يسوع كلمة الله مع القديس يوحنا

الفهرس

تقديم
1- إنجيل يوحنا، 1 يو 1: 4
2- كلمة الله، 1: 1- 18
شاهد للنور، 1: 19- 28
4- حمل الله، 1: 29- 34
5- طرد الباعة من الهيكل، 2: 13- 25
6- الذهاب إلى النور، 3: 14- 21
7- عطيّة الله، 4: 1- 42
8- تكثير الخبز، 6: 1- 15
9- أنا هو خبز الحياة، 6: 24- 35
10- الخبز النازل من السماء، 6: 41- 51
11- الطعام الحقيقي، 6: 52- 58
12- الأمانة للرب، 6: 59- 71
13- أنا نور العالم، 9: 1- 40
14- أنا باب الخراب، 10: 1- 10
15- أنا الراعي الصالح، 10: 11- 18
16- المسيح راعي كنيسته، 10: 27- 30
17- أنا القيامة والحياة، 11: 1- 45
18- جاءت الساعة، 12: 20- 33
19- غسل الأرجل، 13: 1- 15
20- الوصية الجديدة، 13: 31- 35
21- أنا هو الطريق، 14: 1- 12
22- الوعد بالروح القدس، 14: 13- 22
23- سلامي أعطيكم، 14: 23- 29
24- أنا الكرمة الحقيقية، 15: 1- 8
25- أنتم أحبّائي 15: 9- 17
26- الحقيقة كلها، 16: 12- 15
27- الصلاة الكهنوتية، 17: 1- 10
28- إحفظهم باسمك، 17: 11- 19
29- الصليب المزروع في طرقاتنا، 18: 1- 19: 42
30- ملك يشهد للحقّ، 18: 31- 37
31- الجنب المفتوح، 19: 30- 35
32- يوم القيامة المجيدة، 20: 1- 9
33- ظهور يسوع للتلاميذ،20: 19- 23
34- آمنوا ولم يروا، 20: 24- 31
35- الصيد العجيب، 21: 1- 19
الخاتمة
 

تقديم

إنجيل يوحنا إنجيل غريب. كلماته بسيطة وهي التي نستعملها كل يوم. ولكن الاخصّائيين ما زالوا يدرسونها فلم يكتشفوا بعد أعماقها. يرتاح الاولاد إلى قراءة هذا الإنجيل. والصوفيّون جعلوه رفيق صلاتهم وتأمّلهم. إنجيل يورد حياة يسوع، شأنه شأن متى ومرقس ولوقا، ولكنه يختلف عنهم.
إنجيل يوحنا هو الإنجيل الروحاني. إنه يخبرنا أكثر من أي إنجيل آخر عن الروح القدس. وهو ينطلق بنا من عالم المادة إلى عالم الروح، من الماء الذي نشربه كل اليوم إلى الماء الحيّ الذي يتفجّر فينا. من الخبز الذي نأكله كل يوم إلى الخبز الحيّ الذي نزل من السماء فأعطانا حياة أبديّة. من ولادة بحسب الجسد إلى ولادة في الماء والروح.
إنجيل يوحنا هو شهادة فرد. شهادة يوحنا بن زبدى وشقيق يعقوب وصديق بطرس ورفيقه حتى الصليب، بل في زيارة القبر بعد القيامة. وهو أيضاً شهادة جماعة تقول لليهود الذين لم يؤمنوا بيسوع: نحن ننطق بما نعلم، ونشهد بما رأينا، ولكنكم لا تقبلون شهادتنا. جماعة تقول عن صاحب الإنجيل: هذا هو التلميذ الشاهد بهذه الأمور، وهو الذي كتبها. ونحن نعلم أن شهادته حق.
شهادة جماعة عاشت خبرة الروح. إنطلقت من حياة يسوع وأقواله وأعماله. فتأملّت فيها طويلاً قبل أن تدوّنها. تأملّت فيها على ضوء خبرة القيامة. فيسوع القائم من الموت حاضر في كنيسته ولاسيّما في شعائر العبادة. وكنيسته تتغذّى من هذا الحضور ولا سيّما حين تمارس سرّي المعمودية والافخارستيا.
هذا هو إنجيل يوحنا. إنه يدعونا إلى أن نؤمن بأن يسوع هو المسيح وابن الله. وإذا آمنا به كانت لنا الحياة. إيمان يلد من الشهادة. إيمان لا يتوقّف عند المعرفة بل عند الولادة الجديدة. إيمان يصل بنا كما وصل بالسامريين إلى المسيح الذي هو مخلّص العالم.
هذا هو إنجيل يوحنا الذي ينقلنا من الظلمة إلى النور، من أسفل إلى أعلى، من هذا العالم إلى عالم الله. إنه إنجيل الروح والحرية والحب والنور. وهو يتعارض مع هذا العالم، مع اللحم والدم، مع العبودية والبغض والظلمة.
هذا هو إنجيل يوحنا. يبدأ فيحدّثنا عن كلمة الله الحاضر من الأزل. ويدعونا أن نرى في يسوع، المسيح الكلمة الذي صار بشراً فسكن بيننا. نرى فنؤمن، نؤمن فنتعلّق بيسوع المسيح. نؤمن فتكون لنا حياة الابن. نرفض الايمان فنختار الموت.
إلى هذا الإنجيل سنتعرّف لا في جزء واحد بل في ثلاثة أجزاء من سلسلة "القراءة الربية". ونحن نبدأ مسيرتنا كما اعتدنا مع كل من متى ومرقس ولوقا، فنرافق القديس يوحنا يحدثنا عن يسوع كلمة الله، بل يخبرنا عن الذي رآه بعينيه، وتأمّله بقلبه، ولمسته يداه، فجاء يبشّرنا به. وهكذا يكون فرحنا كاملاً.
1
إنجيل يوحنا
1 يو 1: 4

نكتب إليكم بهذه الأمور ليكون فرحنا كاملاً.
هذا الكتاب هو إنجيل، أي عمل إيمان. وهو يريد أن يعلن حدث الخلاص في يسوع المسيح. هذا ما فعله متى ومرقس ولوقا. وهذا ما فعله يوحنا الذي قال في نهاية إنجيله: "وصنع يسوع أيضاً أمام تلاميذه آيات أخرى عديدة لم تذكر في هذا الكتاب. وهذه ذُكرت لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح، ابن الله. وإذا آمنتم كانت لكم الحياة باسمه" (20: 30- 31).
إنجيل يوحنا مؤلَّف مبتكر. هو لم يفعل كالإنجيليين سابقيه، بل قام بعملية اختيار. لم يذكر كل المعجزات، بل أورد فقط سبع معجزات (7 عدد الكمال)، وهي تهيّئنا لمعجزة المعجزات التي هي قيامة يسوع من بين الأموات. كما اختار بعض المشاهد الكبيرة التي توسّع فيها توسعاً طويلاً. حديث مع السامرية، شفاء كسيح بيت حسدا، تكثير الخبز، شفاء الاعمى منذ مولده، إقامة لعازر. يذكر الحدث ويفسرّه بخطب يسوع وحواره مع تلاميذه أم مع الشعب.
إستعمل يوحنا الأمثال، ولكن لا بدرجة مماثلة لما عند الازائيين. ولكنه لجأ أيضاً إلى المجاز. لسنا فقط أمام عبرة دينية نستنتجها من مشهد مأخوذ من الحياة اليومية. بل أمام تشبيه مع شخص أو شيء. فيسوع هو الماء، هو الخبز، خبز الحياة، هو نور العالم، هو الباب والراعي، هو الكرمة الحق، هو الطريق والحق والحياة.
نحن هنا أمام وجهة من عالم الرموز العزيز على قلب يوحنا. فالألفاظ والأرقام والأطر هي مليئة بالمعاني. حدّث يسوع نيقوديمس عن الريح فأشار أيضا إلى الروح القدس. وأفهم تلاميذه أن طعامه هو أكثر من طعام بشري. طعامه أن يصنع إرادة أبيه. وقال لليهود إنه سيُرفع، فتحدّث عن ارتفاعه على الصليب، وارتفاعه بالمجد. وأشار يوحنا إلى الليل الذي خرج فيه يهوذا، فدلّ على الظلمة، على ساعة الظلمة التي هي ساعة عمل الشّر.
وقدّم لنا يوحنا وثيقة تاريخية. فاهتم بالتواريخ وتسلسل الأحداث. ربط معظم أخباره بأعياد اليهود الكبرى. ربط طرد الباعة من الهيكل بفصح اليهود، وشفاء مخلع اورشليم بعيد العنصرة، وتكثير الخبز بفصح آخر. وتحدّث عن عيد المظال وعيد التجديد. وبفضل يوحنا نعرف أن رسالة يسوع امتدت سنتين ونيف. كما نعرف أن الفصح الأول كان في ربيع سنة 28. قال اليهود: في ست واربعين سنة بُني هذا الهيكل (2: 20). لقد بدأ بناء الهيكل في أيام هيرودس الكبير، سنة 19- 20 ق. م. وبعد ست واربعين سنة، لم يكن العمل فيه قد انتهى بعد.
ويقدم لنا يوحنا داخل الإطار التاريخي عدداً من الاشارات الدقيقة. يعطينا أسماء الأماكن. قانا، عين نون، ساليم... ويذكر المسافات: جذفوا نحو خمس وعشرين غلوة (الغلوة= 185 متراً) او ثلاثين. وكانت بيت عنيا قريبة من أورشليم على نحو خمس عشرة غلوة. وعند الصيد العجيب رأى يوحنا أن السفينة بعدت عن البر نحو 200 ذراع. وهناك تفاصيل دقيقة يشير إليها الإنجيل الرابع: عمق بثر يعقوب، أروقة خمسة في بركة بيت زاتا...
ولكننا نتوقّف بصورة خاصة عند روحانيّة إنجيل يوحنا.
"الآب نفسه يحبكم لأنكم أحببتموني". هذه الكلمات التي قالها يسوع هي خلاصة روحانية الإنجيل الرابع. فيوحنا أحبّ يسوع الناصري حباً، "جنونياً". فمنذ اللقاء الأول، صار يسوع محور فكره وحياته. وبما أنه تبع يسوع، ولبث بقربه، وسمعه وأحبّه، فقد عرف أنه محبوب من الآب.
إن يسوع أنار حياة يوحنا بروحه: كشف له الآب الذي لم يره إنسان قطّ. لهذا كتب لنا يوحنا ليخبرنا عن يسوع، وليقودنا به الى الآب، وبالتالي إلى الحياة. "فالحياة قد ظهرت، ونحن رأيناها ونشهد لها، ونبشرّكم بهذه الحياة الابدية التي كانت لدى الآب وظهرت لنا".
إذن، لا ننتظر من إنجيل يوحنا إلا هذه الشهادة عن يسوع. ففي نظر التلميذ الحبيب، كل ما يتوق إليه الإنسان يجده في يسوع كما في ينبوع: هو النور والحق والحياة. ولا يأتي أحد إلى الآب إلاّ به.
يسوع هو الكرمة التي عليها يطعّم الإنسان كالغصن في الشجرة. والآب هو الكرّام. والغصن (الذي هو الانسان) لا يحمل ثمراً لمجد الآب إلاّ إذا ثبت في يسوع. "بدوني لا تستطيعون شيئاً".
تركّزت نظرة القديس بولس على المسيح. ولكن بولس الذي طُرح إلى الارض على طريق دمشق قد صعقه مجد الرب القائم من الموت، وقد سمَّر بالاحرى انتباهه على عمل الانتصار الذي أتمّه الله من أجل خلاصنا. وحين يعالج الكنيسة، فهو يرى قدرة قيامة الرب. فلاهوته الديناميكي، يتوقّف قبل كل شيء عند ما فعله حبّ الله للبشرية. إن كلمة "قدرة" هي المفتاح الذي يفهمنا هذه الروحانية وهذا اللاهوت.
والتقى يوحنا يسوع بطريقة أخرى. فجاء مؤلّفه لقاء متواصلاً مع بشرية المخلّص: "ما سمعناه، ما رأيناه بعيوننا، ما عايناه، ما لمسته أيدينا من كلمة الحياة.. به نخبركم".
هذا ما يقوله يوحنا في بداية رسالته الأولى. وفي إنجيله: "والكلمة صار بشراً، وقد عايّنا مجده". إنه يشدّد تشديداً خاصاً على سر التجسّد.
سمّر يوحنا نظره مطوّلاً على شخص يسوع. لهذا فهو يبرز وجهة الوحي قبل أن يبرز دينامية عمل الله. أنشد بولس قبل كل شيء ما فعله حب الله لأجلنا. أما يوحنا فيدعونا لكي نتعرّف إلى عطية الله: "لقد احبّ الله العالم حتى أعطى ابنه الوحيد".
إن يوحنا (شأنه شأن بولس) يرى يسوع على ضوء عبوره الى الآب وتمجيده. ففي تلك "الساعة" تمّ عمل المسيح وتكمّل الوحي. ولكن يوحنا يكتشف في مجد الساعة، لا قدرة الانتصار، بل بالحري عودة ابن الله إلى حيث كان أولاً. يكتشف التجلّي الكامل لمجده، ووحي الغنى الذي لا ينفذ، والعطية التي منحنا الله فيه.
ينتج عن كل هذا لاهوت وروحانية يرتبطان بالمشاهدة ويتجاوزان الزمن، ويغرزان جذورهما في الابدية. يصلان إلى هذه البداية التي هي قبل كل بداية والتي فيها "كان الكلمة لدى الله"، إلى هذا الحب الذي به أحبّ الآب الابن "قبل خلق العالم".
إن وجهة المشاهد في الإنجيل الرابع تتجلّى بفهم عميق للرمزية الدينية. فيوحنا يدرك عبر القشرة الخارجية المدلول الروحي للواقع، ويكتشف الأسرار الخفية. فكل فعلة قام بها يسوع، وكل أحداث حياته تحمل في واقعها التاريخي قيمة وحي: "آيات" تدلّ على كيانه العميق أو "مجده"، كما يقول يوحنا. وترمز إلى العطايا التي حملها إلى العالم: القيامة والحياة والنور، وملء النعمة والحق.
2
كلمة الله
1: 1- 18

والكلمة صار بشراً وسكن بيننا.
لكلّ إنجيل طريقته في الحديث عن يسوع، في تحديد بداية يسوع. في نظر مرقس، تشكّل المعمودية بداية كرازة يسوع وانطلاقة الحركة التي دشّنها يسوع. بدايته هي البداية التي اختارتها الجماعة الأولى حين كرزت بيسوع "منذ عماد يوحنا إلى اليوم الذي فيه ارتفع يسوع" (أع 1: 22). في نظر متى ولوقا، تدلّ ولادة يسوع على مجيء المسيح وسط البشر.
أما بالنسبة إلى يوحنا، فموقع البداية هو قبل بداية الخليقة. حين كتب إنجيله، بحث عن مقدّمة. فوجد بين صلوات المسيحيين نشيداً تنشده الجماعة لمجد الكلمة، ابن الله، الذي جاء ليقيم وسط البشر. أخذه وكيّفه ليطابق مشروعه في كتابة إنجيل ينشد يسوع الذي هو المسيح وابن الله (20: 31).
في البدء كان الكلمة. بصيغة الفعل يشدّد يوحنا على أن الكلمة وُجد قبل الخلق وأنه يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالله. هو مشدود إلى الله وهو في الوقت عينه الله بالذات. وهكذا جاء تأمل الأنجيلي في امتداد الفكر اليهودي حول الحكمة التي هي واقع وُجد قبل الخلق، والتي بدت شخصاً حياً لا فكرة مجرّدة. كان الكلمة يعمل في الخلق منذ البدء، لأنه أنار كل إنسان جاء إلى العالم. وهذا النور يشرق الآن أيضاً في العالم، فينير كل انسان حتى ولو كان غريباً عن الوحي.
هذا الكلمة الذي تجلّى لجميع البشر، وبصورة مميّزة لجماعة اسرائيل، عزم على أن يزرع خيمته وسط البشر. "صار الكلمة بشراً". لا يتوقّف يوحنا فيتحدّث عن مولد يسوع العجيب، ولا يذكر أسماء الأشخاص والأمكنة. بل ذهب إلى الجوهر فشدّد على العبور التاريخي الذي فيه صار الكلمة الأزلي بشراً، أخذ جسداً. ومنذ اللحظة التي فيها لُفظت مفردة "بشر"، اختفت مفردة "الكلمة" بشكل نهائي. بعد ذلك الوقت، لن نرى إلا "اللحم والدم" في ضعفه بل في ضيقه (يسوع عطش، جاع، اضطرب، تشوّه). استعمل يوحنا مراراً كلمة "انسان" فتفوّق على سائر الانجليين. فالتجسّد في نظره ليس "تظاهراً" بل حقيقة وواقع. لا شكّ في أن الكلمة لم يُلغَ في الإنسان، ولكن على البشر أن يروا في سماته البشرية مجد الله. شهدت جماعة المسيحيين الأولين أنها قد رأت "مجده".
وينتهي مطلع إنجيل يوحنا كما بدأ: جاء الكلمة من عند الله وهو "في حضن الله". إذن يستطيع وحده أن يجعل البشر يعرفون الله.
هناك مقطعان (آ 6- 7، 15) يتحدّثان عن يوحنا المعمدان، وقد يبدوان بشكل قطعتين اقحمتا في طلع يرتكز كله على الكلمة. قد زيدا ليجعلا يوحنا المعمدان في موقعه الحقيقي. لم يكن النور (عكس ما كان يقوله تبّاع المعمدن). بل كان شاهداً في دعوى يُدعى إليها كل انسان. فعلى مثال العالم الذي شعّ فيه النور، وعلى مثال الشعب اليهودي الذي إليه جاء، كل منا مدعوّ ليقوم بخيار شخصي تجاه الكلمة الذي صار بشراً. هل نرفضه كما فعل العالم وأهل بيته، أم نكون من المؤمنين به؟
في البدء كان الكلمة، كلمة الله. وكان الكلمة الله... والكلمة صار بشراً وسكن بيننا، أقام عندنا. هذا ما نكتشفه بصورة خاصة في عيد الميلاد. أما يصدمنا مثل هذا الكلام؟ ابن الله صار انساناً! إن كان لا، فهذا يعني أننا خسرنا معنى لفظة الله. أو لفظة الجسد. حاولوا. إذهبوا إلى سرير طفل وقولوا: الله!
أمام هذا الوجه الضعيف والسريع العطب، حيث يتخذ النور غير المخلوق شكل عينين صغيرتين لامعتين، حيث يتحوّل الحنان الخلاّق إلى فم يبتسم، حيث القدرة الالهية تصير ذراعاً ممدودة... حينئذ تتبدّل نظرتنا إلى الله، والى الإنسان. إله وطفل. هذا هو "الدوار" الذي يسبّبه سر التجسّد. يصاب عقلنا بالجنون! ويغشى قلبنا الدهش.
الميلاد هو سر إيمان. والروح وحده يستطيع أن يجعلنا نتأمّل في الله الذي يزورنا وهو على ركبة صبية يهودية اسمها مريم. الميلاد هو موضوع اللقاء بين الأزل والزمن، بين الاله والبشر، بين الحياة الأبدية والانسان المائت، وهذا ما لم نكن نتوقّعه. اليوم، صار المستحيل أمراً واقعاً. وتجسّد انتظار البشر منذ أجيال وأجيال.
اليوم تفجّر أفق تاريخنا. اليوم تحوّل مصيرنا وبدّل وجهته. فالأرض، هذه الحبّة من الرمل وسط المجرّات الواسعة، صارت مسكن الله. وفي قلب انسان من الناس يدقّ قلب الله.
تواضع مدهش لدى إله يختفي ويكشف عن نفسه في قسمات وجه طفل. هل من براءة ونقاوة تفوق ما في نظرة الطفل؟ ففي نظرة الطفل يستطيع كل انسان مهما سيطر الشّر عليه، أن يرى لمعان الرجاء في عالم من الحبّ والسلام. وحين يأتي الله ليخلّص الانسان المدجّج بالسلاح، فهو يتخذ نظرة طفل لكي ينظر إلينا. سلطته الوحيدة هي سلطة الحب. وحبّه يكفي لأن يجعلنا نرى سلامنا!
ويضيف يوحنا في عبارة موجزة، وفي الوقت عينه مليئة بخبرة يسوع في آلامه: "جاء إلى خاصته وخاصته لم تقبله". هذه هي المأساة الدائمة في عالمنا. فالانسان لا يستطيع أن يولد من جديد، أن يلد عالماً جديداً إلا إذا تقبَّل حباً وتواضعاً وسلاماً من هذا الاله الذي لم يتعوّد عليه بعد.
لهذا السبب لا يزال الحب يولد على أرضنا. وكل مرة أنظر إلى وجه انسان فاكتشف فيه قسمات وجه الله، في ذلك الوقت يولد يسوع، يكون عيد الميلاد
الرب يدعونا لكي نتجاوز دائرتنا الصغيرة الضيقة. يدعونا لكي نتقبّل النور الذي أرسل إلى جميع الناس. صار الله انساناً، صار طفلاً في عالم البشر. فكيف نشكّ بعد اليوم ونرتاب بمستقبل العالم؟ هذا الكلمة الذي وُجد قبل العالم هو علامة حب الله للعالم. إله يسوع هو إله أولى الخطوات في الخلق والتاريخ. فلا يبقى علينا إلا أن ندخل في مشروعه هذا العظيم.
3
شاهد للنور
1: 19- 28

أنا أعمّد بالماء، وبينكم من لا تعرفونه. يجيء بعدي وهو أعظم مني.
لم يكن هو النور، بل جاء شاهداً للنور. هذا ما قال الانجيل عن المعمدان. من يستطيع أن يقول عن نفسه بشكل مطلق إنه النور؟ كان للمعمدان اشعاع عظيم. ولكنه لم يقل عن نفسه إنه نور. وقف بتواضع في المكان المخصّص له، فأراد أن يكون شاهد الكلمة. ومع ذلك كان سامعوه عديدين. وكان لكلمته وزن.
الناس يستشيرونه: ماذا افعل؟ الناس يتساءلون عنه. فسلطته كبيرة ولكنه لا يجعل نفسه في المقدّمة. ما هو إلا شاهد بانتظار أن يصير "شهيداً" لأنه قال الحقّ وما خاف. حياته تطرح سؤالاً. وبكلمته هو يحيلنا إلى آخر، إلى الآخر الذي هو الكلمة. سألوه: "من أنت"؟ هو يعرف ما ليس هو، لا ما هو (لا أعرف من أنا). ويجب أن يكون الواحد مجنوناً ليحسب نفسه "الله الآب" او حتى "مسيحه" (ومرسله). ما نحن إلام صوت. إذن، من الأفضل أن نسكت. وسكت يوحنا المعمدان.
غير أن من لا يقول شيئاً يصبح شريك كل خيبة أمل وغيبة رجاء. أما هو فله شيء يقوله. إنه يعمّد وله فكر يوجّهه. إنه يهيّيء الطريق لله. قال هذا ولم يزد. هو لا يلقي خطباً كبيرة عن نفسه. بل يعدّ عالماً يستطيع فيه الانسان أن يعيش (لا عالم ذئاب). هو لا يعيث إلا من أجل العدالة والارتداد إلى الله. شاهد غريب هذا الرجل المتخفي الذي لا يكاد يتكلّم عن ذاك الذي يتعب من أجله.
الآخرون لا يعرفونه. وهو، هل يعرفه؟ كلا. لأنه ذاك الذي لا يُعرف. ثم لأنه الرجل الذي يطرح عنه ألف سؤال وسؤال. سيلتقيه يوحنا في الغد (1: 29). ويكون هذا اللقاء وحياً. أما الآن فلا يعرف من تعليم إلا أن ذاك الذي يأتي بعده، سيتجاوزه لأنه أعظم منه.
إذا أرددا أن لا نخطىء في هويّتنا، لا نحسب نفوسنا وكأننا آخر كلمة تلفّظ بها الله! فهذه الكلمة هو المسيح. في الواقع، هذا السؤال الذي أضاع عنوانه (من أنت؟) يفتح ويغلق الإنجيل الرابع الذي يعبره هذا السؤال (21: 12). والجواب لا يتغيرّ في غموضه وفي وضوحه البيبلي: "انا هو" (يهوه). يسوع هو ابن هذا الاله "الذي هو" (خر 3: 13) إذا كان هذا البحث عن الهويّة يدور الآن حول المعمدان، فلكي يعوّدنا على سؤال آخر ملحّ عن س المسيح. إنه يدلّنا منذ الآن على الطريق الذي لا يجب أن نأخذه لئلا تدور رؤوسنا فتتحوّل عن ذاك الذي يستحقّ كل اهتمامنا، ذاك الآتي. لأنه دائماً الآتي. إلى الأبد.
سيقول يوحنا في الغد: "لم أكن أعرفه" (1: 31). لا يعلن أسفه لأنه لم يعرفه قبل، لأنه لم يعرف ذاك الذي هو نهاية التاريخ. بل يعبرّ بصورة علنية عن نعمة جعلته يكتشفه.
لم يكن منغلقاً على ذاته، مشغولاً بذاته. كان "فضولياً" فبحث. كان مستعداً للقاء ذاك الذي سيقلب حياته. والصفة الأولى المطلوبة من الشاهد هي الامحّاء، مهما كان الشخص كبيراً. حين تتبدّد الظلمة، نتعجّب من جاء النهار. وحين يأتي السلام يتبعه المسيح بصورة "آليّة". الشاهد الحقيقي هو مضيء لأنه واعٍ وعياً غير عادي لمهمّته، كما هو واعٍ لمحدوديّته، فالخدمة هي شرف كبير له. بل أكبر منه.
لماذا الأنبياء؟ ألِيُنبِئوا بالشقاء ويعلنوه؟ كلا. ليس النبي عرّافاً أو "برّاجاً". النبي هو رجل لبسه الروح القدس. إنه يحمل بلاغاً، يحمل كلمة. به يُظهر الله قدرته الخلافية. وإذا كان النبي يجلب انتباه الانسان، فهو لا يجلبه على نفسه، بل يحوّل القلوب والعقول نحو الآخر الذي هو الله. "بينكم من لا تعرفونه".
في الزمن السابق للميلاد نتذكّر توالي الاجيال حتى المسيح. هو زمن الأنبياء من موسى إلى يوحنا المعمدان. زمن كانوا يرون فيه الله رهيباً مخيفاً. لأنهم لم يكونوا يعرفونه حقاً. حاول بعناد وصبر أن يعرّف عن نفسه، أن يقدّم ميثاقه ليجعل شعبه في طريق الحياة. وكل محاولات الله هذه التي قام بها بواسطة الأنبياء، وجدت كمالها التامّ في يسوع، أعظم الأنبياء الذي يعرف الله ويعرّفنا إليه.
والآن، بعد أن صار الله منظوراً بيسوع، هل انتهى زمن الأنبياء؟ هذا ما يحذّرنا منه بولس الرسول: "لا ترذلوا الانبياء". أنتم بحاجة إليهم. نحن لم نزل في الزمن الوسيط، ولم نصل بعد إلى النهاية: نحن بين يوم الله هذا حيث قُهر الموت بالقيامة، ويوم الله المقبل الذي يُظهر السماء الجديدة والأرض الجديدة.
لم يزل هذا الزمن زمن الأنبياء. لا شكّ في أن يسوع جاء، وعرّفنا إلى الله أبيه. ولكنه لا يظهر لأنظارنا إلاّ عبر علامات يجب أن ندركها. لهذا جعل الروح من كل المسيحيّين أنبياء يقرأون علامات الأزمنة.
نحن أنبياء بعضنا لبعض. نحن أنبياء للعالم. قد أو. كل إلينا أن ندلّ على حضور الله وملكوته، ملكوت البرّ والحق.
روح الرب علينا وهو يرسلنا لنعلن الإنجيل، نعلن بلاغ الفرح. ونحذّر الناس أيضاً حين يفشل الخلاص وحين تستأثر أقلّية (على مستوى العيلة أو المجتمع) بالسعادة.
الروح يرسلنا. مهّدوا طريق الرب!
تعال أيها الرب ليسمع الفقراء بشرى الخلاص، لتُشفى القلوب المنكسرة، ليستعيد المسجونون كرامتهم، وليعرف جميع الناس الفرح. تعال أيها الرب إلينا واجعلنا شهوداً لنورك في عالم يبحث عن الظلمة والخطيئة والموت.
4
حمل الله
1: 9- 34

ها هو حمل الله الذي يرفع خطيئة العالم.
نحن مدعوّون مع يوحنا إلى التأمّل في شخص ذلك الذي يحمل خطيئة العالم، ذلك الذي يعمّد، لا بالماء وحسب بل بالروح القدس.
لم يورد يوحنا بطريقة مباشرة عماد يسوع، ولكنه اهتمّ أكبر الاهتمام بشهادة المعمدان أمام تلاميذه الاخصّاء: "هذا هو حمل الله".
إذا عدنا إلى بناء الإنجيل الرابع، نجد أن هذا اللقب لا يتّخذ كامل معناه إلاّ إذا قابلناه مع خبر الآلام: في هذا الخبر يسلم يسوع الروح ساعة تُذبح حملان الفصح.
ما يهمّ الإنجيلي هو أن يميّز بين عماد الماء البسيط وعماد الروح. ففي أيامه ما زالت مجموعات من المعمّدين الأمناء لذكر معلّمهم والعائشين على هامش الكنيسة. أما الاتحّاد بيسوع فيتحقّق بعلامة الروح الذي حلّ عليه.
يعود هذا النص بشكل ضمني إلى أش 11: 1 حول امتلاك المسيح للروح، مع تشديد على طول الاقامة فيه: الروح يحل عليّ، يقيم فيّ. نحن نعرف أهمية فعل "أقام"، "ثبت" في الإنجيل الرابع. إنه يدلّ على حضور الله في الهيكل، ويشير الى الطابع النهائي للميثاق الجديد.
لا ينزل الروح على يسوع بشكل عابر كما على الأنبياء في الميثاق القديم. بل هو يحلّ عليه، يقيم فيه ويثبت، فيجعل منه هيكل الميثاق الجديد. هذا هو السبب الذي لأجله يستطيع يسوع أن "يعمّد" في الروح. هذا ما يجب أن نشدّد عليه حين نتحدّث عن المعمودية: نحن نُبرز رمزية الماء الذي يغسل ويعطي الحياة. ولكن لا ننسَ أن نُبرز أيضاً الرباط بين الماء والروح. حين نقل إلينا المسيح روحه كالماء الذي يطفىء العطش (4: 12- 14؛ 7: 37- 39)، أتاح لنا أن نحيا حقاً كأبناء الله.
جاء يوحنا يهيّىء طريق الرب بكرازته التي تدعونا إلى التوبة. بالغطس في الماء الذي هو العماد في الأردن. ولكن الكرازة والغطس هما فقط استعداد لمجيء يسوع. لم نعد فقط أمام صوت صارخ في البرية، بل أمام الكلمة الذي صار بشراً. ولم نعد أمام عماد الماء بل أمام عماد الروح.
هل كان الوضع واضحاً بالنسبة إلى تلاميذ يسوع وتلاميذ المعمدان؟ شدّد يوحنا الرسول على امّحاء المعمدان بشكل يجعلنا نفترض أن الأمور لم تكن بسيطة بين الفئتين. والإنجيل الرابع لا يصوّر لنا يسوع وهو يعمّد. إنه وعدَ تلاميذه بالروح وسيكون عمادهم عماد العنصرة. إذن، يجب أن نشدّد على حضور الروح في عماد يسوع: "ذاك الذي ترى الروح ينزل ويحل عليه، هو الذي يعمّد في الروح القدس". هذا ما يشير إليه كل من متى ومرقس ولوقا، غير أنهم يزيدون الصوت الذي سُمع على شاطىء الأردن: "هذا هو ابني الحبيب".
يسوع وُلد من الروح ونحن نعترف به أنه ابن الله. فالتبدّل في المعمودية يدلّ على التبدّل في الميثاق، على الانتقال من الميثاق القديم إلى الميثاق الجديد.
قد نتوقّف اليوم أمام يوحنا المعمدان الذي يدلّنا على يسوع فيقول: "هذا هو حمل الله". ولكننا ننشد مراراً: "يا حمل الله". وقبل المناولة كان الكاهن يقول: "هذا هو حمل الله".
إن صورة حمل الله في نظر يوحنا لها قوة كبيرة في الاعلان المسيحاني: "انتهى زمن الحملان". كانوا يُستعملون من أجل الاتحاد الطقسي مع ألله، وطلب الغفران. ولكن المؤمنين ظلّوا على مستوى الرموز والآمال. أمّا يسوع فهو حمل واقعيّة الخلاص. بهذا الحمل يقدّم الله لنا مصالحة حقيقية وكاملة، إتحاداً بيننا وبينه لا يحتاج إلى واسطة أخرى إلاّ هذا الحمل الذي يُسمّى الفادي والوسيط بين الله والبشر.
هنا نتذكر أولاً حمل أشعيا الذي مات ليكفّر عن خطايا كل الشعب فكان "الحمل الذي يُقاد إلى الذبح" (أش 53: 7).
ونتذكّر ثانياً الحمل الفصحي. كان في البدء علامة عن الخروج الكبير من مصر، فرمز فيما بعد إلى خلاص اسرائيل. ننتقل هنا من الصور إلى الواقع الفدائي بموت يسوع في يوم الفصح، ساعة كانوا يذبحون الحملان في الهيكل. نقول في صلواتنا: "المسيح هو الحمل الحقيقي الذي يرفع خطيئة العالم".
ونتذكّر أخيراً الحمل المنتصر في سفر الرؤيا. لقد صار هذا الحمل الأسد المنتصر الذي يقود مؤمنيه إلى حرب الأزمنة الأخيرة (التي نعيشها اليوم) ضدّ كل قوى الشّر، ويتغلّب عليها. بعد هذا يستعيد وداعته ولطفه خلال أعراسه مع أورشليم السماوية.
وفي النهاية، إنتصر الله على الشّر بواسطة الحمل. ففي وداعة يسوع قوّة خلاصية لا نجدها في "قوى تحرير" حلم بها اليهود في عصره.
أنت يا رب الحمل الذي يرفع خطيئة العالم. ولم تعمّد وحدك في ذلك اليوم. فأنت ما كنت محتاجاً إلى مثل هذا العماد. بل "غطستنا" نحن في مياه الاردن. جميع البشر كانوا هنا. بوجوههم وتاريخهم وابتساماتهم ودموعهم. وكانت البشرية كلهة هنا وانت قد حملتها. جئت إلى نهر الأردن فأخذت بيدنا وحملتنا إلى عماد آخر، ذاك الذي يقود إلى الحياة الأبدية.
5
طرد الباعة من الهيكل
2: 13- 25

لا تجعلوا من بيت أبي بيتاً للتجارة.
سلوك مشكّك! التجّار والصيارفة يقومون بعملهم أحسن قيام. وها هم يُطردون بالسياط بواسطة شخص "مجنون". ماذا يريد في الحقيقة؟ هل يريد أن يقوم بفعلة نبوية كما فعل الأنبياء قبله؟ الرمز واضح. وليس من قبيل الصدف أن يوجّه يسوع كلامه إلى باعة الحمام. هذا لا يعني أنهم أكثر خطأ من غيرهم. ولكنهم هم الذين يبيعون الضحايا من أجل ذبائح الفقراء.
قُسم الناس ثلاث فئات: الاغنياء يشترون البقر. متوسّطو الحال يأخذون الغنم. والفقراء يذبحون الطيور. إذن إهتم يسوع أول ما اهتم بالفقراء. بصغار القوم الذين "يبقّون الدم" ليستطيعوا الوصول إلى الهيكل، هذا إذا قدروا. أجل، لا يريد يسوع أن يكون الهيكل موضع تجارة، موضع ربح واستغلال.
كان زكريا النبي (14: 21) قد أنهى كتابه فجأة فحلم بذبائح تشارك فيها الجماعة كلها، لا فئة من الفئات. وفعلة يسوع معبرّة، لا سيما وأن الحمام يرمز إلى الجماعة في العالم اليهودي المتأخر. ولكن هل نذهب في الغيرة لله إلى حدّ الخروج من الواقع؟
فكّر التلاميذ بطريقة عفوية في ما قاله مز 69: 10 (الغيرة على بيتك ستأكلني). رأى المرتل نفسه في خطر، وقد لاحقه "خصومه" بسبب عمل غيرة قام به من أجل الهيكل. واندفاع يسوع سيكلّفه "الانزعاج" نفسه.
وندهش من هؤلاء التجار الذين لم "يتحرّكوا". بل يتحمّلون تصرّفات هذا "المقلق"، ويكتفون بالوقوف مع الذين تجمّعوا فيما بعد. حين نقرأ إنجيل مرقس، نفهم فهماً أفضل أن يسوع يهاجم ممارسات تتنافى والشريعة: يستعمل التجّار حرم الهيكل بشكل "قادومية" لتقصر الطريق عليهم (مر 11: 16). وهكذا يكون يسوع على حقّ. هو يطالب بالاحترام للمكان المقدّس. واليهود الفطنون حاولوا أن يتحقّقوا من صفة يسوع النبوية (هل هو نبي حقا؟). طلبوا آية. ولكن أليس هذا العمل الساطع آية؟ أم هم يبحثون عن معجزات تبهر العيون.
ومهما يكن من أمر، يقول يوحنا، إن كثيرين آمنوا به. ولكن يسوع لا يثق بهذه الحماسات السطحية. "ما في الانسان" هو هذا الميل السيء الذي به يشيد أبنية خياليّة تجعله "يحسّ" أنه في أمان. هذا هو وضع الهيكل الذي جعلوا فيه ثقتهم دون أن يغيرّوا أعمالهم.
ظنوا نفوسهم أنهم "يبنون"، فإذا هما يهدمون". يقول لهم يسوع: "أنقضوا هذا الهيكل". أما يسوع فهو يبني. إنه يعطي الحياة. إنه يبني جسده الذي هو الكنيسة.
من يتحدّث عن الغيرة، يرفع أنظارنا إلى الله. هذا هو وضع يسوع الذي يشارك الله في غيرته على شعبه. وهذا الحبّ هو حبّ يفضّل الفقراء، لا حب يريد أن يمتلك الآخر. بل حبّ يريد أن يعطي. وليس نار قشّ يشتعل بسرعة وينطفىء بسرعة.
وحاول التلاميذ أن يدخلوا الى ذواتهم. تذكّروا (ترد الكلمة مرتين) آية يسوع الفريدة، أي الفصح. هذه النقطة تحيط بالنص كلّه. وتفتح الطريق أمام عمل تحرير ظنّ عدد من الناس انهم يبنونه، فإذا هم يهدمونه. ولكن الحياة تفتح طريقها عبر الموت. ونحن نحتاج إلى ثلاثة أيام (هو 6: 2) لنكتشف أن بعد الدمار يأتي البناء والخلق، وبعد الموت الحياة.
حصل مشهد الباعة المطرودين من الهيكل قبل توقيف يسوع ببضعة أيام. ظلّ يسوع مدة سنتين يردّد النداء تلو النداء، ويُكثر من الآيات التي تدلّ على معنى رسالته. شفى العديد من المرضى، وقام بالفعلات النبوية التي تدهش العقول.
ولكنه لم يهتمّ إهتماماً زائداً بكل هذا. فهو فعل ما فعل "شبه مكره"، لأنه أشفق على هذا الشعب. رأى ضيق صغار القوم، فانتزعت منه هذه الرؤية أعمالاً وآيات تدلّ على علاقته الحميمة مع الله. ولكن لا التحدّي ولا الانذار استطاعا أن يحصلا منه على شيء. فاستقباله لخاطئة أو لطفل يشكّل عملاً طوعياً يحمل معنى عميقاً يساوي شفاءه للأعمى.
غير أن هذا لم يكن بكافٍ للذين رفضوا أن يستمعوا إليه ببساطة الأطفال. حتى بعد تكثير الأرغفة قالوا له: "أية آية تصنع لنراها ونؤمن بك؟ أي عمل تفعل"؟ فأجابهم: الآية التي يعطي والعمل الذي يعمل هو أن يتمّم إرادة الله أبيه.
وها هو في الهيكل ليعمل إرادة أبيه. أما المسؤولون عن شعائر العبادة فيريدون أن يحاسبوه عمّا فعل. غير أنه أجاب هؤلاء الناس العطاش إلى المعجزات، فخيب آمالهم. قال: "أنقضوا هذا الهيكل وأنا أبنيه في ثلاثة أيام". وقال أيضاً: "لن يكون لكم إلاّ آية يونان".
هذا يعني أن الآية النهائية الوحيدة هي آية آلامه وقيامته. فإذا أردنا أن نتعرّف إليها، نرتدّ، نبدّل قلوبنا وعقليتنا مثل وثنيّي نينوى الذين أحدثت فيهم كلمات يونان انقلاباً.
لقد قاد يسوع تلاميذه في طريق الإيمان المتجرّد. ظلّ بقربهم ذاك النجّار الفقير، نجّار الناصرة، الذي واجه مثلهم الفقر والتعب والقلق والالم والموت. وقيامته نفسها جاءت خفيّة، خفرة. هو لم يظهر في إشعاع مجده، بل بيديه ورجليه المجروحة وبقلبه المفتوح.
ونحن المؤمنين اليوم، أما نزال نطمع بآيات محسوسة ومدهشة؟ هل نقبل أن نثق في صمت الإيمان وبساطته، بذلك الذي أحبنا أولاً وبذل ذاته عنا؟
أيها الرب إلهنا. إنتزعنا من الرتابة والعادة والضجر. أعطِ قلوبنا القوة والشجاعة لنحطّم الاصنام التي "نفبركها"، ونفتح السجون التي نسجنك فيها. أيقظنا من سباتنا واجعل كلمتك تُحدث فينا إنقلاباً فنكون حقاً هذا الهيكل الذي تبنيه أنت وتجعله مقاماً يليق بك وبالثالوث الاقدس.
6
الذهاب الى النور
3: 14- 21

يجب ان يُرفع ابن الانسان، فينال كل من يؤمن به الحياة الابدية.
صعد يسوع إلى السماء. ولكن قبل ذلك وجب عليه أن ينزل. هذا ما قاله يسوع في 3: 13. وبعد هذا بدأ الصعود البطيء. لسنا بعد في المجد: حيّة مرتفعة في البرية، صليب منصوب فوق العالم. نحن مجبرين في هذين المشهدين إلى أن نرفع عيوننا إلى فوق. سنرى فيها بوضوح كامل ما يقتلنا. حين تظهر وجهاً إلى وجه خطايانا وآلامنا، نحس وكأننا حصلنا على نصف شفاء. وهكذا نرى أمرين. الأول: لم يجعل يسوع نفسه في هذا الوضع "المزعج" لكي يديننا ويحكم علينا. لا شكّ أن الدينونة ممكنة من فوق، ولكن لا في مثل هذه الظروف. الثاني: البشر غريبون في تصرّفهم. إذا كان هناك شخص على الصليب، فهذا يعني أن أحداً وضعه عليه. الصليب يكشفنا لذواتنا. ينزع القناع عن أعمال الظلمة التي فينا. يدعونا لكي نعمل للحق.
إن الصليب يكشف إيماننا ولا إيماننا. كما فعلت الحيّة في الماضي. فهذه الحياة التي تنهش عبيداً هاربين في الصحراء تجعلهم أيضاً سريعي العطب. أما يجب أن نعود إلى الوراء، إلى مصر؟ ولكن مصر هي أيضاً محرقة مع "أفرانها" المعدّة لصبّ المعادن. فالحية المعدنية هي مرآة شكوكنا ومخاطَراتنا. وهذه العلامة تدفعنا إلى التفكير، إلى الإيمان. نقرأ فيها بصورة خاصة إيمان الله الذي أحبّ العالم فوقف بجانبه. لم يكن هذا العالم جميلاً ولا محبوباً. غير أنه صار كذلك بإرادة ذاك الذي آمن بامكانيّته أن يفبرك "عالم الابد".
من يؤمن يفلت من الدينونة. من لا يؤمن يدين نفسه بنفسه. تظهر أمامه فظاعته حين يسرّ بوجوده في الظلمة. هو يفضّل أن لا يرفع عينيه. هو يعمل في الظلمة فيظن أنه ينجو من عيون الناظرين، ولكن حين يوجَّه عليه شعاع من نور، يحب بالخزي، يُنزع عنه القناع، "يقع في الجرم المشهود".
الصليب هو هذا الينبوع المضيء الذي يتوجّه إلينا ويقدّم لنا خشبة خلاص. ولكننا نستطيع أن نبغض النور. غير أن هذا النور يذكّرنا بلا شكّ بما لا نريد أبداً أن نعرفه. حين نرفض اليقين الذي يُقدّم لنا، لن تستطيع حياتنا أن تمسك نور رغباتنا الخفيّة.
نحن نعمل للحقّ حين نحبّ. هذا ما نفهمه من كتابات القديم يوحنا. وحين نكون صادقين. نحن لا نعني بطريقة مباشرة نشاطاتنا. بل حبّ النور يعطينا رؤية أفضل، وبالتالي يعلّمنا كيف نتصرّف. فالأعمال "تتبع" الانسان (رؤ 14: 13). فالذي وجد في المسيح نور حياته يستطيع أيضاً أن يحيا، أن يحيا دائماً، أن يحيا في الله. يجب أن نعمل للحق (ننزع من قلوبنا كل كذب) فتنفتح عيوننا. نحن نحتاج إلى حقائق سامية لئلاّ نتلذّذ بحقائقنا الحقيرة. حينئذ نكتشف هذه الحقيقة المذهلة وهي أن ما نعمله هو عمل الله. أحبّنا واتخذ المبادرة فأعطانا كل شيء. هذا ما يجب أن يشفينا إلى الأبد من كل مقاوماتنا. هذا ما يجب أن يدعونا إلى الإيمان الذي هو تعلّق تام بالذي أحبّنا حتى أرسل ابنه الوحيد.
حين يطل الخطر والشقاء، إلى ماذا أو إلى من نلتفت؟ هناك بعض الناس يتطلّعون إلى "تعويذة"، إلى "خرزة زرقاء" وضعوها في سيارتهم. والبعض الآخر الجالس في البيت، يتطلّع الى السقف (ربما أعلى). أما الولد الذي يقع ولا يستطيع أن يقوم، الذي يرى كلباً هاجماً عليه، الذي لا يستطيع أن يمسك بغرض لأنه ثقيل أو بعيد، فهو يصرخ إلى أبيه أو أمه: هما أكبر منه. إذن، يستطيعان أن يخلّصاه أو يساعداه.
هناك خرافات عتيقة تحرّكنا في تصرّفاتنا: نضع على الباب نضوة حصان أو غيرها من الأشياء لنحمي داخل البيت. نتخيّل سلطة محامية تشرف على الوضع المقلق وتخلّص من الشّر الآتي.
هذا ما فعله الشعب في البرية بقيادة موسى: رفع عينيه إلى صورة حيّة شافية (شعار الصيادلة) مصنوعة من النحاس، ليُشفى من عضّات الحيَّات القاتلة (عد 21: 4- 9). ولكن حين تطلّع الشعب إلى هذا "الجسم" الذي يحمل العناية، إرتدّ إلى الله، ترك تمرّده وعرف في الرب مخلّصه الوحيد.
ومن جيل إلى جيل نقل إلينا آباؤنا في الإيمان هذا العمل العفوي: نرسم الصليب على الجدران، في الكنائس، في البيوت، على مفارق الطرق. ونرفع عيوننا إلى ذلك الذي رُفع عليه. قد يكون مرسوماً في عري تام مع إكليل الشوك، أو في مجد القيامة. غير أن يسوع على الصلّيب يبقى العلامة الدائمة لخلاصنا والتحوّل التام في عالم الفشل والسقوط والموت.
كان الصليب عذاباً مهيناً، فصار عبوراً إلى المجد السماوي. كان الصليب طريق الموت، فصار عبوراً إلى الحياة الجديدة. كان الصليب حكماً قاسياً، فصار عبوراً إلى برّ الله. كان الصليب مغلّفاً بالظلمة (مر 15: 33)، فحمل إلينا نور الفصح والقيامة. دلّ الصليب على فشل هذا النبي وتشتّت جماعته، ولكنه ولد شعباً جديداً.
فهل يكون يسوع "الحل السحري لكل مشاكلنا"؟ نعم، ولكن بالايمان، لا بالجحود والكسل. فالإيمان يعني أن نتبع المسيح ونسير وراءه، ونشاركه في حياته، ونتقبّل كلمته، ونأكل من خبزه المكسور الذي هو علامة موته. وبمختصر الكلام: نحمل صليبه على طريق الفصح. "كل من يزمن به لا يهلك، بل ينال الحياة الأبدية".
إن رفْعَ عيوننا نحو الصليب في كنائسنا وبيوتنا هو عمل "فصحي" نقوم به بعفوية: نتقبّل فينا وحولنا القوّة والنور من القائم من الموت. وهذه الدينامية التي هي عمل الله، تطلب منا أن نعمل لنقلب الضيق البشري الى راحة، والضلال الى حقيقة، والفشل إلى نجاح.
صليبك يا يسوع هو علامة الفشل والألم، علامة الموت الذي لا مفرّ منه. ولكنه أيضاً علامة حبّ الله الجنوني من أجلنا. والبرهان على أن الخلاص أرسل إلى جميع البشر. فنحن الذين ننوء تحت أثقال الحياة، لنقترب من هذا الينبوع الذي يفيض بالحياة ولننظر إلى ذاك الذي طعنّاه. فهو أكبر من قلبنا!
7
عطية الله
4: 1- 42

من يشرب من الماء الذي أعطيه أنا، فلن يعطش أبداً.
يبدو لقاء يسوع مع السامرية بشكل دراما (كما على مسرح) مع مشاهد متعاقبة تجعل العمل يتطوّر ويتقدّم.
الإطار واضح: بئر يعقوب المحمّل بالذكريات منذ أيام الآباء، يقع على الجبل المقدس الذي ما زال السامريّون يذبحون عليه حتى اليوم الحمل الفصحي (جبل جرزيم).
الوقت: ساعة الظهر والحرارة على أشدّها. الساعة التي ستكون خاتمة الوحي.
الأشخاص في المشهد الأول (آ 1- 26): يسوع وقد تعب من السفر، فجلس على حافة البئر. وامرأة تحمل معها دلوَها (جرّتها). من يقطع هذا الصمت ويبدأ الكلام؟ يسوع بطلبه الذي اعتُبر في غير محلّه. ولكنه أردف مع ذلك: "لو كنت تعرفين عطيّة الله ومن هو هذا الذي يطلب منك ماء"! لكل جزء من الجملة أهميته. في وقت أول، أيقظ يسوع عند المرأة رغبة في ماء بحيث لا تأتي لتملأ جرّتها كل يوم. بل ماء يجري دوماً بارداً من نبع لا ينضب.
وقالت المرأة ليسوع: "هل أنت أعظم من أبينا يعقوب"؟ مع هذه الكلمة الساخرة، نستشفّ فضولية المرأة التي ترغب في التعرّف الى مُحاورها. ونستطيع أن نتتبّع التدرّج (على مدّ هذا النص) في اكتشاف هوية هذا "اليهودي" التي سترى فيه النبي ثم المسيح. ولكن يجب قبل هذا أن تعي المرأة وضعها الاخلاقي الخاص.
عطيّة الله! فمن هو هذا الإله الذي يريد أن يعطي حياة تجري إلى الأبد؟ قد نضع جانباً الجدال حول موضع العبادة: في أورشليم أم في جرزيم؟ ولكن هذا الجدال يتضمّن عنصراً هاماً جداً هو: وحي الله كأب، كإله يبحث عن العابدين الحقيقيين بالروح والحقّ. قبل هذا، جاءت المرأة لتستقي ماء، فطلب منها يسوع ليشرب. والآن، ها نحن مدعوّون لاكتشاف "الفاعل" غير المنظور: الآب الذي بكلمة ابنه يسوع يريد أن يدخل في حوار حقيقي مع جميع البشر في الأرض كلها.
وننتقل إلى المشهد الثاني (آ 27- 42) مع وصول التلاميذ. يقابل موضوعُ الخبز موضوع الماء. وساعة الظهر توافق ساعة الحصاد. للوهلة الأولى لم يفهم التلاميذ (كما لم تفهم المرأة) كلمات يسوع وما فيها من "ألغاز". عن أي طعام يتكلّم، عن أي عمل يتحدّث؟ إتمام إرادة الآب (6: 38- 40؛ 17: 4). هذا يعني أن نبدأ حواراً رغم اللياقات الاجتماعية. أن نرغب في ملء الحياة قبل أن نقوم بفحص ضمير دقيق، أن ننفتح على علاقة عميقة مع الآب الذي يخطو دائماً الخطوة الأولى لكي يأتي إلينا.
وترد أقوال عن موضوع الزرع والحصاد. وهناك مثل لدى الفلاحين يقول إن الوقت لم يحن بعد من أجل الحصاد. سيتجاوز يسوع الظواهر ويدعو أخصّاءه ليكتشفوا أن الساعة قد جاءت الآن. نحن اليوم في يوم الخلاص.
وخاتمة الخبر تحمل إلينا توسيعاً حاسماً. فالمرأة التي تساءلت بخفر: ما يكون المسيح؟ ها صارت مرسلة الى قريتها. وتراكض الناس وأعلنوا في النهاية أن يسوع هو مخلّص العالم. هذا إعلان جوهري في مسيرة الارتداد: انطلقنا من حاجات فرديّة نشعر بها كل يوم، من توق إلى الحياة، من تجذّر في تقاليد دينية خاصة. وها هو وحي الآب يحرّك انفتاح القلب هذا ويجعله يتجاوز كل الحواجز. الايمان يقوم بأن نرى في يسوع ذاك الذي يحمل الآن الخلاص للعالم.
الماء الحيّ الذي وعد به يسوع، هو أولاً كلمة الوحي التي تفتح الانسان على حبّ الله الآب. ولكن كيف تولّد هذه الكلمة نتائجها من دون عمل روح الحق الذي لن يُوحى به بشكل تام إلاّ حين يسيل الدم والماء من قلب يسوع المطعون على الصليب (19: 34).
إذا أردنا أن نعي كل ما يمكن أن تدل عليه لفظة "عطش"، يكفي أن نتذكّر نفوسنا في الصحراء، أو ننظر إلى دعاية حول بعض المشروبات. لا يمكن أن نبقى لا مبالين. ولكن هذا يدلّ أيضاً على رغبات لا نعرف أن نسيطر عليها. والحال أن الله خلقنا بعطشنا وجوعنا، ويهمّه أن لا تخيب آمالنا، بل تتحقّق شخصيتُنا تحقيقاً صحيحاً.
تألم العبرانيون في الصحراء من العطش. إحتاجوا إلى الماء. جنّ جنونهم، فظنوا أن الله جاء بهم إلى هنا لكي يميتهم عطشاً. يا له من تخيّل خاطىء! فالله سيكشف عن نفسه مرة أولى على أنه ينبوع فيّاض بالحياة، أنه يقود الى الماء الذي يطفىء العطش. وعلى بئر يعقوب، سيذهب الله أبعد من ذلك: ففي ابنه يسوع طلب أن يشرب من السامرية. لقد أخذ على عاتقه كل عطش فينا لكي يهدّئه، بل لكي يملأه بحياته ويفتح أمامنا الطريق التي تقود إلى كماله.
وحين كان يسوع يمشي على طرقات البشر، كان طعامه أن يعمل إرادة الذي أرسله (آ 34). وفي مساء خميس الأسرار، أعطى الكأس لتلاميذه وأعلن لهم: "لن أشرب من عصير الكرمة إلى أن يأتي ملكوت الله" (لو 22: 18). وعلى الصليب، حين جاءت ساعته صرخ بصوت عظيم وأعلن أنه عطشان (19: 28). وهكذا دلّ على أنه مستعدّ لأن يذهب إلى النهاية في تتميم رسالته. كما قال مز 14: 3؛ 62: 2: "نفسي عطشى إلى الإله الحي. أنت ربي الذي أبحث عنه. نفسي عطشى إليك".
وخلال صعودنا إلى الفصح، يوجّهنا المسيح نحو ينبوع الحياة، نحوه هو بالذات. لنتقبّل كلمته. ولنتبعه في الطريق الذي يقدّمه للسامرية ولنا. يجب أن نتجاوز عطشنا إلى الماء وجوعنا إلى الطعام، فنصل إلى عطش وجوع إلى كلمته، إلى الاتحاد به من أجل تحقيق ذواتنا.
إنه يدعونا لنقاسمه الجوع (والعطش) الذي يحمله. وهو يأتي ليملأه بطعام القيامة الذي هو الافخارستيا: فهي ينبوع ينشر حبّ الله في قلوبنا، أي الروح القدس. وحين يعود في المجد، سنسمعه يقول لنا: "كنت عطشاناً فسقيتموني" (مت 25: 34).
قام يسوع بالخطوة الأولى. قام بعبور حقيقي. مرّ عبر السامرة التي تبغضها أورشليم. وخطا خطوة ثانية: تحدّث مع امرأة، وهذا ما طرح سؤالاً على التلاميذ. وفي الخطوة الأخيرة طلب ماء ليشرب كرجل يحسّ بالعطش.
تعرّفت السامرية إلى يسوع، علماً أنه إنسان منفتح لا قصير النظر ومحدود. تلك كانت بداية مسيرة الايمان. ولكن يسوع قلب الطلب الذي طلبه عند حافة البئر. فهو الذي يعرض الآن على المرأة أن يقدّم لها الماء الحي لتطفىء عطشها. تردّدت المرأة. ليست أكيدة بأنها فهمت جيداً. فأعطاها الإيمان أن تخطو خطوة أخرى. ينبوع الماء الحيّ عطيّة الله، يسوع هو إنسان حقّ وإله حقّ، الماء الذي يتحدّث عنه يسوع ليس الذي يخرج من ينبوع مثل نهر. لهذا تستطيع السامرية أن تترك جرّتها التي لا تحتاج إليها لكي تؤمن: "من يؤمن بي ليشرب" (7: 32). هل نحس بعطش إلى الإيمان؟
أيها الرب يسوع أريد أن أشرب كلماتك حتى آخر نقطة. أريد أن أغطس في إنجيلك كما في بحر واسع. أريد أن أترك حب أبيك يغمرني كما في طوفان. حينئذ تقودني إلى ينبوع الحياة الذي لا نهاية له فلا أعود أعطش.
8
تكثير الخبز
6: 1- 15

أخد يسوع الأرغفة وشكر، ثم وزّع على التلاميذ، والتلاميذ وزّعوا.
نكتشف في هذا النص أن يسوع هو موسى الجديد الذي جاء يسير في مقدّمة شعبه من أجل خروج جديد. أمر لا يصدّق. يكثر الأرغفة بهذه الكمية العجيبة. إنه حقاً النبي العظيم الآتي إلى العالم!
وهكذا نبدأ قراءة هذا الفصل السادس من إنجيل يوحنا. يحيط بالخبر كلمتان. الأولى، الآية: إن آية الخبزات تتجاوز تجاوزاً بعيداً آية الأشفية وتجعل من يسوع النبي المنتظر. الثانية، الجبل. إنه موضع اللقاء بالله (هناك تقترب الأرض من السماء). وسيصبح في النهاية موضع العزلة الذي يتيح ليسوع أن يتفلّت من الجموع. ويحدّد يوحنا موقع العيد: عيد الفصح. هو العيد الثاني بين أعياد الفصح التي يذكرها الإنجيل الرابع. إذن نحن في وسط حياة يسوع العلنية. وهذا يحدّد أيضاً موقع الخبر بين عمل الخروج المحرّر والمن من جهة، وبين موت يسوع مع الحمل الفصحي والعشاء السري من جهة أخرى.
تفرّد يوحنا فذكر تدخّل فيلبس واندراوس اللذين يعتبران قريبين من اليونانيين (12: 22). إن هذا الخبر هو خبر يشدّد على الشكر أي الافخارستيا. إنه يتوجّه إلى عالم يوناني، وهو بعيد عن أسلوب "المباركات" الذي عرفه العالم اليهودي. يلعب يسوع دور "الموسوس" ليكتشف عقليّة تلاميذه المأخوذة بالتجارة. تحدّث النص عن "عطاء" أما فيلبس فعن "شراء". وأخرج اندراوس الجماعة من الحالة الصعبة. أدخل على "المسرح" فتى (وقد يكون "عبداً") فقيراً يحمل خسة أرغفة وسمكتين صغيرتين. هذه التفاصيل الخاصة بالإنجيل الرابع تضفي على المشهد نكهة مميّزة: فقير صغير يعطي خبزه الرديء وسمكاته الحقيرة من أجل الخير العام. دعاه أندراوس فقبل بمبدأ المقاسمة، بل رضي أن يُعطي كل ماله.
وزّع يسوع الخبزات مباشرة على الناس. هذا عند يوحنا. أما الإزائيون فجعلوا التلاميذ وسطاء معيّنين ومسؤولين عن خدمة الموائد. قد يكون فيلبس واندراوس لعبا هذا الدور عينه.
وجمع التلاميذ الكسر. ملأوا إثنتي عشرة قفة. جمعوا ما تبقّى بعد أن أعطوا كل شيء. نحن هنا أمام عطاء ومقاسمة. أربع حركات في الافخارستيا: أخذ، شكر، كسر، أعطى. لم يتحدّث يوحنا عن الكسر. فخبره يعني خبزات الشعير وخبز الكلمة.
إمتلأ بطن الجموع، ولكنهم لم يشبعوا (آ 12). إنهم يحتاجون إلى مخلّص يعتني بهم. ويسوع لا يأكل الآن من هذا الخبز، هو الذي لا يحتقر ما يحمله الفقير. لقد تواضع على مستوى الفقير. كان وحده ضدّ الجميع ومن أجل الجميع. إختفى في الجبل وترك الناس في "جوعهم". إنه هذا الخادم الذي يؤمّن وحده "التوزيع". إنه وحده الرب الذي فيه يجد الجميع قوتهم. إنه وحده مع أبيه للصلاة. ففي نظر يوحنا، المهم هو رفض كل ما هو "برّاق" لكي نبني الكنيسة. فيسوع يعطي ذاته نفساً وجسداً من أجل عالمنا.
نستطيع أن ننظر حيث نريد، في داخل جماعاتنا المسيحية أو إلى المهمّات التي تنتظرنا في العالم. وفي كلا الحالين نحسّ بالضعف حين نسمع نداءات الله ورسله. مثلاً، يقول لنا بولس (أف 4: 1- 6): "إحتملوا بعضكم بعضاً بمحبة، واسعوا للمحافظة على الوحدة في الروح". ويسوع نفسه لا يني يرسل الجماعات: "كما أرسلني أبي، أنا أرسلكم أيضاً" (يو 20: 21). ولكن كيف يبدو الواقع؟ هل جماعاتنا هي موضع أخوّة؟ أين هي شهادتنا تجاه الذين يجهلون الإنجيل؟ هل تحمل ثمراً؟ هذا ما لا نستطيع أن نقوله.
حين نحسب حساب إمكانياتنا وإلتزاماتنا الرسولية، نشبه التلاميذ أمام الأرغفة الخمسة (من نوع رديء) والسمكتين. "ما هذا لكل هذا الجمع"؟ نحسّ أنه لا نسبة بين الهدف الذي يجب البلوغ إليه والإمكانيات التقنية التي بين أيدينا. فإمكانياتنا الإقتصادية هزيلة: "لا تكفي أجرة مئتي يوم من العمل" (الدينار هو أجار يوم).
ومع ذلك حين كان يسوع على الجبل، لم يبحث في مكان آخر عن خبز أفضل وعن كمية كبرى. ولكن حين يتدخّل، يأتي روحه فيحوّل كل ما نضعه في تصرّفه. صارت خبزات الشعير طعام جمع كامل بعد أن أشع ضياء يسوع عليها. طعام وفير ووفير جداً، وقد بقي منه ما ملأ 12 قفة. وطعام ثمين وثمين جداً. يجب أن نجمع الكسر "لئلا يضيع منها شيء".
هذا هو الخبر المفرح الذي يحمله ظهور المسيح في قدرته: ولقد تأثّر التلاميذ تأثّراً كبيراً بهذه الآية، فردّدوا الحدث ست مرات في الأناجيل الأربعة. منذ فصح يسوع عاشوا هذه الخبرة الحاسمة: القائم من الموت يعيش في جماعة المؤمنين، هو في وسطنا، هو فينا، هو يجمعنا. يجعلنا نعبر البحر ليحرّرنا من كل عبودياتنا، يقودنا إلى الجبل، جبل القيامة الذي كان منذ ثلاثة أيام جبل الفصح. حينئذ يصبح فقرنا غنى من حضوره فينا. وتمتلىء الصحراء عشباً. ويتحوّل الشعب التعب والجائع إلى كنيسة الله برسلها الإثني عشر (12 قفة): فعلى كل رسول أن يملأ قفة، فيكون بهذا الشكل راعي جزء من الشعب أوكل إليه أمر العناية به.
كل هذا نختبره في إجتماعنا الأسبوعي: نقف مع كل ضعفنا أمام المعلّم. نعبرّ له عن صعوباتنا. وقد ينبّهنا هو إلى صعوبات العالم كما فعل مع فيلبس. ثم نشكره فنذكر تدخّلاته في حياة شعبه، في جماعاتنا، في حياتنا الشخصية. ونعلن بدورنا: "حقاً، هذا هو النبي العظيم". فيطلقنا من جديد، ويرسلنا بعد أن ينفخ فينا روحه.
أيها الرب الإله. أنت تعرف الرغبات التي فينا وتعرف فراغ حياتنا. تعال إلينا وأطفىء عطشنا وأشبعنا من حبّك. فقلبنا لا يزال قلقاً مضطرباً حتى يسكن فيك.
9
أنا هو خبز الحياة
6: 24- 35

أبي وحده يعطيكم الخبز الحقيقي من السماء.
ونبدأ هنا بقراءة الخطبة عن خبز الحياة. بدأ يسوع فأزال سوء التفاهم. كثّر الخبزات، فظلَّ المعجبون به على مستوى الخبز الذي يشبع جوع البطن. أما يسوع فيريدهم أن ينتقلوا إلى الخبز الحقيقي، الذي يأتي من السماء والذي يعطي الحياة للعالم. وهذا الخبز هو يسوع نفسه. 
الحنين في قلب الإنسان يبقى تطلّعاً إلى الماضي. "أباؤنا أكلوا المنّ". من يستطيع أن يفعل مثل ما فعل موسى معهم؟ واتّخذ المنّ في العالم اليهودي المتأخر طابعاً عجيباً، بينما كان في البداية محنة وتجربة. قال حك 16: 20: "وزّعت على شعبك طعام الملائكة". وقال حك 16: 26: إن الإنسان لا يحيا بالخبز وحده، بل بالكلمة. وفي إنجيلنا تحوّلت الجموع تحوّلاً تاماً. بدأت متحمّسة. وها هي الآن ترى في تكثير الخبز آية بسيطة وقريبة من الإهتمامات البشرية. إنهم يريدون "آية من السماء". لا شكّ في أن يسوع هو الذي سبّب هذا "الإنقلاب". وبّخهم لأنهم لم يروا وراء الخبزات آية طعام آخر أكثر تقوية وأكثر روحانية.
وعلى هذا المستوى لا يستطيع يسوع أن يزاحم الماضي. وفي أي حال، فالتاريخ في تراجع كما يراه يهود ذاك الزمان. فلا تقدّم ولا تطوّر. والفردوس هو وراءنا، في البدايات. إذن لا بدّ من آية أقوى لكي نؤمن أن التاريخ يتقدّم. لما حسبوا يسوع ملكاً، لم يكونوا بعد قد رأوا فيه المسيح. وها هو يسوع يعتبر نفسه خبز الحياة. فهو وحده يستطيع أن يعطي معنى لحياة البشر، ويطفىء عطشهم إلى السعادة. وهذا الإعتبار الهائل يدهشنا. العمل هو شيء صالح. ولكن لا يكفي أن نعمل لكي نكتفي بتأمين لقمة العيش. إذن، كيف نعمل عمل الله؟ هو الذي يعمل في قلوبنا لكي نحيا، يعمل في العالم لكي يحيا.
في قانا أعاد النظر في شرائع التطهير التي تمنع الإنسان من الحياة. وحين طهّر الهيكل، أراد عالماً أكثر حناناً من أجل الفقراء. وحين تحاور مع السامرية، أعاد النظر في الفرائص المادية والخلقية والدينية التي تلقي بثقلها على أكتافنا. كل هذا يعرفه قارئو يوحنا. ولكن كيف يؤمنون أنه "نزل من السماء،؟ لا نعرف من أين يأتي المسيح (7: 27). أما هذا فكل الناس يعرفون من أين يأتي: إنه إبن يوسف (آ 42). ها هو أب جديد يقف بين الآباء والآب السماوي. هذا هو الحاضر بعد الماضي. ولكن حاضر الله وحده هو الذي يعطي الحياة. يستطيع يسوع أن يسمّي نفسه خبز الحياة الذي يُقيت البشر بكلامه وأفخارستيته التي تدفعنا إلى الأمام.
وأخيراً بحث الناس وتحيرّوا. لا يستطيعون أن يجدوا يسوع لا على المستوى الروحي ولا على المستوى المادي. "متى جئت إلى هنا"؟ إستعاد نشاطه كأنّ شيئاً لم يكن. ولكن لماذا يمتزج بهذا الشعب الحقير، شعب الجليل؟ يجب عليه أن يذهب إلى أورشليم ليظهر سمّو مقامه. ولكن هنا أيضاً، ليس هدفه طعام الأرض. ما هو جوهري في نظره هو صنع "الأبدية"، صنع أمور لا تفنى. كان المنّ طعاماً مؤقتاً، أما الإنسان الجديد فهو نهائي.
ونحن نطرح دوماً السؤال على نفوسنا: إلامَ نحن جائعون؟ ما الذي يحيينا؟ هناك جواب واحد يدلّ على تعلّقنا الكبير بالمسيح وبكلمات الحياة الخارجة من فيه.
من الجوع البدائي إلى الخبز والطعام، إلى الجوع إلى الحرية والحنان والكرامة، يتّخذ جوع البشر صوراً متعدّدة.
وفي هذا المجال نجد نموذجاً في مسيرة شعب التوراة "في الصحراء" مدة أربعين سنة. هذا زمن رمزي، يدلّ على حياة يكتشف فيها الإنسان تدريجياً، وعبر جوعه المختلف الأشكال، أن حبّ الله، يسوع، خبز الحياة، هو الغذاء الوحيد الذي يشبع جوعه إلى الحياة والحبّ، جوعه إلى أن يحب ويكون محبوباً.
هذه هي وقفة الحقيقة. فأي كنيسة وأي شعب لم يختبر يوماً في تاريخه عبور "البرية"، لم يكتشف فقره الجذري لكي يكون مستعداً لتقبّل عطايا الله! هناك "عبور صحراء" دراماتيكي: محنة أدبية أو صحية، فترة من الشكّ والإرتياب، جفاف وانفصال عن الآخرين، الشعور بأننا ندور في حلقة مفرغة.
وعلى المستوى الكنسي، قد تكون الرعية "ميتة" أو متراخية. وعلى مستوى الجماعات، قد نكون أمام أقلّية مسحوقة، أو شعب يمزّقه الحرب أو التخلّف... هناك صحراء الزوجين، صحراء الراهب والراهبة، صحراء المرض والعزلة. صحراء العقل والقلب.
بعد عبور البحر الأحمر، واجه الشعب صحراء الحياة اليومية. مسيرة طويلة إلى أرض الميعاد تتوزّعها التذمّرات التي تعلن: كفى! إلى أين نحن ذاهبون؟ لماذا هذه الطريق؟ من هو الله؟ أين هو الله؟ لماذا جعلنا في هذه "المعمعة"؟ أية آية يصنعها من أجلنا؟ وفي النهاية هذه الأسئلة هي أسئلتنا.
وسيتحسّر العبرانيون على الطمأنينات الكاذبة في عبوديّتهم القديمة. قالوا: كم مرة فضّلنا أن نأكل خبزاً طعمه طعم العبودية. أرغفة العبودية متعدّدة: خبز السهولة، خبز الراحة والرخاء، خبز الرتابة، خبز التراخي والتخاذل، خبز المساومات.
وهكذا تكون عظمة الإنسان بأن يسير ويتقدّم من "مخيّم" إلى "مخيّم" ليجعل جوعه رحيلاً إلى المطلق. قلما يختار الإنسان "الصحراء". فصحراء الواحد تختلف عن صحراء الآخر. ولكن لا بدّ من عبورها عاجلاً أم آجلاً. إنها مدرسة نتعلّم فيها الحياة، نتعلّم فيها أن نفكّر ونصلّي دون أن "نتلبّك" بزاد نكدّسه. وهكذا نتقبّل المنّ، عطية الرب اليومية. حين أتجرّد عن كل أجوبتي الجاهزة والسطحية، عن طمأنيناتي القديمة، يجب أن "أجوّع نفسي" لأتقبّل بتواضع كسرة "الخبز"، كسرة الإنجيل، كلمة الحياة التي تمنعني من أن أموت أو أيأس في "صحرائي". "من جاء إليّ لا يعطش".
نشكرك أيها الرب الإله على صبرك على أولادك، على إصغائك إلى ندائهم. فأنت إله أمين ما زلت تصنع المعجزات. تذمّر شعبك في البرية فأجبت على تذمّره بعطية الخبز وطلبت منه أن يتابع المسيرة. وعلى شاطىء البحيرة أشبعت جوع الراغبين بك وأعطيتهم خبزك. لهذا، بعد أن تغذَّيْنا من كلمتك وشبِعْنا من حياتك نريد أن ننشدك ونسبّحك من الآن إلى الأبد.
10
الخبز النازل من السماء
6: 41- 51

الخبز الذي أعطيه هو جسدي لحياة العالم.
قال يسوع: "أنا الخبز الآتي من السماء". فتذمّر الشعب: ماذا يقول لنا هذا الرجل؟ هو الخبز الذي ينزل من السماء. أجل، أجاب يسوع. آباؤكم أكلوا المنّ في البرية وماتوا. أما أنا يسوع، الخبز الذي ينزل من السماء، من يأكل منه لا يموت!
وهكذا تتتابع الخطبة عن خبز الحياة. الآب وحده يستطيع أن يجتذبنا إلى يسوع. ويعلّمنا من هو يسوع. نحن لسنا معلّمي نفوسنا بنفوسنا، بل أناس يعلّمهم الله. وهو يكشف عن نفسه تدريجياً في حياتنا. كما يكشف عن نفسه في حياة يسوع الناصري.
ولكن تبرز مشكلة حول يسوع. قال اليهود: نحن نعرفه جيداً. نعرف أباه وأمه. فكيف نرى فيه إلاّ شخصاً منّا. لو كنا مكان اليهود لتذمّرنا مثلهم بصوت خفي. إن يسوع سيجتذب إليه فيما بعد جميع الناس. أما الآن فيجب أن نصغي إصغاء مباشراً إلى الله ونتعرّف في يسوع إلى شخص الآب. إنه لا يرذل أحداً. وهذه الارادة العنيفة من أجل خلاص كل إنسان، آخر إنسان، هي جوهر ما في قلب الله الآب.
حين نرى يسوع، نتعرّف إلى كل قسمات وجه الآب. ومقابل هذا، حين نذهب إلى الآب، يقودنا هذا الذهاب بلا شكّ إلى يسوع. وهذه الديالكتية تتيح لنا بأن لا نتهرّب على طرق التجريد وما فيها من أخطار. نحن قد تحرّرنا الآن من الهلاك. ولنا الآن الحياة الأبدية. "هو يقيمنا في اليوم الأخير". تتكرّر هذه العبارة ثلاث مرات فنظن أننا أمام تناقض، بل نسبح بين امتلاك الحياة والوعد بها. لا شك في أننا ننتظر الحياة النهائية. ولكننا نلاحظ نقائصنا وتصدّعاتنا وضعفنا. هذا لا يجب أن يدفعنا لكي نصدّق أن كل شيء سيأتي، بل كل شيء حاضر. يسوع هو خبز الحياة اليوم. نحن نحيا منه اليوم ونحيا ملء الحياة.
نحن نشهد الآن منعطفاً حاسماً في خطبة خبز الحياة هذه، وهو الصلة بين الخبز والجسد في آ 51. إن يسوع فكّر حتى الآن خصوصاً بتعليمه. وها هو يفكّر بشخصه الذي يجب أن نتشبّه به. هو لا يتكلّم عن جسده، بل عن لحمه ودمه، عن كائنه المائت والفاسد والقابل للتلف. إن الخطبة الافخارستية الحقيقية تبدأ هنا. نحن نشارك في موت المسيح، وهو موت لكي يحيا العالم. قد نستسلم للموت، وهذا خطير جدا. ولكن حين نموت لكي يحيا العالم ندخل في مسيرة الأبدية. إن المسيح لا يكتفي بأن يسهر بدقّة على حياتنا. بل هو يدعونا إلى السير والتحرّك. آباؤكم أكلوا المنّ وماتوا. نقصهم بُعد الأبدية، فالتصقوا بهذه الأرض.
الخبز الذي نزل من السماء كان محنة قاسية جداً. طلب منهم أن يتعلّموا التضامن: أو يعيشون معاً أو يموتون معاً. هلك جيل البرية كلّه. فلا يستطيع إنسان أن يخلص وحده. والمسيح يقدّم إمكانية الخلاص معاً. حين نرفض كل محاولة إنتحار، حين نقتدي بالله، نصبح تلاميذ إله الحياة. لا نعود نعيش نحن، بل يعيش المسيح فينا. هو لا ينزل من السماء كخبز يسقط في أفواهنا، بل ليملأ الكون ويجتذبنا إلى العلاء. حين نقتدي بالله، لا نقتدي به حرفياً وخارجياً، بل نُدخل كيانه فينا فنتأثّر به تأثيراً عميقاً.
المؤمن هو من يصدّق ما لا يصدّق، من يصدّق ما قاله يسوع بهدوء لليهود: "أنا يسوع الناصري قد نزلت من السماء".
إحتج اليهود. وهذا شيء عادي بالنسبة إليهم وبالنسبة إلينا. فإن قبلنا هذا القول من دون مقاومة، دللنا على أننا لم نسأل نفوسنا حقاً عن يسوع المسيح، ولم نتعلّم كيف نقول نعم لهذا اليسوع فنسلّم ذاتنا كلها له.
أما النص الذي قرأناه اليوم فهو يدعونا إلى خيار شخصي جداً. فإن لم يكن يسوع بالنسبة إلينا إلاّ شخصاً سماوياً، فهذا يعني أنه غريب. وإن كان إنساناً عادياً، لماذا نسلّم إليه حياتنا.
يجب أن نمسك في يد واحدة هاتين الحقيقتين: يا يسوع، أنت إنسان مثلي. وُلدت على الأرض. ولكنك نزلت من السماء لتخبرني من هو الله وتقودني إليه. لهذا أنت جدير بأن نتبعك.
هناك من لا يستطيع القبول بألوهيّة يسوع. قال أحدهم: أضع يسوع في أرفع مقام. ولكن أن أركع أمامه وأسجد له! الله هو الله ولا يمكن أن يكون إنساناً.
ويأتي جواب يسوع فيقلقنا: "لا يستطيع أحد أن يؤمن بي إن لم يجتذبه الأب الذي أرسلني". أي إجتذاب؟ هذا ليس بعدلٍ. ويصبح الايمان شيئاً اعتباطياً وحتمياً. ولا يحصل عليه إلاّ المميّزون. وهكذا لا يستطيعون أن يقاوموا بعد أن يجتذبهم الإيمان إلى المسيح.
لا ظلم في اجتذاب الله لنا. ويسوع يقول: "أجتذب إليّ الناس أجمعين" (12: 32). هنا ندخل في سرّ عمل الله، في سرّ دائري: يسوع يجتذب، الآب يجتذب. الروح يجتذب إلى الإيمان. وهنا يبرز دورنا: نحن نقبل أو نرضى. وهكذا يزول خطر الظلم والحتمية. إجتذاب الله هو اجتذاب حبّ. وحين يكون الاجتذاب قوياً، نستطيع، يا للاسف، أن نرفض نداء الله.
لا يرفض الله النعمة التي تجعل الإنسان يتعلّق بيسوع. متى تعطى هذه النعمة وكيف؟ هذا ما لا نعرفه. ولكن مهما يكن الطريق الذي يقود إلى يسوع الانسان والاله، فيبقى علينا أن نتقدّم حين نرى أول إشارة تطلّ علينا.
أيها الرب إلهنا. أنت وحدك تستطيع أن تجتذبنا إلى ابنك، أنت وحدك تستطيع أن تقودنا إليك. زدنا إيماناً بكلمتك وثبّت رجاءنا في حبّك. وليتحقّق فينا وعد القيامة الآن وإلى الأبد.
11
الطعام الحقيقي
6: 62- 58

جسدي هو القوت الحقيقي، ودمي هو الشراب الحقيقي.
أعلن يسوع قال: "أنا الخبز الحي... من يأكلني لا يموت". فاحتجّ الجمع مرّة ثانية: كيف يستطيع أن يعطينا جسده لنأكله؟ أجاب يسوع أنه يجب أن نفهم كلامه على حرفيته، في معنى واقعي. "إن لم تأكلوا جسد إبن الانسان وإن لم تشربوا دمه، فلا تكون فيكم الحياة". هذا واضح: إذا أردنا أن نحيا إلى الأبد لكي نقوم، علينا أن نأكل من هذا الخبز.
تكلّم يسوع عن خبز الكلمة. وها هو ينتقل الآن إلى الطعام "الحقيقي". يجب أن "نمضغ" هذا "اللحم". يجب أن "نقرشه"، نلتهمه. هي صورة واقعية لا نجدها إلاّ في هذا المقطع. لسنا أمام رمز، بل أمام طعام إفخارستي. يتحدّث يسوع عن لحمه ودمه. الجسد هو الانسان كلّه في كيانه المادي والروحي. أما "اللحم والدم" فهما الوجهة المائتة في الانسان. وحين نفصل الدم بوضوح، نلمّح إلى مقتل يسوع، إلى دمه المسفوك والمراق: حين نأكل اللحم ونشرب الدم، ندخل في موت المسيح.
وهكذا نصير بشكل من الأشكال قبر يسوع. وعند ذلك نتفرّد بالحكم عليه بالموت. هنا نفهم ردّة الفعل لدى سامعين عديدين انصدموا فابتعدوا عنه. ومنذ الآن هم يجادلون بعنف. لا نظن أنهم يخافون من أفكار "أكلة لحوم البشر"! ولكنهم دهشوا حين سمعوا أننا نستطيع أن نغتذي مما هو زائل ومائت. ومع ذلك، هذا هو الطعام الحقيقي: لا نتلذّذ في أفكار مريضة، بل نعطي حياتنا بشكل ملموس مع طبيعتنا الضعيفة. هذه هي الوسيلة، لكي "نثبت" في المسيح، ونسكن دوماً في حضرته. نحن نشابه المسيح في موته لنحيا في قيامته. وإلاّ، فلا نفع من جسده ودمه.
ويتابع النصّ: "الجسد لا يفيد سيئاً، أما الروح فيحيي" (آ 32). فاللحم والدم ليسا بشيء من دون قدرة الحياة هذه التي تربط المسيح بأصدقائه وتعطي جسده طعم الخبز وطعم الأبد. ولقد وعى يسوع عظمة ما يقول، ولكن عليه أن يقوله لئلا يكون بجانب الحياة الحقة لا في داخلها. منذ البداية اتهموه بأن أفكاره أرضية؛ ولكن كيف لا يكون ذلك وهو الذي يريد أن يرفع قيمة كل ما يصنع حياة البشر. فالافخارستيا، هذا الطعام الروحي، تتسجّل في منطق الخبز. يجب أن نعيش "عبر" المسيح. إن حياة الله تخترقنا من جهة إلى جهة. والافخارستيا هي بعثة وإرسال. لقد أرسل الآب ابنه ليكلّمنا عن الحياة، عن الوجود.
ويذكر يسوع مرّة أخرى أن الآباء ماتوا بعدما أكلوا المنّ. هذا لم يمنعهم من أن يموتوا. فالشهوة أغلقتهم على ذاتهم. والطعام الحقيقي هو هذا الفرح بأن ندعى إلى مائدة الحكمة وأن نتذوّق لذة الحياة معها. ولكن الكارثة تظهر حين نستسلم إلى ملذّات الجسد. يجب أن نكتشف فرح الروح. إن الطعام والشراب هما حقيقتان من الحياة اليومية بحيث لا يفلت منهما مجال من مجالات حياتنا. فالذي يدخل فينا هو الذي يقوّينا.
الحياة، عاش. كلمتان تملآن سطور الكتب وعناوين المجلات. ونجدهما في الأناجيل. فيسوع هو أيضاً يكلّمنا عن الحياة. بل يقدّم نفسه على أنه الحياة وملء الحياة. هذا التعليم وهذا الوحي يملآن إنجيل يوحنا.
الحياة سرّ. نستطيع أن ننميها أو نخنقها، ننقلها أو نلغيها. ولكننا لا نستطيع أن "نفبركها". هي تُعطى لنا عطاء. ومن هذا القبيل هي تتجاوزنا وتفلت من أيدينا إلى كل جهة.
الحياة فينا هي دينامية لا تُقاوم. ونحن نتمسّك بالحياة. ماذا نفعل لكي نحافظ عليها، لكي نحافظ على صحتنا! ومع ذلك، يجب علينا أن نموت، أن نترك هذه الحياة. كلا! فيسوع يخبرنا بقوة القيامة، وهو يبدّل مسيرة الموت بحيث نعلن في صلواتنا: "بالنسبة إلى المؤمنين بك، يا رب، الحياة لا تتدمّر بل تتحوّل".
وكشف لنا يسوع في تعليمه عن الخبز الحي شروط ووجهات سرّ الحياة هذا الذي لا يدمّر. وقدّم لنا البرهان التالي:
- إذا أردنا أن نبقى على قيد الحياة، يجب أن نأكل ونشرب. هذا ما نعرفه. ولكننا نعرف أيضاً أن الطعام لا يحفظنا من الموت.
- ويجيبنا يسوع: إنه يقدّم لنا بنفسه طعاماً وشراباً للحياة الأبدية. بل هو بنفسه ذاك الطعام وذاك الشراب.
- بعد هذا، حين نأكل جسده ونشرب دمه يثبت فينا ونحن فيه. وحضوره فينا هو منذ الآن حياة أبدية.
ويلجأ يسوع إلى عبارات تصدمنا وتثيرنا: هضم الطعام والشراب. نستطيع أن نستخرج النتائج. ولكن نلاحظ أن سرّ حضور المسيح الحقيقي فينا يتجاوز نواميس الطبيعة. لهذا نشير إلى هذا الاختلاف الكبير: إن الاطعمة التي نأكلها تتحوّل، تخسر واقعها الخاص. تهُضم فينا. تصبح خلايا ودماً فينا. أما الأسرار المقدسة (الخبز والخمر في الافخارستيا) فتحوّلنا إلى جسد المسيح الكنسي: إن يسوع الطعام يحوّلنا إليه وليس العكس.
وهناك استنتاج آخر: بهذا الاتحاد الحميم بين المسيح والمسيحيين، نكوّن كلّنا جسداً واحداً معه. هو الرأس ونحن الأعضاء. وهذا يظهر بصورة خاصّة حين نلتئم في جماعة: يربطنا يسوع به، وبعضنا ببعض، وهكذا يبني جسده السري، وينعشنا بروحه الذي يُعطى لنا في إعلان الكلمة والتأمّل فيها ونقلها إلى الشعب المسيحي. ولذا نسمع نداء الرسل في جماعاتنا وخارجاً عنها، لكي نشكر الله على الحياة التي فينا ونثبت لا ذاك الذي هو الحياة.
أيها الرب إلهنا. تدعونا الحكمة اليوم إلى أن نأكل من الخبز ونشرب من الخمر اللذين هيأتهما لنا. أفهمنا بروحك أن طعامنا الأول هو كلمة يسوع، الكلمة الذي تجسّد في بشريّتنا، الكلمة الذي أعطى ذاته لنا حتى النقطة الأخيرة من دمه. فنسألك أن تدخلنا في سر ابنك أنت الذي تحبنا الآن والى الأبد.
12
الأمانة للرب
6: 59- 71

إلى من نذهب، يا رب؟ فعندك كلام الحياة الأبدية.
إنتهت خطبة خبز الحياة. وقدّم يسوع إعلاناً بعد إعلان فأحدث فراغاً حوله. تركه اليهود. بل تركه أيضاً عدد كبير من التلاميذ وتراجعوا عن السير معه. هذا كلام صعب، فمن يقدر على احتماله؟ لا نستطيع أن نسمع له بعد اليوم. وجاءت الساعة لكي يتّخذ الإثنا عشر قرارهم. قال لهم يسوع: "هل تريدون أن تذهبوا، أنتم أيضاً"؟ وجاء الوقت الذي فيه يعلنون إيمانهم: "إلى من نذهب يا رب"؟ هذه هي ذروة الفصل السادس في إنجيل يوحنا.
بعد الجموع التي تبحث واليهود الذين يتذمّرون، ها قد جاء الوقت ليتشكّك التلاميذ. لا يمكن تبول كلمة يسوع لأنها تعلن لهم موته، وهو الذي كادوا ينادون به ملكاً. كان يسوع قد تحدّث مراراً عن نزوله من السماء. وها هو يتحدّث عن وعوده. إن كان قد نزل على الأرض، فليس ليبقى فيها ولو كان سيموت. فالموت ليس الكلمة الأخيرة في حياته. وجسده المائت لا ينفع في شيء بما أنه جسد. لا معنى له إلا بوحدته في الروح. فكلمة يسوع هي قدرة حياة. إذن، لماذا لم يستطيعوا أن يؤمنوا؟ الإيمان هو عطية من الله. ونحن نختار المسيح بحرية تامة.
الإيمان هو قرار. فالذين ذهبوا ذهبوا بحرية تامة. وقال يسوع لرسله: "هل تريدون أن تذهبوا"؟ إن الحزن في الصوت لا يمنع حرية الخيار في شيء. وتكلّم بطرس باسم الإثني عشر. نحن نجد هنا إعتراف قيصرية فيلبس (مت 16: 16). وهو يجد مكانه بعد تكثير الأرغفة: إختلف يوحنا عن الإزائيين حيث عبارة "قدوس الله" تستعمل بفم الشياطين الذين قالوا الحقيقة ولكنهم ظلوا بعيدين عن الواقع. فالعبارة تعني بشكل عام: المكرّس لله كالنذير (أو: المنذور) في العهد القديم. هي لا تدلّ بشكل مباشر على المسيح وعلى ابن الله.
يمكن أن لا يكون بطرس على مستوى الحالة، رغم جمال كلامه. قال؟ "إلى من نذهب"؟ قد يعني هذا الكلام: لم نجد أفضل. كلّمهم يسوع عن حياة دائمة، فهو يستحقّ أن نسمع له. إن خطبة يسوع لفتت نظر بطرس وأصدقائه، رغم تحفّظاتهم، وهذا أمر لا بأس به. ثم إن بطرس تحدّث في صيغة المتكلّم الجمع (نحن)، فاتخذ كلامه شكل إعلان إيماني.
كل نهاية هذه الخطبة هي تعليمية وثالوثية. هكذا أرادها يوحنا وهي تقول لنا إن الحياة ليست في الأشياء، ولو كانت الخبز والجسد. إنها في كلمات ننقلها وقلوب موحّدة. هناك تجسّد ضروري لله في تاريخنا. وفهم التلاميذ أنّ لا حياة إلا إذا كانت موضوع مشاركة.
واختار التلاميذ طريق الأمانة. وفي آ 70 يعلن يسوع أنه هو الذي اختارهم. ولكنه خاطر حين تركهم "أحراراً". لا شكّ في أن كلامه صعب وقاسٍ. إلاّ أن الناس اكتشفوا وجهة جديدة من خصيته. ولهذا عليهم أن يحدّدوا موقعهم من جديد بالنسبة إليه. في العهد القديم، كان على الشعب أن يعلن إيمانه بطريقة منتظمة (الإحتفال السنوي بالعهد، يش 24: 1- 18). هكذا يفعل الزوجان اللذان يختاران معاً وبكل حرية "النير الواحد"، المهمة الواحدة.
إن رفقة يسوع تفترض خياراً نتّخذه كل يوم، حتى حين يكون كلامه شعب. هذا هر الوضع الذي عرفه التلاميذ حين قدّم لهم نفسه طعاماً، وحين أعلن لهم أنه يقدّم لهم موته، يقدّم لهم جسده ودمه.
سأل يسوع: "أهذا يصدمكم"؟ هو يعرف كل المعرفة أن بعض أقواله "غير مقبولة". هي لا تُحتمل في منطق العقل البشري. هي تحدٍّ لعقلنا المفكّر. هناك ما يسمّى "المسيحية الشعبية". أي إن يسوع كان منفتحاً على الجميع، متنبهاً للمحرومين والمرذولين. وهكذا اجتذبت إليه فعلات الشفاء جموعاً مندفعة. لا شك في أن في رسالة يسوع وجهة شعبية. ولكن...
ولكن يجب أن نقرّ أن جزءاً كبيراً من تعليمه الهادف إلى فتح البشر على الحقائق المتعالية، كان يمرّ "فوق رأس" السامعين (لم يكونوا يفهمونه). وحتى أقرب تلاميذه لم يفهموا شيئاً من هذه المسيرة الفصحية، مسيرة الموت والقيامة. وفي النهاية، لنقل بصراحة: إن يسوع خيّب آمال "الشعب". هو لم يماشهم في انتظارهم. وعند الصليب، أين هم جموع المقعدين والعرج والعميان والمرضى؟ أين هم أولئك الذين شبعوا خبزاً؟ بعد هذا، لا نستطيع أن نقول إن المسيحية ديانة "شعبية"! بل هي ديانة متطلّبة.
ثم، إذا كان يسوع قد تألمّ حين لاحظ أن "عدداً كبيراً من تلاميذه تركه وما عاد يسير معه"، فقد أقرّ أن المدلول العميق لأقواله وفعلاته لا يُفهَم من دون نور داخلي يُرسله الروح.
"الروح هو الذي يحيي. أما الجسد فلا نفع منه. والكلام الذي كلّمتكم به هو روح وحياة". هذا واضح. فالروح وحده الذي ألهم يسوع ويقيم في القلب، يستطيع أن يرفعنا على مستوى يسوع وكلماته. إنه ينبوع فعل إيماننا الذي يجعلنا نثق بيسوع دون أن نفهم كل ما يوحي لنا عن سرّ الله والإنسان.
لنقبل بالواقع دون أن نعتبر نفوسنا مخطئين. فنحن لا نستطيع أن نستوعب كل مضمون المسيحية دفعة واحدة. إيماننا هو نموّ ديناميكي وتاريخي (أي: ينمو مع التاريخ) يُدخل في ذاته شيئاً فشيئاً كل معطيات الوحي التي وصلت إلينا في يسوع المسيح.
لي ثقافتي وإحساسي ومسيرتي الشخصية. في هذا الإطار، هناك أسئلة عن الكنيسة وتقليدها. عن بعض كلمات الانجيل التي أرفضها أو لا أفهمها أو أجعلها في قاعة الإنتظار، دون أن أخاطر بإيماني. قال يسوع: "أتريدون أن تذهبوا أنتم أيضاً"؟ وفي عمق تساؤلنا وشكّنا، يتمتم الروح فينا: "إلى من نذهب يا رب. فعندك كلام الحياة الأبدية". وبالرغم من أسئلتي التي لا جواب لها، انت تحمل إليّ نوراً فيّاضاً وتماسكاً في حياتي اليومية.
ثم إن السلام والفرح اللذين يقيمان فيّ حين أقبل بأن أتبعك، هما العلامة بأنّني لم أخطىء الإتجاه، بأنني أسير إلى الحق. ماذا يكون مصير الإيمان إن لم يتضمّن إختياراً مؤسَّساً على حبٍّ واثق بالله؟ "أما نحن فقد آمنّا وعرفنا أنك القدوس، قدوس الله".
صلاتنا إليك يا رب عن الذين لا يقاسموننا إيماننا. عن الذين يرفضون أن يتكلّموا عن المسيح. عن الذين يبحثون لديه عن كلمات الحياة. صلاتنا من أجل الذين يستصعبون كلمات يسوع، والذين تؤثّر عليهم هذه الكلمات. صلاتنا من أجل الذين لا يرون في المسيح إلا مثالاً بشرياً، والذين بدأوا يؤمنون أن المسيح هو لدى الآب. صلاتنا لكي ننمو جميعاً في الإيمان فنعلن مع بطرس: "إلى من نذهب يا رب؟ فعندك كلام الحياة الأبدية".
13
أنا نور العالم
9: 1- 40

أتؤمن أنت بابن الله؟ قال: "آمنت يا سيدي". وسجد ليسوع.
دُوّن خبر المولود أعمى بفن دراماتيكي بارز. إنه يدل بالصورة على إعلان ليسوع خلال عيد المظال: "أنا نور العالم. من يتبعني لا يمشي في الظلام، بل يكون له النور الذي يقود إلى الحياة" (8: 12؛ 9: 5).
بعد مقدّمة لاهوتية حول سبب هذه العاهة، يتكثّف خبر المعجزة في آيتين (آ 6- 7). نلاحظ هنا (كما في كل إنجيل يوحنا) مبادرة يسوع: هو الذي رأى الأعمى. هو الذي وجّه إليه الكلام دون أن يطلب المريض شيئاً. وبعد فعلة تدل على خلق الإنسان الأول (جبل التراب)، إعتزل يسوع عن "المسرح". ذهب الأعمى وحده إلى البركة. تُرك تجاه الذين يلاحقونه بأسئلتهم ويهدّدونه بالطرد من الجمع (آ 8- 34). ولن يظهر يسوع إلا في النهاية ليكشف عن نفسه للأعمى الذي شُفي، ويعطي المعنى لهذا الإنقلاب التام في الوضع: الذين ظنوا أنهم يرون هم في الواقع عميان.
يجب أن نقرأ الخبر على مستويين: مستوى شفاء تام به يسوع يوم السبت، وما تبع هذا الشفاء من جدال، ثم مستوى مواجهة مؤلمة بين السلطات اليهودية وأعضاء من الجماعة المسيحية. وهذا مما تدل عليه آ 22: بعد دمار الهيكل سنة 70، فرض الفريسيون ترتيباً قاسياً في ما يخصّ ممارسة الشريعة، وقرّروا أن يطردوا من المجمع كل الذين يقرون بأن يسوع هو مسيح إسرائيل. تدبير مأساوي (رج 16: 2) لكل الذين كانوا مسيحيين وأرادوا أن يظلّوا أمناء للارث اليهودي. إن وضعهم يشبه وضع المولود أعمى.
ونلاحظ بعض وجهات هذه الفقاهة العمادية. تمّت المعجزة عن بُعد. تكلّم يسوع، فوجب على الأعمى أن يذهب ويغتسل في بركة سلوام. وأعطى الإنجيلي التفسير الرمزي لاسم العلم هذا: المرسل (في السريانية: شيلوحا). فينبغي على القارىء أن يفهم أن الماء الذي يعيد النظر ليس أي ماء كان، بل ذاك الذي يأتي من مرسَل الله (7: 37- 38).
وإن سلسلة الإستجوابات التي يخضع لها الأعمى تجعلنا نشهد تدرّجاً في إيمان الأعمى. تكلّم أولاً عن الرجل الذي يسمّونه يسوع (آ 11). ثم رأى فيه النبي (آ 17). وأخيراً ذاك الآتي من عند الله (آ 33). وصل إلى كل هذا من دون عون خارجي. وأهلُه أنفسهم تخلّوا عنه خوفاً من اليهود (آ 20- 23). وعند نهاية الدراما، جاء يسوع إلى الأعمى وقدّم نفسه كابن الإنسان أو إبن الله (آ 35).
شاهدنا في موضوع السامرية مراحل ارتداد ترتبط بالمحيط الذي تعيش فيه هذه المرأة. أما الآن فنشهد صراعاً مؤلماً يعيشه إنسان وحده فيقوده حتى نهاية بحثه، بالرغم من المعارضة المتصاعدة التي يقوم بها محيطه. فالمقابلة بين خبر السامرية وخبر المولود أعمى تساعدنا على إلقاء الضوء على طرق مختلفة يأخذها "الموعوظون" (يستعدون للعماد) لكي يبلغوا إلى المسيح نور العالم. ونجد هنا أيضاً تنبيهاً للمؤمنين الأكيدين من نفوسهم، المفتحرين بيقيناتهم. فقد يكون غير المؤمنين أكثر إيماناً من المؤمنين.
نحن في طبيعتنا لا نستطيع أن نقبل بالعبث. نحن نحتاج إلى معنى عقلي أو ديني لكل شيء. وأمام الألم الذي نتحمّله ظلماً، وأمام شقاء البريء، وأمام عبثية الشّر، يبحث الإنسان عن المخطىء أو المخطئين: نزوات الآلهة (في العصور القديمة)، شّر سرّي في أصل البشرية، الشياطين، ضعف البشر. إذا كان هذا الإنسان أعمى منذ مولده، فيجب أن نبحث عن خاطىء: هو أو والداه!
ما نستغربه هو أن يسوع لا يقدّم جواباً مباشراً على مشكلة الشّر. ولكنه يبيّن ويؤكّد أن هذا الشّر لا يأتي من الله، ويدلّ على أنه يعمل بكل قواه لكي يحارب الشّر على جميع المستويات. إنه وجه الرحمة والحنان لإله العهد الذي لا يريد الشّر.
هو يشفي الأجساد. ولكنه يريد بالحري أن يشفي قلب الانسان الذي ضربه شّر سرّي يجعله لا يسمع (أصم) كلمة الحياة ولا يرى (أعمى) نور الحقّ. وكان شفاء هذا الأعمى مناسبة ليدلّ على رغبة الله وهي: أن يحرّرنا من ظلمتنا. أن ينير قلوبنا. أن يجعل من كل واحد منا خليقة جديدة.
وهذا العمل، عمل التنقية والخلق من جديد، قد حصلنا على بذاره في المعمودية. وهذا السرّ الديناميكي يعمل على مدّ حياتنا. فنحن، شأننا شأن هذا الأعمى الذي ينمو إيمانه على مراحل، ما زلنا نتقبّل المسيح النور، لكي نكتشف فينا وحولنا مهاجمات الشّر وتواطئنا مع الظلمة.
إن المسيحيين الأولين في هذا الشرق سمّوا المعمودية "إستنارة". فروح معموديتنا هو ينبوع متواصل لإيماننا الذي هو إمكانية جديدة تتيح لنا أن "نرى". فأنا أكون مسيحياً، ليس فقط عندما أؤمن بالله. فالبشر لم ينتظروا المسيحيين ليؤمنوا بالله! أكون مسيحياً حين "أرى" البشر والأحداث وحياتي وتاريخ البشرية بـ "عين" يسوع المسيح.
إن مأساة الإنسان تشبه مأساة الفريسيين في هذا الخبر: إنه يرفض أن يتقبّل المسيح النور الذي يكشف له جذور أعماله الشريرة، ويتبيّن له أنه يفضّل عليه ظلمة مساوماتنا وتخاذلنا وتراخينا. وفي النهاية، نخاف أن نقوم في نوره الذي يفرض علينا أن نبدّل طريقة حياتنا.
"هل تؤمن بي"؟ إن المسيح يدعونا إلى خيار حاسم. إما أن أقول "أؤمن" وأتقبل النور؟ واما ان اقول (مثل الفريسيين) "أرى" فأرضى عن خطيئتي وأعتبر أني أعرف ما هو صالح لي!
إذا أردنا أن نؤمن، نبدأ فنفتح عيوننا. فمعجزة المولود أعمى أظهرت عمى الفريسيين. وأظهرت أن يسوع هو نور العالم. ولكن لكي نصل إلى فعل إيمان الأعمى، يجب أن يكون الوضع واضحاً. فهذا الرجل الطيّب يقف على طريق يمرّ فيها يسوع. وهو مستعدّ لأن يسمع كلمة يسوع الذي يرسله ليغتسل في بركة سلوام. عاد فرأى. لم يصدّق الفريسيون ما حدث. سيسمعون الأعمى وهو يروي لهم ما حدث له. ولكن هذا الخبر لا يتوافق مع تقليدهم. إنهم ليسوا مستعدّين ليكونوا تلاميذ يسوع. فالمعجزة تطلب منهم أن يتخلّوا عن نظرتهم إلى الله، وقد إتخذوها منذ ولادتهم، ليتعرّفوا إلى الجديد الذي يقدّمه يسوع. أما الأعمى فقد جدّد قلبه لكي يؤمن. قال يسوع: "أنت تراه". أجاب الأعمى: "أؤمن". هذه هي معجزة الإيمان التي تفتح العيون.
14
أنا باب الخراف
10: 1- 10

أنا هو الباب، فمن دخل مني يخلص: يدخل ويخرج ويجد مرعى.
إذا تمعّنا في هذا النص، وجدنا تحوّلاً واضحاً في دور الباب. في البداية كان ممراً. فصار في النهاية مدى يبدو كشخص حيّ. لا يكتفي المسيح بأن يأتي ليطلب الخراف. إنه موضع المرور الذي لا بدّ منه لهاء ففيه تتحرّك الخراف بأمان وطمأنينة. وهذا ما يعطي الباب شرعية ثانية لا تتوافق مع مشاريع اللصوص. إنه مدى الذهاب والإياب، وهذا ما يشكّل حياة الخراف. وحضور حارس عند هذا الباب يدهشنا. من الواضح أن يسوع يفكّر في حارس الهيكل. نحن هنا أمام إشارة ثمينة حول أهداف هذا الخبر الذي يربط بين الحظيرة والشعب اليهودي.
نحن نفكر بصورة آلية بالرعاة الأردياء الذين يتحدّث عنهم العهد القديم (حز 34؛ إر 23؛ زك 11). هم المسؤولون الذين لا يقومون بمسؤولياتهم كاملة. ويصيب يسوع أيضاً الفريسيين الذين لم يفهموا ما قاله يسوع (آ 6). ولكن وجود "اللصوص" يجعلنا نفكّر بالغيورين الذين سمّوا أيضاً بهذا الإسم في أيام يسوع. هم المقاومون للاحتلال الروماني. يعملون بطريقة خفيّة ويتوسّلون العنف ليصلوا إلى أهدافهم. هل كان يسوع قريباً منهم؟ مهما يكن من أمر، فقد اتخذ مواقف تختلف جذرياً عن مواقفهم. هو لا يقبل بالعنف الأعمى. ويهتم اهتماماً خاصاً براحة الناس وأمانهم.
كيف يمكن الانسان أن يكون غريباً عن شعبه متخفياً وراء رفضه للغرباء؟ كل الذين جاؤوا "قبل" يسوع هم مسحاء كذبة على مثال بعض الغيورين. أهدافهم أهداف سياسية ولا يهمّهم حقاً أمر الخراف.
والعبارة "دخل وخرج" (آ 9) تدل على الذهاب والاياب بين الحظيرة والمرعى. وامتدّ المعنى فدلّت العبارة على مسؤولية الرؤساء الموكّلين على الخراف (مثلاً يشوع بن نون في عد 27: 17). قدّم يسوع نفسه على أنه الراعي المتنبّه تنبّهاً خاصاً للخراف.
نستطيع ان نتوسّع هنا في مواضيع المعرفة والاصغاء. والاسم والصوت والطعام والحياة. كل هذا يشكّل الغنى الفريد الذي نجده في هذا المثل. ونزيد أيضاً موضوع النداء والدعوة. فيسوع لا يدعو أناساً ليتبعوه فحسب، بل ليكونوا مسؤولين مثله.
إن الذي يدخل ويخرج بواسطة يسوع، يشارك في المسؤولية من أجل حياة الجماعة. كل واحد يُسأل: هل يستطيع أن يحمي الآخرين (أو أن يترك الحياة تجرّه "كالميت")، أو هل هو مستعد ليهلك الذين سلّموا إليه؟
الرب يدعو دائماً، وهو يدعو من أجل مشروع محدّد: زرع الانجيل في عالم من العدالة. وهو يدعونا لكي نخرج الى المراعي الخصبة. حين نترك الخراف تكون آخرتها الهلاك. أما نداء يسوع فينجّيها من الضلال ومن الموت. بل إن هناك من يمرّ بها لكي تجد الحياة.
سمعت يوماً نداء الرب وأنا أقرأ رسالة يوحنا الأولى (1: 2- 4): "الحياة تجلّت فرأيناها وسمعناها وشاهدناها. ونحن نبشّركم بها ليكون فرحكم كاملاً". فرح بفرحين: فرح الاكتشاف بأن يسوع هو الحياة. فرح الذهاب على طرقات العالم والتبشير بهذا الاكتشاف.
هناك أناس يربطون الدعوة الكهنوتية أو الرهبانية بصورة حياة منغلقة، مشوّهة مبتورة. لا. بل هي الحياة في امتدادها بجواب الحماس على نداء يسوع كما نقرأ اليوم: "جئت لتكون للناس الحياة، ولتكون وافرة". نحن نتأكّد أننا مدعوون حين نقول ليسوع: لبيك. هاءنذا.
حينئذ تكون لنا الحياة، وتكون وافرة. ونُدعى في كل وقت إلى الخروج من كل ما يضع حدوداً لحياتنا: من المخاوف والهموم والانانيات. ونغتني من كل ما نمتلك لنعطي: نتعلّم فنفكّر بالذين سنقرّبهم إلى المسيح. نأخذ لنعطي للفقراء. نسمع لكي نساعد. نحبّ لنكتشف أن الحب هو الحياة.
حياة نحتفظ بها هي حياة مسكينة وحقيرة. حياة نعطيها هي حياة واسعة وسع الكون. يكفي أن ننظر إلى يسوع. كان أعظم إنسان في العطاء فوعدنا، قال: "أريد أن تعيشوا ملء الحياة".
فمن يستطيع أن يقول مثل هذه الكلمات للشباب؟ وحده ذاك الذي يعيشها. هناك من قسم بين دعوات عادية، ودعوات من "نوع آخر"! ليس من مسيحيين عاديين. بل هناك فقط معمّدون يجيبون بطرق مختلفة على نداء المعمودية التي نالوها.
ولكن ماذا يعني النداء الخاص إلى الكهنوت أو الحياة الرهبانية؟ بالنسبة إلى الكهنة هناك أمر واحد مهم هو الخدمة. لهذا يسمّى الكاهن "خادم الرعية". وبالنسبة الى الرهبان والراهبات هناك إسم واحد يهمّهم: إسم يسوع. ففي شعب الله، نحن نحتاج إلى عظمة الخدمة ومكانة يسوع الفريدة.
الكاهن علامة. الراهب والراهبة علامة. أن نكون علامة، فهذه دعوة جميلة ولكنها صعبة. يجب أن نساعد الشبان والشابات الذين يحسّون بالدعوة، على اكتشافها. هناك تضحية الوالدين. والمساعدة المادية والاحترام. وربما النصيحة. كل هذا هو طريقنا لندخل نحن أيضاً في مثال الخدمة وعطاء الذات للمسيح.
فُتح الباب الذي يقود إلى الحياة. فُتحت الأيدي التي يمدّها إلينا الرب ليسلّمنا روح حبه. أدعُ يا رب من بين شعبك من يحمل بشارتك إلى البشر. أدعُ يا رب من بين شعبك من يكون لك شاهداً وسط البشر. أدعُ يا رب من بين شعبك من يخدم الانجيل في عالم البشر.
15
انا الراعي الصالح
10: 11- 18

الراعي الصالح يضحّي بحياته في سبيل الخراف.
يسوع هو الراعي الصالح. الراعي "الجميل". فلا أجمل من أن يخاطر الراعي بحياته من أجل خرافه. تتكرّر هذه العبارة أربع مرّات في هذا المقطع فتشكّل له هيكليته. الخراف هي في خطر. وهناك الذئاب الخاطفون والمضلّلون الذين يرودون طالبين حياة الخراف. أما الراعي فلا يهتمّ بخطر من أجل قطيعه. وسيأتي يوم يهاجمه الذئب. ولكن لا أحد يغلبه. إن مات فسيموت حراً. وإن قتلوه، فلأنه اختار هذه الطريقة ليفدي أحبّاءه، فلأنه اختار طريق الموت. إنه ليس إلاّ ضحية تفانيه. بل هو أحبنا حتى مات من أجلنا. إنه ذلك الذاهب إلى الموت بحريّة تامة. ذلك الذي لا يستطيع الموت أن يبقيه تحت سلطانه. يمسك في يده سلطة الأمانة للاب. هذه هي دعوته، وهذا هو مصيره. إنه سيد المستحيلات!
يعيش في الخطر لأنه يعيش حياته بحرارة. هو يسيطر على حياته فلا يسمح لأحد بأن ينتزعها منه. في البداية (10: 1- 10) كان الباب، كان المعبر الضروري للخراف. وترك البوّاب (= الله) هذا الذي يدعو الخراف باسمائها، تركه يدخل. ونحن نعرف الآن أنه هو، وأنه "يعرفها". هو يعرف كل شيء عن حياتها. ويهتمّ بها كراعٍ حقيقي مُغرم بكل فرد في قطيعه. كل واحد هو لؤلؤة في مجموعته، وليس رقماً من الأرقام. لقد اختبر حبّ أبيه الشخصي، وهو يوجّه كل انتباهه إلى كل واحد من خرافه. كل واحد له اسمه، وهو معروف، وهو فريد، وله هويّته.
ليست الخراف "موضوع" انتباهه. وليست مواد "ربّيحة". قيمتها كبيرة في نظره. يحمل همّها ومسؤوليتها. وكل هذا بحبّ عظيم. الأجير يُدفع له أجر لقاء عمل. هذا لا يعني أن المال شيء رديء. فهو يساعد على تسيير المشاريع. ولكن الاهتمام بالبشر شيء آخر. لا شيء يساوي العلاقة التي تجعلنا لا نفكّر فقط في حياتنا "الصغيرة".
الذئب هو اللص الذي يضحّي بالانسان من أجل مصالحه. أما الراعي الصالح فيقضي وقته في البحث عن الخراف الضائعة. وعددها كبير. وهي ليست من هذه الحظيرة. إذن، لا يكفي أن نسوس القطيع. بل يجب أن نعمل لئلا يضيع خروف واحد. كما نعمل لنستعيد الذين طردوا: الأنجاس، الخطأة، الغرباء...
البعيدون في الأرض يسمعون صوته هم أيضاً. لا أحد يفلت من اهتمامه وعنايته. الفقراء لا يتحرّكون ولا يراهم أحد. إذن، يجب أن نبحث عنهم. هذه هي العبرة الكبرى لهذا الانجيل "الغريب". الراعي الصالح يغامر. دعوته تقوم بأن ينمي القطيع. لا حباً بالعظمة بل شوقاً إلى الوحدة. لهذا يجب عليه أن يعطي حياته. فالدعوة تتجذّر في سرّ الفصح الذي يحيي ويجعلنا نعطي الحياة.
"أنا الراعي الصالح". يسوع وحده هو الراعي الحقيقي. هو الراعي الصالح لأن حياته تجسّد صلاح إله العهد وحقيقته. هو وحده يريد ما هو صالح وطيّب للبشر. وإن جاء فلهذا الهدف فقط. وفي الواقع، إن الميزة الوحيدة للراعي الصالح (يكرّرها يوحنا مراراً) هي أن "يبذل حياته من أجل خرافه". هو صالح لأنه يبذل حياته، ولأن ليس من برهان أعظم من أن يبذل الانسان حياته عن أحبّائه.
هذا الراعي الصالح بعيد كل البعد عن "الأجير"، عن الراعي الذي يعمل لقاء أجر. فصورة المسيح، الراعي الحقيقي، تتعارض مع كل أشكال السلطة البشرية التي تحاول أن "تجزّ" الآخرين من أجل مصلحتها وأنانيتها. كما تتعارض مع "مسؤوليات" لا تكون تضحية بالذات من أجل خدمة الأخوة.
وسمّى يسوع أيضاً نفسه "الراعي الصالح" لأنه "يعرف أخصّاءه" و"يعرفه" أخصّاؤه. وهذه المعرفة ليست نظرية ولا باطنية. هي إتحاد حيّ، إتحاد القلب والفكر. هل إيماننا هو في الحقيقة علاقة حبّ وخبرة حياة حميمة وشخصية متبادلة؟!
ليست الكنيسة "قطيعاً" لا قائد له. هي إتحاد مع الراعي الصالح الذي يبدو له كل مؤمن على أنه "خروف فريد" يدعوه باسمه. هذا ما يدهشنا. فيسوع يقابل هذه المعرفة الحميمة التي يكنّها الراعي لكل منا، بالرباط الروحي والبنوي الذي يربطه بالآب. هذا يعني أننا لم ننتهِ من اكتشاف غنى علاقتنا مع المسيح.
"ولي خراف أخرى ليست من هذه الحظيرة، فيجب أن آتي بها". إن رغبة يسوع بأن يكون مع خرافه، لها بعد شامل (على مستوى الكون). فحبّه كراع ساهر يمتدّ إلى جميع البشر دون تمييز بعرق أو بلد أو دين. ففي كل مكان له خرافٌ مستعدة لأن "تسمع صوته" و"تتبعه". يريد أن يقودها كلها إلى "الحياة الابدية". فالحظيرة الوحيدة التي لا ترذل أحداً ليست مكاناً محدّداً. إنها حياة، حياة الآب.
ويتابع الراعي الصالح مهمّته الشاملة في الكنيسة. إن كنيسة المسيح لا ترتبط "بحظيرة" حضارية، ولا ببنية من البنى. إنها حضور، حضور الراعي الصالح الممجّد الذي يحافظ على وحدة القطيع. ففي عملنا من أجل الوحدة، يجب أن لا ننسى أن الهدف ليس "الحظيرة" أو هذه الفئة أو تلك من الفئات المسيحية، بل سماع صوت الراعي الوحيد الذي ينادي كل إنسان باسمه.
"الآب يحبّني لأنيّ أبذل حياتي". هذه العلاقة المُحبة مع الآب هي الاساس الشرعي الوحيد لمطالبة المسيح بأن يكون راعي الكون كله. ولماذا يحبّه الآب؟ لأنه حين يعطي حياته يكشف عن حب الآب وينبت شعب الله الجديد.
هذه الحياة "لا يستطيع أحد أن يأخذها مني. فأنا أعطيها". هذه هي حرية يسوع السامية. هو لا يخضع للموت كقدر لا مفرّ منه. بل يقبله كموضع وحي لحبّ الآب. وارتبط هنا موته وقيامته كمرحلتين في تتميم مهمة واحدة هي: إعلان صلاح الآب وحنانه.
من هو هذا الرجل الآتي من بعيد، يقطع جبالنا وودياننا، سهولنا وغاباتنا، حاضرنا وماضينا؟ من هو الذي خطاه خطى راعٍ يمسك عصاه بيده بشكل صليب؟
من هو هذا الرجل الآتي من بعيد؟ يحاول أن يجمع قطيعه المشتّت. ويشعّ وجهُه فرحاً حين يحمل على كتفه أو بين يديه جزءاً من البشرية سرقه لص من اللصوص.
من هو هذا الرجل الآتي من بعيد؟ يداه ورجلاه تعبت حتى الدم. ينصب صليبه على مفترق الطرق، في الزمان والمكان لكي يتبعه قطيعه ولا يضلّ الطريق.
من هذا هو الرجل الآتي من بعيد؟ يدعو بعض الصيادين والفلاحين ويعلّمهم مهنته: اختيار المراعي، الاهتمام بالخراف، لا سيما المريض والمجروح. ونقل هذه العصا الجديدة التي بشكل صليب إلى كل راعٍ جديد.
من هو هذا الرجل الآتي من بعيد؟ يجمع خرافه المشتتة في أربعة أقطار أحلامها الضائعة في الضباب والظلمة، ليقودها إلى المراعي الخضراء، إلى الجبل المشعشع بالنور.
من هو هذا الرجل الآتي من بعيد، الذي سحرني فسرت وراءه في الطريق؟ إنه الراعي الصالح الذي يبذل حياته من أجل أحبّائه!
16
المسيح راعي كنيسته
10: 27- 30

خرافي تسمع صوتي. وأنا أعرفها وهي تتبعني.
إن صورة القطيع قريبة من الإنسان الذي يقرأ الكتاب المقدّس. الله هو الراعي الذي يقود شعبه في البرية (مز 79: 13؛ 95: 7؛ 100: 3). وإذ أراد أن يقود شعبه، إختار خداماً يشبهون يشوع، فخرجوا من المدينة وعادوا إليها وهم يقودون هذا الشعب. وأخرجوا الشعب وأدخلوه لكي لا تكون الجماعات خرافاً لا راعي لها (عد 27: 17). وبإسم الله ندّد إرميا بالرعاة الذين أهلكوا القطيع وبدّدوه (23: 1- 4).
وعند يوحنا، تذكّرُ الراعي الصالح يتركّز على يسوع الذي عارض نفسه باللص (الذي جاء يسرق) وبالغريب. ويصوّر هنا العلاقات التي تربط الراعي بالخراف: الراعي يختلف عن الأجراء. يختلف عن اللصوص الذين يقودون القطيع إلى الموت. أما يسوع الراعي الصالح فيمنحهم الحياة الأبدية. ثم يقيم مع الخراف علاقات معرفة فريدة.
إن هذه الآيات القليلة تستعيد موضوع الراعي والخراف، الذي يتوسّع فيه المثل. وهي تشدّد على الوفاق (والحياة الحميمة) بين الإبن الذي يحمي الخراف، والآب الذي أوكل إليه أمر رعايتها. والتعرّف إلى المسيح وتقبّله هما عطية من الله يهبهـا لخرافه. لقد ترجم يوحنا هنا في لغته معطية تقليدية تشهد عليها الأناجيل الإزائية: إذا كان بطرس قد استطاع أن يعترف بأن يسوع هو المسيح، فهذا يعود إلى "الآب الذي في السماوات" (مت 16: 17).
ويصل وحي يسوع إلى الذروة في عبارة: "أنا والآب واحد". إن هذه العبارة الجريئة تشدّد على الوحدة العميقة بين الآب والإبن. وانطلاقاً من هذه الحياة الحميمة بين الآب والإبن، نستطيع أن نؤكّد على لاهوت يسوع.
والحياة الحميمة المؤلّفة من معرفة واتحاد عميق بين الآب والإبن، تجد امتدادها الطبيعي في علاقة الله الثالوث بالمؤمنين. هم بين يدي الآب. ولا يستطيع أحد أن ينتزعهم من يديه. والآب يسلّمهم إلى الإبن الذي يجعلهم أخصّاءه. ويؤمّن لهم الحماية نفسها. وهذه المهمة التي سلّمت إلى الإبن تصل به إلى الموت على الصليب. وهذا الموت ليس تخلّياً "ينتقم" به الآب من الخطأة وبالتالي من يسوع الذي صار خطيئة من أجلنا. إنه بالأحرى اتحاد كامل في التعبير عن حب الله للبشر.
لقد عبّر الرسّامون عن هذه الحقيقة فصوّرت إحدى الرسمات الثالوث المتألم: الآب في عظمته وجلاله، يتقبل المسيح المصلوب على ركبتيه بحلول الروح القدس بشكل حمامة.
حين نقرأ يو 10: 27- 30 ورؤ 7: 9- 17، نجد نفوسنا أمام صورتين لسرّ المسيح تكادان تتعارضان: صورة الراعي وصورة الحمل.
يقول سفر الرؤيا: "لا يجوعون ولا يعطشون، لأن الحمل الذي يقف في وسط العرش يكون راعيهم ويقودهم إلى مياه ينبوع الحياة".
صورة جريئة. صورة الحمل الذي يصبح راعياً. يسير في مقدّمة الوفد ليقوده بصورة نهائية إلى ذلك الذي هو الحياة، إلى ذلك الذي يمسح كل دمعة من عيونهم. ويدعونا يوحنا إلى أن نتأمّل في ضوء الفصح في هذا الراعي المسكوني. أن نسمع صوته ونتبعه، وهكذا نتّحد بهذا الجمع الغفير من المؤمنين الذي نقّوا حياتهم. هم لم يسفكوا دمهم، ولكنهم عاشوا عمادهم الذي أشركهم في فصح العمل الخلاصي.
كل أحد ترسم جماعاتُنا المسيحية شعبَ المعمدين هذا الذي لا يستطيع أحد أن ينتزعه من يد المسيح. وفي كل ليتورجيا أفخارستية، نحن شعب الحجّاج المجتمعين أما عرش إله العهد، نشارك منذ الآن في انتصار الحمل الذي هو ينبوع رجائنا.
ونسمع هنا صوت الراعي الذي يدعونا إلى متابعة الطريق على خطاه. نحن ما زلنا في "خروج وعبور"، في انتقال إلى مراعي الحياة. والسعادة مع الله هي موضوع وعد وانتظار. غير أن النجاح مؤكّد بواسطة الحمل الذي غَلَب.
ونتشبه بهذا الجمع الغفير فنقدّم عبادة دل في معبد الخليقة ليلاً ونهاراً. فالكنيسة، التي هي شعب حجّاج ليست بعدُ ملكوت الله. إنها زرع الملكوت وعلامته. وملك الحب هذا هو الأفق الذي إليه تسير راجعة إلى ربهّا.
علينا نحن المسيحيين، أفراداً وجماعات، أن نتقبّل دوماً قوى الروح، وهذه الطاقات طاقات الحب، وزروع الملكوت التي تروي قلبنا، وبنا تخصب الكون والتاريخ.
أيها الله الآب. قد سمعنا صوت ابنك ونحن نرغب في اتباعه. ليكن خبز الحياة الذي هو جسده المعطى لنا، منتصراً على كل موت فينا. وهكذا لن يستطيع شيء ولا يستطيع إنسان أن ينتزعنا من يده. إستجبنا بيسوع راعينا الحقيقي الذي يحيا معك ومع الروح القدس إلى أبد الآبدين. آمين.
17
أنا القيامة والحياة
11: 1- 45

أنا أؤمن كل الإيمان بأنك أنت المسيح إبن الله الآتي إلى العالم.
في سلسلة الآيات السبع التي أوردها يوحنا ليقوّي إيماننا في يسوع المسيح وابن الله (20: 31)، يحتلّ خبر إقامة لعازر مكانة فريدة. إنه ذروة كل هذه الآيات التي دلّت كيف يعطي يسوع الحياة. وأصالة النص الذي نقرأ تبيّن أن يسوع معنيّ في هذه المواجهة الدراماتيكية بين الموت والحياة. نحن هنا أمام آلامه القريبة.
إن الطابع الغريب لمعجزة لا يوردها الإزائيون، تجعلنا ندهش ونرتاب. نريد أن نقول أولاً إننا لسنا أمام تقرير صحافي عن الحدث، بل أمام دراما يضع فيها الإنجيلي خبر صديق ليسوع فوق تأمل عن يسوع الذي هو ينبوع الحياة بالإيمان. نحن هنا أمام قمة خدمة يسوع وبداية الساعة الحاسمة، ساعة آلامه وقيامته.
الفصل الأول (آ 1- 16). يدور في عبر الأردن. حيث اختفى يسوع من ملاحقة اليهود له. والطريقة الملغزة التي بها يتصرّف يسوع حين يعرف بمرض لعازر، تدل، كما في ظروف أخرى، على حرّية يسوع السامية. سيتدخّل في ساعته ليحرّك الإيمان. وإن آ 4 حول التمجيد القريب لابن الله تعلن عن الصلاة الكهنوتية (17: 1): "يا ابتِ، مجّد ابنك ليمجدّك ابنك".
الفصل الثاني (آ 17- 33). نرى مرتا ويسوع. ثم تدخل مريم على "مسرح الأحداث". ما نلاحظه هو التدرّج في الإيمان. أولاً، هناك عتاب يدلّ على الألم: "لو كنت هنا" (آ 21؛ وفي آ 32، نسمع مريم). ويدخل هنا صمت طويل. ومع "الآن أيضاً" (آ 22) ندرك عند مرتا إستعادة للإيمان: إن يسوع يستطيع أن يسأل الله فيعطيه الله كل ما يطلَب منه. وعبّرت مرتا، كيهودية مؤمنة، عن إيمانها بالقيامة الأخيرة (دا 12: 2- 3). أجابها يسوع: "أنا هو القيامة والحياة". وهذا الجواب أعادنا إلى الحاضر، إلى زمن الإيمان بذاك الذي يتكلّم بسلطة سامية. تجاه هذا تعبّر آ 27 عن إيمان مرتا في ألفاظ النؤمن اليوحنّاوي (20: 31): "أنا أؤمن كل الإيمان بأنك أنت المسيح إبن الله الآتي إلى العالم".
الفصل الثالث (آ 33- 44). لا يواجه فيه يسوع فقط موت لعازر، بل موته هو. وإذ اعتاد يوحنا أن يصوّر يسوع وكأنه غير قابل للألم، ها هو يشدّد هنا على الإرتجاج الداخلي (آ 33، 38) الذي يشبه ذاك الذي يحسّ به يسوع في أورشليم حين يعلن آلامه (12: 32).
حين قام يسوع بفعل شكر (آ 41)، بيّن الاتحاد التام بين إرادته وإرادة أبيه. هنا نتذكر كلاماً قاله يسوع: "كما أن الآب يقيم الموتى ويحييهم، هكذا الإبن يحيي من يشاء" (5: 21).
وخرج لعازر ملفوفاً بالقماطات، وهذا يدل على أنه ما زال ينتمي إلى عالم الصيرورة. أما يسوع فحين يقوم، فستدلّ الأكفان الموضوعة على حدة أنه انتقل إلى عالم الحياة دون شيء يقيّده ولا حدود تحدّه (20: 7).
مهما كانت المعجزة كبيرة، فهي لا تنتج في ذاتها الإيمان. إنها دعوة للبحث، علامة مفتوحة على التقبّل، نور على طريق الإيمان. وهكذا أنتجت آية لعازر نتائج متعارضة: إيمان عند البعض، وقرار السلطات بإزالة ذاك الذي يعتبرونه خطراً عاماً (11: 50- 53).
ونحن حين نسمع نداء الإنجيل يهزّنا لكي نخرج من دائرة يقيناتنا المغلقة لنتعلّق بالمسيح المنتصر على الموت بموته، ماذا يكون قرارنا؟
إنجيل طويل حيث التعارضات واضحة حول يسوع. إنسانية تحرّك عاطفتنا أمام موت صديق. وتظهر قدرته الإلهية حين يصرخ "تعال" إلى جثة مضى عليها في القبر أربعة أيام.
ولكن مهما يكن وضع الأحداث في هذا الموت والإقامة، فيوحنا يريد أن يقودنا إلى وحي يعلن فيه يسوع "أنا هو" (أي: يهوه، الرب). قال يسوع لمرتا: "أنا هو القيامة والحياة". هذه اللفظة "أنا هو" هي في الوقت عينه قمة النصّ وكلمة تقع على مفترق هام في انجيل يوحنا. لقد أتمّ يسوع حياته "على الطرقات" وها هو يحسّ مسبقاً بموته القريب فيقول: "أنا الحياة". هو مضطرب بسبب الموت. وهو متأكد أنه ينتزع منه الحياة.
ثلاث دور عن الموت والحياة توضع الواحدة فوق الأخرى: حياة صداقة مع لعازر حطّمها الموت. حياة من النشاط الإنجيلي يوقفها الموت (منذ ذلك الوقت عزموا على اهلاكه). وأمام كل هذا تأتي أفكارنا: "أنا أيضاً سوف أموت. متى سأسمع هذه الكلمة "تعال"؟
أسمعها الآن حالاً. إن لعبارة "أنا الحياة" من القوة بحيث يجب أن نلجأ إلى كلمة جديدة: "أنا الحياة القيامية". لا الحياة التي إستعادها لعازر والتي سيخسرها فيما بعد. لا الحياة المقبلة التي نتخيّلها مجرّدة في السماء. بل الحياة التي يمنحنا إياها يسوع منذ الآن فيدخلنا في حياته الخاصة، حياة قيامته. هذه هي الحياة الأبدية الذي بدأت منذ الآن ولن تنتهي.
قال يسوع لمرتا: إنّ مَن يحيا ويؤمن لا يستطيع حقاً أن يموت. ففي الحياة البيولوجية (على مستوى الجسد والدم) لا يزال يعيش من الحياة القيامية. بيسوع يصبح المؤمن منذ الآن "حياً". إن بذار الحياة الأبدية هو فيه.
ولكنها أمور سرّية، لا تكاد تصدَّق. ويسوع يريد من مرتا أن تدركها: "أتؤمنين بهذا"؟ وهذا يعني: "أتؤمنين بي"؟ فهمت مرتا. حينئذٍ خطت الخطوة اللازمة. إنتقلت من إيمانها اليهودي (أعرف أن أخي يقوم في اليوم الأخير) إلى الإيمان المسيحي: "أؤمن بأنك أنت المسيح إبن الله". حين نؤمن بهذا فلا يمكن أن نموت.
هل نؤمن بهذا؟ بأيّة قوة نؤمن أن يسوع يجعل منا أحياء منذ الآن وإلى الأبد بواسطة الإيمان والافخارستيا؟
مات لعازر. هو الحزن حول مرتا ومريم. واندفعت مريم بالبكاء. وأخذت مرتا "تعمل"! يجب أن تخبر يسوع. وصديق لعازر يبدو وكأنه يتهرّب. فلعازر بالنسبة إليه نائم. فيجب أن يذهب ليوقظه. ووصل إلى بيت عنيا وأفهمها أن القضية قضية إيمان. "من آمن بي، وإن مات، فسيحيا". ولكن ماذا يقول لمرتا الغاطسة في دموعها؟ فالقلب المحبّ هل يستطيع أن يعتقد بأن الموت لا يبتلع كل شيء؟ هذا ما يعرفه يسوع الذي يحبّ لعازر. واضطرب يسوع بدوره كما سيفعل في بستان الزيتون أو على الجلجلة. هذه هي محنة الإيمان. ولا يتجاوزها إلا الثقة بأبيه. وأجاب الآب على هذه الثقة فدلّ على مجد الله الحي كما في صباح الفصح. رُفع الحجر. فالقبر لا يحتفظ بلعازر الذي يستيقظ ويفلت من قبضته. ودُعيت مرتا ومريم إلى الإيمان بالحياة كما ستُدعى مريم المجدلية عند قبر يسوع. هل نترك لعازر يعود إلى طريق ملكوت الحياة دون أن نتمسّك به، أم نفعل كمريم المجدلية التي تركت يسوع الحي يعود إلى أبيه الذي هو أبونا؟
18
جاءت الساعة
12: 20- 33

إذا ماتت حبّة الحنطة، أخرجت حَبّاً كثيراً.
سؤال غريب سؤال هؤلاء اليونانيين! يريدون أن يروا يسوع. فما الذي يمنعهم؟ أم هم يحتاجون إلى موعد مسبق. ولماذا يريدون أن يروه؟ وهل يسوع بعيد عن الناس، بحيث لا يستطيعون أن يقتربوا منه ويكلّموه؟ أتراهم لا يعرفون الأرامية، لغة يسوع، فيحتاجون إلى فيلبس (إسم يوناني) ليكون مترجماً بينهم وبين يسوع؟ في هذه الفرضية، نعجب بدور الوسطاء في نقل الإنجيل خلال المسيرة الرسولية الأولى.
ومع ذلك، إن طلب اليونانيين يخفي شيئاً آخر. إنه يدلّ على مشروع يسوع بأن يتعدّى حدود فلسطين ليذهب إلى أهل الشتات ويبشرّهم. هذا ما نعرفه منذ 7: 35: إنتظر اليهود أن يذهب يسوع ليعلّم اليونانيّين. وها هو الموضوع يعود الآن والظرف مؤاتٍ. لقد نجح يسوع نجاحاً باهراً في أورشليم. ولكن في هذه النشوة العامة جاء جواب يسوع يدلّ على نهاية كل المشاريع التوسّعية لدى أصدقائه.
لقد دقّت ساعته. وعليه أن يتخلّى عن كل مشاريعه. لقد توقّف بعد أن وصل إلى الذروة. ساعة يئس خصومه وقال بعضهم لبعض: "أنظروا أنتم لا تنفعون"! حينذاك عرف يسوع أن الساعة (ساعته) محفوفة بالخطر. إنه عارف كل المعرفة أن قد حُكم عليه بالموت. وهو يعطينا هنا أمثولة في التفاؤل. الناس يظنّون أن ساعتهم جاءت حين تسير الأمور على أحسن ما يرام. ساعة يسوع هي ساعة ذهابه (وموته). هو لا يذهب إلى العالم، بل العالم يأتي إليه. هو يجتذب إليه جميع البشر، يهوداً أو يونانيين. فالصليب بوجهته العمودية يتجاوز بارتفاعه وعمقه كل الوجهات الأفقية التي نحلم بها. لا شكّ في أن يسوع اضطرب. ولكن إيمانه عظيم إلى درجة جعلته يعرف أن الحياة قوّة جاذبة حتى في التخلّي وفي الموت.
إن صورة حبة القمح (رج 1 كور 15: 37) تدلّ على المقابلة بين الموت والحياة في الطبيعة. تلك هي طريقتنا لكي نعبرّ عمّا لا يعبرَّ عنه. أما الباقي فوحي كله. لهذا نجد نفوسنا هنا كما في مشهد التجلّي (مر 9: 2- 13 وز). يتوجّه الوحي إلى الحاضرين. هم يحتاجون إلى مساعدة ساعة سقطت كل آمالهم. صُعقوا لكلام يسوع عن آلامه. ويحتاجون إلى قوّة خاصة لكي يتعرّفوا إلى ذاك الذي يعبر العالم من الداخل. إعتقد الناس كلّهم أن يسوع يحتاج إلى قوّة خاصّة ليتابع صعوده في مرحلة صعبة وغامضة في حياته. كلا ثم كلا. بل هم الذين يحتاجون إلى سند بعد أن قلقوا واضطربوا.
كاد يسوع أن يقول: "نجّني من هذه الساعة"! لو نجا لكانت ربما حالته أفضل!! كلا! فهو يعرف أن الميثاق الجديد يمرّ في القلب الذي يفهم ويسمع ويقبل. وفي قلبه يحرّك الربيع في قلبه تضامناً مع البشر، جميع البشر. هذا الإنقلاب يحرّك العالم أكثر ممّا يقلق الأفكار. هذا يفترض أننا نتبع المسيح في طريقه، طريق "الخدمة". وهذه الخدمة تحكم على العالم.
إن ساعة يسوع هي أمجد ساعة يمكن أن نتخيّلها. إنها آلام وقيامة وقد امتزجت في سرّ عظيم.
خرج الفلاح ليبذر زرعه. زرع ملكوت الله. زرع ملكوت الحب. ليس يسوع فقط ذاك الزارع "الذي خرج" من الله، والكلمة الذي صار بشراً، بل هو أيضاً الزرع الذي يُرمى في الأرض لكي يخصبها.
إن مثل "الحب الذي يموت لكي يُولد من جديد" هو مثل غني ومعبرّ. إنه يدلّنا على التجسّد والفداء، على الخصب السري لكل حياة ينعشها الحب، على سرّ عطاء الذات الذي يفجّر الحياة.
أحس يسوع مسبقاً بمنطق الحب هذا. واقشعرّ له. إضطرب كيانه كله. ونحن أيضاً يجب أن نعيش في يوم من الأيام هذا التجاوز لنفسنا، هذه الساعة، ساعة الحب الذي يذهب إلى نهاية ذاته، مثل "ساعة المرأة التي تضع طفلاً" (16: 21). ساعة يسوع هي ساعة آلامه وموته، وهي تقترب. ويعرف يسوع أنها ستكون نهاية مهمّته. وهي خلاص إخوته. يحبّهم حتى يبذل ذاته عنهم.
هذه الحبة من الحنطة التي تموت لتحمل ثمراً، هي رمز مدهش للحياة الفصحية لكل مسيحي عليه أن يختار بين حياة خصبة وحياة عقيمة. ولا يكون الإختيار من دون ألم. نحن مدعوّون كلّنا لكي ندخل في سرّ الخصب هذا. كم من مرّة يجب أن نموت عن ذاتنا ليحب الزوج زوجته حقاً (والعكس بالعكس) وأولاده والآخرين! ولكن أي فرح داخلي نحسّ به! كل هذا يتمّ مع الله في أعمق أعماقنا. فحين أعطي ذاتي بمحبة، أشبه الله شبهاً تاماً.
لا يدعونا يسوع إلى البكاء على "آلامه". بل أن نتجرّأ ونتبع مسيرة حياته. هذا الحبّ الذي يموت حباً بنا، هذا الحبّ المصلوب هو نور يعبر ظلمات محننا. قال يسوع: "وأنا إذا ما ارتفعت جذبت إليّ الناس أجمعين" (آ 31). بعد أن قام يسوع، رسم في قلب بشريته وفي حياتنا خطاً من النور، وطبع فينا إنجذاباً سرّياً. وحفر في قلوبنا نداء لا محدوداً يدعونا إلى السير. فكل عطاء ذاتي، وكل تجاوز للنفس، وكل موت عن الذات يكوّن شخصنا "الأبدي". إن قيامتنا قد بدأت منذ الآن.
هذا الصليب المضيء الذي يجعلنا "نقشعر" هو طريق حياة. إنه للمؤمن نقطة تدلّه في الليل على الطريق. فنحن على لقاء مع المسيح عاجلاً أم آجلاً، أقلّه عند ساعة موتنا. نحن حبّة قمح تموت لتلد إلى حياة جديدة. كيف نجعل الناس الذي يريدون أن يروا يسوع، كيف نجعلهم يستشفون كل غنى الفصح الذي نجده في صليب "المسيح الحي"؟ السؤال مطروح وهو ينتظر الجواب.
الساعة تشرف على زمن الآلام في حياة يسوع. هذه اللفظة التي عرفها التقليد اليهودي، تشير إلى زمن سرّي يعرفه الله وحده. تشير إلى الأزمنة الأخيرة. وعرفها أيضاً التقليد الشعبي الذي يقول عن شخص مات أو إقترب من الموت: "جاءت ساعته".
نجد هذه اللفظة بصورة خاصة في إنجيل يوحنا. وهي تتّخذ معنى خاصاً في فم يسوع. فالساعة التي يتكلّم عنها هي ساعة الأزمنة الأخيرة. ولكنها بصورة خاصة الساعة التي فيها يعطي الإبن حياته ويتمجّد. تبدأ مع يسوع في غسل الأرجل (13: 1 ي) وتجد ذروتها على الصليب حين يسلّم المسيح الروح. ساعة يسوع هي "النعم" الذي يتجاوب مع زمن الله.
قلت يا يسوع: "إذا ما ارتفعت جذبت إليّ جميع البشر". أضىء الطرقات الجريئة التي يسلكها أولئك الذين تجنّدوا وساروا وراءك. أضىء طرقات الإيمان لدى أناس خاطروا بحياتهم من أجل إسمك. أضىء طرقات الخدمة في جماعتنا وعلّمنا أن نضحّي بذواتنا من أجل إخوتنا فنكون حبة القمح التي تموت لتحمل ثماراً كثيرة.
19
غسل الأرجل
13: 1- 15

أحبّ أخصّاءه الذين في العالم، أحبّهم إلى الغاية.
إن المقدمة المبنيّة بشكل تضمين (إنتقل إلى الآب، آ 1، الى الله يعود، آ 3) تُبرز هدف مشهد غسل الأرجل، بل هدف آلام يسوع. إن يوحنا يشدّد على الطريقة التي بها يسيطر يسوع على الأحداث (كان يعرف). ويبيّن معناها (أحبّ خاصته، أحبّهم) وأهداف آلام يسوع الحقيقية (صراع بين الله والشيطان).
لقد تهيّأنا لكي نتجاوز بُعد الأحداث وما فيها من ابتعاد عن الجوهر، لكي ندرك مدلولها العميق: من جهة الآب ويسوع، تجلّي حب يمضي إلى الغاية، إلى منتهى الحب. من جهة يهوذا الذي هو ألعوبة في يد الشيطان (13: 27) كذب وخيانة. يشرف الحبّ على المشهد كله، ويتوجّه إلى التلاميذ الذي آمنوا. ولكن الإنجيلّي ليس بغبيّ: فهو منذ البداية قد أشار إلى الشيطان الذي "دخل إلى قلب يهوذا".
أحبّ "حتى الغاية". هذا يعني في الوقت ذاته "حتى الموت"، وحتى "منتهى الحب". فبعد ف 13، يحتفظ يسوع بحبّه لأخصّائه (13: 34- 35؛ 15: 12، 17). هذا لا يعني أنه يحصر حبّه في حدود، وهو لا محدود، بل يشير إلى أن حبّ المؤمنين بعضهم لبعض، يتجذّر في حبّ الإبن للآب.
لقد هيّأت المقدّمة الإحتفالية المؤمن لكي لا يقرأ خبر غسل الأرجل كأنه فعلة بسيطة من فعلات الضيافة. إنه بالأحرى فعلة نبوية ترمز إلى حبّ قاد يسوع إلى الموت.
لم تكن طقوس الفصح تُفرد وقتاً لغسل الأرجل. ثمّ إن مدراش (درس وتأمل) خر 21: 2، لم يكن يطلب من العبد أن يغسل قدمَي سيّده. ومع ذلك يصوَّر هذا الطقس بدقّة وتفصيل. ويتوقّف الإنجيلي عند كل فعلة (كما في تصوير بطيء) ليتيح للقارىء بأن يترك قوة عمل يسوع تتغلغل في أعماق قلبه ووجدانه.
يسوع "خلع" ثوبه ثم "إستعاده" (13: 12). الفعلان اليونانيان اللذان نقرأهما هنا يُستعملان لكي يدلاّ على موت قَبِلَه يسوع طوعاً وعلى قيامة عاشها (10: 11، 15، 17). والرباط مع موت يسوع تثبته مقاومة بطرس.
يشهد سمعان بطرس على موقف نموذجي لدى إنسان يستصعب الإيمان. ففي الأناجيل الإزائية (متى، مرقس، لوقا) نجد عند بطرس المقاومة عينها: هو لا يقبل بمسيح متألّم. أبعده يسوع عنه واعتبره "مجرّباً له" (مر 8: 33). وفي ساعة التجلّي، يريد بطرس أن يقيم في رؤية المجد ويُغفل العبور بالآلام (لو 9: 28- 36). وهكذا يتكلّم باسم نفسه، كما يتكلّم باسم مجموعة التلاميذ.
تكلّم بطرس فدلّ على أنه لم يفهم. رفض أن يغسل له يسوع رجليه. قال له يسوع: ستفهم فيما بعد. ولكنه يتصرّف بحسب "اللحم والدم". وحين يشدّد يسوع على أن غسل الأرجل ليس أمراً نأخذ به أو نرفضه، بل هو شرط للمشاركة في الملكوت، أفهم "الكنيسة" أن هذه الفعلة الرمزية تمتلك قيمة عظيمة بسبب ذاك الذي يقوم بها. فيسوع سيحقّق ما ترمز إليه هذه الفعلة، وعلى بطرس أن يقبل بها.
غسل الأرجل هو فعلة فريدة قام بها يسوع مرّة واحدة وهو يقدّم لنا موته بشكل إيماء. وحين يُغسَل بطرس (وكل تلميذ) فهو يدلّ على أنه قَبِل هذا المسيح المتألّم، قَبِل أن يدخل في مسيرة يسوع المسيحانية حتى موته دون أن يخاف المجازفة. ولن يفهم التلاميذ كل الفهم هذا السرّ إلا فيما بعد، إلا بعد القيامة وعطية الروح (2: 22؛ 7: 37- 39). إن مرافقة يسوع في الموت هي جزء من الملكوت.
وموضوع خدمة الاخوة تشبهاً بالمسيح يتجذّر في العمل الفريد الذي قام به يسوع، فاستخلص منه تعليماً للمسيحيين المدعوين لأن يغسل بعضهم أرجل بعض. أي: أن يتصرّفوا بتواضع على مثاله هو الرب والمعلّم.
وهكذا نستطيع أن نستنتج من غسل الأرجل ثلاثة تفاسير مرتبطة بعضها ببعض.
الأول: رجوع إلى هذا العمل الفريد الذي هو موت يسوع. قدّمه لنا يسوع إيماءً عبر هذه الفعلة التي ترمز إلى عبوره في الموت.
الثاني: تطبيق ممكن على المعمودية، كتنقية ودخول في جماعة المؤمنين المدعوّين لكي يتبعوا يسوع.
الثالث: نداء الإقتداء بالمعلم: أحبّ الاخوة وخدمهم خدمة متواضعة.
إذا نظرنا إلى هذا العمل من الوجهة البشرية نجده مذلاً، مؤلماً، مميتاً. ولكنه في نظر يسوع ينبوع سعادة للتلميذ. "عرفتم هذه الحقيقة. فهنيئاً (طوبى) لكم إذا عملتم بها".
على خطى يسوع في شكره، صارت ليتورجيتنا الافخارستية "شكراً" للفصح والقيامة. فيسوع نفسه قال لرسله: "إصنعوا هذا لذكري". حينئذٍ نشكر الله على فصح المسيح، على عبوره بيننا. معه ننتقل من الموت إلى الحياة. معه نقبل بأن نموت عن ذواتنا فننتقل إلى حياة من الخدمة والمحبّة. معه ننتقل من العزلة إلى الصداقة مع الله والتضامن مع الأخوة. نشكره على انتقال أبناء الله إلى الحياة الجديدة، الحياة لا تزول. فهو قد قال لنا مؤكّداً: "أنا الخبز الحي النازل من السماء. من يأكل هذا الخبز يحيا إلى الأبد، لأنه جسدي المعطى لحياة العالم".
حين نحتفل بعشاء الرب، نحتفل بالرجاء المسيحي. ونشكر الله أيضاً على موهبة الكهنوت المسيحي. حين اختار يسوع الرسل، وجعلهم خدّام شعب الله الجديد، وأوكل إليهم تذكار موهبة جسده ودمه، حين اختارهم جعلهم خدّام رجاء شعبه. فكهنة اليوم، شأنهم شأن كهنة الأمس، يواصلون مهمّة الرسل. ويودّون أن يكون كلامهم صدى لكلمة المسيح، يحمل إلى البشر الخبر الطيب والمحيي.
إنهم دوماً خدّام الشكر في مقاسمة جسد الرب ودمه. وتضامنهم مع إخوتهم يجعل منهم رعاة وقواداً نحو سلام الملكوت وفرحه. لا شك في أنهم واعون لضعفهم وعدم كفايتهم أمام هذه الرسالة، ولكنهم يثقون كل الثقة بالمسيح مخلّصهم.
نشكر الله اليوم، من أجل الذين هم الآن في خدمتنا. ليبقوا في عالم الشكر كأصدقاء أمناء للمسيح، وكخدّام حارّين لكل الذين يلتقونهم في طريقهم. ليكونوا في عالمنا المحترق بالظُلامات والحروب والمنازعات، صانعي سلام ومصالحة، أنبياء يعلنون إنتصار المسيح ولا يتعبون، شهوداً يؤكّدون حبّه للبشر جميعاً.
ولنصلّ أيضاً ليفهم شبابنا المتشبّث بالإيمان عظمة هذه الخدمة الملحّة، خدمة الرجاء والمحبة. نصلّي لأجهلم لئلا يخافوا من الجواب بثقة تامة بالمسيح، ذاك الذي لاحظ أن الحصاد كثير والفعلة قليلون. ولنستعد كلّنا لكي نساعدهم ونفهمهم ونحبّهم ونشكر الله معهم من أجل نداء وصل إليهم وخدمة يقومون بها.
20
الوصية الجديدة
13: 31- 35

أحبّوا بعضكم بعضاً كما أحببتكم فيعرف الناس أنكم تلاميذي.
في القسم الأول من خطبة الوداع، يهوذا الخائن هو حاضر في الجماعة. وحين يخرج، يصبح يسوع وحده مع "أبنائه الصغار". ولفظة "الآن" لا تُفهم فقط بذهاب يهوذا وبانطلاق الساعة التي تصبّ في الخيانة. ساعة يسوع تعني تمجيده على الصليب، حيث سيجتذب إليه الجميع.
في آ 32- 33، يستعمل فعل "مجّد" خمس مرّات (4 مرّات في بعض المخطوطات). وصيغة الفعل تدلّ على الدقة، تدلّ على مسيرة يسوع التاريخية التي تجد ذروتها في الآلام. وصيغة المستقبل في فعلين ترجع بنا إلى عودة الإبن إلى أبيه، كما إلى تمجيده قي نهاية الأزمنة. ويُستعمل لقبُ يسوع "إبن الإنسان" بصورة خاصة في القسم الأول من الإنجيل. أما هنا فيشدّد على أن الإبن المجيد الذي أعلنه دانيال، يحقّق رسالته حين يمرّ في الآلام.
إستعاد يسوع جزئياً من أجل تلاميذه إعلاناً قاله مرتين لليهود: "حيث أذهب لا تستطيعون أن تأتوا" (7: 33- 34؛ 8: 21). ولكن القرينة تبدّلت: فاليهود يرون في هذا الإنفصال إنقطاعاً نهائياً بسبب خطاياهم. أما التلاميذ فيرون في هذا الغياب الذي لا مفرّ منه والذي يثيره ذهابه الى الآب، يرون فيه شيئاً مؤقتاً (قال يسوع لبطرس: ستتبعني فيما بعد، 13: 36). بالإضافة إلى ذلك، يرافق هذا الإنفصال كلمة تحبّب: "يا أولادي الصغار". هي طريقة يودّعهم بها. وبرنامج يتمّه. نحن هنا كما في وليمة يتعاهد فيها الناس، أو يعلن فيها أحد الشيوخ وصيّته. عليهم "أن يحبّوا بعضهم بعضاً" كما أحبّهم يسوع.
نستطيع أن نقول: يجب أن يكون هذا الحبّ قوياً (أحبّ يسوع حتى الغاية، 13: 1). يتوجّه هذا الحبّ أولاً إلى الأخوة المؤمنين. عرض يسوع تبادلاً في الحبّ لا يتوجّه إليه كما كنا ننتظر (مثلاً، أحبّوني كما أنا أحببتكم)، بل يسير بشكل أفقي، يتوجّه إلى التلاميذ.
وهذا الحبّ يتجذّر في حبّ الإبن للبشر. هو حبّ "لاهوتي"، "إلهي". يكشف عن علاقة الحب بين الله الآب وابنه، وهي علاقة ظهرت في حياة يسوع ومواجهته للموت. هذا الحبّ يدلّ على يسوع الذي ما زال يحرّك البشر حتى بعد ذهابه (بهذا يعرف الناس أنكم تلاميذي).
نحن أمام وصية "جديدة". ليست جديدة بمعنى أنها جاءت بعد أمور أخرى. إنها جديدة لأنها صفة العهد الجديد (إر 31: 31). الذي تحدّث عنه لو 22: 20.
أفضل شيء نقوم به بعد قراءة هذا الإنجيل، هو أن نكرّر كلمات يسوع: "أحبّوا بعضكم. هكذا تبرهنون أنكم تلاميذي". ثم نختفي في الصمت ونتساءل: في هذا الوقت، ماذا أبغض؟ ماذا أرذل؟ ماذا أنسى؟
لا نجد الحبّ سائراً على الطريق. بل ما نجد هو إنسان يحبّ أو لا يحبّ. ونحن نرى كيف يحبّ أو لا يحبّ. لا نستطيع أن نجعل في الماء رجلنا إذا كنا حذرين. علينا أن نغطس. لن ننجح في أن نحبّ دائماً وحسناً، ولكننا نكون قد رفضنا بأن نبقى خارج الحبّ.
يقول يسوع: "أحبّ مثلي". كان كلّه في الحبّ. كان كله حباً. ولكن نقول: هذا يستحيل علينا! لا، بل هو ممكن لأن يسوع يطلبه منا. إنه لا يتلاعب بإمكاناتنا. إنه يعرف أن علينا أن نتقدّم وأن ذلك ممكن.
ولكن كيف نتقدّم؟ نحبّ إخوتنا مثل يسوع. نحبّهم كلهم. نحبّهم دوماً، ولا نضع شروطاً لحبّنا. لا نختار. لا نملّ. نمتنع عن أدوات مثل "إذا" أو "ولكن". كيف يمكن هذا؟ فبحركتين متكاملتين: لا نخترع "تفسيحات" لكي لا نحبّ. ونطلب دوماً نعمة الحبّ: علّمني يا يسوع أن أحبّ.
ونقول: هذه أحلام! نعم، تبقى أحلاماً ما دمنا لم نحاول. المشكلة في حياتنا المسيحية هو أننا نعرف ما يجب أن نفعل، ولكننا لم ننتهِ من الدرس لكي نؤخّر الوقت الذي فيه نقول: الآن أبدأ. الآن أحاول. بدأت أبغض فلاناً. لماذا "أجترُّ" هفواته؟ إبدأ بخطوة بسيطة، بكلمة، بابتسامة، بخدمة.
ونقول: "هذا ترقيع"! المحبة الحقيقية هي محاولات متتالية. ننجح اليوم، نفشل غداً. تسير الأمور حسناً مع فلان، وتستاء مع فلتان. ولكننا لا نتوقّف. ولا نبرّر عدم حبّنا. ونصلّي ولا نملّ. نطلب من يسوع النعمة لكي نحبّ. وساعة يبدأ ألف مسيحي ومليون مسيحي معركة الحب، فهم يبرهنون على أن الحبّ ممكن. وأننا هكذا ندلّ على حضور المسيح في العالم.
نسألك أيها الرب باسم يسوع. هب الشجاعة للمسيحيين ليبقوا في المحنة ثابتين في الإيمان. أرسل روحك القدوس ليرى البشر طريقة حياتنا فيكتشفوا الينبوع الذي يحبّنا. وأعطِ المسؤولين على كل الصُّعُد أن يفهموا أن الحبّ وحده يخلّص.
21
أنا هو الطريق
14: 10- 12

أنا هو الطريق والحق والحياة. لا يجيء أحد إلى الآب إلا بي.
المنازل كثيرة في بيت الآب. لا نقص في السماء. وكان على التلاميذ أن يفهموا. ودعابة يسوع الخفيفة تفهمنا أننا نحن منازل الآب (14: 23). أما الآن فنعرف أن الآب يقيم في يسوع. هذا ما يوجّهنا في خطّين. الأول، لا يذهب يسوع إلى أي مكان آخر، لأنه منذ الآن في الآب. الثاني، الآب هو الذي "ينتقل" إليه وإلينا.
بدل أن نبحث عن "فردوس" مصطنع، لماذا لا نبحث في قلوبنا؟ بانتظار ذلك، كان التلاميذ حزانى لأنهم عرفوا أن يسوع محكوم عليه بالموت. وهم قلقون ومضطربون لأن هذه هي نهاية ما بدا وكأنه حلم. شكّوا برسالة يسوع، فعرف يسوع بذلك. وهو يعرف بصورة خاصة أنهم لم ينضجوا بعد لكي يتبعوه.
بطرس سينكره قريباً. وتوما الذي عرفناه شجاعاً (11: 16)، لا يعرف إلى أين يذهب. هل نقدر أن نفكّر جدّياً أن الحكم بالموت يقود إلى الله؟ هذا أمر مشكوك فيه. أما فيلبس فبدا صريحاً واضحاً: ماذا ينفعنا أن نرى الآب؟ هو يعرف أن الله لا يُرى. وها هو يسمع أنه ليس إلا طريق واحد: يسوع نفسه. وبعبارة أخرى: بجب أن ننظر إلى الطريق قبل الهدف الذي ندركه. يجب أن نشدّد على الوسائل قبل النهاية. قد يبدو هذا معارضاً لكل منطق. ولكن الأمور هي هكذا في المنطق المسيحي: الممارسة تسبق النظريات. والإنسان يسير أمام الله.
حين نحقّق أعمالاً. حين نعمل للحق. حين نعيش مع المسيح، نستطيع أن نصل إلى الآب. فالمسيح هو الطريق والحقّ والحياة. إنه المعبر الذي لا بدّ منه لكي نصل إلى الآب. هذا ما يقوله يوحنا مشدّداً على دوره كوسيط. إنه يتيح لنا أن نصل إلى الله بواسطة الإنسان.
كل إنسان يخفي عنّا شيئاً. ويسوع يكشفه لنا. وعبارة "آمنوا بي" (آ 1) التي تحيط بهذا المقطع الذي نقرأ، تدل على الثقة الضرورية بالمسيح لكي نعرف الآب، مع أن الحكم القريب على يسوع يجعله بعيداً عنا. وهناك عبارة "صدّقوني" (آ 11) التي تدلّ على كلمات آتية من مكان آخر. وهناك لفظة "آمن" (آ 10) التي تدل على الأشياء في عمقها.
نجد في هذا الإستعمال لكلمة آمن (صدّق)، الطريق والحق والحياة التي هي موضوع إيمان. هذا ما يتيح للتلاميذ أن يخاطروا بحياتهم مع المسيح (هذا هو هدف هذه الخطبة).
وهكذا يستطيعون أن يبقوا على قيد الحياة بعد موت يسوع، ويعملوا مثل أعماله. إنهم منازل حيّة للآب. ومع المسيح هم حجارة حيّة في بيت الله. وفيه يُبنون معاً في المشاركة الأخوية. وبهم يقيم الله في عالمنا.
قال يسوع: "أنا هو الطريق". إلى أين؟ إلى الآب. طريق قصير، طريق المعرفة الجامدة. "بما أنكم تعرفوني تعرفون أبي أيضاً. وقد رأيتموه".
حاول فيلبس أن يختصر الطريق فقال: "أرنا الآب وحسبنا". أجابه يسوع ودلّه على أن الطريق قصير: "من رآني رأى الآب". ولكن سيصبح الطريق طويلاً حين يقول يسوع: "أنا معكم كل هذا الوقت (منذ وقت طويل) وما عرفتني بعد، يا فيليبا. ألا تؤمن أنني في الآب وأن الآب فيّ"؟
تأخّر فيلبس قبل أن يفهم. ونحن أيضاً. قد تسلّمنا اليوم كلمة غنية جداً، ولا بدّ من التجوال فيها. في عيد الميلاد قال لنا يسوع: "من رآني رأى الآب". من رأى هذا الطفل رأى الله، رأى براءة الله وطهارته وفقره. ولكن أين نجد عيوناً تستطيع أن ترى كل هذا؟ وفي غسل الأرجل، قال يسوع: "من رآني رأى الله". رأى تواضع الله. ولكن كيف نقل نظرتنا الخاطئة إلى قدرته؟ على الصليب. هذا الرجل العريان والمدمَّى والذي يتمتم "أنا عطشان". هذا الرجل هو الله. هذا ما يجب أن أقوله.
طريق قصير وطويل معاً. تارة أريد أن أرى الله ولا أعود أرى يسوع الإنسان. وطوراً أحدّق في بشريّة يسوع إلى درجة تجعلني أضيّع الله.
"من رآني". هذا هو أعظم طريق داخلي نسير فيه، هذا هو طريق إيماننا. نقوّي إيماننا. نهذّب إيماننا إلى أن نصل إلى ملء سرّ الثالوث. "هل تزمن أنني في أبي وأن أبي فيّ"؟ هذا هو "السكن" الذي نحاول أن نعبرّ عنه فنتلعثم. هل هناك ثلاثة آلهة؟ كلا. بل الله واحد في ثلاثة أفانيم.
الآب والإبن والروح القدس. ليسوا الواحد قرب الآخر. ولا يمتزج الواحد بالآخر. هذا هو السرّ. هذا هو سرّنا. ليس هناك إلا نسل واحد من المؤمنين قال له إنسان في يوم من الأيام (ويقول لنا): "من رآني رأى الله".
ويجب أن نحيا من هذا السرّ. مثل هذا الوحي لا فائدة منه إن كنا لا نسير مع يسوع إلى الآب. لهذا هو "الطريق". ولهذا سمّي المسيحيون في بداية الكنيسة: تبّاع "الطريق" (أع 9: 2).
كن يا رب نوراً في طرقات الناس الذين يسيرون على خطاك ويعلنون عجائبك مخاطرين بحياتهم. كن يا رب نوراً في الجماعات المسيحية التي تشهد بتنوّعها على مختلف الطرق التي بها تحب البشر. كن يا رب نوراً على طرقات الكنيسة وأعطنا روح الخلق لنلبّي حاجات شعب الله. أنِر يا رب دربنا، أنِر يا رب حياتنا لك المجد إلى الأبد.
22
الوعد بالروح القدس
14: 15- 22

سأطلب من الآب أن يعطيكم معزّياً آخر يبقى معكم إلى الأبد.
الروح القدس هو المعزّي الآخر. والمعزّي الأول كان يسوع نفسه كما في 1 يو 2: 1.
يتحدّث النص عن البارقليط، أي المحامي والمدافع والمشير والمعزّي. فالقيمة القانونية للّفظة تلمّح إلى المسيحيين الذين يقفون أمام المحاكم. كان يسوع قد حدّث تلاميذه عن الروح الذي يساعد تلاميذه المتّهمين (لو 2: 12). وخلال حياته على الأرض دافع عن أصدقائه كل مرّة اتهمهم أحد. هنا نتذكّر حادثة فرك السنابل يوم السبت (مت 12: 1).
همّ يسوع الأكبر تجاه تلاميذه هو أن يكون حاضراً، أن يدافع، أن يقدّم النصح، أن يتكلّم باسمهم. والآن وقد ترك هذا العالم، جاء الروح "وأخذ المشعل". حتى وإن كنا لا نراه، فنحن نحسّ بنتائج الخير التي يمنحها حضوره. هذا ما نعنيه حين نتحدّث عن "العزاء": حضور صامت كلّه انتباه. جلوس بقرب الذي يعيش الضيق والألم.
والتعزية (= والتشجيع، والتحريف) التي يتحدّث عنها مراراً أعمال الرسل، هي امتداد لعمل يسوع بالروح في الكنيسة. سيتجلّى يسوع أيضاً بهذا الروح "الذي يحلّ محلّه"، شرط أن يحفظ التلاميذ وصاياه. نحن أمام التعليم الإنجيلي بشكل عام وأمام الوصيّة "الجديدة".
حين تحلّ حالة الرعب، يجب أن نعقد الخناصر ونبدأ بمحبة بعضنا بعضاً. إذن يدعو يسوع بصورة مؤثّرة أصدقاءه ليبقوا أمناء له في وقت المحنة. لا يجب أن يتشتّتوا ساعة يبدو وكأن كل شيء قد ضاع. لا، لم يضع شيء وإن قام العالم بهجوم مضادّ. فالعالم هو عكس الروح. إنه المتّهم. هناك روحان يتقابلان (1 يو 4: 6): روح الظلمة ورح الحق.
إن روح الحق يتابع عمل الوحي الذي بدأه يسوع. بل هو يقود الرسل إلى الحقّ كلّه. أجل، إن الوحي يتواصل، ويقوم الروح بعمل تذكير وتعميق. كان حاضراً يوم كان يسوع حياً. أما الآن فحضوره هو من نوع آخر. هو يخلف نفسه بنفسه. في هذا المعنى، يبدو البارقليط الآخر ظهوراً جديداً لامكانيات تدخّل مختلفة. ومهما يكن من أمر، فحقل نشاطه يتّسع ويأخذ كل المكان الذي تركه يسوع.
صلّى يسوع لكي يتمّ هذا. فهو يعرف أن تلاميذه مهدّدون. هم كاليتامى. غير أن الروح الحاضر فيهم ليس "قطعة غيار" لوقت الحاجة فقط! إنه قوّة داخلية تجعلنا نحسّ أننا محبوبون ومعروفون لدى الآب. وكما أن عمله هو امتداد لحياة نالها المسيحيون في المعمودية، وكما أنه اعاد الحياة إلى المسيح، هكذا يجعل المسيح حاضراً اليوم في الكنيسة وفي العالم. يرى المؤمنون حضوره بما يتحقّق فيهم. وهو يقوم بتحوّلات مدهشة. وبهم يستطيع الناس أن يتعرّفوا إلى يسوع. فهم يشبهونه شبهاً يكاد يكون تاماً بفضل الروح الذي ينعشهم بديناميته.
قال يسوع: "إن احببتموني كنتم أمناء لوصاياي". الحب تجاه الوصايا! هل هناك توافق بين الاثنين؟!
هناك توافق إذا جعلنا كلمة "وصية" في صيغة المفرد. حينئذ نكون في المحبة. قال يسوع: "لا أعطيكم إلاّ وصيّة واحدة: أحبّوا بعضكم بعضاً كما أنا أحببتكم". إذا تفحّصنا هذه الأداة "كما" لن نجد تعارضاً بين الوصيّة والمحبّة. حين نحبّ "كما" يسوع يحبّ، ندخل في حبّ واحد يجري كالشلال: "كما أحبني الآب كذلك أنا أحببتكم. كما أحببتكم أحبّوا بعضكم بعضاً" (يو 15: 9، 12).
نحن نفسرّ معجزة الحبّ الوحيد حين نضع حبّ الله قرب حب القريب وكأنهما شيئان مختلفان. نقول: يجب أن أحبّ الله. يجب أن أحبّ أخوتي. فحرف العطف (و) يخلق لنا المشاكل فنتساءل: هل أحبّ الله أم القريب؟ هل أتفرّغ للصلاة أم للرسالة؟ ماذا أختار، الصلاة أم الالتزام الاجتماعي؟
ويأتي جواب يسوع مع حرف الجر "في". "أنا في أبي. أنتم في أبي. وأنا فيكم". هذا الحرف (في) هو سر الوجود المسيحي: إنه يدعونا الى الدخول في الحبّ، في الحبّ الوحيد، وأن نبقى فيه.
في هذا الحبّ تُولد أعظم أشكال الجوع في الحياة المسيحية: جوع إلى الاتحاد بالله. جوع إلى الصلاة. جوع إلى القداس. ولكن يحكم على هذا الجوع اندفاع الحب نحو الأخوة. حبّ هو جدّي حين يكون عطاء ومساعدة ملموسة. وهكذا يصبح "وصيّة"، لأن المحبة الأخوية واسعة غير أنها تضيع سريعاً في الأحلام. نتكلّم عن المحبة بصورة عامة، وننسى أن نحبّ جارنا في العمل...
يقول لنا يسوع: حين تحبّ أخاك تحبّني أنا. هناك رباط بين الله والقريب، ونحن نقطع هذا الرباط. متى نصل إلى هذه الحقيقة؟ نحن لا نحبّ يسوع وأخوتنا (مع واو العطف)، بل نحبّ يسوع حين نحبّ أخوتنا، ونحبّ أخوتنا حين نحبّ يسوع. إذا احببتموني كنتم أمناء لكل نداءات الحب.
في يسوع نمتلك صورة عنك يا رب. بروحك طبعت هذه الصورة في قلوبنا. في يسوع لنا مدافع ضد قوى الشّر. بروحك نطرد الشياطين التي تهاجمنا. في يسوع نشاهد ابنك الوحيد. بروحك صرنا أبناء بالتبنّي وناديناك أبّاً، أيها الآب. في يسوع نلنا كلمة الحياة. بروحك أعطيت لنا هذه الكلمة لكي نعلن الإنجيل. في يسوع بلغنا إلى الحقيقة الآتية من عندك. بروحك نصل إلى الحقيقة كلّها. لهذا يمتلىء قلبنا فرحاً فننشد لك نشيد الثقة والرجاء بأنك ستجدّد بروحك وجه الأرض.
23
سلامي أعطيكم
14: 23- 29

سلاماً أترك لكم. فلا تضطرب قلوبكم ولا تفزع.
يرى يسوع أن الحبّ والطاعة لا ينفصلان. ويظهر الحبّ في الأمانة لكلمة يسوع. وساعة إنطلاق يسوع القريب إلى أبيه، نتجنّب الغياب بالأمانة التي هي الطريق الوحيدة التي تدلّ على حضور الآب والابن.
وترنّ أولى كلمات آ 25، كنهاية مقطع موسيقي. "قلت لكم هذا". لقد فتح يسوع الطريق لمن يخلفه. للروح القدس الذي يعمّق التعليم الذي أعطاه يسوع خلال مهمته على الأرض (7: 16، 28؛ 8: 28)، ويمنع النسيان والاهمال.
إن الآب الذي أرسل يسوع، سيرُسل باسم يسوع الروح. هذا المقطع يبرّر وجود وشكل إنجيل يوحنا الذي فيه يتعمّق ويتأوّن حاضر يسوع. وعمل الروح وحده يفسرّ لنا النظرة المتجلّية التي وجّهها يوحنا إلى يسوع. مثل هذه النظرة كانت مستحيلة قبل قيامة يسوع وإرسال الروح.
تنتهي خطب الوداع عادة بالتحيّة والسلام. وهنا يهب يسوع السلام. فالسلام في اللغة البيبلية يعني الخلاص الاسكاتولوجي (في نهاية الزمن، أش 52: 7). هذا ما يقدَّم لنا مع مجيء يسوع، وخصوصاً في وقت قيامته (لو 24: 26). هنا يقدّم يسوع لتلاميذه سلام نهاية الأزمنة، من أجل مدى التاريخ كلّه مهما كانت المحن (16: 33). وذهاب يسوع لا يجب أن يولّد الخوف ولا الاضطراب. بل عليهم بالأحرى أن يفرحوا لعودة الابن إلى الآب، وأن يؤمنوا أن الروح سيتابع بينهم حضوره المهدىء والمنير.
وحين شدّد يسوع أن الآب أعظم منه، أراد أن يفهمنا أن الرسول لا يمكن أن يكون أعظم ممّن أرسله (13: 16). الآب هو أكبر لأن كل شيء يأتي منه وكل شيء يعود إليه. وبصورة خاصة إرسال الابن وتمجيده. سيستغلّ المتفلسفون هذه العبارة ليدلّوا على أن الابن أدنى من الآب وغير مساوٍ له. لن يتثبّت إيمان التلاميذ إلاّ حين "يتمّ كل هذا". بعد الموت والقيامة والعودة إلى الآب، سيعين الروح التلاميذ على العودة إلى سر التجسّد والتعمّق فيه. وهذا التعمّق سيدوم طويلاً في الكنيسة. فالكتب المقدسة تنمو مع الذين يقرأونها.
قال يسوع: "أنا ذاهب إلى الآب". سيدخل في مجد أبيه كأول أبناء الله المشتّتين الذين جاء يجمعهم في الوحدة والسلام. وصعوده سيكون علامة على أن فيه، على أن في بشريتنا كلّها المدعوّة الى الله، قد تمجّد جسد شبيه بأجسادنا. تروحن، عاش بحياة الله بالذات. وهكذا تيقّن التلاميذ أننا سنتحوّل نحن أيضاً مع أجسادنا في قيامة تشبه قيامة يسوع.
ولكن رجاء دخولنا يوماً في حياة الله، لا ينسينا حياتنا اليومية. فيسوع انضمّ إلى أبيه في المجد مع جسده البشري، جسده الذي قد يكون "تشوّه" بعمل النجارة، جسده الذي انطبع بجراح الآلام. وتقدّم أمام أبيه بيدين مليئتين من كل العمل البشري. ورجاؤنا بأن ننضمّ إليه ترافقنا رغبة بأن لا نتقدّم بأيدٍ فارغة، بقلب فارغ. هذا يعني أنّنا لم نفهم الإنجيل إذ كنا لا نرى أن البشرية والعالم هما بين أيدينا كالوزنات في المثل الإنجيلي وأن السيّد ينتظر أن نردّهما إليه محوّلين، منقّين، مجمّلين، كاملين.
لا نستطيع أن نكون لا مبالين مع أي شيء يلامس البشرية، لأن كل شيء يتّخذ قيمة جديدة حين تستعيده البشرية المجدّدة للمسيح الذي سيكون كلاً في الكل. فإيماننا ليس ديانة تهرّب وانسحاب في سلام مصطنع. إيماننا يؤكّد لنا قيمة العالم العظيمة وكرامة البشرية والسلام الذي وعدنا بها المسيح. سلامه هو سلام لنعمل في احترام من أجل كل ما يكوّن الانسان، كل ما ينميه نفساً وجسداً. وسلام المسيح هو سلام نبنيه لنا وللآخرين. هذا ليس بالسهل. ولكن الرب يسوع وعد بالسعادة لصانعي السلام: إنهم في الحقيقة أبناء الله. 
سلامي أعطيكم، سلامي أتركه لكم... يا رب، نطلب سلامك من أجل كنيستك المنتشرة في الأرض كلها. لتجعل الرجاء يلد وسط الاضطرابات والقلق. نطلب السلام من أجل الشعوب التي تمزّقها الحروب. لتشرق عليها شمس العدالة والأخوة. نطلب السلام من أجل رجال ونساء وأولاد يعرفون الجوع والألم. ساعدهم أن لا ينسوا أنك إله قريب من الألم والمتألمين.
24
أنا الكرمة الحقيقية
15: 1- 8

أنا الكرمة وأنتم الأغصان. من يثبت فيّ يأتي بثمر كثير.
حمل الثمار. هذا هو موضوع متتالية طويلة تمتد من ف 12 إلى ف 15. نحن بشكل ملموس أمام شيئين: الأول، الإهتمام بالفقراء (ف 12- 13). الثاني، الوصيّة "الجديدة"، وصيّة المحبّة الأخويّة. والخطأ هو أن نظن أن هذا هو حصيلة مجهودنا الشخصي. هناك قوة داخلية قويّة تعمل في الكرمة وتجعلها تثمر.
إذا أردت أن تربح، عليك أن تخسر. عليك أن "تشذّب". هذا ما يعرفه الكرّامون كلهم. فالطبيعة تعلّمنا الشجاعة والتجرّد. وقطع أمور عديدة في حياتنا، عمليّة خلاصيّة هامة. يجب أن تكون الأمور واضحة وصريحة. ولكن بطرس ظنّ نفسه نقياً، طاهراً، واضحاً. لقد أخطأ. لسنا أبداً شفّافين بما فيه الكفاية. نحن أنقياء بكلمة يسوع.
هذه الكلمة هي متطلبة جدّاً. "يجب أن يغسل بعضكم أرجل بعض" (13: 14). هناك أجزاء كاملة من حياتنا ستنهدم حين يمرّ "مقطع" الإنجيل. حين تقيم فينا كلمات الإنجيل، حين نتعمّق فيها، نتأمّلها وندخلها إلى أعماقنا، سنزيل كل ما هو غريب "ومتوحّش" فينا. وسنأخذ قوة جديدة نغذّيها بالصلاة.
نحن لا نبقى في يسوع إلا بصلاة واثقة، حارّة، دائمة. إذا اعتدنا على الصلاة... الصلاة تجعلنا نكتشف من جديد "المتوحّش" الذي روّضناه. نستطيع ان نترك ذواتنا تسير إلى الله الذي وحده يقوّينا. وخارجاً عنه نزعج حتى الأرض التي نجرجر قدمينا عليها. فالأغصان اليابسة يجب أن تُنزع وتُحرق في النار. هكذا نعتبر أننا أنهينا عملنا على أفضل ما يرام.
نجد في الكتاب المقدس أمثلة تحدّثنا عن حب الله الحاني الذي به يهتم بكرمته. ففي أشعيا (ف 5) نقرأ قصة حبّ جميلة. قصة رجل خاطر بكل شيء من أجل كرمته، فخاب انتظاره. ونجد المثل عينه في مت 21: 33- 45: وضع ملاّك قلبه كله في كرمته. ولم يوفّر أي تعب. وظلّ يظنّ رغم كل شيء أن الكرمة ستعطيه ثمراً.
والمثل الذي نقرأ اليوم (أنا هو الكرمة) يبدو أقل تشاؤماً، لأنه يتحدّث عن أغصان تُثمر. ولكن الإطار الذي قيل فيه هذا المثل هو دراماتيكي. يعرف يسوع أنه قد حُكم عليه بالموت. وهو يريد أن يتجنّب لتلاميذه التشتّت. إن ثمرة تماسكهم تظهر حين "يقيمون" في المسيح، حين يقيمون فيه على الدوام.
ونقول كما تقول العامة: لا نقطع الغصن الذي نجلس عليه. فمصلحتنا الحقيقية هي أن نبقى متجذّرين عميقاً في المسيح. والماويّة التي تتحرّك فتصل إلينا تنتج الأمانة. نحن نتسلّم نفوسنا دوماً من ينبوع الحياة الذي لولاه يكون كل شيء يابساً وميتاً.
كل شيء ينطلق من الآب الذي يعمل في العالم، وكل شيء يعود إليه في التمجيد. حين نبقى في المسيح، نكون له تلاميذ. نحن نتعرّف الى الروح حين نرى الكنيسة تنمو. ونتعرّف إليه في المحبة الأخوية التي نعيشها في الصلاة. هذه الصلاة هي ثمرة الكرمة. هي هذا الذي يتيح لنا الإتصال بالمسيح، ويبقينا في حالة الرغبة، ويذكّرنا أننا بدونه لا نستطيع شيئاً.
حمل الثمر. ردّة تتكرّر في التوراة منذ الوقت الأول الذي فيه نظر الله إلى آدم وحواء على أنهما ثمرة حبّه: "أنموا واكثروا" (تك 1: 22). ولكن خاب أمله مراراً. "إنتظرتُ من كرمي عنباً فأعطى حصرماً برياً". ولكنه سينتظر ثماراً منّا حتى النهاية.
هو ينتظر عنب الحبّ. سيفتخر الرب حين يرى ما اخترعه أولاده (السيارة...)، ولكنه لا يفتخر بحروبهم. خلقنا لكي نكون شعباً من الناس يحبّون بعضهم إلى الإبد. هذا هو الثمر الذي ينتظره.
وإن انطلقنا في هذه المغامرة ونحن متّكلون غلى قوانا الخاصة، على ماويتنا، لن نصل إلى نتيجة. نحن نحتاج إلى ماوية الله. هذا ما يريد يوحنا أن يعلّمنا اليوم. "فالغصن لا يستطيع أن ينتج شيئاً إن لم يثبت في الكرمة. أثبتوا فيّ، بدوني لا تستطيعون شيئاً".
وحين نتعلّق بيسوع، الكرمة الحقيقية، نحتاج أيضاً إلى الآب. فهو الكرّام الصالح الذي يعمل فينا. فالأحداث التي نتقبلها ونعيشها هي يداه. كم مرة يجدر بنا أن نقول: "مبارك أنت يا الله". ولا نتذمّر أو نتهرب.
عندما نتغذّى من الماويّة الطيّبة، ونشذَّب، يبقى علينا أن نثمر، يجب علينا أن نجعل حياتنا تثمر. هنا يأتي دور المجهود الشخصي. سيكون خصباً إذا كان واقعياً وحازماً. يكون واقعياً حين نزك أدوات الشرط (إن، إذا...). فحياة مبنية على أدوات الشرط لا تعطي ثمراً: لو كنت غير ما أنا عليه... لو كان الآخرون... لو كانت الحياة... كل هذا لا نفع منه. هناك سؤال واحد مفيد أطرحه على نفسي: في هذا الوقت، حيث أنا، وكما أنا، وكما هم الآخرون الذين أعيش معهم، أي ثمار حبّ يجب أن أعطي؟
وبعد أدوات الشرط، يبقى العدوّ الأكبر لخصبنا "غداً" (بكرا). هذه كلمة غريبة كلياً عن الإنجيل حيث نقرأ: "حالاً". متى نتحدّث عن السرعة؟ مثلاً يقول لو 1: 39: "ومضت مريم مسرعة إلى جبل يهوذا". وهكذا انطلق الإنجيل وستعطي الكرمة ثمرها.
وستعطي كرمتنا ثمرها حين نترك عدم القرار، والتراخي، والفكرة الغبيّة التي تعلن أن غداً سيكون أفضل من اليوم: الله هو إله اليوم الحاضر. وهو يدعونا اليوم لكي نشتغل فنجعل كرمتنا تثمر. اليوم نحن نسمع صوته.
نصلّي إليك يا رب من أجل كرمة الكنيسة. لتواصل عملها وتمدّ أغصانها. من أجل الأغصان اليابسة. ساعدها لكي تستعيد الماويّة والحياة. نصلّي من أجل الأغراس الجديدة التي هي كنائسنا الفتيّة في عالم الرسالات. أعطها أن تجد العمّال الذين تحتاجهم. من أجل الأغصان الفتية في جماعتنا. من أجلنا نحن الأغصان في كرمتك. نصلّي لنبقى متحدين بك ولنعطي ثماراً ترضي أباك السماوي، ذك الكرّام الذي يعتني بنا ولا يتعب.
25
انتم أحبائي
15: 9- 17

لا أدعوكم عبيداً بعد الآن. بل أدعوكم أحبّائي لأني أخبرتكم بكل ما سمعته من أبي.
حين يتكلّم يسوع، فهو لا يريد أن يُظهر الأمور بشكل دراماتيكي. ومثل الكرمة لا يجب أن يضع فينا القلق: كيف نتجاوب مع هذا التنبيه بأن نبقى فيه؟ ولكننا نتعلم اليوم أننا لسنا عبيداً ولا تلامذة مدرسة (تلاميذي، آ 8)، بل أصدقاء. في نشيد الكرمة (أش 5: 1) يتوجّه النبي إلى صديق العريس، إلى نجيّه، إلى الشخص الذي وُجد هنا ليفرح مع العريس.
هذا هو دورنا: أن نتأمل في عظمة حبّ الله في يسوع. لقد أعطى حياته. سمّانا أصدقاء. إختارنا. قال لنا كل شيء. وهو يعطينا بأن نثمر. يشكّل هذا المقطع في شفافيّته اللاهوتية، أقسى الإنتقاد للعبودية بكل أشكالها. نحن هنا في قلب تعليم الإنجيل.
فالعبد لا يعرف ما يعمله سيده. هو لم يختره. بل إشتراه. العبد لا ينعم بثمر عمله. عمله لا يخصّه. بل نفسه لا تخصّه. أما مع يسوع "فنعطي ثمراً يبقى". قال يسوع: الحقيقة تحرّرنا (8: 32). نحن نعرف الآن ما هي هذه الحقيقة، حقيقة صداقتنا مع الله. فارتباط الغصن بالكرمة هو أجمل الحرّيات. إنه يحرّرنا من أجل الخدمة. واكتفى الله بأن يتّخذ المبادرة.
إن قراءة ف 15 في يوحنا تبدّد المخاوف الأخيرة التي تدخل في بنية جامدة. قبل هذا، كنا أنقياء وتلاميذ، كنا تلاميذ أنقياء. أما الآن فنحن أصدقاء، أحبّاء. قبل هذا كنّا لا شيء بدونه. أما الآن فلا نجهل شيئاً عن ذلك الذي شراء فاختارنا.
نحن على أحسن ما يكون من العلاقات. لسنا أمام مساواة تامة، بل هي مساواة ذاك الذي يتقبّل نفسه من الآخر. وهذا لا نستطيع أن نتخيّله إلا إذا أخذ المسيح على عاتقه حالتنا كعبيد، وبذل حياته من أجل أصدقائه. من يستطيع أن يفعل أعظم من هذا؟
قال يسوع هذا الكلام ساعة كان ذاهباً إلى الموت. كان بوسعه أن يهرب أو يدور حول الصعوبة. ولكنه لم يفكّر إلا بشيء واحد: أن يكون تلاميذه أحراراً، أن يمكّنهم أن ينطلقوا (آ 16). لقد أرسلوا في مهمّة لتكبر حلقةُ الأصدقاء. نحن نجد هنا لفظة جديدة "عرّف" سنجدها في 17: 26. فبعد زمن الفاعلية يأتي زمن الشهادة. حين نشعر أننا محبوبون من قبل الله، نودّ أن نعرّف الناس بذلك. فالحب هو كشف ووحي.
شدّد يسوع وشدّد على الحب الأخوي. ليس فقط من أجل تماسك الجماعة، بل من أجل شفافيّة الحبّ. والجديد العظيم في هذا النص هو الصداقة. قد نظن أن الصداقة أدنى من المحبة. ومع ذلك حين لا تتوقّف الصداقة عند الشكليات، فمتطلّباتها كبيرة من أجل الحياة معاً. فالعلاقات البشرية تفترض تنظيم مسيرة المحبة التي تصل إلى الله. ومقابل هذا، أن يكون الله محبة، يُترجم في إبن جاء يشركنا في صداقته. وحين يسأل يسوع بطرس (21: 15) هل يحبّه، أجاب بطرس أنه يحبّه.
أراد أول الرسل أن يكون متواضعاً، وهذا لم يمنعه من أن يذهب إلى حيث لا يشاء...
الله محبّة. هل هذا صحيح؟ والآلام والبغضاء في العالم! كيف يقبل إله المحبة بكل هذا؟ ما زال اللاهوتيون الكبار يتلعثمون أمام مشكلة الشّر...
وتتفوّق على الفلاسفة أم تنحني على إبنها فتعرف أن الله محبة، لأنها اكتشفت واقع المحبة في العلاقات الأولى في حياة جاءت من الله. وأم تبكي على إبنها الذي يحيط به الخطر، تستطيع أن تتعرّف أيضاً إلى محبّة الله. ففي الإيمان تستطيع أن تعرف أن الله يقاسمها ضيقها وأنّه يحسّ معها بالحنان المجروح نفسه. الله هو أيضا رأى إبنه يموت وأية ميتة!
مرات عديدة لا نعرف ماذا نقول أمام ألم كبير يحسّ به صديق لنا. ولكننا نستطيع أن نبقى بقربه. نبقى صامتين فنكون قريبين بحبّنا وتعاطفنا. والله يسكت أيضاً أمام ضيقاتنا كما سكت أمام صليب ابنه.
ولكننا نؤمن، وخبرة المؤمنين تشهد بذلك، أنه قريب جداً، وهو مستعدّ أن يعرّف بنفسه، أن يعزّي، أن يشجّع، أن يعيد الإنسان إلى طريق الحبّ، أن يعلّمه التقبّل والمقاسمة.
إذا أردنا أن نعرف حبّ إلهنا، يجب علينا أولاً أن نقتدي بيسوع الذي شفى المرض وندّد بالرياء. ونحارب ضدّ الألم، ضدّ الظلم، ضدّ البغض، ضدّ الحرب. الحبّ الحقيقي ليس عاطفة عابرة، بل حضور وإصغاء ومقاسمة وعطاء وعمل وجهاد.
من يعلن أنه يحبّ الله ولا يحبّ أخاه، هو كاذب (1 يو 4: 20). ففي صدق محبّتنا المتطلّبة والأخوية أو البنوية أو الزوجية، نعرف أننا أبناء الله وحاملو الحضور السري والعجيب للحبّ الحيّ، لروح يسوع المسيح. حينئذٍ نعرف أن كلمة الرسول صادقة: "من أحبّ أخاه عرف الله".
لسنا نحن الذين أحببنا الله، لسنا نحن الذين اخترناه. هو أحبّنا أولاً. هو دعانا وجعلنا أبناءه الأحبّاء. قال يوحنا: "نحن آمنا بالمحبّة". طوبى للذين يؤمنون حتى النهاية ويحبّون إلى الغاية!
أيها الرب الإله، كم يصعب علينا أن نحبّ عندما يطلّ ألف سبب وسبب لكيلا نفتح بابنا. لهذا نصلّي من أجل المسجونين في رخائهم، نصلّي من أجل نفوسنا نحن الباحثين عن الراحة في الأنانية. كم يصعب علينا أن نحب حين نبقى متعلّقين بالمال. نصلّي يا رب من أجل الأغنياء "بالروح". نصلّي من أجل ذواتنا نحن الذين لا نعرف أن نتجرّد. كم يصعب علينا أن نحبّ حين نحمل سلاحاً في أيدينا. حين لا نقاسم الآخرين خبزنا. نصلّي من أجل الذين يعتمدون على القوة، من أجل الذين لا يعرفون الجوع ولا الشقاء. أيقظنا يا رب وعلّمنا أن نرى الآخرين. علّمنا أن نحبّهم كما أحبّنا إبنك الحبيب.
26
الحقيقة كلها
16: 12- 15

متى جاء روح الحق أرشدكم إلى الحق كلّه.
الله سرّ، والانسان لا يستطيع أن يتحدّث عنه إلاّ ويتعلثم. إنه كالطفل في أول كلمات يتلفّظ بها. والذي يهتمّ بتاريخ الديانات يكتشف الوجوه المتعدّدة التي ألبسها البشر للاهوت. بصورة عامة، تمثّل الانسانُ الله انطلاقاً من نفسه. وهناك قول معروف: "خلق الله الانسان على صورته فرّد له الانسان "الجميل" (أي صوّره على شكله)،
إن اليهود والمسيحيين يفسرّون النصوص الكتابية على أنها كشف بطيء لله، الذي إختار أن يعرّف عن ذاته في سرّه. وخبرة سيناء تشكّل نقطة إنطلاق لهذا الكشف والتعريف. "أنا هو الذي هو". كشف الله لموسى أنه من العبث البحث عنه في السطر (عالم الميتولوجيا) والطبيعة، والقدسيات، والمعابد الوثنية. الله يعبرّ عن نفسه في تاريخ شعبه.
ويسوع هو الذروة في كشف الله عن نفسه. جاء من الله وهو "الكلمة الذي صار بشراً". وهو "الطريق الحق والحياة". يسوع هو صورة الله ويدلّ عليه في تعليمه وممارسته. في حياته وموته. قال: "من رآني رأى الآب".
قال يسوع عن الله كل ما استطاع التلاميذ أن يسمعوه. والموت والقيامة هما الصرخة الأخيرة التي يرسلها الله الى الانسان بواسطة يسوع. ومع ذلك فالتلاميذ لا يستطيعون أن يفهموا سرّ إله يسوع فهماً تاماً، لأنهم من لحم ودم، لأنهم ضعفاء أمام هجمة الله على الأرض في شخص يسوع. لهذا، حين ذهب يسوع، ترك الروح يكمّل المسيرة، تركه يُفهم المؤمنين معنى ما حدث. فالروح يفعل ما كان يفعله الله في الميثاق القديم: "يقود المؤمن إلى الحقيقة" (مز 25: 5).
وهذا التوجّه إلى الحقيقة ليس مجرّد معرفة. إنه فهم وجودي وحياتي للإنجيل. وهذه المهمة تفتح طرق المغامرة أمام المسيحيين الذين يفسرّون هذه الحقيقة في حياتهم وفي تعليمهم. هنا نتذكّر فيلبس، أحد السبعة، الذي قاده الروح، فعلّم وزير ملكة الحبشة كيف يقرأ أش 53: 7- 8 ويطبّقه على يسوع.
ويعلّمنا الروح بما يأتي، لا حين ينبىء بالمستقبل أو يحمل وحياً جديداً لا يفيد الكنيسة بعد ذهاب يسوع. بل هو ينير الوحي الجديد بواسطة سرّ يسوع. وفي النهاية، يتابع الروح ما بدأه يسوع: يكشف للبشر سرّ الله. بما أن يسوع هو الكلمة الأخيرة التي أرسلها الله إلى البشر، فهو يحتاج إلى الروح "ليترجم" له كلامه، وليقود تلاميذه إلى الحقيقة كلها، الى حقيقة الله الكاملة.
تعلّم المسيحيون الأولون من يسوع وساروا حسب إرادته، فتوجّهوا في صلاتهم إلى الله على أنه أب. هو أب يسوع وأبوهم أيضاً. أرادوا أن يمشوا كل يوم مع يسوع الذي هو حيّ دائماً وينفحهم بحياته. وأحسّوا أن الروح القدس، نسمة الله المحرتة، قد حوّلهم وساندهم. هذا ما قاله بولس الرسول: "أفيضت محبة الله في قلوبنا بالروح القدس الذي أعطي لنا".
وهكذا أخذوا شيثاً فشيئاً يتحدّثون عن الله الواحد المثلّث القداسة، عن الثالوث الأقدس. لم يستسلموا إلى نظريات مجرّدة عن اللاهوت، بل ساروا في خطى المسيح فاكتشفوا حنان الرب ورحمته، الحبّ الأخوي في قلب الابن الوحيد يسوع المسيح، القوة والنور في روح الآب والابن، في الروح القدس.
وهكذا توصّلوا بشكل من الأشكال إلى رؤية الله، كما طلب الرسول فيلبس من يسوع (أرنا الآب وحسبنا). رأوه لا بعين الجسد، بل رأوا قلبه في قلب المسيح، وتعرّفوا إليه في وجوه إخوتهم وقلوبهم. فرؤية الله تعني في النهاية اكتشافه كإله المحبة. والحب ليس وحيداً. ليس منعزلاً. إنه يحتاج إلى تبادل وعطاء. ففي الله، يعيش الآب والابن والروح تبادل حبّ متواصلاً. يحبّ الواحد الآخر، ويحبوننا حبًّا واحداً. "أنظرا أن حبٍّ أحبّنا به الآب". هذا ما أعلن يوحنا في رسالته، وقلبه مفعم بالفرح والدهشة أمام هذا السرّ العظيم.
حين نعيّد الثالوث الأقدس، نعلن أن الله يحبّنا. قال القديس بولس: "إفتخارنا هو أننا نرجو أن نرى مجد إلهنا". أي نرجو أن نشارك الثالوث الاقدس في حياة المحبة. ويزيد الرسول بشكل مفارقة: "والضيق أيضاً يشكّل افتخارنا". الضيق هو ضعفنا (عدم إمكانية)، هو وجهة الفشل عندنا، هو الألم الذي نجده في حياتنا والذي يحوّله الإيمان إلى مشاركة في صليب المسيح. "فالضيق ينتج الصبر، والصبر يلد الاختبار، والاختبار يلد الرجاء".
الحب والإيمان والرجاء. هذا هو "الثالوث" اليومي الذي يجب أن يعيشه كل واحد منّا. لنفرح أننا تقبّلنا حبّ الآب، والإيمان بيسوع ابن الله الوحيد ومخلصنا، والرجاء الذي يحيينا بقوة الروح القدس. هكذا نسير نحو الحقيقة كلها.
ما نحن أحببنا الله، بل هو أحبّنا أولاً. تجاه حبّك السابق لحبنا، نكتشف أيها الآب رفضنا وتراخينا. أحبّ يسوع خاصته، أحبّهم منتهى الحبّ (حتى الموت). أيها الرب يسوع، أمام حبّك الجنوني نكتشف أنانيتنا ولامبالاتنا. عندما يأتي روح الحق يقودكم إلى الحق كله. تجاه حبك المنتثر في كل إنسان، نكتشف، أيها الروح القدس، أننا لا نعرف التسامح وقبول الآخر. فيا أيها الإله الذي لا حدّ لحبّه، إغفر خطايانا ووجّه مسيرتنا إلى الحياة الأبدية.
27
الصلاة الكهنوتية
17: 1- 10

الحياة الابدية هي أن يعرفوك أنت الإله الحق وحدك.
أورد لنا يوحنا صلاة يسوع هذه. فكم يجب أن نتمعّن بها. لا شكّ في أن الإنجيلي رتّبها فجعل يسوع يقول: "ويعرفوا يسوع المسيح الذي أرسلته". ومع ذلك فالأصالة ظاهرة. ورغم الظواهر يبدو النصّ بسيطاً. هو صلاة طوعية جاءت بطريقة عفوية فكان لها جمالها.
لا يصلّي يسوع من أجل العالم. هذا لا يعني أنه يرذل العالم. فما يهمّ يسوع قبل كل شيء هو مصير تلاميذه. نحن هنا في وضع حدودي، يطلق فيها إنسان من الناس صلاته الأخيرة. لم نصل بعد إلى الصرخة الأخيرة: "أنا عطشان"! بل نحن أمام مقدّمة تدخلنا في المجد.
وتسمية هذه الصلاة "بالصلاة الكهنوتية" تأتيها من تشفّع يسوع من أجل تلاميذه. إن يسوع يحمل همّ أصدقائه. يخاف من سقوطهم. وسيدلّ المستقبل أنه كان على حقّ.
وسيكون همّ الوحدة موضوع القسم الثاني (آ 11- 26). أما الآن فيسوع يتكلّم عن نفسه. كأني به يقول: أيها الآب أنهيت عملي. والآن جاء دورك. هذا هو أساس كل صلاة: أن نسلّم ذواتنا بكليتها إلى الله في انتفاضة أخيرة، وبعد أن نكون قمنا بواجبنا. هذا ما يعطي لحياة تامة امتداداً لا تدركه أيدي البشر. فوراء لفظة "أعطى" (المتواترة في النص) يجب أن نقرأ "سلّم". كل ما لنا قد سلّم إلينا كوديعة، وخصوصاً الاشخاص.
هذا ما يقويّ إحساسنا بمسؤولياتنا. فأمام اقتراب الموت، يصلّي يسوع خاصّة من أجل نفسه. هو يحتاج أن "يعرف". هذا هو التمجيد. هو لا يستطيع شيئاً أمام متّهميه كمحكوم عليه بالإعدام. إذن، يستند إلى الله والى تلاميذه. هؤلاء هم فخره إذا عرفوا أن يثبتوا. وقوضهم تعود إليه والى الله. ثم إن على الآب أن يخلّص ابنه من السقوط والمذلّة. فكرامة الآب هي على المحكّ.
كل شيء هو تبادل في هذه الصلاة التي تدهشنا حقيقتها. فالحبّ لا يسير أبداً في اتجاه واحد. هناك اتجاهان. الحب يسير كالحياة. إنه عطاء (هدية) ينتقل من يد إلى يد. ورغم قلق خفيف نستشفّه في الكلمات، نستطيع أن نتكلّم عن صلاة من التهليل. ويمكن أن تُتلى ليلة عشاء فصحي. فالليتورجيات الفصحية القديمة كانت تترك مكاناً لمثل هذه الصوات.
"أنا غلبت العالم". هذا ما قاله يسوع. هو لم ينتصر بعد. أو بالأحرى كل شيء قد انتهى، والغلبة هي قضية وقت. فالاختيار انتزع التلاميذ من هذا العالم. ولقد تعب يسوع في أن ينزع نفسه عنهم. حُطمت وحدة، فتحقّقت وحدة أخرى، وحدة أعمق. كانت الصلاة لحمة في الجماعة الأولى. وكانت المشاركة مع المسيح قوّة للمؤمنين. والصلاة التي تلاها يسوع بعاطفة لم يستطع ضبطها إلاّ بصعوبة، جمعت في شخصه الماضي. والمستقبل، الزمن والأبدية.
قال يسوع: "أنا أتيت إليك". لا نجرؤ أن نستمع إلى هذا الصوت الذي لا يتوجّه الآن إلينا، بل إلى الآب الذي لم يواجهه بعد كما سيفعل بعد الموت والقيامة.
وقت نادر. تنتظر آذاننا وقلبنا. سنسمع الصلاة الطويلة الوحيدة التي وصلت إلينا من يسوع. ولكن ندهش وقد ننزعج. لماذا تتحدّث هذه النجاوى عن المجد (وهي كلمة لا نحبّها كثيراً).
نحن نربط طوعاً المجد بالقوة والتباهي ووضع المسافة بيننا وبين الآخرين. فالمجد لدى شخص، يجعله بعيداً عنا وعن متناولنا، ويعود بنا إلى عيشنا الخامل. حين نحتفظ بأفكارنا في هذا الوقت، نقتل قوة الاصغاء التي يجب بالأحرى أن تجتذبنا إلى الإله الحقيقي. فيسوع المتكلّم إلى أبيه، يفكّر الآن ويتكلّم من أجلنا. إنه وسيط كما لم يكنه في هذه الساعة: "أيها الآب، عرّفت البشر إليك".
وهذا يعني أنهم عرفوا مجد الله. عرفوا قدرة الحياة التي فيه، كما تقول النصوص البيبلية. وبما أننا أمام إله هو حبّ، فهذه القدرة هي صالحة وقد جاءت لتغدق الخيرات على الخلائق.
إنطلاقاً من هنا نستطيع أن نتكلّم عن المجد. المجد هو إشعاع الله. إشعاع ينبع من قوة الحياة فيه، من وزن الكيان. الله مجيد. الله مجد هو مع ما فيه من حياة وجمال وحبّ. وكل هذا يجعلنا ساجدين في صلوات الشكر والمديح التي نتلوها.
كان موسى قد أحسّ إحساساً عميقاً بهذا الوضع حين توسّل إلى الله فقال: "أرني مجدك". وفي يوم من الأيام انفجر الخبر: "رأينا مجده. المجد الذي ناله الابن الوحيد من الآب" (1: 14). بعد هذا، إستعددنا لنتعرّف إلى مجد الله بمجد المسيح: "مجّد اسمك فيمجّدك ابنك".
وليس المجد فقط قوة حياة. انه أيضاً قدرة على العمل: "أيها الآب، مجّدتك على الأرض حين أتممت العمل الذي سلّمته إليّ". أما العمل فهو خلاص العالم. كشف لهم حبّ الآب فحمل إليهم الخلاص. وساعة تلا يسوع هذه الصلاة، كان يستعد ليتمّ هذا العمل. وسيجعل الآبُ مجدَ الابن يسطع، فيختم مهمته الخلاصية بالقيامة. 
نشكرك أيها الرب الإله من أجل ابنك. لقد مجّدك حين أتمّ المهمة التي سلّمتها إليه وهو لا يزال يمجّدك حين يقدّم ذاته لنا في الكلمة التي نسمعها والخبز الذي يغذينا. بما أنه فينا، فامنحنا أن نشعّ حضورك بالصلاة والحب الأخوي. لك المجد إلى الأبد.
28
إحفظهم بإسمك
17: 11- 19

لا أطلب إليك أن تخرجهم من العالم، بل أن تحفظهم من الشرير.
يشدّد يسوع في هذه الخطبة الوداعية على كيان المؤمنين العميق، على جذور رسالتهم. بما أن الآب هو قدّوس وبما أنه أرسل ابنه، قدوس الله (6: 69)، فعلى التلاميذ أن يستعدّوا لرسالتهم فيتقبّلوا القداسة نفسها التي تفرزهم من العالم حيث هم، من هذا العالم الذي ليسوا منه.
شدّد يوحنا في ف 15- 16 على التعارض بين التلاميذ والعالم. وها هو يستعيد هذا التشديد هنا فيقول: تركتكم في العالم، ولكنكم لستم من العالم. أعطاهم يسوع كلمته وأرسلهم إلى العالم. ولكن العالم لم يستقبلهم كما لم يستقبل يسوع. أرسلهم يسوع إلى عالم معادٍ وهو عارف بذلك.
في القسم الأول من الإنجيل، أرسل الآب إبنه إلى العالم ليخلّص العالم، غير أن خطبة الوداع تنفتح على فشل هذا اللقاء بين العالم ويسوع. فلم يبقَ هنا إلا الذين اختاروا أن يكونوا مع يسوع. وهكذا صار العالم يمثّل كل الذين مالوا عن يسوع ليخضعوا لسلطان هذا العالم (12: 31؛ 14: 30). هذا العالم الذي حُكم عليه ساعة حُكم على سلطان العالم (16: 11)، قد قُهر منذ الآن (1 يو 5: 4). ومهمّة المسيحيين المرسَلين إلى العالم على خطى يسوع، هي منذ الآن رسالته هو: إعلان الحرب على ملك أبناء الظلمة. التعرّض لذات الخطر الذي تعرّض له يسوع. وهذه العداوة ليست مأساوية. بل نعيشها في الفرح لأنّ يسوع يؤكّد لأخصّائه أنه انتصر، أنه غلب العالم.
إنتظرنا أن يُذكر الروح القدس هنا ذكراً واضحاً، لأن به ينال المسيحيون القوة والسلام في هذا العالم الذي يضطهدهم. ويمكن أن يكون الرجوع إلى الحقيقة قد ارتبط بالبارقليط (المعزّي، المشجّع، المحامي) الذي هو روح الحق.
وكرّس (قدّس) يسوع نفسه لأجلهم. ينطبق هذا التكريس على موت يسوع الذي فيه أعطى الحياة للمؤمنين (روم 8: 32). ولا يكون التكريس ممكناً إلا في موت يسوع وقيامته.
سمّيت هذه الصلاة (17: 1 ي) الصلاة الكهنوتية منذ كيرلس، أسقف الإسكندرية. أجل، يبدو يسوع كاهناً يقدّم نفسه ذبيحة من أجل الذين أوكله الله بهم.
"ليكونوا واحداً كما أنت أيها الآب فيّ وكما أنا فيك... لتكن وحدتهم كاملة. هكذا يعرف العالم أنك أرسلتني". فينبوع ونهاية المغامرة البشرية هو وحدة الله الثالوث، والاتحاد بين الآب والإبن والروح القدس. لهذا يجب على كل جماعة مسيحية عمليّة أن تكون موضع الحبّ الإنجيلى، موضع عائلة الله الجديدة، موضع ثورة إجتماعية في العلائق البشرية، موضع الأخوّة الشاملة.
أي شهادة تعطيه هذه الجماعات التي تكتفي بأن تمارس شعائر العبادة ولا تكون موضع علائق جديدة؟!
قال يسوع: "بهذه العلامة يعرف الجميع أنكم تلاميذي: حين تحبّون بعضكم بعضاً". (15: 16). العلامة الوحيدة التي تركها يسوع لاخوته فيرى الناس حضوره الجديد وسطهم، ليست تنظيمنا التراتبي، ليس جمال ليتورجيتنا، ليس تماسك عقائدنا، بل الحب المعاش والمستوى الرفيع لعلائقنا الأخوية اليومية.
نعيش كإخوة وأخوات. هذا هو أول إرتداد نقوم به. هذا هو أول عمل رسولي يقوم به المؤمنون: الحياة كإخوة هي بشرى عملية، هي عمل نبوي، هي رجاء من أجل جميع البشر.
والتبشير يتمّ أولاً عندما تشعّ الحياة الأخوية، عندما تنتقل كالعدوى. "أنظروا كم يحبّ بعضهم بعضاً".
ما يطلب منا اليوم هو أن نبني الأخوة الشاملة التي هي بذار ملكوت الله. إن الشيع تعمل على تجنيد رجال ونساء يدفعهم بحث روحي، وحاجة لكي يجدوا معنى لحياتهم، لكي ينتموا إلى مجموعات لا يكونون فيها "نكرة" كما هم في عالمنا الحديث. أين جواب رعايانا المسيحية على هذه الحاجة؟!
هل يطلب منا معاصرونا جواباً عن الرجاء الذي فينا؟ هل يتوجّهون إلى جماعاتنا المسيحية في بحثهم الديني؟ أين الحرارة البشرية، أين التعايش، أين تقبّل حياة الناس وآمالهم؟
هذا هو التحدّث الذي يرسله العالم إلى المسيحيين اليوم. فعلى كل جماعة مسيحية أن تكون رسمة بسيطة ولكن حقيقيّة لملكوت الله الذي رمى يسوع بذاره في أرضنا. وعبر علائقنا اليومية يظهر في قلب مدننا بعض من هذا الملكوت الذي يتطلّع إليه جميع البشر.
يا إله المحبة والوحدة، إليك نرفع صلاتنا وتسبيحنا. أنت يا من لم يَرَك أحد، تكشِف ذاتك لنا بابنك يسوع الذي مات وقام، الذي جاء إلى عالمنا لكي يعرّفنا إسمك. أرسلته إلينا لكي يخبرنا بحنانك ويعلّمنا أن نحبّ بعضنا بعضاً. بروحك وضع فينا الحبّ الذي به أحببته، فجعلنا جديرين بأن نكون شهوداً لك أمام العالم. الشكر لك يا الله.
29
الصليب المزروع في طرقاتنا
18: 1- 19: 42

فأخذ بيلاطس يسوع وأمر بجلده. وضفر الجند إكليلاً من شوك ووضعوه على رأسه.
بعد أن أورد يوحنا خطبة (أو: خطب) الوداع، عاد إلى الأخبار التي نجدها في الأناجيل الإزائية عن آلام يسوع وموته وقيامته. إن أخبار الآلام هي أقدم ما نجد في التقليد الإنجيلي. حينئذ لا ندهش إن رأينا الإنجيليين الأربعة يحتفظون بالأحداث عينها.
إذا رجعنا إلى مرقس، لاحظنا أنه يشارك يوحنا في الحديث عن توقيف يسوع في بستان الزيتون، عن المحاكمة أمام رؤساء اليهود، عن خيانة بطرس ونكرانه لمعلمه، عن المحاكمة أمام بيلاطس، عن صلب يسوع وموته، عن دفن يسوع.
غير أن يوحنا يعالج هذه المواد بطريقة مبتكرة وخاصة. مثلاً، يروي مشهد بستان الزيتون وتوقيف يسوع باهتمام كرستولوجي (تشديد على شخص يسوع المسيح) ظاهر. هذا ما يدفعه لأن يلغي كل التلميحات إلى نزاع يسوع، وأن يصوّر يسوع كالرب وسيّد الأحداث، الذي يستطيع أن يحمي تلاميذه من العاصفة التي تحمله إلى الموت. وساعة توقيفه، سقطت الفرقة الكبيرة الآتية إليه، سقطت على الأرض عند قدميه ثلاث مرّات. أما هو فتقدّم إليها غير خائف وقال: "أنا هو" (أي: أنا يهوه، أنا الرب). أجل، سجد الجنود الآتون ليمسكوا يسوع. سجدوا له وهم لا يدرون: إنه الرب الإله وإن كان ذاهباً إلى الموت.
وأعطى يوحنا مشهد المواجهة بين يسوع وبيلاطس إتساعاً كبيراً: مشهد طويل. مشهد يقع في قلب مشاهد خبر الآلام. هذا ما نتحقّق منه حين نسرد المتتاليات التي تحيط باللقاء بين يسوع وبيلاطس:
- بستان الزيتون (مواجهة مع يسوع): 18: 1- 11.
- الإستجواب أمام حنان: 18: 12- 27.
- المحاكمة أمام بيلاطس: 18: 28- 19: 16.
- الجلجلة: 19: 16- 37.
- دفن يسوع في بستان: 19: 38- 42.
مقابل هذا ألغى يوحنا المشهد أمام المحكمة العليا (السنهدرين): فالإتهامات ضدّ يسوع قد تكدّست خلال حياته العلنية، فلماذا الحديث عنها الآن؟ وهي: الحكم بالموت والخوف من دمار الهيكل (11: 47- 53)، الكلمة حول تدمير الهيكل (2: 19)، الإتهامات المحدّدة (10: 24- 25، 33، 36)، رؤية إبن الإنسان (1: 51) التي يضعها الإزائيون أمام رئيس الكهنة (مر 14: 62 وز).
منذ حُكم على يسوع بالموت، تقدّم نحو الصليب كالرب. ولم يحتجْ إلى مساعدة أحد لكي يحمل صليبه (رج لو 23: 26). وقبل أن يموت، سلّم إرثه لأمه وللتلميذ الذي كان يحبه. ورّاثه الحقيقيون هم الذين يتقبّلون الروح (أسلم الروح إلى الكنيسة). أما الجنود المغتصبون فيستولون على ثيابه التي لم يعد يحتاج إليها وهو الذي استعدّ للموت في عري تام. ظلّ سيّد الأحداث، فأتمّ الكتب بأمانة. وأسلم الروح ساعة كمل كل شيء.
حين دوّن يوحنا خبر الآلام كان تدوينه شخصياً، وفيه لعبت الخليقة دوراً عظيماً. فنرى في مجمل الآلام رسمة يلعب فيها المكان دوراً هاماً. بدأت الآلام في بستان (18: 1- 11) وانتهت في بستان (19: 41) دفن فيه يسوع. ويسير مجمل الخبر في مدى محدود: خمسة أمكنة: بستان، قصر رئيس الكهنة السابق، قصر بيلاطس، الجلجلة، البستان. وبعد أن نتذكّر تاريخية الأحداث التي أوردها يوحنا، حين كتب إنجيله بزمن طويل بعد الأناجيل الثلاثة الأخرى، نكتشف نظرة لاهوتية تلقي ضوءها على المتتاليات: فهو يعمل كالرسام. كشف المعنى العميق للآلام، المعنى الذي يفهمه المؤمن وحده حين يقبل بأن يرافق الإنجيلي إلى هذا المستوى.
لسنا فقط أمام دقيقة صمت كما نفعل بعد موت أشخاص يرتبطون بنا. بل أمام يومين من الحداد في كل الكنائس. حداد لا نجد مثله طوال السنة. ففي أكثر الدفنات مأساوية نستطيع أن نحتفل بالافخارستيا مع ما تحمله من تعزية ورجاء، وبعض كلمات الفرح: "طوبى للمدعوين...".
أما يوم الجمعة العظيمة، فالحداد تام كامل. ويصل الصمت حتى إلى الأجراس. لسنا فقط أمام صمت تجاه شخص نتعاطف معه. بل أمام صمت الدهشة والذهول. لا تستطيع الكلمات أن تعبرّ فيحلّ محلّها الصمت. ولكن لماذا الصمت؟ بسبب مأساوية هذا الحدث الذي انطبع به تاريخ كل الخليقة حتى نهاية الأزمنة. فالصمت وحده يليق أمام خطورة هذا الحدث: الله نفسه خضع للموت. والحال، الله والموت هما متناقضان كالماء والنار: أو أن النار تنطفىء أو أن المياه تتبخّر. إن إله الحياة لا يستطيع أن يبقى خاضعاً للموت. ومع ذلك فإله الحياة سلّم نفسه للموت في شخص يسوع.
"قاسمنا ضعفنا. تجرّد. صار خادماً (عبداً)، تنازل، عذّب، احتُقِر، طُعن بحربة، سُحق، صار طائعاً حتى الموت". هذا ما تقوله قراءات أسبوع الآلام. في الحقيقة. أخذ إبن الله الأزلي كل شيء، حتى ما يعارض شخصيّته وكيانه معارضة تامة. أخذ الموت المشين حين حُكِم عليه كمجرم وهو البراءة بالذات.
ندهش، يختفي صوتنا، فنصمت أمام التضامن العظيم الذي أظهره الله لنا نحن خلائقه. هو إله الحياة: لم يخلق الموت، ولم يُرِدْ الموت. ومع ذلك أخذه في جسده لكي يلغي مفاعيله المشؤومة. وحين نكتشف من جديد عظمة محبّة الله، نستطيع أن نلقي أمامه حمل الموتى الذين أثَّر فينا موتهم من قريب أو بعيد، والذين ما زالوا يتركون الجراح على أرضنا. لقد تغذّينا بفضل المسيح بهذا الرجاء الثابت: إذا كان الموت لم يُلغَ بعد، فهو قد قُهر، لأن ابن الله الحي قد أخذه. قد دخل فيه بأقسى ما في شكله.
ففي صلاتنا الصامتة أمام المسيح الذي جُلد وعذّب، نتذكر كل ضحايا العنف والتعذيب. أمام المسيح الذي خانوه واتهموه وعذّبوه، نحمل بكاء الأبرياء الذين يعيشون في السجن، ألم الشعوب المتروكة فريسة الشقاء والجوع. أمام المسيح الذي نزل عن الصليب كأسمال بالية، نتذكّر كل شخص وُضع في قبر، فترك الألم في عيالنا وجماعاتنا وأقاربنا.
ولكن اليوم الثالث في صمتنا سيكون يوم القيامة.
"إلهي، إلهي، لماذا تركتني". ما زالت صرخة يسوع على الصليب تجرّ كل الذين رأوا في هذا الإنسان مرسل الله. كيف أحسّ بهذه العاطفة ساعة الموت، هو الذي وعى رسالته وعياً تاماً؟ تلك كانت الآية الأولى من مز 22. ولكن النهاية كانت مفتوحة على الرجاء: "سأبشّر باسمك اخوتي، وأعلن إسمك في الجماعة العظيمة" (مز 22: 22- 23). ولكن يبقى أن يسوع عرف ضيق الظلمة والموت والعزلة. صُلب، تُرك، ومع ذلك ظلّ متحداً بالبشر حتى الموت. أخذ موته فأخذ في الوقت عينه موتنا. فلم يعد في الإنسان شيء غريب عن الله. حتى الألم والموت...
30
ملك يشهد للحق
18: 31- 37

لو كانت مملكتي من هدا العالم لدافع عني أتباعي.
يحتلّ اللقاء بين يسوع وبيلاطس عند يوحنا جزءاً أكبر من عند الإزائيين. لقد أراد يوحنا أن يصوّر الآلام لا كغوص مأساوي وأليم يعيشه نبيّ في الألم والموت، بل ككشف متدرّج للإبن تجاه العالم. فمسيرة يسوع خلال آلامه تصوَّر كمسيرة مجيدة للرب، سيّد كل شيء، والعارف بما سيحصل له، والفارض سلطته على الجنود الذين جاؤوا ليوقفوه (18: 6). وهو يدخل في حوار تدريجي مع بيلاطس.
سلطته وملكه هما من نظام آخر. لا جيش له بتصرّفه. والسيف الذي استعمله بطرس؟ قال له يسوع: "أرجِع سيفك إلى غمدك" (18: 11).
جعل يوحنا صورتين متعارضتين للملكية، الواحدة تجاه الأخرى. بيلاطس هو حاكم فوّضه الإمبراطور الروماني. هو يمثّل الإمبراطورية الرومانية بكل قوتها المنظور، مع الجيوش والإدارة التي ترافقه. أما يسوع فيختلف عنه كل الإختلاف. عنده فرقة حوله. ولكنها تبخّرت منذ اليوم الذي صوّر لهم الملك الذي سيكونه في طريق الآلام. وبقي له بعض الصيّادين الجليليين الذين سحرتهم شخصيته وسيطر عليهم حلمهم بالتسلّط، فما عادوا يفهمونه، بل كانوا يتشاجرون حول الأماكن الأولى في الملكوت المقبل.
في هذا الوقت نفهم فطنة يسوع أمام بيلاطس. سأله بيلاطس: "أملك أنت"؟ أجاب يسوع: "أنت تقول ذلك". رفض أن يعرّف عن نفسه أنه ملك، لأن هذا اللقب مفخّخ. مملكته حقيقية، ولكنها "ليست من هذا العالم". وأعضاء هذه المملكة هم الذين "ينتمون إلى الحق"، أي الذي يتقبّلون البشارة التي حملها، ويعملون بموجبها.
على الصليب كتب بيلاطس في ثلاث لغات، في اليونانية واللاتينية والعبرية: "يسوع الناصري ملك اليهود". حين ذكر يوحنا هذا الحدث، شدّد في كلام وجّهه إلى قرّاء مسيحيين، على أن الصلب يدلّ حقاً على مملكة يسوع الشاملة. كان يسوع قد قال: "حين أُرفع عن الأرض أجتذب إلي كل أحد".
عندئذٍ يبدو الصليب كخاتمة كل التجسّد، وعلامة حبّ الله السامية تجاه البشر عبر ابنه. "لقد أحبّ الله العالم حتى بذل ابنه الحبيب". ونحن نتطلّع إلى نهاية التاريخ ساعة تصبح مملكة يسوع ظاهرة للجميع.
لا شك في أن موضوع الملك يجعلنا في عالم آخر، وهو بعيد كل البعد عن العالم الإنجيلي. لهذا كان يسوع فطناً بالنسبة إليه. ولهذا، يجب أن نبحث عن صور أخرى تعبرّ عن رغبة يسوع بأن يجمع البشر كلّهم بعصا رعايته. إن مملكة يسوع هي منذ الآن هنا. ويسوع صار بموته وقيامته بكر الأموات وأمير الحياة. والذين يريدون أن يكونوا من مملكته، عليهم أن يقبلوا بالقواعد الموضوعة: الأولون يصيرون الآخرين. وصغار القوم الذي يشبهون الأطفال الضعفاء الذين لا يهتم بهم الكبار، هؤلاء الصغار يحتلّون المراكز الأولى.
عندما ننظر إلى النجاحات التقنية البارعة لدى الإنسان، لا نستطيع إلا أن نعجب بذكاء الإنسان وعناده. فهو يبدو حقاً ملكَ الكون كله. ولكننا قرأنا اليوم صفحة من إنجيل يوحنا تشير إلى المسيح يسوع، ذاك الذي مات معذّباً منذ ألفي سنة. فقد أعلن أمام موظّف روماني قويّ أنه ملك بشكل يتجاوز كل ما في الأرض، أنه الملك الحقيقي. غير أن هذه التأكيدات لم تنجّه من الموت، بل صُلب مع لصين. ومع ذلك فملايين من الناس يعتبرونه دوماً مخلّصهم وسيّد مصيرهم!
من نصدّق؟ الكنيسة التي تقدّم لنا هذا المصلوب لنعبده كملك، أم العالم المعتمد على تقنيته وعلمه، والذي يعلن أن ملك الإنسان وحده فاعل وناجح.
نحن لسنا ضد العلم وضد التقنية. بل نفرح امام تطورهما من أجل رخاء الإنسان وسعادته. ولكن لا نخطىء. فكلمات يسوع هي الحقيقة: "ما الذي يفيد أن تحتلّ الكون، إن خسرت نفسك"؟ نستطيع أن نخسر نفوسنا بالموت الطبيعي. بل هناك شّر أكبر، أن نخسرها في الكبرياء والظلم والأنانية والبغض والحرب. لقد أعلن المسيح أن الإنسان يقدر أن يربح حياته بالخدمة والمحبة، وهكذا ننتصر حتى على الموت الطبيعي.
هنا نجد الشهود الذين قالوا لنا إن نجّار أورشليم قَبِل بحرية تامة أن يمرّ عبر الألم والموت. وهكذا أكّد تضامنه مع الجنس البشري كله، وصار خادماً له حتى أعطى حياته من أجله. لهذا أقامه الله ومجّده لحياة جديدة. هؤلاء الشهود هم بطرس، يوحنا، متى، بولس والآخرون. وهناك جمهور كل الذين على مدى الأجيال واليوم أيضاً، إلتقوا به كخادمهم وملكهم، كحقيقتهم ورجائهم.
كل الذين قبلوا أن يثقوا به ثقة تامة، شعروا بهذه الخبرة الحميمة، وعرفوا أن المسيح يملك فيهم كضيف صامت وفي الوقت نفسه فاعل. فهل نستطيع أن نحب إخوتنا إن لم ينتزعنا روح يسوع المسيح من أثقال أنانيتنا وكبريائنا ليجعلنا نبحث عن حقيقة الحبّ؟ يبقى أن نطلب إلى المسيح ملكنا أن يجتذبنا لنسير بفرح على خطاه في خدمة إخوتنا، كعمّال صالحين في ملكوت العدالة والرجاء والمحبة.
شكراً لك يا رب. أعطيتنا ملكاً هو أعظم الملوك ولا يشبه ملكاً من الملوك. شكراً ليسوع المسيح الشاهد الأمين الذي تكلّم أمام بيلاطس بكلام الحق ومات لأنه قال الحق. شكراً لك من أجل يسوع، بكر الأموات، أجلسته عن يمينك ورفعته فوف الملائكة وكل قوات السماوات. شكراً من أجل يسوع الذي أحبّنا كثيراً حتى بذل ذاته عنا، وجعل منا مملكة كهنة لك. شكراً من أجل يسوع الذي يأتي في السحاب فيراه جميع البشر حتى الذين طعنوه. شكراً من أجل يسوع الذي يقول معك ومع الروح القدس: أنا الألف والياء، أنا البداية والنهاية، أنا الذي هو والذي جاء والقدير. لك المجد يا رب مع إبنك وروحك القدوس إلى الأبد.
31
الجنب المفتوح
19: 30- 35

واحد من الجند فتح جنبه بحربة، فخرج للوقت دم وماء.
"فلما أخذ يسوع الخلّ، قال: لقد تمّ كل شيء. ثم أمال رأسه وأسلم الروح".
الأسفار المقدسة، مشيئة الآب، حبّ يسوع لأخصّائه. كل شيء قد تمّ. "الراعي الصالح يعطي حياته من أجل الخراف". إختلف يسوع عن سائر البشر، فلم يحنِ رأسه بعد الموت، بل قبل الموت ليدلّ على أنه يعطي حياته بحرّية كاملة.
"وكان يوم التهيئة".
كانت ليلة الفصح المكرّسة كلها لاستعدادات للعيد. فمنذ الظهر، وهي الساعة التي فيها لفظ الحكم على يسوع بالموت، إختفى كل خمير من البيوت وحلّ محلّه الفطير (خبز بلا خمير) الطقسي. وساعة أسلم يسوع الروح، ذُبحت في هيكل أورشليم حملان الوليمة الفصحية. وحين ستظهر النجمة الأولى، ستبدأ الليتورجيا السنوية الكبرى في شعب الله. ففي كل بيت ستُمارَس طقوس مرّت عليها أجيال، فيفسّرها ربّ البيت حسب ما يفرضه سفر الخروج (12: 26- 27): "وإذا سألكم بنوكم: ما معنى هذا الطقس؟ أجيبوهم: هي ذبيحة فصح نقدّمها للرب الذي عبر عن بيوت بني إسرائيل في مصر، فخلّصها لما فتك بالمصريين".
"فلئلا تبقى الأجساد على الصليب في السبت- لأن ذلك السبت كان يوماً عظيماً- سأل اليهود بيلاطس أن تكسر سوقهم وتنزل جثثهم".
ما أراد اليهود أن يعملوه ينبع من إهتمام بالطهارة حسب الشريعة. فكما أنهم لم يدخلوا إلى دار الولاية "لئلا يتنجّسوا ويُمنعوا من أكل حمل الفصح" (18: 28)، عليهم أن يسهروا من أجل طهارة هذا العيد الإحتفالي. يجب أن تنزل جثثُ المصلوبين. فنصّ الشريعة يقول: "وإذا وجدتم على أحد جريمة تستوجب الموت، فقُتل وعُلّق على خشبة، فلا تتركوا جثته على الخشبة إلى اليوم الثاني، بل في ذلك اليوم تدفنونه لأن المعلَّق ملعون من الله. فلا تنجِّسوا أرضكم التي أعطاكم الرب إلهكم ملكاً لكم" (تث 21: 22- 23).
وافق بيلاطس على طلب اليهود. وأُنزلت في الليلة عينها جثة يسوع التي اعتُبرت لعنة ونجاسة للأرض المقدسة. وهكذا ينتهي خبر الآلام لدى يوحنا بهذه السخرية المؤلمة. أما القديس بولس فكتب من جهته: "لقد افتدانا المسيح من لعنة الشريعة، فصار بنفسه لعنة من أجلنا، كما هو مكتوب: ملعون من عُلِّق على خشبة" (غل 3: 13).
"فجاء الجند وكسروا ساقي الأول ثم ساقَي الثاني الذين صُلبا معه". أما الهدف من كسر السوق فالتعجيل بالموت وبالتالي بالدفن.
"ولما وصلوا إلى يسوع رأوه قد مات. فلم يكسروا له ساقيه. بيد أن واحداً من الجند فتح جنبه بحربة". لماذا هذه الضربة القاضية على جثة؟ إنتهت مهمة الجنود واستعدوا للإنسحاب تاركين لأيدٍ صديقة مهمة إنزال جسد يسوع المعلّق على الصليب جثة بدون حراك. وذلك في صمت الموت العظيم. ولكننا لا نعرف السبب الذي لأجله "طعنه أحد الجنود في جنبه". هل أراد أن يتأكّد من موته؟
نحن أمام عمل فردي، نزوة جندي وغريزة استسلم لها هذا الرجل. عمل سرّي وغير منتظر. وهو لا يحمل في ذاته سبب وجوده. وجاءت الضربة عنيفة "فخرج للوقت دمٌ وماء". نستطيع أن نفسرّ هذا الحدث تفسيراً "طبّياً". فلا نبحث عن آية عجائبية تدل على عدم فساد جسد المسيح. ومع ذلك، علّق يوحنا على ما حصل أهمية كبرى. هو لا يشهد في أن مكان من إنجيله عن حدث كما يفعل هنا بتشديد ومهابة.
"والذي عاين شهد- وشهادته حق- وذاك يعلم أنه يقول الحق".
"ذاك" يدل على المسيح نفسه (رج 1 يو: 2: 6؛ 3: 3، 5، 7، 16؛ 4: 17). لقد جعله التلميذ شاهداً لصدق شهادته. وهذه الشهادة صارت في الواقع أتدس قَسَم.
"لكي تؤمنوا أنتم أيضاً". لقد رأى يوحنا في طعن جنب المسيح في الظروف التي تمّ فيها وفي سَيَلان الدم والماء، رأى نوراً لإيمان. نحن في الواقع أمام أمر مادي محض. ولكن التلميذ الحبيب نال وحياً، فأراد بدوره أن يعلّم التلاميذ.
"ولقد جرى ذلك ليتمّ الكتاب: إنه لا يُكسر له عظم".
إن نص العهد القديم الذي استشهد به يوحنا هنا، يعود إلى كتاب طقس الفصح. فبحسب سفر الفصح كان اليهود يسهرون لئلا يُكسر عظم واحد من حمل الفصح (خر 12: 46). فان كان الجنود لم يكسروا ساقَي يسوع، فهذا يعني أن يسوع كان في موته حمل الفصح الجديد الذي كان القديم ظلاً نبوياً عنه. فساعة كان كهنة العهد القديم يذبحون في هيكل أورشليم الحملان من أجل الإحتفال بالعيد، قدّم يسوع حياته فداء حقيقياً يزيل خطيئة العالم (1: 29) وينقذ البشرية من عبوديتها (8: 31- 36). وكان القديم بولس قد كتب للكورنثيين: "إن المسيح فصحنا قد ذُبح" (1 كور 5: 7).
كان يوحنا قد أورد في بداية إنجيله كيف أن المعمدان، معلّمه الأول، سمّى يسوع حمل الله وأدّى له هذه الشهادة. "أجَل، أنا رأيت وأشهد أن هذا إبن (مختار) الله" (1: 34). وعند الصليب، حين مات يسوع، بدا وكأن كل شيء يدمّر شهادة المعمدان تدميراً نهائياً. إلا أن الله ثبّت قيمتها بآية الحمل عينها: علامة العظام التي لم تنكسر. حينئذ إستعاد التلميذ شهادة المعمدان الإحتفالية وجعلها شهادته الخاصة: "والذي عاين شهد، وشهادته حق. وذك يعلم أنه يقول الحق".
هاتان الشهادتان اللتان أدّاهما يوحنا المعمدان ويوحنا الحبيب للحمل، واحد بعد عماد يسوع في مياه الأردن، وآخر بعد الموت الدموي، هاتان الشهادتان تتجاوبان بين أول الإنجيل وآخره فتتساندان وتستنير الواحدة بالأخرى، وتتأسّس الواحدة على الأخرى، وتمتزجان مثل الماء والدم اللذين تحملهما شهادة الروح. إلى هذا الواقع قد تعود رسالة يوحنا الأولى (5: 6): "هذا هو الذي أتى بالماء والدم، يسوع المسيح، لا بالماء فقط، بل بالماء والدم، والروح هو الشاهد، لأن الروح هو الحق".
"وقال الكتاب في مكان آخر: سينظرون إلى الذي طعنوه".
أُخذ هذا النص الجديد من نبوءة زكريا (12: 10). رأى فيه النبي مسيرة جنازة وطنية حصلت في أورشليم: قُتلت ضحية بريئة! بكوا كما يُبكى على ولد بكر. ولكن هذا الموت تحوّل إلى نعمة خلاصية: فُتح ينبوع ليغسل الخطيئة والنجاسة، وأفيض روح جديد: "في ذلك اليوم أفيض على بيت داود وعلى سكّان أورشليم روح الحنان والتوسّل، فينظرون إلى الذي طعنوه".
كل هذه الرؤيا النبوية قد طبّقها يوحنا على مشهد الجلجلة. وطعنة الحربة تحقّق سماتها: خطيئة المدينة المقدسة، طعن ضحية بريئة، نعمة الغفران، الينبوع المفتوح. وينكشف من جديد كل معنى موت يسوع. فمن جسد المسيح المصلوب يخرج ينبوع روحي (مُزج بدم الذبيحة) يتفجّر حياة أبدية، يخرج نهر ماء حيّ وُعد به العطاش، يخرج الماء الذي يلد البشرية. قال هيبوليتس: "بالدم نلنا مياه الروح". وقال إيريناوس: "بالدم أعطي لنا الروح".
إن عدداً من آباء الكنيسة رأى في الدم والماء رمز سَري التنشئة المسيحية: المعمودية والأفخارستيا. رمز مياه المعمودية التي فيها يتمّ فيض الروح المنقّي والمقدّس. ورمز الأفخارستيا التي هي أسمى تعبير لذبيحة الحمل ولجسده من أجل حياة العالم (6: 51). إتحد الروح بهذين السرّين، فما زال يشهد في الكنيسة لحصب هذه الذبيحة. ولقد قالت 1 يو 5: 7: "فالشهود ثلاثة، الروح والماء والدم، وهؤلاء الثلاثة على اتفاق".
لا يبيّن مشهد آخر بمثل هذه القوّة، الواقعية الأسرارية في التجسّد عند يوحنا. إن جسد المسيح هو شاهد مميّز للكلمة المتجدد من أجل البشرية، وهو بشكل حقيقي وملموس ينبوع كل العطايا الخلاصية التي بها يخلقنا الله من جديد ويلدنا للحياة الفائقة الطبيعة. جسده هو "الصخرة الروحية" التي يجب أن نأتي إليها لنستقي. وجثته نفسها المسمّرة على الصليب هي "الحياة المعلّقة أمام عيوننا" كما قال القديس إيريناوس. ففي نظر التلميذ الحبيب، وخزياً لكل ظاهرية وكل روحانية تتفلّت من الجسد، شعّ مجد الفداء من قلب إنسان فُتح بقساوة، من جنب مصلوب معذّب.
ولكن عطايا هذا الفداء لا تُعطى لنا إلا بالإيمان. ويدلّ على هذا الإيمان نظرٌ نرفعه إلى جرح "المطعون". في الماضي، في أيام البرية، كان العبرانيون ينجون من الموت حين يوجّهون أنظارهم إلى الحية النحاسية التي نصبها موسى "كعلامة خلاص" (حك 16: 16). وأما الآن، فالناس يجدون الحياة في المسيح، في جنبه المفتوح. وهذا ما يشير إليه أيضاً في مشهد الدفن، حضور نيقوديمس بقرب يوسف الرامي. نيقوديمس هذا "الذي كان من قبل قد جاء إلى يسوع ليلاً" (19: 39). ففي هذا اللقاء خلال الليل، تلفّظ يسوع بكلمة هامة: "كما رفع موسى الحيّة في البرية، هكذا يجب أن يُرفَع إبن الإنسان لكي ينال الحياة الأبدية كل من يؤمن به" (3: 14).
عند الصليب وأمام الينبوع المفتوح في جنب المسيح، بدأ نيقوديمس (وربما بدأنا نحن أيضاً) يستشفّ عظمة عطية الله.

32
يوم القيامة المجيدة
20: 1- 9

دخل التلميذ الآخر الذي سبق بطرس الى القبر فرأى وآمن.
بُنيت المتتالية (20: 1- 18) حول اربعة أشخاص: مريم المجدلية، بطرس، التلميذ الآخر، يسوع. وتجري "أحداثها" حول القبر، في اليوم الأول من الاسبوع (الأحد) في ساعة مبكرة.
فتحت مريم المجدلية الخبر وأغلقته في بلاغين حملتهما إلى التلاميذ. البلاغ الأول جعلهم يذهبون إلى القبر (آ 2). والبلاغ الثاني أعلن لهم القيامة (آ 18).
واختلفت المشاهد: الحدث المخصّص لمريم المجدلية قد قطعته زيارة التلميذين إلى القبر. ومع ذلك نحسّ بصعود دراماتيكي في هذه "الركضات" المتتالية إلى القبر: رأت مريم "أن الحجر قد رُفع" (آ 2). رأى التلميذ الآخر "الأكفان على الأرض". ورأى بطرس "الأكفان والمنديل" (آ 7). أخيراً "رأى" التلميذ الآخر "وآمن". من خلال هذه الاشارات التي تتوضّح شيئاً فشيئاً، يُدعى القارىء للانتقال من العلامات إلى الوحي عن قيامة يسوع.
عرف يوحنا تقليداً تحدّث عن نساء عديدات (لا نعرف نحن أين وضعوه). ذكر متى اثنتين، ومرقس ثلاث نساء، ولوقا أكثر من هذا العدد (لو 24: 10) أما يوحنا فبنى خبره حول شخص مريم المجدلية وحدها. لا وظيفة لها في زيارتها إلى القبر. فالدهن بالطيب قد انتهى ليلة السبت (يوسف الرامي، نيقوديمس). إذن، لماذا جاءت؟ هي عاطفة حنان وتقوى دفعت بها إلى المجيء: لا تريد أن تنفصل عن يسوع. تريد أن يمتدّ الحداد (رج 11: 31).
تشير الظروف إلى الليل (ليل الموت) والى بداية (اليوم الأول) الاسبوع. رُفع الحجر عن القبر. تشبّه يوحنا بسائر الانجيليين، فحافظ على سرّ تدّخل الله الذي تمّ من دون شهود وقبل مجيء مريم إلى القبر. تأخّر اللقاء بين مريم ويسوع، فجاء بعد أن ذهبت مريم الى التلميذين وقالت لهما: "أخذوا الرب".
كان بطرس والتلميذ الحبيب إلى يسوع حاضَرين معاً منذ بداية آلام يسوع. قريبين منه. قرب الالم مع بطرس بعد خيانته. وقرب الأمانة مع التلميذ الآخر (الذي يسمّى "الآخر" للمرة الأولى). كانا ناشطين في الآلام، وهما الآن كذلك في اكتشاف سرّ القيامة.
هناك مسافة بين الاثنين. واولوية التلميذ الحبيب الى يسوع في مسيرة الايمان واضحة. وصل التلميذ الآخر قبل بطرس، وهذا يدّل على حماسه واندفاعه. ثم "رأى وآمن": عبارة موجزة تترجم العبور من "رأى" إلى التعلّق التامّ بيسوع القائم من الموت.
ومشهد الثياب والترتيب الذي وضعت فيه، يدلّ على أن جسد يسوع لم يُسرق بل أن يسوع مضى تاركاً ثيابه حيث لبسها. خلعها ورتّبها. إختلف يسوع عن لعازر الذي خرج "بثيابه" (11: 44). هو لا يحتاج من بعد إلى ثياب لأنه يترك عالم البشر.
لا يقال شيء عن إيمان بطرس (يشدّد لو 24: 12 على دهشته حين رأى الأكفان). لم تكن الكتب مقنعة بعد بما فيه الكفاية. أما الآن فوجدت تثبيتاً لها في إشارات عديدة تجمّعت على طريق التلاميذ. وعادا إلى حيث كانا. وهناك حملت إليهما مريم المجدلية البشرى. "أخبرت أنها رأت الرب" (آ 18).
لا جدال ولا مزاحمة بين التلميذين. لكل واحد أولويته. دخل بطرس أولاً فصار للكنيسة الأولى شاهداً لا شكّ في شهادته. وتفوّق التلميذ الآخر عليه بتعلّقه بالرب. وفي ف 21 ستتوضّح هذه العلاقة بين التلميذين.
صباح القيامة، صباح الذهاب إلى القبر. إنه فارغ. ولكنه مليء ملئاً لم يترك للفراغ من مكان.
قالت المجدلية: "أخذوا الرب". ولكن هذا الغياب يتجاوز كل حضور.
"رأت أن الحجر قد رُفع". هذا رمز إلى كل صعوبة رُفعت. لم يعد الموت باباً مغلقاً على كل حياة. إنه الباب المفتوح على حياة أخرى. هذا ما نقوله في صلواتنا: "اليوم، يا الله أبانا، تفتح لنا الحياة الأبدية بانتصار ابنك على الموت".
إن انجيل صباح الفصح هذا ليس خبراً لواقع من الوقائع. إنه أولى التمتمات لما سيسطع كالشمس: "المسيح قام. سنحيا في قيامته".
أين البراهين؟ القبر الفارغ؟ كلا. فهناك سؤال ستجيب عليه الظهورات والكتب. القبر فارغ لأن يسوع ليس هنا، بل في "مكان" آخر. مكان يتفوّق على هذا المكان تفوّق السماء على الأرض. يسوع كله وليس جسده فقط. نستطيع أن نقرأ على القبر المقدّس في اللاتينية: "ليس هنا". ومع ذلك فهو هنا. هو يملأ المكان كله، بل الكون كله. لم يسرقه أحد ولم يطر في الآفاق. فهو بمتناول كل يد وكل نظر.
ولكن نتحدّث عن نظر يكون فيه الايمان منسوجاً بالحبّ. "رأى وآمن". هذا ما يقول الانجيل عن التلميذ الآخر (يوحنا). في الواقع، لا نعرف شيئاً عن يقظة الايمان عند يوحنا، ولا عن صمت بطرس. ولكن الانجيل يربط حالاً الايمان بالمحبّة (التلميذ الحبيب آمن): ذاك الذي كان يسوع يحبه، كان أول من قرأ علامات الحجر الذي رُفع عن القبر والاكفان المرتّبة والموضوعة على حدة. وساعة حضور يسوع على شاطىء البحيرة، سيكون أول من يتعرّف إليه من بعيد فيقول: "هذا هو الرب" (21: 7).
هذا هو نداء صباح القيامة: تحقّق من إيمانك، تحقّق من محبّتك. لماذا تؤمن أنت بأن يسوع قد قام؟ كيف تركت إيمانك يجتاح حياتك؟ هذا هو الوقت الذي فيه تجدّد اندفاعنا نحو ذلك الذي ينتظرنا ليقدّم لنا الحياة القويّة التي ترفع كل صخر كما في صباح القيامة.
"كنا نرجو. ولكن الآن انتهى كل شيء".
لا، لم ينته شيء حين نسمع صوت يسوع وكأنه صوت الله. ووسع سماعنا وعمقُه يكونان على قدر تأمّلنا ومناجاتنا. إن قال لنا شخص: إخسر حياتك فتستعيدها، لهززنا رؤوسنا. ولكن هذه الكلمات التي يوجّهها يسوع الممجّد تلمع بشرارة الرجاء. لقد اجتاز الالم والموت. ونحن نعمل مثله. شرط أن نسمع صوته يقول لنا كيف نسير في الليل، وكيف نصل في النهاية الى النور. هو يعرف وهو يدلّنا على الطريق.
كل يركض في صباح القيامة. ذهبت مريم المجدلية قبل الفجر ووصلت الأولى لترى أن القبر كان فارغاً. وركض بطرس ويوحنا بدورهما. رأى التلميذ وآمن. ومريم بدورها ستسمع الرب يناديها. وبطرس أعلن ليسوع: أنت المسيح ابن الله الحي. رأى يوحنا، سعت مريم، أعلن بطرس. وجوه ثلاثة تظهر الايمان الواحد.
يا بكراً قام من بين الاموات. فيك حياتنا.
يا حجراً رذله البناؤون فصار رأس الزاوية. بك ايماننا.
33
ظهور يسوع للتلاميذ
20: 19- 23

من غفرتم له خطاياه تغفر له، ومن أبيتم له خطاياه، أبقيت له.
أقفل التلاميذ الابواب. وعاشوا في الخوف والعزلة. وفي هذا المحيط المغلق ظهر يسوع. هو قريب من البشر، هو حاضر لديهم رغم الحواجز التي تضعها نواميس الطبيعة.
مجيء يسوع هو ينبوع سلام. بعد القيامة كما في أيام حياته مع تلاميذه. قال: سلام عليكم. أعطاهم الخلاص والفرح والسلام. ثم إن آثار الصلب في يديه وفي جنبه لم تختفِ. إنها تشهد رغم الظروف العجيبة لظهور يسوع، أن الذي أمام التلاميذ ليس بشبح أو خيال، ليس شخصاً آخر. الذي صُلب يوم الجمعة قام يومِ الأحد. وهو حاضر لا كما كان خلال حياته على الأرض، بل بحضور آخر.
إنتهى حضور يسوع "بالطبيعة البشرية". ولكن الذي هو في وسطهم هو الرب. إمحّى الخوف. وعرف التلاميذ الفرح.
ليست الظهورات هدفاً في حد ذاتها. هي مرتّبة من أجل الرسالة. "كما أرسلني ابي". إن الأداة "كما" (في اليونانية) لا تدلّ فقط على التشبيه والمقابلة. بل هي تؤسّس الرسالة وتُجذّرها. أُرسل التلاميذ (صاروا رسلاً) ليكون عملهم امتداداً لعمل يسوع. هذه في المرة الأولى التي فيها يعطي يوحنا للأحد عشر لقب "الرسل".
وكما نفخ الله روح حياة على آدم (تك 2: 7)، وكما نزل الروح القدس على يسوع (1: 33- 34)، ها هو يسوع الذي جعله الله رباً، ينفخ قوة الروح على التلاميذ (14: 26). هذا الذي اختبر الموت يكشف عن ذاته الآن أنه سيد الحياة.
كانوا حتى الآن خائفين. فلبسوا قوة الله. وتصّرفوا كالله وكمرسله يسوع: هم يستطيعون أن يغفروا الخطايا. أي: أن ينقوا الناس من الخطايا بقدرة موت يسوع. لقد ربطهم الروح ربطاً وثيقاً بالله بحيث إنهم ساعة يغفرون وللبشر أو يبقون لهم خطاياهم، فالله نفسه هو الذي بهم يغفر الخطايا أو يبقيها.
نحن هنا أمام صيغة "المجهول الالهي". لا يذكر اسم الله. ولكن النص يدلّ على عمله. وهكذا نستطيع أن نترجم: "من غفرتم له خطاياه، غفر الله له. ومن أبقيتم له خطاياه أبقاها الله له".
إن مجيء الرب هذا قد تمّ في يوم الرب، يوم الأحد، يوم التجمّع الليتورجي لدى المسيحيين الاولين ولدينا. هو زمن مميّز لحضور الرب على جماعته، ووقت ليرسلهم إلى العالم. أمضوا بالسلام... أي انطلقوا في الرسالة. بعد أن عرفتم المسيح في هذا الاحتفال، إحملوه إلى الآخرين.
قال يسوع: "أنا أصلي للآب فيرسل لكم روح الحق". الآب والابن والروح القدس: نحن أمام عنصرة الثالوث. هذا ما نكتشفه في بداية أعمال الرسل: "فخرج من السماء فجأة دويّ كريح عاصفة... وظهرت لهم السنة كأنها من نار... فأخذوا يتكلّمون بلغات أخرى" (2: 1- 4). هذا هو المشهد العظيم.
وهناك المشهد البسيط: إجتياح حياة الثالوث في قلب كل معمّد بشكل سرّي، بشكل خفيّ. حين نسمع أن الروح "سيكون دوماً معكم". وأننا إن احببنا يسوع أحبنا الآب وجاء فأقام نينا. حين نسمع هذا، كيف لا نفهم أن الحياة المسيحية هي حياة حميمة مع الأقانيم الثلاثة. من كان يتخيّل أن يقيم الله فينا؟!
هي عنصرة متواصلة لكل مسيحي يجعله الروح يتحّد مع الآب والابن. ولكن هذا يتجاوز كل توقعاتنا بحيث نبقى على هامش الحياة. ولا نصدّق أنها ممكنة!
نحن بحاجة إلى مجهود إيمان، إلى إيمان واعٍ لكي ننفتح على هذا العالم الثالوثي: الابن يصلّي إلى الآب. والآب يرسل الروح. نحن نستطيع أن نعيش مع كل واحد، ونحن عالمون أننا متّحدون في الوقت عينه مع الثلاثة.
لقد كشف يسوع الستار ليرينا "عنصرتنا" الداخلية: "سيعلّمكم الروح كل شيء. سيذكّركم بكل شيء". كم يجب أن نتعمّق في دور الروح من أجل معرفتنا للمسيح. إنه المعلّم الداخلي الذي لولاه تبقى قراءة الانجيل خارجية فلا تحرقنا حريقاً يحوّلنا ويبدّل قلوبنا.
فالروح هو الذي اعطى الكلمة بداياته في مريم. والروح هو الذي دفع يسوع على طرقات الجليل فأتمّ المهمّة الموكولة إليه قولاً وعملاً. والروح نفسه هو الذي يجعل منّا سامعين حقيقيين ليسوع حين نصغي فيه إلى صوت الله.
لقد اصطدم يسوع بأولئك الذين رفضوا أن يسمعوا: "لماذا لا تصدّقوني؟ من كان من الله سمع كلام الله. ولكن بما أنكم لستم من الله، لذلك لا تسمعون" (8: 46- 47).
ونحن؟ هل نحن "من الله"؟ لا يستطيع واعظ ولا معلّم أن يعطينا هذه "الطبيعة الالهية" التي بدونها تبقى كلمات يسوع كلمات بشرية، نتقبّلها بسرعة وننساها بسرعة. نحن نحتاج إلى بشر يعلنون الانجيل. هذا ما لا شكّ فيه. ولكن عملهم لن يكون مفيداً إلا بقدر ما يكون السامعون "من الله".
هذا هو عمل الروح. هذه هي عنصرته. ونحن ننشد له: "هلمّ ايها الروح القدس"
أيها الرب الاله. الأرض تنتظر، فأرسل إليها روحك. أرسله على البشر في أربعة أقطار الدنيا، وألهمهم أعمالاً جديرة بالله. أرسله على المسيحيين ليكونوا واعين لحقيقة الانجيل. لعيش الانجيل. أرسله علينا لكيّ يذكّرنا بكلام الآب ليسوع: أنتم الأبناء الأحباء من الآن وإلى الأبد.
34
آمنوا ولم يروا
20: 24- 31

دوّنت هذه الآيات لتؤمنوا بأن يسوع هو المسيح إبن الله.
يعيش التلاميذ في الخوف. أغلقوا الأبواب. في هذا المحيط المقفل ظهر يسوع. تحرّر من نواميس الطبيعة وممّا يعرقل حياة الإنسان اليومية. قام، وهو يستطيع أن يكون حاضراً بطريقة لا يعرفها البشر.
مجيئه هو ينبوع سلام. قال: سلام لكم. هي عطية الخلاص الحقة، عطية الفرح والسلام. ودلّت آثار الصلب في يديْ يسوع وجنبه على تواصل بين الذي صُلب والذي قام. امّحى الخوف، ودخل التلاميذ في الفرح، واستعدوا للرسالة التي سيكلّفهم بها يسوع. "كما أرسلني". هذه الأداة (كما) هي مقابلة بين إرسال الآب ليسوع وارسال يسوع للتلاميذ. وهي أيضاً أساس وتجذّر. وأرسل التلاميذ. صُنعوا رسلاً، ليكون عملهم إمتداداً لعمل يسوع. كما نفخ الله روح حياته على آدم (تك 2: 7)، كذلك فعل يسوع الذي جعله الله رباً: نفخ على التلاميذ فأعطاهم قوة الروح.
مثل الله، مثل يسوع مرسل الله، سيعملون. سيغفرون الخطايا. سينقّون الناس من الخطيئة بقدرة موت يسوع. والروح يربطهم بالله رباطاً وثيقاً جداً، بحيث إنهم حين يغفرون للناس أو لا يغفرون، هو الله يغفر الخطايا أو يبقيها.
وغياب توما أتاح للراوي بأن يدخل المشهد اللاحق. توما ذاك الذي دعا أصحابه لمرافقة يسوع إلى الموت (11: 26)، ها هو يتراجع عن اللحاق بهم في إيمانهم بيسوع الحي. إن لا إيمان توما يتيح للإنجيلي أن يصل إلى هدفين إثنين: أولاً، أشار إلى اثر الجراح فشدّد على التواصل والتماسك بين يسوع المصلوب ويسوع الممجّد. فالإرتفاع على الصليب يشكّل الوحي السامي لحبّ الآب وتمجيد الإبن. ثانياً، إن إيمان توما اللامؤمن يتجاوز إيمان التلاميذ. فهو يعطي ليسوع أعظم لقب في الإنجيل كله: "ربي وإلهي". هناك ألقاب عديدة أُعطيت ليسوع (خصوصاً يو 1). ولكن مع هذا اللقب نصل إلى ذروة لم تتجاوزها التحديدات العقائدية اللاحقة. فبين "الكلمة الذي كان الله" في البداية (1: 1) والإعتراف بأن يسوع هو "الرب والإله"، كل شيء قد قيل. وهذا ما يدلّ على أن الذي يشهد لهذه الحقيقة يمكن أن يكون ذاك الذي لم يُرِدْ أن يؤمن بشهادة الرسل.
والتطويبة الأخيرة تشكّل خاتمة الإنجيل كله واستعادة لموضوع رئيسي عرفه العالم اليهودي: بين رأى وآمن. بين شاهد وسمع. بين دلّ وتكلّم. الكلمة الثانية تدلّ على الوضع الطبيعي والمثالي للمؤمن. حتى الذين رأوا، آمنوا فساروا إلى أبعد ممّا رأوا. ومنذ صار الكلمة جسداً، لم يترك الرسل ينظرون إلى الجسد، مع العلم أن عليهم أن يروا في هذا الجسد "الله متجلّياً في المجد". طوبانا، نحن الذين تقبّلنا الإنجيل، إذا اتحدنا بالمسيح بواسطة شهادة الرسل.
وفي آ 30- 31 (الخاتمة) يعلن يوحنا أنه اختار ولم يروِ كل الوقائع المتعلّقة بيسوع. ثم حدّد هدفه: تشديد التلاميذ في إيمانهم بيسوع كالمسيح الذي وعدت به الكتب، وكإبن الله. وهكذا ينالون الحياة به إن آمنوا.
إن الرؤية العظيمة التي تفتتح سفر الرؤيا ترينا يسوع كالأول والآخر، الحي إلى الدهور، الممسك بمفاتيح الحياة والموت. هذا ما يلخّص كل الكرازة المسيحية الأولى: "يسوع المصلوب هو حيّ وهو يعطي الحياة". وجواب تلاميذ يسوع على هذا الإعلان الإحتفالي لا يمكنه أن يكون إلا نداء توما: ربي وإلهي". هذا هو مفتاح إيماننا وقلبُه.
حين أعلن بطرس وبولس وسائر الوعّاظ الأوّلين أن يسوع هو رب، دلّوا أنه منذ قيامته مشاركٌ ملء المشاركة في حياة الله أبيه. وأنه يقدّم لجميع البشر الذين يؤمنون به بأن يشاركوه في هذه الحياة الإلهية. معه نسير كلّنا إلى ملء الله.
كيف يكون هذا؟ نحن نشبه نيقوديمس أمام إتساع مخطط الله، ولا نستطيع إلاّ أن نتلعثم. إن المسيح القائم من الموت صار محوَر الكون كله. إلى هذه النقطة (الياء) تتوجّه كل البشرية الحاضرة والماضية والمقبلة. إليها تتوجه كل القوى الحاضرة في تطوّر الكون. كلنا سنتجلّى ونجتمع مع المسيح بقوة الحياة والحبّ.
ورجاء خلاص شامل يجدّد نظرتنا إلى الأشياء العظيمة والجميلة التي تحيط بنا: كرامة الحب الزواجي، العائلة والأولاد، الصداقة والأمانة والشجاعة لدى البشر، جميع البشر، إمكانية الإختراع والنموّ العلمي والتقني، جمال البحر والجبال...
كل هذا هو عطية الله لنا. عطية هي أيضاً طريق نحو ملء حياة الله. إذا كان المسيح هو ربّ البشرية، ربّ الطبيعة، ربّ الكون كله، فنحن مدعوون للدفاع عن البشرية، عن الطبيعة، عن الكون. وهكذا نستطيع أن ننشد منذ الآن: "لك الكرامة والمجد إلى دهر الدهور. آمين".

35
الصيد العجيب
21: 1- 19

ودنا يسوع، فأخذ الخبز وناولهم، وكذلك ناولهم السمك.
يبدو هذا الظهور في البداية وفي النهاية بشكل "تراءٍ". "تراءى يسوع لتلاميذه" (آ 1). "هذه مرة ثالثة تراءى فيها يسوع" (آ 14). وهكذا نجد التواصل، رغم اختلاف الطبيعة، بين ظهورات يسوع حين كان على الأرض (2: 11؛ 17: 6) وبين ظهور المسيح الممجّد.
إحتفظ يوحنا بذكرى ظهورات يسوع في اليهودية وفي الجليل. وعودة التلاميذ إلى نشاطهم السابق كصيادي سمك، يعود بنا إلى التشتّت الذي سبق موت يسوع والذي أنبأ به يسوع (16: 32: تتفرّقون، فيذهب كل واحد). إنتهت المغامرة، فعاد كل واحد إلى مهنة مارسها قبل أن يلتقي بيسوع. ولكن فشل الصيد يرمز إلى الخيبة وزوال الوهم، إلى عقم (عدم خصب) عملهم في غياب يسوع. المشهد يبدو بشكل "تراءٍ" للتلاميذ. هو الأخير قبل إرسال سمعان بطرس كراعٍ في الكنيسة.
لم يعرف التلاميذ يسوع القائم من الموت. وعدم المعرفة هذه تشدّد على أن القيامة حوّلت ظاهر يسوع. فلا بدّ من علامة لكي تنفتح عينا التلميذ الذي كان يسوع يحبّه. فكلمة يسوع (وإن لم نعرفه) تحتفظ بذات السلطان وذات الفاعلية على التلاميذ وعلى عناصر الكون. وسيكون التلميذ الذي يحبه يسوع هنا كما في مقاطع أخرى (13: 23؛ 18: 16؛ 20: 3) الوسيط بين بطرس ويسرع.
ويهيّئنا المشهد "لفرز" بطرس "لرعاية القطيع". تكلّم يسوع، فعاد بطرس إلى الشبكة، ومارس أولويّته الراعوية: إجتذب الشبكة التي تحمل 153 سمكة.
وحين انتهى الصيد، أعذ يسوع لتلاميذه طعام الغداء، المؤلّف من خبز وسمك. كل شيء مجهّز بطريقة سرّية، وقبل أن تصل ثمار الصيد إلى يسوع. والعبارة "أخذ خبزاً وأعطاهم" هي التي سمعناها في تكثير الخبز (6: 11). عبر هذا الخبر يُفهم يوحنا قرّاءه أن احتفالهم الأفخارستي هو امتداد وتأوين لما عرفه الشهود الأوائل للقيامة.
ونال بطرس تثبيتاً إحتفالياً في مهمته الرسولية الخاصة، كما نال الشروط الضرورية للقيام بها. على بطرس أن يكون تلميذاً (ترد مرتين كلمة "تبع" يسوع)، وأن يمارس خدمته الراعوية في حبّ يسوع. "رعاية القطيع" (أي: قاد، أطعم، حمى) هي رسالة هامة وصعبة. ففي العهد القديم، الله هو راعي شعبه (هو 4: 16؛ إر 31: 10؛ أش 40: 11). طلب يسوع من بطرس: "إرع خرافي". هو يفوّضه، يعطيه سلطاناً. يخلقه من أجل هذا العمل. لهذا عليه أن "يحبّ يسوع" أي أن يكون أميناً له ولعهده. وقيادة القطيع تفترض أن نرعاه بمحبة (كما فعل يسوع) لا بتسلّط. والسؤال المثلّث عن الحب يستعيد النكران المثلّث لبطرس خلال الآلام (13: 38؛ 18: 15- 27). وهكذا يظهر بوضوح أن بطرس ليس أفضل من الآخرين. وأن اختيار يسوع له هو نداء للخدمة لا "وساماً" لاستحقاقاته.
هل نحن أمام قيامة يسوع في هذا الإنجيل؟ ألسنا بالأحرى أمام قيامة التلاميذ؟ أحكموا أنتم: عاد سمعان بطرس ورقاقه فارغي اليدين من ليل من العمل الشاق في الصيد. وليس لهم سمكة يقدّمونها لهذا "الغريب" المجهول الذي وقف ذاك الصباح عند الشاطىء. إنهم لا يملكون شيئاً.
وأخطر من هذا: أُرسل سمعان بطرس في مهمة ليصطاد البشر (لو 5: 10). أما الآن فهو يحتاج إلى شخص يصطاده هو. لقد غرق في مياه نكران المسيح حتى العنق. غرق فخرجت المياه من عينيه، خرجت دموعاً مرّة. تشبّه بآدم الذي تعدّى على شجرة معرفة الخير والشّر، فابتعد عن المعرفة الحقّة، معرفة إرادة الله، وبالتالي ابتعد عن شجرة الحياة. لقد ابتعد عن يسوع الذي هو الحقّ والحياة. لقد أعلن عنه ليلة الآلام: "لا أعرفه"!
وأمام المسيح القائم من الموت، وجد نفسه عرياناً، مثل آدم (تك 3: 7- 13). لا عرياناً كإنسان على شاطىء البحر، بل عرياناً بسبب الشقاء الذي حلّ به: لم تبقَ له كرامة يقدّمها، لم تبقَ له هدية تستطيع أن تربطه بذلك الذي أنكره في الأمس. لم يبقَ له إلا الندم بعد الخيانة والنكران. ولكن يسوع إصطاده من جديد بكلمته. أصعده إلى القارب مع 153 سمكة كبيرة: هذا ما وجدناه في قارب بطرس الذي يمثل الكنيسة.
وهكذا أقام يسوع بطرس بالغفران الذي منحه له: قدّم له مناسبة ليُحل "أنا أحبك" محل "لا أعرفه". وذلك ثلاث مرات. نحن أمام إنطلاقة جديدة، أمام حياة جديدة. وأقام يسوع الرسل: كانوا خائفين، وها هم يواجهون المحكمة العليا والجلاّدين. لم يعودوا يهابون الموت.
في زمن القيامة هذا الذي يمتدّ خمسين يوماً، نحيط بعرش الله ونشكره على كل القيامات: قيامة يسوع، بكر الأموات. قيامة بطرس وسائر التلاميذ. قيامتنا نحن الذين مثل بطرس قد انتُزِعنا من أمواج كل الميتات لنُرفَع في الشبكة العظيمة إلى القارب، لنعبر البحر وندخل إلى الأرض حيث هيّأ المسيح الخبز، وزاد السمك الذي اصطاده التلاميذ. هذا ما فعله على الجبل يوم بارك الخبزات والسمكتين التي قدّمها له ذلك الفتى (6: 9) فأطعم خمسة آلاف.
وهكذا يكوّن الله الكنيسة بالمعمودية، فينزع المؤمنين من مياه الموت وظلمات الليل. ويقدّم لهم في الأفخارستيا طعاماً يوحّدهم به. ينتزعهم من الظلمة ويقيمهم إلى نوره العجيب.
أنت يا رب تدعونا وتغمر بكلمة حنانك ليالي سهرنا وجهدنا وفراغ يدينا من الصيد. أنت يا رب ذاك الذي يهيّىء لنا نار الصداقة وخبز اللقاء. أنت يا رب ذاك المجهول الذي يأخذ الخبز ويعطينا إياه بفعلة تعوّدنا عليها فنهتف ونقول: هذا هو الرب. شكراً لك يا رب على هذا الإيمان الفصحي الذي به نعرف أنك أنت مخلّصنا الآتي إلينا، ساعة الليل يغمرنا والشك يتعبنا فينقلب ليلنا نهاراً وحزننا فرحاً.
خاتمة

تلك كانت خطوة أولى رافقنا فيها يوحنا الذي حدّثنا عن "يسوع كلمة الله". إخترنا القراءات الليتورجية التي تتوزّع مع غيرها من نصوص على سنة، بل على ثلاث سنوات. يا ليتنا نقرأ الأناجيل كلها يوم الأحد، وهو اليوم الذي فيه تلتئم الجماعة المسيحية حول المذبح فنغتذي من كلمة الله ومن جسد الله. هناك نصوص عديدة من الأناجيل تُقرأ في أيام الأسبوع فتسمعها حفنة من الناس. وتتكرّر النصوص عينها سنة بعد سنة، فيصيب المؤمن الملل ولا يعود الكاهن يعرف ماذا يعِظ يومَ الأحد.
تلك كانت خطوة أولى في تأمّلنا بعض نصوص إنجيل يوحنا: تفسير بسيط للنص. ثم تأتي عملية التأوين، أي قراءة النص وتطبيقه على حياتنا الآن، على حياة المؤمن اليوم. وينتهي التأمل بصلاة تستلهم المقطع الذي توقّفنا عنده.
تلك كانت خطوة. وستتبعها خطوتان تساعداننا على الإحاطة بكل نصوص الإنجيل الرابع. فإلى جزء ثانٍ يتوقف عند كتاب الآيات، وإلى جزء ثالث يتأمّل في كتاب الآلام والمجد