إنجيل يوحنا: كتاب الالآم والمجد

الفهرس

تقديم
1- المجتمع الذي فيه ولد إنجيل يوحنا
2- الكنيسة التي ولد فيها إنجيل يوحنا
3- الجماعة اليوحناوية
4- مرحلة جديدة في الإنجيل
5- غسل الأرجل، 13: 1- 20
6- خيانة يهوذا، 13: 21- 30
7- وصية جديدة، 13: 31- 38
8- العالم ويسوع، 15: 18- 27
9- الروح يشهد ليسوع، 16: 1- 11
10- من الحزن إلى الفرح، 16: 16- 24
11- من الأزمة إلى النور والغلبة، 16: 25- 33
12- صلاة من أجل المؤمنين، 17: 20- 26
13- القبض على يسوع، 18: 1- 11
14- إستجواب يسوع وإنكار بطرس له، 18: 12- 27
15- يسوع أمام بيلاطس، 18: 28- 40
16- الحكم على يسوع، 9: 1- 16
17- الصلب، 19: 17- 30
18- طعن يسوع، 19: 31- 37
19- دفن يسوع، 19: 38- 42 
20- الظهور للمجدلية، 20: 11- 18
خاتمة
الفهرس

 

تقديم

إنجيل يوحنا إنجيل غني جداً فهو يقدّم لنا في الوقت عينه السمات التاريخية في وجه يسوع الناصري، كما يقدّم ما نستطيع أن نستشفه من يسوع الذي قام من بين الاموات، من يسوع الحي اليوم في قلب الكنيسة والبشرية، من يسوع الذي هو الآن لدى الآب.
نجد في إنجيل يوحنا المسيح قريباً من البشر حتى في أحوالهم الوضيعة والمؤلمة. ونجد المسيح "الممجّد" الذي هو سيّد التاريخ ومستقبل البشر. الذي هو منذ الازل بقرب الله. الذي هو وحي لا يصدّق عن حب الله الذي يهب ذاته. ونكتشف في إنجيل يوحنا ما هي الكنيسة وما هي الحياة المسيحية. إنجيل يوحنا هو إحدى القمم لكلام عن إله المسيحيين كما ظهر في تاريخ البشر.
نستصعب بعض المرات أن نمسك معاً هذين البعدين في المسيح: بشريته الملموسة والقريبة جداً منا. وسرّ شخصه العجيب، سرّ علاقته مع الآب والروح. ومع ذلك، كان لم نعلن هذه الحقيقية، لم يعد من معنى للايمان المسيحي. يخسر حقيقته وصلابته. إن إنجيل يوحنا يفتحنا على جمال الله وعلى الحياة التي يقدّمها الله للبشر.
في ايام "نفبرك" فيها صورة عن الله نأخذ عناصرها من هنا وهناك، يبدو تعليم يوحنا ثمينا جداً بالنسبة إلينا، شرط أن نأخذه كله. فصورة المسيح تبرز المفارقة بل التعارض. نحن ندهش، ونجد أن هذا ليس بطبيعي، ونحاول أن نلغي عنصراً من عنصرَيْ المفارقة أو التعارض. ولكن يجب أن يمرّ فكرنا من هنا ويسير في طرق معرفة الله التي تتجاوز كل معرفة وتبدو لنا في الوقت عينه قريبة جداً.
هذا ما نحاول أن نكتشفه في إنجيل يوحنا. في جزء أوّل اخترنا بعض النصوص التي تقرأ بشكل خاص في الليتورجيا. في جزء ثانٍ، تعرّفنا الى كتاب الآيات، إلى الفصول 1- 12 التي تورد لنا سبع آيات دوّنها الإنجيلي ليدعونا إلى الايمان. وفي هذا الجزء، نرافق يسوع في "الآلام والمجد" التي تنتظره. من العشاء السري وخطبة الوداع، إلى الصلب والموت، إلى القيامة وارسال التلاميذ.
هل تنتهي مع هذه الاجزاء الثلاثة مسيرتنا مع إنجيل يوحنا؟ بل هي تبدأ. فالكلمات التي قرأناها ستغيب تاركة يسوع الكلمة يكلّم كل واحد منا، ويجتذبه إلى الآب. فيا ليتنا نعرف أن نصغي إلى هذا المعلّم الذي جاء إلى العالم ليكون نوراً للعالم.
1
المجتمع الذي ولد فيه إنجيل يوحنا
6: 15

وإذ علم يسوع أنهم عازمون أن يأتوا ويختطفوه ليقيموه ملكاً، اعتزل في الجبل وحده.
نحن نعرف يسوع من خلال شهوده. والذي يحدّثنا في هذا الإنجيل هو قال عن نفسه إنه كان تريباً جداً من يسوع. وإنه كان يحمل في ذاته سنوات عديدة من الحياة في الكنيسة. تُنسب إليه ثلاثُ رسائل توجّهت الى كنائس "مزعزعة". ويُنسب اليه سفر الرؤيا حيث تنعكس الصعوبات الداخلية والخارجية في الكنيسة بسبب الاضطهاد الذي تقاسيه.
لهذا نريد أن نعيش مع هذا الشاهد للمسيح، نريد أن نتعرّف الى جماعته. هنا نعود إلى المحيط الذي وُلد فيه إنجيل يوحنا. فنتحدّث عن المجتمع البشري، عن الكنيسة، عن الجماعة الخاصة بيوحنا. ونبدأ بالمجتمع الذي وُلد فيه إنجيل يوحنا.
أين دوّن إنجيل يوحنا؟ تحدّثنا أقدم التقاليد عن أفسد. هي مدينة خربة. نستطيع اليوم أن نزور آثارها في تركيا، قرب كوساداسي على شواطئ بحر ايجه. وقد يكون دوّن في مكان آخر، كما يقول بعض الشرّاح. ومهما يكن من أمر، فموطن الإنجيل الرابع هو مدينة تسيطر عليها سلطة رومة التي تحكم حوض البحر الابيض المتوسط في القرن الأول المسيحي.
نبدأ فنلقي نظرة على هذه الإمبراطورية الرومانية. ثم نركّز انتباهنا على أفسس والمناخ الديني الذي تعيشه.

1- السلام الروماني
قال بلينوس الاكبر: "يظنّ الجميع أن الإمبراطورية الرومانية وحّدت الكون، فجعلت الحضارة تتطور بفضل التبادل التجاري ووحدة الشعوب في سلام ناجح".
سيطرت رومة منذ القرن الأول ق. م. على غالية (فرنسا الحالية) وسورية ومصر وآسية الصغرى. وبقي لها عدو كبير هو الشعوب الفراتيون. فمملكة السلالة الارساقية تعيش في إيران وفي قسم من العراق. ولكن مع هذه السيطرة، فإن رومة تركت استقلالية كبيرة للمدن والحواضر، شرط أن تدفع الجزية والضرائب.
أ- ثورات وطنية
هناك ثورة وطنية معروفة: الحرب اليهودية. بدأت سنة 66 وامتدت حتى سنة 70 ب. م. فاليهود يتمتّعون بوضع خاص في الإمبراطورية: ديانتهم محترمة حتى في التفاصيل. هم يُعفون من الخدمة العسكرية. هم يُعفون من تقديم شعائر العبادة للامبراطور... ولكنهم لا يقبلون بسيّد إلا بالله. ثم إن الضرائب الرومانية تثقل كاهل الشعب.
منذ احتلّ بومبيوس أورشليم سنة 63 ق. م. بدأت القلاقل. وتنامت بشكل جدّي حين عزم كاليغولا (37- 41 ب. م.) على وضع تمثاله (الإمبراطور المؤلّه) في هيكل أورشليم. واندلعت الثورة سنة 66 فكانت حرباً أهلية ضد رومة. وانتهت سنة 70 بدمار الهيكل وخراب المدينة و"تمجيد" تيطس في رومة.
كيف عاش اليهود المشتّتون في مدن الإمبراطورية هذا الحدث؟ يبدو أن الفطنة والهدوء هما اللذان سيطرا. واختفت بعض الوقت التطلّعات المسيحانية والوطنية. ولكن عادت التحركات في الجماعات اليهودية في الشتات منذ سنة 115. وفي سنة 125، إندلعت الثورة في فلسطين وحمل لواءها ابن الكوكب الذي سماه رابي عقيبة "المسيح". وسيقتل جنود الإمبراطور ادريانس ابن الكوكب ورابي عقيبة.
ب- ثورات اجتماعية
سنة 73- 71 ق م تجمع العبيد الرومان حول سبارتاكوس وهاجموا الدولة الرومانية التي عجزت عن قمعهم. في النهاية قتلهم جيش ليسنيوس كراسوس. بعد ذلك الوقت، لم يكن بالامكان تجاوز الحواجز الاجتماعية: أنت عبد أو مولى أو انسان فقير، فأنت خاضع خضوعاً مباشراً لسيّد من الأسياد، ولا سبيل للتحرّر اطلاقاً. فالعبد "شيء" يُشرى ويُباع. والموالي لا يتحركون إلا بأمر من حررّهم من العبودية.
حين تحدّث سفر الرؤيا عن "سقوط رومة" دلّ على الصورة التي تركتها هذه الحاضرة في الوعي الشعبي. "الويل! الويل! أيتها المدينة العظيمة، يا بابل الجبّارة، في ساعة واحدة جاءت دينونتك وسيبكي عليها تجّار الارض ويندبونها، لأن بضاعتهم لن تجد من يشتريها. بضاعة من ذهب وفضة وحجر كريم ولؤلؤ وكتان وأرجوان وحرير وقرمز وأنواع الطيوب... وبقر وغنم وخيل وعربات وعبيد وأسرى" (18: 10- 13). العبيد هم "الاجساد" (حرفياً). هي البضاعة الاخيرة في مدينة عظيمة يدّل سفر الرؤيا على ضعفها وسرعة عطبها.

2- المناخ الديني في أفسس
كانت أفسس في ذلك الوقت أكثر المدن سكاناً في آسية الصغرى (تركيا). وكانت على ملتقى طرق المواصلات الهامة. هي أكبر مرفأ في بحر ايجه، ومنها تنطلق الطريق إلى إيران عبر سورية وبابلونية. وهكذا كانت تشرف على جزء كبير من تجارة رومة مع الشرق.
أ- العالم الوثني.
يقدّم لنا أع 19 لوحة صحيحة عن المناخ الديني في المدينة. اصطدم بولس بالصاغة الذين يصنعون هياكل فضية لأرطاميس. وساندهم الجمع فهتف بلا انقطاع: "عظيمة ارطاميس الافسسيين". فمن هي أرطاميس هذه التي ظنّ الناس أن تمثالها سقط من السماء (19: 35)؟ هي إلاهة الصيد عند اليونان، وقد دخلت في العبادات الشرقية فكان لها تأثير شعبي كبير. إلاهة متوحشة تطلب ذبائح بشرية، وهي في الوقت عينه إلاهة الخصب التي وصلت عبادتها حتى مرسيليا في فرنسا. ويصوّر المؤرخ سترابون هيكل ارطاميس في أفسس على أنه إحدى العجائب السبع في العالم.
غير أن هذا الحماس لأرطاميس لم يمنع أهل أفسس من أن يطلبوا هيكلاً مكرّسا لرومة وليوليوس قيصر. سمح لهم الإمبراطور أوغسطس ببناء هذا الهيكل سنة 29 ق. م. وسوف تتوسّع عبادة الإمبراطور. وقد وُجد على إحدى النقود الإمبراطور نيرون المسمى "إلها" وأمه المسماة "إلاهة". وسيكون هيكل الإمبراطور بجانب هيكل أرطاميس.
ووُجدت عبادات أخرى ارتبطت بالديانات السرّانية الآتية من الشرق. وكان من ماثل بين نيرون وميترا (إله فارسي انتشرت عبادته في آسية الصغرى). فالناس يفضّلون هذه العبادات بما فيها من حرارة وأخوّة على الديانة الرسمية الجافة. فالناشىء يعيش من جديد مع إلهه. إنه واحد مع إلهه. وهذه الطقوس توافق الاسئلة الانسانية التي يطرحها الناس حول الحياة والموت.
ب- الجماعة اليهودية
تتفّق المدّونات مع المؤرخ يوسيفوس لتشهد على وجود الجماعة اليهودية في هذه المدينة الهامة والقديمة. فانطيوخس الثاني ملك انطاكية (261- 264) قد منحها الامتيازات الخاصة بالمواطنين. وكتب مرقس أغريبا (13 ق. م.) صهر الإمبراطور أوغسطس إلى المدينة يطلب منها أن تراعي هذه الامتيازات. مثلاً، لا يدفع اليهود ضرائب للهياكل الوثنية، ولا يتقدمون إلى المحاكم يوم السبت.
كان اليهود يتوافدون إلى المجمع كل سبت. هناك يعلنون إيمانهم بالله الواحد. ويتذكّرون العهد الذي قطعه الله مع إبراهيم، والحرية التي استعادوها في زمن الخروج. يقرأون من اسفار الشريعة الخمسة، كما يقرأون من أسفار الانبياء.
غير أن هذه النصوص تقرأ في اليونانية في الترجمة السبعينية. وهكذا انطبع التقارب من الكتب المقدسة بالحضارة اليونانية. ونحن نستطيع أن نعرف كم كان تأثير هذه الحضارة عميقاً حين نقرأ أعمال فيلون هذا الاسكندراني الذي عاصر يسوع (13 ق. م.- 50 ب. م.). وعملُ يوحنا كان هو ايضًا على ملتقى العالم اليهودي والعالم الهليني (أي: المتأثر بالحضارة اليونانية كما حملها الاسكندر إلى الشرق).


3- مدن باحثة عن العلم والمعرفة
إن أفسس، شأنها شأن سائر مدن آسية الصغرى، هي مطبوعة بطابع الحضارة اليونانية. لقد مضى زمن بعيد كان فيه أفلاطون (427- 348) يدعو تلاميذه إلى التأمل في الجمال والخير والحق، ويعتبر عالم المثل أكثر واقعية من العالم الحاضر. أما في القرن الاول، فالرواقية هي التي تسيطر. وهي تدعو إلى حياة متناغمة مع الطبيعة الشاملة (طبيعة الكون)، مع هذا الجسم الحي والكبير الذي هو الحالم، مع هذا الجسم الذي يوحّده العقل الالهي أو اللوغوس. نستطيع أن نرى هنا نوعاً من حتمية تفهم وجودها في مجتمع منغلق على ذاته. غير أن سينيكا أو إبكتات (عابرا يوحنا) توجّها إلى الله سيد الكون على انه "أب محب لكل الناس الصالحين".
وبحثت أفسد كما بحث غيرها من المعرفة الحقة. فقد برزت تيارات مختلفة تقول إن الانسان يخفي في أعماق ذاته شرارة إلهية سقطت من الكون العلوي واختفت في المادة وخضعت للشر والموت. إن هذه الشرارة الالهية سوف تستيقظ بفضل مخلّص وتعود إلى وضعها الأصلي بفضل المعرفة التي هي في الوقت عينه معرفة الذات ومعرفة الكلّ.
أين وُلدت تيارات "المعرفة" هذه، التيارات الغنوصية؟ لا شكّ في أن الديانات والفلسفات الفارسية لعبت دورها حين فصلت فصلاً جذرياً بين عالم الخير وعالم الشرّ. وهكذا تكون الغنوصية محاولة لإبراز الفرد الذي يسحقه الكون والمجتمع.
2
الكنيسة التي ولد فيها إنجيل يوحنا
9: 22

كل من يعترف بأن يسوع هو المسيح، يُخرج من المجمع
في نهاية القرن الأول المسيحي، كان المسيحيون موجودين في كل بلدان حوض البحر المتوسط. ولقد ساعد على هذا الانتشار الطرقات الرومانية الجميلة وحضور جماعات يهودية في المدن. إنطلق فيلبس (أع 8) ثم بولس ورفاقه والاثنا عشر ومن رافقوهم، وعدد آخر كبير، فحملوا الإنجيل داخل هذا العالم الروماني. وما يحرّك هذا العمل في نظر المؤمن، هو الروح القدس الذي يرى فيه سفر الأعمال روح الرسالة المسيحية.

1- المسيحيون ينفصلون عن المجمع
حين انطلق بولس برسالته، كان يبدأ فيكرز في المجمع. ولكنه كان يُطرد من هناك مراراً. ولكن بعد دمار هيكل أورشليم (70 ب. م.) ببضع سنوات، اجتمع الرابانيون (المعلمون) الفريسيون في يمنية واستعادوا المبادرة بعد أن زال الهيكل واختفى معه الكهنة. فلم يبقَ للشعب اليهودي إلا دراسة التوراة ولا سيما أسفار الشريعة. وكبر دورُ الكتبة والمعلّمين الذين ينسخون الكتب المقدسة ويفسرّونها. فحدّدوا لائحة (قانون) الاسفار المقدسة. وأطلقوا لعنة على "الجاحدين، والناصريين والهراطقة" أدخلوها في الصلاة اليومية التي يتلوها اليهودي. أصابوا المسيحيين وبالتالي طردوهم من المجمع. وسوف نرى أن مقاطع عديدة في إنجيل يوحنا تشير إلى هذا الوضع.

2- مجموعة مضطهدة
لم يعد المسيحيون جزءاً من الجماعة اليهودية. هذا يعني أن وضع "الديانة المسموح بها" لم يعد يشملهم داخل الامبراطورية الرومانية. حينئذٍ أجبر المسيحي، شأنه شأن كل مواطن (غير يهودي)، أن يذبح للآلهة المحامية عن النظام الاجتماعي، أن يشارك في عبادة الامبراطور. حول القاضي الروماني لبوليكربوس، تلميذ يوحنا: "أي شر في أن حول مصر هو ربّ، لكي تنجو بحياتك"؟ رفض بوليكربوس أن يتلفّظ بهذه الكلمة فحكم عليه القاضي بالموت. وإستشهد سنة 155.
بدأت الاضطهادات باكراً. منذ اسطفانس (أع 7) الذي رُجم، إلى انتيباس "الشاهد الامين" الذي قُتل في برغاموس، كما يقول رؤ 2: 13. في أورشليم، قُطع رأس يعقوب، شقيق يوحنا، بالسيف. وفي رومة استشف بطرس وبولس في عهد نيرون. كما مات عدد كبير من المسيحيين الذين إتُهِموا بانكار الالهة، ببغض الجنس البشري، بإشعال الحريق في رومة (هذا ما قاله تاقيتس وسواتانيوس).
وبعد قرار يمنية، لم تعد شريعة تحمي الجماعة المسيحية التي تخطئ حين لا تشارك في احتفالات المدينة. ففي سنة 110 كتب بلينوس الحاكم إلى الامبراطور ترايانس. تحدّث عن ممارسة القضاء وطلب تعليمات بالنسبة إلى المسيحيين. ولكن إن اشتكى أحد عليهم نستجوبهم. فإن لم يجحدوا إيمانهم حينئذٍ يقتلون.
إن إنجيل يوحنا يشير مراراً إلى الاضطهادات، لا سيما في الجزء الثاني، في كتاب الآلام والمجد. وسفر الرؤيا قد كتب في هذا الإطار من الضيق. كان الاضطهاد تهديداً مستمراً وإن لم يشتعل إلا بين الحين والآخر. جاءت معلوماتنا قليلة عن دوميسيانس (81- 96) وإن كان قد ترك ذكراً سيئاً في الكنيسة.

3- في أفسس
يبدو أن كنيسة هذه المدينة لم تتأسّس على يد يوحنا ولا على يد بولس نفسه. فحين وصل إليها رسول الامم للمرة الأولى حوالي سنة 52، قام بكرازة في المجمع لم نعرف نتائجها. أيكون التجار والجنود والعبيد قد قاموا بالرسالة كما فعلوا في انطاكية والاسكندرية ورومة؟ الامر ممكن.
لقد رافق بولسَ في أفسس اكيلا وبرسكلة اللذان طُردا من رومة مع من طُرد من اليهود بعد قرار الامبراطور كلوديوس (سنة 49) الذي يتحدّث عنه المؤرخ سواتانيوس. هذا يعني أن المسيحيين وُجدوا في رومة منذ ذلك الوقت. تحدّث أع 18: 2 عن هذه الأسرة التي تابعت العمل في أفسس بعد أن تركها بولس، فبشرت أبلوس الذي هو من تلاميذ يوحنا المعمدان ومن الاسكندرية في مصر. وقام أبلوس بدوره فحمل الإنجيل إلى كورنتوس. وسيعود بولس إلى أفسس ليثبّت الكنيسة فيها. ظلّ هناك سنتين ونيّف "إنفرد بالتلاميذ يحادثهم كل يوم في مدرسة تيرانوس" (أع 19: 9).
والتقى بولس هناك جماعة من تلاميذ يوحنا المعمدان. هذا يعني أن الحركة العمادية انتشرت في عدة مجموعات يهودية في حوض البحر المتوسط. وعمّد بولس باسم الرب يسوع هذه الجماعة (19: 3). وثار الصاغة عليه دفاعاً عن هيكل أرطاميس، فلاقى اضطهاداً يشير إليه في 1 كور 15: 32 ("صارعت الوحوش في أفسس"). حينئذٍ ذهب الرسول إلى فيلبي وتسالونيكي وكورنتوس. وجمع التبرعات من أجل كنيسة أورشليم التي تعرف العوز. حمل هذه المساعدات مع موفدي الكنائس ونفسُه تحدّثه بأنه سيكون أسير المسيح.
ومرّ بميليتس قرب أفسس، فدعا إلى هناك شيوخ كنيسة أفسس التي كانت منظّمة تنظيماً دقيقاً. وجعل صاحب سفر الأعمال على شفتي بولس خطبة وداعية مؤثّرة تدلّ على الصعوبات الداخلية التي ستواجه هذه الكنيسة. "وأنا أعرف أن الذئاب الخاطفة ستدخل بينكم بعد رحيلي ولا تشفق على الرعية. ويقوم من بينكم أنتم أناس ينطقون بالأكاذيب ليُضلّلوا التلاميذ فيتبعوهم" (أع 20: 29- 30).
وفي سفر الرؤيا، توجّهت أولى الرسائل إلى كنيسة أفسس. حين نقرأها نفهم أن الجماعة تواجه بشجاعة أولئك الذين يكرزون بالتعاليم الضالّة. حدّث يوحنا ملاك (اسقف) كنيسة أفسس فقال له: "أنا أعرف أعمالك وجهدك وصبرك، أعرف أنك لا تطيق الأشرار، وأنك امتحنت الذين يزعمون أنهم رسل وما هم رسل، فوجدتهم كاذبين. أنت صبور. جاهدت من أجل اسمي وما تعبت. ولكني أعتب عليك لأنك تركت محبتك الأولى. فاذكر من أين سقطت وتبْ وعد إلى أعمالك الماضية. فإن كنت لا تتوب جئتك وأخذت منارتك (أي كنيستك. أي: إستغنيت عنك) من مكانها. ولكن يشفع فيك أنك تمقت أعماله النقولاويين التي امقتها أنا" (رؤ 2: 2- 6)
هذه الصعوبات التي تعرفها كنيسة أفسس هي أيضاً صعوبات سائر كنائس آسية الصغرى. بعد بضع سنوات، سيكون اغناطيوس، أسقف إنطاكية، أسيراً. أُخذ إلى رومة وألقي أمام الوحوش في عهد الامبراطور ترايانس (98- 117) كما يقول أوسابيوس القيصري. خلال "رحلته" إلى رومة كتب رسائل إلى كنائس آسية الصغرى ومنها التي تساعدنا على فهم أفسس الصراعات التي تهزّ الكنيسة.

4- صعوبات في الكنيسة
كان القديس بولس قد كتب حوالي سنة 60 إلى كنيسة كولسي القريبة من أفسس: "لا يحكم عليكم أحد في المأكول أو المشروب، أو في الأعياد السنوية والأهلية (ظهور الهلال) والسبوت... لا يسرّ أحد بعبادة الملائكة" (كو 2: 16). فعلى تيموتاوس أن يمكث في أفسس لكي يواجه الذين يعتبرون نفوسهم "معلّمي الشريعة" فيتعلّقون بالأنساب التي لا نهاية لها (1 تم 1: 2- 7). وسيوبّخ اغناطيوس المسيحيين الآتين من الوثنية لأنهم يبحثون عن الخلاص في الممارسات اليهودية.
وهناك أخطر من هذا: إنسحر هؤلاء المسيحيون بأمور "العالم الروحي"، بالملائكة ومختلف الوسطاء بين الله والبشر، فمالوا إلى عدم الاهتمام بـ "جسد" المسيح. قال بعضهم إننا أمام "ظاهر" الجسد. وقال آخرون إن لا علاقة لهذا الجسد بخلاصنا. حينئذٍ ذكّر اغناطيوس الافسسيّين، فقال لهم: "ليس هناك إلا طبيب واحد (يسوع) بشري (من لحم ودم) وروحي، مولود وغير مولود، الله الذي جاء في الجسد. فهو في الموت الحياة الحقة. وُلد من مريم ووُلد من الله. بدأ فخضع للآلام وهو يسوع المسيح ربنا". نحّس وكأننا نقرأ في 1 يو 4: 3 (حسب بعض المخطوطات) التي تقول لنا بأن لا "نجزّئ" يسوع.
نرى عبر هذه الامثلة أن الاتجاهات الغنوصية لم توفّر العالم المسيحي. وقد طبعت هذه الظاهرة الحضارية العالم اليهودي أيضاً: فالذين كتبوا أسفار رؤى بحثوا في أسرار الله، وانتظروا الخلاص منه وحده حين واجهوا هذا "العالم المعادي". فسيخطو المانويون في نهاية القرن الثاني خطوة أخرى فيقولون إن هذا العالم هو شرير في جذوره، وينتج عن مبدأ شرير. وانتظرت تيارات هامشية في العالم اليهودي، كما انتظرت الشيع العمادية مثل المندعيين، الخلاص فقط في "المعرفة" التي ينقلها المرسل الالهي.
وتنوّعت الغنوصية تنوعاً كبيراً لدى الغنويين. فابيفانيوس الاسقف (القرن الرابع) قد أورد 20 هرطقة (بدعة) مختلفة. وقد عرفناها بواسطة الاساقفة الذين انتقدوها ولا سيّما ايريناوس اسقف ليون (في فرنسا) في كتابه "ضد الهرطقات" (سنة 180). ونحن نملك الآن عدداً من النصوص الغنوصية. مثلاً: كودكس برلين (وُجد في صعيد مصر سنة 1895، وحُفظ في متحف برلين). إنه يتضمن بشكل خاص "كتاب اسرار يوحنا" الذي يعود بنا إلى إنجيل يوحنا وكتاب زرادشت. وفي سنة 1948 اكتشف في نجع حمادي (صعيد مصر) مكتبة غنوصية تتضمّن 45 نصاً مكتوباً في القبطية وعائداً إلى القرنين الثاني أو الثالث. إنجيل توما، إنجيل فيلبس، إنجيل الحقيقة، اللوغوس (الكلمة) الحقيقي، وعدد من كتب الرؤى. كل هذا يساعدنا على ادراك اهتمامات هؤلاء المسيحيين في القرن الثاني، ويفهمنا الاتجاهات التي كانت حاضرة في الجماعة اليوحناوية.
كيف تعبّر المسيحية عن نفسها عبر الرؤية الغنوصية: نورد هنا مقطعاً من "اللوغوس الحقيقي": "إن عريس النفس يحمل إليها سرّاً اللوغوس غير المنظور. يعطيها إياه في فمها لتأكله كأنه طعام، ويجعله على عينيها كبلسم به ترى بروحها وتعرف ما يشبهها وتعي جذورها. وهكذا تنضم إلى الغصن الذي أخذت منه فتنال ما يخصّها وتترك المادة".

5- كنيسة تستعد للاستمرار
إذن، هناك صراعات داخلية عديدة تحرّك الكنيسة في القرن الأول. ولكن هذا لا يخفي عنّا ديناميتها. لقد فهمت أن عودة يسوع لن تكون قريبة فواجهت المدى الزمنيّ. لقد مات معظم الرسل، وهي لا تستطيع أن تستند إلى الذين رأوا القائم من الموت. واجهت الكنيسة هذا الوضع فدوّنت شهاداتهم عن يسوع. فكانت أناجيل متى ومرقس ولوقا. كل واحد له نظرته في استعمال وثائق قديمة. عرفت كنيسة يوحنا هذه الوثائق، وكانت نقاط مشتركة بين إنجيل لوقا وإنجيل يوحنا.
لا بدّ من الاستمرار. لهذا فكّرت الكنيسة في المسؤوليات. وضع بولس يديه على مشاركيه في العمل مثل تيموتاوس (1 تم 4: 14؛ 2 تم 1: 6). وفعل الاثنا عشر كما فعل بولس. وبعد موت بولس، تابع تيطس أو تيموتاوس الخدمة الرسولية من مدينة إلى مدينة. ثم إن "حلقة الشيوخ" ساست كل جماعة مسيحية محلّية. تلك كانت طريقة الجماعات اليهودية في توجيه المؤمنين. والتحم هذان النمطان من المسؤولية فاعطيانا "الوظيفة الاسقفية" التي عرفها اغناطيوس الانطاكي. وذكر الإنجيليون الاربعة، كل بطريقته، أن يسوع أقام سمعان بطرس كحجر الأساس في كنيسته. وسيشدّد إنجيل يوحنا على هذه الخدمة حتى بعد موت بطرس.
وتعيش كنيسة أفسس، شأنها شأن سائر الكنائس، الاسرار. فهناك إشارات عديدة إلى العماد المسيحي وإلى الافخارستيا في إنجيل يوحنا. ويعلن القائم من الموت للتلاميذ بأن لهم سلطاناً بأن يغفروا الخطايا أو يبقوها (20: 23). كنيسة واحدة، لا ذات شكل واحد. فهي متنوّعة تنوّع الجماعات وواحدة بإنجيل المسيح.
3
الجماعة اليوحناوية
21: 24

هذا هو التلميذ الشاهد بهذه الامور، وهو الذي كتبها. ونحن نعلم أن شهادته حق هي.

1- مجموعة مرتبطة بالتلميذ الحبيب
حين نقرأ الإنجيل الرابع نحسّ باعجاب جماعة كاملة بالتلميذ الحبيب إلى قلب يسوع. ماذا يقال عن هذا التلميذ؟ إنه عمّر طويلاً (21: 23: يبقى إلى أن أجيء). تلقّى أسرار قلب يسوع. به مّر بطرس لكي يعرف ذاك الذي يخون المعلّم (31: 23: أومأ إليه سمعان بطرس وقال له: "سله من يعني بقوله"). هو أفتى من بطرس. ركض فوصل قبله إلى القبر (20: 4: إن التلميذ الآخر سبق بطرس). وقد عُرف بحدسه العظيم: بعد الصيد العجيب عرف ذاك الذي أمر المجموعة بأن تلقي الشبكة عن يمين القارب. فقالت حالاً لبطرس: "هذا هو الرب" (21: 7).
"التلميذ الحبيب" هو على ما يبدو "التلميذ الآخر" الذي يتحّدث عنه إنجيل يوحنا: كان مع اندراوس، تلميذ يوحنا المعمدان: هوذا حمل الله. تبعه اندراوس والتلميذ الآخر وأقاما معه في ذلك النهار (1: 39). إنه شخص "معروف لدى عظيم الكهنة" وقد استطاع أن يُدخل بطرس إلى دار القصر ساعة كان يسوع يُستجوَب في الداخل (18: 15).
ومهما يكن من أمر ف "التلميذ الحبيب" يقف عند صليب يسوع. حينئذٍ اعطاه يسوع أمه أماً له. "ومنذ تلك الساعة أخذها التلميذ إلى بيته" (19: 27). وسيكون ذاك التلميذ هناك حين يطعن الجندي جنب يسوع الذي مات منذ مدة قصيرة. وسيشهد على الماء والدم اللذين خرجا من هذا الجرح (19: 35).
إن إنجيل يوحنا هو ثمرة جماعة تعود بشكل خاص إلى هذا "التلميذ الحبيب"، بعد أن عاشت معه مدة طويلة. هذه الجماعة هي "الجماعة اليوحناوية".

2- ماذا نعرف عن هده الجماعة
هناك ثلاث رسائل ليوحنا تعود إلى المصدر الذي نبع منه إنجيل يوحنا. هي تقول لنا إن الجماعة اليوحناوية انتشرت في مدن عديدة (3 يو 3- 9). هناك تبادل على مستوى المرسلين المتجوّلين. وهناك توتّرات ايضاً. فديوتريفس، المسؤول عن الجماعة في إحدى هذه المدن، يرفض أن يستقبل موفدي كنائس الرسالة الثالثة. وفي الرسالة الثانية، طلب الكاتب من المؤمنين أن لا يستقبلوا المرسلين الذين يشتمّ الضلال من تعليمهم. وفي الرسالة الأولى نرى أن هذه التوترات صارت انفصالاً وشقاقاً. "خرجوا من بيننا وما كانوا منا" (1 يو 2: 19).
كيف نعرف أن شخصا من الاشخاص هو في الكنيسة الحقيقية؟ نجد الجواب في 1 يو و2 يو. المعيار الوحيد هو "أن يسوع جاء في الجسد"، كان من لحم ودم (1 يو 4: 2؛ 2 يو 7) لقد خلّصنا "لا بالماء فقط بل بالماء والدم" (1 يو 5: 6). فالذين ينكرون هذه "العقيدة" هم قريبون من الهراطقة الذين سيحاربهم أغناطيوس الانطاكي. ليعتبروا نفسهم قدر ما يشاؤون، فهم "لم يروا الله" (3 يو 10).

3- الدواء لهذه الانحرافات
شدّد صاحب الرسائل مراراً على "المسحة" التي هي تماسك تدفع المسيحيين لكي يعيشوا كمؤمنين في يسوع المسيح. وهي مقاسمة نعيشها بالعمل والحق مع الذين حُرِموا من خيرات هذا العالم. "من كانت له خيرات العالم ورأى أخاه محتاجا فأغلق قلبه عنه، فكيف تثبت محبة الله فيه. يا أبنائي، لا تكن محبتنا بالكلام أو باللسان، بل بالعمل والحق" (1 يو 3: 17- 18).
إن صاحب الإنجيل الرابع في قسمه الثاني (ف 13- 21) يشدّد على بُعد المحبة هذا. فيبرز المسؤولية التي تسلّمها بطرس من يسوع. لا شكّ في أن حدس بطرس لا يضاهي حدث التلميذ الحبيب، ولكن إليه سلّمت مهمة رعاية القطيع ثلاث مرات (21: 15- 17). "أتحبني؟ إرعَ خرافي".
حين وصل التلميذ الحبيب قبل بطرس إلى القبر، لم يدخل. بل ترك بطرس يدخل أولاً ليكون أول شاهد لقيامة يسوع. وإذ خاف المدوّن الإنجيلي من أن تتمزق الشبكة (21: 11). من أن تكون صلاة يسوع غير فاعلة (17: 21: إجعلهم واحداً)، تحدّث عن الخدمة في الكنيسة وعن المسؤولية الرسولية من أجل تماسك الجماعات في إنجيل يسوع. ودعا الجماعة اليوحناوية بشكل خاص لكي لا تنغلق على ذاتها. بل أن تنفتح على الكنيسة كلها.

4- جماعة لها تاريخها
نحن في سنة 95 تقريبا، ساعة التدوين النهائي للانجيل. في ذلك الوقت كان "التلميذ الحبيب" قد مات. فعلى المدوّن الإنجيلي أن يفسرّ هذا الموت الذي طرح مشكلة صعبة في الجماعة. كانوا يظنّون أن التلميذ الحبيب سيحيا حتى عودة يسوع. "ولكن يسوع لم يقل إن التلميذ لا يموت، بل إن شئت أن يبقى إلى أن أجيء" (يو 21: 23). وتلقطت الجماعة إرثه وكتاباته. هذا ما نقرأ في أواخر الإنجيل: "هذا التلميذ هو الذي يشهد بهذه الأمور وقد كتبها، ونحن نعرف أن شهادته صادقة" (21: 24). هذه الآية مهمة جداً وهي تفرض وجود شخصين كتبا الإنجيل: هناك التلميذ الحبيب. وهناك ذاك (أولئك) الذي كتب هو ايضاً فقال عن التلميذ إن بشهادته صادقة" (رج 19: 35).
غير أن هناك صفحات عديدة في إنجيل يوحنا تعود إلى مناخ آخر. هي لا تعكس هذه الصراعات الداخلية. بل تدّل على المراحل السابقة في حياة هذه الجماعة.
أ- الحوار مع السامرية
إن الحوار مع السامرية ينتهي بحمل الإنجيل إلى قرية كاملة في السامرة. صفحة متفائلة في إنجيل يوحنا. قال السامريون: "سمعناه بأنفسنا وعرفنا أنه بالحقيقة هو مخلّص العالم" (4: 42). من المعقول أن تعود نُواة الجماعة اليوحناوية إلى أصل سامري. ونحن نشعر حين نقرأ ف 4 افتخار شعب بما وكل إليه، وحماسا رسولياً لم يمرّ عليه وقت طويل.
ب- والجليل
ويشدّد الإنجيل على أن تلاميذ يسوع الأولين كانوا جليليين. فالجليليون هم يهود يمارسون ديانتهم رغم السمعة السيئة التي لهم لدى فريسيّي أورشليم. والاسبوع الأول في حياة يسوع، منذ الاردن إلى قانا، يبدو متفائلاً ايضاً وهو ينتهي بهذه الملاحظة: "أظهر مجده فآمن به تلاميذه" (2: 11).
بعد هذا سوف نرى صيادي الجليل (بيت صيدا) يحملون اليونانيين إلى يسوع. جاؤوا إلى فيليبس وقالوا له: "نريد أن نرى يسوع". فذهب فيليبس وأخبر اندراوس، وفيليبس واندراوس أخبرا يسوع (12: 20- 22).
يعيش الجليليون على ملتقى الطرق التي تؤدّي إلى الوثنيين، ولكنهم متعلّقون في العمق بالايمان بالرب (يهوه). وجماعة يوحنا لم تكن مؤلّفة فقط من أناس يعيشون على هامش العالم اليهودي. فبعد الثورة اليهودية الاخيرة، إفتتحت المدارس الرابانية اليهودية في الجليل. إفتتحت في صفورية وفي طبرية. هذا يعني أن الجليل لم يكن منطقة نكرة في العالم اليهودي.
ج- العماديون
وكان تلاميذ يسوع الاولون من العماديين، من الذين يمارسون الغسل والعماد كتعبير عن التوبة على الخطايا. ويبدو يسوع في البداية كشخص مجهول (لا يعرفون اسمه) وسط هذه المجموعة. "قال يوحنا: أنا أعمّد بالماء، وبينكم من لا تعرفونه" (1: 26). وسيقول لنا إنجيل يوحنا فيما بعد إن يسوع أو تلاميذه كانوا يعمدّون كما كانت تفعل مجموعة المعمدان (3: 22- 26). وحين دوّن الإنجيل لم يكن تلاميذ المعمدان قد انتقلوا كلهم إلى المسيحية. ذاك هو وضع مجموعة وُجدت في أفسس وقد قبلت "معمودية يوحنا" ولم تسمع "حتى بوجود الروح القدس" (أع 19: 2- 3)
أما الذين صاروا أعضاء في الجماعة المسيحية، فحاولوا أن يقنعوا الآخرين أن المعمدان "لم يكن هو النور" (1: 7). إن هدفه الوحيد هو أن "يشهد للنور" (1: 7؛ رج 5: 35).
د- اليهود
وتألّفت جماعة يوحنا أيضاً من يهود تألّموا حين طردوا من المجمع. أمام هذا الوضع، قد يكون بعضهم تخلّى عن الايمان المسيحي (8: 31). وهناك آخرون آمنوا سراً لأنهم خافوا السلطات اليهودية (9: 22؛ 12: 42). وآخرون غيرهم واجهوا مخاطر الاضطهاد. إليهم يتوجّه كلام يسوع: "سيطردونكم من المجمع، بل تجيء ساعة يظنّ فيها من يقتلكم أنه يؤدّي فريضة لله" (16: 2).
وتدلّنا صفحات الإنجيل على أن بعض الوجهاء اليهود قد تقدّموا في الايمان بالمسيح (3: 2). وتدلّنا صفحات أخرى على أن روح التوبة صار بعيداً جداً. وجرى جزء كبير من رسالة يسوع في أورشليم خلال الأعياد اليهودية. وقد بيّن الإنجيلي عداء الرؤساء، وهو عداء يستبق محاكمة يسوع. أما الشعب فبدا منقسماً. ذاك كان الوضع أيضاً في نهاية القرن الأول.
4
مرحلة جديدة في الإنجيل
12: 23

لقد أتت الساعة التي فيها يتمجّد ابن البشر.
في كتاب سابق توسّعنا في الفصول الاثني عشر الأولى لدى يوحنا. وتوقّفنا عند الخاتمة الموقتة التي نقرأها في 12: 27- 50. وها نحن نعود إلى القسم الثاني الذي عنوانه "الآلام والمجد"، والذي يبدأ بمقدّمة إحتفالية إلى خبر الآلام. فقد رأى يسوع أن قد جاءت ساعة عودته إلى الآب.

1- القسم الثاني من إنجيل يوحنا
ماذا في هذا القسم من الإنجيل؟
- عشاء يسوع الأخير مع تلاميذه، تليه خطبة طويلة، هي خطبة الوداع (13: 1- 17: 26).
- خبر الآلام (18: 1- 19: 42).
- ظهورات القائم من الموت وهي تبدو في مرحلتين. الأولى (20: 1- 29) مع خاتمة أولى (20: 30- 31). والثانية (21: 1- 24) مع خاتمة ثانية (21: 25).
تفرّد يوحنا عن سائر الإنجيليين، فأورد خطبة وداع تحتلّ مكانة هامّة جدًّا. لم تتضمّن خطبة لوقا إلاّ بضعَ آيات (لو 22: 34- 38). تركّزت على الخدمة، وقابلت مع ما قاله يوحنا من خلال فعلة كسل الأرجل. لقد سجّل يوحنا في هذه الخطبة جميع النقاط البارزة في تعليمه: المحبة والخدمة الأخوية. تجذّر المؤمنين في شخص يسوع. الشهادة التي نشهدها بقوّة الروح المعزّي. وحدة الجماعة. الرباطات الوثيقة بين يسوع والآب.
نجد في هذا النص أقوالاً تصدمنا وتلتقي مع خبرتنا اليومية. "أحبوا بعضكم بعضاً كما أنا أحببتكم". نشعر أننا أمام تأكيدات ذات بعد مسكوني، تأكيدات تحتفظ بقيمتها في كل العصور. ولكن لا ننسَ أنها وُلدت في كنيسة محدّدة في التاريخ. وإذ أبرز يوحنا هذه المواضيع المختلفة، ربط ما قاله بما يعيشه المؤمنون في المحيط الذي فيه يكتب. حين نقول هذا الكلام، لا نريد أن نتناسى العمق الروحي لهذه النصوص ولا قوة السحر التي تشّع منها، بل نريد أن نتذكّر أن الله، منذ الإبتداء، يكلّم البشر إنطلاقاً من أحداث تطبع التاريخ بطابعها.
ولهذا أردنا في هذا الجزء اليوحناوي الثالث أن نبدأ قراءتنا بإلقاء الضوء على وضع هذه الكنيسة التي نبت فيها إنجيل يوحنا.

2- جماعة مطبوعة بالنزاعات
لاحظنا في "كتاب الآيات" مجموعات عدّة يعتبرها الإنجيلي معارضة لإنجيل: هناك اليهود، والعالم، والمنشقّون، وتلاميذ يوحنا المعمدان.
أ- اليهود
يبدو إنجيل يوحنا بشكل دعوى كبيرة بين يسوع واليهود. فالجماعة اليوحناوية، أو جماعة تلاميذ يوحنا، قد أصابتها إجراءات طرد المسيحيين من المجامع، من الجماعات اليهودية. نحن نقرأ في 9: 34 عن الأعمى منذ مولده. شفاه يسوع فدافع عن الذي شفاه. حينئذٍ طرده اليهود من المجمع. ولقد كانوا اتفقوا على أن يطردوا من المجمع "كل من يعترف بأن يسوع هو المسيح" (9: 22). وفي 12: 42، نعرف أن كثيراً من رؤساء اليهود آمنوا بيسوع، ولكنهم لم يعلنوا إيمانهم "لئلا يُطردوا من المجمع". وسيقول يسوع لتلاميذه: "سيطردونكم من المجامع" (16: 2). هذا ما حدث للمسيحيين في نهاية القرن الأول وبعد إجراءات مجمع "يمنية" (قرب يافا).
مسافة شاسعة بين العالم اليهودي والعالم المسيحي. وما يدلّ على هذا الوضع هو عبارة "شريعتكم" (أنتم) التي جُعلت في فم يسوع. في 8: 17 تقول "شريعتكم إن شهادة شاهدين صحيحة" (رج تث 19: 15). وسأل يسوع اليهود: "أما جاء في شريعتكم" (10: 34)؟
ب- العالم
عارض اليهود المسيحيين، ولم يكونوا وحدهم. فقد عارضهم الوثنيون أيضاً واستبعدوهم عن مجتمعهم. ثم إن الجماعة المسيحية شابهت خارجياً أية جماعة أخرى وُجدت في أيامها: أمانة لله، عضويّة في تجمّع واحد، تعاون مشترك. وجاء أعضاء الجماعة المسيحية من مختلف الطبقات الاجتماعية، من الفقراء والأغنياء. وقد وجد أولئك مكاناً يختبرون فيه الأخوّة الحقيقية ساعة يرفض المجتمع العادي أن يعترف بوجودهم.
خافت السلطة من هذه التجمّعات فحاولت أن تمنعها. وأصاب المنعُ المسيحيين أيضاً. زد على ذلك، أن المسيحيين انفصلوا عن العالم اليهودي فلم يعد يحميهم الوضع الذي عرفه اليهود في العالم الروماني، وفيه ما فيه من إمتيازات: عليهم أن يكونوا مثل جميع المواطنين في الامبراطورية فيشاركون في الديانة الرسمية ويتعبّدون للامبراطور. والويل لهم إن لم يقدّموا البخور! فالموت ينتظرهم. لأن امتناعهم عن مثل هذا العمل الديني يعتبر نقصاً في الولاء وخيانة على المستوى الوطني.
ج- المنشقون
هناك تلاميذ رافقوا يسوع ثم تخلّوا عنه في الطريق. هذا ما نفهمه من المناخ الذي أحاط بخطبة خبز الحياة. كان يسوع في مجمع كفرناحوم فقال: "من أكل جسدي وشرب دمي، يثبت فيّ وأنا فيه" (6: 52). إستصعب كثير من تلاميذه هذا الكلام. تخلّوا عن يسوع "وانقطعوا عن مصاحبته" (آ 66). فجاء كلام يسوع إلى الاثني عشر: "وأنتم، أما تريدون أن تتركوني مثلهم" (آ 67)؟
وفي حوار يسوع مع اليهود، نفهم أن كثيراً من الناس آمنوا به (8: 30). حينئذٍ قال يسوع للذين آمنوا به: "إذا ثبتم في كلامي صرتم حقاً تلاميذي" (آ 31). ونفهم أن عدداً من الناس لم يجسر على التظاهر مع يسوع خوفاً من اليهود. هناك والدا الأعمى منذ مولده. تحاشيا الجواب عن وضع ابنهما: "لا نعلم، لا نعرف من فتح عينيه" (9: 21). وهناك الرؤساء الذين أرادوا مسايرة الفريسيين، فما أعلنوا إيمانهم (12: 42). لقد فضلوا رضى الناس على رضى الله (آ 43). فيهم يقول يوحنا في رسالته الأولى: "خرجوا من بيننا وما كانوا منا. فلو كانوا مّنا لبقوا معنا. ولكنهم خرجوا ليتّضح أنهم ما كانوا كلهم منا" (2: 19).
د- تلاميذ يوحنا المعمدان
اعتبر تلاميذُ يوحنا المعمدان أن معلّمهم هو المسيح. ولهذا عاد الإنجيلي مراراً إلى تحديد مهمة يوحنا المعمدان وشهادته. قال في مطلع الإنجيل: "ظهر رسول من الله اسمه يوحنا. جاء يشهد للنور حتى يؤمن الناس على يده. ما كان هو النور، بل شاهداً للنور" (1: 6- 8). يوحنا هو الشاهد. أما يسوع فهو وحي الآب في العالم. "الكلمة هو النور الحقّ الذي جاء إلى العالم لينير كل إنسان" (آ 9).
ونقرأ في 3: 28- 30 بلسان المعمدان: "أنتم أنفسكم تشهدون بأني قلت: ما أنا المسيح. من له العروس فهو العريس. وأما صديق العريس، فيقف بجانبه يصغي فرحاً لهتاف العريض. ومثل هذا الفرح هو فرحي، وهو الآن كامل. له هو أن يزيد، ولي أنا أن أنقص. يوحنا هو الخادم الذي يخضع لسيده. يوحنا هو التلميذ الذي يصغي إلى المعلّم.
منازعات مع الذين من الخارج. منازعات مع الذين في الداخل. فالمنازعات تخترق الجماعة المسيحية. ولهذا يندّد الإنجيلي بالذين يؤمنون سرًّا ويخافون أن يجاهروا بإيمانهم لئلا يُطردوا من المجمع. هذا هو وضع نيقوديمس الذي "جاء إلى يسوع ليلاً" (3: 2). هذا هو وضع الذين يمارسون المسايرة على حساب تعلّقهم الجذري بالإيمان الجديد.

3- شخص يسوع
ما هو موضوع الخلاف؟ شخص يسوع. هذا ما يشير إليه إنجيل يوحنا ورسائله.
أ- ابن الله
هناك من يقول بأن يسوع هو نبي وحامل كلام الله. ولكنهم لا يستطيعون أن يقبلوا بأنه "الابن"، بأنه الله وابن الله. فالمسيحيون الذين من أول يهودي يرون أن مثل هذا التأكيد يعارض إيمانهم بالله الواحد. لهذا شدّدت الخاتمة الأولى على هذه الحقيقة، فقالت: "لكي تؤمنوا أن يسوع هو ابن الله" (20: 31).
ب- واقع التجسد
وأنكر آخرون واقع التجسّد. يقولون: لا يُعقل أن يكون ابن الله قد اتخذ جسداً مثل جسدنا، أن يكون بشراً، أن يكون من لحم ودم مثلنا. وآخرون قبلوا بتجسّد ابن الله، ولكنهم لم يروا في التجسّد أمراً جوهرياً. المهم هو تعليم الخلاص الذي يحمله، الحياة التي ينقلها إلى البشر. ما همنا كيف عاش يسوع ومات. مثل هذه المواقف مطبوعة بالتيارات الغنوصية. يقولون: العالم السفلي، عالم المادة هو عالم شّرير. فيجب أن نتفلّت منه. كيف؟ بواسطة مخلّص يحمل وحياً، يحمل معرفة محفوظة لفئة صغيرة من المميّزين. فهؤلاء وحدهم يستطيعون أن يعاودوا الصعود إلى العالم العلوي، إلى العالم الروحي.
ردّ الإنجيلي على هذه المواقف منذ السطور الأولى في إنجيله: "والكلمة صار بشراً، صار من لحم ودم، إتخذ جسداً" (1: 14). ثم إن إنجيل يوحنا يسمّي يسوع "رجلاً". وبصورة إحتفالية في فم بيلاطس: "هوذا الرجل" (19: 5). إنه إنسان ضعيف وسيشهد يوحنا على بشريّة يسوع حين يطيل الحديث عن الحربة التي اخترقت قلب يسوع فأخرجت منه دماً وماء (19: 34). هذا ما يدلّ على حقيقة موت يسوع. وبالتالي على أنه بشر من لحم ودم.
ودوّنت رسائل يوحنا بعد الإنجيل، فجاءت تصحّح تفاسير خاطئة للإنجيل. وهي تشدّد على واقع حياة يسوع وموته. نقرأ في 1 يو 4: 2- 3: "كل روح يعترف بيسوع المسيح أنه جاء في الجسد يكون من الله. وكل من لا يعترف بيسوع لا يكون من الله". وتحدّثت 2 يو 7 عن "المضلّلين الذين لا يعترفون بمجيء المسيح في الجسد". حين دوّنت هذه الرسائل، عرفت الجماعة اليوحناوية أزمة خطيرة، بعد أن انقطع عنها قسم من أعضائها (1 يو 2: 18- 19). وقد وُجد هذا التوتر داخل الجماعة ساعة دوّن الإنجيلي ف 13- 21.

4- كنيسة تعرف المنازعات
لا يستطيع الإنجيلي أن يفكّر في الكنيسة خارجاً عن الوضع الخاص الذي فيه يعيش. ولا يقدر كتاب من كتب العهد الجديد أن يقول لنا كل شيء عن الكنيسة. فكل كتاب يشدّد على ناحية ويترك في الظلّ نواحي أخرى. منذ البداية تألّفت الكنيسة من كنائس مختلفة، واحتاجت كل واحدة أن تقف تجاه الأخرى لتحمل إليها ما هو خاصة بها، وتتقبّل منها خبرة مختلفة. لم يترك يسوع لتلاميذه مخطّطات جاهزة لبناء الكنيسة. خاطر، فاتكل على حريتهم وإمكانية الاستنباط عندهم والمشاركة مع روحه الذي أعطاه لهم. فما هي الأمور التي شدّد عليها يوحنا خصوصاً في القسم الثاني من إنجيله، في كتاب الآلام والمجد؟
أ- تعلّق شخصي بيسوع
هذا ما يجب على كل مؤمن أن يفعله. نتقبّل الملكوت الآتي والدخول في الجماعة يعنيان أننا نكون واحداً مع يسوع كما كان هو واحداً مع أبيه. وإن في مثل هذه العلاقة وهذا التجذّر، ما يساعدنا على حمل الثمار، على الثبات بوجه الاضطهاد، على تجنّب تفكّك الجماعة. وسيشدّد الإنجيلي أيضاً على هذه الوجهة بالوعد عن عون الروح البارقليط ومجيئه إلى التلاميذ.
ويبرز يوحنا هنا أموراً أساسية في حياة المؤمن: رباط مع شخص يسوع، قرار حرّ وشخصي يتخذه كل واحد منا. ولكن الخطر يكمن في أن "نقوي" هذه العلاقة الشخصية ونستبعد كل بعد جماعي في الشعب فنسقط في الفردية. نقول: "أنا والله فقط". لا نهتمّ بالقريب. أو: "نحن والله فقط" فنجعل من "رعيتنا" جماعة مقطوعة عن سائر الكنيسة.
ب- المحبة وخدمة الأخوة
تعرف الجماعة اليوحناوية شعوراً كبيراً بالمشاركة، بالانتماء إلى عائلة واحدة. فعلى الحياة بين المؤمنين أن تحقّق هذه الأخوة التي يرذلها العالم مفضلاً عليها المنفعة والإفادة. وتكون هذه المحبة حسب "كما أنا أحببتكم". إن حب المسيح يذهب بعيداً: إنه يعمل أعمال الله. إنه يبذل حياته.
ولكن الخطر يكمن في أن لا نمارس المحبة إلاّ داخل الجماعة: وأن نبقى في "خط الدفاع" أمام هذا العالم الخارجي الذي "يتعدّى" علينا، والذي أحبّه الله حتى انه أرسل إليه ابنه الوحيد، وأن نتجاهل الجماعات الأخرى.
ج- وضع التلميذ
في النصوص التي نقرأها لدى يوحنا، هناك شخص يلعب دوراً هاماً: التلميذ الحبيب. هذا التلميذ هو شاهد تاريخي ليسوع، وهو في أساس إنجيل يوحنا. "هذا التلميذ هو الذي يشهد بهذه الأمور ويدوّنها" (21: 24). هذا الشاهد بارز وهو صورة نموذجية عن المؤمن الذي هو تلميذ يسوع وموضوع حبّه.
حين نصير تلاميذ حقيقيين نبني الكنيسة. في هذا المجال نكون متساوين مهما كانت مسؤولياتنا. إن يوحنا لا يسمّي الاثني عشر الرسل. لا شكّ في أنه يشير إلى الدور الرسولي بعبارات عميقة جداً (13: 16- 20؛ 20: 21). غير أنه يعتبر الرسل أولاً أنهم تلاميذ. وهذا ما يتيح له أن يبرز دور النساء في حياة الجماعة.
د- تجذّر في الكنيسة
مساواة أساسية بين المسيحيين. ومع ذلك فإن ف 20- 21 يشيران إلى مكانة بطرس الخاصة قرب التلميذ الحبيب. هذا ما يدلّ على تطوّر في الجماعة اليوحناوية: ساعة عرفت الأزمة والانقطاع، أحسّت بالحاجة إلى التأكيد على مكانة بطرس، وإلى تقوية علاقاتها بسائر الكنائس التي اختلفت عنها أو ولدت في نشاط بولس الذي يبرز بشكل خاص الوظيفة الرسولية. ففي الأوقات الصعبة، هناك في الكنيسة مسؤولية خاصة تحافظ على الأمانة لتقليد تسلّمناه. وفي ف 17 يبرز الإنجيلي إهتمام يسوع بوحدة أخصّائه. "إجعلهم كلّهم واحداً ليكونوا واحداً فينا، أيها الآب، مثلما أنت فيّ وأنا فيك، فيؤمن العالم أنك أرسلتني" (آ 21).

5
غسل الأرجل
13: 1- 20

عرف يسوع أن ساعته جاءت لينتقل من هذا العالم إلى الآب.
في القسم الأولى من الإنجيل، توجّه يسوع إلى جميع البشر، فعرض عليهم أن يؤمنوا به كمرسل الآب. وفي هذا القسم الثاني تضيق الحلقة. هو لا يتحدّث بعد الآن إلاّ إلى مجموعة محصورة في أولئك الذين قبلوا أن يؤمنوا. لقد انتهت معركة الإيمان وترك يسوع ضجيج هذا العالم واضطرابه وظلماته وعدم إيمانه. واعتزل حاملُ الوحي مع أخصائه في جوّ من الهدوء الداخلي. ها قد جاءت الساعة التي أعلنها القسم الأول وهيّأها. ويختلف خبر الآلام عن خطبة الوداع فيتحدّث عن مسيرة الساعة، عن تمجيد الإبن، وهذان أمران لا يدركهما إلاّ المؤمنون الذين يتعرّفون إلى مجد الإبن عبر الظواهر المأساوية والمذلّة في نظر البشر.
وتعطي ف 13- 17 معنى الحدث. يتكلّم يسوع مطوّلاً مع تلاميذه وخطبته هي خطبة وداع، هي وصية "أب" لأبنائه قبل أن يذهب إلى الموت. وتبدأ هذه الفصول بغسل الأرجل.

1- مدخل إلى كتاب المجد (آ 1)
"الساعة التي هي موضوع كتاب الآلام والمجد ترينا موت يسوع. فإن يوحنا يرى أن يسوع يقترب من الموت فيقوم بفعل حبّ من أجل الذين آمنوا به. وهذا يوضح لنا أن موت يسوع كان انتصاراً لأنه عودة إلي الآب. ونقابل 13: 1 مع لو 9: 51: "وإذ كانت أيام ارتفاعه قد تمّت، صمّم أن ينطلق إلى أورشليم". هذا يدلّ في لوقا على نهاية الرسالة في الجليل وبداية الإنطلاق نحو الموت الذي سيرفعه إلى السماء. ويتبع هذا التحرّك خطب طويلة ليسوع مع تلاميذه في طريقه إلى أورشليم.
هاتان الفكرتان عن حبّ يسوع لتلاميذه الذين يتركهم، وعودته إلى الآب، سيخترقان كتاب الآلام والمجد. فقد شدّد يوحنا منذ الآية الأولى على وعي يسوع إلى ما سوف يحدث. نقرأ في آ 3: "وكان يسوع يعرف أن الآب جعل في يديه كل شيء، وأنه جاء من عند الله وإلى الله يعود". وفي 18: 4: "فتقدّم يسوع وهو يعرف ما سيحدث له". وفي 19: 28: "ورأى يسوع أن كل شيء تمّ". هذا يتوافق مع ما قاله يسوع في 10: 8: "ما من أحد ينتزع حياتي مني، بل أنا أضحّي بها راضياً. فلي القدرة أن أضحّي بها، ولي القدرة أن أستردّها".


2- مقدمة إلى غسل الأرجل (آ 2- 3)
إذا فسرّنا غسل الأرجل كفعلة نبوية ترمز إلى موت يسوع، فإن آ 1 هي مقدمة لغسل الأرجل. ولكننا نجد التهيئة المباشرة للغسل في آ 2- 3. فالخيانة تذكر في آ 2 بحيث يربط القارىء بين موت يسوع وغسل الأرجل. وقد قام يسوع بهذه الفعلة التي ترمز إلى موته بعد أن تحرّكت القوى التي تقوده إلى الصلب. هناك تكرار بين آ 2 وآ 27 في تصوير سيطرة الشيطان الكاملة على يهوذا. تقول آ 2 إن الشيطان جعل في قلب يهوذا العزم على خيانة يسوع. أما آ 27 فتقول إن الشيطان دخل في يهوذا. بهذين الإيرادين عن يهوذا، الأول في بداية العشاء والثاني في نهايته، كان يوحنا في خط التقاليد الإنجيلية. رج مر 14: 10- 11 (مضى يهوذا الاسخريوطي) بالنسبة إلى ما قبل العشاء، و14: 17- 21 بالنسبة إلى ما تمّ خلال العشاء (واحد منكم سيُسلمني). ونقرأ أيضاً في لو 22: 3: "ودخل الشيطان في يهوذا، الملقّب بالاسخريوطي".
وتقول آ 3 إنّ الآب جعل في يد يسوع كل شيء. هذا القولُ ذكر خلال حياة يسوع الرسولية (3: 5؛ 6: 39؛ 10: 29). لهذا لا نستطيع أن نتكلّم عن سلطة خاصة أعطيت ليسوع لأنه قد تمجّد "في الساعة". هناك من ينطلق من هذه الآية ليربط غسل الأرجل بسرّ العماد، وذلك على خطى ما قاله الآباء. ولكننا لسنا فقط أمام سلطة شاملة من أجل رسالة الخلاص. فغسل الأرجل كفعلة ترمز إلى موت المسيح هو موضوع احتفال لأنّ يسوع يعرف أن له القوة لكي يخلّص الآخرين والقوة بأن يقدّم حياته من أجل هذا الهدف.
وتعلن آ 3 أيضاً أن يسوع سار في هذا الطريق لأنه عرف أنه جاء من عند الله ويعود إلى الله. وهذه إشارة أخرى تدلّ على ارتباط غسل الأرجل بموت يسوع. "جاء من عند الله". هذا يعني انه "إبن الله" الذي يخضع للموت فيبرز عنصر الذلّ المنظور في غسل الأرجل وفي الموت الذي يرمز إليه.

3- غسل الأرجل (آ 4- 5)
كان الناس يلبسون "الساندال"، وكان الغبار على طرقات غير معبّدة. لهذا فرضت الضيافة على أهل البيت أن يقدّموا مياهاً لضيفهم حتى يغسل رجليه. ويقول مدراش مكيلتا حول خر 21: 2 بأن غسل أرجل السيد لم يكن مفروضاً على العبد اليهودي، وقد يكون الغسل علامة تقوى يقوم بها تلميذ تجاه معلّمه (رابي). ويبدو أن يسوع يلمّح إلى هذه العادة في آ 13- 14 (أنتم تدعونني معلماً وسيداً).
وهكذا تواضع يسوع وأخذ "صورة العبد". هذا ما نجده في كلمات لو 12: 37: "طوبى لأولئك العبيد الذين، إذا ما وافى سيدهم، وجدهم ساهرين. فالحق أقول لكم: إنه يشدّ وسطه ويتكئهم ويدور عليهم يخدمهم". غسل الأرجل هو عمل تقوى وتواضع وهو أيضاً عمل حب. هنا نجد في خبر يوسف واسنات (ف 20) (دوّن في الإسكندرية بين سنة 100 ق. م. و100 ب. م) أن اسنات أرادت أن تغسل قدمي يوسف الذي سيصير زوجها. عارض يوسف وقال إن هذا هو عمل الخادمة. فهتفت أسنات: "رِجلاك رِجلاي. ولا أحد غيري يغسل لك رجليك".
لا نجد شيئاً في طقوس عشاء الفصح ما يقابل مع غسل الأرجل. فهذا الغسل يتمّ حين يدخل الإنسان إلى البيت لا خلال الطعام. إن طقس الفصح يفرض غسل الأيدي بعد الكأس الثانية، ولكننا لا نستطيع أن نرى في عمل يسوع تطبيقاً لهذا العادة.

4- حوار حول معنى غسل الأرجل (آ 6- 11)
إن المفتاح الذي يدخلنا إلى رمزية غسل الأرجل يكمن في الحوار بين يسوع وبطرس. من الصعب أن نتأكّد أن بطرس حين قدّم اعتراضه، كان لسان حال سائر التلاميذ كما في 6: 68 (إلى مَن نذهب يا رب؟ إن عندك كلام الحياة الأبدية) أو فعل باسمه الخاص كما في 18: 10 (استلّ سيفه) أو 21: 7 (لما سمع سمعان أنه الرب، ألقى نفسه في الماء). مع أن للحوار رنّة رمزية، فبطرس قد اضطرب حين رأى ما يعمله معلمه. فمنذ آ 7، نرى أن يسوع أراد أن يعطي أكثر من أمثولة في التواضع يستطيع تلاميذه أن يفهموها. فقد أراد أكثر من ذلك، وهذا ما لا يُفهم إلا بعد أن تحلّ "الساعة" (رج 2: 22؛ 12: 16). قد يكون بطرس رأى عمق تواضع يسوع وحبه. ولكن آ 7 تشدّد على المعنى الأخير لغسل الأرجل: "ستفهم فيما بعد".
وتشير آ 8 إلى معنى أعمق: فغسل الأرجل هو من الأمية بحيث إن التلميذ الذي يرفضه يخسر الميراث مع يسوع. يتحدّث النصّ لا عن روح الغسل بل عن ضرورة الغسل في ذاته. فيسوع لا يقول لبطرس: "إن كنت لا تسمح بأن تُغسل" (هذا يعني مشاركة بطرس). بل يقول: "إن كنت لا أغسلك". هذا يتضمّن عملاً خلاصياً من قِبَل يسوع، لا مثلاً يُحتذى به. وهذا ما يعارض آ 17 التي تشدّد على العمل الذي يمكن أن يقوم به التلاميذ.
إن لكلمة "ميراث" في آ 8 معناها العميق. الكلمة في الأدب اليوناني تعني المشاركة، المقاسمة. ولكنها في السبعينية تترجم "حلق" العبرية، وهي الكلمة التي تدلّ على ميراث يعطيه الله في أرض إسرائيل. كل قبيلة نالت حصّتها في أرض الموعد فكان ذلك ميراثها من عند الله (عد 18: 20؛ تث 12: 12؛ 14: 27). وحين تحوّل رجاء إسرائيل إلى الحياة الأخرى صوّر "الميراث" لدى شعب الله بكلمات من السماء. وكان الإستعمال الاسكاتولوجي للميراث للحديث عن الجزاء الأبدي في رؤ 20: 6؛ 21: 8؛ 22: 9. ويتثبّت تفسير هذه الكلمة لأن يسوع يتحدّث عن الميراث "معي". فموضوع اتحاد التلاميذ مع يسوع في السماء يظهر في الخطبة الأخيرة (14: 3؛ 17: 24). هنا نتذكر خبر لوقا خلال العشاء الأخير. قال يسوع: "أنا أعدّ لكم الملكوت كما أعدّه لي أبي، لكي تأكلوا وتشربوا على مائدتي في ملكوتي" (لو 22: 30). ونتذكّر أيضاً كلمة يسوع للصّ: "اليوم تكون معي في الفردوس" (لو 23: 43).
وهكذا يكون واضحاً بأن غسل الأرجل هو ما يمكّن التلاميذ من الحياة الأبدية مع يسوع. ونحن نرى هذا التشديد معقولاً حين نفهم أن غسل الرجل يرمز إلى موت يسوع الخلاصي. فإن "تمرّد" بطرس عند غسل الأرجل يشبه ردّة فعله السلبية حين أنبأ يسوع للمرة الأولى بآلام ابن الإنسان (مر 8: 31- 33). هنا تبدو طريقة يوحنا في التشديد على ضرورة قبول عثار الصليب. وهناك إشارة إلى المعمودية حيث تظهر كلمة "ميراث" في إطار عمادي (1 بط 1: 3- 4؛ تي 3: 7).
ويتتابع الخبر في آ 9 مع عدم الفهم الذي يميّز إنجيل يوحنا. ولكن من المفيد أن نرى كيف أن الكاتب ضمّ تقنية أدبية مع عنصر من الحماس يميّز بطرس. لقد ذهب بطرس إلى النهاية: إذا كان غسل الأرجل يمنح الميراث مع يسوع، فليغسله يسوعُ كلَّه. وهكذا دلّ بطرس على أنه لم يفهم. فبيّن يسوع أننا لسنا أمام غسل طبيعي في حدّ ذاته، بل أمام رمز الغسل (آ 10 أ).
نزك الآن آ 10 أ، ونتوقّف عند معنى كلام يسوع: "من اغتسل لا يحتاج إلى غسل، هو طاهر كله". إذا كان "اغتسل" يعود إلى غسل الأرجل، فيسوع يقول لبطرس إنه أضاع المعنى حين ظنّ أن عدد المرات التي فيها يغتسل يزيد ميراثه مع يسوع. فغسل الأرجل مهمّ فقط لأنه يرمز إلى موت يسوع. ظنّ عدد من الشرّاح أن يسوع أراد أن يحذّر تلاميذه من تفسير عمله كأنه أمر لغسل طقسي من النوع الذي نجده في العالم اليهودي. وهكذا رأوا في كلامه "هجوماً" ضدّ غسل متكرّر يفرضه الفريسيون أو الإسيانيون أو تلاميذ يوحنا المعمدان.
إن فعل "غسل" يجعلنا نعطي تفسيراً عمادياً لغسل الأرجل. هذا الفعل هو المستعمل في الحديث عن العماد في العهد الجديد. نقرأ في أع 22: 16 ما قاله حنانيا لشاول (أي بولس): "قم فاعتمد واغتسل (وتطهّر) من خطاياك داعياً باسم الرب". ويعلن تي 3: 4: "خلّصنا... بغسل الميلاد الثاني والتجديد في الروح القدس" (رج 1 كور 6: 11؛ أف 5: 26؛ عب 10: 22؛ رؤ 1: 5). لا شكّ في أن يوحنا يحدّثنا عن دم المسيح الذي يطهّرنا (1 يو 1: 7؛ رؤ 7: 14) والتطهير بالمعمودية وبدم المسيح لا ينفي الواحد الآخر (ق عب 9: 22 مع 10: 22؛ تي 2: 14 مع 3: 5). وإن كان يوحنا لم يشر بوضوح إلى وجهة التطهير في العماد، فهذا لا يعني أن هذه الوجهة كانت مجهولة لدى الجماعة اليوحناوية. فالتطهير من الخطايا كان جزءاً من انتظار اليهود للتطهير الإسكاتولوجي، فكيف يكون غائباً عن تفكير مسيحي في المعمودية.
ويبقى تفسير غسل الأرجل أن يسوع أتمّ عمل العبد هذا لينبىء في الرمز عن ذلّه في الموت. وسؤال بطرس الذي حرّكه هذا العمل أتاح ليسوع أن يفسرّ الضرورة الخلاصية لهذا الموت: سيحمل إلى البشر ميراثاً ويطهّرهم من خطاياهم.
وأخيراً نفهم من آ 10 ب- 11 أن يهوذا لم يتبدّل في غسل الأرجل. عارض بطرس يسوع، ولكنه قبلَ سريعاً أن يغتسل حين حدّثه يسوع عن الهدف الخلاصي. إنما ظلّ قلب يهوذا (آ 2) مليئاً بالنوايا الشرّيرة، فلم ينفتح على الحب الذي حمله يسوع له.

5- خطبة حول معنى غسل الأرجل (آ 12- 20)
والتفسير الثاني لغسل الأرجل هو أن عمل يسوع كان مثالاً على التلاميذ أن يستعدّوا ليحتذوا به. قدّم المعلّم للتلاميذ عمل خدمة كان على التلاميذ أن يقوموا به تجاه معلّمهم. ويطلب منهم الآن أن يقوموا به الواحد تجاه الآخر. يشهد على هذه الممارسة ما نقرأ في 1 تم 5: 10 حول النساء اللواتي هنّ أرامل حقاً. "أحسنت تربية أولادها. أضافت الغرباء، غسلت أقدام القديسين".
وقابل بعض الشرّاح بين هذا المشهد وما في مر 10: 32- 45. بعد أن أنبأ يسوع بموته، طلب يعقوب ويوحنا أن يشاركاه في مجده. فشدّد يسوع على أن عليهما أولاً أن يشاركا، في مصيره ويعتمدا بعماده. وقال إن على البر أن يكون كالخادم، وإن الخدمة الحقيقية تعني أن نبذل حياتنا. أما لو 22: 24- 26 الذي يقابل مر 10: 42- 45 فهو جزء من مشهد العشاء الأخير. لا ننسَ أن لو 22: 27 يشبه موضوع غسل الأرجل ولو 22: 28- 29 يقابل موضوع الميراث في يو 13: 8. أما شكل هذا المقطع في لوقا فهو لا يوجّهنا إلى موت يسوع، بل إلى خيانة يهوذا ليسوع. وهكذا يمثل لو 22: 24- 29 مزجاً بين التقليد الإزائي وصدى لما نجده في إنجيل يوحنا.
وإن أعطانا غسل الأرجل مثالاً في التواضع، إلاّ أنه يرتبط دوماً بموت يسوع (رج فل 2: 8). هذا ما يدلّ عليه سياق النصّ. لهذا فإن 15: 12- 13 الذي يطلب منا الحبّ حتى بذل الذات من أجل الآخرين هو تفسير ثمين لما عناه يسوع في 13: 15: "أعطيتكم قدوة لتصنعوا، أنتم أيضاً، كما صنعت أنا بكم".
إن آ 16 ترتبط بموضوع آ 12- 15. ونستطيع أن نقابلها مع ما في الأناجيل الإزائية. نقرأ: "ما من عبد أعظم من سيده، ولا رسول أعظم من مرسله". وفي مت 10: 24- 25: "ليس لتلميذ أفضل من المعلّم، ولا العبد أفضل من سيّده. حسب التلميذ أن يكون مثل معلّمه، والعبد أن يكون مثل سيّده". وفي لو 6: 40: "ليس تلميذ أفضل من معلّمه؛ كل تلميذ كامل يكون مثل معلّمه".
تعود آ 17 بشكل مباشر إلى غسل الأرجل فتقابل آ 12. وتتّفق الآيتان في التشديد على أن التلاميذ يستطيعون الآن أن يفهموا غسل الأرجل كمثال في التواضع (في آ 7: الآن لا تفهم). وتشبه التطويبة اليوحناوية (طوبى لكم) موضوع التطويبات كما نقرأه في لو 11: 28: "طوبى للذين يسمعون كلمة الله ويحفظونها" (رج يو 12: 47). وفي مت 24: 46: "طوبى لذلك العبد الذي، إذا جاء سيده، وجده يعمل هكذا" (رج مت 7: 24).
"إذا ما عرفتم هذا". تعود "هذا" إلى غسل الأرجل والى ما تبعها من درس. وإن كان من تأسيس للإفخارستيا في خبر العشاء الأخير (رج يو 6: 51- 58) فإن "هذا" و"عمل" قد تقابل مع ما في لو 22: 19: "إعملوا هذا لذكري".
إن تفسيرَيْ غسل الأرجل في آ 6- 10 وآ 7- 12 ينتهيان بإشارة إلى تلميذ (شذّ عن التلاميذ) فلم يلامسه ما صنع يسوع. إن 18- 19 هما خاتمة مشهد غل الأرجل وانتقالة إلى آ 21- 30 التي تتحدّث بطريقة مباشرة عن خيانة يهوذا. في آ 11 وفي آ 18، يوضح يوحنا أن يسوع وعى كل الوعي أن "عداوة" يهوذا له لا رجوع عنها. ولكن يُقال لنا في آ 18 أن يسوع قَبِل بهذه الخيانة لكي "يتمّ الكتاب". سيقدّم التفسير عينه في 12: 38 ي حول رفض اليهود ليسوع.
وإيراد مز 41: 10 يعود إلى التقليد المسيحي الأول. فهو يرد بشكل ضمني في مر 14: 18: "الحق أقول لكم: إن واحداً منكم سيسلّمني، واحداً يأكل معي". جاء نصّ مرقس قريباً من السبعينية، ونصّ يوحنا قريباً من العبرية. يستعمل يوحنا هنا فعلاً يونانياً سبق واستعمله في 6: 51- 58، وهكذا نكون مع 13: 12- 20 في إطار افخارستي. وهذا واضح من قول لوقا في تأسيس الافخارستيا "هذا هو جسدي" الذي يتبعه: "ها إن يد الذي يسلّمني معي على المائدة" (22: 19 أ، 21). ولا ننسَ الرباط التقليدي بين الخيانة والافخارستيا في 1 كور 11: 23 (الرب يسوع في الليلة التي أسلم فيها).
ويتابع نصّ المزمور: "وأنت يا ربّ تحنّن عليّ وأقمني" (مز 42: 11). والآية التالية في يوحنا تتحدّث عن الإيمان بيسوع الذي قالت "أنا هو" (تؤمنون أني أنا هو، آ 19)، ومثل هذا الإعتقاد ممكن فقط بعد الصلب والقيامة. "حين ترفعون إبن الإنسان تعرفون أني أنا هو" (8: 28). إن الانباء بخيانة يهوذا الذي "يدشّن" بعمله مسيرة الموت والقيامة، يحمل التلاميذ على الإيمان بيسوع الذي ارتفع إلى أبيه. وفي موضوع الانباء في آ 19، يبدو نصّ يوحنا قريباً من نداء الله في حز 24: 24: "حين يحصل هذا تعلمون أني أنا هو الرب". وفي أش 43: 10: "علمتم وآمنتم بي وفهمتم أني أنا هو".
في هذه المتتالية المرتبطة بيهوذا، تبدو آ 20 في غير محلّها. هناك من اعتبر أن موضوع الخدمة المحِبّة يملأ النصّ وبالتالي الرسالة. ثم إن آ 20 تقابل مت 10: 40 الذي يقابل آ 16 الموازية لنصّ مت 10: 24- 25. تبدأ آ 16 وآ 20 بعبارة "الحق الحق أقول لكم". وكلتاهما تتطرّقان إلى موضوع الرسالة.
نقرأ آ 20: "من يقبل الذي أرسله يقبلني. ومن يقبلني يقبل الذي أرسلني". ومت 10: 40: "من قبلكم قبلني. ومن قبلني قبل الذي أرسلني". نجد ما يقابل هذا النصّ ديان بشكل مستقل في مر 9: 37 (= لو 9: 48): "من قبلني فلا يقبلني أنا، بل الذي أرسلني". وفي لو 10: 16: "من سمع منكم فقد سمع مني. ومن نبذكم فقد نبذني. ومن نبذني نبذ الذي أرسلني".

خاتمة
نتوقّف هنا عند الغسل (التطهير) والعماد. يتحدّث إنجيل يوحنا مراراً عند "تطهير اليهود". كانوا يغتسلون قبل أن يقوموا بأعمال تعتبر مقدّسة. فالإغتسال يذكّر الشعب أنه وُضع جانباً من أجل الله. فعليه أن يتطهّر بعد كل اتصال بالوثنيين (18: 28) وأصنامهم. وكان حز 36: 25 قد أعلن أن الله نفسه سينقّي شعبه في نهاية الأزمنة.
إن يوحنا يعتبر أن التطهيرات التي يمارسها اليهود قد تجاوزها الزمن. فهي لا تستطيع أن تدخل الإنسان في العهد الجديد كما يقدّمه يسوع.
ويجعل الإنجيل الرابع عماد يوحنا المعمدان ببن طقوس التطهير (3: 25). والمعمدان نفسه يقرّ بعمله المحدود (1: 26، 31). إنه يمارس عماداً من أجل غفران الخطايا (مر 1: 4). وهذا ما لم يفهمه اليهود فتساءلوا: إذن، لماذا الهيكل، لماذا الذبائح، لماذا عيد التكفير العظيم؟ لهذا السبب أرسل الكهنة واللاويون وفداً من الهيكل يسأل يوحنا المعمدان (1: 19).
لا يقول الإنجيل الرابع إن عماد يوحنا هو لغفران الخطايا. بل يعتبره جزءاً من العالم اليهودي. لقد كانت فعلة المعمدان مناسبة لإظهار يسوع لإسرائيل، لدعوة التلاميذ إلى اتباع يسوع. فيسوع هو وحده حمل الله الذي يرفع خطيئة الله. وهو وحده "يعمّد في الروح القدس".
لا يُلغى العماد، لا يُلغى اغتسال التطهير في إنجيل يوحنا، بل هو يتّخذ فاعليته من شخص يسوع وسلطانه. فالمخلّع ظلّ 38 سنة على حافة البركة (ف 5). ويسوع هو الذي شفاه (ترد الكلمة 7 مرات). والأعمى منذ مولده إغتسل في بركة سلوام بعد أن أرسله يسوع "مرسل الآب". فشهد 7 مرات أن يسوع هو الذي فتح له عينيه (ف 9). والتلاميذ (وبطرس بصورة خاصة) الذين تنقّوا بكلمة يسوع (13: 10؛ 15: 3) يحتاجون بعد إلى "غسل الأرجل" لكي يشاركوه في الميراث ويصيروا رسله. فالإغتسال في كلمة يسوع وفي الماء، هما وجهتان من وجهات المعمودية. والعماد المذكور في 3: 22 و4: 2 يشير إلى ما تمارسه الكنيسة على خطى يسوع: عماد في الماء والروح تمارسه الكنيسة بعد الفصح والقيامة. هذا هو العماد الذي يعلنه يسوع لنيقوديمس (3: 5). إنه يتيح لنا أن نولد من علُ، أن يلدنا الله (1: 13). فالإيمان بالإبن يترافق والولادة من الله. لهذا سيتركّز الحوار فيما بعد مع نيقوديمس حول موضوع الإيمان.

6
خيانة يهوذا
13: 21- 30

تناول يهوذا اللقمة وخرج في الحال، وكان ليلاً.
كان لفعلة غسل الارجل ثلاثة تفاسير، يربط الواحد بالآخر. هناك إشارة إلى موت يسوع عبر هذا العمل الذي يرمز إلى عبوره في الموت. هناك تطبيق على العماد كتطهير من الخطايا ودخول في جماعة المؤمنين المدعوين لكي يتبعوا يسوع. هناك نداء لاقتداء بالمعلّم في حبه وخدمته المتواضعة للاخوة. وما يبدو مؤلماً في نظر البشر صار في نظر يسوع ينبوع سعادة للتلميذ. "إذا ما عرفتم هذا وعملتم به، فطوبى لكم" (13: 17).
وبعد الفعلة النبوية (غسل الارجل)، جاءت الكلمة النبوية حول خيانة يهوذا. "اضطرب" يسوع (آ 21) فارتبط اضطرابه بالختانة، وبسلطان الشيطان الذي تكشفه هذه الخيانة. ومشهد اضطراب التلاميذ نقرأه أيضاً لدى الازائيين. أما يوحنا فيصوّره بشكل مليء بالحياة، فيدلّ على كل شخص بمفرده: بطرس، يهوذا، التلميذ الذي يحبّه يسوع. نحن نرى هنا للمرة الأولى هذا التلميذ في إنجيل يوحنا. إنه في علاقة حميمة مع يسوع. إتكأ في حضن يسوع، على صدر يسوع.
هنا نتذكر العبارة التي تصوّر علاقة يسوع بأبيه في 1: 18: "الإبن الوحيد الذي في حضن الآب".
لاحظنا يهوذا وبطرس (13: 18) اللذين عارضا يسوع. غير أن معارضة يهوذا كانت جذرية. فهو يسير في خطّ مأساوي لم تنفع فيه كل محاولات يسوع. أما بطرس فما أراد أن يغسل له يسوع قدميه، فدلّ هكذا على رفض بأن يرافقه في الموت. وأتمّ يهوذا الكتاب "فرفع رجله" (عقبه)، أي إتخذ المبادرة فأسلمه إلى الموت.
ومرور بطرس بواسطة التلميذ الحبيب لكي يصل إلى يسوع (سله عمّن يتكلّم)، قد يدلّ على قرب التلميذ من يسوع قرباً "جغرافياً". ولكن إنجيل يوحنا يدعونا إلى قراءة رمزية: على بطرس أن يمرّ مراراً بواسطة التلميذ الحبيب (18: 15؛ 20: 3؛ 21: 7).
إن يهوذا والتلميذ الحبيب يعبّران عن موقفين متعارضين في استقبال يسوع. فالأول خانه وما تاب عن عمله، وما قال كلمة واحدة. كانت فعلة يسوع بالنسبة إليه علامة احترام ومحبة يحتفظ بها المضيف لمدعوّيه المختارين. غير أن قبول هذه الفعلة بقلب خبيث يدلّ على أن يهوذا اختار حزب إبليس لا حزب يسوع. غاض "في الليل" (آ 20) الذي تحدّث يسوع عن مجيئه: "سيأتي الليل حيث لا يستطيع أحد عملاً" (9: 4). أما التلميذ الحبيب فرافق يسوع في موته حتى النهاية. فكان صورة عن التلميذ الحقيقي (19: 26). كان بطرس بين يهوذا والتلميذ الحبيب، فخان ولكنه تاب فيما بعد.
ونبدأ بالحديث عن الفصح اليهودي الذي يبدو بشكل عشاء يشارك فيه أهل البيت. كان الفصح يذكّر اليهود بالخروج من مصر. وكانوا يحتفلون به لا كذكرى من الماضي، بل كواقع حاضر الآن. هذا ما يشهد له النص التالي: "ليحسب الانسان نفسه في كل جيل وكأنه هو بذاته قد خرج من مصر. فقد كُتب: حينئذٍ تقول لابنك: بسبب ما فعله الرب من أجلي حين خرجت من مصر". وهذا ما يدفع المؤمنين في انتظارهم لليوم الذي فيه يحرّر الله شعبه بشكل نهائي.
لم يتبدّل الفصح مدى الأجيال. وهو يتمّ في المساء خلال عشاء عائلي وبدر الربيع في تمامه. نظّفوا البيت بعناية وتخلّصوا من كل طحين فدلّوا على أنهم يريدون أن يتجدّدوا ويتنقّوا.
تتألف "الوليمة" من أطعمة لها رمزها: فالمدعوون يأكلون حمل الفصح. وهناك الأعشاب المرة التي تشير إلى الآلام التي تحمّلها الشعب في مصر. وهناك البقدونس المغمّس في المياه المالحة أو في الخلّ، وهو يذكرهم بالعرق والدموع. ومزيج من الثمار والمتبّلات يرمز إلى الطين الذي يهيّأ في الاشغال الشاقة. وبيضة مسلوقة في الرماد ترمز إلى الحداد بعد دمار الهيكل. وخبز "فطير"، خبز بدون خمير، يذكّرهم بخبز الشقاء الذي أكله آباؤهم في مصر بانتظار أن يأكلوا خبز الحرية. ويشرب الحاضرون على أربع دفعات كأساً من الخمر ليشكروا الله الذي حرّرهم: هي كؤوس "البركة". وتهيّأ كأس خامسة لا تُشرب: فالتحرير النهائي لم يتمّ بعد.
وخلال الطعام تقرأ أخبار مفسرّة عن خروج مصر، ويستعيد المشاركون مزامير التهليل (هلل، مز 113- 118). ويحتلّ الاولاد في هذه العشية مكانة هامة. فيسأل أصغرهم الوالدين تفسيراً لهذا العيد: "بما تختلف هذه الليلة عن الليالي الأخرى"؟ وتبقى المائدة ممدودة لكي تستقبل من لا مكان له لكي يحتفل بالعيد.
وإذ يحتفل المشاركون بهذا التحرير الذي منحه الله لشعبه يتساءلون: كيف يعملون ليستقبلوه اليوم؟ كيف يعملون لكي يتحقق حقاً في حياة الفرد وفي حياة الشعب؟ كيف يواصلون عبورهم من عالم الاستعباد إلى عالم الحرّية الحقة؟
إن خيانة يهوذا التي أشار إليها المقطع السابق طبعت التلاميذ بطابعها. فبحثوا طويلاً في الكتب المقدسة وفي أقوال يسوع عمّا يساعدهم على فهمها. كانت "وصمة أهلية" إستصعبت حملها مجموعةُ الاثني عشر. قال يوحنا في 13: 18- 19 إن يسوع كان عارفاً كل المعرفة بما يهيّأ له، وأنه نبّه تلاميذه مسبقاً.
"بعد أن تكلّم يسوع هكذا، اضطرب في أعماق نفسه". نجد هنا اللفظة عينها والشعور العميق الذي كان له أمام قبر لعازر واخته الباكية (11: 33)، امام ساعة موته هو (12: 27) أو من أجل أصدقائه حين علموا بأنه سيتركهم (14: 1- 27: لا تضطرب قلوبكم). "واحد منكم سيسلمني". سيرفضه واحد من الذين أعطاهم كل شيء. صار يسوع موضوع بغض. فيهوذا يريد أن يدمّره وهو سينجح في مهمته.
كان يوحنا قاسياً جداً ضدّ يهوذا على مدّ إنجيله. فيفهمنا أنه لم يتعلّق يوماً تعلقاً تاماً كالآخرين بالمسيح. ولكن هذا لم يدركه أحد إلا المسيح. قال بعد تكثير الارغفة: "غير أن فيكم من لا يؤمنون" (6: 64). فزاد يوحنا: "كان يتكلّم عن يهوذا بن سمعان الاسخريوطي، أحد الاثني عشر، الذي كان مزمعاً أن يسلمه" (6: 71). تكلّم يسوع بشكل خفي، وها هو يتكلّم الآن بشكل واضح. صُعق التلاميذ. وأراد بطرس أن يعرف.
في ولائم العيد، كان المدعوون يستلقون على أسرّة ويستند الواحد إلى كوعه الايسر ويأكل باليد اليمنى. والذي كان قريباً جداً من يسوع (متكئاً في حضن يسوع) سمّي "التلميذ الذي كان يسوع يحبّه". لا يذكر الإنجيل اسمه. يظهر هذا التلميذ في أماكن عديدة (19: 26؛ 20: 2؛ 21: 7، 20) على أنه التلميذ التلميذ، على أنه صورة عن الجماعة المؤمنة. ورأى فيه عدد كبير من الشرّاح يوحنا "أب" الجماعة التي وُلد فيها الإنجيل الرابع: وهذا ما يجعلنا نفهم التشديد على دوره وعلى علاقاته مع بطرس.
إن لقب "التلميذ الذي كان يسوع يحبّه" هو في خطّ الافكار الرئيسية في نص الإنجيل. فالميزة الجوهرية للتلميذ والتي منها تتفرّع سائر الميزات هي حاضرة في 15: 8- 9: "تكونون لي تلاميذ. كما أحبني الآب أحببتكم أنا أيضاً. فأثبتوا في محبتي". فكما يحب الآب الابن، وكما يحب الابن الآب، هكذا يحب المسيح تلاميذه وهم يحبونه. وبين يسوع والتلميذ نجد ذات الخط من العلاقات، ذات الحركة المتبادلة بين الآب ويسوع. وعبارة "في حضن يسوع" هي تلك التي نجدها في 1: 18 عن الابن الوحيد، ولا نجدها في مكان آخر. فالتلميذ هو كله تقبّل وجواب لكلمة المسيح وحبّه. إيمانه يجعله يفهم حالاً وبدون تأخر، يفهم بدقة وملء الفهم هذه المواقف أو هذه الكلمات التي تبقى مغلقة على الآخرين. في الصيد العجيب، عرف أن الواقف هناك "هو الربّ"، (21: 7). فإيمانه وتعلّقه بيسوع يعطيانه ما يسمى "الحاسة السادسة".
ولكن المدلول الرمزي لهذا التلميذ لا يمنع من أن يكون التلميذ شخصاً حقيقياً عاش برفقة يسوع، وكان قريباً جداً من يسوع. ولماذا لا يكون يوحنا قريب يسوع والمؤتمن على أمه بعد موته؟
ويريد بطرس أن يعرف. هو لا يقبل أن يبقى في الغموض بعد مثل هذا الاعلان الخطير الذي لا يفهمه. "واحد منكم سيسلمني". طلب من الذي هو بقرب يسوع لكي يستعلم. ما تكلّم بل أومأ إيماء. وأعطى يسوع جواباً خفراً لمن هو "على صدره"
إختار يسوع فعلة صداقة لا تشي بيهوذا أمام المجموعة. لم يفعل شيئاً يحكم به عليه. لم يضغط عليه، بل تركه حراً. ما أراد أن يدافع عن نفسه، بل نظر إلى البعيد. أما كان باستطاعته أن يقول كلمة ليهوذا، للمجموعة؟ هذا يبقى سرّ الله.
ويتحدّث النص اربع مرات عن "اللقمة" (آ 26، 27، 30): هي طعام المشاركة مع يسوع، وحبّ يقدَّم للتلميذ ويُعاد تقديمه مراراً. وحين أخذ يهوذا اللقمة انغلق بشكل نهائي واتجه نحو سلطان الظلمة.
كيف اختار يسوع يهوذا؟ هذا ما نستصعب فهمه حين ننظر إلى المشهد من وجهة يسوع ومن وجهة الذين معه. ولكن الأمور هي هكذا. لقد انطلق يهوذا في طريق آخر. خرج من هذا المكان الذي يضيئه نور المسيح وحبّه. لا يتكلّم الإنجيل عن البواعث الذاتية والسيكولوجية التي دفعته إلى مثل هذا العمل. قالت إن يهوذا ترك الشيطان يدخل فيه، استسلم لسلطان الظلمة الذي يريد موت المسيح.
حين نقرأ آ 29 نعود إلى 12: 5- 6 الذي يتحدّث عن مسؤولية الاهتمامات المادية التي سلّمت إلى يهوذا. اذن، لقد ذهب ليشتري ما تحتاج إليه المجموعة من أجل العيد، من أجل وليمة الفصح. ولكن ما هو ضروري من أجل الفصح الجديد لا يشترى في السوق. فحمل الفصح هو هنا. إنه يسوع مرسل الآب بجسده الذي يعطى لحياة العالم (6: 51). نستطيع أن نفكّر هنا بسؤال اسحق لأبيه إبراهيم (تك 22: 7- 8): "اين الحمل للذبيحة"؟ فجاء جواب إبراهيم: "الرب يهتمّ بالمحرقة... الرب يهتمّ على الجبل" (تك 22: 13- 14).
ما سوف يحدث يدعو إلى القرف، إلى الخوف. ولكن يسوع بقي هادئاً، بقي حرّاً. هو لا يخاف وهو عارف إلى أين يذهب. قال نعم لأبيه، وها هو يبذل حياته من أجل خرافه، من أجل شعبه.
7
وصية جديدة
13: 31- 38

بهذا يعرف الجميع أنكم تلاميذي، إذا كنتم تحبّون بعضكم بعضاً.
خرج الخائن فترك يسوع مع "أولاده الصغار" (آ 33). وجاءت لفظة "الآن" التي لا تعني فقط ذهاب يهوذا وحلول الساعة المرتبطة بالخيانة. فساعة يسوع تعني تمجيده (12: 23): على الصليب سيرتفع ويتمجّد. وسيستعمل فعل "مجّد" خمس مرات في آ 32- 33 ليدلّ على مسيرة يسوع التاريخية التي تجد ذروتها في الآلام. كما يدلّ على تمجيد يسوع في نهاية الأزمنة. لقد جمع الإنجيل مجد ابن الإنسان مع آلامه.
ويستعيد يسوع لتلاميذه كلاماً قاله مرَّتين لليهود: "حيث أذهب لا تستطيعون أن تأتوا" (7: 33- 34؛ 8: 21). ولكن سياق الكلام مختلف. فبالنسبة إلى اليهود، كان هذا الانفصال نهائياً بسبب خطيئتهم. أما بالنسبة إلى التلاميذ، فالغياب الضروري والذي يسبّبه ذهابه إلى الآب هو غياب موقت. قال لبطرس: "ستتبعني فيما بعد" (آ 36. هنا تلميح إلى موت بطرس). ويرافق هذا الغياب لفظة مليئة بالحبّ والعاطفة: "يا أبنائي الصغار". هناك وداع وهناك برنامج يجب أن ينفّذ: عليهم أن يحبّوا بعضهم بعضاً كما أحبّهم يسوع.
هو حبّ قوي لأن يسوع أحبّ حتى الغاية (13: 1). هو حبّ يتوجّه أولاً إلى المؤمنين. نلاحظ أن يسوع الذي أحبّ، عرض على تلاميذه تبادلاً لا بينه وبينهم (أحبوني كما أنا أحببتكم)، بل بين بعضهم بعضاً. نحن هنا على مستوى أفقي، لا عمودي: أحبّوا بعضكم بعضاً.
هو حبّ يتجذّر في حبّ الإبن للبشر. إنه حبّ يرتبط بالله، يكشف علاقة الحب بين الله الآب والابن، وهي علاقة نجدها في حياة يسوع وفي مواجهته للموت. وهو حبّ يكشف لنا سرّ يسوع الذي ما زال يحرّك الناس حتى بعد ذهابه: "بهذا يعرف الناس أنكم تلاميذي".
هي وصية جديدة. ليست بجديدة بمعنى أنها جاءت بعد سائر الوصايا. هي جديدة لأنها صفة الميثاق الجديد الذي يتكلّم عنه لوقا: "هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي" (22: 40).
نحن هنا أمام خطبة وداع تتحدّث عن المجد، عن الوصية الجديدة، عن اتباع يسوع.
سمّيت ف 13- 17 مراراً "خطبة بعد العشاء السري". ولكن لا ننسَ أن يوحنا لا يورد خبر العشاء الأخير. انتمت هذه الفصول إلى فن أدبي معروف هو خطبة الوداع أو الوصية. نجد أمثلة عديدة عن هذا الفن في العهد القديم: وداع يعقوب لابنائه (تك 47: 29- 49: 33)، وداع موسى (سفر التثنية كله)، ويشوع (يش 23- 24) وصموئيل (1 صم 12). وفي الأسفار المنحولة: وصية ابراهيم، موسى، الاثني عشر... وفي العهد الجديد: لو 20: 31- 38 (يسوع وتلاميذه)؛ أع 20: 17- 38 (بولس وشيوخ أفسس).
تتضمّن كل هذه النصوص عناصر مشابهة. يحسّ شخص بموته القريب فيجمع أفراد عائلته أو أصدقاءه. يذكر أمامهم أحداثاً هامة حيّة، يعطي رأيه في ما حدث في زمانه، وفي طريقة تصرّف الناس شراً أو خيراً. ويقول إنه كان شاهداً لعمل الله وحضوره في التاريخ. ويدعو "أبناءه" لكي يتابعوا عمله ويمارسوا البر. ويحدّد عدداً من الترتيبات التي تساعد على المحافظة على عبادته الأخيرة. وفي نهاية هذه الأقوال نجد خبر موته ودفنه.
لماذا يدوّن التلاميذ خطبة معلّمهم الوداعية؟ هناك هدف عملي كاقتسام الخيرات التي تركها "الأب" بعد موته. وهناك أسلوب به يجعلون حضوره يمتدّ في وسطهم، فيجمعون تعليمه ويعلنون عن عزمهم بأن يتابعوا طريقة حياته. فبالنسبة إلى التلاميذ، ذاك الذي مضى يبقى حياً في وسطهم. هو يحيا من جديد في الذين جاؤوا بعده ووجدوا فيه ملهم حياتهم. وهم يجدون في هذه "الخطبة" كفالة بالمحافظة على وحدتهم تجاه الصراعات التي لا بدّ أن تولد، وبتجنّب الإنشقاقات في مجموعتهم.
كل هذا صحيح بشكل خاص بالنسبة إلى تلاميذ يسوع. فهم لا يكتفون بهذه الخطبة الوداعية بأن يذكروا التعليمات التي أعطاهم يسوع إياها. وهم لا يريدون فقط أن يعبّروا عن رغبتهم بأن يعيشوا الحب المتبادل والخدمة بعضهم لبعض ليتابعوا ما قام به يسوع. بل هم يؤكّدون إيمانهم: فيسوع يستمرّ حياً معهم بعطية الروح، وهو يعطيهم أن يحيوا ما تعبّر عنه هذه الكلمات.
لقد تمجّد ابن البشر، لقد ظهر مجده. فلكلمة مجد معنى غير الذي نعرفه في أيامنا. مجد الله هو جماله وغناه وسرّه العميق. وحين نمجّد شخصاً، نبرز جماله، نجعل الناس يعرفون قدره وكرامته الحقيقية وما يؤسّس شهرته.
المجد يدلّ على وزن الإنسان، على الاعتبار الذي يتمتع به. وتستعمل اللفظة في العهد القديم لتدلّ على الله وقدرته وحضوره الفاعل والناشط. قال أش 6: 3: "مجده يملأ السماء والأرض". وحين يتحدّث يوحنا عن مجد يسوع، فهو لا يعني "نجاحه" مهما كانت الظروف. فالمجد الذي يأتي من الناس غير ذاك الذي يأتي من الله (5: 41- 44؛ 12: 43). مجد يسوع هو موته وعودته إلى الآب. مجده هو ظهور حبه الذي يعيشه إلى الغاية.
"الآن" أظهر يسوع مجده. الآن أظهر آلامه وخدمته للبشر حين جعل نفسه في "الصفّ الأخير". وهكذا بانت هويته كابن الإنسان، بانت هوية الله الذي أوحى بذاته فيه. ومقابل هذا، سيكشف الله في يسوع ملء مجده فيقيمه من بين الأموات، ويجلسه فوق كل رئاسة وسلطان. وسيتمّ هذا في القريب العاجل. سيتمّ "الآن".
ولكن هذه النظرة إلى المجد وملء العطاء هي شكّ في عين العالم وجهالة للعقل البشري. فإن أردنا أن تكون هذه نظرتنا، وجب علينا أن نتبدّل جذرياً ونتعلّق تعلّق الإيمان التامّ بما يراه الله، وهذا ليس بالأمر السهل. هنا نتذكر ما قاله يوحنا في 12: 42- 43: "لم يجاهروا بإيمانهم، لأنهم فضّلوا مجد الناس على مجد الله".
وندخل في خطبة الوداع مع وآية المحبة. أرانا يوحنا يسوع كيف يعلن وصيته الأخيرة ويقوم ببعض الفعلات التي يريد أن يتذكّرها التلاميذ. فالانفصال يدعونا إلى البحث عن طريقة جديدة نرتبط فيها بيسوع ونحيا معه. الحلّ يكون بأن نتبع يسوع، نذهب معه. هذا ما أراده بطرس. ولكن ذهابه مستحيل الآن. سيذهب فيما بعد. أما الآن، فعليه أن يبقى هنا. والرباط الذي يعرضه يسوع عليهم هو: "كما أحببتكم أحبوا بعضكم بعضاً". هكذا يعرف الناس أنكم تلاميذه.
"كما أحببتكم، أنتم أيضاً أحبّوا بعضكم بعضاً". لسنا أمام اقتداء بسيط وخارجي. بل يجب أن نترك تيّار الحبّ يدركنا ويحوّلنا، هذا التيار الذي يأتي من الآب ويملأ المسيح وينعش حياة التلميذ. إنه تيار حيّ يعبر وينتشر ويحوّل العالم بعد أن يتجلّى الله فيه. "كما أحبّني الآب، أنا أيضاً أحببتكم" (15: 9). "كما أرسلني الآب، أنا أيضاً أرسلتكم" (20: 21). "كما أحببتكم أحبّوا أنتم أيضاً بعضكم بعضاً".
كما كانت الشريعة في العهد القديم علامة الميثاق، فهذه الوصية الجديدة، وصية الحبّ، هي علامة الشعب الجديد، وعلامة رباط التلاميذ بيسوع. فالحبّ هو رباطنا الوحيد معه، كما هو رباطه مع الآب. وهو يتضمّن تتميم إرادته. إذا أحببنا اتحدنا بيسوع، ثبتنا في الله لأن الله محبة (1 يو 4: 11- 16).
سيموت يسوع بعد أن قضى ثلاث سنوات مع تلاميذه. فعليهم أن يكتشفوا الكثير عنه. وعليهم أن ينظّموا الجماعة التي تدلّ على حضوره بعده. وستكون المشاكل عديدة. في البداية ينتظرون عودة الرب القريبة ولا يريدون تأخيراً. نحن نفهم موقفهم. ثمّ يكتشفون شيئاً فشيئاً أن يسوع يطلب منهم أن يتدبّروا أمورهم "معه وبدونه" خلال فترة طويلة من الزمن. وهو يعطيهم الوسائل بشكل يختلف عمّا كان يفعل حين كان معهم على الأرض. سيتحدّث يوحنا عن دور الروح القدس فيما بعد. أما الآن فهو يجمل كل شيء في وصية المحبة العظمى.
ليس الهدف أن يبقوا معه. إنهم تلاميذ من أجل العالم. هم يُرسلون كما أرسل يسوع ليعطوا الحياة للبشر ويكشفوا لهم وجه الآب. يجب أن يعيشوا الوصية الجديدة ليتقبل العالمُ المعلّم بواسطتهم (13: 20، 35). إن لم يكونوا وإياه جسداً واحداً، إن لم يثبتوا فيه، فماذا سوف يقدّمون للبشر؟ أي حب سيكون حبهم؟ أن عمل سيكون عملهم (1 يو 3: 18)؟
أراد بطرس منذ الآن أن يتبع يسوع، ورفض الانفصال الذي يفرضه يسوع عليه. أراد أن يتبعه حالاً، أن يتبعه وحده. لم يتخيّل أنه مدعوّ لكي يتبعه عبر الحياة في الجماعة وممارسة الوصية الجديدة.
هذا ما يدلّ على تعلّق كبير بيسوع. ولكنه يدلّ أيضاً على رفض بأن نكون قرب يسوع كما يريد هو. فالرغبة بأن نكون بكليتنا مع يسوع لا تكفي. يجب أن نتكيّف مع ما يعرضه يسوع علينا. وهذا يفترض عدداً من التنقيات والتضحيات.
يسوع وحده هو من يفتح الطريق، من يفتح للبشر أبواب الحياة وعطيّة الروح. إنه يؤكد على ضرورة التأخير لكي يتبعه الرسل بالجسد، يؤكد على المسافة وعلى الوساطة لكي يتبعوا يسوع الآن. فالتعلّق الحاضر بيسوع يمرّ عبر الجماعة التي يؤسّسها، يمرّ بالإيمان (عن بعد) بيسوع وبوصية المحبة.
كان يسوع بجسده هنا قرب بطرس، فاستطاع بطرس أن يتبعه دون أن يفهم، أن يتبعه بدافع الصداقة. وحين يبدأ زمن الانفصال، لن يستطيع أن يتهرّب من التزام الإيمان. وهو سيقوم بهذه الخطوة في الوقت المحدّد. سيتبع يسوع ولكنه كما سبق وقرّر بنفسه. متى شاخ سيمدّ يديه وآخر يمنطقه ويذهب به إلى حيث لا يشاء (21: 18). هذه هي الميتة التي بها سيمجّد بطرس الله (آ 19).
نستطيع أن نواصل دراسة ف 13 هذا، فنعيد قراءة ف 6، لأن هذين الفصلين يستضيئان الواحد بالآخر. فنحن هنا وهناك أمام عمل يرتبط بالفصح القديم، بالفصح اليهودي (6: 4؛ 13: 1). أمام عمل خدمة للناس لكي ينالوا الحياة. أمام خلق شعب الله الجديد والجماعة الجديدة. أجلسهم يسوع إلى المائدة وبدأ يخدمهم (6: 11، 33). خدمَهم وهو الذي جعل الآب في يديه كل شيء، وهو الذي جاء من الله (13: 3). ومن خلال هذين العملين، تكثير الأرغفة وغسل الأرجل، أعطى حياته لهم (6: 51- 54؛ 13: 1). وأعطى الوصية الجديدة التي هي طعام وكلمة، أعطى شرعة الجماعة الجديدة التي تحلّ محلّ شريعة سيناء (6: 63، 68؛ 13: 34- 35). يجب أن يعمل هذان العملان في الجماعة. من لا يقبل عطية الابن لا تكون له الحياة (6: 53- 54). من لا يقبل خدمة محبة المسيح لن يشاركه في الميراث. أما من يتبع مثاله فطوبى له (13: 8، 17). رفض يسوع أن يتجاوب مع رغبات البشر الذين يريدون أن يقيموه ملكاً. لقد أراد أن يكون العبد والخادم، وهذا ما يشكّك البشر (6: 15؛ 13: 7- 8). هذا ما يجب أن تتقبّله الجماعة. وسنجد تلاميذه الذين يفرّون ويتركونه (6؛ 60، 66؛ 13: 18، 21). لقد مرّ هؤلاء التلاميذ في المحنة لكي يستطيعوا أن يتبعوه (6: 60- 67؛ 13: 33- 36).
إن يسوع "سيترك" التلاميذ. وخلال غيابه دعاهم إلى لقائه في "الخدمة" وفي ممارسة وصيّة المحبّة. هكذا نكون مع شركة معه. هكذا نكون متحدين به. فماذا تعني لنا هذه الدعوة؟
العالم ويسوع
15: 18- 27

إن كان العالم يبغضكم، فاعلموا أنه قد أبغضني قبلكم.
بُني ف 14 على موضوع السفر مع ألفاظ مثل: مضى، انطلق، عاد، الطريق. سفر الابن نحو الآب ودوره الفريد بأن يقود تلاميذه إلى الآب. كل هذا الفصل يشدّد على الإنطلاق القريب، ويلّح على التلاميذ بأن لا يقفوا بجانب الوحي السامي عن يسوع (أنا معكم كل هذا الزمان ولم تعرفني، 14: 9)، بل يعرفوا أن يسوع يواصل حضوره وسط تلاميذه (لا أترككم يتامى، 14: 18)، لا في العالم (العالم لن يراني، 14: 19). تلك كانت خطبة يسوع الوداعية الأولى.
وتأتي الخطبة الوداعية الثانية (15: 1- 16: 33) فتطرح علينا بعض الاسئلة. أيكون ف 16 هو قراءة جديدة لنص ف 14؟ هناك ضرورة ذهاب يسوع، عودته القريبة إلى البشر، مجيء الروح الفاعل، عطية السلام. أما ف 15 فيعالج موضوعاً جديداً: فعبر استعارة الكرمة نتعرّف إلى وضع الجماعة خلال غياب يسوع. نقرأ اولاً مثل الكرمة ثم تطبيقه على التلاميذ مع وصية المحبة التي تتكرّر اثنتي عشرة مرة. لن يكون هذا الحب نتيجة قرار يتخذه المؤمن: يسوع هو الذي يختار أحبّاءه (6: 70؛ 13: 18). وحبّه عطيّة مجّانية لا يستطيع الانسان أن يفتخر بها وكأنها منه.
"إن كان العالم يبغضكم". تتكرّر لفظة "بغض" سبع مرات لا سيما في وحدة تتألف من آ 18- 25 (في البداية والنهاية). تتعارض هذه المتتالية مع التي سبقتها، كما يتعارض الظلّ مع النور. إن العالم يبغض المسيحيين لأنه يبغض يسوع ايضاً: هو ليس من "العالم"، وهم ليسوا من "العالم". وبغضُ العالم هذا تجاه التلاميذ ليس بغضاً عابراً: إنه يمتدّ ما بقي جزء من البشرية رافضاً أن يتقبّل تعليم يسوع.
لقد أظهر يوحنا طوال إنجيله أن العالم يعارض يسرع. فالعالم يبغضه لأنه شهد عليه (7: 7: أشهد عليه بأن أعماله شريرة). وهذا التعارض ينتج من لا توافق بين عالمين، عالم علوي، وعالم سفلي (8: 23: أنتم من أسفل وأنا من فوق). فمن اختاره يسوع إقتلعه من عالم الظلمة هذا. منذ الآن، فالمؤمنون، بما أنهم تلاميذ، ينخرطون في حرب يسوع ضد العالم.
إذن، سيكون مصير التلاميذ كمصير المعلّم (1 يو 3: 13: لا تتعجبوا إذا كان العالم يبغضكم).
وتستعيد آ 20 (العبد ليس أعظم من سيده) ما قيل في 13: 16 ساعة غسل الأرجل: لقد دعي التلميذ أن يقتدي بالمعلّم في امحائه في الموت، فعليه أن يعبر في الاضطهادات. وهو يتحمّلها من أجل اسم يسوع (آ 21).
وهنا تبدو الثنائية واضحة عند يوحنا. ينقسم العالم إلى مملكتين لا تتوافقان: من جهة مملكة النور والحب المؤلّفة من يسوع وتلاميذه. ومن جهة أخرى، عالم ابليس الذي يسود عليه سلطان الظلمة. أما تلاميذ يسوع فهم أبناه النور (1 يو 4: 5- 6: هم من العالم. نحن من الله).
ويبيّن الإنجيلي "منطق" هذا البغض (ويشجّع في الوقت عينه أولئك الذين هم موضوع هذا البغض) الذي يصيب على التوالي الآب (آ 24: أبغضوني أنا وأبي) وأتقياء العهد القديم (أبغضوني مجّاناً، مز 69: 5) والمسيح (يو 15: 18: أبغضني قبلكم) والتلاميذ أنفسهم (15: 18- 19: لستم من العالم، لهذا يبغضكم العالم).
إن هذا المقطع يعكس وضع "الحصار" الذي يعيشه المسيحيون في نهاية الفرن الأول المسيحي. رذلَتهم الجماعة اليهودية وطردتهم من مجامعها. هذا ما تدّل عليه عبارة "في ناموسهم" (آ 25) فتبيّن جوّ الانقطاع النهائي بين الجماعتين. ورذل العالمُ الوثني المسيحيين. نحن هنا أمام نظرة متشائمة عن العالم وقيمه بسبب مناخ ديني لا يعرف التسامح. ولكن لا ننسَ أن النور والظلمة يقيمان معاً في قلب كل إنسان.
ولكن في هذا الجوّ المظلم يطلّ "وجه" الروح القدس، إنه البارقليط والمحامي والمدافع والمعزّي. فعلى التلاميذ أن يعرفوا أنهم ليسوا وحدهم في الاضطهاد: فالمدافع سيكون بجانبهم. إنه روح الحق الذي يشهد ليسوع. وبما أن التلاميذ يشهدون الشهادة عينها، نستنتج أن الروح يحمل شهادته بواسطة المؤمنين.
لقد بدأت "دينونة" هذا العالم. والدينونة لا تعني فقط أن نلفظ حكماً في المحكمة. فهي تثبّت الحق، وتصلح الأخطاء، وتعبد العدالة، وتتّخذ قرارات من أجل الشعب. الدينونة هي عمل الله الذي وحده يعرف قلب كل انسان. يصعب علينا أن نتخيّل الدينونة الاخيرة التي تجعل كل انسان في مكانه، ساعة يزدهر الشرير ويعرف البار الإساءة في حياته. لهذا جاءت صور مأخوذة من الخبرة البشرية. وان مت 25: 31- 46 يتصوّر الدينونة بشكل محكمة في نهاية الأزمنة: ما يحسم الحكم هو الطريقة التي بها نتصرّف تجاه الجائع والسجين...
وتحدّث يوحنا عن الدينونة التي بدأت في التاريخ، وخصوصاً ساعة تمجيد يسوع على الصليب. فمنذ ذلك الوقت حضر كل ما يجب أن يحصل من أجل خلاص العالم، وبدأت الأزمنة الجديدة، "الأزمنة الأخيرة". والاحداث التي صوّرها الانبياء من أجل نهاية الأزمنة قد حصلت وتركّزت حول صليب يسوع.
"الآن دينونة هذا العالم. الآن رئيس هذا العالم يلقى خارجاً. وأنا متى رُفعت عن الأرض إجتذبت إليّ الجميع" (12: 31). منذ الآن عاد الحقّ إلى نصابه، وطُرد المُضايق الاكبر إلى الخارج. هذه نهاية مملكته وبداية مملكة يسوع مع كل سلطان ابن الانسان (دا 7: 13- 14).
لا شكّ في أن هذا يرتبط بجواب كل واحد منّا. فعند يوحنا ليست الدينونة حكماً يعلنه قاضٍ يضع الصالحين في جهة والاشرار في جهة أخرى. فالناس أنفسهم هم الذين يختارون. إما أن يعملوا الشّر، وحينئذٍ يرفضون المجيء إلى النور، وإما أن يتصرّفوا بحسب الحقّ، وحينئذٍ يأتون إلى النور (3: 19- 21).
هذا ما نراه في مطلع الإنجيل (1: 1- 18). إن مجيّ ابن الله الذي هو النور والحق والحياة، يتوّجه إلى البشر ويطلب منهم أن يختاروا. وهذا الخيار لا يتم بدون أزمات وصراعات وتمزّق. وفي النهاية، على البشر أن يختاروا أمام المسيح المصلوب الذي هو الوحي الاخير لوجه الله.
لقد تبدّلت اللهجة في هذه الآيات: بعد الحب والفرح والديمومة، جاء البغض والاضطهاد والاستبعاد والقتل. فالرسالة ليست نزهة في مرج من الزهور. ويبدو كلام الإنجيل هنا صدى للصعوبات التي جابهت المجموعة. وحاول الإنجيلي أن يفهم الأسباب لكي يقوّي التلاميذ في إيمانهم. إن كلامهم يثير المعارضة، لا القبول. فجاءت مثلّثة.
* "لقد أبغضني العالم قبلكم".
بدأ يوحنا فذكر مثل يسوع نفسه. فكلامه وموقفه قد أثارا المعارضة. وارتبط مصير التلاميذ ارتباطاً وثيقاً بمصير معلّمهم: "إذا كانوا إضطهدوني فسوف يضطهدونكم أيضاً". إنهم تجذّروا فيه، فلا يستطيعون أن يفلتوا من مصيره. تاريخه هو تاريخهم.
* "لستم من العالم".
عن أيّ عالم يتكلّم يوحنا؟ يؤكّد النصّ على فصل تامّ بين يسوع والتلاميذ من جهة، والعالم من جهة أخرى. إذن، يدّل العالم على كل القوى التي تعارض كلام يسوع وتلاميذه.
هل نستطيع أن نحدّد هذه القوى التي يتحدّث عنها النصّ؟ تشير نهاية المقطع إلى مجموعتين. المسؤولون اليهود هم الذين يستبعدون المسيحيين وينفونهم. والامبراطورية الرومانية ترسلهم إلى القتل. إما بشكل مباشر وإما بشكل غير مباشر (لا يتدّخلون حين يُضايق المسيحيون). إذن، نحن أمام فئات عديدة من الخصوم. وتدّل 1 يو على أن مثل هؤلاء الخصوم قد يأتون من داخل الجماعة. وفي النهاية إن الحدود بين العالم والتلاميذ تمّر في داخل كل من المؤمنين.
إن كلمة يسوع وتلاميذه تدوّي في عوالم لها منطقها وفي أنظمة تطمئنها وتسجنها. فهذه الكلمة ليست حيادية، بل هي تفجّر الأطر الجامدة. وحين لبّى التلاميذ نداء يسوع قبلوا أن ينفتحوا على كلمة جديدة، أن يبدّلوا طريقهم في النظر إلى الأمور، أن يفهموا بشكل آخر من هو الله وكيف تكون علاقاته مع البشر. وحين اندفعوا في هذه المغامرة، إنفصلوا عن الذين لبثوا منغلقين على ذواتهم وعلى مصالحهم، عن الذين لا يعترفون إلا بما يسير في الخطّ الذي رسموه لنفوسهم. إن العالم يحبّ أولئك الذين يفكّرون مثله.
ويجب على المزمن أن يعرف أن إيمانه يتحّداه ويدفعه إلى أن يحيا حياة أصيلة تخلق له المتاعب، خاصة حين يعارض الأفكار التي يأخذ بها الجميع والنظام المتفق عليه. في هذا المعنى يجعله إيمانه على هامش العالم. غير أن هذا لا يعني أن عليه أن يتهرّب من العالم ويتخلّى عن مسؤولياته.
* "لا يعرفون الآب.
ومن خلال التلاميذ ويسوع، يصاب الآب نفسه في الصميم ببغض هذا العالم. وهناك من يظنّ أن الاماتة له، تقدمة الذبائح له، تقوم بأن نزيل أولئك الذين نحسبهم نحن شهوداً كذبة. فنحن في الواقع مخطئون، وضلالنا يتخذ وجهاً مأساوياً. هل هم مسؤولون عن هذا الوضع؟ أجل، يقول النصّ، ولا عذر لهم في خطيئتهم بسبب العمى الذي برهنوا عنه تجاه عمل يسوع. فهم لم يقدروا أن يتعرّفوا إلى العطية الكبرى التي منحها الله للبشر. لقد انتظروا تحقيق الوعد. وساعة تحقّق ذلك لم يعرفوا أن يروه. لقد أبغضوا بلا سبب (آ 25).
لقد تكاثرت الصعوبات وبدت ثقيلة. ولكن هذا يجب أن لا يقود التلاميذ إلى الاعتزال والتخلّي عن مسؤولياتهم.
* اولاً، بسبب المسيرة الطويلة التي ساروها مع يسوع. "إنهم معه منذ البدء. ويستطيعون أن يشهدوا على أمانة حياته وحقيقة تعليمه. قبلوا أن يغامروا في طرق ليست طرق سائر الناس، وهم يستطيعون أن يستعيدوا اعلانات الايمان التي تتوزّع المشاهد الكبرى في إنجيل يوحنا: منذ التلاميذ الأولين حتى اليونانيين الذين صعدوا إلى أورشليم، مروراً بنيقوديمس وسمعان بطرس والمولود أعمى ومرتا ومريم...
* ثانياً هم يستطيعون أن يشهدوا بسبب عطية الروح القدس الذي أعطي لهم. هم ليسوا متروكين، هم ليسوا عزلاً أمام المعارضة. ويقابل النصّ بين شهادة يؤدّيها روح الحقّ وشهادة يؤدّيها التلاميذ. هما في الواقع شهادتان لا تنفصلان. فالروح يجعل التلاميذ يتقدّمون في اكتشاف يسوع وفهم كلمته. ويؤكّد لهم حقيقة إيمانهم. فاعلان الإنجيل هو في الوقت عينه عملهم وعمل الروح الذي ينعشهم. فعمل الروح يتمّ في التلاميذ كما يتمّ في قلب العالم.
واليوم لماذا هذه اللامبالاة؟ لماذا يُرفض الإنجيل؟ ليست الرسالة سهلة. فالمرسلون يواجهون المقاومة وينالون الفشل. والمقاومة ليست فقط من الخارج، بل هي في أعماق قلوبنا. وهناك ضعف شهادتنا وشهادة جماعتنا ومجمل الكنيسة. لا نعرف كيف نتصرّف. صارت لغتنا غير مفهومة، وعارضت أعمالُنا أقوالنا. وتأتي الصعوبات أخيرا من "جنون" تعليم الإنجيل. فكلمة المسيح تطرح على بساط البحث أموراً عديدة، لهذا نتقبلها بصعوبة، نضع العراقيل في وجهها.
9
الروح يشهد ليسوع
16: 1- 11

إن كنت لا أنطلق فلا يأتيكم المعزي. وإذا انطلقت أرسلته إليكم.
ويبدأ الحديث عن الاضطهاد (آ 1- 4). "قلت لكم هذا". هذه الردّة تتكرّر مراراً في خطب الوداع (15: 11؛ 16: 1، 6؛ 16: 25، 33)، فتعطي طابعاً إحتفالياً لكلمات وآية يسوع، وتستبق شكّ التلاميذ حين تتحقق الحالة التي أعلن عنها. فعبر خطبة يسوع، يمدّ يوحنا في زمن الكنيسة هذا الاضطهاد المرتبط بوضع التلميذ. ويجعل يوحنا نفسه في وقت اصطدم فيه المسيحيون بأقسى الصعوبات. إستبعدوا من المجامع، عذّبوا، قُتلوا... وجاءت هذه العقوبات على يد أناس مقتنعين بأنهم يكرّمون الله. وهكذا نجد من خلال هذا المقطع صورة عن الأحوال الملموسة في الجماعة المسيحية كما عرفها يوحنا في نهاية القرن الأول. فكانت هذه الخطبة في فم يسوع من أجل زمن الاضطهاد.
ويعود موضوع الانطلاق هنا كما في ف 14. ونستغرب سؤال يسوع للتلاميذ، وكأن سمعان بطرس وتوما لم يطرحا السؤال من قبل (13: 36؛ 14: 5). "لماذا أنتم حزانى فلا تسألوني إلى أين أنطلق"؟
ونصل إلى موضوع الروح الذي يُعطى للتلاميذ (آ 5- 7). في 14: 28 كان انطلاق يسوع خيراً لهم (لو كنتم تحبوني كنتم تفرحون بأني ذاهب إلى الآب). وهنا هو خير للتلاميذ: "إن في انطلاقي خيراً لكم". وهكذا لن يكون لهم فقط "مرافقاً"، بل "مفسرّاً" يساعدهم على فهم كلام يسوع. فالتلاميذ لا يستطيعون أن يفهموا يسوع من دون الروح. ولكن يجب أن يذهب يسوع لكي يأتي الروح. "قال هذا عن الروح الذي كان المؤمنون به مزمعين أن يقبلوه. فالروح لم يكن بعد قد أعطي، لأن يسوع لم يكن بعد مجّد" (7: 39).
وفي مقطع ثالث نجد الروح يقف ضد العالم (آ 8- 11). إن الروح يتابع عمل يسوع، ويؤكّد للكنيسة أنها في الحق، ويتيح لها أن تواجه القوى المعادية أو اللامبالية في العالم. حين كان يسوع حاضراً على الأرض كشف عن خطيئة البشر بشكل دينونة (3: 19). أما الروح فعليه أن يتابع مهمة يسوع فيُلهم الجماعة. وتعطى له ثلاث وظائف. الأولى، يبرهن للتلاميذ أن العالم هو في الخطيئة. فالروح يبرز الخطيئة العظمى، خطيئة العالم حين قتل يسوع. الثانية، يحكم من أجل يسوع. يبيّن أن موته المذل في نظر البشر هو ارتفاع وتمجيد بيد الآب. هذه نقطة جوهرية، وإلاّ لماذا وجود الروح (الذي يواصل عمل يسوع وسط البشر) في العالم. الثالثة، يحكم على العالم الذي أخطأ حين حكم على يسوع. فالروح الحي في الكنيسة يشهد هكذا على أن الحكم على يسوع وموته وصلا به إلى تمجيده لدى الآب.
ونتوقّف عند محاكمة يسوع بحسب يوحنا.
نقرأ في 1 تم 6: 13: "أمام المسيح يسوع الذي أدّى لدى بنطيوس بيلاطس شهادة رائعة". وفي الأناجيل الإزائية، شهد يسوع بصمته. "وكان رؤساء الكهنة يرفعون عليه شكاوى كثيرة. فسأله بيلاطس أيضاً: أما تجيب؟ أنظر أي شكايات يوردون عليك" (مر 15: 3- 5).
ويصوّر الإنجيل الرابع مطوّلاً محاكمة يسوع أمام بيلاطس، فيميّز ما يتمّ في الخارج أمام اليهود (لا يقول يسوع شيئاً) وما يتمّ في الداخل: نحن هنا في جدال عميق حول أهداف رسالة يسوع. غير أن يسوع يبقى صامتاً بالنسبة إلى السؤال الأساسي: "من أين أنت" (19: 9)؟ إن عدداً من الناس طرحوا هذا السؤال في الإنجيل، بشكل مباشر أو غير مباشر. ولكن يسوع لا يستطيع أن يكشف هذا السرّ إلاّ للذين يقتربون منه في الإيمان.
ونعود إلى محاكمة يسوع أمام اليهود. فيوحنا لا يتحدّث عن مثول يسوع أمام المجلس الأعلى (سنهدرين). بل يشير بكلمة عابرة إلى مثول يسوع أمام عظيم الكهنة في تلك السنة، أمام قيافا (18: 24). لا شك في أنه ذكر مرتين الحكم الذي لفظه قيافا دون أن يسمع للمتّهم: "إنكم لا تعقلون ولا تفكّرون أن مصلحتكم تقضي بأن يموت رجل واحد عن الشعب ولا تهلك الأمّة كلّها" (11: 50). فإن مصلحتكم تقتضي بأن يموت رجل واحد عن الشعب" (18: 14). تحدّث يوحنا مطوّلاً عن مثول يسوع حالاً بعد توقيفه أمام حنان، رئيس الكهنة القديم، فجعلنا نفكّر أن دور هذا الأخير كان كبيراً في الحكم على يسوع.
في الواقع، إن قسماً كبيراً من إنجيل يوحنا يتضمّن محاكمة يسوع أمام اليهود، لا سيما المجموعة التي تمتدّ من عيد المظال إلى عيد التجديد (ف 7- 10). ونهاية هذا النصّ تقابل محاكمة يسوع أمام قيافا كما يصوّرها لوقا. بدأ اليهود يسألونه: "إن كنت المسيح فقله لنا جهراً". وأنهوا كلامهم باتهامه بالتجديف حين أعلن يسوع: "أنا والآب واحد" (10: 24 ي).
غير أن محاكمة يسوع هي أوسع من ذلك. نحن أمام حرب الظلمة ضدّ النور. وهذه الحرب تتّخذ شكل محاكمة. يظهر يسوع أنه الشاهد الذي يأتي من السماء، الذي يشهد بما رأى وسمع (3: 32). ولكنهم لا يقبلون شهادته. وبعد هذا يبدو يسوع أنه المتهم (5: 18) الذي يستعين بشهادة يوحنا المعمدان، بشهادة الكتب المقدّسة، وخصوصاً بشهادة الآب (5: 36). وبعد قليل سيصبح المتّهِم ذاك المحكوم عليه. ولكن الأمور تنقلب هنا. فمقدمة الآلام تعبرّ أفضل تعبير عن اللاهوت اليوحناوي: على الصليب ظهرت بوضوح دينونة هذا العالم وانتصار المصلوب. فكل الشعوب وكل الألسنة يستطيعون أن يكتشفوا "برّ" يسوع. فيعيد الروح حقّ يسوع في ضمير المؤمن (16: 8). ويتّهم موسى والكتب أولئك الذين عارضوا يسوع (5: 46). وسلطان هذا العالم ينُزع عنه القناع ويُرمى إلى الأرض (12: 31).
وهكذا كان الصليب ساعة الحقيقة والنور. حينذاك "يمجّد" يسوع (13: 31). ذهب إلى النهاية في شهادته فصار النموذج للإنسان (19: 5: هذا الرجل). وهناك من يقرأ في 19: 13: "جاء بيلاطس بيسوع إلى الخارج وأجلسه على "الباما" (كرسي القاضي) "في الموصع المدعو ليتوستروتس وبالعبرية جباتا". إن هذا العمل الساخر مع ما فيه من التحدّي يدلّ أفضل دلالة على هوية يسوع الحقيقية.
والكنيسة، شأنها شأن معلّمها، لا تفلت من المحاكمة: هناك محاولة إسكات صوت يزعج. محاولة إطفاء النور الذي تحمله بواسطة الاضطهاد واللامبالاة. وقد تنتقد الكنيسة بسبب محدوديتها وخطيئتها. هنا لا بدّ من التمييز بين من يكتفي بذاته ولا يسمع للآحرين، وبين من يعيش دوماً عقدة الذنب فلا يرى إلاّ الخطيئة.
"إلى أين يذهب يسوع"؟ تساءل عدد من الناس في إنجيل يوحنا إلى أين يذهب يسوع. هل سيقتل نفسه؟ فقد قال: "حيث أذهب لا تستطيعون أن تأتوا". وما كان اليهود يستطيعون أن يفهموا هدف حياة يسوع (8: 22). فهذا الهدف يبقى لهم لغزاً. "إلى أين يذهب هذا حتى لا نجده؟ ألعلّه يذهب إلى المشتّتين وسط الوثنيين؟ ألعلّه يذهب ويعلّم اليونانيين" (7: 35)؟ ويقول توما بدوره: "يا رب، لا نعرف إلى أين تذهب فكيف نعرف الطريق" (14: 5)؟ فسرُّ العبور الذي يعيشه يسوع الآن هو عظيم كسرّ أصله ومولده. لقد سأل بيلاطس يسوع: "من أين أنت" (19: 9)؟
سمع التلاميذ يسوع يقول إنه ذاهب إلى الآب. ولكنهم لم يفهموا معنى مقاله. عرفوا أنه سيموت، أنه لن يكون هنا فيما بعد. وعبر حزن التلاميذ نجد تعبيراً عن ألم الجماعة اليوحناوية. فهذه الكنيسة هي فريسة الصعوبات، وليس لها يسوع لكي تحلّها. ما عاد التلاميذ يجرأون أن يتكلّموا، أن "يحاسبوا" يسوع: أين ذهبت، لماذا أنت بعيد؟
خاب أمل التلاميذ، فجاء إليهم يسوع في أعمق خيبتهم التي تخفي الخوف وتنفي الثقة بنفوسهم وبالروح القدس. "إذا كنت لا أنطلق لا يأتيكم البارقليط" (المدافع). كان حضور يسوع بالجسد مهماً وسط أخصّائه. فجسده (بشريته) يحدّثنا عن الله. ولكن علينا الآن أن نحيا بروحه وبفضل هذا الروح، نستطيع أن نواصل عمله. فيسوع لا يريد أن يعمل شيئاً عنا: "خير لكم أن أذهب".
وصوّر دور الروح الأول بشكل يصعب فهمه إذا نسينا أن إنجيل يوحنا يستعمل مراراً صورة المحاكمة. في الظاهر ربح متهمو يسوع الذين هم العالم وسلطان هذا العالم: إستطاعوا أن يتخلّصوا من يسوع حين نفّذوا فيه حكم الموت. إذن، إنتهت المحاكمة. ولكن الروح القدس يطلب إعادة النظر في المحاكمة، وهو سيتيح للمؤمنين أن يكتشفوا حق يسوع، "بر" يسوع العائد إلى الآب. لقد أفهمهم أن يسوع هو حقاً مرسل الله، أنه ظلّ أميناً حتى نهاية الإلتزام، أنه تجاوب كل التجاوب مع ما انتظره منه الله. ويردّد الروح في قلوب المؤمنين الشهادة التي أدّاها الآب ليسوع حين أقامه من بين الأموات (5: 25- 28). وهكذا انقلب الوضع: فالمتهمون الذين حسبوا نفوسهم بجانب الله وجدوا نفوسهم يعارضونه فيُحكم عليهم. لقد خسرت قوات الموت قدرتها، وانتصرت الحياة.
والروح يقودنا إلى يسوع الذي هو الحق (14: 6). يقول للتلميذ ما يأتي من يسوع، يقول له معنى كلمات يسوع. يتمنّى البعض أن يكون التلاميذ "كتبوا" (أو سجّلوا) أقوال يسوع لئلا يكون هناك خطأ، لئلا يكون تحريف بفعل النسيان! ولكن الأمور لم تكن هكذا. فالإنجيليون إستناروا بالروح فاستعادوا بطريقتهم كلام يسوع وبالنظر إلى حاجات الجماعة. فالروح القدس لا يكرّر أمام المؤمنين كلمات جامدة ميتة. بل يساعدهم على إدراك الواقع في أوضاع جديدة تتطلّب البحث والخلق. ويتيح لهم أن يكتشفوا اليوم بُعد كلمات قيلت في الأمس. فالروح وحده يستطيع هكذا أن "يمجّد" يسوع، يعني أن يبيّن لنا من هو وماذا ينتظر منا. والروح وحده قادر أن يعرّفنا بما يحدث، أن يجعلنا نستشفّ عالم الله الجديد الذي يُبنى والذي سيُعطى لنا مع ذاك الذي يأتي بمجد عظيم.
أما ترون أنه من الأفضل لكم أن أنطلق؟ هذا هو سؤال يسوع. والإنجيل يدعونا إلى أن نطلب الجواب على هذا السؤال. ذهاب يسوع خير لنا. فانطلاقه وعودته إلى الآب يدشّنان نمطاً جديداً من حضور الله وسط البشر: لقد أعطي الروح لنا. والروح ليس كلمة ولا صورة. إنه شخص حيّ. إنه نسمة الله، دينامية الله الذي يتدخّل حين نأخذ مسؤولياتنا بأيدينا. وعبر خياراتنا وما نخاطر به، يقودنا الروح إلى الحقيقة كلّها. يعطينا الصدق في ما نعيش، يعطينا أن نعرف يسوع وأن نلتقي حقاً مع الله الآب. الروح هو الله الذي يأتي إلينا بتحفّظ وخفر، هو الله القريب والبعيد معاً، الذي يحترم المدى الذي فيه تتحرّك حريتنا.
وبفضل الروح لسنا عبيداً لنموذج نكرّره ولا نحيد عنه. بل نحن مدعوون لكي نستنبط، لكي نخلق الجواب الجديد على الأوضاع المستجدة.
نصلّي إلى الروح ليقودنا إلى الحق كله، ولا نخاف بأن نخاطر.
10
من الحزن إلى الفرح
16: 16- 24

ستحزنون، ولكن حزنكم سينقلب فرحاً.
نجد في آ 17 وفي 16: 29 حوارين بين يسوع وتلاميذه، وذلك بعد مونولوج طويل تحدّث فيه يسوع وحده منذ بداية ف 15. فالحزن والفرح هما العاطفتان اللتان يثيرهما ذهاب يسوع.
أعلن يسوع في لغز أنه سيختفي ثم يظهر من جديد. عمّا قليل لا ترونني. ثم عفا قليل ترونني. هذا ما ينطبق على آلامه وموته. فرح عابر من أجل العالم، وحزن من أجل التلاميذ. ولكن ستنقلب الأمور بعد القيامة (20: 20).
لم يفهم التلاميذ كلمة يسوع، أو اختلفوا على فهمها فتجادلوا وأعلنوا أنهم لم يفهموا في العمق. "لا نفهم ماذا يريد" وبدأ شرحُ يسوع بشكل احتفالي مع عبارة "الحق الحقّ أقول لكم" (آ 20).
أمّا المقابلة مع المرأة الحبلى فهي تقليدية في العالم اليهودي، وتنطبق على الأزمنة الأخيرة (هو 13: 13؛ أش 26: 17؛ إر 6: 24). واستعمل سفر الرؤيا الصورة عينها عن المرأة الحبلى التي تلد الولد المسيحاني (رؤ 12: 2). هذا الإنفتاح الاسكاتولوجي يتيح لنا أن نقرأ عبارة "عمّا قليل" بطريقتين. تدلّ على القيامة كظهور عابر وعلى نهاية الأزمنة كحدث يسوع النهائي الذي تدشّن في الآلام.
نحن أمام لغز، ثم أمام مثل، وينتهي النصّ بنداء جديد إلى الثقة بصلاة نرفعها إلى الآب.
ونبدأ باللغز (آ 16- 20). "عمّا قليل ترونني، عمّا قليل لا ترونني. يتحدّث يسوع عن الوقت القصير الذي تشكّله آلامه وموته قبل اللقاء الجديد بعد القيامة. غير أن هذا اللقاء الجديد سيكون عابراً. ولكنه يترك في قلب الرسل الفرح. فيقول لهم يسوع: "لا ينتزع أحد فرحكم منكم". ويتحدّث يسوع أيضاً عن عودته في نهاية الأزمنة. فتاريخنا البشري كله هو وقت قصير. هذا ما تقوله أسفار الرؤى التي تعرف أن ألف سنة في عين الله كيوم أمس الذي عبر (2 بط 3: 8). تاريخنا هو في الخارج زمن حزن، ولكن يرافقه نداء دائم إلى الفرح نجده في إنجيل يوحنا كما في رسائله.
يتطلّع يسوع إلى تاريخنا كوقت فيه يكون غائباً، كوقت من الحزن. ومن جهة ثانية كوقت فيه يفتقدنا ويزورنا، كوقت من الفرح. وحين صوّر سفر الرؤيا زمن الكنيسة ضمّ في واحد بُعدي الفرح والحزن. جاء يسوع يتّكىء إلى مائدتنا (رؤ 3: 20). جاء يقيم عندنا مع الآب (يو 14: 23). وهكذا يكون عبور يسوع إلى الآب إنطلاقاً حقيقياً يترك التلاميذ "منفيّين بعيداً عن الربّ" (2 كور 5: 6). ونكون أمام طريقة جديدة نحيا بها علاقتنا مع الرب: بالإيمان، بفضل الروح، بكلمة الله، بخدمة الاخوة، بالعشاء الافخارستي... بكل هذا ننظر إلى مجيء يسوع بفرح يستبق فرح نهاية الأزمنة.
ويأتي المثل (آ 21- 22) بعد اللغز، فيدلّ على الزمن الذي نعيشه. "المرأة، إذا ما حان وضعها، تحزن، لأن ساعتها قد أتت، ولكنها متى وضعت الطفل لا تعود تذكر شدّتها، فرحة بأن إنساناً وُلد في العالم" (آ 21).
تبيّن لنا الفصول الأولى في سفر التكوين أن حوّاء ستلد في الآلام: "بالأوجاع تلدين البنين" (تك 3: 16). وتبيّن لنا فرحها فتصرخ حين ولدت قايين: "رزقني الرب ابنا" (إنساناً) (تك 4: 1).
واستعاد الأنبياء مراراً هذه الصورة ليشدّدوا على الأزمنة الصعبة التي سيعيشها شعب الله. نقرأ في أش 26: 16- 17: "في ضيقنا افتقدناك (طلبناك) يا رب، فكنّا أمامك كامرأة فاربت الولادة. تتوجّع وتصرخ في مخاضها" (رج هو 13: 13). ونجد الصورة عينها بمناسبة الحديث عن هزيمة الأمم حين يخلّص الله شعبه. "يستولي عليهم الرعب، وتأخذهم أوجاع وآلام، فيتلوّون كامرأة في المخاض" (أش 13: 8). "بهتوا عندما رأوا أورشليم، وفزعوا وأسرعوا إلى الفرار. أخذتهم هناك الرعدة وتوجّعوا كالتي تلد" (مز 48: 6- 7). وقد استعاد يسوع هذه اللغة ليحدّثنا عن محن نهاية الأزمنة: ستكون مفاجئة فلا يفلت منها أحد. "هذا كله أولا الأوجاع. حينئذ يسلمونكم إلى الضيق ويقتلونكم" (مت 24: 8- 9؛ مر 13: 8؛ رج 1 تس 5: 3).
غير أن هناك نصوصاً عديدة تشدّد على الوجهة الإيجابية: فهذه الأوجاع هي أوجاع الولادة. فامرأة سفر الرؤيا (ف 12) التي تمثّل شعب الله، تلد في الأوجاع الولد المسيح. ويرى بولس أن الخليقة كلها تعيش ألم المخاض (روم 8: 22). وقد قال إلى الغلاطيين: "يا أولادي الصغار الذين اتمخّض بهم من جديد إلى أن يتصوّر المسيح فيهم" (4: 19). وأعلن اشعيا من جهته اليوم الاسكاتولوجي الذي فيه تلد أورشليم البنين والبنات بدون أوجاع المخاض (66: 5- 14).
كل هذا غذّى المثل الذي أورده يوحنا. وهو يبرز فرح المرأة التي تنسى أوجاعها لأن إنساناً وُلد في العالم. هذه المرأة (كما في رؤ) هي شعب الله، شعب الميثاق الجديد. هي الجماعة اليوحناوية التي تعيش المحن العديدة.
وهذه المحن تشبه آلام الولادة. والفرح سيكون في لقاء الرب (سوف أراكم) في اليوم الأخير، بل منذ الآن ساعة تلد الكنيسة إنساناً وتلميذاً لذاك الذي سمّاه بيلاطس الرجل" (19: 5).
هذا العمل يتعدّى إمكانيات الجماعة، فلا تستطيع أن تستند إلى قواها وحدها. لهذا يدعوها يسوع بإلحاح إلى الصلاة. يستعيد الإنجيل هنا كلمة من يسوع عرفها التقليد الإزائي: "سلوا تعطوا" (رج مت 7: 7؛ لو 11: 9). ولكنه حدّد: نحن نطلب من الآب، نطلب وننال باسم يسوع. نطلب وننال بحيث يكون فرحنا كاملاً.
نلاحظ هنا أن الفرح هو ميزة الحقبة الحاضرة: إنه ثمرة صلاة الطلب التي تتجدّد دوماً في الكنيسة. وهذا ما يثبت الشرح الذي أعطي في الآيات السابقة: إن الفرح بولادة إنسان في العالم يصوّر أيضاً النشاط الحاضر في الكنيسة. وعمل المخاض القاسي الذي نعيشه في الثقة والصلاة إلى الآب، الذي نعيشه في الروح القدس الذي يعطى لنا باسم يسوع، هذا العمل هو منذ الآن ينبوع فرح.
عالم جديد يولد. هل نعرف أن نكتشفه؟ ولهذا يمتزج في حياتنا الألم والفرح، القلق والسلام، الشك والألم. لا يأتي الواحد بدون الآخر، وليس من السهل أن نحمل الوجهات المتناقضة في حياتنا، كما ليس من السهل أن يكون يسوع ذاك الذي لا نراه وذاك الذي نعود فنراه. هناك تمزّق في أعماقنا والربّ يساعدنا على عيش هذا التمزّق.
11
من الأزمة إلى النور والغلبة
16: 25- 33

الآب يحبكم لأنكم أحببتموني وآمنتم أني من الله خرجت.
جاءت الساعة مع زمن تمجيد يسوع الذي يتميّز بأنه زمن الروح. منذ الآن سينعم التلاميذ بامتياز خاص وهو بأن يستجيبهم الآب وأن يفهموا سرّ هوية يسوع. فمع الموت والقيامة، دخل التلاميذ في زمن الحياة الحميمة مع الله بفضل الروح (رج أف 2: 18: إلى أي رجاء دعاكم، وأي كنوز مجد جعلها لكم ميراثاً). فالإعلان الواضح من الآب لا يعني الإقامة النهائية في اليقين الذي لا يخامره شكّ والنور الذي لا يعتريه ظلام. فبالروح يدخل المؤمنون في خطّ التجسّد. وهذا الخط يجمله يسوع في ختام كلامه، في آ 28: جاء من الله وأقام علاقة مع البشر. وهو يعود إلى الله فيصحّح علاقة البشر مع الله. "خرجت من عند الآب وجئت إلى العالم. والآن أترك العالم وأذهب إلى الآب".
وأعلن التلاميذ إيمانهم بكلام شبيه بكلام القديس بطرس بعد خطبة خبز الحياة. قال بطرس في 6: 69: "نحن آمنا بك وعرفنا أنك أنت المسيح إبن الله الحي". وهنا دلّ يسوع على أنه حامل معرفة فائقة الطبيعة، ففال له التلاميذ: "لذلك نؤمن بأنك جئت من عند الله، (16: 30). ولكن يسوع لم يُؤخذ بهذا الحماس. فهو يعلن أن التلاميذ سوف يتشتّتون قريباً، سيتخلّون عن معلّمهم. هذا ما نجده أيضاً في الأناجيل الإزائية. ففي مر 14: 27 يقول يسوع لتلاميذه: "ستتركوني كلّكم في هذه الليلة". ولكن ما يعوّض عزلة يسوع هو حضور الآب المستمرّ، حضوره على ابنه في زمن الآلام كله.
وينتهي ف 16 بإعلان سيادة يسوع وسلطته التي لا تغلب. فنحن نقرأ في آ 33 عبارة موجزة تؤكّد على الضيقات التي تجابه الكنيسة، وعلى النصر الذي لا شكّ فيه. فيسوع قد غلب العالم. ولكن سنغلب به ومعه. وهذه الغلبة ليست قضية عابرة وموقتة. هذه الغلبة هي واقع دائم. وإن كان خفياً، فهي ستتجلّى ساعة يشاء الرب. ويستعمل يوحنا في اليونانية صيغة فعلية تدلّ على استمرار في الحاضر لعمل تمّ في الماضي. ونستطيع أن نتوسّع فنقول: "لأني غلبت (في الماضي) العالم، فأنا منتصر الآن على العالم وسأبقى منتصراً إلى الأبد".
هنا يبرز موضوع الخلاص.
حين نتحدّث عن الخلاص نفكّر بشخص يفلت من خطر كبير بعد أن يدخّل شخص آخر من أجله: رجل نجا من الغرق بفضل يد امتدت إليه. مريض أصيب بمرض خطير فتمّ له الشفاء. إنسان سقط فحطّمته المحنة، وبفضل حضور حبيب إستعاد الأمل بالحياة. وفي المجال الديني، نفهم الخلاص عادة بالطريقة عينها: كان الإنسان مهدّداً بالموت بسبب خطيئته. فجاء الخلاص الذي هو عمل به ينتزعه الله من خطيئته، يفتديه من عبودية الشرّ. هذا ما نجده في إنجيل يوحنا.
نقرأ في 4: 22: "الخلاص يأتي من اليهودي. فيسوع الذي وُلد في الشعب اليهودي يحمل الخلاص إلى السامرية والسامريين. ونقرأ في 4: 42 كلاماً قاله أهل السامرة بعد أن سمعوا البشارة: "نحن نعرف أنه حقاً مخلّص العالم" (4: 42). ويرد فعل خلّص ست مرات. الأولى في 3: 17: "والله أرسل ابنه إلى العالم لا ليدين العالم، بل ليخلّص به العالم (المخلوق)". وفي 3: 16: "هكذا أحبّ الله العالم حتى إنه وهب ابنه الوحيد، فلا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية" نحن هنا أمام تكثيف لفكر القديس يوحنا حول الخلاص.
في البداية، لا نجد خطيئة البشر بل حبّ الله للعالم، وتقديمه أعزّ ما لديه وهو ابنه الوحيد. وفي نهاية هاتين الآيتين نجد توازياً بين الخلاص والحصول على الحياة الأبدية. فالخلاص هو الحياة التي تصل إلينا بوفرة. والخلاص هو مشاركة في حياة الابن في اتحاده مع الآب: "أنا هو الباب: من يدخل بي يخلص. يدخل ويخرج ويجد مرعى" (10: 9). والابن ما جاء لكي يدين. هذا الكلام يعود في نهاية القسم الأول: "من سمع أقوالي وما حفظها، لا أدينه. لأني ما جئت لأدين العالم، بل لأخلّص العالم" (12: 47). وتقوم الخطيئة برفض هذه العطية.
وهكذا شدّد يوحنا على مواضيع الحب والعطاء وتفجّر الحياة، ولم يشدّد على الفداء. هو لا يقول بأننا خلصنا بموت يسوع. بل يتحدّث عن هذا الموت على أنه الوقت الذي فيه يرفع عن الأرض فيجتذب إليه البشر أجمعين (12: 32). ويشدّد أيضاً على فاعليّة هذا الموت من أجل تجميع شعب الله الجديد.
إن تقديم الأمور بهذا الشكل يدلّ على نظرة يوحنا إلى الحياة المسيحية: فهي تقوم بأن نعي الموهبة التي أعطيت لنا، بأن نحب ونبذل حياتنا من أجل من نحبّ. الخلاص سابق للخطيئة. فالله يطلبنا، لا لأننا خطأة، بل لأنه اختارنا ليجعل منا أبناءه. الخلاص يقوم بأن نتيح لله أن يكون فينا ذاك الذي يحبّ كل المحبة، ذاك الذي يحقّق ملء الخلاص، ذاك الذي ينهضنا من كبوتنا ويقيمنا من الموت. أن يكون ذاك الذي يخلقنا وذاك الذي يخلّصنا. ذاك الذي نسميه "أبانا"، ذاك الذي يجد ملء الفرح حين يعطي الحياة.
ظنّ التلاميذ أنهم فهموا. فأكّدوا بشكل فيه بعض التردّد: "نعرف، نؤمن". "الآن تتكلّم كلاماً صريحاً" (آ 29- 30). فكأن الخبر وصل إلى نهايته: هذا هو الوقت الحاسم من أجل الضياء الكامل. ما الذي يسبّب هذا الحماس وهذه الأوهام لدى التلاميذ؟ لماذا يشدّد الإنجيل على سوء التفاهم الجديد هذا في نهاية خطبة الوداع؟ وكيف يتجاوزه؟ سنحاول أن نرد على هذه الأسئلة الثلاثة متتبّعين النص (آ 25- 33) خطوة خطوة.
الأول: ساعة الكلام الصريح (آ 25- 27).
أجمل يسوع نشاطه فقال: إنه كلّم التلاميذ "بأمثال، بكلام ملغز". ولكنه أكّد أنه ستأتي ساعة يتحدّث فيها صراحة عن الآب. نستطيع أن نفهم هذه الساعة على أنها ساعة الصليب التي بها يخبر يسوع عن الآب بشكل تامّ. ولكن هذه الساعة هي أيضاً ساعة الآلام، ساعة الولادة للمرأة (آ 21). لقد جعل يسوع الكنيسة المتألمة بآلام الولادة، جعلها تعرف الآب معرفة تامة. وكل هذا الزمن، زمن الألم، يقود روحُ يسوع الكنيسة نحو الحقيقة كلّها. "في ذلك اليوم". نلاحظ هنا الانتقال من "الساعة" إلى اليوم في آ 25- 26 كما في آ 21- 23. في ذلك اليوم يرفع التلاميذ صلاتهم إلى يسوع وهم متأكّدون من حبّ الله نفسه. لا شكّ في أن ما يدلّ عليه النصّ هو كل زمن حياة الكنيسة.
وامتدح يسوع التلاميذ. واستعمل في مدمجه فعلين يعبّر بهما عن عمل من الماضي ما زالت نتيجته حاضرة. "أنتم أحببتموني وآمنتم بأني من الله خرجت". الحب والإيمان. هذا أعظم ما في إنجيل يوحنا. نستطيع القول بأن ف 1- 12 هي تربية التلاميذ على الإيمان، وأن ف 13- 21 هي تربية على المحبّة. ففي نظر يسوع، يعيش التلاميذ في الحبّ والإيمان. وفي نظر الإنجيلي، هذا هو وضع المؤمنين الذين إليهم يوجّه كلامه. ولكنه لا يقول هذا الكلام لكي يعطيهم طمأنينة سريعة مهما كان ثمنها. فهو يتساءل: هل فهموا حقاً كلامه؟
الثاني: من أين جاء يسوع وإلى أين يذهب (آ 28)؟
ويتابع يسوع كلامه بجملة تبدو واضحة للتلاميذ، ولكنها في الواقع ليست واضحة كل الوضوح: "خرجت من الآب وأتيت إلى العالم. ثم أترك العالم وأذهب إلى الآب". تحمل هذه الجملة تفسيرات مختلفة:
- هناك تفسير الغنوصيين: قد تكون كلمة يسوع هذه أقرب ما يكون من إيمان الغنوصيين (أصحاب المعرفة). هم يؤمنون بمخلّص يأتي إلى لقاء النفس الضالّة في هذا العالم الشرير، ليجعلها تكتشف من جديد، بواسطة المعرفة، طريق العالم الإلهي. لقد عرف الشرق هذا الموضوع بأشكال متعدّدة، واعتبر بعض الشرّاح أن هذا التيار الفكري قد أثّر على تفكير يوحنا حول شخص المسيح. قد يكون يوحنا استعمل لغة الغنوصيين، ولكن الوحي الذي يحمله قد فجّر الكلمات القديمة وحمّلها معنى جديداً. وإذا كانت الكتب الغنوصية قد تدوّنت في القرن الثاني، أما تكون هي التي تأثرت بإنجيل يوحنا ولم تؤثّر عليه.
- وقدّم العهد القديم نصوصاً موازية وقريبة لهذا النصّ. ونتذكّر بشكل خاص نصّ أشعيا حول كلمة الله. "كما ينزل المطر والثلج ولا يرجعان ثانية إلى السماء، بل يرويان الأرض ويجعلانها تجود فتنبت نبتاً وتعطي زرعاً للزارع وخبزاً للآكل، كذلك تكون كلمتي التي تخرج من فمي، لا ترجع فارغة إليّ بل تعمل ما شئت أن تعمله وتنجح في ما أرسلتها له" (أش 55: 10- 11).
إن هذه الجملة تجمع عناصر عديدة من إنجيل يوحنا. فاليهود تساءلوا مراراً من أين جاء يسوع وإلى أين يذهب. وطرح الإنجيلي السؤال مراراً وبشكل غير مباشر حول أصل يسوع. فبمناسبة خمر قانا، سأل رئيس المتكأ: من أين جاءت الخمرة الجيدة (2: 9)؟ وسألت السامرية ذاك الطالب إليها ليشرب: "من أين لك ماء الحياة" (4: 11)؟ وسأل التلاميذ: "من أين نشتري الخبز لنطعمهم" (6: 5)؟ والسؤال: "إلى أين أنت ذاهب"؟ قد عبّر عنه التلاميذ في 14: 5 ولمّح إليه يسوع في 16: 5 (لا أحد منكم يسألني: إلى أين أنت ذاهب). هذا السؤال حاضر في ذهن التلاميذ خلال كل خطبة الوداع (رج 11: 16: تعالوا نذهب). في نظر الإنجيلي، يبدو أنه حين نعرف من أين جاء يسوع، نفهم بشكل أسهل إلى أين يذهب. وحينئذٍ نكتشف الشيء الكثير حول شخصه. ظنّ التلاميذ أنهم وصلوا إلى هذا المستوى. ظنّوا أن يسوع يكلّمهم (وأخيراً!) بشكل واضح. ولكنه في الواقع ترك لهم لغزاً جديداً.
الثالث: فعل إيمان التلاميذ (أ 29- 32).
عرف التلاميذ أن يسوع جاء من عند الآب. وكما اعتدنا أن نقرأ في إنجيل يوحنا، تقبّل يسوع فعل الإيمان هذا ودفعه إلى الأمام (1: 50؛ 6: 70؛ 9: 39؛ 11: 27، 40؛ 20: 17؛ 20: 29). سيستصعب التلاميذ قبول الطريقة التي بها تتمّ العودة إلى الآب. ظنّوا أنهم يعرفون ويؤمنون. في الواقع، سوف يتركون يسوع وحده قريباً. والطريقة التي بها تجسّد يسوع حقاً، وعاش وحتى النهاية حياته كإنسان، عاش نزاعه ولم يتفلّت من الموت، كل هذا حيّرهم. ما استطاع التلاميذ أن يحيطوا بهذا البعد الذي سيحوّل حياتهم. كم نحن بعيدون عن مخلّص جاء "في رحلة إستجمامية" إلى العالم ليحمل تعليم الخلاص، ثم عاد بكل هدوء صاعداً إلى العالم العلوي!
في بداية الخطبة، حدّ يسوع من حماس بطرس الذي ظنّ أنه يستطيع أن يتبعه منذ الآن (13: 36، 38). فأعلن له أنه سينكره. وفي نهاية الخطبة خفّف يسوع من اندفاع التلاميذ الذين ظنوا أنهم يستطيعون أن يفهموا الآن (16؛ 30). فقال لهم بصريح العبارة: "ستتركوني وحدي. ولكنه استدرك: "لكن لا أكون وحدي، لأن الآب معي".
وكان نداء إلى الثقة بالله (آ 33).
لم يترك يسوع تلاميذه في هذا الجوّ المتشائم. كان قد أكّد لهم أن الآب هو دوماً معه في المحنة. وها هو يؤكد الآن أنه سيكون دوماً مع تلاميذه في الشدّة. "سيكون لكم بي سلام".
شجاعة وثقة! "ستعانون الشدة في العالم". ستكون اضطهادات، ستكون إنقسامات (1 يو 4: 1- 6). "تقووا. أنا غلبت العالم" وانتصرتم على بغضه بالمحبة حتى النهاية ومهما كلّفت هذه المحبة. وستقول 1 يو 4: 4: "أنتم من الله وقد غلبتم، لأن الله الذي فيكم أقوى من إبليس الذي في العالم". أجل، المسيح العائش وسط تلاميذه هو أعظم من روح العالم. هو أقوى من العالم.
12
صلاة من أجل المؤمنين
17: 20- 26

أصلّي لأجل الذين قبلوا كلامهم فآمنوا بي. إجعلهم كلّهم واحداً.
إنّ ف 17 هو خاتمة الوداع (ف 13- 17): فربّ العائلة أو المسؤول عن الجماعة يحسّ أن ساعة "الذهاب" قد حلّت، فيرفع للمرّة الأخيرة صلاة من أجل أبنائه أو من أجل شعبه. هذا ما فعله موسى حين رفع صلاته إلى الله (تث 32) وبارك القبائل (تث 33) قبل أن يموت على جبل موآب ويُدفن في الوادي (تث 34: 5- 6).
يتوازى ف 17 مع ف 13 ويستعيد بعض مواضيعه، مثل الساعة (13: 1؛ 17: 1). تمجيد الإبن بالآب (13: 31- 32؛ 17: 1، 4- 5). الغاية (13: 1؛ 17: 4). دور يهوذا كأداة في يد إبليس (13: 2؛ 17: 12)، وحسب ما قالت الكتب (13: 18؛ 17: 12).
في الأناجيل الإزائية، رفع يسوع أيضاً صلاته إلى الله أبيه في ليلته الأخيرة (مر 14: 34- 36). ولكنها كانت صلاة في الألم والدموع فدلّت على بشريته. أما هنا في إنجيل يوحنا، فبدأ يسوع في كل كرامته كابن يحادث أباه حديثاً حميماً. فكأنه منذ الآن قد دخل في أبديّة الله.
بدأت صلاة يسوع بشكل دعاء بنوي. أباً، يا أبتاه. وركّز صلاته على تلاميذه. ولكن صلاته لم تقتصر على تلاميذه الذين أمامه، بل وصلت إلى جميع الذين سيؤمنون به. إذن إلينا نحن العائشين في هذه الأيام.
"لا أصلّي لأجلهم فقط، بل أصلّي أيضاً لأجل الذين يؤمنون بي بفضل كلامهم". هي صلاة تنفتح على المستقبل، تنفتح على الزمن التاريخي للكنيسة السائرة نحو الوحدة (آ 20- 23)، للكنيسة التي هي جماعة نالت وعداً بالسعادة في نهاية الأزمنة (آ 24، 26). إن صلاة يسوع تشمل المؤمنينْ الذين يقرّون بعلاقة حميمة مع الآب (1 يو 4: 2- 3. هذا هو المعيار الذي يميّز المؤمنين الحقيقيين عن الآخرين) بفضل الذين يعظون بالكلمة. والمشاركة مع الجماعة تقوم لا على معايير أخلاقية، بل على خيارات كرستولوجية، على موقف المؤمنين من يسوع المسيح.
إن الوحدة (آ 21) التي لأجلها يصلّي يسوع هي أولاً عطية الله الذي يمنح الجماعة أن تكون على صورة الآب والابن: "ليكونوا واحداً كما نحن واحد". وترتبط هذه الوحدة بحياة الله التي يشارك فيها المؤمنون. ومن هذه الحياة التي ننالها تنبع شراكة قوية بين البشر يربطهم الإيمان الواحد والممارسات الواحدة. هذه الوحدة هي حاضرة منذ الآن هنا، ولكنها أيضاً وعد اسكاتولوجي، وعد يتحقّق في آخر الأزمنة، وعد ينفتح على جماعة الأزمنة الأخيرة.
وهذا الإنفتاح يبدو بوضوح في الآيات الأخيرة (آ 24- 26). فشهود يسوع أكّدوا أنهم رأوا مجده (1: 14). والموت (مع القيامة) هو الموضع الذي فيه ظهر هذا المجد (17: 2). وفي الأزمنة الأخيرة سيكون ملء هذا المجد منظوراً، "سنعاينه كما هو" (1 يو 3: 2).
"أريد" (آ 24). نأخذ هذا الفعل في معناه القوي. إنه يدلّ على الإرادة الأخيرة لذلك الذاهب إلى الموت. فيسوع الذي تخضع إرادته لإرادة الآب (4: 34؛ 5: 30؛ 6: 38) يمتلك إرادة خاصة متناسقة كل التناسق مع إرادة الآب (5: 30؛ 6: 38). وهذه الإرادة تبرز السبب الأخير لمجيئه: "ليكونوا معي، وليعاينوا مجدي". نلاحظ أن المجيء الأخير ليسوع الذي يجمع المؤمنين ويشركهم في سعادته، يعبّر عنه بشكل روحي، فيستغني النصّ عن الصور المعروفة في الأخبار الجليانية (كما في سفر الرؤيا). فالاسكاتولوجيا التي تحققت والاسكاتولوجيا الأخيرة لا تتعارضان، بل تتكاملان: "عرّفتهم إسمك... وسوف أعرّفهم به": فالمعرفة الأخيرِة ليست ممكنة إلاّ لأنها قد تدشّنت منذ الآن في حياة المؤمن.
ووحي يسوع الإلهي يجمع المعرفة والحبّ: فحضور يسوع وسط تلاميذه هو نتيجة حبّه لهم، وهو أيضاً التعبير عن هذا الحبّ. ويختتم يسوع وحيه بنظرة سريعة إلى تاريخ العهد: فبعد وحي سيناء، حلّ مجد الله على خيمة العهد وسط شعبة (خر 40: 34). وكان يسوع في حياته مجدَ الله كما تجلّى للبشر (1: 14). أما الآن فهذا المجد يقيم في جماعة المؤمنين (17: 22).
هذه صلاة يسوع من أجل تجمّع شعب الله الجديد.
فمشروع الله هو أن يجمع كل البشر في المحبة، في المسيح، فيحطّم كل حواجز البغض والتفرقة.
وموضوع التجمّع نجده بارزاً عند الأنبياء. ففي زمن المنفى في بابل، وساعة اقتلع شعب الله من أرضه وتشتّت في كل مكان، أحسّ هذا الشعب برغبة جامحة بأن يجتمع ويتوحّد. وصارت هذه الرغبة رجاء لأن الشعب تقبّل الوعد من الله. وهذا التجمّع سيكون عمل الله نفسه، إمّا بشخصه وإمّا بواسطة مرسليه (أش 2: 2- 5؛ إر 31: 10؛ حز 34). هو يعني الشعب المختار، ويعني أيضاً كل شعوب الأرض. ويقدّم لنا يسوع في الإنجيل على أنه الراعي الصالح الذي وعد به حز 34 (يو 10: 2- 4، 11- 19). هو لا يكتفي بأن يؤمّن الطعام لينال كل واحد الحياة، ولكنه يأتي من أجل ولادة شعب الله الجديد مع كل أبعاده المنتظرة. مثل هذا الشعب لا حدود له، وهو لا ينحصر في الذين سبق لهم وآمنوا به (10: 16).
إن الرباط بين موت يسوع وتجمّع أبناء الله المشتّتين في الوحدة، واضح كل الوضوح في إعلان قيافا على المجلس الأعلى (11: 49- 52: يموت رجل واحد عن الشعب... ليجمع) وساعة ارتفع عن الأرض حتى الصليب جذب إليه جميع البشر (12: 32). حينئذٍ سيعطي تلاميذه الروح الذي يكوّنهم جماعة وكنيسة. للوهلة الأولى لا نجد عند الصليب جمعاً كبيراً. ولكن يوحنا يرى في الحاضرين هناك نواة الكنيسة المقبلة. وحضور مريم والتلميذ الحبيب والقميص غير المخيط، كل هذا يرمز منذ الآن إلى العنصرة وولادة الكنيسة.
إن الكتاب المقدّس يجعل في نهاية الأزمنة تجمّع كل البشر في محبّة الله ومعرفته. ويرى يوحنا هذا التجمّع حاضراً حين كان يسوع على الصليب ويداه تمتدّان فترسمان بين السماء والأرض علامة العهد التي لا تمُحى. وجماعة التلاميذ والكنيسة التي تولد في ذلك الوقت ستكون علامة هذا العهد ومحرّكه وسرّه. لهذا فهي تستند دوماً إلى الافخارستيا التي تذكّرنا بآلام يسوع وقيامته.
* لمن يصلّي يسوع (آ 20)؟ يصلّي أولاً من أجل تلاميذه الذين هم حوله. وتتوسّع صلاته فتتجاوز الذين هم هنا لتنفتح على الذين يتقبّلون كلامهم فيؤمنون به. لا بدّ للرسالة من أن تحمل الثمار. والراعي الصالح يعرف أنه لم يزل هناك بعض الخراف. "فهذه يجب أن آتي بها فتسمع صوتي وتكون الرعية واحدة لراعٍ واحد" (10: 16).
* ماذا يطلب لهم (آ 21- 24)؟
يطلب أولاً: "أن يكونوا واحداً".
إن صلاة يسوع تطلب الوحدة. ويتحدّد موقع الوحدة على مستويين. فهي أولاً تجذّر التلاميذ الجدد في حياة الآب والابن، في علاقة الحبّ الجاهزة دوماً لتنفتح وتتقبّل وجوهاً جديدة.
إنّ العالم يحتاج إلى شهود لكي يؤمن. إلى شهود خبروا اللقاء مع شخص حيّ. إلى شهود لا يكتفون بتقديم تعليم مجرّد، مهما كان هذا التعليم جميلاً وعميقاً. فالحبّ الذي يحرق قلب الله (أحببتهم كما أحببتني) لا يعلنه إلاّ الذين احترقوا بهذا الحبّ وانطبعوا به.
والوحدة بين المؤمن والله هي على صورة الوحدة القائمة بين يسوع والآب: وحدة بين شخصين. وهي قوية لأن كل شخص هو في ذاته احترام عميق للآخر. يجب أن نلاقي الله دون أن نلغي ذاتنا. أو بالأحرى يجب أن نصير "أكبر" بفضل هذا اللقاء مع الله. يجب أن يطبع كل واحد بطابعه وضع ابن الله الذي أعطي له لكي يشارك فيه.
حينئذٍ تكون الوحدةُ وحدة المؤمنين فيما بينهم. فيدلّون أنهم اجتمعوا لا على أساس دستور أو فرائض، بل بفضل كلمة حيّة اجتذبتهم فقبلوا وجودهم منها.
ستكون وحدة مجموعة من المجموعات من جهة، وستكون مبعثرة. فالجميع لا يسيرون الخطوة الواحدة. ولا يقومون بالخيار الواحد. ولا يشعرون الشعور الواحد. ولا يملكون الطريقة عينها لعيش إيمانهم. ولكنهم يريدون جميعاً أن يتعاونوا ليسمعوا للآب. ويحاولون جميعاً أن يعرفوا أن النداء الموجّه إليهم يأتي من البعيد وهو يفلت من قبضتهم. ويسعون جميعاً لكي يقوموا بمسؤوليتهم أمام هذا العالم المدعوّ إلى الإيمان.
ويطلب ثانياً: "حيث أكون أنا أريدهم أن يكونوا أيضاً". وهكذا تتبدّل اللهجة. لم نعد فقط أمام لغة الصلاة، بل أمام تأكيد يعرف ماذا يطلب: أريد. إن يسوع يلتزم كلياً في ما يطلب، ويؤكّد أن ما يطلبه سوف يتحقّق.
يتكلّم يسوع عن مكان، ولكن عن أي مكان يتكلّم؟ فكّر بعضهم بحضور يسوع لدى الآب. حينئذٍ يشير النصّ إلى نهاية طريق التلاميذ: يكتشفون، عبر الموت، وبطريقة جديدة، هذه الحياة الحميمة بين الابن والآب. وفكّر آخرون بوضع التلاميذ الجديد. تركهم يسوع، عليهم أن يكونوا حيث هو الآن. ولكن لا ننسَ أنه إن كان يسوع غائباً بشكل ظاهر، فعليهم أن يأخذوا "محلّه" معه. فيسوع لا يتركهم ولا يتخلّى عنهم.
وإذ يمارسون هذه المسؤولية الجديدة، فهم سيختبرون منذ الآن ثقل هذا المجد، أي كل ما يحرّك هذا الحبّ ويحقّقه في حياة البشر. نحن هنا كما في آ 5 (مجّدني بالمجد الذي كان لي لديك من قبل كون العالم). فالمنظار انفتح واسعاً وامتدّ إلى ما وراء تاريخ العالم والخليقة.
وفي هذه النقطة من الصلاة، وصلت طريقة عرض العلاقات بين يسوع وأبيه، وبين يسوع والتلاميذ، وصلت إلى أكثر ما يكون من الواقعية: "أيها الآب، أنت فيّ وأنا فيك... أنا فيهم وأنت فيّ". كيف نعبّر عن هذه الحياة الحميمة وهذه المعرفة العميقة؟
* عرّفتهم إسمك (آ 25- 26). وتنتهي صلاة يسوع بدعاء إلى الآب العادل. حين تتحدّث التوراة عن عدالة الله فهي تعني أمانته. الله عادل لأنه أمين لذاته، أمين لعهده الذي بتّه مع البشر. وهو يعطيهم القوة لكي يكونوا معه، وليكيّفوا أمانتهم مع أمانته.
إستعملت هذه اللفظة ساعة ذُكرت المسافة بين العالم وبين الذين تبعوا يسوع فعرفوا الآب حقاً وعرفوا عدالته وأمانته وحبّه. وعرفوا أن يسوع هو مرسله حقاً.
ولا يتوقّف نشاط يسوع مع ذهابه. فهو ما زال يلعب دوره كمخبر عن الآب. هنا نلاحظ فرقاً بين ما نقول الآن وما سبق. كان يسوع قد قال: "أعطيتهم كلمتك، أعطيتهم مجدك". وهو لا يقول: "أعطيتهم إسمك". بل "عرّفتهم إسمك". فيسوع وحده هو الابن. وعلاقتها مع الآب علاقة فريدة، ونوعية هذه العلاقة لا يمكن أن تنتقل إلينا. ومع ذلك، ففيه يصبح البشر بدورهم أبناء الله.
والآن؟ من صلاة يسوع إلى صلاتنا.
لقد وصلنا إلى نهاية هذه الصلاة التي جعلها يوحنا في فم يسوع في وقت حاسم هو ساعة وداع التلاميذ والدخول في الآلام. صلاة تحمل مضموناً عميقاً والتزاماً خاصاً. يا ليتنا نستلهمها لندوّن بكلماتنا الخاصة ما نحسّ به، ما يجعلنا نحيا ونقف ثابتين، ما يحرّكنا في ضعفنا لكي نواجه المستقبل.
أيها الآب مجد ابنك. عرّفنا إسمك. إحفظنا في الوحدة. حينئذ لا تصبح كلمتك (ورسالتك) حملاً ثقيلاً، بل عطية وينبوع فرح.
13
القبض على يسوع
18: 1- 11

قال يسوع: "من تطلبون"؟ أجابوا: "يسوع الناصري". فقال لهم: "أنا هو".
كيف بدت الآلام في إنجيل يوحنا؟
بعد متتالية خطبة الوداع الخاصة بيوحناً، عاد الإنجيل الرابع وللمرة الأولى فانضمّ إلى الأناجيل الإزائية في خبر الآلام والقيامة. إن أخبار الآلام هي أقدم ما في التقليد الإنجيلي: فلا نعجب إن احتفظ الإنجيليون كلهم بالأحداث عينها. فإن أخذنا مرقس مرجعاً نلاحظ أنه يشارك يوحنا في الحديث عن توقيف يسوع امام البستان، عن محاكمة يسوع أمام رؤساء اليهود وخيانة بطرس، عن محاكمة يسوع أمام بيلاطس، عن الصلب والقيامة، عن دفن يسوع. غير أن يوحنا يعالج هذه المواد المشتركة بأصالة وابتكار. مثلاً، يروي مشهد البستان والقبض على يسوع في إطار كرستولوجي واضح، وهذا ما يجعله يلغي التلميحات إلى نزاع يسوع. كما أنه يعطي للمواجهة بين بيلاطس ويسوع توسّعاً كبيرا وهاماً.
كيف نفهم هدْه التقارب حتى على مستوى الحرف؟ يرى الشرّاح أن يوحنا لا يرتبط هنا بالأناجيل الازائية، بل استقى من الينبوع الذي استقى منه الازائيون. ويستند آخرون إلى مقابلات حرفية (مثل انكار بطرس، وتكليل يسوع بالشوك والصلب) فيرون يوحنا متأثراً بالاخبار الإزائية. يبدو أن الطرح الأول هو الأقرب إلى المعقول. لا شك في أن الوقائع كانت معروفة لدى كل الجماعات. ووجود تقليد مشترك وقديم حول الآلام يفسرّ لنا التقارب بين أخبار الآلام في الأناجيل.
إن قراءة أخبار الآلام تطرح اسئلة عديدة على المؤرّخ. تفرّد الإنجيلي عن الآخر، ولم نعد نعلم إن كنا أمام تذكّر حقيقي أو أمام محاولة أدبية ولاهوتية يقوم بها الكاتب. هذه الصعوبة نجدها أيضاً في إنجيل يوحنا.
أولاً: لماذا الغى يوحنا الجلسة الاحتفالية أمام المجلس الأعلى؟ ألم يجدها في مراجعه؟ بل يبدو أنه لم يرَ من الموافق أن يتكلّم عنها لأنه شدّد في السابق وفي مناسبات مختلفة من خبره أن الاتهامات ضد يسوع والتي استعيدت في وقت المحاكمة، كانت قد تجمّعت خلال رسالة يسوع العلنية: الحكم بالموت والخوف من تدمير الهيكل (11: 47- 52)، الكلام عن دمار الهيكل (2: 19)، الاتهامات المحدّدة (10: 24- 25، 33، 36)، رؤية ابن الانسان (1: 51) التي وعد بها يسوع رئيس الكهنة في الأناجيل الإزائية. ركّز يوحنا خبر الآلام على المواجهة بين يسوع وبيلاطس، فلم يستعد المحاكمة الاحتفالية أمام المجلس الأعلى.
ثانياً: ما هي القيمة التاريخية للمشهد الذي مثُل فيه يسوع أمام حنان، والذي لم يذكره إلا الإنجيل الرابع؟ كان في متناول يوحنا معلومات خاصة عن يسوع، خصوصاً فيما يتعلّق بأورشليم واليهودية. وقد يكون احتفظ هنا بتذكّر لحدث حقيقي: بما أن حنان سأل يسوع بشكل خاص حول تعليمه وتلاميذه، نستطيع أن نفسرّ المشهد كإجراء سابق يتوخّى التثبت من يسوع: هل هو نبيّ كاذب (يستحقّ المحاكمة أمام المجلس الأعلى كله)؟ هل لكرازته رنّة سياسية (وهذا من يبرّر مثوله أمام بيلاطس)؟
وفي مسيرة الآلام؟ يبدو أن يوحنا احتفظ بتذكّر لاربعة مشاهد قد تكوّن المسيرة الحقيقية للوقائع. (1) في الليل، اقتيد يسوع من أجل استجواب أول لدى حنان (18: 12- 23). وهذا ما يحمي رئيس الكهنة الحاكم من اتهام بتجاوز القانون: نحن هنا أمام تحقيق قضائي مع الموقوف. (2) هناك كان مشهد السخرية والهزء (18: 22). (3) في الصباح، اقتيد يسوع إلى قيافا ولدى السنهدرين من أجل استجواب صريح سينتهي بتسليم يسوع إلى السلطة الرومانية (18: 24؛ رج لو 22: 66- 71). (4) وفي النهاية سلّم يسوع إلى بيلاطس الوالي الروماني ليعلن فيه الحكم الأخير (18: 28- 19: 16).
بدأ خبر الآلام في بستان (18: 1- 11) وانتهى في بستان (19: 41) دُفن فيه يسوع. إن مجمل الخبر يجري في مدى محدود، في خمسة أمكنة: بستان، قصر عظيم الكهنة المتقاعد (حنان)، قصر بيلاطس، الجلجلة، بستان. وتُبنى المشاهد الخمسة حول مشهد مركزي كما في الرسمة التالية:
البستان "مواجهة مع يسوع" (18: 1- 11).
الاستجواب أمام حنان (18: 12- 27).
المحاكمة أمام بيلاطس (18: 28- 19: 16).
الجلجلة (19: 16- 37).
الدفن في البستان (19: 38- 42).
ونبدأ مع خبر القبض على يسوع (18: 1- 11).
بدأ يوحنا يصوّر المشهد بعبارة: "تكلّم يسوع بهذا". فكأنه أراد أن يشدّد على الرباط بين كلمات يسوع في وصيته الأخيرة (ف 13- 17) وخبر الآلام الذي يلي. مشهد مشترك بين يوحنا والازائيين، ولكن الاختلافات تتفوّق على نقاط الاتفاق.
أولاً: الغى يوحنا مشهد النزاع المؤثر (ولكنه ذكر الكأس في 18: 11. هذا يعني أنه عرف التقليد الازائي، مت 26: 39).
ثانياً: أعطى مشهد التوقيف وجهاً احتفالياً، حين جعل جنباً إلى جنب السلطتين المعارضتين ليسوع؛ من جهة، رؤساء اليهود والفريسيون وعظماء الكهنة (ترد عبارة "عظماء الكهنة" عشر مرات في إنجيل يوحنا. هي عبارة معروفة في العالم اليهودي. وهي تدل على "عشيرة" عظيم الكهنة الحاكم مع الذين سبقوه أو الذين يحيطون به). ومن جهة ثانية، السلطة الرومانية (تألّفت الفرقة من 200 إلى 600 رجل). وهكذا اجتمعت السلطتان الدينية والسياسية ضدّ يسوع. أما وجود يهوذا فيؤكّد على أن قوى الظلمة هي حاضرة هناك (13: 27- 20) بوسائلها الظاهرة (مصابيح، مشاعل، سلاح).
ثالثاً: ألغى يوحنا بشكل عام السمات التي يمكن أن تؤثّر على عظمة يسوع تأثيراً سلبياً (قبلة الخائن الحاضرة عند الازائيين قد غابت عند يوحنا). فبدا يسوع كالرب المجلّل بالكرامة كسيّد الأحداث والبشر. وأخذ على عاتقه بأن يجعل تلاميذه في مأمن من العنف الذي يستعدّ للوثوب عليه (18: 8). فما يحدث الآن ليس وليد الصدفة أو علامة انتصار الأشرار. إنه تتمة للكتب.
وسيادة يسوع هذه تظهر بشكل خاص في مشهد التوقيف. "عرف" يسوع ما سوف يحصل. وهو الذي اتخذ مبادرة الحوار مع خصومه.
"أنا هو". جواب يسوع معنيان (كما أعتدنا أن نرى عند يوحنا). هناك أولاً المعنى البسيط الذي يدلّ على هوية شخص. هل أنت فلان؟ نعم، أنا هو. ولكن قارئ يوحنا الذي يعرف العهد القديم يتذكّر أن هذه العبارة تدلّ على الله، ربّ سيناء (أش 43: 10؛ 51: 12). وهي تتواتر في الإنجيل الرابع فتقدّم لنا وحياً عن يسرع ولا سيما في 8: 24 (إذا كنتم لا تؤمنون أني أنا هو)، 28 (عرفتم أني أنا هو): 13: 19 (متى حدث تؤمنون أني انا هو).
وتدوّي هذه العبارة الاحتفالية ثلاث مرات في هذا النص (آ 5، 6، 8). ومع أن الخصوم عديدون ومسلّحون، فقد سقطوا على الأرض. هؤلاء الذين جاؤوا يوقفون الانسان يسوع "الناصري" وجدوا فيه ذاك البار "الذي أمامه يعثر الاعداء والمضايقون" (مز 27: 2؛ 25: 4). ووجدوا فيه ايضاً إله سيناء القدير.
وتدخّل بطرس (آ 10- 11). إستلّ سيفه وضرب خادم رئيس الكهنة. في هذا المشهد الذي يشارك فيه الانجليون الأربعة، يتفرّد يوحنا فيسمي بطرس وعبد رئيس الكهنة، ملخوس. ولكن يسوع لم يوافق على فعلة بطرس. كانت ردّة الفعل عنده مباشرة، فبينّ أن حربه ليست على مستوى أعدائه المسلّحين. لقد رفض العنف وخضع لإرادة الآب.
ولن يبدأ خبر الآلام حقاً ألا مع توقيف يسوع. أما مشهد البستان فهو مقدمة تعطي الخبر التالي معناه. نحن الآن مستعدون لنكشف لا أخباراً قصيرة ومتفرقة، بل أحداثاً تحمل معنى عميقاً. هناك عالمان يتواجهان: من جهة، الظلمة التي تبدو من خلال السلطة الدينية والسلطة السياسية اللتين تحالفتا. ومن جهة ثانية، يسوع الذي هو وحده في المنظار البشري، ولكنه مرتبط في الايمان ارتباطاً وثيقاً بالآب، ومجنِّد نفسه بحرّية من أجل رسالته، ومنتصر انتصاراً مسبقاً على خصومه بواسطة كلمته: "أنا هو".
بستان في عبر وادي قدرون (آ 1). فوادي قدرون يحاذي الهيكل من الشرق والجنوب قبل أن يلتقي بوادي تيروفيون ووادي جهنّم. حينئذٍ يتوجّه وادي قدرون نحو الشمال الشرقي ليصبّ في البحر الميت إلى الجنوب من قمران.
والبستان الذي في عبر قدرون يقابل الجسمانية عند الازائيين الذين يحدّدون موقعها عند منحدرات جبل الزيتون. نلاحظ أن يوحنا يتحدّث عن "بستان" قبل الآلام وبعدها (18: 1؛ 20: 15) من أجل مشهدين يدلّ فيهما يسوع حقاً على هويته: أنا هو (في بستان الزيتون). وفهمت مريم بعد القيامة أنه "الرب" (28: 18).

* وتبدأ المواجهة (آ 1- 18).
وذهب يسوع أولاً إلى بستان خارج المدينة. هناك اعتاد أن يجتمع مع أخصّائه. إنه موضع خاص، لا يعرفه إلا التلاميذ. إنه موضع خاص بجماعة التلاميذ الصغيرة الملتئمة حول يسوع.
ونشهد مواجهة بين مجموعتين: من جهة يسوع وأخصائه. ومن جهة ثانية يهوذا والفرقة التي يقودها. سلطان النور وسلطان الظلام. سلطان هذا العالم الذي دخل في قلب يهوذا، ويسوع الذي سيعلن نفسه ملكاً آتياً ليشهد للحقّ. وكان مع يهوذا جنود الاحتلال الروماني، ورجال أرسلهم عظماء الكهنة والفريسيون. وانتقل يهوذا من خدمة ملك إلى خدمة "ملك" آخر. بدّل هويته وصار في خدمة إبليس. هو يقوم مقام قوى الشّر وسلطان الظلمة الذي يحاول أن "يتسلّط" على يسوع (14: 30).
لقد رأى بعض الشرّاح في هذا المشهد تلميحاً إلى خبر آخر تمّ في بستان، في جنّة عدن: المواجهة بين آدم وبين الحية التي ترمز إلى قوى الشر والظلام.
في آ 4- 8 آ، نرى يسوع يتقدّم بمحبة وحرية، وهو عالم كل العلم بما ينتظره. سأل: "من تطلبون"؟ في بداية الإنجيل، كان يسوع قد سأل رجلين: "ماذا تطلبان"؟ فأجابا: "يا معلّم، أين تقيم"؟ فقالت لهما يسوع: "تعاليا وانظرا". وأقاما عنده ذلك النهار كله (1: 37- 39).
أنا هنا فقد تبدّل الإطار. هي قوى الظلمة تتقدّم نحو يسوع. هو سلطان الظلام الذي يريد أن يجعل العالم تحت سلطانه. لقد جاء يدمّر ذلك الذي هو الحق والحياة ويمنعه من أن يقيم في مملكته. إنهم يطلبون يسوع الناصري، كما يقولون. لقد تواجه الممثّلان الرئيسيان والمطلوب هو الحياة والنور للعالم.
فأجاب يسوع: "أنا هو". إن هذه العبارة تحمل معنيين. تدلّ على هوية بشرية. أنا يسوع الناصري. وتدلّ ايضاً على هوية إلهية: أنا هو يهوه.
استعملت ترجمة التوراة اليونانية عبارة "أنا أكون" أو "أنا كائن" حيث استعملت النسخة العبرانية (كما في العربية): "أنا هو"، فدلّت على عظمة الله وقداسته الفريدة.
في التوراة عبارة "أنا هو" هي الاسم الذي به كشف الله عن نفسه لموسى بشكل يفوق الوصف (خر 3: 14). ويستعملها أشعيا مراراً ليدلّ على قدرة الله وقداسته. نقرأ في أش 43: 10- 13: "أنتم شهودي، يقول الرب. ذريّة عبدي الذي أخترته لأنكم علمتم وآمنتم بي وفهمتم أني أنا هو. ما كان من قبلي إله ولن يكون من بعدي. فأنا أنا الرب، ولا مخلّص غيري. أخبرت وخلّصت واسمعت، وما أنا فيكم غريب. أنتم شهودي يقول الرب، أنا الله، ومن البدء أنا هو. لا منقذ من يدي ولا مردّ لما أعمل".
هو الإسم الذي فوق كل إسم (فل 2: 9). في قلب هذا الانسان يسوع، نلتقي بالله الذي تجعل كلمتُه ممثّلي سلطان الظلمة يسقطون على الأرض هم ومخطّطاتهم. فيسوع يقهر "سلطان هذا العالم" بآلامه وقيامته، ويصير نوراً به يقهر كل انسان ظلمات هذا العالم. إن ردّة الفعل لدى الفرقة تصوّر مسبقاً انتصار المسيح.
محيرّ خصومه ودلّوا على ضعفهم. فهو يسير بحرّية إلى الصليب ليفتح للبشر ينابيع الحياة. وهو في الوقت عينه صورة المسكين الذي اضطهد فظلّ أميناً. "يرتدّ أعدائي يوم أدعوك، فأعرف يا الله أنك معي" (مز 56: 10).
هذه الحرب تعني شخص يسوع وتعني أيضاً رسالته في إعطاء الحياة للعالم. وهذه الرسالة لا تتحقق بدون قتال وانتصار على قوى الشر. لقد جاء يسوع يدمّر قوّتها ويهب للبشر ثمرة هذا الانتصار. "الراعي الصالح يبذل حياته من أجل أحبائه" (10: 11).
ما الذي حدث بالضبط في ذلك الوقت؟ جمدت الفرقة الآتية لتوقيف يسوع وتحيرّت أمام هدوء وجلال ومهابة يسوع وامتلاكه نفسه. وتوسّع يسوع في مضمون هذه الخبرة على ضوء إيمانه بالقيامة. سقطوا وكأنهم سجدوا أمامه.
* ما هو معنى هذه المواجهة (آ 8 ب- 11)؟
"هكذا تتمّ كلمة قالها يسوع" (رج 6: 39؛ 10: 28). فالعبارة العادية في الاناجيل هي: "وهكذا تمّ قول الكتاب" (رج 19: 24). فلقد جُعلت كلمةُ يسوع على مستوى كلمة الله. إنه موسى الجديد. إنه الموحي، إنه كلمة الله.
ما معنى هذه العبارة: "إن الذين أعطيتهم لي لم أفقد منهم أحداً"؟ لم يسمح يسوع بأن يُوقف أخصاؤه ويحكم عليهم ويصلبوا معه ديون إن يفهموا ما يحصل لهم. لقد مات وحده من أجلهم جميعاً. وهكذا حقّق مهمة الراعي الصالح (10: 11- 15). مات لتكون لهم الحياة. وحين ينالون الحياة يقدّمون حياتهم مثله في حرية ومعرفة تامة في ذات اندفاع الحب الخلاصي الذي يأتي من الآب بالروح.
في آ 10- 11 نرى استعداد بطرس لكي "يتحزّب" مع يسوع، لكي يدافع عنه. ولكنه لم يفهم بعد. ما زال سجين رؤيته للامور، وما استطاع أن يخرج من هذه الرؤية (13: 8). أراد أن يدافع عن يسوع بطريقته الخاصة. لم يفهم أن يسوع هو سيّد الوضع. وانه يسير بحرية وقبول في طريق العطاء التام، في طريق الذلّ. تصرّف بطرس من ذاته مدافعاً عن "قائده" بطريقة يائسة. لم يفهم بعد ما يقدّمه يسوع لجماعة التلاميذ كلّها.
وترد صورة "الكأس" التي نجدها في الأناجيل الأخرى (مت 26: 39). ولكننا لسنا هنا أمام صراع يسوع الداخلي وضيقه أمام الموت. كل هذا قد لقيناه في 12: 27: "الآن نفسي قد اضطربت. وماذا أقول؟ يا أبتاه، أنقذني من هذه الساعة!... ولكن لأجل هذه الساعة قد جئت". أما هنا، فيسوع قد أتخذ قراره وهو هادئ. ليس هو اضطراب أمام موت مذلّ ومهين، بل في قبول كامل ومطمئن للرسالة التي يسلمّه إياها الآب.
وتركهم يسوع يوقفونه. تخيّل إبليس أنه يزيل بشكل نهائي يسوع في طريقه مع مشروعه الذي يقوم بإعطاء الحياة للعالم. في الواقع، لقد وقّع على الحكم على نفسه بالاعدام، وعلى نهاية سلطانه على العالم (12: 31- 32). ما يريده الله ليس دم المسيح بل ارتفاعه وملكه على العالم اللذين يتحقّقان على الصليب.
ليس هذا الخبر تقريراً صحافياً يتوقّف عند عدد من التفاصيل الخارجية. لا شكّ في أنه يقدّم إشارات دقيقة، ولكنه يقدّم لنا في الوقت عينه ثمرة نظرته الايمانية. ففي مشهد البستان الذي يبدأ خبر الآلام، يرى يوحنا صورة مسبقة عن صراع يسوع ضد سلطان الظلمة. يرى دخوله الحرّ في الحرب وانتصاره (16: 33). هذا هو الجواب على مشهد "جنة عدن"، على المواجهة بين آدم والحية التي تدلّ على سلطان الظلمة وأبي الكذب والقتل. لقد أتت الآن "الساعة"!
نعرف في حياتنا ساعات لا نور فيها إلا نور المصابيح والمشاعل. نعرف ساعات المواجهة مع الشرّ، مع قوى الظلمة في العالم وفي داخلنا.
تعارض بين النور والظلمة. ولكن التعارض ليس تاماً. فنحن نسير في جوّ "رمادي" لا اسود حالك. شدّد يوحنا على التعارض ليصل إلى أعماق الامور. ليقدّم لنا جذرية الإنجيل.
لا نستطيع بقوانا الخاصة أن نفعل ما فعله المسيح، ولا نستطيع أن ننتصر كما انتصر. فهذا ما يتجاوز امكانياتنا. ولكننا نستطيع أن نثبت نظرنا عليه، نحدّق اليه، ترافقنا قوته ضد ظلمة حياتنا، ترافقنا حريته وهدوءه. حينئذٍ يحوّلنا بحضوره. لقد قال الكتاب إن من يرفع نظره وقلبه إلى المسيح تتبدّل حياته. قال بولس في 2 كور 3: 18: "ونحن جميعاً نعكس كما في مرآة مجد الرب فنتحوّل إلى تلك الصورة". وقال يوحنا في 1 يو 3: 2: "أيها الأحباء، نحن من الآن أولاد الله، ولم يتبينّ بعد ماذا سنكون. غير أنّا نعلم أنّا، إذا ما ظهر، سنكون أمثاله، لأننا سنعاينه كما هو".
14
إستجواب يسوع وإنكار بطرس له
18: 12- 27

إن تكلّمت بسوء، فبيّن أين هو السوء. وإن بصواب فلم تضربني؟
لقد مارس حنّان، عظيم الكهنة، سلطته منذ السنة 6. وحُطّ من وظيفته في السنة 15. ولكن ظلّ تأثيره قوياً مدّة طويلة (كان عدد من أبنائه عظماء كهنة). ولكن كيف يسمّيه الإنجيل "عظيم الكهنة" بعد عزله بخمسة عشر عاماً؟ إن التلمود والمؤرخ فلافيوس يوسيفوس يحافظان على لقب عظيم الكهنة لأشخاص مارسوا هذه الوظيفة في الماضي. وجمع لوقا ويوحنا قيافا إلى حنّان، وتفرّد يوحنا بذكر القرابة بينهما: "حنّان هو حموقيافا". وتفرّد يوحنا أيضاً فأعطى لحنّان دوراً في استجواب يسوع. أورد الإنجيل مراراً لفظة "عظيم الكهنة" (آ 15، 16، 19، 22)، وذكّرنا في آ 14 بما قاله فيافا (مصلحتكم تقتضي بأن يموت رجل واحد عن الشعب، رج 11: 49- 52) فأيقظ عند القرّاء تذكراً لهذه النبوءة التي قالها قيافا بدون علمه، والتي أعلنت المعنى الذبائحي لموت يسوع.
هنا ترد خيانة بطرس الأولى (آ 15- 18).
أوردت الأناجيل الأربعة إنكار بطرس المثلّث ليسوع. إختلف الإنجيليون الثلاثة عن لوقا (الذي احتفظ بخبر متواصل) فوزّعوا "الخيانات" الثلاث في متتاليتين أو ثلاث من محاكمة يسوع. أما يوحنا فجعل في إطار مثول يسوع أمام حنان، المشهدين المخصّصين لبطرس. إذ كان يسوع يُستجوب عن تلاميذه (آ 19)، ظلّ يدافع عنهم بكلمته المعلنة على العالم. أما بطرس فسُئل عن معلّمه فأنكره.
في إنجيل يوحنا، يرافق بطرسَ شخصٌ سري يسمّى "التلميذ الآخر". وقد اعتبر التقليد أن التلميذ الآخر هو التلميذ الذي كان يسوع يحبّه. فالواحد يشبه الآخر. وكلاهما كانا مع بطرس (13: 23- 26؛ 20: 2- 10؛ 21: 7،20- 23). فالتلميذ الذي كان يسوع يحبّه قد تبع يسوع حتى الصليب: هذا يعني أنه رافقه في مسيرة الآلام. ودخوله إلى بيت عظيم الكهنة يدلّ على أمانته لمعلّمه.
وقدّم الشرّاح فرضية نوردها ولا نتوقف عندها: قد يكون هذا التلميذ نيقوديمس أو وجيهاً من الوجهاء (فهو يعرف عظيم الكهنة). لا يعتبر الإنجيل أنه قال كل شيء. ورغم فضولنا وروح الحشرية عندنا، يجب بالأحرى أن نهتمّ بدور الشخص وبعلاقته مع بطرس، لا بهويته ولا بما يساعدنا النصّ على الخيال. هنا يضع الإنجيلي التلميذ بجانب بطرس: فالأول هو وسيط بين بطرس ويسوع، كما هو الحال مراراً في الإنجيل. التلميذ صامت وهو جاهز ليدلّ على أمانته ساعة تدقّ الساعة، عند الصليب. وواجه بطرس المحنة وحده. ففي الليل البارد، فضّل ذاك الذي اعتبر بأنه يبذل حياته من أجل يسوع (13: 37)، دفء الموقد (وربّما رفقة أناس جالسين حول النار، بما في هذه الجلسة من راحة) على رفقة المعلّم بما فيها من عزلة ومخاطرة. إن هذا المشهد يلتقي في بعض وجهاته بتخلّي التلاميذ عن يسوع خلال النزاع الذي كان بطرس فيه حاضراً (كما يقول الإزائيون). ولكن الخبر يبقى مركَّزاً على يسوع: إن إنكارات بطرس ليست متدرّجة صعداً كما في الإزائيين. وصياح الديك ليس العلامة التي تحرّك توبة بطرس (كما عند الإزائيين) بل تثبيتاً لكلمة الرب الذي أنبأ بخيانة بطرس: "قبل أن يصيح الديك تنكرني ثلاث مرّات" (13: 38).
ويصل يسوع أمام حنّان (آ 19- 24).
لا يبدو يسوع في هذا المشهد على أنه معلّم باطني يحتفظ بوحيه لبعض المتدرّجين، بل كنبي يتكلّم علانية وأمام الجميع. بل هو سيطلب من حنّان أن يستمع إلى التلاميذ، أن يستمع إلى "الذين سمعوا": ولكنه دفع ثمن هذه الشجاعة لطمة من قبل خادم. هذا هو "الإذلال" الوحيد الذي يذكره إنجيل يوحنا خلال محاكمة يسوع. حين قبل اللطمة صار شبيهاً بعبد الله المتألم (أش 50: 6). ولكن يسوع الذي ظلّ صامتاً تجاه الإهانة في سائر الأناجيل، تصرّف هنا بكرامة الربّ الذي يطلب تفسيراً من الذين ضربوه.
جاء يسوع مقيّداً وذهب مقيّداً. عومل كشخص خطر. في الظاهر هو ضعيفٌ كل الضعف وعاجزٌ كل العجز. إنه بين يدي البشر ولا يستطيع أن يفعل شيئاً. ولكن يوحنا يرى في الواقع، أن يسوع هو الذي يقود الأحداث.
نتوقّف هنا عند شخص عظيم الكهنة. حين عاد اليهود من المنفى البابلي سنة 538، وأعادوا بناء البلاد والهيكل، لم يعد لهم ملك على رأسهم كما كان الأمر قبل سقوط أورشليم سنة 587. حينئذ لعب الكهنة دوراً حاسماً في حياة الشعب. فهم لا يهتمّون فقط بتنظيم الإحتفالات في الهيكل، بل يعتبرون مفسرّي الشريعة ومعلّمي المؤمنين إرادة الله. وهذه المسؤولية أعطتهم سلطة حقيقية لم يعرفها الملك نفسه.
هم لا يصيرون كهنة بفضل اختيار خاص. إنهم كهنة لأنهم ينتمون إلى بعض العائلات: عائلات قبيلة لاوي المتحدّرة من هارون، شقيق موسى. وكانت مجموعتهم كبيرة جداً: 7000 شخص. ولكنهم ليسوا كلهم على المستوى الواحد. ففي أسفل السلّم نجد الكهنة "العاديين" الذين يصعدون كل بدوره إلى الهيكل ليؤمّن خدمته، ثم يعود إلى بيته.
وفي القمة هناك أعضاء العائلات الكهنوتية الكبرى، هناك "رؤساء (عظماء) الكهنة وعلى رأسهم الكاهن الأعظم". إنه الشخص الأهم في الأمّة اليهودية. وتتميّز بداية وظيفته باحتفال يتقبّل فيه لباساً خاصاً يرتديه في أيام العيد، فيدلّ على أنه الوسيط بين الله وشعبه. وحين يتمّ بدقّة الطقوس المفروضة، يتيح للشعب أن يتنقّى من خطاياه ويجدّد العهد مع الله. والكاهن الأعظم يستطيع وحده أن يدخل إلى أقدس موضع في الهيكل، إلى "قدس الأقداس" مرّة واحدة في السنة في عيد التكفير والغفران (يوم كيبور). وهو يرأس جلسات المجلس الأعلى الذي يملك السلطة في المجال الإداري والقضائي والديني في ظلّ الحكم الروماني.
وإذا أردنا أن نعطي فكرة دقيقة عن سلطة عظيم الكهنة، وجب علينا أيضاً أن نذكر كل ما يحدث في الهيكل: تقدمة الذبائح، دفع الضريبة التي يجب أن يدفعها كل مؤمن. هذا يعني نشاطاً تجارياً ومصرفياً. ثم إن القيام بالإصلاحات اللازمة وبالوظائف العادية، يتطلّب عدداً من الموظفين، ولا سيّما مع أعمال البناء الكبرى التي يقوم بها هيرودس في الهيكل. وكانت الأعياد الكبرى مناسبة وصول مدّ كثيف من الحجّاج إلى أورشليم. إذن، الهيكل هو مشروع كبير ومركز إقتصادي هام تمرّ فيه كميات كبيرة من المال. كل هذا يدلّ على أهمية الشخص الذي هو "على رأس" الهيكل.
وتطلب السلطة الرومانية أن تستند إلى شخص له مثل هذا التأثير. لهذا، احتفظ الولاة بحق تعيين رئيس الكهنة وعزله، مع أن هذه الوظيفة ترافق صاحبها حتى الممات. غير أن رجلين عرفا كيف يطيلان عمرهما في هذه المسؤولية: حنان من سنة 6 حتى سنة 15. صهره قيافا من سنة 18 حتى سنة 37. وسيلعبان كلاهما دوراً هاماً في توقيف يسوع والحكم عليه بالموت.
وإذ أراد الرومان أن يبرزوا تبعية رئيس الكهنة لسلطتهما، فقد كانوا يحتفظون بملابس الإحتفال في قلعة أنطونيا. وكان على اليهود أن يطلبوا هذه الثياب قبل كل عيد. أمر مُذلّ بالنسبة إليهم. وكم قاموا بمحاولات لاستعادة هذه الملابس، ولكن عبثاً.
واقتيد يسوع إلى بيت حنّان. هو سجين وموقوف. قيّدوه بالسلاسل، وأحاط به رجال مسلّحون. قال لنا يوحنا إنهم اقتادوا يسوع إلى بيت حنّان، مع أن الأناجيل الأخرى قالت انه اقتيد لدى قيافا. لن نتوقّف عند الفرضيات المختلفة التي تحاول أن تفسرّ هذا الإختلاف. ولكنّنا نتوقّف لحظة عند شخصية حنّان.
في ذلك الوقت كان قيافا (صهر حنّان) عظيم الكهنة. أما حنّان الذي تسلّم هذه الوظيفة سنة 6 ب. م. فقد عزل سنة 15 على يد السلطات الرومانية. غير أن هذا لم يمنعه من الإحتفاظ بتأثير كبير على سير الأمور في العالم اليهودي. لقد كان شخصية كبيرة، وربما رئيس الصادوقيين. لقد كان في الواقع الرئيس الديني والسياسي لليهود في ذلك الزمان. وقد خلفه في رئاسة الكهنوت أبناؤه وصهره. وهذا ما يجعلنا نظن أنه لعب الدور الأوّل في التآمر على يسوع، وأن يسوع اقتيد إلى داره حالاً بعد توقيفه خلال الليل.
لا شكّ في أن الإنجيل الرابع يعطي حنّان لقب عظيم الكهنة، شأنه شأن أع 4: 5. ولكن جرت العادة أن يحتفظ رئيس الكهنة مدى الحياة بهذا اللقب التكريمي.
لسنا عند حنّان أمام استجواب رسمي، لأن محاكمة حب القاعدة لا يمكن أن تتمّ في الليل. كل ما في الأمر هو أن حنان أراد أن يرى يسوع (شأنه شأن هيرودس، رج لو 23: 8) عن قرب، أراد أن يرى هذا الرجل الذي يهدّد النظم والأفكار اليهودية، كما يهدّد مصالح الذين يدافعون عنها، وعلى رأسهم عظيم الكهنة. نندهش حين نرى هذا الشخص الذي جعل "كل أورشليم" تتحدّث عنه، فيسأل عنه حنّان كما يسأل عنه هيرودس.
نشير هنا إلى أن يوحنا قد ذكّرنا بجلسة المجلس في 11: 46- 54. ففي هذه الجلسة لُفظ الحكم على يسوع بالموت. فمنذ إقامة لعازر والكلمة "الملهمة" التي تلفّظ بها قيافا، رئيس الكهنة في تلك السنة، فهمنا بُعد موت يسوع: "يموت إنسان واحد عن الشعب كله".
ويبدأ الإستجواب.
يختلف مضمون الإستجواب هنا عمّا نجد عند بيلاطس أو أمام السنهدرين (المجلس الأعلى). فهو يتناول تعليم يسوع وتلاميذه. نلاحظ تكرار ألفاظ مثل: تلاميذ، تعليم، تكلّم، علّم، قال. هذا ما يهمّ حنّان. لا شكّ في ذلك. غير أن يوحنا ذهب أبعد من المعنى "البوليسي" لهذا الكلام: فأجوبة يسوع تقدّم لنا تعليماً جوهرياً عن رسالته: إنه كلمة الله (1: 1، 9، 14). وحامل وحي الآب الآتي إلى العالم ومن أجل العالم. إنه نور البشر (8: 12). والحياة التي يعطيها هي نور (1: 4). والحقيقة التي يمنحها تمرّ في الحق (8: 31- 32).
لا وحيَ خاصاً يقوله يسوع لحنّان. هو لن يقول شيئاً. لقد كلّم جهاراً شعب الله من قبل الله، كما فعل موسى من قبل. غير أن الرؤساء رفضوا أن يسمعوا. ونحن نجد في الإنجيل الرابع كيف علّم يسوع مراراً في المجامع (6: 26- 59) وفي الهيكل ساعة تجمع الأعياد عدداً كبيراً من الناس جاؤوا من العالم كله: عيد المظال في بداية الخريف (7: 24، 28؛ 8: 20). عيد التجديد في الشتاء (10: 23). عيد العنصرة أو عيد الفصح (5: 1- 47).
وعبّر يسوع عن فكره. إما في حوارات رتّبها الإنجيلي أفضل ترتيب، مع أشخاص بدوا كنموذج أو مثال: نيقوديمس (ف 3، العالم اليهودي الرسمي). السامرية (ف 4، العالم اليهودي المنشق)، المقعد (ف 5)، الأعمى منذ مولده (ف 9، مسيرة الإيمان)، شقيقتا لعازر (ف 11)، مريم المجدلية (ف 20). وإمّا في أماكن رسمية يجتمع فيها اليهود ليمارسوا ديانتهم. وهكذا اختلف يوحنا عن سائر الإنجيليين. ولا ننسَ العدد الكبير الذي تضمّه أورشليم في الأعياد الكبرى. سكّانها كانوا 55.000. أمّا الحجّاج فكانوا: 125.000. ويعطينا أع 2: 9- 11 فكرة عن تنوّع البلدان التي جاء منها هؤلاء الحجّاج.
تكلّم يسوع جهراً وعلّم دائماً (آ 20). كان قد قال في عيد المظال: "ما سمعته من أبي أقوله للعالم" (8: 26). تكلّم يسوع جهراً في العالم، هذا يعني أنه ما أراد أن يكون تعليمه لنخبة من الناس، لفئة مميّزة. وإذا كان عدد التلاميذ قليلاً، فهذا يعود الآن إلى أن كثيراً رفضوه وما أرادوا أن يتابعوا المسيرة معه. وفي زمن تدوين الإنجيل الرابع، كان التيار الغنوصي (يشدّد على المعرفة التي تخلّص، لا الصليب) يعتبر الوحي محصوراً بفئة صغيرة من المتدرّجين. هم يتناقلونه بشكل سرّي، من الفم إلى الأذن. أما الباقون فيُعتبرون جهّالاً ومساكين. أما يسوع فهو عكس ذلك. إنه "نور العالم" (8: 12).
لم يجُب يسوع على أسئلة حنّان. ما أراد أن يدخل في "لعبته". لقد أعطى تعليمه في موضع آخر، في موضع يجتمع فيه كل اليهود، ولا حاجة إلى تكراره الآن أمام فئة صغيرة تريد أن تدين يسوع لا أن تستنير بكلامه. هذا ما أزعج رئيس الكهنة. ولهذا كانت اللطمة مع ما فيها من سخرية. من يُلطم يكون عادة في موقف ضعف وهزء. أما هنا فبدا يسوع قوياً مهيباً ومنطقياً مع نفسه. أما ذاك الذي ضربه فبدا ضعيفاً ومضحكاً. ونجد المفارقة عينها حين نرى يسوع خارجاً وهو يحمل قيوده. ففي كل عمل يقوم به، يدلّ على أن خصومه لا يستطيعون شيئاً ضدّه.
وخان بطرس معلّمه، لا مرّة واحدة، بل ثلاث مرّات. يسوع في الداخل. ولكن ماذا يحدث في الخارج؟ بطرس يصطلي مع خصوم يسوع. لم يعرف أن الخطر هو هنا. أما كان يجب عليه أن يهرب "لئلا يقع في التجربة"؟ تابع يسوع مسيرته إلى الصليب، فظلّ أميناً تجاه أبيه وأميناً لنفسه. أما بطرس فما استطاع أن يتبع يسوع الآن. لهذا سقط فأنكر معلّمه.
"وللوقت صاح الديك". إعتقد الأقدمون بقوى شريرة ترودُ حول البشر خلال الليل، واعتبروا هذه الصياح الخارج من صمت الليل صراخ الشيطان. أما بالنسبة إلى بطرس، فبدا هذا الصياح تذكيراً بتنبيه يسوع (13: 38). وسوف ننتظر 21: 15- 20 حيث يتقوّى بطرس بالروح الذي ناله بعد القيامة، فيتثبّت في النداء إلى اتباع يسوع وخدمة إخوته حتى شهادة الدمّ.
إختلف يوحنا عن الأناجيل الإزائية التي أبرزت نتيجة صياح الديك على بطرس (بكى وهرب)، فروى ببعض البرودة خبر الخيانة التي سبق يسوع وأعلن عنها (13: 38). ما أنبأ به الربّ، سيّد الأحداث، يتمّ حتماً. في النهاية (بعد القيامة) سيلاقي بطرس نظرة الحقيقة وغفران الرب. في النهاية سيدلّ على أنه يحب الربّ وأنه مستعد للتضحية بذاته من أجل الخراف التي أوكلت إلى عنايته.
بطرس هو صورة عن التلاميذ، صورة عن الكنيسة، صورة عن كل واحد منا. فهل نعترف بأننا خطأة وبأننا نحتاج قدرة يسوع ونعمة روحه القدوس؟ بهذا الشرط فقط نستطيع أن نتبع يسوع.
15
يسوع أمام بيلاطس
18: 28- 40

قال له بيلاطس: "أنت إذن ملك"! أجاب يسوع: "أنت قلت. إني ملك".
جاءت الجماعة التي قادها يهوذا إلى البستان، إلى عبر وادي قدرون (18: 1). أوقفوا يسوع، فتركهم يقيّدونه ويسوقونه: "الكأس التي أعطاني الآب، أفلا أشربها" (18: 11)؟
وبعد استجواب قصير (18: 13- 23)، أرسله حنّان إلى صهره قيافا (18: 24). ما الذي حدث عند رئيس الكهنة؟ لا يقول يوحنا شيئاً عن مثول يسوع أمام المجلس الأعلى، عن حكم السلطات اليهودية عليه بالموت. بل هو ينتقل حالاً إلى المرحلة الرومانية.
"وجاؤوا بيسوع من عند قيافا إلى دار الولاية (آ 28).
لماذا أغفل يوحنا خبر محاكمة يسوع لدى السلطات اليهودية؟ لأن كل شيء انتهى قبل الآلام. فرؤساء اليهود رذلوا يسوع وحكموا عليه بالموت. وحين وصلنا إلى الفصح الأخير، كان الحكم قد صدر: "خير أن يموت رجل من الشعب" (11: 50؛ 18: 14).
هذا سبب. وهناك سبب آخر. لقد أراد يوحنا أن يشدّد على شناعة اللجوء إلى القوة السياسية الوثنية للحكم على يسوع بالموت. فيوحنا يرى في هذا اللجوء إلى السلطة الرومانية فعلة تحمل معنى لاهوتياً عميقأ. حين تداخلت القوتان الدينية والسياسية للحكم على يسوع، بدا هذا الوضع أقوى تعبير عن خطيئة العالم، وإقراراً لا إراديّاً بملكية المسيح. فخلف كل خبر الآلام حسب يوحنا، نجد المزمور الثاني. إستعملت الكنيسة الأولى هذا المزمور لتفسّر دراما آلام المسيح. وأفادت منه في صلاتها. هذا ما فعل يوحنا وبطرس بعد توقيفهما (أع 4: 25- 28). رأت الجماعة الشعوب والملوك المتحالفين ضد المسيح. ولكن الله بدّد مؤامراتهم الباطلة وكرّس ملكه على صهيون حين قال له: "أنت ابني وأنا اليوم ولدتك".
إذن، إقتاد اليهود يسوع إلى دار الولاية. هناك كان يقيم الوالي الروماني خلال الأعياد الكبرى، تاركا قيصرية (التي على البحر) ليسهر على النظام العام خلال هذه التجمعات الكبيرة.
"وكان الصبح" (آ 28).
جاؤوا بيسوع باكراً جدًّا. فالمحاكم الرومانية تعقد في الصباح الباكر. واليهود معجّلون. ولكن هناك معنى أعمق لهذه الإشارة الزمنية: إن يوم إنتصار يسوع على العالم قد بدأ باكراً.
"بيد أنهم لم يدخلوا دار الولاية، خشية أن يتنجّسوا فيمتنعوا عن أكل الفصح" (آ 28).
كان اليهود يعتبرون بيوت الوثنيين نجسة. فإن دخلوا إليها تنجسّوا. ومثل هذه النجاسة تمنعهم من الاحتفال بالفصح. وكانوا سيأكلون الفصح في تلك الليلة عينها. فإذ أراد اليهود أن يحفظوا نفوسهم نقية من أجل العيد، قرّروا أن يظلوا خارج دار الولاية.
يا للسخرية المرّة! هم غير واعين للدراما. لا ضمير لهم حين يسلّمون إلى الموت إنساناً بريئاً. ومع ذلك، فهؤلاء الرؤساء يهتمّون كل الاهتمام بالطقوس: "يصفّون البعوضة ويبلعون الجمل" (مت 23: 24). يا للسخرية القاسية! إن ذبح حمل الفصح الحقيقي على الصليب، سيجعل بعد ساعات محدودة أكل حمل الفصح القديم، باطلاً وعديم الفائدة إلى الأبد. وابتدأت المحاكمة في جوّ من الكذب والرياء.
إذن، كان يسوعُ اليهوديّ الوحيد الذي يدخل إلى دار الولاية، إلى بيت وثني. وسيكون للمحاكمة مسرحان: دار الولاية والمدى المحاذي. وسيأخذ الوالي يروح ويجيء من الداخل حيث يقف يسوع إلى الخارج حيث تهتف الجموع. وتتناوب حوارات دراماتيكية بين يسوع وبيلاطس في الداخل، بين بيلاطس والجموع في الخارج. ويبدو بيلاطس متقلّباً بين هذين القطبين: لا يعرف أن يتّخذ قراراً. يحاول أن يساوم بين الحقيقة التي تحدّثه (18: 37 ي) والكذب القاتل (8: 44) الذي سينتزع منه في النهاية قراره: "عندئذ أسلمه ليصلب" (19: 16).
"فخرج بيلاطس إليهم" (آ 29).
تنازل بيلاطس تنازلاً ذا طابع سياسي، تميّزت به إدارة الامبراطورية الرومانية، فخضع لإهتمامات اليهود الدينية، وذهب إليهم خارج دار الولاية. وها نحن نرى المواجهة بين الذين يقرّرون مصير يسوع. من جهة رؤساء اليهود يتّهمون. ومن جهة ثانية الوثني الذي يمثّل السلطة. تفصل الجهتين هوة من الاحتقار المتبادل. وسيكتفون بإعلان ملكية يسوع (ابن الله) المجرّدة من كل سلاح، لتبرز الرباطات السرية التي توحّدهم ضد الحقيقة. هذه الحقيقة التي يرفضونها بدرجات متفاوتة وهم مرغمون، فيكوّنون جبهة مشتركة من الكذب الكبير الذي اسمه "العالم" (18: 36).
إنتظر يسوع في دار الولاية. فالجدال حول مصيره يتمّ في غيابه. ولكن شخصيته تملأ الساحة كلّها.
"أية شكاية توردون على هذا الرجل" (آ 29)؟
وبدأ العمل بشكل حيادي. يسوع هو في نظر بيلاطس متّهم لا إسم له. هو "إنسان" بين عدد من الناس، وقد تسلّمه الجنود. هو ذاك الذي سيقول عنه بعد أن أمر بجلده: "ها هوذا الرجل"! ما هو سبب الاتهام ضده؟ بماذا أخطأ؟
"لو لم يكن فاعل سوء لما أسلمناه إليك" (آ 30).
ما هو المعنى الدقيق لهذا الجواب؟ هناك تفاسير عديدة. بعضهم يرى وقاحة غريبة لا تصدّق، نظرة متكبرة، تحدّياً لبلاطس ودفعه لكي يفعل بحسب رأيهم. والبعض الآخر يرى وداعة مخادعة ومرائية. مهما يكن من أمر، فالحكم قد صدر بالنسبة إلى اليهود. إنه مجرم وهم يقدّمونه إلى المحكمة. لماذا لا يصدّقهم؟ لماذا يضيع الوقت؟
غير أن اتهامهم يبدو ملتبساً، وقد أرادوه كذلك. فهو يخفي الطبيعة الحقيقية للقضية: جرم سياسي، إساءة إلى النظام العام، جرم ديني. لم يُرد رؤساء اليهود أن يحدّدوا!
"فقال لهم بيلاطس: خذوه أنتم واحكموا في أمره بحسب ناموسكم" (آ 31).
لليهود ناموس تقرّ رومة بوجوده. فإن رأوا في هذا الإنسان فاعل سوء، فليحكموا عليه. أو بالأحرى فليوضحوا إتهامهم. فبيلاطس لا يستطيع أن يفعل شيئاً في اتهام غامض كهذا. فالقضية لا تعنيه.
"فأجابه اليهود: لا يحق لنا أن نقتل أحداً" (آ 31).
أُجبر الرؤساءُ اليهود على الخروج من الإلتباس، والإفصاح عن مقصدهم: إنهم يريدون موت يسوع. غير أنهم لا يفصحون عن رأيهم إلاّ بصورة غير مباشرة. أجبروا على الإقرار بتبعيتهم لرومة وهذا ما أزعجهم. وينتهي المشهد الأول في هذه الدراما باللجوء إلى السلطة الوثنية. ويحدّد يوحنا من أجل القارىء معنيَيْ طلب اليهود: "كان هذا ليتم القول الذي قاله يسوع، إذ أشار إلى أية ميتة كان مزمعاً أن يموتها" (آ 32).
لو حكم اليهود على يسوع لكانوا رجموه (8: 59؛ 10: 31). ولكن بما أن اليهود لجأوا إلى الرومان، فالعذاب سيكون عذاب الصليب. حينئذ تتمّ كلمة يسوع: "يجب على ابن الإنسان أن يُرفع" (12: 34).
وبدا يسوع في دار الولاية. رجل مسكين ومقيّد (18: 24). يجادلون في قضيته ولا يسمعون له. ومع ذلك، فهو يشرف على الدراما من علياء كلمته النبوية. وهذه الكلمة قد حدّدت مسبقاً مسيرة هذه الدراما ومدلولها. "وكما رفع موسى الحية في البرية، فكذلك يجب أن يرفع ابن الإنسان لينال كل من يؤمن به الحياة الأبدية" (3: 24- 15). "وأنا متى رُفعت عن الأرض، جذبت إليّ الناس أجمعين" (12: 32).
"فدخل بيلاطس من جديد إلى دار الولاية، ودعا يسوع" (آ 33).
خبر يوحنا هو خبر موجز. لماذا بدأ بيلاطس يهاجم اليهود، وها هو يعود إلى نفسه؟ لماذا قرّر أن يستجوب المتهم؟ ما الذي يعرفه عن يسوع؟ كل هذا لا يتحدّث عنه يوحنا، بل يدخل حالاً في قلب الإستجواب الأول.
"أنت ملك اليهود" (آ 33)؟
كيف ظن بيلاطس أن يسوع يعتبر نفسه ملكاً؟ إذا عدنا إلى لوقا رأينا أن إتهام اليهود ليسوع تضمن إعتبار نفسه ملكاً: "وأخذ عظماء الكهنة والكتبة يتهمون يسوع فيقولون: وجدنا هذا الرجل يثير الفتنة في شعبنا، ويمنعه أن يدفع الجزية لقيصر، ويدّعي أنه المسيح الملك" (لو 23: 1- 32). أما سؤال بيلاطس إلى يسوع فنجده هو هو في الأناجيل الأربعة. وتتأكّد تاريخيته بمشهد الهزء الذي نظّمه الجنود الرومان (يذكر في كل الأناجيل). ما كان باستطاعة الجنود أن يهزأوا من "يسوع الملك"، إلاّ إذا كان إدّعاؤه بأنه ملك اليهود قد وجد في وثيقة الاتهام. ونقول الشيء عينه عن الكتابة على الصليب: "يسوع الناصري ملك اليهود". لقد قدّم يسوع إلى محكمة بيلاطس لأنه اعتبر نفسه المسيح الملك وتصرّف بحسب هذا الاعتبار.
"أجاب يسوع: أمن عندك تقول هذا؟ أم آخرون قالوه لك عني" (آ 34)؟
كان سؤال الوالي ملتبساً. فأراد يسوع أن يعرف ما يعني قبل أن يجيب. والمعنى يرتبط بالمصدر. هل يتكلّم بيلاطس من نفسه؟ أو يستند إلى ما قاله اليهود؟ فإن تكلّم من ذاته كان للسؤال مدلول سياسي. فإن أجاب يسوع بالإيجاب، جعل نفسه بين هؤلاء المغامرين الذين كثروا في القرن الأول المسيحي. ولكن إن تكلّم بيلاطس مدفوعاً من اليهود، فتتبدّل طبيعة السؤال. يصبح السؤال دينياً ويصبح له بعد غير متناهٍ. إنه يتجاوز أفق الوالي الروماني، كما يتجاوز سُّر إسرائيل قدرة قيصر. وهكذا أشار يسوع إلى إلتباس وضع بيلاطس، وحذّره من اليهود الذين يدفعونه إلى النظر في قضية لا يستطيع أن يحكم فيها. هم يجتذبونه إلى دراما تتجاوزه وقد تغرقه.
"أجاب بيلاطس: أيهودي أنا" (آ 35)؟
تلقّى بيلاطس جواب يسوع وظنّه إهانة. إنه روماني. ولا شيء يجعله قريباً من الشعب اليهودي. إنه خارج الجدال، ولا أحد يملي عليه أسئلة يطرحها. لهذا تظاهر أنه يترك جانباً المسألة الملكية ويبدأ إستجواباً موضوعياً ومستقلاً: "إنّ أمتك ورؤساء الكهنة أسلموك إليّ. فماذا فعلت" (آ 35)؟ الطريق مفتوحة أمام المتهم. فليعرض قضيته. لم يستفد يسوع من هذه الحرية إلاّ ليردّ على السؤال الأول (أنت ملك اليهود). جاء جوابه "نعم" واضحاً. ولكنه تابع فكرته: يجب أن تعرف عن أية ملكية أتكلّم. "إن مملكتي ليست من هذا العالم. فلو كانت مملكتي من هذا العالم، لكان رجالي يقاتلون عني فلا أسلم إلى اليهود. ولكن مملكتي ليست من هنا" (آ 36).
لا ينكر يسوع أن مملكته تمتد على العالم وتمارَس في العالم. ولكن مملكته وملكه ليسا من هذا العالم: مملكة يسوع ليست من هنا. عبارة سلبية خلقت شعوراً بالسر لفت إنتباه هذا الوثني. إذا كان ليس من هنا، فمن أين هو؟ أمّا قارىء الإنجيل المسيحي فيعرف معنى هذه العبارة: ليست مملكتي من هذا العالم، من هنا. إذن هي من فوق (8: 23). هي سماوية (3: 31)، روحية 31: 3، 5)، إلهية (4: 24). ليس ملكوت يسوع عمل الإنسان (6: 28 ي)، ليس عظمة أرضية وبشرية وزائلة. إنه عطية الله (4: 10). إنه نور وحياة يقدّمان إلى البشر من أجل خلالهم. لو كان ملكوت يسوع من هذا العالم، لاستند إلى قوى هذا العالم لكي يدافع عن نفسه. ولكان ليسوع حرس يحامون عنه ويقاتلون لأجله بأسلحة تساوي ما لقوى هذا العالم. ولكن يسوع يقف هنا من دون سلاح.
"أنت إذن ملك" (آ 37)؟
لم يحتفظ بيلاطس من جواب يسوع إلاّ إعتداده الضمني بأنه ملك. وهذا الاعتداد يبدو مفرطاً بحيث رأى بيلاطس نفسه مجبراً بأن يعيد السؤال. يجب أن يقرّ "الرجل" بدون مواربة أنه ملك. حينئذٍ يصبح إتهام اليهود له مؤسّساً ومسنداً. وهكذا تكون القضية داخل صلاحيات الوالي.
"أنت قلت. إني ملك" (آ 37).
نجد العبارة عينها مع بعض التغييرات في الأناجيل الإزائية (مر 15: 2: مت 27: 11؛ لو 23: 3). هي تعني: نعم. ولكنها تترك للمحاور جزءاً من المسؤولية وهامشاً فيه يقدّر المدلول الحقيقي لهذا "النعم". وهذا ما يتيح ليسوع بأن يعود إلى معنى ملكه. إنه لم يعطِ بعد لبيلاطس إلاّ مدلولاً سلبياً عنه. وها هو الآن يشرح طبيعته الحقيقية.
"لقد ولدت وجئت إلى العالم لأشهد للحق. وكل من هو للحق يسمع صوتي" (آ 37).
ربط يسوع رباطاً وثيقاً ملكه والحقيقة. فإذا كان ملكاً بكل معنى الكلمة، فمن هذا القبيل، ليس ملكاً بوكالة قانونية، ولا بمجرّد ميراث، ولا بقوّة السلاح والجاه. ولكن بما أنه ابن الله وكلمته المتجسّد، تكمن فيه الحقيقة، تحيا فيه، تعبرّ عن ذاتها فيه بملء التعبير وكماله.
مُلكه هو ملك الحقيقة. هو لا يفرض نفسه بالقوة. بل يقدّم ذاته بدون عنف. فيتقبّله كل من هو من الحق أي كل من وافق قلبه كلمة الله فأحبها وطلبها بصدق باهتمام. مثل هذا يرى في صوت المسيح صوت الحقيقة فيخضع لنيرها.
لا أحد يفلت من هذا الملك، لأن لا أحد يفلت من الحق،. فكل إنسان مدعو لأن يتخذ موقفاً: مع الحقيقة أو ضدّها. بل يطلب من أرفع سلطة أرضية أن تختار فتخضع لملك المسيح الذي هو الحق.
هذا هو المعنى العميق لهذا المشهد الخارق. يسوع يقف هنا في محكمة العالم كشاهد للحق. وفي هذه المواجهة نفسها، يعلن عن ذاته ويكشف نفسه ملكا. إنه يدين الذي يدينه. في الواقع، هو بيلاطس الذي يمثل أمام محكمة الحقيقة. والحال أن بيلاطس يمثّل قيصر. وهكذا يرى الإمبراطور وكل سلطة مخلوقة الحدّ الذي يتوقفون عنده، كما يرى أولوية الحقيقة السامية.
إحتجنا إلى ضعف الشاهد لكي تظهر الحقيقة المتجسدة في كل نقاوتها، وتنكشف على أنها من نظام غير نظام هذا العالم. واحتجنا أيضاً إلى هذه المواجهة مع السلطة السميا لكي تظهر سيادتها المطلقة. واحتجنا أخيراً إلى شهادة يؤدّيها يسوع للحقيقة فتقوده إلى التضحية بحياته لكي تظهر طبيعة هذه الحقيقة. إنها حب. والملك في مملكة الحقيقة هو خادم الجميع (13: 13- 15). ولقد حصل على تاجه (19: 2- 5) حين سفك دمه من أجل أحبّائه (19: 34). إنه ملك في الحب (15: 13).
تكلّم يسوع فأجاب بيلاطس جواباً حاول أن يتهرّب منه: يوما هو الحق" (آ 38)؟
ما معنى هذا السؤال؟ هل هناك رغبة صريحة في التعليم؟ هل هناك فضول نهض من سباته؟ لا مبالاة، إرتياب، سخرية وإحتقار؟ مهما يكن من أمر، أنهى بيلاطس الحوار.
"قال هذا وخرج أيضاً إلى اليهود" (آ 38).
هذا الموقف يشبه الهرب. ما أراد بيلاطس أن يقول "نعم" أو " لا". إختفى من أمام هذا المتهم الغريب. ولكن عمله ظلّ عديم الفائدة. تهرّب من شهادة حقيقية فافتتح الطريق أمام كل التنازلات. شاء أم أبى، فقد جعل نفسه في جانب الرؤساء اليهود، وهم جعلوا نفوسهم بجانب قيصر. كلاهما رفضا الحقيقة. رفض بيلاطس أن يتخذ موقفاً من أجل الحقيقة، فوجد نفسه ضدّها.
16
الحكم على يسوع
19: 1- 16

"هوذا ملككم"! صاحوا: "إرفعه، إصلبه"!
إن مرور يسوع لدى قيافا بدا موجزاً مقتضباً. أشار الكاتب إلى ذهابه من عند قيافا في الصباح، أي حوالي الساعة السادسة. ولم يزد شيئاً على ذلك. فاهتمامه كلّه يتركّز على اللقاء بين يسوع وبيلاطس، وهو لقاء يكون محور خبر الآلام، ويتضمّن آخر "خطبة" وحي في فم يسوع.
يجري المشهد في دار الولاية، وهو موضع إقامة بيلاطس، الوالي الروماني. نحن نراه هنا للمرة الأولى في إنجيل يوحنا، ولا نجد أي تحديد عن هويته. كان حاكماً لليهودية منذ سنة 26 إلى سنة 36. وقد اكتشفت حديثاً مدوّنة في قيصرية البحرية وهي تورد إسمه فتؤكّد ما قاله الإنجيل عنه. واتفق فيلون (المفكّر اليهودي العائش في الإسكندرية) وفلافيوس يوسيفوس (مؤرّخ الحرب اليهودية الرومانية) وتاقيطس (المؤرّخ الروماني) على تصويره كشخص قاسٍ لا ضمير له. عامل اليهود بفظاظة واحتقار. عزله فيتاليوس، حاكم سورية، بسبب وحشيته. أما يوحنا فانطلق من وجهه التاريخي ليجعل منه صورة الملك الأرضي تجاه يسوع الملك الحقيقي.
كان الوالي الروماني يقيم عادة في قيصرية (أع 23: 33). وبمناسبة الأعياد الكبرى أو في أوقات القلاقل، كان يصعد إلى أورشليم. أين كان يقيم في أورشليم؟ هنا يختلف الشرّاح: منهم من قال في القلعة التي بناها هيرودس غربيّ المدينة. ومنهم من قال في قلعة أنطونيا الواقعة شمالي الهيكل، حيث جعل التقليدُ (يعود إلى القرن الثاني عشر) يسوعَ يلتقي ببيلاطس. نلاحظ أن الإنجيلي لم يعطِ المسائل الجغرافية أهميتها، بل اهتمّ بإبراز اللقاء بين بيلاطس ويسوع، وكأنه مجابهة بين قوتين. وقد عرض هذه "المجابهة في سبعة مشاهد بناها بناء بارعاً".
* المشهد الأول (في الخارج): بيلاطس واليهود. المحاورة الأولى (18: 28- 32). يبدأ النص بهذه العبارة: "فخرج بيلاطس إليهم".
* المشهد الثاني (في الداخل): بيلاطس وشموع. مملكة يسوع (18: 33- 38). يبدأ هذا المشهد بالعبارة: "فدخل بيلاطس".
* المشهد الثالث (في الخارج): بيلاطس واليهود: برأبا (18: 38- 40). نقرأ في آ 38: "وخرج أيضاً إلى اليهود".
* المشهد الرابع (في الداخل): إكليل الشوك (19: 1- 3). هذه هي قمة المشهد وهي تدلّ على أن يسوع هو ملك (هناك تدرّج صاعد: أ، ب،، د، ثم نازل: ج، ب، أ).
* المشهد الخامس (في الخارج): بيلاطس واليهود: هوذا الرجل (19: 4- 7). يبدأ بهذه العبارة: "وخرج بيلاطس أيضاً".
* المشهد السادس (في الداخل): بيلاطس ويسوع: سلطان بيلاطس (19: 8- 12). نقرأ في آ 8: "ودخل أيضاً دار الولاية".
* المشهد السابع (في الخارج): بيلاطس واليهود: هوذا ملككم (19: 13- 16).
نلاحظ توالي المشاهد في الخارج وفي الداخل. وفي الوسط نجد مشهداً منعزلاً: تتويج يسوع بالشوك. لا نجد عند متى ومرقس سوى ثلاثة مشاهد (بيلاطس يستجوب يسوع، محاولة بيلاطس الفاشلة في أن يطلق يسوع، تسليم يسوع إلى اليهود). أما يوحنا فبنى سلسلة من المشاهد الدراماتيكية لكي يثبت حقيقة مملكة يسوع.
المشهد الرابع: الجنود الرومان يجلدون يسوع ويهزأون به (آ 1- 3).
يختلف الإنجيليون في تحديد موقع هذه الأحداث. حسب مرقس ومتى، يجلد يسوع ويهزأ به في نهاية المحاكمة: أرسل بيلاطس يسوع ليجلد ويصلب. أما الجنود الرومان فأخذوه إلى الدار ليهزأوا به. والكلمة حول جلد يسوع (مر 15: 15) تعود إلى مرقس أو المرجع الأول لخبر الآلام كما استقى منه. ونقول الشيء عينه عن مشهد الهزء (مر 15: 16- 20). هل نحن أمام حدثين منفصلين؟ لا، بل عملان يصوّران معاً. وهذا ما نجده عند لوقا (23: 11) حيث الهزء بيسوع يقف في وسط محاكمة يسوع ويكون عملَ هيرودس وجنوده معاً. فبعد أن عاد يسوع من عند هيرودس، قال بيلاطس مرتين (لو 23: 16، 22) إنه سيجلد يسوع ويطلقه، ولكن النصّ لا يقول لنا إنه فعل. عند لوقا، العمل الوحيد الذي قام به الجنود الرومان ضدّ يسوع كان هزءهم منه حين كان يحمل صليبه (لو 23: 36- 37). أما يوحنا، شأنه شأن مرقس ومتى، فقد تحدّث عن جلد الجنود الرومان وهزئهم بيسوع. ولكنه تبع لوقا حين جعل الجلد في وسط المحاكمة.
كيف جرى مشهد الهزء بالتفصيل؟ يبدو خبر لوقا مستقلاً عن خبر سائر الأناجيل. ولا يبدو خبر يوحنا قريباً منه. ثم هناك اختلافات بين متى ومرقس، وإن كان الخبران متشابهين. نشير هنا إلى أن متى جعل مشاهد العنف بعد مشاهد اللاعنف.
يقول مت 27: 29: ضفروا إكليلاً من شوك وجعلوه على رأسه. وهذا ما يقوله يوحنا (آ 2). يجعل متى الإكليل بعد اللباس، ويوحنا قبل اللباس الأرجواني. واقترب يوحنا من مرقس وإن لم يكن كل الإقتراب حيث تحدّث عن الجنود والفرقة كلها، عن اجتذاب يسوع إلى داخل الدار، عن وضع إكليل الشوك على الرأس، عن اللباس الأرجواني وعن تحية يسوع بملك اليهود. كل هذا يعني ارتباط يوحنا بمرقس ومراجعه، مع الإفادة من خبر متى.
كان الجلد والهزء في نظر متى ومرقس جزءاً من الصلب. في نظر لوقا، كان الهزء تعبيراً عن احتقار هيرودس ليسوع. وأثار يوحنا مسألة تعتبر أن الجلد والهزء كانا جزءاً من مخطّط بيلاطس لكي يطلق يسوع. فقبل هذا الحدث وبعده، أكّد بيلاطس أن يسوع بريء. لهذا نستطيع أن نفترض أن بيلاطس أراد تهدئة "اليهود" ليقنعهم بأن يسوع أضعف من أن يحمل أي تهديد.
حين هزىء الجنود من يسوع وسخروا منه كملك، قاموا "بطقس" معروف في أوساط الجنود. فإن فيلون يصوّر لنا رجلاً يلبسونه ثوباً ملوكياً، ويضعون على رأسه "تاجاً" وفي يده عصا كأنها "صولجان". ثم يركعون أمامه ويحيّونه كأنه ملك. قد يكون الجنود صنعوا الشيء عينه مع يسوع.
أي دور يلعبه هذا الحدث في توسّع يوحنا في خبر محاكمة يسوع؟ فشل بيلاطس في إطلاق يسوع (المشهد الثالث)، فقام بعمل ما. كانت نواياه صالحة، ولكن حسّ العدالة بدأ ينحرف شيئاً فشيئاً عن الخطّ المستقيم. في المشهد السابق فشل في إطلاق يسوع مع أنه وجده بريئاً. والآن ها هو يأمر بجلد يسوع البريء. وبدا ضعف بيلاطس وروح المساومة واضحاً أمام أعداء يسوع في المشهد التالي. على المستوى اللاهوتي، جعل خبر الهزء (بما فيه من إيجاز) موضوع مملكة يسوع أكثر مركزيّة مما عند الإزائيين. في المشهد الثالث، تحدّث بيلاطس هازئاً عن "ملك اليهود". والآن، ها هم الجنود الرومان يقومون بهذا العمل: أعلن يسوع ملكاً، فعليهم أن "يتوّجوه". يا لسخرية الحياة! إنهم قد قالوا الحقيقة دون أن يعلموا. وهكذا نستطيع أن نرى كيف أن الأمم الوثنية اعترفت بملكية يسوع.
المشهد الخامس: قدّم بيلاطس يسوع لشعبه. فصرخ اليهود: "ليُصلَب" (آ 4- 8).
لا شكّ في أن هناك تواصلاً بين الهزء بيسوع وتقديمه لشعبه. ولكننا نعتقد أن الإنجيلي يبدأ مشهداً جديداً في آ 4 (خرج بيلاطس أيضاً وقال لهم). وهكذا تكون بداية المشهد الخامس مثل بداية المشهد الثالث (18: 3: "خرج بيلاطس إلى اليهود وقال لهم". ثم إن كلمات بيلاطس هي هي في الحدثين: "لم أجد عليه علّة". وهكذا يضيع التوازي إن لم نجعل من آ 1- 3 مشهداً منعزلاً. فهي الذروة في قلب المحاكمة. إنتهى المشهد الثالث مع شرح الإنجيلي حول برأبا (كان برأبا لصّاً)، وانتهى المشهد الخامس مع شرح حول بيلاطس (إزداد خوفاً). وإذا كانت آ 9 هي بداية المشهد السادس، يكون هناك موازاة بين المشهد الثاني (18: 33) والمشهد السادس (19: 9).
الميزة المشتركة بين هذا المشهد وخبر الأناجيل الإزائية عن المحاكمة الرومانية، هو الصيحة بأن يُصلب يسوع. غير أن هناك تشابهاً بين لوقا ويوحنا. جاء بيلاطس بيسوع إلى "اليهود" وقال إنه لا يجد علّة عليه. هذا ما يشبه ما نقرأ في لو 23: 13- 26 حيث أُعيد يسوع من عند هيرودس، فدعا بيلاطس رؤساء الكهنة والأقطاب والشعب وقال لهم إنه لم يجد جرماً على هذا الرجل. وكِلا الحدثين يتبعان مشهد الهزء بيسوع على يدي الجنود.
في يوحنا، يتوسّع هذا المشهد بموضوع ملك يسوع. أقرّ بيلاطس أنه "ملك اليهود" (المشهد الثالث)، "توجّه" الجنود وأعطوه "الصولجان". وها نحن ندخل في احتفالا آخر في طقس التتويج. ألبس الأرجوان وقدّم إلى شعبه لكي يعلنه شعبه. إن يوحنا يرى كيف أن انتظار اليهود الطويل لملكه المسيحاني انتهى في السخرية.
إن المشهد الدراماتيكي لتقديم يسوع إلى "اليهود" هو خاصّ بيوحنا. ولكن يبدو أنه وجد ما كتبه في التقليد. كان على بيلاطس أن يقول: "هوذا الملك" كما فعل في آ 14. فإذا هو يقول: "هوذا الرجل". قد تدلّ هذه العبارة على لقب مسيحاني، ولكنها تبقى ملتبسة. ولهذا اعتبر الشرّاح أننا أمام عبارة هزء أعاد يوحنا تفسيرها بشكل لقب مجيد.
مهما تكن نيّة بيلاطس في تسمية يسوع، فقد فشلت خدعته في تقديمه إلى "اليهود". شعروا بضعف بيلاطس في هذه المحاولة الثانية من أجل التسوية، فاستقبلوا ملكهم بهتاف غريب: "أصلبه". صرخوا، هتفوا. وهكذا نعود إلى الوراء حيث هتف الجمع أمام يسوع قبل خمسة أيام: "هوشعنا... مبارك ملك إسرائيل" (12: 13). نحن أمام رفض يسوع، بل رفض لحيلة بيلاطس.
إغتاظ بيلاطس من هذا الجواب: "خذوه أنتم واصلبوه". هذا ما دفع "اليهود" إلى حرب سيكولوجية ضدّه. فإن لم يلبّ رغبتهم كما عبّروا عنها، سيدلّ على أنه عدوّ رومة. لم تقل الأناجيل الإزائية لماذا لبّى بيلاطس رغبة الشعب "المزعجة". قال مر 15: 15 إن بيلاطس رغب في أن يرضي الشعب. وقال مت 27: 24 إن بيلاطس لم يستفد شيئاً، بل ازداد الشعب هياجاً. وأشار لو 23: 23 إلى إلحاحهم الطالب بأن يُصلب يسوع. ولكننا نعرف من المؤرخ يوسيفوس أن بيلاطس كان عنيداً مع اليهود. غير أن ما يؤثّر عليه هو ما يُقال عنه في رومة. هو يعارض عوائد اليهود. فإن أرسلوا إلى الإمبراطور طيباريوس وفداً، فقد يعرض هذا الوفد أيضاً كل سلوك بيلاطس كوالٍ في اليهودية. وهكذا بدا بيلاطس ضعيفاً، سريع العطب، ساعة كان يسوع أمامه.
رأى بيلاطس أن يسوع هو بريء ورفض أن يواصل المحاكمة. ولكن ملفّ عوائد اليهود قد فتح. فسواء كان يسوع داعياً إلى الثورة أم لا، فهو قد تجاوز الشرائع الدينية لدى اليهود. إن ممثّل رومة العظمى وصل إلى وضع من الخوف أنبأ به قيافا رئيس المجلس (11: 47- 53). يرى يوحنا أن ليس من قائد ديني أو دنيوي يستطيع أن يقاوم قدرة يسوع. حاول بيلاطس أن يكون حيادياً بالنسبة إلى الحقيقة التي تحرّر (8: 32). ولكنه الآن عبداً لخوفه.
إن لهذه الأسطر الأخيرة في هذا المشهد أهمية لاهوتية وسياسية لكي نفهم الخبر. السبب الحقيقي الذي دفع اليهود إلى قتل يسوع، هو أنه جعل نفسه ابن الله. ولكنه لم يجعل نفسه ابن الله. هو ابن الله. وامتزج السبب الديني مع السبب السياسي من أجل التأثير على بيلاطس. ثم إن يوحنا قرأ هذا التعارض بين يسوع واليهود وكأنه تعارض بين الكنيسة (المسيحية) والمجمع (اليهود) في عصره. نحن نرى في بداية خدمة يسوع (1: 35- 51) أنه أُعطيت له ألقاب مثل ابن الله وملك إسرائيل وابن الإنسان. وفي بداية حياته ستكون هذه الألقاب موضوع هزء: هو "ملك اليهود" (18: 39). هو "الرجل" (19: 5). هو "ابن الله" (19: 7).
المشهد السادس: حديث بين بيلاطس ويسوع حول السلطان (آ 9- 11).
يوازي هذا المشهدُ المشهد الثاني: فكلاهما يرياننا بيلاطس عائداً إلى الداخل لكي يسأل يسوع حول ما يتهمونه به في المجال السياسي والديني. وهذان المشهدان هما الوحيدان اللذان فيهما يتكلّم يسوع. في كلّ منهما، نقرأ سؤالاً أول يتبعه سؤال ثانٍ يتبعه شرح من يسوع. والشرح في كل قول يبدو بشكل تعليم إحتفالي، ويبرز إهتمام يسوع بالسماء وعدم اهتمامه بهذا العالم. يكون سؤال بيلاطس على مستوى وجواب يسوع على مستوى آخر. هذا ما نسميه تقنية "عدم الفهم" (رج مثلاً ما في حدث السامرية). مشهدان موسّعان وواضحان. ويلتقي المشهد السادس مع الأناجيل الإزائية في موضوع صمت يسوع الذي لا يعني في يوحنا ما يعنيه في متى ومرقس ولوقا: حين يحرّك الصمت السؤال التالي، فهو يواصل الحوار وكأننا أمام جواب.
إن الإستجواب الذي يخضع له بيلاطسُ يسوع هو محاولة يائسة لإطلاق يسوع. ولكن نوايا بيلاطس ليست شفّافة. نحسّ بغيظه، وبأنه لا يعرف كيف يتصرّف وبما يبدأ. فهو الآن أمام اتهام ديني يتجاوز فهمه. فالخوف يدفعه إلى التحدّث عن سلطانه. ومن الواضح أن بيلاطس عيل صبره من عدم تعاون هذا الرجل الذي يحاول أن يحميه. فمجهود بيلاطس في أن يجد طريقاً تتوسّط ذراعه بين الحقيقة والعالم، قد أحبط بسبب تصلّب العالم. والآن يجد أن الحقيقة ترفض المساومة. هو يكلّم يسوع يصدّه بعض الإنفتاح والصداقة والموافقة، حيث لا يكون كل هذا مضمّخاً بالإيمان (2: 23- 25؛ 3: 2- 3؛ 4: 45- 48).
إن لبّ الوجود هو قول يسوع حول القدرة أو السلطان. تحدّث بيلاطس عن قدرته المادية على يسوع: هو يستطيع أن يحرم يسوع الحياة. أما يسوع فكلّمه على مستوى آخر، مستوى الحقيقة والسلطة "الأصيلة". أي سلطة أصيلة وعلوية يمتلكها بيلاطس على يسوع؟ لن نفهم كلام يسوع على ضوء روم 13: 1 (لا سلطان إلاّ من الله)، بل على ضوء يو 10: 17- 18: أنا أبذل حياتي. لا يستطيع أحد أن ينتزعها مني. لي سلطان أن أبذلها. وساعته يحدّدها الآب وحده (12: 27). وفي سياق "الساعة" سمح الآب للبشر بأن يكون لهم سلطان على حياة يسوع. وقدرة بيلاطس لا تأتيه من جنوده. بل لأنّ الله سلّمه دوراً في هذه الساعة. أعلن يوحنا أن قيافا تحدّث عن موت يسوع من أجل الأمة، لأنه كان عظيم الكهنة "في تلك السنة". وبيلاطس أيضاً له سلطان على يسوع، لأنه والي يهودا "في تلك السنة".
حاول بيلاطس أن يمارس سلطته على يسوع لكي يطلقه. ولكنه لم ينجح لأنه لم يسلّم نفسه كلياً للحقيقة وحاول أن يكون حيادياً ولكن عبثاً. هو لا يبغض الحقيقة من طبعه. لهذا بدت خطيئته أقلّ خطورة من خطيئة قيافا و"اليهود" الذين أرادوا أن يقتلوا يسوع. لم يهتمّ يوحنا بالقول إن خطيئة بيلاطس هي أقلّ من خطيئة اليهود. بل باتهام الذين هم المسؤولون الحقيقيون. وهكذا نلتقي مع مشهد غسل الأيدي كما صوّره مت 27: 24- 25، فنفهم أن بيلاطس بريء من دم يسوع.
المشهد السابع: إستسلم بيلاطس لليهود الذين طالبوا بصلب يسوع (آ 12- 16).
توازى خبر يوحنا مع خبر الإزائيين في تكرار الصياح "ليُصلَب" وفي تسليم يسوع للصلب. فخبر محاكمة يسوع في يوحنا هو أكثر تفصيلاً، هو دراماتيكي ولاهوتي. وموقع هذا الحدث على "البلاط الحجري" ساعة الظهر، لا يدلّ فقط على لمسة دراماتيكية بل يشير أيضاً إلى اهتمام الكاتب بذروة المحاكمة. لا رمزية واضحة لاسم المكان. فقد يكون تاريخياً. أما الوقت فيبقى مسألة صعبة. صُلب يسوع في الساعة السادسة (أي الظهر). وقد حاول المخطوط السينائي التوفيق فقال الساعة الثالثة (9 ق. ظ). لم يهتمّ الإنجيلي بقرار بيلاطس وما يرتبط فيه بالسياسة. فاهتمامه لاهوتي: لقد تحوّل القرار إلى مأساة الشعب اليهودي الذي رفض العهد الداودي في يسوع المسيح.
حين بدأ المشهد، ظنّ بيلاطس أن يسوع أساء استعمال القدرة التي أعطاه إياها الله. فحاول مرة أخرى أن يطلقه. فسارع "اليهود" وجدّدوا تهديدهم باتهامه لدى رومة. في المشهد الخامس رأينا بيلاطس يرتعد لأنه اتهم بأنه لا يحترم عادات اليهود. والآن صار صدقه تجاه الإمبراطور موضع تساؤل. يبدو أن بيلاطس امتلك لقب "صديق قيصر". وقد يخسره الآن. ويعاقب عقاباً قاسياً، لأن الإمبراطور لم يكن سهلاً مع خيانة الذين أغدق عليهم الإنعامات.
ظلّ بيلاطس متأكداً أن لا ذنب على يسوع، ولكن اليهود أكرهوه على تسليمه. فإن قيل عنه انه أفلت ملكاً قد يخون الإمبراطور، يفتح ملفّه كله. فخسران الحظوة ثمن باهظ للدفاع عن الحقيقة. ثم قدّم "ملك" اليهود محاولاً أن يستجلب الرأفة. ولكنهم ظلّوا يطالبون بصلبه. حينئذٍ إنتقم منهم بيلاطس وأذلّهم في روحهم الوطنية. حين طالبوا بالحكم على يسرع، دلّوا على ولائهم للإمبراطور. هل نسوا رجاءهم بملك منتظر؟ نحن مستعدّون أن ندفع أي ثمن في حربنا ضدّ الحقّ. ولهذا قالوا: "لا ملك لنا إلاّ قيصر"! المحاكمة الحقيقية قد انتهت. فاليهود حكموا على نفوسهم بحضرة يسوع. وهم أصدروا الحكم بحقّ أنفسهم.
أعلن إسرائيل أن الرب هو ملكه (قض 8: 23؛ 1 صم 8: 7). ومنذ وعد ناتان لداود (2 صم 7: 11- 16)، وحسب لاهوت أورشليم، صارت ملكية الله منظورة في قيادة الملك الداودي الذي جعله الله ابنه (مز 2: 7). وفي زمن ما بعد المنفى، نمت روحانية حول المسيح الوحيد، الملك الآتي من بيت داود، حول المسيح المقبل الذي سيأتي ليقيم حكم الله على الأرض. فالذي يقيمه الله سيكون وحده ملك شعب الله. لن يكون من فارس ولا من أنطاكية ولا من رومة بجيشها الذي يدوس البلاد. "أيها الرب، قد استولى علينا سادة سواك، ولكننا لا نتعرّف إلا إلى اسمك" (أش 26: 13). ولكن مرّت مئات السنين على هذا الإنتظار. وها هم يفضّلون طيباريوس قيصر، ويهتفون: "دمه علينا وعلى أولادنا" (مت 27: 25). نحن هنا أيضاً في إطار الصراع بين الكنيسة والمجمع في السنوات 80- 90.
إن الوقت الذي فيه تخلّى اليهود عن ملكهم كان وقت ذبح الحملان من أجل عيد الفصح. هذه هي "سخرية" يوحنا تجاه اليهود الذين تركوا العهد ساعة يستعدّ الكهنة لعيد يذكّر الشعب بخلاصه من عبودية مصر. وقتُ ذبح الحملان هو وقت دينونة الله للعالم. وفي هذا العيد حكموا على أنفسهم حين حكموا على الذي أرسله الله إلى العالم لا ليدينه، بل ليخلّصه (3: 17).
في بداية الإنجيل، دلّ المعمدان على يسوع بأنه حمل الله الذي يرفع خطيئة العالم (1: 29). والآن قد تمّت هذه النبوءة. فحين تذبح حملان الفصح تنتهي محاكمة يسوع، فينطلق إلى الجلجلة ليسفك دمه الذي ينقّي البشر من خطيئتهم. حقاً، إنّ الله قد خطّط بكل عناية لهذه "الساعة".
إن هذه المتتالية بين بيلاطس واليهود تكشف في الوقت عينه عن براءة يسوع وشّر اليهود: من جهة، أعلن بيلاطس براءة يسوع. ومن جهة ثانية، فضّل اليهود برأبا "اللصّ" على يسوع البريء، فدلّ أن سبب الحكم على يسوع هو غير ما يقولون. لقد سلّموا يسوع كمجرم حقيقي. واختار بيلاطس العالم وسرابه وترك الحقيقة التي قدّمها له يسوع.
وتمّ الجلد والتكليل بالشوك في الداخل بين خروجين لبيلاطس (18: 38؛ 19: 4). ليس الجلد عند يوحنا بداية العقاب الذي يجد ذروته في الصليب، ولا محنة جسدية تتوخّى أضعاف المحكوم عليه أو إجباره على الإقرار. بل في تجعل يسوع شبيهاً بعبد الله المتألم "الذي سلّم ظهره للذين يضربونه" (أش 50: 6). مشهد التكليل هو مهزلة في نظر الجنود، ولكنها تعبّر في نظر القارىء المؤمن عن حقيقة حول يسوع الملك المُهان والسافك دمه. كما يشكّل المشهد أيضاً مواجهة بين الملك المشوّه والشعب اليهودي.
ويخرج بيلاطس مرّة ثالثة فيعلن أيضاً براءة يسوع المرتدي الشارات الملوكية (التاج، اللباس الأرجواني)، قال: هوذا الرجل. عبارة تدلّ على الهزء من قبل بيلاطس واليهود. أما القارىء المسيحي فهو يعرف أن هذا الإعلان حقيقي بحقيقة تتجاوز بيلاطس واليهود. لقد وصل الإنتظار المسيحاني الطويل إلى نهايته. فالإنسان (أو: الرجل) وابن الإنسان هو هنا. هو ملك يُهزأ به. غير أنه يُتمّ في مسيرته الذليلة الطريق المجيد الذي يقود إلى الوحي الكامل.
وهكذا بدت الهوّة الكرستولوجية واضحة بين اليهود والمسيحيين. فما يعتبره اليهود تجديفاً (يجب أن يموت لأنه جعل نفسه ابن الله) يعبّر عن إيمان حقيقي لدى المسيحيين الذين يعترفون بيسوع أنه ابن الله.
بدا بيلاطس، ممثل السلطة الرومانية، خائفاً، مرتعداً. فسؤاله "من أين أنت" يستعيد موضوعاً متواتراً عند يوحنا حول أصل يسوع السرّي. وصمتُ يسوع يدلّ على الهوّة السحيقة بينه وبين بيلاطس الذي لا يستطيع تقبّل سرّ الله في يسوع. فسلطان بيلاطس (بأن يطلق أو يصلب يسوع) هو سلطان ظاهري. لا الواقع، يسوع الذي مملكته ليست من هذا العالم، يأتي من أعلى، من هذا الموضع السرّي والإلهي. لا شكّ في أن مسؤولية بيلاطس ليست على قدر مسؤولية "اليهود". ولكن الحياد غير ممكن أمام يسوع، وقد حُكم على بيلاطس لأنه فضّل العالم على تقبّل الوحي في يسوع.
وهكذا وصلت المحاكمة إلى النهاية. فهم بيلاطس أن يسوع لا يشكّل خطراً على المستوى السياسي. ونقرأ عبارة يوحنا في ترجمتين مختلفتين: أجلس بيلاطس يسوع. أو: جلس بيلاطس على منصّة القضاء. قد يكون بيلاطس أراد أن يهزأ بيسوع على أنه الديّان والقاضي، كما هزىء منه الجنود على أنه ملك.
وسقطت الأقنعة: إذا أطلقتَه فلستَ صديق قيصر. لوحة غريبة يرفض فيها الرومان أن يعذّبوا "ملك اليهود" البريء في عيونهم، بينما ينكر اليهود ملكهم من أجل سلطة غريبة: لا ملك لنا إلاّ قيصر. كيف نفهم أن يتخلّى اليهود المؤمنون بشكل نهائي عن انتظار مسيح لكي يوالوا السلطة الرومانية. نحن نعلم أن اليهود ظلّوا ينتظرون المسيح حتى نهاية القرن الأول المسيحي كما تقول الصلاة: "أملك علينا أنت وحدك".
وبدأت الساعة السادسة، الساعة التي فيها تتوقّف الأشغال للدخول في احتفال الفصح. في هذه الساعة أعلن بيلاطس باحتفالٍ ملكيةَ يسوع أمام اليهود. ولكن اليهود تخلّوا في تلك الساعة وبشكل نهائي عن كل مسيحانية لكي يتعلّقوا بسلطة قيصر. أما الذين تقبّلوا يسوع (القرُّاء المسيحيون) فقد حلّت ساعة الخلاص. ومملكة يسوع هي حقيقية، وهم يقبلونها بملء حياتهم لأنها تعلن أن المسيح توّج ملكاً على الصليب ومن خلال الأحداث الذي قادته إلى الجلجلة.
وانتقل يسوع منذ توقيفه من يد إلى يدء قال بيلاطس: "خذوه" (18: 31). وأخذه بيلاطس (19: 1). وأخذوا يسوع (19: 16). ولكن رغم الظواهر، لا يستطيع أحد أن "يمسك" يسوع. فهو يقيم مملكته على طريق الآلام ويدعو الذين "أخذوا" بكلمته إلى أن يرافقوه حتى الصليب.
17
الصلب
19: 17- 30

خرج يحمل صليبه إلى الجلجلة حيث طلبوه هو واثنين آخرين معه.
كان الرومان يعاقبون بالصلب آخر طبقات المجتمع ولا سيّما العبيد، ويعاقبون المجرمين على مستوى الحق العام (السرقة، القتل)، الجندي الهارب من الخدمة، والعبد الذي يترك سيده، كما يعاتبون الثائرين الذين يبلبلون النظام العام. ولقد قالت شيشرون، خطيب رومة، إنه "أقسى عذاب واشنعه".
لم يكن هذا العذاب مجهولاً في التشريع الروماني. كانوا يعلّقون على الخشبة أجساد الاشخاص الذين قتلوا رجماً لأنهم عبدوا الأصنام أو جدّفوا على الله والملك. واذ كانوا يفعلون ذلك، كانوا يشدّدون على خطورة مثل هذه الخطايا. وهناك نصوص متأخرة تتحدّث عن صلب أناس أحياء، دون أن توضح كيف تتم عملية الصلب هذه. كلّمنا المؤرّخ فلافيوس يوسيفوس عن صلب عدد كبير من اليهود على يد أناس يهود، خلال القرن الأول ق. م. في أيام الاسكندر يناي. ويرى اليهود في هذه الميتة لعنة حقيقية: "ملعون من الله كل من علّق على خشبة" (تث 21: 22؛ غل 3: 13). إذن، لم يكن اليهودي يفهم اطلاقاً، بل يتشكك إن قيل له ان المسيح صُلب لأنه خان ألهه وشعبه.
لقد اعتدنا أن نرى صلباناً. فمنذ البداية، بدا الصليب مهماً للمسيحيين. ولكن في القرون الأول رُسم الصليب ولم يُرسم المصلوب. وفسرّ الصليب على أنه علامة الظفر والانتصار: إنتصرت الحياة على الموت، وصار الصليب شجرة الحياة.
أما أولى الصور عن الصليب فتعود إلى القرن السادس، والصور مع المصلوب إلى الفرن العاشر. ولكننا دوماً أمام مسيح مجيد، مهيب: فالرب يملك من أعلى صليبه. وسوف ننتظر القرن الرابع عشر لكي نجد تشديداً على الآم المسيح وعذاباته. فهذا التطوّر قد ارتبط بأحداث تاريخية حرّكت تفكير المسيحيين: انحطاط مملكة بيزنطية المسيحية بعد أن هاجمها الاتراك، الوباء الذي اجتاح اوروبا فأخذ نصف سكانها. وتنوّعت رسوم الفنانين: من مسيح يمزّقه العذاب، إلى مسيح هادئ لا يصيبه العذاب.
لقد أعطى الانجيليون مكانة هامة لخبر الآلام (الحاش، كما نقول في السريانية). ولكن كلاً منهم رواه بطريقته الخاصة. والظاهرة عينها تتكرّر على مرّ التاريخ. فبسبب الاحداث المختلفة التي نجد نفوسنا فيها، نتوّقف عند هذه الوجهة أو تلك في حدث موت يسوع. وحين نحتفل بالآلام ونعيشها من جديد، تكون ردّات الفعل عندنا متنوّعة:
- أي حب عظيم! أمام مثل علاقة الحب هذه، نتعجب ونشكر. ونتألم حين نرى أن هذا الحب ما زال مجهولاً، ونودّ أن نعمل لكي نعرّف الناس بهذا الحبّ.
- لقد تألم من أجلنا. ففي يسوع لم يفلت الله نفسه من الألم. هو واحد منّا. هو لم يتظاهر بأنه انسان، هو لم يكذب مع الحياة. وهذا ما يساعدنا على الثبات حين يصادفنا الألم في حياتنا. هذا لا يبرّر الألم، ولكنه يساعدنا على أن نعطي معنى لألمنا.
- أي صراع وأي حرب! لم يمت يسوع صدفة واتفاقاً. لقد كان موته نتيجة كل ما عمله ليعيد إلى كل إنسان كرامته، إلى صغار القوم، إلى المبعدين... لهذا، إن أردنا أن نعيش الآلام، نحيا صراعاً شبيهاً بالصراع الذي قاساه.
الكتابة على الصليب (آ 17- 22).
إختلف يوحنا عن الاناجيل الازائية حيث يساعد سمعان القيريني يسوع على حمل صليبه، فلم يحتج يسوع إلى أية مساعدة ليذهب إلى المكان الذي فيه سيتوّج ملكاً. شدّد الانجيلي على أن يسوع يسيطر على الاحداث. فلا يترك "أحداً" يقود آلامه إلى نهايتها. كما أنه عارض بعض الظاهريين (يقولون أن يسوع تظاهر ولم يكن له إلا شبه جسد، كما لم يمت حقاً) الذين وُجدوا في الكنيسة الأولى، واعتبروا أن يسوع لم يتعذّب في الآمه، فحل محله في الساعة الاخيرة شخص يشبهه.
ويرسم يوحنا الجلجلة بمهابة واحتفال. هي موضع تتويج يسوع (19: 13، المكان المرتفع). وهي موضع حدّدت معالمه، لأنّ تاريخ الخلاص يتسجّل في الزمان والمكان. يسمّى الموضع "الجلجلة" أي "الجمجمة". من أين جاء معنى هذه الكلمة؟ قد يعود إلى شكل التلة المعرّاة من الاشجار، أو إلى وجود جماجم عديدة بسبب أحكام سابقة بالاعدام. ولقد رأى بعض الآباء الكنيسة في هذه التلة موضع جمجمة آدم، لأنهم تأثروا بنمطية يسوع الذي هو "آدم الجديد".
روى يوحنا الصلب بطريقته الخاصة، فالغى عدداً من التفاصيل نجدها عند الازائيين. مثلاً، محاولة اليهود بأن يسقوا يسوع قبل الصلب خمراً (مر 15: 23). كلمات مجدّفة على يسوع (مر 15: 29- 32) قد تلقي بعض الظلّ على ملكية يسوع في نظر القرّاء المسيحيين. ولا يقول يوحنا شيئاً عن تفاصيل نجدها عند الازائيين حول الشمس التي أظلمت وستار الهيكل الذي تمزّق (مت 27: 51- 54). كما لا يحدّد هوية المصلوبين، لئلا يميل بأنظار القرّاء عن الشخص المركزي الذي هو يسوع، فيقدّم تلميحات تاريخية مفصلّة عن الغيورين (إن كلمة "لص" تدلّ على جماعة الغيورين في لغة المؤرخين والاناجيل). وعذاب الصليب الذي اعتبره الاقدمون أقسى عذاب وأشنعه، صار للمؤمن مشهداً ملوكياً فيه يعرّف يسوع بنفسه إلى أحبائه.
أشار الانجيليون الاربعة (كل واحد بطريقته) إلى الكتابة الموضوعة على الصليب، فبيّنوا سبب الحكم بالاعدام على طريقة الرومان. غير أن يوحنا توسّع في هذا الموضوع بشكل لافت، فجعل بيلاطس مسؤولاً عن الكتابة وتحدّث عن اللغات الثلاث التي دوّن فيها "الحكم": العبرية (أي: الأرامية) وهي لغة اليهود اليومية. واليونانية وهي لغة الامبراطورية. اللاتينية وهي لغة المحتلّ. كما جعل من هذه الكتابة موضع جدال بين بيلاطس واليهود. وقد يكون الحوار الملغز بين الفئتين احتفظ بأثر سهام هجومية ضد اليهود في زمن يوحنا: فرغم احتجاجهم ضدّ هذا اللقب، لا يمكن أن يكون شك في ملكية يسوع عليهم: فالسلطة الرومانية نفسها اعترفت بذلك ولم تترك مجالاً للجدال. فبيلاطس الذي تراخى وتنازل في كل شيء أمام اليهود، ظلّ هنا صلباً ولم يتراجع: "ما كُتب فقد كُتب".
في النهاية نقدّم ثلاث ملاحظات:
- هذه الكتابة هي عمل بيلاطس، هو الذي وضعها على الصليب. بما أنه يمثل السلطة الرومانية، فالنص الذي لا هذه الكتابة هو نصّ رسمي يعلن ما تقوله رومة عن علاقة يسوع باليهود: هو ملكهم. كما يعلن اعتراف "الوثنيّين" بملكية يسوع.
- هذه الكتابة هي في متناول الجميع، والجميع يستطيعون قراءتها. موضع الصليب قريب من أورشليم. ثم إن النص مكتوب في اللغات الثلاث المعروفة في فلسطين. إذن، قد أعلنت ملكية يسوع في وجه العالم كله.
- طلب اليهود أن يبدّلوا هذا النص. لم يلبّ بيلاطس طلبهم. وهكذا أتاح للحقيقة أن تظهر في ملء النهار: المقتول هو ملك اليهود. هذه حقيقة لا يتقبّلها المسؤولون عن صلب يسوع.
اقتسام الثياب (آ 23- 24).
أورد الانجيليون الأربعة الحدث. وتفرّد يوحنا فأبرز الحصص الأربع، وقدّم الاستشهاد الكامل لنصّ مز 22: 19 كما ورد في السبعينية، وتوسّع في موضوع القميص غير المخيط. كان القميص لباساً يرتديه الناس مباشرة على جسدهم، وكان قطعة واحدة. رأى الشرّاح في القميص الذي لم يمزّق ولم يقسّم تلميحاً إلى قميص عظيم الكهنة الذي لم يكن مخيطاً، كما رأوا فيه رمزاً إلى وحدة المسيحيين.
وهناك تفسير آخر نكتشفه في مجمل الخبر، إذا اعتبرنا أن الجنود الذين قاموا بهذا العمل هم مغتصبون. فالمعنى الاول يبرز تجرّداً تاماً لدى يسوع الذي تخلّى عن كل ذاته، وعن كل ممتلكاته. وفي الوقت عينه، دلّت الكتب المقدسة المذكورة هنا أن الجنود يُقادون من دون أن يعلموا لكي يصنعوا ما يصنعون. يقودهم فاعل يوجّه الأحداث بحيث يتمّ ما كُتب، بحيث تتم مشيئة الله كما نقرأها في الكتاب المقدس.
فبين الظاهر (يسوع يسلّم إلى البشر وما في أحكامهم من تعسّف) والواقع، نقرأ حقيقة عميقة تبدو في متناول أولئك الذين يعرفون أن يقرأوا الكتب المقدسة. الحقيقة تقدّم نفسها من أعلى الصليب إلى العابرين (كثير من اليهود قرأوا هذه اللوحة)، ومن خلالهم إلى جميع البشر الذين يفهمون اللغات الثلاث في العالم اليهودي كما في العالم كله. والكتابات اليهودية (مز 22) تلهم تصرّف التلاميذ من دون أن يدروا. فهذه الكتابات التي سجلّت في إنجيل يوحنا، تشير إلى القرّاء المقبلين الذين "يقرأون الكتابة"، ويتّخذون موقفاً من المسيح المعلّق على الصليب.
حسب الشريعة، تقاسم الجنود ثياب المحكوم عليه. ويشدّد النصّ على التوازي بين مشهد اقتسام الثياب والمشهد التالي (آ 25- 27) الذي يتحدّث عن التلميذ وأمّه. لهذا نستطيع أن نترجم ترجمة حرفية آ 24: من جهة، هذا ما فعل الجنود. ومن جهة ثانية، وقف عند صليب يسوع... فالمشهدان يتضمّنان أربعة اشخاص. في الأول، هناك أربعة جنود اقتسموا ثياب يسوع أربع حصص. وفي الثاني أربع نساء: أمه، أخت أمه، مريم امرأة كليوبا، مريم المجدلية.
إن المشهد الثاني يشير إلى ولادة جماعة جديدة، جماعة التلاميذ مع أمهم التي ترمز إلى الكنيسة. ونقول الشيء عينه عن المشهد الأول. فالقميص غير المخيط يرمز كما قلنا إلى الوحدة. هذا هو الهدف الذي أعطاه يوحنا لموت يسوع حسب الموقف الذي أتخذه قيافا: إن مصلحتكم تقضي بأن يموت رجل واحد عن الشعب... لقد تنبأ على أن يسوع سيموت عن الأمة، "وليس عن الأمة فقط، بل ليجمع أيضاً في الوحدة ابناء الله المتفرّقين" (11: 49- 52).
ستستعيد الاجيال الأولى هذه الصورة لتدعو المؤمنين لئلا يمزّقوا وحدة الكنيسة المشتتة في العالم كله. في هذا المجال كتب قبريانس، اسقف قرطاجة حوالي سنة 250 ما يلي: "إن سرّ الوحدة ورباط الاتحاد غير المنظور، نجده معروضاً في الانجيل: فقميص ربنا يسوع المسيح لم يقسّم ولم يمزّق، بل اقترعوا عليه لكي يعرفوا من يستطيع أن يلبس المسيح. إذن، نتسلّم القميص كله. نتسلّمه سليماً كاملاً لا ينقصه شيء ونتخذه كملك شخصي... لا نستطيع أن نمتلك لباس المسيح اذا شققنا كنيسة المسيح وقسمناها".
التلميذ الحبيب وأم يسوع (آ 25- 27).
هناك شخصان سيلعبان دوراً هاماً عند الصليب. لم يذكر اسمهما بل وظيفتهما: الأم والتلميذ.
* ام يسوع: هي المرة الثانية التي يحدّثنا يوحنا عن حضورها. في المرة الأولى، في قانا الجليل، حيث لم يُذكر اسمها أيضاً. ذكرت أولاً أنها أم يسوع. ثم ناداها يسوع: يا امرأة. في قانا، لم تكن الساعة قد أتت بعد. أما الآن، فقد أتت الساعة وبدأت حقاً أعراس الله مع البشرية في فرح لا ينتهي وخمر لا تنفذ.
نلاحظ أولاً أهمية لفظة "أم" التي تعود خمس مرات في بضعة أسطر. فالنصّ يريد أن يشدّد على وظيفة الأمومة عند مريم.
لماذا يوجّه يسوع كلامه إلى أمه فيستعمل لفظة "امرأة"؟ ليست هي الطريقة العادية التي يكلّم الإبن أمه. نحن هنا أمام سرّ قد نكتشفه حين نعود إلى نصوص أخرى في الكتاب المقدس حيث نجد لفظة امرأة. هناك تلميح إلى تك 3؛ تحتلّ المرأة مكانة هامة في الصراع القائم ضدّ قوى الشرّ. ونقرأ في تك 3: 20: "سمّى الرجل أمرأته حواء، لأنها أم كل حيّ". أجل، مريم هي هنا خلال انتصار ابنها على الشر والموت والخطيئة. ومريم هي حواء الجديدة، وأم جميع المؤمنين. نحن هنا أمام شعب جديد يولد من جنب المسيح على الصليب.
وهناك صورة أخرى نجدها عند الانبياء حين يصوّرون الخلاص المقبل: إنهم يمثّلون أورشليم (باسمها القديم: صهيون) كامرأة وأم تلد البنين العديدين. كلهم يجتمعون فيها لكي يكوّنوا شعب الله الجديد. نقرأ مثلاً في أش 60: 4- 5: "إرفعي عينيكِ وانظري. قد اجتمعوا كلهم وجاؤوا إليكِ. يأتي بنوك من بعيد، وتُحمل بناتك على الايدي. حينئذٍ تنظرين فيشرق وجهك ويخفق قلبك ويتسع". وفي مز 87: 5- 6: "يقال عن صهيون: كل انسان ولد فيها، والعليّ هو الذي يثبّتها. الرب يسجّل في سجلّ الشعوب: إن هذا (الآتي من الأم الوثنية) وُلد فيها".
ونجد رمزية مشابهة لهذه الرمزية في يو 16: 21: مثل المرأة التي تلد. "هي تحزن لأن ساعتها قد جاءت. ولكنها متى ولدت الطفل لا تعود تتذكّر الشدّة". ونقرأ في رؤ 12 عن المرأة التي ترمز إلى شعب الله الذي يلد وسط "الصراعات"، يلد المسيح وتلاميذه.
* التلميذ الذي كان يسوع يحبّه. لا يُذكر إلا في القسم الثاني من إنجيل يوحنا، كتاب الآلام والمجد. في 13: 23: وكان متكئاً في حضن يسوع التلميذ الذي كان يسوع يحبّه. وفي 19: 26 وهو النصّ الذي ندرس: رأى يسوع التلميذ الذي كان يسوع يحبّه واقفاً. وفي 21: 7، 20: قال التلميذ الذي كان يسوع يحبّه: هو الرب... التفت بطرس ونظر التلميذ الذي كان يسوع يحبّه.
من هو هذا الشخص؟ وما تعني العبارة؟ حين نتحدّث عن "تلميذ" نفكّر عادة بشخص يتبع "المعلم". أما هنا فيلفت انتباهنا وجهة أخرى: التلميذ هو أولاً من يحبّه يسوع. فمحبّة يسوع هي التي جعلت التلميذ يتعلّق بالمسيح. ونلاحظ أيضاً أن النصّ لا يقول إن هذا التلميذ كان قرب الصليب، بل قرب أم يسوع.
نحن مع هذين الشخصين (أم يسوع والتلميذ) أمام صورتين عن الكنيسة التي تُولد من الصليب. مع مريم هي الكنيسة في وظيفتها كأم. الكنيسة التي تلد الابناء العديدين. مع التلميذ، هي الكنيسة التي تتسلّم نفسها من آخر (هو الله)، التي تفتح قلبها لكي تترك المسيح يحبّها. كنيسة نبنيها وهي ثمرة مسؤوليتنا. كنيسة نتقبّلها وهي ثمرة عطية الله. فالأم هي هنا لكي تعطي الحياة، والتلميذ هو هنا لكي يتقبّل الحياة.
"أخذها التلميذ الى بيته الخاص". فالام والتلميذ يقيمان معاً في جوّ من التقوى البنوية. غير أن العبارة هي اغنى بكثير، فتدلّ على علاقة حميمة. فإذا أردنا أن نفهمها تذكّرنا أن الكلمة اليونانية "في بيته الخاص" نجدها في 1: 11 حيث نقول إن الكلمة "جاء الى خاصته". كما نجدها في شكل قريب في 13: 1: "أحبّ يسوع خاصته الذين كانوا في العالم". إذن، لسنا أمام ملك وبيت، بل أمام علاقة، أمام شركة وأتحاد. لسنا فقط على مستوى "الخارج" والعلاقات الخارجية. فالتلميذ يجعل من مريم أمه الخاصة. تصبح جزءاً من عالمه، جزءاً من حياته. فنحن لا نستطيع أن نعيش الاتحاد مع يسوع دون أن ترافقنا مريم الأم، دون أن يكون لنا علاقة مميّزة معها.
فعل يوحنا مثل الازائيين فسمّى بعض النسوة اللواتي كنّ حول يسوع. قال مر 15: 40: "كن ينظرن من بعيد". أما يوحنا فقال عنهن: كن عند الصليب، قرب الصليب. ثم إن هوية النسوة تختلف بين أنجيل وآخر أقله في الظاهر. في مرقس هناك: مريم المجدلية، مريم أم يعقوب الصغير (تمييزاً عن يعقوب بن زبدى) ويوسي وسالومة (أم يعقوب ويوحنا وامرأة زبدى؛ رج مت 27: 6 5). في مت 27: 56 هناك: مريم المجدلية ومريم أم يعقوب ويوسي، وأم ابني زبدى. مريم المجدلية هي في كل اللوائح. وهناك من يجعل من سالومة (مر 15: 40) (ام ابني زبدى مت 27: 56) اخت أمه (يو 19: 25). حينئذٍ يكون يوحنا ابن خالة المسيح، ومريم أخت سالومة. وهكذا نفهم أنها بعد موت ابنها يسوع، ذهبت الى بيت أختها. هذا على مستوى المعنى الواقعي، وهناك ايضاً المعنى الرمزي.
بعد أن أرانا يوحنا الجنود المغتصبين الذين لا سلطة لهم إلا على جسد يسوع ولباسه، هو يقدّم لنا الوارثين الحقيقيين، أمه والتلميذ الذي كان يسوع يحبّه.
في الظاهر، تجرّد يسوع من كل شيء. ولكنه ظلّ سيداً كل الأحداث. ساعته التي لم تكن قد أتت بعد في قانا الجليل (2: 9)، قد جاءت الآن. كانت قانا بداية الآيات. أما هنا فيجد الوحي ذروته في موت يسوع. وحين "يرى" يسوع هذا، سينظّم ما بدأت به أمه في قانا: جماعة الذين دُعوا ليحملوا ارث يسوع ويحيوا منه. "يا أمرأة، هوذا ابنك": مريم هي صورة. الذين ينتظرون الخلاص ويحملونه إلى الآخرين. وقد تثبتّت هنا كأم "للتلميذ الذي كان يسوع يحبّه"، للمؤمن الحقيقي، لذاك الذي يعمل ما يقول له يسوع (2: 5). وأعطي التلميذ المحبوب ايضاً كابن لأم يسوع. هكذا تلد الكنيسة (مريم هي أم الكنيسة لأنها أول المؤمنين) في هذه الكلمة المؤسّسة. والتلاميذ ليسوا بيتامى. لهم مكان يكونون فيه هو جماعة المؤمنين التي ترمز إليها أم يسوع، وهي التي أصغت إلى ذاك الذي ولدته. والبرنامج الذي يتحقّق هو الحب الذي يربط التلميذ بيسوع. إن التلميذ يتقبلّ الأم عنده ويعلنا أمه. ويتواصل وحي بيسوع بواسطة التلميذ والام اللذين يفسرّانه التفسير الصحيح. وحين قال يسوع هذا الكلام، اعلن: لقد تم (19: 28) لقد أتمّ يسوع عمله، فلم يبق له إلا أن يسلم الروح. أن يموت. وأن يسلم روحه القدوس إلى الكنيسة.
ونعود إلى التلميذ الحبيب.
تفرّد الإنجيل الرابع فترك لنا إشارات تساعدنا على اقتفاء اثره. ونستطيع أن نجعل هذه المقاطع في ثلاث مجموعات:
أ- في 1: 37- 40، تبع يسوع تلميذان من تلاميذ يوحنا المعمدان. وسمّي واحد منهما وهو اندراوس. أما الثاني، فلم يذكر اسمه. أما يكون يوحنا قد أشار إلى نفسه من خلال هذا اللقاء بين يسوع وتلميذيه؟
ب- هناك حديث عن "التلميذ الآخر" في مقطعين من إنجيل يوحنا. في 18: 15- 16 جاء بطرس والتلميذ الآخر الى دار رئيس الكهنة ساعة كانوا يحاكمون يسوع. في 20: 2- 10، "خرج بطرس والتلميذ الآخر الى القبر" بعد أن أخبرتهما المجدلية ما أخبرتهما.
ج- في ست حالات يلعب "التلميذ الذي كان يسوع يحبّه" دوراً هاماً. في 13: 23- 26 نجده مستنداً إلى صدر يسوع. في 19: 25- 27، نجده مع أم يسوع عند الصليب. في 20: 2- 10، سيسبق بطرس على مستوى الايمان بالقيامة. في 21: 7 كان أوّل من عرف الرب بعد ذاك الصيد العجيب. في 21: 20- 23، سيكون قرب يسوع حتى النهاية. وفي 21: 24، "هذا التلميذ هو الشاهد". عادة، نجد التلميذ الحبيب مع بطرس. لماذا لم يُذكر أسم هذا التلميذ؟ أيكون تواضعاً؟ ربما. ولكنه لو بحث عن التواضع لطلب اسماً أقل "رفعة" بالنسبة إليه.
نحن هنا في توازٍ بين بطرس وهذا التلميذ. ثم إن هذا التلميذ يسبق دوماً بطرس بل يتوسّط له في بعض المرات: أدخله إلى قصر عظيم الكهنة، سبقه إلى القبر (قبل أن يُمحّى أمامه)، كان أول من عرف الرب على شاطىء البحيرة فقال لبطرس: هو الرب. وهناك مشهد قد يعطينا مفتاح اللغز، هو المشهد الذي فيه يظهر التلميذ الحبيب للمرة الأولى. في 13: 21 هو يستند إلى صدر يسوع. هذا القرب على مستوى الجسد (يُذكر مرة ثانية في 21: 20) يدّل على اكثر من حضور مادي بسيط. فساعة سلّم الربّ وصيته، كان هذا التلميذ متحداً اتحاداً عميقاً مع المعلّم. إنّه شاهد أمين حتى النهاية. وسيكون بإنجيله المكتوب الصورة المثالية لذاك الذي فهم المعلّم، لذاك الذي أحبّ فأقام دوماً مع المعلّم. في البداية سأل ذاك التلميذ مع اندراوس: يا رب، اين تقيم؟ (1: 39). وفي النهاية أراد يسوع له أن يقيم معه إلى أن يجيء، (21: 22). وهكذا تمّ له ما تمنّاه.
كل هذا لا يتيح لنا أن نتعرّف بدقة إلى ذاك التلميذ: فالإنجيلي الرابع (شأنه شأن سائر الإنجيليين) لم يحاول أن يجعل نفسه في وسط كتابه. فيسوع وحده هو من يلهمه، ويسوع وحده يهمّ القرّاء. لا ليس هذا التلميذ لعازر، كما قال البعض. وليس هو صورة رمزية عن التلميذ الكامل. لا شك في أن هذا الرمز موجود. ولكن على الرمز أن يستند إلى الواقع التاريخي. فالإنجيل الرابع (مع أصالته) ما كان ليُقبل في الكنيسة إلا لأن في أساسه صورة تاريخية كبيرة رافقت يسوع منذ بداية رسالته حتى صعوده الى السماء.
موت يسوع (آ 28- 30).
لقد تمّ كل شيء. تمت حياة ورسالة يسوع الذي "أحبّ أخصّاءه إلى الغاية". تمت الكتب ولا سيما تلك التي تشير إلى رجاء الانبياء: قلب جديد، عهد جديد، حبّ الله من أجل إمرأة شبابه (إر 30: 31؛ حز 36: 26؛ أش 54: 5- 7؛ 62: 4- 5). حقاً لقد جاء وقت الأعراس التي أشار اليها عرس قانا الجليل.
وجاء ايضاً وقت موهبة الروح، آخر عمل في رسالة يسوع. "أسلم يسوع الروح". لسنا فقط أمام آخر نسمة في حياة يسوع. بل أمام الروح القدس الذي يسلّمه يسوع الى المؤمنين. فقبل موته "لم يكن الروح بعد أعطي، لأن يسوع لم يكن قد مجّد" (7: 39). أما الآن، ومن أعلى الصليب، فقد تمجّد يسوع، فاعطى الروح. ونستطيع أن نرى في عطش يسوع، عطشاً بأن يصل الروح إلى الجميع. فلا يتمّ كل شيء إلا حين نتقبّل الروح فينا وفي العالم. كل شيء قد تمّ وانتهى على مستوى يسوع والكنيسة. والآن جاء دورنا.
لا نجد عند يوحنا تجاديف المجدفين وهزء المستهزئين التي ترافق موت يسوع. ولا نجد صراخ "اليأس" والألم العميق كما في الاناجيل الازائية. إن الإنجيلي يصوّر أويقات يسوع الأخيرة كأعمال حرّة يقوم بها من هو سيد مصيره حتى النهاية، من يقول ما يجب أن يقول ويعمل ما يجب أن يعمل. ففعل "تمّ" يفتح هذه المقطوعة ويقفلها. في آ 28: "رأى أن كل شيء قد تمّ". وفي آ 30، قال يسوع: "لقد تمّ". وصرخة أنا عطشان قد تدلّ على صياح طبيعي يطلقه مائت لم يبق ماء في جسمه. أما عند يوحنا، فصارت كلمة من كلمات يسوع الذي يعلن بكامل وعيه أنه أتمّ الكتب. دار مثل صاحب المزامير المضطهد: "في عطشي أسقوني خلاً" (مز 69: 22). وهكذا يؤكّد أمام الجميع فقره وعوزه. وموضوع التتمة يشير أيضاً الى طاعة بنوية يتحلّى بها يسوع الذي أحبّ تلاميذه "الى الغاية" (31: 1). هو عطشان لكأس يعطيه اياه الآب ليشربه (18: 11)، هو الجائع لارادة الآب. قال في 4: 34: "طعامي أن أتمّ عمل الذي أرسلني". أخذ يسوع كأس الموت المرة كالخلّ، ثم مات بعد أن أتمّ رسالته. لقد ذهب يسوع في الطاعة حتى الغاية (14: 31). وأتمّ المهمة التي كلّف بها (17: 4). إنه سيد مصيره حتى النهاية.
في الصورة التي ترسم موت يسوع، نجد عبارة "أسلم الروح". أي: قاد أمانته للآب حتى النهاية، حتى تسليم ذاته كلها له. نجد في هذا العمل الأخير ذروة كرستولوجيا (كلام عن يسوع المسيح) القديس يوحنا، وهي بعيدة كل البعد عن تخلي يسوع وعزلته المأساويين كما رسمهما متى ومرقس. في هذه اللحظة، ليس يسوع وحده. فقد سبق له وقال: "إن الذي أرسلني هو (دوماً) معي. ولم يدعني وحدي لأني أفعل دائماً ما يرضيه" (8: 29). موت يسوع هو عودة الابن إلى أبيه. وكلمته الاخيرة "قد تمّ كل شيء" تدلّ على أنه أنهى رسالته خير نهاية. وموت يسوع هو أيضاً عمل خلاص موجّه إلى البشر. إنه آخر فعلة من فعلات يسوع الذي ينحني نحو كنيسته التي تولد الآن، والتي تمثلها أمه والتلميذ الحبيب. ينحني على كنيسته ويعطيها روحه.
ماذا يعني لنا الآن هذا النصّ الإنجيلي؟
اولاً: نأخذ مريم إلى بيتنا.
فمع التلميذ عند الصليب، نحن مدعوون لكي نتقبّل مريم كأمّنا، أن نأخذها ألى بيتنا الخاص، نصبح من خاصتها. فمريم تحتلّ مكانة كبيرة في الكنيسة. فما هي مكانتها في قلوبنا؟ قد لا نرتاح لهذا الشكل أو ذاك من العبادات. ولكننا لا نستطيع أن نلغي مكانة مريم من حياة التلميذ. هي جزء من "إطاره الحياتي". والنصّ الذي قرأناه يوجّه أنظارنا في ثلاثة اتجاهات:
- مريم هي هنا. واقفة قرب الصليب. فالذين تبعوا يسوع لم يكونوا عديدين. فالأم تستطيع أن تساعد ابنها المصلوب على اكتشاف الطريق الذي سار فيه، تستطيع أن تلفي الضوء على الآلام التي حركت حياته كلها. حين نقف قرب أم يسوع، نستطيع أن نقف قرب الصليب.
- مريم هي هنا. إنها رمز الكنيسة، الأم التي تلد المؤمنين. مع مريم نصل إلى الوقت الذي يعدنا بالولادة. نحن نحتاج إليها لكي ننعش حبنا للكنيسة وايماننا بامكانياتها على الولادة. قد "ننتقد" الكنيسة وكأننا خارجاً عنها، ولكن الكنيسة تبقى رغم كل شيء أمّ المؤمنين. فكيف أكون رسولاً دون أن أحبّ في الواقع هذه الكنيسة التي وُلدت من جنب المسيح، التي دعينا لنبنيها لتتقبل جميع الناس في أيامنا.
- التلميذ هو من يؤمن أنه محبوب. هذا ما يقوله لنا يوحنا. وحضور مريم الأمومي يساعدنا على التعمّق في هذا الإيمان. إن ديناميتنا الرسولية تستند إلى أمور كثيرة: خدمة اخوتنا، الفرح بأن نقاسم الآخرين في ما يعمر به قلبنا من إيمان، الفرح بأن نبني ونجمع... غير أن كل هذا هو جواب إلى من "أحبنا أولاً". كم نحتاج دوماً إلى أن نتعلّم كيف "نترك" الله يحبنا، والآخرين يحبّوننا. إذا آمنا بالآخرين، إذا وضعنا ثقتنا فيهم، فالرب بدأ فآمن بنا وبهم ووثق بنا وبهم.
ثانياً: الصليب.
الصليب جزء من إطار حياتنا العادي: في بيوتنا، على طرقاتنا، في كنائسنا. كيف ننظر إلى هذه "الصلبان"؟ هل هي مناسبة لكي تنعش ايماننا وتساعده على التعبير عن ذاته؟ يا ليتنا نستطيع أن ننظر إليها كعلامات عن المسيح الحيّ الذي يجتذب إليه اليوم جميع الناس. يا ليت الصليب يساعدنا على وضع ذواتنا أمام عمل المسيح هذا الذي يسبقنا إلى قلوب الآخرين.
الأبن الحبيب والحمل الذي لا عيب فيه، سار في طرقاتنا، فهل نعرف أن نسير في طريقه؟ مجده الذليل وقلبه المطعون يدلاّننا على الطريق: هلاّ عرفنا أن نحمل الصليب!
18
طعن يسوع
19: 31- 37

طعنه واحد من الجند بحربة، فخرج للوقت دمّ وماء.
نودّ أن نقرأ هنا خبر الآلام على ضوء سفر زكريا الذي قال في نهاية كلامه: "ينظرون إلى الذي طعنوه" (زك 12: 10).
شكّل موت يسوع على الصليب شكاً كبيراً بالنسبة إلى المسيحيين الأولين. فبحثوا عن معنى مثل هذا الحدث خلال قراءتهم للتوراة. مثلاً، أورد لوقا في بداية خبر الآلام (23: 27) عبارة قصيرة من أشعيا (53: 12): "أحصي مع الأثمة". وأورد في أعمال الرسل فصل أشعيا هذا بشكل موسّع: فسرّ فيلبس هذا المقطع الأشعيائي ثم حدّث الحبشي عن بشارة يسوع (أع 8: 26 ي).
ما يدهشنا هو أن الإنجيليين الآخرين لا يوردون هذا النصّ الأساسي، بل يستعملون أكثر من مرة القسم الثاني من سفر زكريا الذي يتضمّن سلسلة من التعاليم المختلفة. أعاد النبي قراءة الأنبياء الذين سبقوه فتحدّث عن عمل اله (الدينونة، الخلاص) من أجل شعبه العائش في الضيق. ليس الخلاص إنتصاراً سهلاً. إنه يتمّ عبر أزمة يمرّ فيها الراعي أو الملك.
* الدخول إلى أورشليم
حين دخل يسوع باحتفال إلى أورشليم، وهو راكب على ظهر جحش، قام بفعلة نبوية. فاستطاع جميع اليهود أن يفهموا ما عمل بسبب الكلمة التي تفتتح القسم الأول في سفر زكريا (9: 9): "لا تخافي، يا ابنة صهيون! هوذا ملكك يأتي راكباً على جحش ابن اتان". أورد متى ويوحنا هذا القول بشكل واضح، واختلفا في ترجمة التفاصيل. تحدّث متى عن الملك "الوديع" فأجمل ثلاث مفردات نجدها عند زكريا: "صدّيق، مخلّص، وديع". لم يحتفظ يوحنا بهذا التفصيل، بل أبرز لقب "الملك" كما ردّدته الجموع (12: 13). وبدأ كلامه بعبارة "لا تخافي"، فأوحى أن الله نفسه يكشف عن ذاته في فعلة يسوع هذه.
* إعلان يوم الله
إن سفر زكريا ينتهي بإعلان يوم الله: فالربّ سيجمع كل الأمم على جبل الزيتون ليحتفلوا فرحين بعيد المظال (أو: اكواخ). "حينئذٍ يكون الرب ملكاً على الأرض كلها" (زك 14: 9). "في ذلك اليوم، لن يكون تاجر في بيت الربّ" (14: 21). إن هذا الفصل يشكّل خلفيّة مقاطع عديدة في الأناجيل. فعند الإزائيين، طرد يسوع الباعة من الهيكل بعد أن دخل على ظهر جحش. وأعطى تعليماته عن اليوم الأخير وهو جالس على جبل الزيتون. وفي يوحنا، تمّ تطهير الهيكل منذ البداية (ف 2) وفي إطار عيد المظال. فقدّم يسوع نفسه على أنه الماء الحقيقي والنور الحقيقي (زك 14: 7- 9).
* هرب التلاميذ
فسرّ متى ومرقس هرب التلاميذ حين أوقف يسوع، فجعلا في فمه هذا التنبيه: "أَضربُ الراعي فتتبدّد خراف القطيع" (مت 26: 31؛ مر 14: 27؛ نجد تلميحاً إلى ذلك في يو 16: 32). في زك 13: 7، نجد الربّ غاضباً على عدد من الرعاة الأردياء، على عدد من الأنبياء الكذبة. وفي غضبه، لن يضربهم فقط، بل يضرب الراعي الحقيقي ووضعاء الأرض. وهكذا يرى النبي أن الراعي المقبل والملك المقبل سوف يواجه الألم.
* موت يهوذا
وأورد متى أيضاً زكريا بعد موت يهوذا (يوضاس)، وذلك حين اشترى عظماء الكهنة بمال الخيانة حقل الفخّار لدفن الغرباء. في نصّ زك 11: 12 يتماهى الله مع نبيّه التي تساوي كلمته 30 من الفضّة. ضمّ متى هذا الفول إلى عدّة مقاطع من إرميا (ف 30)، وأشار إلى حقّ الغرباء بالإقامة في الأرض المقدّسة (تك 23) بفضل هذا المال الذي دُفع كـ "ثمن" النبي.
* المطعون
ويعود التقليد اليوحنّاوي (يو 19: 37؛ رؤ 1: 7) إلى نصّ آخر من زكريا، ليتكلّم عن يسوع المصلوب. ماذا يقول النصّ؟ "أفيض على بيت داود وعلى سكّان أورشليم روح النعمة والتضّرعات. فينظرون إليَّ أنا الذي طعنوه، وينوحون عليه كما على ابن وحيد. ينوحون عليه بمرارة كما على ابن بكر. في ذلك اليوم يكون النوح عظيماً في أورشليم كالنوح على هدد- رمون في سهل مجدّو" (12: 10- 11). "في ذلك اليوم يخرج ينبوع لبيت داود ولسكّان أورشليم كدواء للخطيئة والنجاسة" (13: 1)
يعلن الله أنه قد أُصيب بالموت الذي أصاب مرسله. ولكن من هو هذا المرسل الذي يخبر عنه النبي؟ ربما يوشيا جديد، هذا الملك الصدّيق الذي طُعن في سهل مجدّو (2 مل 23: 29). وقد يشير الإطار إلى تفسير جمَاعي: تحدّث النصّ عن مدن يهوذا المضطهدة وعن سكّان أورشليم... مهما يكن من أمر، لقد قرأ التقليد اليهودي في هذا النصّ إعلاناً عن المسح، إبن افرائيم، الذي مات بسبب خيانة شعبه.
في الواقع، على مرسل الله في سفر زكريا (الراعي، النبي) أن يواجه الألم. والملك سيكون وديعاً ومخلَّصاً بيد الله. وهكذا نفهم أن يكون متى ويوحنا قد فكّرا بيسوع، لا سيما وأن الله يتضامن مع مرسله.
إنّ الأحداث التي تلي مباشرة موت يسوع، يوردها يوحنا بطريقة خاصة: طلب اليهود من بيلاطس أن يكسروا سوق المصلوبين لكي يعجّلوا في موتهم (قبل أن يبدأ عيد الفصح) وينزلوهم عن الصليب. أعطى بيلاطس اليهود ما طلبوا، مع أن الرومان اعتادوا أن يتركوا الجثث على الصلبان ليزرعوا الرعب في القلوب.
نستطيع أن نقرأ هذه الأحداث على مستويين (هكذا اعتاد أن يفعل يوحنا). يبدو اليهود (حين طلبوا ولبُّيَ طلبهم) وكأنهم ربحوا القضية: سيستطيعون أن يحتفلوا بالفصح في ظروف عادية. ولكن في الواقع، هناك "سلطة" سرّية "تحرّكهم". فتدخّل الجنود الذي قرّره (في الظاهر) الوالي الروماني بناءً على طلب اليهود، يحمل معنى يتجاوزهم جميعاً فلا يفهمه إلاّ المؤمنون وحدهم. ظنّ اليهود انهم يستطيعون أن يهيّئوا فصحهم الخاص. ولكنهم يفتحون في نظر المؤمنين الطريق أمام فعلة ترمز إلى الفصح الجديد.
أولاً: لم يكسر الجنود ساقَي يسوع كما فعلوا للمصلوبين معه. ويتوضّح المعنى بالعودة إلى الحمل الفصحي الذي "لا يكسر له عظم" (عد 9: 12). وهكذا مات يسوع ساعة تذبح حملان الفصح وفي موضع قريب من موضع ذبحهم، فصار بشكل سرّي حمل الفصح الجديد، ذاك الذي به يصبح عيد التحرير العظيم حاضراً الآن وفي هذا المكان.
ثانياً: لم يكسر الجنود ساقَي يسوع، فلو فعلوا لأزالوا كل سند للمصلوب فيموت خنقاً. بل إن جندياً طعن جنبه بحربة فخرج دمّ وماء. لا يعتبر الإنجيلي أنّ في الأمر معجزة (لا معجزات عنده خلال الآلام). فقد نشرح الواقع إنطلاقاً من طبّ ذلك الزمان. فالضربة الموجّهة إلى القلب تجعل الجندي يتأكّد أن يسوع مات حقاً. ولكن من القلب المطعون خرج دمّ وماء. كان بالإمكان التوقّف على المستوى التشريحي (الطبّي). أما الإنجيلي فاستخلص شهادة رفيعة أبرزها هنا. لقد دلّ على أن التجسّد أمرٌ واقع، وأن موت يسوع يفتح في حقيقته الطريق على سرّ الخلاص الذي أعلن في 7: 38: "كما قال الكتاب، تجري من جوفه أنهار مياه حيّة". ففي موت يسوع، جاءت ساعة تمجيده، وأعطي الروح للمؤمنين (7: 39). وقد أوّن القارىء المسيحي هذه الحياة التي أعطاها يسوع في سرَّيْ المعمودية (ميلاد من الماء والروح، 3: 5) والافخارستيا (6: 54).
في آ 35 (حسب اليونانية) نقرأ: "هذا" (أو: ذاك). هل هذا يعني: الربّ يعلم أنه يقول الحق؟ أو: هل نحن أمام الإنجيلي نفسه الذي يريد أن يشدّد على صحة شهادته وحقيقتها العميقة؟ ولكن بما أننا أمام سلطة يحقّ لها أن تسند شهادة، فلفظة "هذا" تدلّ على يسوع نفسه.
حين شدّد الإنجيلي على هذه الأمور، فقد توخّى أن يجذّر قرّاءه في إيمان يعلن أن موت يسوع هو ينبوع خلاص. ويرد استشهادان يؤكّدان أن فيه تمّت الكتب المقدّسة. الأول (آ 36) يشير إلى ثلاثة مقاطع في العهد القديم. المقطعان الأولان يعلنان أن يسوع لم يُكسَر له عظم، شأنه شأن الحمل الفصحي (خر 12: 46؛ عد 9: 12). والمقطع الثالث (مز 34: 21) يشهد أن يسوع وصل "سليماً" إلى القيامة على مثال البار المؤمن.
وأخذ الإستشهاد الثاني من زك 12: 10 حيث يتماهى الله مع البار المضطهد. إن هذه النظرة إلى المصلوب تعني فئتين من المشاهدين: أولئك الذين رذلوه فدعوا إلى التوبة. وجماعة المؤمنين الذين وقفوا مع مريم والتلميذ الحبيب لكي ينالوا في موت يسوع الروح الموعود به.
ينطلق يوحنا من الأحداث، فيصبح خبره واقعياً جداً. يذكّرنا أن اليهود يهتمون بممارسة الشريعة ممارسة تامة، ساعة يصلبون بريئاً فيتجاوزون الوصية التي تمنع من القتل. والحال أن الشريعة تطلب أن لا تبقى الجثث على صلبانها خلال الليل، بل تدفن، وخاصة إذا كانت هذه الليلة هي بداية السبت. وفوق ذلك، إذا كان يتوافق ذلك السبت مع عيد الفصح.
إذن، جاء الجنود ينهون حياة المصلوبين. وكسر الساق هو عذاب خاص بالعبيد والجنود الهاربين من الخدمة. ولكن هذا الكسر كان يعجّل في موت المصلوبين. وهكذا تحاشى الرومان الصدام مع الشريعة اليهودية، فقصّروا عذابات المحكوم عليهم بالإعدام. أما يسوع فمات قبل المصلوبين معه. لهذا اكتفى الجندي بطعن قلبه بحربة ليتأكّد من موته.
حين قدّم لنا يوحنا خبر الآلام، لمّح إلى الفصح مراراً. فهو يرى أن يسوع مات ساعة تذبح حملان الفصح في الهيكل. ما أراد اليهود أن يدخلوا إلى بيلاطس لئلاّ يتنجّسوا فلا يعودوا يستطيعون أن يأكلوا الفصح (18: 28). في الواقع، إن حمل الله الحقيقي الذي يؤمّن لنا الحرية، هو يسوع نفسه.
وتوقّف الإنجيلي عند الدمّ والماء اللذين سالا من جنب يسوع. إنه الشاهد الذي ينظر إلى رمزية الحدث. فيسوع الذي ارتفع عن الأرض سيقدّم الآن الروح. هذا الروح الذي يتيح للمؤمنين جميعاً أن يحيوا من هذه الوفرة ويحملوا ثماراً.
من يعرف الكتب المقدّسة يفكّر طوعاً بالينبوع الجاري من الجهة الشرقية في الهيكل (حز 47). هذه المياه هي حقاً مياه حيّة تحوّل كل شيء في طريقها. هنا نقرأ رؤ 22: 1- 2: "ثم أراني نهر ماء الحياة صافياً كالبلّور، خارجاً من عرش الله والحمل. وفي وسط ساحة المدينة وعلى جانبَيْ النهر شجرة حياة تعطي إثنتي عشرة غلّة. في كل شهر غلّة. ويستعمل ورق الشجر شفاء الأمم" (رج 7: 17؛ 22: 17).
وهكذا يبدو يسوعُ المصلوب الهيكلَ الجديد الذي منه يخرج ظهر الماء المحيي. كان يسوع قد قال: "أنقضوا هذا الهيكل وأنا أقيمه في ثلاثة أيام... كان يتكلّم عن هيكل جسده" (2: 19- 21).
تحدّث يوحنا عن الدمّ والماء. فالرمز يشير إلى الإثنين. تقول 1 يو 5: 6: "إن يسوع جاء مع الماء والدمّ. لا مع الماء فقط، بل مع الماء والدمّ. والروح هو الذي يشهد" تشدّد الرسالة على الدمّ المراق فتردّ على المسيحيين الذين لم يفهموا هذه العطية. قد تردّ على عماديين لم يتعمدّوا إلاّ عماد الماء. أما يسوع فطلب في خاتمة خطبته على خبز الحياة بأن "نأكل جسده ونشرب دمه". فهمَ المسيحيون أنهم أمام الافخارستيا. وحين يؤكّد الشاهد أن الدمّ والماء جريا من جنب المسيح، فهمَ المؤمنون أن الافخارستيا والمعمودية تنبعان من جنب يسوع المصلوب.
فالمعمودية والافخارستيا تصنعان الكنيسة. لهذا بدأ آباء الكنيسة منذ القرن الثاني يقولون في خطّ هذه الرمزيّة: إن الكنيسة خرجت من جنب المسيح النائم في الموت، كما خرجت حوّاء (تدل المرأة على الشعب والأمّة، من جنب آدم النائم). حجرة حياة الصليب هي موضع الخليقة الجديدة.
19
دفن يسوع
19: 38- 42

أخذا جسد يسوع، ولفّاه في لفائف مع الأطياب.
كيف اعتاد اليهود أن يدفنوا موتاهم؟
* أولاً: واجب الدفن
قال سي 38: 16: "أمّن لجسد المائت الدفنة الواجبة له، ولا تهمل قبره". ونحن نعرف من 1 صم 31: 1- 13 أن واجب دفن الأموات عادة قديمة جدّاً في أرض إسرائيل. والنصوص نفسها تعطينا السبب في ما فعلته رصفة: ولم تدع طير السماء تحطّ على الجثث نهاراً ولا وحش البرّية ليلاً" (2 صم 21: 10).
ونعرف أيضاً أن طوبيت المنفي في نينوى، كان يدفن الموتى مخاطراً بحياته (طو 1: 17- 21). وكان يقوم بهذا العمل بعد نهاية الأعياد اليهودية. ثم كان يتطهّر، لأنّ لمس الجثة يجعل الإنسان نجساً (طو 2: 3- 8). وفي زمن التلمود (القرن السادس ب. م)، سُمح بدفن الجثة يوم السبت.
وفرضت الشريعة بدفن المقتولين في يوم موتهم. "إذا وجدتم على أحد جريمة تستوجب القتل، فقُتل وعُلّق على خشبة، فلا تتركوا جثته على الخشبة إلى اليوم الثاني، بل في ذلك اليوم تدفنونه، لأنّ المعلّق ملعون من الله".
* ثانياً: القبور
النمط العادي للقبور الإسرائيلية هو الغرفة الجنائزية المحفورة في صخر ليّن أو الموضوعة في مغارة طبيعية. أما المدخل فهو ممرّ ضيّق ينفتح على أحد الجوانب. وعلى طول الجوانب الثلاثة تُوضع الأجساد على مقاعد صغيرة. في القرون الأخيرة قبل المسيح، حلّ محلّ المقاعد فتحات ضيّقة فيها تدخل الأجساد. بعد سنة، تُجمع العظام وتُوضع في صناديق وُجد عددٌ كبيرٌ منها على جبل الزيتون. لم يكن باستطاعة كل إنسان أن يؤمّن لنفسه قبراً. فالفقراء يُدفنون تحت التراب. وقد وُجد في أورشليم، في وادي قدرون، مدافن شعبية يوضع فيها الغرباء والمحكوم عليهم بالإعدام (إر 26: 23؛ 2 مل 23: 6). وكان الأغنياء يحفرون قبورهم مسبقاً. وكان بعضهم يبنون نصباً فوق القبور من أجل الرجال العظام (1 مك 13: 27؛ رج مت 23: 29). هذا ما لا نزال نراه في وادي قدرون.
إنّ أخبار قيامة يسوع تفترض مدفناً من النمط الأول (محفور في الصخر)، يغلقه حجر كبير يشبه رحى المطحنة.
* ثالثاً: الطقوس الجنائزية
لم يعرف اليهود التحنيط. وحين تتحدّث التوراة عن دفن يعقوب ويوسف، تعتبر أن التحنيط هو عادة مصرية (تك 50: 2، 26). ولكنهم كانوا يحرقون الأطياب في القبور (إر 34: 5). كانت الطقوس الرابانية في القرن الثالث ب. م. تطلب فقط أن تُغسل الجثة. ويمكن أن تمسح بالزيت. هل استعملوا الأطياب والمرّ والصبر الممزوج بالزيت؟ إن العناصر التي بين أيدينا لا تعيننا للجواب على هذا السؤال. كانوا يضعون الزيت المعطّر على القبور بدليل ما وُجد فيها من قوارير صغيرة. وقد روى يوسيفوس المؤرّخ أن هيرودس أعدّ كمية كبيرة من العطور من أجل دفنه. وكذلك فعل رابي جملائيل الثاني.
كانت اليدان والرجلان تُربط بلفائف (11: 44)، ولكن الجسد لم يكن ملفوفاً بعصابات كالمومياء. وكانت قطعة من القماش تغطّي الوجه. لا يبدو أن اليهود إستعملوا الكفن، بل كانوا يغطّون الجسد بأجمل الملابس، ويحملونه على محمل من دون تابوت (لو 7: 14؛ أع 9: 40).
وتنظّمت التعابير عن الألم تنظيماً دقيقاً (البكاء، الندب، الحداد). وقد حاول الحكماء، ثم اليهود إجمالاً، أن يضعوا حداً لها. قال سي 38: 16 ي في هذا المجال: "إذرف الدموع يا ابني على الميت، وبادر إلى النواح كمن أُصيب بأفدح الخسائر. كفّن جسده كما يليق، ولا تتهاون بدفنه. إبكه بمرارة وأكثر من النحيب، وأقم مناحة بحسب ما يستحقّ ليوم أو ليومين لئلاّ تُلام، ثم انصرف من حزنك إلى العزاء".
كان الرومان يتركون الأجساد على صلبانها لكي تأكلها الطيور. فهذا جزء من العقاب المريع. ولكنهم احترموا عوائد الشعوب التي استعمروها، ولا سيما الشعب اليهودي. لهذا نفهم قبول بيلاطس بأن تُدفن جثث المصلوبين قبل غروب الشمس.
إلتقى يوحنا هنا بشكل جزئي مع خبر الإزائيين، فنسب إلى يوسف الرامي "تلميذ يسوع" تدخّلاً لدى بيلاطس للحصول على جثمان يسوع. وتفرّد يوحنا فأشار إلى الطابع السرّي (تلميذ يسوع في السرّ) لإيمان يوسف الرامي، كما أدخل شخص نيقوديمس "الذي كان من قبل قد جاء إلى يسوع ليلاً". إن اللقاء الأول لنيقوديمس مع يسوع كان قد انتهى بالفشل. جاء في الليل وذهب في الليل (رمز الليل ومعارضته للنهار). أما اللقاء الثاني الذي تمّ ساعة تمجيد يسوع على الصليب، فقد يعني نجاحاً خفياً وعبوراً كتوماً إلى النور. عاد في الليل، وغاب عن الوحي العظيم لحبّ الآب (هكذا أحبّ الله العالم حتى إنه بذل ابنه، 3: 6). غير أنه حاضر هنا ساعة تتحقّق عطيّة الآب. وهو مع يوسف الرامي، تلميذ يسوع. كلاهما "أخذا جسد يسوع".
ثلاثة إنجيليين رووا مسح يسوع بالطيب. نسب لوقا ومرقس العمل إلى النسوة، وجعلاها ساعة الزيارة إلى القبر. أما عند يوحنا، فالرجلان (يوسف ونيقوديمس) هما اللذان مسحا جسد يسوع يوم موته. ثم لُفّ بلفائف من الأطياب ووُضع في قبر جديد، في بستان. بدأت الآلام في بستان (18: 1) وانتهت في بستان فذكرّتنا ببستان سفر التكوين وجنّة عدن حيث خطىء الإنسان الأول. يسوع هو هنا، لا في بستان التنعّم مثل آدم الأول الذي هلك وهلك معه الجنس البشري، بل في بستان العذاب حيث خلص وخلّص معه الجنس البشري.
كان تلاميذ يوحنا قد جاؤوا إلى السجن ليأخذوا جسد معلّمهم ويدفنوه في قبر (مر 6: 29). ونقول الشيء عينه عن اسطفانس بعد أن رُجم. قال لوقا إن "رجالاً أتقياء دفنوا اسطفانس وناحوا عليه مناحة عظيمة" (أع 8: 2). فمن قام بهذه الواجبات الأخيرة تجاه الموت، قد يتعرّض للخطر (طو 2: 3- 8). إن أخبار الدفن هذه قد رويت كنداء للمسيحيين لكي يتابعوا القيام بهذه الأعمال تجاه شهداء الإضطهادات الأولى. وجاء خبر دفن يسوع موسّعاً، فهيّأ أخبار اليوم الأول من الأسبوع، أي يوم الأحد.
ونتوقّف بشكل خاص عند نصّ يوحنا في طريقة عرضه للأشخاص، لعملهم، لظروف المكان والزمان.
إتفق الإنجيليون الأربعة حول الدور الحاسم ليوسف الرامي، وحول إسم قريته: الرامة (رامتايم، أو المرتفعان، موطن والد صموئيل، 1 صم 1: 1، شمالي شرقي اللدّ). تحدّث عنه مرقس ولوقا على أنه "رجل صالح وبار" (لو 23: 50). أما يوحنا فبدا متحفّظاً: قال (مثل متى) إنه كان تلميذ يسوع. وزاد: "في السرّ، خوفاً من اليهود" (آ 38). إذن، هو مثل طيّب عن اليهود المؤمنين الذين تحدّثنا عنهم إجمالةُ ف 12: "إن كثيرين من الأعيان آمنوا به. ولكنهم لم يجاهروا بإيمانهم بسبب الفريسيين، خشية أن يُخرجوا من المجمع. فإنهم فضّلوا مجد الناس على مجد الله" (آ 42- 43).
وبعد يوسف الرامي يأتي نيقوديمس. لقد بدأ يتجاوز خوفه. وهو من سيدافع عن يسوع أمام السلطات اليهودية. قال: "أتحكم شريعتنا على إنسان من غير أن تسمع منه أولاً، وتحيط علماً بما فعل"؟ فأجابوا وقالوا له: "أوَ أنت أيضاً من الجليل"؟ هذا يعني: هل أنت من الجليليين (أع 2: 7)؟ هل أنت من تلاميذ يسوع؟ رج يو 7: 50- 52.
حمل نيقوديمس الأطياب. وكانت كمّية كبيرة: مئة رطل من المرّ والعود. في خبر الدَهن في بيت عنيا (12: 3)، قال يوحنا إن مريم صبّت رطل طيب من خالص الناردين كثير الثمن. ثمنه 300 دينار أي ثلاثمئة يوم من العمل. هذا يدلّ على الكرامة السامية التي يتمتّع بها المدفون. إن "المجد" الذي يعطيه البشر لهذا المصلوب ليس بشيء (رغم الكمية الكبيرة) تجاه المجد الذي يعطيه إياه الآب (13: 32؛ 17: 5).
كيف نفسرّ هذا "البستان" الذي يقع فيه القبر؟ في 20: 15، ستحسب مريم أن يسوع هو البستاني. ثم إن يوحنا حدّد موضع توقيف يسوع في "بستان" (18: 1). ظنّ علماء الآثار أن الموضع الذي دُفن فيه يسوع كان مقلعاً قديماً للحجارة. وإذ تكلّم يوحنا عن البستان لمّح إلى آدم الأول.
لقد بدأ سبت اليهود، بدأت التهيئة (آ 42). هذه التهيئة هي للسبت كما للفصح اللذين يقعان معاً في تلك السنة. هذا الإنسان الضعيف الذي يُنزل عن الصليب هو حقاً الحمل المذبوح، الحمل الذي هيّأه الله لينقلنا من هذا العالم إلى الآب.
20
الظهور للمجدلية
20: 11- 20

قال لها يسوع: "مريم"! فالتفتت وقالت له بالعبرية: "رابوني، أي يا معلّم".
نجد في حياتنا أماكن ما زالت تكلّمنا، وهي ترتبط بذكريات وأحداث هامة بالنسبة إلينا. هذا ما نراه في تاريخ شعب الله، هذا ما نراه في إنجيل يوحنا.
إن يوحنا الذي يكرّس مكانة هامة للكلمات حول سرّ شخص يسوع العميق، يقدّم لنا أيضاً عدداً من الإشارات المكانية. وهكذا يُبرز الإطار الجغرافي وواقعية التجسّد.
هو يحبّ أن يذكر أماكن محبّبة إلى أناس يعرفون التاريخ البيبلي: بئر يعقوب، بركة سلوام، البستان... كل هذا يلقي ضوءاً على أقوال وأعمال يسوع في هذا الموضع. أو هو يسوع يعطي هذه الأماكن مدلولاً جديداً.
فأسماء الأماكن لا تهمّنا فقط من جهة الوثائق. بل هي تحمل شحنة من الذكريات. فالجليل والناصرة يشيران إلى أصل يسوع الوضيع، إلى منطقة غير مجيدة لا يخرج منها شيء فيه صلاح (1: 45؛ 7: 41، 52). هذه هي الوجهة الواقعية التي تصدمنا في سرّ التجسّد: "ذاك الذي جاء حقاً من عند الله" هو إنسان خرج من محيط لا أهميّة له. وضفّة الأردن في شرقي الأردن هي موضع الشهادة الحاسمة التي قام بها يوحنا حيث عمّد واجتذب الجموع إليه (1: 28؛ 10: 41- 42). والسامرة هي المنطقة التي أعلن فيها يسوع أن أطر العالم اليهودي قد تكسّرت من أجل عبادة في الروح والحقّ. وفي السامرة أيضاً إرتسم مجيء الوثنيين إلى يسوع. واليهودية هي الأرض التي تكون فيها حياة يسوع مهدّدة. وأورشليم والهيكل هما في قلب نشاط يسوع في نظر يوحنا. ففيهما قال يسوع معظم خطبه. فالهيكل هو بيت أبيه، والموضع الذي فيه عرّف الله بذاته وجعل الناس يلاقونه في العهد القديم. هناك رأى أشعيا مجد الله، مجد يسوع (12: 41). والهيكل هو أخيراً موضع وحي يسوع إلى العالم جهاراً (18: 20)، حيث كان يهود العالم كله يتزاحمون خلال أعيادهم الكبيرة.
وإطار رسالة يسوع، وإطار سامعيه، هو العالم (7: 4؛ 12: 46؛ 16: 28؛ 17: 18، 23؛ 18: 20، 37). فالمدى التقليدي لشعب التوراة سيتوسّع فيتخذ أبعاد العالم كما وعد الله بذلك.
غير أن الله أرسل ابنه في زمان البشر ومكانهم ليحطّم الحدود ويُدخل البشر في زمان ومكان يتجاوزانهم. لقد جاء يسوع من عند الآب "إلى هذا العالم". وهو يدعو البشر "لكي يأتوا إليه". ثم انتقل إلى الآب لكي يستطيع البشر أن يكونوا معه. هذه الحركة هي تعبير عن مسيرة حيوية وداخلية وروحيّة. هي محدّدة في مكان ما، ونستطيع أن نعيشها في كل مكان.
هناك مدى جديد يهمّ لقاءنا بالله. هو غير محدّد جغرافياً. ولكنه في متناولنا أينما كان. هو يسوع نفسه، الهيكل الجديد: نقيم فيه حين نقيم في كلمته، في حبّه، حين نأكل جسده المُعطى لحياة العالم. وهو أيضاً جماعة التلاميذ المجتمعين فيه باسم إيمانهم.
البُشرى هي مجيء الله إلى الإنسان في يسوع الابن والمرسل. لقد عبر المساحات اللامحدودة التي تفصل البشر عن الله. واجتذبهم بروحه ليعبروا هذه المسافة على طرفات الحبّ والإيمان، لكي يأتوا إلى الآب من أجل حياة مدعوّة منذ الآن لتنتصر على الموت والخطيئة.
المسيح هو ابن الإنسان الذي يصل بين عالمين (1: 51). مجيئه إلى العالم حمل حضوراً يتيح للبشر أن ينتقلوا إلى الآب منذ الآن، وأن يقيموا في العالم. ففي الأمكنة التي يسكنها البشر، فُتح باب وجرى ينبوع لكي تكون لنا الحياة الأبدية، وتكون وافرة.
كل هذا يقودنا إلى الحديث عن يسوع الذي قام من بين الأموات، وعن ظهوراته.
يورد ف 20- 21 أربعة ظهورات ليسوع بعد قيامته: ظهور لمريم المجدلية (آ 14- 18)، ظهور للتلاميذ من دون توما (آ 19- 23)، ظهور للتلاميذ مع توما في الأسبوع التالي (آ 26- 29)، ظهور للتلاميذ على شاطىء البحيرة (ف 21، وقد رُوي فيما بعد وزيدَ على الإنجيل). هناك جزء من هذا الأساس الاخباري مشترك بين الأناجيل الأربعة (القبر الفارغ، الظهور للنسوة). ولكن يوحنا قد أعاد كتابة المراجع التي استقى منها الإزائيون أيضاً. فأعطى طابعاً شخصياً لخبرات الإيمان بعد القيامة، وربطها بأشخاص محدّدين يشكّل كل منهم مثالاً عن الإيمان يختلف عن الآخر: فالتلميذ الذي كان يسوع يحبّه آمن دون أن يرى (20: 8). ومريم المجدلية لم تعرفه إلاّ بعد أن تلفّظ باسمها (20: 16). والتلاميذ رأوه وآمنوا به (20: 20). وتوما لم يؤمن إلاّ بعد أن رآه ولمسه.
تشكّل الآلام والموت في نظر يوحنا ساعة التمجيد. فقيامة يسوع وظهوراته في المجد مهمة، لأنها تكرّس مجمل مسيرة يسوع التي فسرّت منذ البداية انطلاقاً من القيامة: "حين قام من بين الأموات، تذكّر تلاميذه أنه قال هذا، فآمنوا بالكتاب، وبالكلام الذي فاه به يسوع" (2: 22).
وإذا توقفنا عند 20: 1- 18، نرى أن هذه المتتالية مبنيّة حول أربعة أشخاص: مريم المجدلية، بطرس، التلميذ الآخر، يسوع. وهي تجري عند القبر، في اليوم الأول من الأسبوع (يوم الأحد)، في الصباح الباكر. إفتتحت مريم المجدلية الخبر وأغلقته في بلاغين حملتهما إلى التلاميذ: في بلاغ أول دفعتهما إلى التحرّك نحو القبر (آ 2). في بلاغ ثانٍ أعلنت لهم القيامة (آ 18). واختلف المشهدان. فالحدث المخصّص لمريم المجدلية قطعَته زيارةُ التلميذين. ومع ذلك، نرى صعوداً دراماتيكياً في هذا الجري إلى القبر: مريم "رأت الحجر مرفوعاً عن القبر" (آ 2). التلميذ الآخر "رأى اللفائف مطروحة هناك" (آ 7). بطرس "رأى المنديل واللفائف" (آ 6). أخيراً، التلميذ الآخر "رأى وآمن" (آ 8). عبر هذه الإشارات التي تتوضّح شيئاً فشيئاً، إستعدّ القارىء للعبور من العلامات إلى الوحي عن قيامة يسوع.
وجد يوحنا تقليداً يتحدث عن نسوة عديدات (لا نعلم نحن، "الجمع" أين وُضع، آ 2). ذكر مت 28: 1 إمرأتين: مريم المجدلية ومريم الأخرى. ومر 16: 1 ثلاث نسوة: مريم المجدلية، مريم أم يعقوب، سالومة. ولو 24: 10: مريم المجدلية، حنّة، مريم أم يعقوب، وسائر النساء. أما يوحنا فبنى إنجيله حول شخص مريم المجدلية وحدها. لم يكن لزيارتها إلى القبر وظيفة محدّدة، لأن المسح بالطيب قد تمّ يوم الجمعة على يد يوسف الرامي ونيقوديمس. مسيرتهُا هي مسيرة الحنان والتقوى. إنها لا تريد أن تنفصل عن يسوع، فيطول زمن الحداد (كما في 11: 31). ويشير النصّ إلى الليل (ليل الموت) وإلى بداية (اليوم الأول). لقد رُفع الحجر عن القبر. وهكذا فعل يوحنا مثل سائر الإنجيليين، فحافظ على سرّ تدخل الله الذي تمّ بدون شهود وقبل وصول مريم إلى القبر. وتأخّر اللقاء بين يسوع ومريم المجدلية بإدخال تحرّك المرأة إلى التلميذين (آ 3- 10).
إن بطرس والتلميذ الذي كان يسوع يحبّه هما حاضران منذ بداية آلام يسوع، الواحد قرب الآخر. حضور بطرس حضور معذّب بعد خيانته للربّ. وحضور التلميذ الآخر هو حضور الأمانة. كانا نشيطين خلال الآلام، وهما كذلك في اكتشافهما لسرّ القيامة. هناك مسافة بينهما، والتلميذ الآخر يتفوّق على بطرس بإيمانه واستعداده. وصل قبل بطرس إلى القبر فدلّ على همّته واستعداداته. ثم إنه "رأى وآمن": إن العبارة الموجزة تشير إلى العبور من "رأى" إلى تعلّق تام بيسوع القائم من بين الأموات. ومشهد الثياب الموضوعة بترتيب يشهد على أنّ جثمان يسوع لم يُسرق، بل على أن يسوع ذهب إلى مكان آخر تاركاً ثيابه حيث كان يلبسها. إختلف يسوع عن لعازر الذي خرج ملفوفاً بالقماطات، فما احتاج إلى ثيابه لأنه ترك عالم البشر.
لم يقل يوحنا شيئاً عن إيمان بطرس (إن لو 24: 12 يقول إن بطرس تعجّب حين رأى الأكفان). إن الكتب التي لم تكن بعد مقنعة بما فيه الكفاية، قد أثبتتها إشارات تجمّعت على طريق التلميذين. عادا إلى "بيتهما" حيث ستحمل إليهما مريم المجدلية البُشرى. لا جدال ولا مزاحمة، بل وُضع كل تلميذ في مكانه: دخل بطرس أولاً فصار بالنسبة إلى الكنيسة شاهداً لا نقاش في شهادته. وامتاز التلميذ الآخر بتعلّقه بالربّ تعلّقاً تاماً. وهذه العلاقة المتشعّبة بين التلميذين ستتوضّح في ف 21.
ونصل إلى الظهور لمريم المجدلية (آ 11- 18).
خصّص القسم الأكبر من القطعة للبحث عن جسد يسوع. بحثت مريم ولكن بدون جدوى. سيطر عليها بحثها، ودفعها حبّها فتحدّثت عن يسوع على أنه "ربيّ". وترنّ الكلمة في أذن القارىء وكأنها لقب القائم من الموت، فتستبق بالنسبة إليه إعلان القيامة. أعمى الحزن والحبّ مريم، فلم ترَ الأشياء التي تقف أمام ناظريها فتشكّل حاجزاً بينها وبين ما تبحث عنه. شدّد بكاؤها على حزن الخسارة وعلى ألم يمنعها من أن تعيش ملء حدادها قبل الإنفصال الكامل عن جسد يسوع. إنتقلت من "وسيط" إلى "وسيط" بدون جدوى: فالتلميذان اللذان سألتهما لم يقدّما لها عوناً كبيراً. ورؤية الملاكين (اللذين هما في نظر الإزائيين علامة عن اجتياح الله في دنيا البشر) تركتها لا مبالية: ظنّت أنها ترى البستاني. لقد بُني الخبر بطريقة تبرز التحوّل الذي صنعته القيامة في كائن يسوع والطريقة الجديدة التي بها نتمسّك به، نتعلّق به.
إن رؤية يسوع بحسب الجسد سائرة في طريق الزوال، وقد بدأت معه علاقة جديدة مؤسّسة على سماع الكلمة (مع توما يحلّ الإيمان بدل الرؤية). فكما أن كسر الخبز في لو 24 فتح أعين تلمذَي عمّاوس، فقد حرّك نداء يسوع لمريم باسمها قلب هذه المرأة فعرفته. فالخراف تسمع صوت الراعي وهو يناديها بأسمائها (10: 3). بدأ الحوار بشكل نداء وجّه إليها: "مريم"! دُعيت باسمها فأجابت في اللغة الأرامية إلى ذاك الذي عرفته من صوته. إنه "المعلّم"، رابوني. ثم جاء أمر يسوع فأعلن نهاية اللقاء "الجسدي": لا تلمسيني. حلّي ذراعيك اللتين تريدان أن تحتفظا بي، أن تمسكاني. منذ الآن لم يعد يسوع بحسب الجسد في متناولها كما كان خلال حياته على الأرض. فبعد القيامة، صارت عيون الجسد عاجزة عن رؤيته والتعرّف إليه: وهكذا مثّلت مريمُ النفسَ المؤمنة المدعوّة إلى سماع المعلّم الذي ينادي كل واحد باسمه لكي يتبعه. إن بحثها المغرم يشير إلى بحث عروس نشيد الأناشيد التي "طلبت من تحبّه فلم تجده" (نش 3: 1). إن حبّ يسوع وطلبه لا يزولان أبداً. بل نحن نعيشهما بطريقة مغايرة.
وسلّم يسوع إلى مريم مهمة: أن تذهب إلى إخوته. فتلاميذ يسوع صاروا إخوته لأنهم أبناء أب واحد. إختلف يوحنا عن سفر الأعمال الذي جعل الصعود بعد القيامة بأربعين يوماً، فجعل يسوع يصعد إلى أبيه في يوم القيامة بالذات. ما أعلنه في 14: 1- 4 يتمّ الآن. والتمييز بين "أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم" يشدّد على اختلاف في الطبيعة بين الابن الوحيد والأبناء الذين تبنّاهم الله. إنه الأولى في يعود سيتبعه فيه جميعُ إخوته إلى أبيهم السماوي.
ونعود إلى أخبار الظهور.
تشهد الأناجيل إجمالاً على إيمان التلاميذ الأوّلين: فيسوع الذي رأوه ميتاً، هو حيّ الآن. ولكن لا يروى لنا شيء في أي مكان عن قيامة يسوع في ذاتها. وهكذا اختلفت الأناجيل عن أخبار متأخرة تريد أن ترضي فضول المؤمنين، فتصوّر لهم كيف جرت الأمور. لقد رفضت الكنيسة أن تدخل هذه النصوص بين الأسفار القانونية. فالمخيّلة والعنصر العجائبي يلعبان دوراً مسيطراً بحيث لا تستطيع أن تجعل هذه الكتب المنحولة (إنتحلت صفة الإلهام وهي ليست ملهمة) قاعدة لإيمانها وحياتها. فالقيامة لا تقع تحت الخبرة البشرية. إنها موضوع إيمان لا موضوع خبرة حسّية.
ولكن عدة أخبار إنجيلية تروي لنا كيف وجدت النسوة أو التلاميذ القبر الفارغ، وكيف تراءى لهم يسوع بعد موته. حين نقرأ هذه الأخبار نجد النقاط المشتركة التالية:
- المبادرة تأتي من القائم من الموت. إنه هنا فجأة، دون أن نعرف كيف حضر، وبشكل يفاجئنا ويبلبلنا. وإذ أراد الكتّاب أن يصوّروا هذا اللقاء، إستعادوا مراراً ألفاظاً تقليدية في العهد القديم تتحدّث عن ظهور الله: رؤي، ظهر، تراءى.
- تقول هذه الأخبار إن يسوع حيّ حقاً.
- إنه قام، نهض. ذاك الذي هو حيّ الآن هو ذاك الذي كان مائتاً. ذاك الذي كان راقداً قد استيقظ ونهض. الرب القائم من الموت هو نفسه يسوع الناصري الذي عاش بيننا، حُكم عليه بالإعدام ووُضع في القبر.
- إنه ارتفع (مجّد) إلى السماء، أخذ إلى أعلى السماوات. هذه الكلمات الملوّنة التي تستلهم طرق الكلام في ذلك العصر، تشدّد على أننا لسنا أمام عودة بسيطة إلى الحياة كما مع لعازر الذي قام ثم مات فيما بعد. بل هي حياة جديدة بقرب الآب، حياة لا سلطان للموت عليها فيما بعد.
ومن جهة التلاميذ، ليس التعرّف إلى الربّ بالأمر السهل. فلا يكفي أن نرى. بل يجب أن نؤمن. يجب على الرسل أن يتجاوزوا قلّة إيمانهم، عدم إيمانهم.
وسلّمت مهمّة إلى التلاميذ، وهي بأن يكونوا شهوداً، بأن يكمّلوا الطريق التي بدأوها مع يسوع.
حين نحاول أن نفهم معنى هذه الأخبار، يجب أن نأخذ بعين الإعتبار مجمل هذه المعطيات: هناك حدث حقيقي، ولكن الإيمان وحده يتيح لنا أن نعيشه. هناك نمط من اللقاء يتجاوز معطيات خبرتنا العادية. إذن، لا جدوى من محاولة نتخيّل فيها كيف كانت الأمور. فليس لنا في ذاتنا خبرة من هذا النوع من اللقاء مع إنسان قام من الموت.
ليست هذه النصوص صورة "فوتوغرافية" عن الحدث. فالمؤمنون قالوا لنا بالكلمات والصور التي في متناولهم، واقعَ الخبرة الخارقة التي أُعطي لهم أن يعيشوها. أما قوّة شهادتهم فتأتي من تأسيس الكنيسة بقوّة الله الفاعلة في كلمة التلاميذ. فبدون هذه الرسالة والثمار التي حملت، تخسر أخبار الظهور الكثير من مدلولها.
وفي الوقت عينه، إن ظهورات يسوع القائم من الموت والخبرة التي عاشها التلاميذ، هي انطلاقة كل إيمان الكنيسة وحياتها. فما حصل في هذه "الظهورات" لن يتكرّر. والذين عاشوها اختبروا اختباراً فريداً هو أساس إيمان الكنيسة الذي لا يُستغنى عنه. إن كان المسيح لم يقم، فإيماننا باطل (1 كور 15: 14). فإيمان الكنيسة يرتكز على شهود قيامة الرب.
خاتمة الكتاب

وهكذا تنتهي مسيرتنا مع إنجيل القديس يوحنا. في كتاب أول عنوانه "إنجيل يوحنا، دراسات وتأمّلات" (سلسلة دراسات بيبلية، رقم 2) حاولنا أن نقدّم درساً موسّعاً عن يوحنا. فبعد المقدّمات كانت دراسة نصوص عديدة ثم أبحاث في إنجيل يوحنا. وكان كتاب ثانٍ في سلسلة القراءة الربية (رقم 4) عنوانه "يسوع كلمة الله مع القديس يوحنا". هو تأمّلات في نصوص تُقرأ في الليتورجيا. بعده جاء جزءان. الأول: كتاب الآيات. والثاني: كتاب الآلام والمجد. هكذا نعتبر أننا درسنا "كل" نصوص يوحنا، ونتمنّى أن نكون وفيناه حقّه بعض الوفاء. فهو أغنى من أن يحيط به تفسير واحد. إنه، كما قال القديس أغوسطينوس، "من هذه الجبال". فمَن يستطيع أن يرتفع إليه؟
ونحن ننتظر يوماً نقدّم فيه تفسير رسائل القديس يوحنا وسفر الرؤيا، وهذا ما يساعدنا على التعرّف بعض الشيء إلى هذه المدرسة اليوحنّاوية، هذه المدرسة التي اجتمعت حول يوحنا الحبيب وحاولت معه أن تتأمّل في كلمات المعلم وتكتبها في لغة وأُسلوب عصرها. إنها المثال لنا لكي نقدّم الإنجيل اليوم في لغة الزمن الذي نعيش فيه. هكذا لا يعود كلام الله حرفاً ميتاً بل روحاً حياً. فالحرف يقتل، أما الروح فيحيي. فهل نسينا أن إنجيل يوحنا هو إنجيل الحياة، وأن يسوع بذل نفسه لتكون لنا الحياة وتكون وافرة؟