنتج أنّ بيلاطس كان يقيم أيضاً في قصر هيرودس حين يأتي إلى أورشليم.
* إنّ موقع قصر هيرودس الذي يشرف على أورشليم كان مثالياً من أجل مراقبة المدينة كلها، وخصوصاً الهيكل.
* يماثل فيلون في قضية التروس بين "مقام الحاكم" و"قصر هيرودس".
* قال يوسيفوس إن الوالي جاسيوس فلوروس أقام في القصر. وأمام هذا القصر نصب منبرا يسمع منه شكاوى الوجهاء.
* حسب يو 19: 13، إن الموضع الذي جلس عليه بيلاطس ليحكم على يسوع سمّي في الأرامية "جباتاً". تعود الكلمة إلى الجذر "ج ب" الذي يعني العلوّ والارتفاع. لا شكّ في أن قلعة أنطونيا كانت ترتفع فوق ساحة الهيكل، ولكنها لم تكن تشرف على المدينة، بعد أن كانت على منحدر تلة بيت زاتا. إذن جباتاً هي قصر هيرودس. وهذا ما نتأكد منه حين يقول مر 15: 8 إنّ الجموع صعدت إلى بيلاطس لتطلب العفو لبرأبا. كل هذا يدلّ على طوبوغرافيا محلّية.
إذن، حُكم على يسوع في قصر هيرودس. هل نستطيع أن نوضح أكثر؟ يعلمنا مر 15: 16 "أن يسوع بعد أن حكم عليه وجُلد، اقتاده الجند إلى داخل القصر أي دار الولاية". هذا يفترض أن الباقي حصل في الخارج. ولكن هناك يو 19: 13 الذي يقول إن بيلاطس "أخرج" يسوع. نحن هنا أمام رمزية تدلّ على أن اليهود قد حرموا الآن من الكشف عن شخصية يسوع (الموضوع المحوري في الاستجواب). إذن، حُكم على يسوع وجُلد في الخارج، في جباتا أو ليتوستروتوس.
ج- بونسيوس بيلاطس
إن الامبراطور طيباريوس أرسل بونسيوس بيلاطس ليخلف فلاريوس غراتوس "والٍ" على اليهودية في سنة 26 ب. م. كانت الوظيفة تعني إنتماء إلى نظام الفرسان، وهذا يعني أنّ بيلاطس قام بوظيفة حربية. ظلّ عشر سنوات في اليهودية. وفي نهاية 36 أو بداية 37 أرسله فيتاليوس المفوّض في سورية، إلى رومة لكي يشرح موقفه أمام بيلاطس بسبب مقتل السامريين الذي نُسب إليه.
رسم عنه فيلون لوحة قاسية. بل يبدو أنه كان رجلاً صاحب إرادة ضعيفة يتراجع أمام ضغط الجموع، كما تقول عنه الأناجيل. إن خضوعه وتعبّده للامبراطور يدلّ جزئياً على المدة الطويلة التي قضاها كوالٍ في اليهودية (لم يكن الوالي يتجاوز الخمس السنوات. ما عدا فلاريوس غراتولس، 11 سنة. وفليكس من هشة 52 حتى 59).
لم يهتمّ كثيراً لعادات اليهود التي لم يكن يفهمها، وهذا ما دفعه لكي يقوم بأعمال تخلو من الفطنة. مقابل هذا، كانت علاقته مع السلطة المحلية على أحسن ما يرام: فقد ظلّ قيافا رئيس الكهنة، ما ظل هو والي اليهودية. وما إن عاد إلى رومة حتى عجّل فيتاليوس فعيّن خلفاً لقيافا (إذن، كان هناك اتفاق بين قيافا وبيلاطس).
كان بيلاطس، بصفته والياً على اليهودية، رئيساً حربياً (يصوّر والسيف في يده أو على جنبه) مهمته المحافظة على النظام العام حسب المبدأ الذي أعلنه شيشرون: ليكن خلاص الشعب الروماني هو الناموس الأسمى. لهذا كان بيلاطس وأمثاله يمارسون السلطة بالإكراه ولا سيّما ضدّ الذين ليسوا مواطنين رومانيين. ولكنهم اعتادوا أن يفعلوا كما يُفعل في إيطاليا.
قضت العادة بأن تكون المحاكمة علنية، فيجلس الوالي على منبره. وتقدّم الاتهامات حسب الأصول، وعلى المتّهم أن يدافع عن نفسه. هذا ما حدث ليسوع الذي طلب منه أن يدافع عن نفسه. ويفترض حضور ترجمان بين يسوع وبيلاطس.
د- الاتهامات التي قضت على يسوع بالموت
ما هو الجرم الذي به اتهم عظماء الكهنة يسوع أمام بيلاطس؟ لا يقول متّى ولا مرقس شيئاً. وأورد يو 18: 30 جواب اليهود: "لو لم يكن فاعل سوء لما أسلمناه إليك". أما لوقا (23: 2) فهو واضح كل الوضوح: "لقد وجدنا هذا الرجل يثير أمتنا، ويمنع من أداء الجزية لقيصر، ويدّعي أنه المسيح الملك". هذا ما يشير إليه خبر مرقس ويؤكده خبرا متّى ويوحنا.
فاستجواب بيلاطس يبدأ فجأة في الأناجيل الأربعة بهذا السؤال: "هل أنت ملك اليهود"؟ هكذا بدأ الحدث. ولكنه يفترض معلومة سابقة قد نكتشف مضمونها.
منذ موت هيرودس الكبير سنة 4 ق. م. كانت قلاقل على رأسها أشخاص ادّعى كل واحد منهم أنه "المسيح". هناك يهوذا بن حزقيا. وسمعان عبد هيرودس القديم، ومناحيم الجليلي... وهكذا حين سلّم عظماء الكهنة يسوع إلى بيلاطس صوّروه على انه مفتن يتطلّع إلى المُلك. هكذا بدأ الملك الاستجواب وكتب "ملك اليهود" (مر 15: 26).
إنّ اللقب المعروض هنا يعني أن يسوع عذب لأنه اعتبر نفسه ملكاً على شعبه. مثل هذا الادّعاء يمّس بالامبراطورية الرومانية وسيادتها. لهذا حُكم على يسوع بالموت بجرم التعدّي "على سيادة الشعب الروماني".
تأثّر بيلاطس بهذا الاتهام فرأى ضرورة الحكم بالاعدام. اتَّخذ اجراءً احتياطياً، وهو يحاول أن يرضي سلطة دينية خاضعة كل الخضوع للحكم الروماني.
إذا عدنا الآن إلى سبب توقيف يسوع وقلنا انه "انتقاد للهيكل"، نرى في الاتهام أمام بيلاطس تحويلاً جوهرياً أطلق القضية في هذا الاتجاه. أجل، إن بيلاطس حكم على يسوع بسبب طموحاته السياسية.
هـ- برأبا
ينقسم خبر المحاكمة الرومانية في إنجيل مرقس إلى قسمين متمايزين كل التمايز. في القسم الأول (15: 2- 5) نشهد استجواباً ينتهي بلا نتيجة. وفيه لا يلعب الجمع أي دور. في القسم الثاني (15: 6- 15) حيث يتدخّل الشعب تدخلاً ناشطاً، نشهد قضية برأبا. هذا ما يفعله متّى أيضاً ما عدا الزيادات التي أشرنا إليها سابقاً (مت 27: 11- 26). بدّل لوقا هذه البنية فأدخل الشعب في إطار الاتهام منذ البداية (23: 4). أما حدث برأبا فنجده موجزاً عند لوقا (23: 18- 25) الذي أعاد صياغة خبر مرقس. وهكذا تنتقل قضية برأبا في إنجيل لوقا إلى المستوى الثاني. والأمر هو كذلك في إنجيل يوحنا بآيتيه الاثنتين (يو 18: 39- 40). ننطلق من خبر مرقس الذي يبدو الخبر الأقدم.
حسب هذا الانجيل، إعتاد بيلاطس أن يطلق سجيناً في كل عيد فصح (في مر 15: 6 حديث عن العيد ولكنه عيد الفصح كما في 14: 1- 2). وصعد الجمع إلى بيلاطس من أجل العفو المرتجى. فاستبق بيلاطس الأمور وعرض إخلاء يسوع. رفض الجمع عرضه وطالب بإطلاق برأبا الذي أوقف مع بعض الثوّار بسبب الدم الذي سفكوه. وفي النهاية، لبّى بيلاطس رغبة الجمع.
خاتمة
وانتهت المحاكمة بحكم حسب الأصول أعلنه بيلاطس من على منبره. منذ ذلك الوقت، انتقل يسوع إلى أيدي جنود لا تعرف الرحمة.
الفصل الحادي والثلاثون
يسوع أمام هيرودس
23: 6- 12

قال يوحنا على جبل الجلجلة: "ينظرون إلى الذي طعنوه" (9: 37). فالحرية البشرية لا تبنى إلا إذ "تركت صورة الآب الذي هو يسوع المسيح تسيطر عليها. "فنحن جميعاً نعكس صورة مجد الرب بوجوه مكشوفة. فنتحوّل إلى تلك الصورة ذاتها، وهي تزداد مجداً على مجد، بفضل الرب الذي هو الروح" (2 كور 3: 18). لهذا، سنعود إلى الكتب المقدسة، وبشكل خاص إلى خبر الآلام لكي نكتشف ضعف يسوع و "محدوديته". مع الصليب انتهت الآيات من أجل آية الايمان الكبرى. في هذا الاطار نحاول أدن نقرأ حدثاً مركزياً في آلام ربنا يسوع المسيح حسب لوقا وهو: مثول يسوع أمام هيرودس (23: 6- 12).
1- تفسير النص وبنيته
أ- تفسيرالنصّ
يكفي أن ننظر إلى السياق لكي تظهر بوضوح الوظيفة المركزية لهذا الخبر. فهو يفصل بوضوح قسمَيْ محاكمة يسوع أمام بيلاطس ويثبّت جواب الوالي على اتهامات عظماء الكهنة والكتبة. "وجدنا هذا الرجل يثير أمتنا ويمنع من أداء الجزية لقيصر، ويدّعي أنه المسيح الملك" (23: 2). ولكن الوالي الروماني كان مقتنعاً في صميمه: "لا أجد على هذا الرجل. جرماً" (آ 14، سبباً أحكم به عليه بالموت). وهذا اليقين سوف يتكرّر ثلاث مرات (آ 14، 15، 22) بعد الرواح إلى هيرودس والمجيء من عنده.
ثم إن هذين القسمين من المحاكمة (23: 1- 5؛ 23: 13- 23) يقعان بين حدثين ينسبان مسؤولية موت يسوع إلى رؤساء اليهود: محاكمة صباحية أمام السنهدرين (22: 66- 71) ورد فيها على التوالي ألقاب يسوع الثلاثة العظمى. المسيح، إبن الانسان، إبن الله. تراجع بيلاطس أمام صراخ اليهود. "فقضى بيلاطس بأن يجرى حسب مطلبهم... وأسلم يسوع إلى إرادتهم " (23: 24- 25). أما مثول يسوع أمام تترارخس الجليل فيبدو مرتكزاً لمجموعة من المشاهد تدلت على رفض اليهود لملكهم. وهذا ما تثبته الخطب الكبرى في سفر الأعمال. مثلاً، الخطبة التي تلي شفاء كسيح الباب الجميل: "إله آبائنا مجّد فتاة (عبده) يسوع الذي أسلمتموه أنتم. وانكرتموه أمام بيلاطس. وكان عزم على إخلاء سبيله" (أع 3: 13).
حينئذٍ تبدو مفارقة الآلام عند لوقا على الشكل التالي: إن المشهد الذي يرتكز عليه رذل يسوع بواسطة أخصائه، لا وظيفة دراماتكية له، بمعنى أن لا وزن له في القرار الأخير حول يسوع. هذا المشهد هو "إيقونة" وسط هذا الرواح والمجيء من محكمة إلى محكمة. لا تحرّك فيه بل جمود كما في مشهدي النزاع والصلب. هناك نرى يسوع يصليّ، فيلتفت فقط نحو الآب: "يا أبتاه إن شئت فأجز عني هذه الكاس. ولكن لا تكن مشيئتي، بل مشيئتك" (22: 42). وتردّد صدى هذه الصلاة في استعادة مز 31: 6. "يا أبتاه، في يديك أستودع روحي" (23: 46). ففي هذه الصور الثلاث (في النزاع، وعلى الصليب، وخلال المثول أمام هيرودس) لم يعد يسوع يقول شيئاً للبشر، لم يعد يشهد للآب، لم يعد يدافع عن نفسه أمام متّهميه. إنه بكل بساطة في علاقة مع الآب، في وضع يجعله قديراً بأن "يجتذب إليه جميع البشر" (يو 12: 32).
لما يعد له أن يقول لنا ما هي هذه الحياة الحميمة مع الآب (لن نستطيع أن نفهمه وقد تشوّه كلامه). إنه أمام الآب من أجلنا. وهكذا هو منذ الآن الملك. إنّ بيده ملكاً دلّ عليه خبر سيف سمعان خلال التوقيف والحكم المعلن من أجل لص اليمين (22: 42- 43). هو الملك الحقيقي تجاه المزيّف الذي هو هيرودس.
وبمختصر الكلام، في هذا المشهد الخاص بلوقا، يظهر يسوع بصمته كما هو: ذاك الذي سلّم إليه كل سلطان. والذي يجدّد كل شيء. عنه يقال ما قال "سليمان" عن الحكمة: "مع أنها في ذاتها فهي تجدّد الكون" (حك 9: 27).
ب- بنية النصّ
ولنقرأ النصّ ونرتِّبه بحيث يظهر التماثل بين أقسامه.
أ- فلماسمع بيلاطس ذلك، سأل هل أأ- وردّه هيرودس إلى بيلاطس.
الرجل جليلي. وإذا تأكد له أنه من وفي ذلك اليوم عينه، صار بيلاطس
إيالة هيرودس، بعثه إلى هيرودس وهيرودس صديقين، بعد أن كانا
الذي كان هو أيضاًفي أورشليم متعاديين (آ 12).
في تلك الأيام (آ 6- 7).
ب- لما رأى هيرودس يسوع فرح ب ب- وبعد أن ازدراه هو وحرسه،
جدّأ، لانه من زمان طويل كان وهزأ به،
يشتهي أن يراه، لما سمع عنه. ألبسه هيرودس ثرباً لامعاً
وكان يأمل أن يعاين منه آية (آ 11).
يصنعها (آ 8).
ج- ولكن يسوع لم يجبه بشيء. وكان رؤساء الكهنة والكتبة
إذن، ألقى عليه هيرودس واقفين يشكونه بلجاجة
أسئلة عديدة (آ 9). (آ 10).

البنية الدائرية واضحة. فبين "إرسال" يسوع من بيلاطس إلى هيرودس (أ: الوضع الأول) ومن هيرودس إلى بيلاطس (الوضع النهائي). ثم انتقال من العداوة إلى الصداقة، وهذا ما لا يُفهم على مستوى التفسير البشري المحض. وقد نتخيّل هيرودس معجباً بنفسه حين يرى بيلاطس يرسل إليه متهماً. فتكون النتيجة تحسّن العلاقات بين الرجلين. ولكن هذا التفسير يقلّل من أهمية اللفظتين المستعملتين: صديق، عدوّ. هنا يجب أن نقرأ خطوطاً رفيعة لمصالحة بين اليهود والوثنيين تمت في موت يسوع. "فالمسيح هو سلامنا. جعل من الشعبين شعباً واحداً وهدم الحاجز الذي يفصل بينهما، وأزال العداوة" (أف 2: 14- 15).
هذا ما يقوله بولس الذي رافقه لوقا طويلاً. وهكذا نستطيع أن نرى انقلاباً عميقاً بين ب (هيرودس الذي يرغب في معجزة) وب ب (هيرودس الذي يلبس يسوع لباساً ملكياً): هيرودس نفسه يعطي الآية ويتوّج يسوع رغماً عنه. جاء التتراخس ليهزأ من هذا الرجل المقيّد بعد أن دفعه الفضول، ففعل ما لا يخطر ببال أحد في مثل هذا الظرف. كانت ردّة فعله شبيهة بردّة فعل السنهدرين: قبل هذا الوقت بلحظات أخذوا على محمل الجدّ تصريحات يسوع الذي صار كلا شيء. فعزموا على قتله. لو كان أي شخص آخر أمامنا لقلنا إنه عمل جنوني.
إذا كانت هذه القراءة صحيحة، فالسلام بين الشعبين (أ، أ أ) وتتويج الملك (ب، ب ب) اللذان برزا في هذا الحدث، يتفجّران من ينبوع واحد: لا عمل ليسوع، لا كلام ليسوع. "لم يُجبه بشيء". لم يقدّم أية آية. وُضع الختم على "مصيره". صمت غريب في قلب هذا المشهد. صمت تفسرّه كلمة قيلت قبل ذلك الوقت أمام المجلس الأعلى: "إن قلت لكم" (إني المسيح)، فيفرض على الخصوم أن يكشفوا عن ذواتهم ويعترفوا به رغماً عنهم. في هذه الآيات السبع نجد عرضاً مركّزاً على جوهر البشارة حول القيامة.
2- لاهوت النصّ وحركته
صار اللاكلام توقفاً عن الكلام وخاتمة له، صار القلب الذي منه يتفجّر الإعلان الفصحي. وولدت كلمة الكنيسة عبر فجوة الموت الجذرية، عبر كلمة يسوع التي توقّفت. هذا ما دلّ عليه تحليل نصّ لوقا. يبقى علينا أن نكتشف تتمّة الكتب وواقع الحب الذي يعلو كل معرفة (أف 3: 19). 
أ- تتمة الكتب
هناك نصّ في سفر الأعمال (الذي هو امتداد لإنجيل لوقا) لا نستطيع أن نغفله، لأنه يدلّ على آنيّة آلام يسوع في الاضطهادات التي قاستها الكنيسة. بعد شفاء كسيح الباب الجميل، سُجن بطرس ويوحنا وأطلقا مع أنهما رفضا أن يتوقّفا عن إعلان اسم يسوع. وحين عادا إلى الكنيسة ورويا كل ما حصل لهما، صلّت الجماعة بنفس واحدة: "أيها السيد، أنت الذي صنع السماء والأرض والبحر وجميع ما فيها. أنت الذي قال بالروح القدس على فم داود فتاه (عبده): لماذا ارتجت الأمم، والشعوب هذّت بالباطل؟ قام ملوك الأرض، والرؤساء اجتمعوا معاً على الرب وعلى مسيحه. فإنه قد اجتمع بالحقيقة، في هذه المدينة، على فتاك (عبدك) القدوس يسوع الذي مسحته، هيرودس وبونسيوس بيلاطس مع الأمم وشعوب إسرائيل ليصنعوا ما حدّدت من قبلُ يدك ومشورتك أن يكون. فالان، أيها الرب..." (أع 4: 24- 29).
رأوا وراء هيرودس وبيلاطس إسرائيل والأمم الوثنية. هذا شيء واضح. وما يدهشنا هو استعمال مز 2 (آ 1- 2) الذي ينتمى إلى مزامير التتويج المسيحاني. وقد استعمل أيضاً هذا المزمور مرتين في مؤلّف لوقا. في لو 3: 22، أي في عماد يسوع، نجد مضمون الصوت السماوي كما توجّه إلى يسوع في مز 2: 7: "أنت ابني، أنا اليوم ولدتك". وفي أع 13: 33، في كرازة بولس إلى يهود إنطاكية بسيدية، يدلّ مز 2: 7 بوضوح على قيامة يسوع.
إن هذا التلاقي العجيب الذي يدلّ في شخص يسوع وحياته على النتيجة الأخيرة للكتب القديمة، يتتابع أيضاً في الصور. فالمزمور يتضمّن أربعة أقسام. فبعد أن يصوّر المرتّل دهشته أمام صخب الأمم وما فيه من عبث (آ 1- 3)، يرى الله يضحك من هذه الجلبة ويهزأ بها: "أنا الذي مسحت (كرست) ملكي على صهيون، جبلي المقدس" (آ 4- 6). ثم يعطى الكلام للمسيح لكى يذكر "القرار" الذي حصل عليه: "أنت ابني، أنا اليوم ولدتك، أطلب فأعطيك الأمم ميراثاً" (آ 7- 9). وينهي المسيح كلامه بتنبيه إلى الملوك: "أخدموا الرب بالمخافة" (آ 10- 12).
من الواضح أن تتمّة هذا الكتاب تفترض انقلاباً جذرياً في الأوضاع. لم يعد المسيح أمام هيرودس ذاك الملك المحارب والمنتصر الذي بفضله يستطيع يهوه أن يهزأ من أعدائه، بل هو ذاك الذي يهزأ به الملوك والعظماء. إنه عبد الله المتألم الذي سُحق وقُهر.
ب- حركة النصّ
مرّت التتمّة عبر انقلاب تضمّن "تعارضاً" داخلياً حقيقياً: لقد تبدّلت الادوار حين انتقلنا من الوعد إلى الحقيقة. ولا تستطيع أية جدلية بشرية (وأي مجهود فكري) أن تجمع الاضداد وتلغي المفارقة. وبصورة أدقّ نبقى أمام هذا الحدث "ساكتين، صامتين" (أش 52: 15)، لو لم يكن الجيل المسيحي الأول الذي عرف يسوع كرفيق الدرب والرب القائم من الموت، قد تجرّأ فدخل في سّر الله الذي لا يُسبر. هذه الجرأة قد ألهمها الروح القدس، فتجذّرت تجذّراً واعياً في كلام يسوع الذي يستطيع وحده أن يعبر هؤة الصمت. هي جرأة بولس الذي كتب إلى الكورنثيين: "وفيما اليهود يسألون آيات، واليونانيون يطلبون حكمة، نكرز نحن بمسيح مصلوب، عثرة لليهود وجهالة للأمة (الوثنية). أما للمدعوين، يهوداً ويونانيين، فهو قدرة الله وحكمة الله. لان ما هو جهالة عند الله أحكم من الناس. وما هو ضعف عند الله أقوى من الناس" (1 كور 1: 22- 25).
أحكم، أقوى. إن أفعل التفضيل (أكثر حكمة) ينتمي إلى الاعتراف بيسوع كمسيح وابن الله. لا لأنه يقدّم أساساً ننطلق منه لنحكم على شميلة تقول "يسوع هو المسيح" (أع 9: 22)، بل لأنه يمنع أي إدراك ممكن ويصل بنا إلى قلب الله الذي طعن بالحربة. فحول هذا اللقب يمتدُّ تقليد الكنيسة اللاهوتي، كما تذهب الفراشة إلى النور.
إن آلام يسوع وموته لا تحفّف المسافة اللامحدودة بين الله والانسان، لا تردم هوة اللاكلام واللاعمل، بل تحفرها وتعمّقها. هي تلغي كل تمثل مكاني وتراعي حضوراً نستطيع أن نسمّيه غياباً يملأ القلب.
لا نظنّ أن هذا الرجوع إلى أفعل التفضيل (أكثر)، إلى حبّ الله الذي لا يحدّ، هو تفسير لسّر يسوع الفصحي. فمثل هذا التفسير يولّد اصناماً جديدة شجب الموتُ على الصليب عدميّتها. وهنا نتذكّر كلمة يسوع في يو 12: 32: "وأنا إذا ما ارتفعت اجتذبت إليّ كل انسان". ليس هناك إلا مجرّد حركة يسوع نحو أبيه، هذا "التوجّه" نحو الآب الذي يظهر في صلاة النزاع وعند الصليب، لكي يملأ صمت يسوع أمام هيرودس. لم يعد هناك إلا دينامية الله التي تسير دوماً إلى الأمام. وفيها يجب أن ندخل مع يسوع في آلامه. نحن نواجه الوحيد الوحيد، ولا نستطيع أن نقابل حبَّه الإلهي بأي شيء آخر.
خاتمة
لقد صوّر لوقا مشهد يسوع عند هيرودس حسب التوازي الدائري. (أ): أرسل بيلاطس يسوع إلى هيرودس. (ب): ترجّى هيرودس أن يرى آية، معجزة. (ج): سأل هيرودس يسوع، بناء على اتهامات الرؤساء، فسكت يسوع. (ب ب): هزأ هيرودس من يسوع وعامله كمجنون. (أ أ): أعاد هيرودس يسوع إلى بيلاطس.
عبر هذه البنية، نجد نقطتين لاهوتيّتين خاصّتين بلوقا. الأولى، تصالح التتراخس والوالي، تصالح اليهودي والوثني، بواسطة هذا المحكوم عليه والذي أعلنه بريئاً بيلاطس (بشكل واضح) وهيرودس (بشكل ضمني. أعاده). النقطة الثانية، ألبس هيرودس يسوع ثوباً "ملوكياً" (رج 10: 30. لمّاعاً) ليهزأ من هذا الملك المزعوم. ولكننا نرى في هذا العمل اعترافاً بملك يسوع الالهي. لم نعد أمام الكلمة النبوية القاطعة. بل أمام صمت يسوع وامحائه أمام ما هيّاه الآب له. هذا ما يقلب تاريخ البشر رأساً على عقب ويدفعهم إلى الاعتراف بيسوع غصباً منهم.
الفصل الثاني والثلاثون
يسوع أمام بيلاطس
23: 13- 25

مَثُل يسوع مرة أولى أمام بيلاطس (23: 1- 5). ثم أرسله بيلاطس إلى هيرودس، لأنه عرف أنه من أيالة هيرودس. ولكن هيرودس أعاد يسوع إلى بيلاطس، ومنذ ذلك الوسط تصالحا بعد أن كانا متعاديين (23: 12). وهكذا نكون أمام مثول يسوع الثاني أمام بيلاطس (23: 13- 15).
لوحة أولى مع بيلاطس. لوحة ثانية مع هيرودس. وفي 23: 13 تبدأ لوحة ثالثة مع خبر المحاكمة الرومانية. يبدأ النصّ بهاتين اللفظتين "بيلاتوس دي"، أما بيلاطس. وهذا ما يعيدنا إلى آ 6 حيث قرأنا العبارة نفسها: "فلما سمع بيلاطس ذلك".
بُنيت مجموعة 23: 13- 25 حسب محاولات ثلاث قام بها بيلاطس لكي يطلق يسوع. وفي كل مرة نجد فعل "ابولياين". تبدو المحاولتان الأولى (آ 14- 16) والثالثة (آ 22) بشكل خطبة مباشرة. والمحاولة الثانية (آ 20) بشكل خطبة غير مباشرة: "فتكلّم بيلاطس أيضاً، رغبة منه في إطلاق يسوع".
ووجود رسمة دائرية اعتاد عليها لوقا، تظهر في استعادة عبارة آ 16 في آ 22 ج: "سأؤدّبه وأطلقه". وكل محاولة من محاولات الوالي تجد قبالتها ردّة فعل سلبية من قبل الرؤساء والشعب اليهودي، وذلك في شكل متصاعد. في المرة الأولى، لا يُذكر الصلب (آ 18: أمِت هذا الرجل). في المرة الثانية، يذكر الصلب بشكل واضح ولكن بطريقة عابرة (آ 21: صاحوا: اصلبه، اصلبه). في المرة الثالثة، تمادوا في الصياح طالبين أن يُصلب (آ 23). وترتّبت ردّات الفعل الثلاث بشكل دائري أيضاً. في الوسط، تعبير موجز وقاطع (آ 1: اصلبه). وتوسّع النمق في الردّتين الأولى والثالثة فتحدّث عن الصياح والجلبة لدى الحاضرين (آ 18: 23). وفي داخل هذه المجموعة من الآيات، بدت آ 49 كمعترضة تشرح وضع برأبا. وأخيراً، شكّلت آ 24- 25 خاتمة الخبر والنقطة التي قادنا إليها هذا المشهد.
1- المحاولة الأولى (23: 13- 16)
إن المحاولة الأولى (آ 13- 16) لا تجد ما يوازيها في سائر الأناجيل. وقد لعبت دورين اثنين. الأول، ربطت هذا المقطع ببداية مثول يسوع أمام بيلاطس، الذي قطعه انتقال يسوع إلى هيرودس. الثاني، ربطت بين هذا المقطع ومثول يسوع أمام هيرودس.
حين نقرأ المقدمة (آ 13) ونعرف أن بيلاطس دعا "رؤساء الكهنة والاقطاب والشعب"، ندهش حين نلاحظ أن "رؤساء الكهنة والكتبة" رافقوا يسوع إلى دار هيرودس (آ 10: كانوا واقفين يشكونه). لا شكّ في أنهم لم يظلوا في مقرّ هيرودس. لهذا بدا من الطبيعي أن يكونوا قد اقتادوا يسوع إلى قصر الوالي (بيلاطس). ولكن حين نقرأ النص،ّ نظنّ وكأنهم قد تشتّتوا في المدينة. فاحتاج بيلاطس إلى أن يدعوهم إليه. غير أن لوقا يعفينا في الواقع من هذه الفرضيّة. فاهتمامه قبل كل شيء ينصبّ على تكوين "مسرح" يحضر عليه الاشخاص الذين هم ضروريون لفهم الحدث. وهذا ما حدث بواسطة هذه الدعوة التي وُجّهت إلى كل الاشخاص المعنيّين بهذه القضيّة، فحضروا من أجل هذه المحاكمة الحاسمة.
إن رؤساء الكهنة ووجهاء اليهود هم في مكانهم هنا. وهم يواصلون العمل الذي بدأوا به منذ زمان بعيد. ولكن الوضع يفترق بالنسبة إلى "الشعب". فهذه هي المرة الوحيدة التي نجد فيها الشعب ينضمّ إلى السلطات ويعادي يسوع.
إن عبارة "الاقطاب" (ارخونتس) تدلّ على السلطات اليهودية. فإذا وضعنا جانباً يو 7: 26، 48؛ 12: 42 (والمفرد في 3: 1 عن نيقوديمس)، لا نجد هذه اللفظة إلاّ في لو 14: 1؛ 23: 13، 35؛ 24: 20؛ أع 3: 17؛ 4: 5، 8؛ 13: 27؛ 14: 5.
أما الدور الذي يلعبه "الشعب" في لو وأع، فلا يبدو متماسكاً كل التماسك. فحتى لو 19: 27 دل "لاوس" على الجمع (اوخلوس) (1: 10، 21؛ 3: 15، 18، 21؛ 6: 17؛ 7: 1، 29؛ 8: 47؛ 9: 13؛ 11: 53؛ 18: 43). ولكنه دلّ أيضاً على شعب إسرائيل كموضوع النعمة المسيحانية (1: 17، 68، 77؛ 2: 32؛ 7: 16).
وفي أع حتى ف 15، لا يكون "لاوس" إلا نادراً في الجهة المعادية للمسيحيين (أع 6: 12؛ 12: 4، 11). بل هو في أكثر المرات من جهة الرسل، ويتقبّل تعليمهم (أع 3: 11، 12؛ 4: 1، 2، 10، 17، 21؛ 5: 12، 13، 20، 25، 26؛ 6: 8؛ 10: 42؛ رج 1: 15؛ 6: 7؛ 8: 6. بعد أع 15، تتطوّر اللوحة فيمثل "لاوس" الأعداء بشكل مباشر (21: 28- 30؛ 26: 17) أو عبر إيرادات العهد القديم (28: 26، 27). حينئذٍ تصبح اللفظة مرادفة لـ "اوخلوس" فتدلّ على اليهود (ق 21: 28، 30، 36، 39، 40 مع 21: 27، 34، 35).
ونعود إلى الانجيل في القسم الأورشليمي (19: 28- 24: 53). هنا يستعمل لوقا لفظة "لاوس" بشكل مميّز. لقد صار "الشعب" فئة توافق يسوع وتعليمه. وهكذا يتميّز عن السلطات اليهودية التي تعادي يسوع، وتسعى إلى قتله. ولكننا في هذا المجال نجد شواذين على القاعدة. الاول بسيط: إذ يعلن يسوع سقوط أورشليم بيد الرومان ويقول: "إنه سيكون ضيق عظيم في البلاد وسخط هذا الشعب" (21: 23)، فهو لا يعتبر أن الشعب هو عدوّه الخاص. الثاني خطير: إن الشعب الحاضر أمام بيلاطس برفقة رؤساء اليهود ينضمّ إليهم ليطالب بصياح عظيم أن يُصلب يسوع (23: 13، 18، 21، 23).
في الواقع، إن استعمال كلمة "لاوس" في هذا السياق تبقى محيرّة. في 23: 4- 5، أعلن "عظماء الكهنة والجموع" (اوخلوس) لبيلاطس أن يسوع "يهيّج الشعب". نحن هنا أمام صعوبة أولى، رغم الاختلاف في المفردات خصوصاً إذا استندنا إلى لفظة "لاوس" في القسم الأول من لو حيث يدلّ على الجمع. ولكن ترد صعوبة ثانية. ففي آ 13، انضمّ "الشعب" إلى "الجمع" (ذُكر في آ 4- 5). والتقى مع السلطات لكي يطالب بموت يسوع (نجد التقاطع عينه بين "الجمع" و "الشعب" في 23: 27، 35، 48). غير أن بيلاطس يتوجّه إليه ويعلن له كما للرؤساء: "قدّمتم إليّ هذا الرجل على أنه يفتن الشعب" (لاوس) (آ 14 أ). لقد توجّه بيلاطس إلى "الشعب"، محدّثاً إياه عن الشعب وكأننا أمام واقع آخر.
المفتاح الذي يتيح لنا أن ندخل في هذا التأليف ينتج من تفحّص عام لموقف لوقا من الشعب اليهودي. فلوقا لا يرتاح معه ولا مع نظمه من شريعة وهيكل. وقد علّمه التقليد أن اليهود كانوا ضالعين في الحكم على يسوع وموته. هذا التقليد بما فيه من "هموم" يبرّئ ساحة بيلاطس والجنود الرومان. وقد تأثّر بالنزاعات بين العالم اليهودي والمسيحية الفتيّة. هذا التقليد نجده أيضاً في أع، وهو يمثّل مركزاً واسعاً، مع أنه يهتم فقط بيهود أورشليم ورؤسائهم جاعلاً الآخرين خارج القضية. وحين يهتمّ لوقا باليهود فهو يقول إنهم صنعوا ما صنعوا عن جهل (أع 3: 17: رفضوا الكرازة المسيحية، قست قلوبهم، فصاروا "هذا الشعب"، أع 28: 26؛ رج أش 6: 9). لهذا يعتبر أنه يمكن أن يخلصوا. لا يخفف لوقا من خطيئة الشعب اليهودي (4: 28- 29) ولكنه لا ينسب إلى "الشعب" جريمة لا يمكن أن يكفّر عنها. هو شعب الله ويبقى كذلك إذا أراد. ولكن...
فلوقا التقى في الجماعات مرتدّين من العالم اليهودي ومسيحيين آخرين يتساءلون عن تماسك مخطّط الله وتحقيقه. ففي آلام يسوع وصل "فشل" هذا المخطّط إلى الذروة، لأن شعب "الوعد" (أع 2: 39؛ 13: 23- 32) رذل مخلّصه وطالب بموته. ولكن إن كان هذا يعني أنه حاضر بشكل مباشر في المشهد الذي ندرس (23: 13)، فلوقا يقوم بكل محاولة لكي يبيّن أن مخطط الله يجري بشكل متواصل، أن الله ما خان وعوده، وأن الشعب اليهودي، شأنه شأن الشعوب الوثنية، يستطيع أن ينعم بمواهب الخلاص إن حقّق الشروط المطلوبة ممن يريد أن يشارك في هذا الخلاص. 
التواصل حاضر رغم رفض لا يستطيع أحد أن ينكره، هو رفض يخضع لأمر واحد كما ارتسم في الكتب المقدسة (أع 7: 51؛ 28: 25- 27). ويظهر هذا التواصل منذ البداية مع التلاميذ الأولين الذين هم رفاق يسوع على الأرض والشهود لقيامته. كما يظهر مع المرتدّين العديدين على أثر كرازة الرسل (أع 2: 41- 47 ب؛ 5: 14؛ 6: 7). ولكننا هنا أمام استباق لوضع "الشعب" الذي اجتذبه يسوع قبل الآلام وعلّمه. ودلّ لوقا ثلاث مرات على نواياه الطيّبة رغم العداء المتصاعد أمام بيلاطس. في 23: 27 نقرأ: "كان يتبعه جمع غفير من الشعب، ونساء كُنّ يندبنه وينحن عليه". وفي آ 35 أ: "وكان الشعب واقفين ينظرون" (رج زكريا: ينظرون الذين طعنوا). وفي آ 48: "وأما الجماهير... فرجعوا وهم يقرعون صدورهم".
إختلف لوقا عن متّى حيث أتمّ "كل الشعب" رفضه باعلان احتفالي (مت 27: 25: دمه علينا وعلى أولادنا). فخفّف بعض الشيء من تقليد قاسٍ ضدّ اليهود لئلا يصدم الضمير المسيحي الذي علّمه يسوع الغفران.
بعد "فاصل هيرودس"، عاد بيلاطس إلى المحاكمة متوجّهاً إلى اليهود وحدهم، منذ الاّن حتى النهاية. بدأ فذكّرهم بالوقائع (قال+ بروس) (23: 4 أ: لقد قدّمتم إليَّ هذا الرجل) موجزاً ما فعله هو. ومورداً الاتهامات التي ذكرت في آ 1- 2 أ، 5: جاء اليهود بيسوع إلى بيلاطس واتهّموه بأنه يفتن الشعب. ونجد أيضاً هنا (آ 14 ج) إعلان آ 4 حيث يقّر بيلاطس أنه لم يجد جرماَ على يسوع. غير أن التوسّع في ما هو مجرّد تذكّر يلفت النظر: الجملة الطويلة في آ 14 ج. نجد هنا "كاي ايدو" (وها): 26 مرة في لوقا، 8 في أع، 27 في مت، وتغيب عن مر ويو (وهته في العبرية، فإذا). "انوبيون" (أمام): 22 مرة في لو (زاد 2 على مر). ق لو 5: 18 مع مر 2: 3؛ لو 8: 47 مع مر 5: 33.
تبدو آ 14 ج بلهجتها الاحتفالية مميّزة عن الاعلان "الناشف" في آ 4 ب. وهذا ما يدل على تدرّج في نفي بيلاطس كل جرم عن يسوع. وما يقوله بيلاطس هنا يثبته اللجوء إلى هيرودلس (آ 15) الذي أعاد يسوع بما في هذه العودة من إقرار بأن يسوع غير مذنب. أجل، إن بيلاطس يرى أن هيرودس لا يعتبر أن يسوع "يستحقّ الموت". هذه الملاحظة هي مفيدة، لأن الحديث هو حديث موت. من قرأ الإنجيل منذ البداية يرى أن رؤساء اليهود يهدّدون حياة يسوع (6: 11؛ 19: 47؛ 20: 19؛ 22: 2) وأنه سوف يموت في أورشليم (13: 33). ولكننا سوف نسمع سريعاً ذات الاشخاص يطالبون بصلبه. وهكذا، إذ يذكر لوقا مخططاً أعدّ في السابق، يهيّئ الطريق لصراخ يطالب بالقتل في آ 21، 23.
إذن، كل شيء يعارض الحكم على يسوع. وها هو بيلاطس يستعدّ لكي يطلقه. ولكن قبل ذلك، أراد أن "يؤدّبه". نجد هنا تلميحاً خفيّاً إلى الجلد الذي يذكره سائر الانجيليين بوضوح. واستعمل لوقا التورية فلم يتحدّث عن جلد يسوع. ولا يقول إن بيلاطس نفّذ ما عزم عليه. ولكن ما هو هدف بيلاطس؟ الجلد هو مقدّمة عادية للصلب. وبما أن بيلاطس يستعدّ الآن للصلب، فعليه أن يفكّر بعقاب أخفّ يمارسه الرومان. ولكن حتى في هذا الشكل يبقى قرار بيلاطس سريّاً. هل أراد لوقا أن يكون أميناً للتقليد الذي يتحدّث عن الجلد؟ ربما. ولكن المعقول هو أنه رأى تنازلاً أمام المتّهمين وهو يرجو أنهم سيكتفون بذلك (رج يو 19: 1). وسيحاول بيلاطس مرة ثانية في العبارة نفسها (آ 22 ج)، ولكنه لن ينجح. أما كلامه هنا، فسيحرّك الصياح الأول الذي يطلب الموت ليسوع.
نقرأ آ 17: "وكان لا بدّ له، بداعي العيد، أن يطلق لهم سجيناً". يبدو أن هذه العبارة هي حاشية دوّنت انطلاقاً من مت 27: 15 ومر 15: 6. وهي غائبة من عدد من المخطوطات: بردّية 45، الاسكندراني، الفاتيكاني. ثم إن موضعها متحرّك. تارة نجدها قبل آ 18 وطوراً قبل آ 19. 
إن فعل "أطلق" (ابولياين) الذي ينهي تدخّل ييلاطس في آ 16 يرد هنا ض مرات (آ 17، 18، 20، 22، 25). فيعبرّ عن هدف محاولة الوالي. هو لن يصل إلى هدفه فيفشل فشلاً تاماً. فبدل أن "يطلق" يسوع (آ 17، 20، 122، ها هو "يطلق" برأبا (آ 25) بناء على طلب اليهود (آ 18). في كل عرض من عروضه يجد رفضاً قاطعاً. الأول (آ 18) يرد في صوت واحد يهتف به الوجهاء والشعب. إذن، لسنا أمام طلب يدلّ على اللياقة، بل أمام صياح شعب من الرعاع عصبي، وجب على بيلاطس أن يواجهه. لا نجد في لو ما نجده في مر 15: 11 حول عظماء الكهنة الذين أثاروا الجموع لكي يصلوا إلى غايتهم... فهو يبسّط الأمور والاشخاص. تحدّده عبارتان في آ 18 ب: أزِل هذا. أطلق لنا برأبا.
العبارة الأولى "أزل هذا" لم تجد ما يقابلها في يو 19: 15. ونجدها أيضاً في أع 21: 26 و22: 22 على شفاه الشعب الذي يصيح على بولس. إن عبارة أش 53: 8 (حسب السبعينية) التي تصوّر مصير عبد الله، تنطبق على يسوع في أع 8: 22. وتتكزر هنا في أع 22: 22 وتلهم سائر المقاطع لا سيما ذاك الذي نقرأه هنا. فالرسول يقتدي بمعلّمه (هذا ما يقول أع). ومعنى الفعل هو هو: أزال (ايراين)، أبعد عن هذا العالم، أمات. ولكن هذه الدعوة للحكم بالموت على يسوع تترافق مع طلب بإحلال شخص مكان آخر. أراد بيلاطس أن يطلق يسوع. فإذا اليهود يطالبون بأن يطلق آخر مكانه، بأن يطلق برأبا.
جاء شخص برأبا هنا فجأة. أما مر 15: 6- 8 فقدّمه إلينا. وحين نقرأ لو نحتاج إلى مر لكي نفهم لماذا طلب الجمع من بيلاطس: "أطلق لنا برأبا". فالعبارة كما استعملها الانجيلي تشير الى العادة التي تحدّث عنها مر، وهي صدى لا شك فيه لطلب بيلاطس في مر 15: 9: "أتريدون أن أطلق لكم ملك اليهود"؟
إن بطرس وبخ الشعب (أع 3: 12) الذي اجتمع حول الرسل بعد معجزة الباب الجميل، لأنه اختار برأبا لا يسوع: "أنكرتم القدّيس والبار، وطلبتم بأن يُعطى لكم رجل قاتل" (أع 3: 14). أجل، يتحدّث لو 23: 19 عن قاتل. هنا قدّم لوقا بعض الشروح. "ألقي في السجن لأجل فتنة وقتل" (آ 25). تنبع الصورة من كلمة مر 15: 7 التي يعيد لوقا صياغتها محافظاً على مضمونها وألفاظها. لهذا، نجد هنا بدون شك روح السخرية التي تنسب إلى اليهود، أمام الوالي الروماني، أنهم اختاروا لصاً وقاتلاً وأسير السلطة الحاكمة، وفضّلوه على بريء يلاحقونه ببغضهم. كان مرقس صدى لحدث محدّد. أما لوقا فتحدّث عن فتنة دون أن يحدّد نوعها. المهمّ أنه قدّم لنا الشخص في إطار كله سلبي. ويسوع أمامه هو كله إيجابي.
2- المحاولتان الثانية والثالثة (23: 17- 23)
في المحاولة الثانية، توجّه بيلاطس أيضاً إلى اليهود، وهذا ما يشدّد عليه لوقا الذي لا يورد العبارة كما هي، بل يورد مضمون المحاولة. قال لوقا: أراد "أن يطلق يسوع" (آ 20). إرادة عنيدة مثل إرادة هذا الحاكم! كان يجب أن تتكلّل عادة بالنجاح. في الواقع، نحن أمام مساومة تنتهي بانكفاء إرادة الوالي أمام أعداء يسوع (آ 25). ولكنها في الواقع إرادة الله أيضاً (22: 42).
أورد لوقا هذه المحاولة بشكل مقتضب، فنال بيلاطس من الجمع جواباً بدا أوضح من الجواب الأول. ها هو يطالب حرفياً بصلب يسوع (آ 21). نقرأ فعل الأمر "أصلبه" على دفعتين في مر 15: 13، 14. أما لوقا فيستعمل هذه الصيغة مرة واحدة (آ 23)، ويكرّرها.
أمام هذه المتطلبة التي لا تقبل مساومة، لم يعتبر بيلاطس نفسه أنه فشل. لقد حاول حقاً كل ما في وسعه لكي يمنع ما يعتقده جرماً. وهذا ما شدّد عليه للمرة الثالثة. أراد أن يدافع عن يسوع (آ 22). إذا أدخلنا المحاولة المذكورة في آ 20، تكون هذه المرة هي الرابعة. فالأولى جاءت بعد استجواب يسوع (23: 4). والثانية دشّنت العودة إلى المحاكمة بعد فاصل هيرودس (23: 14). ولكن لا ترد كلمة في آ 20. ولكن ليس الأمر كذلك في آ 4 وآ 14 (كما في آ 22) حيث يبدأ إعلان واضح من قبل بيلاطس مع عبارة "قال إلى" (ايبان بروس). إذا قبلنا بهذه الملاحظة نعتبر عدّ الكتاب صحيصاً.
والعدد له معناه، كما في مكان آخر من العهد الجديد. إنه يدلّ في لو وفي أع على الطابع النهائي والتام لحدث من الأحداث (نقول في العامية: الثالثة ثابتة). بعد هذا، سوف نرى بيلاطس يقوم بمحاولة أخيرة لكي يقنع محاوريه ببراءة يسوع. طرح عليهم السؤال (كما في مر 15: 14) وأجاب هو بنفسه مكرّراً ما سبق وقال في آ 4 ب و14 ج مع جملة من آ 6، عادت بشكل حرفي. ولكن بيلاطس حصل على طلب بأدب يصلب يسوع. طلب عنيد يبرز في صياح متمادٍ. وصل النصّ إلى الذروة. فلم يبق إلا الخاتمة. 
3- نهاية المشهد (23: 24- 25)
في نهاية المشهد نرى كيف أن لوقا أعاد صياغة مر 15: 15 وأبرز عناصره الثلاثة: قرّر بيلاطس أن يلبّي طلب اليهود. أطلق برأبا. سلّم يسوع إلى إرادة اليهود.
في مر، تضرّف بيلاطس بشكل سلبي. فمع أن مشيئته كانت معنيّة، فهو قد تراجع أمام مشيئة الجمع وعظماء الكهنة (في مت 27: 26 بدا بيلاطس كلياً بدون إرادة. هو لا يفعل، بل ينفعل، يفعلون عنه). شدّد لوقا على مسؤولية القاضي، حين جعله صاحب القرار. فالفعل "ابيكريناين" (يرد مرة واحدة في كل العهد الجديد) لا يتضمّن في حدّ ذاته حكماً قضائياً، بل عمل السلطة في البلاد، وإن يكن هذا العمل هنا نتيجة تراجع. فإن بيلاطس اكتفى بجواب إيجابي على "طلب" الذين "طلبوا" منه صلب يسوع، كما "طلبوا" منه إطلاق برأبا. نجد في اليونانية الجذر عينه للفعل يتكرّر. وهذا ما يشدّد على مبادرة اليهود، دون أن ينسى "حصّة" بيلاطس حين عزم على إرضائهم.
في الواقع، حين اختاروا برأبا، لم يكن هدفهم احساناً إلى لص، بل احلال هذا المجرم محلّ يسوع الذي يسعى بيلاطس إلى تخليصه من أيديهم. ففي خلفية الخبر نجد الامتياز الفصحي، الذي لا يتحدّث عنه لوقا. ولكن لا بدّ من ذكره إذا أردنا أن نفهم الطلب في آ 18 والتبادل الأخير بين يسوع وبرأبا. كتب مرقس أن بيلاطس "أطلق لهم برأبا" (5: 15). أما لوقا فالغى الضمير وحرف الجرّ (لهم) في آ 18 (أطلق برأبا). ليس المهمّ أن يُمنح لهم برأبا. المهمّ أن يسلم يسوع إلى الموت. كتب لوقا أن بيلاطس، "أسلمه إلى إرادتهم"، وهكذا تدلّ الآية على تسلّط المحاولة اليهودية في هذا الظرف: سيُصلب يسوع وتنتصر "مشيئة" اليهود التي خضع لها بيلاطس. ولكن، حين أسلم بيلاطس يسوع إلى أعدائه، كان ينفّذ بلا وعي مخطّطاً يشمل هذا الموت. فالله هو أيضاً قد "أسلم" يسوع حسب نظام محدّد في الكتب المقدسة.
4- البعد الجوهري لهذا الخبر
إذا أردنا أن ندرك البعد الجوهري لهذا الخبر ونحيط بسماته، نعود إلى ما يذكّرنا به أع. ففي الصلاة التي ترتفع من الجماعة الاورشليمية بعد خلاص الرسولين بطرس ويوحنا، يرد مز 2: 1- 2 ويفسّر بهذه الكلمات: "قد اجتمع بالحقيقية، في هذه المدينة، على فتاك القدوس يسوع الذي مسحته، هيرودس وبونسيوس بيلاطس مع الأمم وشعوب إسرائيل" (أع 4: 27). يجسّد هيرودس وبيلاطس أول محاولة قتل ضد المسيح كما تنبّأ بها المزمور، حيث "ملوك الأرض" يدلّون على هيرودس، والامراء على بونسيوس بيلاطس. ولكن ما نقرأ في النصّ البيبلي، يجعلنا نخضع لإعادة قراءة المزمور في صلاة أع. اختلف لو عن أع، فلم يظهر بيلاطس ولا هيرودس في تحقيق المؤامرة التي ينبئ بها المزمور. هما لم يجتمعا على يسوع، بل اعتبراه بريئاً. من هذا القبيل، كانا بجانب "لصّ اليمين" (23: 31)، لا بجانب الرؤساء اليهود ولا الشعب الذي اثّر عليه رؤساؤه.
ولكن حين دافع بيلاطس وهيرودس عن يسوع، بانا وكأنهما يقفان لا وجه تحقيق مخطّط الله. فبحسب هذا المخطّط، على يسوع أن يموت كما مات. فهذا الموت يدخل في برنامج الله. وهاجم اليهود الوالي بطلبٍ موضوعُه هو تنفيذ هذا المخطط. والحال، حين سعى بيلاطس إلى إطلاق يسوع، وطلب مساعدة هيرودس، كان وكأنه يعارض هذا المخطط. ولكنه لم يستطع، لأن اليهود ربحوا "الرهان"، وسيكونون فاعلين فيبنون مخطّط الله ساعة ظنّوا أنهم يهدمونه.
هذه هي ديناميّة الخبر، وهذا هو مرماه. ولكن لا ننسَ النظرة الدفاعية التي فيه. إن نسخة لوقا عن المحاكمة تحاول أن تقنع القرّاء الوثنيين (بل بعض القضاة) بولاء يسوع تجاه رومة، وهكذا يُحمى المسيحيون من الشكّ بموقفهم "المخرّب"! مثل هذا التفسير الذي قد يصلح في أع، لا يصلح أبدأ في الانجيل الثالث. فبيلاطس ليس بريئاً من كل مسؤولية، ولا من كل لوم. فقراره (23: 24) هو الذي قاد يسوع إلى الموت. لم يدلّ قبل ذلك على أي تعاطف مع يسوع، بل استعدّ لإرساله إلى الجلد إرضاءً لليهود. ثم أي روماني عالم بالممارسة القضائية في شعبه، يقبل بالطريقة التي بها يعامل بيلاطس سجينه؟ إن أول اعلان براءة (23: 4) لا يستند إلى أي أساس متين، بل يعارض اتهامات اليهود واقرار يسوع نفسه (يفهمه الروماني على أنه طموح لملك سياسي).
يسوع بريء على المستوى السياسي. ومثله سيكون بولس بحيث يتفق اغريبا الثاني مع الوالي على القول بأن "هذا الرجل لم يأت شيئاً يستوجب الموت أو القيود" (أع 26: 31- 32). لن ننتظر من لوقا تقريراً مفصّلاً عن سير المحاكمة، بل نظرة لاهوتية تدلّ على مسؤولية اليهود ومسؤولية الوثنيين في موت يسوع.
الفصل الثالث والثلاثون
درب الصليب
23: 26- 32

إن لو 23: 26- 49 يشُكّل مجموعة متعدّدة العناصر تتضمّن إرثاً من مر أعيد صياغته بعد أن بدّل مكانه، وعناصر عديدة خاصة بلوقا. هذا ما نكتشفه حين نقابل بين الإنجيلين.
مرقس لوقا
سمعان القيريني سمعان القبريني
"بنات أورشليم "
اللصان
الجلجلة الجلجلة
رفض يسوع الشراب
الصلب الصلب
مع لصين
يا أبت اغفر لهم
تفاسم الثياب
الساعة الثالثة
الكتابة: ملك اليهود
اللصان المصلوبان مع يسوع
الشعب ينظر
هزء المارين بمدمِّر الهيكل
هزء عظماء الكهنة والكتبة الرؤساء يهزأون بالمسيح المختار
بالمسيح ملك إسرائيل
هزء الجنود
الخلّ
الكتابة: هذا هو ملك اليهود
اللصان يجدّفان على يسوع
اللصى الأول يهزأ من يسوع
الثاني يرتدّ
ظلمة من الساعة السادسة ظلمة من الساعة السادسة
إلى الساعة التاسعة إلى الساعة التاسعة
كسوف الشمس
إنشقاق حجاب الهيكل
صلاة يسوع: مز 22
إيليا... الخلّ
صلاة يسوع: مز 31
موت يسوع موت يسوع
إنشقاق حجاب الهيكل
قائد المئة يعترف بابن الله قائد المئة يعترف بيسوع أنه صدّيق
توبة الجموع
النسوة أصدقاء يسوع والنسوة
لائحة النسوة

وحدة 23: 26- 49 هي على مستوى المكان: كل شيء يتمّ باتجاه الجلجلة أو على الجلجلة. وهذه الوحدة تنقسم إلى ثلاثة مقاطع. الأول (آ 26- 32) يصوّر انتقال يسوع من مجلس قضاء بيلاطس إلى موضع تنفيذ الحكم. الثاني (آ 33- 43) يبدأ بالوصول إلى الجلجلة ويتضمّن ذكر الصلب وسلسلة من الأقوال والمشاهد التي تليه وتجد ذروتها في وعد يسوع للصّ اليمين: "اليوم تكون معي في الفردوس". والمقطع الثالث (آ 44- 49) ينفصل عمّا سبقه بتحديد للساعة، تحديد احتفالي ووحيد. إن هذا المقطع يتركّز على موت يسوع ويجذب الإنتباه بشكل خاص إلى ما يهيّئ هذا الموت كما إلى نتائجه المباشرة.
ونتوقّف عند المقطع الأول الذي عنوناه: درب الصليب.
1- صالبو يسوع
إن الحركة التي تميّز هذا الحدث (هناك فعل ذهب، رجع، تبع) يقطعها كلام يسوع إلى النسوة اللواتي يتبعنه. وهو كلام يشكّل العنصر الأساسي، وذلك بسبب موقعه وطبيعته.
ألغى لوقا كلياً أقوال الجنود الهازئة التي تلي في مرقس (15: 16- 20) ومتّى (27: 27- 31) مشهد المحاكمة أمام بيلاطس (غير أنه سيذكره في 23: 36- 37). وكما فعل في مكان آخر من خبر الآلام (مثلاً في بستان الزيتون)، أراد أن يحافظ على كرامة يسوع. فنتج عن ذلك أن يسوع اقتيد إلى الجلجلة بيد الذين جاؤوا يطالبون بموته، والذين "أسلم" بيلاطس يسوع إلى "مشيئتهم" أي "عظماء الكهنة ورؤساء الشعب" (31: 13، 18، 21، 23- 25). وإذا واصلنا القراءة رأينا، أقله ظاهراً، أن ذات الأشخاص الذين يقودون اللصين إلى موضع العذاب (آ 32) يلقون القرعة حول ثياب يسوع (آ 34 ب) ثم يصلبونه مع رفيقيه (آ 33).
يرى بعضهم ضعفاً في الاداء نتج عن إلغاء مشهد الهزء. في الواقع، نحن أمام كاتب من الدرجة الرفيعة. وقال آخرون: ترك لوقا عن قصد فاعل الأفعال غامضاً ليتجنّب أن ينسب إلى الرومان صلب يسوع. ولكن حين نعرف موقف بيلاطس في نهاية المحكمة، نشكّ أن يكون الإنجيلي أراد أن يوفّر جلاّدي يسوع الحقيقيّين. فإذا أردنا أن نعرف الواقع التاريخي والتقليد، نعود إلى أع حيث نكتشف فكر لوقا في أعماقه.
فمنذ الفصول الأولى من أع، ساعة يكلّم الرسل يهود أورشليم، يُنسب موتُ يسوع وصلبه إلى السامعين (أع 2: 23، 26؛ 3: 14؛ 4: 10؛ 5: 20؛ 7: 53)، دون استبعاد عمل الوثنيين. وبعد ذلك، حين يوجّه بولس كلامه إلى الجماعة الملتئمة في مجمع أنطاكية بسيدية، ينسب الموت والصلب إلى "سكان أورشليم ورؤسائهم" (أع 13: 27- 28). ونجد التحديد المكاني عينه في أع 10: 39 (في أورشليم، وهو الذي صلبوه) ومسؤولية الرؤساء وحدهم في لو 24: 20 (أسلمه رؤساء كهنتنا وزعماؤنا).
إذن، نحن أمام لوحة متماسكة جداً. ففي كل النصوص يبدو صلب يسوع بشكل اتهام لا ضدّ اليهود بشكل عام، بل ضدّ أهل أورشليم ورؤسائهم. هذا ما نجده في المقطع الذي ندرس. فلوقا يعرف كل المعرفة الواقع التاريخي. والبرهان هو أننا سوف نجد "الجنود" بعد ذلك يهزأون من يسوع (آ 36- 37). فإن أراد أن يخفي بعض الشيء دورهم في موت يسوع، فلأنه أراد أن ينقل هذا الدور إلى يهود أورشليم ورؤسائهم. هذا مع العلم أن شيئاً ما جاء ليخفف الإتهام ويسهّل التوبة: كل شيء قد صُنع لكي يكون شعب الوعد أول الداخلين إلى الخلاص.
2- حمل الصليب
إن الذين اقتادوا يسوع إلى موضع العذاب خرجوا من محكمة بيلاطس، وتصرفوا بطريقة جعلت يسوع لا يحمل صليبه. إذا قابلنا هذه الحاشية (آ 26) العائدة من مر 15: 20 ب، نرى اختلافات لا بأس بها. تبدّلت صيغة الفعل. بل أخذ لوقا فعلاً من مر 15: 16، من مشهد الهزء الذي ألغاه (هذا يعني أنه عرفه). يتحدّث عن نقل يسوع ثلاث مرات. الأول: حالاً بعد توقيفه أخذ الحرس يسوع وأدخلوه إلى بيت عظيم الكهنة (22: 54). الثاني: في الصباح، اقتاد أهل المجلس الأعلى يسوع أمام المحكمة (22: 66). الثالث: حين اقتاد أهل المجلس أيضاً يسوع إلى بيلاطس (23: 1). في كل هذه المرات نجد الفعل عينه أو ما يتفرعّ منه. وهكذا نكون أمام أربعة انتقالات ليسوع ترسم المراحل الكبرى في المحاكمة التي تنتهي به على الجلجلة.
وهناك اختلاف آخر بين لوقا من جهة ومتى ومرقس من جهة ثانية. ترك لوقا كلمة "سخّر"، فلم يستعمل فعلاً يونانياً من أصل فارسي كما فعل متى ومرقس (أغارواين). أحل محلّه فعل "أبيلمبنستاي" (وضع يده على، أمسك) الذي يستعمله مراراً: 5 مرات في لو، 7 في أع. مرة واحدة عند مت. مرة واحدة عند مر. 5 مرات في سائر العهد الجديد. وقد أدخل لوقا هذا الفعل على نصّ مرقسى. 10: 20؛ ق مر 12: 13؛ لو 20: 26؛ ق مر 12: 17؛ وهنا ق مر 15: 21. ونفهم أيضاً أن يكون لوقا (مثل متّى) اعتبر أنه ليس من المفيد أن يقول لقرّائه إن سمعان القيريني هو والد "اسكندر وروفس" (كانا معروفين في كنيسة مرقس، لا في كنيسة لوقا ومتى).
والإختلافة الأخيرة هي مهمّة. حسب مرقس ومتّى، سخّر الرجل لكي يحمل صليب يسوع. أما لوقا فكتب: "جعلوا عليه الصليب ليحمله وراء (خلف) يسوع". يرى الشّراح في هذه الجملة تعليماً موجّهاً إلى القارئ المسيحي، يدعوه لكي يرى في سمعان صورة عن التلميذ كما رسمها يسوع في 9: 23- 24 (من أراد أن يتبعني يحمل صليبه..). أجل، حمل سمعان الصليب "خلف يسوع". وهذا ما سيفعله الشهداء في تاريخ الكنيسة الأولى.
3- في الطريق إلى الجلجلة
إذا قابلنا لوحة لوقا مع لوحة سائر الإنجيليين الذين يشدّدون على عزلة يسوع المأساوية في طريقه إلى الجلجلة، نجد فيها الكثير من العزاء والتشجيع. إنه يرينا يسوع برفقة "جمهور كبير من الشعب": "بلاتوس تو لاوو"- خاصة بلوقا: 1: 10؛ 6: 17؛ 23: 27؛ أع 21: 36؛ رج "بولي بلاتوس" (أو العكس). ما عدا مر 3: 7، 8، لا نجد هذه العبارة في كل العهد الجديد إلا في لو 5: 6؛ 6: 17؛ 23: 27؛ أع 14: 1؛ 17: 4. 
ونجد فعل "تبع" الذي لا يمكن أن يكون حيادياً. فإن لم يدلّ بشكل خاص على موقف التلميذ، إلاّ أنه يحتفظ برنّة إيجابية. رج 7: 9؛ 8: 11؛ 18: 43؛ 22: 10، 39، 54؛ أع 12: 2، 9؛ 13: 43؛ 21: 36 (معنى حيادي)؛ ق لو 5: 11، 27، 28؛ 9: 23، 49، 57، 59، 61؛ 18: 22، 28، 43. كان الشعب متآمراً مع رؤساء اليهود خلال المحاكمة. وها هو ينفصل عنهم، وسيظلّ في الخطّ عينه حتى نهاية الآلام (23: 35، 48).
هذا "الشعب" الذي يكتفي بأن "يتبع"، يجد بقربه "نساء" يبكين، ينتحبن. نجد فعلين (كوبتاين، تريناين) يدلاّن على الندب أمام الميت: رج لو 8: 52 (كوبتاين مع فعل كلاياين: رج 23: 28)؛ 7: 32 (تريناين)؛ مت 11: 17 (كوبتاين، تريناين). إن لوقا يميّز تمييزاً واضحاً بين الشعب والنسوة. فالنسوة هن تلميذات كأولئك اللواتي سنلتقي بهنّ في 23: 49، 55، ساعة موت يسوع ودفنه. لماذا نجدهن حاضرات هنا؟ دلّ لوقا بواسطتهن على تعلّق الشعب بيسوع. ثم إنه بحاجة إلى سامعين من أجل النبوءة التي تقدّم فيها النسوة البرهان الجوهري. إذا أراد يسوع أن يتكلّم في لوقا، فهو يلتفت إلى (سترافايس). يسوع يتوجّه إلى. كأننا أمام حركة الوجه. رج 7: 9، 44؛ 9: 55؛ 10: 23؛ 14: 25؛ 22: 61؛ 23: 28. هذا هو الفعل المجرّد (سترافاين). والفعل المزيد (أبيسترافاين) يدلّ على ارتداد التلاميذ (22: 32).
إن المنادى "بنات أورشليم" في صيغة الجمع، نقرأه فقط في نش 1: 5؛ 2: 7؛ 3: 5؛ 5: 8، 16؛ 8: 14 (في صيغة المنادى، يا بنات أورشليم)؛ 3: 10 (في صيغة المضاف إليه/ صُنع بنات أورشليم). إن هذه العبارة القريبة من "بنات صهيون" (أش 3: 16- 17)، لا تملك في التوراة البعد الرمزي الذي تحمله صيغة المفرد فتدلّ على المدينة وسكّانها. أش 37: 22 (ابنة صهيون)؛ صف 3: 14 (مرتين)؛ زك 9: 9 (المنادى)؛ مي 4: 8. في نصّ لو، يتوجّه يسوع إلى أشخاص محدّدين في الموكب. وقد جاءت بداية قول يسوع بشكل تصالب (خياسما) يليه ملحق: "لا تبكين عليّ، بل على نفوسكنّ ابكين، وعلى أولادكنّ". نشير إلى أن "بلان" (بل) ترد 15 مرة في لو، 5 مرات في مت، لا شيء في مرقس، 6 مرات في سائر العهد الجديد.
إن العبارة الأولى (لا تبكي) تذكّرنا بمقطعين في لو: كلام يسوع إلى أرملة نائين (7: 13)، ثم ذاك الذي وجّهه إلى الجمع الذي يتزاحم عند مدخل بيت يائيرس (8: 52: لا تبكوا). كلام تعزية قاله يسوع في هاتين المناسبتين، وهو يختلف عمّا نقرأ هنا. لقد مال يسوع بهذا العرض للحزن على شخصه، إلى البكَّاءات وإلى أولادهنّ، بسبب الشقاء الذي سوف يحلّ بهنّ. هناك حزن مع بعض الشفقة. فيسوع يقول تقريباً: لماذا تتعبون فتحيطوني ببكائكم. فكّروا بما سوف يحصل لكم. حينئذ سوف تبكون، ولكن خارج أي إطار طقسي!
من هم هؤلاء "الأولاد" (تكنا) الذين يتنبأ لهم يسوع بشقاء مريع؟ قد يعني النسل المباشر لهذه النسوة. كما يعني الأجيال المقبلة بدون أي تحديد (تك 31: 16؛ خر 17: 3؛ عد 16: 27؛ تث 29: 9، 11؛ دا 6: 25؛ 1 مك 2: 28؛ 3: 20؛ 5: 23، 45؛ مت 2: 18؛ أع 2: 39؛ 13: 33). إذا توقّفنا عند مؤلّف لوقا، نجد أنه يستعمل اللفظة أيضاً في أع 2: 39، 13: 33. وفي كلا الحالين، الأولاد هم النسل بشكل عام. هل هذا هو المعنى هنا؟ كلا. فلوقا يعرف أن القول النبويّ تحقّق مع كارثة أورشليم سنة 70، وبعد أربعين سنة على موت يسوع.
وهذا يعني أن الأولاد هم النسل المباشر لهؤلاء النسوة، وربّما بعض النسوة اللواتي قد تكون طالت بهنّ السنون. وهكذا تصبح العبارة شاملة: إبكين على نفوسكنّ وعلى أولادكنّ.
4- نبوءة تتحقّق
وها نحن نصل إلى النبوءة (آ 29- 30) التي ترتبط بالكتاب المقدّس أسلوباً وألفاظاً. قال لوقا: "ها ستأتي أيام". تذكّر إر 7: 32؛ 16: 14 (حسب السبعينية) بشكل شبه حرفي، كما استلهم إر 38 (31 في العبرية): 31 (الذي لا نجد فيه "ايدو"). يستعمل لوقا مثل هذه العبارات (5: 35؛ ق مر 2: 20؛ لو 17: 32؛ 19: 43؛ 21: 6؛ ق مر 13: 2) حيث يُعلَن الطابع الاسكاتولوجي للأحداث التي تُروى (أع 2: 17 الذي يورد يوء 3: 1). حينئذ "يقال" (رج هو 10: 8 حسب السبعينية، بعد أن حوّله لوقا في آ 30). أي: يقول أولئك الذي سيعيشون الكارثة: "طوبى للعواقر (ما حبلن). طوبى للبطون التي لم تلد والأثداء التي لم ترضع". هذه الفكرة تعبّر عنها ألفاظ معاكسة في خطبة لوقا الثانية عن نهاية العالم: "الويل للحبالى والمرضعات في تلك الأيام" (21: 23؛ مر 13: 17). فالتلميح واضح أيضاً إلى حصار أورشليم على أيدي الرومان. نجد في خلفيّة هذا الكلام عبارات بيبلية (حك 3: 13؛ أش 54: 10) جاءت في موضوع عرفه الأدب اليوناني الكلاسيكي. إن المستقبل سيكون طيباً للنساء اللواتي لا أولاد لهنّ: لن يرونهم يموتون في الحرب والحصار القاتل. هذا ما تكون عليه نساء أورشليم.
وتتتابع النبوءة. يبدو أن لوقا أضاف آ 29- 30 على العنصر الأصلي المؤلف من آ 27- 28، ليطبّق كلام يسوع على دمار أورشليم. وهكذا يكون له ثلاثة إنباءات عن هذا الحدث: 19: 39- 44؛ 21: 5- 36 (وخصوصاً آ 20- 24)؛ 23: 29- 30. تتتابع النبوءة مرتبطة بالتوراة السبعينية. إذا كانت الكلمتان الأوليان من الإنجيلي نفسه، فالباقي قد جاء من هو 10: 8 (حسب السبعينية)، وإليك مقابلة بين نصّ هوشع ونصق لوقا.
هو 10: 8 لو 23: 30
ويقال للجبال حينئذ يبدوان يقولون للجبال
غطّينا إسقطي علينا
وللتلال وللتلال
إسقطي علينا غطّينا
هناك قلب في الجملة، يعود إلى أن الكاتب يورد من الذاكرة لا من الكتاب. في السياق الأصلي، لفظت هذه الجملة في فم أهل السامرة ساعة الغضب الإلهي الذي ينصبّ عليهم. نقرأ في هو 10: 7، 8: "السامرة زالت، وملكها كالقشّ على وجه المياه. تُدمّر مرتفعات آون حيث يخطأ إسرائيل. ويعلو الشوك والعوسج مذابح آلهتها. يقولون للجبال: غطّينا. وللتلال: إسقطي علينا".
يُستعمل القول نفسه في رؤ 6: 16، ساعة يُفتح الختم السادس. يحلّ الرعب بجميع البشر من دون تمييز عند اقتراب العقاب فيذهبون ليختبئوا "في المغاور وصخور الجبال" وهم يقولون: "إسقطي علينا واخفينا من وجه الجالس على العرش ومن غضب الحمل".
إن إيراد هوشع في لو 23: 30 لا يشير إلى السامرة ولا إلى البشرية، بل إلى أورشليم وشعبها. وقارئ هذا الإنجيل يعرف سابقاً ما ينتظرهما. وقد كانت الوقائع ثابتة حين ألّف لوقا إنجيله. لقد قرأ قوله يسوع بقرب المدينة في 19: 43- 44 وفي الخطبة على نهاية الأزمنة (21: 20- 24)، فرأى فيها تذكّراً مسبقاً لحصار أورشليم وسقوطها سنة 70. وهناك أيضاً النبوءة على دمار الهيكل (21: 6؛ رج 13: 35). يشدّد بعض الشّراح على ارتباط 19: 43- 44 مع المقطع الذي ندرس. في 23: 28، ترك يسوع المدينة وكأنه يندبها. في الواقع، لا يخرج يسوع من أورشليم (ق يو 19: 17، 20؛ عب 13: 12) في لو 23: 26. ثم إن كلماته للباكيات لا تدلّ على الشفقة أو التأسّف كما في 19: 42، بل تعلن فقط الكارثة التي ستحلّ بالمدينة، ويدعو النساء للبكاء مسبقاً.
ويعرف الإنجيلي أيضاً سبب هذا الشقاء. في 19: 42، 44 ب، دلّ عليه يسوع وهو يبكي: كانت أورشليم لامبالية، بل تمرّدت على حامل سلام الله (19: 38 ب). لقد خسرت الفرصة المؤاتية، الفرصة الأخيرة لتتوب. هنا تكلّم يسوع كنبيّ، لأن ليس من شيء نهائي بعد. وسيُوضع ختم الرفض ساعة يموت يسوع على الجلجلة، في أورشليم، بطلب صريح من عظماء الكهنة والرؤساء والشعب (23: 13، 18، 21، 23).
ويعبّر لوقا عن ذات التبرير للعقاب الوطني في آ 31، بشكل مصوّر، بشكل مثَل مع برهان يبدأ "بالأحرى": "إن كانوا هكذا يفعلون بالغصن الأخضر، فكيف تكون حال الغصن اليابس" (قد يكون هناك تلميح بعيد إلى الصليب!). قد تأتي مواد هذا القول المأثور من حز 17: 24 حيث نقرأ حسب السبعينية: "أنا الرب الذي يحطّ الشجرة العالية ويرفع الشجرة الوضيعة، الذي ييبس الشجرة الخضراء (الغصن الأخضر) ويجعل الشجرة اليابسة تزهر". نحن هنا في نظرة مغايرة لنظرة لوقا، نظرة تتحدّث عن قيام الشعب.
أما الفكرة العامّة في هذا القول اللوقاوي، فنجدها في أم 11: 31: "إذا كان البار يجازى على الأرض، فكم بالأحرى الشرير والخاطئ"! أو حسب السبعينية (يرد في 1 بط 4: 18): "إذا كان البار يخلص بعد جهد، فما هو مصير الكافر والخاطئ"!
في لو 23: 31، قابل يسوع نفسه بـ "العود الأخضر". و"العود اليابس" هو صورة عن الذين سيقاسون الكارثة التي أعلن عنها. يجري التعارض انطلاقاً من فرضية تقول إن هذه العيدان هى معدّة للحرق. والنار صورة تقليدية عن العقاب الإلهي (عا 2: 5؛ هو 8: 14؛ إر 11: 16؛ 17: 27؛ 21: 14: 22: 7؛ حز 15: 7؛ 16: 41؛ 24: 9. عقاب يصيب إسرائيل).
"العود الأخضر" الرطب، هو البار الذي يفلت من نار العقاب. ومع ذلك، فهو يتحمّل الآن أقسى الآلام. "العود اليابس" يدلّ على يهود أورشليم الذين قتلوا "البار" (أع 3: 14- 15؛ 7: 52) الذي أرسله الله إليهم: لهذا صاروا مهيّأين للحرق. فإن كان الله قد ارتضى بأن يرسم ليسوع درب الآلام الذي يسير إليه في هذا الوقت (لو 9: 32؛ 17: 25؛ 18: 31- 33؛ 22: 22؛ 24: 25- 27، 32، 44- 47)، وهو الذي لم يقترف جرماً، فكم تكون قساوته تجاه الذين صاروا مسؤولين، فجمّعوا هكذا تمرّدهم الذي دام أجيالاً وأجيالاً (11: 47- 51؛ 13: 34؛ أع 7: 52).
تلفظ يسوع هنا بآخر نبوءاته، لا ليدعو الشعب إلى التوبة (هذا سيأتي فيما بعد، 24: 47؛ أع 2: 38- 39؛ 3: 19؛ 5: 31). بل ليفسّر الكارثة الهائلة التي حلّت سنة 70، على أنها عقاب لرفض إسرائيل يجد ذروته في حاش يسوع وآلامه. الوجهة اسكاتولوجية ولكن بشكل جزئي. لأنه إن رأى لوقا في فيض الروح علامة الأزمنة الجديدة (أع 2: 17- 21)، فهو يجعل مسافة كبيرة بين مأساة إسرائيل الوطنيّة وعودة المسيح (21: 24). يبقى الأفق هنا على مستوى التاريخ.
فيسوع أمام "جيله" هو هو كما كان في مثوله أمام السنهدرين: إنه يشرف على الوضع ويعبرِّ عن ذاته كسيّد واعٍ لامتيازاته.
خاتمة
وتنتهي المقطوعة بشكل مدهش بعض الشيء. فبعد القول الاحتفالي الذي سمعناه، يشير الإنجيلي إلى الشقيّين، إلى اللصّين اللذين يرافقان يسوع ليُعدما هما أيضاً. إن وضع الجملة اليونانية لا يتضمّن أن يكون يسوع قد "دُعي" لصاً بين اللصين! أما الفعل "انايراين" فنجده هنا، ثم في 22: 2. و3 مرات في أع 2: 23؛ 10: 39؛ 13: 20. في كل هذا، يدلّ على تنفيذ الحكم في يسوع. أما سائر الإستعمالات، فتعود إلى اضطهاد التلاميذ على يد اليهود.
هذه الحاشية (آ 32) الخاصة بلوقا، تشكّل انتقالة إلى المقطوعة التالية. أما عن رفيقَي يسوع إلى العذاب، فقد استعمل مرقس ومتّى لفظة "ليستيس" (لصّ). كان لوقا قد احتفظ في 22: 52 بجملة مر 14: 18 (كأنما على لصّ خرجتم بسيوف وعصي، مع ليستيس). فتحدّث بالأحرى هنا (23: 32، 33، 39) عن "كاكورغوس" شقيّ، فاعل سوء (رج 2 تم 2: 9؛ في السبعينية: أس 8: 13؛ أم 21: 15؛ سي 11: 33؛ 30: 35؛ 33: 26). ليس الفرق بكبير بين اللفظتين، وإن دلّ "كاكورغوس" على الإساءة إلى الأشخاص. المهمّ هو أن تتمّ النبوءة (أش 53: 12) التي طبّقها يسوع على نفسه في العشاء الأخير: "أحصي مع العصاة" (انومون، بدون ناموس، 22: 17). ذاك الذي لم يكتشف فيه بيلاطس جرماً (سوءاً، كاكون، 23: 22) صار الآن مع "الأشقياء" (كاكورغوي). لقد ذكر "الأشقياء" ثلاث مرات (آ 32، 33، 39). وهذا ما يقودنا خطوة بعد خطوة إلى مشهد "لصّ اليمين" (23: 39- 43) الذي يشكّل ذروة في المتتالية الثانية (23: 26- 49).
الفصل الرابع والثلاثون
المسيح هو الملك المصلوب
23: 33- 43

يبتعد لوقا عن متى ومرقس في خبر الآلام. وهذا ما نكتشفه بشكل خاص في هذه المقطوعة التي تبدو خاصة بالانجيل الثالث لاسيّما في آ 40- 43. نبدأ فندرس بنية النصّ ونقابله بعض الشيء مع مر. ونبدأ مع آ 33- 34 اللتين توردان الخبر حول صلب يسوع مع اللصين.
1- مدخل إلى النصّ
أ- المسيح الملك
نحن في جو "المسيح الملك". إذا عدنا إلى 2 صم 5: 1- 3، نجد أصول انتظار المسيح الملك الذي خرج من بيت داود. وإذا عدنا إلى كو 1: 12- 20 نكون أمام مديح للمسيح الذي هو صورة الله غير المنظور وبكر القائمين من بين الأموات. فيه تمّ "كل شيء". له الأولويّة الشاملة والملك الذي لا يضاهيه ملك. أما الانجيل الذي ندرس فيبيّن كيف أنّ تاريخ الخلاص الذى بدأه الله مع البثر، قد وصل إلى هدفه وغايته مع المسيح. ثم يدلّ على المكانة الأولى التي يحتلّها في هذا التاريخ صليبُ يسوع.
لم يتمّ رجاء إقامة مملكة داود بتنصيب ملك أرضي، لكن بتنصيب المخلّص المصلوب. فالمسيح على الصليب هو الملك الحقيقي. ليس ملكاً قديراً مثل ملوك الأرض، بل رباً متواضعاً وضعيفاً. وقد صار إلى هذه الحالة لأنه أحبّ أخصّاءه حتى الغاية، حتى آخر حدود الحب (يو 13: 1). 
وإذا عدنا إلى كو 1: 12- 20، فالنشيد لا يبرّر أبداً نظرة إلى مملكة مسيح تحمل المجد الأرضي. فالمسيح الملك لا يقابل "المسيح الكوني" الذي تتحدّث عنه النصوص الغنوصية. فالنصّ يتكلّم أيضاً عن غفران الخطايا (كو 1: 14). ويعظّم المسيح لا لأنه فقط بكر (كو 1: 15) جميع الخلائق، بل لأنه أيضاً بكر القائمين من بين الاموات (كو 1: 18): لقد أقام السلام بدم صليبه (كو 1: 20).
وهكذا يكون لنصّ لوقا الذي ندرس وظيفة في إعلان المسيح كملك على الكون، لأنه كذلك حين يكون المسيح المصلوب (1 كور 2: 2).
ب- ملاحظات في لو 23: 35- 43
نلاحض أولاً عدداً من التفاصيل تبرز أموراً تشدّد عليها هذه المقطوعة. إن لوقا يورد عدداً من النصوص المسيحانية التي تلفت نظر القارئ بأهميتها وتنوّعها. وهو يتحاشى قدر المستطاع الألقاب السياسية. وإن تحدّث عن "ملك" اليهود، فبسبب الكتابة التي وضعت على الصليب (آ 37) فذكرها الانجيل الثالث.
وإذا جعلنا هذا الأمر جانباً، لا يورد لوقا إلاّ ألقاباً دينية تعبرّ عن إيمان الجماعة المسيحية: مسيح الله. المختار. المسيح. وهو يبعد بهذه الطريقة كل التباس في قراءة خبر الآلام قراءة تحصر نفسها في التاريخ، وتوجِّهنا نحو الفهم الحقيقي لما حصل بين العشاء الأخير ويوم القيامة. نحو الفهم الحقيقي لسّر المسيح (كرستولوجيا) وسّر الخلاص (سوتيريولوجيا).
إن التجاديف الموجّهة إلى يسوع تجعلنا نستشعر الجواب الذي قدّمته الجماعة المسيحية المتأثّرة من هذا الموقف: "حقاً! يسوع هو المسيح"! حقاً إنه خلّص "الآخرين". ويصدر من التعارض بين لقب سياسي (ملك اليهود) والكلمة الواردة في آ 43 (اليوم تكون معي في الفردوس)، المعنى الحقيقي لملكوت المسيح الشامل. فسيادته مؤسّسة على عطاء ذاته للآخرين، على تتميم دعوته التي هي خلاص الآخرين، خلاص كل ما هلك. وهذه السيادة تمارَس حين نتّحد به بالألم وبموت خفيّ نقبله في الإيمان.
ولفظة "الفردوس" قد تحرّك لدى السامعين أفكاراً متنوّعة. مهما يكن من أمر، لسنا أمام "فردوس ضائع" نجده في البدايات البيبلية. ولسنا أمام بلاد عجيب نتخيّله في صور بعيدة عن الواقع. ولسنا أمام تمثّلات جليانية يلعب فيها الطعام والشراب ووفرة اللذّة دوراً كبيراً. الكلمة التقليدية التي استعملها تعني: "معي" في السعادة. الفردوس هو حياة مع المسيح الممجّد، مع إله الأحياء.
2- بنية خبر الصلب (23: 33- 39)
وازى لوقا مر 15: 22، فأشار إلى وصول الموكب إلى الموضع المسمّى جلجلة. ولكنه سمّاه حالاً في ترجمته: "الموضع المسمّى الجمجمة" (آ 33). وفي العبارة نفسها يتحدّث في عبارة موجزة جداً عن صلب يسوع وصلب اللّصين: "صلبوه هناك هو والمجرمين، أحدهما عن يمينه، والاخر عن يساره". وهكذا هيّا الانجيلي منذ الآن المقطع الأخير الذي هو خاص به (آ 40- 43). يتضمّن المشهد منذ البدء، لا صلب يسوع وحسب، بل صلب اللّصين أيضاً (سيذكره مر 15: 27 فيما بعد).
وأورد لوقا إمالة صغيرة فسمّى الاثنين الآخرين اللذين حكم عليهما معه: "كاكورغوس" الشقيّ، الذي عمل شراً. أما مرقس فسمّاهما "اللّصين"، "المجرمين" (15: 27). وهكذا دلّ لوقا لا على أننا أمام أعضاء في حزب الغيورين. هذه الإشارة تدلّ على التعارض مع "البار" (الصدّيق) الذي يتحمّل هذا المصير دون أن يكون اقترف جرما (آ 41). فتتجاوب حياته مع نبوءة يسوع التي أخذها من أش 53: 12: "أحصي مع الخطأة" (22: 37). ثم إننا نجد هنا مرة ثانية وفي ساعات يسوع الأخيرة، الشَّر والخطيئة اللذين أرسل ليغلبهما ويشفينا منهما.
وبعد ذلك تأتي آ 34 أ: كلمة المتشفّع من أجل الذين قاموا بهذا العمل المشين. "قال يسوع: يا أبتاه، اغفر لهم، لأنهم لا يدرون ما يفعلون". لا نجد هذه العبارة القصيرة إلاّ عند عدد من الشهود. والجدال قائم لنعرف هل هي أصيلة في نصّ لوقا.
يعتبر الشّراح أن النقد الخارجي لا يكفي. فهناك النقد الداخلي: إن خبر موت يسوع يهيّئ خبر موت اسطفانس (أع 7: 60) الذي غفر لراجميه كما غفر يسوع لصالبيه. ثم إن الكرازة الرسولية ارتبطت بكلمة يسوع هذه، فدلّت على أن خطيئة الذين صلبوا يسوع هي معذورة بالجهل. قال بطرس: "إني أعلم أنكم فعلتم ذلك عن جهل" (أع 3: 17). وقال بولس في أنطاكية بسيدية: "لم يعرفه الرؤساء، فأتمّوا، بالقضاء عليه، أقوال الأنبياء" (أع 13: 27). إن هذه العبارة المذكورة في لوقا (آ 34 أ) تتوافق كل الموافقة مع لاهوته (رج 6: 27- 28: أحبّوا أعداءكم. أحسنوا إلى من يبغضكم، باركوا لاعنيكم، صلّوا لأجل الذين يفترون عليكم) ولا سيّما في نظرته إلى خبر الآلام.
قال بعض الشّراح إن هذه العبارة في نصّ مرقس دليل قاطع على صحتها. فما هو الوضع؟
غابت هذه الآية من مخطوطات عديدة صدرت عن مناطق مختلفة. ووُجدت بشكل خاص في التقليد الغربي. فقال بعضهم: هي ردّة فعل معادية لليهود: تخطّئهم وتبرّر الرومان. وقال آخرون: انطلق النسّاخ من كلام اسطفانس في أع 7: 60 فجعلوا هذا الكلام في فم يسوع. ولكن، كما قلنا سابقاً، تبقى هذه الآية صحيحة وهي في محلّها في انجيل لوقا.
وهذا الغفران الذي طلبه يسوع لصالبيه، سوف يمنحه "للصّين" اللذين حوله. وهكذا يتوجّه الخبر كله نحو حوار يسوع مع هذين "الشقيين". في السابق، صوّرت بإيجاز مختلف الأعمال التي ترتبط بالحدث. أما الآن، فها هو الانجيلي يتوسّع مطوّلاً لكي يترك أثره في قلب القارئ الذي يحتاج هو أيضاً إلى غفران الله.
بعد هذا يورد لوقا في ألفاظ أخذها من مرقس اقتسام الثياب بالقرعة. وذلك حسب مز 22: 29 (كما يرد في السبعينية): "ثم اقتسموا ثيابه واقترعوا عليها" (آ 34 ب). غير أن لوقا زاد حاشية صغيرة حول دور الشعب في الصلب، فميَّزه عن دور الرؤساء: "وكان الشعب واقفين هنا ينظرون". لا يستعمل لوقا عادة لفظة "أوخلوس" التي تدلّ على الجمع (القريب من الرعاع والذي لا وجه له). بل لفظة "لاوس" التي تدلّ على الشرف والكرامة، وقد استعملت مراراً للحديث عن "شعب العهد". فالمقابلة مع الرؤساء، والتعارض بين قسمَي الجملة، جعلا نظرة الانجيلي راضية عن الشعب فنحن بعيدون جداً عن نظرة "الفضوليين" (الذين لا يهمّهم الأمر). وهذا التفسير يوافق كل الموافقة 23: 48 حيث تذكر "الجموع" (أوخلوي)، التي جاءت لترى "هذا المشهد" (هذا المنظر الغريب). ومع ذلك قيل عنها بعد موت يسوع أنها عادت وهي تقرع الصدور. أتراها رجعت إلى الرب فصارت نواة شعب الرب؟ دلت على حزنها ووصلت إلى التوبة التي طلبها يسوع للنسوة اللواتي كنّ يبكينه (23: 28). وهذا ما نجده في كل لو: يجعل الانجيلي الشعب بجانب يسوع، ويميّزه عن رؤسائه ووجهائه (رج 3: 21؛ 7: 29؛ 19: 48؛ 20: 1، 26؛ 23: 13- 18).
أما الرؤساء، فأخذوا يهزأون بيسوع. قالوا: "خلّص آخرين، فليخلّص نفسه إن كان هو مسيح الله، المختار" (آ 35 ب). لم يقل لوقا: "المسيح، ملك اسرائيل" مثل مر 15: 32، بل كتب "مسيح الله المختار". وهكذا كيّف النصّ مع قرّائه المسيحيين الآتين من العالم الوثني. أما لقب "مختار" الذي فسّر هنا تفسيراً مسيحانياً، فيعود بنا إلى نشيد عبد يهوه (أش 42: 1) الذي أدخله لوقا أيضاً في مشهد التجلّي (9: 35).
والجنود الرومان (يُذكرون هنا للمرة الأولى) شاركوا في هزء الرؤساء بكلمات مشابهة. اقتربوا منه ليقدّموا له الخل وقالوا: "إن كنت أنت ملك اليهود، فنجِّ نفسك" (آ 36- 37). لقد استعملوا عبارة "ملك اليهود" (آ 38). إن التقارب بين هذه التسمية (ملك اليهود) وهزء الجنود، يعطي الكتابة على الصليب طابع الهزء. هي لا تدلّ في لو على خطيئة يسوع (عكس مر 15: 26: علّة الحكم). من خلال هذه المجموعة نشعر أن لوقا يعدّ للحوار الذي سيبدأ بين يسوع والشقيّين.
على مستوى التأليف، يبدو الرباط وثيقاً مع ما سبق بواسطة "تجديف" أحد الشقيين مع ألفاظ تكاد تكون مماثلة: "أما أنت المسيح؟ فنجِّ نفسك، وإيّانا أيضاً" (آ 39). وهكذا تتعاقب ثلاثة أقوال هزء، يميّزها لوقا من جهة الاسلوب، فيستعمل في كل مرة فعلاً مختلفاً. بدأ الرؤساء (رؤساء اليهود) فتكلّموا. ثم الجنود (الرومان)، وأخيراً أحد الشقيين. إن الأقوال الثلاثة تشتمل على ذات العناصر: (1) كلام إلى المصلوب. مرتين مع لقب ملك من قبل الوثنيين. (2) دعوة هازئة إلى يسوع بأن "يخلّص نفسه". (3) وفي المرة الثالثة مع زيادة "ويخلّصنا نحن أيضاً".
هذا التشابه ليس وليد الاسلوب والتأليف. إنه يعبرّ بشكل لافت عن موضوع الحوار كله: النجاة بواسطة المسيح. خلاص يأتي من الصليب. ما يعلنه الرؤساء هزءاً سينكشف حقيقة وواقعاً: لقد خلّص آخرين ليخلّص نفسه. غير أن هذا الخلاص يتمّ بطريقة تختلف كل الاختلاف عمّا في المعنى الحرفي من فمهم. نحن بعيدون جداً عن "حفظ حياة الجسد". إن الانتقال من الهزء إلى الواقع، ومن التجديف إلى الحقيقة، يتمّ بزيادة بسيطة: "ونحن أيضاً".
إن يسوع لا يستطيع أن "يخلّص" نفسه. فحياته هي في يد الآب. خرجت من الآب وهي ستعود إليه (23: 46: "يا أبت، في يديك استودعك روحي"). لقد رفض يسوع الخلاص لحياته الخاصة منذ بداية مسيرته المسيحانية، وذلك حين قاده المجرّب إلى الخطر (4: 9 ي: ألقِ بنفسك من ههنا إلى أسفل... يوصي ملائكته بك). والآن، ها هو يرفض هذا الخلاص. إن خلاص حياته لا يتحقق بقدرته الخاصة وبمشيئته. حياته قد وضعها في يد الآب وهو يقرّر.
ولكن يسوع يستطيع أن "يخلّص أولئك الذين أخرجهم الآب من العالم وأعطاه إياهم" (يو 17: 6). وهذا هو الموضوع هنا. فما شكّل عمل يسوع كلّه هو أن يطلب ما هلك. أن يعطي الخطاة خلاص الله. أن يشفي الاجساد والنفوس. كل هذا قد تحقّق في الساعة الأخيرة من حياته.
3- الحوار مع الشقيّين (23: 40- 43)
تفرّد لوقا فقال عن الشقيين اللذين صُلبا مع يسوع إنهما كانا "معلّقين" (آ 39). لقد احتفظ بفعل "صلبا ليسوع وحده، إكراماً واحتراماً (عكس مر 15: 32 ب). فحسب نصّ مر، شارك "اللصان" في التجديف الموجّه إلى يسوع (مر 15: 32 ب؛ مت 27: 44). أما عند لوقا، فردّ "اللص الصالح" على تجاديف رفيقه ووبّخه: "أنت لا تخشى الله. أنت تقاسي الحكم نفسه. أما نحن فبعدل نعاقب. أما هو فلم يفعل شيئاً" (40- 41).
ما أراد أن يقوله هذا الشقي: يجب أن يتوقف التجديف واللعن أمام الموت. في هذه الحالة لم يعد من مكان إلا لمخافة الله الذي هو سيّد الحياة والموت (12: 5). نحن معاً، الواحد مع الآخر، في مصير واحد، ولا نستطيع أن نتخلّص من وضعنا المشترك. هذا صحيح بشكل من الأشكال من أجل كل إنسان، ومن أجل كل ميت. ولكن يُزاد على ذلك هنا: نحن نقاسي عقاباً عادلاً. أما ذاك الآخر الذي تتوجّه إليه التجاديف، فهو يقاصي آلامه ظلماً.
لن نتساءل كيف عرف الشقي الثاني هذا الأمر، ولا كيف تكوّنت نظرته إلى يسوع. إنه يعطي طوعاً هذه الشهادة، فيشبه إلى حدّ بعيد إمرأة بيلاطس خلال محاكمة يسوع (مت 27: 19: لا تسىء إلى ذاك الصدّيق). فالاعتبارات السيكولوجية التي بحسبها حصل الشقيّ على هذا اليقين حين لاحظ يسوع في صعوده إلى الجلجلة وخلال الصلب، كل هذا لا يعطينا معلومات إضافية. ولكن يبقى أن يسوع لا يعظ فقط بأقواله وأعماله. حياته هي عظة. وموته أيضاً. رآه "اللص اليمين" وهذا يكفي. فلا حاجة إلى براهين إضافية.
ونسمع من هذا الشقيّ وللمرة الأخيرة في حياة يسوع هذه الملاحظة الموضوعيّة التي عبرّ عنها بيلاطس باحتفال ثلاث مرات خلال المحاكمة: "لا أجد علّة في هذا الرجل" (23: 4، 14- 15، 22). قال اللّص: "لم يفعل شيئاً من السوء" (آ 41). وبعد موت يسوع، سيبرز قائد المئة فيعارض بأقواله التجاديف السابقة. هذا الضابط الروماني سوف يمجّد الله ويقول: "في الحقيقة كان هذا الرجل صدّيقاً" (23: 47). وهكذا، عبر خبر لو كلّه، أدّيت شهادة ليسوع البارّ والصدّيق، يسوع البريء الذي لم يفعل شيئاً من السوء.
تمّ توجّه الشقي بشكل مباشر إلى يسوع في عبارة ثانية. وطلب منه بشفقة كبيرة أن يتذكره. قال: "يا يسوع، أذكرني متى جئت في ملكوتك" (آ 42). هذا "التذكّر" يستلهم لغة الصلاة في العهد القديم: فالمؤمن يلتفت في ضيقه إلى الله، ويسأله أن يتذكَّره ولا ينساه. فإن نسيه الله، كان الموت أمامه. ولكن إن ذكره أبعد الشّر عنه، وأكد له أنّ نداء الايمان قد سُمع. غريب هذا اللّص الذي سمّى يسوع باسمه، وهو يعترف بكرامته كملك مسيحاني.
يقدّم تقليد النصّ اختلافات عديدة. الاختلافة الرئيسية نجدها في النسختين: "في ملكوتك" (مع الوجهة، مسيرة إلى ملكوتك). أو: "مع ملكوتك" (أي معك أيها الملك). نجد الصورة الاولى لدى الشهود الرئيسيين (بردية 45، الفاتيكاني). والذين يأخذون بها يتطلّعون إلى الوقت الذي فيه يصل يسوع إلى ملكوته. هذا يعني في قيامته. بعد أن تألمّ سيدخل في مجده (24: 26). هذا ما قاله للمجلس الأعلى (22: 69). قبل أن نعود إلى الصورة الثانية نرفض الكودكس البازي مع مخطوط من اللاتينية العتيقة: "في يوم مجيئك". نحن أمام تفسير للنصّ وتبسيطه بدون سبب، وربطه بمجيء يسوع الثاني، بنهاية العالم.
أما الصورة الثانية "مع ملكوتك" فتمثّل الصورة الأصعب، وترتبط بالعالم السامي. وهي تعني: إذا كنت ملكاً. أنت كملك. في هذه الحالة نربط "المجيء" بمجيء المسيح الثاني ساعة يقوم ملك يسوع وملك الله: "حين تأتي لكي تدشّن ملكوتك". هذه الصورة تبرز التعارض مع جواب يسوع: إن المجيء الاسكاتولوجي ليسوع "كملك" قد ننظر إليه في مستقبل بعيد وغير محدّد. غير أن يسوع يقول في جوابه: "اليوم" (هناك تشديد، لأن هذه اللفظة وضعت في بداية الجملة).
ماذا نختار؟ المهم أن عاطفة بسيطة من قبل هذا الشقي كانت كافية ليتجاوب يسوع مع طلبه، ويمنحه ما لم يحلم به أبداً: اليوم تكون معي في الفردوس. كم يشبه هذا الشقي الابن الضالّ في ف 15. رغم العواطف التي حرّكت عودته إلى الآب، استقبله الآب استقبالاً جعل أخاه الأكبر ينحسد منه. هذه هي طريقة الله في العطاء. هو يريد أن يعطي مجّاناً، وينتظر إشارة مهما كانت بسيطة.
ويبقى أن النقطة الرئيسية هنا، هي أن صلاة الشقي التي دلّت على ثقة عظيمة، لن تستجاب حالاً كما توقعّ طالبها. بل هي تجاوزت كلَّ تصوّر بشكل لا يحدّ، بشكل لا يتوقّعه انسان. لم تكن استجابة عاديّة على نحو ما طلب يعقوب ويوحنا ابنا زبدى (مر 10: 35- 40)، بل استجابة سماوية وروحية. قالت يسوع: "الحق أقول لك إنك اليوم تكون معي في الفردوس" (آ 43). حين بدأ يسوع كلمته بعبارة "الحق أقول لك" منحها مهابة ولهجة احتفالية. دلّنا على أننا أمام تعليم سامٍ جداً. لم ينلْ انسان على الأرض من يسوع هذه الكفالة الشخصية المحضة بأن يحيا معه في الفردوس. أما الآن فاللص نال هذه "العطية" ساعة وصل كل عمل يسوع إلى نهايته.
ونتوقّف عند ثلاثة عناصر من هذا الجواب: اليوم، معي، في الفردوس.
* اليوم تكون
إن يسوع لا يقدّم وعداً من أجل مستقبل غير محدّد. بل من أجل الوقت الحاضر: الآن. فيوم موت الشقي يكون أيضاً يوم دخوله إلى الفردوس، إلى موضع السعادة. "اليوم" تنتهي حقبة الرجاء والانتظار. والتتمّة الاسكاتولوجية لا تدلّ فقط على ساعات يسوع الأخيرة. بل هي ترافق كل عمله السابق. لهذا نجد لفظة "اليوم" في مواضع عديدة من لو. في 2: 11 نسمع الملائكة يقولون: "اليوم ولد لكم مخلّص". وفي الناصرة، سيقول يسوع: "اليوم تمّت هذه الكلمة" (4: 21). وبعد شفاء المخلّع، هتفت الجموع: "اليوم رأينا عجائب" (5: 25).
لا شكّ ولا تردّد في اعلان يسوع هذا الذي أعلن بذات اليقين والثقة عن قيامته (9: 22؛ 18: 33). عن اشراك التلاميذ معه في ملكوته (22: 39). عن جلوسه من عن يمين الله (22: 69). اليوم، تمّت الغلبة على الموت. لقد بدأ الله يحقّق هذا الخلاص الذي هزِئ به خصوم يسوع.
** اليوم تكون معي
وهنا أيضاً يدوي وعد سبق فأعطي للرسل. في خطبة الوداع حسب لوقا، كان يسوع قد قال لتلاميذه: "أنتم قد ثبتّم معي في محني" (22: 28). إن الوحدة الدائمة المعاشة في الاتضاع ستتحوّل إلى مجد في الملكوت. "وأنا أعدّ لكم الملكوت كما أعدّه لي أبي، فتأكلون وتشربون إلى مائدتي في ملكوتي، وتجلسون على العرش لتدينوا أسباط اسرائيل الاثني عشر" (22: 29- 30).
وإن لم يكن الوعد ينطبق بهذا الشكل إلا على الاثني عشر، إلا أن الواقع نفسه (نكون مع يسوع في ملكوته) يُعلن هنا في الساعة التي تسبق موت يسوع. وهنا أيضاً نجد الاتحاد في الانحدار، وفي مرارة الموت. فالمحكومان ينضمّان إلى مصير المسيح، لينالا "العقاب عينه" (آ 40). فالذي يضع رجاءه في يسوع، في ذلك الوضع، كما فعل قبله أولئك الذين طلبوا الشفاء والخلاص، يتأكّد من رحمة يسوع. ومن الاتحاد في الموت، يجد نفسه مدعوّاً إلى الاتحاد معه في الحياة.
وهكذا صار هذا "اللصّ" المتكلِّم "الرسمي" باسم الرجاء، ونموذجاً لجميع البشر الذين يواجهون الموت. والصلاة التي يرفعونها إلى الله لئلا ينساهم، بل أن يتذكّرهم، ستستجاب هي أيضاً. والخير الذي يعرضه يسوع هو أعظم عطيّة يمكن أن نتصوّرها: أن "نكون معه". في حياته، في مجده.
*** اليوم تكون معي في الفردوس
الفردوس (جنّة عدن في العالم الراباني، رج 2 كور 12: 4؛ أع 2: 7) يدلّ على مقام الأبرار السماوي. يتميّز هذا الموضع مراراً، في زمن العهد الجديد، عن مثوى الأموات، عن الشيول. لقد تبدّلت الأمور فصار عالم الأموات (الجحيم في العربية) محفوظاً للأشرار. أما الأبرار فيدخلون وحدهم إلى الفردوس ليعيشوا مع الله. أجل، إن عبارة "في الفردوس" تعني مقام الصدّيقين في اتحّاد مع المسيح. أما إذا قلنا عكس ذلك واعتبرنا "الفردوس" فقط مجرّد "مثوى الأموات"، كيف يعطينا هذا الوعد نتيجته المعزية إن اكتفى بأن يحدّثنا عن حياة مع يسوع في الجحيم، في الشيول، في مملكة ظلال الموت؟ كلا. لن يبقى المسيح في عالم الموت. ثم إنّ صلاة هذا الرجل لا تكون قد استجيبت، مع أنه طلب من يسوع أن يذكره. إذن، لا نستطيع أن نشكّ أن يسوع وعده، في هذا اليوم، أن يشركه معه في موطن السعادة كما تدلّ عليه الاسكاتولوجيا اليهودية.
كيف تتوافق هذه الكلمة مع "انحدار المسيح إلى الجحيم"؟ أجل، نزل يسوع إلى عالم الموت، ولكننا نحن هنا أمام وجهة أخرى من وجهات الخلاص لا تمتزج مع هبوطه إلى الجحيم. ويبقى سؤال أهمّ هو المعنى الكرازي الذي يحمله جواب يسوع. نشعر أنه لا يأخذ بعين الاعتبار الحقبة (3 أيام) التي تمتدّ حتى صباح الفصح. إنّ الموت نفسه قد خسر الظلمة التي تحيط به كما خسر طابعه النهائي. فعند مر ومت تغلّفت أحداث الصلب حتى موت يسوع، في ظلمات كثيفة لا يبدّدها اعتراف ساطع أعلنه قائد المئة بعد موت يسوع (مر 15: 39: "في الحقيقة كان هذا الرجل ابن الله"؟ مت 27: 54)، وذلك رغم التلميحات إلى العهد القديم والنور الذي تلقيه على دراما الآلام والموت. أما لوقا فيجعلنا نفكّر في يو وفي طريقته بالتأمل في موت يسوع: الموت والتمجيد موجودان معاً في خط شبيه بما في يو 3: 14- 15: "كما رفع موسى الحية، كذلك ينبغي أن يرفع ابن البشر". يُرفع على الصليب. يُرفع في القيامة والصعود والجلوس عن يمين الآب.
خاتمة
في مجمل لو وفي خبر الآلام والقيامة، يبدو هذا المقطع الذي درسناه "إنجيلاً" في معنى خاص. إنه خبر مفرح عن قدرة موت المسيح المحرّرة. إنه بشرى الرجاء والوعد اللذين يشرفان على موت التلميذ. إن دعوة "المخلّص" ظهرت منذ بداية حياته كمسيح (2: 11). ولقد ظلّ أميناً لها حتى النهاية.
حين يكون نظرنا وأملنا محدّقين إلى المسيح، فالموت هو الخلاص، هو النجاة من الظلمة ومن الموت. والانسان الذي كان أول من حقّق ذلك في ساعة خاصة، صار علامة وعد لجميع الذين يأتون بعده. والموت مع المسيح هو الاتحاد به في حياته. هذا هو تعليم "الانجيل الصغير" الذي هو جزء من انجيل يسوع الذي اختاره الله وأرسله إلى البشر مخلّصاً.
الفصل الخامس والثلاثون
موت يسوع
23: 44- 49

إن اللوحة الثالثة في رسمة الجلجلة الكبرى (23: 44- 49) توجز ما نجده في مر 15: 33- 41، تعيد ترتيبه وتحوّله بعض الشيء. تتألف هذه المقطوعة من أربعة عناصر. الأول (آ 44- 45) يصوّر المعجزات الخارجيّة التي سبقت موت يسوع. الثاني (آ 46) يعيدنا إلى يسوع، إلى موته وهو يتلو صلاته. هذه هي ذروة خبر الحاش والآلام. الحنصر الثالث (آ 47- 48) يرى نتائج ما حصل على الحاضرين. والرابع والأخير (آ 49) يعدّ القارئ للأخبار المقبلة ويرسم خطأ يحدّد نهاية القسم. وهذ ما نراه بسبب التوازي الذي يوحّده مع آ 55 وآ 56 أ.
1- معجزات خارجية
لم يحتفظ لوقا من تعداد الساعات عند مرقس إلا بذلك الذي يشير إلى الظلمة. فالتحديد ضروري لإبراز الطابع العجائبي للظاهرة. إنطلق لوقا من حاشية مر 15: 33 وقام ببعض اللمسات فيها. زاد على الوقت لفظة "تقريباً، نحو". "وكان نحو الساعة السادسة" (أي الظهر). هذه طريقة معروفة عند لوقا. في 3: 23: لما باشر يسوع تعليمه "كان له نحو ثلاثين سنة". في 9: 14، كان الآكلون "نحو خمسة آلاف رجل". في التجليّ: "بعد هذا الكلام بنحو ثمانية أيام" (9: 28)؛ رج 22: 41، 59؛ 23: 44 (ق مر 1: 33: وعند الساعة الثالثة)؛ أع 1: 15؛ 2: 41؛ 10: 3؛ 19: 7.
إمتدّت الظلمة "تقريباً" من الساعة السادسة إلى الساعة التاسعة، من الظهر إلى الساعة الثالثة بعد الظهر. وزاد لوقا في آ 45 أ عبارة "لأن الشمس قد كسفت". فالفعل "اكليباين" يعنى: توقّف، زال (16: 9؛ 22: 32؛ عب 1: 12، رج مز 102: 28). ولكن مع الشمس والقمر، يدلّ على الكسوف والخسوف. هل فكّر لوقا بهذا الأمر؟
غير أن هناك اعتراضات ضدّ هذا الإحتمال. قيل: كان على لوقا أن يعرف مثل سائر الناس أن الشمس لا تكسف في تمام البدر. وأن كسوفها لا يمتد ثلاث ساعات. وأنه إذا أراد أن يتحدّث عن معجزة، وجب عليه أن يستغني عن اللغة العلمية. وهكذا نكون أمام استعمال غير تقني لفعل "اكلايباين"، كما في السبعينية (أش 60: 20؛ أي 31: 26؛ سي 17: 26 "31"؛ 22: 11).
هذا ما فهمه النسّاخ والمترجمون، وقد أرادوا أن يبرّئوا لوقا من خطأ، ويبعدوا عن الأناجيل ملاحظات الخصوم الهازئة. ففضّلوا أن يكتبوا: الشمس "أظلمت". هذا ما نجده في المخطوطات المصرية (اسكوتستي)، في السريانية العتيقة وفي البسيطة (حشك أو حسخ)، في اللاتينية العتيقة (أوبسكوراتوس). في الواقع، هذا التصحيح يظلم الإنجيلي. فإن كنا أمام كسوف، فلماذا هذه الزيادة التي تكرّر ما قيل، وهذه ليست عادة لوقا؟ ولكن ما يفهم عند الإنجيلي الثالث هو إرادته بأن يشرح المعجزة. هل أخطأ حين جهل الزمن الدقيق لعيد الفصح (خلاله جرت الآلام، 22: 1، 15)، أو شروط كسوف الشمس أو الأمرين معاً، فالأمر ما زال معقولاً. إذن، نحن أمام "معجزة"، وهذه المعجزة هي: كسوف الشمس. نحن هنا أمام شرح كما اعتاد لوقا أن يفعل. يتحذث عن "القوة" (ديناميس). عاد مر 5: 30 مرة واحدة إليها (أحسّ بالقوة التي خرجت منه). رج لو 4: 36 (يأمر بسلطان وقدرة)؛ 5: 17 (قدرة الربّ)؛ 6: 19 (كانت قوة تنبعث منه)؛ 9: 1؛ أع 3: 12؛ 4: 7؛ 6: 8؛ 10: 38. في لو 21: 26 نقرأ: "لأن قوات السماء تتزعزع". هذا شرح للآيات التي سبقت (ق مر 13: 25؛ مت 24: 29: يقول فقط: تتزعزع بدون "لأن").
لقد تصّرف لوقا ككاتب هلنستي في هذا المجال. أراد فيلون الإسكندراني أن يشرح ضربة الظلمة في مصر (خر 10: 21- 29) ففكّر في تكثيف خارق للغيوم، في كسوف شمس لم يكن كالعادة. أما يوسيفوس المؤرّخ فتحدّث عن عبور البحر الأحمر وترك قرّاءه يختارون بين مشيئة الله الفاعلة بشكل مباشر، وظاهرة جاءت بالصدفة كما حدث لجيش اسكندر. قال المؤرّخ هذا، دون أن يلغي طابع العناية عن الخلاص الذي منحه الله لشعبه في هذا الظرف.
هذان المثلان وغيرهما (تماثيل تعرق دماً، تبكي، تتنهّد) تفهمنا زيادة لو 23: 54 أ: هو لا يعارض واقع المعجزة، ولكنه يخفّف الصدمة عن قرّائه: إذا كانت المعجزات علامات إلهية، فلا تعارض نواميس الطبيعة. إنها تتمّ حسب الطبيعة.
عندما نفسّر الأمور بهذا الشكل، تتوافق ظاهرة الظلمة مع إحدى القراءتين الممكنتين لعبارة "على الأرض كلها". إذا كانت هذه "الارض" في نظر لوقا هي الكون كلّه (كما في 2: 14؛ 5: 24؛ 12: 49، 51؛ 18: 8، 21: 25، 35)، لا أرض إسرائيل (كما هو الأمر في مت ومر)، فالمعجزة بشكل كسوف تكون موافقة. ثم إن هذه الوجهة الكونية تلتقي مع كليشيه أدبي عرفه العالم القديم وبالتالي لوقا. غير أن الإنجيلي لا يكتفي بأن يورده، بل يعطينا مفتاح المعجزة. فهذه "الظلمة" لا تنفصل عن كلمة تلفّظ بها يسوع قبل أن يمسكه الحرس فيصبحوا أداة "قدرة الظلمة" (22: 53). فبدل أن نعود إلى أع 2: 17- 20 حيث يورد بطرس النبي يوئيل فينشد مجيء الأزمنة الأخيرة لاجئاً إلى الظواهر الكونية بما فيها الظلمة، يدلّ سياق خبر الآلام على الطريق الواجب اتباعها. لقد بدأت "قوة الظلمة" تعمل منذ دخل الشيطان في يوضاس (22: 3). وما زالت تتابع عملها خلال الحاش. وقد وصل عملها إلى الذروة ساعة مات يسوع على الصليب. نحن أمام قوة كونية، ومع ذلك فهي تعمل من أجل خلاص العالم.
في مر، إرتبطت المعجزة الثانية بموت يسوع. أجل، إن انشقاق حجاب الهيكل هو النتيجة المباشرة لهذا الموت. أما لوقا، فضمّ هذه الظاهرة إلى الظلمة، وحدّد موقعهما قبل هذا الموت. لماذا؟ اعتاد لوقا أن ينقل أموراً من مكانها ليعيد ترتيبها بحسب مخططه (مثلاً، جعل كل ما يخصّ يوحنا المعمدان في 3: 1- 20، وهكذا لن يعود إليه). وهناك سبب آخر وربّما أهمّ: كيف يجعل من رمز التنجيس والتدمير نتيجة مباشرة لموت يسوع (هل هو الحجاب الخارجي أو حجاب قدس الأقداس، هذا ما لا يهتمّ له لوقا). في هذا المجال، لا يلغي يسوع عبادة الهيكل التي ما زال يمارسها تلاميذه الأولون. إنه "بيت صلاة" ويستحقّ كل إكرام (19: 45- 46). قال عنه يسوع إنه "بيت أبي" (2: 49) والموضع المميّز للتعليم الذي يعطيه (19: 47). زال الهيكل في كارثة سنة 70، فنال العقاب الإلهي. ولكن لا شيء يشير إلى العبادة في الهيكل كموضوع لوم (هاجم اسطفانس نظرة إلى الهيكل لا تليق بالله. ثم إن لوقا يعتبر أن الله لا ينحصر في مسكن صنعته يد البشر، أع 7: 48- 50؛ رج 1 مل 8: 27؛ 2 أخ 6: 18). لهذا حين نضمّ هذه المعجزة الثانية (انشقاق حجاب الهيكل) إلى الظلمة نجعلها ترتدي رمزية مماثلة (لا نرى عند لوقا يسوع مصلّياً في الهيكل. هو المعلّم في الهيكل لا الآتي إلى الحجّ والصلاة). حين أصاب انشقاقُ الحجاب الهيكل، مسكن الله، دلّ برمزيته على عمل الشرير الذي وجدناه في الظلمة والذي يعمل للمرة الأخيرة قبل موت يسوع. إن هذا الهجوم الأخير هو في الواقع انتصار الله.
2- صلاة الاستسلام
ترك لوقا صلاة يسوع كما أوردها مرقس ومتّى عائدين إلى مز 22. ذكر مر 15: 34-37 صرختين سبقتا حالاً موت يسوع. أما لوقا فاحتفظ بصرخة واحدة. قال مر 15: 37: "أما يسوع فأرسل صوتاً عظيماً، وأسلم الروح". أما لوقا فجعل من هذه الصرخة التي لم يعبّر عنها الإنجيلي، تعبيراً عن صلاة حارة (23: 46) إعتاد أن يتحدّث عنها لوقا في إنجيله (صلاة يسوع في 3: 21؛ 6: 12؛ 9: 18، 28؛ 10: 21؛ 11: 1؛ 22: 42).
إن صلاة يسوع الأخيرة هي إيراد مز 31: 6 (حسب السبعينية). زيدت لفظة "أبت". وحلّ الحاضر محل المضارع: الآن، أنا أستودع روحي. هذه الصلاة التي يتلوها اليهودي عند المساء، كما يقول التلمود، قد عرفتها ليتورجية المجمع والجماعات المسيحية في أيام لوقا. وجاءت في فم يسوع تعبيراً عن عطيّة حياة يسوع لله، للآب (يسمّي لوقا الله "الآب": 10: 21= مت 11: 25- 26؛ لو 11: 2= مت 6: 9؛ لو 22: 42= مر 14: 36؛ لو 23: 34).
كان مرتل المزمور رجلاً باراً: لاقى الإحتقار والتجديف. هدّد في حياته، فسلّم إلى "يد" (قدرة، حماية) الله ما بقي له من نفَس (روح، بنفما). طلب منه أن يدافع عنه لكي يظلّ على قيد الحياة. وفي وضع يسوع، كان هذا النفَس (بنفما، الروح) آخر شهقة لدى شخص يموت. هذا ما يدلّ عليه الإتصال مع الفعل التالي: "اكسابناسن": أسلم الروح. أخرج آخر أنفاسه.
إن يسوع لا يموت بشكل منفعل، وكأنه يقاد. فقد أراد أن يكون آخر إكرام يقدّمه لله في تقوى بنوية: إنه يردّ إلى الله أبيه نفَس الحياة الذي أعطاه إياه.
3- نتائج موت يسوع في الحاضرين
فعل لوقا كما فعل متّى ومرقس، فأورد اعتراف قائد المئة الروماني، الذي يُشرف على صلب يسوع (23: 47). جاءت المقدّمة أقصر ممّا في مر 15: 39 أ (رآه قائد المئة القائم بإزائه) فدلّت على يد لوقا حين تحدّث عن "تمجيد الله" (2: 20؛ 5: 25- 26؛ 7: 16؛ 13: 13؛ 17: 15؛ 18: 43؛ 23: 47؛ أع 4: 21؛ 11: 18؛ 21: 20). نجد هذا "التمجيد" ست مرات من أصل ثمانٍ كردّة فعل على نشاط يسوع العجائبي (5: 25، 26؛ 7: 16؛ 13: 13؛ 17: 15؛ 18: 43؛ رد أع 4: 21). ولكن ما يدلّ عليه دوماً هو نتيجة حدث خارق نرى فيه عمل الله.
وحين دلّ لوقا هنا على سبب هذا التمجيد بعبارة غامضة "ما جرى" (إسم الفاعل في الصيغة الحيادية غاغونوس: 8: 34، 35، 36؛ 24: 12؛ أع 4: 21؛ 5: 7؛ 13: 12؛ مع "غانومينون" في 23: 47؛ أع 12: 9)، لم يركّز (كما فعل مر 15: 39) الإهتمام على يسوع، بل اقترب من مت 27: 54 (رأوا الزلزلة، وما جرى) الذي تحدّث أيضاً عن الزلزال (هزّة أرضية). لقد كان قائد المئة شاهداً لما جرى (رج 8: 34: رأى الرعاة ما جرى. لسنا فقط أمام لفت نظر كما في 5: 20؛ 8: 47؛ 9: 47، 54؛ 17: 15؛ 18: 24؛ 22: 49).
نحن هنا أمام ثلاثة أمور: الظلمة، إنشقاق حجاب الهيكل، صلاة يسوع في صيحة عظيمة. ومع ذلك، قال لوقا كلمة "عامة" (ما جرى). فما هو غير عادي امتزج مع ما يبني الجماعة، فأثار إعجاب قائد المئة الذي مجّد الله.
هنا نشير إلى البحث عن المعقول عند لوقا. قال مت 4: 8: "أخذه إبليس إلى جبل عالٍ جداً، وأراه جميع ممالك الدنيا ومجدها". أية قمة نستطيع أن نرى منها العالم كله؟ قال لو 4: 5: "أراه في لحظة جميع ممالك الدنيا". لو 6: 29: "من أخذ رداءك لا تمنعه من ثوبك". يؤخذ الرداء ثم الثوب. أما مت 5: 40 فقال: "من أخذ ثوبك، خلّ له الرداء". قال مت 11: 2: "لما سمع يوحنا، في السجن، بأعمال المسيح، أوفد". من أعلم يوحنا؟ أليسوا تلاميذه؟ لهذا قال لو 7: 18: "وأخبر يوحنا تلاميذُه". إنحصر انقطاع يوحنا عن الخبز والخمر (7: 33؛ رج مت 11: 19: لا يأكل ولا يشرب) (رج مر 1: 6؛ مت 3: 4). نحن لا نرى الزهور تنمو (12: 27؛ رج مت 6: 28). وقد لاحظ لوقا البرق (17: 24؛ ق مت 24: 27) الذي يلمع من طرف فيصل إلى طرف آخر.
هذا هو اهتمام لوقا هنا في اختيار عبارة اعتراف يجعلها في فم قائد المئة تختلف عمّا في مت ومر. جعلا على شفتي الضابط الوثني فعل اعتراف مسيحي بيسوع: إنه "ابن الله". أما لوقا فأعلن: "في الحقيقة، كان هذا الرجل باراً". إن الصفة "ديكايوس" قد تعني "البريء" كما في السبعينية (يوء 4: 19؛ يون 1: 14؛ أي 2: 23؛ 17: 8؛ مز 1: 11؛ 6: 17. في العبرية: نقي). في هذه الحالة، يكون كلام الضابط امتداداً بعد موت يسوع لقول كرّره بيلاطس خلال المحاكمة (23: 4، 14- 15، 22). ولكن هذا التأويل يلقى اعتراضات من داخل الإنجيل نفسه (ما قيل عن يسوع يقال عن المسيحيين. نلاحظ هنا صيغة لوقا الدفاعية).
إذا تطلّعنا إلى استعمال الصفة في مؤلّف لوقا (لو+ أع)، نلاحظ أنه لا يعطيها معنى "بريء" (غير مذنب) بل معنى "الأمين، الخاضع لإرادة الله" (1: 16- 17؛ 2: 25؛ 5: 32؛ 14: 14؛ 15: 7؛ 18: 9؛- 20: 20؛ 23: 50؛ أع 10: 22؛ 24: 15). ويبدو الأمر واضحاً خصوصاً في أع، حيث يصبح "ديكايوس" إسم جنس ويعطى ليسوع كلقب (أع 3: 14: القدوس والبار؛ 7: 52؛ 22: 14). في كل هذا توافقَ لوقا مع النظرات المسيحانية كما نجدها في الكتاب المقدّس والعالم اليهودي القديم (إر 23: 5؛ زك 9: 9؛ مزامير سليمان 17: 32).
إن الضابط الروماني يقدّم على الجلجلة صوته ليقرّ بأن يسوع هو ذاك الذي عاش حياته حسب إرادة الله، وأنه ما زلّ حتى النفَس الأخير. وهو يمجّد الله الذي فعل ما فعل في يسوع. وهكذا أحيطت حياة يسوع بالتمجيد: منذ ولادته (2: 14، 20) حتى موته على الصليب.
وزاد لوقا على ردّة فعل الضابط، ما قالته الجموع في تلك المناسبة (23: 48)، فاختلف عن سائر الإنجيليين. نحن نعرف أن "الشعب" حاضر هنا، على الجلجلة (23: 35) حيث تبع يسوع (23: 27). إختلف عن سائر الأشخاص الذين أظهروا عداوة ليسوع، فاكتفى بأن "ينظر" دون أن يقول شيئاً. هذا الموقف يدل على تطوّر بالنسبة إلى الموقف ذاته الذي وقفه "الشعب" أو "الجموع" (على الجلجلة وأمام بيلاطس، الشعب هو الجمع والعكس بالعكس)، خلال مشهد المحاكمة الذي رأسه بيلاطس. وهو يهيّئ القارئ أيضاً ليلاقي الشعب ذاته بعد موت يسوع.
نرى هنا أنه ينظر، يشاهد. ونعرف أنه اجتمع لهذه الغاية (الأداة "سين"، "مع" مع الفعل). لقد انتهى المشهد وعاد كل واحد إلى بيته. ولكن ها هو الشعب يبدّل موقفه فجأة. فنظره (مثل نظر قائد المئة) قد أدرك العظمة في "ما جرى". غير أن هؤلاء الناس هم مخطئون: طالبوا بصلب يسوع بصراخ عظيم. إذن، نحسّ في مقالة قرع الصدور أكثر من طقس حداد. نجد فيه تعبيراً عن توبة. ويثبت هذا الإستنتاجَ الأخير صلاة العشّار في 18: 31: قرع صدره وهو يصرخ: "إرحمني يا الله، أنا الخاطئ". ونحن هنا على الجلجلة أمام خطأة تائبين (نجد في الترجمات حواشي على آ 48: تبكي الجموع على شقائها. تنظر إلى دمار أورشليم كعقاب لخطاياها). وهكذا نكون أمام موضوع عزيز على قلب لوقا (10: 13، 11: 32؛ 3: 3، 5؛ 15: 7، 10: 16: 30؛ 17: 3، 4؛ أع 2: 38؛ 3: 19)، وإن لم نستطع أن نتكلّم عن توبة بالمعنى الحصري للكلمة، فقد بقي موضع لنداء الرسل بعد الفصح (أع 2: 38؛ توبوا وليعترف كل منكم بخطاياه، 3: 19). ولكن لوقا جعلنا منذ الآن نستشفّ أن موت يسوع يقود في الحقيقة إلى التوبة. بدأت آثارها في الإنجيل، وتفتّحت في سفر الأعمال.
4- نحو الأخبار المقبلة
إن نهاية هذه المقطوعة (آ 49) تلتقي ونهاية المقطوعة التالية (23: 55- 56) بعدد من الألفاظ المشابهة: رجِع (آ 48، 56). النسوة (آ 49، 55). تبع (آ 49، 55). "من الجليل" (آ 49، 55). نظر (آ 49، 55). 
ماذا تقول الحاشية عن النساء التلميذات (23: 49 ب: تبعنه من الجليل)؟ إذا قابلناها مع مر 15: 40- 41 فهي تلفت انتباهنا أولاً بإيجازها. إنها ملخّص لنصّ مرقس. لا نجد أي إسم علم، بل تسمية إجمالية بدون ذكر أسماء. هذا مع العلم أن لوقا أعطانا تفاصيل لم يذكرها أحد عن نساء رافقن يسوع في تنقّلاته. ونقول الشيء عينه عن 23: 55 (ق مر 15: 47؛ كانت مريم المجدلية...). ولكن في 24: 10 سيتذكّر لوقا اللائحة التقليدية. قد يكون لوقا أغفل الأسماء في 23: 49 و23: 55 لأنه لم يجد لائحة سابقة. فاللائحة في مر 15: 40، 47 تختلف عمّا في مر 16: 1.
جزأ مرقس مسيرة النساء مع يسوع في مرحلتين: في الجليل، وخلال الصعود إلى أورشليم. أما لوقا فجمع كل شيء في جملة واحدة وحركة واحدة: نساء تبعن يسوع "من الجليل". ستتكرّر هذه الحاشية فيما بعد (23: 55 أ) فتدلّ على اهتمام الإنجيلي بأن يضمّ هؤلاء الأشخاص إلى المسيرة التي قادت يسوع من الجليل موطنه إلى الموضع الذي يكرّس ذروة رسالته الخلاصية. فاللواتي عشن حتى النهاية المسيرة على خطى يسوع، سيكنّ أول من ينال بشرى القيامة ويعلننها. هذه الإمتيازات ظهرت من خلال نشاط تلك النسوة في جماعات عرفها الإنجيلي. وقد يكون البعض حاول أن يعارض "هذه الإمتيازات"، فأعاد لوقا الأمور إلى نصابها.
ولكن يا المقطع الذي ندرس، جاءت النسوة في الموقع الثاني. فقد سبقهنّ الرجال. هناك "غنوستوي"، أشخاص معروفون من يسوع، أصدقاؤه. إشارة غامضة كما في 2: 44 (بحث يوسف ومريم عن يسوع بين الأقارب والمعارف أو الأصدقاء)، ولكنها إشارة مدروسة. أغفل لوقا الحديث عن هرب التلاميذ حين أوقف يسوع. وقد عرف بواسطة مراجعه أننا لن نجد أحداً منهم ليشهد صلب المعلّم. لا تشير المراجع إلاّ إلى النسوة. فإن حاول أن يُدخل التلاميذ هنا، عارض ما يعرفه الناس في الجماعات. غير أن لوقا حاول رغم كل شيء أن يعوّض عن هذا النقص. 
كان مرقس قد كتب أن التلاميذ "تركوا" يسوع "وهربوا كلهم" (بنتس) (14: 50). أما لوقا فقال: "كل أصدقائه" (بنتس، يحبّ لوقا لفظة "كل") شهدوا آلامه. إن مثل هذا الكلام يريد أن يبني الجماعة حوله شجاعة المجموعة حتى النهاية. فهؤلاء النالس من رجال ونساء ليسوا عند الصليب، تحت الصليب (ق يو 19: 25-27)، بل يقفون عن بعد، كما كان الشعب واقفاً من قبل. وكانوا مثله ينظرون إلى ما يحدث. ذكر مر 15: 40 كلام مز 38: 12 (حسب السبعينية): "أقاربي وقفوا بعيداً عنّي". وهذا ما لم ينسه لوقا في هذه المناسبة حين جعل أصدقاءه يقفون عن بُعد.
الفصل السادس والثلاثون
دفن المسيح
23: 50- 56

إن خبر دفن المسيح في لوقا يشتمل على ثلاثة أمور: شخص يوسف الرامي (آ 50- 51). ما عمله من أجل يسوع مع حاشية كرونولوجية (آ 52- 45). صورة النسوة (اَ 55- 56) التي تنهي المقطوعة (شأنها شأن آ 49) وتفتح نافذة على أحداث صباح القيامة.
1- شخص يوسف الرامي
إن المقدّمة الرومانية تجعل من يوسف عضواً في السنهدرين (المجلس اليهودي الأعلى). استعمل مر 15: 43 لفظة "بولوتس" الملتبسة. أما هنا فزال الالتباس مع التفسير في معترضة زادها لوقا فدلّ على أن هذا الشخص لم يوافق على قرار المجلس ولا على عمله ضد يسوع (آ 51 أ). في الواقع، تبقى الجملة غامضة. فالضمير في "رأيهم" لا يسبقه ما يرتبط به. على من يدلّ "هم"؟ هناك من قال "الآخرين" فدلّ على سائر أعضاء المجلس. أما العمل (بركسيس) فهو نقل يسوع أمام بيلاطس (23: 1). ولكن عبثاً نبحث عن قرار أو حكم في خبر "المحاكمة" اليهودية.
إن لوقا يدلّ هنا، كما في مواضع أخرى، على ارتباطه بمرقس حيث مشهد السنهدرين ينتهي بحكم جماعي على يسوع بالموت (مر 14: 64). اهتمّ لوقا بأن يبرّئ ساحة يوسف. مع أنه جعله في أعلى المراتب اليهودية (كما فعل مع جملائيل في أع 5: 34- 39) ليدلّ على أن يسوع (ثم المسيحيين الأولين) لاقوا تعاطفاً لدى النخبة في إسرائيل.
جعل متّى من يوسف "تلميذاً" (27: 57). أما لوقا فهو يحتاج إلى هذه الصفة. وإذ أراد أدن يفسّر فعلته، قدّمه أولاً كـ "رجل صالح وصدّيق". يعني: توافق حياته مشيئة الله كما تعبرّ عنها وصايا الشريعة. على مثال والدَي يوحنا المعمدان (1: 6) ويسوع (2: 22- 24) وسمعان الشيخ (2: 25). وكما كان سمعان "ينتظر عزاء إسرائيل"، وكما كانت حنّة البنيّة تتحدّث عن يسوع "أمام كل الذين كانوا ينتظرون فداء أورشليم" (2: 38)، انتظر يوسف "ملكوت الله". ففي بداية الانجيل كما في نهايته، تتوافق "نخبة" إسرائيل الروحية مع الجديد الذي يحمله المسيح.
في الخطّ عينه نجد الزيادة اللوقاوية التي توضح أن الرامة، موطن يوسف، كانت "مدينة لليهود". وهكذا أبرز الانجيلي طابع يوسف اليهودي، كما سيذكر فيما بعد (أع 21: 20) "آلاف اليهود الذين آمنوا". الذين ارتدوا إلى الايمان المسيحي.
ونقدّم هنا بعض الملاحظات اللغوية. هناك "كاي ايدو" التي ترد 26 مرة في لو، 8 في أع. وعبارة "كاي ايدو أنِر" (وإذ انسان) ترد 8 مرات عند لوقا. "اونوماتي"، اسمه: 7 مرات في لو؛ 21 مرة في أع، مرة واحدة في كل من متّى ومرقس. وتغيب اللفظة بعد ذلك من كل العهد الجديد. "اونوماتي يوسف " (رج 1: 27: اسمها الناصرة). إن لفظة "بولي" تعني: إرادة، قرار، كما في أع 5: 38؛ 27: 12، 42. يوسف الرامي هو "صالح وصدّيق". هنا نتذكّر في أع 8: 2 "الأناس الاتقياء"، أولئك اليهود الذين لم يكونوا تلاميذ. فهم قد دفنوا اسطفانس. لقد انتظر يوسف ملكوت الله في وجهه المقبل كما في مر 15: 43.
2- يوسف يدفن يسوع
تنحصر محاولة يوسف لدى بيلاطس في أقلّ كلام ممكن: لا أثر لأي تحقيق قام به بيلاطس (كما يقول مر 15: 44- 45) لدى قائد المئة. ثم إن لوقا لا يقول إن بيلاطس سلّم (أو: أمر أن يسلّم) جسد يسوع. كل شيء يعود إلى طلب (سأل جسد يسوع، رج مر 15: 43 د) تنقصه بعض الجرأة التي نجدها في مر بالنظر إلى مكانة يوسف الرفيعة. لم يهتمّ لوقا بكل هذا. هو يريد فقط أن ينبّه القارئ إلى عمل يوسف من أجل يسوع.
بِمَ قام هذا العمل؟ "أنزل" (كاتايراين، هي الكلمة المخصّصة لانزال جسد عن الصليب) جسد يسوع عن الصليب. لفّه في كفن (بدون أل التعريف. لا يقول لوقا متى اشترى يوسف هذا الكفن). تحدّث مر 15: 46 أ عن شراء الكفن. أما لوقا ومتّى 27: 60 فاعتبرا هذه الحاشية نافلة. وأخيراً وضع يوسف الجسد في قبر منحوت في الصخر. واختلف لوقا عن مت ومر فزاد أن هذا القبر "لم يوضع فيه أحد بعد" (رج يو 19: 41). فلا يجب أن يلامس جسد يسوع بقايا أجساد مفككة. فجسده لن يعرف الفساد (أع 2: 27، 31؛ 13: 35).
قال مر 15: 46 ج؛ مت 27: 60 ب إن يوسف "دحرج حجراً ضخماً على القبر". أما لوقا فلم يذكر شيئاً من هذا مع أنه سيشير في الخبر الفصحي الأول (24: 2) إلى أن النسوة "وجدن الحجر قد دُحرج عن (مدخل) القبر" (رج مر 16: 4؛ مت 24: 2؛ يو 20: 1. لم يقل يوحنا شيئاً عن إغلاق القبر، شأنه شأن لوقا). نحن هنا في ظاهرة تعرية أخضع لها لوقا خبر الدفن: أغفل كل ما هو جانبي من أجل تفاصيل أخرى لها معناها في نظره.
وتأتي حاشية كرونولوجية غريبة في آ 54. أولاً، هي تقطع مسيرة خبر يجري بدونها كما من ينبوع. ثانياً: نجد فعلاً يفرض علينا أن نعطيه معنى لا نجده في أي مكان آخر. أما مضمون الجملة فهو التالي: إن ما رُوي هنا قد جرى يوم التهيئة ولدى مجيء السبت. إذن، نحن في مساء الجمعة. ولكن الفعل اليوناني الذي يعبرّ عن هذه الفكرة الأخيرة، هو "ابيفوسكاين" أي "بدأ يشعّ، يضيء" (مت 28: 1: بعد السبت، عند فجر اليوم الأول من الأسبوع).
فإذا أردنا أن نطبّق هذا الفعل على بداية السبت، أي على هبوط الليل في مساء الجمعة، تنوّعت محاولات الشّراح. فكّر بعضهم بالنجوم الأولى. وآخرون: بالشموع التي تضاء في بيوت اليهود. وعادت فئة ثالثة إلى الارامية أو العبرية (اورتا، اور) حيث يدلّ الاسم على الفجر كما في الغسق. واستعانت فئة رابعة بالعالم اليوناني حيث يبدأ النهار في الفجر وينتهي في الفجر.
قد نكون هنا أمام حاشية تعود إلى مر 15: 42. أقحمت هنا في نهاية خبر الدفن. وتأثّرت بفعل "ابيفوسكاين" في مت 28: 1. هناك من ترجم "يلوح". ولماذا لا نكون أمام معنى روحي. قمّة الظلمة في موت يسوع ودفنه، هي بداية النور الذي بدأ يشع ساعة وُضع يسوع في القبر. ما إن مات يسوع حتى قام. أما ما نعرفه يوم الأحد، فهو ظهوراته.
3- النساء ودفن يسوع
فعلَ لوقا كما فعل متّى ومرقس، فربطَ النساء الجليليات بدفن يسوع. ولكن بدل أن يستعمل حاشية مر 15: 47 (كما رفض أن يسمّي النسوة)، كرّس للنسوة جملة طويلة أراد أن يقول فيها أموراً كثيرة.
أولاً: إن هذه النسوة رافقن أولئك الذين (قبل يسوع) حملوا جثمان يسوع إلى القبر. يبدو الخبر ناقصاً، كما اعتدنا أن نرى عند لوقا (مثلاً، قبلة يهوذا، ضربة السيف). ففعل "تبع" (حرفياً: تبع نزولاً، في الموت. لا نجد هذا الفعل إلا في أع 16: 17) لا مفعول له (من يتبعن؟). لا نستطيع أن نقول "يتبعن يسوع من الجليل" كما في آ 49. وبما أننا سوف نجد هؤلاء النسوة انفسهنّ عند القبر، قد نتصوّرهن موكباً جنائزياً إلى موضع الدفن.
ثانياً: ثم لا يقال شيء عن الموضع الذي فيه انضمت النسوة إلى يوسف ومساعديه: كنّ يلاحظن الجلجلة عن كثب، من "نقطة مراقبة". كما أن في ذكر القبر الجديد اكراماً ليسوع. كذلك نقول عن وجود هذه النسوة. فهذه الجليليات اختلفن عن "بنات أورشليم" اللواتي رافقن يسوع على طريق الصلب (23: 27)، فلم يبكين ولم يندبن. فهذا الميت لا يشبه سائر الأموات. فقد أعلن أنه "سيقوم في اليوم الثالث" (9: 22؛ 18: 33). نلاحظ غياب الرجال الذين انضمّوا فيما قبل إلى مجموعة النسوة، لينظروا آخر أويقات يسوع (23: 49). فلا دور لهم في الإطار المقبل، في مشهد صباح القيامة. فالنسوة وحدهنّ جئن إلى القبر، وهذا الحدث الحاضر يهيّئ مجيئهنّ.
وكرّر لوقا في شكل مختلف بعض الشيء، ما سبق وقاله في آ 49: رافقت هذه النسوة يسوع من الجليل. ليس هذا التكرار من قبيل الصدف، كما سبق وقلنا. أما وظيفتهنّ في نهاية السفر فتقوم بالنظر إلى القبر كما في مر 15: 47 مع اختلافة هامة. حسب مرقس، عرفت مريم المجدلية ومريم أم يوسى "أين وُضع جسد يسوع". في لوقا، نظرن "كيف وُضع جسد يسوع". هذه اللمسة البسيطة تهيّىء ولْي الخبر. فالنساء لاحظن أن جسد يسوع حرم من الطيب الخاص بالاموات. وهذا ما يفسرّ عملهن اللاحق (آ 56 أ).
حين أشار لوقا إلى "عودتهن"، أغفل هنا أيضاً تفاصيل كنّا نتمنّى أن نجدها. فإذا كنا قد عرفنا أن هذه العودة انطلقت من القبر، فلا نعرف إلى أين وصلت. فلا بيت لهذه النسوة في أورشليم. فأين سيجهّزن الحنوط؟ 
كلَّمنا لوقا منذ الآن عن الحنوط وزاد "الاطياب" التي هيّاتها النسوة بعد عودتهن من القبر، من أجل يسوع. في مر 16: 1، لم يفكّرن في ذلك إلا صباح الأحد، وذهبن ليشترينها. أما لوقا فاستفاد من هذا التسبيق ليجعل مهلة بين تهيئة هذه الاهتمامات الجنائزية وتنفيذها. هذه النسوة اللواتي استعددن للقيام بها، لم يذهبن إلى القبر في صباح السبت. بل انتظرن يوماً كاملاً (24 ساعة) ليُتممن الطقس المطلوب (24: 1). إنهنّ يهوديات صالحات. وهنّ أمينات على حفظ الوصية التي تفرض "راحة" السبت (23: 56 ب). هذا ما ذكّرنا به لوقا: بمثل هؤلاء الاشخاص أحيطت أصول يسوع، وإلى مثلهم سيلجأ لإعلان القيامة ونقلها إلى التلاميذ الآخرين. لقد وُلدت الكنيسة من "نخبة" العالم اليهودي. إن عمل الله يتمّ في التواصل.
هذا ما أراد لوقا أن يشدّد عليه. فهو لا يهتمّ أن يعرف إن كانت تهيئة الحنوط تدلّ على تجاوز للشريعة. ومهما كان من أمر آ 54 (يوم التهيئة)، يجب أن نفترض أن السبت كان قد بدأ في نهاية الدفن. غير أن الانجيلي قد اعتبر هذا العمل شرعياً (هذا إذا كان واعياً له). وإن فرضنا أنه كان ممنوعاً في الشريعة اليهودية، في أيامه، فهذا أمر لم يعرفه لوقا ولم يهتمّ به. وإن لم يتكلّم عن شراء كما فعل مر 16: 1، فهو لم يفعل كرامة للسبت أو لأن الوسط تأخَّر. بل لكي يحتفظ في خبره بالأمور الجوهرية.
ونشير هنا بشكل عابر إلى جهل لوقا لعدد من الأمور اليهودية. مثلاً، يُعطى الاسم للولد في الختانة، لا في الولادة (1: 59). جعل الانجيل "الثور" مع "الولد"، فبدّل طريقة عرض الفتوى تبديلاً كاملاً (14: 5). وجد أموراً غير دقيقة عن "النذير" في أع 18: 18؛ 21: 23- 26. ثم كيف يمكن أن يحضر وثني بين أعضاء المجلس الأعلى لمحاكمة انسان (أع 22: 30؛ 25: 9: فستوس).
خاتمة
وهكذا هيّا لوقا القارئ للدخول في المشهد التالي حسب طريقة معروفة عنده. فسوف نجد النسوة أنفسهن في القريب العاجل، في خبر الأحد. ذهبن إلى القبر "مع الحنوط الذي هيّأنه" (24: 1). غير أن الخبر يتوقّف في آ 56 أ. ووجود "من... دي" يدخلنا في حدث صباح القيامة مع راحة السبت التي هي مقدّمة تليق بإعلان نور القيامة المجيدة.
الفصل السابع والثلاثون
ليس هو هنا، بل قام
24: 1- 12

يؤكّد الشّراح مراراً أن تصميم مؤلّف لوقا (أي الإنجيل والأعمال) هو تصميم جغرافي، هو مسيرة منطلقها أورشليم. فمن الجليل حيث دشّن يسوع الكرازة بالإنجيل، صعد إلى أورشليم فتابع عمله فيها، وهناك مات وقام وصعد إلى السماء، ومن هناك سيرسل الروح القدس على الرسل. ومن أورشليم انطلق الرسل يكرزون بالإنجيل في كل المسكونة، فوصلوا إلى رومة عاصمة العالم الوثني.
ولكن لماذا تبدو لنا أورشليم نقطة اتصال الأمكنة؟ لأن قيامة المسيح هي أولاً وبصورة أعمق نقطة اتصال الأزمنة. هذه هي عقدة التاريخ كلّه، هذا هو الواقع الذي يعطي سائر الوقائع معناها. فأقوال الانبياء وشريعة موسى والمزامير، بل تعاليم يسوع نفسه، لا تُفهم إلا على ضوء القيامة. كل شيء يؤول إلى هذه التتمة، ولوقا لا يني يورده قبل القيامة (9: 22، 30- 31، 44، 51؛ 18: 31- 33؛ 22: 37) وبعدها (24: 6- 7؛ 25: 27؛ 44: 46).
فالأخبار المتعلّقة بقيامة يسوع تكوّن إذن قمّة مؤلّف لوقا وقلبه. هي لا تحتل في إنجيله إلا يوماً واحداً. فأمام تلاميذ لا يفهمون، أعطى يسوع براهين ملموسة عن قيامته: القبر فارغ، الملائكة يؤكّدون أنه قام حسب الكتب. وظهر هو نفسه "فكسر الخبز" وأظهر جراحه، بل أكل مع تلاميذه. ولمّا تثبّت إيمانهم، أرسلهم إلى العالم ووعدهم بالروح القدس، ثم ارتفع إلى السماء.
من كل هذه المجموعة، يبدو القسم الأول وحده مشتركاً بين الأناجيل الأربعة. يورده لوقا، ولكنه يبقى شخصياً كعادته. يصحّح التقليد الذي قدّمه مرقس ومتّى، فيذكر ملاكين لا ملاكاً واحداً. ويزيد تفاصيل لها معناها: اطرقن بوجوههن إلى الأرض. ويُلغي ما يُفرض عليه أن يبذله في تصميمه. فالاشارة الى الجليل انتقلت إلى منظار مختلف كل الاختلاف. جعل لائحة النسوة لا في بداية الخبر بل لا أواخره، وفسّر معطيات سابقة حول زمن شراء (الطيب): كان ذلك في نظره يوم السبت. إذا عدنا إلى مر 16: 1 نرى أن النساء اشترين الطيب مساء السبت. وقال يوحنا إن التطييب تمّ قبل الدفن (يو 19: 39- 40). أمّا متّى فلا يتكلّم عن الطيب ولا عن الحنوط. هذا التفصيل الكرونولويجي لا يهمّنا كثيراً. ولكن إذا أردنا أن نعيد الترتيب "التاريخي" للأحداث، نرى أن التقليد الذي يمثّله يوحنا هو أقرب إلى المعقول. فكيف تذهب النسوة إلى القبر من أجل تطييب يسوع في ساعة لن يجدن فيها من يساعدهنّ على دحرجة الحجر؟ ألم يفكّرن بهذا الحاجز وهنّ في الطريق؟ ثمّ، أما تأخّرن ليقمن بتطييب الجسد؟ أمّا إذا كان التطييب قد تمّ حالاً حين وُضع الجسد في القبر، فنفهم حسب عوائد الشرق أن تستعجل النسوة بالعودة إلى القبر ليبكين يسوع (مت 28: 1). إن "إنجيل بطرس" وهو سفر منحول يعود إلى القرن الثاني، يضع على شفاههنّ: "لم نستطع أن نبكيه ونقرع الصدر عليه يوم صُلب، لهذا سنفعل الآن عند قبره".
وإن لوقا يبسّط الأمور: لا يذكر ردّة الفعل الأولى لدى النساء كما ذكرها مرقس (16: 8: لم يقلن لأحد شيئاً) ولا عن خوفهنّ (مت 28: 8). بل أرانا النسوة يركضن ليحملن البشارة. ويكمّل متّى ومرقس في تفصيل يرتدي في عينيه أهمّية كبرى. لقد لاحظ بطرس هو أيضاً أن القبر كان فارغاً. هكذا اعتاد صاحب الإنجيل الثالث أن يتصرّف بحرّية بالمراجع التي بين يديه مستنداً إلى تقاليد خاصّة به.
1- ليس ههنا (24: 1- 5 أ)
انتهى الاسبوع اليهودي بالسبت، يوم الراحة (تك 2: 2؛ خر 20: 8- 11). "اليوم الأول من الأسبوع" هو غير السبت. ويبدو آن هذا اليوم حل سريعاً محلّ السبت لدى المسيحيين كيوم راحة وصلاة. إنه يوم الأحد. سمّي يوم الربّ: ولقد أظهر المسيح أنه "الربّ " يقيامته من بين الاموات (رؤ 1: 10).
لا يكتفي لوقا بتحديد اليوم، بل الساعة التي تمّ فيها هذا الحدث المهمّ الذي سيرَونه. سنجد هذا التفصيل عند الازائيين، ولكن بعبارات أخرى. قال لوقا: "مع الفجر" (آ 1). أمّا مرقس فيوضح: مع طلوع الشمس (مر 16: 2). وقال مت 28: 1 "حين بدأ اليوم الأول يسطع" أي حين طلوع نجمة الصبح (رج لو 23: 54).
إن النساء اللواتي ذهبن إلى القبر هنّ اللواتي تبعن يسوع من الجليل، ورافقهنّ يوسف الذي من الرامة حين قام بعمل الدفن (8: 1- 3؛ 23: 55). سيُعطينا لوقا أسماءهنّ في نهاية الخبر، وكأنه توقيع خفيّ عك شهادتهنّ (آ 10).
إذا قرأنا مرقس نجد أن النسوة كنّ يسرن وهنّ قلقات: "من يدحرج لنا الحجر"؟ وأغفل لوقا هذا السؤال الذي زاده الإنجيلي الثاني لكي يشدّد على ما في الخبر من إثارة. ولكنه سؤال غير معقول، على الأقل في ذلك الوقت لأنه كان على النساء أن يطرحنه قبل أن ينطلقن إلى القبر. واكتفى لوقا بإيراد الواقع: "وجدن الحجر مدحرجاً عن القبر (أو من أمام القبر)". 
كنّ في حيرة. دخلن إلى القبر المفتوح ونظرن. ورافق هذه الحيرة قلق واضطراب حين لاحظن شيئاً آخر: "ما وجدن جسد الربّ يسوع". وتساءلن عن سبب هذا الاختفاء. قال مرقس ومتّى: أعلن لهنّ الملاك قيامة يسوع. وبعد هذا لاحظن فعلاً أن الجسد لم يكن هنا. وهكذا تثبّتت أقوال الملاك. أمّا عند لوقا فقد لاحظت النسوة غياب جسد يسوع، قبل آن يعرفن معنى هذا الاختفاء، وقبل أن يرين ملائكته: تدخّل الملاكان ليفسّرا لهنّ السّر.
إتبع متّى تقليد مرقس فتحدّث عن ملاك واحد. وفعل لوقا كما فعل يوحنا فذكر ملاكين (مستنداً إلى مرجعه) سيظهران ساعة الصعود (أع 1: 10). يصوّرهما وكأنهما "رجلان عليهما ثياب برّاقة". هذا يدلّ على أصلهما السماوي.
رأت النسوة الملاكين فارتعبن. تلك هي ردّة فعل البشر العاديّة أمام ظهور سماويّ (رج 1: 1؛ 12، 29- 30، 65...، خر 19: 21؛ 33: 20؛ 1 مل 19: 13...).
"أطرقت النساء بوجوههن إلى الأرض". ونتساءل عن السبب. لو كنّ بعد خارج القبر، لسهُل علينا أن نفهم حركتهن. كانت أبواب القبور اليهودية قليلة الارتفاع، وقد انحنى (وطّى رأسه وخفضه) بطرس ليبصر ما. في الداخل (24: 12؛ يو 2: 5- 11). ولكن ليس هذا هو المعنى. والفعل المستعمل هنا غير المستعمل في آ 12. فالموقف هو رمزيّ. وإذا أردنا أن نفهم بُعده كلّه، نقرّبه من موقف التلاميذ حالاً بعد الصعود. قال لنا لوقا: ظلّوا هناك وعيونهم شاخصة إلى السماء (لو 1: 10). والنسوة ذهلن وخارت منهن القوى. ولكن كان عليهنّ بالأحرى لا أن ينكّسن الرؤوس، بل أن "ينتصبن ويرفعن الرأس، لأن الخلاص قريب" (رج 21: 28). لم يُهزم المسيح، وهنّ لم يُهزمن أيضاً. بعد هذا، لماذا نبقى على مستوى العالم الأرضي، وعند معرفة المسيح بحسب الجسد (رج 2 كور 1: 17، 5- 6 أ)؟ فالأرض التي تحفظ الموتى لم تقدر أن تحتفظ به (أع 2: 24- 28؛ 13: 24- 37). ولكن حين يرتفع إلى السماء، لن نبقي عيوننا شاخصة إليه في انتظار سلبيّ (لا نفعل شيئاً) لرجوعه. يجب أن نعمل على الأرض من أجل ملكوت الله؟ يجب أن نذهب إلى أقاصي الأرض لنشهد لقيامته (أع 1: 8- 11).
2- بلاغ الملاكين: "قد قام" (24: 5 ب- 8)
هذا هو الإعلان العظيم والخبر السارّ، هذه هي البشرى: يسوع قام. ولكن قبل أن يستعيد لوقا كلمات متّى ليعلن هذه الحقيقة (آ 6 أ)، فهو يعبرّ عنها بمدلولات بولسية ويونانية: كانت صورة اليقظة والنهوض (اغايرو)، فزاد لوقا. مدلولاً لاهوتياً هو مدلول الحياة (رج روم 5: 6؛ 9: 10؛ أع 25: 19): "لماذا تطلبن الحيّ بين الاموات"؟ وسيضع لوقا كلمة الحياة على شفاه تلميذَي عمّاوس اللذين لخّصا بلاغ الملاكين: أخبرت النسوة "أنه حيّ" (24: 23).
يا العهد القديم، الحيّ هو الله نفسه (عد 14: 21- 28؛ تث 32: 40). يهوه هو الاله الحيّ (تث 5: 26؛ حز 5: 11). والمؤمن يحلف بالله الحيّ (1 صم 19: 6). هو وحده ينبوع الحياة، هو وحده سيّد الحياة (تك 2: 7؛ 1 صم 2: 6). لهذا نستطيع أن نعطي لفظة حيّ كل قوّتها فنترجم: "لماذا تطلبن الحيّ (وكأنه اسم علم) بين الاموات"؟ بدل: لماذا تطلبن من هو حيّ (وكأن المفردة صفة من الصفات)؟ وإذا فهمنا إعلان الملائكة على هذه الصورة، تضمّخ باللاهوت البولسي واليوحناوي الذي سيماثل بين المسيح والحياة (يو 1: 4؛ 11: 25؛ 14: 6)، الذي يسمّي يسوع ينبوع الحياة (يو 10: 10؛ روم 5: 10؛ 1 كور 15: 45؛ رج يو 3: 36؛ 1 يو 5: 11). حدّد اليونانيون اللاهوت بالخلود وعدم الموت، وقالوا إن البشر هم "مائتون". فاستعاد لوقا هذا التعارض. كان قد استعمل في آ 3 عبارة قويّة جدّاً: "الربّ يسوع". فلا شيء يمنعه من أن يحمِّل كلمة "الحيّ" مضمون إيمان الكنيسة بالوهيّة المسيح التي تشهد لها القيامة.
ثمّ إن كلمات الملاكين تتضمّن لوماً وعتاباً: نسيت النسوة النبؤءات المتعلّقة بآلام المسيح وقيامته. وسينال تلميذا عمّاوس (آ 25- 26) والرسل أنفسهم (آ 38) اللوم نفسه. توجّه هذا العتاب إلى النساء فذكّرنا بذلك الذي وجّهه يسوع إلى أمّه يوم وجدته في الهيكل: "لماذا تطلبانني" (لو 22: 49)؟ من يعرف يسوع، يرى أين يبحث عنه. بحثت عنه النسوة حيث لا يمكن أن يوجد إطلاقاً. حين يموت رجل عاديّ، نبحث عنه بين الموتى، ولا غرابة في الأمر. ولكن الأمر يختلف بالنسبة إلى يسوع: إن رؤية القبر الفارغ تكفي النساء ليفهمن: ليس هو هنا.
لو آمن التلاميذ حقّاً بأقوال الانبياء، وبأقوال يسوع نفسه، لما كانوا تحيرّوا أمام موته، وأمام اكتشاف القبر الفارغ. كان متّى قد اتخذ خبر مرقس وزاد عليه تذكيراً بالنبوءات. فكيف يمكنه أن لا يقدّم القيامة كمكمِّلة للنبوءات، هو الذي أسند دفاعه (ابولوجيا) إلى تكميل النبوءات في يسوع؟ ولكنه اكتفى بتلميح عام: "قام كما قال" (مت 28: 6). أمّا لوقا فأورد إحدى هذه النبوءات بفم الملاكين، وبيّن على دفعتين كيف أن يسوع طبّقها على نفسه أمام التلاميذ (آ 25- 27؛ 44: 46).
وقال الملاكان للنسوة: "أذكرن...". ولكن إذا عدنا إلى الأناجيل، نرى أن التلاميذ، لا النسوة، هم الذين سمعوا يسوع ينبئهم بآلامه وموته. فهل نتخيّل أن النسوة سمعن هذه الانباءات أو أن التلاميذ ردّدوها على مسامعهنّ؟ يكفي لوقا أن يعرف أن هذه النبوءات وُجدت في إنجيله. لهذا زاد على الإنباءة الأولى: "ضعوا هذه الكلمات في آذانكم" (9: 44؛ ق مر 9: 31؛ مت 17: 22). مثل هذا التنبيه يقابله: "اذكرن".
أما تحديد "اليوم الثالث" الذي نجده في 9: 22، فهل نعتبره جملة عارضة أم نقطة أشار إليها الانبياء؟ وإن أخذن بالموقف الثاني، فهل يأتي نصّ من العهد القديم يربط هذا التحديد؟ اختلفت الشّراح، ولكن ما يمكن القول هو أن الكنيسة الرسولية أعطت لنصَي هو 6: 2 ويون 2: 1 بُعداً مسيحانياً، لم يكن لهما في المعنى الحرفيّ.
لم يكن عتاب الملاكين للنسوة بلا فائدة: فقد تعرّفن في القبر الفارغ إلى تكملة النبوءات، وآمنّ أن يسوع قد قام. وحين وضع يوحنا بحضرة الواقع نفسه آمن هو أيضاً (يو 20: 8 ب- 9). فموضوع التذكير بالأقوال النبوية التي تلفّظ بها يسوع، وفهمها التلاميذ بعد القيامة، هذا التذكير هو نقطة اتصال بين الإنجيل الثالث والإنجيل الرابع (يو 2: 17، 22؛ 7: 39؛ 16:12، 13: 7؛ 16: 12- 13).
3- نقل البلاغ إلى تلاميذ لا يؤمنون (24: 9- 11)
إذا عدنا إلى مرقس ومتّى نرى أن الملاك أرسل النسوة ليعلنَّ البشرى للتلاميذ. ولكن مرقس (الذي هو أقرب إلى الواقع التاريخي) يقول إنهن فررن وهنّ مرتعدات ومنذهلات (مر 16: 8). إهتمّ مرقس بهذا التفصيل، لأنه يشكّل صدى لمواضيع عزيزة على قلبه مثل: عدم فهم التلاميذ لتعليم الربّ، والأمر الموجّه إليهم بالسكوت ("أوصاهم أن لا يقولوا لأحد عنه شيئاً"، مر 8: 30). تعدّى متّى هذه النقطة وأبرز فرح النسوة اللواتي أسرعن ليحملن الخبر إلى التلاميذ (مت 28: 8- 10). أمّا لوقا فلم يذكر ظهور يسوع للنسوة (رج آ 24)، بل أخبر ظهوراً آخر لتلميذَي عمّاوس. 
إعتاد لوقا أن يشدّد على عواطف الأشخاص الذين يتحدّث عنهم: الفرح أو الخوف (1: 12، 14، 65؛ 2: . أمّا هنا فهو لا يتكلّم عن عواطف النساء ليبرز واقعاً جوهرياً هو أيمانهنَّ. لسنا أمام حركة عفويّة وسطحيّة ننسبها إلى سرعة التصديق عند البشر (كما حدث للرسل)، بل أمام إيمان مؤسّس تأسيساً ثابتاً على غياب جسد يسوع، على كلمة الملاكين، على شهادة الكتب المقدسة، على شهادة يسوع نفسه.
"أخبرن التلاميذ الأحد عشر والآخرين كلّهم بما حدث" (رج آ 23). نلاحظ لفظة "الأحد عشر" المعتبرة كموصوف، والمستعملة من دون المفعول "التلاميذ". وهذا، أمر خاص بلوقا. ق مت 28: 16 ولو 24: 9، 33؛ أع 2: 14. أما مر 16: 14 فهو ملخّص عن لو 24: 36 د. إن تسمية "الاحد عشر" تقابل تسمية "الاثني عشر" وتهيّئ هنا خبر انتخاب متيا (أع 1: 15- 26). لم يصل الخبر إلى الأحد عشر وحدهم. لا شكّ في أن الرسل هم الشهود الرسميّون لقيامة المسيح (رج أع 1: 21- 22). ولكن لوقا اهتمّ بان يبيّن أن هذه الرسالة ليست محصورة فيهم. فبجانب الاثني عشر، هناك "السبعون" تلميذاً الآخرون الذين تسلّموا هم أيضاً مهمّة نشر الإنجيل (10: 1- 16). يمثّلهم كشهود للقيامة تلميذا عمّاوس (آ 9: 22، رج آ 33- 35؛ 1 كور 15: 6).
شهادة النسوة شهادة ثابتة: إرتبط إيمانهم بالواقع، وها نحن نتعرّف إلى كل واحدة منهن باسمها. هنّ اللواتي تبعن يسوع من الجليل: مريم المجدلية، وحنّة إمرأة كوزي قيّم هيرودس (8: 2- 3)، ومريم أم يعقوب التي يذكرها مرقس (16: 1). أما صالومة (مر 16: 1) فهي غير معروفة، ولهذا لم يذكر متّى اسمها. أمّا لوقا، فأحلّ محلّها حنّة التي يعرفها قرّاؤه، والتي تمثّل شهود القيامة.
هل نستطيع أن نرغب في شهود مهيّئين أكثر من هؤلاء النسوة لنؤكّد أن المسيح قام حيّاً من القبر؟ لقد شاهدن الدفن، ونظرن إلى إلقبر، ورأين الطريقة التي بها وُضع الجثمان (23: 55). شدّد لوقا على هذه الأمور اكثر من سائر الإنجيليين. غير أن متّى يورد معطيات إضافية ليبرهن أن التلاميذ لم يسرقوا جسد يسوع (مت 27: 62- 66؛ 28: 11- 15). ولكن شهادة النساء لم تكفِ رغم قيوخها، لتقنع التلاميذ الذين انهارت عزيمتهم. قالوا: هذه أخبار نساء، هذا وَهْم وهذيان.
4- وذهب بطرس إلى القبر (24: 12)
تزعزع بطرس وحده بالخبر، وأراد أن يتحقّق ممّا جرى. جهل مرقس ومتّى هذا الحدث، أما يوحنا فأورده بتفاصيل لم يعرفها لوقا، وجعل بجانب بطرس "التلميذ الآخر" (يو 20: 2- 10). هل لخّص لوقا (أو أحد التلاميذ) خبر يوحنا، أو هل توسّع التقليد اليوحناوي في ما قاله لوقا؟ سؤال محيِّر، ولا سيّما وإن خبر لوقا يتضمّن مفردات لوقاويّة ومفردات يوحناوية. كان للأوساط اليوحناوية أسبابهم الواضحة ليخبروا بزيارة يوحنا إلى القبر وبفعل إيمانه. أمّا لوقا فلم يهتمّ بهذا الخبر، لا لأنه لم يعرفه (رج آ 24: "بعض رفاقنا")، ولكنه فضّل تركيز انتباه القارئ على بطرس. ردّات الفعل سريعة عند بطرس. لهذا أسرع إلى القبر ولاحظ أن جسد يسوع قد اختفى. فلم تولّد عنده هذه الملاحظة إلا الدهشة والتعجّب. وحار في أمره وما عرف ماذا يقول. أمّا الإنجيل الرابع فيوضح أن رفيقه آمن، وبيّن لنا بالتالي أن بطرس لم يؤمن بعد بالقيامة. أمّا لوقا فظلّ متحفّظاً: أراد أن يشدّد على أهميّة دور بطرس، لا على ضعفه وتردّده.
خاتمة
إن الصدمة التي أحسّ بها بطرس وهو الشاهد المباشر والفاعل في آخر أحداث حياة يسوع على الأرض، تؤثّر اليوم أيضاً على قارئ إنجيل مرقس (16: 10- 14). وُضع يسوع في القبر، فبدا وكأن كل شيء تحطم، بل زال من الوجود. فالقيامة هي بداية خلقٍ جديد وبداية مطلقة.
وعاد متّى إلى الوراء: نظر إلى الأمور بإيمان الكنيسة التي أعلن ديمومتها وثباتها (مت 16: 18). لم يتوقّف على تصوير تردّد التلاميذ أمام القائم من الموت. فهو يشير إشارة عابرة إلى هذا الوضع فيقول: "ولكن بعضهم ارتابوا" (مت 28: 17). ولا يظهر يسوع إلا ليجعل من التلاميذ الشهود المباشرين لقيامته، وليسلّمهم مهمّة حمل الإنجيل وتعميد الناس. كلّ شيء يجري بين جبل الخطبة الأولى، خطبة التطويبات في الجليل، وجبل الجليل الذي فيه أرسل تلاميذه يكرزون ويعمّدون في العالم كله (مت 28: 16- 20). فالجليل هو في نظر متّى رمز إلى أقاصي العالم الوثني (رج مت 4: 15- 16).
وعاد لوقا إلى الوراء أيضاً فأعطانا نظرة إجمالية ستمتدّ في أع، حتى إقامة الكنيسة في رومة. لم يعد موت يسوع هوّة عميقة، إنه استسلام الإبن الذي ينام بين يدي أبيه (23: 46) ليستيقظ بعد هذا بقليل. ليس الموت انقطاعاً، إنه نقطة اتصال ومنعطف في مسيرة المخطّط الالهي. إنه مسيرة مستمرّة وهي لا تخطئ هدفها: "أما كان ينبغي للمسيح أن يكابد هذه الآلام ليدخل في مجده" (24: 26)؟ فالموت والقيامة قد أعلنت عنهما الشريعة والانبياء والمزامير، وقد أعلن عنهما يسوع نفسه: "ذلك ما قلت لكم إذ كنت بعدُ معكم. إنه لا بدّ أن يتمّ جميع ما كتب عنيّ في ناموس موسى، وفي الانبياء والمزامير" (آ 44).
وسيذهب يوحنا إلى أبعد من ذلك. فيسوع هو في نظره ذلك المرتفع والممجّد منذ آلامه. لهذا لا يشدّد يوحنا على براهين القيامة، بقدر ما يشدّد على عطية الروح القدس بيد المسيح الممجّد، وهي عطيّة ضرورية لنفهم تعليم يسوع نفسه، وهي عطيّة ترتبط بعطية الحياة (أو الحيّ) القائمة من الموت (آ 5 ب).
امتدح يوحنا إيمان الذين يؤمنون، مع أنهم لم يروا المسيح القائم من الموت (يو 20: 29). وأعطانا لوقا مثلاً عن هذا الإيمان في شخص النسوة اللواتي آمنّ دون أن يرين يسوع، وأخذن بكلمة الملاكين (ق يو 20: 8). فالقبر الفارغ هو العلامة التي يمكن أن نلاحظها بحواسنا. وتأكيد الملاكين هو ما نؤمن به. نكتشف كلامهما فنكتشف من خلاله تكميل الكتب المقدسة.
بالإضافة إلى ذلك، ليس الإيمان بالقيامة تعرّفاً إلى واقع تاريخي وحسب. فالقيامة تصل بنا إلى نفس شخص القائم من الموت، فنرى فيه لا حيّاً من الأحياء، بل الحيّ نفسه، وابن الله، والربّ (24: 3- 5).
هذا الإيمان هو إيمان الكنيسة المؤسّسة على بطرس. وبطرس هو في نظر لوقا الشاهد الأول على القيامة. منحه الربّ ظهوراً خاصّاً تحقّق منه التلاميذ يوم الفصح (آ 34)، وذكره بولس في بدء اللائحة التي تورد تقليد الكنيسة عن القيامة (1 كور 15: 5). وباسم الاثني عشر، سيعلن بطرس القيامة منذ العنصرة (أع 2: 14- 36؛ 3: 12- 26؛ 4: 8- 12). غير أن ظهور يسوع لبطرس ليس إلاّ وجهة من الاختبار الفصحي الذي عاشه هذا الرسول. فانطلاقه إلى القبر يمثّل وجهة ثانية. فرؤية القبر الفارغ وشهادة النسوة لم تحرّكا في قلبه الإيمان. ولكن يسوع ظهر له. ولما عاد "ثبّت إخوته" (22: 32).
تلك هي أسس إيماننا في يسوع الحيّ والربّ.
الفصل الثامن والثلاثون
الربّ يسوع مع تلميذي عماوس
24: 13- 35

إن خبر ظهور يسوع القائم من الموت على تلميذَي عمّاوس، كما رواه مطوّلاً لو 24، يعدّ من أجمل صفحات الإنجيل ومن أغناها على المستوى العقائدي. سنهتمّ هنا في المضمون اللاهوتي، ولكننا نتفحّص أولاً الخبر في ذاته ونحدّد فنّه الأدبي. وسوف نلاحظ أن هذا البعد اللاهوتي للمقطع يرتبط بخبر يعتبر أنه يروي الأحداث كما وقعت. لهذا، سنتساءل عن واقعيّة هذه الأحداث. إذن، ندرس أولاً الفن الأدبي، ثم الحقيقة التاريخية، وأخيراً المدلول التعليمي.
1- الفن الأدبب
أ- بعض المقابلات
إذا أردنا أن ندرك إدراكاً ملموساً الفن الادبي لمقطوعة تلميذَي عمّاوس، نعود إلى بعض المقابلات مع نصوص أخرى. ونبدأ الأولى مع قانون الإيمان الذي يورده بولس فى 1 كور 15: 3- 5 ويعتبره خلاصة كرازته: "إنني قد سلّمت إليكم أولاً، ما قد تسلّمت أنا نفسي، أن المسيح قد مات من أجل خطايانا، على ما في الكتب، وأنه قُبر، وأنه قام في اليوم الثالث، على ما في الكتب، وأنه تراءى لكيفا (بطرس) ثم للاثني عشر". 
حين أملى مار بولس هذا النصّ، لم يخترعه. بل اكتفى بأن يستعيد كلاماً قديماً حدّد التقليدُ تعابيره. وهذا ما يجعلنا نظنّ أن هذا "النؤمن" القصحي يرجع إلى أورشليم. وقد ردّدته سائر الكنائس ولم تبدّل شيئاً فيه.
إن خبر تلميذَي عمّاوس يتضمّن إعلاناً قريباً من إعلان إيمان بولس هذا. هي كلمات الرسل الذين أعلنوا قيامة يسوع في آ 34: "قام الرب حقاً وظهر لسمعان".
ونستطيع أن نقيم تقاربات أخرى بين أقوال التلميذين ليسوع (آ 19- 24: ما يتعلّق بيسوع الناصري الذي كان نبياً مقتدراً في الفعل والقول...) وجواب يسوع للتلميذين (آ 25- 27: كان ينبغي للمسيح أن يكابد هذه الآلام ويدخل إلى مجده) من جهة. وبين التعليم الفصحي الذي نجده في الخطب الرسولية في سفر الأعمال من جهة ثانية. فالتلميذان يتحدّثان بشكل موجز عن رسالة يسوع وعن صلبه في ألفاظ هي ألفاظ الكرازة الأولى. "ما حصل ليسوع الناصري الذي كان نبياً... كيف أسلمه رؤساء الكهنة وحكّامنا للقضاء عليه بالموت، وصلبوه" (آ 19- 20). وحين بدأت كرازة الرسل لليهود حول موت يسوع، أبرزوا دوماً خطيئة الشعب اليهودي وخطيئة رؤسائه. نقرأ في أع 2: 23: "يسوع الناصري الانسان الذي أيّده الله لديكم". وفي 3: 13- 15: "إن إله ابراهيم... مجّد فتاه يسوع الذي أسلمتموه أنتم وأنكرتموه.." (رج 4: 10؛ 5: 30؛ 7: 52؛ 13: 27- 30).
إحتفظا من رسالة يسوع العلنيّة بأعمال قدرته، "بالمعجزات والعجائب والآيات التي أجراها الله على يده" (أع 2: 22؛ رج 10: 38). وتذكّرا أيضاً موسى الذي بسببه سُمّي يسوع "نبياً" (آ 19؛ رج تث 18: 15). وتحدّثا عنه كالفادي: "كنا ننتظر أنه هو الذي يفتدي إسرائيل" (آ 21؛ رج أع 7: 35). وتابع التلميذان خبرهما فتكلّما عن اكتشاف القبر الفارغ وعن الرسالة التي حمّلها الملاكان إلى النسوة بأن يسوع هو حيّ (آ 23). نجد هذه العبارة الأخيرة في ملخّص للكرازة الفصحية في فم بولس: "حول انسان اسمه يسوع، قد مات ويدّعي بولس أنه حيّ" (أع 25: 19).
ولكن يسوع هو الذي سيعرض حدث القيامة (آ 25- 27). إنطلق من الكتب المقدسة. إنطلق من النبوءات: "كان يجب على المسيح أن يقاسي هذه الآلام ليدخل في مجده" (آ 26). إن موضوع البرهان الكتايي يعود في آ 46: "هكذا كُتب: إنه ينبغي للمسيح أن يتألمّ، وأن يقوم من بين الأموات في اليوم الثالث". وهذا ما سيكون أيضاً موضوعاً تتوسّع فيه الكرازة الرسولية عائدة إلى الكتاب المقدّس. وتدلّ آ 27 على النهج المفروض من أجل هذا التوسّع: "بدأ مع موسى، وجال على جميع الانبياء، ففسّر لهما ما يختصّ به في الاسفار كلها".
تبع العرض ترتيب التوراة في قسماتها الثلاث الكبرى. وسيكون الأمر هكذا في الشروح التي يقدّمها يسوع لرسله في آ 44: "لا بدّ أن يتمّ جميع ما كُتب عني في ناموس موسى وفي الأنبياء والمزامير" (تبدأ المزاميرُ مجموعة "الكتب" والجزء يدلّ على الكلّ). وذاك كان النهج الذي سارت عليه الكرازة الرسولية (أع 2: 33- 36؛ 3: 18، 24؛ 10: 43؛ 17: 3؛ 26: 22؛ 28: 32).
إذن، حين نعود إلى الفن الأدبي، يبدو من السهل أن نربط بعض عناصر مقطوعة تلميذَي عمّاوس بعبارات الكرازة الرسولية أو أفعال الإيمان التى تكرّست في الوعظ والكتابة. غير أن هذه العناصر لا تمثّل إلا جزءاً بسيطاً من الخبر: حوار يسوع مع التلميذين، إعلان الرسل للتلميذين اللذين وصلا إلى أورشليم. من الواضح أن الخبر في مجمله ينتمي إلى فنّ أدبي مختلف جدّاً. فحين يكون الإنجيلي أمام إعلان الإيمان أو الكرازة، وجب عليه أن يكتفي بأن يستعيد عبارات تقليدية. أما حين يدوّن خبره، فهو حرّ في اتخاذ الوسائل لكي يقدّم الأحداث بشكل يوافق نظرته الخاصة.
ب- ظهورات يسوع للرسل
وإذ نبقى في سياق القيامة، نحاول أن نقابل بين أخبار ظهور يسوع لرسله (24: 36- 49؛ أع 1: 3- 8؛ رج مت 28: 16- 20؛ يو 20: 19- 23، 24- 29؛ 21: 1- 14). الرسمة هي هي: يحضر يسوع فجأة. فيشكّ الرسل ويرتابون. حينئذٍ يدعوهم يسوع إلى التأكّد من واقع جسده. ثم يبيّن لهم آثار جراحاته (24: 39 أ؛ يو 20: 20). ويدعوهم إلى لمسه (24: 39 ب؛ يو 20: 27)، بل يأكل معهم (24: 43؛ أع 1: 4، 10: 41؛ رج يو 21: 9- 12). وما إن يقتنع الرسل، حتى يحدّثهم يسوع عن الرسالة المحفوظة لهم (24: 48؛ أع 1: 8؛ مت 28: 18- 20؛ يو 20: 21- 23؛ 21: 15- 17).
لا شكّ في أن هذه الاخبار تتجاوب مع اهتمامين إثنين لدى الذين يروونها. يظهر يسوع لرسله ليسلّم إليهم مهمّة، وهي تجعل منهم أسس الكنيسة. غير أن هذه المهمّة تتضمّن شهادة، وهذه الشهادة لن تفعل فعلها قبل أن يقتنعوا بواقعيّة القيامة. لهذا يذكر الإنجيل شكوكهم، لأن هذه الشكوك فرضت عليهم بأن يرتكزوا على براهين أكيدة بأنهم لم يكونوا أمام سراب أو خيال.
هذا الاهتمام هو قريب من ذاك الذي ميّز الكرازة الرسولية أو اعتراف الإيمان في 1 كور 15. فذكرُ قيامة يسوع يتبعه ذكرٌ لظهورات نَعِم بها الرسل. وهكذا شكلت هذه الظهورات للمسيحيين الأساس المباشر لإيمانهم بالقيامة. أما فيما تبقّى، فالخبر عارٍ من الصور الجليانية: تجرّد من كل تفصيل لا فائدة منه. فالهدف الذي وضعه الإنجيلي أمامه حين روى هذه الظهورات، هو أن يبيّن أن الإيمان المسيحي يرتكز على أساس متين.
أما خبر تلميذَي عمّاوس فهو جواب على سؤال آخر. هو لا يقدّم برهاناً عن حقيقة يسوع، ولا يعطي إشارة إلى واقع قيامته. بل يحدّد لوقا أن قوّة منعت عينَي التلميذين من معرفة يسوع (آ 16): مثلُ هذا الوضع لا يوافق ما يريد أن يؤكّده شهود عيان. وحين عرف التلميذان يسوع عند كسر الخبز، اختفى عنهما.
من الواضح أن هذا الخبر لم يدوّن ليبرهن عن حقيقة ما. فهدفه ليس هدفاً دفاعياً (أبولوجيا). وهو لا يرغب أن يبيّن الأساس المتين للايمان المسيحي. فالإنجيلي يروي، وهو يجد لذة في روايته. إنه يجعلنا نحقق بحبِّ التلاميذ لمعلّمهم وحنان يسوع تجاههم. يكلّمنا لوقا فنحسّ أنه هو أيضاً اشتعل حبّاً ليسوع، فيؤثّر فينا هذا الحبّ. وكل مرة نعيد قراءة هذا الخبر، يجتذبنا تيار حبّ المخلّص الذي يحيط بالخبر كله. لسنا هنا بعد في مجال إيمان يبحث عن براهين، بل نكتشف بإعجاب حبّاً بشرياً رقيقاً تجاه يسوع، ووجهة من الوجهات التي تدلّ على تعلّق المسيحيين الأولين به.
ج- خبر المجدلية
قابلنا خبر تلميذَي عمّاوس مع الكرازة الرسوليّة في أع ومع فعل الإيمان في 1 كور 15 مثلاً. ثم قابلناه مع ظهورات يسوع للرسل. وها نحن نقابله مع ظهور يسوع لمريم المجدلية في يو 20: 11- 17. لن نحاول أن نبحث عن الفروقات، بل على التشبهات، لا سيما وأن الخبرين يعودان إلى فن أدبي واحد. وهناك أيضاً طريقة الإخبار: فخبر ظهور يسوع لتلميذَي عمّاوس يبدو قريباً جداً من خبر ظهور يسوع لمريم لمجدلية. وهذا ما سوف يساعدنا على اكتشاف البُعد التعليمي للحدث الذي نتأمّل فيه الآن.
نبدأ فنقول إننا لا نستطيع أن نعتبر هذين الخبرين "خبرَي ظهور". فما قيل هنا لا يتلاقى مع أهمية ظهور يسوع لرسله. المهم ليس واقع الظهور في حدّ ذاته، وليس أن يأتي يسوع، يكون حاضراً، يدلّ على نفسه. فبالنسبة إلى مريم المجدلية كما إلى تلميذي عمّاوس، لا يكفي أن يكون يسوع هنا. يجب أن نتعرّف إليه. وسيشدّد النصّ على الساعة المؤثّرة التي فيها يتعرّف إلى يسوع أولئك الذين يحبّونه.
الوضع دارماتيكي هنا وهناك. أمام القبر الفارغ، مريم تبكي. هي تبكي بكل الحبّ الذي يعمر في قلبها تجاه يسوع. هي لم تستطع بعد أن تكتشف جثمانه. إنه بعيد عنها كل البعد مع أنه بقربها. وتلميذا عمّاوس هما في طريق فارغة يتحدّثان عن يسوع. هما ضائعان، متحيرّان، هما حزينان، وكآبتهما ترتسم على وجهيهما. جاء يسوع. إقترب، إنه هنا وهو يكلمها. أما هما فلم يعرفاه.
لا بلاغة ساطعة في هذين الخبرين، وبساطتهما تمسك بجوارحنا. وتنمو العاطفة فينا حتى الساعة الحاسمة التي فيها يعرّف يسوع بنفسه. هنا، لا حاجة إلى العبارات الطويلة. في الخبر الأول، أكتفى يسوع بفعلة بسيطة: كسر الخبز. وفي الخبر الثاني، اكتفى بكلمة واحدة: "مريم".
لا يتوخّى الإنجيلي في كلا الخبرين أن يبرهن عن أي شيء. إنه يروي لنا خبرتين، ويرويهما بطريقة لا يمكنها إلا أن تحرّكنا، إلا أن تدفعنا للدخول في قلب الذي عاشهما. خبران لا يتوجّهان إلى العقل، بل إلى الشعور والعاطفة. وبفضلهما سنفهم أن الحدث الفصحي لا يفرض نفسه فقط على إيماننا على أساس براهين تبقى موضوع تساؤل، بل على ذاتنا كلها، على كل حياتنا وشعورنا. إنه يحوّل وجودنا ويعطيه معنى جديداً.
هكذا نكون في هذين الخبرين أمام فن أدبي يسمَّى: الخبر المؤثّر، الخبر الذي يقدّم عبرة من أجل بناء الجماعة. فالذي يروي لا يتوخّى أن يقدّم المعلومات لسامعه، أو يربطه بما حدث. بل يريد أن يعطيه خبرة معاشة، وهذا يعني فناً رفيعاً لدى الراوي. لسنا فقط في معرض إيراد الوقائع كما جرت. بل إبراز هذه الوقائع بشكل يؤثِّر فينا.
بهذه الطريقة نتبنّى شعور التلميذين الذاهبين إلى عمّاوس وهما مكتئبان. بهذه الطريقة ندخل في الوضع الدراماتيكي الذي يعيشان فيه. وكيف هيّأنا لهذا كله؟ تردُّ إلى نهاية الخبر نتيجة كلمات يسوع عليهما. بعد ذهاب يسوع، قالا: "أما كان قلبنا مضطرماً فينا حين كان يحدثنا في الطريق ويشرح لنا الكتب" (آ 32)؟ قدّم لنا لوقا معطيات تاريخية، ولكنه لم يكن فقط مؤرّخاً، بل مرسلاً وواعظاً وحامل بشارة. تاريخه هو تاريخ ديني وقد كتبه من أجل بناء الجماعة. وهو لا يكتفي بأن يعرّفنا بالحدث الفصحي، إنه يحاول أن يدخله إلى قلوبنا.
2- الحقيقة التاريخية
أ- خبر تفرّد فيه لوقا
لا نستطيع أن نكتفي بالطابع المؤثّر في خبر تلميذَي عمّاوس، بل يجب أن نتساءل عن تاريخيّته.
تفرّد لوقا فحدّثنا عن ظهور يسوع القائم من الموت على كليوبا ورفيقه (هما إثنان، من أجل الشهادة). لا شك في أن هناك تلميحاً إلى هذا الحدث في مر 16: 12. ولكن يبدو أن هذ النصّ هو ملخّص متأخّر لخبر لوقا. وقانون الإيمان في 1 كور 15 يعدّد ظهورات المسيح كما يلي: "تراءى أولاً لكيفا، ثم للاثني عشر، ثم في مرة واحدة لأكثر من 500 أخ معاً، بعضهم ما زال حياً، وبعضهم مات، ثم تراءى ليعقوب، ولجميع الرسل، وأخيراً لي أنا وبولس" (آ 5- 8). أما ظهورات يسوع لتلاميذه في الإنجيل الرابع فهي كما يلي: ظهور أول مساء الفصح، ظهور ثانٍ بعد ثمانية أيام، ظهور ثالث على بحيرة طبرية (21: 14). لا يتحدّث لوقا عن الظهور للمجدلية الذي أورد خبره، ولا عن الظهور لبطرس الذي تتحدّث عنه 1 كور، ويلمّح إليه خبر تلميذَي عمّاوس. لهذا، يبدو غريباً للوهلة الأولى أن لا يقول متّى ولا يوحنا ولا بولس كلمة واحدة عن ظهور يسوع للتلميذين، يوم الفصح، خلال ساعات طويلة.
نحن نفهم هذا الصمت حين نعرف أن التقاليد المسيحية التي وصلت إلينا هي تقاليد رسولية. فالكنيسة الأولى رأت في الرسل شهوداً مكلّفين بإعلان قيامة يسوع. والشهادة التي يؤدّونها عمّا رأوا، تشكّل أساس الإيمان المسيحي. فإيمان الكنيسة لا يتأسّس على شهادة النسوة القديسات، ولا على شهادة تلاميذ "من الدرجة الثانية". إن التقليد الرسمي في الكنيسة هو تقليد رسولي. إنه يردّد ما قاله الرسل.
غير أن الرسل لم يشهدوا إلاّ لِما رأوا شحخصياً. لهذا لم يكفلوا خبرات لم يختبروها. وقد احتفظت مجموعات مسيحية (بجانب تقليد الكنيسة الرسمي) بذكريات عن ظهور يسوع للنسوة أو لتلميذَي عماوس.
هنا نتذكر التقاليد الخاصة التي رواها لوقا فلم يروها إنجيلي آخر. تفرّد فتحدّث عن رسالة السبعين تلميذاً (10: 1 ي) الذين اختار منهم يسوع رسله. وتحدّث وحده عن مجموعة النسوة "التلميذات" (8: 1- 3)... وجاء خبر كليوبا ورفيقه بين هذه المعلومات التي استقاها من التقليد الذي وصل إليه. عَمِل عمل مؤرّخ مدقّق فنقل إلينا معلومات قد تعود إلى كليوبا نفسه.
ب- قرية عمّاوس
قال النصّ الإنجيلي: "قرية اسمها عمّاوس تبعد عن أورشليم (مئة و) ستين غلوة (آ 13). هنا تطرح ثلاثة أسئلة. الأول: النقد النصوصي حول بُعد عمّاوس عن أورشليم. الثاني: أين تقع قرية عمّاوس؟ الثالث: لماذا ذُكرت عمّاوس؟
أولاً: نقد النصوص
نقرأ في بردية 75، والمخطوط الإسكندراني والفاتيكاني والبازي... وفي عدد من الترجمات: ستين غلوة (تقريباً 12 كلم أو 7 أميال). وقرأ السينائي... وعدد كبير من الآباء (أوسابيوس، ايرونيموس...): مئة وستين غلوة. يبدو أن القراءة الفضلى هي "ستون" غلوة، وإن وافقت 160 غلوة قرية عمّاوس المعروفة اليوم.
الغلوة (ستاديون) هي قياس يساوي ست مئة قدم عند اليونان، 625 عند الرومان، أو 185 متراً. وهكذا تكون 60 غلوة: 6.8 أميال، و 160 غلوة: 18.4 ميلاً تقريباً.
ثانياً: عمّاوس
ماذا نعرف عن القرية المدعوة عمّاوس؟ كل المخطوطات اليونانية وجميع الترجمات تقرأ: عمّاوس. ما عدا البازي الذي يقرأ: عولماوس. قد نكون هنا أمام تشويه لاسم بيت ايل القديم: عولملوس لا تك 28: 19 (حسب السبعينية). أية عمّاوس نعني؟ هناك ثلاثة أمكنة:
* عمّاوس التي "في السهل"
عُرفت هذه القرية في زمن المكابيين. ذُكرت في 1 مك 3: 40- 57؛ 4: 3، كموضع، في السهل" هاجم فيه يهوذا المكابي القوات السلوقية الآتية من أنطاكية وفلسطية. سوف يحصّنها بكيديس فيما بعد (1 مك 9: 50). تحدث يوسيفوس أيضاً عن عمّاوس هذه التي دقرت إلى الأرض واحرقت بأمر كونتيليوس فاروس (موفد رومة إلى سورية سنة 6- 4 ق. م.) ليثأر للرومان الذي ذُبحوا هناك. يبدو أنه أعيد بناء هذه القرية، لأنها ستظهر فيما بعد كمدينة رئيسية في لائحة مدن رومانية سنة 66 ب. م. حدّد موقع هذه المدينة: 20 ميلاً إلى الغرب والشمال الغربي من أورشليم. في سنة 223 ب. م.، صار اسمها "نيكوبوليس" (كرونيكة الفصح). أما اوسابيوس (في أونومستيكون أو لائحة الأسماء) فسمّى المدينة التي منها جاء كليوبا: "نيكوبوليس الحالية، وهي مدينة مشهورة في فلسطين". وتبعه ايرونيموس ثم سوزومينوس في القرن الخامس. غير أن أحداً من هؤلاء الكتاب لم يذكر المسافة بين نيكوبوليس وأورشليم. كما أننا لا نعرف القراءة التي فضّلوها في 24: 13 (60 أو 160 غلوة). الاسم الحديث لهذه القرية هو عمواس (اللفظة العربية لليونانية عمّاوس) القريبة من اللترون. المسافة التي تفصلها عن أورشليم تخلق مشكلة حقيقيّة إن أردنا أن نعتبرها الموقع الذي تحدّث عنه لوقا. كيف استطاع التلميذان أن يقطعا هذه المسافة سيراً على الأقدام ويعودا في اليوم عينه؟ وكيفا دخلت مسافة "160" غلوة، بواسطة اوريجانس أو يوليوس الافريقاني؟ وهكذا صارت عمّاوس نيكوبوليس.
* عمّاوس- كولونيه
وعرفت عمّاوس أخرى لدى يوسيفوس، كموضع يبعد عن أورشليم "30 غلوة". هناك جعل فسباسيانس 800 من قدامى الجنود الذين تركوا الجيش الروماني. إذن، هي تبعد 3.5 أميال إلى الشمال الغربي من أورشليم، باتجاه يافا. وقد سمّيت اليوم كولونيه (إي مستوطنة في اللغة اللاتينية. هكذا سمّيت مراكز رومانيّة عديدة). هذه القرية دمّرت سنة 1948 وهي تقوم على موقع موصة القديم (يش 18: 26). عُرفت في المشناة كموقع أخذت منها الاغصان إلى أورشليم من أجل عيد المظال. مثل هذا الموقع يقع على مسافة استطاع فيها التلميذان أن يقطعاها ذهاباً وإياباً في يوم واحد. هل "دوّر" لوقا الأرقام فاعتبر أن "60 غلوة" هي مسيرة معقولة؟ 
* عمّاوس- القبيبة
منذ زمن الصليبيّين كان حديث عن قرية القبيبة التي تبعد حوالي 63 غلوة عن أورشليم في الطريق إلى اللدّ. اعتُبرت أنها عمّاوس المذكورة في لوقا. نحن أمام مسافة معقولة بالنسبة إلى النصرّ اللوقاوي. ولكن هذا الموقع لم يكن معروفاً قبل نهاية الألف الأول ب. م.
ثالثاً: لماذ ذُكرت هذه القرية
مع أننا لا نستطيع أن نتأكّد اليوم من موقع القرية التي ذهب إليها التلميذان، يبدو أن عمّاوس هي في جوار أورشليم. فلوقا احتفظ بالظهورات في أورشليم أو في جوارها، ولم يطلب من التلاميذ أن يلاقوه إلى الجليل، كما فعل متّى ومرقس.
3- كسر الخبز
بعد الذي قلناه عن الفن الأدبي، نتحدّث عن المرمى اللاهوتي للراوي. أراد لوقا أن يجعلنا نشعر بما مثّلته القيامة لتلاميذ يسوع. أراد أن يشركنا في فرحتهم حين وجدوا نفوسهم برفقة المعلّم بعد أن رأوه يموت على الصليب. فماذا بعد ذلك؟ 
ولكن يبقى شيء آخر في هذا الخبر، وهذا الشيء يفسّر لماذا أعطى لوقا خبرة تلميذَي عمّاوس هذه المكانة الفريدة في إنجيله. كرّس لوقا 22 آية لهذا الخبر. جعله في قلب فصل مكرّس لقيامة الربّ. فما هو الهدف الذي توخّاه؟
أ- مهمة التلميذين
كيف يكون لهذا الخبر بُعد لاهوتي؟ ولكن لقاء يسوع مع مريم المجدلية يبدو لنا مثالاً ساطعاً. فكأن هذا الخبر الدراماتيكي قد وُضع هنا لكي يبرز إعلان يسوع الاحتفالي الذي هو قصة المقطوعة: "إذهبي وقولي لإخوتي: أنا صاعد إلى أبي وأبيكم، إلى إلهي وإلهكم" (يو 20: 17). إن لهذه الكلمات معنى عميقاً في إطار الإنجيل الرابع. كان يسوع قد تحدّث مراراً، وألحّ بشكل خاص في خطبة بعد العشاء، عن ساعة عودته إلى الاب، عن وقت انطلاقه وصعوده إلى أبيه (3: 13؛ 6: 62؛ 7: 32؛ 8: 14؛ 13: 1- 3؛ 14: 12، 28؛ 16: 5، 7، 10، 17، 28؛ 17: 5، 13). ها قد جاء أخيراً زمن العودة، زمن الصعود. ما أراد يسوع أن تتمسّك به مريم: "لم أصعد بعد". وزاد: "إذهبي وقولي لإخوتي: أنا صاعد". إن ذروة الخبر الدراماتيكي هي في الوقت عينه ذروة الموضوع اللاهوتي الذي وصلت إليه كرازة يسوع في النهاية.
يبقى أن نعرف مرمى خبر تلميذَي عمّاوس. لسنا هنا على المستوى الدفاعي. فالراوي لا يهتمّ بأن يقدّم لنا برهاناً جديداً عن القيامة وواقعها "الملموس". هذا الهم نكتشفه في أخبار الظهور للرسل. ولا يشدّد خبر التلميذين على الظهور في حدّ ذاته، بل كل الانتباه مسلّط على المشهد الأخير، حين يتعرّف التلميذان إلى يسوع. إن وقت التعرّف هذا يجعلنا "معلّقين" بالخبر حتى النهاية. في الواقع، يختفي يسوع حين يعرفه كليوبا ورفيقه. أجل، لقد انتهى الخبر. إذن، هنا نبحث عن المرمى اللاهوتي لظهور يسوع للتلميذين على طريق عمّاوس.
نقرأ في آ 30- 31: "ولمّا اتكأ معهما، أخذ الخبز، وبارك وكسر، وناولهما. فانفتحت أعينهما وعرفاه... ولكنه غاب عنهما". في الواقع، اتنهى الخبر ولم ينتهِ: فالتلميذان تذكّرا كم كان قلبهما مضطرماً حين كان يسوع يشرح لهما الكتب. عادا أدراجهما ليخبرا الرسل. وماذا سوف يقولان لهم؟ هنا نصل إلى حماية لخبر. قال الإنجيلي: "أخذا يخبران بما جرى في الطريق، وكيف عرفاه عند كسر الخبز" (آ 35).
إذن، وصل الخبر إلى ذروته ساعة عرف التلميذان يسوع وهو يكسر الخبز. ويتتابع الخبر: "عرفاه عند كسر الخبز". إن تشديد لوقا على هذا التفصيل واضح. ولكن، ما معنى كسر الخبز؟
ب- وليمة افخارستية
رأى بعض الشّراح أن يسوع أعاد الطقس الافخارستي في عمّاوس. واعتبر آخرون أن عبارة "كسر الخبز" قد عرفها اليهود في فلسطين، فدلّت على الطريقة التي بها يأكلون. إذن، لا شيء يدفعنا إلى القول إن يسوع جدّد للتلميذين ما فعله في العشاء السري من فعل قد لا يكونان سمعا به. 
إذا طرحنا السؤال بهذا الشكل، لن نجد له جواباً. فنحن نتصّرف وكأننا نسمع تقريراً عن الواقع في فم كليوبا. في هذه الحالة نستطيع القول إن فعلة كسر لخبز لا تكفي لتدلّ على أننا أمام عشاء افخارستي. فعلى مائدة اليهود الاتقياء، كان ربّ البيت يشكر (يبارك) الله على حسناته، ثم يكسر الخبز ويوزّعه على الحاضرين. غير أن الخبر الذي نقرأ لم يروِه يهودي من أصل فلسطيني (لوقا هو كاتب مسيحي من أصل وثني) ليهود آخرين يعيشون في فلسطين. لهذا يبقى أن نعرف، ماذا تعني عبارة "كسر الخبز" في فم كليوبا إن كان استعملها حين كلّم الرسل، أو بالاحرى يجب أن نتساءل: ماذا أراد لوقا أن يقول لنا؟
لقد استعمل لوقا عبارة "كسر الخبز" في مقطع آخر هو أع 2: 42: "وكان المؤمنون مواظبين على تعليم الرسل والشركة وكسير الخبز والصلوات". إن هذا النصّ يميّز الحياة والمسيحية لدى المؤمنين الأوائل. و "كسر الخبز" لا يمكن أن يكون "غداء عادياً" يشارك فيه المسيحيون. نحن بالأحرى أمام عمل ديني يترافق مع أعمال دينية أخرى مثل الصلاة وسماع تعليم الرسل. ونلاحظ من جهة أخرى، أنه إن دلّ هذا العمل على غداء عند اليهود، فهو لا يدل إلا على قسم منه. وحين يجتمع المسيحيّون للغداء، فهم لا يجتيعون فقط من أجل "بداية" عمل من الأعمال، وحين يتكلّم المسيحيّون عن كسر الخبز كطقس يكفي نفسه بنفسه ويميّز حياتهم الدينية، فهم يتكلّمون عن شيء خاص بهم. نتعرّف إلى هذا الطقس حين نعود إلى العبارة الليتورجية القديمة التي حفظتهـا لنا كل أخبار العشاء السرّي (مت 26: 26؛ مر 14: 22؛ لو 22: 19؛ 1 كور 10: 16؛ 11: 24): ليلة آلامه، أخذ يسوع خبزاً، كسره، وأمر تلاميذه أن يفعلوا مثله ليتذكّروه.
كان الرسل "يواظبون على كسر الخبز". لا معنى لهذه العبارة حتى ليهود من أصل فلسطيني، إلا إذا دلّت على الاحتفال المسيحي بالسرّ الافخارستي. ويصبح الأمر واضحاً لدى مسيحيين جاؤوا من العالم اليوناني فكتب لهم لوقا. ما كان لهؤلاء المسيحيّين أن يتخيّلوا طقساً يهودياً غير معروف بالنسبة إليهم. لا معنى لكسر الخبز إلا الافخارستيا.
ويرينا أع 20 مسيحيّي ترواس مجتمعين "لكسر الخبز" (آ 7؛ رج آ 11). إلتأمت الجماعة في اليوم الأول من الاسبوع، يوم الأحد، اليوم الذي فيه قام يسوع المسيح (24: 1؛ رج يو 20: 1، 19). وشدّد على أننا في اجتماع احتفالي حين ذكر كثرة الشموع (آ 8). لا شكّ في أننا أمام عمل عبادة مسيحية يعيد ما فعله يسوع وما قاله في العشاء الأخير.
ويستعيد نصّان أخران من أع العبارة نفسها. في أع 2: 46، قال لوقا: "وكانوا كل يوم يلازمون الهيكل بنفس واحدة، ويكسرون الخبز في البيوت". بعد أن تحدّث أع عن مشاركة في ليتورجية الهيكل، كيف يتحدّث عن "طعام" يُؤخذ في البيوت؟ ولكننا لسنا أمام غداء من الغداءات، بل مشاركة في ليتورجيا مسيحيّة تتميّز عن المشاركة في ليتورجيا يهودية. كان المؤمنون يذهبون إلى الهيكل، وها هم يذهبون إلى بيت خاص مثل بيت "مريم، أم يوحنا ومرقس" (أع 12: 12) الذي كان بمثابة كنيسة للجماعة المسيحية الأولى.
وهناك احتفال افخارستي في كسر الخبز الذي قام به بولس بعد العاصفة التي هبّت عليهم. "أخذ خبزاً، وشكر الله أمام الجميع، وكسر" (أع 27: 25). قام بولس بعمل يتعلّق بخلاص رفاقه (آ 34). وتحدّث عنه بولس كما تحدّث عن العشاء الافخارستي في ترواس.
كسُر الخبز يعني الافخارستيا بالنسبة إلى قرّاء لوقا اليونان. وتلميذا عمّاوس عرفا الربّ حين كسر الخبز، حين الاحتفال معهم بالافخارسيا. لهذا ردّد لوقا العبارة مرتين. مرة في الخبر: "أخذ الخبز وبارك وكسر" (آ 29). ومرة أخرى من خلاله ملاحظة التلميذين اللذين عرفا الربّ "عند كسر الخبز" (آ 35).
ج- من كليوبا إلى فيلبس
ونقوم بمقابلة أخيرة تساعدنا على إدراك ما اكتشفناه حتى الآن. في أع 8، روى لوقا خبر الوزير (الخصي) الحبشي الذي عاد من أورشليم وسار في طريق غزة. إقترب منه فيلبس، أحد السبعة، وسأله عمّا يقرأ. كما انضمّ يسوع إلى التلميذين وسألهما عن "الاقوال التي يتبادلانها". وفسّر فيلبس للغريب النبوءات المسيحانية. وهكذا فعل يسوع مع التلميذين. تمسّك التلميذان بيسوع ودعياه لكي يبقى معهما. وقال الوزير لفيلبس: "ما الذي يمنع من أن اعتمد"؟ عمّده فيليبس واختفى حالاً بعد أن حمله الروح. واختفى يسوع بعد أن كسر الخبز وعرفه التلميذان.
خبر الوزير الحبشي هو خبر عماده. فالخبر يقود إلى العماد. وحين يعتمد الخصي يختفي فيلبس. لاشكّ في أن مكاناً واسعاً جُعل لتفسير الكتب (آ 31- 35). ولكن هذا التفسير، على أهميته، هو استعداد للعماد الذي هو ذروة الخبر ونقطته النهـائية.
وفي خبر تلميذَي عمّاوس، لعب تفسير الكتب (آ 25- 28) أيضاً دوراً مهماً جداً. فسوف يتذكّران هذا "الدرس" الكتابي بعد اختفاء المعلّم، وهو درس سيكرّره يسوع على الرسل المجتمعين، وهو درس سيتكرّر في الكرازة الرسولية في أع، ولكن تفسير الكتب مقدّمة وتهيئة تعدّان التلميذين للايمان الذي يتيح للهما بأن يتعرّفا إلى الربّ. غير أن الكتب لا تكفي.
لهذا، كان كسر الخبز والافخارستيا، كان سّر القربان المقدس. وهكذا نكون أمام حفلة "قداس" يتذكّر عشاء الرب في مرحلتين: مرحلة كلمة الله، مرحلة خبز الله. فعبر الخلاص الذي نتعلّمه من الكتب المقدّسة، هناك خلاص يتمّ ويفعل في سّر الافخارستيا، سّر جسد المسيح ودمه.
خاتمة
وهكذا نكتشف المدلول العميق لخبر تلميذَي عمّاوس. لسنا فقط أمام خبر دوّن لبناء الجماعة. بل أمام تعليم لاهوتي يجب أن ندركه. إن الكتب تقود إلى المسيح. هي تشهد أن يسوع الذي مات وقام، هو حقاً المسيح الذي أعلنه الانبياء. وتهيّئنا الكتب أيضاً لنتعرّف إلى المسيح الحيّ اليوم والحاضر بيننا. ولكن لكي يتمّ التعرف، لا بدّ من اتصال به، وهذا الاتصال يتمّ في كسر الخبز. إن الكتب تشهد للمسيح القائم من الموت. ولكن الافخارستيا هي التي تعطينا المسيح الحيّ. أجل، الافخارستيا هي العلامة الكبرى لقيامة الربّ. هذا ما أراد لوقا أن يقوله لنا في خبر تلميذَي عمّاوس.

الفصل التاسع والثلاثون
ظهور يسوع للأحد عشر
24: 36- 43

إن أخبار ظهور القائم من الموت عديدة في الاناجيل، أورد مت اثنين: واحداً للنسوة أمام القبر الفارغ، وآخر للأحد عشر على "الجبل" في الجليل (مت 28: 9- 10، 16- 20). وروى لوقا أيضاً اثنين: واحداً للتلميذين على طريق عماوس (24: 13- 35)، وآخر للأحد عشر ولرفاقهم في أورشليم (آ 36- 53). ونجد أربعة ظهورات في يو: الأول لمريم المجدلية أمام القبر الفارغ (20: 14- 18). الثاني للتلاميذ ما عدا توما (آ 19- 23). الثالث للتلاميذ مع توما (آ 24- 29). الرابع أمام سبعة تلاميذ في الجليل، وذلك بعد الصيد العجيب 21: 1 ي). أما نهاية مر فما زالت موضوع جدال. إن 16: 9- 20 الذي نجده في الانجيل منذ القرن الثاني يكشف ثلاثة أخبار يتراءى فيها يسوع، وقد أخذها مر من سائر الاناجيل: الأول لمريم المجدلية (مثل يوحنا). الثاني للتلميذين في الطريق (مثل لوقا). الثالث للأحد عشر (مثل متّى ولوقا).
1- مقابلة بين هذه الأخبار
حين درس الشّراح هذه الأخبار، نظروا إليها بطرق مختلفة. ميّزوا الظهورات في أورشليم عن الظهورات في الجليل. ولكن هاتين المجموعتين تتضمّنان أخباراً متفرّقة. ثم إن الظهورات في الجليل تتوقّف عند اثنين. في مت 28: 16- 20: "وأما التلاميذ الأحد عشر فمضوا إلى الجليل، إلى الجبل الذي عيّنه يسوع لهم". وفي يو 21: 1 ي: "وبعد ذلك أظهر يسوع ذاته، من جديد، للتلاميذ، على بحر طبرية" (إذن، في الجليل).
وقُدّم ترتيب آخر للظهورات على المستوى الأدبي: هناك الأخبار القصيرة. وهناك الأخبار الطويلة. ولكن هناك أخباراً متوسّطة الطول. لهذا، برز معيار تمييز آخر: الكرستوفانيا (أي: ظهور المسيح) الرسولية. أي: يظهر يسوع لمجموعة من الشهود الرسميين ليسلّم إليهم مهمّة رسولية. هذا ما نقول عن مت 28: 16- 20: "دفع إلىّ كل سلطان... إذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعلّموهم". وعن يو 20: 19- 23: "كما أن الآب أرسلني، كذلك أنا أرسلكم... خذوا الروح القدس". وكذلك عن يو 21: 1 ي: يا سمعان، "إرعَ خرافي، إرعَ نعاجى". وعن لو 24: 36- 49: "ينبغي للمسيح أن يتألم وأن يقوم من الاموات في اليوم الثالث... وأنتم شهود لذلك". وعن مر 16: 14- 18: "إذهبوا إلى العالم أجمع، واكرزوا بالانجيل للخليقة كلها".
ونجد أيضاً الكرستوفانيا (ظهور المسيح) الشخصية. يتراءى القائم من الموت على شخص فرد ليدلّ على يقين قيامته. في مت 28: 9- 10، دنا يسوع من النسوة وقال: "السلام لكُنّ". فدنوْنَ وأخذْنَ بقدميه وسجدْنَ له. وهكذا دللنَ على الأمل العائد إليهن فأمسكنَ بقدميه (كما يتمسّك شخص يغرق)، كما دللن على السجود أمام الرب. وفي لو 24: 13- 35 كسر أمام التلميذين الخبز فعرفاه، فرجعا إلى أورشليم وهما "يخبران ما جرى لهما في الطريق". وفي يو 20: 11- 18، قال يسوع "مريم"، فنادته "رابوني" وأرادت أن تتمسّك به كما فعلت النسوة، ولكن يسوع أرسلها في مهمّة إلى التلاميذ.
ونضمّ إلى هذه النصوص الثلاثة يو 20: 24- 29. أخبر التلاميذ توما فقالوا: "رأينا الرب". وسيكون له هو أيضاً أن يراه فيعلن: "ربي وإلهي". ولما اجترح يسوع ذاك الصيد العجيب، قال التلميذ الحبيب: "هو الرب". وطرح بطرس بنفسه في البحر ذاهباً إلى يسوع (يو 21: 6- 7). وفي مر 16: 9- 11 نعرف أن يسوع تراءى لمريم المجدلية، "فانطلقت وأخبرت الذين كانوا يصحبونه" (أي: الصحابة). كما نعرف قي آ 13- 14 أنه تراءى لاثنين منهم ذاهبين في الطريق إلى البرية.
وبمختصر الكلام، نتحدّث عن ظهورات ترافقها مهمّة. وظهورات فيها يتعرّف الشخص إلى يسوع. مثل هذا التقسيم يُبرز في الوقت عينه الفنّ الأدبي للأخبار (لاسيّما الظهورات للاحد عشر)، كما يبرز مضمونها ووظيفتها. إنّ أخبار الظهور الخاصة أو الفردية (لشخص فرد) تتميّز بفنّها الإخباري، فهي تحتفظ بإشارات ملموسة تدلّ على خبرة عاشها هذا الشخص أو ذاك. أما أخبار الظهور للأحد عشر فتتضمّن أقوالاً بشكل خاص، وشيئاً قليلاً من الأخبار. إنها بالأحرى نصوص "عقائدية" تتركّز كلها على تعليم الفصح، وعلى مدلول القيامة بالنسبة إلى يسوع وإلى تلاميذه.
سنتوقّف عند نصوص الظهور للأحد عشر، وبشكل خاص عند لو 24: 36 ي الذي هو أكثرها توسعاً، وقد انطبع طبعاً خاصاً بشخصيّة كاتبه.
2- نقد النصوص
إنّ خبر الظهور في لو 24: 36 ي يطرح عدداً من المسائل النقدية، ولا سيّما في آ 36 وآ 40. في آ 36، يكمّل النص الغربي (المخطوط البازي وعدد كبير من شهود اللاتينية العتيقة) الجملة فيقول: "في وسطهم" (وقف في وسطهم). (رج يو 20: 19). كما أن نسخات مختلفة تزيد: "وقال لهم: أنا هو. لا تخافوا". هذا ما نجده في مت 14: 27؛ مر 66: 50؛ يو 6: 20، بمناسبة ظهور يسوع على المياه. أما السريانية العتيقة والشهود الكبار في الاسكندرية (75، السينائي، الفاتيكاني...) وقيصرية البحرية، والنسخة العامة فتزيد: "وقال لهم: السلام لكم". بما أن هذه العبارة هي هي في يو 20: 19 ج، إعتبر عدد كبير من الشّراح أنها حاشية أخذت من يو ووضعت في لو. غير أنّ عدد الشهود الكبير وتوزّعهم على مختلف النسخات يجعل هذه الحاشية في مكانها في لو. ونقول أيضاً إن النقد الداخلي يوافق على الإبقاء عليها في نصّ لو: فهناك اتصالات لا شك فيها بين مقطوعة لو ويو 20: 19- 23. ثم إن "السلام" موضوع عزيز بشكل خاص على لوقا. لهذا يُذكر 14 مرة في لو و7 في أع، ساعة يذكره مت 4 مرات، مر مرة واحدة، يو 6 مرات. إذن، نظن أن هذه العبارة أصيلة كما نقرأها في لو 24: 36.
أما آ 40، (وإذا قال هذا أراهم يديه ورجليه) فهي غائبة في النص الغربي (البازي، السريانية العتيقة، معظم الشهود في اللاتينية العتيقة). ولكننا نجدها عند سائر الشهود كلّهم. بما أن هذه الآية تشبه ما في يو 20: 20 (غير أنها تذكر "رجلي" يسوع، بدل "جنبه" كما في يو)، نكون أمام مشكلة شبيهة بمشكلة آ 36، وتوزّع الشراح. منهم من تبع النصّ الغربي. ومنهم من اعتبر أن النص اللوقاوي هو أصيل، وكانت براهينهم كما يلي: تماسك الاطار، اختلاف بسيط بين لو ويو (الرجلان، الجانب). وهكذا يكون موقفنا من آ 40 شأن موقفنا من آ 36.
هنا نخرج من النصّ الذي ندرس في حصر المعنى، فنصل إلى آ 51، 52.
حين يقرأ النصّ الغربي (البازي، أكثر شهود اللاتينية العتيقة) والنسخة الأولى للسينائي آ 51، فهما يتوقفان عند "اب أوتون" (إنفصل عنهم). أما سائر الشهود فيزيدون: "صعد (حُمِل) إلى السماء". لقد اعتبر الشرّاح أننا أمام حاشية زيدت فيما بعد على النصّ. ولكن صفة الشهود وتوزّعهم يدفعاننا إلى القول بأن "هذه الحاشية" هي أصيلة في لو. لماذا "حذفها" أحد الخطّاطين؟ لأنها شكّلت أمامه صعوبة. فإن خبر أع يجعل الصعود بعد أربعين يوماً على القيامة، أما لو فيجعله يتمّ يوم القيامة. لقد أراد لوقا في إنجيله أن يدل على أن تمجيد يسوع لا ينفصل عن قيامته. أما أع فجعل من الصعود خاتمة الظهورات الفصحية وانطلاقة المهمة الرسولية التي تسلّمتها الكنيسة.
ويقرأ النصّ الغربي (البازي، السريانية السينائية، معظم شهود اللاتينية العتيقة) آ 52: "وإذ سجدوا له". رأى بعض الشّراح في هذه الزيادة تنسيقاً مع نص مت 28: 17. ولكن شهادتهم جديّة، وهي تتجاوب مع بركة يسوع (رج سي 50: 20- 21)، وتدلّ على فعلة دينية أمام الذي هو الرب في قيامته. وهكذا تبقى عبارة "سجدوا له".
تبدو بنية المقطوعة منطقيّة. فهي تتضمّن خبراً يتحدّث عن لقاء يسوع مع الأحد عشر ورفاقهم. نحن أمام مشهد تعارف يشدّد على خوف الحاضرين وارتيابهم في البداية، وعلى ما قدّم يسوع إليهم من إشارات ليقنعهم بواقع جسده: إنه هو ذاك الذي عرفوه. وما إن اقتنع التلاميذ، حتى بدأ يسوع يحمّلهم رسالة الفصح والقيامة في آ 44- 49 التي تشكّل تعليماً احتفالياً يرتبط ارتباطاً وثيقا بالكرازة. بعد أن بيّن يسوع واقع الفصح كما أعلنه هو والكتب التي يتمّها، حدّد مهمة الكرازة التي سيقوم بها الرسل.
3- وظيفة المقطع
إن وظيفة هذا المقطع في مؤلّف لوقا هي واضحة. إنها خاتمة الانجيل، شأنها شأن مت 28: 16- 20 ويو 20: 20- 23. هذا ما يدلّ عليه لوقا بإشارات عديدة، فيتفوّق على متّى ويوحنا. فهو يدلّ في آ 44 على أن زمن حضوره بينهم قد انتهى (حين كنت معكم): لقد تمت رسالته على الأرض، التي هي موضوع إنجيله.
وإذ تختم هذه القطعة خبر الانجيل، تعلن المواضيع الرئيسية في أع: موضوع الروح القدس وعمله في الكنيسة، كرازة موت يسوع وقيامته المدوّنة في الكتب، وظيفة الشهود التي يقوم بها الرسل. ولكننا بهذا تجاوزنا حدود المقطوعة التي ندرس، تجاوزنا آ 43.
هنا نتوقّف عند ثلاثة أمور: الكرونولوجيا أو تسلسل، الاحداث. الطوبوغرافيا أو موقع الاحداث، السّر الذي يقدّمه لوقا.
أ- تسلسل الاحداث
إن تسلسل الأحداث يطرح أسئلة عديدة. إذا توقّفنا عند خبر لوقا، فكل الظهورات الفصحية عند القائم من الموت، تتمّ في يوم الفصح الواحد، يوم الأحد. ولكن حين نتحقّق في النصّ نفهم أن كل هذا الواقع لا يمكن أن يتمّ في 24 ساعة. مهما كانت المسافة بين أورشليم وعمّاوس (هناك 60 غلوة، 160 غلوة. وهناك اختلاف على موقع عماوس)، فالتلميذان لم يتركا عماوس إلا بعد العشاء (24: 29- 30). فوجب عليهما حينذاك أن يعودا إلى أورشليم ويجدا الاحد عشر ويخبراهم خبرتهما. وسيتراءى يسوع بعد ذلك. فيتغلّب على شكّ التلاميذ، ثم ينقل إليهم تعليمه ويقودهم إلى بيت عنيا من أجل الصعود. فإذا أرادت الكرونولوجيا أن تكون دقيقة، يجب أن يتمّ "الصعود" في صباح اليوم التالي. هذا ما أحسّ به لوقا نفسه (أع 1: 3: يتراءى لهم مدة أربعين يوماً).
نجد أن لوقا قد أراد في خاتمة انجيله أن يجعل في يوم الفصح أصول الإيمان كلّه، وأصول كل التعليم عن القيامة. ولهذا لم يعطِ كرونولوجيا دقيقة، مع أنه يعرف كرونولوجيا أخرى هي التي يقدّمها في أع فيحدّثنا فيها عن يسوع الذي ظلّ يتراءى لرسله 40 يوماً بعد آلامه (أع 1: 3). إن التعارض بين هذه الكرونولوجيا وتلك، شغلَ بال القرّاء. وهذا ما يفسرّ غياب 24: 51 ب عند عدد من الشهود القدماء. كما قاد الشراح إلى تقديم عدد من الفرضيات المختلفة. (1) لم يعرف لوقا تقليد الأربعين يوماً إلاّ بعد أن انتهى من تدوين إنجيله. (2) أعاد لوقا صياغة مؤلّفه (لو+ أع) فأقحم أع 1: 3- 12 أو لو 24: 50- أع 1: 5، وهكذا فصل بين جزئي مؤلفه. ولكن هذين الحلّين بقيا على مستوى الافتراض. والتحرير في النص، كما يقترحه بعض الشّراح، لا يجد أي أساس في النصوص.
ما أراد لوقا أن يبيّنه في واقع الفصح هو تمجيد يسوع بشكل نهائي. فلا تعارض بالنسبة إليه بين يوم الظهورات الطويل كما نقرأه في لو 24 والاربعين يوماً من ظهورات تمّت في 40 يوماً (أع 1: 3). بين الصعود الذي يرويه يوم أحد الفصح وبين ذاك الذي يرويه بعد أربعين يوماً (أع 1: 6- 11). إن هذه الطريقة في تدوين التاريخ تدهش القارئ الحديث. ولكنها الطريقة التي يستعملها لوقا في مقاطع أخرى من مؤلفه حيث يحوّل ترتيب مراجعه. هذا ما فعل في انجيله. ق لو 4: 16- 20 (يسوع في الناصرة) مع مر 13: 53- 58؛ مت 6: 1- 6؛ ق لو 5: 1- 11 (الصيد العجيب) مع مت 4: 18- 22؛ مر 1: 16- 20. وهذا ما فعله أيضاً في أع: فصل بين 8: 4 (وأما الذين تشتّتوا، فكانوا يطوفون مبشرّين بالكلمة) و11: 19 (كان الذين تشتتوا من جراء الاضطهاد) ليمنح الرسل مبادرة حمل البشارة إلى الوثنيين. إن الأولوية المعطاة لبناء الخبر على دقة الكرونولوجيا، تتوافق مع مؤرّخين عاصروا لوقا فأهملوا الدقة الكرونولوجية. وهكذا، لن نبحث في لو 24: 36- 53 عن دقّة كرونولوجية لم يبحث عنها لوقا.
ب- موقع الأحداث
إن الطابع "المنسّق" لتسلسل الاحداث (كرونولوجيا) يساعدنا على فهم مسألة الطوبوغرافيا (موقع الأحداث). لقد جعل لوقا الظهورات في اليهودية، على طريق عمّاوس (24: 13- 31)، في أورشليم (24: 33، 49، 52). ومع ذلك فهو يعرف تقليد الظهورات في الجليل. فقد حوّل معطية مت 28: 10 ومر 16: 7 إلى ما نجده عنده في 24: 6: "قلن لاخوتي إنه يسبقكم إلى الجليل". أما في لوقا: "تذكرن ما قال لكن إذ كان بعد في الجليل". مثل هذا التحوّل يدهشنا، ولكننا نفهمه في منظار لوقا. ركّز كل ظهورات القائم من الموت في يوم أحد الفصح. وها هو يجعل من أورشليم الموضع الأهم في تاريخ الخلاص: فإليها صعد يسوع لكي يكمّل رسالته (9: 31، 51؛ 13: 33). فيها تمّ سرّ موته ومجده. ومنها انتشر الانجيل ليصل إلى أقاصي الأرض (24: 47؛ أع 1: 8).
مع أن لوقا عرف بظهورات خارج أورشليم، إلاّ أنه يدلّ على وحدة الحدث الفصحي في بساطة رسمة تركّزت كلها على مدينة الخلاص. لقد فعل هنا، كما في الكرونولوجيا، ففضّل تقديماً بسيطاً للأحداث على عرض مفصّل لكل المعطيات التي كانت في يده
ج- شهود القيامة
إن شهود القيامة هم في الدرجة الاولى "الأحد عشر". نقرأ في 24: 33 أن التلميذين "رجعا (من عمّاوس) إلى أورشليم، فوجدا الأحد عشراً. وفي أع 1: 13، نقرأ أسماء الرسل الأحد عشر. سيصبح الرقم 12 بعد اختيار متيّا (أع 1: 26). إنهّم الشهود الأول للقيامة (أع 1: 22؛ 2: 14؛ 5: 32؛ 10: 41؛ 13: 31). ولكنهم ليسوا وحدهم. فلوقا يتحدّث عن "رفاقهم" (لو 24: 33)، ويدلّ بشكل واضح على تلميذَي عمّاوس (24: 35- 36). وسيلاحظ أن متّيا قد اختير من بين أشخاص آخرين (أع 1: 21- 22). هذا يعني أنه يتوقّف عند الشهادة "الرسمية". ولكنه يعرف أيضاً شهادة تلاميذ بسطاء، كما عرف رسالة السبعين تلميذاً (10: 1- 20) مع رسالة الاثني عشر (9: 1- 6).
وفيما يخصّ شهود القيامة، إهتمّ لوقا بأن يبيّن كيف انتقلوا من الشك (اللاإيمان) إلى الإيمان. ففي خبر القبر الفارغ، جاءت النسوة فقط لكي يتمّمْنَ عملية دفن الملّقم (24: 1). جئنَ "يطلبْنه بين الأموات" (آ 5). وتحيرّنَ حين رأين القبر فارغاً. وذكرهنّ الملاكان بما سبق وقاله يسوع. حينئذٍ تسلّمْنَ البلاغ وحملنَه إلى الرسل.
وخبر عمّاوس هو حديث "تربوي" يقود هذين التلميذين إلى الإيمان الفصحي، الإيمان بالقيامة. والعلامة الحاسمة لهما ليست معجزة من المعجزات، بل فهم النصوص التي تتعلّق بالمسيح في الأسفار المقدّسة (24: 25- 26). وبهذه الطريقة عينها سار إيمان الأحد عشر ورفاقهم حين ظهر لهم يسوع. أشار لوقا إلى عدم إيمان "الرسل" حين أعلن لهم عن القبر الفارغ (24: 10- 11). ولاحظ دهشتهم ورعبهم وقلقهم وتساؤلاتهم حين ظهر يسوع لهم (آ 37- 38). وإذ أراد يسوع أن يقنعهم، جعلهم يرونه، يسمعونه، يلمسونه. ولكنّهم ظلّوا على قلّة إيمانهم وعلى دهشتهم (آ 41). فيجب بعد ذلك أن يأكل يسوع أمامهم (آ 43). وخصوصاً أن يذكّرهم بأنه أنبأ بالسرّ (آ 44 أ؛ رج آ 6- 7). وفتح أذهانهم ليفهموا الكتب (آ 44 ب- 45؛ رج آ 25- 26). وفي النهاية، بلغوا إلى الإيمان. حينئذ سلّم إليهم يسوع بلاغ الفصح والقيامة (آ 46- 48). وسوف يدلّ أع على أنهم تقبّلوا هذه الرسالة التي أوكلهم بها يسوع. وتدلّ السطور الأخيرة من لو أنهم قبلوا ربهّم: "سجدوا له وهم بفرح عظيم".
د- سرّ القيامة
هذا السرّ هو بلا شك قلب خبر لوقا. ما يظهر أولاً هو أن يسوع "حيّ" (آ 5). إنه هو ذاته الذي عرفه التلاميذ خلاله حياته على الأرض. فيداه ورجلاه تحمل آثار آلامه (آ 39- 40). جسده جسد حقيقي، ونحن نستطيع أن نلمسه. ليس بشبح ولا خيال. له لحم وعظم، ويستطيع أن يأكل (آ 39- 43). لقد ألحّ لوقا على واقعيّة جسد القائم من الموت، وهذا الإلحاح قاد عدداً من الشرّاح إلى نظرة "مادية" إلى القيامة، تقابل نظرة الجسد الروحاني عند بولس (1 كور 15: 44). ولكن لوقا يتحدّث أيضاً عن الحالة الجديدة لجسد القائم من الموت: فهو يرينا إياه ظاهراً فجأة مثل الله أو الملائكة في العهد القديم (آ 36: استي؛ رد تك 18: 2؛ دا 8: 15؛ 12: 5)، ومختفياً فجأة حين يُرفع إلى السماء (آ 51). ثم لا ننسى أن لوقا هو يوناني، لذلك لا نستطيع أن ننسب إليه نظرة مادية إلى القيامة (نتذكّر هنا الاثينيين وردّة فعلهم على كرازة بولس عن القيامة، أع 17: 32). غير أنه يعرف الصعوبة التي يصطدم بها اليونان أمام التأكيد على القيامة الجسدية (1 كور 15: 12؛ 2 تم 2: 18). من أجل هذا، شدّد لوقا على واقع جسد القائم من الموت. وإذ فعل ما فعل في خبر ظهور يسوع على الأحد عشر، فقد أراد أن يؤسّس يقين هذا الواقع على تقرير من الشهود.
أراد لوقا أن يثبّت واقع الفصح، ليقود المؤمنين إلى فهم السرّ الذي يكشفه. ونستطيع القول إن هذا السرّ يقوم جوهريّاً في سيادة يسوع الملوكية التي دشّنها يوم الفصح (22: 69؛ 24: 26؛ أع 2: 36). وحين يسلّم يسوع تلاميذه مهمَّة الكرازة بالتوبة إلى جميع الأمم (آ 47- 48)، فهو يدلّ على أنه مخلّص جميع الشعوب. وحين يعد أخصّاءه بأنه سيرسل إليهم الروح الذي وعد به الآب (آ 49؛ أع 2: 33)، فهو يدلّ على أنه يملك سلطاناً محفوظاً لله (آ 52). إن لوقا الذي اعتنى بأن يدلّ على المراحل المتعاقبة في تاريخ الخلاص، دلّ هنا على بداية حقبة جديدة: فبعد زمن اسرائيل والاعلانات النبوية (آ 44 ب- 46)، وبعد الزمن الذي كان فيه يسوع "مع أخصّائه" (آ 44 أ)، ها هو زمن الكنيسة الذي هو في الوقت عينه زمن ملك يسوع وزمن رسالة الاثني عشر.
خاتمة
يسوع هو "في وسطهم" كما كان "وسط المعلّمين" (2: 46) في الهيكل وهو في الثانية عشرة من عمره. هو "في وسطهم" كما كان "وسط" تلاميذه في العشاء الاخير. كان يسوع قد وعد في مت 18: 20 أنه سيكون "وسط" أخصّائه حين يجتمعون باسمه. وها هو الوعد قد تحقّق الآن مع الأحد عشر العائشين في العليّة بعد القيامة. ومجيء يسوع يعني السلام للتلاميذ، هذا السلام الذي لم تقبله أورشليم (19: 42). هذا السلام الذي أعلنه الملائكة على البشر في ميلاد المخلّص. كان في الميلاد وعداً فصار في موت المسيح وقيامته حقيقة وواقعاً. فالمسيح هو سلامنا وقد جعل من الاثنين واحداً بعد أن نقض في موته الحاجز الذي هو العداوة.
الفصل الأربعون
تأمّل بين الفصح والعنصرة
24: 44- 53

"كان الأحد عشر ورفاقهم" مجتمعين حين "وقف يسوع نفسه فجأة في وسطهم" (لو 24: 33- 36). هذا ما قاله القديس لوقا عن ظهور للقائم من الموت. عرّف يسوع بنفسه إلى تلاميذه، ووجّه إليهم تعليماته الأخيرة قبل أن يأخذهم إلى بيت عنيا لينفصل عنهم ويرتفع إلى السماء (34: 50- 51). أما الآيات التي سنتوقّف عندها (24: 44- 53)، فهي تشكّل القسم الثاني لخبر الظهور هذا، وهي تنهي الإنجيل الثالث متوقّفة عند ذكر صعود الربّ.
وإليك تصميم هذه الدراسة:
- نحدّد موقع النصّ بالنسبة إلى المقطع الذي يدخل فيه. ونقابل بصورة سريعة هذا الظهور للرسل كما يعرضه لوقا مع التقاليد الفصحية التي نقرأها في سائر الأناجيل.
- نقابل نهاية الإنجيل الثالث مع بداية أع، لأن النصّين يذكران بوضوح صعود الربّ إلى السماء. ولأن التقليد ينسب هذين النصّين إلى الكاتب عينه.
- نقرأ النصق ونحاول شرحه.
1- خبر فصحي
أ- خبر لوقا
نبدأ فنلقي نظرة سريعة إلى ف 24 ونستخرج عناصر الخبر: اكتشاف القبر الفارغ على يد النسوة. شهادتهنّ لدى الرسل. انطلاق بطرس المسرع إلى القبر (آ 1- 12). "خبر عمّاوس" (آ 13- 35). الظهور الأخير للرسل (آ 36- 53). ونلاحظ أيضاً الإشارات الدقيقة التي تربط بين مختلف المواد الإنجيلية وتبرزها في وحدة تامّة. ولقد شدّد الشرّاح على هذا الأمر منذ زمن بعيد، وهو أن كلّ الأحداث الواردة تجري يوم الفصح، "في اليوم الأول من الاسبوع" (رج 24: 1، 13، 33، 36). وإذا بحثنا عن كل الوسائل، نستطيع أن نتخيل ليلة كاملة بين بداية الخبر ونهايته، إذا اعتبرنا أن تلميذَي عماوس انطلقا في طريق العودة إلى أورشليم عند هبوط الليل. وأنه كان عليهما أن يقطعا مسافة ستين غلوة (الغلوة تساوي 185 متراً. وهناك اختلافة تتحدّث عن 160 غلوة) ليلتقيا بالرسل (24: 13- 33). ولكن هذا التفصيل لا يهمّ لوقا. وهو لا يقوله لنا هل حصل الصعود في الليل أم في النهار. ما يهمّ لوقا هو أن يضمّ في نظرة واحدة مجمل أحداث ما بعد الفصح، ولهذا جمعها كلّها في يوم واحد، على الأقل ظاهرياً.
هذا ما نسمّيه وحدة الزمان: 24 ساعة. وهناك أيضاً وحدة المكان. فكلّ الأحداث الواردة هنا تقع في أورشليم أو على الأقل في اليهودية. فالظهور لتلميذَي عمّاوس هو الحدث الذي يبعدنا اكبر مسافة عن أورشليم. ومهما يكن من أمر، فظهور يسوع الوحيد للرسل، ذلك الظهور المذكور هنا، يتمّ في أورشليم نفسها (24: 33- 36)، ويُختم في الجوار المباشر للمدينة المقدّسة (24: 50 ي).
ونتوقّف أخيراً بصورة خاصّة عند هذا الظهور للرسل (24: 36- 53) فنشدّد على وحدة الخبر الداخلية. قد تكون هناك وقفة بين آ 43 وآ 44 ("فأخذ وأكل معهم، ثمّْ قال لهم")، ولكننا ما زلنا في خبر الظهور نفسه. وإذا أردنا أن نفسرّ خاتمة النصّ ولا علينا أن نعود إلى المقطوعة كفها لنبقى أمناء لأهداف الإنجيلي.
هكذا تبدو التقاليد الفصحية كما نقرأها في الإنجيل الثالث. يبقى علينا أن نقابلها مع التقاليد الفصحية التي نجدها في سائر الأناجيل.
ب- مقابلة مع سائر الأخبار الإنجيلية
إذا توقّفنا عند تحديد موضع ظهورات يسوع الممجّد على أخصّائه، تنقسم الأناجيل إلى مجموعتين: حدثت هذه الظهورات في الجليل بالنسبة إلى متّى ومرقس ويو 21. وحدثت في أورشليم أو في جوارها بالنسبة إلى لوقا ويو 20. لقد كانت لنا مناسبات لنبيّن التوازي بين لوقا ويوحنا (مثلاً، خبر حُكم رومة على يسوع في لو 23: 2- 7، 13- 25 ويو 18: 29؛ 19: 16)، لا سيّما في خبر الآلام (ف 22- 23).
بالإضافة إلى ذلك، يبدو أن لوقا عرف وتبع (ساعة أراد) التقليد الإزائي. فخبر الفصح عنده، كما عند متّى، لا يتضمّن إلا ظهوراً وحيداً للأحد عشر، وهذا الظهور جاء بعد ظهور لتلاميذ ليسوا من الاثني عشر (النسوة أو تلميذا عمّاوس). إذن، الرسمة هي هي. ويورد لوقا، شأنه شأن الإنجيليين الإزائيين الآخرين، "بلاغ الملاك" في بداية الخبر (رج مر 16: 5- 7؛ مت 28: 2- 7؛ لو 24: 4- 7). غير أننا ندرك بالنسبة إلى هذه السمة الأخيرة، الطريقة الشخصية التي بها يشتغل الإنجيل الثالث المعطيات الأولى. توافق متّى ومرقس: حين ظهر ملاك القبر للنسوة صباح القيامة، أمر رسله بأن يذهبوا إلى الجليل حيث ينتظرهم يسوع: "هو يسبقكم إلى الجليل. وهناك ترونه كما قال لكم" (مر 16: 7؛ رج مت 28: 7). عرف لوقا هذا البلاغ الملائكي، واهتمّ بالحفاظ على "الجليل" رغم كلّ شيء. ولكن إذا كان على يسوع أن يظهر للرسل في أورشليم، لا على شاطئ بحيرة طبريّة، فالضرورة تفرض على لوقا بأن يبدّل في التقليد. ولهذا نقرأ: "إنه قد قام. أذكرن ماذا قال لكنّ حين كان بعدُ في الجليل" (24: 6). لاحظنا وحدة الخبر في البداية، وها نحن نستعيدها هنا مع كل متطلّباتها. فإذا احتاج لوقا، عالج بحرّية التقاليد القديمة ونسّقها حسب مخطّط خاصّ وفكرة لاهوتية سنعود إليها.
غير أن هناك ملاحظة أخرى تفرض نفسها علينا: من الخطأ أن نظنّ أن لوقا اهتمّ باللاهوت وأهمل التاريخ والمعلومات التي جمعها قبل أن يدوّن مؤلّفه (لو+ أع). لا شكّ في أنه يفرض على خبره الفصحي إطاراً حدّده مسبقاً. ولكنه يعرف كيف يحتفظ لا داخل هذا الإطار بالتفاصيل الدقيقة والجذّابة. لن نتكلّم عن متتالية عمّاوس التي هي خاصّة به. ولكننا نشير على الأقل إلى أن الظهور للأحد عشر عنده يتفوّق على ما في متّى على مستوى التفصيل والإيضاح. وهو يحتفظ بتفصيل خاصّ ("قطعة من السمك المشوي" 24: 42؛ رج يو 21: 9) نجده في الجليل لا في أورشليم. قد يقال إن خاتمة النصّ عاديّة (24: 44- 53)، ولكن لوقا يقدّم لنا التاريخ هنا كما في كل إنجيله. وقد أراد. أن يعرض الوقائع التي تحمل مغزى، فجمع من أجل هدفه كل التقاليد التي وقع عليها.
2- خبران للصعود لدى لوقا
إعتاد الشراح أن يقرّبوا بين خاتمة الإنجيل الثالث وبداية أع. ففي كلا النصّين يُذكر حضور القائم من الموت وسط أخصّائه، ويُذكر الصعود. يعود النصّان إلى الكاتب الواحد، كما يقول الترتيب، وإن أع تكمّل الخبر الذي بدأ به لو ووجّهه إلى تاوفيلوس (رج 1: 3؛ أع 1: 1). ولكن، إذا كان الكتابان يرتبطان بكتاب واحد ويهدفان إلى تكوين مؤلف واحد، فكيف نفسّر هذا التداخل بين أع ولو؟ كيف نفسّر استعادة أع لخبر الصعود؟
أ- صحّة النصّين
هناك نقّاد يظنون أن لو وأع كانا في البدء كتاباً وحداً. قُسما في النصف الأول من القرن الثاني، ففصل أع عن الخبر الإنجيلي. حينئذٍ قام "الناشر" ببعض "الاصلاحات" التدوينية، فأمّن للإنجيل الثالث خاتمة ولسفر الأعمال مقدّمة. ونستطيع أن نتخيّل الأمور حسب أبسط الفرضيّات التي قدّمها أحد الباحثين: جاء أع 1: 6 بعد لو 24: 49 في الخبر. إذن، تمّ القطع في النصّ الأول بين هاتين الآيتين. وقام التدخّل التدويني اللاحق باستعادة عدد من العناصر من الإنجيل (أو من مكان آخر) فدوّن مقدّمة (أع 1: 1- 5). هذا من جهة. ومن جهة ثانية، لخّص أع 1: 6- 11 ليحصل في خاتمة الإنجيل على الآيات الحالية الأربع المخصّصة للصعود. إذن، نصّ الإنجيل حول الصعود هو نصّ متأخّر وقد دوّنته يدّ لا نعرف صاحبها.
إن هذا النصّ اللوقاوي الأصلي المزعوم يقدّم فائدتين. الأولى: لا يذكر إلا تاريخاً واحداً للصعود (يوم الفصح. لا 40 يوماً بعد الفصح حسب أع 1: 3). الفائدة الثانية: يصوّر صعود يسوع في رسمة واحدة هو الصعود المشاهدي والمحدّد في أع 1: 9- 11 لا الاعلان اللاهوتي البسيط عن ارتفاع يسوع في لو 24: 51. ولكن هذه الفرضيّة التي تحاول أن تنسّق النصوص تفتقر إلى أساس، لأنها لا تستطيع أن تستند إلى شاهد واحد في النصوص. فتقليدُ المخطوطات يُجمع على النصّ الذي بين أيدينا. وبالتالي يعارض هذه الفرضية. ثم إن النقد الصحيح يفضِّل القراءة الأصعب، لا تلك التي تبسِّط النصوص وتقتل أصالتها. والنصّ الأصعب هو لو 24 وأع 1. يبقى علينا أن نبحث عن تفسير مقبول لموضوع الصعود الذي يرد في المرجعين.
نودّ أن نشير هنا إلى عبارتين قصيرتين في لو 24 أغفلتهما المخطوطات. الأولى، في آ 15: "ورُفع إلى السماء". الثانية، في آ 52: "سجدوا له أو أمامه". غابت هاتان العبارتان أيضاً عن اللاتينية العتيقة والترجمة السريانيّة السينائية، ولكنهما وُجدتا في أكبر عدد من الشهود. ومهما يكن من أمر، فغياب ذكر الصعود (آ 51) يجد ما يفسرّه أكثر من زيادته في النصّ، وذلك بسبب الصعوبة التي يثيرها وقتُ الصعود في أع 1: 3. أمّا سجود الرسل (آ 52) فهو يرتبط بالنمطيّة الكهنوتية التي استعملها لوقا عائداً إلى سي 50. إذن، نحتفظ بكل نصّ هاتين الآيتين (آ 51- 52) مع العبارتين: ورُفع إلى السماء. وسجدوا له.
ب- مقابلة بين خبر لو وخبر أع
نحن أمام خبرين لوقاويين عن الصعود. يبقى علينا أن نستخلص الاستنتاجات الرئيسية من المقابلة بينهما. كيف نفسّر أن يكون لوقا قد جعل الصعود تارة ليل الفصح أو غداته، وطوراً بعد أربعين يوماً؟ الخبر الأول متحفّظ وخفيّ فلا نراه. أما الخبر الثاني فيفترض سيناريو مهيباً. كيف نجمع هذين العرْضَين؟
قُدّمت في الماضي تفاسير سريعة: حصل لوقا على معلومات إضافية بين الوقت الذي فيه دوّن إنجيله والوقت الذي دوّن فيه أع. أو: استُودع لوقا تقليدين فرفض أن يدمجهما، فوضع الواحد بإزاء الاخر كما يفعل المؤرّخ الصادق. ولكن هذا لا يوافق موافقة كلّية ما نعرف عن أساليب لوقا الأدبية. نحن نكون قريبين من فكره إن رأينا في هذه الدبتيكا التي هي على ملتقى الإنجيل والأعمال، تفسيرين اثنين لتمجيد يسوع.
في لو 24، يختم الصعود حياة يسوع والإنجيل بارتفاع المسيح إلى السماء. نحن أمام نظرة لاهوتية. عاد يسوع إلى مجده مع جسد سماوي "روحاني" لا تناله الحواس البشرية على الأرض وأمامه تنحني كل ركبة. إن هذا التمجيد منذ يوم القيامة يدلّ على الغلبة السماوية التي حازها المسيح. هي حقيقية وإن غير منظورة.
في أع 1، تمجيدُ المسيح دشّن زمن الكنيسة ورسالتها. فالمسيح الذي ارتفع إلى السماء في بشريّته المؤلّهة والقائمة من الموت، ظهر أيضاً مرات عديدة لرسله ليثبّتهم في إيمانهم ويرسلهم في مهمّة نشر الإنجيل. وسمّي وداعه الأخير وآخر ظهور تاريخي ورسمي بعد الفصح، سمّي في اللغة الليتورجية "الصعود". إنه تقديم واقعي وتاريخي وحديث لسرّ الصعود، إنه الوجه البشري للصعود. يبقى على التلاميذ المجتمعين أن يطرحوا على نفوسهم السؤال التالي: "ماذا يجب علينا أن نعمل"؟ أراد لوقا أن يشدّد على أهمية هذا الانطلاق الأخير الذي كان استعدادً مباشراً للفصح ولانطلاقة الكنيسة.
وبمختصر الكلام، أنهى لوقا بهذه الطريقة الخبر الإنجيلي وبدأ تاريخ الكنيسة الرسولية. تغيرّت النظرة وإن كان الواقع هو هو. أما نحن فنبيّن أن لو 24: 50- 53 يشكّل خاتمة الإنجيل الطبيعيّة، ويفتح الطريق لتوسّعات أع 1: 9- 11 التي تتناسق معه ولا تعارضه.
ج- العلاقات بين التجليّ والصعود
نستطيع أن نقابل في مؤلّف لوقا بين التجليّ (لو 9) والصعود (أع 1) على ضوء لو 24. هناك نقاط عديدة مشتركة: الجبل، والرجلان اللذان يحيطان بالمسيح، السحابة الالهية والمجد، الخروج الذي يتمّه المسيح (أو انخطافه)، نمطيّة موسى وإيليا، شهادة "رؤيا بطرس" (تعود إلى بداية القرن الثاني) التي تضمّ الخبرين.
ولنعد الآن إلى التقاليد الفصحية في لو 24. أنزل الإنجيلي خبره في إطار كرونولوجي يتألّف من 24 ساعة، وهو يجعل صعود المسيح في الليلة التي تلت القيامة. ولا ننسى أن لوقا افترق عن متّى ومرقس فجعل مشهد التجلّي يقع في الليل. أشار إلى نعاس الرسل وإلى أنهم لم ينزلوا من الجبل إلا في اليوم التالي (9: 32- 37). وهكذا نستنتج أن التجلي هو في نظر لوقا صورة مسبّقة عن الصعود. دخل يسوع في مجده الالهي ثم خرج منه. هذا ما حدث في التجلي. أما لا ساعة التمجيد الفصحي والصعود، فدخل في هذا المجد بصورة نهائية، ولن يظهر بصورة احتفالية إلا في المجيء الثاني (باروسيا).
3- قراءة النصّ الإنجيلي
أ- تكملة الكتب المقدسة (24: 44)
بعد الآيات السابقة التي كانت إخبارية، قدّم لنا الإنجيلي في هذه الآيات يسوع الذي يعطي بنفسه لرسله تعليماته الاخيرة، وصيّته الروحية. يسوع هو الذي يتكلّم. ولكن يلفت انتباهنا حالاً هذه العبارة: "إذ كنت بعدُ معكم". نحن نجد في هذه الكلمات صدى الوجدان المسيحي في الكنيسة الاولى. فيسوع كان خلال حياته العلنية وحتى الصليب، حاضراً لأخصّائه حضوراً أرضياً وتاريخياً. أما الآن فهو حاضر حضوراً ممجّداً. هو حضور واقعي وإن يكن من نوع آخر. منذ الآن لم يعد هنا كما كان من قبل، ونحن نستشفّ أن ذكر الصعود في الآيات الأخيرة سيؤكّد هذا الاعلان بصورة أساسية.
إذا عدنا إلى الإنجيلي الرابع الذي عاش زمناً طويلاً من هذا الحضور السّري ليسوع الممجّد والذي أعاد قراءة التقاليد الإنجيلية على ضوء هذه الخبرة الجديدة، نرى يسوع يتكلّم بالطريقة عينها قبل آلامه (يو 14: 25: "قلت لكم هذه الاشياء وأنا مقيمٌ معكم"). نحن أمام عودة إلى الوراء: فبعد حدث الفصح، عاد الإنجيلي إلى وقائع حياة يسوع العلنية ليكتشف كلّ مدلولها. حينئذٍ فرض حدث الفصح نفسه عليه بكل قوّته. وهذا ما يدلّ عليه النصّ الذي نقرأ في حركة مستمرّة بين عالم سيكولوجي وعالم روحاني (24: 6؛ يو 2: 17، 22؛ 12: 16). لقد تذكّر لوقا برفقة كنيسة عصره، وتأمّل في النصوص والأحداث، وقابل بين الوقائع، فتعمّق في سرّ المسيح. وتيقّن أنه حصل على كل هذا من قِبَل الربّ فقدّم لنا شخص يسوع وجعله يتكلّم أمامنا.
إن واقع الفصح يقابل ما كان يسوع قد أعلنه سابقاً. ونحن نستطيع أن نكتشف هذه "الاقوال" في النصوص الإنجيلية الحاليّة، وفي الإنجيل. الثالث بالذات (رج 9: 22، 44؛ 17: 25؛ 18: 31- 33؛ 22: 37). ولكن الإنجيل كلّه قد قادنا إلى الاسبوع المقدّس، إلى الآلام والقيامة، إذن، لا بدّ من العودة إلى مجمل التقاليد الإنجيلية، بل إلى مجمل الكتب المقدسة: "ناموس موسى، والانبياء والمزامير". تدلّ هذه العبارة على مجمل أسفار العهد القديم. لا شك في أن يسوع عاد في كرازته إلى الكتب المقدّسة. وبعد الفصح، تذكّر الرسل ما فعله معلّمهم فبحثوا في النصوص عمّا يساعدهم على تقديم الوقائع. وهكذا استغلّ العهد الجديد العهد القديم، ولا سيّما في الكرازة الأولى في أع وفي مقاطع أخرى قال فيها لوقا عن يسوع إنه "أتمّ" ما كُتب عنه (4: 21؛ أع 1: 16؛ 3: 18؛ 13: 27).
ب- فهم الكتب المقدّسة (24: 45)
كان يسوع قد فسّر الكتب المقدسة لتلميذَي عمّاوس، اللذين قال لهما: "ما أقصر أبصاركما عن الفهم، وما أبطأ قلوبكما في الإيمان" (24: 25- 27). وهنا يتوجّه التفسير إلى الأحد عشر فيرتدي أهميّة خاصة. تدرّج الرسل على يد يسوع، وعليهم ألقيت مهمّة الشهادة الرسميّة في الكنيسة. وسيقدّمهم لنا أع كشهود اختارهم يسوع مسبّقاً وظهر لهم بعد قيامته (رج أع 10: 40 ي). ولكننا سنعود إلى صورة الرسول كما يرسمها لوقا.
ونشدّد مرّة ثانية على أن يسوع نفسه، يسوع القائم من بين الأموات، هو الذي فتح ذهن اخصّائه ليفهموا الكتب. هذا يعني أن حدث الفصح بدّل الامور كلّها بالنسبة إلى الرسل. حينئذٍ أخذ التاريخ وجهاً جديداً، والكلمات مدلولاً جديداً. هذا ما أدركه بولس، ذلك الرابي الذي ارتدّ على طريق دمشق، فكتب أن المسيح جاء ينزع الحجاب الذي كان يُعمي البصيرة، ويمنع المؤمن من أن يفهم العهد القديم (2 كور 3: 14- 16).
ج- الآلام والقيامة كما أعلنتها الكتب المقدّسة (24: 46)
نتذكر هنا نصوصاً عديدة: إنباءات الآلام الثلاثة (9: 22؛ 9: 44- 45؛ 18: 31- 24). قسمٌ من بلاغ الملاك صبيحة الفصح (24: 7). إعلان يسوع على طريق عمّاوس (24: 25- 27). يسوع هو الذي يتكلّم، وهو يتكلّم عن نفسه في صيغة الغائب (لا يقول: ينبغي لي أن أتألّم، بل ينبغي للمسيح)، وهذا ما يدهشنا. 
"هكذا كُتب". تشدّد النصوص الأخرى على الضرورة التي وجد فيها يسوع نفسه بأن يموت ليقوم. قال: "لا بدّ أن يتمّ جميع ما كتب عنّي" (آ 44). فالتقابل بين الكتب القديمة وواقع الآلام والقيامة ليس وليد الصدف. هذا ما أراده الله وأعلنه مسبقاً في الكتب المقدسة. قرأها الرسل فساعدتهم قراءتها على تقبّل الآلام التي صدمتهم في البداية. وستساعدهم الكتب أيضاً على قبول القيامة. فهم منذ الكرازة الأولى التي أوردها أع، أعلنوا أن إله إبراهيم وإسحق ويعقوب، إله الآباء وإله الكتب المقدّسة، قد أقام يسوع من بين الاموات (أع 3: 13، 5: 30).
دخلت كلمة يسوع في إطار فصحي فارتبطت بفهم الكتب المقدّسة (آ 45). ولكنّ الكلمة عينها التي جاءت في إطار حياة يسوع العلنيّة، إصطدمت بتلاميذ لا يفهمون (9: 44؛ 18: 34). أمّا سبب هذا التصوّر فهو خِبرة الفصح. ولكن هناك إشارة أخرى ستساعدنا على فهم هذا التفصيل: ففي أخبار الحياة العلنية أعلن "ابن الانسان"، أنه ذلك الذي يتألمّ ويقوم. وملاك القبر الذي يورد كلمة يسوع نفسه يحتفظ بهذه التسمية (24: 7). أما هنا، كما في خبر عمّاوس (24: 26)، فيسوع القائم من الموت لا يسمّي نفسه "ابن الانسان" بل المسيح. وهذا يدلّ على تطوّر في الإيمان الرسولي. فحدث الفصح أدخل الرسل في سّر يسوع كله، ولا سيما في سرّ مسيحانيته. وحين أقام الله يسوع جعله "رباً ومسيحاً"، كما قالت الكرازة الأولى (أع 2: 36).
إن واقع ظهورات يسوع بعد يوم الفصح يفسّر تفسيراً طبيعياً العبارة: "قام في اليوم الثالث". ولكن هذا التحديد الكرونولوجي قد احتفظت به التقاليد القديمة، وقرأت إعلاناً عنه في العهد القديم. وهكذا اتّخذ هذا التفصيل بُعداً مسيحانياً. من هنا كانت العبارة الكاملة: "ولكن، إلى أي نصوص عاد المسيحيون الأوَّلون؟ إلى يون 2: 1؛ 2 مل 20: 5 وهو 6: 1- 2.
د- الخلاص للجميع، باسم يسوع (24: 47)
حين رفع الله يسوع أعطاه "الاسم الذي هو فوق كلّ اسم"، أعطاه اسم "الرب" الذي يحمله وحده، والذي يُدعى جميع البشر إلى إكرامه وإعلانه (فل 2: 9- 11). "فباسم يسوع" سيُعلن الخلاص، لأننا حين نقبل اسمه، نتّحد بعمله الالهي الذي ظهر وتحقّق لا موت يسوع وقيامته، ونجد الحياة فيه. وهذا ما تعلنه باستمرار الكرازة الرسولية في أع. والرسل أنفسهم سيشفون المرضى ويعمّدون التائبين "باسم يسوع".
إن النصّ الذي. ندرس لا يتوسّع في الخلاص بيسوع المسيح، بل يشير إليه فقط من الواجهة السلبية. هو يتحدّث عن "التوبة لغفران الخطايا". يبدو أن الإنجيل يشدّد على الشرط الضروري، لكي يكون عمل الله فاعلاً في حياة الانسان. الانسان هو خاطئ، فعليه أن يتوب، أن يبذل حياته (ميتانويا).
"كل الأمم" مدعوّة إلى الخلاص، "كل الأمم التي تحت السماء" (أع 2: 5). يراهم لوقا يوم العنصرة. إنهم باكورة كرازة الرسل ولا سيّما القديس بولس. فهناك نصوص نبويّة تتحدّث عن الخلاص الشامل (مثلاً أش 49: 6). ولقد ربط لوقا الخلاص المسيحي الشامل بإرادة المسيح وحدث الفصح. ونلاحظ أيضاً أن إنجيل متّى ينتهي هو أيضاً بهذا الارسال "إلى جميع الأمم" (مت 28: 19).
ويحدّد لوقا أن "الكرازة الرسولية" تنطلق من أورشليم. هذه هي نظرته اللاهوتية التي نكتشفها في الإنجيل وفي أع. فجزء كبير من حياة يسوع العلنيّة يبدو بشكل صعود إلى أورشليم. وهناك سينخطف يسوع من هذا العالم (9: 51). بعد قيامته، لن يترك يسوع أورشليم ولن يظهر إلا في المدينة المقدسة أو في جوارها. ويُبرز لوقا هذه الوحدة، فيجعل كلّ الظهورات تحصل في اليوم عينه، في يوم الفصح. وعلى الرسل أن لا يغادروا أورشليم قبل أن ينالوا الروح القدس (24: 49). حينئذٍ تستطيع الكرازة أن تبدأ والكنيسة أن تنطلق من "أورشليم، إلى كل اليهودية والسامرة، وحتى أقاصي الأرض، (أع 1: 8). هكذا بيني لوقا مؤلّفه فيبيّن لنا كيف أن الخلاص للبشر ينبع من هذا العمل الواحد والوحيد الذي حقّقه الله في يسوع المسيح الذي مات ومُجِّد.
هـ- الرسل شهود يسوع المسيح (24: 48)
نقرأ هنا لقب "الشهود" المُعطى للتلاميذ بفم يسوع. وسنجد العلاقة واضحة في أع 1: 8 بين الشهادة والرسالة.
إذن، سيكون الرسل الشهود، وسيقدّمون نفوسهم كذلك خلال كرازتهم. هم لا يقدّمون افتراضات ولا يكرزون بأمور أسطورية، بل يعلنون أموراً تاريخية. إن الرسالة تتجذّر بالضرورة في الخبرة. فمن أراد أن يكون شاهداً للقيامة، وجب عليه قبل ذلك أن يكون قد رافق يسوع منذ عماده على يد يوحنا حتى اليوم الذي فيه رُفع (أع 1: 21- 22). ولكن هذا لا يعني أن شهادة الرسل عن يسوع هي فقط شهادة تاريخيّة. إنها تعلّقٌ إيماني. وهم يقدّمون نفوسهم كـ "المؤمنين". وجب عليهم أن يتركوا براهينهم البشريّة ومنطقهم المحدّد ليقبلوا بالقيامة وبسّر يسوع كله. ويخبرنا الإنجيل أن هذه المسيرة التي قادتهم إلى الإيمان لم تكن سهلة وبسيطة (24: 11، 38، 41؛ 24: 25).
و- الروح القدس المنتظر (24: 49)
قال يسوع: "أنا أرسل إليكم ما وعد به أبي". لم يسمّ الروح القدس، ولكن النصّ الإنجيلي يعنيه (رج أع 1: 4 ي). فعطية الروح ستكمّل عمل المسيح قبل أن يتشتت الرسل. وسيتوسّع إنجيل يوحنا (القريب من إنجيل لوقا) في هذا الموضوع في "الخطبة بعد العشاء السّري".
وعد الله الآب بالروح. وسوف نرى بطرس يستعين بنصّ من يوئيل ليفسّر حدث العنصرة (أع 2: 16 ي). ويمكننا أن نقول أيضاً إن الروح يأتي من الآب (يو 14: 16، 26). ولكن يمكننا أيضاً أن نقول إن يسوع هو الذي أرسله، بقدر ما وجب على موت يسوع وتمجيده أن يسبقا هذه العطيّة (رج يو 16: 7). وبقدر ما لا يدلّ حضور الروح إلا على حضور يسوع الممجّد نفسه (رج 1 كور 15: 45؛ 2 كور 3: 17- 18).
سيقول لنا يوحنا إن الروح يفهمنا الحقيقة كلها (يو 14: 26؛ 16: 13). أمّا في نظر لوقا، فالروح قوّة (أع 1: 8). "قوّة من العلاء". ليست قوّة طبيعية وهذا ما يعلن مسبقاً المشاريع الرسولية الكبيرة التي سيرويها سفر الاعمال.
ز- صعد المسيح إلى السماء وهو يبارك أخصّاءه (24: 50- 51)
ذكّرتنا الآيات السابقة، بشكل تعليم وُضع على شفتي يسوع، معنى أحداث الآلام والقيامة ودعوتها العميقة، كما أشارت إلى عطيّة الروح التي صارت ممكنة بفضل تمجيد يسوع. ولكن، أن يكون يسوع قد تمجّد، فهذا ما شهد له خبر الظهور الذي يبدأ في آ 36: "وقف هو نفسه في وسطهم". وهذا ما تردّده الآيات الأخيرة.
"إنفصل عنهم ورُفع إلى السماء": يُبرز لوقا هنا وجهة أخرى من اختبار الرسل. فالطابع الفريد لظهورات القائم من الموت، جعلهم يفكّرون بظروف حياة يسوع الجديدة، كما جعلهم يفكّرون بالاختفاء النهائي لهذا الحضور السريّ. ففهموا أن هناك فصلاً بين هذا العالم الذي يعيشون فيه والعالم الالهي الذي دخل يسوع فيه، وهو السماء التي منها ستنحدر "قوّة من العلاء". ذكر لوقا الصعود بصورة سريعة، وسيتوسّع فيه في أع محتفظاً ببعض التفاصيل. وسيأتي ملاك فيفسّر المشهد، وتصبح "نواحي بيت عينا" "جبل الزيتون" (أع 1: 12) الذي منه رجع التلاميذ إلى أورشليم.
يبدو خبر الصعود في أع كمقدّمة لمشهد العنصرة المهيب، كمدخل إلى تاريخ الكنيسة التي ستعيش بعد الآن في "غياب" يسوع. منذ الصعود تتوجّه أنظارنا إلى الكنيسة. ونحن نجد في نهاية لوقا علامة عن انتشار الكنيسة حين يأخذ يسوع رسله إلى خارج أورشليم. ولكننا نجد خصوصاً هذه النظرة المسمّرة على يسوع الذي هو ذلك الكاهن الاعظم الذي يرفع يديه فيبارك شعبه الساجد له (سي 50: 20 ي).
ح- وبارك الرسل الله ومجّدوه (24: 52- 53)
كان الرسل في البدء قد شكّوا وارتابوا. لا يجهل لوقا هذا التقليد، ولكنّه لا يشدّد عليه، بل هو يريدنا أن ننساه. فموقف الرسل الأخير هو موقف السجود الذي يعبرّ عن إيمان نهائي بيسوع، إيمان اكيد من نفسه، إيمان يولّد الفرح والمديح والمباركة. 
وهكذا ينتهي خبر لوقا بطريقة منفتحة وفي إطار عبادي مع ذكر واضح للهيكل وليسوع رئيس كهنته الحقيقيّ. هذا هو تفسير الصعود في إطار من التمجيد. لقد انتقل التأمّل عند الإنجيلي من الخبر إلى المديح، ومن التاريخ إلى الليتورجيا. بدأ الإنجيل في جوّ الفرح (1: 14، 28؛ 2: 10). وها هو يحدّثنا في النهاية عن الرسل الراجعين "بفرح عظيم". بدأ بنشيد المباركة والتعظيم على لسان زكريا ومريم العذراء وسمعان الشيخ (1: 64- 68؛ 2: 28؛ رج 2: 3، 10)، وأرانا في النهاية الرسل "يباركون الله". بدأ في الهيكل مع زكريا (1: 5 ي) وانتهى على مشهد الرسل الذين "كانوا بلا انقطاع في الهيكل".
خاتمة
تأمّلٌ بين الفصح والعنصرة: هذا هو عنوان دراستنا. إنطلق لوقا من التقاليد القديمة فرجع بالفكر إلى زمن الفصح ليقدّم لنا تأمّلاً لاهوتياً. قَبِل بالإيمان تمجيد يسوع وفكّرَ فيه، فاكتشف مدلوله العميق. ونحن سنعود إلى شهادة الذين رأوا. ونبقى مقتنعين بأن إيماننا الفصحى لا يبقى حيّاً إن لم يتغَذَّ بالأسفار المقدّسة، إن لم يرجع إلى التاريخ المقدّس كلِّه. ونعلن عن رغبتنا في عطيّة الروح القدس فنعيش في الفرح، ونبارك الله من أجل رحمته وقدرته.
الفصل الحادي والأربعون
قيامة. المسيح في إنجيل لوقا

1- بنية الفصل
إن رواية ظهورات يسوع القائم من الموت في لو 24: 13- 48، يحيط بها خبر اكتشاف القبر الفارغ (24: 1- 12) وخبر الصعود (24: 50- 53). هدفها هدفان كما يقول لوقا نفسه في بداية أع (1: 3- 8): تقديم البراهين على القيامة وبالتالي تأسيس إيمان التلاميذ (24: 36- 43). هذا من جهة، ومن جهة ثانية، تسليم الرسل مهمة الشهادة، وبالتالي حمل الإنجيل إلى جميع الأمم (آ 44- 48).
نستطيع أن نقسم لو 24: 13- 48 على المستوى الأدبي، إلى مقطعين كبيرين: ظهور لتلميذَيْ عمّاوس (آ 13- 35). ظهور للرسل ولرفاقهم المجتمعين معهم في العلية (آ 36- 48). وتنطبع بنية المجموعة (24: 1- 48) بوجود ثلاثة مواضيع تعود في كل من الأخبار التي تؤلف هذا الفصل. فبالنسبة إلى اكتشاف القبر الفارغ، بالنسبة إلى ظهور يسوع على تلميذيْ عمّاوس أو على الأحد عشر، نجد في كل مرة ما يلي: علامة، ظهور، تفسير الكتب المقدسة. مع فارق بسيط بالنسبة إلى القبر: تراءى ملاكان عند القبر، ولم يتراءَ يسوع نفسه.
أما فيما يخصّ بنية هذا الفصل، فنلاحظ عناصر متوازنة. من جهة، ذهب بطرس إلى القبر، ولكن مسيرته لم تصل به إلى فعل إيمان، وخاب أمل الرسل (آ 12). ومن جهة ثانية، رأى بطرس يسوع فآمن الجميع تجاه شهادته (آ 34).
نية هذا الفصل ظاهرة، ومع ذلك فهي تطرح عدداً من المسائل الأدبية لا بدّ من الاجابة عليها إذا أردنا أن نكتشف التعليم الذي أراد لوقا أن ينقله إلينا.
2- المسائل الأدبية
نتوقف هنا عند قسمين: تماسك النصوص، الفن الأدبي.
أ- تماسك النصوص
حين نقرأ النصّ قراءة أولى ينتابنا شعور بالطراوة والراحة. ولكن حين نتمعّن فيه، نحسّ بالصعوبة، لا سيّما حين نقابل خبر لوقا مع الملخَّص القصير الذي قدّمه لنا مر 16: 1- 20. ماذا كانت ردّة فعل الاحد عشر، حين رجع التلميذن من عمّاوس إلى أورشليم؟ حسب مر 16: 13: "لم يصدّقوهما هما أيضاً". وقد سبق لهم فلم يصدّقوا شهادة النسوة. حين سمعوا مريم المجدلية تقول لهم إن يسوع حي وإنها رأته، لم يصدّقوها (آ 10؛ رج لو 24: 11: "كان هذا الكلام عندهم بمنزلة الهذيان، ولم يصدّقوهنّ").
كنا ننتظر ذات ردّة الفعل في خبر لوقا. ولكن يبدو وكأن التلميذين لم يكن لهما الوقت الكافي لكي يدليا بشهادتهما. فالأحد عشر ورفاقهم يؤمنون (منذ الآن) بالقيامة ويعلنون إيمانهم (24: 33: قام الرب حقاً وظهر لسمعان). ومع ذلك، حين يظهر لهم يسوع بعد ذلك الوقت بلحظات، لم يريدوا أن يصدّقوا. حينئذٍ يوبّخهم يسوع توبيخاً قاسياً (آ 26- 38). يبدو أننا لا نجد تماسكاً ظاهرياً على مستوى النصوص. 
ولكن نتساءل: أما لاحظ مر عدم التماسك هذا؟ وإذ أراد أن يتجنّبه، أحلّ محل فعل إيمان التلاميذ المجتمعين في العلِّية، حاشية تتناسق مع سياق الخبر. كان لوقا قد كتب: "هذه هي الحقيقة! الرب قد قام وظهر لسمعان". أما مرقس فكتب: "لم يصدّقوهما (تلميذَي عمّاوس) هما أيضاً". ولكن كيف نفهم حينئذٍ خيار لوقا، وأية قيمة تاريخية ننسبها إليه؟ ونزيد أيضاً "تعارضه" مع نفسه فيما يتعلّق بكرونولوجيا الأحداث.
نعرف حسب أع، أن الصعود حصل بعد القيامة بأربعين يوماً (أع 1: 13. وحسب الإنجيل الثالث، تمّ الصعود في مساء يوم الفصح والقيامة. نقرأ في لو 24: "في اليوم الأول من الاسبوع" (آ 1، جئن مع الفجر إلى القبر)... "وفي ذلك اليوم عينه" (آ 13، كان اثنان منهم)... "وقاما على الفور" (آ 33، في تلك الساعة، في ذلك الوقت)... "وفيما هم يتحدّثون" (آ 36، وقف هو نفسه)... "ثمّ قال لهم" (آ 41: هل عندكم طعام)... "ثمّ خرج بهم نحو بيت عنيا"... "ورُفع إلى السماء" (آ 50- 51). حين نقرأ كل هذه الرواية نحسّ تارة أننا أمام كتاب ليتورجي، وطوراً أمام نصّ موجز ومجرّد من كل الصور. ونعود إلى التفاصيل:
* مسافران يسيران في الطريق. يعودان إلى بيتهما. إنضمّ إليهما مسافر ثالث، دخل في الحديث معهما، سألهما. "وقفا واجمين، كئيبين" (آ 17). كيف احتفظ التقليد خلال سنوات عديدة بتفاصيل يمكن أن نهملها؟ المهمّ أن "الراوي" قد شعر بالدهشة التي سبّبها سؤال يسوع، بحيث توقّفا عن السير، لا سيّما أنهما لم يكونا مندفعين فيه. ظنّ البعض أننا أمام برهان يدلّ على أن لوقا سمع الخبر من أحد المسافرين (ربما كليوبا). ولكن أما يوجد تفسير آخر يدلّ على أن لوقا انطلق من التقليد وروى خبره بطريقة بارعة؟ فالمهمّ ليس التفاصيل، بل التعليم اللاهوتي الذي سوف نستخلصه. 
* ورُوي الوصول إلى عمّاوس بطريقة حيّة. "ولما اقتربوا من القرية التي كانا يقصدانها، تظاهر بأنه قاصد إلى مكان أبعد" (آ 28). يرى لوقا أن يسوع منذ لقائه بهما تظاهر بأنه يجهل موضوع حديث هذين المسافرين (آ 17). لن نتساءل كما فعل البعض عن "صدق" يسوع حين تظاهر بأنه يجهل: نحن أمام جمالات أدبية توافق نواميس الفنّ التاريخي الذي عرفه لوقا في أيامه. أعاد الإنجيلي الثالث خبره بفن كبير منطلقاً من معطيات حملها إليه التقليد.
* وكلمات المسافرين اللذين توجّها إلى يسوع: "إبقَ معنا. فإن المساء أقبل والنهار قد مال" (آ 29). لن نأخذ هذا الكلام بشكل حرفي وكأن شاهداً سجّله! لقد استعمل لوقا عبارة تهذيب عرفها الشرقي واستعملها مع ضيوفه ليدعوهم إلى البقاء عنده. هكذا لا نستطيع أن نستخلص نتائج حول ساعة وصول المسافرين إلى عمّاوس، أو حوله المسافة التي تفصل هذه القرية عن أورشليم. كل ما نستطيع القول هو أن لوقا يظهر فنَّه البارع في تقديم الرواية.
* ونجد صعوبة أخرى في آ 30 التي تبدو بسيطة للوهلة الأولى. "ولما اتكأ معهما، أخذ الخبز وبارك وكسر وناولهما" (آ 30). إننا نجد العبارة ذاتها مع اختلافات طفيفة في أخبار تكثير الارغفة والعشاء السرّي (مت 14: 19؛ 15: 36؛ مر 6: 41؛ لو 9: 16؛ يو 6: 11. ثم: مت 26: 26؛ مر 14: 22؛ لو 22: 19؛ رج 1 كور 11: 24). لقد أراد الإنجيليون المقابلة بين العشاء الأخير وتكثير الارغفة ليفهمونا أن معجزة تكثير الخبز ترمز إلى الافخارستيا، وهذا ما أراده لوقا حين قارب بين 24: 30 والنصوص الموازية عن تكثير الارغفة والعشاء الأخير. إذن، لقد أراد لوقا أن يقيم رباطاً بين الأحداث الثلاثة: تكثير الارغفة، العشاء الأخير، العشاء مع تلميذَي عمّاوس. وهنا يُطرح سؤال لا نستطيع التهرّب منه: هل تناول يسوع في عمّاوس طعاماً عادياً، أم احتفل بالافخارستيا؟ إذا أخذنا بالمعنى الافخارستي، عدنا إلى نصوص أع التي تتحدّث عن "كسر الخبز". ما يميّز المسيحيين الأولين هو أنهم كانوا "مواظبين على كسر الخبز" (أع 2: 42). إذن، لسنا أمام طعام عادي. وإن 1 كور تدلّ على أهمية المشاركة في الخبز الافخارستي كسرّ الوحدة بين المسيحيّين (10: 16- 17).
ب- الفن الأدبي
لم يكتفِ لوق بنسخ وثائق وصلت إليه أو تسجيل شهادة، بل قدّم لنا أيضاً تفسيراً لاهوتياً للوقائع التى أوردها. لا شك في أنه لم يعتنِ بالتمييز بين الواقع وتفسيره. هذا عمل شراح الكتاب المقدّس.
سبق لنا وأشرنا إلى فنّ لوق كراوٍ بارع. ورأينا أيضاً أن إعلان التلاميذ المجتمعين في العليّة ساعة رجوع كليوبا ورفيقه، لا يتوافق كل الموافقة مع السياق. ثم إن لقب "ربّ" لم يحمل المعنى الذي سيكون فيما بعد في الكنيسة. إنه يدلّ على لاهوت المسيح. والظرف "حقاً" يبرز هذا التأكيد كما في إعلان قائد المئة (23: 47: حقاً، كان هذا الرجل باراً). كل هذا يجعلنا نظن أننا أمام عبارة فعل إيمان عرفتها الكنيسة ساعة دوّن لوقا إنجيله.
هذا التفسير يسنده نصّ رئيسي في رسائل بولس. عاد الرسول إلى تقليد الكنيسة وإلى سلسلة من الشهادات عن قيامة المسيح كمعطية أساسية للايمان (1 كور 15: 1- 5). أشار بولس، على مثال لوقا، إلى ظهور يسوع لبطرس (آ 5. لا نجد مثل هذا التلميح في أي نصّ آخر). وذكر "اليوم الثالث". وحدّد أنّ ما حدث قد حدث بحسب الكتب المقدّسة. من هنا الاهمية التي اخذها هذ التفصيل الكرونولوجي (لو 24: 7، 21، 46؛ 1 كور 15: 4). وشدّد بولس، شأنه شأن لوقا، على أن موت يسوع أتمّ الكتب (24: 7، 26- 27، 46؛ 1 كور 15: 3- 4).
قد يكون بولس ينبوع لوقا. وقد يكونا كلاهما قد استقيا من ينبوع واحد. فكلاهما لا يملكان معلومة أخرى عن ظهور المسيح لبطرس، إلا عبارة اعتراف إيماني: لم يجد لها لوقا إطاراً أفضل، فجعلها في إطار عودة تلميذَي عمّاوس. أما بولس فأشار إلى الظهور لبطرس قبل الظهور للأحد عشر (1 كور 15: 5). إن مضمون التأكيد الذي يورده لوقا لا يخسر شيئاً من قيمته التاريخية. ولكنه يبدو بشكل شهادة وتعبير عن إيمان أوضح من إيمان يوم القيامة. فالتشديد على "اليوم الثالث" هو أيضاً ثمرة تأمّل طويل على شفاه المسافرين (آ 19- 20)، وقد استلهم الكرازة الرسولية التي توردها خطب أع 21: 22- 23؛ 10: 38- 39). وما يلفت النظر بشكل خاص هو موضوع إلقاء مسؤولية موت المسيح على اليهود وحدهم و"تبرئة" بيلاطس ويهوذا (يوضاس). ق لو 24: 20 مع أع 3: 13- 14؛ 4: 10؛ 5: 30؛ 7: 52؛ 13: 27- 29. والحديث عن موسى يعود بنا أيضاً إلى الكرازة الرسولية: نبيّ بالقول والعمل (24: 19؛ ق أع 7: 22؛ رج 3: 23؛ 7: 37 حيث يقابل يسوع مع موسى). إذن، نقدر أن نرى في خطبة تلميذَي عمّاوس بناء لوقاوياً نسج بها معطيات ينبوعه القليلة بواسطة معطيات أوسع جاءته من الكرازة الرسولية. هذا ما يوافق نواميس الفن التاريخي في عصره.
وهل نظن أن يسوع أعطى في أحد القيامة ثلاثة دروس كتابية؟ درس أعطاه الملاكان للنسوة (آ 6- 7). درس أول أعطاه يسوع للتلميذين على طريق عمّاوس (آ 27). درس ثانٍ أعطاه يسوع أيضاً للاحد عشر ورفاقهم المجتمعين في العفية آ 44- 47). عاد لوقا مراراً إلى الموضوع نفسه، واستعمل لفظة "جميع" (كل)، وهذا ما يدعونا إلى تفسير خبره بشكل واسع: إنه يورد في خطبة واضحة ما كان في البداية متضمّناً في الوقائع.
كل هذه الملاحظات تساعدنا على التمييز تميّزاً أفضل بين النواة التاريخية للوقائع التي أوردها الإنجيلي، وعمله الادبي واللاهوتي، ووعي الكنيسة خلال عشرات من السنين لحقائق إيمانية دلّت عليها الوقائع.
3- النواة التاريخية
أ- واقع القيامة
إن الواقع العظيم الذي هو في قلب خبر لو 24 هو المعلن في آ 6: "قد قام". وكل الباقي يتوخّى أن يقدّم لنا شهادات من أجل هذا الواقع، ويستخلص من هذه الشهادات النتائج.
إن الشهادات المؤدَّاة لقيامة المسيح، تتأسّس بشكل رئيسي على الظهورات. هناك أمور جانبية وتفصيلية. أما الواقع المركزي فمسند اسناداً متيناً. هناك ظهور الملاكين للنسوة وشهادتهما التي لا تردّ. وظهور يسوع لتلميذَي عمّاوس أمر لا شكّ فيه. لم يعرفا يسوع حالاً، ولكنهما احتاجا إلى علامة فأعطيت لهما. سنعود إلى هذه العلامة فيما بعد. ولكننا نلاحظ منذ الآن أن حضور يسوع وعلامة اعطاها عن نفسه كانا ضروريين ليقودا هذين التلميذين من عمق يأسهما إلى "التعرّف" إلى المسيح الحيّ. ولكن لوقا يعرف أن هذا الظهور ليس ببرهان. فالظهور الذي يقدّمه كدلالة متينة هو الظهور قي العقية.
هذا الظهور تمّ في مساء الفصح حسب الاشارات الكرونولوجية في لو 13: 36، وحسب ما يقوله أيضاً يو 20: 19: "في مساء ذلك اليوم عينه، في اليوم الأول من الاسبوع". وزاد يوحنا تفصيلاً يساعدنا على فهم السبب الذي لأجله حسبَ التلاميذُ يسوعَ أولاً بأنه خيال. قال: "كانت الابواب مغلقة خوفاً من اليهود، حيث كان التلاميذ". لا شكّ في أنهم يخافون أعداء يسوع. بعد أن قتلوا يسوع، قد يحاولون أن يفنوا تلاميذه. ويسوع كان قد نبّههم إلى ذلك. "إذا كانوا اضطهدوني، فسوف يضطهدونكم أيضاً" (يو 15: 20). إن الابواب المغلقة تدلّ على أن جسد يسوع القائم من الموت، يفلت من نواميس العالم المادي. فالمسيح دخل بقيامته إلى عالم جديد. وهذا التحوّل يتيح لنا أن نفهم لماذا لما يعرفه تلميذا عمّاوس ولا الرسل ورفاقهم في العلّية.
ثمّ، يقول لوقا، إنهم خافوا، كما خافوا حين جاء إليهم يسوع ماشياً على الماء (مر 6: 47- 50). ليس من قبيل الصدف أن يتصرفوا بالشكل عينه في كلا الظرفين: فالسير على المياه لم يكن فقط علامة عن قدرة الله، بل صورة مسبقة عن حالة يسوع القائم من الموت.
لا ندهش أمام حيرة التلاميذ وقلقهم، أن يظنوا نفوسهم أمام خيال. فيسوع هذا النبيّ العظيم، يمكنه أن يظهر مثل صموئيل في عين دور (1 صم 28: 8 ي). لهذا، بدأ يسوع فأعطى علامات تبرهن أنه هو حقاً: "أنظروا يديّ ورجليّ. أنا هو" (آ 39). ويثبت دقّة هذا التفصيل ما يقول الإنجيل الرابع الذي يذكر جراحات يسوع لا يديه وجنبه (يو 20: 20- 29). 
لا يكفي أن يتعرّف التلاميذ في الظهور إلى الذي كان ميتاً. عليهم أن يتأكدوا أنهم ليسوا أمام خيال، بل أمام كائن قد قام حقاً. من هنا جاء التشديد على الاتصال بجسد يسوع: "جسّوني وانظروا، فإن الروح لا لحم له ولا عظم كما ترون لي" (آ 39). لا يجهل يوحنا هذه الاهتمامات، ولكنه يذكرها في رسالته الأولى (1: 1): "هذا الذي هو من البدء، هذا الذي سمعناه، هذا الذي رأيناه يعيوننا، هذا الذي شاهدناه، هذا الذي لمسته أيدينا من كلمة الحياة".
ولم يكتفِ يسوع بأن يجعل تلاميذه اللامؤمنين يلمسون جسده: إذ أراد أن يعطيهم برهاناً عن واقع قيامته، طلب منهم طعاماً. "فقدّموا له قطعة من السمك المشوي، فأخذ وأكل أمامهم" (آ 41- 43). وقد أكّد على صدق هذه الطعام أع 1: 4 ويو 21: 9- 13، إلا إذا كنا أمام طعام آخر أخذه يسوع مع تلاميذه بعد قيامته. إن تكرار هذا الأمر ليلفت النظر حقاً. 
لا نستطيع هنا أن نستعيد الابولوجيا (عمل الدفاع) المسيحي. فهذه الملاحظات تكفي لكي تبرز البُعد التاريخي للوقا عن واقع القيامة.
ب- متى كانت الظهورات
لا نستطيع أن نقبل بالكرونولوجيا التي يقدّمها لوقا في ف 24. فهي تتعارض مع أع 1: 3، وتعيد إلى مدى يوم واحد أحداثاً لم تتمّ في هذه الفترة القصيرة من الوقت. ولهذا، يتفّق الشّراح على القول بأن لوقا "كثّف" في إطار يوم واحد كلَّ الأخبار المتعلّقة بالقيامة.
فالقارئ المعتاد على الإنجيل الثالث، قد عرف حرّية لوقا في التعامل مع الأحداث. فمريم التي جاءت إلى اليصابات لكي تساعدها ساعة ولادة ابنها، قد عادت قبل الولادة (1: 56- 57). في الواقع، هي لم تعد إلا بعد الولادة. وهناك خبران مكثّفان نجدهما في رسالة يسوع في الناصرة: ثلاثة أحداث قد جُعلت في حدث واحد (4: 16- 30). وهناك صعود يسوع إلى أورشليم (9: 51- 19: 27) الذي يتضمّن عدداً كبيراً من التعاليم توزّعت في الواقع على كل حياة يسوع العلنية.
ج- عشاء عمّاوس
هنا نعود إلى عشاء عمّاوس الذي احتفل به المسيح مع تلميذين في مساء ذلك الفصح. قال بعضهم: هو عشاء عادي. فوجود يسوع يكفي، فلماذا الحاجة إلى السّر. ولكن يبقى أن "كسر الخبز" الذي قام به يسوع يذكّرنا بالعشاء السريّ. لسنا هنا على مستوى "التاريخ" و "التقرير الصحافي" لما حدث. فلوقا يقرأ لقاء الربّ مع تلميذَيه من خلال ليتورجيا افخارستية. هذه هي الطريقة الحالية لكي نلتقي بها الربّ اليوم: نسمع كلامه نشارك في عشائه. هكذا اعتاد المسيحيون الأولون أن يفعلوا (أع 2: 42).
د- مهمّة الرسل
إن مهمّة الشهود التي سلّمها يسوع إلى رسله قبل الصعود، تنتمي إلى النواة التاريخية في المقطع (آ 48). إنها هدف الخبر كله. والصعود هو الخاتمة قبل أن يكون الذروة (آ 50- 53). إذا كان القائم من الموت قد أعطى لرسله براهين ملموسة عن قيامته، فلأن هذه البراهين كانت ضرورية لتتمّة هذه المهمّة.
وقدّم سائر الإنجيليين تأكيدات لافتة أيضاً. فحسب متّى، يسوع أرسل رسله ليبشّروا كل الأمم خلال ظهوره على "جبل" في الجليل (28: 18- 20). وحسب يوحنا، منذ ليلة الفصح أعطى يسوع تلاميذه الروح القدس وسلّم إليهم رسالتهم (20: 21- 23). وخلال ظهوره في الجيل، سلّم إلى بطرس مهمة رعاية الخراف (21: 15- 17). إن هذا التلاقي في العمق، رغم الاختلاف على مستوى عرض الأمور، يدلّ على "تاريخية" الواقع الأساسي الذي هو القيامة.
4- التعاليم اللاهوتية
أ- الإيمان
أعلن بولس مع كلّ الكرازة الرسولية أن قيامة المسيح هي الموضوع المركزي في الإيمان المسيحي. والارتداد إلى المسيح يعني أن نتوجّه إلى "النور"، إلى "الحي" (24: 5)، إلى القائم من بين الاموات. فعلى كل واحد منا أن يسير مسيرة التلاميذ يوم الفصح لكي يكتشف المسيح الحيّ اليوم في كنيسته.
أولاً: قلّة الإيمان
"في صباح اليوم الأول"، لم يؤمنوا بيسوع. وهذا حقيقي إلى درجة أنهم لم يعرفوه حين تراءى (رؤي، جعلهم يرونه) لهم. "أمسكت أعينهما عن معرفته" (آ 16): وهذه الملاحظة تجري على الذين كانوا في العلّية كما على التلميذين الذاهبين إلى عمّاوس. لم يكن هذا نتيجة عمل خارق من قبل الله الذي اغمض عيونهم. بل نقصٌ في إيمانهم، قلة إيمانهم. فقسمات الوجه لم تَعُد تكفي لأن نتعرّف إلى شخص المسيح رغم قرب التلاميذ منه خلال حياته العلنية: هذا ما حدث للرسل، لسائر التلاميذ، لمريم المجدلية (24: 16؛ 24: 37- 38؛ يو 20: 14). فمسافرا عمّاوس ظلا يعتبران يسوع نبياً، نبياً عظيماً، شبيهاً بموسى (19). هو "نبيّ"، ولكنه ليس النبيّ المنتظر. كان اليهود قد قالوا: "مات ابراهيم والانبياء، أيضاً" (يو 8: 52). ويسوع كان واحداً منهم. إنه يشبه زكريا الذي قتل بين المذبح والهيكل (لو 11: 50- 51). هو "يسوع الناصري" الذي قتله اليهود أيضاً (24: 19- 20). يا لخيبة الأمل! حين الخروج من مصر، دلّ موسى على أنه رجل "مقتدر في القول والعمل" بعد أن خلّص شعبه من العبودية. ويسوع بأعماله (معجزاته) وتعليمه المليء بالمواعيد لم يكن أقل منه. ولكننا انتظرنا أن يخفص إسرئيل بدوره (آ 21) من تسلّط الرومان. ولكن التلميذين جهلا رسالة يسوع الحقيقية (9: 31). فموته الذي به افتدى العالم، بدا لهما فشلاً ذريعاً. إن انتظار التلميذين لم يكن يختلف عن انتظار الشعب اليهودي (رج أع 1: 6). وأملهما بخلاص زمني وسياسي قد دُمّر بشكل نهائي.
كانا حزينين، واجمين، مكتئبين (آ 17). حين بكت مريم المجدلية عند القبر، كان سبب حزنها حبّها للمعلّم (يو 20: 11- 15). أما ينبوع حزن التلاميذ فهو يختلف، ولهذا يوبّخهما يسوع: "ما أبطأ قلوبكما عن الإيمان... لمَ هذا الاضطراب، ولمَ هذه الهواجث تنبعث من قلوبكم" (آ 25، 38)؟ ويسوع، خلال رسالته على الأرض، سبق ووبّخهم على قلة إيمانهم. مثلاً، ساعة العاصفة على البحيرة: "لماذا أنتم خائفون، يل قليلي الإيمان" (مت 8: 26)؟ إن الخطر الذي أحدق بهم، وظهور يسوع بقدرته، هما درس لا يجب أن ينسوه: فكما نام فيما مضى في القارب، ها قد نام الآن على الصليب بضمع ساعات. رقد في القبر (23: 46) ولكنه الآن قد "استيقظ" (24: 6).
فمنذ دفن المسيح، لم يعد التلاميذ يؤمنون. بل هم يرفضون أن يؤمنوا حين جاءت النسوة وحملن الخبر بأن القبر فارغ وأن ملاكين ظهرا لهنّ وقالا بأنه حيّ (آ 23). وحده بطرس (سيكون معه يوحنا في يو 20: 2 ي) تحرّك فركض إلى القبر ليتحقّق بنفسه من الخبر. لاحظ أن جسد يسوع ليس هنا. لم يبقَ إلا الأكفان. ولكن رغم ذلك، لم يقتنع بطرس. أجل، ليس القبر الفارغ في حدّ نفسه برهاناً عن القيامة. إنه علامة وحسب.
ثانياً: دور العلامات
ولكن العلامات ليست باطلة. فقد تلعب دوراً حاسماً في ولادة الإيمان. وقد تكون ضرورية لكي نتعرّف إلى يسوع بعد القيامة. ولكنها تكون واضحة أو غامضة، لأنها ترتبط باستعدادات الانسان الداخلية. فالخاطئة التائبة اكتفت بأن يناديها يسوع باسمها: "مريم" (يو 20: 16). واكتفى يوحنا برؤية القبر الفارغ (يو 20: 8) أو بالصيد العجيب (يو 21: 4- 7). وتلميذا عمّاوس عرفاه عند كسر الخبز. أجل، نحتفظ بالعلامة، ولا نشدّد على طبيعة العلامة المعطاة (24: 30- 35). فقد احتاج الرسل إلى علامات ساطعة: رؤية جراح يسوع، لمس جسده، السمك الذي كله أمامهم (20: 39- 43).
لهذا، لا يجب أن يكون ظهور يسوع ضرورياً. لهذا يوبّخ تلاميذه لأنهم لم يؤمنوا قبل ظهوراته. فهذه الظهورات لا تلغي ضرورة العلامات، بحيث تبدو العلامات أهمّ من الظهورات. "طوبى للذين لم يروني وآمنوا". هذا ما قاله يسوع لتوما (يو 20: 29). فقبل القيامة كانت العلامات الطريق الطبيعية للإيمان (يو 2: 23؛ 20: 30- 37). وهكذا يوضح الإنجيل الرابع ما تضمنه لو 24 على مستوى الإيمان.
انبثقت ضرورة العلامات من واقع يقوله إن "التعرّف" إلى يسوع ليس تعرّفاً إلى رجل عادي. إنه فعل إيمان (آ 35- 41). نحن هنا أمام معرفة لا تتوقّف عند بشرية المسيح. هذا كان صحيحاً خلال حياته العلنية على الأرض. أما الآن فلم يعد كذلك بعد أن مرّ في الموت والقيامة. هذا ما وجب على المجدلية أن تفهمه حين ظهر لها: تمسّكت به. ولكنه أفهمها أن وضعه بعد القيامة لم يعد شبيهاً بوضعه قبل آلامه وموته.
ثالثاً: الكتب المقدسة
ما زال يسوع يوبّخ تلاميذه، كما سبق له ووبّخ اليهود لأنهم يطلبون الآيات، يحتاجون إلى العلامات. إذن، ما هو الينبوع الذي يجب أن يجري منه إيمانهم؟ هذا ما ردّده لوقا بشكل ظاهر: شهادة الكتب المقدسة هي كافية. فمنذ زمن بعيد، أعلن موسى والانبياء وصاحب المزامير (وسائر الكتب) كل ما تمّ "في هذه الأيام" (آ 18). ويسوع بنفسه شرحه لتلاميذه، ولكنهم لم يفهموا: "ما أقصر أبصاركما... ذلك ما قلت لكم إذ كنت معكم، إنه لا بدّ أن يتمّ جميع ماكُتب عني" (آ 25، 44؛ رج آ 6- 7). 
إن الفكرة القائلة بأن موسى قد شهد للمسيح، تنتمي إلى التقليد الإزائي، وهذا ما يدلّ عليه خبر التجلّي. أشار متّى ومرقس إلى أن موسى وإيليا ظهرا وأخذا يتحدّثان مع يسوع. أما لوقا فكان واضحاً: "أخذا يتحدّثان عن ذهابه (خروجه، عبوره إلى الآب في الموت) الذي سيتمّ في أورشليم". نحن هنا في تلميح واضح إلى سرّه الفصحي (9: 31؛ ق 24: 14- 20). وتفرّد لوقا فاحتفظ بكلمة ليسوع حيث أعطيت شهادة موسى والانبياء شهادة مقنعة مثل شهادة من يقوم من الموتى. قال ابراهيم للعازر: "عندهم موسى والانبياء، فليسمعوا لهم" (آ 1: 27- 31). وسيشدّد يوحنا الإنجيليّ أيضاً على شهادة موسى بالنسبة إلى يسوع. قال يسوع لليهود: "إن كنتم تصدّقون موسى، فصدقوني أنا أيضاً لانه كتب عني. ولكن أن كنتم لا تصدّقون كتاباته فكيف تصدّقون أقوالي" (يو 5: 46- 47؛ رج 2 كور 3: 15- 17)؟ ولكن لوقا وحده عاد إلى هذا الموضوع في خبر القيامة.
لم يكن موضوع شهادة موسى للمسيح خاصاً بلوقا. ونقول الشيء عينه عن تتمّة الكتب. عند مرقس لم يفهم الرسل أن على المسيح أن يتمّ النبوءات بموته وقيامته (مر 9: 10- 32؛ رج 4: 13؛ 6: 52؛ 7: 18؛ 8: 17- 21، 23؛ 10: 38). إن شهادة مرقس تتحدد في الحدث عينه. أما شهادة متّى فتستفيد بشكل أوسع من ثمار تأمّل الكنيسة بعد الفصح. لهذا نجد في مت سلسلة من نصوص العهد القديم وجد فيها المسيحيون الأولون انباءات عمّا تحقّق في يسوع. لهذا كانت الردّة التي تميّز مت: "وحصل هذا لتتمّ كلمة النبي".
لم تكن كتابات بولس إخبارية، شأنها شأن الأناجيل. ومع ذلك، غاص الرسول في أسفار العهد الجديد يبحث فيها لا عن انباءات بما حدث ليسوع، ولا عن صور ورموز (رج 1 كور 10: 1 ي)، بل يطلب فيها تعاليم تلقي ضوءاً لاهوتياً على سرّ المسيح. لهذا عاد إلى الأسفار الأولى في سفر التكوين (روم 5).
وأقام لوقا ويوحنا رباطاً جديداً بين الكتب المقدسة والقيامة. أكّد يوحنا أن الكتب لن تُفهم إلاّ بعد القيامة، ساعة يتمجّد يسوع ويرسل الروح القدس (يو 2: 22؛ 12: 16؛ 13: 8؛ 14: 26). يعلن يوحنا هذه الاضاءة، ولكنه لا يروي كيف تمّت، لأنها لم تتحقّق إلا بعد العنصرة وبشكل تدريجي. أما لوقا فقال خلال الظهورات إن يسوع "فسّر في كل الكتب ما يعنيه" (24: 27). لم يعطِ القائم من الموت فهم الكتب هذا في خطبة وحسب، بل في الحدث الفصحي الذي أزاح في لحظة واحدة الظلال عن استعداد امتدّ على أجيال. لم يتوخّ لوقا أن يورد إيراداً حرفياً كلمات الملاكين للنسوة، وكلمات يسوع لتلاميذه بعد القيامة، بل أن يفهمنا هذه الحقيقة الرئيسية وهي أن الكتب المقدسة لم تسلّم كل سّرها إلا بعد القيامة وعلى ضوء القيامة. فالنور بدأ يظهر يوم الفصح. وسيتابع المؤمنون عمل فهم الكتب على مدّ حياة الكنيسة.
لهذا، لا إفادة من التساؤل عن النصوص التي ذكرها يسوع لتلاميذه خلال ظهوراته. لقد اكتفى لوقا بإشارات عامة إلى الأجزاء الكبرى في التوراة (24: 44): الشريعة، موسى، الانبياء، المزامير. لا شكّ في أن لوقا فكّر في نصوص محدّدة سيذكرها في سفر الأعمال. مز 16: 8، 11 (أع 2: 24- 28؛ 13: 34- 37)؛ مز 2: 7؛ أش 55: 3 (أع 13: 32 34)؛ مز 118: 22 (أع 4: 11)؛ يوء 3: 1- 5 (أع 2: 16- 21)...
رابعاً: ظهور الربّ
كان باستطاعة الكتب المقدّسة أن تكفي كأساس غير متزعزع للإيمان بيسوع. إن إيمان التلاميذ قد ضعف. لهذا تراءى لهم يسوع "وفتح أذهانهم ليفهموا الكتب" (آ 45). "ما إن عرفاه حتى اختفى" (آ 31). "وانفصل عنهم" (آ 51). بعد اليوم، يجب أن يعيشوا في الإيمان. فيسوع ظهر لتلاميذه، لا ليعزّيهم، بل ليدعوهم إلى الإيمان. فالفرح الحسيّ بحضوره يدوم لحظة. بعد ذلك يختفي. قال المسافران إلى عمّاوس: "كان قلبنا يضطرم فينا حين كان يحدّثنا في الطريق ويشرح لنا الكتب" (آ 32؛ رج آ 41).
كل مرة تراءى المسيح في المجد، كان ترائيه عابراً، فدام الوقت الضروري لكي يتعرّف إليه الشهود. ففي التجليّ، ما إن أبصر الرسل الثلاثة موسى وإيليا بجانب يسوع، حتى سقطوا إلى الأرض بتأثير من مخافة دينيّة. وحين نهضوا، لم يشاهدوا أحداً إلا يسوع وحده وقد عاد إلى وجهه البشري الطبيعي (مت 17: 1- 8 وز). وعند القبر الفارغ، أرادت مريم أن تجلس عند قدمي يسوع كالتلميذ مع معلّمه. أرادت أن تتمسّك به. ولكنه منعها فوضع حداً لحضور عرفته في الماضي وأرسلها إلى التلاميذ تحمل بشرى القيامة (مت 28: 9- 10؛ يو 20: 17).
حين جلب الانفصال خسارة الإيمان، وُلد الحزن والقلق (آ 17، 38). أما الذي يحرّك الإيمان، فهو يخلي الانسان في الفرح (آ 52) والسلام (آ 36). حين دخل يسوع إلى العلّية قالت للرسل: "السلام لكم"، فأعطاهم السلام المسيحاني الذي وعدهم به قبل موته (يو 14: 27). لم يعطهم هذه "التحية" المعروفة في الشرق، بل سلاماً ناله بموته على الصليب، ومصالحة للبشرية مع الله في دمه (روم 5: 1، 10؛ 2 كور 5: 18- 19).
خامساً: بشارة يحملها الرسل
إن المسيح مات وقام من أجل جيمع البشر؛ فإلى جميع البشر يجب أن تصل البشارة لكي يخلصوا جميعاً. ولكن بعضاً قليلاً من الناس عرف واقع القيامة: النسوة، تلميذا عمّاوس. وهناك الرسل الذين اختيروا ليكونوا شهوداً (آ 48). قال بطرس في بيت كورنيليوس: "نحن الذين أكلنا وشربنا معه بعد قيامته من بين الأموات" (أع 10: 41). لهذا، تمادى لوقا فروى بالتفصيل البراهين التي أعطاها يسوع عن قيامته. فعلى شهادتهم يرتكز إيمان الأجيال المقبلة.
في الأخبار المتعلّقة بالقيامة ميّز لوقا بين ما يعني الرسل وما يعني سائر التلاميذ. من الواضح أن تلميذَي عمّاوس ليسا من عداد الأحد عشر (آ 33). كان واحد منهما اسمه كليوبا. أما الثاني فوجوده هنا من أجل الشهادة. ولكن شهادتهما لم تقنع الأحد عشر ورفاقهم، كما لم تقنعهم أيضاً شهادة النسوة (آ 11). فإيماننا يستند بالدرجة الأولى إلى إيمان الرسل والأنبياء (أف 2: 20).
وبين الرسل كان لبطرس مكانة فريدة. احتفظ لنا لوقا بقول للمسيح يتنبّأ على الدور الذي يلعبه في دراما الآلام. "سمعان، سمعان. إن الشيطان طلب أن يغربلكم كالحنطة، ولكني صلّيت من أجلك لئلا يسقط إيمانك. ومتى عدتَ فثبّت أخوتك" (22: 31- 22). وإذ أراد لوقا أن يبيّن لنا أن هذه النبوءة قد تمت، تحدّث عن ظهور المسيح لبطرس قبل ظهوره في العلِّية. ثم أورد نصاً بدا فيه إيمان بطرس ينبوع إيمان الآخرين، ولو على حساب تماسك الخبر في الظاهر. "في الحقيقة، قام الرب وتراءى لسمعان" (آ 34). إن فعل الإيمان هذا الذي نقله التقليد الليتورجي كقطعة مستقلّة، قد أقحمه لوقا في قلب خبره فرنّ في آذاننا كشهادة الكنيسة المجتمعة وصرختها الموجّهة إلى يسوع.
إن شموليّة الإنجيل هو موضوع يبرزه لوقا في مؤلّفه (لو+ أع). يظهر في نشيد سمعان ساعة استقبل الطفل الالهي: "رأت عيناي خلاصك الذي أعددته لجميع الشعوب، نوراً يضيء في الأمم" (2: 20- 32؛ رج أش 42: 1- 6، 49: 6). ونجد صدى لهذه الفاتحة "النبويّة" خطبة يسوع الأخيرة بشكل تضمين واحتواء: "وأن يُكرز باسمه بالتوبة لمغفرة الخطايا، في جميع الأمم، ابتداءً من أورشليم" (آ 47). عرف متّى ومرقس هذا القول الرئيسي ليسوع، فأورداه في الخطبة عن دمار الهيكل (مت 24: 14؛ مر 13: 10). أخذ لوقا هذا القول من موقعه الطبيعي الذلك نجد فجوة بين 21: 13 و21: 14)، وجعله فيما بعد لكي يُبرز أهمبه القيامة في إعلان الإنجيل (رج أع 1: 22؛ 2: 33؛ 3: 15؛ 4: 33؛ 5: 32...).
غير أننا نتساءل عن النبوءة التي فيها اكتشف لوقا أن الكرازة بالإنجيل تبدأ في أورشليم. هنا نتذكر دور أورشليم التي هي الموضع الذي فيه تتركّز دعوة شعب الله (أش 2: 2- 3؛ 19: 16- 26؛ مز 2: 87..). إن أورشليم تُجمل في ذاتها العالم اليهودي. كما أن رومة تُجمل في ذاتها العالم الوثني. ولهذا ينتهي أع حين تصل كلمة الله مع بولس في رومة. إنطلقت من أورشليم ووصلت إلى أقاصي الأرض، إلى رومة.
وهكذا نجد أن لوقا جعل على شفتَي المسيح القائم من الموت (أو الملائكة) تقاليد أعطاها يسوع قبل قيامته ووضّحتها الفقاهة الرسولية. فالرسل استعادوا الفقاهة التي علّمها المعلّم نفسه وتوسّعوا فيها. وهكذا بيدو التقليد الذي حمله الإنجيل الثالث متيناً جداً لأنه يعكس تعليم الرسل.
ب- المحبة والمشاركة
أولاً: المحبة
إن خبر تلميذَي عمّاوس، شأنه شأن خبر المجدلية، لا يتوخّى فقط أن ينقل إلينا شهادة، بل أن يحرّك قلوبنا وعواطفنا. هذا ما يفسّر وجود التفاصيل التفسيرية. ففي رأي يوحنا، اسم "مريم" كما تلفظ به يسوع هو علامة، علامة حبّ شخصي يصل إلينا، كما أحبّ الراعي خرافه (يو 10: 3: يناديها بأسمائها). وفي رأي لوقا، إن قلب التلميذين اللذين أبطأا في مسيرة الإيمان (آ 25)، احتاج قلبهما إلى بعض النار (آ 32). إنه قلب كل واحد منا. فالمؤمن لا يذهب إلى المسيح فقط بعقله، بل بقلبه وكل كيانه.
ثانياً: المشاركة
إن العشاء مع القائم من الموت لعب دوراً هاماً في فكر الجماعة الأولى. فحسب أع 10: 41، شدّد لوقا على أن يسوع أكل مع تلاميذه بعد القيامة، فكان هذا الطعام كفالة لسلطة الرسل. وحدثت الظهورات خلال العشاء، فدلّت على ارتباطها بالعشاء السري. فالمسيحيون يجتمعون من أجل الافخارستيا في جوّ من الفرح مؤسّس على يقين القيامة، ووحدة المسيح مع أخصّائه الآن، ووحدة المدعوين بعضهم مع بعض.
في هذا العشاء، مع الرب القائم من الموت، تمّت النبوءة التي قالها يسوع: "إشتهيت شهوة بأن آكل هذا الفصح معكم قبل أن أتألمّ. فاني أقول لكم: لن آكله قبل أن يتمّ في ملكوت الله" (22: 15- 16). وتمّت نبوءة أخرى أوردها لوقا بعد خبر تأسيس الافخارستيا وإعلان خيانة يهوذا: "أعدّ لكم الملكوت كما أعدّه لي أبي فتأكلون وتشربون إلى ما مائدتي في ملكوتي وتجلسون على عروش لتدينوا أسباط إسرائيل الاثني عشر" (22: 29- 30). 
وحين كان يجتمع التلاميذ بعد القيامة للاحتفال بالافخارستيا، كانوا يتذكّرون ولا شكّ العشاء الأخير وغداءات يسوع القائم من الموت مع تلاميذه. كما كانوا يتذكّرون مواعيد يسوع حول الوليمة المسيحانية (12: 35- 37؛ 14: 15- 24؛ رج مت 22: 2- 14؛ 25: 1-13).
إن الشعور بالفرح والمشاركة الأخوية حيث كانوا يحتفلون بالليتورجيا الافخارستية، وحيث وعت الكنيسة مدلول العشاء السري وغداءاتها مع يسوع. كل هذا أثر على تدوين الأخبار المتعلّقة بالقيامة. وهذا ما يفهمنا لماذا كتب لوقا خبر تلميذَي عمّاوس في إطار الاحتفال بالافخارستيا: فبعد المشاركة في خبز الكلمة، كانت مشاركة في جسد المسيح ودمه.
خاتمة
حين نقابل لوقا مع سائر كتّاب العهد الجديد، نرى أنه أكثرهم إطّلاعاً على التقاليد الفصحية التي عرفت في النصف الثاني من القرن الأول. فهو يعرف مت ومر، كما أطلع على التقاليد اليوحناوية. عرف المواضيع اللافتة في الفقاهة الأولى كما نجدها في سفر الأعمال (ف 2: 10) والرسائل البولسية، كما اتصل بجماعة أورشليم فكانت له معلومات شخصية نجد آثارها في 1 كور 15. 
روى التقليدُ الإزائي ظهورات حصلت في الجليل. ولكن هذا لا يتجاوب مع ما يريد لوقا أن يتوسّع فيه. إنه يختار، واختياره يرتبط بوجهتين: تعليمية وتاريخية. توسّع في معطيات تقليدية تشير إلى الوضع السماوي للقائم من الموت والبعد الديني لحدث القيامة. ولاحظ الطابع الفجائي للظهور على "الأحد عشر"، كما أبرز اختفاء المسيح السري عن تلميذَي عمّاوس. وإذ أراد أن يبيّن أن القيامة تتجاوب مع مخطّط الله الخلاصي، عاد إلى شهادة الكتب المقدّسة، فارتبط هكذا بموضوع توسّعت فيه الكرازة الأولى والتعليم الرسولي. وأخذ من الفقاهة الرسولية المبدأ القائل بأن الفصح يدشّن عهد الخلاص النهائي. وإذ أوضح أن أورشليم صارت، بواسطة القيامة، مركز إسرائيل الجديد، استلهم الانبياء فقدّم فكرة أوردها بطرس في خطبته في الهيكل (أع 3: 22- 26: موسى قال: سيقيم لكم الرب الاله من بين اخوتكم نبياً مثلي، فله تسمعون) وبولس في خطبته في أنطاكية بسيدية (أع 13: 32- 33؛ 38- 39). وهى أن الوعد الذي كان للآباء قد حقّقه الله لنا حين أقام ابنه يسوع من بين الاموات.
هذا على المستوى العقائدي. وعلى المستوى التاريخي؟ لقد قدّم لنا لوقا معطيات عديدة عن الأحداث التي تلت القيامة. ولاحظ بشكل خاص الظروف التي دفعت الرسل من اللاإيمان إلى "الدهشة"، ومن عدم الفهم إلى الإيمان.
هكذا تبدو قيامة المسيح في إنجيل لوقا ولا سيّما في حدث تلميذَي عمّاوس وظهور يسوع على الأحد عشر. والمواضيع التي طرحها خلال إنجيله، سنجدها في ف 24. وما قاله في البداية عن الفرح والخلاص والنظرة الشاملة إلى الخلاص، سنجده في النهاية. صعد الرب يسوع وترك تلاميذه يحملون البشارة بالتوبة إلى جميع الأمم. لم يكونوا حزينين لفراقه، بل "رجعوا إلى أورشليم بفرح عظيم، وكانوا بلا انقطاع في الهيكل يباركون الله".

ملحق 
من يسمع كلامي
6: 46- 52

تنتمي هذه الآيات إلى خطبة يسوع التي تمتدّ على ثلاثة أقسام: مجموعة التطويبات (طوبى، هنيئاً) والتويّلات (الويل). ثم توسيع فقاهي يبدأ في آ 27 ويتوجّه إلى "السامعين" فيدعوهم إلى محبّة الأعداء والامتناع عن كلّ دينونة. والقسم الثالث يتطرّق إلى فضيلة السماع: مَن يسمع كلامي ويعمل به. مَن لا يسمع كلامي ولا يعمل به.
1- قراءة إجماليّة
قدّم لوقا هنا في إنجيله خطبة كبيرة ليسوع، توجّهت بشكل خاص إلى التلاميذ. هي خطبة تجسّد في نظره تعليمات أعطاها يسوع لهؤلاء الأشخاص الذين سيكونون في الجليل الشهود لكرازته وتعليمه وأشفيته. إعتاد الشراح أن يسمّوا هذه الخطبة "عظة السهل" (هضبة، مكان منبسط) (6: 17)، ويقابلوها مع "عظة الجبل" في مت 5- 7. في متّى، توجّه الكلام إلى الجمع وإلى التلاميذ (5: 1: رأى الجموع. دنا تلاميذه. أخذ يعلّمهم). أمّا في لوقا فتوجّه إلى التلاميذ في أيام يسوع، ولكنه لم ينسَ تلاميذ يسوع على مرّ العصور. لم ينسَ كنائسنا وما فيها من مؤمنين.
الخطبة اللوقاويّة أقصر من الخطبة المتاويّة التي تزيدها بـ 107 آيات وربّما بـ 109 آيات. ورغم اختلافات عديدة بين الخطبتين، هناك أساس واحد يعود إلى المعين الذي استقى منه متّى ولوقا. أمّا التشابهات بين مت ولو فتبرز في النقاط التالية: (1) الموضوع: التعليم حول السلوك المطلوب من التلاميذ، من الجموع. (2): التطويبات. (3) المضمون: ما نجده عند متّى نجده عند لوقا. تتّخذ كلمات يسوع بُعداً اسكاتولوجياً. وهناك محبّة القريب بل محبّة الأعداء. (4) الخاتمة: مثَل البيتين مع نداء إلى السامعين بأن لا يكتفوا بالسماع، بل ينتقلوا إلى العمل. (5) مناسبة الخطبة: في بداية حياة يسوع الرسوليّة، وقبل شفاء ابن قائد المئة. (6) الموضع: "ألقيت" خطبة متّى على الجبل، ففعل يسوع كما فعل موسى. أمّا في لوقا، فقد "ألقيت" بعد أن نزل يسوع من الجبل إلى سهل يصله بالعالم كلّه.
إنّ عظة السهل هي نموذج عن كرازة يسوع بحسب القدّيس لوقا، ولهذا نحن نقرأها داخل إنجيل لوقا كلّه. بدت كتعليم يتوجّه إلى التلاميذ، فتوخت تحديد طريقة حياة يعيشونها. ولكنها ارتبطت أيضاً برسالة يسوع كما نجدها في الإنجيل الثالث: جاء ليبشِّر المساكين والسجناء والعميان والمسحوقين في أيامه (رج 4: 18). في المقطع السابق أبرز لوقا في الشعب المتجمّع حوله أولئك الذين يريدون أن سمعوا له (6: 18: جاؤوا ليسمعوه). والآن، ها هو يقدّم يسوع متجاوباً مع ندائهم. وما قرأناه في 6: 18 يجد صداه في 6: 27: "أقوله لكم أيها السامعون". وفي 6: 47: "كل مَن يجيء إليّ ويسمع كلامي".
كلمات يسوع في هذه الخطبة تتوجّه إلى الإنسان في وجوده اليومي. غير أن التطويبات والتويّلات تجعلنا في بُعد اسكاتولوجي، في بُعد يتعدّى بعض الشيء الحياة اليوميّة. ونلاحظ في آ 39- 40 (أعمى يقود أعمى) صورة عن وضع الكنيسة في أيام لوقا، وانعكاساً لتعليم خاطئ يعطيه بعض المعلّمين للتلاميذ. تجاه هذا، يشدّد 6: 40 على أن التلميذ لا يمكن أن يكون أفضل من معلّمه. إنّ هدفه، كل هدفه، أن يكون مثل معلّمه الذي هو في النهاية يسوع المسيح.
2- قراءة تفصيليّة
هناك قسم أول في خطبة السهل في حصر المعنى (6: 27- 36)، وهو يتحدّث عن محبّة الأعداء. وقسم ثان (آ 37- 42) يمنعنا من دينونة الآخرين. وقسم ثالث (آ 43- 45) موضوعه الشجرة وثمرها، كصورة عن أعمال الإنسان الصالحة والطالحة. والقسم الرابع (آ 46- 49)، موضوع درسنا، يتحدّث عن البيت الذي يدلّ على حياة الإنسان.
كيف تدعونني (آ 46)؟ هنا يبدأ القسم الأخير من عظة السهل، ويشدّد على ضرورة العمل بأقوال يسوع. هو يقابل مت 7: 24- 27 الذي يختتم بدوره عظة الجبل. تأتي هذه العبارة بشكل مقدّمة لنمثل الذي سيعطيه يسوع. قال متّى: "ليس من يقوله لي: يا ربّ، يا ربّ، يدخل ملكوت السماوات، بل مَن يعمل إرادة أيي الذي في السماوات" (مت 7: 21). كانت عبارة لوقا أصيلة، فأعاد متّى صياغتها.
"يا ربّ، يا ربّ". إن يسوع يرذل التلميذ الذي يكتفي بمعرفة خارجيّة به، بعلاقة سطحية معه. إنّ هذا التعليم يقدّم على مستوكما العلاقة مع يسوع، وهي علاقة التلميذ بمعلّمه. أمّا متّى فيتحدّث عن الرباط بالمسيح وكأنه "دخول إلى الملكوت". أجل، أن نقول: يا ربّ، يا ربّ، أمر صالح في حدّ ذاته. وهو ضروري. غير أنه لا يكفي. فاعتراف الشفتين يجب أن يقابله اعتراف الحياة الملموسة في أعمال يراها الناس ويمجّدون الله الذي في السماء.
تحدّث متّى عن إرادة الله، يعني متطلّباته في الحياة اليوميّة. أمّا لوقا فشدّد على العمل بما يقوله يسوع. هذا يعني أن كلمات يسوع هي تعبير عن إرادة الله. ومَن عمل بها عمل بإرادة الله. وهنا نفهم معنى فعل "عمل". لسنا فقط أمام ممارسات خارجيّة وإن كان للمارسات الخارجيّة دورها في الشهادة لله. ولسنا فقط أمام عواطف باطنيّة، وإن كان الداخل هو الذي يشرف على الخارج، وإن كان من قلب الإنسان يخرج الشّر والخير. حين يتحدّث النصّ عن "عمل" فهو يدلّ على أفعال تلزم الإنسان كلّه في المحيط الذي يعيش فيه.
"كل مَن يأتي إليَّ" (آ 47). هناك ثلاث مراحل: يأتي. يسمع. يعمل. هذا هو الوجه الحقيقيّ للتلميذ. هناك أولاً المجيء. قال يسوع للتلميذين اللذين تبعاه: "تعاليا وانظرا" (يو 1: 39). "فجاءا". وإذ أخبر اندراوس أخاه بطرس "جاء به إلى يسوع" (يو 1: 42). والخطوة الثانية التي شدّد عليها لوقا هي السماع. فمن يسمع الكلمة هو كالأرض الطيّبة التي تثمر ثلاثين وستين ومئة. فمن يسمع كلام الله هو سعيد شرط أن يعمل به. والخطوة الثالثة هي العمل. إنها تكلّل مسيرة المؤمن. وهي الغاية التي طلبها أولئك الذين جاؤوا إلى يسوع من أجل الشفاء من أمراضهم (6: 18).
"رجل بنى بيتاً" (آ 48). تحدّث متّى عن بيت ضعيف البناء. يأتي السيل فيجرفه. وعن بيت بُني على الصخر. "نزلت المطر، سالت الأودية، عصفت الرياح" (مت 7: 24)، فلم يسقط. أمّا لوقا فطبّق المثل على المحيط اليوناني (لا المحيط الفلسطيني) الذي يعيش فيه. هناك يجب أن يحفر الباني ويعمّق الأساس لأننا لسنا أمام سيل وحسب، بل أمام سواقي تجري بصورة متواصلة.
تحدّث متّى عن الإنسان الجاهل الذي لا يرتكز على الله، بل ينكر الله كما قال مز 14: 1. وعن الإنسان العاقل الذي يعارض في سفر الأمثال البليد والكسول والمستهزئ، الذي تنقصه الحكمة والفطنة. ولا ننسَ أنّ الحكمة ترافق مخافة لله. أما لوقا فتحدَّث فقط عن رجلين يسمعان، فيعمل الواحد ويتكاسل الآخر. واحد يجعل لبيته أساساً عميقاً، والآخر يبنيه بدون أساس البتّة.
على ماذا يدلّ السيل والنهر؟ على الأضرار التي تحدثه المياه الغامرة في حياة الإنسان. على ما يسميّه لو 8: 14 "الهموم والغنى وملذّات الحياة الدنيا" التي تمنع الأرض من إعطاء الثمر. المياه تدلّ على الاضطهاد الذي يصيب المؤمن، تدلّ على المحن (المياه الغامرة) التي تحل به. قد يحسب نفسه في أمان، ولكنه غافل عن نفسه. ينهار ذاك البيت، كما تنهار حياة التلميذ الذي تجاهل نداء يسوع وتعليمه.
لا ننسَ هنا مفهوم البيت في عالم الكتاب المقدّس. يقول مز 127: 1: "إن لم يبنِ الرب البيت، فعبثاً يتعب البنّاؤون". والبيت هو اكثر من بناء خارجي صُنع بالحجر والطين والخشب. إنه يدلّ أيضاً على العائلة بأفرادها، على القبيلة، على السلالة الملكيّة. وفي الإنجيل، يدلّ "البيت" على بيت الله، على الكنيسة. هذا هو معنى مر 9: 33: "وإذ كان في البيت سألهم" عمّا كانوا يتجادلون في الطريق. وهكذا لن يعود البيت يدلّ فقط على حياة التلميذ وارتباطها بتعليم يسوع، بل يدلّ أيضاً على الكنيسة وعلى جماعة الله. 
خاتمة
هذا المئل وما فيه من صورتين تتعارضان، صورة البيت المبنيّ على الصخر، وصورة البيت المبنيّ على الرمل، هذا المثل يختتم خطبة "السهل" كلّها. هل نحن مستعدّون، أفراداً وجماعات، أن نبني بيتنا على صخرة الله، على أساس يسوع المسيح؟ في بداية هذا القسم كان سمعان بطرس قد قال: "لأجل كلمتك ألقي الشبكة" (5: 5). وهنا نستطيع أن نردّد القول عينه. فإذا أردنا أن نكون أمناء لدعوتنا كشهود لله، إذا أردنا أن نصطاد البشر للحياة، يجب أن نترك كل شيء ونتبع يسوع. يجب أن نرتدّ إلى تعليم التطويبات، ونجذّر شهادتنا في مصير ابن الإنسان. هذا ما عاشه اسطفانس، أول الشهداء، الذي امتلأ من الروح القدس، فكان التلميذ الحقيقيّ الذي تبع يسوع حتى النهاية، حتى الموت. وعلى مثال معلّمه أسلم روحه بيد الله من أجل الشهادة للمسيح ولإنجيله. هكذا بنى حياته. هكذا بنى الكنيسة.
الخاتمة
وهكذا تنتهي مسيرتنا مع القديس لوقا. وهكذا تعرّفنا إلى وجه يسوع الرب المملوء بالحنان، إلى وجه يسوع الذي يحنو على الفقراء والضعفاء والخطأة. وتعرّفنا إلى الناس الذين رافقوه في الطرقات، رأوه، سمعوا له. إنهم يشبهوننا، يشبهون جماعاتنا وكنائسنا. توجّه الإنجيل إليهم وهو يتوجّه إلينا، لأن كلمة الله هي هي أمس واليوم وإلى الأبد.
وهكذا تنتهي مسيرتنا في أجزاء ثلاثة: ظهور الكلمة والرسالة في الجليل. صعود يسوع إلى أورشليم. يسوع في أورشليم، الآلام والقيامة. تفسير طويل قد يتعب القارئ الذي يريد جواباً سريعاً على أسئلته. أما نحن، فتمتّعنا برفقة المعلّم وشعرنا بالحزن حين انتهينا من الكتابة. ولهذا عدنا إلى قراءة التفسير برفقة النصّ الإنجيلي، وانتقلنا من البحث والدرس إلى التأمّل الذي يقود إلى المشاهدة.
هكذا تنتهي مسيرتنا... بل هي تبدأ الان وتتكرّر يوماً بعد يوم. فنحن لن ننتهي يوماً من التعرّف إلى يسوع. والكنيسة نفسها قدّمت لنا نعمة أن نفسّر أناجيل يوحنا ولوقا ومرقس. ونحن نطلبها نعمة لكي نفسّر أيضاً إنجيل متّى. فيكون للقارئ العربي الوسيلة التي تساعده على التعرّف إلى ذلك الذي ما زال حياً في كنيسته وفي العالم، وهو يدعونا لكي نكون شهوده حتى أقاصي الأرض.