أعمال الرسل ،مقدمات، دراسات

 

تقديم
كتب القديس لوقا مؤلّفاً في كتابين: الإنجيل وسفر الأعمال. كانت لنا مناسبة سابقة فقدّمنا تفسيراً لقسم من إنجيل لوقا، وها نحن ندخل إلى عالم أعمال الرسل.
يبدو سفر الأعمال إمتداداً للإنجيل الثالث، وهو يتضمّن تاريخ تأسيس المسيحية. كان الكاتب قد أعلن في مقدمة الإنجيل (1: 1- 4) أنه يتبع خطى سابقيه فيروي بداية المسيحية. وقد يكون منذ ذلك الوقت قد فكر بشهادة عن حياة يسوع وأعماله وأقواله، كما بخبر عن انتشار الرسالة المسيحية. فكر بالإنجيل ثم بسفر الأعمال.
اسمه أعمال الرسل أو بالأحرى أعمال بعض الرسل. كما كتب الأقدمون مآثر الرجال العظام، مآثر هنيبعل ابن قرطاجة والإسكندر الكبير ابن مكدونية، هكذا فعل لوقا. كتب عن بعض الرسل وخصوصاً بطرس وبولس. وذكر كل الذين كان لهم دور بعيد أو قريب في انتشار المسيحية. مثل أسطفانس وفيليبس وبرنابا وسيلا وغيرهم.
ومن خلال هؤلاء الرسل، ذكر الفاعل الأول الذي هو الروح القدس. نفخ في شهود المسيح فوصل بهم إلى أقاصي الأرض. وذكر لوقا لا سيرة أشخاص فحسب، بل مسيرة الكلمة من أورشليم عبر السامرة وأنطاكية. ولما وصلت هذه الكلمة إلى رومة أنهى لوقا كتابه. تساءل الشراح: لماذا لم يقل لنا لوقا شيئاً عن نهاية بطرس وبولس مع أنه كتب مؤلفه بعد موتهما؟ وراح آخرون يتحدّثون عن جزء ثالث أراد لوقا أن يكتبه فوافته المنية. كان هذا مجرّد إفتراض. فما يهتم له لوقا ليس مسيرة أشخاص مات معظمهم في أيامه فختموا شهادتهم بدمهم. بل مسيرة. الكلمة التي كانت تنمو وتتقدم، التي انتقلت من العالم اليهودي إلى العالم الوثني. ما اهتمّ له لوقا هو أن هذه الكلمة التي وصلت إلى رومة ما زالت تُعلن رغم كل الصعوبات والمضايقات. قيّد بولس وسُجن. ولكن الكلمة ظلّت حرة والتعليم يُعلن بجرأة حتى في قصر الأمبراطور الروماني.
هذا هو سفر أعمال الرسل الذي سيحدّثنا عن موت أسطفانس ويعقوب، ولكنه يخبرنا أيضاً بصورة رمزية عن موت بطرس (ف 12). ويحدّثنا عن صعود بولس إلى أورشليم، ولكنه صعود لا ينتهي بموته في أورشليم على مثال معلمه، بل في رومة.
هذا هو سفر أعمال الرسل الذي فيه نتعرّف إلى المسيحيين الأولين الذين أخذهم جنون المسيح فلم يوقفهم شيء. أضطُهدوا فكان الإضطهاد مناسبة لهم ليذهبوا أبعد من اليهودية، أبعد من السامرة... إلى فينيقية، إلى قبرص، بل لما وصل بولس إلى رومة، كانت المسيحية قد سبقته إلى هناك.
هذا هو الكتاب الذي نتعرف إليه. وهو يتألف من أربعة أقسام: مداخل، دراسات، تأمّلات، أبحاث. هو كتاب يجمع العلم إلى التأمل والبحث إلى الصلاة، ويعلّمنا الدرس الذي يفتح قلوبنا لنتبع نداء الروح القدس يدعونا كما دعا التلاميذ الأولين.

 

 

القسم الأول
مداخل إلى أعمال الرسل
نبدأ دراستنا لسفر أعمال الرسل بمداخل تقرّبنا إلى ما يحيط
بهذا الكتاب. قبل أن نصل إلى التأمّل في النصوص، نتوّقف عند بعض الأمور الأدبية والتاريخية والدينية.
ونجد في هذا القسم أربعة فصول:
1- مدخل إلى سفر الأعمال
2- التاريخ الأدبي لسفر الأعمال
3- أقدم الشهادات الكنسية عن. سفر الأعمال
4- سفر الأعمال كتاب تاريخ ديني

 

 

الفصل الأول 
مدخل إلى سفر الأعمال
أ- العنوان والمطلع
إن عنوان أعمال الرسل أو بالأحرى أعمال (بعض) الرسل قد عُرف منذ القرن الثاني، ولكنه لم يكن في النص الأساسي. إنه يلخّص تلخيصاً جزئياً مضمون الكتاب حول أعمال وأقوال المسؤولين الأولين لا الكنيسة ولا سيما بطرس وبولس. ولكن قد نضلّ حين نتوقّف عند هذا العنوان، لأن الكاتب لا يلفت إنتباهنا إلى بعض أبطال يذكرنا بسيرتهم، بل إلى الروح القدس مبدأ الكلمة، وإلى الجماعة الرسولية التي يدفعها الروح. إذن، لا يشبه أع سِيرَاً عرفها العالم الهلينستي مثل أعمال هنيبعل أو أعمال الأسكندر، ولن تشبهه أعمال الشهداء التي ستكتب فيما بعد.
إن أع هو إمتداد لإنجيل لوقا، وكلاهما توجّها إلى تيوفيلوس (1: 1؛ لو 1: 3). يذكر أع 1: 1- 5 بإيجاز حياة يسوع العلنية دون أن ينبئ بمضمون الجزء الثاني (الذي هو سفر الأعمال). ولكننا نجد إعلاناً عن حدث العنصرة في 1: 4- 5، 8 وكلاماً ليسوع القائم من الموت يعطي فيه لتلاميذه برنامج رسالتهم وبالتالي برنامج أع: "ستكونون لي شهوداً في أورشليم واليهودية كلها والسامرة، حتى أقاصي الأرض". تلك هي الطريقة التي بها يحدّد الكاتب مشروعه.
ولقد أراد بعض النقاد أن يخفّفوا من التعارض الظاهر بين خبر الصعود في نهاية لو (ليلة الفصح، في بيت عنيا)، وخبر أع (بعد أربعين يوماً، على جبل الصعود) فألغوا بطريقة إعتباطية لو 24: 50- 53 وأع 1: 1- 5. قالوا: زيدت هذه الآيات حين فُصل أع عن لو بعد أن كان الكتابان كتاباً واحداً. نجيب: أي رباط هو الرباط الجديد بين لو 24: 49 وأع 1: 6 (بعد أن نحذف لو 24: 55- 53 وأع 1: 1- 5)؟ ثم إن أع 1: 6- 12 يجعلنا على جبل الزيتون لا داخل بيت، داخل علية (لو 24: 33- 49). مؤلَّف لوقا كتابٌ طويل. لهذا قسم قسمين متساويين. تلك عادة عرفتها التوراة فقسمت كتاب صموئيل (1 صم- 2 صم) وكتاب الملوك وكتاب الأخبار. وأخيراً نحن نعرف أن الذي يبذل النصّ يخفف من الصعوبات ولا يزيد عليها. ولهذا، نحن نحتفظ بهذه الآيات ونعتبر لو وأع درفتين في ديبتيكا واحدة: لإنجيل خصائصه ولسفر الأعمال خصائصه.
إن لو وأع يرتبطان الواحد بالآخر ارتباطاً وثيقاً. يتحدّث لو 24: 47 عن شهادة تقدّم "إلى كل الأمم (أو الشعوب) إبتداءً من أورشليم". وهذا ما يقوله أع 1: 8 فيصل بنا إلى أقاصي الأرض. إن موضوع الخلاص الممنوح للوثنيين يعود في بداية المؤلف اللوقاوي (لو 3: 6: فيرى كل بشر خلاص الله) وفي نهايته (أع 28: 28: الله أرسل خلاصه إلى الوثنيين). ثم إن أع 1: 1 ي يربط بين الجزئين من هذا المؤلف، يربط بين لو وأع: ففي هذا الفصل تتعدّد التذكّرات الإنجيلية (كرازة الملكوت، طعام القائم من الموت، يوحنا المعمدان والوعد بالروح، مجموعة الأثني عشر، وكلها تشدّد على الوحدة الجذرية بين زمن يسوع وزمن الكنيسة). في الإنجيل يختم الصعود زمن يسوع فيضع نقطة أخيرة لخبر إنتهى. أما وجهة الخبر فهي كرستولوجية (تشدّد على شخص يسوع المسيح). في أع يدشّن الخبر عينُه أزمنة الروح الجديدة. أما وجهة الخبر فهي إكليزيزلوجية (تشدّد على الكنيسة). مؤلف لوقا هو خبر التواصل بين خبر يسوع وخبر كنيسته. وإن إختيار متيا (1: 15- 26) يدل أيضا على التواصل بين مجموعة الأثني عشر التي كوّنها يسوع، وبين كنيسة العنصرة، شرط أن يُسدَّ الفراغ الذي أحدثه ذهاب يهوذا في هذه المجموعة التي تمثل قبائل إسرائيل الأثنتي عشرة (لو 22: 30). إذن يلعب موضوع الوحدة بين الجزئين دوراً هاماً في أع 1 وسنراه من خلال كل صفحات سفر الأعمال.
ب- تنظيم الكتاب
أذا ألقينا نظرة أولى إلى أع نجد تنوّع المواد من أخبار وخطب بنوع خاص. قد تمتزج الفنون الأدبية، وقد ينقص الخبرَ بعض التماسك. وهذا ظاهر خاصة في ف 1- 12 حيث تبدو العناصر وكأنها موضوعة بعضها قربٍ بعض. أما في ف 13- 28 فنجد لحمة متواصلة في إطار خبر مسافر. إذا، يستحيل علينا أن نجد تصميماً دقيقاً. ومع هذا، نكتشف وسائل أدبية وبُنى ظاهرة ومبادئ تنظيم تساعدنا على إكتشاف توجيه في توسيع الكتاب.
1- البنى الظاهرة
أولاً: في الأخبار
نلاحظ أولاً ثلاث إجمالات مهمة تقسم مواد الفصول الأولى: أع 2: 42- 47: وحدة الجماعة؛ 4: 32- 35: المشاركة في الخيرات؛ 5: 12- 16: قوّة الرسل العجائبية. وتشدّد بعض العبارات فترد بشكل ردّة (أو: قرار) حول نموّ الكنيسة والكلمة: 2: 47: "وكان الرب كل يوم يزيد عدد الذين أنعم عليهم بالخلاص"؛ 4: 4: "وآمن كثير من الذين سمعوا كلام بطرس"؛ 5: 42: "وكانوا يعلمون كل يوم في الهيكل وفي البيوت ويبشرون بالمسيح يسوع"؛ 6: 7: "وكانت كلمة الله تنمو وعدد التلاميذ يزدادا"؛ 9: 31: "وكانت الكنائس تنمو وتسير على خوف الرب بمعونة الروح القدس"؛ 11: 24: "إنضم إلى الرب جمع كبير؛ رج 12: 24؛ 16: 5؛ 19: 10، 20.
ويستعمل لوقا أسلوب التكرار: في خبر حنانيا وسفيرة درفتان: ما حصل لحنانيا: 5: 1- 6، وما حصل لسفيرة: 5: 7- 11. خبر دعوة بولس. رواه لوقا ثلاث مرات: 9: 1- 19 (بشكل خبر على لسان لوقا)؛ 22: 4- 27 (في خطبة يدافع فيها بولس عن نفسه أمام اليهود)؛ 26: 9- 18 (في خطبة أمام الملك أغريبا). خبر رؤية كورنيليوس لملاك الرب (10: 3- 8، 30- 32؛ 11: 13) أو رؤية بطرس للرب (10: 9- 16، 28؛ 11: 5- 10). ليست هذه العناصر المتوازية آثار وثائق مختلفة استقى منها الكاتب. إنها تدلّ على فن أدبي رفيع يريد به لوقا التشديد على أمر ما في الكتاب، لا سيما ما يتعلق بإرتداد كورنيليوس (أول وثني يتعمد) وإرتداد بولس الذي سيكون الرسول "الرسمي" إلى الوثنيين.
ونجد عناصر عديدة تعيد إنتباه القارئ إلى حدث مضى ولا بدّ من تذكره دوماً. تمّ حدث العنصرة في ف 2 وتكرر في 4: 31 (إهتزّ المكان وأمتلأوا من الروح القدس) بعد صلاة المؤمنين على إثر إخلاء سبيل بطرس ويوحنا. وفي 10: 44- 28 حين حل على كورنيليوس وجماعته الذين سمعوا كلام بطرس (رج أيضاً 11: 15). وفي 19: 6 حين نزل الروح على معمّدي أفسس فأخذوا يتكلمون باللغات. وكذا نقول عن مقرّرات مجمع أورشليم (15: 19- 20؛ 21: 25) وتشتت الجماعة (8: 1، 4؛ 11: 19) وأغابوس (11: 28؛ 21: 10) وفيلبس (8: 40؛ 21: 8).
ثانياً: في الخطب
ونلمس ظاهرة الترداد بصورة خاصة في خطب أع. نحن نجد ما يقارب 24 خطبة، وهي تشمل ثلث الكتاب تقريباً. نشير أولاً إلى خطب بطرس الرسولية (2: 14- 41؛ 10: 24- 43) وخطب بولس التي توجّهت إلى اليهود (13: 16- 41)، وإلى اليونانيين (14: 15- 17: 22 - 31). ثم إلى مرافعات بطرس (4: 9- 12؛ 5: 29- 32) وإسطفانس (7: 1- 53) وبولس (22: 1- 21؛ 26: 2- 23). وأخيراً هناك مواعظ للمسيحيين: 1: 16- 22 (في الأحد عثر من أجل إختيار متيا)؛ 11: 4- 17 (بطرس في جماعة أورشليم بعد عماد كورنيبيوس)؛ 15: 13- 21 (يعقوب في مجمع أورشليم)؛ 20: 18- 35 (بولس في جماعة الشيوخ). وتورد الآيات الأخيرة في أع كلمات تلفظ بها الرسول فأجمل بها فكرة الكتاب الرئيسية (28: 25- 28).
تقع هذه الخطب في الأوقات المهمة من أع، فتعرض بوضوح على القرّاء مضمون الأحداث. ترتبط الأخبار بالخطب إرتباطاً وثيقاً، وهذا أمر لا نجده في الأناجيل الإزائية. وعلى المستوى الأدبي، فأشخاص الخبر يقدّمون بنفوسهم مفتاح الأحداث. قال ديباليوس: أخذ لوقا العادة المتبعة لدى المؤرخين الوثنيين القدامى. ولكن تلك العادة دخلت حتى إلى المجامع في فلسطين، وهذا ما يشهد له الخطب التي يتضمّنها التاريخ الديني والشعبي الذي نجده في "القديميات البيبلية" (تنسب خطأ إلى فيلون. لهذا نقوله فيلون المزعوم). بهذه الطريقة يترجم أع فكرة لوقا اللاهوتية.
إن الخطب تشكّل عنصراً هاماً في بنية الكتاب، في علاقاتها المتبادلة (كتبت 13: 35 بالنسبة إلى 2: 25- 31) وبالمواضيع التي تتكرّر فيها. ونحن نستطيع مثلاً أن نقابل خطبتَيْ بولس إلى اليونانيين: إن 14: 15- 17 (إلى أهل لسترة) هي رسمة صغيرة سيتوسّع فيها الرسول في 17: 22- 31 في خطبته إلى أهل أثينة. ولكن الأمر واضح في الخطب الموجّهة إلى اليهود، وسنتحدّث عنها فيما بعد. يكفي الآن أن نعرف أن هناك مقدمّة ينادي فيها الواعظ الجماعة (أيها الأخوة، يا رجال يهوذا)، أو يلفت إنتباه السامعين (إسمعوا، أصغوا) أو يذكر بصعوبة، أو يطرح سؤالاً يربط الخطبة بالإطار الأخباري (2: 14- 21؛ 3: 11- 12؛ 5: 27- 28؛ 10: 34 – 35؛ 13: 14- 15). بعد هذا، يأتي جسم الخطبة التي تبدو بشكل كرازة بحصر المعنى (أي إعلان حدث المسيح دون التوّسع. فالتوسّع يتم في التعليم) فتذكر بصلب يسوع وقيامته بيد الله (2: 22- 26؛ 3: 13، 21- 26؛ 5: 29- 32؛ 10: 36- 43؛ 13: 23- 24). وأخيراً نجد تحريضاً (أو بارانيسيس) مع نداء إلى التوبة (2: 37- 41؛ 3: 17- 20؛ 13: 38- 41؛ رد 5: 31؛ 10: 42).
يبدو أن هذه الرسمة العامّة تتبع رسمة المواعظ في مجامع العالم الأغريقي. هناك آية تفتتح الوعظة (ترد بوضوح، مثلا 2: 17- 21: نبوءة يوئيل). ونجد في مسيرة الوعظة تشديداً على الشهادة (2: 32؛ 3: 15؛ 15: 39؛ 13: 31) وعرضاً للبرهان الكتابي (2: 25- 31؛ 3: 22- 24؛ 10: 43؛ 13: 32- 33). وهناك مواضيع تتردّد مراراً: إشارة سريعة إلى حياة يسوع العلنية. ذكر الصلب الذي يدخل في مخطط الله دون أن يخفف من مسؤولية أهل أورشليم والسلطات اليهودية. قيامة يسوع التي يشهد لها الرسل. المضمون المسيحاني لهذا الحدث كما يظهر في الأسفار المقدسة. وأخيراً، إعلان مغفرة الخطايا.
تلك كانت النقاط الرئيسية في المواعظ الرسولية، وقد جعلها لوقا في فم يسوع (لو 24: 46- 49)، وبطرس باسم جماعة الرسل، وبولس باسم العالم الوثني. إن هذه المواضيع التي تتكرّر تدلّ بوضوح على التماسك اللاهوتي في المؤلف اللوقاوي.
ثالثاً: التوازي بين بطرس وبولس
هناك نهج بلاغي عرفه العالم اليوناني هو الموازاة (سنكريسيس): فكلمات بطرس وفعلاته تجد ما يوازيها عند بولس. ونستطيع أن نقابل العناصر التالية: الرسولان يشفيان الكسيح: بطرس عند الباب الجميل في الهيكل (3: 22- 26) وبولس في لسترة (14: 8- 17). مثل بطرس أمام السنهدرين أو المحكمة العليا (4: 5- 7) فلم يختلف عنه بولس (23: 1- 15)، فلاقى الجلد مثل صاحبه. أقام بطرس ميتاً: هي طابيثة (9: 32- 42)، وأقام بولس الشاب الذي سقط من النافذة في العلية في ترواس (20: 9- 12). سنعود إلى هذا التوازي فيما بعد. ولكنّنا نقول إنه ساعد على قسمة الكتاب قسمين مع حرية تامة في تنظيم المواد حسب مبادئ اتّبعها لوقا فحافظ على الوحدة دون تحجّر وعلى التنوّع في التواصل.
2- مبادئ تنظيم سفر الأعمال
نتوقّف هنا على ثلاثة مبادئ: موضوع الرسالة، جغرافية الكتاب، الأشخاص.
أولاً: موضوع الرسالة
مبدأ التنظيم الأول هو مبدأ لاهوتي: ففي هذا التاريخ الذي يقوده الروح، يبرز الكاتب الإنتشار الشامل للبشرى وسط اليهود أولاً، ثم وسط الوثنيين (3: 36: تردّ كل واحد منكم عن شروره). يحمل الإنجيل إلى الأمم، من أورشليم إلى (أقاصي الأرض) كما قيل في 1: 8. "إن خلاص الله هذا قد أرسل إلى الأمم) (28: 28). هذا ما قاله بولس في نهاية الكتاب، فعاد بنا إلى موضوع طرحه لوقا في وسط الكتاب: لقد سمح للوثنيين أن يدخلوا باب الأيمان (14: 23). وهناك نصوص عديدة تشدّد على أهمية الرسالة (2: 9- 11؛ 2: 39؛ 9: 15؛ 11: 18؛ 13: 46- 47؛ 14: 15) ولا ننسى أن لوقا كان قد شدّد على هذا الموضوع في إنجيله (لو 3: 6؛ 24: 47- 48).
نستخرج من هذا المبدأ اللاهوتي إستنتاجين أدبيين. الأول: إن موضوع انتشار الكلمة أبرز المعوقات التي إصطدم بها المبشّرون. لهذا كوّن الكاتب وحدات أدبية صغيرة كان هدفها إعلان الرسالة أو الهجوم والحرب. هناك من جهة أخبار رسالة (2: 1- 41؛ 8: 1- 40؛ 9: 1- 31؛ 9: 32- 11: 18؛ 13: 1- 14: 28). وهناك من جهة ثانية أخبار محاكمة (3: 1- 4: 31؛ 5: 17- 42؛ 6: 1- 8: 1؛ 12: 1- 23؛ 15: 1- 35؛ 21: 17- 26: 32). وتبدأ هذه الوحدات الأدبية عادة بخبر له معناه (2: 1- 13: العنصرة؛ 3: 1- 10: شفاء الكسيح؛ 6: 1 - 7: السبعة؛ 9: 32- 42: شفاء الكسيح إينياس وإقامة طابيثة). 
والإستنتاج الثاني: إن مبدأ التنظيم هذا (اليهود أولاً ثم الوثنيون) يساعدنا على قسمة أع إلى قسمين. ولكن أين الحدّ الفاصل بين قسم وآخر؟ هناك من يجعل القسم الثاني يبدأ مع أسفار بولس في ف 13 (ديباليوس، قاينيي). وهكذا يكون القسم الأول ف 1- 12، والقسم الثاني ف 13- 28. وهناك من يتوقف عند خبر مجمع أورشليم أي في 15: 36 (مانو). فيكون القسم الأول 1: 1- 15: 35، والقسم الثاني 15: 36- 28: 31. فهذا المجمع الذي فيه يلتقي بطرس ببولس قبل أن يختفي عن المسرح، هو القمّة اللاهوتية التي وصل إليها القسم الأول من الكتاب الذي كان مركزه أورشليم. وهناك من يجعل ف 13- 15 بشكل مفصلة تربط درفتي الكتاب.
ثانياً: جغرافية الكتاب
مبدأ التنظيم الثاني هو مبدأ جغرافي. أشار لوقا بعناية إلى المحطات الجغرافية. أولاً في 1: 8: أورشليم، اليهودية والسامرة، إلى أقاصي الأرض. ثم في 9: 31: توسّعت الكنيسة في اليهودية والجليل والسامرة. وفي 19: 21 و23: 11، يعلن لوقا عن سفر بولس إلى أورشليم عبر مكدونية قبل الذهاب إلى رومة.
من جهة ثانية، لعب المعيار الجغرافي دوراً هاماً في جمع المواد. هناك موازاة بين لو وأع: فبعد عمل الرسل في فلسطين، جاءت أسفار بولس الرسولية حتى توقيفه بسبب موقفه من الهيكل (21: 27 ي). وهذا ما حدث ليسوع: بعد عمله في الجليل، كان صعوده إلى أورشليم (ق لو 9: 51 وأع 21: 15) ودخوله إلى الهيكل وتوقيفه. ولهذا، فضل بعض الشّراح أن يتركوا قسمة الكتاب إلى قسمين. واقترحوا تصميماً أوسع يأخذ بعين الاعتبار الإشارات الجغرافية. قسموا أع خمسة أقسام. الأول: 1: 15- 8: 3: أورشليم. الثاني: 8: 5- 11: 18: السامرة والمناطق الساحلية مثل يافا وقيصرية. الثالث: 11: 19- 15: 35: أنطاكية. الرابع: 15: 36- 19: 21: حول بحر إيجه. الخامس: 19: 21- 28: 31: من أورشليم إلى رومة (الأب دوبون، أونايل، كومل).
ثالثاً: الأشخاص
يستند مبدأ التنظيم الثالث إلى أشخاص الخبر. حينئذ نميّز بين دورة بطرس (ف 1- 12) ودورة بولس (ف 13- 28)، مع مرونة في التمييز. فالفصل التاسع يتحدّث عن بولس، كما أن ف 15 سيتحدّث عن بطرس. وإذا أردنا التدقيق في البحث، نجد أشخاصاً يجمعون حولهم سلسلة من المعطيات الأدبية: بطرس ويوحنا (3: 1- 4: 31)، وذلك بعد الإجمالة الأولى. برنابا مع عكسه في شخص حنانيا وسفيرة (4: 36- 5: 11) وذلك بعد الإجمالة الثانية. الرسل بعد الإجمالة الثالثة (5: 17- 42). السبعة وإسطفانس (6: 1- 8: 8) وفيلبس (8: 5- 40)، بولس وبرنابا، بولس وسيلا. نحن نرى المرسلين يعملون أثنين أثنين كما أرسلهم المعلّم (لو 10: 1).
ومختصر الكلام هو أن الكاتب توجّه حسب فكرة لاهوتية (الخلاص الشامل) ومخطط جغرافي عام، فحاول أن يقدّم لنا إجمالة متماسكة ومركّزة على أمكنة وأشخاص. هو لم ينظّم مواده حسب بنية تبدو منطقية في عيوننا، ولكن هذه التقاطعات المتواصلة في المواد هي التي تدلّ على وحدة التاريخ وتواصله.
3- تصميم الكتاب
أشرنا سابقاً إلى قسمة أع إلى قسمين أو إلى خمسة أقسام. وهناك من قسمه ثلاثة أقسام (شميد، فيكنهاوزر) أو أربعة (هانشن: 1: 1- 8: 3؛ 8: 4- 15: 35؛ 15: 36- 21: 26؛ 21: 27- 28: 31). بل جاء من قسمه إلى ستة أقسام أو أكثر (تورنر، باترس).
أما نحن فنقدّم تصميماً في قسمين وفي خمسة أجزاء، ولا ننسى أن نلاحظ الإشارات الكرونولوجية الحاضرة لا بداية كل جزء: 1: 15 (وفي تلك الأيام)؛ 6: 1 (وفي تلك الأيام)؛ 11: 27 (وفي تلك الأيام)؛ 15: 36؛ 19: 21. كما لا ننسى لائحة الأشخاص: 1: 14 (الرسل الإثنا عشر)؛ 6: 5 (السبعة أو ما يسمى خطأ "الشمامسة")؛ 13: 1 (شيوخ أنطاكية)؛ 15: 36- 40؛ 20: 4.
وإليك التصميم المقترح (الأب شارل بيرو)
(أ) اليهود أولاً... (1: 1- 11: 26)
(1) جماعة أورشليم (1: 1- 5: 42)
أولاً: من الفصح إلى العنصرة (1: 1- 2: 41)
1: 1- 14 المطلع، الصعود، الإثنا عشر
1: 15- 26: متّيا والإثنا عشر
2: 1- 41: العنصرة وخطبة بطرس
ثانياً: حياة الجماعة الأولى (2: 42- 5: 42)
2: 42- 47: الإجمالة الأولى عن حياة الجماعة
3: 1- 4: 31: نشاط بطرس ويوحنا
4: 32- 35: الإجمالة الثانية حول المشاركة في الأموال
4: 36- 5: 11: برنابا، حنانيا وسفيرة
5: 12- 26: الإجمالة الثالثة حول نشاط الرسل الخيرّ
5: 17- 42: ما تحمّله الرسل من أجل المسيح
(2) الرسالة في فلسطين (6: 1- 11: 26)
أولاً: السبعة وخبر إسطفانس (6: 1- 8: 1 أ)
ثانياً: الرسالة في السامرة وخبر فيلبس (8: 1 ب- 40)
دعوة بولس (9: 1- 31)
نشاط بطرس في لدة ويافا (9: 32- 43)
كورنيليوس (15: 1- 11: 18)
تأسيس كنيسة أنطاكية (11: 19- 26، تذكير 8: 1، 4).
(ب)... ثم اليونانيون (11: 27- 28: 31): أنطاكية هي نقطة الإنطلاق ونقطة الرجوع
(3) رسالة أنطاكية (11: 27- 15: 35)
خدمة برنابا وبولس (11: 27- 12: 25 مع تعليق على إضطهاد هيرودوس للمسيحيين).
الرحلة الرسولية الأولى. بولس وبرنابا (13: 1- 14: 28)؛ خلاف أنطاكية (15: 1- 35) يحلّ في أورشليم
(4) ارسالة الكبرى (15: 36- 19: 20)
الرسالة بولس وسيلا وتيموثاوس في مكدونية (15: 36- 17: 15)
بولس في اليونان: أثينة وكورنتوس (17: 16- 18: 23) بولس في أفسس (18: 24: 19- 20)
(5) من أفسس إلى رومة (19: 21- 28: 31)
من أفسس إلى أورشليم (19: 21- 23: 11)
ومن أورشليم إلى قيصرية (23: 12- 26: 32)
ومن قيصرية إلى رومة (27: 1- 28: 31)

 

 

الفصل الثاني
التاريخ الأدبي لسفر الأعمال
كتب ايريناوس كتابه ضد الهراطقة، حوالي سنة 180 ونسب بصورة واضحة أع إلى لوقا رفيق (سكتاتور) بولس. وحوالي سنة 150، استعمل القديس يوستينوس في دفاعه الأول (39، 49، 50) عناصر مأخوذة من أع. ولكننا لا نجد قبل هذا التاريخ من اكلمنضوس الروماني إلى بوليكربوس أثراً أكيداً على معرفة بمؤلَّف لوقا. كل ما نجده هو عبارات وتقاليد يوردها بابياس وهي مشتركة بين أع وكتابات الآباء. قد يكون أن الكاتب لم يكن بعد تمتع في كل الكنائس بالسلطة التي ستكون له فيما بعد. فهل نستطيع أن نرجع إلى الوراء في الزمن، ونتتبّع تاريخ أع الأدبي؟ إن النقد النصوصي يتيح لنا أن نحدّد موقع أشكال النص المختلفة منذ منتصف القرن الثاني، إن لم يكن قبل ذلك. والنقد الأدبي يتيح لنا أن نرجع إلى ما قبل هذا التاريخ. ستكون نظرتنا تفصيلية (دياكرونية) وستبقى على المستوى الأدبي المحض دون أن توصلنا بصورة مباشرة إلى استنتاجات تاريخية: نحن هنا سنميّز التاريخ الأدبي من المسائل التاريخية، فنتحدّث في هذا الفصل عن التاريخ الأدبي لسفر الأعمال، تاركين إلى فصل لاحق موضوع القيمة التاريخية لسفر الأعمال.
أ- أشكال النص المختلفة
إذا عدنا إلى "النص المتداول" الذي نجده عند مختلف الشهود، نرى في أع شكلين قريبين الواحد من الآخر: النص السوري أو الانطاكي، والنص المصري أو الاسكندراني. نذكر هنا بصورة خاصة الكودكسات الاسفينية: الفاتيكاني (القرن الرابع)، السينائي (القرن الرابع)، الاسكندراني (القرن الخامس)، والافرامي (القرن الخامس). والبرديات التالية: 45 (القرن الثالث)، 50 (القرن 4- 5)، 74 (القرن السابع). كما نذكر آباء كنيسة الاسكندرية. وهناك شكل ثالث للنص يختلف عن التقليدين السابقين هو "النص الغربي". نجده خاصة في الكودكس البازي (القرن 5- 6) وفي البرديات التالية: 8 (القرن الرابع)، 29، 38 (حوالي سنة 300)، 48 (نهاية القرن الثالث). كما نجده في مخطوطات اللاتينية العتيقة وفي العناصر الهامشية في الترجمة السريانية الحرقلية، وفي مقتطفات سريانية فلسطينية وُجدت في خربة مرد، وفي تفسير لافرام وصل إلينا في اللغة الأرمنية. ونجد هذا النص الغربي بصورة خاصة في المخطوط القبطي رقم 14. وعند الآباء اللاتين: ايريناوس اللاتيني، ترتليانس، قبريانس، أوغسطينس. ان هذه اللائحة الخليطية تدل على جهلنا للنص الغربي، هذا إذا وجد نص غربي في حالة خاصة.
فإذا قابلنا هذا النموذج النصوصي بالأشكال السابقة، إكتشفنا بعض الصفات الأصيلة: إنه أطول من النص المتداول (هناك 400 زيادة). حسّن العلاقات بين الأحداث الواردة وخفّض من حدّة الصعوبات. لغته تكاد تكون شعبية وهي تتضمّن الصيغ الآرامية (كما قالت توري، بلاك، ويلكوكس). أما الاستشهادات البيبلية فهي ليست قريبة من السبعينية كما هو الحال في النص المتداول (سارفو). يُبدي النص الغربي احترامًا كبيراً لبطرس وبولس (كريهام، مارتيني)، ويميل إلى التشديد على دور اليهود في موت يسوع واضطهاد المسيحيين (مانو، تيليي، هانسون). انتشر النص الغربي في الشرق كما في الغرب منذ منتصف القرن الثاني، فاعتبره بعضهم النص الأصلي لسفر الأعمال.
سنة 1894، رأى بلاس في النص الغربي الدفق الأول للتدوين اللوقاوي، ثم جاءت نشرة ثانية محزنة، سُميت النسخة الشرقية. وسنة 1933، اعتبر كلارك هذه النسخة الأخيرة على أنها اختصار وإعادة نظر في النص الغربي. أما روبس الانكليزي فاعتبر أن النص الأول هو النص الشرقي. وهكذا انقسم الشّراح: قسم يختار النص المتداول ويعتبرونه النص الأصيل (كانيون، بروسي، هانشن). وقسم ثان يرى الأصالة في النص الغربي ويدعو إلى أسلوب تلفيقي، لأنه يعتبر أن النص الشرقي لا يستأثر بالحقيقة كلها ولا النص الغربي (كيلناتريك، وليامس، دوبون الفرنسي).
إن الشراح (مثلا كلين) يرون بصورة عامة أن النص الغربي لسفر الأعمال جاء متأخراً بالنسبة إلى النص المتداول: فقد اهتم بان يجعل التناسق بين الأخبار (ق ف 9 و22، و26)، بأن يشرح الصعوبات (16: 35)، بأن يتجنّب التنافر بين النصوص. ونجد في النص الغربي زيادات ليتورجية (8: 37) وميولاً لاهوتية. هل نستطيع أن نحسب اختلافة 15: 20، 29 في النص الغربي على أنها النص الأصلي، وهي تقدّم تفسيراً لقرار أورشليم الذي طبع في البداية بطابع طقسي. إن النقاد يقرأون الاختلافة بعد الاختلافة ويتوقفون عند بعضها. هنا نشير إلى أمور جغرافية في 12: 10 و20: 15 أو زمنية في 19: 9؛ 27: 5؛ 28: 16.
بدا النص الغربي ثانوياً على المستوى الأدبي، ولكننا لن نماثل النص الاسكندراني مع النص الأصلي، ونتجنّب مزج النموذجين، أي النص المتداول مع النص الغربي. بل نتطلّع إلى كل نص في ذاته دون تلفيق. وعلى المستوى التاريخي، هذا لا يمنعنا أن نأخذ بمقطع من النص الغربي حتى ولو ظهر طابعه الثانوي. أجل، ما زال مجال البحث مفتوحاً على المستوى الأدبي. أما الدروب فعديدة: أو أننا نربط النص الغربي بالنص المتداول ونستند إلى بعض التقاليد الشفهية. أو نعود إلى تقليد سابق مشترك أخذ منه النص المتداول أو النص الغربي. أو نقول إن نص أع بقي نصاً متحركاً في الوسط اللوقاوي قبل أن يثبت في صيغته القانونية الأخيرة.
هذا يدلي على أهمية النص الغريب، وعلى أن العمل التأويلي الحالي لن يقوم بأن نحاول اكتشاف النص الأصلي لسفر الأعمال، بل أن نحدّد موقع كل من النموذجين (المتداول والغربي) ونربطهما بالوسط الذي فيه وُلدا. على هذا المستوى يبدو النص الغربي متأثراً بهجوم على اليهود والمتهوّدين. ومنه يستطيع أن يغرف المؤرخ واللاهوتي والليتورجي. بل إن المؤؤل نفسه سيستعين بالنص الغربي، لأنه لا يستطيع فهم نص من النصوص دون أن يشير إلى التقلّبات في فهمه على مدى العصور.
ب- متى دوّن سفر الأعمال
1- آراء متعددة
يقول الشراح المعاصرون إن أع دوّن بين سنة 75 وسنة 90، بل حوالي السنة 80. ولكن هناك من تبع هرناك وكلارك فقال إن أع دوّن قبل دمار الهيكل (سنة 70، بروسي، بلايكلوك، غودناف، باركر). وقال آخرون (كلاين، اونايل، كنوكس، انسلين) إنه دوّن خلال القرن الثاني. تلك آراء متطرفة. اذن، تبقى المسألة موضوع جدال، دون أن يهتم بها الشارحون: فعدم ذكر اسم الكاتب، وتأخير زمن تدوين الكتاب لا يؤثّران بالالهام ولا بتاريخية الكتاب.
ما هي البراهين التي يقدّمها الشراح؟ صمتُ الكاتب الذي لا يقول شيئا عن موت بولس ولا عن دمار الهيكل (سنة 70). هناك مسافة لاهوتية بين المؤلَّف اللوقاوي (لو- أع) ورسائل القديس بولس. كيف دوّن المؤرخ فلافيوس يوسيفوس كتابه سنة 93 دون أن يذكر أع؟ وانطلق البعض من لو 1: 3 فترجموا: بعد أن تتبّعت كل شيء عن قرب منذ زمن طويل. هذا يعني أن لوقا كان شريكاً نشيطاً في العمل مع بولس. ولكن يبدو أن هناك ترجمة أصح: "بعد أن تتبعت كل شيء بدقة". فالإنسان لا يشارك في الأحداث "بدقة".
أما تنوعّ الآراء حول تأريخ أع فيعود إلى العناصر التالية التي يختلف الشرّاح في تقويمها.
أولاً: هدف الكاتب
قال هرناك: إنتهى أع انتهاء مفاجئاً. هذا يفرض علينا القول إنه دوّن قبل موت بولس ودمار الهيكل. تلك هي النتيجة التي وصل إليها اوسابيوس القيصري. ولكن منذ القرن الثاني جعل ايريناوس تأليف إنجيلي مرقس ولوقا (وبالتالي أع) يتم بعد موت الرسل. وهذا ما تقوله أيضاً المقدمة المناوئة لمرقيون، وقانون موراتوري الذي دوّن حوالي سنة 180. ثم إن 20: 29 (الذئاب الخاطفة ستدخل بينكم بعد رحيلي أي بعد موتي)، 38 (لن تروا وجهي بعد الآن) تشيران إلى موت بولس. وأخيراً إن خاتمة أع تليق لياقة كاملة بمشروع الكاتب: لقد وصلت البشارة إلى "أقاصي الأرض"، أي إلى رومة. نسي هرناك قصد الكاتب وفن الكتاب الأدبي فجاء استنتاجه خاطئاً.
ثانياً: لوقا وصاحب الكتابين إلى تيوفيلوس
صاحب أع هو صاحب لو. فالكتابان مهديان إلى تيوفيلوس. تلمّح مقدمة أع إلى الكتاب الأول. اللغة والأسلوب والألفاظ هي هي في لو وأع. والمواضيع تتشابه: الفرح، التجرّد، الصلاة، الانفتاح على الأمم الوثنية... بما أن الكاتب هو هو في أع ولو، وبما أن لو دوّن بعد سنة 70 (رج لو 19: 43: سيجيء زمان يحيط بك أعداؤك بالمتاريسى ويحاصرونك؛ 21: 20- 24: فاذا رأيتم أورشليم تحاصرها الجيوش...)، فهذا يعني أن أع دوّن بعد سنة 70، وهو الذي دوّن بعد لو. هناك شراح قلائل (كلارك، ارجيل) يقولون إن صاحب أع هو غير صاحب لو، ويستندون في قولهم إلى اختلاف في الأسلوب والمفردات. ولكن هذا القول غير معقول. ثم لا ننسى المسافة بين لو وأع لأن أع دوّن بعد لو.
ثالثاً: بولس، لوقا وصاحب أع
يرتبط تاريخ تدوين أع بموضوع الكاتب. من هو لوقا؟ هل هو رفيق بولس؟ إذا كان الأمر كذلك، فنحن لن نؤخّر زمن تدوين أع. وإن كان الكتاب مغفلا مثل الرسالة إلى ديوجنيس أو مثل مؤلفات أخرى، يبرز موقفان. الأول (دوبون، بروسي) يجعل من لوقا صاحب أع ويقدّم البرهان التالي: إن المقاطع المدوّنة في صيغة المتكلم الجمع (مثلا 16: 16: كنا نحن في أحد الأيام) تعود إلى شخص شارك بولس في رحلاته. وبما أن لغة هذه المقاطع مماثلة للغة سائر الكتاب (كما قال هرناك وهاوكينس)، اذن النص كله هو من تأليف رفيق بولس، ولن نجد أفضل من لوقا ليتولىّ هذه المهمة (رج كو 4: 14؛ فلم 24). الموقف الثاني (ولهاوزن، لوزاي، غوغيل، كومال، كونزلمان، فيلهاور): هناك اختلاف جذري بين صورة بولس حسب أع وصورته في الرسائل البولسية الأكيدة. سنعود إلى هذا الموضوع فيما بعد دون أن نأخذ بالأحكام المفرطة. ثم إن الاكرام العظيم الذي نعم به الرسولان بطرس وبولس ولاهوت أع يعكسان وضعا كنسياً عرفته نهاية القرن الأول المسيحي. أما المقاطع المدوّنة في صيغة الجمع، فقد تدل على خدعة أدبية لجأ إليها الكاتب ليجعل خبره يقع في أفضل موقع من قلب القارئ (كما قال ديباليوس).
2- الموقف الذي نقترح
أما موقفنا فيأخذ بعين الاعتبار العناصر التالية: أولاً: هناك فرق ملحوظ بين بولس وصاحب أع، حتى وإن حسبنا حساب نظرة كل منهما. اذن، يبدو من الصعب أن نأخذ بتاريخ قريب من السنة 70. ثانياً: لا نستطيع أن نتجاوز نهاية القرن الأول، لأن صاحب أع لا يعرف مجموعة الرسائل البولسية. ثالثاً: إن المناخ الهادئ الذي يغمر الكتاب يجعلنا نحدّد كتابته قبل الاضطهاد الكبير الذي أشعله دومسيان سنة 95. رابعاً إن المقاطع المدوّنة في صيغة المتكلم الجمع تلعب دوراًَ هاماً في إطار لاهوت أع الذي يشدّد بقوة على موضوع الوحدة وتواصل الخلاص التاريخي. وعلى مستوى قرّاء أع، تدلّ هذه المقاطع على العلاقة الملموسة بين الجماعة التي تتقبل الكتاب وشهادة بولس والجماعة الرسولية. أن يكون لوقا هو الذي أمّن رباط الوحدة هذا، كما قال التقليد القديم، أو ان يكون تلميذ عاش في محيط لوقاوي، فها لا يؤثر على عمق الكتاب. فإذا كانت المسافة بعيدة جداً بين قرّاء أع وشهود نشاط بولس، فهذا يبدو أمراً غريباً. ومختصر الكلام، يبدو أ، أع دوّن بين سنة 80 وسنة 95. فإذا سمّينا لوقا صاحب أع، نختار تاريخاً قريباً من السنة 80. أما إذا قلنا إن أع نبت في محيط لوقاوي نقترب من السنة 95.
ونتساءل أخيراً: أين دوّن أع؟ في أنطاكية؟ في آسية الصغرى؟ في اليونان؟ في رومة (بسبب 28: 30)؟ كلها افتراضات لا تفرض نفسها.
ج- المراجع والتقاليد
نلاحظ اليوم تباعداً عن التأويل التفصيلي (دياكروني). فما عاد الشراح يرضون عن نقد للنصوص يقطعها ويفتّتها إلى ما لا نهاية، وهم يظنّون بذلك أنهم يحفون مسائل القيمة التاريخية للنص. يجب أن نقرأ النص كما هو أمامنا. ولكن ردّة الفعل هذه مهما كانت شرعية، لن تحتقر المحاولة التاريخية والأدبية في اكتشاف التكوين الأدبي لكتاب من الكتب. فالنص هو دوماً نتيجة تحوّلات سابقة. ونحن نميّز تكوين الكتاب الداخلي وما جاءه من الخارج من مراجع وتقاليد أدخلها الكاتب في تدوين كتابه.
1- تكوين الكتاب
نجد بعض المرات تنافراً في أع. فهناك قطع توقف تواصل الخبر. مثلا، خبر استشهاد اسطفانس. يبدأ في 6: 8- 15 ويتتابع في 7: 55- 60. ولكن جاءت الخطبة ففصلت الخبر إلى قسمين (7: 16- 54). وهذه الحصيرات عديدة في الكتاب: تبشير السامرة يفصل بين 8: 1 أَو 9: 1 والحديث عن بولس المضطهد. إضطهاد هيرودس للمسيحيين وموته بين 11: 27- 30 و12: 24- 25. تحرير بولس بصورة عجيبة (16: 25 - 34). الفتنة في افسس بين 19: 20 و20: 2. إن إقامة افتيخوس من الموت (20: 7- 20) تقطع خبر اجتماع الكنيسة في ترواس. ونذكر أيضا شفاء مقعد لسترة (14: 8- 18) مع ذكر دربة في 14: 6 و14: 20 ب.
بالإضافة إلى هذه الحصيرات، حوّر الكاتب نصّه أو كفله ليقوي الرباطات من أجل وحدة الكتاب. ويلفت نظرنا الاجمالات الثلاث (2: 43، 44- 45؛ 4: 33؛ 5: 12 ب، 14) التي تبدو وكأنها حمل ثقيل على النص. فالآية 4: 33 تبدو كحاشية بين 4: 32 و4: 34، وهي تهيّئ بطريقة مباشرة موضوع الاجمالة الثالثة حول القدرة العجائبية لدى الرسل. وهناك زيادات يقترحها ديباليوس (16: 32- 33) أو هانشن. بعد 18: 19 أ، تأتي حالا آ 21 ج: يفترق بولس عن رفاقه ليذهب إلى أفسس بحراً، لا ليذهب إلى المجمع كما تقول آ 19 ب- 21 ب. وخلاصة القول، لا يبدو نص أع وكأنه من يد واحدة. قد وُضعت بعض اللمسات. فمن وضعها؟
نحن نقول: كل شيء هو من لوقا في أع حتى الحواشي والتعاليق. ونعلن مع الآب بانوا الدومينيكاني: قام لوقا بعمله على مراحل، كما فعل في إنجيله. ألّف قطعاً ثم جمعها بواسطة اللحمات. والقطع التي أدخلها لوقا ليست وثائق جاءته من الخارج، بل تدوينات قام بها بنفسه انطلاقاً من الاستقصاءات التي قام بها. لوقا هو رجل الوحدة والتناسق حتى في طريقته بوضع المواد بعضها قرب بعض.
ولكن لا ننسى افتراضاً آخر، وإن ظلّ غامضاً حتى الآن: قد يكون المحيط اللوقاوي قام ببعض التحوّلات داخل أع. كيف يستطيع كاتب مثل لوقا أن يفصل 4: 32 عن 4: 34 في الاجمالة الثانية. ثم إن النص قد قرأه المحيط اللوقاوي وكيّفه بعض الشيء، وهذا ما يشهد له النص الغربي الذي دلّنا على وجود نص متحرّك لم يثبت قبل بداية القرن الثاني.
2- المراجع
هل إستعمل صاحب أع مراجع؟ هل ضمّ إلى كتبه وثائق شفهية أو خطية بعد أن قام باللمسات اللازمة؟ استعمل لوقا إنجيل مرقس لتدوين إنجيله، فهل عمل الشيء نفسه من أجل تدوين أع، فما أكتفى بمعلومات أو تقاليد متفرقة وغير محددة، بل أخذ مجموعات مكوّنة وثابتة؟ لا نستطيع أن نقدّم إلا أجوبة متحفظة على هذه الأسئلة، لأننا لا نستطيع أن نبرهن عن وجود المراجع التي نحن بصددها. فكل ما في أع هو لوقاوي. والمعايير الأسلوبية لا تتيح لنا أن نميّز المراجع. لا شك في أن هناك فرقاً أكيداً في أسلوب القسم الأول (نكهة سامية) وأسلوب القسم الثاني (نكهة يونانية). ولكن لوقا يعرف كيف ينوّع أسلوبه، فيكيّف ما يكتب فيحسّ القارئ أنه عاد إلى زمن بدايات الكنيسة. قال لوازي: إن مدوّن أع شوّه ما فعله لوقا. مثل هذا القول مرفوض قطعاً. وقال هرناك: هناك مرجع انطاكي ومرجعان فلسطينيان عاد إليهما لوقا ليدوّن القسم الأول من أع. وحاول سارفو وتروكمي أن يحدّدا المراجع المكتوبة. ولكن هذه المحاولة باءت بالفشل. غير أننا نستطيع أن نتوقّف عند سلسلة من الوثائق عاد إليها لوقا من أجل تكوين كتابه وقد برزت في إطارين اثنين: المرجع الأنطاكي، يوميات مسافر.
أولاً: المرجع الإنطاكي
قال بولمان على خطى هرناك ويرامياس بوجود مرجع أنطاكي يتضمّن 6: 1- 8: 4؛ 11: 19- 30 و12: 25 مع خبر السفر. وزاد الأب بانوا على ذلك 15: 3- 33 بعد 11: 30. في هذه الحالة، يكون السفر إلى أورشليم والمذكور في 11: 30 هو نفسه المذكور في 15: 3 ي، وهذا ما يزيل صعوبة هامة في كرونولوجيا أع. ولكن هذه الفرضية لا تفرض نفسها: لقد استقى لوقا من نبع وثائقي انطاكي، ولكن لا شيء يسمخ لنا بالقول بوجود سلسلة من الوثائق مكوّنة بطريقة عضوية. فيبقى مع ذلك أن المجموعة المكوّنة من 6: 1- 8: 4 و8: 5- 11: 19- 30 تعكس في تواصلها تقليداً شفهياً يعود إلى أنطاكية.
ثانياً: يوميات مسافر (صيغة المتكلم الجمع)
هذا الافتراض الثاني هو متشعّب وموضوع جدال، ونحن نميّز فيه مسألتين اثنين. الأولى: هل وجدت قبل تدوين أع مسيرة أو لائحة بمحطات الأسفار التي قام بها بولس؟ قال ديباليوس: يتضمّن خبر السفر بصورة جوهرية 13: 4- 14: 28 و15: 26- 21: 16. وقال تروكمي: استعمل لوقا "يوميات" دوّنها رفاق سفر بولس. ولكن ما هي البراهين على ذلك؟ ونعود إلى القول إن كل شيء من أع هو لوقاوي بما في ذلك أخبار السفر (رج لو 9: 51- 19: 28). وفي الوقت عينه نقول إن هناك فرقاً كبيراً بين خبر السفر في أع والإشارات البسيطة التي نجدها في خبر السفر (صعود يسوع إلى أورشليم) في الإنجيل. فهل كان لوقا يستطيع أن يكتب ما كتبه لولا وثائق غنية أو لولا ما دوّنه في دفتر خاص خلال مرافقته للقديس بولس؟
المسألة الثانية: أما تفترض المقاطع المدونة في صيغة المتكلم الجمع والمقروءة في يوميات مسافر (16: 10- 17؛ 20: 5؛ 21: 18؛ 27: 1- 28: 16) وجود مرجع استقى منه لوقا (زيلر، كومل)؟ هذا ما تفترضه مقدمة المقاطع المذكورة وخاتمتها (صياغة متقطعة)، وتبعثُر هذه المقاطع في أع. وهنا نشير إلى نقطتين. على المستوى الاجمالي (سنكروني): إن هذه المقاطع في صيغة المتكلم الجمع تؤمن التواصل بين الكاتب والقرّاء من جهة، وبين النشاط البولسي من جهة أخرى. أما على المستوى التفصيلي (دياكروني) فهذه القطع ترتبط بوثائق ثابتة. إلا أنه يبد من الصعب أن نفصل هذه القطع عن مجمل المسيرة التي تحمل هذه القطع. وهكذا نعود مرة أخرى إلى فرضية "يوميات مسافر".
3- التقاليد
رفضنا القول بمراجع سابقة ومكوّنة أقحمها لوقا في أع، ولكننا لا نستطيع أن نفرض التوثيق الذي قام به الكاتب. إن لوقا استقى بدقة معلوماته في الكنائس التي زارها أو لدى المسيحيين الذين تعرّف إليهم. ففي أيام بولس، كان المؤمنون يتجوّلون بين كنيسة أخرة. وإن صاحب أع يشدّد على الرباطات والاتصالات بين الكنائس (14: 27؛ 15: 3- 4). ولكن هل يمكن أن نكتشف في النص الحالي إشارات تدلّ على هذا التكوين التحتي؟ ينطلق النقّاد من معيار التباين: تقطّع في التدوين، عناصر أدبية لا تشبه ما نعرفه عند لوقا، معطيات غريبة وغير مفيدة ولا تدخل في الإطار العام للفكر اللوقاوي. في الواقع، إن كل مقطوعة تطرح سؤالاً خاصاً، لا سيما تلك التي نقرأها في القسم الأول من أع والتي ترتبط ببداية الكنيسة. وفي خبر السفر، نستطيع أن نتحقّق من طبيعة التوثيق من طبيعة التوثيق فنشير إلى نقص في التعبير أو الملومات. مثلاً، يحب لوقا أن يقدّم أشخاص خبره في البداية. أما في 17: 5 فإن ياسون يأتي في وسط الخبر، وكأننا لم نكن ننتظره. ثم إن لوقا يذكر مدناً أو محطات سفر لا تفيدنا في اللحمة الإخبارية (14: 25؛ 17: 1؛ 20: 13- 15). هو لا يملأ الفراغات باخبار يستنبطها. إن لم يكن له شيء يقوله يمرّ مرور الكرام. وقد نستطيع أن نتساءل بعض المرات: أما يفضّل الصمت على الكلام كما فعل في حادثة أنطاكية (غل 2: 1- 14) أو خلال أزمنة كورنتوس. فضّل أن يضعف فكرته الأساسية ولا يمسّ وحدة الكنيسة. وقد ذكر تقاليد شعبية (1: 18؛ 16: 25- 34؛ 19: 14- 16؛ 20: 7- 12) تختلف قيمتها. ويبدو أن لوقا لم يفهم موضوع التبرّع من أجل القديسين في أورشليم، فاعتبره صدقة من أجل شعب إسرائيل. أورد كلام بولس: "جئت أحمل بعض التبرّعات إلى شعبي" (24: 17). كل هذا يدل على تنوّع التقاليد التي استقى منها لوقا من أجل كتاب غني مثل أع. ولكن هذا لا يعني حكماً على تاريخية هذه التقاليد، ولا يسمح لنا بأن ننسى أننا أمام نصّ مهمّ نكتشف فيه كل يوم كلام الله.

 

 

الفصل الثالث
أقدم الشهادات الكنسية
عن سفر الأعمال
متى ذكر أع للمرة الأولى، سواء باسم كاتبه أم عبر إيراد من نصوصه؟ كان وقت أظهر فيه الشرّاح أن أع عُرف في نهاية القرن الأول المسيحي وأنه كان وثيقة لها سلطة نافذة في الكنيسة. لو كان الأمر هكذا، لكان تأليفه حدث في وقت مبكر. ولكن الرأي العام يؤكد اليوم أن أع ألّف سنة 80- 85. سنبدأ بإيراد النصوص ثم علاقتها مع سفر الأعمال وكاتبه.
أ- شهادات حتى سنة 150 
1- رسالة أكلمنضوس إلى أهل كورنتوس
دوّنت على ما يبدو في نهاية القرن الأول، وقد جعلها العلماء بين سنة 80 و96، وهي أقرب إلى سنة 96 منه إلى سنة 80. هذه الرسالة هي أقدم وثيقة تشير إلى أع.
أولاً: هناك مقطعان يرتبطان بأستعمال كلمة "موضع، مقام" (توبوس) في أع 1: 5: "ليقوم بالخدمة والرسالة مقام يهوذا". ونقرأ في أكلمنضوس الأولى (5/4): "إن بطرس الذي حمل الشهادة ذهب إلى الموضع الذي يليق به". وفي 5/7: "بعد أ، حمل بولس الشهادة (شهد) أمام الحكّام، ترك هذا العالم وقُبل في الموضع المقدس". ولكن أع لم يكن النموذج هنا. فنحن أمام صورة معروفة في اللغة التقوية، ومستعملة في نصوص عديدة. مثلاً في رسالة أغناطيوس الأنطاكي إلى أهل مغنيزية (5/1) "كل إنسان يذهب إلى موضعه الخاص". في رسالة بولكربوس إلى أهل فيلبي (9/2): "كل هؤلاء هم في الموضع المملوء عدالة لدى الرب". وفي هرماس (9/27: 3): "مقامهم هو مع الملائكة".
ثانياً: نقرأ في أكلمنضوس 2/2: "وكام ملء فيض من الروح القدس على الجميع". هذا ما يذكرنا بنص أع 2: 17: "فيض روحي على كل جسد" (كل بشر) (رج يوء 3: 1). غير أن هذه العبارة الخاصة بعيدة عن فكر لوقا.
ثالثاً: هناك توافق تام بين أكلمنضوس 18/1 وأع 13: 22. قال أكلمنضوس: "قال الله: وجدت رجلاً حسب قلبي، داود بن يسّى. مسحته مع رحمة أبدية". وقال أع: "وجدت ابن داود بن يسّى، رجلاً حسب قلبي".يرتبط هذان المقطعان بنص مز 89: 21 (وجدت داود)؛ 1 صم 13: 14 (رجل حسب قلبه)؛ 2 صم 23: 1 (داود بن يسّى، رج أيضاً مز 72: 20). ومع ذلك نعتقد أن نص أكلمنضوس مأخوذ من أع. تابع لوقا نصّه بهذه الكلمات المأخوذة من أش 44: 28 حسب السبعينية: "الذي يعمل كل ما أشاء". إما أكلمنضوس فيكمّل جملته بكلمات أخذها من مز 89: 21: "مسحته مع رحمة أبدية". بالإضافة إلى ذلك، إن الإيراد المؤلّف من كل هذه الآيات يرتبط بقرائن مختلفة. تحدّث أع من مرضاة الله على داود. أما أكلمنضوس فشدّد على أن داود التقي كان خاطئاً فأحتاج إلى رحمة الله. وأخيراً، إنه لا يُعقل أن يكون أكلمنضوس إنتظر زمناً كتب في إلى أهل كورنتوس ليجمع في فكره صورة الرجل الذي نال مرضاة الله. ففي هذه اللائحة، كما في غيرها من اللوائح، إفترض من التقليد الذي ظهر فيه الإيراد عينه الذي نقرأه في أع. أجل كان هناك كتاب "الشهادات" الذي يجمع نصوصاً يحتاج إليها الواعظ (في حياته في العبرية" الزيت. وكذلك في السبعينية. ولكن المخطوطة الفاتيكانية قرأت: رحمة: مسحته برحمتي).
رابعاً: نقرأ في أكلمنضوس 2/1: العطاء أفضل من الأخذ. ونقرأ في أع 2: 35: "تبارك العطاء أكثر من الأخذ". يبدو أن النصين يستعملان بطريقة مستقلة مثلاً يونانياً واحداً. يعتبره لوقا قولاً من أقوال الرب. ولكن نظرة أكلمنضوس مختلفة.
خامساً: هناك تشابه بين أكلمنضوس 59/2 (الذي دعانا من الظلمة إلى النور) وبين أع 26: 18 (ليتحوّلوا من الظلمة إلى النور، رج أش 42: 7، 16). إن موضوع هذه العبارة في صلاة أكلمنضوس الأخيرة يدل على أننا أمام عبارة ليتورجية. وقد استعملها لوقا كإعلان تلفّظ به الرب الممجّد.
2- أغناطيوس الأنطاكي
دوّنت رسائل أغناطيوس سنة 110- 117. أو ربما سنة 117- 125. ويجعل الشراح استشهاد أغناطيوس بعد سنة 110.
أولاً: ذكرنا أعلاه العلاقة بين الرسالة إلى أهل مغنيزية (5/1) وبين أع 1: 25. نحن أمام صور معروفة في الأدب التقوي.
ثانياً: رسالة أغناطيوس إلى إزمير (3/3): "بعد القيامة أكل وشرب معهم كرجل من لحم ودم". هذا يتوافق مع أع 1: 41: "نحن الذين أكلنا وشربنا معه بعد أن قام من بين الأموات". يلاحظ الشراح أن هذه الموافقة لا تبرهن على أرتباط أغناطيوس بسفر الأعمال، لا سيما وأنه يورد في 3/2 (إذاً، حالاً قبل النص الذي ندرس) إنجيلاً منحولاً. كل ما نقدر أ، نقوله هو أ، أغناطيوس وأع إتبعا تقليداً معارضاً للنزعة الظاهرية (تقول: لم يظهر المسيح في الجسد).
ثالثاً: يستعمل أغناطيوس وأع فكرة " الذئاب" و"الرعاة". نقرأ في الرسالة إلى أهل فيلبي (2/2): "عدد من الذئاب يتظاهرون بأنهم أهل للثقة". وفي أع 20: 29: "وأنا أعرف أن الذئاب الخاطفة ستدخل بينكم بعد رحيلي ولا تشفق على الرعية". كنا يعرف أن الإستعارات عن الراعي والرعاية تؤلف اللغة التقوية في المسيحية الأولى (رج مت 7: 15؛ يو 10: 1 ي).
قد نستطيع هنا أن نعود إلى الراسلة الثانية للقديس بولس إلى تيموتاوس. فالآلام والإضطهادات المذكورة في 3: 11 والتي قاسها بولس في أنطاكية وإيقونية ولسترة، قد تشير إلى أع 13: 50 و14: 15، 19. غير أن ذكر لوئيس، أم تيموتاوس، وأفنيكة جدته (2 تم 1: 5) وأونيسفورس (2 تم 1: 16) (يفصلهم عن أشخاص ذكروا في 4: 10- 12) يشير إلى أن الكاتب عاد إلى ذكريات خاصة تتعلّق بالقديس بولس ولا تعود إلى أع.
3- رسالة برنابا
قال بعضهم دوّنت سنة 150، وقال أخرون سنة 115.
أولاً: قال برنابا في 5/9: "إختار رسله الذين وجب عليهم أ، يعلنوا تعليمه". هذا يعود بنا إلى النص الغربي في أع 1: 2. ولكن التشبيه بين النصين لا يكفي ليدّل على ارتباط برنابا بنص أع.
ثانياً: تكلّم برنابا 7/2 عن ابن الله "الذي سيدين الأحياء والأموات"، فتذكر أع 10: 42: "جعله الله ديانا للأحياء والأموات". نحن هنا أمام شكلين لعبارة كرازة قديمة. في برنابا نجد الفعل (كما في 2 تم 4: 1؛ 1 بط 4: 5 بوليربوس إلى فيلبي 2/1، رسالة أكلمنضوس الثانية 1/1)، وفي أعمال الاسم (ديّان).
ثالثاً: إن برنابا 16/2 يورد أش 66 1: السماء هي عرش. وهذا الكلام وارد أيضاً في أع 7: 49 بلسان أسطفانس. غير أن فكرة رفض الهيكل المشتركة بين برنابا وأسطفانس ترتبط بنصوص توراتية مختلفة. يرتبط برنابا بنص أش 40: 14 (من مسح بسبره السماوات؟) وأع بنص أش 66: 1 (أي بيت تبنون لي؟). قد يكون الأثنان عادا إلى كتاب "الشهادات".
رابعاً: برنابا 19/8. سندرسه مع ديداكي 4/8: ستكون لك شركة مع قريبك في كل شيء... وهكذا تدل رسالة برنابا على إستعمال أكيد لنص أع.
4- ديداكي (منتصف القرن 2) أو تعليم الرسل الأثنى عشر (سنة 110 أو 120- 140) وراعي هرماس
أولاً: إن ديداكي 9/2 و10/2 تسمي يسوع "فتى الله" (بايس تيو)كما في أع 3: 13، 26؛ 4: 27، 30. نحن هنا أ/ام تطبيق لتقليد قديم يوافق العبارات الليتورجية في العالم اليهودي المتأخر (داود عبدك). وعبارة "بواسطة يسوع عبدك" لا ترتبط في ديداكي بفكرة المسيح المتألم.
ثانياً: تقول ديداكي 4/8: "سيكون لك كل شيء مشتركاً مع أخوتك فلا تقول إن شيئاً هو لك، هو خاصتك". ونجد نصاً مقابلاً في برنابا 19/8: "ستكون لك شركة مع قريبك (ستشارك) في كل شيء فلا تق إنه يخصك". أما المرجع الذي عاد إليه هذان النصان فهو التعليم عن الطريقتين. ونقرأ في أع 4: 32: "لا يدعي أحد ملك ما يخصه، بل كانوا يتشاركون في كل شيء لهم". نحن هنا أمام تقليد واحد، وقد يكون أع سبق ديداكي وبرنابا.
ثالثاً: هرماس 9/27: 3: مقامهم هو مع الملائكة (رج 1: ثانياً).
رابعاً: هرماس 9/28: 2: يستعمل عبارة "تألم من أجل اسم ابن الله" (وهناك اختلافة في 9/28: 3، 5، 6: في سبيل الاسم). هذا ما يذكّرنا بنص أع 5: 41: "الله وجدهم أهلاً لقبول الإهانة من أجل اسم يسوع". وقال يسوع عن بولس بفم حنانيا: "سأريه كم يجب أ، يتحمّل من الآلام في سبيل اسمي" (9: 16). ويتكلّم 15: 26 عن برنابا وبولس، وهما رجلان "كرسّا (قدّما) حياتهما (أو خاطر بحياتهما) من أجل اسم يسوع المسيح". وقال بولس عن نفسه: "أنا مستعد للموت من أ<ل اسم الرب يسوع" (21: 13). هلل استقى هرماس من أع؟ هل نحن أمام صور بلاغية مشتركة في المسيحية؟
وهكذا تذكر ديداكي أع في مقطعين، وكذا نقول عن راعي هرماس.
5- رسالة بوليكربوس إلى أهالي فيلبي
قد تكون هذه الرسالة دوّنت بعد سنة 110 وفي تاريخ لا يتعدّى سنة 154. ونحن نجد بينها وبين أع عدة تشابهات تفصيلية.
أولاً: هناك شبه كبير بين بوليكربوس 1/2 (أقامه الله وحرره من سلطان، من قبضة الهاديس أو الجحيم أو مثوى الموتى) وبين أع 2: 24 (أقامه الله وحرره من قبضة الموت). نحن أمام اختلافتين لعبارة كرازية قديمة برزت في الليتورجيا.
ثانياً: هناك عبارة ترد في بداية الكلام: متذكرين ما قاله الرب حين علّم. يتذكر بوليكربوس 2/3 ما في أع 20: 35: متذكرين كلام الرب يسوع. ونقرأ أيضاً في رسالة أكلمنضوس الثانية (17/3): "لنتذكر وصايا الرب". غير أن مضمون إيعاز يسوع مع استعمال عبارة مرنة، يختلف بين بوليكربوس 2/3 وأع 20: 35. من جهة أخرى، يتابع بوليكربوس نصّه متفقاً مع رسالة أكلمنضوس الأولى (13/ 1 ي). قد يكون بوليكربوس وأكلمنضوس عادا إلى مجموعة منحولة قد ضاعت اليوم.
ثالثاً: قال أكلمنضوس في رسالته الأولى (17/1): "الأنبياء الذين أعلنوا مجيء المسيح". فأتفق مع ما يقوله بوليكربوس (6/3): "الأنبياء الذين أعلنوا مسبقاً مجيء ربنا". ونقرأ في أع 7: 52: "الأنبياء الذين أعلنوا مسبقاً مجيء البار". هذا يعني أننا أمام كرم عن مجيء المسيح الأول، يعبّر عنه الكتّاب بطرق مختلفة.
رابعاً: تحدّثنا سابقاً (1: أولاً) عن بوليكربوس 9/2 وعلاقته مع أع 1: 25: كل هؤلاء هم في الموضع المملوء عدالة.
خامساً: يتضمن بوليكربوس (12/1) عبارة "حظ ونصيب" التي نجدها في أع 8: 12: "قال بطرس لسمعان الساحر: لا حظّ (حصة) لك في عملنا ولا نصيب". رج كو 1: 12؛ 14: 27، 29.
سادساً: في بوليكربوس 12/2: "يعطيكم حصة وسط القديسين". هذا ما يذكرنا بنص أع 20: 32: "يمنحكم الميراث مع جميع المقدّسين (أو القديسين)". أو 26: 18 "غفران خطاياهم وميراثاً مع الذين تقدّسوا" (أي الذين صاروا قديسين وهم المسيحيون). نحن هنا أمام عبارة نجدها أيضاً في كو 1: 12 وفي تث 33: 3- 4: "كل القديسين هم في يدك. فرض علينا موسى شريعة أعطيت ميراثاً لجماعة يعقوب".
هل نقول إن بوليكربوس إستقى من أع في رسالته إلى فيلبي؟ هل نقول إن الأثنين إستقيا من معين مشترك؟ الأمران معقولان.
6- رسالة أكلمنضوس الثانية
تعود إلى سنة 130- 170 وهي تقدّم لنا أربعة مقاطع تسبه ما في أع.
أولاً: في 1/1: "يدين الأحياء والأموات". رج أع 10: 42. رج أعلاه (3: ثانياً).
ثانياً: في 4/4 نقرأ: "يجب أن لا نخاف البشر، بل الله". هذا يذكرنا بنص أع 4: 19: "هل الحق عند الله أ، نعطيكم (نسمع لكم) أم أن نطيع الله"؟ وفي 5: 29: "يجب أن نطيع الله لا الناس". هذه الفكرة منتشرة في أماكن عديدة (مثلاً: أكلمنضوس الأول 14/1)، وهي تعبّر عما نجده في مت 10: 28: "لاتخافوا الذين يقتلون الجسد ولا يقدرون أن يقتلوا النفس".
ثالثاً: يتحدّث أكلمنضوس (13/1) عن غفران خطايانا بمجهودنا الشخصي. أما أع 3: 19 فيقول: "توبوا وأرجعوا تُغفر خطاياكم".
رابعاً: نقرأ في أكلمنضوس (20: 5): "الإله الخفي وحده، أب الحق، الذي أرسل إلينا المخلص وأمير الخلود (أو عدم الفساد)". هذا الكلام يرتبط بنص أع 3: 15: "أمير الحياة" و5: 31: "القائد (أو الأمير) والمخلص". نقرأ في عب 2: 10: "أمير (أو: قائد) الخلاص" أي الذي يقود مسيرة الخلاص.
7- يوستينوس الشهيد
هو ابن نابلس في فلسطين وقد ذهب إلى رومة. دوّن دفاعاً عن المسيحيين وحواراً مع اليهودي تريفون. دوّنا بين 150- 160 أو سنة 180 (هناك رأيان).
أولاً: الدفاع 1/39: 3. تكلّم عن الرسل الأثني عشر الذين انطلقوا من أورشليم إلى العالم. كانوا أناساً بسطاء لا يجيدون الكلام. يتذكر يوستيوس أع 4: 13: "تعجّب أعضاء المجلس لأنهم عرفوهما أميين من عامة الناس"، ولكن هذا التطابق ليس برهاناً قاطعاً في حد ذاته. لهذا نقرأه في إطار أ,سع.
ثانياً: الدفاع 1/49: 5: "ولكن الوثنيين لم يكونوا قد سمعوا عن يسوع إلى أن شهد الرسل الذين جاؤوا من أورشليم فشهدوا لهذه الأشياء أمامهم وقدموا لهم النبوءات". حينئذ "إمتلأوا فرحاً وإيماناً ومالوا عن أصنامهم وتكرسوا لله الآب عبر المسيح". نجد هنا تلميحاً إلى أع 13: 48: "سمع الوثنيون (ما قاله بولس) ففرحوا".
ثالثاً: الدفاع 1/12. نجد هنا إيراداً يدل بلا شك على ما كتبه لوقا في الإنجيل وفي أع. يعود يوستينوس إلى لو23: 49 أ مجملاً خبر الآلام، ثم إلى لو 24: 25، 44- 45 (المسيح يتألم ويقوم من بين الأموات). ثم يتحدث عن الصعود ومنح الروح القدس مستعملاً عبارة مأخوذة من أع 1: 8: "ستنالون قوة من العلاء". إليك نص يوستينوس: "بعد أن صُلب تخلّى عنه كل معارفه وأنكروه. وفيما بعد، حين قام من بين الأموات وتراءى لهم وعلّمهم العودة إلى النبوءات التي فيها أعلنت الأشياء التي حصلت، وحين رأوه صاعداً إلى السماء، ونالوا القوة التي أرسها من هناك، ذهبوا إلى كل البشر وعلّموهم هذه الأشياء وعرفوا أنهم رسل".
رابعاً: في دفاع 2/10: 6 نقرأ عبارة الإله المجهول، وهذا ما يذكرنا بنص أع 17: 23: "وجدت مذبحاً مكتوباً عليه: إلى الإله المجهول".
ونزيد هنا أن أوسابيوس القيصري نقل إلينا أقوالاً من بابياس تلمّح إلى إنجيل لوقا وإلى سفر الأعمال. تحدّث بابياس عن يهوذا ويوستوس وبرسابا. ولكن يبدو أنه عرف هذه الأسماء من مرجع آخر غير أع. فهو لم يقل كلمة واحدة لا عن لو ولا عن أع، وهذا ما يجعلنا نشكّ بأنه عرف كتاب لوقا بجزئيه (لو- أع).
إن هذه اللمحة السريعة تبيّن أمرين. الأول، لا شكّ في أننا وجدنا عبارات مشتركة بين أع والأباء الرسوليين، إلا أنها عبارات عرفها التقليد المسيحي الأول وليس أع وحده: لم يحسب أع كتاباً له سلطة عقائدية حتى نصف القرن الثاني. الثاني: إن الكتّاب اللذين أخذوا عن أع منذ أكلمنضوس الروماني حتى بوليكربوس دلوا على أن اللغة التي انتشرت بعد العهد الرسولي قد عرفها صاحب أع واستعملها طوعاً. هذا يعني أنه تنشّق روح عصره. ولكن لماذا لم يُعرف هذا الكتاب قبل ذلك الوقت ككتاب كنسي؟ الجواب: لم يكن أع كالإنجيل. ولم تكن العادة أ, الضرورة بأن يقدّم تعليم أو وعظ عن أع. ولكن بسبب إرتباطه بالإنجيل الثالث، سمح له بأن يدخل في قانون الأسفار المقدّسة.
ب- بعد منتصف القرن الثاني
وخطت الكنيسة خطوة هامة بعد يوستينوس.
1- ايريناوس
استعمل ايريناوس أع في صراعه مع الغنوصيين. انطلق منه، فبيّن وحدة التعليم الرسولي، وأورد مقاطع عديدة لا سيما في "ضد الهراطقة" الكتاب الثالث 12/1- 15. تحدّث عن صاحب أع قال: كان لوقا تابعاً لبولس. دوّن في كتاب الإنجيل الذي وعظه بولس (ضد الهراطقة)، الكتاب الثالث 1/1). لم يقدّم لوقا اسناداً لكلامه هذا. ولهذا نستطيع أن نفترض أنه يشير إلى المقاطع البولسية التي يسميها الرسول "إنجيله" (روم 2: 16. كان اوسابيوس القيصري أول من ناقش مسألة إنجيل بولس مطوّلاً. التاريخ الكنسي 3/4: 6). وبرهن ايريناوس أ، لوقا كان رفيق بولس الدائم في نشر الإنجيل، إنطلاقاً من مقاطع أع التي ترد في صيغة المتكلم الجمع. أما لماذا أخفى لوقا اسمه؟ فلأنه كان متواضعاً. وفي 2 تم 4: 10 ي وكو 4: 14، يؤكد بولس نفسه أن لوقا يشاركه في العمل ولا يفارقه (الكتاب الثالث 14/1). وفي النهاية يعلمنا ايريناوس أن لوقا كان تلميذ ورفيق الرسل. فقد قال في ½: شهود عيون سلّموها إلينا (الكتاب الثالث 10/1؛ 14/2). 
إن التقليد اللوقاوي الذي قدّم ايريناوس خطوطه، قد اتخذه كله من كتاب لوقا بجزئيه. لم يلجأ ايريناوس إلى مراجع غريبة ليتعرف إلى لوقا، بل اكتفى بالإنجيل وسفر الأعمال.
2- قانون موراتوري
يعود إلى نهاية القرن الثاني. يعتبر أن أع هو من تأليف لوقا فيقول: "دوّنت أعمال كل الرسل في كتاب واحد. جمع لوقا من أجل الشريف تيوفيلوس أموراً عديدة حدثت أمامه. وهذا واضح، لأنه أغفل ذكر آلام بطرس كما لم يذكر سفر بولس من مدينة (رومة) إلى إسبانية". أما بالنسبة إلى لوقا، فيقول قانون موراتوري: "الإنجيل الثالث هو حسب لوقا. فبعد صعود (قيامة؟) المسيح، أخذ بولس الطبيب لوقا هذا كخبير في طريقة التعليم فألّف الإنجيل باسمه الخاص. هو لم ير الرب في الجسد".
هنا نذكر المقدمة الإنجيلية التي تسمى "خطأ" المقدّمة المناوئة لمرقيون: "كان لوقا من أنطاكية سورية. وكانت مهنته الطبابة. كان تلميذ الرسل، وفيما بعد تبع بولس حتى استشهاده. خدم الرب فلم يصرفه عن خدمته شيء. لم يتزوّج ولم يكن له أولاد. وعاش حتى الثمانين (يقول النص اللاتيني: السبعين) من عمره في بيوثية (اليونان)، وكان ممتلئاً من الروح القدس". وينبع هذا الكلام جدال طويل حول تأليف إنجيل لوقا ثم ختام: "وبعد هذا، كتب لوقا نفسه أعمال الرسل".
3- كتّاب آخرون
لم نحصل إلا على القليل من المعلومات عند هؤلاء الكتّاب. فحسب أكلمنضوس الأسكندراني، ترجم لوقا الرسالة إلى العبرانيين إلى اليونانية من أجل بولس. من الواضح أننا أمام افتراض يحاول أن يفسّر نسبة هذه الرسالة إلى بولس. وانطلق ترتلانس من الإعتبار القائل إن السل هم كتّاب الأناجيل. وزاد: تلاميذ الرسل. فمرقس هو تلميذ بطرس ولوقا تلميذ بولس. وقال اوسابيوس إن لوقا من أنطاكية كان طبيباً، ورفيق بولس، وارتبط بعلاقات وثيقة مع سائر الرسل. قرأ كلمة "ياسين" اليونانية لا على أنها تعني كل شيء، بل كل شخص، فدلّ على أن لوقا تبع الرسل كلهم.
وكرّر ايرونيموس المعطيات التقليدية، ولكنه زاد في كتابه "الرجال المشهورين" (ف 7) بعض تفاصيل جديدة: امتد سجن بولس لا سنتين، بل أربع سنوات من عهد نيرون، وكان لوقا معه. ويقول ايرونيموس: "من هنا نفعم أنها ألّف كتابه في تلك المدينة عينها" (أي في رومة). ويؤكد ايرونيموس في مقدمته إلى إنجيل متى أن لوقا دوّن الإنجيل في أخائية وبيوثية. وهذا يؤكد ما قاله ايرونيموس في مكان آخر: إن لوقا توفي في تيبة (اليونان). من أين جاء ايرونيموس بهذا التقليد؟ هذا ما لا نعرفه.
وتوقف ايرونيموس عند أسلوب لوقا: لغته اليونانية أفضل من لغة سائر الإنجيليين. فلا عجب في ذلك وهو من درس ونشر إنجيله بين اليونانيين. لهذا فهو يغفل كلمات لا يستطيع ترجمتها إلى اليونانية. وإن لغته في الإنجيل والأعمال هي من الرشاقة بحيث تدل على أسلوب كتابي إقتبسه وهو في العالم.
وهناك مشكلة بالنسبة إلى ايرونيموس ترتبط بيونانية لوقا: استعماله للسبعينية حتى في حال عدم توافق العبرية مع اليونانية. يقدم ايرونيموس تفسيرين. الأول: يستعمل لوقا، شأنه شأن الرسل والعاملين والرسوليين، شكل النص الذي يأخذ به المسيحيون الآتون من العالم الوثني. كان للسبعينية سلطة كبيرة. الثاني: لمّح ايرونيموس مراراً إلى ضعف لوقا المشهور في معرفة العبرية.
ونذكر في هذا المجال حوار أدامنتيوس وعنوانه: في الإيمان المستقيم بالله. قال: لم يكن مرقس ولا لوقا من تلاميذ المسيح. فلماذا كتب هذان التلميذان إنجيلاً؟ أجاب أدامنتيوس: كانا من التلاميذ السبعين.
وننهي ب "المطلع المونارخياني" سواء كتبه، برسكيليانس أم لا. إنه يعطينا تقليداً عن لوقا المحامي في القرن الرابع ويزيد كلاماً تتطلبه التقوى والعمر الطويل: كان لوقا خادماً للرب بلا عيب. لم يكن له إمرأة ولا أولاد ومات وهو ابن 74 سنة في بيثينية (تركيا) وكان مملوءاً من الروح القدس. ولكن التقليد القديم جعل لوقا يموت وهو ابن 84 سنة على مثال حنّة النبية (لو 2: 37). ثم أيكون المطلع لم يحسن قراءة بيوثية فكتب بيثينية وهو ويفكر في بيت عنيا، موطن مرتا ومريم (لو 10: 38 ي)؟
الخاتمة
مهما كانت نوعيّة المعلومات التي جمعناها من التقليد، فنحن نعود إلى ما كتبه لوقا نفسه. كانت عمليه الأختيار بين النصوص ونقدها ممكنة، ولكنها لم تكن ضرورية، بعد أن حدّثنا 2 تم 4: 1 عن بولس وأورد لنا اسمه (لوقا وحده هو معي). إن اليقين الداخلي في كتابي لوقا يدلّ على أن لوقا هو كاتبهما، وهذا ما ابرز أهمية كل التقاليد التي جمعناها. ولكن منذ وقت قصير، نظر الشراح إلى هذه التقاليد نظرة نقدية بعد أن ظلت أجيالاً عديدة بعيدة عن الجدل وقرئت باحترام كبير. لهذا وجب علينا أن نتتبع تاريخ النقد الكتابي في أبحاث العلماء حول أعمال الرسل منذ نهاية القرن الثامن عشر.

 

الفصل الرابع
سفر الأعمال، كتاب تاريخ ديني
أ- ماذا يقول الشراح عن سفر الأعمال
1- الفن الأدبي وهدف الكتاب
لماذا كتب لوقا كتبه ولمن كتبه؟
يقول شراح عديدون إن لوقا ما أراد أن يدون كتاب تاريخ (حسب مفهومنا الحديث)، بل كتاباً تعليمياً من أجل بناء الجماعة التي يعيش فيها. وجّه كتابه إلى المسيحيين الهلينيين (يتكلّمون اللغة اليونانية) ليذكّرهم بانتشار البشارة وتوسّع الكنيسة لدى الوثنيين. ماذا يعني هذا الكلام؟
ليس أع كتاب تاريخ، لأن لوقا لا يرديد أن يورد الماضي على أنه ماضٍ، أو أن يقدّم صورة جديدة عن أصل المسيحية يحافظ فيها على موضوعية الصحافي. وليس أع سرداً لسيرة بطرس وبولس على طريقة الأغريق بحرّيتها في التوسّع والكتابة. لا يهتمّ لوقا بفضول معاصريه أو الأجيال اللاحقة. إنه يريد أن يبني جماعته. وهو لا يُعنى بسيكولوجية أبطال عاشوا في الماضي في إطار تاريخي مفصّل ودقيق. هدفه هو الحاضر، وإليه ينقل تعليماً لاهةتياً خاصة في الخطب التي تتوزّع كتابه. إذن، نحن أمام كرازة وتعليم ديني موجّه إلى المؤمنين. هذا ما قاله هرناك، ديباليوس، هانشن، ايراهاردت وغيرهم.
ويرى هؤلاء الشراح في مجمل الكتاب موضوعين هامين يوجّهان الكاتب.
الأول: موضوع الشمول: إ، تعليم الخلاص يتوجّه إلى جميع البشر، والإنجيل ينتقل من اليهود إلى الأمم الوثنية. هذا هو التعليم الأساسي الذي يوجّه لوقا إلى المسيحيين الهلينيين. ولكننا نتساءل: لماذا احتاج لوقا أن يذكر يقيناً مثل هذا أمام مؤمنين من أصل وثني؟ هل ليحميهم من محاولة تهويد (أي فرض الشرائع والأطر اليهودية) جديد كما حدث في جماعات غلاطية؟ قد يكون الأمر هكذا.
الثاني موضوع الدفاع. هو أق أهمية من الأول ولكنه حاضر. أراد صاحب أع أن يقدم المسيحية إلى العالم الروماني بوجهها الصحيح. فذكر أن المسيحيين لا يعادون الدولة، وأنهم بالتالي يستطيعون أن ينالوا حقوق الديانة المشروعة، كما هو الحال بالنسبة إلى العالم اليهودي. ولكن، إن كان الأمر هكذا، يصبح أع وكأنه كتب أولا للامؤمنين وللسلطات الرومانية، وهذا ما يرفضه شراح عديدون. وأخيراً، إن ذكر تيوفيلوس في لو 1: 3 وأع 1: 1 ما زال يطرح أسئلة دون جواب يُجمع عليه الشرّاح.
وعلى كل حال، إن الذين شدّدوا على الطابع الهجومي (على اليهود مثلاً) أو على الطابع الدفاعي (بالنسبة إلى السلطة الرومانية)، لم يجدوا من يتبعهم. نذكر مثلاً زيلر (مدرسة توبنغن في ألمانيا): أراد صاحب أع أ، يوفّق بين الكنيسة الكبرى والمسيحية المتهودة، فجاء كتابه بشكل تسوية تزيل كل أثر للتعارض بين بطرس وبولس. لم يعد أحد يدافع عن هذا الموقف مع ما فيه من جاذبية. فالجميع يشيرون إلى محبة لوقا للسلام. فهو لا يحب أن يجعل الناس يتجابهون، ولا أن يصلّب المواقف والأوضاع. ولقد قال جوليشر في عبارة شهيرة: لم يجعل من بولس رجلاً "مهوّداً" (حسب التقليد اليهودي) ولا من بطرس رجلاً "مبلوساً" (أي حسب عقلية بولس)، بل جعلهما لوقاويين أي كاثوليكيين، فتجاوزا الأمور الخاصة ليدخلا في نظرة الكنيسة الشاملة.
وقال بوليج: دوّن لوقا دفاع بولس بالنظر إلى دعوى التي أقيمت عليه. وقال سالين: أع هو الدفاع الذي استعمله بولس أمام محكمة الامبراطور في رومة. ولكن هذا القول لا يفسّر لماذا لوقا ف 1- 12، كما ينسى أن أع هو الدرفة الثانية من مؤلف يتضمّن درفة أولى هو الاإنجيل الثلث. وقال تروكمي: أع هو كتاب نزاع ومجادلة يدافع فيه لوقا عن بولس بوجه المتهودين. لقد أراد لوقا أن يجعل من بولس المكمّل الحقيقي لعمل الإثني عشر. 
ونتساءل: لماذا رفض الشراح أن يعتبروا أع كتاباً تاريخياً؟ بسبب التعارض الظاهر بين أع والرسائل البولسية. سنعود إلى هذا الموضوع فيما بعد، ولكننا لا نقدر أن ننكر أمراً يقيناً وهو أن لوقا يلقي نظرة إلى ماضي الجماعة الأولى ليجمع أغنى المعطيات يجعلها في إطار لاهوته. قد ينقض التاريخ بعض الصحة حسب الطريقة الحديثة في سرد التاريخ، ولكننا نبقى مع أع أمام كتاب تاريخ وليس فقط أمام مقال تقوي أو درس تعليمي.
2- الاسكاتولوجيا والتاريخ
لماذا كتب لوقا هذا التاريخ وكيف تجرّأ فزاده على النص الإنجيلي (كتابه الأول)، فجعل حياة الكنيسة وحدث الخلاص المعلن بالإيمان على مستوى واحد وفي مجموعة واحدة؟ إن الجواب على هذا السؤال الجوهري يعطينا المفتاح لندخل في سرّ أع. فقبل الجيل المسيحي الثاني الذي كان جيل لوقا، انتظر المسيحيون عودة الرب في القريب العاجل. ولكن النهاية القريبة التي أعلنوها دائماً لم يأتِ، وانتظار الخلاص الاسكاتولوجي ضعف فأثّر على قرار الإيمان. في قلب هذه الأزمة، وعى لوقا مستقبل الكنيسة: ما زال أمام الكنيسة مستقبل طويل وغير محدّد. فعلى الكنيسة أن تقيم في العالم، في زمن الخلاص، حيث ستعمل كمنظمة خلاص تحمل التعليم الخلاصي. فقال غراسر: إن لوقا "تورخ" (أي أدخل في التاريخ) التقليد الاسكاتولوجي (الذي هو في نهاية الزمن): لقد جاء لخلاص وحلّ في زمن الكنيسة حاملة الخلاص. وهكذا عاد الموضوع الاسكاتولوجي إلى الوراء وبدأ زمن الشهادة. قال الملاك للتلاميذ: "ما بالكم واقفين تنظرون إلى السماء" (1: 11)؟ وقال كازمان: نحن لا نكتب تاريخ الكنيسة حين ننتظر كل يوم نهاية العالم. ولكن تأخّر مجيء المسيح الثاني، دفع لوقا إلى أن يتخلّى عن الانتظار القريب لليوم الاسكاتولوجي، وأن يحل محله رؤية "تاريخ الخلاص" حيث تشكّل حياة يسوع "وسطا بين زمانين"، زمان إسرائيل وزمان الكنيسة (كونزلمان).
ولكن هذه النظرة اللاهوتية والسيكولوجية تصطدم بعقبات. غنطلق بعضهم من عناصر ربطوها ربطاً مصطنعاً، فبنوا نظرية لاهوتية ترتبط بلوقا ولم يشرحوا نص لوقا. فنحن لا نجد في أع أية خيبة أمل أمام تأخّر المجيء الثاني. وهل إن لوقا زاح الانتظار الاسكاتولوجي إلى مستقبل بعيد واعتبره غير مهم، وهو الذي ذكر في إنجيله إمكانية دينونية مفاجئة (لو 10: 9؛ 12: 35- 36؛ 21: 34- 36)؟ أما كان لوقا ينتظر النهاية الأخيرة حين ينتهي جيله (لو 9: 27، 18: 8- 21: 32)؟ لقد وعى مستقبلاً للكنيسة بالنظر إلى ماضٍ مضى. ولكن، إذ شدّد على بداية جديدة للتاريخ في يسوع المسيح، أكّد في الوقت عينه على النهاية. إذا كان هناك من بداية، فلا بد من أن تكون نهاية.
ومع ذلك، إن عدنا إلى لو وأع، وجدنا أن لوقا أضعف التوتر الاسكاتولوجي. نقرأ مثلاً في لو 19: 11: "وكان الذين يسمعون هذا الكلام يظنون أن ملكوت الله سيظهر في الحال". ونقرأ أيضاً: قال يسوع: "انتبهوا لئلا يضلّكم أحد. سيجيء كثير من الناس متحلين اسمي فيقولون: أنا هو المسيح وحان الوقت، فلا تتبعوهم" (لو 21: 8؛ رج أع 1: 6- 8). فهل أراد لوقا أن يحارب الآراء الجليانية الخاطئة التي تهدّد رساة الكنيسة؟ قد يكون. ولكن هذا لا يمنعه من أن يعتبر الأزمنة الحالية وكأنها "الأيام الأخيرة" التي دشنها مجيء الروح (أع 2: 17: يحوّر في يوء 3: 1. "بعد هذا" صارت "في الأيام الأخيرة")، أو أن يتكلّم عن الملكوت الآتي في دباية أع (1: 3، 6) وفي نهايته (28: 23، 31) كما في أماكن عديدة منه (8: 12: بشّرهم فيلبس بملكوت الله؛ 14: 22؛ 17: 7؛ 19: 8؛ 20: 25). هنا نلاحظ اختلافاً واضحاً بين أع ولو: ففي لوقا يُعتبر الملكوت حاضراً في عمل يسع الخلاصي. وفي أع يتابع الروح حضور الخلاص هذا في انتظار ملكوت مسيحي.
ونقول أيضاً إ، هناك شراحاًً يجعلون من لوقا كاتباً حديثاً له تفكيرنا في النظرة إلى التاريخ. إن لوقا لم يسع إلى فتح التاريخ على مستقبل غير محدّد لزمن الكنيسة، بل ان يحصر زمن الكنيسة الحالي في وحدة الحدث الذي يؤسس الكنيسة، الذي هو مجيء يسوع المسيح.
انطلق كونزلمان وكومل من لو 16: 16 ليميّزا ثلاثة أزمنة: زمان إسرائيل حتى يوحنا، زمان يسوع، زمان الكنيسة. ولكن إذا عدنا إلى لو 3: 6 وأع 28: 28 نرى أننا أمام زمانين: زمان إسرائيل حتى يوحنا، وزمان خلاص الله. هذا يعني أن زمان يسوع وزمان الكنيسة متحدان، والمؤمنون يتطلعون إلى زمان الملكوت. لا يسمّي لوقا الكنيسة "إسرائيل الجديد". إن الكنيسة واحدة مع معلمها، وهذا ما يجعل لوقا قريباً جداً من بولس.
وما زال الشراح يتجادلون: كتاب دفاع، سيرة بطرس وبولس، كرازة وتعليم، تاريخ ديني. وسمّى بعضهم أع: البشر أو إنجيل الروح. وقالوا: تعلق أع بالإنجيل، فساعد على نقل بشارة الخلاص. وهكذا اتخذ لو بُعداً تاريخياً: انطلق من الحدث الخلاصي، فوصل إلى أقاصي الأرض. إن خبر يسوع هو بداية خبر ديني جديد يمتد في الكنيسة.
ب- تاريخ ديني
يقدّم أع تاريخاً دينياً في خط التواريخ البيبلية والنظرات التاريخية المعروفة في المجامع اليهودية في القرن الأول المسيحي. وإن لوقا نفسه يورد أمثلة من هذه اللوحات التوراتية الواسعة التي يوجّهها قصد لاهوتي (7: 2- 47؛ 13: 17- 22). فتاريخ يسوع والكنيسة هو امتداد لتاريخ شعب الله. فعبر تسلسل الأزمنة، هناك تواصل في التاريخ لا انقطاع. فكتابة الحدث المسيحي تبدو وكأنها تكمّل نص التوراة، فتدوّن تاريخاً جديداً يجد كماله في يسوع والجماعة المسيحية.
1- القديميات البيبلية وسفر الأعمال
عرف القرن الأول المسيحي العديد من هذه الكتب التي تستعيد التاريخ، فتستعمل العهد القديم والتقاليد الشفهية (ها غاده أو الخبر الديني) من أجل بنيان المؤمنين. نذكر بصورة خاصّة القديميات البيبلية التي قيل أن فيلون الاسكندراني دوّنها. ويبدو أن هذا الكتاب دوّن في فلسطين قبل سنة 70 (دمار أورشليم على يد الرومان). وهو يقدّم التاريخ من آدم إلى شاول في سلسلة من اللوحات الحية المركّزة على أشخاص توراتية مثل يشوع، القاضي قناز، صموئيل. ونجد في هذا التاريخ الجديد للعهد عدداً من الخطب التي وضعت على شفاه الأشخاص، فذكّرنا بأحد مواضيع الكتاب المهمة وهو: ديمومة العهد، فالله وحده هو سيد التاريخ، وكل شيء يسير حسب مخطّطه، والنبوءات تتم دوماً. في هذا التاريخ الديني المدوّن في إطار العناية الإلهية، الله وحده هو المخلّص. أما الرئيس الذي يعيّنه الله هو أداة هذا الخلاص (إن قناز يعيَّن بالقرعة كما يعيّن متيا في أع 1: 26).
وإذا تفحصنا القديميات البيبلية وجدنا توازيات عديدة مع مؤلّف لوقا (أي الإنجيل والأعمال): البشارات، الصلوات العديدة، الملائكة، الروح القدس والنبوءة، موضوع الشهادة. يبدو أ، لوقا تيبع نهج فيلون المزعوم، ولكنه يشدّد على ما في الحدث الخلاصي من جديد.
وإذا عدنا إلى أع نرى أن الله يقود مسيرة التاريخ في طرق لا ننتظرها. الله يسوس التاريخ، وكل شيء يتم حسب قصده (أع 4: 28)، حسب مخطط الله" (20: 27) ونحن لا نقدر أن نعارضه (5: 39؛ 11: 17؛ 26: 14). والرسول يتبع إرادة الله (5: 29؛ 6، 16)، لأنه يجب (1: 16، 22، داي في اليونانية) أن يتحقّق كل شيء حتى زمن تجديد العالم (3: 21). ويقف في خدمة مخطّط الله الملائكة (5: 19؛ 8: 26؛ 10: 3، 7، 22؛ 11: 13؛ 12: 7- 11، 23). وتعطى الرؤى للبشر (2: 17؛ 9: 10، 12؛ 10: 3؛ 16: 9- 10؛ 18: 9؛ 23: 11؛ 26: 16- 19؛ 27: 24). والروح القدس هو الذي يوجّه الأحداث باستمرار منذ فبض الكلمة يوم العنصرة. إن الروح القدس هو هنا منذ بداية حياة يسوع العامة (لو 4: 1، 10) وفي "معمودية" الكنيسة (أع 1: 5؛ 2: 4، 18)، وطوال الرسالة. هو يحمل قوة الشهادة الرسولية (أع 4: 8، 31؛ 5: 32؛ 6: 10). ويؤثر بصورة مباشرة على سلوك الرسل (8: 15، 17؛ 13: 2، 4؛ 15: 28). هو الذي قال لفيلبس: اقترب من مركبة وزير ملكة الحبشة (8: 29)، وهو الذي خطفه وملأ قلبه فرحاً قبل أن يصل إلى أشدود (8: 39). الروح هو الذي قال لبطرس حين جاءه رسل كورنيليوس: "قم وانزل إليهم واذهب معهم ولا تخف، لأنيأ،ا أرسلتهم" (10: 19). والروح هو الذي نزل على جميع الذين سمعوا كلمة بطرس (10: 44- 43؛ 11: 12- 15؛ 15: 8). والروح هو الذي منع بولس وسيلا من السير في مشروعهما الخاص (16: 6- 7؛ رج 19: 1- 7، 21؛ 20: 22- 23؛ 21: 11). إن الجديد في الحدث المسيحي، في عنصرة الرسالة وسط الوثنيين، هو عمل الروح. فالتبدّلات المتواصلة التي تصيب البشر والأحداث تدل بصورة عجيبة على استمرار التاريخ، على تواصل مخطّط الله، وكل هذا بفضل رباط الروح.
2- الاستشهادات الكتابية في أع
تلعب الايرادات الكتابية دوراً هاماً في أع. فكل شيء هُيّئ له وأعلن عنه في الأسفار المقدسة (1: 16؛ 2: 31؛ 3: 18؛ 7: 52). كل شيء قيل مسبقاً. قال بولس الرسول في دفاعه في أع 26: 22: "أنبأ الأنبياء وموسى بما سيحصل، ولا شيء لي أقوله بعد هذا". إمتلك تلميذا عماوس مفتاح الأسفار المقدسة (لو 24: 27)، ورأى لوقا مثلهم في حدث يسوع، ولا سيما في قيامته، تتمّة للعهد القديم (13: 32- 33). وأعتبر لوفا أن الأسفار المقدّسة تخصّ الكنيسة منذ الآن، وهي ستعالجها في مدراش على الطريقة اليهودية في المجامع. ولنا في 4: 25- 27 مثلاً واضحاً عن المدارش (درس وتعليم) المسيحي. نقرأ النص القديم ونؤونه (8: 34) في حركة فكرية تنطلق من الكتاب المقدس إلى الواقع الجديد. ولكن الحركة المعاكسة معروفة أيضاً في التفسير النمطي حيث يفرض حدث الخلاص قراءة جديدة للنص الكتابي. أجل، لقد صار النص القديم كلمة جديدة، بحيث إن وجود الكنيسة نفسها وتعبيرها عن رسالتها وجداً اعلاناً لهما في الكتاب المقدس (2: 17؛ 13: 47؛ 15: 17). وما زالت النبوءة تتحقق اليوم في زمن الكنيسة وفي حياة الجماعة (1: 20 واملاء مركز يهوذا؛ 2: 17 ي وحلول الروح القدس؛ 4: 25 والاضطهاد). ذكر لوقا كل هذه الإيرادات الكتابية. فشدّد على الوحدة والتواصل بين الأزمنة. من إسرائيل ويسوع، ومن يسوع إلى الجماعة الأولى، ومن جماعة أورشليم إلى الجماعات البولسية. وبهذا أعطى لوقا للمسيحيين الهلينيين رسالة كفاءة: لقد أهّلهم الله ليكونوا في عداد شعبه الجديد في الكنيسة، شأنهم شأن الآتين من العالم اليهودي.
3- موضوع الوحدة في أع 
يحتلّ موضوع الوحدة في أع مكانة بارزة، وهذا أمر أشرنا إليه حين رأينا الموازاة بين بطرس وبولس. وهذا الشعور بالوحدة عينه يلهم لوقا حين يقدّم توازياً بين خدمة يسوع ومعجزاته وموته وبين موت اسطفانس (7: 56- 60؛ ق لو 22: 69؛ 23: 34- 36) ومعجزات بطرس وبولس (ق أع 9: 40 ولو 8: 54؛ أع 28: 7- 10 ولو 4: 38- 39) وصعود بولس إلى أورشليم وتوقيفه وآلامه. بالإضافة إلى ذلك ينسج لوقا دوماً رباطات بين الناس والأحداث في وحدة الجماعة الأولى. يبرز التوافق والإجماع (1: 14؛ 2: 1، 46؛ 4: 24؛ 5: 12؛ 8: 6). ويتركّز مثاله عن الوحدة على أورشليم ولا سيما في الاجمالات (2: 44، 46؛ 4: 32). في خبر كورنيليوس (ف 10- 11) يسير الخبر جغرافياً من قيصرية إلى أورشليم، وفي أورشليم أيضاً سيهدأ الصراع الذي بدأ في انطاكية حول دخول الوثنيين إلى الكنيسة (15: 1- 29).
واهتم لوقا بالوحدة اهتماماً زائداً جعله يخفّف من حدة بعض المشادات بين الناس. هو لم يذكر إلاّ خلاف مرقس مع بولس (15: 39). ولم يذكر أي خلاف آخر. فلو كان لنا فقط أع، لما كنا عرفنا الخضات الانقسامات التي هزت الجماعة الأولى. فالنزاع الخطير في 6: 1- 6 (خلاف بين العنصر العبراني والعنصر اليوناني) صار خبراً بسيطاً. وموقف اسطفانس من الذبائح والهيكل (في خط حركات المعمِّدين) خسر من حدّته (7: 1 ي). ولم يكن للمسيحيين المتهودين أي توكل من الرسل (15: 24)، وهذا أمر يصعب تصديقه. واعتبر لوقا أن بولس لم يصطدم ببطرس، وهذا ما يعارض ما تقوله غل 1- 2. يعتبر لوقا أن على الكنيسة أن لا تعود إلى الخلافات السابقة مهما كان من أمر المسيحية المتهودة التي يجعلها أع وكأنها لم توجد. إن تمهيد المعطيات التاريخية يعود بالدرجة الأولى إلى نفسية لوقا. وهو يعكس اعتقاداً يقول إن المسيحيين الهلينيين هم الموكلون الحقيقيون على خيرات الخلاص. ويبرهن لوقا عن هذه الاعتقاد فيبين أن كنيسة بولس (أو كنيسته هو) تشكل جسداً واحداً مع جماعة العنصرة وشعب العهد الحقيقي.
4- الشريعة في أع 
يذكّرنا لوقا باعلانات بولس حول الأمانة تجاه الشريعة الموسوية وعادات إسرائيل (22: 3؛ 14؛ 25: 8؛ 28: 17). وهو يستفيد من كل ظرف ليبيّن أن بولس يمارس الشريعة ممارسة فعلية: يصلّي في الهيكل (22: 17). يختن تيموتاوس (16: 3)، ينذر نذراً في كنخرية (18: 18؛ رج 21: 23- 27). يبدو هذا التصرّف لأول وهلة غريباً، بل معارضاً لما قاله بولس عن نفسه في رسائله. ولكن هذا الرجوع إلى العالم اليهودي كان ضرورياً ليبرّر تجذّر الكنائس الهلينية في الجيل الثاني. لا شك في أن مسألة الشريعة لم تكن تُطرح عليها كما كانت تطرح في زمان بولس. ولم يعد المطلوب با تتحرّر هذه الكنائس (الوثنية الأصل) من الشريعة، بل أن ترتبط بشعب العهد بواسطة الجماعة الأولى. فصارت مثل بولس الذي قبله حنانيا "ذلك الرجل التقي والأمين للشريعة" (22: 12) في حضن الكنيسة. ثم إن المبشرين الأولين كانوا من اليهود، أكان ذلك في اليهودية أم في الشتات. وكان أول السامعين للكلمة يهوداً أيضاً يوم العنصرة وفي مجامع الشتات التي بدأ فيها بولس رسالته (9: 20؛ 13: 5؛ 14: 1؛ 17: 1- 2، 10، 17؛ 18: 4، 26). إن جماعة أورشليم المتحدة ببولس كانت يهودية، وكثير من يهود الشتات قبلوا تعليم بولس (9: 19- 21؛ 13: 43). ولكن لماذا التشديد على هذه النقاط حين يتوجّه لوقا إلى مسيحيين هلينيين أي أتوا من العالم اليوناني الوثني، لا من العالم اليهودي المتعلق بالشريعة؟
5- هدف أع وقراءه 
توجّه لوقا أولاً إلى المؤمنين، لا مباشرة إلى الوثنيين أو إلى السلطات الرومانية. لا شك في أن الكاتب يورد إشارات تدل على براءة بولس والمسيحيين فيما يخص القيصر (16: 39؛ 18: 15- 18؛ 23: 29؛ 25: 8، 25؛ 26: 32) أو حتى إلاهة أفسس (19: 36- 39). لم يكن همّ لوقا أن يربح ودّ قارئ آت من العالم الوثني، بل أن يقدّم قواعد الفطنة إلى المسيحيين الذين يهدّدهم الاضطهاد: لا نعاند سلطات هذا العالم من قضاة وضباط رومانيين، ولا حاجة إلى تحدّي السلطة من أجل التحدي. قال بولس: "ما أذنبت بشيء لا إلى شريعة اليهود، ولا إلى الهيكل، ولا إلى القيصر" (25: 8).
تحدّث لوقا إلى مسيحيين هلينيين ليبيّن لهم متانة الخلاص الذي تقدّمه الكنيسة. فكشف تجذر هذه الكنيسة والعلاقات المتعددة التي تربطها بيسوع وبالجماعة الأولى. ففاعلية الخلاص تستند إلى الرباط الحي دائماً بين كنيسة حالية ورثت تعليم بولس وحدث الخلاص الأول. لقد قال لوقا في مطلع إنجيله إنه كتب ليستطيع المؤمن أن يتأكد من "متانة التعليم الذي تلقاه" (لو 1: 4): لا ليتحقق تاريخنا من صدق الوقائع المرويّة، ولكن ليؤكد للمسيحيين الهلينيين شرعية التعليم التي تحمل الخلاص. إن لوقا لا يورد الماضي من أجل الماضي، ولا يعطي للمستقبل قيمة ليست له حين يتحدّث عن كنيسة نعمت بنُظم الخلاص. إنه بالأحرى يسعى إلى إعادة الزمن الحاضر إلى وحدة الحدث الذي أسّس الكنيسة. وهو بذلك يتلاقى وطموح الكنائس الهلينية أن تكون في تواصل صحيح بالنسبة إلى الجماعة الأولى، أن تكون متّحدة بها اتحاداً مباشراً. وإذا عدنا إلى الأساس، نجد أن أع يتجاوب والحاجة إلى الأمان الذي أحسّ به المؤمنون في عصره. كان فيلون المزعوم قد جمع التقاليد الشفهية التي يستعملها الواعظون في المجامع ليؤكدوا لمعاصريهم تواصل العهد ويطمئنوهم. وهكذا فعل لوقا، فطمأن المسيحيين حول تواصل خلاص الله. لهذا نتحاشى أن نفرض نظراتنا الحديثة على نص أع فنقول مثلاً أن لوقا قلّل من قيمة بولس وجعله خاضعاً لبطرس أو للشريعة، أو أن المواهب قد حلّت محلّها الكنيسة المنظمة. كل هذه قراءات خاطئة لا تأخذ بعين الاعتبار الحركة الأساسية في الكتاب.
وقصارى الكلام، إن الكنيسة المرتبطة ببولس صارت هي أيضاً مؤتمنة على الخلاص. وهكذا صار لنا من جهة، شعب المؤمنين الذي يضم كل المرتدين دون أن يميّز بين يهود (في الأصل) ومتقين (لله) ووثنين (في الأصل)، ومن جهة ثانية اليهود، الذين لم يؤمنوا بالمسيح. هؤلاء صاروا شعباً كسائر الشعوب ولم يعد لهم من امتيازات بعد الآن: "حكمتم أنكم لا ترون أنفسكم أهلاً للحياة الأبدية، لذلك نتوجه الآن إلى الأمم" (13: 46؛ رج 18: 6). وينهي لوقا كتابه بكلام قاس يضعه على شفتي بولس: "الله أرسل خلاصه إلى الوثنيين (أي أعضاء الأمم غير اليهودية)

 

 

القسم الثاني
دراسات في أعمال الرسل
ننتقل من المداخل إلى الدراسات. وهكذا نتعرّف إلى مسيرة كتاب رسم أمامنا الخطوط الكبرى لبداية المسيحية.
يتضمن هذا القسم الفصول التالية:
1- الرسالة في أورشليم واليهودية والسامرة (ف 1- 12).
2- دعوة بولس.
3- كورنيليوس أو أول المرتدّين من الأمم (10: 1- 11: 18).
4- إلى أقاصي الأرض (ف 13- 28).
5- الرحلة الرسولية الأولى.
6- الرحلة الرسولية الثانية.
7- أحداث فيلبي (16: 11- 40).
8- الرحلة الرسولية الثانية.
9- طريق الآلام والموت.

 

 

الفصل الخامس
الرسالة في أورشليم واليهودية والسامرة 
ف 1- 12
إن أع يبدو تحقيقاً للتعليمات التي أعطاها يسوع لتلاميذه بعد قيامته من بين الأموات: "لا تتركوا أورشليم، بل انتظروا فيها ما وعد به الآب" (1- 4). "ستكونون لي شهوداً في أورشليم واليهودية كلها والسامرة، حتى أقاصي الأرض" (1: 8). سنتوقف في هذا المقال على تنفيذ الربنامج الرسولي الذي أعلنه يسوع. وسنكون أمام مراحل متعاقبة ستختبر فيها الكنيسة الفتية الإنفتاح على الآخرين. وكل مرحلة تبدأ بعنصرة: عناك عنصرة اليهود (2: 2- 41)، وعنصرة السامريين (8: 5- 25) وعنصرة الوثتيين(10: 1- 11: 18). وها نحن ننطلق من مرحلة إلى أخرى، فنكشف الرسالة التي دُعيت الكنيسة للقيام بها. 
أ- عنصرة اليهود أو البدايات في أورشليم
حين تعمّد يسوع نال الروح (لو 3: 22) فقام برسالته. ويعلن أع 1: 21- 23 أن المعمودية كانت بداية هذه الرسالة: "طوال المدة التي قضاها الرب يسوع بيننا، منذ أن عمّده يوحنا إلى يوم ارتفع عنا".
وقبل أن يبدأ الرسل بالمهمة الموكلة إليهم، تقبّلوا معمودية الروح مثل يسوع. إن حدث العنصرة هو الجواب لما حصل في الأردن.
وها نحن نتوقّف بصورة خاصة على ف 2: "ولما جاء يوم العنصرة" (2: 1). تلك هي عبارة البداية. والنهاية: "فانضم في ذلك اليوم نحو ثلاثة ألف نفس" (2: 41). ففي البداية، وقبل حلول الروح نحن أمام مجموعة صغيرة تتألف من الاثنى عشر (وربما 120). وفي نهاية ذلك اليوم وُلدت الكنيسة، وكان عدد المؤمنين فيها يقارب 3000 نفس. وينتهي ف2 بالاجمالة الأولى (2: 42- 46) عن حياة الكنيسة الناشئة.
هناك أولاً قسمان اخباريان. الأول (2: 1- 4) يصوّر الحدث وعطية الروح الظاهرة التي ترافقه من التكلّم باللغات. الثاني ( 2: 5- 13) يخبرنا عن دهشة اليهود وتساؤلهم. ثم تقدّم خطبة بطرس تفسير الحدث (2: 14- 36). النتيجة ولادة الكنيسة.
القسم الأكبر من خطبة بولس التي تتضمّن ثلاثة أقسام وإعلاناً أخيراً: يتوسّع القسمان الأولان في موضوعين يرتبط الواحد بالآخر ارتباطاً وثيقاً: من جهة، الروح الموعود به في الأيام الأخيرة هو السبب الحقيقي لهذه الظاهرة الغريبة التي هي التكلّم بألسنة (2: 14- 21). ومن جهة ثانية، الله أقام يسوع (2: 22- 32). أما القسم الثالث (2: 33- 35) فيربط بين القسمين الأولين: يسوع الذي أقامه الله هو الذي أعطى الروح. إذن، نحن على مستويين تفسيريين: ننطلق من الحدث الخارجي، فنصل إلى عطية الروح. ثم ننطلق من عطية الروح، فنعود إلى السبب الأساسي الذي هو المسيح: بعد أن قام رُفع إلى يمين الآب وها هو يعطي الروح (2: 33- 36).
سنتوقف هنا على الحدث في علاقته مع إسرائيل، ثم في علاقته مع الشمولية الآتية:
1- الحدث في علاقته مع إسرائيل
هناك المستوى الواضح والمستوى الضمني.
أولاً: المستوى الواضح
إن العودة إلى الشعب اليهودي واضحة، لا سيما في خطبة بطرس (2: 14- 36). من جهة، يتوجّه بطرس إلى اليهود، وهم المعنيّون الأولون بحدث العنصرة. يبدأ خطبته فيقول "يا رجال يهوذا، ويا سكان أورشليم" (2: 14). وينهيها: "فليعلم بنو إسرائيل كلهم" (2: 36). وفي وسط الخطبة، يتوجّه بطرس إلى السامعيين فيقول: "يا بني إسرائيل اسمعوا هذا الكلام" (2: 22).
ومن جهة ثانية، نلاحظ أن التأكيدات الكبرى في الخطبة ترتكز على الأسفار المقدسة. حين أراد بطرس أن يُبرز مضمون الحدث، عاد إلى مخطّط الله المكشوف لشعبه عبر الأسفار المقدسة. وهكذا يرتبط القسم الأول (2: 14- 21) بنص يوئيل 3: 1- 15 والقسم الثاني (2: 22- 32) بنص مز 16: 8- 11، والقسم الثالث بنص مز 110: 1.
ثانياً: المستوى الضمني
إن ولادة الكنيسة كما يرويها خبر العنصرة، هي ولادة شعب العهد الجديد. يسدّد الكتاب حقاً على دور الاثني عشر ومضمون رسالتهم. إن هؤلاء الاثني عشر يمثّلون شعب إسرائيل الجديد. وعليهم يرتكز إيمان الكنيسة التي ستنتشر في العالم كله.
وإن عيد العنصرة يرتبط بأحداث سيناء التي أسست شعب الله في القديم. عيد العنصرة هو عيد العهد وإعطاء الشريعة لدى الشعب اليهودي. وهو يدل هنا على عطية الروح في إطار تيوفانيا (أع 2: 12- 4) تلعب فيها النار دوراً هاماً. على جبل سيناء، اجتمع الشعب كله قرب سيناء (خر 19: 8، 11، 16، 17). وفي أع كان الرسل كلهم مجتمعين معاً (آ 1 ب) فامتلأوا كلهم من الروح القدس (آ 4).
2- الحدث في علاقته مع الشمولية الآتية
وهكذا يقدّم ف 2 العنصرة كحدث اسكاتولوجي يتم فيه رجاء شعب إسرائيل. وفي الوقت عينه يرى فيه لوقا حدثاً يتجاوز ببعده ومضمونه هذا الإطار الخاصاني ليعلن انتشار الكنيسة في المسكونة كلها. وهذا يبرز خاصة في التماثل بين اللذين شهدوا حدث العنصرة وبين اللذين سمعوا كرازة العنصرة. ولقد أورد لوقا البلدان التي جاء مناه الشهود فقال: "برتية، ماداي، عيلام، بلاد الرافدين، كبادوكية، البنطس..." (2: 9- 11). كل هؤلاء يقيمون في أورشليم. وهكذا تحقّقت المرحلة الأولى من المهمة الرسولية التي حدّدها يسوع في 1: 8: ستكونون لي شهوداً في أورشليم. ولكن هذه الشهادة هي تسبيق للشهادة "حتى أقاصي الأرض". لا شك أن البشارة لم تصل إلا إلى أورشليم، ولكن بفضل هؤلاء الشعوب المقيمين في أورشليم، اتخذت بعداً شاملاً. نحن هنا أمام مشهد تسبيق، والكنيسة الشاملة والآتية تجتمع بصورة رمزية في اليوم الأول من ولادتها في أورشليم.
إذن تمثّل "عنصرة اليهود" للإيمان المسيحي مرحلة أولى ومحدودة في الانفتاح على الآخرين، على العالم اليهودي، ولكنها أيضاً لا محدودة وقد دخل إليها 3000 نفس. ويتم هذا الانفتاح بواسطة الشهادة. ولكن الشهادة لا تكفي. فلا بدّ من عطية الروح لكن اللذين ينفتحون على هذا الإعلان. إرتباط المؤمن بالمسيح هو ثمرة محاولة الإنسان وعطية الله، لأنه لا يقدر أحد أن يقول "يسوع هو الرب" إلا بالروح الدس (1 كور 12: 3).
ولكن الإعلان المسيحي لن يتم دون عطية الروح. أعلن الرسل الإيمان، فتممّوا المهمّة التي أوكلت إليهم بأن يكونوا شهود القيامة. ولكنّهم نالوا الروح (1: 8 أ) ليقدروا أن يقوموا بهذه المهمة، "تعمدوا في الروح القدس" (1: 5). تكلّم الله على سيناء فتحوّل صوته إلى نار محرقة حين أعطى الوصايا. وفي أورشليم تكلّم أناس نعموا بقدرة الروح القدس وامتلأوا من النار الإلهية (لو 12: 49): جئت لألقي ناراً على الأرض، وكم أتمنى أن تكون اشتعلت". هي نار العنصرة.
في أساس تجمع الكنيسة، نجد عطية الروح وعمل المسيح القائم من الموت: "فلما رفعه الله بيمينه إلى السماء، نال من الآب الروح القدس المدعو به فأفاضه علينا" (2: 33).
ب- عنصرة السامريين أو انتشار الكنيسة في اليهودية والسامرة
وبعد أن يتحدّث لوقا عن ولادة الكنيسة في أورشليم يقدّم لنا الشهادة الرسولية حتى نهاية ف 7. وسنجد صورة عن نشاط الرسل وشهادتهم مع حياة الكنيسة الداخلية.
2: 42- 47- حياة الكنيسة الداخلية.
3: 1- 4: 22- نشاط الرسل وشهادتهم.
4: 23- 5: 11- حياة الكنيسة الداخلية.
5: 12- 42- نشاط الرسل وشهادتهم.
6: 1- 7- حياة الكنيسة الداخلية.
6: 8- 8: 1- نشاط اسطفانس وشهادته.
نحن نرى أن القسم الأخير (6: 8- 8: 1) لا يتعلّق مباشرة بالرسل، بل باسطفانس، أحد السبعة الذين وضع عليهم الرسل الأيدي في 6: 6.أما ف 8 فيتحدث عن فيلبس وهو أيضاً أحد السبعة.
هناك الآيات: بطرس ويوحنا (13: 1- 8)، الرسل إجمالاً (5: 12 أ، 15- 6) واسطفانس (6: 8). وتأتي ردة الفعل على هذه الآيات. من قبل الشعب: 3: 9- 11: أمتلأوا حيرة وعجباً؛ من قبل مجلس الكهنة: 4: 1- 3: استاؤوا لأن بطرس ويوحنا يعلمان الشعب؛ 6: 9- 15: اشتدت نقمة رئيس الكهنة. أمسكوا الرسل والقوهم في السجن؛ 6: 9- 15: هيّجوا الشعب وخطفوا اسطفانس وجاؤوا به إلى المجلس.
وهناك الشهادات: شهد يوحنا وبطرس (3: 12- 26) أمام بني إسرائيل: "ما بالكم تتعجّبون مما جرى؟ ولماذا تنظرون إلينا كأننا بقدرتنا أو بتقوانا جعل هذا الرجل يمشي". وشهدا أيضاً أمام حنان وقيافا ويوحنا واسكندر (4: 5- 22): "فاعلموا جميعاً، وليعلم شعب إسرائيل كله، أن هذا الرجل يقف أمامكم صحيحاً معافى باسم يسوع الناصري الذي صلبتموه أنتم، وأقامه الله من بين الأموات". (رج 5: 27- 32). وشهد اسطانوس الشهادة الحسنة حتى الموت (7: 1- 8: 1).
وإذا أخذنا 3: 1- 8 نرى أ، الآية تقوم بشفاء كسيح عند باب الهيكل على يد بطرس ويوحنا. أثارت الآية ردة فعل طيبة لدى كل الشعب، فشهد أمامهم بطرس على قيامة يسوع. ولكن هذه الآية كانت السبب في توقيف بطرس ويوحنا ومثولهم أمام مجلس الكهنة حيث أعلن بطرس من جديد إيمانه بالقيامة. ما نلاحظه في ف 2- 7 هو أن إعلان الإنجيل ينطلق من آية تُدهش أو توجّه سؤلاً إلى الحاضرين. وينطلق الرسول من الآية فيعود إلى يسوع القائم من الموت والحاضر في أعماله القديرة. لا يحتاج الرسل أن يبحثوا عن طريق إلى الآخرين، فالآيات تفتح لهم الطريق.
1- نظرة إجمالية
يعرض ف 8 مجمل النشاط الرسولي الذي تمّ في السامرة. ولكن أيضاً في اليهودية وفي الجليل. فبعد أن قدم لوقا نشاط فيلبس ونشاط بطرس ويوحنا تكلّك عن وجود كنائس مزروعة في "كل اليهودية والجليل والسامرة" (9: 31). وأقحم بين 8: 40 و9: 31 خبر ارتداد بولس، فسبّق على المرحلة الثالثة من التبشير التي ستصل إلى "أقاصي الأرض".
انتهت المرحلة الأورشليمية كما قال لوقا في أع 8: 1: اضطُهدت كنيسة أورشليم فتشتّتت "في أرياف اليهودية والسامرة". ووجد التبشير في هذا التشتت مناسبة للإنتشار خارج أورشليم. بقي الرسل في أورشليم (8: 1 ب)، وانطلق التبشير في غيابهم. أما الدور المركزي في اليهودية والسامرة، فقد لعبه فيلبس أحد السبعة (6: 1- 6). ويذكر ف 8 نشاطه الرسولي في إحدى مدن السامرة (8: 5- 3)، ثم على الطريق بين أورشليم وغزة (8: 26- 39)، وأخيراً في كل المدن من أزوت (أو أشدود) حتى قيصريّة (8: 40).
ويتحدّث 8: 14- 25، لا عن نشاط فيلبس، بل عن نشاط بطرس ويوحنا. "سمع الرسل في أورشليم أن السامريين قبلوا كلام الله، فأرسلوا إليهم بطرس ويوحنا" (8: 14). فذهبا أولاً إلى السامريين الذين ردّهم فيلبس (8: 14- 24)، ثم "رجعا إلى أورشليم وهما يبشّران قرة كثيرة في السامرة" (8: 25). ما يلفت النظر هو أن الشهود للمسيح في هذه في هذه المناطق ليسوا الرسل الذين إليهم سلّمت مسؤولية التبشير في اليهودية والسامرة (1: 8). لقد انتقلت المبادرة إلى أحد الذين اختارتهم الجماعة "لخدمة الموائد" (6: 2). تشتّت الجماعة، فوجد فيلبس نفسه مبشّراً بالكلمة و"إنجيلياً". وهو ظاهر من العبارات التي يستعملها لوقا. يقول إن "الجموع أصغت بقلب واحد" إلى تعليم فيلبس (8: 5)، يصوّر لوقا تبشير وارتداد منطقة كاملة. وهذا ما نقرأه في 8: 14: "سمع الرسل أن السامرة قبلت كلام الله" (8: 14). 
نحن إذن في المرحلة الثانية من الانفتاح على الآخرين. كيف تم هذا الانفتاح؟ سنرى كيف تدشّنت الرسالة في السامرة. في القسم الأول (8: 5- 13) نتعرّف إلى نشاط فليبس وتأثير كلامه. وفي القسم الثاني نتعرف إلى نشاط بطرس ويوحنا (8: 14- 24). يتوقّف لوقا في هذين القسمين عند السامريين أولاً (8: 5- 8؛ 8: 14- 17)، ثم عند سمعان الساحر (8: 9- 13؛ 8: 18- 24). 
2- رضى الله على الرسالة
تبيّن 8: 14 أن ارتداد السامريين بين الإيمان المسيحي، تضمّن في نظر الرسل أمراً شاذاً وفير عادي. فأرسلوا بطرس ويوحنا ليتحقّقا من الأمر ليعيدا "النظام" إلى الكنيسة، أو أقلّه ليقرَّا بالواقع الجديد.
أذلم تبشّر السامرة على أيدي الرسل كما طلب منهم (1: 8)؟ هل اتُخذت مبادرة حمل البشارة إلى السامرة دون الأخذ برأي أورشليم؟ هل أراد لوقا أن يربط بالاثني عشر المرحلة الثانية من الإنفتاح على الآخرين؟ هل تحفّظ الرسل لأن السامرة تعتبر ضالة وغير طاهرة وشبيهة بالعالم الوثني (رج 10: 14)؟ 
أولاً: عماد من دون الروح
وقدّمت آ 51- 16 الجواب: ذهب بطرس ويوحنا إلى السامريين لينالوا الروح القدس. آمن هؤلاء الناس (8: 12 آ) وتعمّدوا (8: 12 ب). ولكن الروح القدس لم يكن بعد نزل على أحد منهم. فقد كانوا فقط اعتمدوا باسم الرب يسوع. ولكن كيف نفهم هذا القول؟ كيف استطاع السامريين أن يعتمدوا دون أن ينالوا الروح القدس؟
هناك مقاطع في أع تربط الروح القدس بالمعمودية. مثلاً 2: 38: "توبوا وليتعمّد كل واحد منكم باسم يسوع المسيح، فتغفر خطاياكم ويُنعم عليكم بالروح القدس". ونجد الشيء عينه في خبر ارتداد بولس. فقد قال له حنانيا (9: 17): "يا أخي شاول، أرسلني إليك الرب يسوع حتى يعود البصر إليك وتمتلئ من الروح القدس". وتدلّنا آ 18 على أن بولس نال الروح القدس بالمعمودية: "فتساقط في الحال من عينيه ما يشابه القشور وعاد البصر إليه. فقام وتعمّد". إذن، كيف نفسّر أن يكون السامريون قبلوا المعمودية ولم ينالوا الروح، وأن الروح سينزل عليهم حين يضع بطرس ويوحنا أيديهم عليهم(8: 17)؟
ثانياً: عماد في الروح
يتحدّث أع عن "معمودية باسم يسوع المسيح"، ويتحدّث أيضاً عن معمودية "في الروح القدس". في 1: 5، نحن أمام اختبار جماعي سينعم به الرسل يوم العنصرة. وفي 11: 16، نحن أمام اختبار الوثنيين المجتمعين حول كورنيليوس. قال بطرس عنهم: "فلما بدأت أتكلّم، نزل الروح القدس عليه كما نزل علينا نحن في البدء فتذكّرت ما قال الرب: عمّد يوحنا بالماء، وأما أنتم فتتعمّدون بالروح القدس" (11: 15- 16). ويشير النص مرتين إلى أ، الروح القدس نزل على هؤلاء السامعين. نقرأ في 10: 44: "وبينما بطرس يتكلّم، نزل الروح القدس على جميع الذين يسمعون كلامه". وفي 11: 15: "فلمّا بدأت أتكلّم، نزل الروح القدس عليهم".
ويستعمل الخبر المتعلق بالسامريين الفعل عينه: "لم يكن الروح بعد نزل على أحد منهم" (8: 16). أما يكون هذا أمراً شاذاً؟ لم تحصل عنصرة عند السامريين، لم يظهر الروح بصورة خاصة كما ظهر في أورشليم (2: 1- 4) وكما سيظهر عند الوثنيين (10: 44- 46). يبدو أ، ظهور الروح يجب أ، يسبق مبادرة التبشير والعميد. لا يجب أت تتقدم الرسالة إلا إذا أعطى الله أوامره بذلك.
قد يكون السامريون نالوا الورح القدس بطريقة فريدة، ولكن الخبرة الجماعية لحضور الروح لم تظهر، فتساءل أهل أورشليم: هل يوافق تبشير السامرة مخطّط الله؟ وحين أعطى العماد في الروح (العنصرة، عند كورنيليوس)، كانت آيات خارجية وظواهر خارقة رآها الناس وسمعوها. نقرأ في 2: 4: "فامتلأوا كلهم من الروح القدس. وأخذوا يتكلّمون بلغات غيرهم، على قدر ما منحهم الروح القدس أن ينطقوا". وفي 2: 11 ب: "نسمعهم يذيعون في لغاتنا أعمال الله العظيمة". وفي 10: 44- 46: "وبينما بطرس يتكلم... تعجّب أهل الختان لأنهم سمعوهم يتكلّمون بلغات ويعظّمون الله".
أما السامريون فستكون لهم عنصرتهم (أي ظهور الروح الخارجي) حين يضع بطرس ويوحنا أيديهم عليهم (8: 17). لن نسمعهم يتكلّمون بالألسن، ولن نرى آيات خارجية ساطعة. ولكن 8: 18 تشير إلى أن شيئاً مشابهاً حصل، لأن سمعان الساحر استطاع أن يرى أن الروح أعطي بوضع أيدي الرسولين.
في ف 2 وف10، ظهر الروح فبيّن للرسل أن الحصاد نضج. إن الساعة أتت من أجل تبشير منطقة من المناطق أو مجموعة من الناس (3: 38؛ 10: 47؛ 11: 17). وسيكون الأمر كذلك في ف 8. في البداية. إقتبل الناس البشارة في منطقة جديدة دون أن يدل الروح على أن الزمان تمّ من أجل البشارة. ولكن حين ظهر الروح، بشّر بطرس ويوحنا السامرة (8: 25). وفيلبس اليهودية من اشدود إلى قيصرية (8: 40).
تبدو نظرة لوقا متماسكة كل التماسك. إن المراحل الثلاث الحاسمة للرسل (1: 8) قد تدشّنت بواسطة الروح. هذا واضح بالنسبة إلى المرحلة الأورشليمية التي تدشّنت في ف 2 وامتدت إلى 8: 1. وهذا سيكون واضحاً في "عنصرة الوثنيين" (10: 44- 46). أما في مرحلة اليهودية والسامرة التي يرويها 8: 1- 9: 43، فالروح يضع خاتمه ويطلق الرسالة من جديد. وهكذا بدا النشاط الكنسي على أنه يوافق قصد الله وينبع من مبادرته.
ج- عنصرة الوثنيين أو الانفتاح على العالم كله
قال لوقا: "وكانت الكنائس في جميع اليهودية والجليل والسامرة تنعم بالسلام. وكانت تمتد وتسير على خوف الرب وتتقوّى بمعونة الروح القدس".
إن هذه الاجمالة التي أقحمها لوقا في أع 9: 31، تدل على أن الرسل اجتازوا المرحلة الثانية، وأنه لم يبقَ لهم إلا المرحلة الثالثة. سنرى أن هذه المرحلة ستتمّ مع رسالة بولس في ف 13 وما بعد. ولكن عنصرة الوثنيين ستدشّن هذه المرحلة حين تتحدّث عن تبشير كورنيليوس وعماده مع جميع أهل بيته.
1- إلى الوثنيين أيضاً (11: 18).
قبل ف 10، لم تُعلن البشارة إلا على اليهود والسامريين. هذا ما فعله الاثنا عشر (ف 2- 5) واسطفانس. ستكون الأمور أقل وضوحاً في ف 8- 9. لا شكّ في أن فيلبس وبطرس ويوحنا يتوجّهون إلى السامريين في 8: 4- 25، وأن بولس يتوجّه بعد ارتداده إلى اليهود في دمشق ثمّ في أورشليم (9: 20- 30). ولكن قسلبس بشّر وزير ملكة الحبشة (8: 26- 39)، وقا بطرس بنشاط في لدة ويافا (9: 32- 43). لا يقول 9: 35- 42 إن المرتدين هم يهود، ولكن لا شيء يفترض العكس: هذا كلّه يحدث في فلسطين، ولكن يحتفظ بطرس كما سوف يتحفّظ حين يتوجّه إلى الوثنيين. ولكن ماذا نقول عن هذا الغريب الذي علّمه فيلبس وعمده (8: 26- 39)؟ اما كان وثنياً؟ الأمر ممكن. ولكن لوقا يمتنع عن مثل هذا القول، بل هو يعطينا إشارتين تجعلاننا نحسب هذا الحبشي وكأنه يهودي أو أحد المرتدين إلى الديانة اليهودية. يقول أولاً: جاء إلى أورشليم للعبادة (8: 27). ويقول ثانياً: كان يقرأ في سفر أشعيا (8: 30 : 33). ومهما يكن من أمر هذا "الوثني"، فان لوقا لا يشدد على ارتداده. فالرسل وبطرس هم الذين يدشّنون المرحلة الأخيرة في الانفتاح على الوثنيين.
2- دور بطرس
في الواقع، لسنا أمام وثنيين بكل معنى الكلمة في ف 10. فكورنيليوس وأهل بيته هم من المتقين لله (10: 2- 22)، أي يهود أخذوا ببعض وجهات الإيمان اليهودي وممارساته دون أن يختتنوا. غير أنهم لم ينضمّوا إلى شعب الله وبالتالي ظلّوا في وضع الوثنيين. 
إن أع يجعل "المتّقين" (لله) كالوثنيين. قال بولس في 13: 16: "يا بني إسرائيل، ويا أيها الذين يتّقون الله". وفي 13: 26 قال: "يا اخوتي يا أبناء إبراهيم، ويا أيها الحاضرون معكم من الذين يتّقون الله". إذن يميّز أع بين اليهود والمتقين لله. وان ف 10- 11 واضحان في هذا المعنى. فكلمة وثني (اتنوس) ترد أربع مرّات لتدل على مورنيليوس وأهل بيته. حينئذ قال بطرس: "أرى أن الله في الحقيقة لا يفضّل أحداًَ على أحد. فمن خافه من أية أمة كانت وعمل الخير كان مقبولاً عنده" (10: 34- 35). "تعجّب أهل الختان الذين رافقوا بطرس حين رأوا أن الله أفاض هبة الروح القدس على الوثنيين أيضاً" (10: 45). "وسمع الرسل والأخوة في اليهودية أن الوثنيين أيضاً قبلوا كلام الله" (11: 1). "فلما سمع الحاضرون هذا الكلام، هدأوا ومجّدوا الله وقالوا: أنعم الله إذن على الوثنيين أيضاً بالتوبة سبيلاً إلى الحياة" (11: 18).
وهذا ما يظهر أيضاً من خلال رؤية بطرس (10: 11- 16؛ 11: 5- 10). فالصوت الآتي من السماء حرّضه لكي يذبح ويأكل دون أن يميّز بين حيوان وحيوان. مثل هذا الموقف غير مقبول لدى اليهودي، والشريعة تمنعه من أكل لحم بعض الحيوانات (لا 11: 1 ي). هذه المحرّمات لم تكن تعني الوثنيين أو المتقين لله. فعبر رواية الحيوانات والأمر بالأكل دون الأخذ بعين الإعتبار ما هو "طاهر" وما هو "نجس" (حسب الشريعة)، نكتشف الانفتاح على الوثنيين. وهذا ما فهمه بطرس في النهاية: "تعرفون أن اليهودي لا يحلّ له أن يخالط أجمبياً، أو يدخل بيته. لكن الله أراني أن لا أحسب أحداً من الناس أو دنساً" (10: 28).
إذن جاء وقت الانفتاح على الوثنيين. وقد خطت الكنيسة تلك الخطوة حين قرّر بطرس قبول كورنيليوس وأهل بيته فيها (10: 47 ي). بعد اليوم، صار الانفتاح شاملاً. غير أن هذه المتضمنات لم تظهر بوضوح. فالمؤمنون اكتفوا بأن يلاحظوا: "أنعم الله على الوثنيين بالتوبة" (11: 18). ولكن الحركة انطلقت ولن تتوقف. وسيروي لنا لوقا حالاً (11: 19- 21) بعد هذا الحدث تأسيس كنيسة أنطاكية وارتداد اليونانيين، أي أناس غير مختونين.
ولكن ستبقى مسألة عالقة: هل يُفرض على الوثنيين الداخلين إلى الكنيسة أن يحفظوا الشريعة؟ ستجد هذه المسألة حلّها في 15 وفي مجمع أورشليم. في هذا الوقت ستظهر الأهمية الرئيسية للأحداث المروية في ف 15- 11. نلاحظ أن العودة إلى أحداث قيصرية ستلعب دوراً حاسماً. ذكرها بطرس (15: 7- 9) فاستخلص استنتاجات في خط الشمولية وفي التحرّر من نير الشريعة (15: 10- 11). وما إن ذُكر النجاح الذي لاقاه بولس ورفاقه لدى الوثنيين (15: 12). حتى عاد يعقوب وذكر أيضاً حدث كورنيليوس (15: 13- 18) ليستخرج متضمنات تشبه تلك التي أشار إليها بطرس (15: 19- 21).
وهكذا يكون تسلسل الأحداث كالآتي: قبل بطرس بعض الوثنيين في الكنيسة (10: 1- 11: 18). وحذت حذوة الرسالة المسيحية في أنطاكية (11: 19- 26) وفي آسية الصغرى (13- 14). فطُرح سؤال حول الموقف الواجب اتخاذه تجاه الشريعة (ف 15). إن حدث قيصرية هو بداية مسيرة على طريق الانفتاح، بل هو يبرّر هذا الانفتاح. وإن مجمع أورشليم سيجعل ممّا فعله بطرس في قيصرية مبدأ تسير عليه الكنيسة فتصل إلى القول: لا يهودي ولا يوناني (غل 3: 28). وإذا استعملنا صورة بولسية قلنا: مع كورنيليوس دخل إلى الكنيسة "باكورة" الوثنيين (روم 16: 5؛ 1 كور 16: 15).
3- تدشين المرحلة الأخيرة من مراحل الرسالة
إذا دشّن بطرس الرسالة لدى الأمم، دشّن في الوقت عينه المرحلة الأخيرة التي يتحدّث عنها 1: 8. إن هذا المقطع لا يتحدّث عن الرسالة إلى الوثنيين، بل عن شهادة تصل "إلى أقاصي الأرض". ولكن هذا يعني الشيء عينه بالنسبة إلى القديسين لوقا. ففي المقطع الموازي، في لو 24: 47، تتحدّث المهمة الموكلة إلى الاثني عشر بالنسبة إلى كل الأمم (كلمة اثنوس). ثم ان عبارة "إلى أقاصي الأرض" ستعود في 13: 47 في إيراد لأشعيا مع توازٍ مع "نور الأمم": أقمتك نوراً للأمم لتحمل الخلاص إلى أقاصي الأرض".
وسيستند بولس وبرنابا إلى هذا المقطع (أش 49: 6) ليؤكدا عزمهما "على التوجّه إلى الوثنيين" (13: 46). ويشدّد خبر 10: 1- 11: 18 فيقول إن الانفتاح على الوثنيين يوافق مخطط الله، بل إن الله نفسه هو في أصل المسعى الذي قادنا إلى هذه النتيجة. أولاً: ظهر ملاك الرب لكورنيليوس (10: 3، 30؛ 11: 13 أ) وأمره بأن يأتي ببطرس إلى بيته (يردّد لوقا الأمر أربع مرات: 10: 5- 6، 22، 32؛ 11: 13 ب). ثانياً: وسمع بطرس من جهته صوتاً يناديه ثلاث مرات (10: 13، 15- 16؛ 11: 7- 10). وفي النهاية يقنعه الروح بأن يذهب إلى كورنيليوس (10: 19- 20؛ 11: 12). الله هو الذي يقود العمل كما يفسر ذلك بطرس نفسه في 10: 28- 29. تحفّظ بطرس في الذهاب إلى الوثنيين، ولكن الله أناره ووجّهه: "أراني الله أن لا أحسب أحداً من الناس نجساً أو دنساً. فلما دعوتمونب جئت من غير اعتراض". ثالثاً: وحين وصل بطرس إلى بيت كورنيليوس، لم يتخذ مبادرة تعميد بيت كورنيليوس وقبوله في الكنيسة. فالله تدّخل عبر عطية الروح، فأعلن بطرس: "هل نقدر أن نمنع ماء المعمودية عن الذين نالوا الروح القدس مثلنا" (10: 47):؟ وقال في معرض دفاعه عن نفسه أمام كنيسة أورشليم: "فإذا كان الله وهب هؤلاء ما وهبنا نحن عندما آمنا بالرب يسوع، فمن أكون أنا لأقاوم الله" (11: 17)؟ أجل، إن الانفتاح على الآخرين يفترض الانفتاح على الآخر، على الله. فهو وحده يوجّه الأحداث.
بدأت الرسالة في أورشليم، إمتدت إلى السامرة. وهي ستصل إلى أقاصي الأرض، إلى رومة، إلى هناك سيحملها بولس ورفاقه. هذا ما نقرأه في القسم الثاني من أع وعنوانه: "إلى أقاصي الأرض".

 

 

الفصل السادس 
دعوة بولس
قال الرب لحنانيا: "إذهب لأن هذا الرجل هو إناء مختار (قد اخترته) ليحمل اسمي أمام الأمم الوثنية والملوك وبني إسرائيل". هكذا تُصوَّر دعوة بولس في 9: 15. وستصوِّر ف 13- 28 كيف حقّق بولس المهمة الملقاة عليه. وسيروي خبران آخران الحدث عينه. ما نجد في ف 9 دوّن في صيغة الغائب، أما الخبران التاليان فدوّنا في صيغة المتكلم. يشكّل خبر 22: 3- 21 دفاع بولس عن نفسه أمام شعب أورشليم، وذلك حين أوقف في الهيكل بعد رجوعه من الرحلة الرسولية الثالثة. اتُّهم بأنه دنّس الهيكل وأدخل إليه رجلاً وثنياً (21: 38 ي)، فوجّه كلامه إلى الشعب الهائج (21: 40). لا يجيب بولس على الاتهام بطريقة مباشرة. إلاّ أنّه يشير في الخاتمة إلى الهيكل (22: 17) وإلى الرسالة لدى الأمم الوثنية (22: 21).
أما خبر 26: 9- 18 فهو جزء من خطبة أوسع (26: 2- 23) تلفّظ بها بولس قبل رحيله إلى رومة (27: 1). مرّ الملك اغريبا في قيصرية، فتكلّم بولس أمامه، وهكذا شهد أمام الملوك كما قالت 9: 15. أن يكون لوقا تكلّم ثلاث مرّات عن ارتداد بولس، هذا يدلّ على أهمية الحدث في تاريخ الكنيسة الأولى. ونحن سنتوقّف عند هذه النصوص الثلاثة فنفهم معناها كتعبير مثلث عن اختبار بولس مع الرب على طريق دمشق.
أ- النصوص والمسألة التي تطرحها
1- نصوص أع 
يذكر أع بولس للمرة الأولى بمناسبة رجم اسطفانس: وضَع الشهود ثيابهم لدى شاب اسمه شاول (7: 58). وينهي لوقا خبر استشهاد اسطفانس فيقول: "وكان شاول موافقاً على قتل اسطفانس" (8: 1 أ). ويتابع أع حديثه عن اضطهاد يحلّ بالكنيسة ويلعب فيه بولس دوراً حاسماً (8: 1 ب- 4).
ويبدأ ف 9 بهذه الكلمات: "أما شاول فكان ينفث صدره تهديداً وتقتيلاً لتلاميذ الرب" (9: 1). أخذ رسائل من السلطات، وتوجّه إلى دمشق. وها نحن أمام الحدث بحصر المعنى. ما إن اقترب المضطهد من المدينة، حتى أحاط به نور من السماء وكلّمه صوت: "شاول، لماذا تضطهدوني" (الكلام في اللغة العبرية أو الآرمية؛ رج 26: 14)؟ سقط المضطهد على الأرض بعد أن بهره الضياء الذي حلّ به (رج 22: 11؛ 26: 13- 14). إن الذي يكلّم شاول هو الرب الممجّد الذي يحيط به نور ساطع. إنه هو الذي يضطهده شاول حين يضطهد الكنيسة.
حوار قصير مع يسوع، قال فيه بولس عبارة صغيرة: "من أنت يا رب" (9: 5)؟ كل معارضة بدت مستحيلة من قِبَل شاول. فالذي كان ينفث التهديد والتقتيل (9: 1)، تقوده يد رفاق لا يذكر لوقا أسماءهم (9: 8، ربما إحدى القوافل المسافرة إلى دمشق).
ظلّ شاول في ظلمة مطبقة. تركه يسوع في ضياع بما يخصّ المستقبل: "أُدخل المدينة وهناك يقول لك ما يجب عليك أن تعمل" (9: 6). ظلّ شاول ينتظر ثلاثة أيام لا يأكل ولا يشرب وكان أعمى. وتبدّل المشهد. فحدّثنا النص عن تلميذ اسمه حنانيا ويقيم في دمشق مع مسيحيين متهوّدين، على ما يبدو (9: 19 ب). أمره المسيح في رؤية بأن يذهب إلى شاول الذي يقيم في بيت يهوذا وأن يضع يده عليه. وأوحى المسيح إلى حنانيا في الرؤية عينها أن شاول رآه يدخل ويضع يديه عليه. إذن، نحن هنا أمام رؤية مضاعفة.
اعترض حنانيا: سمع الناس يتكلّمون عن شاول. وترددُ حنانيا يدلّ على الخطر الخطر الذي شكّله شاول للكنيسة، وعلى الانقلاب الذي تمّ فيه على طريق دمشق. سيتعرف حنانيا (ومن معه) من المسيح إلى قصد الله إلي فيه يتّحد هذا التبدّل مكانه: سيحمل شاول اسم المسيح أمام الوثنيين واليهود. ويخبرنا النص كيف ذهب حنانيا إلى شاول: نفّذ أمر المسيح فشفى ذلك الذي زاره وعمّده (9: 1- 18).
لن نتوقف عند فصول أع التي تدل كف كان بولس الإناء المختار (9: 15، الرسول الذي اختاره الرب)، وكيف شهد لكلمة الله أولاً أمام اليهود (9: 20 ي؛ 26: 20) ثم أمام الوثنيين. وصل الإنجيل إلى آسية الصغرى (ف 13- 14) ومن هناك إلى أوربا (ف 16- 18). وشكّلت مرحلة بولس الرسولية الأخيرة منعطفاً في نشاطه (ف 21). أثار يهود من الشتات شغباً على بولس في حرم الهيكل، ولولا تدخل سريع من قبل الجنود الرومانيين، لكلّفه هذا الشغبُ حياته. في هذا الوضع، خطبَ بولس أمام اليهود ليدافع عن نفسه (22: 1- 21). نلاحظ أن هذه الخطبة هي مناسبة ليتحدّث فيها بولس عما حصل له على طريق دمشق.
أنهى بولس خطبته: "فقال لي الرب: هيّا، سأرسلك إلى مكان بعيد، إلى الوثنيين" (22: 21). حين قال بولس هذه العبارة هاج الشعب. "أخذوا يصيحون ويطرحون ثيابهم ويرمون التراب في الهواء" (22: 23). وفي ف 26 سيُروى حادث دمشق للمرة الثالثة أمام فستوس الحاكم الروماني وأغريبا الملك، اليهودي مع حاشيته (26: 9- 18). وتنتهي الرواية الثالثة بهذه الكلمات: "سأنقذك من شعب إسرائيل ومن الشعوب الوثنية الذين أرسلك إليهم لتفتح عيونهم فيرجعون من الظلام إلى النور" (26: 17- 18). وإذا كان بولس يتكلّم قال له فستوس: "أنت مجنون يا بولس" (26: 24). وهكذا توقف بولس عن الكلام.
هناك اختلافات بين هذه الروايات الثلاثة لفتت نظر الشراح منذ آباء المنيسة.
لعب حنانيا دوراً هاماً في الرواية الأولى، ودوراً معتدلاً في الرواية الثانية. أما الرواية الثالثة فلا تذكر حنانيا كما لا تذكر عمى بولس وشفاءه.
في الرواية الثانية يخبرنا بولس أنه رأى المسيح في هيكل أورشليم، بعد ارتداده بقليل. وقال له المسيح بصوت مباشر: سأرسلك إلى البعيد، إلى الوثنيين (22: 21). ولكن ف 9 وف 26 لا يذكران هذه الرؤية.
إذا اتبعنا ف 9 وف 22، نرى أن الصوت الذي حاور بطرس خلال الرؤية قد دعاه فقط ليدخل إلى دمشق. وعلى حنانيا أن يكشف له عن الدور الذي يهيئه له المسيح. أما في ف26 فقد أقحم أمرُ المسيح في الحوار الذي رافق الظهور. اتخذ شكل خطبة رسولية كشفت لبولس دوره بأن يحمل الإنجيل إلى الوثنيين. ما تعلّمه بولس من حنانيا (ف 9) أو من المسيح الذي ظهر له في الهيكل (ف 22)، قد تعلّمه مباشرة من المسيح حين رآه على طريق دمشق (ف 26).
وهناك اختلاف آخر يتعلّق بتأثير الرؤية السماوية على بولس ورفاقه. حسب 9: 7، سمع الرفاق الصوت ولكنهم لم يروا المتكلم. حسب 22: 9، رأوا النور ولكنهم لم يسمعوا الصوت. حسب 9: 7، وقف رفاق شاول حائرين (أي ظلوا واقفين). حسب 26: 14، سقطوا على الأرض مع شاول. ونقرأ في 26: 14 عبارة لا نقرأها في الروايتين الأخريين: "صعب عليك أن ترفس المهماز" (أي أن تقاوم).
2- معطيات الرسائل البولسية
لا شك في أن شهادة الرسائل أصدق من شهادة أع. يتكلّم بولس فيها عن الأحداث التي حصلت له في دمشق: فقد كان لنداء يسوع له تأثير عميق ودائم. كان هذا النداء ينبوعاً روى حياته ولاهوته. نجد هذا الحدث بطريقة عفوية في ما كتبه بولس مثلاً في روم 1: 1: "من بولس عبد يسوع، دعاه الله ليكون رسولاً واختاره ليعلن بشارته (إنجيله)" (رج روم 1: 5؛ 1 كور 1: 1؛ غل 2: 1؛ روم 15: 16؛ غل 3: 7- 13؛ 2 كور 4: 6؛ 5: 18- 30؛ 13: 10). 
أولاً: توافق بين أع والرسائل
يؤكد بولس أنه اضطهد الكنيسة (1 كور 15: 9؛ غل 1: 13؛ رج 1: 23؛ غل 3: 6). ولقد اضطهدها بحماس واندفاع (غل 11: 13؛ رج أع 26: 9- 11: قاد بولس حملة الاضطهاد). ولما ارتدّ بولس إلى المسيح، نعمت بالسلام (9: 31).
يؤكد بولس بوضوح أن المسيح ظهر له: "أما رأيت الرب يسوع" (1 كور 9: 1)؟ "وفي النهاية ظهر لي أ،ا أيضاً" (1 كور 15: 8). وهذا الظهور بدّل حياة "المضطهد" كلها. قال عن نفسه في غل 3: 7: "لكن ما كان لي من ربح (في الديانة اليهودية) حسبته خسارة من أجل المسيح".
نقرأ في 2 كور 4: 6: "والله الذي قال: ليشرق من الظلمة نور هو الذي أضاء نوره في قلوبنا لتشرق معرفة مجد الله، ذلك المجد الذي على وجه المسيح". هنا نتذكر أهمية النور في التقليد اللوقاوي، كما أن أع 22: 11 يتحدّث عن نور المجد الذي يشع من المسيح.
هناك علاقة في نظر بولس بين الرؤية التي فيها كشف الله عن ابنه (غل 1: 16) وبين دعوة بولس كرسول للأمم. فالابن أرسله ليبشر بين الأمم. هنا نلاحظ توافقاً بين رسائل بولس ورؤية أع. فالدعوة إلى الرسالة بين الوثنيين تتبع حالاً ظهور المسيح لبولس (26: 16).
من أين جاءت هذه المعلومات إلى لوقا الذي كتب أع؟ من تقاليد خاصة بالجماعات السورية والفلسطينية التي روت ارتداد المضطهد في وقت قريب من الحدث. في هذا المجال نجد قولاً بولسياً له معناه: "وما كنت معروف الوجه عند كنائس المسيح اليهودية. وإنما سمعوا أن الذي كان يضطهدنا هو الآن يبشر بالإيمان الذي كان يريد أن يدمّره، فمجّدوا الله من أجلي" (غل 1: 22- 23). هذه الملاحظة تفترض أن خبر ارتداد بولس وصل إلى جماعات يهودية وأورشليم قبل أن يصل بولس إلى هناك.
ثانياً: اختلافات بين أع والرسائل
ما يدهشنا هو أن بولس لا يروي في الرسائل خبر ارتداده كما فعل في أع 22 و26. هذا الحدث الذي طبع بطابعه منعطفاً هاماً في حياته، لا يُذكر إلا قليلاً وبطرقة عابرة. حتى حين يكلّم الغلاطيين الذين يعارضون صفته الرسولية، فهو يكاد يلمح إلى هذا الارتداد (غل 1: 15، ولكن الله بنعمته اختارني وأنا في بطن أمي). مثل هذا الصمت ينتج عن تحفّظ كبير نجده في 2 كور 12: 1- 4 حيث يتكلّم بولس عن "رؤى وإيحاءات". أجبر على الدفاع عن نفسه، فلم يقل "أنا" بل "أعرف رجلاً". من الواضح أن بولس لا يحبّ أن يتكلّم عن نفسه. وهنا يمكننا أن نتساءل: هل روى بولس حقاً خبر دعوته؟ لا شك في أنه قال كما في 1 كور 9: 1 "رأيت الرب". ولكن هذا زاد على هذا القول تفاصيل عديدة؟ هذا ما لا نقدر أن نؤكده.
قال بولس: "رأيت الرب". ولكن إذا اتبعنا أع، فلا يبدو أ، بولس رأى الرب بصورة مباشرة كما يقول في الرسائل: إذا كان أع يتحدّث عن بهاء نور جاء من السماء وأحاط ببولس، فيكون أن الرسول حصل على رؤية نورانية (مثل موسى في العليقة الملتهبة) لا على رؤية المسيح شخصياً. ولكن هل هذا الشعور كاف؟ حين يؤكد النص أن رفاق الرسول لم يروا "أحداً"، يمكن أن يكون بولس قد رأى "أحداً". ثم إن حنانيا قال: "اله آبائنا اختارك، لتعرف مشيئته، وتشاهد (فتاه) البار. وتسمع صوته يكلّنك" (22: 14؛ رج 9: 17؛ الرب يسوع الذي ظهر لك؛ 26: 16؛ شاهداً على هذه الرؤية التي رأيتني فيها). هذا ما جعل الشراح يقولون: النور هو كل ما رآه بولس. سمع كلمة المسيح التي اخبرته أن يسوع هو في هذا النور. 
ما هي نية القديس لوقا؟ إنه يعتقد أن بولس رأى الرب (22: 14). ولكن لوقا يبتعد عن مثل هذا التعبير حين يتحدّث عن رؤية دمشق. يورد قول بولس أمام اغريبا وفستوس: "رأيت نوراً من السماء أبهى من شعاع الشمس يسطع حولي وحول المسافرين معي" (26: 13). ولكنه لا يقول: "وفي هذا النور رأيت شخصاً يقول لي". إن بولس سمع فقط صوتاً يتكلّم. ويتجنّب لوقا أيضاً الكلام عن كيف كانت هذه الآية التي رآها بولس. إذا كان لوقا أراد أن يبقى غامضاً، فلماذا نحاول أن نزيل هذا الغموض؟ 
لماذا كتب لوقا بهذه الطريقة؟ هنا نعود إلى طريقته في إيراد ظهورات المسيح الفصحية (لو 24: 1 ي؛ أع 1: 1ي). هو لن يقول أبداً: "رأوا نوراً وسمعوا صوتا". ولن نجد في أخباره أثراً لنور يحيط بشخص المسيح. فعلاقات الرسل مع القائم من الموت هي علاقات عادية (لو 24: 30، 41- 42؛ أع 1: 4؛ 10: 41): أكلوا وشربوا معه. ولا شيء يشهد على أننا أمام ظهور على طريقة المسيح في المجيء والذهاب (لو 24: 31، 36، 51؛ أع 1: 9). وهذه الطريقة في عرض الواقع (تتعارض مع ما نقرأ عن حدث دمشق) تطابق نظرة لوقا الذي يعتبر أ، ظهور القائم من الموت يدوم أربعين يوماً وينتهي بالصعود. من هذا القبيل، يشكّل الصعود محطّة هامة في الكتابات اللوقاوية. والنتيجة هي أن ظهور المسيح على طريق دمشق ليس جزءاً من الظهورات الفصحية. إذا كان لوقا أبقى في الغموض ما رآه بولس بوضوح (نور ساطع أو شخص في هذا لنور)، فلأنه أراد أن يميّز بين ظهور دمشق والظهورات الفصحية التي جُعلت بين عيد الفصح وعيد الصعود. وهنا نقول: إن لوقا قام بعمل تدويني يرافقه بُعد لاهوتي. إن بولس يختلف هنا عن لوقا. ففي نظر بولس، ظهور دمشق هو ظهور فصحي وهذا ما يثبته 1 كور 15: 3- 9: "سلّمت إليكم قبل كل شيء ما تلقيه، وهو أ، المسيح مات من أجل خطايانا كما جاء في الكتب، وأنه دُفن وقام في اليوم الثالث كما جاء في الكتب، وأنه ظهر لبطرس وللاثني عشر، ثم ظهر لأكثر من خمسمئة أخ معاً لا يزال معظمهم حياً وبعضهم ماتوا. ثم ظهر ليعقوب، ثم لجميع الرسل. وفي النهاية ظهر لي أنا أيضاً كأني سقط. فما أنا إلاّ أصغر الرسل". ما هو مهم في كل هذا هو أن بولس يجعل نفسه بين الشهود للقيامة بحيث لا يختلف ظهور يسوع له عن ظهوره للصفاء وغيره.
أجل، نظرة بولس تختلف عن نظرة لوقا. ففي أع 13: 3- 33 يتحدّث بولس عن القيامة وعن الشهود العيان خلال خطبة ألقاها في مجمع أنطاكية بسيدية، قال: "ولكن الله أقامه من بين الأموات. فظهر أياماً كثيرة للذين صعدوا معه من الجليل إلى أورشليم وهم الآن شهود عند الشعب (أي إسرائيل). ونحن نبشّركم بأن ما وعد به الله آباءنا تمّ لنا، نحن أبناءهم، حين أقام يسوع من بين الأموات". هناك فرق بين "الذين هم شهود" و"نحن نبشركم". إن بولس وبرنابا ليسا من الشهود الحقيقيين. إن بولس يؤسس كرازته هنا على سلطة الشهود الذين تبعوا المسيح من الجليل. أما في رسائله فيقول إن دعوته ترتبط بالقائم من الموت.
يؤكد بولس أنه رسول بفضل الدعوة التي تلقّاها في دمشق: "ألست رسولاً؟ أما رأيت ربنا يسوع" (1 كور 19: 1)؟ إن الذين يهاجمونه في هذا المجال كانوا يصيبونه في الصميم، هذا ما تدل عليه 2 كور. أما في نظرة أع، فبولس ليس رسولاً. فلوقا يحتفظ بلقب رسول للاثني عشر. لا شك أن بولس وبرنابا يسمَّيان رسولين في أع 14: 4، 14، ولكننا لسنا أمام المعنى المخصّص (رج لو 11: 49؛ 2 كور 8: 23؛ غل 2: 25، أي: المرسل). إن لوقا يحتفظ بلقب رسول للتلاميذ الذين تبعوا يسوع من الجليل حتى أورشليم، الذين كانوا شهوداً لله خلال الأربعين يوماً بعد القيامة، الذين اختارهم الرب نفسه ليقوموا بهذه الخدمة. هذا ما يبيّنه بوضوح اختيارُ (أع 1: 21- 26). فالرسل هم الذين يكفلون التواصل بين زمن يسوع التاريخي وزمن الكنيسة. أما الوظيفة التي يحتفظ بها لوقا لبولس فهي مختلفة: بولس هو المرسل إلى الوثنيين، وهو الذي يؤمن الرباط بين الكنيسة الرسولية في البداية والزمن الذي يعيش فيه لوقا.
لا ينكر بولس علاقته بتقليد الكنيسة الأولى ولكنه مقتنع أنه تسلّم دعوته وإنجيله من الله مباشرة: "من بولس وهو رسول، لا من الناس ولا بدعوة من إنسان بل بدعوة من يسوع المسيح والله الآب" (غل 1: 1). ثم نقرأ في 1: 11- 12: "فاعلموا، أيها الأخوة، أن البشارة التي بشّرتكم بها غير صادرة عن البشر. فأنا ما تلقيها ولا أخذتها عن إنسان، بل عن وحي من يسوع المسيح". ولكن إذا عدنا إلى أع 9 و22 نرى الله بولس ظّل من دون وحي واضح، وأنه انتظر حنانيا ليخبره عن مخطط الله بشأنه. أجل، لم يتلقّ بولس إنجيله خلال رؤية، أرسل إلى الكنيسة التي هي وسيطة التعليم. ويزيد أحد الشراح: "إن ارتداد بولس لا يتوافق مع دعوته. فحنانيا الذي يمثّل الكنيسة لعب دوراً أساسياً". وهكذا نفهم أن نظرة لوقا هي غير بولس. وهنا نتساءل: هل نقول بعد اليوم إن بولس أخبر لوقا بطريقة مباشرة بالرؤية التي حصل عليها في دمشق؟ مهما يكن الجواب، سنؤكد فيما بعد على دور لوقا الخاص بالحديث عن دعوة بولس بطريقة بعيدة عما نجده في رسائل ما بولس.
هنا نجد نفوسنا أمام تيارين: تيار أول يشدّد على أن ظهور دمشق حقيقي، ولكنه يحاول أن يوفّق بين التفاصيل الموجودة في الروايات الثلاث، ولكنه يفشل. وتيار ثان يعلن أن هناك مراجع (مثلاً، تقاليد البنتاتوكس، الأناجيل الإزائية) مختلفة استقى منها لوقا، ولهذا كانت الاختلافات بين الروايات الثلاث.
قد تعود المواد التي استعملها لوقا إلى تقاليد متنوعة، مثلاً، الرؤية في هيكل أورشليم (22: 17- 21). ولكننا لا نستطيع أن نعيد كل الاختلافات إلى تعدّد المراجع، بل إلى فن لوقا الذي كان كاتباً بارعاً، فجعل خبرة بولس الروحية في الإطار الأدبي واللاهوتي كما برز في ثلاث روايات لدعوة واحدة.
ب- نهج حديث في شرح النصوص 
يعتبر النهج الحديث أن خطب العهد الجديد لا تشبه تسجيلات على آلة مغناطيسية، وأن الأخبار الواردة ليست تقارير صحفية. فمثل هذا التوثيق مستحيل على الكنيسة الأولى (لا أرشيف لها كالممالك). وهذا النوع من البحث لا يفيدها في شيء. ثم إننا لا نحسب كتّاب العهد الجديد كجامعيين للمراجع والتقاليد الموجودة في الجماعات المحلية فقط. إنهم كتّاب بكل معنى الكلمة، دوّنوا فكرهم اللاهوتي من خلال الأحداث التي عرفوا بها. وهذا ما فعله القديس لوقا في سفر الأعمال.
1- الخطب في أع 
هناك ثلاثة أخبار عن دعوة بولس، واثنان منهما يقعان داخل خطبة. لهذا نتساءل: هل تلفظ بولس بهذه الخطبة كما وردت في أع؟ أما التيار الأول فيقول: هذا أكيد، لأن العمل التاريخي لا يترك مكاناً للاختراع. ولكن نقول: كان للاقدمين طريقة خاصة في تقديم الحقيقة التاريخية. فقد كان الكاتب يضع خطبة هنا أو هناك تشدّد على معنى من المعاني. مثلاً، المؤرخ يوسيفوس استعاد كتابة أخبار العهد القديم. كان متيقناً من الدّقة التاريخية الموجودة في أسفار موسى (مجّد موسى لأنه امتنع عن كل كذب أو أسطورة). ومع ذلك تصرّف بحرية مع النصوص البيبلية. مثلاً: خبر ذبيحة اسحق. قيل في تك 22: 7- 10: "توجّه اسحق إلى أبيه إبراهيم وقال: يا أبي. أجاب: نعم يا ابني. قال ها هي النار والحطب ولكن أين هو الحمل للمحرقة؟ أجاب إبراهيم: الله يؤمن الحمل للمحرقة يا ابني. وسار كلاهما معاً. وحين وصلا إلى المكان الذي دلّه عليه، رفع إبراهيم مذبحاً ونضّد الحطب ثم ربط ابنه اسحق فوق الحطب. ومد إبراهيم يده وأمسك السكين ليذبح ابنه".
حسب تك، هذه الكلمات قيلت بفم إبراهيم واسحق في الطريق الصاعد إلى الجبل. وبعد هذا يورد النص (من دون كلام)، كيف هيأ إبراهيم الذبيحة إلى أن ناداه الله من أعلى المساء. ولكن الأمر يختلف كل الاختلاف عمّا نجد في خبر إبراهيم كما يرويه يوسيفوس. فبعد أن هيأ إبراهيم كل شيء للذبيحة وجّه خطبة لابنه: "يا ابني، وجهت إلى الله ألف صلاة كي تلد، وربّيتك بعناية قصوى منذ جئت إلى الحياة. ما عرفت سعادة أعظم من أن أراك تتمتّع بقوة الرجال وأن أترك لك عند موتي كل خيراتي ميراثاً. ولكن، بما أني صرت أباً بإرادة الله، وبما أن الله طلب مني الآن أن أتخلى عنك، فاحتمل الآن بشجاعة ذبيحتك. أنا أتخلّى عنك لله، وهو يفرض هذا الأمر علينا من أجل كرامته، وهو الذي كان لي دوماً المساعد والمحامي. وكما أنك لن تُولد حسب مسيرة الأمور العادية، كذلك عليك أن تترك الحياة بطريقة خاصة وأن تُذبح على يد أبيك لله الذي يحامي عن كل موجود. إن الله يعتبرك أثمن من أن يتركك تموت بالمرض أو الحرب أو بأي ضربة تصيب البشر. ولكنه يريد أن يتقبّل نفسك في الصلاة وفي الذبيحة الاحتفالية ليعطيها مكاناً بجانبه".
حسبَ يوسيفيوس أن الخطبة تعطي الحياة لكتابه وتلوّنه بلون خاص. هكذا كان يفعل الأقدمون، وهكذا فعل لوقا في سفر الأعمال.
أولاً: نلاحظ وجود خطب عديدة في أع: 24 خطبة أي ربع أو خمس النص. هذا ما عدا التحريضات القصيرة (6: 2- 4؛ 8: 20- 23؛ 21: 20؛ 25) التي لم تكتب في أسلوب خطابي. فإن انتزعنا الخطب من أع أصبح هذا الكتاب كومة من الحجارة لا بناءً محكماً كما نعرفه.
ثانياً: تتوزع الخطب بطريقة منظّمة في جسم الكتاب، وهي وسيلة أدبية يستعملها لوقا. وهذه الخطب هي قصيرة جداً (لا يتعدى القاء بعضها ثلاث دقائق). غير أنها مدروسة درساً محكماً: المقدمة والخاتمة، المدخل والبراهين. كل خطبة تشكّل وحدة أدبية كاملة، وليست ملخّصاً عن خطبة.
ثالثاً: إذا تفحّصنا خطب أع نجد أنها مطبوعة باللاهوت اللوقاوي. إن التواصل بين يسوع والكنيسة هو من المواضيع الكبرى في لاهوت القديس لوقا. واهتمامه بهذا التواصل جعله يدوّن الجزء الثاني (الكتاب الثاني) من مؤلّفه (الذي هو الإنجيل والأعمال). هناك سمات تدلّ على موضوع التواصل هذا: الأربعون يوماً التي فيها رافق يسوع رسله بعد حياته على الأرض، العلاقة الوثيقة بين الصعود والعنصرة، النظرة الخاصة بلوقا عن الشاهد في أع 1: 1 ي. فالرسل الاثنا عشر هم شهود يسوع الحقيقيون. اختارهم المعلم ورافقهم الروح (أع 1: 2) فشهدوا تعليم يسوع وعمله منذ البداية (1: 21 ي). وهم يقدرون بكرزاتهم وعملهم أن يؤمّنوا التواصل مع نموّ الكنيسة. وهكذا نقدر أن نقول إن لوقا اللاهوتي يتكلّم من خلال خطب بطرس أو بولس (2: 32: ونحن شهود على ذلك؛ 3: 15؛ 5: 32؛ 10: 39، 41؛ 13: 31: وهم الآن شهود له عند الشعب).
رابعاً: إن ايرادات العهد القديم متواترة في خطب أع. وما نلاحظه هو أن هؤلاء المتلمين باللغة الآرامية يوردون نصوص السبعينية اليونانية لا العبرية الماسورية. فيعقوب يقدم في مجمع أورشليم برهاناً كتابياً أخذه من عا 9: 12. فلو استند إلى العبرية (بقية ادوم، وهو شعب) لما برهن على شيء. ولكنه استند إلى اليونانية (بسبب خطأ في القراءة: آدم أو الإنسان بدل أدوم) فتحدّث عن "سائر الناس" (15: 17) فبان وكأنه يهودي من الشتات لا يعرف إلا النسخة السبعينية. لا يمكن ليعقوب أن ينطلق من النص العبري ليقدم هذا الشرح. هذا يعني أن لوقا وضعه في فم شخص من العهد الرسولي.
خامساً: مرّات عديدة يُقطع الكلام على المتكلّم، ولكن ساعة تصل الخطبة إلى الذروة. وأفضل مثل هذه الظاهرة خطبة بولس في رواق الهيكل (22: 1- 21). بدأ الصياح بين السامعين حين أورد بولس كلمة المسيح: "اذهب، ها أنا أرسلك إلى البعيد، إلى الوثنيين"ز هذه العبارة هي النقطة التي تتوجه إليها الخطبة. كان على لوقا أن يبيّن أن الرب نفسه أراد الرسالة بين الوثنيين، فلم يبق له شيء آخر يقوله. وهناك أمثلة مشابهة في 7: 53 ي؛ 10: 43 ي؛ 23: 6 ي؛ رج 26: 23 ي؛ رج 3: 26 ي: 5: 32 ي؛ 17: 31 ي؛ 19: 27 ي. هذا الأسلوب يدلّ على أن الخطبة في أع هي فن أدبي رفيع.
سادساً: إلى من تتوجه هذه الخطب؟ إلى سامعين يُفرض أن يكونوا هناك. ولكن إلى القارئين (ونحن منهم). مثلاً، بروي بطرس للجماعة كيف مات يهوذا (1: 18). ولكن الجماعة تعرف الرواية. غير أن قرّاء لوقا لا يعرفون الخبر (لم يتحدث لوقا كما تحدث متى عن موت يهوذا، مت 26: 3- 10). ثم إن الخطبة تفترض النص الإخباري الذي سبقها وإلاّ لم تعد مغهومة. مثلاً، تحدث بولس عن حنانيا الذي قال إن بولس هو مختار اله الآباء. ولكن اليهودي الذي يسمع هذه الخطبة يتساءل: كيف دخل هذا الرجل إلى بولس وكيف عرف منه أنه مختار الله. أمل القارئ فلا يتساءل لأنه قرأ ف 9. يبدو أن لوقا جزّأ التقليد المتعلق بحنانيا. في ف22 أورد الحدث من وجهة بولس، ولهذا لم يذكر إلا كلمات حنانيا لبولس. وفي ف22، أورد حوراً بين المسيح وحنانيا. إذاً، من الواضح أن خطبة ف22 تفترض خبر ف9.
سابعاً: أوضح الشراح أن هذه الخطب لعبت دوراً أساسياً في تأليف أع: إنها تشدّد على عدد من الأحداث وتبرز للقارئ معنى ما سيحصل فيما بعد. مثلاً، يدلّ خبر كورنيليوس (أع 10: 1- 17) (وقبل أن يبدأ بولس بعمله) أن الله بنفسه يريد تبشير الوثنيين. وقد شدّد لوقا على مضمون هذا الحدث بخطبة بطرس في بيت كورنيليوس (10: 34- 43) وفي أورشليم (11: 5- 17، بصورة خاصة). وإن الخطبة في الاريوباج هي برنامج لسفر الأعمال. لم يورد لوقا ما قاله بولس في فيلبي أو كورنتوس، ولكنه أورد خطبة اثينة، ليبيّن أن الإيمان الجديد وصل إلى قلب اليونان. وساعة أنهى بولس مسيرته الرسولية دخل في منعطف مهم: كان حراً فصار سجيناً. وبهذا عاد لوقا إلى الوراء، وحدّثنا عن أفضال هذا الرسول العظيم في خطبة فيلبس.
ثامناً: نلاحظ أن خطب بولس هي ثلاث وكل خطبة تتوجّه إلى سامعين مختلفين. خطبة تتوجّه إلى اليهود (13: 16- 41)، ثانية تتوجّه إلى الوثنيين (17: 22- 31)، ثالثة تتوجّه إلى جماعة مسيحية (20: 17- 35). هكذا كانوا يعطفون في الزمن الرسولي. سنكتشف نماذج في خطب بطرس (2: 14- 40؛ 3: 12- 26؛ 4: 4: 8- 12؛ 5: 29- 32؛ 10: 34- 42) وهي تبدو حسب رسمة أساسية: مقدمة تنطلق من الوضع الذي فرض الخطبة. إعلان يسوع المسيح (ما عمله اليهود بيسوع من خطأ، ما عمله الله من خلاص ليسوع). البراهين الكتابية. نداء إلى التوبة من أجل الخلاص. تبع بطرس هذه الرسمة وتبعها بولس أيضاً (13: 16- 41). هذا يعني أنها رسمة لوقا الذي أراد أن يقول لقرّائه: هذا هو إعلان الخلاص المسيحي كما برز في الكنيسة الأولى، هذا هو تعليم الرسل (2: 42).
إذن، الخطب عي عظات تتوجه إلى المؤن وتدعوه إلى إتخاذ موقف. إنها تكشف له عن طرق الله وتخبره ببشرى الخلاص. هكذا أراد لوقا الخطبة في أع. لا شك في أنه عاد إلى مواد متنوعة (أخذ معلومات من الناس. من المراجع). وقد يكون استعاد نصاً وُجد قبله، فكيّفه وهدفه، وجعل فيه معطيات الإيمان التقليدي. في النهاية، هذه الخطب هي عمل لوقا.
وإذا عدنا إلى أخبار دعوة بولس، لن نحاول أن نزيل الخلافات التي بينها متحدثين عن معطيات تاريخيّة خاصة زيدت فيما بعد (التيّار الأول) ولن نتحدث عن مراجع متعددة (كما في البنتاتوكس، التيّار الثاني)، بل ننسب هذه الاختلافات إلى أسلوب لوقا الخاص.
2- الحوار مع المظهر
إن الأ×بار الثلاثة التي تورد حدث دمشق تبرز اختلافات في البنية الاجمالية، وليس في التفاصيل فقط. ولكننا نستطيع أن نتميّز جزءاً لا يتبدّل إلا قليلاً هو حوار المسيح مع بولس (9: 4- 6؛ 22: 7- 10؛ 26: 14- 16). هذا ما نسميه "الحوار مع الظهور". هل نقول إننا هنا أمام تقليد ثابت يعود إلى شهود عيان؟ لنبدأ فنحلل 9: 4- 6 فنجد بنية محددة 
أ - قال له: مقدمة الخطبة 
شاول شاول نداء يتكرر
لماذا تضطهدني؟ سؤال المسيح
ب- أما هو فأجابه: مقدمة الخطبة 
من أنت يا رب؟ سؤال بولس 
ج- أما هو مقدمة الخطبة 
أنا يسوع الذي تضطهده المسيح يقدم نفسه
قم وادخل المدينة الرسالة 
نقابل بين النداء الاحتفالي وتقديم يسوع لنفسه، نقابل بين لماذا "تضطهدوني" و"الذي تضطهده". وبين هذين القطبين نجد كلمة بشرية هي سؤال وجواب معاً. هذه البنية المثلثة تؤثر فينا: المسيح يدعو الإنسان، الإنسان يجيب. والكلمة الأخيرة هي للمسيح الذي يكشف عن هويته ويرسل بولس. أما الإنسان فيقبل مهمته في الصمت.
نحسّ وكأننا أمام خطبة مؤلفة تأليفاً فنياً. هنا لابد من القابلة مع نصوص العهد القديم التي تبرز الحوار مع الظهور: أعطى ملاك الله يعقوب أمراً أن يعود إلى بلاده (تك 31: 11- 13). تدخّل الله ليأمر يعقوب بأن يذهب إلى مصر (تك 46: 32). ظهر الرب لموسى في العلّيقة النلتهبة (خر 3- :2- 10). ونقابل أولاً أع 9: 4- 6 و26: 14- 16 مع نص تك حسب الترجمة السبعينية.
تك 46: 2- 3 أع 9: 4- 6
أ- قال قال له 
يعقوب، يعقوب شاول شاول 
ب- فقال له فقال له 
من أنت؟ من أنت يا رب؟
ج- قال فقال له
أنا اله آبائك أنا يسوع الذي تضطهده 
لا تخف أن تنزل ولكن قم وادخل
تك 31: 11- 13 أع 26: 14- 16
أ- قال قال 
يعقوب شاول، شاول 
ب- أما أنا فقلت أما أنا فقلت 
ماذا من أنت يا رب
ج- فأحاب: فأجاب الرب
أنا الاله الذي تراءى أنا يسوع الذي تضطهد
ولكن قم الآن ولكن قم أنت
نداء مكرر، سؤال يطرحه الإنسان، فيقدم "الله" نفسه ويرسل الإنسان في مهمة. وهناك الشكل القصير للحوار مع الظهور: ذبيحة اسحق (تك 22: 1- 2)، وحي الله لصموئيل الفتى (1 صم 3: 4- 14). ظهور الله لحنانيا (9: 10- 11)، ظهور الله لكورنيليوس (10: 3- 5). وها نحن نقابل تك 22: 1- 2 وأع 9: 10- 11.
تك 22: 1- 2 أع 9: 10- 11 
أ- وقال وقال 
أبرام أبرام حنانيا 
ب- أجاب هذا أجاب هذا 
لبيك لبيك يا رب
ج- فقال له فقال له الرب 
خذ ابنك واذهب قم اذهب 
ما نستخلصه من هذه الملاحظات هو أن أع استقى نماذجه من العهد القديم. ولقد سبق لوقا في هذا المضمار بعضُ الكتب المنحولة من العهد القديم. وها نحن نقدم مقطعاً من أسطورة عنوانها يوسف واسنات. ظهر الملاك جبرائيل على اسنات، زوجة يوسف العتيدة، جاء ليردها إلى الإيمان لأنها ما زالت وثنية:
"حينئذ انشقت السماء قرب نجمة الصباح، وظهر نور عظيم لا يعبّر عنه. حين رأت اسنات هذه الأمور سقطت على وجهها في التراب. وحالاً، جاء إليها رجل من السماء تحيط به شعاعات تصدر عنه. وقف قربها من جهة رأسها. وإذا كانت ساجدة ووجهها إلى الأرض، قال لها الرسول الإلهي: اسنات، قومي. أجابت: من الذي يناديني؟ فباب بيتي مقفل والبرج عال فكيف دخلت إليّ؟
أ- ناداها الملاك مرة ثانية، قال
اسنات، اسنات
ب- اجابت 
ها أنا، يا رب، قل لي: من أنت،
ج- فأجاب
أنا القائد الأعلى لجيوش الأزلي، رئيس كل جيش العلي قومي وقفي وأنا أعلن لك أقوالي
هل يدل على أننا أمام فن أدبي استعمله لوقا ليصوّر خبرة روحية عاشها بولس.
3- خطبة بولس
في إطار الخبرين الأول والثاني، ينحصر أمام الله لبولس بإراسله إلى المدينة: "ولكن قم واذهب إلى المدينة وهناك يقال لك ما يجب عليك أن تعمل" (9: 6). "قم واذهب إلى دمشق. وهناك يقال لك ما يجب عليك أن تعمل" (22: 10). أما الخبر الثالث (26: 16- 18) فيحوّل أقوال الرب إلى خطبة بها يرسل الرب بولس إلى الأمم الوثنية. "قم وقف على قدميك، لأني ظهرت لك لأجعل منك خادماً لي وشاهداً على هذه الرؤية التي رأيتني فيها وعلى غيرها من الرؤى التي سأظهر فيها لك. سأنقذك من الشعب (أي شعب إسرائيل) ومن الأمم الوثنية التي سأرسلك إليهم لتفتح عيونهم فيرجعوا من الظلام إلى النور، ومن سلطان الشيطان إلى الله، فينالوا بإيمانهم بي غفران خطاياهم وميراثاً مع القديسين".
نلاحظ أن القسم الأول هو مزيج من إيرادات الأنبياء: الرؤية التي ترافق دعوة حزقيال (حز 1- 2): "قم واقفاً على قدميك" (حز 2: 1). دعوة إرميا (إر 1: 1 ي): "أنا أنقذك" (26: 17) تعود إلى ار 1: 8: "أكون بقربك لأنقذك، يقول الرب". وعبارة "الأمم الوثنية التي أرسلك إليها" (26: 17) هي شبيهة بعبارة قالها يسوع لبولس في الهيكل (22: 21: اذهب فسأرسلك إلى البعيد، إلى الوثنيين)، وهي تعود إلى إر 1: 7: "اذهب إلى كل من أرسلك إليهم". قال 1: 5: "كونتك لتكون نبياً للأمم" ففكّر لوقا في هذا القول حين تحدّث عن إرسال بولس إلى الأمم الوثنية. وهناك أخيراً اختبار عبد الله في أش 42. نقابل أع 42: 6- 7 (تكون نوراً للأمم... لتفتح عيون العميان) وأش 42: 16 (أبدل الظلمة نوراً). حين يتحدّث بولس عن نفسه وعن المرسلين المسييحيين (أع 13: 47) يقول: "فالرب أوصانا، قال: جعلتك نوراً للأمم لتحمل الخلاص إلى أقاصي الأرض". أما هذا ما نقرأه في أس 49: 6؟
حين نرى كل هذه الإيرادات، نستخلص أن لوقا استعمل نصوصاً توراتية عديدة تتحدث كلها عن الدعوة أو الإرسال. إن يسوع يكلم بولس كما كان الله يكلّم الأنبياء. ولكننا لسنا فقط أمام نهج أدبي، بل أمام لاهوت، وسنبين مضمون المقابلة بين إرسال بولس وإرسال أنبياء العهد القديم. نلاحظ أن من أراد في زمن الكنيسة الأولى أن يفكر في سر الدعوة، يعود الأنبياء الكبار ولا سيما إرميا (كلمّه الرب ودعاه إلى خدمته).
4- رؤية في رؤيتين 
إذا قرأنا 9: 10- 11 نرى أن الله يأمر حنانيا في رؤية بأن يذهب إلى بولس. في ذلك الوقت رأى بولس رؤية، رأى رجلاً اسمه حنانيا "يدخل ويضع يديه عليه فيبصر". لا تروى الرؤية بعد الثانية، ولكن تدخل الرؤية في الرؤية: "إسأل في بيت يهوذا عن رجل من طرطوس اسمه شاول وهو الآن يصلي فيرى في الرؤية رجلاً اسمه حنانيا يدخل" (9: 11- 12).
يتخذ لوقا حانيا كمركز للخبر، ويروي الأحداث انطلاقاً منه. المسيح هو الذي ينقل لحنانيا ما يحص لبولس. بهذه الطريقة يصبح الخبر مكثّفاً وسريعاً. وسيستعمل لوقا الأسلوب عينه في خبر العنصرة. وجعل لوقا في فم الحاضرين هذا الكلام (نحن من برثية ومادية...) فاستغنى عن تعداد للشعوب سيبدو وناشفاً.
ونجد أيضاً رؤيتين في خبر كورنيليوس: أرسل الله إلى كورنيليوس وبطرس أمرين يتوافقان: قال الملاك لكورنيليوس: أرسل الآن رجلاً إلى يافا وجئ بسمعان الذي يقال له بطرس (10:1- 6). وحين أقترب رسل كورنيليوس، تلقى بطرس رؤية السماط الممدود (10: 9- 16) وأمراً بقول دعوة رسل كورنيليوس (10: 19- 20). إن الرؤيتين (مع أمر الروح القدس) تعملان من أجل اللقاء بين بطرس وكورنيليوس ومن أجل ارتداد أول وثني. هدف لوقا هو أن يبيّن أن الله يوجّه مسيرة الأحداث ساعة تتوجّه الكنيسة إلى الوثنيين لتهديهم. فالله (بإيحائه لكورنيليوس وبطرس، وبولس وحنانيا) يتدخّل مباشرة في التاريخ ويقوده إلى أهدافه. لا يعرف الراؤون الهدف الذي يلاحقه الله. الله يأمر ببساطة: "أطلب رجلاً اسمه سمعان" (10: 5). أو: "هنا رجال يطلبونك، فقم وانزل إليهم واذهب معهم ولا تخف، لأني أنا أرسلتهم" (10: 19- 20). أو: "رأى رجلاً اسمه حنانيا" (9: 12). لا يعرف بولس الآن نوايا الله بالنسبة إليه. الله يمسك كل الخيوط بيده فيعدّ كل شيء كم أجل الهدف الذي وضعه أمامه وهو ارتداد الوثنيين.
هنا نشير إلى مثل لا نجده في الآرامية ولا في العبرية، بل في اليونانية: "صعب عليك أن ترفس المهماز" (26: 14). يعني: صعب عليك أن تقاوم. وضع لوقا هذا المثل اليوناني في فم المسيح، وهو يتكلم إلى اليونانيين، فعبّر عن اختبار بولس لا بطريقة مجرّدة بل عبر مثل شعبي معروف لدى قرائه.
5- تأثر الظهور على بولس ورفاقه 
نتذكّر هنا الظهور على اسنات: انشقت السماء وشع نور عظيم فسقطت اسنات ووجهها إلى الأرض. نجد موضوع النور (لو 2: 9؛ 24: 4؛ أع 12: 7؛ حز 1: 13، 27- 28؛ دا 7: 9- 10؛ 10: 6، هذا ما عدا الأسفار المنحولة)، وموضوع السقوط إلى الأرض (حز 1: 28؛ 44: 4؛ 2 مك 3: 27). ونورد خبر ظهور ملاك الوحي على دانيال: "رفعت طرفي ونظرت، فرأيت رجلاً لابساً كتاناً، وحقواه منطقان بالذهب الصافي. كان جسمه كالزبرجد، ووجهه كمرأى البرق. وعيناه كمشعلي نار، وذراعاه ورجلاه كمنظر النحاس الصقيل. وكان صوت أقواله كصوت جمهور. فرأيت الرؤية أنا دانيال وحدي. أما الرجال الذين كانوا معي فلم يروا الرؤية، ولكن وقع عليهم رعب عظيم فهربوا ليختبئوا. فبقين أنا وحدي أشاهد هذه الرؤية العظيمة. لم تبق فيّ قوة، وتبدّل وجهي وذبل. تخلّت عني قوتي. سمعت صوت أقواله، وحين سمعت صوت أقواله، أغمي علي فسقطت راكعاً ووجهي إلى الأرض" (دا 10: 5- 9).
نجد في هذا التصوير: النور، صوت الرعد، السقوط إلى الأرض. وكما في رؤية بولس، أحس الرفاق بشيء عجيب وغريب، ولكنهم لم يشاركوا في الظهور بحصر المعنى. وإذا عدنا الآن إلى الاختلافات في أخبار حدث دمشق، ماذا نرى؟ يقال مرة: سمعوا الصوت وشاهدوا أحداً. ويقال مرة أخرى: رأوا النور وما سمعوا الصوت. لا نلغي هذه المفارقات ولا نجعل منها تعارضاً أساسياً: فللتأكيدين معنى واحد: عرف رفاق بولس أنهم أمام ظهور، ولكنهم لم يقدروا أن يشاركوا فيه كما فعل بولس. هناك واقع واحد عبّر عنه الكاتب بوسائل متبدّلة. يتبدّل التعبير، لا معنى الشهادة.
ونقول الشيء عنه عن التعارض بين النصوص التي ترى رفاق بولس واقفين والتي تراهم ملقين على الأرض. ظهر المسيح فسحرت قوة نوره بولس مع الذين رافقوه. الفكرة هي هي وإن تبدّل التعبير.
هذا هو فن لوقا في تصوير دعوة في قوالب خاصة استقاها من العالم البيبلي أو الهلني (رؤيتان في رؤية واحدة). إنه يريد من خلال أع أن يقدّم تاريخ الخلاص ويقول لنا كيف يقود الله التاريخ ليخلّص البشر، كيف يعمل في أعماق القلوب، وكيف يتجاوب الناس بالقبول والرفض. إن الأحداث الخارجية (ولو كانت أحداث دمشق) تبقى بكماء، والأمور الخارقة ملتبسة. إنها تحتاج إلى تفسّر. هذا ما قاله لوقا وهدفه أن يجعل القارئ يتأمل، عبر الأحداث الخارجية، في البعد العميق لتاريخ الله. وهكذا تصبح التفاصيل شفّافة، ويبرز المعنى الداخلي للأحداث.

 

 

الفصل السابع
كورنيليوس أو أول المرتدين من الأمم
10: 1- 11: 18
أ- المقدمة
1- المعنى العام
"وكانت الكنائس تنعم بالسلام في اليهودية والجليل والسامرة. وكانت تنمو وتسير على خوف الرب وتتقوّى بالروح القدس" (9: 31). أقحم لوقا هذه الاجمالة في خبره، فدل على أن مرحلة انتهت وستبدأ مرحلة ثانية. قال يسوع: "ستكونون لي شهوداً في أورشليم واليهودية كلها والسامرة". (1: 8).إنتهت هذه المرحلة ونعمت أرض فلسطين بسلام المسيح وتعزية الروح القدس. وها هو لوقا يدعونا للانطلاق في المرحلة التالية: "ستكونون لي شهوداً... حتى أقاصي الأرض". سيتم الوصول إلى أقاصي الأرض، إلى رومة، بواسطة بولس ورفاقه. ولكن مع كورنتوس بدأت محطة هامة في إمتداد الكنيسة ووعيها لرسالتها: لقد تعمّد أول الوثنيين. تعمّد كورنيليوس، فحلّ الروح القدس عليه وعلى أهل بيته. وكما كانت عنصرة لليهود في ف 2، هكذا كانت "عنصرة" للوثنيين. تكلّم بطرس، فنزل الروح القدس على جميع الذين يسمعون كلامه. أجل حلّ الروح القدس على الوثنيين، فأخذوا يتكلّمون باللغات وينشدون عظائم الله (10: 44- 46).
أطول خبر في أع (10: 1- 11: 18) يجد مركزه (10: 44- 48) وقمته (11: 18: أنعم الله على الوثنيين بالتوبة التي تقود إلى الحياة) في أول عماد للوثنيين. دخل المسيحيون في الطريق التي تقود إلى الحياة (11: 18). تقبّل بطرس هؤلاء الداخلين عند "جرن العماد" (10: 48: أمر بأن يتعمّدوا باسم يسوع المسيح، 11: 15- 17). وافقت كنيسة أورشليم على ما فعل بطرس (11: 1- 18). إذا نظرنا من الوجهة التاريخية، نرى أنه لم يكن صدى كبير لهذا الحدث، فظل على مستوى محلي ضيّق. ولكن هذا الحدث شكل سابقة رئيسية ومفتوحة على المستقبل. سينطلق بطرس في مجمع أورشليم ممّا عمله لكورنيليوس وأهل بيته ليقول: "إن الله وهب الروح القدس لهم كما وهبه لنا" (15: 7). استنتج ما يتضمّنه ارتداد كورنيليوس من تعليم، وفهم أ، الخلاص وعطية الروح وغفران الخطايا هي عمل الله بالإيمان وبنعمة الرب يسوع. وقال يعقوب للجماعة: "أخبركم سمعان كيف اهتم الله منذ البدء ليتخذ من بين الأمم الوثنية شعباً لاسمه، شعباً يخصه (15: 14).
صاحب المبادرة في هذا الحدث هو الله نفسه. تدخّل مرتين بطريقة رئيسية: حين رأى كورنيليوس رؤية (10: 3- 8؛ 10: 30- 33؛ رج 11: 13) مع صوت الرب له: "أرسل رجالاً إلى يافا وجئ بسمعان الذي يقال له بطرس" (10: 5). وحين رأى بطرس رؤية (10: 9- 16؛ 11: 5- 10؛ رج 10: 28) سمع صوت الرب يقول: "ما طهّره الله لا تعتبره نجساً" (10: 15). وهذا ما سيفهمه بطرس فيما بعد: "أراني الله أن لا أحسب أحداً من الناس نجساً أو دنساً" (لا ليس الوثنيون نجسين لأنهم وثنيون، فلماذا التمييز؟) (10: 28). "أراني الله أن لا أفضل أحداً على أحد" (10: 34).
2- تسلسل الأحداث
حين كان بطرس في يافا، دفعت الأحداث الجديدة بطرس في مهمته الرسولية التي هيأها الله له من أجل دخول الوثنيين في الكنيسة. هناك حلمان أوصلا بطرس إلى اللقاء الحاسم. الحلم الأول رآه الضابط الروماني كورنيليوس الذي كان متعبّداً لله متقياً له. جاءه أمر إلهي بأن يدعو بطرس إلى زيارته. والحلم الذي رآه بطرس هيّأه ليتقبّل هذه الدعوة فلا يميز بين طعام طاهر وطعام نجس بحسب الشريعة، ولا يميّز بين يهودي ووثني، فيأكل مع الوثنيين كما يأكل مع اليهودي، بعد أن زال التمييز بالنسبة إلى الإيمان بين اليهودي والوثني.
وانطلق بطرس إلى قيصرية حيث التقى كونيليوس وعائلته وأصدقاءه. دعوه فحدثهم عن الإنجيل: "أنتم تعرفون ما جرى في اليهودية كلها" (10: 37). وإذا كان يتكلّم نزل الروح على المجتمعين الذين كانوا من الوثنيين، بطريقة ذكّرت بطرس بما حدث يوم العنصرة. فهم أنه إن كان الله قبل بدخول الوثنيين في هذا الطريق، فعليه هو أن يستعد لقبولهم في الكنيسة بواسطة العماد. وحين عاد بطرس إلى أورشليم، وجد نفسه مدعواً ليعطي تقديراً عمّا فعله: لم يقولوا له لماذا عمّدت الوثنيين؟ بل لماذا أكلت مع الوثنيين؟ ما زالت الشريعة الموسوية تسيطر على عقلهم. لم نزل بعيدين عما قاله بولس الذي حدّثنا عن التبرر بالإيمان لا بأعمال الشريعة اليهودية. ووجب على بطرس أن يدافع عن نفسه ويبرّر عمله: لهم كيف اقتاده الله اقتياداً وصل به إلى منح العماد للذين حلّ عليهم الروح القدس.
سمع الأخوة في اليهودية كلام بطرس، فاستعادوا هدوءهم وسكتوا عن توزيع انتقاداتهم. وأقرّ الجميع أن الكنيسة فتحت أبوابها للوثنيين، وهي لن تُغلق.
خبر طويل ردده لوقا مرتين، بل ثلاث مرات (رج ملخّصاً عنه في 15: 7- 9). هذا يدل على الأهمية التي يعلقها عليه لوقا في إطار أع. إنه يرتبط بمخرج حاسم في تاريخ الكنيسة الأولى: الإعتراف بأن الإنجيل هو للوثنيين كما هو لليهود. وهذا ليس قراراً بشرياً محضاً. فالرب نفسه قاد بطرس والكنيسة إلى هذه النتيجة. كان الحاجز للقيام برسالة بين الوثنيين الشريعة التي تمنع اليهودي من الاتصال بالوثني لأنه نجس. ومن مشاركته في الطعام لأن طعامه نجس. ولكن الرؤية السماوية جعلت بطرس يتجاوز هذا الحاجز دون أن يقدّم أساساً لاهوتياً. سيُطرح السؤال فيما بعد في مجمع أورشليم: هل يجب على الوثني أن يُختن ويحفظ شريعة موسى ليكون مسيحياً؟ ولكن الممارسة سبقت الشريعة. دخل الوثنيون إلى الكنيسة، فأعلن بطرس في مجمع أورشليم: "نحن نخلص بنعمة الرب يسوع كما هم يخلصون" (15: 11).
لقد جادل العلماء حول أساس هذا الخبر. نستطيع القول أولاً إن ما رواه بطرس في ف 11 لم يكن تقريراً حرفياً عمّا فعله وقاله. إنطلق لوقا من مضمون عام، ودوّنه بطريقة أدبية. ونقول الشيء عينه عن خطبة بطرس في منزل كونيليوس. ولكننا ننسى أن هذه الخطبة تكيّفت والإطار الذي قيلت فيه، وهذا ما يدل على أن لوقا أسّس كتابه في تقليد الكنيسة، في تقليد الكنائس.
وطُرحت أسئلة أخرى. قال العلماء: هناك خبران مستقلان: خبر ارتداد أممي (أي وثني) إلى المسيحية، وخير رؤية ارتبطت بالشرائع اليهودية حول الطعام. ضُمّ الخبران بطريقة مصطنعة في هذين الفصلين من أع. هذا ما قاله ديباليوس في دراسته لأعمال الرسل (لندن 1956) وهانشن في كتابه عن سفر الأعمال. سنعود إلى هانشن فيما بعد، ولكن نقول منذ الآن أن هناك علماء ترددوا في قبول هذا الموقف (هانشون، الأعمال، اوكسفورد 1967: ولسن، الأمم والرسالة الأممية في أع، كمبردج 1973). وقدّمت البراهين. إرتبطت رواية بطرس بموضوع آخر بعيد عن ارتداد الوثنيين. والجواب: هناك علاقة بين الرؤية ووضع بطرس. برهان ثان: ولكن غل 2: 11- 14 دلّت على أن بطرس سيرفض أن يأكل مع الوثنيين. يبدو هذا الموقف غريباً على من اقتنع بأت تلك هي نظرة الله. الجواب: ألا يمكن للإنسان أن يتغيّر ونحن نعرف طبع بطرس؟ كان ضغط كبير أجبره على التخلّي عن هذا المبدأ. برهان ثالث: جعلنا لوقا نشعر أن قرار قبول الوثنيين في الكنيسة دخل في حدث أحرج بطرس، بينما يقول الواقع إن هذا القرار اتخذ فيما بعد في مجمع أورشليم لتكون أعمال الكنيسة مطابقة لمثالها. الجواب: لم يخترع لوقا الخبر، بل أعاد كتابته موازياً بين موقف يسوع تجاه ضابط وثني (لوقا 7: 1- 10) وموقف بطرس تجاه كورنيليوس (لا شك في أن هذا الخبر ابرز شخصية بطرس في هذا العمل الحاسم). ورُفضت العناصر العجائبية في الخبر. وراح هانشن يرفض صورة الله الذي يتدخّل بطريقة حاسمة ليقود كنيسته وكأنها حجر في لعبة. الجواب: نحن أمام اختيار ديني عبّر عنه الكتاب بأسلوب الحلم، والحلم طريقة من الطرق الكتابية لإيصال كلام الله إلى البشر. ما يهم لوقا أن يقوله هو أن الله يوجّه كنيسته، ولكن بأيد بشرية ورغم كل الصعوبات التي تعترض مسيرتها. لا شك في أن كنيسة أورشليم تأخرت لتجعل موقفها متلائماً مع الرسالة إلى الوثنيين.
جوهر الخبر تاريخي، هذا ما لا شك فيه: لا يُعقل أن يكون لوقا اخترع دور بطرس فيه. وطريقة حلول الروح القدس فيه. وطريقة حلول الروح القدس قبل العماد، هل يمكن أن يفكر بها لوقا لو لم تحدث حقاً في تاريخ الكنيسة؟ قد يكون الحدث فرداً، فأبرزه لوقا وجعله بداية أحداث أخرى، فهذا معقول. ولقد أراد لوقا بصورة خاصة أن يجعل بطرس. رئيس الاثني عشر، يدخل أول وثني إلى الكنيسة بطريقة رسمية. هكذا حافظ على الدور الريادي لكنيسة أورشليم وللاثني عشر. وستكون انطاكية امتداداً لأورشليم، وسيتابع بولس ما بدأه بطرس فيقوم بنشر البشارة حتى رومة نفسها، فيصل بالإنجيل إلى أقاصي الأرض.
ب- تفسير النص (10: 1- 11: 18)
1- المشهد الأول (10: 1- 8): رؤية كورنيليوس للملاك
آ1. نستطيع أن نقسم هذا النص إلى سبعة مشاهد. أما المشهد الأول فتتم أحداثه في قيصرية (8: 40؛ 9: 30). هي المدينة التي بناها هيرودس الأكبر فصارت مركز الإدارة الرومانية في اليهودية. كانت تسمّى "برج سترابون" فصارت "قيصرية سابستي" إكراماً للإمبراطور. كانت المدينة مرفأ هاماً فأقام فيها الحكام مركزاً للجيش الروماني.
وأقام في قيصرية كورنيليوس. هذا الاسم معروف بعد ن حرّر القنصل كونيليوس سيلا آلافاً من العبيد. (اتخذوا اسمه تقديراً له على معروفه). كان قائد مئة، أي ضابطاً خرج من الصف (ضابط صفّ كما نقول في اللغة الحديثة)، وكان بأمرته مئة من الجند. الفرقة الإيطالية: تتالف من مجنّدين متطوّعين جاؤوا من إيطاليا، أو من مدن آخرى تمتعت بالمواطنية الرومانية على مثال المدن الإيطالية. نعرف أن هذه الفرقة تألفت من 2000 جندي اشتهروا كرماة بالقوس، وعرفوا بصورة هاصة حوالي سنة 69 ب م، وظلوا معروفين حتى القرن الثاني. قد يكون بين الفرقة التي انتمى إليها كونيليوس حوالي سنة 41 بعض المولودين من الشرق. فبعد سنة 41- 44، يوم كان هيرودوس أغريبا عميلاً لم تكن هناك حاجة إلى وحدات رومانية في اليهودية.
آ2. لا يهمّ لوقا وضع كورنيليوس كضابط في الجيش، بل ما يهمّه هو أن هذا الضابط وأهل بيته هم من المتعبدين لله. هناك كلمتان "اوسابيس" أي التقي الذي يصلّي ويعمل أعمالاً صالحة (رج 3: 12، 10: 7؛ 17: 23). دخلت هذه الكلمة اليونانية في ساعة متأخرة إلى المسيحية مع رسائل بولس إلى تيموتاوس وتيطس، ومع رسالة بطرس الثانية. أما الثانية: "فوبومينوس تون تيون" أي الذي يخاف الله. هذه العبارة يهودية معنى ومبنى. هي تفرض الإيمان بإله إسرائيل، وتتضمّ، الأمانة لكل متطلبات العهد المتعلقة بالله والقريب، وتقود إلى الحكمة التي تقول إن العالم ليس بعبث (أم 1: 7؛ سي 1: 11- 20). في آ 35 سترتبط مخافة الله بعمل البر.
لم يكن إخلاص كورنيليوس للرب شكلياً: لقد كان يداوم على الصلاة، ويقدّم الصدقات للفقراء. قد يكون من المتقين لله (سابومينوس تون تيون) أي عضواً في مجموعة من الوثنيين تشارك في الصلاة في المجمع وتأخذ بفرائض الشريعة. ولكن كورنيليوس لم يكن مختوماً (نقرأ في 11: 3: دخلت إلى قوم غير مختونين). إذاً لم يكن من جماعة المرتدّين أي الوثنيين الذين قبلوا بالديانة اليهودية بما فيها الختان، فظل من جماعة المتقين (رج 13: 16، 26، 43؛ 16: 14؛ 17: 18؛ 18: 7). كان يهود فلسطين يعتبرون "المتقين" أوثاناً، أما يهود الشتات فكانوا أكثر تحرراً في هذا الشأن. وقد يكون كورنيليوس صار من المتقين قبل أن يأتي إلى فلسطين. يبدو أن كنيسة لوقا شاركت اليهود موقفهم بالنسبة إلى المتقين. ولكن الموقف المسيحي تبدّل. ومن الواضح أن لوقا أقرّ بنفسه بأهمية هذه الخطوة من أجل ارتداد العالم الوثني إلى المسيحية. نلاحظ بطريقة عابرة ما يقول لوقا عن ضابط آخر في لو 7: 5: إنه يحب شعبنا، وهو الذي بنى لنا هذا المجمع.
أ 3- 6- ورأى كورنيليوس رؤية: "أوراماً" يكون فيها الإنسان صاحيا وغير نائم. إنه مستعد لقبول صوت يأتيه من السماء. تلك كانت رؤية كونيليوس الساعة التاسعة أي الثالثة بعد الظهر. 16: 9 و18: 9 يقال لنا بوضوح ان الرؤية حصلت في الليل.
الساعة التاسعة: وقت الصلاة في الهيكل. فكورنيليوس يداوم على الصلاة. وهذا يعني من جهة ثانية أن الرؤية حصلت في وضح النهار فلم يكن كورنيليوس فريسة أوهامه وتخيّلاته.
دخل ملاك الله إليه. ناداه باسمه (رج لو 1: 13، 30؛ أع 9: 4). أحسّ كورنيليوس بالخوف. هذا هو موقف الإنسان أمام العالم الفائق الطبيعة، وهذه ميزة الأخبار التي تسبه هذا الخبر. اعتدنا أن نسمع في الكتاب المقدس: لا تخف. أما هنا فقال الملاك: تذكّر الرب صلواتك وصدقاتك. يقال عادة ان المحرقة تصعد وترتفع رائحتها إلى الله. أما لوقا فقال: صعدت صلواتك وصدقاتك. هذا يعني أن لها فاعلية الذبائح أمام الله. كان هذا التعبير تقليدياً في هذا المعنى (مز 141: 2): "لتكن صلاتي كالبخور الموضوع أمامك، لتكن يداي المرتفعتان للصلاة كتقدمة المساء" (طو 12: 12؛ فل 4: 18؛ عب 13: 15). ما يتضمّنه هذا التعبير، هو أن الله استجاب صلاة رفعها كورنيليوس. ولكن في هذه لمرحلة تنكشف لنا طبيعة هذا الجواب. لن نقول إن كورنيليوس صلّى من أجل قبوله في الجماعة المسيحية التي يعرفها رغم ما نقرأه في آ 37. فهذه الجماعة غير معجّلة في قبول وثنيين. على كورنيليوس أن يرسل شخصاً إلى يافا، إلى شخص اسمه سمعان (هذا هو الاسم اليهودي لبطرس). لم يكن كورنيليوس يعرف سمعان ولا بطرس. وقد وضع الكاتب اللقب بطرس قرب سمعان ليُميّز بطرس الرسول عن سمعان الدباغ الذي أقام عنده بطرس (9: 43). لم يقل لنا النص ماذا يخبئ الله لكورنيليوس، أو لماذا أرسل في طبي بطرس. هذا ما يبقى القارئ متشوقاً. ولكن أهم من هذا، هو أن لوقا أراد أن يبيّن أن بطرس وكورنيليوس أطاعا الله طاعة عمياء، لأنه هو وحده يوجّه أعمالهما.
آ7- 8- وانصرف الملاك بعد أن أكمل المهمة كما ينصرف كل "مرسال". نحن أمام واقع روحي، ولكنّه دوّن بطريقة منظورة. المهم هو أن كورنيليوس لبّى الأوامر: أرسل ثلاثة "مراسيل": أرسل خادمين من خدمة (إنهما شاهدان والشهادة تحتاج إلى شخصين) وجندياً (من مرافقيه الأخصاء)يشاركه إيمانه ويعرف كيف يشرح الوضع لبطرس. كان هذا الجندي من الذين يخافون الله.
تبعد قيصرية عن يافا 48 كلم. هذا يعني أن المراسيل لم يذهبوا سيراً على الأقدام، وأنهم أخذوا مطية يركبها بطرس في طريق العودة. إنطلق المراسيل بعد الظهر، وساروا طوال الليلي. استراحوا هنا أو هناك في الخانات الرومانية، فوصلوا حوالي ظهر اليوم التالي إلى يافا.
2- المشهد الثاني (10: 9- 16): رؤية بطرس
وانتقل المشهد الآن إلى يافا، إلى بيت سمعان الدبّاغ حيث يقيم بطرس: في الوقت الذي وصل فيه المراسيل، كان بطرس على السطح: اعتزل للصلاة، وكانت الساعة السادسة، أي ساعة الظهر. اعتاد اليهود أن يصلوا ثلاث مرات في النهار (مز 55: 17- 18: ادعوا الله والله يخلصني. أدعوه في السماء والصباح والظهر، وهو يسمع صوتي؛ رج دا 6: 11: كان يجثو على ركبتيه ثلاث مرات في النهار). وصلاة الظهر لا تزال صلاة من صلوات الفرض اليومية التي يتلوها الرهبان خاصة. وقال هانشن: هل كانت هذه الصلاة صلاة صباحية تأخرت، أم كانت "صلاة التقدمة" التي تتلى في الساعة الثالثة بعد الظهر (رج 3: 1: الساعة التاسعة)؟ ولكن لوقا لا يهتم لمثل هذه الدقة. ما يهمه أن بقول هو أن الصلاة والرؤية تترافقان وكأنهما توأمان.
ولكن أفكار بطرس تحوّلت عن الصلاة بسبب الجوع، مع أنه لم تكن ساعة الغداء لدى اليهود. كان الرومان واليونانيين يتغدون حوالي الظهر. أما اليهود فكانوا يتروّقون (يفطرون) قبل الظهر ويتغدون (يأخذون طعام الغداء) بعد الظهر دون تحديد للوقت.
كان بطرس على السطح، أي في العلية كما كان ايليا عند الأرملة في صرفت صيدا (أو الصرفند الحالي، وهو يقع جنوبي صيدا) (1 مل 18: 22)، وكما كان اليشاع عند الشمونمية التي بنت لرجل الله عليّة جعلت فيها سريراً ومائدة وكرسياً وسراجاً (2 مل 4: 9- 10). احسّ بطرس بالجوع، ولكنه لم يجد طعاماً مهيأً له. هكذا هيأ الراوي الطريق للرؤية التي سيراها بطرس. وقع بطرس في غيبوبة. اختطف. (11: 5؛ 22: 17). الكلمة اليونانية غريبة في العهد الجديد وهي تدل على تغرّب كامل (اقتلاع من الحاضر المادي) ينتج عن رؤية الله أو المسيح. تُستعمل هذه الكلمة أيضاً لتدلّ على الدهشة العميقة أمام المعجزة. هذا ما أحسّ به الذين رأو الكسيح يمشي (3: 10) بعد أن قال بطرس: "امش". أجل فعل بطرس ما فعله يسوع سابقاً (لو 5: 24: قال للكسيح: احمل فراشك) فتعجّبوا وكادوا يقعون في غيبوبة (لو 5: 26).
نجد ثلاثة عناصر في هذه الرؤية. الأول. كان بطرس يصلي، وهذا يعني أنه كان في وضع يخوّله تقبل الرسالة الآتية من عند الله. يشدّد لوقا مرمراً على القول بأن الله يكلّم الإنسان ساعة يكون في الصلاة (13: 2؛ رج لو 3: 21 ي؛ 9: 29). الثاني. قد يكون جوع بطرس كوّن طبيعة هذه الرؤية. الثالث. ان المدى المنفتح أمام بطرس ساعد على تكوين سماط معقود بأطرافه الأربعة ومنحدر من السماء إلى الأرض (قال النص الغربي في شهود قلائل: وعاء لا سماط).
ضمّ السماط ثلاثة أنواع من الحيوان على ما نقرأ في العهد القديم (تك 6: 20؛ رج روم 1: 23). كانت لائحة معروفة: (الدواب تدب على الأربعة )، الزحافات، الطيور (رج تك 1: 21، 24؛ 7: 14). وسمع بطرس صوتاً يقول له: أقتل (شحط في العبرية، تيو في اليونانية)، اذبح حسب فرائض الشريعة، أما الحيوان الدنس فلا يُذبح حسب الطقوس (لا 11: 1 ي). أقتل الحيوانات وهيّئ لك طعاماً.
قد يكون بطرس رأى خيمة سماوية أو قل معبداً رأسه في السماء وأسسه على الأرض. إن قطعة القماش تبدو معقودة بأطرافها الأربعة، ولكن لا شيء يدفعنا إلى القول إننا أمام سماط. مهما يكن من أمر هذه الرؤية، فنحن نجد فيها أموراً قريبة مما في خر 1: 1 ي: السماء مفتوحة، العدد أربعة (أطراف الأرض الأربعة)، وجود الحيوانات، صوت الله. أجل، انتقلت السماء إلى الأرض وصار بطرس بحضرة الله وها هو يسمع كلامه.
احتج بطرس ضد هذا الأمر: ما أكلت في حياتي نجساً أو دنساً. إلى من يتحدث بطرس؟ فالكلمة اليونانية تعني السيد أو الرب. ولكننا سنعرف فيما بعد أنه الرب. أعلن له الصوت: ما طهَّره الله لا تعتبره أنت نجساً. أجل إن التمييز بين ما هو نجس وما هو طاهر لم يعد معمولاً به. وسيفهم بطرس المعنى الكامل لهذا الوحي: التمييز بين اليهودي والوثني قد تعداه الزمن (آ 28، 34). وحدث هذا ثلاث مرات. قاوم بطرس بخلاص ولكن الصون السماوي تكرّر مثل قرار حاسم، ثم كان صمت ارتفع الشيء بعده إلى السماء واختفى عن نظر بطرس.
إن اليهودي الذي صار مسيحياً يستطيع أن يأكل من أي طعام دون أن يتنجّس. ولكن متى ألغيت هذه الشريعة التي أوردها سفر اللاويين في ف 11؟ لقد ألغيت منذ هذه الساعة. وسيفهم المسيحيون فيما بعد ـن هذا الإلغاء هو جزء من النظام الجديد، وأن بعض ما قاله يسوع يتضمّن إلغاء كل تمييز بين ما هو طاهر وما هو نجس، كما يقول اليهود. هذا ما نجده في تعليم يسوع حين قال إنه ليس من الضروري أن تغسل يديك قبل الأكل لأسباب طقسية (والأسباب الطقسية تتميّز عن الأسباب الصحية). وأردف مرقس فقال: "جعل الأطعمة كلها طاهرة" (مر 7: 19). قال بولس في المعنى عينه: "أنا عالم ومتيقن في الرب يسوع أن لا شيء نجس في حدّ ذاته" (روم 14: 4). بما أن روم دونت في كورنتوس، فهذا يعني أن المسيحيين المتهوّدين في كونتوس كانوا يقبلون بهذا المبدأ: لم يعلّمهم فقط أن الطعام العادي طاهر، بل إن الطعام الذي قدّم للاصنام وبيع في السوق هو طاهر، لأن الوثن ليس بشيء (1 كور 10: 9). لا شك في ذلك الوقت أن بطرس وسائر المسيحيين المتهودين لم يكونوا قد رأوا أنهم يقدرون أن يأكلوا أي نوع من الطعام فيجهلوا العهد القديم الذي يشرع في قوانين ستزال سارية إلى زمن بعيد.
هناك شراح عديدون لم يروا العلاقة بين رؤية بطرس ووصفه المباشر فحاولوا أن يفسّروا هذه الرؤية وكأنها استعارة: حين أعلن كل إنسان طاهراً، لم يعد بطرس يخاف من الدخول إلى بيت إنسان وثني. قالوا: لا شك في أن التفسير مبالغ فيه ومصطنع، وان وجدناه في 11: 12 و15: 9. وراح بعضهم يقول أن الرؤية قد زيدت في مرحلة ثانية على الخبر. يقول: إن أمر الرب هو الذيي حرّر بطرس من أي خوف ليذهب إلى بيت رجل وثني ويأكل من أي طعام يوضع أمامه. وستكون الخطوة قصيرة بين الإقرار بأن الطعام الوثني طاهر والقول بأن الوثنيين أنفسهم هم طاهرون.
3- المشهد الثالث (10: 17- 23 أ): بطرس يستقبل المراسيل.
آ 17- 20. حين عاد بطرس إلى وعيه وتساءل عن معنى هذه الرؤية غير المنتظرة، وصل مراسيل كونيليوس إلى بيت سمعان الدبّاغ وسألوا عن بطرس. لم يكن البيت قصراً، واهتمام لوقا بع يعود إلى أنه كان مركز إقامة بطرس وموضع إجتماع "كنيسة" يافا. إن وصول المراسيل في هذا الوقت بالذات، يدلّ على أن العناية الإلهية هي التي توجّه الأحداث. وإذا كانوا بعد عند الباب، جاء إلى بطرس توجيه داخلي من عند الروح، هو إمتداد للرؤية. فهم بطرس وتيقّن أن عليه أن يطيع الأمر الإله. جاء تنبيه: هناك رجال يطلبونك. وجاءه أمر: غذهب معهم ولا تخف، لأني أنا أرسلتهم. هو الروح يتكلم بصيغة المتكلّم المفرد (أنا أرسلتهم). وهكذا نفهم أن الرؤية هيأت بطرس ليفهم الأمر الإلهي.
هنا تختلف المخطوطات. يقةل النص المتداول: رجلان إثنان. أما الفاتيكاني والبازي ومخطوطات متأخرة فتغفل ذكر العدد فتقول: الرجال. والإسكندراني والصعيدي والبحيري تقرأ: ثلاثة رجال. وهناك من يعتبر أن الرقم اثنين هو الصحيح، لأن الجندي ليس مرسلاً بل هو يرافق المرسلين أي "الشاهدين". وقال آخرون: يرجع الرقم اثنين إلى آ 7 (اثنين من الخدمة). وزاد شراح: تحدّثت مراجع لوقا عن رجلين، ولم تحسب الجندي كمراسل. ولكن لا ننسى الخبر في 11: 11 (ثلاثة رجال).
لم يشرح الروح الرؤية لبطرس الذي سيفهم فيما بعد (آ 28). بل وجّهه، فنزل بدون تردّد وتبع الرجلين. الروح يتكلم هنا. أما في آ 4- 5، فالملاك هو الذي يتكلّم. كل هذا يدلّ على القدرة الإلهية عينها.
آ 12- 23. لم يسمع أهل البيت الرجال يقرعون الباب. فبطرس فتح لهم بنفسه. أجل هو الذي أدخل هؤلاء الوثنيين إلى بيت يقيم فيه، وليس غيره. الروح هو الذي يحرّك بطرس فيسأل المراسيل: لماذا جئتم؟ قالت السريانية الحرقلية: ماذا تريدون؟
اذن نزل بطرس وعرّف بنفسه. أما هم فأخبروه بطلبهم مردّدين ما نقرأه في آ 1- 5. أما الجديد في كلامهم، فهو قولهم بأن كونيليوس يرغب في رؤية بطرس. ولكن العبارة ظلّت عامة فلم تحل العقدة نلاحظ أن الكاتب لم يستغرب القول بأن لكورنيليوس سمعة رفيعة (هذه ما يقال عن ضابط كفرناحوم: يحب أمتنا، لو 7: 5) لدى جميع اليهود.
ولكن تأخر الوقت، فلا مجال للعودة في اليوم نفسه إلى قيصرية. فأنزل بطرس المراسيل ضيوفاً عنده، أو بالأحرى على "الكنيسة" النازلة لدى سمعان الدبّاغ. لم يتوقّف لوقا عن ما فعله بطرس حين استقبل هؤلاء "الوثنيين"، ولم يتحدّث عن معارضة قد يكون أبداها صاحب الدار أو الجماعة التي تجتمع عنده.
ليس المهم ما يحدث في بيت سمعان الدبّاغ، بل في بيت كورنيليوس. إن لو يركّز انتباهنا على أعمال بطرس التي وحدها تهمه.
4- المشهد الرابع (10: 23ب- 33): وذهب بطرس إلى كورنيليوس.
آ 23 ب- 29. ذهب بطرس من يافا إلى قيصرية يرافقه عدد من المسيحيين. إنهم سيكونون شهوده حين يكلّم جماعة أورشليم ويبرّر عمله (11: 12). كانو ستة أشخاص (ضعف عدد المراسل). جاؤوا على سبيل الفضول (الحشرية)، جاؤوا ليروا، ومن يدري ليرقبوا بطرس. ولكنهم سيندهشون حين يرون الروح ينزل على الوثنيين (10: 45).
وصلوا في اليوم التالي، فوجدوا كورنيليوس مستعداً ليسمعهم مع الأقارب والأصدقاء. أ<ل دعاهم كلهم، لأن الملاك أمره بذلك فيكون الخلاص له ولهم (11: 14). أجل، ستتأسّس كنيسة في بيت كورنيليوس، فتحذو حذو كنيسة أورشليم في الاستماع للشهادة التي يؤديها الرسول بطرس (أع 4: 33).
وصل بطرس، وأول عمل قام به كورنيليوس هو أنه ركع أمام الرسول احتراماً. رفض بطرس مثل هذا العمل الذي يقدِّم لله وحده (هذه معروف في العهد الجديد، رج 4: 14 ي؛ رؤ 19: 10؛ 22: 9). قال بطرس: ما أنا إلا بشر مثلك. وسيقول بولس: نحن بشر ضعفاء مثلكم (14: 15).
استقبل كورنيليوس بطرس عند الباب، ورافقه إلى حيث تنتظره "الجماعة" لتسمعه. تكلّم بطرس فأثرّ على سامعيه وعلى قرّاء لوقا: جاء إلى بيت وثني، وهذه سابقة. فلا يحق ليهودي أن يخالط أناساً من غير شعبه. فقد تجنب لوقا كلمة "وثني" أو "أممي" فقال: أجنبي أو غريب. ولكن الله أمره أن لا يدعو أحداً نجساً. أجل، فهم بطرس معنى الرؤية التي رآها في "العلية".
قال بطرس: دعوتموني فجئت من دون اعتراض. إذن، الله هو المسؤول عن تصرّف بطرس حتى الآن، وسيكون الباعث على ما سيحدث فيما بعد. ولكن لماذا طلب كورنيليوس بطرس الرسول؟ هذا ما سيتوضح تدريجياً.
آ 30. يبدو النص غامضاً في اليونانية. حرفياً: منذ اليوم الرابع إلى هذه الساعة، كنت أصلي في الساعة التاسعة في بيتي، فوقف رجل أمامي. قد تعني منذ اليوم الرابع: منذ أربعة أيام. أ/ا الصعوبة الحقيقية فهي: إلى هذه الساعة. إنها تجعل ما تبقّى وكأن لا معنى له. قد يمكن أن نترجم العبارة: حوالي تلك الساعة. ولكن لا شيء يسند هذه الترجمة. قد يكون هناك خطأ لدى الناسخ الذي افترض أن كورنيليوس قضى أربعة أيام في الصلاة. وتبهع سائر النسّاخ وزادوا أن كورنيليوس كان يصوم.
يصوّر الملاك كرجل عليه ثياب برّاقة (رج 1: 10). أراد لوقا هنا أن ينوّع أسلوبه. نشير إلى أن العهد القديم عرف صورة الملاك الآتي لمساعدة الشعب (2 مك 11: 8: فارس عليه لباس أبيض).
آ 31- 33. نسمع هنا من جديد ما قاله الملاك لكورنيليوس. ولكننا نجد اختلافاً بين البداية (آ 4- 26) وبين هذه الآيات. هذا يدل على أن الكاتب لا يورد حرفياً الحوارات والخطب. إنه أسلوب المؤرخين القدماء الذين ينطلقون من تقليد قديم ويدوّنونه بأسلوبهم الخاص.
وشكر كورنيليوس بطرس لأنه جاء إلى بيته، وطلب منه أن يكلّمهم. وقال: هذا الاجتماع يتم تحت نظر الله، في حضرة الله. هذه الملاحظة العابرة تدل على أن الشعب الذي يجتمع لسماع الإنجيل (وبالأحرى الجماعة المسيحية) فهو يسمعه في حضرة الله. هي المرة الوحيدة التي ترد فيها هذه العبارة بهذا المعنى في العهد الجديد. ولكن الفكرة التي تقول إن أعمال الإنسان ظاهرة لدى الله، فكرة معروفة. وسيعبّر مت 18: 20 عن الفكرة عينها بعبارة مختلفة فيقول: "أينما اجتمع اثنان باسمي، كنت هناك بينهم". وقال بولس: "جتمعون باسم ربنا يسوع وقدرته" (1 كور 5: 4).
5- المشهد الخامس (10: 34- 43): وبدأ بطرس يتكلم.
آ 34- 35. من أين لبطرس مثل هؤلاء السامعين المستعدين لكلام الله؟ استفاد من الظرف وتكلّم مطولاً. أما مضمون ما سيقوله فقد برز بالعبارة الاحتفالية التي بها بدأ خطبته: فتح بطرس فمه وقال (8: 35؛ مت 5: 2. هذا يدل على أهمية ما سيقال).
فهم بطرس أن الله يقبل أي إنسان في أي شعب كان. يكفي أن يخافه ويعمل البر (أو الخير، والبر يدل إرادة الله ووصاياه). أجل، ما يهمّ الله هو قيمة الإنسان الأدبية والدينية، لا جنسه أو عرقه أو وطنه.
الله لا يحابي، لا يفضّل أحداً على أحد. للمرة الأولى في العهد القديم نقرأ هذه العبارة العبرية التي تعني: رفع وجه فلان، أظهر له رضاه، رضي عنه. ولكن الله لا يفضّل أحداً بطريقة اعتباطية. هذا يعني من جهة أنه لن يحابي الأشرار يوم الدينونة (روم 2: 11). "فالذين خطئوا بغير شريعة فبغير شريعة (موسى) يهلكون. والذين خطئوا ولهم شريعة موسى، فبشريعة موسى يُدانون" (روم 2: 12). وقال بولس أيضاً: "أما الذي يعمل الشر فسينال جزاء من عمله، ولا محاباة" (كو 3: 25؛ رج 1 بط 1ك 17). ومن جهة ثانية. لن يخاف الإنسان أن يرفضه الله لأنه متحيّز لشعب دون شعب أو لفرد دون آخر. "ليفتخر الأخ المسكين برفعته والغنى بذلّته" (يع 1: 9- 10).
لا يثير بطرس سؤلاً حول موقف الله إنطلاقاً من العهد القديم (لا يفكّر لوقا بماضي إسرائيل بل بالتحدي الذي يقدمه الإنجيل) الذي يشدد على المكانة المميزة لإسرائيل كشعب الله المختار. من الواضح أن إمتياز إسرائيل تأسّس على إختيار الله لا على استحقاق الشعب. إذن نكون منطقيين حين نقول إن الله يقبل الناس من كل أمة. على هذا الأساس، هو يختار. فإن خاف إنسان الله وفعل البر، صار مقبولاً لدى الله. نجد آثار هذا التعليم في العالم اليهودي، ولكن بصورة واضحة في روم 2: 1 ي. هذا لا يعني أن الخلاص ممكن خارجاً عن التفكير الذي حمله يسوع، بل أنه على أساس موت يسوع وقيامته يقدّم الإنجيل لكل إنسان يرضى أن يقبله ويعترف بحاجته إليه. فلو قال شخص إن أعمال الشريعة تكفيني لأنال رضى الله، ولست بحاجة إلى الإنجيل (هذا ما فعله الفريسي، لو 18: 11)، فهذا إنسان لا يقبله الله. هناك انفتاح على الإنجيل، على الجديد الذي يقدمه الله كل يوم في حياتنا. الإنغلاق يشبه إلى حد بعيد الخطيئة، والروح القدس الذي يدفعنا إلى الأمام لا يريدنا أن نرجع إلى الوراء، بل يريد أن يجدّدنا بقوة الإنجيل ويجدّد بنا وجه الأرض.
كيف بدت خطبة بطرس؟ ربط كلامه بالواقع (آ 34- 35)، ثم بدأ الكرازة (آ 36- 43). قدّم البراهين الكتابية (آ 43 أ)، دعا كورنيليوس والحاضرين إلى التوبة (آ 42، 43 ب).
آ 36- 38. استعد الحاضرون للسماع، فبدأ بطرس بإعلان الإنجيل. وتبدو الخطبة فريدة بين خطب أع، لأنها تلفت إنتباهنا إلى حياة يسوع على الأرض، بدلاً من أن تنطلق من رفض اليهود للرب وصلبه. أما سبب ذلك، فلأن لوقا أراد التنوّع الأدبي. ثم إن هذه الخطبة تتكيّف مع غير اليهود الذين لا يعرفون عن يسوع ما يعرفه أناس خطب فيهم بطرس في أورشليم. ولكن هناك من يعارض فيقول: بدأ بطرس خطبته فقال: أنتم تعرفون، فبدا وكأن كورنيليوس كان عارفاً بالخبر ولم يكن يحتاج إلى مزيد من السماع. وهناك من اعتبر أن كورنيليوس وجميع أهل بيته كانوا قد ارتدوا قبل أن يحدثهم بطرس، بحيث اكتفى بتثبيت معرفتهم الموجودة ولإيمانهم الحاضر. نحن نحسّ بضعف هذه النظرية التي تعتبر أن معرفة كورنيليوس كانت ناقصة. فكما قال له بطرس أنت تعرف، كذلك كان قد قال لليهود "كما أنتم تعرفون" (2: 22). يبدو أننا أمام طريقة أدبية يستجلب بها الخطب إنتباه السامعين.
عاد لوقا إلى التقليد، واتخذ مضمون الخطبة، ونسّقها بطريقته الخاصة. إن آ 36 تتضمّن تلميحات إلى نصين من العهد القديم، مز 107: 20 "أرسل كلمته"؛ أش 52: 7 "أقدام من يحملون الأخبار الطبية، من يبشرون بالسلام". وبدأ الإعلان فقال إن الله قد أتمّ وعده في العهد القديم في يسوع: حمل السلام إلى شعبه، إلى بني إسرائيل. والسلام يدل هنا على الخلاص في معناه الكامل (لو 1: 79؛ 2: 14؛ روم 5: 1؛ أف 2: 17؛ 6: 15). لا يدل فقط على غياب العداوة بين الله والإنسان، بل على البركة التي تجعل حالة المصالحة هذه تمتد في الزمان والمكان. ولكن هذا التعليم ينحصر باليهود. فإن أرسل إلى إسرائيل، فهو يتوجّه أيضاً إلى كل إنسان. قال بطرس: يسوع هو حامل السلام، هو رب كل العالمين. نجد هذه العبارة الأخيرة لدى الكتّاب اليهود والكتّاب المسيحيين، وهي ستساعد بطرس على الانطلاق في حديثه.
حينئذ شدّد "الواعظ" على أن بشرى السلام وصلت في أيان يسوع. كان لسامعيه بعض المعلومات، وإن غامضة، عمّا حدث في اليهودية كلها، إن إنجيل لوقا يميّز بالقول إن رسالة يسوع إمتدت كلها، أي الجليل والمنطقة الواقعة إلى الجنوب من أورشليم والتي تسمى اليهودية بحصر المعنى (لو 4: 44؛ 7: 17؛ 23: 5). بدأت خدمة يسوع في الجليل (لو 23: 5)، وارتبطت بخدمة يوحنا العمادية (أع 1: 22؛ 13: 24). نلاحظ هنا كيف أن أقدم الأناجيل، إنجيل مرقس، يبدأ تعليمه في هذه النقطة أيضاً.
بعد هذا نسمع خبراً قصيراً عمّا حدث: الله مسح يسوع بالروح. هنا تُستعمل كلمة أش 61: 1 (روح السيد الرب علي، مسحني لأبشّر المساكين) لتفسّر ما حصل ليسوع في الأردن، ولتقدّم خطبة يسوع في الناصرة (لو 4: 18؛ رج أع 4: 27). إن عطية الروح توصل القوة، وبهذه القوة استطاع يسوع أن يحمل العون والشفاء (مز 107: 20) للشعب الرازح تحت سلطان الشيطان. الفكرة التي نقرأها هنا هي أن عجائب الشفاء تخلّص الناس من سلطة الشرير الذي هو المسؤول عن آلامهم (لو 13: 16). كان يعمل الخير (يحسن). هكذا كان يسمى العظماء أنفسهم (لو 22: 25، المحسنون). استعمل لوقا هذا الفعل ليبين أن يسوع هو المساعد الحقيقي للناس والمحسن الحقيقي إليهم. أجل إن حكم الله الذي جاء يسوع يؤسّسه، سيجد المعارضة من قوى الشيطان، ولكنه سيتغلّب عليها (لو 11: 17- 20). تحدّث بطرس في آ 36 عن كرازة يسوع، فاكتفى هنا بالحديث عن أعماله العظيمة. وهكذا بدت الكرازة والعجائب كأنها أفعال الله العامل في يسوع ممثله.
نجد مقابلة بين خطبة بطرس التي تبدأ في آ 36 مع خطبة بولس في أنطاكية بسيدية. تتوجّه الخطبتان إلى النوع نفسه من السامعين: تكلّم بولس إلى اليهود وإلى الذين يتّقون الله (13: 26). لقد كان لوقا "وجماعته" من هؤلاء المتقين. قال بولس: "إلينا (هناك إختلافة تقول: إليكم) أرسلت كلمة الخلاص". فقابل كلام بطرس: أرسل كلمته إلى بني إسرائيل. وتدل الكلمة (لوغوس) في الخطبتين على تعليم الخلاص المسيحي، لا على كلمة الله كما يقول يوحنا في إنجيله (يو 1: 1). وإذ أرسل الله تعليمه (عبر الرسل)، أعلن السلام بينه وبين البشر، سلاماً أقامه بابنه يسوع. وإذ قال بطرس إن يسوع هو رب العالمين، حاول أن يصالح بين رسالة تتوجّه إلى شعب خاص وأخرى تتوجّه إلى جميع البشر.
آ 39- 41. يعود بطرس بطريقة عادية في خطبة إلى الرسل الذين هم شهود لحياة يسوع منذ يوحنا حتى القيامة، الذين هم لكافلون للتقليد الصحيح في الكنيسة. أدخل لوقا الجليل في عالم اليهود، فأدخاه في التحرك المسيحي الذي إمتد من اليهودية كلها (ربما فيها الجليل)إلى السامرة.
الرسل الاثنا عشر هم الذين رافقوا يسوع منذ بداية حياته العلنية (1: 21 ي). ولهذا يقدرون أن يعتبروا نفوسهم شهوداً لهذه الحياة في اليهودية بصورة عامة، وفي أورشليم بصورة خاصة. إعتاد بطرس في هذا المكان من خطبته التي تتوجه إلى اليهود. لهذا ألمح إلى موت يسوع على يد اليهود بصورة عابرة. هذا الموت قد أعلن مسبقاً في العهد القديم. والعبارة "علّقوا على خشبة" (أي: صلبوه) هي صدى نص تث 21: 22 ي (تودّد أيضاً في أع 5: 30) الذي رأى فيه بولس تتميماً لما حدث ليسوع (غل 3: 13).
ويسوع هذا الذي صلبه اليهود، قد أقامه الله من بين الأموات في اليوم الثالث. وفي 1 كور 15: 3 نجد الإيرادين الفريدين (خارج الإنجيل) اللذين يتحدّثان عن القيامة في اليوم الثالث. وقد أعطاه الله أن يراه جماعة من الشهود اختبروا سابقاً. فالقيامة لم تكن ظاهرة للشعب. والسبب في ذلك هو أن الذين رأوا يسوع، صاروا شهوداً لأناس عديدين لم يروه. إنهم استعدوا طويلاً بحياتهم مع يسوع ومشاركتهم له في عمله ورسالته. ولقد شدد لوقا على واقع خبرتهم معه حين قال: "أكلوا وشربوا معه" (1: 4؛ لو 24: 30، 43).
آ 42- 43. بعد القيامة أمر يسوع الرسل بأن يحملوا البشارة إلى الشعب، أي الشعب اليهودي (بالدرجة الأولى). وإن جزءاً من رسالتهم يدفعهم إلى أن يشهدوا أن الله جعل يسوع ديّاناً لكل البشر، الأحياء منهم والأموات. هذه هي وظيفة ابن الإنسان في الواقع الذي ذكرته الأناجيل الإزائية. ويشهد لوظيفة يسوع هذه 1 تم 4: 1 (الربّ يسوع المسيح الذي سيدين الأحياء والأموات عند ظهوره)؛ 1 بط 4: 5 (سيؤدّون حساباً لله الذي هو مستعد أن يدين الأحياء والأموات). وإن التعليم الأول أعلن أن ابن الإنسان يجلس عن يمين الله ويشاركه في عمل الدينونة (يو 5: 22، 27). وفي النهاية قال لوقا: "كل من يؤمن بيسوع ينال باسمه غفران الخطايا" (لو 24: 46- 47). إلى أية نبوءة لمّح بطرس حين قال: "يشهد له جميع الأنبياء"؟ إلى أش 33: 24: "لن يقول ساكن في أورشليم: أنا مريض. فالشعب الذي يقيم في أورشليم يحل من خطاياه"؛ رج 53: 4- 6؛ إر 31: 34؛ دا 9: 24.
6- المشهد السادس (10: 44- 48): نهاية الخطبة.
آ 44. إن عودة بطرس في آ 43 إلى "كل من يؤمن به" تعني كل من يؤمن به من بني إسرائيل. ولكن في نظر آ 34- 35، هناك معنى أوسع. وفي أي حال، وقبل أن يزيد بطرس أي شيء، نزل الروح القدس على الذين سمعوا التعليم: تابوا وآمنو (11: 17- 18). هذا يعني أمرين. الأول: إن الوثنيين الحاضرين لبّوا النداء بإيمان. الثاني: إن الرب قبلهم وختم إيمانهم بعطية الروح. كانت هذه المناسبة الأولى التي فيها يسمع الوثنيون التعليم. فتجاوبوا معه فقبلهم الرب. هذه الآية تدل على نهاية ديانة خاصة بشعب من الشعوب، وبداية تتوجّه إلى كل الشعوب بدءاً بكورنيليوس وأهل بيته وأصدقائه، بعد أن شهد بطرس ومسيحيو يافا لهم عن المسيح.
آ 45- 46. هنا بدأ رفاق بطرس يلعبون دورهم في الخبر. قد يكن بطرس تعجّب أو لم يتعجّب. أما هم فتعجّبوا. أن نحمل البشارة إلى الوثنيين هو شيء، وأن نرى الخطبة تقطع بعلامات واضحة تدلّ على ارتدادهم وقبولهم لعطية الروح القدس، هو شيء آخر. لا شك في ما حصل. وكما نال أول اليهود المؤمنين الروح ومجدوا الله في لغات أخرى يوم العنصرة، كذلك نال اليوم الوثنيون عطية الروح عينها. لا نستطيع أن نقول: إن الألسن ترافق حلول الروح دائماً. ولكن تُذكر مراراً وينظر إليها لوقا كعطية لا توهب لكل أعضاء الكنيسة. فهذا يعني أنها لم تكن العلامة الدائمة للآرتداد. إن قبول الموهبة في هذه المناسبة أبرزت واقع إرتداد الوثنيين بحيث لم يبق أي مجال للشك. من الممكن أن يتظاهر الإنسان فيما يخص موهبة الألسن لا فيما يخصّ المديح الصادق لله. وهكذا تحرّر الوثنيون من الشعور بأنهم أقل مستوى الدين، وعبّروا عن شعورهم بطرق غير عادية.
سمّى لوقا رفاق بطرس: "أهل الختان". إنهم المسيحيون المتهوّدون، الذين سنعرف موقفهم فيما بعد. قالوا: "حل الروح القدس على الوثنيين أيضاً". ولن يكون هذا الحلول ظاهرة معزولة حدثت مرة واحدة. نحن هنا أمام قرار إلهي يدرك العالم الوثني كله (11: 18؛ 15: 7).
لم يتحدّث عن لغات أخرى، بل قال: "يتكلّمون بالألسن وينشدون عظائم الله". ما قاله لوقا هنا سيقوله في 19: 6 عن التلاميذ الذين تعمّدوا في أفسس: كلمات وأناشيد دلّت على أنهم "خُطفوا". وإن فرح الإيمان جعلهم وكأنهم لم يعودوا من هذا العالم.
آ 47- 48. ويُطرح السؤال على اليهود المسيحيين الستة الذين حضروا هذا المشهد. ويُطرح دائماً على القارئ: من يمكنه أن يمنع ماء المعمودية من هؤلاء؟ والجواب: لا أحد. إذا كان الله قد قبل الوثنيين، فعلى الكنيسة أن تقبلهم. وهكذا صار العماد العلامة الخارجية لدخول الإنسان إلى شعب الله. كان علامة التنقية من الخطايا والغفران (3: 38)، ولكنهُ أعتّبر في الوقت عينه الرفيق والعلامة الخارجية للذي عمد بالروح. بما أن الوثنيين تعمّدوا بالروح القدس، فقد إختارهم الله لينالوا معمودية الماء. لهذا طرح بطرس هذا السؤال على المسيحيين المتهودين الذي معه، الذين هم كشهود للكنيسة. قد تكون كلمة "منع" التي استعملت أيضاً في 8: 36 (ما يمنع أن أتعمد) إنعكاساً لعبارة مقبولة استعملت في العماد.
لا شيء يمنع، لا إعتراض. فأمرَ بطرس أن يتعمدّوا. إن الرسل لا يعمّدون بأنفسهم (19: 5، 7؛ 1 كور 1: 14، 17). لهذا أمر بطرس المسيحيين الحاضرين أن يقوموا بالرتبة، وهو سيكمّلها كما فعل (مع يوحنا) بالنسبة إلى السامريين الذين قبلوا كلام الله (8: 14).
نلاحظ أن الخبر لا يقول إن كورنيليوس أو أصدقاءه إختتنوا. سموا في 11: 3: قوم غير مختونين. أقام بطرس عدّة أيام في بيت كورنيليوس، فكان هذا البيت الكنيسة التي عاش فيها الوثنييون قرب اليهود في جماعة واحدة: "يجعلون كل ما عندهم مشتركاً بينهم" (2: 44).
ووصل الخبر إلى أورشليم قبل أن يعود بطرس إليها، بل وصل إلى اليهودية كلها (8: 14؛ 11: 22): إن الوثنيين قبلوا أيضاً كلام الله. 
7- المشهد السابع (11: 1- 18): بطرس يبرّر نفسه في أورشليم.
آ11: 1. كاد خبر ارتداد كورنيليوس يكون ناقصاً في نظر لوقا، لو لم يزد هذا المشهد السابع الذي يصور فيه تأثير الحدث على الكنيسة. يتحدّث لوقا عن الرسل كقوّاد الكنيسة وعن الأخوة كاعضائها العاديين (1: 15) ويتكلم عن الكنيسة التي في اليهودية (8: 1؛ 9: 3) والتي تتألف من مجموعة أورشليم مع المسيحيين المنتشرين في المناطق المجاورة. إن ردة فعل هؤلاء المسيحيين المتهودين على تجاوب الوثنيين مع الإنجيل، هو أمر مهمّ بالنسبة إلى المستقبل.
آ 2- 3. ما ان عاد بطرس إلى أورشليم حتى سأله "حزب" (أهل) الختان (أي الذين كانوا يهوداً قبل أن يرتدوا إلى المسيحية). لم تظهر هذه المجموعة كفئة مميزة داخل الكنيسة. ولكنها ستتقوى فيما بعد. ستحاول أن تفرض نفسها على الكنيسة كلها حتى بعد مجمع أورشليم. لم يكتفوا بالسؤال، بل انتقدوا بطرس وخاصموه، لأنه أكل مع الوثنيين. ظل المسيحيون المتهودون مرتبطين بالشرائع اليهودية حول الطعام، فما استطاعوا أن يشاركوا المسيحيين الأمميين (وبالحري الوثنيين الذين لم يتعمدوا): على هؤلاء الوثنيين أن يختتنوا ويحفظوا الشرائع المتعلقة بالأطعمة، ليحقّ لهم أن يشاركوا اليهود في حياتهم اليومية.
لم تكن هذه المسألة وليدة مخيّلة لوقا. فقد ظهرت بقوة في الحادثة التي رواها غل 2: 11- 14 (تراجع بطرس). خاف المسيحيون المتهوّدون من مهاجمة اخوتهم اليهود الذين لم يرتدوا، خافوا أن يصيبهم ما أصاب اسطفانس ورفاقه.
يتوسع النص الغربي في آ 2 فيقول: "وبعد وقت طويل، قرّر بطرس أن ينطلق إلى أورشليم. وبعد أن كلّم الأخوة ليثبتهم في الإيمان، ذهب عبر القوى يلقي العظات ويعلّم الناس. وحين وصل إليهم (أي جماعة أورشليم)، أخبرهم بالنعمة التي منحها الله (للوثنيين). ولكن الأخوة المختونين خاصموه".
آ 4. وبدأ بطرس خطبته بصورة احتفالية: بدأ بطرس يروي لهم كل ما جرى بترتيب. هو لم يدافع عن نفسه، بل اكتفى بأن يقول لسامعيه ما حدث ليفتح قلوبهم على القرار الذي اتخذه.
آ 5- 16. أخبر بطرس سامعيه بترتيب (رج لو 1- 3، بتدقيق). ما وصل إليهم كان "تقريراً ناقصاً ومشوهاً". فدلّهم على أن الله هو الذي وجّه عمله.
ويقدم لنا لوقا الخبر من جديد، يرويه بطرس بصيغة المتكلم المفرد: كنت أصلي في مدينة يافا فرأيت...
بدأ الخبر فروى اختبار بطرس لا اختبار كورنيليوس: اختطف حين كان يصلي ورأى رؤية. سماط نازل من السماء وعليه كل أنواع الحيوان (زاد هنا: حيوان البر أو الوحوش). ويتكرّر خبر الحوار بين بطرس والصوت السماوي بدون تبديل يُذكر. وحالاً بعد "الحلم"، وصل ثلاثة رجال إلى قيصرية، وعدوا بطرس. سمع بطرس نداء الروح يدعوه لأن يذهب معهم من دون خوف أو وسواس، أو بالاحرى بدون تمييز (رج 10: 17- 20). أي بدون أن يعاملهم بطريقة تختلف عن معاملته لليهود.
وراح برفقة أصدقائه الستة إلى بيت الرجل. هذا الرجل هو كورنيليوس. لم يُذكر اسمه لأن سامعي بطرس (عرفوا بعض الشيء عن الخبر) وقارئي لوقا يعرفون من تعني هذه الكلمة. قال هانشن: لم يكن الخبر مفهوماً لدى سامعي بطرس. ولكن من تعارض بين خبر 10 وخبر ف 11؟ ورأى هانشن أيضاً تعارضاً في الخبر. كيف وُجد هؤلاء الرجال الستة في يافا، وكيف كانوا مستعدين لمرافقة بطرس إلى قيصرية حين وصل مراسيل كورنيليوس؟ كل هذه أسئلة نافلة لم يتوقّف عندها لوقا.
روى بطرس بإيجاز كيف رأى كورنيليوس الملاك (آ3). هنا نعرف أن الملاك وعده أنه سيسمع تعليماً يحمل الخلاص له ولأهل بيته (آ 12). هذا التفصيل يفسّر تصرف كورنيليوس حين أرسل رجاله إلى بطرس (10: 22- 33). يتكلم الملاك لغة المبشرين المسيحيين الأولين (16: 31) في معرض حديثه عن الخلاص. ولكن تعبيره قريب مما نجد في العهد القديم، وهو مفهوم لدى اليهود والمرتدين. قال بطرس: بدأت أتكلم... لم يكن قد انتهى من كلامه حتى حلّ الروح القدس.
وبيّن "تفسير" بطرس أن اختبار المرتدين من الوثنية هو اختبار الذين اقتبلوا الروح في البدء، أي في يوم العنصرة. وهو يقابل خبرة الوثنيين بخبرة الذين كانوا في العلية، لا بخبرة أول المرتدين من اليهود. لسنا أمام مرتدّين من الدرجة الثانية. فالمرتدّون من اليهود والمرتدّون من الوثنيين يرتبطون بالشهادة الرسولية الواحدة التي انطلقت من العلية على يد الاثني عشر رسولاً.
ثم ان بطرس رأى في ارتداد الوثنيين تتميماً لقول يسوع في 1: 5: ذكّر تلاميذه أن يوحنا عمّد بالماء. أما هم فسيعمدون بالروح القدس. هذا يعني أولاً أم قبول الروح يُعتبر بالنسبة إلى الوثنيين عماداً في الروح على مثال العنصرة التي كانت أول تتميم لنبوءة يسوع في 1: 5. ثانياً، إذاً كان الوثنييون تعمّدوا بالروح، فهم مختارون لأن يعمّدوا بالماء. إن يوحنا عمّد فقط بالماء، أما أنتم فستتعمّدون لا في الماء فقط، بل بالروح القدس. أنهى بطرس خطبته بعبارة قالها يسوع، وسينهي بولس خطبته لشيوخ أفسس بعبارة قالها يسوع (20: 35).
آ 17. إذا كان الله منح موهبة الروح للمسيحيين الجدد كما للقدماء، فما يمكن أن يفعله بطرس في هذا الموضوع؟ هل يقاوم الله؟
آ 18. سمع معارضوا بطرس، سمع الحاضرون وهم الأحد عشر مع الجماعة الأولى الخبر، فتوقّفوا عن انتقاد بطرس ولكنهم لم يسكتوا فقط، بل مجّدوا الله لأنه أنعم على الوثنيين كما أنعم على اليهود أ يتوبوا عن خطاياهم وينالوا الحياة الأبدية (5: 20؛ 13: 46، 48). وهذا حصل بفضل الكرازة بالإنجيل.
أظهرت خطبة بطرس أن الوثنيين هم أعضاء كاملون في الكنيسة، وبالتالي الختان وحفظ الشريعة الموسوية ليسا ضرورين للخلاص. وتضمّنت الخطبة أيضاً كلاماً يقول إن التمييز رزال بين طعام وطعام، بين شعب وشعب. كان هذا تدميراً للنظرة اليهودية، فلم يُقبل من دون جدال وتعب القلب. لم يهتمّ لوقا بهذا الموضوع حالاً، ولم يقل لنا كيف تحققّت في أورشليم نتائج عمل بطرس. سنرى في ما يلي انتقال الرسالة إلى الوثنيين، إلى أنطاكية. إذا لم يكن واضحاً إلى أي حدّ استعدت كنيسة أورشليم لتتبع بطرس. لن نأخذ آ 18 بطريقة حرفية، بل نعتبر أن كنيسة أورشليم كلها غارت على الرسالة إلى الوثنيين. على كل حال. الرسالة لا تنتظر، ولن يضيع لوقا وقته هنا، بل إنه سينتقل إلى كنيسة أنطاكية حيث سيسمى الأخوة للمرة الأولى مسيحيين، نسبة إلى المسيح الذي به وحده نخلص.

 

 

الفصل العاشر
الرحلة الرسولية الثانية
بدا لنا القديس بولس رجلاً يفتح طرقاً جديدة، ويهتمّ بزرع صليب المسيح في أماكن لم يصل إليها الإنجيل. وكان في الوقت عينه رئيس جماعة يهمه ثبات المؤمنين في حياتهم المسيحية. ولهذا، بعد أن أقام بعض الوقت في أنطاكية، عرض على برنابا قال: "تعال نزور الأخوة في كل مدينة بشّرنا فيها بكلام الرب، ونطلّع على أحوالهم" (15: 36). أراد برنابا أن يرافقهما مرقس أبن عمه. ولكن بولس تذكر أن الشاب تركهما وتراجع أمام الخطر. فنتج خلاف بين الرسولين (15: 39): حينئذ ذهب برنابا ومرقس إلى قبرص، أما بولس فرافقه سيلا.
أ- عبور آسية الصغرى
1- زيارة الكنائس
كيف تبدو هذه الرحلة؟ بعد أن زار بولس (ورفاقه) الكنائس الفتية ليقوّيها في الإيمان (15: 41- 16: 5)، جاء إلى مكدونية (16: 6- 17: 15)، ثم أثينة (17: 16- 34) وكورنتوس (18: 1- 17). لقد تقدّم الإنجيل نحو الغرب، وهذا ما أراده الله. حاول بولس أن يدخل بيثينية (ليقضي فيها بعض الوقت). لم يسمح له روح يسوع. كما حصل بولس على رؤية تقول له: "أعبر إلى مكدونية وساعدنا" (16: 1). تيقّن بولس أن الصوت هو صوت الله يدعوه إلى الذهاب إلى مكدونية. أجل، بدأت حياة بولس في رؤية (9: 10، 12؛ 23: 11؛ 26: 19). وها هو الله يوجّهه الآن. وسيحصل على رؤية في كورنتوس: "لا تخف، بل تكلّم ولا تسكت، فأنا معك" (18: 9- 10).
سيجد بولس نفسه للمرة الأولى وجهاً لوجه مع السلطات الرومانية: جُلد بولس وسيلا ووُضعا في السجن مع حراسة شديدة. ولكن إنتهى كل شيء بالأعتذار: "أطلقوهما وطلبوا إليهما أن يرحلا عن المدينة" (16: 39). هذا ما حدث لهما في فيلبي. وفي كورنتوس، رُفعت القضية إلى غاليون، حاكم أخائية (19: 12 ي). وسيلتقي بولس بالحضارة اليونانية خاصة في أثينة (17: 16- 34).
نستطيع القول إن قسماً جديداً من أع يبدأ هنا: رسالة بولسية كبيرة (رج غل 2: 7- 9: عُهد إليّ في تبشير غير اليهود، غير المختونين، كما عُهد إلى بطرس في تبشير اليهود). إنطلق بولس من أنطاكية، كما قلنا، ولكن نقطة الإنطلاق الحقيقية تقع في أورشليم (روم 15: 19: من أورشليم إلى إليركون أكملت التبشير بالمسيح): من هناك أطلقت حرية كلمة الله، وإلى هناك سيعود بولس في النهاية (21: 15- 26).
في هذا القسم تتردّد إختلافة غربية. في 15: 41 نقرأ: إن بولس كان يثبّت الكنائس "وينقل إليها تعليمات الشيوخ" أي ما أتّخذ من قرارات في مجمع أورشليم. وفي 16: 4 يقول النص الغربي: "حين عبروا المدنَ بشروا بجرأة كاملة بالرب يسوع المسيح، ونقلوا إلى المؤمنين أوامر الرسل والشيوخ في أورشليم". توجهت هذه الرسائل إلى الأخوة "في أنطاكية وسورية وكيليكية" (15: 23)، ولكنها كانت نافعة أيضاً للمسيحيين في لسترة وأيقونة...".
لم يهتم لوقا بالقسم الأول من الرحلة. إنه يريد أن يرى الرسولين يصلان إلى أوروبا: "إجتازا سوديلة وكيليكية". إذن، لا نستطيع أن نتصوّر المسيرة إلاّ في خطوطها العريضة. إذا أردنا أن نذهب من أنطاكية إلى لسترة، فلا بدّ من المرور بطرسوس وأبواب كيليكية (طريق عبر الجبال العالية). 
ويذكر لوقا المناطق التي إجتازها بولس ورفيقه: فريجية، منطقة غلاطية، آسية أي منطقة أفسس وسميرنة (أي أزمير الحالية)، لا مقاطعة آسية الرومانية التي كانت تضمّ مناطق عديدة منها ميسية ميسية هي جزء من آسية الصغرى يقع على حدود البوسفور. وبيثينية تحاذي ميسية وتقع على البحر الأسود. وفي النهاية وصلا إلى ترواس التي هي مرفأ في الشمال الغربي لآسية الصغرى والتي كانت مستوطنة رومانية منذ عهد أغوسطس (رج 16: 11؛ 20: 5، 6؛ 2 كور 2: 12. تبعد 10 أميال تقريباً عن طروادة القديمة).
وصل بولس إلى لسترة فأستقبلته عائلة تيموتاوس. تعلّق تيموتاوس ببولس فأخذه معه (16: 1- 3).
من هو تيموتاوس؟ نعرف أمه: أفنيكة (أو: أونيكة)، وجدته: لوئيس (2 تم 1: 5). كان والده وثنياً وأمه يهودية، فلم يختن. ولكن بولس أراد أن يتحاشى الصعوبات مع يهود الجوار، فقبل أن يختن تلميذه (16: 3)، كما رفض في ظروف أخرى أن يختن تيطس (غل 2: 3). كان تيموتاوس مثال المعاون المخلص للرسول الذي أوكل إليه مهمّات دقيقة في تسالونيكي (1 تس 3- 2) وفي كورنتوس (1 كور 4: 17؛ 16: 10). سمّاه بولس "أبنه" (1 تم 1: 18)، فقلق حين أبتعد عنه (1 تس 3: 6؛ 2 تم 1: 4: "أتشوق إلى رؤيتك لأمتلئ فرحاً"). وأشركه في كتابة رسائله التي وجهّها إلى جماعات تسالونيكي وكورنتوس وفيلبي وكولسي: "من بولس رسول المسيح بمشيئة الله، ومن الأخ تيموتاوس، إلى كنيسة الله في كورنتوس" (2 كور 12: 1). كان رجلاً مرناً، فعمل مع بولس دون "مشاكل"، ولكن نقصته روح المبادرة. فقال له بولس: "ما أعطانا الله روح الخوف، بل روح القوّة والمحبة والفطنة" (2 تم1 : 7).
ونذكر في هذه المناسبة سيلا (أو: سلوانس) وهو نبي جاء من أورشليم. أرسله الرسل والشيوخ إلى أنطاكية مع يهوذا الذي يقال له برسابا. ويقول النص عن سيلا ويهوذا: "كانا ممّن لهم مكانة رفيعة بين الأخوة" (15: 22). أوصل الموفدان تعليمات كنيسة أورشليم إلى أنطاكية. "ولكن سيلا رأى أن يبقى هناك (في أنطاكية). فرجع يهوذا وحده" (15: 34). سيحل سيلا محل مرقس في الطريق الرسولي الجديد (15: 40)، وسيلعب دورا كبيراً في تبشير تسالونيكي، كما نرى في عنوان (1 تس 1: 1، يرد إسم سلوانس حالاً بعد إسم بولس؛ رج 2 تس 1: 1). كان سلوانس قرب بطرس الأخ الأمين. وهو الذي كتب 1 بط (1 بط 5 :12).
ولوقا هو الطبيب الأمين (كو 4: 14؛ فلم 24؛ 2 تم 4: 11) الذي رافق بولس في قسم من أسفاره. هذا ما نكتشفه في القطع المكتوبة في صيغة المتكلم الجمع (نحن): "أما نحن فتوجّهنا إلى السفينة، فأقلعنا إلى أسوس لنأخذ بولس معنا من هناك، كما طلب منا" (20: 13). نستطيع القول إن هذه يوميات لوقا. ما رواه لوقا يساعدنا على تحديد إطار رسالة بولس. ولكن لن نبحث عنده عن أمور محدّدة تتعلّق بتعاليم بولس الخاصة.
"وكانت الكنائس تتقوّى في الإيمان (أي في الحياة المسيحية، رج 14: 22). ويزداد عددها يوما بعد يوم" (16: 5). نحن هنا أمام إجمالة قصيرة تشبه ما في بداية أع (2: 42: مواظبة على تعليم الرسل). إن ما أراد لوقا أن يقوله في آ 1- 5 هو أن الرسل إتخذوا طرقاً جديدة وتوغّلوا في البعيد، ولكنهم ظلّوا متّحدين بكنيسة أورشليم إتحاداً وثيقاً. قد نجد هنا أحد الأسباب الذي لأجله ختن بولس تيموتاوس.
كيف نتخيّل مسيرة بولس وتيموتاوس (16: 6 ي)؟ رغب بولس أن يتجه إلى الغرب (إلى آسية، آ 6) ولكن منعه الروح. حينئذ مال إلى الشمال فعبر فريجية، ثم إلى الشمال الشرقي فوصل إلى منطقة غلاطية. وإذ أراد الرسول أن يتابع طريقه إلى الشمال بإتجاه بيثينية، أوقفه الروح مرة ثانية.. فلم يبقَ له إلا طريق واحد دلّه الله عليه: يمرّ عبر ميسية بإتجاه ترواس وأوروبا. وهنا يتدخل لوقا، فيتكلّم بأسم المجموعة الرسولية. لن تكون هذه المرة الأولى إذا وضعنا جانباً 11: 28 حيث يقول النص الغربي: "إذ كنا مجتمعين، طلبنا السفر في الحال إلى مكدونية، متيّقنين أن الله دعانا إلى التبشير فيها" (16: 10).
2- إقامة بولس عند الغلاطيين
إقامة غير منتظرة. كان هدف بولس أن يتوجّه مباشرة إلى أفسس عبر الطريق الداخلية التي تسير بمحاذاة وادي مياندريس. ولكن دفعه الروح، فجال في فريجية وفي منطقة غلاطية (16: 7) التي أقام فيها هؤلاء الذين جاؤوا من بلاد غالية (فرنسا الحالية) في القرن 3 ق. م. وسمّوا الغلاطيين. أقاموا حول أنقيرة (أنقرة الحالية) في منطقة الهضاب. كان امينتاس آخر ملك من ملوكهم: سلّم ملكه إلى الرومان، فضمّوا إلى منطقة غلاطية كلا من بسيدية وفريجية وليقونية.
بما أن بولس يتوجّه في رسالته إلى المؤمنين، ويسمّيهم الغلاطيين (غل 3: 1)، فنحن متأكدون أنه جال في قلب البلاد، ولم يكتفِ بعبور بسيط في بسيدية وليقونية اللتين بشرهما خلال رحلته الرسولية الأولى. 
إهتم بولس بتبشير المدن الكبرى التي منها يشع الإنجيل، فما نوى بادئ ذي بدء أن يتوقف في أرياف غلاطية. ولكن المّ به مرض خطير غيّر وجهة مشاريعه. وتذكر الرسول بتأثر كبير كيف أهتمّ به أهل غلاطية: "قبلتموني كأني ملاك الله، بل المسيح يسوع" (غل 4: 14).
كان المرض علامة عقاب من الآلهة، علامة وجود روح شريرة.
وكان على الغلاطيين الذين رأوا حالة بولس الجسدية أن يحتقروه ويكرهوه. لقد كان مرضه محنة لهم، فكان عليهم أن يبصقوا على الأرض ليتخلّصوا من هذا الروح الشرير. لا، لم يفعل الغلاطيون شيئاً من هذا، بل تأثروا بكرازة بولس عن المسيح: "إرتسمت أمام عيونهم صورة المسيح المصلوب" (غل 3: 1). إرتدّوا بسرعة وحماس، وتميّز إرتدادهم بعدة تدخلات من عند الروح القدس: نالوا الروح من الذي عمل المعجزات بينهم. سمعوا بشارة الإيمان واقتبلوها، فأنفتحوا على عطية الروح.
لم يكن بولس قد خطّط لهذه الرسالة، وهو سيتذكرها بقلب يعمر بالفرح. غير أنه سيندهش من هذا الإنقلاب المفاجئ لدى هؤلاء الذين كانوا مستعدين ليقتلعوا عيونهم ويعطوه إياها (غل 4: 15): "أيها الغلاطيون الأغبياء، من الذي سحر عقولكم؟ هل وصلت بكم الغباوة إلى هذا الحدّ" (غل 3: 1، 3)؟ لقد مرّ مبشرون متأثّرون بالتعاليم اليهودية، فترك الغلاطيون ذلك الذي دعاهم بنعمة المسيح، وتبعوا بشارة أخرى (غل 1: 6). وهكذا صار بولس عدواً لهم بعد أن كان صديقاً، لأنه قال لهم الحق (غل 4: 16). ولكن بولس هو هو: البشارة التي حملتها إليكم غير صادرة عن البشر. تلقيّتها عن وحي من يسوع المسيح (غل 1: 11- 12). وينهي بولس: "أنا لا أستعطف الناس، أنا لا أطلب رضا الناس. فلو كنت أطلب رضا الناس لما كنت عبداً للمسيح" (غل 1: 10).
هذه هي أزمة بولس مع اليهود الذين اهتدوا إلى المسيح وظلوا على ممارستهم للشريعة اليهودية، بل حاولوا أن يفرضوها على الوثنيين الذين يرتدون. بدأت الصعوبات منذ البداية مع الختان. "نزلت جماعة من اليهودية وأخذوا يعلّمون الأخوة فيقولون: لا خلاص لكم إلا إذا أختُتنتم على شريعة موسى، (15: 1). قال بعضهم: إن الختان ضروري. وقال آخرون: إن الختان يكمّل العماد. فمن لم يُختن، يُحسب مسيحياً من الدرجة الثانية. ذاك كان موضوع مجمع أورشليم. ثم كانت حادثة أنطاكية. كان بطرس يأكل مع الوثنيين (غير اليهود). فلما وصل قوم من عند يعقوب، تجنّب بطرس الوثنيين، وأنفصل عنهم خوفاً من دعاة الختان. حينئذ غضب بولس وقال لبطرس بمحضر منهم كلهم: "إذا كنت أنت اليهودي تعيش عيش الوثنيين لا عيش اليهود، فكيف تلزم الوثنيين أن يعيشوا كاليهود" (غل 2: 14)؟ قال اليهود: "نحن يهود بالولادة، لا من الأمم الوثنية، من هؤلاء الخاطئين". أجابهم بولس: "نحن نعرف أن الله لا يبرّر الإنسان لأنه يعمل بأحكام الشريعة (الختان وغيره)، بل لأنه يؤمن بيسوع المسيح" (غل 2: 15- 16).
إن فرضنا الختان على غير اليهودي، عارضنا إنجيل المسيح. فالوثنيون يعتبرون الختان تشويهاً للجسد. نحن أيضاً أمام عمل رعائي، وبولس لا يخاف ولا يساوم كما فعل بطرس بضغط من المسيحيين المتهوّدين. ولكن هناك بعداً لاهوتياً عاماً: إذا كانت الشريعة اليهودية تحتفظ بوجودها المسيطر، فأي جديد حمله موت المسيح وقيامته؟ على أي أساس يتبرّر المسيحي؟ بالمحافظة على الشريعة أم بالإيمان بالمسيح؟ أجل، المهم في كل هذا الجدال هو مركز المسيح في تاريخ الخلاص. اعتبر المتهوّدون يسوع نبياً من الأنبياء بشّر بالتوبة وقاد الشعب إلى ممارسة الشريعة ممارسة أفضل. أما في نظر بولس، فالمسيح هو ابن الله الذي أرسل إلى العالم ليحرّر البشرية: لم نعد عبيداً (للشريعة أو لسائر العناصر، غل 4: 9)، بل صرنا أبناء: "إن الله أرسل روح ابنه إلى قلوبنا هاتفاً: أبّا، أيها الأب" (غل 4 : 6). مع المسيح صار كل شيء جديداً. وما يهم بعد الآن ليس الختان أو عدم الختان، بل الخليقة الجديدة (غل 6 : 15).
ب- الرسالة في مكدونية
تعكس الإشارات التي نقرأها في 16: 6– 10 تردّد بولس: في أي طريق سيسير؟ ناداه مكدوني في الحلم، فوضع حداً لتردّده. وهكذا انطلقت المجموعة الرسولية إلى ترواس. وبعد يومين، نزلت في نيابوليس (عبر جزيرة ساموتراكية)، وسارت على الطريق الأغناطية التي تقود إلى فيلبي. أكبر مدينة في ولاية فيلبي (هي اليوم قرية صغيرة، فيليباجيلك).
1- فيلبي (16: 11- 4)
جاء بولس إلى فيلبي، فأتصل للمرة الأولى بمستوطنة رومانية أسسّها أوكتافيوس من أجل قدماء الحرب. نعمت فيلبي بامتيازات إدارية خاصة، فكانت شبيهة بالمدن الإيطالية (مثلاً، تنتخب نوّابها وممثليها). افتخر أهلها بأنهم مواطنون رومانيون وسيقول لهم بولس: "وطننا هو في السماء" (فل 3 : 20).
عبدت فيلبي ديونيسيوس إله الخمر، وبنتيس (= أرطاميس) إلاهة الصيد، وإيزيس وسيرابيس آلهة مصر مع رومة وأغوسطس. وآمنت بالحياة بعد الموت.
وصل بولس إلى فيلبي، فاتصل أول ما اتصّل بأهل دينه. لم يكن عددهم كبيراً ليبنوا مجمعاً داخل حرم المدينة، فاكتفوا بموضع متواضع للصلاة على ضفة النهر. تحدّث بولس إلى النساء المجتمعات هناك، فتأثرّت تاجرة غنية (تبيع الأرجوان) بكلام بولس.
هذه المرأة هي من تياتيرة، بآسية الصغرى. كانت وثنية ولكنّها عبدت الإله الواحد. فتح الله قلبها كما فتح عيني تلميذي عماوس ليلة الفصح. "أجبرت" بولس على الدخول إلى بيتها: "أدخلوا بيتي وأقيموا فيه إذا كنتم تحسبوني مؤمنة بالرب" (آ 15). اتخذت قرارها دون تردّد: تعمّدت هي وأهل بيتها، أي العائلة والخدم والذين يعملون عندها. هكذا فعل كورنيليوس الذي دعا "أنسباءه وأخصّ أصدقائه" (10: 24) ليستمعوا معه إلى كلام بطرس.
كم أقام بولس في فيلبي؟ هذا ما لا يقوله لوقا. ولكن دينامية جماعة فيلبي تجعلنا نظن أنه أقام هناك بضعة أشهر على الأقل. ولقد تنظّمت الجماعة بسرعة حسب الروح الرومانية: فهناك الأساقفة والشمامسة (فل 1: 1). ولقد تعلّق بولس بجماعة فيلبي تعلقاً خاصاً: "أنتم دائماً في قلبي" (1: 7). "ولي ثقة بأني سأبقى بينكم جميعاً لأجل تقدّمكم وفرحكم في الإيمان" (1: 15). ولقد أظهر أهل فيلبي محبة كبيرة لبولس الرسول. فهو الذي لم يقبل عوناً من أجل البشارة، قَبل ما أرسله إليه أهل فيليبي "وهي تقدمة لله طيبة الرائحة، وذبيحة يقبلها ويرضى عنها" (فل 4: 10– 18).
ولكن أطلّت العاصفة مع "جارية بها روح عرافة" (آ 16). كانت تجني من عرافتها مالاً كثيراً لأسيادها. قال الروح النجس ليسوع: "ما لنا ولك، يا يسوع الناصري؟ أجئت لتهلكنا؟ أنا أعرف من أنت: أنت قدوس الله" (لو 4: 34). وها هي هذه العرافة تقول عن بولس ورفاقه: "هؤلاء الرجال هم عبيد الله العلي، يبشّرونكم بطريق الخلاص" (آ 17). أخرج يسوع الشيطان بقوة كلمته. وقال بولس للروح النجس: "آمرك باسم يسوع المسيح أن تخرج منها" (آ 18).
خسر أسياد هذه الجارية ربحهم، فشكوا بولس وسيلا لدى القضاة المحليين: "هذان الرجلان يثيران الاضطراب في مدينتنا، وهما يهوديان يبشّران بتعاليم لا يحل لنا قولها أو العمل بها لأننا رومانيون" (آ 20- 21). تكلّم الناس بهذه الطريقة، فدلّوا على الاحتقار الذي يكنه الرومانيون لليهود. وإذا كانت السلطة الرومانية قد سمحت بالديانة اليهودية، إلا أنها منعت انتشارها لدى الرومان. اهتم القضاة للأمر: جلدوهما وسجنوهما.
نجد هنا خبرين لإطلاق بولس وسيلا من السجن. خبر يتحدث عن معجزة قام بها الرب: زلزال عنيف، انفتحت الأبواب، انفكت قيود السجناء. هذا ما حدث للرسل بصورة عامة (5: 19- 21)، وبطرس بصورة خاصة (12: 7- 11). حل الخوف بالسجان فآمن هو وأهل بيته (آ 25- 34). وهناك خبر آخر (آ 35– 40) لا يتحدّث عن معجزة: "أمر الحكام بإطلاقكما". ولكن بولس رفض أن يخرج من المدينة قبل أن يقدّم الحكّام اعتذارهم.
شجّع بولس وسيلا الأخوة وودّعاهم (آ 40). أما لوقا فيبدو أنه بقي في فيلبي (لا نعود نجد صيغة المتكلم الجمع، بل مرّا حتى وصلا، (17: 1)، وسنجده خلال الرحلة الرسولية الثالثة: "سبقونا إلى ترواس وانتظرونا هناك" (20: 5 ي).
بعد أن تحدّث لوقا عن تدخل الله ليرسل بولس إلى مكدونية (16: 6- 10)، شدّد على تأسيس كنيسة فيلبي (16: 11- 15) وظهور قدرة الرب الذي يسند المرسلين (16: 16- 18؛ 16: 25- 15). واجهت المسيحية العالم الوثني في مدينة رومانية، فخرجت منتصرة من المعركة. وستواجه أيضاّ الفكر الفلسفي اليوناني في أثينة وتتغلّب عليه.
2- تسالونيكي
وسار بولس وسيلا وتيموتاوس على الطريق الاغناطية فوصلوا إلى تسالونكي المدينة التي تضم اليونانيين والرومانيين وأبناء الشرق. كانت الجماعة اليهودية كبيرة وكان لها مجمع. وعبد الناس الالهة الوثنية، ولا سيما ديونيسيوس الذي انتشرت عبادته في مكدونية.
كيف تأسست جماعة تسالونيكي؟ ذهب بولس كعادته إلى المجمع. وكما فعل فيِ أنطاكية بسيدية، إنطلق من الكتب فبين أن يسوع المصلوب هو المسيح (آ 1- 3). سمع اليهود لهم ثلاثة سبوت ثم طردوهم. حينئذ توجّه بولس إلى الدخلاء الذين قبلوا كلامه. يشدّد لوقا على وجود أناس من الوجهاء: ياسون الذي تمتّع بسلطة كافية ساعدته على إطلاق المرسلين لقاء كفالة (آ 8). وكان من بين المرتدين ارسترخس وسكوندس (20: 4؛ كو 4: 10). وهناك "النساء الفاضلات" اللواتي عملن الكثير من أجل نشر الرسالة المسيحية (17: 12؛ رج لو 8: 1– 3؛ 10: 38- 42) بعد هذا، تكرّس بولس للتبشير في المحيط الوثني. كان يعمل بيديه (1 تس 2: 9)، ولكنه حصل أيضاً على مساعدة من الأخوة في فيلبي (فل 4: 16).
ما الذي قاله بولس في هذه المدينة الوثنية؟ بشر أولاً بالله الواحد الحي والحق (1 تس 1: 9)، الإله الذي نعبده ولا نكتفي بتكريمه بشفاهنا. وبعد أن وضع الأساس التوحيدي، وصل إلى المضمون الخاص بالإيمان المسيحي مع إبراز الوجهة الاسكاتولوجية الخاصة بالحقبة الأولى من لاهوت بولس الرسول. "ننتظر مجيء ابنه من السماوات، وهو الذي أقامه الله من بين الأموات، يسوع الذي ينجّينا من الغضب الآتي" (1 تس 1: 10). كان يوحنا المعمدان قد هدّد سامعيه بالغضب الآتي (لو 3: 7). وها هو بولس يستند إلى التهديدات الجليانية التقليدية ليبرز الدور الخلاصي الذي يقوم به يسوع. فهو سيتدخل من أجل أخصائه ساعة الدينونة. نحن نتخيّل بأي حماس انتظر بولس رجوع المعلم. ففي أورشليم وفي كل مكان يدعى المؤمنون لينشدوا ماراناتا: تعال أيّها الرب يسوع. وستجد كرازة بولس الاسكاتولوجية نجاحاً يتجاوز كل انتظار. إذا كان مجيء الرب قريباً، فلماذا نعمل؟ كان بولس قاسياً مع الذين يرفضون أن يعملوا (1 تس 4: 11؛ 2 تس 3: 6- 12). وعلّمته الخبرة فتحاشى فيما بعد أن يجعل الناس يفهمونه فهماً خاطئاً.
في هذا المرفأ الذي يعج بالحياة والذي يملأه وعّاظ يتاجرون بالديانات، إهتم بولس بأن يُظهر ما تتميز به رسالته (1 تس 2: 1- 12): "نحن لا نعظ عن ضلال ولا دنس ولا خداع. نحن نتكلّم لا لنرضي الناس بل لنرضي الله الذي يختبر قلوبنا. ما طلبنا المجد من الناس، لا منكم ولا من غيركم". تجرّد كامل، نقاوة في التعليم، حنان أين منه حنان الأم على أولادها. هذه علامات تدل على الرسول الذي أرسله الله حقاً: إن بولس يفتح قلبه للمؤمنين، لهؤلاء الذين ولدهم للحياة في المسيح يسوع (1 كور 4: 15).
نجحت كرازة بولس، فعارضه اليهود معارضة قوية (1 تس 2: 14- 16): "اليهود، قتلوا الرب يسوع والأنبياء واضطهدونا... ويمنعونا من تبشير سائر الأمم". وشكوا بولس ورفاقه الذين "يخالفون أوامر القيصر ويقولون: هناك ملك آخر اسمه يسوع" (آ 6- 7). نحن في أيام الامبراطور كلوديوس الخائف على عرشه. لهذا تصرّف القضاة بسرعة. وهكذا ذهب بولس وسيلا وتيموتاوس من تسالونيكي حين رأوا الأحداث على هذا الشكل. وسوف يكون بولس حذراً حين يتكلّم عن موضوع ملك يسوع. لا، ليست المسيحية شعب تجعل من يسوع مزاحماً للامبراطور. هذا ما قاله اليهود عن يسوع حين اتهموه أمام بيلاطس: "وجدنا هذا الرجل يثير الفتنة في شعبنا، ويمنعه أن يدفع الجزية إلى القيصر ويدّعي أنه مسيح، أنه ملك" (لو 23: 2). يسوع هو ذلك الذي اختاره الله ومسحه من أجل رسالة روحية. يسوع هو الرب الممجد. هذان هما اللقبان اللذان تشدّد عليهما المسيحية الأولى (2: 36).
ج- الكرازة في اثينة
"فأرسل الأخوة في الحال بولس وسيلا ليلاً إلى بيرية" (17 : 10). بيرية هي مدينة تقع في جنوبي مكدونية (فيريا الحالية). وقد استقبلت الرسولين استقبالاً حسنا لم يجداه في مكان آخر. أصغى أهلها إلى كلام الله، إلى الانجيل، برغبة شديدة. ولكن وصل يهود أتوا من تسالونيكي، فأرسل الأخوة بولس في الحال إلى اثينة، وظل سيلا وتيموتاوس في بيرية.
إذا قابلنا آ 14 مع 1 تس 3: 1، 2، 6، نرى أن لوقا جمّع الأحداث بطريقة موجزة، وها نحن نتمثّلها على الشكل التالي: أولاً: ترك بولس سيلا وتيموتاوس في بيرية (17: 14). ثانياً: أرسل أوامره، فجاءا إليه إلى أثينة (1 تس 3: 1). ثالثاً: أرسل بولس سيلا وتيموتاوس إلى مكدونية، ثم أرسل تيموتاوس إلى تسالونيكي (1 تس 3: 1) وسيلا إلى فيلبي. رابعاً: ذهب بولس بنفسه الى كورنتوس (18: 1). خامساً: انضم تيموتاوس وسيلا إلى بولس في كورنتوس (18: 5؛ 1 تس 3: 6).
تفحّص أهل بيرية الكتب المقدسة ليروا إن كانت الأمور هكذا (17: 11). أي: إذا كان يسوع هو المسيح حقاً (رج 17: 3). عرفوا تعاليم بولس، فآمن كثير من الرجال ومن النساء الشريفات.
ونصل إلى أثينة. لا يذكر بولس اسم اثينة في رسائله إلاّ مرة واحدة (1 تس 3: 1). أما لوقا فقد رسم لنا لوحة عن نشاط هذه المدينة العظيمة بماضيها. لم يعد لها دور سياسي، ولكنها كانت المدينة الجامعية المرموقة ونموذج الحضارة الهلّينية. ستكون المسرح لأول لقاء بين الإنجيل والفكر (والحكمة) اليوناني.
كانت المدارس الفلسفية عديدة فيها. ولكن لوقا ذكر فقط الابيقوريين والرواقيين (17: 18). بحث ابيقور، مؤسس الحكمة الابيقورية، عن سعادة تُبعد القلق وتقدّم اللذة. إذاً نُزيل كل خوف كاذب: الخوف من القدر، الخوف من الموت، الخوف من الآلهة. لم يكن ابيقور ملحداً، ولكنه اعتبر أن الآلهـة يعيشون في الاثير ولا يتدخلون في أمور البشر، فلا يجب أن نخاف منهم. والنفس مكوّنة من أجزاء صغيرة تتبخّر بعد الموت. أما البحث عن اللذة فقد صار بحثاً عن الطعام والحب الشهواني. أما شعارهم فهو: "لنأكل ونشرب فإنّا غداً نموت" (1 كور 15- 32).
أما الرواقيون فمؤسسهم هو زينون الفينيقي الذي عاش في قبرص وأعلن نظاماً فلسفياً ينسّق بين الانسان والكون، ويعتبر الانسان مواطن العالم (لا مواطن مدينة صغيرة). الرواقية هي فلسفة المجهود والتغلّب على اللذات، هي فلسفة النظام والعناية الالهية. أما الفرق الأساسي بين الرواقية والمسيحية فهو أن الأولى تشدّد على العقل ومجهود الانسان. أما المسيحية فهي ديانة النعمة. لا تنسى عمل الانسان، ولكنها تعرف أننا لا نستطيع شيئاً من دون المسيح
(رج يو 15: 14).
بدأ بولس فتوجّه في اثينة إلى اليهود والمسيحيين معاً. هذه هي المرة الأولى بل الوحيدة التي لم يميّز فيها الكرازة لليهود من الكرازة للوثنيين (رج 13: 48؛ 18: 6: بعد ان حدّث اليهود قال: دمكم عليكم، وانتقل إلى الوثنيين).
الاريوباج او الاريوباغوس هو تلة يجتمع فيها المجلس الأعلى أو هو المجلس نفسه. في أيام بولس صار المجلس يجتمع في الرواق الملكي، قرب "الاغورا" أو الساحة العامة (رج 16: 19).
سار بولس في المدينة، وتحدّث عن القيامة، فبدا وكأنه يتكلّم عن إله جديد لم يعرفه الاثينيون. هنا نشير إلى أن الرواقيين والابيقوريين رفضوا الكلام عن إله شخصي يتميّز عن الكون. الله هو "فكرة" غامضة، هو عناية فاعلة بطريقة سرية. هنا نحس بالمسافة بين مثل هذه الفلسفات والديانة التي تربط الإنسان بشخص يسوع المسيح.
ودعا المجلس (الاريوباج) بولس لكي يشرح موقفه في الرواق الملكي. واستعمل بولس الفصاحة كما سيستعملها فيما بعد أمام فستوس واغريبا (ف26). بدأ يهنئ الأثينيين: "أراكم أكثر الناس تديّنا في كل وجه" (17: 22). انطلق من كتابة تتحدث عن الإله المجهول أو الإله الذي لا نقدر أن نعرفه، فوصل إلى التعليم عن الإله الواحد الذي يجهلونه حقاً.
بعد مقدمة تصل إلى "الإله المجهول" (17: 22- 23)، يقول بولس (17: 25- 29) إن هذا الإله هو الذي خلق الكون ويعتني به (هذا ما قاله للوثنيين في لسترة، 14: 15). ثم قدّم الإنجيل (17: 30- 31) من زاوية خاصة: لم يتكلّم لا عن حياة يسوع ولا عن موته. فيسوع هو رجل اختاره الله من أجل دينونة عامة. والقيامة هي الكفالة بأن الله اختار يسوع لهذه المهمة، مهمة الدينونة التي نستعد لها بالتوبة.
أورد بولس أقوال الشعراء: أراتوس وهو شاعر من كيليكية عاش في القرن 3 ق. م. قال: نحن من أهله أو نحن أبناؤه. ولكن بولس كيّف هذا القول مع فكرة صورة الله الواردة في تك 1: 26 (رج 2 بط 1: 4؛ 1 يو 3: 2). إبيمانيدس وهو شاعر من القرن 6 ق. م. قدّم المثلّث الافلاطوني: الحياة، الحركة، الوجود. فصارت في خطبة بولس: "فيه نحيا ونتحرّك ونوجد" (17: 28). وأورد أيضاً الكتاب المقدّس، فجاء كلامه لقاء بين بحث "فلسفي" عن الله، ووحي الهي يحمل الحياة إلى البشر. ولكنّ فكرة القيامة بدت لأهل أثينة فكرة لا معنى لها ورفضاً لنظام الكون كما تصوّروه. قالوا: "سنسمع كلامك في هذا الشأن مرّة أخرى" (17: 32).
إذاً، فشل بولس أمام حكماء أثينة، لأنهم لم يلجوا إلى أعماق الشقاء الإنساني، ولم يكتشفوا محبّة الله لخلائقه محبة شخصية. فشل، أو بالأحرى كان النجاح بسيطاً (انضم إليه بعضهم وآمنوا). لهذا السبب، سيقدّم كرازة أخرى لأهل كورنتوس تتركّز على يسوع المسيح المصلوب، كرازة لا تستند إلى حكمة البشر بل إلى قدرة الله (1 كور 2: 1- 5). ومهما يكن من أمر، فان العالم الهليني سيقاوم الإنجيل مدة طويلة، ولكن الإنجيل سينتصر في النهاية. يذكر النص هنا ديونيسيوس الاريوباغي (أو الاريوباجى) وهو أحد أعضاء مجلس المدينة. إنه نموذج النخبة التي ترتدّ إلى الإيمان المسيحي. قال بولس لأهل كورنتوس: ليس فيكم كثير من الحكماء والأقوياء والوجهاء (1 كور 1: 26). ولكن القديس لوقا يذكر لنا بعض هؤلاء، دون أن ينسى صغار القوم، ولا سيّما العبيد. منذ البداية، استجاب لنداء الإيمان كثير من الكهنة (6: 7). وكان برنابا رجلاً معروفاً وغنياً في أورشليم (4: 36- 37). ولم يكن كورنيليوس جندياً عادياً بل ضابطاً في فرقة مميّزة هي الفرقة الايطالية (10: 1). وهناك حاكم جزيرة قبرص (13: 12) وكل النساء الشريفات في تسالونيكي (1 ك 4) وفي بيرية (17: 12).
واحتفظ لوقا باسم داماريس الاثينية (17: 34) وأبرز الدور الذي لعبته ليدية في فيلبي (216: 14). وسنلتقي مراراً ببرسكلة زوجة أكيلا (18: 2 ي؛ رج 1 كور 16: 19؛ روم 16: 3– 5؛ 2 تم 4: 19). وسنعرف أن فيبة هي شماسة في كنيسة كنخرية (روم 16: 1)، وقد حملت إلى أهل رومة الرسالة التي كتبها بولس لهم. ومريم تعبت كثيراً من أجل الكنيسة (روم 16: 6). وكذا نقول عن تريفينة وتريفوسة (روم 16: 12). وفي كولسي، تستقبل نمفاس الكنيسة التي تجتمع في بيتها (كو 4: 15. وقد تكون الكلمة أسم رجل أيضاً، أو مجموعة. تقول المخطوطات: بيته، بيتها، بيتهم). ويبدو أن أفودية وسنتيخة تعملان بحماس كبير، لهذا يدعوهما بولس إلى أن تكونا على اتفاق في الرب، فقد جاهدتا جهاداً كبيراً في خدمة البشارة (فل 4: 2- 3).
د- كورنتوس (18: 1- 17)
تأثر بولس بفشله في أثينة (1 كور 2: 3: أشعر بالضعف والخوف والرعدة)، فانتقل إلى كورنتوس، عاصمة مقاطعة أخائية. مرّ قرب البرزخ الذي تقام فيه الألعاب الشهيرة إكراماً لبوسيدون، إله البحر. وسيذكر مجهود هؤلاء اللاعبين في حلبات السباق: "كل مسابق يمارس ضبط النفس في كل شيء من أجل إكليل يفنى، وأما نحن، فمن أجل إكليل لا يفنى. فأنا لا أجري كمن لا يعرف الهدف، وألاكم كمن يضرب الهواء، بل أقسو على جسدي وأستعبده لئلا أكون بعدما بشّرت (على مثال الذي يعلن النتائج) غيري، من الخاسرين" (1 كور 9: 25- 27).
مدينة كبيرة تعد نصف مليون نسمة وتعج بالحركة بفضل مرفأيها. هناك أهل البلاد والآتون من إيطالية ومن الشرق. فيها العبيد الكثيرون وعمّال المرفأ. فيها المعابد العديدة، ولا سيما معبد افروديت الاهة الحرب والاهة الحب التي تخدمها ألف من الكاهنات. كيف الحديث عن الإله الواحد في كورنتوس، كيف الحديث عن الاتفاق والوحدة، كيف الحديث عن الزواج والعفة؟
حين وصل بولس إلى كورنتوس عمل لدى أكيلا وبرسكلة وهما تاجران طُردا من رومة على أثر قرار الإمبراطور كلوديوس. قد يساعدنا هذا القرار على تحديد مدة إقامة بولس في كورنتوس. وهناك معطى آخر، ففي نهاية إقامة بولس في كورنتوس، قدّمه اليهود أمام غاليون حاكم أخائية (18: 11). كان غاليون هذا شقيق سينيكا الفيلسوف ومربّي نيرون. وقد وُجدت مدوّنة في معبد دلفس وهي رسالة بعث بها كلوديولس إلى خلف غاليون. تاريخ الرسالة: القسم الأول من سنة 51 ب . م. وبما أن حكام المقاطعات الشيوخية (ترتبط رأساً بمجلس الشيوخ، وكانت أخائية منها) يتبدلون كل سنة ويبدأ حكمهم في شهر نيسان، فهذا يعني أن غاليون لم يكن حاكم أخائية سنة 52. إذن، وصل غاليون إلى أخائية في نيسان 50 أو 51. ما إن وصل إلى كورنتوس حتى قدّم له اليهود بولس ليحاكمه. وبما أن بولس أقام في كورنتوس 18 شهراً (18: 11)، يمكننا القول إن رسالته في كورنتوس دامت من 49/50 إلى سنة 51/52.
كيف توزّعت مراحل رسالة بولس في كورنتوس؟
ذهب أولاً إلى المجمع ليشهد أن يسوع هو المسيح. ولكن بدأت المضايقات من قِبل اليهود (18: 6- 7). في هذا الإطار كتب إلى التسالونيكيين رسالة شكر وتشجيع وكان قاسياً مع اليهود الذي يعارضون البشارة لدى الوثنيين (1 تس 2: 4- 16). جاءه تيموتاوس حاملاً الأخبار السارة، فكتب بولس: "شدّدَ إيمانكم عزائمَنا في كل ما نعانيه، أيها الأخوة، من الضيق والشدّة، بل نحن الآن نحيا ما دمتم ثابتين في الرب" (1 تس 3: 7- 8).
طُرد بولس من المجمع، فأقام عند تيتيوس (أو تيطس) يوستوس. لم يكن هذا الرجل يهودياً، ولكن منزله كان ملاصقاً للمجمع. وهكذا بدأ بولس رسالته لدى الوثنيين. ويذكر لوقا رؤية جاءت تشجّع بولس وتقول له: "لا تخف، بل تكلّم ولا تسكت، فأنا معك، ولن يؤذيك أحد. فلي شعب كبير في هذه المدينة" (آ 9- 10). سيكون بولس متحفّظاً حين يتكلّم عن النعم المستيكية (السرية) التي حصل عليها، وهو لم يجعلها يوماً على مستوى ظهور المسيح له على طريق دمشق. ولكن يحصل له أن يكشف زاوية من الحجاب كما فعل في 2 كور 12: 1– 2: "وإن كان لا بد لي من الافتخار، مع أنه لا نفع منه، فانتقل إلى الكلام على رؤى الرب وما كشفه لي. أعرف رجلاً في المسيح (يتحدّث بولس عن نفسه) خُطف قبل 14 سنة إلى السماء الثالثة". هذا يعود بنا إلى سنة 42- 43 (إذا قلنا إن 1 كور دونت سنة 56) أي قبل الانطلاق في الرحلة الرسولية. وهذا الوحي يدلّ على أن الضعف البشري لا يقف عائقاً بوجه عمل الله. وقد طلب بولس بإلحاح من الله أن يأخذ من جسده شوكة زرعها الشيطان، جاءه الجواب: "تكفيك نعمتي. في الضعف يظهر كمال قدرتي" (2 كور 12: 9).
مثل بولس أمام غاليون، فاعتبر غاليون أن المسألة داخلية: يجادل اليهود فيما بينهم حول الألفاظ (أو التعاليم) والأسماء (أي الأسماء التي تعطى ليسوع). المسيحية هي "شيعة" داخل العالم اليهودي، وهي بالتاليْ قضية ترتبط بالجماعة اليهودية وشريعتها. وبما أن رومة لا تتدخل في قضايا اليهود الدينية، قال غاليون: "تدبروا أنتم هذا الأمر، لأني لا أريد أن أكون قاضياً فيه". وطردهم من المحكمة (آ 15- 16).
هنا يبرز شخص أبلوس. كان يهودياً من الاسكندرية وكان أديباً يعتبر الأسفار المقدسة الطريق التي تعطي الحياة معناها. واكتشف يوماً يسوع المسيح. أين؟ في الاسكندرية كما يقول النص الغربي (وهذا يعني أن المسيحية وصلت باكراً إلى مصر) أو في مكان آخر. على يد من؟ هذا ما لا نعرفه، والمسيحية قد انتشرت على يد المؤمنين في بلاد الشرق (بلاد الرافدين) كما في بلاد الغرب. وحين وصل أبلوس إلى أفسس، بدأ يكرز ويعلّم في المجامع عن يسوع، وكان تعليمه صحيحاً. وقد بيّن لإخوته اليهود، وهو فصيح اللسان، أن الأسفار المقدسة تقود إلى يسوع الذي هو المسيح.
سمعه أكيلا وبرسكلة يوماً يعظ في كورنتوس، فأعجبا بإيمانه ودهشا من النقص الذي فيه: كان لا يعرف إلاّ معمودية يوحنا. أخذاه إلى بيتهما وأكملا له ثقافته الدينية (18: 24- 28).
وصل بولس إلى أفسس، فوجد في أبلوس معاوناً من الدرجة الأولى. دعاه الكورنثيون الذين كانوا قد سمعوه (كما يقول النص الغربي)، فذهب أبلوس إلى كورنتوس. ونجح نجاحاً باهراً، فجعله الكورنثيون على مستوى بطرس وبولس. وقال بعضهم: "أنا مع أبلوس" (1كور 1: 12، 3- 4). رفض أبلوس هذه التحزّبات، وامتنع عن العودة إلى كورنتوس رغم تشجيع بولس له (1كور 16: 12).
ينسب إليه بعض العلماء الرسالة إلى العبرانيين لما فيها من قوة الحجة وفصيح البيان، لما فيها من معرفة بالأسفار المقدسة.
وأقام بولس في كنيسة كورنتوس سنة ونصف السنة. جماعة تنوّعت فيها الشعوب والأعراق (مثلاً كان اكيلا من أهل البنطس، على شاطئ البحر الأسود)، فوجب على بولس أن يقول: "فنحن كلنا، أيهوداً كنا أم يونانيين، عبيداً أم أحراراً، تعمدّنا بروح واحد لنكون جسداً واحداً، وارتوينا من روح واحد" (1كور 12: 13). وتنوّعت كنيسة كورنتوس على المستوى الاجتماعي، فتكوّنت من العبيد "الذين ليسوا بشيء" (1 كور1: 28)، ومن عمال المرفأ وصغار القوم. فأهل بيت خلوة (1كور 1: 11) هم عبيد أو موالي لدى هذه التاجرة الغنية. والذين يتأخرون عن عشاء الرب، هم المساكين الذين يعملون طوال النهار فلا يبقى لهم ما يأكلون حين يصلون إلى مكان الاجتماع (1 كور 11: 21): "تستخفون بكنيسة الله وتهينون الفقراء". وإن كلام بولس عن الحرية المسيحية سيحرّك العبيد. لهذا يدعوهم بولس إلى الهدوء: "إذا كنت عبداً عندما دعاك الله فلا تهتم. ولكن إن كان بإمكانك أن تصير حراً، فالأولى بك أن تغتنم الفرصة. فمن دعاه الرب وهو عبد كان للرب حراً" (1 كور 7: 21- 22).
وتكوّنت جماعة كورنتوس أيضاَ من وجهاء القوم. فهناك المتموّلون الذين يقاضون إخوتهم في محاكم وثنية (1كور 6: 1- 8). وهناك متعلّمون يعتبرون نفوسهم حكماء، ويطلبون تعليماً رفيعاً لا يصل إليه "رعاع" القوم (1كور 3: 1ي: هم بعد أطفال لأنهم جسديون). ونذكر أكيلا وبرسكلة اللذين يملكان المحلات التجارية في رومة وأفسس وكورنتوس. وخلوة أيضاً هي تاجرة كبيرة ترسل البضائع من كورنتوس إلى مختلف المدن. وكرسبوس كان رئيس المجمع (18: 8؛ 1كور 1: 14). وغايس الذي عمّده بولس يملك داراً تتسع للكنيسة كلها. وأراستُس هو أمين صندوق الكنيسة (روم 16: 23) وقد يكون من كبار المدينة وهو الذي دفع من جيبه من أجل تبليط المسرح في كورنتوس.
كنيسة كورنتوس أصيلة. كلّها حيوية، ولكن فيها الانقسامات والتوتّرات المؤلمة. وسيحتاج بولس إلى كل قوة الإقناع عنده ليبيّن لهم أن المسيح واحد، أن المسيح لا يتجرأ ولا ينقسم (1كور 1: 13)، ليردّ أهل كورنتوس إلى ممارسة المحبة التي هي أسمى الفضائل المسيحية (1كور 13).
وبقي بولس بعض الوقت بعد أن مثل أمام غاليون. زار أفسس زيارة سريعة ووعد أهلها بأن يعود إليهم. واتخذ طريق البحر، فنزلت في قيصرية وصعد إلى أورشليم. وسيقضي الشتاء في أنطاكية (18: 18- 21) قبل أن ينطلق في رحلته الرسولية الثالثة. سيزور الكنائس ويقوّي عزائم التلاميذ (18: 23).

 

 

الفصل العاشر
الرحلة الرسولية الثانية
بدا لنا القديس بولس رجلاً يفتح طرقاً جديدة، ويهتمّ بزرع صليب المسيح في أماكن لم يصل إليها الإنجيل. وكان في الوقت عينه رئيس جماعة يهمه ثبات المؤمنين في حياتهم المسيحية. ولهذا، بعد أن أقام بعض الوقت في أنطاكية، عرض على برنابا قال: "تعال نزور الأخوة في كل مدينة بشّرنا فيها بكلام الرب، ونطلّع على أحوالهم" (15: 36). أراد برنابا أن يرافقهما مرقس أبن عمه. ولكن بولس تذكر أن الشاب تركهما وتراجع أمام الخطر. فنتج خلاف بين الرسولين (15: 39): حينئذ ذهب برنابا ومرقس إلى قبرص، أما بولس فرافقه سيلا.
أ- عبور آسية الصغرى
1- زيارة الكنائس
كيف تبدو هذه الرحلة؟ بعد أن زار بولس (ورفاقه) الكنائس الفتية ليقوّيها في الإيمان (15: 41- 16: 5)، جاء إلى مكدونية (16: 6- 17: 15)، ثم أثينة (17: 16- 34) وكورنتوس (18: 1- 17). لقد تقدّم الإنجيل نحو الغرب، وهذا ما أراده الله. حاول بولس أن يدخل بيثينية (ليقضي فيها بعض الوقت). لم يسمح له روح يسوع. كما حصل بولس على رؤية تقول له: "أعبر إلى مكدونية وساعدنا" (16: 1). تيقّن بولس أن الصوت هو صوت الله يدعوه إلى الذهاب إلى مكدونية. أجل، بدأت حياة بولس في رؤية (9: 10، 12؛ 23: 11؛ 26: 19). وها هو الله يوجّهه الآن. وسيحصل على رؤية في كورنتوس: "لا تخف، بل تكلّم ولا تسكت، فأنا معك" (18: 9- 10).
سيجد بولس نفسه للمرة الأولى وجهاً لوجه مع السلطات الرومانية: جُلد بولس وسيلا ووُضعا في السجن مع حراسة شديدة. ولكن إنتهى كل شيء بالأعتذار: "أطلقوهما وطلبوا إليهما أن يرحلا عن المدينة" (16: 39). هذا ما حدث لهما في فيلبي. وفي كورنتوس، رُفعت القضية إلى غاليون، حاكم أخائية (19: 12 ي). وسيلتقي بولس بالحضارة اليونانية خاصة في أثينة (17: 16- 34).
نستطيع القول إن قسماً جديداً من أع يبدأ هنا: رسالة بولسية كبيرة (رج غل 2: 7- 9: عُهد إليّ في تبشير غير اليهود، غير المختونين، كما عُهد إلى بطرس في تبشير اليهود). إنطلق بولس من أنطاكية، كما قلنا، ولكن نقطة الإنطلاق الحقيقية تقع في أورشليم (روم 15: 19: من أورشليم إلى إليركون أكملت التبشير بالمسيح): من هناك أطلقت حرية كلمة الله، وإلى هناك سيعود بولس في النهاية (21: 15- 26).
في هذا القسم تتردّد إختلافة غربية. في 15: 41 نقرأ: إن بولس كان يثبّت الكنائس "وينقل إليها تعليمات الشيوخ" أي ما أتّخذ من قرارات في مجمع أورشليم. وفي 16: 4 يقول النص الغربي: "حين عبروا المدنَ بشروا بجرأة كاملة بالرب يسوع المسيح، ونقلوا إلى المؤمنين أوامر الرسل والشيوخ في أورشليم". توجهت هذه الرسائل إلى الأخوة "في أنطاكية وسورية وكيليكية" (15: 23)، ولكنها كانت نافعة أيضاً للمسيحيين في لسترة وأيقونة...".
لم يهتم لوقا بالقسم الأول من الرحلة. إنه يريد أن يرى الرسولين يصلان إلى أوروبا: "إجتازا سوديلة وكيليكية". إذن، لا نستطيع أن نتصوّر المسيرة إلاّ في خطوطها العريضة. إذا أردنا أن نذهب من أنطاكية إلى لسترة، فلا بدّ من المرور بطرسوس وأبواب كيليكية (طريق عبر الجبال العالية). 
ويذكر لوقا المناطق التي إجتازها بولس ورفيقه: فريجية، منطقة غلاطية، آسية أي منطقة أفسس وسميرنة (أي أزمير الحالية)، لا مقاطعة آسية الرومانية التي كانت تضمّ مناطق عديدة منها ميسية ميسية هي جزء من آسية الصغرى يقع على حدود البوسفور. وبيثينية تحاذي ميسية وتقع على البحر الأسود. وفي النهاية وصلا إلى ترواس التي هي مرفأ في الشمال الغربي لآسية الصغرى والتي كانت مستوطنة رومانية منذ عهد أغوسطس (رج 16: 11؛ 20: 5، 6؛ 2 كور 2: 12. تبعد 10 أميال تقريباً عن طروادة القديمة).
وصل بولس إلى لسترة فأستقبلته عائلة تيموتاوس. تعلّق تيموتاوس ببولس فأخذه معه (16: 1- 3).
من هو تيموتاوس؟ نعرف أمه: أفنيكة (أو: أونيكة)، وجدته: لوئيس (2 تم 1: 5). كان والده وثنياً وأمه يهودية، فلم يختن. ولكن بولس أراد أن يتحاشى الصعوبات مع يهود الجوار، فقبل أن يختن تلميذه (16: 3)، كما رفض في ظروف أخرى أن يختن تيطس (غل 2: 3). كان تيموتاوس مثال المعاون المخلص للرسول الذي أوكل إليه مهمّات دقيقة في تسالونيكي (1 تس 3- 2) وفي كورنتوس (1 كور 4: 17؛ 16: 10). سمّاه بولس "أبنه" (1 تم 1: 18)، فقلق حين أبتعد عنه (1 تس 3: 6؛ 2 تم 1: 4: "أتشوق إلى رؤيتك لأمتلئ فرحاً"). وأشركه في كتابة رسائله التي وجهّها إلى جماعات تسالونيكي وكورنتوس وفيلبي وكولسي: "من بولس رسول المسيح بمشيئة الله، ومن الأخ تيموتاوس، إلى كنيسة الله في كورنتوس" (2 كور 12: 1). كان رجلاً مرناً، فعمل مع بولس دون "مشاكل"، ولكن نقصته روح المبادرة. فقال له بولس: "ما أعطانا الله روح الخوف، بل روح القوّة والمحبة والفطنة" (2 تم1 : 7).
ونذكر في هذه المناسبة سيلا (أو: سلوانس) وهو نبي جاء من أورشليم. أرسله الرسل والشيوخ إلى أنطاكية مع يهوذا الذي يقال له برسابا. ويقول النص عن سيلا ويهوذا: "كانا ممّن لهم مكانة رفيعة بين الأخوة" (15: 22). أوصل الموفدان تعليمات كنيسة أورشليم إلى أنطاكية. "ولكن سيلا رأى أن يبقى هناك (في أنطاكية). فرجع يهوذا وحده" (15: 34). سيحل سيلا محل مرقس في الطريق الرسولي الجديد (15: 40)، وسيلعب دورا كبيراً في تبشير تسالونيكي، كما نرى في عنوان (1 تس 1: 1، يرد إسم سلوانس حالاً بعد إسم بولس؛ رج 2 تس 1: 1). كان سلوانس قرب بطرس الأخ الأمين. وهو الذي كتب 1 بط (1 بط 5 :12).
ولوقا هو الطبيب الأمين (كو 4: 14؛ فلم 24؛ 2 تم 4: 11) الذي رافق بولس في قسم من أسفاره. هذا ما نكتشفه في القطع المكتوبة في صيغة المتكلم الجمع (نحن): "أما نحن فتوجّهنا إلى السفينة، فأقلعنا إلى أسوس لنأخذ بولس معنا من هناك، كما طلب منا" (20: 13). نستطيع القول إن هذه يوميات لوقا. ما رواه لوقا يساعدنا على تحديد إطار رسالة بولس. ولكن لن نبحث عنده عن أمور محدّدة تتعلّق بتعاليم بولس الخاصة.
"وكانت الكنائس تتقوّى في الإيمان (أي في الحياة المسيحية، رج 14: 22). ويزداد عددها يوما بعد يوم" (16: 5). نحن هنا أمام إجمالة قصيرة تشبه ما في بداية أع (2: 42: مواظبة على تعليم الرسل). إن ما أراد لوقا أن يقوله في آ 1- 5 هو أن الرسل إتخذوا طرقاً جديدة وتوغّلوا في البعيد، ولكنهم ظلّوا متّحدين بكنيسة أورشليم إتحاداً وثيقاً. قد نجد هنا أحد الأسباب الذي لأجله ختن بولس تيموتاوس.
كيف نتخيّل مسيرة بولس وتيموتاوس (16: 6 ي)؟ رغب بولس أن يتجه إلى الغرب (إلى آسية، آ 6) ولكن منعه الروح. حينئذ مال إلى الشمال فعبر فريجية، ثم إلى الشمال الشرقي فوصل إلى منطقة غلاطية. وإذ أراد الرسول أن يتابع طريقه إلى الشمال بإتجاه بيثينية، أوقفه الروح مرة ثانية.. فلم يبقَ له إلا طريق واحد دلّه الله عليه: يمرّ عبر ميسية بإتجاه ترواس وأوروبا. وهنا يتدخل لوقا، فيتكلّم بأسم المجموعة الرسولية. لن تكون هذه المرة الأولى إذا وضعنا جانباً 11: 28 حيث يقول النص الغربي: "إذ كنا مجتمعين، طلبنا السفر في الحال إلى مكدونية، متيّقنين أن الله دعانا إلى التبشير فيها" (16: 10).
2- إقامة بولس عند الغلاطيين
إقامة غير منتظرة. كان هدف بولس أن يتوجّه مباشرة إلى أفسس عبر الطريق الداخلية التي تسير بمحاذاة وادي مياندريس. ولكن دفعه الروح، فجال في فريجية وفي منطقة غلاطية (16: 7) التي أقام فيها هؤلاء الذين جاؤوا من بلاد غالية (فرنسا الحالية) في القرن 3 ق. م. وسمّوا الغلاطيين. أقاموا حول أنقيرة (أنقرة الحالية) في منطقة الهضاب. كان امينتاس آخر ملك من ملوكهم: سلّم ملكه إلى الرومان، فضمّوا إلى منطقة غلاطية كلا من بسيدية وفريجية وليقونية.
بما أن بولس يتوجّه في رسالته إلى المؤمنين، ويسمّيهم الغلاطيين (غل 3: 1)، فنحن متأكدون أنه جال في قلب البلاد، ولم يكتفِ بعبور بسيط في بسيدية وليقونية اللتين بشرهما خلال رحلته الرسولية الأولى. 
إهتم بولس بتبشير المدن الكبرى التي منها يشع الإنجيل، فما نوى بادئ ذي بدء أن يتوقف في أرياف غلاطية. ولكن المّ به مرض خطير غيّر وجهة مشاريعه. وتذكر الرسول بتأثر كبير كيف أهتمّ به أهل غلاطية: "قبلتموني كأني ملاك الله، بل المسيح يسوع" (غل 4: 14).
كان المرض علامة عقاب من الآلهة، علامة وجود روح شريرة.
وكان على الغلاطيين الذين رأوا حالة بولس الجسدية أن يحتقروه ويكرهوه. لقد كان مرضه محنة لهم، فكان عليهم أن يبصقوا على الأرض ليتخلّصوا من هذا الروح الشرير. لا، لم يفعل الغلاطيون شيئاً من هذا، بل تأثروا بكرازة بولس عن المسيح: "إرتسمت أمام عيونهم صورة المسيح المصلوب" (غل 3: 1). إرتدّوا بسرعة وحماس، وتميّز إرتدادهم بعدة تدخلات من عند الروح القدس: نالوا الروح من الذي عمل المعجزات بينهم. سمعوا بشارة الإيمان واقتبلوها، فأنفتحوا على عطية الروح.
لم يكن بولس قد خطّط لهذه الرسالة، وهو سيتذكرها بقلب يعمر بالفرح. غير أنه سيندهش من هذا الإنقلاب المفاجئ لدى هؤلاء الذين كانوا مستعدين ليقتلعوا عيونهم ويعطوه إياها (غل 4: 15): "أيها الغلاطيون الأغبياء، من الذي سحر عقولكم؟ هل وصلت بكم الغباوة إلى هذا الحدّ" (غل 3: 1، 3)؟ لقد مرّ مبشرون متأثّرون بالتعاليم اليهودية، فترك الغلاطيون ذلك الذي دعاهم بنعمة المسيح، وتبعوا بشارة أخرى (غل 1: 6). وهكذا صار بولس عدواً لهم بعد أن كان صديقاً، لأنه قال لهم الحق (غل 4: 16). ولكن بولس هو هو: البشارة التي حملتها إليكم غير صادرة عن البشر. تلقيّتها عن وحي من يسوع المسيح (غل 1: 11- 12). وينهي بولس: "أنا لا أستعطف الناس، أنا لا أطلب رضا الناس. فلو كنت أطلب رضا الناس لما كنت عبداً للمسيح" (غل 1: 10).
هذه هي أزمة بولس مع اليهود الذين اهتدوا إلى المسيح وظلوا على ممارستهم للشريعة اليهودية، بل حاولوا أن يفرضوها على الوثنيين الذين يرتدون. بدأت الصعوبات منذ البداية مع الختان. "نزلت جماعة من اليهودية وأخذوا يعلّمون الأخوة فيقولون: لا خلاص لكم إلا إذا أختُتنتم على شريعة موسى، (15: 1). قال بعضهم: إن الختان ضروري. وقال آخرون: إن الختان يكمّل العماد. فمن لم يُختن، يُحسب مسيحياً من الدرجة الثانية. ذاك كان موضوع مجمع أورشليم. ثم كانت حادثة أنطاكية. كان بطرس يأكل مع الوثنيين (غير اليهود). فلما وصل قوم من عند يعقوب، تجنّب بطرس الوثنيين، وأنفصل عنهم خوفاً من دعاة الختان. حينئذ غضب بولس وقال لبطرس بمحضر منهم كلهم: "إذا كنت أنت اليهودي تعيش عيش الوثنيين لا عيش اليهود، فكيف تلزم الوثنيين أن يعيشوا كاليهود" (غل 2: 14)؟ قال اليهود: "نحن يهود بالولادة، لا من الأمم الوثنية، من هؤلاء الخاطئين". أجابهم بولس: "نحن نعرف أن الله لا يبرّر الإنسان لأنه يعمل بأحكام الشريعة (الختان وغيره)، بل لأنه يؤمن بيسوع المسيح" (غل 2: 15- 16).
إن فرضنا الختان على غير اليهودي، عارضنا إنجيل المسيح. فالوثنيون يعتبرون الختان تشويهاً للجسد. نحن أيضاً أمام عمل رعائي، وبولس لا يخاف ولا يساوم كما فعل بطرس بضغط من المسيحيين المتهوّدين. ولكن هناك بعداً لاهوتياً عاماً: إذا كانت الشريعة اليهودية تحتفظ بوجودها المسيطر، فأي جديد حمله موت المسيح وقيامته؟ على أي أساس يتبرّر المسيحي؟ بالمحافظة على الشريعة أم بالإيمان بالمسيح؟ أجل، المهم في كل هذا الجدال هو مركز المسيح في تاريخ الخلاص. اعتبر المتهوّدون يسوع نبياً من الأنبياء بشّر بالتوبة وقاد الشعب إلى ممارسة الشريعة ممارسة أفضل. أما في نظر بولس، فالمسيح هو ابن الله الذي أرسل إلى العالم ليحرّر البشرية: لم نعد عبيداً (للشريعة أو لسائر العناصر، غل 4: 9)، بل صرنا أبناء: "إن الله أرسل روح ابنه إلى قلوبنا هاتفاً: أبّا، أيها الأب" (غل 4 : 6). مع المسيح صار كل شيء جديداً. وما يهم بعد الآن ليس الختان أو عدم الختان، بل الخليقة الجديدة (غل 6 : 15).
ب- الرسالة في مكدونية
تعكس الإشارات التي نقرأها في 16: 6– 10 تردّد بولس: في أي طريق سيسير؟ ناداه مكدوني في الحلم، فوضع حداً لتردّده. وهكذا انطلقت المجموعة الرسولية إلى ترواس. وبعد يومين، نزلت في نيابوليس (عبر جزيرة ساموتراكية)، وسارت على الطريق الأغناطية التي تقود إلى فيلبي. أكبر مدينة في ولاية فيلبي (هي اليوم قرية صغيرة، فيليباجيلك).
1- فيلبي (16: 11- 4)
جاء بولس إلى فيلبي، فأتصل للمرة الأولى بمستوطنة رومانية أسسّها أوكتافيوس من أجل قدماء الحرب. نعمت فيلبي بامتيازات إدارية خاصة، فكانت شبيهة بالمدن الإيطالية (مثلاً، تنتخب نوّابها وممثليها). افتخر أهلها بأنهم مواطنون رومانيون وسيقول لهم بولس: "وطننا هو في السماء" (فل 3 : 20).
عبدت فيلبي ديونيسيوس إله الخمر، وبنتيس (= أرطاميس) إلاهة الصيد، وإيزيس وسيرابيس آلهة مصر مع رومة وأغوسطس. وآمنت بالحياة بعد الموت.
وصل بولس إلى فيلبي، فاتصل أول ما اتصّل بأهل دينه. لم يكن عددهم كبيراً ليبنوا مجمعاً داخل حرم المدينة، فاكتفوا بموضع متواضع للصلاة على ضفة النهر. تحدّث بولس إلى النساء المجتمعات هناك، فتأثرّت تاجرة غنية (تبيع الأرجوان) بكلام بولس.
هذه المرأة هي من تياتيرة، بآسية الصغرى. كانت وثنية ولكنّها عبدت الإله الواحد. فتح الله قلبها كما فتح عيني تلميذي عماوس ليلة الفصح. "أجبرت" بولس على الدخول إلى بيتها: "أدخلوا بيتي وأقيموا فيه إذا كنتم تحسبوني مؤمنة بالرب" (آ 15). اتخذت قرارها دون تردّد: تعمّدت هي وأهل بيتها، أي العائلة والخدم والذين يعملون عندها. هكذا فعل كورنيليوس الذي دعا "أنسباءه وأخصّ أصدقائه" (10: 24) ليستمعوا معه إلى كلام بطرس.
كم أقام بولس في فيلبي؟ هذا ما لا يقوله لوقا. ولكن دينامية جماعة فيلبي تجعلنا نظن أنه أقام هناك بضعة أشهر على الأقل. ولقد تنظّمت الجماعة بسرعة حسب الروح الرومانية: فهناك الأساقفة والشمامسة (فل 1: 1). ولقد تعلّق بولس بجماعة فيلبي تعلقاً خاصاً: "أنتم دائماً في قلبي" (1: 7). "ولي ثقة بأني سأبقى بينكم جميعاً لأجل تقدّمكم وفرحكم في الإيمان" (1: 15). ولقد أظهر أهل فيلبي محبة كبيرة لبولس الرسول. فهو الذي لم يقبل عوناً من أجل البشارة، قَبل ما أرسله إليه أهل فيليبي "وهي تقدمة لله طيبة الرائحة، وذبيحة يقبلها ويرضى عنها" (فل 4: 10– 18).
ولكن أطلّت العاصفة مع "جارية بها روح عرافة" (آ 16). كانت تجني من عرافتها مالاً كثيراً لأسيادها. قال الروح النجس ليسوع: "ما لنا ولك، يا يسوع الناصري؟ أجئت لتهلكنا؟ أنا أعرف من أنت: أنت قدوس الله" (لو 4: 34). وها هي هذه العرافة تقول عن بولس ورفاقه: "هؤلاء الرجال هم عبيد الله العلي، يبشّرونكم بطريق الخلاص" (آ 17). أخرج يسوع الشيطان بقوة كلمته. وقال بولس للروح النجس: "آمرك باسم يسوع المسيح أن تخرج منها" (آ 18).
خسر أسياد هذه الجارية ربحهم، فشكوا بولس وسيلا لدى القضاة المحليين: "هذان الرجلان يثيران الاضطراب في مدينتنا، وهما يهوديان يبشّران بتعاليم لا يحل لنا قولها أو العمل بها لأننا رومانيون" (آ 20- 21). تكلّم الناس بهذه الطريقة، فدلّوا على الاحتقار الذي يكنه الرومانيون لليهود. وإذا كانت السلطة الرومانية قد سمحت بالديانة اليهودية، إلا أنها منعت انتشارها لدى الرومان. اهتم القضاة للأمر: جلدوهما وسجنوهما.
نجد هنا خبرين لإطلاق بولس وسيلا من السجن. خبر يتحدث عن معجزة قام بها الرب: زلزال عنيف، انفتحت الأبواب، انفكت قيود السجناء. هذا ما حدث للرسل بصورة عامة (5: 19- 21)، وبطرس بصورة خاصة (12: 7- 11). حل الخوف بالسجان فآمن هو وأهل بيته (آ 25- 34). وهناك خبر آخر (آ 35– 40) لا يتحدّث عن معجزة: "أمر الحكام بإطلاقكما". ولكن بولس رفض أن يخرج من المدينة قبل أن يقدّم الحكّام اعتذارهم.
شجّع بولس وسيلا الأخوة وودّعاهم (آ 40). أما لوقا فيبدو أنه بقي في فيلبي (لا نعود نجد صيغة المتكلم الجمع، بل مرّا حتى وصلا، (17: 1)، وسنجده خلال الرحلة الرسولية الثالثة: "سبقونا إلى ترواس وانتظرونا هناك" (20: 5 ي).
بعد أن تحدّث لوقا عن تدخل الله ليرسل بولس إلى مكدونية (16: 6- 10)، شدّد على تأسيس كنيسة فيلبي (16: 11- 15) وظهور قدرة الرب الذي يسند المرسلين (16: 16- 18؛ 16: 25- 15). واجهت المسيحية العالم الوثني في مدينة رومانية، فخرجت منتصرة من المعركة. وستواجه أيضاّ الفكر الفلسفي اليوناني في أثينة وتتغلّب عليه.
2- تسالونيكي
وسار بولس وسيلا وتيموتاوس على الطريق الاغناطية فوصلوا إلى تسالونكي المدينة التي تضم اليونانيين والرومانيين وأبناء الشرق. كانت الجماعة اليهودية كبيرة وكان لها مجمع. وعبد الناس الالهة الوثنية، ولا سيما ديونيسيوس الذي انتشرت عبادته في مكدونية.
كيف تأسست جماعة تسالونيكي؟ ذهب بولس كعادته إلى المجمع. وكما فعل فيِ أنطاكية بسيدية، إنطلق من الكتب فبين أن يسوع المصلوب هو المسيح (آ 1- 3). سمع اليهود لهم ثلاثة سبوت ثم طردوهم. حينئذ توجّه بولس إلى الدخلاء الذين قبلوا كلامه. يشدّد لوقا على وجود أناس من الوجهاء: ياسون الذي تمتّع بسلطة كافية ساعدته على إطلاق المرسلين لقاء كفالة (آ 8). وكان من بين المرتدين ارسترخس وسكوندس (20: 4؛ كو 4: 10). وهناك "النساء الفاضلات" اللواتي عملن الكثير من أجل نشر الرسالة المسيحية (17: 12؛ رج لو 8: 1– 3؛ 10: 38- 42) بعد هذا، تكرّس بولس للتبشير في المحيط الوثني. كان يعمل بيديه (1 تس 2: 9)، ولكنه حصل أيضاً على مساعدة من الأخوة في فيلبي (فل 4: 16).
ما الذي قاله بولس في هذه المدينة الوثنية؟ بشر أولاً بالله الواحد الحي والحق (1 تس 1: 9)، الإله الذي نعبده ولا نكتفي بتكريمه بشفاهنا. وبعد أن وضع الأساس التوحيدي، وصل إلى المضمون الخاص بالإيمان المسيحي مع إبراز الوجهة الاسكاتولوجية الخاصة بالحقبة الأولى من لاهوت بولس الرسول. "ننتظر مجيء ابنه من السماوات، وهو الذي أقامه الله من بين الأموات، يسوع الذي ينجّينا من الغضب الآتي" (1 تس 1: 10). كان يوحنا المعمدان قد هدّد سامعيه بالغضب الآتي (لو 3: 7). وها هو بولس يستند إلى التهديدات الجليانية التقليدية ليبرز الدور الخلاصي الذي يقوم به يسوع. فهو سيتدخل من أجل أخصائه ساعة الدينونة. نحن نتخيّل بأي حماس انتظر بولس رجوع المعلم. ففي أورشليم وفي كل مكان يدعى المؤمنون لينشدوا ماراناتا: تعال أيّها الرب يسوع. وستجد كرازة بولس الاسكاتولوجية نجاحاً يتجاوز كل انتظار. إذا كان مجيء الرب قريباً، فلماذا نعمل؟ كان بولس قاسياً مع الذين يرفضون أن يعملوا (1 تس 4: 11؛ 2 تس 3: 6- 12). وعلّمته الخبرة فتحاشى فيما بعد أن يجعل الناس يفهمونه فهماً خاطئاً.
في هذا المرفأ الذي يعج بالحياة والذي يملأه وعّاظ يتاجرون بالديانات، إهتم بولس بأن يُظهر ما تتميز به رسالته (1 تس 2: 1- 12): "نحن لا نعظ عن ضلال ولا دنس ولا خداع. نحن نتكلّم لا لنرضي الناس بل لنرضي الله الذي يختبر قلوبنا. ما طلبنا المجد من الناس، لا منكم ولا من غيركم". تجرّد كامل، نقاوة في التعليم، حنان أين منه حنان الأم على أولادها. هذه علامات تدل على الرسول الذي أرسله الله حقاً: إن بولس يفتح قلبه للمؤمنين، لهؤلاء الذين ولدهم للحياة في المسيح يسوع (1 كور 4: 15).
نجحت كرازة بولس، فعارضه اليهود معارضة قوية (1 تس 2: 14- 16): "اليهود، قتلوا الرب يسوع والأنبياء واضطهدونا... ويمنعونا من تبشير سائر الأمم". وشكوا بولس ورفاقه الذين "يخالفون أوامر القيصر ويقولون: هناك ملك آخر اسمه يسوع" (آ 6- 7). نحن في أيام الامبراطور كلوديوس الخائف على عرشه. لهذا تصرّف القضاة بسرعة. وهكذا ذهب بولس وسيلا وتيموتاوس من تسالونيكي حين رأوا الأحداث على هذا الشكل. وسوف يكون بولس حذراً حين يتكلّم عن موضوع ملك يسوع. لا، ليست المسيحية شعب تجعل من يسوع مزاحماً للامبراطور. هذا ما قاله اليهود عن يسوع حين اتهموه أمام بيلاطس: "وجدنا هذا الرجل يثير الفتنة في شعبنا، ويمنعه أن يدفع الجزية إلى القيصر ويدّعي أنه مسيح، أنه ملك" (لو 23: 2). يسوع هو ذلك الذي اختاره الله ومسحه من أجل رسالة روحية. يسوع هو الرب الممجد. هذان هما اللقبان اللذان تشدّد عليهما المسيحية الأولى (2: 36).
ج- الكرازة في اثينة
"فأرسل الأخوة في الحال بولس وسيلا ليلاً إلى بيرية" (17 : 10). بيرية هي مدينة تقع في جنوبي مكدونية (فيريا الحالية). وقد استقبلت الرسولين استقبالاً حسنا لم يجداه في مكان آخر. أصغى أهلها إلى كلام الله، إلى الانجيل، برغبة شديدة. ولكن وصل يهود أتوا من تسالونيكي، فأرسل الأخوة بولس في الحال إلى اثينة، وظل سيلا وتيموتاوس في بيرية.
إذا قابلنا آ 14 مع 1 تس 3: 1، 2، 6، نرى أن لوقا جمّع الأحداث بطريقة موجزة، وها نحن نتمثّلها على الشكل التالي: أولاً: ترك بولس سيلا وتيموتاوس في بيرية (17: 14). ثانياً: أرسل أوامره، فجاءا إليه إلى أثينة (1 تس 3: 1). ثالثاً: أرسل بولس سيلا وتيموتاوس إلى مكدونية، ثم أرسل تيموتاوس إلى تسالونيكي (1 تس 3: 1) وسيلا إلى فيلبي. رابعاً: ذهب بولس بنفسه الى كورنتوس (18: 1). خامساً: انضم تيموتاوس وسيلا إلى بولس في كورنتوس (18: 5؛ 1 تس 3: 6).
تفحّص أهل بيرية الكتب المقدسة ليروا إن كانت الأمور هكذا (17: 11). أي: إذا كان يسوع هو المسيح حقاً (رج 17: 3). عرفوا تعاليم بولس، فآمن كثير من الرجال ومن النساء الشريفات.
ونصل إلى أثينة. لا يذكر بولس اسم اثينة في رسائله إلاّ مرة واحدة (1 تس 3: 1). أما لوقا فقد رسم لنا لوحة عن نشاط هذه المدينة العظيمة بماضيها. لم يعد لها دور سياسي، ولكنها كانت المدينة الجامعية المرموقة ونموذج الحضارة الهلّينية. ستكون المسرح لأول لقاء بين الإنجيل والفكر (والحكمة) اليوناني.
كانت المدارس الفلسفية عديدة فيها. ولكن لوقا ذكر فقط الابيقوريين والرواقيين (17: 18). بحث ابيقور، مؤسس الحكمة الابيقورية، عن سعادة تُبعد القلق وتقدّم اللذة. إذاً نُزيل كل خوف كاذب: الخوف من القدر، الخوف من الموت، الخوف من الآلهة. لم يكن ابيقور ملحداً، ولكنه اعتبر أن الآلهـة يعيشون في الاثير ولا يتدخلون في أمور البشر، فلا يجب أن نخاف منهم. والنفس مكوّنة من أجزاء صغيرة تتبخّر بعد الموت. أما البحث عن اللذة فقد صار بحثاً عن الطعام والحب الشهواني. أما شعارهم فهو: "لنأكل ونشرب فإنّا غداً نموت" (1 كور 15- 32).
أما الرواقيون فمؤسسهم هو زينون الفينيقي الذي عاش في قبرص وأعلن نظاماً فلسفياً ينسّق بين الانسان والكون، ويعتبر الانسان مواطن العالم (لا مواطن مدينة صغيرة). الرواقية هي فلسفة المجهود والتغلّب على اللذات، هي فلسفة النظام والعناية الالهية. أما الفرق الأساسي بين الرواقية والمسيحية فهو أن الأولى تشدّد على العقل ومجهود الانسان. أما المسيحية فهي ديانة النعمة. لا تنسى عمل الانسان، ولكنها تعرف أننا لا نستطيع شيئاً من دون المسيح
(رج يو 15: 14).
بدأ بولس فتوجّه في اثينة إلى اليهود والمسيحيين معاً. هذه هي المرة الأولى بل الوحيدة التي لم يميّز فيها الكرازة لليهود من الكرازة للوثنيين (رج 13: 48؛ 18: 6: بعد ان حدّث اليهود قال: دمكم عليكم، وانتقل إلى الوثنيين).
الاريوباج او الاريوباغوس هو تلة يجتمع فيها المجلس الأعلى أو هو المجلس نفسه. في أيام بولس صار المجلس يجتمع في الرواق الملكي، قرب "الاغورا" أو الساحة العامة (رج 16: 19).
سار بولس في المدينة، وتحدّث عن القيامة، فبدا وكأنه يتكلّم عن إله جديد لم يعرفه الاثينيون. هنا نشير إلى أن الرواقيين والابيقوريين رفضوا الكلام عن إله شخصي يتميّز عن الكون. الله هو "فكرة" غامضة، هو عناية فاعلة بطريقة سرية. هنا نحس بالمسافة بين مثل هذه الفلسفات والديانة التي تربط الإنسان بشخص يسوع المسيح.
ودعا المجلس (الاريوباج) بولس لكي يشرح موقفه في الرواق الملكي. واستعمل بولس الفصاحة كما سيستعملها فيما بعد أمام فستوس واغريبا (ف26). بدأ يهنئ الأثينيين: "أراكم أكثر الناس تديّنا في كل وجه" (17: 22). انطلق من كتابة تتحدث عن الإله المجهول أو الإله الذي لا نقدر أن نعرفه، فوصل إلى التعليم عن الإله الواحد الذي يجهلونه حقاً.
بعد مقدمة تصل إلى "الإله المجهول" (17: 22- 23)، يقول بولس (17: 25- 29) إن هذا الإله هو الذي خلق الكون ويعتني به (هذا ما قاله للوثنيين في لسترة، 14: 15). ثم قدّم الإنجيل (17: 30- 31) من زاوية خاصة: لم يتكلّم لا عن حياة يسوع ولا عن موته. فيسوع هو رجل اختاره الله من أجل دينونة عامة. والقيامة هي الكفالة بأن الله اختار يسوع لهذه المهمة، مهمة الدينونة التي نستعد لها بالتوبة.
أورد بولس أقوال الشعراء: أراتوس وهو شاعر من كيليكية عاش في القرن 3 ق. م. قال: نحن من أهله أو نحن أبناؤه. ولكن بولس كيّف هذا القول مع فكرة صورة الله الواردة في تك 1: 26 (رج 2 بط 1: 4؛ 1 يو 3: 2). إبيمانيدس وهو شاعر من القرن 6 ق. م. قدّم المثلّث الافلاطوني: الحياة، الحركة، الوجود. فصارت في خطبة بولس: "فيه نحيا ونتحرّك ونوجد" (17: 28). وأورد أيضاً الكتاب المقدّس، فجاء كلامه لقاء بين بحث "فلسفي" عن الله، ووحي الهي يحمل الحياة إلى البشر. ولكنّ فكرة القيامة بدت لأهل أثينة فكرة لا معنى لها ورفضاً لنظام الكون كما تصوّروه. قالوا: "سنسمع كلامك في هذا الشأن مرّة أخرى" (17: 32).
إذاً، فشل بولس أمام حكماء أثينة، لأنهم لم يلجوا إلى أعماق الشقاء الإنساني، ولم يكتشفوا محبّة الله لخلائقه محبة شخصية. فشل، أو بالأحرى كان النجاح بسيطاً (انضم إليه بعضهم وآمنوا). لهذا السبب، سيقدّم كرازة أخرى لأهل كورنتوس تتركّز على يسوع المسيح المصلوب، كرازة لا تستند إلى حكمة البشر بل إلى قدرة الله (1 كور 2: 1- 5). ومهما يكن من أمر، فان العالم الهليني سيقاوم الإنجيل مدة طويلة، ولكن الإنجيل سينتصر في النهاية. يذكر النص هنا ديونيسيوس الاريوباغي (أو الاريوباجى) وهو أحد أعضاء مجلس المدينة. إنه نموذج النخبة التي ترتدّ إلى الإيمان المسيحي. قال بولس لأهل كورنتوس: ليس فيكم كثير من الحكماء والأقوياء والوجهاء (1 كور 1: 26). ولكن القديس لوقا يذكر لنا بعض هؤلاء، دون أن ينسى صغار القوم، ولا سيّما العبيد. منذ البداية، استجاب لنداء الإيمان كثير من الكهنة (6: 7). وكان برنابا رجلاً معروفاً وغنياً في أورشليم (4: 36- 37). ولم يكن كورنيليوس جندياً عادياً بل ضابطاً في فرقة مميّزة هي الفرقة الايطالية (10: 1). وهناك حاكم جزيرة قبرص (13: 12) وكل النساء الشريفات في تسالونيكي (1 ك 4) وفي بيرية (17: 12).
واحتفظ لوقا باسم داماريس الاثينية (17: 34) وأبرز الدور الذي لعبته ليدية في فيلبي (216: 14). وسنلتقي مراراً ببرسكلة زوجة أكيلا (18: 2 ي؛ رج 1 كور 16: 19؛ روم 16: 3– 5؛ 2 تم 4: 19). وسنعرف أن فيبة هي شماسة في كنيسة كنخرية (روم 16: 1)، وقد حملت إلى أهل رومة الرسالة التي كتبها بولس لهم. ومريم تعبت كثيراً من أجل الكنيسة (روم 16: 6). وكذا نقول عن تريفينة وتريفوسة (روم 16: 12). وفي كولسي، تستقبل نمفاس الكنيسة التي تجتمع في بيتها (كو 4: 15. وقد تكون الكلمة أسم رجل أيضاً، أو مجموعة. تقول المخطوطات: بيته، بيتها، بيتهم). ويبدو أن أفودية وسنتيخة تعملان بحماس كبير، لهذا يدعوهما بولس إلى أن تكونا على اتفاق في الرب، فقد جاهدتا جهاداً كبيراً في خدمة البشارة (فل 4: 2- 3).
د- كورنتوس (18: 1- 17)
تأثر بولس بفشله في أثينة (1 كور 2: 3: أشعر بالضعف والخوف والرعدة)، فانتقل إلى كورنتوس، عاصمة مقاطعة أخائية. مرّ قرب البرزخ الذي تقام فيه الألعاب الشهيرة إكراماً لبوسيدون، إله البحر. وسيذكر مجهود هؤلاء اللاعبين في حلبات السباق: "كل مسابق يمارس ضبط النفس في كل شيء من أجل إكليل يفنى، وأما نحن، فمن أجل إكليل لا يفنى. فأنا لا أجري كمن لا يعرف الهدف، وألاكم كمن يضرب الهواء، بل أقسو على جسدي وأستعبده لئلا أكون بعدما بشّرت (على مثال الذي يعلن النتائج) غيري، من الخاسرين" (1 كور 9: 25- 27).
مدينة كبيرة تعد نصف مليون نسمة وتعج بالحركة بفضل مرفأيها. هناك أهل البلاد والآتون من إيطالية ومن الشرق. فيها العبيد الكثيرون وعمّال المرفأ. فيها المعابد العديدة، ولا سيما معبد افروديت الاهة الحرب والاهة الحب التي تخدمها ألف من الكاهنات. كيف الحديث عن الإله الواحد في كورنتوس، كيف الحديث عن الاتفاق والوحدة، كيف الحديث عن الزواج والعفة؟
حين وصل بولس إلى كورنتوس عمل لدى أكيلا وبرسكلة وهما تاجران طُردا من رومة على أثر قرار الإمبراطور كلوديوس. قد يساعدنا هذا القرار على تحديد مدة إقامة بولس في كورنتوس. وهناك معطى آخر، ففي نهاية إقامة بولس في كورنتوس، قدّمه اليهود أمام غاليون حاكم أخائية (18: 11). كان غاليون هذا شقيق سينيكا الفيلسوف ومربّي نيرون. وقد وُجدت مدوّنة في معبد دلفس وهي رسالة بعث بها كلوديولس إلى خلف غاليون. تاريخ الرسالة: القسم الأول من سنة 51 ب . م. وبما أن حكام المقاطعات الشيوخية (ترتبط رأساً بمجلس الشيوخ، وكانت أخائية منها) يتبدلون كل سنة ويبدأ حكمهم في شهر نيسان، فهذا يعني أن غاليون لم يكن حاكم أخائية سنة 52. إذن، وصل غاليون إلى أخائية في نيسان 50 أو 51. ما إن وصل إلى كورنتوس حتى قدّم له اليهود بولس ليحاكمه. وبما أن بولس أقام في كورنتوس 18 شهراً (18: 11)، يمكننا القول إن رسالته في كورنتوس دامت من 49/50 إلى سنة 51/52.
كيف توزّعت مراحل رسالة بولس في كورنتوس؟
ذهب أولاً إلى المجمع ليشهد أن يسوع هو المسيح. ولكن بدأت المضايقات من قِبل اليهود (18: 6- 7). في هذا الإطار كتب إلى التسالونيكيين رسالة شكر وتشجيع وكان قاسياً مع اليهود الذي يعارضون البشارة لدى الوثنيين (1 تس 2: 4- 16). جاءه تيموتاوس حاملاً الأخبار السارة، فكتب بولس: "شدّدَ إيمانكم عزائمَنا في كل ما نعانيه، أيها الأخوة، من الضيق والشدّة، بل نحن الآن نحيا ما دمتم ثابتين في الرب" (1 تس 3: 7- 8).
طُرد بولس من المجمع، فأقام عند تيتيوس (أو تيطس) يوستوس. لم يكن هذا الرجل يهودياً، ولكن منزله كان ملاصقاً للمجمع. وهكذا بدأ بولس رسالته لدى الوثنيين. ويذكر لوقا رؤية جاءت تشجّع بولس وتقول له: "لا تخف، بل تكلّم ولا تسكت، فأنا معك، ولن يؤذيك أحد. فلي شعب كبير في هذه المدينة" (آ 9- 10). سيكون بولس متحفّظاً حين يتكلّم عن النعم المستيكية (السرية) التي حصل عليها، وهو لم يجعلها يوماً على مستوى ظهور المسيح له على طريق دمشق. ولكن يحصل له أن يكشف زاوية من الحجاب كما فعل في 2 كور 12: 1– 2: "وإن كان لا بد لي من الافتخار، مع أنه لا نفع منه، فانتقل إلى الكلام على رؤى الرب وما كشفه لي. أعرف رجلاً في المسيح (يتحدّث بولس عن نفسه) خُطف قبل 14 سنة إلى السماء الثالثة". هذا يعود بنا إلى سنة 42- 43 (إذا قلنا إن 1 كور دونت سنة 56) أي قبل الانطلاق في الرحلة الرسولية. وهذا الوحي يدلّ على أن الضعف البشري لا يقف عائقاً بوجه عمل الله. وقد طلب بولس بإلحاح من الله أن يأخذ من جسده شوكة زرعها الشيطان، جاءه الجواب: "تكفيك نعمتي. في الضعف يظهر كمال قدرتي" (2 كور 12: 9).
مثل بولس أمام غاليون، فاعتبر غاليون أن المسألة داخلية: يجادل اليهود فيما بينهم حول الألفاظ (أو التعاليم) والأسماء (أي الأسماء التي تعطى ليسوع). المسيحية هي "شيعة" داخل العالم اليهودي، وهي بالتاليْ قضية ترتبط بالجماعة اليهودية وشريعتها. وبما أن رومة لا تتدخل في قضايا اليهود الدينية، قال غاليون: "تدبروا أنتم هذا الأمر، لأني لا أريد أن أكون قاضياً فيه". وطردهم من المحكمة (آ 15- 16).
هنا يبرز شخص أبلوس. كان يهودياً من الاسكندرية وكان أديباً يعتبر الأسفار المقدسة الطريق التي تعطي الحياة معناها. واكتشف يوماً يسوع المسيح. أين؟ في الاسكندرية كما يقول النص الغربي (وهذا يعني أن المسيحية وصلت باكراً إلى مصر) أو في مكان آخر. على يد من؟ هذا ما لا نعرفه، والمسيحية قد انتشرت على يد المؤمنين في بلاد الشرق (بلاد الرافدين) كما في بلاد الغرب. وحين وصل أبلوس إلى أفسس، بدأ يكرز ويعلّم في المجامع عن يسوع، وكان تعليمه صحيحاً. وقد بيّن لإخوته اليهود، وهو فصيح اللسان، أن الأسفار المقدسة تقود إلى يسوع الذي هو المسيح.
سمعه أكيلا وبرسكلة يوماً يعظ في كورنتوس، فأعجبا بإيمانه ودهشا من النقص الذي فيه: كان لا يعرف إلاّ معمودية يوحنا. أخذاه إلى بيتهما وأكملا له ثقافته الدينية (18: 24- 28).
وصل بولس إلى أفسس، فوجد في أبلوس معاوناً من الدرجة الأولى. دعاه الكورنثيون الذين كانوا قد سمعوه (كما يقول النص الغربي)، فذهب أبلوس إلى كورنتوس. ونجح نجاحاً باهراً، فجعله الكورنثيون على مستوى بطرس وبولس. وقال بعضهم: "أنا مع أبلوس" (1كور 1: 12، 3- 4). رفض أبلوس هذه التحزّبات، وامتنع عن العودة إلى كورنتوس رغم تشجيع بولس له (1كور 16: 12).
ينسب إليه بعض العلماء الرسالة إلى العبرانيين لما فيها من قوة الحجة وفصيح البيان، لما فيها من معرفة بالأسفار المقدسة.
وأقام بولس في كنيسة كورنتوس سنة ونصف السنة. جماعة تنوّعت فيها الشعوب والأعراق (مثلاً كان اكيلا من أهل البنطس، على شاطئ البحر الأسود)، فوجب على بولس أن يقول: "فنحن كلنا، أيهوداً كنا أم يونانيين، عبيداً أم أحراراً، تعمدّنا بروح واحد لنكون جسداً واحداً، وارتوينا من روح واحد" (1كور 12: 13). وتنوّعت كنيسة كورنتوس على المستوى الاجتماعي، فتكوّنت من العبيد "الذين ليسوا بشيء" (1 كور1: 28)، ومن عمال المرفأ وصغار القوم. فأهل بيت خلوة (1كور 1: 11) هم عبيد أو موالي لدى هذه التاجرة الغنية. والذين يتأخرون عن عشاء الرب، هم المساكين الذين يعملون طوال النهار فلا يبقى لهم ما يأكلون حين يصلون إلى مكان الاجتماع (1 كور 11: 21): "تستخفون بكنيسة الله وتهينون الفقراء". وإن كلام بولس عن الحرية المسيحية سيحرّك العبيد. لهذا يدعوهم بولس إلى الهدوء: "إذا كنت عبداً عندما دعاك الله فلا تهتم. ولكن إن كان بإمكانك أن تصير حراً، فالأولى بك أن تغتنم الفرصة. فمن دعاه الرب وهو عبد كان للرب حراً" (1 كور 7: 21- 22).
وتكوّنت جماعة كورنتوس أيضاَ من وجهاء القوم. فهناك المتموّلون الذين يقاضون إخوتهم في محاكم وثنية (1كور 6: 1- 8). وهناك متعلّمون يعتبرون نفوسهم حكماء، ويطلبون تعليماً رفيعاً لا يصل إليه "رعاع" القوم (1كور 3: 1ي: هم بعد أطفال لأنهم جسديون). ونذكر أكيلا وبرسكلة اللذين يملكان المحلات التجارية في رومة وأفسس وكورنتوس. وخلوة أيضاً هي تاجرة كبيرة ترسل البضائع من كورنتوس إلى مختلف المدن. وكرسبوس كان رئيس المجمع (18: 8؛ 1كور 1: 14). وغايس الذي عمّده بولس يملك داراً تتسع للكنيسة كلها. وأراستُس هو أمين صندوق الكنيسة (روم 16: 23) وقد يكون من كبار المدينة وهو الذي دفع من جيبه من أجل تبليط المسرح في كورنتوس.
كنيسة كورنتوس أصيلة. كلّها حيوية، ولكن فيها الانقسامات والتوتّرات المؤلمة. وسيحتاج بولس إلى كل قوة الإقناع عنده ليبيّن لهم أن المسيح واحد، أن المسيح لا يتجرأ ولا ينقسم (1كور 1: 13)، ليردّ أهل كورنتوس إلى ممارسة المحبة التي هي أسمى الفضائل المسيحية (1كور 13).
وبقي بولس بعض الوقت بعد أن مثل أمام غاليون. زار أفسس زيارة سريعة ووعد أهلها بأن يعود إليهم. واتخذ طريق البحر، فنزلت في قيصرية وصعد إلى أورشليم. وسيقضي الشتاء في أنطاكية (18: 18- 21) قبل أن ينطلق في رحلته الرسولية الثالثة. سيزور الكنائس ويقوّي عزائم التلاميذ (18: 23).

 

 

الفصل الحادي عشر
أحداث فيلبي 16: 11– 40
وبدأت الرحلة الرسولية الثانية. قال بولس لبرنابا: "تعال نرجع لنتفقّد الإخوة في كل مدينة بشّرنا فيها بكلام الرب" (15: 36). وبعد خلاف بين بولس وبرنابا، ذهب بولس وسيلاً عبر سورية وكيليكية يقوّيان إيمان الكنائس. ووصل المرسلان إلى نواحي فريجية وغلاطية فدعاهما الروح إلى مكدونية. وهنا نحس أن لوقا انضم إلى بولس وسيلأ فقال: "طلبنا السفر في الحال إلى مكدونية، متيقّنين أن الله دعانا إلى التبشير فيها" (16: 10). ووصل الجميع إلى فيلبي. فما هي الأحداث التي حصلت لهم في فليبي؟ سوف نتوقّف عند نص أع 16: 11– 40 فنفسّره، ثم ندرس الأحداث في ضوء تاريخ الفنون الأدبية. وننهي الدراسة بتحليل أدبي يدل على وحدة الخبر ووظيفته التفسيرية.
أ- تفسير المقطع الكتابي
1- شرح الآيات
آ 11- 12: إن جزيرة ساموتراكية تقع في منتصف الطريق بين ترواس ونيابوليس. نيابوليس (هي اليوم: كافالا): هي مرفأ فيلبي. فيلبي. الاسم الكامل هو: مستوطنة يوليا أوغوسطا في فيلبي. لقد جعل اغوسطس قدماء الحرب فيها. فكانت لهم الحرية (مدينة تحكم نفسها بنفسها) والإعفاء من كل الضرائب، والحق الايطالي (لهم ذات الحقوق التي للمدن الايطالية). نقرأ في النص "بروتيس" أي أكبر وأول. ولكن يجب أن نقرأ "بروتيس تيس" فنترجم: مدينة في القسم الأول (أو الأهم) في مكدونية. أقمنا بضعة أيام. هذا يدل على أن مرور بولس لم يكن مروراً عابراً.
آ 13. يدل النص على أن بولس أقام في المدينة بعض الوقت قبل أن يتوجّه يوم السبت إلى ضفة النهر. أقام المرسلون مع اليهود، فعرفوا الدرب إلى مكان الاجتماع. بدأوا مع النسوة حديثاً وصل بهم إلى إعلان البشارة المسيحية.
آ 14. تياتيرة: مركز صباغة في آسية الصغرى. ليدية هي امرأة شريفة متعبدة لله. اعتبر بعض الشراح أن النص تحدّث عن امرأة ليديانية (أي. من ليدية) فميزها عن سائر تجّار الأرجوان (كانت تياتيرة في ليدية). أما اسمها الأصلي فهو افودية أو سنتيخة (فل 4: 2). أما الاسم الآخر فهو اسم امرأة السجان (فل 4: 3). ولكن هذا الرأي مرفوض.
سمعت ليدية. فتح الله قلبها (رج لو 23: 45) فآمنت (8: 6). مع أن النص يرد في صيغة الجمع (نتحدّث)، إلا أن ارتداد ليدية نُسب إلى بولس.
آ 15. ترك الراوي الخطوات الفاصلة، فوصل بنا حالاً إلى العماد. اعتبرت ليدية مسيحية عبر المعمودية، هي وأهل بيتها الأولاد والخدم والأصحاب أيضاً (رج 10: 2، 18: 8). كان المرسلون يقيمون في بيت استأجروه. وها هي ترجوهم بأن يقيموا عندها. وهكذا صار للرسالة مركز في فيلبي، وهذا ما تؤكده آ 40: لما خرج بولس وسيلا من السجن، ذهبا إلى بيت ليدية حيث تجتمع الكنيسة. هذا ما فعله بطرس بعد أن خرج من السجن: ذهب إلى بيت مريم، أم يوحنا مرقس، حيث كانت الجماعة تصلّي (12: 12).
آ 16. وعاد الراوي إلى ما قاله في آ 13: ذهب المرسلون إلى الصلاة يوم السبت. وهذا واضح، لأنه لا معنى لذهابهم في يوم آخر. يبدو أن هذا المكان لم يكن "مجمعاً". أيكون أن اليهود كانوا قلّة في فيلبي، فلم يكن لهم مجمع (ضرورة وجود عشرة رجال على الأقل)؟ الأمر ممكن. ثم لا ننسى أن بيت ليدية صار مكان الاجتماع "لكنيسة فيلبي". فإليه ذهبوا. كان في تلك المدينة جارية فيها روح عرافة أو روح شيطانية. كانت "تتنبأ" (أو تبرّج)، فتجني المال لأسيادها (أي للرجل والمرأة اللذين يمتلكانها) (هنا الحديث عن المال وكذلك في 19: 24).
آ 17. أخذت تتبعنا. بعد هذا سيغيب، ضمير المتكلم الجمع، وسيظهر من جديد في 20: 5 (فسبقونا إلى ترواس). إن صياح الفتاة "الممسوسة" (يمتلكها الشيطان) يذكرنا بصراخ الشياطين في الإنجيل (مر 1: 24؛ 3: 11؛ 5: 7؛ لو 4: 34، 41؛ 8: 28) في أع 16: 17 ومر 5: 7 يُدعى يسوع. "ابن الله العلي". لا ننسى أننا في الحالتين في ارض وثنية. غير أن الشيطان في مقطع أعمال لا يهتم، بل يعلن طابع الصدق لدى مبشرين غرباء: يدلّونكم على طريق لا يفهمه الوثنيون، هو طريق الخلاص.
آ 18. "عدة أيام". ما إن طرد بولس الشيطان، حتى جرّه الناس أمام السلطات. لم يسكت بولس الشيطان بعد أول صياح سمعه من الجارية. رتّب لوقا الأمور بهذه الصورة فجعل ردة الفعل معقولة عند بولس. انزعج من هذا الصياح الذي لا يهدأ. بالإضافة إلى ذلك، فالشيطان تنبّه للواقع العلوي، فشهد الآن بصريح العبارة للمضمون الحقيقي للرسالة المسيحية. "قسّم" عليها بولس باسم يسوع، فكان "تقسيمه" فاعلاً في الحال: خرج الروح. وهكذا انتهت قصة الشيطان التي استعملها لوقا.
آ 19. غضب سادة الجارية لأنهم خسروا ربحهم. جرّوا بولس وسيلا إلى الساحة العامة (أغورا)، أي أمام القضاء. ماذا حصل لتيموتاوس وللراوي (قد يكون لوقا) الذي يتكلّم في صيغة المتكلم الجمع؟ هذا ما لا يقوله أع. قال أحد الشراح: في الواقع، بولس هو وحده الذي تألم، كما تقول 1تس 2: 2 (لقينا في فيلبي من العذاب والاهانة). على كل حال، لسنا هنا أمام تقرير صحافي دقيق، بل أمام خبر ديني يجعل عمل بولس امتداداً لعمل يسوع (قيل عن بطرس أيضاً: "كانوا يحملون اليهم الذين فيهم أرواح نجسة"، 5: 16). فكيف نتخيّل هذه الجارية وسادتها يلاحقون بولس في كل مكان؟ وإلاّ فكيف عرف سادتها أن بولس هو الذي طرد الشيطان وأنه يستحق اللوم؟
آ 20. كان رجلان يقضيان في الناس في المستوطنات الرومانية. أما الشكوى فهي: يثيران الاضطراب في المدينة، يتعديان على النواميس والنظام في البلاد. لا شكّ في أن طرد الروح النجس لا يشكل تهمة تعاقبها الشريعة. فمن الواضح أن سادة الجارية أرادوا أن ينتقموا من بولس. ولكن من الممكن أن تكون تلك التهمة قد جعلت على بولس ورفاقه. لا شكّ في أن الدين اليهودي (ولم تكن المسيحية قد تميّزت عنه) كان ديانة شرعية في الامبراطورية، ولكن لم يكن يُسمح لليهود بأن يبشروا وسط الرومان، وفيلبي هي مستوطنة رومانية.
آ 21. ما هي هذه التعاليم أو هذه القواعد الحياتية التي يتكلّم عنها النص والتي لا يحل للرومان أن يأخذوا بها؟ هذا ما لا يقوله النص. لا شك في أن بولس لم يكن يكرز بالختان. ولكن قد يشير سادة الجارية إلى عشاء الرب الذي ظهر للوثنيين كأنه عبادة منافية للأخلاق. إن السياق الإخباري يكمن في أساس آ 20 - 21، ولكن لوقا لا يذكر أي اتهام محدّد.
آ 22. وهاج الجمع. ومزّق الحكام ثياب "المجرمين" (لا ثيابهم، وتلك عادة يهودية) وأمروا بجلدهما (رج2 كور11: 25: ضربني الرومانيون بالعصي ثلاث مرات). يبدو أن حق المواطنية الرومانية لم يكن له مفعوله في ذلك الوقت. قد يكون بولس أعلن ذلك، ولكن لم يسمع أحد ما قاله.
آ 23. يتكلم بولس في 1تس 2 : 2 عن العذاب الاهانة، وذلك على يد "الشرطة". وبعد الجلد، جاء الحبس، ووُضع بولس وسيلا في القيود. ويعدّنا الراوي إلى ما سيحدث حين يقول لنا إنه طُلب إلى السجان "أن يشدد الحراسة عليهما".
آ 24. جعلهما السجان "في أعماق السجن" (آ 29). نلاحظ هنا أن الطريقة الشعبية في الإخبار تضخّم الأمور لإبراز النتيجة الأخيرة: لا شيء يقف بوجه قدرة الله. بالإضافة إلى ذلك، وُضعت أرجلهما في قالب من الخشب لئلا يهربا. وهكذا وصل ألم الرجلين وعزلتهما إلى الذروة.
آ 25. وعند منتصف الليل، أخذ السجينان يصلّيان. هكذا صلّى يوسف بن يعقوب إلى الله في سجنه، فسمعت صلاته (وصية يوسف، وهي جزء من كتاب منحول اسمه وصيات الآباء الاثني عشر). بعد العشاء السري، سبّح الرسل وخرجوا إلى جبل الزيتون (مت 26: 30 = مر14: 26؛ رج عب 2: 12؛ كو 3: 16= أف 5: 19). وهكذا فعل السجينان: أخذا يسبحان الله فسمعهما السجناء. وهذا يبرهن للقارئ أن الزلزال كان جواب الله لصلاة المرسلين.
آ 26. هز الزلزال أركان السجن، ولم يؤثّر على سائر أبنية المدينة. يمكن أن تُفتَح الأبواب فجأة، أما أن تُفكّ قيود السجناء، فهذا لا يتم إلا في معجزة. هذا ما نقرأه عند اوسابيوس: فُكت القيود من الأرجل، وفُتحت الأبواب من دون يد بشرية. نحن هنا أمام خبر شعبي يتّخذ تعابيره من الأدب اليوناني الوثني.
آ 27. فتحت الأبواب فاستيقظ السجان، هذا أمر معقول. ولكن، أين مسؤوليته (أو قدرته) حين يكون الله هو الفاعل؟ لم ينظر السجان ليرى من هرب: نحن إمام خبر تقوي ولن نفسّره في إطار سيكولوجي. ثم إنه هل يعقل أن تكون فكت القيود وفتحت الابواب ولم يهرب السجناء؟ لم يهتمّ لوقا لهذا الامر.
آ 28. رأى بولس أن السجّان يريد أن يقتل نفسه، فناداه بأعلى صوته بأن لا يؤذي نفسه. قال له: نحن كلنا هنا. ولكن من قال لبولس أن السجناء لم يهربوا. لا نحاول أن نبني الحدث في إطاره الواقعي.
آ 29. طلب السجان ضوءاً. فنحن في نصف الليل (آ 25). ارتجف الرجل وارتمى على أقدام بولس وسيلا. هذا يدل على أنه اعتبرهما مرسلين من عند الآلهة.
آ 30. أخرجهما السجّان ولم يهتم بسائر السجناء، وسألهما: "ماذا يجب عليّ أن أعمل لأخلص".
آ 31. يتوافق الجواب مع السؤال توافقاً تاماً: "آمن تخلص أنت وأهل بيتك".
آ 32. يرتبط التعليم عن المعمودية بهذه الكلمة: "وبشّراه" (إيجاز تام في الرواية). أين تم هذا التعليم (ترك السجان السجن في آ 30 ووصل إلى بيته في آ 3؟) هذا سؤال لم يفكّر به لوقا.
آ 33. هنا يصبح السجان هو الفاعل: أخذ المرسلين معه، غسل جراحهما وأزال آثار الضرب، وتعمّد هو وأهل بيته، ربما في الدار الخا رجي.
آ 34. ثم أخذهما الى بيته، وقدّم لهما الطعام الضروري (هي الساعة الواحدة صباحاً). وفرح مع أهل بيته لأنه آمن بالله. وتجاه هذه السعادة، لم يفكر بما تقوله السلطات من إطلاق سراح الأسرى.
آ 35. واعتبرت السلطات أن الجلد وليلة في السجن والطرد، هي عقاب كاف. وأمروا الشرطة بان تطلق السجينين. لم تعرف السلطات شيئاً عن الزلزال حسب النص المتداول. أما النص الغربي فيقول: "اجتمعوا، تذكروا الزلزال الذي حصل، وأرسلوا من يقول للسجان: أطلق هذين الرجلين".
آ 36. وأعلن السجان على بولس (وسيلا) الخبر الطيب: اذهبا بسلام. بهذا الكلام يحسب لوقا حساب ارتداد الرجل إلى الإيمان.
آ 37. هنا ذكّرهم بولس بحق المواطنية الرومانية (وحسب سيلا أيضاً مواطناً رومانياً) وطلب تعويضاً: لن يخرج من السجن سراً. فليأتوا ويقدموا اعتذارهم.
آ 38. ذُعرت السلطات لمعاملة هذين الرومانيين معاملة سيئة (22: 29).
آ 39. قُدّم الاعتذار، ولكن أمر الطرد لم يُلغَ. هنا يقول النص الغربي: "جاء الحكّام إلى السجن مع أصدقاء عديدين، وتوسّلوا إليهما أن يخرجا. قالوا: جهلنا أنكما رجلان باران. وبعد أن أخرجوهما توسّلوا إليهما قائلين: أخرجوا من هذه المدينة لئلا يجتمع عليكما من جديد من هاجمكما بصياحه".
آ 40. ورافقتهما السلطات خارج السجن. تركا ليدية، وتركا في الوقت عينه الكنيسة هناك. لم نسمع شيئاً عن تيموتاوس، ولن نسمع عنه شيئاً قبل 17: 1. فلوقا يذكر الأشخاص الذين يحتاج إليهم من أجل خبره، وهكذا لن يتشتت القارئ عن الموضوع الرئيسي.
2- معنى الآيات
ماذا يريد لوقا أن يقول لسامعيه في هذا المقطع؟ لقد قاد الله بولس ورفاقه إلى حقل رسالة جديد. فبعد سفر قصير على البحر دام يومين (ستتخذ طريق العودة 5 أيام فتقطع 156 ميلاً، رج 20: 6)، وصل المرسلون إلى نيابوليس، مرفأ فيلبي. تبعد فيلبي 8 أميال إلى الشمال الغربي من نيابوليس. يصعد المسافر تلة، ثم يصل إلى سهل مكدونية حيث تقع فيلبي.
بدا المرسلون غرباء في هذه المستوطنة الرومانية. ويبدو أنهم لم يلتقوا باليهود. لهذا انتظروا يوم السبت ليذهبوا إلى نهر غانجيتس حيث اعتاد اليهود أن يصلّوا. لسنا هنا أمام صلاة كتلك التي تتلى في الكنيس، لأن مثل هذه الصلاة تتطلّب حضور عشرة رجال على الأقل. لم يجد المرسلون إلا بعض النساء اللواتي أتين إلى الصلاة. غير أنهم لم يقنطوا. كلّموا النسوة، وقدّموا لهن البشارة عن الرب يسوع. وجعل الرب هذه الكلمة تتجذّر في قلب إحدى النسوة. ليست ليدية امرأة يهودية بالولادة.
هي ترعرعت في ثياتيرة، ذلك المركز المخصّص لصناعة الأرجوان والقائم في الجنوب الشرقي من برغاموس في آسية الصغرى وفي المنطقة الليديانية. كانت وثنية، ولكنها تعبّدت لله. وعاشت في فيلبي فسمّيت الليديانية أو ليدية. انضمت إلى النسوة اليهوديات، وأصغت إلى كلام الله. تجرّأت فطلبت الدخول إلى الجماعة الجديدة، وتعمّدت. وتبعها أهل بيتها بمن فيهم العبيد. وارتبط إيمانها بالعمل. لم تعد ترضى أن يقيم المرسلون في أي مكان من المدينة، بل في بيتها. أقاموا عندها، وكانوا يجمعون هناك الاخوة الذين جاؤوا الى الايمان.
وإذا كان المرسلون ذاهبين إلى بيت الصلاة، أي إلى بيت ليدية، تبعتهم جارية تنتمي إلى نقابة تستغل روح العرافة فيها. وها هو الروح يصيح فيها: هؤلاء الرجال هم عبيد الله العلي، يبشّرونكم بطريق الخلاص. ولم يحدث هذا الأمر مرة واحدة، بل دام أياماً عديدة. لم يعد الأمر يُطاق لدى بولس، فأمر الروح قائلاً: "آمرك باسم يسوع المسيح أن تخرج منها" (أن تتركها). فخرج في الحال.
ذهب روح العرافة وذهب الربح معه. فأراد سادة الجارية أن ينتقموا: جرّوا بولس وسيلا إلى الساحة العامة أمام السلطات. لم يتّهموهما بإخراج روح شرير، بل بأنهم ينشرون الدعاية اليهودية وسط الرومان. واتّخذ الشعب موقفاً معارضاً لهؤلاء الغرباء، وقرّرت السلطة لبولس وسيلا الجلد والسجن. وهكذا انتهى عمل الرسالة.
إن افلت السجينان، فالذنب ليس ذنب السجّان. جعلهما في أعماق السجن (آخر قاعة في السجن). قيّدهما. جعل أرجلهما في قالب من خشب. وحلّ الليل. لم ينم بولس وسيلا، بل أخذا يسبّحان الله، وسمعهما سائر السجناء. وتزلزلت الأرض: اهتزت أسس السجن، انفتحت الأبواب، سقطت القيود. استيقظ السجّان فرأى الأبواب مفتوحة، وظن أن السجناء هربوا. دبّ فيه اليأس، وهمّ بأن يقتل نفسه. فصاح به بولس: "إياك أن تؤذي نفسك، فنحن كلنا هنا". طلب ضوءاً، ودخل إلى القاعة التي فيها بولس وسيلا، فارتمى على أقدامهما: إنهما على اتصال بالله. قال لهما: ماذا اعمل لأخلص؟ سمع هو والذين تبعوه البشارة وآمنوا. غسل جراح المرسلين في الدار الداخلية، وقدّمت الماء من أجل العماد. كم كان فرح الرسولين كبيراً لارتداد هؤلاء الوثنيين.
وأطلق سراح المرسلين، فذهبا إلى ليدية، وأخبرا بما صنع الله لهما. وشجّعا الأخوة ثم تركا فيلبي.
هكذا يرد الخبر أمام قارئ أع. ينطلق من بداية سعيدة، فيصل إلى الضيق واليأس والخطر. ولكن الله دلّ على أنه أقوى من المضايق، بل هو يستعملها من أجل هدفه. بعد هذا، كيف ييأس الإنسان؟ روى لوقا هذا الخبر ليشجّع قراءه ويقوّيهم.
لكن البحث النقدي في القرن 19 لم يقبل بهذا الخبر ولم يعتبره أهلاً للتصديق. تساءل: ما الذي حدث في الواقع؟ وتفحّص الوقائع ليرى إن كانت معقولة ومطابقة للحقيقة. توقف النقاد بصورة خاصة عند آ 25- 43.
كما أن المكان الذي اجتمعت الكنيسة فيه للصلاة (4: 31) تزلزل، كعلامة لجواب الله، هكذا تزلزلت هنا أسس السجن (آ 26). وما جعل الخبر بعيداً عن التصديق، هو أن الأبواب فُتحت والقيود سقطت دون أن تتدخّل يد بشرية. ومع أن القيود سقطت، لم يهرب السجناء. وتتوالى أمور لا يصدّقها العقل. رأى السجّان أن الأبواب فُتحت بفعل الزلزال، فأراد أن يقتل نفسه قبل أن يلقي نظرة إلى السجن. وهذا لم يكن كافياً: فبولس رأى (عرف) في أعماق سجنه ما سيفعله السجّان. وكيف عرف السجّان أن بولس يدعوه من حجرته (حتى ولو سمع الصوت من غرفة نومه). بالإضافة إلى كل هذا، كيف عرف أن الزلزال هو جواب على صلاة بولس وسيلا؟ الأمر واضح بالنسبة إلى القارئ. أما السجّان فكان نائماً (قال أحد النقاد: كان وحده نائماً في ذلك السجن آ 27)
ويحاول الشراح أن يقدّموا الاقتراحات ليملأوا الفراغ: قد يكون السجّان سمع شيئاً عن البشارة الجديدة... ثم إن الزلزال لن يلعب دوراً فيما بعد، رغم ما قاله النص الغربي. إذن هناك أمور كثيرة غير معقولة، ولهذا يبدو الخبر غير تاريخي. ولو غاب الزلزال لم يحدث أي نقص في النص.
ثم نحن أمام خبر نموذجي نقرأه عن أوريبيدس (كما قال قلسوس): دعت (السجينات) الإله بروميوس، فسقطت القيود من أيديهن وفتحت الأبواب (هذا ما نقرأه عند اوريجانس في جوابه إلى قلسوس). إن الزلزال هو علامة رضى الله عن صلاة عبيده. أما التسبيح فهو سمة من سمات الأخبار التقوية (هذا أمر معروف).
ولكن حين نأخذ بعين الاعتبار كل هذه الأمور يبدو الفرق شاسعاً: لم يهرب السجناء، عكس ما حدث في 5: 19 و12: 6ي. كان السجناء أحراراً (بولس وسيلا وسائر السجناء)، ولكنهم ظلّوا في السجن. فالهدف الوحيد لهذه المعجزة هو ارتداد السجّان. وهذا يعني أن لوقا أورد خبره مع كثير من الفن الإخباري اليوناني، بحيث إن مجد بولس ظهر مشعاً.
وإن 1 تس 2: 2 تحتمل هذه النظرة إلى الأمور. فبحسب هذا النص، اختبر بولس صعوبات كثيرة في فيلبي. "فالعذاب والاهانة" يقابلان 16: 19- 24. أما 16: 35- 40، فتدل على إعادة اعتبار الرسول (لا شك في أن أسلوب المعجزة في 16: 25- 34 ليس أسلوب 1 تس 2: 2). ولكن تبرز مسألة ملحة بالنسبة إلى بولس. هو يصوّر السلطة الرومانية في كل مكان على أنها عادلة ومتسامحة، بل صديقة المسيحيين. ولكن في مستوطنة فيلبي الرومانية، كان صراع بين رسالة بولس وهذه السلطة: عوقب المرسلان بالضرب والسجن والطرد. كيف تجاوز لوقا هذا الشعور المؤلم؟ جمع الأخبار التي تسلّمها مع دفاع ومديح لبطله: قصة طرد روح العرافة أتاحت له أن يفسّر سبب الاتهام الموجّه ضد بولس، لهذا السبب أدخلت كلمة "يا سيدي". دل على أن بولس طارد كبير للشياطين بحيث إن سادة الجارية حذروا من مخاصمته. حسب 16: 22، صدر حكم يوافق مبادئ الشريعة ونفّذ. كان باستطاعة بولس، كما فعل في 22: 25، أن يستند إلى مواطنيته الرومانية. غير أنه لم يفعل، لأنه تعدّى على الشريعة الرومانية حين قام بالرسالة وسط مستوطنة رومانية.
إن حرية الكاتب التي نجدها هنا، هي غريبة في نظر القارئ الحديث. ولكنّها حرية كل المؤرخين الرومان الذين يريدون أن يعطوا معلومات، إن يؤثّروا على القارئ، أن يشرحوا الأسباب. هذا ما فعله لوقا حين روى على طريقته خبر الرسالة في فيلبي.
ب- أحداث فيلبي في إطار تكوين النص
1- تطبقت النظرة التكوينية على حدث فيلبي (16: 11 - 40) فقسمته إلى عدد من الوحدات المنفصلة عن اللحمة الإخبارية. وقد حاول احد الشراح أن يستخرج من هذه المقطوعة خمس وحدات أدبية.
آ 11- 15: خبر سفر مع إشارة عاجلة إلى المراحل، إلى طول الطريق أو قصرها، إلى اسم الضيوف، إلى الأحداث المهمة المتعلقة بتأسيس جماعة جديدة.
آ 16- 18: خبر طرد شيطان، كما فعل مرقس (1: 21ي؛ 5: 1 ي). وان صياح الشيطان (كما في الإنجيل) يكشف هوية المرسلين. أما طردهما له فيدّل على أن كلمة بولس كانت فاعلة.
آ 19- 24: خبر اضطهاد يورد مسيرة قضائية عادية: شكوى إلى السلطان، ضغط شعبي بشكل مظاهرة، جلد المتهمين وحبسهما (هكذا أبعدا عن الهياج الشعبي كما وُضعا بتصرف المحكمة).
آ 25- 34: خبر معجزة يبرز عناصر طبيعية (زلزال أو هزة أرضية). يظهر مجد الله في تحرير عبيده وفي ارتداد السجان الذي أظهر بإيمانه أنه قَبِل الآية العلوية قبولاً تاماً.
آ 35- 40: خبر إجراءات يورد مراحل إطلاق سراح المرسلين، ويطرح على بساط البحث تنظيم الشرع الروماني تنظيماً عملياً، وصلاحيات الرؤساء والموظفين.
حين نقسم مقطوعة فيلبي على هذا الشكل، فهي تبدو كأنها مجموعة من مواد تعود إلى أصول مختلفة، وقد رُتّبت كما يرتّب شريط سينمائي. وهكذا تميّز النظرةُ التكوينية شيئين. من جهة، معلومات مباشرة جاءت من شهود عيان (بمن فيهم الراوي) وظلت قريبة من الأحداث نفسها (مثلاً: ظروف الوصول والذهاب، الإطار القضائي). ومن جهة ثانية، عناصر تدوينية ألهمها وضع ملموس، فلقيت توسيعها في عمل أدبي رُتِّب بطريقة تمنعنا من اكتشاف الأحداث في حد ذاتها (مثلاً، الزلزال).
حين تنحصر النظرة التكوينية في درس الوحدات الأدبية وتتوقّف عند المراجع.، تجد نفسها في مواجهة تاريخية أع: تنظر إلى الصراع، وتتقبّل على مضض المقاطع التي تعتبرها "أسطورية". قال أحد الشراح: إن أحداث فيلبي تدخلنا في عالم الأسطورة. وقال شارح آخر: إن تحرير بولس وسيلا من سجن فيلبي هو خبر شعبي مستقل، كما يبدو لنا. فالزلزال الذي يشكّل الموضوع الأساسي، لا يلعب أي دور في آ 35- 40. أما أحست المدينة بالهزة الأرضية؟ ثم إن الكاتب يورد في آ 35- 40 هذه الأسطورة ببساطة الأطفال: دور بطولي إلى المرسلين، سجناء لا يتحرّكون، سجان يربط ربطاَ مباشراً بين الزلزال وصلاة السجينين المسيحيين.
وجاء من يدافع عن تاريخية أع، مشدداً على أن التقليد الشعبي لا يحرم حرماً تاماً من أي قيمة تاريخية. هنا لا بد من اكتشاف الفن الأدبي الخاص بسفر الأعمال، فنصل إلى القيمة التاريخية التي يتوخّاها الكاتب.
2- ما يتميّز به هذا الخبر، هو أنه يقدم عدداً من المعطيات نستطيع أن نخضعها لتدقيق خارجي.
أولاً: فيما يخص الوضع الجغرافي والشرعي لمدينة فيليبي: إن معلومات أع 16 تتطابق كلياَ مع ما نعرفه من التاريخ والاركيولوجيا.
ثانياً: السفر بحراً من تراوس، خلال يومين بسبب هواء موات مع توقف في ساموتراكية خلال الليل، أمر معقول جداً حسب الملاحة التي يمارسها القدماء. أما طريق العودة فلم تنعم بالظروف الملاحية نفسها، ولهذا تطلّب السفر خمسة أيام (20: 6).
ثالثاً: وضع نيابوليس. هي دسكرة ساحلية ومرفأ لفليبي. هي مركز إداري وريفي ومحطة على الطريق الاغناطية التي هي من الطرق الرومانية الأساسية التي فتحت في القرن الثاني ق. م. فربطت بحر إيجه بشمال البحر الادرايتيكي.
يشير النص إلى انتماء فيلبي إلى مقاطعة مكدونية، وهذا صحيح. ولكن كيف نفسر
آ 12 أ: فيلبي أكبر مدينة في ولاية مكدونية؟ هذا ما تقوله المخطوطات الكبرى وبعض الترجمات القديمة والبردية 74. ولكن الشرّاح يجدون أن هذا القول يعارض الوضع الجغرافي والسياسي: ففيلبي ليست عاصمة ولاية مكدونية، بل تسالونيكي، وليست عاصمة قضاء أحد الأقضية الأربعة (كما نسقها بولس ايميليوس سنة 167 ق. م.) التي تتكوّن منها مكدونية. فعاصمة القضاء هي امفيبوليس. قال بعضهم: فيلبي هي أول مدينة زارها المرسلون. ولكن المرسلين جاؤوا من تراوس عبر سامموتراكية، وكانت أول مرحلة نزلوا فيها نيابوليس لا فيلبي. وكانت محاولة ثانية تستند إلى بعض مخطوطات اللاتينية الشعبية: "فيلبي، مدينة أول مقاطعة في مكدونية".
مهما يكن من أمر، يريد النص أن يشدّد على أهمية فيلبي في مكدونية: مدينة قديمة، مجد سابق وازدهار مالي بفضل مناجم الذهب القريبة منها.
رابعاً: وضع المدينة مع بابها ونهر صغير هو غانجيتس لا يبعد عن المدينة أكثر من مسافة سبت.
خامساً: الوضع الشرعي لمدينة فيلبي: مستوطنة. كانت دسكرة تراقية ثم صارت مدينة بعد أن حصّنها ووسّعها فيلبس الثاني (358- 3257) والد الاسكندر المكدوني. تليتنت (قبلت أناسا لاتيناً من اللاتيوم، المحيط برومة) على دفعتين: مرّة أول سنة 42، بعد انتصار انطونيوس واوكتافيوس (الذي سيصير الإمبراطور اغوسطس ويولد يسوع في أيامه) على جيوش مجلس الشيوخ بقيادة بروتوس وكاسيوس اللذين قتلا يوليوس قيصر. ومرة ثانية سنة 31، بعد انتصار اوكتافيوس في أكسيوم على أسطول انطونيوس (حليف الامس) وكليوبترة (ملكة مصر). جاء قدامى الحرب على دفعتين، فنعمت فيلبي بوضع مستوطنة مع امتيازات الحق الايطالي.
وما يربطنا بهذا الوضع الايطالي (أو الروماني)، هو وجود بعض الكلمات في خبر أع: "ستراتيغوي" أو الحكام. هما رجلان يديران المدينة. "اركونتس" تدل على السلطات ولا تحدّد طبيعة وظيفتهم. قد يمارسون سلطة القضاء. وهناك كلمة تدلّ على العادات الرومانية: «ربدوكوي» أي: حامل العصا (آ 35- 38). أي: حاجب يرافق القاضي الذي كان له حق الحكم بالاعدام. كان لدى الرئيس 24 حاجباً. والقنصل 12، والوالي اثنان.
في هذا الاطار الروماني واللاتيني، أعلن بولس أنه مواطن روماني (آ 37). فقوانين فاليريا وفورقيا عفت المواطنين الرومانيين من العقوبات المذلّة للانسان، كالجلد والصلب.
يشدّد النص على لاتينية مدينة فيلبي. فالمهم في انتقال بولس إلى مكدونية، ليس فقط العبور الى اوروبا. فالفرق بين أوروبا وآسية لم يكن بارزاً، ولا يفصل بينهما إلاّ بحر إيجه ومضيق صغير. وليس فقط الوصول إلى اليونان. فالحضارة اليونانية انتشرت في كل مدن الشرق الأوسط وآسية الصغرى. المهم في انتقال بولس إلى مكدونية، هو دخوله في عالم لاتيني، في مدينة تتكلّم لغتين، وتحاول أن تقلّد النموذج الروماني بعاداتها ونظمها وتشريعها. وحين حكمت على بولس، فهي قد أرادت أن تطبّق القوانين الرومانية (كما حدّدها كلوديوس) تطبيقاً دقيقاً. وكانت هذه القوانين تمنع اليهود من أية محاولة تبشيرية في رومة، كما في سائر المستوطنات الرومانية.
سادساً: إن شخص ليدية يذكرنا بالمقاطعة التي جاءت منها هذه المرأة. قد نكون هنا أمام اسم شخصي، أو أمام نسبة كما نقول المرأة الليديانية أي التي من ليدية بمدينتها ثياتيرة.
كل هذه عناصر تدلّ على "اللون المحلي" للخبر. ولكننا سنقابل مقطوعة أعمال مع نصوص مسيحية أخرى.
3- نتوقّف عند نصوص مسيحية ترتبط بعبور بولس إلى مكدونية. نتوقّف عند ثلاث وثائق: 1 تس، فل، رسالة بوليكربوس الازميري إلى أهل فيلبي.
أولاً: 1 تس هي أقدم نص بولسي. دونّه الرسول في كورنتوس سنة 51. وصل بولس إلى تسالونيكي بعد فيلبي (رج أع 17: 1)، وعومل معاملة سيئة قبل أن يلقى استقبالاً حارأ في تسالونيكي. هذا ما يقوله أع.
ثانياً: دوّنت فل سنة 56- 57 يوم كان بولس سجيناً في أفسس. ذكر فيها بولس سخاء أهل فيلبي المتواصل تجاهه، وأشار إلى ما أرسلوه إليه وهو في تسالونيكي (فل 4: 15). هذا يعني أن العبور إلى تسالونيكي جاء بعد أن ترك بولس أهل فيلبي، وهذا ما يتوافق مع معطيات أع 17: 1 و1 تس 2: 2.
ثالثاً: رسالة بوليكربوس إلى أهل إزمير هي وثيقة مسيحية قديمة تعود إلى سنة 110 تقريباً. تقول إن بولس أقام في فيلبي وكتب رسالة أو رسائل (وهذا ما جعل النقاد يقسمون فل إلى ثلاث رسائل). إن 4: 15 التي تسند إليها المقابلة مع أع 17: 1، تعود إلى الرسالة الأولى أو رسالة الشكر التي دوّنت حالاً بعد أن تسلّم المعونة من أهل فيلبي. وهذا يعني اننا قريبون جداً من الأحداث (4: 10– 20، فرحت بالرب كثيراً). قال بوليكربوس: لا أقدر أنا ولا يقدر واحد مثلي أن يقرب من حكمة الطوباوي والمجيد بولس الذي، حين كان بينكم، كلّم، وجهاً إلى وجه، أناسَ ذلك الوقت، وعلّم بدقة وقوّة كلمة الحق. وبعد ذهابه كتب لكم رسالة.
4- بعد هذه المقابلة مع معطيات التاريخ والجغرافيا ومع معلومات قدمتها نصوص مسيحية قديمة، نقدر أن نتكلّم عن معقوليةٍ تاريخيةٍ لمقطوعة أع 16: 1– 40، أقله في 
آ 11– 24 و 35– 40 وفي 17: 1 الذي يربطنا بأحداث تسالونيكي. أما المتتالية المركزية التي تشير إلى سجن بولس وسيلا وتحريرهما العجائبي بفعل زلزال جاء في الوقت المناسب (آ 25- 34)، فالنظرية التكوينية ترى فيها وحدة غريبة أصلاً عن أحداث فيلبي. ترى فيها خبر تقليد شعبي أقحم في لحمة خبر السفر ليشير إلى سجن عاناه بولس: احتفظ المؤمنون بخبر هذا السجن ونسوا ظروفه الدقيقة. لقد ذكرنا في وقته الاعتبارات مثل: كيف عرف بولس من أعماق سجنه أنّ السجان مزمع أن يقتل نفسه؟... مثل هذه الاعتبارات تدلّ على بحث تاريخي بسيط، وتبعدنا عن المعنى الاساسي للخبر الذي هو تعليم ديني قبل أن يكون تقريراً تفصيلياً يقدّمه حارس السجن الى القاضي.
ولكن المقلق هو أننا نجد مقطعاً في تمثيلية يونانية لأوريبيدس يتحدّث فيها عن نجاة نساء سجنهن بانتيس المستبد ظلماً. فنقرأ في البيتين 447- 448 من المأساة: فكّت قيود أرجلهن طوعاً. سقطت المزاليج، فانفتحت الابواب دون أن تلمسها يد بشرية.
لا شك في أن الشبه قريب. ولكن هذا لا يسمح لنا بأن نقول (كما قال بعض النقاد) إن خبر أع 16: 25- 34 هو استيلاء مسيحي على تقليد شعبي يرتبط بفولكلور انتشر في حوض البحر المتوسط (وهذ ما قيل أيضاً عن تحرير بطرس من السجن، 12: 7 ي). مثل هذا القول ينسى تجذّر الخبر في أع بصورة خاصة، وفي التقليد البيبلي كله بصورة عامة.
إن التشابه بين أع ومأساة أوريبيدس يدل على أن نص أع ينتمي إلى العالم اللغوي اليوناني، فيتّخذ أسلوبه وكلماته.
بحث هؤلاء العلماء عن تجذر مقطوعة أع هذه في الأدب اليوناني. أما نحن فسنبحث في أع نفسه عن الرباطات التي تؤمّن لهذه الآيات وظيفة غير وظيفة إيراد أحداث دقيقة حصلت في مدينة فيلبي حين أقام فيها بولس وسيلا.
5- هناك تفاصيل عديدة تطرح علينا أسئلة. الزلزال مع ظهوره المحسوس (تزعزعت أسس السجن، آ 26 ب) ونتائجه فيما يخص مصير المسجونين: فتحت الابواب فجأة وفكت قيود السجناء. وتوقف بعض الشراح عند ظاهرة طبيعية هي الهزة الأرضية أو الزلزال. أما نحن فسنعود إلى النص البيبلي.
إن كلمة "سايسموس" ترد مرّة وحيدة في أع وفي هذا النص بالذات. ولكننا نجدها 11 مرة في العهد الجديد: 4 مرات في مت (مرة في لو ومرة في مر في نصوص متوازية)، خمس مرات في سفر الرؤيا. ماذا نجد في هذه الايرادات؟
- يستعمل مت 27: 54 (فلما رأوا الزلزال) الكلمة وحدها ليدّل على الهزة الأرضية التي ارتبطت بموت يسوع.
- يستعمل مت 24: 7 ومر 13: 8 ولو 21: 11 العبارة في الجمع مع كلمة مجاعات (تحدث مجاعات وزلازل في أماكن كثيرة) فيدلون على تقلبات كونية تعلن نهاية الأزمنة حسب النظرة الجليانية الواردة في الأناجيل الازائية.
- وترد الكلمة في المفرد (رؤ 8: 5: حدثت أصوات وروعود وبروق وزلزلة، 11: 19؛ 16: 18) بعد سلسلة من الأسماء في الجمع (رعود، أصوات، بروق)، فتدل على العاصفة لا على هزة أرضية. ونلاحظ أن تكديس الكلمات لا يهدف إلى تصوير ظاهرة طبيعية، بل إلى الايحاء بظهور الله في إطار تيوفاني يذكرنا بوحي الله لموسى (خر 29: 18) وإيليا (1 مل 19: 11) وأيوب (أي 38: 1؛ 40: 6).
- وتعود عبارة مقولبة: زلزال عظيم وقع (رؤ 6: 12؛ مت 8: 24). وقع زلزال عنيف (أو عظيم) (رؤ 11: 13). زلزال (وقع أو حدث) عظيم (مت 28: 2؛ رؤ 16: 18؛ أع 16: 26).
إذا لاحظنا كيف ترد العبارة الأخيرة، نرى أننا أمام إطار تيوفاني (كما في تعداد مظاهر العاصفة) حيث تخضع الكلمات التي تعبر عن عناصر طبيعية، للتعبير عن حضور الله الذي يعرّف عن نفسه حين يبرز قدرته ومجده. وهذا ظاهر في سفر الرؤيا كما هو ظاهر أيضاً في إنجيل متى. ففي مت 28: 2، أي في الخبر الفصحي عن النساء عند القبر، يبتعد متى عن سائر الانجيليين، فيتفرّد بعبارة "سايسموس اغانيتو ميغاس" أي "زلزال عظيم حدث". هذا يعني أننا لسنا أمام عنصر إخباري ضروري للخبر بل أمام "زيادة" لاهوتية تشدّد على الطابع التيوفاني للحدث الفصحي. ونقول الشيء عينه عن مت 8: 24. فالخبر المتاوي عن تهدئة العاصفة يتحدّث عن عاصفة شديدة وكما يقول النص اليوناني: "زلزال كبير". لن نفسّر النص بالمعنى الحرفي. وإلا كنا أمام هجمة بحرية لا تتوافق مع الرياح (والعاصفة) المذكورة في مر 4: 37 (عاصفة شديدة) أو في لو 8: 23 (يقول فقط: هبت عاصفة). إذن، نعتبر أن متى يتفرّد في تأليفه بالتشديد على البعد التيوفاني للمعجزات التي يجترحها يسوع، فيتبع تقليد التيوفانيات الكبرى على سيناء وحوريب.
وانطلاقاً من هذا المعنى المتاوي والجلياني، نستطيع القول عن أع 16: 25- 34 إننا لسنا أمام تصوير ظاهرة طبيعية من النوع الزلزالي، بل أمام حديث عن خبرة دينية من النوع الروحي. هو: الحضور الملموس لحضور الله الناشط في إطار سجن يتضمن تحرراً لم يكن منتظراً، وارتداداً عجيباً للسجّان مع عائلته واقتباله للعماد من يد السجينين اللذين كان موكّلاً على حراستهما. إلتقت الظروف على هذا الشكل، فعبّرت بوضوح عن تدخّل الله القدير. في هذه الحال، نفهم لجوء لوقا إلى اللغة التيوفانية ليبرز يقينه الذي يتحلّى بالصحة الكاملة من جهة الايمان. غير أن المؤرّخ لن يستطيع أن يتحقق من الأمر بعد أن كانت الإشارات الخارجية ووسائل المقابلة ناقصة.
وتثبيتاً لافتراضنا بأنه يجب أن نفهم هذا الزلزال كتفسير ديني لأحداث ملموسة، لا لهزة أرضية، نذكر أن العبارة "هزّت أسس السجن" نجدها في مز 82: 5. وان قرينة هذا المزمور ليست قرينة زلزال بالمعنى الملموس للكلمة. إن هذا المزمور يشير إلى قدرة الله البارزة في الحكم الالهي على القضاة الاشرار الذين يسحقون بشّرهم وفسادهم الصغار والمساكين. فالآية الأولى ترسم لنا إطار دينونة الله: "انتصب الله وسط الجماعة الإلهية. وسط الآلهة حكم". إن عبارة مجلس إلهي مع أعضاء هم آلهة، لا تتوافق ومتطلبات وحدانية الله، ولكنها تشدّد على مهابة الظهور الإلهي في إطار تيوفاني يتوافق والهزة الأرضية المذكورة في آ 5. وهكذا يؤكد مز 82 التفسير التيوفاني للزلزال الذي أحسّ به مسجونو فيلبي. لا شك في أن الإطار الكوني الذي ذكره المزمور صار سجناً صغيراً يخفي بولس وسيلا. هذا هو اللاهوت اللوقاوي الذي يهتم بإبراز التواصل بين المشاهد العظيمة والنموذجية التي نجدها في تاريخ شعب الله، وبين انتشار الإنجيل بواسطة يسوع أولاً ثم بواسطة تلاميذه. فمن قمم الجبل المقدس الى حبس فيلبي المظلم، نجد الإله الواحد الذي يدل على حضوره الناشط من أجل عبيده الذين كلّفهم مهمّة نشر كلمته.
6- ولكن من أين جاء موضوع "الزلزال" الغريب عن التقليد اللوقاوي بحصر المعنى؟ قد يكون هناك تأثير التيوفانيات التوراتية الكبرى المذكورة في خر 19 و1 مل 19، لا سيما وأننا نعلم أن العبارات التي استقاها لوقا من السبعينية كثيرة. ولكن مقابلة نص فيلبي مع تيوفانيات سيناء (بالنسبة إلى موسى) وحوريب (بالنسبة إلى إيليا) لا تنفعنا كثيراً. لا شك في أن هناك كلمة زلزال البسيطة: سايسموس، 15 مرة في السبعينية. والكلمة المركبة: سوسايسموس، 10 مرات. ولكن هذا لا يدل على تأثير مباشر. كل ما نستطيع أن نقوله هو أن الزلزال سمة لا تتبدّل في أخبار التيوفانيات. أما في مشهد سيناء كما يرد في خر 19: 10- 24، فالزلزال يذكر مرة واحدة في النص العبري (آ 18: واهتز الجبل كله بقوة. فعل "حرد" العبري)، ويحل محلّه تفسير أنطروبولوجي في الترجمة اليونانية: اضطرب الشعب كله بقوة. نلاحظ أن النص الماسوري يتحدّث في آ 16 عن اضطراب الشعب (فعل "حرد" أيضاً) أمام انفلات قوى العاصفة. هذا ما "يبرز" تفسير آ 18 في السبعينية التي تشدد على المعنى الباطني للنصوص. وهناك إمكانية أخرى: المزج بين كلمتين: الجبل (هـ- هر) والشعب (هـ- عم). ومهما يكن من أمر، لم يتأثر خبر فيلبي بالسبعينية التي تميل بالأحرى إلى التخفيف من ظهور قدرة الله في الكون.
هل نستطيع أن نجد تفسيراً في الآداب الواردة بين العهدين (القديم والجديد)؟ كيف قرأت خر 19؟ هنا تتضارب النتائج.
من جهة، ان الترجوم الفلسطيني الذي يورد تقاليد قديمة يعود بعضها إلى زمن الرسل، لا يضخّم موضوع الزلزال. بل هناك تيار في مخطوط 440 من المكتبة الفاتيكانية يلتقي والنسخة السبعينية: وكل الشعب الذي كان في الهيكل ارتجف.
من جهة ثانية، إن كتاب القديميات البيبلية (نسب خطأ إلى فيلون. تعود الترجمة اللاتينية إلى نص شعبي يرتبط بالتقليد الفريسي) يضخّم ما قاله خر 19: 18 (ارتجف الجبل) ويغفل
آ 20- 25 (نزل الرب على جبل سيناء... ونادى موسى). جاء الزلزال الكوني بعد الظهور الإلهي، فصوّره الكاتب بتفاصيل مدهشة ومهيبة: اشتعلت الجبال من النار. ارتجفت الأرض. انقلبت التلال، تدحرجت الجبال، دبّ الغليان في الغمار وتحرّكت (الأرض) المسكونة. التفَّت السماوات و"شرقت" الغيوم المياه. اشتعلت النار بقوة، وتزاحمت الرعود والبروق. اجتمعت الكواكب، وأسرع الملائكة من أجل هذا الوقت الذي فيه ينقل الله شريعة العهد النهائي إلى بني اسرائيل، ويعطي الوصايا الأزلية التي لا تزول.
ولكن الفرق شاسع بين ما قاله أع وما قاله كتاب القديميات البيبلية. لا شك في أن نقطة الانطلاق تبقى خر 19 و1 مل 19. ثم إن هناك عبارة مقولبة نجدها في إنجيل متى وسفر الرؤيا (حصل زلزال كبير). ولكن كيف دخلت هذه العبارة إلى خبر سفر مليء بأحداث عاشها الرسول في محيط يوناني وروماني؟ هنا تقف النظرية التكوينية وتعرف حدودها (لا تقدّم إلا فرضيات). أجل، لن نستطيع أن نحصر درسنا في الوحدات الأدبية، بل يجب أن ننتقل إلى المقطوعة كلّها (16: 11- 40) التي تشكل نصاً متماسكاً ألّفه الكاتب وحمّله المعنى ليجد مكانه في مجمل سفر الأعمال..
ج- وحدة الخبر ووظيفته التفسيرية
1- على مستوى المقطوعة كلها
ليست أحداث فيلبي مجموعة من الوقائع جُمعت بطريقة مصطنعة، بل هي تشكّل «مقطوعة» لها حدودها وتنظيمها الداخلي.
يشير الكتاب إلى معالم النص بذكر الوصول والذهاب. في آ 11- 12: "فركبنا السفينة من ترواس متجهين الى ساموتراكية، وفي الغد الى نيابوليس ومنها الى فيلبي". وفي آ 40: "فلما خرجا من السجن ذهبا الى بيت ليدية، فشاهدا الإخوة وشجّعاهم ثم انصرفا". إن هذا التحرك الذي يؤكد وحدة للأحداث الواردة في 16: 11، 40، يدخل في الإطار العام بطريقتين. من جهة القرينة الخارجية أي خبر السفرة مع ذكر عدة مراحل داخل كل تنقل: الوصول (آ 11) مع ذكر ترواس وساموتراكية ونيابوليس (طريق بحري). الذهاب (17: 1) مع ذكر امفيبوليس وابولونية وتسالونيكي (الطريق البرية التي تقابل رسمة الطريق الأغناطية). من جهة القرينة الداخلية، أي الإقامة في فيلبي مع الانتقالات في آ 12 ب (قضينا بعض الوقت في هذه المدينة) وفي آ 39 ب (لمّا أخرجوهما طلبوا إليهما أن يرحلا عن المدينة). هكذا تشكل آ 11- 40 مجموعة مرتبطة بالقرينة، وفي الوقت عينه منفصلة عنها بفضل وحدة المكان.
وداخل هذا الفصل عينه نجد إشارات كرونولوجية تتيح لنا أن نميّز متتاليات أي أحداثاً مميزة ولكنها واقعة على خط واحد من التسلسل الزمني:
في آ 12 ب: قضينا بعض الوقت في تلك المدينة.
في آ 13 أ: يوم السبت عبرنا الباب (أي خرجنا من المدينة).
في آ 16 أ: في أحد الايام كنا ذاهبين إلى الصلاة (إلى بيت ليدية حيث أقام بولس وسيلا).
في آ 18 أ: وفعلت (عاودت) ذلك أياماً عديدة.
في آ 25 أ: وعند منتصف الليل تقريباً، كان بولس وسيلا يصلّيان. ونقرأ الشيء عينه في آ 33 أ: في تلك الساعة من الليل.
في آ 35 أ: ولما طلع الصباح أرسل الحكام الحرس الخاص بهم.
في آ 45 أ: فلما خرجا من السجن.
إن هذه المحطات المختلفة تتيح لنا أن نقدم تسلسلاً كرونولوجياً يقسم المقطوعة إلى مقدّمة وخاتمة وخمس مشاهد.
المقدمة: آ 11- 12. وصلوا إلى فيلبي. مرت أيام عديدة من دون أحداث.
المشهد الأول: آ 13- 15. ارتداد ليدية وأهل بيتها (يوم السبت)
المشهد الثاني: آ 16- 17: الجارية "العرافة"، أو شهادة الأرواح للمرسلين (أياماً عديدة).
المشهد الثالث: آ 18- 24: صراع مع السلطات حسب رسمة مثلثة:
*إخراج الشيطان. الشكوى.
*مثول أمام المحكمة.
*تنفيذ الحكم (جلد وحبس).
كل هذا تم في آخر يوم التقوا فيه هذه العرّافة.
المشهد الرابع: آ 25 – 34. أحداث فريدة حصلت في السجن (في قلب الليل) حسب رسمة مثلثة.
*صلاة المرسلين.

*الزلزال ونتائجه المباشرة.
*ارتداد السجان وأهل بيته.
المشهد الخامس: آ 35- 39. إطلاق سراح السجينين مع اعتذار السلطات كما طلب بولس (غداة تلك الليلة العجيبة).
الخاتمة: آ 40. الرحيل في اليوم عينه ولكن على مهل: ودع بولس ليدية والجماعة بعد أن أخبرهم بما حدث له.
نلاحظ أن ذكر ليدية (تضمين مع المشهد الأول) يشدّد على مستوى "الممثّلين" أن النص انتهى. وتحرّك المرسلان من فيلبي وتوجّها الى تسالونيكي التي ستكون إطاراً للحدث التالي.
ونجد اختلافين في النص الغربي تشدّدان على تماسك القصة وعلى الرباط الذي يوحّد بين العناصر المتتالية. نقرأ في آ 35: "ولما طلع الصباح، اجتمع الحكّام في الساحة العامة، في المكان عينه. وإذ كانوا ممتلئين خوفاً لذكر الزلزلة التي حصلت، أرسلوا الحرس". وفي
آ 39 يتضخّم الخبر: "وحين وصلوا إلى السجن مع أصدقاء عديدين، توسلوا إليهما أن يخرجا وقالوا لهما: جهلنا من أنتما. جهلنا أنكم أناس أبرار. وبعد أن اقتادوهما إلى الخارج طلبوا إليهما: اخرجا من هذه المدينة لئلا يجتمع عليكما مرة ثانية هؤلاء الذين هاجموكما بصياحهم". ففي آ 35، يشير ذكر الزلزال إلى أن تحرير المرسلين هو نتيجة مباشرة للخوف الذي أثارته أحداث الليل. وفي آ 39 فسرت خطبة الحكام هذا الانقلاب عندهم بوعي لديهم بأن بولس وسيلا هما رجلان باران (هذا يدل على أهمية أحداث الليل). وأن الكلمات التي رافقت الطرد تجد تفسيرها في احتجاجات الناس الذين يبلبلون النظام العام بمظاهراتهم الصاخبة.
ويزيد النص البازي بعض الامور ليعطي الأحداث بعداً دراماتيكياً كبيراً: في آ 11، زاد إشارة زمنية: "وفي الغد ركبنا السفينة". وفي آ 30 زاد: "جعل سائر السجناء في مكان آمن لئلا يفرّوا". الزيادة تركّز الخبر على البطلين بولس وسيلا اللذين نعما بخلاص تلا ظهور قدرة الله في تلك الليلة. وفي آ 40، نجد تشديداً على تدخل عناية الرب التي تحدّث عنها المرسلان إلى ليدية قبل أن يذهبا: "حين شاهدا الإخوة، أخبراهم بكل ما فعل الرب لهما".
2- على مستوى المتتاليات
اكتشفنا البنية الإخبارية على مستوى المقطوعة، وسنكتشفها على مستوى كل متتالية التي ستبدو متناسقة مع الفصل كله.
* المشهد الأول: نجد فيه ثلاث مركبات لبنية إخبارية بدائية.
أولاً: وضع نقص في بداية الخبر: لا شك، هناك إطار يهودي (يوم السبت، امرأة متعبدة لله، الصلاة)، ولكنه إطار ناقص: مجموعة مؤلفة من نساء فقط، ولا يحق لها أن تكون داخل المدينة. إنها تجتمع خارج الأبواب قرب النهر، وكأنه لا يحق لها أن تتمتع ببنية اجتماعية. مقابل هذا، نجد في نهاية الخبر وضعاً من السعادة، بعد أن تكوّنت خلية اجتماعية منظمة (ترد كلمة "اويكوس" التي تعني البيت كما تعني العائلة والمنزل: تعمّدت هي وبيتها. أدخلوا بيتي، آ 15). اجتمعت هذه الخلية باسم إيمان مسيحي صريح أعلنته ليدية وأكّده الرسل (إذا كنتم تحسبوني أني مؤمنة).
بعد خروج من المدينة الذي هو أسمى الأمكنة الاجتماعية، أطلت عملية الدخول (ادخلوا بيتي). بل هناك الإقامة (أقيموا) في وضع من الاستقرار. وبين هذين الوضعين المتعارضين، تمّ التحول في قلب ليدية بسبب تعاليم بولس الذي لعب دوراً فاعلاً. ولكن هذه الكلمة البشرية لم تفعل حقاً فعلها، إلا لأن الفاعل الحقيقي هو الرب نفسه الذي فتح قلب ليدية. نلاحظ أن التي تخاف الله (تيوس) وتتعبّد له، قد أدركها الرب (كيريوس) الذي ستعلن إيمانها به حسب التقليد الرسولي. هذا التحوّل الداخلي بفعل كلمة بشرية وتأثير من الله، وهذا الارتداد في قلب ليدية، قد وجد مصادقة عليه في فعلة ملموسة هي المعمودية، التي تدلّ على العبور من مرحلة الارتباط الإيماني الشخصي والحميم إلى مرحلة الانضمام إلى جماعة المؤمنين الذين يقيمون في بيت ليدية (صار البيت كنيسة) والذين ستسمّيهم آ 40: "الإخوة" (أسمى الصفات التي تتحلّى بها الجماعة).
المشهد الثاني (آ 16- 18 أ). يذكر حوادث تكرّرت على أيام عديدة. بدا وكأنه يتحدّث عن أمر حصل مرة واحدة. في البداية: حصل في أحد الايام (أغاناتودي). وفي النهاية: وهذا كانت تعمله أياماً كثيرة. تُفتتح المتتالية بذكر مسيرة إلى بيت الصلاة، أي إلى خارج المدينة، وتُختتم بإعلان احتفالي "لطريق الخلاص" (أودوس، الطريق: تدل على المسيحيين في 9: 2؛ 9:19، 23؛ 22: 4؛ 24: 14، 22. طريق الرب في 18: 25. طريق الله في 18: 26). من قام بهذا الإعلان؟ جارية تكلّمت باسم قوى شيطانية. الأرواح النجسة هي في الوقت عينه خصوم يسوع والمخبرة عن رسالته الإلهية. هذا ما تقوله أخبار طرد الشياطين في الأناجيل الإزائية. وهذه "العرّافة" في أع تعارض عمل المرسلين من جهة، وفي الوقت عينه تشهد للطابع الإلهي الذي تتحلّى به مهمتهم الرسولية: هؤلاء الرجال عبيد الله العلي، يبشّرونكم بطريق الخلاص. صراع سينتهي بطرد الشياطين ويدل على تفوّق الله الذي لا شك فيه. والصراع بين الأرواح والمرسلين سيتّخذ وجهاً دينياً (طرد الروح) ووجهأ اجتماعياً (المحاكمة). هذا سيكون موضوع المشهد الثالث.
المشهد الثالث (آ 18 ب - 24). بين المشهد الثاني الذي يمتدّ أياماً عديدة وينتهي بالإشارة إلى الزمن (أياما عديدة، آ 18 أ)، وبين المشهد الرابع الذي يجد تماسكأ ملحوظاً في وحدة المكان (السجن) والزمان (الليل. هذا يحدّد منذ آ 25)، تروي آ 18 ب- 24 سلسلة من الأحداث تتوسّط المشهدين الثاني والرابع، وتتوزع في فسحة يوم واحد وهي: إخراج الشيطان على يد بولس، شكوى سادة الجارية على بولس وسيلا، المثول أمام الحكام المتمتّعين أيضأ بالسلطة القضائية، ضغط الجماعة على المحكمة، تنفيذ الحكم (الجلد، السجن). إن تسلسل الأحداث هذا قلب عقدة الخبر. رأينا في المشهدين الأولين تقدم الإنجيل (مع الشعور بتهديد في المشهد الثاني). أما في آ 18 ب - 24، فنرى رجوعاً إلى الوراء مفاجئاً. فالوضع الأول (مشهد طرد الشيطان، آ 18 ب) دلّ قولاً وعملاً على قدرة اسم يسوع: "آمرك باسم يسوع المسيح أن تخرج منها". فخرج في الحال. مقابل هذا، جاء السجن في أعماق الحبس المظلمة مع تشديد الحراسة، فمنع كل انتشار للإنجيل: قُيّد المرسلان، بل جُعلت أرجلهما في الخشب، فأصبحت كلمة الله "مقيدة". لقد زالت كل الآمال التي حرّكتها بداية الإنجيل. لقد دمّر الشياطين بواسطة محبة المال (سادة الجارية) والعداء للغريب (الشعب الهائج) كل مجهود المرسلين في أرض أوروبية ورومانية. الخسارة كاملة على المستوى البشري. لقد توقّف عمل البشارة، ولن يطلقه من جديد إلا معجزة يرسلها الله من العلاء.
المشهد الرابع: ستتبدّل الحالة خلال ليل مليء بالمفاجآت. نحن نعلم حالة المرسلين والضيق الذي يتعرضان له. ولكن آ 25 لا تدل على أنهما في ضيق وعزلة. إنهما فرحان، وهما يُنشدان ويصلّيان، وهذا ما يربطهما بالله الذي يتوجّهان إليه، وسائر السجناء الذين يصغون اليهما. نحن هنا أمام بداية ظروف مؤاتية لحمل البشارة لأهل فيلبي. والمشهد الأخير سيؤكّد تحوّل الوضع تحوّلاً كاملاً: كان "بيت" يجتمع فيه المؤمنون في المشهد الأول. وهنا سيأتي موضوع الطعام المضمَّخ بالبهجة والفرح، فيطبع بطابعه الاتحاد في الإيمان بإله أنشده المرسلان في أعماق سجنهما (تتردد كلمة "الله" تيوس في آ 25 وآ 34 فتشكل تضميناً). فبين آ 26 وآ 33 تتدافع أحداث تجعل العقدة تتحرّك وتتطورّ بسرعة. هناك أولاً "الزلزال" الذي هو ظهور محسوس لقدرة الله والذي أتاح للمرسلين أن يستعيدا حريتهما دون أن يصاب السجّان بأذى. إن الفاعل الحقيقي في تبدل الوضع هذا هو "الزلزال" الآتي من الله. أما كلمة بولس الممهورة بالسلطة النبوية، فقد جاءت تفسّر الأحداث لسجّان قاده ضميره المهني إلى حافة الانتحار. هنا أطل الضوء (في هذا الوقت طلب السجان ضوءاً، آ 29). ضوء المسيح، فصوّر لنا لوقا مشهد ارتداد السجّان: من جهة احترامٍ عميق (ارتمى على أقدامهما) وخدمة (غسل جراحهما، قدّم لهما طعاماً) يدلاّن على أنه عرف هوية هذين السجينين. ومن جهة ثانية بدأ حوار تعليمي مربّع:
- عبارة تلاها الطالب: "ماذا يجب عليّ أن أعمل لأخلص" (آ 30)؟
- التزام أولي يصل الى فعل إيمان: "آمن بالرب يسوع المسيح تخلص أنت وأهل بيتك" (آ 31).
- تعليم يعطى لهذا المؤمن الجديد: "بشراه بكلام الرب هو وجميع أهل
بيته" (آ 32).
- احتفال بالمعمودية (آ 33) يدل على انضمام إلى الجماعة، ووليمة تدل على كمال الوحدة فى الإيمان (هناك عشاء المحبة، أغابي، والإفخارستيا)
من الممكن أن تقدّم لنا هذه المتتالية مراحل أسرار التنشئة المسحية. ولكن المتطلّبات الإخبارية في هذا الخبر التأسيسي، تتدافع بسرعة كبيرة تشدّد عليها آ 33: "أخذهما في تلك الساعة من الليل، وغسل جراحهما، وتعمّد في الحال هو وأهل بيته". ونلاحظ أيضاً التشديد المربّع على البعد الجماعي للمعمودية: قدم السجّان طلباً شخصياً فعرض عليه بولس فعل إيمان. ثم جاء التعليم والمعمودية مع "الوليمة". كاد السجن يقطع كل طريق لإعلان الإنجيل، فإذا هو يصل بنا إلى تأسيس خلية كنسية جديدة زيدت على الخلية التي تجتمع في بيت ليدية. تلك هي المعجزة التي دلّت على قدرة الله والتزامه جانب الكنيسة التي ولدت حديثاً. وانقلاب الأمور على هذا الشكل لا يزعزع فقط أسس بناء، بل يحّرك وثنيين يرفضون الإيمان بيسوع. والبرهان الساطع على ذلك هو ارتداد السجّان وأهل بيته. أما المرسلان، فلم يزالا يترجيان عون الله. كانت صلاتهما الليلة علامة هذا الرجاء، وشهد الزلزال أن صلاتهما سُمعت، وأن الحرية ستعود اليهما لينطلقا إلى مكان آخر.
المشهد الخامس (آ 35- 39). يبدأ صبيحة آخر يوم سيقضيه بولس وسيلا في فيلبي، ويرى تبدل الوضع بسبب أحداث الليل. أطلق سراح السجينين، هذا ما لا شكّ فيه. وسيتخذ القرار طابعاً رسمياً حين يأتي الحرس الى السجان. ولكن بولس رفض أن يُطلق سراحهما خفية: ليقدموا الاعتذار. كل هذا من أجل الدعاية للإنجيل. ولكن النجاح لم يكن كاملاً: طُلب من بولس وسيلا أن يرحلا عن المدينة. لا همّ. لقد وصل إعلان الإنجيل إلى الشعب، بل إلى السلطات. وتأسست "كنيسة" ستتابع العمل. من أجلها كرّس المرسلان آخر ساعاتهما قبل أن يغادرا مدينة فيلبي. أجل، رغم المحن والاضطهادات، استطاعا أن يزرعا جماعة من "الإخوة". وتُذكر ليدية هنا (آ 40) كما ذُكرت في البداية، وهذا ما يدل على دورها المركزي: ارتدادها كان الثمرة الأولى في رسالة فيلبي، وزيارة بولس وسيلا لها، نهاية هذه المرحلة الأولى من التبشير في مكدونية. أنهى الرسل عملهم، فتركوا فيلبي، وتوجّهوا إلى مدنٍ أخرى وهم متيقّنون بأن الله يدعوهم إلى التبشير فيها (16: 10).
3- خبر فيلبي في مجمل أع
نلاحظ أن خبر هذا "التحرير العجيب" الذي أفاد منه بولس وسيلا، هو ثالث بين سلسلة من تدخلات الله أفاد منها الرسل كمجموعة (5: 17- 42)، كما أفاد منها بطرس وحده (12: 1- 19). الوضع هو هو في الأخبار الثلاثة: سجن قاس في ظروف تبدو فيها النجاة مستحيلة. ولكن منذ الليلة الأولى تتسهّل الأمور، فيؤكّد الإفلات من السجن على تدخل مباشر من قبل الله القدير. ذلك الإله الذي أنقذ يسوِع من سجن الموت. كان الخبر الأول موجزاً فركّز الحدث كله على آية واحدة (5: 19: "ولكن ملاك الرب فتح أبواب السجن في الليل وأخرج الرسل") تكفينا لتحدّد الإطار (الليل) والفاعل (ملاك الرب)، ولتصوّر مسيرة الإنقاذ (فتح أبواب السجن واقتادهم الى الخارج). ويستعيد الخبر الثاني العناصر الجوهرية: الإطار الليلي، تدخل ملاك الرب. ويصوِّر التحرير بصورة مادية: انحلت السلسلتان عن يدي بطرس. وينطلق الراوي من هذه الرسمة فيقدّم عناصر الخبر. نذكر منها ثلاثة. الأول: الإشارة إلى الجماعة التي صلّت بإلحاح، فجاءت صلاتها بشكل خلفّية للحدث العجائبي. وفي ف 16 سيكون إظهار قدرة الله جواباً على صلاة المرسلين. الثاني: التشديد على ظروف السجن: وجود أربع فرق، بطرس مقيّد بسلسلتين ويحرسه حارسان داخل السجن. وجود جنود على باب السجن، مركزان آخران للحرس، وفي النهاية باب حديدي. لا سبيل إلى النجاة إطلاقاً. والأمر هو هو بالنسبة إلى بولس وسيلا. الثالث: تفسير موضوع ملاك الرب تفسيراً تيوفانياً. إن فيض النور الذي يرافق ظهوره، يدل على أننا أمام تدخّل الله نفسه (في التقليد الذي يتوسّط العهدين، هناك وساطة: ملاك الرب أو الاسم أو الكلمة. وهكذا يُحافظ على تسامي الله المطلق). تدل 12: 9، 11 على أن بطرس لم يفهم أولاً، وأنه بعد ذلك سيقر بالعمل الإلهي الذي تحقّق من أجله، فتقدمان الجواب إلى الذين لم يفهموا البعد التيوفاني لهذه اللغة الرمزية. وكذلك نقول عن ف 16: فموضوع الزلزال يشير إلى الاضطراب الذي أثاره تدخل الله معارضاً منطق الأوضاع البشرية.
إن تحرير بولس وسيلا في فيلبي هو صدى لما حدث للرسل (ف 5) ولبطرس (ف 12) من عمل عجيب، وهو يتوافق توافقاً كلياً مع مشروع أع كله. وهذا المشروع هو التشديد على تواصل التبشير رغم تجدّد المناطق الجغرافية وتبدّل العاملين في نشر الإنجيل. بولس هو الفاعل الأول في عمل الرسالة الذي امتد في حوض البحر المتوسط. إنه وارث بطرس الذي ارتبطت به الرسالة الأولى في أرض فلسطين. هناك تواصل مع الكنيسة الأم في أورشليم والمجتمعة حول الرسل الذين جعلهم يسوع كسامعين لتعليمه، والشاهدين لأعماله العجيبة حتى انتصاره على الموت. من الواضح أن خبر فيلبي تركّز على بولس، فدلّ على شرعية بولس في مهمة حمل البشارة إلى العالم الوثني، وهي بشارة شهد لها الرسل لدى الإخوة في أورشليم وعمل بطرس على نشرها في فلسطين. وهكذا تحقّقت المهمة التي أعلن عنها أع 1: 8: "ستكونون لي شهوداً في أورشليم، في كل اليهودية والسامرة، وحتى أقاصي الأرض". ففي فيلبي التي هي باب الغرب اللاتيني، سمع بولس الصوت الذي سمعه الرسل في أورشليم. وهكذا دل أع بل كل مؤلّف لوقا (الإنجيل والأعمال) على تواصل العمل الرسولي منذ الجماعة الأولى التي ارتبطت بيسوع بفعل شهادة الرسل، إلى امتداد البشارة في الأراضي البعيدة بمبادرة بولس، ذلك الذي لم يكن من مجموعة الاثني عشر ولا من الذين تبعوا يسوع على طرقات الجليل واليهودية - إنه الرسول، ولولاه لم يصل الإنجيل بهذه السرعة "حتى أقاصي الأرض".

 

 

الفصل الثاني عشر
الرحلة الرسولية الثالثة
ولما جاء الربيع، انطلق بولس في الطريق التي اتخذها خلال الرحلة الرسولية الثانية. وهكذا كان له أن يزور الجماعات الفتية التي أسسها. خرج وسار في غلاطية (رج غل 4: 13: بشّرتكم أول مرة) وفريجية. ووصل إلى أفسس حيث سيقضي القسم الأكبر من رحلته هذه الثالثة.
أ- أفسس
تمثّل أفسس في حياة بولس محطة هامة. لم يكتفِ الرسول بأن يؤسّس جماعة مزدهرة شعّ فيها الإيمان إلى المدن المجاورة، بل كتب عدداً من رسائله وواجه أزمة التهوّد أي عودة المسيحيين إلى الممارسات اليهودية. ولكنّنا لا نملك كل المعلومات التي تساعدنا على تصوّر هذه الحقبة. أما ما نجده في أع فيعني بعض أحداث في إقامة دامت سنتين ونيف. وسننطلق من تلميحات نجدها في 1 كور، 2 كور، فل، لنتصوّر ما اعترض بولس من محن في ذلك الوقت.
1- مدينة أفسس وعباداتها
أفسس هي إحدى مدن أيونية التي استعمرها اليونانيون في القرن الحادي عشر ق. م. تقع على ملتقى طرق آتية من عمق الشرق وأخرى آتية من الغرب. كانت مرفأ في القديم، واليوم ابتعد البحر 6 كلم عن أفسس القديمة التي بدأ التنقيب فيها منذ قرن من الزمن.
حكمها كريزوس، ملك ليدية، ثم الفرس والإسكندر وخلفاؤه. سنة 133 قدمها أتاريس، آخر ملوك برغاموس، إلى الرومان. تتمتّع المدينة ببعض الاستقلال الداخلي، شرط أن يبقى النظام مسيطراً وأن تصل الضرائب إلى رومة (رج 19: 35). كانت المدينة كبيرة، وقد أظهرت الحفريات مسرحاً يستقبل 24000 مشاهداً، والساحة العامة (أغورا) والمنطقة السكنية الواسعة.
مجد أفسس هو أرطاميسيون أو هيكل أرطاميس، إحدى عجائب العالم السبع. والإلهة المعبودة فيه هي إلاهة الخصب أكثر مما هي إلاهة الصيد. كان تمثالها من خشب الأرز تغطيه ورقة من الذهب. سُميت أرطاميس السيدة والملكة والسلطانة والعظيمة (19: 35) والقائدة والمحامية عن المدينة وعن الأيونيين... وكان عدد كبير من الكهنة والكاهنات يقومون بخدمة هذا المعبد واستقبال الحجاج الآتين من كل مكان: هناك حق اللجوء في المعبد. هناك البغاء المكرس، وهناك السحر (19: 18- 19) والعرافة. قد يكون بولس التقى فيها بيهود "يُخرجون" الشياطين (19: 11- 17).
وكان بجانب معبد أرطاميس معابد أخرى مكرّسة للآلهة التقليديين الذين عرفهم العالم اليوناني، وهيكل مكرس لرومة وأغوسطس ليدل على ولاء المدينة للامبراطور.
وكانت جماعة يهودية كبيرة في أفسس. غير أن العلاقات بين اليهود والأفسسيين لم تكن دوماً سهلة. هذا هو الإطار الإجتماعي والديني الذي فيه برز نشاط بولس الرسولي.
2- تبشير أفسس
حين وصل بولس إلى أفسس وجد فيها بعض التلاميذ (18: 27) ومنهم أكيلة وبرسكلة اللذان التقيناهما في كورنتوس. اهتما بتكملة تثقيف أبلوس الديني قبل ذهابه إلى كورنتوس. والتقى بولس في أفسس باثني عشر تلميذاً من تلاميذ يوحنا المعمدان: منحهم سرّ العماد ووضع عليهم يده فنزل عليهم الروح القدس، وأخذوا يتكلّمون بلغات غير لغتهم ويتنبّأون (19: 1- 7). نحس وكأننا أمام عنصرة جديدة. فالروح القدس يبارك عمل الرسول بحلوله على هؤلاء المعمّدين الجدد وبصورة ظاهرة.
ماذا نعرف عن رسالة بولس في أفسس؟
أولاً: كرازة بولس في أفسس (8:19 - 10)
يميّز لوقا مرحلتين: الأولى، كرازة في المجمع امتدت على ثلاثة أشهر (19: 8). وانقسم اليهود كعادتهم. وقبلت الإنجيل أقلية ضئيلة. الثانية، كرازة في وسط وثني دامت سنتين ونيّف (19: 9- 10). نجح بولس نجاحأ كبيرأ، فاستأجر قاعة كان يعلّم فيها تيرانوس تلاميذه البلاغة في الصباح. وقال النص الغربي: إن بولس كان يعلّم من الساعة الخامسة إلى الساعة العاشرة (أي من الحادية عشرة صباحاً حتى الرابعة بعد الظهر).
دامت هذه الحال سنتين. ونزيد عليها ثلاثة أشهر الأولى (19: 8). قال بولس في حديثه إلى شيوخ أفسس: "نصحت كل واحد منكم مدة ثلاث سنوات" (20: 31). وهكذا سمع الإنجيل جميعُ سكان آسية أي مقاطعة آسية التي تضم مقاطعة اَسية الصغرى مع بعض الجزر. في هذا الوقت تأسّست كنائس كولسي (كو 1: 7) ولاودكية وهيرابوليس (كو 4: 13– 16؛ رج رؤ 3: 14- 22).
سيشدّد بولس في خطبته إلى أفسس على تجرده الكامل خلال رسالته: "ما اشتهيت يوماً فضة أحد أو ذهبه أو ثيابه. وأنتم تعرفون أني بهاتين اليدين اشتغلت وحصلت على ما نحتاج إليه أنا ورفاقي" (20: 33– 34)
ثانياً: بعض الأحداث
يعطينا لوقا فكرة عن النجاح الذي أحرزه بولس في أفسس: "كان الله يُجري على يد بولس معجزات غريبة، حتى صار الناس يأخذون إلى مرضاهم ما لامس جسده من مناديل أو مآزر، فتزول الأمراض عنهم، وتخرج الأرواح الشريرة" (19: 11- 12). وقد كان لوقا قال عن بطرس: "كانوا يحملون مرضاهم إلى الشوارع ويضعونهم على الأسرّة والفُرش، حتى إذا مرّ بطرس يقع ولو ظلّه على أحد منهم. وكانت جموع الناس تجيء إلى أورشليم من المدن المجاورة تحمل المرضى والذين فيهم أرواح نجسة، فيُشفون كلهم" (5: 15- 16).
وحاول بعض اليهود المتجوّلين أن يستعينوا بأسم يسوع، فهجم عليهم الرجل الذي فيه الروح الشريرة (19: 11- 18). ثم جاء المرتدون الجدد، فأحرقوا كتب السحر والشعوذة (19: 18- 20). وفي كل هذا تعظّم اسم الرب يسوع. ويقدم لنا لوقا إجمالة تدلّ على نجاح البشارة بالإنجيل: "وهكذا كانت الكلمة تنمو وتتقوّى في النفوس بقوة الرب" (19: 20). ويخبرنا لوقا عن مشاريع بولس (19: 21– 22؛ 20: 1). هو يُهيئ سفرته القريبة إلى مكدونية: أرسل أمامه تيموتاوس وأرستس. في هذا الوقت، كتب 1 كور (1 كور 16: 5– 6؛ 2 كور 1: 15 ي). لم يقل لنا أع هنا شيئاً عن سبب ذهاب بولس إلى أورشليم. ولكننا سنعلم في 24: 17 أنه أراد أن يحمل اللمّة أو تبرعات الكنائس إلى كنيسة أورشليم.
هنا يورد لوقا حديثاً عن فتنة في أفسس بسبب "مذهب" أو طريق الرب، أي بسبب انتشار المسيحية. كان الصاغة يصنعون صورة مصغرة عن هيكل أرطاميس ويبيعونه للناس. كئر عدد المسيحيين في أفسس وسائر أنحاء آسية، فكسدت هذه الصناعة الرابحة. وذكر ديمتريوس، المحرّض على الفتنة، قول بولس: "إن الآلهة التي تصنعها الأيدي ما هي بآلهة" (19: 26؛ رج 17: 25). ولكن تمكن حاكم المدينة من تهدئة الجموع.
هذا الخبر الطويل يعجّ بالحيوية وبالسخرية من أرطاميس، إلاهة أفسس. أظهر لوقا مرة أخرى (رج 18: 15) أن الكرازة المسيحية ليست خطيئة بحق الشرائع الرومانية: "لا عذر لنا في هذا التجمّع" (آ 40). هذا ما قاله حاكم أفسس، فدلّ على أن انتشار المسيحية أمر يُحَلّ داخل الديانة اليهودية.
ثالثاً: علاقات بولس مع الكورنثيين
لا يقول لنا لوقا شيئاً عن علاقات بولس مع كنيسة كورنتوس التي لا تعرف الهدوء. أما 1 كور و2 كور فتعطيانا أحيانا بعض المعلومات. لا ننسى أن الاتصالات سهلة بين مرفأ كنخرية وأفسس. لهذا يستطيع بولس أن يتتبّع عن قرب حياة الكنيسة التي خطبها للمسيح (2 كور 11: 2).
نتذكّر أولاً أن بولس أقام سنة ونصف السنة في كورنتوس يؤسّس فيها الكنيسة. بعدها ترك المدينة وذهب إلى أورشليم ومنها إلى أنطاكية. سنة 53 بدأت الرحلة الرسولية الثالثة. وصل بولس إلى أفسس سنة 54، وهناك أقام سنتين وثلاثة أشهر (أع 19: 8، 10). وحين كان في أفسس، عرف بالصعوبات التي تواجهها جماعة كورنتوس، فكتب يقول للمؤمنين: "لا تخالطوا الزناة". ولكن الصعوبات لم تزل. هذا ما عرفه بولس بواسطة أهل بيت خلوة (1كور 1: 7). وفي الوقت عينه تسلّم رسالة تستوضحه بعض الأمور الأخلاقية (1كور 7: 1). فكتب رسالة (هي 1 كور) خلال سنة 55. وفي وقت صعب جداً، ذهب بولس إلى كورنتوس (زيارته الثانية، 2 كور 13: 2) وعاد سريعاً. تصرّف بقساوة "فلم يشفق على أحد". ولكن سفرته الخاطفة لم تكن ناجحة، فأقرّ أنه لن يعيدها (2 كور 2: 1). وحين عاد بولس إلى أفسس، كتب رسالة ثالثة في الدموع، وحملها تيطس أحد مشاركيه في العمل الرسولي (2 كور 2: 1– 9؛ 7: 8- 12). وإذ نوى بولس أن يترك أفسس، كلّف تيطس أن يلاقيه في محطة قريبة ويقدّم له تقريراً عن مهمته.
في نهاية الإقامة في أفسس (سنة 57)، كتب بولس رسالة "(2 كور 2: 3- 4) قد تكون 2 كور 10- 13. في هذه الرسالة يهاجم بولس هؤلاء الذين يزرعون القلاقل، هؤلاء "الرسل المميّزين" الذين يسمّون نفوسهم خدّام المسيح وهم معاونو الشيطان (2 كور 11: 13). وفي الوقت عينه أرسل تيطس يسوّي الأمور بمرونته المعهودة.
واستعادت الجماعة أنفاسها واتخذت إجراءات ضد المذنب (2 كور 2: 6). عاد تيطس وحمل الأخبار السارة إلى بولس الذي لقيه في مكدونية (2 كور 6: 6 ي). من هناك أرسل بولس رسالة هادئة ومليئة بالعاطفة، دعا فيها الكورنثيين إلى المصالحة معه: "فتحنا قلوبنا" (2 كور 6: 1). وكانت الزيارة الثالثة إلى كورنتوس، ومن هناك كتب رسالته إلى أهل رومة.
رابعاً: على أبواب الموت
في هذا الوقت عرف بولس محنة كبيرة يحدّثنا عنها بألفاظ سرية. قال في 2 كور 1: 8: "لا نريد أيها الأخوة، أن تجهلوا الشدائد التي نزلت بنا في آسية، فكانت ثقيلة جداً وفوق قدرتنا على الاحتمال حتى يئسنا من الحياة". لسنا أمام صراع حقيقي مع الوحوش (في الحلبة الرومانية أمام المشاهدين) كما تقول 1 كور 15: 32 (صارعت مع الوحوش، هذه استعارة. فبولس المواطن الروماني لا يواجه مثل هذا الحكم)، بل أمام استعارة تدلّ على الخطر الذي ألمَّ ببولس فأوصله إلى أبواب الموت. هناك من قابل بين هذه المحنة المذكورة في 2 كور وفتنة أهل أفسس المذكورة في أع 19: 21 ي. غير أن بولس وجد في أصدقائه من حماه من انتقام الصاغة. أما في 2 كور 9- 15 فيقول: "شعرنا أنه محكوم علينا بالموت، لئلاّ نتكّل على أنفسنا، بل على الله الذي يقيم الأموات. فهو الذي أنقذنا من هذا الموت وسينقذنا منه". فما هو هذا الموت؟
لهذا بدأ الشراح يقولون إن بولس سُجن في أفسس، وإن هذا السجن يكوّن إطار الرسالة إلى فيلبي. ولكن هناك من يعترض: إن ذكر "دار الحاكم" (فل 1: 13) يفرض علينا أن نتحدّث عن رومة. ولكن يبدو أن الكلمة اليونانية تدلّ أيضاً على دار الحاكم في المقاطعات (رج مت 27: 27 وز). وما يجعلنا نقول إن فل هي قريبة في الزمن من غل و2 كور، هو تقارب المواضيع المطروحة وتشابه الصراع مع المسيحيين المتهوّدين.
حين كتب بولس إلى أهل فيلبي، قال إنه يحتمل القيود "من أجل المسيح" (فل 1: 13). عندما سجن "الحاكم" بولس، اتهمه بمعارضة "النظام". أما الآن فوضح أنه في السجن من أجل المسيح (رج مت 5: 11؛ 1 بط 4: 14)، وهذا التوضيح يشجّع الإخوة ويمنحهم الجرأة "على التبشير بكلمة الله من دون خوف" (فل 1: 14).
إن قيود بولس عملت من أجل تقدّم الإنجيل: هذا هو ينبوع الفرح الذي ينعش قلب الرسول (فل 1: 18). لا شك في أن نوايا الكثيرين ليست صافية. ولكن بولس يتساءل عن الأشد ضرورة: هل يترك هذا العالم لينضمّ إلى المسيح، أم يبقى ليعيش من أجل الإخوة (فل 1: 21- 24)؟
ب- طريق الوداع
1- اللمّة من أجل القديسين في أورشليم
أوصى مجمع أورشليم بولس أن لا ينسى فقراء المدينة المقدسة. وفسّر إرسال التبرعات إلى أورشليم على أنه فعل شكر يُرفع إلى الله. قال بولس في هذا المعنى: "فقيامكم بهذه الخدمة المقدسة لا يقتصر على سدّ حاجات الإخوة القديسين، بل يفيض منه أيضاً حمد جزيل لله" (2 كور 9: 12). ولقد اهتم بولس بهذه اللمّة ودعا المؤمنين ليهيّئوا تقدمتهم الأسبوعية في اليوم الأول (أي يوم الأحد، يُذكر هنا للمرة الأولى). أعجب بولس بسخاء أهل فيليبي (2 كور 8: 1- 5)، ووبّخ الكورنثيين الذين يتكلمون كثيراً ويفعلون قليلاً (2 كور 9: 5- 9). وأخذ بولس إجراءاته لئلا يتهّمه أحد بأنه أساء التصرّف بالمال، فاختار أناساً مختبرين ليجمعوا المال ويحملوه إلى أورشليم (2 كور 8: 20- 24).
وقضى بولس شتاء 57- 58 في كورنتوس، في ضيافة غايس (روم 16: 33). هناك عرضَ في رسالته إلى أهل رومة الخطوط الكبرى لتاريخ الخلاص، وحدّثنا عن حالته النفسية وعن مشاريعه في المستقبل. لقد قرب وقت عودة الرب (روم 13: 12). يجب أن نسرع في عمل البشارة لنهيىء مجيئه. سيتوقف بولس في رومة، ومنها ينطلق إلى إسبانية (روم 15: 24). ولكن بانتظار ذلك، سيحمل اللمّة إلى أورشليم كعلامة عن وحدة الكنيسة الجامعة. ولكن كيف سيكون الاستقبال في أورشليم؟ حين نقرأ روم 15: 30 نحسّ وكأن الساعات الصعبة تنتظر بولس: "أناشدكم أن تجاهدوا معي برفع صلواتكم إلى الله".
2- نهاية الرحلة الثالثة
ونصل إلى ف 20 فنتعرف أولاً إلى المدن التي مرّ فيها بولس. بعد أن ترك أفسس، ذهب إلى مكدونية، ثم إلى اليونان، وبالتحديد إلى كورنتوس، خلال شتاء 57- 58. لم يقل لنا أع لماذا سافر بولس إلى كورنتوس، كما أنه لم يقل لنا شيئاً عن الصعوبات التي قامت بين بولس وكنيسة كورنتوس. ولكن السبب هو الأزمة الكورنثية واللمة (التبرع) من أجل كنيسة أورشليم (24: 17، تشبه هذه التبرعات ضريبة الهيكل التي يدفعها كل يهود الأمبراطورية). وبعد هذا: بيرية، تسالونيكي، دربه (يقول النص الغربي: دوبيريس وهي قرية من فيلبي)، فيلبي، ترواس، أسوس، خيوس، ماموس، تروجليون، ميتيلينة، ميليتس.
ونتعرف إلى الفريق الذي رافق بولس. لوقا، صاحب اليوميات، الذي يتكلّم في صيغة المتكلم بعد 20: 5 (سبقونا، انتظرونا). وهل كان الذي يتكلم في صيغة المتكلم بعد 20: 5 (سبقونا، انتظرونا). هل كان سيلا معه؟ ربما. وهناك تيموتاوس: سوتيرس، أرسترخس، سكوندس، كايوس (19: 29). تيخيكس، ترفيمس.
أما لوقا المؤرخ فيعرّفنا إلى الجماعات المسيحية التي انتشرت على كل الشاطئ من سورية إلى اليونان مروراً بآسية الصغرى (أي تركيا الحالية). ولن يتوقّف الانتشار هنا، بل سيصل إلى رومة قلب العالم الوثني. ويذكّرنا أيضاً بأن اليهود لم يتوقفوا عن ملاحقة بولس. هنا نقرأ النص الغربي: "أقام في اليونان ثلاثة أشهر. وبينما هو يستعد للسفر إلى سورية، تآمر اليهود لقتله فقال له الروح (في النص الشرقي. فرأى) بأن يرجع بطريق مكدونية".
ونحضر في كنيسة ترواس حفلة ليتورجية: المشاركة في الأفخارستيا (20: 11). كان ذلك في اليوم الأول من الأسبوع، أي يوم قيامة يسوع (لو 24: 1) الذي سيُسمّى يوم الرب (رؤ 1: 10= الأحد). يتميّز هذا اليوم باجتماع (1 كور 16: 2) يتم مساء السبت. فاليوم الطقسي يبدأ في مساء اليوم السابق. الاحتفال كما قلنا هو احتفال بالأفخارستيا (لو 24: 30، لقاء الرب خلال كسر الخبز، رج أع 2: 42، 46) يتم في بيت خاص. هناك العشاء الأخوي (آ 11؛ رج 2: 46؛ 6: 2؛ 11: 3؛ 1 كور 11: 17- 22) والصلوات (2: 42) والكرازة (9: 11) وتبادل الحديث مع الإخوة (آ 7). كان جو الاحتفال جو فرح (2: 46؛ 16: 34) كما في مجمل حياة الكنيسة. هناك تلميحات ممكنة إلى الأفخارستيا في 6: 2؛ 13: 2؛ 16: 34؛ 27: 35.
خلال هذا الاجتماع، سقط فتى اسمه أفتيخوس من النافذة فمات. ولكن بولس أقامه، كما أقام بطرس طابيثة (9: 36- 43). نشير إلى أن بولس لا يصلي ولا يدعو بأسم الرب يسوع (16: 18؛ رج 3: 16)، بل يفعل كما فعل إيليا (1 مل 17: 17- 24) وأليشاع (2 مل 4: 8- 37).
ج- خطبة أفسس
1- الإطار
لم يتوقف بولس في أفسس، لأن وجهته كانت أورشليم، بل في ميليتس، وإلى هناك دعا شيوخ (أساقفة) جماعة أفسس. سنسمع هنا وصية بولس، الراعي الخائف على القطيع من "الذئاب الخاطفة"، وحديثه الحميم عن طبيعة الرسالة الرعاوية: فاسهروا على أنفسكم وعلى الرعية "التي أقامكم الروح القدس فيها أساقفة (حرّاساً). ارعوا كنيسة الله (أو كنيسة الرب يسوع) التي اكتسبها بدمه (أو بدم ابنه بالذات)".
بعد أن خطب بولس في اليهود، في أنطاكية بسيدية (13: 16- 41)، وفي الوثنيين، في لسترة (14: 15- 17) وفي أثينة (17: 27- 31)، ها هو يخطب في المسيحيين، بل في رعاة كنيسة أفسس (20: 18- 35). نحن أمام خطبة وداعية (تك 49: 1 ي، يعقوب؛ تث 32: 1 ي، موسى؛ 2 تم، بولس) وأمام تحريض للرعاهّ نقرأ مثله في 1تم، تي، 1 بط 5: 1- 4.
2- كيف تبدو هذه الخطبة
هناك من يجد فيها قسمين اثنين: آ 18- 27: سلوك بولس في الماضي: تعرفون كيف عشت معكم... ثم آ 28- 35: تحريض للسامعين: فاسهروا على أنفسكم. وهناك من يجد أربعة أقسام: ينظر بولس إلى الوراء (آ 18- 21). وينظر إلى الأمام (آ 22- 27): أنا اليوم ذاهب إلى أورشليم. ويعلن وصيته (آ 28- 31)، وأخيراً يبارك الجماعة (آ 32- 35): "والآن أستودعكم الله وكلمة نعمته". وأخيراً هناك تصميم في خمسة أقسام: يذكر بولس ما كانت رسالته في آسية (آ 18- 21)، ويتحدّث عن عواطفه الحاضرة (آ 22- 24). إنه سينفصل عن السامعين فيحدّثهم عن المهمة التي قام بها، ويجعلهم أمام مسؤولياتهم (آ 25- 28). ويعلن لهم المخاطر الكبرى التي ستتعرّض لها الكنيسة، فيدعوهم إلى السهر (أ 29- 31). وينهي خطبته بالمباركة والتوصية الأخيرة (آ 32- 35).
3- إلى ماذا يستند الشراح
أولاً: بنية الجمل
آ 18- 21: الحاضر ثم عبارتان خاضعتان: كيف عشت (آ 18 ب - 19) وكيف ما قصّرت (أ 20- 21)، مع اسم الفاعل مرتين: خادماً للرب (آ 19)، شاهداً لليهود واليونانيين (آ 21).
آ 22- 24: فعلان رئيسيان: والآن أنا ذاهب إلى أورشليم (آ 22- 23). ولكني لا أحسب (آ 24). وفي كل مرة نجد عبارة في صيغة سلبية: لا أعرف ما سيصادفني (آ 22)، لا أحسب (آ 34). ثم نجد إعلانين: الروح يحذّرني (يشهد لي) (آ 23)، ما دمت أقوم بمهمتي (آ 24).
آ 25- 31: آ 25: أنا أعرف، آ 29: أنا أعرف. ثم الفعل في صيغة الأمر: اسهروا، ارعوا (آ 28). فاسهروا (آ 31).
آ 32 - 35: تبدو بشكل خاتمة.
ثانياً: التكرارات.
والآن، تبدأ جمل الخطبة الثلاث. آ 22: والآن أنا ذاهب. آ 25: والآن أنا أعرف. آ 32: والآن أستودعكم الله. وهناك كلمة "عرف". آ 18: تعرفون. آ 34: تعرفون. نحن أمام تضمين. آ 22: لا أعرف ما يصادفني في أورشليم. آ 25: أعرف أنكم لن تروا وجهي منذ اليوم. آ 29: أعرف أن الذئاب الخاطفة.
ثالثاً: مسيرة الخطبة.
الجملة الأولى (آ 18- 21): تذكير بالماضي. كيف تصرّف بولس خلال الوقت الذي فيه مارس عمله في آسية، وعبر كل الظروف التي فيها مارس نشاطه.
الجملة الثانية (آَ 22- 24) تبدأ بعبارة في الحاضر: والآن أنا: يتحدّث بولس عن الوضع الحاضر وعن عواطفه في هذا الوقت الذي فيه يودّع سامعيه. لا شك في أن المستقبل يبدو مهدّداً، ولكن بولس ينظر إلى هذا المستقبل من جهة الحاضر: أنا مقيّد (الآن) بالروح (سجين الروح)، أنا ذاهب (الآن) إلى أورشليم، لا أعرف (الآن) ما سيحصل لي (في المستقبل). ولكن الروح ينبهني (الآن) أن القيود والمشقّات تنتظرني (الآن وفي المستقبل) في كل مدينة. ولكني لا أحسب (الآن) أن حياتي لها أية قيمة عندي...
الجملة الثالثة (آ 25- 31). تنقلنا آ 25 من الحاضر (الوداع) إلى الوضع الجديد الذي يتميّز به المستقبل. أنا أعرف (الآن) أنكم لن تروا (المستقبل) وجهي... ويعود بولس إلى الماضي ليسند تحريضه في آ 28: اسهروا على أنفسكم. وتعود آ 29 إلى الحاضر لتقدم معلومات دقيقة عن المستقبل: أعرف أن الذئاب الخاطفة ستدخل بينكم بعد رحيلي... ويقوم من بينكم أناس. وتصل بنا هذه التنبؤات إلى أمر آخر: تنبهوا. حاضرٌ يوجهنا إلى المستقبل ويستند إلى الماضي مع نصائح بولس. وهكذا نصل إلى نهاية الخطبة: يتصرّف شيوخ أفسس على مثال بولس.
الجملة الرابعة (آ 32 - 35) وتشكل آ 32 خاتمة احتفالية. يعود بولس إلى موضوع الوداع: والآن أستودعكم الله وكلمة نعمته. حاضر يتوجّه إلى المستقبل، ولكنه مستقبل خلاص قد تحقق: "القادر أن يبنيكم ويمنحكم الميراث مع جميع المقدّسين" (رج 26: 18 أي الذين صاروا قدّيسين، مكّرسين لله). نرى أن ما يهم الكاتب في هذه الخطبة ليس تذكيراً بالماضي من أجل الماضي، سواء كان هذا الماضي الوقت الذي فيه مارس بولس مهمته في أفسس أو الوقت الذي فيه ودّع بولس الشيوخ. فهذا الماضي لا يُنسى، لأنه يُفهم الكنيسة كيف تتجاوب ومتطلبات المرحلة التي تبدأ مع رحيل الرسول: إنها الحقبة التي توجّه الأمانة لتعليمات الرسول (ومثله) نحو مستقبل الخلاص والحصول على الميراث مع المقدسين.
وتعود أ 33- 35 للمرة الأخيرة إلى الزمن الحاضر: تعرفون (آ 33) تجرّد بولس واهتمامه بالضعفاء. وفي هذا سار بولس حسب كلام الرب.
خطبة متماسكة تكلم فيها بولس كثيراً عن نفسه. كيف قام بمهمته في أفسس، ما هي عواطفه وهو يفترق عن أحبائه؟ ما هي الصعوبات التي ستواجه الكنيسة؟ ولكن هدفه واضح: أن يبرز مسؤولية رؤساء الكنيسة، أن يفهمهم أنهم لن يكونوا على قدر المسؤولية، إلا بقدر ما يقتدون بالرسول ويسيرون على تعاليمه.

 

 

الفصل الثالث عشر
طريق الآلام والموت
إن الفصول الأخيرة من أع تقدم لنا خبر آلام بولس وهي تقسم قسمين. قسم أول في أورشليم وفي قيصرية (ف 21- 25)، وقسم ثان في رومة (ف 27- 28).
أ- في أورشليم وقيصرية
1- الصعود إلى أورشليم
ويبدأ ف 21 الخبر في صيغة المتكلم الجمع: وبعدما فارقناهم (شيوخ أفسس) أبحرنا متوجّهين إلى كوس. كوس هي جزيرة صغيرة قبالة الشاطىء الجنوبي الغربي لآسية الصغرى. ورودس مركز تجاري وثقافي كبير. باترة: مرفأ ليسية.
وصل المركب إلى صور التي ظلت مرفأ مهماً في فينيقية. بشّرها المسيحيون الذين شتتهم الاضطهاد الذي اشتعل في أورشليم (11: 19- 20). لهذا وجد فيها بولس ورفاقه "تلاميذ" قالوا لبولس (وهم مدفوعون بالروح، رج 21: 11) بأن لا يصعد إلى أورشليم. وكانت صلاة ووداع، ثم ذهبوا إلى بطلمايس (أي عكا الحديثة) ثم إلى قيصرية (تقع بين يافا ودورا) موطن كورنيليوس. والتقى الفريق بفيلبس أحد السبعة، وقد سمّي المبشر بالإنجيل من أجل نشاطه ونجاحه في عمل الرسالة. وقام أغابوس بفعلة نبوية: قيّد رجليه ويديه بحزام بولس وقال: "هكذا يقيّد صاحب هذا الحزام". رجا الحاضرون بولس أن لا يصعد الى أورشليم، ولكنه أعلن استعداده للقيود والموت من أجل الرب يسوع. حينئذ قالوا: "لتكن مشيئة الرب"، فكانت هذه الكلمة امتداداً لكلمة يسوع في جتسيماني: لا مشيئتي، بل مشيئتك (لو 22: 42).
لقد بنى لوقا صعود بولس إلى أورشليم على مثال صعود يسوع. أنبأ يسوع بآلامه: سيسلم ابن الإنسان (لو 9: 44). وقال بولس لشيوخ أفسس: القيود والمشقات تنتظرني (أع 20: 23). وكما صعد يسوع إلى أورشليم وأرسل التلاميذ يتقدّمونه (لو 9: 51- 52)، كذلك فعل بولس في طريقه إلى أورشليم (أع 19: 21). كانت الجموع ترافق يسوع (لو 11: 29) في هذا الصعود، كما شيّعوا جميعاً (مع نسائهم وأولادهم) بولس (أع 21: 5). وصل يسوع إلى أورشليم (لو 19: 28)، بل إلى أبوابها (لو 19: 29) فلقي استقبالاً حاراً (لو 19: 29- 40) قبل أن يدخل الهيكل (لو 21: 37- 38). وتأهّب بولس للسفر (أع 21: 15) فوصل إلى أورشليم فرحّب به الإخوة فرحين (أع 21: 17). ثم دخل بولس إلى الهيكل (21: 26).
أوقف يسوع وسعى اليهود إلى قتله (لو 19: 47- 48). سألوه: بأي سلطة تفعل هذا (لو 20: 1- 8)؟ وحاول اليهود أن يقتلوا بولس (أع 21: 31)، فدافع عن نفسه: اسمعوا الآن ما أقول في الدفاع عن نفسي (أع 22: 1). وكما انقسم الصادقيون والفريسيون حول القيامة في أيام يسوع (لو 20: 27- 40)، كذلك انقسموا في أيام بولس. قال بولس: "أنا فريسي ابن فريسي، وأنا أحاكم الآن لأني أرجو قيامة الأموات" (أع 23: 6). خلال النزاع، جاء ملاك يعزّي يسوع في الجسمانية (لو 22: 43). وأمام الصعوبات ظهر الرب لبولس في الليل وقال له: "تشجّع، فمثلما شهدت في أورشليم، هكذا يجب أن تشهد لي في رومة" (أع 23: 11). تآمر اليهود على يسوع وقدّموه إلى بيلاطس الحاكم (لو 23: 1) لأنه يثير الشغب (23: 2- 5). وعرف بيلاطس أن يسوع بريء وأراد أن يطلقه (23: 4، 14، 20- 22) ولكنه ضعف أمام اليهود وأعطاهم طلبهم (لو 23: 24- 25). وتآمر اليهود على بولس (أع 23: 12- 22) ونقلوه أمام فيلكس الحاكم (أع 23: 23- 26). قالوا: "هذا الرجل يثير الفتنة بين اليهود في العالم كله" (أع 24: 5). قال فستوس عن بولس: "لم يفعل شيئاً يستوجب به الموت" (أع 25: 25). وإذا أراد فيلكس أن يرضي اليهود، ترك بولس في السجن (أع 24: 27).
ولكن بولس لا يموت في أورشليم مثل معلمه، بل سيذهب إلى رومة. وستتخذ هذه المرحلة معنى جديداً. إنها مرور عبر عالم الظلمة و"المياه العظيمة" التي ترمز إلى الموت الذي مرّ فيه بولس. وفي النهاية، لن يحتفظ الموت بيسوع، كما لن يحتفظ البحر ببولس (ولن يحتفظ السجن ببطرس، 12: 7 ي). أفلت بولس من البحر ووصل الى رومة، فأعلن بكل حريّة ملكوت الله. وهكذا نفهم لماذا لم يتحدّث لوقا عن استشهاد بولس (كما لم يتحدّث عن استشهاد بطرس). فهذا الاستشهاد كان معروفاً لدى القراء. لهذا وجّه لوقا اهتمام القارىء إلى يقين آخر، وهو أن لا شيء يعيق كلمة الله، لا شيء يعيق إعلان الملكوت، لا شيء يعيق الشهادة حتى الموت نفسه.
2- بولس في أورشليم
وصل بولس إلى فلسطين فوجد البلاد تغلي. فالناس لم يعودوا يتحمّلون إدارة الحاكم فيلكس الذي مارس "صلاحيات ملك بنفسية عبد" (طاقيطس، مؤرخ روماني). وقام الغيورون يعملون خناجرهم (سيكا، لهذا سموا: سيكاوين)، وصار الناس يصدّقون كل من يدعوهم إلى الثورة ليتخلّصوا من الأجنبي: مثلاً، ذاك المصري الذي ادّعى النبوءة وجمع حوله الآلاف. سار عليهم فيلكس، هرب المصري، وقُتل أو أسر أتباعه (أع 21: 38، يوسيفوس: الحرب اليهودية).
في هذه الظروف كان وضع الجماعة المسيحية المتهوّدة دقيقاً: ما هو موقفها وسط المتطرفين من الجهتين؟ من اجل هذا، لم يستقبل يعقوب وشيوخ أورشليم بولس استقبالاً حاراً: فمواقفه المتحرّرة أغضبت الكثيرين. إتهموه بانه يعلّم اليهود المقيمين بين الوثنيين أن يرتدوا عن شريعة موسى (أع 21: 21). وقدّم يعقوب لبولس نصائح تدعوه الى الفطنة، وعرّفه بالقرارات التي اتخذت لتسهيل التعايش بين المسيحيين الآتين من العالم اليهودي والمسيحيين الآتين من العالم الوثني (أع 21: 25).
وبناء على دعوة يعقوب، قبل بولس أن يشارك في حفلة ظهور في الهيكل (أع 21: 26– 27. لا نعرف ما كان تأثير هذا العمل على الأحداث اللاحقة). مثل هذا الموقف يدهشنا: هل نتّهم لوقا بأنه أعاد بولس إلى العالم اليهودي؟ حلق رأسه لنذر كان عليه (أع 18: 18)، وها هو يشارك في طقوس الهيكل. لم يخترع لوقا ما كتب، بل أورد الواقع كما عرفه، ولو بدت الأمور معارضة لموقف ذلك الذي كتب رسالة إلى أهل غلاطية فقال فيها: لا يبرّر الإنسان بأعمال الشريعة، بل بالإيمان بيسوع المسيح (غل 2: 16). ولكن بولس ليس بإنسان عقائدي يفكّر في عالم التجريد، إنه رجل من عصره، بل رسول يتنبّه إلى عقليات الناس. إذن، يعرف أن يتكيّف مع الظروف شرط أن لا تُمَّس نقاوة الايمان. أما أعلن أنه صار لليهود يهودياً ليربح اليهود، وصار للذين بلا شريعة كالذي بلا شريعة ليربح الذين هم بلا شريعة (موسوية) (1 كور 9: 20- 21)؟ وسنجد هذا الحس الرعائي عينه خلال الحديث عن اللحوم المذبوحة للأوثان (1 كور 8- 10)، وتحريضه للأقوياء والضعفاء (روم 14: 1 ي).
من زار أورشليم، يتصوّر بمخيلته المشهد الوارد في أع 21: 27- 36: ساحة الهيكل الواسعة وفيها المختونون. والجيش الروماني يقيم في قلعة أنطونيا المشرفة على الساحة. اتّهم بولس بأنه أدخل إلى رواق اسرائيل يونانياً من آسية الصغرى اسمه تروفيمس الأفسسي. وكادوا يقضون على بولس لو لم يتدخل الجنود ويخلّصوه من الغضبة الشعبية (أع 21: 27- 36).
3- من أورشليم إلى قيصرية
يكفينا هنا أن نلخّص الأحداث البارزة التي رواها لوقا بفن كبير:
- دفاع بولس عن نفسه أمام اليهود (22: 1- 22): يبرز الرسول، في خبر ارتداده، تعلّقه بديانة الآباء، كما يتحدّث عن دور حنانيا ذلك الرجل التقي والأمين للشريعة.
- كشف بولس عن نفسه أنه مواطن روماني فنجا من الجلد (22: 22- 29): "أيحق لكم أن تجلدوا مواطناً رومانياً من غير أن تحاكموه"؟
- مثل بولس أمام السنهدرين (أو المجلس الاعلى) (22: 30- 23: 10): أعلن إيمانه بقيامة الموتى على طريقة الفريسيين فأثار الخلاف بين القائلين بهذه العقيدة والرافضين لها.
- مؤامرة اليهود على بولس (23: 11- 22): حلفوا، لا يأكلون ولا يشربون حتى يقتلوا بولس.
- ونُقل بولس بحماية مشدّدة إلى قيصرية حيث يقيم الحاكم (23: 23- 35).
- اتهام اليهود لبولس بحضور فيلكس (24: 1- 9): يثير الفتنة (آ 5)، ينجّس الهيكل 
(آ 6).
- دفاع بولس عن نفسه (24: 10- 21): بيّن الرسول ضعف الاتهامات الموجّهة إليه، وشدّد على إيمانه بالقيامة: أنتم تحاكموني اليوم لأني أؤمن بقيامة الأموات.
- وجعل بولس في السجن مدة طويلة (24: 22- 27). لم يحسّ بولس أنه وحده، لأن فيلكس سمح لأصحابه أن يخدموه ويزوروه. على كل حال، كان الحاكم يرجو أن يعطيه بولس شيئاً من المال ليطلقه.
4- ارفع دعواي إلى قيصر
تميّزت أواخر أيام إدارة فيلكس بصدامات دموية بين اليهود واليونانيين المقيمين في قيصرية. عجز الحاكم عن ضبط الأمور، فأرسل وجهاء من الطرفين ليفضوا خلافهم أمام نيرون. فأرسل الامبراطور فستوس حاكماً، فبدأ بتهدئة الحالة. وقد عرف عنه أنه كان حازماً في تطبيق العدالة.
أراد فستوس أن يربح ودّ السنهدرين، فاستجوب بولس وعرض عليه أن يمثل أمام محكمة يهودية. فأجاب بولس: "أنا لدى محكمة القيصر، ولدى محكمة القيصر يجب أن أحاكم" (25: 10). لا يستطيع فستوس أن يتهرّب من طلب بولس. فأجاب: "رفعت الى القيصر دعواك، فإلى القيصر تذهب" (25: 12).
ولكن لا بد من إعداد ملف القضية. فاستفاد فستوس من مرور الملك أغريبا الثاني (ملك خلقيس أو عنجر في البقاع اللبناني) وزوجته برنيكة وطلب من بولس أن يوضح موقفه (25: 13- 27): "من عادة الرومان أن لا يسلّموا أحداً (للموت) قبل أن يواجه متهميه ويُسمح له بأن يرد على دعواهم" (25: 16).
ويقف بولس كأحد الخطباء القدماء، فيقدّم دفاعه باحتفال وعظمة (26: 1) ويروي خبر ارتداده من جديد، ويعبّر عن معنى رسالته: قال يسوع: "أرسلتك لتفتح عيون الأمم الوثنية" (26: 18). ظهرت براءة بولس، ولكن بما أنه رفع دعواه إلى قيصر، فإلى قيصر سيذهب (26: 30- 32).
ب- في رومة
1- السفر إلى رومة (ف 27)
يتحدّث لوقا عن الإقلاع (آ 1- 12)، عن العاصفة (آ 13- 26)، عن النجاة من العاصفة (آ 27- 44).
رفع بولس دعواه إلى رومة (25: 11؛ 26: 32)، فنتج عن ذلك إرساله إلى رومة. وهكذا تحقّق مشروع رسولي. كان قد قال بولس: بعد إقامتي في أورشليم، يجب علي أن أرى رومة أيضاً (19: 21). ها هو يذهب إلى رومة كأسير. ولكن لوقا سيحسب أن بوصول بولس إلى رومة ستصل كلمة الله إلى "أقاصي الأرض". وتحققت أيضاً مشاريع العناية الإلهية. قال له الرب في رؤية: "هكذا يجب أن تشهد لي في رومة" (23: 11). لا شك في أن الأخطار والصعوبات كانت كثيرة خلال هذا السفر الطويل (27: 1– 28: 16)، ولكن الكاتب يرى أن الله هو الذي يوجّه الأمور: "لا تخف، يا بولس، فلا بد لك أن تحضر لدى القيصر. والله وهب لك حياة جميع المسافرين" (آ 24).
وعاد الخبر في صيغة المتكلم الجمع: استقر الرأي أن نسافر (آ 1). وستبقى هذه الصيغة حتى الوصول إلى رومة: "ولما دخلنا رومة" (28: 16). يبدو الكاتب وكأنه يشارك في هذه الرحلة التي يرويها بأسلوب حي ودقيق.
وتمر المدن: أدراميت، تقع على الشاطئ الغربي لآسية الصغرى، تجاه لسبوس. صيدون هي مدينة فينيقية مهمّة وصلت إليها البشارة بعد اضطهاد الهلينيين (11: 19). أما الأصدقاء الذين تتكلّم عنهم آ 3 فهم مسيحيو صيدا. ميرة هي محطة عادية بين مصر واليونان. كنيدس: في الشمالي الغربي لآسية الصغرى. خليج سلمونه يقع في جنوب كريت. لسائية: تقع جنوبي جزيرة كريت.
في آ 9 سيبدأ خبر العاصفة. نحن هنا أمام فن أدبي كلاسيكي (مز 107؛ يون 1). تبدو الأمور حسب الرسمة التالية: جدال حول الإقلاع (آ 9- 11): أرى في السفر من هنا خطراً. لم تترك العاصفة أي أمل (آ 13- 20): قطعنا كل أمل لنا بالنجاة. تشجيع الملاك وتدخّل بولس (آ 21- 25): تشجّعوا أيها الرفاق، لأني أثق بالله. تحطّم السفينة (آ 27- 44). يسود الخبر فكرة واضحة، وهي أن الله يقود بولس إلى الهدف المحدد، إلى رومة (آ 24- 25).
نشير هنا إلى صوم كيبور (آ 9) الذي يقع في شهر ايلول. وتقول آ 35: إن بولس أخذ خبزاً وشكر الله ثم كسره. اما النص الغربي فشدّد على الناحية الإفخارستية في طعام قد يكون عادياً (20: 7). ووصل الركاب كلهم (276) سالمين إلى مالطة حيث اجترح بولس عجيبة فحملوا إليه المرضى.
2- الوصول إلى رومة
أولاً: كنيسة رومة
وكان السفر من مالطة إلى رومة في ظروف طيبة. أولاً استقبل الإخوة بولس في بوطيولي (مرفأ في خليج نابولي). هكذا نلاحظ انتشار الإيمان بسرعة في عدد من المدن مثل الاسكندرية (18: 24 ي)، بطلمايس (21: 7) ورومة. دون أن نعرف أسماء المبشّرين. وأراد مسيحيو رومة أن يكرّموا بولس، فجاؤوا ينتظرونه في ساحة أبيوس (تبعد 65 كلم عن رومة) أو عند الحوانيت الثلاثة (تبعد 49 كلم) وهي خان على طريق أبيا الشهيرة.
كان في رومة سكان من أجناس متعدّدة. وتجذّرت هناك جماعة يهودية مهمة منذ قرن من الزمن. وزاد عددها بالعبيد الذين باعهم بومبيوس سنة 63 ق. م. يوم احتل أورشليم.
أول علامة عن وصول المسيحية إلى رومة ظهرت حين اتخذ كلوديوس قراره سنة 49 بطرد اليهود. يقول سواتونيوس الروماني: "بما أن اليهود كانوا يتمرّدون بسبب شخص اسمه كرستوس، طردهم الامبراطور من رومة". قد تكون هناك مجادلات عاصفة في مجامع رومة بين اليهود الذين ارتدوا وأولئك البذين بقوا على ديانتهم القديمة. وحين كتب بولس رسالته، كانت الجماعة مهمة وكان لها شعاعها فقال: "إن ايمانكم ذاع خبره في العالم كله" (روم 1: 8). تألفت النواة الأولى في الجماعة المسيحية من اليهود المرتدين. ولكن حين كتب بولس، صارت هذه النواة الأقلية بحيث برز التوتر بين تيارين، بين الأقوياء (الوثنيين) وبين الضعفاء (اليهود) (روم 14: 1 ي).
ثانياً: المحاكمة أمام القيصر
رفع بولس دعواه إلى قيصر. لكن هذا لا يعني أنه سيُحاكم أمام شخص الامبراطور. فالامبراطور يفوّض حاكم المدينة أو أحد القناصل ليقوم بهذه المهمة. إتهم اليهود بولس، ولكن فستوس أرسل قراراً اتخذ جانب الرسول، فلم يوضع بولس في السجن، بل سُمح له بان يستأجر بيتاً ويقيم مع جندي يحرسه (تربط يد السجين اليمنى بيد الحارس اليسرى). يقول النص الغربي إن بولس أقام في شمالي شرقي المدينة (28: 16)، وظل هناك سنتين (28: 30).
توسّع لوقا في مراحل محاكمة بولس في قيصرية. أما في رومة فلم يهتم الا بالتبشير، وهي مهمة قام بها بولس بحرية نسبية في رومة. أرسلت إليه الجماعة اليهودية وفداً، ولكن كان لخطبته النتيجة التي عرفناها في كل مدينة بشر فيها: انقسم اليهود، فلاحظ الرسول أن ساعة تبشير الأمم وقساوة شعب اسرائيل قد حلّت حقاً (28: 25- 28). وصل بولس الى رومة، إذاً وصل الخلاص الشامل إلى قلب الامبراطورية.
وينتهي أع في جو متفائل: كان بولس يكرز بجرأة وحرية (لا شيء يقيده 28: 31). ونحسّ أن إطلاق سراح السجين صار قريباً. بما أن يهود اورشليم هم المتهمون، وجب عليهم أن يلاحقوا غريمهم أمام محكمة الامبراطورية. ولكن يبدو أنهم لم يفعلوا (28: 21: "ما تلقينا كتابأ، ولا جاءنا أحد من الإخوة"). مر الوقت المذكور في 28: 30 (سنتان)، فسقطت الدعوى. قد يكون هناك حكم براءة، لا سيما وأن الجماعة المسيحية سوف تتبدّل بعد حريق رومة في تموز سنة 64.
3- بولس وجماعات آسية الصغرى
ظل بولس، خلال سجنه في رومة، يهتم بكل الكنائس (2 كور 11: 28). وكم كان ينتظر بشوق الأخبار التي تعلمه عن تقدّم الإنجيل في هذه الجماعات التي أحبّها.
زاره ابفراس الكولسي الذي ردّه بولس إلى الإيمان في أفسس فذهب يبشّر في كولسي ولاودكية وهيرابوليس (كو 4: 13). ولكن لم يعد ابفراس يقدر أن يقوم بالعمل. فقد جاء من يبشّر من جديد بالختان (كو 2: 11- 13) والممارسات المتعلّقة بالأطعمة (2: 16- 21)، ويقول بروزنامة تجعل عبادة الأرض توافق الملائكة (2: 16- 18). وأعلن "معلمو" كولسي أنهم رأوا رؤى (2: 18)، فتوسّعوا في نظريات حول المراتب السماوية: القوات، العروش، أصحاب السلطة. يبدو أن مثل هذا التعليم قريب ممّا في قمران. مهما يكن من أمر، لا تزال الدعاية اليهودية تلاحق بولس من خلال الكنائس التي تأسست في آسية الصغرى وفي غير مكان.
أثار تقرير أبفراس لدى بولس تأملاً في أولوية المسيح على كل صعيد. فلا يكفي فقط أن نعلن أن الخلاص يأتي بالمسيح، بل أن نقرّ بأن دوره الخلاصي ينبع من عمله كالخالق. وطبّق على المسيح النصوص التوراتية التي كانت تدل على دور الحكمة الالهية في عمل الخلق. وهكذا يجعلنا بولس نشاهد المسيح: صورة الله غير المنظورة، بكر كل خليقة، ذلك الذي به خلق كل شيء (كو 1: 15). فلماذا التعلّق بهذه القوى التي نزعت منها كل سلطة على الصليب؟ ولماذا الاعتناء بممارسات خارجية بعد أن لبسنا في المعمودية الإنسان الجديد (كو 3: 10)؟
في هذا الوقت رد بولس إلى الإيمان وعمّد أونسيموس، وهو عبد هرب من كولسي ولجأ إلى رومة. أحس بولس تجاه هذا الابن الذي "ولده" في سجنه (فلم 10) بعاطفة كبيرة. أما يستطيع أن يبقيه لديه؟ من يدري؟ ومع ذلك، قرّر بولس أن يعيده إلى سيده، وهو مسيحي غني يعيش في كولسي وفي بيته تجتمع الكنيسة (فلم 1- 2). سلّم بولس إلى تيخيكس (كو 4: 7) الرسالتين: واحدة لجماعة كولسي، والأخرى لفيلمون، وفيها يدعوه ليعفو عن عبده، بل ليحرّره (فلم 16): "لا يكون عبداً بل أخاً حبيباً في المسيح". وفي النهاية يعلن بولس رجاءه بأن يُطلق سراحه قريباَ فيذهب إلى كولسي (فلم 22).
ونجد الأخبار الشخصية العديدة في كو وفلم، وفيها أسماء معاوني بولس (كو 4: 14): مرقس الذي نسي خلاف أنطاكية (أع 15: 38)، وصار ترجمان بطرس كما يقول التقليد. أرسترخس الذي من تسالونيكي (أع 20: 4) والذي رافق بولس إلى أورشليم وحمل معه اللمة (التبرعات) من أجل القديسين. ديماس الذي من تسالونيكي والذي ترك بولس حباً بالعالم (2 تم 4: 10). لوقا الطبيب الأمين الذي رافقنا في رحلات بولس الرسولية. أبفراس الذي يقاسم بولس أيام سجنه (فلم 23).
4- وخرج بولس من السجن
يخيم الضباب على السنوات الأخيرة من حياة بولس. فاستشهاده في رومة أكيد، ولكن التاريخ غير أكيد. هناك تقليد قديم يجعله في السنة 14 من حكم نيرون أي بين تموز 67 وحزيران 68. هذا ما يورده أوسابيوس في كرونيكته (الكتاب الثاني، الألمبيادا رقم 211) ويذكره إيرونيموس الذي يحدّد موت بولس بسنتين بعد موت سينيكا (نيسان 65) (الرجال العظماء 5 و12).
بين نهاية السجن الأول في رومة (سنة 63) وبين الاستشهاد، تندرج التنقلات التي تحدّثت عنها الرسائل الرعائية (1 تم، 2 تم، تي). هذا ما قاله أوسابيوس المؤرخ الكبير للمسيحية القديمة: بعد أن دافع الرسول عن قضيّته، ترك رومة من جديد من أجل خدمة الكرازة. ثم جاء مرة ثانية إلى المدينة عينها وأنهى حياته بالاستشهاد. وإذ كان في القيود تحدّث عن دفاعه الأول وعن نهايته القريبة. وبعد أن أورد أوسابيوس مقاطع من 2 تم، اختتم قوله: "نشير إلى أن استشهاد بولس لم يتم خلال إقامة الرسول في رومة، التي يصورها لوقا. من المعقول أن نيرون كان في بداية حكمه وديعاً فقبل بسهولة دفاع بولس عن تعليمه" (التاريخ الكنسي 20؛ 22/2- 8).
ويبدو أن بولس ذهب الى إسبانية بعد خروجه من السجن. هذا ما كان قد نواه (روم 15: 28)، وهذا ما يذكره اكلمنضوس الروماني.
ونعود إلى الرسائل الرعاوية التي تعكس تقاليد ثمينة عن عمل الرسول في السنوات الأخيرة من حياته، وتدلّ على اهتمامه بإعطاء الكنائس تنظيماً ثابتاً يتحدّى العواصف.
في أفسس، ترك بولس تيموتاوس يهتم بتسيير الجماعة.
في كريت، كلّف تيطس بتنظيم الحياة الكنسية وبتأسيس الشيوخ (تي 1: 5).
مرّ بولس في ترواس فترك رداءه الشتوي وبعض المصاحف (2 تم 4: 13).
قضى بولس شتاء كاملاً في نيكوبوليس وهي مرفأ هام في دلماطية.
في هذا الوقت، كانت الأحداث تتطوّر مهدّدة الكنيسة الفتية. ففي سنة 62، استفاد الكاهن الأعظم من فراغ السلطة (ذهب فستوس ولم يأت بعد البينوس) فرجم يعقوب أخ يسوع المسمى المسيح وغيره آخرين، بعد أن اتهمهم بالتعدّي على الشريعة (يوسيفوس، القديميات اليهودية 20/200). تأسف الفريسيون على هذا العمل، وطلبوا من البينوس أن يعزل رئيس الكهنة (كان من الصادوقيين).
وفي تموز سنة 64، نشب حريق هائل في رومة، ويبدو أن نيرون أشعله. لا بد من خنق أقاويل الناس. إذن نبحث عن المجرمين: إتّهموا المسيحيين، ولكنه أظهر شفقته على ضحايا بريئة تشتعل في حدائق الفاتيكان. في هذا الوقت، صُلب بطرس ودُفن تحت قرميدات حقيرات قرب ملعب نيرون. وفي هذه المناسبة، أصدر نيرون قراراً يمنع "الاسم المسيحي" (ترتليانس في دفاعه 8- 9). وقال بعض العلماء إن نيرون طبّق مبدأ قديماً في الشرع الروماني يقول: "لا يكن لأحد آلهة جديدة أو غريبة، إلا التي تقبل بها الدولة" (نص قديم ورد لدى شيشرون الخطيب الروماني في كتابه الشرائع، 2/8).
ولكن كانت المسيحية تُعتبر شيعة يهودية، فكيف انفصلت عنها؟ هي وشاية من قبل الصادوقيين وصلت إلى رومة بواسطة بولبي زوجة نيرون المرتدة إلى الديانة اليهودية. لن يكون قرار عام بالاضطهاد قبل القرن الثالث، ولكن الجماعات المسيحية ستعيش في القلق، معرّضة لسوء تصرّف الشعب ولوشايات الحسّاد. هذا ما تقوله رسالة بعث بها بلينوس الأصغر إلى الامبراطور تراجان (الرسالة 10/ 96 و97).
5- الاستشهاد في رومة
وظل بولس يتنقّل بين الكنائس، ويحاول أن يفلت من السلطات. وشى به اسكندر النحاس (2 تم 4: 14). قال عنه بولس: "أساء إليّ كثيراً". نُقل بولس إلى حبس رومة الرطب على سفح الكابيتول. وعرف العزلة الباردة. ما زاره إلا أونيسفورس الذي جاء من أفسس وما خجل من قيوده (2 تم 1: 15- 18). وزاره أيضاً لوقا، بل بقي معه (2 تم 4: 11). ولكن جميع الذين في آسية تخلّوا عنه، ومنهم فيجلس وهرموجينيس.
في هذا الإطار نقرأ ما كتبه اكلمنضوس الروماني عن "الحسد" الذي سبّب استشهاد بولس وبطرس. هل نتهم حسد المسيحيين المتهودين؟ لا، بل حسد اليهود الذين حاولوا دوماً في غيرتهم على إيمان الآباء أن يتخلّصوا من بولس.
ونجد في 2 تم بعض الإشارات عن مسيرة المحاكمة. في الجلسة الأولى، كان بولس وحده، ولم يكن من يدافع عنه (2 تم 4: 16). حينئذ أعلن هذه الكلمات التي تعتبر وصيته الروحية: "لكن الرب وقف معي وقوّاني، فتمكنت من إعلان الدعوة لتسمع جميع الأمم الوثنية. ونجوت من فم الأسد (رج دا 6: 21). وسينجّيني الرب من كل شر ويحفظني لملكوته السماوي" (2 تم 4: 17- 18).
ولم تمضِ بضعة أسابيع حتى نال بولس العقاب الخاص بالمواطن الروماني: قطع رأسه، يقول التقليد. إلا أن الاستشهاد تم على بعد ثلاثة أميال من رومة، بالقرب من طريق أوستيا. وسيقول غايوس الكاهن الروماني في نهاية القرن 2: "أما أنا فأقدر أن أدلك على ذخائر الرسل. إذا ذهبت إلى الفاتيكان (بطرس) أو إلى طريق أوستيا (بولس) تجد ذخائر الذين أسّسوا هذه الكنيسة" (كنيسة رومة) (أوسابيوس، التاريخ الكنسي) (2: 25/7).

 

 

القِسم الثالث
تأمّلاتٌ في أعمَال الرّسُل
ونصل إلى التأملات. فالنصوص هي الهدف الذي نصبو إليه. وحين تصبح النصوص صلاة، نترك القراءة، ونفتح قلبنا لنداء الروح. وهذه بعض التأملات:
1- صعود يسوع، 1: 1- 11
2- انتظار الروح واختيار رسول جديد، 1: 12- 26
3- العنصرة المسيحية الأولى، 2: 1- 11
4- مجد القيامة وثمارها، 2: 22– 28؛ 3: 13– 19؛ 5: 27- 32
5- الإيمان بالمسيح الرب أساس حياتنا، 2: 36- 41
6- جمال الشركة الكنسيّة ومتطلباتها، 2: 42– 47؛ 4: 32– 35؛ 5: 12- 16
7- لا خلاص إلا بيسوع، 4: 8– 12
8- حنانيا وسفيرة، حكم الكنيسة وعدالة الله، 5: 1- 11
9- الخدام السبعة، 6: 1- 6
10- خطبة أسطفانس: نظرة عامة: الاتهامات
11- خطبة أسطفانس: وجه إبراهيم، 7: 1– 8
12- خطبة أسطفانس: وجه يوسف، 7: 9- 16
13- خطبة أسطفانس: وجه موسى التاريخي، 7: 17- 34
14- خطبة أسطفانس: موسى المحرّر والمخلّص،7: 35- 43
15- خطبة أسطفانس: الهيكل والروح القدس، 7: 44- 53
16- أسطفانس والشهادة للرب يسوع، 7: 54- 60
17- رسالة الكنيسة الشاملة، 8: 5– 8، 14– 17؛ 10: 25– 26، 34– 35، 44– 48؛ 15: 1– 2، 22- 29
18- سمعان الساحر، 8: 4- 15
19- بداية رسول، 9: 26- 31
20- مسحه الله بالروح القدس، 10: 34- 38
21- إنقاذ بطرس من السجن، 12: 1- 11
22- في أنطاكية بسيدية: نظرة إلى الماضي، 13: 17- 22
23- في أنطاكية بسيدية: على ضوء الحدث يسوع، 13: 23– 31
24- في أنطاكية بسيدية: على ضوء الكتب المقدسة، 13: 32- 37
25- جعلتك نوراً للأمم، 13: 43- 52
26- التنظيم الأول للكنائس، 14: 21- 27
27- مجمع أورشليم، 15: 1- 21
28- خطبة أثينة، 17: 22- 31
29- صعود بولس إلى أورشليم، 20: 36– 21: 16
30- خاتمة الكتاب، 28: 16- 31

 

 

الفصل الرابع عشر
صعود يسوع
1: 1- 11
تتحدث آ 2، 9- 11 وحدها عن الصعود. ولكن الليتورجيا تسمعنا المقطع كله. فالنص لا يروي الصعود لذاته، بل يدخله في إطار أوسع تشكله آ 1- 14. إذن، نبدأ فنعرض هدف الكاتب في هذه الآيات، ونفسّر آ 1- 8، قبل أن نتفحّص المعنى الذي تنسبه هذه القرينة إلى خبر الصعود (آ 9- 11).
أ- من يسوع إلى الرسل بالروح (آ 1- 14)
قبل أن يطلق الكاتب القسم الثاني من خبره، يذكر نقطة وصوله في كتابه الأول (آ 1- 2) ويتوسّع في الوقت عينه في رواية الأحداث الأخيرة: أحاديث يسوع القائم من الموت مع رسله، التعليمات التي أعطاهم (آ 3– 8؛ رج لو 24: 44- 49). صعوده (آ 9– 11؛ رج لو 24: 50، 51- رجوع الرسل إلى أورشليم (آ 12- 14؛ رج لو 24: 52- 53).
كان هدف هذه الشميلة الغنية أن يهيئ القارئ إلى ما سيتبع ليُظهر أولاً شخص يسوع (آ 1). وحالاً يتوجّه انتباهنا إلى "الرسل" الذين سنعرف أسماءهم في اَخر القطعة (آ 13). إنهم، بشكل من الأشكال، الشهود الوحيدون لأعمال يسوع وأقواله الأخيرة. إذن، يبدو الكاتب مهتماً بالتشديد على مميّزات الحلقة الرسولية: إنها مستودع حقيقي لوعد ورسالة القائم من الموت.
إن تأثير هذا الموضوع على الكتاب كلّه أمر واضح. فكل التوسّعات المتعاقبة في حياة الكنيسة، وهي توسعات ترتبط بسلطة هذه المجموعة المميّزة (يفكر الكاتب بامتداد الرسالة إلى الوثنيين)، تتأسّس شرعيأ على سلطة الرب القائم من الموت.
بين شخص يسوع ومجموعة الرسل، يتغلغل على دفعات متكررة شخصٌ آخر: هو الروح القدس (آ 2، 4، 5، 8). إنه يربط الرب الذي سيترك أخصّاءه عمّا قريب، بالكنيسة الرسولية التي تنتظر قوة الروح لتكون شاهدة المسيح إلى أقاصي الأرض. إذن، سيكون على القارئ أن يكتشف في مسيرة التاريخ، عملَ الروح الذي سيوجّه الأمور. وهذا العمل يكفل لنا أن مراحل إنتشار الكنيسة، وبالأخص الكرازة للوثنيين، ليست وليدة الصدفة ولا تلبية لرغبة بشرية، بل تنفيذأ لبرنامج أعدّه مسبقاً يسوعُ القائم من الموت (آ 8).
ب- الكتاب الأول و"أبطاله" (آ 1- 2)
يشير الكاتب بإيجاز إلى مضمون كتابه الأول الذي نسميّه "الإنجيل بحسب لوقا". ويذكر الممثلين الرئيسين الثلاثة: يسوع والرسل (يشير إلى اختيارهم. رج لو 6: 12- 16) والروح القدس؛ ويحدّد أيضاً أن خبره الأول صوّر نشاطهم منذ البدء (رج لو 3: 23). أي من عماد يسوع على يد يوحنا وحلول الروح القدس، إلى اليوم الذي فيه انفصل يسوع عن أخصائه ورُفع إلى السماء (لو 24: 51).
وسنجد "أبطال" الإنجيل الثلاثة في أع، ولكن مع دور مختلف. فعلى الرسل منذ الآن أن يعلّموا (2: 42؛ 4: 2؛ 5: 42...) أن يُجروا أعمالاً تدلّ على قدرة الله (4: 33). وسيعطي الروحُ القدس الزخمَ الداخلي لكل عمل رسولي (1: 5؛ 2: 4؛ 4: 28، 31؛ 8: 29). أما يسوع فسيكون موضوع الكرازة الرسولية وقلب حياة المؤمنين (4: 33؛ 7: 55؛ 8: 35؛ 9: 20...)
ج ـ تعليمات يسوع الأخيرة (آ 3- 8)
لمّح الكاتب في آ 2 إلى تعليمات أعطاها يسوع لرسله قبل أن ينفصل عنهم (رج لو 24: 47- 49). يتيح له هذا التلميح أن يرسم الإطار اللاهوتي الذي فيه تتسجّل الأخبار الجديدة؛ إذن، هو يُلقي نظرة إجمالية إلى نشاط الرب بعد قيامته (آ 3)، ويدوّن خطبتين من خطبه (آ 4- 5، 6- 8) تشدّدان على العمل الذي سيمارسه الروح في التلاميذ (آ 5، 8).
إذا عدنا إلى خاتمة الإنجيل (لو 24: 36- 51) نرى أن الحياة المشتركة بين الرسل ويسوع القائم من الموت لم تدُم طويلاً. ولكن لوقا يتكلّم في أ ع 1: 3 عن أربعين يوما. فيصوّر هذه الحقبة على أنها الملء والكمال. أتاح هذا الوقت للرسل أن يتيّقنوا (مع براهين عديدة) من القيامة، أن ينالوا من يسوع كل التعليم المطلوب عن ملكوت الله. لا يدلّ الملكوت هنا على الكنيسة، بل على هذه المرحلة الأخيرة من تاريخ الخلاص، التي أنبأ بها الأنبياء، ودشّنها موت الرب وقيامته وفيض الروح (8: 12؛ 14: 22؛ 19: 8؛ 23: 28). وهكذا يبدو الرسل مجموعة هيّأها يسوع لتشهد لقيامته ولتُعلن ملكوت الله.
أول تعليمة من تعليمات يسوع للرسل (آ 4- 5) هي أمره لهم أن لا يبرحوا أورشليم ("خلال طعام شاركهم فيه"، آ 4. نستطيع أن نترجم: حين جمعهم حوله، وهذا ما يلمّح إلى إعادة تنظيم المجموعة التي شتتها موت يسوع. يصوّر لو 24: 33- 34، 53 نتيجة هذا التجمّع). هذا ما كان قد قاله في لو 24: 47- 49. يدلّ هذا التكرار على الرباط بين حضور الرسل في المدينة وأول ظهور لـ "وعد الآب"، الذي هو المعمودية في الروح القدس (2: 33- 39).
كانت أورشليم في قلب الأحداث الخلاصية في حياة يسوع (لو 1: 18– 23؛ 2: 22– 38، 41– 50؛ 4: 9؛ 9: 51– 53؛ 13: 33...)، وستكون أيضاً المركز الذي منه تشعّ البشارة. وهكذا يرتبط لوقا بكنيسة أورشليم الرسولية التي تعمّدت بالروح، فيبين شرعية التوسعات المتعاقبة التي عرفتها الرسالة (8: 14؛ 11: 22؛ 15: 1 ي). وإن كلمات يسوع في آ 5، وتحقيقها المذكور في 2: 1- 4 ستفيد بطرس ليرى في خبرة كورنيليوس وأخصائه الروحية، علامة أن الله وافق على قبول الوثنيين للعماد دون أن تفرض عليهم الممارسات اليهودية (11: 16).
ترتبط آ 6- 8 من الوجهة الأدبية بنص لو 24: 49. ولكنّها تهدف إلى إبراز مضمون موهبة الروح الذي تحدّثنا عنه في آ 4- 5. لا تعني هذه الموهبة الإقامة النهائية للملكوت الإسكاتولوجي (آ 6) الذي حدّد الأب وقت مجيئه (آ 7)، بل عمل شهادة يصل إلى الآخرين بقوة الروح القدس. كيف سينعش الروح بقدرته شهادة الرسل؟ سيمنحهم ظواهر مواهبية تُبرز منذ الآن عمل الله الخلاصي (2: 15- 21، 33؛ 5: 32...). ويعطيهم الشجاعة والجرأة (حرّية التكلّم) الضروريتين لكل شاهد (2: 4، 14؛ 4: 31؛ 7: 55- 56). وهذه الشهادة تعني بصورة خاصة قيامة المسيح (1: 22؛ 2: 32؛ 4: 33) التي سيعلنونها حتى "أقاصي الأرض". هذه العبارة المقولبة التي أخذها لوقا من التوراة اليونانية (رج أش 8: 9؛ 48: 20؛ 49: 6؛ 62: 11؛ مز 134: 7؛ إر 6: 22...) تدلّ على الشمول المطلق الذي يطمح إليه التعليم الإنجيلي. تعود العبارة نفسها في 13: 47 (رج أش 49: 6) لتدلّ على أنه يجب علينا أن نتجاوز كلّ حاجز اجتماعي أو عرقي لنبشّر الوثنيين بالإنجيل (13: 46). وستكون الكنيسة قد حصلت ضمناً على هذه الشمولية ساعة يعلن بولس "بجرأة وبدون عائق" يسوع المسيح في رومة، مركز العالم آنذاك (28: 31).
د- وغاب يسوع عن أنظار رسله (آ 9- 11)
بدا لوقا وهو يصور الصعود، كأنه يشدّد على الطريقة التي بها انفصل يسوع عن أخصائه، لا كأنه يتحدّث عن تمجيد الرب. فهو لا يستعمل كلمات أع وسائر أسفار العهد الجديد التي تشير إلى ارتفاع يسوع المجيد (رج2: 33؛ 5: 31؛ 7: 55؛ لو 24: 52؛ 1 تم 2: 16...). مقابل هذا، يشدّد على ما يدلّ على البعد في المكان: ارتفع يسوع إلى السماء، فغاب عن أنظار الرسل وعن هذا العالم، وكأنه مسافر ذهب إلى بلد بعيد. ولم يبتعد يسوع هكذا عن رسله إلاّ بعد أن "انتهى من الكلام"، وحين كانوا "يتبعونه بأنظارهم" (آ 9). إذن، ظلّوا قربه حتى ساعة الإنفصال (نجد تلميحاً إلى إيليا واليشاع. لقد شارك التلميذ في الروح النبوي الذي كان في معلمه، 2 مل 2: 1- 15). نقدر أن نرى تلميحاً لطيفاً إلى تمجيد يسوع مع "الغمامة" التي ترافق الظهورات (التيوفانيات) عادة في العهد الجديد (لو 21: 27؛ 1 تس 4: 17) وفي العهد القديم (خر 13: 21– 22؛ 24: 15- 18). غير أن وظيفة الغمامة هنا هي أن تحجب يسوع بطريقة نهائية عن أنظار رسله. لقد انتهى زمن حضور يسوع الجسدي وسط أخصائه، وانفتحت حقبة جديدة في تاريخ الخلاص.
ولكن لم يأتِ بعدُ وقتُ ظهور الملكوت المجيد. ما أعلنه يسوع في هذا الشأن (آ 7) سيقوله بدورهما، "رجلان في ثياب بيضاء". لا شك في أن حضورهما يحيط بالمجد حدثَ هذا النهار. هذا ما حصل صباح القيامة. ظهر رجلان "في ثياب برّاقة"، وأعلنا للنسوة قرب القبر: "لماذا تطلبن الحي بين الأموات؟ إنه قام" (لو 24: 4). ولكن كلامهما لا يهدف إلى الاحتفال بمجد يسوع، بل إلى تقديم تحذير إلى الكنيسة: لا فائدة من البحث في آيات سماوية تنبىء بمجيء يسوع القريب (2 تس 2: 2– 3؛ 2 بط 3: 4). يجب على الرسل أن لا يشكّوا أن يسوع "سيعود" كما رأوه صاعداً إلى السماء، أي بوضوح وبآيات قدرة تضمَّنَ الصعودُ إلى السماء بذارها (1 تس 4: 16؛ 2 تس 1: 7- 8).
هـ- بُعد الخبر في الكنيسة
يُصوَّر الصعود في هذا المقطع وفي لو 24: 51 حيث ينهي يسوع حياته على الأرض ببركة "قدسية" (رج سي 50: 20) تدفع أخصّاءه إلى السجود والفرح وإنشاد تسابيح الله في الهيكل (لو 24: 52- 53؛ رج سي 50: 21- 23). إلاّ أننا نجد في العهد الجديد مقاطع أخرى تلمّح إلى صعود يسوع إلى السماء: يو 3: 13: "ما صعد أحد إلى السماء إلا إبن الإنسان الذي هو في السماء ونزل من السماء"؛ 6: 62: "فكيف لو رأيتم إبن الإنسان يصعد إلى حيث كان من قبل"؛ 20: 17: "أنا صاعد إلى أبي وأبيكم، إلهي وإلهكم"؛ روم 8: 34: "المسيح هو الذي مات، بل قام، وهو الذي عن يمين الله يشفع لنا"؛ أف 4: 10: "وهذا الذي نزل هو نفسه الذي صعد إلى ما فوق السماوات كلها ليملأ كل شيء"؛ 16:3: "آمن به العالم ورفعه الله في المجد"؛ عب 4: 14: "يسوع هو كاهن أعلى اجتاز السماوات"؛ 1 بط 3: 22: "يسوع المسيح الذي صعد إلى السماء، وهو الآن عن يمين الله تخضع له الملائكة والقوات وأصحاب السلطان".
تسيطر على هذه النصوص الوجهة الكرستولوجية: إن يسوع يشارك الآب مشاركة تامّة في مجده. غير أن أع 1: 9- 11 ينظر إلى الصعود من الوجهة الكنسية (نتائج انفصال يسوع عن أخصائه بالنسبة إلى الكنيسة). إنه يدلّنا على العبور من زمن المسيح إلى زمن الرسل والكنيسة. لقد انتهى حضور يسوع المنظور وسط البشر. منذ الآن، سيكون الرسل الشهود المميّزين، ومستودع كلمة الرب ووعده. بهم يتعلّق إعلان ملكوت الله: وهذا الملكوت لا يظهر في المجد في القريب العاجل، لأن واجب الكنيسة أن تشهد للقيامة في الأرض كلها. هذه هي وجهة السر التي يجب على الكرازة أن تبرزها اليوم.
هناك من يتوقف على الوجهة "المكانية" في هذا النص: يجلس الله في الأعالي التي فوق الأرض، ويذهب المسيح إليه، "صاعداً إلى السماء". ولكن، هل يستطيع لوقا أن يتصّور الأمور بطريقة أخرى في أيامه؟ ثمّ إن إيجاز التصوير وإبراز البعد الكنسي للوقائع، يدلاّن على اهتمامه الأساسي: إنذار الكنيسة بواجب الشهادة وإعلان البشارة إلى عالم اليوم.
إذا كنّا، بفضل عطية الروح، في تواصل تام مع كنيسة الرسل، علينا أن نقاوم تجربتين تعترضاننا: تحسّر عقيم على الماضي، نظرة سرابية إلى المستقبل. فالماضي مهما كان جميلاً قد مضى ولن يعود. فلا نستطيع بعد اليوم أن نتّحد بالمسيح إلا بواسطة الرسل الذين وعدهم يسوع بروحه. ومن جهة أخرى، إن وقت ظهور الملكوت المجيد وتأثيره على واقع العالم هما سرّ الآب. فيبقى علينا أن نتمّ المهمة الملقاة علينا في الزمن الحاضر، ونحن متأكدون أن الرب الذي صعد إلى السماء سيظهر في الوقت المحدّد.

 

 

الفصل الخامس عشر
انتظار الروح واختيار رسول جديد
1: 12- 26
أ- الكنيسة تصلي (آ 12- 14)
إن خبر الصعود في نهاية الإنجيل الثالث (لو 24: 50- 53) وفي بداية أع (1: 6- 11) يربط الكتابين اللذين دوّنهما لوقا. ويجب أن نقف في ضوء هذا السر المركزي لنفهم عمل لوقا والعنصرة (2: 33) معاً. فبعد أن رأت جماعة المؤمنين الصغيرة يسوع يعود إلى السماء (حينئذ، آ 12)، رجعت من جبل الزيتون إلى أورشليم. ويوضح لوقا أن المسافة كانت قصيرة (كلم واحد تقريباً، مسيرة سبت). إن لهذه الملاحظة بُعداً "لاهوتياً": فالجماعة لم تترك حقاً المدينة التي فيها وصل وحي الإنجيل إلى ذروته، وتمّ تمجيد يسوع. في الوقت عينه، صارت أورشليم مركزاً يشعّ منه هذا الوحي وهذا التمجيد بالكلمة التي ستنتشر "إلى أقاصي الأرض" (1: 8).
إذاً، عادت مجموعة التلاميذ من جبل الزيتون الذي ارتبط بتذكرات اسكاتولوجية (مر 13)، وشهد صلاة المسيح (لو 22: 39). أطاع التلاميذ تعليمات المعلم، فذهبوا إلى المدينة لينتظروا "وعد الآب"، قوّة من العلاء (لو 24: 49؛ أع 1: 9)، العطية الاسكاتولوجية (2: 17) في الخلوة والصلاة كما فعل يسوع (لو 3: 21؛ 4: 1 ي).
كانوا متعوّدين على العلية التي ذهبوا إليها بعد رجوعهم إلى المدينة: هي الغرفة (العالية) التي فيها شاركوا في العشاء الأخير، أو هي بيت أم يوحنا مرقس (12: 12). مهما يكن من أمر، إلى هناك ذهبوا من دون تردّد (آ 13). الصلاة في العلية أو في غرفة من غرف البيت، تقابل تقليداَ بيبلياً عرفه إيليا (1 مل 17: 17- 24) واليشاع (2 مل 4: 8- 11) ودانيال (دا 6: 11؛ رج مت 6: 6؛ 24: 26؛ لو 12: 3؛ أع 10: 9: إلى هناك صعد بطرس ليصلّي).
أن يذكر لوقا هنا أيضاً اسم الرسل أمرٌ له معناه (رج لو 6: 14- 26): إنهم يؤمّنون التواصل بين الجماعة القبل فصحية والجماعة البعد فصحية. إنهم سيجدون نفوسهم مسلّحين بسلاح شرعي، مسلّحين بموهبة الروح. فالقائم من الموت جعلهم شهوده المحلّفين حين كلّمهم عن ملكوت الله خلال أحاديث دامت أربعين يوماً (رقم يقابل التقاليد اليهودية). إن اللائحة التي نقرأها في أع، تختلف بعض الشيء عن تلك التي نجدها في الإنجيل الثالث. اختفى يهوذا، وهذا أمر طبيعي. هناك بطرس الذي يحمل فقط الاسم الذي أعطاه إياه الرب (لو 6: 14). هو يحتل المقام الأول في بداية الكنيسة. وهناك يوحنا رفيق بطرس (3: 13؛ 4: 11؛ 8: 34؛ رج لو 22: 8) الذي يرد اسمه بعد بطرس. ثم يأتي يعقوب أخوه (12: 2) الذي قتله الملك هيرودس بحدّ السيف. ويرد بين الأسماء الأخيرة اسم يعقوب بن حلفى الذي قد يكون يعقوب الذي احتل مكانة هامة في كنيسة أورشليم (12: 7؛ 15: 13).
إن "الخلية الأم" في الجماعة تتجاوز مجموعة "الأحد عشر": هناك النسوة، وهناك بعض أقارب يسوع (أخوته، رج مر 6: 3). كان الإنجيل قد ذكر نساء رافقن يسوع خلال حياته العلنية (لو 8: 2- 23) ولم يتركنه أبداً: سنجدهن عند الصليب (لو 23: 49 ب) وساعة الدفن (لو 23: 55- 56)، وفي الساعات الأولى التي تلت القيامة (لو 24: 1- 11، 22- 23). وهكذا تجاوز تعليم العهد الجديد الأفكار المسبقة التي عرفها الناس آنذاك (لم تكن المرأة تظهر في المجتمع). وستظلّ النسوة يلعبن دوراً هاماً ودقيقاً في أع. وهناك مريم أم يسوع الحاضرة في لو وفي أع: يقول عنها لوقا بعد ميلاد يسوع: "حفظت باهتمام كل هذه الذكريات وتأملتها في قلبها" (2: 19). ويلاحظ في أع 1: 14 أنها تصلّي مع التلاميذ حين تلد الكنيسة.
إلتأمت المجموعة ("كلّهم"، آ 14) في العلّية، وكرّست وقتها للصلاة: صلاة مثابرة (2: 42). صلاة يكون فيها الجميع قلباً واحداً ونفساً واحدة. فهل تستطيع كنيسة أن تصلي إلى ربها بقلب منقسم دون أن تنكر ذاتها؟!
ب- اختيار متيا (آ 15- 26)
ا- لوقا والتقاليد القديمة
إن اختيار متيا محلّ يهوذا، يشكّل عنصراَ جديداً في استعداد الكنيسة للعنصرة. نحن هنا أمام تأليف لوقاوي مؤسّس على تقاليد قديمة. من هذه التقاليد: خبر موت يهوذا (لا يتطابق مع ما ورد في مت 27: 3- 10)، ما يتعلق بمتيا وبارسابا (لا نعرف عنهما شيئاً)، طريقة الاختيار.
ومن جهة ثانية هناك تفاصيل تدلّ على عمل لوقا التأليفي ليعطي القطعة وحدتها على المستوى الأدبي والبنيوي واللاهوتي. ثم إننا نندهش حين نلاحظ أن معنى بعض الكلمات (حقل دما: حقل الدم) أو بعض الوقائع يحتاج إلى شروح تقدّم إلى أهل أورشليم الذين يُفترض أن يتوجّه إليهم الكلام. ونندهش أيضاً لاستعمال التوراة اليونانية. نشعر أن لوقا يفكّر بقرّاء لا ينتمون إلى المحيط عينه، ولم يشاركوا في ما حصل من أحداث.
2- يهوذا ووظيفته
"في تلك الأيام". إشارة غامضة، إشارة لاهوتية أكثر منها واقعية. إنها تحيلنا إلى زمن يسبق "يوم العنصرة" (2: 1). هذا ما يفرضه المضمون وروح الخبر.
واتخذ بطرس المبادرة هنا، كما في ظروف أخرى (1: 13؛ 2: 14، 37- 38؛ 3: 1...) دون أن يعارضه أحد. وهكذا أكّد لوقا بطريقة لا تقبل الشك أن أولوية بطرس لم تظهر خلال قيامه بعمله، بل منذ البداية وعلى أساس اختيار يسوع له. ولكن، لا شيء يفرض علينا أن نظن أن بطرس تسلّم أمراً واضحاً من يسوع يدعوه فيه إلى اختيار متيا.
"وسط الأخوة" (أو وسط الجماعة). لسنا هنا أمام "أخوة" يسوع كما في آ 14، بل أمام أعضاء الجماعة. اعتبر المؤمنون ذواتهم أخوة بعضهم لبعض، وأخوة بطرس بنوع خاص (1: 16؛ 2: 29). أما بطرس وسائر الرسل فيسمّون الآخرين "إخوة" (2: 37). هذه التسمية التي تتكرّر في أع، تعود ولا شك إلى يسوع (رج مت 23: 8: كلكم أخوة). إن استعادة هذه العاطفة الأخوية بين كل أعضاء الجماعة المسيحية، أمرٌ يفرض نفسه كمتطلّبة إنجيلية وكنسيّة. كانوا 120 (في قمران: 10 لكل كاهن). العدد 10 هو عدد الأعضاء الضروريين ليؤلّفوا جماعة يهودية.
تألّفت "خطبة بطرس" من قسمين: قسم مركّز على مصير يهوذا، وقسم على ما يجب عمله. يبدأ القسمان بالفعل عينه (يجب: داي في اليونانية): هو عزيز على قلب لوقا ويستعمله ليدلّ على إرادة الله التي تظهر في الأسفار المقدسة. في الحالة الأولى، يعود الفعل إلى ما حصل في الماضي: "كان يجب أن يتمّ الكتاب" (آ 16). ويُستعمل أيضاً بعد هذا (آ 22) ليدلّ على النتيجة الواجب استخلاصها: "يجب إذن".
يذكرنا القسم الأول من "الخطبة" أن مصير الخائن قد تمّ. وبعد استطراد قصير حول موت يهوذا ومكان دفنه، يُورد لوقا آية من الكتاب المقدس: مز 69: 26: "لتصر داره خراباً، ولا يكن فيها ساكن".
ويأتي إيراد كتابي آخر (مز 109: 8:، "ليأخذ وظيفته آخر") بشكل انتقال يبدأ القسم الثاني، وهو القسم الأهم بمضمونه: كُتب أنه يجب أن نعين شخصاً يحلّ محل يهوذا. ويحدّد بطرس الشروط المطلوبة من المرشحين.
ذكر بطرس الكتاب (بصورة عامة) أو بالأحرى نصاً كتابياً محدداً (نجد المفرد في بعض المخطوطات)، فأكد أولاً أن نبوءة الروح القدس التي جاءت على لسان داود قد تمّت، وأسفاه، في ما حصل ليهوذا (آ 16). ثم أعلن أن هذا كان قائد الجنود الذين أمسكوا يسوع، ولكنه لم يقل إن الرب كان قد أخبر بهذه الخيانة ودلّ على الخائن بطريقة خفية (لو 22- 23): كل هذا يدلّ إلى قدم هذا التقليد. أما كلمات بطرس فتقدّم عناصر مهمة تساعدنا على فهم الوظيفة الرسولية التي تخلىّ عنها يهوذا: "كان واحداً منا وله نصيب معنا في الخدمة".
ألّف يهوذا مع الآخرين الحلقة الرسولية: نصيب لم يكن ليأمله. نصيب لم يستحقّه، ولكنه اقتبله من الرب (لو 6: 12 ي). ولهذا التعيين طابع المجانية، شأنه شأن النداء إلى الإيمان. كما أن المسيح أعطى الوثنيين بواسطة بولس المرتد "غفران خطاياهم وميراثاً مع القديسين" (26: 8)، كذلك كانت "الرسالة" موهبة ينالها الإنسان مجاناً من الله. ولقد استعملت كتابات قمران لفظة مماثلة لتدلّ على مجانية الموهبة التي يتقبّلها المؤمن.
وسيسمى هذا "النصيب" فيما بعد "خدمة" (دياكونيا). يتتبّع لوقا بولس (رج 2 كور 3: 7- 9؛ 4: 1، 5: 18. روم 11: 13) فيتطلّع إلى الرسالة من هذه الوجهة. غير أنه يحملنا في الوقت عينه إلى يسوع نفسه: إنه كالخادم (لو 22: 26- 27). قد نجد في عالم قمران اليهودي ألفاظاً مثل "كليروس" (من هنا الاكليريكي) أو "إبسكوبوس" (أسقف)، غير أننا لا نجد ما يقابل "دياكونيا" (مشمشونو في السريانية، شماس. رج كلمة ارشيدياقون) مقابلة دقيقة.
نحن هنا أمام عنصر خاص يحدّد موقع قوّاد (موجّهين) الجماعة المسيحية. يتكلّم أع مراراً عن "دياكونيا" حين يتحدّث عن الرسل عامة (6: 4) و"السبعة" (6: 1- 2) وبولس (19: 22، 20: 24، 21: 19). واللّمة الشهيرة تسمى هي أيضاً "دياكونيا" (11: 29؛ 12: 25).
أساس هذه الخدمة أساس كرستولوجي. من هنا أهمية لو 22: 7- 34 في جوه الإكليزيولوجي والإفخارستي. نجد فيه ثلاث مرات عبارة "الذي يخدم، خادم" (دياكونون، آ 26- 27). وهو في المرة الثالثة يكشف لنا هوية هذا "لخادم" "أنا بينكم مثل الذي يخدم" حين يسمّي المسيح نفسه بهذا الاسم، لا يفكر بخدمة المائدة، بل بخدمة "لعهد الجديد" (لو 22: 20) الذي بدأه حين حَرّر الانسان وفدَاه (رج مر 10: 45). وهذه الدياكونيا (التي هي عهد) التي نالها المسيح من الآب، ستمتدّ إلى أخصائه (لو 22: 29). في جماعة العهد هذه، نستطيع أن نتكلّم بطريقة شرعية عن "الأكبر"، عن "الذي يحكم" أو الرئيس (لو 22: 26- 27)، ولكن كل تشبيه مع السلطة الزمنية مرفوض. عبرّ يسوع عن هذه الفكرة بقوة شدّد عليها غياب الفعل: "أما أنتم، فما هذا حالكم". الدياكونيا هي عنصر يميّز الرسول، ولكنها لا تختصّ به وحده: فالعهد الجديد كله يعتبر الخدمة كقلب الحياة المسيحية التي لا يحلّ شيء محلّها. وحين نقرأ آ 17 هذه، نفهم أن الوظيفة الرسولية هي قبل كل شيء "خدمة".
ولكن يهوذا ما عاش هذا المثال، يا للأسف! تعامل مع العظماء، ومن خلالهم مع الشيطان نفسه (لو 22: 2- 6). هنا ظهر مصيره الذي أشار إليه بطرس في آ 18- 19 مع تلميح إلى عقاب الخطأة الذين يتكلّم عنهم حك 4: 19: "سيسقطهم الله على رؤوسهم".
في هذه المناسبة يورد بطرس مز 69: 26. عبّرَ البار المتألم عن قلقه بالنداء (صُبَّ عليهم سخطك ولتُدركْهم نار غضبلك، 69: 25). فأجاب المرتل بسلسلة من اللعنات أورد بطرس واحدة منها: "لتصر داره خراباً ولا يكن من يسكنها". تبقى العلاقة عامة بين هذا النص وحالة يهوذا. ثم إن العهد الجديد يطبّق مز 69 على المسيح وعلى آلامه (مت 27: 34- 48؛ يو 2: 17؛ روم 11: 9- 10). وقف يهوذا مع الذين اضطهدوا يسوع، فطبّقت عليه لعنات المزمور. إن مثل هذه الإيرادات من التوراة، تدلّ على اعتقاد المسيحيين الأولين الذين رأوا في أهم أحداث التدبير الديني الجديد تتمة لما أنبأ به العهد القديم بصورة غامضة. في الواقع، إن الجماعة المسيحية هي إسرائيل الجديد (رج غل 3: 29؛ 6: 16) الذي فيه يتحقق بالمعنى الكامل والروحي ما قيل عن تدبير الخلاص القديم.
3- من يقدر أن يكون شاهداً
والنص الثاني مأخوذ هو أيضاً من مزمور يدعو فيه المضطهد الله ويلعن مضطهده (مز 9- 1: 8)، ولكنه يأخذ معنى آخر في إطار خطبة بطرس في قسمها الثاني: هدفه أن يبرّر بنص كتابي ضرورة اختيار رسول جديد: "ليأخذ آخر وظيفته" (ابسكوبي، في العبرية: فقوده أو مهمة ووظيفة). هناك تقارب بين "ابسكوبي" "كليروس"، "دياكونيا". هذه الوظائف تتضمّن حقّ المراقبة، سلطة رعاية الآخرين. ولكننا لا نستطيع أن نتصوّرها بعد وصية يسوع إلا في إطار الخدمة. الميل الطبيعي في المجتمع يدفع السلطات لتعتبر نفسها غاية في حد ذاتها؛ والسلطة الكنسية ليست بمأمن من هذا الخطر. إن "لاهوت الصليب" يفرض على مالكي السلطة واجباً وهو أن يبقوا في إطار الخدمة الإنجيلية التي بها طبع المسيح السلطة المسيحية إلى الأبد، منذ البداية.
وجدت آثار ذلك في الأناجيل، وأحسّ بطرس بالحاجة إلى أن يذكّر المسؤولين بهذا الواجب: "لا تتسلّطوا على الذين هم في عنايتكم، بل كونوا قدوة للرعية" (1 بط 5: 3).
إذن، طلب منهم بطرس أن يقترحوا أسماء أناس يتمّمون الشروط المذكورة. كل الجماعة الحاضرة (وليس الأحد عشر وحدهم) تنعم بحق تقديم الاقتراح. والتعيين الأخير لن يكون عمل بطرس، بل عمل الله الذي تتوجّه إليه الجماعة في الصلاة، والذي يُظهر تدخّله بواسطة قرعة لها طابع ديني.
ترتدي آ 21- 22 أهمية خاصة، لأنهما، إذ تحدّدان الشروط المطلوبة من المرشحين، تغنيان نظرة لوقا إلى الرسالة. نحتاج إلى أناس عاشوا مع الجماعة الرسولية ومع الرب يسوع بطريقة متواصلة، منذ المعمودية حتى الصعود. نلاحظ ذكرا خاصاً للقيامة.
من الواضح أن الحضور المادي المحض لا يكفي، هناك كثيرون رافقوا التلاميذ خلال هذه المدة (آ 21). وكما أن يسوع فرز بعضاً من تلاميذه (لو 6: 13)، هكذا سيكون المرشح "شاهداً" (آ 22). وليمست القرعة إلاّ إظهاراً لاختيار الله (آ 24). بهذه الطريقة ينضم "المختار" إلى الرسل الأحد عشر (آ 26). كل هذا يثبت معنى نصيب ووظيفة: الرسالة هي موهبة إلهية. والرسول هو شاهد لا يرتبط تعيينه حصراً أو بصورة رئيسية بالبشر، بل بالله نفسه.
إذن، على "المختار" أن يكون "رافق" (آ 21) المسيح والرسل (رج 9: 35؛ لو 23: 55). وهكذا يتأمّن التواصل بين يسوع الأرضي والكنيسة. فمن الضروري أن تكون وحدة بين المسيح الذي مات وقام، وبين البشرية التي تمّ الفداء من أجلها، أي البشر الذين ينتمون إلى زمن المسيح وزمن الكنيسة معاً. هؤلاء هم الرسل.
إن الرسل عاشوا بطريقة حميمة مع يسوع خلال فترة من الزمن: "طوال المدة التي قضاها الرب يسوع معنا". قد تُترجَم العبارة حرفياً: "كل الوقت، منذ دخوله إلى خروجه". لم يعد لها هنا المعنى الحرفي الأصلي. ونحن نجد فيها تلميحاً إلى أسفار يسوع المتعددة. على كل حال هي تعني: شركة حياة مع شخص رافقناه في كل شيء.
ذكر بطرس المرحلتين الرئيسيتين في حياة يسوع. من جهة، بداية رسالته أي عماده الذي هو مسحة نبويّة حسب لوقا. ومن جهة ثانية، تمجيده "مسيحاً ورباً" (2: 36)، وهذا يفترض عطية الروح للكنيسة (2: 33). لن يُذكر موتُ يسوع هنا ولا في نص مواز (10: 37- 39). فلا بد من فيض الروح ليفهم الرسل موت يسوع. ومهما يكن من أمر، فالقسم الأول من الخطبة (آ 16) لمّح إلى هذا الموت.
ينتج عن كل هذا أن الرسول هو الذي جُعل بصورة رئيسية "شاهداً لقيامة يسوع". نحن هنا أمام نقطة ثابتة من لاهوت لوقا: الرسل هم وحدهم الشهود المميّزون للقيامة. لم يكن مطلوباً منهم أن يشاهدوا الحدث نفسه. ولكن المسيح جعلهم بعد قيامته شهوده حين ظهر عليهم مرات عديدة. قال أشعيا: على اسرائيل أن يكون شاهداً لله أمام الأمم فيعلن وقائع الخلاص والظهورات التاريخية: "أنتم شهودي" (أش 43: 10؛ رج 43: 9، 12؛ 44: 8). يستعيد يسوع الكلمات عينها، فيعطيها قيمة جديدة حين يتوجّه إلى الرسل في مقطع هام أورده لوقا: "أنتم شهود على ذلك" (لو 24: 48). هذا يعني أن يسوع أتمّ الكتب بآلامه وقيامته، وفتح أذهان التلاميذ ليفهموها (لو 24: 45)، كل هذا ينتمي إلى الماضي. وعلى الرسل في المستقبل أن يعلنوا "غفران الخطايا لجميع الأمم" (لو 24: 47). إن هذه النظرة الى الرسالة تلتقي بما قاله بولس الذي دعاه الله ليكون رسولاً، واختاره ليعلن بشارته (روم 1: 21). فالرسول هو خادم الكلمة والمصالحة. وهو المنادي بالغفران وبإنجيل الله.
يملك لوقا نظرة محددة عن الشهادة التي تنتمي بصورة جوهرية إلى الأحد عشر أو إلى الاثني عشر (لو 24: 48؛ أع 1: 8، 22؛ 2: 32؛ 5: 32؛ 10: 39، 41؛ 13: 13). ولكننا نجد مع الاختيار (ذُكر بوضوح في بعض هذه النصوص) تسليم وظيفة على يد الروح القدس (لو 24: 49)، وعد من الآب، قوة من العلاء، قوة تنزل من العلاء 1: 8. 2: 3- 4)، قوة تشهد بجانبهم (نحن شهود لهذه الامور، نحن والروح القدس، 5: 32). ولا تظهر فقط عبر حضور باطني بل بظهورات خارجية. فمن اختاره الله (10: 39- 41) كان له امتياز بأن يكون "شاهداً للقيامة". لم يكن بولس من مجموعة الاثني عشر، ولكن لوقا سمّاه رسولاً هو وبرنابا، دون سواهما (14: 4، 14). ولكنه يستطيع أن يكون "شاهداً" لأنه رأى المسيح الممجّد (22: 15؛ 26: 16)، وإن لم يعرفه خلال حياته على الأرض.
ولوقا بدوره سيسمّي اسطفانس "شاهد" المسيح: "امتلأ اسطفانس من الروح القدس، فرأى مجد الله ويسوع واقفاً عن يمين الله" (7: 55).
يشدّد لوقا على أنّ الرسل هم الشهود، وهذا يخوّلهم لأن ينقلوا بأمانة كرازة الرب (لو 1: 2). لا يكفي الشاهد أن يسمع ويرى. عليه أن يكون مدعواً، أن يتأهل ليستقبل بالإيمان كلمة الله التي أعلنها يسوع. لكي يفتح قلبه ليفهم الكتاب المقدّس، لكي يتثبّت بالروح. ومجمل القول، إن موضوع الشاهد موضوع مفتوح، ونحن نجد أول عناصره عند بولس واسطفانس. سيتوسّع هذا الموضوع طوال تاريخ الكنيسة، وسيتحمل تأويلات جديدة. وفي النهاية، كل الذين يلتقون في الإيمان بيسوع القائم من الموت، يستطيعون أن يكونوا شهوداً، بل عليهم أن يكونوا شهوداً.
وخلاصة القول، يحصل الرسول من الرب على "حصة" على "نصيب". إنها وظيفة ومهمة، ولكنها جوهرياً "دياكونيا" تكمن في الشهادة لرسالة يسوع الذي عشنا معه منذ عماده إلى صعوده، واختبرنا بصورة خاصة قيامته. وهذه الخدمة هي "بشارة غفران لكل الأمم". والروح نفسه يثبّت هذه الشهادة بحضوره. كل هذه العناصر تنطبق على الرسل، ولكن "الحصة" و"دياكونيا" و"شهادة" هي "مفتوحة" لكل المسيحيين. تكون حياتهم دياكونيا في خدمة كل إخوتهم وشهادة للقيامة. نستطيع أن نقول عن جميع المسيحيين ما قيل عن الرسل: أكلوا وشربوا معه بعد قيامته من بين الاموات (10: 41).
4- تقديم المرشحين، الصلاة والقرعة
"اقترح الاخوة اثنين منهم هما يوسف بارسابا الملقب بيوستوس ومتيا" (آ 23). وكما فعل يسوع قبل أن يختار الاثني عثر، هكذا فعلت الجماعة: "ثم صلوا". تعطي آ 24- 25 نصّ صلاة توجهت إلى الرب أي إلى المسيح. سيحتلّ مختار الرب في الخدمة والرسالة المحل الذي تركه يهوذا. نقرأ حرفياً: خدمة الرسالة. ولكن الخدمة ترادف الرسالة، لأن الرسالة هي الاسم الحقيقي لكلمة "دياكونيا".
ولكن لماذا يجب أن يكون الرسل اثني عشر؟ يُطرح السؤال لأنها المرة الوحيدة التي تهتمّ فيها الكنيسة بهذا الأمر. ففي الوقت الذي سيحلّ الروح على الاثني عشر، عرفوا أنهم يمثّلون اسرائيل "آخر الأيام" الذي نال وعداً بحلول الروح هذا (2: 16). من جهة ثانية، نحن في منظار اسكاتولوجي: أعلن لهم يسوع أنهم سيدينون "أسباط اسرائيل الاثني عشر" (لو 22: 30).
وقد نجد تفسيرين آخرين لهذا الهمّ بأن تكون مجموعة الرسل اثني عشر رسولاً. التفسير الأول تاريخي. قبل مجيء الروح وظهور الجماعة الهلينية، قبل رحلات بولس ومجمع أورشليم، كان بطرس والذين يرافقونه منغلقين على تفكير قديم لا يتخيّل اسرائيل الجديد إلاّ على شكل اسرائيل القديم: استمرارية وتواصل، إن لم يكن "إعادة الملك إلى اسرائيل" (1: 6). إذن، هناك التباس وغموض. وحين يجتاح الروح التاريخ، سيبدّد هذا الحنين وهذا السراب البشري.
التفسير الثاني يربطنا بلاهوت لوقا. لقد تمّ تنظيم الرسل النهائي كشهود بعد القيامة (لو 24: أع 1)، وقبل العنصرة (أع 2). لا نجد في لو 6 خطبة إرسال الاثني عشر، بل نجدها في لو 9: 1- 5 مع خطبة للتلاميذ في لو 10. إذن، وجب على الرب أن يتدخّل بصورة خاصة لاختيار متيا. من هنا اللجوء إلى القرعة لا إلى تسمية يقوم بها إنسان. ولكن مثل هذا التدخّل لن يتكرّر. لهذا لن يروي لوقا اختيار رسول آخر حين مات مثلاً يعقوب أخو يوحنا (12: 1). ثم إن الرسل يختلفون عن يهوذا: ماتوا في الايمان ومن أجل الايمان.
ومهما يكن من أمر، ستتحرّر الكنيسة تدريجياً من هذه العقلية اليهودية. فالروح يدفعها، ووعد الآب الذي نقله المسيح يفعل فيها، وقوة علوية ستحل من دون تأخير على اليهود (أع 2) كما على الوثنيين (أع 10).

 

 

الفصل السادس عشر
العنصرة المسيحية الاولى
2: 1- 11
تحل العنصرة المسيحية محلّ الاحتفال اليهودي بإعلان الشريعة وتتممّه. فالعيد اليهودي يصبّ في العيد المسيحي الذي يتجاوزه. ولكنه يحمل إلى العيد المسيحي كنوزه البيبلية وفكره اللاهوتي، يحمل إلى عنصرتنا العمق التعليمي.
إن خبر حدث العنصرة في أع يشهد لاهتمام الكاتب بإلقاء الضوء عليه بواسطة الكتب المقدسة. واستعمال يوء 3: 1- 5 في أع 2: 17- 21، 33، 39 له معنى خاص في هذا المجال. وكذا نقول عن التلميح إلى مز 68: 19 في أع 2: 33. كان المجمع قد طبق هذا المزمور على عطية الشريعة. فطبقته الكنيسة الأولى على عطية الروح (أف 4: 8- 11). دوّن خبر العنصرة بطريقة شخصية، ومع ذلك نحن نستشف تيوفانيا (ظهور) سيناء والتقاليد اليهودية المرتبطة بها.
ولكنّنا لن نكتفي بالتذكّرات التي تشكل خلفيّة الخبر. فلا بد من الدخول في منظار الكاتب الملهم الذي يهتم بإعطائنا الواقع مع تفسير هذا الواقع. ونحن سنصل إلى هذا التفسير بعد أن نشرح النص متطرّقين إلى المسائل التي يطرحها.
أ- مجيء الروح (2: 1- 4)
1- يوم العنصرة (آ 1)
أولاً: تاريخ الحدث: العنصرة (التجمّع والابتهاج). بنتيكوستي هي كلمة يونانية تعني اليوم الخمسين بعد الفصح. الاسم التقليدي في العبرية: عيد الأسابيع. يطلب المشترع من المؤمن "أن يحسب سبعة أسابيع تامة من غد السبت، من اليوم الذي فيه أتوا بحزمة يقدمونها" (لا 23: 15). لم تكن الفريضة واضحة. لهذا وُجد في القرن الأول المسيحي ثلاث طرق لحساب الخمسين يوماً: الصادوقيون يعدّونها انطلاقاً من عيد الفصح. الفريسيون يعدّونها انطلاقاً من السبت الذي يلي الفصح. الأسيانيون يحسبونها انطلاقاً من السبت الذي يلي اليوم الثامن بعد الفصح. المفيد في حساب الأسيانيين هو أنه يلتقي مع التاريخ الذي فيه يحدّد خر 19: 1 أحداث سيناء: "في الشهر الثالث لخروج بني إسرائيل من أرض مصر، في ذلك اليوم جاؤوا برّية سيناء". ولكن الفريسيين كانوا يعملون لكي يلتقي هذان التاريخان: يكفي أن نقرأ "في اليوم السادس" بدل "في ذلك اليوم".
ثانياً: الإشارة الكرونولوجية في أع ليست أوضح مما نجد في البنتاتوكس (أسفار موسى الخمسة). كتب لوقا: "حين تمّ يوم العنصرة". هذا يعني للوهلة الأولى: إذ كان يوم العنصرة قد شارف إلى النهاية. ولكن هذا المعنى مرفوض بواسطة آ 5 حيث نعرف أن الساعة هي التاسعة صباحاً (الثالثة). فالعبارات المشابهة ليست نادرة، وهي تدل على أننا أمام عبارة إضمارية. مثلأ، كتب لوقا في الإنجيل: "تمّ لأليصابات وقت الولادة" (لو 1: 57). هذا لا يعني أن الولادة تمت، بل أن زمن الولادة حل: ما تمّ هو الزمن السابق للولادة. وهكذا نقول عن 2: 1: تمّ الزمن الذي يصل بنا إلى العنصرة. انتهت هذه الحقبة، فوصلنا إلى يوم العيد. قالت اللاتينية الشعبية والترجمات القديمة: "حين تمت أيام العنصرة": جعلت الجمع مكان المفرد، فصار النص أكثر وضوحاً.
هناك شّراح قالوا: اقترب يوم العنصرة، ولكن أيامه لم تتمّ بعد. ما هو معقول هو أن لوقا أراد أن يقول إن الحدث طابق العيد اليهودي الذي يقدّم له الخلفية ويساعدنا على إدراك مضمونه العميق. وهناك من ربط فعل "تمّ" بمعنى لاهوتي: نحن أمام إكمال الوعد الإلهي أو المخطّط الإلهي. يبدو أن هذا التفسير يحمّل الفعل أكثر ممّا يقدر أن يحمل، وأكثر مما تشير إليه النصوص الموازية.
ثالثاً: "كانوا مجتمعين كلهم في مكان واحد". من تعني "كلهم"؟ هناك من يقول: 120 شخصاً المذكورين في 1: 15. وآخرون: الرسل وحدهم مع الأشخاص المذكورين في 1: 14، أي: "بعض النساء ومريم أم يسوع وأخوته". إذا أخذنا بالتفسير الأول كانت هناك 12 مجموعة، وكل مجموعة تتألّف من عشرة أشخاص (العدد المطلوب من أجل بناء مجمع).
نلاحظ أولاً العلاقة الوثيقة بين 2: 1- 2 و1: 13- 14 فالعبارة: "كانوا مجتمعين كلهم في مكان واحد"، هي صدى لما نقرأ في 1: 14: "كانوا يواظبون كلّهم على الصلاة بقلب واحد". وما نجد في 2: 2 عن "البيت الذي كانوا فيه" هو صدى لما في 1: 13 "العلية التي كانوا يقيمون فيها". ونلاحظ أن 2: 7 تقول إن كل المستفيدين من فيض الروح هم جليليون. وحين يبدأ بطرس خطبته، يقول لوقا عنه إنه وقف مع الأحد عشر (آ 14).
رابعاً: "كانوا مجتمعين كلهم في مكان واحد". تدلّ العبارة على تجمع خارجي محلي. ولكن إذا عدنا إلى درس مفردات لوقا وإلى الرباط مع 1: 13- 14 نفهم أننا أمام اتفاق. إنهم معاً، لا بالمكان الذي يقيمون فيه وحسب، بل باتحّاد القلوب. فحين أعلنت شريعة سيناء، "أجاب كل الشعب معاً" (يحدّد وكأنه صوت واحد) "بقلب واحد" متعهداً بأن يُتمّ كلمات الله (خر 19: 8). ولقد شدّد التقليد اليهودي على هذا الواقع. قال الترجوم منذ بداية الخبر: "خيّم إسرائيل تجاه الجبل بقلب موّحد" (خر 19: 2). وشرح تفسير التنائيين: حين وصل بنو إسرائيل إلى سيناء كانوا "قلباً واحداً". وحين أجابوا موسى (خر 19: 8) كانوا "قلباً واحداً". ويعود الموضوع بمناسبة خر 20: 2: "حين كانوا كلّهم في جبل سيناء ليتقبّلوا الشريعة، كانوا كلهم قلباً واحداً ليحصلوا بفرح على ملكوت الله". إن توافق الجماعة المسيحية يوم العنصرة يقابل توافق جماعة إسرائيل عند سفح جبل سيناء.
2- الضجة والدوي (آ 2)
رافق مجيء الروح ظاهرتان محسوستان: ضجة ودوي (آ 2)، ظهور ألسنة من 
نار (آ 3).
أولاً: تسمّى الضجة التي سمعت «ايخوس» في العهد الجديد إلا في الرسالة إلى العبرانيين: "وما اقتربتم أنتم من واقع (هناك من يقول: جبل) ملموس: نار ملتهبة، ظلام، ضباب، زوبعة، دوّي بوق، صوت كلام" (عب 12: 18- 19). لم يكن المسيحيون مثل الإسرائليين الذين ظهر الله لهم على سيناء بطريقة محسوسة. هم لم يحتاجوا إلى كل هذا الدويّ ليقتربوا من الله بالإيمان، ليجيئوا إلى جبل صهيون، إلى أورشليم السماوية (عب 12: 22). إن ذكر تيوفانيا سيناء يعود بصورة خاصة إلى خر 19: 16: "وحدث في اليوم الثالث عند الصباح، أنها كانت أصوات (فوني) وبروق وغمام كثيف على جبل سيناء. ودويّ صوت بوق". ويتوسّع فيلون في مقاله عن الديكالوغ (الوصايا العشر) في معطيات النص الملهم. يتخيّل أن الله خلق في الجو ضجة غير منظورة حوّلت الهواء إلى نار مشتعلة. ثم تحدّث عن صوت دوي وسط نار انتشرت من السماء فتحوّل لهيبها إلى لغة تكيّفت مع السامعين. قيلت الكلمات بوضوح، فأحس كل واحد أنه يسمعها، بل يراها (خر 20: 18). تدلّ هذه الاعتبارات على اهتمام العالم اليهودي في القرن الأول المسيحي بتفحّص خبر تيوفانيا سيناء. أجل، إن العنصرة المسيحية الأولى هي تجديد التيوفانيا التي تذكّرتها العنصرة اليهودية.
ثانياً: جاءت الضجة من السماء: مثل الصوت الذي سُمع في عماد يسوع (مت 3: 17. مر 1: 11؛ 3: 22) أو مثل الصوت الذي سمعه بطرس في يافا (أع 11: 9)، أو مثل الذي سمعه الرائي في سفر الرؤيا (10: 4- 8؛ 11: 12؛ 14: 2، 13، 18)، أو مثل الصوت الذي دوّى في سيناء. "من السماء أسمع الله صوته" (تث 4: 36؛ رج خر 19: 3؛ 20: 22).
ثالثاً: يشدّد لوقا على فجاءة هذه الضجة. حدث فجأة. لا نجد هذه الكلمة (أفنو اليونانية) في كل العهد الجديد إلا هنا وفي 16: 26 و28: 6. ويجب أن ننسب أيضاً إلى لوقا المقابلة: "دوي كريح عاصفة". تذكرنا الكلمات بصورة سفينة تغرق (أع 27: 40- 41). لا يقول لوقا إنه كانت ريح، بل إن الضجة التي دلّت على حضور الروح تشبه ضجة ريح عاصفة.
رابعاً: إن هذه الضجة ملأت كل البيت الذي كانوا فيه. هذا البيت هو العلية التي كان الرسل يقيمون فيها عادة (1: 13). ملأت الضجة كل البيت، وسيملأ الروح القدس كل الموجودين هناك (آ 4). هنا نتذكر أيضا خر 19: 18: "كان جبل سيناء مدّخناً كله، لأن الرب هبط عليه بالنار".
3- ألسنة من نار (آ 3)
أولاً: وجاءت الظاهرة البصرية بعد الظاهرة الصوتية: "ظهرت لهم ألسنة". حرفياً: "ألسنة رُؤيت بهم". كتب متى: "ظهر ملاك ليوسف" (مت 1: 20؛ 2: 3، 19). أما لوقا فيقول: "رؤي الملاك" (لو 1: 11؛ 22: 43؛ أع 7: 30، 35). رؤي الله لإبراهيم (7: 2). المسيح القائم رؤي (ظهر) لبولس أو بطرس 9: 17؛ 26: 16؛ لو 24: 34؛ رج 1 كور 15: 5- 8) (صيغة المجهول تدل على عمل الله). نحن أمام ظهورات علوية حيث يجعل الله نفسه مرئياً. إذن، شهد الرسل تجلّي واقعٍ علوي.
ثانياً: وكان هذا الظهور بشكل ألسنة نار. نحن أمام ألسنة لهب تظهر للرسل. واستعمال كلمة نار له فائدته لأنه يذكرنا بتيوفانيا سيناء (خر 19: 18؛ 24: 17؛ تث 4: 5). ونبّهنا لوقا إلى أن هذه الألسنة لم تكن ناراً حقة، ولكنها كانت "كأنها من نار".
ثالثاً: حين رفع التلاميذ أنظارهم كانت الألسنة "النارية" تنقسم. هنا نجد تقارباً مع التقاليد الرابانية المتعلقة بأحداث سيناء. على الجبل المقدس، انقسم صوت الله إلى سبعة أصوات ثمّ إلى سبعين لساناً، أي على عدد الشعوب. وإليك هذا القول من رابي يوحنان (منتصف القرن 2 ب م): "خرج الصوت الإلهي وانقسم إلى سبعين صوتاً، إلى سبعين لساناً، بحيث سمعه كل الشعوب. وكل شعب سمع الصوت في لغته الخاصة". انقسم صوت الله وكلمته حين اتصّل بالبشر. نحن هنا في خط القراءة اليهودية لخبر إعلان الشريعة في التوراة.
رابعاً: "ووقف على كل واحد منهم". يقول النص اليوناني: وحطّ على كل واحد منهم. ليست هناك من فاعل. فيفترض أن الفاعل هي الألسنة التي انقسمت وتوزّعت على كل الحاضرين. أما استعمال المفرد فيعود إلى أن الكاتب فكر لا بالألسن بل بالروح القدس المتجلّي عبر هذه الألسن. وتتابع آ 4 الجملة فتقول: "فامتلأوا كلهم من الروح القدس".
"وقف أو حطّ" أو أقام. يقول الإزائيون في عماد يسوع إن الروح نزل عليه (مت 3: 16 وز). ويوضح يوحنا: "نزل وأقام" (يو 1: 32- 33). أجل، نزل الروح القدس، وضع يده على التلاميذ، أقام فيهم.
4- امتلأوا من الروح القدس (آ 4)
يقدّم لنا. لوقا الأمور بطريقة تدريجية. هو لم يذكر حتى الآن الروح القدس. كان قد تكلّم عن صوت قوي يشبه عاصفة عنيفة، ثم عن ظهور ألسنة تشبه النار. كل هذا علامات تنبئ بحضور الله. وها هو يدل الآن على روح الله الذي يضع يده على القلوب.
أولاً: كتب لوقا عن كل الذين كانوا هنا: امتلأوا من الروح القدس: كما امتلأ يسوع بعد عماده (لو 4: 1) ويوحنا المعمدان وهو في حشا أمه (لو 1: 15). وكما امتلأ زكريا وأليصابات حين تلفّظا بكلمات ملهمة (لو 1: 41، 67). وفي سفر الأعمال سنرى بطرس (4: 8) وبولس (9: 17؛ 13: 9) واسطفانس (6: 5؛ 7: 55) وبرنابا (11: 24) والرسل (4: 31) وتلاميذ أنطاكية بسيدية (13: 53) مملوئين من الروح عينه. منذ بداية تاريخ الكنيسة، ومنذ بداية تاريخ يسوع، نرى روح الله يعمل، وحضوره الناشط هو من القوة بحيث يظهر بطريقة تذكرنا بالماء: نشعر أنه ملأ الوعاء حين يفيض الوعاء. وإن خطبة بطرس ستتكلّم عن فيض الروح: صعد يسوع إلى السماء، فنال الروح من الآب ليفيضه على تلاميذه (2: 17، 33).
ثانياً: سيتوقف النص عند نتيجة ملموسة لحضور الروح. كان يسوع قد أعلن عن حدث العنصرة بكلمات جعلها لوقا في خاتمة إنجيله: "سأرسل إليكم ما وعد به أبي. فأقيموا في أورشليم إلى أن تحلّ عليكم القوة من العُلى" (لو 24: 49). وسُيعاد قول يسوع في بداية أع: "ستنالون قوة هي قوة الروح القدس الذي سيحلّ عليكم. حينئذ تكونون لي شهوداً" (1: 8). فصورة القوة (ديناميس) الإلهية التي تنزل على الرسل لتحيط بهم كالرداء، تختلف قليلاً عن صورة الفيض الداخلي الذي يملأهم فيطفح. إن الموهبة التي تدلّ على حضور الروح في التلاميذ، هي في الوقت عينه ظهور القدرة العلوية التي تلبسهم كالرداء.
ثالثاً: ويُعلَن مجيء الروح في العنصرة بصورة أخرى: "يوحنا عمّد بالماء، وإما أنتم فتتعمدون بالروح القدس بعد أيام قليلة" (1: 5). هـذا الوعد الذي يرد بفم يسوع هو صدى لإعلان المعمدان: "أنا أعمدّكم بالماء ويجيء الآن من هو أقوى مني، وما أنا أهل لأن أحلّ رباط حذائه. هو يعمّدكم بالروح القدس والنار" (لو 3: 16). إن فيض الروح في صباح العنصرة هو عماد، أي تغطيس (حسب اشتقاق الكلمة): لقد "تغطّس" الرسل في الروح القدس الذي يشبّه بمياه تغمر الإنسان.
جاء الروح القدس من السماء على الرسل في صباح العنصرة، وهو منذ ذلك الوقت حاضر في الكنيسة، وحضوره سيكون العلامة المميّزة للتدبير المسيحي. فالرسول يقدر أن يقول لكل مسيحي: "أرسل الله إلى قلوبكم روح ابنه" (غل 4: 6). الله هو الذي يثبّتنا في المسيح. وهو الذي مسحنا وختمنا بخاتمه، ومنحنا "عربونا في قلوبنا" (2 كور 2: 21- 22). كان إسرائيل قد نال الشريعة التي تعلّمه كيف يرضي الله. ولكن هذه الشريعة عجزت عن تبديل الإنسان: فبدل أن تحمل إليه البر والحياة، صارت أداة الحكم عليه وموته. وجاء العهد الجديد، فأحلّ محلّ فرائض الشريعة عطية الروح الذي يحوّل القلوب. والسلوك الذي ينتظره الله منا، لا يَفرِضه الروح علينا من الخارج، بل ينفحه في أعماقنا. إذن، يستطيع بولس أن يقول للمسيحيين: "إذا كان الروح يقودكم، فما أنتم في حكم الشريعة" (غل 5: 18). وهذه الطريقة في تصوّر الوضع المسيحي على أنه تدبير الروح تجاه حكم الشريعة، تحتل مكانة رئيسية في اللاهوت الذي توسّع فيه الرسول في روم، 2 كور، غل. ونحن نلاحظ أن هذا التناقض يبرز خاصة في إطار العنصرة: كان اليهود يتذكّرون عطية الشريعة في ذلك اليوم. فجاء العيد المسيحي فتذكر فيض الروح القدس.
ب- أخذوا يتكلمون بلغات أخرى
أمامنا اتجاهان: في اتجاه أول، ترتبط الخطب التي يتلفظ بها الرسل تحت تأثير الروح بعطية الألسنة، وتتضمّن أصواتاً لا معنى لها في أي لغة بشرية. في اتجاه ثانٍ ، عبّر الرسل عما في داخلهم بلغات غريبة بالنسبة إليهم، ولكنها كانت لغات شعوب ممثلّة بين الحاضرين. يظن عدد من الشّراح أننا لا نستطيع أن نختار بين هذين التفسيرين. هناك من يقول: يدل خبر أع على ثنائية حقيقية: وضع لوقا تفسيرين، الواحد قرب الآخر، كما وصلا إليه عبر تقليدين مختلفين. واعتبر آخرون (وهم كثر) أن خبر لوقا متناسق: أثار الروح لدى الرسل خطباً انخطافية لا يفهمها البشر، وفي الوقت عينه مُنح السامعون أن يفهموها كلّ في لغته الخاصة.
1- التكلم بألسنة
كتب لوقا أن الرسل أخذوا "يتكلّمون بلغات أخرى". نترك الآن لفظة "أخرى" ونتعرّف إلى عبارة "تكلّموا بلغات" التي تدلت على موهبة شاعت في الكنيسة الأولى.
أولاً: يتحدث أع عن التكلم بألسنة مرة أولى في بيت كورنيليوس الضابط الوثني (في قيصرية) الذي قبله بطرس في الكنيسة مع كل عائلته: "وبينما بطرس يتكلّم، نزل الروح القدس على جميع الذين يسمعون كلامه. فتعجّب المؤمنون من أهل الختان الذين رافقوا بطرس حين رأوا أن الله أفاض هبة الروح القدس على الأمم (الوثنيين). وكانوا يسمعونهم يتكلّمون بلغات ويعظمّون (ويتحدثون بعظائم) الله" (10: 44- 46).
إن كورنيليوس وذويه "يتكلّمون بلغات" أي يُلقون خطباً انخطافية. لا نستطيع أن نفكر هنا باستعمال لغة شعوب مختلفة. إن حدث قيصرية هذا هو مهم بصورة خاصة، لأنه يشدد على أمر شبيه بمّا حدث يوم العنصرة. وسأل بطرس الحاضرين: "من يمكنه أن يمنع ماء المعمودية عن الذين نالوا الروح القدس مثلنا نحن" (10: 47)؟ وحين عاد إلى أورشليم شرح تصرفه: "فلما بدأت أتكلّم، نزل الروح القدس عليهم مثلما نزل علينا نحن في البدء. فتذكّرت ما قال الرب: عمّد يوحنا بالماء، وأما أنتم فتتعمّدون بالروح القدس. فإذا كان الله وهب هؤلاء ما وهبنا نحن..." (11: 15- 17). وسيعود بطرس إلى الموضوع نفسه في مجمع أورشليم: «شهد الله على رضاه عنهم، فوهب لهم الروح القدس كما وهبه لنا" (15: 8). نلاحظ أن المقابلة تتعلّق بعطية الروح، لا بالطريقة التي بها يدل الروح على حضوره. ولا تقول النصوص إن الموهبة (كرسمة) التي منحت للوثنيين في قيصرية تشبه تلك التي نالها الرسل في العنصرة.
وتعود العبارة أيضاً في حادثة تلاميذ يوحنا المعمدان في أفسس: "وحين وضع بولس يديه عليهم، نزل عليهم الروح القدس، فأخذوا يتكلّمون باللغات ويتنبّأون" (19: 6). يظهر حلول الروح هنا، لا باستعمال ألسن غير مفهومة وحسب، بل بخطب ملهمة ومفهومة ترتبط بموهبة "النبوءة".
ثانياً: يقدم لنا القديس بولس تفاصيل أكثر عن موهبة الألسن في التوسيع الطويل الذي نقرأه في 1 كور 13: 14. أمام حماس مسيحيّي كورنتوس لهذه الموهبة الخارقة، شدّد بولس أولاً في ف 12 على فائدة تنوّع المواهب التي يمنحها الروح. لا شيء يدهش "إن تكلّموا كلّهم بألسن" (1كور 12: 30): فالروح لا يعطي تنوّع الألسن إلا إلى بعض المسيحيين. ويمنح آخرين موهبة "تفسير الألسن" (1كور 12: 10) التي تكمّل الأولى. ولكن هناك موهبة يجب أن يطمح الجميع إليها، والتي بدونها لن نستفيد شيئاً إن نحن "تكلمنا بلغات الناس والملائكة": هذه الموهبة هي المحبة (1كور 13: 1). ويلاحظ الرسول في 1كور 14 أن "الذي يتكلّم بلغات" لا يكلّم الناس، بل الله. فما من أحد يفهم كلامه: فهو "يقول في الروح أشياء خفية" (1كور 14: 2). والذي يتكلّم بلغات لا يعمل لبناء الجماعة إلا إذا وُجد شخص يقدر أن يترجم خطبته إلى لغة مفهومة (1كور 14: 4- 13). بل إن العقل يبقى عقيماً عند من يصلي بلغات (آ 14): هونفسه لا يدرك معنى صلاته. فعطية التكلّم بالألسن تشبه الهذيان. ويقول بولس: إن دخل غير المؤمن إلى اجتماع يتكلّم فيه الجميع بلغة غريبة، إما يقول: "إنكم مجانين" (1كور 14: 23)؟ عملياً، وخلال اجتماعات الكنيسة، من الحكمة أن نحدّد عدد الخطب بألسنة: خطبتان أو ثلاث وشرط أن يُوجد إنسان يترجم.
ثالثاً: هل التكلم بلغات في أع هو نفسه المصوَّر في 1كور؟ هناك إشارات تقرّب بين النصين. ثم إن 1كور 14 تفهمنا موهبتين أساسيتين في أع 19: 6: "يتكلّمون بلغات ويتنبّأون".
وهناك إشارة أخرى تساعدنا على تفسير معجزة العنصرة: ردة الفعل عند غير المؤمنين الذين يحضرون حفلة تكلّم بالألسن في كنيسة كورنتوس: "يقولون إنكم مجانين" (1كور 14: 23). ويورد لوقا هزء آخرين كانوا يقولون: "إنهم سكارى" (2: 13). فانطلق بطرس من هذه الملاحظة ليلقي خطبته: "ليس هؤلاء سكارى كما تظنّون، فنحن بعدُ في التاسعة صباحاً" (2: 15). يكون الحديث عن السكر معقولاً إن تكلّم الرسل بألسن غير مفهومة. ولكن الأمر يختلف إن ألقوا خطبة يفهمها كل واحد في لغته.
ونجد تقارباً آخر يقول بولس: من يتكلّم بألسن يتوجّه إلى الله (1كور 14: 2- 28): هو يصلّي (آ 14- 15)، يبارك الله (آ 16)، يحمده (آ 17). هذه الكلمات التي لا يفهمها الحاضرون، هي مفهومة في نظر الله وهي تمجّده. ويلاحظ لوقا في حدث قيصرية أن الحاضرين أحسوّا بمجيء الروح على كورنيليوس وذويه، لأنهم سمعوهم يتكلّمون بألسن ويعظّمون الله (10: 46). ويوضح خبر العنصرة أن الحاضرين سمعوا الرسل "يتكلّمون عن عظائم الله" (2: 11).
ماذا نقول في العبارة المستعملة عن كورنيليوس وذويه؟ يدل الروح على حضوره بالتكلّم بألسنة ثم بمدائح يفهمها الجميع. وتلاميذ يوحنا (19: 6) يتكلّمون بألسن ويتنبّأون. إن الأناشيد الموجّهة إلى الله هي من النوع النبوي: "امتلأ زكريا من الروح القدس فتنبّأ قائلاً: تبارك الرب، إله إسرائيل" (لو 1: 67- 68). إذاً، من المفضل حين نقرأ أع 10: 46 أن نفكّر أيضاً بتجلّيات الروح: تكلّم كورنيليوس وذووه بألسن وأنشدوا عظائم الله.
ونعود إلى العنصرة حيث أعلن الحاضرون: "سمعناهم يتكلّمون بلغاتنا عن أعمال الله العظيمة". عندما يقولون، "بلغاتنا"، هم يعنون أنهم فهموا الخطبة. فهذه الخطب الموجهة إلى الله ليست صلوات انخطافية كما في 1كور 14، بل أناشيد ملهمة مثل نشيد مريم الذي فيه تعظّم الرب فتقول: "القدير صنع بي عظائم، أموراً عظيمة" (لو 1: 49). أمسك الروح بالرسل، فأخذوا يمدحون الله وينشدون أعماله العجيبة: "عظيمة عجيبة أعمالك، أيها الرب الإله القدير" (رؤ 15: 3). وإذ ملأ الروح القلوب، جعلها تفيض إعجاباً وعرفان جميل تجاه الله. فجاءت هذه العواطف في مدائح تعود إلى النبوءة لا إلى تعدّد الألسن. وهكذا يبدو أن الموهبة التي منحها الروح للرسل يوم العنصرة، ليست من نوع تعدّد الألسن، بل من النوع النبوي الذي أعطانا الأناشيد الملهمة خاصة في لو 1- 2.
2- في لغات أخرى
أولاً: في قيصرية، في أفسس، في كورنتوس، هناك حديث عن التكلم بألسن. أما خبر العنصرة فيقول: "تكلّموا بلغات أخرى". لماذا زاد لوقا لفظة "أخرى" هنا، بينما لم يزدها في 10: 46 و19: 6؟ نقرأ في أش 28: 11: "سأكلّم هذا الشعب برجال من لغة أخرى وبشفاه غريبة". إذن، لغة أخرى تعني عادة: "لغة غريبة".
ثانياً: يزيد لوقا في نهاية الآية تحديداً آخر: "على قدر ما منحهم الروح القدس أن ينطقوا". نحن هنا أمام خطبة احتفالية أو ملهمة. في آ 14، يتكلّم النص عن خطبة كبيرة لبطرس لا تدخل في فئة التكلّم بالألسن. وفي 26: 25، نحن أمام كلام بولس لدى الملك أغريبا. وهكذا نستنتج: "حين يتكلّم الرسل حسب ما يعطيهم الروح أن ينطقوا"، فهم يتكلّمون كلاماً مفهوماً.
ثالثاً: لا نستطيع أن نعزل عبارة آ 4 عن الإشارات التي تقترحها الآيات التالية. فبعد أن قال لوقا إن الرسل تكلّموا بلغات أخرى، صوّر ردة الفعل لدى الحاضرين وأشار أولاً (آ 6) إلى أن "كل واحد كان يسمعهم يتكلمون بلغته". وتشدّد آ 7- 8 على غرابة الأمر: "هؤلاء المتكلمون هم كلهم من الجليل". ومع هذا فكلّ من الحاضرين يسمعهم في لغة بلده. وبعد أن يعدّد الشعوب الموجودين في أورشليم، يقول لوقا مرة أخرى في آ 11: "نسمعهم يتكلّمون بلغاتنا على أعمال الله العجيبة". إذن، لا شك في معنى العبارة: تكلّم بلغات أخرى، أي تكلّم بلغة بلد كل من السامعين.
أجل، لم يتكلّم الرسل بلغات، بل تكلموا بلغات أخرى، أي بلغات غريبة، بلغة غير لغتهم، فأنشدوا الله وسط الأمم (روم 15: 9= مز 18: 50) في مختلف لغات هذه الأمم.
ج- كل أمّة تحت السماء (آ 5- 11)
1- حيرة الحاضرين
هناك الضجة القوية (آ 2) والصوت (آ 6). وهذا الصوت لم يملأ البيت فقط، بل سُمع في الخارج. وتجمّع الناس حول الرسل مندهشين.
نقرأ في آ 7: "فاحتاروا وتعجبّوا وقالوا". وفي آ 12: "كانوا كلهم حائرين مذهولين يقول بعضهم لبعض". ويعبرّون عن حيرتهم بالأقوال: "كيف يسمعهم كل واحد منا في لغة بلده" (آ 8)؟ "نسمعهم يتكلّمون بلغاتنا" (آ 11).
لماذا يشدّد الراوي على هذا الأمر؟ هناك ثلاثة أسباب. أولاً: تشدد حيرة الحاضرين بطريقة غير مباشرة ولكن فاعلة، على الطابع الخارق للحدث. فالشهود المباشرون أحسّوا أنهم أمام معجزة لا تفسَّر على مستوى البشر. ثانياً: إن هذه الملاحظة تهيّىء القارىء لخطبة بطرس الكبرى: تحيرّ الناس، فقدّم لهم بطرس التفسير اللازم. ثالثاً: إن الحيرة هي مدخل إلى عالم الإيمان. لهذا ذكرها لوقا مراراً في إنجيله مع ردة فعل طوعية أمام الأمور الفائقة الطبيعة، هي المخافة. فأول ما يحسّ به الإنسان أمام تجلٍ إلهي هو الدهشة أو الخوف. ولكي يتحوّلا إلى سلوك ديني، يجب أن تتّخذ المعجزة معنى فتصبح نداء يتطلب جواباً شخصياً. هذا الجواب يكون تعلّق الإيمان. إن المعجزة لا تنتج الإيمان بطريقة آلية، ولكنها تهيّئه. الشرح ضروري، وهذا ما سيفعله بطرس. الحيرة هي مرحلة سابقة للإيمان، وهي تصل إلى الهدف الذي تريده العناية حين يتقبل الحاضرون كلمة الخلاص (آ 41).
2- يهود أتقياء
حين دل لوقا على التجمّع الذي حصل، تحدث عن "جمهور". هنا نتذكر وعد الله لإبراهيم أن يجعله أب "جمهور أمم" (أي، عدد من الأمم). وهذا العدد ظهر في تبديل الأسم. أبرام أي: الأب الرفيع، صار إبراهيم أي: أب جمهور (تك 17: 4– 5؛ رج تث 26: 5؛ عب 11: 12). بدا الوعد وكأنّه تحقّق حين وصل إسرائيل إلى سيناء (تث 1: 10؛ 10: 22). غير أن حلول الروح يوم العنصرة سيؤكّد تمام هذا الوعد بطريقة عجيبة. لا بدّ من أن نتذكّر سامعي يسوع في لو 6: 17: "وكان هناك جمهور من تلاميذه وجمع كبير من الناس من جميع اليهودية وأورشليم وساحل صور وصيدا جاؤوا ليسمعوه" (رج مر 3: 7- 8). إن السامعين يوم العنصرة يشبهون الذين عرفهم يسوع في بداية رسالته مع توسيع كبير.
كل هؤلاء الناس هم يهود. وفي آ 14 سيبدأ بطرس خطبته بهذه الكلمات: "أيها اليهود". وتحدّد آ 5: "أناس أتقياء". هذه الصفة عزيزة على قلب لوقا وهي تدل على مخافة الله، والاهتمام بممارسة "فرائض الرب وأحكامه" ممارسة دقيقة (لو 1: 6). هذا ما يميّز الموقف الديني النموذجي، وهو لا ينطبق إلا على اليهودي (لو 2: 25؛ أع 8: 2؛ 22: 12). غير أن آ 11 تشير إلى أنه بجانب اليهود الذين هم كذلك بالولادة، كان "دخلاء" أي ولدوا في الوثنية وارتدوا إلى الديانة اليهودية وأخذوا بكل متطلّباتها بما فيها الختان.
تقول آ 5 عن كل هؤلاء اليهود (هم من نسل يهودي أو من الديانة اليهودية): إنهم "يقيمون في أورشليم". هم وُلدوا في مكان آخر، ولكنهم جاؤوا وأقاموا في المدينة المقدسة.
3- من كل أمة
إن يهود أورشليم هؤلاء "جاؤوا من كل أمة تحت السماء". تأتي اللائحة في آ 9- 11. كانت النظرية اليهودية تقول إن شعوب الأرض هم 70 (لهذا انقسم الصوت الإلهي على سيناء إلى 70 صوتاً). تبدأ اللائحة بالفراتيين الذين يعيشون في أقصى الشرق الأوسط. ثم يأتي المادِييون والعيلاميون الذين يقيمون شمالي الخليج الفارسي. ثم سكان بلاد الرافدين (بين دجلة والفرات). وبدل أن يتابع الكاتب طريقه نحو الغرب فيذكر كبادوكية والبنطس، نراه يذكر اليهودية (ليست في محلها. هناك من قال: أرمينيا أو سورية). ثم يعود لوقا إلى مناطق آسية الصغرى: كبادوكية (في الغرب)، البنطس (في الشمال)، آسية (الساحل الأيوني)، فريجية (غربي آسية)، بمفيلية (مع برجة على الساحل الجنوبي). وينتقل الكاتب فجأة إلى مصر وليبيا ثم رومة. وفي النهاية: كريتيون وعرب.
الكون كله هو هنا بطريقة رمزية ليشهد مجيء الروح ويسمع كلمة الله. أجل لقد وُلدت الكنيسة شاملة، ولا حدود لها إلا حدود الأرض. والنور الذي تملكه سيضيء على كل الشعوب. تسلّمت الخلاص، وهي ستوصله إلى كل الأمم. هذا هو المعنى الجوهري لمعجزة العنصرة: إن الروح يعطي العالم كله للكنيسة، وهو يفرض عليها مجهوداً رسولياً ضخماً به تصل إلى ملء اتساعها، بل إلى ملء قامة المسيح.

 

 

الفصل السابع عشر
مجد القيامة وثمارها
2: 22- 28
3: 13- 19
5: 27- 33، 40- 41
إذ نتأمل سر المسيح القائم من الموت، نقرأ بعض المقاطع من الكرازة الرسولية الأولى، ولا سيما كرازة بطرس. سنجد فيها أولى تمتمات الرسل الذين وجب عليهم أن يشرحوا حياة المسيح وموته وقيامته على ضوء الروح القدس. سنقرأ ثلاثة نصوص تجعلنا في الجو الفصحي، تجعلنا ننعم بفسحة الفرح الواقعة بين القيامة والعنصرة كما يسمّيها ترتليانس.
أ- نشيد القائم من الموت (2: 14، 22- 28)
نحن هنا أمام قطعة من خطبة بطرس يوم العنصرة. وقف الرسول مع الأحد عشر واستعد ليشرح السر الذي حدث. إن أبّهة آ 14 (فرفع صوته وقال لهم) تجعلنا نفكر بمدخل خطبة يسوع على الجبل (مت 5: 1- 2) أو عظته في مجمع الناصرة (لو 4: 20- 21). لن نتوقف عند نبوءة يوئيل (3: 1- 5) التي يوردها بطرس والتي تتمّ في عطية الروح. وننتقل إلى ما يقوله بطرس عن سر المسيح.
"يسوع الناصري" (آ 22). يتبنّى الرسول أسلوباً خاصاً ليروي حياة يسوع: ينطلق من العناصر المحسوسة ليصل إلى السر (رج لو 24: 19 ي). "كان يسوع الناصري رجلاً أيّده الله...". هي جملة مبنية بناءً عجيباً، وتشهد على براعة مُحكمة. ليس من السهل أن يتذكّر بطرس الأيام السابقة ويتكلَّم في أورشليم عن موت المسيح، الذي هو "شك لليهود". ولكن صدق الرسالة وحريتها فرضا عليه ذلك. وكيف يقوم يسوع إن لم يمرّ عبر الموت. على كل حال، يتّخذ بطرس احتياطاته. فلا يؤكد بصورة واضحة الجرم الذي اقترفه اليهود، إلا بعد أن يبين أن الله شهد ليسوع وأعدّ لموته في مخططه الخلاصي: "أيدّه الله... صنع على يده معجزات في وسطكم... حسب قصده وعلمه السابق" (آ 22- 23). ويلتقي هذا العمل الإلهي مع خبرة السامعين الشخصية: "كما أنتم تعرفون" (آ 22). شاهدوا عجائبه أو سمعوا عنها. وفي نهاية الجملة (في اليونانية) أطلق بطرس الكلمات القاسية بإيجاز وقوة: "صلبتموه وقتلتموه" (آ 23). ولكنه يزيد حالاً عبارة قصيرة ليخفّف بعض الشيء من خطورة الخطيئة التي اقترفوها: "بأيدي الكافرين" (أي الوثنيين).
إن موت المسيح الذي أراده الله والذي ظهر ذنب البشر فيه، هذا الموت لا يكاد بطرس يذكره. إنه ينتقل حالاً إلى مجد القيامة. فيسوع الناصري هذا "أقامه الله" (آ 24). يبدو أن فن التعارض هذا موجود في قلب تاريخ الخلاص. إذا فتحنا التوراة نجد هذا التعارض في خبر يوسف (تك 45: 5، 8) وفي حياة موسى النبي الخادم (أع 7: 35- 39)، وفي شخص عبد يهوه (1 ش 53: 10- 12)، وفي البار و"ابن الله" (رج حك 2: 13، 18). إن الحجر الذي يرذله البناؤون يصير دوماً رأساً للزاوية (مز 118: 22). وفي العهد الجديد تعبرّ مريم في نشيدها (تعظّم نفسي الرب) عن المفارقة عينها (لو 3: 51- 53). ويجعل اسطفانس هذا التعارض في أساس خطبته (أع 7)، ويستعيده بولس حين يدافع عن نفسه بوجه خصومه 
(2 كو 12: 10: "عندما أكون ضعيفا أكون قوياً").
إذا كان الله سمح بموت يسوع، إلا أنه ما تخلىّ عنه، بل مجّده "حين نجّاه من شباك الموت" (آ 24). أُخذت هذه العبارة من مز 18: 5 حيث نقرأ في النص العبري: "حبائل الموت اكتنفتني" (رج 2 صم 22: 6. ز 116: 3). فصار في اليونانية: "آلام الموت" (في العبرية: "حبلى" تعني حبال وتعني آلام الحبل والولادة). ثم إن الفعل "لوو" يعني حلّ، حرّر، خلّص، ويعني أيضاً أكمل. إذا الفكرة هي: حين أقام الله يسوع وضع حداً لآلام ولادة الموت، وهكذا بلغ النور "بكر الأموات" (رج 26: 23؛ 1 كور 15: 20؛ كو 1: 18). ويزيد بطرس: لا يمكن أن يبقى في قبضة الموت" (آ 24).
حينئذ يأتي نشيد ظفر القائم من الموت. فكما أن نصّ يوئيل فسّر عطية الروح، كذلك تنبأت الأسفار المقدسة على قيامة المسيح وحملت معها نورها، "لأن داود يقول فيه". ويورد بطرس (آ 25- 28) مز 16: 8- 11 مشدداً على تأويل آ 10 (أع 2: 27) التي يفسرها في معنى مسيحاني (كما كان يفعل العالم اليهودي في أيامه).
إنه نشيد نصر مسيحاني وُضع على شفتي يسوع، كما وُضع على شفتي مريم نشيد تعظيم في بداية إنجيل لوقا. عرف المسيح أن الله هو عن يمينه، فلم يقلق ولم يضطرب. وقد جسده في الرجاء وكأنه مختبىء في عش. ذلك هو الفرح الموعود به للأزمنة الأخيرة، كما يقول المزمور. عرّفه الله، لا طريق الشريعة المستقيم، بل طرق الحياة الأبدية: جعله الحضورُ الإلهي في ذروة السرور. وهكذا، يحتفل المسيح بقيامته الخاصة مستعيداً نشيد داود، ومعطياً كلماته بُعداً جديداً: "لن تترك نفسي في الجحيم، ولن تدع قدوسك يرى الفساد" (كلمة شحت تعني الهاوية وترمز إلى الموت. في زمن المسيح كانت تعني أيضاً الفساد) (آ 27).
وقدّم بطرس برهانه بجرأة ومحبة: "أيها الإخوة، دعوني أقول جهاراً (آ 29): داود أبونا مات هنا ودُفن: نحن نعرف كلنا أين يقع مدفنه: داخل المدينة. وقد حلف الله له أن واحداً من نسله سيجلس على عرشه. وبما أنه كان نبياً، عرف مسبقاً بقيامة المسيح الذي لم يتركه الله في الشيول (عالم الأموات)، الذي لم ير جسده (بدنه) فساداً" (آ 31) (مز 16: 10). وأخيراً جمع بطرس العبارات التي سبقت ايراد المزمور (آ 22- 24)، فاختتم هذا القسم من خطبته وعلى محياه آيات النصر: "فيسوع هذا أقامه الله. ونحن كلنا شهود على ذلك" (آ 32).
إذن، رأى بطرس على ضوء المزامير، في قيامة يسوع، تتمّة الأسفار وكمالها. إن المزامير تدخلنا في فهم سر الفصح فهماً عميقاً. بل يمكننا القول إن مز 16 يساعدنا على مشاركة المسيح نفسه في عواطفه في صباح القيامة البهيج.
ب- ملك الحياة (3: 13- 15، 17- 19)
هذا المقطع هو جزء من خطبة ألقاها بطرس بعد شفاء (تمّ بالإيمان وباسم يسوع) كسيح يستعطي عند مدخل الهيكل، عند الباب الجميل (3: 1– 11). أكّد الرسول لشعب وقف أمامه مندهشا: ليست هذه العجيبة ثمرة قدرته الخاصة أو نتيجة عاطفة دينية تفرّد بها.
وتابع خطبته بنبرة احتفالية مورداً دفعة واحدة نصّين مهمين (أ 13 أ) مأخوذين من إطار تاريخ الخلاص. الأول (إله ابراهيم، رج خر 3: 6، 15) يتعلّق بالزمن الذي فيه خلص اسرائيل بواسطة عبده موسى (ذكر في آ 22- 23) وبركة ابراهيم الكبيرة (آ 25- 26). الثاني (مجّد فتاه أو عبده يسوع) يطبّق على يسوع عبارة من أناشيد عبد يهوه (أش 52: 13). ومزج بطرس هذين النصين الرئيسيين ببساطة: إن الفداء الذي صوّره تحرير اسرائيل وتنبّأ به أشعيا عبر عبد يهوه، قد تحقق بقيامة يسوع.
حين نقرأ آ 13 ب- 15 التي تلي هذا التأكيد الأول، نلاحظ أن مبدأ مثلثاً حلّ محل مبدأ التعارض: تمجيد، ذنب، تمجيد. لا يقول بطرس شيئاً عن حياة يسوع العلنية (سيصوّرها في ف 10). ولكنه يتحدّث بالتفصيل عن الآلام: أُسلم الى بيلاطس الذي حاول أن يخلّصه. أنكره الشعب وطلب تحرير برأبا. ويحتفظ بطرس، بجانب من هذه الإذلالات المتعاقبة ولقب عبد الله، بثلاث تسميات أخرى تكشف مختلف وجهات شخص يسوع ورسالته: هو القدوس، البار، ملك الحياة. كل هذا يرد في جملة مركبة تركيباً محكماً.
صوّر لوقا (آ 13- 15) بإيجاز كلّ شر إسرائيل، وفي الوقت نفسه كل إشعاع القداسة والطهارة الذي يصدر من يسوع ينبوع الحياة.
يسوع هو "القدوس" (رج لو 1: 35) الذي ينتمي بصورة فريدة إلى عالم الألوهة. إنه "قدوس الله" (لو 4: 34، يو 6: 69). "عبد الله القدوس" (أع 4: 27، 30). إن القداسة التي هي الزرع الأخير لسّر الله في العهد القديم، قد أفرخت الآن في آلام يسوع. إنه "تقديسنا" (1 كور 1: 30). وعلينا أن نصير قديسين لأنه هو قدوس (رج 1بط: 15 ي): "تقدسنا في المسيح يسوع ودُعينا لنكون قديسين" (1كور 1: 22).
يسوع هو "البار" كما قال الضابط "فمجّد الله" عند الصليب (لو 23: 47). فهو يظهر بطريقة بارزة برّ الله الذي يخلصنا. إنه هو "بِرّنا" (1 كور1: 30).
يسوع هو "ملك الحياة" (صاحب الحياة، مؤسس الحياة). فهو من جهة، يدرّج البشر في حياة جديدة بعد أن كان زمنياً أول من "قام من بين الأموات" (26: 23). ومن جهة ثانية يؤسّس ويخلق حياة جديدة كونه ملكاً. إنه يستطيع بآلامه وقيامته، مثل موسى جديد، أن يُدخل أخصّاءه في الحياة وذلك ساعة ظنّ الناس أنهم "سلبوه الحياة".
إن صورة موسى النبي وعبد الله تختفي وراء هذه الألقاب الكرستولوجية المختلفة وتجمعها كلّها. وهكذا صرنا معدّين لنسمع ذكر موسى في آ 23. كانت آ 13 قد ذكرتنا بدعوة موسى. ومن الممكن أن تطابق "عبد أشعيا الممجّد" مع النبي الشبيه بموسى الذي أعلنه تث 18: 15. كان موسى البار والقديس (رج حك 11: 1) وسيسميه اسطفانس "الرئيس والمخلّص" (7: 35).
وتربط آ 16 بين هذا التعليم عن المسيح، والمعجزة التي تمّت "بالإيمان باسمه". وفي آ 17، يفسّر بطرس خطيئة شعب إسرائيل ورؤسائه بالجهل الذي كانوا فيه: لم يعرفوا أن من كان بين أيديهم هو "ملك الحياة". ومع ذلك، لا يزالون مجبرين على توبة كاملة (آ 19). في الواقع، جهلوا مخطّط الله الذي تمّ بطريقة سرية في آلام المسيح، والذي كان الأنبياء قد أعلنوه (آ 18). هذا المخطّط قد أتمّه الله هكذا. نلاحظ قوة كلمة "هكذا" التي تنهي الجملة اليونانية لتدلّ على الطريقة التي لا تصدّق والتي بحسبها خرج الخلاص الإلهي من جريمة البشر.
"توبوا إذن وارجعوا" (آ 19). سينبع الارتداد من الآلام كالثمرة من الشجرة، كخاتمة ومتطلبة معاً. قارب لوقا بين آ 18 وآ 19، فأظهر أن لموت المسيح فاعلية خلاصية. هذا ما يُنكره بعض النقاد المعاصرين. ولكن بولس يتوسّع في الموضوع نفسه: إن موت المسيح يقود إلى التوبة، ويغفر الخطايا. ويشير القديس بطرس إلى "ميتانويا"، إلى توبة، بها يتخلىَّ الخاطئ كلياً عن عقليته الشريرة، إلى ارتداد به يوجّه حياته في وجهة جديدة أو يعيد توجيهها إلى المسيح. في العهد القديم كان الإنسان يهتدي إلى الله. بعد الآن، صار المسيح مركز كل شيء بآلامه وقيامته. وفي مكان آخر سيدعو بطرس الناس إلى المعمودية بطريقة واضحة (2: 38). قد يلمّح إليها هنا حين يزيد: "حتى تمُحى خطاياكم" (آ 19 ب. رج رؤ 7: 17؛ 21: 4؛ كو 2: 14).
لقد حوّلت قدرة الله إذلالات الآلام إلى مجد القيامة حيث تشع القداسة والبر والحياة. وجميع الناس، حتى الخطأة منهم، يقدرون أن يطهّروا من خطاياهم وأن ينتظروا بثقة "زمن الفرج" (آ 25).
ج- القيامة هي ينبوع حياة وحرية
(5: 27 ب- 32، 40 ب- 41).
إن الخطبة القصيرة التي يلقيها بطرس باسم الرسل أمام السنهدرين وتدخل رابي جملائيل، ينهيان سلسلة من المشاهد ارتبطت بعضها ببعض. قال العلماء: هناك تقليدان مختلفان يتحدّثان عن واقع واحد. وقال آخرون: نحن أمام واقعين تعاقبا في الزمن فرواهما لوقا. مهما يكن من أمر، فسفر الأعمال يقدّم لنا لوحة كبيرة تتضمّن عدة مشاهد: يشكّل شفاء كسيح الهيكل نقطة انطلاق لخطبة بطرس، ويثير الخلاف مع السلطات (4: 1- 22). حين أطلق الرسل، بدأوا يصلّون معاً ليبقوا أمناء لرسالتهم وينالوا من جديد الروح القدس (4: 23 ي). بعد حادثة حنانيا وسفيرة وإجمالة حول النشاط الرسولي (5: 1- 16)، يعود النزاع مع السلطات الصادوقية. تحرّر الرسل من سجنهم بطريقة سرية (بواسطة ملاك، رج 12: 1- 19 وتحرير بطرس)، فعادوا يكرزون في الهيكل. وإن آ 21- 26 التي تسبق الخطبة التي ندرس، تصوّر الوضع الذي وجد فيه اليهود نفوسهم والذي يبعث على السخرية: اجتمع السنهدرين ليحكم على الرسل، ساعة كان الرسل يبشّرون في الهيكل. كانت الحراسة مشدّدة على السجن، ولكن السجناء أفلتوا، "تبخّروا". دهش أعضاء المجلس وطلبوا أن يُعاد المتّهمون من دون عنف: لقد خافت السلطات من الشعب.
ذكّرهم رئيس الكهنة أنه منعهم أن يبشروا "بهذا الاسم" (آ 28، رج 4: 18). فأجاب بطرس بكل هدوء: "يجب أن نطيع الله لا الناس" (آ 29 ب). حين مثلوا أمام السلطات للمرة الأولى (رج 4: 19)، كان جوابهم قاطعاً. تجرأوا فتحدّثوا إلى ضمير القضاة وزادوا: "أما نحن فلا يمكننا إلا أن نتحدّث بما رأينا وسمعنا" (4: 20). لقد رأى الرسل في موت المسيح وقيامته الباعث لكي يتصرفوا بهذه الطريقة، والينبوع النقي للحرية المسيحية. كل هذا قد يفرض أن يضحي الانسان بحياته أمام متطلّبات السلطة السياسية أو الدينية. هذا ما عمله يسوع وبيّنه بحياته، بل بموته.
وتظهر في آ 30- 31 المعارضة بين عمل الله الخلاصي وحُكم البشر: إن أعمالكم هي خيانة لآبائكم ولله. "حين علّقتموه على الصليب" (تث 21: 22. رج أع 10: 43) كما تأمر الشريعة، ظننتم أن اللعنة ستحل عليه (تث 21: 23. رج غل 3: 13). ولكن الله مجّده. جعل من الخشبة عرشاً، ومن المحكوم عليه ملكاً (رج 3: 15)، ومن الإنسان المائت مخلّصاً.
المسيح هو المخلّص. فمنذ ولادته (لو 2: 11) طبّق لوقا هذا اللقب في عملية هجوم على آلهة الشرق واليونان أو على الملوك (وخاصة قيصر رومة) الذين سمّوا نفوسهم "مخلّصين". سمّي يسوع المخلص في خط العهد القديم حيث يخلّص الله شعبه (إسرائيل، أش 49: 7) ويعده بالخيرات المسيحانية (أش 59: 20. لو 1: 47. 2: 30). إن موضوع الخلاص يملأ مؤلف لوقا منذ الطفولة وبداية حياة يسوع العلنية (لو 3: 6) حتى نهاية نشاط القديس بولس (أع 28: 28). إن يسوع يرث لقب يهوه. ولقد عرف المسيحيون الأولون معنى كلمة يسوع: "إنه هو الذي يخلّص شعبه من خطاياهم" (مت 1: 21).
كان بطرس في 3: 19، 26 قد حرّض، الشعب. أما هنا فلا يقدر أن يحرّض قضاة يحاولون أن يحكموا عليه. لهذا ذكّرهم أن يسوع الذي تمجّد، يقدر أن يمنح التوبة وغفران الخطايا (آ 31) حتى لإسرائيل.
"نحن شهود على هذا كله، نحن والروح القدس" (آ 32). يحتاج القاضي إلى شاهدين ليحكم في قضية هامة (تث 17: 7). كان بطرس شاهداً أول، فتحدّث عن رجاء كل الرسل الذين هم شهود على هذه الأشياء أو هذه الأقوال (ريماتون في اليونانية، دبار في العبرية، تدل على الكلمة والواقع أو الشيء). فكل أعمال الله هي أقوال تخبر عن سّره وحبه. وأقواله هي أيضا مواعيد تتحقق وتبقى الى الأبد.
أما الشاهد الثاني والفريد من نوعه، فهو الروح القدس. إنه غير منظور في كيانه الحميم، ولكنه ملموس ومحسوس في عمله. حوّل جماعة من الجليليين الخائفين إلى مبشّرين، وأعطاهم الجرأة والحرية. (بريسيا أو دالة) (4: 29، 31). الروح هو غنى الذين يطيعون الله (آ 32 ب). وهكذا ينهي بطرس خطبته حيث بدأها (آ 29).
لا تكتفي قيامة الرب بأن تُظهر مجد يسوع. إنها الأصل في غفران الخطايا وحرية الرسل وشهادة المسيحيين.

 

 

الفصل الثامن عشر
الإيمان بالمسيح الرب أساس حياتنا
2: 36– 41
تشبه خطبة بطرس الأولى عظة الجبل في بداية متى، وعظة يسوع في المجمع عند لوقا، فتحتل مكانة مميزة في أع. إن لوقا يعتبرها مهمّة جداً لمن يريد أن يفهم كتابه ويفسّر سر الفصح ويُدرك إدراكاً عميقاً رسالة الكنيسة والحياة المسيحية. نحن هنا في حفلة تدشين الانطلاقة المسيحية. من هنا العبارة البيبلية المفعمة بالعظمة (تث 1: 1ي؛ 5: 21 ي؛ مت 5: 1 ي؛ لو 4؛20) التي بها قدّم لوقا خطيبه: حينئذ قام بطرس مع الأحد عشر، فرفع الصوت ووجّه إليهم هذه الكلمات (2: 14 أ).
تشكّل هذه الخطبة وحدة متكاملة، ولكننا نشرح فقط الآيات الأخيرة. غير أننا لن نفعل إلا بعد أن نضعها في مجمل الخطبة.
بعد مقدمة قصيرة تشير إلى الظرف الذي يجد فيه الرسل نفوسهم، يعرض بطرس (في قسم بنفماتولوجي أو اسكاتولوجي) موهبة الروح على الكنيسة. إنها موهبة الأيام الأخيرة: نقرأها على ضوء نبوءة يوئيل التي تتخذ بعداً جديداً، بعداً روحياً شاملاً (آ 16- 21). بعد هذا يأتي القسم الكرستولوجي (الحديث عن يسوع المسيح، آ 22- 36)، وفيه يفسّر بطرس مستنداً إلى النصوص الكتابية مضمون حياة يسوع وموته وقيامته. وينتهي هذا القسم بإعلان احتفالي: فليعلم بنو اسرائيل كلهم علم اليقين أن الله جعل يسوع هذا الذي صلبتموه انتم رباً ومسيحاً (آ 36). وبعد أن قوطع بطرس بسؤال (آ 37: ماذا يجب علينا أن نعمل؟)، أنهى خطبته بتحريض كنسي (آ 38- 40) ظهرت ثماره الملموسة حالاً (آ 41: إنضم 3000 نفس، آ 42- 47، حياة الكنيسة الأولى).
يجب أن نُبقي أمام عيوننا تسلسل أقسام الخطبة ووحدة بنيتها. هكذا نستطيع أن نفهم ممارسة الحياة المسيحية ونربطها بالإيمان. نحن أمام فيض شامل للروح (القسم الأول) يدخلنا في سر المسيح الذي استتر في الكتب المقدسة، وتحقّق بحياة يسوع وقيامته (القسم الثاني) والذي يقودنا إلى الإيمان والأسرار والمحبة في الكنيسة (القسم الثالث الذي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بصورة الحياة المسيحية في آ 42- 47 التي تلي).
أ- الكنيسة تعلن ايمانها
ونعود إلى آ 36 التي تختتم القسم الكرستولوجي. لقد أوجز بطرس المقابلة التي توسّع فيها سابقاً (آ 22- 24؛ رج 3: 13- 14؛ 5: 30- 31) بين الحكم على يسوع الذي تمّ بأيدي البشر، وتمجيد يسوع الذي تمّ بيد الله. ولكن هذه العبارة العميقة تحتوي أيضاً على نداء إلى شهادة اسرائيل وتأكيداً أساسياً للاّهوت المسيحي. أن يدعى كل بيت إسرائيل للشهادة، هذا ما يشدّد على التواصل السري في تاريخ الخلاص.
أما التأكيد اللاهوتي فنجده في شكل أقدم الإعلانات الإيمانية، ويتضمّن الموضوع الواحد: يُسمّى يسوع المسيحَ و الربَ. إن هذين اللقبين لا يسقطان كالمنّ من السماء، بل هما يشملان التفكير اللاهوتي الذي سبقهما. في آ 25- 31، بيَّن بطرس أن يسوع هو المسيح. وفي آ 34- 35، بيَّن أنه الرب. فيسوع كمسيح أتمّ الأسفار المقدسة وآمال العهد القديم. وجاءت الأناجيل لتصوّر دعوة يسوع ورسالته المسيحانية، أقلّه منذ عماده. ولكن المواعيد لا تبلغ ملئها إلا في تمجيده الحاضر. ولقد أقام لوقا جسراً يربط طرفَي حياة يسوع: منذ ولادته (لو 2: 11: هو المسيح الرب) حتى تمجيده (أع 2: 36): يسوع هو المسيح. هذا هو لقبه.
ويسوع هو الرب (كيريوس) أيضاً. هذا لا يعني أنه لم يكن كذلك في السابق. فالجسر الذي وضعه لوقا يصحّ أيضاً للقب رب الذي يُنسب إلى يسوع مرات عديدة خلال حياته العلنية، ولكن بصورة خاصة بعد قيامته (لو 24: 3، 12؛ أع 1: 6). حين نعطي مثل هذا اللقب ليسوع، لا نكتفي بأن نقدّم له واحداً من أسماء الله الخفي، بل ندلّ على أن طابع سيادته قد تجلّى بدون معارضة بفضل تمجيده.
الله جعل يسوع. تُدهشنا هذه العبارة. نبقى أمينين للنص، ولا نضخّم مضمونه ولا نقلّل منه. ليس بطرس وليس المسيحيون الأولون هم الذين اخترعوا مسيحانية يسوع (هو المسيح) وربوبيته (هو الرب والسيد). لا، لم يكن سر الفصح يوماً أسطورة يعظمون بها يسوع. فلوقا اهتم، منذ أولى صفحات إنجيليه، بأن يهيّىء العقول لهذا الإعلان العظيم. لا شك في أن يسوع تجنّب كلّ إعلان قاس، ليبعد كل التباس وكل تفكير سياسي يسبب تسامي السرّ المسيحاني الذي لا يدركه إلاّ الإيمان. ولكن يكفي أن نحلّل بدقة بعض النصوص الإنجيلية، لنكتشف في حياته نفسها علامات عن صفة التسامي التي تُعلَن هنا. وبطرس نفسه لمّح إلى الوجهة المسيحانية لأعمال يسوع. ومن جهة ثانية إنه لأكيد أن الأناجيل بوجهها الحالي، قد سبّقت في أخبار حياته العلنية على استعمال هذه الألقاب ولاسيّما لقب كيريوس (رب). إنها تنقل إلينا صدى الاجتماعات الليتورجية التي كانت تعيشها جماعات الرب الممجّد. فمن يرى في أع 2: 36 خلق جديدٍ جذري أو رفع يسوع إلى طبيعة لم يكن يمتلكها، يخطىء خطأً فادحاً. لا شك في أنه كان هناك توسّع ونموّ، ولكن هذا النموّ كان وعياً لحقيقة سابقة، لا خلقاً لشيء جديد. لم يكن المسيحيون الأوّلون يبنون إيمانأ تدريجياً بألوهية يسوع، بل كانوا يكتشفون حقولاً جديدة لإيمانهم. حين تذكّر التلاميذ حياة يسوع، فهموا أنها كانت مطبوعة كلها بالسر عينه. كان يسوع ابن الله في السر قبل أن يصبحه بالفعل على عيون الناس والملأ.
ولكن يجب أن لا نضعف عبارة بطرس بحيث نفرغها من محتواها. فالأسفار المقدسة تمّت أيضاً في تمجيد يسوع: حينئذ نستطيع أن نعلن الوجهة الملكية لمسيحانيته. فبطرس لا يشدّد على أن يسوع مجّد جزاء كل ما تألّمه حين صار طائعاً حتى الصليب (فل 2: 9- 10). فالروح وحده أعطاه القدرة ليتحمّل موته. لهذا نحن نرى في هذا الموت التعبير السامي عن مسيحانيته وربوبيته. وبكلام آخر، لم يكن يسوع المسيح لأنه تحمّل الموت طاعة للآب، ولكنّه تألم ومات ليطيع إرادة الله لأنه كان المسيح الذي أعلن عنه الأنبياء. إن الفترة التاريخية التي يحدّثنا عنها أع 2: 36 تقابل واقعاً لا ينكر: إن يسوع قد نُصّب مسيحاً ورباً. والذين يعترفون به كذلك، سيقيم معهم بفيض الروح علاقة خلاص جديدة تتيح لبولس أن يسمّيه في لغته اللاهوتية روحاً يعطي الحياة، روحاً محيياً (1 كور 15: 45). ما أشار إليه لوقا منذ بداية إنجيله، أمكن الإعلان عنه الآن دون خوف الوقوع في التبنيّانية (الآب تبنى الابن). إن يسوع يعيش في علاقة فريدة مع الله (لو 1: 45) الذي أرسله (لو 4: 43) ومنحه سلطة مميّزة (لو 4: 33) يعلن بفضلها كلمة الله عينها (لو5: 1) ويشعّ مجده دون انقطاع (لو 2: 9- 14، 20؛ 7: 16- 17؛ 13: 13).
ب- الكنيسة تعبرّ عن إيمانها في حياتها
"فلّما سمع الحاضرون هذا الكلام، توجّعت قلوبهم" (آ 37).
بعد أن نقل لوقا الإعلان الرسولي والرسمي عن الإيمان المسيحي، أخبرنا كعادته (4: 4؛ 5: 33) بردّة فعل السامعين: كانت إيجابية جداً. ونحن نجد الرسمة نفسها عند مار بولس: كرازة، سماع الكلمة، إيمان (روم 10: 14- 15). أول علامات الإيمان التي تظهر في القلب (أي في الإنسان الداخلي) هى التوجّع. وقال السامعون للرسل إخوتهم في الإيمان: "ماذا يجب علينا أن نفعل"؟ وهكذا جعل لوقا مجموعة من الناس تتكلّم، وكأنها تؤلّف جوقة كبيرة (2: 7- 11؛ لو 2: 20؛ 7: 16 ي؛ 13: 17). ولكن ما يسرّ به لوقا، هو أن يعبر الإيمان إلى العمل، وأن يُترجم في الحياة كي يتحقّق الخلاص: ماذا يجب علينا أن نعمل؟ هذا السؤال طرحه سامعو يوحنا المعمدان ثلاث مرات (لو 3: 10، 12، 14)، وطرحه معلم الناموس على يسوع (لو 10: 25). وسيطرحه القديس بولس على الرب في طريق دمشق (أع 22: 10). وسيطرحه السجان المرتعب على بولس وسيلا (16: 30). يطرح السامع السؤال، فيدلّ على أنه مستعدّ لكل شيء، فيبين له الرب (أو الرسول) كيف أن الإيمان ينطبق على الحياة الملموسة.
فقال بطرس: "توبوا وليعتمد كل واحد منكم" (آ 38). ويعدّد القديس بطرس المراحل الثلاث التي تتوزع طريق الخلاص: التوبة، المعمودية، قبول الروح. وتتضمّن الندامة الصادقة عن الخطايا عودة إلى الذات في وجهة من وجهاتها. ولكننا لسنا فقط أمام تحليل داخلي، بل أمام حوار شخصي مع المسيح. والعماد الذي نتقبله من يد الكنيسة هو ضروري للخلاص (ليتعمد كل واحد منكم). يُعطى هذا العماد باسم يسوع المسيح لغفران الخطايا. لا نحصل على هذه النتيجة بفضل قوة سحرية تتعلق بالكلمات، بل نحن نستند إلى قوة المسيح نفسه. وإذا كانت لفظة "عمّد" تشير إلى الطقس الأسراري، فنحن لا نجد التعبير الليتورجي لهذا الطقس في عبارة "باسم يسوع (الذي هو) المسيح". إن النص يشدّد على الإيمان الذي يعلنه كل واحد شخصياً بالمسيح. أخيراً إن الروح الذي هو عطية الله هو موضوع وعد من قبل بطرس: "تنالون الروح القدس".
"لأن الوعد لكم ولأولادكم ولجميع البعيدين" (آ 39). إن الباعث الذي يدفع الله في عمل الخلاص هذا الآن هو أمانته لكلمته. وهذا الوعد لا يخص فقط الذين هم هنا (لكم، أنتم الشعب اليهودي)، بل يمتد إلى أولادهم وإلى كل الذين يدعوهم الرب حتى ولو كانوا بعيدين (أي: لو كانوا من الوثنيين). يتذكّر بطرس هنا أشعيا ويوئيل. إن الذين هم بعيدون يقدرون أن يقتربوا وينضمّوا إلى الشعب الكهنوتي الذي يتكوّن الآن. أما الشعب المختار الذي ما زال يملك الوعد، فيقدر أن ينال الغفران والروح، كما يقول لوقا في أماكن أخرى (3: 15 ي؛ لو 23: 34). وإن دعا الرب اليهود، فهم يقدرون أن يتحّدوا مع الذين جاؤوا من بعيد فيكونون شعب "الذين يدعون باسم الرب". هذا هو الاسم الجميل الذي أعطي للمسيحيين: "الذين يدعون باسم الرب (2: 21؛ 9: 14، 21؛ 22: 16؛ 1 كور 1: 2؛ 2 تم 2: 22).
"وكان بطرس يناشدهم ويشجعهم بأقوال أخرى كثيرة" (آ 40). ينبّهنا لوقا أنه أعطانا خطبة موجزة وأعطانا رسمة توسّع فيها بطريقته. ثم يلخّص لنا بعبارات قاسية تحريض بطرس الأخير: "تخلّصوا من هذا الجيل الفاسد". طبّقت التوراة هذه العبارة على شعب اسرائيل الذي خان العهد (رج تث 32: 5، 20؛ مز 78: 8). ثم طبّقها يسوع على معاصريه (رج مت 16: 4: جيل فاسد فاسق يطلب آية). وطبّقت العبارة في الكنيسة على العالم الذي يرفض الخلاص (غل 2: 15). لقد اتخذ الجيل معناه النموذجي الكامل. إن جيل الخروج الذي كان صورة الجيل الذي حكم على المسيح، صار صورة العالم الخاطىء. ثم إن هذه الصورة دخلت في مناخ "الأيام الأخيرة" الذي ذكره بطرس في بداية خطبته، فبدت قاسية ومهدّدة.
"فقبل بعضهم كلامه وتعمّدوا" (آ 41). قال لنا النص ممن يجب ان نحتفظ لنخلص. وها هو يشير إلى جماعة الخلاص التي يدخلنا فيها تقبّل الكلمة والأسرار: "انضم" 3000 نفس إلى جماعة المؤمنين الذين تعلّقوا بالرب. وهذا ما يقول النص فيما بعد (2: 47؛ 11: 21، 24). وكان الرب نفسه ينمي كنيسته (2: 47). وهناك نصوص لوقاوية أخرى تشدّد على هذا النمو. هي لا تتوقف على الأرقام، بل تعتبر هذا النمو (في منظار العهد القديم) علامة البركة الإلهية وثمرة العهد التي وعدتنا بها الحقبة الاسكاتولوجية بوفرة. ويرسم لوقا حالاً بعد النص الذي درسنا (آ 42- 47) لوحة أولى عن الحياة المسيحية. وهذه اللوحة تعكس رغم ما فيها من اصطناع، الميزات الجوهرية في الكنيسة الفتية. ولا ننسى أن هذه الآيات ترتبط في فكر الكاتب ارتباطاَ وثيقاً بسر الفصح وبخطبة بطرس. فالحياة المسيحية التى ترافقها شركة كاملة في الإيمان وفعل الشكر وعاطفة المحبة، هي أولاً وآخراً ثمرة الروح القدس. وروحانية وجودنا في الكنيسة لا يمكنها أن تتأسّس إلا على الإيمان الفصحي بيسوع الذي هو المسيح والرب.

 

 

الفصل التاسع عشر
جمال الشركة الكنسية ومتطلباتها
2: 42– 47
4: 32– 35
5: 12– 16
أ- مقدمة
1- قرينة هذه المقاطع
- مجيء الروح القدس (2: 1- 13) وخطبة بطرس (2: 14- 40) التي تختتم المقطع مع آ 41: "فقبل بعضهم كلامه وتعمّدوا، فانضم في ذلك اليوم نحو 3000 نفس".
- إجمالة أولى: حياة المؤمنين (2: 42- 47).
- شفاء الكسيح (3: 1- 10) وخطبة بطرس (3: 11- 26).
- بطرس ويوحنا أمام المجلس (4: 1- 22). صلاة الجماعة وحلول الروح (4: 23- 31).
- إجمالة ثانية: الجميع يشارك في الخيرات (4: 32- 35).
- برنابا يعطي المثل فيبيع ما يملك (4: 36- 37).
- حنانيا وسفيرة يهرّبان قسماً من المال الذي به باعا ما يملكان، ويموتان كلاهما (5: 1- 10)، وتختتم آ 11 هذا الحدث: "فاستولى خوف شديد على الكنيسة كلها وعلى جميع الذين عرفوا هذه الأخبار".
- إجمالة ثالثة: معجزات الرسل (5: 12- 16).
- اضطُهد الرسل (5: 17- 41) ولكنّهم ظلّوا يعلنون الإنجيل في الهيكل وفي البيوت (5: 42).
2- كيف نفهم هذه المقاطع
تقدّم هذه المقاطع صعوبات خاصة أشار اليها الشّراح. قال بعضهم إن لوقا كان مهملاً في إنشائه، فصحّحه في الإجمالة الثالثة. لنتوقّف عند هذه الأمور ونتّخذ مثلين. إن الغراماطيق (قواعد الصرف والنحو) وتسلسل الأفكار يدعواننا لنقرأ 4: 34 حالاً بعد 4: 32 ونقفز فوق
آ 33 التي تشير إلى موضوع آخر. بعد 5: 12 أ، يجب ان تأتي 5: 15 التي ترتبط بها حسب قواعد المنطق، بحيث أن الفصل الذي تشكله آ 13- 14 لا يجد ما يبرّره. بالإضافة إلى ذلك، هناك تكرارات: 2: 47 أ تعود في 5: 14. وهناك تناقضات: رج 2: 47 ب و5: 14. ق مع 5: 13 أ.
وحاول الشّراح أن يفسروا هذه الفجوات. قال بعضهم: هناك مراجع مختلفة. وتساءل آخرون عن سبب وجود هذه اللوحات الإجمالية. فليس من مؤرخ (ولوقا هو مؤرخ وإن كان لاهوتياً أيضاً) يكتفي بوضع الأحداث الواحد قرب الآخر: عليه أن يختار ويربط بين الأحداث. وإذ يمزج هذه الأحداث، يستطيع أن يقدم نظرة شاملة عن التاريخ الذي يقدم، ويشير إلى الاتجاه الذي يتخذه.
يجب أن تتكامل هذه النظرات، ولهذا نتطلّع إليها في وقت واحد. والاختلاف في النتائج التي تحصل عليها الأبحاث (نميّز المراجع والمواد الأولانية والثانوية) لن يجعلنا مشكّكين ومرتابين.
نقول أن لا ترتيب في هذه النصوص التي تتكرر، فلا نحاول أن نوفِّق بينها. لقد احترم لوقا تقاليد تشير إلى هذه الوقائع فلم يبدّل فيها. نجد في بعض الآيات لغته الخاصة ولاهوته. وهناك آيات أخرى غريبة عن طريقته في التفكير والكتابة.
نحن نرى اليوم الطريقة التي بها نفسّر هذه المقاطع اللوقاوية ونميّز قيمتها التاريخية. هناك حالات ملموسة في أساس هذه التأكيدات العامة: نجد مثلاً عن توزيع الأموال الخاصة على سائر أعضاء الجماعة في يوسف برنابا الذي قام بعمل يُشكر عليه: "باع حقلاً يملكه وجاء بثمنه وألقاه عند أقدام الرسل" (أ 4: 36- 37). ونجد مثلاً عن معجزات تتمّ على يد الرسل في عجائب بطرس المتعددة.
ومن جهة أخرى، لا يستطيع التعميم أن يضم كل حالة خاصة، أن يحسب حساب الحالات الشاذة: مثلاً ما فعله حنانيا وسفيرة، وما امتلكه المؤمنون من أموال خاصة لا يضعف الإجمالات التي تقول: "كل الذين كانوا يملكون الحقول أو البيوت كانوا يبيعونها ويجيئون بثمن البيع فيلقونه عند أقدام الرسل ليوزّعوه على قدر احتياج كل واحد من الجماعة" (4: 34- 35).
فإذا وضعنا جانباً هذه التحفّظات، فإن هذه النصوص تدلّ على قيم هامة. إنها وثائق قديمة وأصيلة، بل أقدم الوثائق التي نملكها عن حياة المسيحيين الأولين. وقد أثّرت تأثيراً عميقأ على حياة الكنيسة خلال تاريخها. قد تكون استُعملت بطريقة مبتورة. غير أن السبب في ذلك هو أن الناس لم يفهموا فنها الأدبي.
لن نحلّل هذه المقاطع كلمة كلمة، بل نقدّم المواضيع الأساسية: الثبات على تعليم الرسل. التضامن في كسر الخبز وفي الصلوات. الرسل كقوّاد الجماعة هم شهود المسيح وصانعو عجائب. حضور الكنيسة في العالم. التعلّق بالرب بالإيمان.
غير أننا لا نهمل قرينة هذه الإجمالات. إن قرينة الإجمالة الأولى مهمّة: فبعد خبرة العنصرة وخطبة بطرس، تبدو الحياة المسيحية على أنها ثمرة يهبها الروح. في الإجمالة الثانية، يسيطر موضوع المشاركة في الخيرات.
بعد فيض جديد للروح (4: 31) نجد مثلين: سخاء برنابا العجيب، سرقة حنانيا وسفيرة اللذين استحقا التوبيخ. أما موضوع اللوحة الثالثة، فهو عمل الرسل الحاضر في الحالتين الأولى والثانية.
ب- مثابرة وثبات (2: 42)
من النادر أن نجد في العهد الجديد آية تتضمّن هذا العدد من الأفكار. فكأن القديس لوقا وضع فيها جوهر الحياة المسيحية. فقد وجد بعض الشراح في هذه «المداومات» الأربع السمات الضرورية والكافية لتصوير كل حياة الكنيسة والمؤمنين. فإن نقصت مداومة، زال في الوقت عينه طابع الوجود المسيحي الخاص وحيويته. "كانوا يداومون على تعليم الرسل وعلى التضامن (الحياة المشتركة) وعلى كسر الخبز والصلوات (2: 42).
إن فعل داوم ينطبق على عناصر الحياة المسيحية الأربع معاً. وهذه الحياة تبدأ انطلاقتها حين نلازم الكلمة وننال الأسرار. ولكنها تتابع مسيرتها دوماً، استناداً إلى التحريضات على الإنجيل، على الثبات، على السهر. الحياة المسيحية هي مداومة وثبات، وكل توقف يجر مخاطر عظيمة (عب 6: 4 ي).
1- مداومة على تعليم الرسل
نحن هنا أمام معيار يدل على صدق المسيحية وصحتها.
إن يسوع لم يعظ بعد أن تمجّد في السماء. فالرسل هم الذين يقدّمون الإيمان (لو 24: 34؛ يو20: 25؛ أَع 2: 36- 41) كشهود لكل سر المسيح منذ "البداية" حتى إرسال الروح الذي وعد به الآب (لو 24: 48 ي؛ أع 1: 8، 21- 22).
وستحدّد الإجمالة الثانية الموضوع الأساسي في إعلان الكرازة وشهادة الرسل: "وكان الرسل يؤدون الشهادة بقيامة الرب يسوع" (4: 33 أ). وانطلاقاً من هذا التقرير عن خبرتهم الفصحية، سيتنظم تقرير عن حياة يسوع كلها: آلامه، كرازته، عجائبه.
وستُوضع نتائج هذا الإعلان وهذا التعليم في شكل نهائي: هكذا وُلدت الأناجيل، وسيكون دور رسائل بولس وبطرس ويوحنا بأن يغنوا هذا التعليم (ديداكي) ويعمّقوه ويكمّلوه. وستعيش الكنيسة من هذا التعليم الى الأبد، وستفكّر فيه على ضوء روح الحق.
ولكن نرى أنه من الأهمية بمكان أن نشدّد على الطابع الجوهري لهذه المداومة. قال أحد الشّراح: إذا كان المؤمنون، رغم أمانة الرسل، لا يداومون على التعليم الرسولي ويبحثون في أماكن أخرى عن تعاليم "معاصرة"، فهم يحطّمون الشركة التي تربطهم بالرسل. وإن هم تركوا الرسل، أضاعوا يسوع المسيح نفسه. من ضلَّ، قطع كل علاقة بالتعليم الرسولي، وحطّم الشركة التي تربط المؤمنين بالمسيح والكنيسة. لهذا على المؤمنين أن يتعلّقوا بالرسل لأنهم الرباط الوحيد بين المسيح والكنيسة. فإن حافظوا على الاتحاد بالرسل، ظلّوا متحدين بالأقانيم الإلهية (رج 1 يو1: 3).
على المسيحيين وعلى الكنيسة كلها أن يعيشوا من الله اليوم. وهذا التجديد سيكلّفهم غالياً. ولكن إن كانوا لا يستندون إلى الأساسات التي وضعها الرسل، فعليهم ضميرياً أن يتخلّوا عن الاسم المسيحي. ويقول التقليد الكاثوليكي: إن للرسل خلفاء لا ينعمون بكل امتيازات الحلقة الرسولية الأولى، ولكنهم يتحمّلون مسؤولية إعلان الرب يسوع على المؤمنين في كل جيل وزمان.
2- مداومة على التضامن (الحياة المشتركة)
كوينونيا هي كلمة شهيرة، وهي ترد مراراً عديدة في العهد القديم، وتتخذ معاني مختلفة. ثم إن لوقا لا يستعمل هذه الكلمة الغنية إلا في هذا المكان. غير أنه لا يبدو من الصعب أن نحدّد معناها بفضل العبارات المقابلة التي نجدها في النصوص.
من الأكيد أن مضمونها يحتوي سنداً مادياً: نحن أمام مشاركة في الخيرات مبنية على بيع أملاك يُوضع ثمنها عند أقدام التلاميذ. وهكذا يتحقق وعد الرب الاسكاتولوجي (في نهاية الأزمنة): لم يعد من فقراء بين المسيحيين (رج تث 15: 4): "يتقاسمون الثمن على قدر حاجة كل واحد منهم" (2: 45؛ رج 4: 32 ب- 35).
لا تُولد هذه المشاركة من مثال إنساني، يكفي أن نعمل على تحقيقه فنقيم في فردوس أرضي. هذه المشاركة تُولد من الإيمان. فالذين داوموا على هذا التضامن، هم الذين قبلوا الكلمة و"نالوا الأسرار" (2: 41)، هم الذين "آمنوا". وتصل المشاركة إلى رجاء الخلاص التام الذي يمنحه الرب بصورة تدريجية (2: 47).
ويعيش المؤمنون أيضاً هذه المشاركة خلال اجتماعات الصلاة والكرازة في الهيكل، أو في الجماعات الإفخارستية الملتئمة في بيوت المسيحيين (2: 46). إنها الكنيسة الحية التي يكوّنها المسيحيون ويبنونها متضامنين.
ومشاركة الجميع هذه في الخيرات أمر ضروري جدأ. وهذه الجماعات المحلية قد تكون عقيمة ومن دون معنى، لو نقصت "الكوينونيا" أو لم توجد رباطات تضامن يشدد عليها لوقا في كل جملة: "كل الذين آمنوا معاً" (2: 44). "كانوا يداومون بقلب واحد" (2: 46). "كانوا يجتمعون بقلب واحد في رواق سليمان" (5: 12 ب).
كل هذا يتلخّص في الكلمات التالية: «لم يكن لجماعة المؤمنين إلا قلب واحد وروح واحدة» (4: 32). من الواضح أننا أمام لوحة مثالية (لا يجهل لوقا الضعف البشري في الكنيسة). وإذ يعكس لوقا واقع البدايات، فهو يدعو الكنيسة الى أن تقابل وجهها الحالي باللوحة المثالية، قلب واحد وروح واحدة: أي وحدة الكائن كله. هذا يعني: لم يكن لهم إلا طريقة واحدة في العيش والفكر والعمل. كانوا متّفقين كل الاتفاق. وكان كل شيء مشتركاً، كما هو الحال مع أصدقاء، مع العلم أن المشاركة لا تنبع فقط من عاطفة حب بشري، بل من الإيمان الذي ترتكز عليه الحياة المسيحية: إنها شركة المؤمنين.
ولنا أيضاً ملاحظتان. الأولى: ليست هذه الكوينونيا عملاً معزولاً. هناك مداومة على الكوينونيا. فعلى المسيحي أن يحيا دوماً في اتحاد مع إخوته بالمشاركة في الخيرات، بالاهتمامات الكنسية الصغيرة (2: 46). أن يتحد بإخوته في الروح والفكر والعمل. ويبقى فيه هذا المشروع أبداً، وإن تغيرّت أشكال تحقيقه. نشير هنا إلى أن هذا النمط من الحياة المشتركة الذي سيطر وقتاً من الأوقات في حياة الكنيسة الأم (سمي هذا الخط: الاشتراكية المسيحية)، لم يفرض نفسه على الكنائس البولسية أو اليوحناوية. مثلاً، إذ يعطي بولس شكلأ جديداً للكوينونيا، فهو يجسّدها في اللمّة التي سيطرت مدة طويلة على اهتمامه. فالإيمان يعرف الابتكار إلى درجة تساعد على اكتشاف تعابير جديدة للمحبة.
الملاحظة الثانية: على ضوء ما قلنا عن دور الإجمالات وفنها الأدبي، نريد أن نسبّق على بعض اعتراضات. فالأحداث المنعزلة التي يرويها لوقا (برنابا، حنانيا وسفيرة، مريم أم يوحنا مرقس) تدلّ على أن هذه الهبات كانت إرادية وطوعية. فجاءت الإجمالات وعمّمتها. جاءت الحالات الخاصة أولأ، فانطلق منها لوقا وقدّم تعميماته.
3- مداومة على "كسر الخبز"
لا شك أننا نرى في هذه العبارة (في إطار كتابات لوقا) تلميحاً إلى الافخارستيا. كان المسيحي يفهمها، أما غير المؤمن فما كان يندهش منها، فيحسبها وليمة خاصة.
لا يتيح لنا النص أن نحدّد مدى المداومة الإفخارستية: هل كانت يومية؟ هناك نصوص تشدّد على احتفال يوم الأحد أو يوم الرب. مثلاً، بولس "كسر الخبز" في اليوم الأول من الأسبوع (20: 7) أي اليوم الذي يلي السبت أو "يوم الرب" (رؤ 1: 10).
أين يُكسر الخبز؟ تقدّم لنا آ 46 تمييزاً واضحاً: من جهة، ينظّمون اجتماعات صلاة مشتركة في هيكل صار خراباً يوم دوّن لوقا أع. ومن جهة ثانية، يحتفلون بكسر الخبز في البيوت أي في بيوت المسيحيين (رج 5: 42 حيث نجد الهيكل والبيوت). هناك العلية (1: 13)، وبيت مريم أم يوحنا مرقس (12: 12). يتحدّث بولس عن الكنيسة التي تجتمع في بيت هذا المسيحي أو ذاك (روم 16: 5؛ 1 كور 16: 19؛ كو 4: 15؛ فلم 2).
وتشهد آ 46 أيضا على الروح التي تنعش هذا الاحتفال: "بفرح وبساطة قلب". إن للكلمة التي استعملها لوقا (أغالياسيس) طابعاً عباديا: تُستعمل للاحتفال بالعون والخلاص اللذين يقدمهما الله. "أغالياسيس" هي بهجة يسببها حضور الله، وتتضمّن بعض المرات نفحة اسكاتولوجية. فالمرتّل يطلب من الرب أن يمنحه "بهجة خلاصه" (مز 51: 14). والعذراء تعظم الرب، وتبتهج روحها فرحاً بالله مخلّصها (لو 1: 46 ي).
ويؤكد المسيح القائم من الموت (وضعت على لسانه كلمات مز 16: 8- 11) أن قلبه يفرح ولسانه يبتهج للحياة التي منحه الله اياها. والكنيسة تشارك اليوم في هذا الفرح، وهي تعي أنها جماعة نهاية الأزمة التي تكوّنت بعمل الله الخلاصي. وهي تسبّق على النشيد النهائي الذي ستطلقه حين تبدأ وليمة عرس الحمل: "هللويا. إن الرب الإله القدير قد وضع يده على ملكه. لنفرح ونبتهج ولنمجّد الله. إن عرس الحمل جاء وقته وتزيّنت عروسه: أعطيت أن تلبس الكتان الأبيض الناصع" (رؤ 19: 6 ب- 8 أ).
هذه البهجة هي امتداد الفرح الذي تركه يسوع لكنيسته حين ودّع رسله (لو 24: 41، 52).
أما عبارة "بساطة قلب"، فهي تحمل توبيخاً خفياً للتجاوزات التي قد تكون دخلت في الوليمة الإفخارستية. يشير اليها بولس في 1 كور 11: 17 ي (إن اجتماعاتكم تضّر أكثر مما تنفع). ويندّد يهوذا (آ 16) في رسالته بأعياد الحب التي اشتهرت في ذلك الوقت: يتبعون أهواءهم.
مهما يكن من أمر، على المسيحي أن يشارك دوماً في كسر الخبز: "كلّما أكلتم هذا الخبز وشربتم هذه الكأس تخبرون بموت الرب إلى أن يجيء" (1 كور 11: 26).
4- المداومة على الصلوات
حين نعرف تحريضات يسوع على الصلاة وأقوال بولس في رسائله، لا نجد هنا شيئاً جديداً عن الصلاة. فالمداومة على الصلاة أمر جوهري لابن الله الذي يرغب أن تتم فيه إرادة الله يوماً بعد يوم، الذي يطلب أن يدخل في تاريخ خلاص يتمّ في الكنيسة على مدى الأزمان.
ولا نحتاج إلى الخروج من أع لنتعرّف إلى المكانة المميّزة التي تحتلّها الصلاة في حياة الجماعة الأولى: صلاة مشتركة لكل المسيحيين الذين يسبّحون الله في الهيكل (2: 46- 47). صلاة مثابرة مع النساء، مع مريم أم يسوع، يتلوها رجال ينتظرون الروح قبل القيام بالرسالة (1: 14). صلاة كنسية لاكتشاف إرادة الله في حالة معيّنة (1: 24- 25) أو لرفع آيات الشكر إليه (12: 12). صلاة الرسل لمقاومة الاضطهاد وللمحافظة على الحرية في إعلان الكلمة (4: 24- 30). كل هذا نموذج صلاة مسيحية تواجه الواقع القاسي في الحياة اليومية.
يُفرض على الرسول أن يحتفظ بقسم من وقته، مهما كلفه الأمر، ليوجّه صلاة الجماعة (6: 4). عليه أن يصليّ حين يضع يده على الذين ينطلقون إلى الرسالة (6: 6؛ 13: 3). وأخيراً، عليه أن يصليّ ويدعو باسم الرب يسوع حين يسلّم روحه (7: 59- 60).
مهما انخرط الرسول (أو الجماعة) في العمل وسط الحياة وجهاد العالم، صارت صلاته حارّة ومتواترة.
ولا بدّ من التحقّق من هذه المداومات الأربع لدى المسيحي. بهذا الشرط وحده يعيش حياته في التناسق والوحدة. فالثبات في تعليم الرسل لا يفيد شيئاً من دون الوحدة والمشاركة، ولا لإفخارستيا من دون المشاركة في الخيرات والمداومة على التعليم. فمن تخلىّ عن واحدة، شوّه مجمل الحياة المسيحية. ومن فصل بينها، قتل شركة الحياة بين المسيحيين.
ج- الرسل هم قوّاد وشهود ومجترحو عجائب
لا شك في أن كل الجماعة المسيحية تلعب دوراً كبيراً في أع، ولكنّها لا تلعب الدور الرئيسي. فالرجال الذين يبرزون في المقدمة، أبطال هذا الخبر، هم الرسل ولا سيما بطرس في القسم الأول وبولس في القسم الثاني. إنهما كالمغناطيس يجتذبان التقديم الأدبي أو ككشّاف ينشر النور على كل المواضيع.
لقد تكلّمنا عن مسؤولية وواجبات الرسل في نقل التعليم. ورأينا أيضاً دورهم في صلاة الكنيسة. وقلنا أيضاً إن المؤمنين كانوا يضعون عند أقدامهم ثمن ما يبيعون ليوزعوه على المحتاجين (2: 42 ي؛ 4: 34 ي). مثل هذه الاهتمامات المادية كادت تبعدهم عن وظائفهم الأساسية التي هي الصلاة والكرازة. لهذا كان من الضروري المحافظة على هذه الأولويات، أن تتكوّن في الكنيسة بُنى جديدة ووظائف جديدة (6: 1ي) بحيث يبقى للرسول وقت ليشهد فيه الشهادة الصالحة لقيامة المسيح.
غير أن النصوص تذكر أيضاً وجهة من النشاط المتعدد الذي يقوم به الرسل في بداية الكنيسة: من يدهم تخرج "آيات ومعجزات عديدة وسط الشعب" (2: 43؛ 5: 12 أ؛ رج 4: 33). وهكذا يتكمّل نشاط يسوع بنوع من الأنواع ويمتد في الكنيسة عبر رسله (رج مر 6: 56؛ أع 5: 15) في هذه الأيام الأخيرة (2: 17، 19).
إن بُعد هذه الآيات ومضمونها واضحان. إن رحمة الله وصلاحه يصلان إلى البشر بيد الرسل، كما كانا يصلان بيد يسوع. وفي الوقت عينه، إن "القدرة العظيمة" التي تظهر في هذه العجائب تعطي قوة للشهادة الأساسية التي يؤدونها للقيامة. فالمعجزات تدهش لا المسيحيين فقط، بل الذين يشاهدونها معهم. كانوا أمام ظهور قداسة الله "فاستولى الخوف على جميع النفوس" (2: 43؛ رج 5: 13 أ).
ان الطابع الشامل لهذه النصوص لا يمنع لوقا من إبراز وجه بطرس في المقام الأول. تذكَّر، ولا شك، تقاليدَ أخرى معروفة (3: 1- 10؛ 9: 32- 35، 36- 42)، فقال: "كانوا يحملون مرضاهم إلى الشوارع ويضعونهم على الأسّرة والفرش، حتى إذا مرّ بطرس يقع ولو ظلّه على أحد منهم" (5: 15). وكانت "جموع المرضى والممسوسين تأتيه من القرى أو من ضواحي أورشليم فيُشفون كلّهم" (5: 16).
يبِّين صاحب أع في هذا النشاط أن مواعيد يسوع تمّت في رسله (لو 9: 1؛ 9:10). يعرف بطرس أنه يجترح هذه المعجزات باسم يسوع: "لماذا تنظرون إلينا كأننا بقدرتنا أو تقوانا جعلنا هذا الرجل يمشي" (31: 21)؟ كما يعرف أنه إنسان ضعيف. قال لكورنيليوس الذي ارتمى ساجداً له: "قم، ما أنا إلا بشر مثلك" (10: 26). وهذا هو موقف بولس أمام النجاح الذي يلقاه: "نحن بشر ضعفاء مثلكم" (14: 15).
د- حضور الكنيسة في العالم
ان الجماعة المسيحية التي تنمو، لا تنفصل إلا شيئاً فشيئاً عن سائر الشعب الذي لا يقبل بيسوع مسيحاً ورباً. أما في هذه اللوحات الصغيرة، فنفهم أن الشعب يكنّ للمسيحيين الاحترام والعطف والإعجاب. أما العداوة من قبل السلطة فستأتي فيما بعد.
كتب لوقا في إجمالته الأولى: "استولى الخوف على جميع العقول" (2: 43 أ). نستطيع أن نقرّب هذه العبارة من عبارة أخرى تشبهها فتصوّر ردة الفعل أمام موت حنانيا وسفيرة غير المنتظر: "حينئذ استولى خوف شديد على الكنيسة كلها وعلى جميع الذين عرفوا هذه الأخبار" (5: 11؛ رج 5: 5). كل حدث خارق يولّد رهبة مقدسة.
ولكننا نجد في 2: 43 أ شيئاً آخر خاصاً. بعد أن صوّر لوقا في 2: 42 الحياة المسيحية السائرة في الإيمان، أشار إلى أن هذه الحياة تثير اهتماماً عميقاً في كل القلوب. هكذا كان حضور يسوع الناشط قبل القيامة يولّد عند الناس المخافة والاحترام (لو5: 26؛ 8: 25). وفي العهد القديم، كان حضور الله يولّد الخوف عند موسى وأشعيا... أجل، الجماعة المسيحية تؤثر على الناس الذين يعيشون حولها.
لا شك في أنه، حين اجتمع المؤمنون في الهيكل، في رواق سليمان، لاحظهم اليهود، وإن تحاشوا مخالطتهم (5: 13 أ). ومع ذلك "كان الشعب يعظّمهم" (أو يمتدح أعمالهم) (5: 13 ب). وكلمة "عظّم" (ميغالينو) التي يستعملها لوقا في الأطر الليتورجية (لو 1: 47، 85؛ أع 10: 46؛ 11: 18؛ رج أع 2: 11: عظائم الله التي يعلنها الرسل)، تدلّ على أن هذه الجماعة الصغيرة هي عمل الله الجديد الذي يستحقّ مدائح الشعب: على الكنيسة أن تعطي البشر المناسبة ليمجّدوا الله على تصرفاتها، ووحدتها، وصلاتها. ثم إن موقف الجماعة يثير التعاطف والنظرة الطيّبة: "ينالون رضى الناس كلهم". تعني كلمة، "خاريس" هنا رضى البشر، وفي 4: 33 نعمة الله ومحبته. "كان الرسل يؤدّون الشهادة بقيامة الرب يسوع، تؤيدها قدرة عظيمة، وكانت نعمة الله عليهم جميعاً". كانت هذه النعمة على الرسل (كما يقول النص)، بل على جميع المسيحيين (كما يقول البعض الآخر). لا شك في أن مهمة الرسل تقوم بأن يعلنوا كرازة القيامة الخلاصية، ولكن محبة الله لا تنحصر فيهم. فنعمته تفاض على كل الذين يتقبّلون هذا التعليم الرسولي ويبقون أمناء له (2: 42).
والعلاقة بين القيامة ونعمة الله المفاضة على الجميع، تتخذ بعداً سامياً: الفصح هو خلق جديد، وبالتالي هو ينبوع نعمة عظيمة يغطّسنا في زمن البدايات.
ونشير أخيراً إلى محبة الكنيسة لأبنائها وللغرباء. فالرسل لا يحصرون المعجزات بالجماعات الجديدة. فبطرس ورفاقه يكرّسون وقتهم وقوتهم لشفاء كل الذين يأتون اليهم. أيُعقل أن تكون كل هذه الجموع (5: 16) مؤلّفة من المؤمنين وحدهم؟
هـ- التعلق بالرب بالإيمان
كل هذه الحياة المسيحية التي تظهر بطرق متنوعة لدى الرسل وسائر المؤمنين، هي ثمرة موهبة الروح التي بها يمارس الرب نشاطه المجيد (2: 33). وهذا ما يشدّد عليه القديس لوقا. هو الرب (لا رضى الناس) يزيد كل يوم عدد الجماعة الذين أنعم عليهم بالخلاص (2: 47). فالرب هو في النهاية ينبوع هذا النموّ في الكنيسة. وإن لوقا لا يني يبرز هذا النمو على مدى أع: "انضم ثلاثة آلاف" (2: 41). "كان الرب يزيد عدد" (2: 47). "آمن كثير من الناس" (4: 4) "انضم عدد كبير من الرجال والنساء إلى الإيمان بالرب" (5: 14). "وكان كلام الله ينمو وعدد التلاميذ يزداد في أورشليم" (6: 7؛ 11: 21، 24؛ 21: 20).
في العهد القديم، كان تكاثر عدد الشعب علامة رضى الله وبركته: إنه ثمرة العهد مع الله (تك 9: 1- 9؛ 17: 1 ي). وعند الأنبياء طُبع هذا التكاثر بطابع اسكاتولوجي (إر 3: 14- 17؛ 23: 3). واليوم أيضاً، وبعد عهد العنصرة الجديد (هذه "الأيام الأخيرة")، ترى الكنيسة (التي باركها الله) أبناءها يتكاثرون.
بالنسبة إلى هذا الموضوع، نجد في الإجمالة الأخيرة جملة مبنية بطريقة مميّزة: عدد يكبر يوماً بعد يوم. كان المؤمنون، رجالاً ونساء، ينضمّون إلى الرب (5: 14). الرب هو أساس الإيمان وهو هدفه. بالإيمان نتعلّق بالرب نفسه تعلقاً شخصياً وحميماً.
ويستفيد لوقا من الظرف ليشير للمرة الأولى إلى العدد المتزايد من النساء اللواتي يعتنقن الإيمان. في الإنجيل نجد نساء أخريات تبعن يسوع خلال حياته الرسولية. ورافقنه حتى الصليب (لو 8: 2- 3؛ 23: 49).
أراد بعضهم أن يفسّر "ما تجاسر أحد أن يخالطهم" (5: 13 أ) وكأنها تعارض نموّ الكنيسة. في الواقع، إن مثل هذا التفسير لا يفرض نفسه. بل نفهم هذه العبارة كما يلي: حين يجتمع المسيحيين في الرواق يبتعد عنهم الآخرون (2: 43) بعد أن أخذتهم رهبة مقدسة. وهذا لا يمنع الناس أن ينظروا إليهم بعطف وأن يمتدحوا حياتهم (5: 13 ب).
حين كثّر الرب المسيحيين، أظهر أنه باركهم. ولكننا لا نزال على مستوى الإيمان. إن لوقا يسمّي الإخوة "المؤمنين" في الإجمالات خاصة. ما يربطهم ليست الصداقة أولاً بل الإيمان المشترك. إنهم هؤلاء الذين اتخذوا قراراً جذرياً في وقت محدّد من حياتهم. تأثروا بكرازة الرسل تدعوهم فاعتنقوا الإيمان (2: 44؛ 4: 32)، وبالتالي قبلوا كل النتائج التي يفرضها هذا الإيمان في حياتهم: مشاركة في الخيرات، توافق الفكر والعمل في قلب الجماعة المسيحية. وهكذا اتخذوا صفة المؤمنين التي تتضفن تعلقاً شخصياً بالرب.

 

 

الفصل العشرون
لا خلاص إلا بيسوع
4: 8- 12
أ- إشعاع الكنيسة الأولى في أورشليم
يقدّم لنا أع رسمة سريعة عن نموّ الكنيسة العجائبي غداة قيامة الرب والعنصرة: كان امتداد صاعق قاد الرسل خلال ثلاثين سنة على طرق الامبراطورية الرومانية كلها: "ستكونون شهوداً في أورشليم، في كل اليهودية والسامرة، وحتى أقاصي الأرض" (1: 8).
تتحدّث الفصول السبعة الأولى عن الجماعة المسيحية في أورشليم حيث جمع يسوع الرسل غداة القيامة. وتتوزّع هذه الصفحات سلسلة إجمالات تعطينا صورة مثالية عن حياة الكنيسة الأولى: حياة مشتركة، تقاسم الخيرات المادية، صلاة في البيوت وفي الهيكل، إعلان الإنجيل، آيات وعجائب، ارتدادات متعددة، نِعم يحصل عليها الشعب بواسطة المسيحيين. أما الأحداث المروية فتغطّسنا في الحياة اليومية الملموسة. ترد بعض أحداث بارزة، فتدل على دينامية الكنيسة الرسولية: معجزات، مسؤولية بطرس في قيادة الكنيسة، مواجهة مع سلطات العالم اليهودي، اضطهاد يدفع الكنيسة إلى التشتت والتغلغل في كل انحاء فلسطين.
ويذكر الكاتب بين هذه المعجزات: نفحة العنصرة على العلية والعنصرة الثانية في 4: 24- 31، وشفاء الكسيح الملقى على باب الهيكل، ومعرفة بطرس بكذب حنانيا وسفيرة...
تشدّد هذه المعجزات على الأولوية المحفوظة لبطرس. جُعل على رأس الجماعة الرسولية وعلى رأس الكنيسة، فكان اسمه في رأس لائحة الرسل (1: 13). عمل على اختيار متيا ليخلف يهوذا. وأفهم الجماعة الحاضرة في أورشليم معجزة العنصرة. قام بشفاء مع يوحنا، وفسّر للجميع ما حدث. ترأس الحياة الداخلية في الجماعة، وأشرف على توزيع المساعدات. أوقف مرتين في الهيكل لأنه أعلن البشارة باسم الرب يسوع. مثل أمام السنهدرين (مجلس اليهود)، فدافع عن نفسه وحوّل دفاعه الشخصي إلى كرزاة بالإيمان المسيحي.
أما النص الذي نقرأ فهو جزء من دفاعه الأول أمام العالم اليهودي، وذلك بعد أن شفى الكسيح في الهيكل (3: 1- 10).
ب- شفي الكسيح باسم يسوع المسيح
1- المعجزة هي علامة خلاص
تشدّد إجمالات أع على قدرة الرسل العجائبية في الكنيسة الأولى (5: 12- 16)، وفي مراحل التبشير اللاحقة. في السامرة وفي العالم اليوناني، سيلمّح لوقا أيضاً إلى سلطات الرسل العجائبية المفيدة لنشر الكنيسة (8: 6- 8؛ 19: 11- 12). وهو يقدّم بعض الأمثلة: شفاء الكسيح على يد بطرس الذي يرافقه يوحنا (3: 1 ي). شفاء عاجز كسيح على يد بولس في لسترة (مدينة في ليقونية) (14: 8 ي). هناك موازاة تامة بين الرسولين: وكما سيعاقب بطرس حنانيا وسفيرة (5: 1 ي)، هكذا سيعاقب بولس عليما الساحر (13: 6 ي).
إن قدرة الرسل العجائبية تشبه السلطان الذي برهن عنه يسوع في بداية حياته العلنية في الجليل. لقد شدّدت الكنيسة الأولى على البعد الديني لسلطان يسوع هذا. وبطرس نفسه سيتكلّم عن الرب بهذا المعنى أمام جموع العنصرة: "كان يسوع الناصري رجلاً أيده الله بينكم بما أجرى على يده من العجائب والمعجزات والآيات" (2: 22).
ثم إن الرسل واعون أنهم يتابعون رسالة يسوع. أما نشَّأهم منذ التبشير في الجليل (مر 3: 15؛ 6: 7- 13)؟ أما ثبّتهم في هذه الرسالة بعد قيامته؟ "قال لهم: "اذهبوا إلى العالم كله، وأعلنوا البشارة إلى الناس أجمعين... باسمي يخرجون الشياطين ويتكلّمون بلغات غريبة ويمسكون بأيديهم الحيّات" (مر 16: 15- 18).
إن سلطان الشفاء هو موهبة نشرها روح الرب يسوع في الكنيسة يوم العنصرة. هذه الطريقة في النظر إلى الأمور، التي يتضمنها أع، تبدو طبيعية للقديس بولس الذي يجعل "موهبة الشفاء في الروح" بين مواهب (كرسمات) كنيسة كورنتوس (1 كور 12: 9، 28، 30). وهذه الموهبة تُمارس باسم يسوع كما في معجزة الهيكل. تفرّس بطرس في الكسيح وقال له: "لا فضة عندي ولا ذهب، ولكن أعطيك ما عندي: باسم يسوع المسيح الناصري قم وامشِ" (3: 6). ويقدّم لنا أع أمثلة أشفية أخرى تمت "باسم يسوع": كسيح لدة الذي شفاه بطرس (9: 34)، وعرّافة فيلبي التي أخرج منها بولس الشيطان: "آمركَ باسم يسوع المسيح أن تخرج منها" (16: 18). كان يسوع يشفي المرضى بسلطانه الخاص، أما الرسل فيعودون إلى سلطان يسوع، إلى اسم يسوع.
2- معجزة وصلاة في الهيكل
صعد بطرس ويوحنا إلى الهيكل لصلاة الساعة التاسعة (الثالثة بعد الظهر) وتقدمة المساء. أوقفهما شحاذ كسيح عند الباب الجميل الذي يفصل رواق الأمم عن رواق النساء. تمنّى صدقة، فإذا هو ينال الشفاء الكامل والفوري: "أمسكه بطرس بيده اليمنى وأنهضه. فاشتد قدماه وكعباه في الحال. وقام واقفاً وأخذ يمشي، ودخل الهيكل معهما، ماشياً قافزاً يمجّد الله. وشاهده الناس كلّهم يمشي ويمجّد الله" (3: 7- 9).
يذكرنا هذا المشهد ببعض التفاصيل في دخول يسوع المسيحاني إلى أورشليم، قبل آلامه بقليل. يصوّره لنا الإزائيون على ظهر حمار وسط جمهورٍ فرِحٍ يلقي معاطفه على الطريق ويلوّح بأغصان النخل وينشد مز 118: "هوشعنا لابن داود! مبارك الآتي باسم الرب". ثم يدخل يسوع إلى الهيكل ويطرد الباعة ليبقى الهيكل بيت صلاة. ويشير إلى أن العميان والعرج جاؤوا إلى يسوع وهو في الهيكل فشفاهم (مت 21: 14- 15). غضب الكهنة والكتبة، أما الشعب الذي شهد هذه المعجزات، فعاد يهتف في الهيكل: "هوشعنا لابن داود" أي، خلّصنا، يا ابن داود.
نجد في هذين الخبرين تسلسلاً واحداً للوقائع: صعود إلى الهيكل للصلاة، رفض المال، تدخّل خلاصي من أجل المرضى الذين يُمنعون من الدخول الى الهيكل، نشيد هؤلاء المرضى الذين شُفوا فحقّ لهم الدخول إلى الهيكل.
كان يُحرّم على المريض أن يدخل إلى رواق الهيكل الداخلي (لا 21: 18؛ 2 صم 5: 8) لأنه يُعتبر نجساً. فالعلة الخارجية هي علامة الخطيئة، وبالتالي هي نجاسة تعارض قداسة المعبد وليتورجيته. غير أن الهيكل كان الموضع المميّز الذي فيه يدعو المؤمنون باسم الرب للحصول على الشفاء (1 مل 8: 37). حين شُفيٍ الكسيح الذي كان على باب الهيكل، أخذ يقفز داخل الهيكل شاكراً الله وممارساً حقه في الدخول إلى الهيكل بعد أن منعه المرض من ذلك. وهكذا تحقّق قول أشعيا في آخر الايام: "ربكم يأتي ليخلّصكم... حينئذ تتفتح عيون العمي ويقفز الأعرج كالغزال... يرجع الذين حرّرهم الرب، ويأتون إلى صهيون وهم يرنّمون ترنيمة الفرح" (اش 35: 4- 10).
عاد المشفيون إلى مز 118 ليعبروا عن امتنانهم لله لما فعله يسوع لهم من خلاص. وعاد بطرس إلى المزمور عينه ليبرّر عمله أمام السنهدرين: "هذا هو الحجر الذي رفضتموه أيها البناؤون فصار رأس الزواية" (4: 11؛ رج مز 118: 22).
تمّت أول معجزة في الكنيسة على مدخل الهيكل. فالهيكل هو بيت الصلاة الذي فيه يدعو المؤمن باسم الرب. وكان يسوع قد شدّد في وصاياه الأخيرة إلى رسله لكي يصلّوا إلى الآب باسمه، فينالوا ما يطلبونه من نعم (يو 16: 23- 24). وسيصلّي الرسل لا في هيكل أورشليم المادي بل في هيكل الروح والحق الذي تشكّله الكنيسة المنتشرة في العالم كله. وشفاء الكسيح هو المثل الأول، وسيبقى نموذجاً في حياة الكنيسة.
ج- "الاسم الوحيد الذي يمنح الخلاص"
إن سلطان شفاء الأجساد هو علامة عن سلطان أسمَى، سلطان شفاء النفوس. هذا يقابل معنى فعل "سوزو" في أخبار الأشفية والمعجزات (شفى، خلّص، رج 4: 9، 12). هذا ما أشار إليه يسوع حين شفى المخلع في كفرناحوم (مر 2: 1- 12). فشفاء الجسد هو علامة شفاء النفس: "سأريكم أن ابن الانسان له سلطان على الأرض ليغفر الخطايا. وقال للكسيح: قم واحمل فراشك واذهب الى بيتك" (مر 2: 10- 11). وسيعلن بطرس الحقيقة عينها أمام الجمع أولاً، ثم أمام السنهدرين الذي اجتمع ليحاكمه.
1- الإيمان والعماد باسم يسوع
حدثت المعجزة فتدافع الناس. حينئذ توجّه بطرس إلى الجمع (3: 12- 26) وشرح لهم الحدث: ليس بقدرتنا، ولا بفضل تقوانا جعلنا هذا الرجل يمشي، بل بالإيمان باسم يسوع. هذا الاسم هو الذي أعطى الكسيح القوة لكي يمشي. والإيمان بهذا الاسم جعله في كمال الصحة أمام أنظاركم جميعاً (آ 12، 16). وربط بطرس حالاً بهذا الشرح إعلاناً عن المسيح القائم من الموت. إعلاناً مليئاً بالإيرادات الكتابية والعبارات العزيزة على قلب المسيحيين الأولين. من هو يسوع هذا الذي يجترح اسمه مثل هذه المعجزات؟ إنه عبد يهوه الذي أسلمتموه إلى الموت، ولكن الله مجدّه. إنه أمير الحياة الذي قتلتموه، ولكن الله أقامه من بين الأموات واحتفظت به السماء إلى أن يحين زمن تجديد كل شيء. وتنتهي هذه الكرازة، بطريقة طبيعية بنداء إلى التوبة: "أنا أعرف، أيها الإخوة، أن ما فعلتم كان عن جهل. فتوبوا وارجعوا تغفر خطاياكم، فتجيء أيام الفرج من عند الرب. فلكم أولاً أرسل الله يسوع ليبارككم ليرتدّ كل واحد منكم عن شروره".
كانت خطبة بطرس هذه في الهيكل السبب في توقيفه. ولكن 4: 4 يشير إلى أن كثيراً من الذين سمعوا الكلمة انضموا إلى الكنيسة فانتقل عدد المؤمنين من 3000 إلى 5000. إذن، كان شفاء الكسيح مناسبة ارتداد وخلاص عدد كبير من المؤمنين. وكما أن الشفاء تمّ باسم يسوع، فالإيمان والعماد الخلاصي يرتبطان باسم يسوع.
يوم العنصرة، عاد بطرس إلى نبوءة يوئيل (3: 1- 5) عن فيض الروح في الأزمنة الأخيرة (الاسكاتولوجية). اعتبر أن هذه النبوءة قد تمّت، وشدد على الجملة الأخيرة التي اعتبرها نداء للإيمان المسيحي: "كل من يدعو باسم الرب يخلص" (أو يحيا) (2: 21). وهذا النداء عينه سيتوضح، بالنظر إلى المعمودية (2: 38- 39). وسيستعيد بطرس في نهاية دفاعه أمام مجلس الشيوخ: "فما من اسم آخر تحت السماء وهبه الله للناس نقدر به أن نخلص" (أو نحيا) (4: 12). وسيتردّد هذا النداء في نهاية خطبة بطرس لدى كورنيليوس: "له يشهد جميع الأنبياء بأن كل من آمن به يناله باسمه غفران خطاياه" (10: 43).
وهكذا يبدو المسيحيون كالذين "يدعون باسم الرب يسوع". وسيتحدّث بولس عن اندفاع شاول (بولس) لملاحقة كل من يدعو باسم يسوع (9: 14، 21). وسيوجّه بولس رسالته الأولى إلى الكورنثيين، "إلى كنيسة الله التي في كورنثوس، إلى كل الذين يدعون باسم ربنا يسوع المسيح" (1 كور1: 2). سينطلق من يوئيل ليبيّن للمتهودين شمولية الخلاص الذي حمله يسوع (روم. 1: 11- 13). وفي النهاية، يحثّ تلميذه الحبيب تيموتاوس على طلب الإيمان والمحبة "مع كل الذين يدعون باسم الرب بقلب طاهر" (2 تم 2: 22).
في المعمودية، دعا المؤمنون باسم الرب يسوع لينالوا منه الخلاص. هذا ما سمعناه بمناسبة العنصرة: "توبوا، وليعتمد كل واحد منكم باسم يسوع المسيح لغفران خطاياه" (2: 38). هذا ما قاله بطرس. وسيأمر أن يعمّد كورنيليوس وذووه "باسم يسوع المسيح" (10: 48). وسيقول حنانيا لبولس: "والآن مالك تبطىء، قم تعمّد وتطهر من خطاياك داعياً باسمه" (22: 16). وهناك مقاطع أخرى عديدة (8: 16 19: 5) تحيلنا إلى هذه العبارة التي صارت معروفة: "العماد باسم يسوع". أي: العماد الذي أسّسه يسوع والذي صار خلاصياً بفضله. هو المسيح يضع يده على الذين تكرّسوا له. نحن نتعمّد من أجل خدمة المسيح، من أجل اسم المسيح، وهذا يعني فعل إيمان يعلن تكريس المعمّد للمسيح.
إن خلاص يسوع يصل إذن أبعد من الأشفية العجائبية من أجل الكنيسة. إنه يدرك عمق نفوس المؤمنين الذين يدعون بالاسم الخلاصي ويتعمّدون في هذا الاسم.
2- شهادة وألم لاسم يسوع
اغتاظت السلطات اليهودية لأنها رأت بطرس ويوحنا يعلّمان الشعب في الهيكل ويعلنان في شخص يسوع قيامة الموتى. فوضعت يدها عليهما وسجنتهما حتى الغد. حينئذ دُعي الرسولان ليبرّرا موقفهما أمام السنهدرين المجتمع.
طرحوا أولاً سؤالاً ماكراً: "بأي سلطة أو بأي اسم عملتما هذا" (4: 17)؟ لا شك في أنهم كانوا يعلمون أن المعجزة تمّت باسم يسوع الناصري، ولكنهم أرادوا أن يجبروا الرسولين على التلفّظ بهذا الاسم. إن تث 13: 2- 6 تعاقب الأشخاص الذين يعملون بغير اسم يهوه. وكانت علامة الاحتقار بادية ضد رسولين أميين ومن عامّة الناس (4: 13).
ذكر بطرس اسم يسوع، وأدخل عبارات خاصة بالكرازة الرسولية الأولى، فجاءت اتهاماً خطيراً للقضاة الذين يحاكمونه: "يسوع المسيح الناصري الذي صلبتموه أنتم وأقامه الله من بين الأموات. هذا هو الحجر الذي رفضتموه أيها البناؤون، فصار رأس الزواية" (4: 10- 11). ويُنهي بطرس كلامه بدعوة إلى الارتداد يرافقه تهديد: "فما من اسم آخر تحت السماء نقدر به أن نخلص" (4: 12). لا يطرد أحد من عالم الخلاص الذي يقدّمه يسوع. هذا ما يقوله بطرس للذين حكموا على يسوع. ليس من اسم آخر وهبه الله للناس. فيسوع هو الذي فتح لنا طريق الخلاص الوحيدة. هي طريق مرسومة من الأرض إلى السماء بفضل نعمة تجسّد الابن وآلامه وقيامته. كان يهوه ينبوع خلاص في السماء، وصار يسوع الوسيط الوحيد بعد أن أقام بين البشر واتخذ في وسطهم اسماً بشرياً.
دهش السنهدرين من جرأة بطرس ويوحنا أمام محفل عظيم كهذا، واهتموا قبل كل شيء بأن يضعوا حداً لهذه الدعاية المسيحية. فمنعوهما من التعليم باسم يسوع وهدّدوهما (4: 18؛ رج 5: 28، 40). ولكن الرسولين تابعا التعليم في الهيكل. وسيوقف المجلس الرسل ويحاول أن يخيفهم: "جلدوهم وأمروهم أن لا يتكلّموا باسم يسوع". أما الرسل فخرجوا فرحين وظلّوا يعلّمون كل يوم في الهيكل وفي البيوت ويبشّرون بالمسيح يسوع (5 : 40- 41).
وبعد وقت قليل، سيعلن فيلبّس بشارة ملكوت الله واسم يسوع المسيح وسط السامريين (8: 12). وسنرى بولس بعد ارتداده يعلّم باسم يسوع (9: 15- 28). هذا الاسم هو جوهر كرازة الرسل. وستقول 3 يو 7: "خرجوا إلى السفر من أجل اسم المسيح".
3- خاتمة
إن شفاء المخلع أتاح لنا أن نشدّد على الموازاة بين إقامة يسوع في اورشليم قبل موته وحياة الجماعة الأولى غداة القيامة. فحياة الكنيسة هي امتداد لحياة يسوع، والهيكل يبقى مؤقتاً المكان المميّز للتعليم والصلاة والمعجزات. رفض يسوع ورفض الرسل بعده أن يستندوا إلى سلطان المال. وإن ايمانهم بمسيحانية يسوع الإلهية وزوال الهيكل القريب، سيجلب لهم المحاكمة والاضطهاد من قِبَل السلطات اليهودية. ولكن الرسل يسندون إيمانهم إلى نبوءة 
مز 118، عبد يهوه، ابن الإنسان في دانيال. "أجل، لا تلميذ أعظم من معلمه، ولا خادم أعظم من سيّده" (مت10: 24). إن عائلة الكنيسة الكبيرة لا تهتم إلا أن تحمل عن جدارة اسم هذا الرب الذي نالت العماد باسمه.

 

 

الفصل الحادي والعشرون
حنانيا وسفيرة
حكم الكنيسة وعدالة الله
أ- حكم الكنيسة
هذا هو العنوان الذي نستطيع أن نعطيه لهذا الخبر الغريب الذي نقرأه في 5: 1- 11: حكم الكنيسة وعدالة الله التي تستبعد الخاطئ. سنتوقف عند هذا النص دون التوسع في موضوع السلطة الكنسية التي تحكم على الإنسان وتحرمه وتستبعده. هناك خلاف بين النصوص. من جهة، هي تشدّد على أن الله وحده الديّان، ومسيحه معه. لهذا لا يحقّ للإنسان أن يدين. قال يسوع (مت 7: 1؛ لو 7: 37): "لا تدينوا"، أي لا تحكموا على أحد. وقال بولس: "ديّاني هو الرب. فلا تدينوا (أو: تحكموا على أحد) قبل الأوان، قبل أن يأتي الرب" أي وقت الدينونة الاسكاتولوجية (1 كور 4: 4- 5؛ رج روم 2: 1؛ 14: 4، 10، 12). أخيراً، كتب يعقوب: "هناك ديّان واحد وهو الذي يقدر أن يخلّص ويهلك. فمن تكون أنت لتدين قريبك" (يع 4: 12؛ 2: 4، 12- 13)؟ ولكن من جهة أخرى، يندّد بولس بدعاوى الكورنثيين أمام القضاة غير المؤمنين في كورنتوس فيقول: "أما فيكم حكيم يقدر أن يقضي (يكون حكماً) بين إخوته" (1كور 6: 5)؟ وفوق هذا، وحين تبرز حالة زنى مشهور، يدين بولس بعنف زاني كورنتوس (مع زوجة أبيه) كما يدين (يحكم على) الجماعة التي لم تجرؤ على التدخل في مثل هذا الظرف: "كان الأَولى بكم أن تحزنوا حتى تزيلوا من بينكم من ارتكب هذا الفعل. أما أنا، فغائب عنكم بالجسد، ولكني حاضر بالروح، فحكمت كأني حاضر على الذي فعل هذا الفعل. فعندما تجتمعون، وأنا معكم بالروح، باسم ربنا يسوع وقدرته، سلّموا هذا الرجل إلى الشيطان حتى يهلك جسده، فتخلص روحه في يوم الرب" (1 كور 5: 2- 5). سنعود فيما بعد إلى هذا النص الغريب. وينهي الرسول هجومه بهذه الكلمات: "كتبتُ إليكم أن لا تخالطوا من يُدعى أخاً (يحمل اسم الأخ) وهو زان... أنا لا أدين الذين في الخارج (من غير المؤمنين). أما الذين في الداخل (من أعضاء الجماعة) فعليكم أن تدينوهم" (1 كور 5: 11- 12). تدينونهم لا لترموهم خارجاً، لأن الرباط المسيحي لا يفكّ، بل لتدعوهم إلى التوبة من أجل الدينونة الأخيرة. وفي إطار آخر يدعو المسيح (كما يخبرنا عنه متى) إلى إبعاد الخاطىء: "إن رفَضَ (الخاطئ) أن يسمع للكنيسة، فعامله كأنه وثني وعشار" (مت 18: 18). أي، اعتبره على هامش الجماعة وخارج حقل المسؤولية الكنسية (رج 2 تس 3: 6- 4 حيث يطلب بولس من المؤمنين ان يتجنبوا الخاطىء. وقالت الدياداكي: إذا أغاظ أحد أخاه، فلا يوجّه إليه أحد الكلام ولا يقل شيئاً حتى يتوب). نلاحظ هنا أن الجماعة لا تتلفّظ بحكم استبعاد: هي تقرّ بوضع موجود: أراد الخاطىء أن يكون على هامش الكنيسة. تلاحظ الجماعة هذا الأمر ولا تعود تهتمّ بالخاطئ، بل لا تعود تصلّي من أجله (1 يو 5: 16). وهناك نصوص أخرى تتحدّث عن الاستبعاد.
ولكنّنا نترك هذه الأمور العامة، ونحاول قراءة أع 5: 1- 11. نقرأ أولاً النص في حد ذاته وكأنه خبر يُروى لنا. وندرس ثانياً العوامل التي دعت إلى تدوين هذا النص.
ب- نص الخبر في أع 5: 1- 11
1- قرينة النص
يقع الخبر بعد إجمالة أع الثانية التي تتحدّث عن المشاركة في الخيرات(4: 32- 35)، ويوازي بصورة معاكسة خبر ما صنعه برنابا (4: 36- 37) "الذي باع حقلاً يملكه وجاء بثمنه وألقاه عند أقدام الرسل".
نلاحظ أولاً العلاقات مع العناصر السابقة: ألقى على أقدام الرسل، باع (4: 37، 5: 1- 8). ولكن لا علاقة أبداً مع القرينة اللاحقة (5: 12- 16). ويشكل الخبر وحدة قائمة في ذاتها، وهذا ظاهر من خلال جمع حنانيا وسفيرة مع الرسل ثم انفصال كل منهما في الكارثة التي تنهي كلاً من دَرْفَتيْ الخبر. وفي الوقت عينه يبقى الخبر مرتبطاً بمجموع أع. نتوقّف خاصة على عنصرين. في 3: 23، أورد بطرس كلمة موسى عن النبي الذي يمثّل يسوع: "كل من لا يسمع لهذا النبي يُقطع من الشعب" (لا 23: 29). ونقرأ في 4: 32: "كان جماعة المؤمنين قلباً واحداً وروحاً واحدةً، لا يدّعي أحد مُلك ما يخصّه. كل شيء كان مشتركاً بينهم". سيكون برنابا المثل الأول، وحنانيا وسفيرة الصورة السلبية لهذا الوصف المثالي. ونذكر هنا بنية الكتاب حيث تتجاوب دورة بطرس (ف 1- 12) مع دورة بولس (ف 13- 27)، وتفسّر الواحدة الأخرى في موازاة هي أبعد ما تكون عن التكرار. فما نقرأ عن سفيرة (5: 7- 11) ليس تكراراً لما نقرأ عن حنانيا (5: 2- 6). فالتشابهات والاختلافات لها معناها عند القديس لوقا وعددها كبير. بطرس يشفي كسيحاً (3: 2- 26) وبولس يشفي كسيحاً (14: 8- 17). بطرس يمثل أمام مجلس الكهنة (4: 5- 7)، وبولس يمثل أمام مجلس الكهنة (23: 1- 10). كلاهما يجُلدان ويجترحان المعجزات عينها (5: 4، 12- 16 و19: 11- 12، 22؛ 9: 32- 42 و20: 9- 12). ما يصنع الواحد يصنعه الآخر. وهذه المقابلة الدائمة بين بطرس وبولس، تساعد صاحب أع أن يدل على الرباطات وأن يقيس الفوارق بين كنيسته التي ورثت تأسيساً بولسياً، والجماعة التي ارتبطت ببطرس في أول تاريخ الكنيسة. في هذه الظروف نفهم أهمية الحدث المتعلق بالساحر عليما الذي يلعب في حياة بولس الدور الذي لعبه حنانيا في حياة بطرس. فلقد امتلأ بولس من الروح القدس كما امتلأ بطرس، وكشف لعليما خطيئته: "يا ابن الشيطان، يا عدوّ كل خير، أيها الممتلئ بكل خبث وغشّ. أما تكفّ عن تعويج سبل الله القويمة؟ ستضربك يد الله، فتكون أعمى لا تبصر النور إلى حين (أي: حتى يصلك أمر آخر). فسقطت على عينيه في الحال (العبارة اليونانية عينها التي نقرأها في 5: 10: باراخريما) غشاوة سوداء، (أع 13: 6- 12). نلاحظ أن بولس يختلف عن بطرس في خبر حنانيا فيعلن الحكم بنفسه. إن كل هذه الاختلافات ستساعدنا على قراءة نصوص أع. ولنبدأ باكتشافها في خبر حنانيا وسفيرة الموزَّع على درفتين تتشابهان وتختلفان.
2- قراءة الخبر (5: 1- 11)
آ 1- 2 ولكن رجلاً اسمه حنانيا مع امرأته سفيرة
باع ملكاً له وبالموافقة مع امرأته
احتفظ بقسم من الثمن (أو بعلم منها)
الدرفة الأولى (5: 2 ب- 6) الدرفة الثانية (5: 7- 11)
آ 2 ب- جاء بالقسم الآخر وألقاه آ 7 - وبعد نحو ثلاث ساعات دخلت امرأته
على أقدام الرسل وهي لاتعرف ماجرى
آ 8- فسألها (أعلن لها) بطرس:
"قولي لي: أبهذا الثمن
بعتما الحقل"؟
أجابت (قالت له): "نعم،
بهذا الثمن"
آ 3- فقال بطرس: "يا حنانيا، آ 9- فقال لها بطرس: "لماذا
لماذا استولى الشيطان على قلبك اتفقتما على امتحان روح الرب"؟
فكذبت على الروح القدس واحتفظت
بقسم من ثمن الحقل؟ 
آ 4- أما كان الحقل يبقى لك لو أبقيته؟
ولما بعته، أما كان لك أن تحتفظ
بثمنه؟ فكيف نويت في قلبك ها إن أقدام الذين دفنوا
هذا العمل؟ أنت كذبت على الله، زوجك على الباب، وسيحملونك
لا على الناس" أنت أيضاً".
آ 5- فلما سمع حنانيا هذا الكلام آ 10- فوقعت في الحال عند قدمي.
وقع ميتاًً بطرس وماتت.
فاستولى خوف شديد على جميع فذهل الشبان فوجدوها ميتة
الذين سمعوا بذلك. فحملوها ودفنوها بجانب زوجها.
آ 6- وقام بعض الشبان فكفنوه آ 11- فاستولى خوف شديد على
وحملوه إلى الخارج ودفنوه الكنيسة كلها وعلى جميع الذين
عرفوا هذه الأخبار.

نزيد بعض ملاحظات سريعة. في آ 2. الفعل "أنوسفيساكو" قليل الاستعمال ومعناه "سلب" أو بالأحرى أخذ قسما من مجموعة وذلك بطريقة سرية. والمقابلة الوحيدة في العهد القديم (ما عدا 2 مك 4: 32 حيث يتحدّث النص عن تحويل أموال الله)، نجدها في يش 7: أي في خبر عاكان الذي احتفظ بخير حرّمه الله أي جعله وقفاً له. "أخذ عاكان من المبسل أو المحرّم، فاتقد غضب الرب على بني اسرائيل" (يش 7: 1). حينئذ قال له يشوع: "لماذا حمّلتنا هذه المصيبة؟ فليحمّلك الرب مصيبة في هذا اليوم. فرجمه جميع إسرائيل بالحجارة" (يش 7: 25). وفي وضع حنانيا، نحن لسنا أمام سرقة بحصر المعنى، لأن الملك كان يخصّه (كما كانت الأسلاب تخص من يستولي عليها). قال له بطرس: "أما كان الحقل المباع كله يبقى لك لو أبقيته" (5: 4)؟ نحسّ للوهلة الأولى كأننا أمام تعارض: اتُهِم حنانيا بالاحتفاظ بجزء من كل جماعي، بينما هذا الكل هو خير خاص به. سنعود إلى هذه النقطة فيما بعد.
ونشدّد في الآيات التالية على إدراك بطرس للأمور إدراكاً عميقاً: هو يعرف ويكشف أعماق القلوب. هذا الموضوع معروف عند لوقا. فقد أعلن بطرس إلى سمعان الساحر: "لتهلك فضّتك وأنت معها (إلى جهنم أنت ومالك)... لا حصة لك ولا ميراث (نصيب) في ما يحدث هنا، لأن قلبك ليس مستقيماً أمام الله" (8: 20- 21). لقد كشف بطرس الخطيئة، كما يفعل نبي من الأنبياء. ثم إن قلب حنانيا (مثل قلب يهوذا) مملوء من الشيطان (5: 3؛ لو 22: 3: دخل الشيطان في يهوذا). وهذا ما يبرز أهمية أول صراع داخل الكنيسة بين حنانيا المملوء من الشيطان وبطرس المملوء من الروح القدس. في هذه الظروف ستكون المعركة وبالاً على حنانيا، هذا ما لا شكّ فيه. ونلاحظ أخيراً كيف قلب لوقا عناصر آ 5 ب- 6 و10 ب- 11. في المرة الأولى: الخوف ثم الدفن. في المرة الثانية: الدفن ثم الخوف. هنا تظهر للمرة الأولى كلمة كنيسة في أع، وسترد بعد ذلك 22 مرة.
هذا هو الخبر الغريب الذي لا تتحمّله عقليتنا: بطرس القاضي والديّان الذي جاءت كلماته كالسوط، وحكمه لا استئناف فيه. بطرس "المحتال" الذي نصب فخاً لامرأة مسكينة صارت أرملة منذ ثلاث ساعات. هو لم يمارس التنبيه الأخوي الذي طالب به يسوع تلاميذه (مت 18: 15). ولكن قال كنوكس (أعمال الرسل، كمبريدج، 1948): إن الخبر ليس بصحيح. وأوضح هانشن في شرحه لسفر الأعمال: لم يدفن حنانيا دون أن تنبّه امرأته! وقال أوريجانس عن المعجزة التي أوقعت حنانيا ميتاً: إن توبيخ بطرس قتل الخاطئ. وزاد رايكي في كتابه إيمان وحياة الجماعة الأولى: حين سمعت سفيرة بموت زوجها، تحطّم قلبها وماتت. ولكن نترك جانباً هذه الاعتبارات التأويلية التي تنسى الفن الأدبي الدراماتيكي (قد يكون حنانيا مات بعد ذلك، ولكن الكاتب قصّر المسافة بين توبيخ بطرس وموت حنانيا فربط بين الاثنين)، وفن الإخبار الديني الذي يجعل من عمل حنانيا "الخطيئة الأولى" في حياة الجماعة الجديدة. كانت خطيئة عاكان في يش 7 أول خطيئة لجماعة تدخل أرض الميعاد فاستحق العقاب. فكم يجب أن يكون عقاب شخص كذب على الروح القدس وهدر مبدأ المشاركة الصحيحة في الكنيسة الأولى!
لنقرأ النص في ذاته ولا نحصر دراستنا في "الحدث" (لا نتساءل: ماذا حدث تاريخياً، وكأننا أمام تقرير مفصّل يرسل إلى الصحافة؟) الذي يرويه النص. فان فعلنا هكذا، كتبنا خبراً جديداً ولم نقرأ كلمة الله كما قدمها لنا لوقا في أع.
3- الدرفة الأولى من الخبر (5: 2- 6)
نميّز أولاً بوضوح درفتَيْ الخبر. توافق حنانيا مع امرأته، فاحتفظ بقسم من المال (5: 1- 2 أ). بعد هذا سيُبرز لوقا السببين اللذين لأجلهما مات حنانيا وسفيرة: في الدرفة الأولى، خطيئة حنانيا. في الدرفة الثانية: التوافق على الشر. ويشدّد لوقا على الاتفاق بين حنانيا وسفيرة بحيث إن ما يحدث للواحد يحدث للآخر أيضاً: رباطهما الزواجي (سفيرة امرأته)، خطيئتهما (بموافقة امرأته) وحتى موتهما (دفنوها قرب زوجها)، لا شيء يفرق الواحد عن الآخر. والمرة الوحيدة التي لم تعرف المرأة بما حصل لزوجها (5: 7) ستكون عليها وبالاً.
تتركّز الدرفة الأولى في النص على خطيئة حنانيا، وتبدو كأنها خبر نقض عقد ومجازاة واستبعاد. لنشدّد على هذه المواضيع الثلاثة: نرى أولاً حنانيا يلقي "خطيئته" عند أقدام الرسل فيخلق صراعاً بينه وبين الله بعد أن زوّر العقد. في الحالة السابقة التي تحدّث فيها لوقا عن برنابا، تمّ التبادل بطريقة صحيحة: وُضع ثمن الحقل عند أقدام الرسل. سلّم برنابا ماله ليسلّم ذاته بكليتها إلى الجماعة التي كان كل شيء فيها مشتركاً. أما حنانيا فتظاهر بالصدق، ولكنه كذب. فلم يعد إلا معطياً يتظاهر بالعطاء، يعطي الجماعة خيراً لا صدق فيه ولا حقيقة. فبدا بذلك وكأنه يغبن الجماعة. هنا نتذكّر الآية السابقة: "لم يكن للمؤمنين إلا قلب واحد وروح واحدة. ولا يدّعي أحد منهم ملك ما يخصّه. بل كان كل شيء مشتركاً" (4: 32). يرى لوقا أن كل خيرات المسيحيين هي خيرات الله سواء سلّمت كلها إلى الجماعة (كما فعل برنابا) أم ظلّت في عهدة مالكها (كما كان باستطاعة حنانيا أن يفعل لو اتّبع نصيحة بطرس). حتى في هذه الحالة الأخيرة، ما كان لأحد "أن يدّعي ملك ما يخصه"، لأن الله (ومنذ اليوم الجماعة) هو المالك الحقيقي. فإن فصل حنانيا (أو احتفظ) جزءاً من هذا الكل الجماعي، جعل نفسه مالكاً وادّعى مُلك ما يخصّه. إن كذبه يشوّه حقيقة فعلته فيعطيها ظاهر المشاركة التامة في حياة الجماعة. إنه حطّم الـ "كوينونيا" أو الاتحاد والمشاركة، حطّم العنصر الأساسي الذي يكوّن المجموعة (2: 42). لم تعد فعلته إلاّ ظاهرة كاذبة لهذه المشاركة (كوينونيا).
ينتج عن هذا، لو لم يُكشف "المشروع"، أنه يجب على الجماعة أن تقدم لحنانيا "السارق" مشاركة تامة في الحياة الجماعية، وأن تفتح لحنانيا المملوء من الشيطان الباب لحياة الروح. لو فعلت هذا، لكانت حاولت أن تفرض على الله أمراً لا يرضى عنه، لكانت "جرّبت الروح" (5: 9) وجعلته يعارض نفسه بنفسه: فكأنها أعطت الروح للشيطان، ومهّدت الطريق للتجديف على الروح القدس (لو 12: 10) فاقترفت الخطيئة التي لا تُغفر. من جرّب روح الرب أو جرّب الرب، اقترف أكبر الخطايا. (خر 17: 2؛ تث 6: 16 عرفت وثيقة دمشق القمرانية عبارة دنّس روح القداسة لا عبارة "غش الروح" كما نقرأ في أع 5: 3). ليس من تحديد أفضل للخطيئة من هذا التحديد: أن نجعل الله يعارض نفسه. ستحل بقية الخبر الصراع وترجّح كفّة كلمة بطرس التي تكشف الخطيئة. حينئذ حلّ محلّ التبادل الغاش المجازاة الإلهية، لأن الله هو الذي يضرب ويعاقب. مات حنانيا وسفيرة. إن الفعل اليوناني "اكسبسيخو" (أي: خرجت روحه) هو قليل الاستعمال. نجده في خبر موت هيرودس الذي ضربه الله (12: 23: "ضربه ملاك الرب في الحال لأنه ما مجد الله، فأكله الدود ومات") وفي خبر موت سيسرا حسب الترجمة السبعينية (قض 4: 21). إذا وضعنا جانباً خبر حنانيا، لن نجد في العهد الجديد عجائب اجترُحت لمعاقبة الخاطىء. هنا نقابل بين خبر حنانيا وما نقرأه في 2 مل 5: 24- 27: أخطأ جيحزي حين طلب من نعمان السوري مالاً باسم سيده النبي اليشاع. اكتشف النبي الخطيئة وأعلن عقاب الخاطئ: "إن برص نعمان يعلق بك وبنسلك".
وهكذا يبدو خبر حنانيا بشكل خبر استبعاد أو لعنة جذرية. هذا ما نراه عندما نتطلّع في كل العناصر المتعلّقة بالطوبوغرافيا (الحركات والأعمال). ففي كل من الدرفتين نجد دخولاً وخروجاً، الجمع والفصل العنيف. حمل حنانيا جزءاً من ماله وألقاه عند أقدام الرسل، ولكنّه في النهاية حُمِل إلى القبر. وهذا ما نقوله أيضاً عن سفيرة. ثم إن خروج حنانيا (وسفيرة) ليس عودة الخاطئ إلى حالة سابقة. فبعد الحركة الأفقية التي تقوم بالدخول أو الخروج، هناك حركة عمودية تسير من أعلى إلى أسفل. وقع حنانيا ووقعت سفيرة (5: 5- 10). خبر الخروج هذا هو أيضاً خبر سقوط واستبعاد من الجماعة (رج 3: 23).
4- الدرفة الثانية (5: 7- 11)
حين ننتهي من قراءة الدرفة الأولى، نظن أن الخبر انتهى. ولكنه يتواصل بشكل إسهاب (أو توسّع جديد) عرفته التقاليد الشعبية الشفهية. ولكن هذه النقطة تبقى مدهشة لأن لوقا لا يحبّ التكرارات وإن اهتم بالتوازيات على طريقة الكتّاب الهلنستيين في عصره (مثلاً، أخبار دعوة بولس لا تتكرر، ولكنّها تتكامل فيوضح الخبر الأول الخبرين الآخرين). لنقابل درفتي خبر حنانيا وسفيرة، اللتين يفصل بينهما مدى ثلاث ساعات، وذلك بفضل رباط زمني (قد يكون من أصل ليتورجي) يحدث تأثيراً مميّزاً.
إذن، نشهد في الدرفة الأولى مونولوجاً: كلّم بطرس حنانيا، فاستعمل صيغة المخاطب المفرد المذكر (أنت كذبت). في الدرفة الثانية، نحن أمام حوار بين بطرس وسفيرة: المتكلم المفرد (قولي لي أنا) والمخاطب المفرد المؤنث. في الدرفة الأولى، ألقى حنانيا المال عند أقدام الرسل، ولكن الخطيئة ظلّت خفية، فكان على بطرس أن يكشفها على طريقة الأنبياء. في الدرفة الثانية، صارت الخطيئة مشهورة (معروفة)، وقد وافقت عليها سفيرة علانية. سأل بطرس، تحقّق، فهتفت: نعم بهذا الثمن. في الدرفة الأولى، كشف بطرس الخطيئة، ولكنه لم يحكم (كان بورفيروس قد قال خطأ: حكم عليه بالإعدام). إنه أعلن حكم الله ودينونته: تكمن خطيئة حنانيا في كذب يضر الجماعة والروح. في الدرفة الثانية، كانت الخطيئة معروفة، فرافقها توافق على الشر. حينئذ أعلن بطرس الحكم: سيحملونك.
الاختلاف بين هاتين الدرفتين له مدلوله الخاص. في الدرفة الأولى، يعمل الله بواسطة بطرس نبيه لكي يكشف الخطيئة السرية، وهو الذي يجازي. في الدرفة الثانية، تحقق بطرس، وتأكد من التوافق، وأعلن الحكم. من الواضح في نظر الراوي أن للجماعة (التي يرمز إليها بطرس) سلطاناً من الله على الخطيئة: لها سلطة أن تعلن الخطيئة وأن تُبرز قضاء الله. في الحالة الأولى، كانت خطيئة حنانيا سرية، فتدخّل الله مباشرة. في الحالة الثانية، كانت الخطيئة علنية (توافق في الشر) فأعلنت الجماعة تدخّل الله. نحن نرى أن بنية هذا الخبر الغريب تعكس نظام التوبة في الكنيسة التي يذكرها لوقا هنا للمرة الأولى (5: 11) كما قلنا من جهة، وفي الدرفة الأولى، نحن أمام الخطيئة في مدلولها: ضغط على الله. من جهة أخرى، وفي الدرفة الثانية، نحن أمام سلطة الكنيسة في مجال قبول التائب. الكنيسة كلها معنّية حين نكون أمام خطيئة علنية تهدّد الجماعة كجسم اجتماعي.
من جهة أخرى، ما يقوله أع عن بطرس يقوله أيضاً عن بولس مؤسس الجماعات اللوقاوية. فالموازاة بين بطرس وبولس ترجّح كفة بولس. ونحن نستطيع أن نكمل دراستنا بقراءة 13: 4- 12. هنا، لا يتردّد بولس في إعلان الحكم على عليما الساحر: "ها إن يد الرب عليك: ستكون أعمى ولن ترى النور إلى حين" (13: 11).
ج- العوامل التي دعت إلى تدوين النص
يبدو خبر أع 5: 1- 11 غير عادي في مؤلّف لوقا، فتساءل النقاد: من أين جاء به؟ أمِن منبع مسيحي متهوّد؟ أمِن مرجع أورشليمي؟ ولكننا نترك جانباً افتراضات خاصة بنقد المراجع لنركّز انتباهنا على عدّة محاولات تفسيرية تمّت على مستوى الخير التقليدي. حينئذ نصيب مباشرة مسألة الاستبعاد في الجماعة الأولى.
1- خبر موت خاطئ
قال مانو سنة 1950 إن لوقا الإنجيلي الذي تحدّث عن الرحمة، لم يخترع هذا الخبر القاسي. لقد أخذه من التقليد على الشكل التالي: على إثر موت طبيعي لأول أعضاء الجماعة مثل حنانيا وسفيرة، أراد المسيحيون أن يفسّروا هذا الحدث غير المنتظر بالخطيئة. كانوا كلهم ينتظرون المجيء الثاني، فلماذا يُحرم من هذا الانتظار بعد الموت (1 تس 4: 13- 17)؟ وفسّر مانو الوضع فقال: إن القطعة التي ندرس هي صدى مخفّف ومحوّل لشعور خاص سبّبته لا الخطيئة الأولى، بل أول وفاة حصلت في الكنيسة. في الواقع لم يمت الزوجان لأنهما أخطئا خطأ مميتاً. ماتا ولأنهما ماتا فقد أخطئا. فالخطيئة تجرّ الموت. هذا الموضوع يعرفه الكتاب المقدس بما فيه بولس: "لهذا عدد من الموتى" (1 كور 11: 28- 30). انطلق التقليد المسيحي المتهوّد من هذا اليقين، فقلب الرسمة حين تحدث عن حنانيا وسفيرة: خطئا، إذاً ماتا. مثل هذا البناء الذي لا يمكن أن يستند إلى وضع اسطفانس، لا يرضينا، رغم تقديم ناجح لمعجزة مؤلمة (موت الخاطئ بقساوة) في خط عقلانية تبحث عن التاريخ. ومع هذا نحن نحتفظ بعاملين مهمين في تدوين الخبر: مسألة الموت، ومسألة الخطيئة.
2- عقاب إنسان مليء بالطموح والادعاء
أراد مانو أن "يفسر" موت حنانيا. أما شميت فحاول أن يفهم بالأحرى خطيئته. تساءل: بم خطيئة حنانيا؟ حين ميّزت الجماعة الأولى التلاميذ (الكمّال) الذين يشاركون في أموالهم مشاركة تامة، والمبتدئين (الشبان الصغار الذين يتكلم عنهم أع 5: 6)، أراد حنانيا بالحيلة أن يصل إلى درجة تلميذ، فغشّ بالنسبة إلى ماله. وهكذا تصرّف كمبتدئ غاشٍّ. فقد قيل في قمران: إن وُجد بين المبتدئين من يكذب كذباً واعياً فيما يتعلّق بثروته، يُستبعد من جماعة العديدين مدة سنة، ويعاقَب فيْحرم من ربع خبزه (المغارة الأولى). أما وثيقة دمشق فتقدّم قصاصاً أخف: "ستة أيام من الصوم". إن الجماعة المسيحية احتفظت بذكرى عقاب مثالي حل بحنانيا الكذاب، وتدخّل الفولكلور فتحدث عن موته. من المؤسف أن لا يفسّر مثلُ هذا البناء إلا عنصراً هامشاً من الخبر، مستنداً إلى معطية واهية وهي الفصل بين التلاميذ والمبتدئين. أما يسوع والمجموعات المسيحية الأولى، فقد رفضت فصلاً عرفته مجموعة "الأنقياء". من جهة ثانية يكتب شميت خبراً آخر يبنيه على طموح حنانيا الرخيص. ولكننا نبقي على فكرة الاحتفاظ بخير جماعي يجلب استبعاد إنسان كاذب. حين ادّعى حنانيا أن خير الله هو ملك يخصّه، خرج من الجماعة مدعياً أنه لم يترك شيئاً لنفسه. في إطار جماعة فلسطينية فتية وفقيرة، كانت تلك الممارسة خطراً على المجموعة كلها.
3- انعكاس ممارسة مسيحية.
لنتطلع الآن بانتباه إلى عوامل إنتاج خبر حنانيا. يفرض الحدث وجود مجموعة واعية لحدودها. وهو يعكس ممارسة جماعية هي ممارسة الاستبعاد. أخيراً هو يدلّ على جماعة تفكّر في ممارستها بواسطة لغة لينة استعملها المسيحيون. ليس من مجموعة بدون نظم، بدون البحث عن وحدة وعن تماسك، بدون إجراءات دخول وخروج تدلّ على المجموعة، وتميّزها عن غيرها من المجموعات. إن وجود طقس دخول يستدعي وجود خروج. والنموذج القمراني يلقي ضوءاً على ما نقوله. فالنصوص حول الاستبعاد المؤقت أو النهائي معروفة: استبعاد مؤقت لمن يغش بالنسبة إلى ثروته. واستبعاد نهائي لمن يحلف باسم الله فيعرّض هذا الاسم للإهانة. والاستبعاد النهائي لمن ينتقد الجماعة أو يتذمّر على عمداء (المسؤول أو الوجيه) الجماعة، أو يتجاوز الشريعة بوقاحة. مثل هذا الاستبعاد لا يعيد المذنب إلى حالته التي سبقت مجيئه إلى الجماعة. استبعاده هو سقوط. لا شك في أن المذنب لا يُقتل إلا في حالة التجديف، ولكنه لا يسجَّل على لوائح المخلصين، يُلعن بفم قديسي العلي (وثيقة دمشق). إن خروجه هو صوت روحي. وقال فلافيوس يوسيفوس في هذا المجال: يستبعد الأسيانيون المذنبين من "النظام" فتكون نهايتهم تعيسة: حلفوا فأجبروا على الامتناع عن طعام الناس (الذي قد يكون نجساً) فيجبرون على أكل العشب فيموتون. إذاً نستطيع أن نقابل بين الجماعة المسيحية الأولى وجماعة قمران مع إجراءات الحرم والاستبعاد. غير أننا نقرّ بوجود اختلاف كبير بين جماعة "الأنقياء" (من قمرانيين أو من فرّيسيين بدرجة أولى) والمجموعات المسيحية التي قبلت الأولى، ففد رفضت فصلاً عرفته مجموعة "الأنقياء". من جهة الخطأة (بالمعنى الديني والاجتماعي للكلمة) بانتظار أن تقبل الوثنيين. إن القداسة والطهارة الطقسية لا تحدّدان المجموعات المسيحية التي تتبع مثل يسوع فلا تشكل مجموعة المنفصلين (أو الفرّيسيين)، بل هي تقبل الخاطئ والعشار.
بالإضافة إلى ذلك فطقس الدخول العمادي في الجماعة المسيحية لا يحل. إنه مثل طقس الدخول في ديانة العهد أي الختان. فالجماعة الأسيانية (أو مجموعة الفرّيسيين الأطهار) تقدر أن تطرد من حضنها أصحاب الفتن، بل تستبعدهم من مجمع معين، ولكن رباط العهد لا يُلغى. وبقدر ما فرض الطقس العمادي نفسه كطقس دخول في العهد المسيحي الجديد، حالاً محلّ الختان، لم يعد من الممكن أن نستبعد أخاً صار خاطئاً. فالمعمودية لا تُحلّ هي أيضاً. أو إن كان هناك من استبعاد، فهو يأتي من الله نفسه الذي لا يسبّب موت الخاطئ. هذا ما حصل في خبر حنانيا وسفيرة. لم يكن بطرس هو الذي حكم باستبعاد الموت، بل الله وحده. إن هذه النقطة توافق موافقة تامة ما قلناه أعلاه، متذكّرين ملف العهد الجديد عن الاستبعاد. إن الجماعة لا تقتل الخاطئ بل تكشف خطيئة تعرّض المجموعة للخطر من الناحية الاجتماعية. إنها تلاحظ الإبعاد أو الإقصاء الذي يعيشه الخاطئ، وتعلن دينونة الله بالنسبة إليه.
4- أول لاهوت مسيحي متهوِّد.
إن خبر حنانيا يعكس ممارسة مسيحية، ولكنّه يدلّ أيضاً على وجود تفكير لاهوتي حول هذه الممارسة. فاللاهوت المسيحي المتهوّد لا يشبه لاهوتنا اليوم. فإذا أردنا أن نلج إلى لغته الملونة ونكشف كل غناه، وجب علينا أن نغطس في عالم اليهود بين العهدين ونتذكر الفكر اليهودي المدراشي حول الخطايا الأصلية: هناك خطيئة أصلية لآدم، وخطيئة أبناء الله حسب تك 6: 1- 4، وخطيئة جماعة سيناء المقدسة والملتئمة حول موسى. إن هذه الجماعة التي هي عمل نعمة الله عاشت بدون خطيئة في رجوع إلى حالة آدم. لم يدركها الموت حتى حادثة العجل الذهبي (خر 32). حينئذ دخلت التجربة من جديد ودخلت معها الخطيئة والموت. بلبلت الخطيئة كل شيء وأجبرت جماعة البرية من جرّاء ذلك على العيش في الالتباس والغموض على أن تكون بين الموت والحياة، بين الخطيئة والتوبة. هكذا هو الأمر بالنسبة إلى جماعة العهد الجديد. فخطيئة حنانيا أصابت الروح القدس فحطّمت الجماعة وأدخلت الكنيسة (سماها لوقا هنا باسمها) في زمن الالتباس. إن خطيئة حنانيا التي أصابت الروح شكلّت في نظر الراوي أول خطيئة في أع، خطيئة الكنيسة الأصلية التي تبعها موت مسيحي خاطئ.
وهناك تقليد آخر يلفت انتباهنا بصورة خاصة:
قصة عاكان حسب يش 7: 1 ي. نحن هنا أمام أول خطيئة في الشعب بعد موت موسى (كما كانت خطيئة حنانيا أول خطيئة في الجماعة بعد موت المسيح). عاد لوقا إلى حدث عاكان بصورة صريحة فاستعمل كلمة نادرة "أنوسفيساتو" التي نجدها في يش 7: 1 حسب السبعينية. خطئ عاكان ضد الله حين احتفظ بخيرات الله، خيرات موقوفة لله. انتهك الأقداس فعوقب بالموت. إن هذه الخطيئة سبّبت اليأس كما قال فلافيوس يوسيفوس، لأنها طرحت للمناقشة مسألة الوعد الإلهي. من حسن حظ الجماعة أن الله كشف عن المذنب فقُتل ودُفن خلال الليل (القديميات اليهودية 5: 33- 35). وفي القرن الأول المسيحي، ذكر فيلون المزعوم أن خطيئة عاكان هدّدت وجود شعب الله نفسه. قال: هذا ما أعلن يشوع بعد خطيئة عاكان التي سبّبت هزيمة إسرائيل: "أما كان أفضل لنا لو متنا في البحر الأحمر حيث غرَّقتَ (يا الله) أعداءنا، لو هلكنا في البرية مثل آبائنا، من أن نسلّم إلى أيدي الأموريين. ونفنى إلى الأبد". (القديميات البيبلية 21: 3). بعد هذا، سيكون التقليد سهلاً بالنسبة إلى عاكان: اعترف بخطيئته وقُتل، وهذا ما أتاح له رغم كل شيء أن يرث العالم الآتي (غنزبرغ تقاليد اليهود). كفَّر الخاطىء الصالح عن ذنوبه بالموت. هذا موضوع معروف في التقليد اليهودي. فحسب فيلون المزعوم، حرّض "القاضي" قناز الخطأة على الاعتراف بذنوبهم قبل أن يُقتلوا: "من يدري؟ إذا قلتم لنا الحقيقة، لا شك أنكم تموتون، ولكن الله يرحمكم حين يعيد الحياة إلى الموتى" (القديميات البيبلية 25: 7) وهذا بالضبط ما طلبه بولس بالنسبة إلى الزاني الذي كان في كورنتوس: "ليسلّم هذا الرجل إلى الشيطان حتى يهلك جسده، فتخلص روحه في يوم الرب" (1 كور 5: 5) أي: ليسلمِ الله (لا الجماعة) هذا الإنسان إلى الموت، بواسطة الشيطان (وهو الملاك الذي يقوم بالأعمال الدنيئة، ليس هو بعد عدو الله). ليسلّم ذلك الذي دِين لكي يفتدي الموتُ لا النهاية خطيئته. فالموت عنصر مكفّر.
هنا نقرأ 1 تم 19- 2: "بعضهم انكسرت سفينة إيمانهم (أو: غرق إيمانهم) من بين هؤلاء هيمينايس والإسكندر اللذان أسلمتهما إلى الشيطان ليتعلّما أن لا يجدّفا من بعد" (أن لا ينطقا كفراً). لا يتضمّن هذا العنصر البولسي فكرة حكم استبعاد خارج الكنيسة وبالتالي خارج الحالة العمادية، بل قراراً بأن يترك المذنبون في خطيئتهم تحت نظام الموت والخطيئة على مثال "ابنة إبراهيم التي ربطها الشيطان" (لو 13: 16). لم تعد الجماعة تأخذ على عاتقها وظيفة الخلاص بالنسبة إليهم، والموت يبقى مرجعهم الأخير. إن العبارة السحرية «يا شيطان الموت أُسلم إليك فلان» كانت معروفة في العالم الهلنستي، لكن لم يكن لها هدف توبة (كما عند بولس: لكي يتعلّما أن لا يكفرا) أو هدف خلاص (ليخلص الروح، 1 كور 5: 5). حينئذ يكون الموت مكفراً عن الخطيئة على مثال المجرم اليهودي الذي كانوا يدعونه قبل تنفيذ الإعدام: "ليكن موتك تكفيراً عن خطاياك" (المشناة، سنهدرين 6: 2). لا شك في أن التوبة كانت مفروضة، وهذا أمر لا جدال فيه في العالم اليهودي الذي لم يعتبر الديانة يوماً عملاً سحرياً، يفعل في الإنسان الذي لا يتجاوب مع نداء الله.
ونعود إلى خبر حنانيا حيث لا يذكر موضوع التكفير. فنحن لسنا أمام غفران الله بالموت، بل أمام دينونة الخاطئ من أجل الحفاظ على المجموعة. حنانيا هو عاكان الجديد الذي يحتفظ (يميل) بخيرات الله. اكتشفه الله بواسطة بطرس الذي أعلنه، فحكم الله عليه بالموت. وبمختصر الكلام، نحن نتساءل إن لم يكن هذا الخبر صدى تفكير مسيحي متهود صبّ في قالب أخبار إفناء. بهذا الخبر أفهمنا التقليد أن الخطيئة (عاكان، حنانيا) تهدّد الجماعة وتقود إلى الموت.
5- حنانيا والتاريخ
ولكن التدوين المسيحي المتهود لهذا الخبر ما زال يحيرّ القارئ الحديث، بل يصدمه مراراً بحيث أن بعض الليتورجيات تحاشت قراءته في الاحتفالات الدينية. فإذا تأملنا في هذا الخبر الخشن والقاطع كحدّ السيف، نجد أنه رغم كل ذلك يدل على حس عجيب بالخطيئة (جربّ الروح) واعتقاد بسلطة كنسية فيما يخص الخطيئة. فالجماعة تتبع بطرس وبولس، وهي تقدر بل تجبر على إعلان الخطيئة عندما يكون توافق في الشر ينتج عنه أذى للجماعة. وتعلن الكنيسة أيضاً حكم الله على الخاطئ، ولو كان الله وحده يقدر أن يستبعد (بالموت) من الجماعة المذنب الذي ظل مرتبطاً بالكنيسة برباط العماد. لا تستطيع الجماعة أن تصدر حكم استبعاد على مثال مجموعة مثل مجموعة قمران. فالمؤمن لا ينفصل عن الكنيسة كما ينفصل "فرّيسي" أو "أسياني" عن المجموعة التي ينتمي إليها. وحتى زاني كورنتوس الذي حكم عليه بولس رغم تخاذل الكنيسة المحلية، وأعلنه على هامش الجماعة معدّاً للموت، فهذا الزاني يبقى أخاً يقرر الله خلاصه في قلب المشاركة الأخيرة أو خارجها.
هنا نفهم أهمية خبر حنانيا إن أدركناه كوثيقة تاريخية أي على أنه يحمل شهادة رئيسية تتعلّق بالجماعة اللوقاوية حوالي سنة 80، عن معنى الخطيئة، عن السلطة الكنسية فما يخص الخطيئة، عن التمثّلات النموذجية التي أخذت بها هذه الكنيسة لكي تشّرع ممارستها. انطلاقا من هذا الأساس اللوقاوي، يستطيع المؤرخ أن يصعد في مجرى التقليد، علّه يجد المنبع دون أن يتمكن بطريقة مباشرة من القفز من النص، أي من التاريخ نرويه بصورة حرفية، إلى مستوى فرادة ما حدث. فالمؤرخ الذي ينطلق من تقليد وحيد، لا يستطيع أن يجعل نفسه في عالم الحدث وإلاّ خلق بطريقة وهمية خبراً آخر. غير أنه يبدو من الممكن أن نؤكد على النقاط التالية: استعاد لوقا من كنيسته تقليداً مسيحياَ متهوداً قديماً، وكيّفه حسب نظرته. هو لم يخترع ولا شك اسم حنانيا. فلو فعل لخلق التباساً بين حنانيا هذا وحنانيا الذي عمّد بولس الرسول (9: 10 ي): إن الذي أدخل بولس في الكنسية ليس ذلك الذي أخرجه منها.
ومن جهة أخرى، فخطيئة المال التي يتحدّث عنها الخبر تستعيد موضوعاً توسع فيه لوقا: من أجرة يهوذا (1: 18) إلى مالك عليما (8: 18؛ رج لو 16: 13). إنها الخطيئة الجذرية التي صارت مع حنانيا الخطيئة الأصلية في الكنيسة. حينئذ أعلن لوقا أن كل خيرات المسيحيين تبقى تحت سلطة الله وإن كان يحق لهم التصرف بها (تلك كانت الممارسة العادية في زمن لوقا). ولكن هذا لم يمنعه من أن يذكر على سبيل المثال الـ "أوتوبيا" (عالم مثالي) الأولى في الجماعة الناشئة يوم وهب برنابا كل أمواله دون أن يحتفظ بحق التصرف بها. وهنا أيضاً تبقى المعلومة مهمة على المستوى التاريخي، وهي في خط المجموعات الفلسطينية. ففي ذلك الوقت، كان الغش بالمال يهدّد بتدمير الجماعة أقلّه في إطار الطعام الجماعي المرتبط بطعام التعاون الذي هو الموضع الأسمى للمشاركة (كوينونيا).
ونذهب أبعد من هذا فنقول: إن الحدث التاريخي الذي يعكسه أع 5: 1- 11 هو في جوهره حدث دخول الخطيئة إلى الكنيسة مع وعي للسلطة الكنسية على الخطيئة. إن خبر حنانيا يجمع في صورة نموذجية (تعود إلى البدايات) خبرة الخطيئة هذه في الكنيسة. ولكن هذا الإقرار بالخطيئة، وإن لم يكن عميقاً، لا يحمل شيئاً جديداً بالنسبة إلى إعلانات الأنبياء القدامى وإلى الاعتراف بالخطايا الذي مارسته الجماعات التقوية في القرن الأول المسيحي. أما النقطة الجديدة فهي الاعتراف بسلطان كنسي على الخطيئة اعترافاً يرتبط ارتباطاً وثيقاً بسلطان يسوع على الخطيئة كما يقول النص الإنجيلي.
وفي النهاية يدل خبر أع 5: 1- 11 على جماعة تعي وجودها وتحدد نفسها داخل أوتوبيا تقوم بتأسيس طقس دخول في العهد الجديد عبر فعلة استبعاد أو بالأحرى عبر الاعتراف الجماعي بحالة إبعاد يعيشها الخاطئ نفسه لأننا لا نستطيع أن نحلّ نفسنا من المعمودية كمعمودية. أجل هذا هو معنى هذا النص داخل وثائق من العهد الجديد حول موضوع ما زال حاضراً الآن: الله وحده هو الذي يستبعد (يطرد، ينفي) استبعاداً جذرياً، وإن كان على الكنيسة أن تكشف المكان الذي حصر فيه الخاطئ نفسه، وأن تعلن دينونة الله (أي الموت) بالنسبة إليه.

 

 

الفصل الثاني والعشرون
الخدّام السبعة
6: 1- 6
أ- الجماعة تواجه أوضاعاً جديدة
منذ بداية ف 6 من سفر الأعمال، نلاحظ تبديلاً في حياة الجماعة المسيحية الأولى:
أولاً: زاد عدد التلاميذ (هي المرة الأولى تستعمل هذه الكلمة لتدل على المسيحيين، رج 6: 7؛ 9: 10، 19، 26، 38...) زيادة كبيرة (آ 1، 7؛ رج خر 1: 20: كثر الشعب وعظموا جداً). تذمّر المسيحيون كما تذمّر شعب الله في العهد القديم (خر 16: 8- 12؛ عد 17: 20 - 25، صفة الذين حلوا محل الرسل، آ 3؛ عد 27: 18- 20)، تنظيم وظيفة جديدة من أجل الحاجات المتنامية (خر 18: 13- 17).
ثانياً: ظهرت جماعات تختلف عن الجماعات الأولى باللغة والعقلية: هناك الهلينيون أي اليهود الآتون من الشتات والمتكلمون باليونانية، وهناك العبرانيون أي يهود فلسطين المتكلمون بالآرامية. رج آ 1).
ثالثاً: لم يعد التنظيم الأول كافياً للاهتمام بحاجات الفقراء المادية. وهناك بعض الشرّاح الذين يرون في آ 1- 6 علامات أزمة حقيقية كادت تفجّر الجماعة الأولى وتقسمها إلى مجموعتين، بعد أن حاول الهلينيون أن يكونوا جماعة مستقلة لها تنظيمها الخاص. غير أن الرسل استطاعوا أن يحلّوا الأزمة، فاعترفوا بسلطة رؤساء المجموعة المنفصلة. أما الرؤساء السبعة فخضعوا لسلطة الرسل الاثني عشر.
ولكن مهما يكن من أمر الظروف الملموسة، فالإشارة إلى لائحة السبعة والى نشاطهم، ترجع إلى ينابيع قديمة استقى منها لوقا. إذن، يهمنا أن نعرف كيف ألّف كاتب أع خبره ليبرز تعليماَ عقائدياً يشكل جزءاً من "إنجيله". فإذا أخذنا هذا النص كما هو، ووضعنا جانباً تاريخه الأول، فهو يعالج عدداً من المواضيع الهامة التي تبدو وكأنها تتوجّه إلى عصرنا: الاهتمام بالفقراء وتنظيم أعمال المحبة. الانقسامات بين مجموعات ذات ميول مختلفة، التذمّر والتوتّر في الكنيسة. تنوّع الخدم. التعدّدية والوحدة. النشاط الزائد والصلاة. اختيار على أساس رسالة جاءت من عل...
ب- امتيازات الاثني عشر وواجباتهم
يسمّي أع الاثني عشر بطريقة مباشرة هنا فقط (آ 2)، وبطريقة غير مباشرة في 1: 26 و2: 14. ولكن من الواضح أن لوقا يستعمل هذه الكلمة ليدّل على الرسل الذين يقدّمهم لنا في 1: 13، 26. غير أننا نجد شواذاً في 14: 4، 14. يتحدّث لوقا عن بولس وبرنابا ويسميهما "رسولين". لقد أرسلتهما كنيسة أنطاكية في مهمة. ولكن كلمة رسول تستعمل فقط للاثني عشر.
نحن نكتشف بسهولة بنية الخبر الذي نقرأه في آ 1- 6. فالآية الأولى تعرض الوضع: نما عدد التلاميذ، صار نقص في تنظيم الخدمات داخل الجماعة، تذمّرت مجموعة تحسب أن حقها هُضم. وتورد آ 2- 4 الخطبة التي بها يبرّر الرسل موقفهم، وتقدّم اقتراحاً ملموساً. وتروي آ 5- 6 كيف وافق الجميع على هذا الاقتراح ووضعوه قيد العمل. أما آ 7 فتعود إلى آ 1 (نما عدد التلاميذ). وتختم الكلام مشدّدة على ما كان لهذا النظام الجديد من نتيجة طيبة.
أول ما نلاحظه هو التشديد على دور الرسل في اتخاذ المبادرة: دعوا الجماعة (آ 2)، تكلّموا، واقترحوا طريقة العمل (آ 3). احتفظوا لنفوسهم بالموافقة الأخيرة (آ 4). وأخيراً، هم الذين تلوا الصلاة ووضعوا الأيدي على السبعة (آ 6). قد تعني آ 6 أن الجميع وضعوا الأيدي على السبعة. ولكن هدف الخبر العام (آ 3) والمقابلة مع نصوص العهد القديم (عد 27: 18، 23؛ تث 34: 9؛ 2 مل 11: 16؛ 13: 16...) أو مع نصوص سفر الأعمال (8: 17- 18؛ 9: 12- 17؛ 13: 3؛ 19: 6) جعلنا نقول إن الفعل يدلّ على الرسل دون سواهم.
يتألّف قلب الخبر (آ 2- 4) من كلمات الاثني عشر الذين يقولون على دفعتين كيف يفهمون خدمتهم. مرّة بطريقة سلبية: "لا يليق بنا أن نهمل كلمة الله" (آ 2). ومرّة بطريقة إيجابية: "أمّا نحن، فنواظب على الصلاة وخدمة الكلمة" (آ 4).
ج- خدمة الكلمة
إذن، لم يكن للرسل أن "يهملوا" كلمة الله (آ 2). يشير هذا الفعل إلى التخلّي الكامل وليس فقط إلى الإهمال. ويشدّد أيضاً على الواقع الدراماتيكي الذي فيه وجد الرسلِ نفوسهم مدفوعين إلى الاختيار بين أمرين لا يتوافقان: "لا يليق بنا" (31) تعني: "ليس من العدل والصلاح في نظر الله" (تث 6: 18؛ 12: 25؛ 13: 19).
لماذا أرادوا أن يعبرّوا عمّا به يقوم واجبهم قالوا: "أما نحن فنبقى مواظبين على الصلاة، وعلى خدمة الكلمة" (آ 4). هذا ما يجعلنا نفكّر بمقطعين آخرين في أع. بعد الصعود، نرى الرسل مجتمعين في أورشليم مع بعض النساء وإخوة يسوع في العلية. وهناك "كانوا كلهم مواظبين على الصلاة بقلب واحد" (أع 1: 14). وفي مكان آخر، تدلّنا "الإجمالة" الأولى في أع على المؤمنين الجدد "المواظبين على تعليم الرسل" (2: 42).
هناك عدد كبير من الشرّاح يعتقدون أن «التعليم» يدلّ فقط على الكرازة والوعظ. ويفترض بعضهم أن "خدمة الكلمة" هي عبارة تقنية توازي "خدمة التوراة" (أو الشريعة) المستعملة لدى الرابانيين. تقوم هذه "الخدمة" بأن يحفظ المؤمن غيباً مختلف نصوص التقليد اليهودي، بأن يقابل بينها بانتباه ليدلّ على توافقها في تعارضاتها الظاهرة، بأن يعطي الحل للمسائل المطروحة حول قضايا الشريعة. نجد مثلاً عن "خدمة" من هذا النوع في مجمع أورشليم (أع 15: 6- 22) حيث تستعمل الخبرات المواهبية (الكرسمية) ونصوص العهد القديم لحلّ مشكلة طرحها قبول المسيحيين للعماد المسيحي.
وقد يكون لوقا فكّر في هذه "الخدمة" الرابانية للكلمة حين حدّد نشاط الرسل. غير أن للعبارة هنا معنى أوسع وبعداً أكبر، ولن نجد عبارة "خدمة الكلمة" في أي مكان آخر من العهد الجديد. إنها شبيهة بعبارة "خدمة المائدة" (11- 2) ولكن لوقا طبّق لفظة "خدمة (دياكونيا، شماسية) على الخدمة الرسولية في 1: 25 (رج أيضاً 20: 24؛ 21: 19؛ روم 11: 13؛ 2 كور 2: 8؛ 4: 1؛ 5: 18). ولكن في عدة حالات سيكون للفظة المعنى العادي: الخدمة المادية. إذن، هي تنطبق على المساعدة الأخوية في الحاجة، ولاسيما بواسطة اللّمة.
إذا أردنا أن نفهم معنى هذه "الخدمة" وبُعدها، يجب أن نأخذ بعين الاعتبار نصوصاً أخرى يحدّد فيها لوقا واجبات الرسل تجاه الكلمة (1: 8؛ 1: 21- 22، 25؛ 4: 17- 20، 29- 31، 33؛ 5: 28، 29- 40). هناك ولا شك اختلافات في الطرق المتنوّعة التي بها ندلّ على نشاط الذين يعلنون الكلمة: "التعليم باسم يسوع" (4: 18). "الشهادة لقيامة الرب يسوع" (4: 33). "أن نكون شهوداً" (1: 8). إعلان اسم يسوع والتوبة وغفران الخطايا (لو 24: 47). إلا أن النشاط الذي يتحدّث عنه 6: 24 فيضم كل النشاطات المرسومة سابقاً مع الأخذ بعين الاعتبار التفاصيل المتعلّقة بالظروف الخاصة.
ولا بدّ من أن نعود خاصة إلى الأخبار التي فيها بيّن لوقا موقع الرسل في الممارسة الملموسة لخدمة الكلمة هذه (1: 15- 22؛ 2: 14- 40؛ 3: 12- 26؛ 4: 8- 12؛ 5: 29- 33). بالإضافة إلى ذلك، لن ننسى أن يسوع سبق الرسل، فأعطى بذاته مثلاً عن "خدمة الكلمة" هذه حين تحدّث مع تلميذي عماوس (لو 24: 17- 23)، وحين كلّم الرسل بعد القيامة (1: 3- 8؛ لو 24: 44- 48).
فإذا جمعنا كل هذه المعطيات، نرى أن "خدمة الكلمة" لا تنحصر بالكرازة بطريقة عامة، أي بإعلان ديني عن الله. يكمن أصل الخدمة وأساسها في اليقين بقيامة يسوع. وهدفها أن تجعلنا نُدرك مضمون الزمن الحاضر من أجل الخلاص، وأن نبرز على ضوء تعليم الأنبياء في العهد القديم، الواجبات التي تنتج عن الحدث الفصحي (في 1: 15- 22: تفسير معنى موت يهوذا، واكتشاف إرادة الله في هذا الظرف على ضوء نصوص العهد القديم). إذن، هناك بعض التشابهات مع "خدمة التوراة" التي يمارسها الرابانيون. ولكن ليس الهدف فقط في أن نعمّق معنى الشريعة وأن نطبّقها على حالة خاصة، بل بالأحرى أن نفتح "الأذهان لفهم الكتب" (لو 24: 45)، فنرى في ما يحدث الآن، وبالأخص في قيامة يسوع وفي أعمال الروح، العلامات الحقيقية لإتمام مواعيد الله. مثل هذا النشاط لا ينحصر في أن نردّد جهراً وفي ظروف معيّنة نصوصاً تعلّمناها غيباً. بل هو يفرض قراءة متواصلة للكتب المقدسة (17: 11) لنستخرج من كنزها "الجديد والقديم" (مت 13: 52). وهكذا تصبح الجماعة قادرة، يوماً بعد يوم، على مجابهة الحاجات العادية أو الطارئة.
من الواضح أن مثل هذه المهمّة قد تأخذ كامل وقتنا أو تفرض علينا أن نترك نشاطات أخرى، حسنة في حد ذاتها، ولكنّها تشتّت قوانا.
د- الصلاة
للمرة الأولى تعرض المواظبة على الصلاة على أنها مهمّة خاصة بالاثني عشر (آ 4). كانت قد ذكرت أعلاه (2: 42) بمناسبة الحديث عن كل المرتدين الجدد الذين "كانوا يلتقون كل يوم في الهيكل" (2: 46). ولكن حين نقرأ الفصول الأولى من أع على ضوء 6: 4، نلاحظ أن الكاتب قد شدّد مراراً على العلاقة الخاصة التي تربط الرسل بخدمة الصلاة (1: 14، 24- 25؛ 2: 21، 11، 46؛ 3: 1؛ 4: 12- 31؛ 5: 12). إذا قابلنا 2: 1 ("كانوا مجتمعين كلهم في مكان واحد") مع 1: 14؛ 2: 42، نجد أن العبارة تدلّ على اجتماع صلاة مشترك. ومداومة المسيحيين الأولين على المجيء إلى الهيكل (2: 46) تستند إلى مثل بطرس ويوحنا (3: 1) وسائر الرسل (5: 12). والرسل هم الذين يتلون الصلاة في 4: 23- 31، أو بالأحرى يتدخّلون فيها بصفة خاصة. إذن، لا نندهش إن جُعلت المواظبة على الصلاة وخدمة الكلمة ميزة من ميزات الرسالة والرسل.
ولكن هل هذه الصلاة هي عمل الرسل وحدهم أو عمل الجماعة كلها بقيادتهم؟ هناك إشارات عديدة تقودنا في المنحى الثاني. ففي النصوص التي ذكرنا (ولاسيما 1: 14، 24؛ 4: 23- 31)، يبدو أن وظيفة الرسل هي أن يصلّوا وسط "الكنيسة" المجتمعة. وفي أي حال، يذكرهم النص أولاً حتى حين ينضم سائر التلاميذ إلى صلاتهم (بشكل غامض أو واضح). بالإضافة إلى ذلك، تترافق خدمة الكلمة مع الصلاة بطريقة طبيعية حسب العادة عند اليهود. ولنا مثال على ذلك في 4: 21- 30: إن تطبيق مز2 على الحالة الحاضرة (هذا يشكل "خدمة الكلمة") تتبعه صلاة.
إذن، يبدو أنه على الرسل أن يواظبوا على دفع صلاة الجماعة وتوجيهها. لهذا، هم يتفحّصون الكتب، يتذكرون حسنات الله وتدخلاته في التاريخ، يتعلّمون أن يميّزوا في الوضع الحاضر، التدخلات الإلهية. وأخيراً، يجتذبون سائر التلاميذ إلى تسبيح الله ورفع آيات الشكر له وطلب تجليّات جديدة للروح (4: 30- 31).
هـ- السبعة
ما قيل عن الرسل ورسالتهم يقابل ما ورد عن السبعة. يقول هذا المقطع إن وظيفتهم هي خدمة المائدة (آ 2- 3). ولكن القرينة لا تتيح لنا أن نوضح ما تقوم به هذه الخدمة بطريقة ملموسة. لا شك في أنه كان هناك تنظيم دقيق لا نكتشفه في 2: 45 و4: 35 حيث يتم التوزيع على المحتاجين، وتنظَّم الأموال الواردة من بيع أراضٍ وبيوت امتلكها بعض التلاميذ. تتكلم آ1 عن "الأرامل" (يتحدّث لوقا مراراً عن الأرامل، رج 9: 39؛ لو 2: 37؛ 7: 12؛ 18: 3؛ 20: 47؛ 21: 2) اللواتي يعتبرهن التقليد في حاجة إلى المساعدة، كما تتكلّم عن توزيع «يومي» سيسمّى فيما بعد "خدمة المائدة". هل نفكر بوجبات من الطعام تنظّم كل يوم من أجل الأرامل وسائر المحتاجين؟ يبدو أن لوقا يلمّح إلى شيء كهذا، ولكن تلميحه يبقى غامضاً. هل نكتشف في النص الحالي (كما وجد بعضهم) سبباً عميقاً للنزاع حول رفض اليهود أن يأكلوا مع الهلينيين؟ لو وُجدت صعوبة من هذا النوع في المراجع التي يستقي منها لوقا، لكان أغفلها. بالنسبة إليه، قد حلّت مسألة المشاركة في المائدة بين اليهود وغير اليهود في وقت ارتداد كورنيليوس (10: 10- 16، 19- 20، 28). ولا نستطيع أن نستند إلى هذا النص لنتحدّث عن شقاق أثاره السبعة ثم تجاوزه تدخل الرسل. لا شك في أن لوقا لا يفسّر لماذا كانت أسماء السبعة كلهم أسماء يونانية، حين كنا ننتظر أن يقوم بخدمة المحبة تجاه اليهود والهلينيين أناس ينتمون إلى الفئتين. ولكن لن نبحث في هذا النص عن صورة مفصّلة لوضع معقد.
حين حدّثَنا الكاتب عن السبعة، وضع أمامه ثلاثة أهداف: أدخل في خبره لائحة قديمة بأسماء أشخاص احتلوا مكانة هامة في الجماعة الأولى (هناك لائحة مماثلة لخمسة أنبياء ومعلمين في أنطاكية، 13: 1). أدخل شخص اسطفانس وفيلبس اللذين سيلعبان دورا هاماً في ما يلي من أحداث (6: 8؛ 8: 2؛ 8: 5- 40). وأخيراً، أظهر أن المبادرات الرسولية المنسوبة إلى هؤلاء الرجال الذين نالت منه المسيحية الأولى دفعاً قوياً، لم تكن منفصلة عن مبادرات الرسل الذين أرسلهم يسوع، ولم تكن معارضة لها. لا تبدو شهادة اسطفانس الهامة التي كانت سبباً لاضطهاد عنيف (8: 1؛ 11: 19)، وظرفاً ساعد على نشر البشارة خارج أرض فلسطين، ولا يبدو تبشير السامرة الذي قام به فيلبس (8: 5)، لا يبدوان بعيدَين عن هدف يسوع الذي توخّى تبشير الوثنيين عبر الرسل. لقد وعد يسوع الرسل فقال لهم: "ستكونون شهودي في أورشليم، في كل اليهودية والسامرة، وحتى أقاصي الأرض" (1: 8). هذا الوعد سيتحقّق عبر طرق جديدة وغير منتظرة ولكنها طرق فاعلة.
سُمّي السبعة "شمامسة" بل "أوائل الشمامسة". لا ينسب النص إليهم هذه الصفة: إنه يتكلم فقط عن خدمة المحبة. ولكننا نظن أن الشعب المتنامي في وضع الجماعة ولّد خدماً متنوعة سيبقى أساسها الموهبة (الكرسمة) الرسولية.
و- الإعانة، المحبة، الأخوة
قد نخسر وجهة هامة من النص إن تركنا جانباً تعاليم يتضمّنها بطريقة واضحة، وهي تتعلّق بأمور جوهرية في الحياة المسيحية.
يفترض النص أولاً، وكأن الأمر لا يحتاج إلى جدال، أن الجماعة تهتمّ بالضعفاء والمساكين (آ 1). وهذا الاهتمام هو تطبيق للقول العام: "لم يكن بينهم محتاج" (4: 34). فوجب للوصول إلى هذا الهدف أن تكون مشاركة وطواعية من قبل الجميع (2: 44- 45؛ 4: 32، 34- 37). لن نتخيّل أن الأمور كانت على ما يرام، دون صعوبات أو تشكّيات. ولكن الرسل الذين هم حماة وحدة القلوب والمشاركة في الخيرات، جابهوا الصعوبات واتخذوا مبادرات أصيلة. لم تُرفَض التشكّيات والتذمرات بطريقة آلية، ولم تعتبر علامة عن روح عاطلة أو عدم صدق: تفحّصوها بجدية ليجدوا لها الجواب الشافي.
حين تحدّث لوقا عن وجود مجموعة "الهلينيين" ومجموعة "اليهود" (العبرانيين) منذ زمن الكنيسة الأولى، فقد أراد أن يعطى مسيحيّي عصره تعليماً هاماً: إن الأمانة لما فتحه لنا يسوع من آفاق، يتيح لنا أن نتجاوز الخلافات التي تفصل المؤمنين بعضهم عن بعض.
وعى الرسل مسؤوليتهم تجاه الجماعة، فتصرّفوا بسلطة حقة ولكن بروح أخوية. أظهروا انفتاحاً وصراحة حين واجهوا بطريقة مباشرة المشكلة أمام كل التلاميذ المجتمعين، وطلبوا منهم أن يختاروا أناساً جديرين بمواجهة الوضع الجديد.
ويقدّم لنا هذا النص صورة عن جماعة ملتئمة بكلمة الله، مستندة إلى الصلاة، متنوعة (الرسل، السبعة) من أجل خدمة الكلمة خدمة أفضل. يُنعش هذه الجماعة روحُ الخدمة المتبادلة والهمّ في فض الخلافات البارزة بروح أخوية.
ز- خاتمة
إن فهِمَ كل واحد واجباته الخاصة في الكنيسة، تكوّنت الأخوّة والمشاركة. فعلى الأسقف والكهنة واجبات تجاه خدمة الكلمة. وهم يرئسون أيضاً الصلاة وينظّمونها. ولكن هناك مواهب وخدماً أخرى تمارس في التناسق، فلا يحسّ الفقير بالحاجة، ولن يتذمّر أحد لأنه متروك. وإن تنوّع التعليمات واللغات والبلدان التي ننتمي إليها، لن يقف حاجزاً في وجه دينامية المحبة والمساعدة الأخوية التي ننشطها يوماً بعد يوم.
إن جماعة تعيش على هذا الشكل تعلن عظائم الذي دعا المسيحيين من الظلمة إلى نوره العجب (1 بط 2: 9). وهي تتمّ أعمالاً عظيمة على مثال ما فعل يسوع (يو 14: 12)، لأنها تأخذ على عاتقها كل تعليم الأخوّة الذي أعلنه المعلم على طرق فلسطين.

 

 

الفصل الثالث والعشرون
خطبة اسطفانس
نظرة عامة: اتهامات
نبدأ كلامنا عن خطبة اسطفانس في ملاحظة تفسيرية. لا بدّ من الأخذ بعين الاعتبار بأربعة عناصر لها تأثيرها على تفسيرنا للخطبة وقد أثرت، على ما نظن، في تأليف الخطبة. الأول: إن الكتاب الذي نجد فيه خطبة اسطفانس يتركز على المسيح تركّزاً قوياً ولا سيّما في الخطب. الثاني: إن الخطبة التي ندرس قد تكوّنت في النهاية على ضوء حدث مضى هو دمار أورشليم. الثالث: ترتبط الخطبة كقطعة أدبية في كتاب، بمتتالية الفصول الأولى ومواضيعها الموسّعة. الرابع: الخطبة هي تفسير مسيحي لتاريخ اليهود.
أ- الاتهامات وعلاقتها بعضها ببعض
قبل أن ندخل في تفسير خطبة اسطفانس، نظن أنه من المهم أن نناقش بعض الوجهات في آيات عديدة من محاكمته في ف 6. فخبر الجدال حول هذه الخطبة قدّم نظرات متعدّدة حول علاقة ممكنة بين الخطبة واتهام اسطفانس. أمّا قراءتنا للحدث فأقنعتنا أن الاتهامات المتعلّقة بالخطبة هي التي تعطي الكلمات معناها وتوضح المواضيع الأساسية (كرستولوجية، ليتورجية) للقارئ.
أما الخطبة فقد هُيئت بأجوبة على أسئلة تتعلّق بالمشكلة الكبرى في عهد لوقا، وهي دمار الهيكل. واعتبارنا لهذه الاتهامات هي أنها مقدّمة بحيث إنها ترسم خطاً دقيقاً بين أمور لم يبرهن عنها وإعلانات ترتبط بالوثائق. وقيمة تفسيرنا لهذه الآيات سيكون واضحاً عبر تفسير للخطبة التي تتبع هذه المقدمة.
ننظر إلى هذه الاتهامات على أن الواحد يرتبط بالآخر. ما نجده هنا وما نلاحظه في تدرّج الخبر، هو أن الاتهامات ضد اسطفانس تتحدّد شيئاً فشيئاً. فالاتهام الأول (6: 13) يجعل من اسطفانس مجدّفاً. ويوضح: هو لم يجدّف فقط بصورة عامة ضد الله وموسى، بل ضد المكان (الهيكل) المقدس والشريعة.
والاتهام الثاني (6: 14) يتفصّل أكثر. فهو يفسّر في أي معنى تكلّم اسطفانس ضد الهيكل وضد الشريعة. إن اسطفانس نفسه لم يفعل شيئا ضد هذه المؤسسة وهذا النظام، بل قال: يسوع الناصري سيعمل ضدهما: يهدم الهيكل، يغيّر التقاليد. ونلاحظ مع توضّح الاتهامات، أن عمل اليهود صار شكلياً وقانونياً. وتنامي التحديد في الاتهام وتبدّل النشاط من عملِ شعبي غوغائي إلى عمل قانوني هما وسيلتان أدبيتان تدلاّننا على أن آ 14 هي المحور الذي عليه نركّز كلامنا. هذا يعني أن هذه الآية تتجاوز التحرّك المتنامي ضد اسطفانس وقد وضعت مكانياً قرب الخطبة بحيث إنها صارت النقطة التي يرد عليها اسطفانس في خطبته.
وهكذا لا نرى اتّهامينِ أو أكثر متجاورين ومتلاصقين، بل توسّعاً في اتهام واحد يتوضّح شيئا فشيئاً ويتخذ منحى لاهوتياً متزايداً. نلاحظ في الوقت عينه أن كل اتهام قد صيغ لوضع يجد فيه اسطفانس نفسه. أن يكون اسطفانس قد اتُهم في هذه المؤامرة على أنه جدّف، يكفي ليجعل الجموع تتحرّك. وحين يكون أمام المحكمة، سيُتهم بصورة أقوى وأدق لأنه قام بعمل شنيع: إنه جحد إيمانه. وفي النهاية، لم يبقَ من شك لدى الشهود الكذبة حول معنى اتهامهم وطبيعته الحقيقية. أوردوا كلمات "قالها" المتهم من أجل الحكم عليه. وهكذا يترافق الخبر المتدرّج مع اتهامات تتكمّل شيئاً فشيئاً.
ب- عودة إلى 6: 14
بعد أن نظرنا إلى الشكل الإيجابي المتعلّق بالاتهامات وبنيتها، نركّز الآن على 6: 14، لأنها كما قلنا، نقطة الانطلاق التي أعطيت للقارئ ليفهم الخطبة الآتية.
ما نلاحظه أولاً في هذه الآية هو تأليفها المتقن. فقد أعلن الشهود أن جريمة اسطفانس هي أنه تكلّم ضد الهيكل والشريعة: قال بأن يسوع سيدمّرهما. قد ننتظر عقاباً لاسطفانس إن هو حاول شخصياً أن يسيء إلى الهيكل بيده (يهدم حجارته)، أو إن جدّف ضد الهيكل والشريعة. بل، وهذا لم نكن نتوقعه، نجد جرمه في مكان آخر. نجده في يسوع الذي يريد أن يهدم النظم اليهودية. ما هي إساءة اسطفانس الخاصة؟ لقد جعل يسوع في المركز الرئيسي وسماه كذلك الذي يعارض الهيكل مباشرة.
لا شكّ في أن الهجوم على الهيكل والشريعة هو واحد وهو يشير إلى أن المتهمين هما اسطفانس ويسوع معاً. ولكن بنية الاتهامات تركّز على يسوع، لا على اسطفانس، كالعامل الرئيسي في هذا "الهدم". فاسطفانس اكتفى، شأنه شأن الأنبياء، بأن يعلن ما سيفعله يسوع. ومع ذلك، توقف اليهود عند الاتهام وعند اسطفانس. فمن الواضح للقارئ المسيحي لهذا الحدث، وقد سبق له أن عرف يسوع ودوره المحوري في مخطط الله، أن هذا التعبير عن الاتهام له معناه.
يختلف المسيحي عن اليهودي فيقبل ما يقوله اسطفانس ويوافقه الرأي بأن يسوع سيدمّر الهيكل. فيسوع هو الرب والمسيح، وما يفعله يمكن أن يكون الحق والعدل. أما هو جالس عن يمين الله؟ فالنقطة المهمة التي يناقشها الكاتب ليست صدق اسطفانس ولا قدرة يسوع، بل السبب الذي لأجله وقف يسوع ضد الهيكل وضد الشريعة. وهكذا ما كان موضوع محاكمة لدى اليهود، صار حقيقة للكاتب وللقارئ بحيث إنه لا يتساءل: "هل يكون الأمر هكذا"؟ بل: "لماذا سيكون هكذا"؟
ونختم هذه النقطة فنقول إن التعبير عن الاتهام، وقد سمّى يسوع ذاك الذي يدمّر الهيكل والشريعة، هو أهم تفصيل في الهجوم على اسطفانس. فلا بدّ من شرح العلاقة بين يسوع من جهة والهيكل والشريعة من جهة أخرى. وهذا الاتهام المعبّر عنه بدقة، سيوجّهنا لنفهم هذا التوسع الخاص للخطبة ومدلولها في الحديث عن يسوع والهيكل.
ج- كلمة "المكان"
1- معنى الكلمة
وقبل أن ننتقل من الاتهام إلى الخطبة، نتوقف عند لفظة "توبوس" (المكان، هنا الهيكل). فماذا يعني المكان المقدس؟ يعني كما في أع 21: 28 حيث نقرأ اتهام اليهود لبولس: "هذا هو الرجل الذي يحارب شعبنا والشريعة وهذا المكان" (أي الهيكل). ثم نقرأ: "جاء ببعض اليونانيين إلى الهيكل ودنّس هذا المكان المقدس". فبنية 21: 28 ومفرداتها تلفت النظر حين نقابلها مع مختلف أقسام خبر اسطفانس وخطبته. فاليد الواحدة هي التي عملت في ف 7 كما في ف 21. والتماثل بين المكان المقدس والهيكل مهمّ جداً، لأن هذه اللفظة ستلعب دوراً هاماً في توسّع الخطبة. فموضوع الدمار يُعطى له اسم المكان الذي فيه يتعبّد (7: 7) بنو اسرائيل ونسل إبراهيم. وفي تفسيرنا، تبدو العبارة أساسية لفهم الخطبة كلها. ويجب أن تبقى أمامنا لفظة "توبوس" حين ننتقل من آ 14 إلى الخطبة.
2- الهيكل والقيامة
ونلاحظ نقطة أخيرة في أع نود أن نركّز عليها. نقرأ هنا عن بناء مادي، فندرك شكلاً من تدمير مادي مقبل. هذه نقطة مهمة لأن سائر التقليد المتعلّق بتدمير الهيكل يرتبط بجسد يسوع وقيامته. ولنقابل بإيجاز المقاطع التي تورد تقليداً عن الهيكل:
مت 26: 61 (رج 27: 40) مر 14: 58 (رج 15: 29)
أدمّر هيكل الله وبعد أدمّر هذا الهيكل الذي صنعته
ثلاثة أيام أبنيه (من جديد) الأيدي وأبني آخر لم تصنعه الأيدي
يو 2: 19 أع 6: 15
دمّروا هذا الهيكل وأنا فيسوع الناصري هذا
أقيمه في ثلاثة أيام سيدمّر هذا المكان
تبيّن النصوص الثلاثة الأولى تشابهاً في الألفاظ ونيّة مشتركة تربط دمار الهيكل بموت يسوع، وإعادة بنائه بقيامة يسوع. وإذا قابلنا النص الرابع، نص أع، مع النصوص الثلاثة، نجد أنه يتخذ معنى آخر. إن 21: 28 تؤكد أن المسيحيين كانوا ضد الهيكل المادي بحيث إن 6: 14 يبدو مؤسساً على واقع تاريخي. قد نرى هنا توسعاً في النصوص الثلاثة الأولى في وعظة أساسية ضد هيكل أورشليم. في أي حال، هيكل أورشليم هو ما يدمّره يسوع، واسطفانس يمثّل نقاط الدفاع حول هذا الهيكل. حين نرى تقرّب متى ومرقس ويوحنا من لفظة "الهيكل – الجسد"، نجد من الصعب أن نقبل بأن لوقا لم يعرف شيئاً من هذا. إن 6: 14 تجعلنا نشعر أنه كان هناك خلاف بين العالم اليهودي ونظمه التي وضعها الله، والمسيحية مع اعتقادها بأنه، "ما من اسم آخر (غير اسم يسوع) وهبه الله للناس نقدر به أن نخلص" (14: 12).
خاتمة
هذه الأفكار هي ما لفت نظرنا كاستعداد (أراده الكاتب) لفهم كامل لما سيقوله اسطفانس، وللسبب الذي سيدفعه إلى قول مثل هذا الكلام. وفوق هذا كله، هناك موضوع المسيح والهيكل الذي سيجعله اليهود بمثابة الاتهام الحاسم ضد اسطفانس (وضد المسيحية) والذي سيلعب دوراً هاماً في الخطبة التي سنقرأها (7: 2 ي).

 

 

الفصل الرابع والعشرون
خطبة اسطفانس
وجه إبراهيم
7: 1- 8
خطبة اسطفانس هي أطول خطب أع. وهذا ما يدلّ على أهميتها. إنها نظرة إلى تاريخ إسرائيل تبدأ مع إبراهيم (آ 1- 8) وتصل إلى سليمان والهيكل (آ 46- 49). وتتوقّف بصورة خاصة عند موسى (آ 17- 43) الذي هو صورة عن يسوع (آ 25). ولكن هذه النظرة لا تكفي، شأنها شأن سائر الخطب الرسولية، بأن تذكر حسنات الله. فهي ستتحوّل سريعاً إلى هجوم على إسرائيل الذي ما زال يقاوم الروح (آ 51؛ رج آ 27، 35، 39، 42، 52)، وعلى هيكل صار أعظم من الله (آ 48). يتحدث اسطفانس عن إبراهيم، عن يوسف 
(آ 2- 16). ويتوسّع في خبر موسى ويقابل بين المهمة الخلاصية الرفيعة التي سلّمه الله إياها وموقف بني إسرائيل من رفض وعصيان وخيانة. هي مواضيع تقليدية ردّدها سفر التثنية. ولكن الخطيب يتوسّع فيها هنا انطلاقاً من الواقع المسيحي. فحين يتكلّم اسطفانس عن يوسف فهو يفكّر في المسيح. وموقف بني إسرائيل تجاه موسى هو موقفهم تجاه المسيح. كما يرفض اسطفانس تعلقاً بأرض خاصة (آ 2- 6)، بذبائح (آ 39- 43)، ببناء هيكل مادي (آ 44- 50).
أما نحن فنوزع هذه الخطبة على خمسة فصول. وجه إبراهيم، وجه يوسف، وجه موسى التاريخي، موسى المحرّر، الهيكل والروح القدس. ونبدأ بوجه إبراهيم حيث تشكّل آ 2- 8 وحدة تامة، وحيث تبدأ آ 9 بخبر يوسف ويعقوب مع غياب إبراهيم كفاعل. لن نتحدث فقط عن هذه الآية أو تلك، بل نربطها بعضها ببعض باحثين عن المعنى العام.
أ- النقطة المركزية في خبر إبراهيم
السؤال الذي يهمّنا في هذه الآيات هو: ما هي النقطة الرئيسية في خبر إبراهيم؟ وفي النهاية، سنحاول أن نعرف علاقة إبراهيم وخبره مع سائر الخطبة.
نظن أن النقطة الرئيسية في حدث إبراهيم نجدها في نهاية آ 7: "وبعد هذه الأمور سيخرجون ويعبدونني في هذا المكان". لماذا اخترنا هذه الآية دون سائر الآيات؟
1- وظيفة آ 2- 4
تشير الآيات إلى تحرك إبراهيم من بلاد الرافدين إلى أيّة أرض يدل الله إبراهيم عليها. ويبرز هدف ظهور الله لإبراهيم بالخطاب المباشر: "أترك أرضك وعشيرتك". وهذا الأمر يبدأ مع مسيرة الخبر، ويعبّر عن هدف التحرّك. وما تبقّى هو تصوير للظروف التي فيها أعطي الأمر. وهكذا يكون الوصول إلى الأرض هو الهدف الرئيسي بأن يترك إبراهيم بلاد الرافدين. فعلى القارئ أن ينظر من خلال هذه الآيات إلى الوصول إلى أرض كنعان.
2- وظيفة آ 5 
هذه الآية تتبع الوصول إلى أرض الموعد، وهي تقدّم نقطة اهتمام أخرى يجب أن يهتم بها القارئ. لم يحصل إبراهيم الآن على الأرض. فالوصول إلى الأرض لا يعني امتلاكها. والامتلاك في سيكولوجيا هذا الخبر يعني أكثر من مجرد امتلاك الأرض. لا شك في أن الله توخى أن يمتلك إبراهيم الأرض: فقد وعد بها له ولنسله، مع أنه لا ولد له. وهكذا وجد أمر الله في آ 3 تتمّته، لا في الوصول بل في الامتلاك المقبل. وهكذا يتوجّه انتباه القارئ لا إلى وصول إبراهيم، بل إلى امتلاكه الأرض هو وأبناؤه. فان كنا معتادين على تقاليد العهد القديم، نفهم أن الطريق فُتحت الآن أمام تاريخ إسرائيل الذي يحاول أن يبلغ أرض الموعد. إبراهيم هو البداية، هو الفاتحة من أجل امتلاك الأرض.
3- آ 6- 7 وارتباطها مع آ 2- 5
لقد حل محلّ الوصول إلى الأرض انتظارٌ طويل ليتمّ الوعد. وهاتان الآيتان (آ 6- 7) تقدّمان لإبراهيم وللقارئ (ولمتهمي اسطفانس) المستقبل الذي كان مجهولاً في آ 5. تكلّم الله مرة أخرى في صيغة الخطاب المباشر. رسم لإبراهيم التاريخ الذي سيمتدّ بعد إبراهيم وعبر أبنائه الذين سيمتلكون في النهاية الأرض، فيتمّ تماماً كاملاً الهدف الذي أراده الله بأن يدعوه من بلاد الرافدين إلى هذه الأرض.
إن هذه الآيات تقدّم للقارئ معطيات الزمان والظرف التي فيها تمّ مخطّط الله، وتدفع القارئ إلى النظر من خلال زمن إبراهيم وخبره إلى إنجاز أمر الله لإبراهيم. وهكذا تكون هذه الآيات مفكرة لقصة الله. ويكون للقارئ فكرة عن الحقبة التي بعد الوعد، وعن هدف هذا التحرّك.
ب- مفتاح خبر إبراهيم
ونجد في كلمات الله الأخيرة قرار الله بأن يرسل إبراهيم إلى أرض أخرى. هناك حركة تيهان وعبودية وحرية وخروج من الأسر. كل هذا يعرفه قارئ العهد القديم، وهو واقع تاريخي، ولكن العبادة في ذلك الموضع (تلك البلاد) هي هدف أكثر منه واقع. قال: سيخرجون أحراراً ويعبدونني في تلك البلاد. الواو (في ويعبدونني) تعني الغاية: يخرجون لكي يعبدوني. هناك تشديد على آ 7 أكثر منه على سائر الآيات. ولهذا نتوقف عندها.
1- خطاب مباشر
هذا هو الخطاب المباشر الأخير من قبل الله في خبر إبراهيم، وذلك حتى يكلّم الله موسى (آ 32). وهكذا يكون الخطاب المباشر في الذروة من خبر إبراهيم وسيشير بقوة إلى ما سيقال فيما بعد.
2- موقع آ 7 ب
تنفصل آ 7 ب انفصالاً أدبياً عن سائر الإيراد الكتابي (آ 6- 7) عبر انقطاع، ليكون التشديد على ما يتبع مباشرة. فالنصف الأول من الإيراد قد أجمل مع "ميتا توتا" أي "بعد هذا". وحين يتم "هذا" يتم الباقي كله، يتم كل ما سبق. فالأهم نقرأه في الخطاب المباشر.
3- تأليف آ 6- 8
إن الإيراد الموجود في آ 6- 7 يعود إلى نصين من العهد القديم. مع "سأدين". نحن لا نزال في إطار خبر إبراهيم كما في سفر التكوين. أما آ 7 ب فتعود إلى سفر الخروج (3: 12). فمن تنبّه إلى المتتالية التي نجدها في خطبة اسطفانس، انتظر أن يظهر استشهاد من سفر الخروج مع سائر استشهادات الخروج في القسم المتعلّق بموسى في الخطبة. غير أن ما يلفت النظر، هو أن الاستشهاد من سفر الخروج قد تأخر في الزمن ليقدّم تفسيراً لمستقبل إسرائيل الذي أعطي لإبراهيم من قِبل الله. فقسم سفر التكوين الذي منه أخذ الاستشهاد لا يشير إلى العبادة. فالإطار هو ليتورجي (تك 15: 9- 20 الذي يتضمن قطع العهد)، ولكن ما يتبع (تك 15: 14) هو فعل "خرج" مع "غنى كبير". إذن، لا نجد ذكراً لعبادة الله المقبلة. وهكذا يبدو أن اسطفانس زاد "عبادة الرب" كتفسير للسبب الذي لأجله صار الشعب حراً.
ونقرأ في نهاية آ 7 ب: "في ذاك الموضع". فقد يعني الموضع الذي فيه تقبّل إبراهيم هذا الإعلان عن الله. هذا الموضع هو أرض إسرائيل. وهكذا نستنتج بعد أن نضم كلمتين منفصلتين تفوّه بهما الله، أن الكاتب حدّد بطريقة ناجحة الهدف الأخير لملاّكي الأرض في المستقبل. الهدف الأخير الذي لأجله دُعي إبراهيم من أرضه إلى أرض إسرائيل هو عبادة الله.
4- تأليف آ 7 ب
ونجد تبديلاً نصوصياً آخر في آ 7 ب. فالاستشهاد الأصلي في خر 3: 12 يطلب من بني إسرائيل أن يعبدوا الله على هذا الجبل. بما أن الاستشهاد يدلّ على مستوى الزمان والمكان، فلفظة "الجبل" سوف تتغيّر. كان باستطاعة لوقا أن يستعمل عدداً من المفردات، ولكنه اختار مفردة "توبوس" التي قد تعود إلى عبارة: "من تلك المواضع (أو: الأماكن)". حين صاغ هذه العبارة، ذكّر قرّاءه فجأة باستعمال آخر لعبارة "تلك البلاد" في اتهام اسطفانس لبني إسرائيل (لا حاجة إلى القول إن العبادة في الموضع المقدّس ستجعل المكان مقدساً، هاجيوس توبوس). هناك ولا شك بعض الدعابة المقصودة في هذين الاستعمالين.
فالمكان الذي فيه يعبد بنو إسرائيل الرب يتعارض بقوة مع ذاك المكان الذي سيدمّره يسوع الناصري. بفضل هذا لا يماثل المكان (توبوس) في آ 7 حرفياً مع الهيكل، ولا يحدّد مكان خاص لا في هذا النص ولا في سفر التكوين، بل يقدّم هنا كالمكان الذي فيه يقوم إسرائيل برسالته، ليصل إلى هدفه في إطار يعبّر عنه في آ 2- 7. فإسرائيل مدعوّ في بداية تاريخه وبالتالي في بداية دعوة الله له، ليعبد الله "في هذا المكان"، يعني في إسرائيل أو في مكان آخر. في بداية إنجيل لوقا ومباركة زكريا لابنه، يعطي الكاهن لإسرائيل تحديداً مشابهاً بألفاظ تدل على هدفه الأخير: "أقسم لإبراهيم أبينا بأن يهبنا ذاك التحرّر من الخوف وأن ننجو من أيدي أعدائنا فنخدمه في القداسة والبر، كل أيام حياتنا في حضرته" (لو1: 73- 75). وحين جاء يسوع رسول الله الأخير، سيدمّر المركز الأساسي لهذه العبادة. فالعلاقة الدقيقة بين 6: 16 و7: 7 ب لم تٌكتب بعد. بيد أن هناك شعوراً باقياً وأساسياً يصل إلى ذروته في نهاية خطبة اسطفانس. وما نقوله هو أن عودة متكرّرة إلى مكان العبادة وردت مرّة في رأس الاتهامات، ومرة ثانية في رأس مقدمة القسم المتعلّق بإبراهيم. كل هذا يجب أن يوقظ القارئ إلى تفسير لاحق للمشكلة: كيف يستطيع الإله عينه أن يأمر بني إسرائيل أن يعبدوه في هذا المكان (حرّرهم لكي يفعلوا هذا)، وفي قمة تاريخ إسرائيل (في نظر المسيحيين) يتطلّع إلى دمار المكان المقدس والمخصّص للعبادة؟
إن البراهين الأربعة المذكورة أعلاه تلتقي لتدلّ على أن آ 7 هي قمة خبر إبراهيم: تبيّن هدف أمر الله الأصلي لإبراهيم (آ3)، وتحدّد السبب الذي لأجله حرّر الرب إسرائيل.
ج- وعد مع الله
ونطرح سؤالاً: إذا كانت آ 6- 7 هما جوهر خبر إبراهيم، لماذا يبدو سائر الخبر طويلاً؟ سنجد الجواب على مستوى اللاهوت.
1- البداية مع الله (آ 2)
نجد في آ 2 تبدّلاً يتعلّق بإبراهيم: ظهر الله له حين كان في بلاد الرافدين وقبل أن يقيم في حاران. هذا في التقليد (تك 15: 7) هو سبب كافٍ ليبرّر إعادة صياغة تك 11: 31- 12: 5 بحيث صارت بلاد الرافدين نقطة الانطلاق لإبراهيم حسب إلهام الله. نظن، على مستوى اللاهوت، أن اسطفانس اختار هذا التقليد (تك 15: 7) بدل ذلك (11: 31 ي) لأنه أراد أن يبيّن لسامعيه أن النداء إلى أرض جديدة (لعبادة الله) كان في الأصول العميقة لتغرّب إبراهيم الأول. لم يأتِ نداء الله بعد تحرّك إبراهيم الأول وتحرّكه الثاني. فأول تحرك لإبراهيم كان جواباً للأمر الإلهي. مقابل هذا، كل تحرّك يقود إلى الأرض الجديدة قد ألهمه الله، ولم يستفد من محطة في سَفَر إبراهيم (كما يمكن أن يدل تك 12 على ذلك).
ومخطط الله من أجل إسرائيل كان أولانياً. بعد أن شدّدنا على النظرة اللاهوتية نجد خبر إبراهيم داخل آ 2- 18. فالله هو فاعل كل فعل رئيسي: قال، دلّ، نقله، وعده، قال له (ما عدا في آ 4 أ حيث الفاعل هو إبراهيم). فبدون هذه الأفعال لا حركة في الخبر. فالله هو الذي يحرّك كل ما يحدث لإبراهيم. وهكذا يشدّد اسطفانس على واقع، وهو أن تاريخ إسرائيل القديم يوجّهه الله وحده. لم يحدّثنا اسطفانس فقط عن هدف إسرائيل، بل على أن هذا الهدف قد هيّأه الله. فقبل تأسيس الشعب دُعي إبراهيم أبو الآباء، فبرز دور الله الخلاّق هذا.
إن التشديد على هذه النقطة اللاهوتية تخلق توتّراً أدبياً بين وضع تك 15: 7 وخبر11: 31- 12: 25 لأن أع 7: 2- 4 يعود إلى النص الأول. فقد كان هناك خبر قديم يقول إن إبراهيم توقّف في حاران. وهناك حسب التقليد، كلّم الله إبراهيم وطلب منه أن يذهب إلى أرض الموعد. ومع أن كلمات الله هذه انتقلت من مكانها وزمانها، إلاّ أن الكاتب يتحدّث عن وقفة حاران ويستعملها أولاً كعلامة على تتمة أمر الله. وثانياً كنقطة بارزة في نشاط الله.
إن محاولة إدخال اليقين اللاهوتي إلى معطيات تاريخية تقليدية، تشرح السبب الذي لأجله طال خبر إبراهيم، الذي هو في الأصل مقدّمة لما يلي.
2- أهمية "الوعد" مع آ 17
يشدد بعض الشرّاح على كلمة الوعد في آ 5 ويربطها مع آ 17: اقترب زمن تحقيق الوعد. ومع تكرار لفظة "وعد" وخصوصاً في آ 17، رأى هؤلاء الشرّاح أن يقسموا هذا الكلام إلى قسمين في خبر مؤسّس على الوعد.
هذه هي قسمة بنيوية وأدبية، وهي تربط إبراهيم ويعقوب ويوسف بالصورة المحورية في الخطبة، صورة موسى. ولكن هناك من لا يوافق هذه القسمة ولا يعتبر أن "الوعد" يُجمل خطبة اسطفانس.
أولاً: علاقة "الوعد" مع آ 17
إن تكرار كلمة "وعد" في آ 17 لا تعلن عن تتميم الوعد، بل تعلن فقط أن زمن تحقيق الوعد صار قريباً. ظل زمن التتميم مفتوحاً، ولم يعد يُذكر الوعد بعد آ 17. ولم يصرف الكاتب وقته لكي يؤكّد لقرّائه أن بني إسرائيل نالوا في النهاية الأرض التي وُعدوا بها. وسننتظر آ 45 لنتعرّف إلى الاحتلال التاريخي للأرض. مع العلم أن الكاتب يتوقف عند دوره الظرفي والثانوي. وما يشدّد عليه في هذا القسم من الخطبة هو استعمال غير كافٍ للهيكل. ونحن نفهم الـ "وعد" كعلامة على أن هذا الخبر يتحرّك إلى الأمام في خط بدأ مع آ 5. وبدل أن تكون آ 17 بداية القسم الثاني من الخطبة، فهي تقود القارئ وتذكّره أن مخطّط الله اللاهوتي الأصلي هو في الواقع محمول في مجموعة من الأحداث التاريخية. وكما قلنا أعلاه، نجد قسمة الخطبة بطريقة أفضل في كلام الله لإبراهيم الذي يرسم في خطوط عريضة تاريخ الشعب المقبل قبل أن تتمّ أحداثه.
ثانياً: "الوعد" وعلاقته بخبر إبراهيم
ونقول أيضاً إن لفظة "الوعد" لا تكفي لتعبّر عن جوهر خبر إبراهيم. فخبر إبراهيم غير معنيّ بوجهة الوعد، بل في العلاقة التي جعلها اسطفانس بين "الشعب" و"الأرض" و"يعبدونني". هذه العناصر الثلاثة تشكّل النقطة الرئيسية في حدث إبراهيم. إنها تقع تحت نقطة الوعد؟ ولكن حين نرى المستقبل في الخطبة، لا نبقى مع فكرة "الوعد"، بل نصل إلى العلاقة بين هذه العناصر الثلاثة. والعلامة أننا لا نبقى مع فكرة الوعد هي ربط آ 4- 5 مع آ 6- 7. فإن آ 6- 7 لا تتكلّمان عن الوعد، بل توضحان للسامع في آ 6 كيف يكون تاريخ إسرائيل، وفي آ 7 ماذا ينتظر من الأرض. وبمختصر الكلام، موضوع الوعد (أي: الأرض) يخدم فقط هدف نداء إبراهيم: أن يعبدوني في هذا المكان. هذا الهدف يتعدّى فكرة الوعد ولكنه لا يلغيها.
د- آية انتقالية (آ 8)
أن آ 8 هي آية انتقالية من خبر إبراهيم إلى خبر يوسف ويعقوب. نتحدّث أولاً عن وجهات الآية، ثم نشرح موقعها كآية انتقالية.
1- عهد الختان
إن آ 8 أ تدشّن لفظة "العهد" (الميثاق). ففي موقع ما قاله الله فيما بعد لإبراهيم، يبدو العهد كختم لوعد الله. إنه تأكيد على أن الله أمين للتاريخ الذي حدّده لإبراهيم. وتتحدّث آ 18 أ أيضاً عن وعد الختان. فالختان يشير إلى ملاحظة حول نهاية آ 5، تتعلّق بعدم وجود أولاد لإبراهيم. هذا النقص قد تجاوزه إبراهيم. سيكون له أولاد يحملون مصيراً دلّ الله عليه من أجل الشعب. والختان، بعد أن حل مسألة الأولاد، سيقودنا إلى آ 8 ب.
توضح آ 8 ب العلاقة بالأولاد. فعبارة "كاي هوتس" تربط بين هدف الله (ثبّته العهد) وأولاد إبراهيم. هدف الله هو سبب الأولاد. الفاعل في آ 8 أ هو الله. وفي آ 8 ب الفاعل هو إبراهيم واسحق ويعقوب. بهذه الصورة ننتقل من فاعل سيطر على الأفعال هو الله. نمتدّ في قسم من تاريخ إسرائيل له معناه منذ سفر التكوين، ونجد نفوسنا أخيراً في عالم الآباء الاثني عشر.
2- انتقال إلى خبر يوسف
قلنا أعلاه إن آ 8 هي آية انتقالية. إنها تربط ما حدث من قبل بما سيتبع فيما بعد.
أولا: إن "عهد الختان" يتطلع إلى ما قاله الله الآن، كما إلى نهاية آ 7. والله ظلّ أيضاً الفاعل في هذا النشاط.
ثانياً: إن الانتقال من إبراهيم إلى أسحق ويعقوب والآباء الاثني عشر لا يعني وقفة بالنسبة إلى القارئ. بل هو يورد تحقيق أمر الختان وولادة الأولاد في نظرة إلى وعد الله وعهده.
ثالثاً: إن تبدّل الفاعل "من الله إلى الآباء" يدلّ على أننا ننتقل من خبر إبراهيم كما قرأناه في الآيات السابقة.
رابعاً: نجد في نهاية آ 8 وبداية آ 9 اللفظة عينها، وهو أمر نادر في العهد القديم وفي العهد الجديد. إذن، فنحن أمام رباط بين الآيات السابقة (آ 2- 8) والآيات اللاحقة (آ 9- 16).
من أجل هذه الأسباب نرى في آ 8 آية انتقالية، كما نرى فيها عبر عهد الختان آية تبرز الآيات السابقة. فبعد أن تحدّد تاريخ إسرائيل (آ 6- 7) وتثبّت (آ 8 أ)، ننتقل إلى ما يحمل مخطط الله كما يعيشه البشر.
وهكذا رأينا في آ 2- 7 وحدة تامة كاملة تتحدّث عن إبراهيم، وفي آ 8 آية انتقالية بين 21- 7 وما يلي. ويبدأ الخبر اللاحق في آ 9 وذكر يوسف. لنوجّه أنظارنا إلى العهد القديم فنرى مع ذكر يوسف في آ 9 أننا وصلنا إلى تك 37- 50. تجاوزنا اسحق وبداية خبر يعقوب. هذا الإغفال لبعض فصول سفر التكوين يدعونا إلى اكتشاف المعنى الخاص لأحداث اختارها الكاتب وحدّثنا عنها. وهكذا نصل إلى وجه يوسف.

 

 

الفصل الخامس والعشرون
خطبة اسطفانس، وجه يوسف
7: 9- 16
وننتقل في هذا القسم من خطبة اسطفانس إلى خبر يوسف مع حديث عن دفن يعقوب في شكيم. نحن هنا أمام تقليد سامري يجعل مدفن يعقوب في شكيم، في الحقل الذي اشتراه يعقوب من بني حمور (تك 33: 18- 19)، لا في مغارة المكفلية (تك 50: 7 - 13) التي اشتراها إبراهيم من بني حث (تك 23: 20- 20).
تتحدّث آ 9- 10 عن خبر يوسف الشخصي. ولا تذكران كل شيء،
بل ما هو ضروري للخطبة.
وتتوقف آ12- 15 أ عند علاقة يعقوب بفرعون ويوسف.
وتصل بنا آ 15 ب- 16 لا إلى حياة يعقوب في مصر، بل إلى موته وموت الآباء ودفنهم.
هذه الأقسام الثلاثة تشكل وحدة مع التشديد على تتابع الخبر في سفر التكوين.
أ- بداية خبر يوسف (آ 9- 15)
1- خانه إخوته ولكن الرب رفعه
وتبدأ آ 9 بعبارة "هؤلاء الآباء" فتعيدنا إلى آ 8 حيث ذكر الآباء الاثنا عشر. وبعد
آ 9 تختفي عبارة "أبناء يعقوب". ولكنها وضعت هنا فدلّت على أنهم الأسس وينابيع القبائل التي ستشكّل شعب إسرائيل.
تبدو هذه الآية عرضاً مباشراً لخيانة يوسف. يروي الخطيب واقعاً ما، فيهيئنا لما يريد أن يبرزه. دخلنا في وضع يوسف كعبد، فتغيّر جذرياً فعل الفاعل. لم نعد نسمع شيئاً عن الآباء. فيوسف موضوع آ 9 سيبقى موضوع العمل المقبل. ولكن الفاعل الآن هو الله: كان الله معه. خلّصه من كل محنة. أعطاه النعمة والحكمة أمام فرعون ملك مصر. أقامه حاكماً على مصر وعلى بيت فرعون.
نجد هنا في آ 9- 10 مع نزول يوسف إلى مصر مقدّمة إلى مصيره النهائي، وحديثاً عن خلاصه مع تعيينه في الكرامة الثانية في مصر. نجد هنا ملخّصاً لحياة يوسف. حسده إخوته فباعوه عبداً. خانته عائلته فصار موضوع ألم كبير. في هذا المنعطف من حياته حصل تدخل الله: رغم أن إخوته خانوه، كان الله (دائماً) معه. أساء الناس معاملة يوسف. أما الله فخلّصه من كل مصائبه. ولم يخلّصه فقط، بل مجّده عبر منزلة رفيعة حصل عليها بواسطة حكمة ونعمة سامية. اتخذ لوقا بعض الخطوط من خبر يوسف، وهي التي تعكس تأكيداً لاهوتياَ لمعنى حياة يوسف: كان خاسراً فيما يتعلّق بالبشر، ولكن خلّصته قدرة الله، وجعلته في مقام لم يكن يتوقعه الذين باعوه. نحن هنا قريبون جداً من الموضوع الأساسي. أما باع اليهود يسوع؟
2- كلمات خاصة بلوقا
اختار لوقا ألفاظاً لم يجدها في سفر التكوين وجعلها في وجهة محدّدة من اجل موضوعه. هذه الألفاظ هي: الحكمة، المضايق، خلّص.
أولاً: الحكمة
لا تظهر هذه اللفظة في خبر يوسف كما نقرأه في سفر التكوين.
وهذا ما يدفعنا إلى القول إن لوقا زادها على إيراد تك 39: 4: "أعطاه الله حظوة (نعمة) أمام فرعون". بالإضافة إلى هذا دلّ يوسف على نباهته في تفسير الأحلام. وهكذا سمّي يوسف حكيماً في تلك المناسبة. هنا نعود إلى تك 41: 39 حيث يقول فرعون: "فلا فهيم ولا حكيم مثلك". وقد يكون أفضل مرجع لحكمة يوسف هو حك 10: 13- 14 (حين بيع يوسف، ما خذلته الحكمة، وفي القيود لم تفارقه حتى أعطته صولجان السيادة) الذي يرتبط بالخبر الذي ندرس، ويُبرز العلاقة بين الضيق والتمجيد والخلاص.
ولكن لوقا يعود إلى الخبرة المسيحية ليتحدّث عن هذه الحكمة. نشير إلى أن لفظة حكمة ترد 6 مرات في إنجيل لوقا و 4 مرات في الأعمال. وجمع لوقا الحكمة مع النعمة (خاريس). فيسوع هو أول من يصوّره متحلياً بالحكمة (لو 2: 40، 52)، بل هو الوحيد الذي يتحلّى بالحكمة (ما عدا ما يقال عن حكمة سليمان الأسطورية، لو 11: 31). ويتحدّث مرجعان عن حكمة اللُّه أو الحكمة في حدّ ذاتها. وفي النهاية، يركّز المرجع السادس المتحدّث عن الحكمة في لو على معرفة ينالها التلاميذ حين يدافعون عن إيمانهم أمام مضطهديهم (لو21: 15)
هناك علاقة حميمة بين يسوع والتلاميذ: اقتداء التلاميذ بالمسيح، وبما أن يسوع وصف بالحكمة في أول سنين حياته (وفيما بعد أمام خصومه)، نظن أن حكمة المسيح هي مثال لحكمة التلاميذ.
ونجد إشارة إلى الحكمة في أع 6: 3 و6: 10 "اختاروا رجالاً مملوءين بالحكمة". ما استطاع المقاومون أن يقفوا بوجه اسطفانس لأنّ الحكمة والروح عملا فيه. والمرجعان الأخيران اللذان يتحدّثان عن الحكمة في أع يصوّران يوسف (7: 10) وموسى (7: 22). من الممكن أن الحكمة المنسوبة إلى يوسف ترتبط بتلك التي نعم بها الرسل أمام مضطهديهم، وهذا ما يعود إلى الحكمة التي امتلكها يسوع.
ثانياً: المضايق
غابت لفظة "المضايق" من نص التكوين الذي يتحدّث عمّا عاناه يوسف. لا معنى خاصاً للكلمة، ولكن لوقا يُجمل بها ما احتمل يوسف من محن في محافظته على إيمانه. يشير الخطيب بهذا إلى المحن التي يتحمّلها المسيحيون من أجل ربّهم.
هنا نميّز مضايق يوسف من سائر المضايق التي تصوّر الجوع في الأرض (آ 11). فمضايق يوسف هي دينية: فحياته في العبودية وسجنه، والدعوة إلى الخطيئة وسجنه مرة ثانية، كل هذا يتطلّع إلى تدخّل من قبل الله، يتطلّع إلى الله الذي لا يسمح بأن يُسحق يوسف بهذه الآلام. فآلام يوسف ترتبط باختيار الله له وحسد إخوته له.
لقد وجد لوقا في هذا الرجل الذي اختاره الله ورفضه، رباطاً بشعب آخر، بالمسيحيين الذين اضطهدوا لأنهم يخصّون الله. فالمضايق هي إذن لفظة لاهوتية بها يجد المسيحيون رباطاً بين آلامهم من أجل الله وبين آلام يوسف (ولا ننسى أيضاً يسوع الذي أبغضه إخوته لأن الله اختاره).
ثالثاً: خلّص
إن مدلول الخلاص الذي هو موضوع أساسي في لاهوت لوقا، قد دخل في خبر يوسف. فالتكوين لا يقول إن الله "خلّص" يوسف. هذا الفعل المجرّد هو توضيح لاهوتي لعمل قدّمه لوقا في نهاية خط طويل من أعمال قام بها الله من أجل شعبه. وهذه الأعمال تتلاءم مع النظرة التي تصوّر علاقة الله بالإنسان بمجموعة كلمات: المخلص، الخلاصي، الخلاص، خلّص.
فعمل الله من أجل يوسف يرد في إجمالة ("خلّصه من كل مضايقه") كجزء من نظرة لاهوتية تصوّر الوضع المسيحي الحالي. فاستعمال لوقا لمفردات لاهوتية في خبر يوسف، يبغي مقابلة وضع يوسف بالوضع الحالي. فيوسف هو صورة مسبقة عن حياة قرائه.
3- موضوع آ 9- 10
قدّم لنا تحليل خبر يوسف (آ 9- 10) فكرتين هامتين:
الأولى: المفردات المستعملة ذكّرت القارئ بألفاظ استعملها لوقا لكي يصوّر المسيح والمسيحيين في إنجيله وفي سفر الأعمال. وتماثل الألفاظ، وإن قليلة، يقودنا إلى استنتاج لاهوتي أراد لوقا أن يوصله إلى قرائه: هناك تماثل بين ما حصل ليوسف في الماضي، وما يحصل ليسوع وللمسيحيين في الزمن الحاضر.
الثانية: ملخص خبر يوسف هو في ذاته قطعة مبنية بناء لاهوتياً. فإيجازه يدل على اختيار الموضوع والفكرة الشاملة اختياراً واعياً. أما الموضوع الذي وجدناه فهو: رَذْلٌ من قبل الناس، خلاص من الله الذي يحمل المختار إلى المجد عبْر الألم الذي تحملّه. موضوع عرفه آخرون أوردوا خبر يوسف. ولكن أفضل شاهد يبقى العهد القديم نفسه. فبعد أحداث قادتنا إلى أن يتعرّف يوسف إلى إخوته، نصل إلى حدث يعرفنا يوسف إلى نفسه فيفسّر (من اجل فائدة القارئ أيضاً) لماذا سمح أن تجري الأمور على هذه الصورة. قال لإخوته: "والآن لا تأسفوا ولا تستاءوا لأنكم بعتموني إلى هنا، لأن الله أرسلني أمامكم لأحفظ حياتكم... أرسلني الله أمامكم ليبقي لكم نسلاً في الأرض وينجّي الأحياء منكم. فما أنتم الذين أرسلتموني إلى هنا، بل الله. هو جعلني أباً لفرعون وسيداً على بيته ومتسلطاً على كل ارض مصر" (تك 45: 5- 8).
هذا هو في النهاية التفسير الذي يقدّمه سفر التكوين لخبر يوسف. لم يورد لوقا المقطع بشكل مباشر. ولكن الإيراد القصير في آ 9- 10 يتضمّنه. ترك لوقا سائر مواضيع سفر التكوين، وركَّز كلامه على التعليم الأساسي في الخبر.
ب- يوسف ويعقوب
نشير هنا أولاً إلى أن بعضهم فسّر "كان الله معه" وكأنها تشديد على أن الله هو مع الآباء قبل أن يكون في الهيكل. بل يبدو أن النص يشدّد بالحري على الخلاص. حتى إن كلمة "حضور" نفسها تشير إلى الخلاص.
هنا نطرح سؤالاً: هل الدور الأول هو ليوسف أم ليعقوب؟ وبعد الجواب نستخلص دور يوسف ويعقوب.
1- يعقوب أم يوسف
تدلّ آ 11 على تبدّل في الموضوع. ففي آ 9، تعرّفنا إلى وضع يوسف الحَرج. أما في آ 11 فيبدأ وضع آخر هو المجاعة القاسية. لم يعد الموضوع هو يوسف بل المجاعة، والفاعل صار إخوة يوسف لا يوسف نفسه. ولكن مع آ 13- 14، يعود يوسف ليستقبل إخوته الذين جاؤوا يطلبون طعاماً.
هنا نطرح السؤال: من هو الشخص الأهم في آ 11- 15؟ يوسف أم يعقوب؟ نحسّ أن يعقوب يقف هنا على قدم المساواة مع يوسف. وذلك لسببين. الأول: أعماله تشرف على هذه الآيات: وصل إلى مصر، استقبله يوسف مع إخوته. الثاني: إن أزمة الجوع التي هي مقدمة لوصول يعقوب، قد حلّت في إطار نزول يعقوب إلى مصر: نداء أطلقه يوسف واعتراف من قبل فرعون. وهكذا انتهى كل شيء بوصول يعقوب وشعبه إلى مصر.
هذان السببان يدعواننا إلى البحث عن علاقة بين حدث يوسف ووصول يعقوب والسبعين شخصاً إلى مصر.
2- دور يوسف ويعقوب
لاحظنا أن الجوع هو الموضوع الأساسي في آ 11- 15 أ، وأنه التهديد الذي دفع يعقوب إلى أن يتحرّك إلى مصر. تغلّب يوسف على هذه الصعوبة من أجل عائلته، فأمّن لهم الخلاص واستقبال فرعون. وفوق ذلك، جُعل نسل يعقوب في موقع يستطيع فيه أن يتمّ المصير الذي أنبئ به إبراهيم في آ 7. صار يوسف الطريق الذي يؤمن للشعب الحياة والمستقبل. ذاك الذي كان في العبودية خلّصه الله. وعملُ الله هذا هو سبب مقبل لخلاص شعب كامل لا لخلاص شخص واحد.
ركّز لوقا مدة قصيرة على يوسف كمخلّص لشعبه بعد أن انتزعه الله من الموت. وهكذا نستطيع القول: إن موضوع آ 9- 10 هو خلاص يوسف. وموضوع آ 11 - 15 هو خلاص الشعب عبر يوسف.
كان يوسف أداة لخلاص شعبه. ونتيجة هذا الخلاص هو وصول الأمة إلى مصر. كان يوسف السبب في حلقة من أسباب متعاقبة. هل كان يعقوب نزل إلى مصر لو لم يدْعُه يوسف إلى هناك؟ وهل كان يوسف دعا عائلته لو لم يصر قوياً ويتعرّف إليه إخوته؟ وهل كان قوياً بحيث يستطيع أن يخلّص عائلته من المجاعة لو لم يكن الله قد حماه وأكرمه؟ وإذا اتبعنا سخرية القدر: هل كان يوسف في موقع يساعد فيه أهله لو لم يخُن، إخوته؟ هنا نزيد أن العمل الشرير ضد يوسف لم يكن السبب في خلاص الشعب، بل الظرف الذي استعمله الله لخلاص شعبه.
إذن، الله هو الفاعل الأساسي. يوسف هو أداة في يده. أما يعقوب فهو الرابط بين يوسف وإخوته، بين كنعان التي كان فيها ومصر التي جاء إليها. إنه الإطار الذي تمّ فيه الخلاص.
ج- أين مدفن يعقوب (آ 15 ب- 16)
يقول هذا القسم الثالث (آ 15- 16) إن يعقوب وأبناءه ماتوا في مصر وُدفنوا في حقل اشتراه إبراهيم في شكيم. وهكذا نصل إلى وحدة ثالثة: كيف تصرّف بنو إسرائيل في مصر؟ كيف مات يعقوب ودفن، وكيف بدا مستقبل أبنائه؟
هنا نطرح السؤال: أين دُفن يعقوب؟
هل أخطأ اسطفانس حين قال إن يعقوب دُفن في شكيم؟ لا، فهناك تقاليد سامرية تتحدّث عن دفن يوسف وبالتالي أبناء يعقوب في شكيم. وقد يكون هناك فصل غراماطيقي في آ 16 فنقول: نقلوا الآباء الاثني عشر ودفنوهم في شكيم. ونترك الكلام عن يعقوب الذي يحدّثنا التقليد عن دفنه في حبرون.
ولكن الصعوبة الثانية تبرز حين يقول النص: إن إبراهيم اشترى القبر من بني حمور في شكيم. لن نتوقّف عند التساؤلات العديدة: هل اخطأ اسطفانس بمعرفة أو بغير معرفة؟ هل عرف تقليداً ضاع اليوم؟ هل أخذ لوقا بالمعطية التي وصلت إليه ولم يناقشها؟ نحن هنا في الواقع أمام تقليد سامري. لقد مرّ إبراهيم في شكيم (تك 12: 6) قبل أن يصل إلى حبرون. ويكون قد اشترى له هناك ملك ارض في الشمال فتقدّست أرض السامرة بمروره.
ومهما يكن من أمر فقد شدّد الخطيب على دفن يعقوب كامتداد لخلاص الله، بل أيضاً كبرهان لهذا الخلاص. فهو يعلن للقراء أن الآباء ارتاحوا ورقدوا في أرضهم لا في ارض غريبة، وهذا ما يدلّ على خلاص الله الكامل.
د- خبر يوسف وخبر إبراهيم
ما هي العلاقة بين القسم الأول (آ 2- 7) من خطبة اسطفانس، والقسم الثاني (آ 9- 16)؟ ما هي علاقة خبر إبراهيم بخبر يوسف؟ 
نستطيع أن نسمّي القسم الأول: القسم الليتورجي. دعا الله إبراهيم ووعده مع نسله بامتلاك الأرض "لكي يعبده الشعب في هذا المكان". إذن الشعب في هذا القسم الأول هو شعب عبادي. ونسمّي القسم الثاني: "القسم الكرستولوجي". ترك لوقا موضوع العبادة، وانتقل إلى موضوع الخلاص. خلّص الله يوسف، وبه خلّص الشعب كله. فرَذْل يوسف وخلاصه وتمجيده هي الوسيلة التي بها نجا الشعب ودُفن الآباء في أرضهم. فيوسف هو سابق للمسيح. ننظر إلى المسيح عبر يوسف الذي هو نموذج سيتمّمه المسيح. والألفاظ المستعملة هي ألفاظ مسيحية في نص لوقا، وبالتالي تقال في المسيح. فالتلاميذ يعيشون حياة المسيح بكل دقائقها. وسنرى فيما بعد توسّع الموضوع الكرستولوجي في خبر موسى. 
وهناك مقابلة بين خبر إبراهيم وموسى من جهة، والاتهام الأساسي ضد اسطفانس من جهة ثانية: يتضمّن هذا الاتهام نقطتين رئيسيتين: المسيح والهيكل. فالقسم الأول في الخطبة يتعلق بالعبادة في مكان، والقسم الثاني يتعلّق بالمسيح. هذان هما الخطان اللذان تتوالى فيهما خطبة اسطفانس لتصل إلى ذروتها قبل غضبة المجلس على اسطفانس والهجوم عليه.

 

 

الفصل السادس والعشرون
خطبة اسطفانس
وجه موسى التاريخي
7: 17- 34
ونصل إلى خبر موسى الذي يستفيد منه اسطفانس لكي يقول كلمته في الشعب اليهودي الذي قتل يسوع، والذي يستعدّ لقتل الذين يسيرون على خطاه. نقسم الخبر قسمين. الأول: وجه موسى التاريخي. والثاني: موسى المحرّر والمخلّص.
ونتوقف على القسم الأول.
أ- ملخص الخبر (آ 17- 19)
نحن هنا أمام ملخص كما نقرأه في خر 1. لا تشديد على هذه الفكرة أو تلك، بل ملخّص لمعطيات سفر الخروج استعداداً لما سيأتي. ونكتشف هنا اثنين:
الأول: مقاومة لأمة متنامية وعائشة تحت حكم ملك غريب. وهكذا نتذكر كلام الله لإبراهيم في آ 6 ب: "يكونون عبيداً ويعانون الذل مدة 400 سنة".
الثاني: نلاحظ حاجة الشعب إلى خلاص من الضيق. فخبر يوسف وعائلته تركنا مع شعب يعرف الراحة والازدهار. أما هنا فنحن في إطار الضيق الذي يتحمّله بنو إسرائيل. نحن نتطلّع إلى مدلول هذه المحنة ونتشوّق إلى خلاص آت.
إذا كانت آ 17 ب- 19 ملخصاً لسفر الخروج، فان آ 17 أ هي غير ذلك. فمضمونها غائب من نهاية تك وبداية خر. هنا تدخّل الكاتب، فربط الخبر لا بقصة يوسف وحسب (وهذا ما كنا نتوقّعه)، بل عاد إلى وعد إبراهيم قبل أن نعرف أين صار نسل يعقوب وأبناؤهم. وهذا ما يعود بنا إلى أرض الموعد وفعل العبادة لله.
ما هي العلاقة بين آ 5 (وعده) و آ 17 (الوعد الذي تحقق)؟ ليست بين الوعد وتحقيق الوعد. بل نحن أمام تواصل واستمرارية لانتظار كان في الماضي، وتذكّره القارئ الآن ليكون مستعداً. بمختصر الكلام، لسنا أمام تتمة، بل شحذ النظر من أجل انتظار أعمق.
فكلمة "وعد" لا توجه فقط خبر يوسف من تك إلى خر، بل تبلبل ما رأيناه في آ 9- 16. وجدنا في تلك الآيات موضوع الإنسان المرذول الذي رفعه الله فصار مخلّص شعبه عبر آلامه، وأمّن لهم بركة ودفنة في أرض الآباء. أما هنا فعدنا عبر آ 17، إلى الخبر الأول وهدفه: الحرية، امتلاك الأرض لكي يتم الهدف الموضوع وهو عبادة الرب.
ب- طفولة موسى (آ 20- 22)
اخترنا هذه الآيات كمجموعة، لأنها تصوّر جزءاَ من حياة موسى يختلف عمّا سنجد في آ 23، وينقلنا إلى صورة خاصة بعد أن كنّا في صورة عامة مع آ 17- 19.
قال النص عن موسى: كان جميلاً جداً أمام الرب (أي سُرّ الرب به). هنا نتذكر لوقا وكلامه عن طفولة يسوع: "وكان ينمو في الحكمة والسن والنعمة أمام الله والناس" (لو 2: 52). لا يكتفي اسطفانس بتقديم موسى على أنه إنسان مثالي، بل يشير إلى طبيعة عظمته التي تتضمن رضى الله عليه. نحن هنا في خط الحديث عن الرجال المتدينين منذ أخنوخ الذي "سلك مع الرب"، الذي سار بحسب شريعة الرب (تك 5: 24).
نلاحظ ثلاث كلمات يستعملها الكاتب اليوناني ليصوّر طفولة موسى: ولد، تربّى، تُبنّي. اهتم الكاتب بأن يقول لنا إن موسى تربّى في بيت والديه ثلاثة أشهر، فشدّد على الذين كانوا الأداة في تربيته ونموّه: أولاً، ثلاثة أشهر في البيت. ثانياً: النمو في قصر الأميرة. أجل لا ينتقل الكاتب من ولادة موسى إلى نجاته من الموت وحياته في قصر الأميرة دون أن يشير إلى بقائه ثلاثة أشهر في بيت والده.
نُبذ موسى. لم يكن له يد في ذلك. هذا ما أجمله الكاتب وشدّد على أنه أنقذ وصار في شكل من الأشكال ابن أميرة مصر. نلاحظ هنا أن الأفعال هي في صيغة المجهول. أما الفعل المعلوم الواحد الذي نجده، ففاعله ابنة فرعون، لا موسى. هذا ما يذكّرنا بخبرَيْ إبراهيم وموسى مع أفعال المجهول.
صار موسى مثل ابن ابنة فرعون، وهذا ما جعلنا نعرف مستوى حياته. فموسى تُرك (شأنه شأن يوسف قبله) وخُفضَ ورُفع إلى مستوى الملك. فهذه الحياة كابن لابنة فرعون قاد اسطفانس إلى القول: تربّى موسى بكل تربية المصريين.
أغفل اسطفانس أخباراً مهمة ذكرها العهد القديم، ولكنه شدّد على شخصية موسى العظيمة. إنه سيجد في طفولة يسوع ويوحنا المعمدان هذا الاتجاه عينه ليصوّر أمام القارئ السنين الأولى لهذا النموّ في الحكمة. فلولا هذه الحكمة، لكانت حياة هؤلاء الأشخاص عادية، وامتزجت حكمة مع حكمة. ولكننا لسنا هنا فقط أمام حكمة بشرية وحسب. ووَلْي الخطبة سيؤكد لنا ذلك. وصورة موسى ستكون مقابلة لدى العالم اليهودي واليوناني على السواء. ونتساءل: إلى أي درجة قبل السامعون اليهود لخطبة اسطفانس "بحسنات" التربية المصرية التي تلقّاها موسى من أجل خدمة الله؟ ونجيب: المهم أننا أمام مديح لشخص اسطفانس. فهذا يفرح سامعيه ولا يزعج قرّاءه.
وانتهت آ 22: "وكان موسى مقتدراً في القول والعمل". نبدأ فنتذكّر ما قاله لوقا عن يسوع أمام تلميذي عماوس (لو 24: 19). أيكون اسطفانس قد بدأ يرسم صورة موسى كمقدمة لصورة المخلّص يسوع المسيح (رج آ 25)؟
هنا يحدّثنا الخطيب عن نشاط موسى. غير أن قدرته على الكلام طرحت سؤالاً على الشرّاح. فقد قال خر 4: 10 إن موسى كان بطيء الكلام، وقد يكون تألم من عاهة ما منعته عن الكلام بسهولة. ولكننا لسنا أمام دراسة نقدية وتاريخية، بل أمام ما يشعر به قارئ الأسفار الخمسة ولا سيّما سفر التثنية. قد يكون هناك توسّع مدراشي أبرز شخص موسى. ثم إن اسطفانس يتطلّع إلى ما سيقوله في آ 25 عن هذا الذي يحمل الخلاص. كان يسوع نبياً مثل موسى (3: 22؛ رج 7: 37). وها هو موسى مخلّص مثل يسوع.
لماذا تحدّث الخطيب عن طفولة موسى (حتى أخذ تقاليد المصريين) وهو الذي أغفل أموراً عن مريم أو القابلات؟ لأنه أراد أن يحدّثنا في الوقت عينه عن طفولة يسوع. فالذي يقرأ لو وأع، يفهم أن كل هذا الحديث عن طفولة يسوع وموسى يهدف إلى أن يوصلنا إلى الدور الذي سيلعبه هذان الشخصان في مخطط الله. لقد صُوّرت طفولة موسى على مثال طفولة يسوع. وهكذا نرى أن بداية حياة موسى تقودنا إلى يسوع الذي يُتمّ شخص موسى.
وهكذا نلاحظ أن الخبر يشدّد الآن على شخص واحد. أبرز الخبر الأول دور العبادة، والخبر الثاني خلاص الشعب. وسيصل بنا الخبر الثالث إلى المخلّص الوحيد يسوع المسيح. ولكن قبل ذلك، نرافق موسى الشاب وعلاقته بإخوته والمصريين.
ج- موسى مع إخوته والمصريين (آ 23- 29)
نحن هنا أمام مرحلة من خبر موسى. فإن آ 23أ تنقلنا أربعين سنة بعد الحقبة التي صوّرتها آ 20- 22. أما آ 35، فتنقلنا إلى أربعين سنة ثالثة.
نتعرف إلى موسى العادل الذي يحاول أن يردّ الظلم، إلى موسى المخلّص الذي لم يفهمه إخوته، إلى موسى الهارب إلى أرض مديان.
1- موسى العادل (آ 23- 24)
لا نعرف شيئاً عن الفترة السابقة للأربعين سنة التي عاشها موسى، سوى أنه "كان مقتدراً في القول وفي العمل". هذه الصورة تطبع بطابعها سنوات حياته العديدة. لم يزد اسطفانس شيئاً هنا كما فعل حين تكلّم عن حداثة موسى. بل قطع المسافة بسرعة بين الطفولة وعمر الأربعين كما فعل سفر الخروج.
ذكرت آ 23 ب ما في خر 2: 11 وأوجزته، لئلا يتشتّت عقلنا بأي تفصيل. فالمهم أن موسى اهتم بأبناء قومه ولم يتبرأ منهم. إنهم إخوته أبناء إسرائيل. وتتابع آ 24أ الخبر وتوجزه محدّثة إيانا عن مقتل المصري وردة الفعل لدى موسى.
رأى موسى إنساناً مظلوماً، فمنعته حميته من السكوت. وهكذا بدا موسى بدرجة أولى ذاك العادل الذي يرفض الظلم. غير أنه نسي الصفتين اللتين رأيناهما عنده في طفولته: الحكمة الحنان. رأى حاجة عند إخوته، فأسرع اليهم ونسي أي شيء آخر.
2- موسى المخلّص (آ 25- 26)
برّرت آ 24 ما عمله موسى. أما آ 25 فتقول لنا كيف فهم موسى عمله (فهمه بصورة صحيحة) وكيف انتظر أن يفهمه إخوته. لا يتوقف الكاتب عند سبب القتل، بل عند اعتبار داخلي أمام الذي فعله موسى. فهذا التفكّر من قبل موسى هو مهمّ لتفسير عمل القتل الذي قام به. أولاً: لأننا لا نجده في سفر الخروج، بل أدخله الكاتب إلى الخبر. ثانياً: إن قتل المصري في خر هو عمل من أجل عبراني مثله، وقد قاد موسى إلى الهرب من الأرض. أما في أع فصار علامة إلهية موجّهة إلى موسى من أجل خلاص شعبه.
ويبدو أن الألفاظ المختارة للحديث عن الخروج المقبل من مصر، قد اختيرت لتعطي القارئ فكرة أننا لسنا فقط أمام خروج إلى برية. فلمهمّة موسى مدلول لاهوتي عميق: أن "يعطي الخلاص" لإخوته. يلفت انتباهنا لدى قراءة لو- أع اهتمام لوقا بعطية الخلاص التي تبدأ بتحرير خارجي من الشر، وتنتهي طبيعياً في خلاص يقدّمه الله بواسطة موسى. لم يفهم إخوة موسى أنه هنا ليخلّصهم.
لم يحدّد النص الخلاص الذي يتحدّث عنه، وإن كان التلميح واضحاً إلى الخروج. هذا ما يتيح للقارئ المسيحي إن يرى في فهم إخوة موسى تشابها مع المسيح وخبرته مع اليهود معاصريه. أجل، كُتبت هذه العبارة من أجل يسوع وعلاقته بمعاصريه.
عدم الفهم هو موضوع رئيسي في لو- أع. فرفض اليهود ليسوع يبدو رفضاً لقبوله بل نقصاً لفهمه (28؛ 26- 27؛ لو 19: 42؛ رج 18: 34: 24: 25، 45). وهنا نحس بخبرة مسيحية تجاه الذين لم يوافقوه على أنه المسيح فكانوا أول من لم يفهمه، أو تجاه مسيحيين لم يفهموه بعد ذهابه بعشرات السنين. هذا الفهم الغائب تحدّث عنه العهد القديم كما تحدّث المسيح. ويرى لوقا هذا المعنى الممكن مخيفاً في خبر الخروج. فجواب العبرانيين على تدخّل موسى كان جهلاً بل جنوناً إن قرأ أحد مثل لوقا موقف موسى في العهد القديم باحترام ومهابة. هاتان الصفتان أثّرتا على خبر لوقا حين تحدّث عن طفولة موسى، كما حدّدتا هنا تقديمه لقتل المصري.
لقد بدّل لوقا العهد القديم بطريقة ملحوظة. فالعهد القديم يتحدّث عن موسى بطريقة "دنيوية" ولا يشير إلا لماماً إلى تأثير الله حتى ظهوره في العلّيقة الملتهبة. أما لوقا فبدّل كل هذا، وأعلمنا أن موسى عرف أنه مخلّص إسرائيل وهو ينتظر من إخوته أن يفهموا هذا. وما يحزن في خبر الخروج هو أن ما صنعه موسى لإخوته لم يقدَّر على أنه عمل أخوّة، عمل لطف ودفاع. وفي أع هو لا يقدر أيضاً كعمل أخوّة، كما لم يُفهم في معناه الأعمق وكعمل يدل على خلاص الله بيد موسى.
عرف موسى قبل حدث العلّيقة الملتهبة أنه المخلص، وهذا ما برّر عمله فيما بعد. لهذا، لم يهرب موسى من مصر خوفاً من فرعون، لم يهرب كمجرم. بل هرب لأنه لم يُقبل به كمخلّص. عدوّه ليمس فرعون بل إخوته أنفسهم. إن آ 25 هذه ليست فقط شرحاَ لما عمله موسى مع المصري، بل هي تهيّئنا لنحكم على العبراني الذي أجاب بمرارة على موسى الذي تدخّل من أجل الصلح والسلام. هل فهم اليهود حياة يسوع كمخلّص؟
كانت آ 25 مقدّمة لخبر يتواصل. نرى موسى بعد يوم من قتل المصري أمام اثنين يتقاتلان. انطلق لوقا من الظروف التي نجدها في خر 2: 13، ولكنّه لم يحدّد هوية المتقاتلين. ما يهمه هو أن يبرز وجه موسى، وأن يضع أمامنا أخوين يتقاتلان بينما يدعوهما موسى إلى السلام. هنا لا يمارس موسى العدالة، كما مع المصري، بل يحاول أن يهب الخلاص لبعض إخوته. قال خر 2: 3: "لماذا تضرب قريبك"؟ أما أع فبدأ بعبارة: "أنتما أخوان". لا يعارض موسى المقاتل الظالم، بل يبيّن أن لا سبب لدى الإخوة أن يتقاتلا. فحكمته وعنايته ستنتصران على هذين الأخوين. وهكذا يدلّ لوقا على موقف موسى الذي لا يمكن أن يُرفض.
وهكذا دلّت آ 24 على أن موسى تصرّف بعدالة في نزاع. وهيأتنا آ 25 لأن نراه يزول وهو الذي هيأه الله لخلاص إسرائيل. نعرف في آ 23 و25 أن موسى جاء من أجل إخوته. وتبيّن لنا آ 26 وجه موسى بما فيه من حكمة وعطف. والجواب الذي تلقّاه يؤلمه، لأنه يدل على الجنون. ومن خلال "التجاوب" مع موسى نقرأ عن "التجاوب" مع يسوع: رفضوه ولم يفهموه.
3- الهرب إلى مديان (آ 27- 29)
وتبدأ آ 27 مع "المعتدي" والظالم. نحن هنا أمام إيراد طويل. فما الذي يريد لوقا أن يشدّد عليه؟ نجد قسمين في جواب المعتدي.
الأول: يبدو في شكل سؤال: من جعلك رئيساً وقاضياً علينا؟ لم يُشر العهد القديم إلى أن موسى أرسل إلى الشعب رئيساً وقاضياً. والجواب نجده في آ 25: الله أرسله. وهنا نقارب مع أع 2: 36 حيث نقرأ أن الله جعل يسوع "رباً ومسيحاً". ويزيد المعتدي: "علينا". هذا يعني في معنى أول المتقاتلين. وفي معنى أبعد إخوته من بني إسرائيل الذين سينالون الخلاص بموسى (آ 25). طُرح سؤال وكان بإمكان الجواب أن يكون: لا أحد. لا أحد جعلك رئيساً. فإذا هو الله. وهكذا يحيل اسطفانس السامع والقارئ إلى يسوع الذي جعله الله "رباً ومسيحاً"،. فلهذا السؤال معنى خاص وقد ردّده الكاتب مرة ثانية في آ 35: فموسى الذي أنكره شعبه وقالوا له: من جعلك رئيساً وقاضيا علينا هو الذي أرسله الله رئيساً ومخلصاً.
الثاني: يبدو هو أيضاً بشكل سؤال يشدّد على علاقة موسى بإخوته. فموسى رجل العطف والحنان وصانع السلام والذي يعترف أن هذين الرجلين هما أخواه، موسى يُرذل ويُعتبر أنه يريد أن يقتل العبراني كما قتل المصري. حين لا يعرف السائل أن يميز بين موسى الذي قتل المصري وموسى الذي يقف أمامه الآن، فهو قد أضاع موسى الحقيقي ولم يفهمه. وهكذا نعود إلى إطار عدم فهم مؤسف لموسى مخلص شعبه والمسرع إلى مد يد العون إلى إخوته.
بعد هذا يقدّم الخطيب تفاصيل لينهي الخبر كما في العهد القديم. نرى في العهد القديم أن الفرعون سمع بمقتل المصري فطلب موسى ليقتله. فهرب موسى خوفاً من فرعون. هذا ما يقوله العهد القديم. أما اسطفانس فترك المعطيات عن الفرعون، وشدّد على هرب موسى إلى مديان.
لخّص لوقا في نصف آية (آ 29 ب) فترة تمتدّ من قتل المصري إلى العلّيقة الملتهبة، كما لخّص المسافة بين ولادة موسى ومقتل المصري بفعل الماضي: كان، الذي يمتد على أربعين سنة. ولخص لوقا العهد القديم فقال: أقام هناك وكان له والدان.
قدّمت لنا آ 23- 29 الدرفة الثانية من حياة موسى. كانت الدرفة الأولى طفولته فبيّنت ما كان عليه موسى. ودلّت الدرفة الثانية أنه هو الذي جاء يحمل الخلاص لشعبه، أن أخاه العبري رفضه لأنه لم يفهم الوظيفة التي أوكلت إليه. لا يتوسّع لوقا في موقف المعتدي. فما يهمّه هو السامعون الذين يعرفون أن الله اختار موسى لمهمة الخلاص. ويتضمن هذا أن يكون العبراني قد فهم. أما موسى فتعجّب من عدم الفهم.
يشدّد أع على عدم فهم اليهود لنشاط يسوع. وهكذا نرى مقابلة بين العبراني وموسى من جهة، وبين المسيح وسامعي اسطفانس من جهة أخرى. وتبدو الأمور أوضح حين نتحدّث عن ينبوع وظيفة موسى: هو الله الذي اختاره وأعطاه السلطة بان يكون قاضيا ورئيساً على بني إسرائيل. ويجد السر المسيحي صدى له وتهيئة في خبر موسى أمام اليهود الذين رفضوا يسوع ولم يفهموه أنه هو المسيح والمخلّص.
ولسنا فقط أمام إسرائيلي فرد. فإذا قابلنا آ 27- 28 مع آ 35 نرى أن هذا العبراني يمثل الشعب كله. وهكذا نقول فيما يخصّ يسوع. ففعل "رذل" المستعمل في آ 35 هو الذي استعمل ليدل على رذْل الأمم ليسوع (3: 13، 14؛ 4: 16؛ لو 9: 23؛ 12: 9). وهكذا نفهم أن الكاتب يفسّر خبره على ضوء الزمن الحاضر.
د- موسى أمام العلّيقة الملتهبة (آ 30- 34)
تتعلّق آ 30 بنص خر 3: 1- 2 بسبب عدد 40 الذي يبدأ هذا القسم الإخباري الثالث من حياة موسى. نحن هنا على جبل سيناء، والموضوع الأساسي هو الحوار بين الله وموسى.
يبدأ اسطفانس بالظهور على جبل سيناء ويؤرخه. ولكنه يترك عدداً من التفاصيل، لأن اهتمامه يتوجّه إلى مكان آخر. استبعد الظروف التي قادت موسى إلى الوحي الإلهي، وترك ما يتعلّق بموسى قبل العلّيقة الملتهبة. واحتفظ بثلاثة أمور: رأى العلّيقة وتعجب. اقترب منها. تقدّم لينظر.
احتفظ اسطفانس بمقدّمة الخروج: ظهر ملاك في العلّيقة (رج آ 38. فسيناء هو المكان الذي فيه أعطيت كلمات الحياة). وزاد: في البرية، على جبل سيناء. جعل حوريب محلّ سيناء ليربط موضع إعطاء الوصايا بموضع ظهور الملاك. وبعد المقدمة، انتقل اسطفانس حالاً إلى تعرّف موسى إلى الرب. أما سفر الخروج فسار في بطء قبل أن يوحي الرب لموسى عن هويته. واليك النصّين الموازيين:
خر أع
أ- دعا الله موسى
ب- أجاب موسى
ج- طلب الله من موسى أن يخلع نعليه
د- كشف الله عن نفسه د- كشف الله عن نفسه
هـ- ردّة الفعل لدى موسى. هـ- ردّة الفعل لدى موسى
ج- طلب الرب من موسى أن يخلع نعليه
و- سلم الله موسى المهمة و- سلّم الله موس المهمّة
في نص سفر الخروج، خلع موسى نعليه من رجليه، ثم كشف الله له عن نفسه. أما اسطفانس فقدّم ردة الفعل لدى موسى فيما بعد. المهم هو الرسالة التي يتسلّمها موسى.
ماذا نجد في خر 3: 7- 10؟ تفسير لزيارة الرب لموسى وإعطاؤه مهمة تحرير إسرائيل. هذا ما سيوجزه أع في بضع آيات. أولاً: جواب الرب على مذلّة شعبه. ثانياً: أعلن الرب أنه سيخلّص إسرائيل. ثالثاً: قال لموسى أنه سيرسله إلى مصر. وتنتهي كلمات الرب بوعده أن ينهي مضايق شعبه. فالله جاء ليخلّص، وأداة خلاصه المختارة هي موسى.
والعبارة الأخيرة في آ 34 هي تسليم مهمة، وهي موافقة الله على ما في آ 25: ظن موسى أن إخوته سيفهمون أن الله يعطيهم الخلاص بواسطته. وينتهي حدث سيناء بنظرة إلى المستقبل، إلى مصر، إلى خلاص إسرائيل.
هذا التقديم الأول لموسى كالرجل الحكيم والمهيًّأ في كل الطرق أمام الله والناس، يتبعه شعور خفي بالرفض، رفض كل مجهود من اجل الخلاص. والآن، فهذا الرجل العظيم الذي رذله شخص واحد فدلّ بصورة رمزية على أن شعباً بكامله سيرذله، هذا الرجل سيُرسل ليخلّص إخوته العبرانيين.

 

الفصل السابع والعشرون
خطبة اسطفانس موسى المحرّر والمخلّص
7: 35- 43
اختلفت النبرة بين خبر موسى وخبر يوسف. فيوسف لم يُرفض بقوة كما رُفض موسى (هذا في خطبة اسطفانس). ولكن يوسف وموسى هما مخلّصان لشعبهما بقيادة الله. كل له طريقه. واحد عرف الذلّ قبل أن يُرفع من أجل خلاص عائلته. وآخر تسلّم مهمة تخليص الشعب دون أن يُرذل. ولكن عرض الخطيب الشخصين بشكل يتيح للقارئ المسيحي أن يرى فيهما السابقين لوحي الخلاص النهائي الذي وصل إلى بني إسرائيل، أعني به يسوع المسيح.
بعد أن تحدّثنا عن حياة موسى، نتوقّف عند مهمته كمحرّر ومخلّص لشعبه. كيف بدا موسى في هذه المهمة، وكيف استقبل الشعب المهمة التي حملها إليهم؟
أ- موسى هو الذي... (آ 35- 38)
مع آ 35- 43، تنتهي خطبة اسطفانس عن موسى. وبعد ذلك، سيلقي الخطيب نظرة سريعة إلى تاريخ الشعب ليصل إلى هدفه. غير أننا نقسم أ 35- 43 قسمين. الأول: تقديم صورة عن موسى (آ 35- 38).
الثاني: تقرير عن عبادة الأصنام التي وقع فيها بنو إسرائيل (آ 39- 43). أما الرباط بين الاثنين فهو آ 39: إنها تقدّم عبادة الأصنام على أنها عصيان لموسى ورفض الشعب له. هناك موضوعان نعالجهما على التوالي دون أن نفصل الواحد عن الآخر.
1- نظرة عامة
تبدأ آ 35 مع "هذا موسى". وتعود العبارة نفسها في آ 35 ب (هو الذي)، آ 36 (هو الذي أخرج من مصر)، آ 37 (موسى هذا الذي قال)، آ 38 (هو الذي في جماعة البرية). هذا التكرير لإسم الإشارة “هذا”، يدلّ على أن هناك شخصاً يدور حوله كل شيء: إنه موسى. ونعود في آ 35 إلى الماضي فنكرّر ما قلناه في إطار الخبر (آ 27) بحيث يرتبط فهم الشخص فهماً خاصاً بالخبر السابق.
لقد رأى اسطفانس عظمة موسى في ما عمل في البرية وفي ما قال. إن كان في ما قاله عودة إلى المسيح، فهذا لا يحرم موسى من مديح يقوله فيه الكاتب. بل إن نبوءة موسى عن المسيح (سيقيم الله لكم نبيا مثلي أنا موسى) هي مجد يزاد على ما أتمّ يسوع بالنسبة إلى موسى.
يتميّز هذا النمط الجديد بإجمالة عن خبر البرية (بدلاً من لائحة أحداث)، باستعمال مكرّر لأسم الإشارة (هذا)، باستعمال إسم الفاعل (في اليونانية صانعاً العجائب، قائلاً لنبي إسرائيل، صائراً وسيطا) العائد إلى موسى والمتكلّم عن أعماله، بالمعارضة بين موسى كما يراه الشعب وكما يراه الرب. وإذا عدنا إلى المديح المفخم في آ 53 عن الشريعة لأن الملائكة حملوها، نرى إن ذكر الملاك في آ 35، 38 يمجّد ذلك الذي عمل مع الملائكة.
هناك نقطة مهمة نأخذها بعين الاعتبار. لا يتحدّث النص إلا عن موسى. وهذا ما يساعدنا على التعرف إلى علّو قدره. هو لا يدخل في إطار خبر لنفهمه بواسطة هذا الخبر. فهو الذي يعطي الخبر معناه. وإذا كانت آ 37 تحمل بعداً كرستولوجياً، فهذا لا يخفّف من قدر موسى، بل يزيده. هل نسينا أن خطبة موسى تقدّمه على أنه صورة عن يسوع المسيح.
2- بنية آ 35- 38
حين ننظر إلى آ 35- 38، نجد أننا نستطيع أن نقسمهما إلى شقين.
الأول: تقدم آ 35- 36 إجمالة عن خبرة البرية. والعبارة الأساسية هي "أربعون سنة". فهي تقودنا في متتالية العهد القديم إلى اعتبار الآيات التالية خبراً عن الأحداث التي حصلت لموسى بعد مسيرة الأربعين سنة. إلا أننا نلاحظ أن خبراً يتبع هاتين الآيتين، فيعود بنا مؤقتاً إلى بداية خبر الصحراء، إلى ما سيحدث بعد الأربعين سنة. غير أن الخبر الذي يتأصل في آ 38 يتضمّن رفضاً لموسى الذي قيل عنه أنه كان مع الملاك وبني إسرائيل في سيناء، أنه تلّقى كلمات الحياة ليعطيها للعبرانيين. وهكذا فإن آ 35- 36 تلّخصان خبرة الخروج كلها على أنها نشاط موسى كمخلّص. وتعود آ 38 إلى بداية خبرة البرية لتشدّد على وجهة مختلفة لطبع موسى.
الثاني: ندخل إلى إطار مقدمة خبر العجل الذهبي لنجد تفسير آ 37. إن أ 38 تتبع
آ 37، لأن الاثنتين تتعلّقان بطابع موسى النبوي. قد ذكرنا سابقاً أن موسى أرتفع قدراً لدى المسيحيين حين وعد أنه سيقوم نبيّ مثله. وموقع "هذا هو" في مكان مهم من آ 37، يدلّ على أهمية المقابلة بين موسى والمسيح (وهذا ما لا نجده في السبعينية). وتبرز الملاحظة عن النبي بألفاظ آ 38 حيث يتميّز موسى بأنه كان وسيط كلمة الحياة لدى إسرائيل. وهكذا تسير آ 37- 38 معاً كمقدمة لحدث العجل الذهبي. وتوجز آ 35- 36 خبرة موسى كمخلّص في الصحراء. غير أننا نشدّد من جديد على أن هذه الآيات الأربع تشكل وحدة على مستوى الأسلوب. إنها تبرز وجه موسى قبل أن تحاول إعطاءنا خبراً عنه.
3- من آ 25 إلى آ 35
قال المعتدي لموسى: "من جعلك علينا رئيساً وقاضياً" (آ 25)؟ وسيقول له شعبه الكلام عينه في آ 35. نحن هنا أمام رفض بني إسرائيل لموسى. لم نعد أمام رجل واحد، بل أمام بني إسرائيل. فالكاتب يفسّر أول أحداث حياة موسى على ضوء خبرة الصحراء. والرفض هو عمل معروف لدى بني إسرائيل ولا يقتصر على ساعة غضب في مصر. وإذ يستعيد اسطفانس خبر آ 23- 28، فهو يُجمل رفض العبرانيين بسؤال: "من جعلك رئيساً وقاضياً"؟ يتضمّن العهد القديم عدداً من الأقوال التي تتحدّث عن مثل هذا الرفض. غير أن اسطفانس يكتفي بما يعتبره مهماً. من سلّم موسى المهمة ومن أعطاه السلطة لكي يكون رئيساً وقاضياً؟ يشدّد الكاتب هنا على نقطتين. الأولى، رفْضُ من اختاره الله بنفسه. الثانية، إعطاء موسى لقباً يذكّر المسيحيين بوظيفة المسيح ودوره.
الأولى: حين تتقارب لفظتان متعارضتان، نفهم جنون العبرانيين وضلالهم: رذلوا الشخص الذي اختاره الرب بنفسه! وإن آ 25 لاتقدّم مسبقاً دفاعاً عن بني إسرائيل على أنهم أبرياء، على أنهم "لم يعرفوا في وقت قتل المصري أن الرب اختار موسى". فإن آ 25 تقول إن موسى ظن أن أخوته سيفهمون، وفكرة الخلاص كهدف لمهمة موسى ورسالته تصبح متشعّبة حين يفرض علينا الكاتب أن نفكر برفض موسى المأساوي، خصوصاً حين نقابله بعظمة موسى الذي اختاره الله.
الثانية: نجد في إطار لوقا تشديداً على الرفض وعدم الفهم في أسلوب سفر الأعمال (3: 23- 15؛ 5: 30- 31). فكرة الرفض يتبعها التمجيد يعبَّر عنه جزئياً "بالألقاب". نجد الأسلوب عينه في خبر يوسف كما نقرأه في الخطبة. فهذا الأسلوب في التحدّث عن صور العهد القديم وعن المسيح، يدلنا على يقين لدى الكاتب، وهو أن حياة الآباء الأولين في إسرائيل تجمل حياة يسوع نفسه وتسبّق عليها. والأمر واضح خصوصاً في استعمال كلمة "لوتروتيس" (فادي، مخلّص، رج لو 1: 68؛ 2: 38). فهذه الكلمة لا تستعمل كلقب في العهد الجديد، بل تستعمل مرتين في سفر المزامير وتطبّق على الله في السبعينية. فهذان الاستعمالان يرتبطان (في لاهوت العهد القديم) بالخلاص الذي يحمله فادٍ . ونجد هذه الكلمة مطبّقة على موسى. يسمّى الفادي، لا لأنه أرسل ليخلّص إسرائيل وحسب، بل لأن تلك التسمية تجعل قراء لوقا يتذكرون ما في لو 1: 77 (الخلاص في غفران خطاياهم) وفي أع 26: 18. فموضوع الفداء المرتبط بموضوع رفض مخلّص أرسله الله يدفعنا أن نرى هنا تلميحاً آخر إلى يسوع المسيح وخبرته.
4- العجائب والآيات (آ 36)
"أخرج شعبه من مصر بما صنعه من العجائب والآيات". إن آ 36 تدلّنا مجدّداً على قوة موسى كمخلّص وفادٍ لشعبه. واستعمل الكاتب التقسيم المثلث عن خبرة البرية كما عرفها معاصروه: مصر، البحر الأحمر، البرية. تغطّي هذه الإجمالة كما قلنا فترة أربعين سنة. وهي تبدأ بأداة "هذا هو الذي" اختاره الله فرفضتموه أنتم. أو هذا هو الذي رفضتموه. أما الله فاختاره كما فعل مع يوسف. تعارضٌ بين الذي قبله الله ورفضوه هم. وهكذا يقابل السامعون بين نفوسهم وبين آبائهم.
ويُبرز اسطفانس وجه موسى بعبارة “العجائب والآيات “ التي نجدها مراراً في العهد القديم. هنا نتذكر يوئيل النبي (3: 1- 5) كما ورد في أع 2: 17- 19: "أفيض من روحي في تلك الأيام فيتنبأون كله. وأعمل عجائب فوق في السماء وآيات تحت في الأرض".
طبّق الكاتب هذه العبارة (عجائب وآيات) على نشاط المسيح في 2: 24 حالاً بعد إيراد يوئيل: "يا بني إسرائيل اسمعوا... كان يسوع الناصري رجلاً أيده الله بينكم بما أجرى على يده من العجائب والمعجزات والآيات". هذه الآيات والمعجزات تبزر يسوع المسيح، وتدلّ على أن الله كان راضياً عنه. وما إن أنهى بطرس خطبته حتى بدأ الرسل نشاطهم من أجل الله وتعليمه. كيف سيعرف الشعب أنهم خدام الله الحقيقيون؟ هنا يصوّر الكاتب الرسل كما صوّر معلّمهم: "وتمّت عجائب وآيات كثيرة على أيدي الرسل" (2: 43). هذه الإجمالة تدل على تواصل مثل هذا النشاط. وسنقرأ أيضاً في 5: 12: "وجرى على أيدي الرسل بين الشعب كثير من العجائب والآيات". يُوصف التلاميذ كما يُوصف يسوع: "مدّ يدك لتأتي بالشفاء والآيات والعجائب باسم فتاك القدوس يسوع"، (4: 30). واستعمال الكلمات عينها في 7: 36 له معناه، لا سيّما وإن أع يقول الشيء عينه عن اسطفانس: "أخذ يصنع العجائب والآيات بعد أن امتلأ بالنعمة والقدرة" (6: 8). وتُقال العبارة عينها في بداية مهمة بولس: "وكان الرب يشهد لكلامهما (بولس وبرنابا) على نعمته بما أجرى على أيديهما من العجائب والآيات" (14: 3). وفي النهاية، لخص برنابا وبولس نشاطهما أمام مجمع أورشليم بما يلي: "استمعوا إلى بولس وبرنابا وهما يرويان لهم الآيات والعجائب التي أجراها الله على أيديهما" (15: 12).
هذه العبارة التي نجدها في سفر الأعمال ترتبط بفيض الروح القدس، وبنشاط يسوع الأساسي. أما جذور هذه العبارة فنجدها في سفر الخروج. وفي أع 7: 36، يذكّرنا موسى بالمسيح والمسيحيين. وتسليمه مهمة من قبل الله على سيناء يظهر عبر أربعين سنة من الآيات والمعجزات.
وهناك آ 37 بمعناها الكرستولوجي ككل. ونستطيع أن نقابلها مع 3 : 22 (قال موسى للآباء: سيقيم الرب إلهكم). ففي الحالتين نحن في إطار الأنبياء والعهد مع إبراهيم وموسى كسابقين للمسيح. يتحدّث اسطفانس عن موسى ويتطلّع إلى المسيح، وإلى المسيحيين. فرغم العجائب والآيات رذلهم الشعب اليهودي، كما رذل آباؤهم موسى.
5- موسى الوسيط (آ 38)
بين التفاصيل التي تبرز عظمة موسى، هناك وساطته بين الله والشعب ليعطيهم كلمة الله. حين نتطلّع إلى جذور آ 53، نلاحظ أن الملائكة هم وسطاء بين الله وموسى، دون أن يكون هذا مخففاً من قيمة الشريعة. فوساطتهم بالنسبة إلى الشريعة هي علامة على علّو مكانتها. ونرى أيضاً في ظهور الملاك في العلّيقة أنه لا يريد أن يقلّل من شخص موسى أو دوره مع الرب. ونقول الشيء عينه حين نقرأ آ 38: لا إشارة إلى أن الملاك الذي كلم موسى في سيناء خفف من قدر موسى. بل رفع من قدر موسى في عمله كوسيط.
مهما كانت وظيفة الملاك المذكورة في آ 38، فلا شك في أن موسى يصوَّر كالوجه الأساسي، كالوجه الضروري لوساطة بين الله وبني إسرائيل. وهذه العظمة تعود إلى علاقة فريدة بين الله وموسى. وعبارة "كلمات حية" ترفع من قيمة وظيفة موسى الذي لا يحمل إلى شعبه كلاماً كما يفعل غيره، بل يحمل إليه كلمة الحياة. وهكذا، فإن رفض كلمات الحياة يعني كارثة على مستوى الشعب كله.
وهكذا نرى في آ 38 وجهتين من دور موسى كنبي، وجهتين تزادان على وساطته الفريدة من أجل إسرائيل. هي لا تروي ما سبق وحسب، بل تهيّئ الدرب كما يأتي، أعني خبر العجل الذهبي. مع آ 38، أنهى الكاتب الجدال حول وجهتين رفيعتين في حياة موسى: دوره كرئيس وفادٍ ، دوره كنبي. وفي كلتا الوجهتين، تطلّع إلى السر المسيحي، إلى آخر رئيس وفادٍ ونبي.
وترافق عظمة موسى وجهةُ الرفض. بدأنا فرأينا موسى يرذله شخص واحد إسرائيلي، ونرى في النهاية أن الأمة كلها ترذله. ولكننا نكتشف في الوقت عينه الوجهة الثانية: رذله إسرائيل ولكننا تعرّفنا إلى رأي الله فيه وإلى الدور الذي سيلعبه من أجل إسرائيل. وتقديم موسى هذا يتبع الخط الذي قُدّم فيه خبر إبراهيم ويوسف. بعد أن ثبّت اسطفانس الطبيعة الليتورجية لحياة إسرائيل (يعبدون الرب في هذا المكان) توسّع في خبر إسرائيل عبر اثنين من أكبر الذين افتدوه. شدّد على أن الرب أقامهما (رغم رفض الشعب لهما) من أجل خلاص شعبهما وهكذا وصل بنا الموضوع الليتورجي إلى الموضوع الكرستولوجي، وموضوع الهيكل إلى موضوع يسوع المسيح. فلقد تأثرت العبادة بقبول مرسل الله أو رفضه. 
ب- كيف استقبل الشعب موسى وبالتالي الله (آ 39- 43)
ونعود إلى الخبر كما رواه العهد القديم فنكتشف أولاً دور الليتورجيا والعبادة في الكشف عن قلب العبرانيين ونواياهم الخفية (آ 39- 40). ونعود إلى فكرة العهد في آ 41- 43.
1- دور الليتورجيا والعبادة (آ 39 - 40)
تبدو آ 39 مهمة في خبر موسى عبر الموصول (الذين) الذي يربط آ 38 بما يتبع: يشدّد القارئ على رفض موسى من قبل إسرائيل في بداية سقوط سينتهي بعبادة الأصنام. رذل إسرائيل "كلمات الحياة". وهو بالتالي رذل موسى. وعبر موسى سيرذل شخصا آخر.
وهكذا نواجه حالاً رَفْض موسى على أنه بداية العبادة الكاذبة. يقرّب إلينا العهد القديم العبادة الكاذبة بشكلٍ ملفت للنظر. هو لا يقول إنهم رذلوا موسى. ولا يقول حرفياً إن بني إسرائيل عادوا بقلوبهم إلى مصر. فالعهد القديم يلاحظ فقط أن الشعب رأى موسى قد غاب أياماً عديدة، فطلب من هارون آلهة جديدة. ويتابع العهد القديم خبره بأن هارون لبّى رغبة الشعب. وهكذا وصل بنا إلى ذروة الخبر في تفسير "التجديف": "هذه آلهتك، يا إسرائيل، التي أخرجتك من أرض مصر" (خر 31: 4).
أما سفر الأعمال ففسرّ مضمون تحوّل بني إسرائيل إلى هارون قبل أن يورد ما قالوه. عصوا موسى وتحوّلوا في قلوبهم إلى مصر. إن عودة القلب هذه إلى مصر هي رفض لكل ما كان منذ الخروج. فبنو إسرائيل فضلوا الوضع القديم على الوضع الذي اختاره الله لهم. هذا لا يعني أنهم يريدون آلهة جديدة تقودهم بعيدا عن سيناء. إنهم بالأحرى يريدون العودة إلى النظام القديم، إلى ما قبل اختيار الله لهم كشعب له، وهو اختيار يفترض الطاعة لإرادته. فعل الشعب هذا "في قلبه"، فدلّ على أنه يعيش روح الجحود. ليست القضية أن يعودوا أو أن لا يعودوا "على أرجلهم". رفضوا الله في داخل قلوبهم، فكان ذاك وقت جحودهم ورفضهم لله.
وبعد أن أعطى الكاتب المدلول الحقيقي لكلام الشعب، أورد ما قالوا لهارون. طلبوا منه أن يصنع لهم آلهة: فهم لا يعرفون ما حلّ بموسى رئيسهم وفاديهم. ويبيّن الكاتب ضعف الإيمان عند بني إسرائيل. ويتأكّد اسطفانس أننا فهمنا كيف يرتبط طلب آلهة بشخص موسى. فموسى هو ينبوع الوحدة بين الله وشعبه. ونتيجة غيابه كانت أنهم رفضوه ثم جحدوا الرب. وهذه الأمثولة (يمر رفض الله عبر رفض مرسله) تبرز في تفسير معطيات العهد القديم. ومرة أخرى نرى رذل موسى المبنية على “ما فهموا”. والآن تذمّر بنو إسرائيل لأنهم لا يعرفون (أوك أويدامن). وبيّن لوقا (24: 35، 45) وسفر الأعمال (2: 17؛ 18: 26) جنون الذين لم يؤمنوا.
2- العهد مع الله (آ 41- 43)
نجد في آ 41 تعبيراً في الخارج لما تضمّنته آ 39 حيث قالت: مالوا بقلوبهم إلى مصر. تخلّى الشعب عن موسى وبالتالي عن الرب، فمالوا الآن بكلّيتهم إلى العجل الذهبي، وقدّموا الذبائح للصنم، وفرحوا بعمل أيديهم. تعود بنا العبارة الأخيرة لا إلى العجل كشيء صنعته أيديهم، بل إلى العمل الذي قاموا به عندما قدّموا الذبائح. أوجز أع خبر سفر الخروج فضمّ مدلول العجل في لفظة "صنم". هذا ما يعود بالقارئ إلى وصية سيناء "لا تصنع لك تمثالاً منحوتاً" (خر 20: 2؛ تث 5: 8). ثمّ في خر 20: 2: "لا تصنعوا لكم آلهة من فضة أو ذهب". وفي النهاية يقول العهد القديم عن الشعب إنهم "جلسوا يأكلون ويشربون، وبعد هذا قاموا يمرحون" (خر 32: 6). أما اسطفانس فأوضح شرّ عملهم: "فرحوا بعمل أيديهم".
إن عملية الرفض التي بدأت في آ 39 وظهرت في الخارج، قد صارت الآن دائرة كاملة: رذل الله بني إسرائيل. وليس الرفض ذاك الذي أورده العهد القديم. في العهد القديم أراد الرب أولاً أن يقتل كل بني إسرائيل وثانياً أولئك المحرضين على عبادة الأوثان. هذا العقاب هو واحد في أع وهو يشبه ما في آ 39 التي بدأت في الداخل وفي القلب ثم ظهرت في الشخص كله. نتذكر هنا أن غرس الشريعة في الداخل اتخذ معناه في فهم بني إسرائيل لعلاقتهم بالله (إر 31: 31- 34).
ارتبطت عبادة الأصنام بالمنفى. فالمنفى هو عقاب هذه الخطيئة. أما في نظر اسطفانس، فالمنفى ليس ضرورياً للعقاب. فعمل الجحود يحمل عقابه في نفسه. وكدليل على هذا العقاب الذي هو عبادة كواكب السماء، أورد اسطفانس كلمات عاموس وأنهاها بذكر المنفى. وإن لم يكن عاموس قد سمّى هذا عقاباً، وإن لم يفسره تخلياً للرب عن شعبه، إلا أن اسطفانس قد رأى هذا المدلول في عمل بني إسرائيل حين حملوا خيمة مولخ ونجمة الإله رمفان. رأى عاموس في عقاب الله نتيجة لعبادة الأصنام فقال: "سأنفيكم إلى ما وراء بابل". أما اسطفانس فأورد هذه العبادة الأخيرة ليبيّن أن عاموس رأى أيضاً في عبادة الأصنام عقاباً مباشراً من الله. غير أن اسطفانس يرى أن مجرّد حمل الأصنام لعبادتها هو في حدّ ذاته ابتعاد عن الله (آ 42).
العبادة الكاذبة تحمل عقابها في ذاتها. هذا ما أراد اسطفانس أن يقوله لسامعيه. فلا يحكموا على عمل بما سبّبه من شقاء أو منفى قد لا يحصلان، فنظن أن العلاقة لم تزل حسنة مع الله. رفضُ الله هو في نفسه العقاب الكافي.
3- خاتمة
نستطيع أن ننهي خبر موسى فنؤكّد من جديد أن عبادة الأصنام في البرية ترتبط برفض موسى. فرفْض رجل الله يصل بالشعب إلى عبادة الأصنام (لم نعد نعرف الإله الحقيقي) التي تحمل عقابها في نفسها. فعبادة إسرائيل ترتبط بقبوله ممثل الله. ورفض موسى يعني أن عبادة إسرائيل لله ليست صادقة. قد يفسَّر دمار الهيكل كنتيجة لعبادة غير لائقة بالله، وقد يحاول بنو إسرائيل أن يربطوا هذا الحدث بمصيبة وطنية. أما في نظر اسطفانس المسيحي، فالله لا يقبل عبادة بني إسرائيل حين يرفضون المسيح، ذلك الذي أقامه الله نبياً من بين إخوته على مثال موسى. 
وهكذا نرى في عبادة العجل الذهبي صورة عن إسرائيل الذي رفض مرسل الله فرفضه الله. فالموضوع هو العبادة.. ولكنه يرتبط بشخص يسوع المسيح.
دعا الرب شعبه وحرّره وجاء به إلى الأرض الموعود بها. ما يكون الجواب على مشروع الله وندائه عبر شخص إبراهيم؟ هل سيفهم شعب إسرائيل أن خبر البرية هو كثر من خبر في الماضي؟ إنه حدث يعيشونه اليوم.

 

 

الفصل الثامن والعشرون
خطبة اسطفانس الهيكل والروح القدس
7: 44- 53
ذكر اسطفانس في خطبته الطويلة إبراهيم الآتي إلى عبادة الله في أرض كنعان. ويوسف وموسى اللذين كانا أداة خلاص بيد الله. وها هو يصل إلى الموضوع الأساسي الذي إليه وجّه كل تلميحاته: تتعلّقون بالهيكل ولكنكم في الواقع تقاومون عمل الروح. وقد قاومتموه خاصة حين أسلمتم البار وقتلتموه.
نتوقف في هذا الفصل عند قسمين، الأول: موضوع الهيكل. الثاني: مقاومة الروح القدس.
أ- موضوع الهيكل (آ 44- 50)
إن آ 44- 50 تشبه الأحداث السابقة المذكورة في خطبة اسطفانس، فتقدّم التاريخ بصورة موجزة. إلا أنها تفترق عنها فتتحدث عن مواضع العبادة، ساعة تكلّمت الآيات السابقة عن الأشخاص (إبراهيم، يوسف، موسى). وهكذا ننتقل من خبرة البرية إلى خبرة من مئات السنين تصل بنا إلى الملوك، بل إلى زمن المنفى.
نجد ثلاث ألفاظ تتحدث عن أماكن العبادة: سكيني، سكينوما، أويكوس (خيمة، مسكن، بيت). وكل مكان يرتبط بشخص من الأشخاص: موسى، داود، سليمان (وقد نزيد عليهم "الآباء"). ننتقل من زمن موسى (عبر زمن الآباء) إلى داود، ومن داود إلى سليمان.
أ- اسطفانس والهيكل (آ 44- 47)
نقرأ آ 44 فنلاحظ عبارات مشابهة مع إيراد عاموس: الخيمة، في البرية، موضع. صنع، هكذا ارتبطت آ 44 بما قبلها.
تتضمّن آ 44 الأمور التالية: هناك خيمة (سكيني). كانت لآبائنا في البرية. بُنيت حسب النموذج الذي أراه الله لموسى. إذن وجود الخيمة، وطريقة بنائها كانا موضوع وحي من قبل الله. هذا يعني أن الله كان راضياً عنها.
وتنقلنا آ 45 أجيالاً، فتصل بنا إلى داود. ولكن بدلاً من أن تحدّثنا عن حضور الخيمة الدائم في إسرائيل حتى ملك داود، فهي تعلن أن الخيمة (مثل إسرائيل) نعمت بحماية الله.
وتبقينا آ 46 في زمن داود: لقي داود حظوة أمام الرب، فرأى من الضروري أن يجد مسكناً (سكينوما) لإله يعقوب. وتوصلنا آ 47 إلى سليمان فتروي لنا أنه بنى بيتاً (أويكوس) لإله يعقوب. نلاحظ هنا كيف تعامل اسطفانس مع نص العهد القديم. في آ 44 كان هناك علامة رضى من الله، لهذا بنى موسى الخيمة للآباء في البرية. في آ 46 هناك رضى من الله مما أراده داود. أما آ 47 التي تروي بناء البيت بيد سليمان، فهي لا تتحدّث عن رضى الله. وسوف نرى في آ 48- 50 عدم رضى الله عن هذا البيت الذي بناه. فبعد آ 47، سيأتي كلام أشعيا (أي بيت تبنون لي؟) و"التجديف" على هيكل الله، فيشتعل الغيظ في قلوب السامعين.
تتحدّث آ 48 عن موضع العبادة لاعن سليمان، وتسمّيه “بيتا” صنعته أيدي البشر. إن اسطفانس لا يهتم بموقف سليمان، بل بالهيكل. فليفكّر سليمان بما يشاء. أما اسطفانس فرأى الخطأ في فكرة تقول إن لإله إسرائيل، لإله الكون، بيتاً صنعته الأيدي البشرية.
2- معارضة اسطفانس للهيكل (آ 48- 50)
نتوقّف هنا عند لفظة "بيت" وعبارة "صنعته الأيدي". أجل، استعمل اسطفانس لفظة "بيت" ليتحدّث عن الهيكل. وهاجم لا يهوديا واحداً، بل جميع اليهود الذين ينظرون إلى الهيكل على أنه بيت، وهذا هو الخطأ. والخطأ: هو أنه صُنع بالأيدي، وهذا ما يقلّل من قدر الهيكل (رج آ 41 التي تتحدث عن "صنع الأيدي"). فنحن هنا أمام معابد صُنعت من أجل الأصنام. وهكذا نرى اسطفانس يختار كلماته ليهاجم خصومه. إنه يعارض الهيكل، ولكن لماذا يعارض الهيكل؟
أولاً، الهيكل كبيتٍ لا يتوافق مع المفهوم الحقيقي لله. وهذا ما يشجبه الكتاب المقدس. يقدّم اسطفانس برهاناً يستند إلى سلطة الكتب لا إلى سلطة العقل. ونفهم هذا البرهان حين نرى أن المعارضة للروح القدس التي ترِدُ بعد الحديث عن الهيكل، تجد ينبوعها الأول في رفض اليهود أن يعيشوا حسب كلام الأنبياء كما أوحى به الروح القدس. وينطلق اسطفانس بصورة خاصّة من نص أشعيا فيبيّن أن اليهود لم يسمعوا يوماً لكلام الله، بل عارضوه دائماً.
ثانياً، إن العبادة في الهيكل تشبه أكثر ما تشبه العبادة الكاذبة في البرية. هل نعني بهذا أن العبادة في الهيكل هي عبادة أوثان كما كانت عبادة الآباء؟ لا، بطريقة مباشرة. ولكن تبقى المقابلة بين الهيكل والعبادة الوثنية في البرية شرعية بصورة غير مباشرة، وذلك بسبب علاقتها بالبرهان الكرستولوجي. هنا نعود إلى خبر موسى وإلى الصورة الكرستولوجية التي نجدها فيها. فخبر موسى هو مزيج من الكرستولوجيا والعبادة الكاذبة. فمن يرفض المخلّص والفادي والنبي، تصبح عبادته غير مقبولة، تصبح عبادة أوثان. وإن آ 44- 50 قد تأثرّت بكرستولوجية هذه الخطبة وبإنجيل لوقا وأع 1- 6، لتقدّم لليهود هذا النبي الذي يشبه موسى، هذا الفادي الذي رُذل بشكل واضح. والنتيجة: إن عبادة إسرائيل في البرية كما في أورشليم لا يمكن أن يقبلها الله. ودمار الهيكل (الذي هو واقع عرفه أع) يدلّ على أن هذا التفسير صحيح. فماذا ينتظر القارئ بعد العبرة التي قدّمها الماضي سوى دمار الهيكل؟!
ثالثاً، في تلك الحالة، ماذا تفترق معابد صنعتها الأيدي للآلهة الكاذبة عن هيكل الله في أورشليم؟ هنا نعود إلى خطبة بولس في أثينا (17: 24- 25، 29). نجد فيها الكلمات التي نقرأها في خطبة اسطفانس: "رب السماء والأرض لا يسكن في معابد بنتها أيدي البشر، ولا تخدمه أيدٍ بشرية كما لو كان يحتاج إلى شيء... فالألوهة ليست شكلاً صنعها الإنسان بفنّه ومهارته من ذهب أو فضة أو حجر". ما قاله بولس عن معابد أثينا هو الذي قاله اسطفانس عن الله الذي لا يستطيع أن يتخيّله إنسان، الذي لا يحتاج إلى البشر، الذي لا يقابل بالفضة والذهب. فلا عمل بشرياً ولا موضع ولا فكر يستطيع أن يحدّ الله.
إن عمل الإنسان من أجل الله يدلّ على نوعية تفكيره بالله. لا الذي تقوله المعابد عن العابدين الذين يؤمّونها؟ أما يظن الشعب أن الله الذي يخدمه البشر هو ضعيف ويحتاج إلى البشر؟ أما نقابل طبيعة الله مع الأشياء الذهبية، مع ما يتصوّره الناس عن الله؟ فالهيكل هو مرآة يعكس نظرة الإنسان إلى إلهه. وهكذا، إذ ينطلق اسطفانس من نص أشعيا، يعلن أن هيكل أورشليم هو رمز لتفكير خاطئ جذرياً حول طبيعة الله الحقيقية.
شجب اسطفانس مثل هذا التفكير الخاطئ، وانتظر أن يُنقّى عبر الطاعة لكلمة الله، كما قال أشعيا.
رابعاً، ونعود إلى إبراهيم، كما عدنا في البرهان الثاني إلى موسى. جاء إبراهيم إلى أرض كنعان وانتهت قصة بنيه بعبادة الله "في هذا الموضع" (آ 7). أي في الهيكل الذي هاجمه اسطفانس بقوة. إن خبر إبراهيم وُضع هنا ليقدّم للقارئ المدلول العميق والجوهري للهيكل. ويبيّن علاقة النظم اليهودية بتاريخ اليهود مع الله. وما أراده اسطفانس حين أورد خبر إبراهيم، هو أن يبيّن أن العبادة كانت الهدف الأول والسبب الأساسي لاهتمام الرب بشعبه في الخروج. ونضيف: إن عبادة الله في الهيكل كانت السبب الأخير لنداء إبراهيم.
في ضوء هذا التصوير لطبيعة إسرائيل الحقيقية، نرى أهمية رفض الهيكل ورذله. هذا ما لا شك فيه على ضوء كلام أشعيا. فالهيكل معرّض لأن يكون مثل المعابد الوثنية فلا يعود يمثّل المفهوم الحقيقي لله. وعلى هذا نقول: كما رُذل موسى وصارت عبادة الشعب تجديفاً، هكذا رُذل يسوع وصارت العبادة في الهيكل تجديفاً. ولكن اسطفانس ذهب إلى أبعد من ذلك. فالهيكل الذي يرى فيه اليهود كل عظمتهم، يتعارض مع طبيعة الهيكل الحقيقي وهدفه. فليس له بعد الآن إلا أن يُهدم فلا يبقى فيه حجر على حجر (مت 24: 2).
ب- مقاومة الروح القدس
1- يا قساة الرقاب (آ 51)
مع آ 51- 53 تنتهي خطبة اسطفانس. نجد هنا مقابلة بين "آبائكم" وبين "أنتم". ويأتي الظرف "دائماً". وكل هذا يوجهنا إلى ذروة الخطبة. فسامعو اسطفانس يشبهون آباءهم. فإذا كان هناك من شكّ حتى الآن في التشابه بين أعمال الآباء وأعمال الأبناء الحاضرين هنا، فاسطفانس يزيل الشك. وهكذا نفهم أن ما رواه اسطفانس لسامعيه، لم يكنِ مجرّد خبر يستمعون إليه ولا يبالون. فسامعوه رأوا أنفسهم في ما عمله آباؤهم. قاوم الآباء النبي موسى، وما زالوا هم يقاومون المسيح النبي مثل موسى. وصل الآباء في عبادتهم إلى العجل الذهبي، وهم يتعلّقون بالهيكل كحجر ولا يسمعون لذلك الذي يحدّثهم بحضوره.
ويركز اسطفانس حديثه على الروح القدس الذي ذكره باسمه. استعد السامعون لإدراك ملء معنى ذلك الروح، وسيتعرّف إليه قارئ سفر الأعمال. فعمله في لو وفي أع يظهر بوضوح هؤلاء اليهود بقساوة رقابهم (يرفضون أن يمشوا) وبآذانهم التي لا تسمع وقلوبهم التي لا تفهم (حرفيا: مختونة أي مقفلة). كل هذا يدلّ على عمل الروح بصورة عامة على أثر ما قاله أشعيا (آ 48- 50). فالعلاقة بين أشعيا وبداية الكلام الموجّه بطريقة مباشرة تتوضّح حين نلاحظ أن وظيفة النبي هي بأن يتكلّم "بواسطة الروح القدس ويقول". هذه الوظيفة نسبت إلى الروح في أع 25:8 ي، حيث التماثل واضح بين أشعيا والنبي، وحيث موضوع الجدال هو رفض لسماع النبوءة. فوضع 28: 25- 27 يشبه وضع النص الذي ندرس. ورفض كلام أشعيا هو مقاومة للروح القدس. وفي الوقت عينه، يتحرك الخطيب من مثل فردي يتعلّق بالهيكل كمركز عبادة إلى تشكّ عام. فبنو إسرائيل يعارضون دوماً الروح القدس. لهذا بدا اسطفانس "على خلاف" مع الهيكل. فهو أولاً يمثل خارجياً موقف القائلين بأن الله يقيم في مكان صنعته أيدي بشر. وثانيا، يعارض أقوال النبي أي الروح القدس.
2- الأنبياء والبار يسوع (آ 52)
أولاً: أسلمتموه وقتلتموه
إن آ 52 تتابع ما قالته آ 51 حول معارضة الروح القدس. فالتعارض مع كلام أشعيا وإبراز تاريخ بني إسرائيل في معاملتهم للأنبياء، ينتهي في معاملة اليهود الحاضرة للذي هو وحده موضوع كل هذه النبوءات. فالتشكي من الهيكل وجدَ قوّة في كلام النبي (أشعيا). والآن فموضوع الاهتمام هو النبي والسابق للبار، والبار نفسه. وهكذا قُسمت عبارة “أنتم وآباؤكم” حسب عملين اثنين: الأوّلون اضطهدوا الأنبياء السابقين للبار وقتلوهم. والآخرون أسلموا البار وقتلوه. بيّن اسطفانس في هذه الآية أن معاصريه "يشبهون آباءهم"، بل هم اقترفوا جريمة أكثر بشاعة من جريمة آبائهم: "أسلمتموه، قتلتموه". هذه أقوى كلمة اتهام في مؤلّف (لو- أع) لوقا. هنا نتذكر كلام يسوع: "أنتم (يا يهود اليوم) تشهدون على آبائكم وتوافقون على أعمالهم" (أو: تشهدون لأعمال آبائكم وتوافقون عليها، أو: تشهدون أنكم توافقون) (لو 11: 48). وفي النهاية، العلامة بين ما فعله الآباء والذي يُعمل الآن مع البار يذكر السامعين بما فعله اليهود في الماضي بموسى، وما فعله الله من أجل موسى (أبرز اسطفانس حياته بالنظر إلى حياة المسيح) ليلعب وظيفة خلاصية من أجل شعبه. والختام: البار هو نهاية وذروة سلسلة طويلة من المضطهدين الذين يمثلّهم النبي موسى حين رفضه شعبه.
ثانياً: سؤالان
تتضمن آ 52 الإشارة الوحيدة إلى المسيح في خطبة اسطفانس التي تسمّي يسوع "البار". وهنا نطرح سؤالين. الأول: لماذا ذُكر المسيح هنا فقط في الخطبة؟ الثاني: لماذا اختار اسطفانس لقب "البار" دون سائر الألقاب؟
* السؤال الأول: ذكر يسوع في هذا الموضع.
هناك جوابان.
- الجواب الأول ينطلق من يوسف وموسى كصورة عن المسيح.
لا شك في أن المسيح يُذكر هنا فقط بشكل مباشر في الخطبة، ولكن الخطيب قرأ حياة يسوع من خلال حياة يوسف وموسى. فيوسف الذي رُذل قد أقامه الله عبر الحكمة والنعمة إلى مجد يتفوّق على المصائب وذلك من أجل خلاص شعبه. وأهم جزاء حصل عليه هو أن يُدفن أبوه في أرضه. وموسى الطفل نَعِم بالحكمة والقدرة في الأقوال والأعمال. ظن أن أخوته عرفوا أنه اختير من أجل خلاصهم. هو الذي تسلّم من الرب مهمة افتداء إسرائيل. هو الذي قاد شعبه عبر كل المصاعب فأضحى صورة النبي الآتي. هو الذي كان الوسيط بين الله والشعب ليحمل كلمات الحياة، هو الذي رُذل وصار سبباً لسقوط إسرائيل في عبادة كاذبة قادتهم إلى المنفى. فموسى هذا أصبحت حياته صورة عن المسيح.
وهكذا، وإن لم يُذكر المسيح بصورة مباشرة في هذه الخطبة إلا مرة واحدة، فكل شيء يشير إليه عبر وجه يوسف وموسى.
- الجواب الثاني: خطبة اسطفانس في سفر الأعمال.
قلنا إن السامعين قد لا يفهمون ما قاله اسطفانس عن الروح القدس. أما القارئون فيفهمون ذلك في إطار سفر الأعمال. وهذا ما نقوله عن المسيح الذي لم يُذكر إلا مرة واحدة في هذه الخطبة. فالخطبة لا تتوجّه فقط إلى سامعي اسطفانس، بل إلى قرّاء أع الذين قرءوا في الخبر المروي صورة المسيح، وفهموا أن ما قيل في أع 1- 6 يقود إلى ف 7 والفصول التالية.
في هذا المعنى لا يحتاج المسيح أن يُذكر كما نتوقّع لدى سماع الخطبة. في هذه النظرة، نقول إن الخطبة بُنيت لا لتحدّثنا مباشرة عن المسيح بل عن ردة فعل إسرائيل تجاه المسيح وعن علاقة تاريخ إسرائيل كله بالله. وقيمة خطبة اسطفانس لا تقوم في ما تقدّمه عن المسيح، بل في إبراز رفض اليهود للكلمة الأخيرة التي وجهّها الله إليهم. وبكلمة أخرى، نحتفظ في ذهننا بكرستولوجية ف 1- 6 حين نقرأ في خطبة اسطفانس تركيزه على تاريخ إسرائيل الذي هو تاريخ بدت قمته في رفض اليهود للمسيح.
* السؤال الثاني: لقب البار
لماذا اختار اسطفانس لقب البار واعتبره كافياً من أجل حديثه؟
تستوقفنا هنا ثلاثة نصوص كتابية. الأول: أشعيا وعبد الله المتألم. ففي أش 53: 11 يسمّى عبد الله "الصديق البار" الذي "يُبرِّر كثيرين من الناس ويحمل خطاياهم". هنا نلتقي بما قاله بطرس في خطبته عن يسوع بعد شفاء الكسيح: "إله آبائنا مجّد فتاه يسوع الذي أسلمتموه وأنكرتموه... أنكرتم القديس البار" (3: 13- 14).
النص الثاني: ما تقوله الأسفار الحكمية عن البار الذي يواجهه شرّ العالم. قال أم 29: 27: "الإنسان الجائر يمقته الصديقون، والمستقيم في سلوكه يعينه الأشرار". وفي 10: 28: "رجاء الصديقين فرح لهم، وأمل الأشرار يبيد". ولكن يبقى النص الأهم حك 2: 12- 20: "يدّعي معرفة الله، ويسمّي نفسه ابن الرب... سلوكه غريب في الحياة، يخالف سلوك الآخرين... فلننظر هل أقواله هي الحق". هنا نتذكّر كيف طبّق إنجيل متى هذه الأقوال على يسوع المائت على الصليب. قال اليهود عن يسوع: "توكل على الله وقال أنا إبن الله، فلينقذه الله أن كان راضياً عنه" (مت 27: 42).
النص الثالث، نقرأه في إنجيل لوقا. رأى قائد الحرس ما جرى فقال: "بالحقيقة كان هذا الرجل باراً" (لو 23: 47). هنا نعود إلى ما قلناه عن حك 2: 12 ي. فيسوع هو البار الذي هاجمه الأشرار. وسنجد هجوماً خاصاً من قبل المصلوبين حول يسوع بعد هجوم اليهود وتهكمهّم على يسوع. "خلّص غيره فليخلّص نفسه إن كان مسيح الله المختار" (لو 23: 35). عاد اسطفانس إلى الأنبياء وإلى السابقين للبار فتحدّث عن البار الأول الذي أسلموه وقتلوه.
3- المعارضة لله (آ 53)
تسلّمتم الشريعة وما عملتم بها. كان اليهود هؤلاء الأشرار. فبعد أن رفضوا البار وقتلوه، لم يحفظوا الشريعة مع أنها من الله، مع أن الملائكة (رمز حضور الله) حملوها. إذن، اليهود هم هؤلاء الخطأة والأشرار (لا أبرار). وهكذا، إن لم يكن العهد القديم كافياً لكي يقنع سامعي اسطفانس بخطيئتهم، فهو قد ساعد الخطيب ليعظّم شأن يسوع بانتظار أن يراه في المجد "من عن يمين الله" (آ 56).
كان انتقاد عنيف من قبل اسطفانس لليهود على مدى أجيالهم. وهاهو يقول لهم إنهم "غير مختونين"، إنهم ما أرادوا أن يسمعوا ولا أن يفهموا. وهكذا بدا موضوع معارضة اليهود لله في كل بشاعته: منذ يوسف وموسى، إلى رفض كلام الأنبياء وبالتالي رفض الروح القدس. والفرق الوحيد بين الجيل الماضي ومعاصري اسطفانس، هو أن المعاصرين اقترفوا شراً كبيراً حين رفضوا الذي أنبأ به الأنبياء، وقتلوه.
لا تشكّل هذه الآيات تشكّي اسطفانس من اليهود، بل تشكي المسيحية كلها كما نجده في لو وفي أع. كل هذا يجد قمته في نهاية سفر الأعمال حيث سوء التفاهم واضح بين اليهودية والمسيحية. قال بولس ليهود رومة وعبرهم إلى كل اليهود: "مهما سمعتم لا تفهمون، ومهما نظرتم لا تبصرون. تحجرّ قلب هذا الشعب فسدّوا آذانهم وأغمضوا عيونهم لئلا يسمعوا بآذانهم ويبصروا بعيونهم ويفهموا بقلوبهم ويتوبوا فأشفيهم" (28: 26- 27).
ما أرادوا أن يسمعوا. ولكن كلمة الله ما زالت تنتشر، وسوف تصل إلى الوثنيين. هم لا يقدرون أن يوقفوا هذه الكلمة التي ستصل إلى أقاصي الأرض. لذلك سيوقفون حاملها، يرجمونه بالحجارة فيسكتونه. وكما صلبوا معلّمه الذي جاء يحمل إليهم الحياة (3: 15)، رجموه هو بدون محاكمة. ولكن قرب اسطفانس وقف شاول (بولس) يحمل ثياب الذي يرجمونه، بانتظار أن يحل محلّه في حمل كلمة الله إلى اليهود أولاً ثم إلى الوثنيين.

 

 

الفصل التاسع والعشرون
اسطفانس والشهادة للرب يسوع
7: 54- 60
أ- مقدمة: الكنيسة الأولى وموت اسطفانس
تألّفت جماعة أورشليم من أعضاء جاؤوا من العالم اليهودي الفلسطيني (هم العبرانيون) أو من العالم اليهودي المطبوع بالثقافة اليونانية (هم الهلينيون). وإن اختلاف التربية والمحيط الحياتي الذي يفصل بين هاتين المجموعتين، ثم تزايد عدد المرتدين، كل هذا أثار النزاع. فحصل الهلينيون على الدياكونيا (خدمة خاصة) ليعالجوا بعض هذه المشاكل. وبدا اسطفاذس الأول بين هؤلاء الرجال الذين تحلّوا بسمعة طيبة، وامتلأوا من الروح القدس والحكمة (7: 3) فوضع الرسل أيديهم عليهم (6: 6).
شهد أع أن شخص اسطفانس وعمله الرسولي تركا أثراً عميقاً في الكنيسة الأولى. "هو رجل ممتلئ من الإيمان والروح القدس" (6: 5). اجترح عجائب مدهشة، وأعلن البشارة بحكمة وقوة، ولهذا عجز معارضوه عن مقاومة الحكمة والروح اللذين يجعلانه يتكلم (6: 10). وإن موت اسطفانس شكّل منعطفاً في أع. فالجماعة ولدت يوم العنصرة، يوم ارتد إلى المسيح 3000 شخص (2: 41). منذ ذلك الوقت، برزت المقاومة لدى السلطات اليهودية الرسمية (4: 1- 2؛ 5: 17- 18). ولكن الجماعة ظّلت تنمو بدون انقطاع، بفضل تأييد الشعب لها (4: 21). وإن عدداً كبيراً من الكهنة اليهود انضمّوا إلى الكنيسة (6: 7). وساعة موت اسطفانس، اتخذت معارضة السلطات اليهودية طابعاَ رسمياً: "صنعت" أول شهيد مسيحي سيروي أع خبر موته، وأشعلت اضطهاداً عنيفاً ضد كنيسة أورشليم. إن رجم اسطفانس كرّس في نظر أع قطيعة بين الكنيسة والعالم اليهودي الرسمي في أورشليم. رفض العالم اليهودي خلاص الله فقتل المسيح، وها هو الآن يرفض النداء إلى التوبة. ولكن لا بدّ من التشديد على وجهة أخرى للحدث: سجّل موتُ اسطفانس بداية انتشار عجيب للكنيسة: راح المشتّتون يتنقّلون من مكان إلى آخر ويبشّرون بالمسيح (8: 4). وأخيرا يهتمّ خبر موت اسطفانس بأن يقدّم لنا مرتين شخص شاول (بولس) (7: 58؛ 8: 3). إن الوضع التاريخي والأدبي لموت اسطفانس مهم جداً، ولهذا توسّع لوقا في الحدث توسعاً طويلاً.
ب- اقتدى اسطفانس بالمسيح
ويبدو هدف لوقا واضحاً: أن يبيّن أن موت اسطفانس هو صورة طبق الأصل عن موت المسيح. إن اسطفانس يمثل التلميذ الكامل للمسيح. انطبعت رسالته بالعجائب والآيات (6: 8؛ 10: 38؛ رج 2: 22) وبكرازة للإنجيل لا تقاوم (6: 10). وإن ساعات حياته الأخيرة جعلته يتشبّه بالمسيح بطريقة مدهشة. نتذكر هنا المشهد الذي مثل فيه يسوع أمام المجلس الأعلى: "لكن ابن الإنسان سيجلس في المستقبل عن يمين الله القدير" (لو 22: 69). ونتذكر اسطفانس الذي يعلن تحقيق هذا القول: "أرى السماوات مفتوحة وابن الإنسان واقفاً عن يمين الله" (أع 7: 56). وقبل أن يموت اسطفانس، صاح بأعلى صوته: "يا رب، لا تحسب عليهم هذه الخطيئة" (7: 60). هذا القول يعيدنا إلى كلمات شبيهة تلفظ بها يسوع من أعلى صليبه: "اغفر لهم يا أبي، لأنهم لا يعرفون ما يعملون" (لو 23: 34). قال اسطفانس: "أيها الرب يسوع تقبّل روحي" (7: 59). فجاء قوله امتداداً لصلاة المساء التي تلاها يسوع قبيل موته: "يا أبي، في يديك أستودع روحي" (لو 23: 46). وأخيراً نستطيع أن نزيد أن التلميذ ليس أفضل من المعلم (لو 6: 40). دعوته الخاصة أن يقتدي بمعلمه حتى الموت. لهذا امتلأ اسطفانس من الإيمان والروح القدس (6: 5)، فاستطاع أن يتبع يسوع حتى النهاية، أن يلبس العواطف (فل 2: 5) التي كانت في المسيح المصلوب.
ونستطيع أيضاً أن نشير إلى مشابهات بين اسطفانس والمسيح. إن الاتهامات التي رُفعت ضد اسطفانس (6: 11- 14) تذكرنا بالتي رُفعت ضد المسيح (مت 26: 16- 65: بالنسبة إلى الهيكل، رج يو 2: 21؛ 8: 52، 59). طُرح الابن خارج الكرمة في مثل الكرّامين القتلة (لو 20: 15)، ومات يسوع خارج أورشليم (عب 13: 12). كذلك دفعوا اسطفانس إلى خارج المدينة ليرجموه (7: 58). بدا وجه اسطفانس كأنه "وجه ملاك" (6: 15)، فذكرنا بوجه يسوع وقت التجلي: (أشرق وجهه كالشمس) (مت 17: 2؛ لو 9: 26).
ج- رجل يحركه الروح
يصوّر لنا لوقا اسطفانس كشاهد للأزمنة الاسكاتولوجية: يحّركه الروح القدس بقوّته. يرافقه ابن الإنسان بحضوره: امتلأ من الروح القدس، رأى يسوع في مجده (7: 55). ونحن نعرف أن الخطبة النموذجية في أع (2: 14- 41) قد شدّدت على أن حلول الروح القدس بوفرة هو علامة "الأيام الأخيرة" (2: 17). هذا ما أعلنه يوئيل (3: 1): "أفيض من روحي على كل بشر: حينئذ يتنبأ بنوكم وبناتكم. يرى شبّانكم رؤى وشيوخكم أحلاماً". لقد تميّز "ملء الزمن" بإقامة عهد جديد ونهائي فيه يمنح الله البشر "نعمة التبني". كتب القديس بولس: "والبرهان أنكم أبناء، هو أن الله أرسل إلى قلوبكم روح ابنه الذي يهتف: أبّا، أيها الآب" (غل 4: 4- 6).
يشير أع مرات عديدة إلى حضور الروح في حياة اسطفانس: "كان ممتلئاً من (الروح القدس والحكمة)" (6: 3)، (ممتلئاً من الإيمان والروح القدس) (6: 5). ويقول عنه لوقا إن الحكمة والروح جعلاه يتكلّم (6: 10، أو: الروح أعطاه الحكمة). ظهر الروح في الإيمان والحكمة اللذين عاش فيهما اسطفانس. ظهر في كرازته وفي "العجائب والآيات" التي تدلّ على صدق كلمته (6: 8). قاد الروح اسطفانس فكان “قوياً” وعاش حياة حكمة أي حياة توافق إرادة الله ولو وصل به الأمر إلى الاستشهاد. وكان اسطفانس حكيماً، فأناره الله ليفسّر كل تاريخ إسرائيل (7: 2- 53) على ضوء الحدث الذي اختبرته الكنيسة الأولى. ثم إن الروح يقود اسطفانس حتى نهاية حياته، وهو يسرّ بهذه القيادة: وثمار الروح التي هي السلام والمحبة (غل 5: 22) تظهر فيه حين يسلّم روحه إلى الرب ويطلب المغفرة لقاتليه (7: 59- 60).
د- شاهد لابن الإنسان
والروح هو الذي يجعل اسطفانس جديراً بفهم رؤية ابن الإنسان الممجّد. لسنا أمام شخص جديد لم يعرفه العهد القديم. فالنبي دانيال صوّر ابن الإنسان آتياً على سحاب السماء نحو "الشيخ" القديم الأيام الذي يدين الملوك والعظماء على الأرض (دا 7: 10، 17). وخلال مقابلة مع "الشيخ"، ينال ابن الإنسان "السلطان والكرامة والملك وتتعبّد له الشعوب والأمم والألسنة" (دا 7: 14). بعد هذا، يجعل ابن الإنسان "قديسي العلاء" (7: 27) يشاركونه في سلطانه. في هذه الرؤية تبدو أحداث الأرض صورة عن أحداث السماء، والتاريخ نسخة طبق الأصل عمّا يحصل على مستوى أعلى.
تحدّث 6 سفر أخنوخ الحبشي (سمي كذلك لأنه وصل إلينا في اللغة الحبشية، دوّن حوالي سنة 63 ق. م.) عن ابن الإنسان الذي هو المختار والممسوح والذي ظهر كديّان العالم والمنتقم للأبرار المضطهدين: "يحطّم أسنان الخطأة... يكون نور الشعوب ورجاء الذين يتألمون في قلبهم... باسمه ينجون وينتقم لحياتهم". وكما يجمع ابن داود أبناء إسرائيل، كذلك يجمع ابن الإنسان جماعة الأبرار والمختارين الآتين من كل الأمم.
وتتحدّث الأناجيل الإزائية مراراً عن ابن الإنسان: صور جليانية يأتي فيها ابن الإنسان على غمام السماء بقدرة ومجد عظيم (كما 24: 30) ليدين كل البشر (مت 16: 27؛ لو 21: 24- 27). وسيماثل يسوع نفسه مع هذا "ابن الانسان" المجيد، بحيث يتّهمه عظيم الكهنة بأنه يجدّف (مت آ 2: 64- 65). إن عبارة ابن الإنسان عند الإزائيين تدلّ على تسامي المسيح وفي الوقت عينه تُخفي هذا التسامي: مثلاّ، بمناسبة الحديث عن السبت: "إبن الإنسان هو سيّد السبت" (مت 12: 8). أو غفران الخطايا: "إن ابن الإنسان له سلطان على الأرض ليغفر الخطايا" (مت 9: 6) وهذا اللقب عينه سيدلّ بعد القيامة على تسامي الرب. شاهد اسطفانس في رؤيته يسوع الذي دخل في مجد الله ووقف (لماذا لم يجلس؟ شروح عديدة، ومنها أن الوقوف هو علامة الانتصار والظفر) عن يمين الله (7: 55- 56). نحن نفهم بسهولة هذه الوجهة من ابن الإنسان. ولكن هذه النقطة لا تشرح كل رؤية اسطفانس.
فخبر موت اسطفانس يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالتقليد الإنجيلي، فكيف يهمل لوقا وجهة الذل والألم عند ابن الإنسان حين يراه اسطفانس "واقفاً عن يمين الله" (7: 56)؟ ما أشار النبي دانيال ولا أشار التقليد الجلياني إلى أن ابن الإنسان سيمرّ عبر الذل والموت ليدخل في المجد. ولكن تلك كانت الطريق التي عيّنها يسوع في الإنباءات الثلاثة عن سره الفصحي: "يجب على ابن الإنسان أن يتألم كثيراً... وأن يقتل، وفي اليوم الثالث يقوم من بين الأموات" (لو 9: 22؛ 9: 44؛ 18: 11- 33؛ رج مر 2: 10، 28؛ 8: 31؛ 10: 45؛ مت 11: 25؛ 20: 28: سيكون ابن الإنسان شخصاً متواضعاً ومتألماً).
يبدو أن يسوع أراد أن يجمع في شخص "ابن الانسان" أقوالاً مختلفة بل متعارضة أوردها العهد القديم: القول عن ابن الإنسان المجيد الذي يتحدّث عنه دانيال، قول أشعيا في عبد يهوه (عبد الله). إن مصير عبد الله مصير غريب: "رضي الرب أن يسحقه بالألم... بعد أن تعاني نفسه المحنة سيرى النور وتطول أيامه" (أش 53: 10- 11). وهكذا سينال يسوع مجد ابن الإنسان بعد أن يعبر في ألم عبد الله. هاتان هما مرحلتا السر الفصحي اللتان بهما يدرك يسوع الحياة المجيدة عبر الألم. وسيكون لاسطفانس في ساعة موته نعمة فريدة: شاهد يسوع وهو يقاسم الله مجده بصفته ابن الله. مثل هذه الرؤية حملت للشهيد تعزية كبيرة وهو الذي سيعرف موتاً أليماً سيُدخله مثل يسوع وعلى خطاه إلى حياة الله المجيدة. وهكذا صار الوحي كلمة تعزية وتشجيع، وإعلاناً نبوياً.
هـ- خاتمة: شاهد لإيمان الكنيسة الأولى
اعترف اسطفانس بالمسيح على انه ابن الإنسان والرب. وإعلان إيمانه هو استعادة للكرازة الرسولية: "فإذا شهدت بلسانك أن يسوع رب، وآمنت بقلبك أن الله أقامه من بين الأموات، نلت الخلاص" (روم 10: 9). وأيضاً: "الله أقامه وحرّره من الموت... فيسوع هذا أقامه الله، ونحن كلنا شهود على ذلك... إن الله جعل يسوع هذا الذي صلبتموه أنتم رباً ومسيحاً" (أع 2: 24، 32، 36). إن اعتراف اسطفانس أدرك دفعة واحدة المجد الذي ناله المسيح عن يمين الآب عبر موته وقيامته. يعترف المسيحيون العاديون بالرب الممجّد بعد أن يؤمنوا بالكرازة الرسولية. أما اسطفانس فشاهد الرب نفسه وشاركه في مجد الله. لقد رأى الرب الذي آمن به سائر المسيحيين.
ونلاحظ بصورة خاصة توافق كلمات اسطفانس (7: 55- 56) مع الكرازة الرسولية. فكيف يستطيع يسوع أن يكون واقفاً عن يمين الله إن لم يكن قد قام؟ أو، كيف يقدر أن يمارس وظيفته كديّان الكون ومخلصه كما يقول دانيال وأخنوخ عن ابن الإنسان دون أن يكون جُعل "الرب". في الواقع، يعتر اسطفانس عن الكرازة الرسولية مستعملاً لقباً نسبه يسوع إلى نفسه وهو لقب ابن الإنسان.
ويبقى اسطفانس لكل الأجيال المسيحية نموذج تلميذ المسيح: آمن بالرب يسوع فاقتدى به في موته لينضم إليه في مجده كابن الإنسان واقف عن يمين الله.

 

 

الفصل الثلاثون
رسالة الكنيسة الشاملة
8: 5- 8، 14- 17
10: 25- 26، 34- 35، 44- 48
15: 1- 2، 22- 29
هناك رباط وثيق ومنطقي يربط هذه المقاطع من حيث الموضوع في أع. فهي تشير إلى ثلاثة أوقات هامة في تاريخ الكنيسة الناشئة. فرسالة فيلبس دلّت على بداية التبشير في عالم فلسطين بانتظار التبشير بين الوثنيين. وارتداد كورنيليوس وعائلته، فتح أبواب الكنيسة للعالم الوثني. وسجّل مجمع أورشليم بطريقة رسمية ونهائية مسألة قبول الوثنيين الذين يعلنون إيمانهم بالمسيح في حضن الكنيسة.
إذن، سنعالج هذه المراحل التاريخية الثلاث حسب منطق توسّعها. من الواضح أنها تعبّر عن اهتمام واحد: أن تبيّن كيف حاولت الكنيسة الأولى أن تمارس وصية الرب المتعلقة بكرازة الإنجيل في العالم كله (1: 8؛ لو 24: 47).
ولكن مواضيع هذه المقاطع الثلاثة هي متقاربة جداً. إنها تبرز انتشار الإنجيل في العالم الوثني. إنها تعلن المسائل التي طرحتها هذه التنشئة على الكنيسة المتهودة (الآتية من العالم اليهودي). إنها تصوّر الوحدة التي قامت بين أورشليم، الكنيسة الأم، وبين الكنائس التي أسّسها فيلبس بفضل الشهادة للكلمة وقبول هذه الكلمة.
أ- فيلبس يعلن الإنجيل في السامرة (ف 8)
1- الطريق التي تقود إلى الخلاص
أولاً: نجد أولاً (آ 5- 8) دخول رجل فتح الطريق أمام الكنيسة: انه فيلبس (رج 21: 8) الذي التزم بعمل التبشير. إن عمل هذا "الخادم" الشجاع فتح الطريق أمام مسيرة الخلاص التي سيتحدّث عنها بولس في روم 15: 9- 17 والتي يفصّلها لوقا هنا في أع. لاقت الجموع فيلبس الذي بشّرها بيسوع المسيح. سمعت كلامه. وشاهدت عجائبه. آمن الناس وقبلوا العماد، كما يقول لوقا: "فلمّا بشّرهم فيلبس بملكوت الله واسم يسوع المسيح، آمنوا وتعمّد رجالهم ونساؤهم" (آ 12).
وفي نهاية كل هذا "عمّ المدينة فرح عظيم" (آ 8). نجد هنا سمة تميّز لوقا الذي يشدّد على الرباط بين إعلان الكلمة وفرح جماعة المؤمنين (2: 46، 8: 39؛ 13: 48، 52؛ 16: 34؛ رج روم 15: 13).
ثانياً: ثم نلاحظ أيضاً حضور أشخاص آخرين (آ 14- 17): الرسل (بطرس ويوحنا) الذين يعون مهمتهم ودورهم كوسطاء يطلبون مجيء الروح. ونرى أيضاً بما يقوم تدخلهم: تثبيت وتقوية كنيسة وُلدت حديثاً (كنيسة السامرة) لإقامة الوحدة بين الكنائس المتنوّعة وداخل كل كنيسة بمفردها.
يتيح لنا هذا الحضور وهذا العمل أن نتميّز مختلف التوترات في تاريخ الجماعات المسيحية الأولى: توتر سيكولوجي بين واجب إعلان الكلمة وحرية الذين يسمعونها. توتر على المستوى السوسيولوجي والجماعي بين نعمة التحرير التي يعطيها الروح والدخول في جماعة مسيحية بالمعمودية. توتر في نظام العمل بين خلاص سجيء من الله وهذا الخلاص عينه الذي يفرض التزاماً شخصيا وحرّاً.
وتصور آ 14- 17 هذه مرة أخرى المراحل الأساسية للمسيرة التي تقود إلى الخلاص: بدأ بعض أهل السامرة يتقبّلون كلمة الله، فتعلّقوا بكرازة فيلبس. حينئذ جاء الرسل فقالوا من جديد أقوال فيلبس وثبّتوها. ثم وضعوا الأيدي فضمّوا الصلاة إلى الفعلة (رج 19: 6). أخيراً، نال هؤلاء الناس الروح القدس الذي هو عطية العنصرة المسيحيّة (2: 36، 41).
نلاحظ في هذه المناسبة أن الرسل لا يعيدون سر العماد، بل يكتفون بوضع الأيدي على المعمّدين الجدد ليمنحوهم عطية الروح الخاصة. أما بولس فسيتصرّف بطريقة مختلفة في أفسس: وجد تلاميذ نالوا فقط معمودية يوحنا؟ فعمّدهم من جديد باسم الرب يسوع، ووضع يده عليهم لكي ينالوا الروح القدس مع مواهب الألسن والنبوءة (19: 1- 7).
نستشف عمل الرسول في هاتين الحالتين عبر الكلمة التي تُعلن فتُقبل، عبر عطية الله التي ينالها المؤمن في المعمودية، عبر وضع الأيدي. واجبه حضور خدمي يترجمه بخدمة الكلمة، بصلاة التشفّع، بالفعلة الاسرارية.
2- توترات حياتية وسط الجماعة
بعد هذا التحليل السريع الذي أبرز العناصر الهامة، نود أن نشير إلى ملاحظتين.
أولاً: إن اليقظة الروحية في كل كنيسة، تجد جذورها في الكلمة. فالكلمة هي زرع (لو 8: 11) يدخل في حنايا القلب البشري فيؤثر على العلاقات العميقة داخل الجماعة. وهذه الكلمة تحدث أزمة عند كل الذين يتقبّلونها: تثير ردّة فعل حرّة وقوية فتحرّك الأشخاص والمؤسسات. هذا هو التوتّر الذي لاحظناه بين الكرازة بالكلمة وتقبّل الكلمة، بين تعلق بالحرية الشخصية والدخول في جماعة إيمان ومحبة، بين عطية الروح وحضور الرسل.
ثانياً: ويبرز توتر جديد في العلاقات بين الكنيسة الأم والكنائس الشقيقة، بين الحدث والمؤسسة. نحن نجد أولى علامات رفض زرع الإنجيل وسط محيط وثني. سنعود إلى هذه الوجهة من المسألة التي ستزداد خطورة فيما بعد.
ب- بطرس يعلن الإنجيل في بيت كورنيليوس (ف 10)
1- القرينة المباشرة
حين نتقدم في قراءة أع، نلاحظ نمواً متواصلاً في رسالة الكنيسة يريد لوقا المؤرخ والإنجيلي أن يشهد له. فالكرونيكات (أخبار) في ف 8- 10 تتحلّى بقيمة تاريخية، ولكن لها بعداً لاهوتياً واضحاً. ثم إنها تعلمنا بتحولين تمّا خلاله هذه الحقبة.
من جهة، انتقل مركز نشر الإنجيل من أورشليم إلى أنطاكية (8: 1- 5؛ 11: 19- 26). في هذا المنظار، بدت السامرة التي تكلم عنها ف 8 محطة اتصال بين أورشليم وأنطاكية.
من جهة أخرى، ترك فيلبس السامرة وبشر بيسوع انطلاقاً من أش 53 (8: 26- 40) وعمد رجلاً حبشياً. ثم جاء فحل محله بولس رسول الأمم. فبولس هذا كان مضطهداً لكنيسة الله (غل 1: 13- 14) فصار سجين المسيح (أف 4: 1). كان عدواً (9: 1؛ 26: 9- 10) فصار الرسول الذي لا يتعب. كان كافراً وشتاماً عنيفاً (1 تم 1 : 3) فصار خادماً أميناً للرب القائم من الموت ولكنيسته. هذا التحوّل هو نتيجة لقائه بالقائم من الموت على طريق دمشق (رج 9: 1- 30؛ 22: 1- 21؛ 26: 1- 23).
2- تحليل 10: 25- 48
إن القطع الثلاث المذكورة في آ 25- 26 و34- 35 و44- 48 تورد ثلاث وقائع متميزة. لقاء بين بطرس وكورنيليوس كما أعده الله (آ 25- 26). بداية خطبة وجّهها بطرس في بيت كورنيليوس (آ 34- 35). اعتماد المرتدين الجدد (آ 44- 48). وها نحن نقدم بعض الملاحظات التي تساعدنا على إدراك المعنى العميق لحدث كان مركزياً في مسيرة أع وفي تاريخ الكنيسة الأولى.
أولاً: استقبل بطرس في بيت سمعان الدباغ مرسلي كورنيليولس (آ 17- 32 أ)، واستقبل كورنيليوس بدوره بطرس في بيته (آ 27 ب- 33). يجب أن نرى هنا أكثر من عملية ضيافة متبادلة: إظهار طواعية كاملة لدى بطرس وكورنيليوس تجاه الروح (آ 1- 16) ولدى كورنيليوس أمام البشارة بالمسيح (آ 44 ي). إن لقاء بطرس وكورنيليوس هو علامة حدث خلاصي يهز أعماق القلوب عبر خدمة إنسان قام بسرعة بعمل الشهادة، وعبر استعدادات إنسان آخر انفتح على الإيمان.
ثانياً: تقدم آ 34- 35 بداية خطبة بطرس في بيت كورنيليولس ولها بعد شامل. فشمولية الخلاص هو الموضوع الرئيسي في الخطبة. وإن لوقا يبرز حدث كورنيليوس ليؤكد بوضوح أن عطية الخلاص تقدّم إلى جميع البشر، إلى ذوي الإرادة الصالحة.
ثالثاً: ونتساءل: كان بطرس يتكلّم إلى وثنيين، فلماذا عاد بطريقة واضحة إلى الأسفار المقدسة، وبأي معيار اختار إيراداته الكتابية؟ السؤالان هما في الواقع سؤال واحد. وإن تحليلاً دقيقاً للخطبة يدل على أن معيار اختيار الإيرادات يطابق السبب الذي لأجله عاد بطرس إلى العهد القديم مع أن السامعين كانوا من الوثنيين.
قلنا إن ارتداد كورنيليوس هو في نظر لوقا من أهم الأحداث التي وردت في أع. فهذا الحدث يفتح آفاقاً جديدة على رسالة الكنيسة الخلاصية. فهل يمكن لحدث أساسي في تاريخ الكنيسة سيترك آثاراً لا تُمحى في تاريخ هذه الجماعة الخلاصية، هل يمكن أن لا تعلنه نبوءات العهد القديم؟ إن العبور الحاسم من اليهود إلى الوثنيين، يرتبط بمخطط العناية الإلهية، ويقابل مرحلة محدّدة في تاريخ الخلاص. وها هي الكنيسة الفتية تتجاوز كل تردّد، فتعطي لرسالتها نفحة الشمول وتفتحها على آفاق الكون.
هذا هو السبب الذي لأجله عاد الرسول (بطرس) إلى الكتب المقدسة، واختار منها النبوءات التي تلغي كل امتياز في العرق والدم، في الحضارة والثقافة. اختار النبوءات التي تبرز الله كسيّد كل البشر، كالإله السامي الذي لا يحابي الوجوه ولا يفضّل أحداً على أحد. اختار النبوءات التي تعلن على الجميع السلام الذي يتضمّن الخيرات المسيحانية والخلاص الاسكاتولوجي.
وستشدّد نهاية الخطبة أيضاً على شمولية الخلاص. فبعد أن عرض بطرس الكرازة الكرستولوجية (عن يسوع المسيح)، وبعد أن قدّم شهادته الخاصة وشهادة سائر الرسل، قال: "له يشهد جميع الأنبياء بأن كل من آمن به ينال باسمه غفراناً لخطاياه" (آ 43).
رابعاً: أمام طواعية عائلة كورنيليوس وكرازة الرسول، جاءت علامة من العلاء، جاء تدخّل إلهي هو عطية الروح القدس. وكما أن مبادرة التاريخ كله تعود إلى الله، كذلك يعود قرار بطرس إلى تدخّله: "من يمكنه أن يمنع مياه المعمودية عن الذين نالوا الروح القدس كما نلناه نحن" (آ 47). ويشرح بطرس أن ما حصل هنا حصل يوم العنصرة، ويعلن عزمه على تعميد الوثنيين.
يريد لوقا أن يفهمنا أن الروح القدس يعمل قبل المعمودية وخلالها وبعدها، قبل ولادة الكنيسة وخلال هذه الولادة وبعدها، قبل كل نشاط رسولي في الكنيسة وخلاله وبعده. هذا يظهر من بنبفماتولوجية القديس لوقا. فكل أخباره (في أع أو في لو) تبرز هذا اليقين. كما أن الروح هيّأ ولادة المسيح، كذلك هيأ ولادة الكنيسة (لو 1: 35؛ أع 1: 8). وكما قاد المسيح ورافقه في طريق حياته الأرضية وخلال رسالته، كذلك يوجّه ويقوي الحياة والمشاريع في الكنيسة الناشئة (لو 4: 1، 14؛ أع 4: 8). وكما نزل الروح القدس بشكل منظور على المسيح، كذلك ينزل على أعضاء الكنيسة الأولى (لو 3: 22؛ أع 2: 1- 4).
3- البعد الشامل للحدث
إذا أردنا أن نبرز ميزة حدث ارتداد كورنيليوس، ونحدّد مضمونه اللاهوتي، يمكننا أن نقول ما يلي: من جهة، هو يكرّس انفصالاً حاسماً مع الديانة اليهودية ومع تقليدها. ومن جهة ثانية، هو يؤسس ديانة جديدة في الروح والحق، الديانة المسيحية التي تشكل الحرية شريعتها الأولى. فضْلُ بطرس هو أنه وعى حقيقة لاهوتية بهذه الأهمية، وأعلنها ودافع عنها رغم الاتهامات التي جاءته من مؤمنين مثله. لقد واجه بطرس ضيق أفق العقلية اليهودية وعنادها: هي لم تستطع أن تتصوّر كيف يبلغ إلى الإيمان والمعمودية من لا يُطبع بعلامة الختان.
جاء بطرس نورٌ خاص من العلاء، فاختار الحل الأفضل، وأعلن القرار الذي ستستلهمه القرارات اللاحقة وترتبط به ممارسة الكنيسة كلها. لا شك في أن الرواية السماوية أفهمت رئيس الرسل أن ما أظهره الله لا يُعتبر نجسا (رج مر 7: 14- 23)، أن ما قدسه الله لا يُعتبر عادياً، وان ما خلّصه الله لا يُعتبر هالكاً (آ 14- 15).
وأقنعته تنبيهات الروح القدس إقناعاً عميقاً أن الله لا يفضّل أحداً على أحد. "فمن خافه من أية امة كانت وعمل الخير، كان مقبولاً عنده" (آ 34- 35). وأخيراً منعه اتصاله بالضابط أن يؤخر قراره. نزل الروح القدس فجأة على كورنيليوس وذويه، فسبّق على المعمودية وفرضها. 
وهكذا فالكلمات التي تلفّظ بها بطرس بتأكيد كبير وسلطان، حدّدت مبدأ أساسياً لا جدال فيه: "روح الله يهبّ حيث يشاء" (رج يو 3: 8). إنه السيد المطلق لعطايا يمنحها بسخاء حتى للوثنيين. هو لا ينتظر المعمودية، ولا يفرض على الوثنيين أن يقبلوا الختان.
ج- تبشير الوثنيين في مجمع أورشليم (ف 15)
مع الجدال بين الرسل في مجمع أورشليم والقرار الشهير الذي نتج عنه، وجد الانفتاحُ على تبشير الوثنيين حلّه النهائي. بعد أن نتوقف عند القرينة التاريخية (آ 1- 2) ومضمون القرار الرسولي (آ 22- 29)، نجمع آخر عناصر بحثنا ونضمّها مع العناصر السابقة في الخاتمة.
1- وضع دقيق
نحن في أنطاكية، في الفترة الزمنية الواقعة بين الرحلة الرسولية الأولى والرحلة الثانية اللتين قام بهما بولس. ففي قلب الجماعة المسيحية في هذه المدينة، وُجد أناس سمّاهم بولس “دخلاء” (متطفلين)، "إخوة كذابين"، "دسّوا أنفسهم بيننا ليتجسّسوا الحرية التي لنا في المسيح يسوع ليستعبدونا" (غل 2: 4).
إنه يعني فريسيين قدماء أو أقله أناساً يسندهم حزب الفرّيسيين (15: 5). ارتدوا منذ مدة قصيرة من الديانة اليهودية، فظلّوا متعلّقين بتقاليدهم أو ما استطاعوا أن يفهموا ويتقبّلوا متطلّبات الإيمان الجديد. عقل ضيق ونظر لا يذهب إلى بعيد. أناس قصيرو النظر إن لم يكونوا عمياناً. كانوا يودون للوثنيين قبل أن يصيروا مسيحيين، أن يمروا تحت نير العالم اليهودي فيختتنوا وبالتالي يمارسوا فرائض الشريعة الموسوية. 
وتكوّن تيار آخر يعاكس كل المعاكسات التيار الأول. مثّله بولس وبرنابا اللذان أعلنا انفتاح الكنيسة انفتاحاً كلياً على العالم المحيط بها وقبول الجميع للعماد قبولا غير مشروط. وتكوّن حزبان بمواقف لا تتفق، وارتبط كل حزب بشخصيات مسيحية معروفة.
من جهة المسيحيون المتهوّدون. هم تقليديون من الدرجة الأولى. لهم حساسية خاصة ضد كل جديد، ويتعلّقون تعلقاً أعمى بالوضع الحاضر. تطلّعوا إلى يعقوب والى إخوتهم في أورشليم الأمناء للممارسات اليهودية القديمة. ومن جهة ثانية المسيحيون الهلينيون الذين استندوا إلى بطرس.
كان الجدال سهلاً في أنطاكية، لا في أورشليم. ثم إن المسافة بين أنطاكية وأورشليم جعلت التشاور المباشر صعباً وملتبسا مع المسؤولين الأولين في الجماعة المسيحية. غير أنهم توصّلوا إلى اتفاق مؤقت، وحُملت الدعوى إلى محكمة أورشليم العليا. هناك أعيد النظر في موضوع الجدال، وتنظمت الأمور بطريقة جماعية (على مستوى حلقة الرسل).
2- مداخلات الرسل
إذا أردنا أن نفهم ما حدث بين إرسال بولس وبرنابا إلى أورشليم (آ 1- 2) وعبارة القرار الرسولي (آ 22- 29)، يجب أن نعود إلى المداخلات التي بها ألقى بطرس وبولس الضوء على المسألة في المجمع. 
عاد بطرس إلى تدخّل الله المباشر والى استنارة خاصة نالها من العلاء، فأعلن أن من أراد اليوم أن يفرض نير الشريعة الموسوية على المرتدين من الوثنية، كان موقفه متهوراً وجائراً أو غير مفيد. هو متهوّر لأننا نكون وكأننا "نجرّب الله" (آ 15 أ). هو جائر لأننا "عجزنا نحن وآباؤنا عن حمل هذا النير" (آ 15 ب). وهو غير مفيد، لأن نعمة الرب يسوع فتحت منذ الآن باب الخلاص لجميع البشر (آ 11).
وحصل بولس على الحق بالكلام من الجماعة. "واستمع المجتمعون إلى برنابا وبولس يرِويان لهم الآيات والعجائب التي أجراها الله على أيديهما بين الوثنيين" (آ 12). كان هذا فاصلاً في جدال عاصف ارتفعت فيه الأصوات.
تحدّث بولس وبرنابا عن الآيات التي أجراها الله على أيديهما، وعن ارتداد الوثنيين بفضل كرازتهما، فأدّيا الشكر إلى الرب صاحب هذه الارتدادات وهذه العجائب. وهكذا نشرا بين إخوتهما في الإيمان هذا الفرح الذي أراد المتهوّدون أن يخنقوه. وثبّت تقريرهما بصورة خاصة المبادئ الأساسية التي أكّدها بطرس: الإيمان هو ضروري وكاف للخلاص. نعمة الله فاعلة ولا شيء يحلّ محلّها. إن التدبير الموسوي القديم قد تجاوزه بصورة نهائية التدبير الذي حمله الإيمان المسيحي.
3- القرار الرسولي
استعاد القرار الرسولي (آ 22- 29) جوهر الحل الذي اقترحه يعقوب (آ 13- 19) الذي كانت خطبته شميلة مداخلات بطرس وبولس وبرنابا. وافقت الجماعة كلها على القرار النهائي الذي أصدره الرسل والشيوخ. من جهة يعلن هذا القرار مبدأ يكفل وضعاً لا عودة عنه ويعلن تعليماً عقائدياً. ومن جهة ثانية، يؤكد قيمة الإجراءات التي اتخذت.
في هذا المنظار، لا تعتبر نهاية خطبة يعقوب (آ 25) وخاتمة القرار الرسولي (آ 29) مساومة سهلة أو تراجعاً أمام متطلبات المتهودين. وإذا عدنا إلى الطريقة التي سار بها مجمع أورشليم والى لهجة قراراته، نقول أيضاً، انه ليس انتصاراً لموقف بولس وبرنابا. في النهاية، انتصرت الحقيقة والمحبة.
د- خاتمة
مع قرار مجمع أورشليم ونتائجه في أنطاكية (15: 30- 35) نستطيع القول إن المسألة التي طرحتها كرازة فيلبس في السامرة واتصالات بطرس بعائلة كورنيليوس، قد وجدت حلاً لها.
أولاً: إن انتشار الكنيسة في الأوساط الوثنية لن يشكّل بعد اليوم مسألة تطلب حلاً. فكرازة فيلبس ثم خبرة بولس الرسولية الأولى (ف 13- 14) أخرجتا هذه المسألة من المأزق الذي يمكن أن تنحصر فيه. وتدخل بطرس وجدال الرسل وصلا بنا إلى تأكيد واضح: "اهتم الله أن يتخذ من بين الأمم شعباً لاسمه" (15: 14).
واستاء المسؤولون عن الجماعة من نشاط بعض الأعضاء: خرجوا من العالم اليهودي، وذهبوا من غير توكيل ولا سلطة، فزرعوا البلبلة والقلق في جماعات أنطاكية وسورية وكيليكية المؤلفة من مسيحيين من أصل وثني. هؤلاء لا يجب أن نقلقهم (15: 19). وسيقول بولس: هم المستفيدون من رحمة الله. إن سقوط إسرائيل منح الخلاص للوثنيين (روم 11: 12). رفضوا الخلاص، فصالح الله العالم (روم 11: 15). "إن قسماً من بني إسرائيل قسّى قلبه إلى أن يدخل الوثنيون كلهم" (روم 11: 25) 
وبفضل الوثنيين وبفضل دخولهم في الكنيسة، خطت الجماعة خطوة هامة في تاريخ الخلاص. لهذا، فالذي يعارض مخطط الخلاص هذا يكون وكأنه يعارض الله. أما من يقبله بالشكر والفرح، فهو يدافع عن حق الإنجيل، وعن الحرية اللذين منحهما الله لنا (غل 2: 4- 5).
ثانياً: وتوصّلوا أيضاً إلى حل المسائل التي طرحها التبشير وارتدادات الوثنيين الأولى. وتكوّنت رباطات الأخوّة داخل هذه الجماعات المختلطة. أرسل الرسل موفدين من أورشليم الكنيسة الأم. فرافقوا بولس وبرنابا اللذين "كرّسا حياتهما لخدمة ربنا يسوع المسيح" (15: 26)، إلى أنطاكية. ووجّهوا رسالة وثيقة تتضمّن خلاصة القرارات المجمعية. ونقلوا إليهم سلاماً وتحية يشهدان على الإيمان المشترك بالمسيح والمحبة التي توحّد القلوب.
هذا لا يعني أنه، غداة هذه القرارات وهذا التبادل الأخوي، لم تعد تطرح العلاقات مع العالم الوثني ومع الجماعات الهلينية المسيحية، مشكلة ولا صعوبة. فرسائل بولس تعلمنا بأوضاع متأزمة أجبر فيها الرسول على التدخل ليزيل كل التباس ويقطع الطريق على كل محاولة للعودة إلى التدبير الموسوي. ويبقى أنه رغم المقاومة التي جاءت من البشر، فالقرار الذي اتخذه الرسل المجتمعون في مجمع، قد فرض نفسه بطريقة نهائية.
ثالثاً: تدشن الاتحاد بين أورشليم والكنائس الهلينية الفتية. لم يكن مجمع أورشليم فقط مناسبة للسلطة بان تفرض نفسها بصورة رسمية واحتفالية، بحيث أن البعيدين تعلقوا بتعليم الخلاص الذي أعلنه الرسل وأول الشهود للقيامة. ولكنّه شدّ أيضاً رباطات الأخوّة بين ممثّلين عن مختلف الكنائس قابلوا المواقف المختلفة فوصلوا إلى قرار نهائي. قوّوا الوحدة الكنسية التي عمل في خدمتها كل من فيلبس وبولس وبطرس. وإذا أردنا أن نقتنع بهذا الأمر نقرأ الآيات الأخيرة من أع 15: "فانصرفوا ونزلوا إلى أنطاكية، فدعوا جماعة المؤمنين وسلّموا إليهم الرسالة. فلمّا قرأوها، فرحوا كثيراً بما جاء فيها من تشجيع. وألقى يهوذا وسيلا، وكانا هما أيضاً نبيين، عظة طويلة شجّعا بها الإخوة وشدّدا عزائمهم. وبعدما أقاما بعض الوقت في أنطاكية، صرفهما الإخوة بسلام إلى الذين أرسلوهما. وأقام بولس وبرنابا في أنطاكية، يعلّمان ويبشران بكلام الرب، ومعهما آخرون كثيرون" (15: 30- 35).

 

 

الفصل الحادي والثلاثون
سمعان الساحر
8: 4- 25
كل عرض للروح القدس، وإن ارتبط بالحديث عن الكنيسة، يوقعنا في خطر العموميات. فقد قال أحد الشرّاح إن لوقا لم يتحدّث عن أعماله الرسل، بل عن أعمال الروح القدس. لا نحتاج إلى التوسّع في الطريقة التي بها اتخذ العمل الرسولي في أع دفعه الأول من حلول الروح القدس يوم العنصرة. ولقد اتّجهت الكنيسة في هذا الخط أو ذاك بحسب ما أمرها الروح أو منعها. ومن الروح حصل المسيحيون على موهبة التكلّم بألسنة، على النبوءة، وتعلّموا الردّ على اتهامات خصومهم. كل هذا يُدرَس في فصل خاص بالروح القدس. أما الآن فنركّز انتباهنا على حدث واحد هو التبشير في السامرة وما كان من سمعان الساحر. سنضع هذا الحدث في إطار واسع. وسنفهم أن خبر سمعان الساحر يصيب أكثر من موضوع في أع.
أ- نظرة إجمالية
إن هذا المقطع يعرض ويمزج عدداً من الخصائص المهمّة. إنه يرتبط بمرحلة إخبارية تدلّنا على وجود مجموعتين مميزتين في الكنيسة الأولى: العبرانيون الذين يمثلهم الاثنا عشر، والهلينيون الذين يمثلهم السبعة. لم يعمل لوقا على إبراز الفروقات بين هاتين المجموعتين، بل
خفف من حدّتها. ولكن خبره يشير إلى أن التمايز برز خاصة من خلال الإهمال والتشكي 
(6: 1). قال السبعة بعمل رسولي، فنتج عن ذلك اضطهاد لم يكن منتظراً. وكانت نتيجة هذا الاضطهاد أن خرج الهلينيون من أورشليم، وظل الرسل فيها (8: 1).
وهكذا ينتمي النص الذي ندرسه إلى حقبة من التاريخ الكنسي يصوّر أع مدى تنوّعها. يروي هذا النص تحرّك الكنيسة بحسب البرنامج الذي نقرأه في 1: 8: انطلقت من مركزها الأصلي في أورشليم، انطلقت من اليهودية، وها هي تتوجّه إلى السامرة. وهكذا برزت مسألة جديدة، بعد أن ارتدّ إلى الإيمان المسيحي أناس ليسوا بيهود أقحاح وليسوا بمرتدين حقيقيين. ليس من السهل أن نتصوّر موقف اليهود من السامريين في حقبة معيّنة. لا شكّ في أن هذا الموقف اختلف بين وقت وآخر، بل بين يهودي ويهودي. ولكن في كل حال، ظل اليهود ينظرون إلى السامريين على أنهم خارج إطار الحياة اليهودية. وجاءت مسألة اتساع الرسالة (حسب أع) تُزاد على مسألة الاختلاف بين العبرانيين والهلينيين (رج يو 4: 38). لن نتوسّع في هذه المسألة، ولكننا نلاحظ أن لوقا حاول أن يقحم في خبر واحد نشاط السبعة ونشاط الاثني عشر.
إن هذا النص يقدّم طقسين مسيحيين في بداية تاريخ الكنيسة، أو وجهتين لطقس واحد: المعمودية ووضع الأيدي. إنهما أمران مهمّان في حدّ ذاتهما. وهذا يعني أننا لن ننسى العلاقة (على مستوى الألفاظ والواقع) بين المعمودية في الماء والمعمودية في الروح القدس.
أخيراً، نحن أمام حدث يلتقي فيه الكارزون المسيحيون بالإنجيل، بشخص يعارضهم أو يخاصمهم. صار في البداية مسيحياً، ثم ضل عن المسيحية واقترف خطيئة خطيرة وقاتلة تجاه الروح القدس. والافتراضات التي تكمن وراء هذه الخطيئة، تمثل تأثير الإنجيل على تفكير غريب عنه. وسيكون لهذا التصادم نتيجة لها معناها.
ب- تحليل النص
يتضمّن هذا النص عدداً من الخصائص يساعدنا على أن نتعدى النظرة العامة إلى الروح القدس في أع. وسنتوقّف عند المسائل الأدبية والتاريخية. ونتساءل: ما هي المراجع التي استعملها لوقا، وكيف دمجها بعضها ببعض؟ ما هي القيمة التاريخية لهذه المراجع، وهل حافظ لوقا على هذه التاريخية في عمله التدويني؟ نشير هنا إلى أن الحلول لن تكون أكيدة، وأننا نبقى على مستوى الافتراضات والنظرات المعقولة. يبدأ المقطع (8: 2) بعبارة تربطه بنص 8: 1 و11: 9: تشتت المؤمنون كلّهم، ووصل الهلينيون إلى أنطاكية. وتأتي أداة استئنافية: "مين أون": إذن. وهكذا ينطلق الخبر في توسّع جديد دون أن ينسى ارتباطه بما سبق. إن 8: 4 هي على ما يبدو آية من وضع لوقا تربط خبر السامريين بفيلبس الذي عرف على أنه أحد السبعة (6: 5). هؤلاء كانوا نواة المجموعة التي خرجت من أورشليم وبشرت أنطاكية (حسب تقليد ذكره لوقا في أع 11). فمن الطبيعي جمع الرسالة السامرية مع تحرك وعمل فيلبس كَمَثل لما عمله الهلينيون المشتتون في الطريق (تنقل، انتقل، 8: 4؛ 11: 19) التي تصل أنطاكية بأورشليم. فإذا كانت أع من عمل لوقا (على مثال 11: 19)، فهذا يعني أن هذا المقطع لا يرتبط بمرجع أنطاكي لا يقر بوجود محطة بين أورشليم وأنطاكية. فهذا يوافق فيلبس مع قيصرية لا مع أنطاكية (8: 4: 21: 8).
تروي آ 5- 8 بطريقة مباشرة خبر النشاط الرسولي فيِ السامرة، من كرازة وشفاء. وفي آ 9- 11 يدخل سمعان الساحر. أما آ 12 فتُجمل ما قيل عن رسالة فيلبس، وتذكر إيمان وعماد عدد كبير من سكان المحفة. وجاءت آ 13 فربطت عنصرين ذُكرا سابقاً: رسالة فيلبس وعمل سمعان: اقتدت بالآية 12 وردّدت بعض الكلمات المستعملة في المقطع. إنها الآية الوحيدة التي تجعل فيلبس وسمعان معاً. وهكذا نستنتج أن التقليد السابق للوقا لم يجمع هاتين الوجهتين في صورة واحدة.
بعد آ 13 لن نعود نسمع شيئاً عن فيلبس. فقد برز موضوع جديد هو زيارة بطرس ويوحنا (آ 14- 17) وما تبع ذلك من مواجهة بين سمعان الساحر وسمعان بطرس (آ 18- 24). وإن آ 25 (مع مين نون، إذن) هي خاتمة "الناشر" الذي يصوّر دورة رسولية في قرى السامرة. من الممكن أن نتساءل: هل كانت القطعتان أي آ 14- 17 وآ 18- 24 مرتبطتين في الأصل أم لا؟ إذا نظرنا إلى نص أع كما يبدو الآن، تبدو آ 18- 24 أوسع ممّا نجد في القطعة الأولى (آ 14- 17). فحين رأى سمعان (آ 18) ما حدث (آ 17)، عرض أن يشتري قوة منح الروح بوضع الأيدي: وفُصل وضع الأيدي عن المعمودية ورُبط إعطاء الروح بوضع الأيدي لا بالمعمودية. وهذا الفصل يشكّل المشكلة الرئيسية في ف 8. وقد حاول الشرّاح أن يجدوا حلاً لهذه المشكلة فقالوا إن لوقا عالج معطيات متفرقة وصلت إليه. احتاج أن يجمع بطرس مع الساحر، وفصل عطية الروح عن المعمودية، فاخترع هذا الظرف. قد يكون هذا الأمر صحيحاً. ولكن من المهم أن نتذكر أننا لسنا فقط أمام مجرّد افتراض. إن كان الأمر هكذا، فهذا يعني أن سمعان هو الذي حدّد مكان الحدث في السامرة. وحسب يوستينوس (الدفاع 1/ 26 وقد ردده اسابيوس، تاريخ الكنيسة 12/13: 3)، جاء سمعان من قرية سامرية اسمها جيتا. إذاً كان لوقا واعياً لهذا الأمر، إلاّ أنه اكتفى بإشارة غامضة لا ترضي الحشرية، نقرأها في آ 5.
سنعود إلى الإشارات الجغرافية فيما بعد. لاحظ الشرّاح مراراً أن السفر إلى السامرة لا يتوافق بطريقة ناجحة مع تحرّكات فيلبس في ما تبقّى من ف 8. فمن أورشليم إلى السامرة (ولا فرق إن فكرنا بشكيم، أو سابستيس أو جيتا)، يتوجّه فيلبس مباشرة إلى الشمال، ثم يدور إلى الجنوب الغربي نحو الطريق إلى غزة. وهناك جدال: هل اقترب مع الوزير الحبشي من غزة في الطريق المباشرة إلى أورشليم أم في الطريق الساحلية؟ إذا كان الافتراض الأول هو الصحيح، فقد يكون عاد إلى أورشليم (بعد أن نسي الاضطهاد)، ثم جعل نفسه في وجهة معاكسة للتي اتخذها في آ 5. وإذا كان الافتراض الثاني، فيكون قد سافر أولاً نحو الشمال الغربي إلى قيصرية قبل أن يدور إلى الجنوب، وبعد هذا عاد من جديد إلى قيصرية باتجاه الشمالي (آ 45). إن لم يكن قد ذهب إلى الجنوب أبعد من أشدود (أزوت) فقد ذهب إلى جنوب أورشليم (وإن يكون باتجاه الغرب).
إن كان قد جاء إلى غزة نفسها فقد يكون بعُد عن الجنوب وبالتالي عن قيصرية.
ج- سمعان الساحر
لقد توسّعنا في هذه الاعتبارات الجغرافية، لا لأننا نظن أنه بالإمكان (أو أنه من الأهمية بمكان) أن نرسم على خريطة تحرّكات فيلبس، بل لأننا نريد أن نكتشف اهتمام لوقا الرئيسي في هذا المقطع. لا شك في أن له اهتمامات جغرافية، لأنه بدأ يرينا تنفيذ الرسمة التي نقرأها في 1: 8. ولكن هذا الاهتمام لا يمتد إلى التفاصيل. وحين يتحدّث عن الأعمال المنسوبة إلى فيلبس، فهو يكتفي بالأمور العامة بحيث يبدو من الواضح أن لوقا لا يعرف أكثر من هذا، وهو أن فيلبس كان أحد السبعة الهلينين، وأن المجموعة الهلينية الرئيسية أسّست كنيسة أنطاكية، وأن فيلبس ارتبط بقيصرية. وأن سمعان والتقاليد حول سمعان حدّدت موضع الأحداث التي نقرأها في 8: 4- 25. هذا يفترض أن العلاقة بين الهلينيين (أي فيلبس) وبين الاثني عشر (أي بطرس ويوحنا) هي من نتاج لوقا لا من نتاج التقليد. وبكلام آخر، ليس خبر سمعان قطعة جُعلت هنا لتجمع بين فيلبس وبطرس، إنه جزء من المواد التي وجدت تقليدياً في حدّ ذاتها، وساعدت لوقا على الوصول إلى أهداف ثلاثة: أشار لوقا إلى محطة جديدة في انتشار المسيحية. أبرز وحدة الكنيسة في عصرها الذهبي. وإذ تكلّم عن سمعان الساحر، ألقى ضوءاً غير مباشر على الروح القدس والكنيسة.
بعد القرن الثاني، نظر التقليد المسيحي إلى سمعان كأب لهرطقة، وكمؤسّس لجماعة "السمعانيين". سمعان هو أول الغنوصيين كما يقول ايريناوس في كتابه ضد الهراطقة. ولكن ليس ما يشير في أع 8 إلى أن سمعان كان غنوصياً. ما يقوله لنا لوقا هو أن سمعان كان في مدينة سامرية قبل أن يصل فيلبس إليها. وكان سمعان "ماغوس" فهل من علاقة بين "ماغيا" والغنوصية؟ يشير متى 3: 2 إلى "ماغوس" أو المجوس الذين هم رجال حكماء وبالتالي يرتبطون بالغنوصية أي بالمعرفة. ثم إن لوقا يحدّثنا عن نبي يهودي كذّاب اسمه بريشوع أو عليما، وكان "ماغوس" (أع 13: 6- 8). فما معنى هذه الكلمة؟
جاءت من الفارسية، ودلّت على أحد كهنة النار: يحضرون في كل ذبيحة، فينشدون ويخبرون الناس عن ولادة الآلهة. وفي القرن الخامس المسيحي صار معنى الكلمة: الساحر أو المدجّل. لا غنى عن القول إن لوقا لم يفكر بكهنة الفرس وفلاسفتهم حين تحدّث عن سمعان أو عليما: إنهما ساحران مدخلان يحاولان أن يؤثّرا على الناس من أجل المال أو العظمة والجاه.
د- نظرة لوقا إلى المال
عرض سمعان المال على بطرس ويوحنا لينال سلطة إعطاء الروح. نحن نعرف اهتمام لوقا بالمال، بالفقراء والأغنياء، وبالعلاقة بين هاتين الفئتين. وقد تحدّث بصورة خاصة في أع عن الاستعمال الصحيح والاستعمال الخاطئ للمال تجاه القدسيات. فيقول عن يهوذا الاسخريوطي إنه اشترى حقلاً بثمن الجريمة (1: 19) فتم الكتاب (مز 69: 26؛ 109: 8؛ أع 1: 20) وفُصل عن الاثني عشر. وفي الأيام الأولى للكنيسة، لم يكن للأعضاء مُلك خاص، بل كان الواحد يهتم بالآخر، وكان للجميع "صندوق واحد".
هذا ما نستنتجه من أع 2: 44- 45 (يجعلون كل ما عندهم مشتركاً بينهم. يبيعون أملاكهم ويتقاسمون ثمنها على قدر حاجة كل واحد منهم) و 4: 32- 35 (لا يدّعي أحد منهم ملك ما يخصّه. كانوا يتشاركون في كل شيء لهم). وقدّم لنا النص صورة تعليمية عن يوسف برنابا (4: 36- 37) وعن حنانيا وسفيرة (5: 1- 11). لم يكن برنابا مجبراً على فعل ما فعل، ولهذا اعتُبر عمله جديراً بالمديح. أما خطيئة حنانيا وسفيرة فلم تكن بأنهما احتفظا بالمال لنفسيهما، بل لأنهما غشّا الروح القدس وكذبا على الله (5: 3- 4، 9). لم تكن القضية اقتصادية، بل أخلاقية ودينية. وإذا عدنا إلى الوراء، نلاحظ أن بطرس ويوحنا قالا للكسيح الشحاذ أن ليس لهما مال (3: 6). لا مال لهما فلا يعطيان مالاً ولا يأخذان مالاً. وقال بطرس: "أعطيك ما عندي". لا حاجة إلى الدفع من أجل الخير الذي يُمنح للناس. وإن استعمالاً خاطئاً للموارد المالية قاد الكنيسة إلى أول انقسام فيها (6: 1). ولما صحّحت طريقة الاستعمال، عرفت الكنيسة انتشاراً ملحوظاً (8: 1- 4، 11- 19. والمقطع الذي ندرس، 8: 5- 25، وخبر الوزير الحبشي، 8: 26- 40). ولقد مضى لوقا يقول بلسان اسطفانس إن الله نفسه لا يرغب في امتلاك شيء ولا يريد لشعبه أن يتعلّق بشيء. وإن الرغبة في الامتلاك، جعلت موسى يهرب من أرض مصر (7: 26 ي). ولقد أعطت طابيتة (9: 16- 43) مثالاً صالحاً في استعمال المالي بالطريقة الصحيحة. وكذا فعل كورنيليوس: صلواته وأعماله الخيرية (صدقاته) جعلت الله يتذكّره (15: 2، 4) ويقوده إلى الارتداد. بينما بطرس يتكلّم، نزل الروح القدس على كورنيليوس وجماعته (15: 44). ما حصل، لم يحصل بعد أن دفع كورنيليوس المال إلى المرسلين. ما حصل هو عمل حر من لدن الله، والروح يُعطى كهبة للمؤمنين (11: 17: وهب الله هؤلاء ما وهبنا نحن عندما آمنا بالرب يسوع).
إن 11: 27- 35 يقدّم خبر امتزاج اليهود والوثنيين في كنيسة أنطاكية، وقد أورده لوقا ليدل على الوجه الصحيح للمسيحية في كنيسة مستقلة عن أورشليم. فهذه الكنيسة أرسلت معونة إلى الأخوة المقيمين في اليهودية.
ونجد في ف 13 ساحراً (ماغوس) آخر هو عليما (بريشوع) الذي هو يهودي يدّعي النبوءة (13: 6- 8). إنه مع حاكم جزيرة قبرص، وهذا يعني أنه يرتبط بالبلاط كمنجّم يعمل لقاء أجر محدّد. وقد قال فيه بولس: الممتلئ بكل خبث وغش (13: 15). هل نجد إشارة إلى الغش في المعاملات المالية؟ الأمر ممكن. ولكن المهم هو أنه استعمل "السلطة التنبؤية لكسب المال".
ولن نجد في أع علاقة بين القوة الروحية (أكانت حقيقية أم مفترضة)، وكسب المال أوضح مما في ف 16. فالجارية الممسوسة (يسكنها الشيطان) كانت تتنبأ فتكسب لسادتها مالأ كثيراً. وطرد بولس الشيطان من تلك الجارية. فحرم سادتها من المال. حينئذ قاموا على بولس وسيلا وجرّوهما أمام القضاة. كانت بيدهم سلطة "روحية" يستعملونها من أجل الربح. غير أن سلطان بولس الروحي أقوى من تلك السلطة، وشجْبٌ في الوقت عينه لتجارة سادة الجارية. وفي 18: 3، نعرف أن بولس لم يؤمّن حياته لقاء عمل روحي. بل إنه كان يعمل بيديه ليعيل نفسه، بمشاركة أكيلا وبرسكلة (في كورنتوس).
ونعود إلى العالم "الروحي" (أو الشيطاني) في ف 19. لا يقول لنا لوقا هنا إن أبناء سكاوا الذين حاولوا أن يطردوا الشيطان باسم يسوع، فعلوا ذلك طلباً للربح. ولكن يكفي أنهم فعلوا وأنهم كانوا "معوزين" محترفين. والدهم كان "رئيس الكهنة" (19: 14). كان يهودياً يتمتع بسلطة عالية. بعد هذا روى لوقا كيف أحرق المشعوذون كتب السحر وكان ثمن ما أحرقوه 50000 قطعة من الفضة (18: 19). طريقة غريبة لتصوير اتساع الخراب، واهتمام لوقا بشجب كل مال نربحه بواسطة السحر والشعوذة. أما الحدث اللاحق فهو ما فعله الشعب في أفسس (19: 23- 40): لقد خسر الصنّاع (الصاغة) سبيل ربحهم الذي كان يقوم على بيع أدوات العبادة الوثنية (19: 25: إن رخاءنا يقوم على هذه الصناعة).
من المفيد أن نشير إلى تحركات بولس في 20: 2- 4. فلوقا لا يتحدّث عن اللمّة الكبرى (أي التبرّع) ما عدا في 24: 17 (أحمل بعض التبرعات). لماذا لم يتحدّث لوقا عن هذه اللمّة التي كانت مهمة جدا في نظر بولس؟ هل هناك من هاجم هذا المشروع (رج 2 كور 12: 16)؟ رجع بولس إلى عادة في أن يعمل بيديه لئلا يثقل على الجماعة، وأمر خلفاءه بأن يقوموا بخدمتهم بالطريقة عينها (20: 35: يجب علينا أن نكدّ ونعمل). ما هو هدف هذه النظرة؟ أولاً: إن الامتلاك الصحيح لروح الله الحقيقي يرافقه استعداد لإبعاد المال. ثانياً: شجب الرغبة في حب المال بالاتفاق مع الأرواح الشريرة أو بواسطة أساليب غاشة. كل هذا يشكّل للوقا موضوعاً هاما جداً، وهو سيدفع الرسل ممثّلي ألكنيسة لكي يربطوا عمل الكنيسة بعمل الروح.
هـ- عودة إلى سمعان الساحر
ونعود الآن إلى سمعان الساحر. تأثّر بعجائب فيلبس وكرازته فتعمّد. وحين جاء بطرس ويوحنا، وضعا أيديهما عليه كما على سائر المرتدّين. نال سمعان الروح القدس كما ناله غيره. وجاءت الخطوة التالية: طلب من الرسل سلطة منح الروح بوَضْع يديه. لم ير سمعان بطرس أي خطر في هذا الطلب. إن الخطر يبدو حين نقرأ أع قراءة إجمالية.
أولاً: بالنسبة إلى الأشخاص: بين الرسول والساحر هناك هوّة عظيمة. فالساحر يربح المال حين يتاجر بالأمور العلوية (الفائقة الطبيعة). أما الرسول فلا مال له. هو لا يتقبّل مالاً من الكنيسة. يعمل بيديه ليكفي حاجاته، ويقدّم الزيادة لمساعدة الفقراء. لم يكتب لوقا هذا الأمر ليدل على واقع قديم، بل أراده كجزء من المشاركة في نموّ الكنيسة في عصره. لا شك في أن الرسل لم يكونوا من "السحرة"، ولكن لوقا أراد أن يرفض فهماً متعالياً (يؤلّه الأشخاص) للرسالة والخدمة. وفي الوقت نفسه، قدّم لوقا الرسل بطريقة تشبه أخبار "الآلهة": أعمال بارزة تتجاوز أعمال خصومهم. فقد اهتم لوقا اهتماماً خاصاً ليبين أن بطرس ينتصر على سمعان، وبولس على عليما، أن روح العرافة ترك جارية فيلبي، وأن أبناء سكاوا خُذلوا وهُزموا. هذه الصورة هي قسم من الحقيقة، وتجد كمالها بالطريقة التي بها كُسب المال. كسب هؤلاء المال بالشعوذة. أما الرؤساء الذين كانوا فقراء فقد أغنوا كثيرين. وهذا ما نراه في صلاة الرسل الذين لا يعملون بقوة مستقلة يمتلكونها ويوجّهونها 31: 12، بقوتنا أو تقوانا؟ رج 14: 14- 15)، بل يرتبطون بقدرة اللّه التي تتحقّق (لا يحدّد لوقا الطريقة) عبر الصلاة.
إن خبر السحرة يساعدنا على تفهم الطابع الحقيقي للمسيحية الذي يحقق البركة السامية التي تقوله إن العطاء أعظم من الأخذ.
ثانياً: هناك ملاحظات إضافية حول الموهبة التي يمنحها بعض الناس (أو يحسبون أنهم يمنحونها). اهتم لوقا اهتماما تاماً بظهورات الروح، وقدّر تلك الظهورات أكثر ممّا فعل بولس. إن التكلم بألسنة والظواهر الخارقة، هي في نظره العلامة الأكيدة أن الروح أعطي. لهذا لن يحتاج كثيراً إلى التكلّم عن ثمار الروح التي هي المحبة والفرح والسلام. إن التعارض بين لوقا وبولس يتبدّل بما قلنا هنا. لا شك في أن هناك قوة تحرّك مثل هذه النشاطات كالتكلّم بالألسنة التي تمنى سمعان أن يمتلكها. وإن رَفْضَ الطلب يدل على أن هذه الظواهر، وإن كانت منظورة على مستوى سطحي، إلا أنها لا تُباع ولا تُشترى. هذا يعني أن لوقا يقدّر التكلم بالألسنة، ولكنه يشدّد على أن قيمته تبقى سليمة إن استُعمل في الطريق الصحيحة لا الخاطئة. إنه يشهد لحضور الله وعمله.
ثالثاً: نتذكر أننا قلنا إن موضوع هذا المقطع هو علاقة الروح القدس بالكنيسة. اقتربنا منه عن طريق سمعان الساحر الذي أراد أن يطبّق مبادئ من سحره الخاص على منح الروح، وهي مبادئ مالية وتجارية. رغب في أن يدفع المال من أجل القدرة على العمل (وهكذا يكسب المال) كجزء من أعمال السحر. هذه الرغبة عند سمعان شجبها بطرس. من جهة، إن طريق الخدمة المسيحية غريبة عن عمله. ومن جهة ثانية، هذا يعني سوء فهم لموهبة روحية مثل التكلّم بالألسنة، ومن جهة ثالثة، هذا يعني وضع الروح القدس بتصرف إنسان أهدافه الرئيسية هي أهداف كسب وربح. حتى ولو كانت أهداف سمعان رفيعة، فكيف يُوضع الروح القدس تحت سيطرة الإنسان؟ هذا لا يُعقل وهو منافٍ للحقيقة. وهذا ما يخالف أمراً نستشفه عبر أع، وهو أن الروح هو الذي يوجّه حياة الكنيسة ونشاطها، ويوجّه المسؤولين فيها. هذا هو الدور الحقيقي للروح الذي هو الرب (ليست الكلمة من لوقا، بل من بولس) الذي يعطي الحياة، الذي يفحص كل شيء ولا يُفحَص. هذه هي الملاحظة التي تعطي هذا المقطع الإخباري معناه. فالسؤال الذي يُطرح: كيف يتحدّث لوقا عن الإيمان والارتداد والمعمودية ووضع الأيدي وموهبة الروح؟ نحن نجد علاقة بين هذا العامل أو ذاك في أع، ولكننا لا نجدها حسب نموذج واحد. فقد تساءل الشرّاح بالنسبة إلى ف 8: لماذا لم تتبع عطية الروح حالاً العماد الذي منحه فيلبس؟ هل لأن فيلبس لم يكون رسولاً (أحد الاثني عشر)؟ هل لأن فيلبس أهمل وضع الأيدي فنقص طقس من طقوس التنشئة؟ لن نكون قريبين من الحقيقة إن قلنا إن لوقا ضمّ عدّة تقاليد من أجل التنسيق بين السبعة (اسطفانس، فيلبس...) والاثني عشر (أي الرسل)، فأعطى المعمودية للواحد والتثبيت للآخر. هذا القول لا يأخذ بعين الاعتبار سمعان الذي دقّ مسماره في اعتقاد لوقا الأساسي، وهو أن الروح يُعطى فقط حين يرى الله ذلك، لا جواباً على أعماله سحرية. هو الله الذي يعطي روحه، لا السحرة، بل ليس الرسل. فإن أراد أن يمنح الرسل هذه الموهبة، فهو يفعل كما يشاء وساعة يشاء. نحن نقرأ النصوص بعض المرات وكأنها كُتبت من أجل أهدافنا. نحن نقول: هكذا قسمت الوظائف في الكنيسة: للكهنة العماد والأساقفة التثبيت. ولكنّنا نحن الكهنة الشرقيين نمنح سر التثبيت مع العماد. إن اهتمام لوقا هو غير اهتمامنا وإن استطعنا أن نقرأ في ما كتب نوراً على حياتنا وممارساتنا.
ونتوقف عند تبادل الكلام بين سمعان وبطرس. قال أحد الشرّاح: إن الكنيسة تقدّم لتبّاع سمعان، للسمعانيين، المغفرة وإمكانية العودة. حُكم عليهم، ولكن طلب منهم أن يتوبوا. فإن فعلوا قُبلوا من جديد في الكنيسة. نحن هنا أمام قراءة للتاريخ (وقد لا تكون صحيحة) على ضوء سفر الأعمال. لا شكَّ في أن باب الكنيسة مفتوح لسمعان وغيره، لتبّاع سمعان وغيرهم من أصحاب الضلال. ولكن لوقا يعتبر أن تبّاع سمعان هم حنانيا وسفيرة: خطأه اللاهوتي وفساده الأخلاقي سيظهران على مدى سفر الأعمال كما رأينا، وعلى القارئ أن يتجنّبها. لم يقل لنا لوقا إن كانت توبة سمعان صادقة أم لا، وهل دامت طويلاً أم كانت كسحابة صيف فمسألة المثابرة مسألة لاهوتية صعبة. ونلاحظ أن عليما الساحر (13: 11) نال معاملة مماثلة: كان عماه مؤقتاً، وبالتالي فُتحت له الطريق من أجل توبة لاحقة.
إن هدف كلام بطرس هو التشديد على فظاعة خطيئة سمعان وتحديدها على أنها سيطرة على عمل الروح القدس بواسطة المال، وهذا ما يتعارض وطبيعة الروح كموهبة. باعث عمل سمعان باعثٌ مالي، وهدفه الكسب. أما كلمات بطرس فلا تقابل أسلوب سمعان السحري نفسه. إنه يقرّ أن تهديد سمعان بالهلاك قد لا يأخذ مكاناً في الحدث. لهذا يحرّج عليه بأن يتخذ موقفاً (توبة، صلاة) ليلغي هذا التهديد. انطلق كلامه من العهد القديم، فأعلن أن لا شركة لسمعان في هذا الأمر (تو لوغو). لا شركة لسمعان في هذا العمل المسيحي. أجل قد تُفهم كلمة لوغوس بمعنى أمر، شيء. ولكن إذا وضعنا جانباً هذا المقطع (8: 4، 14، 25) و15: 4 نرى أن كلمة لوِغوس ترتبط بالتكلّم والفكر. وقد نستطيع أن نفهمها بالمعنى عينه في آ 21 (لا شركة). طلب سمعان قوة منح الروح بوضع الأيدي، ولكن طلبه دلّ على أن لا نصيب له في الكرازة بالكلمة. هذا يفترض في إطار الكرازة (لا في إطار نقل قوة شخصية، ديناميس) أن وضع اليد هو المناسبة لعطية الروح.
وإذا عدنا إلى آ 22، ظهر لنا أن بطرس يعتبر التوبة من جهة سمعان غير أكيدة وكذلك مسامحة نيته الشريرة. فهل يعتبر جواب سمعان في آ 24 توبة صادقة؟ يلاحظ شتالين الألماني أن سمعان ما زال يفكر بأسلوب سحري، إذ افترض أن صلاة سمعان لا توبته هي التي تنجيه لا من الشر نفسه، بل من نتائج شره. إن النص الغربي يعتبر أن توبة سمعان كانت أكيدة، وهذا على ما يبدو هو التفسير الصحيح إذا عدنا إلى لاهوت لوقا. فلا نتأثّر بالتقاليد اللاحقة التي قد تكون مزجت بين سمعان وسمعان.
إذا كان الأمر هكذا، فانتصار الكنيسة على الساحر بدأ بقدرة فيلبس وبطرس على فعل أكثر من أعمال سحر، على القيام بأعمال تمنّى سمعان أن يقوم بها فلم يقدر. وصار هذا الانتصار المسيحي واقعاً وحقيقية حين استفاد الساحر المغلوب على أمره من الظروف فنجا من العقاب. ليس هذا انتصار سحر قوي على سحر ضعيف، إنه نظرة لا سحرية، نظرة الإنجيل إلى عالم السحر. وهذه طريقة توسّلها لوقا ليدل على انتصار كلمة الله.
و- الخاتمة
إذا قرأنا هذا النص على ضوء أع كله، نستطيع أن نقول باختصار: لم يكن هدف لوقا الأول أن يوازي بين امتيازات وأعمال السبعة من جهة والاثني عشر من جهة ثانية، بين امتيازات بطرس وفيلبس، مع أنه من المعقول أنه استفاد من الظرف، ليدلّ على أن فيلبس وبطرس لم يكونا خصمين يزاحم الواحد الآخر، بل شخصين يشارك الواحد الآخر في العمل، وليدل على أن لقاء بطرس بسعمان يساوي لقاء بولس بعليما. أما هدف لوقا فهو الكنيسة كمنظّمة: وقد ظن أن السنوات الأولى انطبعت بطابع الوحدة وقوة صنع العجائب. ماذا تصير إليه العلاقات بين العبرانيين والهلينيين في كنيسة أورشليم، وما هي نتيجة انتشار الإنجيل في العالم الوثني؟ هو لم يستعمل خبر سمعان كغطاء لهذه المسائل. فكل همّه أن يقدّم بعض الحقائق لقرائه.
والحقيقة الأولى قد أشرنا إليها: الكنيسة هي بيت الروح القدس المنظّم. آمن لوقا بالكنيسة كمؤسسة وإن لم يصوّرها لنا، وإن لم يشدّد على أن هذا الشكل أو ذاك هو جوهري من أجل وجودها. يقودها الرسل أولاً، ثم ينضمّ إليهم الآخرون الذين يعملون في الوحدة. لا توجد هذه المؤسسة وكأنها مجرد نقابة أو مجموعة من الناس يدافعون عن حقوقهم. إنها تنعم منذ البداية بموهبة الروح. والمرتدّون الذين ينضمّون إليها لا ينضمّون إليها فقط بواسطة وسائل مؤسّسية، بل بقبول الروح القدس كما قبله الرسل في البداية وبالنتائج عينها التي ظهرت يوم العنصرة. الكنيسة هي جماعة مملوءة من الروح القدس، وهيِ تمتلك سلطان منح الروح للآخرين (ليس هذا سلطان مال أو أي مورد آخر نستطيع أن نقتنيه). 
والحقيقة الثانية التي نستنتجها: إن الروح هو الذي يعلو على الكنيسة وهو الذي يوجّهها. هذا ما يقوله لنا ف 8 انطلاقاً من مسألة المالي: لا يستطيع سمعان أن يقتني قوّة منح الروح، مع أنه استعد لدفع المال من أجل الحصول على هذا الامتياز. وحتى المعمودية المسيحية التي منحها فيلبس، لا تكفل هذه النتيجة بطريقة آلية. فالروح يُعطى كجواب على صلاة، ولا يُعطى إلاّ كذلك. وسيعبّر الكاتب عن هذه الحقيقة فيما بعد: حل الروح على كورنيليوس وأصدقائه في قيصرية على عكس ما انتظر الحاضرون. ولكن الحقيقة تبقى هي هي. فالكنيسة تملك امتيازا فريداً بأن يكون الروح قائدها والمدافع عنها، ولكنها تمتلك هذا الامتياز كموهبة، لا كحقّ خاص. هذه هي العلاقة بين الروح والكنيسة كما تظهر في أع. وهذا يدلّنا على أن لوقا كان أولاً ذاك اللاهوتي الذي استند إلى التقليد، لا ليقدّم تاريخاً دقيقاً وتقريراً مفصّلاً عن حياة الكنيسة الأولى، بل ليعطينا نظرته إلى عمل الروح في جماعة مدعوة إلى أن تتجاوز السامرة فتصل إلى أقاصي الأرض.

 

 

الفصل الثاني والثلاثون
بداية رسول
9: 26- 31
أ- مقدمة: رسول يلقى المعارضة
إن نص 9: 26- 31 يقدم لنا فائدة سيروية (بالنسبة إلى سيرة بولس الرسول) ولاهوتية. ويروي فيه لوقا زيارة (قد تكون الأولى) يقوم بها بولس لكنيسة أورشليم بعد ارتداده (حاول بولس أن ينضمّ إلى الخلية الرسولية الأولى التي هي جماعة أورشليم). يتذكر مسيحيو تلك المدينة الماضي القريب لهذا الرجل الناري الذي كان "يسعى إلى خراب الكنيسة، فيذهب من بيت إلى بيت ويُخرج منه الرجال والنساء ويلقيهم في السجن" (8: 3). أما الآن فيحاول بولس أن ينضم إلى "تلاميذ" المسيح وكأنه واحد منهم. كلّهم خافوا منه، و "لم يصدقوا أنه صار حقا تلميذاً" ليسوع (آ 26). أما ردّة الفعل لدى مسيحيّي أورشليم تجاه محاولة بولس، فكانت مثل ردة فعل حنانيا حين أرسله الرب ليلتقي "في بيت يهوذا رجلاً من طرسوس اسمه شاول". قال: "يا رب، سمعت كثيراً من الناس يتكلّمون عن هذا الرجل ويقولون كم أساء إلى قديسيك في أورشليم" (9: 11- 13). ولكن بفضل تدخل برنابا، استطاع بولس أن يربح ثقة الرسل (هذا يدلّ على أهمية الاثني عشر في أورشليم وسلطتهم، كما يدل على دور برنابا في حياة بولس)، وأخذ حالاً يعظ في مختلف أوساط المدينة. وحدث له هنا كما في دمشق (9: 23- 25): فاليهود الذين يسمّون هلينيون (يتكلّمون اليونانية) تآمروا عليه. أحس بولس بخطر الموت فهرب (9: 29- 30). وستتجدّد الدراما طوال مسيرته الرسولية (9: 25؛ 16: 9- 24؛ 17: 5، 10؛ 17: 13- 15). كان بولس متّحداً كل الاتحاد مع الاثني عشر (غل 2: 6- 9)، غير أنه وجد لدى المسيحيين المتهوّدين (من أصل يهودي عبراني) الريبة والحذر (21: 20- 24؛ غل 2: 4- 5؛ 4: 17- 19؛ 5: 10؛ 6: 12- 13). نجد هنا ولا شك وجهة من الألم الذي سيقاسيه الرسول من أجل اسم الرب (9: 16).
ب- رسول نشيط
1- الارتداد يتضمن الرسالة
هناك سمة من شخصية بولس تلفت انتباهنا حين نقرأ آ 26- 31: الاندفاع الرسولي لدى هذا الرجل. فما إن قَبل به الاثنا عشر حتى أخذ يعظ في أورشليم (آ 28- 29) كما كان يفعل في دمشق: ما إن ارتدّ إلى المسيح وأقام بضعة أيام مع التلاميذ حتى "سارع إلى التبشير في المجامع بأن يسوع هو ابن الله" (9: 19- 20). من أين جاءته هذه الحميّة؟ من طبعه الجامح، بل من ارتداده الذي تضمّن مهمة رسولية، وحوّله من مضطهد للمسيحيين إلى مبشّر بالمسيح. هذا ما تعلّمه بولس من حنانيا: إن الرب الذي أدركه (وضع يده عليه) يريد أن يجعل منه "أداة مختارة ليحمل اسمه أمام الأمم الوثنية، أمام الملوك وأمام بني إسرائيل" (9: 15). إذا كان الرب ظهر له، فلكي يكون "شاهداً أمام البشر كلهم لما رآه ولما سمعه" (22: 15).
هذا ما يقوله بوضوح أكثر الخبر الثالث لارتداد الرسول: "ظهرتُ لك لأجعل منك خادماً لي وشاهداً على هذه الرؤيا التي رأيتني فيها" (26: 16). وإن الأمم ستنال بواسطة القديس بولس "الإيمان وغفران الخطايا والميراث مع المقدّسين" (أو القديسين) (26: 18). وإن شهادة بولس تثبت شهادة سفر الأعمال: "إذا كان الله أعلن ابنه فيّ، فلكي أبشّر به بين الأمم" (أي الوثنيين) (غل 1: 16). إن ارتداد بولس كان رسالة في حدّ ذاتها.
2- مبادرة الله وحياة رسولية
ولهذا، كان بولس سيحسّ وكأنه خان نداء الله لو لم يستعمل كل قواه لينشر الإنجيل. قال: "إذا بشرت لا فخر لي، لأن التبشير ضرورة فُرضت عليّ، والويل لي إن كنت لا أبشر" (1 كور 9: 16). حين تكلّم بولس على هذا الشكل، كشف عن الأساس الأول لديناميته بنفسه: هو لم يتخذ المبادرة وينطلق في مسيرة رسولية. إنه يقوم "بوصية عُهدت إليه" (1 كور 9: 17). فكيف يمكنه أن يشك الآن بقيمة تعليمه أو بفاعلية كلمته حين يرى نفسه أداة بين يدي الله الأمين (1 تس 5: 24)؟
3- مات المسيح وقام عن الجميع
إن تفكيراً عميقاً عن السر الفصحي أسند حمية بولس الرسولية منذ البداية. فموت المسيح وقيامته نالا في مخطط الله اتجاهاً خلاصياً. "أُسلم المسيح من أجل خطايانا وأُقيم من أجل تبريرنا" (روم 4: 25). وهو، على مثال عبد يهوه (أش 53: 5- 11)، "سيبرّر الكثيرين ويحمل خطاياهم". سُحق بالألم فقدّم حياته تكفيراً عن خطايا كل البشر. وهذا ما أفهمنا إياه في العشاء الأخير. إن قيامة المسيح الشخصية هي موجّهة نحو قيامة البشر، بحيث إن القديس بولس لا يخشى أن يؤكد أنه إن كان المسيح لم يقم فالبشر لا يستطيعون أن يتبعوه في هذه الطريق (1 كور 15: 13). لقد أقام الله المسيح كـ "باكورة الراقدين. فكما أن الموت جاء بإنسان، فبإنسان أيضاً جاءت قيامة الموتى" (1 كور 15: 20- 21). ولقد أفهمنا الآب "أن قوة عظمته الفائقة، تعمل لأجلنا نحن المؤمنين" (أف 1: 19): والقدرة عينها أقامت المسيح ثم أخصّاءه أو بالأحرى أقامتهم معه (أف 2: 5- 6).
إن الاعتقاد العميق بأن "الذي أقام ربنا يسوع سيقيمنا نحن أيضاً معه" (2 كور 4: 14)، هذا الاعتقاد بخلاص شامل، هو الذي يسند الرسول، ويدفعه لمتابعة مهمته التي هي أن يهيئ البشر لهذه القيامة.
4- الإيمان من الكرازة
أراد الرب يسوع أن يلجأ إلى خدمات بعض الناس ليحمل السرُّ الفحصيُ ثمارَ الخلاص: "الإيمان هو من الكرازة" (أو السماع) (روم 10: 17). إن المسيح يُعرف ويُقبل بفضل "شهود اختارهم من قبل"، فكمَّلوا عمل الأنبياء في العهد القديم، وأخبروا عن ابن الله (غل 1: 15- 16: أعلنوا). لقد عرف بولس أنه يضع حداً لعمل المسيح الخلاصي إن لم يسعَ ليجعل جميع البشر يَصِلون إلى معرفة إنجيل الخلاص. وهو يدلّ على أنه لا يحب إخوته البشر الذين يشكل خلاصهم بالإيمان (روم 10: 9) السعادة الحقّة، إن لم يستعمل كل قواه ليعلن الإنجيل الذي هو "قوة الله لخلاص كل مؤمن، من اليهود أولاً ثم من اليونانيين" (روم 1: 16) ويبدو بولس كأنه لا يشارك المسيح في عواطفه (فل 2: 5) إن لم يجعل إرادة المسيح الخلاصية إرادته الخاصة (لو 12: 49). وفي الواقع، يتبنّى بولس رغبات المسيح: "إن حب المسيح يضطّرنا (الحب الذي يحس به المسيح، والحب الذي نحس به تجاه المسيح): إن واحداً مات من أجل جميع الناس، حتى لا يحيا الأحياء بعد لأنفسهم، بل للذي مات وقام من أجلهم" (2 كور 5: 14- 15). وسينشر هذا المثال الحياتي الجديد فيكرز به ويحياه. بل، إنه سيحيا للمسيح معلناً السرّ الفصحي.
ج- واعظ جريء
كانت غيرة بولس الرسولية أولاً غيرة واعظ: "لم يرسلني المسيح لأعمّد بل لأعلن الإنجيل" (أو البشارة، 1 كور1: 17). فمنذ ارتداده أخذ “يبشر بثقة”، بشجاعة (يستعمل الفعل مرتين في آ 27- 28). فما معنى هذه الثقة أو هذه الشجاعة (بريسيا أو الجرأة)؟
يعبّر عنها الرسول في إعلان الإنجيل ببلاغة وقوّة. فحين كان بولس يبشر في دمشق، "تقوّى وأخزى اليهود المقيمين في دمشق فبيّن لهم أن يسوع هو المسيح" (9: 22). إن مثل هذا الكلام عن المسيح في وسطٍ معادٍ (أرادوا أن يرجموه في دمشق كما في أورشليم، 9: 23- 29)، يدلّ على الشجاعة التي تحلّى بها الرسول. لا شيء يمنعه من إعلان الإنجيل الذي سلّمه إليه يسوع. وليس من فائدة شخصية تحدّ من حرية الكلام عنده: "الحياة هي المسيح والموت ربح لي" (فل 1: 21). لا يخاف بولس أن يخاطر بحياته لكي يعلن الإنجيل. ولكن من أين تأتيه هذه الشجاعة، هذه الثقة بالنفس؟
1- ينبوع الجرأة الرسولية
نلاحظ أولاً أن الجرأة ليست وجهاً من وجوه الاعتداد بالنفس. إنها عطية الروح، وهي تستند إلى يقين لاهوتي. كم من مرة يقرّب بولس الثقة (بريسيا، الشجاعة، الجرأة) من ذكر الروح. فهو يتكلّم مثلاً عن "معونة روح يسوع المسيح الذي يُعطى له" (فل 1: 19). وفي الآية التالية يتحدث عن الجرأة التي تدوم (فل 1: 20). وكتب أيضاً: "نحن نتصرّف بجرأة عظيمة" (2 كور 3: 12) في ممارسة "خدمة الروح" (2 كور 3: 8). من الواضح أن هذه الجرأة هي موهبة (كرسمة) تظهر خاصة في إعلان البشارة (على مستوى الكلام): "صلوا لي أنا أيضاً، حتى يضع الله كلامه على شفتيّ ويعطيني الجرأة لكي أعلن البشارة (الإنجيل)... واسألوا لي الجرأة لأنادي بالإنجيل (البشارة) كما يجب عليّ " (أف 6: 19- 20).
وهناك مقطع آخر في سفر الأعمال يقرّب عطية الروح من الجرأة التي أظهرها الرسولان بطرس ويوحنا. أوقفا بعد شفاء الكسيح على مدخل الهيكل، فشرحا معنى فعلتهما: "فأجابهم بطرس وهو ممتلئ من الروح القدس: إن هذا الرجل وقف هنا أمامكم معافى باسم يسوع المسيح الناصري الذي صلبتموه أنتم وأقامه الله ا من بين الأموات. لا اسم آخر أعطي للبشر نقدر به أن نخلص" (أع 4: 8 ي).
بعد مثل هذا الإعلان، كان الخطر كبيراً في أن يعودا إلى السجن. ولكن شجاعة بطرس ويوحنا (وشجاعة بولس أيضا) أقوى من الخوف. 
أطلق السنهدرين (المحكمة الدينية) الرسولين فذهبا إلى رفاقهما. وصلوا جميعاً: "أنظر يا رب إلى تهديداتهم، وامنحنا نحن عبيدك أن نعلن كلمتك بكل جرأة. مدّ يدك لتتم الأشفية والآيات والعجائب باسم فتاك (عبدك) القدوس يسوع" (4: 29- 30). وفي هذا الوقت، "اهتز المكان الذي كانوا مجتمعين فيه، وامتلأوا كلهم من الروح القدس، فأخذوا يعلنون كلمة الله بجرأة" (4: 31). يقدّم هذا النص جرأة الرسل وكأنها جواب الله على صلاة التلاميذ. وهو يربط رباطاً وثيقاً بين فيض الروح وجرأة الواعظين (المبشّرين). جاءت عنصرة جديدة، فمنحت بطرس ويوحنا الجرأة من أجل إعلان الإنجيل (البشارة). أجل، لا يستند الرسولان إلى صفات طبيعية عابرة من معرفة أو خطابة. "كانا أمييّن ومن عامة الناس" (4: 13)، فلم يكن لهما الصفات البشرية التي تساعدهما على مواجهة مجتمع معادٍ. ولكن الروح أعطاهما الجرأة ليتغلّبا على المحنة.
2- ثمرة تفكير لاهوتي
يفعل الروح عند بولس، فيثير اعتبارات تسند جرأته الرسولية. وإن لبولس فكرة سامية عن خدمته (أو رسالته) بحيث لا تنقصه الجرأة في كرازته. هذا ما يقرّ به حين يبيّن للكورنثيين لماذا يتصرّف "بجرأة عظيمة" (2 كور 3: 12). هذا النص مليء بالمعاني، لهذا نتوقف عنده.
وعى بولس أنه "رسول الله" (2 كور 2: 17). فالله هو الذي جعله “خادم عهد جديد” (2 كور 3: 6). بعد هذا، يستطيع الرسولي أن يرتكز على عون الله الأمين الذي دعاه.. ويعرف بولس خاصة أنه خادم الروح. في الحقيقة، إن دور الروح متعدّد في العهد الجديد. فعلى الروح أولاً أن يحوّل القلوب إلى المسيح، ثم أن يحركها. قال بولس لأهل كورنتوس (2 كور 3: 2- 3): "أنتم رسالة المسيح، تثبت بروح الله الحي في قلوبكم". فإذا كانت كلمة الرسول ولجت قلب الإنسان، وإذا كانت حياة المؤمن الروحية لا تكتفي بأن تعكس مجد الرب ("يتحوّل من مجد إلى مجد") فلأن الروح يعمل في الوقت عينه كصانع الحياة الجديدة، وكالموهبة التي تكوّن هذه الحياة. لهذا، لن نعجب إن كانت "خدمة الروح" محيية، إن حملت التبرير والمجد أو امتلكت القيمة المستمرة لحقيقة الله (2 كور 3: 6- 11). أي فرق بين هذا التدبير الروحي وبين تدبير زمن موسى الذي كان يستند إلى واقع عقيم، إلى الحرف (2 كور 3: 6- 9)؟ فالذي حفر الكلمة على الحجر تحلّى بجرأة علوية (هو موسى). فكم تكون عظيمة جرأة الذي يكتب الكلمة في القلوب. الروح هو الذي يتمّ هذا العمل العميق الذي يشير إلى الخلق الأول: "الله الذي قال: ليشرق من الظلمة نور، هو الذي أضاء بنوره في قلوبنا لتشرق معرفة مجد الله" (2 كور 4: 6). لقد تحوّل المسيحي تدريجياً بفعل الروح، "فسار نحو المعرفة الحقيقية، متجدّداً على صورة خالقه". وحين يكرز بولس "بيسوع المسيح رباً" (2 كور 4: 5)، فهو يعي أن "روح الله الحي" يلد خلائق جديدة لحياة الله (غل 6: 15؛ 2 كور5: 17). فالرسول الذي يلهمه الروح مثل هذه اليقينات حول عظمة "خدمته"، كيف لا يتصرّف "بجرأة عظيمة" (2 كور 3: 12)!
د- الخاتمة: كنيسة تنمو
بعد أن ذكر لوقا أخطار الموت التي تهدّد بولس، يقدّم لنا في آ 31 لوحة متفائلة عن حياة الكنيسة. لن ندهش من هذا، لأننا أمام قطعة جديدة، أمام إجمالة (رج 2: 42- 47؛ 4: 33- 35؛ 5: 12- 14) أقحمت بين مجموعتين. تحدّثت المجموعة الأولى عن بولس (9: 1- 30)، والمجموعة الثانية عن بطرس (9: 32- 11: 18). إن صورة الحياة الكنسيّة تتعلّق في بضعة سطور: من السلام الذي ينعم به المؤمنون، بعد أن توقف أعداء المسيح عن ملاحقتهم، إلى نمو الكنيسة الواضح، إلى القيم الروحية (مخافة الرب، تعزية الروح) التي تحيا منها الجماعات المسيحية.
تدلّ مخافة الرب على عنصر أساسي في التصرّف المسيحي. إن بولس يعارض "التقديس في مخافة الله" بنجاسات البدن (الجسد، اللحم)، والروح التي تطبع بطابعها الحياة الخاطئة (2 كور 7: 1). لسنا هنا أمام ينبوع من الممنوعات، بل أمام دينامية تشبه دينامية الحبّ (2 كور5: 11، 14؛ أف 5: 21، 25- 33) الذي يقود المسيحي ليجعل حياته شبيهة بحياة الرب.
وتدلّ "تعزية الروح" على عطية الله العظمى (2 تس 2: 16) التي تكون في الشدة والضيق (2 كور1: 3- 7) كما في السلام (2 كور 7: 4، 11). إن الأسفار المقدسة والكرازة المسيحية لا تعطي مثل هذه التعزية (13: 15؛ 15: 31؛ روم 15: 4- 5)، لأنها تكشف مخطط الخلاص الذي يحقّقه الله رغم الحواجز (2 كور1: 5- 7). وهذه "التعزية" التي هي ثمرة الروح والإشارة إلى حياة إيمان عميقة، تغذي الرجاء (2 تس 2: 16؛ روم 15: 4). قد لا ترى نظرة بشرية محضة في حياة الكنيسة إلاّ معارضات شبيهة بتلك التي واجهها بولس. ولكن الروح "يعزي" المسيحي فيكشف له عملٍ البناء الذي يتابعه الله. قال بولس: "قلبي ممتلئ بالعزاء وفائض فرحا في كل مصاعبنا" (2 كور 7: 4).

 

 

الفصل الثالث والثلاثون
مسحه الله بالروح القدس
10: 34- 38
تشبه خطبة بطرس عند كورنيليوس، ضابط قيصرية (10: 34) خطبتيه أمام شعب أورشليم (2: 14- 40؛ 3: 12- 26)، وخطبتيه أمام المحكمة العليا (سنهدرين) (4: 8- 12؛ 5: 29- 32)، وخطبة بولس في مجمع أنطاكية بسيدية (13: 26- 41). إنها تتكوّن جوهرياً من إعلان لقيامة يسوع: لا إعلان الحدث فحسب، بل إعلان مضمون القيامة لخلاص البشر.
بُنيت هذه الخطب الست حسب رسمة واحدة نجد خطوطها الأولى في لو 24. هناك مقدّمة تربط الخطبة بالوضع الذي تُلقى فيه (15: 34- 35). يأتي ذكر حياة يسوع على الأرض (آ 36- 38) فيمهّد الطريق لإعلان الحدث الفصحي (آ 39- 42) الذي يستنير بالأسفار المقدسة (آ 43 أ). وتنتهي الخطبة بوعد بمغفرة الخطايا للذين قبلوا البشارة (آ 43 ب).
أما القطعة التي نفسرها فتنحصر في مقدمات خطبة مركّزة على التعليم الفصحي. إنها تحتفظ بظرف الخطبة وبما يقوله بطرس عن حياة يسوع العلنية. قلب هذه القطعة هو آ 38 التي تتحدّث عن عماد يسوع: "مسحه الله بالروح القدس والقدرة".
أ- الله لا يحابي (آ 34- 35)
إن أولى كلمات بطرس تنقل العبرة التي نستخلصها من الخبر السابق. فحالة كورنيليوس تقدّم تعليماً برز أولاً بشكل سلبي: الله لا يحابي أحداً، لا يفضّل أحداً على أحد (آ 34). ثم بشكل ايجابي: "فمن خافه من أية أمة كانت وعمل الخير كان مقبولاً عنده" (آ 35).
1- الله لا يفضّل أحداً على أحد (آ 34)
نلاحظ أولاً أن العبارة تنقل تعليماً تقليدياً. يذكرها بولس حين يتحدّث عن الذين يمسكون سلطة في الكنيسة (غل 2: 6)، عن الفرق بين وضع الأسياد ووضع العبيد (كو 3: 25؛ أف 6: 9)، عن التمييز بين اليهود والوثنيين: "المجد والكرامة والسلام لكل من يعمل الخير من اليهود أولاً ثم من اليونانيين، لأن الله لا يحابي أحداً" (روم 2: 15- 11). ويذكر بطرس المسيحيين أن اللّه الآب يدين من غير محاباة كل واحد حسب أعماله (1 بط 1: 17).
تميّز العبارة أولاً الحياد المنتظر من القاضي (ليس هو مع هذا الفريق ولا مع ذاك). يذكّر 2 أخ 19: 7 القضاة أن عليهم أن يخافوا الرب: "لا ظلم عند الرب إلهنا ولا محاباة وجوه (أو اعتبار أشخاص)، ولا أخذ رشوة". تبدو العبارة بشكل صورة في العبرية: تصور فعلة الذي "يرفع وجه" فلان، الذي يهتم بالوجه والمظهر الخارجي.
وجد صموئيل نفسه أمام الياب، بكر يسّى (والد داود)، فظن أن هذا هو الذي اختاره الرب ملكاً على شعبه. فقال له الرب: "لا تلتفت إلى منظره وطوله قامته. نظرة الله غير نظرة الإنسان. ينظر الإنسان إلى الوجه (والعينين). أما الله فينظر إلى القلب" (1 صم 16: 7). لا يتوقف الله عند الظواهر، بل يرى أعماق القلب.
والعدالة التي لا تحابي ليست حياداً يتساوى فيه الجميع. على العدالة أن تعطي كل صاحب حق حقه. لهذا عليها بصورة خاصة أن تحمي الضعفاء الذين يُهضم حقهم دائماً. هذا ما يذكره تث 10: 17- 18 الذي يعود إليه بطرس: "الرب إلهكم هو الإله العظيم الجبار الرهيب الذي لا يحابي الوجوه ولا يقبل رشوة، الذي يقضي بالحق لليتيم والأرملة، ويحبّ الغريب ويرزقه طعاماً وكسوة". نلاحظ الوضع المميّز للغريب. أقام في أرض إسرائيل دون أن يكون من الشعب العبراني، فليس له محام طبيعي. إذن، سيهتم إله إسرائيل بحمايته. أما هذا الرجل فينضم من جهته إلى عبادة الله الذي استضافه.
في نهاية الحقبة اليهودية، تبدّل معنى الكلمات. صار "الغريب" (جير في العبرية) الدخيل أي الذي اهتدى إلى اليهودية وقبل الختانة وممارسات الشريعة. في هذا المعنى الجديد، لم يعد كورنيليوس غريباً ينعم بالحماية الإلهية التي يكفلها له تث. إن نظرة بطرس في خطبة قيصرية ترتبط بموقف المشترع العائش قبل المنفى، بموقف الأنبياء.
2- المقبول عند الله (آ 35)
تستعمل آ 35 كلمة "مقبول". نحن في إطار عبادي وطقسي. كيف نصبح مقبولين (نرضي) عند الله؟ يجيب سفر اللاويين: حين نقدّم حيواناً لا عيب فيه (لا 1: 3؛ 19: 5؛ 22: 18-29). وحدها الضحية التي لا عيب فيها تسرّ الله وتجعله يرضى عن مقدّمها. وسيفهم الأنبياء في إسرائيل أن الإنسان يصبح مقبولاً عند الله لا بالذبائح، بل بالطاعة لمشيئته، بل بسلوك يوافق إرادته (رج أم 11: 20: يرضى عن أصحاب السيرة السليمة؛ 15: 8 يرضى الرب عن صلاة المستقيم؛ 16: 7: يرضى الرب عن سلوك إنسان). غير أن هذه الروحنة لا تمنع الاهتمام بالنبرة العادية لكلمة "مقبول". مثلاً يقول بولس عن نفسه أنه موكل بخدمة إنجيل الله المقدس، "لكي يكون قربان الوثنيين مقبولاً عند الله مقدساً بالروح القدس (روم 15: 16). وهو يعتبر عطايا أهل فيلبي “تقدمة لله طيبة الرائحة وذبيحة يقبلها ويرضى عنها" (فل 4: 18). ويقول بطرس عن المسيحيين إنهم "كهنوت مقدس يقدّمون ذبائح روحية يقبلها الله بيسوع المسيح" (1 بط 2: 5).
نحن في جو الذبائح في أع 10: 35، وهذا ظاهر من الموازاة مع 10: 4: "قال الملاك: صعدت صلواتك وصدقاتك إلى الله فذكرك". ونقرأ في 10: 31: "سمع الله صلواتك وذكر صدقاتك". إن 10: 4 تشير إلى ذبيحة "تذكار" (رج لا 2: 2، 9، 16؛ 5: 12؛ 6: 15؛ سي 35: 36؛ 38: 11؛ 45: 16) ترتبط بها الصلاة (طو12: 12). ونقرّب هذه الآية أيضاً من لو 1: 75: "لنتمم عبادته في قداسة وتقوى أمامه طوال أيام حياتنا". إن تقوى كورنيليوس وأعماله الصالحة (10: 2، 4، 22، 31، 35) التي تجعله يشبه والدي يوحنا المعمدان وسمعان الشيخ (لو1: 6؛ 2: 25) تجعله مقبولاً لدى الله مثل ذبيحة لا عيب فيها.
وهكذا يبرز معنى الآية. ما يُفترض في العبادة المقبولة لدى الله، هو أن يقدّمها أناس ينتمون إلى شعب كهنوتي (1 بط 2: 5، 9). أما حيرة بطرس، فترجع إلى أن هذا الافتراض لم يتحقّق. فهو يشدّد في إعلانه على الكلمتين: "أية، امة". ليس من الضروري أن يكون الإنسان من شعب إسرائيل ليقدّم عبادة يرضى الله عنها. وهذه الفكرة ستعود في الآية التالية: "إنه رب الجميع". ليس ربَّ اليهود وحدهم، بل رب الوثنيين أيضاً. وتعود الفكرة أيضاً في نهاية الخطبة: "كل من (إنسان) آمن به ينال غفران الخطايا" (10: 43). إذن ليس من الضروري أن يكون الإنسان يهودياً أو يصير يهودياً، ليكون مقبولاً عند الله. ولا يكفي أن يكون الإنسان يهودياً ليكودن مرضياً عند الله إن كان لا يخاف الله ولا يتمّ إرادته.
ونزيد تفصيلاَ بسيطاً. ليست المسألة المطروحة هنا مسألة الشروط المطلوبة لنخلص. لا يقول بطرس إن التقوى والبر يكفيان ليؤمّنا الخلاص بمعزل عن أي اعتبار آخر. فالمشكلة هي بالأحرى مشكلة فرضيات الإيمان: هناك استعدادات دينية تجعل الإنسان مرضياً عند الله فتجذبه نعمة الإيمان من أجل الخلاص (رج 10: 43).
ب- رسالة يسوع على الأرض (آ 36- 38)
1- بشرى السلام (آ 36)
"الكلمة التي أرسلها إلى بني إسرائيل معلناً بشرى السلام بيسوع المسيح الذي هو رب الجميع".
هل الكلمة (حسب عبارة ترد في مز 107: 20؛ 147: 18) التي يعنيها لوقا هي تلك التي أرسلها الله في الماضي إلى إسرائيل حين أعلن بشرى السلام بواسطة أشعيا (52: 7)، أم تلك التي أعلنها يسوع؟ ماذا نختار؟ إنه يعني كلمة أشعيا النبوية وبشارة الخلاص التي حملها يسوع. الكلمة هي بشرى الخلاص التي أعلنها يسوع لبني إسرائيل، هي رسالة يسوع. هكذا نفهم النص بصورة طبيعية لاسيما إذا قابلناه مع 13: 26: "يا إخوتي، إن كنتم أبناء نسل إبراهيم أو (و) من الذين يخافون الله: إليكم (إلينا) أرسلت كلمة الخلاص هذه (أو كلمة هذا الخلاص)". نحن أمام إعلان تتميم المواعيد التي أعطيت للآباء (13: 32- 33). وفي أع 28: 28 سيكتب لوقا بكل بساطة: "أُرسل خلاص الله هذا إلى الوثنيين". هذا يعني الخلاص الذي أعلنه الرسل على خطى يسوع.
وعبارة "معلنا بشرى" قد تصوّر فقط العمل الذي به أرسل الله كلمته: أعلن البشارة. ولكن هذين التفسيرين لا يؤثّران على معنى الآية.
ونفهم كلمة "سلام" كمرادف للخلاص (13: 26) الذي وعد به الله في نهاية الأزمنة (رج لو 1: 79؛ 2: 12؛ 19: 38، 42)، لا كسلام ينسّق علاقات البشر مع الله أو بعضهم مع بعض (عملياً: السلام بين اليهود والوثنيين).
"بيسوع المسيح". هناك من يربط هذه العبارة بكلمة "سلام": "يرى بطرس في يسوع لا المبشّر بالسلام، بل ذلك الذي يتحقّق به السلام". لا يبدو هذا التفسير طبيعياً. وعلى المفعول أن يرتبط بالفعل. وإن آ 38 تتابع في الخط عينه: المسحة التي نالها يسوع (أش: 6: 1) تجعل منه رسول البشرى، بشرى السلام التي ترتبط بإقامة ملك الله: إنها بشرى خاصة بالمساكين (أش 61: 1).
توجّه بطرس إلى وثنيين، فلم يخف بأن يذكّرهم أولاً بامتيازات إسرائيل. لقد أتمّ الله مواعيده من أجل شعبه (2: 39؛ 3: 35؛ 13: 26، 33). غير أن هذا التحقيق سيعود بالخير على كل الأمم. هو لا ينسى رسالة يسوع على الأرض: بدأ يتحدّث عنها وقد جرت في حدود الشعب المختار. ثم زاد حالاً توضيحاً يسبّق على الأحداث. فبعد أن سمى "يسوع المسيح" أوضح: "هو سيد الجميع". لا تردّد في معنى كلمة جميع: الوثنيين واليهود معاً. نحن هنا أمام تسبيق، لأن يسوع لن يظهر في سيادته الشاملة (سيّد على الكون كله وعلى جميع البشر) إلا وقت قيامته: حينئذ ينال من الله الاسم الذي يؤمّن الخلاص لكل إنسان يؤمن به (10: 43).
2- دخول في التاريخ (آ 37)
إن المهمّة التي سلّمها الله إلى يسوع، هي حدث له مكانه في تاريخ البشر. وتقع هذه المهمة في الزمان والمكان وتتكيّف مع حدودهما.
تبدأ آ 37 بإشارة طوبوغرافية: "تعرفون ما جرى في اليهودية كلّها، ابتداء من الجليل". يكرّر لوقا هنا ما كتبه في إنجيله: "علّم في اليهودية كلها، من الجليل إلى هنا" (لو 23: 5). بدأت رسالة يسوع في الجليل، فامتدت إلى مقاطعة اليهودية (كان الجليل جزءاً منها، كذلك قيصرية)، ولكنه لم يذهب أبعد من اليهودية.
ثم نجد إشارة كرونولوجية: "بعد المعمودية التي دعا إليها يوحنا". نكتشف هنا نظرة خاصة بلوقا تقيم تسلسلاً دقيقاّ بين رسالة يوحنا ورسالة يسوع. جاء يوحنا "أمام" يسوع (لو 1: 17)، سار "أمام" يسوع (لو 1: 76). بدأ فأعلن معمودية توبة قبل أن يدخل يسوع على المسرح (أع 13: 24). وسيشهد يوحنا ليسوع حين "يُنهي سعيه" (13: 25؛ رج 19: 4). وذكر لوقا في بداية إنجيله "حَبْس يوحنا في السجن" (لو 3: 19- 20) قبل أن يتحدّث عن عماد يسوع (لو 3: 21- 22). حين بدأ يسوع رسالته، كانت رسالة يوحنا قد انتهت، إن لم يكن في الواقع (رج يو 3: 22- 30) أقلّه في مضمونها العميق. لهذا يحوّر لوقا قول مت 11: 12. قال: "من أيام يوحنا المعمدان إلى اليوم، والناس يبذلون جهودهم لدخول ملكوت السماوات والمجاهدون يدخلونه". فإلى "أن جاء يوحنا، كانت هناك نبوءات الأنبياء وشريعة موسى" (مت 11: 12- 13). أما لو 16: 16 فقالت: "بقيت الشريعة وتعاليم الأنبياء إلى أن جاء يوحنا، ثم بدأت البشارة بملكوت الله، فأخذ كل إنسان يجاهد ليدخله قسراً". إن يوحنا ينتمي إلى حقبة الشريعة والأنبياء. وبعد هذا تبدأ حقبة الملكوت.
إذا كان صحيحاً أن دور يوحنا انتهى ساعة دخل يسوع على المسرح، يجب أن نفكر أن رسالة يسوع لم تبدأ قبل أن ينهي يوحنا رسالته، أي عملياً بعد العماد الذي قبله من يوحنا. وهكذا تقدّم لنا إشارة آ 37 عنصراً تفسيرياً أول لآية 37: يرى لوقا أن المنعطف بين الشريعة والأنبياء وبين إعلان ملكوت الله (لو 16: 16) يتحدّد ساعة عماد يسوع وتدشين رسالته.
3- "مسح بالروح القدس والقدرة"
يرى الشرّاح في آ 38 تلميحاً بل إيراداً ضمنياً لأشعيا 61: 1: "روح الرب عليّ لأنه مسحني. أرسلني لأبشّر المساكين وأشفي منسحقي القلوب". هناك ثلاث كلمات مشتركة بين النصين: مسح، ذكر الروح، فعل شفى. ونزيد: إن فعل "بشر" (أعلن البشارة) ورد في آ 36. تكفي هذه الإشارة لنظن أن لوقا أراد أن يذكرنا بقول شهير دشَّنت قراءته رسالة يسوع العلنية (لو 4: 18- 19؛ رج 7: 22).
وزاد لوقا على "الروح" كلمة "قدرة"، لا كواقع مميز، بل ليوضح النتيجة التي حصلت بحضور الروح (رج لو 1: 17، 35؛ 4: 14؛ 24: 49؛ أع 1: 8؛ 6: 3، 5، 8). نال يسوع مسحة الروح فنعم بقدرة تظهرها عجائبه. وتميّزت رسالة يسوع العامة بعجائب صنعت لخير الناس ولاسيما لضحايا الشيطان، فخضعت كلها لقدرة الروح القدس.
إن ملخّص نشاط يسوع على الأرض هذا، يقابَل مع ملخّص خطبة العنصرة: "يسوع الناصري، هذا الرجل الذي أيده الله بينكم بالعجائب والمعجزات والآيات التي أجراها بينكم" (2: 22). ويقابَل مع ملخّص خطبة تلميذَي عماوس: "يسوع الناصري الذي ظهر نبياً قديراً بالقول والعمل عند الله وعند الشعب كله" (24: 19). يصوّر عمل يسوع كعمل نبي، بل كنبي على مثال موسى: فموسى كان هو أيضاً قديراً "مقتدراً في القول والعمل" (7: 22). ولقد جاءت هذه القدرة النبوية إلى يسوع من عون الله له. نقرأ في آ 38: "كان الله معه" (رج 7: 9 عن يوسف أبي الآباء). بل جاءته من الروح الذي مسحه الله به.
إن المسحة النبوية التي جعلت من يسوع رسول البشارة، وأتاحت له أن يجري عجائب تدل على إحسانه، لا تجد تفسيرها في الدور الذي لعبه الروح حين الحبل البتولي (لو 1: 35). إنها ترتبط، وهذا واضح، برسالة يسوع، بل ببداية هذه الرسالة: بعد أن تعمّد يسوع، "انفتحت السماوات وحلّ الروح القدس عليه في صورة جسم كأنه حمامة" (لو 3: 21- 22). إن مجيء الروح بصورة منظورة يشكّل "الرسامة" النبوية لذلك الذي كان منذ لحظة وجوده الأولى ابن الله بفعل الروح عينه.

 

 

الفصل الرابع والثلاثون
إنقاذ بطرس من السجن
12: 1- 11
يوليوس أغريبا الأول هو الذي سمّاه لوقا "الملك هيرودس" مثل جده هيرودس الأكبر (توفّي سنة 4 ق. م. كان ملكاً يوم ولادة المسيح: مت 2: 1 ي؛ لو 1: 15). وهكذا يتميّز عن عمه "هيرودس التتراترخس" أي رئيس الربع (مت 14: 1؛ لو 3: 1؛ 9: 7). يسمّى الملك في مر 6: 14، ويمثّل الملوك المتحالفين على الرب في أع 4: 27.
اسمه العادي: هيرودس أنتيباس. هو الذي أمر بقتل يوحنا المعمدان، ولعب دوراً في آلام يسوع. وُلد سنة 10 ق. م.، وأنعم عليه الإمبراطور كاليغولا باللقب الملكي سنة 37، ونال الحكم على اليهودية في كانون الثاني سنة 41. كان حينذاك في رومة، فساعد كلوديوس للوصول إلى عرش الإمبراطورية. كانت سنو حكمه قصيرة جداً، لأنه مات في قيصرية سنة 44 بعد عيد الإمبراطور. أما الحدث المروي في أع 12 فيقع بين ربيع سنة 41 ونهاية شتاء 44.
يشكل ف 12 وحدة. هناك مقدمة قصيرة (آ 1- 15) تصوّر الوضع المتأزم الذي يجد فيه بطرس نفسه بعد أن سجنه هيرودس. وتروي 61- 11 الطريقة التي بها خلّصه الملاك. بعد هذا (آ 12- 17) نجده واصلاً إلى جماعة من المسيحيين. وإذ شدّد الخبر على دهشة المسيحيين، أبرز واقع المعجزة التي تمت وطابعها العجيب. هذا ما يريد أن يدلّ عليه الحكم بالإعدام على الحرس (آ 18- 19). أما نهاية الفصل (آ 20- 23) فتروي موت الملك بطريقة نرى فيها عقاب الله ضد المضطهد.
هناك تقاربات تفرض نفسها: تختلف ظروف إنقاذ بطرس عن الظروف التي فيها تحرّر بولس من سجن فيليبي بطريقة عجائبية (16: 25- 34). ولكن التشابه بارز مع إنقاذ الرسل الذي يرويه ف5 بإيجاز: "ولكن ملاك الرب فتح أبواب السجن في الليل وأخرج الرسل"
(آ 19). وإذ يكتفي ف5 بإيراد الخبر، يقدّم ف 12 عن المعجزة خبراً مفصّلاً ومليئاً بالحياة والنكتة. لن نجد في أي مكان آخر عند لوقا هذه الوفرة في التفاصيل المثيرة: كلمات الملاك لبطرس الذي لم يزل نصف نائم (آ 7- 8). الحوار بين الخادمة رودة والمسيحيين حين كان بطرس يتابع الدق على الباب (آ 13- 16). ليس من شك في أن لوقا يستعمل خبرا سابقاً تكوّن في أورشليم نفسها.
أ- بطرس في السجن (12: 1- 5)
1- في ذلك الوقت
يقع خبر بطرس العجائبي في أع بين لمحة سريعة عن تأسيس كنيسة أنطاكية (11: 19- 35) وبين خبر رحلة بولس الرسولية الأولى (ف 13- 14). وهو يرتبط بصورة أخص بذكر مهمّة ساعدت فيها أنطاكية أورشليم على إثر إعلان مجاعة "حدثت في أيام القيصر كلوديوس" (11: 28). يمكننا أن نظن أن المساعدات حُملت إلى أورشليم ساعة كانت المجاعة على أشدّها، أي 4 سنوات على الأقل بعد موت هيرودس أغريبا، في وقت متأخّر عن الأحداث المروية في ف 13- 14. إذن، يبدو أن لوقا لا يهتم كثيراً بالكرونولوجيا. إنه يقدّم لوحات متتالية عن حياة الكنيسة. ولهذا بدأ خبره بإشارة غامضة جداً: في ذلك الوقت. بعد أن روى بدايات كنيسة أنطاكية، أراد أن يتحدّث عن العلاقات الحسنة بين هذه الكنيسة وأورشليم. فوجد هنا المناسبة ليقحم الخبر الذي هو موضوع حديثنا.
وتقدم لنا آ 3 إشارة أخرى عن زمن الحدث: "وكان ذلك في أيام الفطير" (رج 25: 6؛ لو 22: 1، 7). إذن، نحن في احتفال الفصح الذي يدوم أسبوعاً، وكان اليوم الأول من الفطير (مت 26: 17؛ مر 14: 12) هو اليوم الذي فيه يُذبح حمل الفصح. وهكذا نفهم أن بطرس أوقف خلال الأسبوع الفصحي وجُعل في السجن ليمثل أمام السلطات بعد ذاك الأسبوع. ثم إننا نستطيع القول إنه كما مات يسوع في زمن الفصح، هكذا سيُرسل بطرس إلى الموت (بطريقة رمزية) مثل معلمه قبل أن يقوم (ينجو من السجن الذي يمثّل الموت) على مثال الرب يسوع.
2- الاضطهاد
بدأ "الملك هيرودس"، واسمه يذكّرنا باسم جدّه الشرير، يضطهد بعض أعضاء رجال الكنيسة. الفعل المستعمل هنا: أساء. يذكرنا بمعاملة الفرعون المضطهد لبني إسرائيل في مصر (7: 6، 19؛ رج تك 15: 13؛ خر 1: 11).
وأصاب هذا الاضطهاد ضحيّة شهيرة: يعقوب أخ يوحنا الذي اختاره يسوع مع بطرس ويوحنا ليشهد قيامة ابنة يائيرس (لو 8: 5)، ليشهد تجلّي يسوع (لو 9: 28) ونزاعه في البستان (مر 14: 33). مات يعقوب بالسيف: قد يكون قُطع رأسه على يد هيرودس، أو ضُرب في صدره بأمر من السنهدرين (المحكمة الدينية). كان لوقا قد روى مطولا استشهاد اسطفانس، فاكتفى بسبع كلمات (في اليونانية) ليشير بطريقة عابرة إلى استشهاد أول الرسل الذي ختم شهادته بدمه. نفهم هنا أسلوب الراوي. هو لا يريد أن يتشتّت. بدلاً من أن يحاول أن يروي كل شيء، يركز الانتباه على بعض الأشخاص، ويلقي عليهم ضوءاً كاشفاً. وهو لا يحتفظ من أعمالهم إلا بتلك التي تساعده على إبراز معنى حركة التاريخ الذي يرويه. إذاً، امّحى يعقوب أمام بطرس، ولم يكن هدف ذكر موته إلا ليبيّن الخطر، المحدق برئيس الرسل.
ووُضع بطرس بدوره في السجن. فالمحكمة ستلتئم بعد أيام العيد. وستكون نتيجتها حكم سريع وموت منتظر. بانتظار ذلك، كان أربعة جنود يحرسون بطرس حراسة مشدّدة. رُبط السجين بسلسلة إلى جنديين، وكان الجنديان الآخران يحرسان الأبواب.
ما هو سبب هذا الاضطهاد؟ أراد هيرودس أن يرضي اليهود. وتقول آ 11 إن اليهود كانوا معادين للمسيحيين، شأنهم شأن هيرودس: وظهر هذا العداء خاصة لدى الصادوقيين (كان منهم الكاهن الأعظم) وبعض المتعصّبين الذين سبّبوا موت اسطفانس. حين هاجم هيرودس المسيحيين، أراد أن يعطي عن تعلقه بالديانة اليهودية برهاناً كذبته المعلومات الآتية من خارج أورشليم. هو لا يهتم أبداً بأن يرضي الله. وسيُضرب سريعاً لأنه لم يمجّد الله (آ 23). إذن، هو يتصرف تصرّف ممالقة ليجتذب إليه رضا الناس بواسطة رغباتهم الدينية وتعصبهم. تلك هي الديانة المزيّفة التي تختبئ وراء أسباب دينية لتلاحق أهداف صاحبها: "لو كنت أبحث عن رضا الناس، لما كنت عبداً للمسيح" (غل 1: 10). هذا ما قاله بولس الرسول. وقالت أيضاً: “نتكلم لا لنُرضي الناس بل لنُرضي الله الذي يختبر قلوبنا) (1تس 2: 4؛ رج 1 تس 4: 1؛ كو 1: 10؛ 2 تس 2: 4).
3- صلاة الكنيسة
وإذ كان هيرودس يسعى إلى ممالقة اليهود، التفت المسيحيون إلى الله، وانتظروا منه وحده عوناً بدونه سيُحرمون من رئيسهم.
نلاحظ أولاً اهتمام لوقا بالصلاة. فقد كتب في مقدمة مثَل القاضي الذي أزعجته تلك الأرملة: "يجب المداومة على الصلاة من غير ملل" (لو 18: 1). وهو وحده يبيّن يسوع يصلي حين نالت المعمودية (لو 3: 21) وحين تجلّى على الجبل (لو 9: 28- 29). ويشير وحده إلى يسوع قبل أن يختار الاثني عشر: صعد إلى الجبل يصلي، وقضى هناك ليلته في الصلاة (لو 6: 12). وأورد لوقا وحده ثلاثة أمثاله قالها يسوع عن الصلاة: الصديق الذي يزعج صديقه في الليل (لو 11: 5- 8)، القاضي الذي تزعجه أرملة (لو 18: 1- 8)، الفريسي والعشار (لو 18: 9- 14). وينهي خطبته الأسكاتولوجية بنداء إلى الصلاة: "فاسهروا وصلوا كل حين حتى تقدروا أن تنجوا من كل ما سيحدث، وتقفوا أمام إبن الإنسان" (لو 21: 36).
وأهمية الصلاة واضحة في أع: إن أشخاص الخبر هم منشغلون في الصلاة. فالرسل والمسيحيون يصلون في كل مناسبة. ويشدّد لوقا على "الثبات" الذي يميّز هذه الصلاة (1: 14؛ 2: 42، 46؛ رج روم 12: 12؛ كو 4: 2): تفترض الصلاة مجهوداً، بل عناداً. وسيُعطي الضابط كورنيليوس مثلاً عنها قبل ارتداده: "كان يحسن إلى الشعب بسخاء، ويداوم على الصلاة لله" (10: 2).
والخطر الكبير الذي يهدّد بطرس، يدفع المسيحيين إلى الصلاة. نرى في آ 12 أن جماعة كبيرة التأمت لتقضي في الصلاة الليلة السابقة لمثول الرسول أمام المحكمة: هذا ما يذكرنا بالليلة التي قضاها يسوع في النزاع (لو 22: 39- 46).
ب- الإنقاذ العجيب (12: 6- 11)
1- "أرسل الرب ملاكه"
ظل بطرس كالأخرس، يتصرّف وكأنه في حلم ما دام الملاك هنا. وحين تركه الملاك، تكلّم فأظهر لقارئ الخبر مضمون الحدث الذي عاش تفاصيله. وإن آ 11 بيّنت ما يجب أن يلفت انتباهنا في هذا المقطع. وإننا نقرّبها مما يقال في آ 17: حين دخل بطرس إلى البيت الذي اجتمع فيه المسيحيون المتعجبون "أسكتهم بإشارة من يده وروى لهم كيف أخرجه الرب من السجن". يُنسب إنقاذ بطرس إلى الرب: فهو الذي خلّص الرسول من الملك المضطهد ومن بغض اليهود بواسطة ملاكه.
إذا أردنا أن ندرك بُعد إعلان بطرس هذا، يجب أن نتذكر الكتاب المقدس. فالكلمات المنسوبة إلى الرسول، تشير إلى ما قاله نبوكد نصر عن الفتية الثلاثة الذين رماهم في النار الملتهبة فخرجوا سالمين: "تبارك الله الذي أرسل ملاكه وأنقذ من النار عبيده الذين توكلوا عليه" (دا 3: 95). إن عبارة "أنقذ عن يد" متواترة في التوراة اليونانية. نلاحظ مثلاً كلمات يترو، حمي موسى: "تبارك الرب الذي أنقذ شعبه من يد المصريين ومن يد فرعون" (خر 18: 10) ونذكر أيضاً نشيد زكريا: "تبارك الرب إله إسرائيل لأنه تفقدّ شعبه وافتداه... ليخلصنا من أعدائنا ومن أيدي جميع مبغضينا... بأن ينقذنا من أعدائنا حتى نعبده غير خائفين" (لو 1: 68، 71، 74). وهناك مز 105: 10 حسب السبعينية: حين عبور البحر الأحمر، أنقذ الله أخصّاءه من يد مبغضيهم، وافتداهم من يد العدو. إن إنقاذ بطرس يدخل في إطار تدخّلات الله في التاريخ: إن الله ينقذ أخصّاءه من يد مضطهديهم. إنه يقود تاريخ الكنيسة، كما كان يقود تاريخ إسرائيل. وهذا التاريخ هو تاريخ خلاص يمنحه الله لعبيده. والشخص الذي يلفت انتباهنا في خبر إنقاذ بطرس، ليس بطرس الذي يبقى منفعلاً (هو لا يفعل شيئاً)، ولا الملك الذي هو المنفّذ، بل الرب الذي يُظهر عنايته لأحبائه.
تدخّل الله فأنقذ بطرس، لا من يد هيرودس فقط، بل "من كل ما كان اليهود ينتظرون". لقد كان على بطرس أن يمثل أمام الشعب (آ 4). هذه العبارة تذكرنا بنص خر 18: 10 حيث يجعل يترو المصريين مع فرعون المضطهد. كما تذكّرنا بنص أع 4: 25- 27 حيث يستقي الرسل صلاتهم من مز 2: 1- 2: قام ملوك الأرض والعظماء، ائتمروا معاً على الرب وعلى مسيحه: يمثّل هيرودس الملوك وبيلاطس البنطي الحكماء. ومعهما الأمم الوثنية وشعب إسرائيل. إن الذين يريد الملك المضطهد أن يرضيهم يُعتبرون مشاركين في هذا الاضطهاد.
2- ما كان بطرس يعرف
حين عاد بطرس إلى نفسه وعى واقع المعجزة والتدّخل الإلهي الذي نَعِم به. أما خلال "تدخل الله"، فما كان يعرف أن الأمر صحيح. ظنّ أنه في حلم. من الواضح في هذه الظروف أنه لم يكن له دور فاعل في الإنقاذ. إن النص يشدّد على فعل الله فيه. أنقذ الله بطرس من السجن (ورمزياً من الموت)، كما أنقذ يسوع وأقامه من بين الأموات.
كان بطرس ينام رغم الوضع الخطير الذي كان فيه (إنه نوم الموت). هذا الموقف يتعارض مع موقف بولس وسيلا في فيليبي: حين تمت المعجزة التي فتحت أبواب السجن "كانا يصلّيان ويسبّحان الله" (16: 25). في أورشليم، كانت الكنيسة تصلّي بحرارة. أما بطرس فكان نائماً.
وجاء الملاك فجأة "فسطع النور في داخل السجن" (آ 7). هذا يدلّ على أننا بحضور كائن سماوي، كائن يشارك الله في مجده. استنار السجن، ولكن بطرس لم يستيقظ. حينئذ ضربه الملاك على جنبه، وأمره أن يقوم سريعاً: "شدّ حزامك، أربط نعليك، إلبس ثوبك واتبعني". فعلَ بطرس ما أمر به وكأنه في حلم. اجتاز الحرس الأول والحرس الثاني، انفتح الباب الحديدي... واختفى الملاك. حينئذ عاد بطرس إلى نفسه. "الآن تأكّد لي أن الرب أرسل ملاكه".
3- إنقاذ فصحي
نحن هنا في إطار الفصح. هكذا يربط النص سجن بطرس بأيام الفطير والفصح. ثم نلاحظ أن التقليد اليهودي يجعل إنقاذ الفتية الثلاثة في ليلة فصحية. نقرأ في مدراش عن ليلة الخروج من مصر (خر 12: 42): "ما معنى ليلة سهر؟ هي ليلة يصنع الله فيها العظائم في سبيل الأبرار كما صنع لبني إسرائيل في مصر. ففي تلك الليلة نجّى حزقيا، وحنانيا ورفيقيه، ودانيال من جب الأسود. في تلك الليلة سيبيّن المسيح وإيليا قوتهما".
الليلة الفصحية هي ليلة النجاة. وهي أيضاً ليلة التهليل، ليلة الأناشيد التي تذكر الشعب بخلاصه. قال الرابانيون الذين جاؤوا بعد دمار الهيكل (70 ب. م): أنشد يشوع التهليل خلال المعركة ضد الملوك الكنعانيين الخمسة، وأنشدت دبورة وباراق وقت المعركة مع سيسرا، وحزقيا حين حاصر سنحاريب أورشليم، والفتية الثلاثة في أتون النار، وأستير ومردخاي حين كان هامان يخطط لقتل اليهود. فإذا كان التهليل الفصحي يشكّل صلاة المتضايقين، فالخلاص الذي يُمنح لهم هو خلاص فصحي. هو خلاص تم ليلة الفصح (سفر أستير هو كتاب فصحي). ليلة الفصح هي الوقت المميّز لتدخّلات الله من أجل أخصّائه، حتى ينجّيهم من مضطهديهم. وسيتكيف لاهوت الليلة الفصحية مع الأحداث. يضمّون في تلك الليلة عينها الخروج من مصر ومقتل الأبكار وعبور البحر الأحمر ونشيد المخلّصين، دون أن يحسبوا حساب الفترة التي تفصل هذه الأحداث بعضها عن بعض.
إن هذه التقاليد اليهودية تلقي على خبرنا نوراً لا يجب أن نهمله. سُجن بطرس خلال الاحتفال بالفصح، "في أيام الفطير" (آ 3). وتمّ إنقاذه العجائبي في تلك الليلة عينها (آ 6) أي في آخر ليلة من ليالي الاحتفالات الفصحية، في الليلة التي تسبق مثول بطرس بعد الفصح (آ4). فالعبارة "في هذه الليلة عينها" تشير إلى ليلة الفصح حسب سفر الخروج (12: 8، 12، 42). وسيتخيّل المؤمنون في القرن الثاني أن بطرس أنقذ خلال ليلة الفصح (رغم ما يقول أع). نحن نقرأ في رسالة الرسل وهو مؤلّف أربع عشري (يعيّدون الفصح في 14 نيسان) يعود إلى منتصف القرن الثاني ويدخل في "وصية ربنا يسوع المسيح في الجليل": "أما أنتم، فتذكروا موتي أي الفصح. فواحد منكم. واحد من الذين يقفون لدي، سيُسجن من أجل أسمي. سيحزن جداً ويكتئب لأنه في السجن وأنتم تحتفلون بالفصح. سيحزن لأنه لن يقدر أن يحتفل بالفصح معكم، ولكني أرسل قدرتي بشكل ملاك فتنفتح أبواب السجن ويأتي إليكم فيسهر ويرتاح معكم. وبعد أن يصيح الديك، ويكون قد أكمل سر محبتي وتذكاري، يأخذونه من جديد ويرمونه في السجن للشهادة إلى أن يخرج للكرازة كما أوصيتكم".
وهكذا يُعطى معنى جديد للجماعة المسيحية التي التأمت لتمضي الليلة في الصلاة (آ12). لم تعد القضية أن يصلّوا من أجل بطرس، بل أن يحتفلوا بالسهرة الفصحية.
ويساعدنا خر 12: 11- 12 على تقاربات أخرى: "وهكذا تأكلونه (الحمل الفصحي): تكون أحقاؤكم مشدودة، ونعالكم في أرجلكم، وعصيكم في أيديكم. وكُلوه بعجلة. إنه فصح الرب. وأنا أجتاز في أرض المصريين في تلك الليلة عينها". وعلى بطرس أن يضع حزامه ويجعل نعليه في رجليه. عليه أن يُسرع. كل هذا يدل على موقف بني إسرائيل في وقت الخلاص الفصحي وخلال تذكّر هذا الخلاص (رج لو 12: 35: "لتكن أوساطكم مشدودة ومصابيحكم موقدة"). هذا هو موقف السهر الخاص بالليلة الفصحية.
4- خاتمة.
إن إنقاذ بطرس هو عمل الرب. ما يلاحظه بطرس حين يعود إلى نفسه هو تشديد الخبر على طاعة الرسول. فساعة المعجزة وحين كانت الكنيسة تصلي، كان هو غارقاً في سبات عميق. على الملاك أن يقوله له ما يجب عليه أن يعمل، هو يطيع وكأنه في حلم. أتم الملاك مهمّته واختفى. أما الفاعل الحقيقي فهو الرب. لقد أراد خبر الإنقاذ العجائبي هذا أن يحتفظ بذكر تدخل إلهي خاص في أيام الكنيسة الأولى.
كانت المعجزة لخير بطرس، بل لخير الكنيسة. لأنهّا هي التي يلاحقها الاضطهاد، وهي الغارقة في قلق تصلي بحرارة. الكنيسة تنادي الله، والله يردّ لها رئيسها.
تأتي المعجزة في مناخ فصحي. لقد تدخل الله من أجل رسوله، كما تدخل في الماضي من أجل شعبه. لقد صارت الكنيسة الشعب المختار الذي يعينه الله في ضيقه لينجّيه من أعدائه ويمنحه الخلاص. لقد خلّص الله رسوله، كما خلّص مسيحه من الموت فلم يترك الفساد ينال منه.
أجل إننا نجد في سجن بطرس وإنقاذه العناصر الرئيسية في خبر آلام يسوع وقيامته: وهكذا يعيش التلميذ الأوقات المهمة من حياة يسوع بطريقة رمزية. أوقف المسيح على أيام هيرودس، وبطرس أيضاً. كان بطرس في السجن بين الجنود، ويسوع في القبر بين الجنود (يو 18: 12؛ مت 27: 66). عرف بطرس رقاد النوم في السجن، والمسيح رقاد الموت في القبر. وكما ظهر الملاك وقت القيامة (مت 28: 2- 3)، سيظهر ليحرّر بطرس. تحرّر بطرس فأعلنت امرأة إنقاذه على أعضاء الجماعة. هكذا بشرّت النسوة بقيامة المسيح (مت 28: 7- 8). شكّ الأخوة بكلام الخادمة، كما شك الرسل بكلام النسوة (لو 24: 11؛ مر 16: 10- 11). وحين وقف بطرس بينهم لم يصدّقوا (رج لو 24: 37؛ مت 28: 17). وفي النهاية لن يبقى بطرس، كما لن يبقى يسوع وسط أصدقائه. "ذهب بطرس إلى مكان آخر" (آ17). وكذلك فعل يسوع.
لقد جعل لوقا من حدث حصل في حياة بطرس تذكيراً بآلام يسوع وموته وقيامته. عاش بطرس كل هذا، ولكن بطريقة رمزية. لهذا نفهم أن يكون أع الذي كتب بعد استشهاد بطرس لم يقل كلمة عن موته. فهدف الكاتب هو أن يفهمنا أن بطرس حي وأن الجماعة المسيحية لا تزال تعيش من كلمته ومن عمله.

 

 

الفصل الخامس والثلاثون
خطبة أنطاكية بسيدية نظرة إلى الماضي
13: 17- 22
"يا بني إسرائيل، ويا أيها الذين يتقون الله، اسمعوا". هكذا تبدأ أول خطبة للقديس بولس. توجّه بها إلى اليهود، فقدّم ملخصاً للتاريخ المقدس على ما في خطبة اسطفانس (ف 7). وزاد على هذا الملّخص ما يتعلّق بشهادة يوحنا المعمدان. ثم أعلن أن يسوع الذي مات وقام هو المسيح المنتظر. هنا يلتقي بولس مع بطرس، ولكنه يفترق عنه حين يشدّد على التبرير بالإيمان. وتنتهي الخطية بتنبيه خطير أخذه الرسول من التوراة: فانتبهوا لئلا يحلّ بكم ما قيل في كتب الأنبياء.
عند هذه الخطبة سنتوقّف فنقسمها ثلاثة أقسام. الأول: نظرة إلى الماضي. الثاني: على ضوء الحدث يسوع. الثالث: على ضوء الكتب المقدّسة. ونحصر حديثنا في هذا الفصل بالقسم والأول: نظرة إلى الماضي (13: 17- 22).
نفسّر النص أولاً على أنه ملّخص للتاريخ المقدس، وبعد أن نستند إلى وعد الله لهذا الداود الجديد، نحاول أن نكتشف مدلول هذا الملخص الذي جُعل كمقدّمة لخطبة مسيحية يتوجّه بها الرسول إلى اليهود.
أ- ملخّص التاريخ المقدس
تقدّم آ 17- 22 ملخصاً لأهم أحداث عمل اللّه التحريري من أجل شعبه: خلصه من مصر، أرض المنفى (آ 17)، اهتم به خلال تيهانه في البرّية (آ 18)، أعطاه الأرض الموعود بها (آ 19). جعل له القضاة (آ 20)، ثم اختار لهم شاول وعزله، واختار اختياراً خاصاً داود (آ 21- 22).
هذه النظرة التاريخية إلى الوراء تعود إلى مجموعة الأحداث التي عاشها الشعب والتي يذكرها كتاب صموئيل في معرض حديثه عن نبوءة ناتان (2 صم 7: 10 ي). وهكذا نكون أمام عظة مدارشية (أي: درس على نص الكتاب المقدس) على نص الوعد لداود. نكون أمام بداية فعل إيمان كما نقرأ مثلاً في يش 24.
وها نحن نبرز المقدّمتين التاريخيتين كما نقرأهما في 2 صم 7 وفي أع 13.
2 صم 7 أع 13
6- لم أسكن بيتاً منذ أخرجت بني 17- إن إله هذا الشعب اختار آباءنا، إسرائيل من مصر إلى هذا اليوم وعظّم الشعب في غربته في أرض مصر
وأخرجهم منها بذراع رفيعه (قوية).
بل كنت أسير في خباء وفي ملجأ 18- خلال أربعين سنة،أطعمهم في البرّية.
7- فهل تكلّمت في كل سيري 19- وبعد أن استأصل سبع أمم في
مع جميع بني إسرائيل مع أحد أرض كنعان، وزعّ أرضهم
قضاة إسرائيل الذين أمرتهم ميراثاً.
أن يرعوا شعبي إسرائيل: 20- كل هذا دام 450 سنة. وبعدها 
"لماذا لم تبنوا لي بيتاً من أعطاهم قضاة إلى صموئيل
الأرز"؟ النبي.
8- هذا، تقول لعبدي داود: 21- حينئذ طلبوا ملكاً فأعطاهم الله
هكذا يقول رب الأكوان: أنا شاول بن قيش، رجلاً من سبط
أخذتك من المراعي، من وراء بينامين فحكم أربعين سنة.
الغنم لتكون رئيساً على شعبي 22- ثم عزله الله وأقام داود
إسرائيل. ملكاً عليهم.
9- كنتُ معك حيثما سرتَ، شهد له قائلاً: "وجدت داود
وأزلتُ جميع أعدائك من أمامك. بن يسّى، رجلاً بحسب قلبي، 
وأعطيك شهرة تساوي شهرة وهو يعمل بمشيئتي كلّها.
العظماء الذين في الأرض.

ماذا نستنتج من هذه المقابلة بين النص الأساسي والعظة المدراشية كما يلقيها بولس الرسول؟
1- تحويل النصوص
لقد حوّل "الواعظ" ما كان تلميحاً إلى المنفى في كتاب صموئيل (2 صم 7: 6 "أصعدت بني إسرائيل من مصر")، فعبّر عن الموت في عبارات جديدة: الله "أنمى الشعب خلال إقامته في أرض مصر" (أع 13: 17). بهذه الكلمات، تقبّلت خبرةٌ سلبية عاشها الشعب في مصر، مدلولاً إيجابياً في تاريخ التحرير. ففكرة نموّ الشعب مهمة وعليها يشدّد فعل الإيمان خلال الليتورجيا: "كان أبي أرامياً تائهاً فهبط مصر ونزل هناك في رجال قلائل، فصار ثمَّ أمّة عظمة شديدة كثيرة" (تث 26: 5؛ رج خر 1: 5)، وسيبيّن الواعظ واقع نموّ الشعب على أنه وليد تدخّل الله في خطّ أعمالٍ قام بها لكي يحرّر شعبه ويعزّزه.
وتدخّلُ الله هذا الذي يُعتبر أول عمل له من أجل شعبه، يتّخذ مدلولاً خاصا حين نجعله في خط معنى الخطبة: فالله الذي أنمى الشعب رغم وضعه القاسي في المنفى (آ 17)، والذي أقام ملكاً عظيماً مثل داود بعد أن فشل شاول في حكمه (آ 21- 22)، هذا الإله ألا يستطيع أن يرفع المصلوب، أن يقيمه من بين الأموات؟
وهكذا تفتح الآية الأولى من الخطبة أمامنا موضوعاً سيفرض نفسه تدريجياً في توالي الكلام، ويتعمق بحيث ينال مضموناً وغنى لم نكن نتوقعهما.
2- خباء الله
وأهمل الواعظ شيئاً، فاتخّذ إهماله له مدلولاً في هذه الخطبة المدراشية. فالخبر التاريخي في 2 صم 7 الذي يعمل كمقدّمة للوعد، يشدّد على أن الله عاش دوماً في البرية "تحت خباء (خيمة) وفي مسكن (أو: ملجأ)" (آ 6). أنه لم يطلب يوماً من القضاة أن يبنوا له "بيتاً" (آ 17). هذا التذكير بأوضاع سابقة يهيئ الطريق لولْي الخبر النبوي المبني على مدلولي كلمة "بيت": الهيكل والسلالة.
أما الواعظ في سفر الأعمال، فأهمل كل عودة إلى معبد الله في ملّخصه للتاريخ. هذا يدلّ على أنه يوجّه خطبته في اتجاه آخر. وسيدلّ تفسيره المدراشي للوعد الداودي بأنه يركّز كلامه على لفظة أخرى نفهمها هي أيضاً في معنيين: أقام، رفع. إنه يركّز على وعد الرب بأن يحافظ على سلالة داود ويرفعها.
3- عمل الله المحرر
إن المقدمة الإخبارية لعظة أنطاكية تُبرز عمل الله المحرّر من أجل شعبه. فنحن نلاحظ أن فاعل كل الأفعال هو الله: هو اختار، رفع قدْر هذا الشعب، أخرج، أباد... وهكذا يشدّد النص على الله الفاعل الأعلى في التاريخ. وهذا ما يظهر أيضاً في خطبة ناتان التي تبرز في جملها الله في صيغة المتكلّم المفرد: لم أسكن... أخرجتُ... كنتُ أسير... 
أورد كتاب صموئيل الوقائع: الخروج: أصعدت (آ 6). عبور البرية: سرت (آ 7). وسنرى كيف سيقدّم سفر الأعمال فعلات الله الخلاصية هذه. فالخروج من مصر قد حققه الرب "بقوّة ذراعه" (آ 17). هي عبارة من العهد القديم ترتبط بسفر التثنية حين يتذكر سفر الخروج (تث 4: 34؛ 5: 15؛ 6: 21). وسيوضح الكاتب الملهم مدلولها في موضعين: "الرب أخرجنا من مصر بيد قديرة وذراع ممدودة ومخاوف عظيمة "وآيات ومعجزات" (تث 6: 8). ونقرأ في 4: 34: "آيات ومعجزات وحروب ويد قديرة وذراع ممدودة ومخاوف عظيمة". إذن تشدّد الصورة في اللاهوت الاشتراعي على عمل الله القوي الخارق. وهذا هو المعنى الذي تتخذه العبارة في خطبة سفر الأعمال الرسولية.
وسيؤكّد وَلْي الخطبة المباشر على هذا المدلول. فلا يكتفي الواعظ بأن يقول كما في 2 صم 7: 7 أ بأن الله "سار: مع بني إسرائيل في البرية. بل سيقدّم مرافقة الله لهم بسلسلة من أعمال أحسن فيها إلى شعبه وساعده: "أطعمهم (هناك مخطوطات تقول: احتملهم) في البرية أربعين سنة" (آ 18). ويهتم أيضاً بالتشديد على العمل المحسن والعجيب من أجل شعبه في الآية التالية فيذكر احتلال الأرض: "بعد أن أباد سابع أمم في أرض كنعان، وزعّ أرضهم ميراثاً لهم" (آ 19). تعود هذه الآية بلا شكّ إلى سفر التثنية (7: 1؛ رج يش 3: 10: 9: 1: عبارة مقولبة) التي تورد أسماء الأمم السبع: الحثيون، الجرجاشيون... ويزيد: "أمم أعظم و أكثر (و أقوى) منك".
وهكذا يذكر الواعظ الخروج (آ 17)، المسيرة في البرية (آ 18) والدخول إلى كنعان (آ 19) بشكل تصاعدي: فيبرز الطابع العجائبي لأحداث مضت. هو لا يهتم بوجهتها اللاعادية، بل بعظمتها التي تدلّ على عناية الله واهتمامه، على حضور متواصل لقدرته الخفية.
بعد هذه الآيات الثلاث من الخطبة، نجد ماضي الشعب كله في عبارات قاطعة. تُذكر الأحداث العظمى بالنسبة إلى سفر التثنية ولاهوت التاريخ. الله يهتم بخير شعبه فيجعل التاريخ الذي يعيشه الشعب "تاريخ خلاص" (45 سنة تدل على كمال زمان العمل الذي أنجزه الله).
وهذا التشديد على الحدثين الأساسيين في عمل الله الخلاصي (نجاة من أرض مصر، عطية أرض جديدة) (هذين الحدثين اللذين هما وجهتان متكاملتان لتحرير أول ورمز مستمر لنشاط الله المحرّر في تاريخ شعبه) هذا التشديد يفتح العقول لتقبّل ولي الخطبة: فالتحرير الذي أتمّه الله يحمل وعداً بتحرير مُقبل. فالله الذي يواصل القيام بأعمال خارقة من أجل نموّ شعبه (450 سنة)، يستطيع أن يحقّق أيضاً أكثر ممّا فعله في الخروج.
4- اختيار الآباء
وهناك عنصر جديد يستبق خبر أعمال الله الخلاصية من أجل شعبه: اختيار آباء الشعب. قال بولس لبني إسرائيل ولمتقّي الله: "إله هذا الشعب اختار آباءنا" (آ 17 أ). إذن هناك تشديد على الشعب وعلى الاختيار. وهذا التشديد سيستمر في ولي العظة. فيرتبط الوعد نفسه باختيار الشعب: فالوعد لداود آ 23) هو في الواقع وعد للآباء (آ 32) وهو يرتبط بوجود الشعب (آ 23) إذن، إليكم أنتم الحاضرين، أنتم أبناء إبراهيم "أرسلت إليكم كلمة الخلاص" (آ 26). عاد الواعظ إلى إبراهيم كأب للشعب الجديد الذي يكوّنه المؤمنون بيسوع المسيح.
وهذا التشديد على الشعب يتخذ مدلولاً جديداً في التعليم الرسولي، في مسيرة إيصال المعنى: يتحدّى الواعظ سامعي أنطاكية في أعماق أعماقهم، ويهيئهم ليعرفوا أن التعليم الجديد يرتبط ارتبطاً تاما بالتدبير القديم، وهو يدخل في اختيار الشعب والوعد الذي حصل عليه.
5- خطبة اسطفانس وعظة بولس
وهذه الطريقة التي اتخذها الواعظ ليجعل سامعيه اليهود متقبلّين تعليمه، تظهر بوضوح أكثر إذا قابلنا عرضين للتاريخ المقدّس نجدهما في سفر الأعمال: خطبة اسطفانس (7: 2 ي) وعظة أنطاكية (13: 17 ي).
جعل اسطفانس اليهود أمام تاريخهم. فبين لهم هو أيضاً أن الله عمل دوماً من أجل شعبه وحافظ على مواعيده. ولكنّه كشف وجهة أخرى من تاريخ الشعب اليهودي: عصيانهم ومعارضتهم الدائمة لله ولمرسليه (آ 9، 35، 39- 43، 51- 53). أما واعظ أنطاكية، فلم يتكلّم عن تصرّف الشعب. وتجنّب الحديث عن خياناتهم ومقاوماتهم السابقة لمخطط الله (في آ 28 اتّهم اليهود بأنهم حكموا على يسوع. ولكنه حدّد: "شعب أورشليم ورؤساؤهم").
وهكذا تبدّلت النظرة في عرض الصورة التاريخية الواحدة: هجوم في خطبة اسطفانس. إقناع في وعظة بولس في أنطاكية. لهذا سميّت الأولى خطبة هجومية (ف 7) والثانية خطبة رسالية تهدف إلى ربح اليهود و إقناعهم (ف 13).
ب- استشهاد بالكتاب المقدس
وينتهي ملّخص التاريخ في خطبة أنطاكية باستشهاد كتابي يشدّد على الدور الفريد والنموذجي للملك داود في مخطط الله (2 صم 7: 9: كنت معك): "وجدت داود بن يسّى رجلاً حسب قلبي، وسيعمل كل ما أريد" (آ 22 ب). يقدّم الكاتب هذا الحكم على داود كأنه شهادة يدليها الله. إذن هو مقطع مأخوذ من التوراة. ولكننا لا نجد هذه الجملة كما في التوراة. غير أننا نجد كل العناصر التي تؤلّفها. وهكذا نكون أمام استشهاد مركب من استشهادات عديدة كما اعتاد التفسير المدراشي عند اليهود أن يفعل.
يلعب هذا الاستشهاد في الوعظ دور "فاتحة". هي تفتح التفسير المدراشي وتبدأه. هناك مقابلة بين 2 صم 7 من جهة، و1 صم 13: 14؛ مز 89: 21؛ أش 44: 28 من جهة أخرى. ولكننا سنذهب أبعد من هذا فنرى كيف يوجّه الاستشهاد الكتابي ولي الخطبة ويهيئ الدرب لتفسير جديد لنصّ الوعد لداود. إن هذه العودة إلى داود التي هي انطلاقة حديث رسالي، تبدأ تفسير نبوءة ناتان في خط وعد لداود جديد، وعد يتخّذ بعداً مسيحانياً.
1- الوعد بداود جديد
لقد وجد الله في داود ملكاً حسب قلبه، رجلاً يتمّ إرادته. وعرض أمانة داود يبرز بالعودة إلى شاول الذي عُزل (آ 22): نجد هنا تلميحاً واضحاً إلى عدم أمانته لمخطط الله. وصورة الملك الخاضع لمخطّط الله، ستعود في ولي الخطبة وفي قلب البرهان الكتابي عن يسوع المسيح: "لكن داود بعد أن خدم في أيامه مخطط الله" (آ 38). هذه الصورة عن داود تنبع من العهد القديم، وهي توافق ما قاله فيه سفر التثنية. لا يكن داود ملكاً كاملاً. كان ضعيفاً على مستوى الحياة الأخلاقية كما تعثر في الحياة السياسية. ولكن ما يميّزه هو أنه كان ذاك القلب المستقيم، وعرف أن يقرّ بخطاياه (2 صم 12: 13) ويخضع لإرادة الله: سلك أمام الرب "بسلامة القلب والاستقامة" (1 مل 9: 14). كان قلبه "كلّه للرب" (1 مل 11: 4)؛ "أطاع الله طاعة كاملة" (1 مل 11: 6): "صنع ما هو قويم في عينَي الرب حافظا رسومه ووصاياه" (1 مل 11: 38). وبمختصر الكلام، صارت صورة الملك داود في نظر مدوّن أسفار صموئيل والملوك، النموذج والمعيار الذي به نحكم على الملكية في أرض إسرائيل.
حين شدّد الواعظ على هذه السمة الأساسية في وجه داود الملك، أراد أن يوجّه الأفكار في خط محدّد من أجل تفسير نبوءة ناتان: الملك المثالي الموعود به في سلالة داود سيكون البار الكامل الذي سيخضع كل الخضوع لمخطط الله. وهكذا لا يقدّم بولس وضع داود كملك، بل يتكلم عن البعد الروحي لشخصه ولصفته كخادم طائع. إذن، صار داود بخضوعه رمزاً يدلّ على الملك الاسكاتولوجي. وهكذا يحذّر الواعظ سامعيه من تفسير خاطئ لا يتوافق والكتاب المقدس، ويهيّئهم لتتمة النبوءة الداودية في رجل لم يكن له وضع ملك على الأرض.
وهذا العرض المثالي لداود في آ 22، سيحمل ثماره في ولي الخطبة ساعة يتحوّل النظر من جديد إلى شخص داود باستشهادات كتابية تعنيه قبل أن تعني غيره (آ 33- 37). حينئذ يعبَّر عن الوعد الداودي بوضوح في كلمات أمل بداود جديد. فما وعد به لداود في المزامير (مز 2: 7 في آ 33؛ مز 16: 10 في آ 35- 37 بصورة خاصة) ولم يتحقق تحققاً تاماً في شخصه، سيتم في آخر هو يسوع. وهذا ما يدّل عليه حدث قيامته. إذن، داود هو نموذج (آ 22) أما يسوع فهو النموذج الأول و الرئيسي (آ 37).
2- وعد مسيحاني
إذن، وجّه هذا الاستشهاد الكتابي العقول إلى فهم لنبوءة ناتان، فأبرز لا رجاء بسلالة ملكية تزول، بل انتظاراً لملك مثالي أشار إليه داود. وسنخطو خطوة تالية لنصل إلى فهم مسيحاني لهذا المقطع النبوي. هنا نعود إلى نبوءة أشعيا (11: 1، 10: جذر يسّى). فقد انطلق الكاتب من مز 89: 21 (وجدت داود) وزاد "ابن يسّى" ليدّل على الملك المسيح الذي يولد من جذر يسّى.
ويظهر البعد المسيحاني في زيادة: "يعمل كل ما أريد". نجد هذه العبارة في ترجوم صموئيل (1 م 13: 14). كما نجدها في أش 44: 28: فكورش هو مسيح الرب (أش 45: 1). وهكذا شدّد النص على البعد المسيحاني للوعد الداودي. لقد فُتحت آذان السامعين إلى إعلان مسيح شخصي كان داود صورته. وهذه خطوة هامة على طريق إعلان المعنى المسيحي للنبوءة.
ونلاحظ أخيراً المقابلة. في آ 22 ب: :أقام الله لهم داود ملكاً". وفي آ 23: "أقام الله يسوع لإسرائيل مخلّصاً". يسوع هو داود الجديد الموعود به. لا ذلك الملك، بل المخلّص. وهذا سيكون "حسب الوعد" (آ 23).
ج- فعل إيمان في العالم اليهودي
هنا نطرح السؤال: أما ترتبط هذه الآيات بنموذج أدبي معروف في العالم اليهودي؟ يتفق الشرّاح على القول بأن 2 صم 7: 6- 9 يتسجّل في "النؤمنات" (جمع نؤمن) الكبيرة في تاريخ إسرائيل. ونحن نكتشف في آ 17- 22 من وعظة أنطاكية رسمة وعناصر هذه النؤمنات القديمة. لقد قام الكاتب بعمل إسهاب في 2 صم 7 مستعيناً بعبارات أخذها من سائر الاعترافات الإيمانية التاريخية. لهذا لا بدّ لنا من أن نتوقّف عند هذه النؤمنات، عند مدلولها كتعبير للإيمان في إسرائيل. بعد هذا نرى ارتباطها بخطبة أنطاكية، وندرك كثافة المعنى التي يصل إليه هذا التذكر التاريخي في بداية خطبة رسالية تتوجه إلى اليهود.
ترد أفعال اعتراف الإيمان في إسرائيل القديم في ثلاثة نصوص رئيسية: تث 6: 21- 24؛ 26: 5- 9؛ يش 24: 2- 13. إن التعليم الديني في تث 6: 21- 24 يلخص التاريخ المقدّس للشعب في حدثين رئيسيين: النجاة من مصر، عطيّة الأرض التي وُعد بها الآباء. ويقدم كما 26: 5- 9 صيغة موّسعة في إطار ليتورجيا البواكير. يسبق الحدثين المحرّرين تذكرٌ لزمن الآباء: "كان أبي أرامياً تائهاً" (آ 5). هذا النص القديم يتصّل بما نقرأ في أع 13: 17- 22: الأحداث الخلاصية عينها (الاختيار، الخروج من مصر، عطية الأرض)، تشديد على عمل الله، جوّ نشيد واحتفالا بظهورات الله الخلاصية الكبيرة. عدم ذكر خيانات إسرائيل. عبارة واحدة للتعبير عن عمل الله في الخروج: "بيد قوية وذراع ممدودة". أي: إن الله قام بالآيات والمعجزات فاحلّ خوفه على الشعب.
إن ملخص يش 24: 2- 13 الموضوع في اطار تجديد العهد، هو قريب من ملخص تث 26: 5 ي. فالأحداث التاريخية الثلاثة المنسوبة إلى عمل الله المحسن، تصوَّر مع بعض التوسيع. وتُذكر الإقامة في البرية كما في أع 13: 17. وهناك نقطة مشتركة قد تعكس ارتباط أع 13 بنص يش 24. يعدّد يش 24: 11 الأمم السبع التي يقول أع 13: 19 إنها استؤصلت. وهكذا يكون واعظ أنطاكية قد سجّل ملخصه التاريخي في أقدم تعابير الإيمان اليهودي وأعمقها أساساً.
وما نلاحظه هو أن التعابير القديمة لا تمدّ بالتاريخ المقدس أبعد من الإقامة في كنعان. وبالأحرى، لا يدخل داود وملكه في هذه النظرة. ولكن بجانب هذه التقاليد القديمة جداً، قد توسعت في إسرائيل مجموعة أخرى من التقاليد ارتبطت بأحداث متأخرة: مملكة داود، أورشليم كمدينة الله (المزامير الملوكية، بعض نصوص 1- 2 صم، أش 2: 9؛ 11؛ 28). وفي وقت من الأوقات، قد يكون زمن المنفى، اندمج التقليد الداودي والنؤمن القديم (حزقيال؛ أش 55؛ حجاي). إن مز 78 الذي هو قصيدة تنشد أعظم الأحداث التاريخية القديمة، يصل بخبره إلى الزمن الملكي، وينتهي بمديح لداود واختيار الله له (آ 70- 72). ولكن يبقى أفضل مثال لدمج التقليدين نص 2 صم 7. فهو يرينا أنه في وقت قد يقع بين زمن داود والمنفى، تسجّلت الملكية الداودية والوعد في خطّ النؤمن القديم. وهكذا لم يعد هذا النؤمن منغلقاً على ذاته، فانفتح على تطلّعات جديدة. وهكذا توسّع رجاء جديد، رجاء الانتظار المسيحاني بعد أق استند إلى الإيمان بعمل الله الخلاصي.
إن لاهوت التاريخ في أع 13: 17- 22 المرتبط مباشرة بنص الوعد الداودي، هو استعادة لهذه النظرة الموسّعة للإيمان الديني في شعب إسرائيل. وإعلان الإيمان بماضٍ يحمل رجاء مسيحانياً، صار النؤمن اليهودي المعروف في القرن الأول المسيحي. فاستعمله بولس ككلام تشجيع (أع 13: 15) انتظره سامعون يهود من فم واعظ في المجمع. وهكذا كان الواعظ المسيحي الذي هو بولس، أميناً لانتظار يتسجّل في أفضل ما فيه، فاستعاد الرسمة الليتورجية اليهودية الكبرى من أجل التفسير المسيحاني للتاريخ الماضي.
وكلمة الرجاء هذه قد تضم آ 23 أيضاً، لأنها تنتمي إلى الإطار الأدبي السابق. فإذا أصلحناها قليلاً، نستطيع أن نقرأها على الشكل التالي: "من نسله يقيم الله حسب وعده مخلّص إسرائيل". وهكذا نكون أمام خاتمة رائعة لنؤمن توراتي كما تعوّد اليهود أن يفسروه (بطريقة مسيحانية) في القرن الأول المسيحي.
قد كان يمكن أن تتوقف الخطبة هنا، لأنها توافق كل الموافقة انتظار اليهود. ولكن الواعظ المسيحي أدخل اسم يسوع وجعل الفعل في صيغة الماضي (قال: أقام، لا: سيقيم) فقدّم لنا شيئاً جديداً وجذرياً بجّدته: فما يتبع لن يكون محض كلمة تعزية وتشجيع، كلمة تدعو إلى الرجاء، بل سيصير كلمة خلاص تحقّقت (آ 26)، كلمة تدعونا إلى رؤية إيمانية جديدة، لأن حدثاً جديداَ قد حصل، فبدّل النؤمن كله. وهذا الحدث هو يسوع المسيح.

 

 

الفصل السادس والثلاثون
خطبة أنطاكية بسيدية على ضوء الحدث يسوع
13: 22- 31
بعد هذا الاستشراف التاريخي، نصل إلى المضمون ونقرأه على ضوء الحدث الذي هو يسوع. ونفهم أن ما يعطي معنى لمختلف العناصر التي تؤلف مسيرة البرهان في الخطبة، هو حدث القيامة. وهذا الحدث قد أعلنه الخطيب المسيحي مرة أولى في آ 30- 31. غير أن الخطيب لا يكتفي بأن يؤكّد قيامة يسوع. فهو يحدّد موقعها في إطارها التاريخي. فيقدّمها على أنها آخر عمل في الحدث يسوع. وينظّم هذا التأكيد الصادم بالقيامة فيسبقه بعرض لأحداث سابقة تبرزه: يوحنا المعمدان هيّأ مجيء المسيح وأعلن أنه سيكون أعظم منه جداً (آ 24- 25). ويسوع كان ضحية حكم جائر فقتله اليهود في أورشليم (آ 27- 29). لنتوقف إذن عند هذه الآيات.
أ- الأحداث السابقة للقيامة (آ 24- 29)
إن آ 24- 25 و27- 29 هي توسّعات ثانوية في مسيرة الخطبة. فحلولها في المجموعة يكمن في أنها جزء لا يتجزأ من "إعلان الحدث"، في أنها محطة أساسية في عملية تأوين الكتب المقدسة، في خطبة من النوع التفسيري.
1- السابق (آ 24- 25)
تبدو هاتان الآيتان حول يوحنا بشكل معترضة في مسيرة الخطبة، وقد نلغيهما دون أن يتأثر البناء المنطقي والغراماطيقي للنص. فان آ 26 ترتبط مع آ 23 وتستعيد موضوعها الذي هو خلاص تحقّق في يسوع. إن هاتين الآيتين تبرزان المسافة في خبر الخلاص بين المعمدان ويسوع. وهذا ما يقودنا إلى تحديد موقع يسوع وعمله في موقع خارق وفريد.
أفهمنا الواعظ بوضوح أن يوحنا نفسه الذي دعا جميع شعب إسرائيل إلى معمودية التوبة (آ 24) لم يعتبر نفسه مسيحاً. قال: "ما أنا الذي تظنون أني هو" (أي: لست المسيح) (آ 25 أ). وأعلن يوحنا أنه ليس بأهل “لأن يحل رباط حذاء” ذاك الذي أرسل ليخبر به والذي يأتي بعده (آ 25 ب). 
وهذه المسافة بين يسوع ويوحنا ستظهر بوضوح أكثر حين نتوقّف عند الكلمات التي استعملها الواعظ. فقد شدّد على أن يسوع جاء "تاريخياً" بعد يوحنا. ولكننا لا نعتبره تلميذه. فإذ كان يوحنا "ينهي سعيه" (عمله) (آ 125) أعلن مجيء يسوع. وقدّمه للشعب كذاك الذي "يأتي بعدي". قالت لوقا "بعدي" ولم يقل "ورائي" كما يكون التلميذ وراء معلّمه (أوبيسومو. رج 1: 7؛ مت 3: 11؛ يو 1: 27، 30). هو "بعده" (ميتا مع المفعول به). نحن في المعنى الزمني، وهكذا لا يخضع الثاني للأول الذي سبقه. إذن ينتمي يسوع إلى حقبة جديدة من التاريخ. أما يوحنا فينتمي إلى زمن الوعد وهو آخر أنبيائه. ويكون دور يوحنا بأن يوجّه إسرائيل إلى شخص يسوع كموضع الخلاص الوحيد.
إذن، المقطع عن يوحنا في الخطبة والكلمات التي تنسب إليه، يشدّد بمهارة على أولوية يسوع وعلى تأثير مجيئه في تاريخ البشر (آ 26 ي).
2- حكم جائر بالموت (آ 27- 29)
ويدخلنا الواعظ حالاً في حدث يسوع (آ 26) فيقدّمه لنا على أنه "كلمة الخلاص". فالكلمة تعني أكثر من كلام نتلّفظ به. إنها عمل الله في تاريخ البشر. فالأحداث التي يحرّكها الله هي "كلمة" تتوجّه إلى البشر وتدعوهم إلى تقبّلها تقبلاً إيجابياً بالإيمان. أي نقول: نعم.
إذن، الحدث يسوع هو "كلمة الخلاص" المسيحي. والوقائع الرئيسية في هذا الخلاص هي الموت والقيامة. إنهما يشكّلان في كل الخطب الرسالية الموجّهة إلى اليهود، نواة الإعلان الكرازي. غير أن عرض موت يسوع يختلف اختلافاً ملحوظاً عن عرض قيامته: لا يشير الواعظ إلى مدلوله بالنسبة إلى الخلاص. وفي خطبة أنطاكية بشكل خاص (وفي سائر الخطب بدرجات متفاوتة)، اهتم الكاتب بأن يشدّد على الحكم الجائر الذي كان يسوع ضحيته في أورشليم. إن عرض موت يسوع بهذا الشكل له مدلوله في مسيرة الخطبة من الناحية التعليمية.
هنا نشير إلى أن النص "الغربي" يختلف بعض الشيء عن النص "المتداول". ولكن مهما يكن من أمر الاختلافات، فنحن قريبون جداً من إنجيل لوقا: تقديم موت يسوع كضرورة إلهية وسببية بشرية (يجب، لو 22: 37؛ 24: 26؛ 24: 44). ذكر الصعود إلى أورشليم ذكراً صريحاً (رج الصعود إلى أورشليم في لو 9: 51 ي)، دور أورشليم كمدينة الظهورات والموضع الذي "أتمّ" فيه المسيح مسيرته (لو 24). غير أن كل هذا يدخل في مسيرة الخطبة الرسالية ولها أهميتها على هذا المستوى. إن آ 27- 29 تبدو في إطار إعلان الحدث يسوع المسيح كآيات تهيئ خبر القيامة الذي هو قلب الخطبة؟ وهي تبدو تأكيداً واضحاً لواقع حدث يسوع. فسيقول الواعظ موضحاً: "أنزلوه عن الخشبة (الصليب) ووضعوه في القبر" (آ 29). هذا القول الواقعي مهم لأنه يساعدنا على فهم الإعلان الذي يليه: “الله أقامه من بين الأموات “ (آ 30).
إن الطريقة التي بها عُرضت آخر ساعات حياة يسوع في هذه الآيات، تدلّ على مرحلة ضرورية في برهان الرسول لكي يقنع سامعيه اليهود. فكأن آ 27- 29 هي جواب على اعتراض يقدّمه اليهود. "كيف يمكن يسوع الذي دين وحُكم عليه بطريقة مذلّة، كيف يمكن أن يكون المخلّص"؟
ويقدّم الخطيب على هذه الصعوبة جوابين. من جهة يؤكّد أن يهود أورشليمِ حين حكموا على يسوع، "أتموا أقوال الأنبياء التي تُتلى في كل سبت" (آ 27. وتستعيد آ 29 الفكرة عينها): فإرسال يسوع إلى الموت جزء من مخطّط الله، وقد أنبئ به أنباء سرياً بالنسبة إلى المسيح (رج 2: 32؛ 3: 18 على مستوى بطرس الذي واجه هو أيضاً هذه الصعوبة). ومن جهة ثانية، يسوع هو بريء. فأهل أورشليم حكموا عليه جوراً: "ما وجدوا فيه جرماً يستوجب به الموت" (آ 28). ينتج عن هذا أن متّهمي يسوع في "المحكمة" جهلوا (لم يعرفوا) يسوع (آ 27) ودوره في مخطّط الخلاص، لم يفقهوا بُعد ما عملوا. ومع ذلك، فهم مسئولون لأنهم أسلموه إلى بيلاطس بدون سبب (آ 28؛ رج 2: 23؛ 3: 13- 14؛ 4: 10؛ 5: 30؛ 10: 39). ولكن هذه النقطة الأخيرة قد جُعلت هنا كنتيجة. أمّا ما يبرزه الواعظ فهو براءة يسوع وعَرْض موته على أنه واقع أراده الله في مخطّطه. 
ويُطرح سؤال: أما أخطأ الخطيب؟ أما خاطر بأن يجعل سامعيه يبتعدون عنه؟ كلا. نحن نقرأ في آ 26: "يا إخوتي، إليكم (اختلافات: إلينا) أرسلت كلمة الخلاص". وفي آ 27: "أهل أورشليم ورؤساؤهم لم يعرفوا يسوع". إذن، هناك تمييز واضح بين السامعين الذين اليهم يتوجّه النداء الرسالي وأهل أورشليم المسئولين عن موت يسوع. وهذا التمييز واضح في كل خطب سفر الأعمال: لا اتهام لليهود بل سكان أورشليم وحدهم. فيهود الشتات (ومنهم سكان أنطاكية بسيدية) ليسوا موضوع اتهام.
ويستتبع ذلك ملاحظة تهمّنا لنفهم الطريقة التي بها أرسل الواعظ النداء المسيحي. بما أن يهود أنطاكية بسيدية لم يشاركوا شخصياً في المصير الذي حل بيسوع، فما عليهم أن "يتوبوا" (مثل أهل أورشليم)، بل أن "يؤمنوا" (آ 39). فهناك تقابلات في الخطب التي يوجّهها الرسل إلى اليهود: فكل مرة نجد نداء أخيراً إلى التوبة (ميتانويا، تبديل القلب)، تعلن خطيئة السامعين مسبقاً (رج الخطب في ف 2، 3، 5). وفي خطبتي قيصرية (ف 10) وأنطاكية (ف 13) يرد الاتهام العادي ضد يهود أورشليم. غير أن السامعين يدعون مباشرة إلى فعل إيمان يمنحهم "غفران الخطايا" (10: 43؛ 13: 38- 39). إذن هناك ثابتة واحدة في كل الخطب: حين نجيب بالتوبة أو بالإيمان ننال غفران الخطايا. وهكذا نكون في خط الأنبياء: نعرف خطيئتنا أمام الله وننتظر أن نتقّبل غفرانه.
كانت آ 27- 29 وقفة في تقديم البرهان لترد على اعتراضات المتسائلين: كيف يكون يسوع المخلّص؟
ب- القيامة
إن آ 30 تتضّمن أوّل إعلان لحدث القيامة في الخطبة: الله أقامه (أنهضه) من بين الأموات. وتوضح آ 31 تأكيد آ 30، فتقدّم الحدث من وجهة الخبرة التي اختبرها الشهود: "ظهر أياماً كثيرة". هناك كلمتان مهمتان: رُؤي أو تراءى، ثم شهود.
ونطرِح سؤالين. الأول، كيف يقبل الوسط اليهودي هذه العودة إلى القيامة في آ 30؟ الثاني، كيف يساعد عرض الحدث في آ 31 على تحديد نور القيامة تحديداً أفضل في برهان الخطبة؟
1- مدلول مفترض
ونبدأ بالجواب على السؤال الأول.
إذ أراد الواعظ أن يؤكد قيامة يسوع، استعمل تارة فعل "اغايرين" (آ 30- 37) وطورا فعل "انيستاناي" (آ 33- 34). يعني الأول أيقظ، أقام. والثاني: جعله يقوم. فرق بسيط. ولا أهمية له في خطبة أنطاكية. فالفاعلان يشيران إلى تصوّر مشترك: النهوض من الجلوس إلى الوقوف. والفعل الأول يعني أيضاً الاستيقاظ. فالرقاد يدل عند اليهود كما عند اليونانيين على الموت. وزاد بولس عبارة "من بين الأموات" فدلّ على القيامة. نحن هنا أمام ألفاظ يعرفها السامعون.
ولكن الواقع الذي تشير إليه هذه الصور هل تقبل به الديانة اليهودية؟ لقد استعمل العهد القديم صورتَي النهوض (هو 6: 2؛ حز 37: 10؛ 2 مك 7: 9- 14) والاستيقاظ (2 مل 4: 31؛ دا 12: 2) ليدلّ على القيامة (الصورتان معاً في أش 26: 14- 19، 51: 17؛ 52: 1- 2). غير أن صور القيامة قد تدلّ فقط على عودة إنسان مريض سقط في قبضة الموت أو شعب انحط إلى حالة مزرية فصار شبيهاً بالجثة. ولم تبرز فكرة القيامة الشخصية إلا في إطار اسكاتولوجي وبتأثير العالم الجلياني. وقد ارتبطت بتطوّر النظرة إلى المجازاة الفردية. أعلن سفر دانيال (12: 1- 2): "في ذلك اليوم... كثيرون من الراقدين في تراب الأرض يستيقظون، بعضهم لحياة أبدية وبعضهم للعار والرعب الأبدي". وسارت فكرة القيامة مسيرتها في أسفار الرؤيا المنحولة مثل 4 عز 7: 32 (تردّ القبور ما سلّم إليها) ورؤيا باروك السريانية (تردّ الأرض الموتى الذين تقبّلتهم، 2 با 50: 2- 3) وكتاب القديميات البيبلية (3: 10، أحيي الموتى وأنهض الراقدين من التراب).
ولكن من يقوم؟ تبقى الآثار الجليانية غامضة حول هذا الموضوع. قالت رؤيا باروك: الأبرار وحدهم يقومون. وعزرا الرابع: يقوم الأبرار والأشرار ليخضعوا للدينونة. يبدو أن هذه النظرة الثانية سيطرت في بداية المسيحية. امتدت القيامة إلى الأشرار وانفصلت عن الدينونة والخلاص اللذين يتبعانها، فظلّت حيادية ولبثت على مستوى الجسد. فإذا كان الأمر هكذا، نستطيع القول إن عقلية العالم اليهودي ظلّت بعيدة عن نظرة صارت فيها قيامة المسيح الحدث المحوري في الخلاص. فالشعب لم يرَ أبداً في الاسكاتولوجيا الدينية قيامة المسيح الشخصية. إذن، الألفاظ موجودة، ولكن واقع قيامة المسيح ظل غريبا عن رجاء العالم اليهودي.
والآن، كيف بدا إعلان التعليم المسيحي في فم الواعظ؟ إنه يستطيع أن يحسب حساباً لأمر مهتم، وهو أن فكرة قيامة الموتى التي ارتبطت بالتيارات الجليانية، قد انتشرت انتشاراً واسعاً في الأوساط اليهودية. رفضها التيّار الصادوقي، ولكنّها وجدت محبّذين أقوياء لدى الفرّيسيين. وهكذا نستطيع أن نعتبرها مقبولة قبولاً واسعاً في الأدب الديني وفي الأوساط الشعبية في القرن الأول المسيحي. هنا نفهم الكلام الذي جعله صاحب الأعمال في فم بولس: "أنا فرّيسي ابن فرّيسي، وأنا أحاكم الآن لأني أرجو قيامة الموتى" (23: 6). وسيوضح بولس في خطبة أخرى أن اليهود الذين يتّهمونه يشاركونه في رجاء القيامة هذا (24: 15).
وإذ أراد مؤلِّف الأعمال أن يعلن قيامة يسوع المسيح، وهي حقيقة تأباها آذان يهودية، عالج الموضوع في نقطتين: أولا، قدّم القيامة على أنها الحدث الذي يجعل القيامة الاسكاتولوجية ممكنة، ويدشّن هذه القيامة (يعلن المرسلون في يسوع قيامة الموتى، 4: 2؛ رج 26: 32). ثانياً، قدّم قيامة الموتى على أنها انتظار أساسي في الرجاء اليهودي الديني (23: 6؛ 24: 14- 15، 21؛ 26: 6- 8). والخطب الثلاث التي يُلقيها بولس ليدافع فيها عن تعليمه الرسالي في ف 23 و24 و26 تشدّد على هذا الأمر. والخطبة الأخيرة توضح بصورة خاصة هذا الدفاع في زمنين. "الآن أنا أحاكم لأني أرجو ما وعد الله به آباءنا... لماذا لا تصدّقون أن الله يقيم الأموات" (26: 6- 8)؟ ويختتم بولس خطبته بشهادة من أجل المسيح الذين كان "أول من قام من بين الأموات" (26: 23). بما أن قيامة الموتى هي جوهر الديانة اليهودية، وبما أن قيامة يسوع هي الباكورة، فينتج عن ذلك أن الديانة المسيحية هي التفتح الطبيعي والكامل للديانة اليهودية. فاليهود الذين يرفضون هذه الديانة ينكرون ديانتهم الخاصة ويشوّهون علاقتهم بإله آبائهم.
على هذا البرهان كخلفيّة، تحدّد موقع الإعلانات المجتزأة عن قيامة يسوع في خطب الرسل. فعَرْض الحدث بطريقة تعليمية ولاهوتية، يربط قيامة يسوع بقيامة البشر ويجعلها في امتداد الرجاء اليهودي. وهذا ما يجعل الدرب مفتوحة أمام العالم اليهودي لكي يتقبّلها. ولكن بعد أن فُتحت هذه الدرب، ظل إدراك الواقع المسيحي للقيامة بعيداً. لأنه إن كانت القيامة كنهوض للبشر (مع المسيح على رأسهم) تتجذّر في انتظار العالم اليهودي، إلا أن القيامة كالحدث الخلاصي الأسمى تتجاوز كل انتظار، وتتجاوز تخيّل الناس.
والحال أن الكرازة الرسولية تتحدّث عن هذه القيامة. وهي تقدّمها على أنها عمل الله (آ 30) في خط أكبر أحداث الخلاص في التاريخ الماضي (آ 17- 22). ثم تُعلن كتتمة للوعد المسيحياني الداودي (آ 32). ويُصاغ مدلولها الخلاصي بواسطة نصوص من الكتب المقدسة (آ 33- 39). هذا هو الجديد الجذري في إعلان الرسول: قيامة المسيح هي حدث خلاص، وليست مجرّد مقدّمة للخلاص. وتقبّل القيامة كواقع يحمل مدلولاً أساسياً من أجل البشر. وبما أن القيامة تعطي معنى للمصير البشري، فهي نور وهي محور ساطع يُشرف على تفسير جديد للوعد الداودي. وستساعدنا آ 31 التي تتحدّث عن رؤية يسوع القائم من الموت "بأعين" الشهود، على الإحاطة بعض الشيء بلمعان هذا النور.
2- نور القيامة
ونصل إلى جوابنا على السؤال الثاني. فالآية 31 التي تلي إعلان قيامة يسوع تقرأ على الشكل التالي: "تراءى أياماً عديدة للذين صعدوا معه من الجليل إلى أورشليم، الذين هم الآن شهوده أمام الشعب". فالخبرة التي عاشها تلاميذ يسوع القائم من الموت، تبدو كأنها رؤية تكوّن التلاميذ كشهود.
أولاً: الرؤية
لا نجد موضوع الرؤية إلا في هذا المقطع وفي خطبة بطرس في قيصرية (أعطاه أن يتراءى، 10: 40) مع تلميح غير مباشر في 4: 20 (لا نستطيع أن نسكت عمّا رأينا). ومع ذلك فهو موضوع يتوسّع فيه لوقا في إنجيله (24: 16، 31، 34، 39). فإذ أراد لوقا أن يتحدّث عن قيامة يسوع وظهوره الأول لبطرس، استعمل الأفعال التي استعملها في 13: 30- 31: "أقامه (أنهضه) الله فتراءى لسمعان" (لو 24: 34).
في التقليد المسيحي الأول استُعمل فعل "تراءى" ليدلّ على ظهورات المسيح. في 1 كور 15: 5- 8 (4 مرات)؟ 1 تم 3: 16. واستعملته السبعينية لتدلك على ظهور الله للبشر (تك 12: 7). وهكذا يشدّد النص على مبادرة القائم من الموت: فيسوع الممجّد هو مسبّب الرؤية (يجعلهم يرونه). إنه يفرض حضوره على الذين اختارهم ليكونوا شهوده.
بما أن النص يعبرّ عن ظهورات المسيح بلغة العهد القديم في الحدث عن التيوفانيات، ينتج عن هذا أنها تتجاوز الخبرة الملموسة. لهذا قال بولس إن المسيح الممجّد "تراءى للملائكة" (1 تم 3: 16). حينئذ نستخلص أن النور الذي شعّ من حدث القيامة ليست فقط نور الجسد ونور العقل مع أن الرسل أدركوه وشهدوا له.
ثانياً: الشهادة
أن يكون التلاميذ قد "رأوا" القائم من الموت، هذا أمر لا نفصله عن صفتهم كشهود. فاللفظتان ارتبطتا في ف 10 كما في ف 13. نقرأ في 10: 40- 41: "أعطاه الله أن يظهر (يدلّ على حضوره)، لا للشعب كلّه، بل للشهود الذين اختارهم الله من قبل". إن ذكر الشهود (عكس ذكر الظهورات) حاضر في كل الخطب الرسالية في أعمال الرسل (2: 32؛ 3: 15؛ 31- 32؛ 10: 41؛ 13: 31). إذن، هو جزء لا يتجزّأ من بنية الكرازة الرسولية. فإن أريد إقناع السامعين اليهود بأن يتعلّقوا بيسوع المسيح، فشهادة الذين رأوا القائم من الموت، هي ضرورية ضرورة الكتب المقدسة. فشكلا الشهادة موجودان في قلب كل خطبة، وهما يُلقيان ضوءاً متكاملاً على حدث قيامة يسوع.
إنطلق الشرّاح من الخطب الرسولية كما من مقاطع أخرى (مثلاً، اختيار متيا، 1: 21 ي) ليحدّدوا مدلول الشاهد في أعمال الرسل. أما السمات الرئيسية فهي: أن يكون اختبر اللقاء معه بعد قيامته (2: 32؛ 3: 15؛ 5: 32؛ 10: 39، 41؛ 13 : 31) أن يكون الله اختاره لهذه المهمّة، مهمّة الشهادة (1: 24؛ 10: 41). أن يشهد متضامناً مع آخرين عاشوا الخبرة عينها وقاسموه المهمة عينها (2: 32؛ 3: 15؛ 5: 32؛ 10: 39، 41؛ 13: 31). وهكذا يُحفظ لقب الشهود عادة للاثني عشر الذين تنظموا في حلقة ساعة الظهور الرسمي الذي فيه تقبّلوا رسالتهم من الرب (لو 24: 48).
الشاهد الرسولي هو الذي يؤكد للآخرين واقع القيامة انطلاقاً من الخبرة التي عاشها. فهم لا يدركون إدراكاً مباشراً واقع القيامة، بل يقين الرسول الذي يشهد لهذا الواقع. لسنا هنا أمام برهان عقلي، بل أمام عودة إلى شهادة تنطلق من الحدث. وإن شهد التلاميذ للحدث، فلكي يعلنوا مدلوله في التاريخ البشري. والحال أن واقع القيامة ومدلوله لا يُدركان، ولا نستطيع أن نشهد لهما بالعقل من دون نور الإيمان.
أجل، إن شهادة القيامة تدلّ على واقع الحدث كما تدلّ على مدلوله. ففي خطبة أنطاكية، ينتقل الواعظ من إعلان القيامة كواقع (آ 30) إلى إعلان القيامة كمدلول خلاص للبشر 
(آ 31). فشهادة القيامة لا تكمن في أن ننقل معلومة حيادية حول حدث تاريخي. إنها اعتراف وبالتالي تفسير لهذا الحدث على أنه الحدث الخلاصي الأسمى. وهذا الاعتراف الذي يفترض هذا التفسير للقيامة، لا يمكن أن يكون إلا عمل الإيمان.
إذن، لشهادة قيامة يسوع وضع فريد، لأن الشهادة على الحدث لا تنفصل عن تفسيره تفسيراً إيمانياً. فهو يرتبط بالإيمان كما يرتبط بالعقل. فالإيمان الذي يُدرك ويفسّر مهمّ أهمية الملاحظة والخبرة. الإيمان وحده حاسم. وسامعو الكرازة يتقبّلون حدث القيامة مستندين إلى إيمان شهود يسوع.

 

 

الفصل السابع والثلاثون
خطبة أنطاكية بسيدية على ضوء الكتب المقدسة
13: 32- 37
يتمّ التفسير المدراشي الجديد للكتاب المقدس بأن نُسقط على النص ضوءين: الأول ضوء الحدث التاريخي، وهو يسوع المسيح. هذا ما تحدّثنا عنه في فصل سابق. يبقى الضوء الثاني الذي نعالجه في هذا الفصل: ضوء الكتب المقدّسة.
فبعد أن قدّم الواعظ خبر الأحداث المعاصرة المتعلّقة بيسوع وموته وقيامته (آ 26- 31)، تابع: "ونحن أيضاً نعلن لكم هذه البشرى: فالوعد الذي صنعه الله لآبائنا قد تمّ لنا حقاً، نحن أبناءهم، حين أقام يسوع (من بين الأموات) كما كُتب" (آ 32- 33 أ). فالتأكيد الذي يفتتح المقطع (آ 32- 33) يعني إذن تحقيق الوعد الداودي في حديث قيامة يسوع "كما كتب". ومقاطع الكتاب الثلاثة الواردة فيما بعد (مز 2: 7؛ أش 55 : 23؛ مز 16: 10)، وإن قدّمت على أنها شهادة للقيامة، إلا أن تتوخّى أن ترينا أن الوعد قد تحقق الآن. هي تشهد لحدث القيامة وتلقي على نص 2 صم 7 ضوءاً جديداً يتيح لنا أن ندرك فيه مدلولاً ظلّ خفياً حتى الآن.
هذا المقطع المركزي في الخطبة (آ 32- 37) يبدو بشكل برهان كتابي على القيامة التي تتسجّل بصورة أعمق في مسيرة البرهان بأن الوعد الداودي قد تمّ في يسوع الذي قام من بين الأموات.
أ- مز 2: 7 (آ 33): أنت ابني، أنا اليوم ولدتك
نتوقف أولاً عند المضمون الذي اتخذه هذا النص في التقليد اليهودي الديني، ثم نتساءل عمّا حمل من غنى في خط معنى الخطبة.
1- مضمون النص
يرد مز 2: 7 ب (أنت ابني، أنا اليوم ولدتك) في آ 33 من خطبة أنطاكية ليشهد على قيامة يسوع، وعبرها على الوعد المسيحاني في 2 صم 7. وبصورة أدق، إن التلميح اللفظي (هويوس، الابن) في 2 صم 7: 14 يشهد على أن واعظ سفر الأعمال يفكّر بالوعد بصورة خاصة: "أكون له أباً ويكون لي ابناً" (2 صم 7: 14). فوظيفة مز 2: 7 في الخطبة هي أن تساعدنا على فهم شيء مهم وهو: إن قيامة يسوع تحُقق تحقيقاً كاملاً بُعد الوعد هذا الذي هو إعلان أعطاه الرب بأن يجعل من المسيح ابنه. وهكذا سنتساءل عن الرباط بين هذا المزمور ونص الوعد الداودي.
المزمور الثاني هو مزمور ملوكي. والمرتّل الذي ألفه انطلق من طقس حول ملك هو ابن الإله المحلي، فقدّم صورة مثالية ونبوية لممسوح يهوه. أو هو أراد فقط أن يتذكر ملكاً تاريخيا. مهما يكن من أمر، فما هو أكيد هو أن هذا المزمور استعمل في ليتورجيا تتعلق بتتويج الملك (يُعلن السلطان الذي ناله الملك، في المعبد). من هنا يبرز مدلولا آ 7- 8 بشكل عام. فالآية 7 تدل على أن ابن داود، يوم تنصيبه ملكاً، يدخل في علاقة خاصة مع الله، أي إن الله "يلده" كما لو كان ابنه. وتُعطى متضمّنات بنوة الملك الإلهية هذه في آ 8: "سلني فأعطيك الأمم ميراثاً وأقاصي الأرض ملكاً لك". إذن، ينال الملك في يوم تنصيبه السلطان أن يحكم لحساب الرب. وهذه القدرة بأن يقود الأمم كوكيل لله، هي علاقة البنوّة التي يدخل فيها الملك. إذن، لا نستطيع أن نفصل مدلول آ 7 عن مدلول آ 8. هما تتكاملان فتدلاّن لا على الوجود فقط، بل على الفعل أيضاً. الملك هو ابن الله، وله القدرة أن يفعل بحسب هذا السلطان.
ونلاحظ في نص 2 صم 7 توالي الأفكار عينها: وعد البنوّة يُعطى للملك الداودي (آ 14). ثم تأكيدات الله بأنه لن يسحب رضاه عنه، بأن ملكه سيثبت إلى الأبد (آ 15- 16). إذن، انضمّت فكرة البنوّة إلى فكرة القدرة الخارقة بأن يملك بنعمة الله (وبالتالي باسمه). ومز 89 الذي هو استعادة لبنوّة 2 صم 7، يعبّر في آيتين متعاقبتين عن العلاقة الضمنية عينها بين نداء الملك إلى بنوّة فريدة وتقبّل قدرة خارقة على كل الذين يحيطون به: "يدعوني: أنت أبي، إلهي وخالقي ومخلّصي. وهكذا أجعله البكر والعليّ بين ملوك الأرض" (آ 27- 28). إذن، نحن هنا أيضاً أمام تأوين للوعد الداودي بالنسبة إلى سامع يهودي في القرن الأول المسيحي.
إن مز 2: 7 هو قريب من 2 صم 7: 14، ولكنه لا يكتفي بأن يردّده، بل هو يتجاوزه تجاوزاً بعيداً. وسيأتي التقليد (ترجوم 2 صم 7: 14) ويخفف من قوة الوعد بالبنوة كما في قولة ناتان: "سأكون له مثل أب، وسيكون لي مثل ابن". أما قرار مز 2: 7 فواضح وقاطع: يؤكد الله أنه لن يتصّرف فقط كأب تجاه الملك. بل إنه "ولده"، جعله ابنه، تبنّاه. وهكذا تلقي هذه الآية في المزمور الثاني ضوءاً على الخطبة المدراشية، فتُبرز مدلولاً أعمق لنص الوعد في 2 صم 7: 14.
والتقليد اليهودي اللاحق سيفسّر تفسيراً مسيحانياً مز 2 كما فسّر 2 صم 7. فالمزمور السابع عشر من مزامير سليمان الذي دوّن في القرن الأول ق. م. والذي يفسّر 2 صم 7 تفسيراً مسيحانياً، يستعمل ذات الكلمات الواردة في مز 2: 9 ليصوّر النشاط المقبل للملك المسيحاني. وسيطبّق الأدب الراباني في المعنى عينه المزمور الثاني على المسيح الآتي. من الواضح أن مز 2 قُرئ في إطار انتظار مسيحاني فتكيّف معه كل التكيف واتخذ فيه مدلولاً أعمق: فقرار آ 7- 9 يدلّ على المثال النبوي، وينطبق بصورة خاصة على الملك المسيح الأسكاتولوجي.
إذا وضعنا بعض النصوص جانباً، نستغرب أن لا تكون آ 7 واردة في النصوص الرابانية ومطبقة على المسيح. فهم يفضلّون آ 8- 9 اللتين تتحدّثان عن سلطان وقوة الملك، عن عمله في تحطيم الأعداء المذكورين مع المسيح. لهذا أعلن بعض الشرّاح بأننا لا نستطيع أن نؤكّد أن مز 2: 7 طبّق على المسيح في زمن العهد الجديد. وقال آخرون: طُبّقت عبارة ابن الله على الملائكة وإسرائيل والملك، ولكننا لا نجد نصاً أكيداً يشهد أن المسيح سُمّي "ابن الله" في العالم اليهودي السابق لعهد الرسل. وهكذا نفهم الطريق الجديدة التي فتحها الرسول. كما يبدو أن وعد مز 2: 7 طبِّق على الحياة الدائمة وبالتالي على القيامة.
2- مدلول النص في التعليم المسيحي
أولاً: البرهان
وهكذا استطاع الواعظ المسيحي أن ينطلق من واقع، وهو أن مز 2 ارتدى مدلولاً مسيحانياً في نظر معاصريه، وأن آ 7- 8 كانتا موفقتين لتوضيح الوعد الداودي في 2 صم 7 ولإبراز المتضمّنات الخفية. واستطاع أن يفترض أيضاً أن عودة إلى قرار الرب "أنت ابني" (مز 2: 7) تدلّ في وسط يهودي على القدرة الخارقة الممنوحة للمسيح، وهي قدرة ارتبطت ارتباطاً حميماً بالوعد بالبنوّة. فهل نستطيع انطلاقا من هذه الفرضيات أن نحدّد دور استشهاد مز 2: 7 في البرهان الذي تقدمه العظة من أجل إيصال المعنى المسيحي، من أجل الكلام عن قيامة؟
لا بدّ من إيضاح البرهان الذي تتضمنه آ 33 على الشكل التالي.
* حسب أسلوب مدراشي، لا يورد الواعظ من مز 2 إلا الآية التي تساعده على ربط اللفظة بنص 2 صم 7. وهكذا دلّ على أنه يريد أن يقرّب بين النصين الكتابيين. ودلّ أيضاً على أن السياق يهمّه من أجل التقارب اللفظي. وهذا واضح بالنسبة إلى المقطع الذي يلي مباشرة الآية الواردة من مز 2، لأنه ضروري لفهم هذه الآية فهماً كاملا: "اطلبْ فأعطيك الأمم ميراثاً وأقاصي الأرض ملكاً" (آ 8). وإن النسخة الغربية لسفر الأعمال تورد آ 8 أيضاً على إثر آ 7، فتدلّ على طريقة قديمة في فهم الاستشهاد الذي نجده في أع 13: 33.
* فُهِمَ مز 2: 7- 8 وفُسّر في العالم اليهودي على أنه يعلن مجيء المسيح بقوة. فحين يسمع مؤمن يهودي من القرن الأول ب. م القرار عن البنوّة (آ 7)، فهو يفكر في السلطان الموعود به للمسيح. ولفظة "ابن" تعني "ابن مع قدرة" أي ملك للمسيح في المجد. وهو يرى أن مجيء المسيح الممجَّد يقدر وحده أن يحقّق وعد مز 2: 7 و2 صم 7: 14. ونحن هنا أما تولية ملوكية خاصة. وإدخال الملك في بنوّة يهوه، يعني أن ننسب له مجدا وقدرة مسيحانية تتجاوزان ما لكل ملوك الأرض.
*استطاع الواعظ المسيحي أن يقرّب مز 2: 7 من حدث القيامة الذي يحقّق وعد المزمور بأبعد مما يتصوّره إنسان. فإن واجهنا هذا الحدث مع المزمور رأينا أنه يكشف كل الكشف عن حقيقته: حدث مجيد، مجيء المسيح في المجد. وهكذا يدل حدث القيامة على حقيقة إعلان مز 2: 7، كما أن مز 2: 7 يلقي بضوئه على بُعد هذا الحدث. وبعبارة أخرى، يلعب الاستشهاد في مز 2: 7 دورين.
- الدور الأول. إنه يشهد لحدث القيامة (وبالتالي لكيان يسوع المسيحاني) أمام اليهود. لأن القيامة هي حدث مجيد يتجاوب تجاوباً كلياً مع إعلان مز 2: 7. ولكن لا بدّ من فهم طبيعة هذه الشهادة من النمط المدراشي: هذا يعني أن التحقق يتجاوز فهم النص الكتابي كما كان لدى الناس. فحين كشف الحدث عن المدلول الخفي للكتب المقدسة، أعطاها أن تشهد له الشهادة الكاملة.
- الدور الثاني. إنه يلقي ضوءاً على حدث القيامة. ففي نظر المسيحيين أنفسهم (لا في نظر اليهود وحدهم)، يرينا النص الكتابي أن قيامة يسوع هي تمجيد. ففي القيامة يصبح المسيح "ابن الله بالقدرة" (روم 1: 4) وينال لقبا مجيداً، لقب "الرب" (أع 2: 36).
تحدّثنا عن ضوء الكتب المقدسة على الحدث. فلا بدّ من الحديث عن الضوء الذي يلقيه الحدث على الكتب المقدسة. نحن أمام إضاءة متبادلة لا تكوّن مسألة صعبة للمعتادين على الأسلوب المدراشي.
ثانياً: نصوص موازية
يتخذ مز 2: 7 في إطار خطبة مسيحية في أنطاكية مدلولاً خاصاً: إنه يعلن يسوع أنه "ابن بالقدرة" أي مسيح نال في حدث القيامة السلطان على الكون كله. وهكذا تشتمل هذه الآية المزمورية تأكيداً متضمناً بأن قيامة يسوع مرتبطة ارتباطاً حميماً بارتفاعه وتمجيده.
فبرهان الخطبة الرسالية كما أوضحناه، يفترض فهماً للبنوّة يتضمّن قدرة الابن وسيادته. إذن كان من الأهمية بمكان أن يتثبّت مدلول مز 2: 7 بأكثر ما يكون من المتانة.
لهذا، فنظرة إلى النصوص الموازية تساعدنا على ذلك. وهي مهمة من أجل المدلول المسيحي الذي يعطيه لهذا النص مُرسَلٌ يعلِن الإيمان الجديد. إن خطبة بطرس الأولى وخطبة بولس في أنطاكية بسيدية تقدّمان بالشكل عينه البرهان الكتابي القائل بأن يسوع القائم من الموت هو حقاً المسيح الداودي الموعود به. ولكن بولس يستند أيضاً إلى مز 16. أما بطرس فيعود إلى مز 110: 1: "قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أجعل أعداءك موطئاً لقدميك“. يؤكّد هذا الإيراد على سيادة يسوع على الكون. حين أقام الله يسوع "جعله رباً ومسيحاً" (2: 36). وفي المعنى عينه، "ولد" الله يسوع في القيامة فجعله "ابنه" ومنحه القدرة (13: 33). نحن في هاتين الخطبتين أمام كرستولوجيا فصحية في جوهرها، ومضمون البرهان والتعليم هو هو. ولكن توضح في خطبة بطرس (2: 33) مضمون "التجديد"، فكان نقطة انطلاق لبرهان عن القيامة (آ 33- 35). أما في خطبة بولس، فظل المضمون متضمناً، ولكنه كان ضرورياً لفهم البرهان الكتابي.
نشير هنا إلى أن لو 3: 22 ب يورد أيضاً مز 2: 7 (في مخطوطات كبرى): "أنت أبني، أنا اليوم ولدتك". كما نقرأ في لو 1: 32- 33 عن يسوع ابن الله في ارتباطه بالوعد الداودي في 2 صم 7. وترد الآية المزمورية أيضا في عب 1: 5؛ 5: 5 (سلطان دائم) وفي روم 1: 3- 4.
نستطيع القول إن مز 2: 7 (إعلان بنوّة المسيح) قد فهمه الكتّاب المسيحيون عن بنوّة يسوع بالقدرة، وطبقوّه على ارتفاع المسيح الممجَّد كنتيجة لقيامته. هذا المدلول قديم جداً في الوعي المسيحي. ولهذا لا نتعجّب إن عاد إليه الواعظ في تقديم برهانه في وسط يهودي، على أنه شهادة كتابية رفيعة لقيامة يسوع ومسيحانيته.
ب- مز 16: 10: لن تترك قدوسك ينال منه الفساد
إن الشهادة الكتابية الثانية التي يقدّمها صاحب الخطبة في برهانه على قيامة يسوع، هي مز 16: 10: "لن تترك قدوسك ينال منه (يعرف) الفساد". وتسبق هذه الآية آيةٌ أخرى مأخوذة من أش 55: 3 : "سأعطيكم الأمور (البركات) المقدسة الأكيدة (التي وعدت بها) داود". هاتان الآيتان هما شاهدان عن الله الذي أقام يسوع من بين الأموات (آ 34 أ). ولكن من الواضح أن مز 16: 10 هو المرجع الرئيسي، وأن عليه يرتكز البرهان. 
يُعرَض إعلان القيامة في آ 34 في عبارة تتفوّق صياغة عمّا في آ 33 التي ذكرت مز 2: 7: "أن يكون الله أقامه من بين الأموات دون رجوع ممكن إلى الفساد، فهذا وارد في قوله". ويتحدّث مز 16: 10 نحن "عدم الفساد". فبعد أن أورد الكاتب نص المزمور، لاحظ أن داود "عرف الفساد" (آ 36). أما "الذي أقامه الله، فما عرف (نال منه) الفساد" (آ 37). إن كلمة "ديافتورا" (فساد- تفكك) التي تعود في هذه الآيات الأربع هي الكلمة الأساسية في كل هذا المقطع. والمقطع هو برهان مدراشي (درس وتعليق على نص كتابي) على مز 16: 10.
يرد مز 16 في خطبة بطرس الأولى (2: 24- 31) ويرد في خطبة بولس كتبرير كتابي لقيامة يسوع على أنها لا عودة إلى الفساد (آ 34). يموت الإنسان فيعود إلى التراب (تك 3: 19). يتفكّك ويعرف الفساد. مرّ يسوع في الموت، فسقط في قبضة قوى التدمير، ولكن الله لم يسمح لهذه القوى بأن تعمل عملها. لقد حرّر الله يسوع تحريراً نهائياً من قدرة التفكيك التي يتمتع بها الموت. حرّره من الموت نفسه. وبكلمات مماثلة: "أقامه من بين الأموات" (آ 34).
إذن، استُعمِل مز 16: 10 ليدّل على القيامة التي هي تحرّر من قوى الموت التي خضع لها يسوع أولاً. ما معنى هذه الآية في العالم اليهودي الديني، وإلى أي شيء استند الواعظ المسيحي في برهانه لكي يقدّم لسامعيه مدلولاً جديداً؟
1- في العالم اليهودي
يبدو مز 16 مزمور ثقة بالله في وقت المرض. إن المرتل متأكد أن مخاوفه من الموت لن تتحقّق. ويعبرّ عن يقينه في آ 9 ب- 10: "جسدي سيرتاح في الرجاء بأنك لا تترك حياتي في الشيول (عالم الموتى)، ولا تدع تقيّك يرى الهاوية". لا تعبر هذه الآية في الأصل العبري عن رجاء بأننا لا نموت. كما لا تدل على يقين بأننا سنقوم من الموت. إنها تعكس فقط أمل المرنم بأن لا يرى الموت المبكر، وبأن ينال من الله سنوات عديدة يعيش فيها على الأرض. غير أن هذا المزمور يسمح بتوسّع في خط رجاء حياة تدوم. لقد اختار المرنم الرب. وواقعية إيمانه ومتطلّبات الحياة الروحية تتضمّن حياة حميمة لا انفصال فيها عنه. إذن، عليه أن يفلت من الموت الذي يفصله عن ربه. هذا ما يطلبه.
إن برهان الخطبة الرسولية (ف 2 و13) يستند إلى الترجمة اليونانية. "رأى الهاوية" صار "رأى الفساد". وهذه الترجمة السبعينية هي بالأحرى تفسير للمزمور. فموضوع الأمل ليس بأن لا نموت قريباً، بل بأن ننجو من الفساد التابع للموت. وهذا الأمل بعدم الفساد بعد الموت (عبارة غامضة) يهيئ الطريق لإعلان القيامة من عالم الموتى.
تحدّث تلمود بابل عن سبعة أشخاص لم يعرفوا الفساد: إبراهيم، إسحق، يعقوب، موسى، هارون، مريم، بنيامين. ثم زاد: داود. وهنا يرد مز 16: 10 في نسخته العبرية. ونتساءل: إذا كان داود عرف عدم الفساد، كما يقول التقليد اليهودي، فهل اتخذ مز 16 منحى مسيحياً؟ تعود الكتابات الرابانية إلى آ 2، 5، 11 وتقرأها في إطار اسكاتولوجي. ولكن آ 10 لا ترد في الأدب اليهودي، ولا تطبَّق على المسيح. والسؤال المطروح حول عدم فساد داود، لم ينتقل إلى شخص المسيح الذي هو داود الجديد الآتي.
2- مدلول المزمور في التعليم المسيحي
يستند الواعظ المسيحي إلى مز 16: 10 ليبيّن أن يسوع نجا من الفساد المرتبط بالموت، وهذا ما دلت عليه قيامته، وهو حقاً المسيح المنتظر. وهذا المدلول المعطى لهذه الآية (وعد باللافساد للمسيح) هو جديد في الوسط اليهودي، وإن وُجد بعض انتظار في التقليد اليهودي. تحدّثنا عن "عدم فساد داود" كما في التلمود، وقد عرفته الكنيسة الأولى واستفاد منه بطرس (ف 2) وبولس (ف 13).
رسمة البرهان بسيطة في الخطبتين. ينطلق الخطيب من فكرة تقول بأن آ 10 تحمل وعداً بعدم الفساد بعد الموت. هل يعني هذا الوعد داود صاحب المزامير؟ الجواب هو كلا. فداود "مات ودُفن" وما زال الناس يكرّمون مدفنه في أورشليم (2: 29). عرف مصير جميع البشر، "عرف الفساد" (13: 36). ولكن أتكشِفُ لنا هذه الآية أن هذا الوعد تم في يسوع، كما يدلّ على ذلك حدث القيامة؟ هذا يعني أن يسوع بعد أن عرف الموت "ووُضع في قبر" (13: 29)، لم يعرف الفساد (13: 37). إذن، نستطيع أن نستنتج أن المزمور "أعلن مسبقاً قيامة المسيح" (2: 31)، وأن يسوع هو "المسيح" (2: 36).
نجد هذا البرهان في خطوطه الرئيسية عند بطرس وعند بولس، وإن كانت خطبة بطرس أكثر وضوحاً وأكثر اتساعاً من خطبة بولس. ما نكتشفه للوهلة الأولى هو مدلول جديد لنص مز 16: 10. فعبارة: "لا تترك قدوسك يعرف الفساد" صارت، "سيقيم المسيح الآتي، ابن داود". بل نحن أمام مفهوم جديد للوعد الداودي الذي اتخذ شكله النهائي شيئاً فشيئاً: فالإعلان النبوي "أقيم لك نسلاً إلى الأبد" (2 صم 7: 12)، الذي طبّقه التقليد على المسيح، يقال الآن في تعابير غنية جداً: "أقيم المسيح ابن داود من بين الأموات". فنبوءات الكتاب المقدس تلتقي في مدلولها العميق، في مدلولها المسيحاني في شخص يسوع الناصري.
قرأ التقليد اليهودي مز 16: 10 فشدّد على اللافساد لا على القيامة. فالمدلول الجديد المعطى لهذه الآية (قيامة المسيح، 2: 31؛ 13: 34) ليس مجرد نتيجة برهان دقيق ينطلق من نصوص كتابية تلتقي بعضها ببعض. فإن كانت الاستشهادات الكتابية تتكامل لتوجّه أنظارنا باتجاه قيامة المسيح فهي لا تكفي لتخرج هذا المدلول الجديد بمجرّد تصادمها بعضها ببعض. فما يشرف على التفسير النهائي للمزمور 16 هو مواجهة مع حدث الفصح الذي يلقي بنوره على النص ويبرزه إبرازاً جديداً يتجاوز النية الأولى للذي قاله وللذين فسرّوه فيما بعد.
هنا نقول ما قلناه عن مز 2: 7 وأع 13: 33: الحدث يضيء على النص الكتابي، والنص الكتابي يضيء على الحدث. الحدث يكشف المدلول الخفي للنص الكتابي: فواقع قيامة يسوع من بين الأموات، وهو واقع يشهد له الرسل (13: 30- 31)، يرينا أن وعد مز 16: 10 لا يشير فقط إلى لا فساد داود عبر الموت، بل هو إعلان خفي لقيامة المسيح الذي هو ابن داود الآتي.
ولكن نص المزمور يشهد بدوره لقيامة يسوع ويلقي بضوئه على بُعدها. فالمزمور تنبّأ عن لا فساد لم يتحقق في شخص داود. ولكنه سيجد تتمَّته في داود الجديد. فحدث قيامة يسوع يتجاوب بصورة سامية مع إعلان المزمور، وإليه يشير الكتاب المقدس بصورة خفية. وإذ يشهد المقطع الكتابي للحدث، فهو يدلّ على أن لقيامة يسوع بعداً واقعياً ننظر إليه على أنه "لا عودة إلى الفساد" (13: 34).
وهكذا، فالمدلول الجديد والثاني لنص الكتاب لا يلغي مدلوله الأول، بل يتعاطف معه ليقوده إلى تجاوز نفسه.
ج- أش 55: 3 (آ 34): "سأعطيكم البركات المقدسة الأكيدة التي وعدت بها داود".
يبقى أن نتوقف عند أش 55: 3 الذي دخل في البرهان حول عدم الفساد. بعضهم يرى أن نص أشعيا هو برهان كتابي عن القيامة، شأنه شأن مز 16: 10. وآخرون، وهم الأكثرية، يفسّرون نص أشعيا كبرهان عن القيامة على ضوء مز 16 الذي يليه. أما نحن فنرى في المزمور البرهان الرئيسي. والعودة إلى أشعيا هي رفد ثانوي يكمّل المزمور. يبقى أن نفسّر نص أشعيا.
1- المبادئ الأساسية
كيف تفسَّر النصوص الأساسية في العهد القديم؟ توضَع في إطار إجمالي ولا يُنظر إليها كجُمل منعزلة. فالتلميح إلى المقطع الأساسي في 2 صم 7، يتحدّد موقعه في إطار النبوءة، بل في إطار تفسيراتها المتعاقبة في التقليد اليهودي. فالبرهانان الكتابيان الكبيران اللذان استعملهما الخطيب ليحفل النص الأساسي مدلولاً جديداً (قيامة المسيح الداودي)، يجب أن نفهمهما في علاقة وثيقة مع الإطار المباشر للآيات الواردة (آ 8 من أجل آ 7 في مز 2؛ آ 8- 11 من أجل آ 10 في مز 16). فماذا نقول الآن عن النص الكتابي الأخير (أش 55: 3) الذي اختير حسب نهج راباني معروف هو توارد الألفاظ مع مز 16: 10؟ إن معناه يتضح في الإطار الجديد (مع غيره من إيرادات) أكثر منه في قرائنه الأصلية. إذن، لا نحدّد معنى أش 55: 3 انطلاقاً من نص أشعيا ولا من النص العبري، بل مع سائر النصوص المذكورة والتي تدلّ على قيامة المسيح.
2- طريقة الاقتراب
حدّدنا أسلوب تفسير آية أشعيا ولكن بشكل سلبي. يبقى أن نحدّد طريقة الاقتراب منها بشكل إيجابي. فهي ستأخذ بعين الاعتبار الشكل الأدبي للخطبة (وشكل تقديم البرهان) وعناصر الآية البارزة في القرائن وفي بنية الخطبة. الطريقة هي برهان بالقياس.
أجل نحن أمام برهان مدراشي لا عقلاني. نلاحظ أولاً الأداة التي تربط آ 34 مع آ 35، فنظنّ أننا أمام برهانين مرتبطين ومستقلين: "لهذا قال أيضاً في مقطع آخر". إن عناصر البرهنة هي جزء من كل، وكل جزء يستضيء بالآخر ويكفله. المهم هو معنى المجموعة. هنا يأتي البرهان بالقياس فيُفسر مقطعاً غامضاً بمقطع آخر يبدو مدلوله واضحاً. هذه الطريقة استعملت في آ 34- 35. فالإيراد الثاني (مز 16) جاء يفسّر الإيراد الأول، ويحدّد مدلوله الخفي: "الأمور المقدسة والأكيدة الموعود بها لداود" (أش 55) هي "الفساد الذي لن يعرفه". فالوعد يجد تحقيقه في قيامة المسيح. وحسب منطق نعرفه، يتحدث أش 55: 3 عن القيامة إذا عرفنا أن نقرأه على ضوء مز 16: 10 الذي هو قريب منه.
إذن، يود نص أشعيا في إطار خطبة أنطاكية أن يحدّثنا عن القيامة. وهذا المدلول يأتيه من ارتباطه بنص مز 16. ولكن أما من رفد خاص يحمله نص أشعيا؟ هنا نعود إلى الكلمات البارزة في إطار الخطبة.
د- كلمات بارزة
هناك كلمتان في نص أشعيا تبدوان بارزتين في إطار خطبة أنطاكية: "تا هوسيا" أي الأمور المقدسة. "هيمين" أي لكم.
1- الأمور المقدسة
لا نجد (تا هوسيا) (الأمور المقدسة) إلا في تث 29: 18 (حسب السبعينية). إنها تخص الحسنات التي يمكن أن ننتظرها من الله. توّجهت إلى اليهود خطبة مركزة على إعلان الوعد الداودي (لهذا زيدت لفظة "داود")، فأشارت إلى عطية وُعدت بها الأجيال السابقة، إلى خيرات الخلاص التي أعلنت لهم. في إطار إعلان الرسول للقيامة كحدث خلاص، تتخذ العبارة مدلولاً ثانيا يتعاطف مع الأول فيدلّ على الحسنات التي تنتج عن القيامة.
هذا المدلول الذي أعطيناه لعبارة "تا هوسيا" في خطبة أنطاكية، يثبتّه وليْ الخطبة. فبعد أن أورد الواعظ نصوص الكتاب المقدّس، ختم برهانه عن القيامة مذكّراً بخيرات الخلاص العظيمة: غفران الخطايا والتبرير. وأعلن أنها الآن معطاة لمعاصريه على أثر قيامة يسوع: "فاعلموا، يا أخوتي، أننا بيسوع نبشّركم بغفران الخطايا، وهذا التبرير الذي لم تستطيعوا أن تجدوه في شريعة موسى، يُمنح كاملاً لكل من يؤمن" (آ 38- 39). 
يُعلن غفران الخطايا مراراً في العهد القديم، ولا سيّما في الأدب النبوي المتأخّر، على أنه الخير الرئيسي في الأزمنة الإسكاتولوجية (إر 31: 31- 34؛ حز 36: 23- 27). وهذا الوعد يتجاوب مع الفكر التوراتي اليهودي الذي يقول إن كل شرور الإنسان تأتي من الخطيئة أي من مقاومة الله ووصايا عهده. فغفران خطايا الإنسان بواسطة الله يحمل إليه الخلاص والتحرّر من الشر. إذن، من الطبيعي أن تتسجّل الكرازة الرسالية لليهود في هذه الرؤية الدينية، وتصوّر عطية الخلاص المسيحانية بعبارة "غفران الخطايا". وسنجد العبارة اليونانية نفسها (افاسيس هامارتيون= غفران الخطايا) كعبارة مقولبة في خاتمة أربع خطب رسولية: 2: 38؛ 5: 31؛ 10: 43؛ 13: 38).
أما العودة إلى "التبرير" من أجل تحديد خيرات الخلاص عينها، فنجدها فقط في خطبة أنطاكية. فمدلول هذه اللفظة في العالم اليهودي لا يختلف عن معنى عبارة "غفران الخطايا". هذه العبارة تشير إلى الوجهة السلبية في الخلاص، أما لفظة “التبرير” فتدلّ على الوجهة الإيجابية. ولكن الواقع هو هو.
ترجّت أوساط الورع في العالم اليهودي (الفريسيون، الأسيانيون) تبرير البشر، أي خلاصهم، الذي يتم حين يمارسون الشريعة ممارسة كاملة. ولكن إذ أعلن الواعظ المسيحي أن التبرير يأتي بالإيمان بيسوع لا بشريعة موسى، تحدَّث عن الجديد الجذري في المسيحية بالنسبة إلى العالم اليهودي في عصره. ولكن هذا الجديد لا يشير إلى خير الخلاص الذي نحصل عليه ("التبرير")، بل إلى طريقة الحصول على هذا الخير ("الإيمان بيسوع لا بشريعة موسى").
تشير المفردات المستعملة في آ 38- 39 إلى بولس الذي إليه تُنسب خطبة أنطاكية. ففعل "ديكايوو" (برّر) يتحدّث عن مغفرة الخطايا كثمرة إيمان بيسوع القائم من الموت. نحن هنا أمام مضمون رجاء اليهود المتعلّق بالخلاص.
إن أمور داود المقدسة ترتبط بغفران الخطايا والتبرير، وهي تدل في ولْي الخطبة على الخيرات الناتجة من القيامة. وهكذا يحمل إيراد أشعيا وجهة جديدة للبرهان، ويُبرز البُعد الخلاصي للقيامة، ويشدّد على طابعها المسيحاني: بالقيامة تُعطى للبشر خيرات الخلاص، وهي تحريرهم من الموت ومن الخطيئة.
2- أنتم (سأعطي لكم)
هناك لفظة أخرى في نص أشعيا أبرزها سياق الخطبة، فثبتّت دور الآية في الخطبة وبيّنت أن القيامة هي حدث للبشر، وبصورة أدق لليهود الذين يتوجّه إليهم بولس: "أعطيكم أنتم" (دوسو هيمين). إن دراسة البنية العامة للخطبة ترينا أن الخطبة مبنيّة على تعارض بين زمن الآباء (آ 17 ي) والزمن الحاضر الذي يعني السامعين (آ 26: "إليكم أرسلت كلمة الخلاص"؛ آ 32- 33: "ما وعد الله به آباءنا تمّ لنا نحن أبناءهم"؛ آ 38: "به أعلنت لكم مغفرة الخطايا"). وهكذا يُبرز السياق إبرازاً خاصاً ضمير المخاطب (أنتم) في آ 34: فالسامعون جزء من الجيل المميّز الذي له تمّت المواعيد التي أعطيت للآباء. وهم مدعوّون لينعموا بالغفران المسيحاني وبتبرير كامل لم تحصل عليه الأجيال السابقة حتى مع شريعة موسى. إن المواعيد تتحقّق من أجل السامعين، بفضل الخيرات الناتجة من قيامة المسيح.
ماذا نستنتج من دور آية أشعيا في البرهان على القيامة؟ إنها تدعونا لكي نفهم أن القيامة هي حدث يحمل مدلولاً لا ليسوع فقط (عودة إلى الحياة النهائية، مز 16: 10؛ كابن ممجّد قرب الله، مز 2: 7) بل للبشر أيضاً (إنه ينبوع خيرات الخلاص من أجلنا، أش 55: 13). وبعبارة أخرى، تتضمّن هذه الآية من أجلنا عدم الفساد الذي حصل عليه المسيح القائم من الموت. ونقول هنا ما قلناه في السابق: لا تحمل هذه الآية هذا المدلول إلا لأن الحدث يكشفه فيها. بما أن يسوع أقيم من الموت دون عودة ممكنة إلى التفكّك والفساد (آ 34)، صار لنا ينبوع تبرير ومبدأ قيامتنا الخاصة الشخصية. وهكذا تستضيء الكتب بالحدث الفصحي والحدث الفصحي بالكتب.

 

 

الفصل الثامن والثلاثون
جعلتك نوراً للأمَم
13: 43- 52
هذا النص هو خاتمة خطبة بولس في أنطاكية بسيدية. سندرس أهميته من وجهة تاريخ الرسالة فنفهمِ بعض سفر الأعمال. وفي النهاية، نركّز انتباهنا على الإعلان الرئيسي في
آ 46- 47، الذي يضع الأساس اللاهوتي للرسالة لدى الوثنيين.
أ- حدث مهم جداً
منذ 9: 15، يعرف قارئ أع أن الرب قد أعدّ بولس ليحمل اسمه أمام الأمم الوثنية. ولكننا لم نر نشاطه حتى الآن إلاّ في الجماعة المسيحية (11: 26) أو في المجامع (9: 10- 22؛ 13: 5). لأن الخلاف مع الساحر اليهودي في بافوس (قبرص) وارتداد سرجيوس بولس (13: 6- 12) لا يتيحان لنا بعد أن نتكلّم عن تبشير الوثنيين. وفي أنطاكية بسيدية، سيذهب بولس إلى المجمع، ويُسمع الحاضرين التعليم المسيحي (13: 14- 43). ولكن عداوة اليهود دفعته إلى المنعطف الحاسم. فأعلن بولس أنه سيحمل كلمة الله إلى الوثنيين. ثم برّر مبادرته في آ 46- 47. وهذه ستكون المرة الأولى في أع، حيث يوجّه بولس كلامه إلى الوثنيين: لقد خطا الخطوة الأولى وستتبعها خطوات. كان النجاح عظيماً (آمن جميع الذين اختارهم الله،
آ 48- 49)، ولكن اندلع الاضطهاد فطرد المرسلان (آ 50- 51).
وإن خبر تبشير أنطاكية بسيدية سيتكرّر مع بعض التبدّلات في مختلف مراحل أسفار بولس: في أيقونية وتسالونيكي وكورنتوس وأفسس، وأخيراً في رومة. إن أنطاكية بسيدية تشكل النموذج الأول للرسالة البولسية.
وُضع هذا الحدث في بداية مسيرة بولس الرسولية، فشهد على قرابة خاصة مع الحدث الأخير الذي يشكل في الوقت عينه خاتمة كل الكتاب. في رومة، كما في أنطاكية، كرّس بولس أولاً حلقتين بشّر فيهما اليهود (ف 13: 42- 44 و28: 21- 23). وانتهت خطبته بتنبيه احتفالي. استقى كلماته في الحالة الأولى من حب 1: 5 (أع 13: 4- 41). وفي الحالة الثانية من أش 6: 9- 10 (أع 28: 25- 27). بعد هذا، أعلن القرار الذي اتّخذه: سيتحوّل إلى الوثنيين أو الأمم حسب كلمة أش 49: 16 (أع 13: 46- 47) أو أش 40: 5 (أع 28: 28). وهذه الموازاة مع نهاية الكتاب تدلّ على أهمية المقطع الذي ندرس.
هناك موازاة أخرى لها معناها مع حادثة تدشين رسالة يسوع في الناصرة. يتبع الخبران الرسمة عينها: تلاقي الكرازةُ أولاً قبولاً وترحاباً (13: 42- 43؛ لو 4: 22 أ). ثم تأتي المعارضة (13: 44- 45؛ لو 4: 28- 30). من الصعب أن نظن أن هذه المفارقات هي من قبيل الصدف. فكل من الناصرة وأنطاكية بسيدية تحدّد برنامجاً، وتُلقي الضوء على ما يلي من أحداث: أحداث رسالة يسوع وأحداث رسالة بولس. وانقطاع يسوع عن أبناء وطنه،
يجعلنا نحسّ مسبقاً بما سيحدث في أنطاكية بسيدية، وبما سيتجدّد طوال مسيرة بولس.
ب- الأساس اللاهوتي للرسالة لدى الوثنيين
على المرسلين أن يحملوا الإنجيل إلى اليهود. وبعد أن يرفضه اليهود، يتوجهون إلى الوثنيين. تلك هي ممارسة بولس الدائمة. وستجعل 13: 46 منها مبدأ: "كان يجب أن نبشّركم أنتم أولاً بكلمة الله، ولكنكم رفضتموها، فحكمتم أنتم أنكم لا ترون أنفسكم أهلاً للحياة الأبدية. ولذلك نحن نتوجّه الآن إلى الوثنيين". وفي 18: 6 يعلن بولس إعلاناً مماثلاً لليهود في كورنتوس: “ولكنهم كانوا يعارضون ويشتمون. فنفض ثوبه وقال لهم: دمكم على رؤوسكم (أي: أنتم المسؤولون الوحيدون عما سيحصل)، أنا بريء منكم. سأذهب بعد اليوم إلى الوثنيين وإليك آخر كلمات بولس إلى يهود رومة في خاتمة الكتاب: "إذن، ليكن معلوماً أن الله أرسل خلاصه هذا إلى الوثنيين، وهم سيستمعون إليه" (28: 28).
حين نقرأ هذه النصوص نشعر وكأن رَفْض اليهود للتعليم، فتح الطريق أمام تبشير الوثنيين. وهكذا ظهر أن الرسالة لدى الوثنيين هي نتيجة فشل الرسالة لدى اليهود. إذاً يبدو الوثنيون وكأنهم حلّوا محلّ اليهود. فيشبه دورهم الدور الذي ينسبه مثل الوليمة إلى مدعوّين استُبدلوا فأعطيت لهم أماكن مدعوين رفضوا أن يجيئوا (لو 14: 16- 24). دعي الوثنيون إلى الخلاص لا بعد أن رفضه اليهود، بل لأن اليهود رفضوه. وهكذا يتأسّس حق حمل البشارة إلى الوثنيين على هذا الرفض.
يكتفي الشّراح بهذا التفسير. ولكن كم من الصعوبات! كيف نوفّق هذا الموقف مع ما يلي من إعلان بولس في 13: 47: "فالرب أوصانا، قال: جعلتك نوراً للأمم (الوثنية) لتكون (سبب) خلاص إلى أقاصي الأرض". إذا كان الله أمر بتبشير الوثنيين عبر قول نبوي، فكيف نربطه برفض اليهود لتعليم الخلاص؟ البرهان النبوي واضح في 13: 47 وسيعود في 28: 28 حيث عبارة "خلاص الله" تعود إلى أش 40: 5 الذي زاده لوقا في بداية إنجيله: "كل بشر (جسد) يرى خلاص الله" (لو 3: 6). وامتداد الخلاص الذي أعلنه الكتاب، لن يجد سبب وجوده فقط في فشل الرسالة لدى اليهود.
وهناك صعوبة أخرى تتأتّى من موقف لوقا العام تجاه إسرائيل. هل نستطيع أن ننسب رفض إسرائيل إجمالاً إلى من كتب أخبار الطفولة (ف 1- 2) وخاصة الأناشيد: "تعظم نفسي الرب"، "تبارك الرب"، "الآن أطلق عبدك"؟ يبين لوقا وحده أن ما دفع يسوع ليقدم إحساناته هو أنه أمام "ابنة ابراهيم" (لو 13: 26: المرأة المنحنية)، أمام "ابن ابراهيم" (لو 19: 9: زكا). وإذا عدنا إلى أع، فرفض الإنجيل من قبل اليهود ليس كاملاً. بل إن لوقا يشدّد على الارتدادات التي حصلت بين اليهود. وقد كانت هذه الارتدادات عديدة خاصة في أورشليم (2: 41، 47؛ 4: 4؛ 5: 14؛ 6: 17؛ 21: 20)، ولكنها رافقت أيضاً رسالة بولس. وفي 13: 43، يقول لنا لوقا: "وتبعهما بعد الاجتماع كثير من اليهود والدخلاء". هذا ما حدث في أنطاكية بسيدية. وسيحدث مثله في أيقونية: تكلّم بولس وبرنابا في المجمع، فآمن كثير من اليهود واليونانيين. وفي كورنتوس، حيث تشجب 18: 6 (دمكم على رؤوسكم) اليهود جملة، سنرى النجاح الذي لقيه بولس في العالم اليهودي :فآمن كرسبوس رئيس المجمع بالرب، هو وجميع أهل بيته" (18: 8). وأخيراً، لا نستطيع أن نتكلم عن يهود رومة وكأنهم رفضوا كلّهم الإيمان المسيحي: "فاقتنع بعضهم بكلامه وأنكر (لم يؤمن) البعض الآخر" (28: 24).
وقُدِّم تفسير يحاول أن يأخذ بعين الاعتبار كل هذه المعطيات: إن خلاص الوثنيين حاضر في وعود الله لإسرائيل، في رسالة شعب الله حين تتم هذه المواعيد في الأيام الأخيرة. هذا الوقت وصل مع يسوع المسيح: الله أتمّ الخلاص الذي وعد به. فعلى إسرائيل الآن أن يحقق دعوته تجاه الأمم الوثنية. تراجع قسم من الشعب المختار، ولكن يجب أن لا يمنع هذا التراجع بني إسرائيل من تحمّل مسؤولية مرتبطة بخلاص أعطي لهم.
نحن أمام موقفين يفسّران إعلان الإنجيل للوثنيين: في الأوّل، يأتي من يحل محلّ إسرائيل الذي تراجع. وفي الثاني، على إسرائيل أن لا يتأخر في القيام بالرسالة الشاملة التي احتفظ الله بها للزمن الذي فيه يتم مواعيده. أي موقف نختار؟
ج- المواعيد المسيحانية
إذا عدنا إلى إعلان بولس ليهود أنطاكية بسيدية، يبدو أن الرباط وثيق بين الآيتين، بحيث إن قرار التوجّه إلى الوثنيين لن يفهم إلا انطلاقاً من قول أش 49: 16 (جعلتك نوراً للأمم، ليصل خلاصي إلى أقاصي الأرض، أو: فتكون أنت خلاصي).
من الواضح أن بولس وبرنابا رأيا في قول أشعيا أمراً يتوجّه إليهما في الوضع الذي يجدان نفسيهما فيه. غير أنهما لا يتخيّلان أن النبي قد تكلّم عنهما مباشرة. فكلماته لا تنطبق إلا عبر نية أساسية، إلاّ كنتيجة عمل أساسي. وهنا نجد أمامنا تفسيرين. في الأول، يفترض المرسلان أن النص يعني المسيح: أوكله الله بأن يحمل الخلاص إلى الأمم الوثنية. فقام بمهمته بواسطة مرسليه. إذن، عَمِل نشاطُهما الإرسالي مع المسيح لتتميم رسالته المسيحانية. أما التفسير الثانَي فيفترض أن بولس وبرنابا رأيا في نص أشعيا تحديداَ لرسالة إسرائيل: حين يُتم اللُّه خلاصه، على الشعب المختار أن يشرك الأمم الوثنية في هذه الخيرات. وإن رَفْض بعض اليهود لعطية الله لا يعفي القسم الأمين من شعب إسرائيل من القيام بهذه المهمة تجاه الوثنيين. 
إن تفسير أش 49: 6 في أع 13: 47، لا يمكن أن يتجاهل التلميح إلى هذا النص في 1: 8، وهي الآية الرئيسية التي تحدّد مهمّة الرسل وتبرز برنامِج أع. كان يسوع قد أعلن في لو 24: 47 على ضوء الأسفار المقدسة: "تُعلن باسمه (أي: باسم المسيح) بشارة التوبة لغفران الخطايا إلى جميع الأمم ابتداءً من أورشليم". وزاد: "وأنتم شهود على ذلك" (لو 24: 48). ويوضح أع 1: 8: "ستكونون شهوداً لي في أورشليم... وحتى أقاصي الأرض". تدلّ هذه العبارة الأخيرة على "كتاب" خاص يجعلنا نفكر بمهمّة الرسل الشاملة: إنها مأخوذة من أش 49: 6. وإلى هذا النص يعود بولس أيضاً في 26: 23 حين يؤكد: لا أقول إلاّ ما أنبأ به موسى والأنبياء، وهو أن "المسيح يتألم ويكون أول من يقوم من بين الأموات ويبشّر اليهود وسائر الأمم". تقترب هذه المقاطع الثلاثة من 13: 47، لأنها تحديد للمهمة الرسولية. وهذه المهمة لا تُفهم انطلاقاً من إسرائيل، بل من المسيح الذي بشّر به الرسل وكانوا شهوداً له.
وإن محتوى الإيراد يقودنا إلى التفسير الكرستولوجي. لا يقول لوقا كما في النص العبري: "أجعلك نور الأمم ليصل خلاصي إلى أقصى الأرض". بل حسب النص اليوناني: "أقمتك نوراً للأمم لكي تكون خلاصاً (أي سبب خلاص) إلى أقاصي الأرض". والدور الخلاصي الذي تنسبه التوراة اليونانية إلى من يتوجّه إليه الله، هو لدى المسيحيين (بطريقة طبيعية) دور المسيح لا دور إسرائيل.
وقد نستطيع أن نتفحّص نصوصاً أخرى: التلميح إلى أش 40: 6 في أع 28: 28، نقابله مع لو 3: 6. وهناك إعلانات بطرس في أع 2: 39 و3: 25- 26 وكلام يعقوب في أع 15: 16- 17. حينئذ نرى أن الاهتمام ينصبّ لا على رسالة إسرائيل، بل على رسالة المسيح وهي رسالة تعني أولاً إسرائيل، ولكنها تمتد أيضاً إلى الأمم الوثنية. حين يتوجّه المرسلون المسيحيون إلى الوثنيين، فهم لا يفعلون ليملئوا محلّ اليهود الذي فرغ: تراجع اليهود وطردوا من إسرائيل الحقيقي (3: 23؛ رج 18: 6). ثم إن لوقا لا يتحدّث عن إسرائيل الجديد. إن الرسل أقرّوا أن يسوع هو مسيح إسرائيل، ولكنه مسيح الوثنيين أيضاً. والوثنيون يُدعون إلى المشاركة في المواعيد المعطاة لإسرائيل دون أن يصيروا يهوداً. ورَفْض اليهود للإنجيل لن يمنع الوثنيين من خلاص أعدّ لهم واتخذ تحقيقه شكلاً مسيحانياً: يسوع هو مجد إسرائيل ونور الأمم (لو 2: 32)، وهو يحقق تحقيقاً كاملاً ما أعلنه الأنبياء عن المسيح.

 

 

الفصل التاسع والثلاثون
التنظيم الأول في الكنائس
14: 21- 27
نحن هنا في أول رحلة تبشيرية قام بها بولس الرسول. انطلق مع برنابا فوصل أولاً إلى قبرص. من هناك، ذهب الرسولان إلى آسية الصغرى (تركيا الحالية). ثم تابعا طريقهما نحو الشمال فوصلا إلى أنطاكية بسيدية (وهي غير أنطاكية سورية). بعد هذا، اتجها إلى الجنوب الشرقي وكأنهما يريدان العودة إلى أنطاكية سورية. ولكن ما إن وصلا إلى دربة، بين أنطاكية بسيدية وطرسوس، حتى عادا أدراجهما فزارا مرة ثانية المدن التي تركا فيها معمّدين جدداً. وهكذا طالت السفرة، وتعرّض الرسولان لأعظم الأخطار. مثلا: لم يكونا يقدران أن يذهبا إلى لسترة دون المخاطرة بحياتهما. في لسترة رُجم بولس. في ايقونية تدبّرت مؤامرة عليهما، فأجبرا على الهرب. ثم إنهما طردا منِ أنطاكية بسيدية بتحريض من اليهود. إذن، إن سارا في الطريق التي ترسمها آ 21، فلأن أسباباً خطيرة دفعتهما إلى ذلك. نجد سببين في
آ 22- 23: أراد الرسولان أن يشجّعا المرتدين الجدد ويدعواهم إلى الثبات في الإيمان. أرادا أن ينظما الجماعات، ويجعلا على رأس كل منها مسؤولاً. وهكذا، وبعد أن أتمّا عملهما، عادا إلى أنطاكية وألقيا نظرة إجمالية على العمل الذي أتماه.
أ- إكمال الرسالة
1- نداء إلى الثبات (آ 22)
أولاً: تثبيت عزيمة التلاميذ.
فالمرتدّ جديداً هو سريع العطب: إنه يحتاج إلى الوقت لكي يصبح صلباً، لكي يقاوم. وفيما بعد، سيبيّن خبر أع أن الاهتمام بتشديد الجماعات الفتية أعاد بولس إلى سورية وكيليكية (15: 41؛ 16: 5)، إلى غلاطية وفريجية (18: 23). وفي هذا المنظار عينه، فهم يهوذا وسيلا رسالتهما في أنطاكية: "شجّعا الإخوة وشدّدا عزائمهم" (15: 32). وسيحدد لوقا دور بطرس بالشكل عينه خلال أزمة الآلام: "شجّعْ إخوتك" (لو 22: 32). وكذلك فعل بولس حين ترك تسالونيكي على عجل: أرسل تيموتاوس ليشدد المسيحيين الجدد، وليشجعهم في إيمانهم، لئلا يتزعزع أحد منهم في الشدائد التي يواجهونها (1 تس 3: 2- 3).
ثانياً: الإيمان والتعليم
ولكن على التحريض أن يجعل الإيمان صلباً (15: 32؛ 1 تس 3: 2؛ 2 تس: 17). أما موضوع هذا التحريض فثبات المؤمنين. وهذا الثبات يشكّل إحدى الاهتمامات الرئيسية لدى لوقا. وهذا ما نلاحظه بصورة خاصة من خلال اللمسات الأخيرة على شرح مثل الزراع. إنه يندّد بالذين "يؤمنون إلى حين. وإذا جاءت التجربة يرتدّون" (لو 8: 13). ولكنه يمتدح "الذين سمعوا كلام الله وحفظوه بقلب طيب مطيع، وثبتوا فيه إلى أن يثمروا" (لو 8: 15). وهذا "الثبات" الذي يطالب به هنا التحريض على أن نقيم في الإيمان، هو ذاته الذي يطالب به التحريض لكي نبقى متعلقين بالرب (11: 23) وبنعمة المسيح (13: 43). ليس "الإيمان" الذي نقيم (نثبت) فيه لائحة من "الحقائق". إنه التزام شخصي نعبّر عنه بأمانة حياة مسيحية توافق متطلّبات الإنجيل.
ثالثاً: الثبات
كانا يقولان: "لا بد من أن نجتاز كثيراً من المصاعب لندخل ملكوت الله" (آ 22). فالثبات ضروري للمؤمنين بسبب المحن التي يتعرض لها إيمانهم. وهذه المحن التي تفرض الثبات، قد أنبأ بها يسوع (لو21: 12- 19). ويحدّث بولس الرسول أهل تسالونيكي فيقول لهم: "لا يتزعزع أحد منكم بهذه (أو في هذه الشدائد) فأنتم تعرفون أن هذا نصيبنا. ولما كنا عندكم قلنا لكم مسبقاً إننا سنعاني الشدائد" (1 تس 3: 3- 4). والآية التي نهتم بها تقول أكثر من ذلك: هذه المحن هي ضرورية. وكأنها آتية من الله (داي: يجب) فتمنح المسيحيين الدخول إلى الملكوت. إذا أردنا أن نفهم هذا الكلام، نقابله بكلام يسوع الذي فيه أعلن لتلميذَيْ عماوس: "أما كان يجب (داي) على المسيح أن يعاني هذه الآلام، فيدخل في مجده" (لو 24: 26)؟ فما كان ضرورياً للمسيح حسب الكتب، هو ضروري أيضاً لتلاميذه. إذا أردنا أن نبلغ الملكوت، ليس من طريق إلا طريق المحنة. وفي النهاية، نحن أمام الضرورة بأن نشارك المسيح في آلامه ليحقّ لنا أن نقاسمه مجده.
إذن لا يكفي الرسولَين أن يجلبا البشر إلى الإيمان بالمسيح. عليهما أيضاً أن يعملا كل ما في وسعهما ليؤمنا ثباتهم وسط الصعوبات والمحن المرتبطة بالحياة المسيحية. إذاً، ذاك كان السبب الأول الذي لأجله اعتبر بولس وبرنابا أن عليهما أن يرجعا إلى المدن التي بشرّاها: لكي يحرّضا المرتدين الجدد على الأمانة والثبات.
2- تنظيم الشيوخ (آ 23)
أولاً: "عيّنا شيوخاً"
أجل فعل "شيروتونيو" (من هنا الشرطونية أو كتاب رسامة الكهنة) يشير إلى اختيار برفع الأيدي. ولكن النص ينسب إلى مؤسسي الجماعات وحدهم اختيار الشيوخ. هذا هو الواقع في الكنيسة الأولى رغم الاهتمامات الديمقراطية عند بعض الشرّاح. إن تي 1: 5 يتحدث عن تيطس الذي أوكله بولس بأن يقيم شيوخاً في كل مدينة من مدن كريت. واكلمنضوس الروماني لا يرى الأمور بطريقة مختلفة. يقول: "حين بشَّر الرسل في الأرياف والمدن، أقاموا بواكيرهم، بعد أن اختبروهم بالروح، كأساقفة وشمامسة للمؤمنين العتيدين". ويقول أيضاً: “نالوا معرفة كاملة عن المستقبل فأقاموا الذين تكلّموا عنهم، ثم وضعوا قاعدة تقول إنه بعد موت هؤلاء يخلفهم في وظيفتهم أناس مختبرون”. غير أنه من الواضح أن قرار الرسل لا يرفض تدخّل الجماعات: يتحدّث لوقا عن اقتراح الإخوة (1: 23؛ 6: 6) واكلمنضوس عن موافقة الجماعة.
لا يبدو أن الجماعات المسيحية الأولى تنظمّت في كل مكان حسب نموذج واحد، ولكن تنظيمها ظهر حسب رسمة ثابتة: تتنظّم الجماعات المسيحية كالجماعة اليهودية بشكل حلقة. أُعطي لقب الشرف، لقب "الشيوخ" (أو القسوس أو الكهنة) أولاً إلى المسؤولين في جماعة أورشليم. غاب هذا اللقب من رسائل مار بولس، ولكنه صار معروفاً في زمن لوقا. ونال هؤلاء "المحترمون" أيضاً اسم "ابسكوبوس" (أسقف أو ناظر أو مدقّق). وهذا يدل على مهمتهم من الوجهة "الرعائية". فالأساقفة والشيوخ يسهرون على خير القطيع الموكّل إلى عنايتهم (20: 28).
واختيار هذه الألفاظ له معناه. تحاشى لوقا عمداً العودة إلى ألفاظ مكّرسة، فتجنّب أن ينسب إلى المسؤولين في الجماعة "كهنوتاً" يجعل منهم "كهنة" (مقدّسين) يمارسون وظيفة الوساطة التي صارت وقفاً على يسوع وحده. ولقب "أنبياء ومعلمين" الذي أُعطي لموجهّي كنيسة أنطاكية (13: 1) لم يلقَ هو أيضاً النجاح المطلوب. سمّاهم "شيوخاً"، وهو لقب يليق بالمعلّمين، ولكنه يعني أكثر من ذلك: إنه يعني في الاستعمال اليهودي، أعيان العوام الذين يتميّزون عن متسلمي الكهنوت. وظيفتهم هي الأسقفية أي الاهتمام بخير الجميع.
ثانياً: "استودعاهم"
المعنى غامض. فالمعنى يرتبط بالضمير: "استودعاهم". فان عنى الضمير التلاميذ (آ 22) الذين لأجلهم (آ 23 أ) عيّن بولس وبرنابا شيوخاً، حينئذ يريد لوقا أن يتكلّم عن طقس وداعي يستودع فيه الذاهبون إلى الرب أولئك الذين ينفصلون عنهم. وإن عنى "الشيوخ"، فنحن أمام رتبة رسامة. وقد أوضحت بعض الترجمات النص فقالت "هؤلاء الرجال"، مشدّدة على التفسير الثاني الذي يبدو أقرب إلى العقل.
لن نعتبر الصوم الذي يرافق الصلاة بطريقة تقليدية، على أنه ممارسة إماتة من أجل التكفير عن الخطايا (12: 2- 3؛ لو 2: 37). فهدف الصوم أن يهيّئ المؤمن للقاء بالرب، وهو يُفرَض بصورة خاصة في ظروف تحس فيها الكنيسة بالحاجة الماسة إلى العون الإلهي. وبهذه الصلاة التي تقوّت بالصوم، يستودع الرسولان إلى الرب الأشخاص الذين اختارتهم الجماعة: يسلَّمون إلى حراسة الرب كوديعة ثمينة يعتني بها (20: 32). وهذا ما حدث في أنطاكية أيضاً: استُودع المرسلون "إلى نعمة الله" حين كانوا يستعدون للانطلاق في رحلة رسولية جديدة. نقرأ في آ 26: "سلّما إلى نعمة الله من أجل العمل الذي أتمّاه". وفي 15: 40: "استودعهم الإخوة إلى نعمة الرب". والتقريب مع 13: 3 يتيح لنا أن نفترض أن الصلاة رافقتها فعلة، أن المرسلَين وضعا الأيدي على الذين صليّا من أجلهم. هذا ما فعله الرسل في أورشليم حين نظّموا السبعة (6: 6). ونلاحظ أيضاً أن الصلاة تتوجّه إلى الرب الذي به آمن هؤلاء الرجال، أي إلى الرب يسوع (رج 11: 20- 24).
إذاً، كانت إقامة الشيوخ مناسبة لحفلة تنصيب وتسليم وظيفة. لن نطابق روح العهد الجديد إن تكلمنا في هذا المجال عن “تكريس” الذين قدّموا نفوسهم للرب في ممارسة المسؤولية الملقاة على عاتقهم منذ الآن في وسط الجماعة. ولكننا لن نتردّد عن الكلام عن "رسامة" تؤمّن للشيوخ "درجة" ومكانة خاصة في الجماعة التي سيسهرون عليها، كما يسهر الراعي على خرافه (20: 28).
ب- نظرة إلى الوراء
بعد أن أكمل الرسولان عملهما في كنائس لسترة وايقونية وأنطاكية بسيدية، عادا إلى الجنوب. وبعد أن عبرا بسيدية وبمفيلية (آ 24)، وجدا نفسيهما في برجة. قد يكون يوحنا مرقس قد تركهما هنا (13: 13)، فاستاء بولس (15: 38). وقد يكون هذا الخلاف هو السبب الذي منعهما من نشر الإنجيل في هذه المدينة. كل هذا افتراض. فمهما يكن من أمر، فقد أعلن الرسولان البشارة في برجة قبل أن ينطلقا إلى أتالية ثم إلى أنطاكية.
يهتم لوقا بأن يذكرنا أن أنطاكية كانت نقطة الانطلاق: "هناك سُلّما إلى نعمة الله من أجل العمل الذي قاما به" (آ 26). نلاحظ هنا عبارة "سلّما إلى نعمة الله" التي استعملت في آ 23 بمناسبة الحديث عن رسامة الشيوخ. وهكذا يتحدّد معنى وضع اليد المذكور في 3:13 ساعة انطلاق المرسلين. وان آ 26 هي صدى لما قرأناه في 13: 2: خلال الليتورجيا، ألهم الروح جماعة أنطاكية أن بولس وبرنابا يجب أن يفرزا (أن يُوضعا جانباً، أن يكرّسا، أن يخصّصا) "للعمل الذي دعاهما إليه". والآن، ها إن هذا العمل قد تمّ.
فيبقى على المرسَلين أن يقدّما تقريرهما: "فلما وصلا إلى أنطاكية، جمعا الكنيسة وأخبرا بكل ما أجرى الله على أيديهما" (آ 27). وستعود العبارة عينها في 15: 4: حين وصل بولس وبرنابا إلى أورشليم، "أخبرا بكل ما أجرى الله على أيديهما". ولكن ما هو الموضوع بالضبط؟ يعتبر بعض الشّراح أن المرسلين أخبرا كيف شاركا الله في العمل، أو كيف منحهما القوة فعملا. وقال آخرون: أخبرا بما فعله الله من أجلهما ولهما. يبدو أن التفسير الثاني هو الأفضل، لأنه يوافق أسلوب لوقا وأسلوب التوراة اليونانية. ولكن يبقى أن الله، حين تدخّل من أجل المرسلين، عمل بواسطتهما: "استمع المجتمعون إلى بولس وبرنابا وهما يرويان لهم الآيات والعجائب التي أجراها الله على أيديهما بين الوثنيين" (15: 12). "أخذ بولس يروي بالتفصيل كل ما أجرى الله على يده عند الوثنيين" (21: 19). إن 14: 27 هي صدى لما نقرأ في
14: 3: "وكان الرب يشهد لكلامهما على نعمته بما أجرى على أيديهما من الآيات 
والعجائب". نلاحظ موقف المرسلين: يروي خبرهما لا ما فعلاه هما، بل ما فعله الله لهما وبهما. الرسالة هي عمل الله. وشرف النجاح يعود إليه وحده.
وتزيد آ 27 ب في الخط عينه: "كيف فتح الرب باب الإيمان للأمم الوثنية". توافق الفكرة ما نقرأها 11: 8: حين سمع مسيحيو أورشليم بطرس يروي ما حصل له في قيصرية، مجّدوا الله قائلين: "أنعم الله، إذن، على الوثنيين أيضاً بالتوبة التي تقود إلى الحياة". فالتوبة والإيمان هما وجهتان لا تنفصلان من وجهات الارتداد. فتح لهم باب الإيمان، أي أعطاهم أن يحصلوا على الإيمان. فالفكرة ليست في أن الإيمان هو باب يوصل إلى شيء آخر، إلى الحياة مثلا. بل يعني لوقا بكلامه أن الله يمنح الوثنيين الإمكانية بأن يصيروا مسيحيين. ونستطيع أن نعبرّ عن هذا العمل الإلهي بصورة أخرى تكمّل الأولى: "ففتح الله قلبها (قلب ليدية) لتتعلّق بكلام بولس" (تصغي، تؤمن) (16: 14). وفي آ 27 الذي يهيّئ الطريق لخبر مجمع أورشليم (ف 15)، يشدّد النص على النعمة التي مُنحت للوثنيين: لم يعد الوصول إلى الإيمان المسيحي محفوظاً لليهود، وهو لا يتطلّب من الوثنيين أن يمرّوا عبر الشريعة اليهودية والعالم اليهودي. فالباب الذي به يدخلون إلى الجماعة المسيحية قد فُتح لهم، لا بواسطة البشر، بل بواسطة الله نفسه. وفي هذا أيضاً نفهم أن الرسالة هي عمل الله.

 

 

الفصل الأربعون
مجمع أورشليم
15: 1- 35
أ- المقدمة
يصوّر ف 15 مرحلة مهمّة من حياة الكنيسة الداخلية، هي مجمع أورشليم الذي يمثّل الحقبة الأخيرة والحاسمة في الانفتاح على العالم كله. فبعد خبر العنصرة (3: 1- 41) الذي هو المرحلة الأولى في الانفتاح على الآخرين، يبدو خبر "مجمع أورشليم" قمّة من قمم أع، ونقسمه ثلاثة أقسام. هناك المشكلة المطروحة (15: 1- 5). لم يعد السؤال: هل نقبل الوثنيين في الكنيسة أم لا؟ فهذا السؤال طُرح (11: 3) ووجد له حلاَّ في قيصرية، حين عمّد بطرس كورنيليوس وجماعته. قال: "من يمكنه أن يمنع ماء المعمودية عن الذين نالوا الروح القدس مثلنا نحن" (10: 48)؟ وقال: "إذا كان الله وهب هؤلاء ما وهبنا نحن عندما آمنا بالرب يسوع، فمن أكون أنا لأقاوم الله" (11: 17)؟ هدأ التلاميذ في أورشليم حين سمعوا هذا الكلام ومجّدوا الله قائلين: "إذن، أنعم الله على الوثنيين أيضاً بالتوبة سبيلاً إلى الحياة" (11: 18).
أما السؤال الذي يُطرح الآن فهو: هل نجبر هؤلاء الوثنيين الذين صاروا مسيحيين، على أن يصيروا في الوقت عينه يهوداً، أو على أن يمرّوا في الديانة اليهودية وشرائعها قبل أن يصيروا مسيحيين؟ عبّرت آ 1- 5 عن هذه المتطلبة مرتين، فبدت أكثر أو أقلّ جذرية حسب المجموعات التي نادت بها. الفئة الأولى: أناس نزلوا من اليهودية وأعلنوا ضرورة الختان من أجل الخلاص (آ 1). الفئة الثانية: فرّيسيون من أورشليم صاروا مسيحيين، زادوا على متطلّبة الختان متطلّبة المحافظة على الشريعة الموسوية (آ 5).
وكان جدال طويل تبعه حل عملي. تكلّم بطرس (آ 7 - 11) ثمّ تكلّم يعقوب (آ 13- 21) بعد تدخّل قصير لبرنابا وبولس (آ 12). وجاء القسم الثالث (آ 22- 39) فنقل قرارات "المجمع" إلى الكنائس المختلفة. هناك أولاً الرسالة التي وجّهت إلى الجماعات، ثم قبولها في جماعة أنطاكية: فرحوا فرحاً كثيراً بما وجدوا فيها من تشجيع (آ 31).
ب- مكانة المجمع في أعمال الرسل
1- موقع خبر "المجمع"
إن خبر اجتماع أورشليم يتبع خبر الرحلة الرسولية الأولى (ف 13- 14). فإذا نظرنا بدقة، وجدنا أن العلاقات بين ف 15 وف 13- 14 هي ضعيفة. فما هي علاقات "المجمع" بالفصول السابقة؟ هنا نعود إلى الأقسام الثلاثة. لقد طرحت المشكلة في جماعة أنطاكية: "إن لم تختتنوا على شريعة موسى، لا تقدرون أن تخلصوا" (آ 1). وفي آ 5 طرحت مجموعة أخرى المسألة بطريقة إجمالية ومجّردة فقالت: يجب أن نختن الوثنيين ونأمرهم بالمحافظة على شريعة موسى.
ليس في الأعمال ما يدل على وجود هذه المشكلة. نحن نعرف أن البشارة وصلت إلى "اليونانيين" في أنطاكية (11: 20)، وأن الله "فتح باب الإيمان للوثنيين" (14: 27) خلال الرحلة الرسولية الأولى. ولكن لم يرد شيء واضح حول الموقف الواجب اتخاذه بالنسبة إلى الشريعة. لا يتحدّث ف 15 عن الرحلة الرسولية الأولى إلا في آ 3- 4 و12.
وإذا وصلنا إلى الحلّ الذي تبنّته الكنيسة، نجد أن تدخل بطرس ويعقوب الذي يمثل قلب هذا القسم، يلمّح إلى الرحلة الأولى (ف 13- 14)، لا إلى وضع أنطاكية (11: 19 ي؛ 15: 1 ي). والرسالة التي يبعثها مجمع أورشليم (15: 23) لا تشير إلى الجماعات التي زارها بولس وبرنابا خلال رحلتهما الرسولية. لا تُذكر إلا كنيسة أنطاكية (ف 11) وكنائس سورية وكيليكية التي بشّرها بولس حالاً بعد ارتداده (9: 19 ي: دمشق؛ رج 26: 20؛ 9: 30: طرسوس، دون إشارة إلى نشاط رسولي). وإذ تتكلّم الرسالة عن "الحبيبين برنابا وبولس" فهي تتطلّع إلى علاقتهما بالجماعة التي تتوجّه إليها الرسالة.
2- علاقة الفصول اللاحقة بالمجمع
تحدّثنا عن الفصول السابقة للمجمع. والآن ما هي علاقة الفصول اللاحقة بالمجمع؟ نلاحظ أن الفصول اللاحقة لا تشير إلى مجمع أورشليم والى قراراته إلاّ في موضعين اثنين. في 16: 4، أي في بداية الرحلة الرسولية الثانية، تقول إجمالة صغيرة إن بولس وتيموتاوس نقلا إلى الكنائس القرارات التي اتّخذها الرسل والشيوخ في أورشليم (نلاحظ أن بولس ختن تيموتاوس بطريقة غير عادية، 16: 3. هذا يدلّ على أن الختان لم يعد يُمارس حسب أوامر مجمع أورشليم).
والموضع الثاني هو 21: 25: رجع بولس من الرحلة الرسولية الثالثة، فذكّره يعقوب بالقرارات المختصّة بالوثنيين. أوردها يعقوب وكأن بولس لم يكن يعرفها.
في 16: 4، أراد لوقا أن يبرز في كلمة قصيرة السياسة التي اتبعتها الرسالة المسيحية، وأن يفهمنا أن الحل الذي اتُّخِذ في أورشليم، أنهى هذه المشكلة الشائكة. وفي 21: 24- 25 سيُفهمنا يعقوب أن الوثنيين يُعتبرون أمناء لموسى (رج غل 2: 10: "كل ما طلبوه منا هو أن نتذكر الفقراء") إن حفظوا هذا القليل الذي فُرض عليهم في أورشليم.
3- التدوين النهائي
إذا وضعنا جانباً مسألة المراجع وتماسكها وتاريخية الخبر، نقول إن هذا الفصل مهمٌ جداً من جهة التدوين النهائي ومضمون النص في مجمل عمل لوقا (لو+ أع). إن اجتماع أورشليم يشكّل في نظر لوقا محطّة حاسمة في تجاوز العالم اليهودي، في تجاوز الانغلاق على الشريعة الموسوية وفرائضها. وهذه المحطّة ترتبط من جهة بما فعله بطرس في قيصرية (15: 7: اختارني الله ليسمع الوثنييون من فمي كلام الإنجيل؛ 15: 14: أخبركم سمعان كيف اهتم الله أن يتخذ من بين الأمم شعباً)، وبما فعله المبشرون في أنطاكية أولاً (11: 20) وخلال الرحلة الرسولية الأولى التي تحدث عنها برنابا وبولس (15: 4: أخبروهم بكل ما أجرى الله على يديهما؟ 15: 12: استمعوا إلى برنابا وبولس وهما يرويان لهم الآيات والعجائب).
وهكذا، إذ يستعيد اجتماع أورشليم المحطات السابقة، فهو يدفع الكنيسة إلى الانفتاح، ويقدّم لها المناسبات لتبرّر بطريقة لاهوتية ونهائية خطها الذي لن تتراجع عنه. مجمع أورشليم هو وقت حدّدت فيه الكنيسة هويتها، بالنسبة إلى العالم اليهودي الذي خرجت منه، وبالنسبة إلى العالم الوثني الذي تتوجّه إليه.
ج- مجمع أم مجمعان في أورشليم؟
1- التقارب بين أع 15 وغل 2
إن الاجتماع الذي يخبرنا عنه أع 15: 1- 29 والذي تحدَّد موقعه خلال الصعود الثالث إلى أورشليم، هو الذي يتحدّث عنه بولس في غل 2: 1- 10 ويجعله خلال مجيئه الثاني إلى أورشليم. ماذا يورد بولس في رسالته؟ الصعود الثاني إلى أورشليم (آ 11)، رفقة برنابا (آ 1 ب)، رفقة تيطس (آ 1 ج). عرض الإنجيل على الشيوخ (آ 2)، قرار بأن لا يُفرض الختان (آ 3). هجوم المسيحيين المتهودين من أجل الختان (آ 4). لا مساومة ولا تنازل بالنسبة إلى المسيحيين المتهودين (آ 5- 6: ما استسلمنا لهم خاضعين ولو لحظة). تقاسم الحقول الرسولية (آ 7- 8، 9 ب: بطرس رسول لليهود، بولس رسول للوثنيين). موقف يوحنا الموافق (آ 19). وأخيراً طُلب من الرسول أن يتذكّر الفقراء (آ 10). هناك تقارب مع أع 15: 2، 12، 22، 25 فيما يخصّ رفقة برنابا، و15: 10، 19 في الحديث عن الختان، ومع 15: 1 ب، عن هجوم المتهوّدين: يجب أن يختتن الوثنييون.
أما لوقا (ف 15)، فهو يجعل مجمع أورشليم خلال الصعود الثالث، ولا يذكر رفقة تيطس (يقول بولس: أخذت تيطس معي، غل 2: 1 ج). يذكر لوقا أن الإنجيل عرض (آ 4، 6، 12) لا على الشيوخ فقط بل على الكنيسة كلها. ويورد بعض الإجراءات الضرورية (آ 20- 21، 28). وفي النهاية لا يقول لوقا لنا شيئاً عن اقتسام حقول الرسالة، عن موقف يوحنا، عن مسألة الاهتمام بالفقراء.
إذاً يعود التقارب بين أع 15 وغل 2 إلى النقاط الثلاث التالية: الأولى: انعقد في أورشليم لقاء شارك فيه بطرس ويعقوب وبولس وبرنابا. الثانية: ما أثار هذا اللقاء هو هجوم قام به المتهوّدون من أجل الختان. الثالثة: وانتهى اللقاء بإعلان يقول: "لا نضع على رقاب التلاميذ (الآتين من العالم الوثني) نيراً عجز آباؤنا وعجزنا نحن عن حمله" (15: 10).
2- الاختلافات بين أع 15 وغل 2
٭ الاختلاف الأول: هدف المجمع. لا تذكر غل 3: 1- 10 بصورة مباشرة وواضحة إلا مسألة الختان كموضوع خلاف في اجتماع أورشليم. أما في أع 15 (آ 5، 10، 19) فيُذكر الختان وتُذكر معه ممارسة مجمل الشريعة الموسوية.
في الواقع، نحن هنا أمام وجهتين متكاملتين. إذا كانت غل لم تذكر إلا الختان، فهناك معطيات تفرض هدفاَ آخر. مثلاً يقول بولس في 2: 2: "عرضت على الشيوخ (كبار المؤمنين) الإنجيل الذي أكرز به بين الوثنيين". وهذا الإنجيل (كما هو بارز في 2: 16) يشدّد على "أن الإنسان لا يتبرّر بأعمال الشريعة بل بالإيمان بالمسيح فقط". هذا هو الإنجيل الذي حمله بولس إلى الغلاطيين. أما المعارضون فنادوا بالختان (2: 4) وجعلوا حقيقة الإنجيل في خطر (2: 5). وستفهمنا 2: 11- 14 أن المسألة التي نوقشت في أورشليم تعدّت موضوع الختان.
٭ الاختلاف الثاني: القرارات المتخذة
شدّد بولس في 2: 6- 18 على أن الموافقة غير المشروطة التي نعم بها الموقف الذي أفصح عنه، لم يرافقه إلا طلب يدعو إلى الاهتمام بالفقراء (آ 10). أما في أع 15: 13- 29، فقد رافق هذه الموافقة متطلّبات كبيرة ذكرها يعقوب (آ 20: ذبائح الأصنام، الزنا مع الأقارب، الحيوان المخنوق، الدم) كما ذكرتها الرسالة التي بعث بها المجمع إلى الكنائس (آ 29: "إذا صنتم أنفسكم منها، فحسناً تفعلون").
وقاد هذا الاختلاف العلماء إلى القول بوجود اجتماعين جعلهما لوقا في أع 15 اجتماعاً واحداً. تتحدّث غل 2: 1- 10 والقسم الأول من أع 15 (آ 1- 12) عن الاجتماع الأول الذي قرّر الخط المنفتح الذي دافع عنه بولس وسانده بطرس (15: 7- 11): الحرية التامة بالنسبة إلى الختان وحفظ الشريعة. بعد ذلك كان اجتماع ثانٍ لم يشارك فيه بولس (هذا ما يفسرّ موقفه في 1 كور 8: 7 – 13؛ 10: 14- 33 حول مسألة اللحوم المقدمة للأوثان، وكأنه يجهل ما فرضه مجمع أورشليم، أع 15: 20- 29)، فأخذ بعين الاعتبار الوضع الخاص ببعض الجماعات من أجل التعايش بين مسيحيين جاؤوا من العالم اليهودي ومسيحيين جاؤوا من العالم الوثني (رج غل 2: 11- 14). فرض هذا الاجتماعُ الثاني قواعدَ سلوكية أشار إليها يعقوب (15: 13- 20) وأرسل الرسالة إلى الكنائس (15: 23- 29).
قد يكون لوقا رفض أن يميّز بين هذين الاجتماعين. ولكن كيف التحقّق من ذلك، وموضوع مراجع أع موضوع شائك وغامض (ولهذا كانت نظريات عديدة)؟
* الاختلاف الثالث: متى تم الاجتماع
إذا عدنا إلى غل عرفنا أن الاجتماع تمّ حين جاء بولس إلى أورشليم للمرة الثانية، وتحدّث مع الرسل عن موضوع الختان والشريعة. وإذا عدنا إلى أع 11: 30 و12: 25، نعرف أن بولس صعد مرة ثانية إلى أورشليم لا للجدال، بل ليحمل المعونة التي أرسلتها كنيسة أنطاكية إلى كنيسة أورشليم. 
أيكون بولس نسي هذه الزيارة أو أنه أغفلها وفيها ما فيها من أمور مادية أحب السكوت عنها؟ يبدو أنه من الصعب أن نقبل بهذه الفرضية. من جهة، اهتم بولس بأن يؤكد (أقوله أمام الله ولا أكذب، غل 1: 20) أنه لم يرجع إلى أورشليم على أثر الزيارة القصيرة التي قام بها بعد ارتداده بثلاث سنين. من جهة ثانية، تدل غل 2: 10 (رج 1 كور 16: 3- 8؛ 2 كور 8- 9؛ روم 15: 25 ي) أنه اهتم بهذه الزيارات “المادية” التي تحمل إلى الإخوة المقيمين في اليهودية ما أرسلته سائر الجماعات من معونة.
وهناك صعوبة أخرى تتعلّق بوقت لقاء أورشليم. حسب أع 15، تمّ اللقاء بعد الرحلة الرسولية الأولى (أع 13- 14). أما بولس فلا يلمّح إلى هذه الرحلة في غل، بل يكتفي بالإشارة إلى نشاط سابق في سورية وكيليكية (غل 1: 31 ي)، ولا يذكر المناطق التي بشّرها في سفرته الأولى وهي قبرص، بمفيلية، بسيدية، ليقونية.
تجاه هذا الاختلاف بين أع وغل، قُدّمت حلول عديدة تستند إلى افتراضات تتعلّق بمراجع أع وتدوينه. إلا أن هناك أموراً تبدو واضحة. نلاحظ أولاً أن خبر أع 15 وشهادة بولس في غل 2 تتجاهلان عملياً الرحلة الرسولية الأولى ما عدا 15: 12 (تدخّل بولس وبرنابا بين خطبة بطرس ويعقوب). ففي هذا الخبر، يعود تدخّل بطرس ويعقوب إلى حدث قيصرية (10: 1- 11: 18) والى قبول أول مجموعة وثنية في الكنيسة. من جهة ثانية إن المسألة التي كانت موضوع جدال في اجتماع أورشليم (هل نفرض على الوثنيين الشريعة الموسوية؟) طُرحت منذ الوقت الذي فيه توجهت البشارة إلى غير اليهود، إلى الوثنيين. وهذا بدأ أولاً في أنطاكية (11: 19- 26) حيث انفجر الخلاف كما يقول 15: 1 ي. ثم إن الرسالة (15: 23- 29) التي أرسلتها جماعة أورشليم، قد توجهت "إلى الإخوة المهتدين من الوثنيين في أنطاكية وسورية وكيليكية" (15: 23). نحن هنا أمام جماعات بشّرها بولس بعد ارتداده وقبل الرحلة الرسولية الأولى (11: 19- 26).
أما يوحي كلّ هذا أن لوقا استعمل مرجعاً يورد اجتماعاً أو اجتماعين، ولا يلمّح إلى الرحلة الرسولية الأولى؟ وحين وُضع خبر المجمع بعد تلك الرحلة، أجبر لوقا على وضع العبارة التدوينية (15: 12) ليربطها بما سبق.
ونلاحظ أيضاً أن خبر ف 15 الذي لا يرتبط بنص ف 13- 14، لا يرتبط أيضاً بنص ف 16- 18. أما نقدر أن نظن أن لوقا جعل في أع 15 أحداثاً أراد أن يضعها هنا ليشدّد على أهميتها؟ ولنا أمثلة عديدة عن هذا الأسلوب في الإنجيل. مثلاً مشهد مجمع الناصرة (لوقا 4: 16- 30): أراد لوقا أن يجعل المشهد في بداية رسالة يسوع، أن يجعله تدشيناَ لعمله، فبدلّ موضع الأحداث كما وجدها في مراجعه. أجل، إن لوقا لا يقدّم تقارير تفصيلية وكرونيكة لأحداث متعاقبة. إنه يقدّم عملاً أدبياً وفكراً لاهوتياً. فلا نطلب منه تسلسلاً تاريخياً جافاً، بل نظرة دينية تدخل في حياة الكنيسة الأولى وتلقي الضوء على كنائس اليوم. وهناك مثل آخر: يتبع لوقا (4: 14- 6: 20) ترتيب مرقس (1: 4- 3: 13)، ولكنه ينقل عناصر وجدها هنا وهناك عند متى فيجعلها في "صعود يسوع" إلى أورشليم الذي يهتم به اهتماماً خاصاً.
أيكون لوقا بدلّ موضع بعض الأحداث التي نقرأها في أع 11- 15؟ الأمر ممكن. نلاحظ أنه لا يهتمّ بتحديد عدد من الأحداث في الزمن. مثلاً يتحدّث عن مجيء بولس الثاني إلى أورشليم بصورة غامضة: "في تلك الأيام" (11: 27). وكذا يفعل عندما يخبرنا عن موت هيرودس: (وفي ذلك الوقت) (12: 1). أما 14: 28 فتدلّ على أنه بعد العودة من الرحلة الأولى، أقام بولس وبرنابا وقتاً غير قصير في جماعة أنطاكية. وبعد هذا حالاً، أدخل لوقا خبر ف 15 دون أية إشارة زمنية: (نزل جماعة من اليهودية وأخذوا يعلّمون الإخوة) (15: 1).
ونحن متأكدون، أقله في مرة واحدة، أن لوقا قلب ترتيب أحداث نقرأها في مكان آخر. فالمجاعة التي ذُكرت في 11: 28 وكانت مناسبة لمجيء بولس الثاني إلى أورشليم، لم تحدث قبل موت الملك هيرودس أغريبا الأولى، بل بعد موته. وحسب فلافيوس يوسيفوس (القديميات اليهودية 19/350). مات أغريبا في السنة الثالثة لحكم الامبراطور كلوديوس (41- 54) أي سنة 44. ويقول الكاتب عينه إن مجاعة حصلت في فلسطين على أيام الحاكم طيباريوس الاسكندر. وطيباريوس هذا خلف كوسبيوس فادولس الذي عُيّن بعد موت أغريبا (القديميات اليهودية 19/363). وتحدّث كتّاب قدماء آخرون عن مجاعة أصابت مناطق في الامبراطورية على أيام كلوديوس.
ينتج من كل هذا، أن لوقا لا يهتم اهتماماً دقيقاً بترتيب الأحداث، بل بالمعنى الذي تحمله هذه الأحداث في تفكيره اللاهوتي.
د- من اللاهوت إلى الحياة
في 6: 1- 6، واجهت كنيسة أورشليم مشكلة ملموسة وهي: طريقة توزيع المعونة للمحتاجين في الجماعة. وقد وجدت حلاً لها. وفي ف 15، نحن أمام مشكلة ملموسة أيضاً: هل نُجبر المسيحيين على ممارسة الختان والمحافظة على الشريعة؟ ولكن كان لهذه المشكلة استتباعات لاهوتية تُذكر بصورة واضحة في 15: 1: "إن لم تختتنوا لن تقدروا أن تخلصوا". إذن، نحن أمام مفهوم الخلاص ومخطط الله الخلاصي. وهذا ما تعنيه العبارة الخاصة في آ 5: "يجب أن يختتن الوثنييون ويعملوا بثريعة موسى".
في أي حال، يدلّ تدخل بطرس ويعقوب على هذا التداخل بين اللاهوت والحياة. من جهة، هناك لاهوت يستتبع الأحداث والاختبارات المعيوشة. ومن جهة ثانية، هناك ممارسة يجب أن تطابق الأسفار المقدّسة ومخطط الله .
1- تدخل بطرس (15: 7- 11): شهد اللّه لهم
بدأ بطرس كلامه فذكر الحدث الذي حصل في قيصرية، أي ارتداد الوثنيين الأولين. ردّد ما لاحظه: إن الله منحهم موهبة الروح القدس كما منحها لنا (آ 8). وزاد: طهّر الله قلوبهم (آ 9). وهذا يعني التوبة وغفران الخطايا كما في 11: 18. بعد هذا، إذا كانت موهبة الروح وغفران الخطايا قد وصلت إلى أناس وثنيين، فماذا ينقصهم إذن ليخلصوا؟ بهذا يقوم الخلاص: "يسوع المسيح هو الذي رفعه الله بيمينه وجعله قائداً ومخلّصاً ليمنح به شعب إسرائيل التوبة وغفران الخطايا. ونحن شهود على هذا كله، نحن والروح القدس الذي وهبه الله للذين يطيعونه" (5: 31).
الاستنتاج الأول: وهكذا لم يبقَ لبطرس إلا أن يتوقّف عند استنتاجين. الأوّل وهو عملي (آ 10). يتعلّق بالسلوك الواجب اتبّاعه تجاه الوثنيين الذين يرتدون. بما أن الله منح الخلاص للوثنيين الذين لا يعملون بالشريعة، فهذا يعني أن الشريعة ليست ضرورية للخلاص، وبالتالي يجب أن لا نفرضها على التلاميذ. ويوضح بطرس أن الشريعة هي نير لا يطاق لليهود أنفسهم. هل يعني هذا الكلام أن الشريعة تشكّل حملاً ثقيلاً أو أنه يستحيل على الإنسان ممارستها؟ هذه النظرة الثانية تلتقي وما قاله بولس الرسول في غل 3: 10- 11، 19؛ روم 2: 18- 23؛ 7: 15- 25.
الاستنتاج الثاني وهو لاهوتي (آ 11). إنه يطابق فكر بولس مطابقة تامة: بما أن الله وهب الخلاص للوثنيين الذين لا يعملون بالشريعة، يجب أن نفهم أن نعمة الرب يسوع تكفي الإنسان لكي يخلص.
استنتاجان يتجاوبان داخل دائرة واحدة: إذا كنا نقدر أن نشارك في الخلاص من دون الشريعة (هذا ما دلّ عليه حدث قيصرية)، فنعمة يسوع المسيح تكفي. وإذا كانت نعمة المسيح تكفي، لم نعد مجبرين على ممارسة الشريعة الموسوية. ونلاحظ أن هذا المبدأ يجرّ وراءه استنتاجات تتجاوز حالة الوثنيين: إذا كانت الشريعة غير ضرورية لخلاص الوثنيين، فليست أيضاً ضرورية لليهود الذين لم يعودوا مجُبرين على ممارستها. ولكن هذا الاستنتاج الذي وصل إليه بعض المؤمنين (21: 21: قالوا لبولس: "تعلّم اليهود المقيمين بين الوثنيين أن يرتدّوا عن شريعة موسى"، لم يعبَّر عنه في هذا المكان.
2- تدخل يعقوب (15: 13- 21)
وانطلق يعقوب (مثل بطرس) أيضاً من حدث قيصرية (آ 14)، ولكنه راح أبعد من بطرس، فدلّ على توافق هذا الحدث مع الأسفار المقدسة (آ 15- 18). أشار يعقوب (مثل بطرس) إلى الاستنتاجة العملية نفسها (آ 19: "لا نثقل على الوثنيين الذين يهتدون إلى الله")، ولكنه ضم إليها فرائض لا بد من العمل بها (آ 20- 21).
هناك المبدأ العام، وهناك الأمور العملية
أقرّ يعقوب، كما أقرّ بطرس قبله، بأن الله هو الذي تدخّل في عملية ارتداد الوثنيين: "اهتم الله أن يتّخذ من بين الأمم شعباً لاسمه" (15: 14). وهذا الانفتاح على الوثنيين يوافق مخطط الله، أو كما قال يعقوب "يدخل في سمفونية (يوافق) مع كلام الأنبياء". عاد يعقوب إلى عا 9: 11 ي وأورد النص لا حسب العبرية التي لا توافق مراده (يتكلم النص عن احتلال شعب ادوم)، بل حسب الترجمة اليونانية. بأي معنى يتم دخول الوثنيين إلى الكنيسة حسب قول عاموس؟ مع يسوع ووصول الأزمنة المسيحانية أقيمت خيمة داود فضُمَّ الوثنيون إلى اليهود في شعب واحد.
بما أن الله الأمين لمواعيده قد فتح الباب أمام الوثنيين الذين لا يحفظون الشريعة، فلا يجب بعد اليوم أن نفرضها عليهم. ولكن يعقوب لا يتوقّف عند هذا الحد. هنا تتبع فريضة مؤلفة من أربعة إجراءات ضرورية ترتبط بسفر اللاويين (ف 17- 18) يفرضها "يعقوب" على اليهود وعلى الغرباء الذين يقيمون بينهم. وُضعت هذه الإجراءات من أجل التعايش المشترك بين مسيحيين من أصل يهودي ظلوا متعلقين بالشريعة ومتطلبات الطهارة الطقسية، ومسيحيين من أصل وثني. كل هذا من أجل المشاركة في المائدة ولا سيّما في المائدة الافخارستية.

 

 

الفصل الحادي والأربعون
خطبة أثينة
17: 22- 31
مع أع 17 دخل التعليم المسيحي في عالم جديد هو عالم الفلسفة اليونانية. ومع خطبة بولس في فلاسفة أثينة، سندخل في خط افتتحه المدافعون اليهود، وسيتبعه المدافعون المسيحيون خلال القرن الثاني. في خطبة بولس في أثينة ستلتقي الفلسفة اليونانية والوحي المسيحي من أجل الحديث عن الله وعن المسيح الذي قام من بين الأموات. سندرس هذه الخطبة بعد أن نضعها في مجمل أع، ثم نستنتج المواضيع اللاهوتية التي فيها.
أ- موضوع الخطبة في أع
1- طريقة لوقا في الكتابة
يتركز الخبر الذي رواه أع على مسيرة بولس في عمل الرسالة، على مجمع أورشليم الذي يقسم نشاط بولس إلى حقبتين. تتوزع مسيرة بولس ثلاث خطب كبيرة. في البداية، في مجمع أنطاكية بسيدية. نجد مثال كرازة مسيحية تتوجّه إلى سامعين يهود (13: 16- 41). في الوسط، خطبة أثينة أمام سامعين وثنيين (17: 22- 31). وفي الختام، وصية رعاوية وجّهَها بولس إلى شيوخ كنيسة أفسس فكانت النموذج الوحيد لعظة تعني المسيحيين (20: 18- 35). وإذ أراد لوقا أن يشدّد على أهمية هذه الخطب الثلاث، هيّأ كل واحدة منها برسمة موجزة: نجد موضوع كرازة بولس لليهود في 9: 20، 22 (إن يسوع هو ابن الله، إن يسوع هو المسيح) الذي يتحدّث عن نشاط بولس في مجامع دمشق. وخطبة لسترة القصيرة (14: 15- 17) تبدو كمسوّدة لخطبة أثينة. ومواضيع خطبة الوداع لشيوخ أفسس نجدها في توصيات بولس للجماعات التي أسسّها خلاله الرحلة الرسولية الأولى: كان بولس وبرنابا يشدّدان عزائم التلاميذ ويشجّعانهم على الثبات في إيمانهم، ويقولان لهم: "لا بد من أن نجتاز كثيراً من المصاعب لندخل ملكوت الله" (14: 22- 23).
طريقة لوقا هي الطريقة المثلّثة. ففي سَجن بولس مثلاً نجد ثلاث خطب كبرى: دفاعه أمام شعب أورشليم (22: 1- 21)، دفاعه أمام الحاكم فيلكس (24: 10- 21)، ودفاعه أمام الملك أغريبا (26: 2- 23). وكذا نقول عن مجمع أورشليم: خطبة بطرس (15: 17- 11)، خطبة يعقوب (15: 13- 21)، الرسالة التي تتضمّن القرارات المجمعية (15: 23- 29).
2- مضمون الخطبة
اختار لوقا أنطاكية بسيدية لأن اسمها قريب من أنطاكية سورية وجعل خطبة بولس في مجمعها. واختار كنيسة أفسس لأنها آخر وأهم ما أسّس من كنائس. أما أثينة فلا تمثل في مسيرة بولس الرسولية محطة أهم مما تمثله كورنتوس، تسالونيكي أو فيليبي. نحن نجد السبب في أن هذه المدينة ترمز إلى العالم الهلنيستي. لم يكن يُحسَب لها حساب من الوجهة السياسية، ولكنّها كانت أعظم المدن الجامعية والعاصمة الحضارية للمسكونة. ففيها سيلتقي بولس المكلّف بإعلان الإنجيل على الوثنيين، بالفلاسفة الأبيقوريين والرواقيين، بممثلي الحكمة اليونانية. هذا ما تعنيه خطبة بولس في الأريوباج: لقاء التعليم الإنجيلي مع حكمة اليونانيين.
خطبة نموذجية قدّمها لوقا للمرسلين الذين يسيرون على خطى بولس. لا شك في أن لوقا لم ينسب نتائج ظاهرة لهذه الخطبة. بل قال: "إستهزأ به بعضهم". وقال له آخرون: "سنسمعك مرة أخرى" (17: 32). هذا لا يعني أن الخطيب لم يكن على مستوى المهمة. أولاً: لم يهزأ به الناس بسبب التوسّع الرئيسي الذي يتعلّق بالإله الحق. لقد اصطدم السامعون بإعلان القيامة (هذا هو الموضوع الذي يصدم حتى اليهود، رج 23: 6- 7؛ 24: 15؛ 26: 6- 28). ثم لا نستطيع أن نهمل آ 34: فقد كان للخطبة نتائج إيجابية. فإذا كان لوقا تذكر ارتداد ديونيسيوس الأريوباغي (أي أحد أعضاء المجلس)، فهذا يعني أنه لا يريد أن يبقينا في جوّ من الفشل.
ثم إن نهاية الخطبة لم تكن شراً من خطبة بولس التدشينية التي جعلت اليهود يشنّون عليه اضطهاداً عنيفاً (13: 44- 52)، ولا شراً من خطبة يسوع في الناصرة (لو 4: 16- 30). نقرأ في 17: 33: "وهكذا خرج بولس من بينهم"، فنتذكر حدث الناصرة: "أما هو (يسوع) فمرّ من بينهم ومضى" (لو 4: 30).
ب- البنية الأدبية للخطبة
1- تنوع التقارب
أولاً: التقارب الموضوعي
يسير عليه الشرّاح حين يدرسون خطب أع. هو يهتم بالمواد التي سيستعملها الكاتب، وبالطريقة التي تتوالى هذه المواد في الخطبة. فالخطبات الموجهة إلى اليهود تعالج النقاط عينها وتتبع رسمة واحدة. وإذا طبّقنا هذا التقارب على خطبة الأريوباج نجد: المقدمة (آ 22 ب- 23) والخاتمة (آ 20- 31)، ثم جسم الخطبة الذي يتألف من ثلاث مجموعات. الأولى، تؤكد أن الله خالق الكون وسيده لا يحتاج إلى هياكل ولا إلى شعائر عبادة (آ 24- 25). الثانية، تقول إن الله خلق البشر ليطلبوه (آ 26- 27). الثالثة، تبيّن أن قرابة الإنسان مع الله تنفي عبادة الأصنام (آ 28- 29). وكانت محاولات أخرى تجد في الخطبة قسمين كبيرين: قسم إعدادي (آ 22- 28)، قسم كرازي (آ 29- 31). هذا التقارب يهتم بالمضمون، ويعود إلى الأفكار التي تتوسّع فيها الخطبة، دون أن يهتم بالعمل التدويني.
ثانياً: التقارب البلاغي
هناك جذب انتباه القارئ (آ 22 ب- 23). إن آ 30- 31 تتوجّهان إلى عواطف السامع لتدعوه إلى القرار الذي يجب اتخاذه. هكذا تنتهي كل الخطب في أع: الوعد بالخلاص أو لوم السامعين. نجد في آ 24- 26 عرضاً للأحداث. بعد هذا، ينتقل الخطيب إلى البرهنة: يحاول أن يقنع سامعيه بما يعتبرونه معقولاً.
ثالثاً: النهج الدائري
هو شكل من الفن الخطابي. طبّق هذا النهج على الرسالة إلى العبرانيين. والأمر واضح بالنسبة إلى خطبة الأريوباج: أ (23)، ب (24- 25 أ)، ج (25 ب- 26 أ)، د (26 ب)، هـ (27 أ)، دد (27 ب)، ج (28- 29 أ)، ب ب (29 ب)، أ أ (30). فبعد أن نصل إلى القمة مع هـ (حتى يطلبوه لعلهم يلتمسونه فيمجدوه) نعود مع دد بصورة انحدارية حتى نصل من جديد إلى أأ.
2- بداية الخطبة ونهايتها
أولاً: الجملة الأولى (22 ب- 23)
"يا أهل أثينة أراكم أكثر الناس تديّنا في كل وجه، لأني وأنا أطوف في مدينتكم...". يتحدّث بولس عن تدين الأثينيين وكأنه يمتدحهم. ولكن القارئ عرف اشمئزاز بولس حين رأى المدينة مملوءة بالأصنام (17: 16). إذاً، تحمل اللفظة معنيين. ويبرّر بولس تدين الأثينيين: "لأني". لقد وجد عندهم مذبحاً مكرساً للإله المجهول (آ 33 أ). وتأتي الخاتمة حالاً فتحدّد موضوع الخطبة: "فهذا الذي تعبدونه ولا تعرفونه هو الذي أبشركم به" (آ 23 ب). لن يستطيع الأثينيون أن يماثلوا بين الإله الذي بنوا له مذبحاً، وبين الإله الذي سيحدّثهم عنه. هم لا يعرفون هذا الإله الذي جاء يبشرهم به.
ثانياً: الجملة الأخيرة (30- 31)
نجد تضميناً بين آ 30 وآ 23 ب. أولاً على مستوى الجهل: "تعبدونه وتجهلونه"، "غضّ الله نظره عن زمن الجهل". ثانياً: على مستوى الإعلان: بولس يبشر (آ 23)0 الله يبشر (يدعو، آ 30). ثالثاً: موازاة بين السامعين. في آ 23، يتوجّه بولس إلى الأثينيين (أبشركم أنتم). أما الإعلان الإلهي فيتوجه إلى كل البشر في كل مكان.
موضوع إعلان بولس هو الله (آ 23). موضوع إعلان الله هو التوبة. وتأتي آ 31 فتشدّد على ضرورة التوبة التي يُدعى إليها كل الناس، فلا يجب أن يتأخروا. الله يدعو الآن. وهذا الآن يرتبط بماض ومستقبل. في الماضي: حدّد الله يوماً، عيّن رجلاً وكفله حين أقامه. وفي المستقبل: سيدين العالم. الدينونة الهائلة آتية وهي تفرض التوبة. الساعة خطيرة، فعلى الناس أن يقرّروا ما يفعلون.
3- جسم الخطبة
تحدّث الشرّاح عن قسم كوسمولوجي (أي: خلق الكون): الله الذي صنع الكون (آ 24). وعن قسم انطروبولوجي (أي خلق الإنسان): خلق البشر (آ 26).
أولاً: الجملة في آ 24- 25
تتألف من اسمَيْ فاعلِ، من عبارتين سلبيتين، ثم من اسمَيْ فاعل. يتقابل أول اسم فاعل مع آخر اسم فاعل: الله الذي صنع (صانع) الكون مرة واحدة هو الإله الذي أعطى (معطي) كل الكائنات بصورة حالية ومتواصلة كل ما يحتاجون إليه (رج أش 42: 5: هكذا قال الله الرب خالق السماوات وناشرها، باسط الأرض مع ما ينبت فيها، الذي يعطي النسمة للشعب الذي يسكنها والروح للكائنات الذين يتحركون عليها). ونجد هذا التعارض بين اسمَيْ الفعل الباقيين. الثاني: رب السماء والأرض. الثالث: لا يحتاج إلى شيء. وتأتي العبارتان الرئيسيتان: الأولى تنكر أن يسكن الله في هياكل صنعتها أيدِ بشرية. الثانية تنكر أن الله تخدمه أيدِ بشرية. قولان متوازيان ومتكاملان. إذن، كل ثقل الجملة موجود في العبارتين السلبيتين: لا يحتاج الله إلى هياكل ولا إلى ذبائح.
ثانياً: الجملة في آ 26- 29
تبدأ مع فعل "صنع" في آ 26 الذي يكرّر فعل آ 24 أ. بعد أن تكلم عن خلق الكون (آ 24- 25)، ها هو يتكلّم عن خلق الإنسان. لماذا خلق الله البشر؟ ليسكنوا (آ 26)، ليطلبوا الله (آ 27). حدّد لهم الأوقات والأماكن (آ 26)، وهم يطلبون اللُّه لعلّهم يجدونه. وتأتي جملة اعتراضية في آ 27 ج - 29 أ (وهو غير بعيد... وما دمنا أبناء الله). والنتيجة: يجب علينا أن لا نحسب الألوهة (آ 29).
ما يريد الكاتب أن يبيّنه هو أن الله لا يسكن في هياكل صنعتها أيدي البشر، إنه لا يرضى بأن تخدمه أيدٍ بشرية، إنه لا يشبه تماثيل الذهب والفضة والحجر. ولكن خطبة أثينة لا تتضمّن فقط أموراً سلبية. فهناك تعليم مسيحي يفهمه سامعون غريبون عن تقليد اليهود الديني.
ج- إله الوحي
تتضمّن خطبة أثينة عناصر بيبلية وعناصر هلنستية. سنتوقّف في هذا القسم على العلاقة التي تجعلها بين هذا الإله الذي تتكلّم عنه وما يشكّل الموضوع المسيحي بحصر المعنى. بعد هذا نبحث: إلى أي مدى هذا الإله هو إله العهد القديم؟
1- الله الذي أقام يسوع من الأموات
أولاً: الخطبة في حد ذاتها (آ 22- 31)
نشير أولاً إلى أن اسم يسوع لم يُذكر مرة واحدة، كما لم يذكر في خطبة أسطفانس (يتكلّم أسطفانس عن يسوع دون أن يسمّيه. يتحدث في 7: 52 عن البار الذي أسلمتموه وقتلتموه). في خطبة أثينة، يشير بولس إلى "رجل اختاره الله وبرهن عن اختياره بأن أقامه من بين الأموات" (17: 31).
يشير الإعلان بطريقة مباشرة إلى الدينونة. وذُكرت القيامة ككافلة لدور يسوع كديّانٍ سام. هنا تبدو المقابلة ضرورية مع خطبة بطرس في قيصرية. اختار الله الرسل الاثني عشر ليكونوا شهوداً لقيامة يسوع (10: 40- 41)، فوجب عليهم أن يبشّروا الشعب ليشهدوا أن الله جعله ديّاناً للأحياء والأموات (10: 42). وبالنظر إلى الدينونة، زاد بطرس مستنداً إلى شهادة الأنبياء: "كل من آمن به ينال باسمه غفران الخطايا". (10: 43). نرى في ف 10 أن العلاقةْ بين قيامة يسوع ووظيفته الإسكاتولوجية تأمنت بشهود الحدث الفصحي، الذين كفلوا في الوقت عينه بُعده الإسكاتولوجي. أما ف 17 فيتكلّم فقط عن القيامة. إذن، يجعل القيامة كافلة للدور الذي سيلعبه يسوع عندما يدين المسكونة.
تشكل دينونة الله مع ذكر قيامة يسوع خاتمة الخطب في أع (2: 38- 40؛ 3: 23، 26؛ 13: 38- 41؛ رج 1 تس 1: 10). هو الوقت الذي فيه يؤثر الخطيب على السامعين، فيدعوهم إلى تأمين غفران خطاياهم بواسطة الإيمان (10: 43؛ 13: 38- 39) أو التوبة (2: 38؛ 3: 26؛ 17: 30).
نجد صعوبة في آ 31. كيف تكون قيامة يسوع برهاناً على دوره الإسكاتولوجي؟ القيامة هي موضوع إيمان، فكيف تصبح برهاناً بالنسبة إلى شيء آخر؟ إن القيامة هي عمل قام به الله، والإيمان وحده يساعدنا على التعرّف إلى عمل الله. وقيامة يسوع تكون برهاناً، لأنهّا تشكّل شهادة إلهية تدلّ على أن يسوع هو الذي يدين الأحياء والأموات.
ثانياً: الإطار الإخباري
إن الإطار الإخباري الذي فيه أقحم لوقا الخطبة يدلّ على أن العمل الذي به أقام الله يسوع، يشكل النقطة الأساسية في التعليم المسيحي (وإن ذُكر في نهاية الخطبة). فالآية 18 تقول إن بولس كان "يبشرّ بيسوع والقيامة". هذا هو الإنجيل الذي فهمه السامعون بطريقة خاطئة انطلاقاً من أفكار "شركية" (تعدد الآلهة)، والذي دُعي بولس إلى أن يشرحه للناس. وفي إطار المشهد الذي يفتتح الخطبة، كل ما قيل عن الإله الحقيقي ليس إلا مدخلاً للحديث عن قيامة يسوع. انتهت الخطبة بذكر القيامة، فتوقّف عندها السامعون وكأنهم لم يسمعوا إلاّها. أن قضية القيامة تقسم الناس، سواء أمام السنهدرين أو الأريوباج. وإن سؤال بولس أمام الملك أغريبا يلّخص الوضع كما يراه لوقا: "لماذا تظنون أنه لا يصدّق أن الله يقيم الأموات" (26: 8)؟
ويبقى أن شرك السامعين أثار في أثينة صعوبة لم يواجهها التعليم عن القيامة في المحيط اليهودي: إن الإيمان بقيامة يسوع يفترض الإيمان بالله الذي أقام يسوع. والإشارة التي تفتتح خطبة أثينة، تفهمنا لماذا أطالت الخطبة الحديث عن الله. ولكن هذا الموضوع المركزي في الخطبة لن ينسينا نقطة الانطلاق والوصول: إعلان قيامة يسوع. ما يهمّ لوقا هو التعليم المسيحي.
2- الإله الذي خلق العالم وكل ما فيه
هل الإله الذي أعلنه بولس في أريوباج أثينة هو إله التوراة؟ الجواب: نعم ولا. نعم في ما يقوله. لا في ما لا يقوله. لا بد من أخذ الوجهتين بعين الاعتبار.
أولاً: التأكيد
تتحدّث الخطبة عن الإله الحقيقي فتعني علاقته بالعالم والإنسان: كل شيء خلق به. تقول بداية التوسيع الأول: الله الذي خلق الكون وكل ما فيه هو رب السماء والأرض. ترد هنا كلمة "كوسموس" (العالم) التي تعني كل موجود في العالم اليوناني، أما هنا فهي تدل على "وعاء" يحوي الموجودات. إذن، تحل "كوسموس" محل العبارة البيبلية: السماء والأرض. الكلمة يونانية، ولكن الفكرة التي تعبّر عنها تجد كل جذورها في التقليد البيبلي.
قيل الكثير عن توقيت الأزمنة، وتحديد الأماكن (آ 26). ولكن ما لا شك فيه هو أن البداية تذكرنا بخبر الخلق (تك 1: 28) حين تعلن أن الله "جعل من واحد كل أمة البشر ليسكنوا على كل وجه الأرض". فإن كنا لا نفرض وراء هذه التأكيدات عن قرابتنا مع الله (آ 27 ج- 28)، التعليم البيبلي عن خلق الإنسان على صوِرة الله (تك 1: 26- 27)، لن نصل إلى ما قيل ضد عبادة الأوثان في آ 29: لا نحسب الألوهة... إن الإله الحقيقي الذي تتحدث عنه الخطبة هو الخالق الذي تتحدّث عنه التوراة في صفحاتها الأولى.
ثانياً: الصمت
لا تقول الخطبة شيئاً عمّا يتعلق بالوحي الذي أوصله الله إلى شعب مختار. من هذا القبيل، تتميز خطبتا لسترة وأثينة عن خطب أع الموجهة إلى اليهود: فخطبة أسطفانس تنطلق من وحي اللُّه إلى إبراهيم (7: 2- 8). وخطبة بولس في مجمع أنطاكية بسيدية تبدأ مع اختيار الآباء والخروج من مصر (13: 17). الإله الحقيقي هو "إله آبائنا" (3: 13؛ 5: 30؛ 22: 14) "إله شعب إسرائيل هذا" (13: 17).
لم تتكلم الخطبة عن علاقة الإله الخالق مع شعب خاص، ولم تخبر السامعين أن المتكلم معهم هو يهودي. هنا يختلف الوضع عما نجده في فيلبي (16: 20: هما يهوديان). وحين يتكلّم بولس عن "بعض شعرائكم"، فهو يدلّ على أن المتحدّث غريب.
أجل، لم تشر الخطبة إلى شعب خاص فتحدثت عن تعليم شامل. إن بولس يشدّد على العلاقة الموجودة بين الله وكل شيء وكل إنسان في كل مكان (آ 24، 26، 27، 30). الله الذي يذكره يتميّز بشموليته: هو إله كل شيء وإله كل البشر. هنا نذكر أن سلسلة النسب في لوقا تنطلق لا من إبراهيم كما فعل متى (1: 1- 17)، بل تعود إلى آدم (ابن) الله (لو 3: 23- 38).
د- إله الوثنين
لا نتعرف إلى الإله الذي تتكلم عنه خطبة أثينة بالعلاقة التي تربطه بشعب إسرائيل، بل بعلاقته بالعالم والجنس البشري كله. ولكن يجب أن تصبح هذه العلاقة مفهومة لدى سامعين يجهلون الوحي البيبلي، يجهلون وحيا يرتبط بتاريخ شعب خاص. هل نستطيع أن نصل إلى الإله الحقيقي بطريق تختلف عن طريق التاريخ، وما هي هذه الطريق؟ سنتحدث عن ثلاث: طريق العقل، وخطبة بولس هي جواب على سؤال الفلاسفة (آ 18). طريق الديانة الوثنية، والوثنيون يعبدون الإله الذي يبشرْهم به بولس وهم لا يعرفونه (آ 23). والطريق الثالثة هي الحس الديني الذي لا يمتزج مع المسيرة العقلية ولا مع الممارسات الدينية التي يرفضها بولس.
1- طريق العقل
أولاً: إن الخطيب يدعو سامعيه إلى معرفة الله. ولكن بم تقوم هذه المعرفة؟ يستعمل فعل عرف مرتين في المقدمة الإخبارية: يريد فلاسفة أثينة أن يعرفوا التعليم الجديد الذي يتحدث عنه بولس (آ 19). يريدون أن "يعرفوا" ما تعني هذه الأقوال الغريبة التي يطلقها بولس 
(آ 20). نحن هنا أمام استعلام، أمام بحث عن علم يطلبه الفلاسفة. وهكذا انطلقت الخطبة من مدوّنة على مذبح مكرس "للإله المجهول" (آ 23، غير المعروف، وما يفكّر فيه بولس هو غير ما يفكر به سامعوه).
ويتابع بولس حالاً: "الذي تعبدونه وأنتم لا تعرفونه أنا أخبركم به" (آ 23 ج). لن نحدد معنى كلمة عرف، بل نشير إلى الالتباس الباقي. إذا انطلقنا من وجهة نظر سامعي بولس، فكرنا أنه سيعطيهم معلومات عن إله يقف مع سائر الآلهة. أما القارئ المسيحي فيعرف أن بولس يعني شيئاً آخر. الخطيب الحقيقي هو الذي يستفيد من معاني مختلفة تحملها كلمة واحدة ليصل إلى سامعيه.
وتنتهي الخطبة فتعلن: "وإذا كان الله غضّ نظره عن زمن الجهل (لا معرفة) فهو الآن يدعو الناس كلّهم في كل مكان إلى التوبة" (آ 30). الزمن الماضي هو زمن الجهل. الزمن الحاضر هو زمن التوبة. إذا كان للتوبة معنى ديني، فالجهل لا يكون فقط جهلاً على مستوى العقل. وهكذا بدأت الخطبة باستعلام يزيل الجهل، فوصلت بنا إلى جهل خاطئ يجب أن نتوب عنه.
ثانياً: فعل تكلّم. قبل الخطبة نرى بولس يتجادل (يناقش) مع يهود المجمع أو من يصادفهم في ساحة (أغورا) المدينة (آ 17) في آ 18 نرى الفلاسفة يجادلونه فيرون فيه واعظاً يعلن خبراً طيباً. بهذه الصورة قدّم بولس نفسه في مقدّمة الخطبة: "من تعبدونه أنا أبشّركم به" (آ 23). هذا الكلام يقابل خطبة لسترة حيث يقول المرسلان إنهما يحملان بشارة (14: 15). ونبقى في الخط عينه مع نهاية خطبة أثينة حين يعلن بولس أن الله دعا (بشّر) كل البشر بأن عليهم أن يتوبوا (آ 30). وهكذا لا نكون مع تعليم فلسفي، كما قال بعض الشّرّاح، بل أمام تعليم ديني.
ثالثاً: ليست برهنة الخطبة برهنة عقلية. لا شكّ في أن هناك عناصر رواقية، ولكن العبارات الرواقية في آ 27- 28 لم تعد ملوّنة بالحلولية المعروفة عند الرواقيين. فنحن هنا أمام برهان. ولكن إلامَ يقود هذا البرهان؟ إلى رفض الهياكل والذبائح والتماثيل، إلى نداء إلى التوبة. المهم لا أن نعرف أن الله موجود، أن نعرف هويته، بل أن نعرف كيف نتصرف حياله.
رابعاً: هنا نعود إلى خطبة لسترة (14: 15- 17)، ولغتها قريبة من لغة خطبة أثينة. حمل بولس وبرنابا بشارة تدعو الوثنيين ليهتدوا (رج 17: 30) "إلى الإله الحي الذي خلق السماء والأرض والبحر وكل ما فيها" (رج 17: 24). إن الزمن الحاضر يجعل الناس أمام وضع يختلف عن وضع الأجيال السابقة حيث "ترك جميع الأمم تتبع طريقها الخاص" (14: 16؛ رج 17: 30). وتلفت انتباهنا آ 17: "ولكنه كان يشهد (ولا يزال) لنفسه بما يعمل من الخير: أنزل المطر من السماء وأعطى المواسم في حينها، ورزقنا القوت، وملأ قلوبنا بالسرور". أجل، شهد الله دوماً لنفسه حين أمّن لهم ما يحتاجون إليه. فعلى السامعين أن يبدّلوا موقفهم بعد اليوم: يميلون عن الأصنام، ويهتدون إلى الإله الحي الذي هو في الوقت نفسه إله خيّر. قَبِل الله حتى الآن بتصرفات تدلّ على جهل. أما الآن فجاء وقت التوبة والتخلي عن الممارسات التي تغيظه.
2- طريق الديانة الوثنية
إن الحكم المسيحي على الديانة التي يمارسها الوثنيون يختلف حسب الوجهة التي نتخذها. وهذا ما نراه في شروح بولس للكورنثيين حول اللحوم المقدمة للأصنام. من جهة، لا يرى بولس فيها شراً: ليست الأصنام شيئاً (1كور 8: 4)، وبالتالي لم تتبدّل اللحوم المقدمة لها. ولكن هناك وجهة أخرى: ما يُذبح في ذبائح الوثنيين يُذبح للشياطين، لا لله. فمن أكل منها دخل في شركة مع الشياطين وأثار غضب الله (1كور 10: 20، 22). كان موقف الرسول حيادياً، فصار سلبياً ساعة تبدّلت الوجهة.
والسؤال الذي نطرحه الآن: أما تتخذ خطبة الأريوباج موقفاً إيجابياً؟ لو كان الناس يقدّمون ما يقدّمون إكراماً للإله الحقيقي وهم يجهلونه، لكان الأمر هكذا، فلن ينقص هذه العبادة إلا التصحيح. ولكن هل هذا هو رأي بولس في خطبة أثينة؟
أولاً: تتميز ممارسة الديانة الوثنية منذ كلمات الخطبة الأولى بكلمة "التدين". ويتحدث بولس عن المعابد التي بناها الأثينيون. ويزيد بولس: "من تعبدونه ولا تعرفونه أنا أبشركم به". فالفعل اليوناني (أوسابيو) يدلّ على كل عبادة يهودية (3: 12؛ 10: 2، 7) أو وثنية. وأخيراً هناك "الخدمة: أي الطقوس. "الإله الذي خلق السماء... لا تخدمه أيدٍ بشرية وكأنه يحتاج إليها..." لم نجد في كل هذه الكلمات حكماً إيجابياً على العبادة الوثنية!
ثانياً: موضوع العبادة الوثنية. وهنا تبقى الخطبة على الحياد. هي لا تقول إن الإله الحقيقي قد يكون موضوعاً ضمنياً لعبادة وثنية، بل يتجنّب الخطيب أن تُنسب إليه مثل هذه الفكرة. فبين الإله المجهول الذي هو إله من الآلهة، والإله الواحد الذي خلق الكون، تبقى منطقة تمنعنا من أن نماثل بين هذا وذاك.
3- الإنسان الباحث عن الله
تعلن خطبة أثينة هدفين لخلق الإنسان: أن يسكن الأرض (آ 26)، أن يطلب (يبحث عن) الله (آ 7 أ). حين نقول إن الإنسان صُنع ليبحث عن الله، فهذا يعني أن البحث يؤدّي إلى اكتشاف، وأن الإنسان يستطيع بجذوره أن يجد الله. هذا ما تقوله آ 27 (قد يستطيعون أن يدركوه بالتلمّس ويجدوه) مع شكّ بقدرة الإنسان. فأهل أثينة لم يصلوا إلى الإله الحقيقي، ولكن بولس لا يريد أن يوبّخهم بطريقة مباشرة.
تتحدث الخطبة عن إمكانية الوصول إلى الله وتدلّ على الأساس. إذا كان البشر يستطيعون أن يجدوا الله، فلأن الله ليس بعيداً عنهم: فيه يحيون ويتحرّكون ويُوجدون (آ 27). ولأنه يرتبط بقرابة معهم: "نحن من نسله" (آ 28). نحن هنا في جو رواقي.
وهكذا تلتقي الحضارة اليونانية مع الوحي الكتابي في البحث عن الله. هذا ما تدلّ عليه خطبة أثينة التي وجَدَت في قلب كل البشر انتظاراً واستعداداً نفسياً لتقبّل التعليم. جاء بولس وحدثهم عن الإله الحقيقي الذي لا يعرفونه، حدّثهم عن يسوع الذي يأتي كدّيان، ودعاهم إلى التوبة، فأنضم إليه بعض الناس وآمنوا. تلك كانت الخطوة الأولى في طريق البشارة إلى اليونانيين، وستتبعها خطوة ثانية تصل بهم إلى الصليب الذي هو حماقة في نظرهم (1كور 1: 23).

 

 

الفصل الثاني والأربعون
صعود بولس إلى أورشليم
20: 36- 21: 16
أ- المقدمة
يتوجّه التفسير الحديث لهذا النص في ثلاثة خطوط رئيسية.
1- الخط الأول
يعتبر معظم الشرّاح أن هذا النص يروي خبراً عاشه الكاتب: دوّنه في صيغة المتكلم الجمع بشكل يوميات مسافر، وابتعد عنه كل عنصر عجائبي. لهذا يكون التفسير على مستوى فقه اللغة وعلى مستوى التاريخ. وكان يوحنا فم الذهب قد رأى الصعوبة التأويلية الكبرى في 21: 4: "وكانوا يقولون لبولس بوحي من الروح، أن لا يصعد إلى أورشليم". ميّز بين النبوءة عن الآلام التي أوحى بها الروح، والاستعطاف البشري (الذي لا يلهمه الله) بأن لا يصعد إلى أورشليم. قال يوحنا فم الذهب أولاً: اعتاد بولس أن يقتنع حين لا يعارض الروح القدس. ولكنه لم يتراجع هنا رغم توسّلات وبكاء المؤمنين الذين أعلنوا له الشقاء، ولو أعلن هذا الشقاء بوحي من الروح القدس. إذن، عرف أن الروح يريده أن يصعد إلى أورشليم، رغم المخاطر التي تهدده. وقال ثانياً: لماذا يعارض المؤمنون، حاملو النبوءة، الروح القدس؟ لأنهم يجهلون إلى أين سيقودهم. أنبأوا بالشقاء فجاء إنباؤهم بوحي من الروح القدس، أما استعطافهم بأن لا يذهب إلى أورشليم (من أجل نجاة الرسول) فليس موحى.
2- الخط الثاني.
الخط الثاني هو خط النظرة التدوينية: عاد لوقا إلى تقاليد ضعيفة وناقصة. أما الفصل الذي ندرس فهو تأليف حرّ ينقل فيه الكاتب بولس من آسية (ميليتس) إلى فلسطين عبر بضعة وقائع تعطي نكهة خاصة لتحرّك عادي ويمكن أن يكون مبتذلاً.
3- الخط الثالث
عاد الشرّاِح الحديثون إلى فرضية قديمة، وقابلوا بين الإنجيل والأعمال، بين آلام بولس وآلام يسوع، بين مصير يسوع ومصير بولس.
أما نحن فنظن أن لوقا استند إلى معيوش تاريخي لا نستطيع دوماً أن نتحقق من صحته تحققاً كاملاً. انطلق من تقاليد معروفة، ورتبها بأسلوب كتابي قريب مما نجده في الأدب اليوناني.
ماذا نجد في قلب هذا المقطع؟ عرف "البطل" بوحي (جاءته علامة أو حلم) إلهي أنه ذاهب إلى الموت. وعى مسؤوليته، ولكنه خضع لقدره فقبل هذا المخرج. حاول أخصّاؤه من أصدقاء وجماعة ينتمي إليها، أن يدعوه لينجو بحياته بسبب محبتهم له وبسبب ضرورة وجوده بينهم كقائد ورئيس. ويبرز التوتّر بين البطل وأخصائه. يشدد هؤلاء على المحبة المتبادلة وعلى خير الجماعة. أما البطل، فيشدد على إرادة الله. ونتيجة هذه الأزمة هي عودة الجميع إلى قاعدة سامية، هي انتصار شريعة الشرائع، انتصار إرادة الله. نقرأ في 21: 14: "سكتنا وقلنا: لتكن مشيئة الرب".
بعد أن نقدم تفسيراً لهذا النص، سنكتشف نموذجاً أدبياً اتبعه لوقا: عبّر بطريقة الاتفاقات عن عناصر عديدة مثل الانفصال والعلامات النبوية، مهما كانت درجتها التاريخية، ولكن هذا لا يعني أن الكاتب نقصه الصدق في تقديم الواقع.
ب- تفسير المقطع (20: 36- 21: 16)
1- وداع مؤثر (20: 36- 38)
آ 36- وبعد خطبة بولس لشيوخ أفسس المجتمعين في ميليتس، بدأت صلاة: ركع بولس وركعت الجماعة معه. لقد اعتاد بولس أن يحدّثنا عن الصلاة في الإنجيل وفي الأعمال. إن الصلاة هي طقس من طقوس الوداع (21: 5- 6).
آ 37- وجاء وقت الانفصال، فصوّره لوقا بألوان بيبلية. نقرأ مثلاً في تك 33: 4 كيف استقبل يوسف أخاه بنيامين (رج تك 46: 29). ليست القبلة هنا قبلة السلام المعروفة بين المسيحيين (رج 1 تس 5: 26؛ 1 كور 16: 20؛ 2 كور 13: 12؛ روم 16: 16) بل هي تعبير عن الحزن الممزوج بالمحبة.
آ 38- ومع عبارة تعود بنا إلى آ 25 (وأنا أعرف أنكم لن تروا وجهي بعد اليوم) يعلن لوقا أن هذا الوداع هو نهائي. إن السجن ينتظره، وإنه لن يعود يرى أحبّاءه. إن وجهة بولس هي أورشليم كما كانت وجهة معلمه من قبله. نقرأ في لو 9: 51 : "اتخذ يسوع بحزم (حرفياً صلّب وجهه أو قوى قلبه فلا شيء يثنيه عن عزمه) الطريق إلى أورشليم". أجل، إن لوقا اعتبر بولس وكأنه انتقل إلى عالم الموت.
2- من ميليتس إلى صور (21: 1- 6)
آ 1- انتزع بولس ورفاقه نفوسهم انتزاعاً من أصدقائهم في ميليتس: توجهّوا إلى كوس ثم رودس (أي مرفأ رودس) وباترة. وهناك اختلافة تفول: باترة وميرة. وهذه الزيادة (ميرة) تقود المسافرين مسافة 80 كلم إلى الشرق. يعتبر هانشن أننا أمام خطأ النسّاخ. فكيف يُعقل أن يقطع المسافرون كل هذه المسافة في يوم واحد؟ من تعني صيغة المتكلم الجمع؟ قال جاكييه: لوقا وحده. فإن تروفيموس وأسترخس قد انفصلا عن الجماعة. ولكن لوقا لا يشير إلى هذا الانفصال. ويربط البنية الإخبارية للخطبة السابقة بالمسيرة التي تتوالى. قادنا في أول يوم من السفر إلى كوس، والثاني إلى رودس، والثالث إلى باترة، مرفأ ليقية.
آ 2- هنا انتقل المسافرون من مركب إلى آخر، إلى مركب يتوجّه مباشرة إلى فينيقية. يتحدّث لوقا عن فينيقية أو سورية أو صور بلا تمييز. المهم وجهة السفر: أورشليم. بولس هو معجّل، والوقت يدهمه كما يقول 20: 16: لا يريد أن يتأخّر في آسية، وهو يريد السرعة لعلّه يصل إلى أورشليم في يوم العنصرة. حسب النص البازي، انتقل المسافرون من مركب إلى مركب في ميرة.
آ 3- خسرت صور أهميتها السياسة، ولكنّها ظلت مرفأ نشيطاً على الشاطئ الشرقي للبحر المتوسط. متى بُشّرت صور؟ بعد أن تشتّت المؤمنون على أثر مقتل اسطفانس (11: 19- 20: انتقلوا إلى فينيقية وقبرص وأنطاكية). ترك المركب قبرص إلى الشمال وتوجّه إلى صور. هذا يتطلب يومين من السفر على الأقلّ. كان على المركب أن يفرغ حمولته في صور. لا شك في أنه لم يكن ذاهباً في الحال إلى مكان آخر. إن قرأنا النص اليوناني، نلاحظ هنا كيف يستعمل لوقا كلمات تقنية تختص بالملاحة (انافاننتس: أرسل نظرة).
آ 4- لا يحدّثنا لوقا عن تأسيس هذه الجماعة، ولكنّه يقول إن بولس وجد التلاميذ، اكتشفهم. ألم يكونوا معروفين؟ هل كانوا قلّة قليلة؟ الأمر معقول. على بولس الآن أن ينتظر مركباً يوصله إلى موضع اتجاهه. فتفريغ المركب وتحميله يتطلّبان وقتاً طويلاً (قد يكون بولس ذهب في المركب عينه أو اتخذ مركباً آخر يوصله إلى قيصرية). هنا يتساءل الشرّاح بدهشة: كيف قضى بولس سبعة أيام في صور؟ قد يكون انتظر المركب. ولكن لماذا لا نقول إنه فرح بوجود جماعة مسيحية في صور. قد يكون بحث عنهم وجمعهم. رأى الروح (أي الروح القدس) يعمل في "هؤلاء الأنبياء" ويتكلّم فيهم. قالوا له: لا تصعد إلى أورشليم. ولكن بولس عرف بوحي إلهي أنه من الضروري أن يذهب إلى أورشليم. هل من تعارض بين وحي الروح لجماعة صور وإلهام الله لبولس؟ هناك جواب أول: "الأنبياء" رأوا ما ينتظر بولس من آلام في أورشليم، فطلبوا منه أن لا يذهب، بعد أن تغلّبت فيهم العاطفة على إرادة الله (يقول بولس في 26: 19 إنه لم يقاوم الرؤيا السماوية. هذا يعني أنه بالإمكان مقاومتها). سنرى فيما بعد كيف أن الروح ليس وقفاً على احد، وأنه يطلب منا أن ننطلق إلى الأمام منتظرين أنوارا أخرى تضيء تصرفاتنا.
آ 5- 6 نقرأ في البداية: "وحدث أنه..." نحن هنا أمام أسلوب لوقاوي اكتسبه كاتب أع من التوراة في نسختها اليونانية. وقد نكون أمام رغبة في متابعة السفر أو أمام خطورة الذهاب. ورافقت الجماعة كلها بولس إلى الشاطئ وهناك ودّعته. هذا ما قرأناه أيضاً في 28: 35- 38. إذن، لم يأخذ بولس بتنبيه المسيحيين في صور، رغم محبتهم له: "جاؤوا بنسائهم وأطفالهم ليودعوه"!
3- من صور إلى قيصرية (21: 7- 9)
آ 7- وانطلق المركب، ولم تنته رحلته في بطلمايس. إنها تبعد مسافة 64 كلم عن صور في طريق البحر. إذاً، لماذا انتظر بولس أسبوعاً كاملاً، ولماذا لم يقطع المسافة بطريق البر؟ هذا يعني أن الباخرة نفسها وصلت إلى قيصرية. بطلمايس هي عكا الحديثة. وكان فيها كنيسة منذ تشتت المسيحيين (11: 19). وجد بولس في بطلمايس جماعة مسيحية لم يتحدّث لوقا عن تأسيسها. قضى المسافرون يوماً مع الإخوة قبل التوجّه إلى قيصرية التي لا تبعد عن بطلمايس إلا ما يقارب الستين كلم.
آ 8- أقام بولس ورفاقه مع فيلبس، رفيق اسطفانس (6: 5). إنه "إنجيلي" أي المبشر (المعلن) بالإنجيل (لتمييزه عن فيلبس الرسول). إن نشاطه الرسولي أعطاه هذا الاسم (أف 4: 11؛ 2 تم 4: 5). وهو أحد السبعة. يقول 8 : 40 إنه ذهب إلى قيصرية حيث أسّس جماعة مسيحية. نشير إلى أن التقليد اللاحق سيخلط بين فيلبس أحد السبعة وبين الرسول فيلبس.
آ 9- له أربع بنات غير متزوجات، وكن يتنبأن. هل من علاقة بين البتولية وموهبة النبوءة؟ لا ننسى أنه كان للعذارى والأرامل وضع خاص في الكنيسة (1 تم 5: 3- 16). ما يدهشنا هو أن البنات لم يتنبأن عن مصير بولس. قد يكون لوقا اكتفى بما وجده في مراجعه: تحدّث عن مضيفي بولس، ولكنه لم يعرف شيئاً عن تحذير وصل إلى بولس على ألسنتهن.
4- كلام أغابوس (21: 10- 14)
آ 10- يقدّم لنا لوقا أغابوس وكأنه شخص غير معروف. تمتد اليهودية أمام أورشليم، وتنتمي قيصرية أيضاً إلى مقاطعة اليهودية الإدارية.
آ 11- يتساءل لوازي حول أغابوس: كيف لم يسلّم على الجماعة المسيحية، ولماذا يتوجه مباشرة إلى بولس الذي لا يعرفه؟ أخذ حزام بولس وقيّد به يديه ورجليه. ولكن كيف يقيّد الإنسان يديه؟ هذا أمر غير معقول. ثم إن اليهود أمسكوا بولس، ولكنهم لم يقيّدوه ولا سلّموه إلى الرومان. بل إن الرومان هم الذين أخذوه من أيديهم.
نحن أولاً أمام فعلة نبوية قام بها أغابوس، فذكرنا بما فعل أشعيا (20: 2) حين سار في شوارع أورشليم حافياً وعرياناً ليدلّ على الحالة التي سيصير إليها شعبه بعد مجيء سرجون الآشوري. وبما فعل ارميا (13: 1 ي) حين أخذ حزامه وطمره في الوادي ففسد، فدل هذا الفساد على الحالة التي صار إليها الشعب. وهكذا فعل أغابوس. كان الأنبياء يقولون: هذا ما يقول الرب. فقال أغابوس: هذا ما يقول الروح القدس. 
إن اللهجة الاحتفالية تذكرنا بخبر يسوع. فاليهود مخطئون: كما أسلموا يسوع إلى السلطة الرومانية، كذلك أسلموا بولس إلى رومه (رج مر 10: 33؛ 15: 1؛ أع 28: 17).
آ 12- إن ترجّيات رفاق بولس والمسيحيين أعطت قوة للتحذيرات، وشددت على الخطر. لا شك في أن لا معنى لهذه الترجّيات إن كان المسيحيون ظنّوا أن نبوءة أغابوس لن تحدث مطلقاً. الوضع هنا كما هو في آ 4، والشعور طبيعي، وإن لم يكن منطقياً.
آ 13- إن هذه التحذيرات وهذه التوسلات أتاحت لبولس أن يقول استعداده لأن يتألم من أجل اسم الرب. هو مستعد لا للسجن فقط، بل للموت في أورشليم التي كانت مدينة حدّدت مصير يسوع، وستحدّد مصير تلاميذه. ويُذكر البكاء وكسر القلب، وهذا يدل على قوة التوسّل وخطورة الوضع. أجل إن بولس مستعدّ لمشيئة الله. من الصعب أن يقدم ذبيحة تزعجه. وأصعب من ذلك حين يحسّ أن الشعب سيتأثر بهذه الذبيحة ويتوسل إليه ألا يفعل. وينضمّ القلب إلى اللسان والحب إلى الكلام، وكل هذا يؤلم قلب بولس. ولكن اسم الرب يسوع هو فوق كل شيء، والرسول يطيع الله لا الناس ولو كانوا أعزّاء يريدون ما يعتبرونه خيراً له ولهم.
آ 14- وخضع رفاق بولس لما لا بدّ منه. وعرف القارئ أن المصيبة آتية. لم يمنعوا بولس، بل اقتنعوا أن تلك هي مشيئة الرب وسوف تتم. كم نحن قريبون من يسوع المسيح في جتسيماني: "لا مشيئتي، بل مشيئتك" (لو 22: 42).
5- الوصول إلى أورشليم (21: 15- 16)
آ 15- وبعد ذلك بأيام (رج آ 10). نحن في إطار يوميات سفر. تأهّبنا للسفر. وسار بولس إلى أورشليم طاعة لأمر الرب، كما سار إبراهيم قبله إلى الجبل ليقدم ابنه ذبيحة على الجبل (تك 22: 3 ي). إن المسافة من قيصرية إلى أورشليم عبر لدة هي 104 كلم، ولا يستطيع المسافر أن يقطعها في يوم واحد. ولهذا كان هذا التأهب. وقد يكون معنى روحي لهذا التأهب لقبول مشيئة الله في أورشليم. استعداد مادي ولكن استعداد روحي عاشه بولس في هذه الطريق التي بدت طويلة جداً. ماذا سيحدث لبولس في أورشليم؟
آ 16- لم يصعد بولس وحده، بل رافقه بعض التلاميذ من قيصرية. قد يكونون أرادوا أن يعيّدوا العنصرة في أورشليم. وقد يكونون "دليلاً" لبولس. وصلوا إلى بيت مناسون القبرصي وهو مسيحي منذ أول عهد الكنيسة. كان مناسون رجلاً مهماً لأنه استضاف لا بولس وحده بل رفاقه خلال إقامتهم في أورشليم. استقبل أناساً غير مختونين، فكان موقفه مغايراً لموقف" أولئك المتعصّبين لشريعة موسى" (21: 20).
كانت السماء صافية في خطبة ميليتس، ولكن الغيوم بدأت تتجمّع مهدّدة. ومع وصية بولس بدأت التطوّرات. هنا نسمع ونحن منندهشون أن الروح القدس يتنبأ لبولس في كل مدينة "بالقيود والمشقات" (20: 23) ويقول له إنه لن يعود يرى وجه المؤمنين مرة أخرى (20: 25، 38). وبدأ السفر، فأتاح للوقا أن يقدّم لنا لوحة تأخذ بمجامع قلبنا في مشاهد تصل بنا إلى الذروة. بدأنا مع جماعة صور، ولكن لوقا لم يذكر نبياً فيها. ولكن لما وصلنا إلى قيصرية، ارتدى المشهد قوة جديدة. أشار لوقا أولاً إلى بنات فيلبس اللواتي كن يتنبّان، فهيأ القارئ لنبوءة أغابوس نفسه ولظهور الروح القدس الذي أعلن بصريح العبارة ما ينتظر بولس في أورشليم. وكان الصراع بين بولس ورفاقه والجماعات التي تستقبله، وكان صراع أعلن بولس خلاله وبعده أنه مستعد لا للقيود وحدها بل للموت في أورشليم من أجل اسم يسوع. هذا ما بقي في ذاكرة الجماعة المحلية التي اتخذ منها لوقا معلوماته عن نهاية عمل بولس الرسولي الذي انطلق بقوة جديدة بعد مجمع أورشليم (15: 36). انطلق بولس من أورشليم في سنة 48- 49 حرّاً طليقاً من أجل نشر الإنجيل، وهاهو يدخل أورشليم ليحمل قيوداً تصل به إلى رومة. هذا ما عرفه لوقا في زياراته للجماعات المحلية وقد يكون عاش بعضه حين رافق بولس لا في أسفاره فحسب، بل في سجن رومة (كو 4: 14).
لسنا هنا أمام تقرير صحافي، بل أمام تأليف أدبي. أخذ لوقا العناصر المتعدّدة، وسكبها في إطار أدبي عرفه الأدب اليوناني سواء كان وثنياً أم مسيحياً. توسّل لوقا هذا الفن الأدبي، فجعل القارئ يعيش أيام بولس الأخيرة في عمل الرسالة، ويتعرف إلى الجماعات المسيحية التي توزّعت مدن شاطئ البحر المتوسط.
ج- نموذج أدبي
عرف لوقا هذا النموذج الأدبي لدى العالم الوثني والعالم اليهودي والعالم المسيحي. وها نحن نقدم بعض أمثلة، مستخلصين الأسلوب الذي سار عليه لوقا في هذا الفصل من سفر الأعمال.
1- في العالم الوثني
نجد المثل الأول في إلياذة هوميروس. كان البطل هكتور في قصره في مدينة طروادة، وكان يستعد للذهاب في مهمة يدافع بها عن وطنه. توسّلت إليه امرأته أن لا يعود إلى الحرب، وتوسّل إليه والده وصديقه. عرف هكتور أن مصيراً مشؤوماً ينتظره، ولكنه أراد سماع صوت الواجب واعتبر أن الإنسان لا يفلت من قدره.
نلاحظ منذ الآن عناصر سنجدها في خبر صعود بولس إلى أورشليم. لا يكتفي الأهل والأصدقاء بالتوسّل، بل يرافق هذا التوسّل دموع وحركات محبة. يتوجّه النداء إلى العاطفة ويذكر الحاجة إلى البطل في هذه الظروف الصعبة. فعليه أن يبقى مع جماعته، لا أن يذهب. تأثّر هكتور بهذا التوسل وهذه الدموع، ولكنه عارض بين القيم العائلية وإرادة الآلهة، ورفض أن يتراجع بعد أن وصل إليه رسول سماوي أو رأى علامة تُعلن له مصيره.
والمثل الثاني في كريتون (كتاب فلسفي) افلاطون: هل سيهرب سقراط بناء على طلب صديقه وتلميذه، أم سيواجه الموت رغم توّسلات تلاميذه ودموعهم؟ وقد روى سقراط أن امرأة ظهرت له وأنبأته بموته في الغد. والمثل الثالث رواه فيلوستراتس في "حياة ابولونيوس التياني"، وفيه العناصر نفسها.
2- في العالم اليهودي
يشير الأدب اليهودي إلى أخبار يحاول فيها الناس أن يبعدوا الشهيد عن مصيره. ففي دا 6: 15 نرى الملك داريوس يحاول أن يخلّص دانيال من الموت. وفي 2 مك 6: 21- 28، قدّم المسؤولون لألعازار حلاً يتيح له أن ينجو من الاستشهاد: كانوا يعرفونه منذ زمن بعيد ويكنّون له مودة قديمة. طلبوا منه أن يتظاهر لينجو من الموت. قال: لا يليق بنا التظاهر والرياء لئلا يظنّ الشبان أن ألعازار انحاز إلى ديانة الغرباء. وسيطلب انطيوخس الرابع من أم السبعة أن تقنع ابنها الأصغر بأن يطيع الملك فينجو من الموت. أما هي فكلمت ابنها في لغة لا يفهمها الملك، وحرّضته على الاستشهاد (2 مك 7: 25- 29). وننتقل إلى كتاب منحول هو سفر المكابيين الرابع الذي يتوسّع في ما قاله 2 مك. ففي 4 مك 8: 17- 26 يتخيّل الكاتب ما كان على الشبان أن يقولوه لينجوا بحياتهم. وفي 10: 1 نسمع عدداً من الناس يحرضون الأخ الثالث ليأكل من لحم الخنزير فينجو بحياته. ونجد في 12: 6- 7 ما قرأناه في 2 مك 7: 25- 29. ونقرأ في 4 مك 16: 5- 11 ما كان على الأم أن تقوله لو سمعت إلى صوت الطبيعة والأمومة والحنان. ولكننا سنقرأ في 16: 16- 23 ما ستقوله في الواقع باسم التقوى والإيمان.
نلاحظ أن الملك المضطهد يحرّض البطل على النجاة من الموت، لا الأهل والأصدقاء وحدهم. كما نلاحظ تمييزا بين معيارين: المحبة أو الصداقة من جهة، والإرادة الإلهية من جهة أخرى. تذكّر ألعازار "يد القدير" التي لا مفرّ منها، والشريعة الجليلة المقدسة التي لأجلها سيموت.
ونذكر هنا في إطار آخر ما نجده في "وصية أيوب" (كتاب منحول) ونستخرج منه الملاحظتين التاليتين. الأولى: حاول أصدقاء أيوب وامرأته الذين لم يقدروا أن يقبلوا بشقاء أيوب، ولا أن يفهموا تعلّقه بالخيور السماوية. لهذا حاولوا أن يقنعوه. الملاحظة الثانية: أورث أيوب بناته ثلاثة أحزمة سحرية. وهذه الهدية تتيح لهم بان يشاركوا في العالم السماوي ويتكلّموا لغة الملائكة. هذا ما يذكّرنا من جهة ببنات فيلبس اللواتي كن يتنبأن (أع 21: 9)، ومن جهة ثانية بحزام بولس الذي استعمله أغابوس ليقيّد به يديه ورجليه (أع 21: 11). على المستوى التدويني، يعني الحزام السجن القريب. أما على المستوى التقليدي فهو علامة الآلام من جهة، ووعد بالحياة الأبدية من جهة أخرى.
3- في العالم المسيحي
نقابل هنا مر 8: 32- 33 وأع 21: 4، 12- 14. أراد بطرس أن يقنع يسوع بأن لا يذهب إلى الألم والموت، فسمّاه يسوع "شيطاناً" لأنه يعارض بأفكاره البشرية مخطّط الله . أما بولس فيحاول أن يقنع أصدقاءه ويهدئ من روعهم دون أن يشجب محبتهم له. قال: أنتم حين تبكون تكسرون قلبي.
ونتوقّف هنا عند أخبار الشهداء أو ما يسمّى "آلام" وموت الشهداء. ماذا نجد من عناصر؟ هناك الحلم الذي ينبئ مسبقاً أو العلامة التي تدل المؤمن على ما ينتظره: مثلاً، مخدة بوليكربوس المشتعلة، رؤى برباتوة. وتروي "آلام ماريانوس ويعقوب" أن بيونيوس وضع القيود على رقاب الشهداء العتيدين على أثر رؤية رآها، وأن يعقوب رأى في حلم المسيح نفسه يضع حزاماً على خصر كل من الضحيتين ويدعوهما إلى السير وراءه.
وتعبّر هذه النصوص عن محبة العائلة أو الجماعة نحو ذلك الذاهب إلى الموت: حاول والد برباتوة مراراً أن يثني ابنته عن عزمها. وسعى النبلاء باسم صداقتهم أن يقنعوا قبريانس (أسقف قرطاجة) بأن يهرب. وفي "آلام مونتانس ولوقيوس" يدعو الشماس فلافيانس أصدقاؤه لئلا يعاند. ولما رفض لجأوا إلى الحيلة لينجّوه. ولكن الشهيد أفسد طرقهم وانضمّ إلى رفاقه في الموت. أجل، إن البطل يرفض الحلول السهلة. ومع أنه يصعب على الجماعة أن تفهم تصلّب الشهيد وتدرك قصد الله، إلا أنها تساعده وتشجّعه وتحيطه بالمحبة. قد تكون هذه المساعدة مادية: زيارة أو تشييع. هكذا شيّع الشيوخ بولس إلى السفينة بعد حديث ميليتس (20: 38). وهكذا شيّعه أهل صور مع نسائهم وأولادهم إلى خارج المدينة (21: 5).
ويبدأ الشهيد يتوسّل إلى أخصّائه. كان شهداء ليون (في فرنسا) يحرّضون إخوتهم بدموع ويطلبون منهم أن يصلّوا من أجل إتمام حياتهم. ومات المجنّد الشاب مكسيميليان، لأنه رفض الخدمة العسكرية. وإذ كانوا يقتادونه إلى مكان العذاب، قال: أسرعوا، يا إخوتي، لتكون لكم السعادة فيمنحكم الرب، أنتم أيضاً، إكليلاً مثل إكليلي.
وأخيراً، ما كان في النصوص الوثنية خضوعاً أعلى لقدر أعمى لا يُرَدّ، صار في النصوص المسيحية خضوعاً حراً لإرادة الله. قالت الجماعة حوله بولس: لتكن (لتتم) مشيئة الرب. وتردّدت هذه العبارة في أقدم خبر نعرفه هو خبر استشهاد بوليكربوس.
وهناك حدث معروف في أعمال بولس وتقلا. ونقرأ في "انتقال يوحنا" (أو أعمال يوحنا) أن يوحنا استعد للموت، فوجه إلى الله صلاة أخيرة ليسهل له وصوله إلى السماء. ويتابع الراوي: "وإذ كنا نبكي وننتحب، قالت لي: يا بروخور ابني، لماذا تبكي، ولماذا تحثّ إخوتك على النحيب، بينما أنا ذاهب إلى الملكوت؟
وقد عرّفت "أعمال بطرس" بهذه العبارة التي يقول التقليد إن بطرس الهارب من الموت قالها ليسوع: إلى أين أنت ذاهب، يا رب (بو هودي في اليونانية، وفي اللاتينية كوو فاديس). فجاءه الجواب: أنا ذاهب إلى رومة لأصلَب. تحدّثنا هذه الأعمال عن كسانتيبة النبيلة التي انضمّت إلى بطرس وعرفت من زوجها البينوس أن بطرس مُلاحق. نبهّت كسانيتبة الرسول ودعته إلى أن يترك رومة. وشاركتها الجماعة في توّسلها. قاوم بطرس في البداية، ثم قبل. ولما التقى بالرب، عاد إلى رومة وأقنع الجماعة المسيحية في العاصمة (والمتألمة لاستشهاده) أن تلك هي مشيئة الرب. وزاد: إن الله يقدر أن يسندكم حتى وإن لم أكن معكم بالجسد. 
ونقرأ في بردية هايدلبرغ وبردية هامبورغ في ألمانيا أن بولس استعد للذهاب من كورنثوس إلى رومة. حزنت الجماعة بسبب هذا الذهاب القريب. ولكن بفضل الروح القدس، أعلن مرسَل اسمه كليوبيوس أن المصير المأساوي الذي سينتظر بولس يوافق قصد الله. حاول المسيحيون أن يبدّلوا "إرادة الله" بالصلاة. إنهم يحتاجون إلى بولس لأنهم بعد ضعفاء. ولكن بولس لم يتراخَ، فذهب في الغد رغم حزن أهل كورنتوس.
ونقرأ "أعمال أندراوس" في المخطوط الفاتيكاني اليوناني رقم 808: يحرّض أندراوس مكسيميلية، زوجة الحاكم، يحياتيس، على العفّة. وأشار إلى أن المسيح ظهر له وأعلن له استشهاده القريب. بكى شقيق الحاكم المرتد حديثا إلى الإيمان. وبّخه أندراوس على بكائه، فأعلن أنه ما زال يحتاج إلى الرسول من أجل بنائه الروحي.
ماذا نستنتج من كل هذا؟ ثلاثة أمور. الأول: نجد في هذه النصوص الإخبارية الدموع وتمزق القلب ومحاولات الإقناع. الثاني: تأثر لوقا بمثل هذه النماذج الأدبية ليروي خبر صعود بولس إلى أورشليم، وأخذ بالطريقة عينها: مشاهد انفصال مع بكاء وقبلات، وذكر مراحل متعاقبة لسفر يوافق مصير الإنسان. حوار بين أصدقاء يبحثون عن الحلّ الأفضل. مواقف معروفة أمام شقاء كبير أو موت قريب. كل هذا استفاد منه لوقا ورتبه بطريقة متناسقة. الأمر الثالث يتعلق باللاهوت. وضع لوقا جنباً إلى جنب إعلانين يكادان يكونان متناقضين: دل الروح القدس بولس على أنه سيتألّم، ودفعه دفعاً إلى أورشليم (20: 23). وإن الروح القدس عينه حث المؤمنين في صور ليمنعوا بولس من متابعة سفره (21: 4). وكان حلّ سهل بدأ به يوحنا فم الذهب، ووصل إلى الشرّاح المعاصرين أمثال كونزلمان: اكتفى الروح القدس بأن يخبر مسيحي صور مسبقاً بآلام بولس في أورشليم. أما تنبيههم لبولس بأن لا يصعد إلى أورشليم، فهذه ردة فعل بشرية لا يسأل عنها الروح القدس. ولكن هل هذا هو معنى 21: 4؟
إذا عدنا إلى المتوازيات الأدبية، نلاحظ أننا لسنا أمام موقفين، واحد صالح وواحد رديء. فاهتمام الجماعة ببولس وبنفسها، ليس في نظر لوقا إغراء مصدره الشيطان. والمحبة الأخوية، وإن وجب عليها أن تخضع لقاعدة أسمى، ليست شراً في حد ذاتها، ولو كانت عبارتها في غير محلّها.
غير أن لوقا يذهب أبعد مما فعله سابقوه الوثنيون، أو لاحِقوه المسيحيون. هو لا يكتفي بأن يفهم موقف المَسيحيين الذين يحاولون أن يحموا بولس من الخطر، بل هو يتجرأ فيقول بأن طلبهم يرتبط بالروح القدس. فالروح القدس لا يتجلّى، في نظره، بطريقة واحدة. ونحن لا نستطيع أن نتأكد من صوته من دون حوار، من دون تحليلٍ للوضع، من دون مواجهة الأوامر الحاضرة مع كلمة الله التي قيلت سابقا. سنرى فيما بعد، في تاريخ الكنيسة، جماعات ومؤمنين ومسؤولين يقفون بعضهم تجاه بعض، ويعتبر كل واحد أنه يمتلك الروح. وما يدهشنا في خبر لوقا هو أن الإدراك بامتلاك الروح، لا يدفعنا إلى التكبر والتعالي "الروحي" الذي يقطع الاتصال بالآخرين ويمنع المشاركة والتشاور. يتأكد المسيحيون من موقفهم، ولكنهم يقبلون أن يغيّروا. هم لا يخضعون لشريعة قديمة أو لشخص لأنه أقوى. هم يخضعون لإرادة الله كما تبدو لهم اليوم وفي الوضع الحاضر الذي يعيشون. كان بولس أضعف الحاضرين وهو الذاهب إلى الموت، ومع ذلك اقتنع الجميع بموقفه وأعلنوا: "لتكن مشيئة الرب". هذا ما نتأمّل فيه في قسم الأخير.
د- القرارات البشرية والهام الروح
نود هنا أن نشرح ردّات الفعل وتصرّفات الأشخاص والجماعات الذين جعلهم لوقا على مسرحه. فبفضل هذه النظرة الجديدة نرى كيف تنكشف إرادة إله لا يرضى بأن يوجّه البشر عبر شريعة تقف حاجزاً بينه وبينهم. وهكذا نكتشف السمة الخاصة التي تميّز العلاقات بين الأشخاص داخل الكنيسة.
يتوقّف الدارسون للمجتمع في علاقته البشرية عند موقفين: توازن رتيب ومعرّض للرضى، ودينامية منفتحة وحية. هذا ما سوف نطبّقه على خبر لوقا في أع 20 : 36- 21: 16. إذاً سنطبّق أسلوباً سيكولوجياً، ونضمّ إليه هدفا آخر هو تحديد دور الله في تحديد العلاقة بين الأشخاص. أو بكلام آخر، إلى أي حدّ يبدّل إيمان المؤمنين تصرّفهم، ويتيح لهم بأن ينغلقوا على نهج تسيطر عليه علاقات مقولبة سلفاً.
وننطلق من خطبة ميليتس: نلتقي ببولس (كما صوّره لوقا في أع) وهو شخص واثق بنفسه، واثق برسالته، واثق بمصيره. إنه يبرّر ذاته، يعطي الأوامر، يعلن المستقبل. وتأتي خطبته الوداعية لتضع حداً لعلاقة بولس مع المؤمنين. ولكن بولس أخطأ حين ظن أنه نظّم كل شيء. لا شك في أنه أنهى مهمّته الرسولية، ولكن تبقى العلاقات التي لا تُقطع بسهولة. وها هم شيوخ أفسس يستعملون برهاناً وسلاحا: الدموع والقبلات. هذه الأفعال هي وسيلة ضغط ونداء موجّه إلى بولس لكي لا يذهب، لكي يعدل عن الصعود إلى أورشليم.
وهكذا نجد نفوسنا أمام مرحلة علاقية بسيطة مؤلّفة من ثلاث نقاط: الواقع أو مبادرة بولس الذي يريد الذهاب، ردة فعل الجماعة، التقوية أو موقف الذي اتخذ المبادرة ومواجهته لردة فعل "الخصم". هنا، يبقى بولس على رأيه ويذهب إلى أورشليم.
بين نهاية ف 20 والوصول إلى أورشليم (21: 15- 16)، نشهد بعضاً من هذه المراحل البسيطة ولاسيما في صور وقيصرية. هنا نحسّ بالتكرار، ولولا وجود النساء والأولاد (21: 5) لكانت الرتابة تامة. وهكذا وصلنا إلى نهج من التفاعل مغلق، نهج لا يتبدل فيه شيء، بل يبقى على حاله. ونتساءل: كيف نخرج من هذا الوضع؟ ما العمل ليتبدّل شيء ما، لنتبدّل نحن؟
لا شكّ في أننا هنا أمام خطر تفاعل عقيم: أراد بولس أن يذهب. عارضته الجماعة. عاند بولس. هذا ما يسمّى التوازن في نهج مغلق. غير أن تحليل مشهد قيصرية، سيدلّنا كيف خرج المؤمنون من هذا النظام المغلق، وكيف تبدّلوا. ولكن لا بد من شرطين. الأول: تدخّل عنصر آت من خارج النظام. الثاني: أن يبتعد الأشخاص عن ذواتهم وعن ردّات فعلهم فيكتسبون بُعد نظر.
تتألف الكنيسة في قيصرية من ثلاث فئات. بولس، رفاق السفر، الجماعة المحلية. في زمن أول، جاء بولس ورفاقه إلى قيصرية (المتكلم الجمع، نحن أي الفريق الرسولي، 21: 8). هذا ما سمّيناه "الدافع". نحن هنا وسنبقى معكم. ولكن ما معنى هذا الحضور؟ لا يشير لوقا إلى ردة فعل جماعة قيصرية على هذه "الهجمة الرسولية"، ولكنه يقول إن بولس ورفاقه أقاموا في بيت فيلبس أحد السبعة ووالد أربع بنات يتنبأن (آ 9). فكأني بلوقا يشدّد على أهمية هذه الجماعة التي تعدّ بين أعضاءها واحداً من السبعة، والتي تتمتع بموهبة هامّة هي النبوءة. ولكن هذه الجماعة ليست على مستوى "الرسول" وفريقه. وأقام الزائرون أياماً عديدة (آ 10 أ). وكاد هذا الهدوء أن يحجّر الجماعة دون أن يطلقها من توازن مزيّف.
وجاء دفع من الخارج: فعلة النبي أغابوس وأقواله. قال لوقا (آ 11): جاء إلينا. أي جاء إلى المجموعة الرسولية، لا إلى كل المسيحيين الحاضرين. واختار في المجموعة بولس وأخذ له حزامه (آ 11 أ). حينذاك، انتقلت المجموعة الرسولية إلى جماعة قيصرية، وظل بولس وحده مع أغابوس. وقالت لبولس: لا تصعد إلى أورشليم. قالوا هذا فأظهروا محبتهم لبولس وتعلّقهم به، بل تجرأوا وأعطوه نصائح إن لم تكن أوامر، وعبّروا عن خوفهم مرتين: خوفهم على بولس بأن يموت، خوفهم على نفوسهم بأن يخسروه.
أخيراً خرج بولس من صمته الطويل (آ 13): تكلّم كالمعلّم كما في ميليتس، ولكنه أظهر عاطفته العميقة حين قال لهم: تكسرون قلبي. خرج من عزلته وكشف عن ذاته: إنه مستعد للقيود، بل للموت. ويدعو بولس الجماعة أن لا تسيء إليه بعظم محبتها، أن تفهم أنه يحبّها هو أيضاً، أن تقبل بخضوعه لقاعدة تتعدى علاقات المحبة. ولم يترك للجماعة أن تجيب: أعلن محبته وأعلن عزمه (آ 13 ب).
وتقدم لنا آ 14 معلومتين. الأولى، هدأ رفاق بولس وجماعة قيصرية: غُلبوا على أمرهم، ولم يتراجع بولس عن عزمه. المعلومة الثانية: النصر لله لا لبولس. لتكن (لتتم) إرادة الرب (لا إرادة بولس). توقفنا على العلاقات السيكولوجية، ولكن الحسم جاء من دور الروح القدس وإرادة الله، ورافق كل هذا الصلاة في ميليتس (20: 36) وصور (21: 5). وانتهت هذه الصلاة بعبارة تعلّمها الرسل من المعلّم نفسه: لتكن مشيئتك.
حين ركع المؤمنون للصلاة، وتذكروا مشيئة الله، وأعطوا تدخلات الروح كل وزنها، شهدوا أنهم جعلوا رغباتهم في إطار كنيسة يتدخل الله فيها. لم تعد المحبة امتلاكاً للآخر (يريدون أن يحتفظوا ببولس لأنفسهم)، بل أخوّة داخل مشروع مشترك يتعدّاهم (هو إرادة الله). لم يستطع رفاق بولس ومسيحيو قيصرية أن يقنعوا بولس، ولكنهم لم يحسّوا بالمرارة. فالأقوى الذي انتصر، ليس إنساناً من الناس بل الله وحده. غير أن الله لا يعامل الناس كدُمى متحركة. وما يدلّنا على ذلك هو أن إرادة الله لم تكن معروفة، وأن الروح القدس ألهم بولس بأن يذهب إلى أورشليم والجماعة بمحاولة الاحتفاظ بالرسول ومَنعِه من الذهاب.
إن الله لا يكشف عن مخطّطه إلا في إطار من الحرية. إن الله لا يفرض إرادته بطريق لا رجوع عنها. هو لا يدخل في نهج مغلق من العلاقات المتبادلة والمطبوعة بالتضييق وانتصار القوي على الضعيف وتحطيمه. هناك مفاجآت في أع تدلّ على أن إرادة الله تدفعنا إلى الأهم، وليست فقط رجوعاً إلى الوراء وشريعة حرفية نعرفها. فبولس نفسه يجهل أن أورشليم حيث يستعد أن يموت، لن تكون موضع استشهاده. فالتاريخ سينطلق انطلاقة جديدة إلى رومة. إذاً هناك هامش من الحرية ومن الأمور المجهولة تتحرك في داخله إرادات ورغبات الرسول والتلاميذ. وكلهم أعلنوا نيتهم الصالحة وقالوا أنهم يفكرون بوحي من الروح من أجل مشاريع شرعية وان كانت متناقضة.
وينتهي الجدال، فيُتاح لكل واحد أن ينمو في الإيمان: تُركت الجماعات وحدها، ولكنها ستصل إلى مرحلة البلوغ والنضج وكأنها لم تخسر بولس. والرسول الأمين لربه، لم يكن خاضعاً لإله يريد موت أحبائه. استعد ليموت في أورشليم من أجل اسم الرب، ولكنه لم يحصل على ما رغب فيه. سيموت في رومة. ولكن لوقا لن يقول شيئاً عن الطريقة التي استشهد بها بولس. لهذا يكفيه منذ الآن أن يكون جعل خطى بولس فيِ خطىِ يسوع، فسارا كلاهما في طريق عطاء الذات حتى الموت. فهِما وفهِمتْ الجماعة على إثرهما، أن على بولس أن يضَحّي بنفسه، وأن عليها أن تضخي بعلاقتها برسول أحبته وانتظرت منه كل خير. أجل، سيفهم الجميع أن الفرح الذي نجده في العطاء لا نجده في الأخذ (20: 35). قدّمت الجماعة رسولها (تخلّت عنه)، وقدّم الرسول نفسه. فسار الجميع على خطى الذي أحب خاصته فبذل من أجلها حياته.

 

 

الفصل الثالث والأربعون
خاتمة الكتاب
28: 16- 31
انصبّ اهتمام لوقا منذ بداية إنجيله حتى نهاية أع على خلاص الوثنيين. ولكن جاء من قال إن لوقا يركز انتباهه بالأحرى على عدم إيمان إسرائيل. وكان موقف وسط: رَفْض اليهود وارتداد الأمم هما وجهان لرؤية تاريخية واحدة دعت لوقا ليكتب الكتاب الأول (الإنجيل) ثم الكتاب الثاني (أع) كتكملة للأول: وشدّد هؤلاء الشرّاح على خاتمة الكتاب، وهذا ما سندرسه الآن.
ليست خاتمة الكتاب آ 30- 31 اللتين لا تقولان لنا شيئاً عماً حصل بعد هاتين السنتين. وليست الخاتمة ف 21- 28 من أع. الخاتمة هي وصول بولس إلى رومة واللقاءان اللذان كانا لبولس مع الوجهاء اليهود في رومة، وبصورة أخصّ إعلان بولس ساعة ودّعه محاوروه. إذن، سنتكلّم عن وصول بولس إلى رومة وإقامته فيها.
أ- التضمينات
1- آ 16 وآ 31
هناك من يبدأ خاتمة أع في آ 11، أي ساعة بدأت المرحلة الأخيرة في السفرة إلى رومة، ويدلّ على التواصل في الإشارات الكرونولوجية (أي الوقت): (بعد ثلاثة أشهر) (آ 11). "أقمنا فيها ثلاثة أيام" (آ 12).
“في اليوم الثاني“ (أو بعد يوم، آ 13). "أقمنا هناك سبعة أيام" (آ 14). "بعد اليوم الثاني" (آ 17). "في يوم اتفقوا عليه" (آ 23). لا شكّ في أن هناك وحدة تنتج عن هذه الإشارات. ولكن نلاحظ بعض التمهّل بعد السرعة في آ 11- 14. تنتهي آ 14: "وهكذا وصلنا إلى رومة". أشار الراوي إلى مراحل السفرة، ولكن ما يهمّه هو الوصول إلى رومة.
ونظن أننا وصلنا إلى الهدف مع آ 14. ولكن بين الوصول إلى رومة (آ 14) والدخول إليها (آ 16)، تحدّثت آ 15 عن سفر معاكس قام به مسيحيو رومة الذين ذهبوا للقاء بولس حتى ساحة أبيوس والحوانيت الثلاثة. أشار الراوي إلى وجود. جماعة مسيحية في رومة قبل وصول بولس، ولكنه نظم الأمور فأخرج كل المسيحيين من رومة. أيكون بولس أول الداخلين إليها وكأن المسيحيين لم يكونوا موجودين فيها؟ وإن آ 22 تجعلنا نظن أن وجهاء اليهود لم يلتقوا مسيحياً واحداً في حياتهم: وهذا ما أتاح لبولس أن يقدّم أول إعلان للبشارة الإنجيلية.
إذن، لم تنته السفرة إلا مع آ 16 ودخول بولس ورفاقه إلى العاصمة. وهكذا تكون آ 11- 15 انتقالة تقودنا من مالطة إلى رومة. إن الخبر الذي يتعلّق برومة يبدأ مع آ 16، ولكنّه يجد تكملته الطبيعية في آ 30- 31: "ولما دخلنا رومة، أذنت السلطات لبولس أن يسكن وحده مع الجندي الذي يحرسه" (آ 16)... "وأقام بولس سنتين كاملتين في المنزل الذي استأجره يرحّب بكل من يزوره" (آ 30- 31). هناك رباط بين آ 16 وآ 30، بل تكرار: أقام، سكن... وحده، في المنزل.
إذن تشكل آ 16 و31 إطار خاتمة الكتاب الذي يورد لقاءي بولس مع وجهاء اليهود في رومة.
2- آ 17 أ وآ 25 أ
هناك تقابل طبيعي بين ما يقوله الخبر عن وصول محاوري بولس (آ 17 أ، اجتمعوا) وذهابهم (آ 25 أ، انصرفوا). لم يفصل لوقا بين اللقاء الأول واللقاء الثاني، بل ربطهما ربطاً محكماً: "بعد أن تواعدوا معه (اللقاء الأول)، "جاؤوا وهم أكثر عدداً" (آ 23 أ). وإن موضوع اللقاء الثاني هو الإجابة على سؤال طُرح في اللقاء الأول (آ 22).
ويشدّد لوقا بواسطة نقيضة على المقابلة بين مجيء الوجهاء اليهود وذهابهم. نجد في آ 17 الأداة اليونانية (سون) التي تعني "معاً": دعا بولس وجهاء معاً. وهم جاؤوا معاً. أما ساعة الذهاب، فتتميّز بعدم الاتفاق بين الزوّار: انصرفوا من عنده وهم غير متّفقين (آ 25). غير أن الخبر لا ينتهي في آ 25 أ، بل يمتد في إعلان بارز يدل على بولس يتحدّث إلى سامعين عديدين، لا إلى محاوريه الذين يبدون وكأنهم تركوا المسرح.
3- آ 23 وآ 30- 31
نحن أمام ملاحظتين تقدّمان ملخص كرازة بولس في رومة. يقول النص الشيء الواحد على دفعتين ولكن بعبارات مختلفة. أولاً: إشارة إلى الوقت: "حدّدوا له يوماً" (آ 23). "أقام سنتين كاملتين" (آ 30). ثم إشارة إلى المكان والأشخاص: "جاؤوا إلى منزله وهم أكثر عدداً" (آ 23). "في المنزل الذي استأجره يرحب بكل من يزوره" (آ 30). هناك شواهد تقول: من يهود ووثنيين. هل تعني كلمة "كل" الوثنيين كما في آ 28، أم تضم اليهود الذين تركوا التصلّب والعناد (رج 11: 18؛ 15: 11، 14)؟
ونصل إلى كرازة بولس. ترد مع اسم الفاعل: "شاهداً لملكوت الله"، "معلّماً ما يخص الرب يسوع". العبارة هي هي مع اختلافات تنفي التكرار الحرفي: "شاهداً لملكوت الله ومقنعهم بما يخصّ يسوع" (آ 23). "معلناً ملكوت الله ومعلّماً ما يخص الرب يسوع المسيح" (آ 31). نجد بناء مشابهاً فقط في 8: 12: بشرهم فيلبس بملكوت الله وباسم يسوع المسيح. اعتاد لوقا أن يذكر إما الملكوت (1: 3؛ 19: 8؛ 20: 25) وإما يسوع (5: 42؛ 8: 35؛ 9: 20؛ 11: 20؛ 17: 3؛ 18: 5، 25، 28؛ 20: 21؛ 24: 24)، لا الاثنين معاً كما فعل هنا. وتنتهي الملاحظتان بإشارات ظرفيّة: "انطلاقاً من شريعة موسى والأنبياء، انطلاقاً من الصباح إلى المساء" (آ 23). وفي آ 31: "بجرأة كاملة، بدون أي عائق".
ب- المتوازيات
1- بناء المقطع
كان لبولس مع الوجهاء اليهود في رومة لقاءان متميّزان: تحددا في يوِمين مختلفين، وكان لكل لقاء موضوعه الخاص. في اللقاء الأول (آ 17- 22)، شرح بولس وضعه الخاص (ما أسأت إلى شعبنا). في اللقاء الثاني (آ 23- 28)، عرض بولس التعليم المسيحي.
في كل لقاء، كان بولس يبادر الحاضرين بالكلام. وردت خطبته في اللقاء الأول بأسلوب مباشر: "أيها الأخوة". في الحالة الثانية، أشير إلى مضمون الكلام بأسلوب إخباري (آ 23). بعد هذا، نتعرف إلى ردة الفعل عند اليهود. تفوّهوا بخطبة صغيرة في الحالة الأولى (آ 21- 22): "ما تلقّينا كتاباً في شأنك من اليهودية". وفي الحالة الثانية، أشار الراوي إلى الخلاف الذي وقع بينهم (آ 24- 25 أ). ونشير إلى أن اللقاء الثاني يتضمّن عنصراً آخر يتجاوز التوازي: إعلان بولس الأخير (آ 25 ب- 28): "صدق الله في قوله لآبائكم بلسان النبي أشعيا".
2- اللقاء الأول
إذا كان بولس أُسلم، فهو لم يسئ إلى الشعب. وإذا كان أجبر على رفع دعواه إلى قيصر، فلأنه لا يملك اتهاماً ضد أمته: لم أفعل شيئاً ضد أمتي، أسلمت (آ 17). أجبرت، لا كأن لي "اتهاماً ضد أمتي" (آ 19). وجاء جواب اليهود في عبارتين سلبيتين: "ما تلقينا كتاباً، ما تقدم أخ فأخبرنا شيئاً عنك أو تكلّم عليك بسوء" (آ 21). يتحدّث بولس عن أورشليم حيث أعتقله اليهود (آ 17)، واليهود عن اليهودية التي انتظروا منها كتاباً أو أخاً (آ 21). وفي نهاية الجملتين نجد كلمة "شيء": "كأن لي شيئاً أتهم به أمتي" (آ 19). "قال شيئاً سيئاً عنك" (آ 21).
إن القسم الأول من جواب اليهود، يقابل القسم الأول من خطبة بولس. ثم في آ 20 أ، يشرح بولس لزوّاره أنه دعاهم ليكلّمهم. في آ 22 أ، يعلن اليهود استعدادهم ليسمعوه. في آ 20 ب يذكر بولس أنه سجين "من أجل رجاء إسرائيل"، وهذا موضوع يهمّهم. سمع اليهود بولس يحدّثهم عن هذا "الحزب" (أو المذهب أو الشيعة) الذي يلاقي المعارضة في كل مكان. إن "رجاء إسرائيل" في فم بولس يعني "هذا الحزب" في فم اليهود، وهكذا تكون آ 17 ب- 20 و21- 22 درفتين متوازيتين في لوحة واحدة (ديبتيكا).
3- اللقاءان
تتحدث المقدمتان (آ 17 وآ 23 أ) عن اليوم. "بعد ثلاثة أيام"، في اليوم المحدد". من جهة، دعا بولس اليهود فجاءوا معاً. ومن جهة ثانية، حدّدوا هم اليوم الذي فيه يجيئون. في الحالة الأولى: جاء الذين هم أولون بين اليهود (وجهاء). في الحالة الثانية: جاء عدد كبير.
وننتقل إلى الخاتمتين (آ 22 وآ 28). بدأ اليهود يقولون: "نودّ أن نسمع منك رأيك" (آ 22). أما آ 28 فتنتهي بإعلان بولس بشأن الوثنيين: "وهم سيسمعون". تنتهي آ 22 بتأكيد اليهود: "معروف من" (أي: نعرف). وتجد جوابها في بداية آ 28: "ليكن معلوماً عندكم". ما يعرفه اليهود هو أن هذه الشيعة (الهرطقة) تلقى المعارضة في كل مكان. وما يريدهم بولس أن يعرفوا (يعلموا)، هو أن خلاص الله هذا أرسل إلى الوثنيين. ما سمّاه اليهود "هرطقة" وشيعة، سمّاه بولس "خلاص الله". قال اليهود عن الإنجيل إنه يلقى المعارضة في كل مكان. فأجاب بولس: أرسل إلى الأمم الوثنية.
كل عناصر آ 22 نجد ما يقابلها في آ 28 والعكس بالعكس. إن آ 28 هي جواب كامل للسؤال المطروح في آ 22. في هذا الإطار، تكون آ 23- 27 (تتوسّط آ 22 وآ 28) تهيئة تدريجية للجواب الحاسم والنهائي الذي سيقوله بولس لليهود في آ 28.
4- إعلان بولس الأخير
في آ 25 ب، لاحظ بولس تحقيق ما قاله الروِح للآباء: "صدق الكلام الذي قاله الروح القدس لآبائكم". وفي بداية آ 28، أعلن بولس باحتفال لسامعيه شيئاً جديداً: "ليكن معلوماً عندكم". كان الروح قد قال بالنبي: "اذهب إلى هذا الشعب" (آ 26). وهكذا أرسل الله رسولاً إلى هذا الشعب. وفي آ 28 تكلّم بولس عن "خلاص الله المرسَل إلى الوثنيين". يشدّد نص أشعيا بصورة خاصة على أن "هذا الشعب" لا يقدر أن "يسمع": إن سمعوا لن يفهموا (آ 26). يسمعون بصورة سيئة (آ 27 أ). يستحيل عليهم أن يسمعوا (آ 27 ب). وتجاه هذا، تتكلّم آ 28 عن الوثنيين الذين يسمعون. هناك مقابلة بين الصمم الذي يحل بهذا الشعب، وبين إرسال الخلاص إلى الوثنيين.
ج- تدرج الفكرة
نتعرّف الآن إلى الطريق التي قطعها القارئ من بداية النص إلى نهايته. هناك الملاحظات الكرونولوجية. المكان هو هو منذ البداية إلى النهاية: هو البيت الذي يقيم فيه بولس ويستقبل زوّاره. من الوجهة الجغرافية تُذكَر اليهودية وأورشليم.
في بداية القطعة (المقطوعة) يهتم القارئ بوضع بولس ليلةَ مثوله أمام محكمة الإمبراطور. ثم يتركز الخبر على مضمون التعليم الرسولي. أعلن يهود رومة أنهم مستعدون أن يسمعوا شروح بولس في هذا الشأن (آ 22). ولكنّنا سنرى أن الوثنيين هم الذين سيسمعون (آ 28). وفي النهاية، ننتقل من الوجهاء اليهود في رومة، إلى "هذا الشعب" بصورة عامة (آ 26- 27)، إلى الوثنيين (آ 28)، وفي النهاية إلى "كل" (آ 30) من يزوره. هذا ما سنتوقف عنده.
1- بولس وتعليمه
لاحظنا في خطبة بولس الأولى أمام وجهاء اليهود في رومة (آ 17- 25)، أنه يتكلّم عن نفسه. أسلمه يهود أورشليم إلى الرومان، فأجبر على رفع دعواه إلى محكمة الإمبراطورية. أكد أنه لم يسئ إلى الشعب وإلى تقاليد الآباء، وأنه لا يتهم أمته. وضعت الأمور في نصابها ولكن بطريقة سلبية: ليس لليهود شيء يتّهمون به بولس، وليس لهم أن يخافوا بولس. وينتهي كل هذا بإشارة إيجابية: بولس هو سجين "من أجل رجاء إسرائيل".
وجواب المحاورين واضح. أولاً، فيما يخصّ بولس (ترد العبارة "باري سو" أي عنك مرتين في آ 21)، لم يصلهم تقرير يتهمه (رج 21: 21، 24). أما فيما يخصّ "الحزب" المسيحي الذي يمثّله بولس في نظرهم، فهم يعرفون بعض الشيء: يعرفون أن هذا الحزب يلقى المعارضة في كل مكان (آ 22 ب). وهم يطلبون شروحاً من بولس في هذا الشأن. إذن، ما يهمّ ليس موقف بولس الشخصي من اليهودية، بل الحكم على المسيحية من وجهة يهودية. وما يقدّمه بولس على أنه "رجاء إسرائيل" يعتبره سامعوه "حزباً" هو موضوع جدال ومعارضة.
إذن، سيكون موضوع اللقاء الأول التعليم المسيحي في عنصريه الأساسيين: ملكوت الله، يسوع. ويُعرض هذا التعليم انطلاقاً من شريعة موسى والأنبياء، لأن اليهود سينظرون إليه على ضوء الأسفار المقدسة (آ 23): هل يحق لبولس، انطلاقاً من التوراة، أن يتحدّث عن هذه "الشيعة" على أنها "رجاء إسرائيل" (آ 20)؟
وكانت النتيجة مخيّبة للآمال: اقتنع بعضهم. أما الآخرون فظلّوا على موقفهم، ورفضوا أن يؤمنوا (آ 24). لم يدهش بولس، لأن هذا العمى يوافق الكتاب المقدّس (آ 25- 27). ولكنه يخرج نتيجة تفرض نفسها: "أرسل خلاص الله هذا إلى الوثنيين" (آ 28). فالواقع المسيحي الذي سمّاه بولس خلاص إسرائيل وسماه اليهود "الحزب" سمّي الآن "خلاص الله".
وخاب أمل قرّاء أع. اهتمّوا بمعرفة ما ستؤول إليه قضية بولس. كانوا يريدون أن يحضروا المحاكمة العلنية التي أنبأ بها الملاك وسط العاصفة: "لا تخف، يا بولس! فلابدّ لك أن تحضر لدى القيصر" (27: 24). ولكن اللقاء الأول مع يهود رومة حوّل النظرة: ليس المهم بولس ولا موقفه الشخصي من اليهودية، بل ما تعني المسيحية بالنسبة إلى العالم اليهودي. هل هي شيعة وحزب أم هي تحقيق رجاء إسرائيل وخلاص الله الذي وعدت به الشريعة وكتب الأنبياء؟ هذا هو السؤال الذي يطرحه لوقا على قرّائه.
2- السماع
دعا بولس وجهاء اليهود ليراهم ويكلّمهم (آ 20)، فأعلنوا أنهم قد استعدوا "ليسمعوا" رأيه، مع أنهم يعلمون المعارضة التي يلقاها "الحزب" الذي يمثله (آ 22). هم يسمعونه مع روح نقدية. ينتظرون معلومات حتى يكوّنوا رأياً. فهذا السماع يقود إلى تبادل أفكار.
في نص أشعيا، نحن أمام سماع، ولكن الفكر لا يفهم مضمون التعليم الذي تدركه الأذن (آ 26). "سمع" يقابل "فهم". ثم أمام سماع صعب (آ 27 أ)، يصغي الإنسان ولكنه لا يسمع بوضوِح ما يقال. وأخيرا يتحدث القول النبوي عن صمم كامل "لئلا يسمعوا بآذانهم" (آ 27 ب). سمعت الأذن بوضوح، ثم بصعوبة، وفي النهاية لم تعد تسمع شيئاً. هنا نفهم ما تقوله 
آ 28 عن الوثنيين: هم سيسمعون ويفهمون ويتخذون موقفاً (أي يطيعون الكلمة ولا يبقون على الحياد). هنا نتذكر كلمات إبراهيم في مثل لعازر والغني: "عندهم موسى والأنبياء فليسمعوا لهم... وإن كانوا لا يسمعون لموسى والأنبياء، فلن يقتنعوا إن قام واحد من الأموات" (لو 16: 29، 31).
3- اليهود والوثنيون
رأينا أن خاتمة أع توجّه انتباهنا إلى تعليم الخلاص الذي نستمع إليه ونقتنع به. ويبقى أن نتساءل: إلى من يتوجّه تعليم الخلاص هذا؟ سنرى كيف أن الخبر يتبع خطاً صاعداً يؤمنّ له ديناميته.
في بداية الخبر، محاورو بولس هم "وجهاء" رومة (آ 17). وسيحدد بولس في الشرح الذي يعطيه، موقفه تجاه الشعب (آ 17 ب: لاوس). تجاه أمته (أتنوس، آ 19). وهو يعيش هذا الوضع بسبب أمانته "لرجاء إسرائيل" (آ 20). إذن، يتحدّث بولس إلى الوجهاء اليهود في رومة على أنهم الممثلون الرسميون لشعب إسرائيل.
في اللقاء الثاني، لم يتبدلّ المتحاورون، ولكن كثُر عددهم. هذا يدل على أن الحلقة اتسعت. وبرهنة بولس التي تنطلق من شريعة موسى والأنبياء قسمت السامعين: البعض اقتنعوا، والبعض لم يقتنعوا (آ 21). رأى بولس في هذا الخلاف تحقيقاً لما قاله أشعيا عن عمى هذا الشعب (آ 26- 27). وبما أن هؤلاء الوجهاء يمثلّون شعب إسرائيل في حدّ ذاته، أعلن بولس أن الخلاص أعطي للوثنيين أي لغير اليهود. لم نعد هنا فقط أمام توسيع حلقة السامعين للتعليم المسيحي، بل أمام عملية استبدال: رفض "هذا الشعب" الخلاص، فأعطي للأمم الوثنية.
لا نستطيع أن نهمل الإشارة الأخيرة. كان بولس في منزله خلال سنتين يستقبل كل من يدخل عنده (يزوره) (آ 30)، ويقدم له التعليم عن ملكوت الله وعن يسوع المسيح (آ 31) الذي كان قد عرضه للوجهاء اليهود على أساس الشريعة والأنبياء (آ 23). إذا أخذنا كلمة “كل” في معنى غير محدود، تصبح آ 30- 31 ذروة الكتاب: جماعة الوجهاء اليهود، مجموعة أكبر، والآن الجميع بدون استثناء. ولكن هناك من قال إن كلمة "كل" تدل فقط على الوثنيين لأن رسالة بولس إلى الشعب اليهودي قد انتهت. وهكذا تكون آ 30- 31 ذيلاً للآية 28. ولكنهم نسوا أن مهمة بولس تحدّدت في 22: 15: سيكون شاهداً أمام كل البشر (في 9: 15 نقرأ: الوثنيون، الملوك، بنو إسرائيل، رج 26: 17، 20). فقد طُلب منه أن يعرّف البشر كلهم وفي كل مكان، أن عليهم أن يتوبوا (17: 30). وهناك تقليد المخطوطات الذي جعل اليهود واليونانيين معاً (14: 2؛ 18: 4؛ 19: 10، 17؛ 20: 21)، فيدل على أن هدف الكتاب الحقيقي هو أن يضم الفئتين معاً من أجل سماع تعليم الخلاص.
خاتمة
جُعلت مواعيد المسيح للشعب اليهودي أولاً. ولكنهم لن يستطيعوا أن ينعموا بها إلا إذا اعترفوا بالذي تمّت فيه. رفضوا المخلّص الذي أقامه الله لهم، لم يعودوا إلا هذا الشعب الذي تكلّم عنه أشعيا. ومن الواضح أن الذين آمنوا بالمسيح ليسوا من هذا "الجيل الفاسد" (2: 40). وهكذا يُحدث التعليم المسيحي انقساماً في إسرائيل. لم يعد ممكناً لليهود أن يبقوا أمناء. لشريعة موسى وللأنبياء، إن لم يقبلوا بشهادة الكتب ليسوع. رفض العدد الكبير هذه الشهادة، ولكن هذا العمى هو ظاهرة في تاريخهم، كما يقوله الأنبياء. وسيقابله إيمان الوثنيين الذين سيجعلهم الله ينعمون بالخلاص الذي وعد به شعبه. وهكذا سيبشّر بولس كل من يزوره، أكانوا من الوثنيين أم من اليهود لأن الكلمة هي لكم ولأولادكم (اليهود) ولجميع البعيدين (2: 39).

 

 

القِسْـم الرابِـع
أبحَـاثٌ في أعـمَال الرّسُـل
ونصل إلى القسم الرابع من مرافقتنا للقديس لوقا في قراءة سفر أعمال الرسل. نقدّم بعض الأبحاث، عارفين أن الطريق لا تزال طويلة. فكلام الله سرّ لا يصل أحد إلى أعماقه، وبحر عميق لا نسبر غوره قبل نهاية العالم. واليك الآن الفصول التي تنهي الكتاب:
1- الطريق في سفر الأعمال.
2- الكنيسة الأولى تصلي.
3- خلاص الوثنيين في سفر الأعمال.
4- التوبة والارتداد في أعمال الرسل.

 

 

الفصل الرابع والأربعون
الطريق في سفر الأعمال
"اضطهدت هذه الطرق... أنا يسوع الذي تضطهد" (22: 4، 8). استُعملت كلمة الطريق (أو المذهب مع العودة إلى فعل ذهب) (هودوس في اليونانية) في عدة مقاطع من أعمال، فلفتت نظر شرّاح الكتاب المقدس ومؤرّخي الديانة المسيحية. منهم من انطلق من كور 17:4 (يذكّركم بسيرتي في المسيح يسوع) و12: 31 (أنا أدلّكم على أفضل الطرق) فدرس في البيبليا كلها صورة الطريق في المعنى الرمزي. ومنهم من عرض المسيحية على أنها طريق توافق أعمال الرسل. وجاء من كتَبَ عن المحبة والمواهب منطلقاً من 1 كور
12: 31، فشدّد على معنى الطريق على ضوء استعمال الكلمة في التوراة وفي سفر الأعمال. هنا نود أن نتعرّف إلى الرباط بين كلمة "طريق" التي نجدها في خبرَيْ ارتداد بولس الأوّليَن، وبين إعلان يسوع الذي سبب هذا الارتداد والذي نجده في أخبار الارتداد الثلاثة: "أنا هو يسوع الذي تضطهده" (9: 5؛ 22: 2؛ 26: 15).
أ- استعمال كلمة "طريق"
لن نعجب إذا وجدنا أن كلمة "طريق" تُستعمل في إطار بولسي، وللمرة الأولى في خبر ارتداد رسول الأمم. ذهب بولس إلى دمشق يبحث عن الذين يتعلّقون "بالطريق" (أي طريق الرب يسوع) ليقودهم موثَقين إلى أورشليم (9: 2)، فعرف أن من يضطهده هو يسوع نفسه. في الخبر الثاني يتردّد فعل "اضطهد" مرتين. أما موضوع الاضطهاد فهو الطريق (22: 4: اضطهدت هذه الطريق. في 22: 8: أنا يسوع الناصري الذي تضطهده). ويشدّد الخبر الثالث على التماثل بين الطريق ويسوع، فيقول إن بولس أراد أن يحارب "اسم يسوع الناصري" فاضطهد الذين يسمّيهم النص "أصحاب الطريق". الطريق هي أسلوب حياة يميز الجماعة المسيحية عينها. وقد تعني كلمة الطريق الجماعة المسيحية كما نقرأ في 22: 4. فمن تبع هذه الطريق، خدم الرب كما يريد أن يُخدم (مت 22: 16: نعرف أنك تعلّم بالحق طريق الله). الطريق هي أسمى الأساليب في السلوك والحياة والعمل. قال أش 30: 21: "تسمع أذناك صوتاً يقول لك: هذا هو الطريق، فاسلكوا فيه". ولكن ستّتخذ الكلمة معنى ملموساً، فتدلّ على المسيحيين لأنهم يتبعون طريق الرب ("أرني يا رب طريقك، واهدني في سبيل مستقيم"، مز 27: 11)، يتبعون طريق الخلاص (16: 17: بولس وبرنابا يبشران بطريق الخلاص).
يؤكد خبر الارتداد الأول أن بولس لاحق الذين "يُدعون باسم يسوع" (9: 14، 21). في هذه الظروف، يكتشف لوقا بين "الطريق" ويسوع رباطاً لاهوتياً وأدبياً. ولا ننسى المكانة التي يحتلّها اسم يسوع الذي لا ينفصل عن شخصه (3: 16؛ رج 15: 26: "برنابا وبولس رجلان كرّسا حياتهما من أجل اسم ربنا يسوع المسيح. نشير إلى أن "اسم يسوع" يرد 35 مرة في أع و "يسوع" 46 مرة)، ويسوع المسيح والرب الذي يدلّ عادة على يسوع.
هنا نجد آراء مختلفة لدى الشرّاح، أراد ريبو أن يفسّر استعمال كلمة "هودوس" الطريق، فقال إن لوقا عاد إلى الطرق التي جال عليها يسوع خلال حياته على الأرض، عاد إلى رسالة قام بها على الطرقات كما سيفعل تلاميذه بعده. أما بوفون فاختار المعنى الاكليزيولوجي (أو الكنساني) لا المعنى الكرستولوجي (الذي يدل على يسوع المسيح)، قال: إن الطريق تعني الكنيسة أو أعضاء الكنيسة. أما براون فقال إن ما نقرأ في 9: 2 (أصحاب الطريق، تُبّاع الطريق أو المذهب) يساوي ما نقرأ في 12: 1 (بعض أعضاء الكنيسة). أما ليونيه اليسوعي فأراد أن يبيّن أن كلمة الطريق، لا تعود بنا إلى شخص يسوع كما كان يتجوّل في اليهودية أو لأنه أسّس جماعة. تعود كلمة طريق إلى يسوع على أنه القائم من بين الأموات. إنه يعيش في كل مؤمن، وهذا أمر خاص بالله وحده، كما يقول بولس في فل 3: 8- 11 شارحاً بما يقوم به التعلّق بالمسيحية. ثم هناك رباط أدبي بين الطريق والمسيح يعبّر عنه أع في الموازاة: اضطهدت هذه الطريق... أنا هو يسوع الذي تضطهده.
ب- معنى كلمة طريق
قبل أن نحدّد طبيعة هكذا الرباط بين الطريق ويسوع، نود أن نحدّد معنى كلمة "الطريق" كما تظهر وحدها في أع. قالت بيبليا أورشليم وهانشن: تعني الجماعة المسيحية. وقال اوستي: الكنيسة. ولكن هناك من يأخذ بالمعنى العادي: طريقة حياة وسلوك. وفي الواقع يتوافق هذا المعنى توافقاً كلياً مع نصوص أع. يتكلّم اوستي عن اليهود المرتبطين بالطريق أي الكنيسة (18: 25، 26؛ 19: 9، 23؛ 22: 4؛ 24: 14، 22). ولكنه يقول على 19: 23: الطريق أي قاعدة حياة، تعليم الرب واسم سام لديانة يسوع (9: 2؛ 19: 9؛ 22: 4؛ 24: 14- 22). وأخيراً يقول على 22: 4، الطريق هي كيفية خدمة الله كما دشّنها يسوع (رج 9: 2؛ 18: 25- 26؛ 19: 9، 23؛ 24: 14، 22). ونجد الملاحظة عينها على 2 بط 2: 2 (ستكون طريق الحق موضوع تجديف). وفي 24: 14، يحيلنا إلى 9: 2. تحدثت بيبليا أورشليم في الطبعة الأولى (1956) على 9: 2: الطريق هي أسلوب حياة يميّز الجماعة المسيحية. وبصورة غير مباشرة هي الجماعة نفسها. أما استعمال كلمة "الطريق" بصورة مطلقة (أي دون أن يكون هناك مضاف إليه، فأمر خاص بسفر الأعمال. أما في الطبعة الثانية فتدلّ الطريق (لا بطريقة مباشرة) على سلوك الإنسان وجماعة المؤمنين.
فان كان المسيحيون هم الذين يبحث عنهم بولس في 9: 2، فلأنهم "أصحاب هذه الطريق". إنه يعتبرهم وكأنهم جحدوا الديانة اليهودية. وهذا ما نقوله عن كل المقاطع التي يستعمل فيها أع الكلمة بصورة مطلقة: في 22: 4، يلاحق بولس أسلوب الحياة هذا ويضطهده. ويذكّرنا في غل 1: 13 أنه لم يرد فقط أن يدمّر كنيسة الله، بل أن يدمّر أيضاً الإيمان (1: 33: أي حياة تجد مركزها في الإيمان). وأسلوب الحياة هذا، تكلّم عليه بالسوء يهود أفسس أمام الجماعة كلها (9:19). وبمناسبة الحديث عن هذا النوع الخاص من الحياة الذي سمّاه جاكييه هنا "الحياة المسيحية"، حدثت غوغاء صاخبة (19: 23). وفي 24: 14 سمّى اليهود "بدعة" (أو هرطقة - هايراسيس) طريقة في خدمة الله دشنها يسوع. لسنا أمام بدعة من البدع، بل تفضيل لتعليم وسلوك أدبي. فبولس يتحدث في 26: 5 عن طريقة حياة (بيوسيس، من بيوس، حياة) مارسها قبل ارتداده كفريسي بحسب أكثر الاتجاهات صرامة في ديانتنا. ونحن أيضاً أمام طريقة بها نخدم الله في 24: 22، وفيلكس مطلع عليها كل الاطلاع.
وهكذا نصل إلى استنتاج أول: اعتبرت الديانة المسيحية تصرفاً أخلاقياً يفترض طريقة تفكير، ويكون في الوقت عينه طريقة عمل المسيحية. هذه الطريق هي ديانة المحبة لا ديانة الحقيقة. لهذا لا نقول "التعليم أو النظرة". وهناك من يقول إن طريق الرب ليست طريق الإنسان بل تصرّف الله ومخططه الخلاصي.
ج- ارتباط الطريق بأدب قمران
أن ترتبط هذه "الطريق" بيسوع، فأمر لا شكّ فيه. فيسوع علّمها، بل دشنها. وقد نتساءل: أما يجد بولس رباطاً أوثق بحيث إن من اضطهد هذه الطريق اضطهد يسوع؟
قبل أن نجيب على هذا التساؤل، يجب أن نعرف إذا كانت هذه الكلمة هي إيجاز لعبارة "طريق الرب" التي نجدها في 18: 25 (إختلافة: طريق يسوع). إن التقليد اللاتيني يقرأ في 18: 26: "الطريق". والشعبية تقرأ "طريق الرب" بدل "الطريق" في 19: 9، 23. وهذا يدل على أن التماثل بيت التعبيرين أمر قديم جداً. ثم إن تقريب 18: 26 (طريق الله) من 24: 22 (الطريق) مع الظرف "بدقة" يدلّ على أن تلك كانت فكرة لوقا.
في هذا المجال، يقدم الأدب القمراني كلاماً ثميناً في هذا المجال. فهو يتكلّم عن طريقة خاصة بالشيعة في ممارسة شريعة الله. ونجد الاستعمال المطلق للكلمة في وثيقة دمشق وهي موجز لعبارة خر 32: 8: حادوا عن الطريق التي رسمتُها لهم. ونجد الاستعمال المطلق أيضاً في المغارة الأولى مع ارتباط مباشر بالعبارة البيبلية التامة. بل نحن أمام إيراد واضح لنص أش 40: 3، وهو النص الذي يفتتح الخبر الإنجيلي (مر1: 3 وز): "ينفصلون عن الناس الأشرار ليذهبوا إلى البرية ليهيئوا طريق ذلك (أي: يهوه) كما قيل: هيئوا في البرية طريقاً لي... (أو هيئوا طريق...). أرسموا لإلهنا طريقاً مستقيماً في الفيافي". هذا هو البحث عن الشريعة وقد فرضه الله بواسطة موسى. ويذكر النص القمراني أيضاً "الذين يختارون الطريق" ويزيد: "سيحين الوقت لتهيئة الطريق في البرية". ثم يقول: "تلك قواعد الطريق التي أعطاها معلّم الحكمة في قلب هذه المراحل فيما يتعلّق بمحبة التلاميذ وبغضهم".
تحدّث النّص عن الذين يبتعدون عن الطريق، ويكرهون الشريعة. وعلّق أحد الشرّاح: الطريق هي طريقة خاصة. بالشيعة في ممارسة شريعة الله، كما في خر 32: 8 وتث 9: 16 (حدتم سريعاً عن الطريق التي رسمها الرب لكم).
د- طريق الرب
إذا كانت كلمة "الطريق" اختصاراً لعبارة "طريق الرب"، وجب علينا قبل كل شيء أن نحدّد معنى هذه العبارة التي قرأناها في أش 40: 3 والتي نجدها في عدة مقاطع من التوراة.
هناك ملاحظة أولى مهمة وإن كانت سلبية. نحن لا نستطيع أن نقول: الطريق التي تقود إلى الله (رج مت 22: 16؛ مر 12: 14: طريق الله. قالت الترجمة المسكونية الفرنسية على مت 22: 16: رسمها الله أو ربما تقود إلى الله). إن طريق الخلاص والحياة والحق والبر تعني الطريق التي تقود إلى الخلاص والحياة والحق والبر (أي التي تجعل الإنسان باراً) (مت 21: 32. شرحت بيبليا أورشليم: توافُق مع إرادة الله يجعل الانسان باراً). ونقول أيضاً إن طريق رومة تعني الطريق التي تقود إلى رومة. أما حين يكون المضاف إليه شخصاً (طريق بولس)، فنحن أمام الطريق التي يسير فيها هذا الشخص: طريق البار، طريق الشرير، طريق الأمم. وهذا ما نقوله عن طريق الرب أو طريق الله. فالصورة تدلّ دوماً على "مسيرته"، على "تصرّفه". حين يسير الله في مقدّمة شعبه ويقوده عبر البحر الأحمر والبرية (قض 5: 4: حين خرجت من سعير وانطلقت من فيافي موآب؛ مز 68: 8 ي: خرجت على رأس شعبك؟ خر 13: 21؛ 33: 9- 16)، أو حين يردّه من المنفى البابلي في طريق البرية، يطلب أش 40: 3 من مدن يهوذا أن تهيّئه (رج أش 40: 9 ي). هذا هو المعنى الحقيقي. وهناك أيضاً المعنى المجازي: كيف يقود الله الأحداث ويخلّص العالم؟ في الواقع يلتقي المعنى الحقيقي بالمعنى المجازي بحيث ننتقل من الواحد إلى الآخر. مثلاً خر 34: 6 (الرب اله رحوم)؛ مز 103: 6- 8؛ أش 55: 3- 11.
لا شك في أن هناك استعمالاً آخر لا يشير إلى تصرّف الله بل إلى تصرّف الإنسان. فطريق الله ليست المصير الذي حدّده الله في نظام الوجود (خر 33: 13: عرّفني طريقك)، بل إرادة الله التي نتبعها في نظام الخير. إذاً نحن لا نأخذ المعنى الانطروبولوجي بل المعنى الديني. في الحالة الأولى نقوله إن "طريق الله لا عيب فيها" (مز 18: 31). ونطلب من الله أن يعرّفنا إلى طرقه وخلاصه (مز 67: 2). في هذا المعنى عينه يقول أم 8: 22 (حسب اليونانية): "الحكمة هي باكورة نشاطه أو طريقه". في الحالة الثانية نطلب من الله أن "يعلمنا طرقه ويوجّهنا في حقه" (مز 25: 4- 5)، أن "يقودنا في البر" (25: 9). إن طرق الرب هي شريعته فنقول: سار في طرق الرب (مز 119: 3) أو سار في شريعته (مز 119: 1).
وفي الحالتين نحن أمام الطريقة التي بها يتصرّف الله: والفرق الوحيد هو أن تصرّف الله هنا يُعتبر حسب أهم تقاليد العهد القديم والعهد الجديد، القاعدة الفضلى لتصرّف الإنسان (تصرّفاً أخلاقياً) المخلوق على صورة الله. ولا تسمّى هذه الطريق طريق الرب فقط لأن الله يأمر بها أو لأنها تقود إليه، بل لأنها الطريق التي يتبعها هو، لأنها طريقه. هذا هو معنى العبارة: الشريعة هي سبيل الإنسان الحقيقي. لأنها سبيل الله، ولهذا سمّيت بهذا الاسم. وقرأ احد الشرّاح إر 31: 34 (لا يعلّم بعد كل واحد قريبه...) فاكتشف أن هذا النشاط لدى الكائن الأخلاقي وهذا الالتزام في طريق الوصايا الذي تتضمنه معرفة الله (أعلن النبي هذه المعرفة كهدف العهد الجديد ونتيجته)، هما اقتداء بأخلاق الله. أجل، مثل هذا التصرف الجديد بدا لبولس قبل ارتداده (ولكل الذين وافقوا مثله على رجم اسطفانس، 8: 1) وكأنه جحود للعهد الموسوي.
هـ- الطريق والشريعة
فبالنسبة إلى اليهودية المعاصرة وبالأخص إلى الحركة الفريسية التي انتمى إليها بولس (23: 16؛ 26: 5؛ فل 3: 5)، صار الاقتداء بأعمال الله أمراً ملموساً في المحافظة الدقيقة على شريعة الله كما رتبها التقليد الموسوي وما بعد الموسوي. فبما أن العهد هو عطية الشريعة، فمن حفظ الشريعة اتّبع طريق الرب؟ أو (بعبارة أخرى): "سار في حضرة (أمام) الرب" (تك 17: 1) أو (بطريقة أفضل): "مشى معه بتواضع" (مي 6: 8). ولكن لم يتخيّل أحد أن يجد تصرف الإنسان نموذجاَ لتصرف الله، فيصبح الإنسان مثل الله.
ولكن هذا ما اعتبره المسيحيون (أصحاب الطريق) تصرّف يسوع الذي يعمل عمل الله. وفي هذا المعنى دشن يسوع هذه الطريق.
اختلف يسوع عن المعلّمين اليهود، فأدهش سامعيه حين كلّمهم بسلطان وكأنه يشارك الله في سلطانه. وفسّر شريعته المقوننة (مكتوبة كقانون) في الشريعة (الجدال حول السبت). إنه شاركه في سلطانه على الألم والموت كما فعل بعض الأنبياء، بل شاركه في سلطانه على الخطيئة فقالوا عنه: "إنه يجدّف. من يقدر أن يغفر الخطايا إلا الله وحده" (مر 2: 7)؟ وفوق ذلك، تحدّث عن علاقة فريدة (بطريقة مطلقة) مع ذلك الذي سمّاه أباه بمعنى جديد فناداه “أبّـا” أيها الأب (مت 11: 25- 27 وز). وأعلن أمام قيافا مساواته مع الآب، وحُكم عليه بسبب هذا التجديف (مر 14: 62- 64). سمعنا من فم اسطفانس كلمات خطيرة حول الهيكل المصنوع بأيدٍ بشرية (أع 7: 48)، فتذكرنا الشكوى على يسوع (مر 14: 58) التي استندت إلى شهادة زور (مر 14: 57) منطلقة من تلميح يسوع إلى هيكل آخر سيبنيه (يو 2: 19).
وهكذا يتماثل تصرف يسوع مع تصرّف الله بحيث لم يكن للإنسان أن يتصوّره. وهذا يعني بالنسبة إلى القارئ المسيحي أن طريق الرب الذي نعدّه هو ذلك الذي تحدّث عنه أش40. لم نعد أمام عبارة انطروبومورفية (تشبّه الله بالإنسان) يحاول الترجوم أن يخفّف من حدتها فيقول: "اعدوا طريقاً في البرية أمام شعب الرب. مهّدوا الطرق أمام جماعة إلهنا. قل لمدن يهوذا: لقد أعلن مُلك إلهكم. هو الرب الذي كشف عن نفسه بقوة" (أش 40: 3، 9- 10). ولقد رأى الإنجيلي الذي عرف من هو يسوع أن النبي يشير إلى المسيرة التي يقوم بها الرب على رأس المنفيين، ولكن بطريقة حقيقية (إلى منتهى الحقيقة): فهو الإله الإنسان الذي سيحرّر البشرية من عبودية الخطيئة عبر كل سر حياته على الأرض ولاسيما عبر سره الفصحي (الموت، القيامة، عطية الروح). 
فأصحاب الطريق التي دشّنها يسوع، يعتقدون أنه قام وصعد إلى السماء وهو يواصل "الطريق". هذا ما أعلن بطرس لكسيح لدة: "يا إينياس، شفاك يسوع المسيح: (9: 34). وقال لكسيح الباب الجميل في الهيكل: "باسم يسوع المسيح الناصري قُمْ وامشِ" (3: 6). وهكذا دلّ أعضاءَ المجلس على أنه "ما من اسم آخر تحت السماء وهبه الله للناس نقدر به أن نخلص" (4: 12). بل أعلن بطريقة أوضح للمسيحيين المتهوّدين الذين يريدون أن يفرضوا على الوثنيين المرتدين حفظ الشريعة: نحن اليهود نؤمن أننا نخلص بنعمة الرب يسوع، لا بخضوعنا للشريعة (15: 9- 11).
و- الطريق والخلاص
ونخطو خطوة إلى الإمام. فما تحقّق في شخص يسوع، تحقّق أيضاً بطريقة مماثلة في كل مسيحي. فحدث العنصرة الذي حصل بعد الفصح بخمسين يوماً، والذي هو يوم يحتفل فيه اليهود بحدث سيناء وعطية الوصايا العشر، أفهم الذين ينتمون إلى العهد الجديد أن تصرف يسوع صار بعطية الروح مبدأ نشاطهم الروحي والأخلاقي، وان مسيرته كانت بشكل من الأشكال مسيرتهم بقدر ما يتركونه يعمل فيهم. لم يكونوا فقط "أبناء الله" في المعنى اليهودي، بل بفضل وحدة سرية مع الابن الوحيد الذي وهبهم الروح الذي يسمح لهم أن يتوجّهوا إلى الله ويدعوه "أباً"، بذلك الاسم الذي تلفّظت به شفتا يسوع فاندهش الرسل (مت 11: 25؛ لو 11: 2؛ غل 4: 6). والاحتفال بكسر الخبز الذي يتذكّرون فيه "العهد الجديد" على مثال يسوع، ذكّرهم أن أرميا شرح هذا العهد قائلاً: لم تعد شريعة الله مكتوبة فقط على ألواح من حجر، بل في قلوبهم، لا كقاعدة حياة بسيطة كما كانت الشريعة بالنسبة لليهود، بل مبدأ نشاط داخلي. ودلّتهم العنصرة أن حزقيال لم يخطئ حين ماثل بين "الشريعة" وروح الرب: "أضع روحي في أحشائكم، فأجعلكم تسلكون حسب شرائعي" (حز 36: 27). وهذه المسيرة، هذه الطريق (هودوس) وهذا الأسلوب في الحياة (قال أر 32: 29: "أعطيهم قلباً واحداً وطريقاً واحدة أو طريقة تصرف واحدة) الذي هو أسلوب الإنسان، قد صار أسلوب الله في معنى عبّر عنه بولس: “لست أنا الذي يحيا، بل المسيح يحيا فيَّ" (غل 2: 20). لم يعد يُطلب منهم أن يحفظوا شريعة تُفرض عليهم من الخارج، بل أن يتركوا روح الحب يعمل فيهم حسب تعليم العبادة الوحيدة التي يحتفلون بها: "كلوا هذا الخبز الذي هو جسدي. اشربوا من هذه الكأس التي هي العهد الجديد بدمي" (1 كور 11: 24- 25). أما شريعته (وصيته الجديدة) فهي: "أحبوا بعضكم بعضاً كما أنا أحببتكم" (يو 13: 34).
وهذه الشريعة تشكّل هذا العهد الجديد كما شكّلت عطية الوصايا العشر (ديكالوغ) عهد سيناء. ولم يعد الأمر يقوم بأن نقتدي بشخص كما نقتدي بقديس أو ببطل من الأبطال، بل أن نتقبّل بالحقيقة عطية الله نفسه بالمسيح في الروح.
مثل هذه "الطريق"، مثل هذا التصرّف، بدا لبولس وكأنه يُحِلّ شيئاً آخر محل الشريعة التي هي أداة عهد الله مع شعبه. أجل، أحلّوا شخص المسيح نفسه. هذا ما قاله لأهل فيلبي (غل 3: 7- 14) حين ذكّرهم كيف كان ارتداده: أحلّ محلّ بر اعتبره خاصاً به بفضل ممارسته للشريعة، براً آخر من نوع مختلف، وصل إليه بفضل نشاط شخص آخر مات وقام. وهذا البر ينبع من الإيمان وحده، ويرفض كل اكتفاء ذاتي (روم 3: 27). ففعل الإيمان يجعل الإنسان يقر بعجزه الجذري ويؤكّد أن الله هو الذي يفعل لا الإنسان.
ولم يخطئ الوالي فستوس حين لخّص للملك أغريبا ما فهمه من جدال بولس مع اليهود: "رجل مات اسمه يسوع، وبولس يزعم أنه حي" (25: 19). لا حي "في السماء" فقط، بل في كنيسته، وفي قلب كل مؤمن يعتبر بأن الديانة تقوم بأن نسير كما سار يسوع، أو بالأحرى أن نترك يسوع نفسه يسير فينا كما سار في بولس الذي عاش فيه يسوع (غل 2: 20). فمن اضطهد هذه المسيرة اضطهد بالمعنى الحرفي يسوع نفسه.
إذن عاد المسيحيون إلى العهد القديم، وفهموه على ضوء وحي المسيح، فتحدثوا عن نظرتهم إلى طريق الرب. هم لم يعودوا إلى قمران الذي لا يشير إلى المسيح وسيط التبرير والخلاص. ففي قمران تقوم طريق الرب بممارسة دقيقة للشريعة الموسوية، والإعداد لهذا الطريق يكمن في طلب الشريعة. لقد بيّن قمران أن استعمال "الطريق" بصورة مطلقة وكإيجاز لعبارة "طريق الرب"، لم يدهش معاصري أع كما لا ندهش نحن من الحديث عن "الكلمة" (يتحدث أع عن "الكلمة" أو "كلمة الله، "كلمة الرب": 4: 4؛ 6: 4؛ 8: 4... وهنا 11 مثلاً زاد فيها الناسخون "الله أو الرب" على لفظة كلمة المستعملة بطريقة مطلقة). أو عن الاسم (5: 41؛ 3 يو 7) الذي هو اسم يسوع المسيح (رج لا 24: 11 حيث يستعمل الاسم بجانب "اسم يهوه" في آ 16). لقد كتب الشهداء المسيحيون (في ليون من أعمال فرنسا) أن الجاحدين أداروا ظهرهم للإيمان "فجدّفوا على الطريق"، وهم بهذا ساروا على خطى أع الذي تحدّث عن أهل أفسس المتكلمين بالسوء على الطريق (أي على مذهب الرب) (19: 9) أو عن أولئك المسيحيين الذين كان بولس يحاول أن يدفعهم إلى التجديف على اسم يسوع فيجبرهم على التخلي عن الطريق، عن طريقة حياتهم على خطى المسيح.

 

 

الفصل الخامس والأربعون
الكنيسة الأولى تصلّي
إن الجماعات التي يتحدّث عنها أع هي جماعات تصلّي. وفي هذا المجال نجد مثال الصلاة في تصرّف كنيسة أورشليم.
أ- كنيسة أورشليم
يلخّص لوقا في الإجمالة الأولى (2: 42- 47) حياة جماعة أورشليم في أربع جمل تعبّر في نظره عما هو أساسي في هذه الكنيسة: تعليم الرسل والمشاركة في الخيرات، كسر الخبز والصلوات.
نلاحظ في آ 42 هذه صيغة الجمع. يتكلّم الكاتب عن "الصلوات". لا تعني هذه العبارة نمطاً من أنماط الصلاة، بل نشاطاً يتضمّن ممارسات متنوّعة ومنظّمة ومتكرّرة.
بعض هذه "الممارسات" مشترك بين اليهود والمسيحيين. أو بالأحرى، يشارك المسيحيون في أعمال ليتورجية تقوم بها جماعة (اليهود) لا يحسّون أنهم انفصلوا عنها أو نُبذوا منها. ويعود الكاتب مراراً إلى الحديث عن حضور تلاميذ يسوع في الهيكل. وبالمناسبة (2: 46)، يوضح لوقا أن مشاركة المسيحيين هذه في الاحتفالات اليهودية كانت تتم كل يوم، بقلب واحد وبصورة دائمة. وبعد هذا، سيدلّ على المكان الذي يجتمع فيه المسيحيون: تحت رواق سليمان (5: 12 ب؛ رج أيضاً 3: 11). قد تكون هذه الإشارة غير صحيحة (كما يقول الشرّاح حول 3: 11) أو ثانوية (كما يقوله الشرّاح حول 5: 12 ب، 14)، ولكنها تؤكد بأي حال هدف الكاتب وهو أن يبيّن أن هؤلاء المسيحيين الأولين اعتادوا أن ينضموا إلى صلاة اليهود.
يذكّرنا الكاتب أيضاً أن "بطرس ويوحنا صعدا إلى الهيكل لصلاة الساعة التاسعة" (أي الثالثة بعد الظهر، 3: 1). وأن بولس قضى أوقاتاً في الهيكل خلال إقامته في المدينة المقدسة (21: 26؛ 22: 17). ويشير لوقا إلى أن بطرس صعد على سطح بيت يقيم فيه بيافا، وأخذ يصلي في السادسة أي ظهراً (10: 9، لم تكن تلك الساعة ساعة تقليدية للصلاة في العالم اليهودي).
لا يقول لنا أع مضمون صلوات المسيحيين في الهيكل. ولكنه يعرف أن بولس شارك في طقوس تطهير، خلال وجوده في أورشليم. فعل هذا، عملاً بمشورة يعقوب والشيوخ، لئلا يشكك الأخوة. ولكنه لم يكن مقتنعاً بمثل هذه الطقوس. ويقول لنا لوقا إن المسيحيين "كانوا يكسرون الخبز (يمارسون الإفخارستيا) في البيوت... ويسبّحون الله" (2: 47).
إذن، لا تصلّي جماعة أورشليم فقط في الهيكل (كان أيضاً مكان اجتماع لسماع تعليم الرسل، كما كان مكان اجتماع لسماع الرابانيين) بل في البيوت أيضاً. لا يخبرنا لوقا كيف كانت تتم هذه الاجتماعات. فبمناسبة اجتماع مماثل ترأسه بولس في ترواس (20: 7- 11)، قال لوقا إن الاجتماع تم في اليوم الأول من الأسبوع (أي يوم السبت مساء). ولكنه كان قد قال في 2: 46 إن الاجتماعات تتم كل يوم. كانوا يسمعون كرازة "الرئيس" (الرسل في أورشليم)، يداومون على تعليم الرسل، (آ 22). نتذكّر بولس خلال مروره في ترواس: "اجتمعنا لكسر الخبز"، "كسر بولس الخبز". دور بولس خاص: هو الذي يعظ أو يحاور الحاضرين. بعد هذا، أكل هو وأكل الحاضرون، وتابعوا سماع التعليم. ويشير لوقا إلى اجتماعات صلاة تمّت هي أيضاً في بيوت خاصة.
ففي بداية أع، يتحادث عن الأحد عشر المجتمعين مع بعض النسوة ومريم أم يسوع وإخوته في العلية. كانوا كلهم يواظبون على الصلاة بقلب واحد (1: 14).
يعود الحديث عن المواظبة والوحدة مراراً. يصلّي الرسل ويواظبون على الصلاة (6: 4). ويداوم المسيحيون على الصلاة (روم 12: 12؛ كو 4: 2). وتتحقق الوحدة بهذه الجماعة المصلية سواء اجتمعت في الهيكل، أو في العلية (قد تكون مكان العشاء السري)، أو في أحد البيوت الخاصة.
نستطيع أن نكوّن بطريقة معقولة مضمون الصلاة التي مارسها الأحد عشر ورفاقهم في أورشليم (تشبه بشكلها صلوات اليهود في الهيكل أو المجمع). فيسوع كان قد وعدهم وعدين قبل أن يتركهم ببضعة أيام: "ستنالون قوة هي قوة الروح القدس الذي يحل عليكم". وزاد: "ستكونون لي شهوداً في أورشليم... وحتى أقاصي الأرض" (1: 8). لا يشك لوقا أن صلاة أحد العشر ارتبطت لانتظار الروح (انتظر عطية الروح أي صلى. ق 1: 4 مع 1: 14) والاستعداد للرسالة المقبلة. وهو يجمع نوال الروح مع صلاة الجماعة التي تتضمّن عطية الروح الإلهية (لو 11: 13: يهب الروح القدس للذين يسألونه). ويجمع أيضاً الصلاة مع مهمة الكرازة الإنجيلية. إن يسوع صلّى خلال عماده، أي في بداية رسالته (لو 3: 21- 22). وإن الكنيسة صلّت قبل العنصرة وانطلاقة التبشير (1: 14؛ 2: 1- 4). وإن بولس صلّى بعد لقائه بالرب وانطلاقه إلى عمل التبشير (9: 10- 17). هذه المواقف الثلاثة تعبر تعبيراً قوياً عن فكر لوقا. ثم إن صلاة يسوع ترتبط ارتباطاً وثيقاً برسالته أو برسالة تلاميذه... سنرى كيف أن الجماعات المسيحية ترافق بصلاتها المرسلين الذاهبين في مهمة تبشيرية.
إن جماعة العلية تحتفل بليتورجيا فرضتها ضرورة إحلال رسول محل يهوذا (1: 16- 26). يقدّم لنا لوقا نص هذه الصلاة موجزاً في آيتين اثنتين (آ 24- 25). ولكن مجمل الحدث يتيح لنا أن نتتبع مسيرة الصلاة التي قامت بها الجماعة. وهناك صلاة أخرى ترد في 4: 23- 31. في ذلك اليوم، التأمت مجموعة كبيرة لسبب هام: إن كنيسة أورشليم تعيش للمرة الأولى مأساة الاضطهاد. أمسك يوحنا وبطرس ووُضعا في السجن. أُطلق سبيلهما فجأة فعادا إلى الأخوة الذين تحمّسوا حين سمعوا خبر الاستجواب ورأوا هذين "العمودين" (رج غل 2: 9) حرّين. لهذا بدأت الجماعة بالصلاة: "رفعها أصواتهم إلى الله بقلب واحد" (4: 24).
ويحدّثنا ف 12 عن اجتماع آخر للصلاة على أثر سجن بطرس. إن الخبر يهمّنا، لأنه يدلّ على الاندفاع الذي كانت به تصلّي الجماعة من أجل الرسول المسجوِن. يقول النص: "كانت الكنيسة تصلي إلى الله بلا انقطاع من أجله" (آ 5). طالت الصلاة وكانت ملحاحة. إن الجماعة تصلي صلاة من يجدون نفوسهم في وضع ميؤوس منه. وتُذكر هذه الصلاة أيضاً في آ 12. نجا بطرس بطريقة عجيبة، "فذهب إلى بيت مريم، أم يوحنا مرقس، حيث كانت جماعة كبيرة تصلّي". يذكّرنا لوقا بهذه الصلاة الجماعية ساعة استجيبت، ويحدّثنا عن اجتماعات الكنيسة في منزل أحد أعضائها. لم يذكر لوقا كل اجتماعات الصلاة، لأنها كانت أموراً عادية فلم تكن هناك حاجة للتكلم عنها مطوّلاً.
ونشير إلى نقطة أخيرة. لا يقول صاحب أع لمن كانت الكنيسة تصلي، إلا حين يتحدث عن الرسل. هنا تصلي الكنيسة من أجل بطرس المسجون. هناك تشكر الله لأنه أطلق سراحه. وسنرى التلاميذ فيما بعد يصلّون مع بولس وهو يوّدعهم، يصلّون لأجل الذي قال لهم إنهم لن يروا وجهه بعد الآن (20: 36 ي). كان للصلاة من أجل رؤساء الجماعة أهمية كبرى في الكنيسة الأولى، في الجماعة الرسولية، وهذا ما تؤكّده النصوص البولسية: رج 1 تس 5: 17؛ 2 تس 3: 1 (صلّوا لأجلنا) أف 6: 18؛ كو 4: 3؛ عب 13: 18.
ب- الرسل والتلاميذ يصلّون
يحتل الرسل مكانة خاصة في قلب جماعة أورشليم المصفية. ويذكر لوقا باهتمام صلاة رؤساء الجماعة هؤلاء. بل يعلن أنه وإن تنوّعت أشكال الخدم (دياكونيا) في الجماعة، تبقى الخدمة الأولى خدمة الصلاة مع خدمة الكلمة. هذا يعني أنه حين يُتم الرسل خدمة الكرازة والصلاة يعملون بفاعلية من أجك خلاص الجماعة كلها.
إن الأحد عشر (ذكرت أسماؤهم) يشكّلون النواة الرئيسية لهذه الجماعة المصلّية قبل العنصرة. ثم إن بطرس ويوحنا يذهبان إلى الهيكل للصلاة. وحين يستعدان للصلاة، يجترحان معجزة شفاء الكسيح. ويقولان عن هذه المعجزة إنها تمت "باسم يسوع الناصري" (3: 6- 16). ليس من قبيل الصدف أن يقرّب لوقا بين الصلاة والمعجزة التي تمّت باسم يسوع: فالاثنتان تسيران معاً. وحين أقام بطرس طابيتة في يافا "أخرج كل الأرامل الباكيات ثم سجد يصلي" (هكذا فعل بولس أيضاً، رج 28: 8). ثم التفت إلى الجثة وقال: طابيتة، قومي (9: 40) إن بطرس يفعل كما فعل يسوع (ق مر 5: 40 ي). إن بطرس يعمل باسم يسوع (رج مر 9: 38)، والصلاة هي التي تربطه بمن باسمه يفعل.
وخبر كورنيليوس (10: 12- 11: 18) سيدلّنا على بطرس الرسول في صلاته (10: 9؛ 11: 5): "صعد بطرس إلى السطح نحو الظهر ليصلّي". وراح بطرس في انخطاف: حصل في الرؤية على وحي حاسم سيبدّل مسيرة الكنيسة. اكتشف "أن الله لا يفضل أحداً على أحد، فمن خافه من أية أمة كانت، وعمل الخير (البر) كان مقبولاً عنده" (10: 34). وعلى هذا، عمّد الوثني مع عائلته ساعة حل الروح القدس عليهم. جمع لوقا موضوع الوحي الإلهي والصلاة. ما كان يفكر بأن هذا الاتصال الذي بدّل مصير الكنيسة يمكن أن يتم خارج وقت الصلاة.
الرسل يصلّون، والناس يطلبون تشفعّهم من أجل أعضاء الجماعة الذين ليسوا جديرين بالاسم المسيحي. هذا ما عمله سمعان الذي طلب إلى بطرس أن يتشفع به إلى الرب "لئلا يصيبه الشر الذي ذكره له" (8: 24؛ رج 1 صم 7: 5- 12 وتشفع صموئيل). ويصلّي الرسل حين يهبون الروح. نزل بطرس ويوحنا وصليا من أجل السامريين حتى ينالوا الروح القدس (8: 15). وصلّى الرسل حين أوكلوا السبعة بمهمة في الجماعة: "بعد أن صلّوا وضعوا عليهم الأيدي" (6: 6).
ويصلّي الرسل مع الجماعة ووسط الجماعة. إنهم يلعبون دوراً خاصاً: دور التنشيط أو الرئاسة. هذا ما نكتشفه في خبر اختيار متيا. هذا الاجتماع الذي انتهى بالصلاة تم برئاسة بطرس (1: 15- 26). وهذا ما نستنتجه من الصلاة الواردة في 4: 23- 31. يُذكر "السيد" و"العبيد"، ولا يفهم هذا الذكر إلا إذا تمت الصلاة داخل الحلقة الرسولية. ويقول أحد الشرّاح: إن موضوع صلاة ف 4 يتعلّق بممارسة خدمة رسولية. إذا كانت استجيبت هذه الصلاة، فلا ننسى أن الرسل همل الذين صلّوها. قال شارح آخر: تفترض صلاة 4: 23- 31 تدخلاً نبويا، وهذا ما يقوم به الرسل الذين يتكلّمون باسم الرب، ويدلّون على مشيئته في تقرير مصير شعبه. ونقول الشيء عينه عن دور بولس في اجتماع ترواس (20: 11).
والمسيحيون يصلّون أيضاً. لا يحتفظ لوقا إلا بصلاة اسطفانس. فالتلميذ يصلّي ساعة موته، بل يتقبّل الموت وهو يصلّي. حين "يصرخ" إلى الله "يرقد"، وهو رقاد بدأه في الصلاة، رقاد هو عربون القيامة. والتعارض واضح بين هدوء اسطفانس الذي ركع يصلّي، وبين حلبة الجلادين الذين "ملأ الغيظ قلوبهم وصرفوا عليه بأسنانهم" (7: 54).
إن تصرّف اسطفانس الذي يختلف عن تصرّف خصومه، يتوافق مع ما طلبه يسوع: "باركوا لاعنيكم، وصلّوا لأجل المسيئين إليكم. من ضربك على خدك فحوّل له الآخر" (لو 6: 28- 29). حوّل اسطفانس وجهّه، وصلّى لأجل الذين أساؤوا إليه (افتروا عليه): "رشوا بعض الناس ليقولوا: سمعنا هذا الرجل يكفر بموسى وبالله" (6: 11).. صلّى لأجل الذين رجموه، فطبّق كلمة يسوع.
ويذهب اسطفانس أبعد من هذا. اقتدى بالمسيح فقدّم حياته لله: "أيها الرب يسوع، تقبّل روحي". ثم "سجد وصاح بأعلى صوته: يا رب لا تحسب عليهم هذه الخطيئة" (7: 59- 60)0 أجل، صلّى من أجل جلاّديه، صلّى على مثال يسوع الذي قال: "اغفر لهم يا أبي، لأنهم لا يعرفون ماذا يعملون" (لو 23: 34). توجّه يسوع إلى أبيه في صلاته، أما اسطفانس فتوجّه إلى الرب يسوع.
صلاة اسطفانس هي صلاة طلب، ولكنها قبل كل شيء فعل إيمان. ففي ساعة موته، وحين كانت الظواهر تدل على انتصار أعداء الإنجيل، رأى اسطفانس يسوع. هذا الذي "أسلمه اليهود وقتلوه" (7: 52) رآه اسطفانس حياً.
ج- الكنائس الفتّية
إن الكنائس الفتية التي تأسّست في سورية وآسية الصغرى وأوروبا تواظب على الصلاة، على مثال كنيسة أورشليم الأم. تذكّر لوقا الصلاة التي يمارسها المؤمنون في أنطاكية. هم يجتمعون حول الأنبياء مثل أغابوس (11: 27 ي) أو حول الخمسة الذين يورد لوقا أسماءهم فلا نعرف منهم إلا برنابا وشاول.
فالحدث الذي يرويه ف 13، يدشّن الرحلة الرسولية الأولى، وهو يُروى بطريقة سريعة تجعل معناه يغيب عنا. من الممكن أن مسيحيّي أنطاكية كانوا قد فكروا في مسؤولياتهم من أجل عمل الرسالة. تأسّست جماعتهم على قبرصيين وقيروانيين شتتهم الاضطهاد الذي حصل بعد موت اسطفانس (11: 20- 21)، فأحست أن عليها أن تمدّ تيار الرسالة الذي وصل إليها، أن تذهب إلى البعيد لتؤسّس جماعات أخرى. وتميّز برنابا وشاول بحسّ خاص ورغبة حارة في المشاركة في هذه المهمة. وبعد أن حلّلت هذه الكنيسة المحلية الأمور، اجتمعت للصلاة وسمعت أحد أبنائها يضع حداً للجدال: أرسل الروح القدس أمراً واضحاً: أفرزوا شاول وبرنابا من أجل عمل الرسالة.
نرى مرة أخرى أن الروح ظهر للجماعة خلال الصلاة. في الصلاة تهيّأت الرسالة وتقررّت. ساعة أرادت إرسال مبشرين اختارهم الروح القدس، أخذت الجماعة تصوم (هدف الصوم أن يزيد في حرارة الصلاة ويهيئ القلوب لاقتبال الوحي، دا 9: 3؛ أع 10: 30)، وتصلّي لتسلّم هذين المرسَلين إلى نعمة الله من أجل العمل الذي سيتمّانه (رج 14: 26). رافق الصلاة وضع اليد (من أجل نوال الروح. من أجل تعيين في مهمة، طريقة بها تبارك الجماعة المرسلين)، وبعد هذا تُرك المرسلان ينطلقان.
وخلال صلاة واحتفال مماثل في أنطاكية، تدخل النبي أغابوس، وأنبأ بمجاعة (11: 27- 30). قد نظن أنه واصل تقليد الأنبياء في العهد القديم، فهدّد الجماعة بعقاب بسبب خياناتها (رؤ 2- 2- 3). حينئذ عادت الكنيسة إلى نفسها وعجلّت في إرسال معونة إِلى الإخوة المقيمين في اليهودية. قد يكون الأمر هكذا، ولكن هناك شيئاً آخر...
ظهر رجاء المجيء الإسكاتولوجي بقوة، فدفع النبي هذا الرجاء، وأشعل الدعاء الذي يرافقه. فأخذ يعلن أن المجاعة الكبرى هي علامة تسبق زمن النهاية (مر 13: 8: تحدث مجاعات؟ رؤ 6: 5 ي)، وهي ستمتّد قريباً على الأرض. إذن، يسوع هو قريب، لأن العلامات التي تسبق مجيئه صارت ظاهرة (2 تس 2: 1- 12). فأجابت الجماعة على مثال الكورنثيين: الرب أتى (ماراناتا) وتوسلت على مثال المؤمنين في سفر الرؤيا: تعال، يا رب (ماراناتا)، ثم أخذت تعطي بسخاء من أجل المؤمنين (1 كور 16: 22؛ رؤ 22: 20).
ويتحدّث أع عن أوقات صلاة عاشتها جماعات أخرى، ولكنها ذُكرت بالنسبة إلى بولس. فكما دلّ القسم الأول (ف 1- 12) على الدور المميّز للرسل وعلى مكانتهم الخاصة في صلاة جماعة أورشليم، هكذا سيبين القسم الثاني الرسول بولس يلعب الدور عينه في الكنائس التي أسسها.
إن بولس يصلّي (9: 11) ساعة يستعيد النظر وينال الروح القدس (9: 17- 18). إن عبارة "استعاد النظر" وسقطت قشور من عينيه تدل على الاستنارة التي تمت في قلب بولس ودعته إلى أن ينظر إلى الأمور نظرة جديدة. وهذا ما سيقوله في 2 كور 4: 6: "والله الذي قال: ليشرق من الظلمة النور هو الذي أضاء نوره في قلوبنا لتشرق معرفة مجد الله، ذلك المجد الذي على وجه المسيح". حينئذ نجد مرة أخرى موضوع الصلاة في علاقة مع الاتصال بالله (10: 9؛ 11: 5). وترتبط الصلاة هنا أيضاً بموهبة الروح القدس وبداية الرسالة: فكما صلّى الأحد عشر مطولاً في العلية قبل أن ينالوا الروح القدس وينطلقوا في عمل البشارة، كذلك صلّى بولس ثلاثة أيام قبل أن يُعطى له هذا الروح عينه بيد حنانيا، وقبل أن يبدأ بالتبشير بيسوع في المجامع (9: 20).
وصلّى بولس في الهيكل (21: 26). يقوله عن نفسه: "بينما كنت أصلّي في الهيكل وقعت في غيبوبة" (انخطاف). وقال له الرب، هيا، سأرسلك إلى مكان بعيد (21: 17- 21). وسيصلّي في السجن مع سيلا في فيلبي (16: 25).
حين كان بطرس في السجن، واظبت الجماعة على الصلاة من أجله (12: 5، 12) وحين كان بولس في السجن كان يصلّي ويسبّح الله. ليس من السهل أن يسبّح الإنسان الرب وهو في السجن. ولكن لوقا أراد أن يعطي القرّاء مثالاً في بولس كما أعطاه في اسطفانس الذي صلّى من أجل صالبيه وهو يُرجم.
وصلّى بولس في مالطة حين وضع يديه على والد بوبليوس الذي كان "طريح الفراش بالحمّى والإسهال" (28: 8). وصلّى أيضاً من أجل ارتداد الذين يلتقي بهم. قال أغريبا لبولس: (أبقليل من الوقت تريد أن تجعل مني مسيحياً). فقال بولس: "أطلب من الله لك ولجميع الذين يسمعوني اليوم حتى يصيروا مثلي" (أي مسيحيين) (26: 28- 29). ويصلّي من أجل الذين سلّمَهم أمرَ الاهتمام بالجماعة. "عيّن بولس وبرنابا قسوساً في كل كنيسة ثم صلّيا وصاما واستودعا نعم الرب الذي آمنوا به" (14: 23).
وأخيراً، صلّى بولس قبل أن يودّع تلاميذه الأعزاء. صلّى أمام شيوخ أفسس الذين دعاهم (20: 17): "سجد معهم كلهم وصلّى" (20: 37). أما مضمون هذه الصلاة فنجده في الخطبة التي سبقت. لمّح بولس إلى المصير الذي ينتظره. ولكنه توسّع خاصة في الصعوبات التي تنتظر الكنيسة بعد رحيله. وكانت صلاة أخرى في صور: "سجدنا على الشاطئ وصلّينا" (21: 5). قالت التلاميذ هناك لبولس أن لا يصعد إلى أورشليم. ولكن بولس قال إنه مستعد لا للقيود بل للموت في أورشليم من أجل الرب يسوع. وهذا كان موضوع صلاته.
يقول أحد الشّراح: إن بولس يصلّي دائماً. موضوع صلاته العادي هو ثبات المسيحيين وإيمانهم ومحبتهم، صبرهم في المضايق والاضطهادات، هو نجاح عمله الرسولي من أجل الله. مثل هذه الصلاة تلتقي وصلاة يسوع حين قال: "أطلبوا ملكوت الله وبره".

 

 

الفصل السادس والأربعون
خلاص الوثنيين في سفر الأعمال
أ- مقدمة
عرف القديس لوقا التاريخ الإنجيلي كما روته الكنيسة الأولى ودوّنه القديس مرقس، ولكنه رأى من الضروري أن يزيد أخباراً كوّنت موضوع الجزء الثاني (أو الكتاب الثاني) من مؤلّفه المقدَّم إلى "تيوفيلوس". فما كان هدفه حين قدّم لنا هذا الشيء الجديد؟ يتفق الشرّاح عامة على القول إن هدفه لم يكن تاريخياً محضاً: لم يهدف فقط إلى اللذة المجردة في رسم أصول الحركة المسيحية رسمة مليئة بالموضوعية. فهناك أسباب أخرى دفعت لوقا لينشر كتابه.
هناك شرّاح يبرزون الأسباب الدفاعية. قالوا، كتب لوقا لتيوفيلوس الذي كان موظفاً وثنياً، وتوجّه من خلاله إلى قراء وثنيين يؤثّرون على الرأي العام، فحاول أن يبرّئ المسيحية من اتهامات تلصق بها، وأن يبيّن أن المسيحية هي الوارثة الشرعية لليهودية. فيحق لها أن تنعم بما تنعم به ديانة إسرائيل من امتيازات. وفكر بعض هؤلاء في هدف مباشر: ألّف لوقا دفاعاً عن بولس، يمكنه أن يؤثّر على حكم المحكمة.
وهناك شرّاح يعتبرون أن أع موجّه إلى قرّاء مسيحيين. لهذا نراهم يشددون على الطابع التعليمي في الكتاب. لن نتكلّم عن نظرية تعداها الزمن، وهي تعتبر أن أع دوّن ليزيل كل اثر للتناقض بين نظرة بطرس ونظرة بولس. بل نفضل أن نرى في عمل لوقا كرازة تهدف إلى تكميل التعليم الديني لدى المؤمنين. وقالوا: وُجدت الأسباب الدفاعية بجانب الهدف التعليمي، فكان تأثير متبادل.
سنحاول أن نجمع الإشارات التي تدل على المعنى الذي نسبه لوقا إلى خبره والذي يهتمّ بأن يوصله إلى القارئ. وهناك ترتيب المواد. ومن الواضح أن تصميم الكتاب يعطينا معلومات ثمينة عن هدف كتابه. من هنا أهمية إدراك البُعد الدقيق للكتاب. لقد استقى لوقا الأطر العامة في خبره من رسمة جغرافية. في القسم الأول، تحدّث عن رسالة يسوع في الجليل، ثم السفر من الجليل إلى أورشليم، وأخيراً أحداث أورشليم. لا شك في أننا أمام ترتيب مصطنع: حافظ القسم الجليلي على تناسقه بفضل ما أهمله لوقا من أمور (لا يتكلّم لوقا عن سفرة يسوع إلى بلاد صور مع عودة عبر ديكابوليس والمدن العشر، مر 7: 24، 31، لا يحدد لوقا في 9: 18 مكان حدث قيصرية فيليبس، مر 8: 26) أو نقله من مكان إلى آخر (حادثة الناصرة في 4: 16- 30؛ رج مر 6: 1- 6؛ مت 13: 54- 58). أما قسم الصعود إلى أورشليم فنعرفه، لا من مضمونه، بل من ثلاث آيات أقحمها لوقا في خبره (لو 9: 51؛ 13: 22؛ 17: 11). ونهاية الإنجيل تبقينا في أورشليم. تحذف كل إشارة إلى الظهورات الجليلية (قال مر 16: 7: "اذهبن وقلن لتلاميذه ولبطرس: هو يسبقكم إلى الجليل، وهناك ترونه كما قال لكم؛ رج مت 28: 7. أما لو 24: 6 فقال: "اذكرن كلامه لكنّ وهو في الجليل").
ونجد رسمة الكتاب الثاني في أع 1: 8: "ستكونون لي شهوداً في أورشليم، في اليهودية كلها وفي السامرة، وحتى أقاصي الأرض". وفي الواقع، إن الفصول الأولى تعني الكرازة الرسولية في أورشليم. ويبيّن قسم ثان امتدادها إلى السامرة والسهل الساحلي، ثم تجذّرها في أنطاكية. وانطلقت الرحلات البولسية من أنطاكية إلى حوض بحر إيجه. ثم تتوجّه الأنظار إلى رومة بعد 19: 21 (رج 23: 11؛ 27: 24. يُذكر سفر بولس 3 مرات إلى رومة، كما يذكر سفر يسوع 3 مرات إلى أورشليم) وحين يصل بولس (أو الكلمة) إلى رومة، ينتهي أع بسرعة.
هي رسمة جغرافية وليست فقط جغرافية (تحدّث بعضهم عن مراحل لاهوتية). فأورشليم التي يهتم بها لوقا اهتماماً خاصاً هي المدينة المقدسة التي فيها تتمّ النبوءات. وهي تتضمّن هكذا مدلولاً لاهوتياً. امتدت المسيحية تدريجياً من أورشليم إلى رومة، فلم يكن امتدادها فقط جغرافياً: هناك انتقال من العالم اليهودي إلى العالم الوثني. هذا لم يهم لوقا بصورة رئيسية. فهو يشدّد بصورة واضحة على أن تبشير الوثنيين ليس وليد الصدف. لقد أراده الله تحقيقاً للنبوءات التي تُعلن أن المسيح سيحمل الخلاص إلى الأمم الوثنية. إذن، تبشير الوثنيين جزء لا يتجزأ من البرنامج الذي خصّت به الكتب المقدسة المسيح. هذا هو السبب الذي لأجله زاد لوقا على خبر حياة يسوع خبر "أعمال" الرسل: لولا هذه الأعمال، لظل عمل الخلاص الذي صوّرته النبوءات المسيحانية غير كامل. وهكذا يبدو التاريخ الذي رواه أع مضمّخاً باللاهوت.
هذا ما سنبيّنه مستندين إلى المقاطع التي تدلّنا على فكرة لوقا حين دوّن خبره. سنتوقّف بصورة خاصة عند المقدمة والخاتمة، فنرى المنظار اللاهوتي الذي يعطي هذا التاريخ بُعده العميق.
ب- خاتمة أع ومقدمة لو
هناك أسلوب أدبي واحد يميّز نهاية الكتابين الموجّهين إلى تيوفيلوس. أولاً، في الإنجيل: خاتمة احتفالية يكوّنها إعلان يسوع القائم من الموت (لو 24: 44- 49). في أع: إعلان بولس، سجين المسيح (أع 28: 25- 28). ثانياً، خاتمة الإنجيل (لو 24: 50- 53) تصوّر موقف الرسل الذين ينتظرون مجيء الروح: نفحة الفرح والتقوى تجعل خاتمة لو تتوافق مع بداية أع. وخاتمة أع (28: 30- 31) تميّز وضع بولس حين كان سجيناً في رومة وتنهي الكتاب في جو الانتصار. وتنتهي الخاتمتان في مناخ بنَّاء. من جهة تنظيم مؤلف لوقا، لا نستطيع أن ننسب إلى هاتين الخاتمتين أهمية شبيهة بإعلانات يسوع وبولس الكبرى. سنتوقّف الآن عند خاتمة أع، ثم نعود إلى خاتمة لو.
يتألف إعلان بولس إلى يهود رومة من إيراد كبير مأخوذ من أش 6: 9- 10. يلاحظ بولس أن رسالته (كرسالة النبي) أدت إلى عمى شعب نقصه الفهم الروحي فلم يتعرّف إلى ضرورة الارتداد (أع 28: 25- 27). ويزيد (وهذا هو ذروة كلامه): "اعلموا إذن، أن الله أرسل خلاصه إلى الوثنيين: هم سيستمعون إليه" (أع 28: 28). رذل شعب إسرائيل تعليم الخلاص، فحُمل هذا التعليم إلى الأمم الوثنية (إلى الوثنيين). يستعمل بولس عبارة "خلاص الله هذا". من أين جاء بهذه العبارة التي لا تعود إلى أش 6. هنا نقرب بين نهاية أع وبداية لو.
يبدأ الإنجيل، حسب فكرة الكنيسة الأولى، مع معمودية يوحنا. اتّبع مرقس هذا السياق، أما سائر الإنجيليون فعادوا إلى ما قبل. ألّف يوحنا مطلع إنجيله، وتحدّث متى ولوقا عن ظروف ولادة يسوع. ولكنهم يعرفون (ولوقا أولهم) أن رسالة يوحنا المعمدان هي البداية الحقيقية للإنجيل. هذا ما يذكّرنا به مرتين أع: بمناسبة اختيار متيا (1: 22) وفي ملخص لحياة يسوع (10: 37؛ رج 1: 1). جعل لوقا قبل هذه البداية توطئه طويلة، فشدّد على الزمن الحاسم بالطريقة الاحتفالية التي بها بدأ إنجيله. أولاً: ألّف لوحة زمنية كبيرة (لو 3: 1- 2) تحدّد موقع التاريخ الإنجيلي بالنسبة إلى التاريخ العام. ثم زاد إيراداً من أش 40: 3- 5 يضع الخبر في منظار لاهوتي (لو 3: 4- 6). ونحن سنتوقف عند نصّ أش هذا.
نلاحظ أولاً أن لوقا أورد أش 40: 3 فلم يختلف عن مرقس (1: 3) ولا عن متى (3: 3). ثم إن الإزائيين الثلاثة يقدّمون النص في الشكل عينه: "صوت صارخ في البرية: هيّئوا طريق الرب. مهّدوا سبله". ليست الألفاظ المذكورة هنا هي الموجودة في التوراة: "مهدوا سبل إلهنا" (حسب النص المأسوري ونص السبعينية. في الترجوم: "مهدوا السبل أمام جماعة إلهنا"). وضع الإنجيليون الضمير (سبله بدل سبل إلهنا)، فربطوا النص النبوي بتفسير كرستولوجي: إن يوحنا يهيئ مجيء الرب الذي هو يسوع المسيح، لا طريق الله نفسه، طريق الآب. إن لوقا يتبع في هذا المجال تقليدا معروفاً.
ولكن لوقا يتفرّد حين يمدّ إيراد أش حتى آ 5. بهذا يعمل عملاً شخصياً، ويكشف عن نظرته الخاصة إلى التاريخ. واليك آ 5: "كل بشر، كل جسد يرى خلاص (سوتيريون) الله". حين يتكلّم العهد الجديد عن الخلاص يستعمل صيغة المؤنث (سوتيريا) لا صيغة الحياد (سوتيريون). فنحن لا نجد صيغة الحياد إلا 4 مرات في كل العهد الجديد: مرة في أف 3:2 وثلاث مرات عند لوقا (لو 2: 30 التي تلمح إلى أش 40: 5؛ لوقا 3: 6؛ أع 28: 28).
تفرّد لوقا بإيراد أش 40: 5، كما تفرّد بجعل خبر الأعمال الرسولية في امتداد الخبر الإنجيلي. وحين ينهي مؤلفه بكلمات "أرسل خلاص الله إلى الأمم الوثنية"، نجد في هذه العبارة تذكيراً بخلاص الله الذي سيتجلّى لكل بشر، أي لليهود كما للوثنيين.
حين وضع لوقا أش 40: 5 في رأس الخبر الإنجيلي، وحين استقى خاتمة كتابه من كلمات تذكر هذا النص، أظهر فكرته وهي: إن خلاص الله يتجلّى لجميع البشر.
ج- خاتمة لو وبداية أع
قسم لوقا مؤلّفه إلى كتابين (أو جزأين). لهذا لن نبحث عن هدفه فقط في بداية لو (الكتاب الأول) ونهاية أع (الكتاب الثاني)، بل في خاتمة لو وفي بداية أع. إن هذين المقطعين يرتبطان ببعضهما ارتباطاً عميقاً، وينير الواحد الاخر.
إن خاتمة الإنجيل، كما قلنا، مؤلّفة من تعليمات أعطاها يسوع المنبعث إلى رسله قبل أن يتركهم (لو 24: 44- 49). يبدأ فيفهمهم الأسفار المقدسة: "إنها تعنيه ويجب أن تتمّ". ويعود تعليم النبوءات المسيحانية إلى ثلاث نقاط: "هكذا كُتب أن على المسيح أن يتألم، ويقوم من بين الأموات في اليوم الثالث، وتعلن باسمه بشارة التوبة لغفران الخطايا إلى جميع الأمم ابتداء من أورشليم" (آ 46- 47). ثم يعطي يسوع رسله الذين هم شهود هذه الأمور، أمراً بأن ينتظروا في أورشليم مجيء الروح القدس (آ 48- 49).
تستند شروح آ 46- 47 إلى الأسفار المقدسة، فلا عجب إن أشارت الكلمات المختارة للحديث عن الآلام والقيامة، إلى نصوص محدّدة (أش 53: 4؛ هو 6: 2). أما بشارة التوبة (ميتانويا) المعلنة لكل الأمم فهي لا ترتبط مباشرة بنص محدّد. نحن أمام برنامج سيَروي أع كيف سيتحقّق.
يتوجّه لوقا في مقدمة أع إلى تيوفيلوس الذي يهدي إليه كتابه. فيبدأ حسب العادات الحسنة بأن يذكر بإيجاز مضمون الكتاب (أو الجزء) الذي أنهاه (أع 1: 1- 2). وبعد هذا يعلن موضوع الكتاب (الجزء) الثاني. ولكن ذكر الأحداث السابقة يمتّد بحيث ينسى الكاتب القسم الثاني من الجملة. ولكن هذا التعدي على القواعد الغراماطيقية سيعوّض علينا شيئاً آخر: سيرسم يسوع بنفسه برنامج أع في آ 8: "ستنالون قوة، قوة الروح القدس الذي يحل عليكم. حينئذ تكونون لي شهوداً في أورشليم واليهودية كلها والسامرة، حتى أقاصي الأرض". ترسم هذه الآية المراحل الكبرى لانتشار الرسالة، وتقدّم الإطار العام الذي فيه ينظّم لوقا خبره.
إذا قابلنا مقدمة أع مع خاتمة لو، وجدناها أنها أوضح لأنها لا تميّز فقط حقبتين في الكرازة الرسولية (كل الأمم ابتداءً من أورشليم)، بل أربع حقبات: أورشليم، اليهودية، السامرة، أقاصي الأرض الإشارات الثلاث الأولى واضحة، وهي تدل على نقاط جغرافية محدّدة. ويمكننا أن نقول الشيء عينه إذا دلت "أقاصي الأرض" على رومة حيث ينتهي خبر أع. قد تدل العبارة على هذا المعنى من وجهة اليهودي العائش في فلسطين. ولكن يبدو غريباً أن يحتفظ بها لوقا، وهو مواطن الإمبراطورية، حين يتوجه إلى تيوفيلوس والى قرّاء يونانيين ورومانيين لن يفهموا أنه إن وصل التعليم الإنجيلي إلى رومة فهذا يعني أنه وصل إلى أقاصي الأرض.
وهناك حديث عن "أقاصي الأرض" في خطبة بولس الرسولية الأولى (13: 46- 47). سيساعدنا هذا المقطع على إدراك السبب الذي لأجله استعمل لوقا في 1: 8 عبارة قد لا يفهمها قراؤه. فنهاية خطبة بولس في مجمع أنطاكية بسيدية، تشبه الإعلان الذي به ينهي كرازته ليهود رومة (وهذا ما يشكّل خاتمة أع): إذن، هي فكرة يهتمّ بها لوقا اهتماماً خاصاً. هنا أيضاً يبدأ بولس بتحذير يتّخذه من نص نبوي: إن إيراد حب 1: 5 يلعب الدور الذي لعبه أش 6: 9- 10 في أع 28: 26- 27. إنه يعلن أنه سيتوجّه إلى الأمم. كانت فكرته أوضح مما في 28: 28 فعاد إلى أش 49: 6: "كان يجب أن نبشرّكم أنتم أولاً بكلمة الله. ولكنكم رفضتموها فحكمتم أنكم لا ترون أنفسكم أهلاً للحياة الأبدية. ولذلك نتوجّه الآن إلى الوثنيين. فالرب أوصانا هكذا فقال: جعلتك نوراً للأمم (الوثنية) لتحمل. الخلاص إلى أقاصي الأرض" (13: 46- 47).
يدلّ هذا النص أن عبارة "أقاصي الأرض" لا تُفهم فقط في معنى جغرافي. تجاه أورشليم التي هي "مدينة الملك العظيم" (مز 47: 3؛ رج مت 5: 35) ومركز عبادة الإله الحقيقي، تمثّل أقاصي الأرض الأمم الوثنية. من هنا الموازاة: "جعلتك نور الأمم الوثنية لتحمل الخلاص إلى أقاصي الأرض". هذا الكلام الذي يجعلنا في إطار ديني محض، يتيح لنا أن ندرك الموازاة بين إعلان الإنجيل إلى كل الأمم الوثنية (لو 24: 47)، وبين إعلان الشهادة الرسولية "حتى أقاصي الأرض" (أع 1: 8). إن انتشار المسيحية إلى أقاصي الأرض، ليس فقط انتشارا جغرافياً. إنه يتضمّن عبوراً من عالم اليهود إلى عالم الوثنيين. إن رومة عاصمة العالم الوثني تقع حقاً في أقاصي الأرض لأسباب دينية لا لأسباب جغرافية.
ولكي يصل التعليم إلى أقاصي الأرض، لا يكفي أن يُكرز به في كل مكان، بل يجب أن يُعلن على الوثنيين لتتم حقاً النبوءات المسيحانية. فآلام يسوع وقيامته ليست كل عمل المسيح. فيجب على بولس أن يعلن الخلاص للأمم وان يحمل التعليم الإنجيلي إلى رومة (المدينة التي تسود على الأمم) لتتم النبوءات. بهذا يبدو خبر أع التتمة الضرورية للتاريخ الإنجيلي: إن عبور المسيحية من أورشليم إلى أقاصي الأرض يتم تحقيق البرنامج الذي عيّنته للمسيح النبوءات المسيحانية.
د- خطبة الناصرة وخطبة العنصرة
حين أردنا أن نشرح مقدمة أع، عدنا إلى أولى خطب بولس (وخاصة الخاتمة)، فلاحظنا التشابه بين إعلانات بولس ليهود أنطاكية بسيدية وإعلاناته ليهود رومة في خاتمة كتابه. وهذا يبرز الأهمية التي يعلّقها لوقا على خطبة ف 13 التي هي برنامج حقيقي لكرازة بولس لليهود. وبعد أن يحذر بولس اليهود، يتوجّه إلى الوثنيين لكي تتم النبوءات. ما لاحظناه في كرازة بولس، يوجّه انتباهنا إلى خطب أخرى يجعل منها لوقا برنامجاً للأشخاص الرئيسيين الذين يتحدث عنهم: الخطبة الأولى ليسوع في مجمع الناصرة، الخطبة الأولى لبطرس يوم العنصرة. فخاتمة كل من هذه الخطب متقاربة مع بعضها ومع خاتمة أع ولو.
وضع لو في بداية حياة يسوع العلنية خطبة هي برنامج. هذا ما فعله متى حين قدم "عظة الجبل". لم يحتفظ متى إلا بالإشارات الضرورية لفهم الوضع تاركاً إلى ما بعد أحداثاً جعلها مرقس في بداية الرسالة الجليلية. أغنى الخطبة التي وصلت إليه، فضمّ مواد أخذها من أطر أخرى. وهكذا شكلت خطبة الجبل عند متى لوحة كاملة عن مثال الحياة المسيحية التي يقدّمها يسوع.
أما خطبة السهل عند لوقا (6: 20- 49) فلم تكن لها الأهمية عينها بالنسبة إلى الخبر. فخطبة الناصرة (لو 4: 16- 30) هي البرنامج. قام لوقا ببعض التحويلات ليبرز حدث مجمع الناصرة وإعلانات يسوع في تلك المناسبة. فأهمية هذا المقطع تجعلنا نفكّر أن له مدلوله لفهم الكتاب كله.
تبدأ خطبة الناصرة بإعلان مسيحاني. قرأ يسوع قول أش 61: 1- 2: "روح الرب عليّ: مسحني وأرسلني لأحمل البشارة إلى المساكين". ويزيد يسوع: "لقد تمّت هذه النبوءة". إذاً يقدم نفسه بطريقة واضحة كالمسيح مخلّص التعساء الذي أنبأ به أشعيا. بدأ أهل الناصرة يجادلون لأنهم لم يصّدقوا. هذا الموقف يشبه موقف اليهود (في أع) الذين رفضوا تعليم بولس في أنطاكية بسيدية (13: 45) وكورنتوس (18: 6) ورومة (28: 24- 25). حينئذ تكّلم يسوع، فعاد إلى مقطعين من كتاب الملوك: منح النبي إيليا إنعام الله إلى أرملة في صرفت صيدا (1 مل 17). وشفى النبي أليشاع نعمان السوري من برصه (2 مل 5). كانت الأرامل عديدات في إسرائيل وكذا كان البرص. ولكن حسنات الله توجّهت إلى الغرباء.
ما هو بُعد هذه الشروح؟ هناك أولاً بُعد مباشر في الإطار الذي وردت فيه: إنحسد معاصرو يسوع من معجزات اجترحها في كفرناحوم، فأجابهم عائداً إلى مثل إيليا وأليشاع اللذين عملا المعجزات للغرباء. ولكن الجدال يتوسّع. ففي القرينة العامة لمؤلّف لوقا، يتخذ برهان يسوع مدلولاً أعمق: هناك إسرائيل وهناك رجل سوري وامرأة فينيقية. إذن، هناك إسرائيل وهناك الأمم. فمثل إيليا وأليشاع اللذين منحا إنعام الله للوثنيين يجعلنا نرى مسبقاً أن رسالة الخلاص التي رفضها مواطنو يسوع ستنتقل إلى الوثنيين، وحدث الناصرة يدل مسبقا على ما سيحدث في أنطاكية بسيدية وفي رومة. ما فعله بولس حين توجّه إلى الوثنيين، يجد ما يبرّره في ما فعل إيليا وأليشاع.
وتتوجّه أولى خطب بطرس (أع 2: 14- 40) إلى الشعب الذي جمعته معجزة العنصرة. تألّف هذا الشعب من يهود ودخلاء (آ 11)، أي أناس أتقياء جاؤوا من كل أمة تحت السماء (آ 5). لم يحن الوقت بعد ليتحدّث أع عن الوثنيين. ولكن هذا لا يمنع لوقا من أن يعبّر عن سروره حين يعدّد الأمم الممثلة هنا: الفراتيون، المادايون، العيلاميون، سكان بلاد الرافدين، سكان اليهودية، سكان كبادوكية (آ 9- 11). وهذا التشديد على جميع الأمم التي شاهدت المعجزة بواسطة ممثّلينَ، يتضّمن خلفيّة رمزية. فعبر السامعين اليهود، يبشّر بطرس بشكل من الأشكال كل أمم الأرض.
ثم إن خاتمة الخطبة هي قريبة من خاتمة خطبة يسوع في الناصرة وخطبة بولس في كل من أنطاكية بسيدية ورومة. أعلن بطرس: "الوعد لكم ولأولادكم ولجميع البعيدين بقدر ما يدعو منهم الرب إلهنا" (آ 39) تعود الكلمات الأخيرة إلى يوء 3: 5 الذي ورد في آ 21: "كل من يدعو باسم الرب يخلص. لأنه سيكون مخلصون على جبل صهيون وفي أورشليم، كما يقول الرب. وسيكون مؤنجلون (نالوا الإنجيل أو البشارة) يدعوهم الرب". يقول يوئيل: الذين هم على صهيون وفي أورشليم. فيوضح بطرس: أنتم وأبناؤكم وجميع البعيدين. ولكن تبدّل الأفق، ورافق هذا التحول استعمال عبارة متأثرة بنص أش 57: 19: وعد سلام للذين هم بعيدون وللذين هم قريبون. تورد أف 2: 13 النص وتماثل البعيدين مع الوثنيين والقريبين مع اليهود. وهناك تلميح إلى النص في أع، والى تفسيره المسيحي في مقطع يتحدث فيه بولس عما رآه في الهيكل. أمره الرب أن يترك أورشليم وقال له: "سأرسلك إلى الأمم، إلى البعيد" (22: 21). وهكذا فعبارة 2: 39 "البعيدون" تقابل "انتم وأبناؤكم" وتدل على الوثنيين، لاسيّما الذين يدعوهم الرب.
ويتأكد هذا التفسير إذا قرّبنا بين نهاية خطبة بطرس الأولى ونهاية خطبته الثانية: "أنتم أبناء الأنبياء والعهد الذي عقده الله مع آبائنا حين قال لإبراهيم: بنسلك تتبارك كل شعوب الأرض. فلكم أولاً أقام الله فتاه (أو عبده) وأرسله ليبارككم" (3: 25- 26). تتحقق البركة المعطاة لإبراهيم بالمسيح القائم من الموت. ويوضح بطرس: تحقّق أولاً لكم. وهذا "أولاً" يفترض "ثانياً". فالقرينة تدل بوضوح على المعنى: "في نسلك (أي في إسرائيل) تتبارك كل شعوب الأرض". البركة هي أولاً لإسرائيل، وثانياَ لكل شعوب الأرض. وقد يجد هذا الشرح سنداً في مقطع من أع تظهر فيه كلمة "أولاً": "كان يجب أن نبشركم أنتم أولاً بكلمة الله. بما أنكم رفضتموها نتوجّه إلى الوثنيين" (13: 46- 47).
إذاً، تنتهي خطبتا بطرس الأوليان بتوسيع في الأفق يوصلنا إلى تبشير الأمم الوثنية.
هـ- بطرس وضابط قيصرية (كورنيليوس)
بعد أن تحدثنا عن أولى خطب بطرس، يبدو من المفروض أن نتطلّع إلى آخر إعلان له قبل أن يترك مسرح الأحداث. ففي 15: 7- 11، خلال مجمع أورشليم، سيتخذ بطرس موقفاً بالنسبة إلى قبول الوثنيين (غير المختونين) في الكنيسة. في الواقع، أبرز تدخل بطرس العبرة التي استخلصها من خبر ارتداد كورنيليوس، ضابط قيصرية. إن لوقا ينسب أهمية كبيرة إلى هذا الحدث في كتابه: يتوسّع فيه توسعاً طويلاً (48 آية في ف 10، 18 آية في ف 11، وذكره في 15: 7- 9، 15- 18) ويجعل من كورنيليوس أول وثني ينضم إلى الجماعة المسيحية. فكما أن وصول بولس إلى رومة وكرازته للوثنيين في عاصمة الامبراطورية، يشكلان نهاية مسيرته الرسولية، كذلك يشكل عماد كورنيليوس نهاية مسيرة بطرس الرسولية: بعد هذا التدخّل الحاسم، لم يبق لبطرس إلا أن يختفي ويترك الساحة لبولس.
إن مداخلة بطرس في مجمع أورشليم، تجعل من عماد كورنيليوس حالة نموذجية: "منذ الأيام الأولى، اختارني الله من بينكم ليسمع الوثنيون من فمي كلمة البشارة ويؤمنوا" (15: 7). كان بطرس أول من حمل الإنجيل إلى الوثنيين: لا إلى وثني واحد، بل إلى الوثنيين إجمالاً. وقد تصرّف هكذا بفضل تدخّل من قبل الله الذي أوضح إرادته حين جدّد معجزة العنصرة للوثنيين: "والله الذي يعرف ما في القلوب، شهد على رضاه عنهم، فوهب لهم الروح القدس كما وهبه لنا" (15: 8). إن الله يلغي كل تفريق بين اليهود والأمم (15: 9). إنه يريد خلاص هؤلاء وأولئك "بنعمة الرب يسوع" (15: 11). وقدّم بولس وبرنابا شهادتهما (15 : 12)، كما قدّم يعقوب شهادة الأنبياء (15: 14- 18). وهكذا، كان حدث ضابط قيصرية أساس حلّ يوافق على نشاط بولس الرسولي. فتح بطرس أبواب الكنيسة للوثنيين، فدخل بولس في هذه الأبواب وأدخل معه العالم الوثني.
إن الأهمية التي أعطاها لوقا لارتداد كورنيليولس، لا تنفصل عن الدور الذي لعبه هذا الحدث في قرار أورشليم. في الواقع، إن الخبر الذي يورد هذا الارتداد ليس متناسقاً. فنحن نجد فيه مركزين متميزين.
أولاً، مسألة العلاقات بين اليهود والوثنيين. تشدّد عليها ملاحظة بطرس حين وصوله إلى بيت كورنيليوس: "تعرفون أن اليهودي لا يحل له أن يخالط أجنبياً (أو غريباً) أو يدخل بيته" (10: 28). وفي هذا الإطار، سيعاتب مسيحيو أورشليم بطرس: "لماذا دخلتَ إلى قوم غير مختونين وأكلت معهم" (11: 3)؟ طرحت المسألة بهذه الكلمات، فعنت قواعد الطهارة المفروضة على كل يهودي. وأوضح بطرس موقفه حين قال لكورنيليوس. "أراني الله أن لا أحسب أحدا من الناس نجساً أو دنساً" (10: 28). وهو بهذا يلمح إلى رؤيته قطعة قماش كبيرة عليها من كلٍ دواب الأرض... قال له الرب: "ما طهّره الله لا تعتبره أنت نجساً" (10: 15). برّر موقفه في أورشليم حين روى هذه الرؤية (11: 5- 10؛ رج 15: 9).
ثانياً، مسألة قبول الوثنيين في الكنيسة أدت بنا إلى مجمع أورشليم، كما أن المسألة الأولى أوصلتنا إلى حادث أنطاكية، غل 2: 11- 14. هنا، توقّف لوقا عند المقدمة والخاتمة في ف 11: "وسمع الرسل والإخوة في اليهودية أن الوثنيين قبلوا كلمة الله" (11: 1). "مجّدوا الإله وقالوا: أنعم الله، إذن، على الوثنيين أيضاً بالتوبة التي تقود إلى الحياة" (11: 18). وإن سؤال بطرس في 10: 47 يجعلنا في الوجهة عينها: "هل نستطيع أن نمنع ماء المعمودية عن الذين نالوا الروح القدس مثلنا" (رج 15: 1- 5، 7، 14، 16- 17)؟
يورد لوقا المسألة الأولى، ولكنه يتوقّف عند المسألة الثانية. فارتداد كورنيليوس ليس فقط حالة فردية. فعلى ضوء هذا الارتداد ستكتشف أورشليم مبدأ دخول الوثنيين إلى الكنيسة.
وستشدّد على أهمية الحدث خطبةٌ رسولية كبرى تبرز بُعده. منذ البداية يعلن بطرس: "أرى أن الله في الحقيقة لا يفضّل أحداً على أحد. فمن خافه من أية أمة كانت، وعمل الخير كان مقبولاً عنده" (10: 34- 35). ليس من الضروري أن يكون الإنسان من شعب إسرائيل ليرضي الله. فيسوع هو رب كل العالمين، رب كل البشر (10: 36؛ رج روم 10: 12). وفي الختام: "له يشهد جميع الأنبياء بأن كل (إنسان) من آمن به ينال باسمه غفران الخطايا" (10: 43). إن أراد الإنسان أن يخلص، عليه أن يؤمن بالمسيح سواء كان يهودياً أو وثنياً (غير يهودي). هذا ما يبيّنه التعليم الذي أبرزه بطرس في مجمع أورشليم (15: 9- 11).
إن حدث قيصرية سيكرس دخول الوثنيين إلى الخلاص. ويشكل خطوة بها تتجاوز المسيحية حدود اليهودية. بعد هذا ستنطلق المسيحية لتصل إلى "أقاصي الأرض". وهذا ما سيتم بواسطة بولس. أما بطرس فترك الساحة بعد أن انتهى دوره.
و- رسول الأمم
اتخذ بطرس المنعطف الحاسم. فبقي على بولس أن يوصل تعليم الخلاص إلى أقاصي الأرض، أن يعلنه للوثنيين حتى في عاصمة العالم الوثني. في الواقع، وصلت المسيحية إلى رومة قبل وصول بولس. يشير 28: 15 إلى استقبال "الإخوة" لبولس.
إذا أردنا أن نحدّد الطريقة التي بها يتصوّر لوقا مهمة بولس، نتوقِّف عند ثلاث إشارات: رسالة بولس كما يحددها هو بنفسه في خاتمة آخر خطبة كبيرة له. رسالة بولس كما وصلت إليه حين دعاه الرب، حدث أثينة الذي يعتبروه لوقا ذروة رمزية في رسالة بولس.
1- كرازة بولس في رومة
لا نستطيع أن نسمي خطبة ما أورده لوقا من كرازة بولس في رومة. فهو يكتفي بأن يشير إلى الموضوع وأن يذكر الإعلان الذي يكوّن الخاتمة. أما خطبه بالمعنى الحصري فهي: خطبة مجمع أنطاكية بسيدية (تمثل كرازة بولس إلى اليهود). خطبة أثنية (تمثّل كرازته إلى محيط وثني). خطبة ميليتس (وصيّته الرعاوية). وأخيراً، ثلاثة دفاعات: أمام شعب أورشليم، أمام فيلكس، أمام الملك أغريبا. في هذه المناسبة الأخيرة، يقدّم لوقا خطبة اعتنى بتدبيجها عناية خاصة (26: 2- 23).
وفي نهاية هذه الخطبة أعطى بولس تحديداً لكرازته: استند إلى الكتب المقدسة فبيّن ثلاثة أمور: (1) على المسيح أن يتألّم (2) حين يقوم من بينِ الأموات (3) سيبشر شعب (إسرائيل) وسائر الشعوب الوثنية بالخلاص (آ 23). هنا نعود إلى آخر كلمات يسوع لرسله.: هذا ما كُتب: (1) أن المسيح يتألّم. (2) أنه يقوم في اليوم الثالث (3) أن باسمه تعلن بشارة التوبة إلى جميع الأمم الوثنية ابتداء من أورشليم (لو 24: 46- 47). الموازاة واضحة. إن كرازة بولس، شأنها شأن كرازة يسوع، تبرز "الآيات المسيحانية" التي تضمّنتها الكتب وتمّت في يسوع: الآلام، القيامة، الخلاص إلى كل الأمم. مات يسوع وقام. هاتان هما آيتان. أما الآية الثالثة، فنجد تمامها في رسالة بولس: به يتم عمل المسيح، به يتم تاريخ الخلاص.
2- طريق دمشق
تحوّل شاول على طريق دمشق من مضطهد إلى رسول للمسيح. كان هذا الحدث حاسما بالنسبة إلى مصير الكنيسة. ولقد رواه لوقا ثلاث مرات (9: 1- 19؛ 22: 5- 16؛ 26: 12- 18) فدلّ على أهميته. 
تشدّد هذه الأخبار على الطابع الشامل للرسالة التي أوكل بها بولس. في 9: 15، يعلن يسوع لحنانيا الشيخ: "هذا الرجل هو لي إناء مختار. اخترته ليحمل (ليشهد) اسمي أمام الأمم الوثنية، أمام الملوك وبني إسرائيل". وفي 22: 15، قال حنانيا لبولس: "ستكون شاهداً له عند جميع الناس بما رأيت وسمعت". ظلت عبارة "جميع الناس" غامضة. وفي 23: 21، حين يقول الرسول بوضوح إن الرب أرسله إلى الأمم الوثنية، منعه سامعوه بصياحهم من أن يتابع خطبته. وفي 26: 17- 18، سيعلن يسوع مباشرة لبولس، ملمحاً إلى أر 1: 5- 8 وأش 42: 7، 16: "سأرسلك إلى الأمم الوثنية لتفتح عيونهم فيرجعوا من الظلام إلى النور، ومن سلطان الشيطان إلى الله".
إن هذه الطريقة في تحديد رسالة بولس، تقابل ما كتب في غل 1: 16: "شاء الله أن يعلن ابنه فيّ لأبشر به بين الأمم". أجل، إن بولس تسلّم الدور الأول في أع: إنه الإناء الذي اختاره الله ليحمل تعليم الخلاص إلى الأمم الوثنية.
3- في أثينة
أثينة هي في وسط الطريق بين أورشليم ورومة. يكرّس لوقا 9 آيات لتسالونيكي، 18 آية لكورنتوس. ولكنه يحتفظ لأثينة 20 آية. ويقدّم فيها خطبة هامة لبولس. لم يعد لأثينة أهمية سياسية: صارت المدينة الجامعية ودماغ الفكر الوثني والمركز العقلي والديني الأهم في العالم اليوناني والروماني. لهذا رأى فيها لوقا نموذجاً ورمزاً. فتعليم الخلاص المعدّ لكل البشر، يجب أن يسمع من على هذا المنبر. أعطانا لوقا فكرة أولى عن كرازة بولس إلى محيط وثني لما كان في لسترة. وها هو يعطينا مثالاً كاملاً في أثينة.
تكلّم بولس أولاً أمام الفلاسفة الذين يمثّلون أهم المدارس في ذلك الوقت. ثم مثل أمام الأريوباج الذي يمثل لأثينة ما يمثله السنهدرين لأورشليم. الأريوباج (تلة تجتمع عليها السلطة، ثم السلطة) هو السلطة العليا التي تحكم على آراء الناس. لم يعد المجلس يجتمع على تلة الأريوباج، بل تحت الرواق الملكي حيث اتهم سقراط بإدخال آلهة جديدة إلى المدينة. وأشار لوقا إلى الموازاة: رأى الفلاسفة في بولس "مبشراً بآلهة غريبة" (17: 18)، فاجتذبوه إلى الأريوباج ودعوه لكي يوضح موقفه.
انطلق بولس من "الإله المجهول" الذي بنى له الأثينيون مذبحاً، فأعلن الإله الواحد. ثم توسّع في مواضيع معروفة من الدعاية اليهودية عن الإله الواحد في العالم الهليني. أولاً: انتقاد المعابد الوثنية: "الله الذي خلق الكون وكل ما فيه،. رب السماوات والأرض، لا يسكن في معابد بنتها أيدي البشر" (17: 24). ثانياً: انتقاد العبادة التي تقام في هذه الهياكل: "لا تخدمه أيدٍ بشرية، كما لو كان يحتاج إلى شيء" (17: 25). ثالثاً: انتقاد الأصنام أي التماثيل التي تُعبد في الهياكل: "يجب علينا أن لا نحسب الألوهية شكلاً صنعه الإنسان بفنه ومهارته من ذهب أو فضة أو حجر" (آ 29).
حينئذ تأتي الخاتمة التي تهمنا بطريقة مباشرة. فبعد الجو اليهودي (في عالم هلنستي)، يبرز الجو المسيحي: "وإذا كان الله غض نظره عن أزمنة الجهل، فهو الآن يدعو الناس كلهم في كل مكان إلى التوبة، لأنه وقَّت يوماً يدين فيه العالم كله بالعدل على يد رجل اختاره، وبرهن لجميع الناس عن اختياره بأن أقامه من بين الأموات" (17: 30- 31). يتوجّه التعليم إلى كل البشر، في كل مكان. ما نقرأه في الخاتمة يذكرنا بما في البداية: "خلق البشر من أصل واحد، وأسكنهم على وجه الأرض كلها" (17: 26). في البداية، هناك إنسان واحد يخرج منه كل الجنس البشري الموزعّ على وجه الأرض كلها. وفي نهاية الأزمنة، سيدان كل البشر بإنسان واحد أقامه الله من بين الأموات. نحن أمام مقابلة بين آدم (الأول) وآدم (الثاني)، وهذا ما يعطي طابع الشمول لتدبير الخلاص الذي دشنته قيامة المسيح. إن حدث الفصح الذي هو علامة سبّاقة للدينونة الأخيرة، يكوّن بُعدا شاملاً هو بعد خلق آدم، أبي الجنس البشري كله.
خاتمة
وهكذا نصل من خلال كل هذه النصوص إلى النتيجة عينها: حين ألف لوقا أع، بيّن أن تعليم الخلاص (إنجيل يسوع المسيح) ظهر "لكل بشر"، "وصل إلى أقاصي الأرض"، إن أفضال الله أعطيت أيضاً للغرباء. أجل إن الكرازة الرسولية توجّهت إلى العالم الوثني.
الوجهة التي وقف عندها الكاتب ليروي انتشار التعليم الإنجيلي، ليست وجهة المؤرخ فقط. ولا يكتفي بأن يورد الظروف التي دفعت الكنيسة الأولى لأن تتوسّع وسط الوثنيين. بل أراد أن يبيّن أن هذا الاتجاه الجديد (أراده الآب ووجّهه الروح القدس) يُتم النبوءات المسيحانية. إذاً للتاريخ الذي يكتبه لوقا مدلول لاهوتي: يسوع هو المسيح الذي وعد به الأنبياء: احتمل الموت وقام وعمل لكي تُعلن البشارة باسمه إلى كل الأمم الوثنية. أجل، يفهمنا أع أن الأسفار المقدسة تمّت فيما يتعلق بتبشير الوثنيين، بل هي تبرّر الرسالة المسيحية لدى الوثنيين كامتداد ضروري لعمل الخلاص الذي أنجزه يسوع المسيح.

 

 

الفصل السابع والأربعون
التوبة والارتداد في أعمال الرسل
أ- مقدمة
تتوسع كرازة الرسل كما تظهر في أع حسب رسمة منظمة. هناك ثلاثة أقسام رئيسية. القسم الأول يعلن حدث الفصح: حَكم يهود أورشليم على يسوع بالموت، ولكن الله أقامه. ثم يرجع "الخطيب" إلى الأسفار المقدسة ليبرّر معنى القيامة: ما قاله الأنبياء عن المسيح قد تمّ في يسوع. ويستنتج القسم الأخير الخلاصة العملية: يجب أن نتوب، أن نرتد، أن نؤمن، أن نتعمّد، أن نحصل على غفران الخطايا ليتأمّن لنا الخلاص والحياة الأبدية. سنتوقف هنا عند القسم الثالث من الخطبة. ولكننا نشير إلى ثلاث ملاحظات:
1- وحدة العظة
إذا أردنا أن نعطي خاتمة الخطبة الرسولية معناها الحقيقي، وجب علينا أن لا نعزلها عن القسمين الأولين. فالارتداد الذي يُدعى إليه السامعون، هو نتيجة عملية للتعليم الفصحي. ونحن لا نقدر أن نفهم هذه النتيجة إن لم نأخذ بعين الاعتبار علاقتها بالتعليم عن القيامة. والنظرة المعاكسة هي حقيقية أيضاً: فطريقة عرض الأحداث وتنويرها بالأسفار المقدسة، يرتبط باهتمام "الواعظ" ليدعو السامعين إلى الارتداد. إذاً، تبدو كل عناصر الخطبة متماسكة. وإذا أردنا بطريقة ملموسة أن ندخل في منظار أع، وجب علينا أن نتطلّع إلى الارتداد في علاقته بالأوقات الحاسمة في تاريخ الخلاص: الآلام، القيامة، الدينونة الأخيرة.
2- الارتداد
حين نتكلّم عن "الارتداد" نعني الطريق التي يتخذها اليهودي أو الوثني ليصير مسيحياً. هذه الطريق متشعّبة، ونحن لن ندرس كل وجهاتها. أما اللفظة الخاصة التي يدل على جواب الإنسان على التعليم المسيحي فهي "الإيمان". وتعلّق الإيمان هذا نعبّر عنه بتقبّل العماد. لن نعالج تفكير المسيحيين الأولين حول الإيمان والمعمودية. بل نوجه انتباهنا إلى الفعل الذي يقابل ما نسميه "الارتداد" (ابيستريفو): استدار، عاد، رجع، ارتد. ونحلّل أيضاً فعل "ميتانوو": غيّر عواطفه، تاب. هذان الفعلان يعودان إلى العالم العبري والآرامي (شوب توب. رج في العربية: تاب، ثاب).
3- في إطار العهد الجديد.
إن استعمال هذين الفعلين يميّز لغة القديس لوقا. يستعمل كل من متى (13: 15) ومرقس (4: 12) فعل أبيستريفو مرة واحدة في إيراد أش 6: 10 أما لوقا فيستعمل الفعل مرتين في الإنجيل (1: 16؛ 22: 32) وثماني مرات في أع (3: 19؛ 9: 35؛ 11: 21؛ 14: 15؛ 15: 19؛ 26: 18، 20؛ 28: 27). ونزيد كلمة ارتداد (15: 3) وردّة (3: 26) التي تدلّ على وجهة الارتداد السلبية (تردّ كل واحد منكم عن شروره). أما فعل "ميتانوو" فيرد 3 مرات في مرقس، 7 مرات في متى، 14 مرة في لوقا (لو 3: 3= مر 1: 4 ومت 3: 2؛ لو 3: 8= لو 10: 13= مت 11: 21؛ لو 11: 32= مت 12: 41). يتفرّد لوقا بذكر كلمة "ميتانويا" عشر مرات (5: 32؛ 13: 3، 5؛ 15: 7 أ ب، 10؛ 16: 30؛ 17: 3، 4؛ 24: 47. مثلاً قال مر 2: 17: ما جئت لأدعو الأبرار بل الخطأة. فزاد لو 5: 32 "إلى التوبة"). ويستعمل الفعل 11 مرة في أع (2: 38؛ 3: 19؛ 5: 31؛ 8: 22؛ 11: 18؛ 13: 24؛ 17: 30؛ 19: 4، 20، 21؛ 26: 20 أب). يعالج القسم الأول من حديثنا موضوع الارتداد. وسندرس فيما بعد علاقة التوبة بموت يسوع وقيامته وعودته للدينونة الأخيرة.
ب- الإرتداد إلى الرب
ارتد أي استدار نحو آخر. فالارتداد هو اتخاذ موقف بالنسبة إلى شخص آخر. تستعمل النصوص عبارتين. ارتد إلى الله، ارتد إلى الرب. سنعالج كل عبارة على حدة. ثم ندرس التبدّل الذي يفرضه الارتداد على الذي يرتد: هو تبدّل يصيب كل طريقة عيشنا.
1- ارتد إلى الله
الطابع التقليدي لعبارة "ارتد إلى الله" نجده عند القديس بولس في رسائله. حين ذكر التسالونيكيين كيف استقبلوا كرازته في السنة الماضية، كتب لهم سنة 51: "اهتديتم إلى الله، وتركتم الأوثان لتعبدوا الله الحي الحق" (1 تس 1: 9). وبعد سنوات، سيحذّر الغلاطيين من تبنّي ممارسات يهودية تعود بهم إلى الوراء: "بعدما عرفتم الله، بل عرفكم الله، كيف تعودون (ترتدون) أيضاً إلى تلك العناصر الضعيفة الحقيرة وتريدون أن تكونوا لها عبيداً كما كنتم من قبل" (غل 4: 9)؟ لما أرادت الكنيسة الأولى أن تتكلّم عن الوثنيين، استعادت عبارة كرّسها الاستعمال اليهودي الهلنستي: حين يتعلق الوثنيون بالإيمان الحقيقي يميلون (يرتدون) عن آلهتهم الكاذبة، عن أصنامهم، ليتجّهوا (ليهتدوا) إلى الإله الحي، إلى الإله الحقيقي. يتم التبدل على المستوى الديني المحض. يتخلى المرتد عن عبادة الأصنام من أجل عبادة الله وتقديم الإكرام الواجب له.
تظهر هذه العبارة مرات عديدة في أع. ونسمع ما قاله بولس للوثنيين في لسترة: "جئنا نبشركم لتتركوا (لترتدوا عن) هذه الأباطيل وتهتدوا (تميلوا) إلى الله الحي الذي خلق السماء والأرض والبحر وكل شيء فيها" (14: 15). تجاه الأصنام التي هي أشياء لا حياة فيها ولا حركة، يقف الإله الحقيقي، الإله الحي والفاعل: خلق، وما زال يغدق حسناته على خلائقه: "أنزل المطر من السماء، وأعطى المواسم في حينها، ورزقنا القوت وملأ قلوبنا بالسرور" (14: 17). الاهتداء إلى الله هو الإقرار بأنه الإله الحقيقي وتقديم واجب العبادة التي لا تحق للأصنام. 
ويورد ف 15 أن بولس وبرنابا عادا من رحلتهما الرسولية الأولى، وقدّما تقريراً للكنائس القديمة: "أخبرا عن اهتداء الوثنيين، ففرح الأخوة كثيراً" (1: 35). وبيّن يعقوب في مجمع أورشليم أن دخول الوثنيين في الكنيسة يقابل مخطّط الله كما عبّرت عنه النبوءات. وختم كلامه: "لذلك أرى أن لا نثقّل على الوثنيين الذين يهتدون (يرتدون) إلى الله" (15: 19). الاهتداء أو الارتداد إلى الله يدلّ على التزام الوثنيين بالوحدانية كما عرفها شعب إسرائيل. وستُستعمل الكلمة للتحدّث عن الالتزام بالتعليم الإنجيلي. أما العلاقة الواضحة فهي ترك الأصنام.
ويوضح بولس العبارة في خطبته أمام الملك أغريبا. التقاه الرب على طريق الشام، وأرسله إلى الوثنيين، وحدّد له مهمة: "أن يفتح عيونهم فيرجعوا (يرتدوا) من الظلام إلى النور، ومن سلطان الشيطان إلى الله" (26: 18). صورتان متميّزتان تحددان الاهتداء: عيون عمياء تنفتح، فتنقل الإنسان من الظلام إلى النور. ثم إن الذي كان في مخيّم الشيطان (هناك يمارس سلطانه)، انتقل إلى مخيّم الله وعاد إليه. صورة الأعمى الذي يستعيد النظر مأخوذة من أش 42: 7، 16. أما الصورة الثانية فتوضح عبارة شائعة تتحدث عن الاهتداء كرجوع إلى الله.
تسلّم بولس هذه المهمة فكرّس نفسه لها. "بشّرت أهل دمشق أولاً، ثم أهل أورشليم وبلاد اليهودية كلها ثم سائر الأمم الوثنية داعياً إلى التوبة والرجوع (الارتداد، الاهتداء) إلى الله والقيام بأعمال تدل على التوبة" (26: 20). إن بولس يدعو اليهود والوثنيين إلى التوبة والاهتداء. غير أنه يقول "الاهتداء إلى الله" فيعني بصورة مباشرة الوثنيين (فاليهود يعبدون الله الواحد).
وهنا لا بد من مقابلة 26: 20 مع 20: 21 التي هي ملخّص لنشاط بولس الرسولي في أفسس: "ناشدت اليهود واليونانيين أن يتوبوا إلى الله ويؤمنوا بربنا يسوع". يدل الفعل (ميتانوو) هنا على التوبة والارتداد (الرجوع) إلى الله. ينتظر الرسول أن يعود الوثنيون عن أصنامهم ليهتدوا إلى الله ويعبدوه. أما اليهود فيطلب منهم بصورة خاصة (مع الوثنيين) أن "يؤمنوا بربنا يسوع".
2- ارتد إلى الرب
"ارتد إلى الرب" يعني "ارتد إلى الله". فكلمة رب (كيريوس) في التوراة اليونانية تساوي كلمة يهوه الذي هو اسم إله إسرائيل المهيب، اسم الإله الحقيقي. يتخذ لوقا العبارة في معناها العادي حيث يعود إلى ملا 2: 6 فيحدد مهمة يوحنا المعمدان: "يهدي (يجعلهم يرجعون) كثيرين من بني إسرائيل إلى الرب إلههم". فالاهتداءات التي كان السابق سببها في بني إسرائيل، لا تشبه اهتداءات الوثنيين. قد يحتاج بنو إسرائيل إلى الارتداد دون أن يسقطوا في الشرك وعبادة الأصنام. من مال إلى الله عاد إلى عبادته. وبالتالي، من تخلّى عن عبادة الله، لم يعد متجهاً إليه. إذن، لا يمكن أن نميل إلى الله دون أن نخضع لإرادته، دون أن نقدّم له الإكرام والطاعة لوصاياه. حين جعل المعمدان مواطنيه يعودون إلى ممارسة ديانتهم ويطابقون حياتهم على متطلباتها، جعلهم يهتدون إلى الرب إلههم.
لا يستعمل أع عبارة "ارتد إلى الرب" في هذا المعنى اليهودي. حين يستعيدها يعطي كلمة "الرب" معناها المسيحي الخاص أي: يسوع في حالته المجيدة التي له بعد القيامة. حين يخبرنا لوقا عن تأسيس كنيسة أنطاكية، يشير إلي مبادرة بعض المرسلين الذين تجرّأوا "فخاطبوا اليونانيين أيضاً وبشروهم بالرب يسوع" (11: 20). وكانت نتيجة هذه الكرازة مشجّعة: "وكانت يد الرب معهم فآمن منهم كثيرون واهتدوا إلى الرب" (11: 21). "وانضم إلى الرب جمع كبير" (11: 24). إن الرب الذي اهتدى إليه أهل أنطاكية، هو الذي يعلنه الإنجيلي، هو الرب يسوع. واهتداؤهم يتضمّن الاعتراف بالإله الواحد كما في الوحي البيبلي. ولكن أع يشدّد في الاهتداء على الربوبية (والسيادة) التي منحها الله ليسوع حين أقامه من بين الأموات.
واجترح بطرس في لدة معجزة، فاهتدى عدد كبير. ثم شفى الكسيح إينياس قائلاً له: "يا إينياس، شفاك يسوع المسيح" (9: 34). وماذا كانت نتيجة المعجزة؟ "رآه جميع سكان لدة وسهل شارون، فاهتدوا إلى الرب" (9: 35). وهناك نتيجة مماثلة على أثر معجزة في يافا: "فانتشر الخبر في يافا كلها، فآمن بالرب عدد كبير من الناس" (9: 42). إن الرب الذي يؤمنون به ويرتدّون إليه هو الذي يبشر بطرس به ويجترح باسمه المعجزات، هو يسوع المسيح. ولكن يُطرح السؤال: هل كان المرتدّون الجدد من يافا ولدة وسهل شارون كلهم يهوداً، أم كان بينهم وثنيون؟ ما هو أكيد، هو أنه في ترتيب أع، لن تأتي ساعة اهتداء الوثنيين إلا فيما بعد (ف 10- 11). إذن، نحن فقط أمام يهود. هم حين يقبلون سيادة يسوع لا يميلون عن إله إسرائيل. وحين يتعبدون للرب يسوع، يتعبّدون أيضاً لعله الواحد.
حين نتحدّث عن الارتداد، نحدّد الاسم الذي إليه يعود المرتد: الله، الرب، ولكننا نجد شواذاً في نصين أثنين. في 3: 19، وفي 28: 27 (رج أيضاً 15: 13: ارتداد الوثنيين إلى الله ضمناً). في ف 28، يتوجّه بولس إلى يهود رومة الذين لم يقتنعوا بشروحه ويذكرهم بقول أش 6: 9- 10: بعث الله برسوله إلى شعب أصم وأعمى (روحياً). قلبه لا يقدر أن يفهم التعليم الإلهي أو أن يقرّر الاهتداء الذي يمنحه الخلاص. يكتفي بولس بإيراد النص النبوي ("يتوبوا" أو يرتدوا) بطريقة مطلقة. ولكن القرينة تبين بما فيه الكفاية أن التعليم يعني يسوع الذي وجدت فيه النبوءات المسيحانية كمالها. إذن، يدعوهم إلى الارتداد إلى الرب يسوع.
وفي 3: 19- 20، يعلن بطرس للشعب المجتمع في رواق سليمان: "توبوا وارجعوا لتغفر خطاياكم، فتجيء أيام الفرج من عند الرب، حين يرسل إليكم الذي سبق أن اختاره لكم أي يسوع المسيح". سنتحدث عن العلاقة الخاصة بين التوبة وغفران الخطايا. أما الارتداد فيعني الإقرار بسيادة يسوع المسيح.
إذن، يُفهم الارتداد (الاهتداء) بالنسبة إلى شخص. بالاهتداء نعود إلى الله الواحد أو إلى الرب يسوع. نحن لا نهتدي إلى تعليم أو إلى أي شيء. نحن لا نتعلّق بمجمل حقائق، بل بالإله الحي والشخصي، بيسوع الذي نقر به رباً. هذا ما أعلنته أولى الجماعات المسيحية: أؤمن بإله آب ضابط الكل. أؤمن بيسوع المسيح أبنه الوحيد. يبقى أن هذا التعلّق يُلزم المؤمن المرتد في حياته: هو يجعل نفسه في خدمة الرب، ثم إن هذا التعلّق تحدّده كبرى أحداث تاريخ الخلاص.
3- رجع إلى الرب
إن فعل "أبيستريفو" يعني في الأصل رجع، عاد. إنه يدل على العمل الذي به نلتفت، نميل بنظرنا. من نظر إلى جهة حوّل نظره إلى جهة أخرى. إن المرتد يلتفت إلى الرب. هذا هو المدلول الذي وجّه خطانا حتى الآن. ولكن فعل أبيستريفو يقول أكثر من هذا، خاصة حين يرتبط بالعبري "شوب" (ثاب، تاب). فحين نتحدّث عن الاهتداء، لا نفكر بحركة نقوم بها ونحن مكاننا، بل بتبديل وجهة ومسيرة: ذلك الذي ابتعد في الماضي عن الله، قد أخذ الآن الطريق التي تقود إليه. الارتداد لا يعني فقط الالتفات إلى الله، بل الرجوع إلى الله. ترتبط هذه الصورة بالطريقة التي بها سمّى المسيحيون الأولون المسيحية: "إنها طريق" (مذهب، طريقة حياة تميّز الجماعة) (9: 12؛ 18: 25، 26؛ 19: 23؛ 22: 4؛ 24: 14، 22). حين يرتدّ الإنسان إلى الرب، يدخل في طريق الرب: طريق رسمها الرب للذين يريدون أن يأتوا إليه. عمليا، تدل الكلمة على أسلوب في الحياة، على تصرّف يتميّز به المسيحيون. وهكذا حين ننظر إلى الاهتداء من هذه الزاوية، يصبح انقلاباً تاماً في حياة من بسلوكه يتبع منذ اليوم الطريق الذي يقود إلى الله.
ارتد في نظر القديس بولس يعني "عبد"، "خدم". والعبادة ليست فقط شعائر نمارسها، بل حياة توافق إرادة الله. هذا ما نجده في أع بمناسبة الحديث عن الارتداد. في 3: 19، حرّض بطرس سامعيه اليهود: "فتوبوا وارجعوا لتغفر خطاياكم". ويستعيد الفكرة في آ 26: "فلكم أولاً أقام الله فتاه يسوع، وأرسله ليبارككم فيرتدّ كل واحد منكم عن شروره". إن الوثنيين الذين يهتدون إلى الإله الحقيقي يرتدّون عن أصنامهم. إن اليهود الذين يهتدون إلى الرب، يرتدّون عن شرورهم. كل اهتداء يتضمّن تبدّلاً في سلوك الإنسان.
تشدّد 3: 26 على الوجهة السلبية، على التخلي عن الشر. وهذا ما تشدّد عليه نصوص قمران. مثلاً: الارتداد عن الخطيئة، عن الشر، عن الطريق الفاسدة. وتظهر الوجهة الإيجابية لهذا التبدل في 16: 20 التي هي ملخّص لكرازة بولس: "داعياً إلى التوبة والرجوع إلى الله والقيام بأعمال تدل على التوبة". التوبة هي تأسّف على سلوك سابق. الارتداد يحدّد سلوكاً يتميز بأعماله جديدة، يحدّد طريق حياة توافق هذه التوبة بتجنّب ذنوب نأسف لارتكابها. ولقد قال المعمدان في المعنى نفسه: "أثمروا ثماراً تليق بالتوبة" (لو 3: 8). يُولد الارتداد من التوبة فيترجم عن نفسه بأعمال (بثمار نثمرها). لا يكفي تبديل العواطف إن لم يكن هناك تبديل في التصرّف.
طلب بولس من وثنيّي لسترة أن يرتدوا إلى الإله الحي (14: 15). وزاد حالاً ليوضح فكرته: "ترك جميع الأمم في العصور الماضية تسلك طريقها" (14: 16). حتى الآن، اتبّع الوثنيون طريقهم. وحين يهتدون يتركون هذه الطريق ليسيروا في الطريق التي يدلّهم الله عليها.
ليست هذه الطريق طريق ممارسة الشريعة. ولقد أخطأ المتهوّدون في أورشليم يوم أرادوا أن يفرضوا على الوثنيين المرتدين أن يختتنوا أو يحفظوا شريعة موسى (15: 21، 5). ولكن سيطلب المجمع الانتباه إلى بعض المحرّمات (15: 19- 20) لتسهيل العلاقات مع المتهودين. أجل، إن الارتداد يتطلّب ممارسات، يتطلّب أعمالاً، يتطلّب قاعدة حياة. إن سلوك الذين دخلوا في نور الله لن يكون كسلوك الوثنيين الذين ظلّوا خاضعين لسلطان الشيطان (26: 18).
ويُنصح المرتدون الجدد أن يثبتوا في الطريق التي دخلوا فيها. فبعد أن قال لوقا إن كثيرين من كنيسة أنطاكية آمنوا "واهتدوا إلى الرب" (11: 21)، أورد تحريض برنابا: "شجعّهم كلهم على الأمانة للرب بكل قلوبهم" (11: 23). فالأمانة المطلوبة ليست فقط فعل إيمان. إنها تتضمّن كل الأعمال التي تميّز الحياة المسيحية.
وهكذا ظهرت وجهتان في نظرة المسيحية إلى الارتداد. أولاً: الارتداد هو وعي لعلاقة تربط الإنسان بشخص سام: يعود الوثنيون إلى الله الواحد، يعودون مع اليهود إلى يسوع ويعترفون به رباً. ثانياً: الارتداد هو وعي لمتطلّبات لا تكون نظرية، بل تعبّر عن تبدّل في السلوك. من ارتد تبنّى طريقة حياة جديدة وجعل نفسه في الطريق التي تقود إلى الله. 
ج- ظل الصليب
ليست التوبة المسيحية كتوبة الرواقي الذي يعي انحطاطه، فيستحي منه ويقرّر أن يبذل حياته ليكون جديراً بما هو. التوبة عند المسيحي (وعند اليهودي) تبدأ بوعي أننا أخطأنا ضد أحد: ضد الله أو الرب يسوع. مع موقف عملي يساعدنا على انتظار الغفران. أجمل صورة عن هذا الوضع نجده في مثل الفرّيسي والعشّار: "وقف العشّار بعيداً لا يجرؤ أن يرفع عينيه إلى السماء، بل كان يدقّ على صدره ويقوله: ارحمني يا الله، أنا الخاطئ" (لو 18: 13). توبة متواضعة نقرّ فيها بخطأنا ونطلب ا لغفران.
إذ أراد الرسل أن يجتذبوا سامعيهم إلى الارتداد (الاهتداء)، حاولوا أن يوقظوا فيهم عواطف التوبة، أن يجعلوهم يعوا حالتهم كخطأة. اعتبارات عديدة، ولكن هناك اعتباراً يبرز في الخطب الرسولية التي ألقاها بطرس في أورشليم: ذكر اليهود بظروف موت يسوع، وأظهر مسؤولية سامعيه في هذا الموت. أما أمام الوثنيين، فالحديث يدور حول الخطيئة التي تجرّ إلى عبادة الأوثان. وحيث لا خطيئة، فهناك دعوة إلى الإيمان. 
1- المسؤولية في صلب يسوع
يتخذ التذكير بظروف آلام يسوع (في خطب بطرس في أورشليم) شكل اتهام. مثلاً، في خطبة العنصرة: "كان يسوع الناصري رجلاً أيّده الله بينكم بما أجرى على يده من العجائب والآيات كما أنتم تعرفون... أخذتموه وصلبتموه وقتلتموه بأيدي الكافرين (أي: من لا شريعة لهم، أي: الوثنيون)... إن الله جعل يسوع هذا الذي صلبتموه أنتم رباً ومسيحاً" (2: 22- 23، 26).
وكان لهذه الاتهامات مفعولها: "فلما سمع الحاضرون هذا الكلام، توجّعت قلوبهم، فقالوا لبطرس ولسائر الرسل: ماذا يجب علينا أن نعمل أيها الأخوة" (آ 37)؟ تأثر السامعون، وقلقوا حين فكروا بما اقترفوا من جرم. أجابهم بطرس: "توبوا وليتعمّد كل واحد منكم باسم يسوع المسيح فتُغفر خطاياكم" (2: 38). كان هدف الاتهامات أن تهيئ القلوب لهذا النداء الأخير. وكان هدف آخر: إبراز براءة يسوع الذي حكموا عليه بالموت ظلماً.
وسيكون الاتهام أقوى في الخطبة التي ألقاها بطرس في رواق سليمان: إنه نداء إلى الارتداد والتوبة. "إن إله آبائنا مجّد فتاه يسوع الذي أسلمتموه إلى أعدائه وأنكرتموه أمام بيلاطس، وكان عزم على إخلاء سبيله. نعم، أنكرتم القدوس البار. طلبتم العفو عن قاتل، وقتلتم ملك الحياة... أنا أعرف أيها الأخوة، أن ما فعلتم، أنتم ورؤساؤكم (بيسوع)، كان عن جهل... فتوبوا وارجعوا لتُغفر خطاياكم" (3: 13- 14، 17، 19).
الاتهامات خطيرة وقد ييأس السامعون. يقبل بطرس بعذر الجهل، ولكنه لا يريد أن يترك المذنبين يرتاحون. دلّ على السبب الذي يتيح لهم انتظار الغفران، فهيّأ نداءه إلى التوبة.
كانت خطبة بطرس الأولى أمام المجلس قصيرة. وجاء الاتهام هنا قاسياً: "يسوع الناصري، صلبتموه... هو الحجر الذي رفضتموه أيها البنّاؤون" (4: 10- 11). ويأتي الوعد حالاً: "ما من اسم تحت السماء وهبه الله للناس نقدر به أن نخلص" (4: 12). التعارض واضح بين خطورة الاتهامات والوعد بالخلاص. الخلاص ممكن ونحن نستطيع أن نحصل على الغفران. أما الوسيلة للحصول على الغفران فهي التوبة الصا دقة.
ونسمع خطبة بطرس الثانية أمام المجلس: "إله أبائنا أقام يسوع الذي علّقتموه على خشبة وقتلتموه. فهو الذي رفعه الله بيمينه وجعله قائداً ومخلّصاً ليمنح شعب إسرائيل التوبة وغفران الخطايا" (5: 30- 31) 
الوضع الذي وجد فيه بطرس نفسه، لم يمنعه من أن يشدّد على مسؤولية قضاته فيما فعلوا. ولكنه، لم يسمح لنفسه أن يوجّه إليهم دعوة مباشرة إلى التوبة. هناك تأكيد يحل محل التحريض. يبقى الغفران ممكناً حتى بعد الجريمة. فإذا أردتم أن تحصلوا على الغفران، وجب عليكم أن تتوبوا أو بالأحرى أن تفتحوا قلوبكم لنعمة التوبة التي يمنحها الله للقلوب المستعدة كشهادة للمسيح المخلص.
وجرت عادة اتهام يهود أورشليم حتى حين تتوجّه الخطبة إلى سامعين آخرين. هذا ما حدث في كرازة بطرس لدى ضابط قيصرية: "نحن شهود على كل ما عمل (من الخير) في بلاد اليهود وفي أورشليم، وهو الذي علّقوه على الصليب وقتلوه" (10: 39). ونسمع الشيء عينه في كرازة بولس في مجمع أنطاكية بسيدية: "فأهل أورشليم ورؤساؤهم أتموا، دون أن يعلموا، أقوال الأنبياء، التي تُقرأ كل سبت: مع أنهم ما وجدوا جرماً يستوجب به الموت، طلبوا من بيلاطس أن يقتله" (13: 27- 28). ونقرأ الفكرة ذاتها في شروح تلميذي عماوس، بكلمات هي كلمات الكرازة الرسولية: "أسلمه رؤساء كهنتنا وزعماؤنا للحكم عليه بالموت وصلبوه" (لو 24: 20). ونجد صدى لهذا الموضوع في الطريقة الواضحة التي بها تكلّم اسطفانس عن موقف بني إسرائيل تجاه موسى (أع 7: 25- 28، 35- 39) أو في هجوم بولس على اليهود "الذين قتلوا الرب يسوع" (1 تس 2: 15).
نكتشف أصول هذه الاتهامات في الكرازة الرسولية الموجّهة إلى يهود أورشليم. سار "الوعّاظ" على خطى الأنبياء ووبّخوا السامعين ليثيروا فيهم عواطف توبة تقودهم إلى الارتداد. ذكروا مأساة الصليب، ليثيروا الاشمئزاز من الخطيئة التي سبّبت هذا الموت، وليدفعوهم للرجوع إلى الله.
2- عبادة الأوثان
حين تتوجّه الكرازة المسيحية إلى الوثنيين، تعود إلى اعتبار آخر أكثر فاعلية، لتجعلهم يعون خطيئتهم أمام الله ويحسّون بضرورة التوبة. هذا الاعتبار هو خطيئة عبادة الأوثان.
إن خطبة بولس في أثينة (شأنها شأن خطبة بطرس في أورشليم)، تنتهي بالدعوة إلى التوبة: "وإذا كان الله غضّ بنظره عن أزمنة الجهل، فهو الآن يدعو الناس كلهم في كل مكان إلى التوبة" (17: 30). لا يسبق هذا التحريض اتهامات كاتهامات بطرس لسامعيه في أورشليم. إن بولس يستعيد الانتقادات التي يوجّهها العالم اليهودي إلى العالم الوثني المنغمس في عبادة الأوثان، يهاجم الهياكل: "الإله الذي خلق السماء... لا يسكن في هياكل صنعتها أيدي بشر" (17: 24). يهاجم الذبائح المادية: "لا تخدمه أيدٍ بشرية، كما لو كان يحتاج إلى شيء" (17: 25). يهاجم التماثيل والأصنام: "ما دمنا أبناء الله، يجب علينا أن لا نحسب الألوهية شكلاً صنعه الإنسان بمهارته" (17: 29). لا يقوم بولس بهجوم مباشر ضد ديانة الجماعة المحترمة التي يتكلم أمامها. غير أن خطبته تشجب جهل الوثنيين الخاطئين الذين لم يعرفوا الإله الحقيقي. إن العبادة المؤدّاة للأصنام لا تشكل فقط جهلاً للعقل المستقيم، بل هي تجديف على الإله الحقيقي. لهذا يبدو من الضروري أن ننال الغفران ونستعد له بالتوبة.
وتعالج خطبة لسترة الموضوع عينه: "ترك الأمم الوثنية تسلك طريقها" (14: 16). ولكن الخطبة لم تنتهِ: فبعد هذه الإشارة إلى صبر الله حيال ظلام العالم الوثني، كنا سننتظر تفسيراً عن الوضع الجديد الذي تولّد. ولكننا لم نحصل على شيء. إذن، ينقص شيء ستعوّضه خطبة أثينة: في الأزمنة السابقة، سلك الوثنيون في طرقهم. وفي الأزمنة الأخيرة، هذه الأيام، عرّف الله البشر بأن عليهم أن يتوبوا لأن ساعة الدينونة قريبة (17: 30- 31).
إن طريقة التكلّم عن ارتداد الوثنيين وكأنه توبة، يعكس وجهة نظر يهودية. هذا ما نلاحظه حين نفكر فيما قاله مسيحيو أورشليم بعد ارتداد الضابط كورنيليوس: "إذن، أنعم الله على الوثنيين أيضاً بالتوبة" (11: 18). في الواقع، لا يورد الخبر توبة كورنيليوس. منطق مسيحي أورشليم هو منطق اليهود: الوثنيون هم بالضرورة خاطئون، وهم بالضرورة محرومون من الحياة الأبدية ("التوبة التي تقود إلى الحياة"). فلا خلاص لهم إلا إذا تابوا عن خطاياهم. أن يكون كورنيليوس رجلاً صالحاً وتقياً ومؤمناً بالله الواحد، فهذا لا يغيّر شيئاً. إنه وثني وسيكون ارتداده بشكل توبة.
وإذ تحدث بولس عن كرازته في أفسس، استعمل العبارة عينها: "ناشدت اليهود واليونانيين أن يتوبوا إلى الله ويؤمنوا بربنا يسوع" (20: 21). يجب على اليهود أن يؤمنوا بيسوع المسيح، وعلى الوثنيين أن يرتدوا إلى الله وسيكون ارتدادهم توبة.
ونذكر أيضاً خطبة بولس أمام الملك أغريبا: "داعياً إلى التوبة والرجوع إلى الله" (26: 20). يبدو هذا الارتداد بشكل توبة: حين تعلّق الوثنيون بالإلهة الكاذبة، أخطأوا تجاه الإله الحقيقي. إذاً، عليهم أن يتوبوا لينالوا الغفران.
وحالة سمعان الساحر تشبه بعض الشيء حالة الوثنيين. قدم الفضة لينال سلطاناً به يمنح الروح القدس، فدل على نظرة خاطئة، بل جدّف على الله. ظن أنه يستطيع أن يشتري "موهبة الله بالمال" (8: 20). كان توبيخ بطرس قاسياً، وهدفه أن يدعو سمعان إلى التوبة الضرورية للغفران: "إن قلبك غير سليم أمام الله. فتب عن شرّك، وتوّسل إلى الله لعلّه يغفر لك ما خطر في قلبك" (8: 21- 22).
ويبقى في أع مقطعان يتكلّمان عن التوبة. إنهما يرتبطان برسالة يوحنا المعمدان: "قبل مجيء يسوع، دعا يوحنا جميع شعب إسرائيل إلى معمودية التوبة" (13: 24). "عمّد يوحنا معمودية التوبة، داعياً الناس إلى الإيمان بالذي يجيء بعده، أي بيسوع" (19: 4). هذان النصان هما صدى لما قاله الإنجيل عن رسالة يوحنا: أعلن "معمودية توبة لغفران الخطايا" (لو 3: 3)، ودعا سامعيه "ليثمروا ثمراً يليق بالتوبة" (لو 3: 8). المسيرة هي هي: وعي الخطيئة، نداء إلى التوبة للحصول على الغفران. وتقبّل المعمودية هو علامة خارجية للتوبة وللرغبة بأن يتطهّر الإنسان من خطيئته. حين يقول لوقا إن المعمدان يدعو الآتين إليه إلى التوبة، فهو يفترض وعي الخطيئة وخطر الدينونة التي تهدّد الخاطئين. إن العلاقة مستمرة في إنجيل لوقا بين فكرة الخطيئة وفكرة التوبة. قال يسوع: "ما جئت لأدعو الأبرار، بل الخطأة إلى التوبة" (لو 5: 32). ولاحظ يسوع أن الجليليين ليسوا خطأة أكثر من غيرهم، فدعا سامعيه إلى التوبة وإلا هلكوا مثلهم (لو 13: 2- 5). وقال: "هكذا يكون الفرح في السماء بخاطئ واحد يتوب أكثر من الفرح بتسعة وتسعين من الأبرار لا يحتاجون إلى التوبة" (لو 15: 7، 10).
يتوجّه نداء التوبة إلى الخطأة. إنها شكل ملموس من أشكال الارتداد. وهذا النداء لن يُسمع إلا إذا وعى الناس أنهم خطأة أمام الله. لهذا نبّهت الكرازة الرسولية اليهود على مسؤوليتهم في موت يسوع، والوثنيين على تماديهم في عبادة الأصنام.
3- الإيمان ومغفرة الخطايا
لا تشدّد الكرازة الرسولية دوماً على خطيئة السامعين. حينئذ تدعوهم لا إلى التوبة، بل إلى الإيمان. وتَعِدُ الذين يؤمنون بغفران خطاياهم، فتفرض وعي الخطيئة والرغبة في الغفران. إن حسّ الخطيئة هو الذي يوجه الحديث عن تعليم الخلاص.
عبّر بطرس في خطبته عند كورنيليوس عن الاتهام المعهود ضد يهود أورشليم الذين صلبوا يسوع (10: 39). ولكن لا مسؤولية لكورنيليوس في هذا المجال. ولا يستطيع بطرس أن يوبّخه على عبادته للأوثان، لأنه كان رجلاً تقياً وخائفاً الله، سخياً في صدقاته تجاه اليهود، ويداوم على الصلاة (10: 2). إذن، لا يوبّخه بطرس ولا يدعوه إلى التوبة، ولكنه ينهي خطبته: "كل من آمن به (يسوع القائم من الموت) ينال باسمه غفران خطاياه" (10: 43). إذا كان الوعد بغفران الخطايا سيدفع كورنيليوس إلى الإيمان بيسوع، فلأنه يعرف نفسه خاطئاً ويتوق إلى الغفران.
وتستعيد خطبة بولس في أنطاكية بسيدية اتهام يهود أورشليم (13: 27- 29). ولكن الرسول لا يتهم يهود أنطاكية، بل ينهي خطبته على النحو التالي: "فاعلموا يا أخوتي، أننا بيسوع نبشرّكم بغفران الخطايا. وأن من آمن به يتبرّر من كل ما عجزت شريعة موسى أن تبرره منه" (13: 38). هذا النداء إلى الإيمان للحصول على الغفران والتبرير، يتضمّن الشعور بالخطيئة.
ويشرح بولس أمام أغريبا الرسالة التي أوكله بها يسوع: "لينالوا بإيمانهم بي (أي بيسوع) غفران خطاياهم وميراثاً مع القديسين" (26: 18). وضع الوثنيين وضع تعيس: حُرموا من النور، صاروا عبيد الشيطان. يدعوهم بولس إلى الإيمان لا إلى التوبة، ويعلن لهم أن هذا الإيمان سينال لهم الغفران.
د- نور القيامة
إذا أردنا أن نصوّر كل مسيرة الارتداد في أع، لا بد من تحديد الدور الذي لعبه معطيان رئيسيان: قيامة يسوع، مجيئه المجيد. ويرتبط هذان المعطيان ارتباطاً دقيقاً بحيث لا نستطيع أن نفصلهما إلا بصعوبة.
إن يسوع أقيم دياناً للأحياء والأموات وقت قيامته. وقيامته هي الكفالة الإلهية التي يقوم بها في نهاية الأزمنة. لا يتميّز سر الفصح عن سر المجيء إلا بالزمن: واحد ينتمي إلى الماضي، وآخر إلى المستقبل. نتوقّف أولاً عند القيامة، ثم نعود إلى المجيء.
1- القيامة هي عمل الله
يقدّم أع دوماً قيامة يسوع على أنها نتيجة تدخّل مباشر من قبل الله. يقول: "الله أقامه" (2: 24، 32؛ 3: 15، 22، 26؛ 4: 10؛ 5: 30؛ 10: 4؛ 13: 30، 34، 37؛ 17: 31؛ 26: 8). إن الله تجلّى في التاريخ بصورة ساطعة. وهكذا يتواجه الإنسان مع العالم العلوي، لا مع إله مجرد، بل مع إله حي يعمل بقدرته الفائقة. وأمام هذا الحدث المهم، يعود الإنسان إلى نفسه، ويتخذ موقفاً.
2- القيامة والعجائب
إن العجائب التي تكاثرت في أول أيام الكنيسة، هي آيات تبرهن أن يسوع الذي أقيم حقا وتمجّد قد ارتدى قدرته الفائقة: تُبرز المعجزات قدرة المسيح القائم من الموت، وتثبت شهادة الذين أعلنوا أنهم رأوه في مجده بعد القيامة. إن القدرة التي أظهرها الله حين أقام يسوع، لا تزال فاعلة بواسطة الذين يدعون باسم يسوع. ومشاهدو هذه العجائب يجدون نفوسهم أمام الحدث الفصحي لا بطريقة مباشرة، بل بطريقة غير مباشرة، بفضل وقائع هي نتيجة الحدث الفصحي.
تتميّز العنصرة المسيحية الأولى بعجيبة شاهدها الناس، فتحيّر بعضهم وسخر البعض الآخر (2: 6، 12- 13). فالمعجزة بحد ذاتها لا تسبّب الارتداد. فلا بد من تفسير معنى الحدث. وهذا ما سيفعله بطرس، عائداً إلى الآلام والقيامة، مبيّناً أن حلول الروح هو نتيجة القيامة: "فيسوع هذا أقامه الله، ونحن كلنا شهود على ذلك. فلما رفعه الله بيمينه إلى السماء، نال من الأب الروح القدس الموعود به فأفاضه علينا، وهذا ما تشاهدون وتسمعون" (2: 32- 33).
يسوع هو الذي أفاض الروح، فملأ منه تلاميذه. ولكن وجب قبل ذلك أن يقوم من القبر، أن يصعد إلى السماء... وفيض الروح الذي ترافقه ظواهر محسوسة تدل على حضوره، سيتكرّر في بدايات الكنيسة. يتحدّث أع عن عنصرة ثانية في 4: 31: "وبينما هم يصلّون، اهتز المكان الذي كانوا مجتمعين فيه. وامتلأوا كلهم من الروح القدس، فأخذوا يعلنون كلمة الله بجرأة".
وسمي فيض الروح عند كورنيليوس "عنصرة الوثنيين" (10: 44- 47).
ومع هجمات الروح، هناك الأشفية العجائبية: شُفي كسيح الباب الجميل، فامتلأ الناس حيرة وعجباً (3: 10، 12) ولكن هذا ليس الإيمان ولا الارتداد. سيتحدث بطرس فيبرز معنى المعجزة ويربطها بالقيامة: "إله آبائنا أقام يسوع من بين الأموات. وبفضل الإيمان باسم يسوع عادت القوة إلى هذا الرجل الذي ترونه وتعرفونه" (3: 15- 16). "فاعلموا أن هذا الرجل يقف هنا صحيحاً معافى باسم يسوع المسيح الناصري الذي صلبتموه أنتم، وأقامه الله من بين الأموات" (4: 10).
ويلخص 4: 33 بُعد المعجزات في أع: "وكان الرسل يؤدّون الشهادة بقيامة الرب يسوع تؤيدها قدرة عظيمة". لا يكفي أن نقول إن السلطة العجائبية التي يملكها الرسل تعطي القوة لما يقولونه عن قيامة يسوع. بل، إن هذه السلطة تشكل شهادة على قدرة يسوع بَعد قيامته.
وإن شهادة العجائب هي شهادة الله نفسه: "وكان الرب يشهد لكرازة نعمته بما يُجري على أيديهما من العجائب والآيات" (14: 3). حين ننظر إلى الأمور من هذه الزاوية، تصبح العجائب تأويناً جديداً لعجيبة الفصح. اجترحتها قدرة الله التي برزت حين أقامت يسوع، فصارت تجلياً لقدرة نالها يسوع في قيامته.
3- عمل النعمة
يمتد تدخل الله الذي أقام يسوع بالمعجزات (اختبار محسوس). ويمتد أيضاً بطريقة غير محسوسة ولكن فاعلة حين يعمل في أعماق القلوب فيخلق بنعمته الإيمان والارتداد. الإيمان والتوبة والارتداد هي عطايا الله.
تحدّث بطرس عن قيامة يسوع، فأعلن لأعضاء المجلس: "رفعه الله بيمينه وجعله مخلصاً ليمنح شعب إسرائيل التوبة ومغفرة الخطايا" (5: 31). أجل، غفران الخطايا هو عطية من الله. ونقرأ اعتباراً مماثلاً يختتم خبر كورنيليوس: "وهكذا وهب الله الوثنيين التوبة التي تقود إلى الحياة" (11: 18). التوبة هي عطية من الله. تثيرها النعمة في القلوب، فتفتح للناس طريق الحياة الأبدية.
وسيستخلص مجمع أورشليم النتائج المرتبطة بارتداد كورنيليوس. لاحظ بطرس أولاً أن الله أزال الفوارق بين اليهود والوثنيين، فطهّر قلب الوثنيين بالإيمان (15: 9). ثم تكلّم يعقوب مستنداً إلى الكتب المقدسة. أعلن زك 2: 15 أن الأمم العديدة ستتعلّق في نهاية الأزمنة بالرب وتصير له شعباً واحداً. لمّح يعقوب إلى هذا النص وأعلن: "اتخذ الله من بين الأمم الوثنية شعباً لاسمه" (شعباً يخصه) (15: 14). قال زكريا إن الأمم ستتعلق بالرب. أما يعقوب فشدّد على المبادرة الإلهية: الله يتخذ من بين الأمم من سيصيرون له شعباً. أجل، إن تكوين الجماعة الجديدة والشعب المختار الجديد هو عمل الله. وهذا ما تعبّر عنه 2: 47: "وكان الرب كل يوم يضمّ إلى الجماعة الذين أنعم عليهم بالخلاص".
وأنهى بولس خطبته في أنطاكية بسيدية، فأكّد أن الإيمان ضروري للحصول على الغفران والتبرير (13: 37- 39). وزاد لوقا: "وآمن جميع الذين اختارهم (أعدّهم) الله للحياة الأبدية" (13: 48).
وهناك مثل ملموس عن الارتداد: مثل ليدية في فيليبي: "فتح الله قلبها فتعلّقت (أصغت) بكلام بولس) (16: 14). يقدّم بولس التعليم، ولكنه لا يُقبَل إن لم تعمل النعمة في قلوب السامعين. أجل، الله وحده يفتح القلوب.
إذن تشكل القيامة باعثاً على الارتداد، ولكننا لا ننظر إليها كعمل معزول في الماضي. إن الله الذي تجلّى يوم الفصح، ما زال يتجلّى في كرازة الرسل، في حياة الجماعة. وإن القدرة التي أقامت يسوع لا تزال تعمل: فالعجائب التي تدلّ على هذه القدرة، هي تأوين جديد لقيامة يسوع ونقطة التقاء مميّز بين الله والإنسان. ولكننا لن نعي التدخل الإلهي ولن نتقبّله، إن لم تفعل النعمة فعلها في أعماق القلوب.
هـ- النظرة إلى الدينونة والمجيء
قيامة يسوع هي حدث من الماضي وهي تمتد في الحاضر بفضل تدخلات الله التي تشهد لها. ولكن فهم سر الفصح يبقى ناقصاً إن لم نعطه بعداً إسكاتولوجياً. لم نعد هنا أمام الاختبار، بل أمام مواجهة حدث الفصح مع نبوءات الأسفار المقدسة. فحين نسمع الأقوال المسيحانية، لن نكتشف فقط أن المسيح سيقوم ويجلس عن يمين الله وينال الكرامة التي تليق بالرب (كيريوس). فالنصوص تبيّن أيضاً أن هذا المجد يقابل وظائف محددة. بعد أن صعد يسوع إلى السماء، سيعود ليدين البشر. والرباط بين القيامة والدينونة الأخيرة، بدا وثيقاً بحيث إن المسيحيين الأولين لم يستطيعوا أن يتخيلوا فسحة تفصل الواحدة عن الأخرى.
إن الفكرة التي تقول إن قيامة يسوع تبدأ مسيرة ستتواصل في الدينونة الأخيرة، أعطت الكرازة الرسولية اعتباراً هاماً لتدعو السامعين إلى الارتداد. توبوا عن خطاياكم واحصلوا على الغفران قبل أن يفوت الأوان. وحين تنالون الغفران، تنتظرون الديّان السامي بدون خوف، وأنتم متأكدون أنكم ستجدون فيه لا الديّان الذي يحكم، بل المخلّص الذي يهب الحياة الأبدية.
سنتتبع هذا الموضوع في النصوص، فنرى أن فكرة الدينونة المسلَّمة إلى يسوع، تحمل نتيجة أخرى: لقد نال يسوع مهمة تقوم بأن يدين كل البشر دون تمييز. ولهذا يجب أن يتوجّه النداء إلى التوبة إلى كل البشر عبر العالم كله.
1- الخلاص
انتهت خطبة بولس أمام الأريوباج بنداء إلى التوبة مؤسَّس على نظرة إلى الدينونة: "فهو الآن يدعو الناس كلهم في كل مكان إلى التوبة، لأنه حدّد يوماً يدين فيه العالم كله بالعدل على يد رجل اختاره، وبرهن لجميع الناس عن اختياره بأن أقامه من بين الأموات" (17: 30- 31).
إن القيامة تكفل مهمة الديّان السامي التي سلّمت إلى يسوع. لقد حدّد (وقت) يوم الدينونة واستلم الديّان وظيفته. والنتيجة العملية: توبوا. هناك رباط سببي: يجب أن نتوب، لأن الدينونة تبدأ قريباً. وإن فكرة الدينونة هذه تدفع الناس إلى التوبة: "وأوصانا أن نبشر الشعب ونشهد أن الله جعله دياناً للأحياء والأموات. وله يشهد جميع الأنبياء بأن كل من آمن به ينال باسمه غفران خطاياه" (10: 42- 43).
هناك رباط بين الآيتين، رباط بين فكرهّ الدينونة وفكرة غفران الخطايا. نرغب في الغفران بسبب الدينونة، وهذا ما يساعدنا على التخلّص من الحكم الأبدي. وإذا أردنا أن نحصل على هذا الغفران، علينا أن نؤمن. وفي النهاية، ما يدفعنا إلى الإيمان هو إعلان الدينونة.
إن النظرة إلى الدينونة عند لوقا تشدّد بالأحرى على الخلاص. يستعمل لو 6 مرات كلمة خلاص وأع 7 مرات. أما فعل "سوزو" (خلّص، شفى) فهو خاص بلوقا في سبعة مقاطع من إنجيله (7: 50؛ 8: 12، 50؛ 13: 23؛ 17: 19؛ 19: 10؛ 23: 39. قال مر 5: 36: لا تخف. آمن فقط. أما لو 8: 50: آمن فقط فتخلص "ابنتك" أو تشفى). ولنا في شرح مثل الزارع نموذجاً. قال مر 4: 15: "وبعض الناس يسمعون كلام الله فيسرع الشيطان وينتزع الكلام المزروع فيهم" (رج مت 13: 19). أما لو 8: 12 فقال: إن الشيطان ينزع الكلمة "لئلا يؤمنوا ويخلصوا". إن لو 19: 10 يحدّد الرسالة منطلقاً من صورة الراعي الصالح الذي يبحث عن النعجة الضالة. ولكنه يزيد: "فابن الإنسان جاء ليبحث عن الهالكين ويخلّصهم". إذا كانت التوبة والإيمان ضروريان فمن أجل الخلاص.
وترتبط فكرة الخلاص في أع بنص يوئيل (3: 5) الذي أورده بطرس في خطبة العنصرة: "كل من يدعو باسم الرب يخلص" (أع 2: 21). وفي نهاية الخطبة عينها يدعو بطرس سامعيه ليتعمدوا "باسم يسوع المسيح" (2: 38) لينجوا من العقاب الهائل الذي يهدّد هذا الجيل: "تخلّصوا من هذا الجيل الفاسد" (2: 20). وهناك تلميح آخر إلى نص يوئيل في خطبة بطرس الأولى أمام السنهدرين: "فما من اسم آخر نقدر به أن نخلص" (4: 12) إن الخلاص بالنسبة إلى جميع البشر، يرتبط بيسوع الممجّد، أو باسم يسوع، لأن الارتداد يبدو بشكل نداء نرفعه إلى يسوع فنعبّر به عن إيماننا. سأل السجان بولس وسيلا: "ماذا يجب عليّ أن أعمل لأخلص"؟ أجاباه: "آمن بالرب يسوع تخلص أنت وأهل بيتك" (16: 30- 31).
تنتهي خطبة بولس في أنطاكية بسيدية بتشبيه يصيب المستهزئين (13: 40- 41، رج حب 1: 5). لم يقتنع السامعون اليهود. حينئذ أعلن بولس وبرنابا: "رفضتم كلمة الله، وحكمتم على نفوسكم أنكم لستم جديرين بالحياة الأبدية" (13: 46). رفض اليهود أن يرتدوا، أما الوثنيون فانفتحوا على الإيمان: "آمن جميع الذين اختارهم الله للحياة الأبدية" (13: 48).
وفي الخطبة التي ألقاها بطرس في رواق سليمان، نجد النظرة الإسكاتولوجية (3: 19- 21). حينئذ يصبح الارتداد لا وسيلة خلاص بل وسيلة للتعجيل بمجيء زمن الخلاص. أجل، إن التوبة والارتداد يهيّئان مجيء المسيح المجيد وإقامة عالم جديد في نهاية الأزمنة. ولكن هذه الأحداث العجيبة لن تتم إلا إذا استعد الناس لها: حين نتوب ندشّن العهد المسيحاني.
وهكذا يتحوّل الإيمان بقيامة المسيح إلى انتظار الرب الآتي. هذا الانتظار اسمه الرجاء الذي يكفل يقيننا بأن ربّنا ومخلّصنا سيعود. من هنا الفرح الذي هو علامة المرتدين. كتب لوقا عن سجان فيليبي: "وفرح هو وأهل بيته لأنه آمن بالله" (16: 34). ونجاح فيلبس في السامرة يولّد الفرح: "فعمّ المدينة فرح عظيم" (8: 8). أما وزير ملكة الحبشة "فتابع طريقه فرحاً" (8: 39) بعد أن نال المعمودية. وكذا نقول عن المرتدّين في أول سفرة رسولية: "فرحوا ومجّدوا الرب... كانوا ممتلئين من الفرح ومن الروح القدس" (13: 48، 52). والفرح هو المناخ العادي لاجتماعات كنيسة أورشليم: "يتناولون الطعام بفرح وبساطة قلب" (2: 46). ليست الدينونة تهديداً هائلاً للذين يرفضون أن يتوبوا عن خطاياهم وأن يؤمنوا بالرب يسوع. أما للمرتدين فهي لهم يقين سرور وفرح. إنهم يعرفون أن ديّان الأحياء والأموات سيكون لهم المخلّص الذي يدخل أحبّاءه في الحياة الأبدية.
2- كل إنسان في كل مكان
يتوجّه النداء إلى الارتداد إلى كل إنسان بدون شواذ: "يدعو الله الناس كلهم في كل مكان إلى التوبة" (17: 30). ستحصل أحداث تهم العالم كله: "حدّد يوماً يدين فيه الكون بعدل" (17: 37). هذان الإعلانان اللذان يختتمان خطبة أثينة، يتخذان بُعدهما الحقيقي إذا قابلناهما ببداية الخطبة: "خلق البشر كلهم من أصل واحد، وأسكنهم على وجه الأرضي كلها" (17: 26). إن يسوع يلعب في نهاية الأزمنة الدور الذي لعبه آدم في بداية الزمن. كلهم يرتبطون بأصل واحد وكلهم سيمثلون أمام ديّان واحد هو يسوع. لهذا هم مدعوون إلى التوبة.
كان موقف اليهود عدائياً تجاه بولس فأعلن لهم: "الرب أوصانا قال: جعلتك نوراً للأمم، لتحمل الخلاص إلى أقاصي الأرض" (13: 47). لقد صوّر الأنبياء مسبقاً رسالة المسيح: "فيتألم ويكون أول من يقوم من بين الأموات ويبشر اليهود وسائر الشعوب بنور الخلاص" (26: 23). أجل، يستطيع اليهود والوثنيون أدن يبلغوا الحياة الأبدية. وهذا ما لاحظه المتهوّدون في أورشليم: "أنعم الله على الوثنيين بالتوبة" (11: 18). وأنهى بطرس خطبته في بيت كورنيليوس وقال: "نشهد أن الله جعله دياناً للأحياء والأموات. وله يشهد جميع الأنبياء بأن كل من آمن به ينال باسمه غفران الخطايا" (10: 42 - 43).
خاتمة
هذا ما قاله المسيحيون الأولون عن الارتداد والتوبة. وربطوا قولهم بآلام يسوع وموته وقيامته وعودته المجيدة. وشدّدوا على أن الارتداد ليس عمل فترة من الزمن، إنه تبديل في حياة المؤمن الذي يترك طرقه الخاصة ويسير في طريق الله. هنا تبرز الكنيسة التي تقدّم له طريق الرب. وهكذا يتم الرجوع إلى الله في الكنيسة: نشارك في حياتها الجماعية، نوفّق حياتنا مع قاعدتها السلوكية. نتحدّ بالروح الذي ينعش الكنيسة فنجد نفوسنا في طريق الخلاص.