أعمال الرسل عنصرة كل العصور

تقديم

هذا الكتاب يتضمّن المحاضرات التي تُليت في المؤتمر الكتابي الرابع الذي عُقد في سيدة البير، في 22- 28 كانون الثاني (يناير) سنة 1995. كان موضوعه: "أعمال الرسل عنصرة كل العصور". وشعاره: "تكونون لي شهوداً إلى أقاصي الأرض".
حضر هذا المؤتمر أشخاص جاؤوا من موريتانيا والجزائر والسودان ومصر والأراضي المقدّسة وسوريا والعراق ولبنان. كان بينهم الأسقف والكاهن، والراهب والراهبة، والعلماني والعلمانية. كان فيهم أساتذة يدرّسون الكتاب المقدّس، ومنشّطون ومنشّطات في حقل الرعاية البيبلية، وأشخاص يهمّهم التعرّف إلى غنى الكتاب المقدّس ولا سيّما أعمال الرسل. كل واحد أعطى خبرته وجعل موهبته في خدمة الآخرين.
بعد اليوم الإفتتاحي انقسمت أيام الأسبوع ثلاثة أقسام. بعد الصلاة الصباحية النابعة من تراثنا الليتورجي وسفر الأعمال، كانت هناك كل يوم أربع محاضرات مع فترتين للحوار والأسئلة. بعد الظهر، عرضت الطريقة السردية والطريقة البلاغية والطريقة الروحية في قراءة الكتب المقدّسة والتأمّل فيها. وتبع هذا العرض حلقات تطبيقية حول نصوص من أعمال الرّسل. والقسم الثالث الذي كان ينهي النهار بقداس، فقد أعطانا "معلومات" عن العمل الكتابي في بلداننا وفي وثائق الكنيسة.
جوّ هذا المؤتمر كان جواً عابقاً بالإيمان وبحرارة المحبّة التي جمعت المشاركين بعضهم ببعض، فخلقت مناخاً من الألفة والصداقة لن ينساها سريعاً كل من عاش معنا خلال هذا الأسبوع المبارك. عاش يقرأ ويصغي ويصلّي ويتأمّل. فأهمّ شيء ليس أن نتعلّم، وإن كنّا حاولنا أن نقدّم معلومات. أهم شيء أن تصبح الكلمة قريبة من أفواهنا وقلوبنا، فنردّدها على شفاهنا ونتذوّقها في قلوبنا قبل أن تصبح عملاً في أيدينا وفي حياتنا. هل يستطيع الكتاب أن يعطي القارئ هذا الغنى الداخلي الذي سيطر على المؤتمر الكتابي الرابع؟
ومع ذلك، ها نحن نقدّم المحاضرات التي قيلت. ونأسف للتي لم تُقال وكنا انتظرناها أقلّه كي نطبعها. ولكن.... وتمنّى الأب فلدكمبر مقالاً عن الصلاة في أعمال الرسل. كما تمنّى غيره مواضيع حول وضع اليد والخدم. حاولنا أن نلبّي هذه الحاجات، ونحن نرجو أن يكون الكتاب شاملاً فيؤلف مع تفسير أعمال الرسل (الذي نشرته الرابطة الكتابية سنة 1994) أداة تساعد المؤمنين على الولوج إلى هذا السفر الذي هو امتداد للإنجيل الثالث الذي حمل كلمة الله إلى أقاصي الأرض.
لولا مساعدة الشبيبة النمساوية لما عُقد هذا المؤتمر. ولولا مساعدة العمل الكتابي الإلماني (شتوتغارت) لما طُبع هذا الكتاب، ولما كان طُبع كتاب الأناجيل الإزائية. فلهم شكرنا العميق. وشكرنا إلى راهبات الصليب وإستقبالهن المعتاد. وإلى "تلالوميار" (تلفزيون النور) وإلى صوت المحبة اللذين واكبا المؤتمر خلال إنعقاده قبل الظهر وبعد الظهر. وشكرنا أيضاً إلى جميع وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة التي هيّأت لهذا المؤتمر ورافقته وما زالت تتحدّث عنه، كما عن العمل الكتابي في هذا الشرق العربي، بل في العالم كله. وشكرنا للآب لودجر فلدكمبر الأمين العام للرابطة الكتابية. وشكرنا الأخير إلى كل الذين عملوا في الخفاء من أجل تنظيم هذا المؤتمر ليكون حقاً عيد كلمة الله في لبنان وفي العالم العربي.
وإلى مؤتمر خامس يعقد سنة 1997 يكون موضوعه سفر الرؤيا: سنجد فيه جواباً حول تساؤلاتنا في عالم يشبه إلى حد بعيد عالم سفر الرؤيا بما فيه من ضيق على المؤمنين وضلال على مستوى التعليم والتفسير. وأمام الأزمنة الأخيرة التي نعتبرها قريبة فنعيش الخوف لا الرجاء والقلق لا إرتياح المؤمن الذي يستند إلى أمانة الله. كم نحن بحاجة إلى درس سفر الرؤيا الذي يعلّمنا قراءة التاريخ الحاضر على ضوء كلمة الله فنكتشف إرادة الله في حياتنا اليومية وفي عالم يحتاج إلى وقت طويل قبل أن يصل إلى النهاية. فلا بدّ أن "يبشّر بإنجيل الملكوت هذا في المسكونة كلّها، شهادة لجميع الأمم. وعندئذ يكون الإنتهاء" (مت 23: 14).

القِسم الأول
يَوم الإفتِتَاح
الأحَد 22 كانون الثاني (يناير) 1995

توزّع اليوم الإفتتاحي على خمس مداخلات جُعلت مساء الأحد وصباح الإثنين.
1- الكلمة الأولى.
2- أعمال الرسل عنصرة جديدة.
3- كلمة الأمين العام: الرابطة الكتابية الكاثوليكية.
4- كلمة منسّق الإقليم: الرابطة في واقعها وتطلّعاتها.
5- المحاضرة الإفتتاحية: أعمال الرسل والمهلة الاسكاتولوجية.
الفصل الأول
أعمال الرسل عنصرة جديدة
المطران يوسف بشاره
رئيس أساقفة انطلياس
مقدمة
طلَب إليَّ حضرة الصديق الخوري بولس الفغالي أن ألقي كلمة الإفتتاح في هذا المؤتمر الكتابي الرابع الذي يحمل عنواناً رئيسياً: أعمال الرسل عنصرة جديدة، وعنواناً ثانياً: ستكونون لي شهوداً إلى أقاصي الأرض. 
وتساءلت ما عساي أن أقول لمؤتمرين في الكتاب المقدس لهم فيه خبرة طويلة تعليماً وتأليفاً وتوجيهاً.
بدايةً أرحِّب بكم، سيّما وأن المؤتمر ينعقد في الأبرشية. ولكن بعيداً من كل مجاملة، أعرب لكم، باسم الكنيسة، عن شكري وتقديري وتشجيعي لهذا المؤتمر- وللعمل الكتابي الذي تقومون به- لما ينطوي عليه من أبعاد ومعانٍ ولما له من انعكاسات إيجابية على صعيد الإيمان وعلى الصعيد الكنسي ومن أصداء في واقع حياتنا اليوم.

1- على صعيد الإيمان
نختبر جميعنا أن جهل الكتاب المقدس متفشٍّ في كل الأوساط. وهذا الجهل له انعكاساته السلبية على صعيد الإيمان. فمن جهة يقود إلى التمسّك بالخرافات وشكليات العبادة، ويفسح في المجال لانتشار البدع، ومن جهة ثانية يفرغ الإيمان من مضمونه الصحيح ومن علاقته بالمسيح ويقود إلى عبادات باطلةٍ إن لم يؤدِّ إلى اللامبالاة. ولذا قال القدّيس ايرونيموس: "مَن يجهل الكتاب يجهل المسيح"، وأعلنت السلطة الكنسية في المجمع الفاتيكاني الثاني في الدستور العقائدي في الوحي الإلهي:
"إحترمت الكنيسة دوماً الكتب الإلهية كما احترمت جسد الربّ نفسه، وانها لا تنثني تأخذ خبز الحياة، سواء عن مائدة كلمة الله أو عن مائدة جسد المسيح لتقدّمه للمؤمنين. ولقد اعتبرت الكنيسة دائماً ولا تزال تعتبر هذه الكتب مع التقليد المقدّس قاعدة مطلقة لإيمانها... والكنيسة تجد (في كلام الله) دعامة وقوّة، وأبناؤها يجدون فيه لإيمانهم عضداً ولنفسهم قوتاً، ولحياتهم الروحية ينبوعاً صافياً وخالداً (عدد 21).
ولذلك حثّت الكنيسة المسيحيين على أن يعودوا بتواتر إلى قراءة الكتب المقدّسة وإلى تأمّلها حتى ينشأ الحوار بين الله والإنسان (عدد 25)، مشيرة إلى مختلف الوسائل الملائمة لبلوغ هذا الهدف. كما طلبت إلى الأساقفة أن يُعنوا بتدريب المؤمنين التدريب الملائم على استعمال هذه الكتب استعمالاً صحيحاً، خاصة العهد الجديد ولا سيّما الأناجيل.

2- على الصعيد الكنسي
إن عنوان مؤتمركم يشير بوضوح إلى أبعاده الكنسيّة. فإذا كان سفر أعمال الرسل يذكّرنا بانطلاقة الكنيسة في العنصرة وتكوين الجماعات المسيحية الأولى وطريقة عيشها ويروي لنا كيف انتشر الإيمان المسيحي بين اليهود والوثنيين، وإذا كان يشكّل ذاكرة الكنيسة، فإنه في الوقت عينه مرآة لها، تنظر فيه ليعكس لها وجهها الصحيح. ولا عجب في ذلك، فالكنيسة، لا سيّما المارونية، في احتفالات الدورة الطقسية الهامة، تحافظ على قراءة من أعمال الرسل وكأني بها تعيش اليوم أحداث الأمس البعيد، أو بالأحرى ترى في أحداث اليوم تجسيداً واستمرارية للحدث الخلاصي الواحد الذي تحاول أن تحيا أبعاده بأمانة على مرّ العصور وتعاقب الأزمان، لأن المسيح هو هو أمس واليوم وإلى الأبد.
إن مختلف المؤتمرات الكتابية التي عقدتم وتعقدون تندرج في تثبيت العلاقة التي تربط الكتاب بالكنيسة وتقليدها المقدّس، والتي برزت بوضوح في المجمع الفاتيكاني الثاني.
فالتقليد المقدّس والكتاب المقدّس "تجلّهما الكنيسة بعاطفة واحدة من الحبّ والإحترام" ويشكّلان الينبوع الذي تنهل منه الحقيقة واليقين، ويكوّنان وديعة واحدة مقدّسة لكلام الله اؤتمنت عليها الكنيسة.
وإذا كانت السلطة الكنسيّة التي تعمل باسم يسوع الرأس هي التي تفسرّ كلام الله التفسير الصحيح، فإنها تدرك بأنها ليست فوق كلام الله إنما في خدمته، وبمعونة الروح "تصغي إليه بتقوى وتحفظه بقداسة وتعرضه بأمانة"، لتتكون بين الأساقفة والمؤمنين وحدة فريدة في الرأي (عدد 9).
إنّكم كمؤتمرين، بمختلف مواقعكم والتزاماتكم، تعكسون اهتماماً كنسياً يريد أن يخرج كلام الله من إطار ضيّق حُصر فيه، لتفتحوا كنوزه أمام كل أبناء الكنيسة، ليكون مصباحاً لخطاهم ونوراً لسبيلهم.
وبعملكم هذا تتجاوبون مع دعوة الكنيسة التي تعيش زمن عنصرة جديدة من خلال الجمعية الخاصة بسينودس الأساقفة من أجل لبنان.
ولقد أشارت وثيقة الخطوط العريضة إلى اعتماد كلام الله في الكتاب المقدّس مرجعاً أولياً لكل تجديد ولكل مجالات التجديد. وفي هذا المعنى تقول الوثيقة: "إن تجدّد الكنيسة لا يتمّ إذن إلا بالإستماع المتجدّد لكلام الله الذي يشهد له الكتاب المقدّس شهادة مميّزة ووفيّة وصادقة، بشرط أن نتلقّاه ضمن إيمان الكنيسة" (عدد 22).
وتوضح الوثيقة جوانب كلام الله المتنوعة:
- إنه كلام تعلنه الكنيسة، خاصة في ليتورجية الكلمة، لأن "في الليتورجية يصير الكلام حضوراً راهناً" ويتحقّق تاريخ الخلاص عبر أعراض الكلام البشري ترافقه قوّة الواقع الخلاصي تحت أعراض الخبز والخمر، أي تحت أعراض "العمل الأسراري" (عدد 24).
- إنه كلام نسمعه في الكنيسة، لأن الكنيسة تجتمع بقوة هذا الكلام لا بقوّة كلام البشر. إنها تتلقّاه بورع وتستمع إليه في الإيمان، وتستنير بأنوار الروح القدس لتفهم هذا الكلام الذي يوجهه الله إليها ليكشف لها سّر تدبيره الخلاصي ويقيمها في شركة عميقة مع الثالوث ومع الناس (عدد 25).
- إنه كلام مسكوب في صلاة الكنيسة ويغذي صلاتها فتتأمّله على "مثال مريم التي كانت تحفظ جميع هذه الأمور وتتأمّلها في قلبها" (عدد 27). 
الأمانة لكلام الله عنصر جوهري من عناصر التجدّد، تقول الوثيقة. وهذا الكلام الذي نقله الرسل أولاً واستمرّ من بعد في تسلسل حتى انتهى إلينا. "هذا التقليد الآتي من الرسل ينمو ويتطوّر في الكنيسة بمعاضدة الروح القدس وهو الإستماع المتواصل إلى الكلمة وفهم المؤمنين لها" (عدد 28).

3- المؤتمر وواقع حياتنا
إذا صحّ عنوان مؤتمركم، أعمال الرسل عنصرة كل العصور، فلا بدّ من قراءة الواقع على ضوء سفر الأعمال. وهذا ما تدعونا إليه وثيقة الخطوط العريضة عندما تتحدّث عن ربط كلام الله بناموس التجسّد.
وفي هذا المجال سأكتفي بالإشارة إلى بعض القضايا التي طرحها سفر الأعمال ولا تزال تنعكس في واقعنا الكنسي، محلّياً وعالميّاً.
القضية الأولى: البشارة. لقد أدرك الرسل ومعاونوهم أنهم مؤتمنون على كلمة الله، على البشارة. وعليهم نشرها رغم كل المضايقات أمانة منهم لوصية الرب بأن يتلمذوا الأمم ويكونوا له شهوداً إلى أقاصي الأرض. ولم يكن لهم خيار آخر سوى متابعة البشرى لأن طاعة الله أحقّ من طاعة الناس.
والكنيسة اليوم، بتوجيه من قداسة البابا، تحشد طاقاتها في سبيل البشارة الجديدة، أمانة منها لدعوة الربّ. فأمام التيارات التي تساوي بين الأديان أو تستبعد الله من الحياة أو تنكر وجوده، تريد الكنيسة أن تذكّر الإنسان بأن لا خلاص له إلاّ بالله الذي هو أساس حياته ومرجعه الأخير.
وهذه البشارة الجديدة تتناول بصورة خاصة مجتمعات كان لها طابع مسيحي في الأمس وفقدته اليوم بسبب الجهل والعلمنة والاعراض عن الإيمان وقطع كل علاقة بالله.
وتتخّذ هذه البشارة، في المجتمعات المخضرمة، طابع الشهادة يلتزم بها المؤمنون، أفراداً وجماعات، معلنين عملياً أن ما نادى به المسيح يمكن أن يكون قاعدة لسلوكهم، وينبوع فرح وسعادة في حياتهم.
القضية الثانية: الجماعة المسيحية. إن نتيجة البشارة كانت تكوين جماعة مسيحية منظّمة لها مميزاتها، الروحية والإجتماعية.
إن طابع الحياة العصرية وما تؤدّي إليه من انكماش وحفاظ على الروح الفردية، كما أن إفرازات الحرب وانعكاساتها على الصعيد الإجتماعي وعلى الصعيد الرعوي، يقودنا إلى التساؤل: أليس من الضرورة بمكان، أن ينير سلوك الجماعات المسيحية الأولى بنية جماعاتنا المسيحية اليوم وتكوينها وعلاقاتها، سواء كان على الصعيد الرعوي أم على الصعيد الإجتماعي والإقتصادي والوطني؟
إن الجماعة المسيحية هي في تأسيس دائم خاصة في مجتمع كمجتمعنا، زعزعته الحرب، أو في مجتمعات يسودها التخلّف ويقصيها عن بلوغ المستوى الإنساني، أو في مجتمعات متقدّمة يسيّرها الترف ويفقدها نعمة الاخاء والتضامن.
القضية الثالثة: العلاقات بين أعضاء الكنيسة، لا سيما المسؤولين فيها، خاصة ونحن في أسبوع نصلّي فيه لأجل وحدة المسيحيين.
يكشف لنا سفر الأعمال أن التباين بين الرسل ومعاونيهم لم يُحل دون تلاقيهم والتشاور فيما بينهم بشأن القضايا التي كانت مثار جدل، لا سيّما تلك التي تتعلّق بحياة الكنيسة ومصيرها. وهذا ما برز في مجمع أورشليم أو في لقاءات بولس وبطرس وسائر الاخوة.
وحتى عندما كانت الأمور تتعلّق بالامزجة والطبائع وطرق الرسالة والتبشير، فلم ينعكس التباين على حياة الكنيسة ولم يهدّد وحدتها، بل أدّى إلى الإنصراف إلى حقول العمل الواسعة مع الحفاظ على وحدة الإيمان والمحبة.
القضية الرابعة: العلاقة باليهودية. وهي من أخطر القضايا التي طُرحت على الكنيسة الأولى، ولا تزال تُطرح اليوم بشكل حادّ، لا سيّما في بعض الأوساط التي تعمل بوعي أو بدون وعي على تهويد المسيحية.
لقد كان على الكنيسة الأولى أن تنفتح على جدة المسيحية دون أن تتنكر لتراث العهد القديم الذي هيّأ العهد الجديد ومجيء المسيح. ولذلك كان التمييز في التبشير بين مجتمع يهودي له جذوره وتقاليده ومجتمع وثني لا يمتّ بأيّة صلة إلى اليهودية.
وكان على المسيحية أن تخرج من عقال اليهودية تدريجياً، لتتحرّر منها تماماً. وهذا ما عمل له بطرس وخاصة بولس الرسول.
وهذا الموضوع يُطرح اليوم سواء على صعيد الكنيسة الجامعة أم على صعيد كنائسنا المحلّية في الشرق.
على صعيد الكنيسة الجامعة تُطرح العلاقة باليهودية وبسائر الأديان من زاويتين مختلفتين.
فالعلاقة باليهودية متميّزة نظراً إلى ما للعهد الجديد من جذور وتمهيد في العهد القديم. ومن هذا المنظار أحافظ عليه وأحترمه إنما أتخطّاه، ولا يمكنني أن أقبل به وكأن المسيح لم يأتِ بعد، أو كأن اليهودية هي المعبر المحتوم إلى المسيحية. أليس هذا ما يلمح إليه إن لم يكن يُعبرّ عنه ما جاء في تعليم الكنيسة الكاثوليكية في العدد 528 حول المجوس:
إنّ مجيء المجوس إلى أورشليم "ليؤدّوا السجود لملك اليهود" (متى2/ 2) يبيّن أنهم يبحثون في إسرائيل، على نور نجم داود المسيحاني، عمّن سيكون ملك الأمم. إن مجيئهم يعني أن الوثنيين لا يستطيعون إكتشاف يسوع والسجود له كابن الله ومخلص للعالم إلاّ إذا تطلّعوا إلى اليهود وتقبّلوا منهم الوعد المسيحاني كما يحتويه العهد القديم. الظهور يبرز أن "الوثنيين بأكملهم يدخلون في عائلة الآباء ويحصلون على الكرامة الإسرائيلية".
إن العلاقة باليهودية على الصعيد الديني يجب أن تخضع لتفسير العهد الجديد ولتقليد الكنيسة الحي، لا لتفسيرات أو مواقف إجتماعية سياسية تمليها أوضاع وظروف تاريخية كانت لها انعكاسات سلبية على العلاقات المسيحية اليهودية.
إن خطر التهويد يجتاح بعض الأوساط والتيارات الفكرية المسيحية لأسباب ليست كلها دينية بحتة.
بالمقابل هناك علاقة بالأديان تنبع من حرص الكنيسة على الإنفتاح على الآخرين واكتشاف كل ما لديهم من قيم زرعها الروح، والتعاون في سبيل إرساء قواعد أخلاقية سليمة لمجتمع يسوده السلام وتنتشر فيه العدالة.
أما على صعيد كنائسنا المحلّية فالعلاقة باليهودية والإسلام مطروحة بشكل حادّ وعنيف. ويجب أن تكون هناك مقاييس واضحة تحدّد هذه العلاقة منعاً لكل التباس أو مسايرة، وتحاشياً للمزج بين السياسيّ والدينيّ، وان الرسائل التي يصدرها مجلس البطاركة الشرقيين الكاثوليك هي خير دليل في هذا المجال.
أحببت أن أشير إلى بعض القضايا الراهنة في هذه الإفتتاحية المحدودة. وبإمكانكم أن تتطرّقوا إلى الكثير منها خلال هذا الأسبوع.

4- تمنّيات
أيها المؤتمرون الأحبّاء،
إنكم ستعالجون مواضيع متنوعة لها طابعها العلمي، إنما لها انعكاسات ونتائج رعائية وستترك أثراً كبيراً في قلوبكم وحياتكم. إنكم تعيشون في جوّ عنصرة تتقبّلون فيه فيض الروح بقوّة، فهنيئاً لكم ما تجنون من ثمار.
إنما من موقعي كأسقف، أعرب عن بعض التمنيات:
1- إن ما تجنون من ثمار ليست لكم وحدكم وان ما حصّلتم وتحصّلون من ثقافة بيبلية لا بدّ لكم من توظيفه، على غرار الرسل، في تثقيف الشعب المسيحي، وفي نشر نهضة بيبلية مبرمجة، تحارب الجهل وتغذّي الإيمان.
ولذلك أقترح أن تكون المؤتمرات البيبلية على نوعين: منها ما يختصّ بالمثقفين، ومنها ما يتعلق بإعداد مدرّبين علمانيين من العاملين في أوساط الشبيبة، خاصة في الحركات الرسولية.
2- وإذا اقتنعنا بفائدة تعميم الثقافة البيبلية، لا بدّ من وضع برنامج لعدّة سنوات، تتقاسمون فيه الأدوار، وتتوزّعون على بعض مراكز رعوية، لإعداد المنشطين المعاونين لكم وللكهنة، على غرار ما فعل بولس ومعاونوه.
3- إن ما نصبو إليه هو أن نكون جميعنا شهوداً للمسيح. وهذا يقتضي تغذية حسّ انتمائنا إلى الكنيسة لأن شهادة اليوم، كما شهادة الأمس، هي شهادة جماعة، هي شهادة كنيسة. في الكنيسة، معاً، نصغي إلى ما يقوله الروح لنعمل في سبيل بنيان الجسد الواحد، على تنوّع الأعضاء وتعدّد المواهب.

خاتمة
هناك محاولات مشكورة لنشر الكتاب المقدّس وشرحه ودرسه. إنما لا نزال نفتقر إلى خطّة لتعميمه وإعادة الإعتبار إليه والإقتناع بأنه مائدة خلاصية كمائدة جسد الربّ. فيه لا يزال الربّ يُظهر لنا سرّ تدبيره ويكلّمنا كأبناء ويدعونا إلى الغرف من فيض محبّته.
أرجو أن تكون هذه المؤتمرات المعمّمة منطلقاً لاكتشاف صورتنا الحقيقية التي لا تبرز، كما هي، إلاّ في مرآة الكتاب المقدّس.
ولتكن العذراء مريم مثالاً لنا في حفظ كلام الله والتأمّل فيه والعمل بموجبه، لنستحق طوبى المسيح.
شكراً لكم وأهلاً بكم وكل النجاح لمؤتمركم.
الفصل الثاني
الرابطة الكتابية
الأب لودجر فلدكمبر

أ- أحداث السنة 1993- 1994
1- على المستوى العالمي
أولاً: على مستوى الكنيسة الجامعة
* سنة 1993. مرّت مئة سنة على "العناية الإلهية" وخمسون سنة على "بفيض الروح القدس". نشرت اللجنة الحبرية الكتابية في هذه المناسبة وثيقة عنوانها: "تفسير الكتاب المقدّس في الكنيسة". والفصلان الأخيران يؤكّدان ويوافقان على ما فعلته الرابطة خلال خمس وعشرين سنة. ونورد هذه الجملة: "نحن نفرح حين نرى الكتاب المقدّس في أيدي أناس وضعاء، في أيدي الفقراء الذين يستطيعون أن يحملوا إلى تأويلها وتأوينها نوراً نافذاً على المستوى الروحي والحياتي، على مثال الآتي من معرفة أكيدة من نفسها" (رج مت 11 :25).
وخلال تلك السنة عينها أصدر بطرك أورشليم اللاتيني، المونسنيور ميشيل صبّاح رسالة رعائية حول البيبليا عنوانها: "قراءة الكتاب المقدّس اليوم في أرض الكتاب المقدّس". هي تبرز أهمية قراءة الكتاب المقدّس في سياقه الأصيل (ساعة كتب. هذا ما يسمّى التفسير) وفي سياقه الحالي (كما يتوجّه إلينا اليوم ونطبّقه في حياتنا).
* سنة 1994. هناك سينودس من أجل أفريقيا. مع تشديد على العمل الرعائي البيبلي. وسينودس من أجل الحياة المكرّسة مع إبراز القراءة الرّبية في حياة الرهبان والراهبات. وقد طالب الكردينال مرتيني بسينودس خاصّ حول الكتاب المقدّس (هذا كان طلبنا في الجمعية العامّة في بنغالور سنة 1984، وفي بوغوتا سنة 1990). وفي سنة 1994 نظّمت الحلقات الأسقفية في أوروبا والرابطة الكتابيّة الكاثوليكية لقاء للمهتمين بالرعاية البيبلية. ونحن أخيراً نتطّلع إلى سنة 2000 مع الرسالة البابوية "على مشارف الألف الثالث". أطلق البابا يوحنا بولس الثاني نداء من أجل عمل رعائي بيبلي مكثّف. ونحن نقرأ في عدد 36: "وفحص الضمير لا يستطيع أن يغفل تقبّل المجمع عطية الروح القدس للكنيسة حين يميل الألف الثاني إلى الغروب. بأي قدر صارت كلمة الله حقاً روح اللاهوت، وألهمت كل الحياة المسيحية حسب طلب الدستور العقائدي "الوحي الإلهي"؟ وفي عدد 40: إذا أراد المسيحيون أن يعرفوا هوية المسيح الحقيقية، ولاسيّما خلال هذه السنة، عليهم أن يعودوا إلى الكتاب المقدس بتنبّه متجدّد "إما بالليتورجيا المقدسة المتشّربة من كلام الله، وإمّا بقراءة تقوية، وإما بدروس مناسبة...".
ثانياً: على مستوى الرابطة
إحتفلت الرابطة بيوبيلها الفضي (تأسست سنة 1969). زارت قبر الكردينال بيا مؤسّسها. واصدرت كتاباً عنوانه: "السماع والاعلان". ووزّعت فيديو يتضمّن مقابلات مع أشخاص لعبوا دورهم في تاريخ الرابطة حول موضوع بوغاتا: "الكتاب المقدس في عمل البشارة الجديدة".

2- على مستوى المناطق والأقاليم
هناك أربع مناطق وعدد من الأقاليم. المناطق هي: أوروبا والشرق الأوسط، اميركا، آسية واوقيانيا، افريقيا. أما نشاط الشرق الأوسط فتكوين مكتبة بيبلية وتكوين أشخاص يهتمون بإيصال الكتاب المقدس إلى مختلف طبقات الشعب.
ب- الإعداد للجمعية العامة
إتخذت الهيئة التنفيذية قراراً بعقد الجمعيّة العامة للرابطة الكتابية الكاثوليكية في "المعاهد المتحدة" في جامعة هونغ كونغ الصينية في 2- 12 تموز 1996. ويكونٍ موضوع الاجتماع: "كلمة الله ينبوع حياة". وشعاره: "الكلمة صار بشراً لكي تكون لهم الحياة وتكون وافرة" (يو 1: 14؛ 10:10).
يكون لهذا الإجتماع ثلاث وجهات هامة: كلمة الله ينبوع حياة. قراءة الكتاب المقدس في إطار الشرق الأقصى بشكل خاصّ. تربية على قراءة الكتاب المقدّس وعلى الرعاية البيبلية.
الفصل الثالث
الرابطة الكتابية في واقعها وتطلّعاتها
الخوري بولس الفغالي 
منسّق إقليم الشرق الأوسط

إذا أردنا أن نتعرّف إلى الرابطة الكتابية، نتوقّف عند وجهات ثلاث. الأولى، نقطة الإنطلاق مع الدستور العقائدي في الوحي الإلهي الذي أقرّه المجمع الفاتيكاني الثاني ونشره سنة 1965. الثانية، مسيرة الرابطة العالمية في مؤتمراتها الأربعة السابقة وتطلعاتها إلى مؤتمر خامس وسادس. الثالثة، مسيرة الرابطة في الشرق الأوسط منذ السبعينات حتّى اليوم والمراحل التي قطعتها.

1- الدستور العقائدي: الوحي الإلهي.
شدّد هذا الدستور على الإصغاء إلى كلمة الله بورع، وعلى إعلانها إعلاناً ثابتاً لكي يسمع العالم كلّه بشرى الخلاص. وبعد أن تحدّث عن الوحي في ذاته، وعن تناقل الوحي بواسطة الرسل وخلفائهم، وعن موضوعي الإلهام والتفسير، وعن العهد القديم والعهد الجديد، أنهى كلامه بفصل هام كان وسيكون شرعة الرابطة الكتابية. عنوانه: "الكتاب المقدّس في حياة الكنيسة".
أبرز أولاً أهمية الكتب المقدّسة في الكنيسة. قال: "إن الكنيسة قد أحاطت دوماً الكتب الإلهية بالإجلال الذي أحاطت به جسد الرب وكلمة الله". ثمّ قال النّص المجمعي: "من الواجب أن يفسح المجال واسعاً للمؤمنين حتّى يصلوا إلى الكتب المقدسة". من هنا كانت الترجمات التي بها تصل الكتب المقدّسة إلى شعب الله فيتغذّى منها.
ويحرّض المجمع على قراءة الكتب المقدّسة فيقول: "إن كل رجال الإكليروس ملتزمون بأن يكبّوا على قراءة الكتب المقدّسة قراءة روحيّة متواترة، وعلى دراستها دراسة عميقة... كما يحرّض جميع المسيحيين أن يدركوا معرفة المسيح السامية بالمواظبة على قراءة الكتب الإلهية، لأن من جهل الكتب المقدسة جهل المسيح".
وعت الكنيسة الواقع الذي يعيشه أبناؤها: الكتب المقدّسة محصورة في فئة من الفئات فلا تصل إلى مجمل شعب الله. وأطلق الكردينال بيا ومن معه المشروع الجديد: استعمال الكتاب المقدّس في العمل الرعائي. وتوضّحت الفكرة شيئاً فشيئاً. من "رسالة بيبلية" تنحصر في أوروبا، إلى "رابطة كاثوليكية للعمل الرعائى البيبلي". حتّى وصلت بنا اليوم إلى "الرابطة الكاثوليكية العالمية" التي تتألّف من تنظيمات كاثوليكية تهتمّ برسالة الكتاب المقدّس. التي تهتمّ بتشجيع ودعم ترجمة الكتاب المقدّس وطبعه ونشره. التي تسعى إلى نشر التّعليم البيبلي وتقديم التفاسير وتسهيل قراءة الكتاب المقدّس لدى الشعب.

2- الرابطة العالمية.
نمت الرابطة نمواً طبيعياً وكبرت كما يكبر كل كائن حيّ منطلقة من الواقع الذي تعيشه. ونحن نلاحظ هذا النّمو من خلال المؤتمرات التي عقدت على مدى خمس وعشرين سنة، أي منذ تأسيسها سنة 1969.
أ- مؤتمر فيينا
انعقد المؤتمر الأول في فيينا سنة 1972. وكان قد سبقه لقاء في رومة حضره ما يقارب الأربعين شخصاً، ناقش نوعية المشاركة مع جمعيّات الكتاب المقدّس. كما سبقه اجتماع بيبلي رعائي (6- 9 تموز 1971) عالج الوضع الحالي للدراسات البيبلية، وضع العمل الرعائي لدى الكاثوليك في مختلف أنحاء العالم، إمكانية تنظيم مراكز وطنية لتشجيع الرسالة البيبلية، المشاركة في العمل مع جمعيات الكتاب المقدّس في العالم.
أما مؤتمر فيينا فضمّ عشرين ممثلاً من مختلف البلدان. وكانت مهمّته وضع النظام الأساسي للرابطة. صار للرابطة رئيس وهيئة تنفيذية، كما تجهّز مخطّط عمل للسنوات الست المقبلة، وتقرّر أن تلتئم الجمعيّة العامة مرة كل ست سنوات.

ب- مؤتمر مالطة
إنعقدت الجمعيّة العامة الثانية في مالطة من 11 إلى 19 نيسان 1978. شارك فيها 76 مندوباً (من 44 بلداً) يمثلون 40 مجلس أساقفة و120 تجمّعاً بيبلياً كاثوليكياً.
إنتهت مرحلة الطفولة، وتوجّهت الرابطة إلى مرحلة النضوج. وتوضّحت هوية الرابطة: "ليس المطلوب أن نفسّر الكتاب المقدّس، بل أن نفسرّ الحياة على ضوء الكتاب المقدّس". "المطلوب هو إدخال الإنجيل. في الحضارة، في حضارات الإنسان". وقد وصف البابا بولس السادس هذه الجهود المشتركة بأنها "شهادة حيّة أمام العالم على أن الكتب المقدّسة هي ينبوع مشترك لإيماننا المسيحي".
وتميّزت مرحلة ما بعد مالطة: باحتفالات ليتورجية ترتكز على كلمة الله وتساعد على إعلان البشارة إعلاناً حقيقياً. بتثقيف الكهنة والخدّام العلمانيين ليكونوا منشّطين لمجموعات الصلاة والتعليم البيبلي والعمل الرعائي. بالحوار مع سائر الديانات. بالإلتزام بالعدالة وبحقوق الإنسان. باستخدام وسائل الإعلام من أجل إيصال كلمة الله إلى شعب الله.

ج- مؤتمر بنغالور
إلتأمت الجمعية العامة الثالثة في بنغالور (من أعمال الهند) من 12 إلى 24 آب سنة 1984. ضمّت 37 عضوا كاملاً (يمثلون اللجان الأسقفية) و25 عضواً مشاركاً (يمثلون المعاهد أو مراكز العمل البيبلي) جاؤوا من قارات العالم الخمس.
كان عنوان المؤتمر: "شعب الله النبوي". وشعاره: "يا ليت أمّة الرب أنبياء".
ونستمع إلى صوت البابا يوحنا بولس الثاني في افتتاح هذا المؤتمر: "تلتزم الرابطة بمساعدة الكاثوليك في العالم على التقرّب من كلمة الله بحيث تنعش حياتهم اليومية. فكل نشاط في الكنيسة وكل شهادة تنبع من كلمة حيّة تُقرأ وتُفسّر داخل جماعة الإيمان بقيادة الروح القدس عبر تعليم الكنيسة. هذا يعني أن مجهود الأعضاء يلتقي وعمل سائر المجموعات وخاصة اللجان الأسقفية. ومهمّة شعب الله النبوية تمارس كخدمة حقيقيّة للكلمة. فالمؤمن مدعو لكي يخدم وحي الله، لا ليستعمل الكلمة من أجل آرائه الخاصة، مهما كانت تلك الآراء سامية".
وكانت حلقات عمل: موقع العلمانيين في الدور النبوي الذي تضطلع به الكنيسة. الكتاب المقدّس والشباب. اكتشاف حضور الله في عالم اليوم. دور الكتاب المقدّس من أجل خلق مجتمع جديد. علاقة الكتاب المقدّس بالحركة المسكونية.

د- مؤتمر بوغوتا
إنعقدت الجمعية العمومية الرابعة في بوغوتا (كولومبيا) من 27 حزيران إلى 6 تموز 1990، حول موضوع: "الكتاب المقدّس والتبشير الجديد". وأخذ الشعار من سفر الرؤيا: "ها أنا أجعل كلّ شيء جديداً". حضر هذا المؤتمر 140 مشتركاً جاؤوا من سبعين دولة فمثّلوا القارات الخمس.
هنا نورد بعض ما جاء في تقرير الأمين العام. هدف الرابطة هو: جعل كلمة الله بمتناول الجميع. وهذا لا يعني فقط ترجمة الكتب المقدّسة ونشرها، بل دراسة الكتب المقدّسة وتفسيرها، وتوجيه مسؤولية راعوية تتجذّر في الكتب المقدّسة.
قراءة الكتاب المقدّس هي عمل شعب الله كلّه. والقراءة المثمرة هي نتيجة تفاعل. يستطيع كلّ واحد أن يقتني كتاباً مقدّساً خاصاً به. من هنا ضرورة المعرفة والتثقيف وإلا وقعنا في الأصولية. والقراءة البيبلية تتمّ في إطارنا الحياتي، لأن كلمة الله تتأصّل في مختلف الحضارات لكي تحوّلها فتتجسّد في عالمنا وفي تاريخنا. هذا هو العمل الراعوي البيبلي.

هـ- نحو مؤتمر هونغ كونغ
سيعقد مؤتمر هونغ كونغ على حدود الصين من 2 إلى 12 تموز1996. موضوعه: "كلمة الله ينبوع حياة". وشعاره: "الكلمة صار بشراً... لتكون لهم الحياة وتكون وافرة". في اجتماع نامي، قرب رومة، اجتمعت اللجنة التحضيرية فانطلقت من مؤتمر بوغوتا وما فيه من تشديد على التبشير الجديد. ثمّ درست الوضع الجديد وأهمية كلمة الله كجواب على تساؤلات العالم، وذلك قبل سنة من انضمام هونغ كونغ إلى الصين. وطرحت بعض الأسئلة: ماذا يعني ملء الحياة في المحيط الذي تعيش فيه؟ كيف يغني التقليد البيبلي مفهوم ملء الحياة هذا؟ هل كانت كلمة الله ينبوع حياة لك ولجماعتك؟ هل عرفت خبرة شبيهة بخبرة تلميذي عماوس (لو24: 13- 35) فاستنارت حياتك بكلمة الله؟

3- مسيرة الرابطة في الشرق الأوسط
أولّ من تعرّف إلى الرابطة الكتابية العالمية في الشرق الأوسط كان الأنبا انطونيوس نجيب مطران الأقباط الكاثوليك في المنيا (مصر) السامي الإحترام. حضر الجمعية الثالثة العامة في بنغالور سنة 1984. وما عتّم أن أرسل دعوة إلى العاملين في حقل الكتاب المقدّس فاجتمعوا في مؤتمر أول ومؤتمر ثان في لارنكا من أعمال قبرص، ثمّ سلّم المشعل لأسباب صحيّة، إلى الخوري بولس الفغالي، المنسّق الحالي.

أ- المؤتمرات
عقد إقليم الشرق الأوسط ثلاثة مؤتمرات كتابية. كان المؤتمر الأول مناسبة تعارف بين العاملين في حقل الكتاب المقدّس. انعقد سنة 1985 فأطلق التنسيق على مستوى العمل الكتابي. وانعقد المؤتمر الكتابي الثاني سنة 1988 حول موضوع: القراءة المسيحية للعهد القديم. وقد نشرت أعماله سنة 1991.
إنعقد المؤتمر الكتابي الثالث في سيدة البير- جل الديب- لبنان، من 31 كانون الثاني إلى 6 شباط سنة 1993 وساندته على المستوى المادي منظمة الشبيبة النمساوية الكاثوليكية. كان موضوعه: الأناجيل الإزائية، متّى ومرقس ولوقا. وشعاره: "كان قلبنا يضطرم وهو يفسّر لنا الكتب". نشرت أعماله في السنة عينها، وهو كتاب يدرّس اليوم في معاهد اللاهوت. أما المؤتمر الرابع الذي نعيشه اليوم فقد تقرّر موضوعه خلال المؤتمر الكتابي الثالث: أعمال الرسل عنصرة كل العصور. ونحن نتطلّع منذ الآن إلى مؤتمر خامس وسادس نلتقي فيهما جميعاً لدرس كلام الله والإستماع إليه والتأمّل فيه.

ب- الإتصالات
بدأ المطران نجيب بالإتصال بواسطة الرسائل. وفي سنة 1987 قام برفقة الأمين العام، الأب لودجر فلدكمبر، بزيارة إلى مناطق الشرق العربي، فاتصل بالسلطات الدّينية والمراكز اللاهوتية، وكانت نتيجة هذه الزيارة انضمام سورية إلى الرابطة كعضو كامل، وانضمام عضوين مشاركين في الأراضي المقدّسة.
وتابع الأب فغالي في الخط ذاته، فالتقى جميع البطاركة الكاثوليك في المعادي سنة 1992، كما زار مصر مراراً والسودان (وإن تكن مرتبطة رسمياً بافريقيا) والأراضي المقدّسة وسورية، وهو ينتظر مناسبة ليزور العراق، إلا أنه كانت له مناسبات عديدة للقاء البطريرك بيداويد. وفي السنة الفائتة خصوصا، زار برفقة الأب فلدكمبر المراكز البيبلية في الأراضي المقدّسة، فنتج عن ذلك انضمام الآباء الدومينيكان والآباء الفرنسيسكان إلى الرابطة الكتابية العالمية. هذا عدا عن اجتماعات بين منشطي كل بلد.
ج- على مستوى الكتابة
منذ سنة 1991، ظهرت النشرة البيبلية في بضع ورقات. وها هي تتابع ظهورها ونرجو أن تصبح فصليّة فتصدر ثلاث مرّات في السنة. هي تقدّم صورة عن نشاط الرابطة في الشرق العربي. وإن نقصت أخبارها، فلأن، العاملين في الكتاب المقدّس لا يوصلونها إلينا. وسوف نحاوله فيما بعد بأن نقدّم بعض الأساليب لعرض الطرق الكفيلة بإيصال كلمة الله إلى المؤمنين. وكما سبق وقدّمنا في كراس سنة 1993 طريقة عملية للصلاة، كذلك نقدّم في كراس سنة 1995 طريقة ثانية للصلاة برفقة الكتاب المقدّس. وقد جعلنا أيضاً في نهاية "يسوع المسيح وابن الله مع القدّيس مرقس" ملحقاً حول الصلاة الربّية، أي الصلاة برفقة الرب يسوع.
ونجد أيضاً في هذه النشرة لائحة بالمقالات البيبلية والكتب التفسيرية وغيرها. إن كانت ناقصة، فلأننا نجهل ما يصدر هنا أو هناك. يا ليتنا في مركز الرابطة نستطيع أن نستلم المجلاّت الدّينية التي تصدر في العالم العربي.
وعلى مستوى الكتابة، هناك السلسلات التي تصدرها الرابطة الكتابية في العالم العربي. أولاً: دراسات بيبلية. هي في كتابها السابع، وستنشر هذه السنة أقله ثلاثة كتب هي تفسير مرقس (الجزء الأول)، تفسير لوقا (الجزء الثاني)، أعمال هذا المؤتمر. ثانياً: القراءة الربّية: هي في كتابها الرابع، وترجو أن تتابع العمل مع أسفار العهد القديم. وتشارك الرابطة منشورات الرسل في تفسير رسائل القدّيس بولس. صدر 1 كور، 2 كور، ونحن ننتظر بين يوم وآخر صدور غلاطية. ولا ننس المجموعة الكتابية التي تصدرها المكتبة البولسية، والدراسات في الكتاب المقدّس التي تصدر عن دار المشرق. وانطلقت منذ فترة قصيرة سلسلة "بيبليات" عن المركز البيبلي الرعائي في جبيل. كما لا ننس جريدة بيبليا التي هي اليوم في سنتها الخامسة وفي عددها الثلاثين، ومجلة حياتنا الليتورجية التي تقدّم شروحاً راعوية للنصوص الكتابية التي تقرأ في الليتورجيا.
هذه هي الرابطة الكتابية في جذورها المرتبطة بالمجمع الفاتيكاني الثاني ودستور الوحي الإلهي. في انطلاقتها العالمية وتوسّعها في القارات الخمس وتحديد تطلعاتها من جمعية عامة إلى جمعية عامة. وفي انطلاقتها العربية والشرق أوسطية مع المستقبل الذي ينفتح أمامها. هي ليست فقط عمل بعض الإداريين الذين يرتبون الأمور. وليست فقط عمل بعض الإختصاصيين الذين يدرّسون الكتاب المقدّس. إنها عمل كل من يهتم بإيصال كلام الله على الصعد التعليمية والراعوية والتربوية. إنها عمل شعب الله كلّه. كلمة الله هي ينبوع حياة كما سنقول في هونغ كونغ، فمتى تكون حقاً هذا الينبوع لكل واحد منا، لجماعاتنا المحلّية، وللكنيسة الجامعة.
القِسم الثاني
دُروس في أعْمَال الرُّسُل

يتوزّع هذا القسم الدروس التالية، وهي ترد حسب ترتيبها في المؤتمر.
1- نظرة عامة إلى أعمال الرسل.
2- إنفتاح الكنيسة على الوثنيين.
3- الجماعة الأولى ومشاكلها.
4- المعمودية والأفخارستيا.
5- صورة الرسول.
6- شخص المسيح.
7- الكلمة ومسيرتها في الأمس واليوم.
8- العلماني في الكنيسة أمس واليوم.
9- الخلافات في الكنيسة الأولى.
10- النساء ودورهنّ في أعمال الرسل.
11- سفر الأعمال والتاريخ.
12- الروح القدس روح الله.
13- الصلاة في أعمال الرسل.
14- الخدم في الكنيسة الأولى.
15- وضع اليد في أعمال الرسل.
16- إستعمال التوراة في الدفاع عن الإيمان.
الفصل الخامس
نظرة عامة إلى أعمال الرسل
الخوري بولس الفغالي

أعمال الرسل أو أعمال بعض الرسل هذا هو العنوان الذي عرف منذ القرن الثاني المسيحي. هذا هو عنوان كتاب يتضمّن أقوال وأعمال المسؤولين الأولين في الكنيسة ولا سيما بطرس وبولس. بل هو لا يتوقّف عند سيرة هؤلاء الكبار بقدر ما يحدّثنا عن الروح القدس الذي ينعش الجماعة المسيحية، وعن الكلمة التي تنطلق من أورشليم لتصل إلى أقاصي الأرض. ما إن وصل بولس إلى رومة ووصلت معه الكلمة حتى انتهى الكتاب لا بالحديث عن استشهاد بولس (وبطرس)، بل بالإشارة إلى التعليم الذي يُعلن بجرأة وحرّية في شأن الرب يسوع.

1- سفر الأعمال
نتوقّف هنا عند عنوان الكتاب، عند كاتبه، عند زمن كتابته.
أ- عنوان الكتاب
سفر الأعمال هو امتداد لإنجيل لوقا. كان الإنجيل الكتاب الأول الذي وجّه إلى تيوفيلوس (1: 1). وكان سفر الأعمال الكتاب الثاني. حوى الكتاب الأول جميع ما عمل يسوع وعلّم من بدء رسالته إلى اليوم الذي ارتفع فيه إلى السماء. وحوى الكتاب الثاني مسيرة الكلمة من أورشليم واليهودية والسامرة حتى أقاصي الأرض. إنطلق من حدث العنصرة وقدّم لنا برنامج الرسالة كما عيّنه يسوع لتلاميذه. البرنامج هو الشهادة ليسوع، الشهادة لعمل الروح، الشهادة للكلمة مهما كلّفت هذه الشهادة من تضحيات.
قد يكون العنوان الأصلي: من لوقا إلى تيوفيلوس، الكتاب الثاني. أما العنوان الحالي "أعمال الرسل" فقد جُعل هنا خلال القرن الثاني ساعة أقرّت الكنيسة بشكل شبه رسمي بقانونيّة الكتاب. وأوّل مرّة يرد فيها هذا العنوان هو المطلع المناوىء لمرقيون الذي دوّن حوالي سنة 180. وبعد هذا الوقت بقليل ضخّم قانون موراتوري العنوان فقال: "أعمال جميع الرسل".
إذا عدنا إلى المخطوطات وجدنا صوراً مختلفة لهذا العنوان. ففي السينائي نجد في رأس الكتاب: "أعمال". وفي الفاتيكاني والبازي والسينائي نجد في خاتمة الكتاب: "أعمال رسل" (أي بعض الرسل). ونقرأ في عدد من المخطوطات الجرارة: "أعماله الرسل". وفي خاتمة الإسكندراني والملكي (باريس، القرن الثامن): "أعمال الرسل القدّيسين". أما المخطوط رقم 33 والموجود في ميونيخ من أعمال المانيا (القرن العاشر) فيقول في رأس الكتاب: "أعمال الرسل القدّيسين للوقا الإنجيلي". أمّا التقليد الطباعي الحالي فاتّفق في كل لغات العالم على العنوان الذي نجده في كتاب العهد الجديد: أعمال الرسل.
ب- كاتب سفر الأعمال
إن نسبة أعمال الرسل إلى لوقا الطبيب تعود إلى القرن الثاني. وأول إيراد واضح لهذا القول نجده في "المطلع المناوىء لمرقيون". نقرأ فيه: لوقا الطبيب انتمى إلى أنطاكية سورية. وبعد أن تحدّث عنه ككاتب للإنجيل الثالث أردف: "وبعد ذلك، كتب لوقا نفسه أعمال الرسل". ونسب "قانون موراتوري" الإنجيل وأعمال الرسل إلى "لوقا الطبيب". وجاءت شهادة مماثلة من إيريناوس وترتليانس واكلمنضوس الإسكندراني في نهاية القرن الثاني. ومن أوريجانس في القرن الثالث، ومن أوسابيوس وإيرونيموس في القرن الرابع.
أمّا التقليد القائل بأن صاحب سفر الأعمال ولد في أنطاكية سورية، فيعود إلى القرن الثاني، ساعة اتخذت النسخة الغربية لسفر الأعمال وجهها النهائي. فالنصّ الغربي في 11: 28 يبدأ بهذه الكلمات: "وحين كنا مجتمعين معاً". فالمشهد يقع في كنيسة أنطاكية. وقد تكون هذه النسخة عينها -أو ما هو أقدم منها- قد سمّت لوقا في 20: 13: أحلّت محل صيغة المتكلّم الجمع (أما نحن فتوجّهنا) العبارة التالية: "أنا لوقا والذين كانوا معي توجّهنا". هذا ما نقرأ في تفسير افرام السرياني لسفر الأعمال. 
كل هذا يقودنا إلى التنبّه لأقسام سفر الأعمال التي يُروى فيها الخبر في صيغة المتكلّم. هناك ثلاث نقاط يتّم فيها الإنتقال من صيغة الغائب إلى صيغة المتكلّم الجمع. والطريقة التي بها يتمّ هذا التبدّل يدلّ على أن الكاتب كان بنفسه حاضراً الأحداث التابعة. وهذه الأقسام الثلاثة التي ترد في صيغة المتكلّم الجمع هي 16: 10-17 (فركبنا السفينة)؛ 20: 5-21 (سبقونا إلى ترواس وانتظرونا هناك)؛ 27: 1- 28: 16 (ولما استقرّ الرأي أن نسافر في البحر... ركبنا). هل نحن أمام يوميات مسافر؟ هل دمج لوقا أخبار مُشاهد عيان؟ ولكن لماذا لا يكون لوقا صاحب هذه اليوميات؟ 
إن كان الجواب إيجابياً، فهذا يعني أنّ صاحب سفر الأعمال كان رفيق بولس في أسفاره. فالرسائل البولسية تذكر عدداً من هؤلاء الرفاق. ومنهم لوقا الذي نقرأ عنه في كو 4: 14: "يسلّم عليكم لوقا الطبيب الحبيب". هذا لا يدلّ قطعاً على أن لوقا هو صاحب سفر الأعمال. ولكن توافق التقليد منذ القرن الثاني يجعل من غير المعقول أن يكون التقليد القائل بأن لوقا هو صاحب الإنجيل الثالث وسفر الأعمال، أن يكون من دون أساس في الواقع.
أما عن علاقة لوقا بأنطاكية سورية، فيدلّ عليها أهتمام الكاتب بأنطاكية. فهناك حديث مستفيض عن بداية الكنيسة في أنطاكية في ف 11 و 13. ولا ننسَ أنّ لوقا حين ذكر الخدّام السبعة في 6: 5، لم يذكر موطن أحد سوى موطن نيقولاوس الذي هو أنطاكي الأصل. فإذا كان لوقا أنطاكياً، فنحن نستطيع أن نرى فيه واحداً من يونانييّ هذه المدينة التي. بشّرها رجال من قبرص وقيريني جاؤوا إليها على أثر الإضطهاد الذي أصاب الكنيسة بعد موت اسطفانس (11: 20). وهكذا كان لوقا يونانياًَ، شأنه شأن ابفراس وديماس. وهذا ما نكتشفه في كو 4: 10- 14 حيث رفاق بولس المتهوّدون هم أرسترخس، مرقس، يسوع المدعو يسطس (يذكرون وحدهم). وهكذا كان لوقا الكاتب الوحيد الآتي من العالم الوثني لا في العهد الجديد بل في الكتاب المقدّس كله.
ج- متى دوّن سفر الأعمال
أولاً: سفر من القرن الأول
ظهرت نظريّة في القرن التاسع عشر تعلن أن سفر الأعمال دوّن في القرن الثاني المسيحي. ولكن تبيّن أن هذه النظرة خاطئة وأن سفر الأعمال دوّن في القرن الأولى. فالدروس الاركيولوجية (علم الآثار) تعرّفت إلى لسترة ودربة كمدينتين في ولاية ليقونية (14: 6) وأن أيقونية كانت مدينة في فريجية الغلاطية. هذا فضلاً عمّا نقرأ في سفر الأعمال عن أشخاص وأوضاع تطابق ما نعرفه عن المجتمع في القرن الأول المسيحي.
هذا من جهة، ومن جهة ثانية هناك إشارات لا شكّ فيها إلى سفر الأعمال تعود إلى النصف الأول من القرن الثاني، وهذا ما يدلّ على انه دوّن قبل ذلك الوقت. لقد توالت أسفار منحولة سمّيت "أعمال يوحنا"، "أعمال بولس"... ظهرت حوالي سنة 150 فاتخذت الأعمال نموذجاً لها واستندت إلى سلطتها. وقد لمّح يوستينوس الشهيد (+150) في دفاعه الأول (1/50) إلى مقطع هام من أعمال الرسل. وقبل ذلك الوقت أشار بوليكربوس في رسالته إلى الفيليبيّين (1/ 2) التي دوّنت حوالي سنة 120 إلى المسيح "الذي أقامه الله من بين الأموات فحطّم قيود الموت". هذا ما يعود بنا إلى أع 2: 24 (أقامه الله وحرّره من سلطان الموت). أمّا خبر موت يهوذا الذي رواه بابياس، وهو معاصر لبوليكربوس، فهو يستند، على ما يبدو، إلى أع 1: 18 ي.
وهناك برهان ثالث. كانت رسائل بولس قد جُمعت قبل نهاية القرن الأول، ورسالة بطرس الثانية تتحدّث عنها فتقول: "كما كتب أخونا الحبيب بولس في جميع رسائله" (2 بط 3: 15-16). وهذا ما دفع لوقا إلى أن يدوّن سفر الأعمال ليكون مقدّمة لهذه المجموعة من الرسائل.
ثانياً: بعد سنة 80
إن عدداً كبيراً من الشرّاح الحاليين يقولون إن سفر الأعمال قد دوّن بين سنة 75 وسنة 90، بل بعد سنة80. نحن هنا في موقف يتوسّط موقفين. موقف أول يجعل تدوين سفر الأعمال في القرن الثاني. وقد حاولنا أن نردّ عليه. وموقف ثان يجعله سابقاً لدمار الهيكل سنة 70 ب.م.
ما هي براهين الموقف الثاني؟ يقولون إن الكاتب لا يتحدّث عن موت بطرس وبولس كما لا يتحدّث عن دمار الهيكل. ويقولون بارتباط لاهوتي بين رسائل بولس ومؤلّف لوقا الذي يتألّف من الإنجيل الثالث وسفر الأعمال، فلا يجب أن تكون المسافة كبيرة. ثم إننا لا نجد أثراً لاضطهاد نيرون، كما لا نجد أثراً للثورة اليهودية التي بدأت سنة 66 وانتهت بدمار الهيكل وأورشليم سنة 70. هذا يعني بحسب هذا الموقف الثاني أن سفر الأعمال دوّن سنة 61 أو 62 وذلك قبل اضطهاد نيرون الشهير الذي بدأ سنة 64 على ما يبدو.
نبدأ فنقول إن لوقا قد تحدّث بشكل لا يقبل التردّد عن موت بطرس وبولس. ففي ف 12 نقرأ من خلال السطور موت بطرس الذي يشبه موت يسوع، وقيامته التي تشبه قيامة يسوع. ومن لا يرى في صعود بولس إلى أورشليم صورة عن صعود يسوع الذي ينتهي بموته في أورشليم. ففي 20: 35 يقول بولس لشيوخ أفسس: "لن تروا وجهي بعد اليوم". وفي آ 38 يتحدّث عن "رحيله". وفي 21: 13 يقول لأهل صور: "أنا مستعدّ لا للقيود وحدها، بل للموت في أورشليم من أجل اسم الربّ يسوع". وكما قال يسوع: لا مشيئتي، بل مشيئتك، قال الحاضرون: لتكن مشيئة الرب.
حين كُتب سفر الأعمال كان السلام يعمّ الكنيسة، ودمار أورشليم بعيداً، والإنقسام بين العالم اليهودي والعالم المسيحي قد تمّ. لهذا لم يحتج لوقا أن يتحدّث عن كل هذا. بل سيشدّد بالأحرى على عدالة رومة في معاملة بولس، ويبرز دور اليهود في الإضطهاد الذي سيصيب الكنيسة في انطلاقتها الأولى.
ربط بعض الشّراح سفر الأعمال بما كتبه المؤرّخ فلافيوس يوسيفوس. ولكن لا يبدو أن هناك رباطاً بين المؤلّفين، وبالتالي لا نستطيع أن نحدّد زمان مؤلّف بالعودة إلى المؤلف الثاني.
وقرأ بعضهم لو 1: 3 (بعد أن تتبّعت كل شيء من أصوله بتدقيق) على الشكل التالي: "بعد أن تتبّعت كل شيء عن قرب ومنذ زمن بعيد"، فرأوا فيها إشارة إلى العمل الرسولي الذي قام به لوقا مع بولس. ولكن يبدو أن لوقا يتحدّث هنا عن بدايات الرسالة التي لم يشارك فيها.
إرتبط إنجيل لوقا بمرقس فجاء تدوينه بعد دمار أورشليم وهو الذي يلمّح إلى هذا الحدث مرتين. نقرأ في لو 19: 43-44: "سيجيء زمان يحيط بك (يا أورشليم) أعداؤك بالمتاريس، ويحاصرونك، ويطبقون عليك من كل جهة، ويهدمونك على أبنائك الذين هم فيك، ولا يتركون فيك حجراً على حجر، لأنك ما عرفت زمان مجيء الله إليك". وفي 21: 20- 24: "فإذا رأيتم أورشليم تحاصرها الجيوش، فاعلموا أن خرابها قريب... فيسقطون بحدّ السيف، ويؤخذون أسرى في جميع الأمم، ويدوس الوثنيون أورشليم إلى أن يتمّ زمان الوثنيين". هذا يعني أن إنجيل لوقا دوّن بعد سنة 70، ومثله سفر الأعمال الذي دوّن بعده.
ويمكننا القول إن المناخ العام في الكاتب يتيح لنا أن نحدّد موقعه قبل اضطهاد دوميسيانس الكبير الذي حصل سنة 95. وفي إطار لاهوت سفر الأعمال الذي يبرز موضوع الوحدة والتواصل التاريخي للخلاص، لعبت المقاطع الواردة في صيغة المتكلّم الجمع دوراً هاماً. فعلى مستوى قرّاء الرسالة، دلّت على رباط ملموس بين الجماعة التي قبلت الإنجيل وشهادة بولس حامل الكرازة الرسولية. هذا الرباط أمّنه لوقا الذي جاء شاهداً لنشاط بطرس وبولس حوالي سنة 85.

2- مراجع الكتاب ونصوصه
أ- مراجع سفر الأعمال
إذا كنا لا نستطيع أن نستند إلى المؤرّخ يوسيفوس، الذي كتب "القديميات اليهودية" سنة 93، فلا بدّ من العودة إلى المراجع التي كانت في متناول لوقا حين دوّن سفر الأعمال.
هناك أولاً المرجع الأنطاكي الذي يضمّ 6: 1- 8: 4؛ 11: 19- 30؛ 12: 25 (ورجع برنابا وشاول من أورشليم بعدما أتمّا عملهما) وخبر السفر الذي يتبعه. وهناك من يزيد 15: 3-33 (كل ما يتعلّق بمجمع أورشليم) بعد 11: 30 (أرسلوا معوناتهم إلى شيوخ الكنيسة مع برنابا وشاول). في هذه الحالة، تكون السفرة إلى أورشليم هي تلك التي يتحدّث عنها 15: 3 ي. لا نقول إننا هنا أمام وثائق مكتوبة، بل أقلّه أمام تقليد شفهي أنطاكي غرف منه لوقا من أجل كتابة سفر الأعمال.
وهناك ثانياً يوميات مسافر. يبدو أنه وجد "بيان" برحلات بولس. وقد تضمّن خبر هذه الرحلات 13: 4-14: 28 و15: 36- 21: 16. ويقول شرّاح إن بولس استعمل "مفكّرة" تذكّره بالأحداث التي حصلت له، وقد دوّنها رفاقه. وقد يكون لوقا نفسه دوّنها. فالأقسام الواردة في صيغة المتكلّم الجمع (نحن، ركبنا السفينة، 16: 11) تتضمّن مثل هذا المرجع. فمقدّمة هذه المقاطع وخاتمتها اللتان تردان بشكل مفاجئ، وتوزّع هذه المقاطع بشكل غريب، كل هذا يجعلنا نأخذ بهذا الإفتراض. فإذا توقّفنا على المستوى الإجمالي (السنكروني) نبرز وظيفة هذه المقاطع التي تدلّ على تواصل حي بين الكاتب وقرّائه، كما تدلّ على النشاط البولسي. أما إذا توقفنا على المستوى التفصيلي (دياكروني)، تشير هذه المقاطع إلى وثائق سابقة أفاد منها صاحب أعمال الرسل.
رافق لوقا القدّيس بولس فعرف الكثير من أحداث حياته. وقام بأسفار عديدة جعلته في موقع يسهل فيه أن يستقي المعلومات "كما نقلها أولئك الذين كانوا من البدء شهود عيان للكلمة" (لو 1: 3). بما أنه وُلد في أنطاكية، فهذا يعني أنه تعلّم كثيراً من مؤسّسي هذه الكنيسة: من برنابا، وربّما من بطرس (رج غل 2: 11). وأحد المسؤولين في كنيسة أنطاكية هو "مناين، صديق الوالي هيرودس من الطفولة" (13: 1) الذي أعلمه بالكثير عن هيرودس (وعائلته) فتحدّث عنه في الإنجيل وأعمال الرسل. ورافق لوقا القديس بولس إلى قيصرية حيث عرف الشيء الكثير عن فيلبس وعن بناته اللواتي كنّ يتنبّأن. كما رافقه إلى رومة (كو 4: 10، 14؛ فلم 24). كل هذا أتاح للوقا أن "يتتبّع كل شيء من أصوله بتدقيق" (لو 1: 3)، "فيدوّن رواية الأحداث التي جرت بيننا" (لو 1: 1).
ب- نصوص سفر الأعمال
في "النصّ المتداول" الذي يرد في معظم المخطوطات، يبدو سفر الأعمال في شكلين قريبَين الواحد من الآخر: النصّ السوري أو الأنطاكي، والنصّ المصري أو الإسكندراني. هذا ما نجده خصوصاً في المخطوطات الإسفينية (خطّ كبير): الفاتيكاني، السينائي، الإسكندراني، الأفرامي. كما نجده في البرديات 45، 50، 74، وعند آباء الكنيسة في الإسكندرية. وهناك شكل ثالث للنصّ هو الشكل "الغربي"، وهو يختلف اختلافاً واسعاً عن النصّين السابقين. نجد هذا النصّ الغربي بشكل خاص في الكودكس البازي، في البرديات 8، 29، 38، 48، في اللاتينية العتيقة، في هوامش السريانية الحرقليّة، في أجزاء سورية فلسطينية اكتشفت في خربة مرد، في تفسير للقديس أفرام حفظ في اللغة الأرمنية. ونجده بشكل خاص في المخطوط القبطي 14، هذا عدا عن نصوص إيريناوس (في اللاتينية)، وترتليانس، وقبريانس، وأوغسطينس (يرتبطون باللاتينية العتيقة التي عُرفت أول ما عرفت في أفريقيا الشمالية).
إن هذه اللائحة المتخالطة تدلّ على معرفتنا الناقصة للنصّ "الغربي" كما يظهر في سفر الأعمال. وقد نتساءل: هل وُجد نصّ "غربي" في حالة خالصة، أم برز كتوسيع للنصّ المتداول في مصر أو في سورية؟ ويبقى السؤال من دون جواب حتى الساعة. فإذا قابلنا النصّ الغربي بالنصّين السابقين، وجدنا أن هذا النمط يتضمّن بعض السمات الأصيلة. أولاً: هو أطول من النصّ المتداول بعد أن عرف ما يقارب 400 إضافة. ثانياً: تمّ تحسين الرباط بين الأحداث المختلفة. ثالثاً: ألغيت الصعوبات أو خفّفت. رابعاً: اللغة المستعملة تخفي بعض الأشكال الأرامية في التعبير. خامساً: تبدو الإيرادات البيبلية أقلّ قرباً من السبعينية. سادساً: يبدو بطرس وبولس موضوع إجلال عميق. سابعاً: يستفيد النصّ من الظروف ليهاجم الشعب اليهودي.
إنتشر هذا الخطّ النصوصي في الشرق كما في الغرب، وبرز منذ أواسط القرن الثاني. فتساءل الشرّاح: أما يكون هو النصّ الأصيل؟
هنا نودّ أن نذكر بعض المقاطع من النصّ الغربي لنعطي القارئ فكرة عنه. الأول يرد خلال الحوار بين فيلبس وخصي ملكة الحبشة. قال النصّ المتداول: "هنا ماء. فما يمنع أن أتعمّد". وزاد النصّ الغربي: "إن كنت تؤمن بكل قلبك، فذلك جائز. أجاب الخصي: أؤمن أن يسوع المسيح هو ابن الله". نحن هنا ولا شك أمام تعابير عمادية قديمة كما في 9: 20 (التبشير بأن يسوع هو ابن الله). الثاني يحدّثنا عن بطرس (10: 25): "ولما اقترب بطرس من قيصرية، ركض أحد الخدم أمامه ليعلن عن مجيئه. فوثب كورنيليوس إلى الخارج وجاء إلى لقائه". والثالث يحدّثنا عن عودة بطرس إلى أورشليم بعد عماد كورنيليوس (11: 2): "وقرّر بطرس، بعد زمن طويل، أن ينطلق إلى أورشليم، فخاطب الاخوة لكي يثبّتهم، ثم مضى، وهو يعظ كثيراً ويعلّم الناس في المناطق. ولما وصل إليهم بشّرهم بالنعمة التي منحها الله. ولكن الاخوة المختونين تجادلوا معه".
وخلال انعقاد مجمع أورشليم، سيشدّد النصّ الغربي على توافق الكنيسة من أجل الحلّ المقدّم لنزاع أنطاكية. نقرأ في 15: 4: "رحّبوا بهم بسخاء وكرم". وفي آ 5: "وقام أولئك الذين أمروهم بالصعود إلى الشيوخ وهم مؤمنون من الفريسيين، فتدخّلوا ضدّ الرسل". وفي آ 6 قال النصّ المتداول: "فاجتمع الرسل والشيوخ". فزاد النصّ الغربي: "وجميع" (الاخوة). وفي آ 7: "قام بطرس وقال لهم". فزاد النصّ الغربي: "في الروح القدس". وفي آ 12: "فسكت المجتمعون". أمّا النصّ الغربي فقال: "ولما وافق الشيوخ على ما قال بطرس".
والنصّ الأخير الذي نتوقّف عنده يحدّثنا عن سفر بولس إلى أوروبا وعن سجنه في فيلبي. نقرأ في 16: 10: "حين استيقظ بولس روى لنا رؤياه، ففهمنا أن الرب يدعونا لنبشرّ أهل مكدونية". وفي آ 35 نقرأ: "ولما كان النهار، إجتمع قادة الحرس في الساحة العامة، وفي المكان عينه، وهم خائفون يتذكّرون الزلزلة التي حدثت. فأرسلوا الجلاّدين فقالوا للسجّان: أطلق سراح هذين الرجلين اللذين تسلّمتهما البارحة". وفي آ 39، يضيف النصّ الغربي: "ولما بلغوا السجن، هم وعدد كبير من أصحابهم، توسّلوا إليهما أن يخرجا. قالوا: نحن كنّا نجهل أمركما، وأنكما رجلان صدّيقان. ولما قادوهما إلى الخارج طلبوا منهما أن يخرجا من هذه المدينة، لئلاّ يعود إلى الإجتماع أولئك الذين كانوا قد قاموا وصاحوا ضدّكما".
ج- قيمة النصّ الغربي
رأى بعض الشّراح في النصّ الغربي الدفقة الأولى في التدوين اللوقاوي. وبعد هذا جاءت "طبعة" ثانية مصحّحة هي النسخة "الشرقية"، أي السورية والمصرية. ورأى آخرون في النسخة الشرقية مراجعة موجزة للنصّ الغربي. وفي الجهة المقابلة، أبرزت فئة ثالثة الطابع الأولاني للنصّ الشرقي. هو الأول وقد أضاف عليه النصّ الغربي ما أضاف. وكانت حرب بين العلماء انتهت بمواقف معتدلة تبرز النصّ المتداول ولا تنسى أصالة النصّ الغربي. يبدو أن هذا الأخير جاء بعد النصّ "الشرقي". فهو يهتمّ بالتنسيق بين النصوص، وهذا ظاهر حين نقابل بين ف 9 و22 و26 حيث نقرأ خبر دعوة بولس. مثلاً في 22: 9 نقرأ في النصّ المتداول: "وكان الذين معي يرون النور". هنا زاد النصّ الغربي: "فارتعبوا". هذه الإضافة هي اختلافة لما نقرأ في 9: 7: "وأما رفاق شاول فوقفوا حائرين يسمعون الصوت ولا يشاهدون أحداً". ويهتم النصّ الغربي أيضاً بتقديم الشروح اللازمة لتساؤلات تشغل بال القارئ. لماذا أرسل الحكّام حرساً يقولون للسجّان: "أطلق الرجلين" (16: 35)؟ الجواب: تذكّروا الزلزلة فخافوا. ويحاول النصّ الغربي أن يتحاشى كل تضارب على مستوى التدوين، كما يضيف العبارات الليتورجية (8: 37: أؤمن أنّ يسوع المسيح هو ابن الله) وبعض التوسّعات اللاهوتية. قال النصّ المتداول في 15: 20: "نكتب إليها (أي: الأمم) أن تمتنع عن رجاسات الأصنام (اللحوم المقدّمة للأصنام، رج 15: 29؛ 1 كور 8- 10)، وعن الفجور (ربما الزواج بين الأقارب كما يأمر بذلك لا 18: 6-18)، وعن لحم المخنوق (لم يسل دمه. رج لا 17: 10- 16). وعن الدم (تمنع الشريعة أكل الدم. رج لا 17: 10- 12). يهمل التقليد الغربي "الفجور" في بعض مخطوطاته، و"لحم المخنوق" في مخطوطات أخرى. ويقول: "أن تمتنعوا عن الرجاسات الوثنية، عن الفجور وعن الدم، وعن أن تفعل بالآخرين ما لا تريد أن يفعله الآخرون بك". غابت عبارة "لحم المخنوق" وأضيفت القاعدة الذهبية (رج مت 7: 12) فحدّدت موقع "المحرمات" لا على مستوى طقسي، بل على مستوى خلقي. حينئذ تتخذ لفظة "الفجور" معنى عاماً (ركب المعاصي)، ولفظة "الدم" تدلّ على القتل وسفك الدم.
وفي النهاية يضيف النصّ الغربي إشارات جغرافية أو زمنية. في 12: 10 نقرأ: "فخرجا وجازا شارعاً واحداً". ويزيد النصّ الغربي: "ونزلا الدرجات السبع". وفي 20: 15 تضيف بعض المخطوطات: "وتوقّفنا في تروجليون". هذا على مستوى المكان، أما على مستوى الزمان فنعرف أن بولس كان يعلّم في مدرسة تيرانوس "من الساعة الخامسة إلى الساعة العاشرة"، أي "من الحادية عشرة قبل الظهر حتى الرابعة مساء". هذه الإشارة يضيفها النصّ الغربي، ويضيف في 27: 5: "بعد خمسة عشر يوماً" نزلنا إلى ميناء ميرة في ليكية. وأخيراً نقرأ في 28: 16 إضافة قد تكون أصيلة: "لما دخلنا رومة، سلّم قائد المئة السجناء إلى رئيس المشاة (وربما: رئيس الغرباء)، وأُذن لبولس أن يتّخذ منزلاً خارج المعسكر".
إذا كان النصّ الغربي ثانوياً على المستوى الأدبي، فهذا لا يعني أن النصّ الإسكندراني (الذي هو أساس النصّ المتداولة) هو النصّ الأصلي. نحن لا نمزج نصّاً بنصّ بطريقة انتقائية، ولا نخاف أن نأخذ عنصراً نجده في النصّ الغربي. أما الأسلوب الحالي فيقوم بأن ننشر النصّ المتداول ونترجمه، ونضع النصّ الغربي في الحاشية. يبقى علينا أن نحدّد المحيط الذي وُلد فيه كل من هذين النصّين، وأن نحاول التعرّف إلى الطريقة التي بها عادا ربّما إلى تقليد شفهي واحد غرف منه كل واحد على طريقته. أما النصّ الملهم بحسب تعليم الكنيسة فهو ذاك الذي عرفته اللاتينية الشعبية في زمن المجمع التريدنتيني، وبالتالي هو النصّ المتداول الذي نقرأه في الترجمات المختلفة.
توقّفنا في قسم أول عند سفر الأعمال بشكل عام، وفي قسم ثان عند مراجع الكتاب ونصوصه. يبقى لنا في قسم ثالث أن نتطرّق إلى مبادئ تنظيم الكتاب.

3- مبادئ تنظيم الكتاب
هناك ثلاثة مبادئ تشرف على تنظيم سفر الأعمال: الرسالة، الجغرافيا، الأشخاص.
أ- موضوع الرسالة
المبدأ التنظيمي الأولى هو مبدأ لاهوتي. ففي هذا الخبر الذي يوجّهه الروح القدس، يبرز الكاتب انتشار البشارة الحلوة في الكون كله، وسط اليهود أولاً ثم وسط الوثنيين. قال بطرس في خطبة الهيكل متوجّهاً إلى اليهود: "لكم أولاً أقام الله فتاه يسوع وأرسله بركة لكم، فيرتدّ كل منكم عن شروره" (3: 26). هذا ما يدلّ على أولوية شعب إسرائيل في تاريخ الخلاص كما نقرأ في 2: 39: "لأن الوعد لكم ولأولادكم ولجميع البعيدين بقدر ما يدعو منهم الرب إلهنا". هناك السامعون اليهود، وخصوصاً المسؤولين عن موت يسوع (رج 2: 23). وهناك البعيدون أي الوثنيون كما يقول أش 57: 19 (رج أع 22: 21). وسيقول بولس لليهود في أنطاكية بسيدية: "كان يجب أن نبشّركم أنتم أولاً بكلمة الله، ولكنكم رفضتموها، فحكمتم أنكم لا ترون أنفسكم أهلاً للحياة الأبدية. ولذلك نتوجّه الآن إلى الأمم (الوثنية)" (13: 46).
أجل، سيُحمل الإنجيل إلى الأمم، من أورشليم "إلى أقاصي الأرض". هذا ما نقرأه في 1: 8. وسيقول بولس في خاتمة الكتاب: "لقد أرسل خلاصُ الله هذا إلى الوثنيين" (28: 28). هذا الإعلان عن انتقال الإنجيل إلى الوثنيين هو الإعلان الأخير في الكتاب، وهو يبدو بشكل احتفالي. غير أننا سنجد الموضوع عينه في وسط الكتاب. حين وصل بولس وبرنابا إلى أنطاكية جمعا الكنيسة، وأخبرا بكل ما أجرى الله على أيديهما، وكيف فتح باب الإيمان للأمم (للوثنيين) (14: 27). أجل هذا هو الحدث الأساسي الذي يصل بين قسمَي سفر الأعمال، أعلن في 10: 45 (أفاض الله هبة الروح القدس على الوثنيين) وفي 11: 1 (سمع الاخوة أن الوثنيين أيضاً قبلوا كلمة الله)، 18 (أنعم الله على الأمم الوثنية أيضاً بالتوبة سبيلاً إلى الحياة). هذا الحدث يعلن بلوغ الأمم الوثنية إلى الإيمان.
وهناك نصوص عديدة أخرى تشدّد على أهمية إعلان البشارة. هذا الإعلان بدأ منذ العنصرة، وقد ابتهج لوقا بأن يذكر الشعوب التي وصلت إليها البشارة ساعة دوّن إنجيله (2: 9- 11). كما ابتهج بدعوة شاول (بولس) الذي أرسل ليحمل اسم الله "إلى الأمم (الوثنية) والملوك وبني إسرائيل" (9: 15). هذا الموضوع كان لوقا قد أشار إليه في إنجيله فتمنّى ساعة "يرى كل بشر خلاص الله" (لو 3: 6). وأنهى إنجيله قائلاً بأن "بشارة التوبة تعلن إلى جميع الشعوب، إبتداء من أورشليم" (لو 24: 47). 
وينتج عن هذا الموضوع اللاهوتي استنتاجان على المستوى الأدبي. الأول: إن فكرة الإنتشار الرسولي للكلمة حملت معها فكرة الحواجز التي اصطدم بها المبشّرون. لهذا، كوّن الكاتب وحدات أدبية صغيرة تبرز عمل الرسالة أو تحاول الدفاع عن الكنيسة الفتية. أمّا أخبار الرسالة فهي 2: 1- 41 والإنطلاقة الأولى مع العنصرة؛ 8: 1- 40: الذهاب إلى السامرة مع فيلبس؛ 9: 1- 31 : إهتداء شاول الذي بدأ حالاً يبشرّ في مجامع دمشق وأورشليم؛ 9: 32- 11: 18: إنطلاقة بطرس خارج أورشليم وتعميد كورنيليوس وعائلته، 13: 1- 14: 28: الرحلة الرسولية الأولى لبولس ورفاقه. أمّا أخبار "الدعوى والمحاكمة" فنجدها في 3: 1-4: 31 وذلك بعد شفاء كسيح الباب الجميل؛ وفي 5: 17-42 حيث عزم اليهود على قتل الرسل ثم اكتفوا بجلدهم؛ وفي 6: 1-8: 1 مع اختيار السبعة وموت اسطفانس؛ وفي 12: 1- 23 حيث سجن بطرس...
أما الإستنتاج الثاني فهو مبدأ تنظيم أول يفصل الناس بين يهود ووثنيين فيقسم سفر الأعمال قسمين كبيرين، حسب عادة عرفها العالم اليهودي. ولكن كيف تتمّ القسمة؟ هناك من يجعل القسم الثاني يبدأ مع رحلة بولس في ف 13. وهكذا يكون القسم الأول ف 1- 12، والقسم الثاني ف 13-28. وهناك من يجعل الحدّ الفاصل بين القسمين خبر مجمع أورشليم (ينتهي في 15: 36). في هذا المجمع يلتقي بطرس ببولس قبل أن يختفي بطرس من الكتاب. نحن هنا في النهاية اللاهوتية للقسم الأول الذي يدور حول أورشليم. أما القسم الثاني فيجعل نقطة انطلاقته في أنطاكية، المنفتحة على الشرق والغرب، المتّصلة بالعالم اليهودي والمنفتحة على العالم الوثني.
ب- موضوع الجغرافيا
وهناك مبدأ تنظيم ثان لسفر الأعمال، يجعلنا على المستوى الجغرافي. وإن لوقا يسجّل بعناية واهتمام المحطّات الجغرافية التي تتوزّعها الرسالة. فمنذ 1: 8 نعرف المسيرة التي تسيرها كلمة الله: أورشليم، اليهودية، السامرة، حتى أقاصي الأرض. كادت الكنيسة تصبح منغلفة على ذاتها (كما هو الحال في طوائفنا)، كادت تنحصر في إطار يهودي ضيّق هو إطار أورشليم بكل ما فيه من قيود على مستوى الممارسات. فجاء اضطهاد اسطفانس فاقتلع هذه الجماعة الفتية وأطلقها على طرق العالم. هنا ترد كلمة تشتّت ثلاث مرات (8: 1، 4؛ 11: 19). بسبب هذا التشتّت الذي هو بشكل غير مباشر عمل الروح، وصل المؤمنون إلى "مناطق اليهودية والسامرة" (8: 1). إنتقلوا "من مكان إلى آخر يبشّرون بكلام الله" (8: 4). "إنتقلوا إلى فينيقية وقبرص وأنطاكية" (11: 19).
ومع بولس ستمضي الكنيسة في موجات متعاقبة إلى قبرص وآسية الصغرى في الرحلة الرسولية الأولى. وفي الرحلة الرسولية الثانية، سيصل بولس ورفاقه إلى أوروبا. وفي النهاية سيصل إلى رومة. منذ 19: 21، يعلن بولس أنه سيمرّ "بمكدونية وأخائية"، وأنه "سيرى رومة أيضاً". وإذ كان بولس لم يزل بعد في أورشليم حين أمسكه اليهود، سمع الصوت الإلهي يقول له: "مثلما شهدت لي في أورشليم هكذا يجب أن تشهد لي في رومة". هي الشهادة تمتدّ في المكان فتصل إلى أقاصي الأرض أي إلى رومة عاصمة العالم الوثني في ذلك الزمان. وحين تصل البشارة إلى رومة ينتهي سفر الأعمال. هناك شرّاح توقّفوا عند الأشخاص ونسوا أهمية الكلمة. تساءلوا: لماذا لم يتحدّث لوقا عن موت بطرس وبولس؟ هل كان هناك بعض الخلاف؟ كلا ثم كلا وكتاب لوقا هو كتاب الوحدة والوفاق. ولكن قد يموت المرسلون، وكان الرسل قد ماتوا ساعة دوّن كتاب الأعمال. غير أن الرسالة لا تموت، والكلمة "لا تزال تنمو وعدد التلاميذ يزداد" (6: 7). هكذا كان في القرن الأول. وهكذا يكون في القرن العشرين وعلى مشارف الألف الثالث.
وهذا المعيار الجغرافي قد لعب دوراً كبيراً في تنظيم مواد الكتاب. فنحن نلاحظ توازياً بين إنجيل لوقا وسفر الأعمال. ففي الإنجيل، بدأت رسالة يسوع في الجليل، ثم كان صعوده إلى أورشليم. وفي النهاية دخل إلى الهيكل وأوقف وحُكم عليه وصُلب. وكذا نقول عن أعمال الرسل: بدأت رسالة الرسل في أرض فلسطين ثم كانت رحلات بولس الرسولية الذي أوقف بسبب نظرته إلى الهيكل التي تشبه بشكل بارز موقف اسطفانس (21: 27 ي؛ رج 7: 44 ي). وهنا نستطيع أن نقرأ لو 9: 51 وأع 21: 15 فنرى المقابلة بين الإثنين. نقرأ في الإنجيل: "ولما تمّت أيام اختطافه، عزم على الدن يتوجّه إلى أورشليم". هو يُختطف في الموت وفي الصعود، وهو يقسيّ وجهه كما يقول أش 50: 7 فيواجه الآلام والصلب. وفي أع 21: 15 نقرأ: "وبعد ذلك بأيام، تأهّبنا للسفر وصعدنا إلى أورشليم". مصير بولس كمصير معلّمه. ونهاية الإنجيل كنهاية أعمال الرسل. إنتهى الإنجيل بإعلان البشارة إلى جميع الشعوب (لو 24: 47). وفي سفر الأعمال نقرأ: "أرسل خلاص الله هذا إلى الأمم الوثنية وهم سيستمعون إليه" (28: 28).
وعلى هذا الأساس الجغرافي، قسم بعض الشّراح سفر الأعمال خمسة أقسام. الأول: في أورشليم (1: 15- 8: 3). الثاني: في السامرة والمناطق الساحلية، في يافا وقيصرية (8: 5- 11: 18). الثالث: في أنطاكية (11: 19- 15: 35). الرابع: حول بحر إيجه أو آسية الصغرى وبلاد اليونان بالمعنى الواسع (15: 36- 19: 21) . الخامس: من أورشليم إلى رومة (19: 21-28: 31). إلى هناك وصل بولس فاستقبله المسيحيون، بل خرجوا من رومة ليكون بولس بشكل رمزي أول الداخلين إليها.
ج- موضوع الأشخاص
أما المبدأ التنظيمي الثالث فيستند إلى الأشخاص الذين نجدهم في الخبر. هنا نميّز بين دورة بطرس (ف 1- 12) ودورة بولس (ف 13-28). ولكن التمييز لا يكون جامداً متحجّراً، بل سلساً ليّناً. فإن ف 9 يحدّثنا عن بولس واهتدائه إلى المسيح وتبشيره في مجامع دمشق وأورشليم. كما أن ف 15 يذكر بطرس وموقفه من الأزمة الكنسيّة خلال مجمع أورشليم.
هنا نلاحظ توازياً تاماً بين بطرس وبولس على مستوى الأقوال والأعمال. شفى بطرس كسيح الباب الجميل (3: 2-26: قم وامشِ) وشفى بولس كسيح لسترة قائلاً له بأعلى صوته: "قم وقف منتصباً على رجليك" (14: 10). مثل بطرس أمام السنهدرين (المحكمة العليا لدى اليهود) فشهد للرب يسوع (4: 5- 7). وهكذا فعل بولس (23: 1-10). جُلد بطرس ورفاقه (5: 40) وجُلد بولس وأُودع السجن (16: 23). كذب حنانيا وسفيرة على بطرس فنالا عقابهما (5: 1 ي). وقاوم عليم الساحر بولس فأصابه العمى (13: 11). أقام بطرس طابيتة من الموت، كما فعل المسيح، فقال: "طابيتة قومي" (9: 40). وأقام بولس افتيخوس الذي مات خلاله كسر الخبز في ترواس (20: 7- 12). وكما كان ظلّ بطرس يشفي المرضى (5: 15)، كان "الناس يأخذون إلى مرضاهم ما لامس جسد بولس من مناديل أو مآزر: فتزول الأمراض عنهم" (19: 12). موازاة تامة بين الرسولين، ذاك الذي عهد الله إليه في تبشير الوثنيين (غير المختونين) وذاك الذي عهد إليه في تبشير اليهود "لأن الذي جعل بطرس لليهود جعلني أنا (بولس) لغير اليهود" (غل 7:2-8).
ونلاحظ أيضاً وجود أشخاص تنضمّ حولهم سلسلة من المعطيات الأدبية. فهناك بطرس ويوحنا (3: 1- 4: 31) بعد الإجمالة الأولى، بانتظار انطلاقتهما إلى السامرة. (8: 14 ي). وهناك بعد الإجمالة الثانية برنابا من جهة وحنانيا وسفيرة من جهة ثانية (4: 36- 5: 11). أما برنابا "فباع حقلاً يملكه وجاء بثمنه وألقاه عند أقدام الرسل" (4: 37). أما حنانيا فاحتفظ بقسم منٍ الثمن، بعلم من امرأته. وهناك "الرسل" (5: 17- 42): دخلوا معاً إلى السجن، فأخرجهم ملاك الرب من هناك. وهُدّدوا فشهدوا معاً. وجُلدوا "فخرجوا فرحين لأنهم وجدوا أهلاً لقبول الإهانة من أجل اسم يسوع".
ونتعرّف إلى السبعة (6: 1- 6). هذا هو عدد الكمال. هذا هو عدد الأمم السبعين (7: 10) حيث تتألّف الجماعة من عشرة أشخاص. وهناك اسطفانس (6: 8- 8: 8) وفيلبس (8: 5- 40). ثم بولس وبرنابا، وبعد ذلك بولس وسيلاس، وفي طريق آخر مرقس وبرنابا. وهكذا نرى أن المرسلين ينطلقون إثنين إثنين كما علّمهم المسيح (لو 10: 1).
توجّه الكاتب، حسب فكرة لاهوتية هي شمولية الخلاص، وحسب مخطّط جغرافي عام فقدّم لنا مجموعة متماسكة تتركّز على الأمكنة والأشخاص. غير أن هذه المواد المختلفة التي جمعها لوقا حسب مبادئ تنظيمية متداخلة، قد بدت في بناء منطقي، فدلّت على الوحدة والتواصل في التاريخ، تاريخ الجماعة وتاريخ الكنيسة.

خاتمة
هذه هي نظرة عامة إلى أعمال الرسل شدّدنا فيها على بعض الأمور، وتركنا جانباً أموراً أخرى لا سيّما تلك التي ترتبط بتاريخية أخبار هذا الكتاب أو بمعناه اللاهوتي. ما أردنا أن نستبق المحاضرين، بل أن نساعد المشاركين على الدخول في هذا الكتاب الذي يعطينا صورة وشهادة عن الكنيسة في انطلاقتها الأولى. يا ليتنا نتعلّم لا أن نقرأ الكتاب قراءة حرفية ونتوقّف عند الحرف دون الروح. يا ليتنا نتعلّم كيف نفهم هذا الكتاب حسب فنّه الأدبي الخاص، ونستلهم المواقف التي وقفها التلاميذ الأولون أمام الصعوبات التي اعترضتهم. يا ليتنا نتعلّم أن نكتشف الأمور الواقعية اليومية من خلال هذه الطريق العجيبة التي سارتها الكنيسة برفقة الرب. فإن أخذنا فقط بالأمور الخارقة ونسينا كيف يتعامل الله مع الأشخاص والأحداث، خسرنا المعنى الأساسي لسفر الأعمال، وخسرنا الثقة بكنيستنا اليوم التي تعرف الصعوبات وتحتاج إلى أن تتذكّر دوماً أن الرب هو معها. لقد أرسل يسوع الإثني عشر للشهادة. وهو ما يزالا يرسل كنيستنا وجماعاتنا وكل واحد منا من أجل هذه الشهادة عينها. وهو يقول لنا: "أنا معكم حتى انقضاء العالم". يبقى علينا أن نبقى معه، وننتظر مجيئه هاتفين مع الروح: "تعال، أيها الربّ يسوع، تعال".

الفصل السادس
إنفتاح الكنيسة على الوثنيّين
في أعمال الرسل
الأب موسى الحاج
مقدمة:
يظهر لنا كتاب أعمال الرسل بمثابة وثيقة مهمّة لمعرفة الجيل الثاني من المسيحيّة. عندما نقرأه، نكتشف عمق غناه لجهة المعلومات المهمّة حول التاريخ الداخلي للكنيسة وتطوّر اللاهوت وتفتّح الأدب المسيحي بين سنة 70 و 100 م، وانتشار الإيمان من أورشليم إلى روما عبر آسيا.
هذا الكتاب هو أشبه بحبّة الحنطة التي سلّم بذارها السّيد المسيح القائم من الموت إلى الرسل. سوف تقع هذه الحبّة في العالم الروماني المترامي الأطراف حيث كان الطريق ممهّداً لاستقباله هذه الكلمة.
حديثنا اليوم موضوعه "انفتاح الكنيسة على الوثنيّين". هذا العنوان يصلح لأن يكون عنواناً عاماً لكتاب أعمال الرسل لأنه موضوع أساسّي ويحتلّ القسم الثاني من هذا السفر (11؛ 19 متى 28) دون إغفال أول إتصال بين الرسل والوثنيّين على يد بطرس مع كورنيليوس في قيصريّة البحر (ف10). ولمعرفة مضمون أيّ كتاب، فما علينا سوى قراءة المقدّمة حيث يفصح الكاتب عمّا سيقوله، والخاتمة حيث يذكِّر بما قاله. يدلّنا الكاتب في خاتمة الكتاب على شخص بولس الذي يقيم في روما عاصمة العالم الوثني، فيعرض على اليهود ما جاء على لسان أشعيا (6: 9- 10) "بأنّ خلاص الله هذا أُرسل إلى الوثنيّين" (28: 28)، فنكتشف أحد أهداف لوقا وهي أن يدلّنا على امتداد ملكوت الله تدريجيّاً إلى العالم كلّه، ويبيِّن خلاص الله.
أ- هدف لوقا
أمّا انتشار ملكوت الله فليس بالأمر السهل، إنما هناك صعوبات سوف تطرح نفسها، منها الإنفتاح على الوثنيين من قبل أناس جاؤوا من العالم اليهودي، (وهذا ليس بالأمر السهل). لكنّ الروح القدس هو العامل الخفيّ الذي يدفع الكنيسة لتبشِّر السامريّين وتعمّد الوثنيّين. وستكون منفتحة على اليهود وعلى الوثنيّين كما تحدّد ذلك في مجمع أورشليم (ف 15).
وهناك العناصر الجغرافية والتي لها أهميتها في هذا الإنفتاح. يبدأ الكتاب في أورشليم وينتهي في روما بحسب ما رسم يسوع يوم صعوده إلى السماء. هذه المسيرة التي تنطلق من العالم اليهودي، من أورشليم لتصل إلى الوثنيّين. وقد دوّنها لوقا في كتابين، الإنجيل وأعمال الرسل.
ب- لماذا كتب لوقا أعمال الرسل
نعرف أن الإنجيليّين الثلاثة، متّى، مرقس ويوحنا، هم من أصل يهودي. هؤلاء قد اعتبروا أن أحداث التاريخ لا تحمل نفس المعنى الذي يراه غير اليهوديّ. وهم وضعوا نشأة الكنيسة في كتاب واحد ليُظهروا عمل المسيح الحيّ فيها إلى أن تنتهي الرسالة في الجليل، جليل الأمم.
أمّا لوقا فهو من أصل وثني. فبعدما مسّته نعمة الربِّ يسوع، رأى ضرورة تأليف كتاب ثان. فحيث إن نهاية الأناجيل الأخرى تكون في الجليل جعل لوقا نهاية إنجيله كبدايته في أورشليم. وشرح في هذا الكتاب الثاني الذي وجّه في معظمه إلى العالم الوثنيّ الواسع الإنتشار كيف بدت الكنيسة.
إذن، هناك شعبان مختلفان، ولكل منهما نظرته إلى الأمور الدينية: هناك اليهودي والوثني. فبينما ينطلق اليهودي من الله في نظرته إلى الكون والعالم، نرى الوثنيّ يتبع الطريق المعاكس، فهو لا يرى الله بوضوح، إنه يعرف نظريات وفلسفات تضع حقيقة وجود الله موضع التساؤل. ولكنّه يكتشف الروح الذي يعمل في الجماعات والأشخاص. إنّه يكتشف الله إنطلاقاً من الواقع المحسوس (التأثير بعد عودة الروح إلى طابيثة قبل ارتداد كورنيليوس 9: 36 ..). الوثنيّ ينطلق من الطريق المعاكس الذي يراه اليهوديّ، ينطلق من الروح إلى يسوع فإلى الله.
ج- موقف اليهودي من الوثني
نلاحظ الموقف المتشدِّد في أعمال الرسل لقبول المسيحيّين من أصل وثني. ولا بدّ هنا من ذكر بعض الأسباب. وأول انفتاح على الوثنيّين أتى على يد بطرس الذي دفعه الروح القدس ليدخل إلى بيت كورنيليوس في يافا، وقد قال بطرس في هذه المناسبة: "تعلمون أنّه قد حرِّم على اليهودي أن يخالط أجنبيّاً، أو يدخل منزله. بيد أن الله بيّن لي أنّه لا ينبغي أن أدعو أحداً من الناس نجسا أو دنساً" (10: 28).
من هنا يمكننا إدراك موقف اليهود والمرتدّين منهم إلى المسيحيّة حيال الوثنيّين. فالدخول إلى اليهودية يفرض على الوثنيّ أن يختن أولاً وأن يسلك بحسب الشريعة الموسوية أي عدم الإختلاط في الأكل والزواج والحياة الإجتماعية مع الوثنيّين لأنهم يعتبرون نجسين بنظر اليهود. وهذا ما قاله يعقوب في مجمع أورشليم: "على الوثنيّين المهتدين أن يتجنّبوا رجس ذبائح الأصنام والزنى والميتة والدم" (15: 20، 29).
أمّا دخول بطرس إلى بيت كورنيليوس فمعناه التّخليِّ عن الإمتيازات عند اليهود للإنفتاح على العالم. وهذا الموقف يفسِّر معنى الآية: "ما طهّره الله، لا تنجّسه أنتَ" (16:10).
بالرغم من كل هذه الصعوبات فقد شقّت كلمة الله طريقها كما سنرى ذلك في أعمال الرسل.
د- البشارة وامتدادها
في مقدّمة أعمال الرسل يذكر لوقا بقول المسيح لرسله قبيل صعوده: "ستنالون قوّة هي قوّة (الروح القدس) الذي يحلّ عليكم، وتكونون لي شهوداً في أورشليم في اليهوديّة كلِّها والسامرة، حتّى أقاصي الأرض" (1: 8). مجمل الكتاب يتحدّث عن هذه الرسالة التي سلّمها يسوع القائم من الموت لرسله. تدشّنت المرحلة الأولى بعنصرة اليهود في أورشليم (2: 1- 41) وامتدّت حتّى نهاية الفصل السابع. بعد هذا تحدّث الفصل الثامن والتاسع عن المرحلة الثانية في اليهودية والسامرة التي بدأت بعنصرة السامريّين (8: 5- 25).
أمّا المرحلة الثالثة، فقد تدشّنت في الفصل العاشر بقبول المجموعة الأولى من الوثنيّين في الكنيسة.

1- الإنتشار الأول: "وتكونون لي شهوداً"
فيما تتحدّث الفصول الخمسة الأولى عن الدور الذي قامت به الجماعة في أورشليم في الوسط اليهودي، نبدأ باكتشاف آخر في الفصل السادس لننطلق إلى عالم جديد، يبدأ بتعيين سبعة شمامسة ومنهم اسطفانوس الشهيد الأول في المسيحيّة.
هؤلاء السبعة هم من الهلّينيّين، أي إنهّم يهود يتكلّمون اليونانية، جاؤوا من الشتات وأقاموا في أورشليم منتظرين أن يموتوا ويدفنوا فيها. لقد كانوا منفتحين على العالم الخارجي أكثر من العبرانيّين وذلك بفضل ثقافتهم واتصالاتهم. هؤلاء هم جماعة منظّمة لها مسؤولها، يحملون أسماء يونانية. آخر المذكورين هو نيقولاوس الذي كان وثنياً إنطاكياً قبل أن يهتدي إلى اليهودية. ولقد طرح هؤلاء الهلّينيون هذا السؤال: هل الكنيسة شبعة يهوديّة كالفريسيّين والناصريّين والأسينيّين، أم جماعة متجذّرة في اليهودية ولكنّها منفتحة على العالم الخارجي؟
أول من باشر الإنفتاح على الوثنيّين هم هؤلاء الشمامسة (8: 1- 2) وذلك في السامرة واليهوديّة.

2- الإنتشار الثاني
الإنفتاح الأول تمثّل بقبول الهلّينيّين وإعطائهم إمكانية تكوين جماعة تخدم اليهود الآتين من عالم الإنتشار. لقد دفع الروح الكنيسة إلى الخروج من حالها الضيّق جغرافياً ولاهوتياً، لتنطلق إلى السامرة واليهودية. فتشهد مع فيلبّس، وهو أحد الشمامسة السبعة، دخول السامرة واعتناق أهلها البشارة الجديدة. (قنداق الحبشة 8: 38) وفي قراءة تسلسلية لأحداث أعمال الرسل، تبرز صورة شاول الذي يمثِّل إسرائيل القديم. بعد توبته سوف يقوم بدور كبير لتكوين إسرائيل الجديد.
وفي عودة إلى ما ورد، يمكننا اختصار النقاط التالية قبل الدخول في تفاصيل الإنتشار الثالث:
1- بدأت الجماعة في أورشليم وهي من أساس يهودي.
2- إلى جانبها، هناك الجماعة اليهودية الهلّينيّة بخدّامها السبعة.
3- مع هؤلاء تبدأ البشارة فتأخذ طابعاً شمولياً.
4- بعد توبته، أصبح شاول يجسِّد اليهود العائشين في الشتات والذين انفتحوا على كلام الله.
5- البشارة تمتد إلى الوثنيين، ولم يكن شاول أول الذاهبين إليهم.
6- بطرس، المسؤول عن جماعة الإثني عشر، يبدأ البشارة مع كورنيليوس أولاً.
7- نشهد في هذا الوقت موت يعقوب (12: 2) وموت هيرودس (20؛ 23) وتحرير بطرس من السجن (2: 11).
لقد أصبح كلّ شيء جاهزاً للإنطلاق إلى الرسالة، إلى العالم الوثني، وذلك مع بطرس وبولس وبعض المعاونين.

3- الإنتشار الثالث
أولاً: دور بطرس الرسولي
بداية الإنتشار الثالث (إلى أقاصي الأرض) جاء على يد بطرس رئيس الرسل يوم عمّد الضابط الروماني، حيث نقرأ له أطول خبر في أعمال الرسل (10: 1- 11: 18). أدخل إلى الكنيسة رجلاً "يخاف الله"، قريباً من اليهودية من جهة العقيدة، غريباً عنها ونجساً من جهة الشريعة. ومع أنه يخاف الله اعتبره العبرانيّون وثنياً (2: 10). هذا الخبر رئيسي في نظر لوقا، وهو يدلّ على أن الخطوة الحاسمة باتجاه الوثنية قد قام بها بطرس نفسه مدفوعاً بالروح حيث قال: "أنعم الله إذن على الوثنيّين أيضاً بالتّوبة إلى الحياة" (11: 8). إذاً، هناك وسيلة لخلاص الوثنيّين. ولا حاجة لأن يصيروا يهوداً بالختان. مع كورنيليوس، بدأت محطة هامة في امتداد الكنيسة ووعيها لرسالتها: لقد تعمّد أول الوثنيّين وحلّ الروح القدس عليه وعلى أهل بيته (10: 44)
إن عنصرة قيصرية أعطت أهميّة حاسمة في تاريخ الكنيسة الرسولية. ولكن هذا الأمر لن يبرز كاملاً إلاّ في خطبة الفصل الخامس عشر. هذا التبدّل لم يتمّ بسهولة، فكان على الروح أن يرسل رؤية إلى بطرس ثمّ يحلّ على كورنيليوس وعائلته قبل أن يُعطى لهم العماد.
ثانياً: دور بولس الرسولي
تبدو الفصول 13 إلى 28 في أساسها على أنهّا خبر نشاط بولس الرسولي. سيُذكر اسمُه 137 مرة منها 9 مرات بشكل شاول وآخرُها في الفصل 13 آية 9 حيث سيتمّ العبور من الإسم العبري شاول إلى الإسم اليوناني بولس، ساعة توجّه للمرة الأولى للوثنيّين وهو ممتلئ من الروح القدس.
من خلال نشاط بولس الرسولي، سوف تتحقّق المرحلة الثالثة من البرنامج المحدّد: "ستكونون لي شهوداً حتى أقاصي الأرض" (1: 8). ومع أنّ بولس كان يبدأ بشارته في المجامع اليهودية، يشدّد لوقا على النجاح الذي أحرزه بولس بين الوثنيّين (14: 27).
ثالثاً: النشاط الرسولي لكنيسة إنطاكية (11: 19- 26)
لقد حدث شيء جديد في إنطاكية: أخذ التلاميذ يخاطبون مباشرة اليونانيّين أو الوثنيّين "فاهتدوا إلى الرب". نحن هنا أمام نموذج جديد لكنيسة تولد خارج أورشليم، فتنطلق فقط بفضل كرازة كلام الله والروح. ولن ترسل الكنيسة تجاه هذه الظاهرة الجديدة بطرسَ ويوحنا، بل برنابا. فهو رجل مستقيم وممتلئ من الروح القدس. سيذهب كذلك إلى طرسوس يطلب بولس، وكلاهما سيقودان هذه الجماعة لسنين طويلة.
رابعاً: البشارة في آسيا الصغرى (ف 13- 14)
المرحلة الحاسمة في الإنتشار ستعبرها الكنيسة إلى آسيا الصغرى بفضل الروح القدس. وستتخذ الرسالة منحى واضحاً في إنطاكية بسيدية. فبعدما رأى بولس وبرنابا تصلّب اليهود، قالا بجرأة: "كان يجب أن نبشرِّكم أنتم أولا بكلمة الله، ولكنكم رفضتموها فحكمتم أنّكم لا ترون أنفسكم أهلاً للحياة الأبدية. ولهذا نتوجّه إلى الوثنيّين" (13: 46).
يفسِّر بعض الباحثين أنّ قرار التوجّه إلى الوثنيّين ليس تبعاً لرفض اليهود، إنّما للصعوبة التي أبداها هؤلاء حيال قبول البشارة الجديدة. لقد تعرّفوا قبل غيرهم على الله ولكنّ هذه المعرفة لا تعطيهم إمتيازاً على الآخرين.
خامساً: إنيِّ قد جعلتك نوراً للأمم (13: 47)
موقف بولس هذا يطابق ما جاء في نبوءة أشعيا: "إنِّي قد جعلتك نوراً للأمم، ليبلغ خلاصي إلى أقاصي الأرض" (13: 47). ويضيف بولس الرسول في موضع آخر قائلاً: "لكن الله أعانني إلى هذا اليوم لأشهد له عند الصغير والكبير، ولا أقول إلاّ ما أنبأ به موسى والأنبياء، من أن المسيح يتألّم ويكون أول من يقوم من بين الأموات ويبشِّر اليهود وسائر الشعوب بنور الخلاص" (أع 26: 22).
فمنذ ارتداد بوليس (9: 15)، يعرف قارئ أعمال الرسل أنّ الربّ قد أعدّ بولس ليحمل اسمه أمام الأمم الوثنيّة، وسوف نرى نشاطه في الجماعة المسيحيّة (11: 26) وفي المجامع (9: 10- 22، 13: 5). والسبب الذي دفعه إلى اتخاذ هذا الموقف الحاسم من اليهود هو عداوتهم للبشارة الجديدة. فخطا الخطوة الأولى (13: 46- 47) وتبعتها خطوات متتالية في آسيا.
وإنّ موضوع خلاص الوثنيّين حاضر في وعود الله لإسرائيل، في رسالة شعب الله، حين تتمّ هذه المواعيد في الأيام الأخيرة. هذا الوقت وصل مع يسوع المسيح، وعلى إسرائيل الآن أن يحقِّق دعوته تجاه الأمم الوثنية. لقد أقرّ الرسل أنَّ يسوع هو المسيح المنتظر، هو مسيح إسرائيل. ولكنّه مسيح الوثنيّين أيضاً وهم الذين يُدعون إلى المشاركة في المواعيد دون أن يصيروا يهوداً.
ثمّ نلاحظ في قراءتنا كيف أن كرازة بولس تلاقي أولاً القبول والترحاب (13: 42- 43) وبعدها تأتي المعارضة التي يقف وراءها اليهود (13: 44- 45). هذه المعارضة اعتبرها بولس وبرنابا من صلب الرسالة، فيقول بولس: "يجب علينا أن نجتاز مضايق كثيرة لندخل ملكوت الله" (14: 19). وعندما قدّم بولس وبرنابا تقريراً عن رسالتهما للكنيسة: "أخبرا بكلّ ما أجرى الله على أيديهما وكيف فتح الله باب الإيمان للوثنيّين" (14: 27).
ذاك كان هدف الرسالة في نظر لوقا وقد قطعت حتى الآن طريقاً مهمّاً: فمنذ جماعة أورشليم الأمينة لتعليمات يسوع خلاله حياته، والتي لا تخاطب إلاّ اليهود، إلى انفتاح باب الإيمان أمام الوثنيّين بفضل الهلّينيّين المدفوعين بالروح. وبعد اجتماع أورشليم (ف 15)، كانت النتيجة أن لا علاقة للختان بالخلاص كما ذكر ذلك بطرس الرسول.
وفي هذا المجمع، أقرّت الكنيسة نهائياً أنهّا كنيسة من أجل العالم. لم يبق لها إلاّ أن تضع هذا الإيمان موضع العمل فتحمل البشارة إلى أقاصي الأرض والتاريخ. في نظر لوقا، بولس هو الآن رسول الأمم الذي سيوكل إليه حمل الإنجيل إلى قلب العالم المعروف آنذاك، إلى روما.
وقد شدّدت مداخلة يعقوب في هذا المجمع على أن المحبّة يجب أن تتقدّم على الحق، داعياً إلى احترام الآخرين، أي المسيحيّين من أصل يهودي، بهدف الإبقاء على الوحدة. المقصود في خطاب يعقوب هو تفهّم الآخر للعيش معه عملاً بنبوءة عاموس: "في ذلك اليوم، أقيم مسكن داود المتهدِّم، فأسدّ شقوق جدرانه، وأرحمه وأعيد بناءه كما كان في الأيام القديمة ليرث بنو إسرائيل بقيّة أرض آدوم وجميع الأمم الذين دعي اسمي عليهم (11:9).
بعد مجمع أورشليم (ف 15)، نشهد غياب بطرس عن مسرح الأحداث. فانتهت، من الوجهة اللاهوتية، الرسالة التي سلّمه إيّاها يسوع وختمها الروح. لقد تمّ كلّ شيء، إنما بقي موضوع امتداد الكنيسة على المستوى الجغرافي. وعمل إيصال الإنجيل إلى روما سوف يكون من عمل بولس، شاهد المسيح، الذي يتحمّل وحده، من خلال النظرة التي اختارها لوقا، الرسالة الموكولة أولاً إلى الرسل.
سادساً: من أورشليم إلى روما
إنّ رحلة بولس الأولى (ف 13- 14) هي خاصّة وهدفها أن تدلّ على أنّ الله فتح للوثنيّين باب الإيمان. وإذا كان بطرس له الفضل في تبشير أول وثني (كورنيليوس)، فإن الفضل يعود لبولس الذي بشّر أول مسؤول روماني وهو سرجيوس بولس (13: 7).
وابتداء من الفصل 16 وحتى 20، نحن أمام رحلة واحدة طويلة يمرّ خلالها بولس في أنطاكية (18: 22) ويجول مرّتين في منطقة تبشيره، فيتوقّف مرّة أولى في كورنتس ومرّة ثانية في أفسس، والرحلة الأخيرة تقوده إلى روما (21- 28).
وسط الإضطهادات والسجون، سيؤسِّس بولس الجماعات في فيلبي وتسالونيكي وبيريه. أما أثينا فهي محطة مهمّة في بشارته (17: 16- 34) حيث خطب في الإريوباغس وجاء كلامه نموذجاً لخطبة يلقيها المبشِّر على سامعين وثنيّين.
ثمّ تابع رحلته نحو كورنتس ليقيم فيها سنتين وهناك يواجه العقليّة الوثنيّة ويكتشف مع الكورنتيّين الأخلاقية المسيحيّة قبل أن يذهب إلى روما لتكون محطته الأخيرة في إيصال البشارة إلى عاصمة الأمبراطورية.

خاتمة:
وهكذا نصل من خلال كلِّ هذه النصوص إلى النتيجة التالية: حين كتب لوقا أعمال الرسل، بين أنّ تعليم الخلاص (إنجيل يسوع المسيح) ظهر "لكلّ بشر"، فوصل إلى أقاصي الأرض. إنّ نعم الله أُعطيت أيضاً للغرباء. أجل إن الكرازة الرسولية قد توجهّت إلى العالم الوثني.
الوجهة التي وقف عندها الكتاب ليروي انتشار التعليم الإنجيلي، ليست وجهة المؤرّخ فقط. ولا يكتفي بأن يورد الظروف التي دفعت الكنيسة الأولى لأن تتوسّع وسط الوثنيّين. بل أراد أن يبيّن أن هذا الإتجاه الجديد (أراده الآب ووجّهه الروح القدس) يُتمُّ النبوءات المسيحانية. إذا للتاريخ الذي يكتبه لوقا مدلول لاهوتي: يسوع هو المسيح الذي وعد به الأنبياء: إحتمل الموت وقام وعمل لكي تعلَن البشارة باسمه إلى كل الأمم الوثنيّة. أجل يفهمنا أع أن الأسفار المقدّسة تمّت فيما يتعلّق بتبشير الوثنيّين، بل هي تبرِّر الرسالة المسيحية لدى الوثنيّين كامتداد ضروري لعمل الخلاص الذي أنجزه يسوع المسيح.
مع لوقا، لم يعد التاريخ مجرّد سرد للوقائع وحديثاً عن أشخاص من الماضي، بل مرآة لحاضرنا. ننظر إلى الماضي فنكتشف فيه ما نعيشه اليوم. يريد كاتب أعمال الرسل أن يدلّنا على المؤمن في مهبّ الريح، المؤمن العارف أنّه مع يسوع الحيّ اليوم. فبالرغم من كلّ الصعوبات التي لاقاها الرسل وبالأخص بطرس وبولس، فإن عمل الروح القدس كان يعمل فيهما. فاليوم، كما في الأمس، الروح ما زال يعمل، وما زال المسيح حيّاً في كنيسته.
لقد آمن لوقا بالإنتصار النهائي للإنجيل، ولكن هذا الإنتصار لن يتحقّق إلاّ عن طريق الألم والشهادة، وهو يتحقّق فينا إذا لم نُطفئ الروح ونخمد النبوءات. هذا ما قام به بطرس وبولس والرسل، مرتكزين على كلمة الله التي قال عنها أشعيا: "وأما كلمة الله فتثبت إلى الأبد" (أش 40). والبشارة المسيحية لا ترتبط بأي قيود. لقد بدأت تنتشر إنطلاقاً من بقعة صغيرة في فلسطين وامتدّت حتّى وصلت إلى روما. هذه البشارة ما زالت تتابع عملها لتصل إلى أقاصي الأرض وإلى كل إنسان. ما هو دورنا؟ الوثنيّون فينا وحولنا، هلاّ أصغينا لصوت الروح لنشترك نحن أيضاً بنشر كلمة الله في هذا الشرق وفي العالم؟ هذا ما أراد لوقا أن يقوله لنا في كتاب أعمال الرسل.
الفصل السابع
الجماعة الأولى ومشاكلها
جهاد الأشقر

يسكننا حنين تصل جذوره إلى أول أيام المسيحية، إلى وجه كنيسة نشتاق دوماً إلى رؤيته والتأمل فيه، ويبقى فينا انشداداً إلى المثال وطهر بداية الخلق. هذا الحنين، نعيشه كل مرة أعدنا قراءة "سفر الأعمال"، وكل مرةٍ راجعنا عيشنا الكنسيّ، وثقلت علينا ضغوطات المؤسّسة، وكل مرة جعلنا الروح -بنعمةٍ مجانية منه- في صفاء الرؤية وجرأة المخاطرة والتخليّ من جديد، ليُبدع من خلالنا نوعيّة حضور على شبه جمال الجماعة الأولى. هذا الحنين ليس شعراً ولا فلسفة ولا هروباً ولا دينونة. هو استمرارية لفعل الروح من الجماعة الأولى حتى أيّامنا. فهو يكمل فعل الخلق في حاضرنا من خلال بُعدين: بُعد عيش المثال في "الآن" والـ "هنا"، وبعد الإنشداد الدائم صوب مثال يسبقنا ويتخطّانا أبداً. ولئلا نقع في خطر الإعتقاد أن الجماعة الأولى طوباويّة -أين نحن منها- أعطانا الروح، بريشة القديس لوقا، أن نقرأ عن صعوباتها ومشاكلها وفشلها وتعثّراتها وخياناتها.
لا بدّ لنا، في بداية هذا البحث، أن نقرب العنوان وهو باب الدخول إلى الأعمق.
نحن مع الجماعة الأولى كما يصوّرها القديس لوقا في سفر "أعمال الرسل". جماعة تحاول أن تعي ذاتها في ولادتها من الداخل، وفي سّر حضور معلّمها حضوراً جديدا مختلفاً، وتعي ذاتها في سّر تعاطيها مع العالم. وفي كلا الوعيين هي في بحثٍ دائم عن هوّيتها وبُنيتها من جهة وعن تتلمذ دائمٍ للمعلّم تُؤوّنُ ما تعلّمتْه منه لئلاّ تقع في فخّ تحديدِه في هيكليّاتٍ للحفاظِ عليه أو في ذَوَبانِه في منطقِ العالم بحجّة الإندماج والقُربى.
ونحن أيضاً مع كلمة "مشاكلها" التي لا تَفي بعمق المعنى. لنا في اللغة العربيّة غنى في هذا المجال (مجال المشاكل) نعرضه لنحدّد مستويات المعنى الواردة في البحث. نقول: مشكلة، أزمة، حاجة، حادث، طارئ، آفة وقضيّة للتمييز.
"المشكلة" تعني أننا أمام وضع يصعب حلّه وتتعارض فيه الآراء. ونقصد بـ "أزمة" مستجدّاً لم يكن في الحسبان ولكنّنا سرعان ما نتخطّاه ونستفيد من عيشه (أزمة نموّ، أزمة ثقة، أزمة ثقافة وحريّة...). وتعابير: "الحاجة"، و"الحادث" و"الطارئ" هي أيضاً من المستجدّات، لكنّها في منحاها الإيجابيّ الذي يخلق فينا مجالات جديدة للتلبية؛ أما كلمة "آفة" فهي أقرب إلى المرض منها إلى مجال المشاكل، لأنها تعني بأنّ القرار جاء نتيجة تمييز لم يكن على حسب قلب الربّ فزجّ بالجماعة في أزقّة الحقيقة بدل أن تبقى من "تبّاع الطريق" كما يعبرّ عنها القديس لوقا. أما قضيّة التمييز فهي الأعمق في التساؤل لأنها تطال الكيان وطريقة التعبير عنه وتسبّب بالتالي انحرافات أساسيّة في المجرى الطبيعيّ للأمور، إنحرافات مليئة بالنعم، أحياناً، لأنها تجاوبت مع الفاعل الأكبر في مسيرتها: الروح. كلّ هذه الخبرات واجهتها الجماعة الأولى واكتشفت عمل الروح بسببها ومن خلالها ودهشت لمفاجآته، وتركت نفسها تذهب إلى حيث هو يريد: أن تبقى، مثل معلّمها، علامة من الله يقاومونها. وكم كلّفها ذلك!
نحن نرى محورين أساسيّين لموضوع هذا البحث:
الأول: الجماعة الأولى تعي ذاتها من الداخل في نوعيّة العلاقات التي تؤسّسها
- على مستوى فهم سّر المعلّم الغائب الحاضر،
- على مستوى قول الإيمان وتحديده،
- على مستوى عيشها الكنسيّ.
الثاني: ألجماعة الأولى تعي وتكتشف ما يريده منها الروح في طريقة تعاطيها مع العالم
- على مستوى التدبير،
- على مستوى التبشير.
وفي نهاية هذه القراءة، نطلّ على أعمال كنيستنا اليوم لنسألها هل هي الفصل التاسع والعشرون من سفر أعمال الرسل؟
المحور الأول: الجماعة الأولى تعي ذاتها من الداخل في نوعيّة العلاقات التي تؤسّسها
أ- على مستوى فهم سرّ المعلّم الغائب الحاضر
صعود الربّ إلى السماء وانحجابه عن الأعين هو نقطة البدء في هذه المسيرة الداخليّة التي دُعيت إليها الكنيسة الأولى. هذه أوّل مشكلة تعيشها الجماعة الأولى.
بعد سنوات مع معلّمها، تسمعه، تراه، تلمسه، تسأله، تصلّي معه، تتعلم منه وتفرح بما يحقّقه في شخصه من حلول الملكوت؛ هي ترى نفسها مدعوّة لقفزة نوعيّة تُترجم فهمها لسّر المسيح معلّمها في تعبير جديد. هو حاضر الآن بطريقة جديدة، بهيئة جديدة يفوتها أحياناً أمر معرفته. تغيّر نوع حضوره، وبالتالي عليها أن تغير نوعيّة رؤيتها لتستطيع أن تراه. غيّر الرّمزَ، لذا ترى نفسها أمام مدرسة جديدة تتعلّم فيها القراءة بالرّمز الجديد. تتذكّر كلّ ما ادّخرته من خبرتها السالفة معه، وتعيد قراءة تعليمه على ضوء هذا الجديد. هذه الخبرة هي الأعنف في كلّ ما عاشته وستعيشه. وهو العالم بجبلتها والذّاكر أنها تراب، أرسل إليها المعزّي والمذكّر والمدافع والمشجّع فتهتدي ولا تضيّع الطريق. وكان سؤالها الدائم: ماذا كان قال لي لو كان جسدّيا معي؟ وكيف كان تصرّف؟ هذا السؤال كان مصدر نور وشجاعة لها في هذه المرحلة من ولادتها إذ جعلها تتذكّر وتتأمّل في كلامه. وإصغاؤها المرهف والمصلّي لما يقوله لها روح السيّد كان، ولا يزال، خشبة خلاصها.
هي تختبر أيضاً أنّ معلّمها، ألحيّ اليوم كما في الأمس، لا يزال يعلّم. تعليمه إذاً لم ينتهِ. تختبر أن قصتّها مع يسوع المسيح هي نبع يتفجّر حياة، فتتعلم التعاطي مع الجديد المتدفّق الذي لن تمتلكه ولن يزال يتخطّاها ويدعوها إلى ترك كلّ شيء واللّحاق به. وطواعيّتها في محبّته، من جديد، تثمر التواضع والجذريّة فتبقى تلميذةً، وتصير أمّا تلد له البنين القدّيسين، وتكمل كتابة صفحات الإنجيل في شرح كلامه وتأوينه.
ب- على مستوى قول الإيمان وتحديده
مشكلة الجماعة الأولى على صعيد قول الإيمان وتحديده هي من أدقّ المشاكل التي واجهتها. كيف تقول الجديد وبأية تعابير؟ كيف تربط بين هذا الجديد وبين قديم سبقه وأنبأ عنه؟
التعبير مشكلة مثلّثة الوجوه: هي مشكلة الكلمة التي تعبرّ- أو لا- عن الفكر، ومشكلة أذن السامع التي تشبه المصفاة الملوّنة فتسمع الذي تريده وتعطيه لونها، ومشكلة الحريّة التي تقبل الكلمة أو لا تقبلها. والجماعة الأولى خبرت هذه المشكلة في وجوهها الثلاثة، فحاولت أن تعبّر عن سّر المسيح بكلام يفي بهذا السّر من جهة ويأخذ بعين الإعتبار موقع السامعين لتثمر البشارة في القلوب. يورد القديس لوقا مشهداً مؤثّراً في هذا المجال، يقول: "فلمّا سمع الحاضرون هذا الكلام، توجّعت قلوبهم، فقالوا لبطرس وسائر الرسل: ماذا يجب علينا أن نعمل أيها الإخوة؟" (2: 37). 
وبدأت مسيرة التعبير في إعلان أساس الإيمان: يسوع المسيح هو الربّ، مات لأجل خلاصنا وقام، ونحن شهود على ذلك. وصارت تقرأ العهد القديم على ضوء هذا المحور وتفسرّ رموزه (عظات بطرس 2: 14- 36، 3: 12-27، 4: 8- 12 واسطفانس قبل استشهاده 7: 2-53 وبولس في تأسيسه للكنائس 13: 16- 41، 17: 22-31 إلخ...)، وتتبع تصميماً معيّناً لتقول هذا الإيمان: حدث يسوع، كما جاء في الكتب، وموقفنا منه. ونلاحظ أنّ تعبيرها الإيمانّي يتوضّح في تصاعدية كريستولوجيّة. فبعد أن كان التعبير عن المسيح مع بطرس: فتاه يسوع- أقامه الله من بين الأموات، صار مع فيليبس: هل تؤمن أنّ يسوع هو الله، ويسطع في البهاء مع بولس: المسيح قام وهو بكر القائمين وهو صورة الله الذي لا يرى وبكر الخلائق كلّها... ما اعتبر مساواته لله غنيمة له، بل أخلى ذاته واتّخذ صورة العبد... (1 كور 15: 20، كول 1: 15، فيل 6:2-7).
هذه الكرازة عاشتها الجماعة الأولى وحاولت أن تقولها أنطلاقاً من واقعها. لذلك نرى التعبير يرافق الخبرة وكلاهما يضيء الآخر: الخبرة تطرح السؤال والإيمان يعيد قراءة الكرازة ويعطي أبعاداً جديدة لتأوين الكلمة. وأمام كلّ مستجدّ، نراها تبدع، بقوة الروح، في إيجاد التعبير المناسب.
ج- على مستوى العيش الكنسيّ
فرادة الجماعة الأولى تعبرّ عنها الآية 42 من الفصل الثاني: "وكانوا يداومون على العمل بتعليم الرسل والحياة المشتركة وكسر الخبز والصلاة". وهذه الفرادة هي موهبتها ودهشة جديدها، نعمتها وسبب وجعها.
هي نعمتها لأنّ هذه الأعمدة الأربعة تؤسّسها كجماعة جديدة وتخرجها من أطر اليهوديّة الضيّقة وتحجّر الهيكليّات. فهي تلتقي باسم شخص حيّ اسمه يسوع، لا باسم مبدأ أو وصيّة. فرادتها أنها تعطي الأولويّة لوصيّة المحبّة وتداوم عليها رغم الاضطهاد. تعيش بساطة الحبّ الذي يجعل كل شيء مشتركاً فلا يبقى مكان للحاجة، وتعيش بساطة التعبير المُصليّ فتتخطّى المكتوب لتقول ما يصنعه الروح في قلبها الآن وهنا وتكسر جسد الرب، وتعيش بساطة الشركة واحترام المتقدّم فتعطي الوجه الجديد للرئاسة الذي علّمه ربهّا. وهي لا تزال كلّ يوم أمام هذه الأعمدة التي تؤسّسها: المثاليّة والشركة والمواهبيّة والمجانيّة. تتساءل كلّ يوم عن كيفيّة عيشها، فلا تقع في تجربة الطوباويّة غير المتجسّدة ولا في الحكمة العالميّة على حساب الروح.
وهذه الفرادة، كما قلنا، هي سبب وجعها. نعم. لأنّ منطق التجسّد يفترض ذلك، اذ تصطدم الرؤية بصعوبات المادّة والأطباع والقناعات والإمكانات. فتتعثّر أحياناً وتمرّ بالفشل والخيانة وأزمات الثقة...
أول مشكلة واجهتها، وتبقى تواجهها حتى انقضاء الدهر، هي مشكلة الإستهزاء والتسخيف ورفض العالم لها وللبشارة التي تنادي بها. منذ ولادتها بفعل الروح يوم العنصرة، نرى العالم ينقسم تجاهها: قسم يتساءل، وقسم يهزأ ويسخّف ويرفض. وهذا الواقع الذي تعيشه هو علامة حضور معلّمها المصلوب، فتتعزّى لأنّ صليبه هو علامة لحضوره، وتتألمّ لأنّها من جبلة البشر. وفي كلا الحالين هي تسعى لتكون، كما أوصاها، خميرةً منسيّة ولكن فاعلة في طحين العالم، وتسعى لتفهم تدبيره من خلال ألمها في حمل بشارته.
وتتعرّض لمشكلة الخيانة والمساومة منذ بدء مسيرتها. فترى في قلب هذا الخلق الجديد، خطيئة آدم في وجه حننيا وسفيرة (5): يكذبان ويساومان. وبطرس يعالج الموقف بحزمٍ وجرأة ولا يخاف من أن يؤّثر هذا التصّرف سلباً على تقرّب الشعوب من الإيمان. هو يؤمن أنّ جذريّة الإنجيل هي التي تجذب إلى الإيمان وليس أنصاف الحلول والتسهيلات الرخيصة!
وتختبر الإضطهاد والموت لأجل "الإسم" الذي تنادي به. تارةً اضطهاداً معلناً وطوراً اضطهاداً مخفيّاً، تارةً من القيّمين على الإيمان (من رؤساء كهنة وفرّيسيّين وصدّوقيّين) وطوراً من القيّمين على الدولة. وفي كلّ اضطهاداتها لم تقع يوماً في فخّ المفاوضة والمساومة مع المضطّهد لتتحاشى العذاب والموت، بل كانت تعيش الأمانة وتسقي الأرض من دمّ أبنائها لأنهّا تعرف أنّ أمانتها جواب صغير على أمانة الربّ العُظمى! الربّ، كعادته، لا يُنافَس في الحبّ. نُعطيه بذرةً فيفيض علينا حصاداً من النِعم. يقول لوقا: "وتكاثر عدد المؤمنين بالربّ من الرجال والنساء" (5: 14).
أُولى نعم الإضطهاد هي الفرح: "فخرج الرسل من المجلس فرحين لأنّ الله وجدهم أهلاً لقبول الإهانة من أجل اسم يسوع" (5: 41). وبولس وسيلا يحوّلان السجن إلى كنيسة في تسبيح وتهليل (16: 25). "والجماعة كلّها كانت تصلّي إلى الله بلا انقطاع من أجل بطرس" (12: 5).
ونسمع من فم جملائيل الفريّسي كلمات نبوّية: "أُتركوا هؤلاء الرجال وشأنهم ولا تهتمّوا بهم لأنّ ما يبشرّون به أو ما يعلّمونه يزول إذا كان من عند البشر. أمّا إذا كان من عند الله فلا يُمكنكم أن تزيلوه لئلاّ تصيروا أعداء الله" (5: 83- 39).
وفي كلّ المرات تختبر الجماعة أنّ الإضطهاد فرصةً لها لتستعدّ أكثر للمواجهة فيذهب مثلاً برنابا يبحث عن شاول في انطاكيا (11: 25). 
وتستفيد من التشتّت نفسه فيصبح لها وسيلة جديدة لإعلان البشارة: "وأخذ المؤمنون الذين تشتّتوا ينتقلون من مكان إلى آخر مبُشّرين بكلام الله" (4:8).
وتتعرّض لأزمة الثقة مع شاول الذي كان في الأمس القريب مضطّهداً لها، فكيف يمكنها أن تنسى ذلك وتتخطّاه لتقفز قفزة الإيمان وتصدّق أنه الإناء المختار؟ يقول سفر الأعمال: "كانوا كلّهم يخافون منه ولا يصدّقون أنه تلميذ" (9: 26). يخافون ولا يصدّقون. هذه هي الأزمة: خوف يطالُ الماضي والحاضر، ولا يترك مجالاً لجديد الربّ غير المنتظر. خبرة الخوف هذه كانت لها دعوةً لتتخلّى، من جديد، وبطريقة جذريّة، عن كلّ معطياتها البشريّة وحكمتها وحساباتها، ولتضعها وجهاً لوجه مع ربهّا الحيّ والقويّ والمفاجئ بأفعال لا تُدرك.
وبعد أن تخطّت أزمة الثقة مع بولس، سبّب لها أزماتٍ أخرى. فهو يطرح آفاقاً جديدة تطال عمق البشارة واللاهوت وتطال أيضاً طريقة البشارة ولا يثنيه عن إعلان يسوع المسيح شيء: لا برد ولا جوع ولا سيف ولا جلد ولا فقر ولا لغة ولا فلسفة... بولس لا يُضبط ولا يُحدّد. رفضه اليهود فذهب إلى الأمم. فخافت مرّة أخرى، خافت هذه المرّة من الإنفتاح، وكأن الأمر يُفلت من يدها! وكانت ثمرة خوفها أنها ذاقت فرح الإجتماع للمناقشة والتقرير وعاشت أول مجمع لها (نعود إلى هذا المجمع في معرض الكلام عن التدبير).
وخبرت الفشل على مستوى العلاقات بين أعضائها فافترق بولس عن برنابا (15: 39). وخبرت أيضاً التحزّب والتجزّؤ، وهذا ما جعلها تتخطّى كلّ هذه الإنقسامات وتحافظ على وحدة الجسم.
المحور الثاني: الجماعة تعي وتكتشف ما يريده منها الروح في طريقة تعاطيها مع العالم
كان على الجماعة الأولى، منذ بداية مسيرتها، أن تعي علاقتها بالعالم ونوعيّة تعاطيها معه، فتهتمّ بالتدبير الذي يُنظّمها من الداخل لتكون مستعدّة لخدمة التبشير.
أ- على مستوى التدبير:
التدبير الذي حقّقته، عاشته في البساطة والروح الجماعيّة وضرورة السرعة في تلبية الحاجات، وهي تعلم أنّ الزمان قصير. وأساس التدبير هو أولوية الإنجيل. الإنجيل هو الأوّل، بمعنى أنّه المبدأ والمقياس والقيمة الأولى، وبمعنى أنّه الأوّل في سلّم تلبية الخدمات. وأولويّة الإنجيل ساعدت الكنيسة الأولى في التمييز بين الإهتمامات وبين القضيّة، فتبقى أمينة للأهمّ دون أن تتخلّى عن الإهتمام بالمهمّ. ومتى كان الإنجيل هو الأساس والمقياس، ينتفي الخوف من سقوط البيت ولو تعرض للرياح، وينتفي الخوف من الضياع في متاهات النسبيّة والحاجات الآنية والمصالح الشخصيّة. الإنجيل مرساة سفينتها. هذه القناعة أنقذتها كلّ المرّات.
مباشرةً بعد صعود الربّ، نرى بطرس يأخذ المبادرة لاختيار خلف يرأب الصدع الذي سبّبته في الجماعة خيانة يهوذا الإسخريوطّي. ويقترح على الجماعة مقياساً لهذا الإختيار: "رجال رافقونا طوال المدّة التي قضاها الربّ يسوع بيننا" (1: 21). مقياس الإختيار هو إذا معرفة يسوع ومرافقته واتخاذه معلماً. وأبطل تلقائيّاً الإختيارُ بحسب النسل الكهنوتيّ، والوراثي وما شابه. هذه أوّل فرصةٍ تعيش فيها الجماعة أولويّة الإنجيل إذ نرى بطرس يتصّرف حتى في التفاصيل مثل معلّمه: إختار اثني عشر رسولاً وأرسلهم إثنين إثنين (لو 6: 12-16 و10: 1).
يأتي، بعد هذه القضيّة، موضوع خدمة المحبّة وتذمّر اليهود اليونانيّين على اليهود العبرانيّين "زاعمين أنّ أراملهم لا يأخذن نصيبهنّ من المعيشة اليوميّة" (6: 1). فتجتمع الجماعة لتبحث في هذا المستجدّ وتلبّي حاجة اللقمة دون أن تهمل حاجة الكلمة. ويُفاجئنا لوقا بعدها فيخبرنا أن اسطفانوس وفيليبس منهمكان بالتبشير لا بالموائد! وتتوزّع المهمّات دون أن تحدّ المواهب والمبادرات. وهذا التوزيع يجيء عفويّاً نتيجة الإضطهاد: "فتشتّت المؤمنون كلّهم، ما عدا الرسل، في نواحي اليهوديّة والسامرة... وأخذَ(وا) ينتقلون من مكان إلى آخر مبشّرين بكلام الله" (8: 1 و 2).
هذا اللاتنظيم ليس فوضى لسببين: أوّلهما أنّ صدق الإيمان كان يحمي من الإنحراف وثانيهما أنّ الجماعة كانت تتابع وتتعهّد وتُرافق هذه البشارة بشتّى الوسائل. فترسل إخوة لتفقّد الأوضاع والمساندة والمشورة. يورد لوقا مثالاً ساطعاً على ذلك في معرض كلامه عن رحلات بولس وبرنابا: "اليهود الذين رفضوا أن يؤمنوا، حرّضوا غير اليهود من الإخوة وأفسدوا قلوبهم، ولكنّ بولس وبرنابا أقاما هناك مدّة طويلة يجاهران بالربّ" (14: 2). "وجاء بعض اليهود من أنطاكيا وإيقونية واستمالوا الجموع، فرجموا بولس وجرّوه إلى خارج المدينة وهم يحسبون أنّه مات. فلمّا أحاط به التلاميذ، قام ودخل المدينة. وفي الغد خرج مع برنابا إلى دربة... وبشّرا... وكسبا كثيراً من التلاميذ. ثمّ رجعا... يُشدِّدان عزائم التلاميذ ويُشجِّعانهم على الثبات في إيمانهم... ويُعيِّنان لهم قسوساً في كلّ كنيسة، ثمّ يصلِّيان ويصومان ويستودعونهم الربّ... ولمّا وصلا إلى أنطاكيا جمعا الكنيسة، وأخبرا بكلّ ما أجرى الربّ على أيديهما" (19: 14-27). نرى، من خلال هذا الخبر، طريقة الجماعة الأولى في التعاطي والتدبير والتنظيم أمام واقع الفساد والإفساد (غلا 2: 4): هي تأتي لتقيم مع الناس ولا تنظر من بعيد. هي تتألمّ بسببهم ولا تقبل أن تكون فريقاً. ولا توقف البشارة بسبب ألمها، بل تضاعف حضورها وتكثّف تفقّدها لهم وتشدّدهم وتعيّن لهم رعاة وتصلّي وتصوم وتشارك الإخوة بكلّ ما عاشته لتراجعه على ضوء أولويّة الإنجيل. هذا ما فعلته أيضاً بعد بشارة فيلبس للسامرة فأرسلت إليها بطرس ويوحنّا (8: 14- 17)، وبرنابا أوفدته إلى أنطاكيا (11: 22).
وتتعرّض في بداية طريقها إلى تجاذب في الرؤية التبشيريّة.: البعض يفهمون أنّ البشارة هي لليهود أولاً وآخراً، والبعض يلمسون لمس اليد كيف يفيض الربّ روحه على الوثنيّين. هذا التجاذب آلمها وكاد أن يمزّقها لولا تدخّل الربّ بطريقة واضحة. (رؤية بطرس 10: 9-16، حلول الروح القدس على غير اليهود 10: 44- 48). فتنادت إلى مجمع هو الأول في تاريخها. ونقرأ من خلال أوّل قرار اتخذته بالإجماع طريقتها في التدبير: تجتمع، تصليّ، تصغي إلى خبرة الإخوة، تناقش، وتقرّر: "الروح القدس ونحن رأينا..." (15: 28). مجمع أورشليم هو أول فرصةً عاشتها الجماعة الأولى على مستوى التنسيق الكنسيّ. خبرت أنّ المواهبيّة لا تنفي التنسيق بل تحتاجه، وانّ التنسيق لا يخنق المواهبيّة بل يقبل بها أساساً جوهرياً للنموّ وإلاّ يصير تسلّطاً، وخبرت كيف تبدع في التعبير إن هي بقيت أمينة للروح. وختمت هذا التدبير بوصيّة غالية على قلبها، يوردها بولس في رسالته إلى أهل غلاطية: "ولمّا عرف بطرس ويعقوب ويوحنا، وهم بمكانة عُمداء الكنيسة، ما وهبني الله من نعمة، مدّوا اليَّ وإلى برنابا يمين الإتفاق على أن نتوجّه نحن إلى غير اليهود وهم إلى اليهود. وكلُّ ما طلبوه منّا، أن نتذكّر الفقراء" (غلا 2: 9- 10).
أمّا التدبير على مستوى قضيّة المال فكان واضحاً وقاطعاً منذ بداية تتلمذها، ففهمت حزم المعلّم تجاهه: "لا يقدر أحد أن يخدم سيّدين... لا تقدرون أن تخدموا الله والمال" (متّى 6: 24). وبدأت مسيرتها من خلال شهادة ساطعة للفقر والمجانيّة: "مجّانا أخذتم مجّانا أعطوا" (متّى 10: 8). لم تقلق يوماً بسببه ولم تسمح أن يؤثّر سلباً على بشارتها حتى لمّا تعرّضت للمجاعة (11: 28-30). وعت منذ البداية أن لا مجال لأنصاف الحلول تجاهه لأنه ينقلب سريعاً سلاحاً ضدَّها. فاختارت الطريق الأصعب: أن تُعطي مجاناً، والربّ يهتمّ بالباقي، وأن تتعب لتأمين معيشتها فلا تقبل أن يشتري المال قدساتها ولا أن ينتقص من كرامتها ويُغلق فمها.
ولنا في وجه برنابا، الثريّ الذي باع أملاكه ووضعها على أقدام الرسل خير مثال عن التجرّد والنزاهة: فلا هو طالب بحقّ مقابل عطيّته ولا الجماعة جال ببالها أن تكافئه بسببها!
وأمام سمعان الساحر الذي عرض بعض المال لينال سلطة إعطاء الروح القدس، ثار غضب بطرس ووبَّخه: "إلى جهنّم أنت ومالك، لأنك ظننت أنك بالمال تحصل على هبة الروح القدس" (18: 8- 20).
وفي فيلبي "أكبر مدينة في ولاية مكدونية" (16: 12) تعرّض بولس ورفاقه إلى تحدّي المال يوم صادفتهم جارية بها روح عرَّاف وكانت تجني من عرافتها مالاً كثيراً لأسيادها، فأخذت تتبع بولس وتتبعنا، وهي تصيح: "هؤلاء الرجال عبيد الله العليّ، يبشّرونكم بطريق الخلاص". التّحدّي، هذه المرّة، مقنَّع: هو يعترف ظاهريّاً بتبشير بولس ويجرّه إلى فخِّ كسب المال وكسب مدينة فيلبي. وبولس، بقوَّة الروح، يكشف روح الشرّ ويشفي العرَّافة بدل ان يستعملها ويرفض الكسب بهذه الطريقة حتى ولو كان مدينة فيلبي! ولا يخاف الجلد ولا السجن (16: 16- 24).
كذلك أيضاً في أفسس وقضيّة الصائغ ديمتريوس وهياكل أرطميس (23: 19- 41). البشارة والتجارة ضدَّان لا يتَّفقان!
وفي وداعه لشيوخ كنيسة أفسس نسمع رأي بولس في تعاطي الرسول مع المال: "أنتم تعرفون أني بهاتين اليدين اشتغلت وحصلت على ما نحتاج إليه أنا ورفاقي. وأريتكم في كلِّ شيء كيف يجب علينا بالكدِّ والعمل أن نساعد الضعفاء..." (34: 20- 35).
إنطلاقاً من هذه الجذريَّة، نراها لا تحُابي الوجوه فتتحبَّب إلىٍ الأغنياء لتستميلهم وتحتقر الفقراء والضعفاء. بل على العكس، نراها أحياناً تقسو في معاملتها مع الأغنياء وتعطي الأولويَّة في الحبِّ والعطاء والإهتمام للفقراء: "لا تنسوا الفقراء".
ويبقى مجال مهمُّ في قضيَّة تدبيرها، وهو تعاطيها مع السِّحر. ورد ذكر بعض المواقف في معرض الكلام عن المال. تدبيرها في هذا المجال قاطع أيضاً. فلا مجال للتوافق بين البشارة وبين السحر، فالذي تنادي به هو الربُّ، فكيف تجمع بينه وبين الشعوذات.
ب- على مستوى التبشير
التبشير هو وصيَّة المعلِّم الأخيرة قبل صعوده: "إذهبوا وتلمذوا جميع الأمم" (متّى 28: 19).
الجماعة الأولى سعت إلى تحقيق هذه الوصيّة بكلِّ قوّتها. وبدأت ذلك من خلال واقعها وأطر اليهوديّة التي كانت تنتمي إليها، فصلّت في المجامع وقرأت الكتاب وهلَّلت مع شعبها. لكنّها كانت تعيش انتماءً آخر، إنتماء لشخص معلّمها. وصارت تقرأ، من خلال الخبرة، طرقاً أخرى تعبرِّ فيها عن هذا الإيمان: فكانت تلتقي في البيوت تصلّي وتسمع تعليم الرسل وتكسر الخبز وتبشِّر في الساحات.
هذا الواقع المزدوج الإنتماء يوجعها لأنَّها تعيش في غربة دائمة، وسوف تبقى على هذه الحالة إلى أن يعبر أبناؤها إلى الضفَّة الأخرى ويجدوا هوَّيتهم الجديدة.
وصيَّة المعلِّم كشفت لها أبعاد هذه الهويَّة الجديدة في التبشير، والروح أخذ بيدها لتفهم أبعادها. طلب منها: أن تذهب- أن تبشِّر وتتُلمذ- كل الأمم.
أن تذهب: هذا يعني أن تتحرَّك، أن تترك مكانها واستقرارها وخوفها وأن تبدأ بالمواجهة. نذكر كلام الملاك في مشهد الصعود: "ما بالكم واقفين تنظرون إلى السماء" (1: 11). أن تذهب يعني أن تفجِّر المكان وتخرج إلى كلِّ الأمكنة وفي كلِّ الإتجاهات، وهذا متعب طبعاً! نرى، في سفر الأعمال، أن الروح يشغل كلَّ الطرقات الخارجية من أورشليم: فيليبّس يلاقي وزير ملكة الحبشة على طريق الجنوب ويرسله الروح بعدها إلى أشدود على طريق الشرق، ويسوع نفسه يلاقي شاول على طريق الشمال.
أن تذهب يعني أيضاً ان تخاطر وتمشي. خبرة المشي تفترض أنها تخاطر بالتوازن لأنها في وقت معيّن من المشي هي على رجل واحدة، وتفترض أيضاً أن تتعرّض للشمس والريح والعرق والتراب، إذاً أن تتّسخ، وتفترض أن تتخلَّى عن كلِّ ما تتمسَّك به وإلاَّ راوحت مكانها! ويعني أيضاً أن تفجِّر ضيق المجمع ويصبح الإجتماع في كلِّ بيت وعلى كلِّ طريق، وتصبح ليتورجيَّتها "ليتورجيّة الشوارع" كما يقول يوحنّا فم الذهب.
شموليّة المكان تضعها وجهاً لوجه أمام شموليّة الأمم: "كلَّ الأمم" قال لها. وقوله "كلَّ الأمم" لا يستثني أحداً. هي مدعوة أن تبشّر السامريّين الذين تمنَّت أن تمطر السماء عليهم ناراً لرفضهم استقبال يسوع، وروعة المفارقة أنَّ يوحنّا نفسه هو الذي ذهب إليهم! وهي مدعوَّة أيضاً أن تبشِّر الوثنيّين وتُعلن بكلامها وشهادتها ما لا يريد العالم سماعه، وتقبل بالإضطهاد حيناً والتسخيف حيناً آخر: "سنسمع كلامك في هذا الشأن مرة أخرى "قالها الفلاسفة لبولس (17: 32). كلّ هذا لأنها غيّرت المرجعيّة: فهي تنادي بـ "رجل مات إسمه يسوع، وبولس يزعم أنه حيّ" (25: 19). هذا الذي تنادي به يفوق الكتاب والشريعة. وتنادي بمصلوبٍ شكّا لليهود وجهالةً للفلاسفة. وهي مدعوّة لتكتشف سبلاً جديدة للتعبير والإنتماء إلى الإيمان.
وأخيراً طلب منها أن تُبشّر وتُتلمذ. على بشارتها، إذاً، أن تنطلق من واقع الناس وخبرتهم لتصل بهم إلى الإيمان والتلمذة ويصبح كلّ واحد من أبنائها معلِّماً يُتلمذ للملكوت، كما فعل أكيلا وبرسكيلا مع أبلُّوس الذي كان لا يعرف إلاَّ معمودية يوحنا (18: 24- 26). هذه الرؤية، على بساطتها وبراءتها ستُسبَّب لها المشاكل: مشكلة المعارضة من قبل الذي يتمسَّكون بمراكزهم التعليميّة، ومشكلة تهيئة أبنائها وتدريبهم ومرافقتهم. ونراها في كل منعطف وكل طارئ تبدع حلولاً من فيض حضور الروح فيها. صحيح أنّه يأخذ المبادرة، لكنَّه لا يجعل منها أبداً دميةً متحرِّكة. 
ونورد تنويهاً لغيابٍ في النصِّ في معرض الكلام عن المشاكل التي تختصُّ بحضور المرأة في الخدمة والرسالة في بداية حياة الجماعة. من خلال هذا الغياب ومن خلال التنويه، أكثر من مرّة عن خدمة النساء للرسل والمبشِّرين، نحن نقرأ سلاسة في العلاقات واحتراماً متبادلاً ومساندةً في البشارة: مثلاً رودة وليديا وبرسكيلا وغيرهما... (يتكلَّم لوقا عن نساء شريفات كنَّ يعبدن الله حرَّضهن اليهود على اضطهاد بولس وبرنابا في بيسيدية 13: 50 ولكنَّهنَّ لسن من المؤمنات).
وفي نهاية هذه اللوحة التبشرية، نذكر مشكلة المشاكل التي تتعرَّض لها الجماعة وهي مشكلة التأليه، أن تأخذ مكان معلَّمها. بولس وبرنابا يبشرِّان في لسترة حيث شفى بولس رجلاً كسيحاً. إعتقدهما الناس من الآلهة فأرادوا أن يقدّموا ذبيحة لهما (14: 8-18). ويخبر لوقا بإطناب عن جهود بذلها الرسولان ليمنعا الجموع من ذلك.
في ختام هذا البحث، نحن أمام كنيستنا اليوم، بعد ألفي سنة من ولادتها. نبدأ بشكر الربّ لأنها سلَّمتنا الأمانة بأمانة وأعطتنا وجوهاً مشرقة بالقداسة. أحبَّت الربَّ حتى الموت. وأعطتنا علماء شحَّ نظرهم في درس كلمة الله، وبقيت خميرة السيّد تفعل في طحين هذا العالم. وهي في تفتيش دائم عن مصداقيَّة كلامها وعيشها واكتشاف ذاتها لتبقى حاضرة لجديد الروح.
ولأنها قديسة في تأسيسها وجوهر كيانها، نظلّ نتطلَّب منها الكمال ونحن لا ننسى طبعاً أنها في محدوديَّة البشر وضعفهم. ولكنَّ الروح يضع في قلبها أحلاماً وطموحاتٍ تخرجها كلَّ يوم من ثقل الماضي لئلاَّ تستقرَّ فيه، ويضعها في مهبِّ جديده لتبقى مشدودةً صوبه وتتذكر حبَّها الأوّل كما يقوله الملاك إلى كنيسة أفسس في سفر الرؤيا (رؤ 2: 4). وهو لا يزال يمسك بزمام القيادة ويفاجئها ويتدخَّل تدخلات واضحة ليقولن: لا تخافوا. 
الروح يسألها كلَّ يوم عن مقام الإنجيل في حياتها وقرارتها ورؤيتها. هلِ لا تزال تفضِّل الموت والإضطهاد على المساومة بياء واحدة من كلام معلِّمها، تقرأه وتصلِّيه وتوِّوّنه لتغيرّ العالم؟
الروح يسألها عن الرحمة والمجانيَّة وحصِّة الفقراء والمظلومين الذين لا صوت لهم غير صوتها. هل لا يزال الفقر والمجانيَّة أغلى شهادة على قلبها، شهادة تحصِّنها ليبقى صوتها عالياً في وجه التُّخمة والظلم والإستغناء؟
الروح يسألها عن علاقاتها مع أبنائها. هل لا تزال تقدِّم لهم مجالات للنموِّ في القداسة وتتعهَّدهم وتفتقدهم وتتكِّل عليهم مثلما اتكلت على برسكيلا وأكيلا، وتميِّز صوته من خلال أصواتهم؟
الروح يسألها إذا كانت الفصل التاسع والعشرين من سفر أعمال الرسل وبدايته كما بداية السِّفر الأول: ما بالكم واقفين تنظرون إلى المساء؟


ملحق
المشاكل التي واجهتها الجماعة الأولى كما وردت في أعمال الرسل
1- أن تتعوّد الجماعة على طريقة حضور جديدة للربّ بعد صعوده.
2- أزمة الخيانة: يهوذا الإسخريوطي واختيار متيّا (1: 12)
3- استهزاء الآخرين بالذي يصلّي وينقاد للروح. يوم العنصرة (2)
4- عدم استيعاب اليهود والعهد القديم لشخص يسوع وعمله: خطبة بطرس بعد العنصرة (2: 36)
5- الجوّ العام الذي تعيشه الكنيسة: في قلب المجتمع اليهودي (2: 43). جماعة جديدة تأتي الآيات. الناس يتوقَّفون عند الآية فقط (3). 
6- اضطهاد من قِبَل رؤساء الكهنة والصدّوقيين (4: 1- 2).
7- خيانة الحياة المشتركة: حننيا وسفيرة (5).
8- اضطهاد الرسل (5: 17).
9- اشتداد النقمة والإضطهاد (5: 17).
10- التوفيق بين الكلمة واللقمة (6).
11- اضطهاد إسطفانوس (7).
12- اضطهاد على كنيسة اورشليم وتشتُّت المؤمنين (8).
13- السِحْر (السيمونيّة) (8: 9).
14- الحاجة إلى من يفسِّر الكتاب المقدّس لوزير ملكة الحبشة (8: 26).
15- شاول المضطهد يُصبح من الكنيسة (9: 26).
16- البشارة بيسوع ليست حِكراً على اليهود: كورنيليوس (10).
17- المجاعة (29:11)
18- استشهاد يعقوب وإلقاء القبض على بطرس (12).
19- الساحر بريشوع (13: 6).
2- اليهود يضطَّهدون بولس ويقاومون التعليم الجديد (13: 45 و50)
21- اليهود يحرِّضون غير اليهود على الإخوة ويفسدون قلوبهم (14: 12). أهل المدينة ينقسمون (14: 4).
22- اعتقاد الناس بأن بولس وبرنابا هما من الآلهة بعد عجيبة شفاء الكسيح (12:14).
23- الضغط من قبل اليهود على المؤمنين الجدد، فالإيمان لا يزال طريئاً (14: 22).
24- نِزاع برنابا وبولس حول قضيّة مرقس (15: 37- 39).
25- ابلّوس مبشِّر فصيح لكنَّه لا يعرف إلا معموديّة يوحنّا (25:18).
26- الفلسفة (17: 16).
27- ابناء سكاوا: استخدام اسم الرب يسوع لطرد الأرواح الشريرة (14:19).
28- الصائغ ديمتريوس والتجارة بالأصنام (19: 24).
29- الرسول وقضية العمل من أجل كسب العيش (20: 34).
30- مشكلة كورنتس: أنا مع بولس أنا مع ابلّوس أنا مع بطرس (1 كور 3: 4-6).
الفصل الثامن
المعمودية والافخارستيا في أعمال الرسل
الأب يوسف فخري

يتضمن سفر أعمال الرسل مسيرة كلمة الله من أورشليم عبر السامرة وأنطاكية وصولاً إلى عاصمة الوثنية: روما. وهذه المسيرة هي إنجاز لبرنامج الرسالة الذي رسمه يسوع القائم من بين الأموات لتلاميذه: "ستكونون لي شهوداً في أورشليم واليهودية كلها والسامرة، حتى أقاصي الأرض" (أع 1: 8).
فسفر الأعمال إذا، ليس سرداً لأحداث تاريخية عظيمة مضت (كما كان شائعاً في العالم الهلينستي مثل مآثر هنيبعل ومغامرات الإسكندر الكبير)، بل خبر مسيرة الروح القدس مبدأ الكلمة الذي نفخ في الجماعة الرسولية الأولى، فشهدت، في كل الأرض، بالأقوال والأعمال للرب يسوع المنتصر على الموت.
وهذا التاريخ الذي يقوده الروح القدس، هو امتداد لحياة يسوع العلنية كما وردت في الإنجيل اللوقاوي. فيتضح، أن سفر الأعمال يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالإنجيل الثالث. وما قاله يسوع لتلاميذه في آخرة إنجيل لوقا "وتُعلن باسمه التوبة وغفران الخطايا لجميع الأمم، إبتداءً من أورشليم" (لوقا 24: 47)، يردده الإنجيلي في أولى آيات أعمال الرسل "وتكونون لي شهوداً في أورشليم وكل اليهودية والسامرة حتى أقاصي الأرض" (أع 1: 8). ثم ان خبر الصعود الذي ينهي حياة يسوع العلنية (كريستولوجية) في إنجيل لوقا، يعود من جديد فيفتتح سفر الأعمال، سفر فيض الروح وانطلاقة الكنيسة (إكليزيولوجية).
إنّ مبدأ هذا التنظيم اللوقاوي هو مبدأ لاهوتي: شمولية الخلاص. فيدلّنا على امتداد ملكوت الله امتداداً تدريجياً إلى العالم كله. فبعد انتشار الكلمة وسط اليهود، تنتقل البشرى إلى الوثنيين. وهذا الإمتداد يوجّهه الروح منذ بداية حياة يسوع العلنية (لوقا 4: 1، 18)، وفي "معمودية" اليهود في أورشليم (أع 1: 5؛ 2: 4، 41) وطوال مسيرة الكلمة، مروراً بمعمودية السامريين (8: 4- 25) ومعمودية الوثنيين في بيت كورنيليوس (10: 44- 48) حتى أقاصي الأرض. هذه الأحداث المتتابعة، تُظهر لنا استمرارية التاريخ المقدّس، وديمومة مخطّط الله الخلاصي بفضل تدفُّق مواهب الروح القدس وفيض نعمه.

1- المعمودية في أعمال الرسل
يقسم المؤرخّ لوقا تاريخ الخلاص إلى ثلاث حقبات متواصلة:

* الحقبة الأولى
وهي العهد القديم، تنتهي مع يوحنا المعمدان يوم إلقائه في السجن (لو 3: 19- 20) (ملاحظة: وضع لوقا سجن يوحنا قبل معمودية يسوع ليدلّ على أن رسالة يوحنا ورسالة يسوع تمثّلان حقبتين تاريخيّتين مختلفتين في تاريخ الخلاص).

* الحقبة الثانية
وهي عهد "المخلّص" (لوقا 2: 11) Sôtêrالذي دُشّن بمعمودية يسوع وحلول الروح القدس (لوقا 3: 22). وتتميّز هذه الحقبة بعودة روح الرب إلى شعبه، لأن التقليد اليهودي يذكر أن المئة والخمسين سنة السابقة لمجيء المسيح هي فترة "صمت الله وتوقّف عمل الروح" كما يقول التلمود: "منذ موت الأنبياء حجاي، زكريا وملاخي، توقف عمل الروح في إسرائيل" (توسفتا، سوتا 13: 2). فالحقبة التي يفتتحها يسوع هي حقبة فيض الروح القدس، وهذا الفيض الروح قدسي لن يصبح شاملاً، أي لن يكون لكل إنسان، إلا بقيامة الرب من الموت. هذه الشمولية تحققت في الحقبة الثالثة وهي العنصرة وانطلاقة الكنيسة في كل الأرض.
وعن شمولية الخلاص، تحدّث لوقا مسبقاً في بداية إنجيله، فاستقى الفكرة من أشعيا النبي القائل: "وكل ذي جسد pasa sarxيرى خلاص الله" (لوقا 3: 6؛ راجع أشعيا 40: 3- 5). فنستشف من عبارة "كل ذي جسد" أن الخلاص قد وُهب لكل إنسان. وما قاله بولس في روما في خاتمة سفر الأعمال: "إن خلاص الله هذا أُرسل إلى الوثنيين وهم سيستعمون إليه" (أع 28: 28) يؤكّد على تحقيق نبوءة أشعيا التي ذكرها لوقا.
فخلال مسيرة البشارة من أورشليم مروراً بالسامرة وبيت كورنيليوس وصولاً إلى روما، ستتعاقب مراحل ثلاث، تختبر فيها الكنيسة الإنفتاح على الآخرين. وكل مرحلة من هذه المراحل، تبدأ بكرازة خلاصية وتنتهي بمعمودية مقدّسة.
أ- المرحلة الأولى: معمودية اليهود في أورشليم (أع 2: 1- 41)
بعد أن نال الرسل معمودية الروح القدس يوم العنصرة (أع 2: 1- 13)، إنطلقت هذه الكنيسة الصغيرة من علية صهيون وابتدأت مسيرة الكلمة. فيهود الشتات الآتون من كل أمّة تحت السماء والمجتمعون في أورشليم (أع 2: 5)، إنذهلوا أمام هذه المعجزة التي لا تُفهَمْ على مستوى البشر. فتقدم بطرس وفسّر لهم الحدث تفسيراً نبوياً متوجهاً بعظته (2: 14- 36) إلى اليهود مباشرة. فخاطبهم قائلاً: "أيها اليهود... يا بني إسرائيل اسمعوا هذا الكلام" (2: 22؛ راجع 2: 14؛ 2: 36). وبيّن لهم مخطط الله الخلاصي الذي تجلّى لإسرائيل عبر الكتب المقدّسة (يوئيل 3: 1- 15؛ مز 16: 8- 11؛ مز 110- 1) وأنهم هم المعنيون الأوَّلون بحدث العنصرة إذ فيه تمّ الرجاء الإسكاتولوجي لبني إسرائيل.
تجاوباً مع الكرازة البطرسية، سأل اليهود هامة الرسل ورفاقه قائلين: "ماذا نعمل، أيها الاخوة"؟ فقال لهم بطرس: "توبوا، ليتعمّد كل منكم باسم يسوع المسيح لغفران خطاياكم، فتنالوا موهبة الروح القدس" (2: 37-38). فبعد هذه الكرازة، قَبِلَ اليهود الكلمة وتعمّدوا باسم يسوع ثم انضمّوا إلى جماعة الرسل. فيوم العنصرة ابتدأ بمجموعة صغيرة منعزلة في عيلة (1: 12- 14) وانتهى بمجموعة كبيرة (ثلاثة آلاف نفس، أع 2: 41). وهكذا، بكرازة الكلمة وقبول المعمودية، انطلقت الكنيسة في أورشليم، منهية المرحلة الأولى وهي معمودية اليهود.
ب- المرحلة الثانية: معمودية السامريين (أع 8: 5- 25)
بعد معمودية اليهود وبدء مسيرة الكنيسة، تتواصل البشارة من أورشليم، فتنتقل من مكان إلى آخر فتبلغ بوجه خاص السامريين على يد فيليبس (أع 8: 5- 40)، ثم إلى الوثنيين في قيصرية على يد بطرس (أع 9: 32- 11: 18)، وإلى أنطاكية على يد الهلينيين (أع 6: 1)، في حين أن رسول الأمم في المستقبل بعد أن يهتدي، يباشر الوعظ (9: 1- 30). لقد ساعد الإضطهاد، عن غير قصد، ذلك "التفجير الرسولي" الذي يربطه لوقا ربطاً وثيقاً باستشهاد اسطفانوس (أه 7: 2). فيؤلّف الفصل الثامن إذا، مرحلة رئيسية في سفر الأعمال، وهو الإنتشار خارج أورشليم. ورائد هذا الإنتشار، في اليهودية والسامرة، هو الشمّاس فيليبس أحد السبعة (أع 6: 1-6). ويذكر نشاطه الرسولي في إحدى مدن السامرة (أع 8: 5- 3)، ثم على الطريق بين أورشليم وغزة (أع 8: 26- 39)، وأخيراً في كل المدن من أشدود حتى قيصرية (أع 8: 40). ففي هذه المنطقة وجد فيليبس نفسه مبشراً بالكلمة وكانت الجموع تصغي بقلب واحد إلى تعاليمه (أع 8: 6). وبعد الكرازة بالكلمة، فعل كما فعل بطرس يوم العنصرة، فتعمّد أهل السامرة جميعاً رجالاً ونساءً (أع 8: 12). وقد اعتمدوا فقط باسم الرب يسوع، ولكن الروح لم ينزل على أحدٍ منهم كما حصل في العنصرة وعند كورنيليوس. فسينالون الروح حين يضع بطرس ويوحنا أيديهم عليهم (أع 8: 17).
ثم أن عماد خازن ملكة الحبشة (أع 8: 26-40) يؤلّف مع عماد السامريين خطوة نوعية في انتشار الكنيسة. فالخَصِيُّ الذي كان يُعتبر عند اليهود مرذولاً وخارج الجماعة حسب سفر تثنية الإشتراع (تث 23: 2)، أصبح مع المسيح من أبناء بيت الله: الكنيسة.
من هنا نفهم، أن في سفر الأعمال صيغتين للمعمودية: عماد من دون الروح القدس، وهو عماد باسم الربّ يسوع (كما في معمودية السامريين)، وعماد في الروح القدس كما حصل في العنصرة وفي معمودية كورنيليوس وأهل بيته. إن علاقة المعمودية بالروح القدس في سفر الأعمال لها عدّة أوجه:
1- يحدث قبول مؤمنين في الكنيسة دون أن يُذكر أنهم قبلوا العماد (أع 4: 4) فيُستبدل فعل "عمّد" بالعبارات التالية: "إنضمّ إلى الجماعة" (أع 2: 41؛ 5: 14)؛ "ضمّ الربّ إلى الجماعة" (أع 2: 47)؛ "إنضمّ إلى الربّ بالإيمان" (أع 5: 14؛ 16: 31).
2- عماد يحتاج إلى وضع يد بطرس ويوحنا (أع 8: 4- 17) أو بولس (أع 19: 1- 7) لقبول الروح وليكون العماد تاماً.
3- هناك أوقات يكفي فيها العماد وحده لقبول الروح القدس (أع 2: 38).
4- هناك أوقات يحلّ فيها الروح قبل العماد، فيكون العماد تثبيتاً لعمل الروح (أع 10: 44-48).
5- إن كلمة "معمودية baptisma" في سفر الأعمال تدلّ على معمودية يوحنا المعمدان.
6- يُستعمل الفعل "عمّد baptizô" في صيغة المجهول: ويشدّد أن فلان عُمِّدَ، لا على دور الذي عمّده (إلا في معمودية يوحنا المعمدان وعمل فيلبس في قيصرية).
إن ممارسة الكنيسة لسريّ العماد والتثبيت لم تكن ثابتة منذ البداية، بل تنظّمت تدريجياً عبر التاريخ. وكل جماعة مؤمنة اتخذت منهجاً معيّناً قبل أن تنتظم الأمور. والإنجيلي لوقا نقل لنا بصدق كيف مارست الكنيسة الأولى الأسرار الإلهية وصيغها المتشعّبة.
ج- المرحلة الثالثة: معمودية الوثنيين (أع 10: 1- 11: 8)
بعد أن اجتازت الكنيسة المرحلة الثانية: "إذ كانت الكنائس في جميع اليهودية والجليل والسامرة تنعم بالسلام، وكانت تمتدّ وتسير على خوف الرب وتتقوّى بمعونة الروح القدس" (أع 9: 31)، لم يبقَ أمامها إلاّ المرحلة الثالثة التي سيدشّنها بطرس الرسول بتبشير كورنيليوس واعتماده مع جميع أهل بيته (10: 1- 11: 18). فحين وصل بطرس إلى بيت الوثنيين (أو المتّقين الله)، لم يبادر إلى تعميده وقبوله في الكنيسة، فالله تدخّل عبر عطية الروح القدس. فهو الذي أرسل ملاكه إلى يافا ليأتي ببطرس إلى قيصرية، وهو الذي أراه في رؤية السماط الذي عليه الحيوانات التي خلقها الله في سفر التكوين (تك 1: 21 و24؛ 6: 7 و 14) أو المذكورة في حدث الطوفان (تك 6: 20) (هذا يوحي بأننا أمام سفر تكوين جديد). ومبادرة الله هذه تبقى حتى النهاية: "وكان بطرس لا يزال يروي هذه الأمور إذ نزل الروح القدس على جميع الذين سمعوا كلمة الله" (أع 10: 44). هذا الحدث يجدّد حدث العنصرة: الأول كان محفوظاً لليهود دون سواهم، أما الثاني فللوثنيين الذين نالوا الروح القدس (10: 45): وأخذوا يتكلّمون بلغات غير لغتهم ويعظّمون الله (10: 46). وتأتي في النهاية المعمودية لتختتم الحدث وتعلن بصفة رسمية دخول الوثنيين في حضن الكنيسة. وهذا ما جعل بطرس يقول: "هل نقدر أن نمنع ماء المعمودية عن الذين نالوا الروح القدس مثلنا نحن"؟ (أع 10: 47).
فالمعمودية حلّت مكان الختان، وأُعطِيَت باسم يسوع وأصبحت بنعمة الروح القدس، باباً مشّرعاً أمام الذين يريدون الدخول إلى بيت الرب، إلى "كنيسة دون حدود" ويعلنون معها وفيها أن يسوع هو الرب القائم من الموت.
بدأت البشارة في أورشليم بمعمودية اليهود، وانتقلت إلى السامرة فعمّدت أهلها، ثم انفتحت على الوثنيين وستتابع سيرها حتى "أقاصي الأرض".
نستخلص هنا ثلاثة أمور تميّز المعمودية في أعمال الرسل، نجدها في خطبة بطرس يوم العنصرة: "توبوا، وليعتمد كل واحد منكم باسم يسوع المسيح لمغفرة خطاياكم، فتنالوا موهبة الروح القدس" (أع 2: 28). إذاً:
أولاً: التوبة والمعمودية بالماء لمغفرة الخطايا
العماد بالماء تلازمه التوبة الصادقة دلالة على أن العماد ليس عملاً خارجياً محضاً ينضم به إنسان إلى الجماعة المؤمنة، بل هو ارتداد داخلي جذري metanoia (توبة إلى يسوع وتغيير الفكر بالنظر إليه وتغيير مسلك الحياة). وهذا العماد يمنح مغفرة الخطايا ويوحّد المعمّد بموت وقيامة الرب.
ثانياً: المعمودية باسم يسوع المسيح
ترد هذه العبارة "باسم يسوع المسيح" مراراً في سفر الأعمال (10: 48؛ 19: 5؛ 22: 16) وتعني أن من يعتمد يعبّر عن إيمانه بأن يسوع هو المسيح والرب الفادي (أع 4: 12). فالكرازة التي تسبق المعمودية لا تهدف إلاّ إلى الوصول بالمستمعين إلى إعلان الإيمان بأن يسوع هو المخلص، وأنه باسمه يجب أن يعتمدوا (مثلاً كرازة فيلبس في السامرة أع 8: 12)؛ كرازة فيلبس لخازن ملكة الحبشة وعماده أع 8: 35-38؛ خطبة بطرس أمام كورنيليوس وأهل بيته: إذ بدأ بتبشيرهم بيسوع المسيح، بعد أن رأى أن الروح القدس حلّ على جميع الذين سمعوا الكلمة وآمنوا بالمسيح، "أمر أن يعمّدوا باسم يسوع المسيح" (أع 10: 34-48). بالمعمودية باسم يسوع المسيح يعترف المؤمن أن يسوع هو الرب الفادي ويتّحد اتّحاداً قوياً بشخص يسوع.
ثالثاً: المعمودية بالروح القدس
يوم تعمّد يسوع، قبلَ الروح القدس (لوقا 3: 22). وقبل صعوده إلى السماء، وعد تلاميذه بأنهم سيُعَمَّدون هم أيضاً بالروح القدس (أع 1: 4- 5). وهذا ما يعلن بطرس تحقيقه يوم العنصرة مستشهداً بنبوءة يوئيل (أع 2: 16- 33).
وعمل الروح القدس هذا، هو إشراك المؤمن في شخص يسوع ورسالته النبوية. وهذا ما يوضحه لقاء بولس الرسول مع بعض التلاميذ في أفسس الذين قبلوا معمودية يوحنا المعمدان فقط (أع 19: 1- 6). فحلول الروح القدس ملازم للمعمودية باسم يسوع. فكل من يعتمد باسم يسوع يناله الروح القدس كما ناله الرسل يوم العنصرة. فالعماد في بداية المسيحية كان يُمنح "باسم يسوع" (أع 2: 38؛ 8: 16؛ 10: 48؛ 1 كور 1: 13- 15؛ غلا 3: 27؛ روم 6: 3). أي أن المعمّد يصبح ملكاً ليسوع فيكون ليسوع سلطة عليه (ونحن نعرف قيمة "الإسم" في العهد القديم). ويشترك في حياته، في موته وقيامته، كما يشترك في نبوّته وفي روحه.
هذا هو معنى تطوّر صيغة العماد: من العماد "باسم يسوع" إلى العماد "باسم الآب والإبن والروح القدس" (متى 28: 19). فالصيغة الأخيرة هذه -وقد فرضت نفسها في نهاية الأمر، خلافاً للصيغة الأولى- تتضمن الإشتراك في حياة الثالوث الأقدس، إنطلاقاً من حياة يسوع نفسه ("باسم يسوع"). وهذه الصيغة الأخيرة هي توضيح عقائدي للمعمودية باسم يسوع المسيح، إذ تعلن أن يسوع المسيح الذي تُمنَح المعمودية باسمه هو الإبن المرسل من قِبَلِ الآب، وهو الذي يمنح الروح القدس للذين يعتمدون باسمه. وتعلن كذلك أن من يعتمد باسم يسوع يصير مثله ابناً للآب وهيكلاً للروح القدس.
فالمعمودية في سفر الأعمال، هي حقيقة لاهوتية خلاصية كاملة. فإن مُنحت في أورشليم، في انطاكية أو في كورنتس، أو في السامرة وقيصرية تحت سلطة بطرس أو بولس، حننيا أو فيلبس، المعمودية هي هي، وحدة كاملة لا تتجزّأ وكما يقول بولس الرسول: "إله واحد، إيمان واحد، ومعمودية واحدة" (أف 4: 5).

2- الافخارستيا في سفر الأعمال
يخبر لوقا عن حياة الجماعة المسيحية الأولى قائلاً:
"وكانوا يواظبون على تعليم الرسل والمشاركة وكسر الخبز والصلوات" (أع 2: 42). وهذه الآية تلخّص جوهر الحياة المسيحية الأولى:
سماع الكلمة، العمل بها والإشتراك في الأسرار. ويعبرّ الفعل proskartereô = واظب، داوم؛ عن استمرارية وديناميكية الحياة الروحية في الكنيسة الأولى. فالحياة المسيحية هي مداومة وثبات، هي خطوة جديدة نحو الأكمل. وهذه المداومة على تعليم الرسل Tê didachê والحياة المشتركة Koinônia وكسر الخبز Klasei ton arton والصلوات هي تعبير إيماني عن ديمومة سّر الافخارستيا وحدثي الجلجلة والقيامة. فالإتحاد بالمسيح القائم من الموت عبر هذه "المداومات الأربع"، هو أساس الإتحاد بين أبناء الكنيسة الأولى والشركة Koinônia التي تتجلى في "كسر الخبز- الافخارستيا" ]الفعل Klaô = كسر، الوارد في أع 2: 46؛ يُذكَرُ خمسة عشرة مرّة في العهد الجديد، خاصة عند لوقا، ودائماً على علاقة مع الافخارستيا في أع 2: 42، عبارة "كسر الخبز Klasei" ترد في حدث تلميذَي عماوس: "فرويا ما حدث في الطريق وكيف عرفاه عند كسر الخبز Klasei" (لوقا 24: 35)[.
وإن رائد هذه Koinônia، كما في المعمودية هو، الروح القدس، فإن عمله لا يقتصر على نشر الكلمة وانتقالها من أورشليم إلى الوثنيين عبر السامرة وقيصرية، بل يهدف إلى جمع المؤمنين وتحقيق كمال وحدة الكنيسة في سّر الافخارستيا.
فكانت الجماعة الأولى "تكسر الخبز" في اليوم الأول من الأسبوع (20: 7) الذي هو "يوم الرب" (رؤيا 1: 10)، ويجتمعون في الهيكل لصلاة مشتركة (2: 46)، ويحتفلون بالافخارستيا في البيوت (5: 42) (مثلاً في بيت مريم أم يوحنا مرقس 12: 12).
وبولس يتحدث عن تجمّعات مماثلة تحصل في عدة بيوت (روم 16: 5؛ 1 كور 16: 19؛ كول 4: 15). وتشهد (2: 46) على المداومة على الصلوات اليومية وعلى الروح التي تسود هذه الإجتماعات "يلازمون الهيكل كل يوم بقلب واحد، ويكسرون الخبز في البيوت، ويتناولون الطعام بابتهاج وسلامة قلب Aphelotêti kardias (أع 2:46).
يستعمل لوقا الكلمة Agalliasei ليعبّر عن البهجة والفرح اللذَّين يسودان هذه الإحتفالات الافخارستية. Agalliasei توحي بالبهجة التي يسبّبها حضور الله، وبعض المرات لها نفحة اسكاتولوجية. فصاحب المزمور (51: 14) يطلب من الرب أن يمنحه "بهجة خلاصه"؛ والعذراء تنشد أيضاً: "وتبتهج روحي بالله مخلّصي" (لوقا 1: 46).
وعبارة "سلامة قلب" تعبرّ عن محبّة وتواضع المؤمنين وصدق نيتهم في المشاركة الفعلية بالافخارستيا، كما تحمل توبيخاً خفياً للتجاوزات التي قد تكون دخلت إلى الوليمة الافخارستية (راجع ما يقوله بولس في 1 كور 17:11).
ولقد وعت الجماعة الأولى أن الافخارستيا تجدّد وحدة المؤمنين الكيانية وتثبتها وتعمّقها. ففي تقاسمهم للخيرات بين بعضهم البعض واشتراكهم في الخبز الواحد، أصبحوا كائناً واحداً في المسيح وحياة واحدة عبر الزمان والمكان كما قال لوقا: "وكان جميع الذين آمنوا، جماعة واحدة، يجعلون كل شيء مشتركاً بينهم" (2: 42).
والغاية من هذه المداومة الافخارستية هي تحويل الكنيسة الناشئة، والكنيسة الجامعة فيما بعد، إلى قربانَ محبةٍ مع المسيح وتحقيق رغبة، الإشتراك معه في الوليمة السماوية في ملكوت الآب. فكلّ مرّة كانت الجماعة الأولى تجتمع "لكسر الخبز" تذكر عشاء الرب الأخير وتذكر قيامته وتنتظر مجيئه. وهكذا بالافخارستيا، دخلت الكنيسة الأولى في الاسكاتولوجيا. والاسكاتولوجيا ليست فقط ما ننتظر تحقيقه في نهاية الأزمنة، بل هي البعد الإلهي الذي دخل عالمنا في شخص المسيح. 
والافخارستيا تجمع المؤمينن وتدخلهم فصح المسيح في لحظة قيامته، لتجعلهم أبناء القيامة.
ولقد وعى لوقا هذا السّر الإلهي. ففي معرض حديثه عن ارتداد بولس، وبالتحديد، بعد أن وضع حننيا يده عليه في بيت يهوذا في دمشق، إمتلأ الرسول من الروح القدس، فأبصر وقام (Anastas) فاعتمد، ثم تناول طعاماً فعادت إليه قواه (أع 9: 18- 19).
فالفعل Anistêmi = قام، وقف، هو فعل فصحي، وكثيراً ما يستعمله الإنجيليون وخاصة لوقا للتعبير عن القيامة (يوحنا 6: 39، أع 2: 27؛ 9: 41؛ 13: 34). (هذا الفعل نجده في حدث إحياء طابيثة في يافا على يد بطرس الرسول (9: 39-43). فالعبارة اعتمد ثم تناول طعاماً فعادت إليه قواه الواردة بعد الفعل، Anistémi، ترسم لنا البعد اللاهوتي العميق القائم بين الحدث الفصحي والعماد والافخارستيا والذي وَعَتْهُ الكنيسة الأولى منذ نشأتها.
فهناك موت عن ماضٍ مظلم وقيامة بالرب يسوع بالعماد والافخارستيا. وهذا التضاد الموت- القيامة- نزول- صعود، يعبّر عنه لوقا أجمل تعبير في حدث أفطيخس في طرواس (أع 20: 7-12). سقط Piptô الفتى ميتاً، وبعد تدخّل بولس صعد Anabainô أفطيخس حياً واشترك في كسر الخبز. فالافخارستيا هي اشتراك في شخص المسيح القائم من الموت واشتراك في قيامته ومجده.

خلاصة:
يبدو لنا في سفر الأعمال، الرباط بين المعمودية والافخارستيا. فهذان السرّان يندرجان ضمن دينامية واحدة تهدف إلى لقاء حقيقي بين المؤمن والرب يسوع في الشركة الافخارستية.
بالمعمودية يصير الإنسان ابن الله بالتبنّي. وهذا التبنّي لا يصل إلى كماله إلاّ متى اشترك المؤمن في الوليمة الافخارستية، أي في عشاء الرب القائم من الموت. إذ ذاك يدخل المؤمن في عالم القيامة، ويجلس مع الكنيسة على مائدة الوليمة السماوية التي يشترك فيها منذ الآن. المعمودية هي سّر الدخول الى الكنيسة، والافخارستيا هي سّر الكنيسة في كمال حقيقتها.
الفصل التاسع
صورة الرسول في أعمال الرسل
الأب د. إفرام عازر الدومنيكي

المقدّمة:
إنّه لمن الضروري أن أوضح معنى كلمة "رسول" والذي أعالجه هنا بالمعنى الحصري أي أنها عبارة تطلق على الإثني عشر الذين اختارهم يسوع ليكونوا شهود حياته وموته وقيامته. ولكن بالمعنى العام قد تطلق هذه التّسمية على أي إنسان يكون صاحب رسالة للإنسانية، كرسول سلام أو رسول محبّة... كما أن كلّ مسيحي معمّد يعتبر رسولاً. ولكن هنا لا نتحدث إلاّ عن المعنى الخاص الذي يطلقه العهد الجديد وبالتحديد أعمال الرسل عن الإثني عشر.
ليس من السّهل إعطاء فكرة عن صورة الرسول، لأن موضوع كتاب أعمال الرسل هو بالدرجة الأولى إيصال البشارة إلى أقاصي الأرض من خلال شهود هم خدّام للكلمة. إن صورة الرسول ترتبط إرتباطاً وثيقاً بالكلمة. وكتاب أعمال الرسل ليس كتاباً عن أعمال الرسل أو عن حياتهم، بل هو رواية تصف نقل البشارة من خلال رسل ورسولات واكبوا البشارة. لدينا جماعات متعدّدة تقبّلت البشارة من أورشليم إلى روما وإلى ما بين النهرين وآسيا الصغرى... هذا من جهة. ومن جهة أخرى، أودّ أن أوضح هذه الفكرة إنطلاقاً من عبارة نردّدها في قانون الإيمان المعروف بقانون نيقية والذي تتلوه كنائسنا الكاثوليكية والأرثودكسية على السواء. تؤكّد العبارة على أن الكنيسة رسولية. ولكن في لغتنا السرّيانية المحليّة (السورث) وهي لغة غالبية مسيحي العراق، توقّفنا على ما أظن في التّعبير عن هذا المصطلح بعبارة أكثر دقّة ووضوحاً وتعبيراً وهي "مرسلة للرسل"، عوضاً عن رسولية التي تحتوى بالتأكيد على هذه الفكرة، ولكنها تزيل الغموض من جراء ما فُهمت هذه العبارة بفكرة قيام كرسي أسقفي أو بطريركي بطريقة شرعية، وإثبات هذه الشرعية استناداً إلى أحد الرسل. فليس جزافاً إن انطلقت من هذه العبارة لأقدّم صورة، أو بالأحرى، صوراً متعدّدة لنموذج الرسول، كما يقدّمها كاتب أعمال الرسل.
أولاً: صورة الرسول منسوجة على صورة المسيح
يصبّ الكاتب كلّ اهتمامه في نقل البشارة إلى أقاصي الأرض. فهو يهتمّ في الربط بين كتابه الأول (الإنجيل) وكتابه الثاني أو ما سمّي بكتاب الأعمال، في حين أنه ينبغي أن يطلق عليه اسم حياة الجماعة المسيحية الأولى في كيفية معايشتها لحدث البشارة ونقله إلى العالم. فليس لدينا إذن صورة واحدة أو بالأحرى صيغة قالب لصورة رسول من الرسل. بل لدينا صور متعدّدة لجماعات مسيحية، وبتعدّد الجماعات تتعدّد صور الرسول أو الرسل. فالرسول هو صورة تتجسّد في جماعة، وحياة الجماعة تصقل صورة رسولها. ولكن إن شئنا أن نعبر عن الصورة الحقيقة للرسول، فلا صورة أنقى وأبهى من وجه يسوع المسيح لأنه هو صورة الله كما قال بولس في رسالته إلى أهل فيليبّي (فل 2). أو بحسب تعبير الرسالة إلى العبرانيّين (عبر 1): "إنه صورة جوهره وشعاع مجده". وهذه الصورة الحقيقية يتحدّث عنها كاتب أعمال الرسل. هذه الصورة ارتسمت على قلب الرسل وتألّق ضياؤها حيثما حلّوا ورحلوا. فالرسول الأول والأوحد هو يسوع المسيح (عبر 3/ 1). وستبقى هذه الصورة عالقة في ذاكرة الكنيسة وستطالب مرسليها في العودة إلى هذه الصورة لأنها هي وحدها تعكس وجه الله. لا صورة لرسول من دون الربط بينه وبين الكلمة التي ينقلها.
إنّ الموازنة قائمة ما بين أعمال الرسل والإنجيل بحسب لوقا. فأنَّ ملامح الرسول تتجلّى من خلال مواقف يسوع ومواقف الرسل. فالرسول هو الذي ينزل إلى الشارع ويطوف القرى والمدن للقاء الإنسان المتألمّ والمهمّش والمريض الذي يحتاج إلى شفاء. نموذج العجائب والتعابير نفسها كما جاءت في إنجيل لوقا، نجده في كتاب أعمال الرسل: إقامة طابيثا، شفاء الكسيح على باب الهيكل. كما أن حرية الكلام تجاه المؤسسة الدينية تأخذ مكاناً مهما وهي صفة الرسول. الأهم من ذلك هو الإهتمام بالإنسان لا بالمؤسسة. كما أن صورة الرسول، هي تلك التي فيها يتنحّى الرسول جانباً ليفسح المجال للكلمة وللروح. لكي يعمل كما شاء.
ثانياً: من هو الرسول
من الأمور التي لا تقبل النقاش، هو أن المسيح أراد أن يستمر عمله بعد قيامته وصعوده من خلال شهود واكبوا حياته: هم شهود حياته وموته وقيامته. منذ بدء حياته العامة، أراد يسوع أن يتضاعف حضوره وأن ينشر رسالته بواسطة رجال أصبحوا شهوداً له. لقد ورد في إنجيل يوحنا (1/ 35- 51) أن التلاميذ الأولين هم إندراوس وسمعان وفيليبس ونتنائيل. أما الأناجيل الإزائية فتقدّم لائحة أخرى يتصدّرها سمعان، ثمّ يليه اندراوس ثم يعقوب فيوحنا (متى 4/18- 22؛ مرقس 1/16- 20؛ لوقا 5/ 1- 11). ونوجز ما ورد في الأناجيل: دعاهم ليصبحوا صيادي بشر. إختار اثني عشر ليكونوا معه ولكي يبشّروا بالأنجيل ويطردوا الشياطين. ويوفدهم في إرسالية قصيرة إلى الجليل لكي يتكلّموا باسمه ويزودهم بسلطانه: "من قبلكم قبلني ومن قبلني قبل الذي أرسلني". ويرى متّى في هذه الإرسالية صورة لرسالتهم في المستقبل. هو يكلّفهم بتوزيع الخبز في البرية ويوليهم سلطة خاصة على الجماعة التي سيديرون شأنها. سيشكّل الإثنا عشر أسس إسرائيل الجديد، وهذا ما يرمز إليه عدد الاثني عشر. وفي القيامة، يكلّف القائم من بين الأموات هذه المجموعة بمهمّة إيجاد تلاميذ وتعميد جميع الأمم. إنّهم شهود للمسيح الذي قام من بين الأموات وهو يسوع الذي واكبوه وعاشوا معه (1/8 و 21). وهكذا يصبح الإثنا عشر أساس الكنيسة: "ويقوم سور المدينة على اثني عشر أساساً، على كلّ منها اسم من أسماء رسل الحمل الاثني عشر" (رؤيا 21/ 14). وإن كان الاثنا عشر هم الرسل بالمعنى الحصري- وهذا ما يبرّر عبارة كنيسة "رسولية"- إلاّ أن رسالة الكنيسة بالمعنى الأعم لا تنحصر في نشاط الاثني عشر. فالمسيح الرسول (عبر 3/ 1) اختار اثني عشر لنشر حضوره، وهؤلاء سوف ينقلون هذه المهمّة إلى آخرين، لا بصفة شهود للقيامة -وهو غير قابل للنقل- وإنّما في ممارسة التكليف الرسولي. 
أما كتاب أعمال الرسل فإنّه يصبّ اهتمامه على مجموعة الاثني عشر التي أعيد تشكيلها بعد اختيار متيا (أعمال 1/5-26). لا بدّ من اختيار رسول يحلّ محلّ يهوذا حتى تعود صورة إسرائيل الجديد في الكنيسة الناشئة. ومنذ اختيارهم متيا، يعرف الاثنا عشر أن عدداً كبيراً من التلاميذ يمكنهم توفير الشروط اللازمة: فالذي يعيّنه الله ليس رسولاً بالمعنى الحصري، إنما هو شاهد يكمّل الاثني عشر (أعمال 1/ 21- 22). ومنذ حياته العامة، قد مهّد يسوع الطريق أمام هذا الإمتداد في التفويض الرسولي. فإلى جانب التقليد السائد الذي كان يذكر رسالة الاثني عشر، قد حفظ لوقا تقليداً آخر، بموجبه "أقام يسوع اثنين وسبعين آخرين ثمّ أرسلهم يتقدّمونه" (لو 10/ 1). وتتضمّن هذه الإرسالية الموضوع نفسه الخاص بالاثني عشر، والطّابع الرسمي نفسه (لو 10/16). ففي فكر يسوع، لا يقتصر التكليف الرسولي إذن على الاثني عشر.
مصدر شرعية الرسول آت من عملية اختيار وتكليف من قبل المسيح أولاً ومن ثمّ من قبل جماعة التلاميذ الذين أوكلت إليه مهمّة مواصلة عمل يسوع. لا يستطيع أحد أن ينتحل دور رسول أو يسمّي نفسه رسولاً ما لم ينل التفويض وعملية الإرسال من قبل جماعة بصفة شرعية حتى وإن أدّعى أنه مرسل من قبل الله.
وتأخذ الصلاة دوراً أساسياً في حياة الرسول. فالكتابان (إنجيل لوقا وأعمال الرسل) يتمحوران على الصلاة. فيسوع، قبل أن يختار الاثني عشر، يقضي الليل في الصلاة ثمّ ينزل في الجبل ويختار له رسلاً. وكذلك الرسل في أعمال الرسل، لا يختارون أحداً إلا بعد الصلاة.
ثالثاً: الرسول خادم
يتّسم دور الرسل كما جاء في كتاب أعمال الرسل، بثلاث مهام: جمع هبات المؤمنين وتوزيعها على المحتاجين (4/ 34- 35)، وترؤس الصلاة، وكسر الخبز في البيوت (6/ 4). ولكن منذ السنين الأولى رأى الاثنا عشر أنهم عاجزون عن إدارة شؤون الجماعة. لقد ازداد عدد التلاميذ (المنضمّين إلى الإيمان الجديد). فلن يقدروا تأمين التّعليم لهؤلاء، ولا أن يستمرّوا في توزيع المعونات للمحتاجين، ولا أن يترأسّوا الإحتفال بعشاء الرّب وكسر الخبز. ولهذا اتخذوا قراراً باختيار سبعة رجال يعاونونهم في مهامهم. ويصف كتاب أعماله الرسل بدقّة تفاصيل اختيار هؤلاء الرجال السبعة (6/ 1-6). لقد اهتمّ كاتب أعمال الرسل، وهو يتابع نشأة الكنيسة، في رغبة الرسل لمشاركة جماعات أخرى في رسالتهم. فان جماعة الرسل واعية أنه لا ينبغي أن تكون جماعة مغلقة على ذاتها بل ينبغي أن تنمو وتتكاثر وتتخذ شكلها كما تمليه الحاجات. ولكن من جهة أخرى، لا يحقّ للجماعة أن تختار مسؤوليها: فهي تقدّم من تختارهم إلى الرسل الذين في الصلاة ووضع الأيدي يعهدون إلى من اختارهم الجماعة مهمّة الخدمة.
تجدر الإشارة هنا أنه لا ينبغي أن نرى في هذا النّص ما يسمّى إقامة "درجة الشماسية" diaconos. فإنه لمن الفائدة أن نذكر أن لقب "شمّاس" لم يعطِ لهؤلاء الرجال السبعة الذين تم أختيارهم من قبل الرسل. إنهم خدّام للكلمة. فإن أحدهم وهو فيلبس يحمل لقب "المبشّر" (21/8). ولم تقتصر خدمتهم على توزيع المعونات على الأرامل فحسب، بل بنقل البشارة إلى غير المؤمنين كما هي الحال مع اسطفانس وفيليبس. وهذا الأخير يقوم بتأسيس كنيسة (8/ 5). ولكنّهما يأتيان بعد الرسل. إذ إن بطرس ويوحنا ذهبا إلى السامرة لتثبيت ما قام به فيليبس (8/14-17). فيحتفظ الاثنا عشر بدور رئاسي، بينما يحتفظ من يكلّفهم هؤلاء بدور آخر. فهكذا أراد يسوع أن يستمّر التّكليف الرعائي المسلّم إلى الاثني عشر خلال الأجيال: فمع احتفاظه برابطة خاصة تربطه بهم، يقوم الآخرون بدور ثانٍ . لكنّ الجميع هم خدّام الكلمة.
كما أن كتاب أعمال الرسل يسلّط الضوء على كنيسة إنطاكيا التي أسّسها مسيحيون، لم يذكر الكتاب اسمهم بالتّحديد. ولكن منذ السنوات الأولى لنشأة كنيسة إنطاكيا عُهدت مسؤولية رعايتها إلى برنابا الذي فوّضته كنيسة أورشليم (11/ 25)، ثمّ أصبح شاول معاوناً له (11/ 25- 26). وبعد فترة عهدت قيادة الجماعة إلى مجموعة من الرجال سموا ب "الأنبياء" (13/ 1). ومن بين هؤلاء برنابا وشاول اللذين أوكلت إليهما مهمّة تأسيس كنائس في بلاد وثنية. ومن جديد يسبق الرسالة الجديدة وضع الأيدي يرافقها الصلاة والصّوم (13/3). ومنذئذٍ يحمل هؤلاء المبشّرون لقب "رسل" (14/ 4، 14) أسوة بالاثني عشر. أما مرقس الذي رافقهما فلقبّ ب "الخادم" "hypérétés" وهو اللقب الذي يعطيه لوقا في إنجيله عندما يتحدّث عن الخادم في مجمع النّاصرة حيث وعظ يسوع (لوقا 4/20)
لدينا إذن إشارة عن الخدّام في الكنيسة، وخدّام تحت سلطة الرسل، ومعاونين للاثني عشر أمثال طيموثاوس (16/ 1- 3) أو الشيوخ الذين تمّ تعيينهم من قبل بولس وبرنابا لمّا أسّسا كنائس في لسترا وإنطاكيا بسيديه (14/23).
وفي هذه الأثناء تمرّ كنيسة أورشليم بشدائد. فيعقوب أخو يوحنّا يلقى حتفه ويضطّر بطرس إلى الهرب منها (جرت هذه الأحداث تحت ولاية أغريبا الأول حوالي سنة 44 قبل وفاة هيرودس أغريبا الأول). وعندئذٍ يتزعّم يعقوب أخو يسوع (12/17) مهام الكنيسة وتعاونه جماعة من الشيوخ (ورد ذكر هؤلاء لأول مرة لما حدثت مجاعة في أيام كلوديوس، حوالي سنة 48- 49 وهي السنة التي تمّ فيها مجمع أورشليم) (أعمال 11/27- 30). فهؤلاء الشيوخ سيشاركون الرسل في القرارات التي تتخذ. فثمّة "معادلة" ما بين شيوخ أورشليم وأنبياء كنيسة إنطاكيا.
أما الإشارة الأخيرة عن الشيوخ فجاءت في الفصل (20) من كتاب أعمال الرسل. قرّر بولس (حوالى سنة 58) مغادرة اليونان ومقدونية وآسيا (روم 15/23)، فكان لا بد من أن يتولّى آخرون مهام مسؤولية الجماعات التي أسّسها. فيتوجّه بولس في حديثه إلى شيوخ أفسس مع توصيات (20/17). فهؤلاء سوف لن يروا وجهه.
نستنتج مايلي.
- وظيفة الشيوخ هي رسالة راعوية كما ورد في 1 بط 5/ 2.
- هذه الرسالة هبة من الروح القدس وليست بمبادرة الإنسان.
- عليهم أن يتمّوا عملهم بحبّ كبير للكنيسة.
إن كتاب أعمال الرسل يظهر إذن كيف أن عمل الأثني عشر قد تم تسليمه وتناقله خلال جيل كامل (أي خلال 30 عاماً) من تاريخ الكنيسة الناشئة.: لقد تقاسمه الاثنا عشر مع السبعة، ثمّ شاركتهم فيه عناصر جديدة انضمّت إلى الكنيسة مثل برنابا وشاول ويهوذا وسيلاس. ثمّ يسلّم بولس بدوره مهام السهر على الكنيسة للشيوخ. وأخيراً يرى الكاتب أن عملية النقل والتسليم تمّت بنفحة الروح.
إذا دخلنا في تفاصيل الحديث إلى رسائل بولس (وهي من أولى كتابات العهد الجديد)، فإننا نسجّل بعض ملاحظات ومنها: مما لا شك فيه هو أن سلطة بولس الرسولية قد سلّمها إلى بعض معاونيه (سيلفاس وطيموثاوس وطيطس) الذين هم أيضاً رسل المسيح.
إن شهادة كاتب أعمال الرسل في العهد الجديد واضحة في نقطة اعتبرها أساسية: لا تقوم أية جماعة بكيانها إذا استغنت عن الرسل أو من يقوم مقامهم في إدارتها. إن الجماعة تستلم شرعية وجودها من خلال انتمائها إلى جماعة الرسل نفسها. فكلّ رسالة حقيقية هي تلك التي تتخذ من الرسل قاعدة للانطلاق. يجب أن تتسم بالصفات التي تحلّى بها الرسل أنفسهم. إنهم خدّام الكلمة: هم لا يفرضون سلطتهم كما في مؤسسة أو بتفويض دستوري، بل هم شهود لكلمة تأخذ مجراها بحسب عمل الروح من دون ممارسة أي ضغط.
رابعاً: بولس نموذج الرسول.
يختفي بطرس بسرعة في كتاب أعمال الرسل الذي يسترسل في إظهار وجه بولس. يؤكّد بولس أنه "دعي" ليكون رسولاً حيث تراءى له القائم من بين الأموات (غل 1/ 15- 16، راجع أعمال 9/ 5/ و27)، وهو يبيّن أن رسالته نابعة من دعوة خاصة. فلم "يُرسَل من قبل البشر" (حتّى وإن كان هؤلاء هم الرسل) وإنما من قبل يسوع شخصيا. وهو يذكر بهذا الأمر ليؤكد سلطانه الرسولي. "فنحن سفراء في سبيل المسيح، وكأنّ الله يعظ بألسنتنا" (2 قور 5/ 20). "ما أسمعناكم... لم تتقبّلوه على أنه كلام بشر، بل على أنه كلام الله" (ا تس 2/13). "قبلتموني قبولكم لملاك الله، قبولكم للمسيح يسوع" (غل 4/14). فالرسل "عاملون معاً في عمل الله" (1 قور 3/9). وحتى لا يحوّل السفير هذا السلطان وهذا المجد لمنفعة خاصة، يتعرّض الرسول لبغض العالم، يضطهده أعداؤه ويسلم للموت حتّى يعطي الحياة للبشر (2 قور 4/7 و 6/ 10).
ترتسم على وجه بولس ملامح الرسول كما رسمتها الأناجيل. وبسبب الدور الذي لعبه في الكنيسة الناشئة فيأتي جنباً إلى جنب مع بطرس. رسائله وأعمال الرسل تسلّط الضوء على هذه الشخصية الفذّة. من خلال هذه المصادر نستطيع أن نرسم صورة للرسول. ولولا خبرته الشخصية وما كتبه كشهادة خاصة وما كتب عنه لوقا، لكان من الصعب فهم هذه الشخصية المتشعّبة والتّحدث عنه بشكل مميز إنطلاقا من كتاباته أسلط الضوء على قسم من ملامح الرسول واعتبرها خيوطاً أساسية في لحمة نسج العهد الجديد.
خامساً: إستنتاج
1- فهم لسر المسيح
إنه سر المسيح في الأمم (قول 1/27). وعملية نقل هذا السر خاص ببولس. إنه نعمة خاصة به. أما مهمة "سفير في سبيل المسيح" فهي هبة الروح لجميع الرسل (1 قور 2/6-16) نال بولس بنعمة من الله معرفة خاصة لهذا السر (أفسس 3/4) وهو مكلّف بأن يعلنه على الناس. وفي سبيل إتمام هذا السر يتحمّل الإضطهاد ويعاني الآلام ويُلقى في السجن (بولس 1/24-29 و أفسس 3/1/21). وفي كنيسة فيزلي في فرنسا نجد "عاموداً يبين موسى الذي يصبّ القمح في الرحى وبولس يستلم الطحين". إنها الرحى السرّية. فعمل الرسول يقوم على نقل البشارة من خلال احتوائه للحدث ونقله بطريقة تتجاوب ورغبات الأنسان. لا يعيش الإنسان مما يأكل بل بعملية امتصاص وهضم واحتواء. ومن هنا نكتشف أهمية بولس من حيث إنه أخرج المسيحية من نطاقها الضيّق بعد أن كان ينظر إليها كـ "بدعة" يهودية. من خلال عملية النقل، يصحّ القول عنه "لولاه لما كانت المسيحية".
2- محبة الجماعة.
من دون هذه المحبّة للكنيسة لا يوجد راع جدير بهذا الإسم. الرسول الحقيقي هو الذي يكون على أهبّة الإستعداد لإعطاء ذاته من أجل جماعته. فالرسالة لا تقوم على أساس وظيفة مبنيّة على شاكلة المؤسسات، بل تتطلّب موهبة روحيّة تلزم كل قوانا وعواطفنا وتقودنا إلى المحبّة الراعوية.
3- التّجرد والمجانية.
إن التّجرّد مرتبط بشكل حميم بالمحبة. لقد أعطى بولس ميزة جوهرية نابعة من خبرته الشخصية في طريقة عمله الرسولي وعلاقته بالجماعات التي ارتبط بها في البشارة: "ما رغبت يوماً في فضة ولا ذهب ولا ثوب أحد، وأنتم تعلمون أن يديّ هاتين سدّتا حاجتي وحاجات رفقائي وقد بيّنت لكم بأجلى بيان أنه بمثل هذا الجهد يجب علينا أن نسعف الضعفاء، ذاكرين كلام الرب يسوع وقد قال هو نفسه: السعادة في العطاء أعظم منها في الأخذ" (أعمال 20/33- 35؛ راجع أيضاً 18/3). كان بولس يعمل بيديه لسدّ حاجاته (1 تس 2/9 و2 تس 3/8 و1 قور 4/12 و 9/13- 15). وكان يتقبّل عند الحاجة مساعدة خارجية (فل 4/ 15-19 و2 قور 11/9). وترتسم ملامح الرسول في التّجرّد بدءاً من قاعدة وضع أسسها يسوع نفسه لما أرسل تلاميذه يقول لهم: "لا تقتنوا نقوداً من ذهب ولا من فضة ولا من نحاس في زنانيركم، ولا مزوداً للطريق ولا قميصين ولا حذاء ولا عصا لأن العامل يستحقّ طعامه" (لوقا 10/7؛ راجع متى 10/ 9-10). يتميّز بولس وبرنابا عن بقية الرسل الذين كانوا يعيشون على نفقة الجماعة (راجع 1 قور 9/ 4). بولس يوضح موقفه في رسالته الثانية إلى أهل قورنتس، ويضطر بولس للدّفاع عن نفسه (2 قو 11/ 1- 29).
إن عمل البشارة بالإنجيل ينبع من روح التّجرد. وبولس رفض العيش من حق مشروع يأتيه من تعب الإنجيل (1 قور 9/4). وفي الرسائل الراعوية يطلب ألا يقبل في الخدمة من هو "محبّ للمال" (1 طيم 3/3؛ راجع طيطس 1/7). ويذهب كاتب رسالة بطرس الأولى في هذا النهج: "فالشيوخ الذين بينكم.... أرعوا قطيع الله الذي وكّل إليكم وأحرسوه طوعاً لا كرهاً، لوجه الله، لا رغبة في مكسب خسيس..." (1 بط 5/1- 4). 
يتّضح لنا إذن أن للرسول ملء الحق في العيش من الخدمة ولكن بإمكان الإنسان أن يرفض الحق وأن يعمل لكسب حياته وألا يكون عبئاً على الجماعة وأن يكون حراً لعمل البشارة.
4- الرسول نموذج للجماعة.
إن كان بولس قد عمل بيديه، فلقد فعل هكذا "ليجعل من نفسه قدوة" (2 تس 3/9؛ راجع أعمال 20/35). كيف يستطيع حث جماعة تسالونيقي على العمل إن كان هو مثالاً للبطالة؟ إنّها لفكرة عزيزة على قلب بولس من أن أول عمل رسولي هو إعطاء الحياة كنموذج لحياة مسيحية حقيقية. وليس من باب الكبرياء إذا ما قدّم بولس نفسه قدوة لأنه هو نفسه اقتدى بالمسيح (1 قور 11/ 1). ولهذا فإنه لا يتردّد أن يطلب من المؤمنين أن يقتدوا به. ويدعو طيموثاوس وطيطس أن يكونا قدوة للمؤمنين (1 طيم 4/12؛ طيطس 2/7-8).
إن الخدمة دعوة لحياة مسيحية لا عيب فيها. لا نفع في بشارة يصبح الكلام خارجاً عن المتكلّم إذا "لم يصغي إلى ما في داخله" (القديس أوغسطينوس).
5- دعوة إلى حياة أهل بالإنجيل.
- على الرسول أن يعظ ويشدّد ويناشد: "فقد عاملنا كلا منكم كما يعامل الأب أولاده، كما تعلمون، فوعظناكم وشدّدناكم وناشدناكم أن تسيروا سيرة جديرة بالله الذي يدعوكم إلى ملكوته ومجده" (1 تس 2/11-12).
- حث للدخول في روح الإنجيل في واقع الحياة. فكرازة الرسل ليست عامة أو نظرية ولكنّها ترافق الإنسان في حاضره وفي العمل اليومي. فإن الرسالة تتجذّر في الإصغاء إلى حاجات الناس.
6- تنشئة الإيمان.
لا ينبغي أن نجعل من بولس أستاذاً للأخلاق، بل ما يطلبه من المؤمنين إنما هو تطوير حياة الإيمان واكتشاف "ما في المسيح من غنى لا يسبر غوره" (أفسس 3/8). ولقد طرأ تطور في فكر بولس حول المسيح والإتحاد به (فل 3/9- 11؛ راجع غل 2/19-20). فالذي يعيش في المسيح منذ العماد، اتشح المسيح (غل 3/27) وأصبح "خليقة جديدة" (2 قور 5/17). الرسالة إلى أهل رومة تجمع كل العناصر في الرسائل الأخرى وتكشف عن هوية المسيح الخادم الذي هو علامة غفران للبشرية (روم 3/ 25).
7- تبشير البعيدين.
كان لبولس مكانة فريدة في نشاط الكنيسة الأولى، فهو رسول الأمم، وله فهم خاص لسر المسيح، وهذا الدّور ارتبط بشخصه.
لم يكن بولس الأول في نقل البشارة إلى الوثنيين. فمن قبل، قد بشّر فيلبس السامريين (أعمال 8)، وقد نزل الروح على الوثنيين في قيصرية (أعمال 10). ولكن بولس كلّف خصيصاً ببشارة الوثنيين، بجانب بشارة اليهود. وهذا ما طلبه بولس من بطرس أن يعترف به، لا لأنه كان يريد بذلك أن يكون مرسَلاً من بطرس: إنه مرسَل من قبل المسيح مباشرة، ولكنّه حرص أن يرجع إلى رئيس الاثني عشر، حتى "لا يسعى عبثاً"، ولا يسبّب إنقسامات في الكنيسة (غل 1/2).
استحوذت الرسول فكرة تبشير الغير المؤمنين والرغبة التي كانت تسكن جوارحه أن يحمل الإنجيل بعيداً. أعمال الرسل تنقل النشاط المكثّف لجعل كلمة الله مسموعة إلى "أقاصي الأرض" (أعمال 13/ 47). وهكذا سوف يخاطر بحياته في سبيل نشر الكلمة: "أسفار متعدّدة، أخطار من الأنهار، أخطار من اللصوص، أخطار من بني قومي، أخطار من الوثنيين، أخطار في المدينة، أخطار في البرية، أخطار في البحر، أخطار من الأخوة الكذّابين، جهد وكدّ، سهر كثير، جوع وعطش، صوم كثير، برد وعري، فضلاً عن سائر الأمور من همّي اليومي والإهتمام بجميع الكنائس" (2 قور 11/ 26- 28). ويدعو الجماعات التي أسّسها أن تؤدي الشهادة للذين هم "في الخارج" (1 تس 4/ 12؛ راجع 1 قور 14/ 25).
لم يتوقّف الرسول عند جماعته. ولكن ينبغي فتح الباب واسعاً أمام الروح كما نرى النموذج في شخص شاول وبرنابا (أعمال 13/ 2).

خلاصة.
إن بدء رسالة الرسل تبتدئ بدعوة. يسوع هو صاحب الدعوة. هذه الدّعوة لها بعد نبوي. إذ إن يسوع يدعو رجالاً ليكملوا رسالته. فالاثنا عشر هم خلفاء خدّام الله كخدّام الله في العهد القديم على شاكلة إبراهيم وموسى وداود والأنبياء. لم يدّع أحد منهم أنه هو صاحب إمتياز أو انتحل الدعوة، بل نالها من الله.
فإذا كانت رسالة الاثني عشر امتداداً لرسالة يسوع، فرسالتهم نموذج لكل دعوة في الكنائس وينبغي أن تستند على نفس المقياس: التقاء دعوة وحكم صائب من قبل المسؤولين لكي يتمّ الإختيار على من هو مؤهّل ليكون شاهداً للكلمة لا ليكون موظفاً في الكنيسة أو موزّع أسرار. الخادم في أعمال الرسل هو خادم للكلمة (1 طيم 3/2-7: بولس يقرّر اختيار طيموثاوس؛ راجع أيضاً أعمال 16/ 1- 3).
من خلال الرفقة ليسوع الذي "اختارهم ليكونوا معه"، أصبح الاثنا عشر شهوداً لأعمال يسوع: عرفوا كيف قبل العشارين والخطأة وكيف منح الغفران للزانية وكيف أبهج حياة زكّا الذي أحسّ بأنه محبوب من قبل الله. 
من خلال الرفقة مع يسوع يتعلّم الرسل أنهم رجال صلاة. فكل اختيار للشيوخ أو للخدّام تم بعد صلاة. إنهم يتعلّمون من يسوع إنسانية الله وحنانه للإنسان. فلا عجب إذا سمّي إنجيل لوقا "إنجيل الحنان". والحنان يتجلّى من خلال أعمال الرسل ومواقفهم في شفاء الإنسان.
الرغبة في الخدمة، خدمة الأخوة وحذرهم من المغالاة والمنافسة على المناصب. وإن العمل القيادي هو من أجل خدمة الجماعة وللجماعة وليس في سبيل الإستعلاء على المراكز.
من الملفت للنّظر أن يسوع أرسل تلاميذه اثنين اثنين. يرى الباحثون أن إرسالهم بهذا الشكل هو للتّأكيد من صحة كلامهم وشهادتهم وليس في سبيل ترويج أفكار شخصية. فالرسول هو حامل البشارة. إن هذه العلامة هي ثمرة محبّة الأخوة بعضهم لبعض. والكنيسة الأولى مارست هذه العادة (بطرس ويوحنا، برنابا وشاول، برنابا ومرقس ثم بولس وسيلاس... راجع أعمال 3/ 1، 8/14- 25، 13/12، 11/30، 15/40).
أخيراً إن رسالة الرسول هي رسالة تحرّر وتشفي: لقد أعطي للرسول سلطان طرد الشياطين وشفاء المرضى. مارس جميع الرسل هذه النعمة. لم يُقم يسوع الاثني عشر للدفاع عن عقائد الإيمان ولا للدفاع عن حقائق. البشرى السارة هي في نقل الفرح إلى قلب الإنسان لاكتشاف وجه الله. إن القيام ببناء جماعات في أعمال الرسل يعني الشعور بروح الوحدة والمحبّة. لم يقل لنا الكتاب إن الرسل شيّدوا القصور أو الكنائس، بل كانوا واحداً مع الجماعة. إن موهبة الشفاء معطاة للرسول. هي شفاء العالم المبني على العنف والتّقتيل والتّخريب. هي مشاركة الفقير والمهمش في الدفاع عن حقه لنيل قليل من بلسم حنان الله.
الفصل العاشر
شخص المسيح في أعمال الرسل
الخوري جان عزّام

مقدمة:
منذ سنتين، قدمت شخص المسيح في انجيل لوقا بالارتكاز على دراسة ديناميكية الرواية عند لوقا ومن خلال اظهار العناصر الأساسية لتلك الرواية في حبكها وعقدها وحلولها وعناصر التشويق والأجوبة، وخاصة من خلال تطور التعرف إلى المسيح في لوقا تدريجياً بدءاً من رسالته في الجليل، وصعوداً في مسيرته إلى أورشليم والأحداث النهائية من آلامه وموته وقيامته التي جرت في تلك المدينة.
وعندما فكرت بأن أقدم شخص المسيح في الأعمال، وجدت ان هذه المنهجية في دراسة الكريستولوجيا في أعمال الرسل غير مؤاتية، لان رواية لوقا في الأعمال تتبع اسلوباً مشابها لتلك التي وردت في الإنجيل، ولكن هذه المرة موضوعها الأساسي هو الكنيسة التي انطلقت من أورشليم إلى العالم الوثني (ما يقابل الجليل في الإنجيل) وعاصمته روما، بحركة معاكسة او مسيرة معاكسة لمسيرة المسيح، فيصير الإنجيل او أعمال الرسل وكأنهما كتاب واحد يتطور بشكل محوري حوله شخص المسيح.
ولذلك، فقد فتشت عما يميز كريستولوجيا أعمال الرسل فاهتديت إلى ثلاثة أبعاد رئيسة، مع العلم انها قد لا تكون الوحيدة، وهي:
1) القاب المسيح في اعمال الرسل، وهو ما يميز جزءاً أساسياً من كل الدراسات الكتابية عن كريستولوجيا لوقا، في هذا لم آت بجديد يذكر إلاّ من حيث اختيار الألقاب وعرضها بحسب قناعاتي.
2) الكريستولوجيا في الكرازة، وهنا وجدت بعض التلاميح العابرة في هذا البحث او ذاك ممن تسنى لي قراءة اعمالهم، ولكني ارجو انني وضعت اسساً جديدةً وافكاراً رائدة تصلح لمزيد من البحث والتطوير.
3) الكريستولوجيا في حياة الكنيسة الأولى، وهو ما كتبته نتيجة تأملي الشخصي واختباري الحياتي للمسيح في الجماعة بالارتكاز طبعاً على النصّ وضمن حدوده.
هذه هي الأقسام الثلاثة الكبرى لموضوعي، وستتبعها خلاصة لاهوتية مقتضبة تشكل القسم الرابع والأخير ثم انهي بخاتمة رعائية هي أيضاً نتيجة اختباري في الجماعة والرعية، وفيها معاناتي من كل ما يمنع شمس القيامهّ من السطوع ببهائها في كنيسة اليوم كما في أيام الرسل، وإيماني بقدرة الله على ادخالنا في عنصرة جديدة اليوم كما في كل العصور.
1- القاب المسيح في أعمال الرسل
أ- المسيح
يظهر لقب المسيح اثنتي عشرة مرة في أعمال الرسل وفيه تبيان لشخص يسوع الناصري على انه هو المسيح الموعود والمنتظر بحسب ما اعلن عنه العهد القديم: فداود "رأى من قبل قيامة المسيح وتكلم عليها" كما يقول بطرس في كرازته الأولى في معرض شرحه لليهود بأن يسوع القائم من الموت هو المسيح (2: 31). "والله اتمَ ما أنبأ به من ذي قبل بلسان جميع الأنبياء، وهو ان مسيحه سوف يتألم"، والكلام للرسول بطرس عينه في كرازته الثانية بعد شفاء المقعد على باب الهيكل (3: 18). ولقد كان الرسل متحمسين لاكتشافهم المسيح في شخص يسوع إلى درجة انهم "كانوا فرحين، عندما صرفوا من المجلس اليهودي، بأنهم وجدوا اهلاً لأن يهانوا من أجل الإسم، وكانوا لا ينفكون كل يوم في الهيكل وفي البيوت يعلمون ويبشرون بأن يسوع هو المسيح" (5: 42).
وهكذا ايضاً فيليبس الشماس الذي كان يبشر اهل السامرة بالمسيح (8: 5)، وبولس الذي افحم اليهود المقيمين في دمشق، مبيّناً ان يسوع هو المسيح (9: 22) وذهب يشرح في تسالونيقي "ان يسوع الذي أبشركم به هو المسيح" (17: 3) وكذلك في كورنتس (18: 5) وفي أخائيا (18: 28) وفي قيصرية (26: 23). ولا يختلف الأمر عندما يظهر اسم يسوع المسيح مجتمعاً. فالمقصود بوضوح هو: "يسوع الذي هو المسيح" وليس مجرد اسم علم (8: 12؛ 9: 34؛ 10: 36 الخ...).
ومن الواضح ايضاً ان ليس لهذا اللقب في اعمال الرسل أي طابع سياسي وطني، بل خلاصي شامل. فالمسيح الذي يبشر به الرسل هو ذاك الذي "يجب ان تتقبله السماء إلى زمن التجديد لكل ما ذكره الله بلسان انبيائه الأطهار في الزمن القديم" (3: 21). وترتبط بلقب المسيح ألقاب أخرى لها طابع مسيحاني مثل القدوس والبار والحجر الذي رذله البناؤون وقد صار رأساً للزاوية (4: 11)، "وسيد الحياة" الذي لا يرد إلا في 3: 15 و5: 31 وعب 2: 10 و 12: 2.
ب- الرب
يرد هذا اللقب اكثر من 20 مرة في الأعمال. وفي معرض الكلام عن تمجيد الله الآب ليسوع. ولكنه يرد مرات كثيرة اخرى كلقب يسبق اسم "يسوع" او اسم "يسوع المسيح" "الرب يسوع"، "ربنا يسوع المسيح"، "الرب يسوع المسيح" (2: 36)
ويتبع هذا اللقب ايضاً لقب "الاسم" الذي يرتبط بدعاء المؤمنين باسم يسوع المسيح، والمعمودية باسم يسوم او باسم يسوع المسيح، والقدرة على الشفاء التي عند الرسل باسم يسوع 
والكنيسة اختبرت كون يسوع الناصري رباً واعترفت به كذلك انطلاقاً من اختبارها المزدوج للقيامة:
فمن جهة، اختبرت في التاريخ ان هذا الإنسان يسوع الناصري الذي ظهر في حياته واعماله كنبي حامل لكلمة الله، مؤيد من الله بالآيات والعجائب وبالكلمة، وكخادم متألم قدم نفسه كحمل للذبح ليرفع خطايا العالم، هو نفسه قد انتصر على الموت ولم ينله الفساد بل أقامه الله ورفعه إلى السماء بالمجد ليجلس عن يمين القدرة الإلهية.
ومن جهة ثانية، اختبرت ان الروح المحي الذي ناله يسوع منذ البدء وبه اقامه الله من الموت، قد أفاضه يسوع على الرسل وعلى المؤمنين بالعماد (راجع 2: 38) مما اكد سلطانه لا على موته فحسب بل على كل موت وقدرته على اعطاء الخلاص (أع 3: 6) لكل من يدعو باسمه!
ج- الخادم والنبي
يرد لقب خادم اربع مرّات في الأعمال: مرتين في كرازة بطرس الثانية (3: 13 و26) ومرتين في ابتهال الجماعة بعد اطلاق بطرس ويوحنّا من السجن (4: 27 و30).
ويطرح السؤال: هل هذا اللقب يعني شخص يسوع بصورة العبد المتألم الذي تكلم عنه اشعيا 53 او بصورة خدام الله في العهد القديم مثل موسى وداود الخ...
لا شكّ ان المعنيين موجودان حتماً في اعمال الرسل. فمن جهة، اعتبرت الكنيسة ان يسوع قد جسّد في حياته صورة خادم الله المثالية. وهناك ربط متكرر لشخص يسوع بداود وموسى، وقد وردت التسمية نفسها عن داود في صلاة الجماعة بعد اطلاق بطرس ويوحنّا حين قالت مبتهلة إلى الله: "أنت قلت بلسان ابينا عبدك داود" وبعدها مباشرة: "تحالف حقاً في هذه المدينة هيرودس وبنطيوس بيلاطوس، والوثنيون وشعوب اسرائيل على عبدك يسوع الذي مسحته" (4: 25 و27). ولكن، نجد ان الإطار المذكور فيه هذا اللقب، هنا كما في عظة بطرس الثانية، هو آلام يسوع وموته وتمجيد الله له بالقيامة. كما ان اعمال الرسل تكرر مرات عديدة على لسان فيلبس، وبولس وغيرهما: إن بشارتهما كانت ترتكز فيما ترتكز على التأكيد بأن المسيح كان ينبغي ان يتألم بحسب قصد الله المسبق وتحقيقاً للأنبياء (8: 35- 35). هذا لاهوت لوقاوي واضح عن المسيح يظهر في الإنجيل كما في الأعمال (راجع لو 24). من هنا نستنتج بأن لقب "عبد" ليسوع المسيح يتضمن البعدين المذكورين آنفاً. وبالرجوع إلى ارتباط المسيح بموسى، نجد أن لقب عبد يرد عن يسوع مرة ثانية في ابتهال الجماعة، وهذه المرة واضح خروجه عن إطار الالام والموت وارتباطه بتعبيرين: "باسطا يدك" وهو ما تدعو الجماعة الله ليعمله و"لتجري الشفاء والآيات والاعاجيب باسم عبدك القدوس يسوع" (4: 30). وهو ما يذكرنا بدون شكّ بسفر الخروج حيث "بسط اليد والذراع" هي من اعمال الله وموسى عبده تأهبا لاجراء الآيات والخوارق التي سمحت بخلاص شعب اسرائيل من يد فرعون وتسلطه. وهنا، يجدر بنا ان نقرأ كل الفصل 4 حتى الآية 31 على ضوء حدث الخروج ومجابهة موسى لفرعون بجرأة كما فعل الرسل امام المجلس اليهودي باسم يسوع. وليس هنا المجال لمثل هذه المقارنة، ولكني أرجو ان يسنح الوقت للكتابة عنها لاحقاً (راجع أع 7: 35 و36).
فيسوع إذاً هو ذاك النبي الذي اعلن عنه موسى في تث 18: 15 وعد 12: 7 بقوله: "سيقيم الله لكم نبياً باسمي، فله اسمعوا...". وقد وردت هذه الآية مرتين في الأعمال (3: 22 و7: 37).
فالمسيح المعلن في اعمال الرسل هو ايضاً النبي النهيوي، وليست القاب "قدوس" و"الحجر الذي رذله البناؤون" و"العبد" سوى تأكيد لهذه الصورة المزدوجة لوجه المسيح. وكما يقول SCHILLEBEECKX: "ان فكرة النبي النهيوي ترتكز على وجه موسوي ووجه مسيحاني، وهي في اساس الاعلانات المسيحانية الأربعة في الكنيسة الأولى، والتي تعرف بالكريستولوجيا الفصحية وتتضمن: الاعلانات المرتكزة على ابراز شخصية يسوع (الرجل التاريخي) صانع العجائب، والاعلانات التي ترتكز على اعلان قيامة يسوع المسيح، والاعلانات التي ترى في يسوع حكمة الله (بولس) وتلك التي ترتكز على الدعاء "ماراناتا" (بولس ورؤيا).
وبحسب رأينا، فان كريستولوجيا اعمال الرسل لا يمكن فهمها فهماً صحيحاً إلاّ إذا وضعناها في إطارها التاريخي والحياتي للرسل وللجماعات الأولى، وبتحديد اكثر للكرازة وحياة الجماعة الأولى.

2- الكريستولوجيا في الكرازة
أ- ما هي الكرازة
لا ترد كلمة كرازة في اعمال الرسل ولا كلمة كارز. ويرد فعل كرز- اعلن- بشر في أع 1: 2 بحسب النصّ الغربي وهو ما لا تنقله اكثر الترجمات الحديثة. والمرّة الأولى التي يرد فيها الفعل هي في أع 8: 5 عن كرازة فيليبس في السامرة الذي "كان يعلن لهم المسيح" وبولس الذي كان يعلن في المجامع اليهودية بأن يسوع هو ابن الله، وفي 10: 37 بالإشارة إلى المعمودية التي اعلنها يوحنّا وبعدها مباشرة في قول بطرس في أع 10: 42 بأن يسوع قد اوصاهم (اي الرسل) بأن يعلنوا للشعب ويشهدوا انه هو (اي يسوع) الذي اقامه الله ديّانا للاحياء والأموات "وله يشهد جميع الإنبياء بأن كل من آمن به ينال باسمه غفران الخطايا" (راجع ايضاً 15: 21 و13:19).
وإذا كانت الكرازة في اصلها اليوناني تعني اعلان خبر جديد، فإنها في اعمال الرسل تعلن هذا الخبر بالارتباط مع العهد القديم الذي سبق واعلن الوعد به على لسان الانبياء. وهنا يأتي الاعلان ليؤكد تحقيق امر ينتظره اليهود. فهو ليس بجديد من حيث مضمونه (مجيء المسيح وتحقيق الوعود ونوال غفران الخطايا، إلخ)، بل من حيث الشخص الذي حققه، والطريقة التي تحقق بها.
ب- مضمون الكرازة في اعمال الرسل
لن نكرر هنا ما سبق وقيل تفصيلا في موضوع الاب يوحنّا الخوند، ولكننا نود ان نؤكد على ما يلي:
اولاً: كل الكرازات فيها قسم تاريخي يربط الاعلان الحالي او الخبر السار بتاريخ الخلاص وبمضمون الوعود المعطاة للاباء الأولين (أع 25:2-35).
ثانياً: الخبر السار ليس في اعلان قيامة يسوع من الموت وحسب، بل في التمييز بأن هذه القيامة هي تأكيد لكون يسود الذي عرفه اليهود السامعون هو المسيح المنتظر (أع 2: 22- 24 و 36).
ثالثاً: كل كرازة تنتهي بالدعوة إلى التوبة، وليس المقصود الرجوع عن خطايا معينة، بل الإيمان بالخبر السار. والـ Metanoia هي هذا بالتحديد: تغيير الرأي، ترك مسلك معين والبدء بمسلك جديد، تغيير الإتجاه (أع 2: 37- 40).
رابعاً: العماد هو تحقيق لمضمون الكرازة من حيث قبوله السامعين لها وتوبتهم اي ايمانهم بالبشرى السارة من خلال الإيمان باسم يسوع المسيح والإنضمام إلى الجماعة المؤمنة (أع 2: 41- 42).
وإذا اردنا التعمق اكثر في مضمون الكرازة وخلفياتها، يمكننا التوقف عند الملاحظات التالية:
اولاً: ان الكرازة تنتج عن حدث العنصرة بالأساس، والعنصرة اليهودية هي ذكرى تجديد العهد في سيناء، حيث تجلى الله بالبرق والرعود والنار والدخان وبكل مظاهر العظمة والابهة التي تليق به والتي ترافق كل . ظهور له للافراد او الشعب (خر 3: 1- 6 و19: 16- 19). وإذا راجعنا الأناجيل نجد ان الرسل الذين رأوا الرب القائم من الموت كانوا مدهوشين وفرحين، ولكن ذلك لا يحركهم للكرازة واعلان الخبر السار، حتى ان بداية اعمال الرسل تؤكد عدم تأثير هذا الحدث بحياتهم الشخصية، بل ظلوا واقفين جامدين إلى ان حلّ الروح القدس عليهم، كما وعدهم المسيح نفسه، فكان المحرك الأولى لشهادتهم وتبشيرهم.
ثانياً: بالرغم من اختبار العنصرة فان الرسل لا يعلنون شيئاً في كرازتهم عن اختبارهم لهذا الحدث، بل ان اساس الاعلان هو قيامة يسوع "الذي صلبتموه انتم وجعله الله رباً ومسيحاً" (أع 2: 36). وبتعبير آخر، ذاك الذي اعتبره اليهود لصا وكافراً واسلموه إلى القتل، يُعلن لهم اليوم انه الرب نفسه الذي تجلى في العهد الأول على سيناء.
وكما يعترف الكثير من شرّاح اعمال الرسل، فكلمة ربّ هنا لا ترتبط اساساً بالفكر الهيليني، وان تطورت بهذا المعنى لاحقاً، بل هي مرتبطة بال آدوناي وهو ما كان يدعى به الله في العهد القديم وترجمته السبعينية بالرب!
تؤكد الكرازة إذاً على ان يسوع الناصري الذي أيّده الله بينكم بما جرى على يديه من معجزات وأعاجيب وآيات (أع 2: 22) و"مسحه بالروح القدس والقدرة..." (أع 10: 38) والذي انتهى بالصلب كالقاتل المجرم، هو إله سيناء (الربّ) وهو المسيح المنتظر!
فقيامة المسيح كحدث ليست المحور الأساسي للكرازة، بل كونها قد اظهرت ان يسوع القائم هو "الرب" الذي له المقدرة على اعطاء القيامة (بالمعمودية) لكل من يؤمن باسمه. الرسل انفسهم عاشوا هذه الـ Metanoia من خلال العنصرة، إذ انهم نالوا فيها روح يسوع المحيي وانتقلوا هم ايضاً من موت خطاياهم إلى حياة جديدة بالمسيح، وهم بدورهم يدعون السامعين إلى اختبار قيامة المسيح (مغفرة خطاياهم والمعمودية باسم يسوع) من خلال نوال الروح نفسه.
الخبر السار إذا هو ان ذاك الرجل يسوع ظهر بالقيامة انه المخلّص الإلهي!
ثالثاً: في هذا الإطار نفهم لماذا لا تتوقّف الكرازة عند بنوة المسيح الإلهية، فهي ليست مجالاً للكلام عن جوهر كيان المسيح الإلهي، بل عن اختبار قدرته الإلهية المنبثقة من قيامته والعنصرة. انها كريستولوجيا اعلانية (Kérygmatique) تركز على الحدث واختباره الواقعي، اكثر منها كريستولوجيا اقناعية (Apologétique) وعقائدية (Dogmatique).
وهنا، لا بد من التأكيد بأن قول الرسل انهم "شهود" على الحدث المعلن (2: 31) لا يعني ابداً اختبارهم لقيامة المسيح بحد ذاتها، بل ايضاً اختبارهم لمفاعيل قيامته الخلاصية من خلال اعطائه لهم الروح المحيي. هذا الروح الذي يشهد هو ايضاً ليسوع: "نحن شهود على هذه الأمور، والروح القدس الذي وهبه الله لمن يطيع (المسيح) هو ايضاً يشهد" (5: 32).
رابعاً: لان هذه الكريستولوجيا ترتبط بتاريخ الخلاص في العهد القديم وبتحقيق هذا من خلال قيامة يسوع وافاضته للروح القدس على المؤمنين، فهي تفتح الزمن على الاسكاتولوجيا النهائية وتعلن ان المسيح هو "ديان الأحياء والأموات" (10: 42) وهو القائم عن يمين قدرة الله (2: 34- 35 و7: 56) وهو "سيد الحياة" (3: 5 و 5: 31). وكلها تعبير عن اشتراك المسيح بالالوهة من حيث التدبير الخلاصي (اي الاختبار التاريخي للخلاص من خلال احداث واقعية). فهي إذا، كريستولوجيا تدبيرية (Economique) وهي المحرك الأساسي لكل رواية لوقا من البداية:
- حدث يسوع المسيح بالروح القدس وبشارته والامه وموته وقيامته وصعوده إلى السماء (الانجيل).
- حدث الكنيسة صورة المسيح، بحلول الروح عليها، وكرازتها بين اليهود، والإضطهاد الذي تعرضت له، وانتشارها وتوسعها نحو السامرة، فانطاكيا وآسية الصغرى واليونان وروما (أعمال الرسل).

3- الكريستولوجيا في حياة الجماعة الأولى
إلى جانب لقب الربّ الذي نجده غالباً على لسان الرسل والمسيحيين الأولين، في كلامهم عن يسوع المسيح او في صلواتهم، نلاحظ ان لقب "الاسم" هو الاكثر استعمالاً في البعد الليتورجي والمواهبي لحياة الرسل والجماعة الأولى. فالكنيسة لم تعترف باسم يسوع المسيح مخلّصاً على شفاهها وحسب، كما ورد في (أع 4: 2): "فما من اسم آخر تحت السماء اطلق على احد الناس ننال به الخلاص"، بل عاشت مفاعيل هذا الخلاص واختبرت قدرة الاسم يوماً فيوماً، بينما كانت البشارة تنتشر وعدد المؤمنين يزداد، والربّ يضمّ إلى جماعة المخلصين مؤمنين جدداً.
فما من دخوله في شركة المؤمنين إلاّ للذين ينالون الخلاص فعلاً ويعتمدون باسم الربّ يسوع فيتحولون إلى صورته بنوالهم الروح القدس. وعلامة حلوله: التكلم بالألسنة (10: 45) وتمجيد الله (10: 36) والابتهاج (8: 8 و17، 16: 34). والإنضمام إلى الجماعة يعني الدخول في شركة ووحدة بين الأخوة المؤمنين بالاسم. وعلامة هذه الوحدة: الصلاة بقلب واحد والمشاركة وكسر الخبز اي الافخارستيا، بنفس الفرح والابتهاج وتمجيد الله (2: 42-47 راجع 20: 7).
ولا بدّ ان نتوقف قليلاً عند الافخارستيا التي هي محور الليتورجية المسيحية الجديدة: فالجماعة الأولى شعرت بدون شكّ بحاجة للتعبير عن ايمانها الجديد (وان لم يكن واضحاً بعد انفصالها عن الديانة اليهودية) من خلاله ذكرى الربّ يسوع الذي حوَّل الفصح اليهودي (العبور من عبودية مصر إلى حريّة ارض الميعاد) إلى فصحه هو عندما عبر إلى الآب- ليهب الحياة الأبدية للمؤمنين به
وخارجاً عن الحياة الليتورجية، نجد ان اسم يسوع هو في اساس الآيات والعجائب التي كانت تجري على ايدي الرسل فتدعم الكرازة وتساعد الكثيرين على الإيمان بهذا الاسم او تمجيد الله والابتهاج (4: 21؛ 12:5؛ 8:8 الخ...)
ثم هنالك الجرأة العظيمة التي كانت تميز الرسل والمسيحيين في تبشيرهم واعلانهم للمسيح، حتى انهم لم يخشوا السجن والاضطهاد والاستشهاد باسم يسوع المسيح، كما حصل لاسطفانس وبطرس وبولس وغيرهم، فتحقق بذلك واقعياً وحياتياً مضمون الخبر السار، وهو ان المسيحي ينال روح المسيح المحيي ويتغلب على الموت مثله، بحيث ان لا شيء يقف حاجزاً امام انتشار الكلمة والبشارة.
4- خلاصة لاهوتية
هذه الأطر الثلاثة للكريستولوجيا في أعمال الرسل، اعنى ألقاب المسيح والكرازة وحياة الجماعة، تؤكد شمولية الكريستولوجيا في الأعمال وعدم الحاجة إلى أي مصدر آخر في العهد الجديد لتكملتها، اعني من حيث اساس الإيمان بشخص المسيح في حياته والامه وموته وقيامته واعتلانه رباً ومسيحاً واعتلان الوهيته بحضوره الحي والخلاصي مع الرسل في بشارتهم وفي طقوسهم وفي تماثل حياتهم بحياته حتى الاستشهاد.
وإذا كان يصح القول ان أعمال الرسل يعطينا كريستولوجيا البدايات فلا يصح القول انها كريستولوجيا بدائية! وكم بالأحرى إذا ذهبنا مذهب بعضهم في القول انها كريستولوجيا التبني الإلهي ليسوع Christologie Adoptioniste. ويصح القول فيها ايضاً انها إلى حد كبير كريستولوجيا تصاعدية Christologie Ascendante، من حيث ابرازها لوجه المسيح الإنساني والتاريخي حتى تمجيده في القيامة وجلوسه عن يمين الله ديانا للاحياء والأموات. ولكن هذه التسمية لا تكفي إذا انتظرنا ان تتضمن هذه التصاعدية تعابير مثل "ابن الله" التي لا ترد في الأعمال إلاّ مرّة واحدة (9: 20) وبمعنى "المسيح" اكثر منه بمعنى الاقنوم الثاني. ويصح القول ايضاً، إدط هذه الكريستولوجيا هي خلاصية (Sotériologique) من حيث ارتباطها بالتاريخ الخلاصي وبالوعود الخلاصية وتحقيقها في المسيح كما ذكرنا ذلك آنفاً. ولكن هنا يجب ان نميز بين البعد الخلاصي كإعلان لخلاص يأتي والبعد الخلاصي الديناميكي اي اختبار هذه الخلاص وهو يتحقق وينمو بدفع وزخم دائم ومستمر، نقطة انطلاقه أورشليم واتساعه يصل ليشمل العالم القديم كله حتى عاصمة الأمبراطورية الرومانية.

خاتمة رعائية
ليست الكنيسة الأولى مثالاً بعيدا عن ايامنا يصعب تحقيقه! المسيح الذي اختبرت الكنيسة الأولى شخصه الحي في وسطها وقدرته على توحيدها في جسد واحد وقلب واحد، هو جسده القائم من الموت بقوة الروح المحمى الذي نالته بالعنصرة والمعمودية، هذا المسيح هو هو لم يتغير! نحن نؤمن بأن المسيح قام من الموت لأجلنا ووهبنا القيامة وقد نلنا نحن أيضاً الروح القدس في المعمودية، ولكن اي إيمان كريستولوجي عندنا؟ أليس إيماناً نظرياً مبنيّاً على عقائد، كما إلى اربعين سنة مضت، نحفظها عن ظهر قلب ونرددها، واليوم نتجادل حولها بنظريات مختلفة ومقارعات لاهوتية تغذي العقول وتنفخ اصحابها! أين نحن من إيمان كريستولوجي معاش، مبني على اختبار القيامة، لا اعني قيامة المسيح فقط، بل قيامتنا نحن وتحولنا إلى اشخاص هم احياء لأن المسيح حيّ فيهم؟
- وإيمان الكنيسة الأولى اعطاها زخماً لا حدود له في إعلان المسيح والبشارة، ليس مبنياً على قدرات بطولية وجهد انساني، بل على هذا الفرح العظيم الذي اختبرته في دعوتها لتكون مسيحاً آخر في جيلها! أين زخمنا؟ أين فرحنا؟ أين هو استعدادنا للموت في سبيل البشارة محبّة لا بالقريب فقط بل بالعدو والمضطهد (على مثال اسطفانس وبطرس وبولس)؟
- جيلنا متخم بالدراسات والعلوم والتقنية والكتب تملأ الأرض ولكنه جيل حزين و"قرفان" لا يجد معنى لوجوده وهو أيضاً بحاجة إلى الخلاص! فما هو دور الكنسة اليوم؟ ان تزيد الكتب وتكثر المقالات وتغرق في النظريات والمجادلات، ام دورها ان تعلن المسيح بالسير على الطرقات وبالصعود إلى السطوح واعلان الكرازة والبشرى السارة؟
- ليتورجية الكنيسة الأولى كانت ليتورجية حيّة ملؤها الفرح والإبتهاج، لا بل هي انفجار فرح فصحي يحركه الروح لا الحرف، الإبتهال والتسبيح والشكر لا الطقوس الجامدة والتقويات الفارغة!
فأين نحن من تلك الليتورجية الحيّة؟ أي افخارستيا نحتفل بها؟ هل هي افخارستيا- الاعلان والشكر، ام هي قداس التقوى والخشوع وترداد الصلوات؟
ولماذا تحول القدّاس إلى كبش محرقة لكل المناسبات السياسية والخطابات البروتوكولية؟ وأين هي تلك الجماعة؟ هل هي الرعية المؤلفة من عشرة الاف لا يعرف فيها الجار جاره أو الكنيسة التي تحوي اناساً يجلسون الواحد بعيدا عن الآخر؟ اين القلب الواحد والجسد الواحد؟ اين الاحتفال الفصحي بموت وقيامة المسيح؟
مع كل ذلك فإن إيماني ثابت:
أ- اؤمن ان المسيح حي ايضاً في كل ما ذكرت من شوائب، والشكر لله لانه اوصل لنا الإيمان بابنه يسوع من خلال كنيسته التي ادخلتنا في العماد والإيمان حتى في ضعفها.
ب- اؤمن ان الوقت قد حان للعودة إلى كريستولوجيا اعلانية Kérygmatique مبنية على اختبار عمل الله في التاريخ Sotériologique et Economique، ومشذبة طبعا بكريستولجيا عقائدية Dogmatique، فنعود كنائس رسولية تبشيرية اكثر من كوننا كنائس طقسية طائفية، وتعود لطقوسنا التي اورثنا إياه، الاباء المباركون حيوية فصحية تجددنا وتجدد عالمنا.
الفصل الحادي عشر
الكلمة ومسيرتها أمس واليوم
الأب بطرس موسى المخلصي

مقدّمة:
الكلمة ومسيرتها أمس واليوم موضوع يدخل في صلب كتاب أعمال الرسل. هذه الكلمة، كلمة الله المتجسّدة، يسوع المسيح، هي حياة الكنيسة ومحرّكها. والأهمية التي نعطيها لموضوعنا هذا تكمن في أن هذه المسيرة، مسيرة إعلان الكلمة، لا يمكن أن تتوقف، لأنها تؤلّف معاً حياة الكنيسة وانطلاقتها نحو التجدد الدائم.
نقسم بحثنا إلى ثلاث نقاط رئيسية:
1- ميزة الكلمة ومسيرتها.
2- الكلمة المعلنة هي شخص يسوع المسيح.
3- إعلان الكلمة اليوم (إستنتاجات راعوية).

1- ميزة الكلمة ومسيرتها
إنّ ما يسترعي انتباهنا لدى قراءتنا كتاب أعمال الرسل وجود أربع آيات هي بمثابة موجز أو ملخّص عن نموّ وازدهار الكلمة. هذه الآيات التي ندعوها في الفن الأدبي بـ "لازمة" (refrain) هي: 6: 7؛ 12: 24؛ 13: 49؛ 19: 20.
أ- أعمال 6: 7
"وكانت كلمة الرب تنمو، وعدد التلاميذ يزداد كثيراً في أورشليم. وأخذ جمع كثير من الكهنة يستجيبون للإيمان".
مع بداية الفصل السادس يبدأ الجز الثاني من كتاب أعمال الرسل الذي فيه يظهر كيف ان إعلان البشرى والشهادة للمسيح الناهض من القبّر تنتقلان إلى خارج أورشليم ابتداء من اليهودية والسامرة.
بالنسبة للآية 7 من الفصل السادس فانها تتضمّن ثلاثة عناصر:
1- كلمة الله تنمو.
2- عدد التلاميذ يتكاثر في أورشليم.
3- كثير من الكهنة استجابوا للإيمان.
من الواضح، ان نموّ كلمة الله وازدياد عدد التلاميذ مردهما إلى تفرّغ الرسل لخدمة الكلمة وإلى اختيارهم سبعة شمامسة لاهتمام بالأمور المادية. ومن الملاحظ ان ازدياد عدد التلاميذ في هذه الآية لم يحُدث أيّ تذمّر كما حصل في الآية 1: "في تلك الأيام كثر عدد التلاميذ، فأخذ اليهود الهلّينيون يتذمّرون على العبرانيين لأن أراملهم يهملن في خدمة توزيع الأرزاق اليومية".
جغرافيا نحن لم نزل في مدينة أورشليم ولهذه المدينة أهمية كبرى بالنسبة للقديس لوقا بقدر ما تحمل من معنى لاهوتي عميق. فإن إنجيل لوقا يبدأ، كما نعلم، في أورشليم وينتهي في أورشليم وكتاب أعمال الرسل يبدأ في أورشليم وينتهي في روما. نحن هنا مع ما يسمّى بلاهوت جغرافي أو بجغرافية لاهوتية.
وهذه الآية الموجز مهمة جداً لأنها تبق الهدف الذي من أجله دوّن لوقا أعمال الرسل، أعني انتشار كلمة الله وازدياد عدد التلاميذ.
ب- أعمال 12: 24
"وكانت كلمة الله تنمو وتنتشر".
تقع الآية 24 من الفصل الثاني عشر في ختام رواية موت هيرودس؛ وتبيّن التضاد الموجود بين نيّة الملك في إبادة المبشرّين وبين نموّ كلمة الله وانتشارها. ونجد تشابهاً بين 6: 7 و12: 24 مع فارق بسيط: في الآية 24، كلمة الله هي الفاعل للفعلين ينتشر وينمو بينما في 6: 7 عدد التلاميذ هو الفاعل للفعل ينمو. ومن هنا نجد أن هناك مقارنة بين نموّ وانتشار كلمة الله وبين ازدياد عدد التلاميذ. كما نلاحظ ان هذا النمو لكلمة الربّ وازدياد عدد التلاميذ يرجعان إلى تأسيس الشمامسة السبعة (6: 7)، وإلى موت المُضطهد (12: 24). إن الإضطهاد غايته إبادة المسيحيين ولكن كلمة الله لاَ يمكن أن تُباد، بل على العكس، انها تنمو وتزدهر.
ج- أعمال 13: 49.
"وكانت كلمة الرب تنتشر في الناحية كلّها".
تقع هذه الآية في نهاية القرار الذي أخذه بولس وبرنابا بالتوجه إلى الوثنيين ليعلنا لهم كلمة الله التي رفضها اليهود.
وعلى الرغم من التشابه بين 6: 7 و12: 24 هذا الموجز 13: 49 يقدم لنا بعض التغييرات.
1- الفاعل هنا حسب أكثرية المخطوطات (ho logos tou kyriou) هو كلمة الرب، كلمة المسيح القائم من بين الأموات، وليست كلمة الله (ho logos tou theou) كما فيما سبق.
2- الفعل هو الله نفسه الذي يهتم بنشر الكلمة.
3- المكان ليس محدوداً. انه يتعدّى المنطقة الجغرافية حتى يصل إلى الأرض كلها.
إن الآية 49 تبيّن ايضاً بنوع جلي نمو وانتشار الكلمة. وهذه الآية مهمة ايضاً لانها تدلت على الإنتقال من استعمال كلمة الله في العهد القديم إلى استعمال كلمة الرب في العهد الجديد، أي المسيح القائم من بين الأموات، الحاضر والفاعل في الكنيسة.
د- أعمال 19: 20
"وهكذا كانت كلمة الرب تنمو وتشتدّ بقوة".
تقع هذه الآية في نهاية موجز أوسع (19: 17- 20) يتكلّم عن مفاعيل الإيمان والتوبة. إن هذه الآية، بالمقارنة مع الآيات السابقة، تعطي بعض التغييرات، أهمها: ان كلمة الرب تنمو بقوة (kata kratos)؛ وكلمة الرب هنا أيضاً تعني يسوع المنتصر. كما ان استعمال الأفعال بصيغة المضارع يدل على استمرارية مسيرة الكلمة بالنموّ والإزدهار. والفعل "تشتدّ بقوة" يبرهن على مدى فاعلية هذه الكلمة وقدرتها. وهنا يخطر على بالنا قول النبي أشعيا: ان كلمة الله تعمل كالمطر وكالثلج اللذين يخصبان الأرض (أشعيا 55: 10- 11).
في هذه الآية الموجز يشرح القديس لوقا الأحداث مستنتجاً بفرح كيفية انتشار الكلمة التي تنمو بقدرة الرب يسوع.
نستنتج من خلال دراستنا السريعة لهذه الآيات الأربع الموجز انها من الممكن أن تكون المفتاح لشرح كتاب أعمال الرسل الذي كتب من أجل غاية واضحة ألا وهي توضيح مسيرة انتشار كلمة الله ونموّها ابتداء من أورشليم مروراً باليهودية والسامرة وصولاً إلى روما.

2- الكلمة المعلنة هي شخص يسوخ المسيح
سوف ندرس في النقطة الثانية منٍ بحثنا خمسة نصوص اخترناها ومبتغانا لهذه الدراسة ليس تحليلاً كتابيا إنما تسليط الأضواء على الكلمة التي تحقّقت في شخص يسوع المسيح.
أ- أعمال 13: 26- 32
"عظة بوليس في أنطاكيا بسيدية".
مع الفصل الثالث عشر يبدأ القسم الثالث من أعمال الرسل. والآية 26 تدخلنا في صلب الموضوع: "إن كلمة الخلاص هذا إلينا نحن ارسلت". ولا بد من الإشارة ان كلمة الله في العهد القديم كانت تُعتبر واسطة للخلاص: يرسل يهوه كلمته ليشفي شعبه ويخلّصهم (راجع مز 107: 20). "أرسل كلمته فشفاهم ومن هلاكهم نجّاهم". وكلمة الخلاص هذا، أي يسوع المسيح، أتت إلى إسرائيل عبر نسل داود، حسب الوعد (راجع الآية 23)، ولكن لم يقبلها سكان أورشليم ورؤساؤها.
يمكننا أن نستنتج من هذا النصّ ان كلمة الخلاص تحققت في شخص يسوع المسيح الذي فيه تمّت النبوءات وكمل الوعد. فالشهود والمبشّرون عليهم الواجب أن يدفعوا بمسيرة هذه الكلمة حتى أقاصي الأرض كلها (راجع آية 47).
ب- أعمال 3: 1- 26
"بطرس يشفي مقعداً".
ينتمي هذا النصّ إلى الجزء الأول من كتاب أعمال الرسل (1: 1- 5: 42) الذي يصوّر لنا نشأة الكنيسة في أورشليم ونموّها. 
يمكننا، في هذا المقطع، ملاحظة أمرين مختلفين: أولاً، صعود بطرس ويوحنا إلى الهيكل للصلاة، ثانياً، جلوس المقعد عند باب الهيكل لطلب الحسنة. وحالة المقعد تتعدّى العاهة الجسدية فهو أيضاً منبوذ دينياً؛ وجميع المصابين بالعاهات الجسدية يبعدون عن المشاركة في الصلوات وخدمة الهيكل لأنه كان يُعتقد ان الله قد بلاهم بهذا القصاص (راجع احبار 21: 17-23).
المهم بالنسبة لموضوعنا الآية 6 التي فيها يطلب بطرس الكلام؛ والكلمة التي سيفوه بها هي كلمة ذات فاعلية قوية لأنها ستلفظ باسم يسوع المسيح الناصري. لدينا هنا قلب القيم رأساً على كعب: من الذهب والفضة إلى الإستشفاء التام، الى السير الصحيح. إن قوة اسم يسوع شفت كلياً المكرسح. والكلمة التي نطق بها بطرس باسم يسوع تحولت إلى قوة شفاء: "امشِ". ونلاحظ أيضاً أن الحركة التي قام بها بطرس هي في غاية الأهمية: "وأَمسكه بيده اليمنى وانهضه" (آية 7). إن الفعل (êgeiren) "انهض" هو عادة مخصص للدلالة على قيامة يسوع من بين الأموات، وهذا يعني ان الأعجوبة تأتي كنتيجة للقيامة وفي الوقت ذاته تكون رمزاً لها. ونلاحظ ان حالة المقعد بعد الشفاء قد تبدّلت كلياً. فنراه يمشي ويدخل الهيكل ليسبّح الله. وبفضل قدرة الكلمة التي شفته يدخل المقعد في حياة الجماعة الجديد (syn autois) التي نجد مختصراً لنشاطاتها في (2: 42- 46)، أي المواظبة على الصلاة وتمجيد الله.
ويعترف بطرس في عظته ان الذي شدّد المقعد وأعطاه كمال الصحة هو الإيمان باسم يسوع. هذا الإيمان يمكننا الحصول عليه بالتوبة وتغيير الحياة (آية 19).
وفي الآية 23، يستنتج بطرس ان الذين لا يسمعون الكلمة يستبعدون من الإنتماء إلى الشعب؛ ويكون على العكس ان الذين يسمعون الكلمة يؤلّفون معاً نواة الشعب الجديد. وهذه الآية تعلن مسبقاً ان الخلاص سيشمل الجميع دون وساطة إسرائيل التاريخية، لأن الشرط الأساسي للإنتماء إلى شعب الله هو الإصغاء إلى الكلمة، أي إلى المسيح.
ج- أعمال 14: 8- 18
"بولس يشفي مقعداً في لسترة".
يدخل هذا النصّ في تجوال بولس وبرنابا. يشفي بولس رجلاً كسيحاً مقعداً في لسترة ويغتنم فرصة إيمان الشعب بالأوثان ليعلن الإيمان بالله الحيّ وبوحدانيّته. هذا الخطاب يمكن اعتباره نموذجاً لتبشير الوثنيين. الآية 15 تدخلنا في صلب الموضوع، وتؤكد انه يجب أولاً ترك الأباطيل، أي عبادة الأوثان ومن ثم الإهتداء إلى الله الحيّ. ومع ان هذا النصّ لا ذكر فيه لموت وقيامة يسوع، فإنه يبيّن لنا كيف ان إعلان الكلمة يتكيّف مع حالات معيّنة: يجب الوصول أولاً إلى الإيمان بالله الحيّ والحقيقي ورفض عبادة الأوثان ومن ثم يأتي التبشير بالسيد المسيح.
د- أعمال 2: 14- 36
"عظة بطرس الأولى بعد نزول الروح القدس على الرسل".
نحن في هذا النصّ، أمام حدث العنصرة، حلول الروح القدس على التلاميذ. والأعجوبة التي حصلت مع التلاميذ، التكلّم بلغات مختلفة، أحدثت ردّة فعل مزدوجة لدى الحاضرين: إندهاشاً لما حصل، وشرحاً خاطئاً للأعجوبة، فقد اعتبرهم البعض ثمالى وسكارى. هذا الواقع أعطى الفرصة لبطرس ليعلن بخطابه، أمام جماعة مختلفة المذاهب، حقيقة الإيمان بيسوع المسيح المنتصر على الموت وان ما شاهدوه هو عمل الروح القدس الذي أفاضه يسوع بعد تمجيده على الرسل.
ويركز بطرس في خطابه على العلاقة المتينة القائمة بين يسوع الناصري ويسوع المنتصر والقائم من بين الأموات، أي ان يسوع الذي صلبه رؤساء شعب اليهود هو نفسه الذي انتصر على الموت بعدما أقامه الله من بين الأموات. ولا يبحث بطرس في إعطاء الدلائل والبراهين على حدث القيامة، إنما يريد التأكيد ان يسوع القائم من بين الأموات، هو المسيح والرب المنتظر.
5- أعمال 10: 34-43
"عظة بطرس في بيت كورنيليوس".
يتوجّه بطرس في هذا الخطاب إلى الوثنيين. ويلخّص فيه حياة يسوع العلنية التي انتهت بموته على الصليب ثم بقيامته المجيدة وانتصاره على الموت. الرسل كلّهم شهود لهذه الأحداث كلها.
إن ما يهم موضوعنا هو الآية 36: "والكلمة الذي أرسَلَه إلى بني إسرائيل مبشّراً بالسلام عن يد يسوع المسيح، إنما هو ربّ الناس أجمعين". في هذه الآية نجد صعوبة في تحديد هوية الكلمة، بمعنى هل ان هذه الكلمة هي التي أُرسلت إلى إسرائيل قديماً (راجع مز 107: 20)، او انها الكلمة النبوية، او انها اخيراً الرسالة التي اعلنها يسوع في حياته؟ من خلال النص يتضح لنا ان الله ارسل كلمته ليعلن البشرى السارة عن يد يسوع المسيح لكل البشر على السواء.
إن الله لا يفرّق بين الناس حتى ولو انه ارسل كلمته لأبناء إسرائيل فابنه يبقى سيداً للجميع؛ والكل دون تفرقة يمكنه الإشتراك في عمل الخلاص الذي حقّقه يسوع. ويصف لوقا عمل يسوع هذا بإنجيل السلام؛ فمع يسوع يأتي السلام على الأرض (لو 2: 14). ولذا فالكلمة المعلنة هي كلمة سلام بمقدار ما تخلق هذا الإنسجام بين الله والناس.
أما عن دور الرسل فيكمن في أن يكونوا شهوداً لكل ما عمل يسوع؛ فالشهادة إذا هي من مقوّمات الرسالة. وفحوى هذه الشهادة يسوع المسيح؛ ليس فقط المسيح القائم وإنما أيضاً يسوع التاريخي الذي كان الرسل له شهود عيان. إذاً هناك ترابط بين يسوع المسيح والكنيسة؛ إذ ان التقليد التي ترتكز عليه الكنيسة فيما يخصّ الإيمان بيسوع هو مثبت على شهادة الرسل. هذا الإستنتاج مهم جداً لأن عمل يسوع اليوم يكتمل في الكنيسة. 
ويستخلص بطرس أنْ بيسوع المسيح فقط نجد الخلاص وليس بأعمال الشريعة. إنّ سّر يسوع لا يكمن فقط في انه مرسل من الله ومجترح العجائب والآيات، بل كونه يعطي أيضاً حياة جديدة لكل من يؤمن به. فلا يهمّ من بعد أن يكون الإنسان يهودياً أو وثنياً، ما يهمّ هو قبول رسالة المسيح والإيمان به.

3- إعلان الكلمة اليوم (إستنتاجات راعوية)
من خلال البحث الذي قمنا به نستخلص بعض النقاط التي يمكن أن تكون لنا نوذجاً راعوياً لإعلان الكلمة اليوم والتبشير بها في كل أنحاء العالم.
1- التفرّغ لخدمة الكلمة. فلا يمكن للرسول الذي يكلّف بمهمة التبشير بالكلمة أن يكون مرتبكاً بأمور دنيوية كثيرة تعيقه عن رسالته. لدينا نموذج واضح في الجماعة المسيحية الأولى كيف انهم اختاروا الشمامسة للإهتمام بالأمور المادية بينما بقي الرسل مهتمين بالكرازة.
2- على غرار الرسل، المهم في إعلان الكلمة اليوم، أن نعطي الأولوية للمسيح لا لذواتنا. ولنتذكّر باننا دوماً خدام للكلمة. يفتخر بطرس إذ يعلن أن شفاء المقعد كان بفضل قدرة اسم يسوع المسيح؛ وبولس ايضاً لم يخجل بأن يعترف بضعفه بعدما شفى كسيحاً مقعداً في لسترة. ولكي يبقى المسيح هو المحور في الكرازة لا بدّ من أدن يتحلّى المبشِّر بالتواضع.
3- الإقتناع الثابت بأن كلمة الله التي أبشّر بها اليوم لها نفس الفاعلية والقدرة كما في الأمس. "يسوع هو هو اليوم والأمس". والكلمة التي أنطق بها اليوم لها نفس الفاعلية كما في الأمس على اجتراح العجائب والمعجزات.
4- إحترام البيئة والثقافة التي أحمل اليها كلمة الله، البشرى السارة. فالكنيسة اليوم تدعونا لأن نُدخل الإنجيل في عادات البيئة المتواجدين نحن فيها وفي ثقافة البلد.
هذا ما شدّد عليه المجمع الفاتيكاني الثاني عندما دعى جميع المرسمين إلى التعمّق بثقافة وبعادات البلد المنوي تبشيره لكي يُصار فيما بعد إلى مسحنتها أي إلى إعادة تبشيرها بمفهوم الإنجيل. هذا ما ندعوه بالمثاقفة؛ ولدينا دليل واضح في أعمال الرسل على هذا الشيء عندما بشّر بولس الوثنيين في لسترة (أعمال 14: 8- 18).
ممّا تقدّم، يتّضح لنا ان إعلان الكلمة هو الطابع الرسولي للكنيسة، لا بل هو حياتها وانطلاقتها نحو التجدّد الدائم؛ وساعة تتوقّف هذه المسيرة، مسيرة إعلان الكلمة، فإن الكنيسة ستكون في خطر كبير يهدّد هوّيتها وكيانها. فهل انا واعٍ لهذه المهمّة الجسيمة المناطة بي كوني معمّداً وبعمادي أصبح عضواً فعّالاً في الكنيسة؟ وهل اعتبر نفسي مرسلاً باسم الرب يسوع ومن قبل الكنيسة لخدمة البشارة؟ وهل أنا أيضاً مستعد لتحمّل هذه المسؤولية التي تنتظرني بأن أحمل الإنجيل وأبشّر به حتى أقاصي الأرض كلّها؟ تبقى هذه التساؤلات موضوع تأمل كبير لنا نستمدّ منه النشاط والقوة للسير قدماً من أجل تحقيق وصية الرب يسوع: "إذهبوا وتلمذوا جميع الأمم، وعمّدوهم باسم الآب والإبن والروح القدس، وعلّموهم أن يحفظوا كل ما أوصيتكم به، وهاءنذا معكم طوال الأيام إلى انقضاء الدهر. آمين" (متى 28: 19- 20).
الفصل الثاني عشر
العلماني في الكنيسة بين الأمس واليوم
على ضوء كتاب أعمال الرسل
المطران بطرس مراياتي
رئيس أساقفة حلب وتوابعها
للأرمن الكاثوليك

من يقرأ كتاب أعمال الرسل وهو المرجع الأهمّ عن بدايات الكنيسة، لا يجد كلمة "علماني". ولو فتّشنا في جميع صفحات العهد الجديد بدءاً من الأناجيل وانتهاءً بسفر الرؤيا فإننا لن نقع أيضاً على كلمة "علماني".
فهل يعني ذلك أن الكنيسة الأولى لم تعترف بوجود العلمانيين ولم تعطهم دوراً في الحياة الرسولية؟
والحق يقال ان الكنيسة لم تميّز في بداياتها بين "علماني" و"إكليريكي" أي بين "مصفّ الإكليرولس" و"مصفّ العلمانيين"، بل تكوّنت على أسس أخرى ووُزِّعت فيها الوظائف والمهمّات والمسؤوليات بأشكال مختلفة.
نسعى في هذه العجالة إلى مناقشة الموضوع في خمس مراحل:
1- في المرحلة الأولى نبيّن أن الكنيسة الأولى تظهر بمظهر الجماعة.
2- في المرحلة الثانية نبيّن أن بعض الأشد خاص كانوا في خدمة هذه الجماعة.
3- في المرحلة الثالثة نبيّن طبيعة الخدمة في الكنيسة الأولى.
4- في المرحلة الرابعة نبيّن كيف نشأ التمييز بين الاكليروس والعلمانيين.
5- في المرحلة الخامسة نبيّن أن الرسالة الموكلة إلى العلمانين في كنيسة اليوم تجد جذورها في كتاب أعمال الرسل.
ولما كانت هذه الدراسة تتطلّب سلسلةً من المحاضرات، فإننا سنكتفي بالإشارة إلى أهمّ المواضيع ونحاول تلخيصها قدر المستطاع، تاركين للباحث حرية تقصيّ المراجع والتبحّر فيها كيفما يشاء.

1- جماعة المؤمنين
إن ما يلفت انتباهنا في كتاب أعمال الرسل هي "الجماعة" قبل الأفراد. وعندما يُذكر الأفراد فإنهّم يكونون غالباً ضمن الجماعة أو في خدمة الجماعة.
إن الجماعة الأولى التي كانت تحيط بالرسل، كانت تناهز المئة والعشرين شخصاً من بينهم مريم وبعض النسوة وأقرباء يسوع (14:1-15).
وهذه الجماعة هي التي اختارت متّيا فضُمّ إلى الرسل الإحدى عشر (1: 16-26).
والجماعة هي المكان الذي يتجلىّ فيه الروح القدس. "فلمّا أتى اليوم الخمسون، كانوا "مجتمعين" كلهم في مكان واحد" (2: 1).
وبعد عظة بطرس الرسول انضمّ إلى الجماعة "نحو ثلاثة آلاف نفس" (2: 41). وكان الشرط للدخول في الجماعة الإعتماد باسم يسوع المسيح عربوناً للإيمان والتوبة (2: 37- 38).
ويصف لنا لوقا نموّ هذه الجماعة بشكلٍ رائع فيقول: "كان جميع الذين آمنوا "جماعة" واحدة يجعلون كل شيء مشتركاً بينهم، يبيعون أملاكهم وأموالهم، ويتقاسمون الثمن على قدر احتياج كلّ منهم، يلازمون الهيكل كلّ يوم بقلب واحد، ويكسرون الخبز في البيوت ويتناولون الطعام بابتهاج وسلامة قلب، يسبّحون الله وينالون حظوةً عند الشعب كلِّه. وكان الرب كلّ يوم يضمّ إلى الجماعة أولئك الذين ينالون الخلاص" (2: 44- 47). 
لقد تميّزت هذه الجماعة الأولى ليس فقط بالمعمودية والإيمان والمحبّة الجامعة، وبالمواظبة على التعليم والصلاة وكسر الخبز الجماعي، وإنما أيضاً "بالإشتراكية" الحقّة المبنية على التحاب والتآلف الطوعي والتخليّ عن المال من أجل المساواة، وهذه هي أسمى درجات الحياة الجماعية: "وكان جماعة الذين آمنوا قلباً واحداً ونفساً واحدة، لا يقول أحد منهم إنه يملك شيئاً من أمواله، بل كان كلّ شيء مشتركاً بينهم" (4: 32، راجع أيضاً: 18: 22).
وقد أطلق كتاب أعمال الرسل على هذه الجماعة الأولى من المؤمنين أسماء مختلفة نذكر منها:
أ- الإخوة:
هم جماعة المؤمنين الأوائل، "وفي تلك الأيام قام بطرس بين الإخوة" (1: 15). ويميّزون أحياناً عن الرسل والشيوخ: "وسمع الرسل والإخوة في اليهودية أن الوثنيين هم أيضا قبلوا كلمة الله" (11: 1، 12: 17، 21: 17-18) وتشير هذه الكلمة إلى المؤمنين المقيمين في مدينة واحدة (9: 30، 11: 29، 15: 23، 17: 10، 28: 14).
ب- التلاميذ:
هذه الكلمة لا تشير فقط إلى تلاميذ يسوع الإثنين والسبعين، وإنما إلى جماعة المؤمنين كما جاء في أعمال الرسل: "وكانت كلمة الرب تنمو وعدد التلاميذ يزداد كثيراً في أورشليم" (6: 7، 9: 1، 9: 26، 19: 1). "وفي أنطاكية سمّي التلاميذ أول مرّة مسيحيين" (11: 26). وتجدر الإشارة إلى أن جماعة المؤمنين لقّبت مرات كثيرة "بالتلاميذ" ولم تلقَّب بالمسيحيين سوى مرّة واحدة (11: 29، 9: 19، 9: 38، 13: 52، 14: 20، 51:14، 18: 27، 20: 1).

ج- الكنيسة:
إنضمّ المهتدون إلى جماعات ما لبث سفر أعمال الرسل أن سمّاها "كنيسة". "وكانت الكنيسة تنعم بالسلام في جميع اليهودية والجليل والسامرة" (9: 31). "الكنيسة التي في أورشليم" (11: 22، 11: 26). فلا عجب إن أفضت كلمة "كنيسة" إلى الدلالة على مجموعة الكنائس: "على كنيسة الله التي اقتناها بدمه الخاص" (20: 28، راجع أيضاً 5: 11، 8: 1- 3، 12: 1-5، 13: 1، 14: 23- 27، 15: 3- 4- 22- 47، 18: 22).
د- القدّيسون:
هكذا سمّى كتاب أعمال الرسل جماعة المؤمنين الأوائل لأنهم يعبدون الله، وقد تقدّسوا بالعماد ودُعوا إلى قداسة السيرة: "وكان بطرس يسير في كل مكان، فنزل بالقديسين والأرامل فأراهم إيّاها حيّة" (9: 41).
إن هذه التعابير التي وردت للدلالة على جماعة المؤمنين بالمسيح ليست خاصة بكتاب أعمال الرسل. وإنما بولس الرسول أيضاً استخدمها مراراً، لا بل أضاف عليها تعابير جديدة مؤكّداً الصورة الجماعية للمؤمنين بالرب يسوع- (راجع صورة الجسد الواحد والأعضاء: 1 قو 12: 12).
ونخلص إلى القول بأن جميع المؤمنين الأوائل دون تمييز كانوا بواسطة المعمودية ينضمون إلى الجماعة ليؤلّفوا الكنيسة، والعكس صحيح أيضاً، فمن انتسب إلى إحدى الجماعات انضمّ إلى الرب (2: 47، 5: 14، 11: 24) الذي يُنعش روحه حياة الكنائس ويرشدها (1: 8، 5: 3- 4، 9: 31، 15: 28، 20: 28).

2- خدّام الجماعة
تبرز في داخل جماعة المؤمنين في الكنيسة الأولى مجموعات من الأشخاص تقوم بأعمال خاصة. وهذه المهام الملقاة على عاتقهم أخذوها إمّا عن المسيح مباشرة، أو نالوها فيما بعد عن طريق الرسل بوضع الأيدي، أو بإلهام من الروح القدس، وأغلبهم التزم بهذا الواجب استناداً إلى كونه معمّداً باسم المسيح.
ويتميّز هؤلاء الأشخاص بكونهم في خدمة الرسالة الملقاة على عاتقهم من أجل بنيان الكنيسة. فلا يستخدم كتاب أعماله الرسل كلمة "خادم" بل كلمة "خِدْمة" Diaconia للدلالة على أهميّة المهمّة وليس على أهمية صاحب المهمّة. إليكم أصحاب الخدمات:
أ- مجموعة الرسل الاثني عشر:
هم الذين اختارهم المسيح في أثناء حياته وبعد ارتفاعه دعاهم "لخدمة الرسالة" (1: 25). والعدد مهمّ جداً، فبعد أن تخلّف يهوذا "وقعتْ القرعة على متّيا، فضمّ إلى الرسل الإحد عشر" (1: 26) ليبقى عدد الإثني عشر ثابتاً. ويلاحظ أن بطرس له منزلة خاصة في هذه المجموعة، فغالباً ما يُميّز عن الإحدى عشر أو يتكلّم باسم جميع الرسل، كما جاء في أعمال الرسل؛ (1: 15، 2: 37، 3: 4، 6، 12، 4: 8، 13، 5: 3، 8، 9، 15، 29، 10: 1-11).
ب- مجموعة تلاميذ الرب:
هم الرجال الذين صحبوا الرسل طوال المدّة التي أقام فيها الربّ يسوع معهم، وبرز من بينهم إثنان: برسابا ومتّيا، كانا مع الرسل "منذ أن عمّد يوحنا إلى يوم رفع عنهم" (1: 21)، ويذكر الإنجيل أن عددهم كان إثنين وسبعين (لو 10: 1)، وقد اختار الرسل واحداً من بينهم ليتولىّ منصب يهوذا الإسخريوطي (1: 20).
ج- مجموعة السبعة المعاونين:
هم سبعة رجال من التلاميذ الهلينيين الذين أُقيموا من قبل الرسل الإثني عشر وجماعة التلاميذ عك خدمة الموائد. وكانت لهم سمعة طيّبة، وكانوا ممتلئين من الروح والحكمة. ولما حضروا أمام الرسل، صلّوا ووضعوا الأيدي عليهم لينالوا نعمة الله ويحُسنوا الخِدمة بعملهم (6: 1- 6). ولكن هؤلاء "الخدّام" السبعة لم يقوموا فقط بمهمة مادية مثل توزيع الأرزاق اليومية على الفقراء والأرامل، بل كانوا يؤدّون الشهادة أيضاً ويعلنون البشارة: "وكان اسطفانس، وقد امتلأ من النعمة والقوة، يأتي بأعاجيب وآيات مبينة عند الشعب" (1: 8). وبعد استشهاده، ذهب خادمٌ آخر من بين السبعة واسمه فيليبس، ليبشّر أهل السامرة بالمسيح (8: 4)، وهو الذي عمّد خازن ملكة الحبشة وتابع تبشيره حتى وصل إلى قيصرية، (8: 26- 40). ودُعي فيليبس "بالمبشِّر" (20: 8).
د- مجموعة بولس والمرسلين:
دعوة بولس هي دعوة خاصة ومهامه رسولية أخذها عن المسيح مباشرة. فهو ليس من الرسل الإثني عشر ولكنه في منزلتهم كما ذكر في رسائله وكما جاء في كتاب أعمال الرسل (9: 1- 30). وكان بولس يصطحب بعض المرسلين في رحلاته مثل برنابا ومرقس وسيلا، وكان لبولس معاونون وأكثر من عشرة تلاميذ أوّلهم "طيموتاوس". ولم يكن هؤلاء المرسلون في خدمة بولس، إنما كانوا بأجمعهم مع بولس "خدّاماً" للرب يسوع بين اليهود والوثنيين، بدءاً من أورشليم إلى روما.
هـ- مجموعة الأنبياء:
شأنهم يختلف كل الإختلاف عن الرسل، فليس الناس هم الذين "يقيمونهم" بل الروح هو الذي يلهمهم، ويقومون "بخدمة" مهمّة في حياة الكنائس. فهم "خدّام الروح" (11: 27، 21: 11).

و- مجموعة المعلّمين:
هم الذين يقومون بالتعليم على غرار معلّمي اليهود وقد كثر عددهم في أنطاكية (13: 1). وقد اشتهر في مدينة أفسس معلّم اسمه "أبلّس" الذي كان يعلّم ما يختصّ بيسوع تعليماً دقيقاً (18: 24). وتحوّل أقيلا وزوجته برسقلّة إلى معلّمين "عرضا له طريقة الرب على وجه أدقّ" (18: 26).
ز- مجموعة الشيوخ:
لقد ظهرت في الكنيسة الأولى مجموعة من الأشخاص دعوا "بالشيوخ" وقد أقامهم الرسل في أورشليم حول يعقوب (11: 30، 21: 18، 12: 17، 15: 2، 15: 6، 15: 13). وأقامهم بولس في مدن أخرى للإضطلاع بأعباء الكنائس في غيابه (14: 23، 20: 18). وتأتي كلمة "شيوخ" دوماً في صيغة الجمع وتقابلها في اليوناني كلمتان: Presbyteros التي تدلّ على أعيان القوم والمتقدّمين سنّاً وقدراً، وكلمة Episcopos التي تدلّ على مسؤولية الإدارة والسهر والمراقبة والتوجيه والتدبير. (ذكرت مرة في أعمال 20: 28).
ولعله من الواضح أن فكرة المشيخة في الكنيسة الأولى هي وليدة النظام المشيخي في المجتمع اليهودي. بل كان لهم نفس العمل ونفس المسؤوليات. إشترك الشيوخ في رعاية الكنيسة وتنظيمها (أع 15: 2، 4، 6، 22، 23، 16: 4، 21: 18) وغالباً ما يذكر اسمهم بعد الرسل مباشرة. وكان الشيوخ يشرفون على الكنائس المحلّية (أع 20: 17، 18 وطي 1: 5). وكانت تقع عليهم مسؤولية القيام بالخدمات الروحية للكنيسة، وتنفيذ تعليماتها وتعليم أبنائها (1 طيم 3: 4، 5، 5: 17، طي 1: 9) ولهم الحق في رسامة خدّام الكنيسة (1 طيم 4: 14).
بعد هذا العرض السريع لمجموعات "الخدّام" الذين وجدوا في الكنيسة الأولى لا بدّ من أن نقف عند الإعتبارات التالية:
1- نستطيع أن نقسم "الخدام" إلى فئتين:
أ- فئة الخدّام المتجوّلين الرحّالين: مثل غالبية الرسل ومعاونيهم والأنبياء والمعلّمين.
ب- وفئة "الخدّام" المقيمين الثابتين: وهم الشيوخ المسؤولون عن الكنائس المحلّية.
2- لا نجد نساء في عداد المرسلين والمعاونين والشيوخ ولكن ثمّة عذارى بين الأنبياء كنّ يتنبّأن مثل بنات فيلبس الأربعة (21: 9).
كما نجد عدداً لا بأس به من النساء اللواتي يقمن بمهمّات خاصة مثل يرسقلة وليديا ومجموعة الأرامل.
ولا ننسى أن في العليّة كانت مريم والنسوة مع الرسل عندما نزل الروح القدس، ومنذ ذلك اليوم ما انفكّ دور النساء داخل الجماعة في ازدياد. ولا عجب إذا كانت النساء أول من اهتدى الى المسيح في بسيدية (13: 49) وفيلبي (16: 11) وتسالونيقي (17: 4) وبيرية (17: 12). 
3- لا توجد سلطة هرمية بين الخدّام المذكورين، ولكن توجد منزلة خاصة للرسل الإثني عشر في أورشليم وخارجها، ولذلك يُذكرون دوماً في مرتبة قبل الشيوخ كما في أعمال الرسل (15: 2، 4-6- 22).
وبولس يشير إلى المراتب فيقول: "والذين أقامهم الله في الكنيسة هم الرسل أولاً، والأنبياء ثانياً، والمعلّمون ثالثاً" (1 كو 12: 28).
4- لا نجد مهمّات ووظائف كما تعوّدنا عليها اليوم في درجات الأسقف والكاهن والشمّاس، أي ما يُسمّى بالمصف الكهنوتي أو الإكليروس. فالخدّام ليسوا مرتبطين بالهيكل والطقوس، بل هم خدمة الجماعة للرعاية والتعليم والتبشير.
5- البتولية لم تكن مفروضة على هؤلاء الخدّام مهما كانت مهماتهم. فالخدمة لا تتنافى مع الزواج، وحتى الذين يترأسون الجماعة ليسوا مدعوين جميعاً للبتولية كما جاء في رسائل بولس.

3- أنواع الخدمة في الكنيسة الأولى
بعد أن عرضنا موضوع تكوين الجماعة الأولى وموضوع الخدّام الذين يقومون بمهمّات خاصة ضمن هذه الجماعة، نعرض الآن طبيعة الخدمة التي كانت تُؤدّى في الكنيسة الأولى.
أولاً: خدمة الكلمة
إن كتاب أعمال ما هو إلاّ حكاية انتشار كلمة الله بين اليهود والوثنيين: "وامتلأوا جميعاً من الروح القدس، فأخذوا يعلنون كلمة الله بجرأة" (4: 31). وتعود هذه العبارة مرات كثيرة في سفر الأعمال (19:11، 25:14، 2:6 و7، 8: 25، 12: 14، 13: 5، 13: 49، 15: 7، 14: 3، 4: 29، 28: 31، 14: 25، 17: 11 و13، 18: 5 و11). إليكم فحوى كلمة الله هذه:
أ- إعلان البشارة بأن يسوع هو المسيح:
"فليعلم يقيناً بيت إسرائيل أجمع أن يسوع هذا الذي صلبتموه أنتم قد جعله الله رباً ومسيحاً" (2: 36، 3: 20، 4: 27، 18: 5، 18: 28).
ب- الشهادة لقيامة المسيح (1: 22، 2: 24):
جاء أيضاً في عظة بطرس الأولى: "فيسوع هذا قد أقامه الله ونحن بأجمعنا شهود على ذلك". وهذا ما يسمّى بالإنجيل الأول: (2: 32، 3: 15، 4: 33، 5: 32، 13: 31، 22: 15، 10: 39-43).

ج- التبشير بملكوت الله (1: 3):
"فلما صدّقوا فيلبس الذي بشرّهم بملكوت الله واسم يسوع المسيح، إعتمدوا رجالاً ونساءً" (8: 12، 19: 8، 20: 25، 28: 23، 31). وملكوت الله هو تعليم يسوع منذ بدء رسالته. ولم يفهم الرسل أن ملكوت الله ليس ملكاً دنيوياً إلاّ بعد نزول الروح القدس عليهم- حتى في آخر الأعمال يقال عن بولس: "كان يعلن ملكوت الله ويعلّم بكل جرأة ما يختص بالرب يسوع" (28: 31).
إن ما يلفت الإنتباه في كتاب أعمال الرسل هو أن "خدمة الكلمة" لا تقتصر على الخدّام الذين ذكرناهم في الفصل السابق، إنما جميع المؤمنين بلا استثناء كانوا يؤدّون هذه الخدمة. وخير دليل على ذلك ما جاء في الفصل الرابع من أعمال الرسل إذ يحدّثنا على الجماعة فيقولن: "وبعد أن صلّوا زلزل المكان الذي اجتمعوا فيه. وامتلأوا جميعاً من الروح القدس، فأخذوا يعلنون كلمة الله بجرأة" (4: 31).
وحادثة "أبلّس الإسكندري" في قورنتس (18: 24) تشير إلى أنّ التبشير بيسوع المسيح لم يكن منوطاً بالخدّام الذين ذكرناهم آنفاً، بل كلّ مؤمن أو معمّد أو مدفوع من الروح كان يستطيع أن يعلن البشارة ويتكلّم بلغات ويتنبّأ كما جرى في أفسس: "فلما سمعوا ذلك اعتمدوا باسم الرب يسوع. ووضع بولس يديه عليهم، فنزل الروح القدس عليهم وأخذوا يتكلمون بلغات غير لغتهم ويتنبّأون، وكان عدد الرجال كلّهم نحو إثني عشر رجلاً" (19: 5-7)
ثانياً: خدمة الشراكة
لا يحكي لنا كتاب أعمال الرسل قصة انتشار البشرى إلى خارج جماعة أورشليم Ad Extra فحسب وإنما يحكي لنا أيضاً قصة الكنيسة في الداخل Ad Intra.
وتظهر هذه المشاركة داخل الكنيسة الواحدة في أمور عديدة نذكر منها:
أ- وحدة المؤمنين:
عرفوا الوحدة فيما بينهم، في الجماعة الواحدة والمشاركة الفعّالة في الحياة الروحية. فكانت لهم "طريقة" خاصة (9: 2). فهم يشاركون في الصلاة والتعليم وكسر الخبز والتوبة والموارد، فكانوا يعرفون بعضهم بعضاً. ونقرأ أيضاً أن أكيلا وبرسقلة كانا يعلّمان أبلّس "طريقة الربّ" (18: 26).
ب- الإرتباط العضوي بين الكنائس المحلية:
لم تكن الكنائس المحلّية مستقلة عن بعضها، بل كانت في علاقة حيّة مع سائر الكنائس وخاصة بين كنيسة أورشليم حيث كان يقيم معظم الرسل وبين كنيسة أنطاكية التي أصبحت مركزاً لإنطلاق البشارة.
إنّ مجمع أورشليم والرسائل والقرارات وتبادل الوفود ما هي إلاّ دلائل على الشراكة القائمة بين الكنائس الفتيّة (15). وكان لبولس الرسول الفضل الكبير في الحفاظ على هذه الشراكة من خلاله زياراته ورسائله، واستطاع بفضل معاونيه أن يخلق شبكة من الإتّصالات والتنسيق بالرغم من المسافات وانعدام وسائل الإعلام في تلك الأيام.
وبعد بضعة أيام قال بولس لبرنابا: "لنعد ونتفقّد الإخوة في كل مدينة بشرّنا فيها بكلمة الربّ ونرى كيف أحوالهم" (15: 36)- (14: 21- 23). وهناك تعبير رائع عن الوحدة والشراكة لمّا "سمع الرسل في أورشليم أن السامرة قبلت كلمة الله، فأرسلوا إليهم بطرس ويوحنا فنزلا وصلّيا من أجلهم لينالوا الروح القدس" (8: 14).
ج- التضامن المادي مع الكنائس المحتاجة:
وهذا تعبير عملي وتجسيد للشراكة القائمة بين الكنائس عندما تهبّ كنيسةٌ لمساعدة كنيسة منكوبة، كما فعلت كنيسة أنطاكية لنجدة كنيسة أورشليم: "فعزم التلاميذ أن يرسلوا ما يتيسّر عند كلّ منهم إسعافاً للإخوة المقيمين في اليهودية. وفعلوا ذلك فأرسلوا مدونتهم إلى الشيوخ بأيدي برنابا وشاول" (11: 29- 30). وكانت الكنيسة الأولى تهتم بالأرامل وجعلت المال مشتركاً لكي لا يبقى فيهم محتاج.
هنا أيضاً نشير إلى أنّ هذه الشراكة ليست منوطة بالرسل أو بفئة من الخدّام أو ذوي المهمّات الخاصة وإنما جميع المؤمنين كانوا مدعوين للحفاظ على هذه الشراكة بحكم معموديّتهم ونيلهم الروح القدس.
ولذلك نلاحظ أنّ "الإخوة" جميعاً يشاركون في اختيارات هامهّ مثل، اختيار السبعة وغير ذلك (1: 15، 6: 3، 13: 1-3). ولعلّ أهمّ ما في الأمر أنّ مجمع أورشليم (15: 22- 23 و28)، يُختتم بقرار من الروح القدس "بإجماع الكنيسة كلّها".
ثالثاً: خدمة الأسرار
إنّ النوع الثالث من الخدمة التي كانت تُقام في الكنيسة الأولى هي ما نسمّيه اليوم بالأسرار.
أ- المعمودية:
هي نهاية كل اهتداء وتوبة. فالمعمودية تمحو الخطايا وترافقها هبة الروح القدس. فلما سمعوا ذلك الكلام تفطّرت قلوبهم فقالوا لبطرس وسائر الرسل: "ماذا نعمل أيها الإخوة"؟ فقال لهم بطرس: "توبوا وليعتمد كلّ منكم باسم يسوع المسيح لغفران خطاياكم فتنالوا عطيّة الروح القدس" (2: 38- 40).
يذكر كتاب أعمال الرسل سبع حوادث من المعموديات وفي مرّة واحدة يذكر إسم مانح المعمودية، مثل فيلبس عندما عمّد الحبشي. وفي المرات الأخرى يُذكر العماد في صيغة المجهول "فالذين قبلوا كلامه اعتمدوا" (2: 41).
فليس في بدايات الكنيسة ما يشير إلى أن منح العماد كان منوطاً بالرسل أو الشيوخ أو غيرهم من الخدّام.
ب- التوبة:
لا يوجد اعتراف فرديّ ومعرِّف في الكنيسة الأولى. كان على الخاطىء أن يتوب أو يُفصل من الجماعة. وعندما يكفّر عن ذنوبه تكون المصالحة مع الله والجماعة (1 كور 5: 3، 2 كو 2: 5). لا يوجد خادم مختص بسّر الإعتراف وإنما يتمّ سّر المصالحة أمام الجماعة تحت إشراف المسؤول الذي أوكلت إليه الجماعة.
ج- كسر الخبر:
لا يذكر كتاب أعمال الرسل الافخارستيا ولا القربان المقدّس والقدّاس والذبيحة الإلهية، إنما يُذكر هذا السّر بكلمة "كسر الخبز" (2: 42). فكان المسيحيون يواظبون على كسر الخبز. وبولس أيضا لمّا وصل إلى طراوس، أخذ يخاطب الناس وقد اجتمع معهم "لكسر الخبز". وبعد أن أقام الغلام افطيخس الذي وقع من الطبقة الثالثة، "صعد فكسر الخبز فأكل، وحدّثهم طويلاً حتى الفجر ومضى" (20: 7- 11).
وفي السفينة أيضاً شكر الله وكسر رغيف الخبز من أجل الجماعة (27: 24). لا يوجد دليل قاطع على أن "كسر الخبز" كان منوطاً بالرسل والشيوخ وبعض الخدّام، إنما الإحتفال هو إحتفال الجماعة كما جاء في أعمال (12: 46)، وهو يحدّثنا على جماعة المسيحيين الأوائل: "كانوا يكسرون الخبز في البيوت" (2: 47).
ممّا لا شك فيه أنّ البعض كان يترأس هذا الإحتفال ولكن في بدايات الكنيسة كان "كسر الخبز" هو سّر المؤمنين بالرّب وليس "صلاة خادم السرّ".
د- سّر موهبة الروح القدس:
إنّ العنصرة لا تعني أنّ نزول الروح القدس كان امتيازاً خاصاً بالرسل، فنقرأ في أعمال الرسل أنّ جميع المؤمنين المعمّدين أهل لاستقبال الروح القدس دون تمييز.
وأحياناً ينال المؤمنون الروح القدس قبل المعمودية كما جرى بعد عظة بطرس في بيت قرنيليوس "إذ نزل الروح القدس على جميع الذين سمعوا كلمة الله، فدهش المؤمنون المختونون الذين رافقوا بطرس، ذلك بأن موهبة الروح القدس قد أفيضت على الوثنيين أيضاً. فقد سمعوهم يتكلّمون بلغات غير لغتهم ويعظّمون الله. فقال بطرس: أيستطيع أحد أن يمنع هؤلاء من ماء المعمودية، وقد نالوا الروح القدس مثلنا" (10: 44-47، 11: 15)؟ "فما إن شرعت أتكلّم حتى نزل الروح القدس عليهم كما نزل في البدء".
هـ- سّر وضع الأيدي:
نجد في أعيال الرسل رتبة وضع الأيدي في أماكن كثيرة وهذا لا يعني حصراً منح سّر الرسالة أو التكريس لفئة معيّنة من الأشخاص. فلم يضعوا الأيدي مثلاً على متيّا لمّا اختاروه عوضاً عن يهوذا. كما أن بولس وبرنابا عندما عيّنا شيوخاً في كل كنيسة لم يضعا الأيدي عليهم (14: 23). ولمّا وضعوا الأيدي على المعاونين السبعة لا يعني ذلك التكريس بقدر ما يعني الدعاء لهم لينالوا نعمة الله ويُحسنوا القيام بعملهم. وكذلك فعلوا ببرنابا وشاول بعد أن أفردوهما للرسالة (13: 3).
ووضع الأيدي كان إشارة إلى موهبة الروح القدس. وهكذا فعل بطرس ويوحنا في السامرة إذ وضعا أيديهم على جميع المعمّدين، فنالوا الروح القدس (1: 14-17). كما وضع بولس يديه على أهل أفسس "بعد معموديتهم فنزل الروح القدس عليهم" (19: 6).
إنّ رتبة وضع الأيدي لم تأخذ معنى الرسامة والتكريس إلاّ في وقت لاحق. ما نستطيع أن نلخّصه من هذه الخدمة أن الجماعة هي التي تحتفل بأجمعها بهذه الأسرار لأنها لقاءات جماعية مع الربّ.
وفي هذه اللقاءات يتجلىّ الروح القدس بجميع مظاهره، ويفيض جميع الحاضرين. فالتركيز ليس موجّهاً نحو الرسل أو الشيوخ وإنما نحو الجماعة، فالمترئّس ليس خادم أسرار بل هو خادم الجماعة.
إنّ ما أردنا أن نصل إليه من خلال هذا الفصل هو أنّ الخدمات الثلاث في بدايات الكنيسة كانت مفتوحة أمام جميع المؤمنين.
وقد حصرنا دراستنا في كتاب أعمال الرسل، ولكن رسائل بولس وسائر الرسائل الرعوية تؤكّد صحة ما ذهبنا إليه. ونخلص إلى القول بأن الجماعة الأولى لا تعرف الدرجات والطبقات في الخدمة بل تعيش وتعتقد بأن الكنيسة هي للجميع ومواهب الروح القدس للجميع، والقرار للجميع والرسالة للجميع والخدمة للجميع.
وإذا أُعطيت السلطة للرسل وخلفائهم وبعض الشيوخ فهذا لا يعني أنهم استبدّوا بالسلطة واعتبروا الروح حكراً لهم. بل كانوا خدّام الجماعة، واحترموا مواهب الروح في الجماعة. ولم يظهروا أبداً بمظهر خدّام الأسرار أو "كهنة هياكل" و"مقدّمي ذبائح"، بل عاشوا كرعاة ساهرين ومعلّمين مخلصين وخدّام مسؤولين عن روح الشراكة.
وهنا يبادرنا السؤال: إذا كانت جميع هذه الخدمات مفتوحة أمام جميع المؤمنين، كل بحسب موهبته، فمن أين جاءت "درجة الكهنوت"، وكيف تمّ الفصل بين رجال الدين المكرّسين وسائر المؤمنين "العلمانيين"؟ هذا ما سنسعى إلى الإجابة عليه في القسم التالي.

4- الكهنوت والعلمانيون
إنّ الخدّام الكنسيين في بدايات الكنيسة لا يطلق عليهم إسم "كاهن". فكلمة "كاهن" في كتاب أعمال الرسل أو الرسائل تشير دائماً إلى الكاهن "اليهودي" الذي يخدم في الهيكل ويقدّم الذبيحة (4: 1) أو إلى عظيم الكهنة (4: 6، 23، 5: 20، 24، 27). "وأخذ جمعٌ كثير من الكهنة يستجيبون للإيمان" (6: 7). وتشير أيضاً إلى الكاهن الوثني: "فجاء كاهن صنم زاويش" (14: 13).
وقد رفضت الجماعة الأولى إطلاق هذا التعبير على خدّام الكلمة والشراكة لأنها لم تعطهم أولاً صبغة الوساطة بين الله والبشر، كما هي الحالة عند الكهنة اليهود والوثنيين الذي يكرَّسون لهذه الوظيفة. أما بالنسبة للجماعة الأولي فالوسيط الوحيد بين الله والناس هو يسوع المسيح ولذلك أطلق عليه فقط لقب "كاهن". وقد برع كاتب الرسالة إلى العبرانيين في إبراز دور المسيح الكهنوتي.
ولكن الأمور بدأت تتغيرّ في القرون الأولى بعد وفاة الرسل. وأخذت الجماعة تنظّم صفوفها وتبحث عن سلطة في الإدارة والتعليم والتوجيه والتدبير فدعي المسؤول عن الكنيسة أو رئيس الشيوخ Presbyteros لقبّوا بالكهنة، والخدّام Diaconos دُعوا بالشمامسة.
وهكذا ظهرت درجة كهنوتية وفئة من الخدّام اختصت بالأعمال الكنسيّة الروحية، أما سائر المؤمنين فقد لُقّبوا "بالعلمانيين" نظراً لتفرّغهم للعالم.
وفي القرن الثالث ظهر بشكل أوضح دور الأسقف والكاهن في تقدمة الذبيحة الإلهية وخدمة المذبح، وقد طغى هذا الطابع على سائر الخدمات الروحية.
وعلى مرّ العصور تعاظم الطابع الإكليريكي في الكنيسة واشتدّ نفوذ السلطة الكنسيّة، حتى أصبح رجال الدين همُ الكنيسة، أمّا العلمانيون فأصبحوا مؤمنين من الدرجة الثانية.
وهكذا نشأت المقولة: "الإكليروس يأمر والعلماني يطيع". وغالباً ما نقرأ في الكتب اللاهوتية القديمة: "على العلمانيين أن يهتمّوا بأمور العالم وعلى الإكليروس أن يهتمّ بأمور الكنيسة".
ولا نجد للعلماني تعريفاً إيجابياَ بل كان يُعرّف سلبياً بكونه ليس من رجال الإكليروس. ونجد في تاريخ الكنيسة صفحات مظلمة تحيط بالعلاقات السلبية بين الإكليروس وكافة المؤمنين العلمانيين. فأحياناً طغت السلطة المدنيّة على السلطة الروحية وتارةً توحّدت السلطتان، وأحياناً تعالت السلطة الكنسية حتى التسلّط والقمع، وتارةً ظهرت تيارات معادية للإكليروس...
لا أريد أن أقف عند هذه الصور القاتمة من تاريخ الكنيسة التي هي بعيدة أشدّ البعد عن أصالة الكنيسة الأولى كما وجدناها في أعمال الرسل. 
ولكن لا بدّ لي أن أشير إلى ثلاث حقائق عاشتها الكنائس عبر العصور محافظة على الوديعة التي استلمتها من الكنيسة الأولى:
1- حافظت الكنائس الشرقية على دور المؤمنين العلمانيين في الكنيسة فلم تحصر السلطة برجال الدين، إنما أعطت ممثّلي الشعب العلمانيين دوراً كبيراً في إدارة شؤون الكنيسة وحقّ المشاركة في المجامع وفي الإنتخابات الأسقفية والبطريركية وفي تكوين المجالس الملّية.
2- إنّ حركة الإصلاح البروتستانية أكّدت الطابع الكهنوتي لشعب الله وأنّ الروح القدس ليس حكراً على رجال الدين بل هو لجميع المؤمنين. فالمواهب الروحية تعطى لجميع المعمّدين باسم الرب وتجعل منهم شركاء في حياة الجماعة. فليس لخادمٍ فضل على خادم آخر.
3- أمّا في الجانب الكاثوليكي وبالرغم من كل المشاحنات التي نشأت بين السلطة الإكليريكية والمؤمنين العلمانيّين، يجب الإعتراف بفضل عدد كبير من المؤمنين العلمانيين الذين كانوا الرواد في إنشاء حركات دينية وجمعيات روحية ومؤسسات رسولية عبر التاريخ كان أعضاؤها علمانيين. ولعلّ حركة "العمل الكاثوليكي" Action Catholique كانت الأبرز في دعوة العلمانيين إلى أخذ دورهم الرسولي في الكنيسة والمجتمع.
وقد ساهم بعض اللاهوتيين الكاثوليكيين أمثال "هنري دي لوباك" و"إيف كونفار" في إبراز دور العلمانيين ورسالتهم مستندين إلى قاعدة لاهوتية مبنيّة بدورها على معطيات الكتاب المقدّس والتقليد الرسولي والآبائي: (Congar: Jalons pour une théologie du laïcat). ولا يُخفى على أحد أنهم كانوا يتوخّون أيضاً البعد المسكوني في نظريّاتهم لتكون هيكلية الكنيسة الكاثوليكية أقلّ حدّةً وتقترب أكثر من الروح المجمعية وتعترف بكهنوت العلمانيين.
وكان يجب انتظار المجمع الفاتيكاني الثاني لتدخل هذه الأفكار رسميّاً في تعاليم الكنيسة.

5- دور العلمانيين في كنيسة اليوم
أولى المجمع الفاتيكاني العلمانيين اهتماماً كبيراً وفريداً، فأفرد لهم فصلاً في الدستور العقائدي "الكنيسة" وقسماً لا يُستهان به في الدستور الراعوي "الكنيسة في عالم اليوم" وقراراً كاملاً "رسالة العلمانيين" يعيد إليهم اعتبارهم ويؤكّد رسالتهم المميّزة. وذكرهم في الفصل الثالث من قرار "نشاط الكنيسة الإرسالي" مشدّدا على دورهم في إعلان البشارة.
وبعد المجمع صدرت كتب ومقالات تفسرّ وتشرح ما جاء في قراراته ونشطت رسالة العلمانيين بشكل كبير.
وفي العام 1987 انعقد مجمع الأساقفة الكاثوليك في جلسة عامة ودرس موضوع دعوة العلمانيين ورسالتهم في الكنيسة والعالم وذلك بعد مرور عشرين عاماً على المجمع الفاتيكاني الثاني، وصدر على أثره إرشاد رسولي لقداسة البابا يوحنا بولس الثاني بعنوان: "العلمانيون المؤمنون بالمسيح".
وكثرت الدراسات الكتابية والآبائية واللاهوتية حوله دعوة العلمانيين المؤمنين ورسالتهم.
هذا وصدرت مجموعة القوانين للكنيسة الكاثوليكية ثم مجموعة القوانين للكنائس الشرقية وفيها نظرة قانونية حول واقع العلمانيين، كما صدر كتاب التعليم المسيحي الكاثوليكي وفيه فصل خاص حول العلمانيين. أضف إلى ذلك خطابات قداسة البابا الرسمية التي يتناوله فيها دور العلمانيين.
لا أستطيع في هذه العجالة أن ألخّص كل ما جاء في هذه الوثائق وإنما أريد أن أشير إلى تلك المبادىء التي تبنّتها الكنيسة الكاثوليكية والتي تعود جذورها إلى الكنيسة الأولى كما ذُكرت في أعمال الرسل:
المبدأ الأول= الكنيسة هي جماعة المؤمنين. إنها شعب الله الجديد وجسد المسيح السّري، رأسه المسيح وأعضاؤه جميع المؤمنين.
المبدأ الثاني= جميع المؤمنين يشاركون في الكهنوت العام. إن المعمودية تجعل المسيحي شريكاً في كهنوت المسيح وملوكيّته ونبوّته.
المبدأ الثالث= جميع المؤمنين نالوا مواهب الروح القدس وكلّهم مدعوّون للقداسة.
المبدأ الرابع= العلمانيون لهم دور فعّال ورسالة خاصة في الكنيسة. إنهم مدعوون للخدمة Diaconia - Ministère والشراكة – Koinonia Communion والشهادة Martyrion - Temoignage.
إنطلاقاً من هذه المبادىء ظهرت في السنوات الأخيرة جماعات كنسيّة صغيرة وحركات روحانية مواهبية تسعى للعيش على نمط الكنيسة الأولى كما ذُكرت في كتاب أعمال الرسل. وقد التزم العلمانيون بخدمة الكنيسة في الأمور الروحية والزمنية، وأحسّوا بروح المشاركة التي تجمعهم بالمسيح وبإخوتهم، والتي تتجسّد في الافخارستيا. كما أنهم لعبوا دوراً هاماً في إعلان البشرى وأصبحوا رسلاً في بيئتهم وحتى خارج بلادهم.
ولا عجب إذا وجد أشخاص أو جماعات من المؤمنين العلمانيين الذين كرّسوا ذواتهم للمسيح ليكرّسوا له العالم. وكان من بينهم الشهداء والقدّيسون.
وخير ما اختتم به هذا الفصل هو التعريف الإيجابي الذي وضعه المجمع الفاتيكاني الثاني لكلمة "علمانيون" وقد أصبح هذا التعريف مرجعاً لكل الوثائق اللاحقة: "ويُفهم هنا بمن يُسمّون علمانيين مجموعُ المسيحيين الذين ليسوا أعضاءً في الدرجاتِ المقدّسة ولا في الحالةِ الرهبانية التي أقرّتها الكنيسة، أي المسيحيين الذين إذ انضمّوا إلى جسد المسيح بالمعموديّة، واندمجوا في شعب الله، وجُعِلوا شركاء، على طريقتهم، في وظيفة المسيح الكهنوتيّة والنبويّة والملوكيّة، يُمارسون، كلّ بما عليه، في الكنيسة وفي العالم، الرسالة التي هي رسالةُ الشعب المسيحي بأجمعه". (دستور عقائدي، الكنيسة، رقم 31).

خاتمة
لقد بيّنا من خلاله دراستنا لكتاب أعمال الرسل أن الكنيسة الأولى لم تميّز بين "مصف الإكليريكيين" و"مصف العلمانيين"، بل ظهرت فيها "الخدمات" التي ساعدت على نموّ الجماعة بدافع من الروح القدس.
وبعد أن كان جميع المعمّدين يقومون بخدمة الكلمة وخدمة الشهادة وخدمة الأسرار بدأ يظهر في وقت لاحق تمييز بين الخدّام المكرّسين وسائر المؤمنين المعمّدين، وبقيت الخدمة منوطةً بالكهنوت المكرّس.
ووصلنا في آخر المطاف إلى أن الكنيسة الكاثوليكية على ضوء تعاليم المجمع الفاتيكاني الثاني عادت وأكّدت حقيقة الكهنوت العام المشترك الذي يتحلّى به المؤمنون العلمانيون، ومنه ينشأ دورهم الرسولي.
ونظراً لضيق المجال وحفاظاً على موضوع المؤتمر فقد اكتفينا بنصوص كتاب أعمال الرسل، ولكننا نشير أيضاً إلى أهمية النصوص الواردة في رسائل بولس وسائر كتب العهد الجديد، والواردة أيضا في "الذيذخة" ورسائل البابا إكليمنضوس والراعي هرماس ورسائل اغناطيوس الأنطاكي ورسالة بوليكاريوس إلى أهل فيليبي. وجميع هذه المراجع عن بدايات الكنيسة تؤكّد صحّة ما ذهبنا إليه. (cf. Les ministères aux origins de 1’Eglise André Lemaire, Lectio Divina, 68- Cerf 1971).
لا شك في أن هذه الدراسة تطرح أمامنا بعض المواضيع اللاهوتية والتاريخية نتركها لذوي الإختصاص للتوغل فيها، نذكر منها:
1- العلاقة بين كهنوت العلمانيين العام وكهنوت المكرّسين لخدمة الرب.
2- تطوّر أسرار الكنيسة السبعة وطقوسها منذ بدء الكنيسة حتى اليوم.
3- دور النساء في خدمة الكنيسة والأسرار.
4- روح الجماعة والمجمعية والسلطة في الكنيسة.
5- تمييز الروح وقراءة الأزمنة في حياة الكنيسة.
6- أهمية تنشئة العلمانيين وتثقيفهم وتحضيرهم ليقوموا بالمهمّات الملقاة على عاتقهم. (Cf. Laïcs et Prêtres, perspectives d’avenir, J.P. Decoupy, S.J. vie Chrétienne, supplement n0 314, 1988)
ولما كانت دراستنا تقتصر على دور العلمانيين في ضوء كتاب أعمال الرسل وتأتي ضمن إطار مؤتمر الرابطة الكتابية، فلا يسعنا في آخر المطاف إلاّ أن نذكّر بما جاء في بعض الوثائق الكنسية الرسمية عن رسالة العلمانيين في نشر كلمة الله والتبشير بإنجيل المسيح كما كان يقوم بها المؤمنون الأوائل:
"إنّ في الكنيسة خِدَماً متنوّعة ولكن الرسالة واحدة. فالمسيح أناطَ بالرسل وخلفائهم مهمّة التعليم والتقديس والحكم باسمه وبسلطانه. غير أن العلمانيين، وقد أشركهم المسيح في وظيفته الكهنوتية والنبويّة والملكية، يضطلعون هم أيضاً، في الكنيسة وفي العالم، بالقسمة التي قُسمت لهم من رسالة شعب الله كله أجمع. ويمارسون عملهُم الرسولي بوجهٍ منظورٍ بالدعوة بالإنجيل وبتقديس الناس، وكذلك أيضاً عندما يعملون على تلقيح النظام الزمني بروح الإنجيل، وتطويره بحيث يُمسي عملُهم، في هذا الميدان، شهادةً صريحةً للمسيح، ويؤول إلى خلاص الناس. ولمّا كان من مُميّزات حالة العلمانيين أن يعيشوا في وسطِ العالم والشؤونِ الزمنيةِ فهم مَدعوّون من قبل الله، ليُمارسوا عملهُم الرسولي فيَ العالم كما يفعلُ الخميرُ فِعلَه، وذلك بقوة روحهم المسيحي (رسالة العلمانيين، رقم 2).
"إنّ على المؤمنين العلمانيّين، بصفتهم أعضاء في الكنيسة، أن يبشّروا بالإنجيل: تلك هي دعوتهم ورسالتهم، فأسرار التنشئة المسيحية، ومواهب الروح القدس تُؤهّلهم لهذا العمل وتُلزمهم به".
ويجدر بنا أن نورد، في ما يلي، نصّاً واضحاً ومكثّفاً للمجمع الفاتيكاني الثاني، جاء في قرار رسالة العلمانيين رقم 10: "إن العلمانيين، بمشاركتهم المسيح في وظيفته، ككاهنٍ ونبيٍّ وملكٍ، يلعبون دوراً فاعلاً في حياة الكنيسة ونشاطها... وإذ يتغذّون بمشاركتهم النشيطة في حياة جماعتهم الليتوِرجية، يُسهمون بغيرةٍ في نشاطاتها الرسولية، ويوجّهون إلى الكنيسة أناساً ربّما كانوا بعيدين عنها جداً، ويشاركون بحرارةٍ في نشر كلمة الله، لا سيّما عن طريق التعليم الديني. إنهم إذ يستعينون بكفاءاتهم، يجعلون خدمة النفوس وإدارة أموال الكنيسة أكثر فاعليّة" (العلمانيون المؤمنون بالمسيح رقم 33).
أكتفي بهذا القدر من الإستشهادات التي إن دلّت على شيء فإنهّا تدلّ على تجذّر لاهوت العلمانيين، في كتاب أعمال الرسل، والعكس الصحيح أي أن كتاب أعمال الرسل لا يزال في أول نضارته، دوماً معاصراً للكنيسة يواكبها في مسيرتها عبر التاريخ، ويجدّد شبابها على مرّ العصور.
أختم حديثي بالقول: إن كتاب "أعمال الرسل"، هو أكثر من سردٍ "لأعمال الرسل"، وهو أكثر من "يوميات بطرس وبولس"، وهو أكثر من "كتاب الروح القدس" والعنصرة، إنه كتاب الجماعة الأولى المؤمنة. هو "سفر الكنيسة الأم"، كنيسة الأصالة والجذور.
إن الكنيسة لا تزال تنادي جميع أبنائها المؤمنين، خاصة العلمانيين منهم، ليشاركوا اليوم كما في الأمس، مشاركةً فعّالة في نموّها ومواكبتها للعالم المعاصر إلى أن تصل إلى ملء كمالها في المسيح يسوع (أفسس 1: 23).
هذا هو نداء الروح القدس، هذه هي عنصرتنا اليوم، لأنّ الكنيسة إذا فقدت جذورها وروحها، فقدت معهما الحياة الحقّة.
الفصل الثالث عشر
الخلافات في الكنيسة الأولى
المطران يوسف ضرغام

مقدمة: هناك أمران يلفتان أنتباه من يقرأ سفر أعمال الرسل للمرة الأولى وهما:
1- الحياة المسيحية المثالية.
2- حضور الروح القدس وعمله في الكنيسة.
ويروح هذا القارىء يحن إلى ذلك الزمان ويتصوّر سعادته لو قيّض له أن يعيش آنذاك في أورشليم أو في انطاكية أو في أفسس أو غيرها. فهو يمتدح تلك الحقبة المثالية حيث عاش المسيحيون متحدين كما لو كانت الأرض قد تحوّلت إلى عدن ثانية. وقد سألني شاب قرأ هذا الكتيب: لماذا نرى اليوم الكنيسة منقسمة على ذاتها مبعثرة إلى بدع وشيع؟ لماذا لا يعود المسيحيون إلى الزمان الأول، إلى العصر الذهبي؟ فكان جوابي أن أعدت قراءة السفر معه لافتاً انظاره إلى الظلال التي لا تخلو منها صفحة من صفحاته: بعد العنصرة يُسجن بطرس ويوحنا، بعد لوحة الحياة المشتركة الرائعة مأساة حننيا وسفيرة ثم مشكلة اليونانيين التي لم تحل بتأسيس الشمامسة ورجم رئيس الشمامسة وتشتيت المسيحيين والإضطهادات والسجون ومقتل يعقوب وظهور السحرة والعرافين والاختلافات بين بولس وبرنابا والمجابهة بين. اليهود المتنصرين والوثنيين المتنصرين والعذابات التي احتملها الرسل وسائر المصائب المتأتية إما من خلافات داخلية وإما من اضطهادات خارجية على حد قول الرسول بولس: "صراع من داخل وخوف من خارج" (2 قو 7/5). وهكذا لوحة جميلة تليها لوحة دكناء صورة مشرقة تليها صورة قاتمة... لوحات وصور فيها الإيجابي وفيها السلبي، فيها النجاح وفيها الفشل، فيها الحماس وانطلاقة الرسالة وفيها الخوف والاضطهاد، فيها عمل الروح والعجائب وفيها الضعف البشرى بكل مظاهره. انها ملحمة الهية وانسانية تماماً كما هي حال الكنيسة اليوم. هذا هو كتاب أعمال الرسل وهذه هي الكنيسة الأولى. سأتوقف في هذه العجالة على ثلاث نقاط شغلت هذه الكنيسة طوال القرن الأول مستنداً إلى سفر الأعمال ومكملاً معطياته بالرجوع إلى بعض كتب العهد الجديد الأخرى وهذه النقاط هي:
1- الحركات المعمدانية.
2- الغنوصية.
3- مشكلة اليهود المتنصرين.


1- الحركات المعمدانية
يُعتبر الماء منذ أقدم العصور وعند اكثر الشعوب رمزاً إلى التطهر والتنقية. وقد ظهرت منذ القرن الثاني قبل المسيح وحتى القرن الثالث وبعده حركات معمدانية في العالم اليهودي نذكر على سبيل المثال جماعة قمران التي كانت تستعمل العماد كرتبة قبول في الجماعة بالإضافة إلى التطهر. وقد استعمله يوحنّا المعمدان كرتبة توبة لمغفرة الخطايا يعدّ المعمد للدخول في ملكوت الله، ملكوت المسيح الذي يعمد بالروح القدس (مر/8). وتلاميذ يوحنّا عمدوا على غرار معلمهم. وبقي عماد يوحنا سائداً حتى بعد قيامة الرب، فنرى أن ابولوس اليهودي الاسكندري الذي كان يبشر بطريقة الرب لم يكن قد نال سوى معمودية يوحنّا (أع 18/25). كذلك الكلام على بعض التلاميذ في أفسس الذين لم يكونوا سمعوا بالروح القدس (أع 19/ 601) وكانت معموديتهم تتم باسم يسوع وتعني ان المعمد أصبح تلميذاً ليسوع مؤمناً بانه إله ومعلناً هذا الإيمان. وامتدت هذه المعمودية الى زمن طويل حيث يتكلم سفر الأعمال عليها قبل ان يتكلم على المعمودية باسم الثالوث الأقدس (2/38، 10/ 48، 19/ 5، 22/16). انما كان المعمد يقبل الروح القدس الذي قال عنه يوحنا: "سيأتي بعدي من يعمّد بالروح القدس" (مر 1/ 8) وذلك لم يتوضح إلاّ بعد قيامة الرب لان الروح لم يكن بعد قد أُعطي. ثم تطورت الصيغة وأصبح العماد يتم باسم الثالوث الأقدس. في الصيغة الأولى كانوا يعنون ان المعمّد أصبح ملكاً ليسوع، وقد اشترك في موته وقيامته. أما الصيغة الأخيرة فتضيف ان المعمد أصبح شريكاً في حياة الثالوث الأقدس.

2- الغنوصية
المدارس الغنوصية المسيحية لم تظهر إلاّ في القرن الثاني بينما الآراء الغنوصية سابقة للمسيحية وموجودة في العالم الوثني وعند اليهود، منذ القرن الرابع قبل المسيح وقد بقيت تبلبل أفكار المسيحين حتى القرن الرابع وبعده. وقد انتقدهم بشدة كلمنص الاسكندري وهيبوليت وأويجزيب ويوستينوس وبخاصة إيريناوس في كتابه ضد الهراطقة حيث فند تعاليمهم. ولكننا نجد تعاليمهم في القرن الأولى ينتقدها الرسل كبولس في رسائله إلى أهل كولوسي وكورنتوس وأفسس، وفي الرسالة إلى العبرانيين كما يحذر منها بطرس في رسالته الثانية ويهوذا ويوحنّا في رسالته الأولى والرؤيا وغيرها.
تريد الغنوصية التوفيق بين الأديان والفلسفات وقد اخذت بعداً جغرافيّاً واسعاً مع فتوحات الأسكندر وخاصة مع الرومان حيث قامت ديانات شرقيّة عديدة كان لكل منها هياكلها واتباعها في روما.
الغنوصية حركات دينية تضع الخلاص في المعرفة فقط وتختصر كل ما هو مادي. وظهرت بصيغة الثنائية التي تفصل بين المادة والروح والنور والظلمة، كما تتكلم على انبثاقات قوات وارواح عن الالوهية تملأ الكون وتؤلف حلقة بين الله والبشر. وهي تدير الكون المادي وتشاركه في النظام الطبيعي والروحي، وهي أسمى مرتبة وجوهراً من المسيح يسوع. وقد نقض كاتب الرسالة إلى العبرانيين هذا القول في الفصل الأول من رسالته حين قال عن المسيح: "هو شعاع مجده وسمة جوهرة وحامل كل شيء بكلمة قوته... فصار أعظم من الملائكة بمقدار سمو اسم ورثه غير أسمائهم... عند إدخاله البكر إلى المسكونة يقول: فلتسجد له جميع ملائكة الله" إلخ (عبر 1/1...). ويقول القديس يوحنّا: "هذا هو المسيح الدجال الذي ينكر الآب والابن" (1 يو 2/ 22). ويهوذا: "فقد اندس اناس كتب عليهم هذا القضاء منذ القديم، كافرون"، حوّلوا نعمة إلهنا إلى عهر وهم ينكرون سيدنا الأوحد وربنا يسوع المسيح.... وهؤلاء أيضاً امثال أولئك، في هذيانهم، ينجسون الجسد ويرذلون السيادة ويجدفون على أهل المجد" (يهوذا 4، 8).
الغنوصية منتشرة في بلدان البحر المتوسط منذ زمن بعيد وهي تناهض اليهودية ثم المسيحية وحتى الوثنية. الغنوصيون يدّعون ان هناك وحياً قديماً أنتقل سرياً في تقليد خفي مع رجال مبتدئين. كما يدعون ان هناك كتباً غنوصية تتكلم على وحي هبط على هرمس وغيره من أنبيائهم. والغنوصون المسيحيون يعنونون كتبهم باسم الرسل او مريم المجدلية وغيرها من الذين قبلوا وحيا خاصاً من السيّد المسيح. فالغنوصية هي أذن وحي وهي أيضاً عقيدة خلاص تعلّم ان على النفس ان تتخلص من العالم المادي حيث سقطت. وهذا التحرر يتم بوحي سماوي يرافقه عبادات وطقوس سحرية. والدخول في الغنوصية لم يعط للجميع بل لعدد من المبتدئين ويبدو ان سمعان الساحر الذي يتكلم عليه سفر الأعمال في الفصل الثامن كان غنوصياً ويدعوه التقليد أبا الغنوصية المسيحية. فبعد عماده أراد أن يبتاع من الرسل قوة الروح القدس (أع 8/ 9- 11). ويذكر القديس يوستينوس ان سمعان كان يعتبر إلهاً في السامرة وكان مشايعوه يرون فيه قوة الله العظمى. ولم تكن الغنوصية المسيحية ذات إيمان واحد بل انقسمت إلى عدة تيارات نرى الرد عليها في العهد الجديد وفيما بعد عند الآباء. فالقديس بولس في رسالته إلى الغلاطيّين يتكلم على الذين يرفعون العناصر حتى التاليه فيقول: "كذلك نحن لما كنا قاصرين كنّا مستعبدين تحت عناصر العالم... أما الآن وقد عرفتم الله أو بالأحرى عرفكم الله فكيف ترجعون إلى العناصر الهزيلة والحقيرة التي تريدون ان تعودوا كما من قبل تتعبدون لها" (غل 4/3، 9).
كما يتكلم على منكري القيامة في رسالته الأولى إلى أهل قورنتية: "ان كان المسيح يُنادى به انه أقيم من بين الأموات، فكيف يقول بعض منكم إن لا قيامة للاموات" (1 قو 16/ 12). والقديس يوحنا في الرؤيا يتكلم على النقولاويين وعلى ايزابيل النبية التي تضل المسيحيين في تياتير وتحضّهم على عبادة الإمبراطور (رؤ 2/ 20). وهناك أيضاً الظاهريون القائلون بأن المسيح ولد ومات ظاهراً لكي يعلمنا من بعيد وبهذا ينكرون سري التجسد والفداء. وضد هذه الأقوال يشدد يوحنا في رسالته الأولى على مجيء المسيح بالجسد: "بهذا تعرفون روح الله: كل روح يعترف بيسوع المسيح انه جاء في جسد يكون من الله. وكلى روح لا يعترف بيسوع لا يكون من الله. وهذا هو روح المسيح الدجال الذي سمعتم انه يأتي وهو الآن في العالم (1 يو 4/2- 3) وهذا بطرس يندد بالمسحاء الكذبة: "لقد كان في الشعب انبياء كذابون وأيضاً سيكون فيكم معلمون كذابون يدخلون بدع هلاك فينكرون السيد الذي اشتراهم ويجلبون على أنفسهم هلاكاً سريعاً وكثيرون سيتبعون عهرهم وبسببهم يجدف على طريق الحقّ... وخصوصاً الساعين وراء الجسد في شهوة النجاسة والمحتقرين السيادة" (2 بط 2/ 1....).
هكذا تبدو الغنوصية عالماً خرافياً تمتزج فيه الفلسفة والدين وحركة أنتقائية تأخذ تعاليمها عند كل الأديان الشرقية والفلسفات وتشدد على الخلاص بمحاربة المادة والزواجْ الذي هو شر وبالدعوة إلى التحرر بالمعرفة اذ بالمعرفة وحدها يعرف الإنسان أصله وغايته. فالمسيحيون العارفون هم وحدهم مسيحيون حقيقيون. فهم يعرفون أن كلام السيد المسيح يجب أن يُفهم رمزياً. وهم يعرفون أكثر من الرسل أنفسهم الذين كتبوا قبل أن يصيروا عارفين. بالمعرفة يفتدى الإنسان الروحي إذ عندما يعرف العارف كل شيء يكون قد نال الفداء.

3- اليهود المتنصرون
يوم العنصرة (سنة 30 أو 31) قبلَ العماد ثلاثة آلاف يهودي ظلّوا مواظبين على الصلاة في الهيكل وممارسة الشريعة الموسوية. وكانوا يعتبرون كإحدى الفرق اليهودية كالصدوقيين والفريسيين والغيارى... إنما كانوا يتميزون بكسر الخبز والعماد. وكان يقيم في أورشليم، إلى جانب يهود المدينة، يهود أورشليم من جهة ومن جهة ثانية لم يكن يهود الشتات يهتمون بالأمور السياسية القومية ولم يشاركوا في الثورة ضد الرومان كما كانوا يمتازون بانفتاحهم على العالم الوثني الذي يعيشون فيه، وعلى الحضارات والثقافات التي كانوا يتعاملون معها. بينما يهود أورشليم كانو معروفين بانغلاقهم وتمسكهم الأعمى بحرف الشريعة وتعصبهم وقد أضطهدوا يهود الشتات واعتبروهم خونة لموسى وشريعته ولم يكونوا يؤاكلونهم. وقد منعوا المعونات من الوصول إلى أراملهم. وأمام تشكي يهود الشتات من هذا الوضع، أسس الرسل الشمامسة لخدمة الموائد بينما انصرفوا للتبشير: فرسموا سبعة شمامسة على رأسهم اسطفانوس الذي مات رجماً بالحجارة. فتشتت الهلينيون ونزحوا صوب السامرة والجليل وسوريا وصولاً إلى انطاكية وهي من امهات المدن آنذاك. كان ذلك على التقريب في السنة السادسة والثلاثين وهي ايضاً سنة ارتداد شاول- بولس الذي راح أيضاً يبشر حتى بلغ انطاكية التي اصبحت عاصمة المسيحية الثانية بعد أورشليم، وكان فيلبس قد عمد خازن ملكة الحبشة (أع 8/38)، وبطرس أهل بيت كورنيليوس قائد المئة الوثني (أع 10/ 48). وكذلك بولس وبرنابا اللذان بعد أن كانا يبشران اليهود في مجامعهم، راحا يبشران الوثنيين ويعمدانهم من دون المرور بالختان. فقام التساؤل الذي شغل الكنيسة مدة من الزمن: هل يجوز ان يعتنق الوثني المسيحية من دون المرور باليهودية اي بالختان والشريعة؟
كنيسة أورشليم كانت تطالب بالختان لمعتنقي المسيحية. لم يكن يعقوب الصغير رئيس هذه الكنيسة يستطيع التخلص من تقاليد الآباء وممارساتهم. لكن بولس لم يعبأ بهذه الأقاويل التي لم يرَ فيها سوى حرف يقتل بينما المسيحي انتقل إلى العبادة بالروح والحقّ. وهكذا ظهر تياران ينتسب احداهما إلى أورشليم والثاني إلى أنطاكية. قبل سقوط أورشليم لعبت كنيسة يعقوب دوراً مهماً في حياة الجماعة الأولى. يعقوب الصغير هو من اقارب يسوع ويكن له الجميع احتراماً فائقاً. أهمية ميوله تظهر في كتابات غير قانونية كإنجيل العبرانيين القائل بأن يسوع ظهر بعد قيامته اولاً ليعقوب. كما يقول انجيل توما ان الرسل بعد الصعود، أتوا إلى يعقوب. وكتب منحولة وجدت في نجع حمادي تقدم يعقوب على يوحنا وبولس. على كل حال، بولس ذاته كان يقر بمقام يعقوب اذ عندما جاء إلى أورشليم التقى بطرس ويعقوب. أما الفرق بين موقفي بولس ويعقوب فينحصر بهذين المقطعين: 1- من رسالة بولس إلى الرومانيين: "أذن فأين الفخر؟ لقد ألغي! بأي شريعة؟ أبشريعة الأعمال؟ كلا بل بشريعة الإيمان لأننا نعتبر ان الإنسان يبرر بالإيمان بمعزل عن أعمال الشريعة. ام ان الله اله اليهود لا غير؟ أليس هو أيضاً اله الأمم؟ بلى انه إله الأمم أيضاً فلأن الله واحد، فهو بالإيمان يبرر الختانة، وبالإيمان يبرر القلفة" (رو 3/ 27- 30). 2- من رسالة يعقوب: "انكم ترون ان الإنسان بالأعمال يتبرر لا بالإيمان وحسب. لكن هذه الخلافات لم تقد إلى الإنقسام. فإذا تابعنا مسيرة الكنيسة نرى المسيحيين الأولين يلازمون الهيكل (أع 2/ 4) وبطرس يصلي الساعات القانونية اليهودية (10/ 9) والذين اتهموا اسطفانوس بأنه عدو الثورة هم شهود زور (13/6). وبولس ذاته يتطهر مع أربعة رجال ويدخل الهيكل ويقرب القربان عن كل منهم (21/28). فهو لم يستح من أن يحافظ على الشريعة ويبشر بالمحبّة بين المسيحيين ويتطوع لجمع المال من كنائس الشتات لمساعدة كنيسة أورشليم. إذ يجب ان تقوم علاقة خاصة بالكنيسة الأم وبالشعب الذي هو الأصل كما يتكلم عنه مطولاً في رسالته إلى اهل روما. هناك إذاً بعض الإختلافات، ولكن هناك ايضا المحبّة والإيمان الواحد. أما بالنسبة إلى السؤال المطروح سابقاً، فقد رأى الرسل أن يجتمعوا في أورشليم لدرسه والبحث فيه. فكان ذلك بمثابة أول مجمع كنسي سنة 48 أو 49. مجمع أورشليم (أع 15/ 3505): "قام مؤمنون من مذهب الفريسيين وقالوا إن على الوثنيين أن يختنوا، وأن يلزموا بالحفاظ على توراة موسى. واجتمع الرسل والشيوخ للنظر في هذا الأمر" (أع 15/5- 6). يعقوب من جهة يساند التقاليد، بينما بولس وبرنابا يطالبان بترك الختان جانباً. وبطرس يحاول التوفيق بين الوجهتين وهو عالم ان العماد وحده كافٍ. ولكن يبقى هناك مكان للتسوية ولارضاء يعقوب. فقبل يعقوب بوجهة نظر بولس أي بعدم الإلتزام بالختان، لكنه توصل إلى فرض بعض التنازلات تلافياً للانقسام وكتسوية للتعايش وهي: عدم المشاركة في كل ذبائح الأصنام وعدم كل اللحم المخنوق والامتناع عن كل الدم والزنى. فجاء كلام يعقوب آية في الحكمة والاعتدال والواقعية: يقول: "ولذلك أرى أنا إلا نجور على الأمم العائدة إلى الله، بل نكتب إليها ان تمتنع عن رجاسات الأصنام وعن الفجور وعن لحم المخنوق وعن الدم. فلموسى، منذ الأجيال الأولى، وفي كل مدينة، دعاة يقرأونه كل سبت في المجامع" (أع 15/ 19- 21). فقبل بولس بهذا الموقف، لا بل دافع عنه في رسائله أكثر من مرّة، وذلك حفاظاً على رباط المحبّة والوئام. يقول في رسالته إلى اهل روما: "من يأكل لا يحتقر من لا يأكل. ومن لا يأكل لا يدن من يأكل. لأن الله قبله... أذاً فلا نحكمن من بعد بعضنا على بعض، بل أحكموا بالأحرى ألا تجعلوا لاخيكم عثرة أو زلة... لا تهلك بطعامك ذاك الذي مات المسيح من أجله.. لا تهدمنّ بطعام عمل الله. كل شيء طاهر إنما ينقلب شراً على الإنسان الذي يأكل ويكون بأكله عثرة... فعلينا نحن الأقوياء ان نحمل ضعف الضعفاء ولا نرضي أنفسنا... لأن المسيح لم يرضِ نفسه... لذلك إقبلوا بعضكم بعضاً كما قبلكم المسيح لمجد الله..." (رو 14-15). وضع حكم المجمع حداً للجدل إذن في قضية الوثنيين المتنصرين، ولكن تنفيذ حكم المجمع بقي معلقاً ولم يتحقّق إلاّ تدريجياً وتحت وطأة ظروف خارجية. فهذا بطرس مثلاً، رئيس الكنيسة، يتردّد في تطبيقه في أنطاكية. وهناك حدث مهم يذكره بولس في الفصل الثاني من رسالته الى غلاطية. يقول الرسول: "ولما قدم كيفا إلى أنطاكية قاومته مواجهة، لأنه ما كان على صواب. فقبل أن يقدم بعض من عند يعقوب، وكان يؤاكل الأمم. فلما وصلوا أخذ ينسل وينفصل، خوفاً من أهل الختانة. وجاراه سائر اليهود في محاباته حتى برنابا نفسه انجر بمحاباتهم. فحين رأيت انهم لا يسلكون مسلكاً مستقيماً بحسب حق الإنجيل قلت لكيفا أمام الجميع: إن كنت وأنت يهودي، تعيش عيش الأمم لا عيش اليهود فكيف تضطر الأمم ان يتهودوا" (غل 2/ 11- 14)؟ لم يكن بطرس يجد صعوبة بدخول الوثنيين الكنيسة من دون الرجوع إلى الشريعة لكنه خاف يهود أورشليم، على حد قول بولس ولم يعد يؤاكلهم وهذا ما يلومه جمليه بولس بقساوة. وهكذا تدريجياً لم تعد المسيحية مرتبطة باليهودية ولم يعد يطلب من أحد أن يتنكّر لثقافته لكي يصبح مسيحياً فاصبحت الكنيسة جامعة حقاً وانتصرت في النهاية وجهة نظر بولس. وبعد سنة السبعين اي بعد دمار الهيكل وتشتت اليهود، تم الإنقسام نهائياً بين الديانتين وانتهت قصة اليهود المتنصريين.
خاتمة
هكذا نشأت الكنيسة في التنوع واختلاف وجهات النظر. جاء السيد المسيح لأجل خلاص البشرية جمعاء ومع ذلك فالناس مختلفون حول شخصه وتعاليمه. هناك فرق بين كنائس بولس وكنيسة أورشليم، بين رسائل بولس ورسالة يعقوب، هناك خلاف بين بولس وبرنابا كما بين بولس وبطرس الخ....
وهذه الفروقات وهذه الخلافات انتقلت إلى الكنيسة عبر العصور وازدادت مع الأيام فكأن البدع والخلافات أمر محتوم. ألم يقل القديس بولس: "لا بدّ من أن يكون بينكم بدع ليكشف الممتحنون بينكم" (1 قو 11/19)؟ أليس هذا ما نرى اليوم من مشادات ونزاعات وانقسامات وهرطقات. أوليست خطيئة اليهود المتنصرين لا تزال تترصدنا، خطيئة الانغلاق على الذات، بحجة الحفاظ على وديعة الإيمان والتقاليد؟ ولكننا من جهة اخرى، والحمد الله، نرى ان أمثولة بولس هي المثمرة. فالبابا يوحنّا الثالث والشعرون نادى بفتح ابواب الكنيسة ونوافذها. وما المجمع الفاتيكاني الثاني سوى هذا الإنفتاح على العالم. انه يريدها كنيسة من اجل العالم، كنيسة منفتحة، كنيسة محاورة، كنيسة تقبل الانتقاد لأجل اصلاح ذاتها ونفض الغبار العالق بجدرانها من قبل ضعف ابنائها وخطاياهم. على كنيسة اليوم ان تقبل الآخرين، ان تتجدد لا خارجياً فقط بل من الداخل ايضاً ومن الداخل بنوع خاص. فالمسيحي لا يتعلق بجمل وتعابير وعادات بل علاقته بالمسيح يسوع القائم من الموت والمنتصر على الرتابة والكسل والاكتفاء الذاتي. يقول الملاكان للتلاميذ بعد صعود الرب: "ايها الجليليون لماذا تظلّون تنظرون إلى السماء؟ فيسوع هذا، الذي رفع عنكم إلى السماء، سترونه آتياً على نحو ما رأيتموه ذاهباً إليها" (أع 1/ 11). يا مسيحيّ اليوم، لا تظلوا تحلمون بعصر ذهبي مضى، بل انظروا إلى عمل الروح في عصرنا، انظروا إلى ورشة التجديد التي انطلقت من المجمع الفاتيكاني الثاني وضعوا ذواتكم في تصرف الروح الذي يهب حيث يشاء والذي يحملكم إلى حيث يشاء إلى حيث تدعو الشهادة إلى العالم الذي ينتظركم.
الفصل الرابع عشر
النساء ودورهن في أعمال الرسل
الأب نجيب إبراهيم

المقدّمة
إن وضع الدراسات حول دور النساء في أعمال الرسل يتلخّص بتيّارين. الأول يؤكّد أن للوقا، كاتب هذا السفر، نظرة إيجابية عن المرأة. وأعمال الرسل يتّفق مع مضمون الإنجيل الثالث وتعليم يسوع. والتيّار الثاني يؤكّد أن لكاتب "الأعمال" نظرة سلبية بالنسبة للمراة، خاصة من ناحية دورها البطولي. دراسة ماري روز دانجلو ("المرأة في لوقا- أعمال: نظرة إنشائية") تمثّل هذا التيّار الذي نعتقده وارثا للتيّار التفسيري الذي يجعل من سفر الأعمال "كتاب الكثلكة الأولى" (proto-catholicisme). دانجلو تستنتج من دراستها ان للوقا هدفين: وصفه للنساء موّجه ضد المسيئين (في الداخل والخارج) للخدمة النبوية المسيحية، ضد أولئك الذين ينظرون إلى دور المرأة القيادي كعلامة للفوضى الإجتماعية وللسحر وللطبيعة اليهودية والشرقية للحركة الجديدة. إذا هدف أعمال الرسل الدفاع عن الدين الجديد. وله أيضاً هدف تعليمي: على المرأة أن تتصّرف بتحفّظ وباعتدال. لذلك لا وجود لدور قيادي وبطولي للنساء في أعمال الرسل.
منذ البدء نعبر عن عدم مشاركتنا لهذا التيّار التفسيري. فالدراسة التي تلي تساعدنا على تكوين فكرة إيجابية عن المرأة في أعمال الرسل. إنها فكرة تنبع من الكتاب المقدّس، ولها دورها في توجيه طريقة تفكيرنا. في مرحلة أولى نستعرض المعطيات في أعمال الرسل. ومن ثم نحاول أن نستنتج بعض النّقاط عن دور النّساء.
أ- المعطيات.
- أعمال 1/ 14: "وكانوا يواظبون على الصلاة بقلب واحد، مع النّسوة ومريم أم يسوع". في انتظار مجيء الروح القدس، يُعنى لوقا بالإشارة لحضور بعض النّسوة، هؤلاء هنّ اللواتي تبعن يسوع في رحلاته الرسولية كما يبيّن كاتب الإنجيل الثالث في 8/ 1-3 حيث ترد بعض الأسماء: مريم المعروفة بالمجدلية وحنّة إمرأة كوزي خازن هيرودس وسوسنة وغيرهن كثيرات كنّ يساعدن يسوع والاثني عشر بأموالهنّ.
ومن بين الحاضرين "مريم أم يسوع". اسم "مريم" يرد في لوقا 1- 2 فقط، مما يعني أن هناك ارتباطاً بين بداية الإنجيل وبداية أعمال الرسل، بين حلول الروح القدس على مريم العذراء التي ستصبح أم يسوع وبين حلول الروح القدس على جماعة الرسل والنسوة. وحدها مريم حاضرة في الحدث الأول والثاني. الملاك جبرائيل قال لمريم: "إن الروح القدس سينزل عليك وقدرة العلي تظللك" (لوقا 1/ 35). والقائم من بين الأموات قال للرسل: "ولكن الروح القدس ينزل عليكم فتنالون قوة وتكونون لي شهوداً في أورشليم وكل اليهودية والسامرة، حتى أقاصي الأرض" (أعمال 1/ 8). هذا التّقارب بين النصّين يدفعنا للتّأكيد على نية لوقا في إظهار دور مريم: إنها أم يسوع وأم الكنيسة. اسم يسوع يرد في رواية دعوة بولس الأولى. القائم من بين الأموات قال لبولس: "أنا يسوع الذي أنت تضطهده" (أعمال 9/ 5). فالإسم "يسوع" يعني المسيح الحاضر في المسيحيين، في الكنيسة. ولقب مريم "أم يسوع" الذي يتفرّد لوقا في ذكره أعماله الرسل يدفعنا للتفكير والإستنتاج حول دور مريم في الكنيسة وفي عملها الرسولي.
- أعمال 2. النّص الذي يرد في عظة بطرس الأولى من سفر يوئيل (أع 2/ 17- 21) يعلن مرّتين أن موهبة الروح سوف تعطى للرجال والنساء: "فيتنبأ بنوكم وبناتكم... وعلى عيدي وإمائي أيضا أفيض من روحي في تلك الأيام فيتنبأون".
- الفصل الخامس يصوّر الوجه المظلم للجماعة المسيحية: كذب وعقاب إمرأة ورجل، حننيا وسفيرة.
ويتابع الفصل الخامس التكلم عن حياة الرسل والمسيحيين مؤكّداً أن عدد المؤمنين كان آخذاً في التزايد: "بل كانت جماعات الرجال والنساء تزداد عدداً فتنضمّ إلى الرّب بالإيمان" (أع 5/ 14).
- الفصل السادس يلفت الانتباه إلى أرامل الهلّينيين لأنهنّ "يُهملن في خدمة توزيع الأرزاق اليومية" (أع 6/ 1).
- الفصل الثامن يخبرنا عن إضطهاد اليهود لكنيسة أورشليم وعن شاول الذي كان "يجرّ الرّجال والنساء، ويلقيهم في السجن" (أع 5/ 3). والشتات الذي حصل بسبب هذا الإضطهاد ساهم في نشر الإنجيل: رسالة فيلبس في السامرة. فلمّا صدق أهلها فيلبس الذي بشّرهم بملكوت الله واسم يسوع المسيح، اعتمدوا رجالاً ونساء (8/ 12).
- والفكرة نفسها ترد في الفصل التاسع حيث يطلب شاول الرسائل من عظيم الأحبار "حتى إذا وجد أناساً على هذه الطريقة، رجالاً ونساءً، ساقهم موثقين إلى أورشليم" (أع 9/ 2). وفي الفصل ذاته لدينا روايتا شفاء متوازيتان. فرواية شفاء المعقد إينياس في اللد من قبل بطرس (أعب 9/ 32-35) تتبعها رواية إحياء طابيثة في يافا (أع 9/36-43). والروايتان تنتهيان بنفس الفكرة: إهتداء الكثيرين والإيمان بالرّب (أع 9/ 35 و42).
- الفصل الثاني عشر يتكلّم عن إمرأتين أخريين، "مريم أم يوحنا الملقّب مرقس" (آ 12) وروضة الجارية (آ 13).
- الفصل الثالث عشر يدخلنا إلى رحلة بولس الأولى. في أنطاكية بسيدية "كانت كلمة الله تنتشر في الناحية كلّها. على أن اليهود أثاروا كرائم النساء العابدات واعيان المدينة، وحرّضوا على اضطهاد بولس وبرنابا فطردوهما من بلدهم" (أع 13/ 49-50). إنه من النادر أن يخبرنا لوقا عن العمل السلبي عند النساء. مع هذه الرواية نذكر الفصل الخامس وقصة حننيا سفيرة.
- الفصل السادس عشر يلقي نظرة سريعة على أم طيموتاوس "يهودية مؤمنة" أما أبوه فكان يونانياً (16/ 1).
- ليديا في مدينة فيليبي. في نفس هذا الفصل تبدأ "الأجزاء- نحن"، فيها ينتقل الكاتب من الضمير الغائب إلى المتكلّم (أع 16/ 10). وبهذا يزداد عدد الشواهد التي تتكلّم عن النساء. والمقطع الأول من "الأجزاء- نحن" ينقلنا مباشرة إلى مدينة فيلبي عظمى المدن في ولاية مقدونية. واحتكاك الرسل مع المدينة يتمّ من خلال النساء اللواتي أتين للصلاة في المصلّى (16/ 13). من بينهن إمرأة "تعبد الله" اسمها ليدية (16/ 14)، لم تكن يهودية إنّما قريبة من الدين اليهودي. وهي بائعة إرجوان من مدينة تياطيرة من أعمال آسيا الصغرى، كانت "تستمع" إلى الرسل ففتحت للرب قلبها وللرسل بيتها: "ففتح الرّب قلبها لتصغي إلى ما يقول بولس. فلمّا اعتمدت هي وأهل بيتها، دعتنا فقالت: "إذا كنتم تحسبوني مؤمنة بالرّب فادخلوا بيتي وأقيموا عندي". فاضطرّتنا إلى قبول دعوتها" (أع 16/ 15). وقبل أن يترك بولس وسيلا مدينة فيليبي بعد خروجهم من السجن زارا ليديا للقاء الأخوة أي جماعة المسيحيين؛ مما يعني أن بيت ليديا أصبح نواة الكنيسة في مدينة فيليبي. هذه المرأة كانت تعني الكثير بالنسبة لبولس (راجع الرسالة إلى أهل فيليبي) وللوقا، كاتب أعمال الرسل.
السبب المباشر لسجن بولس في فيليبي كان إخراج الروح العرّاف من الجارية. أما السبب الحقيقي فكان ضياع أمل سادتها من الكسب بواسطتها. 
- الفصل السابع عشر ينقل الأحداث إلى تسالونيقي. ومن بين الذين اقتنعوا وانضمّوا إلى بولس وسيلا "جماعة كثيرة من عباد الله اليونانيين، وعدد غير قليل من كرائم النساء" (أع 17/ 4). الشيء نفسه يحدث في بيرية حيث "آمن كئير منهم، وآمن من النساء اليونانيات الكريمات والرجال عدد غير قليل" (أع 17/ 12). وفي آثينة أيضاً ينضمّ إلى بولس ويؤمن بعض الرجال وإمرأة يهتم لوقا بذكر اسمها واسم رجل: "ومنهم ديونيسيوس الأريوباغي، وامرأة اسمها دامريس وآخرون معها" (أع 17/ 34).
- في الفصل الثامن عشر بولس يقيم في قورنتس ويتوقّف قليلاً في أفسس. في المدينتين يلقى بولس حضور وعون أقيلا وامرأته برسقلّة، وهما زوجان يهوديان أصلهما من بنطس وقد هاجرا قبل وقت قليل من روما (أع 18/ 2). وإذا أخذنا بالإعتبار أن اسم برسقلة يرد مرتين في نفس الفصل (18/18 و26) قبل اسم زوجها، يمكن أن نستنتج أنها الأكثر موهبة وطاقة في عملها الرسولي بجانب بولس (راجع أيضاً روما 16/ 3). ومن الجدير أن نبيّن طبيعة الرسالة التي قام بها الإثنان وبنوع خاص هذه المرأة: "فشرع (أبلّس) يتكلّم في المجمع بجرأة، فسمعته برسقلّة وأقيلا، فأتيا به إلى بيتهما وعرضا له طريقة الرّب في وجه أدقّ" (أع 18/ 26). ونتساءل هل كانت لديهما موهبة التّعليم التي يذكرها بولس في رسالته إلى أهل قورنتس: "والذين أقامهم الله في الكنيسة هم الرسل أولاً والأنبياء ثانياً والمعلّمون ثالثاً" (1 قورنتس 12/ 28).
- الراوية الثالثة بصيغة "نحن" تبدأ في 21/ 1. تظهر النساء من جديد. بولس وبعض الرفاق يزورون صور بطريقهم إلى أورشليم. وعند مغادرة المدينة يقول الكاتب: "فشيّعنا جميع التلاميذ مع النساء والأولاد إلى خارج المدينة" (أع 21/ 5). وعند وصولهم إلى قيصرية دخل بولس إلى بيت فيليبّس المبشّر، وهو أحد السبعة. ويتابع النّص قائلاً إن: "كان له أربع بنات عذارى يتنبّان" (أع 21/ 8-9؛ راجع 2/ 17-18؛ 1 قو 11/ 5 و14/ 33-35؛ 1 طيم 2/ 11-12).
- في خطبة بولس في أهل أورشليم يقول: "واضطهدت تلك الطريقة حتى الموت، فأوثقت الرجال والنساء وألقيتهم في السجون" (22/ 4). والفصل 23 يذكر "ابن أخت بولس" (آ 16). في 24/ 24 تذكر إمرأة فيلكس الحاكم في قيصرية درسلّة.
ب- بعض الإستنتاجات والملاحظات.
1- المرأة عضو كامل في الجماعة المسيحية. النسوة حاضرات في العليّة مع أم يسوع والرسل. ولكن هنا يجب أن نلاحظ كيف يتكلّم لوقا عن جماعة الرسل فيورد أسماء الرسل الأحد عشر، ثمّ يتكلّم عن حضور بعض النّسوة ومريم أم يسوع وأخوته. إذا الرسل هم جماعة معروفة كما يرد في 1/ 2: الرسل الذين اختارهم. بينما كلمة "نسوة" ترد بدون "ال" التعريف في الأصل اليوناني. والنّص يعطينا فقط أسماء الرسل الاثني عشر واسم أم يسوع. أظنّ أن لوقا يهتمّ هنا بأن يعبر عن نقطتين: النّسوة حاضرات في بداية الكنيسة ولكنهنّ لسن من "الاثني عشر". إنهن يؤلفنّ حضوراً أكيداً في حياة الكنيسة ورسالتهنّ متحدة بشخص ورسالة مريم أم يسوع.
2- في الشواهد التي استعرضناها نلاحظ أن لدى لوقا بنية إنشائية مهمّة في التّكلم عن المرأة أي الزوجية أو ثنائية الحضور: "معاً رجال ونساء". هذه الطريقة متبعة أيضاً في الإنجيل الثالث.
3- المرأة ليست فقط من تحتاج إلى أعمال المحبة، إنّما هي أيضاً من يفعل ناشطاً في حقل المشاركة والخدمة والمحبّة الأخوية. أعمال 9/ 36- 42: طابيثة هي تلميذة من يافا، غنية بالأعمال الصالحة والصدقات التي تعطيها. كانت تهتمّ بالأرامل، تصنع الأقمشة والأردية وتعطيها لهنّ. أي إنها غنية بأعمال المحبّة، محبّة القريب. لوقا يعتبر أن هذه الحسنات هي "كنز في السماء" (لو 12/ 33)، يذكرها الله، كما يرد في رواية عماد قورنيليوس (أع 10/ 4). إذاً النساء في أعمال الرسل لسن فقط تلك الأرامل اللواتي يحتجن إلى مساعدة الأخوة في الكنيسة. هنّ تلميذات ناشطات في حقل الرّب بأعمال المحبّة والمشاركة التي كانت تسود حياة الجماعة المسيحية (أع 2/ 42).
- للمرأة دور مهمّ في الكنيسة وفي رسالتها. هنا نذكر أولاً أم يوحنّا مرقس (أع 12/ 11- 17). إنها إمرأة ميسورة كما يتّضح من وصف النّص لبيتها: ما يُترجم بكلمة "دهليز" هو على الأرجح رواق البيت (الرواق لا يكون إلا في الييوت الكبيرة) حيث كانت تستضيف جماعة من الناس تصلّي من أجل بطرس المسجون. هذه الجماعة هي الكنيسة المضطهدة، تستقبلها مريم في بيتها فتسمح لرسالتها أن تستمرّ. أما روضة الجارية فهي من أهل البيت تطرب فرحاً برجوع بطرس. فرحها هو فرح الكنيسة بنجاح مهمّتها.
نذكر أيضاً ليديا في مدينة فيليبي. بيتها أصبح مقرّ الكنيسة المحليّة. هنا نلاحظ أن "الجزء- نحن" يبدأ في 16/ 11 وينتهي في 16/ 18. يبقى بولس وسيلا في القصّة، مما يعني أن الكاتب (لوقا) لم يعد معهما، لقد بقي في فيليبي مع الكنيسة المحلّية: إنه في بيت ليديا؟ إذا ما صحّ التّكهن نستنتج أن لليديا تأثيراً على كاتب أعمال الرسل. إنها المرأة التي قبل التلاميذ ضيافتها ومساعدتها رغم أن بولس يفضّل سدّ حاجاته بنفسه (أع 20/ 34). بعض الشارحين يعتبر أن ثقة بولس بكنيسة فيليبي، الجماعة الوحيدة التي قبل مساعدتها المادية (فل 4/ 15-16)، مرتبطة بشخصية ليديا، هذه المرأة العظيمة بإيمانها. لا بل إن تشديد وامتياز لوقا في وصف حضور ودور المرأة لا بد أن يكون مرتبطاً أيضاً بصداقة ليديا كما كان مرتبطاً بشخص وذاكرة مريم أم يسوع.
لا بد أن برسقلّة وزوجها أقيلا كانا رسولين مهمّين بالنسبة للوقا كما كانا بالنسبة لبولس: "سلّموا على برسقلّة وأقيلا معاوني في المسيح يسوع، فقد عرّضا للضرب عنقيهما لينقذا حياتي. ولست أنا وحدي عارفاً لهما الجميل، بل كنائس الوثنيين كلّها لتَعرِفُه أيضاً" (روما 16/ 3- 4). لا بد أنهما كانا مسيحيين قبل قدومهما إلى قورنتس. إذا كانا معروفان في عدة كنائس، في روما وقورنتس وأفسس. ومما يلفت الإنتباه أن لوقا يستعمل نفس الفعل ليعبرّ عمّا يفعله بطرس في 11/ 4 وبولس في 28/ 23 وبرسقلّة وأقيلا في 18/ 26: Exethento - ektithemi عرض، شرح. لقد ساهمت برسقلّة بعرض طريقة الرّب لأبلّس. إنهّا رسالة مهمة تقرّب المرأة من عمل الرسل أنفسهم.
4- المشاركة بآلام الكنيسة: النساء حاضرات أيضاً مع الرجال في تلقّي نصيبهن من الإضطهاد الذي يصيب الكنيسة. لاحظنا هذه النّقطة في رواية اضطهاد شاول للكنيسة في أع 8/ 3 و9/ 2.
5- بنات الشماس فيليبس الأربع هنّ عذارى ونبيات (أع 21/ 8-9). المرأة تقبل هي أيضاً موهبة النبوة كالرجل. هكذا تنبأ يوئيل وهكذا حصل يوم العنصرة كما يشرح الأمور بطرس في عظته الأولى (أع 2/ 17- 21؛ عن النّبيات في العهد الجديد راجع 1 قو 11/ 5). ومما يدعونا للتساؤل هو معرفة إذا ما اختارت بنات فيليبس موهبة البتولية.
الكلمة المستعملة تعبرّ عن بنات في سن الزواج كما تعبرّ عن البتولية بالمعنى الحصري للكلمة؛ ريبر تؤكّد أنهنّ اخترن البتولية بملء حريتهن البتولية إذا ما اختيرت تشرك بنوع خاص بنات فيليبس في رسالة مريم أم يسوع البتول.

الخاتمة.
بعد عرض المعطيات وما يمكن أن نستنتجه منها باستطاعتنا التّأكيد أن كاتب أعمال الرسل يكمل من جهة تعليم وطريقة يسوع في التّعامل مع المرأة. إنّها التلميذة مثل التلميذ (أع 9/ 36). إيمانها بالمسيح يدفعها للإشتراك بشكل كامل في حياة الكنيسة. ومن جهة أخرى حضور المرأة في أعمال الرسل يدخل في إطار الكتاب بأجمله وخاصة في هدف الكاتب ومخططه: "ولكن الروح القدس ينزل عليكم فتنالون قوة وتكونون لي شهوداً في أورشليم وكلّ اليهودية والسامرة، حتى أقاصي الأرض" (أع 1/8). هذا هو عنوان أعمال الرسل، لذلك يجب أن نفهم دور النساء حسب هذا الهدف الأساسي. لا يمكن أن نستنتج من قراءة صحيحة لهذا السفر أن لوقا الكاتب له نظرة سلبية للمرأة، خاصة بالنسبة لدورها البطولي: إن ذكر أبطال الرسالة، بطرس، إسطفانس، فيليبس وبولس يتّفق مع مخطط كتاب الأعمال ولاهوت الإختيار. نلاحظ هنا كيف أن لوقا يشدّد على إيمان كرائم النساء (أع 17/ 3؛ راجع لو 13/ 16). والإيمان هو أعظم اعتراف بدور المرأة: "طوبى لمن آمنت" (لو 1/ 45). نذكر بنوع خاص إيمان ليديا التي قالت للرسل: "إذا كنتم تحسبوني مؤمنة بالرب فادخلوا بيتي وأقيموا عندي" (أع 16/ 15).
الفصل الخامس عشر
سفر الأعمال والتاريخ
الخوري بولس الفغالي

سؤال طرحه النقّاد خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. هل أراد لوقا أن يدون كتاباً تاريخياً أم كتاباً تقوياً؟ وان كان كتاباً تاريخياً، فما هي قيمته في نظر التاريخ؟ هل نحن أمام مفهوم حديث يورد الأحداث بالتفصيل وبموضوعية شخص ينظر إلى الأمور من الخارج؟ أم أمام نظرة تشبه تلك إلتي أشرفت على كتابة "الأسفار التاريخية" في العهد القديم؟

1- الآراء الحديثة
يطرح الشرّاح اليوم مسألتين اثنتين. أولاً: هدف الكتاب وفنّه الأدبي. ثانياً: التاريخ ونهاية الأزمنة.
أ- هدف الكتاب وفنّه الأدبي
لماذا كتب لوقا سفر الأعمال ولمن كتبه؟ يرى عدد من الشرّاح ان لوقا ما أراد أن يدوّن كتاب تاريخ، بل كتاباً تعليمياً من أجل بناء الجماعة. وقد وجّهه إلى مسيحيين هلينيين (تحضّروا بالحضارة اليونانية) ليصوّر لهم زرع الإنجيل في كل مكان وانتشار الكنيسة لدى الأمم الوثنية. هنا نقول إن سفر الأعمال ليس تاريخاً بالمعنى الحديث للكلمة. فلوقا لا يريد أن يورد الماضي كما حدث بالتفاصيل. ولا يريد فقط ان يرسم بطريقة "موضوعية" بداية المسيحية. هناك نظرة لاهوتية تهمّه بالدرجة الأولى.
ليست سفر الأعمال ايراداً لسيرة بطرس وبولس كما اعتاد الأدب الهلنستي ان يفعل فيتصّرف بحرية تجاه مصادره. وما أراد لوقا ان يقدّم جواباً يرضي فضولية معاصريه والأجيال المقبلة. إنه يريد ان يبني جماعته، سواء كانت أنطاكية أو غيرها من المدن. وهو لا يهتمّ بسيكولوجية أبطال عاشوا في الماضي مع بناء دقيق لعناصر التاريخ وتشعّباته. إنه يتوخّى الحاضر، ويجعل تعليمه اللاهوتي يمرّ في الخبر، ولكن بصورة خاصة في الخطب التي تتوزّع هذا الكتاب. وهكذا نكون أمام فقاهة معدّة لتعليم المؤمنين تعليماً دينياً.
هناك مسألتان يكتشفهما الشرّاح في مجمل سفر الأعمال. الأولى: الشمولية. الثانية: المسيحية والعالم الروماني. أما الشمولية فتعني أن الخلاص يتوجّه إلى الجميع، وأن على الإنجيل أن لا ينحصر في العالم اليهودي فيجعل من الكنيسة شيعة منغلقة على ذاتها. بل يجب ان ينتقل إلى الأمم الوثنية. وهو في الواقع سينتقل بصورة تدريجية. في فلسطين اولاً: أورشليم، السامرة، الساحل. ثانيا: في العالم اليوناني والروماني: من سورية، إلى تركيا، إلى أوروبا ووصولاً إلى قلب الأمبراطورية الرومانية، إلى رومة. هذا هو التعليم الذي وجّهه لوقا إلى المسيحيين الهلينيين فجعلهم يشعرون باعتزاز بقوة الإنجيل الذي لا يقف بوجهه شيء ولا بشر. وتساءل بعضهم: لماذا ذكر لوقا هؤلاء المؤمنين الآتين من العالم الوثني بهذا اليقين، وهو شمولية الإنجيل؟ اولاً، ليحميهم من هجمات المتهودين، أولئك المتعلّقين بالشرائع اليهودية والمحاولين فرضها على العالم الوثني. ثانياً، ليبيّن للامؤمنين ان مسألة الشمولية هي عنصر أساسي في الكرازة الرسالية. لا، ليست الرواقية وحدها تنظر إلى الكون وكأنه مدينة كبيرة (وكل بلد هو مدينة صغيرة). بل المسيحية تعتبر أن من واجبها أن تتوجّه إلى الجميع فلا تفرّق بين رجل وامرأة، بين عبد وحرّ، بين يهودي ويوناني (غل 3: 28؛ رج 1 كور 12: 13؛ روم 10: 12). ولا تفرّق بين يوناني ويهودي، بين ختان وقلف (عدم ختان)، بين اعجمي (شخص غير يوناني) واسكوتي (سكّان شاطىء البحر الأسود. كانوا يعتبرون آخر الناس)، بين عبد وحرّ (كو 11:3).
والمسألة الثانية ترتبط بالدفاع والتبرير (ابولوجيا). ليست مهمّة كالمسألة الأولى، ولكنها لفتت انتباه الشرّاح: لقد أراد كاتب سفر الأعمال ان يقدّم المسيحية للعالم الروماني في وجهها المشرق. هنا نتذكّر كل ما كان يقال عن المسيحيين من افتراءات حول الأسرار التي يمارسونها في عزلة عن الناس. وأراد لوقا أن يذكّر الناس أن المسيحيين لا يعادون الدولة، وبالتالي فهم يستحقّون الامتيازات التي منحت للعالم اليهودي بديانته المسموحة بها. هنا نتذكّر القول المشهور: "لا يحقّ للمسيحيين ان يعيشوا". كما نتذكّر في حياة بولس سلطة رومة وعدالتها حتى بالنسبة إلى سجين بسيط إتهمته امّته في أمور دينية لا تهمّ الدولة. رفع بولس دعواه إلى قيصر، فما تجرّأ أحد أن يعارض. شاور فستس مجلسه شوراه، ثم قال: "إلى قيصر رفعت دعواك، فإلى قيصر تذهب" (25: 11- 12). وهكذا تكون السلطات الرومانية، ويكون الوثنيون أولئك الذين توجّه إليهم لوقا في سفر الأعمال. وقد يكون تيوفيلوس ممثلاً لهذه الفئة الطيّبة التي يُطلب منها أن تبدّل نظرتها إلى الديانة الناشئة. هنا نتذكّر سفر الحكمة الذي توجّه بالدرجة الأولى إلى المؤمنين ليشجّعهم في الاضطهاد ويدعوهم إلى اكتشاف الحكمة التي يملكون في الكتاب المقدس. ويتوجّه أيضاً إلى اللامؤمنين ليخبرهم بحقيقة الديانة اليهودية ويدلّهم على الطريق التي تقود إلى معرفة الله الواحد.
وكانت مسائل أخرى أقل اهمية تحاول الدفاع أو الهجوم. مثلاً، أراد صاحب أعمال الرسل ان يصالح الكنيسة الكبرى والمسيحية الآتية من العالم اليهودي. لهذا كتب "تسوية" تزيل أثر كل خلاف بين بطرس وبولس. لا شكّ في أن غل 2: 6 ي قسمت حقول الرسالة بين بطرس (اؤتمن بطرس على الإنجيل للختان) وبولس (اؤتمن على الإنجيل للقلف، أو عدم الختان). ولكن الواقع هو أن بطرس عمّد كورنيلويس، وأن بولس كان يبدأ تبشيره في المجامع قبل أن يوجّه الإنجيل إلى الوثنيين. تلك كانت قسمة نظريّة أكثر منها عمليّة. لا شكّ في أن لوقا عرف بحبّه للسلام والمسالمة فتجنّب تصليب المواقف وجعْل الشخص يعارض الآخر ويقاومه. ولكن يبقى أن بولس ظلّ بولس في سفر الأعمال وبطرس ظلّ بطرس. وكلاهما دخلا في وجهة نظر لوقا.
وقال الشرّاح إن سفر الأعمال دوّن لتبرير بولس خلال محاكمته أمام محكمة الأمبراطور. ولكن في هذه الحال نتساءل: لماذا كتب ف 1- 12؟ وهل ننسى أن سفر الأعمال دوّن ليدافع عن بولس من هجمات المتهودين. فبولس هو الذي تابع عمل الرسل الأولين وجعل هذا العمل يمتدّ حتى أقاصي الأرض.
ورفض الشرّاح أن يعتبروا سفر الأعمال كتاباً تاريخياً بسبب التناقض الظاهر بين أعمال الرسل وكتابات بولس (مثلاً، بولس هو لدى لوقا خطيب كبير ومجترح معجزات. ولكنه يبدو غير ذلك في 2 كور 10: 10؛ 12: 12). ومع ذلك، لا نستطيع ان ننكر اليقين وهو أن لوقا يلقي نظرة على ماضي الجماعة الأولى، فيجمع في اضمامة واحدة أهمّ المعطيات في إطار لاهوته. فإن كان هذا التاريخ "غير موثوق به" فهو يظلّ تاريخاً، ولا يكون فقط فقاهة وكرّاساً يتضمّن بعض المواعظ. توقّفنا هنا عند المتسوى الأدبي وسنعود إلى مناقشة ما قيل على المتسوى التاريخى.
ب- التاريخ ونهاية الأزمنة
لماذا كتب لوقا هذا التاريخ؟ وكيف تجرّأ أن يزيد سفر الأعمال على النصّ الإنجيلي، ان يزيد كتاباً ثانياً على كتاب أول فجعل في إجمالة واحدة وعلى مستوى واحد حياة الكنيسة والحدث الخلاصي الذي أعلنه الإيمان، حدث يسوع المسيح؟
إن الجواب على هذا السؤال الجوهري يساعدنا على فهم سفر الأعمال. فقبل الجيل المسيحي الثاني الذي كان جيل لوقا، إنتطر المسيحيون عودة الرب في القريب العاجل. ولكن النهاية القريبة التي أُعلن عنها مراراً لم تحصل. وانتظار الخلاص الاسكاتولوجي اخذ يضعف في النفوس فيؤثّر على قرار الإيمان. في قلب هذه الأزمة وعى لوقا مستقبل الكنيسة: أمام الكنيسة مستقبل لا محدود، بدأ مع صعود يسوع المسيح. فعليها أن تقيم في العالم، في زمن الخلاص. عليها ان تعمل كمؤسّسة خلاص لتكفل التعليم الخلاصي. وهكذا أدخل لوقا التعليم الاسكاتولوجي في التاريخ، أدخل الآخرة في الزمن: إن الخلاص يأتي الآن في زمن الكنيسة التي تحمل الخلاص. رجعت المسألة الاسكاتولوجية إلى الوراء، بل أبعدت من الرؤية الأولى، وبدأ زمن الشهادة. قال الملاك للرسل: "ما بالكم واقفين تنظرون إلى السماء" (1: 11)؟ وقال كاسمان: "نحن لا نكتب تاريخ الكنيسة حين ننتظر كل يوم نهاية العالم". غير أن تأخر مجيء المسيح (باروسيا) دفع لوقا إلى أن يتخلّى عن الإنتظار القريب لليوم الاسكاتولوجي وأن يحلّ محلّه رؤية "تاريخ الخلاص" حيث تشكّل حياة يسوع "منتصف الزمن" بين زمن اسرائيل وزمن الكنيسة (هذه هي نظرية كونزلمان).
غير أن هذا البناء اللاهوتي والسيكولوجي يصطدم ببعض الصعوبات. وتطرح أسئلة: "أين نجد في النصوص خيبة أمل أمام تأخر مجيء المسيح؟ هل استبعد صاحب سفر الأعمال الإنتظار الاسكاتولوجي إلى مستقبل بعيد، إلى مستقبل لا أهمية له؟ ولكن لوقا لا يلغي إمكانية دينونة مفاجئة وقريبة. نقرأ في لو 10: 9: "توبوا: قد اقترب ملكوت السماوات". وفي 12: 36: "كونوا كرجال ينتظرون سيّدهم عند عودته من العرس ليفتحوا له حالما يوافي ويقرع". وفي 21: 34- 36: "كونوا على حذر... إسهروا... وصلّوا في كل حين". ويبدو أن لوقا انتظر الدينونة الأخيرة في نهاية جيله. نقرأ في 9: 27: "إن في القائمين ههنا من لا يذوقون الموت حتى يروا ملكوت الله" (أي: التعرف إلى سيادة يسوع في القيامة، رج 22: 69). وفي 18: 8: "ولكن متى جاء ابن البشر فهل يجد الإيمان على الأرض" (هذا يدلّ على الجحود في نهاية الأزمنة، رج 2 تس 2: 3)؟ وفي 21: 32: "إن هذا الجيل لا يزول ما لم يتمّ الكلّ (قد يدلّ على نهاية الزمن، أو دمار أورشليم والهيكل). لقد وعى لوقا مستقبلاً من أجل الكنيسة ينطلق من ماضيها. ولكنه حين ثبّت فكرة بداية جديدة للتاريخ في يسوع المسيح أكدّ في الوقت عينه على فكرة النهاية. إذا كان هناك من بداية فلا بدّ من أن تكون نهاية.
و ذلك، فالانشداد الاسكاتولوجي قد خفّ كثيراً في الجيل الثالث وفي أعمال الرسل. مثلاً نقرأ في 19: 11: "وفيما الناس يسمعون ذلك، ضرب أيضاً مثلاً، لأنه كان قد اقترب من أورشليم، وكانوا يتوهّمون أن ملكوت الله موشك أن يظهر في الحال". إنتظر التلاميذ، شأنهم شأن اليهود، ملكوت الله الذي سيأتي قريباً (1: 6؛ مر 10: 37). فجاء مثل يسوع تحذيراً من الاعتقاد بمجيء الآخرة في وقت قريب. ونقرأ في 21: 8: "إحذروا أن يضلّكم أحد فإنّ كثيرين سيأتون باسمي ويقولون: أنا هو! وأيضاً الزمان اقترب. فلا تتبعوهم". وفي سفر الأعمال (1: 6-8) رفض يسوع الافصاح عن الزمان الذي فيه يردّ الملك لاسرائيل (أي: تأتي النهاية)، وأرسل تلاميذه من أجل الشهادة.
لقد أراد لوقا أن يحارب ضدّ النظريات الجليانية الخاطئة التي تهدّد رسالة الكنيسة وانطلاقتها إلى العالم. غير أن هذا لم يمنعه من أن يعتبر الأزمنة الحالية على أنها "الأيام الأخيرة" التي دشّنها مجيء الروح. قالت يوء 3: 1: "بعد هذا، أفيض روحي". أما سفر الأعمال فحوّل الكلام وقال: "في الأيام الأخيرة أفيض روحي" (2: 17). وسوف يتكلّم لوقا أيضاً عن الملكوت الآتي في بداية سفر الأعمال وفي نهايته. نقرأ في 1: 3: "كان يكلّمهم عن شؤون الملكوت". وفي 28: 23: "طفق يشرح لهم ملكوت الله". وفي آ 31: "كان يبشّر بملكوت الله". وبين البداية والنهاية هناك مقاطع عديدة تشير إلى هذا الملكوت. في 8: 12: بشّر فيلبس عن ملكوت الله (ولكن ربطه باسم يسوع المسيح، رج 28: 31). في 14: 22، حرّض بولس التلاميذ قال: "بمضايق كثيرة ينبغي لنا أن ندخل إلى ملكوت الله" (رج 17: 7؛ 19: 8؛ 20: 25). هنا نلاحظ اختلافاً صريحاً بين الإنجيل الثالث وسفر الأعمال. ففي الإنجيل يُعتبر الملكوت حاضراً منذ الآن في عمل يسوع الخلاصي. أما في سفر الأعمال فإن الروح يتابع هذا الحضور الخلاصي بملكوت مزمع أن يأتي.
لا نفرض على لوقا نظرتنا إلى التاريخ ولا نحسب أنه يحاول أن يفتح التاريخ على مستقبل لا محدّد في زمن الكنيسة. بل هو يضم زمن الكنيسة الحالي في وحدة الحدث المؤسّس، حياة يسوع المسيح. وإذا عدنا إلى لو 16: 16 (لقد بقي الناموس والأنبياء إلى يوحنّا، ومنذئذ يبشّر بملكوت الله) نستطيع أن نميّز حقبتين لا ثلاث حقبات: هناك زمن إسرائيل الذي يمتدّ إلى يوحنا المعمدان ضمناً. هناك زمن "خلاص الله" (28: 28؛ لو 3: 6) أي زمن يسوع وزمن الكنيسة اللذين انضما بانتظار الملكوت. فالكنيسة التي لا تسمّى تسمية مباشرة (بفم لوقا) اسرائيل الجديد، تتحد مع معلّمها في جسم واحد. في هذا المجالس يبدو لوقا قريباً جداً من بولس.
ارتبط سفر الأعمال بالإنجيل فحمل بشارة الخلاص. واتخذ انجيل لوقا بُعد التاريخ، فانطلق من الحدث الخلاصي الذي سيتردّد حتى أقاصي الأرض. إن تاريخ يسوع هو بداية تاريخ ديني يتواصل في الكنيسة.

2- القيمة التاريخية لسفر الأعمال
إن سفر الأعمال يقدم تاريخاَ دينياً في خط التواريخ البيبلية والاستذكارات التي عرفتها المجامع اليهودية في القرن الأول المسيحي. فما قيمة هذا التاريخ؟ نعالج هذا القسم في ثلاثة مقاطع: الأول: لوقا ونظرته إلى التاريخ. الثاني: دورة بطرس والتاريخ. الثالث: بولس وسفر الأعمال. 
أ- لوقا ونظرته إلى التاريخ
كتب لوقا تاريخاً دينياً منطلقاً من عدة تقاليد جمعها في الكنائس وضمّها في مجموعة واحدة تتجاوب وحاجات قرّائه. كتب لوقا كل نصّ أع ولكننا نلاحظ في كل وقت قبضة الحدث الذي يحمله التقليد الشفهي على النصّ المكتوب. من جهة، يشكّل أع وثيقة تاريخية رئيسية عن وضع الفكر المسيحي في نهاية القرن الأول المسيحي. ومن جهة ثانية، كان نصّ أع صدى للاحداث الماضية. أراد لوقا أن يؤكّد على الوحدة الجذرية بين كنائس عصره والجماعة الأولى، فاختار عناصر تسلّمها من التقليد ورتّبها وأبرزها من أجل قرّائه. إرتبط لوقا بالتقليد، فما استطاع أن يخترع من نفسه هذه الأخبار وإلاّ هدّد القضية التي يدافع عنها في نظر معاصريه والسلطات الكنسية التي سمعت أقلّه بالأحداث الماضية.
فعل لوقا في أع كما فعل في إنجيله. حين عاد إلى مرقس، أظهر أمانة كبيرة وحرّية مدهشة في عرضه للأمور. فنحن لا نستطيع أن نعتبر الأخبار في أع وكأنها صورة فوتوغرافية عن الأحداث، ولا الخطب الصغيرة، كأنها نقل ونسخ لعظات حقيقية. ولهذا، حين نكون أمام قراءة أو شرح للكتاب، لن نتوقّف على مستوى الحدث لنقدّم براهين على النصّ. مثلاً، في إحدى التقاليد الشعبية التي استعادها لوقا عن يهوذا (1: 18)، لا نستطيع أن نفسّر موت الخائن "الذي سقط إلى الأمام" بأن نصعده إلى سطح المنزل الذي يتحدّث عنه 1: 20 انطلاقاً من مز 69: 26 (كما قال هانشن). فحين يترك المفسر النصّ ليعيد بناء الحدث على طريقته، فهو يخلق نصاً جديداً وخبراً جديداً. ونقول أيضاً: كل مرّة يرفض المفسّر تاريخية خبر انطلاقاً من نظرة مؤرّخية إلى التاريخ، فهو يضلّ ويُضلّلنا معه. مثلاً يلغي هانشن 1: 19 من تصوّره للحدث الخام، لأن بطرس لا يستطيع ان يقول "في لغتهم" (لغة من؟). ويلغي أيضاً آ 18 التي تتحدّث عن يهوذا، لأن الرسل كانوا على علم بما حصل. وهكذا، لن يكون البرهان في 1: 20 صحيحاً، لهذا نلغيه. ونلغي بالتالي 1: 16... وهكذا سقطت كل المقطوعة التي تتحدّث عن متّيا (1: 15-26). مثل هذه المواقف لدى الشرّاح، تخلق عند القرّاء سراب المؤرخية. ينزعون عنصراً من الخبر، فيسقط الخبر كله. هذا يبيّن على الأقل أن أخبار لوقا منظّمة بطريقة محكمة ومدهشة.
بعد هذا، لن يستطيع الشارح في القسم الأول من أع ولاسيّما في الخطب، إلاّ أن يقف على مستوى النصّ ليفهمه. ولكن هذا لا يمنعه من أن يشير إلى أمور تاريخية هي صدى لحدث حصل في الماضي. وفي وضع التوثيق الذي نعيشه، لا يستطيع المفسّر أن يعود إلى "الحدث" ليصوّره كما يشاء. كل ما يقدر أن يفعله، هو التحقّق من تأثير هذا التذكر أو ذاك في التقاليد التي جمعها لوقا.
ب- دورة بطرس والتاريخ
لا نستطيع أن نتحقق من القيمة التاريخية لكل حدث ورد في القسم الأول من أع. لهذا نتوقّف في كل حالة على العناصر التدوينية التي قد يكون لها هي أيضاً فائدة تاريخية على مستواها. فعلى المؤرخ أن يبحث عن تلاقي الإشارات والدلائل، عن التماسك والتباين في النصوص. وها نحن نقدّم بعض الملاحظات.
اولاً: تاريخية الخبر
ليست الخطب الواردة في أع ملخصات لخطب أطول، بل هي وحدات صغيرة محكمة التركيب وكاملة، حتى وإن انقطع المتكلم عن الكلام حين تصل الخطبة إلى الذروة. ذاك هو اسلوب لوقا الأدبي كما نراه خاصة في 7: 53؛ 10: 43؛ 26: 23. ولن نعجّل في أن ننسب إلى التقليد الأولاني عبارات لوقاوية أو رسمات خطب. ولكننا لا نستطيع إلا أن نقول بوجود مواضيع أدبية تقليدية تقابل عناصر سابقة للقديس بولس (1 كور 15: 3- 5). ويستعمل لوقا تعابير كرستولوجية قديمة لم تعد متداولة في عصره. واعتبر الأب دوبون أننا نرى في خطب بطرس انعكاساً للكرازة الرسولية. كما نلاحظ أن لوقا استعاد بعض عناصر الفكر البولسي التي لا تدخل دخولاً سهلاً في نظرته اللاهوتية: مثلاً التبرير وموت يسوع الخلاصي في 13: 38-39 و20: 28 (موضوعان لن يعود إليهما لوقا في عرضه اللاهوتي). وهذا ما نقوله عن خطبة اسطفانس بأسلوبها اللوقاوي: إنها تتضمّن عناصر غريبة ضدّ الشريعة وذبائح الهيكل لا تتفق وفكر لوقا العادي. إنّ تقيّد لوقا بمراجعه، قد يتجاوز الأفكار العزيزة على قلبه.
ثانياً: الأخبار
إن لأخبار دورة بطرس طابعاً خاصّاً يميّزها عن خبر الأسفار البولسية. نحن هنا أمام فنيّن أدبيّين مختلفين. بعد 15: 36 يقدّم لوقا خبر سفر، وقد يضع بعض الأمور الغريبة والتي لا فائدة منها (هذا يدل على تاريخيته). ولكننا أمام مجموعة متناسقة. أما في القسم الأولى من الكتاب، فنجد فسيفساء من الأخبار والخطب، نجد سلسلة من عناصر مختلفة ومكتوبة بلغة خاصة وغير مربوطة بعضها ببعض ربطاً محكماً. نحسّ أمام عدد من هذه الأخبار، أننا أمام تمثّلات نموذجية لا يريد بها لوقا أن يورد التاريخ، بل أن يكشف انطلاقاً من عناصر مختارة لمعناها، ينابيعَ الخلاص في فكر وممارسة جماعة البداية. إذن، لن نستطيع من الوجهة التاريخية أن نجعل قسمَيْ أع على المستوى نفسه. ففي القسم الثاني المنسَّق في تتابع متماسك، أورد لوقا للجماعات المسيحية الهلينية بداية تاريخها الخاصّ على خطى بولس. أما في القسم الأول، فإن لوقا يذكّرنا بالتاريخ الأولاني (أي: المرتبط بجماعة أورشليم) للجماعة اللوقاوية في سلسلة من اللوحات الحيّة والنموذجيّة. وهي في جزء منها تأملات لاهوتية تعود بنا إلى زمن البداية. ونورد على سبيل المثال خير العنصرة حول ولادة الكنيسة. والاجمالات حول الحياة المثالية في الجماعة، وخبر أول خطيئة وطرد حنانيا وسفيرة من الجماعة طرداً قادهما إلى الموت، وأصل الخدم حسب لوقا (أع 6: 1- 7)، وأصل الرسالة إلى الأمم (أنطاكية وكورنيليوس). إن هذه الأخبار المتنوّعة والقريبة من التقاليد المسيحية المتعدّدة، تحتفظ بفائدة كبيرة على المستوى اللاهوتي والتاريخي، شرط ان نقرأها في لغتها لا أن نكتبها على طريقتنا فنشوّهها.
ثالثاً: تسلسل الأحداث
كيف تبدو الأحداث في سفر الأعمال؟ إستعاد لوقا فكرة مر 7: 27 (دعي البنين اولاً يشبعون) وفكرة بولس في روم 1: 16 (خلاص كل من آمن، اليهودي أولاً ثم اليوناني) و2: 9 (الويل والعذاب لكل إنسان يعمل الشرّ من اليهود أولاً ثم من اليونانيين)، فقال: أعلن الإنجيل أولاً على اليهود ثمّ على الوثنيين. ولهذا نشر الأحداث في تسلسل ظاهر، مع أن الرسالة إلى إسرائيل ظلّت مع بولس بعد ذهابه إلى الأمم. فإذا انطلقنا من غل 2: 9 و1 كور 9: 19، 23 نرى أن نشاط الرسول يتوزّع بين اليهود والوثنيين. ومن جهة أخرى، حين يبدأ لوقا موضوعاً، فهو ينهيه ليقدّم لنا مجموعات مرتّبة ومنظّمة (رج مثلاً خبر يوحنّا المعمدان في لو 3: 1- 20). هذا ما فعله في أع حين قدّم لنا دورة بطرس. لقد جعل دخوله كورنيليوس في الكنيسة (10: 1- 11؛ 18) في نهاية هذه الدورة، وكأنه فعلة رمزية تجد جواباً في تأسيس كنيسة أنطاكية وتعدّ العدّة لعمل بولس. قد يكون خبر كورنيليوس حصل فيما بعد، ولكن الهم التاريخي يتبع الهم اللاهوتي ويخضع للفن الأدبي اللوقاوي. وإذا كان لوقا تكلم في 12: 17 عن موت بطرس، فلن نستنتج أن الأحداث التي حصلت بعد هذه الآيات وقعت حقاً بعد موت الرسول (رج 15: 32- 4). إذن، نتجنّب الإعتبارات التي تستند فقط إلى نظام التتاليات الاخبارية. ولنا مثل آخر في أسفار بولس الثلاثة إلى أورشليم: إنها ما زالت موضوع جدال.
ج- بولس وسفر الأعمال
هناك فرق واضح بين صورة بولس كما يقدّمها أع، وتلك التي تقدّمها الرسائل البولسية. إذن، ليس أع كتاباً تاريخياً. هذا ما قاله فيلهاور وهانشن اللذان استعملا هذرا الاختلاف ليقولا إن صاحب أع لم يكن رفيق بولس. وشدد بورنكام على "تقصير" لوقا. ورفض شرّاح آخرون الأخذ بعين الإعتبار بطريقة بولس الشخصية في عرضه الأمور او القول بتطوّر في فكر بولس. وإذ نحاول أن نضعف عناصر لوقا وبولس لكي نجمعها ونبرز النظرة الخاصّة بكل كاتب، فنحن نعارض بطريقة مصطنعة رجلين أو فكرين باسم منطق مصطنع أو لاهوت منغلق على ذاته. نحن ندرس فكر لوقا في أع. ثم ندرس فكر بولس في الرسائل. غير أن الدراسة التي تقابل أع مع الرسائل تبقى مهمّة، لأنها تكشف مسيرة فكر لوقا. من جهة، يصوّر لنا أع المحيط الجغرافي والاثني الذي فيه جرت رسالة بولس، وفي هذا السبيل يتمتع أع بقيمة لا تضاهى. ومن جهة ثانية، يبين الاختلاف بين أع وبولس مدى تطور الفكر في حقبة قصيرة نسبياً، كما يعطينا فكرة عن التعدّدية في الكنيسة. هناك اختلافات تتعلّق بعرض الوقائع وتصوير الأشخاص. وأخرى تتعلّق بالفكر اللاهوتي. إليك أهم هذه الاختلافات.
أولاً: إن إقامة بولس الثانية في أورشليم التي تتحدث عنها غل 2: 1- 10 (رج 1: 18) هي تلك المذكورة في أع 15: 4-29 رغم اختلاف بارز في وجهات النظر. ولكن إن عدنا إلى أع 9: 26- 30؛ 11: 30 و12: 25؛ 15: 4، نحسّ وكأننا أمام إقامة بولس الثالثة في أورشليم، لا إقامته الثانية. ولكن إلى أي حدّ نستطيع أن نستند إلى تسلسل الأحداث كما يبرز في القسم الأول من أع؟ تبقى المسألة موضوع نقاش. 
بالإضافة إلى ذلك، نرى الصعوبات تتجمّع في خبر أع 15. أين نجعل خلاف أنطاكية الذي تتحدّث عنه غل 2: 11- 14 وأع 15: 1-3 (ولكن بطريقة مخفّفة)؟ هل نجعله قبل مجمع أورشليم أم بعده؟ ثم، ألاّ يجب أن نفصل بين الإتفاق الذي تحقّق في أورشليم والمقرّرات الطقوسية التي توردها رسالة أع 15: 29-30. إن بولس حين تحدّث عن اللحوم المكرّسة للأصنام (1 كور 10) تجاهل هذه المقرّرات ولاسيّما فيما يخصّ ذبائح الأصنام النجسة. وفوق ذلك، إذا عدنا إلى أع 21: 25، نسمع يعقوب يكلّم بولس عن هذه المقررات خلال إقامته الأخيرة في أورشليم. إذن، يبدو من الأفضل أن نستند إلى تقديم الوقائع حسب بولس، لا حسب اللوحة التي جمع فيها لوقا عناصر من أزمنة متنوّعة وأوساط مختلفة.
ثانياً: إذا قرأنا أع، نجد أن بولس هو خطيب عظيم ومجترح معجزات. غير أن الرسائل تصوّر لنا بولس متواضعاً وبسيطاً (2 كور 10: 10؛ 12: 12). ولكن لوقا أراد أن يعبرّ عن محبته لذلك الذي رافقه فتحدّث عنه. وقد استعاد لوقا بعض العبارات العزيزة على قلب بولس (مثلا، لقب ابن الله في 9: 20) في خطبة أثينة (أع 17: 23-27؛ ق روم 1: 29- 20).
ثالثاً: في أع، ظلّ بولس متحداً اتحاداً وثيقاً ببطرس ويعقوب. ولكن بولس يبدو أكثر تحفظاً رغم ما يقوله في غل 2: 9. نحن لن ننسى هنا موضوع الوحدة الأساسي الذي يشدّد عليه لوقا الذي اغفل الحديث عن الصعوبات بين المسؤولين الأولين في الكنيسة (أو هو خفّف هذه الصعوبات)، لكي يثبت وحدة الكنائس وارثة بولس في خطّ المؤسسين القدماء. ونحن نحسّ أن بولس كاد يصبح يهودياً باسم هذا التشديد على الوحدة، لئلا يكون بعيداً عن بطرس وبالأخص عن يعقوب. ولكن هذا لم يمنع لوقا من أن يذكر حرية الوثنيين المرتدّين بالنسبة إلى الشريعة (15: 10)، وأن يستعيد بعض التعابير البولسية حوله التبرير والنعمة (13: 48- 43؛ 14: 3؛ 15: 11؛ 20: 24). وقد أشرنا سابقاً إلى هدف لوقا الخاص الذي جعله ينظر إلى زمن البداية كمبدأ وحدة، لا إلى الزمن الآتي، وهكذا أخفى بعفن الشيء الموضوع الاسكاتولوجي.
رابعاً: قال الشرّاح: الرسل هم الاثنا عشر، والرسول كما قال 1: 21- 22 هو الذي رافق يسوع منذ عماده إلى صعوده، ونتساءل: كيف نسي لوقا ما طالب به مرارا رسولُ الأمم. لا شكّ في أن هناك فرقاً بين نظرة بولس ونظرة أع. ولكن لا ننسى أن 14: 4، 14 يسمّي بولس وبرنابا رسولين. وأن كلمة "رسل" استُعملت في الجمع لا في المفرد، فدلّت لا على هذا الشخص أو ذاك (حتى ولو كان بطرس)، بل على الحلقة الرسولية. ثم، إذا كان الرسل يقومون بخدمة الرسالة (1: 25)، فنحن نتساءل: لماذا لم يعد لوقا يتكلّم عن الاثني عشر بعد 6: 2 أي بعد تنظيم السبعة؟ ثم إن معنى 1: 21- 22 يتنوّع إن نظرنا إلى القرينة المباشرة. هل يعطي لوقا تحديداً لا زمنياً للرسالة؟ إذا عدنا إلى القرينة، نفهم أنه لكي يكون تواصل بين مجموعة يسوع وكنيسة العنصرة، يجب أن نملأ الفراغ الذي تركه يهوذا، وأن يستطيع يسوع أن يضم إلى مجموعة الاثني عشر تلميذاً يكون مثلهم. هناك من جعل لوقا يعارض بولس، وقد اخطأ. هناك من قال إن لوقا اخضع بولس المواهبي للنظم الكنيسة، فبدا وكأنه يقرأ أع بصورة معاكسة واضعا مسائلنا الحديثة داخل النصّ. ما يريد صاحب أع ان يبين، هو أن بولس يؤمّن رباط الوحدة بين مجموعة الرسل الأساسية (13: 31- 32) والزمن الحالي للكنيسة اللوقاوية.
خامساً: إختلف لوقا عن بولس، فلم يُبرز القيمة الخلاصية لموت يسوع. أجل، هناك مسافة لاهوتية شاسعة بين الاثنين. وهذا يدلّ على فضل لوقا في الحفاظ على هذا الموضوع في فم بولس في أع 20: 28. ثم إن لوقا عرف كيف يستوعب اللاهوت البولسي حول القيامة. توجّه لوقا إلى يونانيين تصدمهم فكرة القيامة، لا إلى يهود يشكّكهم صليب المسيح (1 كور 1: 23)، فشدّد على لاهوت الخلاص المؤسَّس على حدث القيامة (13: 30، 35-36؛ 17: 18، 31- 32؛ 23: 6؛ 24: 21؛ 26؛ 23). فهل نعتبر أن لوقا أخطأ لأنه كيّف تعليمه حسب العقلية المسيحية الهلينية؟ لا شكّ في أن لوقا ليس عبقرياً مثل بولس. ولكن كيف نُنكر حضور الروح في عمله. سار على خطى بولس، ولكنّه عرف أن يقدم المسيحية في إطار خبر أصيل. إن المواهب متنوعة، ولكن الروح الذي يمنحها واحد (1 كور 12: 4). وهكذا كانت لنا نظرات مسيحية متعدّدة في العهد الجديد، وليس آخرها وجه المسيح الذي نكتشفه في أربعة أناجيل هي تستقي في الواقع من ذلك الذي هو هو أمس واليوم وإلى الأبد، من ذلك الذي تجسّد من أجلنا ومن أجل خلاصنا نحن البشر.

الفصل السادس عشر
الروح القدوس، روح الله
الخوري بولس الفغالي

حين يتحدّث لوقا عن روح الله، فهو يجعل من العنصرة بداية حقبة جديدة. وتجلّيات الروح هي هي قبل العنصرة وبعدها. فالروح الواحد يعمل في الكنيسة، ولم يتوقّف عمله في واقع، ولو كان هذا الواقع هو حدث العنصرة وما رافقه من صوت ريح وألسنة كأنها من نار. هذا الروح سيصل إلى السامرة مع بطرس ويوحنا، بل إلى العالم الوثني مع كورنيليوس، الضابط الروماني، ولا ينسى تلاميذ المعمدان الذي "وضع بولس يديه عليهم فحلّ الروح القدس عليهم فطفقوا ينطقون بلغات ويتنبّأون". ويتابع النصّ: "وكان الرجال كلهم نحو إثني عشر" (5:19-6).
نتوقّف أولاً عند تجلّيات الروح في تاريخ الخلاص، ثم نعود إلى العنصرة فنتعرّف إلى تجلّيات الروح بعد هذا الحدث الذي أخرج الكنيسة من ذاتها وأطلقها على طرقات العالم وما زال.

1- تجلّيات الروح في تاريخ الخلاص
نودّ أن نقول قبل كل شيء إنّ تجلّيات الروح هي هي في كل حقبات تاريخ الخلاص. سواء في زمن الوعد، أو في زمن المسيح، أو في زمن الكنيسة. وسوف نرى هذا الروح عاملاً على مستوى النبوءة كما على مستوى قيادة تاريخ الخلاص.
أ- روح النبوءة
نقرأ أول نصّ حول روح النبوءة في الإستشهاد الذي أورده بطرس في يوم العنصرة. أخذه من النبي يوئيل الذي يفسّر فيض الروح في نهاية الأزمنة كتفجّر للروح النبويّة. يقول نصّ يوئيل مرّة أولى: "يكون بنوكم وبناتكم أنبياء" (يتنبّأون) (2: 17). ويعقّب لوقا فيما بعد على نصّ يوئيل فيفسّر الجملة: "أجل، على عبيدي وجواريّ أفيض في تلك الأيام". جعل لوقا الضمائر (عبيدي أنا) التي غابت في النصّ العبري وزاد بقلمه: "فيتنبأون"، يكونون أنبياء (آ 18). كان العبيد والجواري عند يوئيل ذروة في تعداد طويل يبدأ مع الشبّان والشيوخ ويصل حتى إلى العبيد والجواري. كل هذا يدلّ على شمولية الفيض في نهاية الأزمنة. فالروح القدس ليس خاصاً بشخص خاص أو بفئة محدّدة. بل إن الجماعة الإسكاتولوجية كلها ينعشها الروح النبوي. هنا نتذكر عد 11: 29: "يا ليت جميع شعب الربّ أنبياء يجعل الرب روحه عليهم".
وستعرف مجموعات أخرى هذا الفيض الجماعي الذي عرفه التلاميذ الأولون يوم العنصرة، مع التكلّم بالألسنة. هناك أولاً الوثنيون في قيصرية. نقرأ في 10: 44-46: "وفيما بطرس ينطق بهذه الكلمات، حلّ الروح القدس على جميع الذين سمعوا الكلمة. فدهش كل المؤمنين من أهل الختان، الذين رافقوا بطرس، من أن موهبة الروح القدس قد أُفيضت على الأمم (الوثنية) أيضاً: فإنهم كانوا يسمعونهم يتكلّمون بلغات ويعظّمون الله". وهناك تلاميذ المعمدان في أفسس الذين حلّ الروح عليهم فطفقوا يتنبّأون (19: 6). نحن هنا في امتداد لحدث العنصرة، يدلّ على أن مفاعيله رافقت الكنيسة ولم تزل ترافقها.
ويحدّثنا 11: 27 عن مجموعة من الأنبياء (لم تُذكر أسماؤهم) جاؤوا من أورشليم فذكّرونا ببني الأنبياء الذين كانوا مع صموئيل أو أليشاع. ونزل أغابس مع جماعته إلى أنطاكية. ألهمه الروح فأنبأ بمجاعة شديدة ستحلّ بالمسكونة كلّها (آ 28). وبعد هذا، جاء أغابس إلى قيصرية حيث كان بولس ماراً، فقام بفعلة نبوية، على مثال ما في العهد القديم، وأعلن عن توقيف بولس. "أخذ منطقة بولس وأوثق بها يديه ورجليه، وقال: هذا ما يقول الروح القدس: إن الرجل، صاحب هذه المنطقة، سيوثقه اليهود هكذا، ويسلمونه إلى الأمم" (21: 11).
لم يعطِ سفر الأعمال لقب نبي لفيلبس، ولكن المغامرة التي يعيشها تشبه مغامرة إيليا أو أليشاع أو حزقيال. لقد كان فيلبس، أحد السبعة إمتلأ "من الروح القدس والحكمة" (6: 3). وقاده هذا الروح فانقاد له. مثلاً، بعد لقائه مع وزير ملكة الحبشة نقرأ في 8: 39- 40: "ولما صعدا (فيلبس والحبشي) خطف روح الرب فيلبس، فلم يبصره الخصي من بعد، فمضى في طريقه فرحاً. أما فيلبس فوُجد في أشدود". أما هذا الذي حدث لإيليا (1 مل 18: 12؛ 2 مل 2: 0- 12) واليشاع وحزقيال (حز 3: 12، 14؛ 8: 3؛ 11: 1، 24؛ 43: 5)؟
ونجد أيضاً مجموعة أخرى: بنات فيلبس. "بنات ابكار يتنبّأن" (21: 9). هل من علاقة بين البتولية والنبوءة؟ هنا نعود إلى قاله لوقا عن حنّة في إنجيل الطفولة (لو 2: 36)، وعن الجارية المكدونية التي كان فيها روح عرافة (16: 16).
وليس من الضروري أن نقرأ لفظة "نبي" أو "تنبّأ" لكي نتعرّف إلى الطابع النبوي الذي نكتشف من خلاله تدخّل الروح. ففي 20: 23، قال بولس لشيوخ أفسس إن الروح الإلهي نبّهه، من مدينة إلى مدينة، إلى ما ينتظره في أورشليم. بأيّة وسيلة جاء هذا الوحي؟ أنبياء يلتقي بهم مثل أغابس؟ علامات أعطيت لبولس بشكل وحي نبوي؟ الأمران ممكنان. ثم إن الروح لا يخبر فقط بالمستقبل، بل بوجهات خفيّة من الحاضر، سواء كانت حيلة من البشر (إكتشف بولس الساحر في بافوس، 13: 9 ي)، أو كانت أسراراً سماوية رآها اسطفانس في ساعة استشهاده (7: 55).
وإذا تركنا جانباً هذا الخطّ النبوي المرتبط بالعهد القديم، يبدو أن لوقا يعرف شكلاً من النبوءة قد اندمج اندماجاً تاماً في الحياة الجماعية. كان يهوذا وسيلاً نبيين (15: 32) ومن جماعة المسؤولين في كنيسة أنطاكية القرارات التنظيمية التي "صدرت" عن مجمع أورشليم. للوهلة الأولى، لا علاقة لهذه الرسالة بما نتمثّله عادة عن الوظيفة النبوية بشكل عادي. وإن الطريقة التي بها تحدّث "هذان النبيان" إلى مؤمني أنطاكية تجعلنا أمام كرازة ووعظ، لا أمام نبوءة. ولكن يبدو أن لوقا سمّى هذا الكلام نبوءة على مثال ما فعل مع أقوال أغابس. نحن هنا أمام ملاحظة مهمّة جدّاً. فهذا الكلام ينبع من يقين عميق يقول بأن روح الله هو الذي يقود حياة الكنيسة كلها: فالتوصيات التي ينقلها يهوذا وسيلا تبدأ بهذه العبارة: "لقد رأى الروح القدس ونحن" (15: 28). هذا يعني أنها أقوال نبوية. ثم إذا جعلنا كل حياة الكنيسة في منظار تاريخ الخلاص صار التحريض وتشجيع الجماعة (آ 32: وعظا الإخوة بكلام كثير وشدّداهم) مهمة نبوية، شأنهما شأن الإنباءات، لأن المطلوب هو قيادة شعب المؤمنين حسب دعوته بإلها من الله. وهكذا نفهم فهماً أفضل أن الحلقة التي تسوس جماعة أنطاكية، قد تألّفت من "أنبياء ومعلّمين" (13: 1). وأن شيوخ أفسس قد أقامهم "الروح القدس أساقفة ليرعوا كنيسة الله" (20: 28). وقد نبحث من هذه الزاوية عن المفتاح الذي يدخلنا إلى حدث حنانيا وسفيرة (5: 1- 11). قد اتهم حنانيا بأنه "كذب على الروح القدس" (آ 3). وسفيرة بأنها تفاهمت مع زوجها على "تجربة (تحدّي) الروح القدس" (آ 9). هذا الإتهام قد يجعلنا نفهم أن المشاركة في الخيرات كانت توصية نبوية.
وأخيراً هناك وجهة أخيرة في الإلهام النبوي يشير إليها لوقا المحبّ للكتب المقدّسة: نبوءات العهد القديم. يبدأ على ثلاث دفعات إيراداً من الكتب المقدّس فيوضح إلهام روح الله. ففي 1: 16- 20 نقرأ عن انتخاب متّيا: "كان يجب أن تتمّ كلمة الكتاب التي سبق الروح القدس فقالها بفم داود" (آ 16). ويرد كلام مز 69: 26؛ 109: 8. وفي 4: 25- 28 نتعرّف إلى صلاة المسيحيين: "أنت (أيها السيد) الذي قال بالروح القدس على فم داود عبده" (آ 25) ويرد كلام المزمور الثاني. وفي 28: 25 قال بولس ليهود رومة الذين جاؤوا إليه مستفسرين: "لقد صدق الروح القدس إذ كلّم أباءكم بأشعيا". وعاد بولس إلى أش 6: 9- 10 وتنقية القلوب أما الكرازة المسيحية.
لسنا هنا أمام عقيدة الإلهام الكتابي. ولا نبحث عن تقوية السلطة التي ترتبط باستشهاد كتابي (مر 12: 36؛ مت 22: 43). بل أراد لوقا أن يبرز الطابع النبوي لما ورد لكي يشدّد على أنه تحقّق. ويفهمنا لوقا أيضاً اهتمامه بنبوءات العهد القديم: "اتهم اسطفانس في خطبته إلى السنهدرين (المحكمة العليا)، اليهود لأنهم في كل حين يقاومون الروح القدس" (7: 51). لسنا أمام معارضة للأنبياء المسيحيين، ولوقا لا يستعمل أبداً لغة النبوءة حين تتوجّه الكرازة إلى اللامسيحيين. ثم إن آ 52 تشرح اتهام اسطفانس لليهود فتشير إلى الإضطهادات التي كان أنبياء العهد القديم ضحيّتها: من عارض الأنبياء عارض روح الله.
وهكذا نرى الأهمية التي يفردها لوقا في مؤلّفه للوظيفة النبوية للروح الإلهي، وذلك بأشكال متنوّعة ومتلائمة مع نظرته إلى مختلف حقبات تاريخ الخلاص: نبوءات العهد القديم التي تحمل إلى الشعب وحي مشيئة الله (7: 51) أو تنبىء بالأزمنة المسميحانية حتى في تفاصيلها (1: 16؛ 4: 25 ي؛ 28: 25). تكاثر التعابير عن الوحي النبوي في أناجيل الطفولة. تركيز القدرة النبوية في يسوع خلال رسالته على الأرض. التفجّر النبوي العام في "العنصرات" المتعاقبة التي هي علامة فريدة في الأزمنة المسيحانية. لا يتمسّكْ لوقا بطرح يتحدّث عن نبوءة "معمّمة". بل يشير إلى وجود أنبياء مختلفين، أفراداً أو جماعات، كما في العهد القديم، وهكذا يصل إلى الأنبياء، (حاملى كلمة الله) المسؤولين عن الجماعات المحلّية. وهذا يتماشى مع يقين لوقا بأن العنصرة هي الزمن "قبل الأخير" الذي هو مليء بعلامات الآخرة ولكنه ليست كله مسيحانياً. حسب قول المسيح في لو 21: 12: "ولكن قبل هذا كله... ".
ب- الروح وتاريخ الخلاص
الروح هو الذي يوجّه الأنبياء. وهو الذي يقود تاريخ الخلاص. لقد ألهم الناس فوضع فيهم "الأقوال النبوية". وقد وضع فيهم أيضاً "الأعمال العجيبة". هذا ما نعرفه من العهد القديم حيث الروح حلّ على بعض الناس فاختارهم ليكونوا أداة الله في التاريخ. وفي الإنجيل، حلّ الروح على مريم ويوحنا المعمدان بانتظار أن يحلّ على المسيح بشكل فريد: "روح الرب علي لأنه مسحني لأبشّر المساكين، وأرسلني لأنادي المأسورين بالتخلية، وللعميان بالبصر، وأطلق المرهقين أحراراً، وأعلن سنة يرضى فيها الرب" (لو 4: 18-19). "ثم شرع يسوع يقول: "اليوم تمّت هذه الكتب التي تليت على مسامعكم" (آ 21). وبعد هذا، لا يعود لوقا يشير إلى دور الروح في حياة يسوع.
ونصل إلى سفر الأعمال. فبعد الصعود، عاش الرسل عشرة أيام في جوّ الوعد بالروح (1: 4- 5، 8: ستنالون قوة بحلول الروح القدس)، ولكن هذا الروح كان غائباً. والعلامة عن هذا الغياب هو أنه وجب عليهم أن يلقوا القرعة من أجل اختيار متيا. مثل هذا العمل يرتبط بالعهد القديم (1: 24 ي؛ أم 16: 33). أما فيما بعد فسوف يتدخّل الروح مباشرة فيطلب أن يُفرز له شاول وبرنابا للعمل الذي ندبهما إليه (13: 2). ولكن خلال هذه العشرة أيام وجب على الكنيسة أن تستعدّ.
وبعد العنصرة عاد روح الله يلهم بعض "الأبطال" من أجل أعمال يقومون بها. فروح الرب قاد أولاً فيلبس (8: 29: "قال الروح لفيلبس"؛ 8: 39: "خطف روح الرب فيلبس") ثم بطرس (10: 19- 20: "قالت له الروح: "قم وانزل"؛ 11: 12: "أمرني الروح بالمضيّ معهم") لكي يبشّرا ويعمّدا المؤمنين الأولين الآتين من العالم الوثني (وزير ملكة الحبشة، كورنيليوس وأهل بيته). نحن هنا أمام منعطف حاسم في تاريخ الخلاص. وهناك منعطف آخر نراه حين يختار الروح الإلهي برنابا وشاول (أو: بولس) من بين مسؤولي كنيسة أنطاكية ويعيّنهما لكي ينطلقا إلى الرسالة (13: 2- 4: أرسلهما الروح القدس). وبعد ذلك تجمّعت الإيحاءات والرؤى فدفعت بولس إلى أن يترك "مشاريعه الخاصة" و"يعبر إلى مكدونية" ويدخل الإنجيل إلى أوروبا (16: 6- 10). جاز في غلاطية، ولكن الروح القدس منعه من التبشير بالكلمة في آسية (أي: تركيا). وحاول أن يشخص إلى بيثنية، ولكن روح يسوع لم يأذن له بذلك. وفي النهاية جاء النداء من مكدونية: "هلمّ وأغثنا" (16: 9).
تحدّثنا عن القرار الرسولي وربطناه بتوصية نبوية. "لقد رأى الروح القدس ونحن" (15: 28). وفي منظار لوقاوي لتاريخ يقوده روح الله، وفي اعتبار لأهمية هذا القرار لإدخال الوثنيين في الكنيسة، نعطي هذه العبارة معنى توجيه خاصّ أوحى به الروح في هذا المنعطف الرئيسي. هذا لا يعني أن هناك تضارباً بين هذا التفسير والتفسير التقليدي.
إنّ نظرة لوقا إلى الروح الذي يقود تاريخ الخلاص، توازي كل الموازاة نظرته إلى الروح النبوي. لقد ورث لوقا هاتين النظرتين من العهد القديم وطبّقهما على الحقبات الجديدة في تاريخ الخلاص كما يفهمه.

2- تجلّيات الروح بعد العنصرة
ونبدأ مع العنصرة التي يرويها لوقا في الفصل الثاني من سفر الأعمال. هي العنصرة الأولى وستتبعها عنصرات في حياة الكنيسة.
أ- فيض الروح في العنصرة
إذا كانت الشهادات وفيرة في العهد الجديد عن عطية الروح وأهميتها في حياة المؤمنين، إلاّ أننا لا نجد إلا مقطعين يحدّدان ظروف انتقال هذا الروح إلى المؤمنين. الأول نجده في نهاية إنجيل يوحنا (20: 21-23: نفخ فيهم وقال لهم: "خذوا الروح القدس)، والثاني في بداية أعمال الرسل. يتوافق الخبران في الجوهر: ففيض الروح قد أعطي للرسل في أورشليم بواسطة القائم من الموت. ولكنهما يختلفان في الظروف والمواضيع اللاهوتية التي يعالجانها.
نودّ هنا أن نتفحّص نصّ سفر الأعمال (2: 1- 13) وإطاره، لا لندرس تفاصيله، بل لنكتشف نظرة لوقا إلى الروح القدس ودوره في حياة الكنيسة والمؤمنين.
أولاً: من الروح إلى المسيح
ما هو مدلول زمن العنصرة في نظر لوقا؟ نطرح السؤال لأن يوحنا يجعل عطية الروح في أحد الفصح والقيامة. أما لوقا فقسّم الوقت إلى مراحل. فخلال أربعين يوماً كلّم القائم من الموت "تلاميذه عن ملكوت الله" (1: 3). ثم خلال الطعام الذي سبق الصعود، طلب منهم أن ينتظروا عماد الروح وأن لا يبرحوا أورشليم (آ 4). وأكّد أن هذا الإنتظار يتميّز عن انتظار الملكوت النهائي. وأن فيض الروح يدشّن بالنسبة إليهم حقبة جديدة هي حقبة الشهادة (1: 6-8). ومضت الأيام العشرة التي فيها التأمت مجموعة التلاميذ (1: 14-15) حول الإثني عشر الذين تنظّموا من أجل الشهادة (آ 21- 22: "يصير شاهداً معنا")، وانتظرت في الصلاة الحدث الذي أنبأ به يسوع (آ 14: "كانوا مواظبين على الصلاة"؛ آ 24: "ثم صلّوا"). ونحن نفهم أن ف 2 قد بدأ بعبارة تبرز تتمّة حقبة محدّدة: "ولما حلّ يوم الخمسين" (2: 1).
إذا أردنا أن نفهم بُعد هذا التقطيع الزمني، يجب أن نتذكّر التقليد اليهودي: فالأسابيع السبعة التي تلي الإحتفال بالفصح تشكّل دورة فصحية حقيقية. واسم العيد الذي ينهي هذه الدورة يسمّى عيد الأسابيع (السبعة) في العبرية وعيد اليوم الخمسين (بنتيكوستي) في اليونانية. هذا يدلّ بوضوح على أننا أمام حقبة هي امتداد للإحتفال الفصحي. وقد سمّاها الرابانيون: "عيد ختام الفصح".
إن هذه الميزات تتوافق والأهمية اللاهوتية التي يمنحها لوقا للحقبات المختلفة في تاريخ الخلاص، ولتنظيمات القائم من الموت كما ترد في الفصل الأول من سفر الأعمال. فالعنصرة مع فيض الروح هي "تتمة" الإنتصار الفصحي. وإن بطرس في خطبته التي تشرح عطيّة الروح، قد ربط بشكل وثيق بين الفصح والصعود والعنصرة. قال: "فيسوع هذا قد أقامه الله... وإذ قد ارتفع بيمين الله، وأخذ من الآب الروح القدس الموعود به، أفاض ما تنظرون وتسمعون" (2: 32-33). وهكذا التقى لوقا مع الإنجيل الرابع: ضمّ يوحنا الأزمنة الثلاثة في يوم واحد. أما لوقا فميّز بينها وجمعها في مسيرة الدورة الفصحية. فحدث اليوم الخمسين يرتبط بحدث اليوم الأول واليوم الأربعين: إن فيض الروح الإلهي هو عمل المسيح الذي قام وتمجّد.
رأى الاسيانيون (كتابات قمران، كتاب اليوبيلات) في العنصرة عيد تجديد العهد. ورأى فيها الرابانيون الإحتفال بعطية الشريعة على جبل سيناء. لن نتوقّف عند كل هذا، بل نرافق القديس لوقا الذي يرى في العنصرة تتمة الدورة الفصحية. مثل هذا التفسير يرتدي بعداً لاهوتياً، لأنه يحدّد بواسطة رسمة تاريخ الخلاص، عطية الروح الإلهي في إطار مخطّط الله كما أتمه يسوع. ونستطيع أن نقول اليوم ان البنفماتولوجيا (الحديث عن الروح القدس) يتحدّد موقعه بالنسبة إلى الكرستولوجيا (حديث عن يسوع المسيح) في تدبير الخلاص: إن العنصرة تتمّ الفصح. وعيد العنصرة في البداية المسيحية هو احتفال ينهي تذكاراً دام خمسين يوماً. 
ثانياً: من الروح إلى الأزمنة الأخيرة
هنا نعيد تفسير الأزمنة المسيحانية: هي أزمنة الشهادة المؤدّاة للمسيح بواسطة الروح الذي وهبه لنا. وهكذا ننتقل من البنفماتولوجيا إلى الاسكاتولوجيا.
إن لوقا يرى في فيض روح الله على جماعة تمثّل الشعب المختار تحقيق ما يسمّيه الوعد. يقول في لو 24: 49: "ها أنذا أرسل إليكم ما وعد به أبي". وفي سفر الأعمال يوصي يسوع تلاميذه: "لا تبرحوا أورشليم، بل انتظروا موعد الآب" (آ 4). ويتذكّر بطرس هذا الوعد (2: 33) في خطبته الأولى، ويعلن لسامعيه: "الموعد هو لكم ولبنيكم ولجميع البعيدين (أي: الوثنيين)" (2: 39).
يعود لوقا ولا شكّ إلى النبوءات التوراتية عن فيض الروح في الأيام الأخيرة. وهذا ما يشهد له إيراد يوئيل الطويل (2: 16 ي). ونلاحظ أيضاً في 1: 4 ولو 24: 49 أن القائم من الموت يتحدّث عن "موعد الآب". ففي التقليد الإزائي الذي يمثّله لوقا هنا، كان يوحنا المعمدان قد قال إن المسيح سيعمّد بالروح القدس (لو 3: 16). وراح لوقا أبعد من ذلك فجعل القائم من الموت نفسه يستعيد الوعد النبوي: "ها أنذا أرسل إليكم ما وعد به أبي" (لو 24: 49).
إن الدور الحاسم الذي لعبه المسيح يسوع في تدشين "الأزمنة المسيحانية"، سيحوّل في نظر لوقا التمثّل التقليدي لهذه الأزمنة لا سيّما فيما يتعلّق بفيض الروح. فوعد الله الذي نقله يوئيل (أفيض، 2: 17، 18) قد تحقق في يسوع (أفاض، آ 33. إذن هو الله). ويلاحظ لوقا أن هذا لا يعني أي انقطاع في التقليد. هذا هو التتمة. وإذا كان يسوع قد أفاض الوعد فلأنه أقيم كمسيح في خطّ داود النبي (13: 22-23: من نسله أقام الله يسوع؛ لو 1: 32-33). هذا ما يفسّره بطرس بتفاصيل عديدة في خطبته: أسسّ باهتمام بواسطة الكتب المقدّسة صفة يسوع المسيحانية. وبحسب هذا البرهان، تمّت هذه الصفة المسيحانية في القيامة (2: 24- 31، 34- 36). ففي القيامة بدأت "الأزمنة المسيحانية". من هنا أهميّة اكتشافنا حول انتماء عطية الروح إلىِ الدورة الفصحية: فالدورة الفصحية تضمّ في داخلها القيامة والتمجيد (آ 36: "إن الله جعل يسوع مسيحاً ورباً") وعطية الروح كوجهات مختلفة لتدشين "الأزمنة المسيحانية". 
ويقدّم لنا لوقا نقطة أخرى ترتبط بالأولى. فالأزمنة التي تدشّنها الدورة الفصحية تحمل مضموناً أصيلاً. إنها أزمنة "الشهادة" التي نؤدّيها ليسوع بقوّة الروح الإلهي. فالوعد الذي تكرّر في 1: 8 وفي لو 24: 47- 49 رافقه إشارة إلى مهمة أعطيت "للشهود". وهذا ما تبرزه كرازة بطرس مع ذروتها في يسوع الذي صار "مسيحاً وربا" (2: 36). وهذا المضمون الإرسالي يعطي معنى جديداً للمدلول اليهودي حول الأزمنة المسحانية. لا شكّ في أنها أزمنة النهاية، وهذا ما يذكرنا به لوقا حين يحدّثنا عن تتمة نبوءة يوئيل. إنه يزيد: "في الأيام الأخيرة" (2: 17). ولكنها حقبة لها معناها في تاريخ الخلاص، حقبة الكرازة "إلى أقاصي الأرض" (1: 8). هذا يعني أن إسرائيل يدرك الأزمنة الأخيرة بتمجيد يسوع كمسيح وفيض الروح على التلاميذ (الذين كانوا في العنصرة إمّا يهوداً وإما مهتدين إلى اليهودية). ولكن هذه الأزمنة لم تصل بعدُ إلى الوثنيين. هذا ما نجد تعبيراً عنه في الحوار بين التلاميذ والقائم بين الموت (1: 6- 8) مع المعارضة بين "ملك لإسرائيل" وشهادة نؤدّيها ليسوع "حتى أقاصي الأرض ". نحن هنا على المستوى الجغرافي. فنجد ما سمّيناه الزمن الذي قبل الأخير (عند لوقا) والذي تحرّكه قدرة (ديناميس، 1: 8؛ لو 24: 49) الروح الإلهي الذي يعدّ التلاميذ، بدءاً بالإثني عشر، من أجل شهادة شاملة.
ثالثاً: من الروح إلى الكنيسة
لقد أعطي الروح ليساعد إسرائيل (شعب الله الجديد، أي المسيحيين) المؤمن في دعوته إلى رسالة تعمّ المسكونية. وهكذا ننتقل من البنفماتولوجيا إلى الاكليزيولوجيا (أي الحديث عن الكنيسة).
في يوم العنصرة أفيض روح الله بشكل له معناه، لا على هذا المختار أو ذاك. لا على هذه المجموعة من الأنبياء أو تلك. بل على جماعة تمثّل "شعب الله ". ويشدّد لوقا على الطابع الجماعي للحدث. لم يتمّ فيضُ الروح فقط على أناس ملتئمين (كانوا معاً، في مكان واحد، 2: 1)، بل هي المجموعة كلها قدّمت نفسها إلى الشعب في "جسد مكوّن" فنالت ردّات فعل متضاربة: الإعجاب أو الهزء. لا شكّ في أن لفظة "كل" المستعملة في آ 1 و 4 (كانوا كلهم مجتمعين، إمتلأوا كلهم من الروح القدس) تبقى غير واضحة. فهي تعني إمّا الجماعة التي تألّفت من 120 أخاً (1: 15) وإمّا الحلقة الرسولية. الفرضية الثانية تبدو معقولة، لأن تكوين مجموعة الإثني عشر من أجل "الشهادة" (1: 22)، يسبق حالاً خبر فيض الروح. وفي 2: 14، 37 نرى أن بطرس يتكلّم باسم الإثني عشر ("وقف بطرس مع الأحد عشر". "قالوا لبطرس ولسائر الرسل"). وأخيراً إن الإشارة إلى "الجليليين" في 2: 7 تدلّ على الإثني عشر لا على الـ 120. غير أن ما هو واضح هو أن لوقا لا يميّز تمييزاً واضحاً بين الإثني عشر والمئة وعشرين. ففي 1: 14، إنضمّ الأحد عشر في الصلاة مع مجموعة أوسع تحيط بهم. وبعد هذا، استشار بطرس المجموعة كلها من أجل اختيار خلف يهوذا يؤخذ من صفوف هذه المجموعة. وهكذا نستطيع القول إن لوقا تحدّث عن فيض الروح على الإثني عشر، ولكن على أنهم ممثّلون لإسرائيل المؤمن (لو 22: 30). وإسرائيل المؤمن هو في الأصل هؤلاء الـ 120. ولن ينفصل هؤلاء الـ 120 عن الإثني عشر حين يقول لنا لوقا في آخر خطبة بطرس إن 3000 مرتدين جدد "انضمّوا" (2: 41. لا نجد المفعول. قد يكونون انضمّوا إلى الكنيسة).
هناك علاقة دقيقة بين 12 و120. فبحسب النصوص الرابانية، العدد 120 هو أصغر مجموعة بشرية ضرورية لكي تؤلّف (حسب الشريعة) سنهدرين صغيراً. والمعروف أن المسؤولين عن الجماعة كانوا يعيّنون واحداً لكل عشرة أشخاص. وهكذا يبدو الإثنا عشر على أنهم نواة الكنيسة الأولى التي تألفت من 120 شخصاً تقريباً. لسنا أمام رقم دقيق، بل فضفاض. 
ومهما يكن من أمر (وهذا ما يلفت انتباهنا حين نتحدّث عن الإثني عشر)، فالمجموعة التي نعمت بفيض الروح قد نالت تدخّلاً من العلاء فلم يعد لها هدفها في ذاتها. فتماسكها الإجتماعي ("أليسوا كلهم جليليين؟"، 2: 7) لم يعد بذي بال بسبب دعوتها الشاملة التي يبرهن عنها عددُ اللغات الغريبة. فالمشاركون لم يطلبوا هذا الأمر. لا شكّ في أن روح الله حلّ على مجموعة محدّدة جدّاً، مجموعة التأمت واستعدّت. ولكنها اكتشفت نفسها الآن كنواة جماعة، كنواة عمل يمتدّ في الكون كلّه. ولقد أعطي الروح لكي يحقّق هذا العمل، كما أعطي ليسوع في بداية رسالته العلنيّة.
يقدّم لوقا في بداية سفر الأعمال رسمة نجدها في بداية الإنجيل وهي تتكلّم عن يسوع. فقبل أن يدخل يسوع في حياته الرسولية، كان زمن انتظار وتهيئة وصل بيسوع إلى عامه الثاني عشر. وحصل الشيء عينه بالنسبة إلى الكنيسة. فقد عاشت الدورة الفصحية بعد أن جمعها القائم من الموت (لو 24: 49) وأقامها في مناخ من الإنتظار بواسطة ظهوراته (1: 3). أمّا المحطّة المنيرة في قلب هذا الإنتظار فهي الصعود مع تجديد احتفالي وشخصي "للموعد" (1: 4-8). وفي النهاية كانت التهيئة المباشرة للحدث مع إعادة تكوين الحلقة الرسولية. وكما أعطي الروح الإلهي ليسوع خلال عماده وصلاته (لو 3: 21) فمنحه قدرة من أجل عمله المسيحاني، كذلك الكنيسة الملتئمة في الصلاة (1: 14) قد نالت في العنصرة الروح الإلهي الذي يؤهّلها للشهادة. فالحماس الروحي والشهادة هما حماس وشهادة "رجل واحد" (2: 4، 11 أ، 37- 38)، وهذا ما يبرز الموازاة مع يسوع. وهذا التوازي في التأليف على المستوى الأدبي واللاهوتي هو أمر طبيعي عند لوقا الذي قابل بين يسوع ويوحنا المعمدان في الإنجيل (لو 1- 2)، بين آلام يسوع واستشهاد اسطفانس، بين بطرس وبولس في سفر الأعمال. كل هذا يعطي شرحاً آخر لمهلة الخمسين يوماً، يثبت تفسيرنا لهذه الحقبة على أنها زمن انتظار وتهيئة مرتبط بالسّر الفصحي.
وإذا عدنا إلى التفاصيل وجدنا أن خبر أحداث العنصرة يشبه خبر أحداث عماد يسوع. ففي الحالتين يُشار إلى الأصل "السماوي" لفيض الروح في أسلوب التيوفانيات (الترائيات، الظهورات): إنفتاح السماء. صوت يأتي من السماء كالريح. يحلّ الروح على يسوع كما على الرسل. في الحالة الأولى بشكل جسدي كأنه حمامة. في الحالة الثانية بألسنة كأنها من نار.
ولكن لوقا لم يعطِ لتفاصيل فيض الروح في العنصرة إلاّ قيمة علامة مؤقتة. فهو لا يعود يذكر هذه الظواهر في ما يلي من كتابه. بل يشير فقط إلى الروح القدس. وهذا ما يشير إليه بطرس ثلاث مرات خلال الحديث عن العنصرة. ففي زيارته إلى كورنيليوس، تكلّم عن "هؤلاء الذين نالوا الروح القدس مثلنا" (10: 47). وحين كان في أورشليم، قدّم هناك تقريراً للكنيسة فأعلن: "وما بدأت أكلّمهم حتى حلّ الروح القدس عليهم كما حلّ علينا في البدء" (11: 15). وفي مجمع أورشليم، عاد بطرس إلى حدث العنصرة فقال عن الوثنيين إن الله "أعطاهم الروح القدس كما أعطانا" (15: 8؛ رج 11: 17).
وخلاصة القول، إن لوقا أبرز في واقع سري الحدث الرئيسي الذي هو عطيّة الروح للجماعة الأولى لكي تتمّ دعوتها الشاملة.
رابعاً: من الروح إلى الرسالة
ونصل الآن إلى النفحة الرسولية التي دفعت شهود القيامة فما انعزلوا في العلية، وما انغلقوا في شيعة، بل انطلقوا من مدينة إلى مدينة حتى وصلوا إلى رومة. وصلوا إلى أقاصي الأرض. وقد دفعهم الروح دفعاً.
نجد في نهاية الإنجيل (لو 24: 49) وفي بداية أعمال الرسل (1: 4) توصية القائم من الموت إلى تلاميذه، بألاّ يبرحوا أورشليم قبل أن ينالوا الروح. تكرار لافت للنظر مع أن التعبيرين مختلفان. والسبب ليس فقط لأن أورشليم هي في نظر لوقا مركز الوحي وقطب تاريخ الخلاص. بل لأن الروح هو الذي يهيّىء التلاميذ من أجل الرسالة الشاملة التي تنطلق من أورشليم. فلا مجال إلى أن ينطلقوا دون أن ينالوا هذه "القوّة".
ويثبت هذا التفسير ملاحظة النتائج التي حصلت حين أعطي الروح: إنها تسير في خطّ الرسالة. فالروح هنا هو روح يجعل المؤمنين يتكلّمون. وبين مختلف نبوءات العهد القديم التي أعلنت عطية الروح في الأيام الأخيرة، إختار بطرس نبوءة يوئيل حيث الروح جعل الرسل يتنبّأون. بل إن النتيجة المباشرة هي التكلّم بألسن غريبة. لسنا هنا أمام لغة لا تفهم كما في كورنتوس (1 كور 12- 14)، بل أمام معجزة تجعل جميع الناس يفهمون كل واحد في لغته ما يُقال عن "عظائم الله" (2: 8، 11). إن تعدّد الأصوات في العنصرة يخدم قضيّة الشهادة الرسولية. بفضل هذا التعدّد، استطاع أهل اليهودية وأهل الشتات أن يسمعوا الرسل ينطقون بألسنتهم. أمّا "عظائم الله" المذكورة هنا، فهي تنطبق في كرازة بطرس على مجمل تاريخ الخلاص، وبشكل محدّد على قيامة يسوع وتمجيده وإفاضة الروح.
لقد رأى بعض الشرّاح في معجزة العنصرة ردّاً على ما حصل في بابل (تك 11: 1: 9). قد يكون لوقا فكّر في خبر بلبلة الألسن. ولكن لو أراد أن يبرز وحدة اللغة بفعل الروح، لقدّم كرازة الرسل على أنها قيلت في لغة واحدة يفهمها جميع البشر لا في لغات مختلفة. إذا ما كان لوقا قد فكّر ببابل حين دوّن خبر العنصرة، فهو قد فكّر في تجاوز الإنقسام لا في إصلاح الإنقسام. فالإختلافات الحضارية والإنقسامات التاريخية تبقى حاضرة وإن حاولنا السيطرة عليها. نحن في نظرة رسالية ولم نزل بعيدين عن ملكوت الله.
وانطلق لوقا من معجزة اللغات الغريبة فأشار إلى حقبة جديدة في تاريخ الخلاص. كل شيء قد أعطي فيما مضى بشكل علامات (هنا انتشار الكنيسة في الكون). ولكن هذا الكلّ يجب أن يتحقّق (1: 8). إن شخص يسوع ورسالته يتضمّنان كل شيء. وموهبة روح الآب التي منحها لنا قد أتمّت مواعيد التجمّع الاسكاتولوجي للأمم في أورشليم، ولكن هذا كان علامة فريدة في نوعها فأعطت معنى للتاريخ الذي بدأ، وأعلنت عن نهايته.
لهذا كانت النتيجة الثانية لفيض الروح في العنصرة، الكرازة الرسولية في اللغات العادية. فبحسب ما أعلنه القائم من الموت، وبفضل "قوّة" الروح الذي ناله التلاميذ، تقدّم بطرس باسم الإثني عشر وشهد ليسوع الذي جعله الله رباً ومسيحاً. لن تتكرّر علامة اللغة الغريبة، أما خطبة بطرس فهي النموذج الأوّل للكرازة الرسولية كما توجّهت في ذلك اليوم بشكل نبويّ إلى ممثّلي اليهود في كل الأمم.
لقد نالت الكنيسة الروح لكي تشهد. إنها جماعة ذات دعوة شاملة، ولا حدود لها إلا تلك التي تظهر أو تتحرّك مع قبول الكرازة أو رفضها. والروح يعطى للكنيسة لكي تنعش هذه الشهادة، فلا تعود كلمة الله حرفاً ميتاً، بل شخصاً حياً ينعشه روح الله.
ب- الروح والشهادة للمسيح
إكتشفنا في خبر العنصرة الأهمية الحاسمة التي ينسبها لوقا إلى "الشهادة" التي يثيرها روح الله. فهو يرى ان لا دعوة للكنيسة إلاّ هذه الدعوة. نستعيد هذا الموضوع ونكتشفه في حياة الكنيسة.
قبل الصعِود جاءت كلمات يسوع القائم من الموت فجعلت من التلاميذ "شهودا" ووعدتهم "بقوة من العلاء"، بالروح الإلهي. ودلّ لو 24 على نقطة الإنطلاق وأشار إلى الإمتداد والإنتشار: "يجب أن نكرز في جميع الأمم، إبتداء من أورشليم" (لو 24: 47). ويوضح سفر الأعمال (1: 8): "في أورشليم، في اليهودية كلها والسامرة وإلى أقاصي الأرض". هذا هو البرنامج الذي نراه يتوسّع في سفر الأعمال. نقطة الإنطلاق هي أورشليم. وقبل كل شيء كرازة بطرس باسم الحلقة الرسولية مع فيض الروح في العنصرة وثلاثة آلاف من المنضمّين إلى الكنيسة. وسيمتدّ تصوير الشهادة في أورشليم حتى ف 7 ضمناً. واندلع الإضطهاد ضد هلّينيّى (يهود يتكلّمون اليونانية) أورشليم فيشتّتهم، وهذا ما يوصل الرسالة إلى اليهودية والسامرة (8: 1 ي)، إلى فينيقية وقبرص وسورية (11: 19). وانطلق المرسلون من أنطاكية، عاصمة سورية، إلى آسية الصغرى واليونان (ف 13-18). وينتهي سفر الأعمال بكرازة بولس في رومة (28: 31: يبشّر بملكوت الله، ويعلّم ما يختصّ بالرب يسوع المسيح) التي ترمز في نظر لوقا (بما أنها عاصمة الإمبراطورية) إلى امتداد شامل للرسالة في عالم الوثنيين (28: 28: إن خلاص الله قد أرسل إلى الأمم وهم يقبلونه). 
وتطرح تتمّة هذا البرنامج نوعين من الأسئلة. أولاً، لسنا فقط أمام امتداد جغرافي. وهذا ما تدلّ عليه الأهمية الرمزية المنسوبة إلى أورشليم التي هي موضع اللقاء الشامل منذ العنصرة، وإلى رومة التي هي عاصمة "الأمم" (الوثنية). ثانياً: إنّ المراحل التي اجتازتها الكنيسة هي مراحل تاريخ الخلاص التي تجتازها الكنيسة بقيادة العناية الإلهية. لم يكن من السهل أن يُقبل السامريون والوثنيون في الكنيسة. وأن تمتدّ الرسالة إلى الغرب باتجاه اليونان. وبين تدخّلات العناية التي قرّرت هذه "الموجات" المتلاحقة، هناك أحداث مؤلمة مثل اضطهاد الهلّينيّين (8: 1 ي) الذي دفع فيلبس إلى أن يبشّر السامرة (8: 4 ي). وهناك خلافات محزنة بين الأشخاص مثل خلاف بولس وبرنابا (15: 36؛ 40) الذي سيقود بولس عبر زيارة رعائية لكنائس مغروسة في آسية الصغرى، إلى العبور إلى مكدونية (16: 6 ي). وهناك أيضاً تدخّلات ملائكة ورؤى وإلهامات روح الله.
وقرار عبور بعض المراحل ليس المسألة الوحيدة الهامة التي طُرحت على لوقا. بل هناك أيضاً واقع آخر، هو أن الكرازة بالإنجيل تلقى (عادة) العداء إن لم يكن عدم الفهم لدى الوثنيين كما لدى اليهود. هذه الميزة تشكّل في نظر لوقا أساس الشهادة الرسولية. وهذا ما يتطلّب شجاعة وثباتاً. وروح الله (هذه القوّة من العلاء) هو الذي يمنح شهود المسيح الثقة بالعناية الإلهية. وهذه الثقة ترتبط ارتباطاً مباشراً بعطيّة الروح. ففي 4: 8 ي نقرأ أن بطرس امتلأ من روح الله، فتكلّم أمام المجلس الأعلى. وتبرز آ 13 "الجرأة" التي يبرهن عنها في هذا الظرف "رجلان أمّيان ومن عامّة الشعب ". ونعمة "المناداة بالكلمة بجرأة" قد أعطيت مع فيض الروح الإلهي إلى كل جماعة أورشليم التي أحسّت بالتهديد فلجأت إلى الصلاة (4: 29- 31). وحين مثُل الرسل مرّة ثانية أمام السنهدرين، واجه بطرس المجلس الأعلى بجرأة وضمّ في "شهادة" واحدة "نحن... والروح القدس" (5: 32). وانتصر اسطفانس بدوره على خصومه "بالحكمة والروح الذي كان ينطق به" (6: 10). ولا ننسى نعمة روح الله (أشعله روح الله) التي جعلت أبلوس يتكلّم بجرأة ويعلّم بتدقيق ما يخصّ يسوع المسيح، في مجمع أفسس (18: 25-26).
على ضوء هذه النصوص تظهر نيّة لوقا حين ألّف لو 12: 1-12 ليحدّد موقع قولٍ يعد الشهود بعون الروح القدس. فمنذ 12: 1 بدأ الإنجيل يحضّ "التلاميذ" على الإيمان بشجاعة وبشكل علني. وبعد آ 8 التي تشكّل بداية مجموعة من الأقوال (تبدأ مع "أقول لكم". هذا ما لا نجده في مت 16)، قد دوّن النصّ بوضوح في منظار المستقبل (من يعترف بي). والموازاة مع لو 21: 12-19 الذي يتحدّث عن الأزمنة السابقة للنهاية، لافت للنظر. ففي كلا الحالين نحن أمام شهادة في وضع حرج. لقد جمع لوقا في لو 12: 8-12 ثلاثة أقوال مختلفة، وهي تتّصل بهذا الموضوع بأشكال متنوعة فتتسلسل بكلمات عاكفة. ترتبط آ 8- 9 مع آ 10 بعبارة "ابن الإنسان". وترتبط آ 10 مع آ 11- 12 بعبارة "الروح القدس ". وتبدو آ 12 نبوءة عن مشاهد "الشهادة" الشجاعة التي يوردها سفر الأعمال. وفي مجموعة ترتبط بمثل هذا الإرتباط حول الموضوع الواحد، يجب أن تفسّر آ 10 (تجديف علىِ الروح القدس) في خطّ الشهادة الرسولية: إن التلاميذ ينالون هنا وعدا: فشهادتهم التي ينعشها روح الله تجعل السامعين أمام مسألة الخلاص أو الهلاك. وقد ميّز لوقا كعادته بين حقبة وحقبة: فبعد وقت كرازة يسوع حيث يغفر لنا إن نحن رذلنا ابن الإنسان، يأتي زمن الكرازة الحاسمة، الكرازة "في العلن" (آ 2- 3)، "أمام المجامع (أي العالم اليهودي) والرؤساء والسلاطين" (آ 11)، الكرازة التي ينعشها روح الله نفسه.
إن هذا التفسير الجديد للقول حول التجديف (على الروح القدس) في قرائن جديدة كوّنها لوقا، يتيح لنا أن نفهم كيف جاءت آ 10 بعد آ 9 (وإلاّ بدت الآيتان غير متماسكتين). فإن كانت آ 8-9 (شأنهما شأن الآيات السابقة) دعوة موجّهة إلى التلاميذ لإعلان إيمانهم بدون ضعف ولا تخاذل، فإن آ 10 لا تعني موقف التلاميذ، بل موقف سامعيهم مع استعداداتهم السيئة. وهي تشير إلى ردّات فعل معادية لشهادتهم (من قال كلمة على... من جدّف). وتتابع آ 11 في الخطّ عينه. وهكذا، هيّأ لوقا في هذا المقطع الصعب ما سيتوسّع فيه في سفر الأعمال: إن الروح الإلهي هو العامل الأساسي في شهادة شجاعة.
قد لا نرى في الوظيفة الرسالية إلا وجهة خاصّة من الوظيفة النبوية. ولكننا نخطىء. فبولس كان قد ميّز بين كرازة أولى تدعو إلى الإيمان، ووعظ يبني المؤمنين. أما النبوءة فتنتمي إلى الحقبة الثانية. هذا هو موقف لوقا. وما سمّاه "شهادة" هو وجهة من هذه الكرازة الأولى، وهو يتوجّه إلى الذين في الخارج. أما النبوءة فهي موهبة في داخل الكنيسة. هنا نتذكّر ف 2 الذي فيه يماهي لوقا بين اللغة الغريبة في العنصرة والإنفجار النبوي الذي أنبأ به يوئِيل. هذه النبوءة هي للذين في الخارج علامة محيرّة تحتاج إلى من يفسّرها (آ 12، 33). أما الكرازة ("شهادة" بطرس، آ 32، 40) فتصل إلى السامعين. في الحالتين ألهم روح الله المتكلّمين، ولكن تميّزت الوظيفتان.
ونقدّم ملاحظة أخيرة. لا شكّ في أن لوقا لا يشير إلى تدخل روح الله كل مرّة يتحدّث عن "الشهادة" التي نؤدّيها ليسوع. ولكن حين يذكر هذا التدخّل، فهو يبرز دوماً صعوبة الشهادة. والرغبة في تشجيع التلاميذ على إعلان إيمانهم بشجاعة والتأكيد لهم بعون الروح، لا تفسّر وحدها هذا التكرار. فإذا كان لوقا يعود مراراً إلى هذا الموضوع، فلأنه تيقّن أنه أمام تتمة وعد خاص بيسوع. هذا يعني أن القول حول عون الروح للشهود المضطهدين يتجذّر تجذّراً عميقاً في التقليد.
ج- الروح والمعمودية
إن عطية الروح الإلهي ترتبط بالعماد بالماء. هذا ما يذكّرنا مثلاَ بما حدث في بيت كورنيليوس أو مع تلاميذ المعمدان في أفسس. حلّ الروح، فقال بطرس: "هل نستطيع أن نمنع ماء العماد عن هؤلاء الذين نالوا الروح القدس" (10: 47)؟ أما تلاميذ المعمدان، الذين اعتمدوا باسم الرب يسوع، فـ "وضع بولس يديه عليهم فحلّ الروح القدس عليهم" (19: 5-6).
أولاً: القاعدة العامة: الماء
كان فيض الروح في العنصرة حدثاً فريداً في تاريخ الخلاص. وقد شبّهه لوقا بعماد يسوع. ولكن بعد كرازة بطرس، إنصدعت قلوب السامعين فسألوا بشكل مباشرة عن الموقف الواجب اتخاذه بعد الذي رأوه وسمعوه (2: 37: ماذا علينا أن نصنع؟). حينئذ حدّد لهم بطرس ما يجب عمله بإيجاز يتعارض مع طول الخطبة السابقة: "توبوا، وليعتمد كل منكم باسم يسوع المسيح لمغفرة خطاياكم، فتنالوا موهبة الروح القدس. لأن الموعد هو لكم ولبنيكم، ولجميع البعيدين بمقدار ما يدعو الرّب إلهنا منهم" (2: 38-39). هذا يعني أن نتيجة حدث العنصرة الفريد يقوم في نقطتين: الأولى، توبوا وليعتمد كل واحد. الثانية، تنالون الروح القدس. 
هذه النتيجة هي للجميع، للقريبين وللبعيدين. وهذا ما يدلّ عام شمولية الموهبة. ثم إن فعلَيْ الأمر (توبوا، ليعتمد) ارتبطا الواحد بالآخر، كما ارتبط الوعد المقبل (تنالون موهبة الروح القدس) بهذين الفعلين.
كان الأمر الأول: "توبوا". وليس فيه شيء غريب. فموضوع التوبة هو من المواضيع التي أبرزها لوقا في مؤلّفه، في الإنجيل كما في سفر الأعمال. وفي يوم العنصرة بدا بطرس مشدّداً بشكل خاص على هذه النقطة. "تخلّصوا من هذا الجيل المعوجّ" (آ 40). ولا نستغرب أيضاً أن يرتبط عماد الماء ارتباطاً وثيقاً بالتوبة. هذا التقليد يعود إلى يوحنا المعمدان كما تقول الأناجيل الإزائية. يقول لنا لو 3: 3 (رج مر 1: 4) إن يوحنا المعمدان "كان يكرز بعماد التوبة لمغفرة الخطايا". في "عماد التوبة" هذا نجد وجهة الحدث في عماد الماء، ووجهة التوبة الحياتية، والواحدة ترتبط بالأخرى. ولكن ما هو غريب هو التأكيد على ارتباط عطية الروح بالعماد والتوبة. وحدث فيض الروح على الوثنيين في قيصرية، يقدّم لنا في ف 11 مناسبة لتفسير يستعيد الرسمة عينها وإن بشكل معكوس: جاء عماد الماء بعد عطيّة الروح التي هي العلامة بأن الله أعطى الوثنيين أيضاً "التوبة من أجل الحياة" (أي: التوبة التي تقود إلى الحياة).
قد نظنّ أن فيض الروح يستغني عن معمودية الماء. في هذا المعنى فهم بعض الشرّاح كلام يوحنا المعمدان في لو 3: 16: "أنا أعمّدكم بالماء... أما هو فيعمّدكم بالروح القدس والنار". وهذا التعارض قد استعاده يسوع في 1: 5: "يوحنا قد عمّد بالماء، أما أنتم فستعمَّدون بالروح القدس" (رج 11: 16). ولكن...
في يوم العنصرة نفسه، فاض روح الله ونُسب هذا الفيض إلى القائم من بين الأموات. فالتوازي العام الذي اكتشفناه مع مشهد عماد يسوع، يكشف نقطة يبرز فيها عدم التوازي الذي له معناه: ففي العنصرة، لا يعود النصّ إلى عماد الماء بالنسبة إلى الذين نعموا بالروح القدس. قد نستطيع أن نفترض أنهم نالوا، شأنهم شأن يسوع، عماد يوحنا. ولكن أيكون لوقا قد اعتبر هذا العماد أمراً متضمّناً، أو أن لا يكون فكّر بهذا العماد، فهذا ليس بمهمّ. فالمهمّ في ذلك اليوم، هو أن يسوع الممجّد قد دشّن مع فيض الروح الإلهي، الأزمنة المسيحانية. وهكذا وضع حداً لزمن "الناموس والأنبياء" الذين كان يوحنا المعمدان ممثّلهم الأخير (لو 16: 16). فالحقبة الجديدة في تاريخ الخلاص هي حقبة الروح الذي يُفاض على الشعب الاسكاتولوجي. وسيشدّد لوقا على هذا الموضوع على مدّ سفر الأعمال، كل مرّة يدرك الإنجيلُ مجموعة دينيّة جديدة: مع السامريين (8: 15- 16)، مع الوثنيين (10: 44- 45، 47؛ 11: 15-17؛ 15: 8)، مع تلاميذ يوحنا المعمدان (19: 1-7). في كل هذه الحالات، سيكون فيض الروح الإلهي العنصر الحاسم والعلامة الأكيدة لدخولهم في مخطّط الله.
ولكن لماذا يظهر العماد منٍ جديد حتى في يوم الفصح، في الخطبة التي فيها حدّد بطرس للكنيسة مهداً جديداً؟ أما تجاوزنا مع المسيح وبشكل نهائي معمودية الماء؟ بل إن الوثنيين في قيصرية، قد نالوا الروح القدس بمجرّد سماع الإنجيل (10: 44)، ثم وجب عليهم بعد هذا أن يقتبلوا عماد الماء (10: 47). وهذا ما يميّزهم عن أول الذين نالوا فيض الروح. لن نطرح السؤال علي المستوى التاريخي، بل من وجهة القديس لوقا حيث يبدو أن هناك مزجاً بين حقبتين في تاريخ الخلاص.
في الواقع، نجد هنا مرة أخرى ما لاحظناه في نقاط غيرها: إن الحقبة التي دشّنتها قيامة يسوع وتمجيده وإفاضة روحه، هي الحقبة السابقة للأخيرة، الحقبة التي فيها يكون الملكوت حاضراً مع أنه يجب أن نكرز به وننتظره (1: 6-8؛ لو 21: 12). في هذه الحقبة يكون الشعب الإسكاتولوجي شعباً إرسالياً، يكون استباقاً للنهاية وهدفاً لها. من هنا يأتي المزج (مع ما فيه من مفارقة) بين عمادين يمثّلان زمنين متميّزين ومتعاقبين في تاريخ الخلاص. والبلوغ إلى الواقع الاسكاتولوجي الذي يمثّله الروح، يتمّ "بالإرتداد" إلى الإنجيل، وهو ارتداد يدلّ عليه عماد الماء. إذن، لا طريق أخرى للعماد المسيحاني بالروح إلاّ عماد التوبة. والموازاة التي بناها لوقا بين فيض الروح في العنصرة وعماد يسوع هي طريقة بها نؤسّس ونبرز هذا الرباط بين عماد في الماء سيُعطى بعد اليوم "باسم يسوع" وموهبة الروح القدس. فعماد يسوع الذي هو في الوقت عينه في الماء وفي الروح يربط معاً حقبتين في تاريخ الخلاص تمتزجان في الأزمنة السابقة للأخيرة.
ويطبّق لوقا هذه الطرق بشكل منطقي دقيق. فيبيّن بمثل السامريين ومثل تلاميذ يوحنا المعمدان في أفسس، أن المؤمن بيسوع الرب لا يستطيع أن يبقى على مستوى عماد الماء وكأن المسيح لم يُفض روحه. ومقابل هذا، بيّن لوقا بمثل عماد الوثنيين، أن عهد الدخول في الروح يتضمّن التوبة والإرتداد من خلال علامة واضحة هي معمودية الماء.
ثانياً: الروح ووضع الأيدي
هنا نتوقّف عند عطية الروح خارج عماد الماء، ونربطها بوضع الأيدي. هذا ما حدث لأهل السامرة الذين بشّرهم فيلبس وعمّدهم باسم الرب يسوع. ولكن حين وضع بطرس ويوحنا "أيديهما عليهم، نالوا الروح القدس" (8: 16- 17).
ننطلق ممّا قاله بطرس في نهاية خطبته الأولى: "توبوا واعتمدوا... لتنالوا الروح القدس ". ولكن هناك حالتين يعطى فيهما الروح القدس خارج طقس من الطقوس. في حدث العنصرة "امتلأوا كلهم من الروح القدس، وطفقوا يتكلّمون بلغات أخرى، كما آتاهم الروح أن ينطقوا" (2: 4، لا وجود للطقس). وفي حدث قيصرية، "فيما بطرس يتكلّم، حلّ الروح القدس على جميع الذين سمعوا الكلمة" (10: 44، قبل العماد). وهناك حالتان أخريان يُعطى الروح بوضع يد الرسل، مع السامريين ومع جماعة أفسس اليوحناوية (إذ وضع بولس يديه عليهم، حلّ الروح القدس، 19: 6). هذه الأحداث تشكّل مراحل لها معناها في تدشين الأزمنة المسيحانية. ونحن من هذه الوجهة نفسر خصائص كل حالة على حدة.
إن حدث قيصرية يستعيد فيض الروح في العنصرة بالنسبة إلى الوثنيين (10: 47 ب: نالوا الروح القدس مثلنا). من الواضح أن هذين الحدثين الفريدين من الناحية التاريخية، لأنهما يؤسّسان الرسالة عند اليهود وعند الوثنيين، لا يشّرعان إفاضة الروح خارج عماد الماء. وإذ أراد لوقا أن يتجنّب سوء التفاهم هذا، أنهى الخبرين بتأكيد على رباط ضروري بين الروح والعماد. فأسمعنا في 2: 38 صوت بطرس يدعو الناس إلى العماد. وأرانا في 10: 47 تصّرف بطرس بالنسبة إلى معمودية هؤلاء الذين نالوا الروح القدس.
* في السامرة، 8: 17
ونتوقّف بعض الشيء عند حالتَيْ وضع الأيدي. ونبدأ مع 8: 17. إن ف 8 مكرّس كله لمسألة خاصة طرحها تبشير السامريين. نحن نعرف أن لوقا اهتم اهتماماً خاصاً بهذه المجموعة ذات الأصل المختلط والديانة الضالة (لو 9: 51- 56؛ 10: 30-37؛ 17: 11-19. هذه نصوص لا نجد ما يوازيها في سائر الأناجيل). والحال، أن تبشير السامرة لم يتمّ بيد الإثني عشر (8: 5 ي)، بل بواسطة فيلبس، أحد السبعة (ف 6). إذن، طُرح سؤال حول مكانة هؤلاء المسيحيين الجدد الذين يعتبرون هامشيّين مرتين: مرّة أولى لأنهم سامريون. ومرّة ثانية لأنهم ارتدّوا على يد مبشّرين لا ينعمون بسلطة رسمية، وإن كانت نقطة انطلاقهم (8: 1، 4-5: لم تتمّ الرسالة برضى الرسل ولا كنيسة أورشليم) أورشليم (1: 8). وتأتي ملاحظة مدهشة فتبرز في نظر لوقا هذا الوضع غر المستقرّ. فالعماد الذي تقبّله السامريون الأولون الذين ارتدّوا، كان عمادا باسم يسوع (هذا ما لا شكّ فيه). ومع ذلك، فالروح القدس الذي هو ختم الشعب المسيحاني، لم يُعط لهم (8: 16). فتدخّل الرسولان بطرس وبولس اللذان أوفدتهما كنيسة أورشليم، أم الكنائس: وضعا أيديهما، فانضمّ السامريون إلى الشعب الاسكاتولوجي ونالوا فيض الروح. وخطيئة سمعان الساحر لا تقوم فقط في أنه أراد أن يشتري "سلطان" نقل الروح الإلهي (بوضع اليد)، بل لأنه فسّر عطيّة الروح بلغة "السلطان" وكأن للإنسان سلطة على روح الله (8: 18 ي). فذكّره بطرس بقساوة أننا أمام موهبة مجّانية من عند الله (آ 19- 20). وهكذا لنٍ يستطيع "القائد" الروحي لدى السامريين أن يفيض الروح (وفيلبس أيضا لم يستطع): إن الشعب الاسكاتولوجي لا يتقسّم وأورشليم تبقى المركز الوحيد.
والبرهان الذي يقدّمه الحدث، نكتشفه في نهاية الخبر. فبعد أن أنهى بطرس ويوحنا مهمّتهما التاريخية في ضمّ السامريين إلى الكنيسة، عادا إلى أورشليم. وإذ كانا في الطريق، بيّنا بكرازتهما في القرى، أن الإنجيل يستطيع أن يتوجّه بعد الآن وبشكل رسمي، إلى أولئك الذين هم على هامش العالم اليهودي (آ 25: كانا يبشّران في قرى كثيرة للسامريين).

* في أفسس، 19: 6
ونصل إلى الحالة الثانية. فإن بداية ف 19 تروي كيف وصل بولس إلى أفسس، فوجد نفسه أمام مجموعة من تلاميذ يوحنا المعمدان. نحن نعرف بواسطة معلومات جاءتنا من داخل العهد الجديد ومن خارجه، أن وجود شيعة مرتبطة بالمعمدان قد طرحت أسئلة على المسيحية في مهدها. ويقول لنا هذا المقطع (ف 19) كيف أن بولس ضمّ بشكل رسمي مجموعة أفسس إلى الجماعة المسيحية الكبرى (كانوا 12). نحن هنا أمام نقطتين حاسمتين. الأولى، إن عماد الماء وعماد التوبة ليسا بعد اليوم "معمودية يوحنا"، بل معمودية باسم الربّ يسوع (آ 3، 5). الثانية، عبرّ النصّ عن وعد ردّده المعمدان: "أنا عمّدتكم بالماء، وهو يعمّدكم بالروح القدس". لم يكن بالإمكان أن "نصحّح" عماد يوحنا، وكأنه يساوي العماد بالماء عند المسيحيين. فلو كان الأمر كذلك، لكان الغموض لفّ تلاميذ المعمدان. غير أن بولس أراد أن تكون الأمور واضحة كل الوضوح، فأحلّ محلّ عماد يوحنا معموديةَ الماء التي أتمّها باسم الرب يسوع. ثم ضمّ اليوحناويين إلى الكنيسة بوضع يديه. وقد تمّ وضع اليدين هذا بواسطة رجل معتمد من قِبَل الرب، فختم بعطية الروح الإنتماء إلى الشعب المسيحاني.
بجانب عنصرة اليهود (ف 2) وعنصرة الوثنيين (ف 10)، بيّن لوقا كيف أن مجموعتين خاصتين (السامريون واليوحناويون) نعمتا بفيض الروحي عينه في نهاية الأزمنة، ودخلتا في شعب الله الواحد. إستطعنا أن نتكلّم (توسّعاً) عن عنصرة السامريين وعنصرة اليوحناويين، بمعنى أن هذين الحدثين دلاّ على منعطفين خطيرين في الإنتشار الرسالي.
* شاول، 9: 1- 18
ونودّ أن نشير أيضاً إلى 9: 15-18 حيث كلّف الربُّ نفسه حنانيا في رؤية، أن يأتي ويضع يديه على شاول الطرسوسي "ليردّ إليه البصر" (آ 12). إن العلاقة الدقيقة بين وضع الأيدي والشفاء وعطية الروح والمعمودية ليست واضحة في آ 17-18. فقد يفسّر النصّ بطريقتين: إمّا أن وضع اليد هو أداة الشفاء كما في آ 12 (يدخل ويضع يديه عليه لكي يبصر؛ رج 28: 8؛ لو 4: 40؛ 13: 13)، والمعمودية هي وسيلة إعطاء الروح (2: 38). وإمّا أن وضع اليد يمنح في الوقت عينه الشفاء وموهبة الروح، وأن العماد يتبع ذلك. نرى أهمية التفسير الثاني بالنسبة إلى المشدّدين على وضع اليدين من أجل إعطاء الروح. وهنا نقدّم ملاحظتين. 
الأولى، إذا أخذنا بهذا التفسير نفهم الشواذ على قاعدة 2: 38 (يربط عطيّة الروح بالمعمودية) كتشديد على حالة خاصّة. نحن نعلم أن لوقا يرى في ارتداد شاول الطرسوسي مع توكيله بالكرازة بين الوثنيين، وقتاً من الأوقات المهمة في تاريخ الخلاص (آ 15: "هذا لي أداة مختارة ليحمل اسمي أمام الأمم"). وأن يكون حنانيا "تلميذاً" غير معروف (9: 10). أن لا يعود الكتاب يتحدّث عنه فيما بعد، كما لم يتحدّث عنه فيما قبل. أن يتقبّل مهمّته في رؤية. أن يقاوم في البداية الأمر الذي أعطي له، كل هذا يشدّد على أنه لم يكن في هذا "المشروع" إلاّ أداة في يد الربّ. في هذا المنظار، لا يُستبعد أن يكون لوقا اعتبر أن نوال الروح بشكل مباشر يعني اختياراً خاصاً لشاول، وتأهيلاً له بيد الرب فبل عماده.
الثانية، إن هذا النصّ الملتبس لا يتضمّن أي خروج عن الضمّ بين المعمودية وعطيّة الروح. وإن كان هناك من التباس، فهذا يعني أن لوقا أراد أن يشدّد في تدوينه على الرباط بين استعادة البصر وعطية الروح. فالفعل المستعمل هنا (انابلاباين) في اليونانية يتضمّن معنى سوتيريولوجي (يتعلّق بالخلاص)، ويرتبط بنصّ أش 61: 1 (يرد في لو 4: 18؛ 7: 22). وإن لوقا قد جعل من موضوعَيْ النور والعيون المفتوحة موضوعين جوهريين في دعوة شاول (رج 26: 18، 23 والخبر الثالث عن دعوة شاول؛ رج أيضاً 13: 47: جعلتك نوراً للأمم). غير أن التوازي الدقيق بين التعبير في آ 17 والتعبير الذي يقابله في آ 18، يزيد الإلتباس. فنرى أنّ عطية الروح توازي المعمودية. فنحن نقرأ في آ 17: "أرسلني لكي تستعيد البصر وتمتلىء من الروح القدس" وفي آ 18: "إستعاد البصر فقام واعتمد".
نلاحظ أن الخبرين الآخرين عن ارتداد شاول في سفر الأعمال، لا يشيران إلى عطيّة الروح. ويهمّنا الخبر الثاني (ف 22) لأنه يفصل فصلاً تاماً بين شفاء بولس (بدون وضع اليدين، 22: 13) وبين المعمودية (22: 16). هذا ما يثبت تفسيرنا للفصل التاسع: إن المعمودية (وعطية الروح) هي غير وضع اليد (والشفاء).
وخلاصة القول، إنّ القاعدة التي حدّدها بطرس في نهاية خطبته يوم العنصرة (2: 38) هي (حسب لوقا) قاعدة إيصال الروح إلى المؤمنين: فعماد الماء الذي يختم الإرتداد يؤمّن عطية الروح الإلهي. والشواذات على هذه القاعدة تدلّ على محطات خارقة في تاريخ الخلاص، وتؤكّد القاعدة (بشكل غير مباشر) حين تذكر ارتباط عطية الروح بعماد الماء. ولكن الظروف عتّمت بعض الشيء علينا بُعد هذا التأكيد. لم نعد نفهم ماذا تعنيه كلمة ارتداد، أو "عماد التوبة" الذي هو حدث في تاريخ إنسان، يقطع عهده مع الربّ. في هذه الظروف، لن نعجب إذا لم نفهم ما قاله لوقا حين وعد المؤمنين أنهم سينالون في العماد الروح الإلهي.
د- روح يستمرّ ويتجدّد
إن روح الله يعطى لنا كموهبة تستمرّ وتتجدّد معاً. هي دوماً حاضرة، ولكنها ترتبط بيسوع المسيح الذي هو هو أمس واليوم وإلى الأبد.
في 2: 38-39، وعد بطرس بالروح إلى جميع الذين يتوبون ويعتمدون. وقال: "إن الوعد هو لكم ولأبنائكم (أي: اليهود)، ولكل البعيدين (أي: الوثنيين، رج 22: 21؛ أرسلك إلى البعيد، إلى الأمم؛ أش 57: 19: السلام للبعيد وللقريب) بمقدار ما يدعو الرب إلهنا". هذا يعني أن الوعد شامل وهو يتحقّق بالرسالة.
ونجد أساس هذا التأكيد (في نظر لوقا) في تاريخ الخلاص. فالأزمنة الإسكاتولوجية (2: 17: في الأيام الأخيرة) ترتبط (حسب النبوءات) بفيض عام للروح على شعب الله. ولكن في الأزمنة السابقة للأخيرة، في أزمنة "الشهادة"، يتوافق فيضُ الروح مع الضمّ إلى شعب الله خلال تقدّم الرسالة. هذا ما تبرزه بشكل نموذجي أحداثٌ متعاقبة تربط (بأشكال مختلفة) عطية الروح والإنضمام إلى الكنيسة بالنسبة إلى السامريين واليوحناويين والوثنيين. ففي كل هذه الظروف نجد لفظة "الإيمان" أو "آمن" (8: 12؛ 11: 17؛ 15: 7- 9؛ 19: 2). فالجماعة الاسكاتولوجية (غير إسرائيل القديم) تتكوّن على أساس وحيد هو أساس الإيمان.
وبما أن عطيّة الروح هي عطية اسكاتولوجية، فإن لوقا يعتبرها طوعاً عطية نهائية ومستمرة. وإن 5: 32 يشير إلى شهادة الروح القدس "الذي أعطاه الله للذين يطيعونه ". وفي 15: 28 عاد مسؤولو أورشليم إلى سلطة الروح القدس دون أن يكون هناك إيصال خاص لهذا الروح. "لقد رأى الروح القدس ونحن ". فالوضع الطبيعي للمؤمنين هو وضع تلاميذ أنطاكية بسيدية "الذين امتلأوا (واستمرّ هذا الإمتلاء) بالفرح والروح القدس" (52:13).
غير أن طبيعة الروح القدس جعلت الإيمان في حضوره المستمرّ في الكنيسة وفي كل مؤمن، جعلته لا يستبعد إمكانية التجدّد بل يتضمّن هذه الإمكانية. ومثل يسوع هو واضح. فبعد أن وُلد بروح الله، فاض عليه ذاك الروح في العماد. والجماعة الأولى التي نالت الروح الاسكاتولوجي في العنصرة، ستناله أيضاً كجواب على صلاتها من أجل شهادة شجاعة (31:4).
ولكن يجب أن نحدّد ما نعني بلفظة "تجديد". لسنا أمام "الكم" وكأن الزاد ينفد إن لم نجدّده. ولسنا أمام "الكيف" وكأن الإنشداد يخفّ مع الزمن. ما يجعلنا نخطىء الفهم هو أن لوقا يصوّر تدخّلات الروح (كما يفعل الهلّينيّون) بشكل ملموس واختباري (مثلاً، في لو 3: 22 نقرأ: "وانحدر الروح القدس في صورة جسميّة"). فهو يستعمل عبارة "إمتلأ من الروح" وكأن الروح سائل يدخل في وعاء (2: 4؛ 4: 8، 31؛ 6: 3، 5؛ 7: 55؛ 9: 17؛ 11: 24؛ 13: 9، 52؛ رج لو 1: 15، 41-67؛ 4: 1)، ويبرز الخبرة الحسية التي بها يختبر المؤمنون تدخّلاته: ألسنة غريبة أو نبوءة، ثقة وجرأة (4: 31)، حماس واندفاع (18: 25). غير أننا نحتاج إلى سلسلة من الملاحظات لكي نحدّد موقع كلامنا.
أولاً: إن عبارة "إمتلأ من الروح" عبارة مقولبة، وهي لا تدلّ على عطاء جزئي للروح. فلوقا لا يتخيّل إنساناً حصل على "بعض" الروح. إنه روح الله وبالتالي روح الكمال. إنه يدلّ على ملء تدخّلات الله. إذن، لا مكان لمقولات "كم" و"كيف ". لا مقياس بشرياً من أجل تدخّلات الله. 
ثانياً: واحتفظ لوقا مع هذه العبارة "إمتلأ من الروح" بعبارات أخرى أخذها من العهد القديم. قد تحمل صورة أم لا. هناك أفعاله عامة مثل "أعطى" (15: 8؛ رج 11: 17). "نال" (1: 8؛ 10: 17) الروح. وهكذا يجمع صورة السائل الذي يُصبّ في الإنسان أو على الإنسان (2: 33: أفاض. رج آ 17، 18). ويذكر صورة القوة التي يلبسها الإنسان (لو 24: 49) أو التي تأتي (تحلّ) (1: 8؛ لو 1: 35) أو تنزل (تنحدر) (11: 55) على الإنسان. هذا يعني أن لوقا لا يكتفي بتمثّل فريد يعتبره ملائماً لقرّائه الهلّينيين، بل يعود إلى عبارات مختلفة في العهد القديم ليراعي سرّ عمل الله.
ثالثاً: ويشدّد لوقا على الخبرة الروحية في إعطاء الروح. وهذا التشديد الذي نفهمه في إطار البرهان الذي يحمله الخبر، لا يمنع لوقا من الحديث عن فيض الروح القدس على بولس دون أن يورد أية خبرة خاصة (9: 17- 18). ويعرف لوقا أن موهبة الروح لا ترافقها حتماً خبرات روحية يلاحظها الناس. لهذا تفترض هذه الموهبة عطية حصل عليها أولئك الذين اعتمدوا يوم العنصرة (2: 41؛ رج آ 38)، وإن لم تذكر هذه العطية. 
رابعاً: إذن، لا نصلّب شهادة لوقا حين يصوّر هذا الفيض أو يتحدّث عن اختبار هذا الفيض. ولكن كيف يفهم الروحَ نفسه؟ هناك لفظة مشتركة بينه وبين بولس، يستعملها في بعض مقاطع هامة "ليفسرّ" روح الله (1: 8؛ لو 1: 35؛ 24: 49)، فيدلّ على وجهة تفسيره: الروح هو "قوّة" (ديناميس). ومدلول القوة هذا لا يُحصر بالروح، بل يدلّ أيضا على سلطة يسوع والرسل. نحن هنا في خطّ العهد القديم. وإذ يتصوّر لوقا هذه القوة بشكل دفع شبه مادّي (القوّة في الشفاءات، لو 5: 17؛ 6: 19؛ 8: 46)، فهو يؤكّد أن قوة الروح هي "قوة آتية من العلاء" (لو 24: 49). ونفهم قوّة العلي (لو 1: 35) قوّة يرسلها الله علينا ساعة يشاء (1: 8). ويبيّن لوقا أن الله يقاسم البشر قوّته التي تخصّه. ولكن مع أن هذه القوّة أعطيت للبشر، إلاّ أنها ليست شيئا بتصّرفهم (8: 20). انها فيهم دوماً كقوّة من العلاء.
خامساً: نستطيع على ضوء هذا الكلام أن نستعيد مسألة العلاقة بين موهبة مستمرّة وتجدّد هذه الموهبة. فمع أن لوقا يحافظ على الطابع السّري لروح الله، فهو يستعمل تعابير هلّينية، ولا ينسى الوجهة التوراتية التي تقول: "الروح الذي ينافحه الله" (أو النسمة التي ينسّمها). عطاء ثابت ومتجدّد دائما. وأصالته تشدّد على الوجهة الإختبارية فيه. هذا ما نكتشفه في عطية الروح في عماد يسوع (لو 3)، وفي صلاة الجماعة التي أحسّت أن الروح يُعطى لها من جديد (4: 1 3). وإن 4: 8 تتضمّن أن بطرس نال أمام السنهدرين عطية الروح بالنظر إلى الوضع الحرج الذي وُجد فيه: لقد أبرز لوقا الحدث المعاش بعد أن "جسّده" كحدث منفصل في تاريخ متواصل.
سادساً: قال لوقا إن الروح أعطي لجميع المعمّدين. وأبرز أيضاً حضور الروح في "شخص" سيلعب دوراً خاصاً، كما في أبطال العهد القديم وأنبيائه. وأحسّ لوقا بغرابة موقفه حين أشار إلى حضور الله لدى هؤلاء الأشخاص، مع أنهم يشاركون فيه سائر المؤمنين، فزاد لفظة أخرى تدلّ على أن هذا الشخص هو "شواذ". نقرأ مثلاً عن اسطفانس أنه "إمتلأ نعمة وقوّة" (6: 8). والهلّينيين السبعة "إمتلأوا من الروح والحكمة" (6: 3؛ رج آ 10 عن اسطفانس). وفي 6: 5 نعرف أن اسطفانس كان "ممتلئاً من الإيمان والروح القدس ". وبرنابا أيضاً كان "ممتلئاً من الروح القدس والإيمان" (11: 24). في الواقع، هؤلاء "الأبطال" هم نماذج خاصة داخل عطاء شامل نجد صورة عنه عند مؤمني أنطاكية بسيدية "الذين امتلأوا من الفرح والروح القدس" (13: 52).

خاتمة
ماذا عن البنماتولوجيا اللوقاوية؟ ما نظرة القديس لوقا إلى عمل الروح القدس في حياة يسوع وفي الكنيسة؟
هناك من تحدّث عن نظرة ضيقة، إن نحن قابلناها مع نظرة بولس الذي ينسب إلى الروح وظائف عديدة في أصل الإيمان والصلاة والتقديس ومختلف المواهب المفيدة لحياة الكنيسة وبنيانها. وجهل لوقا ما قاله يوحنا عن الولادة الجديدة، عن روح الحقّ الذي يقود التلاميذ إلى الحقّ كله. 
ولكن لماذا نقيس لوقا مع يوحنا وبولس؟ فله طريقة أخرى يكون بها لاهوتياً، وذلك على مثال مؤرّخي العهد القديم: حين يروي التاريخ يشدّد على بعض الأمور فيبدو أصيلاً في عرض تعليمه اللاهوتي.
أبرز لوقا في خط العهد القديم وظيفة الروح القدس في انعاشه كل تاريخ الخلاص. وبيّن تتمته السامية في شخص يسوع الناصري. ربط عمل الله بروحه مع العمل بمسيحه في ذروة التاريخ. لقد ربط البنفماتولوجيا (كلام عن الروح القدس) مع الكرستولوجيا (كلام عن يسوع المسيح). وهذا الطرح عبرّ عنه من خلال التاريخ لا بواسطة عبارات عامّة.
أعاد تفسير الأزمنة المسيحانية كالأزمنة التي قبل الأخيرة وفيها يُعطى الروح "للشعب" الإسكاتولوجي فيجعل منه شعب شهود لجميع الأمم "حتى أقاصي الأرض ". وهكذا أسّس اكليزيولوجيا ديناميكية. إرتبطت الإكليزيولوجيا بالبنفماتولوجيا فصارت الكنيسة التي هي "شعب الله" ووارث "الموعد"، شعباً خُلق لكي يمتدّ وينتشر "بقوّة" الروح. فالكنيسة والرسالة هما واحد بفعل الروح.
تنبّه لوقا إلى ما يصنع التاريخ، تنبّه إلى تدخّلات الله وإلى علاقاته الحيّة مع الكنيسة. نحن لا "نلمس" الله ولا روحه، بل نلمس تدخّلاته وأشكالها. وهنا يقوم انشداد بين التعبير عن أشكال هذه التدخّلات والطابع المتفلّت (لا نستطيع أن نمسكه) للتدخّل التاريخي. كيف نتحدّث عن عماد المسيح، عن حدث العنصرة. ففي العماد تدخّل الروح "في صورة جسمية"، ولكن "مثل" حمامة. وفي العنصرة أفيض الروح "في ألسنة كأنها من نار". لماذا لا نفهم بهذه الطريقة أيضاً خبر البشارة؟ نقشت نفوسنا قريبة من "شيء ملموس "! وبعد هذا لا نعود نتحدّث عن الحمامة ولا عن النار... كان تدخّل الله غير هذا.
في الواقع، ما قال لوقا في قراءته للتاريخ هو حسّ عميق تجاه إله العهد القديم كإله حيّ ملتزم في مشروع من أجل البشر. والروح هو ذاك الذي يهبّ حيث يشاء، فنسمع صوته دون أن نعرف من أين يأتي ولا إلى أين يذهب (يو 3: 8). هذا هو عمل الروح في الكنيسة الأولى، وهذا سيكون عمله في كنيستنا إلى انقضاء الدهر.
الفصل السابع عشر
الصلاة في أعمال الرسل
الخوري بولس الفغالي

حين يتحدّث سفر الأعمال عن الجماعات المسيحية، فهو يبيّن أنهّا كنائس تصلّي. صلاة في أنطاكية أو تراوس، صلاة في فيلبي أو في صور وقيصرية. ولكن يبقى تصّرف كنيسة أورشليم المثال والنموذج لجميع الكنائس ومنها كنيستنا.

1- كنيسة أورشليم.
لخّص القديس لوقا في اجمالته الأولى (2؛ 42-47) حياة جماعة أورشليم في أربع عبارات بدت له مهمّة كل الأهميّة. وفي هذه العبارات نجد اثنتين تتحدّثان عن الصلاة: هي "كسر الخبز" و "الصلوات". أما الإثنتان الباقيتان فهما: تعليم الرسل والمشاركة في الخيرات. أن تكون آ 42 التي تورد هذه العبارات الأربع من تأليف لوقا (كما قال سرفو)، أو أن تكون وصلت إليه من التقليد السابق، فالوضع لا يتغيرّ بالنسبة إلى حديثنا عن الصلاة. فسواء احتفظ بها بعد أن أخذها من مراجعه، وسواء زادها، فهذا يدلّ على أنه رأى في هذه الإجمالة الأولى صورة ثمينة عن كنيسة أورشليم يجدر بسائر الكنائس أن تحتذي بها.
نلاحظ أولاً في آ 42 هذه صيغة الجمع: تكلّم الكاتب عن "الصلوات". قد تدلّ هذه اللفظة على نمط من الصلاة، ونحن في جوّ مسيحي. وقد تدلّ على نشاط واسع يتضمّن عدداً من الصلوات التي تتنوّع وتتكرّر وتتنظّم إلى أن تصبح هذه الصلوات التي نجدها في مختلف أسفار العهد الجديد.
بين هذه "التمارين" الروحية، هناك ما يشارك فيه "المسيحيون" (لم ينالوا بعد هذا الإسم) اليهود. أو بالأحرى، يشترك المسيحيون مع اليهود في أعمال ليتورجية لا يحسّون أنهم مفصولون عنها أو مبعدون (سيتمّ الأبعاد بعد سنة 70) وخصوصاً في الهيكل. وفي المناسبة، يتحدّث لوقا عن مشاركة المسيحيين في الممارسات اليهودية: "كانوا كل يوم يلازمون الهيكل بنفس واحدة" (2: 46). وبعد هذا، يشير إلى موضع يتجمّع فيه المؤمنون الجدد: "في رواق سليمان" (5: 12 ب؛ رج 3: 11). أن تكون هذه الإشارة غير دقيقة أو ثانوية، فهي تثبّت نيّة الكاتب الذي أراد أن يبيّن مشاركة الكنيسة الأولى الشعب لليهودي في صلاته. فقد خرجت منه، ولم تزل على علاقات معه، وستأخذ الكثير من تعابير صلاته ولا سيّما من سفر المزامير.
ويذكر لوقا أيضاً أن "بطرس ويوحنا صعدا إلى الهيكل لصلاة الساعة التاسعة" (3: 1) أي الساعة الثالثة بعد الظهر. وسوف نرى بعد ذلك بولس، خلال إقامته في المدينة المقدّسة، يشارك في الحفلات الدينية (21: 26؛ 22: 17: "كنت أصلّي في الهيكل) في الهيكل. ويورد لوقا خبر بطرس في يافا: "صعد على السطح، نحو الساعة السادسة (أي: الظهر)، لكي يصلّي" (10: 9).
لا يخبرنا صاحب الأعمال عن مضمون الصلوات التي كان التلاميذ يتلونها مع اليهود، ولكنّه يعلم أن بولس شارك بطقوس دقيقة حول التطهير، بناء على نصيحة يعقوب والشيوخ (21: 20-28). وفي 2: 46 نعرف أن المسيحيين الذين كانوا يأتون إلى الهيكل، كانوا يمارسون في البيوت (التي كانت بمثابة كنائس، مثل بيت أمّ يوحنا مرقس، رج 12: 12) "كسر الخبز" "ويسبّحون الله".
غير أن جماعة أورشليم لا تصلّي فقط في الهيكل: فأعضاؤها يجتمعون كما قلنا "في البيوت" لكي يكسروا الخبز. كيف كانت تتمّ هذه اللقاءات؟ لا يتوسّع لوقا طويلاً في هذا الموضوع. فبمناسبة إجتماع ترأسّه بولس في ترواس (20: 7- 10)، قال لوقا إنّ "الكنيسة" التأمت "في اليوم الأولى من الأسبوع". أي يوم الأحد الذي يبتدىء بحسب الليتورجيا مساء السبت. ويتابع سفر الأعمال كلامه عن اجتماع ترواس: "أخذ بولس يكلّمهم... أطال في الكلام إلى نصف الليل". ذاك كان العمل الأول في اجتماعات الصلاة: "المواظبة على تعليم الرسل" (2: 42)، سواء كانوا بطرس أو بولس أو يوحنا أو برنابا. والعمل الثاني كان يقوم بكسر الخبز الذي يتضمّن عشاء المحبّة (أغابي) والإفخارستيا. يتحدّث 2: 46 عن طعام تتناوله الجماعة كلّ يوم. مثل هذا الطعام يذكّر الحاضرين بما فعله يسوع حين أطعم الجموع. كما يذكّرهم بالعشاء الأخير (22: 19) الذي فيه "كسر الخبز" بعد أن شكر، وأعطى تلاميذه.
ويشير سفر الأعمال أيضاً إلى اجتماعات صلاة أخرى تمّت في بيوت خاصة. ففي ف 1، نرى "الأحد عشر مجتمعين مع بعض النساء، ومريم أم يسوع، ومع أخوته". إجتمعوا "في العلّية". و"كانوا مواظبين على الصلاة بنفس واحدة" (1: 13- 14)، بقلب واحد. نرى هنا الاثني عشر (رج لو 6: 12- 16)، والنّسوة (رج لو 8: 2- 3)، والأخوة الذين قد يكونون أقارب يسوع (رج 1 كور 9: 5؛ مر 6: 3؛ مت 12: 46) أو التلاميذ المذكورين في لو 10: 1 ي (عينّ يسوع اثنين وسبعين تلميذاً).
وجدنا هنا المواظبة على الصلاة ووحدة القلوب. سنجد هاتين الإشارتين مراراً. فالوحدة تتحقّق في جماعة الصلاة، أكان هذا الإجتماع في الهيكل، في العلّية (مع إرتباطها بيسوع وما فعله في العشاء الأخير)، في بيت خاص مثل بيت أمّ يوحنا مرقس (12: 12)، وسمعان الدّباغ في يافا (9: 43)، وكورنيليوس الضابط الروماني. نقرأ في 6: 4 أن الرسل طلبوا لنفوسهم "المواظبة على الصلاة". ونسمع بفم بولس (روم 12: 12): "كونوا مواظبين على الصلاة" (رج كو 4: 2: ويزيد بولس الشكر). 
ونستطيع أن نكوّن فكرة معقولة عن مضمون الصلاة التي مارسها في أورشليم، الأحدُ عشر ورفاقهم. فقبل ذلك الوقت بأيام، وإذ كان يسوع يستعدّ ليتركهم، وعدهم وعدين: ستنالون قوّة الروح القدس الذي يحلّ عليكم". وزاد: "ستكونون لي شهوداً في أورشليم... وإلى أقاصي الأرض،. لا يشكّ لوقا في أن صلاة الأحد عشر قد ارتبطت بانتظار الروح وبالإستعداد للرسالة المقبلة. ولقد اعتاد أن يربط قبول الروح بصلاة الجماعة، وهي صلاة لا تتضمّن طلباً أهمّ هن عطيّة الروح الإلهي (لو 11: 13: أبوكم السماوي يمنح الروح لمن يسأله). كما اعتاد أن يجمع إلى الصلاة مهمّة الكرازة الإنجيليّة. فيسوع خلال عماده، أي في بداية رسالته (لو 3: 21- 22). والكنيسة قبل العنصرة والإنطلاق من أجل حمل الإنجيل (1: 14؛ 2: 1- 4). وبولس بعد لقائه للرّب على طريق دمشق وقبل الذهاب إلى الرسالة (9: 10- 17). كلّهم أخذوا يصلّون. هذا ما شدّد عليه لوقا مبيّناً في كلّ إنجيله أن صلاة يسوع ترتبط ارتباطاً وثيقاً برسالته ورسالة تلاميذه. وسنرى في سفر الأعمال كيف أن الجماعة تواظب على الصلاة قبل أن توفد مرسليها.
إنّ جماعة "العلّية" إحتفلت في يوم من الأيام بليتورجية دفعتها إليها ضرورة إحلال شخص محلّ يهوذا (1: 16- 26). يقدّم نمق الصلاة موجزاًَ في آيتين (آ 24-25). ولكن مجمل الخبر يتيح لنا أن نتتبّع مسيرة الصلاة كما تمّت في الجماعة. سنعود إلى هذا النّص فيما بعد.
ونعود أيضاً إلى صلاة أخرى أوردها سفر الأعمال (4: 23- 31). إلتأمت مجموعة كبر في ذلك اليوم. فكنيسة أورشليم تعيش للمرّة الأولى دراما الإضطهاد. فبطرس ويوحنّا، عامودا الكنيسة، قد أوقفا. ولكن أطلق سراحهما فذهبا إلى رفاقهما الذين لم يكونوا يتوقّعون عودتهما، ورويا خبر الإستجواب الذي خضعا له وكيف أطلقا. فحرّك الخبر حماس الجماعة فأخذت تصلّي.
ويحدّثنا ف 12 عن اجتماع آخر للصلاة على أثر سَجن بطرس. ويدلّ الخبر على غيرة الجماعة في صلاتها من أجل الرسول المسجون. يقول 12: 5: "وكانت الكنيسة تصلّي إلى الله بلا انقطاع". هذه العبارة تدلّ على "طول" الصلاة، بل على طابعها الإلحاحي: إن الجماعة تصلّي ولا تملّ أمام وضع لا حلّ له على المستوى البشري. ولكن الرب نفسه تدخّل فحمل النور إلى ذاك القابع في السجن.
وتذكر صلاة الجماعة أيضاً في 12: 12. نجا بطرس بمعجزة، "فتوجّه إلى بيت مريم أمّ يوحنّا الملقّب مرقس حيث كان أخوة كثيرون مجتمعين يصلّون". وتذكّر هذا الصلاة الجماعية ساعة يتيقّن الحاضرون أنها استجيبت، يدلّ على فكر لوقا الذي أشار إلى صلاة في بيت أحد أعضاء الكنيسة. سيذكر هذا الإجتماع أو ذاك للصلاة، ولكن محيطه اعتاد على مثل هذه الإجتماعات بحيث لم يرَ من الإفادة التحدّث مطوّلاً عن هذا الموضوع.
وفي النهاية، نلاحظ نقطة أخرى. لا يقول سفر الأعمال مراراً لمن تصلّي الجماعة. وإن أشار إلى ذلك فبالنسبة إلى الرسل. هنا تتوسّل الكنيسة إلى الله من أجل بطرس المسجون. ثمّ تقدّم فعل شكر بسبب إطلاقه. وسوف نرى بعد ذلك تلاميذ بولس يصلّون معه ساعة كان يودّعهم، ويصلّون لأجله لأنهم "لن يعودوا يرون وجهه" (20: 36 ي). وكان للصلاة من أجل رؤساء الكنائس أهمّية عظمى في الكنيسة الأولى، في الجماعة الرسولية. وهذا ما نجد له صدى في رسائل القدّيس بولس. نقرأ في 1 تس 5: 7: "صلّوا بلا انقطاع". وفي 2 تس 3: 1: "صلّوا لأجلنا". وفي أف 6: 18: "صلّوا كلّ حين... صلّوا لأجل جميع القدّيسين" (ربما الرسل، بدليل ما نقرأ في الآية اللاحقة: "ولأجلي أنا أيضاً"). في كو 4: 3: "صلّوا لأجلنا خصوصاً، لكي يفتح الله لنا باباً للكلمة، فنبشّر بسّر المسيح". وفي عب 18:13 ي: "صلّوا لأجلنا... صلّوا لأجلي لكي أردَّ إليكم عاجلاً".

2- الرسل والتلاميذ يصلّون
يحتلّ الرسل مكانة خاصة في قلب جماعة أورشليم المصلّية. ويهتمّ سفر الأعمال بأن يذكر صلاة رؤساء هذه الجماعة. بل يعلن: إذا كان هناك وسائل عديدة لخدمة الجماعة، فالخدمة التي يقومون بها أولاً هي خدمة الكلمة والصلاة. يرى لوقا أن الرسل يقومون بعمل فاعل من أجل خلاص الجماعة حين يتمّون وظيفة الوعظ ويقومون برسالة الصلاة.
إن الأحد عشر الذين ذكرت أسماؤهم، يكوّنون النواة الرئيسية لهذه الجماعة المصلّية "في العلّية" قبل العنصرة. وتوجّه بطرس ويوحنّا للصلاة في الهيكل. وإذ كانا يستعدّان للذهاب إلى الصلاة، اجترحا معجزة: شفيا كسيح الباب الجميل. ويقولان إن هذا الشفاء تمّ "باسم يسوع المسيح النّاصري" (3: 6- 16). إنّ التّقارب بين الصلاة والمعجزة التي تمّت باسم يسوع، لم يكن من قبيل الصدف. كلتاهما تسيران معاً. وساعة أقام بطرس طابيثة في يافا، "أخرج الجميع وجثا على ركبتيه وصلّى. ثمّ التفت إلى الجثة وقال: طابيثة، قومي" (9: 40). وهكذا بيّن لوقا أن بطرس فعل كما فعل يسوع خلال حياته على الأرض (رج مر 5: 40- 41) مع فارق بسيط: إن يسوع "هذا الرجل" الذي يعمل "باصبع الله" (لو 11: 20) فيعتبره الإنجيليون "رجلاً يتمتّع بسلطان" (مر 1: 27)، هذا الرجل لا يحتاج إلى صلاة تربطة بذلك الذي يعمل باسمه.
وحين اجترح بولس معجزة (28: 8: شفى والد بوبليوس)، صلّى هو أيضاً. وهكذا فعل إيليّا حين شفى ابن الأرملة (1 مل 17: 20). وأليشاع حين أقام ابن الشونمية (2 مل 4: 33: "صلّى إلى الرّب"). يسوع ركع فصلّى (لو 22: 41). وحافظ الرسل على هذه العادة مثله (7: 60: ركع اسطفانس؛ 9: 40؛ 20: 36: ركع بولس معهم وصلّى؛ 1 2: 5).
في يو 11: 41، صلّى يسوع حين اجترح معجزة. ولكن صلاته ليست طلباً، بل "فعل شكر" و "شهادة" (تكلّمت من أجل الجمع، يو 12: 42). إنّ يسوع "لا يصلّي من أجل نفسه"، بل لأجل جميع البشر الذين يحيطون به لكي يعرفوا أنه يعمل باسم الآب، باسم من أرسله. في مر 6: 41، صلاة يسوع على الخبزات هي صلاة مباركة (نظر إلى السماء وبارك). وفي مر 8: 6 هي صلاة شكر وإفخارستيّا (شكر، كسر). في مر 7: 34 "تطلّع يسوع إلى السماء". ولكن الإنجيلي لا يقول إنّه صلّى، وإن كانت الصلاة متضمّنة. ولكن سيفهم الرسل حاجتهم إلى الصلاة من أجل اجتراح معجزة (مو 9: 29: "هذا الجنس لا يخرج إلاّ بالصلاة").
وجاء خبر كورنيليوس (10: 1- 11: 18) فكان مناسبة حديث عن صلاة بطرس (10: 9؛ 11: 5). "صعد بطرس على السطح، نحو الساعة السادسة". واختطف بطرس. رأى رؤية حاسمة ستكون في أساس تحوّل جذري في الكنيسة. لقد اكتشف بطرس أن الله لا يحابي الوجوه (لا يفضّل أحداً على أحد). فمن اتقاه في كلّ أمّة وعمل البرّ، يكون مقبولاً عنده" (10: 34- 35). ولما كان الوقت المناسب، أمر أن يعمّد كورنيليوس، وإن لم يكن يهودياً، مع أهل بيته. إن لوقا الذي جمع بين مواضيع الوحي الإلهي والصلاة، اعتبر أن هذا "الإتصال" الذي حوّل مصير الكنيسة تحويلاً عميقاً لا يمكن أن يتمّ خارج إطار الصلاة.
وصلّى الرسل. وطلبت شفاعتهم من أجل أعضاء الجماعة. هكذا فعل سمعان حين طلب إلى بطرس أن يبتهل إلى الرّب من أجله لئلا يصيبه الشر الذي ذكره الرسول (8: 24). وصلّى الرسل ساعة "نقلوا" الروح. إنحدر بطرس ويوحنّا إلى السامريين وصلّيا من أجلهم "لكي ينالوا الروح القدس" (8: 15). وصلّى الرسل حين سلّموا إلى السبعة رسالة الخدمة. "أقاموهم أمام الرسل، فصلّوا ووضعوا عليهم الأيدي" (6: 6).
وصلّى الرسل مع الجماعة وفي وسط الجماعة. لقد لعبوا في قلب الكنيسة دور الرئاسة والقيادة. هذا ما نكتشفه في خبر اختيار متيا. إنّ هذا الإجتماع الذي انتهى بصلاة، قد أداره بطرس من بدايته إلى نهايته (1: 15-26). وهذا من نكتشفه في صلاة 4: 23- 31. فلفظة "سيّد" ولفظة "عبيدك" تدلاّن على أن الحلقة الرسولية هي التي توجّه الصلاة. ويزيد الأب دوبون: "إن موضوع الصلاة في ف 4 يعني ممارسة خدمة رسولية بكل معنى الكلمة. وهذه الصلاة قد استجيبت حالاً بالنسبة إلى المصلّين كلهم. إلاّ أنّه يجب القول إن الرسل هم الذين صلّوا. ونزيد فيما يخصّ حدث ترواس (20: 11): إنّ بولس لعب دوراً خاصاً في "كسر الخبز" كما في إيصال الكلمة. هو في وسط الجماعة وهو يرتدي سلطة خاصة، فيُذكر وحده.
وبجانب الاثني عشر، يصلّي المسيحيون. وقد احتفظ لنا سفر الأعمال بصلاة مثالية تلاها اسطفانس ساعة استشهاده.
حين قربت ساعة الموت، صلّى اسطفانس فأبرز الطريقة التي بها يتقبّل التلميذ الموت: راح الشهيد للقاء الحدث وهو يصلّي. وحين "صرخ بملء صوته" متوجّهاً إلى الله "رقد": رقاد بدأ في الصلاة فهيّأ الطريق ليقظة القيامة.
والتّعارض ملفت بين هدوء اسطفانس الذي "جثا على ركبتيه" وكان يصلّي، وبين هيجان الجلاّدين "الذين استشاطوا غيظاً وصرفوا بأسنانهم... وصرخوا بصوت جهير". هجموا بعصبيّة على اسطفانس، وجرّوه، ورجموه بعد أن جعلوا ثيابهم لدى شاهد اسمه شاول.
إختلف تصّرف اسطفانس عن تصّرف خصومه، فجاء موافقاً لما قاله يسوع: "باركوا لاعنيكم، صلّوا لأجل الذين يفترون عليكم. من ضربك على خدّك فقدّم له الآخر" (لو 6: 28- 29). أجل، قدّم اسطفانس الوجه الآخر ثمّ صلّى للذين يفترون عليه (6: 11-14)، صلّى على نيّة الذين رجموه.
وما اكتفى بأن يطبّق كلام يسوع، بل اقتدى بيسوع الذي كان الشهيد الأول. قدّم حياته كما فعل يسوع. قال: "أيهّا الرب يسوع، إقبل روحي". ثمّ صرخ صرخة عظيمة فصلّى من أجل جلاّديه. هكذا صلّى يسوع. قال: "أغفر لهم يا أبتِ لأنهم لا يدرون ماذا يعملون". وصرخ: "يا أبتِ في يديك أستودع روحي" (لو 23: 34، 46).
إختلفت صلاة يسوع عن صلاة اسطفانس. توجّه إلى الآب. أما اسطفانس فتوجّه إلى الرب يسوع.
إذن، صلاة أشهر السبعة هي طلب وهي أكثر من طلب. إنهّا بالأخصّ فعل أيمان. فساعة كان يموت، وساعة كانت الظواهر تبرز انتصار خصوم الإنجيل، "رأى" اسطفانس يسوع. ذاك الذي خافه اليهود وقتلوه (آ 52)، يراه اسطفانس حيّاً كما أعلنه بطرس في خطبة العنصرة. "وإذ قد ارتفع بيمين الله، وأخذ من الآب الروح القدس الموعود به، أفاض... قال الرب لربيّ: إجلس عن يميني حتى أجعل أعداءك موطئاً لقدميك" (2: 33- 35).
ولكن اسطفانس رأى أيضاً يسوع كابن الإنسان "الواقف عن يمين الله". فيسوع كابن الإنسان سينزل في يوم من الأيام من "السماوات المفتوحة" "ليتسلّط على الممالك والسلطات، يقيم ملكاً لا يزول ولا يدمّر، حتى يمتلك قدّيسو العلّي هذا الملك إلى الأبد" (دا 7: 13- 14). هذا ما يراه اسطفانس. ولكنّه يرى أكثر من هذا بنظره الذي يستنير بالإيمان الإنجيلي. يرى أن ابن الإنسان سوف يتدخّل قريباً. هذا الشخص ليس جالساً على مثالا المسيح الذي يصوّره المزمور ملكاً منتصراً. إنّه واقف كالمحارب المستعدّ للإنطلاق إلى الحرب. وهو واقف أيضاً لكي يستقبل شهيده بالكرامة التي يستحقّ.
يجب أن نقرّب بين نصّ أع هذا ونصّين في لوقا (2: 29- 32؛ 23: 42). فما "يراه" اسطفانس عبر "السماوات المفتوحة" وفي قسمات ابن الإنسان المستعدّ ليتدخّل من أجل تلميذه، قد رآه سمعان الشيخ في الهيكل من خلال وجه يسوع الطفل. وهكذا تشجّع سمعان الشيخ القريب من الموت واسطفانس ساعة رجمه لأنهما "فهما" عمل الله الخلاصي الذي يتحقّق في يسوء المسيح منذ الآن من أجل ملء خلاص آتٍ ساعة يشاء الربّ.
ونقابل بين اسطفانس ولصّ "اليمين". قال هذا ليسوع: "أذكرني، يا رب حين تأتي في ملكوتك". هو رجاء يتحقّق في مستقبل غير محدّد. ولكن اسطفانس رأى أمله يتحقّق، وتأكّد أن يسوع "يتذكّر" كنيسته ومختاريه المضطهدين "حين يأتي في ملكوته".

3- الكنائس الجديدة
أما الكنائس الفتية التي ولدت في فينيقية وسورية وآسية الصغرى وأوروبا، فقد اقتدت بالكنيسة الأمّ في أورشليم، وتفرّغت للصلاة.
تذكّرَ لوقا بشكل خاص الصلاة التي تُتلى في إنطاكية. فالمسيحيون يجتمعون حول الأنبياء. جاؤوا من مكان بعيد، مثل أغابس (11: 27 ي). أو خرجوا من الجماعة نفسها مثل هؤلاء الأشخاص الخمسة المذكورين في بداية ف 13، والذين لا نعرف منهم إلاّ الأول (برنابا) والأخير (شاول). 
إنّ الحدث المروي في 13: 1- 3 هو مقدّمة لأولى رحلة رسولية قام بها بولس مع برنابا. فكّر مسيحيو إنطاكية بمسؤوليتهم الرسالية، فاهتمّوا بإيفاد أشخاص من كنيستهم. تأسّست جماعة إنطاكية على يد أهل قبرص وقيريني الذين شتّتهم الإضطهاد بعد مقتل اسطفانس (11: 20- 21)، فوجب عليها أن تذهب إلى البعيد لتقيم جماعات أخرى. ولاحظت برنابا وشاول اللذين تميّزا بحسّ غريب من أجل الرسالة، وبرغبة عميقة في المشاركة في هذه "المغامرة" الرسولية. إلتأمت الجماعة المحلّية في الصلاة وتفحّصت الأمور على ضوء ما قاله الأنبياء. أمرَ الروح فأفرز برنابا وشاول للعمل الذي انتدبا له.
خلال الصلاة ظهر الروح للجماعة. وفي الصلاة تهيّأت الرسالة وتقرّرت. وبالصلاة بدأت الرسالة: قبل أن يُطلق المرسلان اللذان اختارهما الروح عبر صوت نبويّ، بدأت الجماعة بالصيام والصلاة. لقد أرادت الجماعة أن تستودع المرسلين إلى نعمة الله من أجل العمل الذي سيكملانه (رج 14: 26). ورافق الصلاةَ رتبةُ وضع الأيدي. بعد ذلك تركوا الرسولين ينطلقان. صرفوهما.
ونبقى في إنطاكية خلال حفلة مماثلة تدخّل فيها النبي أغابس. كان قد أنبأ بمجاعة شديدة (11: 27- 30) مهّددا الجماعة بالعقاب بسبب خياناتها (رؤ 2- 3). حينئذٍ تأثّر الحاضرون، فأرسلوا مدداً إلى الأخوة الساكنين في اليهودية. قد نفكّر أنّه خلال جماعة صلاة، بدا الرجاء بالمجيء الإسكاتولوجي حاراً، فحرّك أغابس هذا الرجاء والصلاة التي ترافقه. فأعلن أن المجاعة التي هي علامة تسبق نهاية الزمن (مر 13: 8 وز؛ رؤ 6: 5- 6) ستحلّ في الأرض. إذن يسوع هو قريب جداً، بما أن العلامات التي تسبق مجيئه صارت ظاهرة. وكان جواب الحاضرين: "الرب أتى" (على مثال الكورنثيين، 1 كور 16: 22). وكان توسّل على مثال مؤمني سفر الرؤيا: "تعالَ، أيها الربّ" (رؤ 22: 20). بعد هذا، دلّ التلاميذ على سخائهم وأرسلوا معونة للأخوة.
وتحدّث سفر الأعمال أيضاً مرتين أو ثلاثة عن صلاة مارستها هذه الجماعات. ولكن هذه الإشارات ذُكرت بالنظر إلى بولس الذي يحتلّ وسط اللوحة. فكما أن القسم الأول من أع (ف 1- 12) يُبرز الدور المحفوظ للرسل في جماعات أورشليم (ومكانة صلاتهم)، هكذا يبيّن القسم الثاني (ف 13-28) مكانة بولس الفريدة في الكنائس التي أسّسها أو رعاها. 
فبولس يصلّي (9: 11) ساعة يستعدّ لإستعادة البصر وقبول الروح. وعبارة "إستعادة النظر" و "سقوط القشور عن عينيه"، تدلّ على الإستنارة التي تمّت في قلب بولس فجعلته يرى كلّ شيء بعيون جديدة (رج 2 كور 4؛ 6): "فالإله الذي قال: ليشرق من الظلمة نور هو الذي أشرق في قلوبنا لكي تسطع فيها معرفة مجد الله المتألّق في وجه المسيح". حينئذٍ نجد مرة أخرى موضوع الصلاة في ارتباطه مع إيصال حقيقة حاسمة تأتينا منه (هذا ما حصل لبطرس، رج 10: 9؛ 11: 15). والصلاة ترتبط بعطية الروح القدس وبداية الرسالة: فكما أن الأحد عشر أطالوا الصلاة في العليّة قبل أن ينالوا روح العنصرة وينطلقوا في عمل التّبشير الذي دعاهم الروح إليه، كذلك صلّى بولس ثلاثة أيام قبل أن ينال، بواسطة حنانيا، هذا الروح عينه، وقبل "أن يكرز في المجامع بأن يسوع هو ابن الله" (9: 20).
وصلّى بولس في الهيكل (21: 26)، فاختطف ونال حياً من أجل المهمّة التي تنتظره. "إمضِ، فإني سأرسلك بعيداً إلى الأمم". وحصل له أن صلّى في السجن برفقة سيلا في فيلبي. نقرأ في 16: 25-26: "كان بولس وسيلا يصلّيان ويسبّحان الله والمحبوسون يسمعونهما. فحدثت بغتة زلزلة جديدة...". تدلّ الزلزلة على جواب الله وحضوره. فكما تزلزل الموضع الذي كانت كنيسة أورشليم مجتمعة فيه، فامتلأوا جميعاً من الروح القدس (4: 31)، كذلك سيصير سجن فيلبي بعد الزلزلة موضع التّبشير من قبل بولس وسيلا، وموضع الإيمان بالنسبة إلى السّجان وأهل بيته (16: 30- 34).
حين كان بطرس في السجن، كانت الجماعة تصلّي لأجله بلا انقطاع (12: 5، 12). وحين سُجن بولس، كان مع رفيقه "يصلّيان ويسبّحان الله" (16: 25). وفي مالطة، وساعة وضع اليد على والد بوبليوس الذي "كان طريح الفراش وقد أخذته الحمّى والزحار"، دخل بولس وصلّى (28: 8). وصلّى بولس أيضاً من أجل ارتداد الذين يلتقي بهم. دافع بولس عن نفسه فقال له أغريبا: "إنّك بقليل ستقنعني أن أصير مسيحياً"! فقالوا بولس: "أصلّي بأن تصيروا مثلي، أنت وجميع الذين يسمعونني اليوم" (26: 9). ويصلّي بولس أيضاً من أجل الذين سلّمهم مهمّات في الجماعة. نقرأ في 14: 23: "ورسما (بولس وبرنابا) لهم كهنة في كلّ كنيسة بعد أن صلّيا وصاما، ثمّ استودعاهم الرب الذي به آمنوا".
وأخيراً يصلّي بولس قبل أن يودّع تلاميذه الأعزاء. ففي ميليتس، أمام شيوخ أفسس الذين استدعاهم (20: 17-18)، "جثا معهم جميعاً وصلّى" (آ 36). أما مضمون هذه الصلاة فهو الخطبة التي سبقتها. لمّح بولس إلمط المصير المظلم الذي ينتظره ولكنه توسّع بشكل خاص في الصعوبات التي ستجابه الكنيسة بعد ذهابه: "بعد فراقي، سيدخل بينكم ذئاب خاطفة، لا تشفق على القطيع، ومنكم أنفسكم سيقوم رجال يحاولون بأقوالهم الفاسدة، أن يجتذبوا التلاميذ وراءهم" (آ 29- 30).
وفي النهاية، كانت صلاة مماثلة جمعت بولس ومسيحييّ مدينة صور عند شاطىء البحر. يروي لوقا الخبر فيقول: "ولما قضينا هذه الأيام، خرجنا وسرنا وهم يشيعوننا بأجملهم مع النساء والأولاد، إلى خارج المدينة، فجثونا على الشاطىء وصلّينا" (21: 5). وكانت نتيجة هذه الصلاة التي تعبرّ عن ضيق المؤمنين الذين عرفوا أنهم لن يروا وجه بولس مرّة ثانيةً: "لتكن مشيئة الرب" (21: 14).
أجل، إنّ بولس يصلّي بصورة مستمرة. أما موضوع صلاته العادي فهو مهمّته الرسولية، وثبات المسيحيين، وإيمانهم ومحبّتهم وصبرهم في الإضطهاد، ونجاح العمل الرسولي من أجل مجد الله. مثل هذه الصلاة تلتقي مع صلاة يسوع: "أطلبوا أولاً ملكوت الله". تلتقي مع الصلاة التي علّمنا إياها ربنا: "ليتقدّس اسمك، ليأتِ ملكوتك، لتكن مشيئتك".

خاتمة
هذه هي صلاة المؤمنين الأولين كما نكتشفها في أعمال الرسل. هي صلاة لا تتقيّد بمكان: في الهيكل، في المجمع. ولكن بشكل خاص في البيوت التي كانت "الكنائس" الأولى بالنسبة إلى المسيحيين. وهي صلاة لا تتقيّد بوقت ولا بساعة، بل بأحداث الحياة الهامّة. صلّى يسوع ساعة اختار تلاميذه، ساعة بدا الموت قريباً... وعلى مثاله صلّت الكنيسة الأولى: انتظرت تحقيق الوعد (1: 14) فصلّت. أرادت أن تختار من يحلّ محلّ يهوذا فصلّت (1: 24). سُجن بطرس ويوحنا فصلّت (4: 23- 31). كان انقلاب في حياة بولس فصلّى (9: 11). صلاة الكنيسة صلاة مستمرّة. هي تصلّي "بلا انقطاع" (26: 7). تواظب على الصلاة (2: 42) حول الرسل. 
هذه هي صلاة الكنيسة الأولى. منها نتعلّم. ولا سيّما قبل أعمالنا الرسولية. فمشروع البشارة هو مشروع الله، وبقدر ما نتّحد معه بالصلاة، نستطيع القول إن رسالتنا هي بحسب مشيئته. ولا ننسَ أبداً هذا المشهد الإنجيلي. الحصاد كثير والفعلة قليلون. ماذا كان جواب يسوع؟ صلّوا إلى رب الحصاد... هذا هو نداء المسيح. هذا هو ندا الكنيسة. هذا هو نداء الرسالة، وسفر الأعمال خير معلّم لنا في هذا المجال.
الفصل الثامن عشر
الخدم في الكنيسة الأولى
الخوري بولس الفغالي

قبل أن نقدّم مقالنا عن الخدم في الكنيسة الأولى، نودّ أن نعرض جواباً على سؤال حول قيمة معلوماتنا عن الخدم كما ترد في أع. ولكننا ندعو إلى تجاوز هذه النظرة التاريخية من أجل الوصول إلى عالم اليوم. فنحن لا نستطيع أن نعود إلى البدايات، متجاهلين القرون العديدة التي تفصلنا عن هذه البدايات. غير أنه لا يمكن للتقليد أن يكون حملاً ثقيلاً يمنع الكنيسة من مواجهة الضرورات الجديدة والإنخراط بعزم في طريق يدعوها إليها الروح: إن التقليد يبقى حيّاً بقدر ما يبحث في أصوله، عن وحي يتيح له دوماً أن يتجاوز نفسه. الكتاب المقدس هو روح اللاهوت وهو يمنع اللاهوت من التحجّر في رؤية للأمور لا توافق الواقع الحي لروح لا يعرف أحد من أين يأتي ولا إلى أين يذهب (يو 3: 8).
وإذا نظرنا إلى أع، لاحظنا أن مسألة الخدم لم تُطرح بالنظر إلى الإحتفال بالافخارستيا. فهذا الإحتفال هو عمل الجماعة: تكلّم لوقا عن المؤمنين فقال إنهم كانوا يتمون "كسر الخبز" (أع 2: 42، 46؛ 20: 7). نحن نفترض أن بولس ترأّس الإحتفال في ترواس (20: 7- 11). ولكن لوقا الذي يقول إن بولس تكلّم وأطال الكلام ولم يزل يسترسل في الكلام، لم يقل عنه إنه كسر الخبز ووزّعه. ونشير هنا إلى واقع له مدلوله، وهو أن لوقا تكلّم عن "كسر الخبز" وعن الخدم، ولكنه لم يربط بينهما.
ونلاحظ أيضاً أن لوقا لا يطرح مسألة الخدمة وكأنها سلطة تشّرع عملاً خدمياً. نظرة لوقا هي غير نظرة المجمع التريدنتيني الذي تكلم عن سلطة تحُدث نتيجة بفضل أقوال وحركات خادم السّر (قال كنوخ مثلاً: تنطلق السلطة من الرسل، تمرّ عبر الجماعات الرسولية ومرسليها كما في أنطاكية، فتصل إلى الخدّام في الجماعات المحلية، رج 6: 1- 6؛ 13: 3؛ 14: 22- 23). ونجد البرهان على ذلك في ف 8. إذا أراد المسيحيون الذين ردّهم فيلبس في السامرة أن ينالوا الروح، وجب على الرسل في أورشليم أن يُرسلوا بطرس ويوحنا ليضعا عليهم الأيدي. نحن نفهم طوعاً أن الرسل تمتّعوا بسلطة خاصّة لم يكن يمتلكها فيلبس، أحد السبعة. هذا ما فهمه سمعان الساحر حين عرض على بطرس ويوحنا: "أعطياني أنا أيضاً هذه السلطة لينال الروح القدس كل من أضع عليه يدي" (8: 19). أخطأ سمعان حين أراد شراء هذه السلطة بالفضة. ولكن أما كان خطأ أعمق من هذا في نظر لوقا؟ قام خطأه على التفكير بأن الإنسان يقدر أن يمارس على الروح سلطة تجعله ينتقل إلى الآخرين. تلك هي أساليب سحريّة.
وهناك أيضاً التعزيمات (أو التقسيمات، صلاة تقال لاخراج الشيطان). إستعاد لوقا ما كتبه مرقس (9: 38- 41) عن ذلك المقسّم الغريب: "يا معلّم، رأينا رجلاً يطرد الشياطين باسمك، فأردنا أن نمنعه (أو: منعناه، كما يقول شهود عديدون)، لأنه لا يتبعك معنا" (لأنه لا يرافقنا، لأنه غريب عن جماعتنا) (لو 9: 49). يرى "التلميذ" أنه لا يحقّ للمقسّم أن يستعمل اسم يسوع، لأنه لا يرتبط بالمجموعة الرسولية. ولكن يسوع يرى غير هذا الرأي: "لا تمنعوه لأن من لا يكون عليكم (أو ضدّكم) فهو معكم" (لو 9: 50، قال مر 9: 40: من ليس ضدنا فهو معنا. أما لوقا فأراد أن يشدّد على البعد الاكليزيولوجي، فنقل النصّ من صيغة المتكلّم إلى صيغة المخاطب). ونجد ما يقابل هذا الحدث مع المقسّمين اليهود في أفسس: أرادوا هم أيضاً أن يستعملوا اسم يسوع، فأنكر عليهم الروح هذا الحقّ، وظلّ كلامهم من دون نتيجة (أع 19: 13- 17). أبرز هذا النصّ قدرة بولس العجائبية في خدمة الكلمة (آ 20). نحن هنا في جوّ قريب من عالم السحر.
إذن، ما هي نظرة لوقا إلى الخدم؟ إنه ينظر إليها في تواصل مع الخدمة الأولانية للرسل (يؤمّن الرسل التواصل بين جماعة قبل الفصح وجماعة بعد الفصح). قال الآب غرالو: يرسم لوقا بطريقته الخاصة تاريخ نموّ الخدم، فيشدّد على التواصل العضوي الذي يربط المراحل المتعاقبة (إنطلاقاً من الرسل). هذه الوجهة فرضت نفسها يوم دوّن لوقا كتابه (80- 85). وزاد الآب غرالو: إن الافق الاكليزيولوجي في أع والرسائل الرعائية هو أفق الزمن الذي واجهت فيه الكنيسة المسائل المطروحة بعد موت الرسل. فإذا انطلقنا من زاوية العلاقة بالرسل المؤسّسين، فالزمن الذي دوّن فيه أع والرسائل الرعائية، قد دشّن الزمن الذي نعيش فيه مع وضعه الخاص بالنسبة إلى الرسالة الأولى مع مشاكلها اللاهوتية والاكليزيولوجية، مع ضرورة الحفاظ على الوديعة (1 تم 6: 21) لنبقى أمناء لإنجيل الذي تسلّمناه.
هذه الملاحظة حول الإهتمام (عند لوقا) بإبراز تواصل الخدم المسيحية مع الخدمة الرسُلية (نسبة إلى الرسل)، تترافق مع حكم تاريخي. كانت بين يدي لوقا تقاليد قديمة استفاد منها ليُلقي الضوء على مسائل طُرحت على الكنيسة في أيامه. في هذا السبيل قال الآب غرالو أيضاً: "هناك مسافة طبيعية بين مادّية أخباره والتفاصيل الأصلية لتاريخ معيوش: فحقيقة التاريخ التي رواها تقف على مستوى آخر، وإن تضمنت تمثلاً يستحيل بدونه تقديم أي تفسير لاهوتي".
إذا كان لوقا قد تميّز باهتمامه بأن يبين رباط التواصل بين الخدم المسيحية والخدمة الرسُلية، فيبدو من الضروري أن نتوقّف عند فكرته عن خدمة الرسل. ويعالج القسم الثاني الرباط بين هذه الخدمة الأولانية والخدم التي ظهرت في جماعة أورشليم: خدمة السبعة، ثم خدمة يعقوب والشيوخ. ويعرّفنا القسم الثالث إلى تنظيم كنيسة انطاكية والكنائس التي أسّسها بولس الرسول.

أ- خدمة الرسل
نقدّم هنا فكرة لوقا عن الرسالة، وطريقته في عرض المنظمة الرسلية، وأسلوبه في إفهامنا أن تعاليم متعلّقة بالخدمة الرسلية، ما زالت تطبّق في الذين يوجّهون الجماعات المسيحية بعد موت الرسل.

1- الخدمة الرسلية
هناك كلمة خدمة (دياكونيا) 1: 17، 25؛ رج 6: 4؛ 20: 4؛ 21: 19) وكلمة "مهمة" أو وظيفة (أبيسكوبي، 1: 20). يقول لنا لوقا جوهر نظرته في الخبر الذي يروي فيه كيف أن الحلقة الرسلية استعادت ملئها (أي عادت إلى عدد 12) بين الصعود والعنصرة، بعد أن خسرته بخيانة يهوذا وارتداده عن الجماعة (1: 15- 26).
هناك أربع سمات تساعدنا على تحديد رسول من الرسل الاثني عشر (نشير إلى أن لوقا لا يورد ظهورات للقائم من الموت على نساء كما فعل ما 28: 9- 10 أو يو 20: 11-18).
السمة الأولى (آ 22): الرسل هم معاً شهود لقيامة يسوع. هذا هو موضوع خدمتهم الخاص. بما إن أحداً لم يشاهد القيامة نفسها، نفهم أن الرسل يشهدون على أن يسوع قام لأنه ظهر لهم بعد قيامته. هذه النقطة واضحة في خطبة بطرس في قيصرية (10: 40- 41) وبولس في انطاكية بسيدية (13: 30-31).
السمة الثانية: أن يكون الرسول واحداً من المجموعة الرسولية خلال كل حياة يسوع العلنية "منذ عماد يوحنا إلى يوم ارتفع عنا" (1: 21- 22). هناك أناس غير الرسل شاهدوا يسوع القائم من الموت مثل اسطفانس وبولس، ولكنهم ليسوا من الحلقة الرسلية. يقول القديس بولس: هؤلاء الذي صعدوا مع يسوع من الجليل إلى أورشليم (13: 31). 
السمة الثالثة: لا تكفي مشاهدة كل الأحداث من عماد يوحنا حتى الصعود. هناك اختيار شخصي قام به الرب فجعل الرسل شهوده الرسميين (عيّنهم من أجل وظيفة أو مهمة)، وأمرهم بأن يشهدوا له. هو اختار الرسل، وهو يختار من يخلف يهوذا في هذه الخدمة. بالقرعة برز هذا الإختيار. "أظهرْ لنا من اخترت، يا ربّ" (1: 24- 26).
السمة الرابعة: لا نستنتجها من خبر تعيين متيا، بل من موضع هذا الخبر الذي أقحمه لوقا بين لائحة الرسل (1: 13؛ رج 1: 2) ومجيء الروح على بطرس وسائر الرسل (2: 37؛ رج 2: 4 1). فالرسل حسب وعد يسوع حين ذهابه النهائي (لو 24: 48-49؛ أع 1: 8)، هم الذين نالوا يوم العنصرة قوة الروح القدس التي تجعلهم جديرين بأن يتمّوا مهمّتهم كشهود للمسيح القائم من الموت.
من الواضح إذن أن شهادة الرسل لقيامة يسوع (في نظر لوقا) لا تنفصل عن التقليد الصحيح المتعلّق "بجميع ما عمل يسوع وعلّم" (1: 2). وإن الإنجيل قد وصل إلى الكنيسة على يد "الذين كانوا شهوداً منذ البدء وصاروا خداماً للكلمة" (لوقا 1: 2)، الذين طُلب منهم "ان يقولوا ما رأوا وسمعوا" (أع 4: 20). وعليهم يرتكز التواصل بين زمن يسوع وزمن الكنيسة.
ومن الواضح أيضاً أن مفهوم الرسالة هذا لا يقبل أسلوبَ بولس الذي يطالب بلقب "رسول" لنفسه، ولا لغة المسيحية الأولى التي جعلت الحلقة الرسلية أوسع من مجموعة الاثني عشر. يكفي هنا أن نذكر قانون الإيمان القديم الذي أشار إليه بولس في 1 كور 15: 5-8: "ظهر لكيفا (بطرس) ثم (للرسل) الاثني عشر... ثم ظهر ليعقوب، ثم لجميع الرسل". فالمجموعة المؤلفة من "جميع الرسل" هي غير مجموعة الاثني عشر. وتضم اللائحة يعقوب الذي لم يكن من الاثني عشر.
ليس التماثل بين الاثني عشر والرسل (في المعنى الحصري للكلمة) خاصاً بلوقا. فنحن نجده في رؤ 21: 14: "وكان سور المدينة (أورشليم الجديدة) قائماً على اثني عشر أساساً، على كل واحد منهم اسم من أسماء رسل الحمل الاثني عشر". هذا التماثل يعكس تفكير الحقبة التي تلت موت الاثني عشر، وقابل ميلاً طبيعياً لإمثال (أي تقدمة مثال) الاثني عشر. ويشير إلى اهتمامات زمن أحسّت فيه الكنيسة بالإيمان يهدّده عدد من الضلالات، وبضرورة الحفاظ على تقليد شهود يسوع العظماء. لقد نظر لوقا إلى مهمّة الرسل الاثني عشر من خلال الأمانة التي تطلبها الكنيسة من المسؤولين فيها.

2- تأسيس حلقة الرسل
أولاً: الأمر واضح عند مرقس: إن الاثني عشر هم موضوع تأسيس حقيقي قام به يسوع في بداية حياته العلنية: صعد إلى الجبل ودعا الذين أرادهم "فأقام منهم اثني عشر ليكونوا معه وليرسلهم...". إذن أقام الاثني عشر خلال حياته على الأرض (مر 3: 13-16). واختلف نصّ لوقا (6: 13) بعض الشيء عن نصّ مرقس. صعد إلى الجبل ودعا إليه تلاميذه العديدين واختار من بينهم الاثني عشر الذين سمّاهم رسلاً. إذن، هناك اختيار يميّز الاثني عشر عن الآخرين (رج أع 1: 2). ولكننا لا نجد حديثاً عن تأسيسه بحصر المعنى ولا عن توجيه خاصّ لهؤلاء الذي اختارهم.
ثانياً: كانت رسالة الاثني عشر في الجليل (بالنسبة إلى متّى) مناسبة لتأليف واسع (مت 9: 35- 10: 42) ينطلق من توصيات رسولية عرفها مرقس (6: 6 ب- 13) ولوقا (10: 1- 16. هناك مقابلة بين مر 6: 6 ب- 11 ومت 9: 35؛ 10: 1، 9-11، 14، بين لو 10: 2، 5-7 ومت 9: 37-38؛ 10: 12-13). ضمّ متّى ما قاله مرقس والمرجع الذي استقى منه لوقا إلى تقاليد اخرى، فأبرز مشهد الارسال ابرازاً خاصاً. وعرف لوقا المرجعين (مرقس+ مرجع خاصّ) اللذين استعملهما متّى، ولكنّه أفاد منهما بطريقة مختلفة. ففي 9: 1-6، إستعاد متّى ما قاله مرقس، عن رسالة الاثني عشر ولخّصه. غير أنه أبرز بقوة الخبر الآخر الذي هو إرسال مجموعة اخرى، مجموعة السبعين (أو 72) تلميذاً (10: 1-16). إذن، نستطيع القول إنه لا يعلّق أهمية كبيرة على رسالة الاثني عشر الجليلية. وإن ذكرها خلال العشاء الأخير (لو 22: 35-36)، فليدلّ على أنها قد زالت ومضت.
ثالثاً: حين أورد لوقا خطبة الوداع التي وجّهها يسوع إلى الرسل خلال العشاء الأخير (لو 22: 14= مت 26: 20؛ مر 14: 17)، قدمّ توسعاً (22: 14-38) يدلّ على الأهمية التي يعلّقها على هذه الخطبة (نشير إلى أن خبر العشاء الأخير يحتلّ 25 آية في لوقا، 9 آيات في مرقس و 10 في متّى). فقد أدخل فيها تعميماً عن ممارسة السلطة (لو 22: 24-27) كان ينتمي إلى قرينة أخرى (مر 10: 42-45؛ مت 20: 25-28). ونجد في هذه الخطبة أيضاً وعداً لأثني عشر (لو 22: 29- 30) يرد عند متّى في مكان آخر وبطريقة مختلفة (مت 19: 28). إن بعض الشرّاح يرون في هذا المقطع العمل الإحتفالي الذي به أسّس يسوع الرسل الاثني عشر. لنقرأ هذه الآيات: "أنتم الذين ثبتّم معي في محنتي (التي بدأت اليوم). وأنا أعطيكم ملكوتاً كما اعطاني أب، فتأكلون وتشربون على مائدتي في ملكوتي، وتجلسون على العروش لتدينوا عشائر بني اسرائيل الاثني عشر" (لو 22: 28- 30). ما يجعل هذا الإعلان بارزاً، هو علاقته بتأسيسه الافخارستيا التي هي تتميم للفصح في ملكوت الله (آ 16) وأداة العهد الجديد (دياتيكي: آ 20). ولكننا لسنا هنا بصورة مباشرة أمام الخدمة التي سيقوم بها الرسل في الزمن الحاضر، بل أمام الوضع المميّز الذي هُيّىء لهم في العالم الآتي.
رابعاً: سنبحث عن التأسيس الحقيقي للرسل في الكلمات التي قالها يسوع حين ترك العالم (بعد القيامة) وأقامهم شهوداً له: "أنتم شهود على ذلك" (لو 24: 48). "تكونون لي شهوداً في أورشليم واليهودية كلها والسامرة وحتى أقاصي الأرض" (أع 1: 8). لقد تنظّم الرسل في خدمتهم كشهود للمسيح ساعة عاد المسيح إلى الآب.
خامساً: ولكنهم لن يبدأوا ممارسة وظيفتهم قبل العنصرة. فنهاية الإنجيل (لو 24: 48-49) وبداية أع (1: 4- 5، 8) تشدّدان على هذه النقطة: على الرسل أن ينتظروا في أورشليم مجيء الروح. وهو يعطيهم القوة التي يحتاجون إليها من أجل ممارسة وظيفتهم كشهود. إذاً نستطيع القول بأن تنصيب الرسل في وظيفتهم لم يكن تاماً إلا مع حدث العنصرة. لهذا اهتم لوقا بأن يقول ان متيّا ضُمّ إلى الحلقة الرسولية قبل ذلك التاريخ: وجب أن يكون هنا من أجل تدشين الرسالة بصورة احتفالية. ولقد أفهم لوقا قارئه (ولم يقل بوضوح) أن الروح نزل يوم العنصرة على الاثني عشر وحدهم: فلائحة الأحد عشر في 1: 13 منفصلة عن الإشارة (آ 14) إلى الأشخاص الذين يرافقونهم. وان آ 15- 26 تورد كيف صار الأحد عشر اثني عشر من جديد. بعد هذا، لن يتحدّث النصّ إلاّ عن بطرس وسائر الرسل (2: 14، 37): سلّم إليهم القائم من الموت مهمّة ووكالة، وزاد الروحُ (أفاضه يسوع عليهم بعد أن ناله من الآب، 2: 33) تكريساً جعلهم قادرين على القيام برسالتهم.

3- وصايا يسوع إلى رسله
أولاً: أقحم لوقا في خبر العشاء الأخير (لو 22: 24-27) جدالاً بين الرسل، ممّا جعل يسوع يقدّم تعليماً موازياً لما نجده عند مرقس (10: 42- 45) بمناسبة الطلب الذي قدّمه ابنا زبدى: "واحد عن يمينك وواحد عن شمالك".
إليك القول المركزي في مرقس: "من أراد أن يكون عظيماً فيكم، فليكن لكم خادماً. ومن أراد أن يكون الأول فيكم، فليكن لجميعكم عبدا" (مر 10: 43- 44). تحدّث أبنا زبدى عن المركزين الأولين في الملكوت الآتي، أما يسوع فتحدّث عن المراكز الأولى بين التلاميذ في جماعة تنتمي إلى العالم الحاضر.
ويأتي قول لوقا (22: 26) الموازي فيواصل: "ليكن الأكبر فيكم كالاصغر والرئيس كالخادم". لا تنظر الآية إلى وضع يتمنّى فيه تلميذ أن يكون الأول، بل هي تنطلق من واقع تعيشه الجماعة الآن: لها رئيس يحتلّ المكان الأول. ليس له ان يصير كبيراً، فهو كبير. ولا يُطلب منه ان يكون خادماً وعبداً للجميع. بل يُطلب منه أن يتصرف وكأنه الأصغر أو كأنه الموكّل بالخدمة. الرئيس هو في اليونانية "هيغومينوس". وهي الكلمة التي استعملها أع 15: 22 ليدلّ على المركز الذي يحتله يهوذا برسابا وسيلا في جماعة أورشليم، والتي استعملتها عب 13: 7، 17، 24 لتسميّ رؤساء الجماعة المسيحية.
ولا شكّ في أن لوقا (22: 26) يتجاوز وضع الرسل الذين يتجادلون ليعرفوا من هو الأكبر (آ 24). إن لوقا يفكّر في كنيسة عصره، ويُريد أن يذكّر المسؤولين في الجماعات المسيحية بأن وظيفتهم لا تسمح لهم بأن يتخذوا ألقاباً لشبه تلك التي تُعطى للملوك الوثنيين (آ 25)، بل هي تجبرهم على أن يجعلوا نفوسهم في خدمة إخوتهم (آ 26) على مثال يسوع (آ 27).
ثانياً: نجد في لو 12 تحريضاً على السهر يتألّف من مثلين صغيرين (آ 35- 40)، ويليه سؤال يلفت انتباهنا. "حينئذ قال بطرس: يا رب، ألنا تقول هذا المثل أم للجميع" (آ 41)؟ كيف نفهم هذا التمييز بين "نحن"؟ و"الجميع"؟ إذا عدنا إلى الأمثال السابقة ونصّ مر 13: 37 الموازي، نجد جواباً يطلب السهر من التلاميذ ومن كل الناس أيضاً. ولكن الآيات التالية تُدخلنا في وجهة أخرى. فلوقا جعل من سؤال آ 41 لا مقدّمة تفسير يتطرّق إلى تعليم الآيات السابقة، بل انتقالة أدبية بين نداء إلى السهر موجّه إلى الجميع وبين تعليم عن الأمانة يتوجّه بصورة خاصة إلى أناس يتحمّلون مسؤولية في الجماعة: هم الرسل وهم كل الذين يمارسون مسؤولية في الكنيسة (في أيام لوقا).
قدمت آ 41 السؤال فجاء الجواب في آ 42- 46. يمثّل الخادمُ المسؤول عن توزيع الطعام لرفاقه. إن كان أمينا، أقيم وكيلاً على خيرات سيده. ولكن إن استغل سلطته سيكون العقاب كبيراً. هذا ما يقوله ويكتفي به مت 24: 45- 51. أما لوقا فيسمّي هذا الخادم "الوكيل" (أويكونوموس أي: الأقنوم في اللغة الديرية) وهي الكلمة التي يستعملها بولس ليدلّ على الرسل (1 كور 4: 1- 2). وهو ينطبق على الأساقفة (تي 1: 7) والمسيحيين الذي نالوا موهبة ليضعوها في خدمة الآخرين (1 بط 4: 10). الأويكونوموس هو الذي يمارس سلطة ويحمل مسؤولية لخير الجميع: طوبى لذلك الرجل إن أتمّ مهمّته بأمانة. ولكن الويل له إن استغلّ سلطته على حساب من أوكل أمرهم إليه.
ويزيد لوقا على هذا المثل تنبيهاً أخيراً (آ 47-48) يشدّد على مسؤولية من يقوم بالخدمة: "من أعطى كثيراً يُطلب منه الكثير، ومن ائتمن على كثير يُطالب باكثر منه". لا شكّ أننا أمام سؤال بطرس وتمييزه بين "نحن" و"الجميع". ولكن لوقا ينظر إلى الرسل، ومن خلالهم إلى الذين يقودون الكنيسة في أيامه.

ب- خدم جديدة في أورشليم
لقد مارس الرسل خدمتهم في أورشليم. وإن ذهب بطرس ويوحنا إلى السامرة فهما قد ذهبا كممثّلين للرسل الذين في أورشليم (8: 14). وإن زار بطرس السهل الساحلي (لدة، يافا، قيصرية، 9: 32- 10: 48)، فقد ظلّ مرتبطاً بأورشليم التي عاد إليها ليبرّر موقفه أمام الرسل والاخوة (11: 1- 18). وإن ابتعد وقتاً قصيراً عن أورشليم خلال اضطهاد هيرودس أغريباً فلوقا لا يقول لنا أين ذهب (12: 17)، كما لا يذكر لنما شيئاً عن إقامته في أنطاكية (رج غل 2: 11- 14). إذن، إرتبط الرسل الاثنا عشر بأورشليم، وسنرى في أورشليم بروز خدم جديدة: السبعة، يعقوب والشيوخ. كيف نظر لوقا إلى هذه الخدم بالنسبة إلى خدمة الرسل؟ 

1- تأسيس السبعة (6: 1- 6)
نتوقّف عند ثلاث نقاط: تقديم الحدث من وجهة لوقا، الحدث من الوجهة التاريخية، تحديدات الخبر عن طريقة تأسيس السبعة.
أولاً: من السهل أن ندرك تفسير الحدث في خبر لوقا. فقارىء أع يعرف بواسطة 4: 32- 5: 11 أن مسيحيّي أورشليم مارسوا المشاركة في الخيرات: كانوا يبيعون ممتلكاتهم ويضعون الثمن عند أقدام الرسل الذين كانوا مسؤولين عن توزيعها. ونعرف حين نقرأ بداية ف 6 أن هذا التوزيع لم يُرضِ الجميع. فقد أحسّ الهلّينيون أنهم مغبونون لأن "أراملهم لا يأخذن نصيبهن من المعيشة اليومية". فدعا الرسل المسيحيين إلى جمعية عامة اختاروا سبعة رجال يهتمون بخدمة الموائد ويحرّرون الرسل من خدمة جانبية تلهيهم عن مهمّتهم الرئيسية التي هي خدمة كلمة الله. لم يكن لهؤلاء السبعة أهمية الرسل، ولكن صاحب أع رأى فيهم أسلاف خدّام المحبّة الذي يعملون بامرة الأساقفة والشيوخ (أو القسوس).
ثانياً: أما واقع الحدث فيبرز بصورة مختلفة إن نحن أخذنا بعين الإعتبار مجمل المعلومات التي قدّمها لنا لوقا نفسه. نلاحظ أولاً أن نشاط اسطفانس وفيلبس "الإنجيلي" (21: 8) لا يدلّ على أنهما من "خدّام المائدة" (6: 2). فالسبعة لا يقومون بالمهمة التي حدّدها لهم الرسل، بل هم خدّام الكلمة على مثال الرسل.
وحصل اضطهاد بعد مقتل اسطفانس (8: 1)، فأجبر المسيحيين على ترك المدينة المقدسة: "تشتّتوا كلهم ما عدا الرسل". نحن نندهش من بقاء الرسل في أورشليم. أما يشكّلون أول أهداف المضطهدين؟ ولكن، هل ظلّوا وحدهم في أورشليم؟ فبعد أن روى لوقا ارتداد المضطهد شاول (بولس) بيّن أن كنيسة فلسطين كانت تنعم بالسلام وتعرف الإزدهار (9: 31)، حين تابع المشتّتون طريقَهم: وصل فيلبس إلى قيصرية (8: 40)، وتابع آخرون طريقهم إلى فينيقية وقبرص وأنطاكية (11: 19). وكان من بين هؤلاء أناس من قبرص ومن القيروان (11: 20) الذين انتموا إلى مجموعة الهلينيين. لن نفهم هذه المعلومات إلاّ إذا افترضنا أن المسيحيين الهلينيين (يهود يتكلمون اليونانية) وحدهم تشتتوا بعد موت اسطفانس: لم يُقلق الرسلُ ولا المسيحيون العبرانيون (يتكلّمون العبرية أو بالأحرى الأرامية). فقد توصّلت السلطة اليهودية إلى التمييز بين المسيحيين تمييزاً يقابل واقعهم (6: 1).
ومارس اسطفانس (6: 9) أحد السبعة، نشاطه في مجامع اليهود الهلينيين. هذا يعني أنه كان ينتمي إلى المسيحيين الهلينيين. وقد كان فيلبس أيضاً هلينيا، لأنه أقام في مدينة هلينية، هي قيصرية، بعد أن عمّد الحبشي الذي لم يكن يتكلم الأرامية. ونيقولاوس آخر السبعة، إنتمى إلى مجموعة الهلينيين وهو مرتدّ (بروساليتوس جاء حديثاً إلى اليهودية) يعيش في أنطاكية. لا نعرف إلاّ اسم الأشخاص الأربعة الآخرين المذكورين في 6: 5، ولكن أسماءهم هي أسماء يوناينة. إذا كان السبعة أعضاء في المجموعة الهلينية، أما يكون معقولاً أن مسيحيّي هذه المجموعة اختارتهم، لا الجماعةُ المسيحية كلها التي شكّل فيه الهلينيون أقلية ضئيلة.
وهكذا يبدو لنا تأسيس السبعة في وجه جديد: برزت صعوبات بين المسيحيين الهلينيين والآخرين، فرأى الرسل أن افضل وسيلة للمحافظة على السلام هي في منح المجموعة الهلينية تنظيماً خاصاً بها. وهكذا صار الهلينيون جماعة مستقلّة عن جماعة العبرانيين، وكانت لهم قيادة جماعية. وإن عدد المختارين يؤكد هذا التفسير، لأن الجماعات اليهودية كانت توضع عادة في عهدهّ سبعة مدبرين يكونون مسؤولين عنها.
إدْا كانت الأمور حصلت بهذا الشكل، نفهم أن يكون لوقا تراجع أمام صورة انقسام الكنيسة الأولى إلى مجموعتين متوازيتين (ومستقلتين)، فتحدّث عن السبعة الموكّلين على خدمة المحبّة. وهذا العرض يتيح له أن يبيّن أن المبادرات الرسولية المنسوبة إلى هؤلاء الرجال، لم تتعارض يوماً مع مبادرات الرسل الاثني عشر الذين تسلّموا مهمتهم من يسوع.
ثالثاً: كيف تأسسّ السبعة؟ يميّز الخبر مراحل ثلاث: عرض قدّمه الرسل (آ 2- 4). إختيار تمّ على يد الجماعة كلها (آ 5). وضع أيدي الرسل على السبعة (آ 6). هنا يتساءل المؤرخ: هل استعاد لوقا معلومات تقليدية وصلت إليه من مرجع قديم أم صوّر رسامة تمّت ساعة كان يدوّن كتابه؟
هناك. معلومتان لا شكّ في طابعهما التقليدي القديم: الخلاف بالنسبة إلى الأرامل (آ 1)، أسماء هؤلاء السبعة (آ 5). ولا بدّ من الإقرار بأن هذه الآيات الست (6: 1- 6) مطبوعة بفنّ لوقا في تدوين كتابه، وهي قريبة من هذه الإجمالات التي عرفها أع في الفصول الخسمة الأولى والتي استعملها لوقا لينتقل من موضوع إلى آخر. أجل، لقد استعمل لوقا 6: 1- 6 كمقدّمة لقصة اسطفانس، وهناك موازاة دقيقة بين خطبة الرسل في 6: 2- 4 وخطبة بطرس في 1: 16- 22 (يعرض بطرس ضرورة ايجاد من يحلّ محلّ يهوذا). وهكذا نكون أمام تدوين لنصّ الخطبة في 6: 2- 4 لا يتعدّى أيام لوقا.
ونقرأ آ 6: "ثم أحضروهم أمام الرسل، فصلّوا ووضعوا عليهم الأيدي". الرسل (لا الجماعة كلها كما قال دوبي مثلاً) هم الذين وضعوا الأيدي. من أين جاء لوقا بهذه الآية؟ لقد تذكّر مشهد تعيين يشوع كخلف لموسى في عد 27: 15-23. نشير هنا إلى أن اليهودية المتأخّرة تستعمل هذا النصّ من أجل رسامة الرابانيين. هنا نفهم المعنى العميق لوضع الأيدي، ونفهم أن الذين اختيروا ليخفّفوا عن الرسل ظلّوا خاضعين للذين وضعوا عليهم الأيدي.

2- يعقوب وشيوخ أورشليم
دخل الشيوخ (11: 30) ويعقوب (12: 17) على المسرح بشكل كتوم، ولكنهم ارتبطوا بالرسل ارتباطا وثيقاً خلال مجمع أورشليم (ف 15). ولما غاب الرسل، صاروا المسؤولين عن كنيسة أورشليم.
أولاً: يُذكر الشيوخ (أو القسوس) للمرّة الأولى في جماعة أورشليم في 11: 27- 30، وذلك بمناسبة الكلمة التي أرسلها مسيحيّو أنطاكية من أجل إخوتهم في اليهودية: وقد حمل بولس وسيلا هذه المعونة وسلّماها إلى الشيوخ.
نتساءل: لماذا لم يقل لوقا إن لمّة (تبرّع) أنطاكية "وُضعت عند اقدام الرسل" (4: 35، 37، 5: 2)؟ هل كان الرسل غائبين؟ ولكن لوقا يحدّثنا عن بطرس الراجع من قيصرية (11: 1-18) والحاضر في أورشليم خلال اضطهاد هيرودس أغريبا للمسيحيين (12: 1- 25). هل نفترض أن الرسل تخلّوا عن المسائل المادية؟ هذا ما يفترضه تأسيس السبعة في 6: 1- 6 ولكن السبعة وجماعة الهلينيين تركوا أورشليم بعد مقتل اسطفانس. فهل نفترض أن الشيوخ المذكورين في 11: 30 يلعبون بالنسبة إلى "العبرانيين" الدور الذي يلعبه السبعة في جماعة الهلينيين؟ الأمر ممكن لاسيّما حين نرى طريقة لوقا في عرض الأشخاص. فالشيوخ يظهرون كالسبعة في إطار خدمة المحبّة. وسنرى في ف 15 أنهم يشكّلون بجانب الرسل مرجعاً تعليمياً.
لم يعطنا لوقا معلومات عن أصل الحلقة "الكهنوتية" (الشيوخ) في أورشليم. هل كانت هذه الحلقة نموذجاً لتأسيس السبعة، أم انها تبعت طريقة تأسيس السبعة؟ لم يزل الشرّاح في جدال، ولكن يجب أن نلاحظ ان وجود مثل هذه الحلقة على رأس جماعة ما زالت مرتبطة بالديانة اليهودية، أمر معقول من الوجهة التاريخية. ونزيد أن قرّاء لوقا لم يدهشوا حين عرفوا أنه كان لجماعة أورشليم شيوخها، شأنها شأن الجماعات المسيحية التي تعرّفوا إليها.
إن نحن تساءلنا عن أصل الحلقة الكهنوتية، لم نفهم هدف لوقا حين ذكر الشيوخ للمرة الأولى. حين نتساءل من أين جاؤوا ننظر إلى الوراء. أما لوقا فيتطلع إلى الأمام: إنه يريد أن يهيّىء القارىء للدور الذي سيلعبه الشيوخ في المجمع. ادخلهم على المسرح في 11: 30 من أجل الخبر اللاحق. وسنجد الأسلوب عينه حين نصل إلى يعقوب: يقدّمه لوقا بطريقة كتومة، ويهيّئه للدور المهمّ الذي سيلعبه في مجمع أورشليم.
ثانياً: يظهر يعقوب للمرة الأولى في 12: 17. بعد أن نجا بطرس من السجن بطريقة عجيبة، وترك أورشليم خفية، طلب من الجماعة أن تخبر "يعقوب والاخوة". أي يعقوب يعني؟ لا يعقوب الرسول وأخ يوحنا الذي عرفنا بمقتله في 12: 2. ولكن قارىء لوقا يعرف أشخاصاً آخرين تسمّوا بهذا الاسم: الرسول يعقوب بن حلفى (لو 6: 15؛ أع 1: 13)، ووالد يهوذا الرسول (لو 6: 16)، ووالد مريم، إحدى النساء القديسات (لو 24: 10). في الواقع نحن هنا أمام يعقوب آخر لم يذكر حتى الآن: هو الذي سمّاه بولس "اخ الرب" (غل 1: 19). كان الشخص معروفاً، فلم يتعب لوقا بالتعريف به.
والطريقة التي بها يرد الاسم للمرة الأولى لها معناها العميق: على لسان بطرس الذي استعدّ لأن يترك اورشليم. إذن بطرس هو الذي يقدّم لقارىء أع يعقوب هذا الذي سيصير رئيس كنيسة أورشليم. هناك رباط تواصل بين رئيس الحلقة الرسولية (أي الاثني عشر) والكنيسة الأولى، وبين الذي اخذ المشعل من يده. صار يعقوب رئيس كنيسة أورشليم، ولكنه لم ينل سلطته من دون بطرس.
إن أولوّية يعقوب في جماعة أورشليم المسيحية المتهودة، امر لا جدال فيه من الوجهة التاريخية. يشهد على ذلك بولس الذي يرى في يعقوب وكيفا (بطرس) ويوحنا العمداء في كنيسة أورشليم (غل 2: 9). يشير لوقا إلى أن بطرس اعترف بهذه الأولوية، ولكنه لا يقول شيئاً عن أصل سلطته. كل ما نعرفه هو أنه "اخ الرب" وانه خلف بعد موته سمعان "اخ الرب" (اوسابيوس التاريخ الكنسي 4/ 22: 4). لقد علّقت كنيسة أورشليم أهمية حاسمة على رباطات الدم والقرابة: غاب الرب، فحلّ محله اقرب اقربائه. ولكن لوقا ربط يعقوب ببطرس، وسنجد الاثنين معاً في مجمع أورشليم. 
ثالثاً: نجد في مجمع أورشليم كل الأشخاص الذين ساسوا الكنيسة الأم. يبدأ الخبر فيورد خطبتين: تكلّم بطرس اولاً (15: 7- 11)، فكانت هذه الخطبة آخر كلمة يقولها في أع. بعد هذا، ترك المسرح نهائياً وقد انتهى دوره بالموافقة التامة على عمل بولس الرسولي وثوابته اللاهوتية. ثم تكلّم يعقوب، فعبرّ عن توافقه مع سمعان واستند إلى الانبياء (آ 13-18). هكذا أبرز التواصل بين رئيسي كنيسة أورشليم. بعد هذا، عبرّ يعقوب عن سلطته (آ 19: ولذلك أرى، أو أرتني)، فعرض الاجراءات العملية التي ستكون موضوع القرار المجمعي.
ولكن القرار الذي اتخذ فيما بعد، لم يتّخذ باسم يعقوب أو بطرس، بل باسم الرسل والشيوخ. فإلى الرسل والشيِوخ جاء وفد أنطاكية (آ 2). والرسل والشيوخ هم الذين استقبلوا الوفد (آ 4)، ودرسوا قضيته (آ 6)، واتخذوا القرار بالاتفاق مع الكنيسة الأم (آ 22). لهذا كان من الطبيعي أن يدوَّن القرار المجمعي باسمهم (آ 23)، لأنه يتضمّن القرارات التي اتخذها الرسل والشيوخ الذين في أورشليم والتي تشكّل شريعة يجب العمل بها (16: 4). في هذا الظرف، تشكّل الحلقة الرسولية والحلقة الكهنوتية (تكلّم باسمهما بطرس ويعقوب) السلطة العليا في الكنيسة. وهذا الجمع بين الشيوخ والرسل يفترض أن الشيوخ يتمتّعون بسلطة تعليمية. فلا ينحصر دورهم في أمور إدارية كما نظنّ حين نقرأ 11: 30.
بعد المجمع، لن يتحدث أع عن بطرس ولا عن الرسل. ولكن مكانهم ليس بفارغ. فقد حلّ محلّهم يعقوب والشيوخ (أو القسوس، أو الكهنة). 
رابعاً: سنجد يعقوب والشيوخ في أورشليم خلال زيارة بولس الأخيرة لها. وصل فاستقبله الإخوة (21: 17). ثم زار يعقوب، "وكان الشيوخ كلهم حاضرين" (آ 18). وبعد أن روى بولس كل ما أجرى الله على يديه بين الوثنيين، طلب منه يعقوب والشيوخ أن يبرهن أنه ما زال أميناً لليهودية (آ 20- 24). ذكّروه أن على الوثنيين المرتدين إلى المسيحية أن يحفظوا الشرائع التي فُرضت سابقا (آ 25) على يد الرسل والشيوخ (15: 29) والتي يسمّيها يعقوب والشيوخ شرائعنا (نحن): ذهب الرسل، فاعتبر المسؤولون في كنيسة أورشليم أن قرار المجمع الذي شاركوا في إتخاذه مع الرسل هو قرارهم. فكأني بالقرار لا يرتبط بشخص، بل بمسؤولي كنيسة أورشليم الذين يُعتبرون السلطة العليا.
ج- انطاكية والكنائس البولسية
حين يتحدّث لوقا عن كنيسة أنطاكية، فهو يشير إلى وجود أنبياء ومعلّمين يتمتعون بمكانة خاصّة في قيادتها (13: 1-3). ويذكّر بالنسبة إلى الكنائس البولسية تأسيس الشيوخ والقسوس (والكهنة) في الجماعات التي تأسّست خلاله الرحلة الرسولية الأولى (14: 22- 23) ويورد خطبة مهمة وجهها بولس لشيوخ افسس (20: 17- 35).

1- الانبياء والمعلمون في انطاكية
تشكل 13: 1- 3 مقدّمة لخبر الرسالات البولسية. وإذ ربطها لوقا بكنيسة أنطاكية، أعطانا بعض التفاصيل الهامة عن تنظيم هذه الكنيسة وحياتها. وها نحن نقرأ هذه الآيات بالتفصيل.
أولاً: آ 1: وكان في كنيسة أنطاكية أنبياء ومعلّمون هم: برنابا، شمعون الذي يدعى نيجر، لوقيوس القيرواني، ومناين وهو صديق الوالي هيرودس من الطفولة، شاول.
لا جدال في القيمة الوثائقية لهذه اللائحة التي تتضمّن أسماء خمسة. تذكر، مع برنابا وشاول، ثلاثة أشخاص لا نعرفهم إلا في هذا المكان ولن يلعبوا أي دور في أع. لا شكّ في أن لوقا استند إلى تقليد قديم له قيمته التاريخية.
لا يقول لوقا إن هؤلاء الخمسة شكّلوا حلقة دبرت مصير الجماعة. ولكن كما كانت لائحة الرسل في 1: 13 ولائحة السبعة في 6: 5، هكذا نجد لائحة العاملين في أنطاكية في 13: 1.
نال هؤلاء الخمسة لقبين: نبيّ، معلّم. لا شكّ في أننا أمام أمر تاريخي. في 1 كور 12: 28-29، يدلّ هذان اللقبان على مواهب تخصّ أشخاصاً مختلفين، أما هنا، فالأشخاص الخمسة هم أنبياء ومعلّمون. نحن أمام موهبتين متكاملتين: نرى مثلاً في 15: 32 أن الأنبياء يتميّزون بموهبة تحريض الإخوة وتثبيتهم على الإيمان. أما المعلّمون أو "الملافنة"، فهم الذين يعلّمون المؤمنين ويلقّنونهم مبادىء الإيمان.
كيف صار هؤلاء الانبياء والمعلّمون على رأس كنيسة انطاكية؟ هذا ما لا يقوله لنا لوقا. وإذ نعرف (11: 20) أنه وُجد قيروانيون بين مؤسسّي هذا الكنيسة، نتساءل: أما كان لوقيوس القيرواني واحداً منهم؟ على كل حال، لا يجعل لوقا برنابا واحداً منهم: جاء فيما بعد موفداً من أورشليم (11: 22)، جاء في مهمّة رسميّة إلى أنطاكية، فعمل الكثير من أجل الرسالة في هذه المدينة العظيمة. ونستطيع القول إنه لولا تأثيره لما جاء بولس واتخذ مكانته بين المسؤولين. ونقول إن اللقبين يفهماننا أن سلطتهم ارتبطت بموهبة خاصة تجعلهم "خدّاماً للكلمة" جديرين بهذا الأسم.
ولكن خدّام الكلمة هؤلاء أسسّوا حلقة منظمة (مؤسسة)، وهذا ما نستنتجه من لائحة أسمائهم.
ثانياً: آ 2: وبينما هم يحتفلون بخدمة الرب (شعائر العبادة) ويصومون، قال الروح القدس: "خصّصوا لي برنابا وشاول لعمل دعوتهما إليه".
نحن هنا أمام عمل ليتورجي. ولكن هل يحتفل بهذه الليتورجيا الخمسةُ أم المسيحيون المجتمعون في "كنيسة"؟ يبدو أن المعنى والغراماطيق يدلاّن على الخمسة فقط، كما يقول معظم الشرّاح. ولكن يُطرح سؤال ينقسم حوله الشرّاح، فيقول البعض: نحن أمام اجتماع صلاة خاص بالخمسة. وقال آخرون: كانت الجماعة حاضرة وإن لم يُشر النصّ إلى حضورها.
ما هو موضوع هذه الآية؟ ما حدث في يوم من الأيام في انطاكية حوالي السنة 40 ورواه لوقا لقرائه حوالي السنة 80. إنطلق من التقليد، ودوّن هذا النصّ بطريقته. فهو يجمع الصلاة والصوم، وهذا ما فعله مرتين في إنجيله (لو 2: 37؛ 5: 33)، ومرتين أخريين في أع (13: 3، 14: 23). قال الروح القدس. لقد اعتاد لوقا ان ينسب العمل مباشرة إلى الروح الذي يوجّه بنفسه الكنيسة. والدعوة المذكورة هنا (دعوتهما) عبر كلمة نبوية، سنجدها في 16: 10 عبر حلم ورؤية: لقد فهم بولس ورفاقه المهمة التي دعاهم الله إليها.
كيف كانت الليتورجيا في انطاكية؟ سنتعرّف إليها حين نقرأ آ 3 و14: 23. بعد هذا لن يُذكر حضور الجماعة مع صلوات المسؤولين، ولكن النصّ يتضمّن هذاً الحضور. وهذا ما نقوله عن آ 2: نحن أمام ليتورجيا جماعية يرئسها الخمسة بصفتهم معلّمين وأنبياء. هل كان هناك كسر خبز؟ هذا ما لا يقوله لوقا.
ثالثاً: آ 3: وبعد ان صاموا ووضعوا عليهما الأيدي، صرفوهما.
ونتساءل عن الفاعل. إذا عدنا إلى الغراماطيق، نفهم أن الفاعل هو الانبياء والمعلّمون المذكورون في آ 1. ولكن إذا عدنا إلى 6: 6، نرى أن السبعة نالوا وضع اليد لا من المسيحيين الذين اختاروهم (كما يقول الغراماطيق)، بل من الرسل (كما يقول المنطق). أما في 13: 1-3، فلا نميّز بين فاعل غراماطيقي وفاعل منطقي: فالانتباه يتركّز كلّه على مسؤولي الجماعة بحيث لم يُذكر المسيحيون حتى في آ 3 حيث يُفرض أن يكونوا موجودين. ولكن هذه الاعتبارات تقودنا إلى نتيجة مستحيلة: هل ننسب إلى الخمسة فعلة وضع الأيدي التي تعني اثنين منهم؟ إذا، يجب أن نفترض أن الثلاثة الآخرين وضعوا الايدي على برنابا وشاول.
هنا نزيد بصورة هامشية أننا إن قرأنا 1: 23-26، سنتعب لنعرف ما يتعلّق بالرسل وما يتعلّق بجماعة المئة والعشرين في تعيين الرسول الثاني عشر. وفي 14: 23 سيطرح علينا تأسيس الشيوخ صعوبة أخرى. وهكذا يرى بعض العلماء التباساً في نصوص لوقا. ولكن هذا يدلّ على أننا نطرح على لوقا أسئلة لا تهمّه.
ووضع الثلاثة أيديهم على برنابا وبولس. ولكن ما قيمة هذه الفعلة في نظر صاحب أع؟ هذا ما سيشرحه لوقا نفسه حين يتذكّر نقطة الانطلاق في نهاية السفرة التي تبدأ هنا: "نزل المرسلان من أتاليا ومنها سافرا في البحر إلى أنطاكية التي خرجا منها ترعاهما نعمة الله من أجل العمل الذي قاما به" (14: 26). إن عبارة "العمل الذي قاما به" هي صدى للآية 13: 2: العمل الذي دعوتهما إليه. وعبارة ترعاهما (أو تسلّمتهما نعمة الله) تعطينا معنى وضع الأيدي كما في 13: 3: طقس توصية (يوصون بهما) وتشفُّع من أجل تتميم مهمّة محدّدة. وسيتكرّر النصّ في الإنطلاقة التالية: ذهب بولس برفقة سيلا بعد أن تسلّمته (ترعاه) نعمة الله (بصلاة) الإخوة (15: 40). لم تُذكر هنا فعلةُ وضع الأيدي، بل الصلاة التي قالها الإخوة عليه.
هل نحن هنا أمام رسامة كهنوتية ينالها بولس من رفاقه؟ لا. ثم إن ما فعل في 14: 26 تكرّر في 15: 40. وسيبيّن لوقا بوضوح المعنى الذي ينسبه إلى هذه الفعلة في 14: 26: يسلّم كنيسة الله إلى اناس تُوكَل إليهم مهمّة محدّدة ومحدودة في الزمن. ونزيد: حين أحاط لوقا بداية أسفار بولس بأبهّة احتفالية، أراد أن يبيّن الرباط الوثيق بين هذه الرحلات وكنيسة أنطاكية التي تكفل عملاً قام تحت مسؤوليتها على يد شخص لم يكن رسولاً (ابوستولوس) من الرسل الاثني عشر (بحصر المعنى) بل رسول (ابوستولوس) الروح القدس، والموفد من أنطاكية (13: 4؛ 14: 4، 14).
أرسلت كنيسة أنطاكية برنابا وبولس في مهمة. وقبلها أرسلتْ كنيسة أورشليم برنابا إلى أنطاكية (11: 22). كما أرسل مجمع أورشليم يهوذا وسيلا إلى أنطاكية (15: 12، 25، 27، 32- 33). وسترسل أنطاكية بولس وبرنابا إلى أورشليم (11: 30؛ 12: 25؛ 15: 2- 4). كل هذا يدلّ على سلطة كنيسة أورشليم التي اعطت لكنيسة أنطاكية صفة شرعية. 

2- الشيوخ في الكنائس البولسية
يورد لوقا مرتين (أع 14: 13؛ 20: 17) أن بولس أسسّ "شيوخا" أو قسوساً. نحن نعرف أن رسائل بولس الأولى (ولكن نجده أيضاً في تم 5: 1، 2، 17، 19؛ تي 1: 5) لا تستعمل هذا اللقب ساعة انتظرنا أن نجده: هو يطلب في 1 تس 5: 12-13 إلى المسيحيين المحبّة (والاكرام) للذين يتعبون، للذين وظيفتهم أن ينبّهوا أصحاب السلوك السيّىء. ويطلب بولس من المسيحيين في كورنتوس (1 كور 16: 15- 16) بأن يسمعوا للذين كرّسوا انفسهم لخدمة الإخوة. وتشير فل 1: 1 إلى وجود اساقفة في فيلبي (تتوجّه فل إلى الاخوة والى الاساقفة والشمامسة): إن اللقب المعطى لهم يقابل ما يقوله أع 20: 28 عن شيوخ أفسس: لقد جعلهم الروح أساقفة على القطيع الذي أوكل إليهم. عليهم أن يرعوا كنيسة الله.
لن نقابل بين لوقا وبولس في إستعمال الكلمات التي يمكن أن يكون معناها قد توضّح على مرّ الزمن. ثم إن لوقا يستند إلى مراجع قديمة، وقد يكون عاد إلى ما يراه في كنيسته حين يكتب أع. إن النقد الأدبي للنصوص يفرض علينا أن نأخذ بعين الإعتبار الحكم التاريخي.

أولاً: لتسرة، ايقونية، انطاكية بسيدية
إذا ألقينا نظرة إلى الخريطة، وجدنا أن بولس وبرنابا وصلا إلى آخر رحلتهما الرسولية حين بلغا أنطاكية بسيدية. ذهبا من الجنوب إلى الشمال. وفي أنطاكية مالا إلى الشمال الشرقي وكأنهما يريدان العودة إلى انطاكية سورية حيث انطلقا عبر طرسوس. هذه ستكون عكس مسيرة بولس خلال الرحلة الرسولية الثانية (15: 41- 16: 6). ولكنّ لما وصلا إلى دربة عادا أدراجهما، فطال السفر واعترضتهما اخطار جديدة: كيف العودة إلى مدن لقيا فيها الإضطهاد؟ ولكنهما أرادا أن يشجّعا الإخوة ويحرّضاهم على التشبّث بالإيمان، ويقولا لهم أن علينا أن نمرّ في مضايق عديدة لندخل ملكوت الله (14: 22). ورافق كلام التحريض هذا الموجّه إلى المرتدّين الجدد، إجراء هامّ اتخذاه: "عيّنا لهم قسوساً (شيوخا) في كل كنيسة، وبعد أن صلّيا وصاما، إستودعاهم (سلّماهم) إلى الرب الذي آمنوا به" (14: 23). هل استودعا التلاميذ إلى الرب قبل أن يتركاهم في حفلة وداع؟ ولكن، إن دلّ الضمير على القسوس، فقد نكون أمام طقس رسامة. إن التفسير الثاني هو الأصحّ: سلّم بولس وبرنابا الشيوخ إلى الرب. فنحن لا نستطيع ان نفسّر 14: 23 دون الأخذ بعين الإعتبار ما كتبه لوقا في 14: 26: كان بولس وبرنابا قد سُلّما إلى نعمة الله من أجل العمل الذي أتمّاه. هذه الآية كما قلنا، تذكّرنا بطقس وضع الأيدي في 13: 3، وتدلّ على أننا نسلِّم إلى الله من نعيّن لهم مهمّة خاصة. ولكننا نقرأ التوازي الحاسم في 20: 32 حين يعلن بولس ساعة يترك شيوخ أفسس في نهاية حياته الرسولية. وإن دور هاتين الآيتين يشبه دور الخطبة الصغيرة بصورة نهائية: "والآن أسلّمكم إلى الرب وإلى كلمة نعمته". الكلمات هي هي، وتقال في وضعين متشابهين. ثم إن هناك رباطاً بين النصين في مسيرة أع: إن 14: 22-23 يشكّل في نهاية الرحلة الرسولية الأولى رسمة الخطبة الطويلة التي يوجّهها بولس إلى شيوخ أفسس التي وجّهها بولس إلى الوثنيين (14: 15- 17) والتي كانت رسمة الخطبة الكبيرة التي وجّهها إلى وثنيّ أثينة في ذروة حياته الرسولية كما يقول لوقا (أع 17: 22- 31). في الواقع لا نستطيع أن نفسّر البداية وننسى التوسيع الكبير الذي يعلنه والذي يتضمّن المواضيع التي ستبرز بصورة واضحة.
فالتوازي بين 13: 3؛ 14: 26؛ 20: 32 يتيح لنا أن نفترض أن صلاة بولس وبرنابا في 14: 23 تعني الشيوخ الذين عيَّناهم: ففي إطار احتفالا ليتورجي، سلّماهم إلى الرب الذي آمنوا به. ونزيد أن 13: 3 يتيح لنا أن نتذكّر في هذه المناسبة فعلة وضع اليد التي لم يرَ لوقا حاجة في ان يذكرها في الآية التي ندرس. هل يحقّ لنا ان نتكلم عن رسالة؟ هذا موضوع لم يطرحه لوقا. نحن أمام صلاة من أجل إتمام مهمّة معيّنة: يدعو بولس وبرنابا الرب ليحمي هؤلاء الذين سينفصلون عنهم.
ثانياً: الخطبة الوداعية لشيوخ افسس
تشكّل هذه الخطبة التعبير الأكمل والأوضح لفكر لوقا حول مهمّة المسؤولين عن الجماعات المسيحية، حول مهمة الشيوخ (20: 17) الذين يمارسون وظيفة الرعاية (20: 28). لا شكّ في أن وظيفة هؤلاء الوجهاء تربطهم بجماعة محلّية هي جماعة أفسس. فعليهم أن يرعوا كنيسة الله التي اقتناها بدم ابنه. إن كل جماعة محلّية هي تحقيق ملموس للكنيسة الواحدة وغير المنقسمة. وحين يقوم المسؤولون عن الجماعة المحلّية بواجبهم، فهم يقومون بخدمة كنيسة الله.
وتنسب آ 28 تأسيس الشيوخ إلى مبادرة الروح القدس: "أقامكم الروح القدس أساقفة على الرعية لترعوا كنيسة الله". نحن أمام كلام مهم من الوجهة اللاهوتية، ولكنه لا يقول لنا شيئاً ملموساً عن ظروف هذا التأسيس. ولكن إذا عدنا إلى منطلق لوقا، نعرف أنه لم يعد له ان يكرر ما قاله في 14: 23: سيفهم القارىء أن بولس عيّن هؤلاء الشيوخ، ولكنه فضّل أن يتحدّث عن مبادرة الروح.
وتطرح آ 32 سؤالاً: "والآن أسلّمكم إلى الربّ وإلى كلمة نعمته". هذه العبارة هي اختلافة لما قرأنا في 14: 23: "بعد أن صلّيا وصاما، سلّماهم إلى الرب الذي به آمنوا". قلنا إن هذه الكلمات (14: 23) تعني الشيوخ، وإن كثيراً من الشرّاح يعتبرون أننا أمام رسامة. فإذا كان هذا التفسير صحيحاً، فهذا يعني أن هؤلاء الشيوخ الذي "رُسموا" سيكونون امتداداً للتقليد الرسولي وخلفاء للرسل في سلطتهم.
وإذا أردنا أن نفهم حقاً وجهة لوقا، ننظر إلى الحالة التي يصوّرها في هذه الخطبة. هناك اولاً غياب بولس النهائي: "لن ترون وجهي" (آ 25). إذن، يتخلّى بولس عن كل مسؤولية تتعلق بالجماعة. ثمّ إن هذا المستقبل يبدو قاتماً، وهو يوافق الزمن الذي عاش فيه لوقا. إن الجماعة تتعرّض لمخاطر كبيرة آتية من الخارج ومن الداخل (آ 29 و 30): "ينطقون بالأكاذيب ليضللوا التلاميذ فيتبعوهم". الخطر يهدّد نقاوة الإنجيل ووحدة الكنيسة. قد يكون المتهودون او الغنوصيون المضلّلين. لا يهتم لوقا بطبيعة الخطر بقدر ما يهتم بخطورة الوضع الذي ستجد فيه الجماعة نفسها.
هذا الإطار يبرز التوصيات التي تحدّد مهمّة الشيوخ. عليهم أن يسهروا على نفوسهم وعلى كل الرعية التي اوكلت إليهم (آ 28). عليهم أن يكونوا حذرين تجاه الذين ينشرون التعاليم الضالة (آ 31). وتشدّد آ 31 على واجب تنبيه كل واحد بمفرده ليعود إلى الصراط المستقيم، كل الذين يثير موقفهم مخاوف المسؤولين. وبصورة عامة، يُدعى الشيوخ إلى أن يتمثلّوا ببولس: لم يتهرّب من الوعظ والتعليم (آ 20)، بل بلّغ المؤمنين مشيئة الله كلها (آ 27). وتشدّد نهاية الخطبة على تجرّده ومحبته للمؤمنين (آ 33-35). ليتذكر الشيوخ كيف كان ينصح كل واحد (31) فيتعلّمون كيف يمارسون خدمة تنادي (أو تشهد) ببشارة نعمة الله (آ 24).
وتلخص آ 32 هدف خدمتهم: "تشييد البناء (أي الكنيسة، تقويتها) ومنح الميراث وسط كل المقدسين". ولكن تحقيق هذا المشروع سيكون عمل سلطة تخصّ كلمة الله. فبدل أن يسلّم بولس هذه الكلمة إلى الشيوخ، ها هو يسلّم الشيوخ إلى كلمة الله التي تقدر ان "تشيد البناء وتمنح (المؤمنين) الميراث وسط المقدسين".
إن الشيوخ هم حماة التقليد الرسولي، ودورهم هو امتداد لدور الرسل الذين هم كافلو التقليد الإنجيلي. إرتبطت الكنيسة بيسوع بكرازة الرسل وهي تنتظر من شيوخها كرازة توافق كرازة الرسل وتحفظها في الأمانة لأصولها. مثل هذه النظرة إلى الخدمة الكهنوتية توافق ما نقرأه في الرسائل الرعائية.
الفصل التاسع عشر
وضع اليد في أعمال الرسل
الخوري بولس الفغالي

لعب وضع اليد دوراً كبيراً في المجال الليتورجي والآبائي، وعاد إلى الظهور في ممارسات عديدة. فبعد الرسامة الشماسية والكهنوتية والأسقفية، إمتدّت عادة وضع اليد بالنسبة إلى المرضى وأمور أخرى نجدها في التّجديد الكرسماتي (أو المواهبي).

أ- ملف القضية
1- شهادات عن وضع اليد
إذا عدنا إلى العهد الجديد، وجدنا أن أع يتضمّن أكثر أنواع الشهادات عن وضع اليد. وتُذكر هذه الممارسة ثلاث مرات عندما تتمّ معجزة: "رأى بولس رجلاً يدخل ويضع يديه عليه فيبصر" (9: 17). كان والد بوبليوس (حاكم جزيرة مالطة) مريضاً. "دخل بولس إلى غرفته وصلّى ووضع يديه عليه فشفاه" (28: 8). ونقرأ عن وضع اليد مرتين حين رسامة أشخاص في خدمة الكنيسة. إختارت الجماعةُ السبعةَ، فصلّى الرسل "ووضعوا عليهم الأيدي" (6: 6). واختارت كنيسة أنطاكية بولس وبرنابا من أجل الرسالة. "صاموا وصلّوا ووضعوا أيديهم عليهما" (13: 3). وتمّ وضع اليد من أجل عطية الروح المميّزة عن نعمة العماد. تعمّد السامريون باسم الرب يسوع، فجاء بطرس ويوحنا "ووضعا أيديهما عليهم، فنالوا الروح القدس" (8: 17). "ووضع بولس يديه على تلاميذ أفسس فنزل عليهم الروح القدس" (19: 5). في 9: 17، يرتبط وضع اليد بالشفاء، كما يرتبط بموهبة الروح القدس. وفي 8: 39 نجد اختلافة في النّص الغربي تتحدّث عن وضع اليد (في عدد من المخطوطات الجرارة، في السريانية الحرقلية، عند أفرام وكيرلس الأورشليمي وديديمس وإيرونيموس وأغوسطينوس: تبعت عطية الروح القدس العماد).
كلّ هذه الإيرادات لا تعود بنا إلى أمر الرب، كما في المعمودية (مت 28: 19: إذهبوا وعمّدوهم) أو في الإفخارستيا (1 كور 11: 23، 25؛ لو 22: 19). يذكر أع هذه الفعلة (وضع اليد) ذكراً واضحاً، ويشدّد من جهة ثانية على القدرة التي في يد الرسل. "وجرى على أيدي الرسل بين الشعب كثير من العجائب والآيات" (5: 12). "وكان الرب يشهد لكلام بولس وبرنابا بما أجرى على أيديهما من العجائب والآيات" (14: 3). "وكان الله يجري على يد بولس معجزات غريبة" (19: 11). 
وبجانب هذه الإشارات القصيرة التي ترد بطريقة عابرة، نجد أقوالاً تبرز في وسط الخبر، وقد شكّك بعض الشراح بمعناها التقليدي وبتاريخيتها: 6: 1- 6؛ 8: 14- 17؛ 13: 1- 3؛ 19: 1- 7. يرتبط 13: 1- 3 بمرجع أنطاكي. ويقترب 6: 1- 6 من النّص السابق. فيدلّ على التقليد عينه الذي استقى منه لوقا. وماذا عن نص 19: 1-7؟ هناك آ 1 التي تدلّ على أثر اليوميّات التي استعملها لوقا. وفي آ 5-7 نجد مرجعاً آخر. أما آ 2- 4 فتدلّ على يد ذلك الذي كتب وأهدى كتابه إلى تيوفيلوس، أما 8: 14- 17، فهي جزء أعيد كتابته في التدوين النهائي. 
نحن نستنتج أن وضع اليد هو فعلة طقسية مارستها كنيسة الرسل. هذا ما يقرّ به نقّاد مثل ألفرد لوازي الفرنسي وهانس كونزلمان الإلماني. ولكن الجدال يبدأ حين نعالج البعد الدقيق لهذه النّصوص، وتاريخية الوقائع، والظروف التي أحاطت بها.
هل تُلقي أسفار العهد الجديد ضوءا على معنى وبُعد هذا الطقس؟ بالنسبة إلى طقوس الشفاء هناك نصوص إنجيلية تُنسب إلى يسوع. وارتبط بوضع اليد كطقس تابع للمعمودية نصُ عب 6: 2 (وضع الأيدي مع المعمودية). وهناك ثلاثة مقاطع في الرسائل الرعائية تشير إلى طقس يولي المسؤولين أهمية قيادة الكنيسة المحلّية: 1 تم 4: 14 (نعمة نلتها حين وضع الشيوخ أيديهم عليك)؛ 5: 22 (لا تستعجل في وضع يديك على أحد، ولا تكن شريكاً في خطايا غيرك. قد تدل هذه الآية على طقس مصالحة وتوبة)؛ 2 تم 1: 6 (وضعت يدي عليك).
2- طقس الشفاء، طقس بعد العماد
لن نقول شيئاً عن أع 6: 6 و 13: 03 أما ذكر طقس الشفاء في 9: 12 والطقس التابع للعماد في 8: 17؛ 8: 18؛ 8: 39 ب؛ 19: 6، فهما موضوع اختلاف ملحوظ.
أولاً: بالنسبة إلى طقس الشفاء
نجد عدّة اختلافات طفيفة في 9: 12. الأولى: يرى رجلاً في الرؤيا (الإسكندراني، القبطى ويقبل بها بعض العلماء). الثانية: يرى في الرؤيا رجلاً (السريانية، الأرمنية اللاتينية العتيقة وبعض المخطوطات الجرارة). الثالثة: يرى رجلاً (تحذف كلمة في الرؤيا): بردية 74، السينائية، الشعبية اللاتينية، القبطية الصعيدية والبحيرية، الحبشية. الرابعة: في الرؤيا (تحذف كلمة "رجل"): جبل أتوس من القرن التاسع.
ماذا يقول النقد الخارجي؟ هناك انقسامات على مستوى الأسر النصوصية المختلفة: فالفاتيكاني يقدّم النّص الطويل والسينائي النصّ القصير. والترجمات السريانية واللاتينية منقسمة. يفضّل النقد الداخلي القراءة الثالثة ويعتبر أن عبارة "في رؤيا" زيدت لتوضح فعل "رأى". ولكن فضّلت القراءة الأولى: اعتُبرت أنها الأصعب لا سيّما وأن "في رؤيا" بعيدة عن الفعل (رج الشيء عينه في 14: 8).
وذكر "الأيدي" يقدّم اختلافات أيضاً. الأولى "خايراس": "أيدي" (بدون أل التعريف). الثانية: الأيدي (مع أل التعريف) "تاس خايراس" في الشعبية، القبطية، الحبشية، الأرمنية. ما الذي رآه النقد الخارجي؟ النصّ الإسكندراني يغفل أل التعريف، وهذا أمر غير عادي في المقاطع التي تذكر وضع الأيدي (ما عدا 19: 6). هذا ما يقوله النقد الداخلي. إذاً القراءة الأصعب هي التي تلغي أل التعريف. فالكاتب يزيد (أل التعريف) ولا ينقصها. ومهما تكن القراءة المختارة، فالخيار لا يؤثّر على المعنى. نشير هنا إلى أن مخطوطاً من مخطوطات اللاتينية العتيقة (يعود إلى القرن 5) أغفل آ 12 كلّها. نحن هنا، بلا شك، أمام خطأ من قبل الناسخ.
ثانيا: الطقس التابع للعماد
نلاحظ اختلافات في 8: 17؛ 8: 18؛ 8: 39 ب؛ 19: 6.
- في 8: 18. الروح (تو بنفما): القبطية الصعيدية. الروح القدس (تو بنفما تو أغيون): بردية 45؛ 74: يتردد النقد الخارجي أمام النصّ القصير (كما في مخطوطة الإسكندرية) والنصّ الطويل (في سائرَ الأُسَر). بما أن النصّ الإسكندراني هو أكثر أهمية، مال الشرّاح إلى النص القصير وقَبِل النقد الداخلي بهذا الإختيار. نحن نفهم أن الناسخ زاد (ولم يحذف) "تو أغيون" (القدس) ليكون نصّه متّفقاً مع النصوص التقليدية.
- في 8: 39 ب. نجد هنا اختلافة هامة. في النصّ الذي نقرأ نجد: روح الرب (بنفما كيريو) ولكن في كودكس بربينيان وعدة مخطوطات من اللاتينية الشعبية والسريانية والأرمنية وأفرام وايرونيموس واغوسطينوس، نجد "بنفما كيريو": أي نزل الروح القدس على الرجل. (خطف) ملاك الرب فيلبس. نلاحظ أن الناسخ صحّح المخطوط. ثمّ إن الشواهد الآبائية هي متأخرة (القرن 4، 5) ولا توافق ولا تورد الإختلافة بدقّة. كودكس بربينيان (القرن 13) هو مخطوط من مخطوطات اللاتينية العتيقة. جاء من جنوبي فرنسا فأفلت من تأثير الشعبية. قد يكون شاهداً مهمّاً من أجل النصّ الغربي، ولكن المقطوعة 8: 29- 10: 14 ناقصة.
ماذا يقول النقد الداخلي؟ هناك من يقبل بالنصّ الطويل ويقدّم البراهين. الأول: يتجنّب هذا النّصُ أن ينسب انتقال التدخّل إلى الروح، لأن مثل هذا التدخّل للروح لا يذكر في أي مكان في العهد الجديد. الثاني: يذكر النصُ عطيةَ الروح كما نتوقّعها في ف 1- 10. الثالث: أما البواعث لإغفال الزيادة فهي: أغفل الناسخ العطية التابعة للعماد، لأن خادم الله لم يكن رسولاً ولأن وضع الأيدي لم يُذكر. أو أغفل الناسخ النصّ بطريقة عرضية فانتقل من "بنفما" إلى "كيريو" لا سيّما إذا كان نصّه حسب السريانية الحرقلية "بنفما كيريو" لا "بنفما اغيون".
إختار معظم الشرّاح النصّ القصير متّبعين النقد الخارجي. إعتبروا هذا النصّ القراءة الأصعب. أما كيف دخلت الزيادة؟ أراد ناسخ أن يذكر موهبة الروح التي تلي (حسب 2: 38) قبول المعمودية. ثمّ أراد أن يدخل في آ 39 "ملاك الربّ" الذي كان حاضراً مع فيلبس كما نقرأ في 8: 26. 
في 19: 6 نجد في السينائي والإسكندارني والفاتيكاني وغيرها: خايراس (أيدي). وفي البازي، والبسيطة والحبشيّة: خايرا (يد). وفي مخطوطات أخرى: "تاس خايراس" (مع أل التعريف). يجد النقد الخارجي نفسه أمام حالة أسهل مما في 9: 12. بما أن أقدم المخطوطات تغفل ذكر ال التعريف، فهذا الإغفال يفرض نفسه. وهذا ما لا يتعارض والنقد الداخلي الذي يعتبر أن التعريف زيد تحت تأثير اللغة الجارية.
ونجد زيادة هامّة في 19: 6ا في السريانية وافرام والسلسلات وكودكس بربينيان ومخطوطات عديدة للشعبية: وتكلّموا بلغات أخرى، وعرفوا معناها، وفسّروها بعضهم لبعض، وتنبأوا (الكلمات التي تحتها خط تنتمي أيضاً إلى النصّ القصير. في المخطوطات اليونانية). يلاحظ النقد الخارجي أننا أمام قراءة غربية. فنحن لا نجد هذه الزيادة في أي نصّ يوناني (الشواهد غير المباشرة التي نمتلكها قليلة جداً). نحن هنا أمام تحريف تأثّر بنصّ 1 كور 14: 15، 27. لا سيّما وأن التّكلّم بلغات يساعد الناسخ أو الشارح على هذه الزيادة. ونحن نجد زيادات طويلة أخرى في النصّ الغربي.
ب- وضع اليد هو طقس شفاء
إذا كان كاتب أع هو لوقا الذي كتب الإنجيل الثالث، فلن نعجب إن أورد طقس وضع الأيدي. لا شكّ في أن لوقا لا يتفوّق على الإزائيين في هذا الموضوع: مر 5: 23؛ 6: 5؛ 7: 32؛ 8: 23، 25؛ 10: 16 (كطقس مباركة): 16: 18؛ مت 9: 18؛ 19: 13، 15 (كطقس مباركة). أما لوقا: 4: 40؛ 13: 13.
إن مرقس هو الذي يتميّز عن الإزائيين. ولكن لوقا يمتلك نصاً ليس له ما يوازيه (13: 13): وضع يديه عليها، فانتصبت قائمة في الحال ومجّدت الله: إن يسوع وضع يديه على كل من المرضى فشفاهم (لو 4: 40).
نلاحظ أولا أن العبارة اليونانية تنقل شكلين ساميين: شيت (شيم) يد (أي وضع اليد على)، سمك. الشكل الأول يدلّ على لمس بسيط. في الشكل الثاني، يشذ الشخص على الشيء الذي يلمس. وحين يستعمل النّص "سمك" فهوْ يعني وضع اليدين. لهذا نجد الجمع (لم يعد من وجود للمثنى في اللغة اليونانية الشائعة: كويني) في أع ما عدا في 9: 12، 17 (نجد الجمع في الأناجيل. مر 6: 5؛ 8: 23، 25؛ 16: 18؛ لو 4: 40؛ 13: 13. نجد المفرد في حالتين، لا في اجتراح الشفاء بل في طلب شفاء يتوجّه إلى يسوع). ونلاحظ أن طقس المباركة غير موجود في أع بصورة واضحة. أما طقس الشفاء، فنجده في المعجزات لا في إجمالات نُسبت إلى المدوّن الأخير للعمل اللوقاوي. ولا تظهر نية لدى الكاتب بأن يبيّن أن وعد المخلّص المذكور في مر 16: 18 قد تمّ. فالكلمة "أروستوس" المذكورة في مر 6: 5؛ 6: 13؛ 16: 18 ومت 14: 14 غير موجودة في أع. ونلاحظ أيضاً (وذلك عكس الأناجيل) أن اللجوء إلى وضع الأيدي، ترافقه الصلاة (28: 8؛ في 9: 11، كان بولس، لا حنانيا، يصلي حين وضع حنانيا عليه الأيدي). ولكن هذا لا يفترض الإيمان كشرط سابق للحصول على الشفاء (أما في 14: 9 فنقرأ أن بولس رأى في كسيح لسترة من الإيمان ما يدعو إلى الشفاء). ونلاحظ أخيراً أن بولس وحنانيا وحدهما يلجأان إلى فعلة من أجل الشفاء. بولس: حين نجّى والد بوبليوس من الحمّى (28: 8، وضع عليه يديه). وحنانيا حين ردّ البصر إلى شاول (9: 12، 13، 17). ولكن لن نستنتج أن بطرس يسمو على بولس في عمله كمجترح معجزات، لأن الكتاب لا يذكر أعمالاً طقسية قام بها. إن بولس (13: 11؛ 14: 26؛ 16: 18؛ 19: 11. نلاحظ أن النصّ يحيلنا إلى يسوع بل إلى الله كالفاعل الأخير للمعجزة) وبطرس يشدّدان كلاهما على أن المعجزات تتمّ بيد الرب يسوع (3: 6: باسم يسوع المسيح الناصري: 9: 34: شفاك يسوع المسيح). وإن بطرس لا يختلف عن بولس (28: 8). فلا ينسى اللجوء إلى الصلاة قبل الإنتقال إلى الشفاء (9: 40: سجد وصلّى). ونشير إلى أننا نجد إجمالتين (5: 12، تشير إلى كل الرسل وتخصّص بطرس؛ 19: 11- 12 تشير إلى بولس) تجعل الرسولين متساويين على مستوى اجتراح المعجزات.
هل نجد ما يقابل طقس الشفاء ووضع الأيدي في العالم الديني الذي كتب فيه لوقا؟ هناك نصّان قمرانيان (ابوكريفون التكوين، في المغارة الأولى، 20: 21- 22، 28- 29) يؤكّدان أن أوساط الأسيانيين عرفوا ذلك الطقس واعتبروا أنه جاءهم من مصر في زمن الخروج على يد رجل اسمه حرقانس (بادر وطلب وضع الأيدي): يربطون هذا الطقس ربطاً وثيقاً بالصلاة، ويفسّرونه مع ممارسة طرد الأرواح، ويخضعون فاعليّته وفاعليّة الصلاة التي ترافقه لارتداد الشخص الذي سيستفيد منه.
أجل، عُرفت هذه الفعلة (وضعُ اليد من أجل الشفاء) في ابوكريفون التكوين. ولمّحت الأناجيل إلى أن هذه الفعلة عرفتها أوساط صنع فيها يسوع عجائب: طُلب إليه أن يضع الأيدي ففعل (مر 5: 23؛ 7: 32؛ 9: 18). ولكن ممارسة يسوع تتميّز عمّا اعتاد عليه أهل قمران وعمّا كان يفعله الرسل. لم يحتَج يسوع إلى الصلاة، بل فعلَ بفضل قوة (أكسوسيا، ديناميس) تخصّه وحده (لو 4: 36: سلطان، قوة؛ مر 5: 17: ديناميس يسوع هي ديناميس كيريو أي الرب). ثمّ إنه لا يسوع ولا تلاميذه يربطون هذا الطقس ربطاً أقلّه واضحاً بممارسة التقسيم (أو: طرد الأرواح). كل ما نجده هو أن لوقا يروي خبر شفاء حماة بطرس، فيجعل يسوع يأمر الحمى وكأنه يأمر روحاً شيطانياً (لو 4: 39: إنتهر الحمّى فتركتها). ونلاحظ أيضاً أن الخبر في لو 4: 39 ومر 1: 39 ومت 8: 5 4 لا يشير إلى وضع الأيدي. أما في ممارسة الرسل (نجدها في أع 27: 8؛ 10: 12، 18)، فيبدو وضع الأيدي كطقس من الطقوس ويعكس فعلة "سمك" أي شدّ اليدين على المريض. ونحسّ كأنه بتأثير هذه الممارسة الرسولية المذكورة في مر 16: 18، أعطى المدوّن الإنجيلي الوجهة نفسها لفعلة يسوع. ولكن الآثار الباقية تكفي لتبيّن أن الأمر لم يكن هكذا. فنلاحظ مرارا أن طلب وضع الأيدي يرافقه عند يسوع لمسة بسيطة أو فعلة بها يأخذ بيد المريض ليقيمه: في مر 5: 23= مت 9: 18، طُلب من يسوع أن يضع يديه، فردّ بلمسة بسيطة، مر 5: 41= مت 9: 25؛ رج مر 7: 32-33. وفي مر 8: 22 توسّلوا إلى يسوع أن يلمسه، فوضع عليه الأيدي. نستنتج أن فعلة وضع الأيدي لم تتّخذ شكل وبُعد طقس من الطقوس، حسب التقاليد الإنجيلية، ولكنها ستصبح طقساً في عمل الرسل حسب مر 16: 18. 
وإليك سمة أخرى تميّز أشفية يسوع: يفرض الطقس القمراني على الخاطىء أن يرتد ويعود عن خطيئته. أما المخلّص فيطلب الإيمان (مر 2: 5= مت 9: 2= لو 5 :20؛ مر 5 :34= مت 22:9= لو 48:8؛ مر 52:10= لو 42:18).
تساءل الشرّاح: ما هو مضمون هذه الفعلة التي يقوم بها مجترح المعجزات؛ هل هي مباركة، هل هي نقل قوة تقدر أن تحمل الشفاء؟ إن معنى الفعلة يقف بين الاثنين، لا سيّما وأن الشفاء هو بركة أو عطية قريبة من البركة.

ج- وضع الأيدي كطقس رسامة
كان الشرّاح في الماضي يرون في أع 6: 1- 6 طقس رسامة الشمامسة. وفي 13: 1- 3 طقس رسامة الأساقفة. ولكن اللاهوتيين والمسؤولين المعاصرين بدوا أكثر تحفظاً. فقالت بيبليا أورشليم الفرنسية في طبعتها الثانية سنة 1974: لا يعطي لوقا اسم شمامسة للسبعة "المختارين" ولكنّه يتحدّث عن الخدمة (ديا كونيا). وتقوله: ليس للطقس المذكور في 13: 3 البعد عينه الذي نجده في 6: 6 حيث ينال السبعة تفويضاً من الرسل. أما الترجمة المسكونية الفرنسية فلا تحدّد الوضع الخدمي للسبعة. وتقول حول 13: 3: أنها فعلة (وضع الأيدي) تشير إلى بداية مهمّة محدّدة.
هناك جدال كبير حول معنى 13: 1-3. حسب أميو الفرنسي: إن وضع الأيدي هو مباركة بسيطة من أجل مهمة سيقوم بها الرسولان. وقال الأب دوبون: حسب 14: 26 (ترعاهما نعمة الله)، يبدو أن فعلة الجماعة (وضع الأيدي) توصي بالمرسلين الجدد (رج 15: 40: سلّمه الأخوة إلى نعمة الرب) الذين اختارهم (آ 2) وأرسلهم (آ 4) الروح القدس. فليس للرتبة إذن البعد الطقسي عينه الذي نجده في 6: آ: إن السبعة قبلوا من الرسل تفويضاً. أما برنابا وشاول، فنالا تفويضهم مباشرة من الروح القدس، لا من الجماعة.
ما هو المرجع الذي استقى منه لوقا ليدوّن 13: 1-3؟ قد يكون تقليد خاص. أو وثيقة مكتوبة وُجدت في كنيسة أنطاكية، ذلك المركز الديني الهام، ونقطة انطلاق الرحلات الرسولية عبر العالم اليوناني والروماني.
يجب أن نتساءل هنا: هل تضعنا هذه القطعة أمام مشهد أم مشهدين؟ المشهد الأول (آ 2) يشير إلى اختيار برنابا وبولس بإيحاء من الروح القدس، وصلَ إلى الجماعة خلال احتفال ليتورجي يتضمّن فيما يتضمّن الصوم. أما المشهد الثاني (آ 3)، فيُشير إلى انطلاق بولس وبرنابا في المهمّة التي أوكلهما الروح بها بصورة واضحة (آ 2: للعمل الذي دعوتهما إليه).
إن الإرسال في مهمّة هو الذي يتضمّن وضع الأيدي. ويتردّد الشرّاح في معرفة الأشخاص الذين مارسو هده الفعلة. هناك من يقوِل الجماعة كلّها. وآخرون: هم الأنبياء والمعلّمون الثلاثة المذكورون في 11 بجانب برنابا وبولس: شمعون، لوقيوس، منياين. إن قرينة النصّ تجعلنا نميل إلى الرأي الثاني مع أن الكودكس البازي يسند الرأي الأول.
يعطي شورمان الإلماني أهمية كبرى لحلقة الأنبياء والمعلّمين الذين يرئسون الجماعة المسيحية في أنطاكية. يعتبر أن كل سلطة خدمية في الكنيسة الرسولية تنبع في الرسل أولاً، وفي درجة ثانية من الأنبياء. في مرحلة أولى نتخيّل الخدم مؤلفة من الرسل الذين يرتبط بهم الأنبياء والمعلّمون. وفي مرحلة ثانية، حلّ "الرعاة" محلّ المعلمين. أما مارك لودس فبدا أكثر تحفظاً. هناك أربع لوائح عن الخدم في الزمن الرسولي: 1 كور 12: 8- 10؛ 12: 28، روم 12: 6- 8؛ أف 4: 11: الرسول (شليح)، النّبي، المعلّم (رابما)، الأسقف (فوقد)، الكاهن. نجد نصوصاً في العهد القديم تلقي الضوء على أصل هذه الخدم. رج خر 9: 6؛ عد 4: 16 (حسب السبعينية)؛ أش 61: 6.
إذا أردنا أن نحدّد معنى الطقس، نلاحظ أو، أن الصلاة ترافقه في أع هنا وفي 6: 6؛ 8: 15؛ 28: 8. لسنا فقط أمام مباركة أو توصية وطلب للعون الإلهي. فالليتورجيا الإحتفالية التي تحيط به تدعونا لنفهم هذه الفعلة كنقل تفويض، كطقس جلوس وكإرسال في مهمة شليح، أبوستولوس، أي رسول. وما يدفعنا إلى تأكيد هذا المعنى هو أن برنابا وبولس تسلّما غداة ليتورجية أنطاكية وللمرة الأولى، لقب "أبوستولوس"، رسول (14: 4، 24).
ودرس الشرّاح 6: 1- 6، وقدّموا محاولات تفسير جديدة. نتساءل أولاً: ما هي طبيعة المهمّة التي أوكلت إلى الذين يسمّيهم أع "السبعة". إن فعل "كاثيستيمي" يدل على إقامة في وظيفة. ظنّ ايريناوس أنها وظيفة الشمّاس كما عرفتها الكنيسة فيما بعد (ضد الهراطقة 1/ 26: 3؛ 3/ 12: 10؛ 4/ 15: 1). أما يوحنا فم الذهب فشكّ في هذه النسبة (عظة 14 في أعمال الرسل). نجد فعل "دياكوناين" (خدم) في عبارة "خدمة الموائد"، ولكننا لا نجد الإسم "دياكونوس" أي الشمّاس. تتحدّث البيبليا المسكونية الفرنسية عن الخدمة خلال الطعام ولا سيّما الإفخارستيا مع اهتمام بإدارة الخيرات الموضوعة في عرف الجماعة. ومن يصوّر أع اسطفانس وفيلبس (يعطينا أع بعض المعلومات عنهما وحدهما. وهناك حنانيا المسمّى "ماتيتس" أي تلميذ، في 9: 10. ليس هو أحد السبعة. وقد يكون تسلّم مهمته من الرب "في رؤيا") فهو ينسب إليهما خدمة تتعدّى المساعدة المادية أو عمل المحبّة. هل نجعل السبعة كالشيوخ الحاضرين حول الرسل في أورشليم؟ قد يكون تنظيم هؤلاء الشيوخ من أجل العبرانيين. وقد نكون أمام وظيفة جديدة لم يعد في الكنيسة حاجة إليها فألغيت.
مهما يكن من أمر، إن أع يشير في 6: 6 إلى وضع الأيدي كطقس يهيّىء من يتقبّله للدخول في خدمة جماعية. قد يكون لوقا رأى يوم دوّن أع (حوالي سنة 85) 6: 1-6، في تنظيم السبعة أساس ونموذج الشمامسة التي ستعرفها بعض الجماعات المسيحية. ثم إن هذه الخدمة، كما مُوريست، ساعدت على ولادة "الشمّاس الكنسي" وتنظيم عمله.
ولا نترك هاتين الإشارتين عن وضع الأيدي كطقس تفويض في خدمة الكنيسة المحلّية أو الرسالية، إلا بعد أن نضعهما في إطار المعطيات عن أصول البُنى الكنسية ونموّها. فبالنسبة إلى كاتب أع، ساعد عاملان رئيسيّان على خلق هذا النّظام ونموّه. أولاً، الروح القدس الذي لا يزال يتدخّل في المنعطفات الكبرى من نموّ الكنيسة. ثانياً، خدام عديدون يعملون بإمرة الروح (1: 2؛ 2: 42- 43): بطرس والرسل. يشهد أع على حضور "خدام" عديدين (دياكونون). "دوديكا" أو الاثنا عشر بحصر المعنى. بطرس والرسل (21: 37؛ 5: 29)، أو الرسل والشيوخ (15: 2، 4، 6) . الرسل والأخوة في اليهودية (11: 1). ثمّ هناك الرسل بالمعنى الأوسع (14: 4، 14: بولس وبرنابا) والشيوخ الأساقفة (11: 30؛ 14: 23؛ 16: 4، 2: 17؛ 21: 18) والسبعة (6: 3؛ 21: 8) والإنجيليون أو المبشّرون (21: 8. يسمّى فيليبس أحد السبعة: المبشّر)، والأنبياء، (11: 27؛ 13: 1؛ 15: 32؛ 21: 10) والمعلّمون (13: 1)، والمعاونون (19: 22، دياكونونيتس). قد يتدخّل الروح بطريقة مباشرة في اختيار وتنصيب هؤلاء الخدّام (13: 2، 4؛ 20: 28). ولكن تفويضهم للخدم الكنسية ينبع بشرياً من الحلقة الرسولية التي تخضع للروح الذي يدير الكنيسة.
وتساءل الشرّاح: إلى أي حدّ تخيّل كتّاب أع وسائر أسفار العهد الجديد الخدم الكنسية في عصرهم ووضع اليد كأنها قاعدة من أجل الكنيسة في المستقبل؟ لم يتطرّق أع إلى هذه المسألة. أما الرسائل الرعائية فيبدو أنها عالجتها. تحدّث شليار الإلماني عن حفظ الوديعة (1 تم 6: 20؛ 2 تم 1: 12، 14، باراثيكي) وعن التّعليم (ديدسكاليا، 1 تم 1: 10، 4: 76 13، 16؛ 5: 17؛ 6: 3) كوظيفتين ثابتتين في الكنيسة على مستوى الإنجيل والممارسة التي تنتج عنه. ولكن هناك الخدم المتنوّعة ووضع الأيدي وطقس الرسامة. كيف تنتقل الوديعة والتّعليم دون سلطة تكفلهما وتؤكّدهما؟ وهذه السلطة تفرض وجود علامة منظورة، مثل وضع اليد، لتكشف للكنيسة واقع هذه الخدم.

د- وضع اليد في الطقوس التابعة للعماد
إعتبر الشرّاح واللاهوتيون الكاثوليك أنهم وجدوا في 8: 14- 17 و19: 1-7 شهادة واضحة ومباشرة عن سر التثبيت. أما كلفين، فرأى في هذين النصّين فعلة لجأ إليها الرسل ليطلبوا للمعمّدين الجدد مواهب (كرسمات) الروح ولا سيّما موهبة النبوءة، لأن هذه الموهبة لم تظهر حالاً بعد قبول العماد.
ماذا يمكن أن يقال في مرحلة أولى؟ أولا: ليس من شك لا أن أع يشهد في زمن الرسل على عطية الروح للمعمّدين الجدد بعد قبول سر المعمودية. ثانياً: إن رسائل القدّيس بولس لا تنفي هذا الواقع بل تؤكّده. ثالثاً: إن هذه الموهبة تكمّل النعمة العمادية. رابعاً: عادة هناك طقس بعد عمادي، وضع الأيدي، يمنح هذه الموهبة. خامساً: في الحالتين الموجودتين في أع، يُحصر الطقس بالرسل دون غيرهم.
ولكن جاء رأي جديد يؤكّد أن العماد يمنح المعمّدين الجدد ملء الروح. إذن، لماذا ننسب إلى أع الإعتقاد بموهبة الروح تكمل موهبة المعمودية وتعطى بواسطة طقس بعد عمادي (أي يمارس بعد طقس العماد)؟ 
وقدّمت البراهين التي تعارض التّأويل التقليدي. إن خبر نزول الروح القدس يوم العنصرة لا يقدّم لنا الشكل الأول للتثبيت، ولكنّه يتوجّه إلى خطبة بطرس والدعوة لقبول العماد كطريق عادية للحصول على موعد الآب، أي موهبة الروح المرتبطة بالعنصرة. لا يعارض أع هذا الموقف، والنصّان المذكوران أعلاه (8: 14- 17؛ 19: 1- 7) يبيّنان الرباط الوثيق بين المعمودية وموهبة الروح، بحيث برزت مشكلة هامة حين غابت "هذه الموهبة" عن الرتبة العمادية (يقول بعض الشرّاح إن موهبة الروح لم تغب إلا غياباً ظاهراً: فالفرح في 8: 8 يدلّ على أن السامريين قبلوا الروح. ولكن هذا يعارض آ 16 ويخفّف من قيمة العماد). وهناك القول عن المعمودية في 1: 5: "يوحنّا عمّد بالماء، وأما أنتم فتتعمّدون (أو تعمَّدون في المجهول، وهذا يدلّ على حضور إلهي) بالروح القدس". إن موهبة الروح القدس ترتبط بالطقس العمادي. يميّز لوقا بين معمودية يوحنّا وطقس العماد المسيحي الذي يتميّز عن الأول في أنه يهب الروح القدس. وهو لا يريد أن يُدخل في التدبير الجديد عمادين مميّزين: عماد الماء باسم يسوع لغفران الخطايا، وعماد الروح الذي يمنح المؤمنين المقدّسين حضور الروح الإلهي. وأخيراً، إن تعليم أع هذا يلتقي والرسائل البولسية. فبالنسبة إلى رسول الأمم، العماد هو سر التنشئة المسيحية، وإذ يقبله المؤمنون يصبحون هياكل الروح القدس وينعمون بمواهب وكرسمات متعددة.
ولكن بقي في إطار هذه النظرة إلى المعمودية التي تمنح وحدها الروح، أن نجد مضموناً لمبادرة الرسل الواردة في 8: 14- 17، 19: 1- 7 واللاجئة إلى وضع الأيدي. فاعتبر شرّاح منهم هامان وكونزلمان وكازمان أن وضع الأيدي المنسوب في المرة الأولى إلى بطرس ويوحنا، وفي المرة الثانية إلى بولس، هو طقس يضمّ المؤمنين إلى الكنيسة الأمّ: جاؤوا من انشقاق سامري أو من مجموعة يوحناوية. ولولا تدخّل الرسل، لظلوا مؤمنين هامشيين أو منشقّين.
غير أن هذا المجهود لنفي نعمة وطقس بَعد عمادي لم يصل إلى نتيجة. أن يكون أع قد رأى علاقة وثيقة بين المعمودية وموهبة الروح (2: 38؛ 8: 20؛ 10: 45؛ 11: 17) أو وعد الآب (1: 4؛ 2: 23؛ 2: 39) فإن 2: 38، بل مسيرة الكتاب كلّه بما فيه 8: 14-17 أو 19: 1-7 تبيّن هذا بوضوح.
نشير إلى أن النصوص لا تنسب إلى العماد مباشرة موهبة الروح (ينسب أع إلى العماد غفران الخطايا، 2: 38؛ 22: 16)، وأنها تدلّ على وجود طقس بَعد عمادي يُمارس من أجل هذه الموهبة. فإن أخذنا بما قاله خاصة هامان واماغو، فهو لا ينطبق على أع 19: 1-7 حيث لا يبدو بولس وكأنه ممثل الكنيسة الأم في أورشليم. ثم إننا نُدخل نظرة لا نجدها في أع، وهي أن الروح لا يُعطى إلا بواسطة رسل الكنيسة الأم. مقابل هذا، نفهم أن الكنيسة تعرّفت تدريجياً إلى الروح بطريقة شخصيّة، فتركت فكرة انتقال الروح بطريقة مادية واتخذت فكرة "أبيكلاسيس" أي دعوة الروح حين وضع الأيدي.
ونشير هنا إلى اختلافة 8: 39 التي تورد نزول الروح على وزير ملكة الحبشة. نجد في هذه الآية شهادة كنيسة محلّية ظلّت تحافظ على التمييز بين غفران الخطايا الذي هو نتيجة المعمودية وبين موهبة الروح.
واستندت هذه النظرة الجديدة إلى اللاهوت البولسي لترفض طقساً بعد عمادياً. لا شكّ في أن الرسول ينسب إلى المعمودية هبة الروح. نقرأ في 1 كور 12: 13: "تعمّدنا بروح واحد لنكون جسداً واحداً، وارتوينا من روح واحد". وفي 1 كور 6: 11: "إغتسلتم، تقدّستم، تبرّرتم باسم ربنا يسوع المسيح وبروح الهنا". رج 2 تس 2: 13- 14. إن الروح القدس هو في هذه المقاطع، لا موهبة من مواهب المعمودية، بل العامل في المعمودية. إنه ومن يغسل (1 كور 6: 11) ويبرّر (1 كور 6: 11) ويقدّس (1 كور 6: 11؛ 2 تس: 13- 14) ويختم (أف 1: 13؛ 6: 30) ويجدّد (تي 3: 5-6) المؤمنين. ثمّ إنه ليس من السهل أن ننسب إلى الغسل العمادي مقاطع يبدو فيها الروح شخصاً يُرسل (غل 4: 6) أو يُقبل (1 كور 2: 12؛ غل 3: 2، روم 8: 15) أو يقيم في المسيحي (1 كور 3: 16؛ 6: 19؛ روم 8: 9، 11؛ 2 تم 1: 14). وخلاصة الكلام، يبدو من الصعب أن نقول إن التّعليم البولسي رفض الإعتقاد بعطية الروح لا ترتبط إرتباطاً مباشراً بالغسل العمادي. كما يبدو من الصعب أيضاً أن نبيّن أن بولس ربط هذه العطيّة بطقس بعد عمادي مميّز.
ونعود إلى المقولة (لوغيون) عن عماد الروح: إنها تشكل البرهان الرئيسي الذي يستند إليه الشرّاح ليربطوا موهبة الروح بغسل العماد المسيحي. إن التقاليد الإنجيلية تربط هذه المقولة بيوحنا المعمدان (مر 1: 8؛ مت 3: 11؛ لو 3: 16؛ يو 1: 26، 33). أما مدوّن أع فينسبها إلى يسوع (أع 1: 5؛ 11: 6). وبما أن الإختلافات عديدة، بحثَ النقاد عن القراءة الأصلية. إنطلق فان إمسكوت من القول بأن كرازة المعمدان دلت على حدث الزمن الإسكاتولوجي، فاستنتج أن الشكل الأساسي للمقولة قدم معطيين أساسيين للانتظار النهائي: قدّم للأبرار المدعوّين إلى الخلاص، خيرات موهبة الروح القدس، وللأشرار المعدّين للهلاك، الدينونةَ والعقاب بالنار. هذا هو معنى المقولة في متى ولوقا اللذين يذكران الروح القدس والنار. أما مرقس ويوحنا فذكرا فقط فيض الروح، ثم ربط يوحنّا هذه الموهبة بالمعمودية.
ولكن ظلّت محاولة فان إمسكوت لاكتشاف القراءة الأصلية ناقصة. فما يهمّ المعمدان هو إعلان الدينونة القريبة في الأزمنة الأخيرة. وهو يعتبر هذه الدينونة كعمل يسوع الذي رأى فيه المسيح والقاضي المسيحاني. ويتصوّر هذا المسيح في صورة ثانية يرسمها عن الدينونة (مت 3: 12؛ لو 3: 17): ذلك المذرّي الذي ينظّف البيدر، فيجمع القمح في الأهراء ويحُرق التبن والقش. لن ننتظر في إطار تلك الصورة أن يُذكر الروح، بل أن تُذكر النسمة، أن تُذكر الريح التي يحتاج إليها المذرّي ليفصل الحب عن القشّ كما يفصل الأبرار عن الأشرار.
وحين وضعت القراءات المتاوية واللوقاوية "النسمة" أو "بنفما" على أنه "مقدّس"، أو "قدس"، أحلّت في هذه المقولة (لوغيون) أحد عناصر الدينونة الإسكاتولوجية التي هي النسمة والريح والروح القدس. وهكذا، أدخلت في المقولة تلميحاً مباشراً إلى فيض الروح الإلهي المنتظر في الأيام الأخيرة. وخطا مرقس وأع خطوة أخرى: لم يحتفظا إلا بذكر الروح. بالإضافة إلى ذلك، نسب أع 1: 5 و 11 : 6 هذا القول، لا إلى المعمدان، بل إلى يسوع، وكأن يسوع استعاد كلمة المعمدان وأعطاها معنى جديداً. من الواضح أن عماد الروح في أع 1: 5؛ 11: 6 وربما في مت 3: 13؛ لو 3: 17 يشير إلى عطيّة الروح كما نالها الرسل يوم العنصرة وكما نالها كورنيليوس الضابط (الروح الذي ناله كورنيليوس هو ذلك الذي ناله الرسل، 10: 47)، وهي عطيّة يميّزها 2: 38 عن نعمة العماد. وبكلام آخر، حين تتحدّث النصوص عن الغسل العمادي، فهي لا تشير إلى عماد الروح الذي يعني موهبة متميّزة تميّزاً واضحاً عن نعمة العماد.
ثمّ، إن التمييز الذي نجده في أع بين نعمة العماد وموهبة الروح، والفرق بين هذه النظرة والتعليم البولسي الذي يميل إلى جمع الإثنين، يُتيحان لنا أن نفهم التوسّع اللاحق في طقوس التنشئة في الكنيسة القديمة. إستوحت الكنيسة اللاتينية (ولا سيّما كنيسة أفريقيا) ممارستها من معطيات أع. أما الشرق المسيحي فعاد إلى وحدة طقوس التنشئة واستلهم الرسائل البولسية إلى درجة كاد يخسر فيها التمييز الواضح بين سّري العماد والتثبيت.
إذا كانت موهبة الروح متميّزة عن الغسل العمادي حسب أع، فبمَ تقوم هذه الموهبة؟ نحن نعلم حسب 2: 39 و10: 47 أننا أمام الموهبة التي نالها الرسل بعد العنصرة. وسنجد ضوءا إضافياً في ثلاثة مراجع: كلمة نُسبت إلى القائم من الموت (أع 1: 5، 8)، كلمة قالها بطرس (2: 5، 18)، مقاطع إخبارية في أع (2: 3- 4، 11؛ 10: 46؛ 19: 6). إن المقولة المنسوبة إلى يسوع تعلن للرسل عطيّة قوة (ديناميس)، قوة كبيرة (ديناميس ميغالي، 4: 33) تجعلهم جديرين بأن يتمّوا مهمّتهم وهي أن يكونوا شهوداً للمخلّص (1: 8؛ 4: 33؛ 8: 25) وأن يكرزوا بكلمة الله (أع 8: 25). وتحدّد كرازة بطرس أننا أمام تتميم نبوءة يوئيل 21: 16-18)، أمام موهبة نبوية (2: 17-18) ورؤى (2: 17 ب). وقد شدّد كاتب أع على موهبة النبوءة هذه (19: 6) وقرّبها من موهبة الألسنة (10: 46؛ 19: 6؛ رج 3:2- 4: لغة غير لغتهم). لقد توسّعت السريانية الحرقلية في هذه التحديدات: كانوا يفهمونها ويفسرونها. فهل نستنتج مع زان الإلماني أن كاتب أع حصر عطيّة الروح بالنبوءة والتكلّم بالألسنة (حصرها بعطية المواهب، الكارسمات)؟ نعرف أولاً أن أع يجعل النبوءة تتفوّق على التّكلم بالألسنة (تذكر النبوءة 3 مرات في أع: 2: 17، 18؛ 19: 06 أما أختلافة 10: 46 فهي تشدّد على سمو النبوءة في خط 1 كور 12: 28؛ 14: 1- 20). ثمّ إن الظواهر الكرسمية (أو المواهبية) تدلّ على حضور الموهبة، ولكنّها لا تصوّر مضمونها. ولكن يبقى أن أع الذي يسمّي المسيحيين "قدّيسين" (9: 13، 32، 41؛ 26: 10) أو "مقدّسين" (20: 32؛ 26: 18) ويعلن تبريرهم (13: 38، 39)، لا يقول إن الروح يقدّس المؤمنين ويبرّرهم.
وهكذا نستنتج أن النعمة الخاصة بموهبة الروح بعد العماد، ليست التقدّيس بل القوة (1: 8، 4: 33). ونلاحظ أن هذه القوة ترافق مسحة الروح (10: 38). إن هذه القوة (ديناميس، كما يتابع 10: 38) تؤمّن ليسوع حضور الله وتساعده على تتميم رسالته في عمل الخير والشفاء. إن المواهب ليست غائبة عن موهبة الروح، ولكنها لا تستنفدها (إن لفيض الروح بُعداً أعمق). نحن إذاً أمام موهبة تهيّىء المؤمنين للرسالة (في 4: 31 هي جرأة، باريسيا، رج 2: 29؛ 4: 13، 29؛ 28: 31)، بل لحياة مسيحية نموذجية (13: 52، كانوا ممتلئين من الفرح والروح القدس). وتكوّن شهادة ليسوع، في حياة تحقّقت غداة العماد (21: 42)، بعد قبول العماد (2: 41) وموهبة الروح (21: 38).

هـ- أصول هذا الطقس
أعلنت التقاليد الإنجيلية ارتباط المعمودية والإفخارستيا بأمر واضح من يسوع، ولكنها لا تقول إن ممارسة وضع اليد (وهي ممارسة رسولية) حتى كطقس شفاء، لا تعود إلى تأسيس من الرب. ونصّ مر 16: 18 لا يتضمّن أمراً بل إعلان امتياز سينعم به التلاميذ. لهذا نقول إن هذا الطقس يعود إلى مبادرة من قِبَل الرسل. فإن كان الأمر هكذا، بدا من الطبيعي أن نعود إلى العهد القديم كمرجع لهذه المبادرة. فكنيسة الرسل تأمّلت في التقاليد التوراتية، فرأت فيها صوراً مسبقة ونماذج لنظُمها الخاصة.
وفي الواقع، نرى ممارسة وضع الأيدي في العهد القديم، ولا سيّما في الطبقة الكهنوتية، حيث يتّخذ فعل "سمك" معنى تقنياً. غير أنه يجب أن نميّز طقسين لوضع اليد أو الأيدي يختلفان بشكلهما مضمونهما.
هناك طقس أول يسيطر فيه وضع يد واحدة وهو ينحصر في تقدمة الذبائح: خر 29: 10: يضع هارون يده وكذلك يفعل كل من أبنائه؛ خر 29: 15، 19؛ لا 1: 4، 10 (حسب السبعينية)؛ 3: 2، 8، 13؛ 4: 4، 15، 24، 29، 39؛ 8: 14، 18، 22؛ عد 8: 22؛ 2 أخ 29: 23: وضعوا أيديهم (الجمع يعني أن كل واحد وضع يده). تعبّر فعلة وضع اليد، لا عن فكرة نقل وانتقاله (أي نقل ملكية الذبيحة من الإنسان إلى الله) كما قال ورم ونوت ورودلف وفون راد، بل عن تماثل الرجل الذي يقدّم الذبيحة والحيوان الذي يقدّم كذبيحة (يضحّي الإنسان بالذبيحة فتعود إلى الله ويعود هو معها). وفي الطقس الثاني تُوضع اليدان ويتخذ فعل "سمك" معنى تقنياً فيتضمّن فكرة الإنتقال: إنتقال الخطيئة في لا 16: 21- 22: "يضع هارون يديه على رأس التيس الحيّ ويعترف عليه بجميع ذنوب بني إسرائيل ومعاصيهم وخطاياهم ويضعها على رأس التيس ثمّ يرسله إلى البرية، فيحمل التيس جميع ذنوبهم". إنتقال مسؤولية نتخلّص منها في لا 24: 14 (تعلن الجماعة أنها ليست مسؤولة عن خطيئة فرد من أفرادها)؛ دا 13: 34. إنتقال وظيفة وقوة ترتبط بها. نقرأ في عد 27: 18: "قال الرب لموسى: "خذ يشوع بن نون وضع يدك عليه" (وهكذا تنتقل سلطتك والروح الذي كان فيك إليه، أو ينتقل مجدك)؛ 27: 23؛ تث 34: 9. أما بالنسبة إلى عد 8: 10 (يضع بنو إسرائيل أيديهم على اللاويين)، فاللاويون هم ذبيحة (لأنهم باكورة الشعب. كانت البواكير تُذبح) تُقدّم للرب، لهذا يضع بنو إسرائيل أيديهم عليها، وهذا ما تقوله آ 11: إن اللاويين يقدَّمون بطريقة سّرية ذبيحةً للرب.
إن هذه النظرة السريعة إلى العهد القديم تبق لنا أننا لم نجد نموذجاً عن وضع الأيدي كطقس شفاء. ولكن نرى في بعض الأوساط اليهودية هذه الممارسة التي ينسبها ابوكريفون التكوين إلى إبراهيم. ولكننا لا نجاه تماثلاً بين طقس تمارسه جماعة قمران وطقس مسيحي علّمه الرب لتلاميذه كما يقول مر 18:16.
أما بالنسبة إلى وضع الأيدي كطقس تسليم وظيفة كنسيّة، فقد نجد نموذجاً له في "سميكة" الرابانيين، وهي طقس يجعل من التلميذ "معلّمي" أي "رابي" في الجماعة. ولكن العودة إلى العهد القديم هي التي أسّست هذا الطقس: تنتقل وظيفة موسى ومجده وروحه إلى يشوع (عد 27: 20؛ تث 34: 9). وهكذا تنتقل المهمة الرسولية، ويُعطى الروح من أجل هذه المهمة.
وهناك وضع الأيدي اللاحق للعماد. نستطيع أن نعود إلى لو 34: 50 (رفع يديه وباركهم). هنا نقابل بين نهاية لو (24: 49- 53) وبداية أع. يسوع هو الذي يرسل الروح (لو 24: 49؛ أع 1: 4 ،8). تُسمى موهبة الروح موعد الآب (لو 24: 49؛ أع 1: 4). وثمرة هذه الموهبة ستكون قوة (لو 24: 49؛ أع 1: 8) وقوة علوية نازلة من السماء (لو 24: 49؛ أع 1: 8). ورسالة المسيح القائم من الموت والصاعد إلى السماء هي مباركة (لو 24: 50- 51؛ لو 3: 26: أرسله بركة). إذا كانت عطيّة الروح بركة والخير الأسمى الذي يقدّمه المخلّص القائم من الموت، وإذا كان وضع الأيدي فعلة مباركة وطقس مباركة، أما يحقّ لنا أن نستنتج أن لوقا رأى في مباركة يسوع لتلاميذه وهو صاعد إلى السماء دعوة إلى الرسل لكي يستعملوا الفعلة عينها ليمنحوا باسم معلّمهم الموهبة الموعود بها في هذا الوقت الإحتفالي؟ ونتذكّر أخيراً أن لو 24: 50- 51 تحدّث عن مباركة يسوع لتلاميذه بعبارة يستعملها الكاهن الأعظم ليبارك شعبه. هكذا سبّق لوقا على يوحنّا وصاحب الرسالة إلى العبرانيين فحدّثنا عن يسوع كرئيس كهنة يمارس "الأسرار" بيده ويسلّمها إلى تلاميذه فيواصلون حضوره في العالم كلّه حتى انقضاء الدهر.

الفصل العشرون
المعاني الكتابية في خطب بطرس
الخوري بولس الفغالي

يتضمن أع 24 خطبة. ثمانٍ منها تعود إلى بطرس (1: 16- 22؛ 2: 14- 36؛ 3: 12- 26؛ 4: 8- 12؛ 5: 29- 32؛ 10: 34- 43؛ 11: 5- 17؛ 15: 7- 11). وتسع تعود إلى بولس (13: 16- 41؛ 14: 15- 17؛ 17: 22- 31؛ 20: 18- 35، 22: 1- 21؛ 25: 10- 21؛ 26: 6- 23؛ 27: 21- 26؛ 28: 17- 21) وتتوزّع الخطب السبع الباقية على جملائيل (5: 35- 39)، اسطفانس (7: 2- 53)، يعقوب (15: 13- 21)، ديمتريوس (19- 25- 27) حاكم مدينة افسس (19: 35- 40)، ترتلوس (24: 2- 8)، فستوس (25: 24- 27).
أما خطب بطرس الثماني فتتوزع على قسمين متميزين: قسم يعلن التعليم المسيحي لسامعين لم يقتبلوه بعد. وقسم يتوجّه إلى الجماعة المسيحية. سنحصر كلامنا في القسم الأول وهو يضم خمس خطب يتوجه فيها بطرس إلى الشعب اليهودي، إلى السنهدرين، إلى الضابط كورنيليوس الذي يشارك شعب اسرائيل في إيمانه وممارسته الوصايا، دون ان يقبل الختان. وسنحاول أن نجد ثوابت في هذ الخطب التي نقابلها بخطب اخرى مثل خطبة بولس في مجمع انطاكية بسيدية (ف 13).
نجد ست ثوابت: المطيع، تذكير برسالة يسوع، تذكير بالظروف التي فيها مات يسوع، تأكيد على قيامته، شروح توضح مضمون هذه القيامة، قول يعلن غفران الخطايا للذين يقبلون هذه البشارة.

1- المطلع
يهدف المطلع إلى ربط التعليم المسيحي بالوضع الذي جُعلت فيه الخطبة. نلاحظ أن هذا الدخول في الخطبة يتوقّف عادة عند إشارة تثير الدهشة وتتطلّب شرحاً سيقدّمه الخطيب.
وهذا العرض واضح بصورة خاصة في مقدمة خطبة العنصرة (2: 14- 21). حدثت ظواهر غريبة حيرّت عقول الجموع التي جاءت إلى العيد (آ 7، 12 أ) أو جعلت بعض الناس يتهكّمون على هؤلاء "السكارى" (آ 13). فانطلق بطرس من هذا الوضع، ودعا سامعيه ليروا في مجيء الروح تتمة لنبوءة يوئيل، ويفسّر هذا المجيء كآية إسكاتولوجية. أجل، ها قد جاءت الأيام الأخيرة، أيام فيض الروح عك البشر.
وتنطلق الخطبة في رواق الهيكل (3: 12) من حيرة وعجب الناس (آ 10) الذين شاهدوا شفاء عجيباً حصل أمامهم. قال بطرس: "يا بني اسرائيل، ما بالكم تتعجبون مما جرى" (آ 12 أ)؟ واتبع بطرس كلامه باستفهام آخر يزيل كل شرح خاطىء: "لماذا تنظرون إلينا كأننا بقدرتنا أو تقوانا جعلنا هذا الرجل يمشي" (آ 12 ب)؟
أما الخطبة الأولى أمام السنهدرين (4: 9) فتبدأ بالتشديد على غرابة الموقف: على الرسل أن يجيبوا العدالة على ما فعلوا من خير تجاه الكسيح. وحين مثل الرسل للمرة الثانية أمام المجلس الأعلى، أبرز رئيس الكهنة غرابة سلوك الرسل. منعتهم أعلى سلطة دينية في البلاد أن يعلّموا "بهذا الاسم". ولكنهم ما زالوا يملأون أورشليم بتعليمهم (5: 28). حينئذ بدأ بطرس خطبته فأجاب المجلس باسم الرسل: "يجب ان نطيع الله لا الناس" (آ 29).
ونجد شيئاً غير عادي في وضع خطبة قيصرية: عارض بطرس الفرائض الدينية التي تمنع اليهودي من "أن يخالط أجنبياً أو يدخل بيته" (10: 28)، وذهب إلى ضابط روماني (إذا، وثني) واستعد ليقدم له البشارة المسيحية. تبدأ الخطبة بشرح للوضع الذي جعله فيه الله: "أرى أن الله في الحقيقة لا يفضّل احداً على احد" (لا يحابي) (آ 34-35).

2- رسالة يسوع على الأرض
لن نجد هذه الثابتة إلاّ في الخطب الطويلة. وهذا واضح بصورة خاصة في ف 10. يحدّد بطرس موقع رسالة يسوع في المكان وفي الزمان: "انتم تعرفون ما جرى فِي اليهودية كلها، إبتداء من الجليل بعد المعمودية التي دعا إليها يوحنا" (آ 37). والتحديدات الجغرافية تكرّر ما زاده لوقا في خبر الآلام (انتقالة بين المثول أمام بيلاطس والمثول امام هيرودس): "إنه يثير الشغب بتعليمه في اليهودية كلها، من الجليل إلى هنا" (لو 23: 5). والتحديد الكرونولوجي (بعد المعمودية التي دعا إليها يوحنّا) يقابل نظرة لوقا الذي يعتبر أن رسالة يوحنا انتهت يوم بدأت رسالة يسوع. هذا ما نقرأه في 13: 24-25: "وقبل مجيء يسوع، دعا يوحنا جميع شعب اسرائيل إلى معمودية التوبة. وقالت وهو ينهي سعيه: ما أنا الذي تظنّون أني هو. ذاك يجيء بعدي، وما أنا أهل لأن أحلّ رباط حذائه".
نندهش حين نجد ذكر يوحنا المعمدان في فم بولس. ولكن لوقا إنطلق من التقليد ومن إنجيله (لو 3: 15- 16)، فقدّم لنا هذه الخطبة البولسية. 
ويتابع بطرس في 10: 38: "يسوع الناصري، كيف مسحه الله بالروح القدس (أش 61: 1؛ لو 4: 18) والقدرة (يشدّد لوقا على قدرة يسوع، لو 4: 36- 5: 17؛ 6: 19؛ 9: 1. ويربط الروح بالقدرة، لو 1: 17، 35؛ 4: 14؛ أع 1: 8)، فسار في كل مكان يعمل الخير ويشفي جميع الذين استولى عليهم ابليس، لأن الله كان معه". وهذا ما نقرأ أيضا في خطبة العنصرة: "كان يسوع الناصري رجلاً أيدّه الله بينكم بما أجرى على يده من العجائب والمعجزات والآيات كما أنتم تعرفون" (2: 22). هذا ما سيقوله أيضاً تلميذا علماوس: "يسوع الناصري الذي كان نبياً قديراً في القول والعمل عند الله والشعب كله" (لو 24: 19).

3- الصلب
حين تكلمت الخطب الرسولية عن الصلب، شدّدت على ميزتين. أولاً: الصلب هو عمل سكّان اورشليم ورؤسائهم الذين اتهموا يسوع، هذا ما يقوله لوقا في إنجيله (23: 2، 4، 5، 20، 23، 20، 31). وسنجد الإتهام عينه في خطبة أسطفانس: "فمن من الإنبياء لم يضطهده آباؤكم؟ قتلوا الذين انبأوا بمجيء البار، ذاك الذي اسلمتموه وقتلتموه" (7: 52). 
الميزة الثانية هي دفاعية، وهي تؤكّد توافق موت يسوع مع المخطّط الإلهي كما عبرّت عنه الكتب المقدّسة. هذه الميزة عزيزة على قلب لوقا. كتب مر 10: 33: "ها نحن صاعدون إلى أورشليم وابن الإنسان يسلم". ولكن لو 18: 31 قال: "ها نحن صاعدون إلى أورشليم، فيتمّ كل ما كتبه الإنبياء في ابن الإنسان فيسلم". ونشير إلى ميزة ثالثة لا تظهر إلا في 3: 13 و13: 28، وهي تقابل احد اهتمامات لوقا في خبر الآلام (رج لو 23: 4، 14، 15، 32): كان يسوع بريئاً. لم يصنع شيئاً يستحق العقاب الذي انزل به.
يعلن بطرس في 2: 23: "هذا الرجل الذي أسلم حسب قصد محددّ وعلم الله السابق (نية دفاعية حاضرة في لو 22: 22، ابن الإنسان سيموت كما هو مكتوب) أخذتموه وصلبتموه وقتلتموه بأيدي الكافرين (رج لو 24: 7: يجب ان يسلّم ابن الإنسان إلى أيدي الخاطئين ويُصلب). ويكرر بطرس الإتهام في آ 36: "يسوع هذا الذي صلبتموه".
وسيشدّد بطرس على هذه الفكرة في الخطبة التي ألقاها في رواق الهيكل: "يسوع الذي أسلمتموه إلى أعدائه وأنكرتموه أمام بيلاطس، وكان عزم على إخلاء سبيله" (لو 23: 16: أخلي سبيله، رج 23: 20، 22). "نعم، أنكبرتم (اتهمتم) القديس البار (لو 23: 47: في الحقيقة، كان هذا الرجل باراً)، طلبتم العفو لقاتل. قتلتم ملك الحياة" (3: 13- 15).
ونقرأ في 4: 10: "يسوع المسيح الناصري الذي صلبتموه انتم". لا نجد الميزة الدفاعية مع الإتهام، ولكنها مستترة في التلميح إلى مز 118: 22: "هو الحجر الذي رذلتموه ايها البناؤون" (رج آ 11). ونقرأ في 5: 30: "يسوع الذي علقتموه على خشبة وقتلتموه" لا نجد الميزة الدفاعية إلا إذا فرضنا تلميحاً إلى تث 21: 23 المعلق ملعون). وفي 10: 39: "في بلاد اليهود وفي أورشليم. وهو الذي علّقوه على الخشبة وقتلوه". وقال بولس في خطبته إلى اليهود في مجمع بسيدية: "إن أهل أورشليم ورؤساءهم تمّموا، دون أن يعرفوا ما يُتلى من أقوال الأنبياء في كل سبت: ما وجدوا جرماً يستوجب الموت، ومع ذلك طلبوا من بيلاطس أن يقتله. وبعدما تمّموا كل ما كتبه الأنبياء في شأنه" (13: 27-29). قال تلميذا عماوس: "كيف أسلمه رؤساء كهنتنا وزعماؤنا للحكم عليه بالموت، وكيف صلبوه" (لو 24: 20). أما البرهان الدفاعي، فنجده في فم يسوع "ما أغباكما وأبطأكما عن الإيمان بكل ما قاله الأنبياء. أما كان يجب على المسيح أن يعاني هذه الآلام" (لو 24: 25- 27؛ رج آ 44-46: ان المسيح يتألم).
نحن هنا أمام لوحة متناسقة: فصلب يسوع يبدو بشكل اتهام موجّه ضد اليهود بصورة عامة. بل ضد سكان أورشليم وزعمائهم. ولكن ذاك قصدُ الله كما أعلنه الأنبياء.

4- القيامة
نكتشف ميزتين في الطريقة التي بها تعرض الخطب الرسولية في أع قيامة يسوع. تذكرها أولاً على أنها عمل الله الذي تدخّل تجاه عمل الاورشليميين الاجرامي. ثانياً، يرافق التأكيد على القيامة رجوع إلى الذين قبلوا المهمة ليكونوا شهوداً (1: 8- 22؛ لو 24: 28: أنتم شهود على ذلك).
نقرأ في خطبة العنصرة: "ولكن الله أقامه وحرّره من سلطان الموت" (2: 24). وسيعود بطرس إلى القول عينه في آ 32: "فيسوع هذا أقامه الله، ونحن كلنا شهود على ذلك". وقال أيضاً في 3: 15: "قتلتم ملك الحياة، ولكن الله أقامه من بين الأموات، ونحن شهود له بذلك". وبعد أن شفى الكسيح، قال بطرس: "شفي هذا الكسيح باسم يسوع المسيح الناصري الذي صلبتموه أنتم وأقامه الله من بين الأموات" (4: 10). لا حاجة هنا إلىِ الشهادة الرسولية. فالمعجزة وحدها تكفي. ونقرأ في 5: 30: "إله آبائنا أقام يسوع الذي قتلتموه". وتزيد آ 32: "ونحن شهود على هذا كله، وكذلك يشهد الروح القدس الذي وهبه الله للذين يطيعونه".
وننتقل إلى قيصرية لنسمع بطرس (10: 40- 42): "ولكن الله أقامه في اليوم الثالث وأعطاه أن يظهر، لا للشعب كله، بل للشهود الذين إختارهم الله من قَبْلُ، أي لنا نحن الذين أكلوا وشربوا (رج لو 24: 41-43؛ أع 1: 3- 4) معه بعد قيامته من بين الأموات".
ويورد بولس جريمة أهل أورشليم ويتابع: "ولكن الله أقامه من بين الأموات، فظهر أياماً كثيرة للذين صعدوا معه من الجليل إلى أورشليم، وهم الآن شهود له عند الشعب" (العبراني) (13: 30- 31). وسيكون بولس شاهداً للمسيح لدى الوثنيين، وذلك في مرحلة ثانية.

5- المضمون المسيحاني للقيامة
بعد أن أعلن الخطيب واقع قيامة يسوع وذكر الشهود، يبقى عليه أن يُبرز بُعد هذه القيامة. حينئذ يعود إلى الأسفار المقدسة يطلب منها تفسير الحدث. أعلن الأنبياء أن المسيح سيقوم: بما أن هذه الأقوال النبويّة قد تحقّقت في يسوع، فيجب أن نقرّ بأن يسوع هو المسيح الموعود به.
يقدم لو 24 البرهان بصورة اجمالية. أولا في كلمات الملائكة عند القبر. هم يذكّرون بتعليم يسوع: قالت: "يجب أن يسلم ابن الإنسان إلى أيدي الخاطئين ويُصلب، وفي اليوم الثالث يقوم" (آ 7). يجب. ويتحدّد معنى هذه الضرورة في الشروح التي يعطيها يسوع لتلميذي عماوس: "ما اغباكما... أما كان يجب على المسيح ألن يعاني هذه الآلام، ويدخل في مجده؟ وشرح لهما ما جاء عنه. في جميع الكتب المقدسة، من موسى إلى سائر الأنبياء" (آ 25- 27). وسيعود الموضوع في الحوار مع الرسل: "هذه كلماتي التي قلتها لكم حين كنت بعد معكم: يجب أن يتمّ كل ما جاء عني في شريعة موسى وكتب الأنبياء والمزامير. حينئذ فتح اذهانهم ليفهموا الكتب المقدسة وقال لهم: هذا ما جاء فيها، وهو أن المسيح يتألم ويقوم من بين الأموات في اليوم الثالث" (آ 44- 46). هذا هو مبدأ البرهنة الذي ستقوم به الخطب الرسولية في أع.
ستكون هذه البرهنة موسّعة حقاً في أولى خطب بطرس (2: 14 ب-36) وأولى خطب بولس (13: 32-37). تستند البرهنة إلى نصين رئيسيين: في ف 2: مز 16: 10و 110: 1؛ في ف 13: مز 2: 7 و16: 10 يقول مزمور 16: 10: "لا تسمح ان يرى قدوُسك الفساد". وهو يفسّر على أنه اعلان لقيامة المسيح. توسّع بطرس مطوّلاً في البرهان (2: 25- 32) واكتفى بولس بايراده (13: 35-37). يفترض لوقا أن قارىء خطبة بولس يتذكّر شروح خطبة بطرس (لا يفهم 7: 37 الذي يورد تث 18: 15 إلا اذا تذكر القارىء أع 3: 22-23. ولا يصبح تسلسل الأفكار واضحاً في 17: 23- 24 إلاّ إذا تذكرنا 14: 15- 17). والاعلانات الالهية في مز 110: 1 (قال الرب لربي: اجلس عن يميني) و 2: 7 (انت ابني وأنا اليوم ولدتك) تتحدّث عن تمجيد المسيح في السماء، وهذا لا يصير إلا بالقيامة. فقيامة يسوع تشهد حقاً أنه المسيح والرب وابن الله الذي تتكلّم عنه هذه الأقوال النبوية.

6- اعلان غفران الخطايا
وتُختتم الخطبة الرسولية عادة بتحريض يدعو السامعين إلى التوبة أو إلى الإيمان مع وعد بغفران خطاياهم. إن هذا الوعد يميّز نهاية الخطبة.
في 2: 37- 40، تنتهي خطبة العنصرة بشكل حوار. سأل السامعون بطرس والرسل: "أيها الإخوة. ماذا يجب علينا ان نعمل" (آ 37)؟ اجاب بطرس: "توبوا وليتعمّد كل واحد منكم باسم يسوع فتُغفر (يغفر الله لكم) خطاياكم وينعم عليكم بالروح القدس" (آ 38). في ف 3، يبدأ التحريض قبل البرهنة الكتابية التي تشكل له اطاراً (آ 19- 21، آ 25- 26)، فيدعو الشعب اليهودي: "توبوا وارجعوا تُغفر خطاياكم" (آ 19).
حين يمثل بطرس أمام السنهدرين كمتّهم، لا يسمح لنفسه بأن يحرّض سامعيه بطريقة مباشرة. فيكتفي في 4: 12 بأن ينهي خطبته بهذا الكلام: "لا خلاص إلا بيسوع. فما من اسم آخر تحت السماء وهبه الله للناس نقدر به ان نخلص". لقد حلّت فكرة الخلاص محلّ غفران الخطايا بتأثير من نصّ يوء 3: 5. هي المرة الوحيدة التي لا تشير خطبة بطرس إلى غفران الخطايا. ولكنها ستظهر في خطبة بطرس الثانية أمام المجلس الأعلى: "فهو الذي رفعه الله بيمنيه وجعله مخلصاً ليمنح شعب اسرائيل التوبة وغفران الخطايا" (5: 31).
في خارج أورشليم، يرتبط غفران الخطايا لا بالتوبة (هناك جرم اقترف في أورشليم) بل بالإيمان. إن بطرس ينهي خطبة قيصرية فيؤكد: "كل من آمن به نال باسمه غفران الخطايا" (10: 43 ب). ويشدد بولس في نهاية خطبة انطاكية بسيدية: "فاعلموا، يا إخوتي، أننا بيسوع نبشّركم بغفران الخطايا. وأن من آمن به يتبرّر من كل ما عجزت شريعة موسى أن تبرّره منه" (13: 38- 39).
ويذكر غفران الخطايا أيضاً في لو 24: 47 في تعليم يسوع الذي يحدد الكرازة الرسولية: "كُتب أن باسمه تُعلن بشارة التوبة لغفران الخطايا إلى جميع الشعوب ابتداء من أورشليم". ونجد العبارة عينها في التحديد الذي يعطيه بولس عن رسالته في حديثه إلى الملك اغريبا: "على طريق دمشق، أرسله المسيح إلى الوثنيين ليفتح عيونهم فيرجعوا من الظلام إلى النور. ومن سلطان الشيطان إلى الله، فينالوا بإيمانهم بي غفران خطاياهم وميراثاً مع المقدّسين" (26: 17-18). ويحدّد نشيد زكريا رسالة يوحنا المعمدان بطريقة مماثلة: "ليعطي شعبه معرفة الخلاص بغفران خطاياه" (لو 1: 77). 
تحدّث بعض الشرّاح عن اعلان مجيء المسيح (10: 42؛ 17: 30- 31). يبدو أن إنتظار المجيء وان لم يكن غائباً عن الخطب الرسولية، إلاّ أنه لا يحتلّ إلا مكانة ضئيلة وعابرة. وقال احد الشرّاح: تدلّ الخطب الرسولية على اضعاف للتوتر الاسكاتولوجي الذي عرفته الكنيسة في ايامها الأولى (1 تس 1: 9- 10؛ 1 كور 11: 26؛ 16: 22؛ رؤ 22: 20: ماراناتا).
إن هذه الخطب هي انعكاس للكرازة المسيحية في أول أيام الكنيسة. لا شكّ في أن لوقا طبعها بطابعه، ولكننا نجد فيها سمات الكرازة الرسولية الأولى. أما المتحدّث باسم الكنيسة وباسم الرسل الاثني عشر فكان بطرس الذي قال للرب يوم كاد يتركه الجميع: "إلى من نذهب يا ربّ، وعندك كلام الحياة الأبدية؟ نحن آمنا بك وعرفنا أنك أنت المسيح ابن الله الحيّ" (يو 6: 68-69).
الفصل الحادي والعشرون
إستعمال التوراة في الدفاع عن الإيمان
الخوري بولس الفغالي

إنحنت المسيحية الأولى على التوراة تتأمل فيها. ودعا الوعّاظ الأولون سامعيهم لكي يتفحّصوا نصوصها. فالأسفار المقدسة تقدّم في نظرهم شهادة ساطعة عن شخص يسوع، عن عمله ورسالته. وإن الأحداث الحاضرة ستجد كلّ مدلولها على ضوء النصوص القديمة. كما أن النبوءات القديمة ستنال تأويناً جديداً حين تتمّ في يسوع المسيح. فالتوراة تفسّر تعليم المسيح والعكس بالعكس.
ومع الزمن، تركز الإنتباه على بعض النصوص المعبرّة لتكّون دفاعاً مسيحيا نجد آثاره في خطب أع. في الحقيقة، ليس استعمال النصوص البيبلية للدفاع عن الإيمان أمراً جديداً في الكرازة الرسولية. فقد عاد يسوع إلى نصوص التوراة، ونحن لن نفهم تعاليمه إن تجاهلنا هذه العودة إلى الأسفار المقدسة: يسوع هو الذي يحقّق انتظار اسرائيل الطويل، وإليه تتوجه الأسفار المقدسة لكيّ يتمّها. وتابعت كرازة الرسل هذا التعليم مستفيدة من الأضواء الجديدة التي حملتها الأحداث: آلام يسوع وموته وقيامته.
إن لوقا حدّد برنامج البرهان المسيحي بواسطة الأسفار المقدسة في أع، بل في الفصل الأخير من إنجيله. وهكذا بيّن التواصل بين الكرازة الرسولية وتعليم يسوع. فيوم العنصرة نفسه، تسلّمت الكنيسة من ربهّا التعليم الذي ستعلنه للعالم. على طريق عماوس، قدّم يسوع أمثولة تفسير مسيحي لتلميذين انطلقا في ذاك الصباح من أورشليم (لو 24: 13- 32): "شرح لهما ما جاء عنه في جميع الكتب المقدسة، من موسى إلى سائر الأنبياء" (لو 24: 27). وفي المساء عينه، ظهر للرسل وفتح أذهانهم ليفهموا الكتب المقدسة (لو 24: 45): "لا بدّ أن يتم لي كل ما جاء عني في شريعة موسى وكتب الأنبياء والمزامير" (لو 24: 44). واتخذت شروح يسوع شكل درس منظّم في التوراة: إنطلق من اسفار موسى الخمسة (البنتاتوكس) وتابع مع الأنبياء. وزادت آ 44: المزامير، فاعتبرت عمل داود عمل نبي كسائر الأنبياء.
إذن، اتبعت البرهنة ترتيب التوراة. ولكن عمّا أراد يسوع أن يبرهن؟ لقد بين يسوع لتلميذي عماوس أن "على المسيح أن يعاني هذه الآلام ليدخل في مجده" (24: 27). وحدّد البرنامج أيضاً في 24: 47: "إن المسيح يتألم ويقوم من بين الأموات في اليوم الثالث، وتُعلن باسمه بشارة التوبة لغفران الخطايا إلى جميع الشعوب، ابتداء من أورشليم". تبرز ثلاث نقاط. الأولى: على المسيح أن يتألم. الثانية: عليه أن يقوم. الثالثة: سيحمل تعليم الخلاص إلى العالم كله بما فيه الأمم الوثنية. وسيبين أع أن تلك هي النقاط الرئيسية للبرهنة المسيحية في الكرازة الرسولية.

1- شريعة موسى
لن نتوقّف على الشهادات العديدة التي يعطيها أع عن كرازة مؤسَّسة على الأسفار المقدسة، كما تأسسّ عليها تعليمُ يسوع القائم من الموت. نحن نستند إلى الكتب (17: 2، 11؛ 18: 28)، إلى الأنبياء (3: 18، 21، 24؛ 10: 43؛ 13: 27؛ 15؛ 26: 27). سنقدّم البرهان انطلاقاً من الكتاب المقدس (9: 22؛ 10: 43؛ 17: 2؛ 18: 5، 28، 20: 21، 24، 28: 23)، ونرى القرارات التي اتخذها الله مسبقاً وظهرت لا الكتاب (2: 23؛ 3: 18، 21؛ 4: 12، 28). ونشير إلى خطبة اسطفانس (ف 7) وخطبة بولس في انطاكية بسيدية (ف 13) اللتين تتفحّصان النصوص المقدسة تفحصاً منهجياً.
أولاً: النبي
هناك في أسفار موسى مقطع لفت الإنتباه بسبب قيمته الكرستولوجية (تث 18: 15، 18، 19). يعلن الله فيه لموسى أن اسرائيل لن يُترك بعد موته من دون رجل ملهم (نبي) يعلن له كلمة الله: "أقيم لهم من بين اخوتهم نبياً مثلك". حين يقرأ المسيحي هذا المقطع، فالنبي الشبيه بموسى هو المسيح النبي الوحيد الذي هو أعظم من موسى. من هناً أهمية لقب النبي المعطى ليسوع في الكرستولوجيا اليوحناوية (يو 6: 14؛ 7: 40؛ رج 1: 21، 25). يورد أع مقطع تث مرتين. في خطبة اسطفانس كايراد بسيط (7: 37)، وفي خطبة بطرس كبرهان عن يسوع المسيح.
على ماذا يبرهن النصّ؟ إن خطبة بطرس هي أساساً اعلان لقيامة المسيح. يؤكد أولاً أن الله "مجّد فتاه" (3: 13). ويختتم كلامه: "لكم أولاً أقام الله فتاه" (3: 63). وبين الاثنين يتكلّم عن آلام تحمّلها يسوع، وقد اعلن عنها الانبياء (3: 18). ويتحدّث أيضاً عن الأزمنة المسيحية التي أنباً بها الانبياء (3: 21) والتي دلّت قيامة يسوع على اقتراب مجيئها. لا يتعلق نصّ تث بآلام المسيح، ولا يشير إلى إقامة المملكة الاسكاتولوجية. نحن نعود به إلى القيامة بفضل معننَيْ كلمة "أقام" في اليونانية كما في العربية. قال موسى لبني اسرائيل: "سيقيم الرب لكم نبياً". ويقول بطرس: "لكم أقام الله فتاه". قال موسى: "لن ينقصكم من يتكلّم باسم الرب". فصار النصّ إعلاناً عن القيامة. وقال موسى: "اسمعوا له". فصارت النصيحة في فم بطرس تهديداً لكل من لا يسمع للنبي الذي أقامه الله (من بين الأموات). وهذا التهديد مأخوذ أيضاً من لا 23: 29 الذي تعلق بالمحتفلين بعيد التكفير (كيبور). إذن، يستعمل بطرس النصّ بحرّية كبيرة. 

ثانياً: موسى
تتوقف خطبة اسطفانس مطولاً على خبر موسى (7: 17-42) ببعده الرمزي. حاول اسطفانس أن يقابل بين الرسالة العظيمة التي سلّمها الله إلى موسى وموقف الرفض والعقوق الذي وقفه منه شعب اسرائيل. ويدور هذا الموضوع حول خر 2: 14 (رج أع 7: 27، 35). رفض بنو اسرائيل موسى وقالوا له: "من أقامك علينا رئيساً وقاضياً"؟ ولكن الله سلّم إليه مهمّة الرئيس والمخلّص (7: 35) الذي ينقذ شعبه (7: 25). التلميحات شفافةٌ. حين تكلّم اسطفانس عن موسى فكّر بيسوع. فموقف اليهود تجاه موسى هو صورة مسبقة عن موقفهم تجاه الرئيس والمخلّص والفادي. تجاه يسوع الذي هو أعظم من موسى.
على ضوء هذا المقطع نفهم فهماً أفضل التلميح الذي تتضمّنه خطبتا بطرس. بعد أن يوبّخ اليهود على جرمهم ضد يسوع، يؤكّد أن الله جعله "رئيساً ومخلّصاً" (5: 31). وفي 3: 13- 15 يقابل بطرس بين موقف اليهود الذين أنكروا يسوع مع أنه "رئيس" الحياة (كما انكروا موسى). وأنكروا تدخّل الله الذي أقامه.
وهكذا نجد موازاة بين موسي والمسيح، تتيح لنا أن نقول عن يسوع ما قالت النصوص عن موسى، وتُبرز ملامح خبر موسى الذي يدلّ مسبقاً على ما سيلاقيه المسيح من معارضة وسط شعبه: كما رذل بنو اسرائيل موسى، هكذا سيرذلون المسيح.
ثالثاً: احداث الخروج
صارت أحداث الخروج علامة لما سيحصل حين مجيء المسيح (1 كور 10: 1- 11). حين نجد خبر هذه الأحداث في فم اسطفانس أو بولس، نستشف أن ما أورداه من أقوال لم يكن من قبيل الصدف. هناك أولاً تلك التي اتخذت مدلولاً جديداً على ضوء الحدث المسيحي الذي هو قيامة يسوع. حين يشدّد اسطفانس على عبادة الأوثان التي وقع فيها بنو اسرائيل في البرية (خر 32: اي؛ أع 7: 40- 41)، فلكي يستعد إلى أن يقوله إن الهيكل هو صورة المعبد الحقيقي. فالله لا يستطيع بعد اليوم أدن يسكن معبدا صنعته أيدٍ بشرية (7: 48)، ولا أن تمثّله صورة صنعتها يد إنسان (7: 41). إن تعلّق اليهود بالهيكل يصل بهم إلى عبادة حجارة ظهرت لاسطفانس وكأنها امتداد لعبادة الأصنام في البرية.
وهناك تلميح آخر إلى نصٍ تشريعي. يقول أع 5: 30 و10: 39 (رج أيضاً 13: 29) إن اليهود "علّقوا يسوع" (صلبوه) على الخشبة. نجد هنا العبارة في 1 بط 2: 24 وغل 3: 13. وهي تعود إلى تث 21: 23: "ألا تبيت جثته على شجرة. عليك أن تدفنه في ذلك اليوم. لأن المعلّق هو ملعون من الله". فيسوع المعلّق على خشبة (رج كلمة "قيسو" في السريانية التي تعني شجرة وخشبة) صار في وضع ذلك الذي تعلنه الشريعة ملعوناً. إذن، أخذ على عاتقه اللعنة التي أصدرتها الشريعة ضد الخطأة (رج أيضاً تث 3:33-4؛ ق أع 20: 32؛ 18:26).
رابعاً: سفر التكوين
من الصعب أن نجد هدفاً دفاعياً في ما يرويه اسطفانس عن ابراهيم (7: 2-8). أما الهدف الدفاعي فبارز في ايراد بطرس (3: 25) لنصّ تك 12: 3 (أو 22: 18؛ رج 18: 18) الذي يعود أيضاً في غل 3: 8. يعلن الله لابراهيم: "بنسلك تتبارك كل عشائر الأرض" (يُبنى البرهان على نصّ السبعينية). إذا كانت البركة المسيحانية معدّة اولاً لليهود (3: 26)، فهي ستمتدّ أيضاً إلى كل الأمم الوثنية. فالمسيح القائم من الموت هو مبدأ خلاص للوثنيين أيضاً. هذا هو المبدأ الثالث للبرهان الكتابي كما حدّده لو 24: 46-47.
والملّخص الذي يقدّمه اسطفانس عن خبر يوسف بن يعقوب (7: 9-16)، يكشف لنا النمطية التي استعملها من أجل موسى. فاخوة يوسف باعوه في حسدهم ليؤخذ إلى مصر (أع 7: 9= تك 37: 11، 18). تشير الكلمات إلى جريمة اليهود الذين أسلموا يسوع ليُقتل (3: 13؛ رج 13: 28). هذا ما فعله اليهود. فما فعله الله؟ "كان الله معه" (أع 9:7= تك 2:39، 3، 21، 23، رج ما قيل عن يسوع في أع 10: 39). خلّص يوسف من كل ضيقاته، وجعله رئيس مصر وبيت فرعون (7: 10) ومخلّص شبعه. لا يطبّق أسطفانس هذه الأحداث على المسيح. ولكننا نعرف الرسمة المطبّقة في أماكن أخرى حين يكون الحديث عن يسوع الذي قتله اليهود وأقامه الله وجعله مخلّصاً (أع 2: 23- 24، 36؛ 3: 13-17؛ 4: 10؛ 5: 30- 31؛ 7: 52؛ 10: 39- 40؛ 13: 27-30). إن سلوك أبناء يعقوب تجاه أخيهم يوسف يعلن مسبقاً سلوك اليهود تجاه المسيح. والطريقة التي بها وجّه الله الأحداث لتمجيد يوسف وجعْله مخلّص شعبه، هي علامة لما سيكون تدخّله من أجل يسوع المسيح.
وخلاصة القول فيما يخص البنتاتوكس: تكشف خطب أع استغلالاً للأخبار المتعلّقة بيوسف وموسى. رفض اليهود هذين الشخصين مع أن الله سلّم إليهما مهمة خلاص من أجل شعبهما. إنهما صورة لما سيحدث للمسيح. وبفضل موسى ستتخذ قيامة يسوع كل مدلولها.

2- الانبياء
أولاً: الأسفار التاريخية
وإذا إنتقلنا إلى الأنبياء الأولين (يش، قض، صم، مل) لن نجد الشيء الكثير. فسفرا يشوع والقضاة لا يقدّمان برهاناً كتابياً. وقصة صموئيل التي استوحاها لوقا من أخبار الطفولة (لو 1- 2) لا تقدّم عنصراً يخدم الكرازة الرسولية. وشاول الذي يذكره بولس يهيّىء الدرب لداود (13: 21- 22). أما داود فيهمّ أع كونه نبياً، أي كاتب المزامير الملهم. أما في شخصه فيُعتبر سلفاً كبيراً للمسيح، ذلك الذي نال المواعيد اللاحقة الذي إليه تتوجه كل آمال إسرائيل (2: 30؛ 13: 22-23). حين أقام (أي أخرج) الله المخلص، أتمّ الوعد الذي أعلنه (13: 33). وما يلي من الخطبة يدلّ على أن هذا الوعد يعني قيامة يسوع الذي جُعل بهذه القيامة ملكاً مسيحانياً (13: 23). نجد هنا مرة ثانية معنييَ كلمة "أقام" (أي أخرج، وأقام من الموت). أقام الله داود ليكون ملك اسرائيل، فغدا صورة المسيح الذي أقامه الله من الموت ليكون مخلص اسرائيل (رج 5: 30- 31). إن اعتلاء داود للعرش، صار صورة عن قيامة يسوع وجلوسه عن يمين الله.
لا يحتفظ اسطفانس من خبر سليمان إلاّ ببناء الهيكل (7: 47). ولكنه لا يرى في الهيكل صورة عن عمل المسيح. ويقابل اسطفانس بين هيكل بَنَته أيدي البشر وتسامي الله الذي لا يحصره معبد من هذا النوع. 
ثانياً: الأنبياء بالمعنى الحصري
سيعود النصّ إلى الأسفار النبوية كثر مما فعل مع الأسفار التاريخيّة. فخطبة القديس بطرس الأولى يوم العنصرة تبدأ بايراد طويل من يوء 3: 1- 5.
كان النبي قد أعلن فيضاً وافراً للروح في الأزمنة الأخيرة. فجاءت معجزة العنصرة وحقّقت هذا الوعد (أع 17: 21، 33): وقال النصّ أيضاً (يوء 3: 15= أع 2: 21): إن الخلاص يفرض علينا أن ندعو باسم الرب. فعاد بطرس إلى مز 110: 1 (أع 2: 34- 35)، فشرح أن هذا "الرب" الذي ندعو باسمه هو يسوع المسيح الذي أقامه الله من بين الأموات. إن نصّ يوئيل هذا مهمّ جداً للكرستولوجيا الأولى: "كل من يدعو باسم الرب يخلص" (أو يحيا). فسّر بولس هذه الآية في روم 10: 9-13. ولقد كانت السبب لكي يسمّى المسيحيون: "الذين يدعون باسم الرب" (9: 14، 21؛ 22: 16؛ 1 كور 1: 2؛ 2 تم 2: 22). وإن خطبة بطرس في 4: 9- 12 تتوسّع في موضوع النبي يوئيل: فيسوع الناصري هو وحده من نال الأسم الذي به نخلص. وما يميّز خطبة ف 3 هو أنها ليست فقط تفسيراً لمقطع ورد في البداية، بل شرحاً لما يلي النصّ مباشرة. ففي 2: 39 يلمّح بطرس إلى يوء3: 5 د (سيخلص كل الذين دعاهم الرب). إن ايراد يوئيل لا يشكّل فقط نقطة انطلاق لبرهنة خطبة العنصرة، بل خلفيّه لها. فما يريد أن يبينه بطرس على أساس هذا النصّ، هو أن يسوع صار بقيامته الربَّ الذي يدعو باسمه من يريد أن يخلص.
ونشير في خطبة بطرس في قيصرية إلى التحديد التالي: الله أقام يسوع "في اليوم الثالث" (10: 40). لم يزد بطرس هذا التفصيل من أجل الدقة التاريخية. فالأناجيل تقول إن يسوع علّم أن على المسيح أن يقوم "في اليوم الثالث" (رج مت 16: 21؛ 17: 23؛ 20: 19؛ 27: 64؛ لو 9: 22؛ 18: 23؛ 24: 7، 46). وحين أعلن بولس قانون الإيمان الذي تسلمه من التقليد قال: "إن يسوع قام في اليوم الثالث كما في الكتب" (1 كور 15: 4). مثل هذا التشديد يفترض الإستناد إلى نصّ محدّد. يربط مت 12: 40 هذا التحديد مع يون 2: 1 (رج مت 16: 4؛ لو 11: 30). إن لمغامرات يونان قيمة نمطية: "فكما يقي يونان ثلاثة أيام وثلاث ليالي في بطن الحوت، كذلك يبقى ابن الإنسان ثلاثة أيام وثلاث ليالي في جوف الأرض" (مت 12: 40). ولكن قد يكون المسيحيون عادوا أيضاً إلى نصّ هو 6: 2 (يحيينا بعد يومين، وفي اليوم الثالث يقيمنا) فوجدوا فيه نبوءة مباشرة عن قيامة. يسوع.
يُذكر سفر عاموس مرتين في أع حسب الترجمة اليونانية. وهذا يدل على أن أع يعكس الحقبة الهلينية في الكرازة الرسولية لا المرحلة الأرامية الأولى. يرد عا 9: 11-12 في خطبة يعقوب في مجمع أورشليم (15: 16-17). يريد "الخطيب" أن يبيّن أن الله أعلن ارتداد الوثنيين مسبقاً في فم الأنبياء ووافق على هذا البرنامج الذي تنّفذه الكنيسة الأولى. تكلم عاموس. عن إعادة عرش داود الذي سيُخضع في تلك الأيام أدوم والأمم المحيطة بها. أما حسب التوراة اليونانية، فإعادة عرش داود تتضمّن تجديد المملكة الداودية وارتداد البشر، وكل الأمم إلى الرب. هذا هو المعنى الذي استند إليه يعقوب في برهانه.
ويرد عا 5: 25-27 في خطبة اسطفانس (7: 42-43). نحن أمام توبيخ يوجّهه الله لبني اسرائيل: يتّهمهم بانهم استسلموا إلى عبادة الأصنام في البرية. مثل هذا التوبيخ يدخل في لائحة اتهامات المسيحيين الأولين ضد اليهود: عصوا وتمرّدوا وتخلّوا دوماً عن الله. قتلوا الأنبياء الذي حملوا إليهم المواعيد الإلهية. وفي النهاية قتلوا ذلك الذي أتم هذه المواعيد (7: 39-53). إن ما فعله اليهود بيسوع هو خاتمة خيانات الله التي امتدت طويلاً. وإن نصّ عاموس يتخذ مكانه في برهنة كتابية تهدف إلى تفسير آلام يسوع.
كان حب 1: 5 في النصّ الأصلي تهديداً ضد الأمم الوثنية التي سيدهش عقابها شعب اسرائيل. أما النص اليوناني فلا يذكر الأمم الوثنية، وصار التهديد يصيب "المستهزئين". إنطلق بولس في خطبته إلى أهل أنطاكية بسيدية (13: 41) من الترجمة اليونانية، فجعل من نصّ حبقوق تحذيراً لليهود: إن رفضوا التعليم المسيحي، سيرون بذهول نتائج موقفهم أمام الله. وما يلي من خطبة بولس (رج أيضاً 28: 28) يجعلنا نفكّر أن قرار الله ليس انتقاماً من اليهود بل إحلال الأمم الوثنية محلّهم في التدبير الخلاصي. 
إن إنتشار التعليم المسيحي وسط الأمم الوثنية ارتبط بطريقة خاصة ببولس. لقد وعى ذلك وهو الذي قرأ إر 1: 5-8 الذي يحدّثنا عن النبي الذي أرسله الله إلى الأمم الوثنية (رج أع 26: 17).

3- أشعيا
إستعملت الكرازة المسيحية الأولى الأسفار البيبلية بصورة مجزأة. ولكن سيكون لمجموعتين مكانة هامة في خطب أع الدفاعية: سفر أشعيا وسفر المزامير. هنا ستجد البرهنة المسيحية مواد وافرة وأساسية.
نحن لا نجد في أع إلاّ ايراداً واحداً من فصول أشعيا الأولى (أشعيا الأول: 6: 9- 10. ولكن ق أش 1: 2 وأع 13: 17؛ أش 32: 15 مع أع 1: 8؛ لو 24: 49). أما بعد ف 40 (أي أشعيا الثاني والثالث) فنجد عدداً كبيراً من الإيرادات والتعليمات.
أولاً: أش 6: 9- 5
يرد هذا النصّ في أع 28: 26-27 الذي هو الخاتمة الحقيقية لانجيل لوقا وسفر الأعمال. كان قد ذُكر هذا النصّ في الأناجيل الإزائية بمناسبة الحديث عن هدف الأمثال. أشار إليه مر 4: 12 ولو 8: 10 بطريقة عابرة، أما مت 13: 14- 15 فأورده حرفياً. وسيظهر الإيراد أيضاً في يو 12: 40 حيث يتّخذ المعنى المحدّد الذي ستعطيه كلمات بولس ليهود أورشليم: رفض اليهود الخلاص، فصار لهم هذا التعليم سبب عمى وتصلّب. إذاً، لا نتشكّك أمام موقف الشعب المختار تجاه الإنجيل: إنه يتمّ النبوءات. جوّ اش 6: 9- 10 هو جوّ حب 1: 5: إن ملاحظة رفض اسرائيل للمسيح وتفسير هذا الرفض بالكتب المقدسة يقودان طبيعياً إلى موضوع دعوة الوثنيين (28: 28) الذي ستبرهن عنه الكتب كما يقول أع 28: 28.
ثانياً: أش 52- 53
إن ما سمي كتاب "تعزية اسرائيل" (أش 39 ي) بدا للمسيحيين الأولين نبوءة كبرى عن يسوع المسيح. عبد يهوه (عبد الله) هو المسيح الذي يرجعون إليه مجمل ما تقوله هذه الفصول. ولكن هناك مقطعاً أثرّ فيهم بصورة خاصة: نشيد عبد الله المتألم (أش 52: 13- 53: 12). لم يرد هذا النصّ إلا مرّة واحدة في أع: بمناسبة كرازة فيلبس (أع 8: 32- 33= أش 53: 7-8). ولكن التلميحات العديدة تدلّ على تأثير هذا النصّ العميق على أع: إنها تلوّن كلامهم وتجعلهم يستعملون عبارات أشعيا بطريقة تكاد تكون لا شعورية. فان تحدّثوا عن "تمجيد" يسوع اللاحق لآلامه (تلميح إلى أش 52: 13)، فهم يسمونه "عبد الله" (أع 3: 13، 26؛ 4: 27، 30، أو فتاه). ويسمّونه في الإطار ذاته "البار" (أش 53: 11؛ رج أع 3: 13؛ 52:7؛ 14:22؛ مت 19:27؛ لو 47:23؛ 1بط 18:3؛ 1 يو 2: 1). ويقال عن يسوع انه "أسلم" (أش 53: 12؛ رج أع 3: 13؛ 7: 52؛ روم 4: 25؛ 8: 32؛ غل 2: 20؛ أف 5: 20). تشير كل هذه العبارات إلى صورة واحدة: إن يسوع المتألم والمنبعث هو "العبد" الذي رأى فيه النبي ضحيّة بريئة، الذي رآه متألماً ليفتدي الكثيرين من خطاياهم. حين قدّم لنا لوقا يسوع على طريق عماوس، بيّن بالكتب على أنه كان يجب على المسيح أن يتألم ليدخل في مجده (لو 24: 46).
ونرى أثراً لهذا النصّ الرئيسي في أع 4: 11. يورد بطرس مز 118: 2: الحجر الذي "رذله" البناؤون (مت 21: 42؛ مر 8: 31؛ 12: 10؛ لو 9: 22؛ 17: 25؛ 20: 17؛ 1 بط 2: 4، 7). أما أع 4: 11 فيقول: الحجر الذي هو صورة المسيح "إحتقره" البناؤون. الفعل هو الذي استعمله مر 9: 12 متأثراً بنصّ أش. إذن، يبدو أن نشيد عبد الله قد أثر على إيراد نصّ اقترب معناه من معنى أشعيا.
ثالثاً: أش 49: 6
وهناك نصّ ثالث يرد مراراً: أقام الله عبده نوراً للأمم الوثنية، وكلّفه مهمّة حمل خلاص الله إلى أقاصي الأرض. نحن هنا أمام نصّ مهمّ حول رسالة المسيح الشاملة ودوره الخلاصي تجاه الوثنيين. إنه يرد حرفياً في خطبة بولس إلى أهل انطاكية بسيديه (13: 47: جعلتك نوراً للأمم). ونجد بعض آثاره في خطبة اخرى لبولس (26: 23: يبشّر الأمم بنور الخلاص) وفي كلمات يسوع (أع 1: 8؛ رج لو 2: 32).
رابعاً: أش 57: 9
إرتبطت خطبة العنصرة (2: 39) مع يوء 3: 5 فلمّحت إلى أش 57: 9 (السلام للبعيد، أي الوثني، السلام للقريب، أي اليهودي). وقد لمح إليه أيضاً أع 22: 21 (سأرسلك إلى مكان بعيد). قد أورد هذا النصّ بولس الرسول وشرحه في أف 2: 13-17. جاء المسيح يحمل تعليم السلام (أي الخيرات المسيحانية) للذين هم "قريبون" والذين هم "بعيدون" أي الأمم الوثنية. نلاحظ هنا أيضاً الهمّ الدفاعي في أع: يريد لوقا أن يبرز انتشار المسيحية في العالم الوثني ويرى تحقيقاً للنبوءات المسيحانية.
خامساً: أش 52: 7 و 61: 1
ويقرّب بولس (روم 10: 5) من يوء 3: 5 نصاً آخر لأشعيا ينتمي إلى النصوص المعروفة في الكرازة الرسولية. إنه أش 52: 7 (ما أجمل أقدام المبشرين). تشير إليه خطبة بطرس لدى الضابط الروماني (10: 36). يتحدّث النصّ عن بشارة السلام التي أرسلها الله إلى البشر. أما الرسول فهو يسوع المسيح.
وفي 10: 38 نجد تلميحاً إلى أش 61: 1 (مسحني لأبشر المساكين) المذكور بوضوح في لو 4: 18. حين نقرأه، كله نجد علاقة وثيقة بين أش 61: 1 وأش 52: 07 الموضوع: انجيل السلام (السعادة) الذي رسوله هو المسيح حامل البشرى. وما نقرأه في آخر الخطبة عن غفران (افاسيس) الخطايا الذي يحمله المسيحيون إلى المؤمنين، كما يشهد الأنبياء، يجد تفسيره بواسطة أش 61: 1 الذي يتحدث أيضاً عن تحرير (افاسيس) المسبيّين. وهكذا تتكوّن بنية خطبة بطرس في قيصرية من نصَي أشعيا: يسوع هو رسول السلام ومسيح الله الذي جاء يحمل إلى الناس بشارة الخلاص.
سادساً: أش 59: 20
يورد بولس أش 59: 20 في روم 11: 26: يأتي المحرّر من صهيون ويفتدي يعقوب من شروره. لمّح بطرس إلى هذا النصّ في أع 3: 26: بركة تردّ كل واحد عن شروره. هناك ترجمتان ممكنتان: "أرسل الله فتاه ليبارككم فيردّ كل واحد عن شروره". أو: "أرسل الله فتاه ليبارككم شرط أن يرتدّ كل واحد عن شروره". إذا اتبعنا اشعيا، أخذنا بالترجمة الأولى، فبدا الإرتداد لا شرط الخلاص الذي يحمله عبد الله، بل هذا الخلاص عينه.
سابعاً: أش 44: 28
إن أع 13: 22 (في انطاكية بسيدية) يذكر شهادة الرب لداود حسب الكتاب: "وجدت داود رجلاً يرتضيه قلبي" (مز 89: 21؛ رج 1 صم 23: 14). ويزيد الله: "سيعمل كل ما أريد". أعطيت هذه الشهادة لا لداود، بل لكورش، عبد الله (أش 44: 28: القائل لكورش: أنت تتم كل ما أشاء). إذا كان بولس يطبّق هذه الكلمات على داود، فلأنه يرى فيه صورة المسيح: ما قيل في داود يتحقّق بصورة سامية في المسيح (13: 23). والتوازي قويّ إلى درجة نستطيع معه أن نطبّق على داود ما يليق بالمسيح.
إن العبارة المتعلّقة بعبد الله (يسمّيه اشعيا كورش) تتحقّق في يسوع، وبالتالي تقال عن داود الذي هو صورة يسوع. هذا الأسلوب يفترض أن لنصّ أش 44: 28 معنى مسيحانياً. إذن، تليق الكلمات بيسوع الذي جعله الله مخلص اسرائيل (13: 23؛ رج روم 11: 26) حين أقامه من بين الأموات (5: 31). ونحن نستطيع أن نطبّق بطريقة كاملة كلمات الله لداود (صار ملكاً على الشعب المختار) على المسيح الذي نصّب ملكاً في السماء. 
ثامناً: أش 66: 1- 2
يورد اسطفانس أش 66: 1- 2 (السماء عرشي والأرض موطىء قدمي) حسب السبعينية (أع 7: 49-50). إنه نصّ يهاجم فيه الهيكل. الله هو إله الكون فلا يحيط بحضوره بيت يبنيه البشر. هذا الكلام يرتبط بموضوع شمولية التعليم المسيحي وامتداده إلى الوثنيين.
تاسعاً: أش 45: 21
ويعبر عا 9: 11- 12 (ورد في أع 15: 16-17) عن الموضوع عينه. وينتهي نصّ أع (15: 18) بكلمات تذكرنا بنصّ أش 45: 21 (من سمع هذا من القديم، من اخبر به منذ ذلك الزمان). فالنصّ المذكور (رج آ 22: أخلصوا يا جميع أقاصي الأرض) يتحدّث أيضاً عن شمولية الخلاص. أوجز لوقا مرجعه واحتفظ ببعض عناصر تجعلنا نعرف ما الغاه (ماذا بقي من أش 61: 1 في أع 10: 38 أو من يوء 3: 5 في أع 4: 10- 12). إذاً نحن أمام بقايا من أش 45: 21 في أع 15: 18 تدلّ على أن الوثنيين مدعوون إلى الخلاص مع اليهود في الأزمنة المسيحانية. 
عاشراً: أش 55: 3
يبدو أش 55: 3 (أعاهدكم وأبقي على الاحسانات التي وعدت بها داود) ثانوياً في أع 13: 34. هدفه ان يقوي برهنة تستند إلى مز 16. إحتفظ أع من نصّ أش بالوعد: "أعطيكم أشياء داود المقدسة والحقيقيّة" (الامينة). وربط هذا بالمزمور الذي يستعيد الكلمات عينها: "لا تترك (حرفياً: لا تعطي) قدوسك يرى الفساد". هو تقارب على مستوى الألفاظ، تقارب محيّر. فأشياء داود المقدسة والحقيقية هي قدوس الله. أعطاها الله حين أعطى قدوسه أن لا يرى الفساد. إذا عزلنا نصّ أشعيا، فهو لا يقدّم شيئاً للبرهنة. إنه يعطي قوة للمزمور. ولكن لماذا ذكرنا نصّ اشعيا هذا؟ لأننا نجد حالاً الإعلان الإلهي (أش 55: 4): "ها أنا جعلته (أعطيته) شهادة للامم الوثنية، رئيس الأمم الوثنية وسيدها". حين يقرأ المسيحي هذا الكلام في إطار نبوءات "عبد يهوه" يفكّر بالمسيح وبرسالته الخلاصية الشاملة.
حادي عشر: أش 42: 7
نقرأ أش 42: 7 (رج أيضاً 42: 16) في أع 26: 18. نحن أمام رسالة عبد الله الشاملة. إنه معدّ ليحمل النور إلى الذين يقيمون في الظلمة أي إلى الأمم الوثنية (أش 42: 6). يطبّق بولس النبوءة على نفسه، لا على المسيح. فعليه ألقيت مهمة حمل النور إلى الوثنيين. ولكن النور الذي يحمله هو المسيح (أع 26: 23 ت أش 49: 6). بولس هو فقط رسول المسيح، فإن تحقّقت فيه نبوءة أشعيا، فقد تحقّقت من قبل في المسيح. في البدء وجب ان تُعلن على الأمم رسالة الخلاص باسم المسيح القائم من الموت (لو 24: 47). ووعى بولس أن الله أوكله بهذه المهمة.

4- المزامير
كان داود مرتل المزامير الملهم ولكنه كان أيضاً نبياً (2: 30). لهذا اعتبر المسيحيون الأولون المزامير على أنها مجموعة نبوية. وستستعمل في البرهنة الكتابيّة للدفاع عن يسوع على مثال كتاب أناشيد عبد الله.
اولاً: مز 2
هو مزمور مسيحاني. تشير آ 1- 2 إلى مؤامرة الشعوب على الرب وعلى مسيحه. إن صلاة المسيحيين الواردة في أع 4: 25-27 تبيّن كيف طبّقت كلماته على خبر آلام يسوع. يتهم المزمور الشعوب والامم. الشعوب هم اليهود والامم هم الرومان، ونجد الملوك والقضاة بين المتآمرين: الملوك هم هيرودس، والقضاة هم بيلاطس البنطي. اجتمعوا في مكان واحد وتآمروا في أورشليم على يسوع الذي هو بالحقيقة مسيح الله (اختاره ومسحه).
وترد آ 7 (أنت ابني، أنا اليوم ولدتك) في خطبة انطاكية بسيدية (13: 33). يفهم بولس هذا الإعلان على أنه يدلّ على تنصيب الملك المسيحاني. ولقد نعم يسوع بهذا المُلك ساعة قيامته. وهكذا حين أقام الله يسوع، أتمّ ما تنبأ به المزمور عن المسيح. نجد تأويلاً مماثلاً لهذه الآية في عب 1 :5؛ 5: 5.
ثانياً: مز 16
يشكّل مز 16: 10 قطعة رئيسية في البرهان الكتابي في خطبة بطرس يوم العنصرة (2: 25- 31) وفي خطبة بولس في انطاكية بسيدية (13: 34-37). يورد بطرس من هذا المزمور 4 آيات (آ 8- 11). غير أن البرهان كله يستند إلى آ 10 حسب ما ترد في اليونانية. كان المرتل قد عبرّ عن ثقته بأن الله سيأتي إلى عونه في المخاطر التي تتعرّض لها حياته: "لا تترك نفسي في الشيول ولا تترك شعبك يرى الهاوية". إذن، هو يأمل أن ينجو من الموت. ولكن السبعينية ترجمت الشطر الثاني: "لن تدع قدوسك يرى فساداً". فمن هو قدوس الله ان لم يكن المسيح؟ وعلى كل حال، لا يتحقّق القول في داود الذي يفترض أنه قاله. داود مات ووُضع في القبر (كانوا يكرّمون قبره في أورشليم، أع 2: 29). وتفكّك جسده كما تتفكّك كل الأجساد. أما يسوع الذي مات ووُضع في القبر، فلم يعرف الفساد، لأنه قام قبل أن يحلّ اليوم الثالث. إذاً فيه تحقّق القول الإلهي، وعنه تكلم صاحب المزامير. إذاً، يسوع هو المسيح كما قالت الجماعات المسيحية الأولى في دفاعها.
ثالثاً: مز 18
تُلمّح خطبة العنصرة إلى مز 6:18 الذي يشبه بمدلوله مز 16. قال بطرس: حين أقام الله يسوع، حرّره من رعب الشيول (او سلطان الموت). يتحدّث المزمور عن شِباك الموت. ويشكر المرتل الله لأنه خلصه منها، لأنه نجّاه من الشيول. في برهان بطرس، يصبح المزمور فعل شكر يرفعه ذلك الذي مات بعد أن انتشله الله من الموت. وفعل الشكر النبوي هذا لا ينطبق إلا على المسيح يسوع الذي أقامه الله.
رابعاً: مز 110
كان يجب على المسيح أن يقوم. وهذا ما يؤكده أيضاً مز 110: 1: "قال الرب لربي: إجلس عني يميني حتى أجعل أعداءك موطئاً لقدميك". أخذت خطبة العنصر برهاناً من هذا المزمور (2: 34-36). واستعمله العهد الرسولي استعمالاً واسعاً (مت 22: 4 وز؛ 26: 64 وز؛ مر 16: 19؛ أع 7: 55- 56؛ روم 8: 34؛ أف 1: 20؛ كو 3: 1؛ عب 1: 3، 13؛ 8: 1؛ 10: 12؛ 12: 2؛ 1 بط 2: 22). لم يكن من شكّ في المعنى المسيحاني على ضوء أحداث الفصح. كان على المسيح أن يستعيد جسده (بقي جسد داود في القبر) بصورة فائقة الطبيعة ليجلس من عن يمين الآب. والدعوة التي وجّهها الله إلى المسيح لكي يجلس عن يمينه، تتضمّن القيامة بكل مدلولها (أي مع تنصيبه ملكاً). والمقابلة بين أولى خطب بطرس وأولى خطب بولس تساعدنا على إقامة موازاة بين مز 110 الذي أورده بطرس، ومز 2: 7 الذي أورده بولس. يشكل هذان الايرادان مع مز 16: 10 برهاناً مسيحانياً واحداً.
خامساً: مز 118
ونقرب مز 118: 16 من مز 110: 1. من جهة، يُدعى المسيح ليجلس من عن يمين الله، ومن جهة يُرفع المسيح بيمين الله (في النصّ اليوناني فقط). نجد عبارة مز 118 في خطبتين من خطب بطرس (2: 33، 5: 31). حين أقام الله يسوع من الموت، تمّ النصّ النبوي.
ولا ينحصر البعد المسيحاني 118 في آ 16. إن آ 25-26 هما أيضاً من النصوص المسيحانية وتردان في الأناجيل (مت 21: 9 وز؛ 23: 39؛ لو 13: 35؛ يو 12: 31، مبارك الآتي باسم الرب). وهكذا نقول عن آ 22 (الحجر الذي رذله البناؤون) التي وردت في أع 4: 11 (رج مت 21: 9، 42 وز؛ 1 بط 2: 7). الحجر الذي رذله (احتقره) البناؤون صار رأساً للزاوية: هي نبوءة تشير إلى موقف اليهود تجاه المسيح، وإلى تدخل الله من أجل المسيح. وهذا ما تحقّق بآلام يسوع وقيامته. 
سادساً: مز 132
وفي إطار قيامة يسوع وخلفيتها البيبلية، يذكر بطرس وعد الله لداود بأن يُجلس على عرشه واحداً من نسله (أع 2: 30). تستلهم هذه الكلمات مباشرة مز 132 (رج 1 صم 7: 12-13؛ مز 86: 4- 5). هناك نصّان يتواجهان في أع: من جهة، وعد الله داود بأن يُجلس على عرشه واحداً من نسله. ومن جهة ثانية، وعده أن يقيم المسيح من نسله ويجلسه على عرشه. 
إن النصّ الثاني يجعل البرهنة أفضل، لاسيّما وأنه يستعمل فعل "أقام" بمعنييه. لقد تحقّق الوعد (أن يقيم لداود نسلاً) في قيامة يسوع (التي هي أيضاً تنصيب). هذا النصّ مشكوك فيه. أما النصّ الأكيد فيتكلّم عن وعد الله بأن واحداً من نسل داود يقوم على عرشه. بما أن داود عرف هذا الوعد، أعلن أن المسيح لن يرى الفساد (مز 16: 10؛ أع 2: 32). ولهذا أيضاً جعل الله يقول لهذا النسل: "إجلس عن يميني" (مز 110: 1؛ أع 2: 34). ومهما يكن من أمر، لقد تحقّق الوعد الإلهي المتعلّق بالملك المسيحاني في قيامة يسوع.
سابعاً: مز 89، 105
يستخرج 2: 36 (فليعلم بنو اسرائيل) النتيجة من البرهنة الكتابية التي سبقت. حين أقام الله يسوع جعله مسيحاً وربا. حين صار يسوع "ربا" حقّق كلمة مز 110: 1. فأي نصّ يسند لقب "مسيح"؟ لا يستعمل مز 16 هذا اللقب. ثم إن بطرس ذكر مز 132: 11. ولكن آ 10 تقول: "لا تردد وجه مسيحك". هل تذكر بطرس مز 132: 10-11 أو هل لخصّ لوقا مرجعه؟ الأمران ممكنان.
يؤكد إيراد 132: 5 في خطبة اسطفانس (أع 7: 46) اهتمام المسيحيين بهذا المزمور (ولكن ليس له بُعد دفاعي هنا). ثم إن مز 89 يرتبط بمواعيد الله لداود. يلمّح إليه بولس في خطبة انطاكية بسيدية (13: 22؛ رج مز 89: 21) فيدل على أن قيامة يسوع أتمّت النبوءات. ونشير أخيراً إلى تأثير مز 105: 21 على ملخّص خبر يوسف كما ورد في خطبة اسطفانس (أع 7: 10). أقيم يوسف سيداً على مصر وكل بيت فرعون، فكان صورة عن يسوع الذي أقامه الله بعد آلامه وجعله سيد شعبه.

خاتمة
إن يسوع يعطي الأسفار المقدسة معناها لأنه يتممها. والأسفار المقدسة تشهد للمسيح في الوقت الذي يتحقّق من شهادتها. أجل، لن تكون الكتب مفهومة إلا بحضور ذلك الذي أشارت إليه، يسوع المسيح الذي قام من بين الأموات، وجبس من عن يمين الآب، وأرسل من يعلن بشارة التوبة باسمه إلى جميع الشعوب.
القِسم الثّالث
نصوصٌ في أعْمَال الرُّسُل

يتوزّع هدا القسم الدروس التالية حسب ترتيبها في المؤتمر: 
1- العنصرة والروح القدس.
2- مجمع أورشليم.
3- اهتداء كورنيليوس.
4- خطب بطرس الخمس.
5- خطب بولس.
6- خطبة اسطفانس.
7- سجن بطرس.
8- الإجتماع المسكوني الأول.
9- قرارات مجمع أورشليم

الفصل الثاني والعشرون
العنصرة والروح القدس
في أعمال الرسل
الخوري مكرم قزاح

"المسيح قام! حقّاً قام!" هذه الصرخة الليتورجية تختصر بحدّ ذاتها كُنْه المسيحية وجوهرها، إذ إن قيامة المسيح من بين الأموات هي الحدث المحور الذي به ومنه يتفجّر كلُّ جديدٍ خلاصاً وحياة: "هاءنذا أصنع كلَّ شيء جديداً" (رؤيا 21: 5).
"إنها الحدث الدائم، كما تقول الليتورجيا المارونية، ونحن فيه، لا يمرّ مع السنين" (صباح جمعة الحواريين). ومن خلاله لا يزال السيد المسيح حيّاً، دائماً أبداً عن يمين الآب، ليشفعَ لنا (عبر 7: 25).
وما العنصرة إلاّ تجلّي هذا الحدث الدائم في تاريخ البشرية.
"فالمسيح، يقول بولس رسول الأمم، صعد إلى ما فوف السماوات كلِّها ليملاً كلَّ شيء" (أفسس 4: 10)، أي ليملاً كلَّ شيء بحضور المحيي ويجُدّدَّه بروحه الحّي القدوس.
فإذا كانت القيامة هي الحدث، فالعنصرة هي الملء النابع عن هذا الحدث. إنها النتيجة الحتمية لتجسّد كلمة الله الآب: فالكلمة وُلدت في بيت لحم لتُولد الكنيسة، بيت الخبز الجديد، في العليّة (مار إفرام).
ولأن الروح كان حالاً بملئه وبغير حساب (يو 3: 34) على يسوع ابن عذراء الناصرة، صار باستطاعة هذا الروح بالذات، بفضل قيامة الحمل المذبوح، أن يحلّ بملئه وفيض نعمه ومواهبه على الكنيسة، جاعلاً إياها جسد المسيح الفصحي. فنراها تنطلق بدورها بقوة الروح إلى جميع الأمم، مبشرة ومعلمة بكل ما أوصاها به سيّدها، ومتلمذة ومعمدة باسم الثالوث: الآب والابن والروح القدس (متّى 28: 19- 20)، مبدأ وغاية وكمال كل ما كان ويكون في السماء وفي الأرض.
وإذا أردنا أن نفهم حدث العنصرة بكل ما له من أبعاد، علينا أن نعود أولاً إلى ما كان هذا العيد يحمل من معان أيام عاش سيدنا يسوع المسيح على أرضنا، ثم أن نتوقف عند مفهوم "الملء" لدى اليهود كتتميم للكتب والأزمنة، ليصل بنا المطاف إلى جديد العنصرة بحلول الروح القدس على التلاميذ في العليّة. فنستخلص حينئذ بعض العبر في تأوين لا ينتهي، إذ صرنا، منذ العنصرة الأولى، في عنصرة دائمة، لأنه "حيث تكون الكنيسة هناك يكون أيضاً روح الله، وحيث يكون روح الله، هناك تكون الكنيسة وكل نعمة" (القديس ايريناوس)، إلى أن يكتمل الملء "عند المنتهى حين يُسلّم المسيح المُلك إلى الله الآب بعد أن يكون قد أباد كل رئاسة وسلطان وقوة... ليكون الله كل شيء في كل شيء" (1 قور 15: 24 و28).
أ- عيد العنصرة في العهد القديم
إن عيد العنصرة هو عيد البواكير المميّز، في حين أن عيد الفطير عند حلول الفصح ليس إلاّ تحضيراً له: فهذان العيدان يحيطان في الواقع بمرحلة الحصاد. والعلاقة بين الفصح والعنصرة تتوضح في إشتقاق لفظة العنصرة (Pentékosté) التي تعني في الواقع (اليوم) "الخمسين" اعتباراً من يوم الفصح الذي هو اليوم "الأول". وتصّح هذه الملاحظة أيضاً لكلمة (ش ب ع و ت) التي تعني "الاسابيع" أي العيد الذي يحُتفل به بعد مرور سبعة أسابيع على يوم الفصح. والرابط الأساسي بين العيدين يتميَّز بحساب "العُمر". ويُثبت هذه الممارسة ما ورد في سفر الأحبار 23: 15-16: "ومن غد السبت، يوم تجيئون بحزمة من باكورة حصيدكم تقدمة يُحرِّكها الكاهن أمام الربّ، تحسبون لكم سبعة أسابيع كاملة. وفي غد السبت السابع بعد خمسين يوماً تقرِّبون تقدمةً جديدة للرب".
والعلاقة بين هذين العيدين هامّة جداً لأنها تساعدنا على أن نفهم كيف أنهما يخضعان للمنطق اللاهوتي نفسه: وهو الإعتراف بالله على أنه المُحسن إلى الأرض وسيّد التاريخ، بحسب النظرة الرائعة الواردة في تث 26: 1- 11.
وليس لدينا نصوص كثيرة مثل هذا النصّ الذي يعبرّ بعمق وبساطة عن معنى الأعياد الزراعية وإعادة تفسيرها تاريخياً ولاهوتياً من قِبل شعب الكتاب المقدس. ومثل أي عيد للبواكير، تعبرّ العنصرة بحركات حسيّة عن وعي اسرائيل أن ثمار الأرض وغلاّتها عطية من الله: "والآن هاأنذا آتٍ ببواكير ثمر الأرض التي أعطيتني إياها يا ربّ" (الآية 10).
وبوجه خاصّ، بعد تدمير هيكل أورشليم، فقدت العنصرة ذلك الطابع الزراعي، واتخذت أكثر فأكثر طابعاً تاريخياً يشدّد على عيد عطية التوراة (ز م ن م ت ن ت و ر ت ن و) كما تردّد البركة المركزية في الصلاة الخاصّة بالعيد. ولكن مع هذا البعد الجديد، لا ترذل العنصرة عيد البواكير أبداً! بل توضح شرطاً من شروطه الأساسية: وهو المسؤولية التي بها تلتزم إلتزاماً فاعلاً قضية العدالة والتضامن والتي من دونها تتحوّل بركة ثمار الأرض إلى لعنة. وفي تث 26: 1- 11، يترافق عيد البواكير مع إعلان إيماني: "إن أبي كان أرامياً تائهاً... فأساء إلينا المصريون. فصرخنا إلى الربّ.. فأخرجنا الربّ من مصر... وأعطانا هذه الأرض، أرضاً تدرّ لبناً حليباً وعسلاً". والأرض التي "تدرّ لبناً حليباً وعسلاً" ليست أرض كنعان الجغرافية، بل الأرض اللاهوتية حيث يعيش الشعب بحمسب العهد، أي بحسب التوراة. والتوراة، لا خصب الأرض الطبيعي، هي التي "تدرّ لبناً حليباً وعسلاً"، وهي التي بغضّ النظر عن الإستعارة، تثمر ثمراً وافراً ليفرح الجمع، لا ليفرح عدد قليل وحسب كما هي الحال بالنسبة إلى الأرض. وبعد أن كانت العنصرة عيد البوكير، تحوّلت مع الوقت، ومن خلال اندماج وتعمّق طبيعيين، إلى "عيد المّوراة" ولا سيّما في نظر الرابانيين وأولئك الذين يدرسون الكتب المقدسة. لذلك كانت المجامع تُزيَّن بالاخضرار، إمّا للتذكير بالبواكير، وإمّا بوجه خاص للتذكير بوحي سيناء وشجرة الحياة في الجّنة (تك 2: 8) أو في سفر الأمثال (3: 18). وفي البيوت، كان أفراد العائلة يتناولون أطعمة خاصّة، ولاسيّما اللبن الحليب والعسل، ليتذكروا أرض الميعاد التي "تدرّ لبناً حليباً وعسلاً"، أو التوراة التي "هي أشهى من الذهب وأخلص من الإبريز، وأحلٍى من العسل ومن قطر الشّهاد" (مز 19: 11). وكانوا يخصّصون وقتاً كبيراً لقراءة مقاطع معينة من الكتاب المقدس: مثل خر 19 وعدد 28 وتث 14.
ومن العادات الخاصة بعيد العنصرة ما يُسمّى "تقون ليل شبَوعُت". وتعني "تِقّون": "بنيان، إصلاح، تصحيح، إتقان". وبحسب التقليد، فقد خلق الله العالم ناقصاً ليمنح خلائقه فرصة إكماله وإنجازه "بالتقّون". وحين كان اليهود يدرسون التوراة طول ليلة الشَبوعُت، كانوا يتقنون العالم ويجعلونه أفضل. وكما كانت التوراة الأداة التي خلق بها الله الكون، فإنها كذلك الأداة التي ينجزه بها.
ولذا، كان اليهود يجتمعون ليلة العيد في المجامع أو البيوت ليدرسوا التوراة، المكتوبة أو الشفوية، حتى الفجر. وكان المطلوب أن تُقراً وتُجمع اقوال التوراة المكتوبة (الكتب) والشفوية (التقليد) من أجل إظهار وحدتها وطابعها الإلهي. ويؤلف بالتالي عقد "خرز" (ح ر ز ه) من اللآلىء التي تمثّل كلام التوراة، فيمكن أن يُعاش مجدداً اختبار سيناء في النار والفرح.
وفي تلك المناسبة، كانوا يقرأون أيضاً سفر راعوت. ويبدو أن هناك سببين كانا يدفعانهم إلى القيام بهذا الإختيار: الأول هو أن سفر راعوت يتحدث عن الحصاد والمرسلين. وزيادة على ذلك فان بطلة القصة تتحدّر من الموآبيين، وهم أعداء اسرائيل التقليديون. ويوّد هذا السفر أن يشدّد على شمولية العنصرة اليهودية، كما كان يحلو للتقليد أن يردّد. فان التوراة المعطاة لإسرائيل هي لجميع الناس، ووعودها تعني الوثنيين أيضاً. وكل من يدع الخير يسيرّه على غرار راعوت، يُعتبر من الشعب المختار.
و ذلك، فهناك سبب آخر لإختيار سفر راعوت:"... وهو أن يعلّمنا أن الشريعة لا تُعطى إلاّ من خلال الفقر والعذاب...". لذلك قيل في مطلع سفر راعوت: "كان في أيام حكم القضاة مجاعة في الأرض". فالتوراة هي الجواب الحقيقي عن "المجاعة" والوحيدة القادرة على التغلّب عليها. وفي الواقع، في الأرض التي يعيش أهلها بموجب التوراة، أي بحسب شريعة العهد، يأكل الجميع ويشبعون، مثل راعوت (راجع راعوت 14:2).
إن العنصرة، وهي عيد البواكير والتوراة، تعني أيضاً، كما يشير إسمها "عَصِرت" "الختام أو التتويج والتتميم" بحسب معنى الكلمة العبرية. ولماذا هذه التسمية؟ هناك سببان أيضاً: الأول، على المستوى الزراعي: إن عيد الأسابيع يختم سلسلة تقادم البواكير التي تبدأ مع حصاد الشعير ومع عيد "الماصوت" في الفصح. والثاني، علي المستوى التاريخي خصوصاً: إنه يختم معنى الفصح الذي يبلغ تمامه بعطية التوراة.
وعطية التوراة ليست في الحقيقة مرحلة لاحقة للخروج من مصر، وكأن الله يُخرج اسرائيل "أولاً" ويمنح التوراة "بعد ذلك". أبداً! فهذه العطية هي السبب الحقيقي الذي دفعه إلى الإلتزام: فإن الله يُخرج اسرائيل من مصر ليمنحه عطية التوراة! فليس الخروج من مصر هدفاً في حدّ ذاته: بل هو موجّه بكلّيته نحو سيناء. وهناك يعبر اسرائيل من الخضوع لفرعون إلى الطاعة في حضرة الله، من العيش من أجل الذات، أي العبوديّة، إلى العيش بحسب الله، أي الحريّة. وباختصار من العبوديّة إلى العبادة.
والعنصرة، عيد البواكير والتوراة، تحتفل بالتالي بحدث مزدوج: هو خصب الأرض وخصب طاعة الإنسان. وتحتفل به احتفالها بحدثين لا ينفصلان، بل يرتبطان ارتباطاً وثيقاً ومتبادلاً: فتكون الأرض خصبة شرط أن يعيش الإنسان فيها ويعمل معها بحسب البرّ، أي بحسب العهد. قلب بار وثمر وافر: إنهما قطبان ضروريان لا يمكن الإستغناء عنهما! فباجتماعهما يزهر فرح العيد، وبقرانهما يلد نشيد عدن الجديد. 
ب- أهميّة عطيّة التوراة ومكانتها
وما هذه المقدّمة إلاّ للدلالة والتأكيد على أهمية التوراة ومكانتها الفريدة في حياة شعب الله.
والاقتراب من الله القدوس يفترض كمالاً في القداسة، إذ إن الشريعة الإلهية التي سيتسلمّها إسرائيل هي نور لا يرحم، يسبر عمق أعماق القلوب. وفي الوقت نفسه كلام الله هو تجلّ لمحبته الفائقة التي تحثّ اسرائيل على أن يستسلم طوعاً لنداءاته. ففي سيناء وعى اسرائيل أنه "شعب محبوب" كما يقول الترجوم، وأنه مطالب بالتجاوب التام مع نداءات الله الآتي ليخلصه. هذا ما يفترض، على الرغم من كل متطلبات التوراة الصعبة، توبة داخلية جذرية يقطع بها كل علاقة مع حالات الخطيئة السابقة. ولذلك كانت الأيام التي سبقت تجلّي الله على جبل سيناء بالغة الأهمية إذ كانت بمثابة فرصة يهبها الله لشعبه حتى يعود ويتوب إليه.
ويقول تلمود بابل: "إن شهوة اسرائيل انتهت في سيناء". والشهوة هنا لا تعني خطيئة معيّنة، بل هي جوهر الخطيئة، أي أن يشتهي المرء ما هو ضدّ الله. إنها في أصل خطيئة آدم، وقد تطورت وتفاقمت عبر تاريخ البشرية. وإن موت الشهوة في قلب الإنسان يعني أن يعود إلى حالته الفردوسية الأولى قبل سقطته. ولذا فالعهد الذي قُطع في سيناء بين الله وشعبه قد تمَّ بتمام حبّ متبادل وهو عهد زواج يتمّ بين حبيبين.
وهكذا تظهر جماعة الصحراء في التقليد اليهودي على أنها الجماعة المثالية، كما ستظهر لاحقاً في أعماله الرسل الجماعة المسيحية الأولى. ولم يحقّق الشعب دعوته كأمة مقدّسة وشعب مكرّس مثلما حققها آنذاك في بريّة سيناء. فهو جماعة مقدسة، جماعة أخوّة، عاشت حالة آدم الفردوسية قبل سقوطه في الخطيئة. وإذا تصالحت مع الله فليس بفضل استحقاقاتها الشخصية، بل بفضل حب الله المجاني والمميّز لها، واستحقاقات آبائها من ابراهيم واسحق ويعقوب، مما جعلها تنال كل الامتيازات التي أراد الله بنعمته ومحبته أن يمنحها للبشرية في البدء. فصار كل عضو من أعضاء تلك الجماعة يحمل على رأسه التاج الملوكي ويستحق أن يتقدم مباشرة من الله ليخدمه دون اللجوء إلى كهنوت يشفع به وبخطاياه، أي أصبح الشعب بمجمله شعباً ملوكياً وكهنوتياً.
وكانت القداسة التي تميّز بها اسرائيل في سيناء النبع الذي ينهل منه قبوله وإذعانه لكلام الله قبولاً تاماً لا لبس فيه. وكان من الممكن أن تكون هذه القداسة ضمانة الحياة الأبدية التي وعد بها الله الإنسان الأول حين جبله ونفح فيه من روحه، لو بقي الشعب أميناً لعهده، ولو لم يسقط هو أيضاً في خطيئة عبادة العجل المذهّب. وبقدر ما يعظّم التقليد قداسة الشعب في سيناء تظهر فداحة خطيئته هذه. حينها فقد اسرائيل كل امتيازاته التي كانت التيجان ترمز إليها والتي نالها يوم إبرام العهد مع الله. ولكن في الزمن المسيحاني سيستعيد الشعب الاسرائيلي تلك التيجان، أي تاج الملوكية وتاج الكهنوت، مع ما ترمز إليه من امتيازات. وبحسب التقليد الراباني نال آدم أيضاً الصفة الملوكية والكهنوتية ولكنه فقدها بسقطته في الخطيئة.
نلاحظ إذاً أن تجلّيات الله الثلاثة الكبرى في التاريخ، أي في الخلق وعلى جبل سيناء وفي الأزمنة المسيحانية، يقابلها أزمنة تشارك البشرية فيها مشاركة فعلية وفعّالة في الإمتيازات التي أراد الله أن يهبها للإنسان حين خلقه على صورته ومثاله. فبعد أن فقدها آدم فقدها اسرائيل أيضاً بسبب خطيئته، دون أن يفقد صفته المميّزة كشعب مختار انتقاه الله وأصطفاه ليفتتح به ومن خلاله الأزمنة الاسكاتولوجية عند مجيء المسيح المنتظر.
ج- اسرائيل عند منعطف القرن الأول
وهنا يُطرح السؤال: أين كان اسرائيل عند منعطف القرن الأول؟ وما كان واقعه يوم حلّ الروح القدس على التلاميذ في العليّة، في تلك العنصرة الكلية الجدة؟
كان الشعب يعيش آنذاك مرحلة مأسوية، هي من أصعب مراحل تاريخه وأدقّها، لأنها تهدّده في صميم كيانه ووجوده.
ففي ذلك اليوم، كما في كل عنصرة، كان الشعب اليهودي بأجمعه يتوجّه بأنظاره إلى جبل سيناء المقدس حيث أسمعه الله صوته وأملى عليه توراته منذ عدّة قرون.
فكما سبق ورأينا، كانت جماعة الصحراء تمثل بالنسبة إلى الشعب اليهودي ذلك العصر الذهبي الذي فيه تجلّت كلمة الله وأنارت حياة الشعب كشعب مكرّس ومقدّس وأضفت معنى على وجوده فحقق اسرائيل حينها كل متطلبات دعوته، إذ كانت طاعته كاملة، فغمره الله بنعمه وعطاياه.
وهذا الماضي المجيد لم يغب ولم ينطفىء رغم أن "روح النبوءة" كانت قد صمتت في اسرائيل بغياب آخر الانبياء من حجاي وزكريا وملاخي. فكانت عودة هذا الروح منتظرة مع حلول الأزمنة المسيحانية حيث سيتدخل الله مجدداً ويتجلّى بكل جبروته، وبكل ما كان له من قدرة يوم ظهوره في سيناء، ليجدّد العالم ويدمّر الكفّار. فشريعته ما زالت حيّة، وما زال يتوجه بها، لا إلى اسرائيل فقط، بل إلى كل الأمم لتتوب، وما زالت الأمم ترفضها اليوم كما فعلت بالأمس في سيناء، لأن الله، بحسب التقليد، كان تجلّى لها هناك أيضاً. فلا بدّ لله من أن ينتصر. ولكن، في انتظار تحقيق ذلك الإنتصار، كان من واجب الجماعة ان تحمي نفسها، فلا تسمح لعدوى الأجواء المحيطة بها أن تتغلغل إلى داخلها وتتفشى بين أفرادها بتواطئها مع "الخطأة"، لأن دينونة الله ستكون بلا رحمة وها هي قد أصبحت على الأبواب.
وسط هذه الاجواء من الاحتفال "بعطية الشريعة" ومن الإنتظار الاسكاتولوجي، نستطيع أن نفهم رواية لوقا لحدث العنصرة كحلول للروح الذي وعد به الله في الأزمنة المسيحانية. فنحن هنا في ملء الأزمنة وتمامها، وهي وليدة الحدث الفصحي، كما سنرى، حدث موت السيد المسيح وقيامته بالمجد من بين الأموات: إنه وقت اكتمال الأزمنة وتمام الشريعة وملء الروح الذي يغمر بحلوله المكان والأشخاص لانطلاقة جديدة في خدمة خلق جديد.
د- تتميم الشريعة وإكتمال الأزمنة
ولكن ماذا كان اليهود يفهمون بتتميم الشريعة والكتب وباكتمال الأزمنة؟
هذا يعني في الأساس ثلاثة أمور متكاملة يجب وعيها لنفهم بالعمق ما حصل يوم العنصرة:
1- إعادة فتح التوراة على النبوءة.
2- نتيجتها (هـ ل ك ة) جديدة، أي طريقة عيش أو ممارسة جديدة.
3- تكون بمثابة إفتتاح للازمنة الاسكاتولوجية وتحقيق لها.

1- إعادة فتح التوراة على النبوءة
إنه إعادة فتح النبوءة، أي أن تنفتح السماء ثانية فتهبّ روح النبوءة مجدداً، لأن الله قادر دائماً أبداً أن يخلق في قلب الحاضر جديداً يفوق بكثير ما كان قد حققه في ماضي شعبه والبشرية بكلمته وبروحه.
فلنستعد مثلاً عودة الشعب من سبي بابل كما يرويها أشعيا الثاني. فهو يُظهرها ويبرزها كخروج آخر جديد حيث يجدّد الربّ آياته ومعجزاته الخلاصية حين يعيد. مرة أخرى خلق شعبه الجريح الشريد:
"لا تتذكروا الأوائل ولا تتأملوا القدائم. هاأنذا آتي بالجديد ولقد نبت الآن، أفلا تعرفونه؟ (هذه هي إعادة فتح النبوءة لأجل خلق جديد). أجعل في البرية طريقاً وفي القفر أنهاراً... والشعب الذي جبلتُه لي هو يحدِّث بحمدي" (أش 43: 19- 21).
إن أعاجيب الماضي، من عبور البحر وتدمير جيوش الفرعون، ستفوقها العظائم التي سيجريها الله عند الخروج الجديد من بابل.
والنبي حزقيال يقدّم لنا الجديد على أنه نبوءة موجهّة إلى الروح على العظام الرميمة، وهي رمز لرجاء بيت اسرائيل المحطَّم في منفاه، بهدف إعادة ترميمه كشعب الله وبعثه مجدداً:
"فقال لي الربّ: تنبأ للروح، تنبأ يا ابن الإنسان وقل للروح: هكذا قال السيد الربّ: هلمّ أيها الروح من الرياح الأربع، وهُبَّ في هؤلاء المقتولين فيحيوا" (حز 37: 9).
وهذه الرؤيا الرائعة تنتهي بما يلي: "فتعلمون أني أنا الربّ، حين أفتح قبوركم وأصعدكم من قبوركم يا شعبي. واجعل روحي فيكم فتحيون، وأقرّكم في أرضكم، فتعلمون أني أنا الربّ تكلمت وصنعت، يقول الربّ" (حز 37: 13- 14).
نعم، "تكلمت" بكلمتي، "وصنعتُ" بروحي.
فالشعب اليهودي كان قد عاش الخروج على أنه الحدث الكبير الجديد أبداً الذي تمَّ من خلاله تكوينه كشعب اختاره الله واصطفاه لعبادته وخدمته. فالله حرَّره من كل أنواع العبودية، وارتبط به بعهد مقدس، ليجعل منه شاهداً لقدرته الخلاصية في وجه كل الأمم، عهد يحتفل به الشعب كل سنة، يوم عيد العنصرة، بارتباط وثيق بحدث الفصح التحريري:
"أنتم شهودي، يقول الرب، وعبدي الذي اخترته لكي تعلموا وتؤمنوا بي وتفهموا أني أنا هو، لم يُكوَّن إله قبلي ولا يكون بعدي. أنا أنا الربّ، ولا مخلّص غيري... وأنتم شهودي، يقول الربّ، وأنا الله" (أش 43: 10- 12).
نعم، إنَّ كل هذا هو من صنع كلمة الله وروحه، هذا الروح الذي كان يرفرف منذ البدء على المياه ليُخرج من الـ "توهوبوهو" الأولى خلقاً يتلألاً نوراً وبهاءً، عهد به الربّ إلى الإنسان الذي نفح فيه من روحه ليصيرّه على صورته ومثاله.
ففي البدء خلق الله كل شيء بكلمته وبنسمة من روحه القدوس. وبالكلمة نفسها وبالروح نفسه ما زال يجدد وجه الأرض (مز 104: 30)، ولاسيّما قلب شعبه: "هاأنذا أصنع كل شيء جديداً" (رؤ 21: 5).

2- نتيجتها هـ ل ك ة جديدة، أي ممارسة جديدة
نعم، إن الله ما زال يجدد بروحه قلب شعبه، حتى يأتي بهم إلى ممارسة (هلكة) دائمة التجدد لمتطلبات شريعته في حياتهم اليومية، وفي كل مرحلة من مراحل تاريخهم، كما فعل في الماضي بواسطة موسى في سيناء، ومن ثمّ من خلال أنبيائه، ومن بعدهم مع حكماء إسرائيل.
وما هذا العيش الجديد الناتج عن جدّة الله، في آخر المطاف، إلا عمل الروح القدس، القادر وحده أن يجعل شريعة الله تتأصل في أعماق القلوب لترجمتها إلى طريق حياة للشعب كله، ولكلّ مؤمن بمفرده.
فالتوارة هي أبعد من أن تكون مجموعة وصايا. إنها في الواقع والأساس توجُّه كياني صوب الله. ولفظة هـ ل ك ة تعبرّ عنها أصدق تعبير كطريق حياة. إنها هبة الله الفضلى والمثلى: "بشريعتك أنعم عليَّ" (مز 119: 29). "شريعة الربّ كاملة تنعش النفس" (مز 19: 8). بل هي حياة (حز 33: 15)، وحق (مز 119: 142)، ومصباح للخطى ونور للسبيل (مز 119: 105)، ونعيم لكل من يتأملها ويعمل بها (مز 119: 77)، وفيها "سلام وافر لمحبيها ولمن يتأملها النهار كله" (مز 119: 97، 165).
فلذا كان همّ الربّ الأوحد في مرافقته لبني اسرائيل، طيلة مسيرتهم عبر التاريخ، أن يجبل نفوسهم من الداخل وأن يجدّد قلوبهم فيستجيبون إستجابة الابناء لمتطلبات شريعته: "يا بُنيّ، أعطني قلبك ولْتَطِب عيناك بطرقي ولْتَرْعَ عيناك طرقي" (مثل 23: 26). فلا يعود بعدئذ "شعباً ذا قلب عاص متمرّد" (إر 5: 23)، ذا "قلب غير مختون" (أح 26: 21) وذا "قلب منقسم ومنزلق" (هو 10: 2)، لأن الربّ إلههم مزمع أن يقطع عهداً جديداً معهم: "ها إنها تأتي أيام... أجعل شريعتي في ضمائرهم وأكتب على قلوبهم، وأكون لهم إلهاً وهم يكونون لي شعباً" (إر 31: 31-33). بل أكثر من ذلك، سيعطيهم الله قلباً آخر موحداً (إر 32: 39)، أيّ قلباً ليعرفوه (إر 24: 7).
وبعد أن يوصيهم الله قائلاً: "إصنعوا لكم قلباً جديداً وروحاً جديداً" (حز 18: 31)، يعدهم بأن يحقق هو نفسه ما يطلبه منهم: "وأرش عليكم ماء طاهراً، فتطهرون من كل نجاستكم، وأطهّركم من جميع قذارتكم، وأعطيكم قلباً جديداً وأجعل في أحشائكم روحاً جديداً، وأنزع من لحمكم قلب الحجر، وأعطيكم قلباً من لحم، وأجعل روحي في أحشائكم وأجعلكم تسيرون على فرائضي وتحفظون أحكامي وتعملون بها. وتسكنون في الأرض التي أعطيتها لآبائكم، وتكونون لي شعباً وأكون لكم إلهاً" (حز 36: 25-28).
فبعد أن يكون اسرائيل قد تجدّد بالروح، سيعترف بإلهه وسيلتقي الله مجدداً شعبه: "ولا أحجب وجهي عنهم بعد اليوم، لأني كون قد أفضت روحي على بيت اسرائيل، يقول السيد الربّ" (حز 39: 29). وبذلك تكون قد تحققت بين الله وشعبه وحدة نهائية وأبدية هي دلالة على حلول الأزمنة المسيحانية الموعود بها.

3- إفتتاح الأزمنة الاسكاتولوجية وتحقيقها
كان العهد القديم ينظر إلى نهاية الأزمنة نظرة شاملة: أي إن تدبير الله سيصل إلى غايته باجرائه الدينونة والخلاص في وقت واحد على هذه الأرض: الدينونة للخطأة والأمم، والخلاص للأبرار وشعب الله.
غير أن الانبياء كانوا يربطون حلول الروح بمجيء عهد جديد، كما رأينا في حز 39: 29 وأش 44: 3 و59: 21. وكان يوئيل أكثر الانبياء وضوحاً في هذا المجال، ممّا جعل القديس بطرس يستشهد به يوم العنصرة بالذات. فعلى مثال أشعيا وحزقيال، ينسب يوئيل إلى حلول الروح القدس تجدّد شعب الله المستقبلي والاسكاتولوجي، حيث سيكون امتلاك الروح العلامة المميزة التي تشمل جميع أبناء الله بحسب رغبة موسى التي عبرَّ عنها في عد 11: 29، رداً على اعتراض يشوع بن نون، بأن يكون جميع شعب الله مؤلفاً من أنبياء: "ليت كلَّ شعب الربّ أنبياء باحلال الربّ روحه عليهم". وسيكون هذا الروح في آن واحد روح النبوءة المتجلّي هنا بالأحلام والرؤى: "إن يكن فيكم نبي فبالرؤيا أتعرّف إليه، أنا الربّ، وفي حلم أخاطبه" (عد 12: 6؛ راجع أيضاً يوء3: 1)، والدافع إلى تجدّد داخلي كما جاء في حز 11 :19-20 و26:36-27.
ومن الملاحظ، أن روح الله الذي يخلق الكائنات ويحييها (تك 1: 2 و2: 7 و6: 17) كان يحلّ، في العهد القديم، على بعض الرجال ليمنحهم قوة فائقة الطبيعة (تك 41: 38 وخر 31: 3 و1 صم 16: 13) ولاسيّما الانبياء منهم (قض 3: 10)، بينما ستمتاز الأزمنة المسيحانية بفيض غير مألوف للروح سيطال جميع البشر (يوء 3: 1، زك 4: 6 و6: 8) ليمنحهم مواهب خاصة (عد 11: 29 ورسل 2: 16- 21)، ويكون لكل واحد، على وجه خفي، مبدأ تجدّد داخلي وباطني يمكّنه من المحافظة بأمانة على الشريعة الإلهية (حز 11: 9 و36: 26-27 و37: 14 ومز 51: 12 ي وأش 32: 15-19 وزك 12: 10)، كما سيكون أيضاً مبدأ العهد الجديد (إر 31: 31؛ راجع 2 قور 3: 6)، الذي يُنبت، كالمياه الفياضة المخصبة، ثمار برّ وقداسة: "فإني أفيض المياه على العطشان والسيول على اليبس. أفيض روحي على ذريتك وبركتي على سلالتك فينبتون كما بين العشب، كالصفصاف على مجاري المياه" (أش 44: 3- 4؛ راجع أيضاً حز 47: 12 ويو 4: 14) ممّا يضمن للبشر حظوة الله وحمايته (حز 39: 24 و 42: 1 و61: 1؛ راجع متّى 3: 16 ولوقا 4: 18).
وبالفعل، نلاحظ في مطلع العصر المسيحي، أن الاسكاتولوجيا اليهودية كانت تولي إهتماماً متزايداً لانتظار المسيح: الملك الذي ينتظره الجميع، والمسيح الكاهن في رأي بعض الاوساط، كما في قمران مثلاً: بيد أن مواعيد الكتب المقدسة لا تنحصر في هذه المسيحانية بمعناها الضيّق، والتي غالباً ما ترتبط بأحلام سياسية، بل تعلن أيضاً تأسيس ملكوت الله وتحقيقه، كما أنها تقدّم حامل هذا الخلاص المنتظر وصانعه بملامح ابن الإنسان الآتي على السحب كما جاء في نبوءة دانيال 7: 13- 14، أو عبد يهوه الذي يحلّ عليه الروح كما في أشعيا 61: 1-2. ولكن التناسق يين كل هذه المعطيات الكتابية وانتظار المسيح (أو المسحاء) لن يتحقق بصورة واضحة وجلّية إلا مع مجيء يسوع المسيح الذي سيحلّ عليه ملء الروح والذي سيُبدّد بموته وقيامته كل الالتباسات الواردة في النبوءات حول هذه المسألة.
كما أن الأزمنة الاسكاتولوجية التي يفتتحها المسيح المنتظر بمجيئه ستكون زمن الأمم، طبقاً لانتظار اسرائيل ووعود الانبياء، فيكون اهتداء الوثنيين علامة حلول هذه الأزمنة الاسكاتولوجية المنتظرة، كما ورد في زك 14: 16: ففي الأزمنة الاسكاتولوجية سيملك يهوه على جميع الأرض وستأتي جميع الشعوب إلى أورشليم لتحتفل بعيد المظال. أما وعدَ الله ابراهيم منذ اللحظة الأولى بأن جميع عشائر الأرض ستتبارك به (تك 3:12) وبأنه سيجعل عهده معه، فيصير أباً لعدد كبير من الأمم (تك 17: 4)؟ كما أن أشعيا يصوّر لنا الأمم آتية إلى أورشليم لتتعلم شريعة الربّ، كدلالة على عودة السلام الشامل الذي ستتميّز به الأزمنة الاسكاتولوجية (أش 2: 2- 5)، حتى إنها ستشارك في عبادة الله الحقّ، ومنها أيضاً سيتّخذ الربّ كهنة ولاويين لخدمته (أش 66: 21 و60: 1-16 و25: 6 وزك 14: 16)، وسيقوم عبد يهوه تجاههم، كما تجاه اسرائيل، بدور الوسيط: "هوذا عبدي الذي أعضده، مختاري الذي رضيت عنه نفسي. قد جعلت روحي عليه، فهو يُبدي الحقّ للامم... أنا الربّ دعوتك في البرّ وأخذت بيدك وجبلتك وجعلتك عهداً للشعوب ونوراً للأمم" (اش 42: 1- 6؛ راجع متّى 18:12-21).
وهكذا يتكوّن في الازمنة الأخيرة شعب الله الواحد والموحَّد الذي سيستعيد الشمولية الأولى ويبنيها مجدداً. وإذا كانت الشريعة تُظهر اسرائيل بمظهر المتعنت، وهذا ما سيُبطله العهد الجديد، فإننا نلاحظ كم أن النبوءة تقترب من وجهة نظر سّر الوجود الأصلي الواسعة والشاملة والنابعة من قلب الله.
هـ- حدث العنصرة
وها نحن أمام حدث العنصرة كما يرويه لوقا في اعمال الرسل 2.
ولسنا فقط أمام الخمسين الذي بلغ تمامه، بل نحن أمام حلول شامل للروح الذي طالما انتظره الناس والذي يشهد على اكتمال الأزمنة المسيحانية وحلولها. فكان لا بدّ لعظة العنصرة من أن توضح مدلول هذا الحدث الممّيز وتفسرّ أبعاد حلول الروح الذي يشهد الحاضرون تأثيره على تلاميذ يسوع المجتمعين في العليّة.
والنصّ المفتاح مستوحى دون شكّ من سفر يوئيل النبي 3: 1- 5 الذي يستشهد به بطرس. حرفياً في مطلع عظته: إن حلول الروح يتمّم ما ذكره يوئيل عن الأزمنة الأخيرة. فقد أتى وقت تحقيق المواعيد، أو بالأحرى، وعد الروح الذي ستأتي على ذكره بقيّة العظة (2: 33 و39) مستشهدة بالنبوءة نفسها.
غير أن معنى الحدث ليس اسكاتولوجياً وحسب، بل هو كريستولوجي في الأساس. وهذا ما يميّزه. فالحاضرون شهدوا لحدث حلولا الروح القدس الموعود به (2: 17). وهذ الفيض الذي تمَّ لمصلحة تلاميذ يسوع، لا يمكن أن يُنسب إلاّ إلى يسوع. ولكن حين يمنح يسوع الروح، كان لا بدّ من أن يناله من الآب. وفي منطق بطرس، كان ذلك يفترض أن يسوع صعد إلى السماء حيث "جعله الله رباً ومسيحاً" (2: 36)، متمماً بذلك ما ورد في المزمور 118: 16: "يمين الربّ رفعتني"، وما تنبأ به المزمور 110: 1: "قال الربّ لسيدي: إجلس عن يميني حتى أجعل أعداءك موطناً لقدميك" (رسل 2: 34- 35).
فالتفسير الراباني للمزمور 68: 19 يتيح لنا أن نقيم مقارنة بين صعود موسى وصعود يسوع إلى السماء، بين عطية الشريعة وعطية الروح. وليست المسألة منهجية لاهوتية ترتبط بالوقت الذي نال فيه يسوع الروح له وللآخرين. فالتفكير يتجه نحو مجال كثر واقعية، إذ نحن أمام أحداث لا بدّ من استخلاص معانيها العميقة: إنها في أصل المسيحية وأصالتها التي تبرز في المفارقة التي نقارن بها بين عطية الشريعة وعطية الروح، بين الدور الذي قام به موسى والدور المنسوب إلى المسيح الذي صعد إلى السماء وجلس عن يمين الله: "فلما رفعه الله بيمينه، نال الربّ من الآب الروح القدس الموعود به فأفاضه، وهذا ما ترون وتسمعون" (2: 33).
نحن إذا أمام إعادة فتح التوراة على النبوءة، وإكتمال الوحي في يسوع المسيح الذي يطالب أتباعه بنوعية جديدة في الإيمان تختلف عن نوعية إيمان الدين اليهودي التقليدي. فالدين اليهودي عرف الإيمان والروح القدس وأعمال البرّ. غير أن الإيمان عنده كان ميّالاً إلى الإستقرار والإكتفاء الذاتي، بل إلى التجمّد في توراة مكتملة وثابتة تتحقق في تتميم أعمال برّ خاصة بها، يُقرّها حكماء اسرائيل الذين يعتبرون أنفسهم أبناء الانبياء والسلطة الوحيدة ذات الكفاءة في هذا المضمار. والتوراة، كما تُعاش حالياً في الدين اليهودي منذ مجمع يمنية، لم تعد بحاجة إلى أن تنفتح مجدداً على أي وحي إلهي، بل أغلقت على نفسها واكتفت بنفسها، فحكمت بذلك على نفسها بالجمود.
ولمّا أعاد المسيح يسوع فتح التوراة على النبوءة، ظهر بمظهر النبي العظيم المنتظر (تث 18: 18). فالتوراة لم تُعطَ بكليتها في سيناء، وليست أزليّة بالتالي، كما يعتقد اليهود. أما الذي أعاد فتحها، أي يسوع المسيح، فهو الأزلي الأبدي. وبصفته مسيح الأزمنة الاسكاتولوجية، صار أيضاً موضوع وحي نهائي ومكمِّل لما سبق، كما جاء في متّى 5: 17: "ما جئت لأبطل، بل لأكمّل". إنه النبي العظيم الذي يعيد فتح التوراة ويكمِّلها بطريقة نهائية، مطالباً بنوعية جديدة في الإيمان وداعياً إلى أعمال برّ جديدة، أي إلى "هـ ل ك ة" جديدة، تعبرّ عنها عظة الجبل خير تعبير (متّى 5- 7)، وأساسها تلك النوعية الجديدة في الإيمان التي هي العبادة الواجب تأديتها لله الآب بالروح والحقّ.
أضف إلى ذلك أن المسيح، بموته وقيامته، أبرم بدمه العهد الجديد من أجل الكثيرين، وبه تنتقل البركة من اسرائيل إلى الشعوب كافة. ووفقاً لتوقعات اسرائيل، صارت الأزمنة الاسكاتولوجية التي يفتتحها السيد المسيح "زمن الشعوب" المميّز. وصار اهتداء الوثنيين، بالنسبة إلى اسرائيل، كما رأينا، علامة مجيء الأزمنة الاسكاتولوجية كما جاء في زك 14. وبيعة الشعوب، كما يحلو لتقليدنا السرياني أن يدعوها، المنبثقة من الوثنية، تؤكد أن يسوع هو المسيح الاسكاتولوجي الذي طالما انتظره اسرائيل وتشهد على تحقيق الوعد لابراهيم فيه. إن يسوع هو المسيح المتظر الذي أعاد فتح النبوءة في اسرائيل وذلك ببعدها الشمولي. إلاّ أن اسرائيل لم يؤمن، بل ظلَّ في "هلكة" هـ الخاصة التي يحدّدها البشر، ورفض الفتح النبويّ للتوراة الذي أتى به يسوع الذي يتمّ فيه، وفيه وحده، الإكتمال النبوي النهائي والاسكاتولوجي الذي سبق وأعلن عنه الأنبياء.
إن يسوع هو إذا مقرّ الروح الوحيد وموطنه الذي منه يفيض في القلوب وعلى كل بشر. هو التوراة، الكلمة الكائن من البدء والذي ينير الشعوب بنور عيد المظال النهائي (زك 14) ومنارة صليبه الفصحي.
إنه الكفّارة بدمه الذي يحلّ نهائياً محلّ الذبائح في الهيكل. إنه الكاهن وخادم الهيكل النهائي الأبدي الذي يلغي ممارسات التوراة الموسوية البالية. إنه وحده حقيقة التوراة الذي يُثبِّت العهدين بإفاضته روحه على كل بشر من أعلى صليب مجده.

1- البُعد الاسكاتولوجي والديناميكي للعنصرة
نحن إذاً أمام رواية للعنصرة في سفر الأعمال، لها معنى كريستولوجي ومسيحاني في وقت واحد، أو بمعنى آخر، لها بعد اسكاتولوجي مرتبط بالبعد الكريستولوجي.
إن الروح القدس هو عطية الموعد، العطية الاسكاتولولجية المثلى والممّيزة. وهذا هو المعنى الذي نجده في نبوءة يوئيل التي تستشهد بها رواية العنصرة. وإفاضة الروح هي علامة مجيء الأزمنة الأخيرة. غير أن هذه الأزمنة الأخيرة تنقسم إلى مرحلتين:
مرحلة أرضية هي حياة يسوع وزمن الكنيسة؛
ومرحلة سماوية دشّنها السيد المسيح عند ارتفاعه إلى السماء من حيث يفيض روحه على كل بشر، وهي في حالة تأجيل بالنسبة إلى الكنيسة حتى المجيء الثاني. وما الأزمنة الأخيرة، إذاً، في مرحلتها الأرضية، إلاّ زمن الكنيسة الذي افتُتح يوم العنصرة والذي يؤلف مرحلة الخلاص بدخول الوثنيين إلى شعب الله الجديد الذي يجمعه المسيح قبل حلول يوم الربّ العظيم، في الآخرة.
ولعطية الروح أيضاً بُعد ديناميكي وزمني، على عكس نظرة العهد القديم حيث كان من المنتظر والمفترض أن يصعد الوثنيون أنفسهم إلى أورشليم ليلتحقوا بالشعب اليهودي. ففي الوضع التاريخي الذي تدشّنه العنصرة، يدفع الروح الكنيسة إلى الشهادة وإلى تبشير جميع الشعوب بالإنجيل، إنطلاقاً من أورشليم وحتى أقاصي الأرض (1: 8). فنحن أمام ممارسة جديدة بدافع من الروح. وتتجلّى قوة الروح بوجه أساسي في إيمان وحكمة وجرأة غير إعتيادية تبلغ حدّ الشهادة أمام المحاكم والسلطات الأرضية.
وهكذا يتجلّى المظهر الاسكاتولوجي في ارتفاع يسوع المسيح إلى السماء. أما في ما يختصّ بجميع المؤمنين فإنه يتجلّى في عطية الروح الشاملة المرتبطة بارتفاع المسيح وتمجيده وفي العماد بالروح القدس الذي هو استباق لاكتمال الخلاص. أما المظهر الديناميكي للعنصرة فيتجلّى في إنتشار الإنجيل انتشاراً واسعاً يشهد على القوة الديناميكيّة للروح الذي وعد به يسوع والذي يقود شعب الله الجديد في مسيرته عبر التاريخ والذي يستمر بطريقهّ رسمية بلا انقطاع منذ عهد الرسل في أورشليم حتى أيامنا هذه وإلى منتهى الدهر من خلال المرسلين إلى الجماعات الوثنية، أي "إلى أقاصي الأرض، وإلى منتهى الدهر".
ومع ذلك، لا بدّ من الإشارة إلى أن مظهر الروح كمبدأ قداسة، وهو مظهر ورد ذكره في العهد القديم وتعمّقت به جماعة قمران، وميّز كتابات بولس ويوحنا، غائب تقريباً في سفر الأعمال. لا لأن لوقا يجهل ذلك أو يتناساه، بل لأنه يريد، على ما يبدو، أن يبرز دور يسوع الذي يحقّق الخلاص الممنوح باسمه ودور الروح القدس الذي يتمّم تدبير الله الخلاصي في مختلف مراحله التاريخية. وهكذا يقوم الروح، في مظهره الديناميكي التاريخي، بإعداد وتسيير وقيادة التدبير الخلاصي الذي يحققه يسوع والذي نقبله بالإيمان به وبالدعاء باسمه وبالعماد: "توبوا، وليعتمد كل منكم باسم يسوع المسيح، لغفران خطاياكم، فتنالوا عطية الروح القدس" (2: 38). وهذا ما يتيح للوقا أن يميّز تمييزاً أفضل بين عمل الروح وعمل المسيح القائم من الموت، تمييزه للنتيجة عن السبب.
فالأهمية التي يوليها لوقا للروح القدس كمبدأ متميّز في ذاته تجعلنا نشعر بأننا أمام ثلاثة مبادىء تشترك في تحقيق الخلاص:
- الله الآب يمنح الخلاص بإرساله ابنه يسوع إلى العالم وبإطلاقه الدعوة إلى الإيمان.
- يسوع يمنح هذا الخلاص بقوة اسمه ولاسيّما في العماد.
- والروح يجعل هذا التدبير الخلاصي حاضراً وفاعلاً لجميع البشر، عبر التاريخ، متمماً إيّاه في ملئه الاسكاتولوجي.

2- العنصرات الثلاث
في الواقع، إذا أخذنا في الإعتبار الأهمية التي يوليها لوقا لمختلف الأحداث التي يرويها في الإنجيل وأعمال الرسل، علينا أن نمحور مفهوم الروح اللوقاوي حول ثلاثة أحداث تبني مؤلَّفه: عنصرة يسوع في الأردن، عنصرة الكنيسة في أورشليم، وعنصرة الوثنيين الممثلين بقرنيليوس.
وهذه الأحداث الثلاثة الكبرى في مؤلف لوقا تروي ثلاث مراحل مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بانتشار الإنجيل حتى وصوله إلى الوثنيين. وهي تشير ضمناً إلى تدخل الروح الذي يكسر فتور همّة شعب الله وجموده في العهد القديم ليفتتح مراحل جديدة وحاسمة في تاريخ الخلاص. فتكريس يسوع النبوي في الأردن يُبرز موسى الجديد الذي سيعيد تنظيم شعب الله. وعنصرة أورشليم تميّز ولادة الكنيسة، شعب الله الجديد ووارث الموعد. وعنصرة قرنيليوس- وهي ذات أهمية خاصة في نظر لوقا المسيحي من أصل وثني- تميّز حركة الكنيسة التي تتجه نحو الوثنيين بعد اعتراف الكنيسة الأولى في مجمع أورشليم بأن الشريعة لم تعد ضرورية للخلاص، بل أُبطلت بموت المسيح وقيامته.
ففي الحقيقة، يولي لوقا أهمية كبرى لعنصرة قرنيليوس في تدبير مؤلَّفه، لا من حيث توسعه في سرد الحدث وحسب، بل من حيث موقعه في مؤلَّفه. فمن ناحية امتداد الرواية، تتجاوز حادثة قرنيليوس من حيث الأمية جميع الأحداث الأخرىِ المذكورة في سفر الأعمال (الفصل 10: 48 آية، الفصل 11: 18 آية، تذكير بالحادثة في 15: 7-9 و14 مع استشهادا.ت كتابية في 15: 15-18)، فيجعل لوقا من قرنيليوس الوثني الأول الذي يُقبل في الجماعة المسيحية. وكما أن وصول بولس إلى رومة وتبشيره الوثنيين في مدينة الأمبراطور يولّفان ذروة عمله الرسولي، كذلك يمكننا القول، من وجهة نظر لوقا، إن اعتماد قرنيليوس يؤلف، هو أيضاً، ذروة عمل بطرس الرسولي، إلى جانب تدخّله الحاسم في عظته يوم العنصرة، التي لن يبقى له بعدها إلاّ أن يحتجب ويترك الساحة لبولس. فهل تُؤمِّن حادثة قرنيليوس وحدة سفر الأعمال فتربط بين القسم الأول من الكتاب، حيث يقوم بطرس بالدور الأول، والقسم الثاني منه، حيث لا يدور الحديث إلاً عن بولس في توجّهه إلى الوثنيين؟
وبتلك العنصرات الثلاث ينسب لوقا إلى الروح القدس تدخلات الله الخارقة في أوقات حاسمة من تاريخ شعبه، في سبيل تحقيق تدبيره الخلاصي.

3- الروح في أحداث التدبير الخلاصي
كلما تعمّقنا في تفكير لوقا، لاحظنا أنه يبني لاهوته على التطور التاريخي لتدبير الله الخلاصي، إذ إن مقولات لوقا هي تاريخية وديناميكيّة. فهو ينظر إلى المشاركة في الخلاص على أنها إنضمام إلى شعب الخلاص. ويُبرز لوقا التواصل الموجود في العمل الخلاصي فينسب إلى الروح، كما رأينا، تطوّره عبر مختلف مراحله التاريخية، وبعض التجلّيات الحسّية التي تضمن أصالته.
فالروح القدس كان قد ألهم الانبياء في العهد القديم، كما ألهم أولئك الذين تذكرهم رواية طفولة يسوع (لو 1- 2)، ويوحنا المعمدان، لكي يعلنوا المسيح وتحقيق المواعيد.
في الأردن، حلَّ الروح على يسوع من أجل رسالته النبوية، وعند إرتفاعه إلى السماء ناله كعطية الموعد الاسكاتولوجية.
والروح نفسه أفاضه يسوع على الجماعة التي جمعها في أورشليم. فعطية الروح الاسكاتولوجية تطال جميع المؤمنين، في حين أن العطية الديناميكيّة تعني أولاً الرسل المكلّفين بالشهادة والتبشير بالإنجيل.
ولما اختبر الرسل نقص عددهم أمام تطور الجماعات السريع اختاروا لهم سبعة مندوبين "ممتلئين من الروح والحكمة" (6: 3)، تشتّتوا بسبب الاضطهاد في السامرة وفينيقية وقبرص وانطاكية. وتوطّدت الوحدة بين هذه الجماعات الجديدة والجماعة الأولى أورشليم بفضل إرسال بطرس ويوحنا إلى السامرة وتجلّي الروح عند وضع الأيدي (8: 14- 17). وكان لإرسال برنابا إلى انطاكية، وهو رجل "ممتلىء من الروح القدس" (11: 24) وتدخل حننيا عند اعتماد بولس (9: 10-19) الهدف نفسه.
وقد تلقت مرحلة تبشير الوطنيين وقبولهم كما هم، دون المرور بالختان، دفعاً قوياً وتثبيتاً مبيناً من الروح القدس، وهي مرحلة في غاية الأهمية ينسبها لوقا إلى بطرس الذي نال، بعد جدال، تأبيد جماعة أورشليم (11: 1-18)، ولاحقاً تثبيت مجمع أورشليم حيث اتخذ القرار بقبولهم باسم الروح القدس والكنيسة (15).
ولكن من خلال تاريخ الخلاص هذا، تعمّق لوقا بوجه خاصّ في ثلاثة اختبارات، كما لاحظنا، هي نوعاً ما أعمدة أساسية في بناء مؤلَّفه اللاهوتي: اختبار الاردن يوم عماد يسوع، اختبار العنصرة كنتيجة حتمية لفصح المسيح، واختبار قرنيلويس. فعطيّة الروح القدس للوثنيين، المساوية لعطية العنصرة، هي الحجّة الاكيدة والدامغة التي تبرهن أن الوثنيين انضموا هم أيضاً إلى شعب الخلاص المسيحاني الموعود في الأزمنة الاسكاتولوجية، وأن هذا الإنضمام تضمنه شهادة الروح القدس نفسه بحلوله على الوثنيين كما على الرسل. وهذا الإنضمام الذي يريده الله يحقق النبوءات التي تعلن أن المسيح المنتظر سيحمل الخلاص للامم الوثنية. فهو إذاً جزء لا يتجزأ من البرنامج الذي أوكلته الكتب المقدسة إلى المسيح، ومن دونه لا يمكن أن يكتمل العمل الخلاصي الذي تحدثت عنه النبوءات المسيحانية. وبالكلمات التي يتوجه بها بولس إلى الشعب اليهودي ينهي لوقا سفر أعمال الرسل بما يشبه خاتمة للسفر كله: "فاعلموا إذاً أن خلاص الله هذا أُرسل إلى الوثنيين وهم سيستمعون إليه" (28: 28).

و- خاتمة
نستطيع أن نوجز دراستنا مشدّدين على نقطتين أساسيتين:
1- حلّ الروح القدس على التلاميذ في العيد الذي كان اليهود يحتفلون فيه بذكرى إعلان الشريعة وإبرام العهد، في برية سيناء، بين الله وشعبه الملتئم في "جماعة" (إكلاسيا راجع 7: 38). فالعنصرة المسيحية تظهر إذاً على أنها عيد العهد الجديد في المسيح يسوع الذي يجعل من شعب الله الجديد جماعة الأزمنة الاسكاتولوجية. وإن هذا العهد الجديد لم يعد قائماً على مقتضيات شريعة (هـ ل ك ة) مفروضة على البشر من الخارج، بل على الروح الذي يحوّل القلوب ويوحي إليها بموقف بنوي حيال الله. هذا هو البُعد الاسكاتولوجي للعنصرة.
2- لم يكن على يسوع المسيح، موعود الانبياء، أن يتحمّل الآلام والموت ويقوم فحسب، بل أن يُعمل باسمه وبواسطة سّره الفصحي، وبقوة الروح القدس، على إعلان بشارة الخلاص الجديدة إلى "كل أمهْ تحت السماء" (2: 5). وهذا هو البعد الديناميكي والتاريخي للعنصرة. لقد سبق لبعض التقاليد اليهودية، كما رأينا، أن أضفت على أحداث سيناء بُعداً شمولياً. فالله أساساً توجّه بشريعته إلى الشعوب كافة، غير أن اسرائيل وحده هو الذي قبلها. فكان على كل من يريد الإنخراط في شعب الله أن ينضمّ إلى اسرائيل. أما تدبير الروح، في العهد الجديد، فهو في الحقيقة والواقع تدبير شمولية يمتد "إلى أقاصي الأرض". فعلى هذا الوجه الشمولي الخاص بكنيسة القائم من الموت المولودة من الروح، تنطبق دعوة الكنيسة إلى الرسالة ومنه تتبع إلزاميتها. إن سفر أعمال الرسل لا يفهمنا فقط أن الكتب قد تمّت، بل أنها تبرهن على صحة الرسالة المسيحيّة لدى الوثنيين بوصفها امتدادا ضرورياً لعمل المسيح الخلاصي. وهي بذلك تضع الكنيسة في حالة ارسال دائم حتى انتهاء الأزمنة، علماً أن ألسنة الشعوب وثقافاتها هي هبة من الروح إلى الرسل منذ فجر العنصرة، ومنهم إلى الكنيسة جمعاء، بما في ذلك كنيسة لبنان، على أمل أن تعود كنيسة لبنان، من خلال عنصرة دائمة إلى أصالتها الروحيّة والرسولية، أيّ إلى روحانية العليّة الرسولية، كمكان لعيش ملء الحدث الفصحي والإحتفال به، وكمكان للإنطلاقة الرسولية، فتنطلق هي أيضاً، بقوة الروح ذاته، لتشهد لهذا الملء بيسوع المسيح، حتى أقاصي الأرض، "فيكون أن كل من يدعو باسم الرب يسوع يخلص" (2: 21).
نستخلص إذاً أن المسيح والروح القدس هما معاً وبتناغم تام، أساس كل حياة بنويّة وكل انطلاقة رسولية نحو العالم لمجد الله الآب. وما هذا السّر الكبير، الذي يشترك فيه كل معمَّد، سوى عمل الخلاص الذي أراده الآب بمحبته للبشر، والذي يتحققٍ في الكنيسة بواسطة الابن، بالروح القدس، والذي يجعل الكنيسة زرعاً من الملكوت في قلب العالم.
أولا: العليّة، أم جميع الكنائس
ولذا، من المستحسن في غوصنا في الينابيع أن نعود دوماً إلى العليّة، "الكنيسة الأولى وأم جميع الكنائس"، كما يحلو لليتورجياتنا السريانية أن تُنشد، لاكتشاف من جديد هذا النفس الأول وهذه العلاقة العميقة والحيويّة بين الحدث الفصحي والعنصرة، ولنسأل ما هي السُبُل، اليوم، للعيش مجدداً سّر الكنيسة هذا كعليّة، وقد توزّعت "عليّات" في العالم منذ العنصرة الأولى، لنقول من جديد ونعيش من جديد الحدث الفصحي، الذي يبقى هو الأساس، من حيث هو شراكة في سرّ المسيح المنتصر على الموت وإنطلاقة رسولية، من حيث هو عبادة وخدمة، وذلك بانتظار العشاء الأخير الذي سيحتفل به القائم من الموت، بقوة الروح، مع تلاميذه في ملكوت الآب.
إن هذا الحدث الفصحي، الذي جرى مرّةً في الزمن، لن يصير حدثنا وحدث خلاص للعالم إلاّ بقوة الروح القدس الذي أفاضه القائم من بين الاموات. وهذا هو معنى العنصرة، كما تجلّى لنا.
ثانياً: الرسالة كاستدعاء للروح
فالكنيسة، في استدعائها للروح القدس على الأسرار المقدسة، كما في كل رتبة من رتبها، تستدعيه على واقع الحياة البشرية كله، المدعو لأن يتحوّل بالروح وفيه:
1- تستدعيه أولاً على المؤمنين أنفسهم، الذين ينبغي لها أن تلدهم في الألم، حتى يتصوّر فيهم المسيح، على حدّ قول بولس الرسول: "يا بَنيَّ، أنتم الذين أتمخّض. بهم مرّة أخرى حتى يتصور فيهم المسيح" (غلا 4: 19)، لأن الروح وحده قادر على أن يلد المسيح فينا، كما كان بالنسبة إلى عذراء الناصرة.
2- بالنسبة إلى "الوثنيين ": ألا يعتبر القديم بولس رسالته لديهم كاستدعاء كبير للروح القدس، لا يهدأ ما لم يصبح الوثنيون مقدَّسين بالروح، فيتحوّلون إلى قربان مقبول عند الله؟ "غير أني كتبت إليكم، في بعض ما كتبت، بشيء من الجرأة لأُنبّه ذكرياتكم، بحكم النعمة التي وهبها الله لي، فأقوم بخدمة المسيح يسوع لدى الوثنيين وأخدم بشارة الله خدمة كهنوتية، فيصير الوثنيون قرباناً مقبولاً عند الله قدَّسه الروح القدس" (رو 15: 15-16).
3- بالنسبة إلى الخليقة كلها وبُنية هذا العالمي. أجل إن صورة هذا العالم تعبر (1 قور 7: 1 3). لكن أوَ ليست مدعوّة إلى العبور بالمعنى اللاهوتي العميق والدقيق؟ أي من هذا العالم العابر والزائل إلى التجلّي في خلق جديد- غير أننا ننتظر، كما وعد الله، يقول بطرس هامة الرسل، سموات جديدة وأرضاً جديدة يقيم فيها البرّ (2 بط 3: 13)- بحيث تصبح بُنية التاريخ ذاتها فصحية فتتقدّس كل الأمور الزمنية من عائلية واجتماعية واقتصادية وسياسية: 
"إننا نعلم، يقول بولس الرسول، أن الخليقة جمعاء تئنُّ إلى اليوم من آلام المخاض، وليست وحدها، بل نحن الذي لنا باكورة الروح نئنُّ في الباطن منتظرين التبنّي، أي افتداء أجسادنا، لأننا في الرجاء نلنا الخلاص" (رو 8: 22-24).
فالكنيسة أصبحت، منذ العنصرة الأولى، في حال من الاستدعاء الدائم للروح القدس على مؤمنيها، والوثنيين والخليقة جمعاء، لأنها أصبحت، بفضل سيّدها وربهّا المنتصر على الموت، موطن الروح بالذات.
نعم، يا رب، أرسل روحك فيتجدد وجه الأرض.
"المجد للآب الذي اختار الرسل لوحيده
والسجود للابن الذي علّمهم بشارة الحياة
والشكر للروح الذي حلَّ عليهم وقوّاهم
ثالوث مجيد قدوس، له الحمد والتسبيح إلى الأبد".
الفصل الثالث والعشرون
مجمع أورشليم
15: 1- 35
الخوري نعمة الله خوري

أولاً: الظروف التي عقد فيها المجمع
أصبحت أنطاكية مدينة مهمة في زمن البشارة المسيحية الأولى، لأنها كانت نقطة إنطلاق الرسالة إلى العالم الوثني. انضمّ عدد كبير من الوثنيين، في أنطاكية والمدن المجاورة لها، إلى الكنيسة؛ أثار هذا الإنتشار الواسع للرسالة بين الأمم تحفّظات لدى بعض أعضاء كنيسة أورشليم. قبل ذلك الوقت بقليل، أذعن المسؤولون في كنيسة أورشليم لتصّرف بطرس في بيت قرنيليوس في قيصرية (أع 10) حيث عمّد عدداً كبيراً من الوثنيين، فاعتبروا أنّ مهمّة بطرسِ رافقتها علامات من الله توافق على تصّرفه. غير أن المشكلة الآن لها بعد آخر: أصبح عدد المسيحيين المرتدّين من الوثنية في أنطاكية وجوارها يفوق إلى حدّ بعيد عدد المسيحيين المتهوّدين في أورشليم؟ إضافة إلى ذلك، هؤلاء المسيحيون المرتدّون من الوثنية انضمّوا الى الكنيسة دون المرور بشريعة الختان. لم يعترض المسؤولون في كنيسة أورشليم على ارتداد الوثنيين إلى الكنيسة ولكنهم فرضوا شريعة الختان على هؤلاء المرتدّين كشرط أساسي لنيل الحلاص: "إن لم تختتنوا على شريعة موسى، لا تستطيعون أن تنالوا الخلاص" (15: 1). بهذه الطريقة تصبح منافسة الكنائس خارج أورشليم أقلّ وطأة للكنيسة الأمّ التي بقيت يهو- مسيحية، مرتبطة إلى حدّ ما بالمجمع اليهودي، بالصلوات والعادات اليهودية. أرسلت كنيسة أورشليم إلى أنطاكية بعض المرسلين ليفرضوا شريعة الختان، فأحدث وصولهم إلى أنطاكية بلبلة؛ وظهر خطر كبير لحدوث انشقاق تام بين كنيسة أورشليم. واليهودية من ناحية، وبين كنيسة أنطاكية والكنائس المحيطة بها من ناحية. أخرى. فكان من الضروري مناقشة المشكلة على أعلى المستويات؛ لذلك أرسلت كنيسة أنطاكية بولس وبرنابا وعدداً من المؤمنين لمناقشة الموضوع مع المسؤولين في كنيسة أورشليم وذلك في حدود العام 49.

ثانياً: الصعوبات التي يطرحها نمن المجمع على النقد الأدبي
لاحظ الشرّاح لدى قراءة نصّ مجمع أورشليم كما عرضه القديس لوقا، ان هذا النصّ يحتوي على مجموعتين أدبيّتين، تعالجان مواضيع متشابهة؛ فدمج لوقا هذه المواضيع نظراً لترابطها الوثيق فيما بينها. ولعلّ أبرز البراهين التي تؤكد وجود هاتين المجموعتين هي التالية:
1- إن سبب انعقاد مجمع أورشليم هو فرض شريعة الختان على الوثنيين كما ذكرنا أعلاه. غير أن قرارات المجمع التي أعلنها يعقوب لا تذكر شيئاً عن الختان بل تطلب من الوثنيين اجتناب نجاسة الأصنام والزنى والميتة والدم (15: 20).
2- في بداية انعقاد المجمع نلاحظ اجتماع الرسل والشيوخ (15: 6). ولكننا نلاحظ في (آ 12) ان الجماعة والرسل سكتوا بعد استماع خطاب بطرس. أضف إلى ذلك ان (آ 22) تعود فتذكر اجتماع الكنيسة كلها إلى جانب الرسل والشيوخ.
اننا نتساءل: هل انعقد المجمع بحضور رؤساء الكنيسة أم بحضور رؤساء الكنيسة والجماعة؟
3- من السهل ملاحظة وجود مقدّمتين متشابهتين للمجمع:
أ- نزل اناس من اليهودية... يقولون إذا لم تختتنوا على سنّة موسى لا تستطيعون أن تنالوا الخلاص (15: 1).
ب- قام أناس من الذين كانوا على مذهب الفريسيين ثم آمنوا وقالوا: يجب ختن الوثنيين وتوصيتهم بالحفاظ على شريعة موسى (15: 5).
إنّ المجتمعين أرسلوا قرارات المجمع بطريقتين:
أ- أرسل المجتمعون رسالة إلى أهل أنطاكية تتضمّن مقرّرات المجمع، فقرأها أهل أنطاكية وفرحوا بمضمونها (15: 30 ب- 31).
ب- يقول المجتمعون انهم أرسلوا يهوذا وسيلا ليبلّغا أهل أنطاكية الأمور مشافهة (15: 27 و32). لماذا قرّر المجتمعون إعطاء نفس التعليم بواسطة رسالة وبواسطة الصوت الحيّ؟
5- ولعلّ الأمور تزداد تعقيداً عند محاولتنا التوفيق بين معطيات كتاب الأعمال عن المجمع وبين ما رواه القدّيس بولس شخصياً عن المجمع في رسالته إلى أهل غلاطية (غل 2: 1- 10).
أ- معطيات القدّيس بولس
- عُقد المجمع خلال مجيء بولس الثاني إلى أورشليم التي زارها بولس برفقة برنابا وتيطس (غل 2: 1).
- صعد بولس إلى أورشليم بوحي (غل 2: 2).
- عرض بولس المشكلة أمام مجمع خاص (غل 2: 2).
- قرارات المجمع تناولت اقتسام حقول الرسالة (غل 2: 7) والإهتمام بالفقراء (غل 2: 10) ولم يفرض على بولس شيء آخر (غل 2: 6).
- ما يلفت انتباهنا أنّ بولس لا يذكر شيئاً من قرارات المجمع في رسالته الأولى إلى أهل قورنتس (1 قو: 8- 10) وفي رسالته إلى أهل روما (روم 14) حيث يعالج بولس مواضيع مشابهة لقرارات المجمع.
ب- معطيات القديس لوقا
- عقد المجمع خلال صعود بولس الثالث إلى أورشليم بصحبة برنابا فقط (25:12).
- صعد بولس إلى أورشليم بتفويض من كنيسة أنطاكية (15: 2).
- عرضت المشكلة على الكنيسة وعلى الشعب (15: 6 و 12).
- قرارات المجمع تتعلّق باجتناب نجاسة الأصنام والزنى والميتة والدم (20:15).
إن وجود هاتين المجموعتين كما عرضنا أعلاه، دفع بعض الشرّاح إلى الإعتقاد أنه عُقد مجمعان في أورشليم: الأول وهو مجمع خاص حضره الرسل والشيوخ وكان بولس حاضراً، وقد عالج هذا المجمع موضوع الختان؛ المجمع الثاني هو مجمع عام شاركت فيه الجماعة وكان موضوع الإجتماع كيفية تسهيل مشاركة المائدة بين المسيحيين المتهوّدين. وبين المسيحيين المرتدّين من الوثنية وقد غاب بولس عن هذا المجمع. إذا كان اعتقاد هؤلاء الشّراح صحيحاً، فمعظم التناقضات تجد لها حلاًّ سهلاً. أما عن سبب جمع لوقا لحدثين لم يعقدا في فترة زمنية واحدة فيعود إلى أن لوقا يروي الأحداث بعد فترة طويلة على حدوثها، فدمج هذين الحدثين لارتباطهما الوثيق فيما بينهما. ان لوقا المؤرّخ لا يتمتّع بصفات المؤرخّ في القرن العشرين، بل كان هدفه التأكيد ان رسالة بولس بين الوثنيين حظيت بموافقة السلطات الكنسية في أورشليم، وقد خصّص بقية فصول كتابه لتأكيد هذا الهدف. لذلك جمع لوقا، بطريقته اللاهوتية، أحداثاً متعدّدة جرت في أورشليم ليصل إلى هدفه.

ثالثاً: أعمال المجمع
توالى على الكلام في المجمع بطرس فبرنابا وبولس ثم يعقوب.
1- خطبة بطرس
تكلّم بطرس لصالح حرية الرسالة وانتشار الإنجيل بين الوثنيين. ذكّر بطرس المجتمعين أن المبدأ الأساسي الذي يناقشونه قد تقرّر حيث قاده الله منذ سنين إلى بيت قرنيليوس، حيث سمع الوثنيون الإنجيل وحلّ الروح عليهم. ان الله الذي يفحص القلوب طهّر قلوبهم بحلول روحه عليهم (10: 44).
ويستنتج بطرس بالقول انه طالما ان الله لم يضع شروطاً ليقبل الوثنيين في الكنيسة فلماذا يجب أن نضع شروطاً على ارتداد الوثنيين، إذ نحمّلهم نيراً وجده اليهود وآباؤهم ثقيلاً؟ نلاحظ أن خطاب بطرس هو قريب جداً من تعليم القديس بولس الذي عالج هذه الأمور في رسائله.
إزاء هذه الأحمال الثقيلة التي يصعب حملها (مت 23: 4) حاول بطرس أن يطلب من المجتمعين أن يفرحوا ويتنعّموا بنير سيدهم الهيّن وحمله الخفيف (مت 11: 29- 30). انهم يعلمون ان خلاصهم ناجم عن نعمة المسيح فلماذا نحمّل الوثنيين حملاً مختلفاً؟ ان موقف بطرس كان واضحاً وقوته في الإقناع أثّرت في الجماعة التي حافظت على الصمت. يختفي بطرس من كتاب الأعمال بعد خطبته هذه وكان تشريع الرسالة بين الوثنيين هو فعلياً آخر عمل لبطرس، مثلما بدأ الرسالة عينها في بيت قرنيليوس.
2- تدخّل برنابا وبولس
لم يقدّم برنابا وبولس اللذان ورد اسمهما بهذا الترتيب في أعمال المجمع براهين لاهوتية بل اكتفيا بسرد أخبار انتشار الرسالة بين الوثنيين بمساعدة الله وان الآيات والعجائب التي رافقت البشارة المسيحية الأولى في أورشليم ساعدت على تبشير الوثنيين.
3- خطبة يعقوب
توجّهت الأنظار الآن إلى يعقوب أخي الربّ، ذاك الذي تمتّع بالإحترام والثقة. اختصر يعقوب في بداية حديثه خطاب بطرس (سمّاه باسمه الارامي سمعان)؛ وما يلفت انتباهنا انه لا يشير إلى التقرير الذي قدّمه برنابا وبولس؛ قد يكون يعقوب تعمّد عدم الإشارة إلى تقريرهما لأن رسالتهما بين الوثنيين هي التي أوقعت العثار لدى بعض أعضاء كنيسة أورشليم. نتوقّف عند موقفين أعلنهما يعقوب في خطبته:
أ- ان الله عُنيَ أن يتّخذ شعباً لاسمه بين الوثنيين (15: 14).
في العهد القديم اعتبر اليهود انهم شعب الله المختار وهم بذلك يتميّزون عن الوثنيين الذين لا يعرفون الله، الوثنيون (Ethnôn في اليونانية) (غوييم في العبرية) هي دائماً في تناقض مع عبارة الشعب (Laos في اليونانية) (عم في العبرية). غير أنّ يعقوب جمع هذين التعبيرين المتناقضين ليستطيع التوفيق بين هذين الشعبين اللذين يجب أن يندمجا في كنيسة المسيح الواحدة. ما يقوله يعقوب نجده في كتب العهد الجديد: "أما أنتم فإنكم ذرّية مختارة وجماعة الملك الكهنوتية، وأمّة مقدّسة وشعب اقتناه الله" (1 بط 9:2).
ب- من ناحية أخرى، ما يلفت انتباهنا هو أن يعقوب، المسؤول عن كنيسة أورشليم التي بقيت متعلّقة بعادات اليهود وتقاليدهم ومجمعهم، يستشهد بنبوءة عاموس (عا 9: 11 ي) بحسب الترجمة السبعينية ولم يستشهد بالنص العبري مع العلم ان السبعينية قرأت النصّ العبري بطريقة مختلفة.
يقول النصّ العبري: في ذلك اليوم اقيم كوخ داود الذي سقط وأسدّ ثلمه وأقيم أنقاضه وأعيد بناءه كما كان في الأيام القديم لكي يرثوا بقية ادوم وجميع الأمم التي أطلق إسمي عليها يقول الربّ الصانع هذا.
إن نصّ السبعينية اختلف بثلاثة تغييرات عن النصّ العبري.
النصّ العبري نصّ السبعينيّة
- في ذلك اليوم بعد ذلك سأعود
- الصانع هذا الذي صنع هذه الأمور
من الأزل
- ويرثوا أدوم المتجدّد الباقي من البشر يبحث عني.
إن المعنى الأول للنصّ العبري هو أنّ الله سيجدّد خيمة داود المتهدّمة فيحكم على كل الأراضي التي كانت تتضمنها مملكة داود، ليس فقط ما تركه الادوميون بل أيضاً كل الأمم الذين يدعون باسم الرب. إنّ إعادة الصياغة التي أجرتها السبعينيّة على النّص العبري تتضمّن نتيجة واحدة وهي التشديد على روح النصّ. إن رسالة إسرائيل لم تعد السيطرة العسكرية على مملكة داود بل أصبحت رسالته إيصال الأمم إلى معرفة الله الحقيقي. 
باختصار لو استشهد يعقوب بالنصّ العبري لما استطاع أن يصل إلى النتيجة التي وصل إليها باستشهاده بنصّ السبعينية. لقد أكّد كتاب الأعمال سابقاً (2: 25- 36؛ 13: 23 و32- 37)، أن المسيح بموته وقيامته أصبح ابن داود الذي تمّم الوعود الموعودة لداود. ما يضيفه يعقوب هنا عن المواعيد الممنوحة لداود هو انتشار مملكة داود وامتدادها من خلال رسالة الكنيسة بين الوثنيين.
ونلاحظ أن الإستشهاد بعاموس لا يعالج موضوع الختان ولكنه حين يعلن ان المؤمنين المرتدّين من اليهودية يجب أن لا يضيّقوا على المرتدّين من الوثنية فهو بذلك يكرّر بعبارات أخرى ما ذكره بطرس حول النير الثقيل الذي لا يجب أن يوضع على أعناق المرتدّين وهو من دون شكّ الختان.
ج- بقي على جدول أعمال المجمع موضوع أخير وهوٍ أنه في معظم المدن كان المسيحيون المرتدّون من الوثنية يعيشون جنباً إلى جنب مع المسيحيين المرتدّين من اليهودية الذين كانوا لا يزالون يراقبون شريعة العهد القديم (لا 17-18) المتعلّقة ببعض المأكولات الممنوعة وتحاشي الإيصال قدر الإمكان بالوثنيين.
لذلك عالج يعقوب بقراره هذا الموضوع ليسهّل التعايش بين هاتين المجموعتين؛ طلب يعقوب اجتناب نجاسة الأصنام والزنى والميتة والدم (20:15).
إن نجاسة الأصنام هي منع كل اللحوم المذبوحة في الإحتفالات الطقسية الوثنية؛ وقد تكون نجاسة الأصنام تعني فقط الإمتناع عن شراء اللحوم التي تباع في الأسواق؛ إن الزنى يمكن فهمه بالمعنى الواسع للكلمة أو بشكل محدّد في إطار الزواجات المحرّمة، إمّا بين الأقارب الادنين وإمّا بين المؤمنين. أمّا الميتة فهي إشارة إلى ما ورد في (تك 9: 4) "لحماً بدمه لا تأكلوا" وأخيراً الدم الذي لا يجب شربه.
هكذا يكون يعقوب قد عرض حلاً للمشكلة المطروحة دون أن يسيء إلى إحدى المجموعتين:
من ناحية لا يطلب من الوثنيين المرتدين المرور بالختان لينضمّوا إلى شعب الله: هذا ما يبعث الفرح في نفوس الوثنيين المرسلين من كنيسة أنطاكية.
من ناحية أخرى يطلب يعقوب من المسيحيين المرتدين من الوثنية التقيّد ببعض الممنوعات حتى يستطيعوا أن يتعايشوا بسلام مع الاخوة المرتدين من اليهودية: هذا يبعث الإرتياح لدى الاخوة المرتدين من اليهودية.

خاتمة
ذكر لوقا خطاب بطرس ويعقوب فقط أثناء المجمع. غير أن لوقا أراد أن يعرف القارىء أنّ بطرس ويعقوب ليسا مسؤولين منعزلين عن الكنيسة، لذلك ذكر إلى جانبهما اجتماع الكنيسة كلها: الرسل والشيوخ ومعهما الكنيسة كلها (15: 22) ليؤكّد على تضامن الكنيسة كلها وتعاونها لحلّ الصعوبات المطروحة عليها.
وهكذا قرّر المجمع عدم فرض الختان على الوثنيين وقد استطاع لوقا المؤرخ الوصول إلى هذا الهدف من خلال عرضه عدة براهين تثبت ذلك:
- عبرّ الله عن إرادته بارتداد الوثنيين في حادثة ارتداد قورنيليوس (7:15-9).
- لم يقو آباء اليهود ولا هم على حمل نير الشريعة (15: 10).
- أجرى الله على أيدي بولس وبرنابا المعجزات بين الوثنيين (12:15).
- نبوءة عاموس تعلن أن ظهور إسرائيل المسيحاني المتجدد في نهاية الأزمنة سوف يسهم في ارتداد الأمم.
إن الصراع الذي كاد يعيق انتشار الإنجيل بين الوثنيين، تمّت معالجته بواسطة حل معقول. لقد أنقذ المجمع وحدة الكنائس المتحدّرة من أصل يهودي وتلك المتحدّرة من أصل وثني. لم تتبع الكنيسة الأمّ في أورشليم تعليمات بعض أفرادها الذين أرادوا أن تبقى الكنيسة يهو- مسيحية. هكذا شّرعت الكنيسة رسالة بولس بين الوثنيين وسوف يخصّص لوقا لهذا الهدف بقيّة فصول كتابه.
الفصل الرابع والعشرون
اعلان الإنجيل والسعي نحو الوحدة
رواية اهتداء قرنيليوس
(10/ 1- 11/ 18)
المطران أنطوان أودو

المقدمة
في أواخر الألف الثاني لتجسد الرب يسوع المسيح واستعداداً لإنطلاقة جديدة في بداية الألف الثالث، تدعونا الكنيسة اليوم إلى إعلان جديد لإنجيل في عالم حقّق انجازات تكنولوجية متطوّرة ولكنه لا زال يبحث عن العدالة والسلام. ودراسة سفر الأعمال تجعلنا أولاً ننظر بثقة إلى هذا المستقبل الآتي، إذ نجد فيه مسيرة الكنيسة التي انطلقت من أورشليم بعد صعود المسيح إلى السماء إلى أن وصلت إلى أقاصي الأرض إلى عاصمة الأمبراطورية الرومانية. فالوحي الكتابي لا يهتم بالنهايات بقدر ما يهتم بالبدايات الجديدة، لأن الروح القدس هو الذي يعمل في قلب الكنيسة والعالم، وهو الذي يقودهما دوماً على طريق السلام والوحدة. ينير سفر الأعمال مسيرتنا في إعلان الإنجيل كما أنه يهتم بتدرّج هذا الإعلان مع كل ما رافقه من صراعات عرقية واجتماعية كانت تحول دون الوحدة. 
والدراسة التفسيرية المفصّلة لما سمّيناه "رواية اهتداء قرنيليوس" (10/ 1- 11/ 18) تحملنا على تجديد أساليب قراءتنا لهذا النوع الأدبي "الرواية"، وتمدّنا بجرأة وفطنة حياله مختلف الإنقسامات التي نعيشها في عالمنا. لذلك قسّمنا بحثنا إلى ثلاث مراحل. ففي المرحلة الأولى نتوقف عند البنية الأدبية وكل ما يرتبط بها، أما في الثانية فنتوّسع في دراسة تفسيرية لمختلف الأقسام مشدّدين على فكرة اعلان الإنجيل وتجاوز الصراعات الاجتماعية، وأخيراً ننتهي إلى استنتاجات لاهوتية- راعوية "أم حياتنا اليوم.

1- المرحلة الأولى: القرائن الأدبية
أ- القرائن الأدبية في 10/ 1- 11/ 18
أولاً- رواية قرنيليوس و"أعمال بطرس" (9/ 32- 11/ 18)
ان رواية قرنيليوس التي نحن في صدد دراستها هي جزء من مجموعة روائية أوسع سمّيت بـ "أعمال بطرس" (9/ 32- 11/ 18) لما فيها لبطرس من مكانة متميّزة. وفيها يروي لوقا ذهاب بطرس إلى اللّد ويافا وقيصرية وهي مدن تقع على شاطىء البحر الأبيض المتوسط. أما رواية قرنيليوس فلها مركز الصدارة في "أعمال بطرس" إذ تحتوي على 66 آية من أصل 68 (أعمال بطرس). ففي الآيات الى 12 التي تسبق رواية قرنيليوس يتحدّث لوقا عن شفاء مقعد اللدّ (9: 32-35) وعن قيامة طابيثة في يافا (9/ 36-42). وتتميّز هاتان القطعتان عن رواية قرنيليوس من حيث هما تسردان علينا عجيبتين، ولا نقع فيهما على موضوع خلاص الوثنيين. فالجماعات التي يزورها بطرس والأشخاص الذين ينالون الشفاء هم كلهم يهود متنصرون. 
ثانياً- أين تبدأ الرواية في 9/ 43 أم في 10/ 1؟
عندما ينتهي لوقا من رواية قيامة طابيثة (36/9- 42) وقبل أن يبدأ بالحديث عن قرنيليوس (15/ 1-3) يذكر أنّ بطرس مقيم لدى سمعان الدباغ وذلك في 9/ 43. وهذه الآية غير مرتبطة بالآية التي تسبقها في 9/ 42 ذكر أنّ خبر الأعجوبة قد انتشر وأنّ خلقاً كثيراً آمن بالرب، وهذا أيضاً ما نلاحظه في آخر رواية شفاء اللّد (9/ 35). بينما ذِكْرُ بيت سمعان الدباغ الذي يقيم عنده بطرس يَظهر في رواية قرنيليوس في 10/ 6 وفيه تدور بعض أحداث الرواية (10/ 9-23 آ). فهل تبدأ روايتنا في 9/ 43؟
* لدينا حجتان تدعمان هذا الإقتراح:
1- ان الآية 9/ 43 لا صلة لها بما يسبق. فان بطرس لا يمكث في بيت طابيثة التي أقامها ولكن عند رجل غير معروف حتى الآن ولا تربطه به علاقات صداقة.
2- ان العبارة اليونانية التي تبدأ بها الآية 9/ 43 Egeneto de هي ما نجده في بداية مقطع جديد لدى لوقا (4/ 5 و9/ 32 و14/ 1).
* على الرغم من هذه الروابط بين الآية 9/ 43 ورواية قرنيليوس فإن لدينا مؤشرات تشير إلى عدم ربط 9/ 43 مع رواية قرنيليوس، وبالتالي فبداية الرواية هي في 10/ 1 و9/ 43 ليست إلاّ آية انتقالية:
1- ان الفاعل في 9/ 43 مستتر ومن دون الرجوع إلى ما سبق لا نستطيع أن نعرف من هو الشخص المعني. ولذلك من الصعب أن تكون هذه الآية بداية رواية جديدة.
2- لا نجد لـ 9/ 43 ربطاً مع 10/ 1. لو أراد لوقا أن يجعل من 9/ 43 مقدمة لرواية قرنيليوس لكان بدأ كما فعل في 19/ 1 حيث لجأ إلى جملة زمنية رابطاً بين إقامة أبلّس في قورنتس ووصول بولس إلى أفسس. 
هذه المؤشرات تجعلنا نقول ان الآية 9/ 43 هي آية انتقالية بين الأعجوبتين التي سبقت ورواية قرنيليوس التي تتبع.
* لدينا أيضاً مؤشرات تجعل من رواية قرنيليوس تبدأ في 10/ 1
1- فالعبارة "رجل اسمه"... تبدأ في أعمال الرسل مقطعاً جديداً كما في 5/ 1 و 8/ 9 (راجع أيضاً 9/ 10 و36 و18/ 24).
2- وفي "أعمال بطرس". تبدأ الروايات مع ذكر اسم المكان الجديد والأشخاص الجدد 9/ 36 يافا وطابيثة. وكذلك في 10/ 1 لدينا قيصرية و قرنيليوس.

ثالثاً- الخاتمة في 11/ 18
لا نقع على صعوبات في تحديد خاتمة رواية قرنيليوس. ففي 11/ 18 يترك بطرس والمختونون ساحة الأحداث ويختفون، وفي 11/ 19 لدينا مشهد جديد لا علاقة له بما سبق، ولكنه يرتبط على الأكثر مع 8/ 4.
ب- بنية النصّ الأدبية
بعد أن حدّدنا القرائن الأدبية لنصّنا، لننتقل الآن إلى طرح السؤال حول بنيته الأدبيه.

أولاً: المؤشرات الأدبية للبنية الأدبية
للنوع الأدبي "الرواية" مؤشرات أدبية خاصة به تجعلنا نكتشف بنيته الأدبية وهذه المؤشرات هي المكان والزمان والأشخاص وعملهم. فأي تغيير في أحد هذه العناصر يشير إلى مقطع جديد في الرواية. لا بد أيضاً من أن نزيد على هذه العناصر الأنواع الأدبية التي يختارها المؤلف كوسيلة للتعبير، في كل مرحلة من مراحل الرواية.
إليك بعض العناصر الأساسية في رواية قرنيليوس
1- البنية الزمانية
(1) 10/ 1- 8 اليوم الأول
(2) 10/ 9-23 آ اليوم الثاني
(3) 10/ 23 ب اليوم الثالث
(4) 10/ 24- 48 اليوم الرابع
(5) 11/1-18 أورشليم
2- البنية المكانية
- حسب المكان بشكل عام
(1) 10/ 1-8 قيصرية
(2) 10/9- 23 يافا
(3) 10/ 24-48 قيصرية
(4) 11/ 1-18 أورشليم
- حسب المكان بشكل خاص
(1) 10/ 1- 8 بيت قرنيليوس
(2) 10/ 9-16 السطح
(3) 10/17-23 آ أمام بيت سمعان الدباغ
(4) 10/ 23 ب- 36 الرحلة وأمام بيت قرنيليوس
(5) 10/ 27- 48 بيت قرنيليوس
(6) 11/ 1-18 في أورشليم
3- الأشخاص
(1) 10/ 1- 8 قرنيليوس
(2) 10/ 9-16 بطرس
(3) 10/ 17-23 آ بطرس ورسل قرنيليوس
(4) 10/ 23 ب-48 بطرس ومرافقوه الى يافا
قرنيليوس وأهل البيت والمدعوون
(5) 11/ 1 الرسل ومسيحيو اليهودية
(6) 11/ 2-18 بطرس ومرافقوه من يافا
لا تساعدنا هذه المؤشرات المختلفة على تقطيع الرواية بطريقة واحدة وهذا مما يجعل الدارسين غير متفقين على تقطيع واحد.
هناك إقتراحات عدّة في التقطيع تتراوح من أربع مشاهد وحتى الثمانية. إننا قد اعتمدنا التقطيع إلى سبعة مقاطع كما يلي، والدراسة التي سوف تتبع هي برهان على صحة مثل هذا الإختيار.
1- 10/ 1- 8: رؤية قرنيليوس
وحدة الأشخاص: (قرنيليوس) وحدة المكان: (قيصرية)
وحدة الزمان: (اليوم الأول). النوع الأدبي: رؤية وتنفيذ الأمر.
2- 10/ 9- 16: رؤية بطرس
وحدة الأشخاص: (بطرس) وحدة المكان: (السطح) النوع الأدبي: رؤية.
3- 10/ 17- 23 آ: اللقاء الأول بين بطرس ورسل قرنيليوس
وحدة الأشخاص: (بطرس ورسل قرنيليوس).
4- 10/ 23 ب- 33: الوصول إلى قيصرية
الذهاب إلى بيت قرنيليوس واللقاء مع المجتمعين.
5- 10/ 34- 43: خطبة بطرس
6- 10/ 44- 48: نزول الروح القدس والمعمودية
7- 11/ 1- 18: وحدة المكان: (أورشليم) وحدة الأشخاص: 
بطرس والذين رافقوه ومخاصموه. النوع الأدبي: (اعتراض- جواب- قرار).
يجمع بين هذه المقاطع في رواية قرنيليوس 10/ 1- 11/ 18 موضوع قبول الوثنيين في الكنيسة ففي دراستنا سوف نكتشف عنصرين أساسيين في الرواية: الأول وهو إعلان الإنجيل والثاني وهو موضوع العلاقات الإجتماعية. فموضوع إعلان الإنجيل هو مركزي في 1/ 1- 48 بينما وحدة الرواية بكاملها تقوم على العلاقات الإجتماعية بين اليهود والوثنيين. فإنطلاقاً من هذه النظرة فالمقطع 11/ 1- 18 ليس إعادة لـ 10/ 1- 48 ولكنه يسعى لكي ينشر روح المشاركة كتعبير أعمق للعلاقات الإجتماعية. يطرح موضوع العلاقات الإجتماعية بين اليهود والوثنيين بشكل متدرّج ويقسم الرواية إلى ثلاثة أقسام:
1- 10/ 1- 23 آ
فالقسم الأول يعرض علينا الوثني قرنيليوس واليهودي بطرس وينتهي باستقبال بطرس للبقية الوثنية (10/ 23 آ) وهي العلامة الأولى لانتهاء الانفصال.
2- 10/ 23 ب- 48
أما القسم الثاني فيتوقّف عند اللقاء المباشر بين الطرفين وينتهي بإقامة بطرس عند الوثنيين المهتدين إلى المسيحية (10/ 48 ب).
3- والقسم الثالث 11/ 1- 18
يدافع عن المشاركة مع الوثنيين الذين أصبحوا مسيحيين (11/ 3) وفيه تعبير أقوى عن المشاركة والوحدة مما رأينا في 10/ 1- 48.
هذا التقطيع إلى ثلاثة أقسام إنطلاقاً من موضوع العلاقة بين اليهود والوثنيين يتناسب مع ما قلناه سابقاً في شأن التقطيع إلى سبعة أقسام
1- 3 أقسام 10/ 1- 23 آ
2- 3 أقسام 10/ 23 ب- 48
3- 1 قسم 11/ 1-18
وفي النهاية، نستطيع القول ان باستطاعتنا قراءة رواية قرنيليوس إنطلاقاً من مستويين: فالأقسام السبعة تتجمّع في أقسام ثلاثة. ان مثل هذا التقسيم إستناداً إلى معطيات من مجال المضمون ومعطيات من مجال الشكل يُظهر وحدة هذه الرواية الطويلة وتنوعها. والآن باستطاعتنا أن ننتقل إلى دراستنا التفسيرية لهذه الأقسام التي سوف تقودنا إلى إكتشاف الخطوط اللاهوتية العريضة لهذا النص.
سوف نحاول أن نقراً كل قسم من هذه الأقسام إنطلاقاً من فكرتين أساسيتين، الأولى: إعلان الإنجيل، والثانية: الصراعات الاجتماعية التي يتجاوزها هذا الإعلان في سبيل المصالحة.


2- المرحلة الثانية: الدراسة التفسيرية
القسم الأول: رؤية قرنيليوس 10/ 1- 8
ففي هذا القسم الأول نجمع تحت فكرة إعلان الإنجيل العناصر التي ترتبط باهتداء قرنيليوس إلى المسيحية، وتحت الفكرة الثانية الصراعات الإجتماعية وتجاوزها بإعلان الإنجيل، نتتبّع العناصر الأدبية واللاهوتية التي ترفع الحواجز وتشجّع المواقف الجديدة في الصراعات مع الوثنيين.
1- إعلان الإنجيل
في الآية 4 ب لدينا خبر خفي يحمله الملاك إلى قرنيليوس ليعلمه عن القصد الإلهي بخلاصه. ومع هذا الخبر يبدأ موضوع إعلان الإنجيل في رواية قرنيليوس. أما الأمر الإلهي لإرسال رجال إلى بطرس (10/ 5- 6) وتحقيقه من قبل قرنيليوس (10/ 7- 8) فهي الخطوات الأولى لتحقيق هذا الخبر.
2- الصراعات الإجتماعية: الدفاع عن الوثني
أ- تبدأ رواية قرنيليوس بعرض موسّع لشخصية قرنيليوس وفيه تشديد على حياته الدينية والأخلاقية (10/ 1)
ب- يوحي الله بنفسه مباشرة إلى قرنيليوس بواسطة ملاك. وهكذا لا تبدأ قصة الاهتداء هذه بتدخُل إلهي لدى المبشّر بطرس، ولكن لدى الوثني الذي عليه أن يتقبّل البشارة.
ج- ان خبر الخلاص له صيغة خاصة تُسلّط الأضواء على تقوى قرنيليوس التي يتقبّلها الله.
د- لا يتحدّث هذا القسم عن تقوى قرنيليوس فقط بل يذكر تقرى أشخاص آخرين من الوثنيين: "وكان تقيّاً يخاف الله هو وجميع أهل بيته" (10/ 2)، وبين الجنود جندي تقي (10/ 7) ولا شك أن الجنديين أيضاً هما من الأتقياء (10/ 7).
يشدّد هذا القسم كما قلنا على تقوى قرنيليوس، ويتّضح ذلك من إستعمال المفاهيم اليهودية في التقوى في سبيل إزالة النظرة السلبية التي يلقيها اليهودي على الوثني. فإنطلاقاً من مثل قرنيليوس وأهل بيته، يبرهن لوقا أن ليس كل الوثنيين عبدة أوثان وفاسدين، بل بينهم من يستطيع أن يتقبّل التقوى اليهودية ويعيشها من خلال الصدقة وبالتالي فإن مثل هذا الوثني يجد الرضى لدى إله إسرائيل. لدينا هنا دفاع عن الوثني يهدف إلى أن يظهر المساواة بين المختونين والقلف. يبدأ برهان المساواة إنطلاقاً من اليهودية التي هي قبل المسيحية لكي تلغي النظرة السلبية التي ورثها اليهود المتنصّرون من اليهودية. إن إرسال الملاك مباشرة إلى قرنيليوس يظهر أن الله لا يتصرف كما يتصّرف اليهود، ولكنه يدخل في علاقة مع من يعتبر كافراً وفاسداً. هي مبادرة الله الأولى التي تعطي للرواية إنطلاقتها الأولى.

القسم الثاني: رؤية بطرس 10/ 9- 16
أ- إعلان الإنجيل
لا نجد في هذا القسم 10/ 9- 16 تشديداً على إعلان الإنجيل ولا نشعر بتقدّم بالنسبة إلى ما لمسناه في 10/ 4 ب ولا نجد بطرس يتّخذ مبادرات في إتجاه الوثنيين. ما نجده هو إقتراب البعثة من بطرس في 10/ 9 و 10/ 17 وهي إحتواء لهذا القسم ويشير ذلك كله إلى أن رؤية بطرس لها علاقة بإعلان الإنجيل الذي سوف يتبع في القسم الثالث والرابع.
2- الصراعات الاجتماعية
أ- الغاء شريعة الطعام
يفتح لوقا نقاشاً حول قناعات بطرس واليهود المتنصّرين الموالين للشريعة. نلاحظ هنا تأصّل هذه الرؤية في تقاليد العهد القديم: توصف رؤية الطعام إستناداً إلى صور ولغة مأخوذة من تك 1 وتك 6- 9، ولدينا أيضاً نصوص توازيها في تث 12 وحز 1- 4. فمسألة الطاهر والنجس نجدها كذلك في الشريعة الموسوية (أح 11 وتث 14). ويرتبط هذا الموضوع الرئيسي بشخصية بطرس اليهودي الذي هو مؤتمن على شريعة الطاهر والنجس. ففي هذا الإطار يطلب من بطرس إلغاء شريعة الطعام هذه والتأقلم معها.
ب- وظيفة الرؤية
للتشديد على طهارة الطعام في رواية قرنيليوس وظيفتان:
1- إنه يساهم في حلّ مشكلة المشاركة في الطعام مع الوثنيين (11/ 3).
2- أما الوظيفة الثانية لهذه الرؤية فهي وضع حد لمسألة نجاسة الوثنيين وبالتالي إلغاء هذا المعتقد الذي كان يساهم. في الإنفصال الإجتماعي. 
ج- أهمية الوحي
يسلّط لوقا الأضواء على مضمون الوحي الذي يجعل المشهد غنياً جداً: الصلاة، الانجذاب، موقع الحدث في الزمان والمكان، إنفتاح السماء، رؤية الحيوانات، الصوت، وترداد الحوار ثلاث مرات. هذه الرؤية هي أهم من الرؤية السابقة (10/ 3- 6). فإن الصعوبة ليست في إهتداء قرنيليوس بقدر ما هي في إهتداء بطرس.
القسم الثالث: اللقاء الأول بين بطرس ورسل قرنيليوس (10/ 17- 23 آ)
1- إعلان الإنجيل
يساهم هذا القسم في تقدّم إعلان الإنجيل، من حيث إننا نكتشف فيه طلب الله إلى بطرس لكي يستمع إلى وثني (10/ 20 و10/ 22). ويدخل هكذا بطرس في الحركة التي بدأت مع إرسال البعثة (10/ 7- 8) التي وصلت إليه الآن (10/ 17). ويقال له في هذا اللقاء بشكل واضح ان هدف ذهابه إلى قيصرية هو إعلان الإنجيل لقرنيليوس (10/ 22 ب).
2- الصراعات الإجتماعية
يردّد الطلب على بطرس مرتين لكي يقوم ويذهب. فالمرة الأولى هو الروح القدس الذي يطلب منه والثانية هم رجال قرنيليوس. وعلاوة على ذلك فالقارىء يعرف مضمون الطلب من 10/ 5- 6.
يردّد لوقا الفكرة الأولى (إعلان الإنجيل) في سبيل تحضير الطريق للتوسّع في مواضيع تخدمه في طرح الفكرة الثانية ألا وهي "الصراعات الإجتماعية".
أ- عدم معرفة بطرس والمبادرة الإلهية
بصف هذا القسم تدرّج بطرس في فهم المشروع الإلهي، كما انه يصف تدرّجه في الإستعداد لاتباعه. كل شيء ينطلق من مبادرة إلهية، وهذا أسلوب يعرف به القديس لوقا. إن وصول البعثة (10/ 17) وتدخّل الروح القدس (10/ 19- 20)، وكلاهما يحصلان في زمن يتساءل فيه بطرس عن معنى الرؤية، يظهران ان بطرس ينال العون الذي يأتيه من الخارج ليفسّر معنى الرؤية. على الرغم من أن البعثة مع الرسالة كانت قد وصلت الى الباب (10/ 17)، يجعل لوقا الروح القدس يتدخّل (10/ 19- 20). فكل ذلك يساهم في تخفيف مقاومة بطرس في الاقتراب من الوثنيين. وتوّاً بعد ذلك يجعل لوقا بطرس جاهلاً سبب مجيء البعثة (10/ 21) التي تعرض عليه الدافع الإلهي في المجيء لإسماع قرنيليوس كلمة الإنجيل (10/ 22 ب).
ب- نحو الوحدة: إستقبال البعثة
بعد أن طلب مرتين من بطرس الذهاب، لم ينطلق بطرس لساعته إلاّ أنه بطريقة غير متوقّعة يستضيف البعثة الوثنية (10/ 23 آ) وهو تصّرف يشير إلى "إهتدائه" الإجتماعي. نلاحظ أن المؤلف قد اهتم إهتماماً خاصاً بمسألة العلاقات الإجتماعية: ففي بداية القسم يظهر لوقا البعد ما بين بطرس والبعثة (10/ 17)، وبعد ذلك يأمر الروح القدس بطرس بأن "يذهب معهم" (10/ 20). وبعدها يتحقّق الإقتراب من المكان (10/ 21) وفي نهاية القسم لدينا الاستضافة (10/ 23 آ). يظهر لوقا في هذا المكان من الرواية أن بطرس قد اتّخذ موقفاً جديداً من الصراعات مع الوثنيين متحدّيا الرفض التقليدي للعلاقات مع الوثنيين (10/ 28). إن إستقبال البعثة هو صورة مسبّقة عن الوحدة والمشاركة بين اليهود والوثنيين كما سوف يعيشها بطرس فيما بعد (10/ 48 و11/ 3).
ج- صورة الوثني
في هذا القسم أيضاً تشديد على صورة الوثني الإيجابية من حيث إن البعثة تحمل الرسالة إلى بطرس 10/ 22 آ، وهو الموضع الرئيسي في رواية قرنيليوس. لدينا تذكير بأن قرنيليوس هو "رجل صدّيق" وهي عبارة مكثّفة تعبرّ عن التقوى اليهودية، وعلاوة على ذلك فإن "أمة اليهود كلها" تشهد له. وهذه العناصر كلّها تعارض الرأي في أمر الوثنيين وتحضّر الأجواء لخطبة بطرس (10/ 34- 35) التي سوف تجعل من الإنتماء العرقي أمراً ثانوياً.
د- 10/ 23 آ هي خاتمة 10/ 1-23 آ
مع إستضافة الوثنيين (10/ 23 آ) تنتهي المرحلة الأولى المؤلّفة من ثلاثة أقسام. ففيها رأينا تدرّج مسألة العلاقات الإجتماعية بين اليهود والوثنيين في كل قسم من الأقسام الثلاثة: ظهور الملاك لقرنيليوس (10/ 3) مسألة الأطعمة النجسة (19/ 9- 16)، وصول البعثة الوثنية (10/ 17) تدخّل الروح القدس (10/ 20). تنتهي الأقسام الثلاثة بلقاء الطرفين للمرّة الأولى: بطرس اليهودي المتنصّر، والبعثة الوثنية. فالمشهدات المتوازيان اللذان بدأا في مدينتين متباعدتين (قيصرية ويافا) ومع مجموعتين مختلفتين من الأشخاص: بطرس اليهودي وقرنيليوس الوثني، يلتقيان في 10/ 23 آ، أما الرواية فتستمر في إتجاه واحد وتقودنا إلى بيت قرنيليوس (10/ 23 ب- 27). سوف يعلن لوقا في 10/ 28 إنتهاء الإنفصال بين الطرفين، إلاّ أنه منذ الآن مع إستضافة بطرس للبعثة يشير إلى أن بطرس بدأ يطبّق ما سوف يتحقّق.
القسم الرابع: الوصول إلى قيصرية (10/ 23 ب- 33)
1- إعلان الإنجيل
ان الآيات 10/ 23 ب- 33 تتضمّن وصول بطرس إلى قيصرية ولقاءه مع الوثنيين الذين ينتظرون إعلان الإنجيل. فدعوة الأقارب والأصدقاء (10/ 24) تجمع الناس الذين سوف يجدهم بطرس في البيت (10/ 2). إن إنتظار قرنيليوس (15/ 24) له صفة دينية وسجوده (10/ 25) هو علامة إحترام لبطرس حامل الرسالة الإلهية. ينتهي القسم (33/15 ب) بإستعداد الجماعة لسماع الرسالة الإلهية التي على بطرس أن يوصلها إلى من أرسل إليهم.
2- الصراعات الإجتماعية
هذا القسم 23/10 ب- 33 هو من أطول الأقسام في الرواية بسبب وصف دقيق لوصول بطرس ودخوله (15/ 24- 27) وبسبب الحوار الذي يدور بين بطرس وقرنيليوس (10/28- 29 و30- 32). هذه العناصر تشدّد على كون بطرس اليهودي قد تجاوز الإنفصال القائم. بين الطرفين. وفي ذلك إستباق لردّ بطرس على إعتراض مخاصميه في 11/ 3 "لقد دخلت إلى أناس قلف، وأكلت معهم"، ويردّد لوقا مرات ثلاث "دخل" (10/ 24 و25 و27) عندما يتحدّث عن وصول بطرس لدى قرنيليوس.
1- لقاء أراده الله
يشدّد لوقا على أن دخول بطرس لدى الوثنيين هو نتيجة لتدخّل إلهي فيجعل بطرس يؤكّد على أن الله نفسه طلب منه ألاّ يعتبر أحداً نجساً أو دنساً (10/ 28- 29). ويجعل قرنيليوس يسرد رؤيته التي تتحدّث عن رضى الله عنه وإرساله بطرس إلى بيت وثني (10/ 30- 33). ولكي يعطي قوة لهذه الفكرة يتوقّف لوقا عند بطرس الذي لا زال يتساءل عن معنى هذه الدعوة (10/ 29 ب). كما أنه لدينا في هذا القسم مجموعة مرافقي بطرس اليهود المتنصّرون (10/ 23 ب) الذين سوف يكون لهم دور الشهادة على أن الله هو الذي يقود هذه الأحداث (10/ 40 و 11/ 12).
2- إلغاء النجاسة ونهاية الإنفصال
يستعمل لوقا دخول بطرس لدى الوثنيين لكي يحلّ مسألة نجاسة الوثنيين التي كانت تحول دون مشاركة اليهودي لهم. ونلاحظ أن الكلمات الأولى التي يتفوّه بها بطرس في بيت قرنيليوس تلغي فكرة نجاسة الوثنيين وبالتالي نهاية الانفصال (10/ 28).
3- نحو الوحدة
إن إلغاء النجاسة ونهاية الإنفصال هما عنصران لا يساهمان فقط في إعلان الإنجيل، ولكنهما يوجّهان الأنظار نحو الوحدة (10/ 48 و 11/ 3). ان فعل "عاشر" الذي يسبق فعل "دخل" في 10/ 28 يشير إلى فكرة العلاقات الشخصية بين الطرفين. ويحضّر لوقا هذه الوحدة نفسياً مظهراً تدرّج العلاقات الطيبة بين الطرفين.
فبطرس ورفقاؤه يذهبون مع البعثة الوثنية (10/ 23 ب) والدخول على مرحلتين إلى المدينة (10/ 24- 25) وإلى بيت قرنيليوس (10/ 27) يظهر أهمية اللقاء الشخصي. وقرنيليوس هو إنسان طيب بكل معنى الكلمة: هو صديق لكثير من الناس (10/ 24) ويبادر إلى استقبال بطرس ويسجد له (10/ 25). أما بطرس عندما يدخل إلى البيت، فيتحدّث معه بمودّة (10/ 27). يتبع ذلك أن كلاً من الطرفين يقدّم نفسه: بطرس أولاً (10/ 28- 29) وبعده قرنيليوس (10/ 30- 32)، وهذا مما يوضّح سبب اللقاء ويقرّب الطرفين اللذين هما في الأصل أعداء.
القسم الخامس: خطبة بطرس في بيت قرنيليوس 10/ 34- 43
نجد في الخطب الرسولية في أعمال الرسل 2- 13 البنية التي نكتشفها في خطبة بطرس. لقد ميّز ديبليوس أربعة عناصر:
1- الربط مع الحدث
2- الكرازة: موت يسوع وقيامته مع شهادة الرسل
3- البرهان الكتابي
4- الدعوة إلى التوبة
أما فيلكس فقد لاحظ وبحق أن البرهان الكتابي لا يذكر دائماً في المكان نفسه وبالتالي فقد فضّل أن يقطع هذه الخطب إلى ثلاثة أقسام:
1- الربط مع الحدث
2- الكرازة
3- إعلان الخلاص
نجد هذه العناصر الثلاثة أيضاً في خطبة بطرس في قيصرية
1- 10/ 34- 26 الربط مع الحدث
2- 10/ 37- 41 الكرازة
3- 10/ 42- 43 إعلان الخلاص.
فمقارنة خطبة بطرس مع باقي الخطب تساعدنا على أن نستخرج خصائص هذه الخطبة. فما يميّز هذه الخطبة هو كونها موجّهة إلى الوثنيين وفي الوقت نفسه لها طابع يهودي محض. وهذا ما يجعلنا نكتشف أن لوقا كان يهدف إلى أمرين. الأول: كتابة خطبة لإعلان الإنجيل للوثنيين. وثانياً: إقناع اليهود المتنصّرين بشمولية الخلاص الذي يقدّمه لنا يسوع المسيح.
1- إعلان الإنجيل
هي خطبة لإعلان الإنجيل. فبطرس يعلن أن يسوع الذي سمعوا عنه أموراً كثيرة هو الرب وديّان الأحياء والأموات وبواسطته ينال الإنسان غفران الخطايا. فالكرازة هي كمال الشهادة التي يعيشها الرسول (1/ 8). 
ومن حيث إن المستمعين هم من الذين يتّقون إله إسرائيل فلا يحتاج بطرس إلى أن يتكلّم عن الله الخالق (راجع 14/ 15- 17 و17/ 22- 31) ولكنه يعرض رسالة يسوع من حيث هي عمل إله إسرائيل إستناداً إلى شهادة الأنبياء وإنطلاقاً من اللغة اليهودية التقليدية.
2- الصراعات الإجتماعية: الخطبة من حيث هي أيضاً موجّهة إلى اليهود المتنصّرين
ان تكييف الخطبة حسب "متّقي الله" سفلت للوقا نقل رسالة إلى اليهود المتنصّرين. يرى بعض الدارسين أن الخطبة ليست بموجّهة للوثنيين ولكن بالدرجة الأولى إلى اليهود المتنصّرين.
* فموضوع شمولية الخلاص في الخطبة يدعم مثل هذا الزعم:
أ- ان عدم تحيّز الله يناقض الإنعزالية اليهودية ويقبل تقوى الوثنيين (10/ 34- 35).
ب- ويظهر عدم تحيّز الله في رسالة يسوع التي تدعو الجميع إلى السلام (10/ 36).
ج- وعلى شعب إسرائيل أن يفهم أن يسوع هو الديان الشامل للأحياء والأموات (10/ 42).
د- وينال غفران الخطايا من يؤمن به (10/ 43)
كلم يشدّد لوقا على أن الشمولية متأصّلة في تاريخ الخلاص الذي حقّقه الله في وسط شعبه:
أ- فالتشديد على عمل الله في رسالة يسوع يظهر الاستمرارية بين الإيمان اليهودي والإيمان المسيحي الجديد. وتعليم الأنبياء يخدم الهدف نفسه (10/ 43).
ب- ان ذكر مجموعة الشهود الذين اختارهم الله (10/ 41- 42) يظهر أن كرازة الإنجيل لجميع الناس هي مشروع يريده الله.
كل هذه العناصر التي تحتوي على اهتمام خاص باليهود المتنصّرين تعطي عمقاً لهذه الخطبة التي يوجّهها بطرس إلى الوثنيين.
القسم السادس: الروح والمعمودية (10/ 44- 48)
إن وصف القسم الأخير من إعلان الإنجيل يبدو وكأنه مرتبط في الوقت نفسه بالرغبة في إظهار أن قبول الوثنيين لإنجيل له القيمة نفسها في قبول اليهود المتنصّرين له.
وللتشديد على قيمة ونوعية الاهتداء، يسلّط لوقا الأضواء على نزول الروح القدس قبل المعمودية، وهو أمر مخالف للأحداث الاعتيادية، فالروح القدس ينزل بعد قبول المعمودية (2/ 38). ونزول الروح قبل المعمودية هو الحالة الوحيدة التي نجدها في كتابات لوقا، وهذا ما يعطى هذا المشهد أهمية كبرى.
1- إعلان الإنجيل
في عملية إعلان الإنجيل، باستطاعتنا أن نميّز مراحل ثلاث:
أ- فإعلان الإنجيل يتمّ بطريقة إعتيادية إلى وقت نزول الروح القدس. تعلن البشارة لقرنيليوس فيتقبّلها بإيمان فتفتح أمامه أبواب التوبة (10/ 43). لا يوقف الروح إعلان الإنجيل ولا يمنع ولادة الإيمان بالمسيح.
ب- ينزل الروح على الوثنيين الذين تطهّروا من الخطيئة ويغني إهتداءهم (توبة- إيمان- مغفرة) بمواهب التكلم باللغات والنبوءة. وعلى الرغم من أن الروح ينزل قبل وليس بعد المعمودية، ويظهر بشكل عنصرة، فهو مرتبط بالمعمودية وهو قسم من مراحل الخلاص.
ج- ان المعمودية بالماء باسم يسوع لها قيمة إندماج الوثنيين الذين اهتدوا في جماعة المخلّصين. ويتم التعبير عن إستقبال الوثنيين على المستوى الإنساني بإقامة بطرش عندهم.
2- الصراعات الاجتماعية
من طريقة عرض لوقا لإعلان الإنجيل، نستنتج على أنه في حالة من الحوار الفكري مع المعارضة اليهودية- المسيحية.
أ- المعارضة
يظهر لوقا أولاً أن رغبة الله في خلاص الوثنيين تلقى المقاومات "منع" (10/ 47) من قبل اليهود المتنصرّين الذين يمثّلهم بطرس والذين رافقوه من يافا. والمقطع الرئيسي من هذا القسم يتوقّف عند إظهار كيف أن مرافقي بطرس (10/ 45- 46) وبطرس نفسه (4710) قد اقتنعوا من إهتداء الوثنيين. فقد أعلن الله بواسطة الروح القدس ما لم يكونوا يستطيعون أن يقبلوه. فقبول معمودية الوثنيين (10/ 48 آ) يعني إنتصار الإرادة الإلهية على مقاومة اليهود المتنصّرين وإهتداءهم.
يبدو من طريقة التأليف، أن لوقا يسعى إلى أن يرسل من خلال إهتداء بطرس ومرافقيه السبعة رسالة إلى كل الكنيسة اليهودية- المسيحية. فسؤال بطرس في (10/ 47) موجّه عبر هذا السؤال لمرافقي المجموعة إلى الكنيسة. والاسم المعطى لمرافقي بطرس "المؤمنون المختونون" (10/ 45) هو إشارة إلى الحلاف في أورشليم الذي سبّبته مجموعة مشابهة: "أخذ المختونون يخاصمونه" (11/ 2- 3). فبطرس ومرافقوه سوف يشهدون أمام المختونين في أورشليم (11/ 12).
ب- الحواجز
فالحواجز التي تخطّتها الكنيسة لا تفسّر إلاّ بتدخّل الروح القدس المباشر. يصف لوقا نزول الروح القدس مباشرة لكي يظهر للحضور نوعية الوثنيين وإستعدادهم للمعمودية. فنزول الروح يؤكّد على أنهم:
1- تابوا عن خطاياهم
2- هم مؤمنون
3- غفرت لهم خطاياهم
وهذا ما يبرهن على طهارتهم الطقسية. وكان لا بدّ من تدخّل إلهي، لأنه كان من الصعب على بطرس والحاضرين أن يقبلوا معموديتهم إستناداً إلى طلبهم فقط.
ج- المساواة
إن حالة الوثنيين المهتدين إلى المسيحية تجعلهم "مساوين" دلالة على هذه المساواة لليهود المتنصّرين "والروح الذي يعطى لهم كما أعطي لنا" (10/ 47). والبرهان على المساواة نجده في العناصر التالية:
1- قبوله الوثنيين الكرازة (إهتداء- إيمان- غفران) وهذا القبول له نفس القيمة التي لليهود المتنصّرين.
2- إنهم يقبلون نفس الهبة التي قبلها اليهود المتنصّرون.
3- وبواسطة المعمودية يدخل الوثنيون في جماعة المخلّصين وفى مساواة معهم. ولم تعد مشكلة عدم الختان تحول دون المساواة.
د- الوحدة
إن إقامة بطرس لدى المعمَّدين الجدد (10/ 48 ب) هو علامة اتحاد بين أعضاء الكنيسة الواحدة ويعبرّ عن إلغاء كل انفصال. فالمساواة أمام الله التي تحقّقت بالمشاركة في الخلاص نفسه تفتح أمام الجميع باب السلام الإجتماعي (10/ 36). وهكذا تتشكّل جماعة شمولية، فيها اليهودي والوثني المتنصّر ولهما الحقوق والواجبات نفسها. وفي كل ذلك يبدو الروح القدس العنصر الأساسي في الوحدة: فبعد أن حمل بطرس على أن يقوم بخطوة نحو التغيير في علاقته بالوثنيين (10/ 19)، فالآن وبعد أن شجّع على المعمودية، فإنه يبقى المبرّر الرئيسي لهذه العلاقة الجديدة. نلاحظ توازياً مع سفر الأعمال الفصل الثاني: فبعد العنصرة والكرازة الأولى، يشكّل هؤلاء الذين قبلوا المعمودية جماعة واحدة (2/ 42- 47).

3- المرحلة الثالثة: إستنتاجات لاهوتية- راعوية
بعد أن قمنا بهذه الدراسة التفسيرية للأقسام الستة لرواية إهتداء قرنيليوس فلنتوقّف الآن عند الاستنتاجات اللاهوتية- الراعوية عامة، أما القسم السابع والأخير فلم نتناولْه بالدراسة التفسيرية لأنه قراءة ثانية لكل الرواية، وفيه أيضاً سوف نكتشف الاستنتاجات التي وصلنا إليها.
الاستنتاج الأول: المبادرة الأولى هي لله
هو الله الذي يتدخّل أولَا، ويخاطب الوثني قرنيليوس. فكما لاحظنا في دراستنا التفسيرية أن القسم الأول من الرواية: رؤية قرنيليوس (10/ 1 - 8) مخصّص لهذا الوثني الغريب عن المختونين الذين أصبحوا من أبناء العهد. باستطاعتنا أن نقراً الكتاب المقدّس كلَّه في ضوء مثل هذه الحقيقة، فالله هو الذي يأخذ المبادرة الأولى "هو الذي أحبنا" (1 يو 4/ 10) وهو الذي لا يتقيّد برؤية بشرية، وبالتالي فالله ليس الإنسان وهو الذي يفاجئنا بمبادرته ومواقفه التي تتجاوزنا.
لله المبادرة الأولى، وهو الذي يعمل في قلب الانسان وفي قلب كل إنسان، لأن الإنسان مخلوق على صورة الله. فقرنيليوس الوثني "كان تقيا يخاف الله... ويواظب على ذكر الله" (10/ 3) هو وجميع أهل بيته. يظن الإنسان المؤمن أن الله له وحده، وينغلق في عقلية تَدينُ كل ما خرج على نظرته للأمور، كما فعل يونان رافضاً أن يحمل كلمة الله إلى أهل نينوى. لكن الله كتب شريعته في قلب كل إنسان، كما رسمها في الطبيعة التي أبد عها (المزمور 18).
إن مثل هذا الاستنتاج الأول الذي نستخرجه من دراستنا لرواية إهتداء قرنيليوس يحملنا على أن نتّخذ مواقف راعوية هامة، وهي إكتشاف عملِ الله الخلاصي في قلب العالم وفي قلب كل إنسان. فالنظرة المتشائمة اليائسة تحمل على الإدانة العشوائية باسم. شريعة متحجّرة، أمّا العودة الى الكتاب المقدّس عامة ودراسة رواية إهتداء قرنيليولس يجعلانا في حالة من ترك المبادرة الأولى لله، فلا نتّخذ مكانه، ولا ننصّب ذواتِنا ديانين على العالم وعلى الناس. فقرنيليوس لم يعد موضوع إدانة بل أصبح بقوة عمل الله علامة الخلاص الذي يريده الله لجميع الناس.
الإستنتاج الثاني: تزامن عمل الروح القدس
لقد بنى لوقا روايته مشدّداً على تزامن عمل الروح القدس في موقعين بعيدين عن بعضهما البعض. فكما لاحظنا في الاستنتاج الأول، يتّخذ الله المبادرة الأولى في قيصرية مرسلاً إليه ملاكاً (10/ 3)، وبعد أن تلقّى قرنيليوس الأمر من الملاك يرسل خدمه إلى يافا (10/ 7). وبينما هم يتقدّمون من قيصرية إلى يافا صعد بطرس إلى السطح (10/ 9). فالظرف "بينما" فيه دلاله قوية على تزامن عمل الروح في موقعين متباعدين. إلاّ أن تدخّل الروح في طرف يقابله تدخل آخر في الطرف المقابل، ولا يتكلّم الروح إلا لكي يحرّك الواحد تجاه الآخر. فبينما أرسل قرنيليوس بعثته إلى بطرس المقيم في يافا، صعد بطرس إلى السطح لكي يتقبّل هو أيضاً رؤية تجعله بالتدرّج يلتقي بالبعثة الآتية إليه. وبينما يدخل بطرس مرافقوه إلى قيصرية يكون في الوقت نفسه قرنيليوس في انتظار لكي يتقبّل منه البشارة (10/ 24).
إن هذا الإستنتاج الثاني يستند إلى الأول ويكمّله من حيث إن مبادرة الله الأولى تجعل الإنسان يخرج من ذاته وينطلق نحو الآخر. فقرنيليوس الوثني وبطرس اليهودي يتحرّكان، قرنيليوس بإرساله البعثة وبطرس بلقائه بهم وذهابه إلى قيصرية. هل باستطاعة مثل هذا الموقف أن يحملنا على طرح السؤال التالي: هل المعاناة التي يعيشها "الوثني" الآخر الذي لا ينتمي إلى ديانتي، تطرح سؤالاً على معاناتي وتجعلهما تلتقيان وتتحاوران بقوة الروح الذي يعمل في قلب واحد؟ نظن أيضاً أن لوقا من خلال هذه الرواية يسلّط الأضواء على حقيقة كتابية عميقة جداً وهي أن الله من خلال هذه المعاناة بما فيها من تقبّل ورفض يقود الإنسان بالنهاية نحو الوحدة والمصالحة والسلام. لقد تحدّث المجمع الفاتيكاني الثاني عن قراءة علامات الأزمنة في قلب عالمنا المعاصر، وهو بذلك يدعو الكنيسة والمؤمنين إلى تمييز عمل الروح القدس في المواقف الإنسانية البعيدة والمتعدّدة، ولا يتحقّق هذا التمييز إن لم ينفتح قلب المؤمن مثل بطرس على مبادرات الروح القدس في حياته (10/ 19).
الاستنتاج الثالث: التدرّج في القبول وفي اللقاء
كثيراً ما استعمل الكتاب المقدّس أسلوب الرواية وفي ذلك تعليم هام بالنسبة لنا. فكما رأينا، في الرواية عامل المكان والزمان والأشخاص والأعمال التي يقومون بها، وهذا يفترض تطوراً في الأحداث يقود إلى حلّ للعقدة المطروحة. فعدا أن الرواية في الكتاب المقدّس تظهر أن الله يوحي بنفسه من خلال أحداث التاريخ ومن خلال حواره مع حرية الإنسان، فهي تشدّد أيضاً على أن هنالك تدرّجاً في اللقاء مع الله وفي اللقاء بين الإنسان وأخيه الإنسان.
وفي هذا المضمار أيضاً، فإن لوقا قد شدّد في روايته على عنصر "التدرّج" في اللقاء. لقد بدأت الرواية في قيصرية فانطلقت البعثة إلى يافا لتلتقي ببطرس. وكان على بطرس أن يفهم بشكل متدرّج ما يريد أن يُخبر به. فالبعثة تقف أمام الباب وتسأل عن بطرس، ويتدخّل الروح لكي يدعو بطرس للقاء بهم، وبعد الاستطلاع يتم إستضافة البعثة. وفي دخول بطرس إلى بيت قرنيليوس لدينا تدرّج في اللقاء، فإنه يصل أولاً إلى قيصرية ومن ثم يدخل إلى بيت قرنيليوس. وبعد أن تمّ اللقاء بين الشخصين الرئيسيين يطرح بطرس السؤال: "فأسألكم ما الذي حملكم على أن تدعوني" (10/ 29)، وفي ذلك أيضاً تبطيء للعمل الروائي وتحضير للقبول النهائي ألا وهو مساواة الوثنيين وبعدها يقتبلون المعمودية باسم يسوع المسيح (10/ 48). وفي القسم السابع والأخير (11/ 1- 18) "يخاصم المختونون بطرس في أورشليم لأنه دخل إلى أناس قلف وكل معهم" (11/ 3)، ويأخذ بطرس يعرض ما حصل له مظهراً إرادة الله في حياته وفي حياة قرنيليوس الوثني المهتدي إلى الإيمان. وفي القسم الأخير هذا، لدينا تدرّج في الرواية من خلال اعتراض المختونين وعرض مفصّل للمشكلة يقوم به بطرس وقرار نهائي بأن "قد أنعم الله إذاً على الوثنيين أيضاً بالتوبة التي تؤدّي إلى الحياة" (11/ 18).
غالباً مما ننغلق في منطق يسعى إلى أن يفرض الأمور والحلول مباشرة، فإننا نريد كل شيء في وقته أو نستسلم لموقف يائس يحملنا على الاعتقاد بأنه لا جدوى في شيء. ان رواية إهتداء قرنيليوس تحتوي على عظة رعائية رائعة ولا سيما في مجال ما نسمّيه بالعلاقات المسكونية بين المسيحيين أو في علاقات الحوار مع الأديان الأخرى. فمفهوم التدرّج هذا الذي اكتشفناه يقودنا إلى الخروج من الثنائية التي ذكرناها، الجمود أو التلاشي، فموقف الحوار، وهو الحلّ المتطلّب والأصعب، يطلب منا أن نعيد الكرّة وأن ندخل في ديناميكية الوحي بالذات التي تعلمنا أن الله هو المحاور الأول وعلينا أن نتتلمذ دائماً له.
وفي نهاية بحثنا هذا، وإنطلاقاً مما قلناه باستطاعتنا أن نطرح سؤالاً من وجهة نظر فلسفية حول جدلية اليهودي/الوثني وترافقها جدلية الخاص/ الشمولي. فالمفهوم اليهودي يعني التمسّك بالخصوصية كما تحدّدها الشريعة، وتفترض هذه الخصوصية إنفصالاً عن العالم الخارجي والتنظيم في عالم له عاداته وتقاليده وبالتالي انتماؤه. أما مفهوم الوثني، ولا نضفي عليه هنا معنى سلبياً، فهو يعني العالم الإنساني بعامة وما فيه من تطلّعات مشتركة نحو العدالة والسلام والوحدة وبالتالي إلى شمولية الحب البشري. فسفر أعمال الرسل ولا سيما رواية إهتداء قرنيليوس تطرح علينا مسألة جدلية اليهودي/ الوثني. فالمسيحي يعيش هذه الجدلية النابعة من صلب إيمانه، وهي هذه الجدلية، أعني العلاقة بين الخصوصية والشمولية التي تعطي حيوية متجدّدة لإعلان الإنجيل. لقد اهتدى قرنيليوس إلى الإيمان المسيحي، ولكن كان أيضاً بالحقيقة على بطرس ومرافقيه وأهل الختان، أن يهتدوا لا إلى الوثنية ولكن أن يموتوا على خصوصيتهم ويكتشفوا عمل الروح القدس في قلب الوثنيين.
الفصل الخامس والعشرون
خطب بطرس الخمس الرسولية
في أعمال الرسل:
بنيتها ومضمونها اللاهوتي
الأب يوحنا الخوند

أ- مقدمة: الخطب في كتاب أعمال الرسل
لجأ الكتّاب الأقدمون، في مؤلّفاتهم التاريخية، إلى الخطب كوسيلة تعبير أدبية، لشرح نفسية الرجالات العظام في سرد سيرتهم، أو لشرح وضع راهن، أو لإظهار معنى حدث تاريخي معيّن. ولجاً لوقا أيضاً كمؤرّخ إلى الخطب، في كتاب أعمال الرسل، مقتدياً بمؤرّخي اليونان القدامى، كما فعل في مقدّمة الإنجيل (1: 1- 4) وفي سياق الإنجيل حيث يربط أحداثه بأحداث التاريخ المعاصر، الديني منه والمدني (1: 5؛ 2: 1- 2؛ 3: 1- 3).
من إحصاء مدقّق لنصوص الخطب في كتاب أعمال الرسل، نخلص إلى ما يلي:
1)- نجد 236 آية من أصل 1005، أي ما يقارب الربع من نصّ الكتاب الكامل خطباً مختلفة:
- ثماني خطب لبطرس (1: 15- 22؛ 2: 14- 36، 38- 40؛ 3: 12-26؛ 9:4-12؛ 29:5-32؛ 10: 34-43؛ 11: 5- 17؛ 15: 7- 11).
- ثماني خطب لبولس (13: 16- 41، 46- 47؛ 17: 22- 31؛ 20: 18- 35؛ 22: 1- 22؛ 24: 10- 21؛ 26: 2- 23، 25- 27؛ 27: 21- 26؛ 28: 17- 20، 50- 28).
- خطبة لنرسل الإثني عشر (6: 2- 3).
- خطبتان ليعقوب (15: 13- 21؛ 21: 20- 25).
- خطبة لاسطفانوس (7: 2- 53).
- خطبة لبولس وبرنابا (14: 15- 17).
- صلاة الكنيسة المضطهدة (4: 24- 30).
- رسالة كنيسة أورشليم إلى كنائس الأمم (15: 23- 29).
- خطبة صنّاع أفسس (19: 25- 27).
- خطبة كاتب أفسس (19: 35- 40).
- خطبة المحامي ترتلس (24: 2- 8).
- خطبة الوالي فستس (25: 14- 21، 24- 27).
- رسالة قائد الألف ليسياس للوالي فيلكس (23: 26- 30).
2)- نجد ان الخطب موزّعة توزيعاً متناسباً على جميع فصول الكتاب تقريباً. أربعة فصول فقط لا تحوي خطباً (8؛ 9؛ 12؛ 16)، ولكنها تحوي حوارات مختلفة. لو جمعت نصوص الحوارات العديدة المستطيلة قي جميع فصول كتاب أعمال الرسل، لوجدنا أكثر من ثلث الكتاب خطباً وحوارات. هذا كلّه يدلّ على تفضيل لوقا لأسلوب الخطب والحوارات في كتابه، وتوزيعها منسّقة على كلّ أقسام الكتاب.
3)- نجد الخطب قصيرة جداً، تقع أقصرها في آيتين أو ثلاث، وأطولها في 28 آية، ما عدا خطبة اسطفانوس وحدها، في ستّين آية. ونلاحظ انها برغم قصرها تؤلّف. وحدات أدبية كاملة في ذاتها، حتى ولو قاطع أحد السامعين المتكلّم في خطبته، يبقى المعنى في الخطبة كاملاً (7: 54؛ 10: 44؛ 17: 32؛ 22: 22؛ 26: 24)... وهذا أيضاً دليل على أسلوب لوقا الإنشائي، فإنه لا ينقل لنا في كتابه نقلاً حرفياً كاملاً مسجّلاً لوقائع الخطبة في المكان والزمان. لذلك لا يسعنا إلاّ أن ندرك من خلال ذلك قصد الكاتب أن يوجّه كلامه في تلك الخطب إلى القارىء أكثر منه إلى السامعين التاريخيين الحقيقيين، ليشدّد على بعض أحداث خلاصية مصيرية، ومفارق هامّة في نموّ الرسالة الإنجيلية، وانتشارها في العالم، ونموّ الكنيسة، جماعة المؤمنين بقوّة روح يسوع الممجّد.
4)- نجد مجمل الخطب مطبوعاً بلاهوت الإنجيلي لوقا.

ب- خطب بطرس الخمس الرسولية: بنيتها ومضمونها اللاهوتي 
من خطب بطرس الثماني، في كتاب أعمال الرسل، خمس فقط تمثّل البلاغ الرسولي الأول، تضاف إليها خطبة واحدة مشابهة للقديس بولس في مجمع أنطاكية بيسيديا (13: 16- 41).
أمّا خطب بطرس الخمس، وهي موضوع بحثنا، فهي:
الأولى أمام الشعب يوم العنصرة (2: 14- 40)،
والثانية أمام الشعب بعد شفاء الكسيح (3: 12- 26)،
والثالثة أمام المجلس اليهودي (4: 9- 12)،
والرابعة أيضاً أمام المجلس اليهودي (5: 29- 32)،
والخامسة في بيت كرنيليوس (10: 34- 43).
ونجد في كلّ من هذه الخطب الخمس، مهما طالت (26 آية)، أو قصرت (4 آيات)، تصميماً واحداً، وموضوعاً واحداً كاملاً، مبنيّاً على نقطتين أساسيّتين هما: رسالة يسوع الخلاصية، وبراهين من الكتاب المقدّس. لكن ترتيب هاتين النقطتين يختلف من خطبة إلى أخرى، وقد تراجعت إحدى النقطتين مرات في الخطبة الواحدة، لكنهما نقطتان جوهريتان في كلّ خطبة.
ويبدأ الرسولي دوماً خطبته بمقدّمة يذكر فيها الظرف والمناسبة الخاصة التي فيها يتكلّم، ويختم دوماً بدعوة ملحّة إلى الإيمان والتوبة والخلاص.
1- مقدّمات الحطب الخمس
- مقدّمة الخطبة الأولى (2: 14- 15): يتكلم الرسول بطرس كمسؤول أول بين الرسل الإثني عشر، مخاطباً اليهود الذين احتشدوا أمام العليّة، حيث كان الرسل مجتمعين معاً، وحلّ عليهم روح العنصرة، وشرعوا يتكلّمون بألسنة غريبة على ما كان الروح القدس يؤتيهم أن يتكلّموا. وكان اليهود المحتشدون ذاهلين متحيرّين متسائلين، وبعضهم كانوا ساخرين يقولون: لقد سكروا من الخمر! فما كان من بطرس إلاّ انه بدأ خطبته بمقدّمة منكراً فيها على اليهود المحتشدين توهمّهم ان الرسل سكارى، ومعلناً انها الساعة التاسعة من صباح ذلك اليوم الخمسين، وهي ليست ساعة الشرب والسكر.
- مقدّمة الخطبة الثانية (3: 12): يخاطب بطرس الشعب، وقد هرع هذا إليه ذاهلاً كلّ الذهول من شفاء الكسيح على باب هيكل أورشليم، فيبدأ الرسول خطبته بمقدّمة داعياً فيها الشعب إلى الهدوء والسكينة، ومنكراً عليهم تعجّبهم وتوهمّهم أن يكون هو ورفيقه يوحنّا بقوّتهما أو بتقواهما قد جعلا ذلك الكسيح يمشي!
- مقدّمة الخطبة الثالثة (4: 9): أمام مجلس أورشليم الأكبر، وهو المحكمة العليا في إسرائيل، يتكلّم بطرس وقد امتلاً من الروح القدس، مخاطباً الرؤساء والشيوخ والكتبة وعظيم الاحبار وكلّ أعضاء الأسرة الحبرية. يبدأ خطبته بمقدّمة منكراً فيها عليهم أن يحاكموه مع رفيقه يوحنا على عمل إحسان عملاه بشفاء الكسيح، وكأنهما في نظر المجلس قد اقترفا جرماً كبيراً يستحقّ الحكم.
- مقدّمة الخطبة الرابعة (5: 29): أمام مجلس أورشليم الأكبر يَمثُل الرسل كلهم مع بطرس. وجواباً على قول عظيم الاحبار لهم ان المجلس قد نهاهم أشدّ النهي عن التعليم باسم يسوع، وعلى الرسل أن يطيعوا، بدأ بطرس مع الرسل خطبته بمقدّمة ينكر فيها على المجلس اليهودي سلطته وحقّه بالطاعة في أمر نهي الرسل عن التعليم باسم يسوع، ومعلناً ان الله أولى بطاعتهم من البشر.
مقدّمة الخطبة الخامسة (10: 34- 35): في بيت قائد المئة كرنيليوس، في قيصرية البحرية، وقد أرسل هذا القائد إلى يافا إثنين من أهل بيته وجندياً من حرسه الخاص، يستدعي بطرس ليحضر إلى بيته، حيث كان في انتظاره هو وأهل بيته وأنسباؤه وصفوة من أصدقائه، ليسمعوا من بطرس البشرى. يبدأ بطرس خطبته بمقدّمة يعلن فيها رضى الله عن كلّ إنسان اتّقاه، من أيّ أمّة كان. هذا كان أوّل لقاء لبطرس مع جماعة وثنية، وقد سبق الله في رؤيا فدعاه إلى تخطّي مفاهيمه اليهودية في المآكل، في الطاهر والنجس، وعدم التفريق بين يهودي ووثني، لأن الله يطهّر بالإيمان قلوب الوثنيين، فيستغنون عن الختان.
2- رسالة يسوع الخلاصية
النقطة الأساسية الأولى في كلّ خطبة هي ذكر مراحل رسالة يسوع الخلاصية، أهمّها في كلّ خطبة مرحلة موته وقيامته من الموت. ولكن في الخطب مراحل أخرى عدّة يمكننا أن نلخّصها كما يلي:
- يسوع ناصري، من ناصرة الجليل (2: 2؛ 4: 10)؛
- بدأ رسالته في الجليل بعد العماد الذي نادى به يوحنا المعمدان (10: 37)؛
- حلّ عليه الروح القدس وقدرة الله في عماده (10: 38)؛
- طاف في كلّ بلاد اليهود حتى أورشليم وهو يعمل الخير، والله يؤيّده بالمعجزات والعجائب والآيات، لأن الله كان معه (2: 22؛ 10: 38)؛
- اختار له تلاميذ شهودَ عِيان على كلّ ما فعل (10: 39، 41)؛
- اسلمه شعبه إلى الوثنيين الرومان (2: 23؛ 3: 13)؛
- نبذه اليهود في حضرة بيلاطس الوالي الروماني الذي حكم بإطلاقه (13:3)؛
- طالب اليهود بيلاطس بالعفو عن قاتل بدل يسوع (3: 14)؛
- قتله اليهود (2: 23؛ 5: 30؛ 10: 39)، أماتوه (3: 15)، صلبوه (2: 23؛ 4: 10)، علّقوه على خشبة (5: 30؛ 10: 39)؛
- لكنّ الله أقامه (2: 24، 32؛ 3: 15؛ 4: 10؛ 5: 30؛ 10: 40)، من بين الأموات (3: 5؛ 4: 10؛ 10: 41)، من أهوال الموت وقبضته (2: 24)؛ في اليوم الثالث (10: 40)؛
- ظهر لتلاميذه بعد قيامته، مثبتاً لهم حقيقة قيامته (10: 40- 41)؛
- التلاميذ شهود عيان ليسوع القائم من الموت (2: 32؛ 3: 15؛ 5: 32؛ 10: 41- 42)؛
- التلاميذ نالوا الروح القدس من يسوع القائم (2: 33؛ 5: 32)؛
- التلاميذ يبشّرون الشعب بيسوع (10: 42)؛
- التلاميذ نالوا الروح القدس من يسوع القائم (2: 33؛ 5: 32)؛
- التلاميذ يبشّرون الشعب بيسوع (10: 42)؛
- يسوع هو الرب (2: 36)؛ يسوع هو المسيح (2: 36)؛ يسوع هو النبيّ (3: 23- 24)؛ يسوع هو الفتى، عبد الله المتألمّ الممجّد الذي صار البركة للمؤمنين (3: 26)؛ يسوع هو الرئيس القائد إلى الحياة (5: 31)؛ يسوع هو القدّوس والبار (3: 14)؛ يسوع هو وحده المخلّص (4: 12؛ 5: 31)؛ يسوع هو ربّ الناس أجمعين (10: 36)؛ يسوع هو ديّان الأحياء والأموات (10: 42).
3- البرهان من الكتاب المقدّس
النقطة الأساسية الثانية في كل خطبة هي البرهان الكتابي: في شخص يسوع ورسالته الخلاصية كلّها تحقّقت أقوال الأنبياء الأقدمين كافة. في كلّ خطبة إشارة إلى هذه النقطة الأساسية الهامّة. كان على الرسل والكنيسة الأولى في عهدها الرسولي الأول ان تحدّد موقفها من العهد القديم: هل أتمّ يسوع انتظار العهد القديم؟ هل بقي منه شيء لم يتمّ؟ هل تمّ منه شيء على خلاف ما كان منتظراً؟ عن تلك الأسئلة حاول الرسل والكنيسة الأولى أن يجيبوا بوضوح، معلنين أن يسوع قد أتمّ في شخصه وتعليمه وأعماله كلّها تدبير الله الخلاصي، كما سبق الله وأعلنه في الآباء والأنبياء الأقدمين. وكما فعل يسوع نفسه في مجمع الناصرة، يوم قرأ في كتاب أشعيا النبيّ: "روح الربّ علي، فقد مسحني لأبشّر المساكين، أرسلني أنادي بإطلاق الأسرى، وعودة البصر إلى العميان، وأحرّر المقهورين، وأنادي بسنة مقبولة لدى الربّ" (لو 4: 18- 19)، ثم طوى السفر وجلس وشرع يقول للحاضرين: "اليوم تمّ كتاب سمعتموه" (لو 4: 21)، هكذا فعك بطرس والرسل في كلّ خطبة تكلّموا فيها عن يسوع ورسالته الخلاصية.
يستفيض بطرس، بقلم لوقا، في استعمال البراهين الكتابية في الخطبتين الأولى والثانية، ويختصر في الثالثة، ولا يذكر نصّاً كتابياً محدّداً في الرابعة والخامسة:
- في الخطبة الأولى (2: 16- 21) يركّز على خمس آيات من يوئيل النبي (3: 1- 5)، مبرهناً ان إعطاء الروح القدس للرسل في العليّة هو حدث خلاصي وعد به الله قديماً، وهو امتداد طبيعي لأحداث العهد القديم، وتحقيق النبوءات، في يوم الربّ العظيم السنّي الذي هو يوم مجيء المسيح في الأزمنة المسيحانية التي حدّدها الله في تدبيره الخلاصي.
* وفي (2: 25- 28، 31)، يركّز على أربع آيات من المزمور (16: 8- 11)، يطبّقها برهاناً على قيامة الرب يسوع الذي قام من القبر ولم يرَ فساداً، بينما كاتب المزامير مات، ولا يزال قبره في أورشليم شاهداً على موته وفساده.
* وفي (2: 30) يركّز على المزمور (132: 11)، برهاناً على تحقيق ما وعد الله به داود الملك أن يعطيه وريثاً أبدياً على عرشه من صلبه.
* وفي (2: 34- 35)، يركّز على المزمور (110: 1)، برهاناً على ان يسوع الحيّ القائم ظافراً على الموت، والممجّد عن يمين الله، والمفيض الروح القدس هو الرب والمسيح.
* وفي (2: 23) يركّز على ان تلك النبوءات الكتابية هي تصميم رسمته إرادة الله وحدّدته، وما من قوّة تستطيع الوقوف في وجه هذا التحديد. لذلك فإن حكم اليهود على يسوع يقابله تدخّل الله لإقامة يسوع من الموت.
- وفي الخطبة الثانية (3: 13، 18، 21- 25)، يستفيض بطرس في ذكر الآباء والأنبياء برهاناً قاطعاً على صدق رسالة يسوع الخلاصية:
* في (3: 13) يركز على الآباء الأقدمين إبراهيم وإسحق ويعقوب، وفي (3: 25) يركّز على إبراهيم أبي الآباء، الذي يمثل في شخصه الآباء أجمعين، وله أعطى الله الوعد الأكبر الذي تحقّق في الرب يسوع: "في نسلك تتبارك جميع عشائر الأرض" (تك 22: 18).
* وفي (3: 18، 21، 24، 25) يركّز تكراراً على الأنبياء، مشدّداً على تحقّق نبوءات العهد القديم كلّها في العهد الجديد. ولكن في (3: 22- 23) يخصّ من بين الأنبياء موسى أولاً، في وصيته الأخيرة: "سيقيم لكم الرب إلهكم من بين إخوتكم نبياً مثلي، فله تسمعون في كلّ ما يقوله لكم. وكلّ من لا يسمع لذلك النبيّ يستأصل من الشعب" (تث 18: 15، 19). ثمّ يخصّ أيضاً صموئيل وخلفاءه في (3: 24)، الذين بشّروا بأيّام يسوع المسيح وهي أوقات الفرج (3: 20)، وأزمنة التجديد الكامل (3: 21).
- والخطبة الثالثة (4: 11)، تتألّف من أربع آيات لا غير، وقد اجتهد لوقا أن يعتصر فيها كل عناصر الخطبة الأساسية: فالآية (4: 9) هي المقدّمة، تشرح الظرف والمناسبة الخاصة بالخطبة، والآية (4: 10) تختصر رسالة يسوع الخلاصية، والآية 4: 11 برهان من الكتاب المقدّس، من المزمور (118: 22): "ذاك هو الحجر الذي رذلتموه، أيها البنّاؤون، والذي صار حجر زاوية"، والآية (4: 12) هي الخاتمة، دعوة إلى الإيمان باسم الربّ يسوع للخلاص.
- أما في الخطبة الرابعة (5: 30) فيكتفي بالتركيز على الآباء دون تحديد.
- وفي الخطبة الخامسة (10: 43) يكتفي بالتركيز على الأنبياء دون تدقيق.
في جميع هذه الخطب نرى عنصراً أساسياً في البشارة الرسولية الأولى تشديدها على تحقّق نبوءات العهد القديم في العهد الجديد، في شخص يسوع المسيح وخصوصا في آلامه وموته وقيامته، كما جاء في الإنجيل بحسب القديس لوقا، ان يسوع نفسه في ظهوره لتلميذي عمّاوس بعد قيامته، قد فسرّ لهما كلّ ما قال فيه الكتاب، مبتدئا بموسى وكلّ الأنبياء (لو 24: 27)، وفي ظهوره لتلاميذه الاحد عشر، قد فتح أذهانهم ليفهموا الكتب، وانه "قد تمّ فيه كل ما كتب عنه في توراة موسى والأنبياء والمزامير" (لو 24: 44- 45).

4- خاتمات الخطب الخمس
تنتهي كل خطبة رسولية بدعوة إلى التوبة (2: 38، 40، 3: 19، 26؛ 5: 31)، والعودة إلى الربّ 3: 19)، والإيمان به (10: 43) والطاعة له (5: 32)، والإعتماد باسمه (2: 38)، للدخول في صلة خاصة جديدة بيسوع الحيّ القائم، فتحلّ في المؤمن المعمَّد قوّة جديدة تغيرّه من داخل، وتغفر له خطاياه (2: 38؛ 3: 19؛ 5: 31؛ 10: 43)، وتمنحه الروح القدس (2: 38؛ 5: 32)، والخلاص الكامل (4: 12). تلك النعمة لم تعُد محصورة بالمؤمنين من اليهود فقط، بل تعمّمت على جميع الأبعدين الوثنيّين كافة دون استثناء (2: 39).
ختاماً لعرضنا وتفصيلنا لخطب بطرس. الخمس في كتاب أعمال الرسل، واكتشاف تصميمها الواحد الثابت، ومضمونها اللاهوتي الغني، لن يسعنا التشديد بما فيه الكفاية على أهميّة تلك الخطب في البشارة المسيحية في أوّل نشأتها، وفي شكلها البسيط المختصر، لأن تعليم الرسل وخطبهم أصبحت تدريجياً إطاراً للإنجيل، ومادة لتصميمه العام، وخصوصاً في الأناجيل الإزائية، التي هي ينبوع كلّ إيماننا ولاهوتنا المسيحي:
يقول لوقا في أحد الملخّصات عن حياة الكنيسة الأولى في أورشليم (2: 42)، ان عنصراً أساسياً في تكوين الجماعة المسيحية الأولى كان مواظبة المؤمنين على تعليم الرسل وشهادتهم العيانية ليسوع القائم من الموت، وشرحهم لكتب العهد القديم، وإعلانهم لعظائم الله، من خلال حياة يسوع الشخصية منذ عماده حتى موته وقيامته.
وفي مقدّمة الإنجيل، يروي الإنجيلي لوقا بصيغة المتكلّم (1: 1- 4)، محدّداً مصادره ونهجه وغايته، متقيّداً بالتصميم الرسولي التقليدي، مراعياً الترتيب الزمني والجغرافي، مضيفاً فقط إنجيل الطفولة. والتصميم الرسولي للإنجيل هو كما يلي: بشارة المعمدان، عماد يسوع، بشارة يسوع في الجليل، بشارة يسوع في أورشليم، صلب يسوع والامه وموته وقيامته وظهوراته وإرساله التلاميذ للبشارة. وقد حافظ على هذا التصميم كلّ من متّى ومرقس ولوقا.
فأجمل ما يقال في تلك الخطب الرسولية الخمس: انها خلاصة الإنجيل! 

ملاحظة:
أمّا البعد الراعوي لخطب القديس بطرس فواضح لا يُخفى على أحد: انها مثال لخطب الكاهن في مختلف الإحتفالات الطقسية، مهما طالت أو قصرت:
1- على الكاهن أولاً أن يبدأ خطبته بمقدّمة، من واقع السامعين لينطلق في خطبته (هي المفتاح).
2- على الكاهن أن يصمّم خطبته في نقطتين أو ثلاث على الأكثر، وأن تكون النقطة الأولى مركّزة على سرّ المسيح، بحسب المناسبة، والنقطة الثانية مستلهمة من الواقع التاريخي الماضي أو الحاضر أو المستقبل (فيها قراءة علامات الأزمنة) لتسليط الأضواء على النقطة الأولى.
3- على الكاهن أخيراً أن يخلص إلى التطبيق العلمي والتحريض والتشجيع لمزيد من الإيمان والإلتزام.
الفصل السادس والعشرون
خطب بولس في كتاب أعمال الرسل
الأب جورج خوام البولسي

إستهلال
ثمّة شبه كبير بين الأناجيل وسفر الأعمال. فالأولى تتألّف من أقواله وأفعال جاء بها يسوع في أثناء حياته؛ وينطوي سفر الأعمال كذلك على خطب وأعمال حفلت بها حياة بعض الرسل غداة قيامة السيّد. وتبرز الأحداث الإنجيلية في حركة تصاعديّة تنطلق من رقعة ضيّقة إلى دائرة أكثر اتساعاً، سواء على المستوى الجغرافي أو الدرامي؛ وهذا ما يمكن القارىء في كتاب الأعمال أن يلحظه دونما إبطاء، كلّما أوغل في تقصيّ أخبار الجماعة الرسولية. في الأناجيل يعظم عدد المؤيّدين لدعوة يسوع بشكل موازٍ لتعاقب الأحداث المرويّة؛ وفي كتاب الأعمال يستوقف القارىء تنامي عدد المسيحيّين بشكل موازٍ أيضاً لتقدّم البشارة الإنجيلية. علاوة على نقاط الشبه هذه، هناك أخرى عديدة تقارب بين وجهتي نظر كلّ من مؤلّفي الأناجيل والأعمال.
يترتّب على مثل هذا التشابه في البنية بين كلّ من الأناجيل وسفر أعمال الرسل أمران اثنان: أولهما منوط بالمادّة المنتقاة، وثانيهما مرتبط بالقارىء. أمّا في ما يتعلّق بالأمر الأول فإنه لبديهي أن يفرد الكاتب عدداً من الأحداث التي انطوت عليها سيرة الأشخاص لكي يضمّنها كتابه، دون أن يدّعي لحظة واحدة استنفاذه كلّ أحداث تلك السيرة. فما يرد في يو 21: 25 (أنظر أيضاً 20: 30) غاية في البيان بالنسبة إلى هذه الناحية. وهذا الإفراد لبعض الأحداث إنما يعني أهميّتها بالنسبة إلى الكاتب في تأليفه كتابه. وأما في ما يختصّ بالأمر الثاني فإنه يبين لإدراك عندما يتنبّه قارىء الأناجيل أو الأعمال إلى أنّ الرواية التي يطالعها ترتكز إلى واقع قائم على أساس أحداث جرت في الماضي، وإلى أن كاتبها، بالتالي، يسعى بل يهدف إلى شرح هذا الواقع القائم بناء على معطيات دخلت عجلة التاريخ. فما يورده الكاتب، إذا، في كتابه ذو دور تدليلّي يعكس رؤيته التفسيرية للواقع المستحكم والمستشري في طبقات اجتماعية مختلفة.
فأهميّة المنقول والدور الذي يخوّله إيّاه الكاتب هما، إذاً، قياسان ثابتان يمكن الاعتماد عليهما في شرح ما يبدو شبيهاً بين الأناجيل والأعمال على مستوى البنية الروائية. بل يصلحان أيضاً لشرح نقاط الاختلاف على المستوى المذكور عينه. فإذ تركّز الأناجيل، مثلا، اهتمامها على إبراز الناحية المجّانية في عمل يسوع الرسولي، تورد عدم فهم الرسل معنى أقوال يسوع وإنكار بطرس وهروب التلاميذ في بستان الزيتون؛ فيما نرى كتاب الأعمال وهو يقدّم لنا، بطريقة مخالفة، شجاعة الرسل في إعلان الكلمة ورباطة جأشهم في المحافل اليهودية، إذ هو مهتمّ بالتركيز على إيمان الجماعة الرسولية الأولى الوطيد والراسخ في شخص المسيح. لا هذا فقط، بل إنّ لهذين الاعتبارين -أهمية المنقول ودوره- فضلاً في تبيان ما تماثل في ما بين الأناجيل ذاتها من روايات أو ما اختلف فيها من مقاطع.
إنطلاقاً من قاعدة راسخة كهذه، شئنا للموضوع الذي عُهد به إلينا من أجل معالجته -"خطب بولس في كتاب الأعمال"- تصميماً مبنيّاً على نقطتين: ففي النقطة الأولى سوف نعالج أهميّة هذه الخطب في سفر أعمال الرسل؛ وفي النقطة الثانية نلتفت إلى تحليل دورها في السفر المذكور. لكن هذه الدراسة المقتضبة في نقطتين تغتني في ما تكشف عنه مقدّمة من ملاحظات جدّية حول خطب الرسول في كتاب الأعمال، ويتّسع أفقها بفضل خلاصة تقفل الكلام في الموضوع بنظرة استنتاجيّة رعويّة المنظار.

مقدّمة
لا بدّ لنا، بادىء ذي بدء، من أن نلحظ احتواء سفر الأعمال على 27 خطاباً فقط، مقابل 101 معجزة يوردها في تضاعيف فصوله الثمانية والعشرين. ولعلّ هذا البون الشاسع بين العمل الخارق والقول المبين هو السبب في إضفاء عنوان للسفر خلال القرن الثاني، إذ إنّ تسمية "سفر الأعمال" غائبة عن النصّ الأصليّ للكتاب. فالأعمال التي يشير إليها عنوان السفر إنّما ينبغي عليها، بالتالي، أن تدلّ على "أعمال الرسل الخارقة"، أولاً، أي على المعجزات التي جرت علىء أيديهم في بدء تاريخ الكنيسة، قبل أن تعني في مدلولها الشاسع المبادرات العديدة والمختلفة التي قاموا بها فرادى أو على نحو جماعي. فمن وجهة النظر هذه تحتلّ، إذاً، الخطب منزلة ثانية في عينَي كاتب السفر.
يبدو مثل هذا الجزم لا يقبل منازعة؛ فهو يستند إلى ملاحظة ثابتة المعالم، وهو أيضاً موضوعيّ إذ يتّفق اتفاقاً ورؤية الكاتب الذي شاء لكتابه هذه البنية الانتقائية التي يفوق فيها عدد المعجزات على عدد الخطب. فلا دحض يمكنه أن يقتنص التفسير الذي أضفيناه على هذا العنوان. فمن الوجهة الشكلية لإنشاء الكتاب، تحتلّ الخطب فيه مرتبة ثانية إزاء أعمال المعجزات.
بيد أنّ إعمال العقل في خطّة الكاتب التي عمل بموجبها لتدوين كتابه قد يقلب الاعتبارات رأساً على عقب؛ إذ لا يعقل، من الوجهة الواقعية، أن ينطلق الرسل إلى أعمال تبشيرية وعملهم يغلب على قولهم. فالتقاء الناس في مدنهم وقراهم وإعلان الكلمة ومقارنة الحجج بالحجج وتفسير ما قد يغمض من معانٍ أو ما قد يفوت المبشّر من تفاصيل، تدلّ على قسط أوفر للكلمة منه للعمل، وعلى تفوّق الخطبة إزاء المعجزة. فإن نحن فكرنا في رحلات بولس التبشيرية فقط لوجدنا أن لوقا، كاتب سفر الأعمال، قد اكتفى بذكر خطاب واحد فقط لبولس من مجمل خطبه التي خطب بها الرسول في أثناء رحلته الأولى (أع 13: 17- 41)، وأهمل إيراد باقي الخطب بالرغم من إشارته إلى حدوثها (13: 5، 7، 43، 44، 49؛ 14: 1، 3، 21 إلخ). فلو أخذنا في الحسبان عدد ما فاه به الرسول من خطب، مما يُلمح إليه مجرّد إلماح كاتب سفر الأعمال، وأضفنا عليه ما يمكن أن يستشفّه الفارىء الفاحص من خطب أخرى، ممّا يمكن تحليلاً دقيقا للنصوص أن يفضي إلى التسليم به أو ترجيح تخيّله، لتضاعف ولا شكّ عدد الخطب في سفر الأعمال. وإن نحن سعينا المسعى عينه بالنسبة إلى بطرس خصوصاً، وإلى سائر الرسل الذين يورد عنهم لوقا بعض خطب عموماً، لربا عدد الخطب على عدد المعجزات في طيّات الكتاب.
فللكاتب، إذاً، قصد في إعلاء شأن "الأعمال" على "الأقوال"، يمكن استجلاؤه سواء على الصعيد اللاهوتي أم الكنسيّ. إنّ الكاتب يريد، من جهة، إبراز "عمل" الروح الذي وعد به يسوع رسله الأخصّاء (1: 8) إبرازاً جليّاً للعيون من خلال جريان أعمال معجزة، أي أحداث تدلّ على حضور "عمل" الله في تاريخ البشرية؛ وهو يهدف، من جهة ثانية، إلى إجلاء هويّة الجماعة المسيحية الحقّة من خلال التشديد على الجانب "العملي" والتطبيقي، أي الحياتي المعاش في التزام حسيّ. ويلاحظ في هذا القصد الذي لدى كاتب سفر الأعمال وجه تفسيريّ للواقع الذي عاصره من حياة المسيحية غداة انطلاقتها، ووجه تحريضيّ للمؤمن الذي سوف يطالع صفحات السفر إذ يهُيب به الكاتب إلى التزام جانب "العمل" في حياته المسيحية الخاصة. بيد أن هذا القصد ما كان ليقوم له قائم لولا فرز في أحداث التاريخ بين "أعمال" خارقات و"خطب" بيّنات.
وبناء عليه، ينبغي إذاً إدخال توضيح دقيق على عنوان السفر بغية فهم مضمونه فهماً صائباً. فهناك مستوى أوّل ومباشر يُنظر منه إلى عنوان الكتاب، ومن خلاله إلى مضمونه، هو مستوى "القصد" الذي للكاتب من تدوينه الكتاب. وعلى هذا المستوى، يكتسب "أعمال الرسل" معنى الأحداث الخارقة التي تمّت على أيدي الرسل، دون الخطب التي تبدو في مرتبة ثانوية. وهناك مستوى ثانٍ، منطقيّ وكثر مطابقة للواقع التاريخي، هو مستوى "الحدث" الذي غرف منه الكاتب موادّ مؤلّفه. وعلى هذا المستوى، تمسي "أعمال الرسل" تعبيراً يكنّى به عن حياة الرسل بشطريها، العملي والكرازيّ، دون تمييز أو تفريق بين أفعال أتوا بها معجزات خارقة وخطب تلفّظت بها شفاههم آيات شاهدة، وإن فاقت الأولى منها الثانية عدداً.
هذا ما كان ينبغي إيضاحه بالنسبة إلى الخطب في كتاب أعمال الرسل وتجاورها والمعجزات الواردة فيه. فما من شأن خطب بولس الرسول ضمن هذه المجموعة من الخطب؟ يورد لوقا عشر خطب بولسيّة بين السبع والعشرين خطبة التي ينقلها إلينا في مجلّده الثاني. وهذا العدد يجعل من بولس الرسول الخطيب والمتفوّه الأول بين سائر الخطباء من الرسل الأوّلين، إذ تحتلّ أحاديثه ثلث مجموعة الأحاديث تقريباً، متجاوزاً بذلك عدد الخطب المنسوبة إلى زعيم الرسل وهامتهم، بطرس. وقد وزّع لوقا في كتاب الأعمال خطب بولس العشر هذه لا حسب اعتبارات تاريخية، وإنما في منظار انتقائي ترسم له إطاره صنعة المؤلّف وحاجته الإنشائية. فقد أورد الكاتب خطبة واحدة في كلّ رحلة من رحلات بولس التبشيرية الثلاث (13: 17- 41؛ 17: 22- 31؛ 20: 18- 35)، وأفرد الخطب السبع المتبقّية إلى رحلة الأسر الأخيرة (22: 1- 21؛ 23: 1- 9؛ 24: 10- 21؛ 25: 8- 11؛ 26: 2- 29؛ 27: 21- 26؛ 28: 25- 28). ولا يخفى عن القارىء ما لمثل هذا التوزيع من مأرب تعليميّ أو صبغة اصطناعية: فالكاتب يريد أن يدلّل بذلك، لا شكّ، على مضاعفة الرسول مهمّته التبشرية وانطلاقته التعليمية إبّان أسره دون أن تتمكّن القيود من حدّ رسالته أو من حمله على التقاعس في أداء دعوته. لقد كان له الروح عوناً في الفترة التي كان فيها طليقاً، عندما كان يعظ ويبشّر بالكلمة متجوّلاً من منطقة إلى منطقة بين الأمصار المختلفة والأرجاء النائية. ولكنّ أزر الروح وعضده قد تضاعفا في نفس الرسول عندما أصبح أسيراً مكبّلاً ومقيّداً مسوقاً، إذ قويت فيه غيرته الرسولية وانفكّت عقال توجّسه خوفاً من الحالة التي صار إليها.
إنّ صنعة الكاتب الإنشائية قد سخرت لها أحداث التاريخ بغية البلوغ إلى مأرب. فانتقصت من الخطب حيث وَفُر عددها، وأفاضت منها سردا حيث ضألت. لذلك، تبرز الخطب في زيّ مصطنع. أوَ يُمكن، في الحقيقة، التسليم باعتماد بولس الرسول على خطب ثلاث في غزوه القسم الشرقيّ برمّته للإمبراطورية الرومانيّة؟ أوَ يُعقل أن يتمّ تأسيس كنائس في كل مدينة من مدن آسية الصغرى وأخائية ومقدونيا والوسيلة إلى ذلك خطب ثلاث؟ وكيف يمكن شرح انتصاب مناوئين عديدين لبولس في كلّ مدينة ومنطقة سار إليها في ظلّ وضع مثيل؟ إن نسبة خطب بولس غير المنقولة إلينا لأكبر، حسب اعتقادنا، من تلك التي نُقلت. وخير دليل على هذا التأكيد اكتفاء لوقا بذكر أسماء المدن التي بشّر فيها بولس، دون إيراد مضمون كرازته. لكن ثمّة أيضاً مؤشّراً آخر غير أسماء المدن المذكورة في السفر، يدلّ على نسبة أعظم لعدد الخطب البولسيّة غير المنقولة هو ما يذكره الكاتب بخصوص الوالي فيلكس، ألا أنه كان يستدعي بولس مراراً ليستمع إليه (24: 24- 26)، وبخصوص إقامة بولس أسيراً في مدينة رومة، التي أمضى فيها "سنتين كاملتين... مبشّراً بملكوت الله..." (28: 30- 31). ففي هذين الموضعين يظهر جلياً أيضاً كم يربو عدد الخطب البولسيّة غير المنقولة في سفر الأعمال.
لقد اكتفى لوقا في كتابه المذكور بإيراد غيض من فيض من الخطوب البولسيّة. وإذا كانت نسبة ما أورده لنا منها عظمى في ما بين مجموعة الخطب، فإنّنا لا نرى حرجاً في الجزم بأنّ ما بقي منها مطويّاً في الذاكرة ومكتوماً على العباد ليفوق بكثير عدد المعجزات في السفر. أليس هو الروح القدس من قال، في بدء انصراف الكاتب لوقا إلى الحديث عن رسالة بولس: "إفرزوا لي شاول وبرنابا للعمل الذي ندبتهما إليه"؟ (أع 13: 2). وما تكون طبيعة ذاك العمل الذي اختصّ به الروح بولس ورفيقه؟ إنّه عمل التبشير، عمل إيصال الكلمة إلى شعوب الله.
لذلك، فإذ يولي بحثنا هنا اهتمامه دراسة خطب بولس في سفر الأعمال لا يغيب عن منظوره الواقع التالي: إن خطب بولس في كتاب أعمال الرسل نموذج مصغّر، بل كناية عن مقتطفات، قد ضمّنها لوقا مجلّده الثاني. وإذ هذه هي طبيعتها فإن الدراسة سوف تكبّ على نبش أهمية هذه المجموعة من الخطب بالنسبة إلى كتاب الأعمال؛ كما ستلحظ الدور الذي تمثّله في سياق الأحداث المسرودة في الكتاب نفسه. ذلك أنّ لوقا، في معتقدنا، كاتب لا مدوّن للأخبار. وهو ككاتب يسرد ما يهمّ القارىء أن يعرفه، ويعرض على ناظريه ما له دور في تبليغ رسالة كتابه. ويمكنه أيضاً، ككاتب، أن يدع جانباً عدداً وافراً من المواد التي لا تخدم غايته من إنشائه؛ وهذا عينه ما فعله الإنجيليّ لوقا.

1- أهميّة الخطب البولسية
تبرز أهميّة الخطب البولسيّة للقارىء على مستويات أربعة: فهو يجد منها، أوّلاً، أخباراً ومعلومات تفيده للغاية في معرفة تاريخ بعض الأحداث، قديمها الموغل في القدم وحديثها؛ أو، أقلّه، تضيء لديه العديد من مراحل التاريخ الخلاصّي. كما يمكنه، ثانياً، أن يقف من خلالها على المستوى البلاغيّ الذي كان يجيد بولس استعماله في خطبه؛ وذلك من خلال تحليل أدبيّ لنصوص هذه الخطب. كذلك، ففي وسع قارىء المواعظ البولسيّة التي يوردها لوقا في كتاب الأعمال أن يدرك، ثالثاً، أهميّتها على الصعيد اللاهوتي إذ تحتوي على أبرز النقاط الجوهرية للاهوت البولسي. وهو قادر، رابعاً وأخيراً، أن يلتقط من هذه الخطب شهادات حياة غاية في الأهمية بالنسبة إلى معرفة شخص الرسول، لما تتضمّنه في العديد من المواضع من إبلاغ وإفصاح مباشر عن حياة الرسول الخاصّة.
1- 1 المستوى التاريخيّ
يتردّد في العديد من خطب بولس إيضاحات ذات فائدة بالنسبة إلى التاريخ، منها ما يمكن الاعتماد عليه اعتماداً كبيراً لأجل معرفة وقوع بعض الأحداث وتحديد زمانها، ومنها ما يلتفّه الغموض لأسباب مختلفة. 
فمن الأمثلة على غموض بعض الإيضاحات التاريخية التي تظهر في خطب بولس، والتي تكتسى بالرغم من ذلك أهميّة كبرى، ما يجزم به الرسول في 13: 20، مختصّاً بتحديد أربع مئة وخمسين سنة زماناً من تاريخ شعب إسرائيل. فقد حار النقلة في شأن ربط هذا التحديد بالحدث التاريخي الذي يكمن في ذهن بولس. وقد تجلّت حيرتهم في تعثّر النصّ الذي يحمل طيّه هذه العبارة في مختلف المخطوطات التي بلغت إلينا: فمنها ما يربط هذه المدّة بحدث إقامة الشعب في مصر في أثناء العبودية ويرى أنها تمتدّ، بالتالي، حتى عودته إلى أرض كنعان وفق الحساب التالي: (400 سنة في مصر "راجع 7: 6"؛ 40 سنة في صحراء سيناء؛ 10 سنوات في صراع مع سكان أرض كنعان قبل الاستيلاء عليها). لكنّ معنى النصّ الذي تعتمده أفضل المخطوطات اعتباراً (المخطوطة الفاتيكانيّة، والإسكندريّة، واللاتينيّة القديمة، والشعبيّة) يغدو إذّاك مؤكّداً على استمرار اعتبار أرض كنعان ميراثاً للشعب اليهودي طوال فترة العبودية في مصر.
بيد أنّ عدداً آخر من المخطوطات يربط مدّة الأربع مئة وخمسين سنة بحقبة القضاة الذين تولّوا إدارة شؤون الشعب في إسرائيل. فحسب. النصّ العبري لسفر القضاة، امتدّت فترة اضطلاع هؤلاء بمسؤولية الشعب أربع مئة وخمسين سنة. وقد بنى نقلة هذه الفئة من المخطوطات اعتبارهم على معطيات النصّ المباشرة، التي تتحدّث عن غربة الشعب في أرض مصر، وعن ترحاله مدّة أربعين سنة في البرّية. فاستثنوا هذين الحدثين من مدلولات التحديد الزمني، ورأوا أنه يدل على النقيض من ذلك على حدث إعطاء الله الشعب قضاة. ولكيما يستقيم اعتبارهم هذا، كان لا بدّ من إدخال تعديل على تركيب الجملة، فنقلوا عبارة "ثم، بعد ذلك" إلى ما قبل عبارة التحديد الزمني.
ومن الأمثلة الأخرى على غموض بعض الإيضاحات التاريخية التي تنطوي عليها خطب بولس تأكيده في 24: 17. ففي هذا الموضع، يلتبس التباسا معنى جزم الرسول بارتياده المدينة المقدّسة، بعد سنين كثيرة، لغرض القيام بصدقات لأمّته. فثمّة التباس أول حول تحديد الحدث الذي يقيس عليه بولس تأكيده أنّ سنين كثيرة قد انصرمت منذ وقوعه حتى قدومه الحديث العهد إلى المدينة المقدّسة، لصنع صدقات: هل هو حدث اهتدائه (أنظر غل 1: 18)؟ أم هو، يا ترى، حدث قدومه إلى المدينة مع برنابا حاملاً إلى الجماعة المسيحية فيها صدقات من مسيحيّ أنطاكية (راجع أع 11: 30)؟ وهناك أيضاً التباس ثانٍ في جملة بولس المذكورة أعلاه، يلفّ مدلول كلمة "أمّتي": فهل هذه تعني الجماعة المسيحية في أورشليم، باستثناء اليهودي؟ أم هي تتضمّن أيضاً الجماعة اليهودية؟
لا شكّ أنّ حضور بولس إلى مدينة أورشليم لأجل صنع صدقات، كما هو مذكور في الآية 24: 17، لا يكتنفه التباس. فهو الذي تمّ في آخر الرحلة الرسولية الثالثة. لكننا لا نعرف من كتاب الأعمال عن هذا الهدف من زيارة الرسول لمدينة أورشليم، في ختام رحلته الرسولية الثالثة. وجلّ ثقتنا وتيقّننا بمطابقة تأكيد بولس في الآية المذكورة أعلاه للواقع التاريخي مقتبس من الرسالة الأولى إلى أهل كورنثس (16: 1- 4)، والثانية إليهم أنفسهم (8- 9)، ومن تأكيد في الرسالة إلى الرومانيين (15: 25- 26). 
بيد أنّ في خطب الرسول معلومات تاريخية أخرى ذات فائدة كبرى، نظراً إلى ما تسديه من خدمة إلى البحث في سبيل إثبات بعض الحوادث زمنيّاً. ففي خطاب الوداع الذي يلقيه الرسول أمام شيوخ مدينة أفسس، بينما كان يقفل راجعاً إلى أورشليم بعد إذ أنهى جولته الرسولية الثالثة، يؤكّد هو نفسه إقامة سابقة له في مدينتهم مدّة ثلاث سنوات (أع 20: 30). إنه لغنيّ عن البيان جعل هذه الإقامة في إبّان رحلته الرسولية الثالثة (ف 13؛ أنظر خصوصاً 13: 8، 10، 22 ب). وبما أنّ بولس قد وقع في الأسر منذ نزوله أورشليم (أنظر 24: 11)، فإنّ إنشاء الرسائل إلى أهل غلاطية وفيليبّي وكورنثس (الثانية أيضاً؟) قد تمّ في أغلب الظنّ خلال هذه الإقامة الممتدّة ردحاً من الزمن في مدينة أفسس.
بل يمكن البحث المضيّ أبعد من ذلك في الإفادة من هذه المدّة. إن الآية 24: 27 تعلمنا أنه قد "انقضت سنتان عندما خلف فيلكس بركيوس فستس". وقد تسلّم هذا الأخير تقاليد الولاية على اليهودية في العام 60 م. فبولس، إذاً، قد أسر في فترة ما من بحر السنة 58؛ وهي السنة التي أتمّ فيها رحلته الرسولية الثالثة. فإذا ما أقمنا اعتباراً لتجوال بولس بين مقدونية وأخائية في بلاد اليونان خلال الأشهر الأولى من تلك السنة عينها، أو ربّما على الأرجح خلال الأشهر الأخيرة من السنة السابقة 57، أمكننا بالتالي الرجوع مع قسط كبير من اليقين إلى السنة 54 والإعتماد عليها للتأكّيد على وجود بولس في أفسس في تلك السنة، وطيلة المدة الفاصلة بينها وبين أواخر سنة 57 أو مطلع سنة 58. وفي الواقع، ثمّة شبه وإجماع بين علماء الكتاب المقدّس المختصّين في كتابات الرسول حول تاريخ تدوين الرسالة إلى الغلاطيين وإلى أهل فيليبّي والأولى إلى الكورنثيين ومكانها: فقد تمّ ذلك في أفسس، بين سنة 54 و 57.
ومن المعلومات التاريخية الأخرى ذات الفائدة التي نقع لها على أثر في خطب بولس مدّة حكم شاول، أول ملك على إسرائيل (13: 21). فالنصّ العبري (راجع 1 صم 13: 1)، منحاز، بلا شكّ، في تثبيته مدّة حكم شاول، إذ يقول عنه إنه ملك ابن سنة، ودام حكمه سنتين، في لهجة ساخرة. وربما سبب هذا التهكّم سيرة شاول نفسه ونهايته المفجعة والمُذِلّة في آنٍ معاً.. أمّا السبعينيّة فقد أعرض المترجمون فيها عن نقل مضمون الآية . إلى اللغة اليونانية، وآثروا إسقاطها إطلاقاً من متن النصّ. لذلك، فنحن نعرف مدّة حكم شاول بناء على خطبة بولس فقط، التي لهج بها في أنطاكية بيسيلية. لقد استمرّ حكم هذا الملك أربعين سنة. ونجد تأكيداً لذلك عند يوسيفوس المؤرخّ في أحد الموضعين اللذين يتحدّث فيهما عن شاول الملك، في مؤلّفه الشهير Antiquités. لكنّ يوسيفوس يذكر في الموضع الثاني، بطريقة متناقضة، أنّ شاول حكم اثنتين وعشرين سنة!
1- 2 المستوى الأدبي
للخطب البولسية أهميتها أيضاً على المستوى الأدبيّ، ومن شأن كلّ باحث في هذا المضمار ألا يغيب عن بحثه دراسة هذه الناحية؛ لأنها تكشف النقاب عن جانب مهمّ من شخصية رجل عرف أن يصبح بأسلوبه "رسول الأمم". 
يتمتع بولس بإجادته استعمال فنّ الخطابة. فهو يتقن أساليبه المدرسيّة ويبرع في استقطاب اهتمام سامعيه إلى مناقشته؛ بل يتميّز تميّزاً بين خطباء سفر الأعمال بالاستحواذ على عقول الجموع المحتشدة لسماعه. إنه يعرف، مثلاً، كيف يستأثر بتعاطف المستعمين إليه من خلال الإهابة بهم بألفاظٍ يؤثرونها وبأسماء يشغفون بسماعها: فاليهود "إخوة" له (13: 26؛ 23: 1؛ 28: 17 ب)، وهم "إخوة وآباء" (22: 1)، و"بنو ذريّة إبراهيم" (13: 26). والأثنائيّون "في كل شيء أكثر الناس عبادة" (17: 2)، وفيلكس الوالي "قاضٍ لهذه الأمّة من سنين كثيرة" (24: 10 آ). وبخصوص هذا الأخير، يمكننا أن نلفت الانتباه إلى براعة بولس الخطابية إذ يضيف: "فلذلك أدافع في ثقة عن نفسي" (24: 10 ب). أما مقدمة بولس في دفاعه عن نفسه أمام الملك أغريبا فآية في تملّكه من فنّ الخطابة: "إنيّ أحسب نفسي سعيداً، أيها الملك أغريبا، لأني أحتجّ اليوم أمامك عن كلّ ما يشكوني به اليهود؛ ولا سيّما وأنت خبير بجميع ما لليهود من عادات ومماحكات. فأرجو منك إذن أن تصغي إليّ بطول الأناة" (26: 2- 3).
ففي جميع هذه الأمثلة يبرهن بولس عن تمالك للنفس أمام الحشود التي تستمع إليه. ويدرك تمام الإدراك كم ينبغي عليه من تركيزٍ لقوى العقل وتسخير لطاقات الكلمة وتوظيفٍ لسرعة البديهة حتى ينال بحديثه مبتغاه من كلامه ويجتاز بخطابه إلى أفئدة سامعيه.
علاوة على هذه القاعدة البلاغيّة، يمتاز أسلوب بولس الخطابيّ بقاعدة أخرى لا تنقص عنها أثراً في نفس السامعين إليه. إنها قاعدة إشراك المستمع بقضية المتفوّه من خلال رواية الوقائع التاريخية. ذلك أن سرد حوادث واقعية جرت في الماضي السحيق أو القريب ذات أثر ووقع هامّ في نفس المستمع، لأنها تحمله على مقاسمة المتفوّه موضوعه وتشركه في قضيّته التي يتعرّض لها فتدخله في عالمه، خصوصاً عندما يكون المستمع على اطّلاع على الأحداث التي يسوقها الخطيب. وفي حال جهل المستمع للوقائع التاريخية، لا يني أثر سرد هذه على مسمعه قائماً؛ إذ يجنّد لها طاقات عقله وقوى مداركه حتى يرى فيها الأهمية التي يراها الخطيب فيها، ما دام يلجاً إليها في حديثه.
وبولس، في خطبه التي ينقلها إلينا كاتب سفر الأعمال، يوظّف لنفسه هذه القاعدة البلاغية. ففي خطابه الذي ألقاه في مجمع أنطاكية بيسيذية يستعيد الرسول تاريخ الشعب اليهوديّ بمراحله المختلفة كلّها، منذ اختيار الآباء فالغربة في أرض مصر، ثم عبور صحراء سيناء ودخول أرض كنعان، حتى مجيء "مخلّص هو يسوع"، دون الإعراض عن ذكر القضاة وصموئيل النبيّ وشاول بين قيس، أول ملك على شعب إسرائيل، وداود بن يسّى الذي مدّه الله بالأزر والرضى (13: 17- 25)، ويوحنا الذي سبق مجيئه مجيء المخلّص.
وهو يطبّق أيضاً هذه القاعدة عينها عندما ينتصب أمام الأثنائيين في الآريوباغس خطيباً (17: 23). إلاّ أنّ المادة التي يتعرّض لها في سرده مقتضبة جداً هنا. ويعدّ هذا الاقتضاب وهناً في بلاغة الخطيب، حسب القواعد الكلامية. لكن بولس أرفع بلاغة من السقوط في خطاً مشابه، كما يمكن البرهان من مواضع خطابية أخرى. ولا بدّ من سبب يفسّر هذا النقص البلاغي في خطاب بولس أمام الأثنائيين. لذلك، ربّما يمكن نسب هذه الفجوة في خطاب بولس إلى حالته النفسية المضطربة، بعد إذ دعته نخبة من أئمّة العلم وفلسفة الكلام في المدينة إلى الحديث أمامهم عن موضوع كرازته. فأوجز في المقدّمة عن تسّرع وارتباك، وانهمك في إعداد أحاجيجه سعياً منه في إقناع الحضور كما يظهر ذلك جلّياً في الشطر الثاني من الآية 17: 23.
ونرى بولس يلجاً إلى الرواية أيضاً في خطابه الوداعيّ أمام كهنة الكنيسة في أفسس، المدعوّين. أساقفة (20: 18 ب- 22). وأجدر ما يجب الإشارة إليه في هذا المكان استعمال بولس القاعدة البلاغيّة في خطاب وداعيّ، لا يشكّل الإقناع فيه هدفاً. وفي ذلك دليل على الناحية الثقافية المستحكمة في شخصيّة الرسول، إذ هو يبني حديثه على قواعد كلامية بات الركون إليها أمراً طبيعياً، بل عفويّاً.
إنه من الممكن لنا التحقق من استعمال بولس لهذه القاعدة الكلامية في خطب أخرى. ففي دفاعه الأول عن نفسه أمام الشعب الثائر، بعد إيقافه في هيكل أورشليم، يتمكّن بولس من التقاط انفاس مناوئيه المستشيطين عليه غيظاً وحنقاً طوال فترة كلامه، بفضل ركونه إلى قاعدة الرواية (22: 1- 21). ويحصل هو أيضاً على النتيجة نفسها في دفاعه الثاني عن نفسه أمام الملك أغريبا، دون أن يدع الملل يتسّرب إلى نفس مستمعه (26: 9- 23). ويبدو عليه أنه كان على وشك الشروع بسرد روائي أيضاً في الخطاب الذي انطلق فيه مدافعاً عن نفسه أمام أعضاء المحفل في أورشليم، لولا مقاطعة رئيس الكهنة له بأمره أن يُضرَب على فيه (23: 1). وفي مناسبة المرافعة القضائية أمام الوالي فيلكس، يستعمل بولس هذه القاعدة الذهبية ذات الأثر السحري على المستمعين (24: 11-13). ولا يغفل عن الركون إليها أيضاً في مخاطبته رفاقه في المحنة، عندما كان متّجهاً أسيراً في البحر شطر رومة (27: 23- 24). كما نراه، أخيراً، يعتمد على سّر فتنتها عندما يلتقي اليهود في رومة لأوّل مرة فيشرع بعرض قضيّته على مسامعهم (28: 17 ب-20 آ).
في خطب بولس نواح أخرى عديدة لها أهميّتها على المستوى الأدبيّ. وكلّ دراسة تحليلية للخطب غير خليقة بأن تغفل عن الكشف عنها. وإذ ليس هدف بحثنا هذا التعرّض إلى تحليل خطب بولس تفصيلاً، بل الوقوف على إبراز أهميّتها على مستويات مختلفة فإننا نكتفي بما قدّمناه آنفاً على هذا الصعيد، معتبرين إيّاه كفيلاً بتأدية المرام.
1- 3 المستوى اللاهوتي
تأتي أهميّة دراسة الخطب البولسية في سفر الأعمال من كونها كتاباً مفتوحاً، يمكن الباحث أن يطالع فيه فكر الرسول اللاهوتي. هذا، أولاً، في مضمار الغوص بحثاً وتدقيقاً في الدراسات البولسيّة. لكن ثمّة جانباً آخر لأهميّة الدراسة من زاويتها اللاهوتية، ينجلي لنا في انطواء الخطب على فحوى الكرازة الرسولية القديمة العهد، التي استُعمِلت قالباً لنقل الديانة المسيحيّة الفتيّة إلى العالم الهلّينيّ- الرومانّي الوثنيّ. فعلى هذا المستوى من دراسة الخطب خصوصاً، تبرز لنا أهميّة هذه المقاطع في كتاب أعمال الرسل.
أوّل الأبعاد اللاهوتية التي تبرز بجلاء في خطب الرسول العظيم عقيدة الإيمان إيماناً راسخاً بقيامة الربّ يسوع من بين الأموات. فهذه النقطة هي صدىً، أولاً، لفحوى خطب بطرسٍ (أنظر 2: 22- 24؛ 3: 15؛ 4: 10؛ 5: 30 إلخ)؛ وهي تحتلّ، ثانيا، مركزا مرموقاً في خطاب بولس الأول حسب الترتيب الذي ينسّق وفقه لوقا خطب معلّمه بولس (13: 17- 41)؛ وهي ثالثاً حاضرة في باقي الخطب إمّا حضوراً جليّاً (17: 31؛ 26: 23)، أو منوّهاً به (20: 21) "بربّنا يسوع"، 28 "كنيسة الله التي اقتناها بدمه الخاص".
وما يستحقّ حقاً الملاحظة في حديث بولس عن موضوع قيامة يسوع، واجتهاده في نقل هذه القناعة إلى المستمعين إليه، اعتماده موضوع رجاء الشعب اليهوديّ حلقة وصل. فهو يتكلّم، في الخطاب الأوّل الذي ذكرناه أعلاه، على تحقيق "الوعد الذي صار لآبائنا" (13: 32)، في قيامة يسوع من بين الأموات. فهذا الوعد الذي قطعه الله للآباء قد أصبح، إذاً، في نظر بولس، واقعاً حاصلاً بقيامة يسوع، واقعاً طالما رجاه الشعب بالإيمان. وحلقة الربط هذه بين رجاء الشعب اليهوديّ وتحقيق هذا الرجاء عينه بقيامة الربّ يسوع من بين الأموات نتيجة معادلة طرفاها رجاء الشعب اليهودي والإيمان بالقيامة:
قيامة يسوع= جاء الشعب اليهودي + الإيمان بالقيامة.
بناء على ذلك يمكن الاعتقاد بأن لجوء بولس في أحاديثه إلى الكلام على موسى والأنبياء أو لجوءه إلى موضوع القيامة ما هو سوى وسيلة بلاغية، أو مرحلة كلامية، في سياق الاستدلال الذي يسوقه الرسول أمام مستعميه. وفي الحقيقة، لا يمكن تخيّل بولس يثير مسألة كتب اليهود القديمة في أحاديثه وقد عُرف عنه ما عرف من أنه رسولٌ للديانة الجديدة ومبشٌّر غيّور بدعواها. وإذَا ما يخوض فيها فلا لغرض تفسيرها ضمن منظار الإيمان اليهوديّ وهو قد أمسى مسيحياً، بل لغرض تفجير معانيها ضمن منظار الإيمان الجديد. كما لا يمكن الاعتماد بأن بولس يهدف إلى نشر الإيمان بالقيامة إذا ما أثار هذه المسألة في أحاديثه أمام اليهود، لأنه سيغدو إذّاك مبشراً بالفريسية لا بالمسيحية. وبالتالي، ففي كلّ مرة يثير فيها بولس في كلامه مسائل الكتب القديمة أو يتطرّق إلى موضوع القيامة، إنما يجب سماعه وكأنه يعدّ أحاجيجه لأجل إقامة البرهان على أن الإيمان بقيامة يسوع من بين الأموات أمر منطقي ومطابق لقصد الله.
وهكذا، فإنّ دفاع بولس عن نفسه أمام الوالي فيلكس يبيّن بشكل واضح، ولكن بعبارة فيها الكثير من الحنكة الحكيمة، إيمان بولس بقيامة يسوع، بالرغم من عدم ذكر اسمه (أنظر 24: 14- 15). فمجاورة بولس إيمانه "بكلّ ما هو مكتوب في الناموس وفي الأنبياء" بكلامه علىٍ القيامة التي "سوف تكون... للأبرار والأثمة" تتضمّن اعترافاً منه مستتراً بإيمانه بقيامة يسوع من بين الأموات. وإلا، فما معنى إقراره، في الآية 14 آ، بأنه يعبد إله آبائه "بحسب الطريقة التي ينعتونها بدعة"؟ ما هي طبيعة "هذه الطريقة" الخاصّة بالرسول بولس غير أنها ترتكز إلى الإيمان بقيامة يسوع من بين الأموات؟
وفق هذا الخطّ التفسيريّ، يجوز لنا بالتالي فهم كلمة بولس في مقابلته مع يهود رومة: "فإنّي من أجل رجاء إسرائيل أنا موثق بهذه السلسلة" (28: 20 ب)، كأنها تعني: "من أجل الإيمان بقيامة يسوع من بين الأموات...".
لا شكّ، من ناحية، أخرى، في وجود أبعاد لاهوتيّة إضافية في خطب بولس كبُعد ظهورات الربّ (13: 31؛ 22؛ 26؛ 27: 23- 24)، وقصد الله أو تدبير عنايته (13: 17- 41؛ 17: 24- 31) وغيرها. ولكن، في غير مقدورنا الخوض فيها كلّها هنا نظراً إلى ضيق حدود هذه الدراسة، من جهة، وإلى تجنيب عملنا كلّ ميل إلى الإدّعاء الأعجم، من جهة ثانية.
1- 4 المستوى الشخصيّ
تبرز أهمّية الخطب البولسيّة أيضاً على مستوى المعرفة التي يمكن القارىء، أو الباحث، الحصول والاعتماد عليها بالنسبة إلى أحداث شخصية تمتّ بصلة إلى حياة رسول الأمم. لا شكّ أن مثل هذه الأهمية تمسي فريدة بل جوهرية إذا ما أمكن إقامة الدليل على علاقة مباشرة بين نصّ الخطب وشخصية الرسول، دون تدخّل للكاتب لوقا في صياغة أو إثبات ما فيها من شهادات وتأكيدات. لكن ذلك يقتضي تحليلاً دقيقاً ومسهباً لا يخلو في معظم مراحله من الافتراضات أو النتائج المتلكّئة، علاوة على تجاوز مثل هذا العمل مجال بحثنا وهدفه. لذلك، فنحن نخوض في غمار مناقشتنا لمختلف المستويات التي تختصّ بخطب الرسول ومسلمتنا علاقة مباشرة بينه وبين النصّ.
إنّ الخطب التي تفيد في معرفة بعض جنبات من حياة الرسول أربع هي: الخطبة في ميليتس أمام كهنة الكنيسة (18:20-35)؛ ثمّ خطبة دفاع بولس الأوّل عن نفسه في أورشليم أمام الشعب الثائر (22: 1- 21)؛ فخطبة الدفاع الثالث عن النفس، في قيصريّة، أمام الوالي فيلكس (24: 10- 21)؛ وأخيراً، الخطاب الذي دافع به بولس عن نفسه، للمرّة الرابعة، في قيصريّة، أمام أغريبا الملك وبحضور فستس الذي خلف فيلكس الوالي (26: 2-29).
يخيّل للقارىء، لدى قراءته خطبة بولس في كهنة الكنيسة في ميليتس، الذين جاءوا إليه من أفسس بناء على دعوته لهم، أن الرسول يرجع بالذاكرة في حديثه إلى رحلتيه التبشيريّتين السابقتين اللتين قام بهما إلى "آسية"، وأنّ تأكيده خدمة "الربّ بكل تواضع، في الدموع وفي البلايا" (20: 19) يختصّ بكل ما خبره الرسول في أسفاره من محنٍ ونوايا. هذا المعنى المزعوم لحديث بولس ناجم عن فاتحة الكلام: "أنتم تعلمون كيف كانت سيرتي معكم كلّ الزمان، منذ أوّل يوم دخلت آسية" (20: 18). 
وفي الحقيقة، يجب ألا يغيب عن عيني القارىء أن المستعمين إلى خطاب بولس هم كهنة الكنيسة القائمة في أفسس حصراً، كما يتّضح ذلك من الآية 20: 17؛ وأنّ الرسول، من ناحية أخرى، يخاطبهم هم الحاضرين أمامه على امتداد كلامه وفي كلّ تفاصيله. وبالتالي، فإنّ تعبير "آسية" الذي يرد على لسان الرسول إنما يدلّ في أول معانيه على مدينة أفسس، من باب تسمية الجزء بالكلّ، ولاسيّما وإن أفسس مدينة المقاطعة المدعوّة "آسية". فلا يصحّ، نتيجة لهذا المعنى، تخيّل الرسول ينوّه إلى رحلتَيه الرسوليّتين الأولى والثانية وكأنّ كلمة "آسية" تشير على فم الرسول في خطابه إلى مقاطعات آسية الصغرى (فريجية، بمفيلية... إلخ).
إلاّ أنّ ثمّة في تضاعيف الخطاب ما قد يضفي على كلمة "آسية" مدلولاً جغرافياً يتعدّى حدود مدينة "أفسس". ففي الآية 20: 25، قد يُظنّ أنّ بعض الحاضرين الوافدين على بولس للاستماع إليه لا يقيم في أفسس، ولا عرف البشارة الرسوليّة في هذه المدينة. ويُستدلّ على هذا المعنى الواسع لكلمة "آسية" من مدلول العبارة "... مررت في ما بينهم...". وبالتالي، يترتّب على هذا التفسير تصوّر آخر لتأكيد الرسول في الآية 20: 19، ألا أنّ البلايا والدموع التي تعرّض لها والتي يثيرها في خطابه الوداعيّ هذا تمتدّ لتشمل عمله في مدن المقاطعة المذكورة الأخرى (كولسيّ، ثياتيرة، إزمير... إلخ)، لا في مدينة أفسس وحسب. ولكنّ الكاتب لوقا لم يخبر في كتابه عن أتعاب الرسول ومضايقاته إلاّ ما عاناه في مدينة الأفسسيّين.
من الواضح، أولاً، أن التفسيرين متّفقان على استثناء الرحلتين الرسوليّتين الأولى والثانية من اعتبارهما، وعلى الاكتفاء بحصر البلايا (20: 19) والدموع (20: 19، 31) التي يذكرها الرسول بإطار الرحلة الرسولية الثالثة. وهما متفقان، ثانياً، على معاناة بولس في أفسس كما يشهد على ذلك تقرير لوقا في أخبار رحلة الرسول الثالثة، ولا تتفاوت نظرتاهما إلا في ما يختص برسم حدود تعبير "آسية"، فترى النظرية الأولى حصرها بمدينة أفسس، فيما ترى النظرية الأخرى اتساعاً أكبر حتى تشمل حدود المقاطعة.
مهما كان شأن تخوم "آسية"، فالأمر الذي نهتمّ له في دراستنا "البلايا" و"الدموع" التي يتكلّم عنها الرسول في خطابه الحميم والوداعيّ. لا شكّ في أن ما يفيدنا به لوقا منٍ أخبار الرحلة الثالثة بشأن ثورة الصاغة في أفسس يمكن اعتباره مرجعاً يذكّر به الرسول من خلال استعماله هاتين الكلمتين. بيد أن صيغة الجمع في اللفظتين لا تطيق شكّاً: إنها تدل بكل صراحة على حوادث عدة مؤلمة. فأين يمكننا الاهتداء إلى وقائع تنير لنا غموض العبارتين وصمت لوقا؟
لقد أشرنا سابقاً إلى مبادرة بولس بتدوين رسائله إلى أهل غلاطية وفيليبّي والرسالة المعروفة كأنها الأولى إلى أهل كورنثس لدى إقامته المطوّلة في أفسس (راجع ص 368)؛ فلا بدّ من اكتشاف آثار فيها توضح علينا خفيات الأحداث الكامنة في لفظتي "بلايا ودموع". وفي الواقع، تتّسم الرسالة إلى أهل غلاطية بطابع ألم مرير حرّ في نفس الرسول نتيجة انقلاب المبشَّرين هناك على رسولهم وانكفائهم إلى طريقة أخرى. وما يرد في خاتمة الرسالة (6: 17) دليل قاطع على اختبار الرسول "بلايا" شتّى قد بقيت بعض آثارها على جسده.
كذلك الحال بالنسبة إلى جوّ الرسالة إلى أهل فيليبّي. فعلى الرغم من تعابير الفرح المبعثرة في سطورها تظلّ رسالة قد دوّنت وبولس قابع في سجن (أنظر 1: 7، 13، 14، 17). بل إنّ بعض التعابير تعكس جيداً صورة نوازل حديثة العهد قد ألمّت بالرسول (1: 2؛ 4: 14).
ولا يختلف الشعور حيال الرسالة الأولى إلى أهل كورنثس، لكنّ المصائب التي تتبدّى لنا من خلال قراءة هذه المراسلة تحمل على رؤيتنا فيها أسباب "دموع" للرسول بولس (5: 1- 2؛ 6: 8... إلخ).
لا ينبغي فهم "دموع" بولس في معنى تخاذليّ أمام الشدائد بقدر ما يجب النظر إليها من وجهة الغيرة الرسولية المتأجّجة في صدر هذا الرجل. فليست دموعه التي يذكرها ناجمة عن ضعف طبعيّ أو عن شعور مرهف تجاه إهانة أو عن حصوله في فاقة أو شدّة. فهو يذكر في نواحي عدّة من رسائله تخطّيه مثل هذه المكدّرات (رو 8: 35؛ في 4: 11- 12؛ 2 كو 4: 8- 10 إلخ)، مظهراً صلابة لا تقهر. لكن دموع بولس مدفوعة بدافع تجابه إخلاصه واندفاعه واستقامته ونزاهته بواقع التألّب عليه أو التصدّي له "عن منازعة وعجب". لقد كان يؤلمه رؤيته من أعطاهم نفسه وأتعابه ومن خدمهم وأحبّهم ينصرفون عنه إلى ترّهات أخرى.
أمّا في ما يختص بالخطب الأخرى التي يمكن الإفادة من معطياتها على المستوى الشخصي لحياة بولس فإنه يسعنا التقريب بين دفاع الرسول الأول عن نفسه، في أورشليم، أمام الشعب الثائر (2: 1- 21) ودفاعه الأخير الذي قام به أمام الملك أغريبا، في قيصريّة (26: 2- 29). ففي كلا الخطابين تقرير مباشر عن اهتداء بولس إلى الإيمان بالمسيح وتأكيد على اضطهاده الديانة الجديد في مرحلة أولى. أضف إلى ذلك أنّ الرسول يكشف في لوحات سريعة، إمّا في الخطاب الأوّل أم الثاني، عن بعض جنبات شخصية من صباه، مثل تلقّيه العلم وهو بعد حدث يافع، وتربّيه على المذهب الفريسي في أورشليم.
وأمّا في ما هو من أمر خطابه أمام الوالي فيلكس (24: 10- 21) فيختص بمعرفة سلوك بولس في أورشليم، بعد إذ قصد المدينة، في ختام رحلته الرسولية الثالثة. لقد كفّ الرسول عن التبشير بيسوع في ما بين اليهود (الآية 12)، ونزل عند رغبة "الإخوة" بالتزامه فرائض التطهير (الآية 18؛ أنظر 21: 24) في الهيكل. وهذا الجانب مهمّ في زيادة معرفتنا بشخصية بولس الرسول. فهو، على الرغم من مواقفه المتشدّدة حيال اليهودية، لا يبدو عليه حرج في السلوك بمقتضيات شعائرها، في أورشليم. وعلى الرغم أيضاً من اتخاذه قراراته بنفسه، متصّرفاً كرأس، يذعن لرغبات "الإخوة" الذين أشاروا عليه بالحذر والفطنة. وعلى الرغم من جعل المسيح يسوع موضوعاً رئيسياً في مجادلاته وغاية في أحاجيجه كلّها، يرفق بجوّ "الإخوة" الذين في أورشليم فلا يطرق الموضوع في دفاعه أمام الوالي كيلا يجرّ عليهم الويلات من اليهود.
ليست خطب بولس في سفر الأعمال الموضوع الوحيد الذي يمكن البحث فيه عن جوانب شخصية لحياة الرسول؛ إذ هناك أيضاً الرسائل. بيد أنّ أهمية الخطب تبرز، في هذا المجال، من حيث كونها وثائق إضافية تدعم ما يتراكم مبعثراً في صفحات الرسائل البولسيّة، من جهة، ممّا يختص بحياة رسول الأمم؛ وتكمّل ما يرد في هذه الأخيرة، من جهة ثانية.

2- دور الخطب البولسية في نظر لوقا
ثمّة بعض ملاحظات لها وزنها بشأن الخطب البولسية كما يوردها لوقا في كتابه الثاني، هي التي قادت بحثنا في هذا الاتجاه من الدراسة. فقد نوّهنا في مطلع هذا البحث إلى عدد الخطب المصطنع في الكتاب وإلى توزيع الخطب وفق تصميم معه للكاتب، الذي جعل لكلّ رحلة رسولية خطابها بشكل لا يتوافق والمنطق العاقل ولا يتماشى والواقع التاريخي. وهنا نريد أن نثير ملاحظات أخرى تتعلّق بخطب القدّيس بولس سعياً في ترسيخ القناعة بدورها الخاصّ الذي نالته في منظار الإنجيلي الثالث.
يلاحظ في أول خطاب يورده لوقا على لسان بولس (13: 17- 41) إطاره اليهودي: فهو يجري يوم السبت، في مجمع مدينة أنطاكية بيسيذية، "بعد تلاوة الناموس والأنبياء". وينبسط كلام بولس في خطابه الأول هذا على طريقة المعلّمين اليهود الذين يقيمون الأدلّة على ما يودّون تعليمه انطلاقاً من تاريخ الشعب ومن نصوص الكتاب. كذلك، يلجاً بولس في استدلالاته التي يعرضها أمام سامعيه إلى أساليب الكلام الربّانية، كما هو الحال مثلاً في الربط بين استشهاد الآية 13: 34، المأخوذ من أش 55: 3 حسب نصّ الترجمة السبعينيّة، واستشهاد الآية التالية 13: 35، المأخوذ من المزمور 16: 10 حسب نصّ السبعينيّة أيضاً. ففي بلاغة المعلّمين اليهود، يجوز إقامة الدليل على مسألة ما بناء على ما يرد في آيتين مختلفتين إذا ما ربط بينهما رابط. وإذ يرد اسم داود في الآية أش 55: 3، ويُعتبر هو نفسه كاتب المزامير، فإنّ الربط قائم بالتالي بين تلك الآية من سفر أشعيا والآية 16: 10 من سفر المزامير.
أما في الخطاب الثاني الذي يورده لوقا في كتاب الأعمال (17: 22- 31) فالإطار كلّه هلّيني، إمّا على صعيد الموضوع وإمّا على 19). وما يسترعي الانتباه بشأن هذا الخطاب إخفاق الرسول الذريع.
لكنّ ما يميّز الخطاب الثالث حسب تصنيف لوقا (18:20-35) فالجو المسيحي الذي يغمره: فالكلام موجّه إلى "أساقفة"؛ وفيه ترداد لكلمات لا يعرفها سوى المؤمنين بالديانة المسيحية، مثل "الروح القدس" (20: 23، 28)، و"ربّنا يسوع" (20: 21، 24)، و"كنيسة الله التي اقتناها بدمه الخاص" (20: 28)، وغيرها.
وبالتالي، فالخطب الثلاث الأولى، ذات الصلة بالرحلات الرسولية، تتعاقب وفق نظرة معيّنة تأخذ بالاعتبار واقعاً دينياً قائماً، هو واقع اليهودية والوثنية والمسيحية، من جهة، ثم واقعاً إسكاتولوجياً بسبب العلاقة الناشبة بين الجماعة البشرية وتجاوبها مع التبشير بالكلمة، من جهة أخرى.
يعقب خطب الرحلات الرسولية مجموعة مؤلّفة من أربع خطب يربط بينها كلّها طابعها الدفاعي. وتنقسم هذه الرباعية اللوقاوية إلى ثنائيّتين، بناء على مسرح الأحداث: فالخطابان الأوّلان يجريان في أورشليم، أحدهما أمام الشعب (22: 1- 21)، والثاني أمام المحفل (23: 1- 9)، بينما يحصل الخطابان الآخران في قيصرية، الواحد أمام فيلكس الوالي (24: 10- 21)، والثاني أمام أغريبا الملك (26: 2- 29).
ثمّة بعض ملاحظات أخرى توطّد القناعة بتقسيم الكاتب مجموعة الخطب الدفاعية هذه وفق رؤية معيّنة: إنّ الخطابين الأوّلين بقيا مبتورين، إذ تمّت مقاطعة بولس في كلّ منهما، بينما الخطابان الآخران كاملان. موقف المستمعين إلى بولس عدائي في الخطابين الأوّلين، بينما هو موقف متسامح في الخطابين الآخرين. في الخطابين الأوّلين يبرز بولس مدافعا عن نفسه أمام بني قومه ودينه، بينما يقف في الخطابين الآخرين أمام أناس دخلاء على اليهودية في منبتهم، وما صاهروها إلاّ لغاية انتفاعية. الخطاب الدفاعي الأول (22: 1- 21) والأخير (26: 2- 29) حدّان يتقابلان في هذه الرباعية من الخطب، إذ يعرضان كلاهما خبرة بولس الشخصية في اكتشافه الديانة الجديدة.
وبالتالي، فالخطب الدفاعية الأربع تؤلّف مجموعة متكاملة لها طبيعتها المميّزة التي تفصلها عن المجموعة السابقة لها، الثلاثيّة الخطب. إنهّا منسّقة هي الأخرى حسب نظرة معيّنة لا تغيب عنها أبعاد لاهوتية محدّدة، كالبعد الإسكاتولوجي الذي يبرز بروزاً في دينامية تاريخية، والبعد الرسولي من حيث هو إدلاء بالشهادة، دون وجل. ومن ناحية أخرى، يتوازى مع هذه الأبعاد اللاهوتية لتنسيق الخطب منظار زمني، إذ يبدو بولس يقف تباعاً أمام الشعب مدافعاً عن نفسه، فأمام "رؤساء الشعب" في المحفل، ومن ثم أمام الوالي فيلكس ففي حضرة الملك أغريبا. هذا المنظار الزمني لدفاع بولس عن نفسه في خطبه الأربع يبدي بجلاء اهتمام العالم بقضية هذا الرجل الفذّ.
يلي هاتين المجموعتين من الخطب خطبتان أشدّ ما يقارب بينهما حدوثهما في زمان الأسر الذي انتهى إليه الرسول: أولاهما موجّهة إلى رفاق بولس والبحّارة الذين معه في السفينة (27: 21- 26)، فيما الثانية منهما موجّهة إن أعيان اليهود القاطنين في رومة، وإنّما في مرحلتين متباعدتين في الزمن (28: 17- 20، 25-28). إن كل محاولة تهدف إلى الكشف عن عوامل مشتركة بين هذين الخطابين بائسة.
إنطلاقاً من كلّ ما سبق عرضه من ملاحظات بشأن إيراد الخطب البولسية على النحو الذي تظهر فيه، يمكننا الخلوص إلى تأكيد خطّة أو رؤية لدى الكاتب الذي نسّقها في شكلها الحالي. فهو يضرب، من ناحية، على وتر لاهوتي يصدح شغفاً بالكلمة المعلنة والمنتشرة على اطّراد، ويلمس، من ناحية ثانية، حبل الوقائع. لذا، كان لا بدّ لنا من طرق هذين المستويين أيضاً للخطب في دراستنا دورها الذي خُوِّلَت إيّاه على يد الكاتب لوقا.
2- 1 الرؤية الإسكاتولوجية للخطب البولسية
لا بدّ لنا، في بداية كلامنا، أن نلقي ضوءاً على مفهوم عبارة "رؤية إسكاتولوجية"، قبل أن نشرع في الدلالة عليها عبر خطب الرسول بولس الواردة في سفر الأعمال. إنّ لفظة "إسكاتولوجية" تعني الكلام على المنتهى، أي التبصّر في نهاية الموجود المرئي، والمحسوس المختبر، لا كأنه قد اضمحلّ وزال إلى غير عودة، بل كأنه قد صار إلى حالة أخرى من الوجود، هي حالته "الأخيرة" التي أُعدّ لها ليكون فيها. لذلك، لا وجود للعدم في منظار الإسكاتولوجية، ولا انقطاع في الزمن حسب مفهومها بالنسبة إلى الموجودات. بل على العكس من ذلك، فما تتميّز به التواصل بين مرحلتي الوجود للموجودات، مرحلة الوجود المرئي ومرحلة الوجود غير المرئي. وهذه المرحلة الثانية، التي تؤلّف مرحلة الختام بالنسبة إلى الموجود، في ديناميّة كينونته في الوجود، هي التي أضفت اسمها على الكلام في هذا الخصوص.
و"الرؤية الإسكاتولوجية" هي إظهار المعتقد بمنتهى الموجودات في نصوص موضوعة للإخبار أو التعليم. ففي الأناجيل نصوص مثلاً، ذات رؤية إسكاتولوجية، قد وُضعت بقصد التعليم (تشابيه الملكوت، التطويبات)، ولْصوص أخرى قد وُضعت في إطار روائي (أحاديث الوداع الأخير في العشاء، تنقّلات يسوع بين الجليل واليهودية، الظهورات). فإذا ما طالع أحدنا هذه النصوص وأمكنه استجلاء البعد الإسكاتولوجي فيها يجزم في شأن رؤية كاتبها الإسكاتولوجية. أما في ما هو من أمر خطب الرسول بولس فهذا ما سنحاول تبيينه.
إنّ خطب المجموعة الأولى الثلاث، التي دعوناها خطب المرحلة الرسولية، تتوافق فيما بينها في طريقة بسطها: إنها ترتكز كلّها على عرضت تاريخيّ لأحداث قد باتت الآن قائمة. فالخطاب الأول يسهب في استذكار ماضي الشعب اليهودي (13: 16- 25)؛ ويصوّر الخطاب الثاني عمل الله في الكون (17: 22-28)؛ ويفيض الخطاب الثالث في الكلام على كرازة بولس في ما بين أهل آسية (20: 18- 24). وتتوافق أيضاً في نقطة ثانية، عندما ينتقل العرض من بسط أحداث الماضي إلى الكلام على الزمان الحاضر (13: 38؛ 17: 30؛ 20: 25)، هذا الزمان الذي يكتسب فيه الخطيب والمستمعون أبعاد وجودهم على حدّ سواء. ثم تتوافق هذه الخطب ثالثة فيما بينها عندما تحمل إنذاراً أو تحذيراً إلى السامعين (13: 40؛ 17: 30؛ 20: 28)، لا يمكن تعليله إلاّ ضمن منظار المسؤولية الملقاة على عاتق كلّ واحد منهم. لكنّ هذه المسؤولية المثارة ضمنيّاً بالتحذير ليست مسؤوليّة تجاه الماضي، بل مسؤولية تنبت في الزمن الحاضر وتمتدّ إلى المستقبل. أمّا علاقتها بالماضي فليست بمستثناة؛ لأنها تجد فيه علة لقيامها وحافزاً لانطلاقتها، وقناعة بضرورتها.
بناء على ذلك، يمكن القول إنّ في الخطب الثلاث رؤية معيّنة، ما دامت الأحداث فيها تظهر وفق دينامية معينة. فالماضي مهم بالنسبة إلى الحاضر، لأنه يحفزه نحو رسم المستقبل. وأهمية الماضي موجّهة نحو الزمن الحاضر، بالقدر الذي ينجلي فيه له معناه. فلا بدّ إذا من تقصيّ مدلول الأحداث التي جرت في الماضي؛ ثم لا غنى عن قرارتها قراءة تفيد اليوم الحاضر. كذلك الأمر بالنسبة إلى المستقبل، فأهميته نابعة من التزام جانب المسؤولية في الزمن الحاضر، وإلاّ ما كان هناك أبداً من معنى للمستقبل. فالحاضر الذي يمرّ على الإنسان دون أن يعي هذا ما يتوجّب عليه فيه من مسؤولية لا يستحق أن يُدعى حاضراً، إذ لا يلبث أن يغدو ماضياً عفاه الزمان في برهة. لذلك، يتخذ التحذير في الخطب الثلاث الآنفة الذكر ملء الأهمية وكل ثقل الخطاب، لما يُبرز من دور للزمن الحاضر. فبعد أن استقرأ الرسول الماضي ينبّه إلى مسؤولية الزمن الحاضر وعيناه مصوّبتان إلى مستقبل آتٍ لا محال. هذه الرؤية التي تتكشّف في مجموعة الخطب الرسولية الثلاث هي رؤية إسكاتولوجية.
أمّا بالنسبة إلى خطب المجموعة الثانية الأربع، التي دعوناها خطب الدفاع عن النفس، فالرؤية الإسكاتولوجيّة التي فيها ملونة بطبيعة الخطب. فإذ إنّ هذه الأخيرة منصبّة بكلّيتها على شخص الرسول تتبدّى الرؤية الإسكاتولوجية للخطب في رؤية الرسول الخاصّة إلى سلوكه. وفي رؤية الرسول هذه خير برهان على وجود رؤية إسكاتولوجية للخطب البولسية، لأنها تظهر آنذاك كنقطة إيمان راسخ في معتقد الرسول وكحجر زاوية في بناء عمله الرسولي. مثل هذا الإيمان الراسخ بالبعد الإسكاتولوجيّ للعمل الذي يقوم به بولس ظاهر في العديد من المواضع الأخرى في رسائله (إقرأ رو 2: 6-8؛ 5: 21؛ 1 كو 6: 3؛ 9: 25؛ 2 كو 4: 18 إلخ).
ففي خطب المجموعة الثانية الدفاعية، يعرض بولس قضيته أمام أولي الحلّ والربط جاعلاً من حياته الشخصية بمراحلها المتعدّدة محوراً لها، حتى إنّ المعضلة القضائية، إذا صحّ التعبير، تغدو في نظر السامعين إليه مسألة اختيار شخصيّ، أو قرار التزم فيه هو قولاً وعملاً. ولكن بولس في عرضه لا يتوانى عن ذكر الانقلاب العنيف الذي حدث في حياته بين مرحلة الغيرة الفريسية التي جرى بموجبها في فترة ما ومرحلة الغيرة المسيحية التي انقاد لها أيضاً. وإن بدا غياب هذه النقطة عن سياق الخطاب أمام المحفل (23: 1-9)، فما مردّ ذلك إلا إلى تدخّل رئيس الكهنة السافر والعنيف الذي قاطع بولس في كلامه فأمر أن يُضَرب على فيه. بيد أن الاستهلال الذي افتتح به الرسول خطابه (23: 1) يخفي تهيّؤه إلى خوض غمار الكلام على مراحل حياته، على نحو مماثل لباقي سرده في الخطب الدفاعية الأخرى.
وما تجدر ملاحظته بشأن ذكر الرسول بولس مرحلتَي حياته الواقفتين على طرفَي نقيض الواحدة من الأخرى غيرته المتّقدة في فترة كلّ من تينك المرحلتين. ففي الفريسيّة تصّرف باندفاع وعن قناعة راسخة بحسن ما يعمل، متمسّكاً تمسّكاً حريصاً بما يمليه عليه ضميره، وبارى في مضمار الأمانة لسنن الآباء. وهو قد أكنّ للمذهب الفريسي دوماً احتراماً حتى افتخر به في معرض التصدّي لمفاخرات مناوئيه العداء، بعد كفّه عن السير بموجب قوانينه (راجع في 3: 5- 6)، ولم يرعوِ عن المجاهرة بالانتماء إليه لدى وقوفه في محفل اليهود، في أورشليم، مدافعاً عن نفسه، إذ نادى بمحاكمته على أساس ما فيه من معتقد (23: 26 ب). وفي المسيحيّة، هي الغيرة ذاتها التي اعتملت في نفس بولس، والتجاوب عينه مع حماستها، والاندفاع نفسه الذي انصاع له سابقاً كفرّيسيّ. وهذا الجانب من التساوي في الغيرة بين مرحلتي الحياة بادٍ في خطب هذه المجموعة الثانية. وقد عبرّ عنه أيضاً الرسول في خطابه أمام المحفل خير تعبير بهذه العبارة: "... لقد تصّرفت أمام الله، حتى اليوم، بكلّ نيّة صالحة". هذا التأكيد يختصّ لا بمرحلة حياة بولس في المسيحيّة، بل في الفريسيّة أيضاً.
إنطلاقاً من رؤية الرسول الخاصة هذه إلى سيرة حياته تبرز رؤية إسكاتولوجية متأصّلة إلى الحياة في إطارها الشامل. إن حياة كل إنسان مقسّمة إلى مراحل زمنية، قد تطول إحداها وتقصر الأخرى؛ وقد تسكن في بعض أجزائها وتعصف في بعضها. بيد أن السلوك الملتزم في كل مرحلة من هذه المراحل هو الذي يضفي على تلك المرحلة المحددة بُعد الحاضر، أي البعد الذي يكشف قيمة الحياة بالنسبة إلى صاحبها ونظرته الدينية إليها، كما سبقنا أعلاه فأشرنا إليه. وبالتالي، فالسلوك الملتزم هو مقياس ثابت لتحديد العلاقة بين سيرة ورؤيتها الإسكاتولوجية. وهذا يصحّ إمّا في حال التأكيد على وجود هذه الرؤية الأخيرة، وإمّا في حال الجزم بانتفائها.
ولكن، لا بدّ من التنبيه إلى أمرين: الأول احتمال امتداد السلوك الملتزم لا على مرحلة فقط، بل على مجمل الحياة؛ وفي هذه الحالة تبقى الرؤية الإسكاتولوجية قائمة، طالما الالتزام مرادف لسلوك بحسب الضمير، أمام الله. إن سحابة الحياة، آنئذ، تضحي حاضراً فيه يعمل الإنسان عملاً ملتزماً قياساً إلى رؤية معيّنة لديه للبعد الإسكاتولوجي للحياة. أما الأمر الآخر فيتعلق بحدوث انقلاب حاد في حياة الشخص. في هذه الحالة، يتمّ الحديث عن التزام أو سلوك جارٍ في مراحل. فالالتزام الذي انقضى الإنقلاب عليه يغدو ماضياً، والسلوك الجديد الذي قيّض له أن يبزغ إلى حياة إنسان بالانقلاب يُسمّى حاضراً. ولكن، لا بدّ لهذا الالتزام الجديد الذي نجم عن انقلاب في الرؤية إلى الحياة من أن يراعي صوت الضمير، أي صوت الاستجابة بإخلاص نيّة إلى نداء الله، دون أي تشويش قد يطرأ من مصادر مختلفة. ففي هذه الحالة أيضاً، حالة حدوث انقلاب في التزامات أمرىء، تبقى الرؤية الإسكاتولوجية قائمة ما دام هناك حاضر جديد يمكن الإنسان فيه أن يسعى سعياً من أجل تجسيد رؤيته إلى معنى الحياة.
إنّ بولس الرسول قد خبر الرؤية الإسكاتولوجية من هذه الوجهة الثانية. فمن فريسيّ ملتزم أمسى مسيحياً ملتزماً. أمّا صوابية الانقلاب في الاتجاه الصحيح فيعطيها هو نفسه، إذ ينسب اهتداءه إلى تدخّل مباشر من يسوع في حياته. هذا ما يشهد به الرسول في دفاعه الأول (22: 1- 21) والأخير (26: 2-29). أمّا في الدفاع الثالث فينسب بولس صحّة معيار انقلابه إلى أن "يكون له دائماً ضمير بلا عيب، أمام الله والناس" (24: 16). وأمّا في خطاب دفاعه الثاني (23: 1- 9) فالحديث عن انقلاب وعن معياره غائب، بسبب مقاطعة رئيس الكهنة له.
أمّا في الخطابين الأخيرين (27: 21- 26؛ 28: 17- 20، 25- 28)، اللذين يقفل بهما لوقا مجموعة الخطب البولسية في كتاب الأعمال فتتخذ الرؤية الإسكاتولوجيّة منحى الإيمان بصدق أقوال الربّ الموحى بها على ألسنة مرسليه. ففي هذا الإيمان تعبير عن الاستسلام لمشيئة الرب الذي يَعِد فيحقّق، ويكشف عن إرادته فينتظر جواباً.
تتجلى الناحية الإسكاتولوجيّة في هذا الضرب من الرؤية على جانب كبير من العمق الإيماني، لأن الإنسان يبني سلوكه في زمانه الحاضر على صدق وعود الله في الماضي، ويقيم على الرجاء الوطيد واليقين الثابت بأمانة الله لوعوده، أي بتحقّقها في التاريخ. فالثقة التامة التي يوجد فيها الإنسان تجاه أحداث الزمان الحاضر بأنها ستؤول، دوماً، إلى الخير وإلى تتميم قصد الله هي قياس رؤية إسكاتولوجيّة أيضاً. وما العمق الإيماني الذي يميّز هذه الرؤية الإسكاتولوجيّة الفريدة سوى القدرة على الثبات في هذه الثقة (إقرأ 27: 25 ب؛ 28: 25 ب).
إننا نجد صعوبة جمّة في الاعتقاد بأن لوقا قد قرن جزافاً هذا النوع الثالث للرؤية الإسكاتولوجيّة بخطابي الرسول الأخيرين. فالوضع الذي يوجد فيه بولس، أولاً، في أثناء إلقائه هذين الخطابين، هو وضع الأسر؛ ومن الصعب على المرء أن يركن عادة في مأزق كهذا إلى رؤية الإيمان فيستكين لمشيئة الله بثقة تامة فيه. وبالتالي، فإن لوقا يريد أن يبيّن لنا ثبات إيمان الرسول بحسن تدبير الله من خلال رؤية إسكاتولوجيّة سامية. والظرف الذي يجتازه الرسول، ثانياً، في أثناء هذين الخطابين بائس لا يشجّع: لقد رفض البحّارة التجاوب مع بولس (27: 21)، كما رفض بعض اليهود أيضاً التجاوب مع موقفه (28: 24). لكن خذل الظروف لم يَزِد بولس إلاّ إيماناً بقصد الله. وهذا عينه ما يريد لوقا أن يقيم أيضاً الدلالة عليه.
بعد هذه الاستفاضة في التحرّي عن الرؤية الإسكاتولوجيّة في خطب الرسول، يمكننا الجزم بأنها لم تخلُ يوماً من حياة القديس بولس الذي تقيّد بها دوماً في كل مراحل حياته. لقد شغلت له فكره، ووجّهت قراراته وقادت خطواته، فأوحت له أخيراً أن يقول معبرّاً عنها: "لا، أيها الإخوة، لست أحسب أنيّ قد أدركت الغاية، إنّما أمر واحد أجتهد فيه: أن أنسى ما ورائي وأمتدّ إلى أمامي، ساعياً نحو الأمد، لأجل الجعالة العلويّة التي دعانا الله إليها، في المسيح يسوع" (في 3: 13- 14).
2- 2 الخلفيّة التاريخيّة- الدينية للخطب البولسية
كان الهدف من دراسة الرؤية الإسكاتولوجيّة للخطب البولسيّة إظهار دورها في سياق كتاب أعمال الرسل. إن أهمّ ما تتميّز به هذه الرؤية انفتاحها الدائب على المستقبل، وطاقتها على إيثار العمل على الجمود أو الاستسلام الخامل. وهي، إذ ترتسم في الخطب البولسية، تسهم في إعطاء البشارة زخماً وتبرز دور الخطب في دفع عجلة الكلمة حتى قلب الإمبراطورية الرومانية. لذلك، كان لا بدّ لدراستنا من استكمال البحث في دور هذه الخطب في كتاب الأعمال من وجهة نظر انتشار الديانة المسيحية على أساس عوامل تاريخية ودينية على حدّ سواء.
إننا نلاحظ في الخطب التي ينسبها سفر الأعمال إلى لوقا تسلسلاً يتداخل فيه البعد التاريخي للأحداث والبعد الديني. ففي المجموعة الأولى من الخطب، المؤلّفة من الخطب الثلاث الأولى، يجري الخطاب الأول في مجمع لليهود، ثم الخطاب الثاني في الأريوباغيس أمام الأثنائيّين الوثنيين، والثالث في مدينة ميليتس أمام "كهنة الكنيسة". إن مثل هذا التصنيف للخطب ليبدو قائماً على نظرة تاريخيّة- دينيّة: فانتشار كلمة البشارة بالمسيح قد انتقلت من محيطها اليهودي إلى محيط وثني قبل أن تنتهي في بوتقة مسيحية انصهر فيها كل من اليهوديّ والوثني في الإيمان الواحد.
وفي المجموعة الثانية المؤلّفة من خطب دفاع بولس عن نفسه، يمكننا أن نلحظ التراتب التاريخي- الديني نفسه، باستثنار المرحلة الثالثة إذ لا يحتاج بولس أن يدافع عن نفسه أمام المؤمنين مثله بالمسيح. فقد دافع الرسول عن نفسه أمام الشعب اليهودي أولاً (22: 1- 21)، ثم أمام المحفل (23: 1- 9). بعد ذلك، رافع بولس بخصوص قضيّته أمام الوالي فيلكس (24: 10- 21)؛ ومن ثمّ، في مرّة رابعة وأخيرة، أمام الملك أغريباً والوالي فستس (26: 2- 24). بيد أنه من الأهمية بمكان أن نزيد ملاحظة على ملاحظة، بشأن هذا الخطاب الدفاعي الأخير. فهو قد جرى أمام الملك أغريبا المنتسب انتساباً إلى الإيمان اليهودي، وأمام الوالي فستس الوثني العبادة. لا شكّ أن هذه الملاحظة لا توحي إلينا بمقابلة هذه المجموعة الثانية بالمجموعة الأولى السابقة من الخطب، فندّعي الصواب في مقاربة الواحدة من الأخرى على أساس الرؤية التاريخية- الدينية نفسها. إنّ كلاًّ من الملك أغريبا والوالي فستس غير مسيحيين. بيد أن مثولهما معاً، وكلّ واحد منهما في انتماء ديني مختلف، لدى دفاع بولس الأخير عن نفسه، لا يخلو من تنويه معيّن.
زد على ذلك ملاحظة: ردّة فعل كلّ من الوالي فستس والملك أغريبا. إنّ هذا الأخير لم يحبسٍ نفسه عن الإعلان على الملا وشوك بولس أن يحمله على أن يصبح مسيحياً. أمّا الأول فيقرّ بعلم بولس الكثير. لكن السؤال الذي نودّ أن نثيره بهذا الصدد: ما معنى كلمة "علم" على فم الشريف فستس، في هذا الإطار من الرواية؟
أمّا ما هو خاصّ بخطبتَي المجموعة الثالثة فانعكاس في النظرة إلى تراتب الخطب الديني، إذ يبدو توجّه الخطاب الأول إلى أناس وثنيين، لا بناء على إفصاح النص في هذا الخصوص وإنما على أساس توجّه الخطاب الثاني إلى اليهود الذين في رومة، دون مواربة. ففي الخطابين الأخيرين، إذاً، اختلاف بين الخط التاريخي لمجرى الأحداث والبعد الديني لها. وما يزيد التيقّن من هذا الواقع خلوّ خطاب بولس أمام البحّارة، أولاً، من كل إشارة إلى مفهوم ديني يهودي، كما الحال في خطابه أمام الأثنائيين، وتأكيد بولس، ثانياً، في ختام خطابه إلى يهود رومة على "أن خلاص الله هذا، قد أُرسِل إلى الأمم؛ فهم يقبلونه" (28: 28).
تكشف دراسة خطب الرسول بولس عن نظرة تاريخية- دينية في سفر الأعمال. فمن وجهة نظر التاريخ، انبرى بولس إلى التبشير بالمسيح وبالخلاص الذي تمّ به في أوساط بني دينه وقومه، مبتدئاً بمدينة اهتدائه دمشق (9: 19 ب، 22، 27؛ 26: 25)، ثم في أورشليم (9: 28؛ 22: 18؛ 26: 20)، ثم في أنطاكية (13: 1). وعندما انطلق بولس رسولاً إلى الأمم، بادر اليهود الذين في الشتات أولاً بكرازته، كما يدل على ذلك تجواله في أصقاع آسية الصغرى وأغريقيا. فمن هذه الوجهة التاريخية- الدينية التي امتازت بها رسالة بولس، والتي تتبدّى أيضاً من خلال ترتيب خطبه في سفر الأعمال، يمكن النفاذ إلى استنتاج ذي شأن بالنسبة إلى هيكلية التعليم البولسيّ. لقد ارتكز الرسول، في بداية دعوته، على صور الديانة اليهودية ومفاهيمها وتعابيرها، من أجل نقل فحوى البشارة المسيحية.
وما خصّ الرسول بولس الأمم الوثنية ببشارته إلاّ في مرحلة ثانية، لدى إقامته في أنطاكية (أنظر غلا 2: 12 آ)؛ فم يرَ منذئذٍ حرجاً بالتوجه إليهم في كرازته. لكن اتصاله بهم ما انفكّ يتوثّق بقدر ما كان يلقى مواجهة من قبل اليهود. فهذا الانتقال بالدعوة المسيحية من إطارها اليهودي إلى بوتقة العالم الوثني يظهر من خلال المجموعتين الأوليين لخطب الرسول بولس، اللتين تقومان بالتالي بهذا الدور الملقى عليهما في كتاب الأعمال. ومن الوجهة التاريخية- الدينية، كرز بولس في ما بين الأمم الوثنية مبكراً جدا في تاريخ دعوته الرسولية، فكان له اتصال بهم قبل انطلاقه في رحلاته التبشيريّة. لكن الاهتمام الفائق ما لبث بولس يوليه في عمله الجماعات اليهودية المنتشرة في مختلف مدن الإمبراطورية.
إلاّ أنّ الرسول قد أحدث، في فترة ما، تغييراً في خطّته التبشيرية. لقد بات يفضّل العمل في أوساط وثنية على حساب اهتمامه باليهود بني دينه. وربما كان إقبال الوثنيين الكبير على تقبّل بشارة بولس، وتفشيّ الأسئلة والمشاكل في بيئاتهم نتيجة الاهتداء إلى الإيمان الجديد، من الأسباب المباشرة لإيلاء الرسول إيّاهم جلّ وقته وكبير اهتمامه، علاوة على تحقّقه من بطء اليهود في إحداث الارتداد في حياتهم. هذه المرحلة التاريخية من سيرة القديس بولس قد تكون برزت إلى الوجود في أثناء الرحلة التبشيرية الثالثة، كما يمكن الاستدلال على ذلك من خلال مطالعة أخبار هذه الرحلة في كتاب الأعمال. فهل سعى لوقا، في ترتيب خطب بولس معلّمه، إلى أن يدلّ على هذا التوجه الجديد للرسول في ممارسته دعوته التبشيرية بجعل المجموعة الثالثة من الخطب البولسية معكوسة الرؤية الدينية؟ هل من توازٍ ، بمعنى آخر، بين الرؤية التاريخية- الدينية للخطب في كتاب الأعمال، من جهة، والرؤية التاريخية- الدينية نفسها لسيرة القديس بولس، من جهة ثانية، حتى يمكن الاستدلال على الثانية منهما من خلال الأولى؟ جوابنا على هذا السؤال مستوحى من طبيعة الخطب المصطنعة: عددها، توزيعها إلخ. فإذ إنّ لوقا قادر على اللعب بما هو تاريخي، أنبقيه عاجزاً عن التحكّم بما هو بلاغيّ؟

خلاصة
لقد حاولت دراستنا أن تتقصّى مواطن الغنى الكامن في خطب الرسول كما يعرضها علينا لوقا في كتاب أعمال الرسل. فأخرجت أولاً أهمية هذه الخطب على مستويات عدّة، ثم اجتهدت في إبراز دورها بالنسبة إلى عرض الكتاب. كما أنها أسهمت في إقامة الدليل على براعة الكاتب لوقا في الإفادة من الخطب البولسيّة لكي يوجّه ذهن القارىء وفق الناحية السرديّة التي ينبري لها في اهتمامه الأول، دون إسدال الستار على الناحية اللاهوتية.
إنّ ما يجب علينا الإشارة إليه في ختام هذا البحث ذو منحىً رعويّ للدراسة التي قمنا بها. لقد بيّنت لنا هذه الأخيرة دور الكلمة الفائق بالنسبة إلى الرسول. فما من إنسان يريد أن يصبح رسولاً للمسيح وهو عاجز عن أن يمتلىء منه. لقد كان بولس ممتلئاً غيرة ورسوخاً في ما هو من أمر يسوع. وهذا الامتلاء الصادق هو وحده الكفيل بأن يمدّ الإنسان كلاماً على الرب. أليس "من فيض ما في القلب يتكلّم اللسان؟". فما برسول حقيقيّ، بالتالي، الرسول العاجز عن افصاح ما في عقله وقلبه من محبّة وأمانة للسيّد، أو الرسول الذي يتكلّم عن المسيح والفادي كلاماً لا يعدو كونه ألفاظاً أو مجرّد كلمات. الرسالة دعوة المسيحيّ، قوامها وجوهرها الملء من شخص يسوع.
ثمّة أمر آخر رعوي يتعلّق بالخطاب البولسيّ، إنّ الكلمة الرسوليّة ملقاة لإفادة سامعها؛ لذلك، تجب العناية بها والاجتهاد في البلوغ بسامعها إلى الهدف الأخير الذي تصبو إليه، إلى المسيح. فلا بدّ، بالتالي، من إتقانها وحسن صياغتها وإسنادها إلى ثابت القناعة الداخليّة، مع مراعاة وضع السامع إليها. لقد به لنا بولس في خطبه المتنوّعة هذه الأبعاد كلّها، وأظهر قدرته البارعة في إجادة التأثير على المستمعين إليه.
كم من شهادة للمسيح ومن دور فعّال يمكن رسل اليوم أن يقوموا به في خدمة الكنيسة عندما يعرفون أن يبلّغوا الكلمة إلى المؤمنين. كم من خير روحيّ يُرتجى على أيدي رسل المسيح!
الفصل السابع والعشرون
خطبة اسطفانس
6: 8- 8: 1
الاب ريمون هاشم الانطوني

2- 4 قصة ابراهيم الأساس الذي بُني عليه إيمان الآباء
الكلام موجّه بشكل مباشر للسامعين (الأرض التي تقيمون أنتم الآن فيها)
5- 7 وعد الله ابراهيم بالأرض
وعد سلالة ابراهيم بتملّك الأرض
وتعبدني السلالة في هذا المكان (دون تحديد هيكل معين) 
8 عهد ختانة (الشريعة أعطيت أولاً لإبراهيم)
9-16 قصة يوسف
رفضه الآباء/ كان الله معه/
أنقذ يوسف الآباء
دخل يعقوب أرضاً تملّكها ابراهيم (شكيم) (بعد موته) 
17-37 قصة موسى
الله كان معه (أنقذه الذين رفضوه) (بعد موته)
17- 34 رفضه أخوته
كشف الله له ذاته
أُرسل لإنقاذ شعبه
35- 37 إعادة قصة موسى والتشديد عليها
أنكرتموه
أرسله الله فادياً
- أخرج الشعب بالعجائب
- هو الذي قال: سيقيم الله من بينكم نبياً مثلي
38-43 (الشريعة) تلقّى كلمة حيّة ليعطيناها
رفضه آباؤنا
وعبدوا آلهة غريبة
فانقلب الله عليهم
44- 50 دخلوا أرض الأمم وتملّكوها (تحقّق الوعد بالأرض) 
دخلوا بالخيمة (العبادة) وضعوا الهيكل للرب
رفض الرب الهيكل وفضّل المكان الذي هو من صنعه (الأرض) 
51-53 الكلام موجّه مباشرة للسامعين
فلأنتم مثل آبائكم/ استلمتم/ أصبحتم

المقدمة
كان اسطفانس أحد الشمامسة السبعة الذين اختيروا من أجل خدمة الأرامل الهلينيين والمحافظة على الوحدة داخل الجماعة المسيحية الواحدة لأنّ الهدف من اختيارهم كان لاستدراك الخلافات الداخلية والإحاطة بها. ولكن، مع قراءتنا للنصوص التي ستلي هذا التعيين، سنلاحظ بأنّ الشمّاسين اسطفانس وفيلبس سيمارسان خدمة التبشير وليس تأمين الخبز. وخدمة الكلمة التي مارساها تحمل القيمة نفسها التي يتحلّى بها الرسل. وتبرز قيمة هذا الرسالة وقانونيّتها من خلال الخضوع الذي أدّاه الشمامسة للرسل الإثني عشر.

1- تحديد النصّ
تقع خطبة اسطفانس بين نصّين: الأول يتحدّث عن محاكمة اسطفانس والإتهامات التي وُجّهت ضدّه: جدّف على موسى والله وعلى الهيكل والتوراة: "يسوع الناصري سيهدم الهيكل ويبدّل العادات التي أعطانا إياها موسى (6: 8- 15). والثاني يتضمّن إجراء المحاكمة ورجم اسطفانس الذي رأى ابن الإنسان عن يمين الله والذي بعد أن أسلم روحه لربّه يسوع طلب منه ألاّ يُمسك عليهم هذه الخطيئة. بالإضافة إلى ظهور رجل جديد لم يُذكر في النصّ الأول كان من دفع الشهود إلى الشهادة زوراً (54:7-1:8).
أمّا بالنسبة للخطبة فهي نوع من دفاع عن النفس قام به اسطفانس أمام المجلس وهي تشكّل محور القسم (6: 8-8: 1). إذ إن القسم يوزع على الشكل التالي:
أ- المحاكمة 6: 8- 15 شهود زور ضدّ اسطفانس
ب- اسطفانس يدافع عن نفسه 7: 1-53
أ- إجراء الحكم 7: 54- 8: 1 الشهور يخلعون ثيابهم أمام شاول (7: 1- 35) يشكّل وحدة أدبيّة مستقلّة نوعاً ما عن النصوص التي سبقتها والتي وردت بعدها.

2- بنيان النصّ
يُقسم النصّ إلى ثمانية أجزاء موزّعة بطريقة محورية.
الأطراف تتوازى مع بعضها البعض ليس بالمضمون ولكن بواسطة الضمير المخاطب (أنتم).
يوجّه اسطفانس الكلام مباشرة إلى السامعين في الآية 4: "الأرض التي تقيمون أنتم الآن فيها" ويختفي بعد ذلك ضمير المخاطب ليعود ويظهر في الطرف الأخير من النصّ. فلأنتم كآبائكم (آ 51 د) (أيّ نبيّ ما اضطهده آباؤكم آ 52).
وتتوازى الآيات (5- 7) مع الآيات (44- 55) من ناحية المفردات خاصة والمضمون عامة. من ناحية المفردات: الفعل "ملك" يتكرّر ثلاث مرّات في الخطبة (آ 5 مرتين) (وآ 45). أمّا بالنسبة لمفعول هذا الفعل وهو المفرد "أرض" وهو يتكرّر مرّات عديدة في الخطبة ولكنّه يتبع ثلاث مرات فقط لهذا الفعل (آ 5 و45). من ناحية المضمون فالعبادة المذكورة في الآية (7 ج) يعاود الإشارة إليها في الآيات (48- 50) حيث يحدّد البشر هيكلاً يُبنى في مكان معيّن للعبادة: "الأرض موطىء قدميَّ" (آ 49) "وتعبدني في هذا المكان" (آ 7 ج). والأرض الموعود بها في الآيات (5- 7) تملّكها نسل إبراهيم في الآيات (44- 50).
والتطابق الملحوظ بين الآية (8 و 38- 43) يقوم على عهد الختان المُعطى لابراهيم ونسله في الآية 8 وهو يُعدّ بداية للدخول في الشريعة التي تكتمل مع موسى الذي تلقّاها من الملاك. والمفردات التي تخلق هذا التوازي تظهر في الفعل "أعطى" الذي يتكرّر مرّتين فقط في الخطبة: "ثمّ أعطى الله لإبراهيم" (آ 8) "وتلقّى كلمات حيّة ليعطيناها" (آ 38 ج).
أمّا الأجزاء التي يتمحور حولها النصّ فهي الآيات (9- 16) و(17-37). الآية 9-16 تتضمّن قصَّة يوسف الذي رفضه الآباء (آ 9) وأنقذه الله (آ 10) وعاد وأنقد إخوته من المجاعة (آ 12- 15). والآيات (17-37) تتكلّم عن موسِى الذي أنقذه الذين رفضوه، إبنة فرعون (17- 20) ورفضه إخوته (آ 25 و 27) وكشف الله له ذاته (آ 32) وأرسله لإنقاذ شعبه (آ 34). والتوازي القائم بين هذين الجزئين يقوم على تسلسل الأحداث المرتبطة ببطلين أساسيَّين: يوسف وموسى اللذَين رفضهما شعبهما ولكنّ الله أحاطهما بعنايته وأعاد إليهما القدرة كي ينقذا هذا الشعب من شدائده.
ولكنّ الملاحظ في هذا الأمر هو أنّ قصّة موسى أُعطيت كثيراً من ريشة الكاتب وأُعيد ذكرها ثانية في الآيات 35-37 للتشديد على أهميّتها وأهميّة الأحداث التي جرت على يد موسى وخاصة القول الذي تلّفظ به موسى: "سيقيم الله من إخوتك نبياً مثلي".

3- شرح النصّ
بشرحنا هذا سنبدأ بالنصوص المحورية أيّ المركزية نظراً لأهمية البطلَين يوسف وموسى في خلاص الشعب الإسرائيلي.
يوسف 9-16
الخبر يبدأ بكلمتين أساسيتين وهما "الحسد" و"الآباء"؛ "الحسد" وهو عامل نفسي في داخل الإنسان قد يدفعه إلى تدمير الآخر للحصول على مركزه، وكلمة "الآباء" أزالت مفرد "الإخوة" الذي ذكره الإنجيلي في بدء خطابه، "أيها الإخوة (آ 1). وقطع الرابط بين الآباء ويوسف الذي بيع إلى مصر وانتقل من أرض الآباء إلى أرض غريبة سيكون سبباً لاضطهاد سلالة يعقوب بعد موت فرعون الذي يعرفه يوسف. يوسف لم يبقَ لمفرده لأنّ الله انتقل معه وكسر الحواجز التي خلقها الآباء بقولهم عنه "إلهنا". فأنقذه من كلّ شدائده وكانت الحظوة والحكمة إلى جانبه وأصبح وكيل فرعون على مملكته. أرض كنعان إذاً لم تعد المكان الذي ينبغي أن نكون فيه حتى نلتقي بالله.
إنتقل الله مع يوسف وضرب الضيق الشديد مصر وكنعان وأصابت المجاعة (آباءنا). كلمة "آباءنا" شملت اسطفانس والسامعين لأنّه أراد القول آبائي هم آباؤكم. واضطرّ يعقوب أن يُرسل الآباء إلى مصر للمرّة الأولى. أمّا في المرّة الثانية، فتعرّف يوسف إلى إخوته وكُشفت هويّته لفرعون فكانت النتيجة أن استقدم يوسف الآباء إلى مصر وعرض فرعون على آل يعقوب أن يبقوا على هذه الأرض.
يوسف نُفي وعُزل عن أرض الآباء المسمّاة بأرض الميعاد ولكن انتقال الله معه نبذ قيمة الختانة التي لم تعد كافية حتى يُطلق على الآباء إسم أبناء الوعد. هذا الإنقسام جعل من مصر أرض الميعاد والإعتراف بالله من خلال التعرّف على عبده. بالإضافة إلى ذلك يمكننا التأكد من أنّ نبذ اليهود للأمم لم يبدأ منذ عهد الآباء. وموت يعقوب جمعه بابراهيم، والإثنان معاً دُفنا في مدفن إشتراه ابراهيم بماله الخاص ولم يحصل عليه بالوعد.

موسى: 17- 37
ليست قصّة يوسف سوى تحضير لقصّة موسى الذي تعرّض للمأساة نفسها التي تعرّض لها يوسف من قبل المصريين. نمت سلالة ابراهيم فخاف فرعون من كبر العدد فأجبر الناس على قتل أطفالهم. وكان موسى لا يزال طفلاً عديم القوى فطرحه أهله ولكنّ الله كان معه (آ 2) وأنقذه على يد ابنة فرعون التي انتشلته وربّته كابن لها.
بعد اختفاء الفرعون الذي كان يعرف يوسف، فُقدت العلاقة والجيرة بين المصريين والآباء فلذلك ينبغي وجود شخصٍ آخر "قادر" على القيام بمهمّة توازي مهمّة يوسف من أجل خلاص شعبه.
وها إنّ التوازي بدأ يظهر واضحاً: طُرح موسى فاعتنى به المصريون كما هي الحال عند يوسف وتثقّف على يد المصريين وكان قديراً في أقواله وأفعاله وبدأ بالدفاع عن المظلومين حتى ولو كان المعتدي من المصريين. ولكن أخوته لم يعوا ما سيأتيهم الله من خلاص على يده. جَهل إخوة موسى يوازي جهل إخوة يوسف. نبذ أحد اليهود موسى برفضه لوساطته (آ 27) فرمز بذلك إلى الرفض الذي سيحدث فيما بعد من قبل الشعب كله! "من أقامك علينا رئيساً وقاضياً؟". هرب موسى إلى مديان حيث ولد ابنين. وبذلك ابتعد موسى عن الأرض التي لم تعد مكاناً يلتقي فيه بالله. مديان أصبحت المكان الذي نمت فيه سلالة موسى وظهرت بركة الرب عليه. مديان ليست أرض الميعاد ولكنّها أرض ظهر الله عليها لموسى وكشف له ذاته. فتعرّف موسى على إله آبائه ابراهيم واسحق ويعقوب وارتبط بهم من خلال إيمانه بإلههم الذي أصبح إلهه. تكلّم الربُّ مع موسى وأعلن له أنّ المكان الذي يطأه هو أرض مقدّسة وهذه الأرض موجودة في صحراء جبل سيناء وليست في كنعان أرض الميعاد. إذاً الرب هو الذي يحدّد المكان المقدّس وليس العكس. اختار الرب موسى وأرسله لينقذ شعبه من مصر التي أصبحت أرضاً لا تعرف الله (33- 34).
يعيد الإنجيلي ذكر ما حدث مع موسى ويشدّد على أنّ الذي أنكرتموه هو الذي اختاره الله رئيساً "وفادياً" يعضده الملاك، وهو الذي أخرج شعبه من مصر بما أتى في أرضها من أعاجيب وفي البحر الأحمر وفي الصحراء طيلة أربعين سنة (35- 36) وهو الذي قال أيضاً "سيقيم الله من إخوتك نبياً مثلي". في آية كهذه يلفت نظرنا الفعل "أقام" الذي يعني باليونانية أنإستامي ومصدر هذا الفعل هو القيامة. وبقوله هذا أراد التلميح إلى نبيّ آخر سيظهر من بين إخوته الإسرائيليين وستوازي قوّته قوَّة موسى فلا تعودون إلى نكرانه. سنعيد التكلّم عن هذه الآية في خاتمة المقال.
عمل موسى كفادٍ ومحررٍ لشعبه ولكنّه الوحيد الذي التقى بالله وتعرّف عليه من خلال ملاكه.

8 و 38- 43: الشريعة
أعطى الله ابراهيم عهد ختانة وربط بينه وبين سلالة ابراهيم. والعهد لا يكتمل دون شريعة. فعلى الفريقين أن يلتزما بشروط على أساسها يتمّ الإخلاص والوفاء لهذا الرابط بينهما.
تمّ العهد في الآية 8 وأصبحت الختانة علامة تعلن عن انتماء الشخص إلى شعب الله المتحدّر من ابراهيم. والشريعة التي تكمّل هذا العهد أُعطيت لموسى بواسطة الملاك وليس مباشرة من الله (آ 37). بواسطة موسى أُعطيت لآبائنا وهذه الشريعة ما هي إلا كلمات حيّة (آ 38) رفضها آباؤنا وعصوها وبذلك نقضوا عهدهم مع الله. فنبذوا موسى كما سبق وفعلوا في مصر وطلبوا من هارون أن يصنع لهم آلهة تسير أمامهم من أجل حمايتهم، وعبدو الأوثان. وبذلك تلفتت قلوبهم إلى مصر، الأرض التي أخرجهم الله منها. أصبحت إذاً الشريعة كلمة حيّة تحرّر من عبودية المكان وتقتل الأوثان في داخل قلب الإنسان. ورفض الآباء لها هو رفض لمشروع الله الخلاصي من أجلهم (39- 41).


(5-7) و (44- 50) الهيكل
وعد الله ابراهيم بالأرض ووعده بأن تملكها سلالته بعده. ولكن سلالته ستمرّ في مأساة كما سبق وذكرنا لأنهّا ستُستعبد مدة أربعمائة سنة والله سيخرجها ويدين الأمّة التي استعبدتها (6- 7). خروج سلالة ابراهيم من مصر وحلولها في أرض الميعاد كان مربوطاً بشرط أساسي هو عبادة الله على هذه الأرض: "وتعبدني في هذا المكان" (7). الخيمة التي صنعها موسى طلبها الله ذاته وما هي إلاّ دلالة علي الإيمان والعهد اللذين يربطان الشعب بإلهه. جاءت من موسى وتسلّمها آباؤنا بقيادة يشوع الذي على أساس هذا الرباط دخل بها إلى أرض الأمم بمساعدة الله. وها إنّ الوعد الذي وُعد به إبراهيم يتحقّق (آ 5). ظلّت الخيمة إلى عهد داود الذي لقي حظوة عند الله وأراد أن يشيد مسكناً لبني يعقوب فلم يستطع فشيّد سليمان المسكن.
ها إنّ ثلاث شخصيات مهمّة وجديرة تمرّ في هذه الخطبة: يشوع وداود وسليمان وهي مرتبطة بالآباء وتُعبرّ عن استمرارية العلاقة بين الله وشعبه. رضي الله على داود فلذلك استطاع هذا الأخير أن يفهم أهميّة عدم حبس الله في مسكن من صنع البشر، ولكن سليمان الذي أشاد الهيكل لقي معارضة من قبل النبيّ الذي أعلن الله على لسانه مدى أهمية مسكنٍ الله غير المشاد بأيدي البشر والمنتشر في السماء وعلى الأرض بمجملها. إذاً فالمبادىء الإسرائيلة التي تقوم على الحدّ من صلاحية الخالق أصبحت تشكّل خطراً على شمولية إنتماء العالم إليه. إذا كانت السماء عرشه والأرض موطىء قدميه فعلى جميع البشر إذاً أن يتعرّفوا على إلههم ويخضعوا له ؤآية 49).
2- 4 و51- 53 اسطفانس والأخوة والآباء
بدأ اسطفانس كلامه بالعبارة "إسمعوا أيها الإخوة" وهي عبارة خاصّة بسِفر تثنية الإشتراع خاصة الفصل السادس منه "إسمع يا إسرائيل". والهدف من هذا الكتاب هو تأوين ما قيل على لسان موسى أي عيش الحاضر على ضوء خبرة آبائنا الماضية مع الله.
وكلمة "الإخوة" التي تربط بين اسطفانس والسامعين لا تُذكر سوى في الآية 2 من الخطبة.
أمّا كلمة "آباءنا" فقد ظلّت تتكرّر في النصّ كلّه (آ 44، 45، 38 الخ...) إلى أن استُبدلت بكلمة "آباؤكم" حيث يفقد الرابط بين المتكلّم والمخاطب. وسبب فقدان هذا الجامع يمكننا أن نقرأه على ضوء رسالة موسى حيث لم يع ينو إسرائيل إخوته لما سيأتيهم الله من عون وخلاص على يد موسى فرفضوا وجوده بينهم (23- 25).
ظهر إله المجد لإبراهيم في أرض غير مقدّسة، بلاد ما بين النهرين (2) وأطلق على ابراهيم صفة "أبينا" لأنّه جمعنا بإيمانه؛ وخرج ابراهيم بطواعّية من أرضه مع عشيرته وأقام في حران وبقي الله معه حتى بعد موته، إذ إنّه نقله من حران إلى الأرض التي تقيمون فيها الآن أي أرض الميعاد التي وعده بها ووعده بأن يمِّلكها لسلالته. بذلك لم يعد وجود الله محدّداً بأرض معيّنة أو بهيكل معيّن لأنّه كان ينتقل مع الذين يؤمنون به ويتواجد في أراضٍ عديدة نظراً لشمولية ألوهيته.
أمّا بالنسبة لإسطفانس الذي تكلّم أخيراً عن ذاته (51-53) فقد ألغى كلّ جامع بينه وبين سامعيه "فلأنتم كآبائكم، أيّ نبي ما اضطهده آباؤكم". قتلُ الأنبيا هو قتل كلمة الله واضطهادها والسبب هو "قساوة رقابهم" (51) نظراً لعدم طواعيتهم "وغلف قلوبهم" (51) الذي أفقدهم قيمة عهد الختانة الذي أعطاه الله لإبراهيم (8). يبقون غلف قلوبهم وينزعون غلف أجسادهم ويدّعون انتماءهم إلى أبوّة إبراهيم. وهنا نلمس مدى تحوّل الشريعة التي تسلّمها موسى "كلمات حيّة" (38 و 53) إلى كلمات ماتت بجمودها وبمظاهرها بسبب منعها من دخول أحشائنا.
فالجامع بينكم وبين آبائكم هو قتل الأنبياء ورفض الشريعة والإرادة بتحديد مكان تضعون فيه الذي تدّعون بأنّه إلهكم. بذلك أصبح اسطفانس الجامع بين الماضي والحاضر، بين الآباء والأبناء لأنّه اضطُهد على أيديهم كما اضطُهد الذي يبشرون بالبار على أيدي آبائهم (52).
لأنّ إيمان المبشّرين يوحّدهم بالمبشّر به بواسطة الروح القدس الذي كان يقاوم أبداً من قبل مضطهديهم.
التشابه أصبح إذاً واضحاً بين يوسف وموسى واسطفانس وكلّ من يبشّر بمجيء البار.
وما عدم تحديد اسم البار المذكور في الآية (52 ب) إلاّ ليربطنا بالنبي الذي تنبّأ به موسى عندما قال "سيقيم الله من إخوتك نبياً مثلي" (آ 37 وتث 18: 15 و18-19). عندما يقرأ المسيحي نبوءة كهذه لن يرى في النبي المشابه لموسى سوى المسيح الذي هو أعظم من موسى كما صوّره يوحنا الإنجيلي (يو 6: 14 و7: 40). تردّدت هذه الآية مرَّتين في أعمال الرسل: مرّة في (7: 37) ومرّة أخرى في خطبة بطرس (3: 22) من أجل الإعلان عن قيامة المسيح وتعليلها بالكتب المقدسة. نصّ تثنية الإشتراع لا يلمّح إلى آلام المسيح ولا إلى قيام الملكوت الإسخاتولوجي ولكنّ قراءته أفادت لوقا في شرح قيامة المسيح وتأكيدها. فالفعل اليوناني أنإستامي قد يترجم "بقام أو نهض" و"بقام من بين الأموات". وبطرس عندما يستعمل هذه الآية "نبياً مثلي سيقيم لكم الرب" يعود ويقول بعد بضعة شروحات في خاتمة خطبته: "من أجلكم أولاً أقام الله عبده من بين الأموات" (3: 36). الفعل اليوناني المستعمل في الآية 23 هو نفسه يتردّد في الآية 36 فلذلك نستطيع أن نلحظ العلاقة الواضحة بين النبيّ الذي تكلّم عنه موسى وبين النبيّ الذي أقامه الله من بين الأموات.
إلى ذلك يضيف سفر تثنية الإشتراع عبارة: "له اسمعوا" التي استعملها اسطفانس في بداية خطبته واتّهم السامعين بغلق القلوب في نهاية الخطبة. برهن بذلك أنهّم لا يسمعون ولا ينفّذون أقوال موسى التي تشير إلى البار الذي ينبغي أن يسمعوه.

4- النصّ في إطاره
يبدو لنا من خلال الخطبة أنّ اسطفانس أراد إعادة النظر مع سامعيه بالشريعة وأهدافها فحاول تفسيرها على ضوء إيمانه الجديد بيسوع المسيح. بذلك برزت فكرة عدم الوفاء والإخلاص لوعد الله المنتظر منذ أيام يوسف إلى يوم مجيء البار والتبشير به. ردّ اسطفانس في خطبته على الإتهامات الموجّهة ضدّه جدّف على موسى والله حمل على هذا المكان المقدّس أي الهيكل وعلى التوراة وأعلن بأنّ يسوع الناصري سوف يدّمر هذا الهيكل ويبدّل ما نقل الناموس من عادات.
لقد اعتمد اسطفانس على تلخيص ما ورد في التوراة إذ إنّه أظهر أعمال الآباء التي قامت على رفض أولياء الله واضطهادهم "يوسف وموسى" (9-37). رفض المرسل هو رفض الله بذاته لذلك فالتجديف على موسى والله عاشه آباء السامعين والمتكلّم معاً. أمّا بالنسبة للهيكل المقدّس الذي أشادته أيدي البشر، فقد رفضه الله وأعلن عن رغبته في إبقاء مسكنه شمولياً يطال كلّ البشر: "السماء عرشه والأرض موطىء قدميه" (44- 50)
وتسلّم موسى التوراة ليعطيها لآبائنا ولكنّهم رفضوها (38- 39) كما ترفضونها أنتم اليوم (53). أمّا يسوع الناصري النبي الذي أعلن عنه موسى (37) فقاومتموه بقتلكم المبشرين به. وبقتلكم يسوع الناصري نقضتم كلام موسى وبدّلتم ما نُقل إليكم من عادات ورفضتم من يستطيع أن يكمّل ما ورد في الناموس.
وعندما سمعوا كلام اسطفانس قادوه إلى خارج أسوار المدينة كما جرى ليوسِف عندما بيع إلى مصر ولموسى عندما هرب إلى صحراء سيناء والإثنان معاً إلتقيا بالله في المكان الذي انتقلا إليه. قبل ذلك رأى اسطفانسِ "يسوع واقفاً عن يمين الله" (55) أي إنّ يسوع أصبح بذلك مشاركاً لله مجده وألوهيّته. وما السموات المنفتحة إلاّ إعلان عن المجال الذي فُتح أمام كلّ إنسان أراد خلاص نفسه بالإيمان بابن الإنسان الجالس عن يمين عرش الله الذي اختار السموات هيكلاً له لأنّه ليس محدوداً بشعب معيّن ولكنّه شمولّي (56).
وبذلك فإن إخراج اسطفانس إلى خارج المدينة لم يعد يؤثّر على لقائه بابن الإنسان الذي تبعه وتلقّى منه روحه (59). وموقف اسطفانس في النهاية كان مشابهاً لموقف المسيح الذي غفر للذين اضطهدوه وصلبوه. كل ذلك كان ممكناً لأنّه كان مملوءا من الروح القدس (55).
والمكان الذي قُتل فيه اسطفانس ليس المكان الذي يموت فيه الآباء ولكنّه المكان الذي يُعطي الآباء فيه الموت.
في هذا المكان بالذات ظهر ولأول مرّة شاول الذي سيتسلّم المشعل منٍ اسطفانس. مات اسطفانس فعاشت روح اسطفانس في إنسان كان سائراً على خطى الآباء في عدم فهمه لأهداف شريعته، إسمه شاول.

الخاتمة
في النهاية أعلن اسطفانس عن شيئين أساسيين وهما:
- لا وجود لأيّ مكان أو هيكل مقدّس تُحصر به العبادة لله. ووجود اليهكل ليس علامة رضى أرادها الله لتحقيق وعده.
- والختانة الجسدية لا تُعطي أيَّ ضمانة من أجل الوفاء والإخلاص لعهد الله أو الإنضمام إليه. واسطفانس يشهد وكأنه المفسّر الحقيقي لشريعة الله.
هذه النقاط التي عالجها اسطفانس في خطبته ستعود وتظهر في الفصل 15 حيث تبرز مشكلة الختانة وعدم الختانة للمؤمنين غير اليهود في إطار وفائهم وإخلاصهم لوعد الله.
إنّ موت اسطفانس قد أحدث اضطهاداً بخروج أبناء أورشليم إلى أنحاء اليهودية والسامرة (8: 1) وبانفصال بني اليهود وتبّاع الشريعة.
وهذا التشتّت كان عاملاً أساسياً في التبشير بالكلمة ونشرها بدءاً من السامرة مع فيليبس ومروراً بأبناء الأمم مع الحبشي (8: 26) إلى أقاصي الأرض.
وبهذا يمثّل اسطفانس دوراً بارزاً لأنّه كان الدافع الأساسي في التحوّل الذي حدث في كنسة أورشليم.
الفصل الثامن والعشرون
سجن بطرس
12: 1- 23
الأب ريمون هاشم الأنطوني

1- تحديد النصّ
بداية النصّ تتكلم عن توقيف بطرس وسجنه وعن القضاء على يعقوب أخي يوحنا (آ 1-3). أما خاتمة النصّ فتنحصر في الحديث عن هيرودس والجنود الذي أضاعوا بطرس (آ 20) وفي الملاك الذي قضى على هيرودس (آ 23). إذا بطرس المسجون أصبح طليقاً وهيرودس القاضي والحاكم قضي عليه.
بداية النصّ وخاتمته حصرا موضوعاً واحداً ألا وهو: بطرس عضو الكنيسة ومواجهته مع هيرودس.
زيادة على ذلك فالنصّ الذي يسبق (12: 1-23) يتحدث عن ارسال برنابا وشاول لمساعدة الاخوة الذين يسكنون في اليهودية (27- 30). أما النصّ الذي يلي (12: 1-23) فيؤكد انتشار الكلمة (آ 24) ويتكلم عن رسالة برنابا وشاول التي اكتملت بعودتهما (آ 25).
إذاً فالآيات (11: 27- 30) و(12: 24- 25) تتحدث عن موضوع مغاير للموضوع المعالج في (12: 1- 23) وبذلك نستنتج أن الآيات 12: 1- 23 تشكل وحدة أدبية يمكننا دراستها وتحليلها بشكل مستقل.
أ- تأليف المقطع
إن الآيات (1- 5) تشكل قسماً واحداً بجزئين (1-3) و(4- 5). (1- 3) مبني بشكل محوري و(4- 5) بشكل متوازي. وأما ما يبني الترابط بين الجزئين فهو ترداد كلمة "كنيسة" (1 ب و5 ج).
وتتطابق الأجزاء (1-3) و (4- 5) مع أجزاء الخاتمة 18-23 بحيث إن الآيات (18- 19) المبنية بشكل متواز تتوازى والآيات (4- 5) بسبب التعارض القائم بينهما. الجزء الأول يتكلم عن سجن بطرس أما الثاني فيعرض لنا البلبلة الناتجة عن اختفاء بطرس من السجن.
أما بالنسبة للأطراف، فالآيات (25- 22) بالإضافة إلى آ 23 المبنية بشكل محوري تتكلم عن موت هيرودس الناتج عن تدخل الملاك. أما الآيات 1-3 فتتكلم عن موت أحد أعضاء الكنيسة. وهذا أيضاً نوع من التعارض لأن ما نوى الملك أن يفعله بأعضاء الكنيسة تحقق فيه. وهو ما نسميه بانقلاب الأحوال.
الآيات 6-9 المبنية بشكل محوري تركز على ظهور الملاك في السجن (7 أ)، وعلى انتقال بطرس من حالة ثبات "النوم" (آ 26) إلى حالة دينامية "نهوضه" (آ 7). أما أطراف هذا الجزء فتخبر بشكل متعارض عن هيرودس الذي كان يهم بمحاكمة بطرس (آ 6) وعن الملاك الذي يعيد إليه رداءه وحذاءه من أجل اخراجه (8- 9).
والآيات (6- 9) تتطابق والآيات (12- 17) والسبب هو التعارض من ناحية المكان. فالآيات (6-9) تتكلم عن بطرس في السجن، أما الآيات (12-17) فتتكلم عن بطرس في بيت مريم أم يوحنا. أو المنتقل إلى بيت مريم أم يوحنا.
بالاضافة إلى ذلك، نلاحظ ترداد المفردات التالية: "الباب" (6 د و 13 أو 14 ب. ج) "اليد" (7 د و 17 أ) "المكان" (7 ب و12 أ و17 د) الخ...
فالمفرد "مكان" يقوم بوظيفة التضمين ويحدد المقطع (12- 17).
أما الآيات 12 ب ج و17 أ ب ج فتتطابق فيما بينها بسبب الموقع وبسبب ذكر الأسماء "مريم أم يوحنا الملقب بمرقس" و"يعقوب والاخوة". وحالة الصلاة التي كانوا يعيشونها في الآية 12 تنقلب إلى حالة تبشير في الآية 17. والآية (13- 14 أ) تتطابق والآية 16 بسبب "قرع الباب" الذي يتردد في الآيتين وحالة الانذهال المشتركة بين رودي والمجمع الحاضر. أما آ 14 ب وآ 15 أ ب ج فتتطابق فيما بينهما بشكل متواز: يتردد قول الجمع مرتين في 15 أ و15 ج؛ و14 ب تتوازى و15 ب لأنهما تتكلمان عن بشرى رودي الخادمة.
أما الآيات الوسط 9 ب- 11 فيتمحور حولها النصّ لأنها تشكل الحدث الأساسي الذي بني عليه.
وهذه الآيات بنيت بشكل محوري لأن خيال بطرس في 9 ب أصبح واقعاً في آ 11، والآية 10 أ تتطابق والآية 10 ب بسبب الفعل (جاز). 
ب- النص في إطاره
إن أع 12: 1- 23 ينتمي إلى أع 6- 12 الذي يحتوي على تعيين الشمامسة (أع 7) المرتبط بالتبشير بالكلمة وبانتشارها في السامرة على يد فيلبس (8: 5- 24). بالإضافة إلى ذلك فإن ارتداد بولس كان السبب في تبشير الكلمة في دمشق (9: 1- 31). أما بالنسبة لبطرس فإنه شفى امرأة وأقام طبيثة في يافا، وأثناء خطبته جاء الروح وحلّ على الغير المختونين الذي اعتمدوا وبذلك اقتبل أهل الأمم الكلمة وبنيت كنيسة انطاكية (11- 19) وبدأت وجهة جديدة في التبشير مع برنابا وشاول (آ 25). 
بطرس دخل السجن (12: 1- 12) وتحرر منه على مثال معلمه المسيح. مع تحريره تحررت الكلمة وتابعت مسيرتها بالإنتشار. وبعد ذلك اختفى ذكر بطرس من كتاب أعمال الرسل. اختفى ذكر بطرس وبقيت الكلمة.

2- شرح النصّ
أ- الأحوال تنقلب رأساً على عقب (12: 1- 5)
نبدأ من الأطراف: إن القبض على أعضاء من الكنيسة والقضاء بالسيف على يعقوب أخي يوحنا، أرضى الشعب اليهودي وشجّع هيرودس بالقبض على بطرس. وكان ذلك في أيام الفطير (11-3). أمسك هيرودس ببطرس وألقاه في السجن ووضع حراساً عليه ونوى أن يحاكمه بمرأى من الشعب. ولكن الكنيسة كانت تضرع إلى الله من أجل بطرس (4- 5). ففي الآيات التي تشكل خاتمة النصّ (18-23) نرى بأن الأحوال تنقلب رأساً على عقب. فبدل أن يساق بطرس إلى العذاب سيق حراسه، وبدل أن يمثل بطرس للمحاكمة بمرأى من الشعب، مثل هيرودس بمرأى من الصوريين والصيدونيين الذي اثبتوا عليه التهمة التي تقول بأنه جعل من نفسها إلهاً. فتدخل ملاك الرب وأجرى الحكم بنفسه إذ إنه ضربه لأنه لم يمجّد الله. وبذلك فإن صلاة الكنيسة (آ 5) استجيبت (آ 23).
ب- لا يمكن حبس البشارة (6: 19)
الآيات 6- 9 تتكلم عن تدخل الملاك من أجل انقاذ بطرس من السجن.
محور هذا المقطع هو ظهور الملاك الذي ينهض بطرس من حالة الجمود التي سببها له السجن والسلاسل. لمس الملاك بطرس وأيقظه من رقاده واستعمل الفعل "قام" الذي يشار به عادة إلى المسيح القائم من بين الأموات. وأعاد إليه اعتباره وحريته بانتعال الحذاء رمز الخروج من العبودية وباتشاحه الرداء رمز الكرامة وكل هذه الملابس ترمز إلى الاستعداد للسفر. وما كان يفعله بطرس هو تنفيذ ما كان الملاك يأمره به. إذاً فاستسلامه بين يدي الملاك أعاد إليه الحرية. أما في الجهة المقابلة، فبطرس اصبح خارج السجن 12-17.
تعرف على المكان دون نية البقاء والإختباء في داخله لأن الآية 17 تتكلم عن خروجه قاصداً مكاناً آخر. قصد بطرس بيت مريم أم يوحنا ونقل الجماعة من حالة الصلاة إلى حالة التبشير بالحدث الذي عاشه مع الرب (آ 12 ب و 17 أ). حياة بطرس أصبحت واقع يُبشر به من أجل إحياء الرجاء واعلان البشارة التي تحيي وتقوّي الإيمان بالرب.
الإنذهال والفرح علامتان عاشتهما الخادمة رودي والجماعة التي كانت تصلّي من أجل بطرس.. هاتان العلامتان عاشهما الرسل عندما سمعوا مريم المجدلية تبشّرهم بقيامة المسيح. عندما تلقوا الخبر خرجوا من العليّة وتخطوا حالة الخوف التي كانت تتملكهم وها إنهم يعيشون الحالة نفسها مع بطرس الخارج من السجن. بطرس طلب منهم ألا يبقوا في سجنهم لئلا تُحبس البشارة ويُحدّ من انتشارها. ويبدو أن الهدف من تحرير بطرس هو متابعة التبشير بتدخل الرب الذي أنهض الإنسان من حالة رقاده وأعطى معنى لحريته..
والعبارة "ضرب الملاك جنب بطرس" (آ 7) تتطابق والعبارة "قرع بطرس الباب" (آ 13). الواقع هاتان العبارتان المتطابقتان تعبران عن طريقة بطرس في قرع باب الجماعة وإيقاظها من غيبوبتها التي تشبه طريقة الملاك في إيقاظه من نومه عندما كان في السجن. الرب أيقظ بطرس لكي بدوره يوقظ جماعته.
ج- العبور (9 ب- 11)
الآيات التي يتمحور حولها النصّ تصف لنا كيفية خروج بطرس من السجن بمرافقة الملاك الذي لم يتركه إلاّ عندما تأكد من حريته. بطرس بذلك انتقل من حالة العبودية إلى حالة الحرية حيث اعترف وأيقن أن الربّ أرسل ملاكه لإنقاذه من يد هيرودس ومن توقعات الشعب اليهودي. 
بالواقع في هذه الآيات تحرر بطرس من شيئين: أولا من خياله، وثانياً من السجن. والتحرر من الخيال مرتبط كلياً بالواقع الذي دخل إليه بطرس بعد أن فارقه الملاك. وما انفتاح الباب من تلقاء نفسه إلاّ ليرمز إلى حجر القبر الذي دُحرج ليخرج المسيح.

الخاتمة
إن القضاء أو القبض علىٍ أحد اعضاء الكنيسة يمس الجماعة بأكملها كما وأنه يمس الله المرتبط كلياً بها: "كانوا يضرعون إلى الله من أجله دون إنقطاع".
صلاة الكنيسة وابتهالاتها الدائمة أنقذت بطرس من حالة جموده التي فرضها عليه الشرّ. وعاود بذلك نشاطه الرسولي القائم على نشر البشارة والكلمة. تدخل الله في حياة بطرس والكنيسة هو عامل أساسي من أجل اكمال مثروعه الخلاصي وإلاّ فالكلمة تبقى في سجنها والإنسان في عبوديته. وما موت هيرودس إلاّ ليقول لنا إنه ليس بإمكاننا ولو ظنّنا بأننا آلهة أن نقف حاجزاً في درب كلمة الله.
عاش بطرس حدث السجن كما عاش المسيح حدث الموت والقيامة.
وبذلك يمكننا القول بأن كتاب أعمال الرسل لم يرد التكلم عن سجن بطرِس او موته إذا امكننا القول. بل أراد أن يقول لنا بأن بطرس ما زال حيا وبأن الجماعة المسيحية ما زالت تعيش من كلمته.
الفصل التاسع والعشرون
الإجتماع المسكوني الأولى
15: 1-35
الاب د. كميل وليم سمعان

1- مشاكل في كنيسة انطاكية (15: 1- 2)
يتناول هذا الفصل حادثاً ذا أهمية كبرى. وقد يبدو لنا أن الحادث لم يعد يهم أبناء أجيالنا، ولكن بالنظر إلى الأحداث وجوانبها يكتشف المرء أن الحادث أدى إلى تحديد الطبيعة الداخلية والشكل الخارجي للكنيسة. ولذلك يعتبر هذا حادثاً جوهرياً.
أ- خلاف في الكنيسة
لقد اشتدّ الصراع بين عنصري الكنيسة أي بين المسيحيين من أصل يهودي واخوتهم من أصل وثني. لقد أراد الأولون إخضاع الآخرين للختان ولكل أوامر شريعة موسى. ولما انتابت الدهشة يهود أورشليم المتنصرين لحلول الروح القدس على الوثنيين ولنواله العماد على يد بطرس، استطاع بطرك أن يقنعهم: "فيما سمعوا ذلك هدأوا ومجّدوا الله وقالوا: قد وهب الله إذاً للوثنيين أيضاً التوبة التي تؤدي إلى الحياة" (11: 18)
وظهرت نفس المشكلة في أنطاكيا حيث كانت غالبية الجماعة المسيحية من أصل وثني. ومع ذلك كان هناك تيار ميال لقبول هؤلاء دون اخضاعهم لشريعة موسى: "غير أنه كان منهم قبرسيون وقيرينيون، فلما قدموا أنطاكيا، اخذوا يكلمون اليونانيين أيضاً، ويبشرونهم بالرب يسوع. وكانت يد الرب معهم، فآمن منهم عدد كثير فاهتدوا إلى الرب. فبلغ خبرهم مسامع الكنيسة التي في أورشليم فاوفدوا برنابا إلى انطاكيا. فلما وصل ورأى نعمة الله فرح وحثّهم جميعاً على التمسك بالرب من صميم القلب" (11: 2- 23)
لم يكن برنابا وحده المؤيد لعدم اخضاع الوثنيين لشريعة موسى. فقد شاركه الرأي بولس: "ولكن، لما قدُم صخر (بطرس) إلى انطاكيا قاومته وجهاً لوجه لأنه كان يستحق اللوم. وذلك أنه قبل أن يقدم قوم من عند يعقوب كان يؤاكل الوثنيين. فلما قدموا أخذ يتوارى ويتنحى خوفاً من أهل الختان" (غل 2: 11- 12). وبالفعل كان بولس وبرنابا رائدي هذا الاتجاه.
ب- أسباب الخلاف
قد تكون أسباب الخلاف ناتجة عن كثرة الوثنيين المهتدين للمسيحية نتيجة لتبشير بولس وبرنابا. وفي نفس الوقت حدث نوع من التحالف بين المسيحيين من أصل يهودي الذي كانت اتجاهاتهم فريسية. لقد رأى هؤلاء في نشاط بولس وبرنابا التبشيري، الذي لم يأخذ بعين الإعتبار شريعة موسى، رأوا في ذلك خيانة لتقاليد اسرائيل المقدسة والثابتة. ويجب أن لا نقع في خطأ إتهام هؤلاء بسوء النية. ولا يجب أن ننسى أن الاعتقاد بوجوب المحافظة على شريعة موسى هو أصل كل تبرير كان ضرب بجذوره في تقاليد وفكر بني اسرائيل عبر الأجيال.
ألا تجد الكنيسة في يومنا هذا صعوبة شديدة لتأوين عاداتها والتعبير عن إيمانها وروحانياتها بسبب تأصّل بعض التقاليد وتجذرها؟
والسبب المباشر للخلافات هو أمر الختان. أصّر اليهود المتنصرين على أنه لا يمكن التغاضي عن الختان، وبذلك أرادوا أن يهوّدوا الوثنيين قبل أن ينصروهم. ومن ناحية أخرى، هبّ بولس مبشراً بانجيل حرّ من كل قيود الشريعة، معلماً أن الشريعة لم تعد أساس الخلاص إذ حلّ محلها، بفضل عمل المسيح الخلاصي، النعمة الإلهية والإيمان بالمخلص والذي يعبرّ عنه المؤمن بقبول العماد. لم يحتقر بولس نظام الخلاص في العهد القديم لكنه إهتم بفهم وشرح عطية الله المجانية للبشرية بيسوع المسيح.
كانت الرحلة إلى أورشليم التي أزمع برنابا وبولس أن يقوما بها هامة للغاية، فهي ذات أبعاد جامعة لأن هدفها لم يكن سوى الدفاع والمحافظة على حرية الكنيسة ووحدتها. إن توجههما إلى أورشليم لهو دليل على أنهما -مع الإحتفاظ بحريتهما- يقرّان بسلطة كنيسة أورشليم. لقد حاولا أن يجدا حلاً للمسألة بالحوار مع هذه السلطة.

2- بولس وبرنابا في أورشليم (15: 3- 5)
إننا أمام فكرة من الأفكار التي ينفرد بها القديس لوقا، وهي اتجاه الرسالة إلى أورشليم وانطلاقتها منها. اتجه الرسولان إلى أورشليم مغتنمين كل الفرص المتاحة للشهادة بالإنجيل. أشاعت أخبار اهتداء الوثنيين الفرح والسعادة بين مؤمني فينيقا والسامرة. لقد كوّن الهاربون من اضطهادات اورشليم جماعات صغيرة في أماكن شتى: وأما الذي تشتّتوا فأخذوا يسيرون من مكان إلى آخر مبشرّين بكلمة الله (8: 4). لقد كانوا جميعاً شركاء في الإيمان الواحد وهموم واهتمامات الكنيسة ذاتها. وكانت أخبار النشاط الرسولي لبولس وبرنابا تملأهما بمشاعر التضامن والأحساس بالمسؤولية تجاه مستقبل الكنيسة. كان لقاؤهما مع المفروزين المدعوين للبشارة والتشجيع الناتج من معرفة المؤمنين بازدياد اعداد المنضمين للكنيسة ينعشان الإيمان ويذكيان الإهتمام بجماعة القديسين.
لكن صاحب افراح الكنيسة جدال وتناقضات. لقد تغلّب الطابع المائل إلى اليهودية على جماعة أورشليم. ولقد تعجبت هذه الجماعة لاهتداء كورنيليوس قائد المائة الوثني ولحلول الروح القدس عليه وعلى آخرين غير معمّدين (10: 1-48).
وجدير بالذكر أن بولس وبرنابا لم ينسبا في تقريرهما أمام الرسل والشيوخ اهتداء الوثنيين إلى مبادرتهما الشخصية أو مهارتهما، "ولكنهما أخبروهما بكل ما أجرى الله معهما" (رسل 15: 5).
إذا كان الله قد أيّد العمل التبشيري وإن لم يكن ناتجاً من الشريعة أو خاضعاً لها بالآيات والأعاجيب (14: 4؛ 15: 12) وبارك اهتداء كورنيليوس الوثني بإفاضة عطايا ومواهب الروح عيله (رسل 10: 44؛ 11: 17)، فيجب إذاً أن تصمت احتجاجات البشر وتختفي.
إلا أن الصعوبات لم تختفِ إذ ظلت عناصر ذات صبغة فريسية داخل جماعة أورشليم تنادي بضرورة ختان الوثنيين وحفظهم لشريعة موسى.

3- خطبة بطرس (15: 6- 11)
إستدعى موقف جماعة أورشليم ذات الأصل اليهودي وتعنّتها في ضرورة الختان على الوثنيين، إستدعى ذلك عقد إجتماع رسمي لكل ذوي السلطة في جماعة أورشليم (ويطلق على هذا الإجتماع المجمع الرسولي وقد ذكره القديس بولس في غل 2: 1-10 وهو نصّ يفصح عن انفعالات بولس الشديدة في ذكر الأحداث).
فإلى جانب الرسل هناك أيضاً الشيوخ وقد سبقت الإشارة إليهم في أعمال الرسل 15: 3. لقد تزايد عدد الذين كان لديهم دور فعّال في الجماعة. ويلقي بطرس بحكم موقعه ودوره بالتعليمات الأساسية. ويؤكّد تدخل بطرس استمراره في قيادة الكنيسة وأن شيئاً لم يتغير ولا مجالا للتفكير في أنه أسلم قيادة الكنيسة ليعقوب قبل مغادرته أورشليم (12: 17). وتشير خطبة بطرس إلى موضوع كورنيليوس. ويتوسع كتاب الأعمال في الشرح والبرهان الذي سبق واعلنه بطرس إذ يعلن أن الله نفسه هو الذي أمره بأن يقبل في الكنيسة الضابط الروماني الوثني. وعلامة التأييد التي أعطاها الروح القدس بحلوله على الوثنيين المهتدين للمسيحية (10: 44-48) كانت أكبر وأقوى برهان على قرار قبول هؤلاء بواسطة العماد في الكنيسة. ويشبه تعليم بطرس هذا إلى حدّ كبير تعليم بولس. فيعلن بطرس أن الله طهّر قلوبهم بالإيمان (15: 9). وهذا ما اخرجهم من الخطيئة إلى التبرير (راجع رو 3: 21..). كما أنه ذكر النير الذي لا يستطيع الذين تحت الناموس أنفسهم حمله. هذا ما يذكرنا بكلام بولس في الرسالة إلى رومه (2: 17- 24) وفي أماكن أخرى ما نقرأ في مت 23: 4: "يحزمون احمالاً ثقيلة على اكتاف الناس ولكنهم يأبون تحريكها بطرف الأصبع".

4- تدخل يعقوب (15: 12- 21)
يقتصر الكاتب على عبارة واحدة يذكر فيها تقرير بولس وبرنابا عن عملهما الرسولي. لقد اكتفى الكاتب بما سبق وذكره بالتفصيل في الفصول السابقة عن هذا النشاط.
ونلاحظ مرة أخرى الإشارة إلى الآيات والأعاجيب التي أجراها الله عن ايديهما بين الوثنيين. لا يملّ لوقا من تكرار الكلام عن وجود الرب الممجّد. وكان يعقوب الذي يسمّى "أخو الرب" (1: 19) يحتلّ مكانة القائد في جماعة أورشليم. وليس من الأكيد أن يكون أحد الأثني عشر رسولاً. ولكنّه كمسيحي عادي من أصل يهودي كان مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالنظم والشرائع اليهودية. وكان يتمتّع بحبّ وتقدير عظيمين وخاصة من التيار المحافظ. ويشهد بذلك النصّ التالي: "ذلك أنه قبل أن يقدم قوم من عند يعقوب كان (بطرس) يؤاكل الوثنيين فلما قدموا أخذ يتوارى ويتنحّى خوفاً من أهل الختان" (غل 3: 12).
لا أساس لما ينادي به البعض بأن الكلمة الأخيرة تركت ليعقوب لأن يتكلّم كرأس الكنيسة ورئيسها. ويستند هؤلاء على نصّ 12: 17 كما أنه لا يمكن اعتبار اهمال يعقوب بالذكر أسمي بولس وبرنابا إهمالاً مقصوداً وأن فعل الأمر: "استمعوا إليّ" (15: 13) دليل على أنه منسّق المجمع وأنه صاحب القرار. ويفترض كل من ينادي بذلك وجود خلاف وتوتّر شخصيين بين بولس ويعقوب. وقد يسير إلى ذلك جدال (لا وجود له في الواقع) في رسالة يعقوب (يع 2: 12-26). لا ينكر أحد أن هناك فرقاً بين طابع الشخصين، ولكن إذا حصرنا المقارنة بالتعليم الأساسي لكل منهما، لا يمكن الإدعاء بأن هناك خلافاً حقيقياً فيما يتعلّق بتعليم كل منهما عن الخلاص.
كما أنه يجب الاقرار بأهمية اقتناع بطرس ويعقوب بالرغم من دقتهما الشديدة في المحافظة على شريعة موسى باهمية وضرورة البشارة الرسولية المتحرّرة من قيود الشريعة معتبراً ذلك مطابقاً للكتاب المقدس. والنصّ الذي يورده يعقوب مقتبس من الترجمة اليونانية للعهد القديم ويريد به اثبات وتأييد ما يقوله ويعتبره محاولة لعرضٍ رسالة الأنبياء الذين نادوا بالتفاف الأمم حول بني اسرائيل ليكوّنوا جميعاً شعب العهد الجديد.
إن ما يهم الكاتب هو تأييد يعقوب الكامل للمبدأ الذي أعلنه بطرس. 
ويورد يعقوب في خطابه أربعة شروط:
أح 17: 10- 15؛ 18: 26؛ 20: 2، هي قواعد معاملة اليهود والغير اليهود وهي الإمتناع عن نجاسة الأصنام والزنى وأكل المخنوق والدم.


5- قرارات مجمع أورشليم (15: 22- 29)
وثيقة تاريخية: لقد تمّت صياغة قرارات المجمع كتابة. ولهذا الأمر دلالة خاصّة مؤدّاها أن هذه الجماعة ليست وليدة الحماس الوقتي ولكنها جماعة شرعية منظّمة. إنها مثل أية مؤسّسة تحتاج إلى دستور ينظم حياتها.
أصبحت هذه الوثيقة مثالاً ونموذجاً لباقي وثائق الكنيسة واعلاناتها الرسمية. وتشبه صيغتها مراسيم العصر وربما يكون لوقا هو الذي صاغ القرار فقد كان من انطاكيا.
ولا يحتاج مضمون الوثيقة لتفسير فهو واضح. فيه يتوجّه مؤمنو كنيسة أورشليم إلى إخوتهم في انطاكيا وسوريا وقيليقية. ولا يتصدر اسم انطاكيا القرار بمحض الصدفة؛ فهي صاحبة المشكلة؛ إذ فيها بدأ نشاط الكنيسة الإرسالي بين الوثنين وتمّ الجدال حول ضرورة اخضاع الوثنيين للشريعة الموسوية أم لا.
ويظهر أن مجمع أورشليم لا يقبل أراء اليهود المهتدين للمسيحية الذين يريدون اخضاع الوثنيين لشريعة موسى. لقد تصرف هؤلاء بدون أية سلطة مثيرين البلبلة في الجماعات المسيحية.
فكان القرار "بالاجماع" التام. ومعنى هذا أن المتهوّدين لم يكونوا حاضرين المجمع أو لم يشتركوا في الاقتراع. وبالتالي يكون القرار راجعاً إلى الرسل والشيوخ فقط.
ونال بولس وبرنابا تكريماً يستحقانه: "وهما رجلان بذلا حياتهما من أجل اسم ربنا يسوع المسيح" (15: 26) وفي هذا ليس فقط قبول لعملهما التبشيري بل تقريظ له. ويُنسب قرار مجمع الرسل إلى "الروح القدس". هذه هي صورة الكنيسة عن ذاتها في الأيام الأولى: تعمل بإلهام الروح القدس. إنها أكثر من مجرد منظّمة شرعية، إنها تعيش وتحيا بقوة الروح القدس التي افاضها عليها المسيح القائم (1: 8).
ثم يذكر القرار التوصيات الأربع التي وردت في خطاب يعقوب ولكن بطريقة واسلوب مختلفين. وقد وصفها القرار بأنها ضرورية. ويرى البعض أنه "لا غنى عنها" أن لا بدّ منها. والتساؤل هو: هل بالفعل لا بدّ منها بالمعنى المطلق، أم أنه لا بدّ منها لتلك الفترة بظروفها الخاصة؟ والعبارة التي ترد بخصوص بولس وطيموتاوس: "وكانا عند مرورهما في المدن يبلغانهم القرارات التي اصدرها الرسل والشيوخ الذين في أورشليم" (16: 4) لا تمس القرارات الأربعة الختان بقدر ما تخصّ التبشير بين الأمم. ولكن يعقوب الذي له الفضل في صياغة هذه القرارات يعتبر في أعمال الرسل 21: 25 أنها ما زالت محتفظة بقيمتها، وكان يحافظ عليها.
ويُعتبر يعقوب مؤسس تقليد تكرّر في الكنيسة مراراً أخرى. فعندما كان يحدث خلاف أو جدال كان مسؤولو الكنيسة يجتمعون لمناقشته والبت فيه: إنه البحث الدائم عن وحدة الكنيسة.

6- قرارات مجمع أورشليم (15: 22- 29)
كانت رحلة العودة إلى أنطاكيا أسعد وأكثر مدعاة للراحة والسعادة من الرحلة إلى أورشليم. لقد تجاوزت الكنيسة المشكلة وتغلّبت على بعض الصعوبات التي تعرّضت لها فئتان من فئاتها. وتشهد رسالة كنيسة أورشليم إلى كنيسة أنطاكيا، التي حملها يهوذا وسيلا، على التفاهم الأخوي بين الكنيستين. ولذلك كان فرح الجماعة في أنطاكية بردّ أورشليم عظيماً. ويمكننا أن نتصوّر الخلاف والجدال اللذين بلبلا أفكار الجماعة قبل وصول ردّ كنيسة أورشليم. ونستطيع الآن أن ندرك الألم والضرر الناتجين عن الخلاف والانشقاق. لقد أقرّ مجمع الرسل وجهة نظر بولس وبرنابا الخاصّة بحرية التبشير والإنتقال إلى المسيحية دون المرور باليهودية. ولكن الأمر لم يحسم نهائياً إذ إن أصحاب الرأي الآخر لم يستسلموا وسيعيدون الكرة مرّة أخرى. ولكن بولس إستطاع أن يصدّ كل هجوم. مثالاً على ذلك كلامه في الرسالة إلى كنيسة غلاطية (غل 2: 1-10) وقد نغّص عليه إقامته في انطاكيا خلافه مع بطرس كما يرويه هو في غل 2: 11- 21.
الفصل الثلاثون
قرارات مجمع أورشليم
15: 19- 21، 28- 29
الخوري بولس الفغالي

ما هو الموضوع المطروح هنا؟ اعلن أع 15: 20 أربعة قرارات: الإمتناع عن ذبائح الأصنام النجسة، والزنى، والحيوان المخنوق، والدم. وأوصى الرسل والشيوخ جميع المؤمنين بأن يعملوا بها (16: 4). لماذا اعلنت هذه القرارات، ألِتسهيل العلاقات بين المسيحيين المتهودين والمسيحيين الهلينيين خاصة عندما يجلسون إلى المائدة للطعام؟ يبدو أنه في إطار مجمع أورشليم طُرحت مسألة الوضع القانوني للجماعات الجديدة وقُدّم خياران. الأول: أن ينضم المسيحيون الهلينيون إلى شعب العهد بواسطة الختان. الثاني: يُمنح "خائفي الله" مماثلاً لوضع الغرباء العائشين مع الشعب والذين يتكلم عنهم سفر اللاويين (ف 17-18). لهذا، أعطيت هذه القرارات في خطّ خطبة يعقوب.
1- حسب سفر الأعمال، قرّر يعقوب (اسقف) أورشليم أن لا يكدّس الحواجز أمام الوثنيين الذي يهتدون إلى الله. وفرض عليهم أن يمتنعوا عن نجاسات عبادة الأوثان، عن حياة لا أخلاقية، عن الحيوان المخنوق، عن الدم (15: 19-20). نجد تذكيراً بهذه "القرارت" أو بهذه "الفرائض" في 16: 4 (بأن يعملوا بها) و21: 25 (كأني بيعقوب يُعلم بولس بما حدث من قرارات في مجمع أورشليم). ففي الرسالة الرسمية الموجّهة إلى كنائس سورية وكيليكية، سُميّت هذه التعليمات "ثقلا" بين هذه الأشياء التي تفرض نفسها بالضرورة (15: 28- 29: لا بدّ منه). إذاً، نحن أمام متطلّبات لا يمكن تجنّبها، وهي تفرض نفسها بنفسها. ولكن لماذا؟ هذا هو موضوع كلامنا. نبينّ أولاً أن قرارات مجمع أورشليم طرحت مسألة الوضع القانوني للمسيحيين الهلينيين بالنسبة إلى مسيحيّي شعب اسرائيل الذين اعترفوا بالمسيح قبلهم. ونطالع بصورة خاصة برهنة يعقوب الكتابية (15: 13- 21) لنرى توافقها مع تقديم لوقا لمجمع أورشليم وقراراته.
ما هي الفرائض الواردة في أع 25: 20؟ "نجاسات الأوثان" تمنع المشاركة في اللحوم الذبائحية خلال الولائم العبادية لدى الوثنيين او يمنع شراء اللحوم التي قدّمت للأصنام وبيعت في السوق. الفريضة الثانية: "بورنيا" أو العلاقات اللاأخلاقية. أي الزنى في إطار الزواجات الممنوعة: جماع مع الأقارب، زواج مع اللامؤمنين. الفريضة الثالثة: اللحم (او الحيوان) المخنوق أي الحيوان الذي لم يُذبح بحسب متطلّبات الشريعة (رج تك 9: 4). وأخيراً: الدم الذي لا يحقّ للانسان أن يشربه: سيختلف الترتيب في 15: 29 و21: 25: ذبائح الأصنام، الدم، الحيوان المخنوق، الحياة اللاأخلاقية. حينئذ نجد في الترتيب عينه المحرّمات الواردة في سفر اللاويين. في لا 17: 7- 9: ذبائح الأصنام (التيس بشعره أو الشيطان). في لا 17: 10- 11: الدم. في لا 17: 13-14: اللحم الذي لم يصفَّ دمه. في لا 18: 6: الجماع مع الأقارب. وكما قيل في سفر اللاويين يجب ان يحافظ على هذه المحرمات بنو اسرائيل و"جير" (رج الجار في العربية وفعل جاور) أي الغريبُ الذي يقيم وسط شعب الله. فالقواعد المذكورة أعلاه تساعد على خلق علاقات حسن جوار بحيث تشكّل عقد مشاركة مع هؤلاء المقيمين في أرض اسرائيل.
لكن لا بدّ من أن نعرف كيف كان العالم اليهودي في القرن الأولى المسيحي يفهم هذه المحرّمات. مع أن الوثائق تنقصنا، إلاّ أننا نمتلك ثلاث معطيات.
المعطية الأولى: نلاحظ أن لفظة "جير" ترجمت في اليونانية إلى "بروساليتوس" أي الذي جاء حديثاً إلى البلاد (رج لا 17: 8 حسب السبعينية). وعند فيلون الاسكندراني دلّت اللفظة على الوثني المرتدّ والذي صار بالختان يهودياً بكل معنى الكلمة. أما في السبعينية، فهذه الصفة الدينية (مرتد مختون) لم تظهر بوضوح. ولقد تجنب فلافيوس يوسيفوس الكلمة المكتسبة. واحتفظ ترجوم نيوفيتي (في البنتاتوكس) بالمعنى الأصلي للكلمة فدلّ "جير" على الغريب المندمج (لا 17-18). وبعد ذلك، ماثلت اليهودية بين "جير" والمرتدّ المختون. نجد أن الأمر لم يكن كذلك قبل دمار الهيكل. فالإهتمام بالغريب الذي لا يعبد الأوثان ظلّ كبيراً. وحين كان اليهود يحترسون من الأمم (الوثنية)، كان الفكر الشمولي يدخل إلى المجامع في القرن الأول المسيحي: الله لا يجابي الأشخاص (لا يفضّل شخصاً على شخص) بمن فيهم الغرباء. هذا ما نجده في القديميات البيبلية لفيلون المزعوم. وفي اش 56: 1- 9 و57: 19 كما يقرأ في أيام السبت.
المعطية الثانية: إذا كانت اليهودية الفلسطينية (في القرن الأول المسيحي) وبالأحرى يهودية الشتات لا تطرح بالعبارات نفسها وضع الغريب المقيم، الوضع المتعلق بخائفي الله (المتّقون الذين يظلّون دون ختان، وبهذا يختلفون عن المرتدّين)، فهذا ما زال يطرح مسألة مماثلة. فهؤلاء الناس يُعتبرون يهوداً لانهم تخلّوا عن عبادة الأصنام واعتادوا على ارتياد المجامع. أما في نظر اليهودي، فلا يشكّل هؤلاء المتقون مجموعة محدّدة، بل أفراداً يجب حثّهم على الإرتداد ارتداداً كامل، وبالتالي على قبول الختان.
المعطية الثالثة: هل وجب على هؤلاء المتعاطفين أن يتبعوا قواعد محددة؟ نعم في النقاط التالية: يقبلون التوحيد والقواعد الأخلاقية التي تعني كل انسان في العالم. وبعد دمار الهيكل، برزت سلسلة من سبع محرمات نُسبت إلى نوح وفُرضت على الجميع: التجديف، عبادة الأوثان، الزنى مع الأهل، القتل، أكل حيوان حي. ونجد أيضاً في كتب الترجوم لائحة دينية عن عبادة الأصنام وعن كشف عورة الأقارب (أو الجماع مع الأهل)، وعن سفك الدم. نلاحظ في كل هذه الحالات تشديداً على الطابع الأخلاقي لفرائض سفر اللاويين الطقسية. مثل هذه الظاهرة في العالم اليهودي تذكرنا بإتجاه مماثل يعبر عنه النصّ الغربي في أع 15: 20، 29. يتحدث عن الإمتناع عن نجاسات عبادة الأوثان، عن الحياة اللاأخلاقية (بالمعنى العام للكلمة)، عن الدم (أي عن القتل). و"لا تصنع للآخرين ما لا تريد ان يصنع لك". يستعيد هذا العنصر الأخير القاعدة الذهبية (وإن بصفة سلبية) المتعلقة بالغرباء المندمجين التي نقرأها في لا 19: 34: تعاملون الغريب المقيم عندكم كالصريح كواحد منكم. تحبه كنفسك.
2- وإذا أردنا أن نفهم السبب الذي لأجله وُضعت هذه القرارات "الطقسية"، نطرح السؤال المعروف: هل تمسّ هذه الممارسة مشكلة المائدة (أي جلوس اليهود والوثنيين إلى مائدة واحدة) دون تفرقة دينيّة بطريقة مباشرة؟ هل تحاول أن تنظّم علاقات المشاركة في المائدة بين المسيحيين الهلينين والمسيحيين المتهودين؟ هناك شرّاح عديدون يؤكدون ذلك، لاسيّما وأن ما ذُكر في هذه القرارات يشير إلى لحوم الأوثان والحيوان المخنوق والدم. ولكن هذه الفرضية تلقى اعتراضات خطيرة. فإن وظيفة هذه المحرّمات لا تسهّل في إطار يهودي علاقات المائدة التي ما زال اليهود والوثنييون (مع المتقين لله) يدافعون عنها. ثم يتحدّث النصّ عن فساد الاخلاق لا عن منع الخنزير وسائر الأطعمة النجسة (كما في الشريعة). فالامتناع عن الخنزير يميّز اليهودي في نظر الوثنيين في القرن الأول المسيحي، وهو من هذا القبيل على مستوى ممارسة الختان وحفظ السبت. إذاً، إن اختيار هذه المحرّمات الأربع يتطلّب تفسيراً يتجاوز مشكلة المشاركة في المائدة دون أن يلغيها نهائياً، لأن المائدة هي من الأمكنة المميّزة التي فيها تتعرف جماعة إلى نفسها في وحدتها وحدودها. وها نحن نقدم في خطّ المحرّمات المتعلقة بالغرباء المندمجين (رج لا 17- 18) الإفتراض التالي: لا تتوخّى المحرّمات الأربع المذكورة أعلاه ان تحدد وضع المسيحيين الهلينيين بالنسبة إلى اليهود الذين آمنوا بالمسيح. ان احترام هذه القواعد هو تصرف اجتماعي محدد في ممارسة تساعد على تمييز مجموعة خاصة والتعرف إليها.
وإذا أردنا أن ندرك الوضع إدراكاً دقيقاً نقدّم ملاحظتين. الأولى: كانت مسألة الإعتراف القانوني جوهرية في العالم الهلنستي لتستطيع مجموعة من المجموعات أن يكون لها وجود في نظر السلطة فلا تلاحقها الشرطة. كانت السلطة تهتمّ بحقّ التجمّعات وتحدّد لها قواعد تسير عليها. من هذا القبيل لعبت الشريعة دوراً كبيراً، فاعطت الجماعات اليهودية المشتتة الإعتراف الشرعي (اعترفت بها السلطة). الملاحظة الثانية وهي الأهم. قبل مجمع أورشليم الذي تحدّد موقعه خلال السنة السبتية 48-49، نحن في وقت لم يعترف فيه المجتمع بعد بالجماعات المسيحية، رغم نموّها في وسط المتقين (لله) الذين يدورون في فلك المجامع (التي كان يرتادها المسيحيون). بل نحن في وقت لم تع "الكنيسة" بعد أنها تشكّل مجموعة مستقلة وشعباً جديداً. وإذا تتبعنا الكرونولوجيا الأدبية لرسائل بولس، نستطيع القول إن وعي الكنيسة بأنها تؤلّف كياناً مميزاً عن غيره من الكيانات، لم يفرض نفسه حقاً إلاّ بين السنة 51 (1 تس) وسنة 54 (1 كور، غل) وفي الكنائس البوليسية بادىء ذي بدء. قد نضل حين نقرأ ما كتبه لوقا عن العنصرة. ولكن هذا النصّ يقدّم لاهوت الكنيسة خلال السنوات 80- 90 وقد جعله الكاتب في بداية التاريخ الكنسي كخطّ اول يُحتذى به. فقبل هذا الوقت، ظلّت الجماعات المسيحية (التي لم تكن كلها بولسيّة) منقسمة حول مسألة الوجود الكنسي ولاسيّما حول الوضع الذي يُمنح للوثنين. هناك ثلاث امكانيات:
الإمكانية الأولى: ظل الختان، وهو طقس الدخول في شعب العهد، دائماً ضرورياً لكي يستطيع الغرباء المعترفون بالمسيح أن ينتموا إلى شعب الله (15: 1: "لا حظّ لكم إلا إذا اختتنتم"؛ 15: 5: "يجب أن يختتن الوثنيون ويعملوا بشريعة موسى"). عليهم أن يصيروا "مرتدّين مختونين" حسب ممارسة الكتبة الفريسيين في ذلك الوقت. لن نقلّل من قيمة هذا الخيار، لأن المسيحيين المتهودين الذي يعلنونه ظلّوا على مستوى تعلق ضيّق وموسوس بالشريعة.
فلنتذكر الأسباب التي أبرزت مطالبتهم. أولاً: بدون الاختتان لا ينتمي الوثنييون المعترفون بيسوع إلى أي شعب. يكونون بلا شعب، يُقتلعون من محيطهم الأصلي ولا يُزرعون في مكان آخر. وهذا يعني أنهم لا شرعيون. ثانياً: حينئذ تصبح الطريق المسيحية خياراً دينياً من النمط الفردي، دون أن يكون له أي بعد اجتماعي. ثالثاً: أين وحدة شعب الله وأين تواصل شعب الوعد، وأين أمانة الله وآنيّة تعليمه؟ كل هذا يدلّ على أننا نتنكّر للكتب المقدّسة. رابعاً: هناك خطر على الرسالة المسيحية إذا لم يكن الرسول مع اليهود كاليهود ليربح اليهود (1 كور 9: 20). خامساً: هناك خطر الوصول إلى فقدان الشريعة: يصيرون "بلا شريعة" (2: 23؛ روم 2: 12) كالوثنيين. سادساً: في إطار فلسطين السياسي العائش غلياناً وطنياً، لم يكن من الموافق أن يتهرّب المسيحي "من صليب المسيح" (غل 6: 12)، أن يتهلين (أي أن يترك تراثه ويتعلق بقيم العالم الهليني). هذه الإعتراضات التي اصطدم بها بولس دوماً تحمل أهمية خاصة. ولكن خصوم بولس الذين كانوا يهوّدون (يفرضون القيم اليهودية) المسيحيين الهلينيين، لم يكونوا اناساً محدودين ينقصهم الحسّ الرعائي والرسولي. ولكن بولس رفض أن تُسلب حرية المسيحيين مهما كان الثمن.
الإمكانية الثانية: وبقي حلّ ثان للجماعة: أن تعطي الوثنيين المرتدين وضعاً مشابهاً للغريب المندمج (كما في سفر اللاويين). وهكذا يعيش يهود اعترفوا بيسوع وظلّوا متعلقين بشعب الوعد، بجانب وثنيين صاروا مؤمنين واعتبروا غرباء مندمجين. هؤلاء الوثنيون يشاركون في الإيمان عينه دون أن يرتبطوا بالدرجة نفسها بالشعب المسيحاني. إذاً، القرارات الضرورية (لا بدّ منها) التي اتخذت (حسب أع 15) في إطار مجمع أورشليم، ستساعد على التعايش بين الأوساط المسيحية المختلفة دون أن ينقسم شعب الله ودون ان تتأذّى الرسالة. بعد هذا، سيختلف المسيحيون الهلينيون عن المتقين (لله) الذين يرتادون المجامع بطريقة فردية، فيُعتبرون مجموعة خاصة دون أن يُفرض عليهم الختان؛ إن حقليَ النشاط الرسولي ينبعان من هذا الإعتراف: هناك من يتوجّه إلى اليهود، وهناك من يتوجّه إلى الوثنيين (غل 2: 9). في هذا الإطار، ساعدت القرارات الأربعة (جمعها التفسير المسيحي المتهود في قراءته لنصّ لا 17: 18 وفي تقليد المجمع) على تمييز هؤلاء "المتقين" (لله) الذين هم من نوع خاصّ، تمييزاً اجتماعياً. ولكن مع ذلك، لم تتنظّم علاقات المائدة: قبل حدث أنطاكية، ظلّ الناس يتوزعون على المائدة حسب محيطهم الأصلي.
فإن برهنة يعقوب التي نقرأها في أع 15: 13- 20 تتوافق مع هذا الخيار الثاني. فحسب تقديم لوقا للأمور، شدّد تدخّل بطرس (إن بطرس كما يحدّثنا عنه لوقا يأخذ باسلوب بولسي تام) على أن الإيمان ينقي بعد الآن الوثنيين النجسين، وأن النعمة تخلّصهم دون نير الشريعة (15: 7- 11). واستعاد يعقوب عنصراً من هذه الخطبة، وبرّرها منطلقاً من الكتب المقدسة: "إهتمّ الله بأن يتخذ من بين الأمم شعباً لاسمه" (15: 14). لا يسبق كلمة "شعب" أل التعريف كما في 18: 10: "لي شعب كبير في هذه المدينة". إن كلمة "لاوس" تدلّ عادة عند لوقا على شعب اسرائيل ما عدا في هاتين الحالتين: منذ الآن صارت الأمم الوثنية، شعب (الله) دون ان تكون شعب اسرائيل. يبدو مثل هذا التأكيد غريباً وشاذاً. هل هناك شعب آخر غير شعب العهد؟ وكيف نفسّر هذه الوحدة التي ظهرت في إستعمال كلمة لاوس لندلّ على اسرائيل المسيحي والأمم المرتدّة، وهذا التمايز الذي عبّر عنه غياب أل التعريف؟
تتيح لنا برهنة يعقوب أن نقدّم أقله جواباً على قسم من السؤال. تستند البرهنة إلى نصّ عا 9: 11- 12 اليوناني والقريب من السبعينية. فلو عدنا إلى العبرانية لوصلنا إلى نتيجة معاكسة لتلك المعروضة هنا. نقرأ في العبرية: "في ذلك اليوم أقيم مسكن دواد... لكي يرثوا بقيّة آدوم (شعب في شرقي الأردن، في العبرية "أدم") وجميع الأمم الذين دُعي اسمي عليهم". أما صاحب أع فكتب: "بعد هذا سأرجع وأقيم (أبني) خيمة داود المتهدّمة. يسعى سائر البشر (آدم في العبرية، رج آدم الذي يدلّ على البشرية) إلى الربّ وجميع الأمم الذين دُعي اسمي عليهم" (أع 15: 16- 17). إذن، إن القيام المسيحاني لاسرائيل المجدّد، يؤدّي إلى إرتداد الأمم. ففي قطعة من مغارة قمران الرابعة نقرأ تفسيراً مسيحانياً لنصّ عاموس هذا: كما كتب: "أقيم خيمة داود التي سقطت. خيمة داود هذه التي سقطت هي التي ستقوم من أجل خلاص اسرائيل". في أع، تدلّ خيمة داود على الشعب المسيحاني بصورة خاصّة أي اسرائيل الذي صار مؤمناً. ولكن نتيجة هذا القيام أو بالأحرى غايته هي ارتداد الوثنيين: لكي يسعى سائر البشر. فلو انطلقت برهنة يعقوب من نصّ عاموس العبري، لأدّت بنا إلى الضرورة بأن يضمّ شعب اسرائيل الذي يعترف بالمسيح، أن يضمّ في حضنه الوثنيين الذين آمنوا. هذا ما نقرأه في زك 2: 15 القريب من أع 15: 14: "في ذلك اليوم، يتعلّق شعوب عديدون بالرب، يكونون له شعباً". وحدّد الترجوم: "وتُزاد شعوب كثيرون على شعب الرب، ويكونون شعباً أمامي". أما برهنة يعقوب فتحافظ على التمايز بين اسرائيل و"الشعب" الذي خرج من بين الأمم. إن اسرائيل المسيحي هو جزء من الكنيسة، ولم يسمّه لوقا يوماً "اسرائيل الجديد". لا شكّ في أن هناك أولانية لاسرائيل المؤمن. ويبقى الرباط الرسالي هدف قيامته المسيحانية. غير أننا لم نعد على مستوى ما قاله الترجوم (زيادة، دخول شعب آت من الخارج)، بل على مستوى انضمام شعب اسرائيل والشعوب الوثنية إلى الكنيسة التي هي سابقة انطولوجيا (على مستوى الكيان) للشعوب والأمم. 
يبدو هذا البرهان المنسوب إلى يعقوب وكأنه برهان المسيحيين الهلينيين الذين من أصل يهودي. ما يؤكد هذا القول هو استعمال نصّ عاموس اليوناني وتماسك الفكرة والأخذ بالقرارات. فهذه القرارات لم تتكلّم عن دمج أو انضمام، بل مشاركة. أجل، لم يعد للمسيحيين المتقين (لله) أن يصيروا من المرتدين أي أن يختتنوا ليصيروا يهوداً قبل أن يصيروا مسيحيين. 
الإمكانية الثالثة: عكس الخياران السابقان فكرةَ المسيحيين المتهودين: العبرانييون (تكلّموا الأرامية) من جهة، والهلينيون (تكلموا اليونانية) من جهة ثانية. ولكن برزت اعتراضات خطيرة وإحدى علاماتها ما حدث في أنطاكية (غل 29: 11- 21). ما الذي حدث في انطاكية؟ كان بطرس يأكل مع غير المختونين دون أن يهتمّ بقواعد الطهارة الطقسية. فلما وصل رجال من عند يعقوب، إعتزل مائدة المسيحيين الهلينيين. لا ننسى أن المائدة كانت حينذاك اسمى مكان بالنسبة إلى الجماعة المسيحية في الكلمة والطعام معاً.
إن التعدّي على قواعد الطعام لم يكن غريباً في ذلك الوقت حتى في محيط يهودي (ولا ننسى بطرس في بيت كورنيلويس،: 3). ولكن اعتزال بطرس مائدة المسيحيين الهلينيين (غل 2: 12) دلّ بوضوح على أن المسيحيين الأمميين (أي من أصل وثني) لا ينتمون إلى شعب العهد، بل ليسوا مسيحيّين بشكل كامل (هم أنصاف، مسيحيين). فكأني ببطرس يدفعهم إلى أن يتهوّدوا أي أن يعودوا إلى شرائع العالم اليهودي. فقد قال بولس: "إذا كنت أنت اليهودي تعيش كالوثنيين لا كاليهود، فكيف تُلزم الوثنيين أن يتهوّدوا، أدن يعيشوا كاليهود" (غل 2: 14)؟ فلم يبقَ بعد هذا إلاّ حلّ واحد هو حلّ بولس الذي يقوم جوهرياً بأن يجعل المسيحيين الهلينيين يعون أنهم ينتمون هم أيضاً إلى شعب الوعد: الكنيسة موجودة وهي تتميّز منذ اليوم عن اسرائيل القديم. وهكذا، ما طالب به المسيحيون الهلينيون قد حصلوا عليه وأقرّ به المجمع: "لم تعودوا غرباء أو دخلاء (أو ضيوفا أو مهاجرين أي غرباء دمجوا في الشعب اليهودي) بل أنتم مواطنون مع القديسين ومن أهل البيت" (أف 2: 19). لا شكّ في هذا الخيار مزّق الجماعات المسيحية ووضع أمام الكنيسة مشكلة علاقاتها مع اسرائيل.
3- لا نظن أنّ موقف بولس (وبكلمة "انجيله") فرض نفسه في كل مكان. ففي هذه النقطة كما في نقاط اخرى، تأخّر الفكر البولسي ليدخل (جزئياً) إلى الكنيسة. وإذا بسّطنا بعض الشيء رسمة التاريخ، نستطيع ان نتساءل: أما انتقلت الكنيسة تدريجياً من الخيار الثاني إلى الخيار الثالث (هذا إذا وضعنا جانباً بعض الجماعات المسيحية المتهودة)؟ فنحن نلاحظ أن القرن الثاني ما زال يعمل بقرارات مجمع أورشليم. فأكل الدم ظلّ أمراً مكروهاً وكذلك الحيوان المخنوق. إذن، اتبعت الكنائس مدة طويلة فرائض أورشليم، وإن فسّرتها تفسيراً اخلاقياً ودمجتها في نهج كنسي.
إذا عدنا بعض الشيء إلى الوراء، نلاحظ أن القرارات كانت سارية في زمن لوقا. وإلا كيف نفهم أن يكون صاحب أع قد ذكر في كتاب يسيطر عليه الروح هذه القرارات وأسبقها بالعبارة التالية "الروح القدس ونحن قرّرنا" (15: 28). إن قرارات الروح آنية دائماً. وإن بولس (كما نراه عند لوقا) قد نقل هذه القرارات بأمانة (16: 4). وهذا ما يذكره أع أيضاً في 21: 25: "أما الوثنييون الذين اًمنوا، فكتبنا لهم برأينا". وعلى مستوى الكتاب، يتوجّه هذا التذكير لا إلى بولس، بل إلى قراء أع. أجل. لا يُعلم يعقوب بولس بوجود رسالة المجمع (15: 23- 29)، بل هو يُعلم المؤمنين العائشين حوالي سنة 85.
هل نستطيع مع ذلك أن نكوّن فكرة عن أحداث سنة 48-49 في أورشليم؟ ولنحدّد السؤال: ما قيمة تقديم لوقا لهذه القرارات في إطار جماعة أورشليم؟ يرى النقّاد إجمالاً بأن لا قيمة تاريخية لها. هنا يجب أن نفصل قرار المجمع المتعلّق بالختان عن الفرائض الأربع التي قد تكون اعلنت بعد حادثة أنطاكية. فحين يورد بولس في غل 2: 1- 10 ما حدث في أورشليم، فهو يعلن بوضوح أنه "لم يُفرض عليه شيء" (غل 2: 6). وهو يدلّ بذلك على الفرائض المذكورة أعلاه. ثم إن حادثة أنطاكية لم تكن لتحصل لو كانت الفرائض الأربع قد أعلنت في أورشليم. هذا رأي من الآراء، ولكن هناك رأياً معاكساً نفضلّه.
سبق وقلنا إن الفرائض المختلف عليها لا تنظّم علاقات المشاركة في المائدة بين المسيحيين المتهودين والمسيحيين الهلينيين، بل بالعكس: فحين. أعطت قرارات أورشليم المسيحيين الهلينين وضعاً قانونياً (إنهم مشاركون لهم)، أسندت موقفَ "قسمة الموائد"، كما انقسم المؤمنون إلى موائد منفصلة بعد الصعوبات بين العبرانيين والهلينين بالنسبة إلى الخدمة (6: 1-7). وقد ذكر بولس انفصال الموائد وتجاوزه الموقف على يد بطرس خلال حادثة انطاكية وحالا بعد وفاق أورشليم (غل 2: 2). ونقول أيضاً: أوجز بولس نفسه النتائج الرسالية لوفاق أورشليم بهذه الكلمات: "رأوا ان الله عهد إليّ في تبشير غير المختونين (أي غير اليهود) كما عهد إلى بطرس في تبشير المختونين" (أي اليهود) (غل 2: 7). فكيف استطاعت الجماعة المسيحية التي تحفظ حسّ الوحدة بيد ممدودة للوفاق (غل 2: 9)، كيف استطاعت أن تميّز حقلين رساليين (وبالتالي أن تفصل الجماعة المسيحية إلى مائدتين) دون اكليزيولوجيا (نظرة كنسيّة) قريبة من تلك التي عبرّ عنها يعقوب في أع 15: 13- 21؟ إن "شعب" المسيحيين المتّقين ظلّ متحداً بالشعب المسيحاني بعقد مشاركة يدلّ على اولوية اسرائيل المسيحي وتبعية الأمم (الوثنية) المؤمنة، ولكنه ظلّ أيضاً منفصلاً عنه: وهذا ما تشهد عليه الكلمة من أجل فقراء أورشليم التي يتكلم عنها بولس في غل 2: 10 (نتذكّر الفقراء). ولكن يعترض معترض: إن بولس يعلن أنه لم يُفرض عليه شيء في أورشليم إلاّ هذه الكلمة. وفي الواقع لم يكن للمسيحيين الهلينيين أن يتحمّلوا كما في الماضي نير الشريعة. ولكن هذا لم يمنع بولس من أن يكتب: "ليس الختان شيئاّ، ليست الغرلة (عدم الختان) شيئاً، بل الخير كل الخير في العمل بوصايا الله" (1 كور 7: 19). فعلى كل واحد أن يبقى في وضعه الأصلي (إن كان يهودياً يبفى يهودياً، وإن كان وثنياً لا يأخذ بعوائد اليهود) دون آن ينسى القواعد الأساسية التي تطبّق أيضاً على المتقين لله. والضرورات (لا بدّ) التي يتكلم عنها الكتاب (أع 15: 20، 28-29) ليست وصايا بالمعنى الحرفي للكلمة: إنها تحدّد وضعاً قانونياً يفتح للمسيحيين الهلينيين امكانية وجود اجتماعي (هم يؤلفون جماعة وليسوا افرداً متفرقين). إنها تفتح طريق الحرية دون أن وضع المؤمن لنير جديد. ثم لا ننسى أن غل دوّنت يوم كان بولس يصارع من اجل الخيار الثالث: إن المسيحيين الهلينيين هم ايضاً شعب الموعد ووارثو ابراهيم. وفي إطار هذا الحلّ الجذري، لا يتردّد بولس في ان "يقفز" فوق الفرضية التقليديّة التي تتعلّق باللحوم المقدّمة للأصنام (1 كور 8- 10). لن يكون هذا الأمر سهلاً في ما يخصّ الأخلاق (1 كور 5: 1- 2، 9- 10؛ 6: 9؛ 7: 2). إن مثل هذه العلاقة بين لحوم الاوثان والقضايا الاخلاقية يذكرنا بنصّ أع 15: 20، 25 ورؤ 2: 14، 20. ولكن بولس، في غضبه، لم يذكر هذه القرارات التي يحملها اناس يُعتبرون من كبار المؤمنين (غل 2: 6) والتي تعارض انجيله... إن قبلَ بهذه القرارات، عارض جوهر ما أعلنه للغلاطيين: أنتم حقاً كنيسة المسيح وشعب الوعد. غير أن الكنائس قبلت بهذه القرارات وإن عملت على تفسيرها. وجماعات لوقا لم تتبع مباشرة منطق بولس الجذري. ففي انطاكية نفسها تردد برنابا في اتباع بولس.
وختاماً نقول إن القرارات الأربعة اتُخذت في إطار مجمع أورشليم، وهذا ما تفترضه شهادة بولس. وإن ما يقوله لوقا مهمّ بقدر ما انه لم يكن يعرف البعد الحقيقي للقرارات المذكورة. فضمَّ البرهنة اليهودية المسيحية (يعقوب) إلى قرارات تحدد الوضع الإجتماعي للمسيحيين المتقين (لله). وهذا الجمع بين امرين لم يأتِ صدفة، بل يدلّ على معرفة بتقاليد الكنيسة الأولى.
الفصل الثلاثون
قرارات مجمع أورشليم
15: 19- 21، 28- 29
الخوري بولس الفغالي

ما هو الموضوع المطروح هنا؟ اعلن أع 15: 20 أربعة قرارات: الإمتناع عن ذبائح الأصنام النجسة، والزنى، والحيوان المخنوق، والدم. وأوصى الرسل والشيوخ جميع المؤمنين بأن يعملوا بها (16: 4). لماذا اعلنت هذه القرارات، ألِتسهيل العلاقات بين المسيحيين المتهودين والمسيحيين الهلينيين خاصة عندما يجلسون إلى المائدة للطعام؟ يبدو أنه في إطار مجمع أورشليم طُرحت مسألة الوضع القانوني للجماعات الجديدة وقُدّم خياران. الأول: أن ينضم المسيحيون الهلينيون إلى شعب العهد بواسطة الختان. الثاني: يُمنح "خائفي الله" مماثلاً لوضع الغرباء العائشين مع الشعب والذين يتكلم عنهم سفر اللاويين (ف 17-18). لهذا، أعطيت هذه القرارات في خطّ خطبة يعقوب.
1- حسب سفر الأعمال، قرّر يعقوب (اسقف) أورشليم أن لا يكدّس الحواجز أمام الوثنيين الذي يهتدون إلى الله. وفرض عليهم أن يمتنعوا عن نجاسات عبادة الأوثان، عن حياة لا أخلاقية، عن الحيوان المخنوق، عن الدم (15: 19-20). نجد تذكيراً بهذه "القرارت" أو بهذه "الفرائض" في 16: 4 (بأن يعملوا بها) و21: 25 (كأني بيعقوب يُعلم بولس بما حدث من قرارات في مجمع أورشليم). ففي الرسالة الرسمية الموجّهة إلى كنائس سورية وكيليكية، سُميّت هذه التعليمات "ثقلا" بين هذه الأشياء التي تفرض نفسها بالضرورة (15: 28- 29: لا بدّ منه). إذاً، نحن أمام متطلّبات لا يمكن تجنّبها، وهي تفرض نفسها بنفسها. ولكن لماذا؟ هذا هو موضوع كلامنا. نبينّ أولاً أن قرارات مجمع أورشليم طرحت مسألة الوضع القانوني للمسيحيين الهلينيين بالنسبة إلى مسيحيّي شعب اسرائيل الذين اعترفوا بالمسيح قبلهم. ونطالع بصورة خاصة برهنة يعقوب الكتابية (15: 13- 21) لنرى توافقها مع تقديم لوقا لمجمع أورشليم وقراراته.
ما هي الفرائض الواردة في أع 25: 20؟ "نجاسات الأوثان" تمنع المشاركة في اللحوم الذبائحية خلال الولائم العبادية لدى الوثنيين او يمنع شراء اللحوم التي قدّمت للأصنام وبيعت في السوق. الفريضة الثانية: "بورنيا" أو العلاقات اللاأخلاقية. أي الزنى في إطار الزواجات الممنوعة: جماع مع الأقارب، زواج مع اللامؤمنين. الفريضة الثالثة: اللحم (او الحيوان) المخنوق أي الحيوان الذي لم يُذبح بحسب متطلّبات الشريعة (رج تك 9: 4). وأخيراً: الدم الذي لا يحقّ للانسان أن يشربه: سيختلف الترتيب في 15: 29 و21: 25: ذبائح الأصنام، الدم، الحيوان المخنوق، الحياة اللاأخلاقية. حينئذ نجد في الترتيب عينه المحرّمات الواردة في سفر اللاويين. في لا 17: 7- 9: ذبائح الأصنام (التيس بشعره أو الشيطان). في لا 17: 10- 11: الدم. في لا 17: 13-14: اللحم الذي لم يصفَّ دمه. في لا 18: 6: الجماع مع الأقارب. وكما قيل في سفر اللاويين يجب ان يحافظ على هذه المحرمات بنو اسرائيل و"جير" (رج الجار في العربية وفعل جاور) أي الغريبُ الذي يقيم وسط شعب الله. فالقواعد المذكورة أعلاه تساعد على خلق علاقات حسن جوار بحيث تشكّل عقد مشاركة مع هؤلاء المقيمين في أرض اسرائيل.
لكن لا بدّ من أن نعرف كيف كان العالم اليهودي في القرن الأولى المسيحي يفهم هذه المحرّمات. مع أن الوثائق تنقصنا، إلاّ أننا نمتلك ثلاث معطيات.
المعطية الأولى: نلاحظ أن لفظة "جير" ترجمت في اليونانية إلى "بروساليتوس" أي الذي جاء حديثاً إلى البلاد (رج لا 17: 8 حسب السبعينية). وعند فيلون الاسكندراني دلّت اللفظة على الوثني المرتدّ والذي صار بالختان يهودياً بكل معنى الكلمة. أما في السبعينية، فهذه الصفة الدينية (مرتد مختون) لم تظهر بوضوح. ولقد تجنب فلافيوس يوسيفوس الكلمة المكتسبة. واحتفظ ترجوم نيوفيتي (في البنتاتوكس) بالمعنى الأصلي للكلمة فدلّ "جير" على الغريب المندمج (لا 17-18). وبعد ذلك، ماثلت اليهودية بين "جير" والمرتدّ المختون. نجد أن الأمر لم يكن كذلك قبل دمار الهيكل. فالإهتمام بالغريب الذي لا يعبد الأوثان ظلّ كبيراً. وحين كان اليهود يحترسون من الأمم (الوثنية)، كان الفكر الشمولي يدخل إلى المجامع في القرن الأول المسيحي: الله لا يجابي الأشخاص (لا يفضّل شخصاً على شخص) بمن فيهم الغرباء. هذا ما نجده في القديميات البيبلية لفيلون المزعوم. وفي اش 56: 1- 9 و57: 19 كما يقرأ في أيام السبت.
المعطية الثانية: إذا كانت اليهودية الفلسطينية (في القرن الأول المسيحي) وبالأحرى يهودية الشتات لا تطرح بالعبارات نفسها وضع الغريب المقيم، الوضع المتعلق بخائفي الله (المتّقون الذين يظلّون دون ختان، وبهذا يختلفون عن المرتدّين)، فهذا ما زال يطرح مسألة مماثلة. فهؤلاء الناس يُعتبرون يهوداً لانهم تخلّوا عن عبادة الأصنام واعتادوا على ارتياد المجامع. أما في نظر اليهودي، فلا يشكّل هؤلاء المتقون مجموعة محدّدة، بل أفراداً يجب حثّهم على الإرتداد ارتداداً كامل، وبالتالي على قبول الختان.
المعطية الثالثة: هل وجب على هؤلاء المتعاطفين أن يتبعوا قواعد محددة؟ نعم في النقاط التالية: يقبلون التوحيد والقواعد الأخلاقية التي تعني كل انسان في العالم. وبعد دمار الهيكل، برزت سلسلة من سبع محرمات نُسبت إلى نوح وفُرضت على الجميع: التجديف، عبادة الأوثان، الزنى مع الأهل، القتل، أكل حيوان حي. ونجد أيضاً في كتب الترجوم لائحة دينية عن عبادة الأصنام وعن كشف عورة الأقارب (أو الجماع مع الأهل)، وعن سفك الدم. نلاحظ في كل هذه الحالات تشديداً على الطابع الأخلاقي لفرائض سفر اللاويين الطقسية. مثل هذه الظاهرة في العالم اليهودي تذكرنا بإتجاه مماثل يعبر عنه النصّ الغربي في أع 15: 20، 29. يتحدث عن الإمتناع عن نجاسات عبادة الأوثان، عن الحياة اللاأخلاقية (بالمعنى العام للكلمة)، عن الدم (أي عن القتل). و"لا تصنع للآخرين ما لا تريد ان يصنع لك". يستعيد هذا العنصر الأخير القاعدة الذهبية (وإن بصفة سلبية) المتعلقة بالغرباء المندمجين التي نقرأها في لا 19: 34: تعاملون الغريب المقيم عندكم كالصريح كواحد منكم. تحبه كنفسك.
2- وإذا أردنا أن نفهم السبب الذي لأجله وُضعت هذه القرارات "الطقسية"، نطرح السؤال المعروف: هل تمسّ هذه الممارسة مشكلة المائدة (أي جلوس اليهود والوثنيين إلى مائدة واحدة) دون تفرقة دينيّة بطريقة مباشرة؟ هل تحاول أن تنظّم علاقات المشاركة في المائدة بين المسيحيين الهلينين والمسيحيين المتهودين؟ هناك شرّاح عديدون يؤكدون ذلك، لاسيّما وأن ما ذُكر في هذه القرارات يشير إلى لحوم الأوثان والحيوان المخنوق والدم. ولكن هذه الفرضية تلقى اعتراضات خطيرة. فإن وظيفة هذه المحرّمات لا تسهّل في إطار يهودي علاقات المائدة التي ما زال اليهود والوثنييون (مع المتقين لله) يدافعون عنها. ثم يتحدّث النصّ عن فساد الاخلاق لا عن منع الخنزير وسائر الأطعمة النجسة (كما في الشريعة). فالامتناع عن الخنزير يميّز اليهودي في نظر الوثنيين في القرن الأول المسيحي، وهو من هذا القبيل على مستوى ممارسة الختان وحفظ السبت. إذاً، إن اختيار هذه المحرّمات الأربع يتطلّب تفسيراً يتجاوز مشكلة المشاركة في المائدة دون أن يلغيها نهائياً، لأن المائدة هي من الأمكنة المميّزة التي فيها تتعرف جماعة إلى نفسها في وحدتها وحدودها. وها نحن نقدم في خطّ المحرّمات المتعلقة بالغرباء المندمجين (رج لا 17- 18) الإفتراض التالي: لا تتوخّى المحرّمات الأربع المذكورة أعلاه ان تحدد وضع المسيحيين الهلينيين بالنسبة إلى اليهود الذين آمنوا بالمسيح. ان احترام هذه القواعد هو تصرف اجتماعي محدد في ممارسة تساعد على تمييز مجموعة خاصة والتعرف إليها.
وإذا أردنا أن ندرك الوضع إدراكاً دقيقاً نقدّم ملاحظتين. الأولى: كانت مسألة الإعتراف القانوني جوهرية في العالم الهلنستي لتستطيع مجموعة من المجموعات أن يكون لها وجود في نظر السلطة فلا تلاحقها الشرطة. كانت السلطة تهتمّ بحقّ التجمّعات وتحدّد لها قواعد تسير عليها. من هذا القبيل لعبت الشريعة دوراً كبيراً، فاعطت الجماعات اليهودية المشتتة الإعتراف الشرعي (اعترفت بها السلطة). الملاحظة الثانية وهي الأهم. قبل مجمع أورشليم الذي تحدّد موقعه خلال السنة السبتية 48-49، نحن في وقت لم يعترف فيه المجتمع بعد بالجماعات المسيحية، رغم نموّها في وسط المتقين (لله) الذين يدورون في فلك المجامع (التي كان يرتادها المسيحيون). بل نحن في وقت لم تع "الكنيسة" بعد أنها تشكّل مجموعة مستقلة وشعباً جديداً. وإذا تتبعنا الكرونولوجيا الأدبية لرسائل بولس، نستطيع القول إن وعي الكنيسة بأنها تؤلّف كياناً مميزاً عن غيره من الكيانات، لم يفرض نفسه حقاً إلاّ بين السنة 51 (1 تس) وسنة 54 (1 كور، غل) وفي الكنائس البوليسية بادىء ذي بدء. قد نضل حين نقرأ ما كتبه لوقا عن العنصرة. ولكن هذا النصّ يقدّم لاهوت الكنيسة خلال السنوات 80- 90 وقد جعله الكاتب في بداية التاريخ الكنسي كخطّ اول يُحتذى به. فقبل هذا الوقت، ظلّت الجماعات المسيحية (التي لم تكن كلها بولسيّة) منقسمة حول مسألة الوجود الكنسي ولاسيّما حول الوضع الذي يُمنح للوثنين. هناك ثلاث امكانيات:
الإمكانية الأولى: ظل الختان، وهو طقس الدخول في شعب العهد، دائماً ضرورياً لكي يستطيع الغرباء المعترفون بالمسيح أن ينتموا إلى شعب الله (15: 1: "لا حظّ لكم إلا إذا اختتنتم"؛ 15: 5: "يجب أن يختتن الوثنيون ويعملوا بشريعة موسى"). عليهم أن يصيروا "مرتدّين مختونين" حسب ممارسة الكتبة الفريسيين في ذلك الوقت. لن نقلّل من قيمة هذا الخيار، لأن المسيحيين المتهودين الذي يعلنونه ظلّوا على مستوى تعلق ضيّق وموسوس بالشريعة.
فلنتذكر الأسباب التي أبرزت مطالبتهم. أولاً: بدون الاختتان لا ينتمي الوثنييون المعترفون بيسوع إلى أي شعب. يكونون بلا شعب، يُقتلعون من محيطهم الأصلي ولا يُزرعون في مكان آخر. وهذا يعني أنهم لا شرعيون. ثانياً: حينئذ تصبح الطريق المسيحية خياراً دينياً من النمط الفردي، دون أن يكون له أي بعد اجتماعي. ثالثاً: أين وحدة شعب الله وأين تواصل شعب الوعد، وأين أمانة الله وآنيّة تعليمه؟ كل هذا يدلّ على أننا نتنكّر للكتب المقدّسة. رابعاً: هناك خطر على الرسالة المسيحية إذا لم يكن الرسول مع اليهود كاليهود ليربح اليهود (1 كور 9: 20). خامساً: هناك خطر الوصول إلى فقدان الشريعة: يصيرون "بلا شريعة" (2: 23؛ روم 2: 12) كالوثنيين. سادساً: في إطار فلسطين السياسي العائش غلياناً وطنياً، لم يكن من الموافق أن يتهرّب المسيحي "من صليب المسيح" (غل 6: 12)، أن يتهلين (أي أن يترك تراثه ويتعلق بقيم العالم الهليني). هذه الإعتراضات التي اصطدم بها بولس دوماً تحمل أهمية خاصة. ولكن خصوم بولس الذين كانوا يهوّدون (يفرضون القيم اليهودية) المسيحيين الهلينيين، لم يكونوا اناساً محدودين ينقصهم الحسّ الرعائي والرسولي. ولكن بولس رفض أن تُسلب حرية المسيحيين مهما كان الثمن.
الإمكانية الثانية: وبقي حلّ ثان للجماعة: أن تعطي الوثنيين المرتدين وضعاً مشابهاً للغريب المندمج (كما في سفر اللاويين). وهكذا يعيش يهود اعترفوا بيسوع وظلّوا متعلقين بشعب الوعد، بجانب وثنيين صاروا مؤمنين واعتبروا غرباء مندمجين. هؤلاء الوثنيون يشاركون في الإيمان عينه دون أن يرتبطوا بالدرجة نفسها بالشعب المسيحاني. إذاً، القرارات الضرورية (لا بدّ منها) التي اتخذت (حسب أع 15) في إطار مجمع أورشليم، ستساعد على التعايش بين الأوساط المسيحية المختلفة دون أن ينقسم شعب الله ودون ان تتأذّى الرسالة. بعد هذا، سيختلف المسيحيون الهلينيون عن المتقين (لله) الذين يرتادون المجامع بطريقة فردية، فيُعتبرون مجموعة خاصة دون أن يُفرض عليهم الختان؛ إن حقليَ النشاط الرسولي ينبعان من هذا الإعتراف: هناك من يتوجّه إلى اليهود، وهناك من يتوجّه إلى الوثنيين (غل 2: 9). في هذا الإطار، ساعدت القرارات الأربعة (جمعها التفسير المسيحي المتهود في قراءته لنصّ لا 17: 18 وفي تقليد المجمع) على تمييز هؤلاء "المتقين" (لله) الذين هم من نوع خاصّ، تمييزاً اجتماعياً. ولكن مع ذلك، لم تتنظّم علاقات المائدة: قبل حدث أنطاكية، ظلّ الناس يتوزعون على المائدة حسب محيطهم الأصلي.
فإن برهنة يعقوب التي نقرأها في أع 15: 13- 20 تتوافق مع هذا الخيار الثاني. فحسب تقديم لوقا للأمور، شدّد تدخّل بطرس (إن بطرس كما يحدّثنا عنه لوقا يأخذ باسلوب بولسي تام) على أن الإيمان ينقي بعد الآن الوثنيين النجسين، وأن النعمة تخلّصهم دون نير الشريعة (15: 7- 11). واستعاد يعقوب عنصراً من هذه الخطبة، وبرّرها منطلقاً من الكتب المقدسة: "إهتمّ الله بأن يتخذ من بين الأمم شعباً لاسمه" (15: 14). لا يسبق كلمة "شعب" أل التعريف كما في 18: 10: "لي شعب كبير في هذه المدينة". إن كلمة "لاوس" تدلّ عادة عند لوقا على شعب اسرائيل ما عدا في هاتين الحالتين: منذ الآن صارت الأمم الوثنية، شعب (الله) دون ان تكون شعب اسرائيل. يبدو مثل هذا التأكيد غريباً وشاذاً. هل هناك شعب آخر غير شعب العهد؟ وكيف نفسّر هذه الوحدة التي ظهرت في إستعمال كلمة لاوس لندلّ على اسرائيل المسيحي والأمم المرتدّة، وهذا التمايز الذي عبّر عنه غياب أل التعريف؟
تتيح لنا برهنة يعقوب أن نقدّم أقله جواباً على قسم من السؤال. تستند البرهنة إلى نصّ عا 9: 11- 12 اليوناني والقريب من السبعينية. فلو عدنا إلى العبرانية لوصلنا إلى نتيجة معاكسة لتلك المعروضة هنا. نقرأ في العبرية: "في ذلك اليوم أقيم مسكن دواد... لكي يرثوا بقيّة آدوم (شعب في شرقي الأردن، في العبرية "أدم") وجميع الأمم الذين دُعي اسمي عليهم". أما صاحب أع فكتب: "بعد هذا سأرجع وأقيم (أبني) خيمة داود المتهدّمة. يسعى سائر البشر (آدم في العبرية، رج آدم الذي يدلّ على البشرية) إلى الربّ وجميع الأمم الذين دُعي اسمي عليهم" (أع 15: 16- 17). إذن، إن القيام المسيحاني لاسرائيل المجدّد، يؤدّي إلى إرتداد الأمم. ففي قطعة من مغارة قمران الرابعة نقرأ تفسيراً مسيحانياً لنصّ عاموس هذا: كما كتب: "أقيم خيمة داود التي سقطت. خيمة داود هذه التي سقطت هي التي ستقوم من أجل خلاص اسرائيل". في أع، تدلّ خيمة داود على الشعب المسيحاني بصورة خاصّة أي اسرائيل الذي صار مؤمناً. ولكن نتيجة هذا القيام أو بالأحرى غايته هي ارتداد الوثنيين: لكي يسعى سائر البشر. فلو انطلقت برهنة يعقوب من نصّ عاموس العبري، لأدّت بنا إلى الضرورة بأن يضمّ شعب اسرائيل الذي يعترف بالمسيح، أن يضمّ في حضنه الوثنيين الذين آمنوا. هذا ما نقرأه في زك 2: 15 القريب من أع 15: 14: "في ذلك اليوم، يتعلّق شعوب عديدون بالرب، يكونون له شعباً". وحدّد الترجوم: "وتُزاد شعوب كثيرون على شعب الرب، ويكونون شعباً أمامي". أما برهنة يعقوب فتحافظ على التمايز بين اسرائيل و"الشعب" الذي خرج من بين الأمم. إن اسرائيل المسيحي هو جزء من الكنيسة، ولم يسمّه لوقا يوماً "اسرائيل الجديد". لا شكّ في أن هناك أولانية لاسرائيل المؤمن. ويبقى الرباط الرسالي هدف قيامته المسيحانية. غير أننا لم نعد على مستوى ما قاله الترجوم (زيادة، دخول شعب آت من الخارج)، بل على مستوى انضمام شعب اسرائيل والشعوب الوثنية إلى الكنيسة التي هي سابقة انطولوجيا (على مستوى الكيان) للشعوب والأمم. 
يبدو هذا البرهان المنسوب إلى يعقوب وكأنه برهان المسيحيين الهلينيين الذين من أصل يهودي. ما يؤكد هذا القول هو استعمال نصّ عاموس اليوناني وتماسك الفكرة والأخذ بالقرارات. فهذه القرارات لم تتكلّم عن دمج أو انضمام، بل مشاركة. أجل، لم يعد للمسيحيين المتقين (لله) أن يصيروا من المرتدين أي أن يختتنوا ليصيروا يهوداً قبل أن يصيروا مسيحيين. 
الإمكانية الثالثة: عكس الخياران السابقان فكرةَ المسيحيين المتهودين: العبرانييون (تكلّموا الأرامية) من جهة، والهلينيون (تكلموا اليونانية) من جهة ثانية. ولكن برزت اعتراضات خطيرة وإحدى علاماتها ما حدث في أنطاكية (غل 29: 11- 21). ما الذي حدث في انطاكية؟ كان بطرس يأكل مع غير المختونين دون أن يهتمّ بقواعد الطهارة الطقسية. فلما وصل رجال من عند يعقوب، إعتزل مائدة المسيحيين الهلينيين. لا ننسى أن المائدة كانت حينذاك اسمى مكان بالنسبة إلى الجماعة المسيحية في الكلمة والطعام معاً.
إن التعدّي على قواعد الطعام لم يكن غريباً في ذلك الوقت حتى في محيط يهودي (ولا ننسى بطرس في بيت كورنيلويس،: 3). ولكن اعتزال بطرس مائدة المسيحيين الهلينيين (غل 2: 12) دلّ بوضوح على أن المسيحيين الأمميين (أي من أصل وثني) لا ينتمون إلى شعب العهد، بل ليسوا مسيحيّين بشكل كامل (هم أنصاف، مسيحيين). فكأني ببطرس يدفعهم إلى أن يتهوّدوا أي أن يعودوا إلى شرائع العالم اليهودي. فقد قال بولس: "إذا كنت أنت اليهودي تعيش كالوثنيين لا كاليهود، فكيف تُلزم الوثنيين أن يتهوّدوا، أدن يعيشوا كاليهود" (غل 2: 14)؟ فلم يبقَ بعد هذا إلاّ حلّ واحد هو حلّ بولس الذي يقوم جوهرياً بأن يجعل المسيحيين الهلينيين يعون أنهم ينتمون هم أيضاً إلى شعب الوعد: الكنيسة موجودة وهي تتميّز منذ اليوم عن اسرائيل القديم. وهكذا، ما طالب به المسيحيون الهلينيون قد حصلوا عليه وأقرّ به المجمع: "لم تعودوا غرباء أو دخلاء (أو ضيوفا أو مهاجرين أي غرباء دمجوا في الشعب اليهودي) بل أنتم مواطنون مع القديسين ومن أهل البيت" (أف 2: 19). لا شكّ في هذا الخيار مزّق الجماعات المسيحية ووضع أمام الكنيسة مشكلة علاقاتها مع اسرائيل.
3- لا نظن أنّ موقف بولس (وبكلمة "انجيله") فرض نفسه في كل مكان. ففي هذه النقطة كما في نقاط اخرى، تأخّر الفكر البولسي ليدخل (جزئياً) إلى الكنيسة. وإذا بسّطنا بعض الشيء رسمة التاريخ، نستطيع ان نتساءل: أما انتقلت الكنيسة تدريجياً من الخيار الثاني إلى الخيار الثالث (هذا إذا وضعنا جانباً بعض الجماعات المسيحية المتهودة)؟ فنحن نلاحظ أن القرن الثاني ما زال يعمل بقرارات مجمع أورشليم. فأكل الدم ظلّ أمراً مكروهاً وكذلك الحيوان المخنوق. إذن، اتبعت الكنائس مدة طويلة فرائض أورشليم، وإن فسّرتها تفسيراً اخلاقياً ودمجتها في نهج كنسي.
إذا عدنا بعض الشيء إلى الوراء، نلاحظ أن القرارات كانت سارية في زمن لوقا. وإلا كيف نفهم أن يكون صاحب أع قد ذكر في كتاب يسيطر عليه الروح هذه القرارات وأسبقها بالعبارة التالية "الروح القدس ونحن قرّرنا" (15: 28). إن قرارات الروح آنية دائماً. وإن بولس (كما نراه عند لوقا) قد نقل هذه القرارات بأمانة (16: 4). وهذا ما يذكره أع أيضاً في 21: 25: "أما الوثنييون الذين اًمنوا، فكتبنا لهم برأينا". وعلى مستوى الكتاب، يتوجّه هذا التذكير لا إلى بولس، بل إلى قراء أع. أجل. لا يُعلم يعقوب بولس بوجود رسالة المجمع (15: 23- 29)، بل هو يُعلم المؤمنين العائشين حوالي سنة 85.
هل نستطيع مع ذلك أن نكوّن فكرة عن أحداث سنة 48-49 في أورشليم؟ ولنحدّد السؤال: ما قيمة تقديم لوقا لهذه القرارات في إطار جماعة أورشليم؟ يرى النقّاد إجمالاً بأن لا قيمة تاريخية لها. هنا يجب أن نفصل قرار المجمع المتعلّق بالختان عن الفرائض الأربع التي قد تكون اعلنت بعد حادثة أنطاكية. فحين يورد بولس في غل 2: 1- 10 ما حدث في أورشليم، فهو يعلن بوضوح أنه "لم يُفرض عليه شيء" (غل 2: 6). وهو يدلّ بذلك على الفرائض المذكورة أعلاه. ثم إن حادثة أنطاكية لم تكن لتحصل لو كانت الفرائض الأربع قد أعلنت في أورشليم. هذا رأي من الآراء، ولكن هناك رأياً معاكساً نفضلّه.
سبق وقلنا إن الفرائض المختلف عليها لا تنظّم علاقات المشاركة في المائدة بين المسيحيين المتهودين والمسيحيين الهلينيين، بل بالعكس: فحين. أعطت قرارات أورشليم المسيحيين الهلينين وضعاً قانونياً (إنهم مشاركون لهم)، أسندت موقفَ "قسمة الموائد"، كما انقسم المؤمنون إلى موائد منفصلة بعد الصعوبات بين العبرانيين والهلينين بالنسبة إلى الخدمة (6: 1-7). وقد ذكر بولس انفصال الموائد وتجاوزه الموقف على يد بطرس خلال حادثة انطاكية وحالا بعد وفاق أورشليم (غل 2: 2). ونقول أيضاً: أوجز بولس نفسه النتائج الرسالية لوفاق أورشليم بهذه الكلمات: "رأوا ان الله عهد إليّ في تبشير غير المختونين (أي غير اليهود) كما عهد إلى بطرس في تبشير المختونين" (أي اليهود) (غل 2: 7). فكيف استطاعت الجماعة المسيحية التي تحفظ حسّ الوحدة بيد ممدودة للوفاق (غل 2: 9)، كيف استطاعت أن تميّز حقلين رساليين (وبالتالي أن تفصل الجماعة المسيحية إلى مائدتين) دون اكليزيولوجيا (نظرة كنسيّة) قريبة من تلك التي عبرّ عنها يعقوب في أع 15: 13- 21؟ إن "شعب" المسيحيين المتّقين ظلّ متحداً بالشعب المسيحاني بعقد مشاركة يدلّ على اولوية اسرائيل المسيحي وتبعية الأمم (الوثنية) المؤمنة، ولكنه ظلّ أيضاً منفصلاً عنه: وهذا ما تشهد عليه الكلمة من أجل فقراء أورشليم التي يتكلم عنها بولس في غل 2: 10 (نتذكّر الفقراء). ولكن يعترض معترض: إن بولس يعلن أنه لم يُفرض عليه شيء في أورشليم إلاّ هذه الكلمة. وفي الواقع لم يكن للمسيحيين الهلينيين أن يتحمّلوا كما في الماضي نير الشريعة. ولكن هذا لم يمنع بولس من أن يكتب: "ليس الختان شيئاّ، ليست الغرلة (عدم الختان) شيئاً، بل الخير كل الخير في العمل بوصايا الله" (1 كور 7: 19). فعلى كل واحد أن يبقى في وضعه الأصلي (إن كان يهودياً يبفى يهودياً، وإن كان وثنياً لا يأخذ بعوائد اليهود) دون آن ينسى القواعد الأساسية التي تطبّق أيضاً على المتقين لله. والضرورات (لا بدّ) التي يتكلم عنها الكتاب (أع 15: 20، 28-29) ليست وصايا بالمعنى الحرفي للكلمة: إنها تحدّد وضعاً قانونياً يفتح للمسيحيين الهلينيين امكانية وجود اجتماعي (هم يؤلفون جماعة وليسوا افرداً متفرقين). إنها تفتح طريق الحرية دون أن وضع المؤمن لنير جديد. ثم لا ننسى أن غل دوّنت يوم كان بولس يصارع من اجل الخيار الثالث: إن المسيحيين الهلينيين هم ايضاً شعب الموعد ووارثو ابراهيم. وفي إطار هذا الحلّ الجذري، لا يتردّد بولس في ان "يقفز" فوق الفرضية التقليديّة التي تتعلّق باللحوم المقدّمة للأصنام (1 كور 8- 10). لن يكون هذا الأمر سهلاً في ما يخصّ الأخلاق (1 كور 5: 1- 2، 9- 10؛ 6: 9؛ 7: 2). إن مثل هذه العلاقة بين لحوم الاوثان والقضايا الاخلاقية يذكرنا بنصّ أع 15: 20، 25 ورؤ 2: 14، 20. ولكن بولس، في غضبه، لم يذكر هذه القرارات التي يحملها اناس يُعتبرون من كبار المؤمنين (غل 2: 6) والتي تعارض انجيله... إن قبلَ بهذه القرارات، عارض جوهر ما أعلنه للغلاطيين: أنتم حقاً كنيسة المسيح وشعب الوعد. غير أن الكنائس قبلت بهذه القرارات وإن عملت على تفسيرها. وجماعات لوقا لم تتبع مباشرة منطق بولس الجذري. ففي انطاكية نفسها تردد برنابا في اتباع بولس.
وختاماً نقول إن القرارات الأربعة اتُخذت في إطار مجمع أورشليم، وهذا ما تفترضه شهادة بولس. وإن ما يقوله لوقا مهمّ بقدر ما انه لم يكن يعرف البعد الحقيقي للقرارات المذكورة. فضمَّ البرهنة اليهودية المسيحية (يعقوب) إلى قرارات تحدد الوضع الإجتماعي للمسيحيين المتقين (لله). وهذا الجمع بين امرين لم يأتِ صدفة، بل يدلّ على معرفة بتقاليد الكنيسة الأولى.
القِسم الرابع
مَحطّات راعَويَّة

يتضمّن هذا القسم محاضرات متنوّعة وهي تتعلّق بشكل خاص بالمجال الراعوي والتعليم المسيحي.
1- المعابد الباقية من عهد الرسل.
2- دور أعمال الرسل في التعليم المسيحي.
3- التعليم المسيحي وأعمال الرسل في سوريا.
4- تفسير الكتاب المقدّس في الكنيسة.
5- أعمال الرسل وشهادة الكنيسة في الألف الثالث

الفصل الحادي والثلاثون
المعابد الباقية من عهد الرسل
الأب يوحنا الحبيب صادر الأنطوني

موضوع حديثي، المعابدُ المسيحية المذكورة في كتاب "أعمال الرسل" وفي تقليد الجماعات المسيحية الأولى، وهي التي انتشرت في الشرق والغرب على خطى الرسل الرسولية. حديثي يتركّز على قسمين: الأول، يتناول البيوت- الكنائس- Maisons - Eglises التي كانت تصلّي فيها الجماعات المسيحية الأولى وتصغي إلى تعاليم الرسل وتكسر الخبز؛ ذلك، لإظهار هويتها وفرادتها أمام التحدّي اليهودي الذي كان عنيفاً جدّاً في تلك المرحلة الحاسمة من تاريخ الخلاص. فما هي مميزات هذه البيوت؟ وأين وجدت؟ إنها في الحقيقة مذكورة في الكتابات المسيحية الأولى، ولو كان القسم الأكبر منها قد اندثر نهائياً. أما القسم الثاني من الحديث فيتناول دراسة المعابد المسيحية التي كانت في عهد الرسل والتي استمرت العبادة فيها حتى يومنا ويؤمها الزّوار والمصلّون.
1- إن الجماعة المسيحية في أورشليم كانت تمضي كل يوم إلى الهيكل، كانت تكسر الخبز في البيوت وتتناول الطعام بفرح وبساطة قلب (أعمال 2: 46). إن كتاب "أعمال الرسل" لا يعني عندما يصف مواقف الجماعة المسيحية هذه، أن كل واحد كان يتناوله الطعامَ في منزله الخاص بل يعني أن الجماعة كانت تكسر الخبز في البيوت الخاصة متميّزة هكذا عن عمل التجمعات داخل الهيكل. فكسر الخبز بالنسبة إلى الجماعة المسيحية الأولى في أعمال الرسل كان طقساً يميّزها نهائياً عن اليهودية ولم يكن ممكناً أن يجريَ في اليهكل. أما التعليم فكان جزءاً من هذه التجمعات في البيوت الخاصة (5: 42) ويحتوي على "تعليم الرسل" (2: 42) الذي يتضمّن تعاليم يسوع وأعماله والتي كانت تَهمّ هذه الجماعات. فالبيوت الخاصة هذه كانت أيضاً أماكن صلاة (4: 23- 30؛ 12: 5 و12). فهذه العناصر الثلاثة تعليم الرسل والصلاة وكسر الخبز كانت تمارس معاً في جميع التجمعات الليتورجية المسيحية التي كانت تجري أيضاً خارج أورشليم وخارج فلسطين.
في أورشليم، كان يوجد على الأرجح عددٌ من البيوت تجتمع فيها الجماعات المسيحية أعداداً صغيرة محدودة. وكان يفرض هذا التدبيرَ عددُ المؤمنين المتزايد (2: 47؛ 4؛ 4؛ 5: 14؛ 6: 7) الذين كانوا على التأكيد يقدّمون منازلهم لهذه الغاية. نحن نعرف بيتاً من هذه البيوت، عنيتُ بيت مريَم أمّ يوحنا الملقّب بمرقس (12: 12). والظاهر أنه كان مركز لقاءٍ معروف عند المسيحيين في أورشليم (12: 12). والبيتُ الذي فيه صنع ربّنا العشاء السري مع تلاميذه؛ وفيه ظهر لهم بعد قيامته من الموت (لوقا 24: 33؛ يوحنا 20: 19- 26)، وفيه أيضاً كان الرسل والتلاميذ وأم يسوع مجتمعين يوم العنصرة. يحدّد التقليد موقع هذا البيت على جبل صهيون حيث شيّدت بعد ذلك البازليك المدعوّة Sancta Sion Mater Scclesiarum "أي صهيون المقدّسة أم الكنائس" (1: 13؛ 2: 1).
أما خارج أورشليم، فالجماعات المسيحية الأولى كانت تقيم أيضاً في البيوت الخاصة، من بينها بيت سمعان الدبّاغ في يافا (9: 43؛ 10: 9) وبيت حنانيا في دمشق (9: 10-19) وبيت آخر في أنطاكية كان الأنبياء والعلماء يحتفلون فيه بعبادة الربّ ويصومون (13: 1). أما بيت ليديا بائعة الأرجوان في فيليبي فكان على الأرجح المكان الذي فيه التقى القديس بولس بالإخوة المسيحيين ووعظهم (16: 15- 40). إن بيت ياسون في تسالونيكي كان في خدمة جماعات هذه المدينة (17: 5- 9؛ روم 16: 21) أما أقيلا وبرسكلة فكانا قد وهبا دارهما في أفسس للجماعات المسيحية، فبولس يذكر الكنيسة التي في دارهما (1 كور 11: 17-33) حيث يجتمع المؤمنون وحدهم، والجماعة الثانية كانت جماعة عامة للصلاة والأناشيد والوعظ. ومواهب الروح كانت تظهر بطريقة خاصة في هذه الجماعة (1 كور 14: 22- 25) ولسنا ندري ما كانت العلاقة بين هاتين الجماعتين على الصعيد الليتورجي.
هذه الكنائس البيوت التي ذكرها أعمال الرسل ورسائل بولس قد زالت معالم الأكثرية منها فلم يبقَ ذكرها إلاّ في التاريخ. ولكن بقيت كنائس بدأت فيها العبادات الليتورجية في عهد الرسل وما زالت مستمرّة منذ ذلك العهد حتى اليوم. لقد ذكرنا أعلاه بيت مريم أم مرقس في أورشليم؛ وعلى الأرجح انها كانت كاتدرائية يعقوب مرسل أول أسقف على أورشليم.
عام 1986 وفي كفرناحوم مدينة سمعان بطرس، تحت رَصَف Pavement بيت مكرّس للرسول منذ القرن الخامس عثر علماء العاديات على بيت بطرس بطريقة أكيدة لا تقبل الجدل. إنه بيت فقير وبسيط كجميع البيوت المحدقة به؛ ما عدا تفصيل واحد وهو أنّ جدرانه مدبّجة بتصاوير جدرانية Fresques وبرسوم، وبكتابات باليونانية والسريانية والعبرية واللاتينية تتضمّن طلبات موجّهة إلى بطرس طالبة حمايته. إنه من المؤكّد أنّ هذا البيت قد تحوّل إلى معبد مقدّس منذ القرن الأول. فهو إذاً أقدم كنيسة مسيحية معروفة ويشهد على أنه قبل سنة المئة أعني قبل أن يركّز التقليد تماماً في مستندات نهائية وليس فقط كانت عبادة يسوع في ازدهار بل كان مؤكّداً أيضاً إكرام تلاميذه المعتبرين من المؤمنين كقدّيسين. V. MESSARI, Hypothéses sur Jésus, 1978, p. 147.
توجد كنيسة أخرى في قيصرية فيليبس، في حيّ يدعى اليوم حيّ البنات نسبة لأنقاض مسرح روماني صغير. هذا المكان كان فيه السجن الذي سجن فبه بولس. وكان المسيحيون يصلّون فيه. ولقد بنى قسطنطين بازيليك من حجارة ضخمة وأعمدة على هذا السجن.
في دمشق كنيستان، الأولى الكنيسة التي كانت في الأصل البيت الذي فيه زار حنانيا بولس الذي أصيب بالعمى على طريق دمشق وفيه قبل العماد. تحوّل هذا البيت إلى كنيسة في عهد حنانيا وإليه التجأ المسيحيون المضطهدون في أورشليم بعد استشهاد اسطفانوس. ثم بيت حنانيا الذي مات شهيداً بعد لقائه ببولس بزمن، تحوّل إلى كنيسة، شيّد على أنقاضها في القرن الخامس كنيسة بيزنطية كبيرة وواسعة يؤمّها المسيحيون والمسلمون. رمّمها الرهبان الفرنسيسكان عام 1820، ولكنها هدمت في مجزرة 1860. فأُعيد بناؤها عام 1867. في هذه الكنيسة محفوظة عظام شهداء المجزرة المذكورة. فيها أيضاً قتل الإخوة المسابكيون.
- مغارة مار بطرس
أمّا في تركيا فأشهر الكنائس وأقدمها المغارة المعروفة في أنطاكية بمغارة القديس بطرس وفيها كان يجتمع مسيحيّو الجماعة الأولى حول بطرس وبولس وبرنابا ولوقا، ويصلّون. ثم ان بولس وبرنابا عندما كانا يبشّران في أنطاكية في شارع Singon قرب البنتيون في حيّ يُدعى ابيفانيا كانا يأويان إليها. وهذا تقليد وصلنا بناء على شهادة يوحنا الأنطاكي الذي عاش في القرن السادس. إنّ الصليبيين بعد أن تحققوا من هوية هذا المكان بنوا على أنقاض كنيسة بيزنطية قديمة كنيسة صخرية. وتبدو اليوم أمام الزائر الواجهة التي رممّت مؤخراً. كانت هذه الكنيسة باستلام الفرنسيسكان الذين وضعوا على مدخلها درابزيناً وبنوا في مؤخّرتها مذبحاً تصعد إليه على ثلاث درجات. فمسيحيّو أنطاكية وعددٌ كبير من المسلمين يؤمّون هذا المعبد ليشربوا من ماء البئر المجمّعة من الجبل في وسط المغارة ويعتقدون أنّ المياه عجائبية، شافية. ويظهر ان هذا الإعتقاد يعود إلى الأزمنة الغابرة عندما كانت القداسة مرتبطة بالمغارة.

- كنيسة أياتقلا AYATEKLA
على تلّة MARMALIK في تركيا أيضاً يمكن المشاهد أن يرى أنقاض بازيليك قديمة وضخمة للقديسة تقلا من العهد البيزنطي. واللافت للنظر أنقاض صهريج صخري تحت الأرض فيه أعمادة ودارات كان "كريبت" للمسيحيّين الأول. أما البازيليك فقد بناها زينون الإمبراطور في القرن الخامس نزولاً عند إلحاح زوّار قبر القديسة تقلا فوق المغارة التي تقول التقاليد بأنّ بولس صلّى فيها مع المؤمنين.

- كنيسة يوحنا الرسول
في أفسس أنقاض بازيليك على إسم يوحنا الرسول تستحق الإهتمام لوجود قبر الرسول تحت مذبحها. فهذه الكنيسة التي زرناها عام 1972 لم يبقَ منها سوى Abside ضخم. لكن علماء العاديات يقولون بان حجمها كان كبيراً جداً وبشكل صليب طولها 110×40 متراً وبناها يوستينيانوس فوق قبر القديس يوحنا.

- كنيسة القديس فيليبس
في مدينة Hierapolis وتُسمّى اليوم PAMMUKKALE يوجد "مارتيريوم" على اسم القديس فيليبس الرسول. وهو بازيليك مثمّن الأضلع مشيّد منذ القرن الخامس على أنقاض مزار قديم جداً ينقل التقليد ان فيليبس الرسول استشهد فيه.

- كنيسة القديس بولس في بافوس (قبرص)
وبالحصر في مدينة بافوس، كنيسة صليبية مبنيّة على أنقاض كنيسة بيزنطية من القرن السادس وهذه بدورها بُنيت على أنقاض مزار وسط هيكل روماني متهدّم. أمام الكنيسة رممّت مديرية العاديات ساحة الهيكل القديم فبرزت أعمدة الهيكل الضخمة. ينقل التقليد المحليّ ان بولس الرسول جلد على إحدى هذه الأعمدة ولهذا السبب بُنيت الكنيسة على اسمه. لكن هذه القصة غير واردة في كتاب "أعمال الرسل".
في مدينة فيليبي بقايا بازيليك بيزنطية، وكانت سابقاً كنيسة يونانية مكرّسة على اسم القديس بولس. وقد شيّدت إمّا على أنقاض السجن الذي وُضع فيه بولس، وإمّا على أنقاض بيت ليديا حين كان الرسول يصليّ مع المؤمنين. قياسات هذه الكنيسة وروعة هندستها تدلّ على أنها كانت ذات أهمية كبيرة.
أما في روما فكنائس عديدة تخلّد ذكرى مرور بطرس وبولس واستشهادهما. وأشهر هذه المعابد الدياميس. فالحديث عنها طويل وعددها وافر وقد اشتهرت فنّياً بالجدرانيات العديدة التي تعتبر أقدم الفنون الأيقونوغرافية المسيحية؛ ثم الكتابات التي تذكر الموتى المدفونين في طاقات الجدران. وهذه الكتابات المحفورة على قطع من الرخام مزيّنة برموز مسيحية. وهذه الدياميس مطبوعة بذكرى مرور بطرس وبولس فيها.
ففي الدياميس إذاً كتابات منقوشة على شواهد أو بلاطات تختم الطاقات والنواويس. في بادىء الأمر، هذه النقوش بسيطة: "في الربّ" In Deo، "في السلام" In Pase، "في الراحة" In Refrigerio، "مع القديسين" Cum Sanctis، ثم تزداد هذه الكتابات فيما بعد. نركّز هنا على النقوش الأثرية (غرافيتي) أي كتابات محفورة على الجدران وُجدت في مدفن القديس سبستيانوس. هناك تقليد يقول إن القديس بطرس قد استراح هنا قبل دخوله المدينة، والزوّار يتحدّثون عن كاتدراسية الرسل. حالياً توجد كنيسة "ستيل باروك" أنجزت فيها تنقيبات أثرية بين 1915 و1933 كي يجد العلماء آثار القديم بطرس. فعلى مستوى طبقة القرن الثالث، وجدوا "تذكار الرسل" وهي غرفة طعام (12 م. × 7 م.) تُطلّ على دار. على جدران الغرفة اكتشفت أكثر من مئتين وخمسين كتابة منقوشة (غرافيتي) باللغة اللاتينية وثلاثين باللغة اليونانية. وجميعها دعاء للقديسين بطرس وبولس وطلب حمايتهما، ثم اسم الطالب. المشكلة هي في تأريخ هذه الكتابات. فالمدافن الأخيرة الواقعة تماماً فوق غرفة الطعام هذه يرقى عهدها إلى عام 244.
يوجد كذلك نصّ يعود إلى عام 354 عنوانه "إيداع الشهداء" “Déposition des martyrs” يشير إلى الإحتفال ببطرس وبولس عام 258 في الدياميس. نستنتج من هذا انه عام 258 كرّست عبادة للرسولين. هذه هي المعطيات.
إنطلاقاً من هذه المعطيات، بدأت تتكاثر الآراء الغير المثبتة علمياً. يقول البعض بأن جسدي الرسولين وبنوع خاص جسد بطرس، كان موضوعاً في بازيليك القديس بطرس في الدياميس. لأنه في عهد اضطهاد الإمبراطورين فاليري وغاليان عام 258 أراد المسيحيون أن يضعوا جسدَي الرسولين في مأمن. ويقدّمون البرهان التالي: كان البابا دماسيوس (القرن الرابع) قد نظم أشعاراً ووضعها في كتابة منقوشة في هذا المكان. يبدأ النصّ بهذه الكلمات Hic Habitasse "هنا سكن"، والبيت الثاني يبدأ بهذه الكلمات Nomina Petri et Pauli. فكلمة “Nomina” ليست واضحة، يمكنها أن تعني أو تذكاراً أو إسماً، وكلمة “Habitasse” تعني أنّ بطرس بوصوله إلى هنا، استراح، باعتبار ان طريق آبيا كانت مُلتقى الشرق والغرب هل هذا يعني مسكناً أم مدفناً؟

- قبر مار بطرس في الفاتيكان
عام 1950 كانت للبابا بيوس الثاني عشر الجرأة على فتح ورشة عمل تحت مذبح كنيسة مار بطرس في روما، وألف لجنة من أشهر علماء الآثار للتفتيش عن ذخائر القديس بطرس والتأكّد من كونها موجودة هناك أم هي باقية في الدياميس. والمنطلقات التاريخية كانت التالية: قدم بطرس إلى روما لينشر كلمة المسيح فصلب فيها في عهد نيرون (54-68). والشهادات على موته قديمة وعديدة، وأغلبها يعود إلى القرن الأول. أمّا مكان الإستشهاد فالأخبار مختلفة في شأنه. فتاسيت Tacite في "حوليّاته" يعلمنا بأنه أثناء إضطهادات نيرون، كان المسيحيون يعانون الإستشهاد في حدائق الإمبراطور وبنوع خاص في الملعب الشعبي. وهناك قصة قديمة مجهول إسم صاحبها عن استشهاد بطرس، كُتبت في روما ولا يمكن أن يرتقي عهدها إلى ما قبل القرن الرابع تشهد أنّ الرسول صُلب "بجانب مسلّة صوب الهضبة". وفي القرن الرابع يشهد القديس إيرونيموس أنّ صلب بطرس جرى في الفاتيكان. واخيراً الكتاب البابوي Liber Pontificalis الذي يرقى إلى القرن السادس يذكر بأن الرسول دفن في موضع غير بعيد عن مكان استشهاده، قرب ملعب نيرون في الفاتيكان.
في جوار الفاتيكان وجدت كذلك مدافن. أمّا التنقيبات الحديثة فقد كشفت تحت بازيليك مار بطرس الحالية مقبرة كبيرة تحتوي على مدافن غنية، ترقى جميعها إلى ما بعد عام 130.
"كتاب الإحتفالات البابوية" يؤكّد أن مكان دفن بطرس قريبٌ من مكان الإستشهاد. وهناك شهادات أخرى تؤيّد ذلك. ويظهر ان التنقيبات لم تترك أي داعٍ للشكّ. فلقد ساعدت على اكتشاف بناء صغير للموتى ذات طاقات، محشور في إحدى جدران المقبرة الكبيرة (نيكروبول) ويعود إلى القرنين الثاني والثالث؛ عليه تاريخ 160، ممّا يدلّ على كونه قبل بناء بازيليك الإمبراطور قسطنطين. ويظهر ان هذا البناء الصغير كان دوماً موضوع اهتمام وترميم، ويقع تماماً تحت مذبح البازيليك الكبير، إلى أن قرّر قسطنطين تشييد "مارتيريوم" بعد عام 315، أعني بناءً إكراماً للرسول، ثم بازيليك. ومن الواضح أنّ قسطنطين ما كان قدم على هذا العمل المكلّف جداً لو لا يكن قد كشف مسبّقاً عن الذخائر وتأكّد من هويتها. في الواقع، لقد وُجدت تحت البناء فجوة للدفن قديمة. وعلى جانب البناء الصغير الذي نحن بصدد الحديث عنه حُفرت كتابة باللاتينية ترقى إلى حوالي عام 160 تقول "بطرس هنا" Hic Petrus.
أمّا بولس فقد قطع رأسه في منطقة خارج المدينة تُسمّى Aquae Salviae. يقول مؤرّخون من العصور القديمة انه عندما قطع رأس بولس قفز ثلاث قفزات وجرت مكانها ينابيع ثلاثة Tre Fonte وسُمّي المكان باسمها. فبنيت ثلاث كنائس على اسم القديس بولس. ثم أُنشىء دير للترابيست وحالياً يوجد البيت المركزي لإخوة يسوع الصغيرات. يوجد إلى جانب هذه الكنائس مغارة يقول التقليد بأن بولس تحضّر فيها للموت، وعامودٌ يُقال بأنه ربط عليه قبل أن يقطع رأسه.
لقد أخفت جماعة روما المسيحية منذ البدء جِسمَيْ الرسولين خوفاً من أن تنقلهما الجماعات المسيحية الشرقية إلى أورشَليم. فقسطنطين بعد عام 315 اهتمّ بوضع بقايا بولس في ناووس من حديد وأقام له معبداً خارج الأسوار وقد تحوّل هذا المعبد اليوم إلى بازيليك جبارة. على هذا الناووس توجد كتابة باللاتينية... Paulo Apostolo Mart.
توجد في روما أيضاً كنيسة مهمة لعلاقتها بصديقين حميمين لبولس هما كويلا وبريسكيلا هي كنيسة القديسة Prisca على Aventina. ففي عام 1776 اكتشف معبد تحت الأرض قرب كنيسة Prisca؛ جدرانه مدبّجة بصور من القرن الرابع. ممّا لا شكّ فيه ان هذا المعبد كان المكان الأصلي لبيت أكويلا وبريسكيلا.
ثم هناك السجن قرب قوس سافيروس الذي فيه سُجن بطرس وبولس، تحوّل إلى كنيسة تُسمّى كنيسة مار يوسف الفاليغنامي San Giuseppe dei Falegnami.
ثمّ كنيسة القديسة Pudenziana التي ينقل التقليد بأنها مشيّدة على كريبت كان منزلاً لروماني مسيحي اسمه Pudens والمذكور في الرسالة الثانية إلى تيموتاوس. وهو اهتمّ في بيته بالقديسين بطرس وبولس.
أمّا بخصوص لبنان والكنائس التي بُنيت على الأمكنة التي حلّ فيها بطرس وبولس والرسل أثناء مرورهم على الساحل الفينيقي إلى أنطاكية، فلا تذكر أبداً في تاريخنا، مع أنّ إكليمنضوس الروماني في مواعظه وفي ذكرياته يخبر انه رافق بطرس، وكانا يقيمان عدّة أشهر في صور وصيدا وبيروت وجبيل وطرابلس، يبشّر بطرس في مجامع اليهود المغتربين بأنّ يسوع هو المسيح وبنى فيها كنائس. وفي طرابلس أقام أسقفاً اسمه Maro أي مارون بعد أن أقام ثمانية أشهر في المدينة وعمّد فيها إكليمنضوس على نبع قرب الميناء. هذا موضوع يستحقّ أن نكرّس له دراسة أوسع.
الفصل الثاني والثلاثون
دور أعمال الرسل
في التعليم المسيحي
الأخت وردة مكسور
من راهبات القلبين الأقدسين

هل يمكن للتعليم المسيحي أن يكون كتابياً؟ وما هو دور اعمال الرسل في هذا التعليم؟
لكي نجيب على هذه الأسئلة لا بدّ لنا من وضع بعض التحديدات الحديثة التي تساعد على فهم الأمور وتبسيطها.
"إذهبوا وتلمذو كل الأمم" يقول يسوع للرسل في إنجيل متّى 28. إذهبوا أي تحرّكوا وتلمذوا ليس فقط المؤمنين ولكن كل الأمم وهذه العملية هي عملية تربية الإيمان.

ما هي هذه التربية؟
إن عملية التربية المسيحية واسعة جداً، وتشمل كل الجهود التي تبذلها الكنيسة في خدمة الكلمة، من ليتورجيا، وصلاة، ووعظ، وتعليم، واحتفالات، وخدمات أخرى مختصّة بظروف معيّنة، وكلها تهدُفُ إلى نشر الإنجيل وإلى اللقاء بيسوع المسيح الكلمة والإتحاد به كما يقول البابا يوحنا بولس الثاني.
والتربية تتمّ على يد جماعة وضمن جماعة ومن أجل جماعة، وعليه فإن الجماعة المسيحية هي المكان الأول والأساسي الذي فيه ينمو الإيمان ويترعرع وينضج وهي البيئة الطبيعية لنقل الإيمان من جيل إلى جيل. فبدون الجماعة يظل الإيمان مبتوراً وهو بُشرى وقبوله مبشّرين ومساعدتهم على اكتشاف أسرار الله في الجماعة بالذات كما حدث على أيدي الرسل في أعمال الرسل بالذات، وكان الربّ "كل يوم يضمّ إلى الجماعة أولئك الذين ينالون الخلاص".
إنطلاقاً من هذه الحقيقة الأساسية تتفرعّ مسؤوليات التربية بحسب موقع كل فرد وكل فريق في الجماعة المؤمنة (الأسقف، الكاهن، الراهب، الراهبة، العلمانيون، المربّون...). وانطلاقاً من هذه الحقيقة أيضاً تتحدّد النواحي المميّزة لكل من الحقول التالية: الرعية، المدرسة، والعائلة والحركات الرسولية، وكلٌّ يكمّل عمل الكل، فلا المدرسة وحدها ولا الرعية وحدها ولا العائلة وحدها ولا الحركات وحدها كفيلة في عمل التربية هذا دون الآخرين.
كلٌّ عليه أن يشدّد على ناحية من هذه التربية دون إهمال النواحي الأخرى وكلٌّ عليه أن يحقّق عملية التربية ويكملها. والجماعةُ المؤمنةُ ككلّ هي المسؤولة الأولى.
فإذا كانت التربية هكذا، فما هو التعليم المسيحي وما هي علاقته بأعمال الرسل؟
بما أنّ كل المحاضرين قد استندوا إلى علم الكتاب المقدّس وتناولوا كلّ كتاب أعمال الرسل وعرضوا لنا كلَّ مستجدّاته، يعودُ إليّ أن أعرضَ موضوعَ التعليم المسيحي وأبرهن كيف يُمكن للمعلّم أن يستفيد من هذا في أخذ مواضيعه التعليمية أي إيجاد التسلسل العلمي الذي يعلّم البشارة الأولى ويعرّفنا إلى يسوع المسيح ويضع التلاميذ في أجواء حياة الكنيسة الأولى وعيشِ الأسرارِ ويساهمُ في إيجاد العلاقة بين أعماله الرسل وأعمالهِم.
إن التعليم المسيحي هو كشف سِّر المسيح وهو ناحية واحدة من التربية الدينية التي عرَّفنا عنها أعلاه والتي هي في أغلب الأحيان منوطة بالمدرسة أو بمراكز التعليم المسيحي وتتمّ بوقت محدّد قد يتراوح. بين الساعة أو الساعتين ويركّز هذا التعليم على شخصية يسوع المسيح إن كان كتابياً أو عقائدياً. فما هي علاقتُه بكتاب أعمال الرسل؟
لكي أُجيبَ عن هذا السؤال سأعودُ أولاً إلى منهج التعليم المسيحي الذي وُضِعَ في لبنان سنة 1980 بإشراف اللجنة الكاثوليكية للتعليم المسيحي لنتصفحه ونرى كيف تعامل مع أعمال الرسل أولاً ثم نعود إلى تحليل كتب التعليم التي طبعت بعد هذا المنهج.

1- المنهج العام
لقد استند هذا المنهج على الإرشاد الرسولي "في التعليم المسيحي" للبابا يوحنا بولس الثاني الذي يطالبُ بأن يكونَ التعليمُ منظّماً لا مرتجلاً، تبعاً لمنهج يُمَكِّنُهُ من الوصول إلى غاية معيّنةٍ، أعني بذلك أن يتناول جوهر الإيمان، وأن لا يدّعي التوسُّعَ لا جميع المسائلِ المطروحةِ وأن لا يتحوّل إلى دراسات لاهوتية ولا إلى تفسيراتٍ علميةٍ للكتاب المقدّس، بل أن يكونَ كاملاً منفتحاً على جميع مقوّمات الحياة.
لقد حاولت اللجنة أن تضع منهجاً متقيّداً بالجوهر ليكون مضمونُ الإيمان المسيحي معروفاً من قبل النشء في المراحل المدرسية الإبتدائية والمتوسطة والثانوية.
والهدفُ أن يُسلَّم التعليمُ بالنقاط الأساسية وأن يراعي نفسيةَ التلميذِ وذهنيّته وسَعَةَ تحصيلِه. وهذا المنهجُ يساهمُ في التنسيق بين تعليمِ المدارسِ كافّةً لتسهيلِ الأمرِ على التلميذ إذا انتقل من مدرسةٍ إلى أخرى.
تلك نظرةٌ سريعةٌ وشاملةٌ لهذا المنهج الذي لا يتوسّع بكل التفاصيل. والآن لِنتوقّف عند تعاطيه مع أعمال الرسل.


2- أعمال الرسل في منهج التعليم العام
- المنهج وأعمال الرسل
لقد ذكر المنهج أربع مراتٍ أعمال الرسل كمرجع للعمل. أولاً في الأسرار (الصف الثاني متوسط) وفي سِّر التثبيت (8: 15- 17) ثم في الكنيسة (الصف الثالث متوسط) حيث يطلبُ مقارنةً بين أعمال الرسل وبرج بابل في العهد القديم. وفي الصف الثاني ثانوي "في الكنيسة نحيا لأجلَ المسيح" حيثُ ركّزَ على كتاب أعمال الرسل "نظرات أولى إلى المسيح" في حياة المسيحيين الأولين ثم لا مفهومِ الكنيسة وفي مجمعِ أورشليم.

3- أعمال الرسل في كتب التعليم اللبنانية
أعرضُ الآن كتُبَ التعليم المسيحي، لا كلّها طبعاً وإنّما تلكَ التي إمّا جُدِّدَت طِباعتُها أو أنها طُبِعت بعد صدورِ المنهجِ مباشرةً:
- سلسلة حبّة الحنطة، الأخت ماري رينيه ديراني.
- سلسة الربّ نوري وخلاصي للأب حكيم.
- سلسلة طريق المحبّة، الآباء البلديين.
- سلسلة يسوع حياتنا، الأب انطوان الجميّل والأب يوسف ضرغام.
- سلسلة يسوع طريقنا، لراهبات القلبين الأقدسين.
نستثني سلسلتي سيدة العطايا والمشوّق للآباء البولسيين وسلسلة المطران شبيعه لأنهم لما يعيدوا الطباعة بعد صدور المنهج المذكور. وفيما يلي أعرُض فقط ما ورد حول أعمال الرسل دونَ البحث في كيفيةِ استعمال الكتاب المقدّس مهما كان الهدفُ من استعماله.
إن استعرضنا هذه الكتب نجدُ أنّ مرجع أعمال الرسل قد تكرّرَ فيها حوالي 70 مرة. وما يلفتُ انتباهنا هو أن الفصلَ الأَول قد تكرّر 15 مرّة من أصل السبعين في حين أنّ الفصل الثاني قد تكرّر 21 مرة وهذا يعني أنّ أكثر من نصف المراجع قد اقتصرت على الفصلين الأول والثاني اللذين يتحدثان عن الصعودِ والعنصرةِ وحياة المسيحيين الأوَّلين، في حين أنّ أعمال الرسل تحتوي 28 فصلاً. والجديرُ بالذكر أنّ الفصلين السابع والتاسع قد حازا أيضاً على بعضِ الإهتمام، فالسابع تَكرّر 6 مرّات وهو يتحدّث عن استشهادِ اسطفانس والفصل التاسع 6 مرّات وهو يتحدّثُ عن ارتدادِ بولس.
أمّا المراجعُ الإثنين وعشرين الباقيةُ فقد تفرّقت بين الفصولِ 3، 4، 6، 8، 10، 11، 15، 17، 18، 22، 23. وهي تتضمّن مواضيعَ متفرّقةَ وتأتي ليسَ في المرتبةِ الأولى للعرض ولكن أكثرها في باب اسمه "إقرأ أيضاً" أي يُترَكُ التلميذ حرّاً في قراءتها وهذا يعني في بعض الأحيان عدم القراءة.
ونذكر أيضاً أن بجض الكتب قد أخذ معلومات أعمال الرسل دون ذكر المرجع والبعض الآخر ذكر المرجع دون ذكر الفصل والآية مكتفياً بالقول: أعمال الرسل.
كلُّ ذلك يجعلُنا نفهم أنّ كتاب أعمال الرسل غيرُ معروفٍ جيداً، مع أنّه من الناحية المسيحانية وشخصية يسوع المسيح يحمل الكثير الكثير وأهمّها البشارة الكبرى: "إنّ يسوع الذي صلبتموه قد أقامَهُ الله...". ومن ناحية الأسرار وكيفية عيشها ومفاعيلها نجِدُ أسرار المعمودية والتثبيت والكهنوت والافخارستيا أي كسر الخبز إلخ.. فمرافقة الرسل في فترة حياتهم الأولى تُعلِمُنا بأهمّ العقائد والمعتقدات والحياة. ومن الناحية السردية والقصصية فكتابُ الرسل هو مغامرات شائقة، يسردُ فيها حياة الرسل وأشخاص عديدين ومغامراتهم بعد قيامة المسيح. وفي فجر المسيحية ننتقل من الخطب والوعظ والجماعات الكبرى إلى السجن والخوف ثم إلى الصلاة والأمل وإلى اللقاء إلخ.. وهكذا نعيش في أجواء المحبة وأجواء عمل الروح القدس في الأشخاص وفي الجماعة.
ففي كلّ الأحوالِ يعودُ الإستشهادُ بأعمال الرسل في كل السلسلات إلى ما طلبه المنهج وفي المواضيع التي ذكرناها في البداية.
والملاحظُ أنّ المؤلّفين قد استعانوا بأعمال الرسل كي تكونَ بمثابةِ برهانٍ أو سندٍ يدعمُ الموضوع أو الفكرة أو كمرجع يُمكِّنُ قراءته لمن يريدُ زيادة معلوماته ويُعرّف عن القديس بطرس وبولس والشهيد اسطفانس أو عمل الروح القدس بسّر التثبيت ولا نلاحظ في تلك الكتب توسّعاً في أعمال الرسل واتخاذها بحدّ ذاتها، أي ليست موضوعَ بحثٍ أو درسٍ كي نفهم ما تحملُ في طيّاتها منذُ الصغر من تعريفٍ عن شخصية المسيح والكنيسة، ومن مبادىء مسيحية، وإيمانية لا نجد مثيلَها في الكُتُبِ الأخرى.
أمّا سلسلة "يسوع طريقنا" فقد انفردت باتخاذها أعمال الرسل كمرجع أساسي للبحث في البشارة وفي حياة الكنيسة والأسرار. لم يكتب كتاب يسوع "يفتتح الملكوت" بهدف إعلانه بهذا المؤتمر ولكن حين حاولتُ الإجابة على السؤال المطروح التعليم المسيحي وأعمال الرسل وجدت أنّ هذا الكتاب يفي كتاب أعمال الرسل بعض حقوقه.
نلاحظ انه في الكتاب الأول ورد مرجع أعمال الرسل 8 مرات توزّعت بين الفصول: 1، 2، 4، 5، 7 و11 في الكتاب الثاني ورد مرجع أعمال الرسل 25 مرة توزعت بين الفصول:
1، 2، 3، 4، 5، 6، 7، 9، 11، 12، 13، 14، 15، 16، 20، 28 و30.
في الكتاب الثالث ورد مرجع أعمال الرسل 11 مرة توزّعت بين الفصول:
5، 6، 8، 10، 11، 16، 19، 20، 27.
وهكذا نستنتج أنه هناك تركيزاً قويّاً على كتاب أعمال الرسل في سلسلة "يسوع طريقنا" وهذا ما أظهره ورود هذا المرجع 44 مرّة في الكتب الثلاثة غطّت أعمال الرسل من فصلها الأول وحتى الفصل 28. فإذا أردنا أن نجمعها نجد أنّ الفصول التي مرّت في السنوات الثلاث هي: 
1، 2، 3، 4، 5، 6، 7، 8، 9، 10، 11، 12، 13، 14، 15، 16، 19، 20، 27، 28.
والواقع أنّ هذه المراجع قد وردت كلها في بداية اللقاء بعنوان مراجع من الكتاب وهي ركيزة اللقاء ومحوره.
والجدير بالذكر أنّ الكتاب الثاني "يسوع يفتتح الملكوت" تناول كتاب أعمال الرسل دون سواه لدراسته دراسة مستفيضة في قسمه الثاني.

كتاب "يسوع يفتتح الملكوت"
إنّ كتاب يسوع يفتتح الملكوت لا هو الثاني من سلسلة يسوع طريقنا. يضمّ 28 لقاءً منها 14 لقاءً أُخذت من أعمال الرسل، بهدف أن يرى التلميذ كيف أن يسوع هو مؤسسّ الكنيسة وكيف أنّ الرسلَ يفعلون فعله بالذات: هو بشّر وهم يبشّرون، هو شفى المرضى وهم يشفون أيضاً، هو أقام الموتى وهم كذلك. إذاً هم يفعلونَ فعلَه، وبذلك تُكَوَّنُ الكنيسةُ التي هي جسدُ يسوعِ الفاعل. كيف وردت هذه المواضيع؟
فبهذه الطريقة نُظهر للتلاميذ كيفَ أنَّ العهدَ الجديد يُعرّفنا مباشرةً إلى أعمال هذا الشخص من ولادته إلى حياته في محيطه وإلى أعماله على هذه الأرض، أي كيف عاشَ يسوعُ حياتَنا فيعرّفُ المعلّمُ التلاميذَ، ويشرح لهم كلّ ما يخصّ يسوع الناصري كما فعل هو مع تلميذي عمّاوس.
فيتعرّفون إلى يسوع وعائلته وأعماله والأشخاص الذين عرفوه وتبعوه وشهدوا له، ويكون ذلك خطوة خطوة، مع تحديد هدف لكل لقاءً يكمّل ما سبق، فيتعرّفون أولاً إلى "يسوع" كما تعرّف إليه الرسُلُ بهدفِ أن يكتشفوه كي يقولوا "إنه حقاً المسيح ابن الله الحي". وهذه تُكَوَّن مسيرةُ الصفوفِ الإبتدائية والأول متوسّط.
ولكي نكتشِفَ هذا المسيح كابن لله نتفحّصُ أعمالَه، رسالَتَه، ونتعمّقُ بها: من السعي إلى فهم البشارة الأساسية التي أعلنها يسوع وهي "ملكوت الله" قد اقترب.
وقد أثبتَ يسوعُ هذه البشارة: بإتيانه المعجزات التي كانت بمثابةِ إعلان لهذا الملكوت، وبقلب المفاهيم السائدة رأساً على عقب: فإذا به يُهنّىء الفقراءَ ويُدينَ الأقوياءَ ويُطلق التطويباتِ التي هي مختصرٌ لهذا الملكوتِ. قبلَ يسوع، كان ملكوتُ الله مستقبلياً، لا علاقة له بما يجري اليوم على الأرض، أمّا بيسوع فقد أصبح بيننا.
فمع التلاميذ نسيرُ لاكتشاف هذه الآيات ونتبع يسوعَ بمسيرَتِه الإنسانيةِ من طرْدِ الشياطين إلى المعجزاتِ إلى شرْح أوصافِ الملكوت ثمّ إلى علاماتِ الملكوت السابقةِ التي ستقوم بها الكنيسةُ فيما بعد أي تحويلِ الماء إلى خمر وتكثير الخبز "إذ كانت الجموع تحيط به، والمكان القفرُ كان مأهولاً ومليئا بالخبزَ". بعد هذا الحدث تكلّم يسوع: "من أكل جسدي وشرب دمي" فحينئذٍ تركته الجموع حتى توجّه إلى تلاميذه: "وأنتم أيضاً تذهبون"؟
وإذ بقي التلاميذُ إخذ يهيّئهم ويعلّمهم لكي يتسلّموا الكنيسة بعد موته. ويقول لهم "إنّ السلطة خدمة" فمتى ذهَبْتُ فيا بطرس قوّى إخوتك إلخ... وبقي حولَه عددٌ صغيرٌ ... فكان يشفي المرضى، يُقيم الموتى يعلّم... ولكنه صُلِب ومات وقد خُيِّل للرسل أنّ كل شيء ماتَ معَهُ إذ إنّ الوعودَ السابقَة كما كانَ التلاميذُ ينتظرونهَا لم تَتِم. فها هو على الصليبِ مُعذب مائِتٌ، ورأوه بعينهم والبعض فرّوا وهربوا.
وهكذا قهر يسوع الموت، وأصبحت الحياة الدُنيا بداية الحياة الأبدية. والبرهان القاطع على أنّ الملكوت قد بدأ فهو قيامة يسوع من بين الأموات، وأعمال الرسل تبينّ لنا أن الكنيسة هي جسد المسيح الفاعل، أي تفعل فعله تماماً (أعمال 3: 16) ويهب الروح القدس للذين يؤمنون (أعمال 2: 38).
نبدأ باللقاء 14: "يكون شاهداً معنا على قيامته". ونلاحظُ أنَّ كلَّ العناوين تذكر آية من الفصل الذي سيعالَجَ وتذكِّر بصُلْبِ الموضوع. ففي هذا الفصل من أعمال الرسل 1: 12 نهدف إلى التعرّف إلى دور متيّا في بناء الكنيسة والتعرّفُ إلى دور كل شخص كعضو في الجماعة وهكذا يُعيد التلميذُ ميزاتِ الجماعة شفهياً.
نشاط: يصنعُ التلميذُ مكعّبا ويكتب اسمَهُ على ناحيةٍ منه ثم يضعُ كلُّ تلميذ مُكعّبهِ لبناءِ حائط. وبعد العملِ والتأمّلُ يسحب المعلّم مكعّباً من الأسفل ويلاحظ الجميعُ أنَّ كلّ واحدٍ له دورُه ومكانُه في الجماعة. ومن ينسحب يترُك فراغاً بعدَه مثل يهوذا...
اللقاء 15: "أليس هؤلاء المتكلّمون جليلين بأجمعهم"
(2: 1- 4)
(2: 22- 24)
الهدفُ من هذه المراجع أن يتفهّم التلميذُ أنَّ الروحَ القُدُسِ يفتتحُ زمن الكنيسةِ ويُطلقها ويُعِدُّها لرسالة ويفتحها على مختلف الشعوب واللغات: ويوفِدُها للرسالة كما كَشَف لنا كتابُ أعمال الرسل "وهو إنجيل الروح القدس" "وتكونون لي شهوداً... حتى أقاصي الأرض" (1: 8).
اللقاء 16: "وكانوا يواظبون على تعليم الرسل والمشاركة"
(2: 37- 47).
ويهدُفُ إلى أن يكتشف التلميذُ ما امتازَ به المسيحيون الأولون وأن يحفظُه غيباً ويختصُر هذا اللقاء بعد البحثِ بالأرقام والعمل الناشط وحياة المسيحيين بالكلمات التالية:
الكرازة- الحياة في الجماعة: المعمودية، كسر الخبز، الصلاة، التعليم المُلقى على المعمّدين الجدد، إتحاد القلوب وتقاسم الخيرات.
اللقاء 17: "لا فضّة عندي ولا ذهب"
(3: 1-10)
لل هنا نرى أن تحقيقَ الملكوتِ هو عملُ الرسلِ أنفسِهم بفضل القيامة، وذلك باسم يسوع وبقوّة من روحِه وقد شفى بطرسَ ويوحنا هذا المُقعَدَ باسم يسوع المسيح. "لا فضّة عندي ولا ذهب... ولكن باسم يسوع". وهكذا بعدَ هذا الشفاء أرادَ الحُكّامُ. أن يَمنَعوا بطرس ويوحنا من ذكرِ اسم يسوع... وكانوا يقولون لا نستطيعُ السكوتَ عن ذكر ما "رأينا وما سمعنا".
وكانوا لا يكفّون عن البشارة "باسم يسوع الناصري الذي صلبتموه أنتم فأقامه الله من بين الأموات، بهذا الإسم يقف أمامكم معافى..." وكانوا ممتلئين قوّة من الروح القدس.
اللقاء 18: "ربيّ يسوع تقبّل روحي"
(2:6-5 و 8-14)
(7: 51-53 و 3:8)
ومن أعمال الرسل أيضاً أن يموتَ الرسولُ كما مات اسطفانس وهو أوّلُ شهيدٍ مسيحيٍّ من أجل إيمانه بيسوع المسيح وكيف سارَ على خُطى المسيح وغَفَرَ لقاتليه، وحياة اسطفانس هي حياة كلّ واحد منا ومكانُه في الكنيسة مكانُ كلُّ واحدٍ أيضاً. ويُمكن عيشَ نشاطٍ يُبرهِن كيف أنّ لكلٍّ مكانه في بناء الكنيسة ونموّها كما ورد في كتب التعليم.
وفي أثناء تعرُّض المسيحيين الأولين لا0ضطهاد، كانوا يصلّون ويبشّرون بالإنجيل (4: 29 و 12: 25) تحلّوا بالثقة والثبات (4: 13 و31) كانوا صابرين ومثِلَ المسيح طلبوا من الله أن يصفح عن جلاّديهم (7: 60). 
اللقاء 19: "شاول، شاول، لماذا تضطهدني؟"
وإذا خُيِّلَ. للتلميذِ بأنَّه كي يفعل فِعْلَ يسوع عليه فقط أن يكونَ من الرسل، ندرُسُ كيف أنّ شاول لم يكن من تلاميذِ يسوع أو من جماعة الرسل الأولى، ومع ذلك وبسبب إيمانه أصبح يفعلُ الأفعال نفسها التي كانوا هم يفعلونهَا من شفاءٍ وقدرةٍ على الشفاء. فهو رسول الرسل. 
اللقاء 20: "فوثب يمشي"
لكي نفهم هذا الحدث نأخُذُ أعمال الرسل 14: 8-23: فوثب يمشي، إن بولس بعد ارتداده وانضمامه إلى الرسلِ أصبح يقومُ هو أيضاً بأعمالهم ويُبشّر بالملكوت، لقد ركّز بولس البشارة بالإله الحيّ الذي لم يتعرّف إليه الوثنيون بعد.
اللقاء 21: "طابيثة قومي"
(9: 36-43)
وبطرس أيضاً أقام الموتى: "طابيثة قومي" وبهذا العمل يرى التلاميذُ امتداداً لعملِ يسوع في الكنيسة اليوم، ويُمكن أن يقارنوا بين هذه الآية وآيات يسوع نفسه. مثلاً إحياء ابن أرملة نائين، وابنة يائيرس ولعازر. 
اللقاء 22: "وكانت يدُ الربّ معهم"
من خلاله ستّة مراجع من أعمال الرسل يكتشفُ التلاميذُ هذه المراحلَ الأساسيّة في حياة الكنيسة، ليعودوا فيكتشفوا الركائزَ التي ساعدت على انتشارِ الإيمانِ المسيحيّ في العالم.
اللقاء 23: "ولكني لا أُبالي بحياتي يقول القدّيس بولس"
فمن خلال 12: 1- 5 و16: 19-23 و20: 22-37 و28: 16- 19 و30- 31 يتعرّفُ التلاميذُ إلى شهادة كلِّ الرسل ويتفهّمون معنى الشهادةِ والموتِ في سبيل الإنجيل. ويُطلَبُ منهم أيضاً أن يُقارنوا بين موت يسوع وموت الرسل وكلّنا يعلمُ أن كلاُّ من الرسل أخذ نصيبَه من الآلام والعذاب وكلّهم ضَحّوا بحياتهم في سبيلِ يسوع المسيح الذي ماتَ وقامَ. رافقت الإضطهاداتُ حياةَ الكنيسةِ وكانت الشهادةُ قوّة لانتشار الإيمان. 
عُذِّبَ التلاميذ وقُتلوا ولكنْ لا سلطانَ للموتِ على المسيح القائم، لذلك نَمَت الكنيسة وانضمّت إليها جموعٌ كثيرة.
اللقاء 24: "ولم يفرّق بيننا وبينهم في شيء"
(15 :5-12)
يعرفُ التلاميذُ أنَّ الكنيسةَ منذُ نشأتِها حتى اليوم تعاني بعض الأحيان المشاكلَ وسوءَ التفاهم بين أعضائها، ولكنَّ الإتفاق بينهُم سيتمُّ بمعاونة الروح القدس وذلك ما حدثَ في مجمعِ أورشليم وهو أوّلُ مجمعِ مسيحيّ عُقِدَ للنظرِ في العقيدة والأخلاق.
اللقاء 25: "وكان جميع الذين آمنوا جماعة واحدة"
(2: 42-47 و4: 32- 35)
و(5: 12-16 و11: 22-26)
يتعرّفُ التلاميذُ من خلال هذا اللقاء إلى أنّ الجماعةَ المسيحيةَ الأولى هي صورةٌ لما يجب على الكنيسةِ أن تكون. وإذا كان الواقِعُ يخالِفُ هذه الصورة، إلاّ أنّها تساعدُنا على المضي قدماً لتحقيقها بفضل المحبّة الأخوية، والمشاركة في خيرات الأرض وتخطّي قسوة المرض بفضل الإيمان بيسوع المسيح وان الوسيلة التي تساعد الكنيسة كي تصل إلى هدفها في كسر الخبز أي الافخارستيا.
ويلي هذا كلّه لقاءان بعنوان: "لأنكم جميعكم واحد في يسوع المسيح" أي كيف تنشر الكنيسة على الأرض ملكوت الله وكيف كل عضو هو ملتزم بيسوع المسيح أي "أنتم جسد المسيح وكلّ واحد عضو منه". وإنّ الإنتماءَ إلى الكنيسةِ لا يكونُ إلاّ بالإنتماء إلى رعيّته.

النهاية
بالإختصار إنّ وجود سفر أعمال الرسل حَدَثٌ مهمّ وهو ركيزة التعليم ليس فقط في المعرفةِ ولكن في الحياةِ والعمل.
فقرِاءَتُه في العائلةِ ومع التلاميذِ سهلَةٌ جداً ومن المستحسنِ أن نَطلُبَها، كما طلَبها هذا الكتابُ أي "ملكوت الله والكنيسة" وقد عبرَّ الأهل عن حقيقة مشاعرهِم وانشراحِهم لاكتشافاتِهم بهذا المجال، وكذلك التلاميذ: "نريد أن نعيش حياةَ الرسل هذه". وقد توصّل البعض إلى المشاركة الفعلية مع المحتاجين.
وكان نوعٌ من الخوف يسيطر عليهم، ومريم أُمّه كانت معهم، فقيامَتُه من بين الأموات أعادت الثقة إلى نفوسِهم، وحلول الروح القدس أعطاهُم القوةَ والجرأةَ حتى يُعلنوا قيامَتَه والجسارةَ كي يُدافعوا عن إيمانهم أمامَ الحُكّام... وها هم بدورهم يعيشون بالجماعة فكانوا كُلُّهم قلباً واحداً يجتمعون لكسر الخبز "والصلاة" وكلٌّ يخطب بدوره أمام الجموع الفقيرة وكانوا يشفون المرضى وعرفوا أنهم يكوِّنون معاً جسد المسيح الفاعل أي الكنيسة التي أسّسها يسوعُ وسبَق ورأى نشأتها ومهّدَ لها بواسطة الرسل في أثناء حياته معهم على هذه الأرض، والكنيسة مفوّضَةٌ لحمل الملكوتِ والشهادة لَه وكلُّ إنسان له دوره في إنماء الكنيسة وعيش المحبّة والمساهمةِ في نموّ جسد المسيحِ السّري الذي لا نستطيع فهمَه إلاّ من خِلال أعمالِ الرسل.
الفصل الثالث والثلاثون
أعمال الرسل
والتعليم المسيحي في سوريا
الأخت ايلين كريّم من راهبات البزنسون

المقدمة:
أولاً: أتحدث عن مكانة أعمال الرسل في كتب التعليم المسيحي المُستعملة في المدارس الرسمية والخاصة وفي المراكز الرعوية.
ثانياً: أهمية أعمال الرسل في التربية المسيحية.
أ- الثوابت في الإيمان
ب- مقارنة بين اسلوب بطرس وأسلوب المربي المسيحي.
ثالثاً: الخاتمة والتمنيات.
أعمال الرسل هي نموذج للحياة الرعوية التي عاشها المسيحيون الأولون والتي تبقى أساس برنامج حياتنا الكنسيّة. حتى يومنا هذا تستمدُ الكنيسة من روحانية أعمال الرسل المُحتوى والطريقة لمنح المؤمنين الغذاء الروحي الضروري لمسيرتهم الإيمانية نحو تحقيق ملكوت الله:
- "كانوا يواظبون على تعليم الرسل والمُشاركة وكسر الخبز والصلوات" (2: 42-47). وما يتعلق بموضوعنا اليوم "التعليم المسيحي وأعمال الرسل". فسفُر أعمال الرسل نموذج تربوي -تعليمي- وتعبيري للقاءتِنا في إعلان الكلمة التي نُحاول أن نعيشها لإيصالها للذين يتوقون لسماعها وينتظرون أن نُعلنها في كل زمان ومكان، في وقتها وغير وقتها. كما يقول القديس بولس.
أولاً: مكانة أعمال الرسل في كتب التعليم المسيحي في مرحلتي الأعدادي والثانوي.
- هذه الكتب وضعتها لجنة مؤلفة من ممثلي جميع الطوائف المسيحية بتكليف من وزارة التربية وإشرافها. وقد بدأت أعمالها سنة 1967 واستمر صدور كتُبها حتى عام 1982. وكان آن ذاك أمين السرّ المعتمد في تلك اللجنة الأب فكتور شلحت اليسوعي.
المرحلة الأعدادية تُغطي بسنواتها الثلاث أحداث ووقائع أعماله الرسل بكاملها ونخص بالذكر ما يلي:
- خبرة الرسل مع يسوع التي توضحت على ضوء القيامة بعد حلول الروح القدس.
- خطب بطرس الرسولية جميعها وما تتضمّنه من الدعوة إلى تعرف الإيمان بيسوع القائم، الإعتماد وحياة الجماعة المسيحية الأولى، مجمع أورشليم وانفتاح الكنيسة على الوثنيين.
- سيرة بولس- اهتداءه- اسفاره ورحلاته الأربع مع رسوم وخرائط.
ولا داعي إلى الإسترسال في عرض تفاصيل ما يتعلق في كتب مرحلة الأعدادي بما جاء في سفر أعمال الرسل.
ولكن لا بُدَّ أن أَذكر أن الفصول المتعلقة بالأسرار في الثالث الأعدادي مُشبَّعة بإستشهادات مُستمدَّة من أعمال الرسل. مثلاً التوبة التي تسبق المعمودية (2: 38) التحضير للمعمودية كما فعل فيليبس مع الوزير الحبشي (8: 26- 39). اعطاء الروح القدس بسر التثبيت (8: 14). توزيع الوظائف لخدمة الكنيسة- اختيار الشمامسة السبع، وتعرُض هذه الكتب سِير القديسيين الأوائل نذكر منهم ما يردُ ذكرُه في الأعمال كسيرة بولس وبطرس واستشهاد اسطفانوس.
أمّا في المرحلة الثانوية فلم يرد ذكر لأعمال الرسل إلاّ بشكل عابر: عمل الروح القدس في الكنيسة: (رحلة بولس وبرنابا) وهناك أيضاً مواضيع تدخُل في صُلب أعمال الرسل: انطلاقة الكنيسة يوم العنصرة إنتشارُها في العالم (14: 24- 28).
إهتداء القديس بولس- تأسيس الجماعات المسيحية من خلال رحلاته وأسره (28: 30- 31).
الكتب المتبعة في المراكز فهي:
- سلسة كتب جمعية حلب للتعليم المسيحي.
- كتاب "الانجيل كنزنا": للصف الثاني- اصدار لجنة التربية المسيحية في دمشق.
- كتاب "يسوع" للصف الثالث "وانتم نور العالم" للصف الخامس للأب جاك الكبوشي في دير الزور.
- "يسوع صديقنا ومعه نسير"، عرّبه الأب كميل حشيمة.
- "اتعرف إلى يسوع" للصف الأول الاعدادي. من اعداد لجنة التربية المسيحية في سوريا.
لا تحتل أعمال الرسل مركز الصدارة في هذه الكتب. إنما تتضمن بعض النقاط: العنصرة- عمل الروح القدس في الكنيسة- سر المعمودية- حياة الجماعة الأولى- كسر الخبز (الافخارستيا).

كلمة تقييمية:
بعد هذا العرض الموجز وانطلاقاً من خبراتنا في الحقل التعليمي نُقيّم بكلمة مضمون ومنهج الكتب الرسمية الموحدة والمقررة في جميع المدارس. من الناحية العقائدية، لا ينقُصها شيء، فهي كاملة.
أمّا من الناحية الروحية والحياتية، فهي تحتاج إلى اسلوب حيوي تطبيقي، ذلك بأنها غالباً ما تقتصر على سرد معلومات تحتاجُ إلى توضيح وشرح، إذ تبدو هذه الكتب وكأنها موجهة إلى المعلمين أكثر منهم إلى التلاميذ.
يُضاف إلى ذلك أن معظم المعلمين في المدارس الرسمية في سوريا غير مؤهلين ويملأن نصابهم بساعات إضافية في التعليم الديني.
(فمن المفضل ان يكون هناك كتاب للتلميذ وآخر للمعلم). بالإضافة إلى التعليم المسيحي في المدارس تهتم الكنيسة أيضاً بالتربية المسيحية في مراكزها الرعوية في جميع الأبرشيات. والقائمون على هذه المراكز من كهنة وراهبات وعلمانيين مُؤهلين يحُاولون ان يُكمِّلوا ما ينقص في المدارس أي التطبيق الحياتي وإستعمال الوسائل التربوية الفاعلة (M. Active)
ومن الجدير بالذكر أنه تُقام في مختلف المناطق دورات تدريبية للتعليم المسيحي لتكوين المربين وغالباً ما تدور حول أعمال الرسل ولاسيّما أعمال بولس وبطرس.
ثانياً: أهمية أعمال الرسل
في التربية المسيحية (اتحدث عنها انطلاقاً من خبرتي) من خلال تعمقنا بسفر أعمال الرسل نستطيع أن نأخذ بعض الثوابت في المضمون وفي الطريقة، التي تبقى صالحة لكل زمان ومكان في التعليم المسيحي.
أ- الثوابت في الإيمان.
ب- الطريقة المُشبعة عند الرسل من خلال نشأة الكنيسة وبشكل خاص في الخطب.
أ- الثوابت في الإيمان:
الثابت الأساسي لمسيرة الكنيسة هو حضور يسوع الدائم ولو كان بطريقة مختلفة عن قبل الموت والقيامة.
يسوع هو محُرك ومحيي الكنيسة بقوة الروح وهو الذي يدفعُها دائماً للنمو بسِّر محبته ونشر ملكوته.
علامات وثمار هذا الحضور الدائم للمسيح كثيرة في أعماله الرسل وأيضاً في أيامنا هذه، إنه الحي في قلب حياتنا الرسولية، إنه الشمس التي لا تغيب، لكن الأهم: هو كيفية مساعدة الطلاب في التربية المسيحية ليكتشفوا كجماعة وكأفراد علامات هذا الحضور ويتفاعلوا معه.
ب- هدف التربية المسيحية
* لإعلان الكلفة علينا ان نساعد كل شخص على ان يلتقي شخصياً بالمسيح، ولا يبقى يسوع صورة خيالية كساحرٍ يشفي أو كفيلسوف يطرح مبادىء للتفتيش عن الحقيقة ولا يجب ان يكون كمُصلح اجتماعي أو أخلاقي ولا حتى نبي يدافع عن الحقيقة وصوته يختفي بعد الموت، انه الحياة فينا، هو الحقيقة في أعماق أعماقنا.
هدف التربية المسيحية إذاً هو مُرافقة الطالب لكي يتعرَّف إلى يسوع من خلال الكتاب المقدس، يكتشف حضوره من خلال حياته وحياة الكنيسة ويختبر سّر بنوّته بالله ضمن الجماعة المسيحية حتى يكتسب قناعاته من خلال هذه المسيرة.
* نستخلص من أعمال الرسل بعض العناصر التي تساعد الطالب المسيحي كي يكتشف حضور الله ليعيش حياته المسيحية:
* جماعة تصلي وتنتظر: 1: 14 و2: 4-24.
* جماعة تسمع الكلمة وتواظب على التعليم وكسر الخبز (الافخارستيا).
* خطب بطرس وبولس واسطفانس التي هي تعليم مباشر وتفسير حول بُشرى الخلاص للشباب بشكل خاص ولكل المؤمنين.
* هدفنا في التربية المسيحية، وفي لقاءاتنا مع الشبيبة: ايصال الكلمة لتُعاش ضمن جماعات.
ب- مقارنة بين أسلوب بطرس وأسلوب المربي المسيحي:
الطريقة المُتَّبعة عند الرسل هي أيضاً طريقتنا التربوية في إعلان البُشرى:
من خلال الخطب نستشِّف بعض الطرق لإيصال الكلمة.
سأركز على خطبة بطرس الأولى، وأقارن بين أسلوبه واسلوب المربي المسيحي في إحياء اللقاء الديني.
اسلوب بطرس في اعلان اسلوب المربي المسيحي في
البشرى يوم العنصرة احياء اللقاء الديني
1- المُعجزة التي جرت على 1- يبحث المربي عن نقطة
أيدي الرسل يوم العنصرة انطلاق (حدث معينّ) تجعل الشباب
تركت تساؤلاً لدى المستمعين لهم، (أو الأولاد) يتساءلون عن فحوى
فالبعض نظر باندهاش: ما يريد أن يُوصله لهم عن
"ما معنى هذا؟" والبعض الآخر المسيح، فينظرون باندهاش.
نظر بسخرية "انهم سُكارى".
2- أسْتغلَّ بطرس الاندهاش 2- ينطلق المربي من تساؤلات
ومواقفهم من الرسل ليُعلن لهم وحاجات الشبيبة الداخلية ليجذبهم
قيامة المسيح. للتفتيش عن الحقيقة ومن خلال
"المسيح الذي صلبتموه هذا اللقاء يخلُق فيهم حُب
قد أقامه الرب" اللقاء بشخص يسوع الذي ينتظرهم.
3- انطلق بطرس من فهم اليهود 3- ينطلق المربي من واقع الحياة
وتعلقهم بأقوال الأنبياء الإجتماعية والعلمية وخبراتهم
(يوئيل وداود) ليُعرِّفهم بيسوع الشخصية لكي يوصل إليهم "كلمة الحقيقة".
4- إستطاع بطرس ان يربط 4- يحاول المربي ان يربط بين
بين المسيح المنتظر ويسوع حياة الشاب: تمنياته وتطلعاته
الناصري محقق الوعود. وبين لقائه بيسوع (اي الإيمان).
ما لا يستطيع ان يتممه، يتممه
بقوة يسوع.
"حينئذ لتكن لكم الحياة وتكون بوفرة".
5- كلمة بطرس كان لها صدى كبير في قلوب 5- التطبيق الحياتي:
المستمعين سائلين: العودة إلى الواقع
"ماذا علينا أن نفعل؟" (نظرة يسوع).
عندها طرح عليهم بطس امكانية المربي يوجه الطلاب كي يأخذوا القرارات
تغيير حياتهم والدخول في الجماعة. العملية بكل حُرية لتجسيد الكلمة
"توبوا وآمنوا". في حياتهم اليومية.
الطريقة التي تؤثر اكثر في قلوب الطلاب هي شهادة المربي المسيحي.
فبقدر ما يسعى المربي في حياته الشخصية ان يعيش ما يُريد إيصاله للطالب بقدر ما تكون شهادته مُثمرة فيعكس الإنجيل من خلال أقواله وتصرفاته الشخصية.

تمنيات ختامية
فاليوم نحن بأقصى الحاجة ان نتجنَّد جميعنا من إكليريكيين وعلمانيين لإعطاء هذا العمل الرسولي حقَّه في حياتنا الكنسيّة.
ولنا امنية ثانية ان يدخل سفر أعمال الرسل وما يتضمنه من موضوعات إيمانية وحياتية ورعوية في مناهج التعليم الديني في مراكزنا الرعوية والكنسيّة، لان أعمال الرسل هي برنامج حياة فمن يتعمق بوقائعها تتغيرّ حياته ويندفع إلى التوبة والإيمان بيسوع المسيح والإلتزام الرسولي.
الفصل الرابع والثلاثون
تفسير الكتاب المقدس في الكنيسة
الخوري نعمة الله خوري

مقدمة
استقبل قداسة البابا يوحنا بولس الثاني في 23 نسان 993 1 اعضاء اللجنة البيبلية الحبرية بمناسبة مرور مئة سنة على إصدار رسالة الحبر الأعظم البابا لاون الثالث عشر: العناية الإلهية؛ ولمناسبة مرور خمسين سنة على إصدار رسالة الحبر الأعظم البابا بيوس الثاني عشر: فيض الروح القدس. وفي هذه المناسبة اعلن الحبر الأعظم البابا يوحنا بولس الثاني عن ظهور وثيقة مهمة عن اللجنة البيبلية الحبرية حول: "تفسير الكتاب المقدس في الكنيسة" وقد طبع نصّ هذه الوثيقة في روما في 18 تشرين الثاني 1993. تتألف اللجنة البيبلية الحبرية من اختصاصيين يعون مسؤوليتهم الكنسيّة ويتخذون مواقف محددة وهم يتمتعون بدعم الكنيسة.

القسم الأول: طرق ومقاربات لتفسير الكتاب المقدس
أولاً- الطريقة التاريخية النقدية
إنها الطريقة الضرورية لدراسة معنى النصوص القديمة دراسة علمية.
هذه الطريقة هي تاريخية ليست فقط لانها تدرس نصوصا قديمة وتدرس معناها التاريخي وحسب، بل لانها توضح المسار التاريخي لتكوين النصوص (القراءة التفصيلية) أثناء المراحل المختلفة لظهورها. تتوجّه النصوص البيبلية إلى عدة مجموعات من المستمعين الذين عاشوا في حقبات تاريخية مختلفة.
انها طريقة نقدية لانها تعتمد على مبادىء علمية موضوعية قدر الامكان حتى يستطيع القارىء المعاصر أن يفهم معنى النصوص البيبلية والذي غالباً ما يكون صعباً.
أ- هذه الطريقة تستند إلى شهادة المخطوطات الأكثر قدماً والأفضل شهادة وعلى أوراق البردي والترجمات القديمة وشهادة أباء الكنسة.
ب- إن وجود التكرار او الاختلاف في النصوص يبرهن ان بعض النصوص دوّنت في حقبات زمنية مختلفة مما يؤدي إلى نسبتها إلى عدة مصادر.
ج- اخيراً تنتهي هذه الطريقة بشرح النصّ بحدّ ذاته (القراءة الاجمالية) بواسطة العلاقات المتبادلة بين مختلف عناصره وباعتباره يحمل رسالة موّجهة من الكاتب إلى معاصريه. هكذا يُوضح النقد الأدبي المعنى التاريخي للنصّ بعبارة مفهومة من ابناء عصرنا.
لتقييم هذه الطِريقة، من الممكن الاعتبار انها طريقة موضوعية علمية فتحت مجالاً جديداً لتفسير الكتاب المقدس، وقد اضافت إلى اهتمامها بتاريخ تكوين النصوص (القرْاءة التفصيلية) اهتماماً بمعنى النصوص (القراءة الاجمالية). ولكن هذا التوّجه إلى درس عناصر النصّ لا يجب ان ينسيها اهتمامها بتاريخية النصّ. هذه الطريقة إلى جانب طرق اخرى في الشرح تمكّن القارىء المعاصر من أن يفهم معنى نصوص الكتاب المقدس. 
ثانياً- طرق جديدة للتحليل الأدبي
1- الطريقة البلاغية
تعلّم هذه الطريقة الجديدة في تحليل الكتاب المقدس ان عدة نصوص بيبلية هي نصوص تحاول للاقناع، لذلك يجب اللجوء إلى الطريقة البلاغية لفهم هذه النصوص. كل خطاب يتضمّن ثلاثة عناصر: الخطيب، الخطاب، المستمعين.
أ- ان الطريقة البلاغية القديمة تميّز ثلاثة عناصر الاقناع لشرح نوعية الخطاب: سلطة الخطيب، التحليل الذي يعتمده الخطاب، المشاعر التي يثيرها لدى المستمعين.
ان تعددية المواقف والمستمعين تؤثّر بشكل ملحوظ على طريقة الكلام.
ب- ان الطريقة البلاغية الجديدة تدرس لماذا استعمال هذا النوع المحدد من الكلام هو نافع ويؤدي إلى الإقناع. إنها طريقة واقعية تدرس الأسلوب وطريقة الكتابة بصفتهما وسيلتين تؤثران على المستمع.
لتقييم النظرية، يمكن القول انها تكتفي بان تكون وصفية وغالباً ما تكون نتيجتها اسلوبية. انها طريقة اجمالية لا يمكنها لوحدها ان تكون طريقة مستقلة مكتفية بذاتها، اننا لا نعلم اذا كان مؤلفو الكتاب المقدس ينتمون إلى أوساط مثقّفة ولا نعلم إلى أي حد استعمل هؤلاء المؤلفون الطريقة البلاغية في كتاباتهم.
2- الطريقة السردية
ان العهد القديم يعرض تاريخ الخلاص وقد اصبحت رواية هذا التاريخ جوهر اعتراف الإيمان والليتورجيا والتعليم الديني. من ناحيتها تتضمّن الكرازة المسيحية الأولى رواية حياة وموت وقيامة المسيح، كما أنّ التعليم الديني يظهر بشكل روائي (1 قو 11: 23-25).
ان طرق التحليل هي متعددة. بشكل عام تعرض الطريقة السردية النصّ الذي تعالجه بطريقة روائية حتى يدخل القارىء في عالم النصّ. هذه الطريقة تركّز الإهتمام على عناصر النصّ، على الأشخاص وعلى وجهة نظر الكاتب.
تميّز بعض طرق التحليل السردي بين الكاتب الحقيقي والكاتب الضمني وبين القارىء الحقيقي والقارىء الضمني.
ان الكاتب الحقيقي هو الذي الّف النصّ، أما الكاتب الضمني فهو صورة الكاتب التي يخلقها النصّ تدريجياً اثناء قراءة النصّ (ثقافته، ميوله، إيمانه...). إن القارىء الحقيقي هو من وصل إليه النصّ بدءاً من المستمعين الأولين للبشارة وصولاً إلى القرّاء والسامعين في أيامنا هذه. أما القارىء الضمني فهو الإنسان القادر ان يتغيرّ ذهنياً وعاطفياً ليدخل في عالم النصّ فيتطابق مع وجهة نظر الكاتب الحقيقي من خلال الكاتب الضمني.
هذه الطريقة تستنتج من النصّ تعليماً عملياً ورعوياً. لذلك تحاول الطريقة السردية ان تضع النصّ في أطر تاريخية جديدة لفتح الطريق أمام فاعلية النصّ للخلاص. لذلك نقدّم رواية الخلاص والرواية في سبيل الخلاص.
لتقييم هذه النظرية، من الممكن الإعتبار انها مفيدة لانها تتطابق مع عدد كبير من النصوص البيبلية وتسهّل العبور من معنى النصّ في إطاره التاريخي (كما تحاول توضيحه الطريقة التاريخية النقدية) إلى وقع النصّ على القارىء اليوم. لكن التمييز بين الكاتب الحقيقي والكاتب الضمني يزيد مشاكل التحليل تعقيداً. ان دراستها الإجمالية للنصّ يجب تكملتها بدراسة تفصيلية.
3- الطريقة الرموزية
أول من وضع مبادءها هو اللغوي فرديناد دي سوسور الذي اعتبر ان كل لغة تحتوي على مجموعة علاقات تخضع لقواعد محددة. طوّر العالم الجيدراس جريماس هذه الطريقة وجعلها ترتكز على ثلاثة مبادىء اساسية: 
أ- مبدأ الملازمة: كل نصّ يشكّل وحدة متكاملة، الدراسة تعالج النصّ بحد ذاته دون العودة إلى معطيات خارجية كالكاتب والأشخاص الذين يتوجّه إليهم النصّ والأحداث المروية وتاريخ كتابة النصّ.
ب- مبدأ تركيب النصّ: هناك علاقة بين مختلف عناصر النص.
ج- مبدأ قواعد النصّ: كل نصّ يخضع لقواعد محددة.
لتقييم هذه النظرية، من الممكن الإعتبار أن هذه الطريقة القت الضوء على ان كل نصّ بيبلي هو وحدة متكاملة يخضع لقواعد لغوية محددة. هكذا نستطيع ان نفهم الكتاب المقدس لإنّه كلام الله يعبرّ عنه كلام البشر. ولكن يجب ان تنفصل هذه الطريقة عن المبادىء الفلسفية وخاصة البنيانية، فالكتاب المقدس هو كلام عن الواقع اوحى به الله في تاريخ، لذلك يجب ان تنفتح هذه الطريقة على التاريخ.
ثالثاً- مقاربات مرتكزة على التقليد
أ- المقاربة القانونية
نشأتْ فيْ الولايات المتحدة منذ عشرين عاماً. انها تعتبر الكتاب المقدس ككل. تتم دراسة كل نصّ بيبلي على ضوء قانون الكتب، ان الدراسة النقدية تعترض على الافراط في اعطاء القيمة لكل ما هو اصلي واوّلي. الكتاب الملهم الذي عرفته الكنسة كقاعدة إيمان وعاشته في هذا الإطار يمكن التشديد على الشكل النهائي الذي يوجد فيه النصّ.
لتقييم هذه النظرية، يمكن القول انها يجب ان تأخذ بعين الإعتبار ان القانون اليهودي للكتب المقدسة يختلف عن القانون الذي تعترف به الكنيسة والذي يتضمّن الكتب القانونية الثانية. فإذا كانت مجموعة الكتب مختلفة، فالتحليل القانوني لا يمكن ان يكون متطابقاً. من ناحية اخرى، الكنيسة تقرأ العهد القديم على ضوء الحدث الفصحي (موت وقيامة المسيح) الذي يعطي المعنى النهائي للكتب. غير ان فهم الكتب على ضوء الحدث الفصحي لا يجب ان ينتزع الشرح الذي سبق حدث الفداء بل يجب احترام كل حقبة في تاريخ الخلاص: إذا عرمنا العهد القديم من مضمونه نحرم العهد الجديد من تعمقّه في تاريخ الخلاص.
2- المقارنة بالعودة إلى التقاليد اليهودية للتحليل
يستعين الشرّاح اليوم ببعض المراجع اليهودية لفهم العبارات والنصوص الغامضة والكلمات النادرة والصعبة، ونجد مراجع إلى هذه الكتب اليهودية في تحاليل الشّراح ولكن يجب الإنتباه: ان الشّراح اليهود يتكلمون عن ديانة الشعب اليهودي وطرق ممارستها. أما الشّراح المسيحيون، فالأساس بالنسبة إليهم هو الإيمان بيسوع المسيح القائم من الأموات.
رابعاً- المقاربة بواسطة العلوم الإنسانية
1- المقاربة السوسيولوجية: تدرس كيفية انتقال الشعب اليهودي من النظام القبلي إلى النظام الملكي وكيفية التحوّلات الاقتصادية والعسكرية والسياسية. ولكن لا يمكننا الوثوق بهذه الدراسات دون تحفّظ لان النصوص البيبلية لا تعطي شرحاً وافياً لهذ المواضيع بشكل يمكّن الشّراح من الحصول على رؤية شاملة وموضوعية.
2- المقاربة الانتروبولوجية: تعالج هذه المقاربة اللغة، الفن، الديانة، الثياب، طرق التزيين، الأعياد، الرقص، الخرافات. في هذا المجال نجد ما يميّز الإنسان في محيطه الإجتماعي خاصة ميزات الإنسان الذي عاش في محيط البحر المتوسط: هل عاش في محيط قروي ام مدني، كرامته، تقاليده، طريقة تربية العائلة، المنزل، القربى، وضع الزوجة، طريقة التجارة، الملكية، الحرية، العبودية...
3- المقاربة البسيكولوجية: يقول علماء النفس ان الدين هو في صراع مع اللاوعي، هو يوجّه بطريقة غير مباشرة شهوات الإنسان ورغباته وطموحاته. في هذا الإطار حاول الشرّاح ان يوضحوا معنى طرق العبادة، الذبائح، الممنوعات، وحاولوا ان يشرحوا الكلام الرمزي للبيبليا والطابع التشبيهي للمعجزات. لكن إذا كان عالم النفس ملحداً، لن يستطيع أن يفهم معطيات الإيمان. فلا يجب بالتالي أن يلغي علم النفس حقيقة الخطيئة والخلاص.
خامساً- المقاربات السياقية
1- المقاربة التحريرية: نشأ لاهوت التحرير في أوضاع اجتماعية وسياسية واقتصادية صعبة خاصة في اميركا اللاتينية حوالي سنة 1970 نتيجة حدثين هامين: المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني الذي وجّه العمل الرعوي في الكنيسة نحو حاجات العالم الحالي. الإجتماع العام لاساقفة اميركا اللاتينية في مدلين سنة 1968 الذي طبّق تعاليم المجمع لحاجات اميركا اللاتينة. حسب هذه المقاربة. تتمّ قراءة موجّهة للبيبليا في سبيل حاجات الشعب: فبدلاً من القراءة الموضوعية للنصّ، نجد قراءة تغذي حاجات الشعب في صراعه الطبقي لتغيير بنية المجتمع. اهم مبادئها ان الله حاضر في تاريخ الشعب للانقاذ، انه إله الفقراء، لا ينصر الظالم ضد المظلوم. في هذا الاطار اصبحت جماعة الفقراء هي التي تتقبّل الكتاب المقدس لأنه كلام تحرير.
غير ان هذه القراءة لها مخاطرها: بما انها مرتبطة بحركة سياسية تتطور فملاحظاتها هي مؤقتة وآنية. فالإلتزام الإجتماعي والسياسي ليس وحده هدف شارح الكتاب المقدس وعلى هذه المقاربة ان تبتعد عن المبادىء التي طرحها كارل ماركس في صراع الطبقات.
2- المقاربة المرتبطة بتحرير المرأة: بدأ بعض الشّراح يطبّقون بعض مبادىء تحرير المرأة على الكتاب المقدس للحصول على حقوق المرأة.
هناك ثلاثة توجّهات:
أ- توجّه اصولي: يرفض سلطة الكتاب المقدس نهائياً لانه مكتوب بايدي الرجال ليسهّل سيطرة الرجل على المرأة.
ب- توجّه معتدل: يقبل بالكتاب المقدس شرط ان يعترف بحقوق الضعيف وخاصة المرأة.
ج- توجّه نقدي: يحاول إيجاد دور المرأة الإيجاب في حياة البشارة الرسولية وفي كنائس القديس بولس، قد تكون المساواة كانت سائدة انذاك.
سادساً- القراءة الأصولية
الكتاب المقدس هو كلام الله وهو معصوم عن الخطأ. يجب ان يقرأ حرفياً دون محاولة فهم النصّ بالعودة إلى تاريخ النصّ وطريقة تطوره. نشأت هذه المحاولة في زمن التجديد البروتستانتي كردّة فعل ضد الشرح الحر غير المقيّد.
حدّد الشرّاح البروتستانت المحافظون خمسة مبادىء اصولية: عصمة الكتاب المقدس، الوهية المسيح، ولادته من مريم البتول، عقيدة التكفير، قيامة الأجساد عند مجيء المسيح الثاني. هذه الطريقة لها اوجه ايجابية، غير انها تخضع لايديلوجية غير بيبلية وتفرض قراءة اصولية للكتاب المقدس ترفض كل بحث علمي ونقدي.

القسم الثاني- مسائل هرماناوية (تفسيرية)
اولاً- الهرماناوية الفلسفية
ظهرت بعض النظريات الفلسفية التي لاحظت المسافة التي تفصل بين عالم القرن الأول والقرن العشرين. حاول بعض الفلاسفة الوصول إلى الحقيقة التي يعبرّ عنها الكتاب المقدس إلى الإنسان المعاصر بالإستناد إلى بعض الفلسفات الوجودية كفلسفة هايدغير. هذا التفسير للكتاب المقدس له فائدة، لان الكتاب المقدس هو كلام الله موجّه إلى الناس الذين يعيشون في عصور مختلفة، كل نظرية تسهّل تأوين الكتاب المقدس لتغذية حياة المؤمنين هي مفيدة.
لكن يجب الإنتباه إلى ان بعض الطرق التفسيرية الفلسفية هي غير ملائمة لشرح الكتب المقدسة لانها مرتبطة بنظرية فلسفية محدّدة.
ثانياً- معنى الكلام الموحي
ان شراح الكتاب المقدس في القرون الأولى للمسيحية ميّزوا بين المعنى الحرفي والمعنى الروحي للنصّ. أما في القرون الوسطى فقد ميّز الشّراح داخل المعنى الروحي ثلاثة اوجه مختلفة: الحقيقة الموحاة، طريقة التصّرف، التحقيق النهائي.
إزاء هذه التعددية في المعاني، اعتمدت الطريقة التاريخية النقدية معنى وحيداً للنصّ.
1- المعنى الحرفي
يجب التمييز بين حرفي وحرفاني الذي يترجم النصّ كلمة كلمة. حين يعتمد النصّ التشبيه لا يجب اخذ تعليم النصّ على حرفيته: لتكن اوساطكم مشدودة (لو 12: 35) يعني الإستعداد.
ان المعنى الحرفي للكتاب المقدس هو الذي عبرّ عنه الكتّاب الملهمون من الروح القدس. هذا المعنى يريده الله الكاتب الأساسي. يمكننا ان نحدده بعد دراسة عميقة للنصّ من خلال وضع هذا الأخير في إطاره التاريخي والنقدي.
هل المعنى الحرفي هو وحيد؟ بشكل عام نعم. ولكن الكاتب الملهم يمكنه ان يعطي عدة مستويات في تعليمه ويزخر الإنجيل الرابع بالأمثلة. 
من ناحية اخرى، حتى لو كانت العبارة تحمل معنى واحداً، فإن الوحي الإلهي يعطي العبارة معنى آخر. هذا هو الحال في كلام قيافا (يو 11: 50): انه تعبير سياسي مستند إلى حساب غير اخلاقي وفي الوقت عينه يتضمن وحياً إلهياً. هذان الوجهان ينتميان كلاهما إلى المعنى الحرفي. ويجب الإنتباه إلى الوجه الديناميكي لبعض النصوص: فالمزامير الملكية لا تقتصر فقط على الظروف التاريخية التي كتبت فيها حين تكلّم المزمور عن الملك، لقد اعطى صاحب المزمور الرؤية المثالية للملوكية بتطابق مع تصميم الله بشكل يجعل نصّه يتجاوز العرش الملكي التاريخي الذي يتحدث عنه.
2- المعنى الروحي
انه المعنى الذي يحتويه النصّ حين نقرأه تحت تأثير الروح القدس على ضوء الحدث الفصحي؛ العهد الجديد هو إتمام النبواءات: (كلام ناتان لداود عن ملك يدوم إلى الأبد يطبّق على المسيح القائم من الأموات).
يجب التمييز بين المعنى الروحي وبين الاستنتاجات الشخصية التي يوجهها الخيال او التفكير الشخصي.
إن القراءة الروحية التي تتم بين الجماعة او شخصياً لا يمكنها ان تكتشف المعنى الروحي الحقيقي إلا إذا رُبط النصّ بمعطيات واقعية ليست غريبة عنه. في هذا الإطار يجب وضع ثلاثة مستويات: النصّ البيبلي، الحدث الفصحي، الظروف الحالية للحياة في الروح. لقد حاول الشّراح القدماء إيجاد المعنى الروحي في أدق التفاصيل الواردة في العهد القديم وهذه الطريقأ غير مقبولة.
غير انه يوجد الوجه المثالي وهو ما تكشفه النصوص البيبلية نفسها: آدم صورة المسيح (روم 5: 14) الطوفان صورة المعمودية (1 بط 20:3-21)
3- المعنى التام
إنه معنى اعمق من النصّ يريده الله ولكن لا يعبرّ عنه الكاتب الملهم؛ نلاحظه حين ندرس النصّ على نور نصوص اخرى استشهدت به. ان متى 1: 23 يعطي المعنى التام لنبوءة اشعيا 7: 14 الذي يتكلم عن امرأة صبية ستحمل، وقد استعان متى بالترجمة السبعينية التي تكلّمت عن برثينوس (عذراء) ستحمل.
إن تعليم اباء الكنيسة وتعليم المجامع يعطي المعنى التام لتعليم العهد الجديد عن الله الآب والابن والروح القدس.
إن تحديد الخطيئة الأصلية الذي قدمه المجمع التريدنتيني يعطي المعنى التام لتعليم بولس في روم 5: 12- 21.
بإختصار ان المعنى التام هو طريقة اخرى تعبر عن المعنى الروحي للنصّ، حيث يتميّز المعنى الروحي عن المعنى الحرفي.
ان مبدأ المعنى التام يرتكز إلى ما يأتي: الروح القدس، الكاتب الأساسي للكتاب المقدس، يستطيع أن يوجه الكاتب البشري في اختيار عباراته بطريقة تعبرّ عن حقيقة لا يفهم الكاتب البشري عمق معناها. هكذا يظهر إطار جديد للنصّ، يعطي معاني جديدة كان الإطار الأول للنصّ قد تركها في الظلام.

القسم الثالث: الأبعاد التي تميّز التفسير الكاثوليكي
ان تفسير الكتاب المقدس في الكنيسة الكاثوليكية لا يطمح إلى ان يعتمد طريقة علمية محددة. ان كل الطرق العلمية التي تساعد على فهم معنى النصّ في إطاره اللغوي والأدبي والاجتماعي والديني والتاريخي هي مقبولة.
أولاً- التفسير في تقليد الكتاب المقدس
1- اعادة القراءة: لقد استشهدت الكتب المقدسة المتأخرة بالنصوص التي سبقتها، فأعادت قراءتها على ضوء معطيات جديدة: ميراث الأرض الموعود لابراهيم (تك 15: 7 و 18) اصبح الدخول إلى هيكل الله (خر 15: 17) ثم المشاركة في راحة الله (مز 132: 7-8) ثم الدخول إلى بيت المقدس السماوي (عب 6: 12 و 18- 20).
2- العلاقة بين العهد القديم والجديد: يؤكد كتّاب العهد الجديد ان العهد القديم الموحى من الله يأخذ ملء معناه في العهد الجديد. يقوله القديس بولس: ان المسيح مات من أجل خطايانا، كما جاء في الكتب، ودفن في اليوم الثالث، كما جاء في الكتب (1 كور 15: 3- 5). هذه العبارة هي نواة الكرازة المسيحية الأولى.
ثانياً- التفسير في تقليد الكنيسة
1- تكوين قانون الكتاب المقدس: بعد فترة طويلة من تاريخ شعب الله، حدّدت جماعات العهد القديم الكتب المقدسة التي تتضمن إيمان هذه الجماعات بالله. اضافت الكنيسة إلى نصوص العهد القديم الكتابات التي اعتبرتها حقيقة كتبها الرسل بوحي الروح القدس.
2- تحليل آباء الكنيسة للكتاب المقدس: اهتمّ اباء الكنيسة بتحليل الكتاب المقدس في عظاتهم وتعليقاتهم، وفي النقاشات اللاهوتية حيث كانت العودة إلى الكتب هي الأساس.
ثالثاً- مهمة الشرّاح
1- توجيهات عامة: على الشارح ان يشرح الكتاب المقدس في الكنيسة وان يضع في تصرف الرعاة والمؤمنين الغنى الموجود في الكتاب المقدس. على الشارح ان يستخدم الطريقة التاريخية النقدية، وان يستخدم إلى جانبها الطرق الكفيلة بشرح صحيح للكتاب المقدس، وعلى الشارح ان يوضح المعنى الكريستولوجي للنصوص ومعناها القانوني والكنسي.
2- البحث: ان شرح الكتاب المقدس واسع جداً بشكل لا يمكنه الاقتصار على شخص محدّد بل يجب ان يكون هناك عمل مشترك بين الاختصاصيين في مختلف المجالات.
3- التعليم: ان تعليم الكتاب المقدس هو مهم في معاهد اللاهوت والاكليريكيات. هذا التعليم يجب ان يكون ذا وجهة رعوية في الاكليريكيات دون ان يتخلى عن البعد العلمي. على المعلّمين ان يُفهموا الاكليريكيين انه عليهم ان يوقّروا الكتاب المقدس لانه يستحق القراءة الواعية والموضوعية.
4- النشر: نشر الكتب التي تشرح الكتاب المقدس هي ذات اهمية كبرى. تضاف إلى النشر وسائل الأعلام: الراديو، التلفزيون، الوسائل الالكترونية... بواسطة النشر يستطيع الشرّاح الكاثوليك التعرّف إلى اوساط شرح الكتاب المقدس خارج الكنيسة الكاثوليكية.
رابعاً- علاقة الكتاب المقدس مع اللاهوت العقائدي والأدبي
هناك علاقة وثيقة بين الكتاب المقدس واللاهوت العقائدي والأدبي. قبل البدء بشرح الكتاب المقدس، على الشّراح ان يتعلموا المبادىء اللاهوتية التي تُعلّمها الكنيسة لان الكتاب المقدس هو نصّ موحى من الله، استلمته الكنيسة لتبعث الإيمان وتوجه الحياة المسيحية. بالمقابل، ان عمل الشّراح في حقل الكتاب المقدس يجب ان يُوجّه اللاهوت العقائدي والأدبي.

القسم الرابع- تفسير الكتاب المقدس في حياة الكنيسة
أولاً- التأوين
1- مبادؤه: لقد كُتبت نصوص الكتاب المقدس في ظروف ماضية وبلغة مرتبطة بزمن معيّن. حتى تصبح هذه النصوص مقروءة ومفهومة من ابناء عصرنا، يجب تطبيق هذه النصوص على الظروف الحالية للمؤمنين والتعبير عنها بلغة ملائمة للعصر.
2- الطرق: ان التأوين يستلزم معرفة صحيحة للمعنى الحرفي للنص. ان الإنسان غير المطّلع على طرق شرح الكتاب المقدس، عليه ان يستعين بكتب توجّهه إلى فهم النصوص.
ان تأوين الكتاب المقدس انطلاقاً من الكتاب المقدس هو الطريق الفضلى، خاصة في النصوص التي استعملها العهد القديم نفسه في ظروف جديدة: المن في الخروج (خر 16) وفي سفر الحكمة (16: 20- 29).
ثم استعمل العهد الجديد هذه النصوص في أطر جديدة (يو 6). ان التأوين يجب ان يكون في علاقة مع سر المسيح والكنيسة، فلا يمكننا تأوين طرق التحرير فقط انطلاقاً من نصوص العهد القديم (خر 1- 2، مكابيين).
3- حدود التأوين: يجب الإبتعاد عن القراءات المحفوفة بالمجازفات والنظريات غير الموثوق منها، خاصة التي تستعمل النصّ لغايات ضيقّة (شهود يهوه)، او استعمال العهد الجديد في معنى يغذي مواقف معادية لليهود.
ثانياً- المثاقفة
يجب ان يتوجّه الكتاب المقدس إلى مختلف الحضارات والشعوب في مختلف الأوضاع الإجتماعية والسياسية التي يعيشون فيها.
ان سفر التكوين الذي يتضمّن وعد الله بالخلاص إلى كل قبائل الأرض له بعد شمولي وقد اكّد متى ضرورة تلمذة كل الأمم (متى 28: 18). 
يمكن الوصول إلى هذه الغاية عن طريق الترجمات. هذه الترجمات تغيرّ احياناً بعض المعطيات والرموز لان طريقة التفكير واللغة تختلف من محيط إلى آ خر.
ثالثاً: هناك حاجة ملّحة لاستعمال الكتاب المقدس في الليتورجيا والقراءات الربيّة وفي العمل الرعوي وفي العلاقات المسكونية.
الفصل الخامس والثلاثون
أعمال الرسل
وشهادة الكنيسة في الألف الثالث
المطران كيرلس سليم بسترس
رئيس أساقفة بعلبك وتوابعها
للروم الكاثوليك

يروي الفصل الأول من أعمال الرسل أنّ السيد المسيح من بعد قيامته بقي يتراءى لتلاميذه "مدّة أربعين يوما ويكلّمهم عن شؤون ملكوت الله" (1: 3). وفي ترائيه الأخير لهم قبل إرتفاعه، "سأله المجتمعون قائلين: يا رب، أفي هذا الزمان تردّ المُلْك لإسرائيل؟" (1: 6). بقي السيد المسيح يكلّم رسله، مدة ثلاث لسنين عن ملكوت الله. وبعد هذا كلّه نسمعهم في ترائيه الأخير لهم يسألونه عن الزمان الذي سوف يردّ فيه المُلْك لإسرائيل. ماذا كان جواب يسوع؟ قال لهم: "ليس لكم ان تعرفوا الأوقات والأزمنة التي أقرّها الآب بسلطانه الخاص. بيد أنّكم ستنالون قوة بحلول الروح القدس عليكم، فتكونون لي شهوداً في أورشليم، وفي جميع اليهودية والسامرة وإلى أقاصي الأرض" (1: 6- 8).
يوضح يسوع في جوابه ان ملكوت الله يختلف اختلافاً تاماً عن "مُلْك اسرائيل". ويتضمّن أمرين متلازمين: حلول الروح القدس على التلاميذ والشهادة للمسيح حتى أقاصي الأرض.
إن يسوع قد بشّر في أثناء حياته باقتراب ملكوت الله، وذلك منذ بدء رسالته، وفق ما جاء في الفصل الأول من إنجيل مرقس: "بعد ما ألقي يوحنا في السجن، أتى يسوع إلى الجليل وهو يكرز بإنجيل الله ويقول: لقد تمّ الزمان واقترب ملكوت الله، فتوبوا وامنوا بالإنجيل" (مر 1: 14- 15). هذا الملكوت الذي اقترب بمجيء المسيح تحقق بحلول الروح القدس على التلاميذ. ويتحقق على مدى الزمن بحلول الروح القدس في قلب كل إنسان. إن ملكوت الله الذي بدأ كحبة خردل "يصير شجرة حتى إنّ طيور السماء تأتي وتعشّش في أغصانها" (متّى 13: 32)، عندما يصير كل إنسان ممتلئاً من روح الله ويعمل أعمال الله. ملكوت الله يتحقّق بقدر ما يتألّه البشر. وهذا التأليه ممكن لأن يسوع ابن الله قد أتى إلى العالم. لذلك يرتبط التبشير بملكوت الله بالشهادة ليسوع المسيح: "فتكونون لي شهوداً" (1: 6- 8).
إنّ ملكوت الله قد أتى إلينا في شخص يسوع المسيح ابن الله الذي فيه ملء الروح القدس. لذلك هو "الملكوت نفسه" (Autobasileia) حسب تعبير اوريجانوس. ولذلك نرى أن الكرازة الرسولية تتمحور حول الشهادة ليسوع المسيح. ويمكن اختصارها في النقاط التالية: 1) إن الزمان قد تمّ ونبوءات العهد القديم قد تحقّقت بمجيء يسوع المسيح وبما عمله الله من خلاله في حياته وموته وقيامته؛ 2) إنّ يسوع الذي صلبه اليهود قد أقامه الله، وبهذه القيامة أعلن الله أنّ يسوع هو المسيح المنتظر والربّ والمخلّص؛ 3) إنّ المسيح، بإرساله الروح القدس على التلاميذ، قد أظهر أنّه في مجد الله، وأنّ ملكوت الله يتحقّق على الأرض في الذين ينالون الروح القدس ويعملون أعماله الله؛ 4) إن يسوع المسيح سوف يأتي ثانية ليدين الأحياء والأموات. وهذا القول ليس إنباء بحدث سوف يتمّ في المستقبل بقدر ما هو إعلان للقيمة الإلهية المطلقة لشخص يسوع المسيح وتعاليمه. فمن يؤمن به ويتّحد به ويقبل روحه القدّوس لا يُدان، بل يحصل منذ الآن على الخلاص.
إنّ سفر أعمال الرسل ليس له نهاية. فالآيات الأخيرة منه تتكلّم عن تبشير بولس بملكوت الله وبالربّ يسوع المسيح: "وأقام بولس سنتين كاملتين في بيت استأجره، وكان يقبل جميع الذين يقصدونه، مبشّراً بملكوت الله، ومعلّماً بما يختصّ بالربّ يسوع المسيح، وبكل جرأة وحرّية" (28: 30). وهذا التبشير بملكوت الله وبالربّ يسوع المسيح يستمرّ في الكنيسة منذ ألفي سنة وسيبقى حتى انقضاء الدهر.
وإذا تساءلنا اليوم عن دور المسيحية في العالم، ليس لنا جواب آخر غير هذا التبشير بملكوت الله وبالربّ يسوع المسيح. وهذا ما أعلنه قداسة البابا يوحنا بولس الثاني في رسالة له بعنوان "في مجيء الألف الثالث" (TERTIO MILLENIO ADVENIENTE)، أذاعها في 10 تشرين الثاني 1994 حول الإعداد ليوبيل السنة الألفين لميلاد السيد المسيح ولسّر التجسّد. وقد اختار موضوع هذا اليوبيل: "يسوع المسيح، مخلّص العالم الوحيد في الأمسِ واليوم وإلى الأبد" (رقم 40). ويقول في هذه الرسالة إن هدف اليوبيل هو "تقوية إيمان المسيحيّين وشهادتهم. فيكتشفون أولاً من جديد الكرازة أي تعليم الرسل في شخص يسوع المسيح وسرّه الخلاصي" (رقم 42)؛ ويكتشفون ثانياً "حضور الروح القدس وعمله في الكنيسة" (رقم 45)؛ ومع الإبن وفي الروح "يسيرون معاً إلى بيت الآب الذي يكتشفون كل يوم محبّته غير المشروطة لكلّ الخلائق البشرية وبنوع خاص للإبن الضال" (رقم 49).
إنّ سفر أعمال الرسل الذي تأمّلنا في مضمونه طوال أسبوع قد تابعت الكنيسة كتابته في حضور الروح فيها مدة ألفي سنة. وستستمرّ على كتابته في الألف الثالث. إن دور المسيحية في الألف الثالث يقوم على متابعة عمل يسوع المسيح وعمل الرسل. لقد مات يسوع، حسب قول إنجيل يوحنا "ليجمع في الوحدة أبناء الله المتفرّقين" (يو 11: 52)، "وإذ قد ارتفع بيمين الله، حسب قول بطرس في خطبته الأولى، وأخذ من الآب الروح القدس الموعود به" (2: 33)، أفاضه على التلاميذ. ويدعو بطرس جميع مستمعيه إلى تقبّل هذا الروح: "ليعتمد كل واحد منكم باسم يسوع المسيح لمغفرة خطاياكم، فتنالوا موهبة الروح القدس". ثم يضيف: "لأنّ الموعد هو لكم ولبنيكم، ولجميع الذين على بعد، بمقدار ما يدعو الربّ إلهنا منهم" (2: 38- 39).
دور الكنيسة في الألف الثالث يقوم على متابعة هذا العمل لتوحيد جميع أبناء الله، "القريبين والبعيدين" (راجع أف 2: 13، 17) إلى أيّ شعب انتموا وإلى أيّ دين انتموا، ليكتشفوا معاً محبّة الله الآب للجميع، ويسيروا معاً إلى بيت الآب. دور المسيحية في الألف الثالث يقوم على السعي ليصير البشر كلهم عائلة واحدة بل جسداً واحداً، هو جسد المسيح، ينسم فيه روح واحد، هو روح الله القدّوس. وهكذا يتحقّق ملكوت الله عندما يجتمع كل أبناء الله ليمجّدوا بفم واحد وقلب واحد اسم الله العظيم الجلال، إسم الآب بالإبن وفي الروح القدس. له المجد والعزة والإكرام والسجود إلى الأبد. آمين.