إنجيل يوحنا: كتاب الآيات

الفهرس

تقديم
1- يوحنا والإنجيل الرابع، 21: 24
2- شهادة المعمدان، 1: 19- 34
3- التلاميذ الأولون، 1: 35- 39
4- دعوة بطرس، 1: 40- 42
5- نداء فيلبس، 1: 43- 44
6- نداء نتنائيل، 1: 45- 51
7- آية قانا الجليل، 2: 1- 12
8- يسوع ونيقوديمس، 3: 1- 13
9- يسوع ويوحنا المعمدان، 3: 22- 36
10- آية قانا الثانية، 4: 43- 54
11- شفاء في بيت حسدا، 5: 1- 9
12- يسوع والسبت، 5: 9- 18
13- عمل الإبن، 5: 19- 30
14- شهادة الآب، 5: 31- 40
15- اليهود لا يؤمنون، 5: 41- 47
16- السير على المياه، 6: 16- 23
17- أول أيام العيد، 7: 1- 13
18- في منتصف العيد، 7: 14- 36
19- آخر أيام العيد، 7: 37- 52
20- المرأة الزانية، 7: 53- 8: 11
21- شهادة يسوع، 8: 12- 20
22- هوية الإبن، 8: 21- 30
23- أبونا إبراهيم، 8: 31- 40
24- أبونا هو الله، 8: 41- 47
25- قبل أن يكون إبراهيم، 8: 48- 59
26- يسوع المسيح، 10: 19- 30
27- يسوع ابن الله، 10: 31- 42
28- ماذا نفعل بهذا الرجل، 11: 45- 57
29- الطيب على قدمَي يسوع، 12: 1- 11
30- دخول يسوع إلى أورشليم، 12: 12- 19
31- إلى الساعة والمجد، 12: 37- 40
الخاتمة
 

تقديم

لماذا هذا الكتاب؟
سنة 1992، نشرت كتاباً عن القديس يوحنا، وحاولت فيه بعد المقدمات أن أقدّم شروحاً لنصوص الكتاب المقدس. ولكن بعض النصوص لم تشرح فعاتبني القراء. فأحببت أن أكمّل العمل. لهذا، كتبت جزءاً في سلسلة الصلاة الربية على غرار متى ومرقس ولوقا، وسمّيته (يسوع كلمة لله في إنجيل يوحنا). واتبعته بجزئين يشرحان ما لم يُشرح في الجزء الأول من هذه النزهة في إنجيل يوحنا. وها هو الكتاب بين يديك وأرجو أن يساعدك على التأمّل، على تهيئة حلقة إنجيلية أو عظة يوم الأحد.
توقفت في هذه الشروح عند الوجهة الفيلولوجية، في دراسة النص الأصلي وطريقة انتقاله لكي يصل إلينا. وعند الوجهة التاريخية، أي كيف وُلد النصّ الأصلي. وانتقلنا الى الوجهة الرسالية: ما الذي يحمله هذا النص من إعلان لانجيل المسيح ومن غنى لتعليمه؟ أخيراً وصلنا إلى ناحية اللاهوت الكتابي. ماذا تعلّمنا النصوص البيبلية الاخرى عن الموضوع الذي نكتشفه في هذا النصّ.
من الوجهة الفيلولوجية، نعرف أن أقدم مقطع لإنجيل يوحنا وُجد في بردية مصرية تعود الى سنة 125 ب. م. وهي تتضمّن بضعة آيات من ف 18. هذا ما يدلّنا على أن إنجيل يوحنا دوّن في نهاية القرن الأول، وانتشر حتى وصل الى مصر في الربع الأول من القرن الثاني. وحوالي سنة 200 كُتبت كودكسات (الكودكس هو مجموعة نصوص) كاملة وقد حُفظت لنا شبه كاملة. مثلاً، بردية 66 التي نشُرت سنة 1956 (اسمها: بردية بودمر، الثانية، باسم صاحبها). وبردية 75 التي نُشرت سنة 1961 (بودمر الخامسة عشرة). وفي القرن الرابع، وُلدت المخطوطات الكبرى على الرق (جلد الحيوان يهيّأ لهذا الإستعمال) بالخط الاسفيني (أي الحرف الكبير): الفاتيكاني، السينائي. ثم جاءت المخطوطات الجرارة، ويعمل العلماء على اكتشاف النص الأكيد كما نُقل إلينا منذ سنة 95 إلى أيامنا.
أما على مستوى أساليب النقد الأدبي والتاريخ الأدبي، فنتساءل: كيف تكوّن النص بين سنة 30 وسنة 95، بين موت يسوع وقيامته، وبين التدوين النهائي للانجيل الرابع. لا مراجع مكتوبة في أيدينا، ولكننا نحاول أن نتتبع مراحل النص من خلال ما نعرف من التاريخ العام، فنكتشف الموقع الحياتي لهذا النص أو ذاك. وتجاه هذا، إن التعرّف إلى الظروف التاريخية يساعدنا على فهم الانجيل فهماً أفضل. فكلمة الله تتوجّه إلى بشر محدّدين في مكان وزمان معينين.
وهكذا نصل إلى الوجهة الرسالية. ماذا أراد الإنجيل أن يعلن من بشارة؟ ما هو هدفه الاصلي؟ ماذا أراد هذا الإنجيل أن يقول لجماعات محدّدة في عصره؟ ما هي السبل التي استعملها؟ هنا ينتهي عمل التحليل والتفسير. ويبدأ عمل اللاهوت الكتابي الذي يقابل النصوص بعضها ببعض، فيساعدنا على اكتشاف غنى الكتاب المقدس الذي هو عمل لله وعمل الانسان معاً.
1
يوحنا والإنجيل الرابع
21: 24

هذا هو التلميذ الشاهد بهذه الأمور، وهو الذي كتبها، ونحن نعلم أن شهادته حق هي.
لا يسمّي الإنجيل الرابع اسم كاتبه، وهو بهذا يشبه الأناجيل الثلاثة الباقية. بيد أن خاتمة الكتاب تعود عوداً صريحاً إلى شخصية "تلميذ" محدّد: ذاك الذي دلّ عليه النصّ مراراً: والتلميذ الذي كان يسوع يحبّه" (21: 7، 20). ذاك الذي استند إلى صدر يسوع وقال له: رب، من هو الذي يسلمك (13: 25). ذاك الذي قال عنه الرب لبطرس: "إن شئت أن يثبت إلى أن أجيء. فماذا لك؟ انت اتبعني". فشاع بين الاخوة أن ذلك التلميذ لا يموت (21: 23). وحين "نُشر" الأنجيل، تبيّن أن تفسير كلمة يسوع كان خاطئاً. لهذا جاء التحديد: "لم يقل يسوع لبطرس إن ذاك التلميذ لا يموت" (21: 23). وهكذا يكون من المعقول أنه، حين ظهر الإنجيل الرابع، كان التلميذ الذي كان يسوع يحبّه قد مات بعد حياة طويلة جداً. وإليه نسبوا ابوّة الإنجيل الرابع: "فهذا هو التلميذ الشاهد بهذه الأمور، وهو الذي كتبها. ونحن نعلم أن شهادته حق هي" (21: 24).
من هو هذا "التلميذ"؟ منذ الربع الأخير من المَرن الثاني، قال التقليد كلمته: إنه يوحنا. وأوضحُ شهادة هي شهادة القديس إيريناوس في نهاية القرن الثاني. هو لا يشكّ بأن هذا الشخص هو الرسول يوحنا بن زبدى، وأحد الاثني عشر. ويؤكّد أن كنيسة أفسس التي أسّسها بولس، قد أقام فيها يوحنا حتى أيام ترايانس، الامبراطور الروماني، فكان شاهداً حقيقياً لتقليد الرسل. وفي رسالته إلى البابا فكتور ساعة الجدال حول عيد الفصح، أعلن أنه يستند في كلامه إلى أقوال الرسل ومنهم يوحنا تلميذ الرب.
وتحدّت بوليكراتيس الأفسسي في الحقبة عينها عن "أنوار عظيمة انطفأت في آسية (أي: تركيا الحالية): فيلبس وهو أحد الاثني عشر رسولاً، ويوحنا الذي استند إلى صدر الرب ورقد في أفسس". وشهد اكلمنضوس الاسكندراني (+ 215) على مجيء "الرسول يوحنا" إلى أفسس. فيوحنا بن زبدى هذا، قد ألحّ عليه أصدقاؤه، فكتب بالهام من الروح "الإنجيل الروحاني".
وينسب قانون موراتوري (180- 200، يرتبط بهيبوليتس) تأليف الإنجيل الرابع إلى "يوحنا، أحد التلاميذ". شجّعه التلاميذ الآخرون والأساقفة، لأنه شاهدٌ عاينَ وسمع كل المعجزات التي أتمّها الرب.
إن كاتب الإنجيل الرابع هو شاهد في العصر الرسولي، كما هو شاهد لحياة الكنيسة في نهاية القرن الأول. فبعد موت المسيح وقيامته بعشرات السنين، توسّع عمل المعلّم في أعماله تلاميذه العظيمة (14: 12). وبدأت الكرمة الحقيقية تحمل ثماراً في أغصانها (15: 5). لقد تحقّقت المحن والمضايقات التي أعلن عنها يسوع (15: 18- 16: 4)، وارتسمت صراعات خاصة مع العالم اليهودي. هذا ما يشهد له إنجيل يوحنا: يشهد ليسوع التاريخي، يشهد لحضوره ولعمله في جماعة تلاميذه. والإستنارة متبادلة: فحياة الكنيسة الحاضرة في كل مكان تعود إلى ينبوعها، إلى مسيح التاريخ. ومسيح التاريخ الذي نذكره ونردّد كلماته وفعلاته على ضوء القيامة (2: 22؛ 12: 16؛ 14: 26) يحيلنا دوماً إلى حياة الكنيسة كما إلى ثمرته. هذا الامر هو حقيقي في سائر الأناجيل. إلا أن يوحنا يبقى من هذا القبيل شاهداً لا يُضاهى.
من هنا هذا التأثير الخاصّ الذي يتركه "الإنجيل الروحاني" في النفوس، في اللاهوتيين الكبار والصوفيين العظام والمؤرّخين الحقيقيين. قال أوريجانس: الأناجيل هي باكورة الكتب المقدسة كلها. وانجيل يوحنا هو باكورة سائر الأناجيل. ولا يستطيع أن يدرك معناه إلا ذاك الذي استند إلى صدر يسوع ونال مريم أماً له من يسوع.
وبحماس مماثل افتتح القديس أغوسطينس سلسلة عظاته لشعب عنّابة بهذه الكلمات: "أيها الأخوة والأحباء، كان يوحنا من تلك الجبال التي كتب عنها: لتنقل الجبال السلام لشعبك والتلال البر. لقد كان يوحنا من هذه الجبال وهو الذي قال: في البدء كان الكلمة، والكلمة كان لدى الله، وكان الكلمة الله. هذا الجبل (الذي هو يوحنا) تقبّل السلام، فشاهد لاهوت الكلمة".
قدّمت لنا الأناجيل بعض المعلومات عن حياة الرسول يوحنا وشخصيته. هو ابن زبدى وسالومة (مر 1: 19- 20؛ 15: 40؛ مت 27: 56). وأخو يعقوب. بدأ فمارس مهنة الصيد مع أبيه وأخيه على بحيرة جناسرت. تتلمذ على ما يبدو ليوحنا المعمدان، واتصل بعض الشيء بجماعة قمران.
يروي الإنجيل الرابع لقاء يوحنا الأول مع يسوع (1: 35- 39)، هذا إذا قلنا إنه كان مع اندراوس في ذاك اليوم. وتشير الأناجيل الإزائية إلى حضوره مع بطرس ويعقوب في قيامة ابنة يائيرس (مر 5: 37)، وفي التجلّي (مر 9: 2)، وفي الخطبة حول دمار الهيكل ونهاية العالم (مر 13: 3)، وفي النزاع في بستان الزيتون (مر 14: 33). لعب دوراً هاماً خلال العشاء الأخير، وخلال الآلام. وسنراه برفقة بطرس أيضاً في الصيد العجيب (21: 2، 7، 20- 23).
ويكمّل سفرُ الأعمال صورة يوحنا. نجده مع بطرس في مصاف الرسل الأولين. أوقف مع بطرس بعد شفاء مخلّع الباب الجميل، وسُجن، ومثُل أمام المجلس الأعلى، ثم أطلق سراحه (أع 3: 1- 11؛ 4: 3، 13، 19). رافق بطرس في زيارة لكنيسة السامرة الفتية، وكرز هناك بالإنجيل (أع 8: 14، 25). سيسميه بولس مع كيفا ويعقوب أحد "عمُد" الكنيسة (غل 2: 9).
قال الكتّاب المسيحيون في القرن الثاني إن يوحنا جاء إلى أفسس وأقام فيها، وساس كنائس مقاطعة آسية الرومانية. متى جاء يوحنا إلى أفسس؟ حوالي سنة 67- 70 وبعد رسالة بولس وتيموتاوس في أفسس (يقول اوسابيوس: قبل الحرب اليهودية التي انتهت بسقوط أورشليم سنة 70). ترك أفسد، ثم عاد إليها بعد موت دوميسيانس، الامبراطور الروماني، فمكث فيها يسوس الكنائس حتى موته.
وصوّره إيرونيموس في نهاية حياته شيخاً عاجزاً. فكانوا يحملونه إلى الجماعة. كان أضعف من أن يلقي خطاباً، فيكتفي بتكرار هذه العبارة: "يا ابنائي الصغار، أحبوا بعضكم بعضاً". تعب المؤمنون من هذا التكرار. فاجابهم: "هذه وصية الرب، يكفي أن تحفظوها".
ومات يوحنا في أفسس، في عمر متقدّم، في أيام ترايانس (98- 117). ويُروى حدث استشهاد قاساه في رومة. وُضع في خلقين من الزيت المغلي، قبل أن يُنفى إلى رومة. أورد ترتليانس هذا الخبر، وردّده ايرونيموس مرتين. إلا أننا لا نجد له تأكيداً عند أي من الآباء ولا في الكلندارات (الروزنامات) القديمة.
2
شهادة المعمدان
1: 19- 34

ها هو حمل الله الرافع خطيئة العالم.
يمتدّ هذا الفصل من إنجيل يوحنا على سبعة أيام، يتوّجها عرس قانا الجليل. في اليوم الأول، شهد يوحنا المعمدان لنفسه (1: 19- 28): "أنا صوت صارخ في البرية، قوّموا طريق الرب". في اليوم الثاني، شهد المعمدان ليسوع (1: 29- 34): "هذا هو حمل الله الذي يرفع خطيئة العالم". في اليوم الثالث، نقرأ عن دعوة تلميذين سمعا كلام يوحنا المعمدان، فتبعا يسوع (1: 35- 39). في اليوم الرابع، دعا يسوع بطرس (1: 40- 42)، وفي الخامس فيلبس (1: 43- 44)، وفي السادس نتنائيل (1: 45- 51). وفي اليوم السابع نقرأ عن عرس قانا (2: 1- 12) الذي تمّ "في اليوم الثالث" فربط كل الخلق بالقيامة. وهكذا ننتقل في هذه المتتالية من إنجيل يوحنا (1: 19- 2: 12)، من اسبوع خلق أول (تك 1) إلى اسبوع الخليقة الجديدة التي ستشهد ظهور الله الكلمة في العالم.
ونتوقف في المقطع الذي نقرأ عند اليومين الثالث والرابع، عند نداء تلميذين كان أحدهما اندراوس. ثم عند نداء بطرس بواسطة أخيه اندراوس: لقينا مشيحا، أي المسيح.
إن مطلع الإنجيل (1: 1- 18) حلّ محل إنجيل الطفولة الذي نجده عند متى ولوقا. أما بالنسبة إلى يوحنا، فنحن هنا أمام البداية الحقيقية ليسوع: هو الكلمة الذي صار بشراً. وينضمّ يوحنا إلى الإزائيين فيحدّد موقع بداية حياة يسوع العلنية مع كرازة يوحنا المعمدان. غير أنه لا يحتفظ بشيء من كرازة المعمدان. إن يوحنا المعمدان يحقّق ما قاله عنه المطلع: إنه يشهد ليسوع. "ظهر رسول اسمه يوحنا. جاء يشهد للنور".
يوحنا المعمدان هو الشاهد. شاهد أمام العالم اليهودي الرسمي (1: 19- 28)، شاهد أمام التلاميذ (1: 29- 34)، وشهادته ستكون السلّم التي عبر عليها التلاميذ ليصلوا إلى يسوع (آ 35- 51).
من هو المعمدان؟ هو صوت الكلمة (1: 19- 28).
جاء اليهود (أي: السلطات اليهودية) وسألوا يوحنا أن يحدّد موقعه من الإنتظار المسيحاني. فجاء جوابه سلبياً على ثلاث دفعات: لست المسيح. لست إيليا. لست النبي. انه فقط صوت يفتح الطريق (يهيّئها) للمسيح.
في زمن يسوع، إنتظر اليهود مجيء المسيح. إنما اتخذ هذا الإنتظار أشكالاً مختلفة. وهكذا نفهم أن يكون اليهود اعتبروا المعمدان كالمسيح. فنشاطه كمعمّد يدلّ على مجيء الأزمنة الأخيرة. وارتباطه مع الاسيانيين في قمران قد يفسّر هذه الالقاب الثلاثة. فلقد انتظر الاسيانيون حوله المسيح المنتظر ثلاثة أشخاص.
نفى المعمدان أن يكون إيليا الذي ينتظرون عودته حالاً قبل برء المسيح. واختطاف إيليا في العربة (2 مل 2: 11) ولّد أخباراً واساطير عن حياة النبي العظيم وعودته. ولقد اعتبر بعضهم أنه ما زال حياً. وإن 2 أخ 21: 2 يتحدّث عن رسالة بعث بها إيليا إلى يورام بعد اختطافه. وبعد المنفى، وُلدت أسطورة تقول إن إيليا سيعود في الأزمنة الأخيرة. فأكد ملاخي (3: 23): "ها أنا أرسل إيليا النبي، قبل أن يأتي يوم الرب العظيم والرهيب". ثم إن شكل يوحنا الخارجي كان يشير إلى إيليا الذي لبس "ثوباً من شعر، وشدّ حقويه بمنطقة من جلد" (2 مل 1: 8).
والنبي المنتظر يدلّ على شخص أعلن موسى عن مجيئه في تث 18: 15- 18: "نبي مثلي يقيمه لك الرب من بين اخوتك".
وطالب المعمدان بدورين بالنسبة إلى ذاك الآتي.
أولاً: انه صوت يفتح الطريق لذاك "الذي لا يعرفونه". وهكذا يعود إلى أش 40: 3 الذي يعلن عن مجيء مرسَل يعدّ طريق العودة لمنفيّي بابل. أورد يوحنا، شأنه شأن الإزائيين، نصّ أشعيا لا في اللغة العبرية بل في الترجمة اليونانية، المسمّاة سبعينية. جهل اليهود المسيح، فلم يكن جهلهم له خطيئة. فيوحنا نفسه هو من الذين لا يعرفونه (1: 33). نحن هنا أمام تلميح معقول إلى اسطورة تقول بأن المسيح يبقى خفياً ويظهر فجأة لشعبه.
ثانياً: إنه يعطي يوحنا معمودية تهيّىء الطريق لمعمودية الروح. ويرى المعمدان أنه يجب ان نستقبل يسوع كعطية الله السرية التي لا يعرف أحد أصلها. وهو نفسه لا يستحق "ان يحل سير نعليه"، وهذا عمل لا يقوم به حتى العبيد. هذا يدلّ على المسافة التي تفصل يسوع عن المعمدان.
هذه الشهادة الأولى هي بداية رسالة يوحنا. أعطاها الراوي طابعاً احتفالياً فحدّد موقعها: "في بيت عنيا، في عبر الاردن، حيث كان يوحنا يعمد" (1: 28). إن بيت عنيا هذه (قال بعضهم على خطى اوريجانس: بيت عبّاره) هي غير بيت عنيا مدينة لعازر. في ف 10، سيذكّرنا الإنجيلي بهذا المشهد ليدلّ على نجاح مهمّة يوحنا المعمدان:
"ورجع يسوع الى عبر الاردن حيث كان يوحنا يعمّد من قبل، فأقام هناك. فجاء إليه كثير من الناس وقالوا: ما عمل يوحنا آية واحدة، ولكن ما قاله في هذا الرجل كان كله صحيحاً". هذا ما يؤكّد على ان مهمة المعمدان كانت مهمة شهادة.
ومن هو يسوع؟ هو حمل الله، هو ابن الله (1: 29- 34).
هو أولاً حمل الله.
فبعد شهادة أدلى بها يوحنا في إطار معادٍ، ها هو يشهد الآن أمام تلاميذه. يسوع هو حمل الله (رج 1: 36). فالعودة إلى الحمل لها ثلاثة أسس في العهد القديم. حمل أش 53: 7: "كحمل سيق إلى الذبح وكشاة أمام الذي يجزها". في هذه الحالة، يرى يوحنا في يسوع صورة عبد الله المتألم الذي يتخذ حالة الخطيئة التي في العالم. والأساس الثاني هو الحمل المذبوح والمنتصب الذي يتغلّب على الخطيئة. نقرأ في رؤ 5: 6: "رأيت بين العرش والكائنات الحية الاربعة وبين الشيوخ (الاربعة والعشرين)، حملاً واقفاً كأنه مذبوح" (رج 14: 10؛ 17: 14). والأساس الثالث هو الحمل الفصحي. حسب يو 19: 14، صُلب يسوع ساعة بدأ الكهنة يذبحون الحملان لعيد الفصح. لا ننسى أن الإنجيلي يحدّث المؤمنين بعد القيامة، ولهذا نستطيع أن نتحدّث عن ثلاثة معانٍ دون أن نعرف معنى العبارة كما استعملها المعمدان.
وهو ثانياً ابن الله.
قدّم الإنجيلي هنا نسخة شخصية عن معمودية يسوع، وهي تختلف كل الاختلاف في الأناجيل الازائية الثلاثة. فيوحنا المعمدان هو الذي يرى الروح ينزل ويحلّ على يسوع. فعينا الجسد عنده رأيا انساناً (يأتي بعدي رجل كان قبلي). أما وحي الله فأعطاه أن يرى في يسوع ابن الله. نجد في بعض المخطوطات عبارة "مختار الله" بدل "ابن الله". هكذا نستطيع أن نرى تواصلاً بين عبد الله المتألم وخادم الله المختار. ولكننا نحتفظ بعبارة "ابن الله".
إختلفت قراءة حدث المعمودية في يوحنا وفي الإزائيين. فيوحنا الإنجيلي ينسب الى المعمدان إيماناً يستحيل وجوده قبل وحي الفصح والقيامة: فيسوع هو في نظره حمل الله، ذاك الذي وُجد قبل العوالم، ابن الله الذي يملاه الروح القدس.
ونصل إلى نداء يسوع لأثني عشر كما في إنجيل يوحنا.
نجد في 1: 35- 51، نداء خمسة تلاميذ: اندراوس، تلميذ نجهل اسمه، بطرس، فيلبس، نتنائيل. وفي مكان آخر، يُذكر يهوذا الاسخريوطي. ثم يهوذا آخر (أو: يودا) وتوما. يتحدّث يوحنا عن الاثني عشر (6: 67؛ 20: 24). بيد أننا لا نجد عنده لائحة بالاثني عشر كما في الأناجيل الإزائية.
ونداء التلاميذ الأولين عند يوحنا، يختلف كل الإختلاف عما نقرأ في الأناجيل الإزائية. فالإزائيون يخبروننا أن بطرس واندراوس ويعقوب ويوحنا كانوا يصطادون حين دعاهم يسوع. أما عند يوحنا، فالمدعوّون الأولون كانوا في البداية تلاميذ يوحنا المعمدان.
تتفق الأناجيل الأربعة على القول بوجود تلاميذ تربّوا تربية دينية على يد المعمدان. تحدّث مر 2: 18 ي عن "تلاميذ يوحنا" وهكذا فعل لوقا (5: 33) الذي جعل أحد التلاميذ يسأل يسوع: "علّمنا أن نصلّي كما علّم يوحنا تلاميذه" (لو 11: 1). ويورد مت 11: 2- 6 ما عمله المعمدان وهو في سجنه: أرسل بعضاً من تلاميذه ليسأل يسوع. أما يوحنا الإنجيلي فينفرد بتصوير هذا المشهد الذي فيه ينتقل بعض تلاميذ يوحنا المعمدان إلى يسوع. يبدو أنه حصل على معلومات دقيقة عن علاقات المعمدان بيسوع. وهكذا يلمّح إلى نشاط عمادي ممكن لدى يسوع كمعمّد (3: 22؛ 4؛ 1- 2). أيكون يسوع والمعمدان قد انخرطا في حركة العماديين التي انتشرت خلال القرن الأول فبدت تياراً إصلاحياً يعارض شعائر العبادة، ينعم بالمواهب، ويتوجّه الى العالم كله؟ الأمر ممكن. وقد يكون أن يسوع فعل ما فعله يوحنا في البداية فاجتذب الناس إليه. كان المعمدان قبل يسوع. ولكن بعد الآن سيكون بعده. سيمّحى أمام الذي جاء يعلن عن مجيئه.
وننطلق من هنا حتى 2: 12 لنرى كيف يصوّر الإنجيلي نموّ الإيمان لدى التلاميذ. فيقدّم لنا في خلاصة كرستولوجية عدداً من ألقاب يسوع: رابي ومسيح (آ 35- 42)، الشخص الذي تحدّثت عنه الشريعة والانبياء، ابن الله وملك اسرائيل (آ 43- 51)، ابن الانسان (آ 51). وفي النهاية، في 2: 11: "أظهر يسوع مجده فآمن به تلاميذه". هذا النموّ والتدرج لم يتمّا في بضعة أيام (لا ننسى أن العدد 7 يدلّ على الكمال، ونمو الايمان عملية طويلة). إن الإزائيين يروون بطريقة واقعية ولادة الايمان الصعبة والبطيئة، إيمان التلاميذ بيسوع. في هذا المجال، هم أقرب من يوحنا إلى ما حدث حقاً في حياة الرسل الأولين.
3
التلاميذ الأولون
1: 35- 39

ذهبا ونظرا أين يقيم. وأقاما عنده ذلك اليوم. وكانت الساعة العاشرة.
تكلّم يوحنا، فسمعه تلميذان، فتبعا يسوع (آ 35- 39).
أعلن المعمدان أنه صوت يعلن مجيء الرب: "يجب أن ينمو وانا أنقص" (3: 30). واستخلص من هذا الاعلان النتائج، فوجّه اثنين من تلاميذه نحو يسوع. سمّاه مرّة ثانية "حمل الله". وهذا اللقب له صداه في قلب جماعة العماديين (وفي الكنيسة). لهذا تحرّك التلميذان. تركا المعمدان وذهبا إلى يسوع. اسم الأول اندراوس (1: 40). والثاني لا يُذكر اسمه. ولقد ظنّ كثيرون أنه التلميذ الذي كان يسوع يحبه. أنه يوحنا بن زبدى.
هذا المقطع المؤلّف من 4 آيات (آ 35- 39) يتضمّن مواضيع هامة في الإنجيل. الموضوع الأول: إتباع يسوع وتعلّق به. ونجد لغة هذا التعلّق في آ 37، 38، 40، 43: "اتبع". وسنجد هذه اللفظة أيضاً في 8: 12 (من يتبعني لا يمشي في الظلام)؛ 10: 4 (الخراف تتبعه؛ رج آ 27)؛ 12: 26 (من أراد أن يخدمني فليتبعني)؛ 13: 36؛ 21: 19، 22.
والتعلّق بيسوع ليس فقط حصيلة مبادرة يوحنا الممدان. بل يسبقه خيار حرّ ونداء يرسله يسوع إلى التلاميذ. ليس المعمدان إلا وسيطاً. تلميذان يبحثان. قدّم إليهما يسوع إمكانية المجيء إليه لكي يلبّي انتظارهم ويشبعه (15: 16).
والتلميذ هو الذي "يقيم" مع يسوع. يستعمل فعل "أقام" هنا ثلاث مرات. هذه لفظة لاهوتية تدلّ على كمال الإيمان وعلى التعلّق بيسوع تعلّقاً نهائياً (رج 6: 56؛ 8: 31؛ 10: 10؛ 15: 4). تلك هي المراحل في المسيرة التي تكوّن الإيمان: جاء إلى يسوع، رأى أين يقيم، أقام عنده.
أقاما معه منذ الساعة العاشرة، أي الرابعة بعد الظهر. لا يُذكر اليوم الذي فيه تعرّفا إلى يسوع (يوم سبت؟). لا يُذكر المكان الذي فيه تعرّفا إلى يسوع. وهذا الخفر يعطي الخبر بعداً سرياً ومنفتحاً: فكل مؤمن مدعو، ساعة يشاء وأينما يشاء، ليقوم بالمسيرة نفسها فيقيم مع يسوع. فالإيمان يتجاوز مراراً الوساطات البشرية. ولكن الجوهر يقوم في نداء الرب والتعلّق بيسوع تعلقاً حراً نرضى به رضى كاملاً. ويعلمنا وليْ النص (آ 41) أن التلاميذ رأوا في يسوع، المسيح، أي ذاك الذي تكلّمت عنه شريعة موسى وأسفار الانبياء (آ 45).
إن لقب رابي يعني حرفياً: رئيسي، ربي، سيدي. ولكن الإنجيلي يترجمه: "يا معلّم". وفعل أقام يعني: سكن، بات، لبث. إن فعل "تبع" (آ 37) أخذ في آ 38 معنى: تتلمذ، صار تلميذاً. وسؤال يسوع: "ماذا تطلبان، ما تبغيان"؟ يعني أيضاً: "ماذا تريدان؟ ما هي رغبتكما"؟.
يبدو هذا المقطع (آ 35- 39) في جزئين. الأول (آ 35- 37) قد ألّفه الكاتب حسب مخطّط محدّد. والثاني (آ 38- 39) يفجّر الرسمة المعروفة فيبدو نتيجة التقليد التاريخي.
ونبدأ بالجزء الأول.
ذهب الناس إلى يسوع بناء على شهادة المعمدان. المعمدان أقنع اندراوس. اندراوس أقنع بطرس. وفيلبس، الذي هو من بلدة اندراوس وبطرس، أقنع نتنائيل وجاء به إلى المسيح. والكلمات التي تتحدّث عن يسوع تبدأ مع "حمل الله" (1: 29) وتجد ذروتها حين يدل يسوع على نفسه أنه "ابن الانسان" (1: 51). وهكذا تدخل آ 35- 37 في هذا الاطار الإجمالي. كان المعمدان (1: 29- 34) قد "شهد للنور" (1: 17)، فجدّد في 1: 36 شهادته، وقام بالمهمة الثانية الملقاة على عاتق السابق (أي: يوحنا المعمدان): "ليؤمن الجميع على يده" (1: 7 ب). إذن، كان باستطاعة الكاتب أن ينتقل حالاً إلى دعوة سمعان (1: 40- 42) دون الحاجة إلى آ 37: "تبعا يسوع". فلماذا أقحم هنا آ 38- 39؟
حين نقرأ هذه الآيات دون فكرة مسبقة، نحس أننا أمام ذكريات في خبرة شخصية. تفاصيل زمنية ومكانية أكيدة وصحيحة. نحن أمام أساس تقليدي تاريخي مبنيّ على تذكّر لأحداث جرت عند الاردن: "رجع إلى عبر الاردن حيث كان يوحنا يعمّد" (10: 40). مثل هذه الملاحظة لا يكتبها إلا تلميذ كان في السابق مع يوحنا المعمدان عند الاردن.
في هذا المقطع يبرز بصورة خاصة شخص محدّد. في آ 35 تحدّث الكاتب عن "تلميذين" كانا مع المعمدان. في آ 37، تكلّم عنهما من جديد فقال: "التلميذان". وفي آ 40، كتب "كان اندراوس أحد التلميذين اللذين سمعا كلمات يوحنا". فمن كان التلميذ الثاني ولماذا لا يذكر الإنجيل اسمه؟ لماذا لا نجد في كل الإنجيل الرابع ذكراً لاسم يعقوب ويوحنا؟ لماذا لا نجد ذكراً لاسم امهما "سالومة" (19: 25؛ ق مر 15: 40؛ مت 27: 56)؟ لماذا لا يذكر زبدى ابوهما إلا في ف 21 (آ 2) الذي هو امتداد لإنجيل يوحنا؟
كل هذا يوجّه أنظارنا لكي نرى في التلميذ الثاني يوحنا الإنجيلي نفسه. وهناك ملاحظات هامة على المستوى التاريخي. سار المعمدان حسب التقليد اليهودي، فبدا معلّما في شعبه وكارزاً نبوياً بالتوبة. لهذا جمع حوله "بعض التلاميذ" الذين سمّوه "رابي". وهكذا يكون لهذه اللفظة المعنى اليهودي المسيطر، قبل أن يكون لها المعنى المسيحي.
نندهش أمام خبر الإزائيين الذين يصوّرون يسوع وهو يدعو التلاميذ: يقتلعهم من قارب الصيد أو من مكتب الجباية. ويوحنا أبرز هو أيضاً في مقاطع فكرية ولاهوتية أن لا أحد يأتي إلى المسيح إن لم يجتذبه الآب، إن لم يختره الابن (15: 16). فلماذا قدّم التلميذان الأولان نفسيهما ليسوع (آ 37)؟
وهناك سلسلة ردّات الفعل. شهادة، نداء، شهادة جديدة. فالمعمدان بكلمة شهادته ولّد حياة جديدة عند تلميذيه. وشهادة هذين التلميذين اللذين ذهبا إلى يسوع، اجتذبت آخرين. ولكن يُطرح سؤال: من "وجد" فيلبس (آ 43)؟ لا شكّ في أن يسوع نفسه هو الذي دعاه.
لا يتوافق خبر النداءات عند الإزائيين (مر 1: 16- 20؛ مت 4: 18: 22) مع ما نجده عند يوحنا. فعند يوحنا لا نجد مكاناً لنداء ثانٍ على شاطىء بحيرة جناسرت. لقد اهتمّ الإزائيون بأن يرونا التلاميذ الاولين كصيادين، وهكذا تتمّ كلمة النبي حزقيال. رأى المياه تتفجّر من الهيكل وتجري إلى المياه المالحة في البحر الميت، التي ستصبح حلوة. وحيث يمرّ السيل يحيا كل كائن. ويكون السمك وفيراً جداً. "ويقف على هذا البحر صيّادون من عين جدي إلى عين عجلائيم، ويكون سمكه على أصنافه كسمك البحر العظيم كثيراً جداً" (حز 47: 8- 10).
كيف بنى يوحنا هذا المقطع؟ بناه موازياً للمقطع السابق (آ 29- 34). وشدّد على المعمدان الذي شهد، فجلب بشهادته اناساً إلى الإيمان. وهؤلاء المؤمنون شهدوا بدورهم فجاؤوا بأناس آخرين إلى الإيمان.
ولاحظ في آ 38 موضوعاً سيعود بقوة في كل الخبر الإنجيلي: يسوع يعرف كل شيء ويلج إلى قلوب البشر. ونحسّ أنه حين سأل التلميذين "ماذا تطلبان"، فهو يعرف أكثر من اللذين سألهما ما هو موضوع طلبتهما ورغبتهما. إنهما يبحثان عن الحقيقة. فأول كلمة تلفّظ بها يسوع في الإنجيل الرابع، تعني في العمق الرغبة العظيمة التي ترفع الناس إلى الله. وسؤالاً يتضمّن دعوة إلى هذا البحث، وتشجيعاً لمتابعة البحث. غير أن يسوع لا يفرض نفسه. فهو يحترم احتراماً كبيراً قرار خليقته الحر، فلا يعطينا إلا ما نطلب: "تعاليا وانظرا".
لم يجد الإنجيلي الالفاظ الجديدة التي تصوّر عواطف هذين الرجلين. إنهما مع يسوع منذ الساعة العاشرة. ويجعلنا يوحنا نحسّ بأهمية هذه الأقوال التي تبودلت في ذاك المساء، بعرض بسيط يفرض علينا أن نتوقّف ونفكّر. وحوار تلك الليلة قد ينعكس إلى حدّ ما في حوار يسوع مع نيقوديمس. ماذا قيل؟ لا نعرف. كل ما نعرف هو النتيجة: صيحة الفرح التي بها أعلن اندراوس لأخيه سمعان الجديدَ الذي اكتشفه: "لقينا المسيح".
ونعود إلى النصوص الكتابية فنتعمّق في نكرة المسيرة على خطى المسيح (آ 37). فالكلمة العبرية تعني: سار وراء... تبع. ثم خدم، تعلّق قلبه بـ... هناك عبارة معروفة: "خدمة البعل" (1 مل 18: 18؛ رج تث 4: 3؛ 1 مل 14: 8). وطبيعة المتبوع تؤثر على التابع. تبع بنو اسرائيل الباطل، فصاروا باطلاً (إر 2: 5؛ 2: 23- 25؛ هو 5: 11). وتلامذة الانبياء "يتبعون" معلّمهم و"يخدمونه" (1 مل 19: 19- 21): هكذا يتبع اليشاع إيليا النبي. ويستعيد التلميذ نهج معلّمه (2 مل 2: 8، 14): تبع اليشاع مثال معلمه فضرب بمعطفه مياه الاردن.
وفي جو العالم الراباني (المعلمين عند اليهود)، لم يتجرّأ التلاميذ أن يمشوا بجانب معلمهم، بل كانوا يتبعونه عن بعد. وهكذا صارت كلمة "تبع" تعني "صار تلميذاً" وتصرّف كتلميذ تجاه معلمه. وهكذا نستطيع القول إن فكرة اتباع يسوع والاقتداء به تعود إلى حلقة التلاميذ قبل عيد الفصح. واهتمت الكنيسة منذ البداية لتقدّم يسوع التاريخي كمثال لجميع المسيحيين في فقره وتواضعه وجهوزيته للتضحية بذاته. منذ البداية سمعت الكنيسة صوت المسيح: "من أراد أن يتبعني، فليكفر بنفسه ويحمل صليبه كل يوم ويتبعني" (لو 9: 23). وهكذا صار اتباع يسوع يعني التلمذة، يعني أن يكون مسيحياً.
ولفكرة اتباع يسوع في اللاهوت اليوحناوي مدلول عميق جداً. فمن يتبع يسوع لا يصير فقط تلميذه، بل يشارك معلمه في مصيره (12: 26؛ 13: 36- 37). وهكذا، فالإيمان يميّز التلاميذ الحقيقيين. فالذين دُعوا من الخارج ليسوا كلهم تلاميذ حقيقيين ليسوع (رج 6: 67- 71 وعلاقة يهوذا بيسوع). فيوحنا يرى أنه يستحيل أن نكون تلاميذ يسوع دون أن نؤمن به. فالذي يريد أن يتبع الرب عليه أن يعترف به. ووحدها الشهادة التي نؤدّيها ليسوع تجعلنا قادرين على اتباعه. بعد أن اعلن المعمدان من هو يسوع (هذا هو حمل الله، آ 36)، تحرّك التلميذان.
إن الإيمان هو ميزة التلاميذ الحقيقيين (في يوحنا)، بحيث إن فكرة اتباع يسوع بشكل خارجي (شخص يتبع شخصاً) تُترك جانباً حين يقول يسوع لليهود الذين آمنوا به: "إذا ثبتم في كلمتي كنتم حقاً تلاميذي" (8: 31). والحبّ قد يكون، شأنه شأن الإيمان، وبمعزل عن كل رباط خارجي، البرهان بأننا تلاميذ حقيقيون: "بهذا يعرف الجميع أنكم تلاميذي، إذا كنتم تحبون بعضكم بعضاً" (13: 35). غير أن يوحنا لا يتخلّى عن صورة التلميذ الذي يتبع معلمه بشكل خارجي. بل إن في هذه الصورة، يتخذ مفهوم تلميذ يسوع أكبر عمقه اللاهوتي.
فإذا عدنا إلى خطبة الراعي الصالح، نرى أن الراعي يعرف خرافه، وخرافه تتبعه لانها تعرف صوته (10: 4، 27). فالذي يتبع يسوع، نور العالم، على هذه الأرض، لا يمشي في الظلام (8: 12). والآب يكرم على هذه الأرض ذاك الذي تبع ابنه ماراً في الموت مثل حبة الحنطة (20: 12). ونقرأ أخيراً في سفر الرؤيا (14: 4) عن اتباع يسوع: "يتبعون الحمل أينما يذهب".
وهكذا فبداية حياتنا الجديدة تشبه نهايتها: نتبع الحمل. فبالعماد صرنا شبيهين بالحمل على شاطىء الاردن. وفي نهاية حياتنا، نرجو أن نشارك الحمل المنتصر في مجده الملوكي في صهيون، فنتبعه بفرح ولا نملّ. فنحن مدعوون إلى اتباع المسيح لا خلال حياتنا على الارض، بل في الأبدية.
4
دعوة بطرس
1: 40- 42

أنت سمعان بن يونا. ستدعى كيفا، أي بطرس (أي صخر)
تعدّدت الظروف في نداء التلاميذ. كان يوحنا المعمدان الواسطة بالنسبة إلى اندراوس والتلميذ الآخر. وكان اندراوس الواسطة لبطرس، وفيلبس ونتنائيل. وتلقّى فيلبس نداء مباشراً. تعدّدت الظروف، ولكن يسوع هو الذي يحتفظ بالمبادرة: بنظرته الثاقبة، بكلمته الحاسمة هو يدعو ويصدر حكمه في الاشخاص.
لا يقول لنا الإنجيلي شيئًا عن استقباله يسوع لبطرس. بل يهتم بصورة خاصة بكلمة يسوع الذي يعلن لبطرس أنه سيتلقّى في يوم من الايام اسمًا جديداً. كيفا (كذا في الارامية والسريانية). في العربية: صخر. في اليونانية واللاتينية: بطرس.
وهكذا قدّم لنا يوحنا موضوعين اثنين. في الأول، شدّد (كما سيفعل مراراً) على سلطة يسوع الذي يتصرّف هنا كحامل وحي. في الثاني، جعل بطرس في موقع السلطة منذ البداية، وهو الذي سيتكلّم باسم الاثني عشر (6: 67) ويكون راعي الخراف (21: 16 ي).
إلى بطرس وجّهت أول كلمة لها مدلول عميق في إنجيل يوحنا.
ذكر يوحنا كلمتين اراميتين في الصيغة اليونانية: "ماسيًا". وفي الارامية: مشيحا. كيفاس. وفي الارامية: كيفا. الأولى تعني الممسوح بالزيت. والثانية تدل على الصخر والحجر. وقدّم الإنجيلي الترجمة اليونانية للكلمتين.
إن تسمية بطرس "الصخر" قد ولدت في أرض تتكلّم اللغة الارامية. لأن العبارة التي أوردها متى (16: 18) غير ممكنة في اللغة اليونانية: "أنت الصخرة وعلى هذه الصخرة أبني بيعتي".
كانت الجماعة المسيحية الأولى (التلاميذ الأولون) يدعون سمعان "كيفا". هذا ما نقرأه مثلا في غل 1: 18. يقول بولس: "وبعد ثلاث سنوات صعدت إلى اورشليم لأرى كيفا فأقمت عنده خمسة عشر يوماً" (رج غل 2: 9، 11: جاء كيفا إلى انطاكية). وفي 1 كور، يرد مراراً اسم "كيفا". واحد يقول أنا مع بولس، وآخر، أنا مع ابلوس، وآخر أنا مع كيفا (1: 12). كل شيء لكم: بولس، ابلوس، كيفا (3: 22). أما لنا حق مثل سائر الرسل واخوة الرب وكيفا ان نستصحب اختا مؤمنة (9: 5)؟ ظهر الرب لكيفا ثم للرسل الائني عشر (15: 5).
دعا التلاميذ الأولون سمعان "كيفا". ولكنهم لم يدعوا يسوع "ماسيا" (أو: مشيحا) بالاسم الارامي. وحين دعوه كما في اللغة اليونانية "كرستوس"، فصلوا هذا "الممسوح" بالزيت المقدس عن المثال التوراتي الذي تصوّر المسيح ملكاً سياسياً و"حربياً". ففي المقطعين الوحيدين في كل العهد الجديد حيث يدعى يسوع "ماسيا"، لا يزال التصور التوراتي الناقص للمسيح، ماثلاً لدى فكر الذين يتكلّمون. في المرة الاولى مع اندراوس. "لقينا مشيحا، أي المسيح" (آ 41). نحن نعرف ما كان ينتظر التلاميذ في بداية حياتهم مع يسوع. مثلا، أراد يعقوب ويوحنا أن يكونا "وزيرين" عن يمينه وشماله. وفي المرة الثانية مع السامرية: "أنا أعرف ان مشيحا، أي المسيح، آتٍ، ومتى أتى ينبئنا بكل شيء" (4: 25). سيحتاج السامريون بعض الوقت قبل أن يعلنوا يسوع "مخلّص العالم" (4: 42).
نقرأ في آ 41 لفظة تعني: أولاً. لقي أولاً أخاه سمعان. وتعني أيضاً: "على أنه الأول". الأول لقي أخاه سمعان. وقد تعني في شكل آخر: "في الصباح الباكر". لقي أخاه سمعان في الصباح الباكر.
الفرضية الأولى نجدها في أفضل المخطوطات على الرق، كما في البرديتين رقم 66، 75. الفرضية الثانية ترى أن التلميذين المذكورين في آ 35، قد جاء" بأخويهما إلى يسوع. "الأول" اندراوس جاء بأخيه بطرس. والثاني (لا يذكر اسمه) هو يوحنا الذي جاء بأخيه يعقوب. والفرضية الثالثة ترى في النص أن دعوة بطرس تمّت غداة لقاء يسوع مع تلميذي المعمدان.
لا يرتبط هذا المقطع بالتقليد الازائي. لا شكّ في أن مر 3: 16 ولو 6: 14 (في لائحة الرسل الاثني عشر) يرويان أن يسوع أعطى سمعان اسم (بطرس). ونقرأ في مت 16: 16- 17 أن الرب وعد سمعان فقال له: "أنت الصخر وعلى هذا الصخر أبني كنيستي". ولكن واحداً من هذه النصوص لا يستطيع أن يكون نموذجاً للخبر الذي نقرأ.
نكتشف في هذا المقطع يد الإنجيلي تبني النص حسب فكرة لاهوتية محدّدة: مؤمن يشهد أولاً، ثم يأتي بصديقه إلى الرب الذي يجتذبه إلى حلقته اجتذاباً لا ينفصم. بالاضافة إلى ذلك، نحن نفهم بسهولة أن يُذكر بطرس أولاً ويكون في المركز المميّز، لأنه أهم الرسل. في هذه الظروف يبقى شيء لم نفهمه: لماذا لم يجعل الإنجيلي بطرس أول من دُعي من التلاميذ؟ لماذا لم يستفد من هذا الأسلوب ليفهمنا أن بطرس هو الصخرة التي شيّدت عليها الكنيسة؟ وإذا كان قد أراد لبطرس أن يأتي إلى يسوع مدفوعاً بيد شاهد، لماذا كلّف اندراوس بهذه المهمة الشريفة ولم يكلّف "التلميذ الذي كان يسوع يحبّه"؟ ففي مسيرة الإنجيل نجد بطرس في وضع مميّز بقرب التلميذ الحبيب (13: 23 ي؛ 18: 15 ي؛ 20: 4؛ 21: 7، 20).
وإليك الجواب: وجد الإنجيلي الرابع نفسه أمام تقليد آخر مستقلّ عن التقليد الازائي ومختلف عنه. والرغبة (كما في 1: 29- 34) بعدم قطع الرباط مع الوقائع التاريخية، حدّت من النشاط اللاهوتي عند يوحنا. فاسم "كيفا" الذي لا يظهر إلا في الإنجيل الرابع، دون سائر الأناجيل (حتى متى)، يُثبت قولنا بأن في أساس هذا المقطع أساساً تقليدياً وتاريخياً. وإذا عدنا إلى التاريخ، الذي فيه يسمّي يسوع سمعان "كيفا" للمرة الأولى، فنحن لا نكتشف هذا الأمر لا في يو 1: 42 ولا في مت 16: 17- 18، بل في مرقس (3: 16) الذي يقول لنا إن الاسم أعطي لسمعان في ساعة مبكرة.
وظهر يسوع للعالم: ذاك هو الموضوع الأساسي. لقد امتدّ النور كالشمس الشارقة، وكالشموع التي تضاء في ليلة الفصح. وكانت ذروة أولى بعد الآية الأولى، آية قانا، فقال الإنجيلي: "أظهر مجده فآمن به تلاميذه" (2: 11).
في 1: 14- 45، نجد خمس مرات فعل "لقي، وجد". في آ 41: "لقي (اندراوس) أخاه سمعان". في آ 43: "لقي (يسوع) فيلبس". في آ 45: "ولقي فيلبس نتنائيل". هذه صيغة الغائب المفرد. وهناك صيغة المتكلّم الجمع. قال اندراوس: "وجدنا (لقينا) مشيحا، أي المسيح" (آ 41). وقال فيلبس: "وجدنا من تكلّم عليه موسى والأنبياء" (آ 45).
هناك رباط داخلي بين "طلب" (فتش، ابتغى، بحث) في آ 38 و"وجد" (لقي) في آ 41- 45. نكتشف هنا أفكار الأدب الحكمي في العالم اليهودي المتأخّر. فما قالته الحكمة عن نفسها يتمّ في يسوع. قالت: "أحب الذين يحبونني، والذين يبكّرون في طلبي يجدونني" (أم 8: 17). "طوبى للرجل الذي يسمع لي، الذي يسهر يوماً فيوماً عند أبوابي، ليحفظ عضائدها". "من وجدني وجد الحياة، ونال مرضاة من الرب" (أم 8: 34- 35). ونقرأ في حك 6: 11- 12: "إبتغوا كلامي وارغبوا فيه فتتعلّموا. فالحكمة بهية وهي لا تذبل. الذين يحبّونها يستطيعون مشاهدتها. والذين يطلبونها يجدونها".
إن يسوع يعرف أفكار البشر. رأينا أعلاه كيف أن يسوع كان على علم تام، فالتفت إلى التلميذين وقال لهما: "ماذا تطلبان"؟ والآن، ها هو يلقي نظره الثاقب على بطرس ويعده قائلا: "أنت تدعى كيفا أي صخر" (بطرس). وقد نستطيع أن نترجم: يجب أن تدعى بطرس. فكلمات الرب النبوية لا تتوجّه فقط إلى أول المدعوين، بل تتوجّه إلينا نحن أيضاً الذين نتعرّف إلى بطرس من خلال سمعان.
سمعان هو إبن يوحنا في إنجيل يوحنا. أما في مت 16: 17 فهو إبن يونا أو يونان. نحن هنا أمام لفظتين مختلفتين (يوحنا، يونان) وأمام مدلولين مغايرين. يوحنا يعني يهوه يتحنن. يونان هو الحمامة. قد يزول الإختلاف حين تنسخ اللفظتان في اليونانية. ولكن في هذه الحالة، يبدو الشكل الارامي التقليدي أصيلاً في متى. ولكن يوحنا قد هدف بوعي تام إلى إظهار اسم يوحنا من خلال الترجمة اليونانية الخاصة به وفي نقله للأسماء السامية. وهذا أمر مهم بالنسبة إلى الحلقة التي تحيط بالإنجيلي. وما يبرهن عن ذلك، توجّه يسوع ثلاث مرات وبصورة احتفالية إلى بطرس: يا سمعان بن يوحنا (21: 15- 17). هناك نبوّة جسدية تربط بطرس بيونا. وهناك بنوّة روحية تربط بطرس، مثل التلميذ الحبيب، بيوحنا المعمدان. وهكذا نكتشف بشكل جديد الفكرة القائلة بأن كل شهادة رسولية أدّيت إلى يسوع، تجد ينبوعها في شهادة المعمدان.
ويلي التوجّه الإحتفالي (ابن يوحنا) التسمية الجديدة: بطرس، صخر. المعنى واضح عند متى: سمعان هو الصخر الذي عليه يشيّد يسوع كنيسته. أما عند يوحنا، فلا شيء يدلّ أنه يفترض لدى القارئين فهماً للإسم الجديد. لا شكّ في أنهم يعرفون هذا الإسم، ولكن يوحنا يمنعهم من أن يروا في سمعان أول حجر في بناء كنيسته، بعد أن جعله في المقام الثالث في مجموعة تلاميذ يسوع.
إذن، ما هو مدلول لقب "صخر" الذي أعطي لسمعان؟ في العهد القديم، يهوه (الرب) هو الصخر. "الرب صخرتي" (2 صم 22: 2). وعند بولس الرسول، المسيح هو "الصخر" (1 كور 10: 4: وهذا الصخر هو المسيح). ولقد فسّر العالم اليهودي المتأخر أش 28: 16 فقابل بين المسيح والصخر أو حجر الزاوية. وهناك مدراش (درس وتأمل) متأخر اعتبر أن الحجر الذي نام عليه يعقوب في حلم رأى فيه السلم السماوية، هو المسيح. وفي 1: 51، يلمّح يوحنا إلى سلّم يعقوب. هل نستطيع أن ننطلق من كل هذا لكي نفهم اللقب الذي أعطي لسمعان؟ حيث يوجد هذا الحجر فهناك "بيت الله" و"باب السماء" (تك 28: 17). فبطرس يشارك في صلابة ومتانة هذا الحجر الرمزي الذي كُرّس وجُعل علامة تدوم إلى الأبد (تك 28: 18).
يلعب الإسم دوراً هاماً في الكتاب المقدّس كله. فالعالم القديم يعتبر أن من لا اسم له ليس نفط مجهولاً. إنه وكأن لا وجود له. وهذا واضح بصورة خاصة في اسطورة الخلق (انوماإليش). وفي التوراة، لا وجود لليل والنهار، إلا ساعة يعطيهما الله اسماً (تك 1: 5). فالاسم يدعو إلى الوجود. وهو يدل أيضاً على جوهر الشيء: فالشيء هو ما يعنيه اسمه. حين كلمت ابيجائيل داود عن نابال (زوجها) قالت: إسمه نابال، وهو في الحقيقة يجسّد الحماقة (1 صم 25: 25).
وحسب النظرة البيبلية، قد يحضر شخص إذا ناديناه باسمه. "أنت بيننا يا رب، ونحن تسمّينا باسمك" (إر 14: 9). وفي العهد الجديد، "إسم" الله هو الله نفسه كما أخبر به يسوع البشر (مت 6: 9؛ يو 17: 6، 26). وكلمة أش 43: 1 لا تنطبق فقط على بعض الرسل الذين أعطاهم يسوع إسماً جديداً، بل على جميع "أبناء الله": "لا تخف لأني افتديتك. دعوتك باسمك، فأنت لي".
وكما كان الوضع في حلقة الرسل، فهو عندنا، واسماؤنا لا تتساوى كالأرقام والأعداد. ليس أحد "رقماً من الأرقام" عند الله. كل واحد له اسمه. وكل واحد ناداه المسيح بطريقة خاصة (1: 35- 51). ومن واجبي أن أتبع ذاك الذي دعاني باسمي، دعاني بطريقة توافق "اسمي" أي شخصيتي. والإيمان له معناه في المجال الشخصي، حيث لا يستطيع أحد أن يحلّ محلّي، لا يستطيع أحد أن يلج بين شخص الله وشخصي، بين اسم الله وإسمي أنا.
5
نداء فيلبس
1: 43- 44

لقي يسوع فيلبس، فقال له: "إتبعني".
وبعد اندراوس وسمعان بطرس، كان فيلبس التلميذ الثالث الذي دُعي باسمه. فالثلاثة جاؤوا من بيت صيدا، وهي مدينة صيادين واقعة في شرقي الاردن على شاطىء البحيرة.
لا يُذكر اسم فيلبس في الإزائيين إلا في لائحة الاثني عشر (مر 3: 18): اندراوس، فيلبس، برتلماوس... ولكن كان في متناول يوحنا ينبوع معلومات شخصي حول فيلبس فذكره مراراً. بمناسبة تكثير الخبز (ف 6) سأله يسوع: "من أين نشتري لهؤلاء، خبزاً ليأكلوا"؟ ويزيد يوحنا: "قال هذا امتحاناً لفيلبس. وكان هو يعلم، ما سوف يفعل". قال فيلبس: "لا يكفي خبز بمائتي دينار ليصيب كل منهم كسرة" (آ 5: 7). ويُذكر فيلبس وتذكر بلدته (بيت صيدا) في 12: 21. دنا منه اليونانيون وسألوه: "يا سيّد، نريد أن نرى يسوع". فذهب فيلبس وقال لاندراوس، وفيلبس واندراوس ذهبا وقالا ليسوع (آ 22). وأخيراً، كان فيلبس أحد التلاميذ الذين طرحوا سؤالاً على يسوع في خطبة العشاء السرّي. قال فيلبس:أ يا رب، أرنا الآب ونكتفي". قال يسوع: "أنا معكم كل هذا الزمان وما عرفتني، يا فيلبس؟ من رآني رأى الآب" (14: 8).
يروي يوحنا دعوة فيلبس حسب رسمة نجدها عند الإزائيين. مثلاً في مر 2: 14: رأى لاوي. قال له: إتبعني. قام فتبعه. نجد الجزكين الأول والثاني عند يوحنا: لقي فيلبس. قال له: إتبعني. لم يكتفِ فيلبس بأن يتبع يسوع، بل صار رسولاً. حدّث صديقه نتنائيل عن يسوع. جاء به إلى يسوع.
نقرأ في آ 42: خرج أو أراد الخروج (أو: مضى). يُستعمل هذا الفعل مراراً في إنجيل يوحنا. الخراف "تخرج" من الحظيرة (10: 9). الابن "جاء من الله" (13: 3)، "خرج من الله" (16: 28). من جنب المصلوب "خرج" دم وماء (19: 34). هل نفهم بالفعل هنا أن يسوع خرج من بيت من البيوت لأنه يزيد أن يذهب إلى الجليل، أم أنه ترك المنطقة المحاذية للاردن؟ هل التقى يسوع فيلبس حين خروجه، في الطريق، أم في الجليل؟ هذا ما لا يقوله النص.
هناك من اعتبر أن آ 43 زيدت فيما بعد على النص لتكمل رسمة السبعة أيام. فإن تبعنا هذه النظرية وأزلنا آ 43، صارت آ 44 موازية مع آ 40. وصار فيلبس ثاني التلميذين اللذين سمعا كلام يوحنا المعمدان (هذا هو حمل الله) وتبعا يسوع. وهكذا يكون التلميذ المجهول الذي كان مع اندراوس، فيلبس لا يوحنا: وكما قاد اندراوس سمعان إلى يسوع، كذلك قاد فيلبس نتنائيل. فمهمة هذين التلميذين اقتياد الناس إلى المسيح. ففي 6: 7 ي، اقتيد إلى يسوع بواسطتهما ذاك الصبي مع خبزاته وسمكاته. وبواسطتهما جاء الوثنيون إلى يسوع (12: 21 ي). وفي مشهد الصيد العجيب، يمكننا أن نقول إن "التلميذين الآخرين" (21: 2) هما اندراوس وفيلبس اللذين لم يُذكرا في اللائحة.
ولكن سواء "الغينا" آ 43 أو تركناها، تبدو أولوية اندراوس وفيلبس واضحة في الإنجيل الرابع. ولماذا نلغيها؟ ففيها إشارة إلى دعوة. "يوحنا" وأخيه يعقوب اللذين وجدا يسوع، كما تقول الأناجيل الإزائية.
"اتبعني". هذا ما نجده عند الإزائيين. ولكن لماذا يبدو يوحنا وكأنه يعارضهم حين يقول إن بيت صيدا، لا كفرناحوم، هي موطن اندراوس وبطرس (رج مر 1: 29)؟ هل عاد إلى تقليد أصحّ، أو تقليد يكمّل ما في الإزائيين؟ ولماذا لا يقول الكاتب من هو الشخص الذي لقي فيلبس (آ 43)؟ هل هو يسوع، اندراوس، سمعان أو التلميذ الذي أغفل اسمه؟
لقد حافظ الكاتب على رسمة الخبر الذي يجعل التلاميذ يتزايدون يوماً بعد يوم. في آ 29: في الغد، رأى يوحنا يسوع. في آ 35: في الغد كان يوحنا ثانية. والآن، في آ 43: في الغد خرج يسوع. فاذا أردنا أن نحافظ على الرسمة نقول: سمعان جاء بفيلبس، كما جاء اندراوس بسمعان، وكما جاء المعمدان باندراوس، وكما سيجيء فيلبس بنتنائيل (1: 45). هذه نظرة "منطقية" بحسب منطقنا. أما يوحنا فتبع تقليداً لا يقول إن كيفا هو الذي جاء بفيلبس إلى يسوع. بل شخص آخر. وقد يكون يسوع دعاه مباشرة.
ما هو قصد الكاتب اللاهوتي؟ أن يعلن عن يوم جديد، فيصل هكذا إلى العدد 7 (رمز الكمال). وفي الوقت عينه، هو يوجّه أنظارنا نحو هدف جديد، نحو الجليل. وهكذا يربط عمداً بين نداء التلاميذ وعرس قانا. فما نجده في آ 43 يهيّىء الطريق أمام 2: 1 ثم 4: 46. إن هذه الآية تقيم رباطاً روحياً وثيقاً بين دعوة التلاميذ ومعجزة الماء المحوّل إلى خمر.
عبارة صغيرة ومهمة: لقي فيلبس. ولكن لها معنى عميقاً. ها هو تلميذ جديد، هو الخامس، يدخل في حلقة التلاميذ، حول يسوع. وسيتبعه سادس هو نتنائيل، ذاك الإسرائيلي الذي لا غشّ فيه. وسيشير الكاتب بشكل رمزي (2: 6) إلى هؤلاء التلاميذ الستة بواسطة الجرار الست. تحوّل الماء في هذا الجرار إلى خمر، وانتقل هؤلاء التلاميذ من العهد القديم إلى العهد الجديد، فتحوّلوا من اللاإيمان إلى الإيمان: "أظهر مجده فآمن به تلاميذه" (2: 11).
والنقطة الهامة هي: اتبعني. حسبنا في البداية أنه يجب أن نتبع يسوع اتباعاً خارجياً، أن نسير وراءه على الطريق التي تقود إلى الجليل (1: 37). ولكننا رأينا الآن بوضوح أننا أمام فعل ديني، فعل التلميذ الذي يتبع معلّمه. قد يكون الانسان مستعداً لكي يؤمن بالمسيح. ولكن ما يحسم الامور ليس ما يفعله الانسان، بل ما يفعله "المعلّم". هو الذي يدعو، يطلق نداءه. ليس فيلبس هو الذي اختار يسوع. بل يسوع هو الذي اختار فيلبس ليجعله تلميذاً له. فساعة النعمة الكبرى في حياة هؤلاء الرجال، هي ساعة نداء يسوع لهم. "لستم أنتم اخترتموني، بل أنا اخترتكم وأقمتكم لتمضوا وتثمروا ويدوم ثمركم، فيعطيكم الآب كل ما تسألون باسمي" (15: 16). هذا ما قاله يسوع بعد خطبة الكرمة والاغصان. وسيقول لهم في الساعة الحرجة التي تتبع تكثير الخبز وتراجع عدد من التلاميذ: "لا يستطيع أحد أن يجيء إليّ إلا إذا أنعم عليه الآب" (6: 65).
نجد في هذا النداء المعنى الذي نجده في الأناجيل الإزائية. إتبعني، أي كن تلميذي. لقد دُعي فيلبس ليخدم معلمه، ليتكرّس لمشروع بدأ به معلمه. وها هو حالاً يبدأ في العمل. "سيصطاد" نتنائيل، ويأتي به إلى يسوع.
يبدأ يوحنا جمله مراراً بفعل "كان". في 13: 30: "وكان الوقت ليلاً" (الليل هو ساعة عالم الظلمة والخطيئة. في تلك الساعة خرج يهوذا). في 18: 28: "وكان الصبح". في 18: 40: "وكان برأبّا لصاً" (وُضع تجاه يسوع الذي هو الحقيقة التي لم يستطع بيلاطس أن يتعرّف إليها). في 19: 14: "وكانت تهيئة الفصح، وكان نحو الساعة السادسة" (أي الظهر. في ذلك الوقت، يبدأون بذبح الحملان). فهذه العبارات البسيطة تدفعنا إلى التفكير، وهي تعطي الحدث الخارجي معنى عميقاً.
وفي آ 44 نقرأ: "وكان فيلبس من بيت صيدا". قال الإزائيون إن الرسل الأولين كانوا صيادي سمك. فبيت صيدا باسمها (بيت الصيد، بيت السمك) وبموقعها (حيث يصب الاردن في بحيرة جناسرت) هي مدينة الصيادين النموذجية. وهكذا تتحقق رؤية حزقيال في النداء الموجّه إلى سكّان هذه المدينة: في الأزمنة المسيحانية يحمل "الصيّادون" صيداً وفيراً (47: 70).
هناك رباطات على مستوى "البلدة" بين فيلبس واندراوس وبطرس. ولكن ليس هذا هو الأهم. والإشارة إلى صداقة طبيعية بين هؤلاء الثلاثة لا يمكن إلا أن تكون إيجابية. وفي 1: 40- 41، يشدّد النص على قرابة اندراوس إلى سمعان: وكان اندراوس، أخو سمعان". "لقي أولا أخاه سمعان". إن هذين النصين يتعارضان تعارضاً خاصاً مع رفض رباطات الدم عند الإزائيين. قال يسوع: "من هي أمي؟ من هم إخوتي؟ كل من يعمل مشيئة الله هو أخي وأختي وأمي" (مر 3: 33- 35 وز).
ترى الأناجيل الإزائية أن يسوع جاء ليحمل السيف الذي "يفصل الآب عن ابنه، والأم عن ابنتها" (لو 12: 53؛ رج مت 10: 35). فالشرط الضروري لكي نتبع يسوع حقاً هو التالي: "إذا جاء أحد إليّ ولم يبغض أباه وأمه وامرأته وبنيه وإخوته وأخواته حتى نفسه، لا يستطيع أن يكون لي تلميذاً" (لو 14: 26؛ رج مت 10: 37). أما إنجيل يوحنا فيقدّم لنا وجهاً آخر. فبالنسبة إلى المسيح هناك صداقات وقرابات تساعدنا على الذهاب إلى يسوع.
في الأناجيل الإزائية، نرى يسوع يرفض الرباطات التي تمنع الانسان من أن يعطي ذاته له بلا قيد ولا شرط. في إنجيل يوحنا، حبّنا للرب صريح وهو يسمو على كل حبّ، بحيث لا يهدّده أي حبّ أرضي. فالتناسق الاصلي بين حبّنا للخالق وحبّنا للخليقة قد عاد إلى ما كان. ولكن يجب أن لا ننسى ان "النعم" الكامل والذي لا تحفّظ فيه لإرادة الله، هو السبيل الوحيد الممكن لكي نستعيد حباً للعالم يكون على مثال حيث الله: أحبّ العالم حتى أرسل إبنه الوحيد.
6
نداء نتنائيل
1: 45- 51

قال يسوع لنتنائيل: "رأيتك، وأنت تحت التينة، قبل أن يدعوك فبلبس".
واهتم الإنجيلي إهتمامًا خاص بلقاء يسوع بنتنائيل. فهذا الرسول الذي من قانا الجليل 12: 2) لا يعرفه إلا إنجيل يوحنا. وقد أراد التقليد أن يماثله مع برتلماوس (نتنائيل هو برتلماوس) لأن اسمه يرد حالاً بعد إسم فيلبس في لائحة الاثني عشر (مر 3: 18). وجعله آخرون سمعان القانوي، لأن أصله من قانا (مر 3: 18) (أو بالاحرى: سمعان الكنعاني). يجب أن نقرّ بجهلنا. كما لا نستطيع أن نقول إنه كان من الاثني عشر.
عرف أصل يسوع (من الناصرة) فأبدى شكاً وارتياباً: أيخرج من الناصرة شيء فيه صلاح؟ لا، لا يستطيع المسيح أن يخرج من قرية حقيرة لا تذكرها التوراة. وهذا التعارض بين المسيح المجيد وأصل يسوع الخفي، يشكّل عثار التجسّد. فعلى الإيمان أن يتغلّب على حاجز اللحم والدم لكي يرى في الانسان يسوع مرسل اله. غير أن اليهود لم يستطيعوا أن يتجاوزوا هذه العتبة. قالوا: "أليس هذا يسوع بن يوسف؟ نحن نعرف أباه وأمه. فكيف يقول الآن: إني نزلت من السماء" (6: 42)؟
وفعل يسوع لنتنائيل ما فعله لبطرس. دلّ على معرفة غير متوقعة. "رأيتك حين كنت تحت التينة". فيسوع يبرهن، في إنجيل يوحنا، على معرفة سميا للأحداث والأشخاص. نقرأ في 2: 25: "هو لا يحتاج إلى من يخبره عن أحد، لأنه كان يعلم ما في قلب الانسان". وفي 6: 16: "عرف يسوع أن تلاميذه يتذمرون". وفي 13: 31، كان يسوع يعرف "أن ساعته جاءت لينتقل من هذا العالم إلى الآب".
لماذا التلميح إلى التينة؟ لأنها الشجرة المفضّلة التي يجلس تحتها الرابانيون لكي يدرسوا التوراة. فهناك عبارة يستعملونها: "جلس تحت التينة". وهي تعني: تأمّل في الكتب المقدسة. وهناك رأي آخر يقول بتلميح إلى شجرة معرفة الخير والشر. بحث نتنائيل "الإسرائيلي الحقيقي" في الكتب عما ينبىء بمجيء المسيح، فأعلن له يسوع بأن ما انتظره إسرائيل قد تحقّق في شخصه.
تأثر نتنائيل تأثراً عميقاً بشخص يسوع، فأعطاه لقبين: "ابن الله". "ملك إسرائيل". ملك إسرائيل، هي تسمية تدل عند يوحنا على لقب مسيحاني. وهي أقلّ خطراً من عبارة "ملك اليهود" التي استملت خلال الآلام (18: 33، 39؛ 19: 3، 19- 21).
و"ابن الله" هو لقب مسيحاني ينسب إلى الملك ساعة يجلس على العرش للمرة الأولى (2 صم 7: 14). ويشدد مز 2: 6- 7 على الرباط بين لقب "ابن الله" ولقب "ملك إسرائيل". ولكن في إنجيل يوحنا، وفي قلب قرائه، سيتخذ لقب "ابن الله" كامل معناه بعد قيامة يسوع.
في آ 49، هناك خطّاط أقحم لفظة "حقا". "أنت حقاً ابن الله". لقد فهم هذه العبارة على أنها تأكيد، لا سؤال (أما أنت ابن الله؟). وهناك خطّاط آخر بدّل النص. كان: "سترون السماء مفتوحة". فصار: "منذ الآن سترون السماء مفتوحة". وهكذا تُذكر كلمات يسوع أمام المجلس الأعلى: "منذ الآن سترون ابن الانسان" (مت 26: 64)
نتنائيل يعني: الله أعطى. أو: عطية الله (في اليونانية: تيودور أي عطية الله). كان هذا الإسم معروفاً في الأوساط اليهودية، وقد حوّله يوحنا حسب عادته (رج عد 1: 8).
يظهر النص الأول بوضوح أنه، حين وصل نتنائيل، تكلّم عنه يسوع أولاً إلى آخرين (آ 47: قال فيه). وبعد هذا توجّه إليه مباشرة وبطريقة شخصية (آ 48).
في آ 47 نقرأ: "ها هو". هذا ما يدلّ على الدهشة والتعجّب.
هو "إسرائيلي حقيقي" (أو: حقّ)، حميم، صريح، لا غشّ فيه. إسرائيل هو اسم تكريمي ليعقوب وتك 32: 29 يترجمه: صار قوياً ضد الله. قال: "لا تسمّى بعد اليوم يعقوب، بل إسرائيل، لأنك كنت قوياً على الله وستنتصر على البشر". إن المسيحية الأولى عاملت باحتقار لفظة يهودي (2: 6). أما لفظة "إسرائيلي" فهي لقب تكريم (رج روم 11: 2؛ 2 كور 11: 22).
نقرأ في بداية آ 51: آمين، آمين. الحق، الحق. ما هو أكيد، ما هو ثابت. ما هو كذلك وما يجب أن يبقى كذلك. في العهد القديم نجد لفظة "آمين" كأداة تعجّب في نهاية الخطبة أو كجواب على عبارات المباركة والقسم. ولا نجدها كتأكيد في بداية الخطبة إلا في فم يسوع. وهي ترتبط دوماً بفعل: أقول لك، لكم.
إتبعت الجماعة الأولى الاستعمال اليهودي للفظة آمين في نهاية الصلاة، فقالت مثلاً في 1 كور 14: 16 بلسان بولس: "كيف يقول: "آمين" إذا ما شكرت"؟ وفي رؤ 5: 14 انشدت الملائكة فأجاب الأحياء الأربعة: "آمين" وخرّ الأربعة والعشرون شيخاً وسجدوا. وفي روم 11: 36، هتف بولس: "كل شيء هو منه وبه وإليه، فله المجد إلى الدهور! آمين". وفي 1 بط 4: 11 نجد مجدلة مماثلة ليسوع المسيح: "له المجد والعزة إلى دهر الدهور! آمين".
إذا عدنا إلى الإزائيين وجدنا في كل مرة "آمين" واحداً، وهذا خمسون مرة. مثلا في مت 5: 18: "الحق أقول لكم: إنه لا يزول من الناموس ياء أو نقطة واحدة حتى يتمّ الكل". وفي مت 6: 2: "الحق أتول لكم: قد أخذوا أجرهم". أما عند يوحنا فتتكرّر لفظة آمين 25 مرة، وهذا ما يميّز إنجيل يوحنا. غير أن لهذا التكرار معناه. فـ "آمين" يسوع الذي يبدأ تعليماً هو شيء جديد كل الجدة، شيء لم يُسمع به. هذا ما عرف به يوحنا فأبرزه. ثم إن نص الإنجيل الرابع يبدو أمامنا حصيلة نهائية من مواد تاريخية وتأملات شخصية.
بُني هذا المقطع أيضاً حسب الرسمة التي عرفناها في آ 40- 42: وجد (لقي). شهد، جاء، التقى. ثم إن ارتداد نتنائيل يرتدي ملامح خاصة بالإنجيل الرابع: إن شريعة موسى تهيّىء الطريق لإيمان المسيحي. والإسرائيلي الحقيقي يرى في يسوع ذاك الذي هو المسيح. ويسوع يجلب الناس إليه بمعرفته لما في قلوبهم. وتسمية "ابن الانسان" تشمل سرّ المسيح كله.
إن الأسماء المحدّدة تحديداً لاهوتياً كبيراً، والتي طبّقها نتنائيل على يسوع، لا تقنعنا إذا نظرنا إليها من الزاوية التاريخية البحتة. فيجب أن نقرأها على ضوء القيامة. كما لا نجد إشارة إلى الزمان أو المكان. فللكاتب أهداف أخرى. هو لا يكتب هنا لمسيحيين من أصل يوناني يعيشون في آسية الصغرى (تركيا اليوم). بل هو يبرز التعارض بين الرسالة المسيحية الأولى وخصومه اليهود في فلسطين...وهكذا نرى أن آ 45- 51 لم "تخترع" في أفسس في نهاية القرن الأول (كما قال بعض الشرّاح). لقد وُلدت في فلسطين قبل سنة 70. ونتنائيل هو وجه تاريخي. إنه يمثّل الإسرائيلي الذي لا غشّ فيه، والذي قاده تأمله في الأسفار المقدّسة إلى التعرّف إلى يسوع.
هل نتنائيل هو برتلماوس المذكور في الأناجيل الإزائية؟ هناك من يقول إن نتنائيل هم الإسم الشخصي. وبرتلماوس هو لقب (رج بر يونا أي ابن يونا). في لائحة الرسل، يتبع إسم برتلماوس إسم فيلبس (مر 3: 18 وز). هذا في الأناجيل الإزائية. وفي أع 1: 13 يرد إسم برتلماوس مع إسم توما كما في يو 21: 2.
ونعود إلى إنجيل يوحنا فنقول إنه لم "يخترع" الأشخاص والأحداث. بل هو انطلق من الواقع التاريخي، فأعطاه من خلال التأمل بعداً لاهوتياً.
ما الذي توخّاه الكاتب حين دوّن هذا المقطع؟
أولاً أراد أن يخبرنا أن حلقة التلاميذ تمتدّ بواسطة شهادة المدعوّين الأولين، وتأثير شخصية يسوع. "لقي" فيلبس نتنائيل، كما لقي اندراوس سمعان. كلاهما ذهبا في طلب صديقيهما. بحثا عنه لا "ليسيطرا" عليه. فعملهما الرسولي قابل حاجة عميقة في إشراك صديقهما في فرح نعما به. لم يعظ أحدهما قائلاً: "بجب...". بل "وجدنا". هذا الاعلان الفرِح لما وجدا، هو إنجيلهما، هو الخبر الطيب الذي يحملانه. وحده الذي اكتشف المسيح (في لقاء حميم) يستطيع أن "يربح" إليه أناساً آخرين. هذا هو جوهر الحبّ الذي يدفع المؤمن إلى مثل هذا النشاط الرسالي.
ثانياً أراد أن يضع أمامنا شخص نتنائيل الذي يمثّل "الاسرائيلي الحقيقي". كان على إسرائيل كله، شأنه شأن نتنائيل، أن يأتي إلى يسوع. فنتنائيل يتحدّث عن كلمة حملت إليه بلاغاً وإعلاناً (رج 4: 42؛ 25؛ 3، 25). إنه يتصرّف بطريقة تغاير طريقة الجموع التي تؤمن فقط بسبب المعجزات. ولهذا لم يكشف يسوع عن ذاته لها: "وإذ كان يسوع في أورشليم، آمن كثيرون حين رأوا العجائب التي كان يجريها. أما هو فلم يكن يثق بهم لأنه كان يعرفهم جميعاً" (2: 23- 24).
عاد فيلبس ونتنائيل إلى موسى والأنبياء ليكونوا قاعدة لهما. يجب أن يكون المسيح شخصية يتوافق بقداسته واتحاده بالله، مع الآمال الكبيرة التي تحدّث عنها موسى والأنبياء. سأل نتنائيل. فلم يجب فيلبس بأن يسوع يعرف كل شيء. بل اكتفى بان يدعو نتنائيل: "تعال وانظر".
وكلمة يسوع عن نتنائيل، تثبت أن موقفه المتحفّظ أمام إعلان عن مسيح ظهر فجأة، كان مثالياً. دعاه يسوع "إسرائيلياً حقيقياً، رجلاً لا غشّ فيه". الحقيقة والغش يعودان إلى السلوك في الحياة والممارسة (8: 44). إذن، رأى يسوع في نتنائيل البار كما يجب أن يكون: حرّ من كل رياء فريسي، من كل اكتفاء بالذات وتعالٍ (رج زك 3: 10: في ذلك اليوم، يدعو كل انسان صديقه إلى تحت الكرمة وإلى تحت التينة). حيث تجد مثل هؤلاء الناس، يولد المُلك المسيحاني.
هرب الرب من أمام الجموع التي أرادت أن تجعله ملكاً بعد تكثير الأرغفة (6: 15). ولكنه قبلَ أن يعترف به إنسان مثل نتنائيل على أنه "ابن الله" و"ملك إسرائيلَ". أراد يسوع أن يراعي هؤلاء الناس، فأعلن أمام بيلاطس أنه ملك حقيقي (8: 37). ملك ليست مملكته "من هذا العالم" (18: 36).
بدأ نتنائيل فاقترب من يسوع بحذر. ولكن معرفة يسوع الشاملة له، جعلته حالاً يلقي سلاحه. وهنا أيضاً نجد شيئاً ناقصاً. سأله يسوع "معاتبا": هل يؤمن لأنه اكتشف أمراً عجائبياً (آ 50)؟ فعظمة يسوع الحقيقية هي في مكان آخر. والسبب الحقيقي الذي يفرض على نتنائيل بأن يؤمن ليس هنا: عليه أن يعترف بيسوع ويسجد فيه لذلك أقام فيه الله القدوس وسط البشر (1: 51؛ ق 1: 4).
على الإيمان الحقيقي أن يمرّ عبر المعجزات، ويتقدّم ليصل إلى اللقاء الشخصي مع حقيقة الله التي تجلّت في المسيح. هذا صحيح بالنسبة إلى نتنائيل، وصحيح بالنسبة إلى توما (20: 29: رأيتني فآمنت. "طوبى لمن لم يروني وآمنوا")، وصحيح بالنسبة إلينا. إن إيمان هذا الإسرائيلي الحقيقي سار به حتى الحب الشخصي للمسيح والله، وهو حبّ يستقلّ عن كل "البراهين" الظاهرة عن وجود الله.
ثالثاً: أراد الإنجيلي أن يعطينا تعليما أوسع عن الواقع العميق ليسوع المسيح. بدأ في 1: 29 فجمع الألقاب الكبرى التي اكتشفتها المسيحانية اليهودية، وطبّقها على يسوع. ليست هذه القاباً تليق بقائد سياسي تدير أو بحامل وحي من العالم الغنوصي. بل تليق بذاك الذي يوحي حقيقة خلقية وحب الآب للعالم. كان يوحنا قد حدّثنا عن "حمل الله الذي يرفع خطيئة العالم" (1: 29). وأعلن أن يسوع هو "الذي يعمّد بالروح القدس" (1: 33). وها هو يسمّيه "مختار الله" (1: 34)، المعلم والرابي (1: 38). أعلن اندراوس أنه "المسيح، ممسوح الرب" (1: 41). وها هو نتنائيل يدلّ عليه: "ذاك الذي تكلّمت عنه شريعة موسى وكتب الأنبياء". "ذاك الذي يُعرف أيضاً كابن يوسف الذي من الناصرة" (1: 45). ومع هذا، رأى فيه نتنائيل "ابن الله" و"ملك إسرائيل" (1: 49). وجمع يسوع نفسه كل هذه الأسماء: ما رُسم رسمة سريعة في حلم يعقوب (أو: إسرائيل) أبي الآباء، صار في يسوع دافعاً روحياً: إن يسوع يرتبط مع أبيه السماوي برباط حميم ومستمرّ لأنه "ابن الانسان" الحقيقي الذي نزل من السماء (1: 51).
ولا يكتفي هذا المقطع بإعلان هوية يسوع بألقاب تكريمية. فأقواله وأعماله تكشف عن طبيعته. طرح نتنائيل سؤالاً فيه ما فيه من ارتياب (آ 46). فجاء جواب يسوع ليدلنا (يجعلنا نكتشف) على يسوع الحنون الذي يرى ما في القريب من صلاح ويعترف به (آ 37). إن أقوال يسوع "عن" نتنائيل، وتلك التي وجّهها "إلى" نتنائيل، تكشف لنا في يسوع شخص الله الذي يعرف كل شيء. حين تكلّم أيوب عن الله، تساءل: "أما يرى سلوكي، أما يعدّ كل خطواتي" (أي 31: 4)؟ والعالم اليهودي المتأخر سمّى الله "ذاك الذي يرى كل شيء" (2 مك 9: 5).
والآن نكتشف الشيء عينه في الكلمة الذي صار بشراً. فيسوع، هو أيضاً، يرى كل شيء. وولوجه العجيب في الخليقة، تجلّى في كلماته على لعازر المائت (11: 11- 14). وهو يعرف أيضاً المصير المقبل لأشخاص آخرين (13: 36- 38) فينزل إلى عمق حياتهم الحميمة (1: 42؛ 2: 25؛ 6: 70). منذ البداية، هو يعرف ما ينتظره (2: 4، 19؛ 3: 14؛ 6؛ 64؛ 13: 1؛ 18: 4). تأثر نتنائيل، كما ستتأثر السامرية (4: 17- 19، 39)، من معرفة يسوع العميقة لوقائع حياته الخاصة.
ونعود إلى التينة. في المعنى الأول، هو موضع ظليل تحت شجرة قريبة من البيت. الإقامة تحت الشجرة تساوي إقامة الناس اليوم في "غرفة الجلوس". يقول مي 4: 4: "يقيم كل واحد تحت كرمته وتحت تينته" (هذا يدلّ على السلام الذي يعمّ البلاد).
ولكن نتنائيل نال مديحاً من جلوسه تحت التينة، فهذا يعني أنه كان يقوم بعمل جليل: كان يدرس التوراة.
وقد تشير التينة إلى خطيئة أبوينا الأولين. في هذا المعنى كتب اغوسطينس: "كان نتنائيل تحت التينة، كما لو كان في ظلال الموت". إذا فهمت الكلمة بهذا الشكل، فكل تاريخ خلاص البشرية الساقطة حيث نظرة الله الحنونة تسبق كل نداء إلى العمل الصالح، كل هذا التاريخ يدخل في هذا النص الذي يتحدّث عن "رآه تحت التينة".
وصورة "الملائكة الذين يصعدون وينزلون" لا يستعملها يسوع ليعلن لتلاميذه رؤية سابقة. بل هي تذكّرهم بحلم يعقوب. فما كان شعوراً سرياً حتى الآن، صار في حياة يسوع الأرضية واقعاً روحياً. ففي كل مكان يُوجد يسوع، سيكتشف التلاميذ أن الأرض انضمّت إلى السماء: تُستجاب الصلوات (9: 30- 31؛ 11: 41- 42) ويتجلّى مجد الله (1: 14؛ 2: 11).
كان نتنائيل من "قانا الجليل" (21: 2). فهو لا يتخيل أن شيئاً صالحاً يمكنه أن يخرج من الناصرة، تلك القرية القريبة من قريته (آ 46). وهكذا نستنتج أن سنوات فتوّة يسوع في الجليل تسترّت بسرّه المسيحي. لقد بدا للناس إنساناً عادياً، و"غير أهل" للوظيفة المسيحانية (1: 46؛ ق 7: 41- 42، 52). خارجياً، كان يوسف أباه وهذا ما يلقي "عتمة" على السرّ كما أراده لله (1: 45؛ ق 6: 42؛ 7: 27- 28). ولكنّ الناس الذين تحرّروا من الظواهر الخارجية وبحثوا حقاً عن الله، توصّلوا، رغم هذه الصعوبات، إلى الإيمان بألوهية المسيح المختفية وراء هذا الستار. أو بصورة أدقّ، وحسب المعنى الذي أراده الإنجيل الرابع: لقد اكتشفوا إرتفاع يسوع في ذلّه. حين مات فقط، عرفوا عظمته بالنسبة إلى العالم (12: 24).
لخّص يوحنا سرّ المسيح حين سمّاه "ابن الإنسان". ففي نهاية القرن الأولى، كان هذا اللقب بعدُ حيّاً في لاهوت الكنيسة. هذا ما يدهشنا، لا سيّما أننا لا نجد في الإنجيل الرابع تلميذاً من التلاميذ يسمّي الرب بهذا الإسم (في آ 51، ينطلق يسوع من هذا اللقب ليعطي الوحي الأخير عن شخصه). لا نجد في الأناجيل الأربعة لقب "ابن الإنسان" إلاّ كطريقة بها يدلّ يسوع على نفسه. لهذا نستطيع بحق أن نستنتج أن يسوع التاريخي سمّى نفسه بذلك الإسم. وأن هذه التسمية كانت "مقدّسة" في نظر الكنيسة الأولى، فما تجرّأت على تبديلها.
إذا عدنا إلى الإزائيين (مر 14: 62) عرفنا أن يسوع فهمَ هذه العبارة كما في دا 7: 13- 14: "وتأمّلت في رؤى الليل. فشاهدت مثل ابن الإنسان آتياً على سحاب السماء. تقدّم إلى القديم الأيام وقرّب أمامه. وأوتي سلطاناً ومجداً وملكاً". إستقلّ يوحنا عن الإزائيين، ولكنه التقى معهم حين ربطوا لقب "ابن الإنسان" بالإعلانات عن المستقبل وعن الدينونة. غير أن يوحنا عمّق هذا اللقب الذي طبّقه يسوع على نفسه. تكلّم عن "ابن الإنسان" الذي ينزل ويصعد. الذي يجب عليه أن يرتفع لكي يمجّد (3: 13- 14؛ 6: 62؛ 8: 28؛ 12: 23، 34؛ 13: 31). فهو يرى أن "ابن الإنسان" هذا الذي ينزل من السماء، هو نفسه خبز السماء الذي نشترك فيه فننال الحياة (6: 27، 53).
وتعلّق الشعب بالإنتظار المسيحاني، فسأل: "من هو هذا ابن الإنسان" (9: 35؛ 12: 34)؟ ففي "ابن الإنسان" يصبح اللاهوت حاضراً على هذه الأرض. وحتى في السماء، سيكون للمسيح سلطان بأن يدين "لأنه ابن الإنسان".
من الصعب أن نُدخل لقب ابن الإنسان كما نقرأه في 1: 51، في المضامين اليوحنّاوية التي ذكرناها. ولكن يبدو أنه من الممكن أن ننطلق من النظرة الإزائية إلى هذا اللقب (وبالتالي دانيال) فنلقي ضوءاً على هذا النص. فدانيال شاهد في ابن الإنسان رئيس كل شعب القدّيسين وممثّلهم (7: 27؛ ق دا 7: 13- 14). وما مثّله ابن الإنسان (عند دانيال) بالنسبة إلى جماعة القدّيسين السماوية، قد مثّله يعقوب (أو: إسرائيل) بالنسبة إلى الشعب العبراني. وهكذا نعود إلى المقطع الذي ندرس. لقد جسّد نتنائيل إسرائيل الحقيقي كلّه. وإسرائيل هذا رأى في يسوع رئيسه ومثاله (1: 47؛ ق 1: 29). لقد وجد النموذجان التوراتيان، النموذج السماوي حسب دانيال، والنموذج الأرضي حسب خبر يعثوب، لقد وجدا كمالهما في يسوع الذي هو "ابن الإنسان" والذي عليه "صعد الملائكة ونزلوا".
وهكذا نستنتج ثلاث وجهات من غنى لاهوت العهد الجديد حول ابن الإنسان. تذكرّنا صورة ابن الإنسان أننا لسنا وحدنا، بل دوماً في جماعة شعب الله. من خلال صورة ابن الإنسان نجد الزمن الإسكاتولوجي الذي يدخل عالمنا. إن حياتنا قد اتخذت في تجسّد الابن إتجاهاً إسكاتولوجيّاً: نحن نرفع أنظارنا إلى الموطن السماوي، موطن ابن الإنسان لدى الآب، والذي سيصير موطننا (14: 2؛ فل 3: 20).
7
آية قانا الأولى
2: 1- 12

تلك كانت أولى آيات يسوع أتى بها في قانا الجليل. أظهر مجده فآمن به تلاميذه.
إن معجزة قانا هي خاتمة القسم الأول وفاتحة القسم الثاني. إنها تختتم الوحي الأولى الذي وصل إلى التلاميذ. يتبع مشهد قانا في اليوم السابع من أسبوع بدأ في 1: 29. في هذه الحال، نكون أمام تلميح عن خبر الخلق (تك 1: 1- 2: 4 أ). وهنا نظرة أخرى إلى أسبوع هيّأ ظهور سيناء وعطية الشريعة. لقد أراد يوحنا أن يرينا في يسوع ذاك الذي يتمّ فيه وحي سيناء: "الشريعة بموسى، النعمة والحق بيسوع" (1: 17). هذا من جهة.
ومن جهة ثانية، هذه الآية تفتتح سلسلة السبع آيات التي تتوزّع إنجيل يوحنا، قبل القيامة، آية الآيات. نقرأ في آ 11: تلك كانت أولى آيات يسوع. إذن ستتبعها آيات. وبين قانا حيث حوّل يسوع الماء خمراً، وبين قانا التي فيها شفى ابن عامل الملك، نجد ثلاثة وجوه تلتقي بيسوع: نيقوديمس الذي هو رئيس لدى اليهود. السامرية التي حملت البشارة إلى شعب "منشق" فعرف في يسوع مخلّص العالم. عامل الملك الذي هو وثني. قالت له يسوع: "ابنك حي". فآمن هو وكل أهل بيته (4: 53).
نحن أمام عرس غريب. أمام خبر مبني بناءً روحيّاً، بحيث يجب أن نتخلّى عن معرفة ما حدث بالضبط. إنطلق يوحنا من تذكّر حقيقي، فألقى ضوءاً ساطعاً على التاريخ، فصار من الأفضل أن نهتم باللاهوت أكثر منه بالواقع.
ونبدأ بدراسة النصّ.
في المقدّمة (آ 1- 2) نتعرّف إلى أشخاص الخبر وعلاقاتهم المتبادلة. وتُعرض ظروف العرس دون أن يكون أي حديث عن العروسين. لا يشير النصّ إلى العروس. أما العريس فلا يذكر إلاّ بفم رئيس المتّكأ. ظن رئيس المتّكأ أن العريس هو الذي جاء بالخمرة الطيبة. ولكن العريس الحقيقي هو يسوع المسيح. وقد أعطى خمرة جديدة من أجل أعراس الملكوت.
والأشخاص الآخرون هم: يسوع، أم يسوع، تلاميذ يسوع، الخدم. ونلاحظ أن النصّ يقدّم هؤلاء الأشخاص مع رئيس المتّكأ بالنظر إلى يسوع. يسوع هو المحور، هو قلب الخبر. هناك أمه هو. هناك تلاميذه هو. لن يكون للتلاميذ دور فعّال. ولكن لهم أهميّتهم: هم شهود في الخبر. هم موضوع التحوّل: بعد الآية، صاروا مؤمنين.
في المشهد الأول (آ 3- 4) نجد يسوع وأمه. نقص الخمر الذي هو عنصر جوهري من أجل العرس. فكان هذا النقص نقطة انطلاق الخبر. كانت الأعراس في العالم اليهودي (والشرقي عامة) تدوم أسبوعاً كاملاً. فلا بدّ من تهيئة كمية كبيرة من الشراب. لماذا نقص الخمر؟ هذا ما لم يقله الراوي، بل هو لم يهتم له. واتخذت أم يسوع (هكذا تسمّى في إنجيل يوحنا، ولا تسمّى أبداً مريم) المبادرة فتدخّلت.
لم تتدخل بشكل مباشر، بل عبر إعلان وقول عابر. تلك هي طريقة يوحنا في تقديم الطلب بعاطفة تدلّ على الإحترام. هكذا طلبت مرتا ومريم من يسوع أن يتدخّل: "الذي تحبّه مريض" (11: 3). كان على رئيس المتّكأ (أو العريس) أن يهتمّ بهذه التفاصيل. وسنرى أن المشهد بين يسوع وأمه يوازي المشهد بين العريس ورئيس المتّكأ.
نظنّ أن هذا التبديل في الأدوار سيعطينا المفتاح الذي به ندخل إلى الخبر. إن الحوار بين يسوع وأمه يبدو بشكل لغز. ولقد فسرّه بعض الشرّاح انطلاقاً من أفكار مسبقة، لا من مدلوله الأدبي. إن جواب يسوع (ما لي لك، ماذا بيني وبينك؟) لا يترك مجالاً للشك حول طبيعة الحوار. هذه العبارة العبرية ترد مراراً في العهد القديم وهي تدلّ دوماً على سوء تفاهم: أو أنه طُلب من شخص أن يتدخّل في أمور شخص آخر فرفض. أو أن شخصاً أراد التدخّل في أمور شخص آخر فأبعد ورُفض مبدأ تدخّله.
هناك شرّاح يخفّفون من قساوة كلمات يسوع بلهجة يفترض فيها العاطفة، أو نظرة من حنان يوجّهها يسوع إلى أمه. أما يوحنا فم الذهب فرأى في هذا الكلام طريقة عنيفة في معاملة مريم. لا ننسى أن خير الأمور وسطها. جواب يسوع هو إيجاد مسافة بينه وبين أمه: دعاها لكي تتجاوز مجرّد الأمومة بحسب اللحم والدّم، لتولد كما يولد كل تلميذ، لتولد ولادة الإيمان.
وقال يسوع: "لم تأتِ ساعتي بعد". هناك تفسيران ممكنان. الأول يجعل علامة استفهام في نهاية الجملة: "ألم تأتِ ساعتي بعد"؟ في هذه الحالة، يؤكّد يسوع أنه ما دام حاضراً لن تنقص خمرة العرس. الثاني (التفسير المفضّل) يقرأ الجملة كتأكيد فيه يجعل يسوع من هذه الآية الأولى، استباقاً وإعلاناً للساعة التي ستتمّ على الصليب. لا يستطيع أحد أن يقرّر ساعة يسوع، حتى ولا أمه، فمن الآب وحده يتسلّم الابن العلامة التي تعلن: لقد تمّ.
وعلى الصليب سيجمع يسوع أمه والتلميذ الحبيب إلى قلبه (19: 25- 27). كلاما يمثّلان إسرائيل الحقيقي، يمثلان الجماعة التي تواصل حضور يسوع وعمله بعد ذهابه وعودته إلى الآب. وفي قانا، صارت أم يسوع أول تلميذ ليسوع.
في المشهد الثاني، نرى أم يسوع والخدم (آ 5- 6). إن كلمة أم يسوع للخدم، تدلّ على أنها تجاوزت العتبة التي دعاها يسوع لكي تتجاوزها. قالت: "إفعلوا كل ما يأمركم به". إن هذه الكلمة تبرز تعلّقاً غير مشروط. وهكذا صارت أم يسوع بالجسد، الأولى بين التلاميذ.
في المشهد الثالث، نرى يسوع والخدم (آ 7- 8). يبدو هذا المشهد وكأنه معزول عن الرسمة كلّها. هذا يدلّ على أنه يحتلّ قلب الخبر. توقّف الإنجيلي وأطال، وكأنه يقدّم صورة بطيئة عن الأعمال والأوامر، وكيف نفّذت: "إملاوا هذه الجرار ماء". فملأوها حتى فاضت. "إستقوا الآن وقرّبوا لرئيس المتّكأ". فقرّبوا (آ 7- 8). هذا هو وقت تتمّة المعجزات. كان هناك نقص ولّد الخبر. والآن قد سدّ النقص. وكل شيء يمكنه أن ينتهي في الفرح، في جوّ العيد.
وفي المشهد الرابع، نرى سيّد المتّكأ والخدم (آ 8 ب- 9 أ). في الواقع، هنا يبدأ سوء التفاهم. لم يعرف رئيس المتّكأ من أين جاء الخمر. إن الأصل السرّي لهذا الماء الذي صار خمراً، يحيلنا إلى الأصل السرّي ليسوع وعطاياه. والخدم الذين يرمزون إلى المؤمنين الذين "يسمعون" الكلمة، يعارضون رئيس المتّكأ: هو لم يكن يعرف (يدري). أما هم فكانوا يعرفون.
في المشهد الخامس، نرى رئيس المتّكأ والعريس (آ 9 ب- 10). إن رئيس المتّكأ والعريس يقابلان أم يسوع ويسوع (الذي هو العريس الحقيقي): لقد وصل سوء التفاهم إلى الذروة. جهل رئيس المتّكأ (كان عليه أن يؤمّن الخمر) أن شخصاً حلّ محلّه كرئيس متّكأ. وجهل أيضاً أن العريض ليس ذاك الذي يظنّ. هو لا يدري، ومع ذلك يكتفي بجهله فيذكر العادة المعمول بها.
وجاءت خاتمة الخبر فدلّت على القيمة الرمزية للآية: "أظهر مجده فآمن به تلاميذه". هذه النهاية تفهمنا أننا لسنا فقط أمام نادرة وحكاية صغيرة. لهذا نحن نحتاج إلى ضوء الأسفار المقدّسة وحدث القيامة لكي نفهمها.
ماذا تقول الأسفار المقدّسة؟
إن موضوع الأعراس المسيحانية وأهميّة الخمر، أمر يذكره العهد القديم مراراً. حلم هوشع (2: 23- 24) بأزمنة مسيحانية فيها "يستجيب الرب (لطلب) السماوات، والسماوات تستجيب (لرغبات) الأرض. الأرض تستجيب لحاجات الحنطة والخمرة الجديدة والزيت النضير. وكل هذا يلبّي حاجات يزرعيل" (أي: الله يزرع).
وينتظر أشعيا (62: 9) الأزمنة الأخيرة: "إن الذين استغلّوا الحنطة يأكلونها ويسبّحون الرب. والذين جمعوا العنب يشربون منه لا أروقتي المقدّسة". إن يسوع أعطى، بل أغدق بوفرة، وأفرط في العطاء. فالكيلة تساوي 40 ليتراً. هذا يعني أن حوالي 700 ليتر من الماء تحوّلت إلى خمر. وهذا يعني أن الأزمنة المسيحانية قد بدأت في شخص يسوع.
إن التلميح إلى الجرار الست الفارغة والمعدّة لتطهير اليهود، يساعدنا على التثبّت من المعنى الرمزي. فالأعراس بين إسرائيل والله قد وصلت إلى طريق مسدود: فالعدد 6 (7- 1= 6) يدلّ على النقص وعدم الكمال. ثم إن الحوار بين يسوع وأمه يذكّرنا من خلال كلماته، بحوارات أخرى في العهد القديم. حين نقص الخبز في مصر، دعا فرعون الشعب للذهاب إلى يوسف: "وجاعت كل أرض مصر، فصرخ الشعب إلى فرعون طالباً الخبز. فقال فرعون للمصريين كلّهم: إذهبوا إلى يوسف، وافعلوا ما يقوله لكم" (تك 41: 55). وهكذا بدا يسوع كيوسف جديد يطعم الشعب ويتيح له أن ينتقل من العوز إلى الوفر. ولكن التقارب الأوضح يبدو مع خر 19: 8 حيث التصق الشعب بالعهد بهذه الكلمات: (كل ما تكلّم به الرب نعمل بحسبه". إن أم يسوع هي صورة إسرائيل الجديد.
ونقرأ خبر قانا على ضوء الفصح والقيامة.
دوّنت معجزة قانا من أجل المؤمنين الذين اختبروا الإيمان الفصحي وانقطعوا عن العالم اليهودي. كل هذا نستشفّه في بناء النصّ. فالمطلع والخاتمة يضعان القارىء في سياق فصحي. "في اليوم الثالث" أو "بعد ثلاثة أيام". هذا ما يشير إلى القيامة حيث ظهر مجد يسوع (2: 11). وحيث صار إيمان التلاميذ كاملاً. ويصوّر مجمل الخبر كيف أن الإنتقال من العالم اليهودي إلى العالم المسيحي قد تمّ في يسوع.
فالعالم اليهودي الذي انفصل عنه المسيحيون الأولون، يصوّر هنا كتيّار ديني تعب فصار إلى النهاية. فالجرار الست المعدّة لتطهير اليهود هي فارغة، والمسؤولون عن العرس لم يحتاطوا للأمر: فالعرس المسيحاني قد استنفد وانتهى. ثم حين تدخّل يسوع فأعطى العرس إمتداداً غير منتظر وعجيباً، لم يستطيع رئيس المتّكأ ولا العريس (الذي هو صورة إسرائيل) أن يتقبّلوا الجديد الذي يحمله يسوع: إكتفى رئيس المتّكأ بأن يعود إلى الماضي ويقول: "درجت العادة".
وأم يسوع هي هنا: هي تلك التي بها صار العيد بين الله والبشرية ممكناً. لقد قادت إسرائيل الجديد (الذي يرمز إليه الخدم هنا) إلى يسوع. وبفعلها هذا صارت المرأة، صورة إسرائيل الجديد، وخضعت لابنها، وعلّمت شعبها الخضوع: "إفعلوا كل ما يأمركم به". كمية الخمرة ونوعيتها الفائقة تدلاّن على أن العيد المسيحاني قد بدأ وأنه لن يكون نقص في الخمر بعد الآن.
تساءل أحد آباء الكنيسة: "هل شربوا الخمر كلّه"؟ فأجاب: "لا. فنحن ما زلنا نشرب منه".
قال أحد الشرّاح: "إن الأفكار اللاهوتية التي يتضمّنها هذا المقطع هي من العمق، بحيث إن جميع نظرياتنا يجب أن تتوقف. فهناك أكثر من هدف وضعه الإنجيلي نصب عينيه".
هناك أولاً موضوع الإيمان. يقول النصّ: "وآمن به تلاميذه". تجاه هذا الإيمان الجديد في الكنيسة الفتية، نتوقف أولاً عند الوجهة الإكليزيولوجية (على مستوى الكنيسة). فإن 2: 1- 11 لا ينفصل إلاّ من الخارج عن خبر نداء التلاميذ الأولين. فبحسب مضمونه، يشكّل النصّ خاتمة التوسيع الذي بدأ في 1: 19. والآن، في قانا، في اليوم السابع، اجتمعت "الكنيسة" للمرة الأولى، وظهرت "الخليقة الجديدة". ولكن في 2: 1، سمّي هذا اليوم السابع "اليوم الثالث". هذه الإشارة تدلّ على سرّ القيامة. فالكنيسة لا تولد إلاّ من سرّ الفصح.
والإشارة إلى الجرار الست هي واضحة. فيوحنا يفكّر في التلاميذ الستة الذين أقبلوا إلى الإيمان. منذ يوحنا المعمدان واندراوس ويوحنا (لا يذكر اسمه) إلى سمعان وفيلبس ونتنائيل. لقد أعلن يسوع لهؤلاء التلاميذ (1: 51) أنهم سيرون ابن الإنسان في قدرته ومهابته الإلهية. في قانا تحوّل الماء إلى خمر. ولكن المعجزة الأعظم هي تحوّل التلاميذ: "أظهر مجده فآمن به تلاميذه".
ثم إن الكرستولوجيا (الحديث عن المسيح) لا تنفصل عن الإكليزيولوجيا. فإذا تساءلنا عن "المجد" الذي أظهره يسوع في قانا، نفهم أنه بداية ما سيتم في القيامة التي تتوّج الآيات السبع التي أوردها يوحنا في إنجيله. إن الروح خلق الإنسان الجديد، خلق ذاك الذي يؤمن بيسوع. هذه هي المعجزة العظمى. إذن، وحي المجد هذا، ليس قبل كل شيء في الحدث الخارجي الذي هو علامة وحسب. فما هو حاسم، هو التحوّل الروحي الذي يجعل الإنسان جديراً بأن يكتشف الطبيعة الإلهية في يسوع الذي هو الكلمة. هذه الطبيعة لم تنكشف لرئيس المتّكأ، مع أنه ذاق "الخمر الجديد". فالتلاميذ وحدهم، الذين يمثّلون كنيسة المسيح المؤمنة، "رأوا مجد الكلمة الذي صار بشراً". هنا تظهر العلاقة الحميمة بين ابن الإنسان وأبيه السماوي (1: 51). فما نكتشفه في مستوى أول من صورة المسيح التي نجدها في هذا المقطع، هو طبيعة يسوع، لا طبيعته المسيحانية، هو كيانه الخاص الذي يكشفه حين يعمل في البشر.
وصلت مريم إلى العرس قبل يسوع وقبل تلاميذه. وتدخّلت فحصلت على الخمرة الطيّبة. ولكن يسوع لا يتحرّك بتنبيهات البشر، ولو كانت أمه بحسب الجسد. فإرادة الله هي التي تحدّد الساعة التي فيها يظهر مجده. ويحلّ الخمر محل الماء، فيكون عمل الابن امتداداً لعمل الأم. والإهتمام البشري يترك المكان للغنى الإلهي. لا شك أن رباطات اللحم والدّم لم تعد مهمّة. ولكن مريم، القريبة روحيّاً من يسوع، كانت أول من اكتشف اقتراب علامة الخلاص. لقد أبرز يوحنا في إنجيله مشاركة هذه المرأة في المعجزة. بكلمة قالتها لابنها، مثّلت العهد القديم. وبالكلمة التي قالتها للخدم دخلت في إرادة الله، وأخذت على عاتقها وضعاً سيهيمن في نظام الخلاص الجديد. في قلب الكنيسة، كنيسة العهد القديم أو كنيسة العهد الجديد، تبقى مريم أقرب القريبين من يسوع.
دُعي يسوع إلى العرس فلبّى الدعوة. وفي هذا حقّق ما قال مطلع إنجيل يوحنا: "جاء إلى خاصته". هنا نترك ما قاله الغنوصيون والمانويون في الماضي حول الإنفصال بين عالم المادة وعالم الروح. لقد عاش يسوع حياته على الأرض كما عاشها كل إنسان: أكل، شرب، تعب، نام... شاركنا في حياتنا وأفراحنا وأحزاننا (بكى على لعازر) بشكل طبيعي جداً. ولكنه نفح كل هذه الأعمال بنفحة إلهية، فصارت الأعراس مثلاً انعكاساً لواقع أبدي.
كان العرس يمتدّ طويلاً (تك 29: 27؛ قض 14: 12؛ طو 11: 19). كانوا يأكلون ويشربون وينشدون ويرقصون ويمارسون بعض الألعاب (قض 14: 12). وكانت العروس تنتقل إلى بيت عريسها بإحتفال عظيم. وهذه العظمة كان لها أساسها في نظرة العهد القديم إلى الزواج كما "أسّسه" الله.
حين دخل طوبيا إلى خدر العروس، طلب من سارة أن تصلّي معه: "مبارك أنت، يا أله آبائنا، أنت الذي خلقت آدم. أنت الذي خلقت حوّاء لتكون عونه وسنده. ووُلد الجنس البشري من هذين الإثنين. أنت الذي قلت: لا يحسن أن يكون الإنسان وحده، فنصنع له عوناً شبيهاً به. والآن، أنا لا أطلب اللذة حين آخذ أختي، ولكني أتصرّف بقلب صادق. تنازل وتحنّن عليّ وعليها لنصل معاً إلى الشيخوخة. وقالا كلاهما: آمين. وناما معاً في تلك الليلة" (طو 8: 5- 9). هذا ما نجده في السبعينية اليونانية. أمّا في نصّ الشعبية اللاتينية فنقرأ: "والآن أيها الرب، أنت تعلم أني آخذ أختي زوجة لا رغبة بالجسد، بل من أجل نسل يسبّح إسمك إلى الأبد".
حين عاد هذان الزوجان إلى خبر الخلق، تطلّعا إلى الوحدة في الحب حتى عمر متأخّر كهدف الزواج الحقيقي. لا شكّ في أن الحياة اليومية كان ينقصها بعض المثالية في الميثاق القديم. ولكن يسوع أعاد النظام القديم إلى ما كان عليه من جمال: فتعليمة موسى حول كتاب الطلاق كانت تنازلاً أمام الضعف البشري. "في البدء، خلق الله الإنسان رجلاً وإمرأة. لهذا يترك الرجل أباه وأمه، فيصير الإثنان جسداً واحداً. وما ربطه الله لا يفرّقه الإنسان" (مر 10: 6- 9 وز).
أعاد المسيح إلى الزواج كرامته، كعمل مقدّس وعظيم. ولكنّه عرف أنه ما زال نظاماً أرضياً وعابراً. غير أنه في العمق يعكس وحدة المسيح مع الكنيسة (أف 5: 32). إن المسيح الذي هو العريس يحلّ محل الله في أعراسه مع شعبه (هو 2: 21 ي؛ أش 54: 5؛ حز 16: 8). في هذا المعنى ينشد سفر الرؤيا: "لنفرح ونبتهج ولنشد بمجده، لأن عرس الحمل قد حضر، وعروسه قد هيّأت نفسها... طوبى للمدعوين إلى وليمة عرس الحمل" (رؤ 19: 7- 9). فيسوع هو الحمل الذي جاء إلى قانا مع عروسه، فدشّن أعياد الزواج التي هي صورة عن وليمة عرس الحمل الأبدية.
من خمر فاض في عرس من أعراسنا، إلى خمر الإفخارستيا المقدّسة، إلى الخمر السماوي. هكذا ينتقل المزمن من عيد إلى عيد، ومن فرح إلى فرح حتى يصل إلى فرح عرس الحمل، إلى العيد الذي لا ينتهي.
8
يسوع ونيقوديمس
3: 1- 13

نحن نتكلّم بما نعرف، ونشهد بما رأينا، ولكنكم لا تقبلون شهادتنا.
هذا اللقاء بين يسوع ونيقوديمس، يتحدّد موقعه داخل لقاءات ثلاثة مع حامل وحي الآب. نيقوديمس، الرئيس اليهودي (3: 1- 21)، السامرية التي انفصلت عن الدين اليهودي (4: 1- 42)، الموظف الملكي الذي هو وثني (4: 46- 54).
ونبدأ بالمقدمة (آ 1- 2 أ). جمع الراوي في هاتين الآيتين عناصر تعرّفنا بهوية الشخص، بصفته كفرّيسي وكوجيه يهودي. تعرّفنا بالظرف الذي فيه جاء إلى يسوع (ليلاً).
سيذكر نيقوديمس مرتين فيما بعد في إنجيل يوحنا. في 7: 50 وفي 19: 39. يقال عنه في المرة الأولى: "هو الذي جاء قبلاً إلى يسوع". أراد أن يدافع عن يسوع: "أتحكم شريعتنا على أحد قبل أن تسمعه وتعرف ما فعل" (آ 51)؟ وفي المرة الثانية يقال: "وجاء نيقوديمس وهو الذي ذهب إلى يسوع ليلاً من قبل. جاء مع يوسف الرامي لكي يحنّطا جسد يسوع. هل نعتبر هذه الفعلة التقوية بمثابة إرتداد من قبل ذاك الذي ظلّ صديق يسوع حتى النهاية؟ ولكن هناك من يتجاوز تعاطف القارىء مع نيقوديمس فيقول مع أغوسطينس: "جاء في الليل، وذهب في الليل. إنه لم يخطُ الخطوة الأخيرة التي تقوده إلى النور. ولكن مهما يكن من أمر، ففي هذا المقطع (3: 1- 13) يركّز يوحنا إنتباهنا على موضوع اللقاء: نؤمن أو لا نؤمن بالهوية الحقيقية ليسوع في ملئها الكرستولوجي.
إن الملاحظات العابرة التي تفتتح هذا الفصل، تعرّفنا إلى الشخص وإلى موضوع الحوار. فالليل هو زمن سري يتيح للذي يخاف أن يظلّ متخفياً. ولكنه بشكل خاص الزمن المميّز الذي فيه نتأمّل سرّ الله. لقد اعتاد الرابانيون أن يكرّسوا لياليهم لدراسة الكتب المقدّسة. والذي جاء إلى لقاء يسوع هو ممثّل الشعب اليهودي. إذن تتحلّى زيارته بطابع رسمي. فكأني بيسوع مدعو لكي يحدّد موقعه داخل العالم اليهودي.
تركّزت كل المعلومات في هاتين الآيتين. بعد هذا، تختفي العناصر الخبرية العابرة، ليبرز موضوع الحوار والوحي الذي ينهي هذا الحوار.
هناك حواران بين يسوع ونيقوديمس. في الأول، يبدأ نيقوديمس الكلام فيقول: "نحن نعرف" (آ 2 ب- 3). وفي الثاني، يتساءل: "كيف يولد الانسان ثانية"؟
موضوع الحوار الأول: المعرفة أم الولادة. قدّم نيقوديمس نفسه كممثّل للسلطات اليهودية وتكلّم باسمها. لقد رأى في يسوع "مرسل الله". حدّد له موقعه. فالآيات التي يصنعها تدلّ على أن الله معه كما كان مع موسى (خر 3: 12 حسب السبعينية) ومع إرميا (إر 1: 8). هناك عدد من الرابانيين حسبوا أنبياء حقيقيين. ونيقوديمس جعل يسوع بينهم، جعله في سلسلة مرسلي الله في تاريخ الخلاص. وقد يكون رأى فيه النبي الذي أعلن موسى عن مجيئه في تث 18: 18: "سأقيم لهم نبياً من بين اخوتهم مثلك وألقي كلامي في فمه".
آمين، آمين. الحق، الحق أقول لك. تعلن هذه الكلمات في إنجيل يوحنا، وحياً إحتفالياً هامّاً. أما جواب يسوع فيقع في إطار سوء التفاهم. حين أجاب يسوع، جعل نفسه على مستوى يختلف عن السؤال المطروح، حيرّ محاوره: تظاهر بأنه فهم كلمة نيفوديمس كسؤال شخصي. فكأني بنيقوديمس يشبه الوجيه الذي أراد أن يعرف ماذا يجب عليه أن يفعل ليرث الحياة الأبدية (لو 18: 18).
حدّد نيقوديمس موقعه على مستوى المعرفة. هو يعرف ويسوع يعرف. هو معلّم ويسوع معلّم. ولكن يسوع سيقول له فيما بعد: "أنت معلّم في إسرائيل ولا تعرف" (آ 10)؟ لهذا عرض عليه ولادة جديدة: أنت تريد أن تعرف. وأنا أعرض عليك ولادة جديدة. ركّز نيقوديمس سؤاله على يسوع وعلى هويته. ولكن يسوع امّحى في تلك اللحظة، فوجّه كلامه عبر نيقوديمس، إلى كل إنسان: "لا يقدر أحد (أي: إنسان) أن يرى الملكوت".
قال يوحنا: يرى الملكوت. قال الإزائيون: يدخل الملكوت. إن عبارة يوحنا تشدّد على البعد الوجودي: هناك خبرة ولقاء ومشاركة. وقد يلمّح يسوع تلميحاً أوّل إلى رسالته: من يرى يسوع يرى الآب. هذا ما قاله لفيلبس بعد العشاء السري. "يا فيلبس، من رآني رأى الآب" (يو 14: 9).
أما الآن، فيشدّد يسوع ويلتح بأن على كل إنسان أن ينتقل من "عرف" إلى "ولد". ثم إن الظرف اليوناني المستعمل يحمل معنيين أو أكثر: ولد "من فوق". ولد "من جديد"، أو مرة ثانية. ولد "منذ البدء". لم يخفَ هذا الالتباس على الإنجيلي. فهذه الولادة تأتي (من فوق). إنها عمل الله وحده. ولكننا أمام ولادة جديدة وبداية ثانية. تكلّم الإزائيون عن الذين "يصيرون كالأطفال" (مت 18: 3) فشدّدوا بالأحرى على النداء إلى الإرتداد والتوبة. أما عند يوحنا، فلم يذكر حرف التشبيه (الكاف: كالاطفال). قال: يجب أن نصير أطفالاً. يعني: أن نولد من جديد.
وننتقل إلى الحوار الثاني في (آ 4- 10).
ما استطاع نيقوديمس أن يرتفع إلى مستوى يسوع. سار في خط الحوارات الرابانية، فقدّم إعتراضين ليسوع. الأول: "كيف يستطيع الإنسان أن يولد وهو كبير في السن"؟ الثاني: "هل يستطيع الإنسان أن يعود (يدخل) إلى بطن أمه"؟ وسيمتدّ سوء التفاهم فيعطي ليسوع إمكانية توضيح الوحي الذي يحمله. وسوء التفاهم هذا سنجده أيضاً مع السامرية التي حدّثها يسوع عن الماء الحي، فظلّت على المستوى المادي وقالت له: "أعطني من هذا الماء يا سيدي، فلا أعطش ولا أعود إلى هنا لأستقي" (4: 15). كما سنجده أيضاً مع الشعب بعد تكثير الأرغفة. قالوا له: "يا سيد، أعطنا كل حين من هذا الخبز" (6: 34). وفي الجدال حول إبراهيم: "كيف رأيت إبراهيم وما بلغت الخمسين بعد" (8: 57)؟ بل في حديثه مع التلاميذ. قال له فيلبس: "يا سيد. أرنا الآب وكفانا" (14: 8).
سأل نيقوديمس: "كيف"؟ أجاب يسوع بشكل دقيق وبلهجة إحتفالية مع تكرار: آمين، آمين. الحق الحق أقول لك. كان هناك التباس، فرفع الالتباس. لا يستطيع الانسان أن ينال إمكانية الولادة الثانية إلاّ من الآب وحده. يجب أن نُولد من الماء والروح. فالولادة بالروح تتمّ بواسطة ماء العماد. حين روى الإنجيل خبر يسوع، اهتمّ بأن يبين أن المتطلّبات المفروضة في زمن حضور يسوع التاريخي، ظلّت هي هى في زمن الكنيسة.
وُلد ثانية بالروح. فعلى مدّ التوراة، قدّم الله لشعبه إمكانية الحصول على "قلب جديد" (حز 11: 19؛ رج 36: 26- 27؛ أش 44: 3؛ ار 31: 33). هذا ما استطاع أن يفهمه نيقوديمس، بل مجمل الجماعة اليهودية. ولكن القسم الأكبر من الشعب اليهودي الذي يرمز إليه نيقوديمس هنا، لم يستطيع أن يتقبّل هذه الولادة الجديدة التي يدعوه إليها يسوع.
ويشدّد هذا الجزء الثاني من الحوار على الفاعل وعلى نتائج هذا التحوّل. فالفاعل الوحيد هو الله بواسطة روحه. فكلمة "بنفما" تعني الروح القدس وتعني الريح. وهي تتردّد أربع مرّات في آ 5- 8. هنا يتعارض عالم الله (الذي لا ندرك ينبوعه: "لا تعرف من أين يأتي ولا إلى أين يذهب") مع عالم الإنسان. "الجسد" (أو البشرية واللحم والدم) هو الوجود الأرضي والسريع العطب.
نحن لا نرى إلاّ نتائج عمل الريح والروح: كما أننا نسمع صفير الريح، كذلك تُرى أعمال الناس المولودين ثانية من الروح (كنيسة يوحنا). "هكذا كل من يولد من الروح".
قاد يسوع الحوار بسلطته، وأوقفه ساعة شاء مع الذي جاء كمعلّم في إسرائيل. وانتهى القسم الأول من الفصل مع خيبة أمل يسوع: "أنت معلّم في إسرائيل ولا تعرف هذه الأمور" (آ10). وأعيد المعلّم إلى الكتاب والدرس.
وسار نيقوديمس مسافة طويلة مع يسوع. وسيبيّن لنا وَليْ الإنجيل أنه سيظلّ متعاطفاً مع المجموعة المسيحية: ويمكن أن يكون صار مؤمناً فيما بعد، غير أن يوحنا ركّز خبره هنا على فشل نيقوديمس، فما عاد يهتم بمعلومات عابرة. وشرح أغوسطينس هذا النص مشدّداً على الرمزية فقال: "جاء نيقوديمس إلى الرب. ولكنه جاء ليلاً. جاء إلى النور ولكنه جاء في الظلمة. بحث عن النهار في الظلمة... ولكنه تكلّم إنطلاقاً من ظلمة بشريته (ضعفه). لقد صار نيقوديمس هنا صورة ورمزاً: فعبره انتهت المواجهة الليلية والحقيقية بين يسوع والعالم اليهودي في سوء التفاهم. وسوء التفاهم هذا الذي ما زال يفصل المسيحيين عن اليهود، يكمن في هوية يسوع. ففي نظر البعض (نيقوديمس ويهود عصره) يسوع هو نبي أرسله الله. وفي نظر البعض الآخر (المسيحيون) يسوع هو كائن لا يقدر أن يراه إلاّ الذين وُلدوا من الماء والروح".
بعد آ 10، تأخذ الجماعة المشعل من يد يسوع وتتابع عمله في 3: 11- 21: هي صيغة المتكلّم الجمع (نحن نتكلّم بما نعرف) التي تشرف على النص، فتضمّ كلمة يسوع إلى كلمة الجماعة. وحلّ محلّ "نيقوديمس" (الذي هو شخص فرد) مجمل الشعب اليهودي (تكلّم نيقوديمس باسمه) خاصة في آ 11- 13. وبعد آ 13، اختفى الحوار وظلّت حاضرة كلمة الوحي، فتعمّقت تعمّقاً عجيباً: انتقلنا من أمور الدنيا (الأرض) إلى أمور السماء (آ 12).
وهكذا ظهر لنا يسوع كالوحي (حامل الوحي) الوحيد (آ 13). فالمعرفة الوحيدة الحقيقية عن الله، هي تلك التي تأتي من الذي نزل من السماء، من ابن الإنسان. لقد أشار العهد القديم مراراً إلى حلم يصل بالإنسان إلى معرفة الله معرفة مباشرة. قال أم 30: 4: "من صعد إلى السماء ثم نزل منها"؟ وحك 9: 16- 17: "وإذا كنا نحن البشر غير قادرين أن نعرف ما على الأرض، بل حتى ما هو أمام عيوننا، فكيف نقدر أن نعرف ما في السماوات؟ من يعرف أفكارك (يا رب) إذا أنت لم تمنحه الحكمة ومن أعاليك ترسل إليه روحك القدوس".
يسوع هو هذا الموحي الذي لم يقدر أن يتعرّف إليه نيقوديمس، ومن خلاله الشعب اليهودي. قال يوحنا: "ما من أحد رأى الله. الابن الوحيد الذي في حضن الآب هو الذي أخبر عنه" (1: 18). أجل، يعجز الانسان عجزاً جذرياً عن معرفة الله بنفسه معرفة مباشرة، بل هو يتوق إلى هذه المعرفة. قال تث 4: 12: "كلّمكم الرب من وسط النار، فسمعتم صوتاً ولكن لم تروا صورة". فمن يقود الناس إلى معرفة الله؟ الابن الوحيد الذي يشارك الآب في حياته مشاركة لا حدود لها. فيسوع يخبرنا عن الله بحياته وأقواله وأعماله. وقد قال في خطبة الافخارستيا: "من جاء من عند الله هو الذي رأى الآب". بهذه الطريقة يعارض يسوع (وعبره جميع المسيحيين) يهود عصره، حتى القريبين منه مثل نيقوديمس. كما يعارض كل غنوصية (معرفة باطنية) تعتبر أنها تستطيع أن تقدّم معرفة لأسرار الله خارجاً عن يسوع.
من انتظر تقريراً دقيقاً عن حوار تمّ بين يسوع ونيقوديمس، يخطىء الهدف، ويصطدم بصعوبات لا حلّ لها. كما أنه لن يفهم ما يريد الإنجيلي أن يقوله. فشهادة المسيح في هذا الفصل (ولا سيّما بعد آ 14) هي في الوقت عينه شهادة الكنيسة. ومع ذلك، نلاحظ شيئاً يدهشنا. هناك عبارة ترتدي رنّة أرامية: "إن لم يكن الله معه". ثم إن الطريقة التي بها يتوجّه نيقوديمس إلى يسوع تذكّرنا بكلام الفريسيين والهيرودسيين الذين جاؤوا إلى يسوع. مثلاً في مر 12: 14: "يا معلّم، نحن نعرف أنك صادق ولا تبالي بأحد". والجواب الذي قدّمه يسوع حيال تحيّة نيقوديمس له، يتوافق مع ما نجده في عدد من المقاطع الإنجيلية: أو أن يسوع يرفض الجواب. أو هو يدخل في الموضوع منطلقاً من وجهته الخاصة التي تفترق عن وجهة محاوريه (مر 10: 17- 19 وز؛ 7: 27 وز). وهكذا يكون المقطع الذي ندرس قريباً من تقليد الكنيسة حول يسوع.
ورُسمت صورة نيقوديمس بوضوح وهي توافق الظروف التاريخية في زمن يسوع. فهذا الرجل يرتبط بالتيار الفريسي. في ذلك الوقت كان الفريسيون أقلّية في المجلس الأعلى، فما شكّلوا مجموعة منغلقة على ذاتها. وبما أن نيقوديمس كان معلّماً محترماً نقد دُعي ليجلس مع أعضاء المجلس الأعلى. وسنعرف فيما بعد (19: 39) أنه كان غنياً.
نيقوديمس هو "شعب النصر"، والعبرة التي يعطينا إياها هي تواضعه. رغم مركزه الإجتماعي الرفيع وسعة علمه، جاء إلى يسوع. كان باستطاعته أن يدعوه إلى بيته. لم يفعل بل جاء إليه. سأله في إطار "فقر روحي". وهكذا تميّز نيقوديمس عن سائر الفريسيين. سيفهمه يسوع أن عليه أن يعود إلى الطفولة الروحية.
هل سيعود؟ هل سيعود شعبه؟ قد يكون فعل مثل الشاب الغني فتابع يسوع حديثه لا إلى العالم اليهودي، بل إلى الكنيسة التي ستفهم أن ابن الله على الصليب سوف يحيي البشر الذين يؤمنون به.
9
يسوع ويوحنا المعمدان
3: 22- 36

مثل هذا الفرح فرحي، وهو الآن كامل. له هو أن يزيد، ولي أنا أن أنقص.
ظهرت العلاقات بين يسوع ويوحنا المعمدان منذ الفصل الأول. في المطلع، نقرأ: "ظهر رسول من الله إسمه يوحنا. جاء يشهد للنور حتى يؤمن الناس بالنور" (1: 6- 7). يوحنا هو الشاهد للنور، وليس هو النور. النور هو يسوع الكلمة. وسيكون يوحنّا الشاهد للعريس، وليس هو العريس. العريس هو يسوع المسيح الذي دعا الكنيسة إلى أعراسه في قانا الجليل. وقدّم يوحنا شهادته أمام اليهود حين اعترف بأنه ليس المسيح، بل صوت صارخٍ في البرية (1: 19- 23). وشهد أمام تلاميذه: "هذا هو حمل الله الذي يرفع خطيئة العالم" (1: 29، 36). 
وفي هذا النصّ يقدّم لنا الإنجيلي آخر كلمات يوحنا المعمدان. بعد هذا، سوف نجد تلميحات ترد على لان يسوع: "أرسلتم رسلاً إلى يوحنا، فشهد يوحنا للحق... لي شهادة أعظم من شهادة يوحنا: لي أعمالي التي أعطاني الآب أن أعملها" (5: 33، 36). شهادة يوحنا نسبية، ولكن يسوع يشير إليها لأنّ اليهود قبلوها إلى درجة ما. وهناك تلميح أخير إلى يوحنا في 10: 40- 42: "ورجع يسوع إلى عبر الأردن حيث كان يوحنا يعمّد من قبل، فأقام هناك. فجاء إليه كثير من الناس وقالوا: ما عمل يوحنا آية واحدة، ولكن ما قاله في هذا الرجل كان كله صحيحاً. فآمن بيسوع كثير من الناس".
ذكر يوحنا التلاميذ في 2: 12: ساروا مع يسوع بعد معجزة قانا الجليل. وبعد ذلك، يبدو أنهم أخفقوا. وها هم يظهرون من جديد. أيكون الحوار بين يسوع ونيقوديمس تمّ بدون شهود؟ أيكون التلاميذ (أو بعض منهم) حضروا اللقاء وسمعوا دون أن يُذكر إسمهم؟ مهما كانت المراجع التي استقى منها الإنجيلي، فدوره كبير ككاتب ولاهوتي في نشاطه الإبداعي والخلاّق.
هل كان يسوع يعمّد؟ سؤال مدهش. ولكن يبدو أنّ يوحنا يشير إلى هذا الأمر بكل بساطة. ولكنه سيصحّحه فيما بعد في 4: 1- 2: لم يكن هو يعمّد، بل تلاميذه. في الأناجيل الإزائية، سننتظر القيامة لنرى يسوع يأمر تلاميذه بأن يعمّدوا. وتأكيد يوحنا على أنّ يسوع كان يعمّد، قد يكون صحيحاً. فيسوع قد عمّد، على ما يبدو (مثل المعمدان)، قبل أن يصبح نبياً متنقّلاً. هل كان تلميذ المعمدان؟ هذا ما لا تقوله النصوص. هل عمّد حيث كان يوحنا يعمّد؟ هذا ما لا نعرفه. والحديث عن المعمودية قد يلقي ضوءاً على علاقات يسوع مع عالم العماديين. ولكنه ما عتّم أن ابتعد عنهم وانخرط في رسالته الخاصة.
وكان جدال بين يهودي وتلاميذ يوحنا (آ 25) في مسألة الطهارة. قد يكون موضوع الجدال خلاف حول قيمة عماد يوحنا بالنسبة إلى طقوس الطهارة لدى اليهود. أو حول العلاقة بين معمودية يسوع ومعمودية يوحنا. ووَليْ النصّ يوجّهنا إلى هذا التفسير الثاني.
ونصل إلى شهادة يوحنا (آ 26- 30). كان يسوع يعمّد "في بلاد اليهودية" (آ 22). إشارة غير دقيقة. لا شكّ في وادي الأردن، وفي مكان بعيد عن المكان الذي كان فيه يعمّد يوحنا المعمدان: أي: عين نون حيث المياه كثيرة (عين نون أي عينون، أي: عيون، جمع عين ونبع). كان يوحنا يعمّد في عبر الأردن. ولكننا لا نعرف موضع المكان الذي عمّد فيه. لم نعد في بيت عنيا كما في 1: 28.
إنّ كلمة يوحنا عن يسوع تجمع 1: 20 (لست المسيح) مع 1: 6 (كان رجل مرسل من الله). أنتم تشهدون بأني قلت: "ما أنا المسيح، بل رسول قدّامه".
أما موضوع شهادة يوحنا فيرد في حديث عن "العريس وصديق العريس" (آ 29- 30).
صديق العريس هو الإشبين في تقليدنا الشرقي. هو صديق العريس. يهيّىء الزواج، ويسهر في يوم الزواج لكي تسير الأمور على أحسن ما يرام. يتنصّت ليسمع "الضجة"، صوت الإحتفال الذي يقود العريس إلى عروسه. حينئذ ينتهي دوره. وهكذا انتهى دور يوحنا حين أطلّ يسوع.
سنجد هذه المقابلة نفسها في الأناجيل الإزائية (مر 2: 19): "أتنتظرون من أهل العريس أن يصوموا والعريس معهم؟ فما دام العريس بينهم، لا يقدرون أن يصوموا". قابل يسوع زمن الصوم (لتلاميذ المعمدان) مع زمن الفرح الذي هو زمن يسوع.
هناك مقابلة بين يسوع ويوحنا. "له هو أن يزيد، ولي أنا أن أنقص" (آ 30). ولقد حافظت الليتورجيا على هذه العلاقة، فجعلت عيد يوحنا في 24 حزيران، حين يبدأ النهار ينقص. ومولد يسوع في 25 كانون الأول، حين يطول النهار. ولقد أوجز القديس أغوسطينس مكانة يوحنا بالنسبة إلى يسوع فقال بفم يوحنا: "أنا أَسمع: إنه ذاك الذي يتكلّم. أنا أستنير: إنه النور. أنا أذن وهو الكلمة".
حين نقرأ النص (آ 22- 24) نفهم أننا أمام نشاط عمادي، يقوم به يسوع كما يقوم به يوحنا المعمدان، وهو يمتدّ زمناً طويلاً. ويشير النصّ أيضاً إلى الجموع الكثيرة التي جاءت تعتمد. فالمياه كثيرة هناك، لهذا سُمّي المكان "عيون". ونقرأ أن يسوع وتلاميذه جاؤوا إلى بلاد اليهودية. هذا لا يعني أنهم كانوا في الجليل، بل في أورشليم.
إن هذا المقطع (آ 22- 30) ينفصل انفصالاً واضحاً عن المقطع الذي سبقه. ولكن موقعه هنا بين خطبتين، له معناه. فقد أراد الإنجيلي أن يقابل بين العماد المسيحي وعماد يوحنا. فهناك من يريد أن يحرّك النصوص لأسباب أدبية ونقدية. فما هي أصول المواد التي صاغها الإنجيلي هنا؟ إن آ 22- 23 توردان لنا تقليداً سبق تدوين الأناجيل. أما آ 24، فتبدو ملاحظة خاصة أوردها الإنجيلي. وهي تفترض لدى القارىء معرفة بإنجيل لا يبدأ فيه نشاط يسوع إلاّ بعد القبض على يوحنا (رج مر 1: 14: وبعد اعتقال يوحنا، جاء يسوع إلى الجليل يعلن إنجيل ملكوت الله). إنّ الإنجيل الرابع يجعلنا نستشفّ أنه عالم الأمور، وهو يوردها دون "هجوم" على تلاميذ يوحنا.
هل من معنى رمزي لأسماء الأماكن المذكورة في آ 23؟ لا ننسى أنّ المكان الذي كان يسوع يعمّد فيه لا يذكر (رج 4: 1- 3). حسب أوسابيوس القيصري، تقع عين نون وساليم جنوبي بير شان (سيتوبوليس). إذن، غربي الأردن، في الدكابوليس (المدن العشر). فهي المنطقة الوحيدة التي كان بإمكان يوحنا أن يظهر فيها ويعمّد على ضفّة الأردن الغربية، لأن سائر أجزاء تلك الضفة كانت في يد الرومان. وإن آ 26 تدلّ على أن نشاط المعمدان يتم على الضفة الغربية. و"المياه الكثيرة" تقابل الينابيع (أو: العيون) الخمسة التي تجري اليوم في الدير، في سهل بير شان المروي، جنوب تل الردرة (؟). إذا نظرنا إلى نشاط يوحنا العمادي في إطاره التاريخي والكرونولوجي، بدا كأنه حدث سياسي هام. بما أن الجموع تزحف إليه، فهو لا يستطيع أن يظهر في منطقة الوالي الروماني. أما يسوع فيعمّد في المنطقة المحتلّة. فنشاطه لا يبدو بشكل حركة جماهيرية ذات طابع سياسي وخطر.
هذه الآيات ترسم إطار الجدال بين "يهودي" وتلاميذ يوحنا. هذه المزاحمة هي مناسبة لكي يورد الإنجيلي آخر شهادة أدّاها يوحنا المعمدان ليسوع. فهو يهتمّ اهتماماً خاصاً بأن يثبّت مسيرة فكره اللاهوتية بأحداث تاريخية على الأرض. فالنور الذي تحدّث عنه في 3: 19، هو يسوع الذي يعمل الآن بشكل صامت وخفي، ولكن في العمق (4: 1). وهذا النشاط الذي تورده آ 22، هو جزء من عطيّة الابن الوحيد التي وهبها الآب للعالم (3: 16). فإذا أردنا أن نزيد على الأمكنة التي كان يوحنا يعمّد فيها، المدلول الرمزي، لقلنا: هي عيون السلام، عيون الخلاص. لقد جاءت الجموع تطلب الخلاص لدى يوحنا المعمدان، لا لدى يسوع. ولكن يُطرح السؤال: أين هو الخلاص الحقيقي؟
يبدو لنا يسوع في هذا النشاط وكأنه يضيع وقته! فكما في السنوات الطويلة من حياته الخفية في الناصرة، كذلك في هذا الوقت الذي فيه ينتظر يسوع بينما تلاميذه يعمّدون (4: 2). وإن "إخوته" سوف يلحّون عليه (7: 3) بأن يستفيد من الظرف ويعمل في إطار يعطي نتائج ملموسة (في أورشليم). ولكن يسوع يعتبر أنّ العمل الصامت ليس إضاعة وقت. فقيمة الأعمال المسيحية لا ترتبط بالنتائج الخارجية. بل بأن نعرف أننا نتمّم مشيئة الآب.
في آ 25، هناك جدال مع "يهودي". وقد ظنّ بعض الشرّاح أنّ الجدال كان مع "يسوع". ولكننا لا نجد أيّة شهادة على هذا الإقتراح، لا في المخطوطات اليونانية ولا في أيّة ترجمة قديمة. في آ 27، تُزاد عبارات تودّ أن تشرح النصّ: "لا يأخذ أحد شيئاً (بنفسه) إلاّ إذا أعطي له (من فوق) من السماء".
ما هي مناسبة تدوين هذا المقطع (آ 25- 30)؟ صعوبات في الكنيسة الأولى تجاه العالم اليهودي الذي يمارس ممارسة واسعة عماد يوحنا (رج أع 19: 3). من هذه الزاوية اهتمّ الإنجيلي بقضية قديمة جدّاً. هو لم يخترعها، بل وجدها في التقليد فأقحمها في نصّه. هذا ما تدلّ عليه آ 22- 23. فالجدال بين تلاميذ "معمّد" شهير وتلاميذ هذا "الآتي حديثاً" الذي يعمّد بشكل آخر (4: 2)، يوافق الوضع الروحي في فلسطين في أيام المسيح.
إذن، نحن في آ 25 أمام مادة تاريخية. وتعيدنا آ 28 إلى قلب الإنجيل (1: 20، 23، 27). وتذكّرنا آ 29- 30 بصور نجدها عند الإزائيين. لقد جاء يسوع إلى المعمدان ليعتمد، فشهد له يوحنا. وستشدّد الكنيسة الأولى على هذه الشهادة لتدلّ على عظمة يسوع تجاه يوحنا.
هناك سؤال جوهري في نظر يوحنا الإنجيلي: ما هي العلاقة بين معمودية يوحنا وسرّ العماد المسيحي؟ كيف كانوا يمارسون العماد في محيط يسوع؟ هذا ما لا يوضحه يوحنا هنا، فيكتفي بأن يقول بعض الشيء في 4: 2. فما قاله أراد أن يوضح موضوع الحوار مع نيقوديمس: الولادة المسيحية الجديدة بالماء والروح. هكذا شدّد على فعل الروح. وهذا الفعل يميّز الحدث المسيحي عن كل عماد يهودي. وسيظهر التمايز الأساسي في 1: 33. قال يوحنا: "ما كنت أعرفه، لكن الذي أرسلني لأعمّد بالماء قال لي: الذي ترى الروح ينزل ويستقرّ عليه هو الذي سيعمّد بالروح القدس".
إنّ كلمة "طهارة" تدلّ على طقوس الوضوء ومراسم التطهير عند اليهود. نحن هنا في إطار القرن الأول المسيحي بطقوسه المتعدّدة.
نقرأ في آ 23: كان الناس يجيئون إلى المعمدان ويتعمّدون. ولكن تلاميذ يوحنا سيقولون في آ 26: "جميع الناس يجيئون إليه (= إلى يسوع)". أجل، يسوع هو العريس، وإليه تُزفّ العروس، أي شعب الله. هذا ما يجب أن يعمله تلاميذ المعمدان في نهاية القرن الأول المسيحي: أن يدخلوا في الكنيسة فيكونوا مع هؤلاء "الجميع" الآتين إلى يسوع.
ويبدو يوحنا عظيماً. إنه مثال لأصدقاء العريض في كنيسة المسيح. وعظمة المعمدان وتجرّده يميّزانه عن "غيرة" تلاميذه الضيّقة (آ 26). سمّوا معلّمهم "رابي" (رج 1: 38، 49؛ 3: 2= هذا اللقب ليسوع). قالوا: ذاك الذي كان معك. أي ذاك الذي جاء إليك يطلب العماد، ها هو يعمل بطريقة مستقلّة. عندئذ بدأت شهادة المعمدان وهي ردّ على كل ما قيل منذ آ 22 إلى آ 26.
" لا يأخذ أحد شيئاً إلاّ إذا أعطي له من السماء". هذا المبدأ ينطبق على عمل يوحنا، كما ينطبق على عمل المسيح.
تحدّث يوحنا عن يسوع الذي هو "العريس" الذاهب إلى "عروسه". إعتاد الشرق القديم أن يمثّل المدينة كأنها امرأة أو فتاة. نقرأ في زك 9: 9: "إبتهجي يا بنت صهيون واهتفي يا بنت أورشليم" أي: يا مدينة صهيون، يا مدينة أورشليم. ونقرأ في 2 صم 17: 13 (حسب اليونانية السبعينية): "أسرع الشعب إلى ملكه كالروس إلى عريسها". وتحدّث سفر الخروج (34: 14) عن الربّ "الغيور" على شعبه كالعريس على عروسه. هو يريدها نقيّة ويطلب منها أن تحبّه دون سواه. وزمن عبور الصحراء هو زمن خطبة إسرائيل (إر 2: 2: "أذكر مودّتك في صباك، وحبّك يوم خطبتك"). وحسب حز 16: 8 ثبّت الربّ حبّه لشعبه بقسم: هو عهد لا يُحلّ. إنّ الربّ يفرح بعروسه (أش 62: 5) ويزيّنها (أش 49: 18؛ 61: 10). وجاءت أقوال يوحنا المعمدان في هذا الخط الذي عرف ذروته في نشيد الأناشيد.
وإذا عدنا إلى تقليد الرابانيين، نركما أنّ الله نفسه مارس وظيفة "الإشبين" تجاه آدم. فقد زيّن حوّاء وقادها إلى آدم (رج تك 2: 22). والمقابلة مع وظيفة الله، تدلّنا على العظمة التي ارتفع إليها المعمدان في آ 29. ونجد ما يقابل هذه الآية في موقف بولس تجاه كنيسة كورنتوس: "أنا أغار عليكم غيرة الله لأني خطبتكم لرجل واحد وهو المسيح، لأقدّمكم إليه عذراء طاهرة" (2 كور 11: 2).
ونصل إلى شهادة المعمدان الأخيرة عن يسوع (آ 31- 36): "من جاء من فوق فهو فوق الناس جميعاً. ومن كان من الأرض، فهو أرضي...".
إذا عدنا إلى "النصّ الغربي" ومجموعة النصّ الإمبراطوري نقرأ آ 34 ب كما يلي: "لأنه يهب الروح بغير حساب". وهناك النصّ الأقصر: "لأنه يعطي بلا حساب". ولكن من يعطي من؟ وفي آ 31 ج لا نجد في عدد من المخطوطات عبارة "فهو فوق الناس جميعاً". وهناك مخطوطات تزيد بعد آ 36: "وبعد هذا، أسلم يوحنا".
في آ 32: "لا أحد يقبل شهادته". ولكن في آ 33، نقرأ: "من قبل شهادته". هذه طريقة في الكلام تريد أن تشدّد على فكرة خاصة. مثلاً، الجمل وخرم الإبرة.
جُعل المسيح فوق الجميع، لأنه ذاك "الذي جاء من فوق" (آ 31). هذا يتوافق مع ما يقوله الإزائيون حول ابن الإنسان الآتي من السماء. ومع هذا، نلاحظ أنّ المعمدان لم "يذهب" مع تلاميذه إلى يسوع، رغم نشيده على تفوّق يسوع. هذا هو الواقع التاريخي. يجب بالأحرى أن نقرأ في شهادة المعمدان الإعلان الرسولي، خصوصاً في آ 35- 36: "الآب يحبّ الابن فجعل كل شيء في يده". هذا هو كلام يسوع، وقد جعل في فم يوحنا المعمدان، بل في فم الكنيسة الأولى.
لماذا امّحى المعمدان أمام يسوع بشكل حاسم (آ 30)؟ المسيح هو الآخر الذي يختلف كل الإختلاف عن أي من البشر. شهادة يوحنا الأخيرة التي تنبع من العهد القديم، تصبّ في شهادة إيمان الكنيسة الأولى حول يسوع الذي ما زال يحيا فيها من خلال كرازتها. فالذي ينطلق من الإيمان بالله يستطيع أن يفهم هذه الشهادة.
يعرف يوحنا أن لا إله إلاّ الله الواحد. ولكن يسوع يشارك في الطبيعة الإلهية. إنه "فوق كلّ شيء". "فوق جميع الناس" (آ 31). "فمن قبل شهادته" التزم شخصياً بأن يوقّع، بأن يختم، بأن يشهد أنّ يسوع هو صادق، وأن الحياة الأبدية، حياة الله الثابتة، هي في متناولنا بواسطة يسوع.
ولا يني الإنجيلي يؤكّد أن يسوع لا يتكلّم باسمه الخاص. إنه يتكلّم ويعمل بالنظر إلى وحدته مع الآب: "فالذي يعمله الآب يعمله الإبن مثله" (5: 19). إنه والآب واحد (10: 30). ولكن شهادته الإلهية لم تقبل (أو ترفض) فقط خلال نشاطه على الأرض، وقبل الفصح، بل امتدّ هذا الرفض في الإعلان المسيحي الرسولي (رج 3: 11: نتكلّم بما نعرف). وكذلك نقول عن آ 33: "من قبل شهادته". هذه العبارة تتعلّق بكل إنسان يسمع تعليم المسيح في كل زمان ومكان: الله هو الذي يكلّمنا حقاً في المسيح.
ونضع آ 34 في إطار تاريخ الكنيسة الواسع. بما أنّ الله كلّمنا في يسوع، فهو يكلّمنا أيضاً بواسطة كل الذين يبشّروننا بالمسيح باسم يسوع. فأقوال الله هي أعمال يسوع وخطبه، هي كل عمله الخلاصي الذي به كشف حبّ الله لنا (3: 16). ونحن لا نستطيع أن ندرك هذه الأقوال إلاّ بالروح الذي أعطي للذين يؤمنون، والذي فيه لا تزال تشهد لعمل المسيح الخلاصي (رج 7: 38 ي؛ 14: 16، 26؛ 15: 26؛ 16: 7 ي؛ 20: 22).
إذا فهمنا آ 34 أ على هذا الشكل، نفهم آ 34 ب. طرح السؤال: من يعطي؟ الآب أم الإبن أم الروح القدس؟ هناك من يقول إن الآب يعطي الإبن ملء الروح الذي بفضله تُعلن كلمة الله. وهناك من يرى أن المسيح هو فاعل الفعل: لأنه (لأن يسوع) يهب الروح بغير حساب، وهكذا نعود إلى 6: 63: "الأقوال التي قلتها لكم هي روح وهي حياة". إن يسوع يعطينا الروح بشكل كلمة الله.
إذ يحبّ الآب إبنه يعطيه روحه. وبدوره يعطي الإبن الروح للذين يعطيهم حبّه. ولكن الرباط الحميم بين الآب والإبن (آ 35 أ) يفهمنا أيضاً أن كل سلطان أعطي للإبن على الناس كما على الخليقة كلها. لا يفعل الآب في الخليقة إلاّ بابنه. لهذا يختتم الإنجيلي شهادته فيقول: من قبل الإبن بدأ حياة اتحاد مع الله. من رفض الإبن رفض الخلاص بسبب غضب الله. فيحلّ عليه "غضب الله" (آ 37).
10
آية قانا الثانية
4: 43- 54

أنتم لا تؤمنون إلاّ إذا رأيتم الآيات والعجائب
وننتقل من حديث يسوع مع السامرية إلى شفاء طفل كفرناحوم. في بداية الحوار مع السامرية قال الإنجيل: "ترك يسوع اليهودية ورجع إلى الجليل" (4: 3). ويستعيد هنا ذات الإشارة الكرونولوجية. "وبعد يومين، ذهب يسوع إلى الجليل" (4: 43). وإن آ 44 حول النبي الذي لا يكرّم في وطنه تطرح علينا سؤالاً، لأنها تبدو وكأنها تعارض آ 45: رحّب أهل الجليل بيسوع، لأنهم شاهدوا كل ما عمل. ولكن يوحنا يتكلّم عن الاستقبال السّيء الذي لقيه يسوع في اليهودية.
في الواقع، حين يتحدّث يوحنا عن "موطن يسوع" فهو يشير إلى الجليل، لا إلى اليهودية. نقرأ في 1: 45 عن يسوع ابن يوسف الذي من الناصرة. وفي 6: 42، نسمع ردّة الفعل لدى الناس: "أما هو يسوع ابن يوسف؟ نحن نعرف أباه وأمّه" (رج 7: 3). ولكن الإنجيلي يعتبر أن أورشليم التي رفضت أن تستقبل يسوع هي موطنه الحقيقي. وقد يكون الكاتب أقحم هنا عبارة من التقليد لأن المشهد يحصل في الجليل.
بعد الإنتقالة (آ 43- 45) نتعرّف إلى وضع ميؤوس منه (آ 46- 47). المسافة بعيدة بين قانا وكفرناحوم. والد الطفل المريض هو شخص يجري في عروقه دم ملوكي، أو هو خادم لدى الملك هيرودس أنتيباس. هو "جندي" وهو بالتالي وثني. إذن، ابن هذا الرجل بعيد عن يسوع، وها هو قد أشرف على الموت (آ 47- 49).
ويبدأ الحوار (آ 48- 50). توسّل الرجل إلى يسوع. فأجاب يسوع بقول عام عن الإيمان غير الكامل لدى الذين يريدون أن يروا "الأيات والعجائب". هذه عبارة ترد مراراً في العهد القديم فتدلّ على إيمان متعلّق بالأمور المنظورة والمدهشة.
أراد يسوع أن يتحقّق من إيمان هذا الرجل، فجعل مسافة بينه وبين صاحب الطلب، كما فعل مع أمه (2: 4). وتوسّل الرجل مرّة ثانية مانحاً إياه كلمته لا حضوره. طلبا "الموظف" من يسوع أن يأتي إلى منزله. فأرسل يسوع كلمته: "إذهب، فابنك حي" (آ 50). آمن الرجل بالكلمة وذهب. هذا ما يميّزه عن الذين لم يؤمنوا في آ 48: "أنتم لا تؤمنون إلاّ إذا رأيتم"!
وتحقّقت فاعلية كلمة يسوع (آ 51- 53) ولو عن بعد: فساعة قال له يسوع "ابنك حي"، كان ابنه حياً. ومنذ تلك الساعة آمن الرجل هو وأهل بيته. آمن إيماناً مطلقاً وتاماً. سلّم نفسه كلّها إلى يسوع ولم يحتفظ بشيء له.
وينتهي الخبر (آ 54) فيربط هذه المعجزة مع آية قانا الأولى (آ 46: وجاء أيضاً إلى قانا الجليل حيث جعل الماء خمراً). فبنية المعجزتين هي هي: وصل يسوع إلى الجليل. طُلب إليه طلب. بدا للوهلة الأولى وكأنه يرفض. أعاد محاور يسوع الطلب وألحّ. حينئذ اجترح يسوع آية ساطعة. وكانت النتيجة مجموعة من المؤمنين. في الآية الأولى، آمن به تلاميذه. في الآية الثانية، آمن الرجل هو أهل بيته. ولا نجد خطبة تفسّر المعجزة التي تتمّ في السر والخفاء.
أورد كل من متّى ولوقا خبراً قريباً من هذا الخبر. تحدث متّى (8: 5- 13) عن ضابط روماني له خادم طريح الفراش. هذا الضابط (أو: قائد المئة) يبدو أنه وثني كان لم يكن رومانياً. قال له يسوع: "أنا ذاهب لأشفيه. فأحسّ الضابط أنه لا يحقّ له أن يستقبل يسوع في بيته. وأعلن إيمانه مقابلاً بين ما يفعل هو في عمله وما يفعله يسوع. يأمر الضابط جنوده فيُطاع. ويأمر يسوع المرض فيطيعه ويذهب. سلطة الضابط من سلطة الإمبراطورية، وسلطة يسوع من سلطة الله.
وروى لوقا (7: 1- 10) شفاء خادم الضابط (قائد المئة). ويشدّد الخبر على المعجزة بقدر ما يشدّد على الإيمان الذي يحصل على المعجزة. ويرى لوقا (شأنه شأن متّى) في هذا الحدث بداية دخول الوثنيّين إلى الكنيسة. ولكنه يتفرّد بالتشديد على العلاقات الطيّبة بين اليهود والوثنيين.
أما يوحنا، فقرأ الخبر قراءة لاهوتية. صوّر الآية على أنها عمل خلق لا جدال فيه من قبل يسوع. هي مثل شفاء الأعمى (ف 9) وإقامة لعازر (ف 11). لقد تحقّق عدد من الناس من المعجزة. ويسوع هو حقاً نور العالم وسيّد الحياة. ولكن يجب أن نتجاوز البعد المدهش للآيات، حتى نصل إلى إيمان تام بالربّ: يجب أن نتجاوز إلى الإيمان بالآيات، لنصل إلى الإيمان وحده، إلى الإيمان بكلمة يسوع.
وإذا قابلنا الخبر الذي يعود إلى تقليد واحد، في كل من متّى ولوقا ويوحنا، وجدنا نقاطاً مشتركة وهامة. نجد كفرناحوم في الأخبار الثلاثة (مت 8: 5؛ لو 7: 1؛ يو 4: 46). نحن أمام شخص رفيع. قائد المئة في متّى ولوقا. إذن، جندي وثني. وفي إنجيل يوحنا، هو موظّف لدى هيرودس إنتيباس. هو يهودي، بل وثني. المريض هو ابن الرجل (يوحنا)، خادمه (لوقا) ابنه أو خادمه (متّى). الولد مقعد عند متّى (8: 6)، مريض أشرف على الموت في لوقا (7: 2)، مصاب بالحمى وقريب من الموت في يوحنا (آ 47، 52). وتورد الأناجيل الثلاثة أن الولد شُفي عن بعد.
نجد في هذا المقطع فكرة قدرة الكلمة المحيية. فيسوع يؤكّد دون أن يفعل شيئاً، دون أن يتحرّك من مكانه ويذهب إلى المريض: "إبنك حي" (آ 50). فآمن الموظف الملكي بالكلمة التي قالها له يسوع. وعرف من الخدم أن ابنه تعافى منذ الساعة التي فيها قال له يسوع: ابنك حي (آ 53). كل هذا يلقي ضوءاً على وزن كلمة المسيح. في المقطع السابق تعرّفنا إلى المسيح على انه "ذاك الذي يتكلّم" (4: 10، 26)، ذاك الذي تكمن سلطته في كلمته. واكتشف المسيحيون الأولون قدرة الكلمة التي كانوا يتلفّظون بها باسم يسوع. وبفضل اتحادهم بالإيمان مع يسوع وكلمته، عملوا الأعمال نفسها التي عملها، بل "عملوا أعظم منها" (14: 12).
وبما أن الإنجيلي يعرف أن سلطة الكلمة الرسولية مؤسّسة في كلمة المسيح، فهو لا يخاف أن يصوّر سلطان الكلمة المقالة قبل الفصح والقيامة، في إطار كنسي يعود إلى ما بعد القيامة. فهنا وهناك يعطي الروح للكلمة التي نسمعها قوة محيية، سواء كانت كلمة يسوع أم كلمة المزمنين. فالذي يفكّر بهذه الأمور يستطيع أن يفهم الرباط بين أحداث سبقت الفصح وأحداث تبعته، بين الحوار مع السامرية والحوار مع الموظّف الملكي. قال يسوع: "الروح يهبّ حيث يشاء" (3: 8). نستطيع أن نفسّر، إن كلمة الله تفعل فلا يحدّها زمان ولا مكان. والولد الذي انتزع من الموت في كفرناحوم، صار رمزاً إلى كل إنسان وُلد للحياة الجديدة بكلمة الله (1: 12- ؛ 3: 3- 8).
ترك يسوع اليهودية والسامرة وذهب إلى الجليل حيث موطنه. إليه جاء الموظّف الملكي، كما جاء إليه نيقوديمس. شخصه يجتذب الناس فلا يتساءلون عن مركزهم الإجتماعي. أمامه لا مكان للعظمة البشرية. من لا يأتي إليه لا التواضع والإيمان، يذهب وقد خسر المناسبة الوحيدة للقاء به.
ووراء نيقوديمس والموظف الملكي، نجد شعباً يندهش من المعجزة، ولكنه لا يقرّر بأن يذهب شخصياً إلى يسوع. هنا يظهر نموّ الإيمان، حين نخطو خطوة نحو يسوع. فنيقوديمس "جاء إلى يسوع" (3: 1). وكذا فعل الجليليون: "رحّبوا بيسوع" (4: 45). والموظف جاء إلى يسوع يلتمس منه أن ينزل (4: 47). لقد فتح الموظف قلبه على يسوع فنال نعمة، وبعد هذا آمن.
تلك هي "الآية الثانية" (آ 54). وهكذا يحيلنا يوحنا إلى "الآية الأولى" (2: 11) التي اجترحها يسوع في قانا الجليل. وهكذا ضمّ الإنجيلي الآيتين في نظرة واحدة. في الأولى حوّل الماء إلى خمر. لقد بدأ ملء الزمان الذي فيه يحوّل روح المسيح البشر ويغمرهم بعطاياه. أجل، لقد تجلّت حياة الله في واقع حياة البشر. وهكذا نستطيع أن نسمي هذه الفصول الأربعة الأولى في يوحنا: أبيفانيا (تجلي) الكلمة. تقدّم يسوع "منتصراً" فاتّخذ تلاميذه الأولين. وها هو يمنح نعمة الإيمان للذين جعلوا فيه ثقتهم.
موضوع آ 46- 54 هو "قدرة كلمة يسوع". كيف تحدّث سائر الإنجيليين عن هذه الكلمة؟ توسّل ضابط كفرناحوم: "لا أستحق أن تدخل تحت سقفي، ولكن تل كلمة واحدة (حرفياً: تكلّم بواسطة كلمة واحدة) فيبرأ فتاي" (مت 8: 8). من خلال هذه الصلاة نعرف بصورة غير مباشرة، أي سلطان نسب أهل فلسطين إلى كلمة يسوع. ويجعلنا الإنجيلي نحسّ كيف أن كلمة يسوع تكشف عن قدرتها. جاء المخلّع فاكتفى بالقول له: "يا ابني، مغفورة لك خطاياك"! وبرهن عن فاعلية ما قال فأردف: "قم، احمل فراشك، واذهب" (مر 2: 5- 11 وز؛ رج يو 5: 8). وقرب سرير ابنة يائيرس المائتة، هتفت كلمة يسوع في إيجازها: "طليتا قومي، يا صبيّة قومي" (مر 5: 41 أ). ولما شاهد يسوع نعش ابن أرملة نائين قال فقط: "أيها الشاب، قم" (لو 7: 14).
وحين علّم يسوع، دوّت كلماته ككلمات شخص له سلطان (مت 7: 29). فكلمته لا تقاوم، حتى لدى الخطأة والموتى. حين قال يسوع للأبرص: "لقد شئت فاطهر"!، في الحال ذهب عنه البرص (لو 5: 13). فهذه الكلمة القديرة تذكّرنا بكلمة الخالق: "ليكن نور، فكان نور" (تك 1: 3). لقد تلفّظ يسوع بكلمات كلّها حكمة. ولكن كلماته حوّلت الواقع اليومي أيضاً بقدرته الخلاّقة.
بعد العنصرة، إكتشف الرسل أنهم نالوا الروح، ونالوا معه قدرة الكلمة. فقد قال بطرس للشحاذ الكسيح عند الباب الجميل في الهيكل: "باسم يسوع الناصري امشِ" (أع 3: 6). وقال لإينياس، مقعد لمدّة: "يا إينياس، شفاك يسوع المسيح! إنهض وافترش لنفسك"! فنهض في الحال (أع 9: 34). وإلى المسيحية التي توفّيت في يافا أمرها، كما فعل يسوع مع ابنة يائيرس: "يا طبيتة، قومي" (أع 9: 30؛ رج مر 5: 41)!
بدأ يوحنا إنجيله: "في البدء كان الكلمة" (1: 1). فأول آية في إنجيل يوحنا تعلن واقع المسيح الذي صار منظوراً بين البشر، مع أنه موجود منذ الأزل. غير أن تسمية يسوع "الكلمة" لا تنحصر في كلمة الآب الخلاّقة. فيسوع هو في كل وجوده على الأرض، وفي حضوره في كنيسته، هو إعلان الحكمة الأزلية ووحيها، هو إعلان الحقيقة لنا. وكل مرّة تكرز الكنيسة بكلمة الله بالقول أو العمل، فهي تزرع في العالم بعض ملء من واقع المسيح هذا.
صار الكلمة الأزلي بشراً. وفيه أرانا الله بعض "مجده" الذي لا يتبدّل (1: 14). واليوم أيضاً ما زال الآب يعطينا كلمته بأشكال متعدّدة، في تجسّد يتجدّد يوماً بعد يوم. وجسد المسيح الافخارستي يكشف بوجوده وطبيعته عن حبّ الآب للعالم. وفي أقوال الكنيسة التعليمية، تصبح كلمة الآب لنا نوراً وطريقاً نحو الحقيقة والحياة.
11
شفاء في بيت حسدا
5: 1- 9

"قم احمل فراشك وامشِ". فتعافى الرجل في الحال.
صعد يسوع إلى أورشليم. والصعود هنا يدلّ على الحج الذي تفرضه الشريعة على المؤمن ثلاث مرّات في السنة. ولكن أي عيد هو هذا العيد؟ عيد الفطير أو عيد المظال؟ إذا وضعنا أمام كلمة عيد أداة التعريف، نكون أمام عيد اليهود الذي هو عيد الفصح.
في بعض المخطوطات لا نجد ذكراً لخاتمة آ 3 ثم آ 4: "ينتظرون تحريك الماء، لأن ملاك الربّ كان ينزل أحياناً في البركة ويحزك الماء. فكان الذي يسبق إلى النزول بعد تحريك الماء يُشفى من أي مرض أصابه". غير أن هذه الملاحظة تهيّىء الخبر الذي يتبع خصوصاً في آ 7: "ينزلني في البركة عندما يتحرّك الماء. وكلما حاولت الوصول إليها سبقني غيري".
إن تفسير العوامل الطبيعية بعمل ملاك (أو: رسول) من عند الله، يقابل النظرة اليهودية الفلسطينية إلى العالم. ولقد انطلق بعض آباء الكنيسة (ترتليان،+ 220 ب. م.) من آ 4 ليتحدّثوا عن المعمودية.
ما معنى "بيت حسدا"؟ قالوا في الماضي: بيت الرحمة والنعمة. وانطلقوا من قمران فتحدّثوا عن "موضع التدفّق". وهناك تقليد يتحدّث عن بيت زاتا أي بيت الزيتون.
إن تحدّثنا عن عيد الفصح في هذا المقطع، نكون أمام أربعة أعياد فصح في إنجيل يوحنا. ولكن إن اعتبرنا أن النصّ يتحدّث عن عيد العنصرة، نكون أمام ثلاثة أعياد: فصح اللقاء مع نيقوديمس (2: 23). فصح تكثير الخبز (6: 4). فصح الآلام (13: 1). وهكذا تكون حياة يسوع العلنية قد امتدّت على ثلاث سنين.
هذا عن الزمان. أمّا عن المكان: بركة بخمسة أروقة قرب باب الغنم. يبدو أنه كان هناك معبد وثني مكرّس لإله الطبّ عند اليونان، اسكلابيوس. وهذا يعني أن المسيحية اتصلت بالعالم اليوناني داخل أرض فلسطين. كما نقول إن كاتب هذا المقطع كان على اطلاع كامل على جغرافية فلسطين. وهذا ما تبيّنه الحفريات التي تتحدّث عن خمسة أروقة (لا أربعة).
إذا أردنا أن نتوقّف عند قرينة النصّ الذي ندرس، نلاحظ أن مضمون "اليهود" و"أورشليم" مهم جداً.
إن استعمال الإنجيلي لكلمة يهود تتوافق مع ميله إلى استعمال تأكيدات تبدو في ظاهرها متناقضة. نقرأ في 4: 22: "الخلاص يأتي من اليهود". ومع ذلك، فلفظة "اليهود" تدلّ على الرؤساء الرسميّين للشعب اليهودي الذين رذلوا الخلاص الذي حمله يسوع في شخصه (10: 31: جاؤوا بحجارة ليرجموه). وستبدأ قريباً المجادلات الكبرى مع اليهود، وستمتد حتى ف 12.
إختلف يوحنا عن الإزائيين، فلم يكن الجليل المكان المفضّل الذي فيه يعمل يسوع، بل أورشليم. ففيها ستتمّ أحداث هذا الفصل. ثم إن الأزمنة الليتورجية والأعياد وموضع العبادة الذي هو أورشليم، كل هذا هو أكثر من إطار خارجي لعرض الوقائع. إنه يدلّ على أهمية الحدث نفسه.
يرى يوحنا أنّ المعجزات هي "آيات" (علامات). وهي تلعب الدور الموجّه إلى الأمور الروحية. هذا ما رأيناه بوضوح مع الآية الأولى في قانا (2: 11). إذن، لا نقدر أن نفهم (في خطّ الإنجيلي) الآية المصوّرة هنا، إلاّ إذا ألقينا نظرة مسبقة على الأمور الروحية التي تعالجها الحوارات اللاهوتية التي تتبع. لهذا، نحن ننطلق من هنا لنفهم المقطع التالي (آ 9 ي).
إن الإشارة إلى كتب موسى في نهاية الفصل (آ 45- 47) تدفعنا إلى أن نفكّر أنه ليس من قبيل الصدفة تحدّث النصّ عن خمسة أروقة (آ 2) كان يرتاح تحتها المرضى طالبون الشفاء. إنّ اليهود يظنّون أنهم يجدون "الحياة الأبدية" في أسفار موسى الخمسة، في البنتاتوكس. وفي نظر يوحنا، صارت الأروقة الخمسة رمزاً إلى البنتاتوكس. بما أن العدد خمسة يدلّ على معنى عميق، فمن المعقول أنه إن ذكر الإنجيلي عدد 38 (آ 5)، فلكي يلفت انتباهنا إلى واقع روحي. ففي تث 2: 14، نقرأ عن 38 سنة خطىء فيها الشعب فأجبر على البقاء في البرية: "ضللنا 38 سنة إلى أن زال كل الجيل". والمريض الذي يطلب شفاءه يمثّل إسرائيل المنتظر في الضيق الملتصق بخطيئته، نهاية عقابه.
وفي المجادلات اللاحقة سنرى يسوع يشدّد على طبيعته الإلهية بشكل لا يُضاهى. إنه يؤكّد أنه يعمل مثل أبيه ومع أبيه. لقد جعل نفسه مساوياً لله (5: 17- 18). ففي كلمة يسوع "قم" يدوّي صوت قوي سيقيم الموتى من قبورهم (5: 28) وسيأمر لعازر فيقول له: "تعال إلى هنا، أخرج" (11: 43). إن يسوع يعمل مثل أبيه الذي يقيم الموتى (5: 21). وما جرى هنا لمريض حصل على شفاء جسدي، سيتمّ في النهاية، في واقع روحي وجسدي من أجل جميع البشر الذين صنعوا الصالحات (5: 29).
يحدّثنا العهد الجديد مراراً عن "حجّ" إلى أورشليم. بهذه المناسبة يصعد يسوع أو الرسل بمناسبة الفصح (أو غيره من الأعياد" إلى المدينة المقدّسة. فحسب الشريعة (خر 23: 14- 17؛ 34: 23؛ تث 16: 1- 17) يجب على كل إسرائيلي ذكر أن يدلّ على أمانته للميثاق فيذهب إلى أورشليم خلال الأعياد الثلاثة: عيد الفصح، عيد العنصرة أو الأسابيع (7 أسابيع بعد الفصح)، عيد المظال أو الأكواخ. أما سائر الأعياد التي انتظمت بعد المنفى (587 ق. م.) فلم تفرض على المؤمن الذهاب إلى الحجّ.
إذا قابلنا هذا المقطع مع ما في الإزائيين، يظهر ما يختلف به يوحنا عنهم. في كفرناحوم، حمل أربعة رجال مخلّعاً وأنزلوه أمام يسوع في فتحة في السقف. إمتدح يسوع إيمان الرجال وقال للمخلّع: "مغفورة لك خطاياك" (مر 2: 5 وز). وإذ رأى بعض معلّمي الناموس في هذا الكلام تجديفاً، برهن يسوع على قدرته العلوية، فأعلن أنه يقدر أن يقول أيضاً للمخلّع: "قم، احمل فراشك واذهب إلى بيتك" (مر 2: 11). تفرّد مرقس فاستعمل كلمة يونانية هي التي استعملها يوحنا. واختلف متى ومرقس. هذا يدلّ على تقليد قديم يسبق زمن تدوين الأناجيل القانونية، فيفسّر التقارب بين مر 2: 9 ويو 5: 8 في خبرَيْ شفاء يختلفان في أمور كثيرة.
وتعطينا المقابلة مع الإزائيين نتائج أخرى. فما يسمّيه يوحنا "آية" في لاهوته للمعجزات، يظهر بوضوح بفضل تسلسل الوقائع والحوار الذي يرافقها. فالشفاء الخارجي هو علامة (لكي تعرفوا، مر 2: 10 وز) للشفاء الداخلي الذي تحقّق أو بدأ يتحقّق. وأبرز الإزائيون إعلان يسوع وارتباطه باللاهوت. أما يوحنا فيربط الشفاء العجائبي بسلطان يسوع السامي على فريضة السبت، وهذا أمر يشير إليه الإزائيون في أماكن أخرى (مر 3: 1- 6 وز؛ لو 13: 10- 17؛ 14: 1- 6).
إنتظر الشعب العبراني في البرية 38 سنة ليدخل أر، س الموعد. وانتظر هذا المخلّع 38 سنة ليلتقي بيسوع وينال الشفاء ويسير مسيرة الإيمان. طريقنا طويلة مع الربّ. بدأنا وقد نسقط. لكن يسوع يقول لنا: "بصبركم تقتنون نفوسكم".
12
يسوع والسبت
5: 9- 18

أبي يعمل في كل حين، أنا أعمل مثله.
ما يورد الإنجيلي في هذا المقطع، ليس واقعاً معزولاً. فيسوع لم يشفِ مريضاً واحداً يوم السبت. بل هو أعتاد أن يفعل ذلك. فهذا يدل على موقف يسوع المميّز بالنسبة إلى السبت. إنه يوم تمجيد الله، فلماذا نمتنع عن فعل الخير فيه؟
يفترض الكاتب أن القرّاء يعرفون كل المعرفة إلى أي حدّ كان السبت مقدّساً لدى اليهود. وحين نتحدّث عن فرائض السبت، نفكّر بإفراط علم الفتاوى في العالم اليهودي المتأخّر. مثلاً، عدّد المعلّمون 39 نوعاً من الأعمال الممنوعة يوم السبت. وكرّست المشناة (مجموعة الشرائع) مقالين كاملين لشريعة السبت.
وهناك نصوص العهد القديم التي تربط فريضة السبت بوصيّة صدرت عن الله نفسه، فتدلّ على قدسيّة هذه الشريعة. نقرأ في خر 20: 8- 11: "أذكر يوم السبت لتقدّسه (لتكرّسه للرب)... اليوم السابع هو سبت (يوم راحة) للرب إلهك. ونقرأ الشيء عينه في تث 5: 12- 15. في هذا اليوم يرتاح البهائم، والخدم يستعيدون أنفاسهم (خر 23: 12). وحتى في زمن. الفلاحة والحصاد، يجب المحافظة على شريعة السبت (خر 34: 21). وحين كلّم الرب موسى عن السبت قال له: "من ينجّسه يُقتل قتلاً".
ولا ننسى بصورة خاصة الفصل الأول من سفر التكوين. خلق الله الكون في ستّة أيام واستراح في اليوم السابع، لكي يعلّم الإنسان أن يفعل مثله. "وفي اليوم السابع أكمل الله كل العمل الذي عمله. وبارك الرب اليوم السابع وقدّسه لأنه فيه استراح من جميع عمله" (تك 2: 2- 3).
حين نتأمل في هذه الخلفية التاريخية، نفهم بأي جدّية حدّثنا يوحنا عن يسوع الذي يتجاوز شريعة السبت بشكل صريح. فيسوع لم يكتفِ بأن يسمح للمريض الذي شفي، بأن يقوم يوم السبت بعمل هام من أجل حياته. بل هو أمره أن يفعل شيئاً آخر يمكن أن يتأخّر إلى يوم آخر. بما أنه شُفي، عليه أن يحمل فراشه ويذهب إلى بيته. فممارسة الراحة السبتية لا تجبر ذاك الذي شُفي من خطاياه أكثر من ذاك الذي شفاه، أي يسوع: فيسوع يشبه أباه في عمله، وأبوه يعمل دائماً.
شدّد اللاهوت (والفلسفة) اليهودي على أن الله يعمل دائماً حتى بعد خلق العالم. فقد كتب أحد يهود الشتات، في الإسكندرية، في القرن الثاني ق م: "فالله العامل لا يرتاح أبداً. كما أن النار تحرق والثلج يبرّد، فالله يفعل". ولهذا، لا ينتقد اليهود يسوع لأنه قال إن الله يعمل دائماً، حتى الآن (آ 17). بل هم ينتقدون قوله بأنه فوق السبت.
إن صورة المسيح التي سترتسم في خطبة 5: 19- 47، لا تجعلنا في عالم المُثُل والتجريدات. فيسوع سيؤكّد فيما بعد أنه لا يعمل إلاّ بحسب مشيئة الآب (5: 19، 30). ويدلّ المقطع الذي ندرس على هذه الوحدة الحميمة مع الآب، وهذا الهم المشترك من أجل خلاص العالم (3: 16: هكذا أحبّ الله العالم حتى وهب ابنه).
فهمَ اليهود بطريقة صحيحة وبطريقة خاطئة كلام يسوع القائل بأنه متحدّ إتحاداً حميمًا بالآب (آ 18). إن فسرّنا الخاتمة على أنها تعني أن اليهود ينسبون خطأ إلى يسوع إعتبار نفسه مساويًا لله، ننسى أن يوحنا يعلن منذ الآية الأولى في المطلع (1: 1- 18) أن جوهر الله يخصّ الابن كما يخصّ الآب (رج 10: 30، 33). هذا من جهة. ومن جهة ثانية، إن لاحظنا في آ 18 أن اليهود فهموا جيّداً أن يسوع يعتبر نفسه مساويًا للآب، ننسى أن يسوع لم يعد نفسه "مساوًيا" لله في المعنى الهليني. أي أنه يتجاوز مستوى البشر الوسط بالقدرة والكمال والقوة الروحية. أي أنه صار شبيهًا بالآلهة. صار نصف إله. هذا خطأ فادح. فيسوع لا يزاحم الإله الواحد الوحيد الذي عبده إسرائيل. بل هو يعمل معه وهو أبوه. لهذا فهو مساوٍ له.
في آ 17، يؤكّد يسوع وحدته مع الآب، ولا سيّما في نشاطه يوم السبت. ونجد الشيء عينه عند الإزائيين: ففي بعض الحالات، جعل يسوع لنفسه فوق فريضة السبت. نقرأ مثلاً في مر 2: 27 عن الرسل الذين أخذوا يقتلعون السنابل يوم السبت. قال يسوع: "السبت صُنع للإنسان، لا الإنسان للسبت، بحيث إن ابن الإنسان سيّد السبت أيضًا".
وإذا قرأنا مر 3: 4؛ لو 13: 15- 16، نجد أن يسوع لا يتورّع من جعل شريعة المحبة فوق الشرائع العبادية المقدّسة في الميثاق القديم. إذا أخذنا بعين الإعتبار عقلية المؤمنين تجاه هذه الشرائع العبادية. إذا عرفنا أن الكتابات القديمة صوّرت يسوع على أنه "البار" كما يقول العهد القديم، سنرى في عمل يسوع قبل القيامة موضوع تقليد إجتماعي في الأزمنة القديمة، وبحسب هذا التقليد جعل يسوع نفسه فوق السبت.
ماذا نكتشف عند هذا المخلّع الذي شفي؟
- إنه فضل الطاعة ليسوع لا لشريعة السبت: "الذي شفاني قال لي: إحمل فراشك وامشِ".
- لا يعرف من هو يسوع. ومع ذلك يذهب إلى الهيكل لكي يمجّد الله ويشكره.
- إلتقى في الهيكل بيسوع. وهكذا حلّ يسوع محلّ الهيكل. ودعا يسوع المخلّع بأن لا يخطأ بعد اليوم. تفاجئنا الملاحظة وكأن يسوع يربط بين الخطيئة والمرض. يجب بالأحرى أن نفهم كلمة يسوع كعلامة على أن الشفاء كان في الوقت عينه غفران خطايا.
نلاحظ أن كلمة "شفي، تعافى" تعود سبع مرات في الخبر (7 هو عدد الكمال). هذا يعنى أننا أمام خلاص تام: شُفي المخلّع في نفسه وجسده، فدُعي الآن لأن يعيش نعمة الخلاص عيشاً تاماً.
- حين عرف المخلّع مخلّصه، ذهب وأخبر اليهود. هل ذهب يشي بيسوع؟ كلا. فالذي يهم الإنجيلي هو أن سلطة يسوع وشخصيته قد وصل صداهما إلى اليهود. إن هذا الرجل الذي شفى، صار شاهداً ليسوع، وهذا ما يهيّئنا للمتتالية التابعة.
لقد بدأت محاكمة يسوع. ويسوع، باسم هويته الإلهية، سيدين متّهميه ويحكم عليهم.
13
عمل الابن
5: 19- 30

لا يقدر الإبن أن يعمل شيئاً من عنده، بل يعمل ما رأى الآب يعمله.
هنا تبدأ خطبة كرستولوجية، موضوعها يسوع المسيح، وتمتدّ حتى آ 47. في قسم أول (5: 19- 30) نعرف أنّ الابن يعمل مثل الآب. في قسم ثانٍ، نسمع شهادة الله لابنه (5: 31- 40). وفي قسم ثالث (5: 41- 47) نفهم لماذا لم يؤمن اليهود بيسوع. ونبدأ بالقسم الأول.
في آ 25- لا نترجم "الذين يسمعون". بل: بما انهم سمعوا. أو: حالما يسمعون يحيون. فالذي تعطي له نعمةُ الله أن يسمع، يبدأ بالتالي أن يعيش.
في آ 19 من النصّ الغربي، لا نقرأ فقط "الابن" بل "ابن الإنسان" لا يقدر أن يعمل شيئاً.
تبدأ آ 19 وآ 30 بذات التأكيد "الحاصر": لا يقدر الابن... أنا لا أقدر أن أعمل. وهكذا يكون المقطع الذي ندرس محصوراً بين هاتين الجملتين كما في معترضة. وهو جزء من مونولوج (يكلّم المرء نفسه) يمتد من آ 19 إلى آ 47. وهو يتوزّع في عبارة "الحق الحق" (آمين، آمين). في آ 19: "الحق الحق أقول لكم" (رج، 24، 25). ثم في آ 28: "لا تتعجّبوا من هذا".
ما هي القيمة التاريخية للخطب الكرستولوجية في إنجيل يوحنا؟ هنا نقدّم ملاحظة مبدأية: إعتبر المؤرّخون القدماء منذ القرن الخامس ق. م. أن من حقّهم أن يضعوا خطبًا هامة في فم الأبطال الذين عنهم يتكلّمون، في ذروة الحدث، وبهذا يقدّمون أفكاراً عزيزة على قلوبهم. واعتبروا أيضًا أن واجبهم لا يقوم فقط بإيراد الوقائع، بل وأيضًا بتفسيرها. ويطالب الإنجيل الرابع بهذا الدور. فالمواضيع اللاهوتية في إنجيله، تتجمّع في خطب المسيح. ولكن في خطب المسيح عند يوحنا، لا نجد إلاّ كلمات يسوع. وهي قريبة من التقليد الإزائي عن يسوع. لهذا لا نستطيع، كما قال بعضهم، أن نرى في هذه الخطب نتاجًا صرفًا من لاهوت الجماعة. فالجماعة تأمّلت في أقوال يسوع وأعادت صياغتها، لكنها لم تستنبطها.
في 5: 17- 18 إتّخذ يوحنا نقطة انطلاق خاصة ليبرز النظرة المسيحية عن الإتحاد الحميم بين يسوع وأبيه. عارض فكرة خاطئة عرفها الوثنيون، فبيّن أن موقف يسوع تجاه أبيه ليس موقف مزاحمٍ له، بل موقف ابن تجاه أبيه (آ 19، 30). ومع ذلك، أن المجد الإلهي يليق بهذا الابن، لأن الآب يحبّه حبًّا كبيراً بحيث يسلّم إليه كل حقوقه وكراماته، حتى السلطان الإلهي (2 مل 5: 7) بأن يعطي الحياة. في هذا المعنى ترتبط آ 21 (كما يقيم الآب الموتى) بشفاء بيت حسدا، وتجعل من هذا الشفاء رمزاً للقيامة الكبرى، قيامة جميع البشر (ذوي الإرادة الصالحة) بيد الابن (آ 29: عملوا الصالحات، عملوا السيئات، دون تحديد).
حين نقرّب آ 21 من آ 26، نجد الوسيلة لكي نفهم الكرستولوجيا المعروفة هنا. فالمسيح هو حقاً بالنسبة إلى كنيسته ذاك الذي فيه الحياة، شأنه شأن الآب، ذاك الذي له سلطان بأن يعطي الحياة. يقول اليهود في صلاتهم اليومية: "مبارك أنت يا رب، يا من تعيد الحياة إلى الموتى". والمسيحيون يتوجّهون إلى المسيح فيقولون له الصلاة نفسها. حين يعمل الله، فالآب والابن يعملان معاً. هذا ما تعنيه هذه الآيات.
يرى يوحنا أنّ مهمة الديّان تقوم خصوصاً بأن تعطي الحياة. وبصورة أدقّ: الذي يؤمن بيسوع قد وجد طريق الحياة، وبالتالي تمّ القرار (الدينونة) مع اتصال بشخص يسوع. حين ننطلق من هنا، نفهم بوضوح لماذا انتقل الإنجيلي مباشرة من "عطية الحياة" إلى فكرة الدينونة (آ 22). فهذان الشيئان ينتميان كلاهما إلى كيان الله بالذات، وهما لا ينفصلان. بما أن الله هو الذي يعطي الحياة، هو الذي هو كلي الصلاح، فهو في الوقت عينه الكاهن السرّي الذي يفرض على البشر القرار العملي (على مستوى الأخلاق).
إنّ لفظة "مرسِل" (الذي أرسل) التي وضعت (كمفتاح) في نهاية آ 23، تقود القارىء إلى سلسلة من الأفكار. فالذي يسمع كلمة يسوع ويقبلها، أي يرى في يسوع نفسه كلمة الله الموجّهة إلينا، يعطي جواباً إيجابياً إلى الذي توجّه إلينا وأرسل إلينا كلمته وحبيبه: "يؤمن بمن أرسل" الابن (آ 24). والتعرّف إلى من هو صالح والقبول به هما بداية الحياة الداخلية التي تدوم إلى الأبد.
ويأتي القرار بالنسبة إلى شخص يسوع منذ حياتنا على الأرض. فساعة (الدينونة) "تأتي، ونحن فيها" (قد أتت الآن) (آ 25). هنا نميّز بوضوح بين تأكيدات آ 25 وآ 28. في آ 28 يقول النصّ: "كل الراقدين في القبور يسمعون نداء صوته". هذا جزء من "أعمال أعظم" ستأتي فيما بعد (آ 20: سيريه أعظم فتتعجّبون). أما في آ 25، فالموضوع موضوع سماع قد بدأ: "جاءت الآن". لقد بدأ السامعون يحيون: فالذين ماتوا روحياً، سيدركون الحياة بالإيمان (رج 3: 15؛ 11: 26). فبجانب نهاية الأزمنة، بجانب الاسكاتولوجيا التي لم تحلَّ بعد، يتدخّل حدث حاضر، تتدخّل اسكاتولوجياً قد تحقّقت وتمّت.
هناك من يعتبر أن الحديث عن الدينونة الأخيرة والقيامة المقبلة (آ 27- 29)، أمر نافل. مثل هذا الشخص يتوقف عند الظواهر. أمّا الواقع فهو غير ذلك. فاتخاذ القرار من أجل المسيح أمر نقوم به الآن. أمّا قيامة الحياة أو الدينونة التي تحرق كل شيء، فهي لم تأتِ بعد.
تتحدّث آ 29 عن أعمال صالحة أو سيّئة (صالحات، سيّئات) بشكل عام. وفي النهاية يكون الحديث عن جميع البشر، وليس فقط عن الذين التقوا بالمسيح بشكل أو بآخر خلال حياتهم على الأرض، فدفعهم هذا اللقاء إلى اتخاذ موقف بالنسبة إليه. ما يفرضه النصّ الذي ندرس هو ذات النظرة إلى مجمل البشرية كما في رؤ 20: 13، حيث يُدان جميع البشر "حسب أعمالهم"، حتى الذين لم يلتقوا المسيح بطريقة واعية.
في آ 27 تبدو الاسكاتولوجيا بعيدة، ولكنها ترتبط بصورة معروفة في دانيال (7: 10- 14) والأناجيل الإزائية (مر 14: 62 وز): فالديّان في نهاية الأزمنة هو "ابن الإنسان". في كل هذه الخطبة، لا يربط يسوع حقوقه بصفته الكلمة الأزلي والحاضر قبل الكون، بصفته مساوياً لأبيه، بل بصفته ابناً طائعاً يسمع لأبيه ويتقبّل منه ملء الحياة ليتيح لآخرين أن يستقوا من ينبوع الحياة هذا.
حوّل يوحنا نقطة تركيزه على الكرستولوجيا. لهذا تبدّلت لوحة الدينونة عنده. فإذا كان يسوع معروفاً منذ حياته على الأرض على أنه كلمة الله. وإذا عرّف بنفسه الآن على أنه قبل كل شيء كلمة وروح محيي في كنيسته. ماذا كان المسيح نفسه هو الذي يكلمنا نحن الذين نقرأ إنجيله، يجب أن نتخذ قرارنا منذ الآن بالنسبة إلى هذا الصوت الذي يتوجّه إلينا (18: 37). من هذه الوجهة نقول: ساعة الدينونة هي منذ الآن هنا، هي حاضرة (3: 18- 21؛ 12: 31).
منذ اليوم، سيسمع الموتى "صوت ابن الإنسان". وبما أنهم يسمعونه، فهم سيبدأون يحيون (5: 25). ولكننا لسنا أمام تسبيق للدينونة الأخيرة في حدّ ذاتها. بل نحن أمام عمل خلاص المسيح ووحيه الذي بدأ والذي نقرّر وجهة حياتنا بالنسبة إليه. منذ الآن بدأت بطريقة روحية القيامةُ الحقيقية لشعب الله.
قدّم يسوع نفسه في هذه الآيات (آ 19- 30) على أنه الحياة والديّان. وسيبرّر هذا "الإدّعاء" فيما بعد.
قدّم نفسه في علاقته مع أبيه. الابن يقتدي بأبيه، لأنه يحبّه، لأنه يعلّمه ما يجب عمله. هذه هي علاقة يسوع بأبيه: علاقة محبّة وطاعة. وينطلق يسوع من هنا ليبرّر ما عمله يوم السبت: تصرّف مثل أبيه. هو يحيي أولاً (آ 21)، ثم يدين (آ 22- 23)، كما أمره الآب. في العهد القديم، الدينونة خاصة بالله وهي واقع مقبل لا حاضر. ولكن أعطي منذ الآن امتياز للإبن بأن يدين. وهكذا صارت معارضة اليهود لعمل يسوع يوم السبت، نقطة إنطلاق لوَحي حول هويّته كابن.
وانقلب الوضع. كان يسوع متّهماً فإذا هو يدين البشر. وتتحقّق الدينونة منذ الآن في السماع إلى يسوع والإيمان بالآب. ويرتبط السماع بالإيمان إرتباط الآب بالابن. فسماع الابن والإيمان بالآب أمرٌ واحد. هذا يدلّ على أنّ الواحد لا ينفصل عن الآخر. وأن من رذل يسوع أنكر الآب. والمؤمن الذي يتعلّق في اندفاع واحد بالآب والابن، ينال عطية الحياة الآن ولا تكون له دينونة.
ونجد في آ 25- 30 مواضيع قرأناها فيما مضى، فتوسّع فيها يوحنا وتعمّق. ابن الإنسان (1: 51). نجد هذه الصورة في دا 7: 14 وفي سفر أخنوخ، وهي ترتبط بالدينونة الأخيرة.
إن آ 24 قدّمت اسكاتولوجيا تحقّقت. أمّا آ 29 فتحدّثت عن اسكاتولوجيا مقبلة. بمجيء يسوع تدشّنت الأزمنة الأخيرة. وبدأت الدينونة بقبول يسوع أو رفضه. "لقد جاءت الساعة وهي الآن". لقد دخلنا مع يسوع في ما هو "حاضر الآن". ونسير نحو القيامة الأخيرة التي لم تحصل بعد. ووسيط هذه الحياة الأبدية هو "ابن الله" (آ 25) و"ابن الإنسان" (آ 27). والشرط الوحيد هو أن نسمع صوته. إذن، كل قارىء يستطيع أن يُصغي للكلمة فينال منذ الآن الحياة الأبدية.
إن الاسكاتولوجيا المحققة لا تلغي القيامة الأخيرة. لقد أعطى يوحنا الأولوية للحياة الأبدية منذ الآن. ولكن الاسكاتولوجيا (نهاية الأزمنة) تحتل حيّزاً هامّاً في تعليمه.
14
شهادة الآب
5: 31- 40

الآب الذي أرسلني هو يشهد لي. ما سمعتم صوته من قبل.
وتتتابع الخطبة الكرستولوجية التي بدأت في آ 19، وستمتد حتى آ 47. في المقطع السابق نلنا وحياً حول هوية يسوع. وها هم الشهود آتون وهم ثلاثة: يوحنا المعمدان (آ 33- 35) الذي أرسله الله (1: 6). معجزات يسوع (مت 11: 5). والشاهد الثالث هو الآب نفسه. فشهادة الآب لا تعود إلى حدث خاص فقط (عماد يسوع)، بل إلى شهادة مجملة نجدها في العهد القديم: "الكتب المقدّسة تشهد لي" (آ 39).
نجد في هذا المقطع لفظتي "شهادة" و"شهد" إحدى عشرة مرة. هذا الرقم يكفي ليبيّن أن الإنجيلي يبني هنا إنجيل الشهادة.
إذا عدنا إلى مستوى اللغة، نجد في آ 33 الفعل في الماضي. لقد شهد. هناك شهادة سابقة. ولكن شهادة يوحنا لا تزال حاضرة وهي تتوجّه إلينا. وفي آ 34، يدلّ يسوع على أنه لا يحتاج إلى شهادة تأتيه من البشر.
يعلن يسوع في آ 32: أنا أعرف (هناك مخطوطات تقول: أنتم تعرفون). فيسوع يتكلّم عن أبيه وعن شهادته له. هذا يعني على المستوى اللاهوتي أن يسوع يستطيع أن يتكلّم عن الآب كأنه "آخر" رغم اتحاده به (10: 30). فإذا قرأنا آ 38 و14: 16 نكتشف أننا أمام ثلاثة أشخاص أو كما يقول اللاهوت: ثلاثة أقانيم متميّزة ومتّحدة.
هناك تعارض لافت بين ما يقوله يسوع في آ 39 عن شهادة الكتب، وملاحظات سنجدها في مقاطع أخرى (مثلاً، 20: 9: لا يفهمان ما جاء في الكتاب) تقول إن التلاميذ لم يروا إلاّ بعد القيامة العلاقة بين نصوص العهد القديم ومدلول عمل يسوع الخلاصي. إن المقطع الذي ندرس يتضمّن أفكاراً تعود إلى خبرة المرسلين المسيحيين بعد الفصح. وما نجده هنا بشكل إجمالي، هو دفاع الكنيسة الأولى ضد العالم اليهودي.
في آ 35، نصطدم بجملة لا يمكن أن تكون نتاج لاهوت الكنيسة المتأخّر، بل نتاج الساعات الأولى. ما يميّز لاهوت "المدرسة اليوحناوية" هو أن المعمدان أنكر انه إيليا (1: 21). أما هنا فيطبّق الإنجيلي على المعمدان صورة تذكّرنا بما قاله ابن سيراخ عن إيليا: "قام إيليا النبي كالنار، وتوقّد كلامه كالمشعل" (48: 1). وفي إنجيل متّى، يتحدّث يسوع بالطريقة عينها عن المعمدان: "هذا الذي كُتب عنه: ها أنا أرسل ملاكي قدّامك ليهيّىء الطريق أمامك"... "فإذا شئتم أن تصدقوا، فاعلموا أن يوحنا هو إيليا هذا الذي سيعود" (مت 11: 10، 14). إذن، في هذا الجزء من خطبة المسيح عند يوحنا، نجد نفوسنا أمام تقليد قديم جدّاً.
تألّم الإنجيلي من مسألة تقول: على ماذا يعتمد أولئك الذين يؤمنون أن الله هو الذي صار إنساناً في يسوع (1: 1، 14)؟ ألقى نظره إلى الوراء فأورد أربع شهادات: أرسلتم رسلاً إلى يوحنا، فشهد يوحنا للحق (آ 33- 35). لي شهادة أعظم من شهادة يوحنا (آ 36). والآب الذي أرسلني هو يشهد لي (آ 37- 38). الكتب المقدّسة تشهد لي (آ 39- 40). أربع مرّات يشهد "آخر" ليسوع (آ 31- 32: لو كنت أشهد لنفسي، ولكن آخر يشهد لي) ولكن بطريقة مختلفة. ثلاث من هذه الشهادات هي غير مباشرة وشهادة واحدة هي مباشرة.
الشهادة الأولى التي فيها يعبّر الآب عن نفسه بوسيط، هي شهادة المعمدان (آ 33- 35). نتذكّر هنا البعثة الرسمية التي جاءت من أورشليم إلى يوحنا، وأجوبة يوحنا لها (1: 19- 28). بدا المعمدان على أنه شاهد "للحقّ" (آ 33). وهو يُعتبر "سراجاً" يستطيع أن ينير الطريق الذي نأخذه. تعود هاتان الفكرتان (السراج، الحقّ أو الحقيقة) إلى الحياة الخلقية التي نمارسها كل يوم. إذن، هكذا هيّأ المعمدان الطريق للمسيح. بما أنه كان الصوت الصارخ في البرّية، فقد حرّض الناس على العودة إلى صوت ضميرهم، وبالتالي إلى شهادة الله لذلك الذي مجسّد الحقيقة (14: 6).
والشهادة الثانية تحمل ثقلاً لا تعرفه شهادة بشرية. هي تلك التي يعطيها الله ليسوع الناصري فيمنحه قدرة العمل على الأرض مع ملء القوّة الإلهية (آ 36). و"الأعمال" التي "يعملها" الابن أو "يتمّها" ليست فقط معجزات، كان كانت المعجزات مهمة. نتذكر شفاء بركة بيت حسدا (رج 7: 21). فالإنجيلي الرابع يرى أن العجائب تقدّم تعبيراً محدوداً وتحمل بعض القوة المبرهنة (14: 11: صدّقوني من أجل أعمالي). بل إن هذه "الأعمال" تمثل سلطة يسوع بأن "يعطي الحياة" منذ الآن، بأن يدين مند الآن (آ 25).
الشهادة الثالثة هي التي تمنحها الكتب ليسوع. نتذكّر هنا الأروقة الخمسة المذكورة في آ 2، والتي ترمز إلى أسفار موسى الخمسة. تحت هذه الأورقة وجد يسوع ذاك المريض القديم. وهناك كان بإمكان اليهود أن يجدوا يسوع لو اكتشفوا في الكتب مرضهم وشقاء خطيئتهم وعجزهم. لا يني العهد القديم يتحدّث عن خطايا البشر، لأنه ينظر إلى العالم بجدّية. ورغم ذلك، صارت التوراة للعالم اليهودي المتأخّر مناسبة تكبر وثقة مفرطة في برارته الخاصة. ولكن بالحقيقة، هذا هو الموقف الذي يمنع المؤمن من أن "يجيء" إلى يسوع (آ 40).
وسط هذه الشهادات القيّمة وإن كانت غير مباشرة، تنتصب شهادة مباشرة يؤدّيها "آخر" (آ 32) ليسوع. الله نفسه يتكلّم في قلب البشر (آ 37) ويدعوهم إلى سماع الحقيقة، و"يجتذبهم" إليه (6: 44). وفي كلمة الابن تلتقي كلمة "الآخر" مع الإنسان الطيّب. وكلمة الابن هذه هي كلمة الآب نفسه (7: 17). لا شك في أنه ليس من ضمانة عقلية محضة تؤكّد أن هذا الصوت الداخلي هو اجتذاب الله لنا ودعوتنا إلى الحق. وإذا كان يسوع يؤكد في آ 32 أنه يعرف أن شهادة الذي يشهد له هي حقّ، فهذا لا يعيننا في الشك. فمن يستطيع أن "يبرهن" لنا أن الابن، يسوع الناصري، يمتلك الحقيقة؟
"تفحصون الكتب المقدّسة...". لا تكون قراءة الكتب المقدّسة مثمرة إلاّ إذا أطعنا الوصايا، إلاّ إذا مارسنا الشريعة التي نتقبّلها بروح قويم وقلب متخشّع منكسر (مز 51: 19) لا بكبرياء راضية عن نفسها. فالحرف وحده يقتل (2 كور 3: 6). نجد في أسفار التوراة عدداً من المقاطع تتحدّث عن الثقة التّامة بالله، عن رحمة الله، عن أمانته لشعبه رغم خطاياهم، عن التوق إلى يوم الخلاص، إلى من يفدي الفقراء والبائسين، عن بَركة تمُنح للوضعاء في الأرض. فإن اهتمّ واحد منا بما اهتمّت به الأسفار المقدّسة، قادته قراءته لهذه النصوص اليوم أيضاً إلى يسوع.
نقدّم ملاحظة أولى عن اليهود في إنجيل يوحنا
استعملت كلمة "يهودي" بعد المنفى لتدلّ على اليهوذاويين (سكان يهوذا، أو مملكة الجنوب، وعاصمتها أورشليم). ثم امتدّت فعنت سكان فلسطين. هذا هو معنى الكلمة في زمن يسوع.
ترد عبارة "اليهود" مراراً في إنجيل يوحنا (60 مرّة مقابل 5 أو 6 مرّات في سائر الأناجيل). هذا الاستعمال يكشف المسافة والابتعاد بين المسيحيين واليهود ساعة دوّنت التقاليد الإنجيلية. وبما أن مجمل أشخاص الخبر الإنجيلي يكادون يكونون يهوداً (تسمي السامرية يسوع "اليهودي"، 4: 9). فهذا الفرز لا يمكن أن يعود إلى زمن يسوع.
إذا تفحصّنا النصوص رأينا أن معاني اللفظة هي عديدة. مرّة تعني جماعة أثنية (4: 9؛ 18: 35. سأل بيلاطس يسوع: أيهودي أنت؟ وهناك عبارة ملك اليهود في 19: 19، 21). في بعض الأخبار، تدلّ اللفظة على مجموعة بشرية قد تضمّ يسوع نفسه (4: 9، 22). مثل هذه التسمية تدلّ على تباعد (11: 19، 31، 33، 36) بين اليهود وبين المتكلّم. فمع أن كل الأشخاص هم يهود، إلاّ أن بعضاً منهم يسمّون بهذا الاسم. ونشير في المعنى عينه إلى "أعياد اليهود" (2: 13؛ 5: 1؛ 6: 4؛ 7: 2، لا أعياد المسيحيين). وهذا التشديد على الاختلاف قد يصل إلى اللاإيمان (6: 41، 52؛ 7: 11، 15، 35) بل إلى العداء (5: 18؛ 7: 1؛ 10: 31؛ 11: 8) مع عبارات قاسية: "وطلب اليهود أن يهلكوه".
أمام هذه النصوص نرى تأثير العلاقات البغيضة بين اليهود والمسيحيين في نهاية القرن الأول. وهذا العداء المتبادل ترك أثراً في النصوص الإنجيلية. الإنجيل هو كلمة الله، ولكنه في الوقت عينه كلمة بشر. لهذا نحن نقرأه في المحيط الذي دوّن فيه.
ونقدّم ملاحظة ثانية حول يسوع الابن.
قلّما ترد لفظة "الابن" بشكل مطلق (لا: ابن الله) في الأناجيل الإزائية (نجدها في مت 11: 27؛ 28: 19؛ مر 13: 32). أما في إنجيل يوحنا فنجد عبارة "الآب والابن". ترد لفظة "الابن" 18 مرّة (خاصة في ف 3، 5) في الأنجيل، وخمس مرّات في 1 يو ومرة واحدة في 3 يو.
بالإضافة إلى ذلك، يتوجّه يسوع خمسين مرّة إلى الله كأبيه أو يسمّيه بهذا الاسم (8 مرّات: "الآب الذي أرسلني"). نحن هنا في قلب الكرستولوجيا والحديث عن يسوع المسيح. هل نحن أمام كلمة تلفّظ بها يسوع نفسه، أم أمام استنتاج الجماعة لموقف من مواقفه؟ مهما يكن من أمر، فالإنجيل هو في الوقت عينه ذاكرة تاريخية عن يسوع وإعادة قراءة مؤمنة تتمّ في الكنائس. وهو يبيّن لنا يسوع المرتبط إرتباطاً عميقاً بأبيه، والمعلن عن اسم الله الحقيقي للبشر.
فيسوع يحدّثنا عن الله كالآب الذي أرسلني (5: 37؛ 6: 44؛ 8: 16، 18؛ 12: 49؛ 14: 24). ويشهد يسوع أنه نال من هذا الآب كل شيء: اسمه (17: 11- 12)، مجده (17: 22، 24)، العمل الذي أعطي له أن يعمله (5: 36؛ 17: 4). وأعطى الآب الابن أن يمتلك الحياة في ذاته (5: 26). وهذه الحياة الحميمة والعميقة التي توجد بين الآب والابن لا تنتهي في علاقة من الأنانية بين اثنين ينغلق الواحد على الآخر. بل هي تتوجّه إلى الخارج: فالله الآب سلّم إلى ابنه كل هؤلاء المؤمنين (6: 37، 39) لئلاّ يهلك أحد منهم. إنهم كخراف أوكل بهم الراعي. هم يعيشون في حماية الآب والابن "لأني أنا والآب واحد" (10: 30). يسوع هو عطية الآب للبشر (6: 33). والتجسّد يعرّفنا أن الله ويسوع متحدان اتحاداً وثيقاً في علاقة فريدة هي علاقة الآب بالابن. وأن هذه المحبة تفيض على البشر فتكشف هوية الله الحقيقية: "لقد أحبّ الله العالم حتى وهب ابنه الوحيد" (3: 16).
وهكذا يصوّر إنجيل يوحنا هذا الإتّحاد الوثيق بين الآب والابن. فالابن لا يصنع إلاّ ما رآه، ولا يقول إلاّ ما سمعه، ما تعلّمه من الآب (8: 28، 38، 40؛ 12: 49؛ 15: 10). في الحقيقة سلّمه الآب كل شيء (13: 3)، ومن رأى يسوع رأى الآب. قال يسوع لفيلبس: "من رآني رأى الآب. لماذا تقول: أرنا الآب؟ ألا تؤمن أنني في الآب وأن الآب فيّ" (14: 9- 10)؟ وحين عاد يسوع إلى الله، حدّد أنه ذاهب إلى "أي وأبيكم وإلهي وإلهكم" (20: 17). فالمؤمن المولود من الروح قد صار ابن الله. ولكن هذه البنوّة بالتبنّي لا تماثل نبوّة الابن الوحيد (1: 14) الذي وُجد منذ الأزل.
منذ أولى صفحات الكتاب المقدّس إلى آخرها، نحن نشهد كشفاً تدريجياً لوجه الله. وانجيل يوحنا يشكّل المرحلة الأخيرة في هذا الوحي. فيسوع هو كلمة الله الأخيرة. صار الكلمة بشراً، ولكنه ظلّ كلمة الله فأعلن في وحيه أن الله أخبر عن ذاته في ابنه. هناك ألقاب عديدة دلّت على يسوع: ابن الإنسان، الرب... ولكن أفضل تعبير عن س الله نجده في علاقة الآب والابن.
15
اليهود لا يؤمنون
5: 41- 47

لكم من يشكوكم: موسى الذي وضعتم فيه رجاءكم.
ظهر الله في السابق. ظهر على جبل سيناء (آ 37؛ خر 19: 16 ي)، ظهرت كلمته وهي ما زالت تعمل حتى الآن (آ 38؛ خر 19: 5). ولكن اليهود لم يتقبّلوا كل هذا كما يليق. لهذا حين عمل يسوع، لم يروا عمل الله في هذا الإنسان الذي سيقولون عنه إنه ابن يوسف وهم يعرفون أباه وأمّه (6: 42).
الكتب المقدّسة هي ينبوع الحياة الحقيقية (تث 4: 1؛ 8: 1، 3). لهذا تكرّس لها المعلّمون بكليتهم. الكتب المقدّسة تورد الأحداث والأقوال التي بها هيّأ الله مجيء ابنه. ولكن كلمة الله ليست في قلب سامعيه، لهذا نقصتهم المحبّة الحقيقية تجاهه. فضّلوا مجد الناس على مجد الله.
فيبقى أن جذور اللاإيمان تقع في البحث عن مجد شخصي وعن تعلّق بهذا العالم. أما الإيمان فيفرض أن نتجنّد كلنا للآب وننتظر المجد منه وحده على مثال يسوع الذي "طلب المجد للذي أرسله" (7: 18).
هناك موازاة بين آ 41 و8: 50 (أنا لا أطلب مجداً لي) و12: 43 (فضّلوا مجد الناس على مجد الله). نحن لسنا فقط أمام "كرامة"، بل أمام أهمية ووزن. فالمجد في الأساس يدلّ على حضور الله، كما يشعّ نوراً على الأشخاص والأشياء، على موسى، على خيمة الإجتماع، على الهيكل. وفي النهاية يتجسّد في شخص يسوع.
قال يسوع لليهود في آ 45: "لا تظنّوا". نحن لسنا أمام الإيمان. بل أمام رأي واعتقاد. نحن هنا على المستوى البشري مع ما فيه من نقص وارتياب. أما موضوع الإيمان فهو ثابت لا يتبدّل في نظر يوحنا.
كان باستطاعتنا أن نحدّد الإطار التاريخي لو عرفنا من هو "الآخر" الذي "يأتي باسمه الخاص" في آ 43 ب. كانت محاولة للإجابة: هو الرئيس "المسيحاني" للثورة اليهودية الثانية (132- 135 ب م) الذي سمّي في وقته ابن الكوكب (بركوخبا). ولكن لا حاجة إلى القول بأن الإنجيلي لم يفكّر بأشخاص تاريخيين محدّدين. فالنصّ يتكلّم عن موسى فقط (آ 46)، لا عن الأنبياء. ثم إن برهان الإنجيلي يوافق زمن الغيورين والأسيانيين والصادوقيين. هذا يجعلنا في الزمن السابق لدمار الهيكل. إذن قبل سنة 70 ب. م. لهذا نقبل بأساس تقليدي أخذ به الإنجيلي وكيّفه حسب الوقت الذي كتب فيه.
إن يسوع يعطي هذا التنبيه في مر 13: 12: "فإن قالوا لكم: المسيح أو هنا أو هناك. فلا تصدّقوا". وفي مكان آخر نجد نفوسنا قريبين من التقليد القديم الذي صاغه يوحنا: "سيأتي كثيرون باسمي ويقولون: أنا هو" (مر 13: 6 وز). فيبدو إذن أن يوحنا والإزائيين الثلاثة استعادوا التقليد عينه عن "كثيرين آخرين" جاؤوا فصارت لهم شهرة لا يستحقّونها.
إن آ 41- 47 هي امتداد للآيات 31- 40 مع توسيعها وتقديمها بصورة مثيرة. فالجملة الأولى في المقطع الذي ندرس (آ 14) تذكرنا بالآية 34. فمكان "المجد" نجد مدلولاً أكثر تحديداً: "الشهادة".
فنظام الأفكار في بداية هذا المقطع يبدو على الشكل التالي: جاء يسوع (آ 40) يوبّخ اليهود لأنهم لم يستسلموا إليه في الإيمان. ولكنه لم يفعل لأنه مثلاً يحتاج إليهم أو إلى انتمائهم إليه. هو لا يهتم أي اهتمام بموافقة البشر على ما يعمل (آ 41). ثم، بما أنه ذاك الذي "يعلم ما في الإنسان" (2: 25)، فهو يعرف كل المعرفة أن اليهود يكنّون له من البغض أكثر من المحبّة. فهم لا يحبّون ما هو صالح، ما هو من الله.
وأكّد يسوع بشكل صريح (إ 42) أن "حب الله" ليس فيهم. أولاً، نحن نعني حبّهم لله لا الحب الذي أعطاه الله. ولكن وجود المضاف إليه "الله" بعد لفظة "حب" قد يدفعنا إلى القبول بالمعنيين.
ما أعلنه يسوع في آ 19، 30، تستعيده آ 43 أ (جئت باسم أبي). يعلن يسوع أنه يعمل بالمشاركة مع أبيه، فيدلّ على تجرّده الكامل. هو لا يعمل إلاّ ما يرى الآب بعمله. جاء يكلّم البشر عن الله لا عن نفسه.
ثم إن هذه العبارة: "فما قبلتموني" تستعيد أفكاراً عرفناها فيما مضى. فإذا عدنا إلى 1: 11 فهمنا النصّ على الشكل التالي: ومع هذا، ما قبلتموني. فهؤلاء "اليهود" يرون أنه من الأهمية بمكان أن يعترف بهم الناس وأن ينجحوا أمامهم، بحيث لا يستطيعون أن يحكموا على من يشبههم إلاّ من هذه الزاوية.
في آ 43 ب، لا يقابل يسوع بين مجيئه ومجيء شخص آخر، بل يشدّد على طريقته المختلفة في تقديم ذاته إلى البشر. حين يأتي إنسان باسمه الخاص، فهم يقبلونه من أي مكان جاء. فهذا يقابل في نظرهم الموافقة التي ينتظرونها من البشر (آ 44). "فالعالم" يحبّ دوماً ما يتوافق مع طريقته في الحياة (15: 19: لو كنتم من العالم لأحبّكم العالم).
نجد في آ 44 صورتين ترتبطان الواحدة بالأخرى ارتباطاً وثيقاً. الأولى، "تطلبون المجد بعضكم من بعض". الثانية، "لا تطلبون المجد الذي من الله". وهذا سيكون واضحاً جداً فيما بعد، خلال الجدال مع بيلاطس. هناك رفض اليهود أن يكونوا شعب الله ليسمّوا نفوسهم الأمة الأمينة والخاضعة للإمبراطور الروماني (19: 15: لا ملك علينا إلاّ القيصر). وبيلاطس أيضاً أغلق على نفسه إمكانية الإقتراب الروحي من يسوع، لأن ما يهمه هو أن يكون "من أصدقاء قيصر" (19: 12).
تستعيد آ 45 الفكرةَ المعروضة في 5: 22 داخل خطبة يسوع الكبرى التي لم تنتهِ بعد والتي فيها يعلن يسوع سلطته كديّان. فالقرار يكون بالنسبة إلى شخص يسوع. ولكن يسوع لا يتهم أمام أبيه أولئك الذين لم يؤمنوا به. نلاحظ هنا أن توالي الأفكار يبتعد عن وضع يسوع تجاه اليهود قبل الفصح. في ذلك الوقت عارض خصومه "اعتداده" بأنه يرتبط بالآب. ولكنهم ما كانوا ليخافوا يوماً أن يصبح يسوع متّهمهم أمام الله. ففي كرستولوجية يوحنا، نحن أمام علاقة المسيح بالتوراة. وإليك ما يريد أن يقوله: إن السلطة التي يطالب بها اليهود لنفوسهم لأنهم يظنّون أنهم يقدّمون له الجواب الوافي (آ 16)، تتكلّم في الواقع ضدّهم. فالبنتاتوكس (أي: أسفار موسى الخمسة) ليس النقطة النهائية، ليس الذروة في التوراة. إنه يعلن الأنبياء الذين سيأتون (تث 18: 15- 22)، ويخبر عن زمن الخلاص الذي لم يأتِ بعد (تك 49: 10).
سيدان اليهود لا بموجب النظرة المسيحية، بل بموجب شريعتهم الخاصة (آ 46). لا شكّ في أنهم يرجون أن يروا في موسى من يدافع عنهم، ولكنهم لم يمتثلوا لتنبيهاته. و"السخرية" التي تميّز إنجيل يوحنا هي أن موسى اليهودي وابن العهد القديم، يرافع ضدّهم حين يرفضون "المجدّد المزعج" الآتي من الناصرة. ونحن نسمع منذ الآن صراخهم: "لنا شريعة، وبحسب هذه الشريعة يجب أن يموت: لقد جعل نفسه ابن الله" (19: 7).
فالحالة المأساوية التي يتطلّع إليها يوحنا، هي أنهم يفهمون الشريعة فهماً خاطئاً، فيرون فيها شيئاً مغلقاً على نفسه. فالرغبة الحارة بأن يروا تمام المواعيد التي أحسّ بها الأسيانيون أو حتّى السامرية (4: 25)، كانت قد ضاعت في العالم اليهودي المتأخّر الذي امتلأ من نفسه فاعتبر نفسه قلب العالم وظنّ أنه لا يحتاج إلى شيء خارجاً عنه.
فالروح عينه يسود في كتابات موسى وأقوال المسيح (آ 47). نحن نرى هنا وهناك موقفاً لا يقبل به "العالم"، لأن ما يهمّه هو قضية النجاح لا قضية العدالة أو الظلم. هنا نستطيع أن نقابل بين تك 39: 9 (خبر يوسف) ويو 7: 7 (أشهد على فساد أعماله) و1 يو 3: 13- 14: "لا تعجبوا يا إخوتي إذا أبغضكم العالم". رفض يوسف أن يسير في طريق الشرّ ويخطأ إلى الله فأبغضه العالم المحيط به واستحق السجن. هذا هو وضع المؤمن في العهد القديم كما في العهد الجديد.
إنتهت خطبة المسيح الكبرى في ف 5. وستعود الفصول اللاحقة مراراً إلى الأفكار التي عبرّ عنها هذا الفصل، لا سيّما في 7: 15- 24. إنتصب يسوع أمامنا كشخص يعمل في اتحاد مع الله، فيتجاهله البشر (آ 17- 18). فهو يحسب مديح البشر من دون أهمية (آ 41). لقد تخلّى عن النجاح الأرضي، فيبقى على المسيحيين أن يقتدوا به ويتخذوه لهم مثالاً. ومع ذلك، نحن نهتمّ كثيراً بأن نربح ودّ العالم اليوم. كما نتساءل: كيف يصل تعليمنا إلى "السامعين"، وما الذي نستطيع أن نفعله بقوانا المحدودة؟ نحن بعيدون عن عالم الكتاب المقدّس عندما نهتم بالنجاح في "العالم الحديث". بأي معنى يجب أن نهتم بالعالم وبالناس إذا أردنا أن نتوجّه فنتّخذ المسيح لنا مثالاً؟
إليك ملاحظة أولى هامة: فالمسيح، النموذج الأول للمسيحية، كما يصوّره لنا الإنجيل الرابع، يتوافق في نظرته إلى "النجاح الخفيف" مع ما يقوله الإزائيون (مت 4: 6- 7) وما تظهره وجوه عديدة في تاريخ الخلاص. نتذكّر بولس حين كتب إلى التسالونيكيين. شدّد على أنه لم يكتب "ليرضي الناس"، ولم يطلب يوماً "المجد البشري" (1 تس 2: 4، 6). ونتذكّر وجه يوسف الذي لم يعتبره أخوته، فلم يبحث عن "رضاهم" مع أنهم ظنّوه غارقاً في الأحلام (تك 37: 19). وحنة التي ستصير أم صموئيل، اعتبرت نفسها عاقراً محتقرة (1 صم 2: 1- 11). وداود، أصغر أخوته كان يرعى الغنم، ساعة زارهم صموئيل باحثاً عن ملك (1 صم 16: 11). ماذا عدنا إلى سفر الحكمة (2- 5) رأينا أن البار ليس متعطّشاً إلى النجاح البشري، لهذا فهو محتقر. في هذا الخطّ قرأ الآباء حك 2: 12- 20 (إن كان الصديق ابن الله فهو ينصره وينقذه) وطبّقوه على المسيح.
ولكن هؤلاء الأبرار الحقيقيين الذين لم يهتموا بحكم الناس عليهم، لم يتبعوا طريقهم باكتفاء مليء بالكبرياء والثقة المفرطة بالنفس. هم لم يطلبوا مجداً لدى البشر، بل رضى الرب ومجده. فاهتمامهم يتوجّه كله إليه. وبهذا استعدوا ليقوموا بإصلاح في العالم. قد يسمح الله بأن يكونوا مطروحين، مجهولين، محتقرين. لهذا يرى يوحنا في موت الحبّة من الحنطة سر "الفشل" الخصب (12: 24- 26). إن يسوع لم يطلب يوماً رضى العالم. وفشله الذي قاده إلى الصليب، صار للعالم النجاح الأهم، النجاح الضروري.
وهكذا نكتشف في هذا الفصل الخامس:
يسوع الشافي. يهتمّ بأضعف الضعفاء، وهو الذي كان فقيراً لأنه اختار ذلك. "هو الغني صار فقيراً لكي نغتني بفقره" (2 كور 8: 9). هو فقير وقف أمام فقير فرفعه إلى غناه.
يسوع هو رب السبت. أبوه يعمل دائماً، يخلق دوماً. ويسوع يقتدي بأبيه.
يسوع هو الابن المرتبط ارتباطاً حميماً بالآب.
يسوع هو المساوي للآب. قال عنه اليهود: "ساوى نفسه بالآب". والمسيحيون يقولون عنه: "مساوٍ للآب في الجوهر".
يسوع هو قلب الكتب المقدّسة ومحورها. إتهموه أنه يتجاوز الشريعة، فدلّ على أنه الهدف الأخير للكتب المقدّسة. قال عنه المسيحيون: جاء يكمّل الشريعة ويصل بها إلى أقصى متطلباتها. قيل: لا تقتل. أما أنا فأقول.
يسوع هو المخلّص. شدّد يسوع على هويته كالابن. فبهذا يرتبط مشروع الله من أجل البشر، وإمكانية يسوع بأن يهب الحياة للعالم.
16
السير على المياه
6: 16- 23

رأوا يسوع يدنو من القارب ماشياً على البحر فخافوا.
في ف 6 نحن نعيش مع يسوع في "الفصح". ففي إطار تكثير الخبز والخطبة حول خبز الحياة في كفرناحوم، يدخل السير على البحيرة، بل على البحر. فالبحر يمثل عالم الشّر الذي يدوسه المسيح بقدميه الآن وفي النهاية (1 كور 15: 26).
نتساءل لدى قراءة هذا المقطع: ما هي علاقته بما هو سابق (تكثير الأرغفة) وبما هو لاحق (خطبة خبز الحياة)؟ في مت 14: 22 نرى يسوع نفسه "يجبر التلاميذ على أن يصعدوا إلى القارب ويسبقوه إلى العبر (والجهة المقابلة) بينما يصرف الجموع". أمّا هنا فنستطيع أن نسمّيه خبر انتقال. فالموضوع الحاضر في بداية الخبر يبقى هو هو. لقد فشلت المسيرة على خطى يسوع. التلاميذ هم وحدهم، متروكون وحالهم. والجموع ما زالت تبحث عن يسوع (آ 24).
ويرتفع الستار عن هوية يسوع السرية ويحصل المشهد في الليل (آ 17) وهو الوقت المؤاتي للوحي. إقترب يسوع وهو يسير على المياه. هكذا يتحرّر من نواميس الطبيعة بانتظار قيامته. كان الماء عنصراً يفصل بين مكان ومكان، فصار طريقاً يربط مكاناً بآخر. نستطيع أن نرى هنا تلميحاً إلى سفر الخروج، وبالأخصّ عبور البحر الأحمر: فهنا أيضاً تحوّلت المياه إلى طريق من أجل العبرانيين (خر 14).
وهناك تفصيل آخر يؤكد هذه القراءة: "أمسك الرعب بالتلاميذ" (آ 19). خافوا. هذا يعني أنهم رأوا في هذا الحدث تدخّلاً من قبل الله. فكلمة يسوع الفاعلة تجد ذروتها في "أنا هو" (أنا يهوه، أنا الربّ). بهاتين اللفظتين تحدّث اشعيا مراراً عن الربّ.
وهكذا نجد حلقة جديدة في الوحي التدريجي عن يوع: إنه موسى الجديد الذي يعبر البحر. إنه أليشاع الجديد الذي لا يطعم فقط مئة شخص، بل خمسة آلاف. وفوق هذا إنه كائن إلهي. يتّخذ اسم الله لنفسه، ويزيل الخوف عن الناس حين يظهر عليهم ويكشف لهم شخصيّته.
ينبّهنا الشرّاح أن لا نهتم في هذا المقطع بالأمور الطوبوغرافية (من أي مكان إلى مكان ذهب يسوع) ولا بالحقيقة التاريخية للخبر. إن فعلنا ذلك أضعنا طابعها الواضح كظهور إلهي (أبيفانيا). ما هو الهدف الذي أراده يوحنا؟ أن يبرز الكلمة التي تدلّ على القدرة الإلهية: أنا هو (آ 20). غير أن الجملة: "أنا هنا، لا تخافوا" هي موجودة في إنجيل مرقس (6: 50). هذا يعني أن صاحب الإنجيل الرابع استقى من تقليد قديم، وكيّف نصّه حول عبارة "أنا هو" فبدّل المضمون كله.
وإذا توقّفنا بصورة خاصة عند آ 22- 24، يمكننا أن نتساءل: كيف استطاع كل الجمع الحاضر (كانوا 5000) أن يعبروا البحيرة في قوارب لا يسع الواحد منها عشرة أشخاص. المهم أن قارب التلاميذ هو هنا، وهو يدلّ على الكنيسة، وأن الناس يبحثون عن يسوع ويطلبونه بكل الوسائل.
حين يروي متّى ومرقس خبر عبور البحيرة، فهما يختلفان عن يوحنا اختلافاً عميقاً بالهدف الذي وضعاه أمامهما. صوّر الإزائيون التلاميذ وهم يجهدون ليصلوا إلى الشاطىء. جاءهم يسوع، فظنّوا أنه خيال. صرخوا من الخوف فهدّأ يسوع من روعهم. أراد بطرس أن يذهب إلى يسوع فوق الماء، فكاد يغرق. وفي النهاية هدأت العاصفة فتعجّب التلاميذ (مت 14: 22- 33؛ مر 6: 45- 52).
أمّا يوحنا فيقول لنا فقط ما يعني يسوع نفسه. لا يأتي يسوع لكي يعين التلاميذ، بل ليظهر لهم في طبيعته الإلهية. ونحن ندرك هذه الوجهة الجديدة إذا لاحظنا أنّ يوحنا أشار إلى "المساء" (آ 16) وزاد في آ 17: "وأظلم الليل". فعند يوحنا، لا تدلّ لفظة "ليل" (أو: ظلمة) فقط على ظاهرة طبيعية منظورة. فكل مرة نجد هذه اللفظة (1: 5؛ 6: 17؛ 8: 12؛ 12: 35، 46؛ 20: 1) فهي تدلّ على واقع روحي. وفي النصّ الذي ندرس نجد تشديداً على الواقع الروحي بصورة خاصة في الإشارة إلى البحر الهائج، وإلى يسوع الذي لم يكن بعد "وصل إلى تلاميذه" (آ 17 ب). ثم تجلّى (ظهر) يسرع. بعد هذه اللحظة صار المشهد واضحاً وهادئاً بشكل لا يعبّر عنه، بشكل انتصار الله على قوى الشّر. وهكذا نصل إلى هدف العبور: إنه استباق مصوّر لنهاية تاريخ الخلاص.
شدّد بعض الشرّاح على الطابع البعد فصحي (أي حدث بعد القيامة والفصح) في هذا المقطع. بل نستطيع أن نتكلّم عن الطابع الاسكاتولوجي (نهاية الزمن أو ما بعد الزمن). هنا نقارب بين هذا المقطع والصيد العجيب في 21: 1- 14. فصيد 153 سمكة هو صورة عن تتمة تاريخ الخلاص. ويسوع هو هنا على الشاطىء وهو ينتظر التلاميذ وفي مقدّمتهم بطرس.
ويرى كيرلس الإسكندراني وأغوسطينس في هذا المقطع صورة مسبقة عن النهـاية الأخيرة. من هذه الزاوية، إن يسوع المنظور في نهاية الأزمنة يقابل الرب الخفي تحت أعراض الخبز. وفكرة عودة يسوع الأخيرة تربط ظهوره على البحر بحدث تكثير الخبز كما بالخطبة الأفخارستية في كفرناحوم. وإذا توقّفنا عند هذه العودة، نفهم لماذا قيل في آ 17 ب أن يسوع لم يكن "بعدُ قد وصل إليهم". هذا ما يعبرّ عن انتظار ساعة لم يكن التلاميذ يتوقعون أن يروا يسوع آتياً إليهم على البحر. أما الكنيسة فهي تسير مسيرتها، وهي تنتظر. إنها القارب الذي يصل في الحال إلى الأرض.
وتأتي بعض ملاحظات انتقالية يستعملها الكاتب ليدلّ على أن الجموع تبحث عن يسوع وتريد أن تجده بأسرع وقت ممكن. وهكذا لا يبيّن لنا أن يسوع يحدّث جمعاً آخر في كفرناحوم. فالذين رأوا آية تكثير الخبز هم الذين "بحثوا" (طلبوا) عن يسوع. عبروا البحيرة ليذهبوا إلى مجمع كفرناحوم (هل البحر، موضع الشرّ، يقف حاجزاً أمامهم؟ ربّما) بحثاً عن يسوع (آ 24 ب). كانت كفرناحوم، حسب كل الإنجيليين، مركز نشاط يسوع في الجليل. يبقى علينا أن نتساءل: لماذا بحثوا؟ عمّ يبحثون؟ عمّن يبحثون؟
حين ننطلق من كلمات يسوع التي تلي هذا المقطع (في 6: 26)، نستخلص في ما يخص آ 24 ب أن "البحث" عن يسوع هو في نظر يوحنا مدلول إيجابي جداً. في التوراة اليونانية (السبعينية)، تجمع هذه اللفظة (بحث، طلب) كل بحث بشري عن العالم، وعن مشاكل الإنسان. وبحثُ الجموع هذا يكون قيّماً وصادقاً إذا تمّ في روح كلمة اشعيا (55: 1، 6): "أنتم يا جميع العطاش، تعالوا إلى الماء. أنتم يا من ليس لكم خبز، تعالوا! أطلبوا الربّ ما دام يوجد، أدعوه ما دام قريبأ".
غير أن أهل الجليل لم يفهموا أن تكئير الأرغفة كان علامة تقودهم لكي يطلبوا "خبز" الرب (6: 26). في إنجيل يوحنا، يتكلّم يسوع مراراً عن بحث "فاسد". ليس بحث "الجائعين والعطاش إلى البرّ" (مت 5: 6؛ رج يو 6: 35)، بل أولئك الذين يريدون أن "يمتلكوا يسوع" (6: 15). قال لهم: "تطلبونني ولا تجدونني" (7: 34). وهكذا يفلت منهم الخلاص الذي يقدَّم لهم: "تموتون في خطاياكم" (8: 21). في هذا الوقت كان اليهود "يبحثون" عن يسوع ليهلكوه (5: 18؛ 7: 1، 19؛ 8: 37).
ويتكلّم يوحنا أيضاً عن "البحث" الجيّد. بحثَ يعني اهتم، فكّر. في هذا المعنى أعلن يسوع في عيد المظال: "فالذي يتكلّم من عنده يطلب المجد لنفسه. ولكن من يطلب المجد للذي أرسله، فهو صادق لا غشّ فيه" (7: 18). وفي خطبة يسوع الكرستولوجية الكبرى، قد سمعنا أقوال يسوع: "لا أطلب مشيئتي، بل مشيئة الذي أرسلني" (5: 30). هذا هو "البحث" الحقيقي الذي يتكلّم عنه الكتاب المقدّس. هناك في العبرية كلمتان: الأولى (بقش) تدلّ على طلب وجه الله بحثاً عن المشورة والعون والتعزية. والثانية (درش، في العربية درس) تعني تفحّص، حفر. بهذه الطريقة "يبحث" البار عن الله ليكتشف ما يأمره به (الشريعة). وحين نفهم الفعل بهذا الشكل. يصبح البحث عن الله مهمة حيوية للإنسان.
تعوّدنا أن نقرأ عبارات خاصة بيوحنا ونجدها في الأدب الهلنستي (بعد دخول الإسكندر الكبير إلى الشرق): أنا هو نور العالم. أنا هو الراعي الصالح. أنا هو الكرمة الحقيقية. أمّا عبارة "أنا هو" في المطلق (أي: بدون زيادة) فهي خاصة بالكتاب المقدّس ولا سيما بيوحنا. نجد هذه العبارة في مر 6: 50 (إطمئنّوا، أنا هو، لا تخافوا)! مت 14: 27 (تشجّعوا، أنا هو، لا تخافوا. إذن في إطار السير على المياه).
ونجد هذه العبارة هنا في يو 6: 20 (الإطار عينه، السير على المياه)، وفي 8: 24: (ستموتون في خطاياكم، إذا كنتم لا تؤمنون أني أنا هو)، وفي 8: 28: "متى رفعتم ابن الإنسان عرفتم أني أنا هو". ونقرأ في 8: 58: "قبل أن يكون إبراهيم أنا هو". وفي 13: 19، بعد غسل الأرجل: "حتّى متى حدث تؤمنون أني أنا هو" (رج 18: 5، 6، 8 ويسوع في بستان الزيتون).
من وسط العلّيقة الملتهبة دوّت كلمة الله: "أنا هو الذي هو" (أي يهوه) (خر 3: 14). حين يسمع اليهودي هذه العبارة يفهم أنه أمام تأكيد إلهي. وفي التوراة السبعينية، نقل المترجم وأنا هو يهوه" (أش 45: 18) فقال: "أنا هو". إذن، استعاد المسيح في العهد الجديد عبارة وحي أخذها من العهد القديم، فحمّلها معنى جديداً. وهكذا كشف في شخصه عن الآب الذي هو الإله الواحد الوحيد في إسرائيل (رج 17: 3)، فاعتبره اليهودي كلاماً لا يستطيع أن يقبله وتجديفاً.
17
أول أيام العيد
7: 1- 13

ولما اقترب عيد المظال، قال ليسوع إخوته: "إذهب إلى اليهودية".
هنا نبدأ قسماً جديداً (7: 1- 8: 59) عنوانه: يسوع في عيد المظال.
فانطلاقاً من ف 7 تبرز عداوة اليهود ليسوع، كما يبرز منظور العودة إلى الآب بالآلام. ويتوحّد ف 7 و8 (ما عدا حدث الأرملة الزانية) حول عيد المظال. يبدأ هذا العيد (7: 10) بالنظر إلى يسوع في الخفاء وينتهي في الخفاء (8: 69). وبين البداية والنهاية يقدّم يسوع بشكل علني وحيه لليهود. في البداية دخل إلى الهيكل (7: 14). وفي النهاية (8: 59) خرج منه في جوّ من الفشل.
ونجد مواضيع في هذين الفصلين. الأول، موضوع التهديد ضدّ حياة يسوع. ظهر في المرة الأولى في 5: 8 (سعى اليهود إلى قتله) وتوضّح في 7: 19، 20، 25.
الثاني، موضوع عيد المظال الذي يذكّر العبرانيين بإقامتهم في البرية (لا 23: 42- 43). صار هذا العيد للعبرانيين الذين أخذوا بحياة الحضر، عيد الخريف المرتبط بقطاف العنب. واتخذ موقعاً هامّاً في إسرائيل بحيث تحدّث عنه فلافيوس يوسيفوس بأنه "أعظم الأعياد وأقدسها عند العبرانيين". إن تدشين هيكل سليمان قد تمّ بمناسبة عيد المظال (1 مل 8: 2). وهذا ما يثبت العلاقة القديمة بين الهيكل وهذا العيد.
في ذلك اليوم يحتفل إسرائيل بـ "يوم الربّ": يأتي المسيح الملك إلى أورشليم ليقطف ثمر انتصاره. يأتي راكباً على حمار (زك 9: 9). كل شيء يكون طاهراً في أورشليم بحيث لا يبقى في ذلك اليوم تاجر (كنعاني) في بيت الرب القدير (زك 14: 21).
كان العيد مناسبة لطلب المطر الضروري لخصب الغلال الآتية. ولهذا كان ينزل كل يوم من أيام العيد، طواف إلى عين جيحون التي تغذّي بركة سلوام، فيحملون الماء في إناء من ذهب ويقدّمونه إلى المذبح وهناك يصبّونه. حينئذ تصعد الجموع في طواف وهي تحمل في اليد اليمنى اللولب (نخلة لّينة) وفي اليسرى الليمون الحامض. هذه الخلفية تلقي الضوء على إشارة يسوع إلى الماء.
الموضوع الثالث هو سيادة يسوع على الزمن المناسب. هو ينطلق من ذاته، فلا يؤثّر عليه البشر، لكي يذهب إلى أورشليم. قالت لإخوته: "ما جاء وقتي بعد"، فدلّ على أن التدخّلات البشرية لا تقرّر الزمن المؤاتي للوحي. ففي المنطق البيبلي، لا يدلّ يعود يسوع إلى أورشليم (مع أنه رفض أن يصعد أولا، رج آ 8) أنه يعارض نفسه بنفسه: فالربّ يقرّر وحده وقت الوحي: ساعة تأتي ساعته (12: 12).
إن هذا السفر إلى أورشليم يوافق عند يوحنا الصعود الوحيد إلى المدينة المقدّسة، كما أورده الإزائيون. نحن لا نجد أية إشارة إلى عودة لاحقة ليسوع إلى الجليل قبل زمن الآلام. كل ما يذكر هو انتقال إلى شرقي الأردن في 10: 10 وإلى أفرام في 11: 54. وموضوع السرّ حاضر أيضاً في مر 9: 30 حين يكون يسوع صاعداً إلى أورشليم.
الموضوع الرابع هو عزلة يسوع تجاه عائلته وبيته. عرض عليه "الأهل" أكثر من سفر عابر. عرضوا عليه أن يقيم في اليهودية. فاليهودية هي موضع ظهور الله الساطع. وهي تقابل الجليل التي هي أرض خاملة وخفية بل محتقرة (7: 27، 41، 52). رفض يسوع أن يقيم فيها. إنه يهيّىء عبوره إلى الآب.
ونتوقّف عند بداية أيام العيد. ماذا نكتشف؟ أولاً كلمة "وقت" أو "زمن" (آ 6، 8). الكلمة تعني الوقت الموافق والظرف المؤاتي.
ويتساءل النقد الأدبي: هل نضع ف 7 حالاً بعد ف 5 (أي نربطه حالاً مع ف 5، وكأن ف 6 في غير موقعه)؟ هناك شرّاح يقترحون الترتيب التالي: ف 4، ف 6، ف 5، ف 7. لماذا؟ إن ف 4، 6 يصوّران أحداثاً جرت في الجليل. ثم إننا نجد انتقالاً سهلاً من ف 5 إلى ف 7. بالإضافة إلى ذلك، ترتبط 7: 21 بوضوح مع 5: 8- 16، بحيث إن ف 6 يبدو في غير محلّه.
ولكننا نقول: قد ترتبط 7: 15 مع 5: 47 بدون تبديل في المعنى. أما 7: 1- 14 فيفترض افتراضاً واضحاً وجود ف 6 والمعجزة التي يرويها.
ويظهر إخوة يسوع، بعد أن كنا لمحناهم على طريق كفرناحوم (2: 12). ولكن هل الحديث الوارد في آ 3- 9 يتمّ هو أيضاً في كفرناحوم؟ نحن هنا أمام أبناء عمّ يسوع أو أبناء القبيلة (ف مر 6: 3 مع مر 15: 40).
ما يميّز يوحنا، هو أن يسوعٍ يوجّه كلامه أولاً إلى شخص من الأشخاص، فيفهمه محاوره فهما خاطئاً. بعد هذا، يعرض يسوع لاهوته. أما هنا فليس الأمر هكذا. ما نجده من كلام في فم الأقارب يقابل تجربة الشيطان ليسوع كما يرويها لو 4: 9- 12 (= مت 4: 5- 7): أظهر علانية سلطتك العجائبية في أورشليم.
إن التجربة الأولى التي فيها يعرض الشيطان على الربّ كل الممالك، تجد ما يقابلها في يو 6: 15 حيث يريد الشعب أن يقيم يسوع ملكاً. ولكن يسوع ابتعد عنهم وهرب. ودعوة الشيطان إلى يسوع لكي يحوّل الحجارة إلى خبز، تذكّرنا برغبة الجمع الذي يطلب معجزة الخبز (6: 30).
ما قدّمه لنا متى ولوقا بصورة بناء لاهوتي محكم، يبدو دقيقاً جدّاً من الوجهة التاريخية. فحسب الإزائيين، قد صعد يسوع إلى أورشليم قبل عيد الفصح بقليل، قبل آلامه بزمن قليل. أما حسب يوحنا، فقد أقام يسوع في هذه المقاطعة بعض الوقت. ما جمعه الإزائيون في أسبوع الآلام وحده، قد توسّع عند يوحنا بشكل معارضة ترتفع حدّتها يوماً بعد يوم. فبعد 7: 10 لم يعد يسوع إلى الجليل. وهو سيبقى في أورشليم أو في جوارها حتى فصح آلامه (11: 55).
إذا أردنا أن نفهم هذا المقطع، نتوقّف عند الكلمة الأساسية: "صعد" (آ 8، 15). ولن نفهمها جيداً إذا كنا لا نفكّر إلاّ بالصعود إلى أورشليم في العيد. فكل مفردة لدى يوحنا تحمل معنيين. وهذا ما نقوله عن فعل "صعد". ففي معنى أرضي محض، يدلّ على صعود إلى مرتفعات أورشليم. ولكن هناك معنى آخر وأعمق: صعود إلى الآب. هذا المعنى الروحي نجده في 3: 13 (ما صعد أحد إلى السماء)؛ 6: 62 (رأيتم ابن الإنسان يصعد)؛ 20: 7 (أنا صاعد إلى أبي وأبيكم).
وفي هذا المقطع الذي ندرس، نحاول أن ندرك هذين المعنيين. ففي لغة أرضية محضة، قال يسوع لإخوته: "إصعدوا أنتم إلى العيد" (آ 8).
فالعيد هو ظرف مؤاتٍ للذين يطلبون الكرامات البشرية. ولكن العبارة التالية تحمل معنيين. قال يسوع: "لا أصعد إلى هذا العيد". إذا كان يسوع لا يصعد، فهذا يعني أنه لم يصعد ساعة أراد إخوته وبالطريقة التي أرادوها. وأكثر من ذلك. ليس هذا العيد هو الذي يصعده إلى الآب، بل الآلام والصلب. فوقته "ما جاء بعد" (لم يتمّ بعد).
نكتشف في آ 10- 13 أورشليم كمدينة لا يحق ليسوع أن يصعد إليها صعوداً علنياً، ولا يجرؤ الخيرّون الذين يعترفون بيسوع، أن يبدوا رأيهم فيه. بل فيها ينتصر (آ 11- 12) أولئك الذين يتذمّرون من هذا المعلّم الجديد الآتي من الجليل (رج 6: 41، 61 وما فيهما من تذمّرات). إن أصغى أحد إلى الصوت الخيّر، هزئوا به وقالوا عنه: "هو مخدوع، (7: 47). بعد هذا، ما فتىء الرؤساء يلومون يسوع بأنه يخدع الشعب بتعليمه (آ 12؛ رج لو 23: 2؛ مت 27: 63؛ 2 كور 6: 8). لا ننسَ أنه حيث يكون العقل هو الموجّه الوحيد، فتعليم يسوع يبدو محاولة خداع وغشّ.
منذ آ 1، نبّهنا الإنجيلي إلى أن الصراع بين النور والظلمة، بين الخير والشر، قد بلغ إلى ذروته: فاليهود يطلبون أن "يقتلوا" يسوع (رج 5: 18). والسبب الحقيقي الذي يدفعهم إلى قتل يسوع، نقرأه في 8: 37. إنهم لا يتقبّلون الكلمة. قال يسوع: "ليست كلمتي فيكم. وهكذا تلقي آ 1 ظلاً يمتدّ على كل المشهد الآتي. ومع ذلك، ورغم كل علامات العداء، أعلن يسوع رحمة الله في جوّ عيد المظال (7: 37؛ 8: 12). لهذا أعلنت آ 2 بنبرة فرح: "إقترب عيد المظال عند اليهود".
لا ننسى خلفية هذا المقطع: عيد المظال، أكبر الأعياد وأهمها. كان يمتد هذا العيد على سبعة أيام بسبب البركة التي منحها الرب (تث 16: 13- 15). كانت ترتفع الأفكار إلى المطر المنتظر وإلى تجديد العهد الذي يحتفل به مرة كل سبع سنوات.
قال زكريا النبي في هذا العيد: "ها إن يوم الرب يأتي" (14: 1). "كل الناجين من كل الأمم يصعدون سنة بعد سنة ليسجدوا للملك الرب القدير، ويحتفلوا بعيد المظال. فعشائر الأرض الذين لا يصعدون ليسجدوا للملك ربّ الجنود، لا ينزل عليهم مطر" (زك 14: 16- 17). ففكرة القرار والدينونة ترتبط بالوعد بالمطر لكل الذين يعبدون ملك أورشليم الحقيقي في نهاية الأزمنة. سنجد هاتين الفكرتين في خطب يسوع خلال أسبوع العيد.
ونجد في هذا العيد فكرة أخرى مهمّة: يعود عيد الفرح هذا إلى إبراهيم الذي كان أول من احتفل به بالنظر إلى نهاية الأزمنة. نقرأ في كتاب اليوبيلات (دوّن حوالي سنة 100 ق. م.): "وبنى إبراهيم أكواخاً له ولعبيده في هذا العيد، فكان أوّل من يحتفل بعيد المظال على الأرض. وفي تلك السبعة أيام قدّم ذبائح... إحتفل بهذا العيد مدة سبعة أيام، فابتهج بكل قلبه وكل نفسه هو وكل أهل بيته. وامتدح خالقه الذي خلقه حسب رغبته. فقد علم إبراهيم وعرف أن منه تخرج نبتة البرّ للأجيال الأزلية، والزرع المقدّس، بحيث يصبح كذلك الذي صنع كل شيء. ومدح، وابتهج، ودعا هذا العيد، عيد الله، وفرح حنان الله السامي".
18
في منتصف العيد
7: 14- 36

في منتصف أيام العيد، صعد يسوع إلى الهيكل وأخذ يعلّم.
هنا يبدأ المشهد الأوّل: يسوع يعلّم خلال أيّام العيد السبعة. إن هذا الجزء من الخطبة يرتبط مع ف 5. فالتلميحات إلى شفاء المخلّع عديدة وهي تلعب دوراً هاماً في الجدال.
يتّخذ يسوع موقفاً من السبت (آ 14- 24) فيتساءل الناس: ومن أين يأتي المسيح" (آ 25- 30)؟ وإلى أين يذهب المسيح (آ 31- 36).
يتركّز المقطع الأول على سرّ يسوع الذي يطرح تعليمُه تساؤلاً: إنه يعفم دون أن يكون مرّ في المدارس. ممن جاءه تعليمه وهو الذي لم يعرف مدارس الرابانيين؟ والجواب واضح: معلّمه هو الله. منه يأخذ تعليمه (آ 17) لأن علمه يأتي منه (آ 16) ويتحدّث عنه (آ 18).
وتتخذ العودة إلى موسى وظيفة دفاعية: إنتقد خصومه تعليمه، لأنه لا يتجذّر في تقليد موسى. ولكن حين يحاول اليهود أن يقتلوا يسوع، فهم أنفسهم يتجاوزون إحدى الوصايا العشر التي أعطاها موسى. وهذا التهديد ليسوع (5: 19) يبيّن أن المؤامرات على يسوع بدأت قبل الآلام بزمن طويل.
إن موسى المعلّم يسمح بالختان يوم السبت. ويسوع يتصّرف بالحرية عينها، لا سيّما وأن شفاء المخلّع أهم بكثير من ختانة موسى. هذا التعارض بين موسى ويسوع كان قد برز في 1: 17: "لأن الله بموسى أعطانا الشريعة، وأما بيسوع فوهبنا النعمة والحق".
وبعد المقابلة بين معلّمين هما يسوع وموسى، إنطلق وحي علني حول أصل يسوع ومصيره: من أين جاء وإلى أين يذهب؟
هنا يختفي موضوع السبت. ويتركّز الخبر كلّه على يسوع الذي يكشف عن نفسه "جهاراً" (آ 26)، "فيصرخ" بأعلى صوته في الهيكل. غير أن الوحي الذي يقدّمه يصطدم بكفر اليهود وعدم إيمانهم: عرفوا "حسب الجسد" (حسب اللحم والدم) أصل يسوع (أمه، أباه، موطنه، رج 6: 42، 52؛ 7: 42، 52)، فما استطاعوا أن يعتبروه المسيح الذي يجب أن يكون أصله مجهولاً (المسيح، لا يعرف أحد حين يجيء من أين جاء). ومع هذا، فلهم أيضاً هو المسيح الخفي لأنهم يجهلون "أنه يأتي من عند الله" (آ 29)، وأنه "يذهب إلى الله" (آ 33).
دلّ يسوع على سلطته حين "منعهم" من أن يوقفوه لأن "ساعته" (آ 30) لم تكن جاءت بعد. والحرس الذين كلّفوا بأن يمسكوه (آ 32) عادوا وحدهم وهم يقولون: "ما تكلّم إنسان مثل هذا الرجل" (آ 46).
ومع التهديدات ضدّ يسوع، يبدأ الاعلان عن ذهابه القريب إلى أبيه. هناك طريقة معروفة لدى يوحنا، طريقة "سوء الفهم"، فيفسَّر هذا الذهاب كانطلاق ممكن إلى الشتات اليهودي (آ 35). لم يكن هذا التأكيد صحيحاً في أيام يسوع. ولكنه صار أمراً واقعاً في أيام الإنجيلي، حين وصل إنجيل يسوع إلى مجمل حوض البحر المتوسّط.
"بعد زمن قليل": وهكذا أعلن يسوع لليهود إنطلاقه الكبير إلى الآب. وسيقول الشيء عينه لتلاميذه بكلمات قريبة من هذه: "بعد قليل لا ترونني، ثم بعد قليل ترونني لأنني ذاهب إلى الآب" (6: 16). أجل، نحن أمام انفصال موقت فيما يخصّ التلاميذ.
يصوّر يوحنا يسوع هنا بسمات تشير إلى الحكمة الآتية من عند الله (حك 9: 10؛ فأرسلها من السماوات؛ سي 24: 8: أوصاني خالق الجميع: اسكني في يعقوب)، إلى أصلها السري (ولكن الحكمة أين نجدها؟ أي 28: 12). فعليهم أن يطلبوا يسوع كما تُطلب الحكمة (حك 6: 12). أما الجهّال (لا عقل لهم) فهم سامعو يسوع (آ 34). "يطلبون الحكمة فلا يجدونها" (أم 1: 28).
في آ 14، حين نتحدّث عن "الهيكل" فنحن لا نعني فقط البعد الداخلي. بل كل ما يقع داخل حرم الهيكل من غرف وأروقة. وتبدأ آ 22 بأداة: لهذا. هنا نزيد: أقول لكم: موسى أعطاكم الختان.
قال اليهود في آ 15 فجاء اعتراضهم كما يلي: "كيف أن هذا الذي لم يتعلّم يعرف الحروف"؟ معرفة "الحروف" ليست عبارة تدلّ على معرفة الكتب المقدّسة بل أولى مبادىء القراءة والكتابة.
ونقرأ في آ 20: "فيك شيطان" (يمتلكك شيطان). هذا يعني عقلك مخرّب. أو: أنت مجنون (8: 48- 52؛ 10: 20). يبدو أن يوحنا لم يتكلّم عن الشياطين على مثال الإزائيين (مثلاً، رج مر 3: 20- 30).
في آ 28 ب: هناك عرف وعلم، فعلان متقاربان. وسنجد "أرسل" و"أرسل في مهمة". هنا نقرأ 8: 55: "أنتم لا تعرفونه، أما أنا فاعرفه. إذا قلت إني لا أعرفه كنت كاذبًا مثلكم. ولكني أعرفه وأعمل بكلامه". هنا المعرفة تقود إلى الالتزام والعمل.
في آ 34 (رج آ 36)، نجد "حيث أكون". إنها تعني الحاضر (الكون الآن) وقد تعني المستقبل (سأكون فيما بعد) كما في 12: 26 (حيث أكون أنا)؛ 14: 3، 17، 24. ولكن هذه النصوص التي أوردناها تدلّ على أنه يجب أن نفهم "حيث أكون" في معنى يتعدّى المكان والزمان: نحن أمام الكائن الأزلي القائم لدى الآب. إذن لن نترجم هذه العبارة: "حيث أذهب". فهذا المعنى نجده في 8: 22 حيث نقرأ حقاً: "حيث أذهب لا تقدرون أنتم أن تجيئوا".
تتحدّث آ 35 عن "الشتات اليوناني". هذا يدلّ على مدن تقع خارج فلسطين يعيش فيها اليهود "مشتتين" وسط اليونانيين، أو شرقيون تربّوا التربية اليونانية.
لا نجد في هذه "الخطبة" بنية منطقية بشكل حسابي. فالموضوع يتبدّل مراراً، و"الخطيب" يستعيد أفكاراً توسّع فيها سابقاً. هنا يتحدّث بعض العلماء عن "تبدّل" في موقع النصوص. ولكن هذه النظرية تنسى الأسلوب الشفهي في فم يسوع، والأسلوب التأملي في تدوين الجماعة لإنجيلها.
كيف نفهم آ 23؟ إذا قابلنا شفاء صغيراً بشفاء كبير، كان الختان يسبّب جرحاً. فلا بدّ من ضماده وشفائه في يوم السبت. فإذا حقّ لنا أن نشفي عضواً من أعضاء الإنسان، فكم بالحري يحقّ لنا أن نشفي الإنسان كلّه! وهكذا نستطيع أنا "نجذّر" آ 23 في جماعة تمارس الختان.
لا يقول ف 7 شيئاً عن تعليم يسوع نفسه، كما في خطبة الجبل أو الأمثال. فيسوع يحتفظ بالتعاليم الخلقية وبوصية المحبة لحلقة أصدقائه الضيقة. وهنا ينتقل مباشرة إلى النظر في أصل تعليمه، فيعيد السامعين إلى الموضوع الجوهري: من هو يسوع بالحقيقة؟
عاد يسوع في آ 21 إلى معجزة تمّت فيما مضى، فقرّب بعض الشرّاح هذه الآية من 5: 18. ولكن هذا التقريب لا يفي بالمراد. ففي ذلك الوقت، لم يتعجّب "كل" اليهود من هذا "العمل الوحيد". ثمّ إن النص لا يشير إلى المعجزات التي تمّت في أورشليم (2: 23؛ 7: 31). إن يوحنا يريد أن يتكلّم فقط عن الطريقة التي بها يشوّه هذا "العمل الوحيد" الذي به ترتبط اعتبارات أساسية. أجل، ليس يوحنا مقدّم "تقارير صحفية". إنه إنجيلي ينطلق من الواقع ويتأمل فيه ليحمل إلى المؤمنين تأملاً لاهوتياً.
قال اليهود: "وأما المسيح فلا يعرف أحد حين يجيء من أين جاء" (آ 27). نجد في النصوص بعض أقوال سكان أورشليم. بحسبها يجب أن لا يعرف أحد من أين يأتي المسيح الحقيقي. فبجانب أمل بمسيح يأتي من بيت داود (رج 7: 42)، وُجد انتظار "لمسيح خفي"، "لابن إنسان خفي". ظنوا أن أصله سيكون مجهولاً أو يبقى كذلك إلى يوم يعود إيليا فيمسحه بالزيت المقدّس ويعلنه للشعب.
نجد في هذا النص محاولتين متميزتين قام بهما اليهود لتوقيف يسوع. الأولى هنا في آ 30: "أرادوا أن يمسكوه". والثانية في آ 32 ساعة أرسلوا الحرس ليمسكوه في حرم الهيكل.
في القسم الأول (آ 14- 24) من هذا المقطع يبدأ يسوع بالكلام عن "موسى" وعن "الشريعة". ثم يعود إلى موضوع جديد. ففي كل ف 7 لا يذكر موسى إلاّ في آ 19- 23. في آ 22، يتعلّق يسوع بهذه الكلمة الأساسية "موسى" وإن لم يكن موسى قد أعطى الختان (آ 22 ب). فهدفه أن يبيّن أن موسى الذي يستند إليه خصومه، يتكلّم عنه. فيكون المعنى: موسى "صاحبكم" الذي تطيعونه بدون تحفظ، يُظهر أني على حق.
فموسى قال دوماً إنه يجب ممارسة الختانة دوماً في اليوم الثامن، ولو كان ذاك اليوم يوم سبت. ولكن ما صنعه يسوع للإنسان "كله" أكثر ضرورة من ختانة عضو من أعضائه. لماذا إذن تغضبون علّي (آ 23)؟ ربط الختان بموسى مع أنه يعود إلى إبراهيم (ق آ 22 ب مع تك 17: 10- 12). فشريعة السبت تعود إلى موسى لا إلى إبراهيم (خر 20: 8- 11). وكل شيء يؤول إلى شريعة السبت وتجاوزها (آ 23).
إذن، في تصرّف يسوع تجاه السبت تنكشف علاقته مع الله. وتأتي الخاتمة في آ 24 فتدعو اليهود للتعرّف إلى هذا الواقع الروحي، للحكم بعدل وإنصاف.
قبل أن يتحدّث يسوع عن موسى وعن الوصية المتعلّقة بالسبت، يبدو أن "التعليم" هو الموضوع الأساسي في آ 14- 19. ففي كتاب الآيات (ف 1- 12) لا تظهر لفظة "تعليم" إلاّ في آ 16- 17. يجب أن نعرف أن هذا "التعليم" يختلف كل الاختلاف عن أن تعليم أرضي. وفي نظر يوحنا، لسنا فقط أمام "تعليم" "المعلّم يسوع الناصري" قبل الفصح. قال يسوع: "ليس تعليمي من عندي". لهذا، نحن أيضاً أمام تعليم يعطيه البارقليط (الروح القدس) الآتي من عند الآب باسم يسوع.
أشار الإنجيلي إلى سمتين مميزتين نستطيع بهما أن نعرف أن تعليم يسوع هو تعليم إلهي. أولاً، إرادة ثابتة بأن نفعل ما يريده الله لكي نكتشف إذا كان تعليم يسوع يتوافق مع إرادة الله، أو يأتي من موضع آخر (آ 17). لا شكّ في أننا لسنا أمام "برهان" قاطع، بل أمام إستنتاج معقول يستفيد منه ذاك الذي يطلب مشيئة الله، ويتمتّع بحسّ يجعله يدرك ما يقابلها.
ثانياً، إن خطبة الذي لا يطلب مجده هي حقيقية وأهل للتصديق (آ 18). لم يبحث يسوع عن "شهرة" عالمية أرضية. وهذا واضح من رفضه اتباع ما عرض عليه "إخوته" (آ 3- 9). وواقع صلبه يبيّن بوضوح انه لم يبحث عن الكرامات البشرية. غير أن هذا لا يكفي ليدلّ على أن هذا التعليم صحيح. بل نستطيع أن نقول بشكل سلبي: كل من يتعلّق بنفسه، باسمه، بشهرته، لا يعلن حقاً تعليم الله.
وننتقل إلى القسم الثاني (7: 25- 30) وموضوعه: أصل المسيح. من أين يأتي المسيح؟ ماذا نكتشف هنا؟ ثلاثة أفكار. الصراع الروحي يشتدّ ويتفاقم. يسوع يسير مسيرته بارتياح سامٍ. والعلم الظاهر يقف حاجزاً بوجه الإيمان بطبيعة يسوع اللاهوتية.
أولاً: نجد في بداية هذا المقطع (آ 25؛ رج 7: 1) الجديد اللفظة الخاصة: "قتل". وُجدت للمرّة الأولى في 5: 18. واستعيدت في 7: 1، 19- 20. وستعود في 8: 37، 40 قبل أن يُعلن قرارُ "قتل" يسوع (11: 53) بشكل لا يقبل الجدال، ويبرّر تبريراً "وافيًا": "لئلا تهلك الأمة كلها" (11: 50).
شدّد الإنجيلي على الطابع الدراماتيكي للأحداث. وفي المقطع الذي ندرس، يتنامى الإنشداد والتوتّر. في البدء نظن أن خصوم يسوع قد ارتدوا وتابوا (آ 26): هل اقتنعوا حقًا أنه المسيح؟ ولكن يسوع تكلّم بلهجة تلغي كل مساومة. بعد هذا، كل الذين كانوا حتّى الآن على الحياد، انضموا إلى الذين يريدون أن يوقفوه (آ 30). وعاد يسوع يتحدّث عن نفسه بطريقة "صعبة" (6: 60)، فقلّ عدد الذين يستطيعون أن "يسمعوه". ما إن يتكلّم يسوع حتى ترتفع حدّة التوتر.
ثانياً: ولكن عداء العالم لا يصيب يسوع في صميم قلبه. هذا ما يقوله لنا الإنجيلي من خلال الرمز: لم يضع أحد يده عليه. لم يمسكه أحد (آ 30). "فساعته" لم تأتِ بعد. والساعة هي الوقت الذي حدّده الآب في زمن الخلاص، والذي يعطي يسوع إمكانية تتميم عمله الخلاصي. ساعة يسوع هي ساعة آلامه وموته وقيامته.
ثالثاً: ما الذي يمنع أهل أورشليم (هم يمثّلوننا) من أن يتعرّفوا إلى يسوع، يعرفوا من هو؟ الحاجز الأساسي هو اعتدادنا بأننا نستطيع أن ندرك في نظرة واحدة ظاهرة يسوع، وأن ندخله في مقولاتنا العلمية. فالفكرة المسبقة في العقل البشري مع ما فيه من تكبرّ، تظن أنها تستطيع بوسائلها الخاصة أن تقرّر أين يكون اللاهوت فتغلق في وجهنا الطريق التي تقود إلى التعرّف إلى يسوع الحقيقي. هنا نفهم آ 28 بالنظر إلى آ 40- 44 كما يلي: هناك وعي سرابي يحكم بحسب المظاهر الخارجية (آ 28 ب: أنتم تعرفوني وتعلمون من أين أنا). فيقدّم يسوع تجاهه المعرفة الحقيقية عن أصله: إنه جاء من عند الله الموجود منذ الأزل (آ 28 ج: ما جئت من عندي. ذاك الذي أرسلني هو حق).
ظنّ خصومه أنهم يعرفونه لأنهم علموا من أين يأتي: من الناصرة (آ 41؛ رج 6: 42). في الواقع لا يأتي يسوع من الناصرة ولا يرتبط بظرف بشري. هم يعرفون بعض الشيء. ولكن بما أنهم يتمسكون بعلمهم الجزئي، فلا يستطيعون أن يعرفوا الحقيقة كلّها. فالعلم المتحلّي بالجهل هو موضوع معروف عند يوحنا. إنه يحب هذه المفارقات، هذه التأكيدات التي تبدو متضاربة في الظاهر، لأنها تساعدنا على اقتراب من واقع المسيح السري.
في آ 24، طلب يسوع من الجمع أن لا يحكم "بحسب الظاهر". ولكنهم وقعوا في هذا الخطأ. إن أصل الإنسان يحمل في ذاته وظيفة الاسم. ومن عرف إسم إنسان عرف كيانه. إذن، السؤال عن الأصل يصل بنا إلى السؤال عن الكيان. عرف اليهود حقاً أن يسوع جاء من الناصرة، فعرفوا بعض الشيء عن كيانه. عرفوا أنه إنسان كسائر الناس. إنسان حقيقي. ولكن ليسوع أصلاً آخر. إنه يأتي من الآب. وهو وحده يعرف الآب. إن إنجيل يوحنا يشدّد بشكل خاص على هذه النقطة (1: 18: الابن الوحيد الذي في حضن الآب هو أخبر عنه؛ رج 6: 46؛ 7: 25)، التي ليست بغريبة عن الإزائيين. "لا يعرف أحد من الابن إلاّ الآب، ولا يعرف أحد الآب إلاّ الابن ومن يريد الابن أن يظهره له" (لو 10: 22؛ رج مت 11: 27).
في القسم الثالث (7: 31- 36) نتحدّث عن مصير يسوع. إلى أين يذهب المسيح؟
إن كلمات يسوع في آ 33- 34 تُدخل في الإنجيل أفكاراً سيستعيدها ويتعمّق فيها ف 7، 8 وخطب الوداع. إن يسوع يتكلّم للمرّة الأولى عن فعل "مضى". وللمرّة الأولى ترد عبارة "وقت قليل". وللمرة الأولى يعلن يسوع أنهم "يطلبونه" (يبحثون عنه) بدون نتيجة (لا يجدونه). وأخيراً، للمرة الأولى نعرف أن يسوع سيكون في مكان من الأمكنة، أنه سيمضي إلى مكان من الأمكنة حيث لا نستطيع أن نتبعه (نلحق به) (آ 21- 22؛ 12: 26؛ 13: 33، 36؛ 14: 3- 4؛ 17: 24). إن هذه الأفكار الجديدة والتي ترد هنا، تبدو ذات مدلول عميق، ويعبرّ عنها بإيقاع لافت بحيث ترد بشكل يكاد يكون حرفياً في آ 34 وآ 36.
في آ 25- 30، تساءلنا: من أين جاء يسوع؟ والآن نتساءل: إلى أين يمضي يسوع؟ هذا ما توقّعناه: لم يفهم اليهود النقطة الثانية كما لم يفهموا الأولى. ولكنها مناسبة لكي يتوسّع الإنجيل في هذه الأفكار الأساسية ليصل إلى الذروة في الخطبة بعد العشاء السرّي: "خرجت من الآب، وأتيت إلى العالم. والآن أترك العالم وأمضي إلى الآب" (16: 28).
جاء الله إلى عالمنا، و"نصب خيمته بيننا" (سكن بيننا) (آ 14)، ثمّ عاد إلى أبيه. هذه الصورة يخضع لها يوحنا كل إعلانه عن الابن، فيشهد أن ابن الإنسان نزل من السماء، ثم صعد من أجل خلاصنا.
قد عرف العالم اليهودي هذه الرسمة وطبّقها على الحكمة: جاءت من عند الله إلى البشر، ثم تعود إلى الله لأن البشر لم يستقبلوها. وقد وردت أيضاً في كتاب عزاء إسرائيل في أش 55: 10- 11: "كما ينزل المطر والثلج من السماء ولا يرجع إلى هناك بل يروي الأرض ويجعلها تُخصب وتنمي لتؤتي الزارع زرعاً والآكل طعاماً، كذلك تكون كلمتي التي تخرج من فمي. فهي لا ترجع إليّ فارغة، بل تتمّ ما شئت وتنجح فيما أرسلتها له".
في أش 10: 25، قال الرب: "عمّا قليل، عمّا قليل جداً ينتهي وقت الغضب". ونجد أيضاً نصوصاً مشابهة حول قصر زمإن الغضب (أش 26: 20؛ 54: 7). وفي مقاطع أخرى، نقرأ وعداً ببركات غنية في زمن الخلاص، لأيام تأتي "بعد وقت قليل" (أش 29: 17). كما أن هناك نصوصاً أخرى تتحدّث عن الوقت القليل الذي سيمتدّ إلى يوم الدينونة، يوم الرب (إر 51: 33؛ هو 1: 4). في كل هذه النصوص، نجد أن الزمن الذي يسبق هدف كل تاريخ الخلاص، يتقلّص بالنسبة إلى هذا التاريخ فيصبح "قليلاً من الوقت".
19
آخر أيام العيد
7: 37- 52

في آخر يوم من العيد، هتف يسوع: "إن عطش أحد فليجيء إليّ ليشرب".
نحن على ما يبدو في اليوم السابع (لا اليوم الثامن) من أيام العيد: كان الكهنة يطوفون سبع مرّات حول المذبح ومعهم مياه جاؤوا بها من بركة سلوام. وقف يسوع كما فعل في آ 28 (رج 12: 44) و"صرخ" بأعلى صوته، فدلّ على عظمة الوحي الذي يعلنه باحتفال.
إذن، هناك وحي عن "أنهار مياه حيّة". ثم ردّة فعل على هذا الوحي. ردّات فعل الجموع المتضاربة (آ 40- 44)، وردّات فعل السلطات التي حكمت على يسوع كما حكمت على عامة الشعب الذين هم ملعونون لأنهم يجهلون الشريعة (آ 45- 52).
ونبدأ في آ 37- 39 مع الحديث عن ماء الحياة. أين نضع علامة الوقف بين آ 37 وآ 38؟ أنضعها بعد "يشرب" أم بعد "من آمن بي"؟ في الحالة الثاني، تعني العبارة أن هذه "الأنهار" تجري من جسد يسوع. حينئذ نقرأ هاتين الآيتين كما يلي: "إن عطش أحد فليجىء إليّ. وليشرب من يؤمن بي. فالكتاب يقول: تفيض من صدره أنهار مياه حيّة". هذا يعني أنّ الإيمان بيسوع يروي ظمأ المؤمن. أما في الحالة الأولى، التي فيها نقرأ آ 38 ككل واحد، فنجعل من المؤمن ينبوع حياة. فتصبح العبارة: "إن عطش أحد، فليجىء إليّ ليشرب. فالذي يؤمن بي، كما يقول الكتاب، تخرج من صدره أنهار مياه حيّة".
إن الطقس الذي يورده النصّ، يوافق الحالة الثانية مع إيقاعها الشعري: إن عطش أحد، فليجىء إليّ. وليشرب من آمن بي. فساعة يمارس طقس رشّ المياه الآتي من سلوام، يقدّم يسوع نفسه كينبوع ماء حيّ، ويدعو المشاركين في الإحتفال إلى الشرب من هذا الماء. وهكذا يستعيد هذا الوحي الإحتفالي أقوال يسوع عند بئر يعقوب (4: 10- 14) وفي كفرناحوم (6: 35).
إن وحي يسوع يتجذّر في الكتب المقدّسة. فإيراد آ 38 لا يقابل أي نص بيبلي محدّد. بل يبدو أن الإنجيلي يستوحي بحرّية عدّة مقاطع بيبلية. مثلاً، يعلن حز 47: 12 أن المياه تخرج من المعبد وتُخصب الصحراء. ويتنبّأ يوء 4: 18 بأن ينبوعاً يتفجّر من بيت الرب فيسقي "وادي شطيم" (سيل يصل إلى البحر الميت). وفي المعنى عينه يرد إلى فكر المؤمن زك 13: 1 (يكون ينبوع مفتوح)؛ 14: 8 (مياه حيّة. يستعمل هذا النصّ في ليتورجية عيد المظال).
لقد سبق ليسوع وقدّم نفسه كالهيكل الجديد (2: 19). ومن الهيكل، هذا المكان المقدّس، سيعلن عن ولادة جديدة بقدرة المياه الخارجة من جنبه (من صدره، 19: 34)، حين تأتي الساعة. وستكون رؤ 22: 17 صدى لهذا الكلام: "من كان عطشاناً فليأتِ. ومن شاء فليأخذ ماء الحياة مجّاناً".
حين يتكلّم يسوع عن "عيد اليهود" (آ 2) فهو يحدّد موقعه بوضوح في زمن الإنفصال بين اليهود والمسيحيين. وحين نقل يسوع رمزية الماء من الهيكل إلى ذاته، فقد دلّ على مجيء زمن جديد. فالمياه ستجري من جسده الذي هو الهيكل الجديد. إنه يشبه الحكمة التي تنادي وترفع صوتها (أم 8: 2- 3) وتقول: "كلوا من خبزي واشربوا من خمري الذي مزجته" (أم 9: 5). إن يسوع يجسّد الحكمة الكاملة التي منها يصدر كل علم ووحي.
حسب لو 23: 17، "آخر يوم من العيد وأعظم أيامه"، ليس اليوم الثامن الذي يحتفلون فيه باجتماع الشعب للعيد، بل اليوم الأخير في الأسبوع، اليوم السابع. ما يميّز هذا اليوم السابع هو أن الكهنة يطوفون حول مذبح المحرقات. وإذ كان التطواف يصعد إلى الهيكل، كانوا ينفخون في الأبواق ليدلّوا الجميع على أنّ كلمة أش 12: 3 قد تمّت: "تستقون الماء بفرح من ينابيع الخلاص".
إن عطش أحد فليأتِ إليّ ويشرب. كلمات سامية وواضحة! فعلى بئر يعقوب، دعا يسوع البشر لكي يأتوا إليه ويطفئوا عطشهم الروحي (4: 14). وفي 6: 35 وعد المؤمنين به بأنهم لا يتألمّون من عطش روحي.
وبجانب آ 37 ومعناها الكرستولوجي، نقرأ أيضاً آ 39 وفيها يفسرّ الإنجيلي كلمات يسوع، فيرجعها إلى الروح الذي "سيقتبله" المؤمنون بيسوع. وهذا سيحصل بعد أن "يتمجّد" يسوع. وبحسب الإنجيل الرابع "سيمجّد" يسوع حين "يُرفع" (في معنيين، على الصليب وفي مجد القيامة) على الصليب. هذا ما يجعلنا نربط آ 39 مع 19: 34 حيث يتحدّث النصّ عن العطايا الروحية في صورة الدم والماء اللذين يجريان من جنب يسوع. ولكننا نستطيع أن نفكّر أيضاًْ بالربّ الفصحي (بعد القيامة) الذي ينفخ على تلاميذه فيعطيهم الروح (20: 22).
لهذا يجب أن نفسّر تفسيراً كرستولوجياً آ 38 المقحمة بين آيتين كرستولوجيّتين. وهكذا نكمّل آ 38 على الشكل التالي: هذا حقيقي (لا عن المزمن)، بل للمؤمن الذي سينال أنهار مياه حيّة تجري من المسيح. ولكن لا ننسَ أن يسوع، خلال خطبته هذه، يقيم في الهيكل وهو "يعلّم" (7: 28؛ 20: 8)، وأنه يتكلّم في 7: 16- 17 بشكل واضح عن "تعليمه". فما هي مياه يسوع الحيّة للمؤمنين بعد الفصح؟ هي بصورة خاصة تعليم الرسل والكنيسة. في خطبة خبز الحياة، شدّد يوحنا على الكلمة، وترك الحدث الأسراري في المرتبة الثانية. إذن، يجب أن نربط عطيّة الروح بالكلمة، بالتعليم الذي نسمعه وننقله (14: 26).
وهناك نصوص من العهد القديم والعالم اليهودي تدعونا لئلاّ نستثني من آ 38 فكرة التقليد الآتي من الرسل. نقرأ مثلاً في سي 24: 33- 34: "أفيض التعليم كالنبوءة... فأنا لا أعمل من أجل نفسي" (رج أش 58: 11- 12). ونقرأ في نصوص البحر الميت: "أعطيته أن يفتح في قلبه ينبوع معرفة لجميع العاقلين". ويقول رابي مئير (150 ب. م.): "الذي يهتم بالشريعة حبّاً بالشريعة، يكرّم ويُعطى عطايا كثيرة. فيصير مثل ينبوع لا ينضب، مثل نهر يقوى شيئاً فشيئاً".
يبدو الربّ كالحكمة المتجددة حين يدعو العطّاش لكي يأتوا إليه، وهو يدعو الجهّال إلى التعليم (أم 9: 4- 5). وتعلن الحكمة في سي 51: 23- 26: "أدنوا مني أيها الجهّال وتتلمذوا لي. لماذا تحسبون نفوسكم مكتفية ساعة تعطش حلوقكم؟ فتحت فمي وتكلّمت. إشتروا كلمتي بدون فضّة واجعلوا نفوسكم تحت النير فتتقبّل نفوسكم التعليم. إنه في قربكم. في متناول يدكم".
هنا نتذكر كلمات يسوع: "تعالوا إليّ أيها المتعبون والثقيلو الأحمال وأنا أريحكم. إحملوا نيري عليكم وتعلّموا مني" (تتلمذوا لي) (مت 11: 28- 29). إنّ تعليم الربّ الذي يريح ويرطّب هو الحكمة المتجسّدة، يسوع المسيح. وبالحكمة يعطينا الله روحه القدّوس (حك 9: 17).
كيف تقبّل الناسُ كلمات يسوع (آ 40- 44)؟ هل عرفوا فيه المسيح المنتظر؟ بل هم انقسموا تجاهه.
لم يحدّثنا الإنجيل الرابع عن الحبل البتولي بيسوع، عن مولده في بيت لحم. هل جهل هذه الأمور وهو الذي دوِّن متأخّراً؟ كلا ثم كلا. ولكن قرّاءه يعرفون كل هذا، فلماذا تكراره بالطريقة عينها؟ لهذا نراه يتّخذ أسلوب المداعبة، فيجعل خصوم الحكمة الإلهية يلعبون دور الجهّال، دور المجانين. ونحن نقرأ في هذا المقطع ما قرأناه في آ 25- 30. لقد دوّن الإنجيلي تقليدين مختلفين عن حدث تاريخي واحد. فنظر من زاويتين مختلفتين إلى سؤال طرحه الناس، "من أين جاء المسيح"؟
حين نفكّر بالحكمة الإلهية (هي الكلمة عند يوحنا، لوغوس) وبالروح الذي تعطيه (آ 39)، نفهم لماذا عاد الإنجيلي مرّة أخرى إلى السؤال: "من أين"؟
ففي آ 27، يُقابل أصل يسوع المعروف ظاهراً مع المتطلّبة اليهودية التي تفترض بأن أصل المسيح يكون مجهولاً. أمّا الآن، فالأصل الجليلي البارز يتواجه مع رأي المطالبين بمسيح يأتي من بيت داود ويولد في بيت لحم. ولكن تبقى المسألة الحقيقية في كل هذا: ما الذي يقدّمه لنا شخص يسوع؟ حكمة بشرية أم حكمة إلهية. وتجاه هذا السؤال الأساسي، ظهر اليهود بمظهر "مضحك" لأنهم اهتمّوا اهتماماً مفرطاً بأصل يسوع الأرضي. فالشيء الحاسم هو أن نعلم، هل يحقّ ليسوع أن يقول: "أنتم من أسفل، وأنا من فوق" (8: 23)؟
وينتهي المقطع فيذكر النصّ مرّة ثانية تهديداً ليسوع بالموت (آ 44). في النهاية، إن ما يعطي الخلاص ليس الكلام، بل الموت الذي يقود إلى الإرتفاع والتمجيد ليسوع. فلا يجب أن ننسى هذا الهدف (آ 39، 44)، أن ننسى أن "ساعته" ما جاءت بعد وما قالته آ 30 بوضوح (أرادوا أن يمسكوه) يكتمل في ما نقرأه في آ 44: "أراد بعضهم أن يمسكوه، فما مدّ أحد يداً عليه".
تحدّثت نصوص عديدة في العهد القديم عن ابن داود المنتظر. نقرأ في 2 صم 7: 12- 13: "أقمت من نسلك من يخرج من صلبك. وأنا أقرّ عرش ملكه إلى الأبد". وفي أش 11- 10: "يخرج فرع من جذر يسّى". وفي إر 23: 5: "الرب يقيم لداود نبتاً صادقاً".
وهناك نبوءة ميخا (لم يهتم لها العالم اليهودي المتأخّر إلاّ قليلاً): "وأنت يا بيت لحم افراتة، أصغر عشائر يهوذا. منك يخرج ذاك الذي يملك..." (مي 5: 1). لا تتحدّث هذه النبوءة عن موطن المسيح بصورة دقيقة، بل عن منطقة ترتبط بأصل المسيح. ولكن الجانب المسيحي هو الذي أوّل هذا النصّ واعتبره نبوءة عن مولد يسوع في قرية بيت لحم (مت 2: 5- 6). لم يطلب اليهود الذين عاصروا يسوع أن يولد المسيح من "قرية داود" بل هو الإنجيلي أراد أن يلمّح إلى مولد يسوع الحقيقي والفعلي في بيت لحم.
وتُطرح أسئلة عديدة في القسم الأخير (7: 45- 52)، فتدلّ على موقف السلطات من يسوع. ويكون الجواب (رج آ 47، 48، 51، 52): كلا. "أرأيتم واحداً من الرؤساء، أو الفريسيين آمن به"؟ الجواب: كلا. وتنتهي هذه الأسئلة بالحديث عن عامة الشعب، عن شعب الأرض، مع ما في هذه العبارة من احتقار وازدراء.
تتحدّث النصوص اليهودية عن لهجة التكبّر التي تميّز أعضاء المجلس الأعلى حين يتكلّمون عن "هذا الشعب" الذي يستحقّ اللعنة (آ 49). الذي لا يقدر أن يمارس فرائض الطهارة. وهنا لا ننسى معاملة الفريسيين للأعمى ولوالديه: "أنت كلّك مولود في الخطيئة، وتريد أن تعلّمنا" (9: 34)؟
ثم أن طريقة نيقوديمس بجعل الشريعة وكأنها شخص حيّ، تدخل في التقليد اليهودي (آ 51: "أتحكم شريعتنا على أحد"؟ روم 3: 19: "كل ما تقوله الشريعة"). ونظرة الإحتقار إلى الجليل توافق هذه الحقبة التي رافقت دمار الهيكل، وقبل أن يتهجّر المجلس الأعلى من أورشليم إلى الجليل.
ولكن لماذا تأخر الحرس فلم يعودوا إلاّ بعد بضعة أيام؟ لماذا لم يبرّروا فشلهم بتعلّق الشعب بيسوع؟ لهذا بدوا ضعفاء. وكيف يستطيع نيقوديمس أن يقول: حسب الشريعة (تث 1: 16)؟ يجب أن نعرف ما فعل المتهم. سنأخذ أقوال نيقوديمس كما وردت.
لم نجد أي نصّ يوازي النظرة القائلة بأن "القائد" المسيحاني لا يمكن أن يأتي من الجليل.
لقد أعلن يسوع بصفته الحكمة المجسّدة للعطاش: تعالوا إليّ واشربوا (آ 37). سمع بعض الناس كلامه، فرأوا في يسوع النبي أو المسيح (آ 40). والآن (آ 46) ها هم الحرس أنفسهم يؤكّدون أمام المجلس الأعلى أن هذه الكلمة ليست كلمة إنسان عادي: لقد أسّسوا في هذه الكلمات حضور اللاهوت.
أما الفريسيون فأغلقوا الباب على نفوسهم ورفضوا أن يعرفوا (آ 47). أما جوابهم على هذا الوضع فكان الهزء والسخرية، وهو سلاح رخيص.
إنّ كلمات الله التي وجّهها المسيح للعالم (آ 12) اعتُبرت كلمات "غشّ وخداع" تجاه الشعب. وجاءت البراهين ضدّها ضعيفة جدّاً (آ 48، 49) فدلّت على قوّة الحقيقة. وسيستعمل الفريسيون أيضاً أسلوب السخرية مع الأعمى منذ مولده (9: 24).
في هذا الوقت تدخّل نيقوديمس (آ 50). فبرز "الإنقسام" من جديد. برز موقفان في الشعب (آ 43) كما في المجلس الأعلى (آ 50- 52). فجسّد نيقوديمس اليهودي الذي تربّى بروح الشريعة. وقد أراد أن "يختبر" بدون موقف مسبق أقوال يسوع عن نفسه.
أعلن الفريسيون: ما من نبي جاء من الجليل. فأظهر هذا التأكيد الضعيف إلى أي حدّ اهتمت الكنيسة الأولى بموطن يسوع، بناصرة الجليل. ولكن يوحنا رأى ان السؤال عن "الجليل" ليس السؤال الحقيقي. فما يجب أن نتساءله في رأي يوحنا هو: كيف جاء القدّوس إلى هذا العالم الخاطىء (3: 16؛ 6: 69)؟ فمسألة أصل المسيح لا تزال تشغله. ولكن يوحنا قد أجاب جواباً أساسياً في آ 27- 28: "ما جئت من عندي. فالذي أرسلني هو حقّ". وسيتوسّع في هذا الجواب في 8: 12- 14، يعني في نصّ يرتبط مباشرة مع آ 52، وتذكر فيه مقاطعة الجليل. هنا سيكشف يسوع عن نفسه أنه النور الذي جاء إلى هذا العالم فنتبعه. إنه يعرف من أين جاء وإلى أين يذهب (8: 14). فماذا ننتظر لنذهب إليه؟
20
المرأة الزانية
7: 53- 8: 11

ولا أنا أحكم عليك. إذهبي ولا تعودي إلى الخطيئة من بعد.
إنتهى الفصل السابق على ردّات الفعل تجاه الوحي: لدى الشعب. لدى الرؤَساء. فكلمة الوحي لا تتحمّل الموقف الحيادي: من ليس معي فهو ضدّي. وهكذا انقسم السامعون. بعضهم رأى في يسوع النّبي الشبيه بموسى (تث 18: 18). والإرتباط بالنّبي قد يتمّ بالماء الحي الذي وُعد به، والذي يشير إليه الماء الذي خرج من الصخر في البرّية (خر 17: 6). وآخرون رأوا فيه مسيح نهاية الأزمنة الذي يحتفلون بمجيئه المرتقب في عيد المظال.
ورغم معارضة المجلس الأعلى، لم يكن جواب الوحي عن يسوع كلّه سلبياً. فبعضهم آمن. وحرس الهيكل تأثّروا بما سمعوا (آ 46). وفي المجلس الأعلى نفسه، إنبرى نيقوديمس لكي يدافع عن يسوع (آ 50).
ويرد خبر المرأة الزانية (8: 1- 11).
كاد هذا الخبر الإنجيلي يضيع. فهو غائب من أهم مخطوطات القديم يوحنا: البردية رقم 66 (سنة 200 تقريباً)، البردية رقم 75 (بداية القرن الثالث)، والشواهد الكبار في القرنين الثالث والرابع (الفاتيكاني، السينائي، الإسكندراني). أما التقليد الشرقي فلم يعرف هذا الخبر قبل القرن العاشر. أما في الغرب فوُجد في بعض المخطوطات اللاتينية منذ القرن الخامس. وقد احتفظ به إيرونيموس في اللاتينية الشعبية.
غير أن هذا الخبر كان معروفًا في الكنيسة الأولى. فاوسابيوس القيصري يروي لنا فيقول: "روى بابياس خبراً آخر عن إمرأة اتهمت بخطايا عديدة أمام الرب. وقد عرف هذا الخبر في الإنجيل حسب العبرانيين". إذن، لم يكن هذا النصّ جزءاً من إنجيل يوحنا الأولاني: فأسلوبه وألفاظه أقرب إلى لوقا منه إلى يوحنا. وهناك مخطوطات تجعله بعد لو 21: 38. ومخطوطات يوحنا تتردّد فتجعله تارة بعد 7: 36 وطوراً في نهاية الإنجيل.
إن الخبر أكيد وصحيح. ولكن قد يكون أرعب بانفتاحه الكبير بعضَ المسؤولين في الكنيسة الأولى. فالزنى كان يعتبر من الخطايا القليلة التي يفرض على مرتكبها توبة علنية. هذا يعني أن مثل هذه الخطيئة لا تُغفر إلاّ مرة واحدة في الحياة. وتصرّفُ يسوع تجاه المرأة الزانية بدا للبعض (الذين نسوا: "إذهبي ولا تعودي إلى الخطيئة") كتسامح مفرط تجاه الخيانة الزوجية.
ومع هذا، فالنصّ جزء لا يتجزأ من الإنجيل، بعد أن نقلته إلينا الكنيسة.
إن نصّ المرأة الزانية الذي اقحم خلال القرن الرابع بين 7: 52 و8: 12، هو جدال حول مسألة قانونية (آ 5) تهدف إلى الإيقاع بيسوع. يجب أن نفسرّ لا 20: 10 الذي يقول: "أي رجل زنى مع إمرأة قريبه يموت موتّا. فليقتل الزاني والزانية" (رج تث 22: 22). وإن آ 5 تعلمنا أن على المجتمع أن يرجم المرأة. وبعد سنة 100 ب م، صار الخنق عادة معروفة في العالم اليهودي، عقاباً لجرائم لا تحدّد الشريعة فيها شكل العقاب بوضوح.
إتخذ يسوع موقفاً ضد الشريعة وممثّليها، فلم يحكم على المرأة. ولكن آ 7 ب (يرميها بأول حجر) تدلّ على أنه أخذ بالعقاب الأقسى الذي هو الرجم فارتبط مع تث 17: 7 (أيدي الشهود تكون عليه لقتله). بالإضافة إلى ذلك، طلب أن يمتحن الشهود هم أيضاً: هل هم أبرياء من كل خطيئة؟
إن قساوة الحل الذي قدّمه في خط العهد الجديد، يقابل مع مت 5: 28 (وأنا أقول لكم: من نظر إلى إمرأة ليشتهيها، فقد زنى بها في قلبه) أو مر 10: 9 (ما جمعه الله لا يفرّقه الإنسان).
نحن نخطىء إن استخلصنا من هذا المقطع أنه لا يحق لأحد أن يعلن حكماً إلاّ إذا كان بلا خطيئة. أو أن الحكم بالإعدام منافٍ للتقليد البيبلي. فجواب يسوع لا يتوجّه إلى قضاة رسميين يسألونه نصيحة، بل إلى أناس يحاولون أن يهلكوه بالموقف الذي يتّخذه. ثم إن يسوع يعرف الأسباب التي دفعت المتهمين ليراقبوا هذه المرأة.
أول ما نكتشف في هذا النصّ هو أن يسوع هو المعلّم.
منذ البداية، جعله يوحنا في موقف السلطان والتعليم. فالخبر يبدأ في مساء يوم من التعليم في الهيكل. وعاد كلّ واحد إلى بيته (7: 53). وذهب يسوع بدوره إلى جبل الزيتون كما اعتاد أن يفعل (رج لو 22: 39). وفي الصباح الباكر نجده في الهيكل يعلّم الشعب جميعاً (رج 21: 37). نحن لسنا هنا أمام مضمون تعليم، بل أمام الفعل التّعليمي بحدّ ذاته أي: تفسير الشريعة بحكمة. إنه معلّم، وبصفته معلّماً سيخضع لإمتحان وتفتتح الدعوى على المرأة الزانية (آ 3- 9) بانتظار أن تكون دعوى وحكماً على يسوع.
منذ البداية يظهر التعارض بين الكتبة والفرّيسيين، المفسّرين الرسميين للشريعة، وبين يسوع. أوصانا موسى في الشريعة... وأنت ماذا تقول؟
الزنى يتبعه الحكم بالإعدام. كيف يتمّ؟ بالرجم، كما يقول تث 22: 23- 24 عن صبية غير متزوجة: "إذا كانت فتاة بكر مخطوبة لرجل، فصادفها رجل في المدينة فضاجعها، فأخرجوهما إلى باب تلك المدينة (حيث المحكمة) وأرجموهما بالحجارة حتّى يموتا". فاستنتج بعض الشرّاح أن المرأة الزانية في يوحنا رجمت، لأنها كانت عذراء غير متزوّجة. ولكن لا ننسى أن الرجم كان الطريق العادية للحكم بالإعدام عند اليهود (رج حز 16: 38- 40). وتلك كانت الحالة في أيام يسوع.
لماذا اقتادوا هذه المرأة إلى يسوع؟ فالمجلس الأعلى قد حكم عليها وانتهى! ولكن يسوع يقول: "ألم يحكم عليك أحد"؟ ثم كيف نتخيّل أن السلطات اليهودية ربطت حكماً رسمياً بواعظ "صغير" لا مكان له يعلّم فيه (هو يعلّم على الطرقات). وظنّ شرّاح آخرون أن الحكم لم يصدر في المرأة، لأن المجلس الأعلى لم يعد له بعد سنة 30 ب. م. سلطان الفضاء والحكم، بعد أن سلبه الرومان إمكانية الحكم بالإعدام. وقد نكون أمام خطف سريع لإمرأة أخذت في زنى، فطُلب من يسوع أن يوافق.
مهما يكن من أمر، فالفخ مرعب وسيسقط فيه هذا "الواعظ" لا محالة. إذا انضمّ يسوع إلى القائلين بالحكم على هذه المرأة حسب ناموس موسى، دخل في خط التمرّد على السلطة الرومانية. هذا من الوجهة السياسية. ومن الوجهة الدينية، يعارض أعظم ما في تعليمه حول إله رحيم وحنون. كان رفض أن يحكم، فهو يعارض موسى، السلطة العليا في العالم اليهودي. فخّ محكم، وهو قريب من حدث الجزية التي تُدفع لقيصر (مر 12: 13- 17).
ووقف يسوع وجهًا لوجه أمام الشريعة.
نحن لا نجد في هذا النصّ الجواب على جميع أسئلتنا. فما لا يقوله يساعدنا على تركيز الخبر على يسوع الخاضع لمحنة صعبة قد تدلّ على ضعفه أو قوّته. فناموس الموت يعاقب بالإعدام هذه المرأة. هو يحكم على خطيئتها وحدها بشكل نهائي. ولا يقول شيئًا عن الرجل الذي خطئت معه، والذي هو مسؤول مثلها. جاء جواب يسوع لبقًا. وبدت لباقته انفتاحًا على الحياة لا انغلاقًا على الموت.
في البداية كان جواب يسوع الصمت. ظلّ يسوع جالسًا، ولم يجب على سؤالهم الأول إلاّ بخطوط رسمها على الأرض. هل كتب أموراً واضحة؟ تخيّل تقليد يعود إلى القدّيس ايرونيموس، أن يسوع دوّن خطايا متهميها. وافترض آخرون أنه كتب نصّ إر 17: 13: "كل الذين يتركونك يخزون. والذين مالوا عنك يكتبون على التراب". أو خر 23: 1: "لا تضع يدك بيد الشرير لشهادة زور".
وفكّر آخرون بالقاضي في الشرع الروماني، الذي يكتب أمامه الحكم قبل أن يعلنه. أما يسوع، فرسم خطوطًا على الأرض ليطول الصمت فيعطي الحكم الآتي وزنه وأهميته. وإصبعه المنتصب هو تساؤل وحكم على قضاة ينسون خطاياهم الخاصة.
وألحّ القضاة، فأحالهم يسوع إلى وضعهم كخطاة أمام هذه الشريعة التي يرفعون رايتها: "من لم يخطىء يومًا...". فراحوا وهم يجرّون أذيال الخيبة. وكان أول الذاهبين الشيوخ الذين كانوا أحكم من غيرهم في التعرّف إلى حالتهم الخاطئة.
وانتهت المحنة، وخرج يسوع منتصراً. فلم يبقَ إلاّ ذاك الذي لم يعرف الخطيئة (يسوع) وتلك التي أعلنت خطيئتها (المرأة). وقال اغوسطينس: "بقي اثنان في الساحة المرأة التعيسة والرحمة اللامتناهية).
لم يبق هناك إلاّ يسوع والمرأة (آ 10- 11).
إنتهت المواجهة وانتهى الجدال. والخبر سينتهي. تلك كانت حالة خبر الجزية لقيصر. ولكن "طعم الفخ" هنا ليس شيئاً مادياً لا روح له. ليس مجرّد نقد نتبادله. ليس قطعة نقود. إنه كائن بثري قد أذلّ وأهين. إنه إمرأة لا مستقبل لها وقد سُجنت في حلقة الموت. لقد أغلقوا عليها في دائرة حكمهم. إنفتحت دائرة، ولكنها ظلّت مسجونة فيها لا تجسر أن تخرج منها. إنها تحتاج إلى من يكلّمها ويسمح لها بأن تخرج من سجن خطيئتها. هذا ما فعله يسوع. قال لها: "إذهبي، ولا تعودي إلى الخطيئة من بعد).
حينئذ صارت إنسانة، وانفتح المستقبل أمامها من جديد. لم تلغَ الشريعة ولم تُمح. ولكنها صارت "إنسانية" (رحيمة)، صارت طريق حياة وفداء. وكشف يسوع عن نفسه أنه معلّم حكمة، معلّم الإنسان.
21
شهادة يسوع
8: 12- 20

أنا نور العالم. من تبعني فلا يمشي في الظلام، بل يكون له نور الحياة.
ما زلنا في إطار عيد المظال، وسنبقي فيه حتى آ 59 حين "توارى يسوع وخرج من الهيكل".
الأشخاص هم هم والأمكنة هي هي كما تركناها في ف 7. وفي خطبة يسوع هذه التي يدلّ عليها تضمين (في آ 12: كلّمهم يسوع. في آ 20: كلّمهم يسوع بهذه الكلمات)، تتركّز الكلمة بقوة متزايدة على يسوع. سنجد 17 مرّة ضمير المتكلّم (إني أنا، أشهد أنا). وسنجد الفعل 11 مرة في صيغة المتكلّم المفرد: أدين، أذهب، دنتُ...
ويبدأ الخبر بإعلان إحتفالي (آ 20): "أنا هو نور العالم". ففي هذا الهيكل الذي تشعّ فيه الأنوار بمناسبة عيد المظال، قدّم يسوع نفسه كالنور الحقيقي، الذي لا يتوجّه فقط إلى اليهود، بل إلى العالم كلّه (رج 1: 4؛ 3: 19). فمن سار وراءه، فمن كان تلميذه، أفلت من عالم الظلمة.
قدّم يسوع نفسه "نوراً للعالم" فشهد شهادة قوية. في 5: 32- 37، وُضعت الشروط من أجل شهادة ذات قيمة قانونية (شهادته هي حقّ).
أما هنا فقد أراد يوحنا أن يشدّد على أن الضغوط القانونية لا ثقف بوجه حضور الكلمة: فحين يشهد يسوع لنفسه، يعرّفنا بسرّ علاقته بالآب. لقد أعلمنا ثلاث مرّات أنه "يهوه، الكائن". قال في آ 24: "إن لم تؤمنوا أني هو، تموتون في خطاياكم". وقال في آ 28: "إذا ما رفعتم ابن الإنسان، تعرفون أني أنا هو". وفي آ 58: "قبل أن يكون ابراهيم، أنا هو".
لقد أخطأ اليهود حول أصل يسوع البشري (7: 42: لم يعرفوا من هو). ولم يكتفوا بذلك. بل تجاهلوا موطنه الحقيقي (موطن الآب الذي أرسله، 8: 18). فالنص يؤكّد هنا مرّة ثانية على الرباط بين الآب والابن. فالآب والابن يشهدان معًا على هوية يسوع. وهكذا نفّذت متطلبة شريعة موسى التي تفرض وجود شاهدين (تث 19: 15).
في آ 15 أ نقرأ: "أنتم تدينون بحسب الجسد"، تدينون كبشر، تدينون بحسب اللحم والدم (أي بالضعف). وقد يعني الجسد بشرية يسوع، هذا الجسد الذي صار الكلمة (1: 14). وهذا يعني أنكم تحكمون علّي كإنسان وحسب، وتنسون أصلي الإلهي.
هنا نتساءل: من يتكلّم؟ أين ومتّى يتكلّم؟ إلى من يتكلّم؟ إن آ 13 تقدّم اعتراضًا أول جاء من "الفريسيين". وهم الذين يطرحون أيضًا سؤالاً في آ 19. قالوا له: "أين أبوك"؟
نحن لا نرى بوضوح إن كان يسوع يكلّمهم (أي: الفريسيين) في آ 12. فمحاوره الأخير قبل مشهد المرأة الزانية، وأمام المجلس الأعلى، هو الجمع (7: 40). في 8: 22 صار "الفريسيون" من جديد "اليهود". وإن 8: 31 سيحدّثنا عن "الذين آمنوا به". إن سمات المتكلّمين ظلّت غامضة، فظهر يسوع وحده ظهوراً واضحًا. ولكن ما نشاهده بصورة خاصة هو أن يسوع ما زال في حرم الهيكل (ق 7: 14 مع 8: 59).
يرتبط ف 7 وف 8 بوحدة المكان. ويقال عن المقطع الذي ندرس الآن أن يسوع كان يتكلّم في غرفة الخزانة (حيث تُلقى التقادم لنفقات الهيكل). ويتحدّث النص أيضاً في مر 12: 41، 43 (فلس الأرملة) ولو 21: (فلس الأرملة) عن "الخزانة". إلى هذا المكان يأتي الرجال والنساء. ولهذا اعتاد يسوع أن يأتي إليه فيعلّم الجميع.
وفي عيد المظال، كانوا ينظّمون احتفالات مفرحة مع "ألعاب" نارية. لهذا، كان الشعب اليهودي في زمن المسيح يرى وحدته الروحية في الماء والفرح والنور. على ما قال زك 14: 7- 8: "سيكون نهار دائم. لن يكون نهار وليل، بل يكون نهار حتى عند المساء. وتخرج مياه حيّة من أورشليم...".
إن الحكمة المتجسّدة (7: 37) التي دعت البشر العطاش لكي يأتوا إليها، تكشف الآن عن نفسها: "نور العالم". وما نقرأ في 7: 38 (من يؤمن بي) يقابل 8: 12 ج (من يتبعني). ففي المرتين يعد يسوع تلميذه بشيء ما. هناك: "أنهار مياه حيّة". هنا: "نور الحياة". وينمو الوعد كما تنمو المتطلّبة. "تبع" (أو: إقتدى) يعبّر أكثر من فعل "آمن" على المشاركة في مصير الرب، على الاقتداء به في الألم من أجل الوصول معه إلى المجد (12: 26: من يخدمني فليتبعني. وحيث أكون أنا...؛ 17: 24: "أريد أن يكونوا حيث أكون أنا").
وفي دائرة الحكمة التي تكشف عن نفسها "نور العالم"، لم يفهم الفريسيون شيئاً. فأعلنوا: لا قيمة لشهادتك: لأنك تشهد لنفسك. لقد فهموا كلام الله بشكل يقدّم لهم "برهاناً مادياً" يدعوهم إلى الإيمان. نستخلص من آ 13، 19 أن المتسائلين مرّوا بجانب النقطة الحاسمة. لهذا عاد يسوع إلى عرض الموضوع وتعمّق فيه.
رأى الفريسيون في الأقوال الواردة في آ 12 ب ج (أنا نور العالم. من تبعني لا يمشي في الظلام) شهادة. في الحقيقة هي شهادة، ولكنها شهادة الله الذي يعلمنا من هو. سنسمع فيما بعد: "أنا وأبي واحد" (10: 30). ونرى هنا أن الله يكلّمنا في يسوع.
في 5: 31، حدّثنا يسوع كإنسان وضيع يشهد له آخرون. وهنا في آ 14، يقول يسوع عكس ذلك بدون التباس: "شهادتي صادقة، لأني أعلم من أين جئت والى أين أذهب". فيسوع يتكلّم في هذه الآية كشخص متّحد بالآب دون أن يكون هو نفسه الآب.
لم يرَ الفريسيون أمامهم إلاّ إنساناً (آ 15 أ: تدينون بحسب الجسد، بحسب بشريتي). والحكم السطحي الذي يثبتونه عليه يحمل آثار الدمار. لقد عثروا الآن بما حذّرهم منه يسوع (7: 24: لا تحكموا بحسب الظاهر). أما يسوع فيعرف أنه واحد مع الآب. أنه لا يحتاج أن يقضي لنفسه. في 5: 30 تميّز حكم الإنسان يسوع بأنه "عادل". وهنا يقول عن دينونة النور الإلهي الذي يحمل القرار الحاسم، أنه "حق" (آ 16) إلى الأبد.
في آ 17، يتجنّب يوحنا لفظة "شاهد" مع أنها موجودة في النصين اللذين يستشهد بهما (تث 17: 6؛ 19: 15). إن كلمة "شاهد" لا تظهر أبداً في مجمل الإنجيل الرابع. فهي قد تخفي مفهوم "الشهادة" اليوحناوية وفعل الشهادة الذي هو إعلان نبوي، إعلان وحي. وهكذا لم يتحدّث هذا المقطع عن "شاهدين اثنين"، بل عن "رجلين" (أو: شخصين). فالآب والكلمة "يشهدان" لكرامة ابن الانسان. لهذا لا نستطيع أن نتجاهل الوحي الإلهي الذي نسمعه. لا في آ 18 أ (أنا أشهد لنفسي) ولا في آ 12 (أنا هو نور العالم).
إن آ 18 ب (أبي الذي أرسلني يشهد لي) تقود إلى السؤال التالي، فتقدم بلفظة "الآب" الأساسية، موضوع سوء تفاهم جديد. طُرح السؤال على الشكل التالي: "أين أبوك" (آ 19 أ)؟ وهكذا نخطو خطوة واسعة في التوسيع الداخلي للإنجيل. في 6: 42، ظن اليهود أنهم يعرفون أب يسوع وأمه. في 7: 27، كانوا متأكّدين أنهم يعلمون "من أين" جاء. في 7: 52، أكّدوا أن الجليل هو موطنه. والآن، وللمرة الأولى، يطرحون السؤال: "أين" هو أبوك؟
إن الجواب على هذا السؤّال وعلى السؤّال حول الطريق الذي يقود إلى الآب، يقودنا إلى أعمق معرفة ستعطى لنا (في خطبة الوداع، بعد العشاء السري) حول طبيعة يسوع (ق آ 19 ج مع 14: 4- 10).
تكلّم يسوع. أي: أعلن تعليماً إلهياً. وسر هذا التعليم يكمن في أن شخصاً قال: "أنا هو نور العالم". قال هذا الكلام في موضع محدّد في العالم. والكلمة صار بشراً (جسداً) حقاً. والذكرى التاريخية هي في حدّ ذاتها مهمّة أهمية لاهوتية كبيرة. لقد كتب يوحنا إنجيلاً لا نفهمه إن لم ندرك أنّه يجب أن نعلن يسوع كالمسيح "الذي جاء حقاً في الجسد" (2 يو 7؛ 1 يو 4: 2).
حين كان يسوع يعلّم في الهيكل، تلفّظ بهذا الإعلان: "أنا هو نور العالم". إنه هذا النور، لأنه "شمس البرّ" (ملا 4: 2) الذي يتعدّى حدود إسرائيل فينير العالم كلّه. وهذا النور الجديد يعطي للذين يتبعونه سلطاناً به يصبحون نوراً بدورهم (11: 36: لتكونوا أبناء النور). فالحياة الأبدية قد بدأت فيهم.
وبجانب كلمة يسوع عن نفسه، نستطيع أن نضع الكلمة عينها على تلاميذه. فهم أيضاً "نور العالم" (مت 5: 14). والجديد في المسيحية هو أننا نشارك في النور لأن لنا شركة في حياة يسوع وأبيه، ولأننا نحبّ أخوتنا (1 يو 1: 1- 7).
22
هوية الابن
8: 21- 30

أنتم من أسفل، وأنا من فوق. أنتم من هذا العالم، وأنا لست من هذا العالم.
إستعاد يسوع كلمة قالها في 7: 34 (حيث أنا ذاهب لا تستطيعون أنتم أن تأتوا). وكان سوء تفاهم أول في 7: 35: "هل سيذهب إلى اليهود المشتتين وسط اليونانيين" (7: 35)؟ ثم سوء تفاهم ثان: "هل سيقتل نفسه" (8: 2)؟
وقابل يسوع بين موطنه (العالم العلوي) وعالمهم (العالم السفلي). فإذا أردنا أن نرافقه، وجب علينا أن نؤمن "أنه هو". وستجبرهم هذه العبارة على طرح السؤال الذي يتجاوز كل سؤال: "من أنت" (آ 25)؟
وجاء جواب يسوع بشكل لغز. قدّم نفسه كالموحي، كحامل الوحي: كما أن الكلمة كان في البدء (1: 1)، فما يقوله يأتي من البدء (8: 25: ما أقوله من البدء). وكل هذا يحيلنا إلى الوحي السامي الذي سيتمّ على الصليب. "حين ترفعون ابن الإنسان، تعرفون أني أنا هو".
بعضهم آمن. بعضهم لم يفهم. فكلام يسوع يولّد "سوء التفاهم". كما تخيّل اليهود أنه سيذهب إلى المنفى (7: 35)، ظنوا الآن أنه سيقتل نفسه (آ 24). فالإنطلاق والموت هما جزء من برنامج يسوع، ولكن كعودة إلى أبيه وتمجيد على الصليب. إنّ التعرّف إلى هوية يسوع يرتبط بارتفاعه على الصليب.
ويرتبط سوء التفاهم أيضاً بالسرّ الذي به يحيط يسوع أباه: لم يفهموا أن من أرسله هو الآب. أمّا القرّاء فيحصلون على هذه المعلومة في تفسير آ 27: "لم يفهموا أنه يكلّمهم عن الآب". ومع ذلك، فما سبق في الإنجيل أوضح العلاقة بين الآب ويسوع. يكفي لذلك أن نقابل بين 5: 19 و5: 30 و8: 28.
نتوقّف بصورة خاصة عند آ 25 ب: ما منذ البدء أقوله لكم. يجب أن نعرف إذا كان يسوع يعطي جواباً حقيقياً، أم يتهرّب من الجواب. فإن تهرّب قرأنا: "لماذا أتكلّم معكم؟ لا فائدة". أمّا إذا أراد يسوع أن يعطي جواباً حقيقياً، يجب أن نقول: منذ البدء، قبل كل شيء أنا هو ما أقوله لكم. يعني: أنا الكلمة.
لا ننسَ أننا لسنا أمام مقابلة (صحفية)، بل أمام عرض للكرستولوجيا المسيحية الأولى بشكل حوار وجدال. ثم، حين يطرح اليهود (عند يوحنا) سؤالاً حقيقياً في مثل هذا الحوار، يأتي جواب حقيقي من يسوع الذي يعمّق المعطيات تعميقاً لاهوتياً. وإذا قرأنا آ 26، نفهمها فهماً أفضل إذا كان يسوع قد قدّم جواباً حقيقياً لمحاوريه.
إنّ عبارة "في البدء" تحمل عند يوحنا ثقلاً لاهوتياً: "في البدء كان الكلمة" (1: 1). "ذاك الذي كان من البدء" (1 يو 1: 1). وهذا ما يقوله بدء (مبدأ) خلق العالم" (رؤ 3: 14).
قام الشرّاح بمحاولات لتبديل موضع النصوص. مثلاً، جعل 8: 21- 29 كله بعد 12: 44- 50. واقترح آخرون بجعل ف 8 كما يلي: 8: 15، 25- 27، 19، 28- 29. كل هذه المحاولات تنبّهنا إلى الأفكار التي تتكرّر، ولكنها تقدّم للمؤولين صعوبات أكبر ممّا نجد في النصّ التقليدي.
نحن نعرف هذا النوع من المجادلات الذي يُبنى حسب رسمة سوء التفاهم. من "آمن به كثيرون" في آ 30؟ هم اليهود (آ 31) الذين بعد هذا بقليل (آ 33) سيعارضون يسوع "ويطلبون قتله" (آ 37). نحسّ أن آ 30 وُضعت هنا من أجل ضرورات التأليف.
كل مرّة يتكلّم يسوع، هناك من يرذله، وهناك من يطلبه بعض الشيء (آ 20 ب). هذه هي النتيجة التي توختها آ 30.
إن كلمات المقدّمة في خطبة يسوع (آ 21) تكرّر بشكل ملحّ أفكاراً قرأناها في 7: 33- 34 (أمضي وتطلبوني ولا تجدوني). ويتبعها في آ 22 سؤال أول يطرحه اليهود (هل يقتل نفسه؟)، وفي آ 25 أ سؤال ثانٍ (من أنت؟). نحن هنا كما في المقطع السابق (8: 12- 20) حيث الأسئلة تساعدنا على فهم النصّ. وحين لا يفهم اليهود يسوع، فهم يدلّوننا، عن طريق المفارقة، على الوجهة التي فيها نطلب الحلّ الحقيقي.
السؤال الأول: إلى أين تمضي؟ ظنّ اليهود أنه سيقتل نفسه (آ 22). أما نحن فنرى يسوع في الطريق الذي يقوده إلى الآب عبر قيامته وارتفاعه. أن "يمضي" (آ 21) يسوع، يعني أن "يُرفع" (آ 28). وفي آ 23- 24، يبزر يسوع ما قاله في آ 21. يشرح: "من أسفل"، "من فوق". يعنيان: "من هذا العالم"، "لا من هذا العالم". ولكنه لا يقول إن "لا من هذا العالم" يعني "من الآخرة".
"فالعالم" هنا هو عالم الضعف البشري والخطيئة. فيسوع وأخصّاؤه (15: 18- 19؛ 17: 14- 16) ليسوا "من هذا العالم"، لأن فيهم شيئاً يأتي من الله، فيهم الحياة الأبدية. والعبارة "مات في الخطيئة" ترد مراراً في العهد القديم خلال الحديث عن وصايا الله. نقرأ مثلاً في حز 3: 19: "إذا أنذرت الخاطىء ولم يتب من خطيئته ومن طريقه الشرير، فهو يموت بسبب إثمه". وفي 18: 24: "إذا ارتدّ البارّ عن برّه (أي: حياته بحسب وصايا الله، بحسب مشيئة الله)، وصنع الإثم ومات فيه، فإنه يموت بسبب إثمه الذي صنعه".
ولكن "الخطيئة" هنا تدلّ على رفض الإيمان بأن ليسوع الحق بأن يقول عن نفسه: "أنا هو" (آ 24 ب). ويسوع يفعل ما يفعل بصفته الحكمة الإلهية الذي يحدّثنا بحياته (8: 12). إنه ذاك الذي يفعل كما يفعل الروح، فيفيض أنهار مياه حيّة (7: 39). والكفر الذي يشجبه يسوع هو قريب ممّا يسمّيه الإزائيون: الخطيئة ضدّ الروح القدس (مر 3: 29).
السؤال الثاني: من أنت؟
تساءل اليهود باحتقار: "من أنت حقاً"؟ وسيسألون فيما بعد: "من تجعل نفسك؟ من تعتبر نفسك" (8: 53)؟ وسيفتح جواب يسوع مجالات جديدة في واقع يسوع إذا ألقينا نظرة مسبقة إلى 8: 58 حيث يقول يسوع: "قبل أن يكون إبراهيم أنا هو". وإلى 8: 31، 43 اللتين تتحدّثان عن "كلمته"، حيث نكتشف أن ما قلناه في آ 25 ب يدخل في توسّع الأفكار.
يُبعد النصّ كل ما يتعلّق بأقل يسوع الأرضي، ويقدّم أمام ناظرينا للمرة الأولى ما سبق سرّ التجسّد. ونلاحظ أن يسوع الأرضي هذا يشارك الإله الذي يكلّم الإنسان في قلبه. والمعلومة التي يعطينا يسوع عن نمسه تشبه تلك التي أعطاها للسامرية: "أنا هو الذي يكلّمك" (4: 26).
إن كلمته "في العالم" (آ 26) تعني للبعض الخلاص، وللآخرين الدينونة والحكم. فالجملة عينها تتضمّن أيضاً هذه الكلمات: "ولكن الذي أرسلني هو حقّ". هذا يعني أن الآب أيضاً هو حقّ. حين نفهم هذه الكلمات على هذا الشكل، فهي تدلّنا إلى أي حدّ اهتمّ الابن بأن لا يتلفّظ بعبارة "أنا هو" راجعاً بها إلى نفسه وحدها. فالملاحظة المتوسّطة (آ 27) تؤكّد أننا أمام مساواة في الطبيعة. وهذه الوحدة بين الآب والابن هي الحقيقة التي لم يعترف بها اليهود ولم يفهموها.
وتستعيد آ 28- 29 من زاوية جديدة الفكرة حول "أنا هو" الإلهي، وفكرة الشركة مع الآب التي لا تستطيع أن تبدّلها عبارة "أنا هو". أمّا اللفظة الأساسية فهي "رفع". هي لا ترد إلاّ ثلاث مرات في إنجيل يوحنا، ومع ذلك فهي تحدّد لاهوت هذا الإنجيل كله.
نقرأ في 3: 14: "كما رفع موسى الحيّة في البرية، كذلك ينبغي أن يُرفع ابن الإنسان". إن يسوع سيرُفع على الصليب الذي سيصبح موضع وعلامة ارتفاعه في المجد. ونقرأ في 8: 28: "إذا ما رفعتم ابن الإنسان، تعرفون أني أنا هو". وفي 12: 32- 34: "وأنا متى رُفعت عن الأرض اجتذبت إليّ الجميع". قال يسوع هذا ليدلّ على أية ميتة كان مزمعاً أن يموتها. فأجابه الجمع: ولقد علمنا من الناموس أنّ المسيح يثبت إلى الأبد، فكيف تقول أنت: ينبغي أن يرفع ابن الإنسان"؟
يجب أن نعتبر كشيء واحد "إرتفاع" يسوع و"تمجيده". حين رُفع ابن الإنسان على الصليب (آ 28 أ) دلّ على حقه بأن يقول: "أنا هو".
الموت على الصليب مهمّ. ولهذا فهو ارتفاع وهو تمجيد. ونجد الفكرة عينها في أقوال أخرى من هذا المقطع الذي ندرس. أن يكون يسوع "من فوق" (آ 23)، يعني أنه "ليس من هذا العالم". هذه الكلمات تذكّرنا بشهادة المعمدان: "إن الذي أتى من العلاء هو أرفع من الجميع... الذي يأتي من السماء هو أرفع من الجميع" (3: 31). نحن أمام الأصل السماوي ليسوع. ولكن ما تدلّ عليه كلمة الرب هو جوهر آخر يسمّى تسمية مصوّرة: "يأتي من العلاء". ما هو هذا الجوهر؟ هذا ما تدلّ عليه كلمات الختام: "أنا أصنع دوماً ما يرضيه" (آ 29 ج). والنصّ الوحيد الذي يتحدّث عن "العلاء" نجده في كو 3: 1- 2: "لقد قمتم مع المسيح، فاطلبوا ما هو فوق (في العلاء) حيث يقيم المسيح جالساً عن يمين الله. إهتمّوا لما هو فوق، لا لما هو على الأرض".
حين نقرأ نصّ الرسالة إلى كولي، ونتوقّف عند العبارة: "حيث يقيم المسيح جالساً عن يمين الله"، قد نفكّر في السماء مع أن كياننا لا يدرك "العلاء". أما الكلمات التي ندرسها في يوحنا، فهي تبرهن أننا لا نفصل الواحد عن الآخر. فالعلاء الذي يقيم فيه المسيح، هو الموقف الذي يسعى إليه كل مسيحي على خطى المسيح الذي يعمل كل ما يرضي الآب. وهكذا لن يكون المسيحي "أبداً وحده" (آ 29 ب)، بل يكون مع المسيح يجمعهما عمل مشيئة الآب.
23
أبونا إبراهيم
8: 31- 40

إن كنتم أبناء إبراهيم فاعملوا أعمال إبراهيم.
في المقطع السابق، قال لنا يوحنا إن يسوع هو من الله. وهو يقول لنا إنه ابن الله.
إذا قرأنا يوحنا كلّه، لا نجد اسم إبراهيم إلاّ في 8: 33- 58. ونجده هنا إحدى عشرة مرّة. هذا ما يوحّد هذا القسم الذي نقسمه إلى ثلاثة مقاطع. الأول، يشرف عليه موضوع الحرية (8: 31- 38). الثاني يقابل بين أبوّة الشيطان وأبوّة الله (8: 39- 47). والثالث: يسوع هو المسيح الحقيقي الذاهب إلى الموت (آ 48- 58).
نقدّم المقطع الأوّل في هذا الفصل (آ 31- 40)، تاركين المقطع الثاني (8: 40- 47) والمقطع الثالث (آ 48- 58) إلى فصلين لاحقين.
أعلن اليهود: "إن أبانا إبراهيم" (آ 39).
ان هذا الذكّر لابوّة إبراهيم، التي نرتبط بها بصورة آلية، قد ندّد بها يوحنا المعمدان ويسوع نفسه في الأناجيل الإزائية. أعلن المعمدان في مت 3: 9 أن "الله يستطيع أن يخرج من هذه الحجارة أبناء لابراهيم". والغني الذي لم يرحم لعازر اعتدّ بنفسه فسمّى إبراهيم أباه (لو 16: 24). وسينبّه يسوع سامعيه بمناسبة شفاء الضابط الروماني فيقول لهم: "كثيرون من الناس سيجيئون من الشرق والمغرب ويجلسون مع إبراهيم واسحق ويعقوب في ملكوت السماوات، وأما من كان لهم الملكوت، فيُطرحون خارجاً في الظلمة" (مت 8: 11- 12).
إن موضوع الحرية والعبودية يرتبط بإبراهيم في غل 3- 4، ومقابلة ابن الأمة وابن الحرة نجده في غل 4: 21- 31. إن يوحنّا يرى أن الحرية الحقيقية هي ميزة تلميذ يسوع الذي يسمع كلامه، الذي يثبت (أميناً) في كلامه.
ويقدّم يوحنا محاوري يسوع بشكل غريب: إنهم "اليهود الذين آمنوا به" (آ 31). بعض الشرّاح رأى في هؤلاء اليهود مسيحيين متهوّدين يحاولون أن يوفّقوا بين تعلّقهم بالإيمان اليهودي وإيمانهم الجديد بيسوع. ولكن كيف نفسّر أن يكون هؤلاء اليهود قد نووا على قتل يسوع (آ 37)؟ من الأفضل أن نرى في أولا محاوري يسوع يهوداً معادين ليسوع. وفي إنجيل يوحنا، طبّق قسم من الخطبة على مسيحيين متهوّدين تردّدوا في إيمانهم بيسوع.
والحرية التي يتحدّث عنها يسوع ليست تحرّراً من نير الشريعة كما عند القديس بولس (غل 5: 1)، بل تحرّراً من الخطيئة (آ 34). والعودة إلى إبراهيم تشدّد لا على الإيمان (كما عند الفدية بولس)، بل على الأعمال الرديئة (قتل يسوع) التي تعارض التعلّق بأبينا إبراهيم.
تستعمل في آ 33 أ (نحن زرع إبراهيم) وآ 37 أ (إنكم زرع إبراهيم) لفظة زرع. إنها تعني الذرية في معنى الجمع لا في المعنى المجازي. هنا تكمن "السخرية" في هاتين الآيتين وفي المقطع اللاحق (آ 39- 44). إذا نظرنا إلى الوجهة البيولوجية، عرفنا أن محاوري يسوع يتحدّرون من إبراهيم. أما من الوجهة الروحية، فليسوا أبناءه.
في آ 38، نجد محاولات مختلفة للتمييز بين "أبي" و"أبيكم"، وللموازاة بين آ 38 أ (اليهود الذين آمنوا به) وآ 38 ب (تكونون تلاميذي). إذا وضعنا علامة الوقف بعد آ 38 ب (تكونون تلاميذي)، يكونا "الأب" هو إبراهيم. ولكن يظهر أن هنا يبدأ التعارض بين الخير والشر (آ 39- 44). ويتعرّف القارىء الواعي في آ 38 أ إلى اتحاد الكلمة بالآب (ق آ 38 أ مع 1: 18)، وفي آ 38 ب إلى علاقة اليهود مع إبليس (آ 44).
إن هذا المقطع (آ 31- 38) يدخل دخولاً عضوياً في الجدال حول يسوع وابراهيم (آ 31- 59)، بحيث لم تنجح كلّ محاولات تبديل موقع الآيات. يمكن أن تكون اقحمت آ 31 أ حول اليهود الذين آمنوا. وآ 37 حول طلب قتل يسوع، أقحمت فيما بعد لكي تزمّن الرباط الأدبي مع آ 30.
حين نقرأ آ 33 أ (ما كنا قط عبيداً لأحد) وما فيها من تضخيم، نتذكّر كبرياء الغيورين التي ظهرت بصورة خاصة خلال صعود قلعة مصعدة (73 ب. م.). ولكن يبقى انه يجب أن يبحث عن تجذّر آ 31- 59 في الكنيسة الأولى خلال جدالها مع العالم اليهودي، في محيط الحجّاج الذين كانوا يملأون أروقة الهيكل وقاعاته في خريف سنة 29.
كان موضوع خطبة يسوع: الحرية (آ 32). فردّ عليه اليهود بكلمة أساسية: إبراهيم (آ 32). وكل خطبة الرب اللاحقة ستدور حول هاتين الفكرتين (آ 34- 38).
قابل يسوع إيمان اليهود المتزعزع (آ 31) مع ما يجب أن يفعل ذاك الذي يريد أن "يثبت" فيه: عليه أن "يثبت" في كلمة يسوع. وعلى كلمة يسوع أن "تثبت" فيه (5: 38). "كلمته" تعني "تعليمه" (2 يو 9) الذي يصل إلى الآخرين بمثل حياته وموته. فكل من يعمل بحسب هذا المثال "يعرف" "الحقّ" لأنه يعمل في الحقّ (3: 21).
"فالحقّ" المذكور في آ 32 ليس بمضمون عقلاني. هذا ما تدلّ إليه نظرة نلقيها على آ 44. فإذا كان العمل المتجرّد الذي نعمله على مثال يسوع الذي هو الحقّ الذي "يحرّرنا"، فهذا يعني أن يسوع نفسه ينجيّنا (آ 36). حين نعرفه ونتعرّف إليه شخصياً، نتعرّف إلى الحقيقة (آ 32) ونحصل بالتالي على الحرية.
بدأ يسوع خطبته بحصر المعنى بالعبارة الاحتفالية: "آمين، آمين، الحقّ، الحقّ" (آ 34). واعتبر أن سامعيه هم أحرار في الخارج ولكنهم عبيد في الداخل (في حياتهم). إنهم مستعبدون لقدرة خارجية فلا يستطيعون أن يتعلّقوا بالحقّ الذي يلتقونه شخصياً. هم في داخل بيت الله (آ 35)، ويسقطون إلى مستوى العبودية.
كما طرد إبراهيم اسماعيل (تك 21: 10) وأعاد اسحق إلى البيت كابن شرعي (غل 4: 30)، هكذا سيُطرد الذين ليسوا أولاد الله الحقيقيين.
نستطيع أن نرى في آ 35 مثلاً أو استعارة: "العبد لا يقيم في البيت على الدوام. أما الابن فيقيم على الدوام". فينتج عن هذا (آ 36) أن التحرير بيد الابن الشرعي يوافق التبني. بعد هذا، لا نستطيع أن نتبيّن الفرق بين الابن الذي يحرّر (آ 36) والحقيقة المحرّرة (آ 32).
كان اليهود قد قالوا شيئين في آ 33: إنهم أبناء إبراهيم، إنهم لم يكونوا يوماً عبيداً لأحد. بيّن لهم يسوع أولاً أنهم خطأة. ولهذا فهم عبيد ولا يحقّ لهم بأن يقيموا في البيت (آ 34- 36). وها هو الآن يتساءل حول وضعهم الحقيقي كأبناء إبراهيم (آ 37). وفي الوقت عينه يدخل فكرة جديدة حول البنوّة.
فالاداة "ولكن" (أو: ومع هذا) هي التي تشكل نقطة الاتصال بين ما سبق وما لحق (أنتم ذرية إبراهيم ولكنكم تريدون قتلي). فإذا ألقينا نظرة إلى آ 39، نفهم كل الفهم ان هذا "لكن" يطرح السؤال: هل نسل إبراهيم بالجسد هم أيضاً ابناؤه بالروح؟ وحين نقرأ آ 37 ج (لأن كلامي لا ينفذ فيكم) ندهش. كنا ننتظر: "لأنكم لستم أبناء ابراهيم الحقيقيين". ولكن كلمات الإنجيل تعبرّ عن أكثر من هذا: إن أبناء إبراهيم الحقيقيين هم أيضاً أبناء الله (آ 41 ب: لنا أب واحد هو الله). إن زرع الكلمة يولّد هذه البنوّة الإلهية (1 بط 1: 23: ولدتم من زرع غير فاسد بكلمة الله الحية). إن كلمة يسوع (الذي هو الكلمة) هي كلمة الله بالذات وهي تحمل شهادتها معها. إن شيئاً بدأ ينمو عند أبناء الله الحقيقيين حين نالوا الكلمة، الابن الوحيد.
لا يستعمل يوحنا إلاّ في هذا المقطع لفظة "حرّر" ولفظة "أحرار". فالحقّ أو الابن هو الذي يحرّر. ماذا يعني كل هذا؟ نحن نفهمه إنطلاقاً من 2 كور 3: 17: "حيث يكون روح الرب هناك تكون الحرية".
فروح الرب الذي هو في جوهره روح الحقّ (14: 17) يولّد الحرية حين يدخل المسيحيون في مشيئة الآب مثل المسيح ومع المسيح وبالتالي في روح المسيح. يدخلون بحرية، كأبناء أحرار فيشاركون في حرية الله التي لا حدود لها.
24
أبونا هو الله
8: 41- 47

لو كان الله أباكم لكنتم تحبّونني.
لسنا أمام حرّية سياسية ولا أمام استقلال داخلي يصل إليه الفيلسوف. فالحرية تجاه الكذب والموت هي إمكانية العيش الكامل في الإتحاد مع الآب والإبن. وهذه الحرية التي تُعطى في نهاية الأزمنة هي موهبة ترتبط بالحقيقة (أو الحقّ الذي هو واقع الله بما أنه ملء الحياة الحقّة، ويشرك البشر في هذه الحياة) التي ندركها في يسوع.
لم يكن اليهود أحراراً من الوجهة السياسية. فهم خاضعون لسلطة الرومان. لقد فهموا أنّ يسوع يحدّثهم عن حرية نعيشها في علاقة مع الله. ولكنهم لم يفهموا ان الإمتياز الذي مُنح لنسل إبراهيم لا يكفي لكي يؤمّن لهم هذه الحرية. فالحرية هي وجه من وضع الأبناء الذي يقابل وضع العبيد. فالخطيئة التي هي تجاهل لله وانفصال عنه تحدّد وضع عبودية يخسر فيه الإنسان ذاته. الابن وحده هو من البيت وبالتالي حرّ بحرّية مطلقة لأنه متّحد اتحّاداً كاملاً بالآب.
ونسل إبراهيم ليس واقعاً بيولوجياً أو إجتماعياً (كمن يكون مسيحياً في الهوية). انه يتطلّب توافقاً بين موقف يعيشه المؤمن وموقف يعيشه أبو الآباء. وبشكل عملي، يظهر هذا التوافق حين يتعرّف اليهود إلى مرسل الله. أمّا محاولات قتل يسوع فهي علامة لا تخطىء بأن اليهود هم أبناء إبراهيم بالجسد (باللحم والدم)، لا بالروح. إبراهيم هو نموذج المؤمن، فأين إيمان اليهود الذين يعاصرون يسوع؟
هنا تصبح اللهجة قاسية وهجومية: ليس أباهم هو إبراهيم، بل الشيطان. وتتواجه هنا رؤيتان. من جهة، شدّد اليهود على هويتهم: إنهم أبناء إبراهيم. وعبر أبيهم في الإيمان يشدّدون على هويتهم بأنهم أبناء الله (لنا أب واحد هو الله). ومن جهة ثانية، يرفض يسوع أن يعطيهم هذا اللقب. إنهم لا يستطيعون أن يعتبروا نفوسهم أبناء إله يهدّدون ابنه بالقتل.
هنا يظهر للمرة الأولى الشيطان، وخصم يسوع الخفي. واليهود هم نتيجة عمله. هذا الشيطان سيظهر من جديد خلال الآلام. في 12: 31 قال يسوع: "الآن دينونة هذا العالم. الآن رئيس هذا العالم يُلقى خارجاً). أجل، سيُحكم على الشيطان الذي يعتبر نفسه سيّد "هذا العالم" الذي يقابل العالم الآخر حيث يملك الله. وفي 14: 30 قال يسوع في خطبة العشاء السرّي: "لا أحدّثكم بعد طويلاً، لأن رئيس العالم يأتي. ليس له فيّ شيء". أجل لا علاقة بين يسوع وبين العالم والذي يرئسه. فيسوع هو بلا خطيئة. أما العالم "فسيموت" في خطيئته. لا سلطة لسيّد هذا العالم على يسوع الذي يتمتّع بحرية مطلقة في محبته وطاعته التامة للآب.
وقال يسوع لتلاميذه في 16: 11: "إن رئيس هذا العالم قد دين" وحُكم عليه. إنتصر يسوع في موته، فقهر الشيطان بشكل نهائي ولا سبيل له إلى التأثير على يسوع. وفي 17: 15 طلب يسوع من الآب، لا أن يخرج تلاميذه من العالم (رغم وجود قوى الشرّ والبغض)، "بل أن يحفظهم من الشرّير"، أن يحفظهم من كل شرّ.
حاول اليهود أن يقتلوا يسوع، فبدوا مثل يهوذا فيما بعد، أداة في يد الشرّير: "كان إبليس قد ألقى في قلب يهوذا العزم على تسليمه" (13: 2). "وبعد اللقمة، دخل الشيطان في يهوذا" (13: 27).
يصوّر يوحنا اليهود هنا بشكل قاسٍ: ما يميّزهم هو الخطيئة، الكذب، الموت، العبودية. والذي يتقبّل يسوع يتقبّل حقيقة الله كما تجلّت في يسوع، فيصل إلى الحرية والحياة. فبين تأكيد اليهود في بداية المقطع (آ 41: لنا أب واحد، هو الله)، وفي نهايته (آ 47: لستم من الله) تتوسّع خطبة هجومية تحرمهم من أبوّة إبراهيم. وبشكل جذري، يحدّد موقعهُم في جانب الشّر في خطّ تاريخ البدايات كما نقرأه في تك 2- 3.
نقرأ في آ 44 أ حرفياً: "أنتم من أب الشيطان"، فهل يعني هذا أن للشيطان أباً أو جدّاً؟ كلا. إن هذا المضاف إليه هو تفسيري: أنتم من أب هو الشيطان. هو أبو الكذب أو أبو الكذّابين.
ونقرأ في آ 41 ب: "لم نولد من بغاء" (أو: لسنا أولاد فجور). هذا يعني لسنا أولاداً غير شرعيين. هذا في المعنى المادي. أما في المعنى الرمزي، فالزنى يدلّ على عبادة الأوثان، على خيانة الشعب لربّه. وهكذا طالب اليهود بأصلهم الإلهي، فدعوا الله أباهم ورفضوا أن يكونوا أولاد بغاء أو زنى مثل العمونيين والموآبيين (تك 19: 30- 38). إنهم أولاد الله الحقيقيين. إنهم أولاد الله الشرعيين.
هناك من بيّن انطلاقاً من النصوص التقوية أنّ حوّاء حبلت بقايين بفعل الشيطان. وهكذا يكون خصوم يسوع أبناء هذا القاتل أخاه (تك 4: 8). هنا نلتقي بما نقرأ في رسالة يوحنا الأولى: "من يعمل الخطيئة فهو من إبليس، لأن إبليس يخطأ منذ البدء. ولهذا ظهر ابن الله لينقض أعمال إبليس" (1 يو 3: 8). هناك من هم من الله (يسمّيهم تك 6: 2: أبناء الله)، وهناك من هم أولاد إبليس، وهم يتأثرون بشرّه ويضلّون بضلاله. وتتابع 1 يو 3: 12: "لا نتشبّه بقايين الذي كان من الشرّير فذبح أخاه".
إبليس هو الأب "الروحي" للذين يطلبون حياة يسوع. وإذا كان إبليس قد سمّي "كاذباً" (آ 44 ج)، فالكاتب يلمّح إلى كذب الحيّة في الفردوس الأرضي (تك 3: 4- 5).
في 7: 41- 42، إفترض يوحنا أن قرّاءه يعرفون مولد يسوع في بيت لحم. وهنا في آ 41 ب (لسنا أولاد فجور)، قد نرى هجوماً من اليهود على يسوع الذي يختلف عنهم. وسنقرأ في الأدب اليهودي اللاحق عن يسوع الذي ليس "بابن شرعي". ولكن قبل الفصح كانوا يرون فيه "ابن النجّار" (مت 13: 55؛ رج مر 6: 3).
ونصل إلى لاهوت هذا المقطع الذي لا يشدّد على أبوّة الشيطان، بل على أبوّة الله. والسمات الجوهرية لأبوّة الله، والتي تنتمي كلها إلى مملكة النور، تبرز بشكل لافت على خلفية مظلمة.
يبدأ تسلسل الأفكار الجديدة بحوار صغير. أكّد اليهود أن إبراهيم هو أبوهم. أجاب يسوع: إن كان إبراهيم حقاً أباكم، فلماذا لا تقتدون به (آ 39)؟ فإبراهيم قد أضاف الغرباء الثلاثة (تك 18: 1- 6). سالم ابن أخيه وأعانه في ضيقه (تك 13: 8- 9؛ 14: 14- 16). وتشفّع من أجل أهل سدوم رغم خطيئتهم (تك 18: 17- 33). وكان العالم اليهودي يتحدّث عن "أعمال" إبراهيم فيقولون: كان له "نظرة حنان، ونفس متواضعة، وروح وديعة".
وبغضُ اليهود القاتل ضدّ يسوع الذي يكلّمهم بالخير، يتعارض كل المعارضة مع استعدادات قلب إبراهيم (آ 40). إذن، أبوهم الحقيقي ليس إبراهيم، بل آخر، وهم يعكسون طبيعة ذاك الآخر. وان آ 41 أ (تعملون أعمال أبيكم) ترذل اليهود الذين يبغضون يسوع، حقيقة الله الموحاة، ونسل إبراهيم الحقيقي. هم خارج نسل إبراهيم بقدر ما يبغضون يسوع. ويعتبرون نفوسهم، لا أبناء آدم وإبراهيم فحسب، بل أبناء الله.
كل هذا يهيّىء خطبة يسوع حول الطريقة الشرعية أو اللاشرعية في اعتبار الله أباهم. ففي آ 42- 47، لا يقاطع أحد يسوع في كلامه. فيبدأ بنقطة حاسمة قاطعة: "لو كان الله أباكم" (آ 42 أ). كل من وُلد من الله ولادة روحية، يحبّ كل ما يأتي من الله، ويحبّه كما يأتي من الله.
في آ 42 ج (ما أتيت من عنده، بل هو أرسلني)، يستعمل يسوع الكلمات عينها التي استعملها في أواسط عيد المظال (7: 28)، فيدلّ على انه لا يأتي "من عنده". إنه مرسل ليحمل "بلاغ" الله. إنه كلمة الله.
ونجد في آ 43 جوّاً مأساوياً يسيطر على المشهد: حدّث يسوع معاصريه في فلسطين بلغتهم (أي: الأرامية)، ولكنهم لا يفهمون. إنهم مغلقون على العالم الإلهي، ومنفتحون على كل ما يعارض الله. بل هم يسرّون بما يسرّ الشيطان (آ 44 أ). وهذا التقارب الروحي مع الشيطان سيقودهم في النهاية إلى البغض القاتل لكل خير (آ 44 ب).
وهم يبغضون يسوع وتلاميذه لأنهم يحبّون إخوتهم. وهذا البغض لا يعود إلى زمن المسيح، بل إلى زمن البدايات. فقايين قتل هابيل لأن أعمال هابيل كانت صالحة (1 يو 3: 12). وحين يتكلّم هذا المقطع الإنجيلي عن "الثبات في الحقّ" (آ 44 ب)، فالمقابلة مع 1 يو 3: 10- 16 تدلّ على أنها تعني "محبّة الإخوة" و"الصدق".
ما يأتي من يسوع ومن عمق كيانه يسمّى "كلمة". وهذا ما نقوله أيضاً عن إبليس. فحين نقول انه ينطق "بالكذب"، نفهم حسب الكتاب المقدّس مفهوماً سلبياً واسعاً وسع ضده، أي الحقيقة. فكل لا عدالة هي في النهاية لا صدق ضدّ الضمير. فقبل أن ينطق الإنسان بالكذب ويقترف خطيئة، فهو يغشّ نفسه ويكذب على ذاته.
بعد آ 45، يعيد يسوع أنظارنا من الظلمة إلى النور. يبدأ كلامه فيقول: "أما أنا". ونستطيع أن نكمّل الجملة: أما أنا فلست كذلك. فيسوع يعيش كما ينطق. وأهم لفظة في هذه الآية هي "لأن". "لأني أقول الحق". هذه هي المفارقة التي تقابل اختباراً عاشه أبرار عديدون. "أنتم لا تصدّقوني، لأني أقول الحقّ".
ويرد في آ 46 سؤالان. الأول: من يثبت عليّ خطيئة؟ مثل هذا التحدّي مخيف، ولا يمكن أن يصدر من فم بشر. والجواب: لا أحد يثبت على يسوع خطيئة. فهو كلمة الله الأزلي. والسؤال الثاني: إن كنت أقول الحقّ، فلماذا لا تصدّقوني؟ هذا السؤال مجد جوابه في كلمات الخاتمة، في آ 47: "لأنكم لستم من الله". من كان من الله هو المولود من الله (1: 13) وهو يتقبّل زرع الكلمة الآتي من الله.
إنّ اسم إبليس لا يرد في كتابات قمران، على ما يبدو. هناك كلام عن بليعال (ابن الشرّير)، عن مثطمه (بغض، كراهية). ولكن الناس لا يدعون أولاده. أما الرجال الأشرار فيدعون في قمران "أبناء الظلمة". ولكن يوحنا (ولا الكتب المقدّسة) لم يستعِدْ هذه العبارة، فظلّ أميناً لما في الكتب المقدّسة لا لما في الأدب الاسياني.
غير أنّ يوحنا يعرف أناساً أشراراً سقطوا في سلطة الشيطان الشخصية (13: 27). حين نقابل يوحنا والإزائيين، نلاحظ أنّ يوحنا لم يروِ أي طرد للشياطين، ولكن التأكيدات عن الشيطان في آ 44، تدفعنا إلى أن لا نفسرّ الشرّ فقط بشيء خارج عن الإنسان.
25
قبل أن يكون إبراهيم
8: 48- 59

تاق إبراهيم إلى رؤية يومي، ورأى وفرح.
لم يستطع اليهود أن يتعرّفوا إلى صدق أقوال يسوع. وهذا يدلّ على أنهم لا ينتمون إلى عالم الله.
وهكذا اشتدت المواجهة بين يسوع واليهود. قال يسوع كلاماً قاسياً، فردّوا عليه بأقسى منه. قالوا إن يسوع ممسوس (فيه شيطان). قالوا إنه سامري، أي إنسان انفصل عن شعب الله وخضع لتأثيرات الشّر.
أعلن يسوع نفسه أنه ينتزع الإنسان من الموت. أما اليهود فيريدون أن يدمّروا الحياة. لهذا حاولوا أن يقتلوا يسوع.
ويظهر شخص إبراهيم من جديد، لا كسلطة عليا، بل كصاحب المواعيد التي تتحقّق في المسيح: "قبل أن يكون إبراهيم أنا هو" (آ 58). هذه الفكرة القائلة بأن التاريخ المقدّس يجد كماله في يسوع، نقرأها في مت 13: 17: "إن كثيراً من الأنبياء والصدّيقين اشتهوا أن يروا ما أنتم راؤون ولم يروا، وأن يسمعوا ما أنتم سامعون ولم يسمعوا". كما نقرأها أيضاً في عب 11: 13: "على الإيمان مات أولئك جميعاً، ولم ينالوا الموعد، بل رأوه من بعيد وحيّوه".
نجد نفوسنا هنا في ذروة وحي يسوع، في آخر يوم من عيد المظال. في آ 12، أكد يسوع، قال: "أنا هو نور العالم". في آ 58، أعلن بصورة مطلقة: "أنا هو" (أي: يهوه، الرب، الكائن). هذا تأكيد واضح عن الوهيمه. وقد فهمه سامعوه، لهذا أرادوا أن يرجموه كمجدّف (لا 24: 16).
وهكذا كان يسوع قد جاء في السرّ (خفية) (7: 10). وها هو يمضي إلى مكان سرّي (توارى عنهم) (8: 59).
نقرأ في آ 50: "أنا لا ابتغي مجدي". فيوحنا يفكّر بمجد الرب الذي رُفع (8: 28). والوحي الذي يقدّمه يسوع عن نفسه: قبل ولادة إبراهيم أنا هو منذ الأزل.
في آ 57، نقرأ: رأيت إبراهيم. ولكن البردية 75 والنصّ السينائي يقول: رآك إبراهيم. نحن لسنا أمام جواب يشير إلى الماضي، بل أمام تهيئة لما سيلي.
تتحدّث آ 56 عن تمجيد إبراهيم، وهذا أمر يعرفه الجميع. فلا يكفي أن نعود إلى تك 17: 17: "فسقط إبراهيم على وجهه وضحك وقال في نفسه: ألإبن مئة سنة يُولد ولد"؟ ولكن الأمور تبدو مختلفة إذا فكّرنا بنصّ سفر اليوبيلات (ذكر في تفسير 7: 1- 13) لنصوّر المحيط الروحي لعيد المظال. فنحن هناك أمام فرح حقيقي أحد به إبراهيم، مؤسّس هذا العيد. فإنه قد رأى في روحه مسبقا زمن المسيح. فسفر اليوبيلات يقول: "هذا هو تاريخ تقسيم أيام الشريعة حسب أحداث السنة، حسب توزيعها أسابيع سنوات ويوبيلات". وإذا عدنا إلى لا 25: 8- 11، نفهم أن أسبوع سنوات يعني سبع سنين. واليوبيل يعني 49 سنة أو السنة الخمسين (السنة التي بعد 7×7). ويسوع لم يدرك هذه الوحدة الزمنية: "لا تزال دون الخمسين" (آ 57). وهكذا فالكاتب لا يشير إشارة دقيقة إلى عمر يسوع، بل إلى يوبيل لم يصل إليه. فكيف له أن يدرك كل اليوبيلات.
حين نقرأ آ 48- 59، نكتشف ما سيعلمنا به الإزائيون في المشهد قبل المحكمة العليا: أكّد يسوع أنه المسيح الحقيقي، وأنه لذلك مستعدّ للذهاب إلى الموت. لهذا، ترك يوحنا خبر محاكمة يسوع ولم يورده في 18: 27- 28. وذروة هذا الوحي نجدها في آخر وأقصر خُطب يسوع الثلاث.
نقرأ الخطبة الأولى في آ 49- 51 (أجاب يسوع: ليس بي شيطان). والخطبة الثانية في آ 54- 56 (أجاب يسوع: إن كنت أمجّد نفسي). والخطبة الثالثة في آ 58: فقال لهم يسوع: "قبل أن يكون إبراهيم، أنا هو". ويبقى الإتهام الأهم الذي وجّهه الخصوم إلى يسوع في آ 53 ج: من تجعل نفسك، من تعتبر نفسك"؟
وسوء التفاهم الذي تتضمّنه أقواله الخصوم (آ 52) يلقي الضوء على مفهوم آ 51: "لن يرى الموت أبداً". ففي الإنسان الذي يؤمن، تنبت حياة لا يستطيع الموت البيولوجي أن يوقف مسيرتها، بل هو يحرّكها ويدفعها إلى الأمام.
وفي آ 52 ب كرّر اليهود بشكل معدّل ما وعد به يسوع (آ 51: من يحفظ كلمتي لن يرى الموت). تحدّث يسوع عن "رأى" (رج لو 2: 26) الموت. فقالوا هم: "ذاق" (رج مت 16: 28) الموت. نحن هنا أمام تبديل في الأسلوب. ولكن "ذوق الموت" يتطلّع بصورة خاصة إلى مسيرة الموت على الأرض، مع الضّيق الذي يرافقه. إن يسوع لا يضع جانباً الموت البيولوجي. ولكنه يُبعد عن المؤمنين به الموتَ الروحي.
كانت كلمة يسوع في آ 51 إحتفالية وروحانية. فحين كرّرها اليهود في آ 52 ب (من يحفظ كلمتي لن يذوق الموت) صارت لا تحمل إلاّ آثار الوجهة الأرضية. ثم تساءلوا مستهزئين: هل يسوع هو أعظم من إبراهيم؟
يرى الفكر البيبلي أن الآباء هم أعلى درجة في الطريق الذي يقود إلى الله. فالله قد كشف عن نفسه أنه "إله إبراهيم واسحق ويعقوب" (خر 3: 6؛ رج يو 4: 12؛ لو 16: 22). فطريق التوراة لا تصعد إلى الله عبر عالم لا مادي، بل تنطلق من القدّيسين إلى الذي هو القدّوس وحده. ويسوع القدّوس يأتي من الآب إلى العالم فيحمل قداسة الآب. ويعود من العالم إلى الله فيحمل معه القدّيسين.
وجاء الإعتراض الأخير من اليهود (آ 57) فهيّأ الطريق للكلمة النهائية التي بدأها يسوع باحتفال فقال: "الحق الحق أقول لكم". أجبر فكشف عن نفسه كشفاً كاملاً. قال: أنا هو. هنا لا نفصل بين هذا الرب الذي هو منذ الأزل، وبين يسوع الذي يحفظ كلمة الآب (آ 55 ج) ولا يطلب مجده أبداً (آ 50، 54).
إن آ 59 تنهي مشهداً في حياة يسوع الدراماتيكية على الأرض. فبعد الشفاء الذي تمّ يوم السبت، قرب بركة بيت حسدا، أراد اليهود أن "يقتلوا" يسوع (5: 16، 18). وخلال عيد المظال، اشتدّ التوتّر. ذهب يسوع بشكل سرّي لأنهم كانوا يبتغون قتله (7: 1). والشعب نفسه خاف أن يجاهر برأيه خوفاً من اليهود (أي: السلطات، 7: 13).
وسأل يسوع: لماذا يريدون أن يقتلوه؟ فأجابوه: أنت تظنّ ذلك (7: 19- 50). ولكن المخططات لتوقيفه جاهزة (7: 25). بل إن الجموع تحاول الإمساك به (7: 30). أما شرطة الهيكل فلا تتجاسر أن تمدّ إليه يداً (7: 32، 46). وحاول الشعب مرة أخرى أن يعتقله، ولكن هذه المحاولة باءت بالفشل (7: 55). وكشف يسوع بنفسه مرة أخرى أهداف القتل التي يخفيها أولئك الذين يزعمون أنهم أبناء إبراهيم (8: 37، 40).
حينئذٍ، وللمرة الأولى، تناول خصومه "حجارة" ليرجموه (8: 59). لفظة "حجر" مهمة. لأن الرجم هو عقاب المجدّف (رج لا 24: 16؛ أع 7: 58- 59). إن الإزائيين بيّنوا توسّعاً دراماتيكياً يقودنا إلى الآلام، فاستعملوا لذلك الوسيلة التالية: جعلوا يسوع ينبىء بآلامه ثلاث مرّات (مر 8: 31 وز؛ 9: 31 وز؛ 10: 34- 35 وز) وصوّروا مسيرة يسوع الصاعدة إلى أورشليم (لو 9: 51؛ 13: 33). ويصوّر لنا سفر الأعمال (20: 38؛ 21: 13) بولس صاعداً إلى أورشليم مقتدياً بالرب يسوع.
أما يوحنا فلا يشير إلاّ لماماً إلى التبدّل في تصرّفات يسوع. ما ينمو ويكبر هو بغض قوى الظلمة للنور الذي يسطع في الوقت عينه ويبدو كل يوم أكثر نقاوة. وفي داخل هذا الإطار الدراماتيكي، تشكل آ 59 رباطاً مع المشهد اللاحق، وهو شفاء الأعمى منذ مولده.
وفي 10: 31، سيأخذ اليهود مرة أخرى حجارة ليرجموا يسوع بسبب تجديفه (10: 33، 36:). وفي 10: 39، نجد محاولة لتوقيفه، ولكنها تفشل. ولاحظ التلاميذ هم أيضاً على شاطىء الأردن أن اليهود أرادوا أن "يرجموا" معلّمهم في أورشليم (11: 8). وفي النهاية سيؤخذ القرار الحاسم في 11: 50: يجب أن يموت إنسان فلا يهلك الشعب كلّه.
هنا نتوقف عند الإسم الالهي: "أنا هو".
في سفر الخروج، كشف الله للبشر عن إسم سرّي يريد أن يعرفه به الناس ويكرّموه: "أنا هو الذي هو" (خر 3: 14). عبارة ملغزة تكوّنت إنطلاقاً من الفعل العبري "هيا" (هوا في السريانية) الذي يقابله في العربية الضمير "هو". هكذا سيصير في فم موسى: "هو" إله آبائكم... (خر 3: 15).
ونجد عند الأنبياء عبارة: أنا يهوه، أنا الرب أو أنا هو الرب. نقرأ في حز 13: 14: "وتسقط المدينة فتعلمون أني أنا هو". وفي أش 41: 4: "أنا يهوه (الرب). أنا الأول والآخر" (رج حز 13: 21، 23؛ أش 41: 13؛ 42: 6، 8). كما نجد "أنا هو"حسب اليونانية في تث 32: 39: "أنظروا الآن. أنا هو" (رج أش 43: 10، 13؛ 52: 6، 12).
نجد عبارة "أنا هو" مراراً في إنجيل يوحنا. يقول يسوع: أنا هو خبز الحياة (6: 35). أنا هو نور العالم (8: 12). أنا هو الراعي الصالح (10: 11). وهناك مقاطع تدل على سرّ الله. حين وصل يسوع إلى التلاميذ قال لهم: "أنا هو، لا تخافوا" (6: 20). هناك معنيان. فالرهبة المقدّسة لدى التلاميذ تشبه خوف الإنسان أمام حضور اللاهوت. وفي 18: 5- 8، قدّم يسوع نفسه للذين جاؤوا يمسكونه. قال: "أنا هو". حينئذٍ سقط خصومه إلى الأرض وكأنهم في حضور الله بالذات.
وهناك أربعة مقاطع واضحة. في 8: 24، قال يسوع لليهود: "إن لم تؤمنوا أني أنا هو تموتون بخطاياكم". وقالت: "حين ترفعون ابن الإنسان، تعرفون أني أنا هو" (8: 28). وتجاه وجه إبراهيم العظيم، تجرّأ يسوع فأعلن: "قبل أن يكون إبراهيم، أنا هو" (8: 58). ونقرأ في 13: 19: "قلت لكم هذا منذ الآن، حتّى إذا ما كان تؤمنون أني أنا هو". طالب يسوع باللقب الإلهي، فبدت مطالبته جريئة جداً. وهكذا نفهم مقاومة السلطات اليهودية التي رأت في كلام يسوع اعتداداً لا يُحتمل: كيف يجعل نفسه مساوياً لله؟!
إن المسيحيين الذين علّمتهم قيامة يسوع، ربطوا بين وحي سفر الخروج ويسوع المسيح. فما بدأ في لقاء بين الله وشعبه، إمتدّ في تاريخ إسرائيل، وتمّ في شخص يسوع. إنه الإسم (والإسم هو الشخص في التقليد البيبلي)، إسم الله الذي لا يجاريه إسم. فيه وصل الحضور الذي تدشن في سيناء، إلى نهايته. وهذا الوحي قد تمّ على جبل الجلجلة: حين ترفعون ابن الإنسان تعرفون أني أنا هو" (8: 28).
أمام ف 7- 8 نجد موقفين. أولاً، تأكّدت بشكل واضح هوية يسوع ككائن إلهي تريب من أبيه بحيث يمكنه أن يطالب بلقب "أنا هو" الذي به نقل أشعيا الإسم الالهي يهوه. ثانياً، إن اللهجة الهجومية في الخطبة تدلّ على أن الزمن الذي كتب فيه إنجيل يوحنا انطبع بانفصال عنيف بين مجموعتين، بعلاقات عدوانية بين اليهود والمسيحيين. فالذي يستطيع أن يرى في اليهود أبناء الشيطان يعيش في وقت بدا الصراع على أشدّه بين اليهود والمسيحيين.
26
يسوع المسيح
10: 19- 30

أنتم لا تصدّقون لأنكم لستم من خرافي. أمّا خرافي فتسمع صوتي.
نحن في عيد التجديد، الذي هو آخر الأعياد اليهودية التي يذكرها يوحنا منذ ف 5: السبت (ف 5)، الفصح (ف 6)، المظال (ف 7- 8)، التجديد (10: 22- 39). هذا العيد الأخير يحتفل بانتصار المكابيين على أنطيوخ أبيفانيوس الذي دنّس الهيكل ثلاث سنوات (167- 164 ق. م.) واضعاً قرب مذبح المحرقات تمثال زوش، إله الإلهة لدى الوثنيّين. أنهى يهوذا المكابي هذا التدنيس، فبنى مذبحاً جديداً وكرّس الهيكل المدنّس. وكان عيد التجديد السنوي يتذكّر هذا التكريس الجديد للمذبح والهيكل في شهر كانون الأول، أي بعد عيد المظال بثلاثة أشهر.
هناك اختلاف بين العيد في ف 7- 8 وبين عيد التجديد. ولكن للأحداث نقاطاً مشتركة عديدة. فهي تحصل في الهيكل. ثم إنّ "اليهود" يضغطون الضغط نفسه على يسوع (8: 25- 53). ونجد في 10: 24: أحاط به اليهود، حاصروه وضاعفوا الحصار. نحن في الشتاء. فمن خلال هذا الفصل القارس البارد، هناك قلوب "مجمّدة" كما يقول القديس أغوسطينس. وجاءت التهديدات ضدّ يسوع أكثر وضوحاً بسبب "ادّعائه" بأنه مساوٍ للآب.
كان يسوع قد قال: "أبي يحبني لأني أبذل ذاتي (بالموت)، لكي أسترجعها (بالقيامة). لا يستطيع أحد أن ينتزعها مني، وإنما أنا أبذلها بإختياري. فلي سلطان أن أبذلها ولي سلطان أن أسترجعها أيضاً. تلك هي الوصية التي تلقّيتها من أبي" (10: 17- 18).
وُضعت لفظة "أبي" في البداية والنهاية، فدلّت على أنه ينبوع نشاط يسوع وهدفه كل شيء يأتي منه، والوصية ليست إلاّ التعبير عن الحبّ. ويقدّم الموت في دينامية خاصة بيوحنا، على أنه عمل حرّ واختياري فيه يُتمّ يسوع وصيّة المحبّة لأبيه. فيسوع يبقى السيّد حتى في موته الذي هو اللحظة الذي يجرّد الإنسان فيها من سيادته على حياته. هو السيّد لأنه يتمّ ما طلبه الله في حبّه ليحمل الحياة إلى البشر. وهذه القراءة اللاهوتية لآلام يسوع، تبتعد عن العرض المأساوي الذي نجده في إنجيل مرقس، فيهيّئنا لقراءة خبر آلام يسوع على أنها تتميم اختياري لمشروع الآب.
فأثارت كلمة يسوع الشقاق (آ 19- 21). شقاق بين شهود شفاء الأعمى، بين سامعي المثل حول الراعي الصالح، بين القارئين لهذا التعليم في المستقبل (إذن بيننا). بعضهم سمّى يسوع "شيطاناً" لأن تعليمه مطبوع بطابع الشيطان والجنون (هناك ارتباط بين الإثنين في العالم القديم). والبعض الآخر رأوا في كلامه وفي أعماله علامة الله بالذات.
ويبدأ الجدال بين يسوع واليهود في عيد التجديد (آ 22- 30). فيتركّز المشهد حول سؤال طُرح على يسوع حول هويته المسيحانية: هل هو المسيح حقاً؟ والتعبير قريب ممّا نجد عند الإزائيين بمناسبة محاكمة يسوع أمام المحكمة العليا. "إن كنت أنت المسيح فقله لنا" (لو 22: 67).
ويترابط السؤال في يوحنا بشكل طبيعي مع ما يسبق: هناك كان يسوع قد كشف عن نفسه أنه الراعي. وصورة الراعي تدلّ تقليديًا على المسيح ابن داود. وكما فعل يسوع أمام المحكمة العليا (في الأناجيل الإزائية)، أجاب هنا بفطنة واعتدال، لأن لقب "المسيح" يرتدي في عصره انتظارات متنوّعة مع لون سائد من القدرة العسكرية وانتصار على الأعداء. نلاحظ هنا ان السامرية وحدها حصلت على جواب واضح في هذا الشأن. حدثته عن ذاك الذي يُدعى المسيح. فقال لها يسوع: "أنا هو، أنا المتكلّم معك" (4: 25- 26).
سأله اليهود، فلم يقدّم لهم يسوع جوابًا مباشراً، بل أبرز أعماله ولا سيما شفاء الأعمى. كانت المعجزات تعتبر آيات بها يعرّف المسيح عن نفسه. يمكننا أن نذكر جواب يسوع لمرسلي يوحنا المعمدان: "العمي يبصرون، والعرج يمشون، والبرص يطهرون، والصمّ يسمعون، والموتى يقومون، والمساكين يبشّرون" (مت 11: 5).
وتستعيد آ 26- 27 موضوع الراعي والقطيع الذي توسّع فيه المثل، وتشدّدان على الخراف "التي أعطاه الأب إياها". فالتعرّف إلى المسيح وتقبّله هما عطيّة من الله. ويترجم يوحنا هنا بأسلوبه الخاص، معطية تقليدية أشار إليها الإزائيون: إذا كان بطرس قد استطاع أن يعترف بيسوع على أنه المسيح، فهذا يعود إلى "الآب الذي في السماوات" (مت 16: 17).
وفي آ 29- 30، يعرض يسوع سرّ علاقته بالآب. فالآب هو سيد القطيع الذي يسلّمه للإبن. نقرأ في هذا السبيل ما قاله يسوع في خطبة خبز الحياة: "كل ما يعطينيه الآب يُقبل إليّ" (6: 37). وفي 17: 6، في الصلاة الكهنوتية، يقول يسوع: "إنهم كانوا لك، وأنت أعطيتهم لي".
إنّ يسوع يجعل نفسه تحت سلطة الآب. وهذا ما أعرب عنه مراراً (5: 19- 30؛ 8: 16- 19). وفي آ 30، يدرك وحيُ يسوع ذروتَه: "أنا والآب واحد". وهكذا راح يسوع بعيداً ليعبرّ عن حياته الحميمة واتحاده مع الآب (5: 30؛ 8: 16). هذه العبارة الجريئة ألهمت مجمع خلقيدونية (عقد سنة 451) ليؤكّد على ألوهية المسيح. أما اليهود التي سمعوها، فقد تشكّكوا، كما هو الحال في كل مرة قال كلاماً مماثلاً (5: 17- 18؛ 8: 58- 59): اعتبروه مجدفاً، وحاولوا أن يرجموه.
نحن هنا في آخر عيد قبل فصح الآلام والموت. والذين يسألون يسوع يسمّيهم الإنجيلي "اليهود" دون أن يعطيهم صفة أخرى (آ 24، 33). فالنقطة الوحيدة المهمة في نظره هي سرّ المسيح. سُئل يسوع فأجاب مرتين، وفي كل مرة (آ 25- 30؛ آ 34- 38) تعمّق فيما قاله من قبل عن علاقاته مع الآب. ونستطيع أن نقرأ آ 24 على الشكل التالي: إذا كان لك مِثْل ما يقوله بعض الناس عنك، فقله لنا بصراحة ووضوح.
ولكن يسوع كان قد تكلّم بأعماله بدون مواربة إلى معاصريه. ثم عبّر عن مسيحانيّته بوضوح أمام الذين يؤمنون. فالسامرية التي انتظرت بثقة المسيح، سمعته يقول لها: "أنا هو، أنا الذي يكلّمك". والأعمى الذي شُفي، والذي استعّد لكي يؤمن بابن الإنسان، سمع يسوع يقدّم له هذا الوحي: "قد رأيتَه وهو الذي يكلّمك" (9: 37). ولكن يسوع لا يستطيع أن يصغي إلى الذين لا يقدرون أن يأخذوا قرار الإيمان، مهما كانت كلمة الوحي واضحة.
إن الذين طرحوا السؤال في آ 24، أرادوا أولاً أن يفهموا البرهان. وبعد هذا، يتّخذون قرارهم بالنسبة إلى الإيمان. لقد نسوا أنه بعد فهم لفرضية اللاهوت، تصبح مستحيلة المخاطرة العجيبة حيث تؤمن الخليقة بالمجهول الذي صار معروفاً. ويؤكّد جواب يسوع في آ 25 أ (قلته لكم ولا تؤمنون) أنه، أمام هذا الموقف الجذري، كل ما عمله وقاله في السابق بدا عديم الجدوى. والسبب نقرأه في آ 26: "لأنكم لستم من خرافي".
وهذا ما يربطنا بموضوع الراعي الصالح. ولكن يسوع يتكلّم للمرة الأولى في آ 27 عن "خرافي"، وهو يميّزها عن تلك التي لا تخصّه. في آ 11، 15، كان يسوع قد تكلّم بشكل عام عن الخراف التي يبذل حياته من أجلها. لا شكّ في أن هناك خرافاً أخرى لم تدخل بعد في الحظيرة الواحدة. ولكنها تخصّ هي أيضاً الراعي. أمّا الآن فهناك خراف تسمع، وأخرى (عبارة متضمّنة) لا تسمع. وكلمة حزقيال تتحقّق في ظهور المسيح: "وأنتم يا غنمي، سأحكم بين ماشية وماشية، بين الكباش والتيوس" (حز 34: 17).
27
يسوع ابن الله
10: 31- 42

صدّقوا هذه الأعمال، لكي تعلموا وتعترفوا أن الأب فيّ وأني أنا في الآب.
"أنت إنسان وتجعل نفسك إلهًا" (آ 33). هذه العبارة تقلب رأسًا على عقب اعتراف الإيمان الحقيقي لدى المسيحيين: لقد صار الله إنسانًا. "الكلمة صارت بشراً" (1: 14). هنا نجد المسافة الشاسعة بين اليهود والمسيحيين في اقترابهم من يسوع. فهو في نظر اليهود يتصرّف كإنسان يتطاول على حياة حميمة مع الله. أمّا في نظر المسيحيين، فهو كلمة الله الذي صار بشراً. وهو لا يأتي من ذاته، بل من الآب "الذي كرّسه" (قدّسه) (آ 36).
ويعود يسوع في آ 37 إلى موضوع "الأعمال". أرسل ليلعب دور المرسل في التقليد اليهودي الذي يتقلّد سلطته من المرسِل، بل يتماثل معه. لا شكّ في أنّ الأعمال لا تبرهن عن شيء. غير أنها آيات تدلّ على أن كلمات يسوع ليست أقوالاً بدون أساس.
وتأتي خاتمة موقتة (آ 40- 42): "وانطلق يسوع إلى عبر الأردن، إلى شرقي الأردن". جاءه التهديد فابتعد. إن هذا العبور إلى ما وراء الأردن له قيمة رمزية. ترك يسوع اليهودية المهدّدة واللامؤمنة. نحن هنا أمام صورة عن خروج الخراف مع راعيها. ففي سياق الفشل الذي يظهر في ف 10، ترتسم ولادة الجماعة الجديدة.
حين ذكر الإنجيلي دور يوحنا المعمدان، أشار إلى أول اعتراف علني: "إنّ يوحنا لم يعمل آية قط، بيد أنّ جميع ما قاله عن هذا كان حقّ". يذكر يوحنا أربع مرات (1: 19- 36؛ 3: 22- 30؛ 5: 33- 35؛ 10: 41) قبل أن يُمّحى ويُتمّ مهمته كشاهد.
قد تكون هذه الآيات شكّلت خاتمة للقسم الأول من الإنجيل، وقبل أن يدخل ف 11- 12 في مكانهما في الإنجيل. انتهى هذا القسم بجوّ من التفاؤل: آمن به كثيرون.
نقرأ في آ 33 ب: تجعل نفسك إلهاً. ولكن في بردية رقم 66: تجعل نفسك الله (مع أل التعريف). ونحن نعرف انطلاقاً من 1: 1 أن "الله" مع أداة التعريف يدلّ على الله الآب. هذا ما ظنّه اليهود، ويوحنا يسخر من موقفهم (رج 7: 42: من نسل داود، من بيت لحم). هو لا يهتمّ بأن يجعل خصوم يسوع منطقيين مع موقفهم. بل، هم بدون إرادتهم يقدّمون حقائق يقبل بها المسيحي. قالوا في 7: 42: ألم يقل الكتاب: إنه من نسل داود؟ وهذا صحيح. وفي هذا النصّ نسمع: لا يجعل يسوع نفسه الله الآب، ولكن الله يحبّ طبيعته. إنه في الحقيقة ما يعتبره خصومه أمراً مستحيلاً: إنه إله وإنسان معاً.
ونقرأ آ 34 وبرهان يسوع. لا شكّ في أننا لسنا أمام لاهوت الجماعة المسيحية الأولى. بل أمام جدال لاحق يبرهن تجاه اليهود إمكانية بنوّة الله، إنطلاقاً من الكتب المقدّسة. يعود يوحنا إلى مز 82: 6 (أما قلتم: أنتم آلهة وأبناء العلي كلكم). وكان التأويل اليهودي قد طبّقه لا على القضاة وحسب، بل على مجمل شعب الله. فكم بالأحرى نستطيع أن نطبّقه على مرسل الله الذي هو فوق الجميع. إذن، لماذا تتحدّثون عن تجديف؟
يسوع هو ابن الله. وهذا اللقب يتّخذ بعداً جديداً على ضوء الأعمال التي قاربها، والتعابير التي تدلّ على اتحاده بالآب (آ 30، 38). ولكنه لا يأخذ كل مداه إلاّ على ضوء القيامة والصعود. إن يسوع سيجلس عن يمين الآب الذي يقول له بالحقيقة، لا بالرمز: أنت ابني، أنا اليوم ولدتك.
في آ 31، رسم الإنجيلي ردّة الفعل التي أثارتها خطبة آ 25- 30، فقادنا مع آ 33 إلى حوار يسوع مع نفسه. ففي الإنجيل الرابع لا يأخذ اليهود حجارة ليرجموا يسوع سوى مرتين. في 8: 59 وبعد أن قال: "قبل أن يكون إبراهيم أنا هو". وهنا بعد كلام يسوع عن وحدته مع الآب. فالرجم هو عقاب التجديف (لا 24: 14- 16).
رآهم يسوع يستعدّون للرجم، أرادوا أن يقبضوا عليه (آ 39). فسألهم عن السبب. "فأعماله" تأتي من الآب. جاء بها من عالم الآب وجعلها منظورة في عالم البشر (آ 32).
قال مز 82: 6: أنتم آلهة. وهذا لا نفهمه بشكل كامل إلاّ على ضوء العهد الجديد. نقرأ في 1 يو 1: 3: "شركتنا نحن، إنما هي مع الآب، ومع يسوع المسيح ابنه". أجل، هذا هو السبب الذي لأجله أعلن الإنجيل. ونقرأ في 2 بط 1: 4: "وهبت لنا المواعد الثمينة العظمى، حتى تصيروا بها شركاء في الطبيعة الإلهية". وفي أف 4: 24: "أن تلبسوا الإنسان الجديد الذي خلق على مثال الله في البرّ وقداسة الحقّ".
28
ماذا نفعل بهذا الرجل
11: 45- 57

وآمن به يهود كثيرون ممّن أتوا إلى مريم ورأوا ما فعل.
إن خبر إقامة لعازر يمثّل وحياً عن يسوع. الخبر كله مركّز على يسوع. ففي كل متتالية، هو الوجه المحوري، وهو يكشف كل مرة عن وجهة من هويته.
حين كان في عبر الأردن، فسرّ مسبقاً بكلمته الأحداث، وبيّن أنه سيّد الزمن (حين يحضر لا يعود يعمل ليلُ الموت). واختار أن يمضي إلى ساعته في الوقت المحدّد (انتظر يومين). هو لم يأتِ قبل الوقت (كما ظنّ التلاميذ)، ولا بعد الوقت (كما ظنّت الأختان).
وبعد أن حدّد موقعه كيهودي مزمن تجاه قيامة الموتى، جعل نفسه في قلب الوحي مع عبارة "أنا هو". ونسب إلى نفسه سلطان إعطاء الحياة، وهو خاص بالله. هو لا يحلّ محلّ أبيه. فينبوع سلطانه ليس في ذاته، بل في الآب. وصلاته إلى الآب تثبت أن سلطان إعطاء الحياة يأتيه من الآب، ويؤثّر على العلاقات الحميمة التي تربطه به. وفهمت مرتا وحي يسوع، فاعترفت بيسوع كمسيح وابن الله: فيه يلتقي الرجاء اليهودي والجدّة المسيحية التي تدلّ عليها القيامة.
أمام مرتا بدا يسوع بقدرته الإلهية. وأمام مريم بدا بعواطفه البشرية: إضطرب، دمعت عيناه، رجف، وهو الذي أعلن عن نفسه أنه سيّد الموت. حين رأى يسوع موت لعازر (الذي ينبىء بموته)، حين شاهد علامات الحزن، إنجذب في هذه المظاهر الخاصة بالإنسان الواقف أمام محنة الموت. وهذا الإضطراب يدلّ على أنه يحسّ تجاه الموت بما يحسّ به سائر البشر. نقول في اللغة الكرستولوجية: إنه إنسان. هذا المشهد المؤلم يحيط به مشهدان من النور: نجد قبله كلام الوحي لمريم. وبعده العمل العجائبي الذي يحرّر لعازر من سلطة الموت.
وتدلّ آية إقامة لعازر على يسوع الآتي من الآخرة (عالم الحياة) إلى الإنسان المسجون في القبور. عرّض نفسه للموت، فاستطاع أن ينتزع الإنسان من حدوده القصوى، من الموت. وخرج لعازر، لأن كلمة يسوع أحيته. وما قيل في وحي في 5: 25 لكل الذين يسمعون صوت الله، بدأ يتحقّق هنا في موت لعازر، بانتظار أن يتحقّق في المسيح وفي جميع المسيحيين.
وتأتي آ 44- 45 فتنهي متتالية إقامة لعازر، وتفتح خبر محاكمة يسوع. "آمن به كثير من اليهود... ولكن بعضهم مضى إلى الفريسيين". هذه الخاتمة تبرز ما فعلته الآية. والآية التي صارت خبراً مكتوباً، تابعت طريقها ودعت القرّاء في كل زمان لكي يتّخذوا موقفاً منها. نحن في هذا الخبر وجهاً لوجه مع يسوع حامل الوحي، سيّد الموت والحياة. نقول له كما قال غريغوريوس النازينزي: "بكلمتك رأى النورَ ثلاثة من الأموات: ابن الأمير، ابن الأرملة، ولعازر الذي خرج من القبر بعد أن تفكّك نصف جسده. أعطني أن أكون الرابع".
أمام هذه المعجزة العظيمة، أحسّ اليهود بالخطر. فقالوا: ماذا نفعل بهذا الرجل؟
هناك أولاً ردّة الفعل على المعجزة (آ 45- 46). لقد تعوّدنا أن نرى آيات يسوع تولّد نتائج متضاربة: بعض الذين "جاؤوا ليروا مريم" آمنوا. لم تذكر مرتا. فظنّ بعض الشراح إنه وجد خبر لم يكن فيه إلاّ مريم. بل يجب أن نقول إن شهرة مريم جعلت الإنجيلي يذكرها وكأنه ذكر أختها. آمن البعض. والبعض الآخر، شاهدوا المعجزة ولكنهم لم يذهبوا إلى يسوع، بل إلى خصوم يسوع. لقد جعلوا ثقتهم في الفريسيين لا في يسوع، فشكوا يسوع أمام الفريسيين.
وكان ثانياً إجتماع المجلس الأعلى (آ 47- 53). إعتبر الإنجيلي أنّ عظماء الكهنة والفريسيين دعوا المجلس. في أيام يسوع، كان المجلس يتألّف من الكهنة والشيوخ والكتبة (وان كان عدد من الكتبة جزءاً من الفريسيين). أمّا يوم كتب يوحنا، وبعد الحرب اليهودية (70 ب. م.) فلم يبقَ في الساحة إلاّ الفريسيون: هم يعادون المسيحيين، ويهيمنون على الجماعات اليهودية.
جعل يوحنا هذا الإجتماع يلتئم قبل الفصح ببضعة أسابيع. غير أن الإزائيين لا يذكرونه. لسنا أمام جلسة إحتفالية. ولكن مثل هذا الإجتماع معقول جداً. أشار مت 26: 3- 4 إلى مؤامرة على يسوع: "عندئذ اجتمع رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب في دار رئيس الكهنة، المدعو قيافا. وائتمروا أن يلقوا القبض على يسوع بحيلة ويقتلوه".
لا شكّ في انه كانت اجتماعات عديدة للمجلس. وكانت الجلسة الأخيرة التي "تميّزت" بتجاوزات خطيرة على المستوى القانوني. والإتهام المرفوع على يسوع يشير إلى اتهامات رفعت ضدّ يسوع خلال المحاكمة: "يريد أن يدمّر هيكل الله" (مت 26: 61). ولكن الإتهامات تبدو هنا في واقعيّتها ووضوحها.
وكان قيافا رئيس الكهنة في تلك السنة (آ 49).
ردّد يوحنا ثلاث مرات في إنجيله أن قيافا "كان عظيم الكهنة في تلك السنة" (11: 94، 51؛ 18: 13). اعتبر بعض الشرّاح أن الإنجيلي تأثر بعبادات آسية الصغرى حيث يتبدّل رؤساء الكهنة كل سنة. بهذا عرف رئيس الكهنة يمارس مهمته مدى الحياة. نشير هنا إلى أن "الحاكم كان يتجاوز هذه القاعدة خلال فترات القلاقل". كما نشير إلى أن قيافا كان رئيس كهنة من سنة 18 إلى سنة 36، وأنه عُزل كما عُزل بيلاطس.
إذن، لماذا شدّد يوحنا على الحديث عن قيافا، رئيس الكهنة في تلك السنة؟ ليدلّ على أهمية تلك السنة التي فيها قُتل يسوع. إن إبراز سنة موت يسوع يشكّل نظرة المؤمن إلى سنة الخلاص.
و"تنبّأ" قيافا. إذا قرأنا نبوءته على مستوى أول، نفهم بأي وقاحة كان موت يسوع أسلوباً ليوفّر الموت على الشعب: "يموت رجل واحد ولا تهلك الأمّة كلها" (آ 50). ولست على مستوى آخر، هو مستوى المؤمنين وحدهم، رأى يوحنا والكنيسة في هذه الكلمة، نبوءة لم يعيها قيافا، وهي تتحدّث عن قدرة الخلاص في موت يسوع. والدعابة اليوحناوية تقود الإنجيلي إلى أن يجعل في فم الخصم الرئيسي ليسوع، كلمة لاهوتية وُضعت في فم يسوع في مر 10: 45: "جاء ابن الإنسان ليبذل حياته فدية عن كثيرين". فعلَ رئيسُ الكهنة كما فعل بلعام حين تنبّأ فبارك شعب إسرائيل رغماً عنه. ورئيس الكهنة أظهر بشكل سّري القيمة الخلاصية لموت يسوع.
ومما اكتفى الراوي بأن يوضح كلمة قيافا. بل زاد عليها ملاحظة تبيّن أنه رأى في موت يسوع ينبوع تجمّع أبناء الله في الكنيسة. لمّح بصورة غير مباشرة إلى موضوع شعب الله الملتئم في جماعة في العهد القديم، فتحدّث عن الكنيسة التي هي إسرائيل الجديد. نقرأ في أش 11: 12: "ويرفع الربّ راية في الأمم ليجمع حولها المنفيين من بني إسرائيل (مملكة الشمال) والمشتّتين من بيت يهوذا (مملكة الجنوب) في أربعة أطراف الأرض". وفي إر 23: 3: "وأجمع بقيّة غنمي من جميع الأرض التي طردتها إليها، وأردّها إلى حظائرها فتثمر وتكثر". ونقرأ في يو 11: 51- 52: "إن يسوع سيموت عن الأمّة. وليس عن الأمّة (اليهودية) فقط، بل ليجمع أيضاً في الوحدة، أبناء الله المتفرّقين".
وشدّد يوحنا على التوتّر الدراماتيكي حين تحدّث عن يسوع الذي اعتزل الناس، "فانطلق إلى بقعة قريبة من القفر". يصوّر هذا الإعتزال الجديد بألفاظ قريبة مما في 10: 40- 42: إنطلق (إعتزل)، أقام، مع التلاميذ. خرج يسوع مرة أولى من عزلته، وكأنه يمثّل في الرمز مسيرته عبر الموت والتمجيد. والمرة الثانية تدلّ على تتمة الساعة.
وظلّ يسوع أكثر من أي وقت آخر ذاك الذي "يقسّم"، يفصل الابن عن أبيه... صعد أناس إلى عيد الفصح وطلبوا يسوع (بحثوا عنه). أما رؤساء الكهنة والفريسيون فطلبوا أن يمسكوه. وسيعود يوحنا في ف 12 إلى اهتمام الشعب المتزايد بيسوع، كما إلى العداء المتنامي عليه من قبل الرؤساء.
29
الطّيب على قدمي يسوع
12: 1- 11

دهنت قدمي يسوع ومسحتهما بشعرها، وعبق البيت برائحة الطّيب.
يعطي الراوي تفاصيل عن لعازر (آ 1: 2) ليست ضرورية لقرّاء الإنجيل، وقد عرفوها في الفصل السابق. أما هذا الإهتمام بإعلام القارىء، فهو يعكس استعمال وحدات إنجيلية صغيرة ومستقلة في الليتورجيا.
إذا عدنا إلى الأناجيل الإزائية، وجدنا مشهدَي دهن بالطّيب مختلفين: أولاً، عند متّى (26: 6- 13) وعند مرقس (14: 3- 9)، صبّت إمرأة مجهولة على رأس يسوع طيباً كثير الثمن. كان ذاك في بيت رجل اسمه سمعان الأبرص، في بيت عنيا، قبل موت يسوع ببضعة أيام. ثانياً، يروي لو 7: 36- 50 دهناً آخر بالطّيب على قدمَيْ يسوع. جاءت إمرأة خاطئة إلى الجليل، إلى بيت فريسي اسمه سمعان. مقابل هذا، لا يقول لوقا شيئاً عن الدهن بالطّيب الذي رواه متّى ومرقس ويوحنا، وجعلوه قبل موت يسوع ببضعة أيام. يجب حينئذٍ أن نفترض أن لوقا والإنجيليين الثلاثة الآخرين يوردون حدثين مختلفين قد امتزجا في التقليد الشفهي. بهذه الطريقة تفسَّر التقاربات بين لوقا ويوحنا (الدهن على القدمين).
ولكن يجب أن نتجنّب السعي إلى التوفيق بين التفاصيل كلّها. هناك مثلاً من جعل من سمعان والد لعازر، ويهوذا أخ لعازر!! لماذا؟ لأننا نقرأ في 6: 71: يهوذا بن سمعان. أقحم يوحنا حدث الدهن في إنجيله مستعملاً تفاصيل أخذها من لوقا واستعملها بحرّية، وأعطاها المعنى الروحي بعد أن أعاد قراءتها. لهذا لن نبحث بحشرية لا جدوى منها عن الحدث المادي، بل نصل بسرعة إلى الدرس الذي يقدّمه لنا الإنجيل الرابع في إطار الإستعداد لآلام يسوع.
المقدّمة (آ 1- 2). هي تربط هذا النصّ مع ما سبق: الأشخاص هم: مرتا تخدم، لعازر مع المتّكئين، ومريم. وبالأخص يسوع. يُذكرون هنا. ويُذكر المكان: بيت عنيا. والزمان قريب من حدث إقامة لعازر. ففي 11: 55، نعرف أن الفصح قريب. وفي 12: 1 نقرأ: "قبل الفصح بستة أيام". ويبقى يسوع قلب الخبر ومركزه. ومرتا تصوّر في دورها التقليدي كما في لو 10: 38- 42. أما لعازر فهو "ذلك الذي أقامه يسوع من بين الأموات". يعيد يوحنا السمات التي تتيح للقارىء أن يحدّد موقع هؤلاء الأشخاص تحديداً أفضل.
وتأتي فعلة الدهن بالطّيب (آ 3- 4). أخذت "رطل" طيب. و"الرطل" هنا يساوي 330 غراماً تقريباً. وهناك من يقول: "قارورة طيب" ولا يحدّد الكميّة. مهما يكن من أمر، نحن أمام عطية لا تقدّر، وهي تدلّ على احترام عميق وتقدير عظيم ليسوع. ونحن نستطيع أن نجد ملاحظة كرستولوجية في انتشار الطّيب في كلّ البيت. فإقرار مريم بعظمة يسوع انتقل إلى الجميع: جميع الحاضرين، الجماعة المسيحية في أيام يوحنا، وجميع القرّاء. قد يكون البيت هو الكنيسة التي فيها تلتئم الجماعة المسيحية. وجميع الحاضرين فيها قد تنشّقوا رائحة الرب.
تحدّث مرقس عن دهن الرأس (مر 14: 3 كما نفعل في بعض الإحتفالات) فجاء عمله في تقليد هذا الشرق. مع التشديد على المعنى الروحي بالنسبة إلى الآلام: "طيّبت جسدي" من أجل الدفن. أما يوحنا، فتحدّث عن دهن القدمين ليهيّىء التفسير المتعلّق بالموت. فالتقليد اليهودي يجعل دهن الرجلين يتمّ للموتى لا للأحياء. وهكذا اعتُبر يسوع منذ الآن "ميتاً"، بعد أن أعطى الحياة للعازر.
ما معنى هذه الفعلة التي قامت بها مريم (آ 4- 8)؛ إن قول يسوع حول فعلة هذه المرأة يبرز سرّ كيانه. فأمام الموت الذي يقترب (أعلن الحكم في 11: 53: قرّر الفرّيسيّون على قتل يسوع)، رأى في هذه الفعلة علامة حبّ من قبل هذه المرأة. وقابل بين شخصه وبين الفقراء الذين هم معنا وبيننا كلّ حين. وشدّد على سموّ كلّ إنسان على أية "بضاعة" مادية مهما غلا ثمنها. ولكنه في الوقت عينه أبرز بعضاً من كرامته الخارقة، وهذا ما يسمح بالإفراط في المصروف والبذخ: "الفقراء هم معكم كل حين، وأما أنا فلست على الدوام معكم" (آ 8؛ مت 26: 11؛ مر 14: 7).
وتتقابل نظرتان إلى يسوع: نظرة هذه المرأة ونظرة يهوذا. النظرة الأولى تجعل يسوع فوق كلّ شيء، وتدلّ قبل موت يسوع بقليل على حبّ لا حدود له. والنظرة الثانية تجعل قيمة "البضاعة" التجارية فوق شخص يسوع.
من قال هذا الكلام: "ولِمَ لم يُبع هذا الطّيب"؟ في متّى، التلاميذ هم الذين يغتاظون و"يثورون". في مرقس، بعض التلاميذ فقط استاؤوا في نفوسهم. أما عند يوحنا، فيهوذا وحده يحتجّ، يهوذا الذي كان مزمعاً أن يسلّمه. ويشدّد الإنجيلي الرابع بتفسير لا نجده عند الإزائيين، على تعلّق يهوذا بالمال. "لأنه كان سارقاً".
نلاحظ أن متّى ومرقس يحدّدان موقع خيانة يهوذا حالاً بعد هذا المشهد. فنقرأ في مر 4: 10- 11: "وذهب يهوذا الإسخريوطي، أحد الإثني عشر، إلى عظماء الكهنة، ليسلّمهم يسوع. ففرح هؤلاء بما سمعوا، ووعدوا أن يعطوه فضة، وكان يتحينّ فرصة ليسلّمه" (رج مت 6: 14- 16). كما نلاحظ أنهما يشيران إلى المال الذي سيقبضه يهوذا كثمن للخيانة.
ومريم ترمز هنا إلى التلميذ الحقيقي الذي يقرّ أن يسوع يساوي أكثر من كل ذهب العالم. الذي يستعدّ لأن يتخلّى عن كلّ شيء ليسير وراء المسيح. الذي يعرف أن يجلس عند قدمَي المعلّم "يسمع كلامه" فيختار النصيب الأفضل (لو 10: 39، 42). ويهوذا يبكي، لا لأن يسوع قد مات، بل لأن المال قد صُرف "في غير محلّه"، أو صرف ولم يكن له فيه حصّة. والحزن الذي عرفه الشاب الغني حين فضّل ماله على يسوع (مر 10: 22) سيصبح يأساً في قلب يهوذا.
لا نفسّر هذا الخبر وكأنه تفضيل لشعائر العبادة على الفقراء، كمن يقول: الله يستحق كلّ جمال. ففعلة مريم تشير إلى نقطة واحدة أساسية، ولا معنى لها إلاّ بأن تتوجّه إلى يسوع في كرامته الفريدة.
إن آ 9- 11، تشكل انتقالاً وتدلّ على التناقض بين رؤساء يريدون أن يقتلوا يسوع، وبين يهود آمنوا بيسوع. فيمكن أن يكون يوحنا قد روى الإنشقاق الذي "سبّبه" يسوع، فأشار إلى وضع كنيسته، حيث كان عدد من اليهود يرتدون عن المجمع ويذهبون إلى الكنيسة لأنهم آمنوا بيسوع.
وتنتهي مسيرة لعازر هنا. لقد قرّر رؤساء الكهنة أن "يزيلوه". فالناس "يرتدّون بسببه". نحن هنا أمام تهديد حقيقي، لا نعرف نهايته. فالراوي لا يريد أن يبتعد في خبره عن الشخص الرئيسي الذي هو يسوع. إن آية لعازر قد أتت ثمارها، وأي ثمار. بعضهم آمن. والبعض الآخر ظلّ معاندا ولم يُقبل إلى الإيمان.
قال بولس في رسالته إلى أهل رومة: "شاركناه في موته... حتّى نسلك أيضاً في حياة جديدة. فإذا كنا اتحدنا في موت يشبه موته، فكذلك نتحدّ به في قيامته" (روم 6: 4- 5). ونقرأ في 1 بط 4: 13: "إفرحوا بمقدار ما تشاركون المسيح في آلامه، حتى إذا تجلّى مجده فرحتم متهلّلين". فالإتحاد مع المسيح في موته، هو عربون وبداية حياة مع يسوع. ومقابل هذا، نجد في إنجيل يوحنا بمناسبة الحديث عن لعازر: حين نتّكىء لنأكل مع يسوع، حين نعيش معه، ندلّ على استعدادنا لاتباع الرب حتّى الموت. جمع اليهود لعازر مع يسوع، فكان مصيرهما واحداً وهو تهديد بالقتل. فالمسيحية لا تقود إلى سعادة سريعة. بل هي تقود عادة إلى الصليب والهوان. وبعد هذا يأتي المجد والقيامة.
30
دخول يسوع إلى أورشليم
12: 12- 19

لا تخافي، يا ابنة صهيون، هوذا ملكك يأتي راكباً على جحش ابن أتان.
أورد الإنجيليون الأربعة دخول يسوع المسيحاني (أي كالملك المسيح المنتظر) إلى أورشليم. ولكن ما يورده يوحنا يختلف عمّا في الإزائيين الثلاثة. خبر مقتضب. وهو يتركّز كله على يسوع الذي هو الرب، والذي يحدّث الناس بتصرّفه وأفعاله فلا يحتاج إلى أن يكثر من الكلام.
ونبدأ بحدث الدخول إلى أورشليم (آ 12- 14 أ). نحن في غداة الدهن بالطيب في بيت عنيا (آ 12). إذن، قبل الفصح بخمسة أيام (آ 1). ويرتبط الإستقبال الحافل ليسوع ارتباطاً مباشراً بقيامة لعازر.
حملت الجموع أغصان النخل. هذا ما يشير إلى عيد تجديد الهيكل بعد أن دنسه انطيوخس ابيفانيوس. نقرأ في 2 مك 10: 7: "يحملون في أيديهم غصوناً مورقة وجذوعاً خضراً وسعف نخيل ويسبّحون للرب الذي يسرّ لهم تطهير هيكله". بعد هذا، يمكن أن تكون الجموع قد جاءت إلى لقاء يسوع كما إلى لقاء ملك.
شدّد يوحنا على البعد المسيحاني للمشهد، فجعل في فم الجموع مز 118، شأنه شأن الإزائيين. كان مز 118 يُستعمل في الأعياد الكبرى، في عيد المظال، في عيد الفصح، في عيد التجديد. "مبارك الآتي باسم الرب" (مز 118: 26). بهذا الكلام، كان الكهنة يباركون الحجّاج الصاعدين إلى الهيكل. واستعيدت هذه الكلمات وطبّقت على يسوع الذي هو أرفع "الآتين"، الذي يحمل مهمة سامية، الذي يرتدي قدرة الله.
هوشعنا. معناها: هب الخلاص (مز 118: 25). كانت في البداية صرخة استغاثة تُرفع للملك (2 صم 14: 4). وكانت تُطلق في اليوم السابع من عيد المظال. يطلقها الناس وهم يحرّكون أغصان النخيل. أطلقتها الكنيسة الأولى للمسيح المخلّص، ولا سيّما في بداية أسبوع الآلام.
أطلقت الصرخة في متى للمسيح "ابن داود". وتحدّث لوقا عن "الملك" الذي يأتي باسم الرب. أمّا يوحنا فقال: "ملك إسرائيل". سيشدّد يوحنا في خبر الآلام على أنّ يسوع هو "ملك اليهود". وسيفهم المسيحيون أنه ملك إسرائيل الجديد، أي الكنيسة.
في الأناجيل الإزائية، نقرأ أن يسوع أرسل اثنين من تلاميذه ليجدوا الجحش والأتان. أما في يوحنا، فلا نجد شيئاً من ذلك. غير أن الإيجاز في الخبر لا يخفّف من مجد يسوع، بل يزيده مجداً على مجد. يقول النصّ فقط، "وجد يسوع حماراً فركبه". هي فعلة لا ترافقها كلمة. ولكنها فعلة لها مدلولها بالنسبة إلى الجموع، وخاصة التلاميذ الذين سيعيدون قراءة الحدث على ضوء الأسفار المقدّسة، وعلى ضوء القيامة.
وكانت فعلة قرأها التلاميذ على ضوء الفصح وعلى ضوء الكتب المقدّسة (آ 14 ب- 16)
إعتاد يوحنا أن يذكّرنا بأنّ القيامة وحدها أتاحت للتلاميذ بأن يعيدوا قراءة الأسفار المقدّسة التي تساعدهم على إلقاء الضوء على تصرّف يسوع، وعبر هذا التصرّف على سرّ يسوع. "ولم يفهم تلاميذه ذلك، بادىء ذي بدء" (رج 2: 22). وهذا الفهم صار ممكناً بفضل الضوء الذي ألقته الكتب المقدّسة. نقرأ مثلاً بعد طرد الباعة من الهيكل: "فذكر تلاميذه أنه مكتوب". ثم: "ولما قام يسوع من بين الأموات، تذكّر تلاميذه أنه قال هذا، فآمنوا بالكتاب وبالكلام الذي فاه به يسوع" (2: 17، 22). أجل، سيفهم التلاميذ أحداث حياة يسوع على الأرض وأقواله على ضوء القيامة وبمعونة الروح.
ويمكن هنا أن نفسّر تصرّف يسوع ككشف عن هويته المسيحانية: إنه ملك. ولكن حين ركب على جحش ابن أتان، أشار إلى ما قاله زك 9: 9 الذي تحدّث عن مجيء مسيح مسالم ومتواضع. "إبتهجي جداً، يا بنت صهيون، واهتفي، يا بنت (أي: مدينة) أورشليم. هوذا ملكك يأتيك صدّيقاً مخلّصاً وديعاً راكباً على أتان وجحش ابن أتان". وكأني بالنبي زكريا يعود إلى تك 49: 11 ليتكلّم عن يهوذا، جدّ يسوع المسيح: "يربط بالجفنة جحشه وبأفضل كرمة أتانه" (هذا يدلّ على الغنى).
والجموع التي جاءت إلى لقائه، هتفت لذاك الآتي باسم الرب، ملك إسرائيل. وتجاه هذه الطلبة المطبوعة بالنمط السياسي والروح الوطنية، قام يسوع بفعلة رمزية لم ترافقها أية كلمة. بل رافقها فكر يتضمّنه كتاب النبي زكريا الذي كان في متناول معاصريه القريبين جداً من الكتب المقدّسة.
حين كتب الإنجيلي هذا المشهد، كان كل التباس قد زال. لهذا استطاع أن يوضح المعنى الأخير للحدث، إنطلاقاً من تمجيد يسوع. ويمكننا أن نلاحظ كيف ان يوحنا يربط (بعد أن قرأ الواقع من جديد) ربطاً عجيباً الأزمنة الثلاثة في تاريخ الخلاص: العهد القديم، الزمن التاريخي ليسوع (كما عاش خلال حياته العلنية)، الحدث الفصحي.
وإذا أراد المؤمن أن يفهم يسوع، إنطلق من تمجيده عبر الصليب والقيامة وأعاد قراءة مسيرته التاريخية يرافقه الكتاب المقدّس.
واستقبل الناس يسوع استقبالاً حافلاً (آ 17- 19) فجاء هذا الإستقبال كنتيجة لظهور يسوع وتجلّيه. حدث هنا كما حدث في المشهد السابق: بسبب آية لعازر (12: 11، 18) آمن الجمع (12: 9، 12)، وسار وراء يسوع (12: 11، 18). أما الرؤساء والفريسيون، فتصلّبوا في معارضتهم له (12: 10، 19). كل شيء صار مجهّزاً من أجل المواجهة الحاسمة.
نظر الإنجيلي الرابع إلى الحدث بشكل شخصي. ولهذا تحدّثت آ 16 عن تفسير الوقائع على ضوء الكتب المقدسة. وشدّدت آ 17- 18 على العظمة التي تلقيها إقامة لعازر على هذا المشهد. تحدّث يوحنا عن الوقت الذي فيه "سيمجّد يسوع"، فدلّ على الوقت الذي فيه سيُعطى الروح (7: 39) ويدخل التلاميذ إلى الحقيقة كلها (16: 13). وجاءت الهتافات بشكل مديح وإعجاب لذلك الآتي باسم الرب، للملك المسيحاني. وهكذا استقبل الشعب يسوع كمحرّر وطني. إنه سيحتاج إلى طريق طويلة، هذا إذا وصل، لكي يرى فيه مخلّصاً من نوع آخر.
ويأتي نصّ كتابي آخر (آ 15) فيدلّ على الإستقبال الذي لقيه يسوع. إذا عدنا إلى إنجيل يوحنا، نجد أنّ يسوع لم يهيّىء بنفسه دخوله إلى أورشليم. فالشعب الذي شهد قيامة لعازر، أو سمع بها (آ 17- 18)، جاء طوعاً إلى لقائه (آ 12- 13). حينئذ وحينئذ فقط، ركب يسوع جحشاً. لم يذكر يوحنا الثياب الملقاة على الأرض (مر 11: 8)، على مثال ما فعل الشعب لياهو (2 مل 9: 13). فهو لا يريد أن يتحدّث عن يسوع كداود جديد ومحارب، بل كملك السلام والتواضع.
وتعلمنا آ 17 (خاصة بالإنجيل الرابع) بالمعنى الحقيقي لهذا الطواف الملكي. قبلَ يسوع بهتافات هوشعنا ليدلّ على أنه المنتصر الاسكاتولوجي على الموت بالنسبة إلى جميع البشر. دخل ملتحفاً بشارات ملوكية إلهية "عالمية"، ولم يحصر نفسه في إطار وطني ضيّق. وذكر "العالم" في آ 19، وما فيه من مداعبة يوحنّاوية، يدلّ على هذا الطابع الملوكي. إن يسوع يدخل إلى مدينته كملك. ولكن لا كملك أرضي ووطني. بل هو ملك. لم تصدر مملكته من هذا العالم (18: 36)، مع أنها تتجلّى في هذا العالم بالآيات والعجائب (11: 43). وفي النهاية يرى يوحنا أن الله يأتي في يسوع لكي يتسلّم سلطته الملوكية المطلقة (12: 44- 45). وهكذا بدأت نهاية الأزمنة التي أعلنها الأنبياء: "في ذلك اليوم" يقال (الله يقول) لأورشليم: "لا تخافي. يا صهيون، لا تسترخِ يداك. إن في وسطك الرب إلهك الجبّار والمخلّص. يسرّ بك فرحاً ويجدّدك في محبته، ويرقص لأجلك بهتاف الفرح كما في أيام العيد" (صف 3: 16- 18). ونحن نعيش نهاية الأزمنة هذه.
إعتاد الناس في الأزمنة القديمة على تكريم الملوك والإحتفاء بهم حاملين تيجان الذهب وأغصان الغار والنخيل. هكذا فعل عظيم الكهنة الكيمس في محاولة ليربح ودّ ديمتريوس، ملك السلوقيين. يقول 2 مك 14: 4 إنه "أهدى إليه إكليلاً من ذهب، وقضباناً من النخل، وأغصاناً من زيتون".
وإذا عدنا إلى العهد القديم، وجدنا أربع مرات ذكراً "للنخيل" الذي لا يقدّم إلاّ للملوك: مرتين في سياق الإستعدادت لعيد المظال. يقدّمون ثمر أشجار نضرة وسعف نخل وأغصان أشجار كثيفة وصفصافاً نهرياً (لا 23: 40؛ نح 8: 15). وإن عدنا إلى 2 مك 10: 7، كانوا يحملون إلى عيد تجديد الهيكل (أو: تقديسه وتكريسه) وإلى عيد المظال سعف النخل وسائر الأغصان. أما في 1 مك 13: 51، فإن سمعان يدخل (سنة 142 ق. م.) منتصراً إلى مدينة أورشليم مع "سعف النخل والهتافات". هذا النصّ الأخير هو أقرب ما يكون للصورة التي أعطاها الإنجيل الرابع عن دخول يسوع إلى أورشليم.
وحينئذ تبدو الصورة التي يقدّمها الإنجيل رسمة عن لوحة كبيرة يقدّمها سفر الرؤيا (7: 9- 10): "ثم نظرت فرأيت جمهوراً كبيراً لا يحُصَى، من كل أمّة وقبيلة وشعب ولسان، وكانوا واقفين أمام العرش وأمام الحمل يلبسون ثياباً بيضاء ويحملون بأيديهم أغصان النخل وهم يصيحون بصوت عظيم: النصر لإلهنا الجالس على العرش وللحمل".
لا نجد إلاّ في إنجيل يوحنا وفي سفر الرؤيا "الجمهور الكبير" الذي يحمل سعف النخل بيديه ويفرح بالإنتصار، ويعلن المنتصر دون أن يقدّم له سعف النخل. إنتصر هو فانتصر أخصّاؤه أيضاً. ونصّ سفر الرؤيا يبيّن لنا ماذا يعني الإنجيل الرابع حين يروي الدخول إلى أورشليم: أمام أورشليم، تستبق الجموعُ بشكل رمزي انتصارَ يسوع على الموت، غلبته النهائية والشاملة، والسلام الذي يقيمه. فبعد أن دار الكلمة بشراً، بدأت نهاية الأزمنة. وبما أنّ المسيح ينتصر في بشريّته، نحن مهيّأون لكي ننتصر مثله. لهذا نسمع صوت بولس يقول: "لا تدع الشر يغلبك، بل أغلب الشّر بالخير" (روم 12: 21). والقدّيس يوحنا: "فالمولود من الله يغلب العالم، وإيماننا انتصارنا على العالم. من الذي يغلب العالم إلاّ الذي آمن بأن يسوع هو ابن الله" (1 يو 5: 4- 5)؟ وأخيراً ينادي يسوع كنيسته في سفر الرؤيا (3: 21) فيقول: "من غلب أعطيه أن يجلس معي على عرشي، كما غلبت أنا فجلست مع أبي على عرشه".
31
إلى الساعة والمجد
12: 37- 40

جئت نوراً إلى العالم لكي لا يمكث في الظلام أي مؤمن بي.
نحن هنا في امتداد كل ما قيل عن يسوع منذ ف 11. فساعة تمجيد الإبن الذي أعلن عنها في 11: 4 هي في طريقها إلى أن تتمّ. في 11: 51- 52، أعلن يوحنا أن موت يسوع يتبعه انفتاح تعليمه على جميع البشر، سواء كانوا يهوداً أم يونانيين.
ونذكر هنا لفظة "الساعة" التي ترد 26 مرّة في إنجيل يوحنا. وهي تدلّ في أغلب المرّات، على زمن مؤاتٍ جداً، على زمن يتمّ فيه الخلاص. في القسم الأول من الإنجيل (ف 1- 12)، لم تأتِ بعد هذه الساعة. فأُمّ يسوع التي أرادت أن تجعل ابنها يتدخل، سمعته يقول لها: "لم تأتِ ساعتي بعد" (2: 4). وتوقيف يسوع ليس بعد ممكنًا للسبب نفسه (7: 30؛ 8: 20). ولقد أنبأ يسوع مراراً بساعته القريبة، التي على ضوئها يصبح كل شيء واضحًا (16: 25). حينئذ تصبح العبادةُ روحية (4: 21- 23) وتنتصر الحياة على الموت (5: 25).
كنا بانتظار ولا نعرف ما سوف يحدث. وها هو الحجاب يرتفع حين يعلن يسوع للوثنيين الذين يريدون أن يروه أن ساعته جاءت أخيراً (12: 23). ولما دخل يسوع في، لامه، أعلن أن ساعة تمجيده قد جاءت أخيراً (13: 1؛ 17: 1). هذه العبارة نجدها في الأناجيل الإزائية (مر 14: 35، 41: صلّى لكي تعبر الساعة... جاءت الساعة). غير أن يوحنا تميّز حين زرع في كل إنجيله إشارات إلى حدث تاريخي هو صلب يسوع. وهذا الزمن لا يرتبط بتسلسل الزمن (كرونولوجيا)، بل يمكث دوماً في الزمن الحاضر ويمدّ ثماره إلى الذين يتعلّقون بكلمته.
ويتحدّث النص عن اليونانيين (12: 20- 22). فاليونانيون ليسوا يهوداً يعيشون في اليونان أو يتحدّثون باليونانية. إنهم وثنيّون تعاطفوا مع العالم اليهودي ولكنهم لم يأخذوا بالختان. وهذا الإقتراب الأول لغير اليهود من يسوع، قد جعله يوحنا علامة تعلن أن الساعة أتت. هؤلاء الناس الآتون من العالم الوثني قاموا بخيار أول حين تعلّقوا بإله إسرائيل. وها هم يستعدّون لانتقال يراه الإنجيلي طبيعياً: إنتقال من العالم اليهودي إلى يسوع الذي يكمّله. أرادوا أن "يروا" يسوع. لا بعين الجسد وحسب. فهم يرونه كما سائر الناس. أرادوا أن "يؤمنوا" بيسوع (12: 45؛ 14: 9).
وفيلبس الذي يرد اسمه 12 مرّة في إنجيل يوحنا، هو الوسيط بين يسوع والناس. لقي فيلبس نتنائيل فجاء به إلى يسوع (1: 45). وكان الواسطة بين يسوع والجموع الجائعة (6: 5). وهنا، هو الذي يحدّث يسوع عن اليونانيين مع اندراوس (12: 22. نجد اندراوس أيضاً في تكثير الخبز، 6: 8).
إسم فيلبس إسمٌ يوناني. وكذا نقول عن إسم اندراوس. عاشا في منطقة يسيطر عليها العالم اليوناني. وقد استطاعا أن يتكّلما اليونانية. كلاهما ذهبا إلى يسوع. فالشهادة تحتاج إلى شخصين. وبعد هذا، يركّز الإنجيلي خبره على يسوع.
تأخّرت الساعة حتى الآن، وها هي قد جاءت أخيراً (12: 23- 26). فعودة لعازر إلى الحياة أشارت إليها مسبقاً. ومجيء اليونانيين إلى يسوع دلّ على تحقيقها. لم يتسلّم اليونانيون جواباً مباشراً من يسوع. فيسوع تحدّث إلى التلاميذ، وما قاله يعني أولاً التلاميذ الذين سيُدعون فيما بعد لكي يُفهموا الوثنيّين أن في موت يسوع قد انفتح باب الخلاص لجميع البشر.
الساعة هي في الوقت عينه الموت والتمجيد. وإذ أراد يسوع أن يعبرّ عن خصب موته الذي سيقوده إلى التمجيد، إنطلق من مثل صغير يعرفه الفلاّحون، حول الحبّة التي تموت لتحمل ثمراً. فالتعارض الذي أشار إليه يسوع، ليس بين الحياة والموت، بل الموت وحمل الثمار. فيسوع يجب أن يُوضع في الأرض، شأنه شأن الحبّة، أن يموت ليحمل هكذا ثمراً للعالم.
وموت يسوع ليس فقط مروراً إجبارياً لكي يدخل في المجد، بل هو وضع الكنيسة لكي تولد وتنمو وتتكاثر. موت يسوع هو حقاً اللحظة التأسيسية في الكائن المسيحي: "حيث أكون أنا، يكون هناك خادمي" (12: 26). إن آ 25- 26 تضمّان جماعة المؤمنين إلى مصير يسوع. فالذين يحبّون (يفضّلون) حياتهم، هم الذين يفضّلون الظلمة (حسب يوحنا)، يفضّلون هذا العالم، يفضّلون مجدهم الخاص.
نحن هنا أمام موضوع الإيمان، كان لم يكن واضحاً كما في الإزائيين الذين يشدّدون على العلاقة مع يسوع: "من خسر حياته من أجلي ومن أجل الإنجيل، خلّصها" (مر 8: 35). أما في يوحنا، فالعلاقة مع يسوع تبدأ في 12: 26: "إذا أراد أحد أن يخدمني فليتبعني". يجب على التلميذ أن يذهب إلى حيث ذهب يسوع. يعني: أن يدخل في الموت لكي يشارك في المجد. في هذه الحالة "يكرّمه أبي". هذا هو الشرط الذي وضعه يسوع.
ونتوقّف عند اضطراب يسوع، والصوت السماوي، وكلمة الوحي (12: 27- 36).
إن الساعة التي جاءت مع "الإنطمار" في الموت، تفترض عبوراً مؤلماً فيه يحتفظ الإضطراب والضيق بمكانتهما. حين سيروي يوحنا آلام يسوع، سيلغي كل ما يدلّ على بشريّته، لن يتحدّث عن النزاع. ولكنه احتفظ ببعض العناصر ووزّعها هنا وهناك في إنجيله. فيورد في هذا المقطع ألفاظاً وعبارات تشير إلى قلق يسوع، إلى الساعة. قال: "نجّني من هذه الساعة". هنا نتذكر مر 14: 33- 36: بدأ يسوع يشعر بالرهبة والكآبة... هناك تشديد على طاعة يسوع لأبيه. وصلاته "يا أبتاه مجّد اسمك" تبدو كملخّص للصلاة الربيّة. بدأ يسوع فخرج من ذاته ليكون كله إصغاء للآب.
"وجاء صوت من السماء". في الإزائيين نسمع مرتين صوتاً من السماء: في المعمودية، وفي التجلّي. وفي يوحنا مرة واحدة، وهي هنا، يتوجّه فيها الآب إلى يسوع. والحدث الذي يورده يوحنا يرتبط بالتجلّي حيث ظهور يسوع المجيد يرافقه حوار عن "خروج" يسوع أي موته. والمقابلة مع النزاع كما في إنجيل لوقا واضح حين نعرف "أن ملاكاً ظهر له من السماء يشجّعه" (لو 22: 43).
إنّ تدخّل الآب هذا يتميّز بطابع فريد ويقع في نهاية القسم الأول من الإنجيل. وهو يبدو تصديقاً احتفالياً ليسوع كالابن والمرسل. هو "حكم" ممجّد يُعطى بعضه الآن والبعض الآخر فيما بعد. فآلام يسوع هي له محنة يغمرها المجد.
"قد مجّدت". نحن أمام حدث من الماضي. لقد مجّد يسوع الآب بتجسّده. كما مجّده بآياته، ولا سيما بآية الآيات التي هي موته وتمجيده. والتمجيد الثاني سيكون ساعة تجتمع الشعوب كلها حول الآب بواسطة الابن.
ما يدهشنا هو أنّ كلام الله الذي ابتغى أن يجعل السامعين يعترفون بيسوع (آ 30)، قد سمعه الناس ولكنهم لم يفهموه (صوت رعد أو ملاك). أما القرّاء الذين يكتب اليهم يوحنا، فينعمون، شأنهم شأن يسوع، بوحي واضح.
يسوع هو الذي يفسرّ صوت الآب. فالساعة التي ستمجّد يسوع تدلّ على زمن الدينونة: غياب الإيمان بيسوع يجرّ وراءه كنتيجة آلية الحكم والشجب. ففي ارتفاع يسوع يبرز مصير جميع البشر كما تبرز بصورة جذرية هزيمة "سلطان هذا العالم". فيسوع المرتفع يجرّ وراءه طرد هذا الواقع المتشعّب الذي يُسمّى في مكان آخر: إبليس. هنا يشخصن (يحسب شخصاً حيّاً) عدوّ الله والمسيح في ثنائية يحاول القارىء المعاصر أن يخفّف من حدّتها. فهذا العالم، عالم الشرّ والظلمة والكفر، هو واقع يدخل في كل إنسان وفي كل مؤمن. وانتصار يسوع على الشّر هو انتصار حقيقي. ولكن يبقى على المؤمنين أن يجعلوا هذا الإنتصار "منظوراً" فيهم وحولهم. لهذا، هم يحتاجون إلى الوقت والى الصبر. قالت 1 يو 5: 19: "نحن نعلم أن العالم كله يخضع لسلطان الشّرير". ويحدّد يوحنا معنى هذا الكلام: يتحقّق الإرتفاع على الصليب. هناك دار يسوع ملكاً.
إن الشعب الذي ارتبط بمسيحانية وطنية برزت في استقبال يسوع في أورشليم (12: 13)، قد قبلت بمسيح "أزلي". ولكنها رفضت المسيح الذي يجسّده يسوع والذي يسمّر عبر الموت. وهذا العثار (والشكّ) ليس عثارها وحدها. لقد عثر بطرس وسائر التلاميذ لأن أفكارهم هي أفكار البشر لا أفكار الله (مر 8: 33).
لا يقدّم يسوع جواباً مباشراً على السؤال المطروح حول هوية ابن الإنسان وموته (آ 34). ولكنه يفعل هنا كما فعل مراراً، فيدعو سامعيه إلى التوبة. وهو يشدّد في تعارض ثنائي بين النور والظلمة، على أن الزمن يلحّ علينا بأن لا نتأخّر. إنه النور، وهذا النور سيمضي. ويجب منذ الآن أن نختار. نسير في النور، أي نؤمن بالذي هو نور العالم. أي نتصرّف كأبناء النور، فنتعلّق تعلّقاً ملموساً بالمسيح وبوحيه، وبالتالي ننتمي إلى جماعة المخلّصين (ق 1 تس 5: 5؛ أف 5: 8- 14).
وها نحن نصل إلى خاتمة القسم الأول (12: 37- 50). بدأ يوحنا فقام بتقييم نهائي (آ 37- 43) لهذه الحقبة التي عاش فيها يسوع وعمل وعلّم. ثم قدّم خطبة أخيرة (آ 44- 50) تفوّه بها يسوع فقال: "من يؤمن بي لا يؤمن بي، بل يؤمن بالذي أرسلني، (آ 44).
إن فشل يسوع النسبي طرح على الإنجيلي سؤالاً صعباً حول عدم فاعلية ظاهرة لدى "النبي" يسوع. عاد في نهاية كتاب الآيات إلى إثبات وضعه في بداية إنجيله: "جاء إلى خاصته، وخاصته لم تقبله" (1: 11). فحاول أن يفهم هذا الوضع عائداً إلى خبرة إسرائيل السابقة. فالكلمات المستعملة في آ 37 تشير إلى اعتبارات نسبها سفر التثنية إلى موسى في نهاية خطبته الوداعية. حاول موسى أن يفهم فشل شعب الله، فقال: "رأيتم كل ما فعله الربّ أمام عيونكم بأرض مصر، بفرعون وبكل عبيده. رأت عيونكم المحن الشديدة وتلك الآيات والمعجزات العظيمة. ولكن لم يعطكم الرب إلى الآن، قلوباً لتفهموا، وعيوناً لتبصروا، وآذانّاً لتسمعوا" (تث 29: 1- 3).
إن رفض الناس ليسوع يتجاوب ومنطق تاريخ الخلاص. كما يستعيد رفض الناس لعبد الله المتألّم (أش 53). أورد يوحنا بداية النشيد (أش 53: 1) فأوضح ما في الفشل من معنى وقيمة خلافية. أما الإيراد الأشعيائي الثاني فمأخوذ من دعوة أشعيا النبي (أش 6: 9- 10). لقد أعاد الإنجيلي استعمال البرهان الذي أخذ به تلاميذ أشعيا بعد أن واجهوا فشل معلّمهم. قالوا: هذا ما أراده الله.
نجد هذا الإستشهاد أيضاً في أع 28: 26- 27 بلسان بولس: "إذهب وقل لهذا الشعب: مهما سمعتم لا تفهمون. ومهما نظرتم لا تبصرون. تحجَّر قلب هذا الشعب، فسدّوا آذانهم وأغمضوا عيونهم لئلاّ يسمعوا بآذانهم، وينظروا بعيونهم، ويفهموا بقلوبهم، ويتوبوا فأشفيهم". أمّا في مت 13: 13- 15 فيرد هذا الإستشهاد في فم يسوع، ويوحنا يرى فيه تفسيراً لاحقاً عن الكنيسة.
في آ 41، قرأ يوحنا من جديد أش 6، فنسب إلى النبي رؤية مجد الله، أي يسوع. يبدو أنه استعمل تراجيم أشعيا التي تفسّر رؤية أشعيا على أنها "رؤية الكلمة" والكلمة هو يسوع المسيح. وهكذا يتثبّت التفسير الكرستولوجي: لقد رأى أشعيا يسوع الذي هو تجلّي مجد الله وسط البشر.
والرصيد السلبي (حساب الربح والخسارة) يعني أيضاً الرؤساء (آ 42- 43). إختلفوا عن الأعمى منذ مولده (يو 9)، فما تجرّأوا على الاعتراف بيسوع خوفاً من أن يُطردوا من المجمع. إذا عدنا إلى حياة يسوع، وجدنا أن هذه الأفكار تنطبق على نيقوديمس (3: 1؛ 7: 50)، على يوسف الرامي (19: 38)، على ذلك المجهول الذي جاء يسأل يسوع حول ميراث الحياة الأبدية (لو 18: 18). ولكننا نستطيع أن نتصوّر بصورة خاصة الوضع الذي عاشه الإنجيلي حيث خافت سلطات يهودية قريبة من التيّار المسيحي، فلم يتجرّأوا أن يقوموا بالخطوة الحاسمة.
وإذ نقرأ هذه الخطبة (آ 44- 50) التي تنهي كتاب الآيات نتساءل: كيف استطاع يسوع وهو الذي "توارى" وتستّر، أن يصيح بصوت عالٍ: "من يؤمن بي..."؟ لهذا أراد بعضا الشرّاح أن يجعلوا هذا المقطع بعد 12: 36 أ: "آمنوا بالنور، ما دام لكم النور، لتصيروا أبناء النور". ولكننا لا نجادل في موضع هذا المقطع ولا نحاول أن نبلبل ترتيب الإنجيل الحالي، كما لا نناقش وجود مواضيع توسّع فيها يوحنا في موضع آخر (3: 16- 19). المطلوب هو أن نقرأ الإنجيل كما هو في وضعه النهائي ونحاول أن نكتشف معناه.
إلى من وجّه يسوع كلامه؟ هذا ما لا يقوله الإنجيلي. ولكنه يبيّن كيف ان يسوع يبرز في نهاية القسم الأول من الإنجيل نقطتين مركزيّتين في كرازته.
النقطة الأولى تشير إلى هويته وإلى علاقته بالآب. فالعلاقة بين الآب ويسوع هي عميقة جداً، بحيث إن الإيمان بيسوع يعني الإيمان بالآب الذي أرسله. فما يقوله يسوع فهو يقوله كما سمعه من الآب. وفي النهاية، من رأى يسوع رأى الآب. حينذاك نفهم جذرية الدينونة: من رذل يسوع رذل الله نفسه.
النقطة الثانية تنبع من الأولى وترتبط بالدينونة. لم يأتِ يسوع ليدين، بل ليخلّص: ولكن كلمة يسوع تحكم على الذي لم يحفظها ولم يعمل بها. فالإصغاء أو اللاإصغاء يتحدّد منذ الآن. إذن، منذ الآن تبدأ الدينونة، وإن شدّدت خاتمة هذا القسم الأول على أنّ الدينونة ستتمّ في نهاية الأزمنة.
في هذه الخاتمة، ظهر يسوع كالنبي الذي "تحدّث" عنه موسى، والذي تلبث كلمتُه حاضرة بعد ذهابه. كان يسوع قد حدّد في 5: 45 أن متّهمَ اليهود هو موسى نفسه. وفي تث 18: 18- 19، قال الرب: "أقيم لهم نبياً من بين إخوتهم مثلك، وألقي كلامي في فمه، فيخاطبهم بجميع ما أمره به. وأي إنسان لا يطيع كلامي الذي يتكلّم به باسمي، فإني أحاسبه عليه".
هذه هي الصبغة التي تلوّن "صيحة" يسوع. لقد قدّم نفسه بوضوح على أنه نبي آخر الأزمنة، النبي الذي "تحدّث" عنه موسى، والذي يجب أن نسمعه لئلاّ نقف في الدينونة منذ الآن وحتى اليوم الأخير.
الخاتمة

إنجيل يوحنا، كتاب الآيات. ذاك كان عنوان هذه الفصول التي حاولت أن تسدّ نقصاً في أول تفسير لإنجيل يوحنا.
هذا الكتاب هو امتداد لكتاب سبقه، عنوانه: "يسوع كلمة الله مع القديس يوحنا". وسيجد تكملته في كتاب لاحق سيكون عنوانه: "إنجيل يوحنا، كتاب الآلام والمجد".
الأسلوب هو هو. في لمسات سريعة نحاول أن ندخل إلى جوّ كلام الله، فنتعرّف إلى صوت يسوع، صوت الكنيسة، صوت التلميذ الذي كان يسوع يحبّه. نحاول أن نرافق ذاك الذي وضع رأسيه على صدر المعلّم، فأعطانا تمتمات عن عمق حبّه، وبعضاً من هذه الحياة التي خرجت من جنبه حين طعنه الجندي بحربة أخرجت دماً وماء.
إنتهى كتاب ونستعد لكتاب آخر "يكمّل" تفسير إنجيل يوحنا، فيكون رفيق المؤمن في قراءاته وتأمّلاته. رفيق الكاهن في تهيئة العظة والسهرة الإنجيلية. رفيق الراهب والراهبة والمعلّم من أجل ثقافة انجيلية تساعدهم على فتح كنوز الله إلى نفوسهم وإلى المؤمنين.