بولس ورسائله

تقديــم
هذا الكتاب هو حصيلة المحاضرات التي تُليت في المؤتمر الكتابي السابع الذي انعقد في سيدة البير، جل الديب، من 21 إلى 26 كانون الثاني 2001. كان عنوانه: بولس ورسائله. وشعاره: نحن سفراء المسيح.
قسّمناه ستّة أقسام، حسب الأيام التي تُليت فيها المحاضرات، من يوم الأحد إلى الجمعة. وحافظنا على توالي المداخلات كما كانت في البرنامج الذي هيّأه الأب ميشال كينال*، الأستاذ في معهد باريس وأحد مدراء القاموس البيبلي. تقرّر موضوعُ المؤتمر بناء على توصية من الحاضرين في المؤتمر الكتابي السادس (24- 30 كانون الثاني 1999)، وإعداد بعيد من المنشّطين في الشرق الأوسط، الذين اجتمعوا في دير الآباء البولسيّين في حريصا، في 17- 19 كانون الثاني سنة 2000. أما التنظيم الأخير، فكان حصّة الرابطة في لبنان، التي قدّمت القسم الكبير من المداخلات.
حضر هذا المؤتمر وفود من السودان ومصر والأردن وفلسطين والعراق وسورية ولبنان. كما جاءنا للمرّة الأولى وفد من إيران. وهكذا تمثّلت كل منطقة الشرق الأوسط وضمّت إليها السودان التي ترتبط بافريقيا، ولكنها شاركت (وللمرّة الثانية) في هذا المؤتمر. وقد تميّز هذا المؤتمر بوجهه المسكوني. فكانت محاضرتان من الكنيسة الأرثوذكسيّة، ومحاضرتان أيضًا من الكنيسة البروتستانتيّة. كانت تلك أمنيتنا منذ المؤتمر الثالث الذي انعقد سنة، 1993 ولكنها لم تتحقّق سوى سنة 2001. فإن كان الكتاب المقدّس لا يجمع المؤمنين من مختلف الكنائس، فما الذي يجمعهم إذن؟
في اليوم الخامس من المؤتمر، شرّفنا أعضاء الهيئة التنفيذيّة في الرابطة الكتابيّة العالميّة، وقد جاؤوا ليهيّئوا الجمعيّة العامة التي ستنعقد في لبنان (سيّدة الجبل، قرب جونية) في بداية شهر أيلول سنة 2002. تكلّم المطران ولهالم إغر*، رئيس الرابطة الكتابيّة، ثم كلارا ماريا دياز**. بدأ المؤتمر مع كلمة للخوري جان عزّام، أمين سرّ اللجنة اللاهوتيّة والكتابيّة في لبنان، وانتهى بنظرة عامة قدّمها المطران كيرلس سليم بسترس، رئيس اللجنة.
شكرنا لله أوّلاً، الذي أتاح لنا عقد هذا المؤتمر، رغم الصعوبات من كل نوع، ولا سيّما على مستوى الاتصالات بين بلد وآخر. وشكرًا لجميع الذي شاركوا فيه، بمداخلاتهم أو حضورهم أو عملهم الخفيّ. وشكرًا لدير سيّدة البير الذي استضافنا في هذا المؤتمركما استضافنا في مؤتمرات خمسة سابقة. وشكرًا لصوت المحبّة وتلفزيون النور***. أما شكرنا الكبير فلمنظّمة الشبيبة النمساويّة**** التي ما كان انعقد المؤتمر لولا مساعدتها الماديّة.
ذاك كان المؤتمر السابع حول بولس ورسائله. يتضمّن المداخلات، كما يتضمّن مقالات أخرى لم تُتلَ فيه. هكذا يغتني الكتاب، لأن بولس أوسع من أن يستنفده مؤتمر أو مؤتمران وثلاثة. من يدري؟ فقد نعود إلى القديس بولس في مؤتمر آخر بعد أن نكون درسنا الأناجيل وبعض أسفار العهد القديم. ونحن منذ الآن نرسل الدعوة إلى مؤتمر ثامن ينعقد في 26- 31 كانون الثاني سنة 2003.
الفصل الأول
رسول ومدينته
بولس وكورنتوس


رسائل بولس صعبة. فجميع المسيحيين الذين حاولوا قراءتها، أو أكثرهم، يفكّرون هكذا. ففكر الرسول يدور ويدور وهو مليء بالافكار المجرّدة التي ليست محسوسة كأفكار الانجيليين الذين يسحروننا مرارًا بحيويّة الحوارات وجمال الأخبار والشعر في الأمثال.
وإحدى الصعوبات الحاضرة هي أن رسائل بولس لا يمكن أن تقطّع بسهولة في متتاليات صغيرة تتيح لنا أن نقرأ فقط بعض الآيات لكي نلج إليها بشكل أفضل. فهي وحدة متواصلة. وكل مرة نقوم بعملية تقطيع في نصوص رسالة بولسية، نحسّ بخيانة للنصّ. وبما أن كل شيء يتماسك، فالمقطع الذي نقرأه خارج سياقه لا يتكلّم طوعًا للقارئ أو السامع. هذا ما نراه بوضوح في الليتورجيا: فإن وضعنا جانبًا بعض المقاطع المشهورة التي تُقرأ في ظروف خاصة، مثل نشيد المحبّة الذي يختاره العديدون في الغرب لقداس زواجهم (1كور 13)، تبقى القراءات الليتورجيّة المأخوذة من رسائل بولس غير مفهومة لدى العامة. ويندر أن يبني المحتفل عظته انطلاقًا من نصّ بولسي.
وهناك صعوبة أخرى نحسّ بها حين نقرأ رسائل مار بولس: نعتبرها مرارًا نصوصًا مجرّدة، لأننا لا نعرف وضع القرّاء. فرسائل بولس تشبه كل الرسائل. فحين نكتب إلى شخص نريد أن نقول له شيئًا يعني حياته، بشكل عام. عرفنا برسالة سابقة أو بواسطة الهاتف، أو وصل إلى مسامعنا خبر فرح أو حزن، أو مسألة تطرح. فأرسلنا الجواب. وحين نقرأ بولس، نشعر أننا لا نعرف على ما يجيب من أسئلة، وهذا ما يزيد الصعوبة في فهمه.
ومع ذلك، فنحن نستطيع أن نحصل على المعلومات. نحصل عليها بوسائل مختلفة: حين نقرأ الرسالة كلها. وهذا ما يعطينا نظرة إجماليّة، فنفهم، انطلاقًا من الجواب، الوضعَ الملموس الذي ردّ عليه الرسول. ونحصل على معلومات بواسطة الاكتشافات الاركيولوجيّة والحفريّات التي تمّت في أماكن أقامت فيها الجماعات التي وجّه بولس كلامه إليها. ذاك هو وضع كورنتوس، حيث جماعة مسيحيّة أسّسها بولس نفسه: نمتلك عنها خبرًا طويلاً في سفر الأعمال، ورسالتين إلى الكورنثيين تضمّان معًا 29 فصلاً (16 في 1كور، 13 في 2كور) ومعلومات أركيولوجيّة مهمّة جدًا.
سأحاول أن أبرز أمامكم العلاقات التي نُسجت بين بولس وجماعة كورنتوس المسيحيّة، في القرن الأول المسيحي، بحيث تدركون أهميّة رسائل بولس وآنيّتها: فهي تتوجّه إلينا الآن، في زمننا الحاضر.

1 - حمل الانجيل إلى كورنتوس
تمّت زيارة بولس الأولى إلى كورنتوس خلال الرحلة الرسوليّة الثانية، حوالي سنة 50. تحدّث عنها أع 18. ونحن نعرف من سفر الأعمال أنها دامت بين سنة ونصف السنة، أو سنتين. وهذه الزيارة محدّدة على المستوى التاريخيّ. لأن نصّ الأعمال يتيح لنا أن نعرف أن قنصل مقاطعة أخائية الرومانية، الذي كان يقيم في كورنتوس، كان في ذلك الوقت غاليون، شقيق الفيلسوف اللاتيني سينيكا، الذي قام بوظيفته من الأول من تموز سنة 50 حتّى ربيع سنة 51. كانت كورنتوس مدينة هامة جدًا بالنسبة إلى التاريخ القديم. كانت في الامبراطورية الرومانيّة، المدينة الثالثة بعد رومة والاسكندرية، فقُدّر عددُ سكّانها بخمسمائة ألف نسمة. ورافق بولس في عمله الرسولي، معاونان هما سيلا وتيموتاوس. كما ساعده في عمل الكرازة زوجان يهوديان يحيكان الخيام: أقام بولس عندهما وعمل معهما. هما أكيلا وبرسكلة. كانا في الاصل، في رومة، فهربا من المدينة الخالدة على أثر قرار أصدره الامبراطور كلوديوس فطرد اليهود من المدينة.
لم تتمّ المناداة بالانجيل بدون صعوبات، في هذه المدينة الواسعة التي اتّخذت وجهًا مسكونيًا بسبب تمازج السكان فيها. والتي اجتمعت فيها جميع نشاطات مرفأ كبير بما فيها المجون والاباحيّة. وأخبر لوقا، صاحب سفر الأعمال، أن اليهود عارضوا بولس. وأن الرسول الذي اتُهم بإثارة القلافل، مثُل أمام المحكمة. وأن أحد رؤساء المجمع، واسمه سوستانيس، الذي اقتنع بكرازة المرسلين المسيحيين، أوسع ضربًا. ومن المعقول، وإن لم يقل النصّ شيئًا بطريقة مباشرة، أن يكون بولس أودع السجن لبضعة أيام على الأقلّ.
ولما انطلق بولس من كورنتوس بعد قرابة سنتين من الزمن، ترك في كورنتوس كنيسة مهمّة على مستوى العدد. ولكنها كنيسة فتيّة وسريعة العطب. وسرعة العطب هذه نكتشفها في المراسلة بين بولس وجماعة كورنتوس. وهي مراسلة تمّت سنة 54- 55، أي 4- 5 سنوات بعد وصول بولس لأول مرة إلى المدينة.

2 - مراسلة غزيرة متنوّعة
يضمّ العهد الجديد رسالتين إلى أهل كورنتوس. ولكن حين نقرأ هاتين الرسالتين، نلاحظ أن تبادل الرسائل بين بولس من جهة، والجماعة المسيحية في كورنتوس من جهة ثانية، كان أوسع بكثير. فيجب أن نعدّ على الأقل أربع رسائل إلى الكورنثيين، ما خلا الرسائل التي كتبها الكورنثيون إلى رسولهم.
حين نطالع 1كور نستطيع أن نقرأ في 5: 9 : ((كتبتُ إليكم في رسالتي بألاّ تخالطوا الزناة)). إذن، سبق لبولس وكتب إلى قرّائه. أين توجد هذه الرسالة؟ لا شكّ في أنها ضاعت. حاول بعض الشرّاح أن يجدوا إما في 1كور أو في 2كور، مقطعًا يتكلّم بشكل واضح عن العلاقة مع الزناة، فيكون حينئذ تلك الرسالة الأولى التي تسبق تلك التي نسمّيها ((الأولى)) إلى كورنتوس. ولكنهم لم يجدوا مقطعًا موافقًا. إذن، ليست 1كور حقًا الرسالة ((الأولى))، بل ((الثانية)). لهذا نسمّيها ((الرسالة ب)) على أن نسمّي الرسالة التي جاءت قبل 1كور وضاعت ((الرسالة أ)).
وبعد ذلك، وإذ نواصل قراءة 1كور، نقرأ في 7: 1 : ((وأما من جهة ما كتبتم به إليّ)). هذا يعني أنه بين ((الرسالة أ)) و ((الرسالة ب))، كتب الكورنثيون إلى بولس، فبدا قسمٌ من 1كور على أنه جواب على أسئلتهم. وهكذا تواصلت المراسلة واغتنت.
وحين نلج نصّ 2كور التي هي الرسالة الثانية ((الرسميّة))، والتي يجب أن لا نسمّيها ((الثانية))، بل ((الثالثة))، نفهم أن بولس يتحدّث عن رسالة أخرى دوّنها ((لئلا يناله، عند قدومه، غمّ ممّن كان ينبغي أن يفرح بهم)) (2كور 2: 3). ويضيف: ((أجل، في كآبة شديدة وكرب القلب، كتبتُ إليكم، في دموع كثيرة)) (آ 4). أية كتابة يعني الرسول؟ هل يعني 1كور؟ كلا، بدون شكّ. ففيها مقاطع قاسية، ولكننا لا نجد أثرًا ((للدموع)). لهذا، يجب علينا أن نفترض ((رسالة ج))، دُوّنت ((وسط دموع كثيرة)). وهذه الرسالة أيضًا، يصعب اكتشافها، رغم محاولات الشرّاح. لهذا نقول إن 2كور هي في الواقع رسالة رابعة ((رسالة د)). وزيادة في التعقيد، تبدو 2كور حين نحلّلها، أنها مركّبة من عدّة عناصر، بحيث نكتشف فيها على الأقل رسالتين: ((رسالة د)) تشمل الفصول التسعة الأولى. و((رسالة هـ)) التي تشمل بأسلوبها المشدود والمتوتّر 2كور 10- 13.
ولكننا لن نتوقّف عند هذه التفاصيل. فمخيّلة الشرّاح واسعة، لكي نجد حلولاً لمسائل تطرحها النصوص. فما أريد أن أقوله هنا هو أنه وُجدت رسائل عديدة توجّهت إلى الكورنثيين: أربع أو خمس رسائل. ووُجدت أيضًا رسائل أرسلها الكورنثيون إلى بولس. وهكذا تواصلت العلاقات بين بولس وجماعة لم تعرف الهدوء كثيرًا. فكأننا أمام قصّة حبّ. ولا ننسى أن أخبار الحبّ تمرّ في تقلّبات عديدة.
ولنتوقّف الآن عند مسألتين محدّدتين طُرحتا على جماعة كورنتوس، وعند ما قدّم لهما بولس من جواب.

3 - الفوضى خلال الاحتفال بعشاء الربّ (1كور 11: 17- 34)
ما صار في الكنيسة القداس أو الاحتفال الافخارستي، كان يُدعى، في زمن بولس، عشاء الربّ. كانوا يتناولونه في بيوت خاصة، لأن الكنائس لم تكن بُنيت بعد. وما كان ينحصر هذا العشاء في احتفال طقسيّ، بل إن الطقس ضُمَّ إلى وجبة طعام حقيقيّة يبارك فيها رئيسُ المائدة الخبز والكأس، على مثال ما فعل يسوع في العشاء السرّي، في مساء يوم الخميس من الاسبوع المقدس. ولكن لم تسر الأمور في كورنتوس، كما كان يجب أن تسير. فكتب بولس في 1كور 11: 17-21: ((هناك أمر لا أمتدحكم عليه: تجتمعون لا لما هو لفائدتكم، بل لما هو لضرركم... فلقد بلغني أولاً أن ما بينكم شقاقات... متى اجتمعتم ليس اجتماعكم لأكل عشاء الربّ. فكل واحد يبتدر إلى تناول عشائه الخاص، فيجوع الواحد فيما الآخر يسكر)).
فما الذي حدث؟ وكيف يمكن وجود مثل هذه الفوضى في جماعة دخل إليها الإنجيل جديدًا؟ إن ما حملته إلينا الاركيولوجيا من معلومات، في هذا المجال، يلقي الضوء على هذا الوضع(1). وهكذا نستطيع أن نعرف الظروف الماديّة التي عاشت فيها هذه الجماعة، فنفهم أن التنظيم المادي فيها جاء مؤاتيًا لمثل هذه الانحرافات: هناك شقاقات وانقسامات. ولا تنتظر فئةٌ الفئةَ الأخرى من أجل الطعام.
في الواقع، وفي غياب الكنائس في ذلك العصر، كانوا يجتمعون في بيوت تخصّ المسيحيين الأغنياء، الذين يمتلكون دارات واسعة تستطيع أن تستوعب عشرات الأشخاص. ولكن عشرات الأشخاص هؤلاء، لا يشكّلون جميع المسيحيين في المدينة: فقد صاروا بضع مئات بعد ثلاث أو أربع سنوات على بداية المناداة بالانجيل. لهذا، يجب أن نكون حذرين حين نتحدّث عن جماعة كورنتوس الواحدة. فهذا الواقع غير موجود. لهذا نقول: جماعات كورنتوس. لأنه كان هناك أكثر من جماعة: تلك التي تجتمع في بيت فلان، وتلك التي تجتمع في بيت آخر... فلا بدّ أن يكون عشرة أماكن مختلفة وموزّعة في مختلف أحياء المدينة. وكل هذا لا يساعد على الوحدة.
ثم إن جمع عشرات الأشخاص في بيت واحد، لا يتيح لربّ البيت أن يجعلهم في قاعة واحدة. نتذكّر هنا أن كورنتوس أعيد بناؤها سنة 44 ق م بقرار من يوليوس قيصر. فشُيّدت بيوتُ الوجهاء على الطريقة الرومانيّة. انفتحت الغرف على رواق مركزي غُطّي بعضه(2) وكُشف البعض الآخر مع حوض في الوسط يجمع مياه المطر. كان بمقدور الرواق أن يضمّ أربعين شخصًا محشورًا. كانوا يجلسون على الحُصر. كما وُجدت أيضًا قاعة طعام(3) مع ثمانية مقاعد أو تسعة (بشكل عام). كانوا يتمدّدون للطعام، على الطريقة الرومانيّة.
إذن، ماذا كان يحدث ساعة تلتقي الجماعة المسيحيّة؟ إن العادات الاجتماعيّة لدى الكورنثيين لم تسقط بين ليلة وضحاها. كان ربّ البيت يستقبل أصدقاءه الذين صاروا مسيحيّين في قاعة الطعام. أما الآخرون فلم يكونوا محظوظين. لهذا، يُحشرون حشرًا في الرواق. وما يقدّمه صاحب البيت من طعام، كان أفضل وأوفر من الزاد الذي يحمله أناس من أصل وضيع. وبما أن أصدقاءه كانوا من الموظّفين أو التجّار الكبار، فكانوا يصلون باكرًا. منذ الساعة الثالثة بعد الظهر، وهي الساعة التي اعتادوا فيها الاستقبال في الولائم. أما في الرواق، فالعمّال والعبيد يصلون في وقت متأخّر، وبعد أن ينهوا عملهم.
وهكذا نفهم الصورة التي رسمها بولس عن الوضع: هناك شقاقات. لا ينتظر الواحد الآخر للطعام. واحد ما زال جائعًا، وآخر شبع واتخم، بل سكر. فما الذي يعمله الرسول لكي يصحّح الوضع؟ بدأ فذكر تقليد عشاء الربّ، أي خبر تأسيس الافخارستيا كما ورد في جماعة انطاكية سورية (هي اليوم في تركيا) حيث سمعها. وهكذا، كان لنا خبر رابع حول تأسيس الافخارستيا، بعد أخبار الأناجيل الإزائيّة الثلاثة:
((فأنا من الرب تسلّمت ما سلّمته إليكم، وهو أن الربّ يسوع في الليلة التي أسلم فيها، أخذ خبزًا وشكر وكسره وقال: "هذا هو جسدي. إنه لأجلكم. إعملوا هذا لذكري". وكذلك أخذ الكأس بعد العشاء وقال: "هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي. كلما شربتم، فاعملوا هذا لذكري")) (1كور 11: 23- 25). وأضاف الرسول شروحه الخاصّة: ((كلّما أكلتم هذا الخبز وشربتم هذه الكأس تخبرون بموت الربّ إلى أن يجيء)) (آ 26).
بماذا يذكّر بولس هؤلاء الناس الذين يعيشون عشاء الرب في الفوضى، الذين يتأثّرون بعادات اجتماعيّة بارزة في إفراطها وعدم توازنها؟ قال لهم: ما تحتفلون به أمرّ جديّ. هو يتكلّم عن الموت، عن موت الربّ. وهذا ما يجعلكم تلجون السرّ الفصحي، تغطسون فيه كما في بحر: هذا يعني أننا لا نذهب إلى الحياة إلاّ إن عبرنا بالموت. وجسدُ الرب هو الجسد الذي تكوّنون (أنتم أعضاء في جسد، حجارة حيّة) أي الكنيسة . وهذا الجسد هو جسد مصلوب، جسد مُعطى للآخرين، مُعطى لجميع الآخرين. لسنا أمام مجرّد جسد اجتماعي يجب أن يحافظ على ذاته. وبكلام آخر، إن الطريقة التي بها تحتفلون بعشاء الرب لا تليق بما به تحتفلون. لا تماسكَ إطلاقًا بين ممارستكم ومعتقداتكم.
فما هي النتائج التي يجب على الكورنثيين أن يستخلصوها؟ وما هي النتائج التي يستطيع أن يستخرجها المسيحيون في كل زمان؟ في هذا المجال، بولس هو من عصرنا. يكلّمنا الآن فيقول: لا افخارستيا بدون مقاسمة. حين تكونون في بيوتكم،خارج الجماعة المسيحيّة، إفعلوا ما تشاؤون. أما حين تجتمعون لعشاء الرب ((فانتظروا بعضكم بعضًا)) (1كور 11: 33). لا تُسرعوا إلى أكل طعامكم. لا تختاروا أفضل ما فيه، وتتركوا البقايا للآخرين.
ونستطيع القول أيضًا إن الحياة المسيحيّة تجعل على المحكّ عددًا من التصرّفات الاجتماعيّة التي صارت شبه طبيعيّة فينا. أليس من الطبيعيّ أن نضع أصدقاءنا في قاعة الطعام، أن نأكل ونشرب معهم بانتظار أن يصل الآخرون؟ ولكن هذا لا يليق بجماعة الكنيسة التي هي جسد المسيح. ففي الجسد، تتضامن جميع الأعضاء: ((حين يتألّم عضو تتألم معه سائر الأعضاء)). هذا ما يتوسّع فيه بولس في 1كور 12 (هنا، آ 26).
من الواضح أن مثل هذا الكلام يطرح سؤالاً على جماعاتنا حول الطريقة التي بها نعيش الأسرار ونحتفل بها. وبما أن بولس يحبّ الكورنثيين، ما رضي بهذا التصرّف. ففعَل هنا حقًا كما يفعل الراعي. فواجب الرعاة، الكهنة، أن يذكّروا الجماعات اليوم ببعض حقائق جوهرية، إذا أرادوا أن يعيشوا عيشًا مسيحيًا فيشعّون ويضيء نورهم للناس.

4 - اللحوم المذبوحة للأوثان (1كور 8- 10)
مع مسألة اللحوم المقدّمة للآلهة الوثنيّة في كورنتوس، نتعرّف إلى مسألة أخرى مهمّة، في علاقات الرسول بمدينته. وقبل أن نعالج النصوص نفسها، يجب أن نعود هنا أيضًا إلى التاريخ والاركيولوجيا، لكي نكتشف الوجهات المتعدّدة لمسألة طرحت نفسها على المؤمنين.
في العالم القديم، عالم اليونان والرومان، كانت الهياكل أهمّ الأماكن من أجل نحر الحيوانات التي يؤكل لحمها. يأتي الشخص بحيوان يريد أن يقدّمه ذبيحة. فيقتلونه في جوار المعبد ويتقاسمون لحمه: هناك جزء يُحرق في النار على المذبح. وجزء آخر يأكله الكهنة. والقسم الأخير يُباع ويُعطى ثمنه للكهنة.
ويصل الشارون إلى هذا اللحم بطريقتين مختلفتين: أو أن هذا اللحم يُباع في السوق على يد موظفين صغار في الهيكل. حينئذ يشتريه الانسان ويأكله في بيته مع أفراد عائلته أو أصدقائه. أو أن هذا اللحم يؤكل في جوار الهيكل، في أحد أروقته. فالحفريات التي تمّت في موقع كورنتوس القديمة، ولا سيّما في الهيكل المكرّس لاسكليبيوس، إله الشفاء المشهور في العالم القديم، دلّت على وجود قاعات طعام حول الرواق الذي يحيط بسور الهيكل، تضمّ سبعة مقاعد أو ثمانية يتكّئ عليها المدعوّون ليشاركوا في الوليمة. كانوا يتمدّدون، فيستندون إلى الكوع الأيسر، ويأكلون باليمنى، على الطريقة الرومانيّة.
ووُجدت أيضًا بطاقات دعوة إلى مثل هذا النوع من الولائم. وإليكم بطاقتين تحملان دعوة إلى وليمة في سيرابايون، في هيكل سيرابيس(4). البطاقة الأولى: ((يدعوك هارايس(5) للعشاء في قاعة سيرابايون، إلى وليمة الرب سيرابيس، غدًا، في الحادي عشر، ابتداءً من الساعة التاسعة (أي الساعة الثالثة بعد الظهر))). البطاقة الثانية: ((خيريمون يدعوك للعشاء، إلى وليمة الرب سيرابيس، في سيرابايون، غدًا الذي هو الخامس عشر، في الساعة التاسعة)).
مثل هذه الممارسات كانت جزءًا من الحياة العاديّة في المجتمع، ولا سيّما في العائلات الغنيّة. أما الناس الوضعاء فنادرًا ما كانوا يأكلون اللحم. وطُرح سؤال على سكّان كورنتوس الذين اهتدوا إلى الايمان بيسوع المسيح: هل يستطيعون أن يأكلوا لحم حيوانات قُدّمت للآلهة الوثنيّة، للأوثان، أو لا يستطيعون؟ أما يجب عليهم باسم إيمانهم المسيحيّ أن يمتنعوا عن مثل هذه اللحوم؟ وكان السؤال سؤالين: يشير الأول إلى الولائم التي تنظّم في قاعات الطعام التي بُنيت على مدّ رواق الهيكل. والثاني إلى شراء لحم، في السوق، جاء من الهيكل، واُكل في البيت.
تجاه هذا الوضع المعقّد، لم يتّفق الكورنثيون على ما يبدو. قال بعض المسيحيين: ما قيمة حيوان يقدّم لإله وثنيّ؟ هو لحم مثل سائر اللحوم. فإن كنا نؤمن بالاله الواحد، كما في التوراة، فالاصنام التي يكرّمها الوثنيون ليست بشيء. هي سراب وعدم. باسم هذه العقيدة القائلة بأن الأصنام ليست بشيء، بأن لا كيان لها، لم يرَ بعض الوثنيين المثقّفين أيَّ عائق يمنعهم من أكل لحوم قدِّمت لأصنام الأوثان. فالحياة المسيحيّة ليست طاعة للائحة من الوصايا، ولا مراعاة لبعض المحرّمات. بل هي عمل انسان يفكّر بما يعمل. في الأساس، كانوا يقولون: ((كل شيء يحلّ لي)) (1كور 10: 23). ويقولون: ((نحن نعرف أن الوثن لا كيان له، وأن لا إله إلاّ الله الأحد)) (1كور 8: 4). إذن، نستطيع أن نأكل من كل شيء وفي أي مكان.
غير أن هذا لم يكن رأي جميع المسيحيين في كورنتوس. فبجانب هؤلاء المتعلّمين والأكيدين من نفوسهم، كان أشخاص متجدّدون في الايمان وسريعو العطب. كما كان آخرون ما استطاعوا أن يستوعبوا هذه الأمور الدقيقة، لأن إمكانيّة التفكير عندهم كانت محدودة. فالوثن هو وثن. فيقول الواحد: منذ بضع سنوات كنت أنا وعائلتي نقدّم له الذبائح. والآن اخترتُ الايمان بيسوع المسيح. إذن، عليّ أن أتخلّى عن إيماني السابق بالأصنام، وأحذر من لمس لحوم الحيوانات التي ذُبحت في الهياكل الوثنيّة! بل إن مثل هؤلاء الأشخاص تشكّكوا حين رأوا مسيحيين آخرين، أكيدين من أنفسهم في الظاهر، يتّكئون في الهياكل، أو يشترون في السوق لحومًا اعتبروها منجّسة بعد أن ارتبطت بشعائر عبادة الأوثان.
وهكذا نرى أن الوضع لم يكن بسيطًا. وقد كرّس القديس بولس ثلاثة فصول في 1كور، للتفكير في هذه المشكلة، ولإعطاء توجيهات توافق الجميع. لهذا، جاءت براهينه متشعّبة. لنحاول أن ندرك الخطوط الكبرى دون أن نبسّطها بطريقة تُفقدها أصالتها. ونحن نوجزها في ثلاث نقاط:
أولاً: وافق بولس الناس الأكيدين من نفوسهم والمستعدّين لأن يأكلوا كل شيء (لنسمِّهم ((الاقوياء))) أن الحياة الاخلاقيّة ليست فقط فرائض ومحرّمات. فالقاعدة الأخيرة للتمييز الخلقي هي الضمير. هم، في الأساس، على حقّ، حين يقولون: ((كل شيء يحلّ لي)). ولكن إن كان كل شيء محلّلاً، مسموحًا به، ((فكل شيء لا يليق)). كل شيء لا يبني الجماعة المسيحيّة (1كور 10: 23). بل هناك تصرّفات تدمّرها، كتصرّف من يشكّك أخًا بدون فائدة. لهذا، إن حكمتُ على ما يجب أن أفعل عائدًا إلى الضمير، فيجب أن أحسب حساب ضميري أنا وضمير الآخر. فهناك خطر بأن أجرح له ضميره (1كور 8: 12). على المستوى النظريّ، يحقّ لي أن آكل من كل شيء وفي كل مكان. لكن يجب أن أعرف أن أتخلّى عن بعض حقوقي لخير الجميع. وأعطى بولس تصرّفه الخاص مثالاً: هو رسول المسيح. ويحقّ له أن يعيش على حساب الجماعات المسيحيّة التي أسّسها. ولكنه أراد أن يكون أكثر حريّة، فما استعمل هذا الحقّ، بل فضّل أن يقوم بأوده في مهنة حياكة الخيام. ففي كل ما أعمل، يجب أن أتنبّه إلى الطريقة التي بها يدرك الآخرون عملي. لا يحقّ لي أن أشكّك الآخرين من أجل منفعتي الخاصّة.
ثانيًا: وافق بولس الأقوياء أن الوثن ليس بشيء. ولكن لا بدّ من التدقيق في البرهان، هنا أيضًا. إذا كان الوثن لاشيئًا، فالذبيحة هي شيء ملموس. فمن نحر حيوانًا لإله وثنيّ ألزم نفسه في ما فعل. إنه يذبح حقًا. وبما أنه لا يقدّم ذبيحته لإله، والوثن ليس بالإله الحقيقيّ، فهو يقدّمها للشياطين. هكذا يدرك الآخرون الأمور، أولئك الذين سُمّوا ((الضعفاء)). فلا نتسرّع في كلامنا، باسم معرفة نعتبرها رفيعة، أن ذبح الحيوان للوثن، فعلة حيادية، لا خير منها ولا شرّ. فمن الأفضل أن لا نلعب بالنار، حتّى نعتبر نفوسنا عارفين. ولا نظنّ نفوسنا أقوى ممّا نحن في الواقع. هذا ما يعبّر عنه بولس فيقول: ((من ظنَّ أنه واقف فليحذر السقوط)) (1كور 10: 13).
ثالثًا: وأخيرًا لا نمزج الشيء بالشيء. فنحن ندخل في لعبة خطرة حين نشتري لحمًا من السوق، مهما كان مصدر هذا اللحم. ونلعب لعبة أخطر إن شاركنا في وليمة، في جوار الهيكل وفي حرمه. ويكون خطأنا أكبر حين نشتري لحمًا من السوق، من أن نأكل هذا اللحم عند صديق اشتراه هو وقدّمه على مائدته. وبكلام آخر، إن دُعيتَ إلى بيت خاص، فلا تطرح سؤالاً لكي تعرف مصدر اللحم الذي يقدّمونه لك. ولا تمتنع عن أكله إلاّ إذا قال لك مضيفك بصريح العبارة: ((هذا الطعام من ذبائح الأوثان)) (1كور 10: 28). فهو بلا شكّ لا يفهم موقفك حين تأكل منه مع أنك تعرف مصدره.
قد تبدو هذه التمييزات بعيدة عنا كل البعد، ودقيقة كل الدقّة. لا شكّ في أنها دقيقة. ولكنها ليست بعيدة عنا. ففي كل وقت يُطرح على المسيحيّ سؤال يريد به أن يعرف إن كان يحقّ له أن يفعل هذا الشيء أو ذاك، في مجتمع ليس مسيحيًا في أكثريّته: هل يمكن أن يكون الانسان مسيحيًا، ويعمل هذا العمل أو ذاك؟
هذا ما يحصل على المستوى السياسي: في الماضي، كانوا يسألون في أوروبا الغربية: هل يمكن أن يكون الانسان مسيحيًا وفي الوقت عينه ينتخب المرشّح الشيوعي؟ لقد تحوّل الآن السؤال بعض الشيء: هل يمكن أن يكون الانسان مسيحيًا ويصوّت لحزب يعادي العمّال الاغراب ويرفض استضافتهم؟
وعلى المستوى الاجتماعي: فقد طُرح على الالمان سؤال، عُرف خارج حدود المانيا: هل تستطيع الكنيسة أن تمسك مراكز تعطي شهادة تعفي المرأة من دفع غرامة بسبب الاجهاض. كان جواب رومة سلبيًا. أما بعض الكاثوليك الالمان، فلم يقتنعوا كل الاقتناع بهذا الجواب، مع أنهم خضعوا لما قالته رومة.
وعلى المستوى الديني، منذ بعض الوقت، لم يكن يحقّ للكاثوليكي، في أوروبا الغربية، أن يشارك البروتستانت في شعائر العبادة. ويمكن أن نجد أمورًا مماثلة في لبنان، ولكن لا أعرف الوضع لكي أتكلّم عنه. تجاه مثل هذه الأسئلة، نجد نورًا ساطعًا في ما كتبه بولس إلى الكورنثيين في شأن اللحوم المذبوحة للأوثان. وها أنا أستعيد ما كتبه الرسول في خمس نقاط.
أولاً: لا شريعة مطلقة (تطبَّق في كل زمان ومكان وعلى جميع الأشخاص) في مثل هذه المجالات. فالخلقيّة المسيحيّة لا تنحصر في فرائض ومحرّمات. والضمير أوّل بالنسبة إلى الشريعة. إذن، يستحيل أن نعطي قواعد توجّه تصرّفنا فتوافق الجميع في كل مكان.
ثانيًا: ومع ذلك، لا نجعل من الضمير مطلقًا جديدًا. فقد يكون الضمير ضالاً فيضلّني. لهذا، يجب أيضًا أن نأخذ بعين الاعتبار ضمير الآخر، ونسهر لئلا نشكّك الضعيف بدون سبب جدّي. فمن اعتبر أنه يجد في نفسه وحدها معايير التمييز المطلقة، يعرّض ذاته لضلال كبير وأخطاء عظيمة.
ثالثًا: إن الحكم الخلقيّ، يفرض علينا أن نميّز بين عمل وعمل. هناك فرق بين أن نأكل في الهيكل أو في بيت خاص، لحمًا ذُبح للأصنام. وهناك فرق أن يكون مضيفنا نبّهنا أن مصدر هذا اللحم هيكل وثني، أو أن لا يكون نبّهنا قبل أن نأكل. وفي الإطار عينه نقول: هناك فرق بأن أكون عضوًا في حزب سياسيّ يرفض الأجانب، أو أن أنتخب في ظرف من الظروف أحد مرشّحيه.
رابعًا: تفرض الخلقيّة المسيحيّة على المؤمن أن يقبل بأن لا يستعمل جميع حقوقه إذا طلب منه سببٌ سام بأن يتخلّى عن هذه الحقوق. نعيش في زمن تشدّد فيه الدول الديموقراطيّة كثيرًا على حقوق الناس. ولكن قد يكون تجاوز وافراط. مثلاً، يطالب أناس بحقّ الطفل وينسون أن الأبوّة والأمومة نعمة، لا حقّ. لا شكّ في أنه يجب أن نقاتل لكي تُحترم حقوقُ الانسان، كل يوم أكثر، على سطح الأرض. ولكن يجب أن نميّز ما هو حقّ وما ليس بحقّ. ويجب أن نتذكّر أيضًا أنه من الخير أن نتخلّى عن التمتّع ببعض الحقوق لسبب أسمى. وبعبارة أخرى، لا نهمل فريضة العدالة التي تتجاوزها، بعض المرّات، فريضةُ المحبّة.
خامساً: لا نحسب نفوسنا أقوى ممّا نحن. فالخبراء العلماء ليسوا أفضل الشهود. فإن اعتبر بعضُ الكورثنيين أنهم يقدرون أن يأكلوا من كل شيء، فليمتنعوا أقلّه أن يقوموا بهذا العمل في الهياكل. ونقول الشيء عينه اليوم. هناك أمكنة يمارس فيها المجون. ومجموعة أشخاص فاسدين. فإن اقتربتُ وأطلتُ رفقتهم، يؤثّرون فيّ في النهاية، فيشوّهون حكمي على الأمور ويقودونني في انحرافاتهم. فهل أنا قويّ بما فيه الكفاية لكي أخرج من جميع الأوضاع دون أن أسيء إلى ذاتي؟

خاتمة
رسول ومدينته. بولس وكورنتوس. ما قلناه الآن يبيّن أن العلاقات بينهما لم تكن بسيطة. فبين الحين والآخر بدت كورنتوس وكأنها تواجه بولس. وفي مسائل أخرى كان الكورنثيون منقسمين. ففعلَ بولس ما فعلَ ليجنّبهم القيام بعضهم على بعض. مثل هذه الأوضاع ليست خاصة بالعصور القديمة.
والدرس الاجمالي الذي نستطيع أن نستخرجه من الاعتبارات السابقة، على ما يبدو لي، هو أن المعاشرة المتطلّبة للكتاب المقدس، للبيبليا، لا بدّ منها لشخص مؤمن. وحين نقرأ رسائل بولس، ونتعمّق فيها، ونبحث عن الوثائق لكي نعرف الوسائل التي طُرحت على الجماعات الأولى، نستطيع حقًا أن نجد في الكتاب المقدس تعاليم غنيّة جدًا. لا نجد تعليمات بسيطة نطبّقها خانعين. بل آثار حياة ملموسة نجعلها في حوار مع أوضاعنا الحاليّة. أعطي لنا الكتابُ ليكون بجانبنا كمثَل من الأمثال. هو يروي لنا خبرًا ليس خبرنا. ولكنه يلقي ضوءه على هذا الخبر بخصب فريد حين نتعمّق فيه، في حياتنا الشخصيّة وفي الجماعة الكنسيّة.

الفصل الثاني
خبرة طريق دمشق
وتأثيرها على الرسائل


مقدّمة
إذا كان صحيحًا أن الأسلوب هو الانسان، فأسلوب بولس هو تعبير حي عمّا عاشه في قرارة نفسه. وما عاشه بولس من يوم التقى بيسوع على طريق دمشق هو هذا الحدث بالذات الذي يذكره لوقا ثلاث مرات في سفر أعمال الرسل في الفصول التاسع والثاني والعشرين والسادس والعشرين والذي يعود إليه بولس في كل رسائله، إن بتلميح وإن بنوع مباشر في الرسالتين إلى أهل كورنتوس وفي الرسالة إلى أهل غلاطية وإلى أهل فليبي وفي الأولى إلى تيموتاوس. ذلك أن هذا الحدث أصبح محور حياة بولس ومركزها. أنه ميلاد جديد منه يؤرّخ بولس حياته: ما قبل هذا الميلاد وما بعد هذا الميلاد: ((أنسى ما ورائي وامتدّ إلى ما هو أمامي)) (3: 13).
انه ينطلق من ماض مات إلى الأبد إلى حاضر ومستقبل يزخران بالحياة الجديدة. فإذا ما ذكر ماضيه فلكي يعبّر عن ندامة ويكفّر عمّا ارتكب من جرائم بحقّ المسيحيّين.
وعندما يتكلّم على السر الذي كشفه الّله له في المسيح، يصبح أسلوبه شعريًا ملحميًا. فهو يكتب كما يفكّر، لا بعقله فحسب، بل بقلبه ودموعه وصلاته. كما أنه لا يكتفي بالتنظير، بل يضيف إلى هذا التنظير مرتكز دعوة إلى سلوك حياتي على مبادئ وحقائق كشفها له السيد المسيح يوم اللقاء العظيم. فتأثير هذا اللقاء على رسائله هو من تأثيره على حياته. وبالإضافة إلى كل ذلك، يريد أن يدحض اتّهامات أخصامه بخصوص ما قاله في وصف الحدث أو بخصوص صفته الرسوليّة. وهو مستعدّ أن يمهر أقواله بدمه. فما رآه وسمعه من السيّد المسيح مصوَّر في ذاكرته بوضوح ولا يمكن أن ينساه إلاّ إذا نسي ذاته.
نبدأ حديثنا بالكلام على صحّة ما قاله في وصف الحدث، ثم بالدفاع عن صفته الرسوليّة، لنتوقّف بعد ذلك عند محتوى السر الذي كشفه الّله له لنرى أخيرًا موقف بولس من ماضيه قبل أن نختم بإيمان بولس الثلاثي.

1 - الدفاع عن حقيقة الحدث
يدافع بولس عن نفسه ضدّ اتهامات اخصام كانوا له بالمرصاد وقد خان ما كانوا يأملون منه من اضطهاد للمسيحيّين. فبدلاً من أن يلقي القبض على اتباع هذه الطريق ويجرّهم موثقين إلى أورشليم، ها هوذا يدافع عن براءتهم ويبشّر بيسوع وبتعاليمه التي كانوا قد ظنوها ماتت مع سيدها إلى الأبد. فتشاوروا أكثر من مرّة ليغتالوه (اع: 9: 23) واتّهموه اشنع التهم مكذبين ما يقوله بخصوص ظهور المسيح له. ويقولون:
- إنه يفسد الناس بكذبه وباطل تعاليمه ويضلهم. فيجيب: ((نظهر أنفسنا كخدام الّله في كل شيء... كأنا مضلون ونحن صادقون)) (2 كو 6: 8- 10).
- أنه متواضع عن قرب وجريء عن بعد. فيجيب: ((فليفكّر مثل هذا المدّعي أنّا كما نحن بالكلمة في الرسالة ونحن غائبون، كذلك نحن أيضًا بالفعل ونحن حاضرون)) (2 كو 10: 11).
- أنه ليس فصيحًا ولا يحسن الكلام. فيجيب: ((إننا نتصرّف في العالم، وخصوصًا عندكم، ببساطة الّله وصدقه، لا بحكمة بشريّة بل بنعمة من الّله)) (2 كو 1: 12).
- انه ضعيف ويغيّر مقاصده. فيجيب: ((أفاكون بخفة تصرّفت؟ أم أردتُ كبشر ما أردت حتى يكون عندي معًا نعم ولا؟)) (2 كو 1: 17)؟
- انه انتهازي مع الوثنيّين. فيجيب: ((أأستعطف الناس أم الّله؟ أم أسعى إلى مرضاة الناس؟ لو كنت ما أزال أرضي الناس، لما كنت عبدًا للمسيح)) (غل 1: 10).
هذه التهمة الأخيرة صادرة عن المسيحيّين المتهودين في غلاطية الذين، بعد أن بشّرهم بولس، عادوا إلى موسى والشريعة. فهو يوبّخهم على ضلالهم ويأسف أن يكون تعليمه ذهب سدى لديهم: ((يأخذني العجب من أنكم تتحوّلون بهذه السرعة إلى انجيل آخر عن الذي دعاكم بنعمة المسيح... أيها الغلاطيون الأغبياء، من سحركم وقد رسم عيونكم يسوع المسيح مصلوبًا؟)) (غل 1: 6- 13: 1). 
أراد خصومه بكل هذه التهم وما شابهها، أن يحطّوا من قيمة رسالته، وأن يُظهروه بمظهر المخاتل الكذاب والخبيث والضعيف. لكن دفاعه جاء قويًا بليغًا مستندًا، لا فقط إلى ما علّمه إياه السيّد المسيح على طريق دمشق، بل أيضًا إلى خبرته الكنسيّة بمعية بطرس ويعقوب ويوحنا. فهو يعلّم معهم باتفاق تام! ((صعدتُ وبرنابا إلى أورشليم، مستصحبًا تيطس. بوحي صعدتُ، وخلوت بذوي الاعتبار، فاطلعتهم على الانجيل الذي انادي به بين الأمم، لئلا أسعى أو أكون سعيت باطلاً!)) (غل 2: 1- 2).

2 - الدفاع عن صفته الرسوليّة
انكار صفته الرسوليّة كان لبولس بمثابة سيف أغمد في أعماقه. لذا يدافع عن هذه الصفة بكل ما أوتي من قوّة الاقناع مردّدًا دائمًا في رسائله، ولا سيّما في بدء كل منها: ((من بولس رسول يسوع المسيح))، ((من بولس عبد يسوع المسيح، المدعو ليكون رسول المسيح يسوع))، ((من بولس الرسول لا من قبل ناس ولا بإنسان، بل بيسوع المسيح والّله الآب))...
لقد اتّهموه بأنه لم يكن في عداد الرسل ولم يلتق المسيح في حياته الزمنيّة.
فيجيب ببراهين عديدة أنه رسول مثل سائر الرسل، وأنه لم ينقص عنهم بشيء: ((أخدام للمسيح هم؟ أقول كجاهل: أنا أفضل! في الأتعاب أكثر، في السجون أكثر، وفي الضربات فوق التصوّر، وفي الموت مرارًا)) (2 كو 11: 23).
اختباره شبيه باختبار الرسل. فقد رأى المسيح القائم من الموت كما رأوه هم فأصبح معهم ومثلهم شاهدًا له: ((ألست رسولاً؟ أوما رأيت يسوع ربنا؟)) (1 كو 9: 1).
فأصبح شاهدًا مثل بطرس ويعقوب ويوحنا.
وهو يفتخر بأنه لم يهتد على أيدي بشر، بل قبلَ دعوةً مباشرة ومطلقة بوحي خاص:
((أعلمكم، أيها الاخوة، أن الانجيل الذي بشرتُ به ليس وفق بشر، فإني ما تلقّيته ولا تعلّمته من بشر، بل بوحي يسوع المسيح)) (غل 1: 11- 12).
الذي أرسله إلى الأمم هو الذي أرسل بطرس إلى اليهود: ((ائتمنت على تبشير أهل القلفة، كما ائتمن بطرس على تبشير أهل الختانة)) (غل 2: 7). الفرق إذًا هو تقسيم العمل.
لكنه لا يتكبّر من جرّاء هذا الاختيار. إذًا الفضل كله يعود للذي دعاه: ((لأني أنا أصغر الرسل ولست أهلاً لأن أدعى رسولاً)) (1 كو 15: 9).
السيّد المسيح هو الذي قبض عليه (في 3: 12). فأصبح آلة طيّعة بيد من دعاه.
هكذا اعترفت به الكنيسة. حتى إنه قاوم بطرس في انطاكية (غل 2: 11...). غير أنه لم يتنكّر لرئاسته. يدافع عن اختيار المسيح له وقد وقع هذا الاختيار في وضح النهار. واختباره كاختبار الرسل إذ السيّد المسيح تدخّل شخصيًا ومباشرة في حياته وأرسله كما أرسل رسله بعد القيامة لتبشير الأمم. وهو لم ينقص عن الرسل الأفاضل بشيء، بل عمل أكثر منهم، وتعرّض مرات عديدة للموت. ظهور السيّد المسيح له لم يكن حلمًا، بل حصل في وضح النهار. ظهر له وكلّمه وأرسله كما أرسل الآخرين. فهو حقًا رسول. يقول هذا بتواضع وافتخار في آن، نظرًا إلى حقارة الطبع وعظمة النعمة. الفرق بينه وبين الرسل انهم كانوا يعرفون يسوع. وعند القيامة تعرّفوا عليه. أما هو فلأوّل مرّة، بعد القيامة ولكنه رآه مثلهم: ((ألست حرًا! الست رسولاً؟ الم أر يسوع ربنا))! (1 كو 9: 1).
لم يفكّر بأن يصبح مسيحيًا، وهو العدو المضطّهد والعنيد الذي كان يرى في المسيحيّة بدعة تُفسد ديانةَ الآباء ويجب محاربتها. لكن الذي خلقه اختاره من بطن أمه ليكون هذا الرسول ويحمل بشارة المسيح إلى الأمم وإلى بني إسرائيل. دعوتُه تدخّلٌ شخصي من الرب يسوع الذي اختاره وأرسله كما أرسل الآخرين فأصبح معهم شاهدًا ومبشّرًا، وهو لا يقل عنهم شأنًا، بل يتميّز ((بالجهاد أكثر منهم..))، وذلك بنعمة خاصة من الذي اختاره ليكون شاهدًا للقيامة.

3 - أهميّة الحدث
هذا اللقاء الشخصي بالمسيح على طريق دمشق (أع 9: 1- 22) هزّ بولس في أعماقه. ((من أنت))، ((ماذا تريد مني)). أسئلة سريعة بعد تغيير فجائي.
لا يريد أن يضيّع الوقت. يقول فيما بعد: ((ومن ذلك الحين لم أعص الرؤيا السماويّة)) (أع 26). فالمسيح الذي رآه استولى عليه، ولم يعد باستطاعة بولس أن يرفس المهماز (أْع 26). لقد انبهر أمام هذا القائم من الموت. اختبر حبًا غريبًا هزّ كيانه، فرمى وراء ظهره كل ماضيه، واقلع نحو آفاق جديدة. لقد ظهر له حبُّ الّله في المسيح فتبدّلت حياته، وراح منذ الآن يكرّس له ذاته، يكرّس ذاته للذي كان يضطهده منذ لحظات. إنها نقطة تحول في حياة بولس. باستطاعته أن يقول: ((كنت والآن صرت)). ((ماذا تريد مني؟)) شاول الفريسي، بلمحة بصر، أصبح بولس المسيحي. ها هو يبشّر بالذي كان يحاربه منذ قليل. لقد كان استفانوس إذن على حقّ، واليهود ضلّوا عن تخطيط الّله الذي ظهر كاملاً في المسيح يسوع. لقد تذكّر ما كان يقوله استفانوس عن ابن الانسان من أن المسيح حيّ. أمام استفانوس امتلأ غيظًا واحتقارًا لهذه الطريقة، وكان موافقًا على رجم أول شهيد للمسيحيّة (1ع: 8). أما الآن فيرى أن قتله كان جريمة و كان بولس موافقًا عليها ((أنا الذي كان فيما مضى مجدفًا مضطهدًا عنيفًا)) (1 ثم 1: 13). لكن صلاة استفانوس الأخيرة لم تذهب سدى. فبولس سيفيد منها وسيغفر له الّله بصلوات أول الشهداء.
هذا اللقاء الشخصي الحميم بالسيّد المسيح، الذي يذكره سفر الأعمال ثلاث مرات (9: 1- 19؛ 22: 1- 21؛ 26: 9- 18)، هزَّ بولس في أعماقه، وأحدث فيه تغييرًا جذريًا جعل معاصريه يعجبون لهذا التغيير المفاجئ. لقاء غيّر مجرى حياة بولس. كما كان له كبير الأثر في حياة الجماعة المسيحيّة. كان هذا الحدث بالنسبة إلى بولس بمثابة خلق جديد. فهو منذ ذلك الحين لا يزال يدور حواليه كما حول مركز حياتي. من هنا يقول بولس: ((أنسى ما ورائي وأنبسط إلى ما هو قدّامي)) (في 3: 13). ولا غرو، فالحدث هو من الأهميّة بحيث إن عارفي بولس وقفوا من هذا التغيير مذهولين، وبحيث إن بولس يعود إليه مرات عديدة في سفر الأعمال وفي رسائله.
بعد هذا الحدث. راح بولس يهدم ما كان قد بنى شاول الفريسي. انه يبني على أساس جديد. بولس ذاته المتحمّس والغيور صاحب الطبيعة الناريّة، مضطهد المسيحيّين، أصبح داعية لهذا الدين الجديد.
فماذا حدث: انه يتكلّم على اهتدائه كرجل قام من الموت، أو كأعمى انفتحت عيناه فجأة، أو كمجنون كما يقول له فستس (1ع 24- 26). وهكذا ظنّ كثيرون.
فما هي أهميّة ما يسميّه ظهور المسيح له والذي يتكلّم عليه مرات عديدة؟ ماذا رأى وماذا فهم؟ يصوّر بولس الحدث كلقاء شخصي بالمسيح يسوع القائم من الموت الذي لم يعرفه في الجسد لأنه لم يكن قد رآه من قبل. لذلك يسأله ((من أنت يا ربّ؟- أنا يسوع الذي أنت تضطهده)) (أع 5: 9). في لمح البصر، فهم بولس سر المسيح، وصدّق رسالته، فقرّر ألاّ يترك المسيح بعد اليوم. بولس الفريسي المتحمّس لدين السر الذي كان خفيًا منذ دهور، رأى الخلاص بيسوع القائم من الموت والذي يدعوه للرسالة. فكانت التعاليم التي نعرفها والتي أصبح بولسُ مناديًا بها ورسولَها.
لكي نفهم أهميّة هذا الحدث، لننتبه إلى أمرين: أولاً، كلام بولس عليه مرات عديدة (1كو 15؛ غل 1- 2؛ كو 3؛ 1تم1...). وفي المقدّمات: ((من بولس عبد يسوع المسيح، الرسول، سجين يسوع)). ثانيًا، أسلوب بولس الحي الذي لا يكتب بعقله فقط، بل بقلبه أيضًا وبدموعه، بالصلاة بحماس واندفاع. وعندما يصل إلى الكلام على السر الذي كان محجوبًا وكشفه الّله له، يصبح شاعرًا ملحميًا بليغًا (1 كو 1: 17...) (1كو 1- 4..). هكذا يدخلنا إلى صميم الحدث وكأننا نسمع ما يسمع ونرى ما يرى.
بولس، صاحب الطبيعة الناريّة، المتحمّس، الغيور على دين آبائه، يصبح الآن داعية لهذا الدّين الجديد، ويضع في خدمته كل غنى شخصيّته الناريّة، ويتحدّث عن الصليب كمجنون. ألم يقل له فستس: ((أراك قد جننت يا بولس؟)) (أع 24: 26). لكن هذا الجنون هو جنون الصليب: ((ولما كان اليهود يطلبون الآيات، واليونانيون يبحثون عن الحكمة، فإننا نبشّر بمسيح مصلوب، عثار لليهود وحماقة للوثنيّين... لأن الحماقة من الّله أكثر حكمة من الناس...)) (1كو 1: 22- 23).

4 - محتوى اللقاء
أول حقيقة خبّرها بولس في هذا الحدث، هو أن السيّد المسيح قام وهو يكلّمه. فالمسيح إذن حيّ ولن يموت. وهذا برهان حسي على أن الأموات سيقومون مع المسيح القائم من الموت: ((كما يموت جميع الناس في آدم، فكذلك سيحيون جميعًا في المسيح)) (1كو 15: 22) الذي هو بكر القائمين من الموت (كو 1: 18). فالقيامة تشرح الصليب وعاره، وتسهّل فهم كل ما كان يبدو غير معقول، وبخاصة كل الآلام التي يتعرّض لها الانسان في الحياة الدنيا. لا بل أصبح الصليبُ علامة افتخار للمؤمنين: ((أما أنا فمعاذ الّله ان افتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح)) (غل 6: 14). وموت يسوع الذي هو حدث مأساوي يصبح حدثًا خلاصيًا. إذ هكذا تغلّب يسوع على الشر. وحبّه المصلوب جاء مصالحة غير محدودة بين الّله والناس. مجدُ القيامة محا وصمة الفساد، والنعمة النازلة من عل كانت علة الانطلاقة إلى فوق بالإيمان بيسوع المسيح مالئ ضمير الانسان المنفتح على النعمة: ((مع أننا كنا أمواتًا بزلاتنا، أحيانًا مع المسيح وأقامنا معه)) (أف 2: 5- 6). فمنذ الآن نحن معه عن يمين الآب. موته أتمّ فينا موت آدم الخاطئ وولادة الانسان الجديد. فالقيامة هي تمجيد الآب للابن الذي أصبح ربًا وديانًا للأحياء والأموات (رو 14: 9). أصبح بكر القائمين من الموت أي أول من دخل العالم الجديد. وما تحقّق في المسيح يتحقّق في كنيسته. فكما كان تجسّده مشاركة لنا في طبيعتنا البشريّة، كذلك تكون قيامتنا مشاركة له في قيامته.
ويسمع بولس هذا المسيح الذي رآه منتصرًا على الموت يقول له: ((لماذا تضطهدني!)). كيف كان بولس يضطهد يسوع وهو لم يلتق به في حياته؟ فهم بولس، بهذا الكلام، سرَّ الكنيسة، جسد المسيح. فمن اضطهد الكنيسة اضطهد المسيح بالذات. هذه هي الحقيقة الثانية التي فهمها بولس خلال هذا اللقاء. فهم بولس أن المسيح وكنيسته يؤلّفان جسدًا واحدًا، فأفاض في وصف هذا السر. ((فليس هناك عبد أو حر وليس هناك ذكر أو أنثى، لأنكم جميعًا واحد في المسيح يسوع)) (غل 3: 28). والسيّد المسيح هو المركز الموحّد الذي يجعل من جماعة المسيحيّين حقيقة واحدة: ((وكما أن الجسد واحد وله أعضاء كثيرة وأن أعضاء الجسد كلها على كثرتها ليست إلاّ جسدًا واحدًا، فكذلك المسيح)) (1كو 12: 12). فالمسيح، بالإضافة إلى أنه محيي الجسد، أي الكنيسة، هو أيضًا مركز الكون كله ومبدأ وحدته. ((هو صورة الّله الذي لا يُرى، وبكر كل خليقة. ففيه خُلق كل شيء... هو قبل كل شيء وبه قوام كل شيء... فقد حسن لدى الّله أن يُحلّ به الكمال كله وأن يصالح به من أجله كل موجود)) (كو 1: 15- 20). بالمسيح اتّحد الّله بالانسان وتجدّدت الخليقة كلها: ((فيه يحل كمال الالوهة حلولاً جسديًا وفيه تكونون كاملين)) (كو 2: 9- 10). فالّله ((يجمع تحت رأس واحد هو المسيح، كلَّ ما في السماوات وما في الأرض)) (أف 1: 10).
لذلك فبولس لم يعرف سوى يسوع المسيح: ((فإني لم أشأ أن أعرف شيئًا وأنا بينكم، غير يسوع، بل يسوع المسيح المصلوب)) (1كو 2: 2). فأصبح يرى كل شيء من خلال يسوع المسيح الذي به أصبحنا واحدًا رجالاً ونساء، أطفالاً وشيوخًا، و يهودًا وأممًا (1كو 12: 12..)
((فمن يفصلني عن محبّة المسيح؟)) (رو 8: 35).
من هنا ينتقل بولس إلى الحياة في المسيح، الحياة الجديدة التي ترتكز على الإيمان بيسوع المسيح، لا على الشريعة القديمة. إذ بالمسيح أصبح كلُّ شيء جديدًا. وأول من تجدّد هو الانسان. يسوع القائم من الموت جدّد بولس، فترك ماضيه وانطلق إلى رسالة جديدة. خلع الانسان القديم ولبس الجديد، يسوع المسيح. وهو يدعونا إلى اتّباعه على هذا الطريق: ((فقد خلعتم الانسان القديم ولبستم الانسان الجديد)) (كو 3: 10). فنحن منذ الآن نموت مع المسيح لننهض معه إلى حياة جديدة، في العماد الذي يمثّل الموت والقيامة. فأصبح المسيح فيكم (كو 1: 27)، وأصبحتم هياكل للروح القدس: ((أما تعلمون أنكم هيكل الّله وأن روح الّله حال فيكم؟)) (1كو 3: 16). أصبحتم شركاء في الحياة الإلهيّة. ((فإذا كنّا أبناء الّله، فنحن ورثة الّله وشركاء المسيح في الميراث، لأننا، إذا شاركناه في الآلام، نشاركه في المجد أيضًا)) (رو 8: 17).
فحياتنا المسيحيّة يجب أن تصبح وفاء وأمانة للروح القدس.
وهذه الشراكة في الحياة الالهيّة لم تأت نتيجة أعمال برّ عملناها، بل هي عطيّة مجانيّة من الّله.
لم يستحقّ بولس ما أغدقه عليه السيّد المسيح، منذ تجلّيه له على طريق دمشق، حيث ظهر له بغتة ((نور السماء)) (رع 9: 3)، وسمع صوتَ الرب يدعوه إلى حياة جديدة: ((لما حسن لدى الّله الذي أفردني إذ كنت في بطن أمي ودعاني بنعمته)) (أع 9: 15).
((بنعمة الّله صرت ما أنا عليه)) (1كو 15: 9-10). كذلك لا يستطيع أحد أن يقول: ((يسوع ربّ إلاّ بالهام من الروح القدس)) (1كو 12: 3). ولا يستطيع أحد أن يتوب إلاّ من دعاه لطف الّله إلى التوبة (رو 2: 4). وكذلك يدعو التسالونيكيين إلى الثبات ((لأن الّله اختاركم منذ البدء ليخلّصكم بالروح الذي يقدّسكم والإيمان بالحقّ)) (2تس 2: 13).
فنعمة الّله هي التي تعمل فينا. ((فإذا كان الاختيار بالنعمة، فليس هو إذا بالأعمال، وإلاّ لم تبق النعمة نعمة)) (رو 11: 6) واستحقاقاتنا هي أيضًا نعمة من الّله: ((أي شيء لك لم تنله؟)). النعمة هي ((نور من السماء))، لا من الأرض، ولا من الشريعة. فالانسان الجديد، الذي أصبح تحت النعمة، تحرّر من الانسان القديم الذي كان تحت الشريعة. فلم يكن بوسع الشريعة أن تحرّر أحدًا أو أن توصل أحدًا إلى الخلاص أو إلى معرفة الّله. ((لا يستطيع أحد أن يقول: "يسوع رب" إلاّ بإلهام من الروح القدس)) (1كو 12: 3).
((بنعمة الّله صرت ما أنا عليه)) (1كو 1: 10). وبنعمة الّله ننال الخلاص بفضل الإيمان (أف 2: 8)، ((وليس من الأعمال لئلا يفتخر أحد)). الّله هو الذي أحبّنا أولاً كما يقول القديس يوحنا. وبولس يشدّد على محبّة الّله لنا في المسيح. فالمسيح، في تعليم بولس، هو المركز. فنحن ((خلقنا في المسيح يسوع)) (أف 1: 10)، ((لأن لنا به جميعًا سبيلاً إلى الآب في روح واحد)) (أف 2: 18). فالمسيح هو ((حجر الزاوية)) (أف 2: 20). والّله عندما خلق، ((جمع تحت رأس واحد، هو المسيح، كل شيء)) (أف 1: 10). والّله ((أقامه من بين الأموات)) (أف 1: 20)، ((وأجلسنا معه في السموات)) (أف 2: 6). المسيح هذا جدّد الإنسان والخليقة كلها إذ حرّرها من عبوديّة الخطيئة: ((إن المسيح قد حرّرنا تحريرًا. فاثبتوا إذًا ولا تدعوا أحدًا يعود بكم إلى نير العبوديّة)) (غل 5: 1). والمسيح يتّحد بالمؤمن ويدمجه به، فيصبح واحدًا معه: ((فإننا اعتمدنا جميعًا بروح واحد لنكون جسدًا واحدًا، أيهودًا كنا أم يونانيّين، عبيدًا أم أحرارًا، وشربنا من روح واحد)) (1كو 12: 13). فالمسيح هو أساس كل شيء: ((فما من أحد يستطيع أن يضع غيرَ الأساس الذي وضع أي يسوع المسيح)) (1كو 3: 11) بل هو كل شيء: ((فقد حسن لدى الّله أن يُحل به الكمال كله)) (كو 1: 19). وهو الوسيط الوحيد بين الّله والناس: ((لأن الّله واحد والوسيط بين الّله والناس واحد، وهو إنسان، أي المسيح يسوع)) (1تم 2: 5). 
وهذه الحياة الجديدة أرادها الربّ في جماعة، داخل كنيسة. هذا أيضًا فهمه بولس من قول السيّد له: ((قم فادخل المدينة، فيقال لك ما يجب عليك أن تفعل)) (أع 9: 6). وعند دخوله دمشق، يلقاه حننيا بالسلام: ((يا أخي شاول، إن الربّ أرسلني... لتبصر وتمتلئ من الروح القدس)) (أع 9: 17).
فالكنيسة التي هي جسد المسيح الربّ، هي أيضًا منظورة، منظّمة، ولها رؤساؤها. وأعضاؤها هم أخوة بعضهم لبعض. في كنيسة دمشق، قام بولس واعتمد، فعادت إليه قواه. 
فكنيسة المسيح هي الهيّة وانسانيّة. فالّله الذي يعمل في الكون يريد أن يُشركنا في عمل تقديس العالم.
كنيسته كنيسة بشر من لحم ودم، ينعشها روح الّله. فهي كالسيّد المسيح الهيّة وانسانيّة، وفي داخلها يلتقي الّله شعبه الجديد. لذا بعد أن اعتمد بولس، ((أقام بضعة أيام مع التلاميذ في دمشق)) (أع 9: 19).
ثمّ مضى إلى الرسل في أورشليم، وعنهم أخذ الكثير من تفاصيل حياة المسيح وتعليمه. لذا لا يوجد أي تناقض بين ما علّم بطرس ويعقوب، وما علّم هو. هو يعلم أن الرسل هم رفقاؤه في التبشير فينطلق مع بطرس إلى انطاكيا، وفي رحلاته التبشيريّة يصطحب بعضًا من التلاميذ أمثال مرقس وبرنابا ولوقا وتيموثاوس... فتعليمه هو تعليم سائر الرسل والفرق أنه اختصّ بالأمم بينما بطرس ويعقوب بشّرا اليهود، وهذا أمر بالغ الأهميّة إذا ما ذكرنا كيف أن اليهود كانوا يحتقرون الأمم ودياناتهم. فبولس الذي أدخله المسيح في سرّه، يشدّد على أهميّة اهتداء الوثنيّين ويجعل من اتّحادهم بالمسيح مع اليهود نقطة الثقل في هذا السر: ((فتستطيعون أن تدركوا تفهّمي سر المسيح، هذا السر الذي لم يطلع عليه بنو البشر في القرون الماضية وكشف الآن في الروح إلى رسله وأنبيائه القديسين، وهو أن الوثنيّين شركاء في الميراث والحق والوعد في المسيح يسوع)) (أف 4- 6). هذا السر بقي محجوبًا حتى تحقّق في المسيح، وكُشف لبولس وتجلى في الكنيسة. هنا في المسيح يلتقي كل واحد وكل شيء: دعوة الوثنيّين للخلاص، مصالحة اليهود والأمم في شخص يسوع، اتحاد يسوع بعروسته الكنيسة، خضوع الكون كله للمسيح: ((فإننا نعلم أن الخليقة جمعاء تئنّ إلى اليوم من الآم المخاض)) (رو8: 22).
بالمسيح، في المسيح، كل الكائنات خَلُصَتْ، وهي على استعداد للاشتراك في تجلي الربّ يسوع في مجده.

5 - بولس اليهودي
بالرغم من هذه النظرة الكونيّة إلى الأمور، لم ينس بولس شعبه، هذه الزيتونة الأصليّة التي طُعمت عليها الزيتونة البريّة. السر الذي كان مكتومًا منذ الدهور وظهر في المسيح، لم يحرم إسرائيل من الميراث. فبولس واثق من اهتداء اسرائيل إلى المسيح. فالّله لن يسمح بأن يذهب سدى كل تاريخ الخلاص وكل جهد الآباء والأنبياء: ((إن قساوة القلب التي أصابت قسمًا من اسرائيل ستبقى إلى أن يدخل الوثنيون بكاملهم، وهكذا ينال الخلاص اسرائيلُ باجمعه)) (رو 11: 25- 26).
ذلك أن بولس لا يزال يحسب نفسه عضوًا في الجسد الذي دعاه إليه الّله واختاره ليكون نور الأمم.
واهتداؤه إلى الربّ يسوع لا يعدُّه خروجًا عن دين آبائه، بل تتويجًا لهذا الدين.
لقد ذهب بإيمانه إلى النهاية. وتبديلُ موقفه ليس خيانة لديانة آبائه، بل تصحيحًا لمسار كاد أن يضيّعه التشديدُ على تفاصيل الشريعة مع البعد عن روحها. لم يعتبر أنه انتقل من دين إلى دين: فيسوع هو مسيح اسرائيل المنتظر، ورسالته هي تبشير جميع الشعوب كما أوحى الّله لإبراهيم: ((ببنيك تتبارك جميع الشعوب)) (تك 12: 3). لا يتكلّم بولس على اهتداء شخصيّ، بل على دعوة ورسالة، على تطوّر روحي حدث على يد السيد المسيح على طريق دمشق. فالمسيحيّة في نظر بولس، هي تكملة لمسيرة عمرها الفا سنة، وليست عدوّة منافسة لليهوديّة. بولس التقى المسيح الذي كان ينتظره اليهود، وهو لا يزال أمينًا لاله ابراهيم الذي دعاه في المسيح. وقيامة يسوع من الموت هي تحقيق لنبوءات العهد القديم. بولس لم يتنكّر لإيمانه الذي اكتمل الآن في المسيح. لم ينكر يهوديّته بل فريسيَّته المتزمّتة.
فإيمانه وتبشيره بين الأمم تحقيق لنبوءات ولتصميم الّله الخلاصي. ألم يقل له حننيا:
((إن اله آبائنا قد أعدّك لنفسه لتعرف مشيئته وترى البار وتسمع صوته بنفسه. فإنك ستكون شاهدًا له أمام جميع الناس بما رأيت وسمعت)) (أع 22: 14- 15).
فالنبوءات كلها قد تحقّقت في المسيح يسوع القائم من الموت، وهكذا تكون مخطّطات الّله كلها قد تمّت. وما دعوة بولس سوى جزء من هذا المخطّط، وهو يأمل أن يكمّل اليهود المسيرة (رو 11-12): ((أترى نبذ الّله شعبه؟ حاش له...! لا تزال بقيّة مختارة بالنعمة... إن قساوة القلب التي أصابت قسمًا من اسرائيل ستبقى إلى أن يدخل الوثنيون بكاملهم، وهكذا ينال الخلاص اسرائيل بأجمعه)) (11: 1، 5، 25، 26). 

خاتمة
وهكذا، وبالرغم من تشديد بولس على رسالة السيّد المسيح ودور المسيح وعمله فينا وفي الكون، فهو يتكلّم على أب يسوع المسيح وروحه القدوس. بولس يؤمن ويبشّر بإله هو الثالوث. فكل شيء يتمّ بالروح ويتوجّه إلى الآب. كما إن كلّ شيء هو من الآب، أبي الأنوار. بولس يرينا كيف أن يسوع هو أحد ثلاثة يؤلّفون العائلة الالهيّة. لذا فصلواته تُختتم بمجدلة ترتفع للأشخاص الثلاثة ((لّله الحكيم وحده المجد بيسوع المسيح)) (رو 16: 27). ((السلام على الأخوة والمحبّة مع الإيمان من لدن الّله الآب والربّ يسوع المسيح)) (أف 6: 23). ((لتكن نعمة ربنا يسوع المسيح ومحبّة الّله وشركة الروح القدس معكم)) (2كو 13: 13).
والسرّ الذي كان مكتومًا طوال الدهور، ((كشفه الّله لنا بالروح، لأن الربّ يفحص عن كل شيء حتى عن أعماق الّله)) (1كو 2: 10). والّله هو الذي أفرز بولس ودعاه ليبشّر بالابن (غل 1: 15). ((وهذا كله من الّله الذي صالحنا بالمسيح)) (2كو 5: 18). فكل شيء في المخطّط الالهي هو من تدبير الثالوث.
وهكذا فالنصوص كثيرة التي تتكلّم على الثالوث. والمخطّط الالهي سوف يتمّ ((حين يسلم الملك إلى الّله الاب)) (1كو 15: 24). ((فحينئذ يخضع الابن نفسه لذاك الذي أخضع كل شيء ليكون الّله كل شيء في كل شيء)) (1كو 1: 28). 
الفصل الثالث

مقدمة لدراسة شخصية بولس

تركز الأبحاث الكتابية اللاهوتية والعلمية التي تختص بالرسول بولس على دراسات متعددة، منها:
- فكر بولس اللاهوتي والفلسفي
- مضمون رسائل بولس
- علاقة الرسائل مع كتابات أخرى 
- المشاكل التقنية واللغوية المتعلقة بالرسائل
- تاريخ وأوضاع الكنائس التي شملتها رحلات ونشاطات وعلاقات بولس
- علاقة بولس مع اتباعه وتلاميذه
- سرد رحلات بولس الرسولية. 
وأما الدراسات التي تختص بشخصية بولس من الجهة النفسية فهي نادرة ومرّده ثلاثة عوامل:
أولاً: إن التفسير النفسي لحياة الأفراد وتحليل شخصياتهم هما ثمرة العلوم الإنسانية والنفسية والتي تطورت وانتشرت بشكل ملموس ابتداءً من النصف الثاني للقرن العشرين.
فإن البحث عن الشخصية والنفسية اللتين يتحلى بهما كاتب نص بولس، وتعاليم بولس، وتحركات بولس، والمشاكل التي كان يواجهها بولس. بكلام آخر، لم يكن من المتوقع أن يحاول الباحث في الدراسات البولسية التنقيب في داخل شخصية بولس. بينما اليوم ومنذ اوائل القرن العشرين وبمساهمة علم النفس انتقل باحثون كثر في دراسات السيرة النفسية (Psychobiogroghy) من اسئلة مثل:((ماذا يقول فلان))؟ إلى الاستفسار عن المنابع الداخلية في شخص القائل. أو انتقلوا من اسئلة مثل ((ماذا فعل فلان))؟ إلى البحث عن النوايا الذاتية غير الموضوعة في زاويا نفس الفاعل.
ثانياً: يكمن في عدم استحسان الرأي العام الديني المؤمن للتحليلات النفسية التي تطال رموز ومرجعيات الإيمان والكنيسة خوفاً منهم أنها قد تَحُطّ من مرتبتهم، وحرصاًَ منهم على الحفاظ على مستوى معيَّن من القدسية التي تتمثّل بهذه الشخصيات.
ثالثاً: الصعوبة العلمية التي يواجهها الباحث في التعرف الدقيق على نفسيات ومشاعر اشخاص تَفصِله عنهم مئات السنوات، وتبدل الفاظ ومفاهيم، وتحوّل سياقات اجتماعية وتاريخية وجغرافية. وما يعقّد البحث هذا هو اقتصار المواد التي يمكن استخدامها إلى نصوص متشابهة، كاتبها هو بالذات موضوع البحث.
هل باستطاعتنا إذاً اكتشاف اعماق شخصية بولس الرسول بالمعنى النفسي والتحليلي؟ الجواب هو نعم، ولكن بحذر.
نعم، لأن في متناول يدنا نصوصًا غنية بالخبرات الشخصية والتفاعلات الاجتماعية والتي تؤهّلنا للتعرف على نواحي عدة من شخصية بولس، وأعني بهذه النصوص بصورة خاصة الرسائل إلى أهل كورنثوس وغلاطية. ثم هنالك وفرة نظريات في الدراسة النفسية والذاتية للشخصيات التاريخية ومنها الدينية يمكن الاستفادة منها. وأيضاً هناك مؤلفات عدة منذ بدايات القرن العشرين والتي استخدمت العلوم الإنسانية لايضاح معالم شخصيات كتابية وكنسية عدة، نذكر من بين هذه الاعمال بحث فرويدFreud) ) عن النبي موسى، وبحث البرت شويتزر (Schweitzer) عن يسوع المسيح، وبحث اريك اريكسون (Erikson) عن مارتن لوثر(1). 
يجب أن نذكر أن عمل جايمس (William James) يُعتبر فاتحة الدراسات التحليلية عن الخبرة الروحية والدينية، تلته أعمالٌ تحليلية في الاتجاه نفسه.
بالانتقال إلى الأعمال التي تطّرقت إلى بولس وشخصيته الظاهرة في رسائله وقدمت تحليلاً نفسياً، نذكر الأشهر منها بغض النظر عن مدى نجاح الباحثين في مهمتهم أو اقتناعنا باستنتاجاتهم. ومن هذه الدراسات بحث اللاهوتي الالماني المعاصرGerd Theissen وقبله Schreibe وTharachow وDodd وPfister وCox (2). 
وأما الحذر في البحث النفسي لشخصية بولس فيأتي من عدم إمكانية استعمال الموضوعية في الدراسات الشخصية والنفسية، ومن ثم عدم المقدرة على استنفاد كل مكونّات الشخصية الذاتية للإنسان بأي درس معمّق كان للنصوص، وأخيراً بسبب خطر الوقوع في التعميم الغير علمي في هكذا أبحاث. 
وبالدخول إلى صلب الموضوع نقول بأن الوسائل المتاحة (Methodology) لنا في هذه الدراسة المختصرة، وبغض النظر عن أي تحليل نفسي نظامي (Psychonalysis) هي ثلاث:
1 ـ نصوص السيرة الذاتية لبولس (autobiography)
2 ـ النصوص العامة التي يتطرق فيها بولس إلى شخصه
3 ـ النصوص البولسية التي تُظهر بشكل غير مباشر نواحيَ مختلفة من خبرة بولس الحياتية والإيمانية.
فإذا أخذنا هذه النصوص بعين الاعتبار، يمكننا أن نطرح اسئلة تحليلية موجّهة للنص وسياقه معاً، مثل:
ما هو مفهوم بولس لذاته؟
ما هي علاقته مع الاصدقاء والاعداء؟
ما هي الازمات التي يمرّ بها؟
ما هي الاوضاع التي يعتبرها أزمات؟
ما هي التحوّلات في سيرة حياته؟
ما هي قيمه الاجتماعية وعاداته الشخصية؟
ما هي طموحاته؟
وأخيراً، يمكننا أن نرى إن كانت هناك ميزات تظهر لنا بواسطة شبك النصوص بعضها مع بعض والتي تدل على مكوّنات الشخصية لديه.

في نصوص السيرة الذاتية 
غلاطية 1: 11- 2: 10: في غلاطية 1 و2 نجد سرداً ذاتياً لدعوة الله لبولس، وهذا هو اختصار لمضمون أعمال الرسل 9 وما يليه. ولكن هنا يحاول بولس اقناع القارئ بصحة دعوته. هناك ظاهرتان أساسيتان تلفتان النظر في هذا النص. الأولى تتجلى في التشديد على ان الإنجيل الذي يكرز به الرسول مبني على يسوع المسيح لا غير. ففي 1: 11- 12 يقول بولس: ((وأعرفكم أيها الأخوة الإنجيل الذي بشرت به، أنه ليس بحسب إنسان، لأني لم اقبله من عند إنسان ولا علمته، بل بإعلان يسوع المسيح)). والفكرة ذاتها وردت في 1: 1 حيث بدأت الرسالة بالقول: ((بولس رسول، لا من الناس ولا بإنسان، بل بيسوع المسيح....)). وأيضاً في 1: 10: ((فلو كنت بعد أرضي الناس لم أكن عبداً للمسيح)).
وأما الظاهرة الثانية والمتكررة بأشكال مختلفة في هذا النص، فهي استقلالية وتميّز بولس عن غيره، إذ نلحظ في تحركاته وتنقلاته التي يسردها أنه دائم الحركة والتجوّل. فمن جهة، يتوجّه إلى مناطق وشعوب وأشخاص لا يعرفها، مثل ذهابه إلى العربية، أو صعوده إلى أورشليم ومكوثه مع بطرس، ثم ذهابه إلى سوريه وكيليكية وأبعد من ذلك وهو يكرز بالإنجيل. والجدير بالذكر هو أن هذه التنقلات كانت تحصل أيضاً قبل اهتدائه على طريق دمشق. وهذه الاستقلالية تطفي عليه طابعاً من الامتياز الشخصي، فهو يتميز عن الآخرين أينما ذهب. حين اضطهد المسيحيين فعل ((بإفراط)) (1: 13)، وعند صعوده إلى أورشليم، تميّز بمكوثه عند بطرس وملاقاته ((يعقوب أخا الرب)) (1: 19) ولا أحد غيرهم، وهو غير معروف من قبل الذين يزورهم في سورية وكيليكية ولكنه مقبول لديهم (10: 22- 23). وفي موضوع شائك مثل الختان يقول بولس بأنه لا يخضع لاحد ولا ساعة (2: 5).
نكتشف في هذه النصوص إنساناً مستقل التفكير وواثقًا من ذاته، إنساناً مميزاً لا يخضع للضغوط أو الظروف أو الحدود، إنساناً يضع حريته واستقلاليته وأفكاره تحت سقف واحد ألا وهو سقف الحرية الروحية والرسالة السامية التي يلتقي معها في إنجيل يسوع المسيح.
2 كورنثوس 11: 16- 12: 10: هذا سرد آخر لسيرته الذاتية بشكل وَصْف ضيقات بولس وافتخاره بميزات يملكها، والتي يضعها بأجمعها في خدمة الإنجيل. إذاً يمكن ربط مجمل العناوين الرئيسية للنص بدواعي الافتخار. فإن كان السؤال يدور حول المركز الاجتماعي والديني، لدى بولس ما يفتخر به: ((أهم عبرانيون؟ فأنا أيضاً... أهم نسل ابراهيم؟ فأنا أيضاً... أهم خدام المسيح؟... فأنا أفضل)) (11: 22- 23)(3). وإن كان السؤال يدور عن الثمن الذي يدفعه الإنسان دفاعاً عن إيمانه، فلديه الكثير الذي يذكره. ((ثلاث مرات ضُرِبت بالعصي، مرة رُجمت، ثلاث مرات انكَسَرت بي السفينة)) (11: 25). وإذا كان السؤال عن الامتياز في خدمة الإنجيل والكنيسة، فلدى بولس الكثير أيضاً ليفتخر به، فيقول: ((عدا ما هو دون ذلك: التراكم عليّ كل يوم، الاهتمام بجميع الكنائس)) (11: 28).
ولكن بولس يكرّر في البداية والنهاية، وفي كل مناسبة يسرد فيها جزءاً من سيرة حياته، أنه يوظف كل أسباب ومشاعر الافتخار الإنساني ويضعها في خدمة المسيح، ويتنازل عن نفسه. وبافتخاره حتى بضعفه، يتواضع امام ربه وإنجيله. إذاً المبالغة في الافتخار تتحوّل إلى امتياز في التواضع.
فيلبي 3: 3- 7: ما قرأناه في 2 كورنثوس 11 و12 نراه بإيجاز في الرسالة إلى أهل فيلبي، حيث يركز الرسول مناقشاته على عدم جدوى الاتكال على الجسد. يشهد بولس بوضوح بان كل ما يمكن للإنسان أن يحسبه ربحاً هو نفسه يحسبها خسارة من أجل ربح أعظم، ألا وهو معرفة المسيح فيقول: ((لكن ما كان لي ربحاً فهذا قد حسبته من أجل المسيح خسارة، بل اني أحسب كل شيء أيضاً خسارة من أجل فضل معرفة المسيح يسوع ربي، الذي من أجله خسرت كل الاشياء، وأنا أحسبها نفاية لكي أربح المسيح )) (3: 7- 8).
وهذه الكلمات هي إشارة مباشرة إلى التحوّل الكبير الذي عاشه بولس في حياته. أي كان يوماً من الأيام يظن أنه يكافح من أجل أسمى قضية وأهم ناموس، ولكن بعد اهتدائه يكتشف بأن التعلق بالناموس والاتكال على قوة وطاقة الإنسان يَبْطُلان تماماً تجاه سموّ رسالة المسيح التي يجد فيها الربح الأعظم. إذاً بولس لا يزال يسمو إلى الأفضل، ولكن معاييره للسموّ أضحت على مستوى النعمة الإلهية.

في النصوص العامة التي تشير إلى حياة بولس
يتطرّق بولس في كل مناقشة من مناقشات رسائله إلى نفسه أو وضعه أو مكانته الشخصية، حتى لو كان الموضوع عاماً أو نظرياً لاهوتياً. والملاحظ أنه لا يَفصل أبداً بين انجيل المسيح الذي يكرز به، والإنجيل الذي يعيشه وخدمة الإنجيل الحياتية التي اضحت جزءاً من هويته الشخصية. والأنا في رسائل بولس ليس لوضع نفسه في الوسط، بل لايضاح مركزه الرسولي وعلاقة شخصه برسالته.
وفي رسائل بولس بشكل عام، تلفت نظر القارئ المحلَّل ميزات شخصية لبولس يمكن الإشارة إلى بعضها من خلال الآيات التالية:

أ - الجُرأة أو الجسارة:
رومية 6: 1
رومية 15: 15
1 كو 4: 18- 21: ((فانتفخ قومٌ كأني لست آتياً إليكم. ولكني سآتي إليكم سريعاً إن شاء الرب، فسأعرف ليس كلام الذين انتفخوا بل قوتهم. لأن ملكوت الله ليس بكلامٍ، بل بقوةٍ. ماذا تريدون؟ أبعصاً آتي إليكم أم بالمحبة وروح الوداعة؟!))
2 كو 10: 2
2 كو 13: 2

ب - الافتخار والامتياز والتفوق:
رومية 11: 1: ((فأقول: ألعل الله رفض شعبه؟ حاشا! لأني أنا أيضاً إسرائيلي من نسل إبراهيم سبط بنيامين)).
رومية 15: 17- 18
1 كو 9: 15 (والذي هو مثل للتواضع أيضاً)
2 كو 1: 12
2 كو 9: 2- 3: ((لأني أعلم نشاطكم الذي أفتخر به من جهتكم لدى المكدونيين...)).
فيلبي 3: 17: ((كونوا متمثلين بي معاً أيها الأخوة....)).
1 تسالونيكي 2: 2

ج - الكرامة الشخصية والدفاع عن النفس:
رومية 9: 1- 2
1 كو 4: 3- 4: ((وأما أنا فأقّل شيء عندي أن يُحكم فيّ أمنكم أو من يوم بشرٍ. بل لست أحكم في نفسي أيضاً)).
1 كو 51: 9
2 كو 3: 5
2 كو 7: 8
فيلبي 1: 18- 19
فيلبي 4: 15
1 تسالونيكي 3: 1: ((لذلك إذ لم نحتمل أيضاً، استحسنا أن نُترك في اثينا وحدنا)).

د - التواضع والحنان:
1 كو 3: 5
1 كو 9: 19- 23
2 كو 2: 4
غلاطية 4: 20
فيلبي 2: 22
فيلبي 3: 12
فيلبي 3: 18
فيلبي 4: 11- 12
1 تسالونيكي 2: 7: ((بل كنا مترفقين في وسطكم كما تربي المُرضِعة أولادها)).

هـ - الصراع الروحي:
رومية 7: 21- 24: ((إذاً أجد الناموس لي حين أريد أن أفعل الحسنى أن الشر حاضرٌ عندي. فإني أُسّر بناموس الله بحسب الإنسان الباطن، ولكني أرى ناموساً آخر في أعضائي يحارب ناموس ذهني، ويسبيني إلى ناموس الخطية الكائن في أعضائي. ويَحي أنا الإنسان الشقي! من ينقذني من جسد هذا الموت؟)) 
1 كو 2: 3
و - الرجاء والانتظار: 
رومية 8: 18: ((فإني أحسب أن آلام الزمان الحاضر لا تقاس بالمجد العتيد أن يستعلن فينا)). فيلبي 3: 20- 21
وهكذا يكتشف القارئ لرسائل بولس إنساناً حقيقياً قوياً موهوباً فخوراً بما لديه من صفات ومواهب وعلاقات وخبرات ومعرفة. يكتشف إنساناً يتميّز بكرامة شخصية عالية ووعي تام لمركزه كشخص وكرسول ولقوّته كقائد. إنساناً قادراً على الدفاع عن نفسه وعمله ومقاضاة خصومه. يكتشف المحلِّل في بولس الإنسان الحقيقي والمؤمن الذي هو يعرف أيضاً معنى الصراع الروحي الداخلي وذوق الراحة في يد الله. ولكنه أيضاً الرسول الذي يذوب في إنجيل يسوع المسيح ويكتشف بأن النعمة الالهية تقوده طوعاً إلى التواضع، والتواضع يقوده إلى معرفة ذاته وربه، وإلى المحبة والحنان، بعكس ماضٍ معروف بالاختباء وراء الناموس والقساوة والتبرير الإنساني. ويظهر لنا بولس كشخص اعتاد على النجاح الآني، وهو الآن يستطيع الانتظار لان رجاءه حي في المسيح الذي يرى فيه بولسُ كمالَه الشخصي وتحقيق ذاته.

النصوص العامة غير المتعلقة بشخص بولس
يمكننا أيضاً دراسة رسائل بولس والقراءة بين الاسطر لاكتشاف ملامح عدة عن شخصية بولس، وهذا هو جهد غير متناه. ومن المواضيع الأساسية التي لا يمكننا أن نتغاضى عنها لاتمام أي درس لشخصية بولس نذكر:
مفهوم بولس للناموس: فمثلاً عندما يقول الرسول: ((لان الناموس ينشىء غضباً، إذ حيث ليس ناموس ليس أيضاً تعد)) (رومية 4: 15)، إنما هو يتكلم عن خبرة عاشها قبل اهتدائه ويحاول الآن أخذ العبر من الخبرتين اليهودية والمسيحية.
وكذلك الأمر عندما يعلّم في كنيسة غلاطية قائلاً: ((قبلما جاء الإيمان كنا محروسين تحت الناموس، مُعلقاً علينا إلى الإيمان العتيد أن يُعلن، إذ قد كان الناموس مؤدِّبنا إلى المسيح، لكي نتبرر بالإيمان، ولكن بعدما جاء الإيمان، لسنا بعد تحت مؤدب)) (غلاطية 3: 23- 25). ويطرح بولس على الكنيسة كيفية تطبيق هذا التعليم قائلاً: ((احمِلوا بعضكم أثقال بعض، وهكذا تمموا ناموس المسيح)) (غلاطية 6: 2).
وهنا نجد أن بولس بشخصيته القوية الواثقة يستبدل ثقته الكاملة الجذرية في الناموس بإيمان راسخ بنعمة المسيح. فهو شخص مخلص في أي خندق وُجد: كان مخلصاً ووفياً في اليهودية، وهو مخلص ووفي في إيمانه المسيحي.
مفهوم السلطة: مفهوم السلطة، إن كانت سلطة رسولية أو سلطة الإنجيل أو السلطات المدنية، أو سلطة الله، حاضر دائماً في رسائل بولس. فعلاقته مع المؤمنين والتلاميذ والكنائس وحتى الذين يحاولون زجَّه في السجن، تُحتّم تحديد السلطات. فمثلاً يقول: ((لتخضع كل نفس للسلاطين الفائقة، لانه ليس سلطان إلاَّ من الله، والسلاطين الكائنة هي مرتبة من الله)) (رومية 13: 1). ومن جهة أخرى فهو واثق أن سلطته هي أيضاً من الرب، ويقول: ((فإني وان افتخرت شيئاً أكثر بسلطاننا الذي أعطانا إياه الرب لبنياكنكم لا لهدمكم، لا أخجل)) (2كو 10: 8).
ونجد هنا أن بولس بشخصيته القيادية يرتاح أكثر عندما يحدد العلاقات بينه وبين الآخرين وبين الجميع في الدين والمجتمع بواسطة التعريف عن السلطات. وتحديد هذه العلاقة يبدو طبيعيًا وسهلاً مع الكنائس، لانه هو الأب والمؤسس لعدد كبير من الكنائس التي يراسلها.
علاقاته مع زملائه: من خلال رسائله كلِّها نتعرف على بولس الأب والقائد والأخ الكبير والراعي. هكذا كان قبل اهتدائه، وهكذا ظل بعد اهتدائه. وهذه الظاهرة كانت لها آثارها في عمله وعلاقاته. من الواضح جداً أنه بقدر ما كان المترئس للرحلات والتعليم، كان أيضاً الرسول الذي يقوم بأعماله بمرافقة آخرين، أو على الأقل بإرسال الآخرين. لكنه هنا، أيضاً ودائماً، القائد. وفي علاقاته حتى مع زملائه الآخرين لا مجال للمساومة. وأشهر مثل في رسائله هو مواجهته لبطرس في موضوع لاهوتي ألا وهو الأكل مع الأمم (غلاطية 2). ولكن نعي تماماً من خارج رسائله، أي من خلال قراءتنا لاعمال الرسل، بأن علاقاته كانت أيضاً تشهد صراعات شخصية. فمثلاً نقرأ: ((ثم بعد أيام قال بولس لبرنابا: "لنرجع ونفتقد أخوتنا في كل مدينة نادينا فيها بكلمة الرب كيف هم". فأشار برنابا أن يأخذا معهما أيضاً يوحنا الذي يدعى مرقس، وأما بولس فكان يستحسن أن الذي فارقهما في بمفيلية ولم يذهب معهما للعمل، لا يأخذانه معهما. فحصل بينهما مشاجرة حتى فارق أحدهما الآخر. وبرنابا أخذ مرقس وسافر في البحر إلى قبرس)) (أعمال 15: 36- 39). إذًا لم تكن كل صراعاته وشجاراته لاسباب لاهوتية، بل أيضاً بسبب قوة شخصيته والإصرار على دوره القيادي.
وكي نكون أمناء في القراءة، يجب أن نذكر أيضاً أنه كان رجل مصالحة، فحاول أن يصالح زملاءه بعضهم مع بعض، كمثل أفودية وسنتيخي في فيلبي 4: 2.

الختام
يستخلص الباحث في نصوص بولس بأن لديه شخصية ديناميكية فاعلة ومندفعة، شخصية تشعر وتفكر وتغامر وتحارب وتواجه وتتفانى. ولكن بولس يوجّه كل هذه الميزات باتجاه شخص يسوع المسيح، ويوظف كل طاقاته وضعفه باتجاه القداسة لخدمة إنجيل النعمة.
ولكن الشخصية هذه تحافظ على تمييزها وفعاليتها دونما غموض بالجمع بين ما قد تبدو كميزات متناقضة ـ بين مفهوم صارم للسلطة والاستعداد للخدمة، بين القساوة تجاه الحليف والخصم والمحبة تجاههم، بين الافتخار بالماضي والحاضر والتواضع أمام الله، بين الدفاع عن الكرامة الشخصية والتفاني من أجل بنيان الكنيسة.
تبدو عظمة هذه الشخصية لدى بولس في وضعه للماضي والحاضر والنجاحات والضعف في خدمة الإيمان الذي وجد نفسه مدعواً إليه بشكل شخصي وخصوصي. ومن أجل ذلك فهو يقبل أن يكون بالامتثال بالمسيح ((كلاً للكل)) ليربح الجميع إلى المسيح (1 كو 9: 22)، وهكذا يصبح سفيراً فعّالاً للمسيح.
الفصل الرابع
المرأة عند بولس

يبدو لنا بولس، من خلال نصوصه، رجل تناقض، فهي تظهر شبه متنافرة: من جهة، نرى فيه الرجل الذي يعيد إلى الوراء المرأة التي عزّز يسوع دورها الاجتماعي، فاكتسب بالتالي صفة المناهض للمرأة دون منازع، وأصبحت هذه الصفة ملازمة لشخصيّته (كور 11 و14)؛ ومن جهة أخرى، نجد فيه المناصر الأول للمساواة الاجتماعيّة. فما أن نطمئنّ إلى غلا 3: 28 واعلان نهاية التمييز الاجتماعي والدينيّ الذي كان يفرّق بين الرجل والمرأة (لم يعد هناك يهوديّ ولا يونانيّ، لا عبد ولا حرّ، لا رجل ولا امرأة)، حتى يفاجئنا أمرُه بأن تصمت النساء في الكنائس (1كور 14: 34)، والتأكيد بأن ((الرجل هو رأس المرأة)) (1كور 11: 2- 16). فمن هو بولس؟ هل هو قائد مسيرة التحرير أم إنه سيّد المحافظين الأول؟ وهل يكفي قوله ((لتصمت النساء في الكنائس)) كي يكون هذا الرسول ألدّ أعداء المرأة؟ أم هل يمكننا أن ننسب إليه ازدواجيّة في مبادئه الأخلاقيّة، بحيث نلمس جوهر إيمانه في غلا 3: 28، ونكتشف ميوله الرافضة للمرأة في 1كور 14؟ أم أننا نستطيع أن نعيد غلا 3: 28 إلى ثقافته اليونانيّة و1كور 14 إلى بيئته اليهوديّة؟ إن التناقض أكيد، ومن غير الممكن تبرئة بولس من أبوّته لأيّ من الخطّين فكيف نقرأه وكيف نفهمه إذًا؟
قبل البدء في قراءة النصوص واستخلاص فكر بولس ورأيه حول موضوع النساء، لا بدّ لنا من توضيح بعض النقاط الأساسيّة في قراءتنا لهذه النصوص الكتابيّة.
يجب علينا أولاً الانتباه إلى المساحة الزمنيّة والاجتماعيّة التي تفصلنا عن نصوص العهد الجديد التي تعود إلى 2000 سنة، وإلى اختلاف ثقافة ومبادئ وقوانين عصرنا الحالي عن ثقافة ومبادئ وقوانين ذلك العصر، وبالتالي استحالة تفتيشنا في هذه النصوص عمّا نريده نحن اليوم؛ من هنا ضرورة الفصل بين النصّ وتأثيره في التاريخ.
لا بدّ من التأكيد ثانيًا، أن موضوع العلاقة بين الرجل والمرأة غير مطروح أبدًا كموضوع محدّد ومستقل، لا في الانجيل ولا في كتابات بولس. أي إن كاتبي هذه النصوص لم يعطوا هذا الموضوع ما نعطيه نحن اليوم من أهمّية. فالنصوص تأتي على وضع الرجل والمرأة بطريق العرض (طلب شفاء، لقاء، مشكلة في الحياة الجماعيّة)، فلا يجوز تطبيق رأي حول امرأة على المرأة بشكل عام. إن كتابات بولس، كما هو معروف، هي كتابات رسوليّة ظرفيّة لا تهتمّ أساسًا بنقل معلومات عن بدايات الرسالة المسيحيّة. فالأشخاص والأماكن والخلافات المذكورة فيها، تعود إلى حوادث مرتبطة بزمان محدّد ومكان معيّن. من هنا لا يمكننا أن نأخذ النصوص ونعطيها قوّة البرهان، ذلك أن كل فكرة تطال الرجل والمرأة يجب أن تُوضع في إطارها الاجتماعي والتاريخي.

المرأة اليهوديّة والجديد المسيحي
نستطيع أن نستنتج من غلا 3: 28 أن بولس كان يطالب بجماعات مؤلّفة من تلامذة متساوين، لكن هذه الجماعات لم تكن اختراعًا جديدًا، فهي تستند إلى سابقة نجدها عند يسوع.
لقد جمع يسوع النساء والرجال تحت راية الملكوت القريب، وبنى بولس التراتبيات على أساس التبرير بالإيمان. فانطلاقًا من الاسكاتولوجيا بالنسبة للرسول، عرفت هويّة المرأة تقييمًا جديدًا بالمشاركة بالإيمان. ولكن ما هو الجديد في مواقف يسوع من المرأة؟ من الأكيد أن يسوع أتى بالجديد، لكن يجب أن نضيف بأن وضع المرأة اليهوديّة في القرن الأول لم يكن مثالاً للظلم. صحيح أننا لا نعرف الحياة اليهوديّة في فلسطين أثناء القرن الأول إلاّ من خلال النصوص التشريعيّة، لكن هذه النصوص هي ذات طابع متأخّر ويجب أن نلفت الانتباه إلى أن قسوة الشرائع لا تتطابق دائمًا مع بساطة الحياة، وأن المشناة لا تعكس دائمًا يوميات الحياة الفلسطينيّة.
المرأة بنظر الشريعة
يبدو أن إطار تأثير المرأة يعود إلى دورها كأم، وإلى أمانتها لزوجها، وإلى مسؤولياتها المنزليّة. فالفتاة لا يمكنها رفض زواج قرّره والدها، ويمكن للمرأة أن تطلّق بسبب زنى (رابي شماي)، أو بسبب احتراق طبخة (رابي هلال)، أو لأن زوجها قد فضّل عليها امرأة أخرى (رابي عقيبه)؛ ويجعل الدين من المرأة شخصًا قاصرًا: تُفصل عن الرجال في صلاة المجمع، وتُحرم من تعلّم التوراة، وتُعفى من غالبيّة وصاياها(1). لكن هذه الصورة الكلاسيكيّة تحتاج إلى توضيح: فالمرأة اليهوديّة ليست مُلكًا لزوجها. فقد حمت الشريعة المرأة المطلّقة عن طريق اجبار الزوج على إعادة الدوطة ((ك ت و ب ه)) حتى ولو استدان (ندريم 9: 5). وفي الحياة الطقسيّة، تطبّق على المرأة ممنوعات أقلّ بكثير مما تطبّق عليها اعفاءات معيّنة. فهي مثلاً معفاة من سكن الخيام أثناء العيد، ومن ارتداء ال ((ت ف ل ي م)) (أي علبتان تحتويان أربعة نصوص بيبليّة)، ومن ترداد صلاة ((شماع)): ((اسمع يا اسرائيل)) الخ. غالبًا ما توحّد الطقوس بين المرأة والعبد والطفل. ويعتبر رابي العازر بأن ((تعليم التوراة للابنة هو بمثابة تعليمها التفلّت)). لكن رابي بن عزاي يجيز لها ذلك (سوطه 3: 4). ويمكننا أن نتساءل إن لم يكن الفصل بين الرجال والنساء في المجتمع لا يعكس ممارسة متأخّرة (2). إن عظمة المرأة اليهوديّة تكمن إذًا بشكل عام في دورها كزوجة وأم كما يؤكّد رابي العازر: ((رجل بلا امرأة ليس رجلاً)) (تلمود بابل، يبموت 36) لكن خارج المنزل وفي الحياة العامة والدينيّة، سلطة الرجل هي الطاغية (3).
على هذه الخلفيّة، تأخذ تصرّفات يسوع تجاه المرأة أهمّيتها. فقبول يسوع للنساء ليكنّ بين مرافقيه (لو 8: 1- 3)، وليسمعن تعاليمه، وتأثّره العميق تجاه النساء المريضات، ورفضه قبول سنّة الطلاق المحفوظة للرجل وحده (مر 10: 2- 9)، وقبوله الحوار معهن (مر 7: 24- 30؛ يو 4)، هي علامات للاهتمام الذي أعطاه يسوع للنساء، وهذا ما يفسّر أمانة النساء لعلاقتهن بالمعلّم بعد أن هرب التلاميذ (مر 15: 40ي). في كل الأحوال، لم يكن يسوع تقليديًا بنظر معاصريه: فمن جهة تقلل البتوليّة التي عاشها من أهميّة الجنس، ومن جهة ثانية تبدو طريقته بالتعامل وكأنها تخطّ لدور المرأة كأم إلى دورها كتلميذة. ((رفعت امرأة صوتها في وسط الجماعة وقالت له: طوبى للتي ولدتك وأرضعتك. فأجابها قائلاً: بل الطوبى لمن يسمع كلمة الله ويعمل بها)) (لو 11: 27- 28)(4).

ب - المجتمع اليوناني - الروماني
بالعبور مع بولس إلى المحيط الثقافي اليوناني-الروماني، دخلت المسيحيّة في مجتمع متساهل أكثر مع النساء (الغنيّات منهن). فقد كانت هذه النساء يتمتّعن بمساحة اجتماعيّة تُحسدن عليها (حياة متحرّرة، قادرات على القيام بعمل تجاري، ممارسة الفنون، تغيير الأزواج، العمل السياسي). ونجد في نصّ ((الزراعة)) ل ((كولومول)) معلومات تنبئنا عن تيارات التحرّر النسائيّة في ذلك الوقت وعن ردات فعل الرجال عليها، فيستهزئ الكاتب بميل النساء الرومانيات للظهور، ويغضب لتركهنّ العمل المنزلي واليدوي، ولعدم اهتمامهنّ بأزواجهنّ.
((عند اليونانيّين ثم عند الرومان وحتى أيام آبائنا، كانت الهموم المنزليّة موكلة بشكل عام للنساء المتزوّجات، في حين أن آباء العائلة، كانوا يعودون، مرتاحي البال، إلى منازلهم ليستريحوا من الأعمال الخارجيّة. كان الاحترام الكبير يسود في جوّ من التفاهم واليقظة، وكانت الزوجة الأجمل تتفانى بالحضور وتتمنّى أن تنمّي وتحسّن أعمال زوجها بفضل اهتمامها(...). أما اليوم فقد أفسد الترف والكسل غالبيّتهن، فلم تعد النساء يتنازلن للاهتمام حتى بشغل الصوف، بل رحن يزدرين الثياب المصنوعة في المنزل، وبدافع من ميل فاسد أصبحن يجدن المتعة الكبرى في شراء الألبسة الأغلى والتي تكلّف ثروة. فلم يعد من المستغرب أن نراهن يأنفن الاهتمام بالأدوات الزراعيّة، وأن يعتبرن من غير اللائق قضاء بضعة أيام في المزرعة(5) )).
يبدو أن المسيحيّة قد تجاوبت مع حركة تحرّر المرأة، لكن الفرق يكمن بأن الحريّة بالمعموديّة لا تقتصر على الأرستقراطيّة الاقتصاديّة، بل إن المساواة قد وصلت إلى الجميع: ((لا يهودي ولا يوناني، لا عبد ولا حرّ، لا رجل ولا امرأة)). ولكن كان من الطبيعي أن تظهر الصعوبات في مجتمع لا يعترف باختلاط الرجال والنساء الاجتماعي (والديني). هذا ما حدث في كورنتوس في إطار الطقوس والعبادات، وهو ما سيسبّب مداخلتان قويّتان من قبل بولس: الأولى بموضوع الحجاب (1كور 11: 2- 16)، والثانية بموضوع صمت النساء في المجالس العامة (1كور 14: 34- 36).

المرأة في الجماعات البولسيّة
تعكس لنا نصوص العهد الجديد، - وهي الشاهد الوحيد على البشارة الأولى وعلى شكل الجماعات التي نشأت في مختلف أنحاء حوض المتوسط - شكل الكنائس وهيكليّتها الليّنة التي لم تحدّد تمامًا، والتي تأتي جوابًا على حالات حقيقيّة مختلفة بحسب الزمان والمكان. نرى في كل الحالات، أن بين المؤمنين اخوة وأخوات بالإيمان، يقومون بوظائف، ويتحمّلون مسؤوليّات خاصة بخدمة الانجيل أو الجماعة. فعدا الاثني عشر، نجد التلامذة والرسل والأساقفة والشيوخ () والشمامسة، لكننا لا نجد أبدًا الكهنة وهي وظيفة طقسيّة من العهد القديم. ويبدو أن مميّزات كل من هذه الخدم لم تكن محدّدة تمامًا، فقد كانت تتعلّق بالظروف والحاجات الرسوليّة. وإن تساءلنا اليوم حول المكان الذي كانت الجماعات المسيحيّة الأولى تعطيه للمرأة، نجد أنه رغم الاطار الاجتماعي - الثقافي الذي لم يكن ملائمًا لانطلاق المرأة، فقد أوكلت إليها خدمات services وخدمًا ministères بالمعنى الكنسي الذي كان مفهومًا في ذلك الوقت. وبحسب الرسائل إلى المدن الكبرى (روما، كورنتوس، تسالونيكي، فيلبي، وغلاطية)، نجد أنه رغم السمعة التي اشتهر بها بولس كمناهض للنساء، غالبًا ما ننسى أنه يعترف بحق الرجال والنساء بالتنبّؤ في الجماعات ولو بوضع الحجاب (1كور 11: 5). والنبي الذي يقيمه الله -رجلاً كان أم امرأة- (1كور 12: 28) يقوم بين الرسل والمعلّمين، وهو صاحب موهبة لبنيان الجماعة، وله دور خاص في قلب الجماعة هو اعلان اسم الله وسر مشروعه وإرادته بحسب الظروف الحاليّة وذلك بوحي الروح (1كور 13: 2). 
لقد تألّفت الجماعات التي أسّسها بولس من تلامذة متساوين. فدراسة التحيّات التي يوجّهها الرسول في خاتمة رسائله تمكّننا من الملاحظة بأن الجماعات البولسيّة قد ضمّت مختلف الفرق الاجتماعيّة التي كانت موجودة في العالم الروماني، وأن النساء قد أخذن فيها مكانًا مهمًا. في رو 16: 3- 16 يذكر بولس اسميًا 26 شخصًا منهم 16 رجلاً و9 نساء، اضافة إلى اثنتين لا يذكر اسمهما (أم روفس وأخت نيريوس) اضافة إلى النساء من أهل بيت أرستوبولس وأهل بيت نركيسوس (16: 10- 11)، وبين الاخوة القديسين (16: 15). والجدير بالذكر أن بولس يذكر زوجين هنا هما فيلولوغس وجوليا؛ ونيريوس وأخته (ربما كانا زوجان رسوليان كما برسكيلا وأكيلا في حال كانت عبارة أخت تعني ما هي عليه للجماعة). وأما بما يخصّ فيبة شمّاسة كنخرية (رو16: 1)، فيقول بولس ((أوصيكم بأختنا فيبة  ((خادمة)) كنيسة كنخرية (مرفأ كورنتوس الشرقي).. لأنها أسعفت  كثيرًا من الاخوة وأسعفتني أنا أيضًا.

فيبة خادمة كنيسة كنخرية
تكمن أهميّة فيبة ك ministre لكنيسة كنخرية في لقب  المترجم عادة بمساعدة أو حماية، مع أن أدب تلك الحقبة يعطيها معنى المسؤول الأول، الحاكم. ومع أن بولس يؤكّد بأنها كانت  للكثيرين ولبولس نفسه، فإن المختصّين ينفون عنها هذا المعنى، ولكن في 1 تس 5: 12، يُستعمل الفعل  لأشخاص يمارسون السلطة في الجماعة؛ وفي 1 تم 3: 4؛ 5: 17 يدلّ على مسؤوليّات الأسقف أو الشماس أو الشيخ. وإن كان من المبكر ربط لقب  ((شماس)) بوظيفة خدماتيّة تراتبيّة في الكنيسة، فإنه من الواضح أن هذا الدور هو دور مميّز وعام في الجماعة المحليّة(6). ففي حالة فيبة، يعكس لقب  خدمة واقعيّة، ولا خدمة الله فقط، وهي خدمة تعني كل المسيحيّين بشكل عام. إن هذا الدور له معنى بذاته كما يظهر من ارتباطه بالمكان: ((خادمة كنيسة كنخرية))، فالخدمة التي تبرّر هذا الدور معترف بها بحد ذاتها كخدمة في قلب الجماعة تستحق لتلك التي تقوم بها، كلَّ احترام وتقدير. إن وصف فيبة بـ  لكنيسة كنخرية هو بداية لتحوّل الموهبة إلى وظيفة ستصبح نقطة ارتكاز الرسالة. ومع أن فيبة هي المرأة الوحيدة التي حصلت على رسالة توصية رسميّة في كتابات بولس (رو 16: 1)، ومع أنها حصلت على ثلاث صفات مهمّة (أخت، شماسة، )، فإن الرسالة المسيحيّة الأولى لم تعترف بمكانها ودورها المهم. ويميل الشّراح إلى تخفيف هذه الصفات أو لاعطائها معانيّ مختلفة، لأنها تتعلّق بامرأة. ففي كل مرّة يستعمل بولس لقب diakonos ليتحدّث عن نفسه أو عن رجل آخر، فإن الشرّاح يترجمون العبارة ب ministre، رسول أو خادم. أما بما يخص فيبة، فإنهم يترجمون العبارة ب diaconesse كما للكلام عن بعض النساء اللطيفات اللواتي كنّ يتقدّمن للمساهمة بعماد النساء، أو بخدمة النساء المريضات وخدمة الأصدقاء، وبذلك يعكسون على القرن الأول صورة الخدم التي كانت النساء تقوم بها في القرون اللاحقة. فمسؤوليّة فيبة في كنيسة كنخرية لم تكن محدودة بوظائف خاصة بجنسها، فهي ليست شمّاسة النساء، ولكن  الكنيسة بأكملها. ويطبّق بولس العبارة على ذاته وعلى أبلس في 2 كور 3: 6؛ 4: 1؛ 5: 18؛ 6: 4؛ الخ. ويستعملها في 1كور 3: 5 و 9 للتشديد على أن الله هو من دعا بولس وأبلس وأعطاهما هذه الخدمة ministère. وفي 2كور 6: 1 يرجع بولس إلى الجماعة ويوصي بنفسه على أنه  قد تألّم كثيرًا في خدمة البشارة (2كور 3: 1-6. وفي 1 تس 3: 2 يرسل تيموتاوس ((أخانا والعامل مع الله في بشارة المسيح)). وبحسب الرسالة الأولى إلى الكورنثيّين 16: 15 فإن العاملين والمعاونين هم الذين ((كرّسوا أنفسهم لخدمة القديسين)) فأل  كما ال  هو إذًا مرسل أوكلت إليه البشارة ومسؤوليّة الكنائس. فيبدو إذًا أن ل  الرسالة البولسيّة وظيفة رسميّة معترف بها كمرسلين ومبشّرين ومعلّمين، وعلى هذا الأساس يوصي بولس كنيسة كنخرية بفيبة.

نساء أخريات
بعد فيبة يأتي الزوجان برسكيلا وأكيلا وهما زوجان يهوديان طُردا من ايطاليا وأقام بولس عندهما وعمل معهما بالرسالة (أع 18: 2-3). تبعا بولس من كورنتس إلى أفسس (أع 18: 8). وبعد ذهابه أخذا على عاتقهما متابعة تنشئة أبلس المسيحيّة، والذي هو يهودي من الاسكندريّة عارف بالكتب (18: 24-27). وبحسب النص الاسكندراني لكتاب الأعمال، كان الاثنان يتحمّلان مسؤوليّة التعليم didascale. ويسمّي النص برسكيلا أولاً، في حين لا يعطي النص الغربي صفة ((didascale)) إلاّ لأكيلا وحده. فهل يعني هذا الاختلاف أن المعطيات التاريخيّة قد حذفت أثناء تناقل النص لأنها تتناقض مع ممنوعات 1 تي 2: 12؟ في كل الأحوال، يسمّي بولس هذين الزوجين ((معاونيّ في المسيح يسوع)) (16: 3)، وهي صفة يعطيها عادة لمعاونيه المباشرين في عمل الانجيل. ويذكر برسكيلا أولاً مما يدلّ على دورها المهم والأساسي (راجع 1 كور 16: 19 حيث يسمّي أكيلا أولاً). ثم يذكر بولس أندرونيكس ويونيا ((نسيبيّ ورفيقيّ في السجن، وهما من المشهورين بين الرسل، بل اهتديا قبلي إلى المسيح))، وهما زوجان لهما مع بولس روابط قرابة وأسر. وقد ذكر اسم يونيا (يونياس) في عمليّة تناقل النصوص لأن الكتبة لم يكونوا قادرين ربّما على التصوّر بأن القديس بولس قد أعطى لقب رسول لامرأة، وفي قول الرسول إنهما، ((مشهورين بين الرسل)) يعني أن المرأة كما الرجل كانت تعلن الانجيل (16: 7). برسكيلا وأكيلا، أندرونيكس ويونيا، كانوا من الشركاء في الرسالة إذًا. ويبدو أنهم لم يكونوا الزوجين الوحيدين، بما أن بولس يقول في 1 كور 9: 5 أنه يحقّ له اصطحاب زوجة مؤمنة مثل سائر الرسل وأخوة الربّ وبطرس(7).
ويحيي بولس نساء أخريات. ففي رو 16: 12-16 يوصي بولس بمريم وتريفوسة وبرسيس وقد ((تعبن كثيرًا في خدمة الربّ))، علمًا بأن بولس يستعمل فعل  للدلالة على عمل التبشير الذي يقوم به بنفسه أو الذي يتمّمه غيره. في 1كور 16: 16 يناشد بولس المؤمنين بأن ((يسمعوا لهم ولكل من يعمل ويتعب معهم))؛ وفي 1 تس 5: 12. يناشدهم بأن ((تكرموا الذين يتعبون بينكم ويرعونكم في الرب ويرشدونكم))؛ فمن الضروري الانتباه إلى أن بولس يستعمل الفعل اليوناني  ((عمل))، ((تعب)) ليس فقط للكلام عن تبشيره وتعليمه، بل عن تعب النساء وعملهنّ أيضًا.
وبحسب الرسالة إلى فيلبي، كان لأفودية وسنتيخة مكان بارزٌ في هذه الكنيسة المنظّمة وذلك ((مع الأساقفة والشمامسة)) (1: 1). ويرى بولس أن السلطة التي تمارسها هاتان المرأتان في جماعة فيلبي كبيرة. لذلك يشجّعهما على تخطّي الخلافات ((في المسيح)) والاتّفاق فيما بينهما كي لا تتسبّبا بضرر للرسالة المسيحيّة، مع توصياته للمؤمنين بأن يساعدوهما ((لأنهما جاهدتا معي في خدمة البشارة هما وكليمندس وسائر معاونيّ)) (4: 2-3). يبدو إذًا أن في كنائس العالم الروماني - اليوناني كان هناك ميل إلى التخفيف من حدّة التمييز الجنسي. يكتفي بولس بتكرار ذكر الخدمات العامة والثابتة التي تقوم بها النساء وذلك بعبارات مميّزة، وهو بذلك يعطي هذه الوظائف شرعيّة رسوليّة تسمح للنساء بالقيام بالخدم الكنسية ministères مما يعطي دورهنّ اعترافًا كنسيًا.
لا رجل ولا امرأة (غلا 3: 23-28)
فقبل أن يأتي الايمان، كنا بحراسة الشريعة مغلقًا علينا من أجل المنتظر تجلّيه. فصارت الشريعة لنا حارسًا يقودنا إلى المسيح لنبرّر بالإيمان. فلما جاء الإيمان، لم نبقَ في حكم الحارس، لأنكم جميعًا أبناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع، فإنكم جميعًا، وقد اعتمدتم في المسيح، قد لبستم المسيح: فليس هناك يهودي ولا يوناني، وليس هناك عبد أو حرّ، وليس هناك ذكر وأنثى، لأنكم جميعًا واحد في المسيح يسوع. فإذا كنتم للمسيح فأنتم إذًا نسل ابراهيم وأنتم الورثة وفقًا للوعد.
نحن في خضم المشادّة بين لاهوت العودة إلى الشريعة التي يطالب بها المتهودون الذين ظهروا بعد ذهاب الرسول عن غلاطية، والذين كانوا يمارسون ضغطًا كبيرًا على الكنائس الغلاطيّة (غلا 1: 6-8؛ 3: 1)، وبين لاهوت التبرير بالإيمان الذي يدعمه بولس. يناقش الرسول موضوع الشريعة ابتداء من 3: 19 فيعتبرها ((مؤدّب)) يقود إلى المسيح (3: 24)، وذلك ليُظهر للغلاطيين أن العودة إلى الشريعة هي بمثابة العودة بتاريخ الخلاص إلى الوراء، أو محاولة لبعث مرحلة انتهت. إن التبرير بالإيمان يقود المؤمنين إلى حالة جديدة أمام الله: حالة أبناء الله (3: 6). وتأتي الآيات 27 و 28 لتأكيد ذلك: بالمعموديّة نصل إلى هذا الوضع الجديد والهويّة الجديدة التي تترجَم عمليًا بسقوط كل تمييز ديني (يهودي ويوناني)، أو اجتماعي (عبد وحرّ)، أو ديني - اجتماعي - طبيعي (رجل وامرأة). فالفكرة إذًا واضحة: بنظر الايمان يفقد الأصل الاجتماعي أو الديني بالمعموديّة كل قوّته ((ليلبس المسيح)). إن كل ما قبل المعموديّة يسقط إذًا ليدخل المؤمن بشراكة مع المسيح. فالمعموديّة هي العبور من هيكليّة تراتبيّة إلى نظام المساواة. فلا يبحثنّ المؤمن عن سلطة غير تلك التي تجعل منه ابنًا أو ابنة لّله، وليعتبر أنه قد تخطّى روابط القوّة الموضوعة من قبل المجتمع أو الدين بين اليهود واليونانيين، وبين العبيد والمواطنين، وبين الرجال والنساء(8). هنا يكمن التجديد الذي يُلغي الامتيازات التي يعطيها الدين لليهودي، والتي تعطيها السياسة للمواطن، والتي يعطيها الدين والمجتمع للذكور، وفي ذلك نهاية للشريعة، لأنه بالشريعة يأخذ اليهود مكانًا يختلف عن مكان المتهوّد، ويأخذ العبد مكانًا مغايرًا لمكان السيّد، ويستأثر الرجل بمكان لا يُعطى للمرأة(9). لكن إدراج شعار المساواة في العلاقة بين الرجل والمرأة من خلال لاهوت الخلاص في الفصل 12، يجعلنا نظنّ أن انهاء علاقات القوّة لا تعني الغاء الاختلافات. فبولس يوسّع موضوع الوحدة بالعودة إلى صورة الجسد الواحد ولكن في تعدّدية أعضائه (1كور 12: 12-27). وهذا ما سنجده في النصّ التالي في 1 كور 11: 2-16 حول موضوع حجاب النساء.

حجاب النساء 1 كور 11: 2-16
أثني عليكم لأنكم تذكروني في كل أمر وتحافظون على السنن كما سلّمتها إليكم. ولكني أريد أن تعلموا أن رأس كل رجل هو المسيح ورأس المرأة هو الرجل ورأس المسيح هو الله. فكل رجل يصلّي ويتنبّأ وهو مغطّى الرأس يشين رأسه، وكل امرأة تصلّي وتتنبّأ وهي مكشوفة الرأس تشين رأسها كما لو كانت محلوقة الشعر. وإذا كانت المرأة لا تغطّي رأسها فلتقصّ شعرها، ولكن إذا كان من العار على المرأة أن تكون مقصوصة الشعر أو محلوقته فعليها أن تغطّي رأسها. أما الرجل فما عليه أن يغطّي رأسه، لأنه صورة الله ومجده، وأما المرأة فهي مجد الرجل. فليس الرجل من المرأة، بل المرأة من الرجل، ولم يخلق الرجل من أجل المرأة، بل خلقت المرأة من أجل الرجل. لذلك يجب على المرأة أن تحمل سلطة على رأسها من أجل الملائكة. إلاّ أنه لا تكون المرأة بلا الرجل عند الربّ ولا الرجل بلا المرأة، فكما أن المرأة استلت من الرجل، فكذلك الرجل تلده المرأة، وكل شيء يأتي من الله. 
فاحكموا آنتم بهذا: أيليق بالمرأة أن تصلّي وهي مكشوفة الرأس؟ أما تعلّمكم الطبيعة نفسها أنه من العار على الرجل أن يغطّي شعره، على حين أنه من الفخر للمرأة أن يغطّي شعرها؟ لأن الشعر جُعل غطاء لرأسها.
فإن رأى أحد أن يجادل، فليس مثل هذا من عادتنا ولا من عادة كنائس الله.
يبدأ بولس نصّه بمدح الكورنثيين ((لأنكم تحافظون على تقاليد سلمتها لكم)) وفي ذلك غرابة لأن النص يبحث في خرق الكورنثيين للعادات. لكننا نفهم إرادة الرسول عندما نعرف أنه إنما يبدأ حديثه بالتذكير أنه في كورنتوس كما في الكنائس الأخرى التي أسّسها بنفسه، سلّم بولس التقاليد الطقسيّة التي تحكم الاحتفالات في الكنائس ولم يخترعها. فموضوع الطقوس سيثار في كل الفصول 11 و 12 و 13 و 14 من هذه الرسالة. والغريب أننا لا نعرف حتى الآن بشكل قاطع عن أي تقليد يدافع بولس: هل عن عادة ارتداء المرأة اليهوديّة للحجاب في بيتها أو عن موضة كورنثيّة ما بدأت النساء المسيحيات باتباعها خلافًا للعادات في الجماعات المسيحيّة؟ ولكن الاطار طقسيّ بحت، والحجاب ليس للشارع ولا للمنزل بل للصلاة، وفي ذلك عودة إلى العادات المتبعة في المجامع، والتي تقضي بأن تغطّي المرأة رأسها عندما تصلّي أو تتنبّأ؟ الظاهر جليًا أن النساء (أو نساء) في كورنتوس كنّ يرفضن هذه العادة، ويبدو أن ذلك لم يكن مجرّد نزعة عند بعض الجاهلات وإلاّ لما استحقّ ذلك أطروحة عقائديّة حول علاقة السلطة بين الرجل والمرأة.
لقد كانت النساء اليهوديات (كما الرومانيات) تعطين أهميّة كبرى لشعرهنّ، فتجدّلنه بفنّ وذوق وتعصبنه وتزيّنه بالذهب والجواهر والشرطة والأحجبة(10)، وكان الشعر المهدل دون حجاب علامة نجاسة في الاطار اليهودي - المسيحي. فالمرأة المتهمة بالزنى كانت تقدّم للجماعة بشعرها المهدل والمكشوف (تث 5: 18). ويعتبر لا 13: 45 الشعر المهدل كاحدى علامات نجاسة الأبرص. فإن كان الشرّاح قد درجوا على تفسير هذا النص بالطلب من النساء احترام عادة الحجاب كما تفترض التقاليد اليهوديّة(11)، فإن الآية 15 تعلن صراحة أن الشعر قد أعطي للمرأة كحجاب لها؛ فيبدو إذًا أن بولس يتكلّم هنا عن طريقة تصفيف الشعر التي يجب على النساء والرجال اتباعها أثناء الصلاة والتنبّؤ(12)، وذلك أمام ظاهرة بعض النساء الكورنثيات اللواتي يتنبّأن ويلعبن دورًا مهمًا في الليتورجيا واللواتي كنّ يتركن شعرهنّ مهدلاً ومكشوفًا بدل تصفيفه كما كانت تقضي العادة. وبالفعل، فقد أظهرت دراسة عبادات وطقوس ايزيس وقيباليس القديمة أنه في حين كان الرجال يحلقون رؤوسهم، كان شعر النساء المهدل يدلّ من جهة على عدم خضوعهنّ للرجال، ومن جهة ثانية على المقدرة النبويّة. فكن يهدلن شعرهنّ ليستطعن التلفّظ بالكلمات السحريّة. فلكي تتحرّر زوجة فرجيليوس من سلطة زوجها الملك، أرسلت في طلب نساء أخريات، وشاركتهنّ اهدال الشعر وكشفه؛ في حين كانت صديقة الشاعر تيبول تسدل شعرها مرّتين يوميًا لتقول صلاة لايزيس(13).
فلربّما اعتمدت بعض الكورنثيات المسيحيات هذه العادات من منظارهنّ للوحدة بين الرجال والنساء بما يخصّ العبادات (تماما كما في عبادة ايزيس التي جعلت قدرة النساء موازية لقدرة الرجال، خاصة وإن الجماعات التي كانت تتعبّد لإيزيس كانت كما الجماعات المسيحيّة تقبل النساء والعبيد كأعضاء متساووين ومشاركين بشكل تام وكامل(14))، فأصبح الشعر المهدل والمكشوف علامة لرفضهنّ التمييز بين الرجل والمرأة في كل ما يخص العبادات والطقوس من جهة، وعلامة لتصرّفهنّ النبوي من جهة ثانية، وهو ما استدعى تدخّل بولس وشرحه لهذه المفاهيم ولدورها في الجماعة.

علاقة المرأة بالرجل
إذ أراد بولس أن يشرح العلاقة بين المرأة والرجل في الجماعة المصليّة والمتنبّئة، أعطى برهانين يظهران أن الخطر هو أبعد من أن يكون مجرّد رفض غطاء للشعر مكمّل لزيّ المرأة، بل يتعدّاه ليطال من جهة علاقة الرجل بالمرأة، ومن جهة ثانية سلطة المرأة النبويّة. البرهان الأول الذي يستعمله بولس في موضوع تصفيف النساء لشعرهنّ هو التراتبيّة من أعلى إلى أسفل (11: 3-9): الله - المسيح - الرجل - المرأة؛ بحيث يكون السابق رأس اللاحق أو مصدره. يلعب الرسول على عبارة  التي تعني الرأس والرئيس: ((أريد أن تعلموا أن رأس كل رجل هو المسيح، ورأس المرأة هو الرجل ورأس المسيح هو الله)). فترجمة العبارة بمعنى رئيس تظهر معنى السلطة، في حين أن ترجمتها برأس لا تعني أبدًا التبعيّة. فـ  هي بالوقت عينه الرأس (الأعلى) والأساس (ما يحمل)، فيكون بولس بالتالي قد وضع هيكليّة لسلطة لا تجيز للواحد أن يقوى على الآخر بل تعطي معنى وأساسًا لكينونة شريكين مختلفين ولو كانا متساويين.
لقد رفضت نساء كورنتوس تصفيف شعرهنّ بشكل لائق (وضع الحجاب)، لأن في ذلك علامة تمييز مبنيّة على الجنس، في حين أن الجماعة المسيحيّة قد تخلّت عن الامتيازات الذكريّة بحيث أصبح الرجال والنساء يصلّون ويتنبّأون معًا. فيردّ بولس: باهدالكنّ شعركنّ (وبرفضكنّ الحجاب) وهو علامة هويتكنّ كنساء، أنتنّ لا تنتزعن الامتيازات بل تبطلن الفرق. فلا أحد يحيا خارج علاقة مع رأس، لا أحد يملك ذاته. إن إهدال الشعر ونزع الحجاب (كما تفعل عابدات قيباليس) هو أبعد من أن يكون قضيّة شخصيّة، إنه يسيء إلى الآخر ويهينه لأنه لا يعترف بوجوده وبالتالي فالأحرى بامرأة كهذه ((أن تقصّ شعرها)) (كالرجال عابدي قيباليس) وهكذا تصبح المرأة مشابهة للرجل. المطلوب هو القبول بأن علاقات مختلفة تجمع بين المسيح والرجل والمرأة والله؛ وبأن هناك إمكانيّة بل ضرورة لقبول الذات ولمعرفة الذات باختلافها مع ذات الآخر، وبأن حياة كل شخص تأخذ معناها ضمن الحوار مع الآخر. فالوعي للهويّة التي تولد من الاختلاف تجد أساسها في الخلق حيث ولدت المرأة مميّزة عن الرجل (تك 2: 21). من هنا نستطيع أن نفهم قول بولس: ((كل رجل يصلي أو يتنبّأ وهو مغطّى الرأس يهين رأسه أي المسيح، وكل امرأة تصلي أو تتنبّأ وهي مكشوفة الرأس تهين رأسها أي الرجل)). أي إن الخطأ ليس في خرق العادة، ولا في التطاول على أوليّة الذكور، بل بمحو الاختلاف، وبرمي كل ما يشير إلى فرادة المرأة مقابل الرجل إن في النص عودة إلى لاهوت الاختلاف، لاهوت الهويّة ضدّ الذوبان، لاهوت المنفصل ضدّ اللامختلف، لاهوت الاختلاف ضدّ التطابق، وذلك من خلال العادات التي درجت الجماعات عليها.

مسألة السلطة النبويّة
بعد أن أكّد أهميّة عدم محو الاختلاف بين الرجل والمرأة، تطرّق بولس إلى برهان ثان لضرورة وضع الحجاب هو مسألة السلطة المبنيّة على المساواة بين الرجل والمرأة (11: 10-12). ((يجب على المرأة أن تحمل سلطة على رأسها من أجل الملائكة، فإنه لا تكون المرأة بلا الرجل عند الربّ ولا الرجل بلا المرأة. فكما أن المرأة استلت من الرجل، فكذلك الرجل تلده المرأة، وكل شيء يأتي من الله)).
لقد اعتمدت بعض الترجمات ((يجب على المرأة أن تحمل على رأسها علامة تبعيتها dépendance)) أو ((علامة السلطة التي تتبعها)) TOB، بينما العبارة المستعملة هي  التي لا تحمل أبدًا معنى القوة المفروضة أو المحتملة، بل تصف دائمًا القوّة التي يمارسها المعني: قوّته، مقدرته، حريته بالتحرّك. إن تحريف المعنى يقلب رأي الرسول الذي لا يوافق الكورنثيات الرأي بأن الحجاب ليس إلاّ علامة الاستعباد للرجل، فهو يدعم موقفًا معاكسًا: إن المرأة التي تصلّي وتتنبّأ تتلفّظ بكلمات سلطة، وحقها بالسلطة النبويّة ليس موضع شك أبدًا. إن العهد الجديد لا يعرف رجلا ولا امرأة، والجماعة لا تفرّق بين محظوظين يتمتّعون بامتيازات، وبين مستعبدات. فبارتدائها الحجاب، تحمل المرأة على رأسها علامة قدرتها على المشاركة في الجماعة المصليّة، وهي قدرة قبلتها من المسيح تمامًا كما الرجل. لقد درجت العادة على ترجمة  ب((دون، بلا)) بحيث تعوّدنا قراءة الآية كالتالي ((لا تكون المرأة  بلا الرجل عند الربّ ولا الرجل  بلا المرأة)). ولكن يمكن لهذه العبارة أن تأخذ معنى ((مختلف، مغاير)). فيمكننا بالتالي ترجمة الآية كالتالي ((فإنه لا تكون المرأة  غير مساوية للرجل عند الربّ ولا الرجل  غير مساو للمرأة؛ فكما أن المرأة استلت من الرجل، فكذلك الرجل تلده المرأة، وكل شيء يأتي من الله)). ((فإن كانت المرأة تأتي من الرجل، كما يقول تك ،2 فالحياة تعلّمنا أن الرجل يأتي من المرأة والكل يأتي من الله)). فالرجل والمرأة يتمتّعان بالكرامة عينها، وبالعلاقة عينها بالمعلّم الأوحد. وبما أن الرجال والنساء هم متساوون في الجماعة أمام الربّ، فيجب أن يُفهم الحجاب كعلامة ليتورجيّة لسلطة المرأة النبويّة، بغضّ النظر عن الاختلافات البيولوجيّة الطبيعيّة. وهكذا يمكننا أن نفهم رأي بولس الذي يدافع من جهة عن لاهوت الاختلاف بحيث لا يقود عدم انفصال الجنسين ((بالربّ)) إلى ذوبان الهويات؛ ومن جهة ثانية عن لاهوت المساواة أمام الربّ، ويجد في الحالتين برهانًا على ضرورة احترام الحشمة والنظام ووقف التصرّفات الفوضويّة واتباع تصرّفات غير لائقة بنساء، نبيّات الربّ. 
الصمت في الكنائس (1كور 14: 33ب-35)
((ولتصمت النساء في الجماعات شأنها في جميع كنائس القديسين، فإنه لا يؤذن لهنّ التكلّم. وعليهنّ أن يخضعن كما تقول الشريعة أيضًا. فإن رغبن في تعلّم شيء، فليسألن أزواجهنّ في البيت، لأنه من غير اللائق للمرأة أن تتكلّم في الجماعة)).
كل ما تطرحه هذه الآيات هو الطلب من النساء الصمت. فهل كنَّ يثرثرن أثناء الصلاة؟ هل كنَّ يلقين خطبًا نبويّة؟ هل كنَّ يقاطعن الواعظين؟ هل كنَّ يطرحن أسئلة؟ أو كنَّ يبالغن في التكلّم باللغات؟ يستعمل بولس فعلاً واسعًا يقبل معاني كثيرة: النساء يتكلّمن. وبما أن الرسول يطلب منهنّ العودة إلى البيت حيث يسألن أزواجهنّ، فالكلام إذًا كان يتضمّن أسئلة. والبرهان الذي يظهر ضرورة صمتهنّ قاطع: يجب أن يكنّ خاضعات كما تقضي الشريعة (اليهوديّة): 
وقد وجد الشرّاح في هذا النصّ صعوبات كثيرة: 
- يأمر بولس بالصمت ممّا يعارض صورة المرأة التي يظهرها بولس وهي تتنبّأ وتصلّي في الكنيسة (1كور 11: 5)، بحيث يبدو دورُها هذا من المسلّمات. فكيف يمكن لبولس بأن يقول لا لكلام النساء في الجماعة، في حين يقول نعم في الفصل 11 من الرسالة عينها؟
- تستند الآية 34 إلى الشريعة لتفرض الصمت على النساء، في حين أن بولس يستند إلى الشريعة لتوضيح دور النبوءة وأهميّتها في 14: 21. فكيف يناقض ذاته؟
- تبدو الآية 36 وكأنها دخيلة. ((ماذا؟ أمنكم خرجت كلمة الله، أم إليكم وحدكم بلغت؟)). والمخاطب هنا هو مذكّر ، وكأن بولس يتكلّم مع الرجال في حين أن الآيات السابقة (34-35) تتوجّه إلى النساء. فلمَ ينتقل بولس إلى الرجال؟
لقد أعطى الشرّاح حلولاً أصبحت تقليديّة تعتبر أولاً أن النص هو ردّة فعل تجاه الحركة النسائيّة الكورنثيّة المندفعة بقوّة وسرعة كبيرتين، حيث اعتبرت بعض النساء أن العماد وعطيّة الروح قد خلقا المساواة بين كل المسيحيين، وأن هذه المساواة يجب أن تظهر في أثناء الخدم الكنسيّة. فيكون نص بولس تفسيرًا لما في غلا 3: 28 على ضوء الخط اليهودي التقليدي القاضي بأن تصمت النساء في الكنيسة، وأن تتعلّم من زوجها في المنزل. واعتبر البعض أن هذه الآيات هي لبعض تلاميذ بولس وقد أدخلت في النص البولسي بعد موت الرسول عندما فرضت ظروف كنسيّة معيّنة، فتغيّرت المساواة المسيحيّة التي أتى بها المسيح وبولس من بعده وتحوّلت إلى ما نقرأه في 1 تم 2: 11-15(15).
محاولة لشرح هذا النص نورد فرضيّتين: 
- يردّ بولس في 1 كورنتس على ما وصله بواسطة أهل كلوي 1: 11 وبواسطة الرسائل المرسلة إليه 7: ،1 مما يعني أن آراه كثيرة كانت تصله بشكل دائم وهذا ما استدعى جوابه على حالة الكنيسة الكورنثيّة بتفاصيلها (في 1: 12): ((منكم من يقول أنا لبولس وأنا لأبلس وأنا لصخر وأنا للمسيح...)). فيجيب بولس بضرورة الوحدة؛ وفي 6: 12 و 10: 23 يقولون ((كل شيء يحلّ))، فيستعملون بالتالي كلمة بولس لتحليل ما لا ينفع، فيجيب الرسول ((كل شيء يحلّ)) إن كان لا يعني الزنى ومشاركة ذبائح الأوثان؛ وفي 7: 1 يرفع بعض الكورنثيين شعارًا ضدّ الزواج ليس فقط لغير المتزوّجين بل للمتزوّجين أيضًا، فيجيب بولس على نقاط عديدة ودقيقة؛ وفي 8: 4 و 11 يردّ بولس على من استعمل عبارات ((المعرفة لنا جميعًا)) و ((لا وثن في العالم)) و ((لا اله إلاّ الله الأحد)) لممارسة الحريّة المطلقة في تحليل كل شيء بما يخصّ الأكل، فيدعوهم للتصرّف بمحبّة وليس بحسب المعرفة فقط؛ ويردّ في 15: 12 على من يقولون ((لا قيامة للأموات))... فربّما كان 14: 34-35 يدخل في هذا الاطار مما يجعلنا نفهم النص على أنه ردّ على ما جاء على لسان بعض الكورنثيين الذين يقولون ((لتصمت النساء...)). فيجيب بولس في 14: 36: ((أعنكم خرجت كلمة الله، أم إليكم وحدكم بلغت؟)). وينهي مداخلاته كلها في 14: 37-40. هذا التفسير يجعل بولس منطقيًا مع ما كتبه في 11: 5 وغلا 3: 28 كما يفسّر المذكّر غير المنتظر في 14: 36.
2 - في إمكانيّة تفسير أخرى، يمكننا مقابلة هذا الطلب بنص نجده عند تيطس - ليفوس من القرن الأول: ((لو أن كل رجل من بيننا، أيها المواطنون الأحبّاء، أقرّ قانونًا يفرض الزوج بموجبه سلطته على أم أولاده، لكنا واجهنا صعوبات أقلّ مع النساء عامة؛ فقد أصبحت حرّيتنا مصادَرة اليوم من قبل النساء، إنها محتقرة ومدوسة بالأرجل هنا في الساحة العامة (...) فكيف نصف تصرّفًا كهذا؟ المرور بالعلن، سدّ الشوارع والتكلـّم إلى رجال النساء الأخريات؟ ألم يكن بامكانكنّ طرح الأسئلة عينها على أزواجكنّ في البيت؟ (...). فهل تأملون بأن يضعن حدًا لحريّتهنّ؟ عليكم أن تقوموا بشيء ما، أقلّه أن تفرضوا عليهنّ ما هو متعارف عليه، أو ما يفرضه القانون الذي يعتبرنه كإهانة. إنهنّ يُردن الحريّة، بل التحرّر في كل شيء (...). وما أن يبدأن بأن يكنّ مساويات لنا حتى يطلبن بأن يكنّ رئيستنا))(16).
ربّما كان الاشكال يكمن في أن بعض النساء قد دأبن على طرح الأسئلة في الجماعات على رجال نساء أخريات، أو إنهنّ بدأن بطرح كل ما يجول في فكرهنّ من أسئلة مما شكّل إزعاجًا كبيرًا للجماعة. وبالفعل فإن الفصل 14 مخصّص بكامله لمعالجة الفوضى الطقسيّة. فمن جهة تحوّل التكلّم باللغات إلى فوضى عارمة بحيث أصبح كل واحد يتكلّم لنفسه والجماعة لا تسمع أحدًا (14: 23)، فيفرض الرسول قاعدة تقضي بأن يكون هناك ثلاث مداخلات متتابعة، وإن لم يكن هناك من يترجم ((فليصمت في الجماعة)) من يتكلّم باللغات، وليتكلّم لنفسه ولّله (14: 23)؛ ومن جهة ثانية يبدو أن النبوءات لم تعد تبني الجماعة، فيتدخّل الرسول ويطلب أن يكون هناك ثلاث مداخلات على الأكثر. وإن تلقّى آخر وحيا ((فليصمت الأول)) (14: 29-33أ)؛ أما بما يخصّ النساء اللواتي يكثرن من الأسئلة في الجماعة، فيطلب منهنّ التخلّي عن ذلك لأنهنّ يستطعن أن يسألن أزواجهنّ في البيت (14: 33ب-35). فالقواعد الثلاثة تتبع إذًا استراتيجيّة واحدة: هناك حدود للتعبير الفردي وذلك من أجل التفاعل الجماعي. المطلوب هو أن يحدّ كل مؤمن من حقّه من أجل الآخر. فتنظيم الكلام في الجماعة يعيد كل فئة لا إلى الصمت، بل إلى مكان آخر للكلام: يدعو المتكلّم باللغات (رجلاً كان أم امرأة) للكلام لنفسه، والمتنبئ (رجلاً كان أم امرأة) لانتظار دوره، والنساء لطرح السؤال على أزواجهنّ في البيت. إن نساء القرن الأول مدعوات لارواء عطشهنّ ورغبتهنّ بالتعلّم في المنزل وليس على حساب الجماعة. إن اهتمام بولس الأول لا يعني إذًا تصرّف النساء بشكل عام، بل حماية الجماعة المسيحيّة، وتمييزها عن الجماعات التي تمارس عبادات شرقيّة بعيدة عن النظام واللياقة والحشمة والبنيان المتبادل.
إن انطلاقة الرسالة البولسيّة قد نقلت المسيحيّة من الاطار الفلسطيني القروي إلى اطار المدن الهلينيّة الكبرى حيث تفاعلت وتداخلت ولعبت دورًا جذابًا في بيئة تتميّز بالانقسامات الاجتماعيّة والثقافيّة والجنسيّة(17). إن المشادات والاضطرابات بين الرجال والنساء في كورنتوس، هي علامة إضافيّة لأهميّة المشاركة النسائيّة في المسيحيّة البولسيّة. فإن توفّر المسيحيّة مناسبات عامة للاختلاط بين النساء والرجال، وهو ما كان نادرًا في المجتمع اليوناني - الروماني، جعل الكنائس تستنتج أن تعلّم الحياة الجماعيّة وعيشها يمرّان بالنجاح وبالفشل. نستطيع إذًا أن نلخّص نظرة بولس للمرأة بالتالي: لا يرتكز بولس على غلا 3: 28 ليكسر حالة التبعية الاجتماعيّة التي تحياها المرأة، مع أنه لا يحط من كرامة المرأة ومن دورها. فحتى ولو لم يدعم تمامًا سلطة الرجل كقوّة تسود المرأة، فإن بولس لا يشدّد على حريّة المرأة تجاه الرجل والمجتمع كما يتمنّى عالم اليوم. إن هم الرسول الأول ليس العمل على المطالبة بحقوق المرأة (أو الطفل أو العبيد الخ.)، لكنه حاول إدخال تصرّف المؤمن ضمن هيكليّة المجتمع، كما نجح في إدخال المسيحيّة في عالم ثقافي غير يهودي، لاقتناعه بأنه لا يمكن للمؤمن أن يكون شاهدًا للمسيح في مجتمع يرفض بنيته وثقافته. وعليه فإن بولس يدعو المؤمنين للدخول في هيكليّة الدولة الرومانيّة التراتبيّة، ليس لقبولها كما هي، بل لعيشها بطريقة مغايرة: ((فليحترم المؤمن السلطة لأن السلطة هي بخدمة الله)) (رو 13)، وليقبل العبد حالته ولكن رأسًا بمفهوم المسيح الذي محى كل علاقات القوّة، حينئذ يعلمان بأن الانسانيّة ستنمو من خلال علاقتهما. ولكن ماذا حدث لموقف بولس بعد موته، وكيف تطوّر؟
من الأكيد أن التراث البولسي توسّع وتوزّع في الجيل المسيحي الثاني. ويمكننا تمييز ثلاثة مسارات لاهوتيّة مختلفة ومتنافسة انتسبت كلها بين السنوات 60 و 90 إلى القديس بولس ولكنها اختلفت جدًا حول صورة المرأة.
المسار الأول: نجد التراث البولسي في عمل لوقا (الانجيل وأعمال الرسل). فمن المعروف أن لوقا هو بين الانجيليين من يدافع عن الموقف الأكثر انفتاحًا تجاه المرأة، فهو يقيّم إيمانهنّ (لو 1: 26-56؛ 7: 36-50؛ 10: 38-42)؛ ويتعاطف مع بؤس الأرامل (لو 7: 12ي؛ 18: 1-4؛ 20: 47؛ 21: 1-4؛ أع 6: 1؛ 9: 36-42)؛ نراه معجبًا بجرأتهنّ باتباع يسوع وبنشر الانجيل (لو8: 1-3؛ 23: 27-31؛ 24: 10ت؛ أع 1: 14؛ 16: 14ي). تعكس الصورة التي يعطيها لوقا للمرأة حالة المرأة اليونانيّة المتحرّرة: تمثّل مرتا ومريم (لو10: 38-42) إمرأتين مسيحيّتين يونانيّتين أكثر منهما يهوديّتان في فلسطين. وبالمقابلة مع إنجيل الطفولة عند متى والمتمحور حول الرجال (يوسف، هيرودس، المجوس)، تبدو نصوص لوقا (لو 1-2) مليئة بالشخصيات النسائيّة (مريم، اليصابات، حنة النبيّة). ولكن عندما نتساءل: أي معطيات تاريخيّة وصلت إلى لوقا حول دور النساء في بدايات العمل الرسولي المسيحي، ولم يذكرها؟ حينئذ يأتينا الجواب: لا شيء. فلوقا لا يذكر أي امرأة بين الرسل الأولين، ولا بين اليونانيّين في أورشليم ولا في كنيسة انطاكيا. وتبدو المراجع الظرفيّة المتعلّقة بأسماء النساء والتي يأتي بولس على ذكرها غير ذات أهميّة إن قابلناها مع مجمل النصّ المتعلّق ببدايات المسيحيّة كما يقدّمها كتاب أعمال الرسل. فلا دور للنساء كرسولات أو مبشّرات عند لوقا، بل هنّ مجرّد نساء غنيات مساعدات لبولس أو مناهضات لعمله، في حين أننا إن قرأنا بامعان كتابات بولس وكتابات ما بعد بولس، نجد أنها تعترف بوجود نساء مسؤولات ورسولات مشهورات وضعن ذواتهنّ بخدمة الانجيل، وقد كنّ ملتزمات في هذه الحركات الرسوليّة والمسؤوليّات الكنسيّة قبل بولس وبمعزل عنه. كانت هذه النساء الرسولات تنتسب لجماعات في الجليل وفي أورشليم وفي انطاكيا، كانت قد تأسّست ونمت في بدايات الحركة الرسوليّة. لكن ما نستنتجه من كتاب أعمال الرسل هو أن العديدات لعبن دورًا بارزًا في الجماعات: فقد كانت الكنيسة تجتمع في بيت مريم في أورشليم (أع 12: 12-17)، وأن طابيتا كانت تقوم بخدم متعدّدة في يافا، وليديا هي أول مسيحيّة في أوروبا (أع 16: 14)، وأن نساء كنّ يعبدن الله في انطاكيا اضطهدن بولس وبرنابا وطردنهم من ديارهن (أع 13: 50). في حين أن العديدات من اليونانيات الفاضلات اللواتي جذبهنّ الدين اليهودي استمعن إلى المبشّرين المسيحيّين، ومنهنّ من ارتد (17: 4). يذكر الكتاب منهنّ سيّدة في أثينا هي ديميريس (17: 34). ونجد دروسيلا امرأة الملك أغريبا، التي كانت حاضرة إلى جانب بولس أثناء أسره. لكنه يهمل الدور الذي قامت به هؤلاء النسوة كرسولات ومسؤولات في الكنائس. يرسم كتاب أعمال الرسل صورة لشعب مسيحيّ يجمع الرجال والنساء بكرامة ومساواة. 
المسار الثاني: نجده في كولسي وأفسس والرسائل الرعائيّة (تيموتاوس الأولى والثانية وتيطس). عند قراءة قوانين الأخلاقيّة العائليّة التي تطرحها الرسائل المكتوبة بعد موت بولس والمرسلة من قبل تلامذته باسمه (أفسس 5: 21-33 وكولوسي 3: 18-19)، يجد القارئ نفسه في اطار مختلف تمامًا. وتعكس هذه الرسائل صورة كنائس منظّمة يلعب فيها ال presbytres والأساقفة دورًا طاغيًا، ولا تذكر هذه الرسائل موضوع مشاركة النساء إلاّ في إطار الممنوعات.
في الرسالة إلى تيموتاوس تمنع المرأة ((من الكلام)) في الجماعات، ومن أن تعلّم (1 تم 2: 8-15) لأن في ذلك خرقًا لنظام الخلق الذي أراده الله بحسب تك 2-3. وفي الخط عينه تطلب قوانين الأخلاقيّة العائليّة من النساء أن يخضعن لأزواجهنّ أي أن يحترمنهم بحسب نظام العائليّة القديم القائم على سلطة الأب، والذي أثّر على تنظيم الكنائس ك ((بيوت لّله)): ((أيتها النساء اخضعن لأزواجكنّ كما للربّ)) (كو 3: 18؛ أف 5: 22-24). فمن الواضح أننا ننتقل هنا من مبدأ المساواة بالمسيح الذي يحكم الفكر البولسي، إلى القبول بالمثال العائلي المبني على سلطة الأب والتي يقوم على توزيع كلاسيكي للأدوار. ونرى أن موضوع المساواة قد غاب على حساب الشراكة المرتكزة على الوصاية الذكريّة، مع الانتباه إلى أن خاصيّتين تؤنسنان فكرة التبعية هذه: 
الأولى هي أن طلب الخضوع ليس من طرف واحد ولكنه طلب متبادل: ((أنتم الذين تخافون الله، اخضعو بعضكم لبعض)) (أف 5: 21). ويرفض النص بناء سلطة الواحد على الآخر، بل يعطي فكرة فريدة في العهد الجديد تقوم على الخضوع المتبادل.
الثانية هي أن الخضوع ليس قيمة مطلقة بحدّ ذاتها. فلا معنى له إلاّ ((بالربّ)). أي إن سلطة الزوج على زوجته ليست مبنيّة على قواعد اجتماعيّة، بل إن مثالها هو محبّة المسيح لخاصته، محبّة تصل به حتى بذل الذات (أف 5: 25-30). ويقوم الكاتب بجهد كبير ليتحاشى إمكانيّة فهم هذا الخضوع هنا أيضًا كصلاحيّة تعطى للقوي وتخوّله السيطرة على الضعيف. هنا أيضًا نجد المثال العائلي الكلاسيكي ممسحنًا(18). بالمقابل فإنا نجد في الرسائل الرعائيّة رفضًا تامًا للمساواة بين المرأة والرجل (1 تم 2: 9-15 و 5: 3-16). فعلى المرأة أن تصمت في الكنائس، وممنوع عليها أن تعلّم، وهي مدعوّة للخضوع للرجل وهي المسؤولة عن السقطة (وذلك بحسب تعليم يهودي قديم). إن التقهقر واضح إذًا. فصورة النساء المدعوات إلى ((محبّة أزواجهنّ وأولادهنّ، وأن يكنّ متواضعات، عفيفات... خاضعات لأزواجهنّ)) (تي 2: 4ي) تندرج في خط التلمود أكثر منه في خط الرسول بولس.
المسار الثالث: وتمثّله الكتابات التي اعتبرتها الكنيسة في القرن الثالث كتبًا منحولة: أعمال الرسل المنحولة (أعمال يوحنا؛ وأعمال بطرس؛ وأعمال بولس وتقلا؛ وأعمال اندراوس؛ وأعمال توما). وما يلفت النظر في هذه الكتابات صورة المرأة المتناقضة تمامًا مع الصورة التي تعكسها الرسائل الرعائيّة. تعطي هذه الكتابات صورة للشخصيّات النسائيّة في العهد الجديد على أنها مثال الحكمة. فمريم المجدليّة هي حافظة العلم السرّي الذي أعطاها إياه يسوع. واعتُبر كتاب بولس وتقلا قانونيًا في القرون الثلاثة الأولى، وفيه تظهر تقلا كامرأة مرسلة من قبل بولس ((لتعلّم كلمة الله)). وقد لعب كتاب بولس وتقلا دورًا شعبيًا كبيرًا في العصور الأولى، فتظهر تقلا كالشهيدة الأولى وقد مارست دورين ما لبثت أن حرمت النساء منهما: العماد (وقد عمّدت تقلا نفسها) والتعليم بناء على توكيل من بولس. وقد اعتمدت النساء في القرنين الثاني والثالث على تقلا لتبرير حياة النسك أو للمطالبة بالحق بممارسة العماد. ولكن من ناحية ثانية فإن صورة تقلا تخضع لصورة المرأة الكلاسيكيّة: تقع في غرام بولس فتتبعه وتتعلّق به، لكن رفضها للزواج يضعها في موقف الصراع مع القيم الاجتماعيّة السائدة. ورغم التفاصيل القصصيّة والرومانسيّة التي يعبق بها الكتاب، فإنه يظهر تقلا والنساء المحيطات بها، كمرافقات لبولس ومحتفلات بمائدة المحبّة وهذا ما نعرفه من خلال ترتليانس الذي عارض هذا الطلب النسائي في القرن الثاني، والغريب أنه قد استشهد ب1كور 14: 33-35 (في العماد 17) ليُسند كلامه.
في المسار الأوّل إذًا يورد لوقا ممارسات بولس المتحرّرة في جماعات التلامذة المتساوين. ويخفي المسارُ الثاني المتمثّل بالرسالة إلى أفسس وبالرسائل الرعائيّة موقف بولس الذي يعيد الأخلاقيّة المسيحيّة إلى القانون الآبائي. أما المسار الثالث فيمنح المرأة الحق الذي اعترف به بولس، بأن تكون لها سلطة في الكنيسة، والحقّ بالبتوليّة، وهو أمر أجازه بولس في 1 كور 7.




Bibliographie
- A. FEUILLET, ((La dignité et le rôle de la femme d’ après quelques textes pauliniens)) in NTS 21 (1975), p. 157-191.
- A. JAUBERT, ((Le voile des femmes)), New Testament Studies 18, 1972, p. 419-430.
- BROOTEN, Women Leaders in the Ancient Synagogue. Inscriptional Evidence and Background Issues, Chico 1982.
- B. Witherington III, Women in the Earliest Churches. SNTS. MS, Cambridge 1988.
- CLMENT d’ Alexandrie, Stromates 3, 6, 53. 
- C.K. BARRETT, The First Epistle to the Corinthians, New York: Harper and Row, 1968.
- COLUMELLE, De L’ agriculture, XII, 7.9, cité dans la traduction de J. André (Les Belles letters, Paris 1988).
- E. SCHSSLER FIORENZA, En mémoire d’ elle. Essai de reconstruction des origines chrétiennes selon la théologie féministe (Cogitatio fidei 136), Paris 1986.
- F. CLEARY, ((Women in the New Testament: St. Paul and the Early Pauline Churches)). Biblical Theology Bulletin. Vol 10, 1980, p. 78-82. 
- H. CONZELMANN, 1 Corinthians, Philadelphia: Fortress, 1975.
- KELLY HEYOB, The Cult of Isis among Women in the Greco-Roman World, Leyde, Brill, 1975
- J. MURPHY O’ CONNOR, 1 Corinthians, Wilmington: glazier, 1979
- J. MURPHY O’ CONNOR, ((The Non-Pauline Character of 1 Cor 11: 2- 16)) jurnal of Biblical Literature. Vol 95, 1976, p. 615-621.
- J.P. MEIER, ((On the veiling of Hermeneutics (1 Cor 11: 2-16) )). in CBQ(1978), p. 212-226 
- L. COPE ((1Cor 11: 2-16: On Step Further)). Journal of Biblical cal Literature. Vol 97, 1975, p. 435-436.
- M. BOUTTIER, ((Complexio Oppositorum: sur les formules de 1
Cor12, 13 ; Gal 3, 26-28; Col 3, 10 11)) New Testament Studies 23, 1976, p. 1- 13.
- M.F. LEFKOWITZ et M. FANT, éd., Women in Greece and Rome, Toronto, Samuel-Stevens, 1977.
- R. FULLER, The Pastoral Epistles, Philadephia: Fortess, 1978.
- R. HORSLEY, ((Wisdom of Words ans Words of Widsom)) Catholic Biblical Quarterly Vol 39, 1977, p. 224-239 
- R.HORSLEY, ((Consciousness and Freedom Among the Corinthians )).
Catholic Biblical Quarterly, Vol. 40, 1978, p. 574-589.
- W. KLASSEN, ((Musonios Rufus, Jesus, and Paul: Three FirstCentury Feminist)), in From Jesus to Paul, Studies in Honor of F. Wright Beare, Waterloo (Canada) 1984, p. 185-206. 
- W.O. WALKER, 1 Corinthians 11: 2-16 and Paul’s View Reading Women)), in JBL 94 (1975), p. 94-110. 
الفصل الـخامس


بـــولس والأخــلاقيات
اخترت معالجة هذا الموضوع استناداً إلى الفصل السابع من الرسالة إلى القرنثيين وبالتركيز على ما يعتبره بولس أساساً للحياة الأخلاقية المسيحية. معروف أن بعض القرنثيين، وهم حديثو العهد في الإيمان، انزلقوا في تيارات تحررية جعلتهم يظنون أن حياتهم الأخلاقية بعد العماد باتت متحررة من كل ضابط وأصبح "كل شيء مباح" لهم (راجع فصل 6) و لا شك في ان هذا التوجه التحرري يطرح على بساط البحث مسألة العلاقة بين الايمان المسيحي والحياة الاخلاقية، من الناحية المبدئية، قبل الولوج إلى الناحية العملية، حيث يُطرح السؤال حول تطابق التصرّف مع الشرائع والنظم والقواعد الاخلاقية. هناك سؤال اساسي في القضية الاخلاقية ينتج عن رغبة الانسان العميقة في البحث عن المعنى الكامل لحياته، قبل ان يكون سؤالاً عن الشرائع التي يجب حفظها (راجع الباب يوحنا بولس الثاني، رسالة تألق الحقيقة، روما 1993، عدد 7). وبولس، في معالجته للمسائل المستجدة في جماعة قورنتس، يجيب اولاً على هذا السؤال مبيّناً المعنى الكامل لحياة المؤمن المسيحي عامة ولحياته الاخلاقية خاصة، ويطبّق هذا المعنى ثانياً على بعض المسائل الحياتية التي يعيشها القرنثيون.

طبيعة القضية الاخلاقية وحدودها
اذا كانت القضية الاخلاقية تقوم على السؤال حول معنى الحياة، فإن الجواب عليها يتضمّن تحديداً لموقع الانسان فيها، وبالتالي توجهاً واضحاً لممارسة الحرية. وبما ان موقع الانسان وحريته هما الاساس في تعاطيه مع العالم ومع الانسان ومع الله، فإن التفكير الذي يطول المسألة الاخلاقية، لابدّ وان يوضِح قبل كل شيء ما يجمع هؤلاء الثلاثة وما يميّز احدهم عن الآخر. وقبل ان نجيب على السؤال: ماذا افعل؟ لابدّ من جواب حول هوية الفاعل وغاية افعاله. وهذا ما يفعله بولس عندما يشدّد على طبيعة شخصية المؤمن بالمسيح، قبل ان يميّز بين المباح والمحجوب. فالاهمية المطلقة يجب ان تُعطى لمعرفة موقع المؤمن المسيحي في العالم.

موقع المؤمن المسيحي في العالم
يقول بولس: ((والاّ فكما قسم الرب لكل واحد، كما دعا الله كل واحد، فليسلك)) (7: 17). هذا الكلام يسمح لنا بأن نطرح السؤال الآتي: ما هو المصدر الذي يساعد المؤمن على تحديد موقعه في هذا العالم؟ هل هو الطبيعة البشرية؟ هل هو الفارق او الفوارق بينه وبين العالم؟ هل هو شعوره الذاتي بأنه حرّ وان كل شيء مباح له؟ اعتقد ان نقطة الانطلاق التي يرسمها بولس في كلامه لتحديد موقع المؤمن ودوره في العالم هي الوقت الذي يُعلن فيه المؤمن ايمانه الصريح بيسوع ويقبل بحريّة انتماءه للمسيح ويصبح انساناً جديداً في الرب يسوع، واحداً معه (6: 17). 
وقت الايمان هذا، بما فيه من عطاء وقبول يوضح ان الله هو المصدر الاول والاخير لوجود المؤمن الذي يعيش بالايمان حالة من الانفتاح الكل والدائم على صوت الله، ذلك انه يدرك ان حياته كلها اصبحت دعوة إلهية، وان طبيعة هذه الدعوة الالهية تكمن في معرفة الله وفي انتظار الخلاص وفي عيش المحبة. اما السلوك الاخلاقي فإنما هو ثمرة مباشرة لهذه الدعوة: ((كما دعا الله كل واحد، فليسلك)). 
من جهة ثانية، وانطلاقاً من مطلقية الدعوة الالهية وفعل الانتماء للرب، يرى بولس ان واقع الانسان الشخصي والاجتماعي يُصبح ذا قيمة نسبية. فحالة العبد او الاقلف او المختون او المتزوج او البتول، لا تقلّل بشيء من قيمة الانسان وكرامته، لأن الكرامة الحقة تنبع من كون الانسان مدعواً من الله إلى حياة الايمان، والشعور بالكرامة انما يَنتج عن الشعور العميق بأنه والمسيح واحد. لذلك يقول بولس: ((فمن دُعيَ في الرب وهو عبدٌ فهو معتق للرب، كذلك من دُعيَ وهو حرّ فهو عبدٌ للمسيح)) (7: 22).
فالحالة الاجتماعية، اذا ما نُظِر إليها بمعزل عن الايمان، تصبح مصدراً للقلق والتذمّر. اما في عين الايمان، فإنها تتحوّل إلى حالة مقبولة، تتساوى مع غيرها من الحالات الاجتماعية المختلفة عنها، لانها لا تشكل عائقاً لعيش الايمان واختبار الوحدة مع الرب. فالجميع، على اختلاف حالاتهم الاجتماعية متساوون بالدعوة وبالايمان. وهم مدعوون إلى سلوك اخلاقي يليق بدعوتهم (راجع افسس 4: 1). 
موقع المؤمن في العالم له اذاً بُعدٌ شخصي يقوم على الشعور العميق بكرامة فريدة نابعة من الانتماء للرب، وبُعدٌ أخلاقي واجتماعي يعطي هذا الموقع فاعلية في التعامل مع ظروف الحياة وأوضاعها المختلفة.

الموقف من الحرية وممارستها
كل تيار تحرري ينظر إلى الحرية باعتبار انها مرجعية مطلقة. وبولس يواجه في قورنتس أناساً مسيحيين يدركون خطأً علاقة الايمان بالحرية. واذا عدنا إلى الآية 22 نجد أن ما تتضمّنه من معنى يصوّب النظرة إلى الحرية وممارستها. فهل يُعقل ان يتحوّل العبد إلى حرّ بالايمان؟ وضوح الجواب يتعلّق بطبيعة الحرية المقصودة. فإذا كان المعنى الكامل والمقصود للحرية هو التحرّر من حالة العبودية التي هي حالة اجتماعية -دون التنكّر لنتائجها الشخصية- فالجواب هو بالنفي. وما يصرّح به بولس في الآية 21 يصبّ في خانة النفي. أما اذا كان المعنى الكامل والمقصود للحرية والتحرّر هو الارتقاء إلى حالة شخصية وإلى شعور ذاتي يضمنهما وجود الله في المؤمن ويجسدهما ادراك تام بالوحدة بينه وبين الرب، فالجواب هو بالايجاب. ولابدّ هنا من الاستعانة بنص آخر لبولس يكمّل ما نشير إليه: غلاطية 5: 1- 15 وبخاصة الآية 13: ((فأنتم ايها الاخوة، إلى الحرية قد دُعيتم. لكن لا تجعلوا الحرية عذراً للجسد، بل اخدموا بعضكم بعضاً بالمحبة)).
فكيف نفهم هذا الكلام؟ هل نفهمه بالعودة إلى الحرية كمُعطى طبيعي يعزّز كرامة الانسان؟ هل نفهمه من خلال التشديد على قدرة الانسان على الاختيار؟ هذه القدرة التي بدونها تفقد الحرية معناها الاصيل. طبعاً لا. ذلك اننا بالتركيز على المعطى الطبيعي وعلى القدرة على الاختيار، نعالج مسألة الحرية في اطار علاقة حصرية بالانسان. وهذا ما يشكّل مصدر المغالطات في فهم الحرية الصحيح. وبولس، من خلال قوله: إلى الحريّة قد دُعيتم، يكسر طوق هذه العلاقة الحصرية ليفتحها على مسألة الدعوة الايمانية ويعزّز بذلك المعنى الذي قصده في 1قو 7: 17: ((كما دعا الله كل واحد، فليسلك)).
فالحرية، في نظر بولس، وان كانت عطية من الله ومبدأ في الحياة الاخلاقية يجب المحافظة عليه، خصوصاً في خيار الايمان، الاّ انها دعوة من الله، او بالاحرى جزء من دعوة الله الشاملة للانسان. فالله يدعو المؤمن به إلى ان يمارس حريته انطلاقاً من خيار أساسي وهو خيار الايمان. وبحكم شمولية خيار الايمان، فإن الحرية التي يكون موضوعها التصرفات الاخلاقية مدعوة إلى تجسيد الخيار الاساسي بحيث تكون طريقاً للمحبة والخدمة، لا سبباً للخطيئة. 
إن اساس الحياة الأخلاقية المسيحية الذي يراه بولس في الإنتماء للرب بالإيمان له اهمية مطلقة. هذه الأهمية المطلقة يترجمها عملياً من خلال الدعوة إلى ((حفظ وصايا الله)) (إر 7: 19) ويشير بذلك إلى أن هذه الوصايا لا تخضع للنسبية التي يطبقها على حالة المؤمن الإجتماعية. فالثابت في الحياة الأخلاقية هو شخصية المؤمن من زاوية تعلّقها الكياني بالله بواسطة الإيمان وهو أيضاً وصايا الله التي تعبّر عن قيم الحياة الأخلاقية الثابتة. ما عدا ذلك فهو خاضع لمبدأ النسبية وأهميته ثانوية بحيث لا يؤثّر مباشرةً على مسار الإيمان وعلى الإلتزام بالحياة الأخلاقية. 
يعطي بولس مثالاً على ذلك عندما يميّز بين الكلام الصادر عن الرب: ((اما المتزوّجون، فآمرهم، لا انا بل الرب، لا تفارق امرأة رجلها)) (7: 10) والكلام الذي ينصح به هو: ((أمّا في شأن العذارى، فليس لي أمر من الرب، لكني أبدي رأياً...)) (7: 25) فعندما يعود الأمر إلى وحي الله ووصاياه، فإن الحرية لا تملك حق التصرّف به، والمؤمن يعرف من خلال التمييز بين ما هو للرب وما هو للناس، أن يتمسّك بالثوابت ويقبل المتغيرات والفروقات على أنواعها. إنّه يسعى إلى غايته وإلى أن يكون ((أكثر غبطة)) عندما ينقاد إلى عمل الروح (راجع 7: 40) ويفهم أنّه بالرب يصبح من اخصّاء الله (راجع 1قو 3: 23) وإنّه ينظر إلى حياته كلّها، وبخاصة إلى حياته الأخلاقية على أنّها مسيرة ((أمام الله)) (7: 24).
انطلاقاً من هذا التوجّه يعالج بولس بعض المسائل التطبيقية المطروحة في جماعة قورنتس.

مسألة الزواج
وصل الأمر بالبعض من القورنثيين الذين يعتبرون ان على المعمدين أن يتخلوا عن الحياة الزوجية نتيجة لتخليهم عن حياة العالم، إلى القول بأنه يحسن للرجل ان لا يمسّ المرأة (7: 1) إلاّ أنّ بولس وبالرغم من مثاليّته (7: 7- 8) يحذّرهم من خطر الفجور (7: 2) ومن الوقوع في شرك الشيطان (7: 5) وينصح بأن ((يكون لكل واحد امرأته ولكل واحدة رجلها)) (7: 2). فما هو دور الزواج والعلاقة الجنسية في حياة المؤمن بالمسيح؟ إنّه بالطبع دور نسبي. ذلك أنّ اختيار البتولية هو أيضاً موهبة من الله خاصة (7: 7) والزواج مرتبط أصلاً بعلاقة الرجل بالمرأة ويجيب على حاجات محدّدة، منها الحاجة الجسدية. فهو ((خير من التحرّق)) (7: 9) وما قول بولس: ((أريد أن يكون كل الناس مثلي (7: 7) ودعوته للعازبين والارامل ان يقبلوا مثله (راجع 7: 8) سوى تأكيد على نسبية الزواج امام مطلقية الانتماء للرب. لذلك فإن ما يتفرّع من الزواج وخاصة العلاقة الجسدية يخضع لمعيار النسبية بحيث يمكن التصرف به خدمة لمتطلبات الانتماء إلى الرب. والدعوة إلى التفرغ للصلاة (7: 5) خير دليل على ذلك. ان دور الزواج والعلاقة الجسدية النسبي لا يعني انهما غير مهمّين. انه يشير إلى صلتهما الضرورية بحالة الايمان الجديدة. فإذا كان الزواج يتوافق وهذه الحالة، يجب المحافظة عليه (راجع 7: 12) والا فيجب اولاً ضمان الثبات في حالة الايمان، لانها هي التي، دون سواها، تقود إلى الخلاص والقداسة (راجع 7: 13- 16).

مسألة العذرية
في الآيات 1- 16 يدعو بولس المسيحيين الجدد إلى البقاء في الحالة التي دعوا فيها. اما مسألة العذرية فيعالجها بولس استناداً إلى مبدأ ((الضرورة الحاضرة)) (7: 26) وإلى معاناة الضيق في الجسد، التي يعيشها حسب رأيه المتزوجون. وطبيعة هذه المعاناة يشرحها في الآيات 30-34 وخلاصتها: ((أريد ان تكونوا بغير همّ)) (32). فالمعاناة تنبع من كثرة الهموم التي ترافق متطلبات الحياة الزوجية وتؤدي إلى التجزئة (34) وكأن الجواب على هذه المتطلبات يحتاج إلى وقت وهو بالتأكيد سيكون على حساب حياة الايمان. أما ((الضرورة الحاضرة)) فيمكن فهمها بالعودة إلى الآيات اللاحقة 29-35. وهي تعني ان الاهتمام بأمور الرب ضرورية اكثر من الاهتمام بأمور الحياة الزوجية، خصوصاً وان ((الزمان قصير))، و((شكل هذا العالم زائل)).
لابدّ من التنويه بأن بولس يقدّم رأياً ونصيحة لا أمراً. وهو يطرح بأنه لم يتلقّ بذلك أمراً من الرب. وهو لا يشير إلى قول يسوع في متى 19: 21: ((وهناك من خصوا أنفسهم من أجل ملكوت الله)). فحدود الرأي هو شخص بولس الذي يحكم عليه بوصفه ثمرة الرحمة التي نالها من الرب (1قو7: 25). 
فالعذرية اذاً، يمكن أن تكون كالزواج خياراً اخلاقياً حراً نابعاً من حقيقة الانتماء للرب وهي مقبولة من بولس، لا بل يشجّع عليها من حيث أنها تساعد المؤمن أكثر من الزواج على عيش انتمائه الكلي إلى الرب.

مسألة الارامل
تعليم بولس في الارامل يندرج في إطار التوجه الاساسي الذي رسمه واشرنا اليه سابقاً. فالارملة ((حرّة أن تتزوج من تشاء)). لكنه يضيف ملاحظة مهمة، اذ انه يتوجه بكلامه إلى نساء مؤمنات، فيقول: ((ولكن في الرب فقط)) (39) وهذا يعني ان تتزوج من رجل مؤمن. وهذا الامر هو نتيجة منطقية ومباشرة للاساس الذي هو: الدعوة في الرب يسوع، ولضرورة الاستناد اليه في كل خيار أخلاقي. أما امكانية عدم الزواج من جديد، فموجودة وقد سبق لبولس أن نصح بها في الآية 8: ((أما للعازبين وللأرامل فأقول: يحسُن بهم ان بيقوا مثلي)). وهو يجددها هنا بربطها بإمكانية التحرّر من الانشغالات والهموم التي أتى على ذكرها في الآيات 13-43. ويقول: ((الاّ انها في رأيي، تكون أكثر غبطة، ان ظلّت حرة، واظنّ ان فيَّ ايضاً روحاً من الله)) (40).
نقرأ في القرار المجمعي في التنشئة الكهنوتية ما يلي: 
((... ولتُبذل عناية خاصة ليتلقّن الطلاب درس الكتاب المقدس الذي يجب ان يكون بمثابة الروح لعلم اللاهوت بأجمعه... ولتُصرَف عناية بالغة لاكمال اللاهوت الادبي لان العرض العلمي لهذه المادة، اذا ما تشبّعت من تعليم الكتاب المقدس، يبيّن بوضوح عظمة دعوة المؤمنين في المسيح وواجبهم في ان يثمروا في المحبة لاجل حياة العالم)) (عدد 16).
ان تعليم بولس في الفصل السابع من رسالته الاولى إلى القورنثيين يهدف تحديداً إلى تبيان دعوة المؤمنين في المسيح، وهذا ما يهم اولاً وآخراً وهو يعني في النهاية ان المؤمن هو عبدٌ للمسيح (7: 22) وهذه الدعوة ليست تنكراً لشخصية المؤمن ولا استعباداً لها. انها عطية. ذلك ان المؤمنين اشتروا بثمن (23) وان كيانهم الجديد في المسيح يجعل منهم اناساً مصالحين (2قو 5: 17-21) معمدين (روم 5: 3-6) روحانيين (روم 8: 1-17).
فانطلاقاً من هذا التحوّل العميق في شخص المؤمن، يُطلب منه ان تكون حياته الاخلاقية ثمرة لهذا التحول فتشارك في اظهار الانسان الجديد إلى الخارج. وهي تتخّذ بذلك صفة الضرورة التي بدونها يفقد الانسان الجديد بُعده العملي الذي لا ينفصل عن دعوته إلى الخلاص.
يحتوي تعليم بولس على مدلولات كثيرة تفيدنا اليوم في محاولة فهمنا للعلاقة بين الحياة الاخلاقية والايمان وللمكانة التي يجب أن تُعطى لوصايا الله في السلوك الاخلاقي المسيحي وللتمييز بين ما هو ثابت ومتغيّر فيه.

العلاقة بين الحياة الاخلاقية والايمان
قد نتساءل ربما: ما هو الاهم، الايمان أو الاخلاق؟ وقد يكون لنا من خلال هذا التساؤل خلفيات تتحكّم بموقفنا الذي قد يفضّل الايمان على الاخلاق أو يعتبر الاخلاق كافية للتعبير عن حدق الايمان وكماله. أو ربّما نتّخذ الاخلاق وتطوراتها حجّة لنتهم الايمان بالرجعية وبالتخلّف، ونحن في العمق نعتبر أن بين الايمان والاخلاق تناقضات ابدية تمنع الانسجام والالفة بينهما.
أمام هذا التساؤل، يأتي المبدأ الذي يطرحه بولس أساساً للحياة المسيحية ليرسم اطار الجواب عليه. والمبدأ هو الانتماء إلى الرب يسوع، أي الايمان. واذا وردت فرضية التفضيل بين الايمان والاخلاق في وقت من الاوقات وفي مرحلة من مراحل مسيرة المؤمن، فإن الافضلية لابدّ وان تعطى للايمان. الاّ ان نضوج المسيرة الايمانية يصحّح هذه الفرضية ويكمّلها عندما تصبح الحياة الاخلاقية جزءاً لا يتجزأ من الايمان وبُعداً جوهرياً من ابعاده وطريقاً ضرورياً من طرقه بحيث يبدو الفصل بينهما امراً عقيماً وعلامة من علامات العجز عن البلوغ إلى الوحدة الداخلية الشخصية التي هي ثمرة من ثمار الايمان. 
ان الانتماء إلى الرب يسوع له بداية وهي الايمان وله نهاية وهي الخلاص. وما بين البداية والنهاية، مجموعة من التفاصيل التي تتعلق بأبعاد الشخص البشري المختلفة: النفسية والروحية، الفردية والجماعية. العائلية والاجتماعية. فالايمان والخلاص هما في نهاية الامر الموضوع الاكبر الذي يجب أن يشغل بال المؤمن واليه تتجه اهتماماته وتساؤلاته بحيث تصبّ كلها في مساعدته على الوصول إلى معرفة واضحة لكيفية جمع كل الابعاد التي ذكرنا سابقاً في بوتقة واحدة وموحّدة هي شخصه كمؤمن. ان الشعور بالانتماء إلى الرب هو اساس الحياة الاخلاقية المسيحية وهو يرافق كل سلوك اخلاقي مسيحي. 
وعليه، فإن نظرة المؤمن إلى الحياة الاخلاقية لا تكون احادية الجانب، بحيث يفصل هذه الحياة عن الحياة الروحية مثلا، او عن الحياة الليتورجية او غيرها. انها تكتمل بصلتها بشخص المؤمن الذي يدرك ذاته دائماً وفي كل ظرف وأمام كل تصرف وسلوك، واحداً مع المسيح، وبالمسيح واحداً مع الله.
من هذا المنطلق، تدخل الحياة الاخلاقية في قلب مسيرة الايمان التي يقودها الروح القدس وتصبح علامة من علاماته المميّزة. واذا كانت الحياة الاخلاقية تدور اساساً في فلك الصلاح والخير. فلا صالح الاّ الله وحده، كما يقول الرب (راجع متى 10: 18)، وبالتالي فإن قمة الصلاح هي في الايمان أي في الطاعة لكلام الله وارادته الخلاصية. 

وصايا الله
انّ السلوك وفقاً للدعوة التي دعانا الله اليها يقوم أساساً على حفظ وصايا الله. ووصايا الله كما جاءت في العهد القديم وجدّدها المسيح في شخصه تحتوي على قيَم انسانية وانجيلية تشير بوضوح إلى ارادة الله وإلى كرامة الانسان المخلوق على صورته. فمن قيمة الحياة إلى قيمة التضحية بالمحبة ترتسم امامنا صورة الانسان الحيّ الذي يكتشف اهمية هذه القِيَم وفوائدها ومدى ارتباطها بكرامته السامية. والايمان بالله يعزّز فيه هذا الاكتشاف ويدرك كم هو ملحّ الجواب على دعوة الله له إلى حفظ وصاياه. وما يزيد هذا الشعور عمقاً هو ان المسيح بتشديده على وصية المحبة كمّل الوصايا كلها واظهر معناها الشامل وارتباط بعضها بالبعض الآخر. ذلك ان الانسان وخيره الاسمى وخلاصه يشكّلون الهدف والغاية لكل وصية. فوصايا الله بارتباطها بالمحبة وبقيمة العطاء تتضمّن المعنى الذي يوحّد تفاصيل الحياة الاخلاقية. لذلك ترسم الوصايا الحدّ الادنى الذي لا يجوز للحياة الاخلاقية ان تتخطاه هبوطاً. انها تنطلق منه لتصل إلى كمالها عندما تحرّكها المحبة وتحييها غاية القداسة.

ما هو ثابت ومتغيّر في السلوك الاخلاقي
يبدو الكلام الذي يوجهه بولس إلى العبد المؤمن قاسياً: ((ان كنتَ عبداً حين دعيت فلا تبال، ولو كان بوسعك ان تصير حراً، فالاولى بك ان تستفيد من حالك، لانه من دُعِيَ في الرب وهو عبدٌ كان عتيق الرب، وكذلك من دُعِيَ وهو حرٌّ كان عبد الرب)) (1قو 7: 21-22). 
وقد يوقع هذا الكلام قارئه في صدمة يرفقها تساؤل حول دور الايمان في تعزيز كرامة الشخص البشري، وكأن بولس في قوله هذا يرضى بكرامة منقومة للانسان.
قد يُقال: بولس ابن عصره وهذا لتبرير دعوته إلى العبد للبقاء في حالته. كما يمكن تبرير اتهام بولس بأنه يقبل حالة العبودية من خلال دعوته إلى العبيد ليطيعوا سادتهم (راجع افسس 6: 5-6). الاّ ان اطار كلامه ليس اطاراً اجتماعياً. بولس يتحدّث عن علاقة الايمان بالرب يسوع وما يمكن لهذه العلاقة ان تصنعه بالانسان من تحرّر يظهر اولاً وآخراً في قلب الانسان وقد يسمح له ان يقبل حالته الاجتماعية المنقوصة. فهل يعني هذا ان الايمان في حدّ ذاته يقبل حالة العبودية؟ الجواب هو طبعاً بالنفي، على المستوى المبدئي. اما على المستوى الشخصي، فحالة العبودية كحالة اجتماعية ظاهرة، يمكن ان تتحول بالايمان الذي يعطي شعور التحرّر الصحيح، إلى حالة شبه عادية لا تؤثر سلباً على علاقة المؤمن بالرب ووحدته معه.
وهذا ما يدعونا إلى طرح السؤال حول ما هو ثابت ومتغيّر في السلوك الاخلاقي. ان المبدأ الثابت الذي يجب الحفاظ عليه واحترامه هو الانتماء إلى الرب والطاعة له بحفظ وصاياه وتبني القيم الانجيلية الثابتة وفهم الحياة على انها مسيرة جواب على دعوة الله.
أما المتغيرات فهي التي تطول الظروف والحالات التي ترافق نمو الانسان وفهمه لذاته وتطور زمانه وحضارته. فإن وافقنا على فرضية ان بولس يقبل العبودية، فهذا لا يعني انها قيمة ثابتة في حدّ ذاتها. واذا تبيّن، كما هي الحال، انها لم تعد تتوافق وادراك الانسان لكرامته ولحريته، تصبح أمراً مشجوباً اخلاقياً وايمانياً.
ان التمييز بين الثابت والمتغيّر مسألة كلاسيكية، صورتها الاولى نجدها في الفارق بين شريعة الله وشريعة البشر. ولابدّ من اللجوء إلى الفطنة والحكمة لنقبل بالمتغيرات دون المساس بما هو ثابت.
الفصل السادس


رسالة بولس إلى تيطسبين الأرثوذكسيّة والأرثوبراكسيّة

مقدّمة
هناك أربع رسائل في العهد الجديد موجّهة مباشرة إلى أشخاص(1). في الرسالة إلى فيليمون يُعالج بولس موضوعًا شخصيًّا (موضوع أونسيموس). أمّا الرسائل الثلاث الأخرى فموجّهة إلى أشخاص بصفتهم ((الرعويّة)). وتتطرّق أيضًا هذه الرسائل الثلاث إلى تنظيمات ((رعويّة)). لذلك درجت العادة على تسميتها بالرسائل ((الرعويّة)): الرسالتان إلى تيموتاوس والرسالة إلى تيطس. 
بالإضافة إلى هذه الميزة هناك قواسم مشتركة كثيرة تربط الرسائل الرعويّة وتجعلها جزءًا مميّزًا في العهد الجديد. أسلوبها ولاهوتها ومواضيعها مُتقاربة. تتقارب خصائصها أحيانًا من خصائص بولس في رسائله المنسوبة مباشرة إليه وفي أحيان كثيرة تختلف عنها. لا يسعنا هنا أن نستعرضها، ولا أن ندخل في المسائل الصعبة التي ما زالت تقسم شارحي الكتاب المقدّس بشأن كاتب الرسائل الرعويّة وتاريخها وأسلوبها ومكانها في لاهوت بولس وفي حياته الأرضيّة...
نتوقّف هنا فقط على الرسالة إلى تيطس دارسينها من زاوية بُنيتها الأدبيّة بعد أن نكون قد ترجمناها ترجمة حرفيّة قريبة، بقدر المستطاع، من النصّ اليونانيّ المُعتمد في النشرات العلميّة الأخيرة. أمّا سائر المقاربات (كشخصيّة الكاتب وشخصيّة المرسل إليه ومكان تحرير الرسالة...) فلن نتطرّق إليها؛ فهي لا تخلو في معظم الأحيان من الفرضيّات التي لا يمكننا في أيّ حال تثبيتها أو نفيها. لقد اقتُرحت بُنى بُنية وتصاميم عديدة للرسالة إلى تيطس (2). سوف نعرض بُنية للرسالة نقترحها انطلاقاً من الخطوط الكبرى التي ترسمها مُقدّمتها وليس من خلال المواضيع والتوجيهات الواردة في الرسالة.
رسالة بولس إلى تيطس (ترجمة حرفيّة)
1 1مِن بولُسَ عَبدِ اللهِ ورَسولِ يسوعَ المسيحِ لأجْلِ إيمانِ مُختاري اللهِ ومَعرِفَةِ الحقِّ الذي بحَسَبِ التقوى، 2على رجاءِ الحياةِ الأبديَّةِ التي وَعَدَ بها اللهُ غيرُ الكاذبِ قَبْلَ الأزمنةِ الدهريَّةِ، 3وأَظهَرَ كَلِمَتَهُ في أَوقاتٍ خاصَّةٍ، بالكرازةِ التي اؤتُمِنْتُ أنا عليها، حَسَبَ أَمْرِ اللهِ مُخَلِّصِنا، 4إلى تيطُسَ الوَلَدِ الحقيقيّ حَسَبَ الإيمانِ المُشتَرَكِ، نِعمَةٌ وسلامٌ مِنَ اللهِ الآبِ والمسيحِ يسوعَ مُخَلِّصِنا.
5مِنْ أَجْلِ هذا تَرَكتُكَ في كريتَ كي تُتِمَّ تَنظيمَ الأُمورِ الباقيةِ
وتُقيمَ في كلِّ مَدينةٍ شيوخًا، كما أنا أَوصَيتُكَ، 6إنْ كانَ أَحَدٌ دونَ لومٍ، رَجُلَ امرأةٍ واحدةٍ، له أولادٌ مؤمنونَ غيرُ مُتَّهَمينَ بالفجورِ وغيرُ عُصاةٍ. 7لأنَّه يَجِبُ أنْ يكونَ الأُسقُفُ دونَ لومٍ كوكيلِ اللهِ، غيرَ مُعجَبٍ بنَفسِهٍ، ولا غضوبًا، ولا مُدمِنًا للخَمْرِ ولا عنيفًا ولا ساعيًا إلى الربْحِ الخسيسِ، 8بل مُضيفًا للغُرَباءِ، مُحِبًّا للخَيرِ، رزينًا، بارًّا، وَرِعًا، مُتمالِكًا نفسَهُ، 9مُتمَسِّكًا بالكلمَةِ الصادقَةِ بِحَسَبِ التعليمِ، حتّى يكونَ قادِرًا أنْ يَعِظَ بالتعليمِ الصحيحِ، وأن يوَبِّخَ المُناقضينَ. 
10لإنَّه هناكَ كثيرونَ، عُصاةٌ ومُتَكَلِّمونَ بالباطِلِ ومُخادعونَ، لا سيَّما الذينَ مِنَ الخِتانِ، 11الذينَ يجِبُ سدُّ أفواهِهم، هُم الذينَ يَقْلِبونَ بيوتًا بجُملَتِها، مُعَلِّمينَ ما لا يَجِبُ، مِن أجْل رِبحٍ خسيسٍ. 12قالَ واحِدٌ مِنهم، نَبيُّهُمُ الخاصُّ: "الكريتيّونَ دائمًا كذّابونَ، وحوشٌ خبيثةٌ، بُطونٌ كسالى". 13هذه الشهادةُ حقَّةٌ. لأجْلِ هذا السبَبِ وَبِّخهم بِشدَّةٍ كي يكونوا أصحّاءَ في الإيمانِ، 14غيرَ مُصغيّينَ إلى خُرافاتٍ يهوديَّةٍ ووصايا أُناسٍ مُعرضينَ عَنِ الحقِّ. 15كلُّ شيءٍ طاهِرٌ للأطهارِ؛ أمّا للأنجاسِ وغيرِ المؤمنينَ فلا شيءَ طاهرٌ، لَكنْ تَنَجَّسَ ذهنُهم وضميرهم. 16يُعلِنونَ أنَّهم يَعرفونَ اللهَ، أمّا بالأعمالِ فيُنكِرونَهُ، فإنَّهم رَجِسونَ وعُصاةٌ وغيرُ ميّالينَ نحوَ أيِّ عَمَلٍ صالِحٍ. 
2 1أمّا أنتَ فتَكَلَّمْ بِما يوافِقُ التَعليمَ الصحيحَ: 2أن يكونَ الشيوخُ قَنوعينَ، وَقورينَ، رِزانًا، أصحّاءَ في الإيمانِ والمَحَبَّةِ والصبرِ؛ كَذَلِكَ 3العجائزُ في سيرَةٍ توافِقُ القداسَةَ، غيرَ شرّيراتٍ ولا مُستَعبَداتٍ لِخَمْرٍ كثيرٍ، مُعَلِّماتٍ الصلاحَ، 4كَي يَنصَحنَ الشابّاتِ أنْ يَكُنَّ مُحِبّاتٍ للأزواجِ، مُحِبّاتٍ للأولادِ، 5رزيناتٍ، عفيفاتٍ، مُهتمّاتٍ بالبَيتِ، صالِحاتٍ، خاضعاتٍ لأزواجِهنَّ حتّى لا يُجَدَّفَ على كلمةِ اللهِ. 6كذَلِكَ عِظِ الشُبّانَ أنْ يكونوا رِزانًا 7في كلِّ شيءٍ، مُقدِّمًا نَفسَكَ مِثالاً لأعمالٍ حَسَنَةٍ، في التعليمِ صفاءً ورصانةً 8وكَلمةً صحيحةً لا يَشوبُها لَومٌ، حتّى يُخزى الخَصمُ إذْ لا شيءَ له ليقولَ سوءًا بِشأنِنا. 9(عِظِ) العَبيدَ أنْ يَخضعوا لأسيادِهم في كلِّ شيءٍ، أن يكونوا مُرضينَ غيرَ مُناقضينَ 10ولا مُختَلِسينَ، بَل مُظهِرينَ كُلَّ أمانةٍ صالِحةٍ كي يُزَيِّنوا في كلِّ شيءٍ التَعليمَ الذي هو للهِ مُخَلِّصِنا.
11فإنَّهُ قد أُظهِرَتْ نِعمَةُ اللهِ المُخَلِّصةُ لِجَميعِ البَشَرِ 12مُعَلِّمةً إيّانا حتّى، إذا كُنّا نابذينَ الكُفرَ والشَهواتِ الدُنيويَّةَ، نحيا بالرزانةِ وبالبرِّ وبالتقوى في الدَهرِ الحاضر، 13مُنتَظرينَ الرجاءَ السعيدَ وظهورَ مَجْدِ اللهِ العظيمِ وَمُخَلِّصِنا يسوعَ المَسيحِ 14الذي أَعطى نَفسَهُ مِن أجْلِنا حتّى يَفتَديَنا مِن كلِّ إثمٍ ويُطَهِّرَ لِنَفسهِ شعبًا خاصًّا، غيورًا على أعمالٍ حَسَنَةٍ. 
15بِهَذه تَكَلَّم وَعِظْ وَوَبِّخْ بِكلِّ أَمرٍ؛ لا يَستَهِنْ بِكَ أَحَدٌ.
3 1ذَكِّرهُم أَنْ يَخضَعوا للرِئاساتِ والسلُطاتِ، ويُطيعوا ويكونوا مُستَعدِّينَ لكُلِّ عَمَلٍ صالِحٍ، 2وأنْ لا يِشتِموا أَحدًا، وأنْ يكونوا مُسالِمينَ، حُلَماءَ، مُبدينَ كُلَّ وَداعَةٍ نَحوَ جميعِ البَشَرِ. 3لأنَّهُ، نَحنُ أيضًا، كُنّا قبلاً أغبياءَ، عُصاةً، ضالّينَ، مُستَعبَدينَ لِشهواتٍ وَلَذّاتٍ مُختَلِفَةٍ، عائشينَ في الخُبثِ والحَسَدِ، مَمقوتينَ، مُبغضينَ بَعضُنا بَعضًا. 4لَكِنْ لَمّا أُظْهِرَ لُطفُ اللهِ مُخَلِّصِنا وَمَحَبَّتُهُ للبَشَرِ، 5لا لأَجْلِ أعمالٍ في بِرٍّ عَمِلناها نَحنُ، لَكنْ بِحَسَبِ رَحْمَتِهِ، خَلَّصَنا بِواسِطَةِ غَسلِ ميلادٍ آخَرَ وَتَجديدِ الروحِ القُدُسِ 6الذي سَكَبَهُ عَلينا وافِرًا بِيسوعَ المَسيحِ مُخلِّصِنا، 7حَتّى إذا ما كُنّا مُبَرَّرينَ بِنِعمَةِ ذاكَ، نَصيرُ وَرَثَةً بِحَسَبِ رَجاءِ الحياةِ الأَبَديَّةِ. 8صادِقَةٌ هي الكَلِمَةُ،
وأُريدُكَ أنْ تَتَشَدَّدَ بشأنِ هذه الأمورِ، حتّى يَهتمَّ المؤمنونَ باللهِ أن يُمارِسوا أعمالاً حَسَنةً؛ إنَّها حَسَنةٌ ونافِعةٌ للبَشَرِ. 9أمّا المُباحثاتُ السخيفةُ والأنسابُ والخصوماتُ والمُنازعاتُ بِشأنِ الشريعَةِ فاجتَنِبها، لأنّها غيرُ نافِعةٍ وباطلةٌ. 10الرجُلُ الهرطوقيُّ، بعدَ إنذارٍ مَرَّةً وثانيةً، أعرِضْ عَنهُ، 11عالِمًا أنَّ مِثلَ هذا مُضَلَّلٌ ويُخطئُ إذ هو قاضٍ على نَفْسِهِ. 12عندَما أُرسِلُ أرتيماسَ إليكَ أو تيخيكوسَ، فاجتَهِدْ أَنْ تأتيَ إليَّ إلى نيكوبوليسَ، لأنّي هُناكَ عَزَمْتُ أنْ أَشتوَ. 13زيناسُ مُعَلِّمُ الشَريعةِ وأَبُلّوسُ أَهِّبهُما باجتِهادٍ، كي لا يُعوِزَهُما شيءٌ. 14وَلْيَتَعَلَّمِ الذينَ لنا أنْ يُمارِسوا أعمالاً حَسَنَةً في سبيلِ الحاجاتِ الضروريّةِ، حتّى لا يكونوا دونَ ثَمَرٍ.
15يُحَيّيكَ جَميعُ الذين مَعي. حَيّي مُحِبّينا في الإيمانِ. النعمةُ مَعَ جَميعِكُم.
1- العنوان أو المقدّمة (1: 1-4)
إنّها من أطول مقدّمات الرسائل (راجع مثلاً مقدّمة الرسالة إلى الرومانيّين). تصف المُرسِل (بولس)(3) والمُرسَل إليه (تيطس). ترسم المهمّات المعطاة لبولس بحسب هذه المقدّمة بُنية الرسالة عامّة. بولس هو عبد الله ورسول يسوع المسيح لأجل إيمان مختاري الله أوّلاً ولأجل معرفة الحقّ الذي (أو التي) بحسب التقوى ثانيًا. وهذه المهمّة تأخذ بُعدها من خلال الرجاء، رجاء الحياة الأبديّة.
أمّا من جهة تيطس فتوجيهات بولس له ترتكز على الإيمان المشترك بينهما. بمعنى آخر، يظهر مُباشرة من مقدّمة الرسالة أنّ المقصود بالإيمان هو تجسيده في بُعده العمليّ. فبين إيمان مُختاري الله والإيمان المُشترك بين بولس وتيطس تأتي كلمة الله من خلال كرازة بولس لتُشكّل نقطة الثقل إن في المُقدّمة أو في الرسالة عامّةً.

2- القسم الأوّل: تنظيم الجماعة على أساس معرفة الحقّ بحسب التقوى (1: 5 - 2: 51)
تظهر الآية 1: 5أ كمقدّمة، ليس فقط للقسم الأوّل من الرسالة، بل لكلّ التوجيهات الواردة فيها. بولس ترك تيطس في كريت لتتميم تنظيم الأمور؛ وها هو يكتب إليه ليُعطيه أُسس هذا التنظيم: التوازن بين التعليم الصحيح (معرفة الحقّ) وبين التطبيق العمليّ (التقوى).
أمّا الآية 2: 51 فتظهر كخاتمة للقسم الأوّل من خلال تكرار الأفعال التوجيهيّة: تكلّم (راجع 1: 9 و2: 1)، عِظ (راجع 1: 9 و2: 6)، وبِّخ (راجع 1: 9 و1: 13). وتوبيخ تيطس يكون بكلِّ أمر (جمعها أوامر، وليس أمور) لأنّ كرازة بولس وتوجيهاته تتوافق مع ((أمر الله مُخلّصنا)) (1: 3)؛ وبالتالي لا يُمكن لأحد أن يستهين بتيطس.
أ - كيان بلا لوم، التوازن بين العمليّ والتعليم الصحيح (1: 5ب-9)
ولأنّ التنظيم يكون هرميًّا، يبدأ بولس بالشيوخ وبالأسقف. حالتهم (كساهرين على الجماعة وكوكلاء الله) يجب أن تتناسب مع طريقة عيشهم: هذا هو أساس اختيارهم. يُلخّص بولس هذا التنظيم الرئاسيّ بثلاث كلمات: التمسّك بالكلمة (الكرازة البولسيّة)، الوعظ بالتعليم الصحيح، توبيخ المُناقضين. كيان يرتكز على هذا المُثلّث هو كيان بلا لوم.

ب- كيان يُلام، الخلل بين العمليّ والتعليم الصحيح (1: 10-16)
مهمّة توبيخ المُناقضين قادت بولس للتكلّم على العصاة المُخادعين، مُظهرًا ماهيّة الكيان الذي يُلام: إنّه الكيان الذي يعيش خللاً بين المعرفة والأعمال. هذا الخلل جعل بولس ينعتهم بكلّ صفة تُظهر فصلاً بين حالتهم (ختان، معرفة الله) وسلوكهم (يقلبون بيوتًا، غير ميالين نحو أيّ عمل صالح). يندرج أيضًا اتّهام بولس للكريتيّين بكلام نبيّهم في هذا الإطار: كذّابون (يفصلون بين معرفة الحقّ وبين مسلكهم)، وحوش خبيثة (تفترس الكلمة)، بطون كسالى (لا تهضم الكلمة المسموعة لتُترجمها أعمالاً).
أمّا تيطس فعليه أن يوبّخهم بشدّة "كي يكونوا أصحّاء في الإيمان"؛ إنّها الركيزة الأولى في التنظيم (التمسّك بالكلمة الرسوليّة). صحّة الإيمان تخلق توازنًا بين حالة الشخص وبين تصرّفاته. هذا ما يأمر بولس تيطس بالتكلّم به.

ج- جماعة بلا لوم، توازن بين حالة الشخص وتصرّفه (2: 1-10)
الكلام الذي يوافق التعليم الصحيح يبني الجماعة ويجعلها بلا لوم. إنّه كلام يُترجَم عمليًّا بتوازن بين حالة الشخص وبين أعماله. المُسنّ وقور، صحيح الإيمان؛ العجوز في سيرة توافق القداسة، تُعلّم الصلاح للشابّات؛ الشابّات عفيفات كي لا يُجدّف على كلمة الله؛ الشبّان رزان حتّى لا يجد الخصم أيّ شيء للتكلّم عليه بالسوء؛ العبيد خاضعين كي يُزيّنوا التعليم الآتي من الله.
في هذا التنظيم تظهر أيضًا مهمّة تيطس وهي أي يكون بشخصه مثالاً: صفاءً ورصانة في التعليم الصحيح. أمّا الهدف من هذا التنظيم فهو إيصال الكلمة بطريقة لا يشوبها لوم. هذا الهدف تُحقِّقه النعمة في كيان المؤمن.
د- النعمة تُعلّم التوازن (2: 11-14)
يرتبط هذا النصّ اللاهوتيّ بشكل وثيق بما يسبقه (فإنّه...)، مانحًا الأساس اللاهوتيّ-الكريستولوجيّ لتوجيهات بولس "الرعويّة". فالنعمة تُعطي المعنى الصحيح لعمل الله الخلاصيّ، وتجعل من يقبلها يحيا بالرزانة وبالبرّ وبالتقوى، وتؤمّن له القوّة لنبذ الكفر والشهوات الدنيويّة وممارسة الأعمال الحسنة. وما هذه الممارسات إلاّ حقلٌ للعمل في هذه الحياة ((الأرضيّة)) بانتظار الرجاء السعيد والحياة الأبديّة. فالنعمة إذًا تُعلّم ليس فقط التوازن "الأرضيّ" (الكيانيّ-المسلكيّ)، بل أيضًا التوازن الأرضيّ-السماويّ باستحقاق الفادي المُخلّص، الله العظيم يسوع المسيح. بهذه الطريقة يُمهّد بولس للكلام على البُعد الأرضيّ السلطويّ وموقف المؤمن منه.

3 - القسم الثاني: إيمان مُختاري الله يأمر بالأعمال الصالحة (3: 1-41)

أ- التبرير بالنعمة يمنح التوازن الأرضيّ-السماويّ (3: 1-8أ)
شهادة الحياة التي يعرضها بولس تحت ضمير المتكلّم الجمع (نحن) والتي يُظهر فيها كيفيّة الانتقال من الحالة الماضية إلى غسل الميلاد الآخر تكشف عمق توجيهات بولس "العالميّة-الأرضيّة". فالمؤمن الذي نال بالمُخلّص يسوع المسيح الروح القدس وافرًا يُصبح وريث "الحياة الأبديّة". وعي المؤمن لهذا الميراث ولأساس حصوله عليه يجعله يعيش "الحياة الأرضيّة" خاضعًا للسلطات الزمنيّة ومسالمًا جميع البشر. فالناس، كيفما كانت أعمالهم (في الخبث أو في البرّ)، هم مكان ظهور لطف الله ومحبّته للبشر. إذا لم يعِ الفاسدون والضالون لهذه الحقيقة، فالمؤمن يعرفها ويعيشها انطلاقًا من كونه مُبرَّرًا بالنعمة. على أساس هذا التبرير بالنعمة يبني المؤمن تصرّفه الخارجيّ (مع الرئاسات ومع جميع البشر) وتصرّفه الداخليّ (ضمن الجماعة المسيحيّة).

ب- الأعمال ثمر الإيمان (3: 8ب-14)
يشمل المقطع الأخير من الرسالة بعض توجيهات موضوعة ضمن ((تضمين)): ((حتّى يهتمّ المؤمنون بالله أن يُمارسوا أعمالاً حسنة)) (3: 8ب)، ((وَليَتَعلَّم الذين لنا أن يُمارسوا أعمالاً حسنة)) (3: 14). ما هي هذه الأعمال الحسنة التي يجب التشدّد بشأنها؟ أولاً، إنّها التحلّي بالكرازة الصحيحة (3: 9-11)؛ ثانيًا، إنّها الوقوف على حاجات الكارزين (3: 12-13). وتظهر هذه الأعمال كنتيجة (((ثمر))) للإيمان (((المؤمنون بالله))، ((الذين لنا))). هذه الحاجات تُلخّص عمليًّا كلّ توجيهات الرسالة. فالتحلّي بالكرازة الصحيحة يمنح الكيان الذي فيه تتكامل الحالة بالأعمال؛ أمّا النوع الثاني من الأعمال فليس تمامًا الوقوف على حاجات الكارزين بقدر ما هو مُتابعة الاستقاء من الينابيع ذات التعليم الصحيح المُستقيم (كاتب الرسالة) وتأمين الظروف المناسبة لمواصلة هذا التعليم (زيناس مُعلّم الشريعة، أبولّوس).

4 - التحيّات (3: 15)
تشمل التحيّات النهائيّة ثلاثة ((أبعاد)): بُعد الرسول ومُعاونيه الذين اؤتمنوا على كلمة الله الصحيحة؛ بُعد ((المؤمنين)) أصحاب الإيمان المشترك الكفيل بالأعمال الصالحة؛ بُعد ((النعمة)) المُبرِّرة الضامنة ميراث الحياة الأبديّة والآمِرة بالتالي بالأعمال الحسنة ((الدنيويّة)).

خاتمة
لا تخلو الرسائل الرعويّة من اللاهوت ((العقائديّ)). قد لا يمكننا التحدّث عن لاهوت بحت في الرسائل الرعويّة من خلال ((تكديس)) المقاطع التي تتطرّق إلى المواضيع اللاهوتيّة، لأنّ اللاهوت في هذه الرسائل ليس بحثًا عقائديًّا؛ إنّه لاهوت ((تطبيقيّ)): توجيهات رعويّة. فالكلمة الصحيحة الصادقة تولّد مسلكًا مُستقيمًا. يُخرج هذا المبدأ المسيحيّة الناشئة من إطار عقلانيّ فلسفيّ ويجعلها تطرح الأسئلة العمليّة اليوميّة التي راحت تتزايد مع توسّع انتشارها. ويأتي دور ((وكيل الله)) ليرسم الإطار اللاهوتيّ- المسلكيّ الصحيح. وهذا المسلك يطال كافة فئات الجماعة ويشمل العلاقات الداخليّة والخارجيّة.
تشمل الأخلاقيّات الداخليّة البيت الخاصّ والكنيسة (الجماعة المسيحيّة)، وتندرج في إطار التنظيم الكنسيّ وإطار التقوى الشخصيّة. أمّا الأخلاقيّات الخارجيّة (مع المجتمع وكافة الناس) فهدفها محاربة المُخادعين والهراطقة وعدم تشكيك الآخرين أو إعطائهم فرصة للتجريح بالجماعة.
صحيح أنّ أساس التوجيهات المسلكيّة التنظيميّة هو الأمانة للتقاليد وللكرازة ((الرسوليّة)). لكنّ هدف رسالة تيطس (والرسائل الرعويّة عامّة) اللاهوتيّ -الإيمانيّ لا يقتصر على تكرار الماضي. فالأجيال المسيحيّة الناشئة لا تنتظر ((سقطة نورانيّة)) كسقطة طريق دمشق للحصول على الإيمان. هناك الأمّهات والجدّات والعجائز اللواتي يُلقّنّه للأجيال الصاعدة. 
ويبقى اختبار الرسول وشهادة حياته (واختبار كلّ مؤمن) نقطة الثقل في إيصال الكرازة. فالمقطعان اللذان يتوسّطان الرسالة ويتطرّقان لعمل الله الخلاصيّ (2: 11-14؛ 3: 1-7) يرتكزان على ضمير المتكلّم الجمع (نحن) مُجسّدين ((اليوم)) في حياة المؤمن عمل الله الخلاصيّ. ما قام به الله (الثالوث) ليس عملاً من الماضي، إنّه يطالك أنتَ اليوم وهنا. بل أكثر من ذلك، عندما أُظهرت نعمة الله المُخلّصة ومحبّته للبشر، ((أنتَ ونحن))(4) كنّا هناك أغبياء وعصاة، فعلّمتنا أن نحيا بالرزانة مُنتظرين الرجاء السعيد.
الفصل السابع

الصليب في كتابات بولس الرسول
إلى الكورنثيين

((أمّا عندنا، نحن الذين نالوا الخلاص، ف(الصليب) هو قدرة الله)) (1 كور 1: 18).

مقدّمة
لزم بولس، رسول الامم، قدر من الشجاعة كبير كي يغرس الصليب وسط ((جيل معوجّ فاسد)) في مدينة اشتهرت بالانحلال بحيث أضحى فعل ((كورنثيَزين))  يعني ((قام بالفحشاء)) وصارت في المنكرات مضرب الامثال، ومنها ((ليس في مقدور كل واحد أن يسكن في كورنثوس)) أو ((أن يذهب اليها))(1). وفي الوقت نفسه كانت كورنثوس تحوي مدارس فلسفة وتفتخر بأنها تحفظ قبر ذيوجينس. وبدل أن ينطلق تبشير بولس هذه المرّة من الخالق ليصل إلى تدخله تعإلى الاخير في التاريخ عن طريق المسيح، كما فعل الطرسوسي الغيور في ليسترة وأثينة، ((ركّز تعليمه على المصلوب))(2). وهكذا تحدّى ((الاناء المختار)) وتصدّى: تحدّى الفساد ومصدره الانانية ليكرز بالصلاح ومثاله تفاني المصلوب، وتصدّى الرسول للرذيلة التي تؤلّه الجسد مُظهراً يسوع الناصري الذي صُلب وصَلَب جسده. رفض بولس استعراض الاباحية لجسم الانسان وعرض المسيح المصلوب العاري الذي يعرّي الانحلال ويفضح الفساد. ومن ناحية الحكمة و((الفلسفة)) - التي هي محبة الحكمة - قطع سيف الله الحاد ((قول كل خطيب)) إذ شهر الصليب حساما وشعارا. وساعدته العزة الالهية، كما كانت قد أعلنت السيدة العذراء، لكي ((يُشتَّت المتكبرون في أفكار قلوبهم)) إذ بالصليب ((سيرفع الله الاذلاء ويضع الاعزاء)) ويبقى المصلوب قويا عاليا مدويّا صراخه كـ ((آخر صيحة بين الارض والسماء))، فيه ((كل كنوز الحكمة والعلم)) (كولسي 2: 3).
مع ان لفظة ((ستافروس)) (صليب) ترد فقط مرتين في الرسالة ((الاولى)) إلى الكورنثيين ( 1: 17 و18) والفعل ((صلب)) في المعلوم والمجهول (((ستافروو)) ) موجود اربع مرات في الرسالة الاولى (1: 13 و،23 ثم 2: 2 و 8) ومرّة واحدة في الثانية ( 13: 4)، للمصلوب والصليب مكانة اساسية مركزية ((تتمحور)) حولها كل تلك الكتابات البولسيّة إلى الكورنثيين، كما سيظهر من هذه الدراسة.

الصليب في التاريخ وفي العهد الجديد
يبدو ان الفرس اخترعوا الصليب كأداة لتنفيذ حكم الاعدام في شرّ المجرمين(3). كانوا يقتلون المجرمين مرفوعين على الخشب، وهم في رفعهم ايّاهم ينوون أن يتجنّبوا تدنيس الارض التي اعتقدوا انها مكرّسة لاله الخير اهرومزدا (4). ويلقى المرء حرصا مماثلا لدى العبرانيين الذين كانوا يعلّقون على خشبة جثّة المشنوق أو اي انسان تم إعدامه (بأية وسيلة أخرى) : ((لا تبت جثّته على الشجرة... فلا تنجّس أرضك التي يعطيك الرب الهك ميراثا)) (تث 21: 23). ومع ان القديس بولس يستشهد بهذا النص الذي مفاده ((ملعون المعلّق على خشبة)) (غل 3: 13)، فهنالك فرق واضح بين العقابين: الصليب عذاب روماني كان يُصلب عليه المحكوم حيّا، في حين ان الشجرة المذكورة في تثنية الاشتراع عرض لجثث الذين أعدموا بطرق أخرى. القديس بولس يأخذ العنصر المعنوي المشترك بين العقابين وهو اللعنة والخزي. وفعلا، أمسى يسوع - وهو القدوس المبارك - ((لعنة)) في عيون ((العدل)) البشري البيلاطسي الجائر والجماهيري العبري الظالم. وراحت المصادر التلمودية تشير باحتقار إلى ((تعليق)) يسوع ووصفته بال ((تلوي)) اي ((المعلّق)) على الخشبة(5).
من بلاد الفرس، انتقل الصليب إلى شمال افريقيا، إلى القرطجنيين ومنهم إلى اليونان، فقد أمر الاسكندر الكبير المقدوني بصلب المئات من اعدائه. وعندما احتل الرومان أرض اليونان عسكريا، قامت ((بلاد اليونان المغزوّة بغزو غازيها القاسي)) واحتلت روما ثقافيا وحضاريا، فأخذت روما عن الاغريق المسارح والحمامات... وعقاب الصلب وسواها من الايجابيات والسلبيات. وقضى القانون الروماني بصلب العبيد لا المواطنين الرومان الا كبار المجرمين من موقدي الفتن والثورات وأعظم اللصوص وقطّاع الطرق والخونة(6).
تفنّن الرومان في تعذيب المحكوم عليهم بالاعدام وفي أشكال الصليب. باديء الامر، أشارت لفظة ((ستافروس)) في كتابات هوميروس وغيره من الكلاسيكيين إلى خشبة عامودية أو وتد(7) . ولكن زيدت عليها قطعة أخرى أفقية مدعوّة ((باتيبولوم))patibulum كان يحملها المحكوم عليه على كتفيه واللفظة ليست مأخوذة من فعل ((باتي)) اللاتيني pati الذي يعني ((تألم)) بل من فعل ((باتيره))patere اي ((فتح))، لأن المفهوم منقول عن الخشبة العارضة الكبيرة الثقيلة التي كانت توضع وراء الابواب لوصدها جيدا فكانت الابواب تُفتح(8) برفع الخشبةpatebant fores) .). وسرعان ما أصبحت لفظة ((ستافروس)) اليونانية ومقابلتها اللاتينية ((كروكس))crux تشير إلى كلتا الخشبتين وإلى كل منهما على حدة(9). وبالفعل، يروي الانجيليون ان يسوع ((حمل صليبه)) اي القطعة الافقية، بما ان العامودية كانت تزن ما لا يقل عن 75 كيلوغراما وما كان طولها أقل من مترين، في حين ان الافقية تُحمل على المنكبين - أمّا العامودية فتُجرّ جرّا في أفضل الاحتمالات. وعندما كان يبلغ المحكوم عليه مكان تنفيذ الاعدام اي الصلب، كانت تسمّر يداه او تُربطان على الخشبة الافقية ويُرفع على العامودية، بحبال أو سلالم أو بالقوة البشرية، بحيث نشأت العبارة ((صعد إلى الصليب)) أي إلى القطعة العامودية ascendere in crucem (10). ورأى الحبيب يوحنّا في ((ارتقاء)) يسوع على الصليب تلميحا إلى مجده وسموّه وجاذبيته (12: 32). ومّما يُثبت صلب يسوع على تقاطع خشبتين استفزاز تلميذه توما العنيد : ((إن لم أبصر في يديه أثر المسمارين (في اليونانية ((تون هيلون)))... وإن لم أضع يدي في موضع المسمارين... لا أومن ((أي لا أصدّق(11). منطقيا، لو صُلب يسوع على خشبة واحدة لكان في يديه الاثنتين مسمار واحد فقط (وتوما يعرف ما يقول !). فوجود مسمارين في يديه الاثنتين دليل قاطع على وجود خشبتين متقاطعتين(12).
لذا، لم يكن صليب يسوع ال ((كروكس سيمبلكس)) crux simplex (خشبة عامودية واحدة) التي صوّرها الكاتب الحديث يوستوس ليبسيوس (1547 - 1606)(13)، ولا الصليب الذي عرفه الرومان باسم ((كروكس كوميسا)) أو ((غريكا))crux commissa ou: graeca بشكل حرف التاء الكبيرة اليونانية واللاتينية T(وتُدعى أيضا ((صليب القديس فرنسيس)))، بل كان صليب المخلّص ((كروكس ايمّيسّا)) أو ((ابرتا)) أو ((لاتينا)) crux immissa, ou aperta; ou latina ذات الزوايا الاربع(14) بما ان علّة موت يسوع كانت مكتوبة فوق رأسه (عن متّى 27: 37 والمواضع الموازية)، في ثلاث لغات هي اللاتينية (لغة الامبراطورية والحاكم الروماني) واليونانية (لغة الثقافة والتبادل الدوليين) والعبرية اي الارامية (لغة الشعب)، بحروف كبيرة في اللون الاحمر، لون الدم والموت.

1 - مجمل الافكار البولسية عن الصليب في الكتابات إلى الكورنثيين
في مدينة ((المرفأ الثنائي الفاسد))(15) يؤسّس بولس الكنيسة (أعمال الرسل 18). وما نشب أن غادرها واحتدمت الخلافات بين مؤمنيها والصراعات والانقسامات، فقال هذا ((أنا من حزب بولس)) وغيره ((أنا من حزب أبولّس)). وتبرأ قوم من الطرفين فهربوا إلى حزب ثالث ((أنا مع المسيح)) أو ربّما قصدوا انهم يرتفعون بالمسيح الرب على خادميه ورسوليه وتلميذيه ! و((عادت حليمة إلى عادتها القديمة)) عند بعض المعمّدين إذ ((لكل امريء من دهره ما تعوّدا))، فرجع بعضهم ((إلى قيئهم)) وإلى فساد جاهليتهم ناسين معموديتهم ضاربين بعرض الحائط تقديسهم وغسلهم باسم الله وكلمته وروحه مغفلين انهم ((قد لبسوا المسيح)).((وتألّق)) أحدهم بفحشاء منقطعة النظير فاق فيها الوثنيين أنفسهم (5: 1 وتابع). وما توانى آخرون من المسيحيين الجدد في اللجوء إلى المحاكم الوثنية - وهي نجسة وهم القديسون المقدّسون المختارون ! (فصل 6). 
على خلفيّة الاصل المتواضع لمعظم سكان قورنثس (الذين كان ثلاثة أرباعهم من العبيد) وانتفاخهم بالفلسفة وتشدّقهم بالبلاغة، جامعين بين الاباحية والخيلاء، وميلهم إلى إنزال الانجيل إلى مستواهم ((إرضاءً للمستهلكين))، ونزعتهم إلى التحزّب والتشرذم، رسم رسول الامم صليبا من نور ليبدد ((ظلمات الافئدة)) وليرفع ((القلوب إلى العلى)) حيث المسيح المعلّق البريء الذي ظلمه ((سلطان الظلمة)) وأعوانه - نعم، المسيح المصلوب هو كلمة الله، الاولى (عن يوحنا 1: 1) والاخيرة، فلا حكمة بعده ولا قوّة ولا قدرة. 
ذُهل الكورنثيون من مركزية المصلوب والصليب(16) في السيرة السيدية وفي تبشير بولس والقوا اسلحتهم معترفين بألوهية الملك المرتفع على الخشبتين وبالسلطة الرسولية البولسية وبسمو الاخلاقيات الانجيلية، كما فغر الناس - بما فيهم العظماء - افواههم أو سدّوها اندهاشا وحزنا وهيبة وإجلالا، أمام مشهد المصلوب (عن أشعيا 52: ،51 متّى27: 54).
تتلخّص فكرة الرسول بأن الصليب الذي يبدو حماقة ، ((يحقّق الخلاص بطريقة تبدو مجنونة (أو حمقاء)))(17). وبما ان الصليب مركز البشارة فإن ((عدوى)) جنونه تنتقل اليها ، إذ يَعرض حماقة وعجزا يُعرض عنهما اليهودي المتعطش للمعجزات واليوناني المتفذلك المتفلسف الذي ((لا يعجبه العجب))!(18) ويرى بولس تناقضاً بين ((حكمة العالم)) العبرية أو ((حكمة الدهر)) اليونانية الهلنستية التي تريد أن ((تريح رأسها)) وأن تتأكّد بحواسّها - ولا سيّما البصر - من صحة عقيدتها، محاولة أن تخفض مستوى أخلاقيات الانجيل(19)، وبين ((حكمة الله)) المتجلية في الصليب الكريم المحيي الذي يظهر لاول وهلة حقيرا قاتلا. المصلوب والصليب متماهيان (s'identifient ) : يكتب بولس الرسول نفسه ان يسوع صالح العالم مع الله ((بدم صليبه)) (كولسي 1: 20).انهما - أي المصلوب والصليب المتلاصقين في عناق قاتل محيٍ- ((حكمة الله)) وقدرته وخلاصه، فقد انقلبت الموازين كما ترتّل الليترجية اللاتينية: 
((لاحت علامات الفدا سرّ الصليب قد بدا
الحـــيّ فيــه إذ غــــدا ميتا حياة أوجــــدا))
تحوّلت أداة الموت حياة ووسيلة الذل مجدا ! وكان قد كتب صاحب المزامير: ((صار إلى البكم كل آثم)) (107 (106): 42 ب). وأفحم سواد الصليب والقبر والظلمة التي غشيت الارض أهل الفكر والاجتهاد !
ويخلص بولس إلى انتقاد ((رؤساء هذا العالم)) الذين ما عرفوا الحكمة الربانية وتمادوا في جهلهم وجهالتهم وعمى بصائرهم حتى ((صلبوا رب المجد)). 

2 - تحليل النّصّ والسّياق المباشر (1 كور 1: 16 - ،18 ثم 2: 1 -2 
يناشد رسول الامم اهل كورنثوس المسيحيين أن يبقوا ((على رأي واحد وفكر واحد)) بعد ان سمع من أهل بيت السيدة ((خلوي)) نبأ انقساماتهم. ولأوّل مرّة يرد فعل ((صُلب)) في المجهول في هذا الاطار المأساوي كنسيا (1: 13): ((أتُرى المسيح انقسم ؟ ألعلّ بولس صُلب من أجلكم؟ أم باسم بولس اعتمدتم ؟)) الرّدّ على هذه الاسئلة الخطابية معروف: لا، المسيح واحد! ونحن اعتمدنا باسم المسيح الواحد الذي صُلب هو - لا غيره - من أجلنا ((في عهد بونطيوس بيلاطس))، كما جاء في الكتب، والذي اعتمدنا باسمه - لا باسم غيره - ونحمل اسمه (ابتداء من انطاكية) لا اسم سواه (عن 1: 2) إذ ليس بغيره الفداء ((وما من اسم آخر تحت السماء وُهب للناس به يمكن لنا أن ننال الخلاص)) (عن أع 4: 12).
النتيجة الاولى من هذه الاية 1: 13: المسيح المصلوب ((يجمع أبناء الله المتشتتين)) (يوحنا 11: 52) كما جمع بصليبه السماء والارض والرياح الاربع واليهودي واليوناني (عن غل 3: 28). إنّ صلبه يعطيه الحقّ في أن يدين البشر له بالولاء والوفاء والسمع والطاعة، ويخوّله صلاحية تعميد الناس باسمه. صليب المسيح أساس انتمائنا اليه واعتمادنا باسمه(20)، فماء معموديتنا مصبوغ بدمه، هو الذي ((طعن أحد الجند جنبه بحربة، فحرج للوقت دم وماء)) (عن يوحنا 19: 34)، وهو المنقذ الاتي ((بالماء والدم)) (عن يوحنا الاولى 5: 6). اشترى بدمه وفدى(21) ( 6: ،20 ثم 7: 23). ان الناس مُلكه ومِلكه لأنه قدّم لهم الحب الاعظم، أن ((بذل حياته من أجلهم)) (عن يوحنا 15: 13): ((ان محبة المسيح تأخذ بمجامع قلوبنا عندما نفكّر أنّ واحدا قد مات من أجل جميع الناس، فجميع الناس قد ماتوا. ومن أجلهم جميعا مات المسيح، كيلا يحيا الاحياء من بعد لأنفسهم، بل للذي مات وقام من أجلهم)) (2 كور 5 : 14 - 15).
((الاولى)) إلى الكورنثيين ((رسالة الصليب)) ورسالة قيامة الرب يسوع المجيد المجيدة (خصوصا فصل 15). ولا عجب، فالصليب والقيامة والصعود مرتبطة (عن 2 كور 1: 5 - ،7 وخصوصا لوقا 24: 26).

- 1 : 17
((فإنّ المسيح لم يرسلني لاعمّد (أي ليست المعمودية هدفا ولا غرضا اساسيا) بل لأبشّر، لا بحكمة الكلام، لئلاّ يُبطل صليب المسيح)).
الأسلوب الشرقي السّاميّ غير دقيق ((مأ ارسلني لاعمّد بل لابشّر)) تعني ((ما أرسلني أصلا ولا أوّلا ولا فقط)) لاعمّد بل الشّأن للكرازة ! والتبشير هو اعلان البشارة (الفعل ((اوانجليزوماي)) ,  من ((اوانجليون))) لئلا ((يُفرغ)) صليب يسوع، حسب الفعل اليوناني الاصلي kenoqh ((كينوثه)).
التعويل على ((حكمة الكلام)) (((سوفيا لوغو))) كان من صفات الفلاسفة الاغريق والهلنستيين. ويمكن نقل العبارة ب ((حكمة المنطق)) بما ان ((لوغوس)) تعني ايضا ((منطق، سبب)). هنا يضمّ الرسول حذق التفكير وحسن التعبير ويقصيهما طوعا لا كرها، مع انه كان ((من كلاسيكيي الهلنستية))(22)، فلسفة وخطابة. ولكنّ نصب عينيه المصلوب ولا يستطيع أن يتجاهله !
النتيجة الثانية: الاعتماد على ((حكمة الكلام)) أي على الفلسفة والبلاغة تفريغ لصليب المسيح ! انه ((تصفية)) للتضحية والفداء عن طريق الذل والعذاب والموت وانه تملّق ((لسحر البيان)) ولغرور التفكير البشري)) (عن كولسي 2: 6 و8). ((كلمة الصليب)) هي صليب الكلمة البشرية الفلسفية، من عبرية ويونانية.
عند بولس (المفكر الخطيب المستغني عن الفلسفة والبلاغة في سبيل المسيح المصلوب) الصليب والبلاغة ضدّان لا يلتقيان وخصمان لا يتّفقان ونقيضان لا يلتئمان! من طلب البلاغة وإعجاز اللسان خسر الصليب، ومن طلب الصليب ترفّع عن البيان!(23) وسيختار بولس الصليب وسيترك البيان والفصاحة والبلاغة ومقاييس التفكير الهلنستية والحاخامية (2: 1 - 2) ولن يعرف الا ((يسوع المسيح واياه مصلوبا)) (2 : 2).
الكلام فارغ(24)، وإذا ركن أحد اليه في التبشير بالانجيل أصبح الصليب فارغا، وأمسى فقط كلاما في كلام ! ((ملكوت الله ليس بالكلام بل بالعمل)) (4: 20).
الكلام سهل والتضحية القصوى ((حتى الموت، موت الصليب)) صعبة جدا، ونادرا ما يُقدم عليها أحد ولا سيّما إذا كان يموت عن بشر غير صالحين (عن روم 5: 6 - 10). ويقول بصواب مثل دارج : ((قليل العقل يرضيه الكلام)). المنتفخون يلقون الخطب ويطّرزون الالفاظ وبولس يركن إلى قدرة المصلوب ومعجزة الصليب (4: 19).
أمام صليب المسيح يسكت اللسان. وبخلاف ذلك، عندما يلعلع اللسان ويسترسل في البديع والمحسنات اللفظية يغطّي فراره من الصليب ويفضح لجوءه إلى ((الصنج الذي يرنّ والنحاس الذي يطنّ)) (عن 13: 1)، هذا حال الفصاحة من غير محبة (عن 13: 1)، انها طبل أجوف وبوق عقيم أقصى فعله الصدى ولا يأتي بالفدى! أمّا الصليب فهو قمّة المحبة الفادية، ((ولا مغفرة من غير سفك دماء)) (عن عبرانيين 9: 22).
((الاقوال تطير والكتابات تبقى))(25)، والمسيح ما كتب - كما تمنّى أيوب، ((أن تُكتب أقواله وتُرقم بقلم من حديد على الرصاص)) ( أي 19: 23 - 24) بل كتب بدمه سِفر الحياة. ما قال يسوع فقط، بل فعل. ما أعلن المحبة لخاصّته فقط بل مات من أجلهم، وهذا هو البرهان الاقوى، لأن ((المحبة قوية كالموت)).
الخلاف قائم بين التعويل على الفكر والبلاغة من جهة، والصليب من جهة أخرى. أمام هذا العقاب الفتّاك، يستقيل الفكر وييأس، ويرتبط اللسان ويشلّ.
الصليب مصداقية حب المسيح وحقّ رسالته، هي ختم كلماته، هي شهادة للمصلوب، كما كتب القديس يوستينوس(26). الذي يموت من أجل الناس لا يخدعهم، ولكن ((الكلام المعسول)) من صفات المعلمين الكذبة (عن 2 بط 2: 1 - ،2 روم 16: 18) ومن صفات المتاجرين بكلام الله وبالناس، ومن صفات الانبياء الكذبة ارتداؤهم ثياب الحملان، بالكلام المنمّق الذي يخفي الفراغ والفساد (عن متّى 7: 15- 17). ثمارهم الطنطنة والانانية وإرضاء الذات وثمار يسوع اقتضاب الكلام والتفاني والاتضاع.

- 1 : 18
((إنّ لغة (في اليونانية: لوغوس، ولعل)) اللفظة ((لغة)) مشتقة من اليونانية) الصليب حماقة عند الهالكين، وأمّا عند الذين نالوا الخلاص، عندنا، فهو قدرة الله)).
((هو لوغوس تو ستافرو)) ، ((كلمة الصليب)) او ((منطق الصليب))، الكلمة التي هي الصليب كقولك ((لفظة الصليب)) (ومفهومه ومدلوله) . هذا المضاف اليه مرادف لبَدَل ومعناها: ((الكلمة التي هي الصليب جنون...))، كقولك ((مدينة القدس)) اي المدينة التي هي القدس. ويدعى هذا ((المضاف اليه التفسيري))génitif explicatif). )
الصليب كلمة جنونية وواقع لا معنى له، أو إذا كان له معنى فهو فظيع كريه غير معقول ولا مقبول ! والنظر إلى صليب يسوع كصلبان سابقيه او كرموز الوثنية بشكل صلبان - هذا النظر القصير يحصر التفكير في أداة العذاب والعقاب والاعدام البغيضة ويسبب النفور والاشمئزاز والتمرّد والاستياء والثورة لسان حالها : ((لا نريد المشنقة شعارا ولا الاعدام راية !))
الصليب ! وما أدرانا نحن أبناء العصور الحديثة ما الصليب ؟! 
الجنون نقيض الحكمة التي طلبها اليونانيون (الاية 22 ب )، ولا سيّما الفلاسفة من إغريق كلاسيكيين وهلنستيين. مثلا، هذا أفلاطون يعارض معلّمه سقراط الذي حسب ذاته سعيدا وهو محكوم عليه بالموت على براءته: ((حين يتآمر انسان من غير حقّ على طاغية، فيُلقى القبض عليه ويُسلم للتعذيب، فتُبتر أطرافه وتُحرق عيناه، ويتألم من العذابات الشخصية الوحشية المتنوعة فيشهد إذلال أبنائه وزوجته، وفي آخر الامر يُصلب أو يدهَن بالزفت ليُحرق حيّا، أيكون هذا الرجل أسعد ممّا لو نجح في الفرار...؟))(27).
و لنسألنّ من كان بالعالم الروماني خبيرا : يوليوس باولوس - في القرن الثالث قبل الميلاد - وضع عقاب الصلب في أول قائمة العذابات، يتبعه الحرق ثم قطع الرأس(28). أمّا نجم الخطابة شيشرون (106 - 43 ق.م. ) فهو الروماني الوثني الذي يجسّد النفور من الصليب والارتياح للبلاغة ! يكتب في عقاب الصليب انه (("أقسى العذابات وأفظعها))(29) ويصفه بأنه ((الطاعون))!(30).
ويسخر الفيلسوف الروماني اسباني الاصل سينكا (2 - 65 م) من ((ميشينوس)) الذي رفض فكرة الانتحار قبل الصلب: ((أهنالك انسان يحبّ أن ينهار تحت وطأة العذابات، وتفنى أعضاؤه الواحد تلو الاخر، وتُهدر حياته قطرة قطرة، بدل أن تفنى دفعة واحدة؟ من الذي يُعلّق على المشنقة الملعونة، وقد أعيق وشُوّه وتحوّل كتفاه وصدره إلى حدبتين بشعتين، ويكون لديه ألف سبب للموت حتّى قبل الصليب، ويرجو أن يمدّ وجوده الذي سيطيل من آلامه؟))(31). 
أشار الرومان إلى الصليب بأنه ((عذاب العبيد))servile supplicium) ) غير اللائق بالمواطنين. وكتب شيشرون أيضا: ((لو هددونا بالموت، فلنمت أحرارا على الاقل ! نعم، فليبتعد الجلاد والحجاب على الرأس وحتّى ذِكر الصليب... )) (32) ولا ينسى التاريخ العبد ((سبارتاكوس)) الذي قاد ثورة العبيد وصُلب مع المئات منهم (سنة 71 ق.م.). وبما ان الصلب للعبيد، فلفظة ((القابلين للصلب))Cruciarii مرادفة ل ((العبيد))(33). ((يضاف إلى ذلك انه كان يُصلب عبيد السيّد الذي كان يُغتال ولا يُعرَف قاتله))(34).
النتيجة الثالثة : نظرة اليهود والوثنيين (ممثلين باليونانيين) إلى يسوع نظرتهم فقط إلى أداة عذاب وعقاب وإعدام هي موقف هلاك لا يساعد على إدراك الخلاص. وكذلك موقف المسيحيين ناقصي الايمان عبر التاريخ الذين يتنكّرون للصليب السيدي !

أ - تفصيل نظرة اليهودية لصليب يسوع
إن مجرّد امكانية أو فرضية تعرّض ((المشيح)) للصلب عثار لليهود (1: 23). بطرس، أوّل الرسل، يقصي ((المشروع)) ويرفضه ويقول : ((حاشى لك يا رب (يا يسوع) من هذا المصير!)) ويجيبه يسوع : ((إذهب خلفي يا شيطان، فأنت عثار لي)) (متّى 16: 23). في 1 كور 1: 23 وفي متّى 16: ،23 ترد اللفظة ذاتها  ((سكانذالون))، حجر عثرة، للتعبير عن المضمون ذاته: بطرس حجر عثرة ليسوع لأن الرسول، بشري الافاق، يرفض الصليب ليسوع، والصليب حجر عثرة لليهود أمام ((مشيحانية)) الناصري ابن مريم !
الصليب خيبة أمل عدد من محبي يسوع من رسل وتلاميذ، فقد تأمّلوا ((مشيحًا)) منتصرًا، امبراطورًا عسكريًا سياسيًا يبسط سيطرتهم على المعمور. ويعبّر تلميذا عماوس عن خيبة الرجاء: ((ما يختصّ بيسوع الناصري: كان نبيّا مقتدرا على العمل والقول عند الله والشعب كلّه. كيف اسلمه عظماء كهنتنا ورؤساؤنا ليُحكم عليه بالموت، وكيف صلبوه ! وكنّا نحن نرجو انّه هو الذي سيفتدي اسرائيل، ومع ذلك كلّه فهذا هو اليوم الثالث مذ جرت تلك الامور... )) (لو24: 19- 21)، وسأل الرسل والتلاميذ المجتمعون المصلوب القائم من القبر: ((أفي هذا الزمان تردّ الملك إلى اسرائيل؟)) (أع 1: 6 - 7)، ومنهم من كان له ثلثا الخاطر في تنصيب يسوع ملكا،بناء على طلب الجماهير التي اشبعها من الخبز والسمك (عن يو 6: ،15 مت 14: ،22 مر6: 45)، وما خطر على بال الجموع ان يسوع هو ((الخبز الحي)) وان من الرموز التي ستشير اليه وإلى المسيحية الصليب والسمكة. واهتز الرسل طربا لمشروع المشيح الملك (((ميلخ هاماشياح))) الذي يخضع الشعوب للامة العبرية (عن مز 47 (46): 4) وحلموا بأنفسهم وزراء في مملكته في هذا الجيل، ولكنه وعدهم بشرب الكأس المرّة في هذه الحياة وبالتواضع طريقا إلى المجد، وبأنهم لن ((يدينوا الاسباط)) الا في ((جيل التجديد)) لا في الوقت المعاصر! في كل هذه الحسابات، فاتتهم نصوص نبوّة أشعيا عن ((عبد الرب المتألم)) (خصوصا الفصل 53) والمزمور 32 (22) ولقب ((ابن الانسان)) (عن دانيال 7: 13) المنطوي على التواضع ، ولكن يتكلل ذلك التواضع بالبهاء والمجد ! ألم يذكروا ان ((ابن الانسان))أحبّ القاب يسوع اليه ؟
أمّا الغرباء والاعداء من اليهود، فقد رأوا في صليب يسوع ما ينسف ((مشيحانيته)). فقطعوا اسمه من ((يشواع)) (الذي يفيد الخلاص) إلى ((يشو)) في التلمود وسائر كتاباتهم وأشاروا اليه بلفظة التحقير ((ها تلوي)) أي ((المعلّق على الخشبة)) وعلّل التلمود البابلي ((تعليق يسوع، عشية الفصح... بأنه أغوى اسرائيل بالسحر))(35).
ويفيد تاريخ الكنيسة، في قديمه وحديثه، ان عددًا من البدع تتنكر للصليب وتتجاهله وتشنّع به، ولعلّها في ذلك نابعة عن اليهودية التلمودية الحاخامية التي ما تورعت عن الطعن بالمصلوب وبوالدته وبالكنيسة.

ب - تفصيل النظرة الوثنية لصليب يسوع
في رأي الوثنيين أن المصلوب والصليب حماقة ما بعدها حماقة (1: 23) ووبأ نفسي واجتماعي يستأهل الوصف الشيشروني بـ ((الطاعون)).
تكفي بعض الامثلة لتبيان الموقف : 
- كتب المؤرخ الروماني تاشيتوس(36) في ((الحوليات)) (15، 44, 2- 5) في المسيحيين: ((يأتيهم هذا الاسم من كريستوسChrestus الذي حكم عليه الوالي بونطيوس بيلاطوس بالعذاب في عهد (الامبراطور) طيباريوس)). يبدو ان ما علق في ذهنه من كل سيرة يسوع وأقواله موته على الصليب.
- الفيلسوف الروماني تشيلسيوس (نحو سنة 178 م) يتهكم على المسيحيين ويعاتبهم ((لحماقتهم)): ((انتم تنسبون الطبيعة الالهية إلى رجُل أنهى حياة دنيئة بميتة شقيّة)).
- في القرن الميلادي الثاني ايضا، رسم في البلاتينو لمسيحي مدعو ((اليكسامينوس)) ((يعبد الهه)) والمعبود مصلوب بوجه حمار!(37)

ج - تفصيل نظرة المسيحيين ناقصي الايمان والمسيحيين المزيّفين لصليب يسوع
- الغنوصيّة كانت تعدّ يسوع ((أيونا))eon ، بين اللاهوت والناسوت، لذلك لم تحسبه انسانا كاملا (بنقائص الطبيعة البشرية وحدودها، ما خلا الخطيئة). ومن كتبهم ((رؤيا بطرس)) (التي لا يجدر خلطها مع رؤيا أخرى لبطرس منحولة ايضا، غير غنوصية)(38). في الرؤيا الغنوصية المشار اليها (81 - 83) يسرّ يسوع عندما يقوم أعداؤه بصلب شبيهه أو شبه جسده. وعليه، ما كان صليب يسوع يعني شيئا للغنوصية التي ((أفرغته)) من معناه.
- الجماعات ((التشبيهية)) أو ((الدوقيتية))docètes من الفعل اليوناني dokein ((دوقين)) اي ((ظهر، بان))، كانت تؤكّد ان ليسوع جسدا ظاهرا لا حقيقيا(39)، وعليه فإنّه شبه وُلد وشبه تألّم وشبه صُلب (وشبه قام وشبه صعد). وكانت الحركات الدوقيتية تنهج الثنائية ذات الميول الروحانية(40) في نظرتها للتجسد وللالام. وراح الدوقيتيون ((يحذفون من التجسد والالام ما توهّموا انه ليس جديرا أو لائقا بابن الله... في أطُر افلاطونية حيث تتصارع الوقائع ((الحقيقية)) العقلية ووقائع العالم الحسّيّ. أمّا مرقيون فقد ارتأى انّ للمسيح ((جسدًا سماويًا))، وذهب ((ابيللس)) Apelles إلى أن جسد يسوع كان شبيها بأجساد الملائكة في أثناء ظهوراتهم. ويمكن القول ان ((الدوقيتيين)) في المعنى الحصري هم الفالنتينيون الذين أعلنوا ان الفادي ما أتّخذ أيّ جوهر جسديّ))(41). فمن البديهي أن ((يتبخّر)) الصليب السيدي عند كل تلك الفرق، بما ان يسوع ((كان انسانا فقط في المظهر))(42) لا في الجوهر (ولعلّ نقطة الانطلاق تفسير خاطيء لنص فيليبي 2 : 6 (وقاوم القديس اغناطيوس الانطاكي هذه البدع في رسالته إلى التراليين ( 9 وتابع)(43). ولكنّ مبدأ القديس غريغوريوس النازيانزي واضح: ما لم يتّخذه المسيح (في كيانه) لا ينال الشفاء أي لا يشمله خلاصه (الرسالة رقم 101)(44).
- هنالك فئات معروفة بعدائها للصليب، مع اعترافها ((بالرب الذي اشترى)) البشرية. يقولون انهم ((يسيرون حسب الكتاب المقدس)) ويتكلمون دوما عن ((الرب يسوع)) وانه ((غسلنا بدمه)) وانه ((المخلّص الوحيد)). ولكن، في الوقت ذاته، يتهربون من الصليب ومن رسم المصلوب على الصليب (حاسبين اياه ((صنمًا))) ومن اشارة الصليب(45). وتفتّقت عن ذلك الموقف الساعي إلى "تصفية" الصليب عدّة اعتراضات وأفكار منها (على سبيل المثال لا الحصر): 
(1) ((إكرام الصليب يجب أن يبقى في القلب، فلا يجدر أن يُحمل على الصدور ولا فوق البنايات والكنائس)). - وهذا مخالف لموقف بولس الذي لا يفتخر الا بالصليب (عن غل 6: 14).
(2) ((تكريم الصليب عبادة صنم)). وربّما يجب أن يعاد هنا النظر في عبارة ((السجود للصليب)) في طقوس اسبوع الالام ولا سيّما الجمعة الحزينة (لئلا يعطى ذلك الانطباع الخاطيء).
(3) ((لماذا لا ترفعون في كنائسكم الحية النحاسية والسارية ؟)) (عن سفر العدد 21: 8 ) - الرد: حيتنا النحاسية هي المسيح والسارية هي الصليب حسب يوحنا 3 : 14: ((كما رفع موسى الحية في البريّة، هكذا يجب أن يُرفع ابن الانسان)).
(4) ((الصليب من خشب، فلماذا تلبسون صلباناً معدنية او من حجارة كريمة ؟)) إذا كان صاحب الاعتراض صادقا فليلبس الصليب الخشبي (ويحمله)، انه أرخص وأقرب إلى واقع الصلب السيدي. ((أمّا الصلبان الذهبية أو المكّونة من سائر الموادّ أو من الحجارة الكريمة، فلا تغيّر الصليب تغييرًا جوهريًا بل شكليا. جميعها تشير إلى صليب المسيح الذي تقدره كثيرا ولا تبخل بالمواد الثمينة لرسمه أو نقشه أو نحته))(46).
(5) ((المسيح مات ثم قام فلا مبرر لتصوير صلبه)). وبنفس المنطق يجيب المرء : المسيح ((كان ينمو في السن (الطول) والحكمة والنعمة أمام الله والناس)) فلا داعي لتصويره طفلا ! من ناحية مبدئية، لا مجد من غير صليب، فالصليب أساس المجد، في منطق يسوع وبولس.
(6) هنا تبدأ اعتراضات المسيحيين المزيفين الذين يلغون الصليب نهائيا، ومن غير استئناف. انهم يتّكلون على ((حكمة الكلام)) او حكمة معيّنة لكلام معيّن كي ((يفرغوا الصليب))، مع اعترافهم بالمسيح الفادي. وأوّل الاعتراضات الهدّامة يعبّر عن ذاته بالسفسطة التالية : ((إذا قتل أحدهم أخاك بمسدس، فهل تكرم ذلك المسدس ؟))
الجواب : هذه هي بالضبط النظرة الوثنية - اليهودية - أي غير المسيحية - للصليب (وما أشبه الامس باليوم! ولكن الفرق ان أصحاب هذا الرأي يقولون عن انفسهم انهم مسيحيون). نعم، ((التاريخ يعيد نفسه)) في صيغة أخرى، أقوى : هذه الفئات تنظر إلى الصليب النظرة اليهودية الوثنية اي انه أداة عذاب وذلّ (ومنها من حذف نهائيا كلمة ((صليب)) في ((ترجمته)) للكتب المقدسة واستبدلها بـ ((خشبة العار)) أو ((خشبة العذاب)) أو ((خشبة الالام)))(47).
الرّدّ مع بولس الرسول: ((ان كلمة الصليب عند الهالكين جهالة (فقط كأداة عذاب وعقاب). أمّا عندنا، نحن الذين نالوا الخلاص فهو (أي الصليب او المسيح المصلوب) قدرة الله)) التي حققت الفداء عن طريق هذه الوسيلة الوضيعة الفظيعة! وبناء على منطق يسوع وبولس، يمكن القول ان صليب يسوع لم يكن فقط أداة ذل وتعيير وإعدام وموت (إذ لم يمت يسوع لكي يموت!) بل أضحى أداة سماوية للخلاص من الخطايا وللمصالحة بين الله والناس وبين الناس بعضهم مع بعض. ((فإذا حرر أحد الجنود مدينة (او وطنا كاملا) بسلاحه او باستشهاده، افتخر الشعب بهذا السلاح وبذلك الاستشهاد وبتلك الجروح. وان سفر رؤيا يوحنا يظهر لنا المسيح الذبيح الذي قرّب ذاته عنّا، والحمل الذبيح قائم في وسط العرش الالهي))(48) (رؤيا 7: 17) .
((وإذا كان على المرء أن يلغي من حياته كل أداة تعذيب أو إعدام، فيجب على أهل امريكا (وهي منبع العديد من البدع) أن ينبذوا الكراسي، لأن ((الكرسي الكهربائي)) وسيلة إعدام ! وعلى شعوب أخرى أن ((تقاطع)) كل الحبال لاستخدامها في الشنق !))(49)
ردّ مباشر آخر على المسدس الذي قتل أخاك : انك لا تتردد في تكريم المسدس الذي أدى إلى وفاة أخيك إذا كان موته تحريرا للبلاد أو نجاة من مصيبة أكبر!
(7) ((الصليب رمز وثني للاله تمّوز في بلاد ما بين النهرين، ورمز الجنس عند قدماء المصريين!))(50) ولكن هنا، يجيب المرء مع بولس: ((ان كلمة الصّليب هي عند الهالكين جهالة)) ونحن ((نكرز بمسيح مصلوب)) أي اننا معنيّون كمسيحيين، بعد يسوع وبولس وسائر العهد الجديد، بصليب يسوع لا بأي صليب آخر. فكل تلك الرموز لم تكن ((الصليب)) بل كانت ((صلبانا)) أخرى لا علاقة لها بالمسيح لا من قريب ولا من بعيد. صليب يسوع كان للذل وحوّله يسوع إلى مكان الفداء، إلى مذبح الخلاص، ويسوع، كما قال القديس اغسطينوس هو ((الذبيحة والكاهن والمذبح)). الصليب الذي حمله يسوع ما رمزَ لا إلى جنس ولا إلى ((تمّوز)) بل إلى العقوبة القصوى.
(8) ((الصليب غير وارد لأن المسيح تألم على خشبة عامودية واحدة !))(51) سبقت الاشارة إلى أن ((صليب يسوع)) أو ((الصليب)) في الصيغة المعرّفة المطلقة كان مكوّنا من خشبتين بحيث سمّرت اليدان السيديتان بمسمارين لا بمسمار واحد (عن يوحنّا 20: 25). وهذه محاولة أخرى لـ ((تفريغ)) الصليب وتبخيره حتى في صورته الخارجية فيكون ((بعيدًا عن القلب لبعده عن العيون)).
إذا كان المعترض صادقًا ومنطقيًا، عليه ان يفتخر لا ب ((برج المراقبة)) بل ب((خشبة العذاب))، فليجعلها شعاره، ونحن نقبل خشبة واحدة ! ولكن في الواقع، يعترض قائلا انها كانت خشبة واحدة فقط ويحذفها نهائيا.
ملحوظة : هنالك تناقض بين الاعتراض الذي يعدّ الصليب مكوّنًا من خشبتين متقاطعتين حاسبا اياه رمزًا وثنيًا، والاعتراض القائل بأنه كان خشبة عامودية فقط. والحق ان المعترض يسخّر أية وسيلة تبريرًا للغاية وهي... كما وصفها يولس ((تفريغ صليب المسيح))!
(9) في غل 6: 14 ((صليب ربّنا يسوع المسيح)) معنوي وليس اداة الالام الجسدية (كما في العبارة ((من أراد أن يتبعني فليحمل صليبه ويتبعني))). ويتذرّع المعترض بأنّ سياق الاية معنوي اي صلب العالم لبولس وصلب بولس للعالم.
وعليه : الصليب المادي الخشبي مرفوض لانه سخافة وحماقة اجرامية، والمقصود هو صليب معنوي اي آلام المسيح.
الردّ: هذا نص غلاطية 6: 14: ((أمّا أنا فحاشى أن أفتخر الاّ بصليب ربّنا يسوع المسيح ! وفيه أصبح العالم مصلوبا عندي، وصرت أنا مصلوبا للعالم)). - صليب يسوع حقيقي بحقيقة آلامه واستشهاده، وعلى صليب يسوع المادي الخشبي صُلب العالم مجازا لبولس وصُلب بولس مجازا للعالم. ولولا صلب المسيح المادي لما ((تم)) الصلب المجازي لكل من بولس والعالم أحدهما عند الاخر!
وفي شأن الوصية السيدية : ((من اراد أن يتبعني فليحمل صليبه)) فإنّ المسيحي الملتزم ((يتبع)) معنويا المسيح الذي حمل صليبه ماديا. ولولا حمل يسوع للصليب المادي لما استخدم العبارة - التي أضحت مجازية للمؤمن - في حمل كل منهم ل ((صليبه)).
(10) ((لا يجوز الافتخار بالصليب (بخلاف غل 6: 14) إذ ((من يفتخر فليفتخر بالرب !)) (عن 1 كور 1: ،31 2 كور 10: 17). 
الجواب: لا تناقض بين الافتخار بالرب وبصليب الرب، كما ان لا تناقض بين الافتخار بقائد وبذكاء ذلك القائد. الافتخار بالرب مطلق، والافتخار بصليب الرب نسبي اي نسبة إلى الرب. وفعلا لا تفتخر المسيحية بأي صليب آخر (لا بصليب سبارتاكوس ولا بصليب أي من اللصّين المصلوبين حول يسوع). 
الطريف ان الاعتراض الرامي إلى نسف الصليب بذريعة ((الافتخار بالرب)) يُغفل سياق هذه العبارة البولسية المشتقة من ارميا 9: 24: انه بالّضبط سياق الصليب !!! نعم، الصليب من جهة وأصل الكورنثيين المتواضع، إثبات - ولا أبلغ - للقدرة الالهية التي بالحماقة والذل والضعف بلغت بالمصلوب وبالكورنثيين إلى الحكمة والكرامة والمجد والقوّة (1: 26 - 30)، بحيث ان ((المسيح يسوع (اي المصلوب الضعيف الذي بان شارد العقل) صار لنا حكمة من لدن الله و(بالصليب) برّا وقداسة وفداء)) (ونزيد: ولا فداء من غير الصليب وهو سفك دماء الحَمَل)، ليتم ما ورد في الكتاب: ((من افتخر، فليفتخر بالرب!)) (الاية 31).

- 1 : 19
حكمة الصليب تناقض ((حكمة العالم)) التي تتلخّص في ان يحافظ الانسان على صحّته وعلى سمعته وعلى ثروته وعلى متعته (المعتدلة، مثل الابيقوريين) وأن يسمو فوق الالم (مثل الرواقيين). فأين صحة المصلوب وماله وصيته وايّة متعة ((يقطف)) من هذا الوضع المميت ؟
في المصلوب فعلا، يتم يسوع تدبير العزة الالهية الوارد في أشعيا 29: 14 (راجع أيضا 33: ،18 ثم 19: 12) : ((سأبيد حكمة الحكماء وأزيل فهم الفهماء !)). حين اجتاح الاشوريون البلاد المقدسة، أعلن الله ان ما يخلّص الشعب ليس حسابات الفطنة البشرية(52).
- 1 : 20
((أين الحكيم؟ (أي الفيلسوف اليوناني) 
أين الكاتب ؟ ( أي عالم الشريعة اليهودي)
أين مجادل (أو مماحك) هذا الزمان (أي السفسطائي)(53) والدنيوي الذي لا يفكّر الا في هذه الأرض ولا يعنيه أمر الاخرة التي ينكر وجودها. ولا عجب ألاّ يتبع يسوع ((حكمة هذا العالم)) - ((عالم الظلمات)) (كما يكتب القديس اوغسطينوس) لانه، له المجد ((ليس من العالم)) وعلينا مثله ((ألاّ نكون من العالم وإن عشنا فيه)) (عن يوحنا 17: 14). 

- 1 : 21
بحكمة الله ((أي بمخطط معجز(54) لا يقدر البشر أن يسبروا أغواره إذ كما تعلو عن الارض السماء هكذا تعلو أفكار الله عن افكارهم وطرقه تعإلى عن طرقهم ، لم يعرف العالم الله عن طريق ((الحكمة)) البشرية إذ لم يستدلّ معظم الوثنيين (وكانوا مبدئيا كائنات عاقلة) من وجود المخلوقات وجمالها إلى وجود الخالق (عن روم 1: 19 - ،23 الحكمة 13: 1 وتابع). ويمكن إدراك عبارة ((حكمة الله)) بمعنى التدبير الالهي الغريب المتألق في الصليب الذي يسبح في عقلانيه سامية سماوية الهية (مخالفة للمظاهروقالبة للتوقعات).
((حَسُنَ لدى الله أن ينال المؤمنون الخلاص بحماقة التبشير)) الذي محوره الصليب، إذ يبشّر الرسل، شاء اليهود والوثنيون واليونانيون أم أبوا، ((بمسيح مصلوب، حجر عثار لليهود وحماقة للوثنيين)) (الاية 23). والمخلَّصون هم المؤمنون بحماقة الصليب !

- 1 : 22
اليهود بشر عمليّون براغماتيّون يطلبون المعجزات (في العبرية ((اوتيوت))) ((في السماء)) و((صوتا من السماء)) (مت 12: ،38 يو 2: ،18 ثم 6: 30). عقيدتهم ((سمعبصرية)) لسان حالها شعار التلميذ العنيد توما : ((إن لم أبصر، لا أصدّق))!
اليونانيون، رمز الحضارة والثقافة وأهل الفلسفة : يطلبون الحكمة، منهم ((الرواقيون والبيثاغوريون ومحبّو الديانات السرانية))(55) وكان بولس في الاريوباغس، في أثينا، قد حاول تقديم المسيحية كحكمة سامية ولم يفلح (أع 17: 22- 31). ويشير بولس لاحقا (2: 7) إلى حكمة الله السّرّية الخفيّة الكامنة في الصليب ! ((ما كان إخفاقا أصبح أساس الخلاص ووسيلته... وكأن الله - بحكمة عجيبة - ينطلق من حماقة البشر (في عدم اكتشافهم لوجوده وصفاته تعإلى) لكي يستخدم طرقا غريبة تبدو سخيفة حمقاء... ان صفحات العهد الجديد حول الحكمة المسيحية، ((الصليبانية))، من الكتابات الاكثر عمقا وثورة وتجديدًا : انها نقل لاهوتي للعظة السيدية على الجبل (مت 5: 3- 12)))(56).

- 1: 23
المسيح المصلوب حجر عثرة لليهود وحماقة لليونانيين - اي الوثنيين لانهم من الهالكين ولان تفكيرهم مستمد من الطبيعة البشرية التي سقطت في الخطيئة وتدهورت إلى الشر(57). يصدم اليهود صليب يسوع وهم "الطالبون الايات". لاول وهلة قد يتوهم المرء ان موقفهم ديني، نابع عن الورع، ولكنه وليد الشك واللاادرية(58). انه لا يثق ولا يطمئن ولا يخاطر بل يبحث عن أمانه وراحته. وحكمة اليونانيين الدنيا تنحصر في هذا العالم، لذا تستسحف المصلوب، كما سخرت من سقراط الذي قبل العذاب والاعدام ! حكمة العالم حماقة عند الله (1: 19، أيوب 5: 13، مزمور 49: 11)
- 1 : 24
المدعوّون (أو: المختارون) هم المخلَّصون (الاية 18)، سواء كانوا من أصل يهودي أو يوناني، فانّهم يؤمنون بالمسيح المصلوب الذبيح ((الذي فداهم بدمه من كل قبيلة ولسان وشعب وأمّة)) (عن رؤيا 5: 9) أي من كل الشعوب ومن كل قبليّة ونعرة وعنصرية (وكلّها دنيوية !). انهم موقنون ان المسيح المصلوب (آية 23، ثم 2: 2 ) هو هو قدرة الله وحكمة الله، وكانوا قد سمعوا من الانجيلي الحبيب انه ((الكلمة)) (يو 1: 1)، ((كلمة الله)). فكلمة الله وحكمته وقدرته مترادفة، وكلها واحد.
((الكلمة الذي صار جسدًا )) (يو 1: 14) ضرب خيمته بيننا وعاش مثلنا ومات مثلنا. والقوّة المعجزة مخفيّة في الضعف العاجز المتجسّد في المصلوب والصليب. فعلا، ((يكتب الله باستقامة عن طريق خطوط معوجّة !(59).
المسيح المصلوب يستحق للناس الخلاص و ((يفضّ اختام السفر)) الغامض (عن رؤ 5: 9 أ)، سفر الاله والانسان، سفر الحياة والموت - وكلّها تعانقت على الصليب، حيث نزل الله إلى جحيم موت البشر (عن فيليبي 2: 5 وتابع)! الصليب والمصلوب : هذه قدرة الله وحكمته، هذا ((تجلي المجد)) (أورس فون بلتازار)، المصلوب قمة التاريخ ورئيس الايمان(60). 
قد يجوز تلخيص ما ورد هنا في 1: 17 - 25 (مع 2 كور 13: 4) بإعلان بطرس زميل بولس: ((انّ يسوع هذا الذي صلبتموه أنتم جعله الله ربّا ومسيحًا!)) (أع 2: 36).
- 1: 25: ما يبدو جنونيًا وضعيفًا عند الله (أي صليب يسوع) أوفر حكمة من الناس وقوّة.ولعلّ في قصيدة أمير الشعراء شوقي ((يا فاتح القدس))(61) ما يعبّر عن هذه الفكرة العزيزة على بولس رسول الامم والاناء المصطفى : 
(( يا فاتح القدس، خلّ السّيف ناحية ليس الصليب حديدا كان بل خشبا
إذا نظرت إلى أين انتهت يده وكيف جاوز في سلطانه القُطُبا
عرفت أنّ وراء الضعف مقدرة وأنّ للحقّ لا للقوّة الغلبا)).
في المسيح الانسان المصلوب وفي بولس تلميذه وعبده ورسوله المعاني من ((شوكة في الجسد)) تعلن العزّة الالهية: ((في الضعف تكمل القوّة)) (2 كور 12: 9)، في الضعف البشري تكمل القوّة الالهية ! الصليب قوّة الضعف ويكشف ضعف القوّة. انه حكمة الجنون ويفضح جنون ((الحكمة)). انه بركة اللعنة ولعنة البركة المزيّفة، انه استراحة التعب ويبيّن كم الراحة متعبة، انه موت الحي الذي يحيي الميت!
- الايات 26 - 30: تم تفسيرها وربطها بسر الصليب الكريم المحيي. فخرنا الوحيد هو الرب المصلوب وصليب الرب، لا بالناس (أيضا 3: 21) لانهم يشمئزّون من الصليب ويتهكمون بالمصلوب.

- 2: 1 - 2
ما عرف العالم الله بـ ((الحكمة(62))) ولا أدركت البلاغة الخالق، لذا لا يعتمد بولس على البيان (لئلا يُفرغ صليب المسيح، آية 17) ولا على الفصاحة لانهما ظاهرتان سطحيتان في حين ان ((سر الله)) في المصلوب والصليب عميق خفيّ. وما أراد بولس أن ((يعرف بين الكورنثيين الا يسوع المسيح واياه مصلوبا)). انه يضع ((صليبا)) على العالم وعلى ذاته، على الفلسفة وعلى البلاغة، ((ولا يعرف المسيح حسب الجسد)) ( 2 كور 5: 16) اي معرفة دنيوية بشرية حسية (فالحواسّ تنفر من المصلوب والصليب). ومثل المصلوب، لا يركن بولس المبشر بالصليب إلى ((الجسد)) وحكمته وفصاحته ولا يستخدم اسلحته (عن 2 كور 10: 3 - 4) من مال وجمال، ومهارة وحضارة، وراحة وإباحة، وعنف وعسف، وحسب ونسب.وعلى مثال معلّمه المصلوب، ينتابه الخوف والرعدة ولكنهما لا يَثنيانه عن عزمه. وسيحمل بولس الصليب مثل رفاقه الرسل ومثل المصلوب سيكونون ((آخر الناس)) ومن ((المحكوم عليهم بالموت))، ((مشهدًا)) للناس (كما سيحدث مع المسيحيين المضطهدين في المدرجات الرومانية) وللملائكة (4: 9): ((حمقى، ضعفاء، مهانون، جائعون، عطاش، عراة، ملطومون، مشرّدون)) (4: 10)، مشتومون غير شاتمين بل مباركون لغيرهم (4: ،12 مثل المسيح الذي ما كان يردّ الشتيمة والذي حمل خطايا الناس في جسده على الخشب، عن 1 بطرس 2 : 23- 24). وحُسِبَ الرسل، مثل سيدهم المصلوب، ((أقذارا ونفاية (4: 13) على مثال العبد المتألم الذي أمسى عارا عند الشعب ونكرة وموضع احتقار)) (أشعيا 53: 3 وتابع).

- 2: 4 
يكتب بولس: ((لم يعتمد تبشيري على أساليب الاقناع بالحكمة)) (في اليونانية : (بيثويس لوغويس). استخدم العقل والمنطق وطلب أن تكون عبادة المؤمنين عقلية (عن روم 12: 1 ((لوجيكه لاتريا))) واجتهد ((لاقناع (في اليونانية:  ايبيثين، نفس الجذر) اليهود واليونانيين (أع 18: 4)، وهو الذي كان ((يردّ على اليهود علانية ردّا قويّا، مبيّنا من الكتب ان يسوع هو المسيح)) (أع 18: 28). ولكنه لم يتوكّل على منطقه ولا أسلوبه ولا كلامه لانّ في الله وعند الله سرّا رهيبًا عجيبًا : انه تأنّس وتألم وصُلب كإنسان حقيقي وقام من بين الاموات! ولئلا يستند ايمان الناس إلى حكمة الدنيا ولا ورؤسائها (2: 6 ب) ولا سائر الناس القابلين للموت والخطأ بل إلى ((قدرة الله)) أي المسيح المصلوب (2: 24) الصامد على الصليب والقائم بقوّة الروح وواهب الروح وصانع المعجزات.

- 2 : 8 - 9 
لم يعرف (أي لم يدرك) حكمة الله السرية الخفيّة ((أحد من رؤساء هذا العالم (أو: هذا الدهر، أو: هذه الدنيا). ولو عرفوها لما صلبوا ربّ المجد )). يلحظ المرء ان المصلوب موصوف بأنه رب المجد مع ان اليهود - ومنهم بولس شاول سابقًا - كانوا يشيرون فقط إلى يهوه بأنه رب المجد (خروج 24: 16- 17) و ((ملك المجد)) (مزمور 24 (23): 8 و 10).
تنفر العقلية اليهودية من صليب يسوع وتتشنّج من الوهيته. ويظهر جليّا هذا النفور في ((ترجمة العالم الجديد)) - المتأثرة بحكمة هذا العالم الرافضة للصليب المقللة من قدر المصلوب. تحرّف رئاسة ((شهود يهوه)) الاية ((لو عرفوا لما صلبوا رب المجد))بإلغاء صليب المسيح والوهيته وتنقلها هكذا : ((لو عرفوها لما علّقوا الرب المجيد على خشبة)).
ولكن من ((رؤساء هذا العالم)) الذين ما علموا الحكمة الالهية ؟ بما ان الرسول يكتب انهم هم صالبو المسيح، فالاقرب إلى الصواب انهم بالتحديد بيلاطوس وهيرودس والاحبار ورؤساء الشعب العبري(63). ما رأوا لغشاوة في عيونهم ان المصلوب تجسد لكلمة الله ولحكمته تعإلى وأعماهم الظلم وأسكرتهم نشوة السيطرة والعنف والحسد(64).
لم يعرف الرؤساء حكمة الله لانه تعإلى ((اعدّ للّذين يحبّونه ما لم تره عين ولم تسمع به أذن ولم يخطر على قلب بشر)). جمع بولس هنا نصوصا عدّة ولا سيما اشعيا 64: ،3 وإرميا 3: 16 وأشعيا 52: 16. الواضح انها مكافأة الحكمة الالهية والانخراط تحت لواء الصليب والمصلوب. صحيح ان صليب يسوع عذاب ما رأت قبله ولا بعده عين ولا سمعت به أذن ولا خطر على بال انسان. فهل معنى الاية ان الله أعدّ الصليب للذين يحبّونه (كما كان يناجي تيريزيا الافيلية ؟) أكيد من ناحية أخرى ان الصليب ليس هدفا في ذاته بل هو الطريق إلى النور(65). فما أعدّه الله - حتى من صليب للمسيح الانسان وللمسيحيين وسائر الناس - وما لم يتوقّعوه قطّ هو مجد الاذلاّء ورفعة المتواضعين وراحة المتعبين !

- 5 : 1 وتابع خصوصا 7 - 8 
لا ترد في هذه الايات لفظة ((صليب)) ولا اي من مشتقات فعل ((صلب)) ولكنّ بولس يحزن لفاحشة عند أحد المسيحيين اسما الذي يجهل أو يتجاهل ان ((الّذين هم للمسيح يسوع قد صلبوا أجسادهم وما فيها من أهواء وشهوات)) (عن غل 5: 24). 
وفي العهد الجديد فصح جديد، ((يروحن)) الفطير والخمير جاعلا من الاول رمزا للخلوص ومن الثاني رمزا للخبث والفساد. وعلى المسيحي أن ((يعيّد))، فالعيد هو عيد الفصح المسيحي الذي يشمل ((ذبح المسيح الحَمَل)) وقيامته - بما ان الحمَلَ فصحيّ اي ((عبوري))، مرّ من الموت إلى الحياة. لذا، كما في رؤيا يوحنا، ((ذبح المسيح)) أو ((المسيح الذبيح)) هو الحَمَل المجيد وهو الحمَل الفصحي للمسيحيين. صليبه عنوان عبوره أي قيامته وبداية فدائه الناقل الناس ((من الظلمات إلى ضياء نوره المعجز)) ومن النقمة إلى النعمة ومن الذل إلى المجد ومن الوفاة إلى الحياة !

خاتمة
((يسوع أوجد واقع الصليب وبولس استنبط فلسفته))(66). ما من أحد مثل بولس عاش أو قدّم هذه الحقيقة بشكل مثير انقلابي ولم يستخلص غيره أقصى نتائج الصليب(67). إنّ رسول الوثنيين اليهودي شاول بولس ((صُلب مع المسيح)) وما عاد هو الحي بل المسيح الحيّ فيه، ويسوع هو السيد المجيد الذي أحب بولس عبده وتلميذه وبذل حياته من أجل بولس وسائر الناس (عن غل 2: 19- 20). ما تردّد الرسول المتوشّح بالمسيح أن يعرض الصليب البهي بروحانيته وسموّه إلى الكورنثيين الجسديين الدنيويين. حدثت في الرسول فرّيسيّ النشأة(68)، على طريق دمشق معجزة التحوّل الاكبر: من مضطهِد للمسيح المصلوب ومن موحّد يكفّر المؤمنين بألوهية يسوع إلى مضطَهَد في سبيل الصليب (عن غل 6: ،12 ثم 1 كور 4: 9 - 13)، ((متمّما في جسده ما ينقص من آلام المسيح)) (عن كول 1: 24). وانتقل تلميذ جملائيل الذي نخاله يخدم تحت راية النجمة الداودية الملكية الامبراطورية السداسية إلى مدرسة يسوع الناصري المصلوب الذي ((أقامه الله ربّا ومسيحًا))، ملكا ولكن ليس من هذا العالم، متربّعا(69) على عرش الصليب كما كتب الوالي الروماني، وما كتب فقد كتب : ((يسوع الناصري ملك اليهود)).
((المصلوب ضحية الجلجلة هو قمّة نشاط بولس الرسولي ونجمه الساطع))(70). ((الصليبُ هو النقطة المحورية التي تنزل أشعتها المضيئة لتدد الظلمات وتُشعل القلوب(71))).
في الكتابات إلى الكورنثيين، يتجلّى الصليب - وهو حجر عثرة وجنون ووهن وحزن وفناء - كحكمة الله وقدرته تعإلى وسرّه له المجد. انّه منطق الله وبلاغة الرب وفلسفة السعادة والشقاء والحياة والموت. انه حكمة الحماقة وحماقة الحكمة، قوّة الوهن ووهن القوّة، انه يحمل انسانية الاله ويرفع بشرية الانسان نحو السماء والالوهية. انه ((ملكوت الله بالعمل لا بالكلام)) (4: 2)، انه أداة الفصح الجديد ومذبح الحمَل المجيد. انه خلاصة كل ألم وذل وتعب وموت(72). انه موضوع الفخر الوحيد (عن غل 6: 14). انه انقلاب الموازين: فالموت عليه حياة والحياة من غيره موت، والخسارة فيه ربح وربح سواه خسارة (عن فيليبي 3: 8) والصمت على الصليب بليغ والكلام حوله سكوت.انّه مغناطيس المسيح (عن يو 12: 32) وجاذبيته الغريبة العجيبة المعجزة المحيّرة الخيّرة. انّه نهج المسيح وطريق الاقتداء به الصحيح (عن 2 كور 4: ،10 عن مت 16: 24). انه المكان المميّز الذي اتّخذت فيه ((صورة الله)) ((صورة العبد)) بحيث ان ((الذي أطاع حتى الموت، الموت على الصليب، رُفع ووُهب له الاسم الذي يفوق جميع الاسماء، لكي تركع لاسم يسوع كل رُكبة في السماء وعلى الارض وتحت الارض، ويعترف كل لسان ان يسوع هو الرب، تمجيدًا لله الاب)) (عن فيليبي 2: 5- 11).
الأب بيتر حنّا مدروس
بعض المراجع الاجنبية (ما عدا معاجم اللغة اليونانية واللاهوت)
-AA.VV., Epistolas de San Pablo a los Corintios, ed. Universidad de Navarra, Pamplona 1984. 
- Ballarini T., Paolo, vita-apostolato-scritti, ed. Marietti, Torino 1968
- Brunot A., Le génie litéraire de S. Paul, éd. Du Cerf, Paris 1955. 
- Holzner J.,”san Paolo e La storia delle religioni” ,ed. Paoline, Alba 1983
- Madros P., Susceptibilité et humilité de Saint Paul dans sa seconde lettre aux Corinthiens, Franciscan Printing Press Jérusalem 1981 
- Murphy O’ Connor J., Corinthians, “Veritas publications, Dublin 1980
- Id., Paul. A critical life, Clarendon Press, Oxford 1996.
- Tornese N., “La Croce e le croci”, Piccola Collana “I Testimoni di Geova”, Napoli 1983
- Zerwick M., Analysis philologica N.T. graeci P.I.B., Roma 1966
- Zmijewski J., “Der Stil der Paulinischen Narrenrede. Analyse der Sprachgestaltung in 2kor. 11, 1- 12, 10”, BBB, Bonn 1978
الفصل الثامن


أبحاث جديدة
حول بناء الرسالة إلى الرومانيين

يصعب على الباحث دومًا، بل هو يخاطر حين يطرح تصميمًا لأي مؤلّف كان، ساعة لا يُعلن هذا المـؤلّفُ بوضوح تصميمَه. ومع ذلك، فالقارئ لا يقدر أن يستغني عن البحث عن تصميم، ولا سيّما حين يكون أمام مؤلّف كثيف وغضّ مثل الرسالة إلى رومة، التي لا تسلّم تعليمها بسهولة. فجميع الكتب المقدّسة المطبوعة، ولا سيّما الطبعات الكبرى المستعملة في العالم المسيحي، المسمّى ((الغربي))، سواء كاثوليكيًا أو بروتستانتيًا، تطرح تقسيمات ترسم في النصّ سبلاً ناجحة أو لا.
وغالبًا ما تكون التصاميم التي يتوقّف عندها المترجمون والناشرون تصاميم بحسب الموضوع والأفكار. فالمترجم يحاول أن يكتشف في النصّ أفكارًا رئيسيّة مؤسّسة على الألفاظ المسيطرة. يعود إلى روح الشميلة لديه، فيحدّد أقسامًا في النصّ يجعلها تحت عناوين يُقحمها في المؤلّف لكي تكون سبلاً تتيح للقارئ أن لا يتراجع أمام نصّ كثيف جدًا.
منذ وُجدت ترجمات البيبليا في اللغات الحديثة، ومنذ بدأوا يقطّعون النصّ أقسامًا أعطوها عنوانًا، لكي يسهلّوا قراءته، تكاثرت تصاميمُ روم حسب الموضوع والافكار.

1 - الكتل الكبرى
في الحقيقة، هناك كتل كبرى يسهل عزلها. فيتوافق جميع القرّاء على حدودها. مثلاً، ذاك هو وضع ما يسمّى الغلاف الرسائلي(1). فالرسالة إلى رومة بُنيت كخطبة طويلة أدرجت في رسالة نكتشف فيها بسهولة العنوان والخاتمة. فالعنوان يتبع الرسمة الكلاسيكيّة لعنوان رسائليّ في الزمن القديم: فلان يكتب إلى فلان ويرسل إليه تحيّته. هذا ما نجده في روم 1: 1-7.
والخاتمة أيضًا، تألّفت من سلامات وأخبار شخصيّة، هذا إذا تركنا جانبًا مسائل النقد النصوصيّ(2). فهي تغطّي بشكل إجمالي 15: 14-16: 25.
ونستطيع بسهولة أن نكتشف أيضًا كتلتين أخريين كبيرتين. ننطلق من نهاية الرسالة لكي نراها، ونواصل قراءتنا للنصّ ونحن راجعون إلى الوراء. الكتلة الاولى تبدأ مع ف 12 وتتواصل حتّى 15: 13. لهجتها تختلف كل الاختلاف عن الفصول العقائديّة التي سبقتها. فالمسائل المعالَجة هي مسائل خلقيّة، مسائل ترتبط بتصرّف المؤمن. في الطبعات القديمة التي قدّمتها ((بيبليا أورشليم))، سمّيت ((ارشاد))(3). أمَّا الطبعة الأخيرة (1998) فاستعملت لفظة بسيطة لا تقنيّة. فضّلت أن تعطيها العنوان التالي: ((جواب المؤمنين)). اختلفت الألفاظ وظلّ المضمون هو هو.
ثم إنه من السهل أن نعزل ف 9-11 المكرّسة لمسألة شعب اسرائيل الذي لم يدخل في الخلاص الذي قدّمه المسيح: سبق لبولس فأكدّ أننا ننال الخلاص بالايمان بيسوع المسيح، وأن الايمان لم يعد مربوطًا بممارسة الشريعة. ولاحظ أيضًا أن الشعوب الوثنيّة تقبّلت بسرور البلاغ المسيحيّ الذي رفض أن يأخذ به مجملُ الشعب اليهوديّ. عندئذ طُرح عليه سؤال يتجذّر في كل التقليد البيبليّ: ما الذي صار إليه اختيار اسرائيل (أتكلّم هنا عن الشعب اليهوديّ ككلّ، لا عن دولة اسرائيل)، وهل نتأمّل بأن يشارك في الخلاص؟ سؤال مؤلم لشخص مثل بولس اليهوديّ، ولقسم من قرّائه المسيحيين في رومة الذين كان بعض منهم يهوديًا. لهذا، كرّس الرسول لهذا الموضوع ثلاثة فصول(4).
فإذا أخذنا بعين الاعتبار هذه الملاحظات التي يتّفق عليها جميعُ القرّاء تقريبًا، نستطيع أن نعزل في روم بعض كتل كبيرة تقودنا إلى التصميم التالي: 
1: 1-17: عنوان الرسالة
1: 18-8: 39 التوسّع العقائديّ الرئيسيّ
ف 9-11 وضع اسرائيل وخلاصه
12: 1-15: 23 مسائل خلقيّة
15: 14-16: 27 خاتمة الرسالة.

2 - التصاميم الموضوعيّة غير كافية
على هذا المستوى الاجماليّ جدًا، لا نجد اختلافات تُذكر في الآراء. وتبدأ الصعوبات ساعة نبدأ بتقسيم النصّ داخل هذه الكتل الكبرى، وخصوصًا داخل المجموعة المؤلّفة من ف 1-8.
يجب أن نعترف في هذا المجال، أن المحاولات الموضوعيّة (على مستوى المواضيع والأفكار) لا تُقنع كثيرًا، فهي تصل بنا إلى نتائج تختلف بين شارح وآخر، وهذا ما لا يجعلنا نثق بها طوعًا. هناك اتفاق عام على قسمة هذه المجموعة الكثيفة المؤلّفة من ثمانية فصول تقريبًا، قسمتين اثنتين. ولكن، أين تكون علامة القطع؟
جعلها بعض الشرّاح بين آ 20 وآ 21 من ف 3. فإن 3: ،1 يبدأ بعبارة احتفالية (أما الآن(5)) تجعلنا نفهم أن وضعًا جديدًا يبدأ(6).
وتوقّف بعض الشرّاح عند علامة قطع أخرى: هي تمرّ بين ف 4 المخصّص لابراهيم، و ف 5. تبدو البداية أقلّ وضوحًا، ولكن التوسّع حول ابراهيم يقدّم خاتمة حسنة لأول توسّع عقائديّ رئيسيّ(7).
وفي النهاية، جعل آخرون(8) علامة القطع بين 5: 11 و 5: ،12 فاعتبروا أن المقطوعة التي تصل إلى 5: 11 تعود إلى موضوع لاهوتيّ (تيولوجيّ، أي مركَّز على الله ، في المعنى الحصري للكلمة) بشكل رئيسيّ. وأن ما يلي فمخصّص لمواضيع انتروبولوجيّة (ترتبط بالانسان).
ما يُزعج في جميع هذه التصاميم الموضوعيّة، هو أنها تستند إلى فهم النصّ، سواء وصلنا إلى ذلك قبل تقطيعه في وحدات صغيرة، أو عدنا إلى مؤلفّات سابقة نستلهمها فننسخها أو ننتقدها. إذن، من يقدّم هذه التصاميم ينطلق من فهم مسبق للنصّ. وفي النهاية، يركِّز على النصّ أفكارًا هي أفكاره هو، لا أفكار يستخرجها من النصّ عينه، على المستوى اللاهوتيّ أو الأدبيّ أو التاريخيّ. وعلى سبيل المثال، أوردُ على سبيل النكتة، بالنسبة إلى روم، العنوان الذي جعله ناشرو ((ترجمة البيبليا المسكونية)) كما في 1: 18-25: ((خطيئة الوثنيين)). فإن قرأنا النصّ بتمعّن نلاحظ أن لفظة ((خطيئة))(9) غير موجودة في المقطع، ولا لفظة ((وثني))(10).
هذا ما يقودنا إلى طرح سؤال حول البحث عن تصميم: أما هو أمر خاص بفكر غربي، يهتمّ بالمنطق ويريد أن يُدخل في إطار ضيّق نصوصًا لا تخضع لمثل هذا المنطق؟ مثلُ هذا النقد له ما يبرّره. ولكنه لا يمتلك كل المعلومات. لهذا، فقبل التخلّي عن كل محاولة لوضع تصميم داخل أقسام النصّ التي تبدو مكثّفة، يجب أن نتساءل: أما كتب المؤلّفون الأقدمون بحسب قواعد تأليف حدّدها الاستعمال، فارتبطت بحضارة العصر. وبولس، بشكل خاص، كان رجل أدب. إنه يهوديّ من الشتات يضمّ في شخصه حضارتين: الحضارة اليهوديّة والحضارة اليونانيّة. أما وُجد، في هذه الحضارة وتلك، طرق تأليف متّفق عليها خضع لها الرسول، فوجب علينا أن نكتشفها من خلال تحليلنا للنصوص.
وهذا ما يقودنا إلى تفحّص النصوص، ولا سيّما نصّ روم. لا نحاول بعدُ أن نكتشف مواضيع متعاقبة، حسب منطق غربيّ، بل إشارات صريحة تحدّدها قراءة دقيقة ومتنبّهة، قراءة لا تخضع لفهم مسبق يمارسه القارئ.
في هذا الاتجاه كانت محاولات لا تعود إلى زمن بعيد: بعضها يرتبط بالبلاغة الساميّة، والبعض الآخر بالبلاغة اليونانيّة والرومانيّة. سنقدّم هاتين البلاغتين على التوالي متوقّفين بشكل خاص عند الثانية التي تتوافق، برأينا، توافقًا أفضل مع التصميم الاجمالي لرسالة بولس إلى أهل رومة(11).

3 - الرسالة إلى رومة والبلاغة الساميّة
إن النهج التحليليّ الذي تلهمه البلاغة المسمّاة ساميّة، قد حدّده تعليم اللجنة البيبليّة الحبريّة ((تفسير البيبليا في الكنيسة)): ((تجذّرت هذه البلاغة في الحضارة الساميّة فاهتمّت اهتمامًا خاصًا بالتآليف المتوازية التي بفضلها تقام علاقات بين مختلف عناصر النصّ. ودراسةُ مختلف أشكال التوازيات وسائر المناهج الساميّة في التأليف، تتيح (للقارئ) أن يتعرّف تعرفًا أفضل إلى بنية النصّ الأدبيّة، بحيث يصل إلى فهم أفضل لما فيه من تعليم))(12).
يعمل مثلُ هذا النهج على اكشتاف تكرار الكلمات في النصوص، وتمييز طرق التعبير، والضمائر وزمن الافعال. كل هذا يرسم بنية أدبيّة: وهكذا نصل إلى تضمينات تحدّد بنى من نوع: أ، ب، أأ. وإلى تعاكسات تُبنى حسب تواز متواز من نوع: أ. ب. أأ. ب ب، أو حسب تواز متناوب من نوع: أ. ب. أأ. ب ب. وهكذا نفصل أقسامًا جاءت في بُنى ظهرت بعودة الألفاظ عينها والطرق الغراماطيقيّة الواحدة.
هذه الطريقة في القراءة والكتابة أمر معروف في الآداب الساميّة. ونحن نكتشفها في العهد القديم. كما تُكتشف، على ما يبدو في نصّ القرآن(13). وقامت عدّة محاولات لقراءة روم بهذه الطريقة. وأكثر من طبّقها في اللغة الفرنسيّة: فيليب رولان(14). وها نحن نعطي على ذلك مثلاً.
حدّد رولان وحدة نصوصيّة محصورة بين 1: 17 و4: 25. نكتفي هنا بتقديم المعالم التي لها معنى خاص، قبل وبعد خط متواز يمرّ بين 3: 20 و3: 21(15).
1: 17 برّ الله 
3: 20 ليس لجسد تبرير أمامه
3: 24 بُرِّروا مجانًا بنعمته
4: 25 أقيم لأجل تبريرنا(16)
وهكذا نجد طرحًا لبُنى تستعمل التوازيات بالنسبة إلى روم كلها، أو إلى أقسام محدّدة(17). مثل هذه الطروح لها فائدتها. فمن الواضح أن بولس الذي اغتذى من الكتاب المقدس، قد استعمل بُنى من هذا النمط. وهي تسري، في رأينا، بشكل خاص داخل مقاطع قصيرة، فتدلّ على بداية توسّعٍ ونهايته. مثلاً، هذا المقطع حول الختان في 2: 25-29: 
2: 25أ: الختان ينفع
2: 25ب ولكن إن كنت متعديًا على الناموس 
2: 26 الأقلف (اللامختون) الذي يحفظ الناموس
2: 27أ الأقلف (اللامختون) الذي يعمل بالناموس
2: 27ب يدين المتعدّي على الناموس
2: 29 الختان هو ختان القلب(18).

4 - البلاغة اليونانيّة الرومانيّة
لم أفكّر يومًا في رفض الأساليب المرتبطة بالبلاغة الساميّة، على أنها غير شرعيّة. غير أنها لا تفسّر كل شيء. أما زميلي وصديقي شارل بيرو(19) فيهاجمها بقوّة ويبتسم حين يقرأ مقالات أو كتبًا أصيب صاحبها بـ ((مرض التعاكس))(20). وفي الواقع، إذا كانت بعض مقاطع من الرسائل البولسيّة قد استعملت بشكل واضح هذا النموذج من البناء الأدبيّ، فهناك أخرى يبدو فيها العنصر التواتريّ(20bis) بسيطًا جدًا: صيغة الفعل، اسم اشارة، لفظة وصل بسيطة. بمختصر الكلام، نحن أمام عنصر يتدخّل تدخّلاً صغيرًا في مدلول النصّ بحيث نتجاوز الحدّ إن أعطيناه مثل هذه الأهميّة.
إذا كانت بعض الرسائل البولسيّة، ولا سيّما أقدمها(21)، مبنيّة بناء واضحًا بحسب هذا النموذج الساميّ، فهذا النموذج لا يمكن أن ينفع كثيرًا بالنسبة إلى رسائل متأخّرة مثل الرسالة إلى غلاطية والرسالة إلى رومة. فقد استطاع الشرّاح أن يُبرزوا في هاتين الرسالتين بشكل خاص، كما في الرسالة إلى كولسي، عناصَر بناء أخرى مأخوذة من البلاغة اليونانيّة الرومانيّة(22). ففي داخل غلاف رسائليّ بيّنه الشرّاح من قبل بالنسبة إلى روم، دوّن الكاتب نصّه بشكل خطبة. ومن المعلوم أن تأليف الخطب خضع، لدى اليونان والرومان، لقواعد تأليف محدّدة بما فيه الكفاية. وهذا ما نجده في مراجع قديمة مثل ((بلاغة ارسطو))(23) ((بلاغة هارانيوس))(24) الني نسبت مدة طويلة، ولكن خطأ، إلى شيشرون، ((النظام البلاغي لكوينتيليانس))(25).
وإليك الكلمات التي بها قدّمت اللجنة البيبليّة الحبريّة هذا النهج التحليلي: ((كل وضع خطابيّ يتضمّن ثلاثة عناصر: الخطيب (أو الكاتب). الخطبة (أو النص). السامعون (أو متسلّمو الرسالة). لهذا، تميّز البلاغةُ الكلاسيكيّة ثلاثة عناصر اقناع تعمل على إعطاء الخطبة قيمتها: سلطة الخطيب. برهنة الخطبة. الاحساس الذي تحرّكه الخطبة لدى السامعين. وإن تنوّع الأوضاع والسامعين يؤثّر تأثيرًا كبيرًا على طريقة الكلام. لقد وصلت البلاغة الكلاسيكيّة، منذ أرسطو، إلى تمييز ثلاثة أشكال (أو فنون) من البلاغة: الفنّ القضائيّ (أمام المحكمة). الفن التشاوري (في المجالس السياسيّة). الفن البرهاني (في الاحتفالات)))(26).
إن تطبيق هذه النهوج على النصوص البيبليّة، لا يتمّ بشكل متحجّر قاس. فلا هو من الإفادة ولا الخصب في شيء، أن نحاول، مهما كلّف الثمن، أن نحدّد نمط البلاغة الذي إليه تنتمي هذه الرسالة أو هذا القسم من الرسالة. ولكن من المفيد أن نعرف الأساليب التي استعملها الكاتب لكي يُقنع قارئه، وكيف بنى نصّه. تستطيع هذه النقطةُ الأخيرة بشكل خاص أن تعيننا على اكتشاف سمات واضحة تساعدنا على تحديد تصميم مفصّل لرسالة ما. هذا ما يسمّيه أهل البلاغة: الترتيب أو التنظيم(27). ونأخذ مثلاً على ذلك نموذج الترتيب الكلاسيكيّ في البلاغة الخطابيّة(28): 
- يجب أن يبدأ العرض بـ ((مطلع))(29) يهيّئ السامع لكي يكون مستعدًا تجاه الخطيب، مصغيًا إليه. هذا الوقت الذي فيه يتمّ الاتصال بينهما يتضمّن جزءًا من اجتذاب رضى(30).
- يأتي بعد ذلك (وقد يتأخّر) الإخبار(31): يقدّم خبر الاحداث التي عنها نتكلّم أو نكتب. عادة، تكون أفعال هذا القسم، كما هو الأمر في كل خبر، في صيغة الماضي. في صيغة أمر حصل.
- الطرح(32) هو قلب الخطبة. هكذا نُقل النصّ إلى اللغات الحديثة. في الواقع، نحن أمام عنصر أكثر تشعّبًا. بشكل عام، هو قصير جدًا. ولكنه لا يكتفي بأن يعلن في صيغة ملخّصة ما سوف يدافع عنه الكاتب فيما بعد. فالطرح، بشكل عام، يتضمّن مسبقًا بعضَ ألفاظ سيستعيدها النصّ، أو إعلان الصيغ البراهينيّة اللاحقة. فإحدى المحطات الهامّة في التحليل البلاغيّ هي تحديد ((الطروح)) التي تتوزّع النصّ الذي ندرس.
- البرهنة(33) أو تقديم البراهين. كل ما يساعد على إسناد الطروح(34) في النصّ. تستطيع أن تستعمل أساليب براهينيّة مختلفة: مثل الردّ(35) على اعتراضات حقيقيّة أو مفترضة. والجدال(36) الذي يقوم بأن تتوجّه إلى خصم حقيقيّ أو مفترض. و((الأنا))(37) البلاغيّ الذي يجعل الخطيب يتحدّث في صيغة المتكلّم المفرد ليقدّم براهين لا تقابل كل المقابلة فكره الحاليّ.
- وقد يسترسل الكاتب في استطراد(38) واحد أو أكثر.
- وأخيرًا، ينهي كلامه بخاتمة إطنابية(39)، يستعيد فيها بعض نقاط سبق له وتوسّع فيها. فيحرّك الشعور لدى السامع أو القارئ: ((وينفخ في بوقه)) لينهي كلامه بشكل بلاغيّ.

5 - الرسالة إلى رومة والبلاغة اليونانيّة الرومانيّة
يليق بنا، بعد هذا العرض العام، أن نشير إلى التطبيقات التي يمكن أن نستخرجها لفهم الرسالة إلى رومة(40). نأخذ النصّ منذ البداية، فنتوصّل إلى تنسيق العناصر الرئيسيّة في ((الترتيب(41))). فنعود إلى كتابنا: المسيحيون والشريعة اليهوديّة(42) من أجل التفاصيل.
في الرسالة إلى رومة، كما يحدث مرارًا عند بولس، يتبع العنوانَ الرسائلي، فعلُ شكر (1: 8-15) يلعب هنا دور ((المطلع)) في البلاغة الكلاسيكيّة. يبيّن هذا المثل أنه إن كان الرسول اتّبع قواعد البلاغة، فهو لم يطبّقها بشكل حرفيّ.
وبعد فعل الشكر هذا، تأتي آيتان كثيفتان جدًا يرى فيهما الشرّاح بشكل يُشبه الاجماع، ((الطرح)) الذي يُشرف على الفصول اللاحقة. وها نحن نقرأه في ترجمة حرفيّة جدًا: ((فأنا لا أستحي بالانجيل، لأنه قوّة الله لخلاص كل انسان يؤمن، لليهوديّ أولآً ولليونانيّ. فبرّ الله يتجلّى به (= الانجيل) بإيمان إلى إيمان، على ما كُتب: البار بالايمان يحيا)) (1: 16-17).
نجد هنا كل المواد التي تدخل في تركيب ((طرح)). يتكلّم فيه بولس في صيغة المتكلّم المفرد (أنا لا استحي). ولكنه يتركها حالاً لكي يعطي للقارئ مضمون الانجيل الذي يكرز به. أدخل موضوعين مركزيين: برّ الله والايمان. واختتم كلامه بآية من الكتاب المقدس (إيراد من حب 2: 4)، تعلن البراهين الكتابيّة العديدة التي سنقرأها في ما يلي من الرسالة. من الواضح أننا نمتلك هنا نموذجًا رائعًا عن طبيعة ((الطرح)) في البلاغة الكلاسيكيّة.
ويعالج الكاتب هذا الموضوع العام في درفتين. ويشرف على كل درفة ((طروحات)) ثانويّة ترتبط بهذا الطرح الأول الذي يمكننا أن نسمّيه ((الرئيسي)). ذكر بولس، في زمن أول، نتائج غضب الله الذي يردّ على كفر البشر ولابرّهم: هناك ((طرح)) أول ثانوي في روم 1: 18-19 يتبعه ((إخبار))(43) (1: 20-32) و((برهنة))(44) (2: 31: 20). غير أنه سيَذكر فيما بعد، في زمن ثان، نتائجَ الخلاص الذي حمله يسوع المسيح: كل هذا يبدأ بـ ((طرح)) ثان ثانوي ينفتح انفتاحًا دقيقًا بلفظتين احتفاليتين مهمتين (أما الآن، 3: 21-22)، يتبعه أيضًا ((إخبار)) لهذا الخلاص (3: 23-26)، ثم ((برهنة)) تألّفت في جزئها الأكبر من البراهين الكتابيّة التي يبنيها الكاتب منطلقًا من شخص ابراهيم البيبليّ (3: 27-4: 5).
وتُختتم القطعةُ حول ابراهيم باعتراف ايمان احتفاليّ يدلّ على دورة بلاغيّة أولى. وتبدأ دورة ثانيّة مع ف 5 الذي بُني هو أيضًا في ((طرح)) رئيسيّ و((طرحين)) ثانويين، بلا شكّ. والدورة الثالثة تغطّي ف 9-11. وأخيرًا، تنفتح الدورة الرابعة في بداية ف 12. فضّلنا أن لا نعطي تصميمًا كاملاً للرسالة. واكتفينا بأن نتوقّف عند تطبيقات نستطيع أن نستخلصها من هذا النمط البلاغي النموذجي بحيث نكتشف خصبه كما نرجو.

6 - تطبيقان عمليّان
النتيجة الأهمّ التي يمكن أن نستخرجها من مثل هذا النهج هي نتيجة تقول بأن جميع أقسام نص روم لا تتمتّع بالوضع نفسه. فـ((الطرح)) ليس ((البرهنة)). و((البرهنة)) ليست ((الإطناب))... كما أن التأكيدات التي يتضمّنها ((طرح)) من الطروح، هي جوهر فكر الرسول، فجاءت العبارات منحوتة بدقّة، وبعض المرات بكثافة لا يسهل فهمها. كذلك وبشكل معاكس، قد يقود الشكل الأدبيّ، في قسم إخباريّ أو برهانيّ، إلى قادوميات بل إلى مبالغات. لهذا يجب أن نأخذ بعين الاعتبار الوضع البلاغيّ لمقطع من المقاطع من أجل تفسيره. ونعطي على ذلك مثلين.
منذ زمن طويل، لاحظ الشرّاح تناقضًا ظاهرًا بين مقطعين من روم قريبين، هما 2: 13 و3: 20. نقرأ في 2: 13: ((ليس الذين يسمعون الناموس يبرَّرون أمام الله . الذين يعملون به هم الذين يبرّرون)). فبعبارة أخرى، يبدو التبرير وكأنه نتيجة ممارسة الناموس. ولكننا نقرأ بعد ذلك في 3: 20 ما يلي: ((لهذا، لا أحد يبرَّر أمامه (أمام الله ) بأعمال الناموس. فالناموس لا يعطي سوى معرفة الخطيئة)). من الصعب أن يقول الرسول قولين لا يتوافقان، والواحد قريب من الآخر. ولكن إذا وضعنا جانبًا شروحًا أخرى يمكن أن تعطى (لن ندخل هنا بالتفصيل في تحليل هاتين الآيتين)، قد تستنير الأمور إن أخذنا بعين الاعتبار الوضع البلاغيّ لكل مقطع.
عمَّ يتكلّم النصّ الأوّل؟ نحن في إطار برهنة يرتبط بـ ((طرح)) ثانويّ حول لابرّ الكون في عالم بدون المسيح (1: 18-19)، وبشكل أدقّ في إطار اتّهام يوجَّه إلى الذي يجعل نفسه محلّ الله فيدين الخطأة. فقبْل المسيح، كان البشر في نظام شرعيّة الناموس. وفي نظام شرعيّة الناموس، نبرَّر بالممارسة لا بمجرّد السماع. فالناموس وُضع لكي يُعمل به، لا لكي يُسمع فقط.
وما هو الوضع في 3: 20؟ هو يختلف كل الاختلاف على المستوى البلاغي. نحن في انتقالة تقدِّم طرح 3: 21-22 الثانوي، حيث يُعلن أننا نبرَّر بالايمان بيسوع المسيح. لم يعد النظام هو هو. فالخلاص الذي حمله موت المسيح وقيامته، أخرج المؤمن من نظام الشريعة ليُحلّ محلّه نظامَ الايمان. فالشريعة اليهوديّة، شأنها شأن كل شريعة أخرى، يجب أن يتجاوزها تدبيرٌ آخر. وهكذا يشدّد النصّ على عجزها في مجال التبرير. وفي صيغة أخرى نقول: في التعارض بين ممارسة الناموس ومجرّد السماع بدون ممارسة، يُبرز بولس ممارسة الناموس. ولكن في التعارض بين الناموس والايمان، يُبرز بولس الايمان على حساب الناموس. فإذا أردنا أن نفهم أي كلام، وجب علينا أن نحدّد موقعه في سياقه البلاغيّ .
ونعطي مثلاً آخر: تفسير مقطع (7: 15-23) يدلّ على التعارض بين الرغبة والعمل. أرغب في صنع الخير، ولكني أصنع الشرّ. هذا الانشداد الممزَّق هو في أصل تفسير لوثر المشهور للآية ،16 وهو أن المسيحيّ ((خاطئ معًا ومبرَّر)). لا شكّ في أننا نختبر كلنا هذا الانشداد: نقترف الشرّ، وفي أعماق نفوسنا نرغب في العمل من أجل الخير.
ولكن هل توخّى بولس أن يصوّر الصعوبات السيكولوجيّة التي فيها يمرّ المسيحيّ الخاضع لقوى مقاومة؟ كلا، بلا شكّ. فإن كان هذا المقطع قد دُوّن كله في صيغة المتكلّم المفرد (ما عرفت أنا) منذ 7: ،7 يبدو أن هذا ((الأنا)) هو ((أنا)) بلاغيّ(45): هو لا يعود إلى خبرة بولس تلميذ المسيح، بل إلى وضع الانسان الخاضع للناموس. فنهاية الفصل السابع كلها هي وصف لنتائج الناموس. إذن، يؤكّد بولس أن في نظام الناموس، انشدادًا بين مجموعة وصايا يجب أن تقود إلى الخير، وتحفّظًا في العمل بها تكون نتيجته الشرّ. غير أن مثل هذا الانشداد لا يوصف هنا على أنه ينطبق على الانسان الذي برّره المسيح. هو لا يكفي، حسب تفسير لوثر، لكي يصف وضع الانسان المبرّر الذي خرج حقًا من منطق الطاعة للوصايا.
هذا لا يمنع، من جهة أخرى، أن يوافق هذا الانشدادُ خبرة عامة، كما قالت توافقات أخيرة بين اللوتريين والكاثوليك. فهناك ((خطر مستمرّ مصدره سلطان الخطيئة وعملها في المسيحيين. في هذا المناخ، يستطيع اللوتريون والكاثوليك معًا أن يفهموا المسيحيّ على أنه في الوقت عينه بارّ وخاطئ، بالرغم من مقاربات مختلفة لهذا الموضوع))(46).

خاتمة
نستطيع أن نعطي أمثلة عديدة من هذا النمط عمّا يفيد منه تأويل النصوص البولسيّة، إن هو عاد إلى البلاغة الكلاسيكيّة. لا شكّ في أن هذا ليس ترياقًا ودواء لكل الصعوبات. وهو لا يستبعد أبدًا نهوجًا ومقاربات أخرى، كما لا يلغي النهج التاريخيّ النقديّ(47) الذي لا يمكن أن يُستغنى عنه.
ولكننا اكتشفنا هنا منفعتين نستطيع أن نختم كلامنا بهما. من جهة، يستطيع النهج البلاغي أن يُعيننا لكي نضع للرسائل تصميمًا مؤسّسًا على سمات شكليّة(48)، وليس فقط على ملاحظات موضوعيّة(49). هذا لا يقود المؤوّلين إلى الإجماع، وإلاّ لن يعود التأويل تأويلاً. بل يقدر أقلّه أن يقود إلى قراءات فيها يجعل القارئ مسافة أفضل بينه وبين مفترضاته اللاهوتيّة. وهكذا لا تعود قراءته قراءة إيديولوجيّة.
ومن جهة ثانية، هذا يتيح لنا نظرة نقديّة نعود فيها إلى الوراء، بالنسبة إلى البرهان الكتابيّ في اللاهوت. استغل الدارسون البيبليا استغلالاً مفرطًا فاستعملوها كاستثمارات في خدمة اللاهوتيّ الذي يستخرج منها، كيفما شاء، مقتطفات لكي يُسند أقواله. بمثل هذا الاستعمال للكتاب المقدّس، نستطيع تقريبًا أن نجعله يبرّر كل شيء. أما التحليل البلاغيّ، فيفرض علينا أن ننتبه إلى النصّ، وإلى موقع كل آية من الآيات في النصّ. أن ننتبه إلى سياقه الأدبي والبرهانيّ. لهذا كان التحليل البلاغي مدرسة تعلّمنا الدقّة والصرامة.
عرف هذا اليوم أيضًا ست مداخلات، ثمّ محاضرة الأب كينال في الفرنسيّة فجاءت كما يلي
1 - الحياة المسيحيّة فعل عبادة 
2 - المسيح صورة الله
3 - وحدة الكنيسة في الرسالة إلى أفسس
4 - الخلاص بالمسيح بين الوعد والعهد
5 - طريقة بولس في التبشير
6 - نزع السطر (1 تس) Démythologisation 
7 - بولس والشريعة. أبحاث معاصرة حول العالم اليهودي في زمن القديس بولس.

الفصل التاسع
الحياة المسيحيّة، فعل عبادة
روم 12: 1-15: 13


يتحدّث الأب كاستون فيسّار، وهو فيلسوف قرأ هيجل وشرحه كما أنه درس لاهوت رسائل القديس بولس، عن علاقات جدليّة ثلاث يستخرجها من علاقة الفكر الفلسفي بالوحي الكتابي: وهذه العلاقات هي: 
علاقة الرجل بالمرأة
علاقة السيد بالعبد
وعلاقة اليهودي بالوثني.
ولا شكّ أننا نجد خلفيّة هذه الجدليّات الثلاث في آية القديس بولس في غل 3: 28: ((فلم يعد من بعد يهودي أو يوناني، عبد أو حرّ، ذكر وأنثى، لأنكم جميعًا واحد في المسيح)). وتعتبر هذه العلاقات التي تقوم على الاختلاف بين الطرف الواحد والطرف الآخر، هي علاقات شبه انتروبولوجيّة، أعني مدوّنة في حقيقة الانسان. فانطلاقًا منها وعليها تُبنى الوحدة، كما وأنها تكون سببًا في الصراعات والخلافات التي تنشأ بين الناس تاركة وراءها العداوات والانقسامات. أما انجيل يسوع المسيح فإنه يحتوي هذه الانقسامات ويتجاوزها نحو علاقة جديدة في الرحمة والمصالحة.
يقرأ الأب شارل بيرو الرسالة إلى أهل رومة من زاوية مسألة الانقسامات الجديدة التي طرأت على المجتمع في القرن الميلادي الأول من جرّاء حدث حياة السيّد المسيح. فما كان على بولس كما فعل في باقي الرسائل، إلاّ أن يبحث ولكن بأسلوب أشمل وأدقّ عن طرق جديدة للوحدة. فانطلاقًا من هذه الزاوية، يقترح هذا المفسّر البيبلي في دراسته حول الرومانيين تقطيعًا للرسالة يُبرز الصراعات القائمة بين مختلف الفئات اليهوديّة والوثنيّة المنتصرة حديثًا، والتي لا بدّ لها من أن تبحث عن وحدة جديدة.
أما ما نريد أن نعرضه نحن في هذه الدراسة الوجيزة، فهو خاتمة الرسالة إلى الرومانيّين 12: 1-15: ،13 وفيها يقول بولس تحت شكل عظة ما حاول أن يعرضه مطوّلاً تحت شكل تعليم لاهوتي. وفيها كما ذكرنا يتعرّض لمسألة العلاقات بين المؤمنين بالمسيح فيما بينهم وبين المؤمنين وغيرهم. فالسؤال الذي نحاول أن نجيب عليه انطلاقًا من هذه الخلاصة هو التالي: هل العبادة في الحياة المسيحيّة هي بحث دائم عن وحدة جديدة في المسيح يسوع أم هي طقوس خارجيّة لا تخاطب حريّة الانسان وقراراته المصيريّة؟ سوف نرى كيف أن القدّيس بولس يُدخل مفهومَ التمييز في العبادة، لأن العبادة لم تعد طقوسًا خارجيّة بل هي بالدرجة الأولى تقوم على علاقة حيّة مع المسيح، تتجسّد في العلاقات مع الناس. ولذلك فإنه يبدأ الجزء الأخير من الرسالة على الشكل التالي: ((إني أسألكم، أيها الاخوة، برأفة الّله أن تجعلوا من أنفسكم ذبيحة حيّة مقدّسة مرضيّة عند الّله. فهذه هي عبادتكم الروحيّة. ولا تتشبّهوا بهذه الدنيا، بل تبدّلوا بتجدّد عقولكم لتميّزوا ما هي مشيئة الّله وما هو صالح وما هو مرضي وما هو كامل)) (روم 12: 1-2). 

البنية الأدبيّة
يحتوي هذا الجزء الأخير من الرسالة إلى أهل رومة 12: 1-15: 13 على مجموعة من الأوامر، ومن التعاليم الأخلاقيّة ومن الكلمات المشجّعة للالتزام في الحياة المسيحيّة.
إن أردنا أن ننطلق من وجهة نظر أدبيّة وجدنا أولاً أن هذه الخاتمة ترتبط بالجزء الذي سبقها عن طريق الكلمة ((الرأفة)) (12: 1)، وفيها نجد صدى لكلمة ((رحمة)) الواردة في 11: 13-23. كما أن الجزء الثالث الذي يحتوي على الفصول 9-11 يعالج الموضوع نفسه: فموضوع الرحمة هو أيضًا محوري في هذه الخاتمة كما في 12: 18 وفي 15: 9: ((أمّا الوثنيّون فيمجّدون الّله على رحمته)).
باستطاعتنا أن نقسّم أيضًا هذه الخاتمة إلى ثلاث فقرات كما يلي: 
1ً - مجموعة من التعاليم حول العلاقة بين أعضاء الجماعة الواحدة (12: 3-16).
2ً - نصائح تتعلّق بطريقة التعامل مع الناس الذين لا ينتمون إلى الجماعة نفسها، ولا سيّما أصحاب السلطة السياسيّة (12: 17-13: 14).
3ً - أخيرًا، وداخل الجماعة الرومانيّة، كيف تعاش العلاقات بين ((الأقوياء)) و ((الضعفاء)) (14: 1-15: 13).

أهميّة مفردات العبادة في الخاتمة
تستعمل هذه الخاتمة مفردات طقسيّة نجدها في حياة الهيكل، وقد بدأ المسيحيّون يستعملونها في ما يخصّ تصرّفاتهم اليوميّة: انطلاقًا من ذلك نفهم التعبير ((ذبيحة حيّة))، وكلمة ذبيحة لها صلة بذبائح الهيكل (راجع الرسالة إلى العبرانيّين وأهميّة مفهوم الكهنوت والذبائح في العهد القديم وكهنوت المسيح).
إنّ كلمة ((مرضيّة))، وباليونانيّة  لها صلة أيضًا بالخدمة الطقسيّة المرتبطة بالكلام (رو 12: 1-2)، ولكنه كلام فيه عبادة روحيّة تُعارض الطقوسَ الخارجيّة.
نلاحظ أيضًا في روم 15: 16 أن بولس عندما يتحدّث عن الوثنيّين يذكر أنهم هم أيضًا عليهم أن يتحوّلوا إلى قربان: ((فأكون خادم المسيح يسوع لدى الوثنيّين وأقوم برسالة بشارة الّله قيامي بخدمة كهنوتيّة، فيصير الوثنيّون قربانًا مقبولاً عند الّله قدّسه الروح القدس)) (15: 16).

أهميّة مفردات الوحدة
(روم 12: 3-18) وراجع أيضًا (1 قور 12-14)
يعالج القدّيس بولس مسألة كانت تهمّ حياة الكنيسة، وهي مسألة الوحدة في تعدّد الوظائف. إنه يلجأ إلى التشبيه بالجسد الواحد الذي هو المسيح الذي يحتوي كل الأعضاء.
(روم 13: 1-7)
لا شكّ أن القدّيس بولس يسعى في الحفاظ على الجماعات المسيحيّة التي تكوّنت بعد أن انفصلت عن ((المجامع)) اليهوديّة وفقدت بالتالي ما كان لها من امتيازات سياسيّة عديدة. إنّه يبحث بذلك عن علاقات جديدة ووحدة جديدة.
(روم 14: 1-15: 13)
الأقوياء والضعفاء: من هم الأقوياء ومن هم الضعفاء في هذه الفقرة؟ كيف باستطاعتنا أن نربط بين انذارات بولس لمن يحكم على أخيه وضرورة القبول المتبادل وسياق الرسالة إلى الرومانيّين العام والعبادة؟

تعمّق في موضوع العبادة والوحدة
بعد المقدّمة (12: 1-2) التي تتحدّث عن الذبيحة الحيّة، والعبادة الروحيّة، وتجدّد العقول في سبيل تمييز ما هي مشيئة الله، ينتقل القدّيس بولس إلى الفقرة الأولى 12: 3-18 لمعالجة مسألة الوحدة في الكنيسة.
من سياق الفقرة، نلاحظ الإشارة إلى العُجب بشكل واضح كما في فل 2: 3، والعُجب هو مرادف للكبرياء في المفردات الدينيّة. كما أن بولس يختم هذه الفقرة الأولى بـ ((لا تطمعوا إلى المعالي، بل ميلوا إلى الوضيع، لا تحسبوا أنفسكم عقلاء)) (12: 16). من الواضح أن الفقرة محتواة ما بين نفي للعجب أو الكبرياء وتشديد على الاتضاع الذي هو طريق لتحقيق الوحدة بين الأعضاء الذين لهم مواهب مختلفة: النبوءة، الخدمة، التعليم، الوعظ، العطاء، الرئاسة، الرحمة.
يستعمل القدّيس بولس العبارة: ((تنافسوا في إكرام بعضكم لبعض)). فالمنافسة جُعلت عامة بين من يتهافتون وراء مصلحة معيّنة. إلاّ أن بولس يفاجئنا بهذا التعبير ملفتًا انتباهنا إلى منطق الانجيل الجديد: ((تنافسوا في إكرام بعضكم لبعض))، فالمنافسة تتحوّل إلى قوّة حبّ واحترام في سبيل بنيان الجسد الواحد.
بعد أن عدّد بولس المواهب المختلفة، حثّ مستمعيه على اليقظة في كل عمل يقومون به، وكأني به يستعمل تعليم يسوع في السهر والصلاة والخدمة، بلغة ممتلئة من روح يسوع: ((إعملوا للربّ بهمّة لا تني وروح متّقد. كونوا في الرجاء فرحين، وفي الشدّة صابرين، وعلى الصلاة مواظبين)). فالحياة المسيحيّة تتحوّل إلى فعل عبادة، والعبادة الحقّة هي طريق نحو المصالحة مع جميع الناس.
في الفقرة التي تتبع (12: 18-13: 14)، يعرض بولس تعليمًا حول علاقة المسيحيّين مع جميع الناس: ((سالموا جميع الناس)) (12: 18)، وذلك بعد أن يكون تحدّث عن العلاقات داخل الكنيسة. إنه يتوسّع أيضًا في علاقة المسيحيّين بالسلطات المدنيّة والعسكريّة (13: 1-7)، وأخيرًا يختم بالتشديد على المحبّة كونها أساس الشريعة، وعلى السهر والسير سيرة كريمة.
تبرز فكرة السعي نحو الوحدة في هذه الفقرة أيضًا، في مسالمة جميع الناس، والامتناع عن الانتقام: ((لا تنتقموا لأنفسكم أيها الأحبّاء)) (12: 19)، بل واطعام العدو: ((إذا جاع عدوّك فأطعمه)) (12: 20)، وكأني في عرض بولس تدرّج في العلاقة الساعية نحو السلام والمتخطّية كل الحواجز، حتى الرغبة في الانتقام من الأعداء لكيما يُقهر الشرّ بالخير: ((كن بالخير للشرّ قاهرًا)) (12: 21).
لا ينصّب في النهاية الانسان نفسه على أخيه الانسان، فليس على الانسان إلاّ أن يترك الحكم النهائي في يد الّله، فله الانتقام وهو يعاقب، وليس على الانسان إلاّ أن يحاكي الّله في قهر الشرّ بفعل الخير، وهي عبادة وهي طريق نحو الوحدة.
لَعَلَّ خاتمة هذه الفقرة 13: 11-14 تلخّص على أكمل وجه ما ورد فيها. يشدّد فيها بولس على التنبه من النوم، وهذا يذكّرنا بالنهوض للصلاة قبل شروق الشمس، كما أنه يصف الحياة المسيحيّة كخروج من الليل إلى النهار، بعمليّة خلق مستمرّة تجعل الانسان المسيحيّ يلبس المسيح القائم من بين الأموات: ((قد تناهى الليل واقترب النهار، لنلبس سلاح النور. إلبسوا الربّ يسوع المسيح: 
تتحوّل الحياة المسيحيّة إلى استنارة بالمسيح إلى استيقاظ دائم في وسط الليل للسعي إلى لقاء المسيح الحيّ.
روم 14: 1-15: 13
يتوجّه بولس بالكلام إلى ((الأقوياء))، ((نحن الأقوياء)). فأفعال الأمر في صيغة الجمع ((تقبّلوا))، ((فليكفّ بعضنا عن الحكم على بعض)) (روم 14: 1و13)، موجّهة إلى الأقوياء في علاقتهم بالضعفاء. وعندما يستعمل بولس المخاطب المفرد ((أنت))، فإنه يتوجّه بالكلام نحو الضعفاء ونحو الأقوياء من دون إمكانيّة الفصل بينهما (الآيتان 4 و 10)
ما هو الموقف الذي على المسيحي أن يتّخذه من أخيه؟ عليه ألاّ ((يزدري)) من له وساوس في مسألة الطعام (الآيتان 3 و 10). وعليه ألاّ ((يدين)) الآخر الذي ينتمي إلى مجموعة أخرى (14: 3-4 و 10 و 13). وعلى الانسان المؤمن ألاّ يكون سبب ((سقطة)) و ((هلاك)) لأخيه (الآيات 13و 15 و21)، لأن في ذلك تعريض الكرامة لحديث السوء (الآية ،16 راجع أيضًا 15: 2). وعلى العكس من ذلك، يجب تقبّل بعضكم بعضًا كما أنه يجب العمل من أجل ((البنيان والسلام)) (14: 19 و 15: 2)، وبكلمة علينا أن نسعى نحو الوحدة (15: 5-6، راجع أيضًا 12: 6). فهذه المواقف تتأصّل في الله ومسيحه (14: 3): ((فإن الله قد تقبّله)) و 15: 7 ((كما تقبلكم المسيح لمجد الله)). فعلى مثال المسيح الذي ((لم يطلب ما يطيب له)) (15: 3)، فالانسان المسيحي لا يعيش لذاته ولكن للرب (14: 9-8).
لا شكّ أننا نجد الدعوة إلى المحبّة في كل الرسائل البولسيّة، ولكننا نجدها بشكل أقوى في روم 12: 9 و 13: 8 و 9-10. إلاّ أننا في روم 14: 1-15، نجد أن بولس لا يشدّد على المحبّة المتبادلة في المجموعة نفسها، بقدر ما يطالب بموقف تقبـّل واحترام تجاه مسيحيّين يتصرّفون تصرّفًا مختلفًا. لأن الأقوياء ينزعون نحو ازدراء الضعفاء، في طريقة تصرّفهم التي ((لا زالت يهوديّة))، والضعفاء يحكمون على الأقوياء الذين لا يحترمون الشريعة الإلهيّة والشعب الذي منه خرج فرعٌ من أصل يسّى (روم 15: 12).
فلتعليم بولس علاقة بموضوع الرسالة الرئيسيّ الذي يدور حول العلاقات ((المسكونيّة)) الجديدة التي لا بدّ لها من أن تُبنى في مختلف المجموعات التي نشأت. إننا نفهم موقف بولس إذا أخذنا في عين الاعتبار حالة المسيحيّين في رومة التي دفعته إلى التطلّع نحو الوحدة.
فحالة المسيحيّين الجديدة في رومة قد حملت بولس مع الحديث في آخر الرسالة 15: 7-12، عن المسيح ((خادم أهل الختان)) (الآية 8)، ومن ثمّ عن ((الوثنيّين)) استنادًا إلى آيات تخصّ المسيح والوثنيّين (الآيات 9-12).
إن موضوع الرجاء هو مركزي في هذه الرسالة (4: 18 و 5: 5 و 8: 21 و 22-25 و 12: 12 و 15: 4 و 12). وهنا في خاتمة الرسالة التي تذكر الثالوث، تأتي الرسالة على ذكر ((إله الرجاء)) (الآية 13). وهكذا نلاحظ أن موضوع العلاقات بين اليهود (ومنهم اليهود المتنصّرون) والوثنيّين (ومنهم الوثنيّون المتنصّرون) هو موضوع أساسي في ترابط أقسام الرسالة إلى رومة.
للرسالة إلى الرومانيّين اليوم قيمة شموليّة تضعنا على طريق تجاوز الانقسامات التي تهدّد حياة الانسان. فتعليمها في العلاقات بين اليهود والوثنيّين، واليهود المتنصّرين، والوثنيّين المتنصّرين، لا يزال له قيمة فريدة تقود خطانا نحو الوحدة مع الله، ومع بعضنا البعض، وتلك هي العبادة الحقّة.
الفصل العاشر


المسيح صورة الله

المقدّمة
في زمن ردّدنا فيه شعار اليوبيل الكبير ((المسيح، أمس، اليوم وإلى الأبد))، نشعر مع الكنيسة جمعاء بحاجتنا القصوى إلى تعميق إيماننا بالمسيح الذي ((استكنّت فيه جميع كنوز الحكمة والمعرفة))، فهو ((سر الله)) كما يقول القديس بولس في رسالته إلى أهل قولسي 2: 2-3. في نهاية مسيرته الرسوليّة، من سجن روما الذي كان يسمح له بمتابعة التبشير بالإنجيل، كتب بولس رسالته إلى أهل قولسي، وهي مع الرسالة إلى أهل أفسس والرسالة إلى فيلمون ترجع إلى زمن واحد، وتعبّر عن تقدّم فكر بولس في مواضيع شتّى تخصّ الايمان والحياة المسيحيّة. كعادته، يكتب القدّيس بولس رسالته بدافع غيرته الرسوليّة ومساعدة المسيحيّين على فهم إيمانهم وتمييز ما هو مناسب لحياتهم المسيحيّة، إذ يتعرّضون لأخطار عديدة تهدّد نقاوة الإيمان بالمسيح. لا نريد خوض مسألة الأزمة في جماعة قولسي، والتي نتبيّن معالمها في الفصل الثاني من الرسالة، ونكتفي بالقول إنها دفعت الرسول، بوحي من الروح القدس، إلى إعطائنا أجمل وأعمق ما كُتب عن المسيح في النشيد الوارد في 1: 15-20، الذي يؤلّف مع مقدّمة إنجيل يوحنا قمّة ما كُتب في العهد الجديد عن المسيح.
في مرحلة أولى نحاول قراءة النصّ وتفسيره، ومن ثمّ نتوقّف عند أحد المواضيع المهمّة في النشيد، موضوع المصالحة وهو ختام النشيد وقمّته، لنختم أخيرًا مع عودة إلى البداية، إلى عنوان النشيد ولقب ((الصورة)). نظرًا لأهميّة النصّ في الكرستولوجيا (الدراسة عن يسوع المسيح) وفي العهد الجديد عامة، كُتب الكثير عنه، وما نعرضه الآن ليس سوى محاولة متواضعة ومحدودة لقراءته وتفسيره وتأوينه، انطلاقًا من وضع النص في سياقه الأساسي: الرسالة إلى أهل قولسي، رسائل بولس والكتاب المقدّس عامة.

1 - النّص
هو صورة الله الذي لا يُرى
بكرُ كلّ خليقة.
ففيه خُلقَ كلُّ شيء
ممّا في السّموات وممّا في الأرض
ما يُرى وما لا يُرى
أأصحاب عرش أم سيادة
أم رئاسة أم سلطان
كلّ شيء به وله خُلقَ؛
وهو قبل كلّ شيء
وبه كلّ شيء يبقى معًا
وهو رأس الجسد، أي الكنيسة.
هو البدء، البكر من بين الأموات
ليكون في كلّ شيء الأوّل.
فقد حسُن لديه (الله) أن يسكن فيه كله الملء
وأن يصالح به ومن أجله كله شيء
ممّا في الأرض وممّا في السّموات
صانعًا السّلام بدم صليبه
2 - النوع الأدبي، سياق النّص والبنية
من المتّفق عليه بين علماء الكتاب المقدّس أنّ هذا النّص هو نشيد. ذلك لأنه يتضمّن صفات الشعر في الكتاب المقدّس وبنوع خاص التوازي والإعادة. في العهد الجديد لدينا عدد من الأناشيد الكرستولوجيّة: فل 2: 6-11؛ عب 1: 3-4؛ 1 طيم 3: 16؛ 1 بط 2: 22-25 وقول 1: 15-20. هذه الأناشيد تتكلّم عن المسيح حسب الضمير الغائب وتبدأ كلّها باسم موصول (pronom relatif: o6) له معنى الضمير المنفصل ويرجع إلى المسيح حسب النص السابق. من الواضح أنّ المعنى بالنشيد هو ((ابن محبّته)) أي يسوع المسيح ابن الله.
لهذا النشيد طابع الاعلان العقائدي رغم أنّه لا يتضمّن خلاصة لاهوتيّة عن المسيح، ولا كرازة (Kérygme)، إنّه إعلان إيمان بالمسيح بأسلوب شعريّ. ومن خلال قراءتنا للرسالة نفهم أنّ النشيد له هدف جدليّ. هناك مشكلة أساسيّة كُتبت من أجلها الرسالة وتعبّر أصدق تعبير عن الهموم الرسوليّة للقدّيس بولس الذي يطرح الأسس الإيمانيّة لتصحيح معتقدات وتصرّفات أبناء قولسي. كل مرّة يراد القدّيس بولس أن يعالج مشكلة إيمانيّة أو حياتيّة، ينطلق دائمًا من الأساس والمركز، أي المسيح. فالنشيد هو قبل كل شيء كرستولوجيّ ولكنّه يتضمّن ولو بشكل غير مباشر صفة الإرشاد. كأني بالكتاب يوجّه الأنظار إلى المسيح لينير إيمان وحياة جماعة قولسي.
يدخل النّص بشكل متناسق في السياق: 1: 3-23. بولس يرفع الشكر دائمًا إلى الله من أجل ثمار الانجيل (1: 3-8)؛ يصلّي ويسأل ليعرف أهلُ قولسي بشكل تامّ مشيئة الله، فيسيروا سيرة جديرة بالرّبّ (1: 9-11)؛ ويدعوهم ليشكروا الله من أجل عمله الخلاصيّ بابنه الحبيب (1: 12-14)؛ هو صورة الله الغير منظور وبكر الخلائق والبكر من بين الأموات. وأخيرًا يعطي الرسول تأوينا لكنيسة قولسي حيث تتمّ المصالحة (1: 21-23).
بالنسبة لبنية النّص هناك عدّة آراء. ولكن ننطلق من التوازي الأساسي في النّص بين 15 أ و18ب وبين 16أ و 19: 
15أ: هو ... صورة الله
16أ: ففيه... خلق
18ب: هو ... البدء
19: ليكون ... في كلّ شيء الأول.
لدينا هنا توازي بين جملة تبدأ باسم موصول له معنى ضمير غائب (هو الذي) وجملة سببيّة تعلّل معنى الجملة الأساسيّة. هذه البنية نجدها في بداية المقطع الأوّل وبداية المقطع الثاني. لذلك يكون تقسيم النّص كما يلي: 
الجزء الأول: 1: 15-18أ. الابن هو بداية وغاية كل المخلوقات.
الجزء الثاني: 1: 18ب-20. الابن هو بداية ونهاية الخلق الجديد.
هذه البنية دافع عنها ((ألاتي))(1) في أطروحته عن النص. ولكن هناك ملاحظة مهمّة تسهم في فهمه وتقسيمه إلى ثلاث أجزاء، وقد عبّر عنها ((بنوا))(2)، و((بوشامي))(3) وآخرون: 17أ-18أ يؤلّف مقطعًا متوسّطًا وأساسه حرف العطف الذي يبدأ الآيات الثلاث: 
- 17أ: وهو قبل كلّ شيء
- 17ب: وبه كلّ شيء يبقى معًا
- 18أ: وهو رأس الجسد، أي الكنيسة.
رغم تفضيلي للتقسيم الثنائي الذي يعطي للفقرة المتوسّطة 17أ-18أ دورًا انتقاليًا فقط، ويقوي ما ذُكر سابقًا، ويعطيه بعدًا شاملاً لأوليّة المسيح في الخلق وفي الكنيسة ويحضر للتطوّر في المقطع الثاني ليصل إلى القمّة في المصالحة الكونيّة، رغم تفضيلي، هذا أودّ أن أذكر شيئًا مهمًا في النص يساعدنا على فهم، ربّما أعمق، لأسلوب الكاتب ومن خلاله لهدفه الأساسي من النشيد.
كثيرون أعطوا أهميّة بنيويّة للكلمات المردّدة في النشيد، أعني الحضور الكثيف للضمير ((هو)) ؟ (12 مرّة) ((الكل)) ؟ (8 مرات). هذا الترداد لا يعني أبدًا إعادة نفس الفكرة. بل يُظهر بشكل شعري، لا بل تأمّلي أيضًا، تطوّرًا للفكرة الأساسيّة نحو إبعاد أكبر. فالمسيح يصبح الأول في كل شيء، وفيه أسكن الله كلّ الملء. وكأني بالإعادة تسير بنا نحو الملء في المسيح. إنه الأسلوب الذي ينطلق من جملة بحد ذاتها كاملة ليزيد عليها أولاً وثانيًا وثالثًا، جملاً متّصلة، ليعبر عن الفكرة الأساسيّة بشكل مطرد ومتنام نحو قمّة ما. وما يبدو لي قمّة في النشيد هو المصالحة الكونيّة، أي السلام الذي تمّ بموت المسيح على الصليب كما في 1: 20.

3 - تفسير النشيد
المقطع الأول 1: 15-18أ: المسيح، صورة الله وبكر كل الخلائق
-1: 15أ: هو صورة الله الذي لا يُرى
هذه الآية تبدأ بأسلوب تفخيم حيث الضمير يعبّر عن ((ابن محبّته))، أي المسيح الذي به نلنا غفران الخطايا. والعبارة تعني ((هو الذي)) أو ((ذاك الذي)). واللقب الأول هو ((صورة الله الغير منظور)). كلمة ((صورة)) لا تعبّر فقط عن تمثيل للحقيقة، ولكن يمكن أن تكون بمثابة إشعاع وظهور واقعيّ لها. في العهد القديم فقط الانسان هو صورة الله (تكوين 1: 26؛ 5: 1؛ 9: 6). وبهذا تكريم للانسان لأنه علامة سلطة الله على المخلوقات. فالصورة تعني مشاركة الانسان في كيان الله. في قولسي 1: 15 ((الصورة)) هي حقيقة الله التي تظهر في العالم. هناك مستويات في تمثيل الحقيقة. وحده المسيح الصورة الكاملة للّه الذي لا يُرى: المسيح يُظهر الآب بشكل تام.
((هو صورة)) . العبارة تعني ديمومة في الزمن، إنّه زمن الحاضر. لدينا لقب للمسيح يخصّ زمن الحاضر وبهذا يعبّر ليس فقط عن المسيح الذي تألّم ((فكان لنا فيه الفداء)) (قول 1: 14)، بل أيضًا عن القائم من بين الأموات. إنّه اليوم بحضوره الحيّ يفتح عيون إيماننا لنرى فيه وبه حقيقة الله الذي لا يُرى. وباعتقادي، هذا اللقب هو عنوان النشيد. ولقب ((البكر)) في المقطعين الأول والثاني ليس سوى خبر له. الابن الحبيب يُظهر الله من حيث إنه بكر الخلائق والبكر من بين الأموات، الوسيط الوحيد للخلق وللخلق الجديد. وبهذا اللقب،لقب ((الصورة))، هو مرادف للابن.
-1: 15ب: بكر كلّ خليقة
البكر هو الثمرة الأولى، حيوانًا كان أو انسانًا، هو فاتح الرحم. هذا هو المعنى الأساسي لهذه الكلمة البيبليّة ذات الفوارق المختلفة. من الناحية الدينيّة، البكر يُقدّس للرّبّ (خر13: 1-2). وللبكر قيمة مميّزة من حيث إنّه الثمرة الأولى لرجوليّة الأب (تك 49: 3؛ مز 78: 51). وهو بذلك الأفضل والمميّز (حز 44: 30). كما تحمل الكلمة في ثناياها عمق العاطفة. فالبكر هو الحبيب، وميزة الشرف، لأنّه يمارس حقّ البكريّة ويشارك في سلطة الأب. لذلك، فالبكر هو الوحيد والمختار والحبيب (راجع مز 89: 28). ومن الجدير بالذكر أنّ الكلمة لا تعني بالضرورة علاقة مع الاخوة أي الأول في القائمة. في العهد الجديد(4) الكلمة في المفرد ترجع إلى المسيح وحده. وباستثناء لوقا 2: 27 حيث ترد الكلمة بالمعنى الحقيقيّ، ((بكر)) لها معنى مجازيّ وتعبر عن المقام والأوليّة (روم 8: 29؛ رؤيا 1: 5). الابن هو بكر كلّ خليقة، هو سيّدها وله أوليّة زمنيّة ومقام يسمو عليها كلّها. فيه خُلق كلّ شيء (1: 16). 
فالآية 15 تُعلن سرّ المسيح في علاقته مع الله ومع الخلائق: إنّه الأيقونة التي تُظهر الله مؤسّسًا الكلّ، بما فيهم الكائنات السماويّة، في وضع الخليقة. خلفيّة هذا التأكيد نجدها في شخصيّة الحكمة (راجع أمثال 8: 22).
-1: 16: ففيه خُلق كل شيء
ندخل هنا في شرح علّة الأمور. هذه الآية تُظهر دور المسيح في الكون، مسلِّطة الأضواء على سرّ شخصه من حيث إنّه إله خالق. في العقليّة اليونانيّة ((خلق - )) تعني تأسيس مدينة بإرادة الملك. فالسيّد يبعث المدينة بكلمته وإرادته مؤمّنًا الطاعة. في العهد القديم ((خلق - برأ)) فعل يُنسبُ إلى الله وحده، فريد بنوعه، حيث تعانق الكلمة فعل الخلق (تكوين 1). مفهوم الخلق يوضع أولاً بعلاقته مع كلمة الله للتنويه عن قدرته الفائقة وسمّوه المطلق على الخلائق (راجع أشعيا 41: 4؛ 48: 13 ومزمور 33)؛ ومن ثمّ بعلاقته مع ((حكمة الله)) لرفع شأن فكره. والحكمة في دورها الكوني تدلّ على سابق وجودها ودورها الأقنوميّ والوسيط (أمثال 8: 22-31).
في العهد الجديد أيضًا، ((الخلق)) هو حصرًا عمل إلهيّ. أما دور الوسيط فيُنسب إلى المسيح، وموضوع الحكمة يُستعمل كخلفيّة لشرح عمل المسيح في الخلق.
((فيه خُلق)): الخلق تمّ في الماضي. والمجهول هو الله الآب الخالق. من الجدير بالذكر أنّ صانع الخلق الأول والخلق الجديد يبقى في الخفيّة في النشيد، لأن الكاتب يصبو إلى تبيان دور المسيح الوسيط.
والقول ((فيه)) يكشف عن المسيح الفاعل والسبب والوسيط في الخلق. وإذا ما نظرنا إلى المعنى المكاني، ((فيه)) تعبّر عن مجمل أسباب وجود الأشياء. بعيدًا عن المسيح وبدون عمله الخلاّق هناك العدم. في لحظة الخلق كان المسيح الحكمة والالهام: لقد شاهد الله في المسيح، كما في مرآة، مخطّط الكون (راجع أمثال 8: 22؛ أيوب 28: 23-27). بهذه الآية يُعلن المسيح حكمة الله، المتعالي فوق كلّ الخلائق، وهي تجد فيه وحده الوجود لأنه مشروع الله للخلق. هناك تنويه لتعلّق الكائنات المطلق بالمسيح وخاصة تلك التي يلي تعدادها. كما نرى بذلك أنّ بكورة المسيح قد ظهرت في لحظة الخلق.
- كلُّ شيء ممّا في السّموات وممّا في الأرض، ما يُرى وما لا يُرى، أأصحاب عرش أم سيادة أو رئاسة أم سلطان
((كلّ شيء)) - : في الفكر اليونانيّ هذه العبارة تعني الكون. في علم الكون اليونانيّ لا مكان لإله خالق وشخصيّ. أما العهد القديم فيستعمل عبارة مثل ((السّماء والأرض)) للتعبير عن الكون بأسره (تكوين 1: 1). والعهد الجديد يتبع القديم في هذا الأسلوب. وفي النّص ((كلّ شيء)) تصبح مرادفًا لـ ((كلّ خليقة)) في 1: 15.
((ما يُرى وما لا يُرى)): ليست فقط الكائنات المرئيّة هي مخلوقات، بل أيضًا الغير مرئيّة، وبنوع خاص الطغمات الملائكة. والتعداد الذي يلي هو بكل بساطة تحديد للكائنات التي لا تُرى: من بين كلّ المخلوقات يُنوّه فقط عن تلك التي يُمكن أن يكون لها دور خصاميّ مع المسيح أو على الأقلّ تكرّم بشكل يضع أوليّة المسيح في الظلّ. فالتعداد يُبرز الفرق بينه وحيدًا وبين الباقي بما فيهم المراتب الملائكيّة، بين وحدة المسيح وتعدّد الكائنات المخلوقة.
- كلّ شيء به وله خُلقَ
الفعل هنا ((خُلقَ)) في زمن يعبّر عن عمل بدأ في الماضي ولم ينته، أي إنّ فعل الخلق لم ينته كما في 1: 15. عمل المسيح في الخلق يدوم منذ الأزل. فالله لم يدعُ فقط الكائنات من العدم إلى الوجود، بل يعطيها باستمرار نعمة الحياة. بعد دعوة المخلوقات من العدم إلى الحياة، يُحيي الله خلائقه بعنايته. يُبقيها في الوجود. ((به))، بالمسيح سبب بقائها. فالمسيح ليس بأداة غير فاعلة لأنّه مثل الحكمة ((مهندسة كلّ شيء)) (حكمة 7: 21؛ 8: 6 وأمثال 8: 30)(5).
((وله خُلق كلّ شيء)) أي إنّ المسيح هدف الخليقة. فالكائنات خُلقت وتبقى في الوجود من أجل المسيح. هي تنتقل باستمرار إلى ملكوت ابن محبّته (1: 13)، ذلك الملكوت الذي نرى في الكنيسة علامة له. ففكرة الغائية تسبق الابعاد الخلاصيّة لما يلي في 1: 18-20. إذن بكر كلّ خليقة هو مصدر وعناية وهدف الخليقة. وفكرة الغائية في المسيح تشبه تلك التي نجدها في أفسس 1: 10: ((ليسير بالأزمنة إلى تمامها فيجمع تحت رأس واحد هو المسيح كلّ شيء ما في السّموات وما في الأرض)). مما يعني أنّ الابن المتجسّد هو منذ الخلق حاضر في مخطّط الله، هو وحده غاية الخلق. فالمسيح هو الألف والياء، الأول والآخر، والبداية والنّهاية (رؤيا 22: 13).
-1: 17: وهو قبل كلّ شيء وبه كلّ شيء يبقى معًا
المسيح يسبق بكيانه الكامل وديمومة حضوره كلّ الكائنات وبذلك أيضًا له الأسبقيّة والأوليّة. ((وبه كلّ شيء يبقى معًا)): الفعل يذكّر بوضوح بفلسفة أفلاطون والرواقيّين حيث يُحكى عن نفس العالم، تلك القوّة الكونيّة التي تحافظ على تماسك العالم حتى لا يرجع إلى الخواء. وفيلون أيضًا يقول إنّ الكلمة الالهيّ، والله نفسه يُبقي على الكلّ في الوحدة. أما في العهد القديم فهذا الدور يُعطى لكلمة الله (سيراخ 43: 26). كذلك أيضًا الروح الذي هو الحكمة، يملأ الكون فتبقى الكائنات موحّدة (راجع حكمة 1: 7). فالمسيح هو وسيط الخلق والبقاء في الوجود في عالم متناسق. وما ينير هذه الآية هو ما نقرأه في يشوع بن سيراخ 42: 24-25: 
((كلّ الأشياء جُعلت اثنين اثنين
كلّ واحد بإزاء الآخر
ولم يصنع شيئًا ناقصًا.
بل الواحد يُبرز الآخر
فمن الذي يشبع من رؤية مجده؟)).
فالمسيح هو الذي يحقّق هذا التماسك، إنّه مركز الوحدة الذي يعطي للعالم قيمته ووحدته ومعناه وبالتالي حقيقته.
-1: 18: وهو رأس الجسد، أي الكنيسة
((كنيسة - . كلمة يونانيّة مصدرها فعل يتضمّن معنى الدعوة. الكنيسة في العهد القديم (ق هـ ل - راجع تثية 9: 10) هي جماعة الرّب المدعوّة إلى سماع كلامه وخدمته في العبادة. العهد الجديد يستعمل الكلمة بمعناها حسب العهد القديم بالإضافة إلى التحديد الجديد: ((بالمسيح يسوع)) (1 تسالونيكي 1: 1؛ 2: 14). كنيسة الله بيسوع المسيح هي ثمرة حدث الفصح. والكنيسة هي أيضًا الجماعة، أي المؤسّسة المدعوّة والمتّحدة في اجتماع أولئك الذين دعاهم الله واهبًا إيّاهم الإيمان ليحيوا حياة جديدة أساسها المعموديّة (راجع روما 6: 3).
أمّا كلمة ((جسد)) - ، في مار بولس، فتتضمّن هي أيضًا المعنى البيبلي لعبارة ((دم ولحم)) للدلالة على أوصال القرابة (راجع 2 صموئيل 5: 1). وصورة الجسد المعطاة للمجتمع حسب الفكر الهليني لا تناسب قصد القديس بولس. فصورة الجسد تشمل وحدة حقيقيّة بين الكنيسة والمسيح القائم من بين الأموات، وحدة تنمّيها الأسرار. ولكن هذه الوحدة لا تعني أنّ جسد المسيح في الافخارستيّا مثلاً وجسد المسيح الكنيسة هي حقيقة واحدة. فالكنيسة هي ((الأنا الآخر)) للمسيح - alter ego إذا صحّ التعبير كما كانت حواء بالنسبة لآدم حسب تكوين 2: 21-24: ((وهذه المرّة هي عظم من عظمي ولحم من لحمي))(6). الآية 1: 18 تعبّر عن هذا الرباط من خلال كلمة ((جسد))، وتنوّه بواسطة عبارة جديدة بالنسبة للرسائل الكبرى عن الفرق بين المسيح والكنيسة.
((وهو رأس الجسد)): الرأس هو القائد والسيّد وبنوع خاص هو مصدر حياة الجسد. المسيح هو الرّب ورأس الخليقة من حيث إنّه بكر كلّ الخلائق. والكنيسة هي أيضًا جسد المسيح، وسلطتُه تتجلّي بالحياة التي يهبها إيّاها. فالقدّيس بولس ينصح أهل قولسي قائلاً في 2: 18-20: ((ولا يحرمنّكم أحد إيّاها (الحقيقة) ... غير متمسّك بالرأس الذي به الجسد كلّه، بما فيه من أوصال ومفاصل يلتحم بها، ينمو النموّ الذي يأتيه من الله)) (راجع قول 2: 16-19). أمّا خلفيّة هذا المعنى، فنجدها في تكوين 2: حواء أُخذت من آدم فأصبح الرأسَ، وهذا المعنى يجد في مفهوم سرّ الزواج عند بولس مرجعًا أكيدًا. يكفي أن نراجع أفسس 5: 22-23.
وأخيرًا الرأس هو أيضًا البدء. فالمسيح هو بداية الكنيسة ومصدرها.
المسيح هو السيّد الوحيد، وسيط الخلق وهدفه الأسمى وبنوع خاص هو ربّ الكائنات السّماويّة وهو أيضًا رأس الكنيسة. هذا هو معنى المقطع الأول. فعلى الكنيسة التي تنشد المسيح إيقونة الله أن تشهد لسيادة المسيح الوحيدة والمطلقة. فهو أعلى بكثير من الكائنات السّماويّة التي لا تستطيع بأيّ حال أن تعطي الملء الذي في المسيح (راجع قول 2: 9-10).
المقطع الثاني 1: 18ب-20: المسيح هو البدء والبكر من بين الأموات
-1: 28ب: هو البدء، البكر من بين الأموات
البدء يعني ما يبدأ في الزمن كما يعني المصدر والعلّة والقدرة والسلطان. المعنى الزمني نجده في العهد القديم (راجع أشعيا 37: 26). ولدينا أيضًا البدء ذو المكانة السامية والأوليّة (مز 110: 10). والبكر من بين الأموات هو المسيح القائم العائد من مملكة الأموات والذي يفتح بقيامته الخلق الجديد ذا البعد الأخيريّ. فالكنيسة التي تُنشد المسيح القائم من بين الأموات تعلن في نفس الوقت الخلاص التّام والنهائيّ بالمسيح(7).
-1: 18ي: ليكون في كلّ شيء أول
في كلّ شيء أي في تدبير الخلق وفي تدبير الخلاص والمصالحة. في هذه الآية نتأمّل مخطّط الله منذ البدء وهدفه الأسمى في أن يجعل من الابن، وهو يسوع المسيح، الأوّل والهدف. ففي هذه الأوليّة تلخيص لكلّ الألقاب السابقة في النشيد: الصورة والبكر والبدء. والنشيد يعطي الفعل في زمن الحاضر معلنًا بدء مرحلة جديدة في تاريخ الخلاص، أي إنّ المسيح وهو مركز العالم وهدف مخطّط الله قد بدأ يحتلّ الأوليّة المطلقة على كلّ الأصعدة. لقد كان في البدء البكر، وهو الآن بكر كلّ الخلائق، واليوم بعد قيامته هو الربّ المخلّص الوحيد، ليس في الكنيسة فقط، إنّما أيضًا في الكون بأسره كما يوضح لنا المقطع الثاني من النشيد. لذلك تكون القيامة بدء هذه الأوليّة المطلقة للمسيح حسب إرادة الآب السّماويّ.
-1: 19: فقد حسن لديه (الله) أن يُسكن فيه كلّ الملء
الآيتان 19 و 20 تبرّران الألقاب الواردة في آ 18 وتفسّرهما. أمّا الفاعل فهو الله الآب، الذي حسن لديه أن يُسكن الملء في المسيح. والسكنى تعيد إلى الأذهان الحكمة التي يسكن فيها ملء الخيرات الالهيّة (راجع أمثال 8: 12-14)، والهيكل حيث يتجلّى مجد الله (راجع أشعيا 25: 10؛ زكريا 1: 16 ي؛ مزمور 68: 17). والرضى عند الآب لا بدّ أن يذكّرنا برحمة الله تجاه شعبه (مز 44: 4) ولاهوت الاختيار (أشعيا 42: 1؛ مرقس 1: 10-11). وعندما نرجع إلى شخص النشيد، ألا وهو ((إبن محبّته)) (1: 13)، نفهم البعد الخاص لهذه الآية، بمعنى أنّ الرضى هو مرادف لمحبّة الآب التي تجلّت في الزمن، في حياة يسوع، ابن الانسان.
الآية 19 تعني إذًا أنّ ملء المحبّة والقدرة الإلهيّة التي تقدّس، في كلّ أبعادها وسعتها وشموليّتها، تعمل وتتحقّق في شخص المسيح. فالنشيد يترنّم بالمسيح الذي يملك كلّ الخيرات والنعم التي يبحث عنها البشر. لذلك هنالك إمكانيّة مصالحة ((الكلّ)) (آ 20). ومن خلال قراءتنا للآية 2: 3 نفهم أنّ الملء الذي في المسيح هو ((جميع كنوز الحكمة والمعرفة)). والآية التي تعيد ما سبق بوضوح هي 2: 9: ((ففيه يحلّ كمال الألوهيّة حلولاً جسديًا، وفيه تكونون كاملين. إنّه رأس كلّ صاحب رئاسة وسلطان)). في المسيح يسوع، أي ابن الله الذي وُلد من مريم البتول ومات على الصليب (1: 20) وقام من بين الأموات (1: 18)، تسكن دائمًا ملء قدرة الله ليحبّنا ويقدّسنا به.
-1: 20: وأن يصالح به ومن أجله كلّ شيء، ممّا في الأرض وممّا في السّموات، صانعًا السّلام بدم صليبه
لقد رضي الله أن يصالح العالم به ومن أجله. هذه الآية تكمّل ما سبق من إعلام عن رضى الله الذي يحبّنا ويقدّسنا بالمصالحة الكونيّة بابنه الحبيب ومن أجله. الله الآب هو الفاعل والمسيح هو الوسيط والهدف. بذلك يكون المسيح غاية الخلق الأول والخلق الجديد.
الفعل ((صالح)) - : يعني عامّة كما في الفكر اليوناني، المصالحة بين شخصين، تلتقي إرادتهما من أجل اللقاء والصداقة بعد الانفصال والعداوة. ولكن مار بولس(8) يستعمل هذا الفعل حسب خصوصيّة تدبير العهد الجديد. فالمصالحة هي قبل كلّ شيء مبادرة إلهيّة تنبع من محبّته (راجع روما 5: 8). وفي النشيد تنبع من رضى الله. فالبشر كانوا أعداء الله كما تقول الرسالة في 1: 21. كانوا خطأة وبعيدين عن الله عندما وهب السّلام والمصالحة بموت ابنه الفادي. فالمصالحة توازي التبرير. ولكنّها ليست فقط حلاً من الخطيئة بل دعوة للمحبّة (راجع روما 5: 5). فالانسان مدعو للاستجابة بحريّة لعمل الله المجّاني بالإيمان والمحبّة (راجع 2 قورنتس 5: 20). وفي قولسي 1: 20، ترتدي المصالحة بعدًا جديدًا، من حيث، أنّها تشمل كلّ الخلق.
المصالحة تتمّ بعمل السّلام، الذي يعني حسب مفهوم الكتاب المقدّس في العهد القديم، الخلاص نفسه والمرتبط بشخص المسيح الآتي (أشعيا 9: 5-6؛ 53: 5). السّلام هو الخير والأمان والخلاص الشامل كهبة من الله. في رسائل بولس، السّلام مرتبط بالمصالحة، وهو السّلام مع الله وبين البشر (أفسس 2: 14-17). ومع السّلام يعطي الله الفرح (روما 15: 13).
إذن المصالحة تخصّ قبل كلّ شيء البشر ومن ثمّ الخليقة، ليكون المسيح سيّد الكون. حالة العداوة في المخلوقات هي نتيجة للخطيئة. عندما خلق الكون، رأى الله أنّ ما صنعه هو حسن (راجع تكوين 1). والخطيئة أدخلت العداوة والموت في المخلوقات. أتى المسيح وصالح العالم بدمه ليضع السّلام في قلب البشر وفي بيتهم، أي في الكون بأسره، ليكون هذا البيت، من جديد وأكثر بكثير من الخلق الأول، بيت الله، فالذي يه تنشد الكنيسة نشيدًا أزليًا للمسيح. حدث الصليب، دم العهد الجديد، كل هذا يشمل الكون بأسره بعمل المصالحة. سلام المسيح يحلّ قبل كلّ شيء في قلب البشر، كما يقول بولس في التطبيق الذي يلي في 1: 22-23 ومنه ينتشر في المخلوقات كلّها.
لذلك تكون نهاية النشيد قمّته التي تحتوي على كلّ ما سبق: المسيح هو ((المكان)) الذي ظهر فيه الله الغير منظور ليحقّق به ومن أجله الخلق الجديد من خلال المصالحة والسّلام. وبذلك يصبح الابنُ الوسيطَ الوحيد للخلق الأول والجديد.
لدينا في النشيد الكثير من المواضيع المهمّة وكلّها تصبّ في نظرتنا إلى يسوع المسيح. يكفي التوقّف عند ألقاب المسيح لنكتشف عمق إيمان القدّيس بولس ومن خلاله إيمان كنيسة العهد الجديد. يمكننا أن نتوقّف عند هذه الألقاب: ((الصورة))، البكر، رأس الكنيسة والبدء. ولكن أودّ التوقّف عند الآية الأخيرة من النشيد وهي قمّة النشيد ومنها يأخذ الكاتب التطبيق في حياة المسيحيّين، كما يلي في النشيد.

4 - المصالحة الكونيّة
الزمن الذي يلي حدث الفصح هو الزمن الأخير. والكنيسة هي جماعة أخيريّة، وكل الخليقة تتجدّد لتحضن الانسان الذي صالحه الله. لقد تحقّقت سكنى الله النهائيّة في وسط شعبه وفي الكون بأسره (راجع موضوع ((الملء)) في آ 19) من أجل التجديد الشامل في نهاية التاريخ. المصالحة الكونيّة هي مخطّط الله الذي يحقّقه بالمسيح انطلاقًا من موته على الصليب والذي يصبو إلى إظهار أوليّة الابن المطلقة (1: 18).
يكلّمنا كاتب النشيد عن المصالحة دون أيّ تفسير سابق. فالمصالحة تفترض اضطرابًا ما في الكون، بل تفسخًا. فالخطيئة لم تُبعد الانسان عن الله فقط، بل جعلت الكون في حالة عداوة معه كما يعلّم سفر التكوين (1-3). لذلك عندما يبرّر الله الانسان، يُحلّ السّلام في الكون. فالعالم الماديّ يتأثّر بوضع الانسان أمام الخالق. المصالحة ليس لها بُعد أخيريّ فقط، بل كونيّ أيضًا. لذلك يقول القدّيس بولس في الرسالة إلى أهل روما: ((فالخليقة تنتظر بفارغ الصبّر تجلّي أبناء الله. فقد أُخضعت للباطل، لا طوعًا منها، بل بسلطان الذي أخضعها، ومع ذلك لم تقطع الرجاء، لأنها هي أيضًا ستُحرّر من عبوديّة الفساد لتشارك أبناء الله في حريّتهم ومجدهم)) (8: 20-21؛ راجع تكوين 3: 17 و 6: 20 وهوشع 4: 3). هدف الخلق هو المسيح. فالمخلوقات لها رسالة تسلّمتها يوم دُعيت بكلمة الله إلى الوجود، وهي إظهار مجد الله. في الانجيل كما في الأسرار، المادّة تصبح علامة حضور المسيح ومكان لقاء مع الله. أمّا الانسان الخاطئ فيبتعد عن الله ويصبح جاهلاً لا يعرف دور الكائنات فيؤلّهها أو يُخضعها لأنانيّته ومصالحه الماديّة.
ولكن ما يهمّ بولس هو المصالحة بين البشر. فما يقوله في التطبيق اللاحق يخصّ أبناء قولسي الذين صالحهم الله الآن في جسد ابنه البشريّ (1: 22). فالانسان الخاطئ مدعوّ للتوبة والصداقة مع الله، وهذه تنعكس إيجابًا على المخلوقات لتحقّق رسالتها.
حاول البعض(9) أن يفسّر الآية 20 من خلال 2: 14-15: ((ومحا ما كان علينا من صكّ وما فيه من أحكام وأزال هذا الحاجز مسمّرًا إيّاه على الصليب، وخلع أصحاب الرئاسة والسلطان وشهّرهم فسار بهم في ركبه ظافرًا)). مما يعني أنّ مصالحة ما في السّماء وما على الأرض هو تجريد هؤلاء الكائنات السماويّة من سلطتهم، إذ كانوا حراس الشريعة. طبعًا يدعو هؤلاء المفسّرون إلى الانتباه إلى ما ورد في 2: 18 عن خطأ أهل قولسي في التعبّد للملائكة. ولكن إذا ما أخذنا في الاعتبار هدف النشيد الأساسيّ نرى أنّ المصالحة تتمّ بالمسيح وحده، ولا يحقّ لأهل قولسي أن يعطوا دورًا كهذا لأي من أصحاب الرئاسة والسلطان. لا يمكن أن يعطي المسيحيّون دورًا خلاصيًا لأيّ من المخلوقات فهي خُلقت للمسيح ولا تنال الحياة والخلاص إلاّ به.
هنا نذكر ما تنبّأ به الأنبياء عن السّلام الذي يحقّقه المسيح الآتي، ابن داود. نذكر بنوع خاص أشعيا 11: 1-9. وفي أشعيا الثالث تصبح عطيّة السّلام الإلهيّ خلقًا جديدًا: ((هكذا أخلق سموات جديدة وأرضًا جديدة)) (أشعيا 65: 17).
هذا السّلام الذي يحقّقه المسيح الآتي حسب الأنبياء، قد تحقّق كليًا في المسيح، بدم الصليب. ولكنه يحافظ على طابعه الأخيريّ، لأنّ الناس مدعوّون لقبوله. من هنا دعوة بولس إلى المؤمنين في رسالته الثانية إلى أهل قورنتس (5: 20). وما يتوق إليه الكاتب من النشيد هو تبيان أوليّة المسيح في كلّ شيء كما في المصالحة والسلام الذي يَنشده كل بشر.

الخاتمة
في نهاية الخوض في قراءة النشيد، وما عُرض ليس سوى تعرّف سريع على النصّ وما يقدّمه من مواضيع، أودّ الرجوع إلى البدء، إلى نقطة الانطلاق، إلى المسيح إيقونة الله الذي لا يُرى. هذا اللقب هو عنوان النشيد، ويفتح الآفاق على فهم شخص المسيح ودوره الخلاصيّ. انطلاقًا منه، يبيّن النشيد مقام المسيح الإلهيّ من خلال لقب البكر، بكر الخلائق والبكر من بين الأموات ليعانق البداية والنهاية، الألف والياء. فالمسيح هو ابن الله، لأنه يُظهر بشكل تام وجهَ الآب في علاقته الفريدة معه: هو ابن محبّته، وسكنى رضاه، وهو بذلك سكنى الخيرات الالهيّة كلّها، راسمًا للملء وجه الآب الذي يحبّ فيخلق ويخلّص به وله. وحدث الصليب المذكور في نهاية النشيد هو علامة طاعة الابن للآب بدافع المحبّة. ودم الصليب يفتح الطريق أمام المصالحة الشاملة والسّلام الكونيّ، هدف ترقّب نبوءات العهد القديم، لا بل هدف كلّ المخلوقات.
الابن،إيقونة الآب هو ذروة (climax) كلّ موجود، لأنّه الألف والياء، الأول والآخر، والبداية والنهاية (رؤيا 22: 13).
كيف يتمّ ذلك وما هي رسالة النشيد الواقعيّة بالنسبة لحياة المؤمن والكنيسة؟
لقد رأينا كيف أنّ المصالحة الكونيّة تجد في مصالحة البشر، التطبيقَ المباشر. والمسيح، إيقونة الآب، يدعونا لأن نصبح أبناء بالابن فنصلح صورة الانسان المشوّهة بسبب الخطيئة حسب صورة الابن الحبيب (راجع 1 قورنتس 15: 49 و 2 قورنتس 3: 18 و 4: 4). في 2 قورنتس 4: 4، نجد الانجيل والمسيح في علاقة مع الإيقونة، بمعنى أنّ المسيح يكشف الله للبشر. وبمعرفته ينال كل انسان السّلام والحياة. هنا نرى كيف أنّ المعرفة تدفع إلى الحياة، والاثنان مرتبطان حسب عقليّة الكتاب المقدّس. في بداية الرسالة إلى أهل قولسي قال بولس: ((ونسأله تعالى أن تمتلئوا من معرفة مشيئته في كلّ شيء من الحكمة والإدراك الروحيّ لتسيروا سيرة جديرة بالربّ ترضيه كلّ الرضا وتثمروا في كلّ عمل صالح وتنموا في معرفة الله)) (1: 9-10). إنّها مقدّمة الرسالة والنشيد.
عندما تنشد الكنيسة هذا النشيد، وتعلن للملأ إيمانها بالمسيح إيقونة الله الذي لا يُرى، مشروع محبّة الآب منذ الأزل، تقدّم لانسان كلّ الأجيال هذه الصورة لبناء عالم يسوده السّلام والمصالحة وتدعو أبناءها ليذكروا دعوتهم الأساسيّة حسب العماد بكلام بولس الرسول: ((فقد خلعتم الانسان القديم وخلعتم معه أعماله، ولبستم الانسان الجديد، ذاك الذي يُجدّد على صورة خالقه ليصل إلى المعرفة)) (3: 9-10). المسيح هو مشروع الآب منذ الأزل، ليكون صورة الله الذي لا يُرى، ليكون أيضًا مشروع الكنيسة والبشر لترميم صورة الانسان والكون بالمصالحة والسلام.
الفصل الحادي عشر

وحدة الكنيسة
في الرسالة إلى أفسس

مقدّمة عامة
تشكّل الرسالة إلى أهل أفسس عصارة اللاهوت البولسيّ. تتميّز بغناها اللاهوتي وعمقها الروحيّ وآفاقها الكونيّة. سُكبت نصوصها كلّها سكبًا واحدًا موحّدًا، أكثر من أي رسالة أخرى، فجاءت لوحة أدبيّة ولاهوتيّة رائعة الحسن والجمال! أفكارها اللاهوتيّة جسد يربط بين الفكر الكتابي اليهوديّ والفكر الفلسفي الهلينيّ؛ نظرتها كونيّة شاملة إلى الكنيسة بكونها جسد المسيح السريّ  (أف 1: 23) وملؤه  (أف 4: 13)، وإلى المسيح بكونه رأس الكنيسة الموحّد  (أف 1: 22)، وإلى الأقانيم الإلهيّة الثلاثة بكونها حاضرة وفاعلةً في كل حدث من تاريخ الخلاص (أف 1: 3-14). هذه النظرة الكونيّة الجديدة للخلاص، دفعت بعض العلماء إلى الاعتقاد بأن هذه الرسالة لم تكن في الأصل خاصة بكنيسة أفسس أو اللاذقيّة (في تركيا)، بل كانت رسالة عامة أرسلت إلى كنائس عدّة في آسيّة، ((رسالة دوّارة)) أو كما يسمّيها M. CARREZ: ((Encyclique circulaire). وإلاّ كيف يُعقل أن يكتب بولس إلى مؤمني أفسس فيقول لهم: ((فلذلك أنا أيضًا، وقد سمعت بإيمانكم بالربّ يسوع)) (1: 15)، على علمنا أن بولس قضى ثلاث سنوات في أفسس (أع 20: 31)؟ أو كيف يُعقل أن يتحدّث بولس إلى الأفسسيّين كأنه غريب عنهم وهو الذي أسّس كنيستهم (أع 19: 1-20: 38)؟ أو كيف يُعقل أن لا يذكر أي حدث وقع معه في أفسس وأن لا يسلّم في خاتمة رسالته على أحد باسمه من الاخوة المؤمنين في أفسس، بينما يسلّم على عشرات الاخوة في باقي رسائله (روم 16: 1-16؛ 1 كور 16: 13-24)؟ أضف إلى ذلك أن بولس لم يعالج في رسالته مشاكل كنسيّة أو مواضيع لاهوتيّة محليّة كما نرى في باقي رسائله، بل جاءت أفكاره مسكوبة سكبًا في قالب كونيّ وآفاق مسكونيّة شاملة.
ولكن هل بولس هو كاتب الرسالة؟ لغزٌ لم يُحلّ بعد!! لقد أثار هذا الموضوع جدلاً طويلاً وخلافًا كبيرًا بين العلماء لأسباب عقائديّة وأدبيّة. في الواقع إن مفردات الرسالة وأسلوبها وأفكارها اللاهوتيّة تشير إلى كاتب غير بولس الرسول، كما أنها تستعين بمفردات ونصوص من الرسالة إلى كولسيّ(1). كل هذا دفع بالعالم E.J. Goodspeed أن يستنتج أن كاتب الرسالة هو تلميذ لبولس، جمع الرسائل البولسيّة في نهاية القرن الأول وكتب الرسالة إلى أفسس مستندًا إلى معرفته الشخصيّة للرسول ولرسائله، خصوصًا لرسالته إلى كولسيّ. وإمّا وُجد تلميذ إلى جانب بولس كتب الرسالة بأمر من معلّمه! هذه النظريّة لم تحلّ المشكلة!
لكنّ علماء كثيرين دافعوا عن أصالتها البولسيّة، وعلى رأسهم الأب العالم P. Benoît الذي يرى أن بولس كتب معظم نصوص هذه الرسالة، ثمّ ترك لأحد تلاميذه أن يصوغها صياغة نهائيّة شاملة. فإن كان اللمس لمس عيسو، فالصوت صوت يعقوب!
إنّ دراسة رسائل بولس تقودنا إلى التمييز بين إتّجاهين عنده في شأن الإكليزيولوجيا (أو: كلام عن الكنيسة). أمّا الاتّجاه الأول فيختصّ بما نسمّيه اليوم ((الكنيسة المحليّة L’Eglise locale))، أي كنيسة كورنتس ورومة... وغيرها من الكنائس. وأمّا الاتّجاه الثاني فيختصّ بما يسمّيه قانون الإيمان ((الكنيسة الجامعة L’Eglise Universelle)). فقد تعمّق بولس نفسه في تفهّمه سرّ الكنيسة. ففي المرحلة الأولى نظر إلى الكنيسة من النظرة الواقعيّة الملموسة، الكنيسة في هذه المدينة أو تلك. ففي رسالته إلى أهل رومة (كتبت سنة 58م.) عرض بولس تعليمه وفق الانجيل الذي بشرّ به بغير كلل كما كتب خلاصة لاهوتيّة عن دور الانجيل الخلاصيّ. ففي القسم الأول من الرسالة (روم 1-11)، يعلن بولس أنّ الانجيل هو قوّة خلاص لكل مؤمن (1: 16-17) ثمّ يوسّع هذا الموضوع في أربع مراحل متتالية، من أربع زوايا متكاملة، شارحًا في كلّ مرحلة، في لوحين سلبيّ وإيجابيّ، الشقاء بدون الانجيل، في لوح، والخلاص بالانجيل، في لوح ثان: شقاء الوثنيّين واليهود بدون الانجيل (1: 18-3: 20)، ثمّ خلاص الجميع بالانجيل (3: 21-5: 11). شقاء الانسان المتضامن وآدم الخاطئ (5: 12-21)، ثمّ خلاص الانسان المتضامن ويسوع، آدم الثاني البار (6: 1-23). شقاء الانسان في قيد الشريعة (ف7) ثمّ خلاص المؤمن السالك في نعمة الروح القدس (ف8). شقاء اسرائيل الرافض للمسيح (9-10)، ثمّ خلاص إسرائيل المؤمن بالمسيح (ف11). وأخيرًا يعطي إرشادات في شأن الحياة المسيحيّة (ف12-16). وفي الرسالة الأولى إلى كورنتوس سنة 57 م. طُرحت على بولس مشاكل متنوّعة معقّدة: التحزّبات والانقسامات (1: 10-4: 21)، فجور ودعاوى في جماعة المؤمنين (ف5-6)، أسئلة حول البتوليّة والزواج (ف7) واستعمال ذبائح الأوثان (8: 1-11: 1)، أسئلة حول التقاليد في الاجتماع الليتورجيّ (11: 2-14: 40) - أدب النساء، عشاء الربّ، مواهب الروح - أسئلة حول قيامة الربّ وقيامة المؤمنين (15). إنطلاقًا من هذه الأوضاع الملموسة والمسائل العمليّة، ألقى بولس الضوء على وجهات جوهريّة في الفكر المسيحيّ والحياة المسيحيّة. وفي الرسالة إلى غلاطية (57-58 م.) يعالج بولس موضوع المتهوّدين. فبعد أن قَبلَ أهل غلاطية بُشرى الانجيل على يد الرسول (4: 10)، طرأ تغيير جذريّ مفاجئ عليهم: عودة سريعة إلى شريعة موسى والختانة، وعودة إلى الماضي الوثني، عودة إلى حياة الجسد بعد أن بدأوا بالروح (3: 3)، ورجوع من الحريّة إلى العبوديّة. ثمّ اتّهموا الرسول بأن ليس له سلطة رسوليّة كالرسل الإثنيّ عشر، بل هو رسول من كنيسة إنطاكية، إنتهازيّ، يفسّح للوثنيّين من شريعة موسى حتى يكسب عطفهم ويسهّل انضمامهم إلى الكنيسة (1: 10). لكن مجمع الرسل في أورشليم (أع 15) أنصف بولس!
وفي الرسالة الأولى إلى تسالونيكي عالج بولس موضوعًا لاهوتيًا: الاسكاتولوجيا. لقد كان يخامر المؤمنين ريبٌ في شأن قيامة الموتى ومشاركتهم في مجد المسيح المنتظر، فيظنّون أنّ الخلاص محصور بمن سيبقى في قيد الحياة إلى مجيء الربّ الأخير. أمّا الأموات الراقدون فقد حُرموا نهائيًا من نعمة الخلاص، من الشركة في مجد المسيح (4: 13-18). وكان أيضًا في الجماعة، في تسالونيكي، خطأ ثان، ظهر في تصرّف بعض المؤمنين الذين راحوا يُهملون أشغالهم، فيمكثون بطّالين عن العمل منتظرين يوم مجيء الربّ العاجل (4: 11-12). وفي الرسالة الثانية إلى تسالونيكي عالج بولس موضوع مجيء الربّ وعلامات مجيئه.
باختصار، ركّز بولس في المرحلة الأولى من حياته التبشيريّة على معالجة مواضيع لاهوتيّة ورعائيّة طرأت على الكنائس المحليّة المنتشرة هنا وهناك. هذا ما يسمّى بـ ((الاكليزيولوجيا البولسيّة الخاصّة L’Ecclésiologie singulière de St Paul)). لكن في مرحلة ثانية، وعلى ضوء أزمة كولسيّ(2)، توسّعت الآفاق الاكليزيولوجيّة تدريجيًا عند بولس، وأصبحت نظرته إلى الكنيسة نظرة سرّية أكثر شموليّة، كجسد يكون المسيح رأسه، كما نرى في الرسالتين إلى كولسيّ وأفسس، وهذا ما يسمّى: بـ ((الاكليزيولوجيا البولسيّة الشاملة L’Ecclésiologie Universelle de St Paul)). 
لقد استفاد بولس من هذه القفزة النوعيّة والتوسّع العميق لأفكاره اللاهوتيّة، خاصة الاكليزيولوجية، فأعاد قراءة مواضيعه اللاهوتيّة السابقة، ففنّدها وعمّقها واستأصل منها كل تعليم بدائي (Théologie archaïque) وسكبها في قالب لاهوتي أكثر شموليّة، فجاءت تعليمًا مسكونيًا (Universelle)، كونيًا.
طبعًا، إن السبب الأساسي لهذا التحوّل في فكر بولس هو: قيامة الربّ من بين الأموات. فبالقيامة جمع المسيح كل شيء في شخصه وأصبح كلّ الكوسموس (، الكون) تحت سلطة القائم من الموت كما قال في الرسالة إلى أفسس: ((فيجمع في المسيح تحت رأس واحد ( = فعل يوناني يعني في آن معًا: جمع - دمج - رفع تحت رأس واحد؛ راجع روم 13: 9) كلّ شيء () ما في السماوات وما على الأرض)) (أف 1: 10). فبالقيامة عاد المسيح فجمع في شخصه وتحت سلطانه كونًا أفسدته الخطيئة وبعثرته أشلاء، فصار جسمًا بلا رأس. لكن المسيح عاد وأحكم تركيبه، فأمّن ترتيبه وتماسكه، وصار هو نفسه الرأس الجامع الموحّد لجسم الكون كلّه (أف 1: 20-21).
لهذا، ترك بولس فكرة ((مجيء الربّ)) (في المستقبل) التي طرحها في الرسالتين إلى تسالونيكي، وأخذ يتحدّث عن ((الاسكاتولوجيا الحاضرة L’Eschatologie présente )): ((ومعه أقامنا (= أقام مع؛ في Imparfait) وأجلسنا = أجلس مع؛ في Imparfait) في السماوات في المسيح يسوع)) (أف 2: 6)، أو كما جاء في كولسيّ: ((فدُفنتم معه في المعموديّة (= دُفن مع؛ في صيغة الماضي) وفيها معه أُقمتم (= أقام مع؛ في صيغة الماضي))) (كو 2: 12)(3). هذه الاسكاتولوجيّا الحاضرة تواصل وجودها بواسطة الكنيسة. وموضوع ((القوات الروحيّة)) المقاومة لله، الملائكيّة والانسانيّة، والتي تحدّث عنها بولس في رسالته الأولى إلى كورنتوس (1 كور 15: 24) بأنها ستخضع في آخر الزمن لله، قد أصبحت الآن خاضعة في الحقيقة، كما قال الرسول في أفسس وكولسي (أف 1: 1؛ كول 1: 16 و 2: 15). فكل تلك المراتب والرئاسات والقوات الفلكيّة الملائكيّة التي كان الأقدمون يعتقدون أنها تُدير الأكوان، طبيعيًا وروحيًا، وتحرس شريعة موسى (غل 3: 19)، ونظامها (كو 2: 15)، قد خضعت الآن كليًا لله بموت وقيامة المسيح (كو 2: 10). ثمّ إنّ ((قيامة المعمّدين)) لم تعد في المستقبل (روم 6: 5)، ولكنّها أصبحت الآن في الحاضر (كو 2: 12؛ أف 2: 6)(4). على ضوء هذا اللاهوت العميق والمتفائل بعالم جديد رُكّز بموت وقيامة الربّ، أعاد بولس طرح موضوع معلّق في رسالته إلى الرومانيّين وهو: وحدة الكنيسة ومصالحة العالمين الوثني واليهودي (روم 9-11). ولكن يبدو من الرسالة إلى أفسس أنّ موضوع المصالحة ووحدة الكنيسة قد تمّ (أف 2: 11-22) وحلّ السلام بين الشعبين المتخاصمين، مكان جدار العداوة.
في هذا التفاؤل بإسكاتولوجيّة تحقّقت، وبمصالحة تمّت بين اليهود والأمم، وبكوسموس أُخضع كليًا لله وحده، يتأمّل بولس ويجعلنا نتأمّل باندهاش معه في ((وحدة البشريّة في كنيسة واحدة))، في ((كنيسة كونيّة Cosmologique تجمع كل شيء في المسيح رأسها))، في كنيسة يدعوها بولس:  = ملء المسيح)) (أف 4: 13؛ 3: 19). فالكنيسة هي ((ملء المسيح))، لأنها جسده السريّ وتضمّ كل الخلق الجديد الخاضع للمسيح ((مالئ الكلّ)) (أف 1: 23). فالمسيح نفسه يمتلئ من الآب، مصدر الحياة الإلهيّة (كو 2: 9-10)، ويملأ الكنيسة (أف 1: 22-23)، والكنيسة تملأ الكون (). وهكذا تُصبح الكنيسة مدى الكون، والكون يذوب فيها خلاصًا ونعمة.

1 - وحدة الكنيسة
الوحدة هي ثمرة المحبّة! والبغض يزرع الخصومات والانشقاقات! من الخطيئة التي هي رفض لله ورفض للقريب، تلد المنازعات والتفرقة، ولكنّ الاتحاد بالربّ والبشريّة يقود إلى الخلاص. هذه الجدليّة تؤلّف العامود الفقري للكتاب المقدّس.
من خطيئة آدم نشأ الانشقاق(5)، فآدم طُرد من الفردوس الأرضيّ وأصبح بعيدًا عن الخالق. ثمّ تكاثرت الشرور، وتكوّنت هوّة عظيمة بين الله والجنس البشريّ انتهت بالطوفان (تك 6: 5-9: 17). وعلى أثر الانشقاق بين الخالق والمخلوق، انقسمت البشريّة على نفسها، فقتل قايين أخاه هابيل (تك 4: 1-16)، ورأى نسلُ نوح عجرفة برج بابل الذي أُجهض مُخطّطه بالتشتّت والبلبلة. كل هذه الانشقاقات أصابت أهل الأرض، ولكن هل طالت أهل السماء؟ هل حرّضت العالم الملائكيّ على التمرّد على الخالق؟ الأسفار القانونيّة للعهد القديم تتحدّث بطريقة خجولة عن الموضوع، لكن الكتابات اليهوديّة على عتبة العهد الجديد، خاصّة النصوص القمرانيّة، تأتي على ذكر ذلك! ولقد ألمح مار بولس إلى تمرّد تلك الأرواح الشرّيرة حين قال في رسالته إلى أفسس: ((فليس صراعنا مع اللحم والدّم، بل مع أصحاب الرئاسة والسلطان وولاة هذا العالم، عالم الظلمات، والأرواح الخبيثة في السموات)) (أف 6: 12). ودعا المؤمنين إلى حرب روحيّة ضدّ تلك الأرواح الشرّيرة. وفي أف 2: 1-3 يذكّر بولس المؤمنين بماضيهم المظلم ووضعهم الخاطئ اللذين كانا تحت سلطة الخطيئة: ((وأنتم (أي الوثنيّون) وقد كنتم أمواتًا بزلاّتكم وخطاياكم التي سلكتم فيها من قبل وفق إله هذا العالم، وفق رئيس سلطان الهواء، الروح العامل الآن في أبناء المعصية، ونحن (أي اليهود) أيضًا جميعنا قد تصرّفنا بينهم من قبل في شهوات جسدنا... وكنّا بالطبيعة أولاد غضب كالباقين)). آيات تصف الواقع الخاطئ لدى اليهود والأمم. فالعالمين، اليهوديّ والوثنيّ، كانا تحت الحكم والغضب: ((إذًا، ماذا؟ هل نحن أفضل منهم؟ كلاّ! فإنّا قد بيّنا من قبل أن الجميع، يهودًا ويونانيّين، هم تحت الخطيئة)) (روم 3: 9). 
ولقد بيّن بولس في رسالته إلى أهل رومة (روم 1: 18-3: 20) أنّ البشريّة كلّها، يهودًا ووثنيّين، قد حادت عن طريق الخلاص، وفقدت نعمة البرّ. وبرهن عن هذا الحيد والفقدان منطلقًا من الوضع الدينيّ الذي آل إليه العالم الوثنيّ: يشدّد بولس على طاقة العقل البشريّة الجدير بأن يعرف، من خلال المخلوقات(6)، قدرة الله الخالقة وألوهته (روم 1: 18-20)، ولا يعذر إنسانًا لا يعرف الله، أو يعرفه ولا يعبده ولا يشكره (روم 1: 21-22)، أو يستبدله بأصنام فاسدة (روم 1: 23)(7). لقد عرف الوثنيّ الّله، لكنّه لم يعبده، بل عبد أصنامًا (روم 1: 18-23)، واستسلم لكل رذيلة (روم 1: 24-32) كنتيجة حتميّة لضلاله الدينيّ. إذ ليست معرفة الله في عقل الانسان معرفة نظريّة مجرّدة، بل هي التزام أدبيّ عمليّ واجتماعيّ. متى أنكر الانسان خالقه، فقدَ اتّزانه الطبيعيّ، وفسد رأيه، فأمسى جديرًا بارتكاب أقبح الرذائل: ((لذلك أسلمهم الله في شهوات قلوبهم إلى النجاسة، تحقيرًا لأجسادهم في ذاتها)) (روم 1: 24). يرى بولس في هذا الاستسلام للشهوات قصاصًا من الله للوثنيّ الغير المؤمن بالله.
وبعد وصف قاتم لواقع الوثنيّين (روم 1: 18-32)، ينتقل بولس إلى وصف مماثل لواقع اليهود (1: 18-32). فهؤلاء أيضًا ضلّوا طريق الخلاص (2: 1-3: 20) ولا عذر لهم (2: 1): اليهودي الذي يدين الوثنيّ يقضي على نفسه، لأن حكم الله يشمله هو أيضًا (2: 1-11)؛ والذي يتعدّى شريعة الله يأثم أكثر من الوثنيّ (2: 17-24). واليهود الذين لم يؤمنوا بعد بالانجيل، هم، بدون الانجيل، كالوثيّين أيضًا خطأة (3: 1-20)(8).
نستخلص من ذلك، أن الفساد عمّ البشريّة أجمع، يهودًا ووثنيّين، بلا استثناء (روم 3: 11-18)، وعمّ الانسان كلّه، في كل أعضائه وحواسه: في حنجرته، ولسانه وشفتيه، وفمه، ورجليه، وعقله وعينيه (روم 3: 13-18). لقد ملكت الخطيئة على كل البشريّة، وصار الخلاص مستحيلاً دون الانجيل وتدخّل الله العجيب في شخص يسوع المسيح (روم 3: 21-5: 11).
هذا الواقع المأساويّ للبشريّة أدمى قلب بولس (روم 9: 2)! فهل يبقى اليهوديّ رافضًا لبشارة الانجيل (روم 9-10)؟ وهل يبقى الوثني غارقًا في صنميّته؟ وهل في ذلك فشل لمخطّط الله الخلاصيّ؟ وهل وحدة البشريّة باتت من عالم المستحيلات؟ الجواب الأول لبولس هو أن مخطّط الله لم يفشل أبدًا!! ففي الرسالة إلى الرومانيّين (9-11) يعالج الرسول موضوع خلاص إسرائيل وتوبة العالم الوثنيّ. فبعد لوح سلبيّ يصف شقاء إسرائيل رافضًا مسيحه (روم 9-10)، يأتي لوح إيجابي يصف توبته وخلاصه وتوبة الأمم (روم 11). ويسأل بولس: هل كانت عثرة الشعب اليهوديّ، أي رفضه للمسيح يسوع، سقطة لا نهوض منها، أم هي سقطة فيها رجاء بالنهوض (روم 11: 11)؟ يُجيب الرسول بأن كفر اليهود الحالي ورفضهم للمسيح فرصة أتاحت للأمم أن يتوبوا ويؤمنوا بالمسيح (روم 9: 22؛ 11: ،12 ،25 30). ويرى في إيمان الأمم الحالي فرصة سوف تتيح لليهود أن يتوبوا أيضًا ويؤمنوا: فالله يُغيرهم الآن بالأمم (روم 10: 19) لكي يخلصوا.
لقد اهتمّ بولس كثيرًا بارتداد إسرائيل في الرسالة إلى الرومانيّين، واعتبر أن الوثنيّين قد ارتدّوا. ولكن في الرسالة إلى أفسس، بدا الرسول أكثر تفاؤلاً، فاعتبر أن إسرائيل قد حصل على الخلاص! فهل تغيّر فكر بولس بالنسبة لارتداد إسرائيل، من الرومانيّين إلى أفسس، أم اعتبر أن إسرائيل سيرتدّ في المستقبل إلى المسيح؟!
بالنسبة إلى الرسالة الأفسوسيّة، الموضوع قد انتهى! والعالمان اليهوديّ والوثنيّ قد تصالحا وأصبحا ((إنسانًا واحدًا جديدًا)) (أف 2: 15). ولقد عبّر بولس عن تفاؤله في هذه المصالحة إذ قال: ((فإنه هو سلامنا، هو جعل الاثنين واحدًا، وفي جسده نقض العداوة، .... ويصالح مع الله كليهما في جسد واحد بالصليب ... لأنّا به نلنا كلانا في روح واحد الوصول إلى الآب. إذًا فما أنتم بعد غرباء ولا نزلاء، بل أنتم أهل مدينة القدّيسين، وأهل بيت الله)) (أف 2: 14-22). لقد انقلب الوضع، وأصبح البعداء والأقرباء جسدًا واحدًا، بشريّة جديدة، كنيسة جديدة تجمع الوثنيّين واليهود في هيكل واحد، مكرّس لعبادة الربّ الكاملة، على أساسه الرسل والأنبياء، وحجارته المؤمنون على الأرض، ورأس البناء هو يسوع المسيح الممجّد في السماء. فالكنيسة على الأرض، ما تزال مشدودة أبدًا إلى المسيح الممجّد في السماء (أف 2: 19-22).
ولكن كيف تمّت هذه المصالحة؟ أو كيف انتقلت البشريّة من عالم التفرقة إلى عالم الوحدة؟ يُجيب بولس: ((بدم المسيح)) (أف 2: 13)! فدمّ المصلوب جمع الوثنيّ واليهوديّ! العهد القديم، أي الختانة، فرّقت البشريّة، أما العهد الجديد بدمّ يسوع، فقد جمع الشعوب كافّة، وثنيّين ويهودًا بعضهم مع بعض (أف 2: 14-15)، وجميعهم مع الله أبيه (3: 16-18).
هذا العمل الخلاصيّ، موت وقيامة المسيح، قد أعاد الوحدة إلى البشريّة المشرذمة. ولقد تحدّث بولس عن عدّة طرق لهذه الوحدة: فتارة يتحدّث عن ((الفداء )) (أف 1: 7) كطريق للوحدة. هذا الفداء حرّرنا من عبوديّة الخطيئة وجعلنا أحرارًا في ملكوت الابن: ((هو الذي نجّانا من سلطان الظلام، ونقلنا إلى ملكوت ابن محبّته الذي لنا فيه الفداء، مغفرة الخطايا)) (كو 1: 13-14). وطورًا يتحدّث عن ((التبرير أو النعمة المبرّرة )) (أف 2: 8-10). فالخلاص ليس من صنع الانسان، بل هو عطيّة مجانيّة من الله () (أف 2: 8)، تُقبل بالإيمان. فالمسيح برّرنا بموته وقيامته وجعلنا جميعًا بشريّة جديدة مبرّرة بالنعمة. وتارة أخرى يتحدّث عن ((المصالحة )) (أف 2: 14-18). فالمصالحة هي عمل المسيح الفادي، وهذه المصالحة هي سلام كامل شامل (آ 14)؛ سلام بين اليهود والوثنيّين (آ 15-16) وسلام مع الله (آ آ 17-18).
لكنّ الفكرة الأساسيّة التي تعبّر أصدق تعبير عن هذه المصالحة هي عبارة ((الخلق الجديد La recréation)) (أف 2: 15؛ 4: 24). في بدء البشريّة خُلق الانسان ليكون في اتّحاد مطلق مع الله والمخلوقات ومع ذاته والكون أجمع، لكنّ الخطيئة أفسدت الخلق الأوّل وجعلت تناغمه فوضى بابليّة. فقرّر الله إصلاح الخلق الفاسد بـ خلق جديد)): ((ليخلق الاثنين فيه إنسانًا واحدًا جديدًا )) (أف 2: 15)، و ((لبستم الانسان الجديد )) (أف 4: 24؛ كو 3: 10). الانسان الجديد، هو المسيح القائم ممجّدًا، آدم الجديد (1 كور 15: 45) رأس البشريّة الجديدة، وقد أعاد الله فيه الخلق كلّه (2 كور 5: 17). جمع المسيح في شخصه العالمين اليهوديّ والوثنيّ، ودفقَ فيهم حياةً جديدة.
لقد استأصل المسيح بموته وقيامته حاجز العداوة بين اليهود والوثنيّين وخلق من الاثنين، في شخصه، شخصًا واحدًا جديدًا (أف 2: 14-15). وكما أن المسيح المائت والقائم هو جالس عن يمين الآب، هكذا كل البشريّة المتجدّدة به، لاقت طريقها إلى الآب (أف 2: 16-18).
ولكن البشريّة المتصالحة مع ذاتها والمتجدّدة بموت وقيامة المسيح، ليست هي كلّ الكون (). فماذا حلّ بباقي الخلق بعد عودة البشريّة إلى ذاتها وإلى الله؟؟ أو ما كان مصير عالم المادة وعالم الأرواح والملائكة والقوات؟؟ موضوع هام تطرّق إليه بولس في الرسالتين إلى الرومانيّين وكولسيّ، وختمه في الرسالة إلى أفسس.
ففي نظر بولس، كما يعلّم اللاهوت البيبليّ في سفر التكوين (تك 1-3)، الخليقة الماديّة كلّها تشكّل الاطار المباشر لحياة البشريّة، وهذا الاطار الماديّ مرتبط إرتباطًا كيانيًا ومصيريًا بالبشريّة كلّها! وهكذا أصبح مصير الخليقة كلّها خاضعًا لمصير البشريّة!
ففي الرسالة إلى الرومانيّين، يتحدّث بولس في مقطع رؤيوي إسكاتولوجيّ (روم 8: 19-25) نابع من تفكير كتابيّ عميق ولاهوت ناضج عن ((الانتظار الاسكاتولوجيّ)) (روم 8: 19؛ 23؛ 25). فالجماعة المسيحيّة الأولى انتظرت المسيح الديّان الآتي في نهاية الزمن؛ أمّا هنا في روم 8: 19-25)، فموضوع الانتظار النهيويّ هو ((التبنّي الالهيّ للإنسان )) (روم 8: 23) بالمسيح. ويصف بولس هذا الانتظار بتعابير تنمّ عن ألم شديد، وتمخّض، وأنين، وصبر طويل: ((نحن أيضًا نئنّ (= أنّ) في أنفسنا(9) منتظرين التبنّي ()، فداء جسدنا)) (روم 8: 23). إنتظار نشيط مُضن، يرجو ((التبنّي الالهيّ)) والولادة الجديدة من الصليب. ويشدّد بولس على التضامن الكامل، في الانتظار، بين الانسان والخليقة، بين البشريّة والكون كلّه (). فالعالم الماديّ مخلوق من أجل الانسان وهو يشارك الانسان في مصيره. فبسبب الانسان الخاطئ (تك 3: 17)، أخضعت الخليقة كلها إلى الباطل (روم 8: 20) وأصبحت كالانسان في حالة انتظار (روم 8: 19)! وهي تئنّ إلى يوم الخلاص: ((إن الخليقة نفسها ستحرّر من عبوديّة الفساد إلى حريّة مجد أولاد الله. ونعلم أن الخليقة كلّها تئنّ وتتمخّض إلى الآن)) (روم 8: 21-22). لقد علّم الأنبياء أن العالم الماديّ، في زمن الخلاص الاسكاتولوجيّ، سيشاطر شعب الله مجده (أش 55: 3؛ 65: 17). أما العهد الجديد (وبولس هنا)، فيعلّم أن العالم الماديّ قد بدأ يشاطر المؤمن مجده (روم 8: 17). فمن خلال جسد الانسان الممجّد، الانسان الحرّ والعائش في مجد التبنّي الالهيّ، يتمجّد الكون كلّه. فبسبب الانسان المبرّر والممجّد صار الكون كلّه () شريكًا في مجد أبناء الله (روم 8: 21). نادى الفلاسفة اليونان قديمًا بتحرير الروح من المادة. أما المسيحيّة فتنادي بتحرير المادة نفسها. فالخلاص، بالمسيح الممجّد، يشمل كلّ الخلق المادّي والانسانيّ والملائكيّ (كو 1: 20؛ أف 1: 10؛ 2 كور 5: 17؛ رؤ 21: 1-5).
فالرسالة إلى الرومانيّين (روم 8: 19-25) ترى في الانسان الجديد، المبرّر والممجّد، خليقة ماديّة جديدة ممجّدة أيضًا، خاضعة، كالانسان الجديد، إلى المسيح الممجّد.
هذا التجديد، غيّر وجه العالم المادّي الفاسد، فحوّله إلى عالم حرّ مبرّر يشترك في مجد أبناء الله. ولكن، هل من تحرّر وتمجيد مماثل لعالم الأرواح والملائكة والقوات؟
لقد تعرّض مؤمنو كولسيّ لخطر المعتقدات الضالّة والتعاليم المضلّة الجديدة، فطلب بولس منهم بأن يتجنّبوا تعليمًا يسمّيه ((فلسفة )) (كو 2: 8) مع ممارسات خاصّة به (كو 2: 16؛ 2: 18-21)(10). فيحرّضهم لكي يعيشوا مؤمنين متجذّرين في المسيح (يستعمل الفعل  = رأى، نظر ... في صيغة الأمر: ((إحذروا أن يخلبكم أحد...)) (2: 8). والعبارة ((يخلبكم)) فعل يوناني  مركّب من فعلين: = نهب أو عرّى، و = قاد) مبتعدين عن كلّ ((خداع باطل kenh6 apath6)) (كو 2: 8). فالمؤمن لا يبحث عن ملء آخر سوى ملء المسيح الذي يشاركه في حياته بواسطة العماد. أمّا القوات والأرواح والسلاطين فقد عُرّيت من كلّ سلطان لها بواسطة موت وقيامة المسيح الذي ((فيه يحلّ كل ملء اللاهوت جسديًا)) (كو 2: 9). يستعمل النصّ صيغة الحاضر للفعل  = حلّ: لا يلمّح النصّ إلى يسوع الأرضيّ ليؤكّد أن اللاهوت سكن (في الماضي) في جسده (ضدّ البدعة الظاهريّة Docétisme)، بل يتحدّث عن يسوع القائم من الموت في الزمن الحاضر. ولكن كيف نفسّر ((جسديًا ))؟ إنّ عبارة ((ملء اللاهوت جسديًا))، تعني جسد المسيح القائم من الموت، الحامل فيه الخلق أجمع، الانسانيّة المباشرة، والكون كلّه بصورة غير مباشرة، يحوي ((ملء اللاهوت كلّه)). فيه تتجمّع الحياة الالهيّة، ومنه تتدفّق قوّة خلاصيّة على الانسانيّة كلّها وعلى الكون أجمع. فالمؤمنون ينالون الملء من المسيح الذي يحيي الجسد: ((وإنكم فيه مملؤون  (كو 2: 10). فعلى المؤمنين أن يقتربوا من هذا الملء: ((ملء اللاهوت )) يسوع المسيح، دون اللجوء إلى قوات روحيّة وإلى ممارسات تُفرض عليهم.
فالمسيح الممجّد جمع في جسده ((كل شيء في السماوات وعلى الأرض (( (كول 1: 16) أي الخلق والكون أجمع وكلّ المراتب السماويّة والقوات الفلكيّة الملائكيّة. لذلك يشدّد بولس على ظفر المسيح، في موته وقيامته، على تلك القوات غير المنظورة، وعلى خضوعها خضوعًا تامًا كاملاً ونهائيًا لجسده الممجّد الحال فيه ملء اللاهوت كلّه. وهكذا، يشترك المؤمن في ((ملء المسيح)) (كو 2: 11-13) بكونه عضوًا حيًا في جسده (كو 1: 19؛ أف 1: 23)، فيصبح باتّحاده بالمسيح، أسمى من الرئاسات والسلاطين والقوات السماويّة كافّة (كو 2: 14-15).
لقد أكدّ بولس في الرسالة إلى الرومانيّين أن ((العالم الماديّ))، بما فيه البشريّة كلّها، قد تحرّر من ((عبوديّة الفساد إلى حريّة مجد أولاد الله)) (روم 8: 21-22). وفي الرسالة إلى كولسيّ، أكّد أيضًا أن ((عالم الأرواح والقوات والسلاطين)) قد أخضع هو بدوره أيضًا إلى المسيح الممجّد القائم من الموت. وهكذا فالمسيح المائت والقائم جمع في جسده الممجّد عالم المادة وعالم الأرواح والسلاطين، كما أشار إلى ذلك في الرسالة إلى أفسس: ((فيجمع في المسيح تحت رأس واحد ( = جمع - دمج - رفع تحت رأس واحد هو المسيح) كلّ شيء () ما في السماوات وما على الأرض)) (أف 1: 10). هكذا يعبّر عن الفكرة الرئيسيّة في الرسالة إلى أفسس: المسيح الممجّد هو الذي عاد فجمع في شخصه وتحت سلطانه كونًا أفسدته الخطيئة. لكن المسيح عاد فأحكم تركيبه، وصار هو نفسه الرأس الجامع الموحّد لجسم الكون كلّه (عالم المادة وعالم الأرواح والسلاطين). 
لقد أصبحت الكرستولوجيّا البولسيّة، في الرسالتين إلى كولسيّ وأفسس، سوتيريولوجيّة (حاملة الخلاص). فالمسيح الممجّد الذي يحلّ فيه ((الملء كلّه  (مع أل التعريف))) (كو 1: 19) أو ((فيه يسكن ملء الألوهة () كلّه جسديًا)) (كو 2: 9)، صار رأس القوات الملائكيّة كافة، والخلق أجمع؛ لا بل الكون قاطبة. فالكون كلّه صار معنيًا بالفداء والخلاص والمجد، كما كان معنيًا بالخطيئة والضلال. وبالقيامة من الموت صار المسيح رأس الكنيسة التي هي ((جسده)). 
كما أخذت الكرستولوجيّا بُعدًا سوتيريولوجيًا - كوسمولوجيًا، هكذا أخذت الاكليزيولوجيا البولسيّة بُعدًا خلاصيًا - كونيًا في الرسالتين إلى كولسيّ وأفسس أيضًا، ولكن مع بعض الفرق بينهما. ففي الرسالة إلى كولسيّ يتحدّث بولس عن الكنيسة كجسد حيّ للمسيح الممجّد الذي هو رأسها: ((وهو رأس الجسد، الكنيسة )) (كو 1: 18؛ راجع أف 1: 22-23؛ 4: 15-16؛ 5: 23؛ روم 8: 29؛ 1 كور 15: 20). الكنيسة هي ((الجسد  (مع أل التعريف أيضًا))) (كو 1: 18)، والمسيح هو ((الرأس . فالاثنان لا يفترقان. فالكنيسة - الجسد في ارتباطها الأساسيّ، تشهد لسيادة الابن الفريدة عليها. إنها ككل جسم، واقع عضويّ يحيا وينمو... المهمّ هنا ليس الكنيسة فيس واقعها العضويّ كوحدة في الكثرة وتكامل الأعضاء، بل ارتباطها بالابن ووحدانيّة هذا الارتباط.
أما في الرسالة إلى أفسس فيتحدّث بولس عن الكنيسة ((كملء المسيح)): ((وهي جسده، ملء المالئ الكلّ في الكلّ  (مع  أل التعريف) (أف 1: 23؛ راجع 3: 19؛ 4: 13؛ كول 1: 19) ((ملء المسيح )) (أف 4: 13). يدعو بولس الكنيسة ((ملء)) المسيح))، لأنها جسده السريّ (1 كور 12: 12)، فتضمّ كل الخلق الجديد الخاضع للمسيح ((مالئ الكلّ)). ففي كولسيّ، المسيح هو: ((ملء الألوهة)) (كو 2: 9) أو يحلّ فيه ((الملء كلّه)). أما هنا في أفسس، فالكنيسة هي ((ملء المسيح)). فالمسيح نفسه يمتلئ من الآب، مصدر الحياة الالهيّة (كو 2: 9-10)، ويملأ الكنيسة، والكنيسة تملأ العالم، كما يرى الانجيليّ يوحنا: الآب في الابن، والابن في التلاميذ، والتلاميذ في العالم (يو 17: ،11 20-26).
فالكنيسة التي هي ملء المسيح الممجّد، أصبحت مثل سيّدها ممتدّة امتداد الكون. فكما أن المسيح الممجّد القائم من الموت جمع الخلق والكون كلّه في شخصه، هكذا الكنيسة التي هي ملؤه، أصبحت كنيسة واحدة موحّدة، أصبحت كنيسة الخلق والكون أجمع، لا بل محور الكون (أف 1: 22-23).

خلاصة
قلنا إنّ دراسة رسائل بولس تقودنا إلى التمييز بين اتّجاهين عنده. فالاتّجاه الأوّل يقودنا إلى ما نسمّيه ((الكنيسة المحليّة)) (كورنتوس، رومة، غلاطية...). وأما الاتّجاه الثاني فيختصّ بما نسمّيه ((الكنيسة الجامعة)). ففي المرحلة الأولى، نظر إلى الكنيسة من النظرة الواقعيّة الملموسة، الكنيسة في هذه المدينة أو تلك. وفي المرحلة الثانية، وسّع تدريجيًا آفاقه (خاصة في الرسالتين إلى كولسيّ وأفسس) ونظر إليها نظرة سريّة أكثر شموليّة وكونيّة كجسد للمسيح وملئه.
ففي المرحلة الأولى، وجّه بولس رسائله ((... إلى جميع الذين في رومة)) (روم 1: 7) ((إلى كنيسة الله في كورنتوس)) (1 كور 1: 2 و 2 كور 1: 1)، ((إلى كنائس غلاطية)) (غل 1: 2)، ((إلى ... الذين في فيلبّي)) (فل 1: 1) ... ويمكن تلخيص فكره في هذه المرحلة (روم، كور، غل...) في ثلاث ركائز للكنيسة كجسد واقعيّ ملموس ظاهر للمسيح: المعموديّة، مائدة الربّ، مواهب الروح القدس

أ - المعموديّة
ليست المعموديّة عند بولس طقسًا كما درجت العادة عند رهبان قمران وكما مارسه يوحنا المعمدان. وليست فعلاً قانونيًا يدخل يه شخص إلى جماعة (كرهبان قمران) أو إلى شعب معيّن (كالختان عند اليهود). وليست هي توبة تعدّ الانسان للملكوت فقط كما دعا إليها المعمدان ويسوع نفسه في بداية رسالته. فالمعموديّة التي تكوّن الكنيسة جسدًا للمسيح، هي أوّلاً ارتباط بالمسيح، ((إهتداء إليه، أي (()) (هذه العبارة:  = إهتداء، تعني ((تغييرًا في الفكر)) بحسب العقليّة اليونانيّة، و ((تغييرًا في القلب)) بحسب العقليّة اليهوديّة)، نحوه، إذ إنه يغفر الخطايا ويوحّد بموته وقيامته المؤمنين به في الكنيسة.
ونحن نعرف أن المعموديّة في بداية المسيحيّة كانت تُمنح ((باسم يسوع)) (أع 2: 38؛ 8: 16؛ 10: 48؛ 1 كور 13-15؛ غل 3: 27؛ روم 6: 3)، بمعنى أنّ يسوع يمتلك المعمّد، فيُصبح ليسوع سلطة عليه. وهكذا يشترك المعمّد في حياة المسيح وفي موته وقيامته، كما يشترك في البنوّة للآب مع المسيح ويصبح مسكنًا للروح القدس. فالمعموديّة تجعل الانسان ((خلقًا جديدًا)) و ((إنسانًا جديدًا)) (روم 6: 3-6؛ 2 كور 5: 17؛ غل 3: 27؛ تي 3: 5). بل إن المعمّد يحيا ((في المسيح)) (العبارة: ei6 = في داخل، ترد/164/مرّة في رسائل مار بولس)، إنه يحيا حياة المسيح.
وإنّ الارتباط بالمسيح الذي يكوّن الكنيسة كجسد له يوحّد المؤمنين فيما بينهم ويجعلهم جسدًا واحدًا، فيجعلهم الكنيسة بتمام معنى الكلمة، أي جماعة المؤمنين التي تؤمن بيسوع المسيح: ((إعتمدنا في روح واحد لنكون جسدًا واحدًا)) (1 كور 12: 13).
فالمعموديّة إذًا هي واقع يندرج في قطبين لا يتجزّآن: إنها تدمج في شخص المسيح، وبالتالي تدمج في جسده وهو الكنيسة.

ب - مائدة الرب
إنّ مائدة الربّ أيضًا تكوّن الكنيسة المحليّة وتجعلها جسدًا للمسيح: ((أليست كأس البركة التي نباركها مشاركة في المسيح؟ أليس الخبز الذي نكسره مشاركة في جسد المسيح؟ فنحن جسد واحد لأنه ليس هناك إلاّ خبز واحد)) (1 كور 10: 16ي).
فالاشتراك في جسد المسيح ودمه يكوّن حقًا جسده، كنيسته (في كورنتوس، في رومة، في غلاطية...). فلمائدة الربّ بُعدان، شأنها شأن المعموديّة: إنها توحّد بالمسيح وتوحّد المشتركين بعضهم ببعض: 
ويعبّر بولس عن الاتّحاد بالمسيح باستخدام عبارة: (( مع)): ((صُلب - مع 6)) (روم 6: 6؛ غل 2: 19)؛ ((تألّم - مع 6)) (روم 8: 17؛ 1 كور 12: 27)؛ ((مات - مع 6)) (2 كور 7: 3؛ 2 تيم 2: 11)؛ ((دفن - مع )) (روم 6: 4؛ كو 2: 12)؛ ((قام - مع )) (أف 2: 6؛ كو 2: 12؛ 3: 1)؛ ((يحيا - مع )) (روم 6: 8؛ 2 كور 7: 3)؛ ((يرث - مع )) (روم 8: 17)؛ ((يملك - مع )) (1 كور 4: 8)؛ ((تمجّد - مع )) (روم 8: 17). هكذا تتّحد الكنيسة وتتكوّن باشتراكها في الجسد والدمّ (1 كور 10: 16-21). وبناءً على الاتّحاد بالمسيح، يتّحد المشتركون فيما بينهم، فيصبحون واحدًا في الجسد والدمّ الواحد (1 كور 10: 17). وهذا ما يُظهره لوقا في سفر الأعمال عندما يصف الجماعة بأنها كانت قلبًا واحدًا (أع 2: 42ي). فالاتّحاد بالمسيح أساس الاتّحاد بين المشتركين، وأساس ((الشركة )) بينهم(11).
ج - مواهب الروح القدس
إن كان بولس يبني تأسيس الكنيسة وتكوينها ونموّها على شخص المسيح، إلاّ أنه يبنيها كجسد المسيح على عمل الروح القدس أيضًا. فالروح القدس يبني الكنيسة بمواهبه. فيستخدم بولس في سبيل ذلك صورة الجسد الذي يتكوّن من أعضاء مختلفة تكوّن جسدًا واحدًا. فكنيسة المسيح واحدة مع تعدّد أعضائها ومواهبهم (1 كور 12: 12-13).
باختصار، تقوم الكنيسة المحليّة، بحسب بولس، على ثلاث ركائز: المعموديّة، مائدة الافخارستيّا ومواهب الروح القدس، أو على المسيح والروح القدس: المسيح في ((الأسرار)) والروح القدس في ((المواهب)). فالأسرار والمواهب تنمي الجسد الكنسيّ وتعطيه الكيان.
إ ن كان ما وجّهه مؤمنو هذه المدينة أو تلك من تساؤلات تتعلّق بشأن أوضاع الكنيسة المحليّة ومشاكلها الواقعيّة الخاصّة، فإنّ تساؤلات كنيستيّ أفسس وكولسيّ مختلفة. فقد كانت إشكاليّتهما حول الكنيسة الكونيّة! ومصير الكون بأجمعه والعالم بأسره من الخلاص الذي حقّقه يسوع المسيح. فهل خُلّصت الخليقة كلّها بموت وقيامة الربّ يسوع؟! فالإشكاليّة مختلفة تمامًا بين الرسائل الأولى (رومة، كورنتوس، غلاطية..) ورسالتيّ كولسيّ وأفسس. في الرسائل الأولى، يبيّن بولس أن الكنيسة المحليّة مبنيّة على المسيح (المعموديّة ومائدة الافخارستيّا) ومواهب الروح القدس، الأمر الذي يفرض على أعضاء الجسد أن يكونوا واحدًا في وفاق ومحبّة. أمّا الرسالتان إلى كولسيّ وأفسس فتتمحوران حول علاقة المسيح المخلّص الكونيّ مع جسده الشامل، أي كنيسته الجامعة.
ولكن إن كان بولس قد استعمل لفظة ((رأس )) للمسيح ولفظة ((جسد )) للكنيسة، فلكي يؤكّد أن المسيح والكنيسة لا يتجزّآن أبدًا (أع 9: 4؛ 22: 7؛ 26: 14). فالمسيح هو السيّد ()، والكنيسة تظلّ جماعة المؤمنين التي تتّجه نحوه (أف 4: 15)، كما أنه هو المبدأ، مبدأ نموّ الجسد (كو 2: 19؛ 1: 18)، فينمو الجسد نحو الرأس، وينمو الجسد نحو الداخل بنموّ الإيمان والمعرفة والمحبّة (كو 1: 24)، كما أنه ينمو نحو الخارج بالبشارة والاعلان، بحيث تصبح الكنيسة ((ملء )) الذي يملأ الكلّ في الكلّ (أف 1: 23).
فإن خصّص بولس للكنيسة تسمية ((ملء المسيح )) (أف 1: 23؛ 3: 19؛ 4: 13)، فلأن الكنيسة هي الأداة للمصالحة الكونيّة النهائيّة، والخضوع الكونيّ له، وذلك عن طريق بشارتها بالانجيل ورسالتها في العالم (كو 1: ،18 24؛ 2: 19؛ 3: 15؛ أف 1: 22ي). فالكنيسة هي الموضوع الذي إليه يحمل المسيح ملء عمله الخلاصيّ وحياته.
هذا هو معنى ((الكنيسة ملء المسيح)). فهي موضع تدخّل الله التام الكامل، لأن فيها يجتمع كل عمله الخلاصيّ.
فإن كانت البشريّة والخليقة كلّها واحدة في الأصل (تك 1-2)، فهما أيضًا واحدة في هدفهما وغايتهما. وهذا ما نسمّيه ((الوحدة الاسكاتولوجيّة)) أي وحدة البشريّة والخلق أجمع في الله الذي يصبح ((كل شيء في كلّ شيء)) بعد أن يكون المسيح بموته وقيامته ((أخضع كل شيء له )) (1 كور 15: 28).
وهذا هو قصد الله الأزليّ ((سرّ مشيئته )) (أف 1: 9)، ألا وهو أن ((يجمع - يدمج - يرفع تحت رأس واحد هو يسوع المسيح () كلّ شيء () ممّا في السموات وعلى الأرض)) (أف 1: 10). فيصبح المسيح نفسه ((هو كل شيء وفي كلّ شيء)) (كو 3: 11)، فيتّحد الكون بأجمعه في شخص المسيح، فيصبح واحدًا معه وفيه وبه، أي نهاية كلّ شيء وهدف كل شيء، فيتمحور حوله الكون كلّه ويتّجه نحوه.
والكنيسة التي هي ((ملء المسيح)) تصبح علامة لوحدة البشريّة والكون أجمع، كما قصدها الله منذ البدء (أف 1: 3-14). لا بل تصبح ((آية )) حقيقيّة لوحدة البشريّة والكون كلّه. فوحدة الكنيسة إنما هي من أجل وحدة البشريّة والكوسموس كله، ولكي تفهم البشريّة أن دعوتها الإلهيّة هي الوحدة، ال . وعلى نقيض ذلك، فإن انقسامات الكنيسة تُضعف دعوة الكنيسة إلى وحدة البشريّة. لذلك، فالانقسامات في الكنيسة لا تمسّ وضعها الداخليّ وكيانها فحسب، بل رسالتها الخلاصيّة الخارجيّة ودعوتها أن تكون ((ملء المسيح)).
1ً - يقول العالم M. Goguel في ((Esquisse d’une solution nouvelle du problème, de l’Epître aux Ephésiens)) RHR, 1935, p. 254-284; 1936, p. 73-99 
إنّه على /115/ آية في الرسالة إلى أفسس يوجد /73/ آية موازية في الرسالة إلى كولسيّ. فالعلاقة بين الرسالتين وثيقة جدًا. وإن ثلث مفردات الرسالة إلى كولسيّ موجودة في الرسالة إلى أفسس. وهذا ما دفع العالم البروتستانتي M. CARREZ إلى القول بأن: ((L’Epître aux Ephésiens est tout simplement La Colossienne amplifiée))
2ً - كُتبت الرسالة إلى كولسيّ بين سنة 58 و 60 ميلاديّة. أما الظرف المباشر لكتابتها فكان الخطر الذي يهدّد مؤمني كولسيّ، أي معتقدات ضالّة جديدة أخذت تنتشر في صفوف المسيحيّين (2: 4-8)، يمكن تلخيصها في نقطتين: الأولى نظريّة، تتعلّق ب ((أركان العالم)) (2: 8)، أي القوات الروحانيّة الكونيّة، وهي في معتقدهم أسمى مرتبة وجوهرًا من المسيح يسوع، وهي كائنات متسلسلة يتجلّى فيها ملء الألوهة، وهي على أساس الخلق كلّه (1: 16-17)، تتحكّم بمصير الانسان، ولها تجب عبادة لائقة (12: 18)؛ والثانية عمليّة، ممارسات تتعلّق بالطهارة الخارجيّة، وفق الشريعة، وبحفظ أيام وأعياد وسبوت، وامتناع عن بعض المآكل والمشارب (2: 16-23)، أمور كلّها وفق وصايا البشر وتعاليمهم (2: 22). (راجع مقدّمة الرسالة إلى كولسيّ، في إونجليون - الرسائل والرؤيا، ص 904 - الكسليك - لبنان)
3ً - يعتبر بولس أن المعموديّة هي مشاركة في موت المسيح وقيامته. عبّر بولس عن الحقيقة عينها في روم 6: 1-11، مع هذا الفارق أن التعبير هناك عن الموت مع المسيح هو في صيغة الماضي، وعن القيامة في صيغة المستقبل. أما هنا في كولسيّ فالتعبير عن الموت والقيامة كليهما جاء في صيغة الماضي، لأن كل مؤمن قد تحرّر منذ الآن بالمسيح في المعموديّة من كلّ سلطان ورئاسة، وحصل نهائيًا على الخلاص الأبديّ (أف 2: 5-6)، وهذا ما يسمّى بـ ((الاسكاتولوجيا الحاضرة)) في اللاهوت البولسيّ.
4ً - لاحظ التغيّر في اللاهوت الاسكاتولوجيّ البولسيّ: إنتقل من ((الاسكاتولوجيا المستقبليّة)) (روم 6: 5) إلى ((الاسكاتولوجيا الحاضرة)) (أف 2: 6؛ كو 2: 12).
5ً - إن البنية الأساسيّة في تك 2، هي إظهار الخطيئة الأولى كسبب هام لتغيير عميق في الكون كلّه. قبل الخطيئة كانت كل المخلوقات حسنة، الله ذاته صنعها حسنة (ترد عبارة ((ورأى الله أنّه حسن)) سبع مرات في رواية الخلق الأولى الكهنوتيّة، تك 1: 1-2: 4أ). العدد سبعة هو عدد الكمال، وبالتالي، فكل شيء خلقه الله هو كامل في الحسن والجمال. وكان الانسان ينعم في الفردوس (تك 2) بالصداقة الالهيّة. وأكثر من ذلك، إن الكاتب الملهم، أراد بدون شكّ ترسيخ الوحدة الحميمة، وربّما الحتميّة، بين كل الخليقة والمخلوقات فيما بينها. فكلّ الكائنات المخلوقة، الانسان، وكائنات البحر والبرّ والأرض متّصلة ببعضها وتشكّل وحدة عميقة هي ((الكون ))، والانسان في وسطه. لهذا، فإن خطيئة الانسان الأوّل، لم تشوّه الانسان وتعكّر علاقته مع الله وحسب، بل كان لهذه الخطيئة انعكاسات على المخلوقات الأخرى أيضًا، وعكّرت بالتالي، العالم كلّه.
سقطة الانسان أدّت إلى سقطة الخليقة كلّها (راجع تك 3: 17: ((ملعونة الأرض بسببك ...)) أي بسبب الانسان الخاطئ). فبعد ((النظام الكونيّ المتناغم L’harmonie Cosmique))، سادت النزاعات، وبعد السلام الشامل سادت حالة الحرب (تك 3: 15)، والكون المنظّم L’univers harmonieux أفسح المكان للفوضى والعدميّة Le Chaos.
6ً - يقول المجمع الفاتيكانيّ الثاني: ((إن العقل البشريّ يستطيع بنوره الطبيعيّ أن يعرف الله، مبدأ كل شيء وغايته، معرفة أكيدة، وذلك عن طريق المخلوقات (روم 1: 20)؛ ... إن ما في الإلهيات من أمور ليست بحدّ ذاتها صعبة المنال على عقل الانسان، يستطيع الجميع، حتى في ظروف الجنس البشريّ القائمة، أن يعرفوها بسهولة وأن يتيقّنوا منها يقينًا ثابتًا لا يخالطه غلط)) (دستور عقائديّ في الوحي الالهيّ، الفصل الأول، رقم 6).
7ً - أجمع أباء المجمع الفاتيكاني الأوّل على أن بولس يثبت، في هذه الآيات: (روم 1: 18-23)، طاقة العقل البشريّ على الاقرار بوجود الله ووحدانيّته وشخصانيّته، ولو نظريًا، مهما أنكر ذلك وما أقرَّ به عمليًا.
8ً - على رغم الشريعة والختانة والمواعيد التي ائتمن عليها، يبقى اليهوديّ تحت حكم الله، ولن يتبرّر إلاّ بالانجيل.
9ً - يعني الفعل = أنّ، توجّع من شدّة الألم والتعب والبؤس والسبيّ وطول الانتظار (راجع أش 3: 26؛ 16: 7؛ 19: 8؛ 21: 2؛ مز 38: 8؛ 42: 5؛ 77: 3؛ أي 24: 12؛ أع 7: 34؛ 2 كور 5: 2؛ يع 5: 9؛ رؤ 8: 22).
10ً - لم ترد كلمة ((فلسفة )) في العهد الجديد إلاّ هنا. هي لا تعني مذهبًا فلسفيًا نظريًا معينًا، بل مبدأً دينيًا عمليًا يتعلّق بـ ((أركان العالم )) (كو 2: 8) وعلاقتها المصيريّة بحياة البشر على الأرض. ولقد كان المعتقد، بأن ((أركان العالم))، أي القوّات الروحانيّة الكونيّة، هي التي تدير حركة الكواكب والأفلاك وتتحكّم بمصير الشعوب، والتي يجب أن تقام لها العبادات والسجود.
11ً - يصبح المؤمنون في الجسد والدمّ جسدًا واحدًا، هو جسد المسيح . فكما أن المعموديّة تكوّن الجسد وتوحّد المعمّدين في كنيسة واحدة هي جماعة المسيح، كذلك مائدة الربّ فإنها تنمّي الوحدة فيما بينهم. لذلك أوصى يسوع بترك القربان والذهاب إلى الخصم لمصالحته قبل تقديم القربان (مت 5: 23-24). وشدّد بولس على أنه لا يجوز أن يوجد أيّ انشقاق بين الاخوة عند مشاركتهم الجسد والدمّ (1 كور 11: 17-34).
12ً - بالإضافة إلى الركائز الثلاث التي أشار إليها بولس، يبني لوقا البشير الكنيسة المحليّة على: التعليم (تعليم الرسل)، والأسرار (المعموديّة وكسر الخبز والصلوات) والحياة المشتركة () (أع 2: 42-47؛ 4: 32ي). وهذه العناصر الثلاثة هي من مهمّات الأسقف (والكاهن) بحسب المجمع الفاتيكانيّ الثاني: الوظيفة التعليميّة، الوظيفة التقديسيّة، والوظيفة الراعويّة (في نظام السلطة الكنسيّة، الفصل الثالث، عدد 21-27). وإذا جمعنا بين نظرة بولس ولوقا، توصّلنا إلى معرفة العناصر التي تكوّن الكنيسة المحليّة وهي : التعليم - الأسرار - مواهب الروح القدس - الحياة المشتركة.
13ً - عندما استخدم بولس كلمة ((رأس )) للمسيح، كانا متأثّرًا بعقليّتين مختلفتين: اليهوديّة واليونانيّة الرومانيّة. فتأثّره بالعقليّة اليهوديّة يظهر في أنه يرى اتّحاد المسيح - الرأس بالكنيسة - الجسد اتّحادًا عضويًا بالأعضاء. وأما تأثّره بالعقليّة اليونانيّة الرومانيّة ففي أنه يرى أن الرأس يؤثّر في الجسد لأن فيه العقل والفكر، وبالتالي فالرأس مصدر الحركة (المسيح يحرّك الكنيسة) والقيادة (المسيح يقودها) والحكم (المسيح يحكمها)، والحياة (المسيح يحييها) والوحدة (المسيح يوحّد أعضاءها) والقداسة (المسيح يقدّسها).
14ً - وعندما استخدم بولس كلمة ((جسد )) للدلالة على الكنيسة، كان متأثّرًا هنا بالعقليّتين المذكورتين: في العقليّة اليهوديّة، الجسد (ب ش ر ) هو حقيقة الشخص، وظهور للخارج، وعمله وعلاقاته. فباستخدامه كلمة ((كجسد)) بهذا المعنى، أراد بولس بولس أن يقول إن الكنيسة هي حضور المسيح للعالم، في أنّها حقيقته وظهوره وعمله وعلاقاته بعالم البشر. وأما في العقليّة اليونانيهة فالجسد  هو وحدة أعضاد مختلفة مرتبطة فيما بينها ارتباطًا قويًا، وهذا هو حال الكنيسة جسد المسيح.
15ً - ((هل من علاقة بين الكنيسة المحليّة والكنيسة الجامعة؟ لقد شدّد بولس في النظرة الأولى على العلاقة بين المؤمنين كأعضاء في الجسد الواحد بناءً على علاقتهم بالمسيح. بيد أنه يشدّد في النظرة الثانية على العلاقة بين المسيح والكنيسة، كالرأس والجسد. فهناك تكامل بين النظرتين: إن الأولى أشدّ تركيزًا على علاقة الجسد في أعضائه. وأما الثانية فتركّز على علاقة الجسد بالرأس، وهو أمر أكثر شموليّة وكيانًا، يختصّ بكيان الكنيسة وأساسها. وكنيسة المسيح هي الاثنان معًا: هي في علاقة رأسيّة مع المسيح وأفقيّة مع البشر. ففي الكنيسة المحليّة تظهر وتحضر الكنيسة الجامعة الكونيّة، وأما الكنيسة الجامعة الوحيدة، فهي تفترض الكنائس المحليّة ولا وجود لها إلاّ في الكنائس المحليّة)). (الأب فاضل سيداروس، من أنت أيتها الكنيسة؟ المطبعة الشرقيّة، بيروت، لبنان).
الفصل الثاني عشر


طريقة القدّيس بولس في التبشير

مقدّمة 
يُدهشنا جدّاً ما حقّقه مار بولس، إن في النوعيّة أو في الكمّية، في حياته الرسوليّة القصيرة نسبيّاً (ثلاثون سنة). ويطرح علينا سؤالاً أساسيّاً: ما هو سرّ نجاحه وما هي الفرادة التبشيريّة التي تركها مكتوبة في طيّات رسائله والتي حاول القديس لوقا أن يدوّن بعضاً منها في كتاب الأعمال؟
من خلال دراسة تحليليّة لسفر الأعمال والرسائل في قراءة مثلّثة تقرأ استعماله للزمان والمكان واللغات وتعاطيه مع المستجدّات، واهتماماته اللاهوتيّة والإنسانيّة والكنسيّة وطريقة استعماله للكتب المقدّسة، وصلنا إلى الإستنتاج أنّ سرّ الطريقة البولسيّة في التبشير يكمن في التناغم العميق والكامل والدائم بين ثلاثة أقطاب: قُطب الشهادة temoignage ، بتعبير آخر صدق العيش الذي يُعطي مصداقيّة للكلمة. وهذا البُعد يُعبّر عن نفسَه في الفكر والتعليم والمعنى الجديد لتخصُّصه الطويل في علم الشريعة والكتب المقدّسة، وهذا ما نسمّيه قُطب المعنىintelligence . وهذان البعدان يحتاجان إلى طريقة تعاطي 
procedure تفتح أبواب الآذان والقلوب للذي يُبشّر به بولس. وهذه الأقطاب الثلاثة هي في نوعيّة علاقة ملفتة مع السيّد ومع الناس. هذه الرؤية جعلته في كلّ آن وفي كلّ ظرف إنساناً موحَّداً يجمع في تناغم مدهش بين ما اختبره وما يؤمن به وطريقة إيصاله إلى الآخرين.

1 - القطب الأوّل: الشهادة
النوعيّة في الكيان تبدأ في الخبرة الشخصيّة والعلاقة الوجوديّة بشخص السيّد والربّ وإيمانه أنه وحده القادر على الإعتاق من كلّ العبوديّات، لأنه وحده الذي مات لأجله وقام. هذه الخبرة الشخصيّة هي الأساس لأنها النَفَس والوجه العميق الذي يقول قبل أن يبدأ بولس بالكلام، بتعبير آخر صار بولس مشهداً: ((الذي كان يضطهدُنا هو الآن يبشّر بالإيمان الذي كان يريد أن يدمّره)). (غل1: 23). ويعتبر بولس هذه الخبرة، الرحم التي ولدته إلى نور جديد يلوّن كلَّ فكر وتحليل وتعليم وعيش. ولا يني يُخبر عنها في المفاصل المهمّة من حياته وفي دفاعه عن حقيقة البشارة (أمام اليهود، أع 22: 5-16؛ أمام الملك أغريباس، أع 26: 10-18؛ 1كور 15: 9-11؛ غلا 1: 12-17؛ فل 3: 5-6).
لقاؤه الشخصيّ بالمعلّم الذي كان يضطّهده أزاح القشور عن عينَيه فرأى ذاته أولاً ((لا أفهم ما أعمل، لأنّ ما أريده لا أعمله وما أكرهه أعمله... الويل لي أنا الإنسان الشقيّ)) (روم 7: 15 و24)؛ ورأى مسيرة إيمان شعبه ( قراءة جديدة للكتب المقدسة، نعود إليها لاحقاً)؛ ورأى الجديد الذي يطلبه المعلّم: ((الحقيقة هي في المسيح)) (كول 2: 17) هو حجر الأساس (1كور 3: 11). وفهم أن هذه الرؤية المثلّثة سوف تقلب الأمور رأساً على عقب بدءاً بشخصيّته، وصولاً إلى كلّ الذين يبشّرهم. 
من الفرّيسيّ المتعصّب والمتسلّط إلى ((أنا أصغر الرسل، السِقْط، لأني اضطّهدت كنيسة الله))( 1كور 15: 9) ويَعُدُّ كلّ شيءٍ خسارة من أجل الربح الأعظَم وهو معرفة الربّ يسوع المسيح (فل3: 7) ولا يُهمّه إلاّ امر واحد وهو أن ينسى ما وراءه ويجاهد إلى الأمام ويجري إلى الهدف للفوز بالجائزة التي هي دعوة الله السماويّة في المسيح يسوع (فل3: 13). ويعدُّ "كلَّ العلم السابق كصنجٍ يطنّ (1كور13: 1)، ويفهم أننا أسرى محبّة المسيح، بعدما أدركنا أنّ واحداً مات من أجل الجميع ( 2كور 5: 14)، ويفرح بالآلام (كول1: 24) ويُمارس ضبط النفس (1كور9: 25)، ويعرف أن يعيش في الضيقة، كما يعرف أن يعيش في السعة، وفي جميع الظروف يختبر الشبع والجوع والفرج والضيق. وهو قادر على تحمّل كلّ شيء بالمسيح الذي يقوّيه (فل 4: 12-13). ولا يفاخر إلا بصليب الربّ يسوع المسيح، به صار العالم مصلوباً بالنسبة إليه، وصار هو مصلوباً بالنسبة إلى العالم (غل6: 14)، ويتعرّض للموت مراراً ويجلدهُ اليهود ويَضربه اليونانيّون ويرجمه الناس وتنكسر به السفينة ويتعرّض لخطر الأنهار واللصوص ويُعاني الكدّ والتَعَب والسَهر الدائم والجوع والعطَش والصوم الكثير والبَرد والعُري(2كور11: 23-27)، ويتعلّم كيف يكون الجندي الصالح الذي يريد أن يُرضي قائده فلا يشغل نفسه بأمور الدنيا (2تم2: 3-4)، ويختبر قوّة الضعف ومجدهُ، هذه الآنية من خزَف التي تحمل هذا الكنز (2كور4: 7)
لقاؤه الشخصيّ بالربّ يسوع طاول الفكر والطبع والقصّة الخاصة التي جعلت منه هذا الإنسان: شاول. وهو بُعدٌ عاموديّ يَصِلُه بالمبدأ، بالخالق الذي يدعوه ((أبا الأنوار وإله كلّ تعزية)) (2كور1: 3)، وبالإبن الذي مات لأجله ( لما كّنا بعد خاطئون، روم 5: 8)، وبالروح الذي انفتح عليه وعلى علاماته وصار يُجيد قراءتها فيترجم لوقا : منعنا الروح (أع16: 6-7)، قال لنا الروح (13: 2)، فَهِم بولس (رؤيا الرجل المكدوني، أع16: 9-10). 
هذا الإتصال العميق والدائم بالسيّد هو مكانُ ولادته الدائمة وتجدُّده وصبره وتحمُّله وإبداعه وإيجاده للحلول وتدبيره وصقل شخصيّته، وهو الذي جعل فيه الرغبة الكبيرة لإعلان البشرى. وهو يقول أكثر، يقول: ((إذا بشّرتُ، فلا فخر لي، لأنّ التبشير ضرورة فُرضت عليّ، والويل لي إن كنت لا أبشّر... إذا كنت لا أبشّر بإرادتي بل أقوم بوصيّة عُهدت إليّ، فما هي أجرتي؟ أجرتي هي أن أبشّر مجاناً)) (1كور9: 16-18). 

2 - القطب الثاني: المعنى
اختبار بولس للمسيح يسوع حرّر طاقة الفكر الثاقب الباحث عن الحقيقة في الكتب المقدّسة، وجعله يجد ملء اللاهوت والفلسفة في شخص السيّد. فَهِمَ أنّ تجسّد ابن الله الذي مات لأجله وقام هو غاية الشريعة والنور الذي يفكّ كلّ رموزها وألغازها. هو قلبها وحياتها. ونقرأ نتيجة هذا الإختبار في كلّ حياته وتبشيره ورسائله (أسعى لعلّي أفوز بما لأجله فاز بي المسيح يسوع... يهمّني أمر واحد وهو أن أنسى ما ورائي وأجاهد إل الأمام، فأجري إلى الهدف، للفوز بالجائزة التي هي دعوة الله السماويّة في المسيح يسوع)) (فل 3: 12). فالمسيح يسوع هو صورة الله وبكر الخلائق كلّها...لأنّ الله شاء أن يحلّ فيه الكنال كلّه (كول 1: 15-19).
صار كلّ المعنى متجسّداً في شخصٍ حيّ، لا في ممارسات وتقاليد وتفسيرات جامدة لا تُعطي الحياة. صار شخص يسوع الحقيقة الكاملة والجذريّة والتي لا تتجزأ: بشارة كاملة لا نصف بشارة ولو في الإضطهاد، إمّا يسوع من غير استثناءات ولا شروط وإمّا الموت في حرف الشريعة وصنمية الوثنيّة. 
نقرأ هذا من خلال اهتماماته اللاهوتيّة: 
1- الشربعة عاجزة عن التبرير وإعطاء الحياة ومعنى الحياة ((فقبل أن يجيء الإيمان كنّا محبوسين بحراسة الشريعة إلى أن ينكشف الإيمان المنتظَر. الشريعة كانت مؤدّباً لنا إلى أن يجيئ المسيح حتى نتبرّر بالإيمان. فلمّا جاء الإيمان، تحرّرنا من حراسة المؤدّب)) (غل 3: 23-25).
2- الإيمان بيسوع المسيح يبرّر ويُعطي النعمة والخلاص للجميع ((نعرف أنّ الله لا يبرّر الإنسان لأنه يعمل بأحكام الشريعة، بل لأنه يؤمن بيسوع المسيح)) (غل 2: 16)، ويجعل منّا أبناء: ((حين كنّا قاصرين، كنّا عبيداً لعناصر العلم الأوّليّة. فلمّا تمّ الزمان، أرسل الله ابنًَه مولوداً لامرأةٍ، وعاش في حكم السريعة ليفتديَ الذين هم في حكم الشريعة، حتى نصير أبناء الله... فما أنت بعد الآن عبد بل ابن، وإذا كنت ابناً فأنتَ وارث بفضل الله)) (غل 4: 3-7). 
3- المسيح آدم الثاني وحكمة الله..((...فبالأولى أن تسود الحياة بواحد هو يسوع المسيح أولائك الذين ينالون فيض النعمة وهبة البرّ)) (روم5: 17) ((وأمّا للذين دعاهم الله من اليهود واليونانيّين، فالمسيح هو قدرة الله وحكمة الله)) (1كور1: 24). ((أمّا نحن فلنا فكر المسيح)) (1كور2: 16)، ((فلو بشرّناكم نحن أو ملاك من السماء ببشارة غير التي بشرناكم بها، فليكن ملعوناً)) (غل 1: 8). قيامة المسيح "لكنّ الحقيقة هي أنّ المسيح قام من بين الأموات هو بكرُ مَن قام من رقاد الموت"ونحن نقوم معه (1كور 15: 12-20).
4- الإفتخار بالصليب ((أمّا أنا فلن أفاخر إلاّ بصليب ربّنا يسوع المسيح)) (غل 6: 14)، ((إن كان لا بدّ من الإفتخار فأنا أفتخر بضعفي)) (2كور11: 30)
5- الإنسان الجديد والقيَم الجديدة والحياة الجديدة في المسيح لا تطفئوا الروح (1تس5: 19- 22)، الحريّة الجهاد الروحيّ (أف6: 11-18) ثمر الحياة الجديدة، ثمر الروح (غل 5: 22-26)، مَن أراد أن يحيا في المسيح يسوع حياة التقوى أصابه الإضطهاد)) (2تم 3: 12)
6- الكنيسة جسد المسيح ونحن أعضاء هذا الجسد (1كور12: 14-31). المسيح هو سلامنا، جعل اليهود وغير اليهود شعباً واحداً وهدم الحاجز الذي يفصل بينهما ، أي العداوة... ليخلُقَ في شخصه من هاتين الجماعتين، بعدما أحلّ السلام بينهمان إنساناً واحداً جديداً... وجعلهما جسداً واحداً)) (أف2: 14-16)، ونظرة جديدة للكنيسة ((فما أنتم بعد اليوم غرباء أو ضيوفاً، بل أنتم مع القدّيسين رعيّة واحدة ومن أهل بيت الله ، بُنيتم على أساس الرسل والأنبياء، وحجر الزاوية هو المسيح يسوع نفسُه...لتصيروا مسكناً لله في الروح)) ( أف 2: 19-22). 
7- أولويّة المحبّة (1كور 12)، والتفرّغ للبشارة ( 1كور 7).
8- مجيء الربّ : ننتظِرُه ونحن نعمل ونعيش ((فلنكن صاحين، لا بسين درع الإيمان والمحبّة وخوذة رجاء الخلاص (1تس5: 8)، ((نوصيكم إيها الإخوة، باسم الربّ يسوع المسيح أن تتجنّبوا كلّ أخٍ بطّال يخالف التعاليم التي أخذتموها عنّا... فما كنّا بطذالين حين أقمنا بينكم، ولا أكلنا الخبز من أحد مجاناً، بل عمِلنا نهاراً وليلاً بتعبٍ وكدّ حتى لا نثقّل على أحد منكم...)) (2تس3: 6-11).
9- ومجّانيّة البشارة (نتكلّم عنها لاحقاً)

3 - القطب الثالث: طريقة التعاطي
أخذ القديس بولس بعين الإعتبار في طريقة تعاطيه التبشيريّة معاير أساسيّة وضروريّة وعرف كيف يستعملها ومتى يستعملها تماماً كما يفعل قائد الأوركسترا السمفونيّة: يحتاج إلى كلّ الآلات وإلى أحلى ما عندها ويعرف متى يُعطيها وقت العزف المنفرد ومتى يُعيدها إلى الإئتلاف والتناغم مع الجماعة.
سرّ نجاح تعاطيه يعود إذاً إلى نظرته في الفَهم أنّ الله حبّ والحبّ له أصولُه في التعاطي. والرابح الأكبر يكون طبعاً معلّمه. بولس إنسان له قضيّة وقضيّتها اسمها يسوع، وليس عنده أي شيء يخسره. هذه القضية تتطلّب التفرّغ التام والتخلّي التام وتصير أهميّة كلّ الحاجات والطموحات هي بمدى ارتباطها بالقضيّة.
يكون إذاً المقياس الأوّل: كيف نربح الكلّ للمسيح، وكيف يكون المسسيح الأوّل في كلّ شيء وأن يصير كلّ واحد في المسيح. بتعبير آخر كيف يساهم في ولادة منطق المحبّة ((صرتُ لليهود يهودياً)) (1كور9: 20) .
والمثال التبشيريّ الذي يُنَشِّىء عليه الرسول بولس يكتبه لأهل كولوسي: ((ننادي ونبشّر جميع الناس ونعلّمهم كلّ حكمة لنجعل كلّ إنسان كاملاً في المسيح يسوع)) (كول1: 28)،ولأهل غلاطية: ((وتتكوّن فيهم صورة المسيح)) (غل 4: 19)، ولأهل كورنتس: ((نتحوّل إلى تلك الصورة)) (2كور3: 18).
هذا المقياس هو بالحري موقف الإنطلاق والنوعيّة الأساسيّة المطلوبة ليكون الإنسان مؤهّلاً أن يكون رسولاً.
دراسة سفر الأعمال تكشف لنا بالتتالي الأولويّات التي واكبت عمَله التبسيري 
1- إستعماله للزمان والمكان، 2 - تقنيّة التقرّب من الذين يبشّرهم، 3- لغّات التعاطي، 4- التعاطي مع الكتب المقدّسة.

5- المرافقة في الإيمان

أ- استعماله للزمان والمكان
بعد لقاء الربّ الذي غيّر حياته نراه يُمضي ثلاث سنوات في بلاد العرب، ولو أننا نجهل الذي عمله هناك من خلال سِفر الأعمال والرسائل، غير أنّنا نفهم أنّ هذه المدّة هي في خبرة الأنبياء، يتأهّبون للدعوة التي تنتظرهم وينضجون في الرؤيا التي أُنعم بها عليهم.
بعدها نراه يمُضي خمس سنوات في طرسوس، بلده. حبّة القمح تنتظر الوقت الذي تأخذها يد الفلاّح (من خلال برنابا) لتذهب بها إلى أنطاكية ومنها إلى أقاصي الأرض. ويبدأ بعدها رحلاته، ونراه يقيم مع الذين يبشّرهم الوقت الذي يناسب البشارة، أحياناً يمرّ مروراً بسيطاً وأحياناً يقيم أشهراً أو سنة أو حتى سنتين ( 18: 11؛ 19: 9).
بولس ذهب إلى الناس ولم ينتظر منهم أن يأتوا، وإذا جمعنا المسافات التي قطعها، إمّا مشياً على الأقدام أو في البحر، تكون اثنَي عشر ألف كلم(1) ( ما عدا ذهابه إلى بلاد العرب وإلى طرسوس)، والمحطّات التي زارها وبشّرها وأقام فيها 27 محطّة(2). الأمكنة التي زارها ليست فقط أقاصي الأرض بالنسبة لأيامه، بل هي أيضاً كلّ الأمكنة: الطريق (طريق الشام)، البيت (بيت التلاميذ - بيت ليديا - بيت السجّان - بيت أكيلا وبرسكيلا- بيت ملاصق للمجمع - بيت فيليبس المبشّر - بيت مناسّون القبرصيّ - البيت الذي استأجره)، المجمع، في المدينة وخارجها، ضفّة النهر، السجن، الساحات العامة، البحر، مجلس المدينة (الأريوباغوس)، السفينة، غرفة المريض في مالطة (بلغة اليوم المستشفى)، مدرسة رجل اسمه تيرانّوس، الهيكل، القلعة، أمام مجلس اليهود، قصر هيرودوس.
تكون الصورة البيانيّة لتنقّله في الجغرافية: إنطلاقاً من المجمع مروراً بكلّ الأمكنة وصولاً إلى بيتٍ استأجره.
رؤية بولس للعالم تجعلنا نتساءل: كيف أنّ هذه القرية الكونيّة لم يصلها نور البشارة بعد اليوم، رغم كلّ التسهيلات في المواصلات، في الأرض والجوّ وفي الإتصالات السلكيّة واللاسلكيّة.

ب - تقنيّة التقرّب من الذين يُبشّرهم
هذه التقنيّة هي بمثابة المفتاح، فإن عرفنا استعمالها استطعنا الدخول والإقامة والبشارة. وإلاّ فنحن نحكم على أنفسنا بالبقاء خارجاً وتخسر البشارة. تخسر لأننا حجّمناها وجعلناها عاجزة، ولأنها خسرت الناس الذين لم نُحسن الدخول إليهم. 
نذكر طبعاً مُراقفة الربّ لتلميذَي عمّاوس: دنا منهما ومشى معهما وفهم أنهما حزينَين وسألهما وسمع لهما وبعد كلّ هذه المسيرة بدأ يعاتبهما ويفسّر لهما.
هذا ما عاشه بولس مع كلّ الذين ذهب إليهم، بدأ معهم من حيث هم، وضع نفسه مكانهم، فهم مَن هم وما هي أفكارُهم وظروفهم ولمس انتظاراتهم الحياتيّة والمدنيّة والعقائديّة. إهتمامه بهم هو اهتمام شامل ومتكامل. بتعبير آخر اكتشف المفتاح الذي يسمح له بالدخول إلى هذا الإنسان وهذه البلاد وهذه الحضارة. مع اليهود بدأ من المجمع ومن الكتب المقدّسة، مع الفلاسفة في أثينا، بدأ من الساحات العامة والمناقشات والإله المجهول (17: 16-32) وقولُهم إنهم يستمعون إليه في وقت لاحق لا يعني بالضرورة أنه فشل معهم، مع السجّان بدأ بالتسبيح والرضى ورفْض الهرب (16: 25-28)، وذهب إلى ضفّة النهر وجلس يتحدّث إلى النساء المجتمعات هناك ويقول سفر الأعمال: ((فتح الله قلبها لتُصغي إلى كلام بولس)) (16: 13-14).كيف تكلّم بولس حتى قال لوقا إن الله فتح قلبها؟ بولس تكلّم مع كلّ إنسان إنطلاقاً من حالته ولم يغفل عن أي إنسان: نراه في حضرة الملك أغريباس يدافع عن نفسه- بل قل يبشّر- وهولم ينسَ أن يتوجّه إلى كلّ الحاضرين (26: 29) ويتكلّم مع كلّ الإنسان (فكر، قلب، ذاكرة، إرادة، حضارة). 
أولى الخطوات في التبشير هي أن يؤمن الآخر أنّنا نحبّه ونحترم فرادته، عندها يُزيل القناع الذي يخبّئ وجهه الحقيقيّ ويرمي من يديه سلاح الدفاع. من هنا نفهم أنّه لا يبشّر حيث سَمِع الناس باسم يسوع (روم15: 20). والمرّة الوحيدة التي يذكر سفر الأعمال أن بولس بشّر فيها على أساس غيره هي أفسس (19: 1-10) وبادر فيها بالأسئلة المباشرة: ((هل نلتم الروح القدس؟ أي معموديّة تعمّدتم؟)) ومن هنا نفهم أنّه يتعهّد غرسة الإيمان ويربّي كالأم "ما تمكّنت أن أكلّمكم مثلما أكلّم أناساً روحانيّين، بل مثلما أكلّم أناساً جسديّين هم أطفال بعد في المسيح. غذّيتكم باللبن الحليب لا بالطعام، لأنكم كنتم لا تطيقونه ولا أنتم تطيقونه الآن (1كور3: 1-2). ومن هنا أيضاً نوعيّة العلاقة العميقة التي صارت بين بولس والذين بشّرهم فصاروا شركاء معه وحاملين همّ البشارة.
ج - لغات التعاطي
استعمل بولس لغة التعبير الشاملة: لغة الفكر والقلب والجسد والكلام، لوعيهِ الإرتباط الجوهريّ بين المعنى والتعبير. استعمل لغة الشهادة والمَثَل والمعاملة كما استعمل لغة الكلام في مستوياتها العديدة.
أولى كلماته أنّه صار مشهداً، وهذا التعبير التبشيريّ كان محبّباً عنده ونراه يستعمله حتى نهاية حياته: يترك نفسَه يُنزَل في قفّة في أورشليم (9: 25)، ويقوده التلاميذ إلى قيصريّة هرباً من اليهود المحاولين قتله (9: 29-30)، ويرفض أن يفدي نفسه بالمال مع فيليكس الحاكم (24: 26)، ويعمل مع برسكيلا وأكيلا في صناعة الخيام (18: 3)، ويجمع الحطب في مالطة (28: 3). رسول يضع يده في العجين هذه هي أولى لغّات التعاطي عنده.
طريقته الثانية هي لغة التعاطي مع المناسبات وعيشها على أنّها لغة قادرة على حمل البشارة. لم يترك حَدَثاً عاشه إلاّ ونقل من خلاله فرح اللقاء بالقائم من الموت: إستعمل جنسيّته الرومانيّة وخبرة سجنه والعاصفة التي تعرّض لها قبل وصوله إلى مالطة. التعاطي مع المناسبات هو فنّ اصطياد الوقت المناسب والمكان المناسب واللغة المناسبة. وهو يفترض أن الرسول يرى وينتبه إلى التفاصيل ويحلّلها ليستنتج من خلالها. 
والتعاطي مع المناسبات يعني حتماً التأقلم السريع مع المستجدّات: أمام تأليه الناس له في لسترة بعدما شفى الكسيح أخذ يعلن إيمانه بالله الحيّ الخالق (14: 14)، ويتحدّى الروح العرّاف (16: 16-24)، تركه برنابا فاختار سيلا (15: 40)، تعرّض لخلاف وجدال شديد مع اليهود في شأن الختان فذهب إلى أورشليم يراجع الرسل والشيوخ (15: 1-2)، سمع أنّ اليهود تآمروا على قتله فغيّر طريقه (20: 3)، ورفع دعواه إلى القيصر (25: 11).
وطريقته الثالثة تأتيه من غنى علمه ومعرفته للّغات المتداولة في عصره، فيستعمل العبريّة أو اليونانيّة بحسب ما يريد فتح الحوار. وينتقل فيها من الكلام الإخباريّ، إلى كلام الشهادة، إلى السؤال، إلى الأخلاقيّات، إلى تفسير الكتاب المقدّس، إلى شرح العقيدة.

د - التعاطي مع الكتب المقدّسة
معرفته الواسعة للكتب المقدّسة التي كانت في أساس اضطهاده لمذهب الربّ كما يقول لوقا، هي الحظّ الكبير الذي اغتنى منه شخصيّاً للوصول إلى الفَهم، وهي الجسر الذي قدّمه لليهود ليعبروا من الشريعة إلى شخص الربّ يسوع.
إنطلق من الكتب المقدّسة على أنّها الشريعة ولكنه التقى في النهاية بوجه حيّ، حاضر وفاعل من خلال كلمته وكنيسته. ويعود الفضل طبعاً لتدخّل الربّ في هذا التغيير العميق ولكن أيضاً لمحبّة بولس للكلمة ولصدقه في التفتيش عن عميق معناها ودرسها والإختصاص بها. هذا أوّل اتّصال له بالكتب المقدّسة، وهو في أولويّة برنامجه الرسوليّ: ((أجعل كلمة الله معروفة تمام المعرفة)) (كول1: 25ب) وتصير الكلمة رسالة مكتوبة في القلوب (2كور3: 2). وهذا ما يوصي بـه تلميذه تيموتاوس: ((ناشدك أمام الله الرب يسوع المسيح... أن تُبشّر بكلام الله وتُلحّ في إعلانه بوقته وبغير وقته وأن توبّخ وتُنذر وتعظ صابراً كلّ الصبر في التعليم)) (2 تيم 4: 1-2)، ((لأنها- الكتب المقدّسة- قادرة على أن تُزوّدك بالحكمة التي تهدي إلى الخلاص بالإيمان بالمسيح يسوع. فالكتاب كلّه من وحي الله يفيد في التعليم والتفنيد والتقويم والتأديب في البرّ)) (2تم 3: 15-16). والتعاطي مع الكتاب المقدّس هو للبنيان لا للمماحكات والمناقشات التي يصدر عنها الحسد والشقاق والشتائم والظنون السيّئة ( 1تم 6: 4)، وهو للتعليم والتنبيه والصلاة: ((لتحلَّ فيكم كلمةُ المسيح بكلّ غناها لتعلّموا وتنبّهوا بعضكم بعضاً بكلّ حكمة ...رتّلوا المزامير)) (كول 3: 16). لأنّ كلمة الله هي سيف الروح (أف 6: 17).
يبدأ تبشيرَه مع اليهود من الكتاب: يُخبر، يقرأ التاريخ، يفسّر، يشهد، يطرح سؤال، (يفجّر الموقف بين الفرّيسييّن والصدوقيّين ليصلوا إلى عمق المعنى ويتخطّوا الشريعة ((ربما الذي يقوله بولس من الله)) (23: 6-9)، يُرجع سامعيه إلى الكتاب كما حصل في بيريه ((أخذوا يفحصون الكتب المقدّسة كلّ يوم ليعرفوا صحّة تعاليم بولس وسيلا)) (17: 11). 
ويصل إلى استنتاجات إيمانيّة عقائديّة، يربط كلّ الكتاب بوجه يسوع الذي اختبَرَه، ((ويبيّن لهم كيف كان يجب على المسيح أن يتألّم)) (17: 1-9). ويستعمل صور من الكتاب ليوضح تعليمه: هاجر وساره (غلا 4: 24). وينتقي الألفاظ لئلاّ تكون حجر عثرة لهم، فيقول عن حننيا إنه رجل تقيّ متمسّك بالشريعة، يشهد له جميع اليهود في دمشق (22: 12) ولا يذكره أمام الملك أغريبّاس (26: 12-18) وبينما لوقا يقول إنه تلميذ للربّ (9: 10)، ويستعمل كلمة إله آبائنا في حديثه مع اليهود (22: 14) بدل كلمة الربّ يسوع (9: 17) ويضع على فم الربّ: قال لي سأرسلك إلى غير اليهود (22: 21).
ومع غير اليهود، يقدّم بولس الكتاب من غير أن يرجع إليه مباشرة. يقدّم القيَم والمبادئ و"يتحدّث عن الصلاح والعفّة ويوم الدينونة فيرتعب فيلكس الحاكم (24: 25)، وينتقل من الدفاع عن نفسه إلى التبشير المباشر ما يجعل الملك أغريباس يسأله ((أبقليل من الوقت تريد أن تجعل منّي مسيحيّاً (26: 28) ويجعل فستس الحاكم يختصر كلّ بشارته بجملة: رجل مات اسمه يسوع وبولس يدّعي أنّه حيّ)) (25: 9).
تعاطيه مع الكتاب يختصر شخصيّته وروحانيّته: هو المعلّم الفرّيسيّ بجدارة، وهو الإناء المختار ليقول الجديد الذي ما قالته الشريعة، وقاله الإبن الذي اختاره وجعله رسولاً.
ومن هذا المنطلَق نرى في اختبار بولس مع الكتاب مدرسة لنا في التعاطي التبشيري: لا بشارة خارج عن الكلمة، ولكن لا أية طريقة في استعمال كلمة الله. 

هـ - المرافقة في الإيمان 
يتعامل القديس بولس مع نقل البشارة إلى الاخرين تعامله مع كائن حيّ: يحضّر له المكان والقلوب ويبقى يتعهّده لينمو وينضج ويعطي الحياة. البشارة هي كائن حيّ والآخرون أيضاً. 
من هنا نراه يمرّ مروراً أوّل، يقيم مع الناس ويتكلّم ويبشّر ويُثير البلبلة وتنقسم المدينة بسببه... وينسحب ولكنّه يبقى على علمٍ بكلّ ما يصير، ويُرسل المعاونين والرسائل. ويعود شخصيّاً "يتفقّد الإخوة ويطّلع على أحوالهم)) (15: 36)، ويشجّع (14: 22) ويقوّي العزائم (15: 41) ويوبّخ (غلا 3: 1) و((يجمع الكنيسة ويخبر بكلّ ما أجرى الله على يده ويد برنابا)) (14: 27) ويبلّغ رأي كنيسة أورشليم (16: 1-5) ويخلق جماعة رسوليّة (20: 1-11). يُنظّم الجماعة والعمل الرسوليّ: ((أرسل إلى مكدونية اثنين من معاونيه أمّا هو فتأخّر مدّة في آسيا)) (19: 22)، ((سبقونا إلى ترواس وانتظرونا هناك أمّا نحن فسافرنا في البحر من فيليبّي)) (20: 5-6)، ويختار سيلا (15: 36) وتيموتاوس (16: 1-5)، ويعلّم التنظيم لدرجة أنّ مرافقيه صاروا ينظّمون أموره "أنزلونا في بيت مناسون القبرصيّ وهو تلميذ قديم(21: 16). ويعرف كيف يحافظ بحكمة على التوازن مع السلطة المدنيّة ويبرهن بحياته أنها من قلب مخطط البشارة، ويوصي باحترامها.
وينفرد بالتلاميذ في أفسس ويحادثهم كلّ يوم في مدرسة رجل اسمه تيرانوس ودامت هذه الحال مدة سنتين (19: 9)، ويقيم في كورنتس سنة وستة أشهر يعلّم الناس (18: 11). ويعيّن قسوساً (14: 23) ويصلّي ويصوم مع الجماعة ويلتقي شيوخ الكنيسة في أفسس (20: 17) ويكسر الخبز في ترواس ويُطيل الكلام إلى منتصف الليل (20: 7).
وقلب خدمة التدبير ومحرّكها هو أنه يصغي إلى الروح ويفهم ويبدأ بالتنفيذ ويُحمّس الكلّ معه.
وتأتي مجّانيّة البشارة لتأخذ المقام الأول في العيش وفي التعليم والتنشئة على سرّ المسيح، نسمعه يقول: 
((جاء في شريعة موسى: لا تضع كمامة على فم الثور وهو يدرس الحبوب. ...من أجلنا كُتب ذلك ومعناه: على الذي يفلح الأرض والذي يدرس الحبوب أن يقوما بعملهما هذا على رجاء أن ينال كلّّّ منهما نصيبه منه...ألا تعرفون أنّ من يخدم المذبح يأخذ نصيبه من الذبائح؟ وهكذا أمر الربّ للذين يُعلنون البشارة أن ينالوا رزقهم من البشارة. أما أنا، فما استعملت أيّ حقّ من هذه الحقوق...أنا أفضّل أن أموت على أن يحرمني أحد من هذا الفخر. فإذا بشّرت، فلا فخر لي، لأنّ التبشير ضرورة فُرضت عليّ، والويل لي إن كنت لا أُبشّر. إذا كنت لا أبشّر بإرادتي بل أقوم بوصيّة عُهدت إليّ، فما هي أجرتي؟ أجرتي هي أن أبشّر مجاناً وأتنازل عن حقّي من خدمة البشارة)) (1كور9: 9-18). 
بالنسبة لبولس، لا يُعقل أن يكون للبشارة بدل أتعاب أو مكافأة من الناس، وحتى السَنَد والمعونة الماليّة لم يكن ليقبلهما بسهولة. يذكر سفر الأعمال أنه قَبِل دعوة ليديا إلى بيتها بعد سجنه وقَبِل استضافة السجّان لـه ومعونة من كنيسة فيليبّي (يذكرها هو نفسه في الرسالة) ولكنه يُضيف: فرحت في الربّ عندما رأيت أنكم عدتم أخيراً إلى إظهار اهتمامكم بي...ولا أقول هذا عن حاجة، لأني تعلّمت أن أقنع بما أنا عليه...(فل 4: 10-11). نفهم شيئين أساسيّين: أنه لا يقبل بسهولة عطيّة من أحد، وإن قَبِل فهو يقول شيئاً آخر - وهنا بالتحديد لأهل فيليبّي، حيث عانى الأمرّين - هو يقول صفحه عنهم ومحبّته لهم لأنه يقبل معونتهم. هذا الموقف الجذريّ من المال في العمل التبشيريّ، يعتبره بولس من الأساسات الجوهريّة، لا من الأخلاقيّات والنصائح، لئلاّ يُعطََّل الفخر بالبشارة وليبقى رأسها مرفوعاً ويدها حرّة وصوتها عالٍ.
لكن، في الموضوع نفسه، نراه يهتمّ جداً بالإعانات للإخوة القدّيسن في أورشليم، ويشجّع على العطاء السخيّ، ويوبّخ ويُحرج البخلاء وغير المتحمّسين على العطاء: ((قيامكم بهذه الخدمة المقدّسة لا يقتصر على سدّ حاجات الإخوة القدّيسين، بل يفيض منه حمد جزيل لله. وهذه الخدمة امتحان لإيمانكم، يجعلهم يمجّدون الله على طاعتكم في الشهادة ببشارة المسيح وعلى سخائكم في إعانتهم وإعانة الآخرين جميعاً)) ( 2كور 9: 12-13). 

خاتمة 
المثال التبشيريّ الذي يقدّمه بولس يجمع بين ديناميّتين: 
- ديناميّة النوعيّة التي تطاول الشهادة والمعنى، وحركتها تصاعديّة، تأتيه من الربّ وينمو فيها في انشداد صوب الربّ، ويصل إلى نضج اإنسان الروحيّ الموحّد.
وديناميّة النوعيّة التي تطاول طريقته في التعاطي والتي تجمع حبَّ القضيّة والتقنيّة، وحركتها أفقيّة: يخرج إلى الآخر ويُخرجه من صمته وجموده فيدخل في العلاقة الإيمانيّة.
والتقاء هاتين الحركتين هو في شكل صليب.
والديناميّة الثانية هي الحركة اللولبيّة المتكاملة بين الشهادة والمعنى وطريقة الإتّصال. 
وسرُّ نجاحه يكمن في التوازن الدائم بين هاتين الديناميّتين، وهو فعلاً مدرسة أمامنا ليكون لنا رغبة في التبشير والتعب من أجل السيّد، وليكون عندنا فنّ جذب الآخرين إلى المعلّم فنحبّه كما يليق أن يُحبّ ونخدمه بأفضل الطرق والوسائل. 
((إنّ الله يعمل فيكم ليجعلكم راغبين وقادرين على إرضائه)) (فل 2: 13)
الفصل الثالث عشر


نزع السُطُر عن اللغة الإسكاتولوجية
ا تس 4: 13 - 18

السُطُرة التي تُجمع سُطُر هي كلمة مُستحدثة تعني رواية بعض نصوص الكتاب المقدس باسلوب تصويري يستند إلى الصور الأدبية المعروفة؛ علينا ان نُميّز بين السُطُرة والأسطورة، فالأسطورة تروي أخباراً خرافية وخيالية لا تمتّ إلى الواقع بصلة في حين ان السُطُرة تتضمّن في طيّات اخبارها المصوّرة تعليماً لاهوتياً عميقاً.
في رسالته الأولى إلى اهل تسالونيكي ( ا تس 4: 13-18)، استعان القديس بولس بالسُطُر ليشرح مجيء المسيح الإسكاتولوجي وذلك باستعماله بعض الصور الجليانية؛ سنعرض في البداية وصف بولس السُطُري لمجيء المسيح ثمّ سنحاول ان نتعرّف إلى المصادر التي استقى منها الرسول ليعرض وصفه السُطُري؛ هكذا نستطيع ان نفهم المعنى اللاهوتي لظهور الرب وتجلّيه امام المؤمنين؛ في النهاية، سنتوقّف عند بعض النتائج الرعوية التي يتضمّنها هذا النص.

أولاً: الوصف السُطُري لمجيء المسيح
تساءل اهل تسالونيكي حول مصير موتاهم، فوجّه بولس اليهم رسالته الأولى مُوضحاً مصير الأحياء والأموات ساعة مجيء الرب.
يُميّز بولس بين جيلين: جيل الراقدين(1) الذين ماتوا بالرب في تسالونيكي، وجيل الأحياء الذي يضمّ بولس والمؤمنين الباقين معه على قيد الحياة؛ يبدو ان بولس يريد القول ان مجيء المسيح الثاني سيحدث في وقت قريب جداً: عند تجلّي الرب في السماء سيكون الأموات اوفر حظاً من الأحياء، لأنهم سيُلاقون الرب الآتي قبل المؤمنين الأحياء. استعان بولس في تحليله ببعض الصور الرؤيوية، فظهرت السُطُر في تعليمه؛ وبالفعل سترافق
مجيء المسيح الأمور التالية: يهتف رئيس الملائكة ويُنفخُ في بوق الله ، فيقوم الأموات اولاً للقاء المسيح (آ 16) ويُخطف الأحياء في السُحب لملاقاة الرب في الهواء (آ 17).
يؤكّد بولس انه يُعطي تعليمه حول مجيء المسيح الثاني استناداً إلى قول الرب(2) ( آ 15)؛ نحن نعلم ان الإنجيليين لم يذكروا هذا الوصف الاحتفالي لمجيء المسيح ولقاء المؤمنين به، فمن اين وصل قول الرب إلى بولس؟ هل يستند بولس إلى تعليم الأناجيل(3) بشكل عام؟ هل يستشهد بولس بكلام قاله المسيح ووصل اليه عبر احد التقاليد التي يجهلها الإنجيليون؟ هل يستند بولس إلى وحي(4) ناله من المسيح القائم من بين الأموات؟ هل هو كلام نبوي نابع من الكنيسة؟ 
ما يمكننا ان نقوله هو ان هذا الوصف لمجيء المسيح يستند بشكل اساسي إلى وحي شخصيّ ناله الرسول من المسيح القائم من بين الأموات؛ غير انه لا يمكن الاعتبار ان المسيح قال حرفياً هذا الكلام والبرهان على ذلك وجود كلمة نحن في آ 17؛ فلو كان المسيح يتكلّم لكان من المفروض ان يتوجّه إلى المستمعين بصيغة المخاطب: ((أنتم))؛ كذلك نجد عبارة ((الرب نفسه)) ( آ 16) بصيغة الغائب وهذا يُؤكّد ان بولس لا ينقل نفس الكلمات التي تفوّه بها يسوع. هذا يعني أن وصف بولس السُطُري المتعلّق بمجيء المسيح هو موهبة خاصة نالها الرسول من المسيح القائم من بين الأموات، غير أنّ بولس عبّر عن الوحي الإلهي باسلوب سُطُري تصويري يستند بشكل اساسي على ثقافته المتعددة الجوانب. هنا نتساءل: من أين استوحى بولس وصفه السُطُري لمجيء المسيح؟
ولكن إذا كان بولس يستند في وصف مجيء المسيح إلى وحي شخصي، كان من المفروض أن يشير إلى ذلك الأمر بصراحة كما فعل في الرسالة الأولى إلى اهل كورنتوس التي اشرنا اليها آنفاً، حيث يميّز بولس بين كلام الرب وتعاليمه الخاصة ( 1 كور 7: 10، 12؛ رج غل 2: 2). 
ثانياً: المصادر التي استقى منها بولس وصفه السطري لمجيء المسيح
انّ ولادة بولس في طرسوس لها تأثير كبير على ثقافته، إذ تعرّف هناك على الثقافة اليونانية وعلى التيارات الفلسفية؛ حين تطرّق الرسول إلى مجيء المسيح، من الطبيعي ان يستعين ببعض المعطيات التي يستقيها من الثقافة اليونانية. ولكنّ بولس هو يهودي في الولادة ( غل 2: 15) وقد تعلّم على يد جملائيل (أع 22: 3) طريقة الاستشهاد بالكتب المقدسة وكيفية تطبيقها على واقع الحال. سنحاول ان نعرض مدى تأثير الثقافة اليونانية والديانة اليهودية على وصف بولس السُطُري لمجيء المسيح. 

1 ـ استيحاء بولس من الثقافة اليونانية
يبدو ان بولس قد تصوّر مجيء المسيح على مثال الاستقبالات الاحتفالية التي كانت المدن اليونانية(5) تشهدها اثناء زيارة الملوك او الأباطرة الرومان لها. اننا نلاحظ انّ كلمة المجيء (باروسيا(6) هي غائبة عن الترجمة السبعينية ولا نجد ما يقابلها في التوراة العبرية؛ غير انّ الأدباء اليونان استعملوا بكثافة هذه الكلمة حين يجري الحديث عن زيارة الأباطرة أو الملوك للمدن اليونانية؛ كما أننا نجد كلمة أخرى في وصف بولس السُطري وهي ملاقاة (ابانتيسين) وهذه الكلمة هي خاصة بتلك الاستقبالات التي اشرنا اليها. حين زار نيرون(7) مدينة كورنثية، خرج أهل المدينة إلى لقائه باحتفال مهيب، وتخليداً لهذا المجيء العظيم، صكّوا النقود واعلنوا بداية حقبة جديدة.
كان بولس، بدون شكّ، على اطلاع بهذه الاستقبالات الاحتفالية، لذلك تصوّر ظهور الرب وتجلّيه على مثال هذه اللقاءات الفرحة: حين يأتي المسيح من السماء ويقترب من المدن الأرضية، سيخرج المؤمنون إلى ملاقاته ليستقبلوه باحتفال.
لا يمكننا ان ننفي تأثير الحضارة اليونانية على تفكير بولس، غير ان تعليم الرسول حول مجيء المسيح الثاني لا ينطبق تماماً على استقبال المدن اليونانية للأباطرة؛ اثناء الزيارات، كانت هذه المدن تستقبل العظماء في شوارعها المزينة وكانت تٌقام المآدب وتُمنح الحريات ولكنّ تصوير بولس لمجيء المسيح لا يُشير إلى مجيء الرب إلى الأرض؛ يقول الرسول انّ المؤمنين سيذهبون على السحب لملاقاة الرب في الهواء دون ان تكون هناك اشارة إلى اصطحاب المسيح الآتي في طريق العودة إلى المدن الأرضية. هل استقى بولس تعليمه من الحضارة اليهودية؟

2 ـ نقاط التقارب مع الرؤى اليهودية
ان معرفة بولس بالكتب المقدسة لها تأثير واضح على تعليمه حول مجيء المسيح، فالوصف السُطُري لمجيء المسيح يتضمّن عناصر عديدة مأخوذة من العهد القديم ومن الكتب الرؤيوية المنحولة.
مما لا شكّ فيه ان بولس يصف مجيء المسيح على خلفية ظهور الله في سيناء (خر19: 10- 18؛ تث 33: 2)؛ ينزل الله من السماء إلى جبل سيناء فيصعد الشعب العبراني للقائه على الجبل؛ يذكر هذا المقطع من سفر الخروج البوق والغيوم ونزول الرب واقتراب الشعب من مكان اللقاء، وهذا يؤكّد وجود تقارب بين حادثة سيناء(8) ومجيء المسيح.
من ناحية أخرى نلاحظ انّ الاختطاف العجائبي(9) نحو المناطق السماوية هو امر معروف في الكتب الرؤيوية وقد طبّقه بولس على خبرته الروحية في 2 كور 12: ،2 4.
كذلك يحتلّ البوق دوراً مهماً في ظهورات الله، فلا يمكن الكلام عن ظهور المسيح دون ذكر البوق(10)، غير ان البوق لا يلعب نفس الدور في ظهورات المسيح(11) . ونلاحظ دوراً مهماً للملائكة(21) في وصف بولس لمجيء المسيح، فالمسيح سينزل من السماء عند انطلاق صوت رئيس الملائكة المجهول الهوية(13)؛ يظهر رئيس الملائكة بكثافة في الكتب اليهودية المنحولة(14)، كما ان الكتب الرؤيوية تذكر عادة الملائكة حملة الأبواق(15). وتُشكّل الغيوم بدورها جزءاً من الأسلوب الجلياني خاصة بما يختصّ بمجيء ابن الإنسان المُستوحى من نبوءة دانيال(16)؛ ان الغيوم هي وسائل نقل تنقل المؤمنين إلى الهواء ليلاقوا الرب هناك.
باختصار نقول ان التقارب بين تعليم بولس حول مجيء المسيح وبين حادثة سيناء والكتب الرؤيوية هو واضح كما عرضنا أعلاه؛ ولكننا نجد اعتراضاً على هذا التقارب، فالغيوم في سيناء لا تنقل الناس إلى لقاء الرب، بل هي تغطي الشعب الصاعد إلى الجبل. ان الرسول الذي أراد الكلام عن مجيء المسيح، قد استعان بعدة عناصر خاصة بالكتب الرؤيوية اليهودية التي تتكلّم باستمرار عن الملائكة حملة الأبواق، والغيوم وغيرها، واستوحى الرسول أيضاً من الحضارة اليونانية فظهر تعليمه في لوحة غنية امتزج فيها الوصف السُطُري بالتفكير الشخصي الموُحى.

ثالثاً: توضيح بولس حول مجيء الرب في الرسالة الثانية إلى اهل تسالونيكي
أحدثت الرسالة الأولى إلى اهل تسالونيكي بلبلة بين بعض المؤمنين الذين تبنّوا موقفاً مغلوطاً ومفهوماً خاطئاً لتعليم بولس حول مجيء المسيح؛ وبالفعل انتشرت الفكرة القائلة ان يوم الرب قد دنا من رسالة أو نبوءة أو قول منسوب إلى بولس (2 تس 2: 2). لن نتطرّق إلى صحة نسبة الرسالة الثانية إلى اهل تسالونيكي إلى بولس ولا إلى سنة كتابتها ولكننا نقول ان المؤمنين في تسالونيكي لم يفهموا كلام بولس على حقيقته، ولم يستطيعوا ان يميّزوا السُطُر التي وردت في كلامه؛ عرفت الكنيسة الأولى انبياءها الذين كانوا يتنبّأون (1 كور14: 3 - 4، 26 - 30) ومن المحتمل ان يكون احد هؤلاء الأنبياء قد شرح مجيء الرب بطريقة توحي انه قريب جداً؛ حين وقعت البلبلة، انبرى بولس يصحّح الخطأ المنتشر في تسالونيكي، فكتب رسالته الثانية إلى هذه الكنيسة عارضاً تعليمه بشكل واضح وموسّع عن مجيء الرب في حين انه كان قد تطرّق إليه بشكل عابر في الرسالة الأولى. 
يمكننا أن نعتبرأن الرسول حاول أن ينزع السُطُر عن لغته الإسكاتولوجية التي استعان بها ليشرح مجيء المسيح الثاني ولكنّ شرح بولس اللاحق لا يخلو من التعابير الرؤيوية المأخوذة من الرؤى اليهودية: ان مجيء المسيح ستسبقه احداث معروفة وظاهرة يمكننا ان نشعر بها وهي الكفر وظهور رجل المعصية. ان الزمن الحاضر ليس زمن رجل المعصية لأن الوقت لم يحن ولأن العائق يعوق رجل المعصية من الظهور، فيجب أن ننتظر زوال العائق. 
لن يكون مجيء المسيح قريباً لذلك يجب أن ننتظر فترة ملحوظة من الزمن. أضحى تعليم الرسول واضحاً، ولكنّ المشكلة ما تزال هي هي، لأنّ توضيح بولس اللاحق لرسالته الأولى يستند على الأسلوب الرؤيوي، فالرسول يستعين بالصور الجليانية في رسالته الثانية؛ وإذا اخذنا بعين الإعتبار ان متى شرح، هو بدوره، مجيء المسيح بواسطة الصور الرؤيوية السطرية ( مت 24: 30- 31)، فهذا دليل ان كتّاب العهد الجديد لم يستطيعوا ان يتصوّروا مجيء المسيح دون الاستعانة بالصور الرؤيوية المعروفة التي تتضمنّ في طياتها السُطُر.

رابعاً: الإسكاتولوجيا ام الكريستولوجيا في وصف مجيء المسيح السطري
انّ الأسلوب التصويري السُطُري الذي استعمله بولس في وصف مجيء المسيح الثاني، يُوحي لنا، للوهلة الأولى، ان وجهة التعليم هي إسكاتولوجية، وكأنّ الرسول يريد ان يصف وصفاً دقيقاً الأحداث السابقة والمرافقة لهذا المجيء؛ غير انّ القراءة الدقيقة لتعليم الرسول تكشف انّ الكريستولوجيا هي التي تشغل باله. انّ نقطة انطلاق بولس في تحليله ترتكز على موت المسيح وقيامته (آ 14)؛ انّ موضوع الإيمان الذي يجري الحديث عنه، هو الإيمان بيسوع الذي مات ثمّ قام، فالموت يرتدي قوة خلاصية في اطار التبشير بقيامة المسيح (1 كور 15: 3). كذلك نلاحظ انّ الذين ماتوا في تسالونيكي هم موتى في المسيح (آ 16): ان الموت في يسوع يعني المرور به كونه الوسيط(71) لِنِعَم الخلاص. 
من جهة اخرى نجد امراً يلفت انتباهنا وهو انّ بولس حين يصف ذهاب الأحياء والأموات إلى لقاء الرب، لا يقول لنا اين ينتهي المسار الذي يسلكه هؤلاء المؤمنون ولا يشير إلى الدينونة في نهاية هذا المسار الذي يقود المؤمنين للقاء الرب؛ بعد اللقاء بالمسيح الآتي من السماء، يقول بولس: ((هكذا نكون مع الرب دائماً أبداً)) (آ 17): لا يريد الرسول ان يصف المكان الذي سيُقيم فيه الذاهبون للقاء الرب، بل يصف بولس الحالة التي سيكون بها المؤمنون بعد هذا اللقاء، وهذا دليل ان بولس يهتمّ بإقامة المؤمنين مع المسيح اكثر من تشديده على كيفية ذهابهم للقاء الرب(18). هكذا لا نستطيع ان نركّز انتباهنا على البوق والملائكة وكيفية اختطاف المؤمنين في الغيوم، لأنّ الرسول يدعونا إلى الإيمان بانّ الرب سيأتي شخصياً للقاء المؤمنين الذاهبين للإقامة معه.
ان التشديد على قيامة المسيح في هذا النص، وعلى ضرورة الموت بيسوع والإقامة الدائمة معه في الهواء هي امور تؤكّد ان هدف بولس التعليمي في هذا النص ليس إسكاتولوجياً بل هو هدف كريستولوجي، فالإسكاتولوجيا تبدو وكأنّها نتيجة لها ارتباط وثيق بقيامة المسيح التي تُشكّل الضمانة لقيامة المؤمنين ولقائهم بالرب.

خامسًا: الوجهة الرعائية في تعليم بولس
ان الهدف التعليمي للوصف السطري لمجيء المسيح ترافقه وجهة رعائية، لأن غاية الرسول هي تهدئة قلق المؤمنين في تسالونيكي حول مصير موتاهم؛ ان الحزن الذي وقع فيه اهل تسالونيكي يجعل هؤلاء المرتدّين إلى الإيمان يُشبهون سائر الناس الذين لا رجاء لهم. من الطبيعي أن يحزن المؤمنون على فقد موتاهم، ولكن عليهم أن يحزنوا في الإطار الذي سيرسمه لهم الرسول، وهذا الإطار يحمل رسالة عزاء: حين يعرف المؤمنون مصير موتاهم عند مجيء المسيح سيتحوّل حزنهم إلى رجاء بلقاء المسيح والبقاء معه دائماً. هذا ما دفع بولس لكي يختم تحليله بقوله: ((فليشدّد بعضكم بعضاً بهذا الكلام)) (آ 18)؛ يهدّئ بولس قلق المسيحيين في تسالونيكي وفي الكنيسة على مرّ العصور من خلال كلام التعزية الذي ينقله اليهم، فيظهر الرسول راعياً حقيقياً يسهر على تنظيم حياة الجماعة على ضوء الإيمان بيسوع المسيح القائم من بين الأموات. لا يجب ان تحزن كنيسة تسالونيكي على موتاها في إطار خال من الرجاء، لأن مصير الراقدين سيكون بقرب الله والرب يسوع فلا ضرورة للحزن، بل يجب ان يكون في تسالونيكي رجاء بقيامة الموتى ليعيشوا الحياة الدائمة مع المسيح القائم من بين الأموات.
بعد ان يَطمَئِنّ اهل تسالونيكي إلى مصير موتاهم، عليهم بدورهم أن يعزّوا بعضهم بعضاً بواسطة الكلمات التي تعلّموها. لا يهتمّ بولس بوصف مجيء المسيح الإحتفالي، بل يركّز اهتمام القرّاء على نصائح هدفها تشجيع وتعزية المؤمنين الذين يعيشون في الحداد؛ لقد استعمل بولس السطر في خدمة الأهداف الرعوية.

خاتمة
ان وصف بولس السُطُري لمجيء المسيح ينطوي على مستويين: المستوى الأول هو تعليمي يتضمّن تحليل الرسول حول موضوع قيامة المسيح وقيامة المؤمنين به وذهابهم إلى لقائه في مجيئه الثاني، والمستوى الثاني تصويري يتضمّن السُطُر التي استعان بها بولس للوصول إلى هدفه التعليمي؛ امتزج المستويان فظهرا سوية في لوحة رائعة. انّ نزع السُطُر عن اللغة الإسكاتولوجية يقضي بان نُميّز بين هذين المستويين لكي نصل، من خلال السُطُر التي استعملها بولس، إلى وجهة النص الكريستولوجية التي يريد الرسول ان يعلّمها لقرّائه، وهذا ما حاولنا ان نظهره في عرضنا. لا ريب انّ نزع السُطُر يساعدنا على فهم معظم نصوص العهد الجديد التي تستعمل هذا الأسلوب التصويري السُطُري.
الفصل الرابع عشر
بولس والشريعة
أبحاث معاصرة حول العالم اليهودي
في زمن القديس بولس


بولس والشريعة، مسألة لاهوتيّة وتأويليّة لم يعالَج مثلها مسألةٌ في زمننا الحاضر. وقد خصّص لها ثلاثةُ كتّاب مؤلَّفات هامّة، منذ عشرين سنة تقريبًا: هوبنر(1)، سندرز(2)، رايزاين(3). ما قدّمه هؤلاء المؤلّفون كان السبب في حركة مدّ وجزر تركت الكتب العديدة(4). فالمرمى مهمّ جدًا. فهناك أولاً الخلقيّة(5) المسيحيّة والمكانة التي تحتلها فيها وصايا العهد القديم. كما أن هناك العلاقة بين العالم المسيحيّ والعالم اليهوديّ.
إن مواقف المفسّرين العديدين الذين انكبّوا على دراسة هذه المسألة، متباعدة جدًا. ففي الكلام عن الشريعة، قد يرى الواحد في بولس امتدادًا حقيقيًا للخلقيّة اليهوديّة، بعد أن احتفظ للمسيحيين بجوهر وصايا التوراة في المعنى الحصري. وفي الطرف الآخر، يجعلون من بولس انتيناموسيًا، مناوئًا للشريعة، والمتعلّق تعلّقًا كبيرًا بخلقيّة بدون شريعة. وعلاقات بولس مع العالم اليهوديّ تقف داخل لائحة واسعة جدًا: تصوّر بعض المؤوّلين والمؤرّخين بولس، على أنه فرّيسي حقيقيّ، يتّحد اتحادًا عميقًا على مستوى الفكر والروح مع المثقّفين اليهود في القرن الأول المسيحيّ. بينما يؤكّد آخرون أنه لم يفهم شيئًا تقريبًا من العالم اليهوديّ في عصره.
سنحاول أن نلقي بعض الضوء على هذا الجدال. ولكن من الواضح أننا لن نقدر في هذه الحلقة المتعدّدة الاصوات، أن نقدّم حلولاً أفضل من تلك التي قدّمها آخرون.

1 - تعابير لامتوافقة في الظاهر
في المحاضرة السابقة(6)، أشرنا إلى واقع يقول إن بولس لا يخشى أن يقدّم آراء عن الشريعة، في تعابير تحمل سمة المفارقة. وها نحن نقوم بجردة على مدّ الرسالة إلى رومة. فقد سبق وأبرزنا التوافق الظاهر بين المقطعين الأولين اللذين نعود إليهما.
استعمل بولس لفظة ((شريعة))(7) (ناموس) للمرة الأولى، في روم، ليقدّم عنها بالاحرى نظرة إيجابيّة: ((جميع الذين خطئوا بدون ناموس، فبدون ناموس أيضًا يهلكون، وجميع الذين خطئوا في نظام الناموس، يدانون بالناموس. فليس السامعون للناموس يبرّرون أمام الله. إنما العاملون بالناموس يبرّرون)) (2: 12-13). فالناموس الذي هو موضوع الكلام هنا هو الناموس اليهوديّ. وهو يقدّم هنا كشرط العمل الخلقيّ. بعضهم خضعوا له: هم اليهود. لهذا، هم يدانون حسب معايير تتوافق والناموس. أما الوثنيّون فلم يخضعوا للناموس. لهذا، هم يدانون حسب معايير أخرى.
ولكن بعد ذلك بقليل، يستعمل النصّ في كلامه عن الشريعة تعابير ليست أبدًا في صالحها: ((لا يبرّر أحدٌ أمامه (أمام الله) بأعمال الناموس)) (3: 20). رأينا أن بولس هيّأ، بهذا القول، الطريق لاعلان التبرير بالايمان، وهو اعلان يأتي حالاً بعده، في 3: 21.
هل يستنتج بولس من هذا أن الشريعة لا تلعب بعدُ دورًا في النظام المسيحيّ؟ حاشا وكلا. فهو بعد أن صوّر خلاصًا يعني جميع البشر، مختونين ولا مختونين (أي اليهود وغير اليهود)، طرح السؤال: ((هل ننزع بالايمان كل قيمة للشريعة))؟ وأجاب: ((بل بالأحرى نثبت الشريعة)) (روم 3: 31). ولكي يبيّن أنه يثبتها، خصّص فصلاً كاملاً لكي يقدّم براهينه منطلقًا من الشريعة، من التوراة اليهوديّة التي تعني أبا الآباء ابراهيم (روم 4). ونستطيع أن نوجز البرهان بالشكل التالي، ونحن نرجو أن لا نفرط في تبسيطه: أكّد سفر التكوين أن ابراهيم أعلن بارًا لأنه آمن بالله (تك 15: 6). إذن، هي التوراة نفسها تؤكّد أننا نتبرّر بالايمان، لا بأعمال الشريعة. إذن، التبرير بالايمان يتوافق مع الشريعة.
ومع ذلك، فالخبرة تبيّن أن الشريعة تحرّك تجاوز الشريعة (4: 15). هي ترتبط ارتباطًا بالخطيئة (5: 13). بما أن ذاك الذي يؤمن بيسوع المسيح قد خرج من منطقة تؤثّر فيها الخطيئة، فقد خرج أيضًا من منطقة تؤثّر فيها الشريعة. فاستطاع بولس أن يكتب في بداية ف 7: ((أما الآن وقد متنا عمّا كان يقيّدنا، تحرّرنا من الشريعة)) (7: 6). لا شك في أن الشريعة نفسها ليست خطيئة (7: 7). ولكنها تكشف الخطيئة، تعطيها قوّة لم تكن لها بدونها، تجعل الانسان في انشداد بين رغبته في عمل الخير وعجزه عن تحقيقه، كما قلنا أيضًا في المحاضرة السابقة. إذن هناك ((شريعة الخطيئة)) (7: 23) التي سيسمّيها بولس أيضًا بشكل أكثر سلبيًا: ((شريعة الخطيئة والموت)) (روم 8: 2). ولكن ليس هناك فقط تلك الشريعة. حينئذ يسمّي بولس شريعة أخرى. يدعوها ((شريعة الله)) (7: 22). أو أيضًا: ((شريعة الروح))، وهي تلك التي ((حرّرته من شريعة الخطيئة والموت)) (8: 2).
ولا نودّ أن ننهي هذه اللائحة دون أن نذكر أيضًا مقطعين يردان فيما بعد، في مسيرة النصّ. في المقطع الأول نقرأ جملة هي مثار جدال، ونجدها في الفصول المخصّصة لمصير اسرائيل وخلاصه (ف 9-11): ((المسيح هو غاية الشريعة)) (10: 4). في هذه العبارة، لفظة ((غاية))(8) هي ملتبسة. فقد تعني ((الهدف، المرمى)). حينئذ يكون المسيح ذاك الذي إليه تقود الشريعة. وتعني ((النهاية، الخاتمة)). هذا يعني عندئذ أن الشريعة تنتهي حين يكون المسيح هنا(9).
في المقطع الثاني، تحدّث بولس أيضًا عن الشريعة في الفصول التي يخصّصها للخلقيّة. بعد أن أورد عدّة وصايا من الدكالوغ، من الوصايا العشر، ((لا تزن، لا تقتل، لا تسرق، لا تشته))، أكّد أن كلمة واحدةً، هي محبّة القريب، تكمّل جميع هذه الوصايا (13: 8-10). نلاحظ هنا أنه يذكر الشريعة والوصايا لكي يتجاوزها. لأن الجملة التي يوردها من سفر اللاويين (19: 18) ((أحبب قريبك كنفسك)) توصف بأنه ((كلمة))، لا ((شريعة))، ولا ((وصيّة)).
وهكذا نرى التشعّب الكثير لهذه المسألة ((بولس والشريعة)) كما نكتشفها في نهاية هذا التعداد. فما هي إذن هذه الشريعة السلبيّة والايجابيّة التي تعمل دومًا بقوّة مع أنه سبق لها وانتهت؟ وما هي هذه الشريعة الأخرى التي يجعلها الرسول بجانب الأولى؟ هل هناك شريعة واحدة، أو شريعتان؟ ولم لا يكون هناك ثلاث شرائع؟
إن أردنا أن نرى الأمور بوضوح أكثر، نتوقّف على التوالي عند الرسالتين البولسيتين اللتين تتحدّثان عن الشريعة أكثر من سائر الرسائل: الرسالة إلى الغلاطيين والرسالة إلى الرومانيين: نحاول أولاً أن ندرك وضع الكنيسة الذي وُجد فيه القرّاء. وبالتالي، نُلقي الضوء على نصّ الكلام الذي وجّهه بولس إلى قرّائه.
2 - بولس والشريعة في الرسالة إلى الغلاطيين
إذا أخذنا بالفرضيّة التي تقول إن قرّاء غل هم كنائس غلاطية الشماليّة(10)، أي الكنائس التي بشّرها بولس خلال رحلته الرسوليّة الثانية، نكون أمام جماعات مسيحيّة تألّفت من مؤمنين جاؤوا من العالم الوثني(11)، ثم حاولوا بعد ذلك أن يتهوّدوا، أي أن يضمّوا إلى إيمانهم المسيحي بعض ممارسات الشريعة اليهودية: الختان، المحرّمات الطعاميّة، الاحتفال ببعض الاعياد.
وكانت مسألة ثانية مثار جدل: من أين جاء هؤلاء المنادون بانجيل يختلف عن إنجيل بولس؟ هل هم مسيحيون انتدبهم يعقوب وأرسلهم من أورشليم(12)؟ هل هم يهود قريبون من الاتجاه الفرّيسيّ، ولم يكونوا يومًا مسيحيين؟ هل هم من تيارات يهوديّة لا أرثوذكسيّة أقامت في الشتات؟ إن نص الرسالة لا يتيح لنا بأن نحسم المسألة.
وما هو واضح، هو أن الجواب الذي قدّمه بولس لتيّار شريعاني(13) يرى فيه بولس انحرافًا، يُبرز عرضًا للشريعة اليهوديّة، يرتبط بتاريخ الخلاص. عارض بولس الشريعة بالوعد(14). فالوعد هو أول في قصد الله، وأول حين نتكلّم على مستوى مسلسل الأحداث. هو يعود إلى ابراهيم. وهو الذي يحمل سلالة العهد. وموضوعه الروح القدس (غل 3: 14). والحال أن هذا الروح يقيم في جميع المؤمنين، لا في اليهود وحدهم. وضمّ إلى ابراهيم نسله(15)، وهو لفظ يستعمله بولس في صيغة المفرد فيدلّ في النهاية على يسوع المسيح، فوق سلسلة الوسطاء الذين ينطلقون من ابراهيم إلى المسيح. وفي الوقت عينه، لاحظ بولس أن الشريعة التي جاءت بعد الوعد بأربع مئة سنة (غل 3: 17) لا تلغي الوعد. بل هي خاضعة له.
وبعبارة أخرى، زمن الشريعة، كما تقدّمه غل، هو معترضة. يمكن أن توضع بين قوسين. لعبت دورًا تربويًا في وصول الشعب إلى النموّ. غير أن هذا الوضع لم يكن معدًا لكي يدوم (3: 24-25). ثم إن المربّي كان عبدًا في الحضارة اليونانيّة والرومانيّة. فهو نفسه كان محرومًا من الحرية. ونقل بولس غياب الحرية لدى العبد المربّي إلى غياب الحرية لدى الصبيّ الذي كلّف بتربيته، فقال: من خضع للشريعة كان وكأنه في الأسر (3: 23). ولكن حصلت لنا النجاة في المسيح، وزمنُ النضوج إذا شئنا، فلم يعد من مبرّر لنبقى خاضعين لهذا المربّي ولا لكي نجعل هذا الأسر يدوم. ففي المسيح أعطيت لنا الحرية. ((فالمسيح حرّرنا لكي نكون حقًا أحرارًا)) (5: 1).
ثم يجب أن لا ننسـى أحد الأقوال التي تبدأ مقال غل حول الشريعة: إن قيامة المسيح تُُثبت لعنة، تؤثّر في الشريعة. فشريعة كُتب فيها: ((ملعون من علِّق على خشبة)) (تث 21: 23. يرد في غل 3: 13)، تُصدر حكمًا ضمنيًا به تلعن المسيح المصلوب. ولكن المصلوب لم يُلعَن من قبل الله. بل عكس ذلك. فقيامته تقابل بركة. وبعبارة أخرى، إن اللعنة التي تلفظها الشريعة على المصلوب عادت إليها. فاستطاع بولس أن يتكلّم عن ((لعنة الشريعة))(16) مستعملاً المضاف الوضعيّ(17).
بعد هذا، ماذا يبقى من الشريعة في النظام المسيحيّ؟ لا نكونُ متطرّفين إن قلنا: لا يبقى منها شيء. قامت بخدمتها، فلم يعد من مبرّر لوجودها. في غل، اختلفت عبارات بولس عن عبارات استعملها في روم، فحاذر استعمال لفظ ((شريعة))(18) حين أراد أن يتكلّم عن الكتب المقدّسة اليهوديّة التي ينطلق منها لكي يقدّم براهينه. فانحصرت الشريعة في غل، في مجموعة وصايا عفّاها الزمن. ودعا بولس قرّاءه إلى أن لا يقولوا بشريعة أخرى سوى تلك التي يسمّيها ((شريعة المسيح)) (غل 6: 2)، وهي عبارة تتضمّن مضافًا(19)، هو موضوع جدال. هو بلا شكّ مضاف تفسيريّ(20) أو مضاف بدل(21). ويمكن أن نوضح العبارة فنقول: ((الشريعة التي هي المسيح)) أو ((الشريعة - المسيح)). فلا شريعة أخرى للمسيحيّ سوى المسيح نفسه. وهي لا تشبه أي شبه مجموعة وصايا مبنيّة بناء. والمؤمن لا يخضع لها بموقف ينتمي من بعيد أو قريب إلى الطاعة(22).

3 - بولس والشريعة والعالم اليهودي في الرسالة إلى رومة
قدّمت الرسالة إلى غلاطية عن الشريعة اليهوديّة وُجهة بدت في صوت واحد. فقد رأى فيها القرّاء الذين هم مسيحيون جاؤوا من العالم الوثني، شيئًا لا أساس له أخذوه من العالم اليهوديّ. والحال أن بولس يعتبر أن الانسان يستطيع أن يصير مسيحيًا دون أن يمرّ في اليهوديّة ويقبل الختان. في مثل هذه الظروف، ما احتاج الرسول أن يهذِّب نظرته إلى العالم اليهودي. فالتهوّد في نظر الغلاطيين هو عودة عبثيّة إلى ديانة ليست ديانتهم. ذاك هو الوضع الذي بدا واضحًا بعض الوضوح، في كنائس مسيحيّة أمميّة، أي كنائس آتية من العالم الوثنيّ.
ولكن الأمر يختلف بالنسبة إلى كنائس مؤلّفة من مسيحيين جاؤوا من العالم اليهوديّ. وقد تعقّد هذا الوضع الأخير أيضًا بمسائل ارتبطت بالتساكن بين حضارتين، بين كنيستين ممزوجتين، كنيستين جاء بعض مؤمنيها من العالم الوثني والبعض الآخر من العالم اليهوديّ. ذاك كان وضع الجماعة المسيحيّة في رومة. وها نحن نحاول أن نُوجز تاريخها، فننطلق منه لكي نذكر الأسئلة التي طُرحت في هذه الجماعة(23).
بُشّرت رومة في الاربعينات على يد مرسلين نجهل اسمهم. وكان اليهود بلا شكّ أول الرومان الذين لامستهم الكرازة الانجيلية، وهدتهم إلى المسيح. وبعد ذلك، انضمّ إليهم بعض الوثنيين الذين شكّلوا أقليّة في البداية. ولكن انضمام بعض أعضاء الجماعة اليهوديّة الرومانيّة إلى الانجيل، خلق انقسامًا في داخلها. ونتج عن ذلك،بين هاتين المجموعتين اليهوديتين، مواجهاتٌ تميّزت ببعض العنف، فانتهت بشكل واضح بقرار عرفه سواتانيوس. ((بما أن اليهود كانوا يثورون بدون انقطاع بدفع من خرستوس، طردهم (كلوديوس) من رومة(24) )). هناك جدال حول تاريخ هذا القرار. فقد يعود إلى بداية حكم كلوديوس، حوالي سنة 41-42. أو إلى حوالي سنة 49(25). وكانت النتيجة أنه وجب على المسيحيين الذين من أصل يهوديّ، أن يهربوا من مدينة رومة: لجأ بعضهم إلى الشّتات. والبعض الآخر عاد إلى الأرض اليهوديّة. ذكر سفر الأعمال في هذا المجال وصول برسكلة وأكيلا إلى كورنتوس ساعة بلغ إليها بولس نفسه (أع 18: 2-3). المسيحيون الذين لبثوا في رومة كانوا قلّة، وكانوا من أصل وثنيّ. فاعتادوا أن يعيشوا دون أن يراعوا عادات حضارية اعتاد عليها إخوتهم الذين من أصل يهوديّ. ومات كلوديوس سنة 54. وهذا ما أتاح ليهود رومة أن يعودوا إلى المدينة التي تركوها قبل ذلك الوقت ببضع سنوات. ولما وصلوا إلى هناك، وجدوا جماعة مسيحيّة نمت كثيرًا بعد أن انضمّ إليها أعضاء جدد جاؤوا كلهم، أو معظمهم، من العالم الوثنيّ. كان المسيحيون المتهوّدون الأكثريّة في المجموعة المسيحيّة ساعة اتخذ كلوديوس قرارًا بطردهم. وما عتّموا أن وجدوا نفوسهم أقليّة. وهذا ما خلق لهم صعوبات مع إخوتهم المسيحيين الذين من أصل وثنيّ. كانوا يعيشون على الطريقة اليهوديّة، فيراعون بشكل خاص القواعد الطعاميّة التي لا يرى المسيحيون الأمميّون لهم علاقة بها(26).
إن إعادة البناء التاريخيّ لهذه الأحداث تبدو سهلة حين نستعين بشهادات جانبيّة نجدها في سفر الأعمال وكتب التاريخ الرومانيّة. ونستطيع أيضًا أن نعرف، مع هامش بسيط من الخطأ، ما كان الوضع الدينيّ في جماعات رومة المسيحيّة. حين نتذكّر كبر المدينة، ونأخذ بعين الاعتبار أن المسيحيين لم يمتلكوا مباني كبيرة يجتمعون فيها، يجب أن نتكلّم بالاحرى عن جماعات مسيحيّة، في صيغة الجمع، لا في صيغة المفرد(27). ولكن تكبر الصعوبة حين نحاول أن نُدرك المناخ اليهوديّ الذي يعود إليه بولس في رومة حين يذكر الشريعة. هل يشير إلى الشريعة كما عاشها اليهود في رومة؟ أو إلى الشريعة كما عرفها بولس حين نال تربية دينيّة في شتات طرسوس؟ أو إلى الشريعة كما كان يعلّمها الفريسيون في أورشليم؟ إن الوجهات المتعدّدة للعالم اليهوديّ في القرن الأول، ترافقت (وهذا أمر لا يمكن تجنّبه) مع نظرات متعدّدة إلى الشريعة.
وكانت فرضيّة تقول إن هذه التعدّدية تشرح تنوّع أقوال بولس في الشريعة. ورث تيّارات وأفكارًا يهوديّة غير موحَّدة، فقدّم في روم نظرة إلى الشريعة جاءت قليلة التماسك(28). ولكن، مع أننا نوافق على وجود تعدّدية في مراجع الفكر البولسيّ، إلاّ أننا لا نستطيع بسهولة أن نقبل بكل بساطة بقول عن لاتماسك فكر بولس، قبل أن نستنفد سائر طرق البحث كلها.
وافترض مفسّرون آخرون أن بولس يصلّب موقف اليهود حين يذكر الرأي اليهودي الذي بحسبه ((يتبرّر الانسان بأعمال الشريعة)) (روم 3: 20). فاعتبر ساندرز أن ما من يهوديّ في عصره فكّر مثل هذا الفكر. بل إن العالم اليهوديّ الذي عاصر بولس، نادى بالاحرى بما سمّاه ساندرز ((شريعيّة العهد))(29) التي بدا مضمونها كما يلي: لم تكن الامانة للشريعة، بالنسبة إلى اليهود، وسيلة للبلوغ إلى التبرير. بل كانت أولاً وسيلة وشرطًا للبقاء في العهد. جاءت مؤلفات ساندرز ثمينة بالتحاليل العديدة التي قدّمتها. ولكن كانت موضوع دراسات عديدة، فغذّت جدالات كثيرة. لهذا، أخذت قلّة قليلة بطرحه لأنه كان قاسيًا ولا يأخذ الـظروف بعين الاعتبار. بل جاء ما ((يكذّب)) هذا الطرح بشكل جزئيّ ما نُشر أخيرًا من مخطوط وُجد في مغارة قمران الرابعة: وُجدت فيه عبارة ((أعمال الشريعة)) وقد كُتبت بكل وضوح، وهي التي نقرأها في روم 3: 20 وفي أكثر من مرّة في الرسالة إلى غلاطية (2: 16؛ 3: 2، 5، 10). ففي رسالة وجّهها رئيس جماعة قمران إلى رئيس معارضيه، كتب إليه: ((ولهذا كتبنا لك بعضًا من أعمال الشريعة(30) التي نظنّها صالحة لك ولشعبك، لأننا رأينا فيك فهم الشريعة (التوراة) ومعرفتها))(31). لا شكّ في أننا أمام نصّ اسيانيّ، ولكنه يدلّ على واقع يقول إن نظريّة ((شريعيّة العهد)) التي صاغها ساندرز تقلّل بلا شك من الأهميّة التي منحها العالم اليهودي في القرن الأول، لنتائج الخلاص التي تنتج عن ممارسة الشريعة.
بعد هذا، فمؤلّفات ساندرز والدراسات التي نتجت عنها حول العالم اليهوديّ، جعلتا عددًا من المسيحيين يخرجون من أفكار مبسّطة حول العالم اليهوديّ في القرن الأول المسيحي وفيما بعد. فحفظُ الوصايا لم يكن يومًا لليهوديّ التقيّ نوعًا من تجارة ترتبط بمنطق ((أعطي فتُعطي))، وكأن ممارسة الشريعة طريقة نفرض بها على الله أن يمنح برّه. فممارسة الشريعة في العالم اليهوديّ، هي نعمة يمنحها الله ذاته. وليست الشريعة أولاً لائحة وصايا نعمل بها. هي عطيّة يهبها الله، في حبّه، لشعبه. في هذا المجال، يكفي أن نتأمّل في مز 119 لكي نقتنع بهذا الكلام.
ولكن الموضع الذي فيه بدا بولس يستعيد مقولات الفكر اليهوديّ لكي يجعل مسافة بينه وبينها، ففي النقد الذي يوجّهه إلى تعدّدية الوصايا: حسب الفكر اليهوديّ، يجب أن تمارس كلها، وهي عديدة جدًا: 613 وصيّة. ذاك هو العدد الذي احتفظ به المعلّمون اليهود (الرابينيون) في خُطى الفريسيين، على ما يبدو. وهذا ما شهد له بولس نفسه حين كتب إلى الغلاطيين: ((وأشهد مرّة أخرى لكل من يختتن، أنه مُلزم بأن يعمل بالناموس كله))(32) (غل 5: 3)(33). والمرّة الوحيدة التي فيها يستعمل بولس عبارة ((عمل الشريعة)) فيعطيها قيمة إيجابيّة، إنما يستعملها في صيغة المفرد، وذلك حين يتحدّث عن الوثنيين الذين يمارسون الشريعة مع أنهم لا يعرفونها: ((أظهروا أن عمل الشريعة مكتوب في قلوبهم)) (روم 2: 15). أما عبارة ((أعمال الشريعة)) في صيغة الجمع فتتلوّن عنده دومًا بلون سلبيّ.
حين ينتقد بولس الشريعة اليهوديّة، وبشكل رئيسي في روم، فاللوم الاكبر الذي يوجّهه إليها هو بلا شكّ تفتّتها في وصايا عديدة تفترض ممارسة دقيقة جديدة: فلا شك بأن بولس يعتبر أن هذه الدقّة (والتفاصيل) تُبعد المؤمن عن الهدف الذي هو الأمانة لله في يسوع المسيح. هناك ثابتة في الفكر البولسي، التشديد على الواحد كصورة عن الشامل. بل هو يحذّر من كلَّ ما يُفرد، ما يقسِّم، ما يفجّر الوحدة في واقع متعدّد. ذاك هو، على ما يبدو، أحد انتقاداته الرئيسيّة للعالم اليهوديّ. فالاله الواحد يطلب تعلّقًا اجماليًا كاملاً، لا مجموعة من الممارسات المحدّدة التي تقودنا دومًا، بشكل أو بآخر، إلى إحصاء أعمالنا الصالحة(34).

خاتمة
وهكذا رأينا أن الأبحاث حول بولس والشريعة، حول بولس والعالم اليهوديّ، هي في ملء غليانها. وما من مفسّر واجه مثل هذا الواقع، تجرّأ فقال إنه قدّم لهذا البناء حجرًا متينًا، أو حجرًا نهائيًا. مثلُ هذا الموضوع يطرح سؤالاً حول علاقة بولس بجذوره. والحال أن هذه العلاقة انطبعت بعناصر انقطاع كما ارتبطت بعناصر هي عناصر اتصال(35).
أين هو الاتصال؟ نجده بلا شك، في تكريم بولس للكتب المقدّسة تكريمًا يشارك فيه إخوته اليهود، ولا سيّما الجزء الأقدس في الكتاب المقدّس بعهده القديم، وهو التوراة بالمعنى الحصري أو البنتاتوكس (أسفار موسى الخمسة). هو يورد الكتاب. ينطلق منه لكي يقدّم براهينه. الكتاب هو محرّك فكره وبانيه.
ولا شك أيضًا بأن هناك اتصالاً في الكلام عن القداسة التي يصف بها الشريعة، وهي قداسة يذكرها في روم 7: 12: ((فالشريعة إذن مقدسة. والوصيّة مقدّسة وعادلة وصالحة)). فالشريعة التي هي عطيّة الله تشارك في قداسة ذاك الذي خلقها وأعطاها لشعبه المختار، للشعب اليهوديّ. في هذا المعنى، كانت الشريعة نافعة. بل لعبت في التاريخ اليهوديّ دور التدبير والعناية: دور المرافق، دور المربّي الذي أتاح لاسرائىل أن ينمو في الايمان. إن الشريعة تدلّ على مرحلة رئيسيّة في تاريخ الخلاص وهي مرحلة تسير من موسى إلى يسوع.
ومع ذلك، فالشريعة كمجموعة وصايا عديدة مبنيّة بناء، جُعلت لزمن، وهذا الزمن قد انتهى الآن. فعلاقة المؤمن بالله انطبعت بعلامة الوحدة والشموليّة، التي تتوافق بصعوبة مع ما هو خاص ومتعدّد. ونلاحظ أيضًا في المقطع الذي أوردناه الآن (روم 7: 12) أن ((شريعة)) و ((وصيّة)) يردان في صيغة المفرد. ونقول الشيء عينه عن عبارة ((عمل الشريعة)) التي لا قيمة لها إيجابيّة عند بولس، إلاّ في صيغة المفرد، لا في صيغة الجمع. فحدود الشريعة هي أن مجمل الوصايا التي تكوّنها تسهّل التجاوزات، وأنها تكشف في مهمتها التربويّة أنها شريكة(36) في الخطيئة من قريب أو بعيد. فالشريعة تتوقّف عند الفرديّة فتقسم العالم قسمين، اسرائيل والآخرين. أما بولس فيشدّد، وهو على صواب في ذلك، على نداء جميع البشر إلى الخلاص. نحن هنا أمام نداء يتوجّه إلى الكون كله.
إذن، الشريعة الخلقيّة الوحيدة التي يحتفظ بها بولس هي الشريعة الاجماليّة: هي ((شريعة الروح)) (روم 8: 2). أو أيضًا: ((شريعة المسيح)) (غل 6: 3). غير أن مثل هذه الشريعة ليست شريعة: المسيح هو شريعة. والروح هو شريعة المؤمن وشريعته الوحيدة. وكل التعليمات حول تصرّفات يمكن أن تُعطى في الكنيسة، ليست سوى نصائح وقواعد حياة نعطيها لنفوسنا، وليس لها أي طابع مطلق(37). يجب أن لا ننسى أن بولس نفسه عصى أمرًا أعطاه الرب بنفسه، أمرًا يجعل خادم الانجيل يعيش على المستوى المادي من نشاطه الرسوليّ(38). ورغم هذا الأمر، عمل الرسول بيديه ما عدا في فيلبي (فل 4: 16-17) لكي ينعم بحريّة أكبر بالنسبة إلى المؤمنين في الكنائس. فإن كان بولس قد ((افتخر)) بأنه عصى أمر الرب، فبالحري نستطيع أن نظنّ أنه لم يعط الطابع المطلق لأي أمر من الأوامر.
وفي النهاية، اذ نرجع بعض الشيء إلى الوراء بالنسبة إلى الفكر البولسيّ بحصر المعنى، لنقدّم عنه تأويلاً مسيحيًَا يتوافق مع عصرنا، نورد هذه النقطة الأخيرة. لا نعتبر نفوسنا، نحن المسيحيين، خاضعين لفرائض الشرائع اليهوديّة. في هذا المعنى، نحن حقًا تلاميذ بولس. غير أننا نعيش في كنيسة، وهذه الكنيسة قد أعلنت شرائع وقوانين. فكيف نتعامل معها؟ ألم نعطها بدورنا الطابعَ المطلق؟ أما فتّتـنا الخلقيّة المسيحّة فجعلناها في عدد كبير من الفرائض، تشير مرارًا إلى تفاصيل، وأردنا أن نحاسب المؤمنين عليها بدقّة تصل بنا بعض المرات إلى الوسواس؟ وبعبارة أخرى، أما خلقنا من جديد خلقيّةَ شريعة أكثر تفتيتًا وأكثر تفصيلاً من تلك التي يندّد بها بولس في العالم اليهودي؟ لنطرح على نفوسنا سؤالاً في هذا المجال. إن كنا سقطنا في الشريعانيّة، وفي شريعانيّة تزيد بقسوتها على شريعانيّة العالم اليهوديّ في القرن الأول أو الشريعانيّة التي يندّد بها بولس، لنعد من جديد إلى نصوص بولس فنتغذّى منها. إنها صعبة القراءة. وهي تقدّم نظرة إلى الشريعة لا ندركها بسهولة، وان بدت هذه النظرة، بعض المرَّات، متضاربة في الألفاظ. غير أن لهذه النظرة نفَسًا، لها نفَس الروح، فتكون دواء صالحًا يمنعنا من المناداة بخلقيّة من النمط ((المتهوّد))، خلقيّة تعطي أهميّة مفرطة لما يُزعم أنه وصايا مسيحيّة.
أربع مداخلات في هذا النهار. من أجل هذا، أضفنا مقالين، قبل أن نذكر محاضرة الأب كينال:
1 - انجيل بولس انجيل يسوع
2 - دخول الأمم إلى الكنيسة
3 - ابراهيم في رسائل بولس
4 - مجيء المسيح في رسائل القديس بولس
5 - الرسالة إلى فيلمون
6 - الافخارستيا لدى بولس
7 - مجيء الربّ في حياتنا
8 - تطوّر الفكر البولسيّ من أولى تسالونيكي إلى رسائل الأسر.
الفصل الـخامس عشر

إنجيل بولس إنجيل يسوع


في العهد الجديد شخصيّتان بارزتان: يسوع وبولس.
وبشارتان أساسيّتان: إنجيل يسوع ورسائل بولس.
ولا شكّ في أنّ بولس الرسول وضع في رسائله القواعد المثبتة لديانة ذات طابع عقائديّ: التجسّد، الفداء، الثالوث الأقدس، ألوهيّة المسيح، النعمة الإلهيّة، الأسرار، السلطة الكنسيّة، التبرير، الخلاص...
فهل يختلف ((إنجيل بولس)) عن إنجيل المسيح؟ وهل بولس هو المؤسّس الحقيقيّ للديانة المسيحيّة كما يعتقد بعضهم؟
هذا ما سنسعى للإجابة عنه في دراستنا هذه.

أوّلاً - مقارنة بين الأناجيل ورسائل بولس
مَن يقرأ الأناجيل ثمّ ينتقل إلى مطالعة رسائل بولس يشعر وكأنه يقوم بقفزة بين جبلين، ولكن، لا يلبث أن يتأكّد له أنه لم يقفز، بل تابع المسيرة صعودًا منطلقًا من قمم الإنجيل إلى قمم الرسائل.
يعود هذا الاختلاف إلى أمور عديدة نلخّصها في ما يلي: 

آ - الفنّ الأدبيّ
تتميّز الأناجيل بفنّ أدبيّ خاصّ يرتكز على الرواية، فهناك سيرة حياة المسيح وأعماله وتعاليمه. وقد جاءت هذه التعاليم من دون رباط منطقيّ واستند أكثرها إلى فنّ الأمثال والحكم وهو الأقرب إلى أسلوب ((المدراش)) التعليميّ المنتشر في ذلك الزمان.
أما رسائل بولس فهي تصنّف في فنّ الخطابة حيث يُعرض الموضوع في ثلاثة أبواب: مقدّمة - مناقشة جدليّة - خاتمة.
وتأتي المناقشة ضمن منطق معيّن مرتكزة على مصطلحات فلسفيّة ولاهوتيّة.
لقد أخذ بولس هذا الأسلوب من العالم الهلينيّ اليونانيّ الذي قلّما نجده في الأناجيل الإزائيّة وفي منطق يسوع التعليمي.
ربّما نجد تأثير الأسلوب اليونانيّ في إنجيل يوحنا حيث يضع تعاليم المسيح ضمن خطب طويلة يستخدم فيها التعابير والثنائيّات اليونانيّة بدءًا من مطلع الانجيل (1: 1-18): الكلمة والعالم، النور والظلام، النعمة والحقّ، الماء والروح، الخبز والحياة، الموت والقيامة، المجد والفرح...
ولكنّ إنجيل يوحنا يبقى إنجيلاً، ولا يخرج عن هذا الفنّ الأدبيّ إلاّ عندما يحرّر الكاتب رسائله اللاحقة.

ب - شخصيّة المسيح
يشعر الدارس لأوّل وهلة أنّ ثمّة تمييزًا بين وجه المسيح كما ترسمه الأناجيل ووجه المسيح الذي يرسمه بولس الرسول.
تصف لنا الأناجيل الإزائيّة وجه المسيح الإنسانيّ انطلاقًا من مولده إلى مختلف مراحل حياته الأرضيّة. ونكتشف مع الرسل تدريجيًا ألوهيّته إلى أن نصرخ مع قائد المئة: ((حقًا كان ابن الّله)). ويبقى الشكّ إلى ما بعد القيامة والصعود حتى نزول الروح القدس.
أمّا بالنسبة إلى رسائل بولس فالمسيح هو ابن الّله أوّلاً وأخيرًا حتى قال البعض: ((إنّ صورة المسيح لدى بولس هي من البعد السماويّ بمكان، حتى إنها ابتعدت عن الإنسانيّة)). حقًا إنّ القارئ ليستغرب ضآلة ما ذكره بولس الرسول عن حياة يسوع الأرضيّة. أضف إلى ذلك أنه لا يذكر شيئًا عن عجائبه وأمثاله.
يحدّثنا ((بولتمان - BULTMANN)) عن التمييز بين مسيح الإيمان (القائم من بين الأموات موضوع الكرازة الرسوليّة الأولى) وبين يسوع التاريخيّ، النبيّ والمبشّر الجوّال بملكوت الّله.
لا نريد أن ندخل في مناقشة هذه المقولة ولكنّها تبدو مقبولة في مجموعة رسائل بولس حيث نجد وجه المسيح الربّ، ولا نجد ملامح وجه النبيّ الجوّال، والمعلّم، وصانع المعجزات كما وصفته الأناجيل.
قليلاً ما يذكر بولس يسوع باسمه. غالبًا ما يشير إليه بتعبير ((يسوع المسيح))، أو ((الربّ يسوع المسيح))، ويكتفي أحيانًا بالصفات والألقاب: ((المسيح))، ((الربّ)). وتعود كلّها، في سياق الكلام أو في الخطابات، إلى يسوع.
وهنا أيضًا لا بدّ من إشارة إلى إنجيل يوحنا الذي هو أقرب إلى منطق بولس فيبدأ مشدّدًا على كون المسيح منذ الأزل ابن الّله: ((في البدء كان الكلمة ...)). ولكنّه يعود إلى مولده بالجسد ولا يتخلّى عن فنّ الرواية كسائر الإنجيليّين.

ج - البيئة والمحيط
تدور أحداث الأناجيل في محيط ضيّق لا يتجاوز حدود فلسطين. فكان يسوع المسيح يتجوّل بين الجليل واليهوديّة مرورًا بالسامرة. وقد تمركزت أهمّ الأحداث في أورشليم العاصمة الدينيّة آنذاك. وبالرغم من وجود السلطة الرومانيّة والتجّار الغرباء فإن الحياة كانت مطبوعة بالعادات اليهوديّة والتقاليد الموسومة والطقوس التشريعيّة التي حاربها السيّد المسيح وسعى إلى تنقيتها متمّمًا عمل الأنبياء الذين سبقوه.
أمّا كتابات بولس فهي تخرج من هذا المحيط الضيّق وتأخذ بعين الاعتبار الشعوب المنتشرة حول البحر الأبيض المتوسّط من ديار العرب (غلا 1: 17) إلى أورشليم إلى أنطاكية إلى أفسس إلى قورنتس إلى أثينا وصولاً إلى روما. فالتفاعل واضح بين الثقافات والحضارات والعادات. وقد استطاع بولس بعبقريّته الخاصّة أن يجمع بين التقاليد اليهوديّة والثقافة اليونانيّة تحت الحكم الرومانيّ وحضارته.
فلا عجب إذا كان بولس أشدّ ابتعادًا عن الشريعة اليهوديّة، وأكثر تشديدًا على الشموليّة.
وما هذا الانتقال من الفكر اليهوديّ التشريعيّ الضيّق إلى الفكر الشموليّ العالميّ سوى تطبيق لما قاله يسوع قبل انتقاله إلى السماء: ((اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم...)).

د - بين المبشّر والكاتب
اقتصرت رسالة المسيح على إعلان البشرى، فلم يكتب شيئًا ولم يترك وصيّة خطيّة.
بشّر المسيح طيلة ثلاث سنوات شفويًا. وبعد موته تناقل الرسل هذه البشرى، وما دوّنوها إلاّ بعد مضي نحو أربعين سنة على موته وقيامته أي بدءًا من العام 70 (الإنجيل بحسب مرقس).
ولذلك، فمن يقرأ الأناجيل يكتشف أنها لم تُنقل حرفيًا، بل دُوّنت في وقت لاحق امتدّ بين العامين 70 و 95 استنادًا إلى الذاكرة وقراءة الأحداث في ضوء القيامة.
أمّا بولس فقد كان كاتبًا. لا شكّ في أنّه بشّر أوّلاً، بشكل شفويّ كما جاء في أعمال الرسل، ولكنّه أعطى الكتابة أهميّة كبرى. وخير دليل على ذلك أنّ الرسالة الأولى التي كتبها بولس تعود إلى العام 51 (الرسالة الأولى إلى أهل تسالونيقي) أي قبل تدوين أوّل إنجيل بعشرين سنة.
هذا لا يعني أنّ الكتابة أرفع شأنًا من الكلام الشفوي. فانطلاقة الكنيسة لم تكن مبنيّة على الرسائل، بل على الشهادة الشفويّة. وما الرسائل سوى وسائل للحفاظ على البشارة الأولى والإيمان الأصيل.
وكما أنّ جميع أقوال المسيح لم تُدوّن (يو 21: 25)، كذلك لم تُدوّن جميع أقوال بولس الرسول.
نستنتج ممّا سبق أنّ المقارنة بين الأناجيل والرسائل ليست على مستوى واحد. فثمّة اختلاف واضح بينهما على صعيد الفنّ الأدبيّ، والكشف عن شخصيّة المسيح، والبيئة، والتدوين.
هذا لا يعني أنّ الاختلاف موجود أيضًا على مستوى الفكر وفحوى البشرى. ربّما تغيّر الأسلوبُ وتطوّر التفسيرُ، ولكنّ جوهر البشارة يبقى واحدًا إنّ في الأناجيل وإن في الرسائل البولسيّة.

ثانيًا - بولس والتعاليم الإنجيليّة
وإذا بحثنا بحثًا جديًا عن طريق المقارنة بين تعليم بولس الرسول وتعليم المسيح وتعليم سائر الرسل لوجدنا أنّ بولس لم يكن وراء تأسيس ديانة جديدة وذلك لسببين أساسيّين: 
آ - السبب الأوّل يعود إلى المطابقة التامّة بين تعليم بولس والمسيح. إليكم بعض المواقف والآيات التي تؤكّد صحّة ما ذهبنا إليه: 
1 - إنّ بولس لا يخالف أبدًا تعاليم المسيح، بل على العكس، يعدّ قول يسوع مرجع كلامه الأوّل والأخير: ((من بولس عبد المسيح يسوع دُعي ليكون رسولاً وأُفرد ليعلن بشارة الّله)) (روما 1: 1).
2 - يميّز بولس بين الأوامر التي أخذها عن المسيح والتوجيهات التي تأتي من عنده. ولا شكّ في أنّه يعطي كلام المسيح الصدارة والأولويّة: ((لست أنا الموصي، بل الربّ))، ((أما الآخرون فأقول لهم أنا لا الربّ)) (1 قور 7: 10-12).
3 - إنّ بولس، رغم نجاح رسالته، لا يستقطب اهتمام المسيحيّين، بل يوجّه أنظارهم نحو المسيح: ((أناشدكم بالمسيح... تخلّقوا بخلق المسيح... كيما تجثو لاسم يسوع كلّ ركبة في السموات وفي الأرض وتحت الأرض ويشهد كلّ لسان أنّ يسوع المسيح هو الربّ)) (فيلبي 2: 1).
4 - يعدّ بولس نفسه مرسلاً من المسيح ومن أجل المسيح، فحياته كلّها هي المسيح: ((فالحياة عندي هي المسيح والموت ربح)) (فيلبي 1: 21).
5 - إنّ محور تفكير بولس وتعليمه هو المسيح. فمنه كله شيء وبه كلّ شيء وإليه كلّ شيء. فعبثًا نسعى إذا أردنا أن نكتشف في صفحات رسائله شخصيّة أخرى غير المسيح ابن الّله الذي تجسّد ومات وقام ليخلّصنا: ((وجعل كلّ شيء تحت قدميه ووهبه لنا فوق كلّ شيء رأسًا للكنيسة، وهي جسده وملء ذاك الذي يمتلئ تمامًا بجميع الناس)) (أفسس 1: 22).
فإذا استطاع بولس أن يعيد صياغة ما تسلّمه وأن يضعه في قالب فكريّ منطقيّ لاهوتيّ، فهل يعني ذلك أنّه خان الأمانة؟ كلاّ. إنّ إعادة صياغة الحقيقة بتعابير جديدة ليست خيانة لها، بل هي ضرورة حيويّة للحفاظ عليها.
ب - أمّا السبب الثاني فيعود إلى الوحدة التّامة بين تعليم بولس وتعليم الرسل. فالمقارنة بين رسائل بولس وسائر الرسائل في العهد الجديد تصل بنا إلى النتائج التالية: 
1 - إنّ العقائد التي بشّر بها بولس موجودة في رسائل يوحنا وبطرس ويعقوب، وهذا دليل على أنّا ليست من تأليفه، بل مأخوذة من منبع واحد. نذكر مثلاً مصطلحي: ((التبرير والخلاص)) (راجع: يع 2: 24؛ 4: 12؛ 5: 15؛ 5: 20؛ 1 بط 1: 3-12؛ 2 بط 3: 15؛ 1 يو 1: 7؛ 4: 10-15...).
2 - كان هناك، منذ البدء، تعليم رسولي مشترك وحقائق متعارف عليها. فهناك مجموعة من التعاليم الثابتة التي انطلق منها الرسل في تبشيرهم. وكانت هذه التعاليم في جعبة بولس أيضًا لمّا بدأ رسالته فاستند إليها شارحًا ومقيّمًا. ونذكر من هذه الموضوعات: 
- معطيات تاريخيّة: حياة يسوع. ولد من امرأة في حكم الشريعة (غلا 4: 4)، من نسل داود بحسب الطبيعة البشريّة (روما 1: 3)، كسر الخبز في العشاء الأخير (1 قور 11: 23)، مات على الصليب وقام من بين الأموات...
- معطيات عقائديّة: الثالوث الأقدس (الآب والابن والروح القدس)، الفداء والصليب، القيامة والصعود، الدينونة والمجيء الثاني...
- معطيات طقسيّة: العماد والإفخارستيّا، ثمّ الصوم والصلاة والصدقة، والأناشيد المسيحانيّة، وكلمة أبّا، يا أبتاه...
- معطيات أدبيّة: الأخلاق الحميدة والمحبّة (الوصيّة الكبرى) والصفح عن الخطأة، ورفض الطلاق، وقبول الصغار والضعفاء، ودخول الملكوت، والطاهر والنجس...
3 - كانت جماعة الرسل قلبًا واحدًا وفكرًا واحدًا وجاءت شهادتهم واحدة، وخير دليل على ذلك مجمع أورشليم حيث تمّ توحيد الكلمة. فلم يكن هناك مجال لأن ينفرد كلّ رسول بتعاليم جديدة، بل كان عليه أن يبقى حاميًا لتعليم المسيح. ولذلك نجد بولس، رغم رحلاته، على اتّصال دائم بأورشليم وسائر الكنائس، كما نجده محافظًا على الوديعة. وهكذا بقيت العقيدة واحدة في منطقة بحر الأبيض المتوسط ولم تنشأ الخلافات العقائديّة في الكنيسة إلاّ بعد موت الرسل جميعًا.
4 - لمّا كانت عقيدة واحدة، ومسيح واحد يجمع بين مختلف أسفار العهد الجديد، فلم يكن في استطاعة بولس أن يعرض أفكارًا خارجة عن هذا النطاق وأن يفسّر الحقائق على هواه. فإنه كان، كسائر الرسل، مؤتمنًا على تقاليد، وكان عليه أن يوصل الأمانة من دون تحريف وأن يحافظ عليها من الضلال. وهذا ما فعل في الواقع وإن اختلف عن سائر الرسل في طريقة الشرح والعرض بأسلوبه المنطقيّ الجدلي.
نخلص إلى القول: إنّ بولس لم يُنشئ ديانة جديدة، ولم يضع عقائد إيمانيّة تختلف عن إنجيل المسيح، ولم ينحرف عن تعاليم الرسل والتقليد الذي أوكل إليه. وكما حافظ هو شخصيًا على الإيمان (2طيم 4: 7)، طلب في رسائله إلى تلميذه طيموثاوس أن ((يحفظ الوديعة التي أوكلت إليه)) (طيم 6: 20 و 2 طيم 1: 14).
زد على ذلك تأكيد بولس في رسائله أنّ الإنجيل الذي أعلنه هو إنجيل يسوع. نذكر على سبيل المثال: ((فأعلمكم، أيها الإخوة، بأن البشارة التي بشّرت بها ليست على سنّة البشر، لأنّي ما تلقّيتها ولا أخذتها عن إنسان، بل بوحي من يسوع المسيح)) (غلا 1: ،11 2: 2؛ روم 16: 25؛ 2 طيم 2: 8). ((فقد بلغنا إليكم حقًا ومعنا بشارة المسيح)) (2 قور 10: 14؛ 1 قور 9: 12-20؛ 2 قور 4: 3).
فإذا كان الأمر كذلك فما دور بولس إذًا، وما هي مكانته، وما هو الجديد الذي أتى به فأصبح رسول الأمم وركنًا من أركان الكنيسة؟
ثالثًا - بولس والمنطق اللاهوتي
كان لبولس دور هامّ فريد في انتشار الديانة المسيحيّة وتثبيت العقيدة الدينيّة وتطوّر الفكر اللاهوتيّ المسيحيّ. ولكنّ هذا الدور، رغم أثره الكبير في الكنيسة، يبقى ضمن حدود يجب ألاّ نتعدّاها.
1 - لم يخترع بولس شيئًا جديدًا عن حياة يسوع وتعليمه. فالأناجيل الدينيّة تحتوي على جميع الحقائق الواردة في رسائله بشكل نواة. أما الجديد فهو أنه عاش تجربة ذاتيّة مع المسيح تختلف عن سائر الرسل، هزّت كيانه وأنارت بصيرته فأدرك تعليم المسيح على وجه خاصّ.
2 - لم يؤلّف بولس من عنده شيئًا جديدًا، بل جمّع ونظّم ونسّق على نحو أفضل من الآخرين في ما كانوا يبشّرون به هم أيضًا وفي ما أخذوه عن المسيح. وسبب ذلك يعود إلى تبحّره في العلم والفلسفة والثقافة. 
3 - لم يضع بولس العقيدة المسيحيّة، بل جعلها مترابطة رغم أنّ رسائله لا تشبه كتابًا عقائديًا لاهوتيًا متسلسل الأفكار. إنّ عند بولس ما يُسمّى ((المنطق اللاهوتيّ)) أي النظرة الشاملة التي تدور حول محور واحد. لقد سعى علماء الكتاب المقدّس إلى اكتشاف هذا المحور الذي تدور حوله تعاليم بولس بشكل متكامل ومنطقيّ فجاؤوا بحلول كثيرة: فمنهم من وجد هذا المحور في فكرة الخلاص المجانّي أو ملكوت الّله أو الجسد السريّ أو حياة المسيح فينا أو الموت والقيامة أو كشف السرّ الخفيّ.
هذا لا يعني أنّ المسيح لم يكن لاهوتيًا. أو أنّ الإنجيليّين لم يكونوا لاهوتيّين.
أليس ما نقرأ في إنجيليّ مرقس ومتى عن ((ابن الانسان الذي جاء ليعطي ذاته فداء عن الكثيرين)) (مر 10: 45، متى 20: 28) مطابقًا لتعليم بولس حول الفداء والخلاص؟
والأمثلة كثيرة في هذا الشأن. فالتعابير مختلفة ولكنّ الفكرة اللاهوتيّة واحدة.
هذا وإنّ الإنجيليّين ينطلقون من لاهوت خاصّ بهم. فهم يعطون المسيح وجهًا بحسب مخطّطهم التربويّ والتاريخيّ واللاهوتيّ. ومن هنا تميّز إنجيل يوحنا بكونه ((الإنجيل اللاهوتيّ)).
إنّ اللاهوت الإنجيلي يبقى روائيًا. أمّا اللاهوت البولسيّ فهو خطابي رسائليّ. ولمّا كانت لكلّ أسلوب أدبيّ لغته الخاصّة، فليس بالأمر المهمّ أن يُحافظ على المصطلحات. فهذه قشور. وإنما الأهمّ أن يُحترم المضمون. وإذا كان بولس غير أمين للحرف فهو أمين كلّ الأمانة للروح كما قال: ((الروح يحيي والحرف يقتل)) (2 قور 3: 6).
ولكن، سيكون من البساطة بمكان أن نجمع في بضع كلمات غزارة تعليم بولس الرسول. فكلّما حصرنا هذا الفيض في بضع كلمات أفقدناه قوّته وغناه. وعلى العكس، كلّما توغّلنا في شرحه أبرزنا عمقه ومعاصرته.
ولذلك، يحتاج تعليم بولس دومًا إلى تفسير وشرح لا إلى تلخيص وحصر. وهذا ما فعله آباء الكنيسة منذ البدء وتبعهم المعلّمون والدارسون فأخذ بولس هذا الدور المميّز في توجيه حياة الكنيسة وتطوّر الفكر اللاهوتيّ.

رابعًا - دور بولس في تطوّر العقيدة المسيحيّة
وإذا أردنا أن نلخّص دور بولس نستطيع أن نقول: إنه أسهم، كسائر الرسل، في تطوّر العقيدة المسيحيّة التي أسّسها المسيح.
لا شكّ في أنّ هناك تطوّرًا في العقيدة بما فيها من شكل ومضمون. فحين بشّر المسيح دامت بشارته ثلاث سنوات وانحصرت في بيئة محدّدة. وبموته وقيامته ترك للرسل إنجيل تعليمه وطابع شخصيّته وضمان روحه القدّوس.
وكان على الرسل أن يجابهوا عالمًا جديدًا وبيئات مختلفة ومذاهب معادية وفلسفات متعدّدة بعد أن انتشرت دعوتهم وكثُر عددُ المسيحيّين. فكان هذا الاحتكاك بالديانة اليهوديّة التقليديّة والديانات الوثنيّة والخرافات الشعبيّة والفلسفات اليونانيّة والحكم الرومانيّ دعوة ملحّة إلى مزيد من التوضيح لتعاليم المسيح وشخصيّته: الإيمان - الشريعة - المعموديّة - الفداء - الآخرة...
ولعلّ بولس الرسول أفضل من أسهم من بين الرسل في هذا التطوّر. والسبب يعود إلى رحلاته التبشيريّة الواسعة الأرجاء التي فتحت أمامه آفاقًا جديدة، وطرحت أمامه مشكلات لم تكن في الحسبان. إليكم بعض خصائص هذا التطوّر اللاهوتيّ عند بولس: 
1 - تطوّر العقيدة عنده ليس ترجمة لما يشعر به أو يخطر بباله، وليس تحليلاً علميًا أو شخصيًا لمسلّمات أو مبادئ، بل هو من وحي إلهي بحسب متطلّبات وأحداث خارجيّة. فالرسائل كلّها توجيه إلى الحقّ، وحثّ على الخير، وتحذير من الضلال. ولذلك نقول مع الأب ((برا - PRAT)): ((تطوّرُ العقيدة عند بولس يوازي ويتماشى مع تاريخ تطوّر الكنيسة الناشئة)).
علمًا بأنّ بشارة بولس لم تكتب بكاملها في رسائله أو في أعمال الرسل، بل هناك تعليم شفويّ بشّر به في عظاته لم يُدوّن بكامله. وهو يفترض في قارئيه أنهم مطّلعون على بشارته الشفويّة. فهناك تطوّر واضح بين بشارته الشفويّة وتعليمه المكتوب.
3 - وتجدر بنا الإشارة إلى أنّ التطوّر وارد في أفكار بولس ليس بالنسبة إلى تعليم المسيح وسائر الرسل وحسب، بل حتى في تعليمه أيضًا. فالعقيدة تظهر عنده تدريجيًا وفقًا لاحتياجات الكنائس. ولا عجب أن نجده أكثر وضوحًا وتنسيقًا في الرسائل التي كتبها في آخر أيّام حياته. ومثالنا على تطوّر العقيدة عنده، الكنيسة: جسد واحد (جماعة واحدة)، جسد سرّي رأسه المسيح (جماعة روحيّة)، جسد متدرّج الأعضاء (جماعة منظّمة). وكذلك أيضًا تطوّر فكرة الدينونة الأخيرة: عودة المسيح قريبة (الرسالة الأولى إلى تسالونيقي) وتأخّر الموعد (الرسالة إلى روما)، التبرير الآن والخلاص بعد الموت. ويبدو التطوّر واضحًا في لاهوت المعموديّة. فالمعموديّة مرتبطة بالصليب (1 قور 1: 13-17) وهي دفن مع المسيح للقيامة معه إلى حياة جديدة (روم 6: 3-5)، وهي ختان روحيّ، علامة التطهير والانتماء إلى الجماعة (قو 2: 11).
وهذا لا يعني أنه مع بولس تمّ تطوّر العقيدة، فالعقيدة في تطوّر أبدًا بحسب تطوّر احتياجات المسيحيّين الدينيّة. وخير دليل على ذلك أنّ رسائل بولس نفسها كانت تحتاج عبر تاريخ الكنيسة إلى مزيد من التوضيح والتفسير والشرح والتنسيق. فليس هناك إنجيل بولسيّ أو عقيدة بولسيّة بقدر ما هو لاهوت بولسيّ أو روحانيّة بولسيّة.
أضف إلى ذلك أنّ بولس الرسول أصبح قدوة لجميع اللاهوتيّين اللاحقين من حيث التأصّل والإبداع. فكما أنه كان متأصّلاً في تعاليم المسيح، كان أيضًا خلاّقًا في شرح هذه التعاليم وتطبيقها وفق احتياجات أهل عصره.
أليست هذه رسالة كنيسة اليوم: أن تكون أمينة للإنجيل من جهة، وأن تعطي من جهة أخرى أجوبة عمليّة وفق تساؤلات عالمنا المعاصر؟

الخاتمة
إذا أعدنا طرح السؤال الذي انطلقنا منه: هل بولس هو مؤسّس الديانة المسيحيّة؟ نستطيع أن نجيب مع ((ويسترمان - WESTERMANN)) أحد علماء الكتاب المقدّس: ((إنّ بولس هو الأوّل بعد الأوحد)). أي هو أوّل من أخرج العقيدة المسيحيّة في حلّة جديدة بعد المسيح الذي وضعها. فهو، بصفته مسيحيًا وعضوًا من الجسد السريّ وبصفته رسولاً ومعلّمًا، استقى عقيدته وأفكاره كلّها من ((المعلّم الأوحد)) الذي كان يحيا فيه ويتكلّم بلسانه. أو كما يقول آخر بشكل أكثر وضوحًا: ((إنّ بولس هو المؤسّس الثاني للديانة المسيحيّة)).
ربّما نستطيع أن نقول إنّ بولس هو منشئ اللاهوت العقائديّ المسيحيّ، وهو بالتالي ((أكبر لاهوتيي القرن الأوّل)) على حدّ قول الأب ((كينيل - QUESNEL)). وإذا كان ثمّة اختلاف بين الأناجيل والرسائل في عرض البشرى، إلاّ أنه لا خلاف بين بشارة يسوع. ولنقل: إنجيل بولس هو إنجيل يسوع نفسه.
حقًا إنّ حدث اختيار بولس وظهوره في الوقت المناسب ودوره في انتشار الإنجيل، دليل على تدخّل إصبع الّله ودور الروح القدس الذي اختار من الرعاة أنبياء، ومن الصيّادين رسلاً. وشاء أيضًا أن يجعل من الفريسيّ المتعصّب داعيًا للمسيح وراعيًا للكنيسة.
مع بولس نكتشف اكتشافًا حسيًا كيف أنّ المسيح بروحه القدوس يستطيع أن يغيّر قلب الانسان ليجعل منه أداة له. وكما قال أحد الدارسين: ((المسيح شمسنا. منه كلّ نور وحياة. وبولس مرآة عكست أشعّة هذه الشمس فألهبت عالمًا بكامله)).
الفصل السادس عشر

دخول الأمم إلى الكنيسة
عند الرسول بولس


لم يكن اندفاع بولس، ((رسول الأمم))، إلى تبشير غير اليهود بالرسالة المسيحية اختياراً شخصيًا منه أو نزوة فيه، ولكنه رأى في نشاطه هذا تحقيقًا لنبوءات العهد القديم واكتمالاً لخطٍ في العهد القديم يربط بين أجزائه المختلفة. وهذا الأمر واضح في رسالته إلى أهل رومية، حيث يقول في 15: 8-12: ((وأقول إن يسوع المسيح قد صار خادم الختان من أجل صدق الله حتى يثبّت مواعيد الآباء. وأما الأمم فمجّدوا الله من أجل الرحمة، كما هو مكتوب: من أجل اسمك سأحمدك في الأمم وأرتل لاسمك. ويقول أيضًا: تهللوا أيها الأمم مع شعبه. وأيضًا: سبحوا الربّ يا جميع الأمم وامدحوه يا سائر الشعوب. وأيضًا يقوا إشعياء: سيكون أصل يسى والقائم ليسود على الأمم، عليه سيكون رجاء الأمم)). 
لم يكن بولس ليورد هذه الكثافة من الاستشهادات من العهد القديم إلا لأنه أراد أن يقنع الذين يكتب إليهم من أهل رومية، وكثيرون منهم من الجماعة اليهودية التي قبلت الإيمان بالمسيح على غير يد بولس، بأنّ الأمم الذين قبلوا هم أيضًا الإيمان بالمسيح، سبق الله أن جعلهم جزءاً من تدبيره كما اليهود. فكما في رسائله الأخرى، يفسر بولس الرسول للرومانيين في هذه الرسالة تدبير الله (Oikonomia) مستشهدًا بالعهد القديم كأساس لكل ما يقوله. وهذا ما يفسر كثافة الاستشهادات والإشارات الكتابية في رسائله عامة، وفي رسالتي غلاطية ورومية بشكل خاص. 
كان الرسول بولس، إذن، وهو العارف بالعهد القديم عميق المعرفة، يدرك أنّ رسالة الله في الكتاب لم تكن محصورةً باليهود ولكنه ينبغي لها أن تعبر إلى غيرهم من الأمم. 
العهد القديم
من المتفق عليه عند علماء الكتاب المقدّس أن التحرير الأخير لتقاليد العهد القديم وكتبه حصل بعيد السبي إلى بابل، الذي حصل حوالي سنة 785 قبل الميلاد. أما الذين قاموا بهذا التحرير الأخير فهم الكهنة الذين رافقوا المسبيين إلى بابل، ثم عادوا معهم إلى فلسطين لما أجاز لهم الفرس العودة إلى ديارهم ليدبروا شؤونهم هناك في غياب السلطات السياسية، وخصوصًا وظيفة الملك. ولذلك سمي هذا التحرير بالكهنوتيّ نسبة إلى الكهنة الذين قاموا به. لكنّ تحريرالكهنة للعهد القديم لم يكن إلا ليجيب على بعض الأسئلة الحساسة التي كانت تراود ضمير المسبيين في خصوص إيمانهم. ففي الاعتقاد الديني الذي كان سائدًا في الشرق الأدنى القديم، كان الإله، أي إله، مرتبطًا مصيره بالمدينة التي هيكله فيها. فإذا ازدهرت مدينة الإله كان هذا دليلاً على قدرته، أما إذا انهارت فهذا يعني أن الإله نفسه لم يعد له أي وجود، ذلك لأنه اسمه مرتبط بهذا المكان، بتلك المدينة، ارتباطًا عضويًا وجوهريًا. لم تكن نظرة سكان مملكة يهوذا الدينية بعيدة عن هذا الاعتقاد، والدليل على ذلك أنّ هيكل أورشليم كان عند الإسرائيليين المكان الحصريّ لعبادة الإله. فقط في هذا الهيكل يقدمون ذبائحهم ومحرقاتهم. وقد كان لأورشليم مكانة مركزية في العبادة الإسرائيلية لكونها كانت، في ظنّ اتباع هذه الديانة، مدينة الله ومقره. هي وسط العالم لأنه الله مقامه فيها (أنظر مزمور 51: 18؛ 122: 6؛ 137: 5؛ إشعيا 62: 7؛ حزقيال 5: 5؛ يوئيل 3: 17؛ وغيرها). ولما سقطت أورشليم في السبي في أيدي البابليين شكل سقوطها لسكان مملكة يهوذا صدمة كبيرة على المستوى الديني. فقد عنى سقوطها لهم أنّ إلههم نفسه قد زال من الوجود، وذلك لأنّ الأمور التي كان يحقق فيها حضوره قد زالت، أي المدينة والهيكل وقدس الأقداس وتابوت العهد…. طبعًا هذا لا نفهمه نحن اليوم الذين نشأنا على نظرة إلى العالم غير تلك التي كانت لسكان يهوذا عند السبي. نظرتنا إلى العالم اليوم تجريدية، في حين أن حضور الله في الشرق الأدنى القديم لا يتحقق إلا بعمل الله الفعليّ.
إن الكهنة الذين كانوا مع اليهوذاويين بابل كان عليهم، إذن، أن يجيبوا على سؤال أساسيّ يتعلق بوجود الله، إذا صحّ التعبير. هل لا زال الله موجودًا وقد زالت هيكله وزالت مدينته؟ أم أن قصته قد انتهت بزوال ذلك الهيكل وتلك المدينة؟ 
لقد وجد هؤلاء الكهنة الأجوبة على هذه الأسئلة في التقاليد السابقة للسبيّ وخصوصًا في تقليد الخروج وكتابات بعض الأنبياء وأهمهم إرميا وحزقيال. ففي تقليد الخروج المحفوظ في الكتب الموسوية الخمسة أنّ الربّ، يهوه، إله إسرائيل، لم يكن إله مدينة أو مكان أو هيكل، كما كانت آلهم الشرق الأدنى القديم، ولكنه كان إلهًا لحدث خلاصيّ هو إعتاق بني إسرائيل من العبودية في مصر بإخراجهم منها. وارتبط اسم هذا الإله بحدث الخروج ارتبطًا عضويًا حتى صار يعرف بأنه الإله الذي أخرج إسرائيل من مصر (أنظر مثلاً: إرميا 2 : 6، 18، 36؛ إشعيا 63: 9، 11، 13؛ هوشع 11: 1؛ 13: 4؛ تثنية الاشتراع 8: 15؛ 32: 1). وهذا يعني أن هذا الإله لا يمكن أن يحصر في مكان لأنه، منذ البداية، لم يرد أن يكون إله مكان، بل إله حدث خلاصيّ، وهذا أيضًا أمر جعله يختلف عن آلهة الشرق الأدنى القديم. 
مما لا شكّ فيه أنّ أنبياء العهد القديم، ومن بينهم إرميا وحزقيال فهموا هذا الأمر، ولذلك كانوا من أهمّ الأنبياء الذين نزعوا صفة المركزية الدينية عن أورشليم بشكل واضح وكثيف. فعند إرميا أن الله تخلى عن مدينته أورشليم ونزع عنها كلّ حصانة جاعلاً النبي نفسه مدينته الحصينة، ذات الأسوار: ((لأني هاأنا داعٍ كل عشائر ممالك الشمال يقول الربّ، فيأتون ويضعون كل واحد كرسيه في مدخل أبواب أورشليم، وعلى كل أسوارها حواليها وعلى كل مدن يهوذا، وأقيم دعواي على كل شرهم لأنهم تركوني وبخروا لآلهة أخرى وسجدوا لأعمال أيديهم. أما أنت فنطق حقويك وقم وكلمهم بكل ما آمرك به. لا ترتع من وجوههم لئلا أريعك أمامهم. هاأنذا قد جعلتك اليوم مدينة حصينة وعمود حديد وأسوار نحاس على كل الأرض، لملوك يهوذا ولرؤسائها ولكهنتها ولشعب الأرض. فيحاربونك ولا يقدرون عليك لأني أنا معك يقول الرب)) (1: 15-19). أدرك إرميا أنّ أورشليم لم تعد مدينة الله، لأنها لم تكن كذلك إطلاقًا، أو لم يرد الله نفسه أن تكون مدينته، وذلك منذ البدء. الله الساكن ليس في أورشليم، بل في إرميا، أصبح حرًا، يكون أينما يشاء، ويتحدث إلى من يشاء، ويدين من يشاء: ((فكانت كلمة الربّ إليّ قائلا: قبلما صورتك في البطن عرفتك، وقبلما خرجت من الرحم قدستك، جعلتك نبيا للشعوب)) (إرميا 1: 4-5). لم يعد لإرميا من وظيفة، والرب ساكن فيه، إلا أن يقول كلمة الربّ لمن ينبغي أن تصل إليهم، وهنا لجميع الشعوب. 
أما النبي الآخر، حزقيال، فقد أدرك، كإرميا، أن الله حريته لا يحدها شيء على الإطلاق. كان حزقيال النبي الأول الذي تنبأ من خارج أورشليم ومملكة يهوذا. تنبأ حزقيال في بابل، المكان الذي سبي إليه من كانوا يظنون أن الله لا يكون إلا في أورشليم، وأن وسائله الأورشليمية قد زالت بزوال المدينة. أن يكون حزقيال تنبأ خارج يهوذا يعني أن الله يستطيع أن يعمل باستقلال عن أورشليم والهيكل. الله عند حزقيال روح، والروح لا يحدّ ولا يقيّد. يكون حيث يشاء. ومن مكانه غير المحدود وغير المحدد يسيطر الله ليس على بني إسرائيل وبني يهوذا وحسب، بل على كل الخليقة. مع إرميا وحزقيال يصبح إله الخروج إلهًا كونيًا عالميا وحيدًا ربًا على العالم بأسره.
هذا هو الجواب الذي قدمه الكهنة في السبي لبني يهوذا المجروحين في إيمانهم. ذكروهم بأن إلههم ليس في أورشليم كما كانوا يظنون بل في كل مكان، وانه حرّ من كل قيد أو إطار. أما جوابهم هذا فجاء في تحريرهم لكل تقاليد العهد القديم وكتبه بشكل جعلوا فيه صورة الإله تنتقل من المستوى المحلي إلى المستوى العالمي. ومن أبرز ما خرج من يد المحررين الكهنوتيين الإصحاح الأول من كتاب التكوين الذي يشكل أرادوه مقدمة للكتاب المقدس بأسره. والله في هذا الإصحاح الفائق الأهمية كائن قبل أن تكون السماوات والأرض وهو الذي خلقها وخلق كل شيء والإنسان. هو الإله الوحيد العالميّ وبارئ كلّ قبائل الناس (تكوين 4-11)، وكل الشعوب والأمم. إله إسرائيل يصبح إذن إله الأمم كلها، وهو المسؤول عن مصائرها والمتحكم فيها. وهنا يدخل موضوع الاختيار الذ ييقوم على أن الله اتخذ لنفسه من بين تلك الأمم والشعوب أمة ليتمم خلاصه من قبلها، لأيس لأنها كانت أفضل من سائر الأمم (لاحظ تمرد بني إسرائيل على الله في كل قصة الخروج في أسفار الخروج واللاويين والعدد)، بل لأنّه أمين لوعوده التي قطعها مع الآباء، وخصوصًا مع إبراهيم.
وصورة إبراهيم في سفر التكوين مهمة جدًا وذلك بسبب وعد الله له بأنه سيكون ((أمة عظيمة)) وأن ((سأباركك، وأعظم اسمك، وتكون بركة. وأبارك مباركيك، ولاعنك ألعنه، وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض)) (تكوين 12: 1-3). واضح من كلام الله هذا إلى إبراهيم أن بركة الله ستكون من خلاله إلى كل الأمم. والأمر الثاني المهم في قصة إبراهيم أن برّ الله لا يأتي بالشريعة ولكن مجانًا لكل من يؤمن (تكوين 15: 6). 
عالمية الله هذه وشمولية حكمه ظهرت في مواضع أخرى في العهد القديم توحي بأن خلاص الله الذي سيحققه في نهاية المطاف لن يكون فقط لبني إسرائيل بالجسد بل لكل الأمم والشعوب. وهذا واضح في نهاية كتاب إشعياء التي ترى الأمم، في يوم الرب، يوم تحقيق خلاصه النهائي، آتية إلى الرب لترى مجده وتقرّب له تقدماتها (إشعيا 66: 18-21). 
مجيء الأمم إلى الربّ عند إشعياء، إذن، دليل على أن الله قد أتمّ خلاصه، الأمر الذي يعني أن عدم مجيئهم إليه لرؤية مجده وتقديم التقدمات دليل على أنّ الله لم يحقق خلاصه بعد. 

بولس الرسول والعهد الجديد
آمن بولس الرسول بما سمعه عن يسوع الناصريّ. وآمن أيضًا أنّ خلاص الله الأخير وتدبيره الذي تحدث عنه العهد القديم قد تحقق في يسوع. ولهذا كان لا بدّ لأن تخرج بشارة هذا الخلاص إلى الأمم لتحقيق نبوءات العهد القديم وخصوصًا ما قاله جاء في الإصحاح الأخير من كتاب إشعياء الذي أتينا على ذكره. فقد رأى بولس الرسول خدمته خدمة للأمم منذ البداية، ما دفعه إلى القول إنّ الله أفرزه رسولاً للأمم، أي أن وظيفة بولس ليست أن يكون رسولاً بالمطلق بل رسولاً إلى الأمم، وهذا ما شاءه الله نفسه: ((ولكن لما سرّ الله، الذ يأفرزني من بطن أمي ودعاني بنعمته أن يعلن ابنه فيّ لأبشر به بين الأمم، للوقت لم أستشر لحمًا ودمًا)) (غلاطية 1: 15-16). وعند بولس أيضًا عن الإنجيل الذي يبشر به هو الإنجيل بالمطلق، لا يمكن لأحد أن يضيف عليه أو أن ينتقص منه أو أن يغير مضمونه، ولو بولس نفسه أو ملاك من السماء: ((ولكن إن بشرناكم نحن أو ملاك من السماء بغير ما بشرناكم به فليكن أناثيما)) (غلاطية 1: 8). وإذا قرأنا رسائل بولس بغمعان ودقة نرى أن مضمون إنجيله هو أنّ خلاص الله الموعود قد تحقق بإبنه يسوع المسيح وأن هذا الخلاص هو لكل الناس اليهود والأمم معًا. 
قناعة بولس هذه المبينة على قراءته للعهد القديم دافع عنها في وجه الذين حاولوا أن يعرقلوا عمله البشاريّ ممن كانوا يقولون بضرورة أن يعبر الأمم في الشريعة الموسوية، أي أن يختتنوا قبل أن يصيروا مسيحيين (الموضوع الأساسيّ في رسالتي غلاطية ورومية). في دفاعه عن ((إنجيله)) يلجأ بولس الرسول إلى صورة إبراهيم في العهد القديم والتي تحدثنا عنها. 
إبراهيم في العهد القديم صورة للأمم الذين سيتبرّرون دون الشريعة: ((والكتاب إذ سبق فرأى أن الله بالإيمان يبرر الأمم، سبق فبشر إبراهيم أن فيك تتبارك جميع الأمم. إذًا الذين هم من الإيمان يتباركون مع إبراهيم المؤمن)). واضح هنا، أن الله، بالنسبة لبولس الرسول، سبق فرأى الأمم آتين إلى خلاصه ولذلك برر إبراهيم بالإيمان فقط، قبل الشريعة، ليتسنى لأمم بدورهم، كما إبراهيم، أن يتبرروا بالإيمان فقط دون الشريعة. ليصبح البرّ لمن هم في الإيمان، لأن إبراهيم تبرر وهو أيضًا في الإيمان. بهذا يكون الإيمان هو المقياس للبر وليس الشريعة كما يدعي خصوم بولس. والأمر نفسه ينطبق على اليهود، إذ لا يكفي أن يعملوا الشريعة ليتبرروا بل عليهم أن يؤمنوا بخلاص الله المحقق في يسوع المسيح. بهذا يكون اليهود والأمم على مستوى واحد لا فرق بينهما: ((إذًا كان الناموس مؤدبنا إلى المسيح لكي نتبرر بالإيمان. ولكن بعدما جاء الإيمان لسنا بعد تحت مؤدب، لأنكم جميعًا أبناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع. لأن كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح. ليس يهودي ولا يوناني. ليس عبد ولا حر. ليس ذكر وأنثى لأنكم جميعًا واحد في المسيح يوسع. فإن كنتم للمسيح فأنتم إذًا نسل إبراهيم وحسب الموعد ورثة)) (غلاطية 3: 24-29).
فهم بولس العهد القديم فهمًا صحيحًا، وأدرك أيضًا أن الشريعة الموسوية، ولئن أخذت الحيز الأكبر في تقاليد العهد القديم إلا أنها مرحلية وأنّ الأساسي الباقي دائمًا هو وعد الله لإبراهيم. 
بهذا يكون بولس أدرك تلك الجدلية بين الإله المحلي والإله العالمي التي تحدثنا عنها في شأن العهد القديم. والأمر المهم الذي رآه بولس هو أنّ الأمم إن لم يتسنى لهم الدخول في خلاص الله المحقق في يسوع المسيح لن يكون هذا الخلاص خلاص الله. بكلام آخر: دخول الأمم دليل على أن خلاص الله الحقيقيّ بيسوع المسيح قد تحقّق. هذا ما قاله الله بنبيه إشعياء. وهذا ما يفسر العنف الذي واجه به بولس خصومه ممن دعوا إلى عدم قبول الأمم في الكنيسة إن لم يختتنوا، ولماذا اتهمهم بعرقلة إنجيل المسيح. وذلك لأنّهم لم يدركوا أن دخول الأمم إلى الكنيسة شرط لأن يكون خلاص الله قد تم حقيقة في ابنه يسوع المسيح.
نظرة بولس هذه انعكست في كتابات العهد الجديد الأخرى وخصوصًا في الأناجيل التي أظهرت، في روايات عدة، التوجه إلى الأمم على أنه من الأعمال التي قام بها يسوع نفسه (راجع مثلاً حادثة المرأة الكنعانية في متى 15، وإيمان قائد المئة الروماني في إنجيلي متى ومرقس، وروايات أخرى كثيرة، تظهر أن الأمم كانوا كاليهود هدفًا رئيسًا لعمل يسوع وبشارته).
الفصل السابع عشر

ابراهيم في رسائل بولس

يأتي بولس على ذكر إبراهيم في المواضع التالية من كتاباته: 
1- رسالته إلى كنيسة رومه، الفصل الرابع، في معرض مناقشته لجدلية ((التبريربالإيمان)).
2- رسالته إلى كنيسة رومه، 9: 6 - 9 وف 11، في معرض مناقشته لجدلية ((خلاص إسرائيل)).
3- رسالته إلى كنيسة غلاطية، الفصل الثالث، في معرض كلامه عن جدلية العهد/الوعد والشريعة.
4- رسالته إلى كنيسة غلاطية، 4: 21-31. وهذه الفقرة رمز تطبيقي الموضوع السابق: عبودية في الشريعة أم حرية في العهد/الوعد.
هذا وقد استثنينا الرسالة الى العبرانيين إذ أنه لا يوجد توافق بين علماء الكتاب المقدس على أن بولس هوالكاتب. 
من أسهل الطرق وأبسطها لمناقشة هذا الموضوع هي أن نتناول كل مرجع من كتابات بولس عن إبراهيم بمفرده ونعالجه. لكن الموضوع ليس بهذه البساطة ونخشى التكرار، إذ أن بولس يتناول أحياناً نفس الموضوع في موضعين مختلفين من نفس الرسالة أوفي رسالتين مختلفتين أويستطرد إلى عدة مواضيع في نفس المقطع البيبلي. لذلك، سنعمد الى معالجة هذا الموضوع متناولين المواضيع اللاهوتية التي كان يعالجها بولس وأتى فيها بأحداث من قصة إبراهيم.

1 - الخلفية الكائنة وراء فكر بولس في ما كتب عن إبراهيم
عندما اقتبس بولس من قصة إبراهيم، ثم لجأ إلى تأويلها في رسالته إلى كنيسة روما فصل 4 ورسالته إلى كنيسة غلاطية فص 4 و5، انطلق أساسًا من جدليته المعروفة ((الإيمان والأعمال)). ويوجد رأي يقول أن هذه الجدلية، وما يتفرع منها، هي الفكر الأساس في كتابات بولس، بل و((مركز تفكير بولس))(1). أما في رسالته إلى كنيسة رومة ف 9-11، فخلفية بولس كانت طرح موضوع خلاص إسرائيل ووعود الله المقطوعة لهم. 
أما المصادر التي استقى منها بولس فكره فهي أولا تفسيره لحياة المسيح وتعاليمه، خاصة الصلب والقيامة، على ضوء خبرة طريق دمشق. فهويقول للكورنثيين: ((فأنا من الرب تسلمت ما سلمته إليكم)) (1كو11: 23) و((سلمت إليكم قبل كل شيء ما تلقيته)) (1كو15: 3) وفي 1كو 7 يساوي رايه برأي الرب. لكن هذا الموضوع لا يخلومن المعارضة والإشكال، فكثير من المواضيع التي علما بولس لا توجد في تعاليم الرب يسوع ولا في تعاليم الرسل الأوائل(2). ثم لا نستطيع أن ننكر على بولس المخزون اللاهوتي الكبير المتراكم في ذهنه وكان قد جمعه من دراسته اليهودية، فالعهد القديم القانوني و((كتابات ما بين العهدين)). فهو الفريسي الذي ((تعلم عند فدمي غملائيل)) (أع 22: 3)، ((ويكون هذا الأخير حفيد هلّيل الذي تنظر إليه الحركة (الفريسية) كأب مؤسس))(3). بولس يكتب عن نفسه في رسائله: ((وأفوق أكثر أبناء جيلي من بني قومي في ديانة اليهود وفي الغيرة الشديدةعلى تقاليد آبائي)) (غلا 1: 14). وراح بعيداً ليقول أنه كان بلا لوم من جهة تطبيقه لطقوس الشريعة (في 3: 6)، واضطهاده للمسيحيين، التي برى صورة عنها في استشهاد استفانوس وفي رحلته إلى دمشق. كانت طريقة تفسير النصوص المقدسة عند الفريسين تميل إلى الحرفية الصارمة مع أنه كانت توجد في زمن بولس مدارس تفسيرية مختلفة: الحرفية والمدرشية والوعظية والرمزية(4). والكتابات التلموذية رافقت بولس في كل تفكيره، لكنه سلط عليها ضوء خبرته المسيحية(5). نحن من المعتقدين أن علوم النقد التي نعرفها اليوم والتي ساعدتنا كثيراً في معالجة نصوص العهد القديم من الناحية التاريخية، هذه العلوم لم تكن معروفة في زمن بولس. لذلك كانت النصوص تُعالج بطريقة حرفية وروايات الآباء تُقرأ قراءة تاريخية. 
يجب أن لا يغيب عن ذهننا أن وراء جدلية ((الايمان والاعمال)) وإشكالياتها التي سنأتي على ذكرها، تطفو الاختلافات والخلافات التي حصلت بين المسيحيين اليهود (المتهوّدين) والمسيحيين الغوييم (الامم). فأولئك أصرّوا على الغوييم المهتدين الى المسيحية أن يخضعوا للطقوس اليهودية ويمارسوها، حينئذ تصدّت لهم فئة من قادة الكنيسة الفتية بقيادة بولس، ورُفع الامر الى مشايخ كنيسة أوروشليم وانعقد المجمع الكنسي الاول الذي أكّد على صحّة رسالة بولس. ويظهر أن آراء هؤلاء المتهوّدين قد غزت الكنائس وأدخلت المسيحيين في جدالات عقيمة كثيراً ما كانت تؤدي الى خلافات. الامر الذي دفع بولس الى تصحيح الامور في أذهان قادة الكنائس عن طريق كتابة الرسائل. 
أما لماذا لجأ بولس إلى إبراهيم بالذات، فهذا الأخير يشكّل، في تاريخ العهد القديم كلّه وفي زمن العهد الجديد، نقطة مرجعية كان يعود اليها الاسرائيليون ومن ثم اليهود كلما شعروا بالخطر على ديانتهم وقوميتهم. نأخذ مثلاً واحداً من كل حقبة: قال الله لموسى عندما ظهر له في العليّقة ((أنا اله آبائك. اله إبراهيم واسحق ويعقوب)) (خر 3: 6). كتب إشعياء ((أنظروا الى إبراهيم أبيكم والى سارة التي ولدته دعاه الرب وهورجل واحد وباركه وكثّر نسله)) (اش 51: 2). أجاب اليهود الرب يسوع عندما لمّح لهم بأنهم ما زالوا عبيداً ولم يعرفوا الحرية: ((نحن ذرية إبراهيم، وما كنا يومًا عبيدًا لأحد!)). وإذا أتينا الى الكتابات التلموذية: المشنا والمدراش، نجد أيضًا ذكراً متكرراً لإبراهيم وللطريقة التي اتّبعها ليصبح خليل الله.
وبينما تُشكّل جدليّة ((الايمان والاعمال)) العامود الفقري في جسم لاهوت بولس، غير أنه فيها يستطرد إلى مناقشة إشكاليات فرعية هي بمثابة عناصر لهذه ((الجدلية)). وهذه الإشكاليات هي التالية: 
1- اشكالية النعمة والشريعة (وجه آخر لإشكالية الإيمان والأعمال).
2- اشكالية الختان الحقيقي والختان الطقسي
3- اشكالية نسل إبراهيم: الاسرائيلي الحقيقي والاسرائيلي بحسب الجسد، اليهودي الحقيقي واليهودي بحسب الجسد، نسل إبراهيم الحقيقي وذرية إبراهيم بحسب الجسد.
4- إشكالية وعد/عهد الله لإبراهيم بالميراث.
غير أن هذا لا يعني أن بولس، فيما كتب عن إبراهيم، لم يطرح مواضيع أخرى. وفي استعراضنا للنصوص البيبلية، سنتوقف عند هذه المواضيع.

2 - استعراض النصوص البيبليّة(6)

1. رسالة بولس الى الرومانيين، فصل 4 
بعد أن يشرح، في الفصلين الثاني والثالث، موضوع عمومية الخطيئة: ((ما من أحد بار لا أحد)) (3: 10) وعجز الشريعة(7) عن تبرير الإنسان: ((... ليسكت كل إنسان ويخضع العالم كله لحكم الله. فالعمل بأحكام الشريعة لا يبرر أحدا عند الله، لأن الشريعة لمعرفة الخطيئة)) (3: 19-20)، يبدأ بولس بشرح عقيدة التبرير بالإيمان بالرب يسوع المسيح (3: 21-5: 21). ينهي بولس الفصل الثالث بطرحه ثلاثة أسئلة ويعطي إجاباتها باقتضاب: 
1. ((فأين الفخر؟لا مجـال لـه. وبماذا نفتخر؟ أبالأعمال؟ لا، بل بالإيمان. فنحن نعتقد أن الإنسان يتبرر بالإيمان، لا بالعمل بأحكام الشريعة)). (آ 28 و27).
2. ((أفيكون الله إله اليهود وحدهم؟ أما هوإله سائر الأمم أيضا؟ بلى، هوإله سائر الأمم. لأن الله واحد يبرر اليهود بالإيمان، كما يبرر غير اليهود بالإيمان)). (آ 29 و30).
3. ((وهل يعني هذا أننا نبطل الشريعة بالإيمان؟ كلا، بل نثبت الشريعة)). (آ 31).
تشكّل هذه الأسئلة والأجوبة سلسلة منطقية: لوكان الخلاص بالشريعة لكان الله إله اليهود فقط لأن ((الغوييم)) لا يخضعون للشريعة (توراه). غير أن الله واحد وهو إله اليهود ة وال ((غوييم)) وعنده وسيلة واحدة للتبرير هي الإيمان. إذا، وفي هذه الحال، هل نُبطل الشريعة ونقول أن الله غير رأيه وبدل طرقه الخلاصية؟ كلا؟ بل بذلك نحن نثبت الشريعة لأن الشريعة نفسها تنص على التبرير بالإيمان. وهذا ما سيشرحه بولس في الفصل الرابع مستعيناً بإيضاح إبراهيم.
1. الافتخار بأعمال الشريعة مرفوض لأن التبرير لم نكتسبه بها بل أُعطي لنا نعمة بالإيمان. والبرهان على ذلك هوأن إبراهيم نفسه، ((أبانا حسب الجسد، لم يفتخر. ((فلوأن الله برره لأعماله لحق له أن يفتخر، ولكن لا عند الله)). لقد برره الله بالإيمان، ((فالكتاب يقول: آمن إبراهيم بكلام الله، فبرره لإيمانه)). (آ1-8). (يقتبس بولس تك 15: 6).
2. الله ليس لليهود (أهل الختان) فقط بل لسائر الأمم (أهل الغرلة أوغير المختونين) أيضًا. والبرهان على ذلك هوأن الله برر إبراهيم بناء لإيمانه بكلام الله وقبل أن يختتن وأهل بيته، ((وقد نال الختان علامةوبرهانا على أن الله برره لإيمانه قبل ختانه، فصار إبراهيم أبا لجميع الذين يبررهم الله لإيمانهم من غير المختونين)). (آ9-12). هنا يستطرد بولس إلى إشكالية الختان والغرلة وإشكالية ذرية إبراهيم الحقيقية.
3. لا يعني هذا أن الشريعة تبطل بالإيمان، فالشريعة ضرورية لإظهار معصية الإنسان وغضب الله: ((لأن الشريعة تسبب غضب الله، وحيث لا تكون الشريعة لا تكون معصية)). والعكس غير صحيح أيضا، فالإيمان لا يبطل بالشريعة إذ أنه أتى قبلها. ((فالوعد الذي وعده الله إبراهيم ونسله بأن يرث العالم لا يعود إلى الشريعة، بل إلى إيمانه الذي برره)). وهنا يقتبس بولس بتصرف تك 21: 2 و3 و17: 4-6. (آ 13-17). هنا يستطرد بولس إلى إشكالية الوعد بالميراث ويعود إلى إشكالية ((نسل إبراهيم الحقيقي)) التي كان قد بدأها في الفقرة السابقة.
يكرس بولس ما تبقى من الفصل (آ 18-25) ليصف جوهر إيمان إبراهيم مستندا دائما على رواية سفر التكوين بتفاصيلها فيما يتعلق بإيمان إبراهيم الثابت بوعد الله له ألا وهومنحه ذرية لبركة العالم (ليرث العالم كما في آ 13 أعلاه) بالرغم من أنه ((رأى أن بدنه قد مات وأن رحم امرأته ساره مات أيضًا)) (آ 19). ثم ينتقل بول من الكلام عن إبراهيم وإيمانه بالله إلينا ((نحن الذين نتبرر بإيماننا بالله الذي أقام ربنا يسوع من الأموات)) (آ 24). وهذه هي القمة التي تسلق إليها بولس: من إبراهيم إلى المسيح.

2. رسالته إلى كنيسة رومه، 9: 6 - 9 وف 11
يطرح بولس في هذا القسم من الرسالة موضوع ((خلاص إسرائيل)) نسل إبراهيم الجسدي، فيستهل كلامه برسم صورة رومنسية يعبر فيها عن أسفه من أجل إخوته بني قومه في الجسد الذين انحرموا من المسيح ، هؤلاء ((هم بنوإسرائيل الذين جعلهم الله أبناءه، ولهم المجد والعهود والشريعة والعبادة والوعود ومنهم كان الآباء وجاء المسيح بالجسد)) (9: 4 و5). ويشير هنا بولس إلى خر 4: 22 وتث 7: 6 وهو11: 1 ومواضع أخرى من العهد القديم. ثم يجيب على سؤال ضمني تقديره: ((هل خاب وعد الله إلى بني إسرائيل؟)) إذ أن الوعد الذي قطعه الله لبني إسرائيل بمنحهم البركات المسياوية كما وصفها في الفصل الثامن، وخاصة القسم الأخير، لم يستفيدوا هم منها بل الغوييم (الأمم). وهنا يضع بولس نفسه في الإطار القومي الإسرائيلي (بحسب الجسد). ثم يجيب بعد أن يخرج نفسه من ((إسرائيل الجسدي)) إلى ((إسرائيل الروحي)): ((ولا أقول إن وعد الله خاب فما كل بني إسرائيل هم إسرائيل (الروحي)، ولا كل الذين من نسل إبراهيم هم أبناء إبراهيم الروحيون)) (9: 6 و7). ويتابع بولس ليوضح أن نسل إبراهيم الحقيقي هوالنسل الروحي الذين آمنوا بوعد الله إلى إبراهيم بأنه سيعطيه إسحق. يعود بولس هنا إلى إشكالية نسل إبراهيم.
يعود بولس في الفصل الحادي عشر فيطرح موضوع ((خلاص إسرائيل))، نسل إبراهيم الجسدي فيسأل: ((هل نبذ الله شعبه؟)) ويجيب: ((كلا! فأنا نفسي من بني إسرائيل، من نسل إبراهيم وعشيرة بنيانين. ما نبذ الله شعبه وهوالذي سبق فاختاره)). (11: 1 و2). ويتابع بولس موضحًا أن الله اختار بنعمته وخلص ((البقية التقية)) ((أما الباقون فقست قلوبهم )) (11: 7). ويسأل: ((هل زلت قدم اليهود ليخلصوا إلى الأبد؟)) ويجيب: ((كلا! بل بزلتهم صار الخلاص لغير اليهود... فإذا كان في زلتهم غنى للعالم وفي نقصانهم غنى لسائر الشعوب، فكم يكون الغنى في اكتمالهم؟)) (11: 11 و12). ثم يتابع، في بقية الفصل، مناقشة ((خلاص إسرائيل)) وتحتد المناقشة ليدافع عن ((اختيار إسرائيل)) في وجه بعض الغوييم الذين دخل التكبر إلى قلوبهم فابتدأوا يشيعون بأن إسرائيل الجسدي قد سقط من نعمة الله ورُفض إلى الأبد. ولنا عودة إلى هذا الموضوع في الصفحات القادمة. 

3. رسالته إلى كنيسة غلاطية، الفصل الثالث
ينطلق بولس هنا ايضا من جدلية الإيمان والأعمال، فيبسط المقارنة بين الإيمان والشريعة ليستشهد باختبار إبراهيم الروحي وتبريره بالإيمان تماما كما في رسالته إلى رومة الفصل 4. (1-6). وكنتيجة لهذا النمط من التفكير يقول: ((إذا، فأهل الإيمان هم أبناء إبراهيم الحقيقيون)) (آ 7)، مستطرداً بذلك إلى الكلام عن بركة إبراهيم المؤمن إلى كل المؤمنين إيمان إبراهيم. ثم يصل إلى اللعنة الحاصلة عن عدم العمل بالشريعة ليخلص إلى القول أن ((المسيح حررنا من لعنة الشريعة بأن صار لعنة من أجلنا)) (8-13). يؤمّن بولس الربط بين المسيح وإبراهيم في قوله: ((وهذا ما فعله المسيح لتصير فيه بركة إبراهيم إلى غير اليهود فننال الروح الموعود به)) (آ 14). سنعود إلى هذا الربط الذي لا يخلومن الصعوبة. يبقى أن نشير أن ما يدعوه بولس ((تبريراً)) في رو4 يدعوه هنا ((الحصول على الروح القدس)) (ق آ 2 و4 و5 و14).
وفي الآيات 15-18 يناقش بولس موضوع عهد/وعد الله لإبراهيم بمنحه الميراث الذي جاء زمنيا قبل الشريعة بأربعمئة وثلاثين سنة (آ 17). فكما أنه ((لا يقدر أحد أن يبطل عهد إنسان أويزيد عليه إذا كان ثابتاً)) (آ 15)، هكذا لا يستطيع أحد أن يُبطل عهد/وعد الله لإبراهيم بالإيمان أويزيد الشريعة عليه. ولا يمكن أن تكون الشريعة عهدا/وعدا.
في الآيات المتبقية من الفصل، (19-29)، شرح بولس لزوم الشريعة في الفترة من موسى إلى المسيح. الشريعة هي وسيلة لإظهار خطيئة الإنسان (آ 22)، و((كانت مؤدباً لنا إلى أن يجيء المسيح)) (آ 24). وينتهي بولس إلى القول: ((فإذا كنتم للمسيح فأنتم، إذا، نسل إبراهيم ولكم الميراث حسب الوعد)) (آ 29).

4. رسالته إلى كنيسة غلاطية، 4: 21-31
يعرض بولس في هذا القسم من الرسالة مقارنة بين نسل إبراهيم الجسدي ونسل إبراهيم الروحي. يلجأ بولس إلى مَثَل هاجر وساره ويرسم خط المقارنة بين ابن إبراهيم من هاجر ((الجارية))، المولود حسب الجسد، ونسله؛ وابنه من سارة ((الحرة)) ( إسحق)، المولود حسب الوعد، ونسله.(آ 21-23). فهاجر جارية (عبدة) مصرية تذكر بجبل سيناء حيث نشأت الشريعة فكل التفاصيل تذكر بذرية إبراهيم الجسدية، هؤلاء اليهود الذين أصبحوا عبيداً للشريعة. وهم متعلقون بأوروشليم الأرضية، وكانت آنذاك مستعبدة للرومان. هذا هوالنسل الإبراهيمي الجسدي الذي ما زال مستعبدا للشريعة. وبمقابل ذلك، يستعرض الرسل النسل المولود من ساره الحرة بحسب الوعد. وساره تشير إلى أورشليم السماوية الحرة وأولادها أحرار. هؤلاء هم أولاد الموعد الذين حررهم المسيح.
بعد هذا الاستعراض للنصوص البيبلية، نجمع المعلومات تحت ثلاث جدليات عقائدية ناقشها الرسوال مستعيناً بإبراهيم.

3 - الجدليات العقائدية التي ناقشها بولس في حدود قصة إبراهيم

1. التبرير بالإيمان
أ. بولس والتبرير
((التبرير)) ()، من الفعل ()، إحدى الكلمات المهمة التي استعملها بولس في كلامه عن عمل المسيح الفدائي وتطبيق الله لهذا العمل على الإنسان. فالإنسان الذي يبرره الله هوالذي يعلنه مبررًا () وليس بارا والفرق بين الإثنين واضح، فالبار هومن لم يعمل خطيئة، بينما المبرر هومن اقترف خطيئة وغفرت له فرفعت عنه عوافبها فأصبح مبررا تجاه الله وعدالته. استعمل بولس الفعل ((برّر)) أربع عشرة مرة و((التبرير)) إثنتي وخمسين مرة(8). وما يلفت الانتباه هوأن هذه التعابير مركزة في رسالته إلى كنيسة رومه وتلك إلى كنيسة غلاطية، وتوجد ، خارج هاتين الرسالتين، فقط في 1كو 6: 11 وتي 3: 7(9).
إن مصدر تعليم بولس عن التبرير هوطبعا العهد القديم وثم اليهودية الربية. و((الكلمة العبرية ((صِدِقْ)) و((صِدَقه)) (الكسرة بالإمالة) المستعملة في العهد القديم هي ليست بالدرجة الأولى صفة خلقية. فالمعنى الأساسي للكلمة هوالمعيار في شؤون الكون الذي على الأشياء والبشر أن يتطابقوا معه وبه يقاسون))(10). فيقال ((شيء مطابق)) و((إنسان سوي)). أما في اليهودية الربية فإن ((البر هورغبة قوية عند اليهودي في أن يكون مرضياً لدى إلهه، والطريقة هي طاعة كاملة للوصايا التي يتضمنها التوراة والتقليد وهدف هذه الطاعة هوحفظ العهد ... فالبر عند اليهود تبرير في المستقبل وليس في الزمن الحاضر))(11). إذا التبرير في العهد القديم قضائي عدلي وليس خلقي. تعلم اليهودية الربية أن ((كل من يعمل فرائض الرب يحكم له الرب في اليوم الأخير بأنه بار، وكل من لا يحفظها ولا يفعلها فإن خطاياه تحسب عليه. وفي اليوم الأخير سوف يجد كل إنسان حسابه أمامه، ما له وما عليه وإن كثر الأول تبرر وإن كثر الثاني فقد دين))(12). وسوف يدان الذين من الأمم لأنهم احتقروا الشريعة و((لم يؤمنوا بالوصايا)) (4عز 7: 24) وكان قبول الشريعة في إسرائيل عمل إيمان الذي ينتج أعمالا صالحةمطابقة للشريعة (4 عز 9: 7؛ 13: 23؛ رؤيا برنابا 2: 59). 
واضح أن بولس يختلف مع اليهودية الربية اختلافا بيناً. فقد علم: ((ولكن الآن ظهر كيف يبرر الله البشر من دون الشريعة، كما تشهد له الشريعة والأنبياء (العهد القديم كله). فهو يبررهم بالإيمان بيسوع المسيح: ولا فرق بين البشر (رو3: 21 و22). فبولس يضع أساسًا للتبرير ألا وهوموت المسيح ووسيلة للحصول عليه ألا وهي النعمة من قبل الله والإيمان من قبل الإنسان. يلجأ بولس إلى طلب شهادة الشريعة والأنبياء: العهد القديم، على صحة تعليمه لذلك فهوينتقل في جدليته من مناقشة نظرية إلى برهان حسي تاريخي من العهد القديم وهذا ما يقوده إلى قصة إبراهيم.
ب. إبراهيم والتبرير (البولسي) 
إبراهيم هو شاهد بولس بأن التبرير، حتى في العهد القديم، كان بالإيمان. وأحرص في هذه الفقرة أن أسلّط الضوء على إبراهيم وبولس، وليس على التبرير وبولس. في العهد القديم والعهد الجديد، إبراهيم رمز روحي مهم يظهر ((اختيار الله)). ويسأل سائل لماذا إبراهيم ليس نوح مثلا الذي قطع الله معه عهدا قبل إبراهيم. الجواب بسيط، ((فبينما اختيار نوح وعائلته عنت هلاكا لبقية الجنس البشري، اختيار إبراهيم وعائلته عنت بركة لبقية الجنس البشري))(13).
إن الآية التي ينطلق منها ويركز عليها بولس في دفاعه هي ((فآمن أبرام بالرب، فبرره الرب لإيمانه)) (تك 15: 6). فهويقتبسها ويؤولها في رو 4: 3 وغلا 3: 6. والمشكلة التي علينا أن نعالجها هي: هل فعلا تبرر إبراهيم بالإيمان؟ وهل يستطيع القارئ اليهودي، غير المؤمن بالمسيح أن يتوصل إلى هذه النتيجة من مجرد دراسته المعمقة لقصة إبراهيم؟ 
دعونا أولا نركز على الظروف النفسية التي كان فيها إبراهيم عندما كتب عنه الكاتب الملهم هذه الآية. الله يؤكد لإبراهيم بأن أجره سيكون عظيماً لأنه اطاع وترك بلاده وشعبه. لكن إبراهيم يتساءل: ما نفع الأجرة؟ إذ ليس لي نسل تذهب له هذه الأجرة بعد موتي، ووارث بيتي هوالعبد أليعازر الدمشقي. لاحظوا معي أن الأجرة التي يفهمها إبراهيم هي بركات مادية يمكن أن يتمتع بها في هذه الحياة ويورثها لنسله بعده ولم يفكر أبدًا إبراهيم بالبركة الروحية في هذه الحياة وعلى الأخص بعد الموت، وليس مستغربًا فلا إبراهيم ولا الكاتب الملهم يفقهان شيئا من الإسخاتولوجيا وخاصة ما بعد الموت. وهنا يتدخل الله ويعده بنسل يخرج من صلبه وهذا النسل بالذات هوالذي سيرثه (تك 15: 1-6). إذا استطاع أي كاتب أو قارئ أن يضع نفسه في ظروف إبراهيم ويحدد معارفه الدينية بمعرفته، فبالتأكيد سوف لن يدرك ما هوالإيمان وما هوالتبرير كما في مفهوم بولس. وحتى بالنسبة للقارئ اليهودي العادي الذي يرى إبراهيم من بعيد في قصته التي وصلته، فهويرى الكل وليس الجزء فيرى أن ((عمل)) إبراهيم قد طغى على ((إيمان)) إبراهيم ولا يفصل بين إيمانه كنشاط عقلي وعمله كنشاط مادي. هكذا قرأ يعقوب الرسول قصة إبراهيم برأينا: قراءة بسيطة للنص مع تفسير ارتكز على بعض التقاليد المدراشية السطحية.
إذاً، هل يتكلم بولس في الفراغ وهل يقرأ النص بفكر غرضي وغائي؟ مبتعدا عن التفسير الموضوعي؟ إن من يعرف بولس يقول معي لا، فهوالضليع بقواعد التفسير اليهودية والعارف قارئيه وسامعيه حق المعرفة، لا يسمح لنفسه ابداً أن يكون سطحياً لهذا الحد فيحرف الحقائق ((ليسوّق)) عقيدته. كان يوجد بين اليهود من اتبع نفس النمط التفكيري الذي يبرز في كلام بولس. ((إن كلام فيلو يظهر أيضا تشابها ملحوظا مع فكر بولس: ((لأن النفس، وهي ملتصقة باتكال على رجاء صالح ومعتبرة أن الأشياء غير المرئية في الزمن الحاضر والتي هي بحكم المحققة في الزمن الحاضر وذلك بسبب ثبات ذاك الذي وعد بها، ربحت كمكافأة لإيمانها، فضيلة صالحة؛ إذ نقرأ بعد هذا بقليل الكاتب في بداية قصة إبراهيم، إبراهيم آمن بالله))(14). لم يعلِّم بولس عقيدة التبرير بالايمان في فراغ. فالايمان يجعل الانسان مبرّراً قضائياً وفعليًّا لان الايمان يُنتج علاقة خصوصية يُعبّر عنها بولس في اصطلاحه المشهور: ((في المسيح)). هنا أنقض نفسي وأتوقف عن الدفاع عن أولئك الذين لم يروا هذه الحقيقة قبل بولس من حكماء اليهود، فالموضوع لا يحتاج إلى قواعد تفسير، فمجرد القراءة المعمقة الواقعية المنطقية للنص في سفر التكوين ترينا بوضوح أن لله برر إبراهيم: 
1. ليس لأنه أطاع وترك أرضه وبيته وعشيرته وأتى إلى أرض كنعان، فالتبرير أتى بعد هذه الخطوة.
2. ليس لأنه دخل في ((بِريث)) (عهد أوميثاق) معه، فهذا حصل بعد التبرير.
3. ليس لأنه اختتن كعلامة للبريث، لأن هذا حصل أيضا بعد التبرير.
4. بل لأنه آمن بوعد الله بأن هذا الأخير سيعطيه نسلا من صلبه. 
((وفي الأوقات العصيبة التي كان يمر فيها الشعب الإسرائيلي، كان كاتب التوراة يعود دائما إلى مبدأ ((الإيمان)) ويشير إليه على أنه العامل الحاسم في معاطاة الله مع نسل إبراهيم. (أنظر خر 4: ،5 31؛ 14: 31؛ 19: 9)))(15). ((يتساءل المرء من أي مصدر استقى الكاتب معرفة حدث يحمل ما هوأكثر حمامة بين الله وإبراهيم... لأن هذه الكلمة [برره الله] أصبحت المعادلة الثابتة لعمل الدخول في حالة الخلاص))(16). 
نستطيع أن نقول أن روما 4 وغلاطية 3 هما مدراش بولسيّ لقصة إبراهيم. يظهر أنه من المؤكد أن قصة إبراهيم تشكّل الاساس لعقيدة التبرير بالايمان في الفكر البولسي ((وأن الآية من الانبياء)) حب 2: 4 التي وردت عرضياً في استعراض بولس ((قد أُضيفت كتفسير وتطبيق للمبدأ المعروض في سفر التكوين))(17). ان تكوين 15: 6 يُرينا تبرير الله إبراهيم بواسطة نعمته (مجاناً أوبدون استحقاق). فإبراهيم أطاع الله وترك أور الكلدانيين آتياً الى كنعان ووعده الله بأجرة لكنه عاجز عن الاحتفاظ بهذه الاجرة لأنه قد شاخ وكذلك امرأته ومن المستحيل بشرياً أن يكون له ولد ولعازر الدمشقي هومن سيرثه، وهذه صورة معبّرة عن عجز إبراهيم. هنا تتدخل نعمة الله فيعد الرب إبراهيم بولد من صلبه ليكون له الميراث بعده. إبراهيم أمام تجربة: أ يثق بقول الرب أم يركّز على عجزه. وانتصر الاختيار الاول فإبراهيم وثق بالرب أي سلّم أمره ونفسه وكل ما يتعلق به الى الرب ووثق بوعده، فحسب له الرب هذا التصرف برّاً أي عملاً مطابقاً للمعيار الالهي. ان ايمان إبراهيم لم يُمسك فقط بوعد الله له بل يتعلق بالله نفسه وبأمانته. لم يكتسب إبراهيم رضى الله (برّه) بعمل قام به، فحتى عندما قام بعمل الطاعة استحق أجرة ووعده بها الله لكن لم يبرّره. أما عندما آمن بالله، بقدرته وأمانته، كتب الكاتب المُلهم بأن الله برّره. 
بالمقارنة بين نصّي روما 4 وغلاطية 3 تتبيّن لنا فروقات مهمّة، بالطبع قصدها بولس. ففي رومة 4 يذكر بولس أن إبراهيم تبرّر بالايمان قبل أن يُختتن، وعلى أساس هذا التبرير َقِبل الختان الذي هوختم التبرير بالايمان. يُبيّن بولس بهذا أن الختان لا يُقدّم ولا يؤخّر في قضية التبرير، والايمان وحده هوالعامل الاساس. نسأل أولاً لماذا لم يلجأ بولس الى هذا البرهان في رسالته الى كنيسة غلاطية فلربما كان سنداً داعماً في وجه حزب الختان. من الصعب أن نقبل أن بولس لم تخطر له الفكرة عندما كتب الى غلاطية. يظن أحد الشرّاح "بأنه لربمالم تكن هذه وسيلة ملائمة للغلاطيين. فلربّما قالوا: ((كان إبراهيم مبرراً بالايمان هذا صحيح وهكذا نحن. لكن إبراهيم اختتن نتيجة لذلك؛ هذا صحيح، وهذا ما نحن نعرضه على أنفسنا. تقول بأن ختان إبراهيم كان ختماً لتبرّره بالايمان الذي حصل عليه عندما كان غير مختون؛ صح، فلماذا لا يعني الختان لنا نفس الشيء))(18). يسير بولس في كتاباته، خاصة رسالته إلى كنيسة روما ضمن خطة مدروسة، ففي غلا 3 أراد أن يتفادى الدخول في إشكالية الختان بينما أراد أن يعالجها في رو4. الامر الثاني، عند مناقشته لتبرير إبراهيم بالايمان في رومة ،4 لم يلجأ بولس الى ايضاح اسماعيل واسحق ليوضّح المعنيين المختلفين لنسل إبراهيم. فبدلاً عن ذلك هو يُشير الى رواية تكوين 17 حيث تبديل اسمه من أبرام الى إبراهيم يترافق مع وعد الله له: ((لأني جعلتك أباً لأمم كثيرة)) (تك 17: 5). ذلك لأن بولس لم يرد الدخول في إشكالية النسل بل في موضوع شمولية إيمان إبراهيم. ونسأل بأي معنى يُصبح إبراهيم أباً لأمم كثيرة (غوييم)؟ بالطبع بالمعنى الروحي يقول بولس وهذا يعني بأن إبراهيم أب لكل الامم (غوييم) الذين سيؤمنون. بينما كونه أباً لنسله الطبيعي: من اسماعيل واسحق يترافق مع الوعد له بأرض كنعان، فأبعاد أوسع قُدّرت له بالعلاقة مع نسله الروحي: فمن خلال التبرير بالايمان أتى الوعد لإبراهيم ولنسله بأنه سيرث العالم (رو4: 13). 

2. خلاص إسرائيل
يناقش بولس هذا الموضوع في روما الفصول 9-11. الموضوع الذي يعالجه بولس في هذا النص هومضمون السؤال الذي يطرحه بولس ضمناً قبل روما 6: 9 وصراحةً في روما 1: 11. في المرجع الاول نفهم السؤال من الجواب: ((ولا أقول أن وعد الله خاب))، فيكون السؤال: ((ما دام الله وعد نسل إبراهيم (الاسرائيليين أواليهود) بالبركة وكوننا نراهم رفضوا الخلاص بالمسيح، فهل خاب وعد الله؟)) والسؤال الثاني الصريح هوأوضح: ((هل نبذ الله شعبه (نسل إبراهيم)؟)) يُجيب بولس على كلا السؤالين بالنفي. ((ولا أقول أن وعد الله خاب. فما كل بني إسرائيل هم إسرائيل، ولا كل الذين من نسل إبراهيم هم ابناء إبراهيم. قال الله لإبراهيم: باسحق يكون لك نسل. فما أبناء الجسد هم أبناء الله بل أبناء الوعد هم الذين يحسبهم الله نسل إبراهيم)) (روما 9: 6-8). يشرح بولس بأن وعد الله لم يخب إذ أن نسل الوعد، المؤمنين ايمان إبراهيم، قد خلصوا. الوعد اذاً قائم وتحقق. وضمن نسل إبراهيم الروحي، توجد ((بقية)) من نسل إبراهيم الجسدي، ويلمح بولس على أن خلاص هذه ال((بقية)) هوتحقيق لما جاء في سفر إشعياء: ((وإن كان بنوإسرائيل عدد رمل البحر، فلا يخلص منهم إلا بقية... لولا أن رب الجنود حفظ لنا نسلاً، لصرنا مثل سدوم وأشبهنا عمورة)) (رو 9: 27-29. أنظر إش 10: 22-23 و1: 9). الكلمة ((نسل)) في رومة هي ((بقية)) في إشعياء. وبرأينا تغيير الكلمة في الاقتباس مقصود، فـ ((البقية)) هي ((النسل)) الإبراهيمي الجسدي المؤمن بالمسيح. وعلى السؤال الثاني يُجيب بولس: كلا لم ينبذ الله شعبه، نسل إبراهيم فقد طالت نعمته قسماً منهم، وهوواحد منهم. ويدعوبولس هذا القسم من اليهود الذين آمنوا البقية، فكما في أيام ايليا كانت أكثرية الشعب قد ذهبوا وراء عبادة الاوثان الا أن الله قال لإبراهيم: ((أبقيت سبعة آلاف رجل ما حنوا ركبة لبعل)). (روما 11: 4، 1مل 19: 10، 18). ثم يتابع بولس: ((وفي الزمن الحاضر أيضًا بقيّة من الناس اختارها الله بالنعمة)). (روما 11: 5). يأتي بولس على ذكر مصطلح مهم في العهد القديم هو ((البقيّة التقيّة)) وهذا ما نتوقف عنده بعد قليل. ماذا حدث اذاً لاكثرية نسل إبراهيم الجسدي (الاسرائيليين أواليهود) ويُجيب بولس: ((ان قسماً من بني اسرائيل قسَّ قلبه الى أن يكمل عدد المؤمنين من سائر الامم. وهكذا يخلص جميع بني اسرائيل)). (روما 11: 25 و26. ماذا تعني هذه العبارة: ((يخلص جميع بني اسرائيل)). وهذا أيضًا ما سنشرحه. وإن كان العهد القديم علّم عن البقيّة التقيّة، فخلاص جميع إسرائيل بالمسيح اجتهاد بولسيّ جاء بمثابة نبوّة أوتطبيق لنبوّة أتت في العهد القديم وستتحقق لاحقاً.
أ. خلاص ((البقيّة التقيّة)) من نسل إبراهيم
ما يعنيه بولس بـ ((البقية))، كمعنًى مباشر طبعاً، هو الاقلية الصغرى من اليهود الذين آمنوا بيسـوع كالمسـيّا المنتـظر. ان الكلمة اليونانية () المسـتعملة في (آ 5) هي مشتقّة من الفعل ( = أبقيت) في (رومة 11: 4). والله في الزمن الحاضر قد أبقى (شكّل بقيّةً) من اليهود على غرار البقية التقية في أيام ايليا. ((بالنسبة للبعض، البقية استمرّت وبقيت طبقاً لاختيار النعمة، هذا الاختيار الذي تمتّع به الاسرائيليون كشعب اختير من قبل الله، ووجوده يُبرهن بأن الاختيار لم يُلغَ. وبالنسبة للبعض الآخر، البقيّة قد تشكّلت في الزمن الحاضر] بتطبيق مبدأ الاختيار بالنعمة: اختار الله، من بين الشعب الذي بقي في عدم الايمان، اولئك الذين اقتبلوا الايمان وأصبحوا يشكّلون شعباً جديداً))(19). لكن من السهل نقد التفسير الثاني، لأن الفصول 9-11، لا تتضمن إلا اختيار شعوب وليس اختيار أفراد. صحيح أن الآية 7 تتكلم عن اختيار أفراد لكن هؤلاء الافراد يشكّلون ((البقية)) بالمقابلة مع ((الباقين الذين تقسّوا)). فالفكرة الاعتراضية التي تأتي في الآية 6 تُفهم بشكل أفضل كإختيار فردي منه كإختيار قومي))(20). ان خلاص هذه البقية كنتيجة لاختيار نعمة الله هوتأكيد على أن اختيار إبراهيم بالنعمة، ما زال قائماً وقد تحقق في ((بقية)) من نسله الجسدي. ولربما هذه البقية هي عربون كل النسل. وهذا ما ندرسه أدناه. لا شك أن بولس استوحى مفهوم ((البقية)) من نصوص من العهد القديم لها معنى تاريخي أحياناً ودلالة لاهوتية دائماً. وكثيرا ما ترافقت فكرة ((البقية التقية)) مع رسائل الدينونة الجماعية التي كان يطلقها الأنبياء لكي تنكسر كبرياء الشعب ويعلموا أن ((امتيازات الولادة)) من نسل إبراهيم لا تفيدهم إذا لم يرضوا الله وأن الله، في الغضب، يختار بنعمته ((بقية)) للنجاة.
ب. خلاص كل اسرائيل
بعد أن يعالج بولس موضوع ((البقية التقية))، يعود إلى طرح مشكلة ((الباقين)) من النسل الإبراهيمي الذي تقسوا في الزمن الحاضر ورفضوا الإيمان بالمسيح. ويسأل: ((هل زلّت قدم اليهود ليسقطوا إلى الأبد؟)) ويجيب: ((كلا! بل بزلتهم صار الخلاص لغير اليهود حتى تثور الغيرة في بني إسرائيل)) (رو11: 11). يثم يكشف بولس أمراً جديداً لقارئيه: ((فأنا لا أريد، أيها الأخوة، أن تجهلوا هذا السر لئلا تحسبوا أنفسكم عقلاء، وهوأن قسما من بني إسرائيل قسى قلبه إلى أن يكمل عدد المؤمنين من سائر الأمم. وهكذا يخلص جميع بني إسرائيل، ...)) (رو11: 25).
ما هي هوية ((إسرائيل)) في هذا المقطع؟ اعتقد كالفن أن هذه إشارة إلى الكنيسة. ((أوسع كلمة إسرائيل لتشمل كل شعب الله.فعندما تكون الأمم قد أتوا وعاد اليهود، فخلاص كل إسرائيل الله، الذي يجب أن يتألف من الفئتين،يكون قد كمل))(21). صحيح أن بولس في غلا 6: 16 يشير إلى الكنيسة كـ ((إسرائيل الله))، لكنه في الرسالة إلى رومة يتكلم عن إسرائيل كمجموعة قومية بالمقارنة مع ((الغوييم)) أوالأمم. وهذا واضح في (11: 25 و26) ولا تفهم الكلمة بغير ذلك. والتفسير الطبيعي لهذا ((السر)) هو أن إسرائيل كجماعة قومية قد تقست حيال قبول المسيح، وما زالت حتى أيامنا. وأولئك الذين آمنوا بالمسيح من اليهود يدخلون في عداد البقية التقية. ويدوم هذا التقسي حتى يدخل سائر الأمم في الإيمان المسيحي أي حتى يقبل اليهود أن الوعد المسياوي يمتد إلى كل الشعوب وأن بركة إبراهيم بحسب الوعد هي بركة تشمل سائر الشعوب. هذا المفهوم يقبل به في أيامنا كثير من المفسرين المعاصرين(22). ماذا تعني ((كل))؟ فلو كان اهتداء اليهود في زمن الرسول لسهل الأمر، أما الآن وقد مر زهاء ألفي سنة ومات عشرات الأجيال من اليهود الذين لم يؤمنوا بالمسيح. إن ((كل)) لا تعني كمية بل قومية، وبحسب تعليم بولس هذا فاليهود كجماعة (ربما كدولة) سيأتون إلى الإيمان المسيحي.

3. الوعد والعهد 
كثيرة هي الإشارات إلى الوعد والعهد في كتابات بولس عندما كتب عن إبراهيم: 
((الوعد الذي وعد الله إبراهيم ونسله بأن يرث العالم)) (رو4: 13).
وعد الله له بنسل من صلبه (رو4: 19-21).
((فكيف بوعد الله لإبراهيم ولنسله؟ هولا يقول: لأنساله بصيغة الجمع، بل لنسله بصيغة المفرد، أي المسيح)) (غلا 3: 16). 
((...أن الشريعة لا تقدر أن تنقض عهداً أتبته الله، فتجعل الوعد بطلاً. فإن كان ميراث الله يستند إلى الشريعة، فهولا يكون وعداً، ولكن الله أنعم بالميراث على إبراهيم بوعد)) (غلا 3: 27 و18).
((... إلى أن يجيء النسل الذي جعل الله له الوعد)) (غلا 3: 19).
((... حتى ينال المؤمنون الوعد لإيمانهم بيسوع المسيح)) (غلا 3: 22).
((فإذا كنتم للمسيح فأنتم، إذاً، نسل إبراهيم ولكم الميراث حسب الوعد)) (غلا 3: 29).
((... وأما الذي من الحرة فولد بحسب وعد الله)) (غلا 4: 23).
((وفي ذلك رمز، لأن هاتين المرأتين تمثلان العهدين... هاجر من جبل سيناء تلد للعبودية... وهاجر تعني أورشليم الحاضرةالتي هي وبنوها في العبودية. وأما أورشليم السماوية فحرة وهي أمنا)) (غلا 4: 24-26).
((فأنتم يا أخوتي أبناء الوعد مثل إسحق)) (غلا 4: 28).
> نجمّع ما قاله بولس في سياق الوعد الإبراهيمي، فهوأتى على ذكر: الوعد، العهد، النسل، والميراث.
يجب أن أقول هنا أن بولس لم يحاول أن يعالج موضوع الوعد أوالعهد بحد ذاته، فكان تركيزه على أشياء أخرى ((التبرير)) و((النسل)). لكن لا يمكن أن نعالج موضوع ((النسل)) دون التطرق إلى الوعد فالعهد. 
في كل إشارات بولس إلى العهد ضمن إشاراته إلى قصة إبراهيم، توجد إشارة واحدة فقط إلى الـ ((بِريث)) الموسوي (غلا 4: 24). والبقية تشير إلى العهد الإبراهيمي الذي يختلف بشكل أساسي عن الأول. الـ ((بريث)) الموسوي هو بمثابة معاهدة بين الله والشعب على مثال تقريبي للمعاهدات التي كان يعقدها الملوك مع الشعوب الضعيفة. ويستعمل العهد القديم مصطلح ((الوضع تحت الجزية)). وبموجب هذه المعاهدات، الشعب الضعيف يدفع الجزية مقابل أن يترك الملك القوي للشعب الاستقلال والحرية. وهذا النوع من المعاهدات كان شائعا جدا في تاريخ الشرق الأدنى ونملك كثيراً من النصوص المشابهة. بموجب الـ ((بِريث)) الموسوي، كان على الشعب أب يعبد يهوه وحده ويحفظ شعائره ويحترم وصاياه (كل هذا يدعى الشريعة)، وبالمقابل يهوه يعطي الشعب الأرض والخصب والازدهار والتقدم والعدل والسلام(23). 
عندما يتكلم بولس عن العهد الإبراهيمي، فهو يعود بالتأكيد إلى (تك 15: 7-21)، فبعد أن قام إبراهيم بالطقس المتوجب، كتب الكاتب الملهم : ((في ذلك اليوم قطع الرب مع أبرام عهداً قال: لنسلك أهب هذه الأرض...)). فموضوع العهد هو الأرض، والمستفيد منه هو نسل إبراهيم بموجب الوعد وليس بموجب الجسد. 
يجب أن نشير إلى ملاحظة مهمة جداً وهي أن العهد أتي نتيجة لوعد أعطاه الله لإبراهيم، ولإيمان بالوعد من قبل إبراهيم، ولتبرير عمله الله تجاه إبراهيم، وعلى هذا الأساس ((قطع الرب مع أبرام عهداً)). الوعد قبل العهد، العهد على أساس الوعد، الوعد أهم من العهد.
للوعد والعهد عنصران: النسل والميراث، لنرَ كيف عالجهما بولس: 

1. النسل 
في معالجته لموضوع النسل، يتجاوز بولس الحدود الجسدية والعرقية إلى الأبعاد الروحية والإيمانية فيقول بأن نسل إبراهيم هم المبررون بالإيمان على مثال إبراهيم من اليهود والأمم معاً، هؤلاء هم ((البقية التقية)) كما رأينا، وأبناء الوعد على مثال إسحق. وعلى القارئ أن يعود إلى استعراض النصوص البيبلية أعلاه. لكن ليس الموضوع بهذه السهولة، فأحياناً ينتقل بولس، في موضوع ((النسل)) من إبراهيم إلى إسحق إلى المسيح، والنص الأصعب هو (غلا 3: 16): ((فكيف بوعد الله لإبراهيم ولنسله؟ هولا يقول : لأنساله بصيغة الجمع، بل لنسله بصيغة المفرد، أي المسيح)).
((إن التمييز بين المفرد والجمع في غلا 3: 16 هو موثق في التلموذ؛ ويوجد شك بسيط أن يكون الرسول قد قبل بهذه المبادئ الربية بما يتعلق بهذا))(24). والسؤال المطروح هو هل بولس، وهو يستعمل هذا التأويل المستند على قواعد اللغة، يدخل في جدال يؤدي إلى برهان سطحي ووهمي؟ وحجة بولس هي: إذا كان سليلو إبراهيم هم المقصودون لكان الجمع ((زُرِعيم)) قد استعمل في نص العهد القديم (تك 12: 7 وغيره) لكن كون الله استعمل المفرد ((زِرَع)) فهو بالتأكيد يعني واحداً وهو المسيح. إذا كانت هذه بالفعل حجة بولس، فيجب أن يكون جاهلاً لقواعد اللغة العبرية وحتى يونانية العهد القديم. إن كلمة "زِرَع"، وهي مفرد، تعني جمع النوعية (plural collective)، والشيء نفسه في اللغة العربية، فالمفرد ((ذرية)) يعني جمعاً. ومدارس التفسير التلموذية ترفض هذا المنطق(25). غير أن بولس ليس سطحياً لهذا الحد حتى يلجأ إلى حجة تعبر عن جهل صاحبها.
إذا استبدلنا كلمة ((نسل)) في الترجمة بكلمة ((ذرية)) تزول برأيي نصف المشكلة: قصد الله ((ذرية)) إبراهيم وليس ((ذريات)) إبراهيم. لا ننسى أن الجدل قائم في رسالة غلاطية بين اليهود المسيحيين (المتهودين) والمسيحيين من الأمم ويمثلهم بولس. بالنسبة لليهود، أُعطي الوعد ل ((ذرية)) إبراهيم من إسحق، ومنها تكونت الأمة الإسرائيلية التي استلمت الشريعة وقطعت ال ((بِريث)) مع الله. ودخول الأمم على الوعد لا يحفظ وحدة النسل الذي أعطي له الوعد. بولس يقول لو كان يوجد خلاص بالشريعة، وخلاص بالمسيح (ويقبل بهذا اليهود المسيحيون) لكانت وجدت ذريتان لإبراهيم وهذا مناف لقول الله : ((وفي نسلك))، لكن بما أن ((ذرية إبراهيم)) واحدة لا تجزأ، فذرية إبراهيم الحقيقية هي ((بالمسيح)) وأولاد إبراهيم الحقيقيون هم المؤمنون إيمان إبراهيم من اليهود والأمم. يريد الرسول أن يبرهن أمرين : 
1. لا يوجد خلاص بالشريعة وآخر بالمسيح، بل يوجد خلاص واحد هو بالمسيح الذي هو نسل إبراهيم بحسب الوعد.
2. لا توجد قوميتان بين المؤمنين بالمسيح: يهود و((غوييم))، بل يوجد شعب واحد هو نسل إبراهيم الحقيقي.
والبرهان على صحة هذا التفسير هو أن بولس يختم كلامه بهذه الفكرة قبل أن ينتقل إلى موضوع آخر: ((ولا فرق الآن بين يهودي وغير يهودي،بين عبد وحر،بين رجل وامرأة،فأنتم كلكم واحد في المسيح يسوع. فإذا كنتم للمسيح فأنتم، إذا، نسل إبراهيم ولكم الميراث حسب الوعد (غلا 3: 28 و29). ثم عندما يعود بولس إلى مناقشة نسلي إبراهيم: من هاجر فإسماعيل، ومن ساره فاسحق؛ نسل الجارية الذي يذكر ب((بريث)) جبل سيناء هو نسل العبودية، ويجمع إليه أبناء أورشليم الحاضرة المستعبدة (للرومان). هؤلاء اليهود، من نسل إسحق ولكن رفضوا المسيح. وبالمقابل، هناك الذين يتبعون ((أورشليم السماوية)) الحرة، هؤلاء هم المؤمنون بالمسيح من نسل إسحق ومن نسل إسماعيل وغيرهم، وهم نسل إبراهيم الحقيقي. 

3. الميراث
الميراث المتعلق بالوعد والعهد في النصوص البولسية التي استعرضناها هو: العالم (غلا 4: 13)، البركات المسيحية ( غلا 3: 29). العالم هو شمولية الدعوة المسيحية: ((ويتبارك بك جميع عشائر الأرض)) (تك 12: 3)، ((لا تسمى أبرام بعد اليوم، بل تسمى إبراهيم، لأني جعلتك أباً لأمم كثيرة)) (تك 17: 5).
إن موضوع ((الميراث)) أصبح قضية سياسية في منطقتنا ولجأت بعض الأطراف ل((تسييس)) علم التفسير البيبلي ليعطي الحق بالأرض لشعب معين. أود أن أؤكد أنه، في إطار الوعد الإبراهيمي الذي أبحث فيه، لم يوجد في كلام بولس أي توجه نحو ميراث أرض. فالميراث لإبراهيم ولنسله بركة إلهية بالمسيح. حتى عندما ناقش موضوع مستقبل إسرائيل في رو 9- 11، كان واضحاً جداً، فهو ينظر إلى حاضر و مستقبل الأمة من زاوية خلاص الشعب بالرب يسوع المسيح. ثم ما دام النسل (نسل إبراهيم) روحياً وإيمانياً فكيف يمكن أ، يكون الميراث أرضياً فيما بعد؟ إسرائيل الحقيقة في نظر بولس هي ((إسرائيل الله)) (غلا 6: 16)، عائلة الله، الكنيسة التي هي جماعة أرضية وروحية من كل الأم والقبائل والشعوب وميراثها الموعود به هو ميراث روحي.

الخاتمة
4. بولس الخارج من الفريسية عملياً و ليس شكلياً، يرى العهد القديم من منظار مسيحي. قاعدته اختبار طريق دمشق وخلوة العربية والرسالة المسيحية التي شكلها. العهد القديم كتابه ليبشر بالمسيح والتفسير الربي آلته ليبرز المسيح في نصوص الععد القديم.
5. إبراهيم مرجعية مرموقة في التارخ الديني اليهودي وفي ذهن بولس، وجده مثالاً (type) مهما وحجة قوية ليبرهن به لليهود عقيدة الخلاص بالإيمان وأمور أخرى.
6. إختيار الله لإبراهيم هو مثال لاختيار الله البشر بنعمته للإيمان بيسوع المسيح.
7. إيمان إبراهيم وتبرير الله إياه على أساس هذا الإيمان مثال لشرح عقيدة التبرير بالإيمان.
8. نسل إبراهيم الحقيقي هم المؤمنون بالمسيح المتبررون بالإيمان. وإسرائيل الحقيقي هو ((إسرائيل الله))، عائلة الله، الكنيسة.
9. الله يبقى أمينا لوعده لإبراهيم ، ف((البقية)) التقية قد خلصت باختيار الله بالنعمة، وتقسي بقية النسل هي إلىحين، حتى يدخل الأمم في الخلاص، وسيخلص ((كل إسرائيل)) بعد ذلك.
10. وعد إبراهيم وعهد الله معه ما زال قائما، بينما انتهت بالمسيح ((اعتراضية)) ال((بريث)) الموسوي. نسل الوعد هو المسيح والذين في المسيح وموضوع الوعد ميراث سماوي لا يضمحل ولايزول.
الفصل الثامن عشر
مجيء المسيح
في رسائل القديس بولس


في نهاية الألف الثاني وبداية الألف الثالث، طرح الناس أكثر من سؤال حول نهاية الأزمنة. فتحدّث اللاهوت الكاثوليكيّ عن ((عواقب الانسان))، أي الموت والحياة الأبديّة، الثواب والعقاب، السماء وجهنّم. وذلك في كلام يتردّد: ((أذكر عواقبك يا انسان، فلن تخطأ إلى الأبد)). توقّف السؤال عند الخلاص الفرديّ، وهو خلاص يُشرف على التاريخ والعالم دون أن يهتمّ لهما كثيرًا. فالتعليم عن ((العواقب الأخيرة)) يُعدّ المؤمنين للصعود إلى السماء. ولكن هذه النظرة جعلت البعض يتركون الحياة الأخرى ويتعلّقون بهذه الحياة. بين الّله والانسان، اختاروا الانسان وحياته في العالم.
غير أن النظرة إلى الكتاب المقدّس لا تتوقّف عند الخلاص الفرديّ، بل تتطلّع إلى خلاص البشريّة بشكل إجمالي. تتطلّع إلى وعد يحرّك التاريخ ويعلن دينونة الّله على العالم. فنبوءات الأزمنة الأخيرة تعلن حدثًا سيأتي، حدثًا قريبًا، ملكوتًا ينزل من السماء إلى الأرض. وهكذا، كان انتقال من نهاية الأزمنة إلى نهاية حياة كل انسان. لا شكّ في أن تأخّر المجيء هو الذي قام بهذا التحوّل، بحيث لا يعيش الفرد في حقائق عامة وينسى نفسه، وهو العارف أنه ذاهب إلى الموت والدينونة، وما يستتبع ذلك من ثواب وعقاب.
فما هي نظرة بولس الرسول إلى مجيء المسيح في حياتنا وفي العالم؟ هذا ما نعالجه هنا في محطّات ثلاث: بعد نظرة إلى العالم الجلياني وما فيه من كشف في عالم الصور إلى الآخرة، نفهم أهميّة المصالحة مع الّله بالصليب وتدشين بشريّة جديدة في قيامة المسيح. وفي النهاية، نفهم أن قيامتنا قد بدأت منذ الآن مع المسيح، آدم الثاني، الذي يساعدنا على تحديد مصير البشريّة الأخير. فالّله الآب ((انتزعنا من سلطان الظلمة، ونقلنا إلى ملكوت ابنه الحبيب الذي لنا فيه الفداء ومغفرة الخطايا)) (1 كور 1: 13).

1 - العالم الجليانيّ وعالم النهاية
لفظة ((جلياني)) تترجم اسم سفر الرؤيا في اللغة السريانيّة (جليانا). وهي ترتبط بالعربيّة بفعل ((جلا)) الذي يعني كشف، أظهر، أوضح. فسفر الرؤيا يحاول أن يكتشف سر الّله في كنيسته خلال الاضطهاد الذي يصيب المؤمنين. والأناجيل الازائيّة، أي متى ومرقس ولوقا، حاولت أن تكتشف بعض سرّ الّله في سقوط أورشليم سنة 70 ب.م.، وفي الحروب والقلاقل. ونفهم في النهاية أن ((ذلك اليوم وتلك الساعة لا يعرفهما أحد)). أما الجواب العمليّ فهو: ((ما أقوله لكم فللجميع أقوله: كونوا ساهرين)) (مر 13: 32-37).
ما هي نظرة القديس بولس في هذا المجال؟ وما هي العلاقة بين العالم الجليانيّ وعالم النهاية في الفكر البولسيّ؟

أ - نظرتان
نجد في هذا المجال نظرتين: الأولى ترفض العلاقة بين عالم وعالم، يعني أن عالم النهاية عند بولس لم يكن في الأساس جليانيًا. والثانية تعتبر هذه العلاقة جوهريّة، وإلاّ ضاع معنى النهاية في الفكر البولسيّ.
أكّدت النظرة الثانية أن بولس ارتبط بالعالم الجليانيّ، وأن الصور الجليانيّة التي تحاول أن تكتشف بعض الشيء عن الآخرة، كوّنت الاطار لكلامه عن يسوع المسيح. فإن اشتمل موت وقيامة يسوع مضمون إنجيله، فوظيفتهما وتفسيرهما الجليانيّ أعطاهما معنى وبُعدًا حاسمين. فما يهمّ بولس، قبل كل شيء، ليس فقط طبيعة المسيح أو وضعه، بل مصيره بالنسبة إلى مصيرنا. لا شكّ في أن هناك كلامًا كثيرًا عن المسيح في الرسائل البولسيّة. ولكن ما قيل عن هذه الكرستولوجيّا قد قيل من أجلنا، من أجل تعليمنا.
وإذ أراد الرسول أن يعبّر عن فكره حول النهاية، عاد إلى عالم الجليان اليهوديّ وصحّحه بما عرفه من العالم اليونانيّ في كورنتوس؛ وهكذا قدّم لنا حياة خلقيّة تتطلّع إلى الآخرة. غير أن عالم الجليان هذا أبرز بشكل خاص القيامة الأخيرة، أي الانتصار النهائي لّله على الشرّ والموت، وظهور برّه المجيد وخلاصه. من أجل هذا، هتف بولس: ((أين غلبتك، أيها الموت، وأين شوكتك أيها الموت ... فالشكر لّله الذي يؤتينا الغلبة بربّنا يسوع المسيح)) (1 كور 15: 54-57). أجل، الّله الآب هو الذي يفعل وهو يفعل بوساطة ابنه يسوع. 
أما النظرة الأولى فاعتبرت أن بولس انطلق من العالم الجلياني، من عالم الصور حول نهاية الكون. ولكنه تدرّج شيئًا فشيئًا نحو اسكاتولوجيا (قراءة عالم النهاية) يكيّفها مع محيط هلنستي(1)، بشّره بنفسه. نستطيع هنا أن نرى صورة الراقدين ومجيء الموت كاللص في الليل، وصوت رئيس الملائكة وهتاف بوق الّله (1 تس 4: 13 و 5: 11)، وكلها صور انطلقت من العالم اليهوديّ فقدّمت صوره عن العالم وعلاقته بالّله. انتظر المسيحيّون الأوّلون مجيء المسيح القريب، فتصوّروا مجيئه كمجيء الّله على جبل سيناء (خر 19: 9-25)، يسير في ركبه الأحياء والأموات. ولكن مجيء المسيح تأخّر. فوعى بولس أنه مائت قبل ذاك المجيء. لهذا، أخذ يتساءل: ماذا يكون بعد الموت؟ ((انساننا الظاهر ينهدم. أما انساننا الباطن فيتجدّد يومًا بعد يوم)) (2 كور 4: 16). ويذكر المسكنَ الأرضيّ الذي يشبه الخيمة التي تقتلعها الرياح، والمسكن الأبديّ الذي هو بيت يصنعه الّله لنا. نحن هنا في مقابلة بين حياة وقتيّة على هذه الأرض، حياة تُرى، وبين حياة أبديّة في السماء، حياة لا تُرى (1 كور 5: 1-10).
عند ذاك، بدأ الرسول يتوسّع في نظره إلى الانسان في إطار العالم اليونانيّ، وإلى خلقيّة لا تنقلنا حالاً إلى السماء التي ننالها بأعمالنا الصالحة، بل تربطنا بالعالم الذي نعيش فيه. فالرب في صلاته لم يطلب من الآب أن ((يُخرج المؤمنين من العالم)) (يو 17: 15). فهم مرسلون إلى العالم. لكن يجب أن يُحفظوا من الشرّ(2).
ب - تقارب من عالم الجليان
نظرتان يعرفهما شارح الكتاب المقدّس، وهما ترتبطان، في أي حال، بالمسألة الكرستولوجيّة، بشخص يسوع المسيح. فنحن لا نستطيع أن نفصل قيامة المسيح عن وظيفتها بالنسبة إلى المجيء، وهي أن تُجسّد الرجاء في انتصار الّله، وهو انتصار يحوّل الخليقة كلها بشكل نهائي ويمجّدها: ((تترقّب الخليقة تجلّي أبناء الّله... وستُعتق من عبوديّة الفساد إلى حريّة مجد أبناء الّله)) (روم 8: 21). لا شكّ في أن القيامة هي بالنسبة إلى يسوع جزاء طاعته وأمانته لمشيئة الآب. وهي التأكيد على أنه الّله وابن الّله. غير أنها أكثر من واقع منعزل ومحروم من نتائجه الخلاصيّة. فالمسيح ((من أجلنا ومن أجل خلاصنا، تألّم ومات وقُبر وقام)). وفي القيامة، أُعلن المسيح ربًا. ولكن الرسول لا ينظر إلى ربوبيّته إلاّ بما توصّلت إليه وهو انتصار الّله النهائي على الشرّ والموت؛ وهي تمارس في الكنيسة التي تعيش الحياة اليوميّة في تطلّعها إلى المجيء، والربّ يعينها بالمواهب والأسرار في حجّها نحو الملكوت. وفي الاحتفال الليتورجيّ، بعد كلام التقديس، تقول الجماعة: ((نتذكّر موتك، يا ربّ، ونعترف بقيامتك، وننتظر مجيئك)).
انطلق بولس من مقولات جليانيّة في كلامه عن الآخرة. ولكن حدث يسوع المسيح حوّل هذه المقولات؛ ومع قيامته بدأ هذا التحوّل النهائيّ. ونحن منذ الآن أبناء الّله، وإن كانت هذه البنوّة ظاهرة فقط على مستوى الإيمان، لا على مستوى العيان. أجل، قيامة يسوع دلّت على حضور النهاية في التاريخ، وليس فقط على نهاية التاريخ كحدث جليانيّ يجعلنا نرغب في القيامة الأخيرة، التي ليست مجرّد حدث معزول به نصعد إلى السماء وننال جزاء أعمالنا، بل مشاركة في مجد الربّ القائم من الموت والعائد على سحاب السماء(3).
كان بولس قريبًا من العالم الجلياني حين توقّف عند أمانة الّله وانتقامه في النهاية، عند خلاص شامل يصل لا إلى البشريّة وحسب، بل إلى الخليقة كلها؛ عند بنية ثنائيّة للعالم: يدمّر عالم ثمّ يُبنى عالمٌ آخر، سماوات جديدة وأرض جديدة عند مجيء الّله القريب في المجد. هذه الأمور نجدها في الرسائل البولسيّة. مثلاً في ما يتعلّق بالانتقام والغضب في نهاية الأزمنة: ((منتظرين من السماوات ابنه الذي أقامه من بين الأموات، يسوع الذي ينقذنا من السخط الآتي))(4).
غير أن بولس يشدّد أيضًا على مرمى هذه النصوص، على مستوى تاريخ الخلاص كما على مستوى النظرة إلى الّله وبرّه ومجده. فقيامة المسيح تُبرز أيضًا هذا المرمى الأخير، لأن ربوبيّته على الخلق والموت، العدو الأخير، تجعل ملكوت الّله يأتي (1 كور 15: 23-28). هذه الطريقة في النظرة إلى الآخرة ترتبط بالعالم الجلياني: فإن كان الّله لا يقدر أن ((ينتقم لأخصّائه))، أن يخلّصهم ويمجّدهم، فيجب أن نبحث عن إله آخر أقوى من هذا الاله. 
أما الطريقة التي بها يتطلّع بولس إلى القيامة الأخيرة للموتى، فهي تسير في الخطّ عينه. فالرسول لا ينطلق أبدًا من رغبة بشريّة في الخلود وعدم الموت. فلو فرضنا أن خلود النفس يكفي لتعزيتنا وتحريرنا من جسد ثقيل وضعيف، فالصعوبة تبقى هي هي. وإذا كان الّله لا يقدر أن يخلّصنا إلاّ إذا جعلَنا نهرب من هذا العالم، فإن قصده الخلاصيّ يبقى دومًا أدنى من قصده في الخلق، أي إنه خلق الحياة ولكنه عجز عن أن يغلب الموت.
وحين يتطلّع بولس إلى موته (1 كور 5: 1-10؛ متى 1: 20-26)، فهو لا يتكلّم عن خلود النفس(5). هذا لا يعني أنه ينكر الحياة بعد الموت (فل 1: 21؛ روم 14: 7-9)، بل إن ما أراد أن يعبّر عنه هو الفرح بأن يكون مع المسيح، واليقين بأنه يستطيع أن يلبس في نهاية الأزمنة ((مسكننا السماويّ))، أي جسد القيامة.

ج - تباعد عن عالم الجليان
حين نتوقّف عند صور ترسم الآخرة، نفهم أننا أمام الرموز لا أمام أمور تاريخيّة تنبئ بما سيحدث؛ فالاتحاد بالربّ يكون على مستوى الإيمان. هي خبرة روحيّة باطنيّة نعبّر عنها بلغة بشريّة. ولكن حين نقرأ هذه النصوص، نتجاوز الحرف لنصل إلى الخبرة التي اختبرها بولس أو غيره، فنستعد للقاء بالربّ لا يجاريه لقاء بين البشر.
كل هذا يدلّنا على تباعد بولس عن عالم الجليان الذي لا يذكر المسيح إلاّ نادرًا. وهذا ما يبرز نظرة الرسول المضمّخة بحضور يسوع المسيح، الذي ليس هو في نظره، من يبدأ زمن النهاية فقط، بل هو ذاك الذي به نلنا نعمة التبنيّ فدعونا الّله: ((أبّا، أيها الآب))، الذي نقاسمه حياته منذ الآن، والذي سنكون معه إلى الأبد فنشعّ من مجده الخاص. وهو الذي يأتي ليأخذ أحبّاءه، سواء كانوا أمواتًا أو أحياء، كي يكونوا معه (1 تس 4: 16-17). إن المجيء النهائي لّله في المجد قد انطبع بحضور المسيح. فيوم الربّ هو يوم مجيئه في المجد(6). غير أن انتظار هذا اليوم لا يملأ المؤمنين رعبًا، بل يحمل إليهم العزاء، ويدلّ على الساعة التي فيها يتّحدون اتّحادًا نهائيًا مع ذاك الذي انتظروه واشتاقوا إليه. لذلك كان بولس يستبعد كل ما يشير إلى الخوف حين يتحدّث عن هذا اللقاء الأخير. إذا كان الّله، في ابنه يسوع، قد جعل نفسه بجانبنا، ((فمن يستطيع بعد اليوم أن يكون ضدّنا، أن يشجبنا ويحكم علينا)) (روم 8: 31).
لا شكّ في أن رسول الأمم يصوّر القيامة العامة مستعينًا بصور آتية من عالم الجليان. غير أن تطوّر النهاية يجعل حضور المسيح يعطي الحدث كلّ بعده، لأنه يُتيح للمؤمنين، أحياء وأمواتًا، أن يكونوا على الدوام مع الربّ ويقاسموه مجده. ويشدّد على أن المسيح هو الذي يأتي ليأخذ المؤمنين إليه. فانتصار المسيح على الموت يعلن الملك العام والنهائيّ لّله الذي ((سيكون كلاً في الكلّ)) (1 كور 15: 23-28). ومع ذلك، فهو يربط مُلك الّله هذا بانتصار المسيح على الموت. فبفضل قيامة المسيح يعرف المؤمنون أنهم انتصروا،أنهم منذ الآن نالوا الغلبة (1 كور 15: 57). 
قام المسيح، فانتصر على الموت، صار ربّ الخليقة كلها ((التي أُخضعت له)) (1 كور 15: 26-27). وهو على اتصال دائم بأخصّائه، لأنهم ينعمون بغناه: نالوا الروح، والمواهب المتنوّعة، والرجاء في مسيرتهم، والصبر في المحَن. ولا يخضع له المؤمنون فقط، بل الخليقة كلها التي تنتظر حريّتها (روم 8: 18-25). لهذا، لا نجد عند بولس التعارض الجذريّ والنهائيّ بين عالمين، بين هذا العالم الفاسد والمعادي للمؤمنين والذاهب لا محالة إلى الدمار، وبين العالم الآتي، عالم البرّ وملكوت الّله. لأن القائم من الموت يظلّ لدى أخصّائه، ولأن القيامة دلّت على ما في المخلوقات من عناصر تتوق إلى النهاية المجيدة. فالحاضر مضمّخ بقيم العالم المقبل. والبشريّة، والخليقة معها، تحمل منذ الآن في ذاتها بذار الفداء. فبفضل قيامة الربّ لا نستطيع أن نقول بعدُ، إن الّله ترك العالم وشأنه، وإنه اعتزل التاريخ البشريّ الذي ينتهي في الفشل، وهو ينتظر أن ينتقم للمؤمنين في الزمن المحدّد.

2 - المصالحة بالصليب من أجل بشريّة جديدة
انطلق بولس من إطار اسكاتولوجيّ، فتحدّث عن أبرار يصيرون كالملائكة أو كالنجوم، وأشرار يصيرون أكثر شرًا. كما عن دينونة عامة تجعل جهنّم للأشرار والفردوس للأبرار. ولكنه حافظ على دور المسيح ومكانته في الكلام عن قيامة الأجساد. فقيامة المسيح نموذج قيامتنا. لهذا يبقى الشرّ الكبير يهدّدنا، إذا كنا لا نقوم مع المسيح ولا نقاسمه مجده. لهذا، نشدّد على تأثير الكرستولوجيا البولسيّة على نظرته إلى نهاية العالم.

أ - النهاية وواقع الكنيسة
ظنّ بعض الشرّاح أن تأخّر مجيء يسوع في المجد بدّل نظرة بولس إلى الآخرة. فالخبرة التي اختبرها الرسول على طريق دمشق، أفهمته مكانة المسيح في تاريخه الحاضر. لهذا قال: ((يا ربّ، ماذا تريد أن أفعل؟)) فأرسله الربّ إلى الكنيسة: ((أدخل المدينة، وهناك يقال لك ماذا ينبغي أن تفعل)) (أع 9: 7). لا شكّ في أنه، بعد قيامة يسوع، كان انتظارُ مجيئه القريب قويًا جدًا، بحيث تُركت جانبًا الاهتماماتُ الأخرى، مثل تنظيم الكنائس وعلاقة الجماعة بالعالم. ومع ذلك، فنظرة بولس ظلّت هي هي. ففي نهاية الرسالة الأولى إلى كورنتوس التي دُوّنت بعد قيامة يسوع بعقدين من الزمن تقريبًا، ظلّ الرسول يرغب رغبة حارة بمجيء الربّ، قال: ((مرانا تا، يا ربّنا، تعال)) (1 كور 16: 22).
ومع ذلك، فهذه الرسالة كلها تدلّ على اهتمام تام بالزمن الحاضر، وذلك على جميع المستويات: هل يعيش الزوجان حياتهما الزوجيّة أم يمتنعان عن بعضهما، والزمان صار قريبًا؟ هل يتزوّج الشبّان والشابّات أم يظلّون في البتوليّة منتظرين الربّ على مثال العذارى الحكيمات؟ لقد أوصى بولس بالواقعيّة في هذا العالم: يعيش الزوجان حياتهما الزوجيّة العادية لئلاّ يقعا في تجربة إبليس. والشاب والشابة يختاران إما البتوليّة وإما الزواج. وهناك نساء متزوّجات اهتدين إلى الايمان، فيمكن لهنّ أن يعشن مع زوج ما زال وثنيًا، أو يتركنه إذا غاب السلام في البيت. فالمرأة المؤمنة تقدّس زوجها غير المؤمن، والرجل غير المؤمن يقدّس امرأته التي ما زالت على الوثنيّة. وطرح المؤمنون سؤالاً على الرسول: هل يشاركون في أعياد الوثنيّين؟ هل يأكلون من اللحوم التي ذُبحت للأصنام (1 كور 8: 1-8)؟
وهكذا برزت الحياة اليوميّة بكل متطلّباتها. فالمسيحي الذي يعيش في محيط وثنيّ بأكثريّته، عليه أن يميّز. فهو لا يستطيع أن يعيش، بعد أن قبل سرّ العماد واستنار بنور المسيح، كما كان يعيش في الماضي. فإن فعل، جدّف الناس على اسم الّله بسببه. وإذا كان الصنم ليس بشيء، فالذبيحة للوثنيّ هي، في النهاية، ذبيحة للشياطين. لذلك، لا ينسى المسيحيّ أن كأس البركة هي شركة في دمّ المسيح، والخبز الذي يكسره هو شركة في جسد المسيح. فهو لا يحقّ له أن يشكّك أخاه. ولماذا يُهلك بطعامه ذاك الذي مات المسيح من أجله؟
وما قاله بولس لأهل كورنتوس، سبق وقاله في رسالته الأولى إلى أهل تسالونيكي، وفيها ما فيها من أسئلة حول مجيء المسيح القريب. طلب من المؤمنين أن يعيشوا الواقع اليوميّ: ((تميّزوا كل شيء وتفحّصوه، وتمسّكوا بما هو حسن)) (1 تس 5: 21). فانتظار مجيء الربّ لم يمنع الرسول من أن يعطي الحياة اليوميّة كلَّ أهميّتها. لذلك، جعل في نهاية الرسالة وصايا شتى: ((كونوا في سلام بعضكم مع بعض، شجّعوا الصغار، أسندوا الضعفاء، عاملوا الجميع بصبر وأناة، لا تجازوا أحدًا على شر بشرّ. كونوا فرحين على الدوام)) (1 تس 5: 12-16).
ذاك كان انتظار بولس للنهاية منذ الرسائل الأولى. ولن يتبدّل هذا الانتظار تجاه المسائل الجديدة التي واجهتها الجماعاتُ على مستوى الحياة داخل الكنيسة، سواء في الأمور الخلقيّة أم في علاقات المسيحيّين بالذين حولهم من يهود ووثنيّين. انطلق الرسول في كل هذا من واقع الانسان الذي نال العماد، فاستنتج كيف يعيش ذاك الذي اتّحد بالمسيح، حياةً تليق بالذي دعاه إلى ملكوته ومجده (1 تس 2: 12).

ب - الصليب وانتظار النهاية
أجل، بدا التجلّي لمجد الّله وانتظار غلبته على الشرّ والخطيئة وكأنهما لم يؤثّرا التأثير الحاسم على لاهوت رسول الأمم. لا شكّ في أن الرسالة إلى رومة تبدأ بقسم تكرّس كلّه للكلام عن غضب الّله الذي ((يُعتلن من السماء على كل كفر وظلم للناس الذين يعوّقون الحق بالظلم)) (روم 1: 18). واعتلان الغضب هو، في الواقع، اعتلان نتائج هذا الغضب التي هي عقاب لخطايا البشريّة. كل هذا لا نفهم مداه إلاّ في وحي الّله في يسوع المسيح: ((بإنسان واحد دخلت الخطيئة إلى العالم وبالخطيئة الموت... وبإنسان واحد، هو يسوع المسيح، نلنا وفرة النعمة وموهبة البرّ)) (روم 5: ،12 17). حين قدّم بولس ((انجيله))، أي طريقته في عرض البشارة، جعل كلامه في إطار من الانتظار الجليانيّ. وهكذا بدا الانجيل، للوهلة الأولى، في قلب الغضب الالهي وانتقام السماء من الخطأة. فكأني بالرسول يُلقي الرعب في قلوب السامعين لكي يجعلهم يفهمون حسنات الّله وغفرانه. أما وجب عليه بالأحرى أن يبدأ بالكلام عن وفرة النعمة التي نلناها في يسوع المسيح، وعن الغفران المجانيّ الذي يأتي إلينا في أعماق شقائنا؟ لا شكّ في ذلك، وخبرة الخلاص عند بولس سابقة لخبرة الشقاء والخطيئة. فهو لو لم يعرف أنه خلص بنعمة الربّ، لما تجرّأ وكشف الخطيئة ببشاعتها. فلو فعل، لقاد الناس إلى اليأس، لا إلى الرجاء بخلاص يُعطى لهم.
إذن، لماذا لم يبدأ برهانه مع ما قاله عن ((برّ الّله وطريق الإيمان بيسوع المسيح)) (روم 3: 22)، والعقاب الذي ينتظر فاعلي الاثم؟ الجواب هو أنه اختار أن ينطلق من النظرة اليهوديّة(7) ليقود الانسان إلى موضع لم يفكّر يومًا بالوصول إليه، إلى التبرير بالإيمان وبدون أعمال الشريعة الموسويّة. وهذا التبرير (عمل الّله الذي يقود إلى القداسة) ليس خاصًا باليهود، بل يصل إلى جميع البشر. بدأ الرسول مع انتظار تجلّي البرّ النهائي، وهو انتظار شديد لدى جميع اليهود الأتقياء الذين يرغبون في عزاء ما زال يتأخّر يومًا بعد يوم، فحرّك الدهشة والمفاجأة. إن ما تجلّى في النهاية ليس غضب الّله، بل برّه. وما يتجلّى هنا يرتبط بحدث يسوع المسيح. تجلّى برّ الّله لا ليدمّر، بل ليخلّص ويقدّم برّه بشكل مجانّي، بشكل لا يفرض على الخطأة إلاّ الإيمان وتقبّل عطايا الّله. وإلاّ شابهوا اليهود، فدلّوا على أمانة الّله حين أظهروا عدم أمانتهم.
فالإطار الجلياني عن ((ظهور غضب الّله على كل الناس وظلمهم))، يجب أن يُفهم على حقيقته. وإذا كان بولس قد استعاده، فلكي لا يقف عنده بل ليتجاوزه. فالدينونة ليست الكلمة الأخيرة. إن تجلّي الّله الشخصي يجد ذروته في الرحمة والخلاص: ((ولكن هبة الّله غير خطيئة آدم. فإذا كان الموت ساد البشر بخطيئة انسان واحد، فبالأولى أن تفيض عليهم نعمة الّله والعطيّة الموهوبة بنعمة انسان واحد هو يسوع المسيح)) (روم 5: 15). فالبرهان الذي قدّمه الرسول لا يتوخّى أن يبيّن أن البشريّة يجب أن يضربها غضبُ الّله، بل بأن اليهوديّ والوثنيّ يتبرّران بالإيمان لا بالأعمال.
وهكذا ما قيل عن غضب الله العادل وانتصاره الأخير له أهمّية ثانوية. فما يهمّ الرسول هو الطريق الذي تجلّى به هذا البرّ وهذا المجد. فالصعوبة الكبرى ترتبط بكيفيّة هذا التجلّي، أي بالموت على الصليب، بالشكل الذي سبّبه هذا الصليب: ((نحن ننادي بالمسيح مصلوبًا، وهذا عقبة لليهود وحماقة للوثنيّين)) (1 كور 1: 23). لهذا، فالإطار الجليانيّ الذي لم يتحدّث عن طرق عجيبة اتّخذها انتصار الله، فتكلّم الرسول عنها، لم يُدخلنا في قلب هذه الاسكاتولوجيا، وإن كان الرسول أشار أكثر من مرّة إلى غضب الّله ودينونته، فهو يركّز بالأحرى على التبرير المجّاني والمصالحة التي منحها الّله للبشريّة بواسطة ((جنون الصليب)). هنا كشف إله المجد والجلال عن قدرته كما لم يكشفها في موضوع آخر.
ج - قيامة المسيح ودعوة البشريّة
رأى بولس المرمى الأخير لحدث يسوع المسيح في انتصار الّله النهائي على الشرّ والموت، وهو انتصار يتطلّع إليه برجاء لا يُقهر. غير أن هذا الانتظار لا يخفّف أبدًا من أهميّة ما نلناه من غلبة. وإذ يتأمل المؤمنُ في المسيح على الصليب، يستطيع أن يدرك أسباب هذه الغلبة، كما يستطيع أن يتذوّق منذ الآن الخيرات الآتية في علاقته بالقائم من الموت. انطلق بولس من قيامة يسوع وتأثيرها في الموت، فرسم سمات البشريّة في دعوتها التامة والنهائيّة، وأكّد أن المؤمنين صاروا أولاد الّله ووارثي الموعد. إنهم صاروا ((خليقة جديدة)) (2 كور 5: 17؛ غل 3: 28).
لقد لاحظ الرسول نتائج هذا الموت وهذه القيامة في حياة المؤمنين. فإن كانوا جميعًا، مهما كان أصلهم، قد نالوا روح الموعد، فلأنهم دُعوا إلى كرامة الأبناء الواحدة، فتكوّنت فيهم وبينهم علائق أخرى، ووُلدت بشريّة جديدة هي تلك التي أرادها الّله في ابنه. عاد بولس إلى الانجيل فاكتشف نتائج قيامة يسوع بالنسبة إلى وضع البشريّة ومستقبلها. وهكذا صار يسوع آدم الآخر، الذي يقابل آدم الأول، لأنه انتصر على الخطيئة والموت واستطاع أن ينقل الحياة (1 كور 15: 20-22؛ روم 5: 12-21). أجل، إن اعتاد بولس أن ينطلق دومًا من يسوع المسيح وإليه يعود، فلأن وجهه الذي اكتشفه في اهتدائه، ما زال مطبوعًا في قلبه وهو يحرّك عواطفه وأقواله، بل يحرّك حياته كلها. 
لا شكّ في أن نقطة الانطلاق في الكلام عن القيامة كانت خبرة طريق دمشق(8). ولكن بولس لم يشبّه قيامة الانسان بقيامة المسيح. فالسامعون بعيدون كل البعد عن مثل هذه الخبرة. فحين كلّمهم عن الجسد القائم من الموت، قال إنه يختلف عمّا نرى من أجساد. فأخذ مثَل النبتة التي ترتبط بالبذرة المزروعة في الأرض: إنها ليست أبديّة، بل تيبس بدورها وتموت. ولجأ إلى تشبيه آخر ليدلّ على أن الجسد القائم من الموت يشعّ بمجد أبديّ لا يفنى، على مثال النجوم التي تشع بدون انقطاع. فلا صورة البذرة تكفي، ولا صورة النجمة تُغني، ولكنهما توجّهان أنظارنا إلى تحوّل وتمجيد: ما تمّ في جسد المسيح يتمّ في أجسادنا. وما إن أشار بولس إلى آدم الآخر حتى أشار إلى نتائج قيامته بالنسبة إلى الجميع. فالمسيح الممجّد يدشّن بشريّة جديدة تستطيع منذ الآن أن تحمل في ذاتها ((صورة السماوي)) (1 كور 15: 49). فالبشريّة أصبحت تعرف أنها مصنوعة على صورة آدم الثاني، أنها مطبوعة بطابع المسيح. ذاك هو عربون مستقبلها.
جاءت مراحل البرهان الذي قدّمه بولس مهمّة جدًا بالنسبة إلى موضوعنا: كان المؤمنون يتصوّرون القيامة كعودة الحياة إلى جسد أرضيّ يشيخ ويموت في يوم من الأيام(9). أما الرسول فلم يقدّم عرضًا انتروبولوجيا (دراسة عن الانسان)، بل بحثًا عن صور من الحياة اليوميّة تساعده على تقديم البرهان الكرستولوجي السامي. فانطلق من القائم من الموت لكي يتصوّر دعوة الانسان وكرامته. فالمسيح يعطي الآخرة مضمونها، وهي بدورها تعطي الزمن الحاضر نوعيّة الرجاء الذي يحتاجه.
وقد يقودنا البرهان الكرستولوجي إلى التقليل من أهميّة الجسد المائت. فإن كان الّله هيّأ لنا جسدًا روحيًا يختلف كل الاختلاف، فجسد الأرض المعدّ للفساد لا قيمة له، ولا نحسب له أي حساب. فكان جواب بولس منطلقًا من علاقة المؤمنين بالمسيح: ((إن أجسادكم هي أعضاء المسيح)) (1 كور 6: 15-17).

3 - المسيح آدم الثاني
تجوّلنا في الرسائل البولسيّة الأولى(10)، فرأينا الكرستولوجيا في كل مظاهرها وهي تعطيها هدفها ومضمونها وامتدادها: فالّله يريدنا مثل ابنه ومع ابنه. ثم إن مجد يسوع هو مجدنا، وحياته حياتنا. أخيرًا، سيأتي يسوع ليأخذ أحبّاءه كلهم، أحياء وأمواتًا. لقد كان بولس أكثر من فكَّر في تأثير التمثّلات عن الّله والمسيح والمجيء على خبرة المؤمنين. فهناك تمثّلات تسمِّر الانسان مكانه، تخيفه، تجعله يثور، وأخرى تحرّك فيه الإيمان والرجاء. وسرّ المسيح هو الينبوع الذي لا ينضب وفيه يجد المؤمنون نماذج المستقبل، بل نماذج عملهم على الأرض.

أ - تحوّل في انتظار المجيء
في الرسائل البولسيّة الثانية، يعلن الكاتب أن المؤمنين خلصوا منذ الآن، أنهم ماتوا وقاموا. وهكذا يكون تحوّل مع ما جاء في الرسالة إلى رومة، مثلاً: نموت مع المسيح فنقوم معه في المستقبل. أما في كولسي (2: 20)، فنحن في صيغة الماضي: سبق لنا ومُتنا وقُمنا ونلنا الخلاص التام. غير أن الواقع يبيّن لنا أن الآلام والموت ما زالت هنا، وأن خلاصنا ما زال موضوع رجاء. هنا نشير إلى أن الرسول لا يريد أبدًا أن يقول إننا تقبّلنا منذ الآن جسد مجدنا، هذا الجسد الروحي الذي حاول أن يصوّره في الفصل 15 من كورنتوس الأولى. كما أنه لم يُلغ الانشداد بين ما هو حاضر منذ الآن، وقد حصلنا عليه، وبين ما لم نحصل عليهَ بعد، بين هذا الدهر والدهر الآتي (أف 1: 21)، وذلك بقدر ما اللفظان اللذان يصوّران مستقبل المؤمنين هما لفظا الرجاء والمجد (كو 1: 27؛ أف 1: 18). ودعوة المعمّدين كي يعتبروا أن الرجاء المحفوظ فيهم هو في السماوات، تجعلنا نفهم أن انتظار المجيء يتحوّل إلى رغبة في السماء.
ولكن رغبة السماء أو ((ما هو فوق)) (كو 3: 1)، تدلّ في الرسالة إلى كولسي، على أننا نريد أن نحيا هذه الحياة الأرضيّة مع المسيح القائم من الموت، دون أن نكون عبيد قيَم تسيطر على هذا العالم. وحين تقول أف 2: 6 بأن الّله أجلسهم مع المسيح ((في السماوات))، فهي لا تريد أن تجعلهم يهربون من مسيرة التاريخ وواقع الحياة اليوميّ، بل بما أن المسيح القائم من الموت ينعش حياتهم، فهو يعطيهم معه أن يقهروا القوى المعادية (أف 6: 10-17).
هناك لفظان يدلاّن على السماء: واحد منظور يدلّ على المكان، وآخر غير منظور لا يرتبط بالمكان. استعمل بولس هذا المدلول الأخير، ليدلّ على أننا أمام بُعد آخر يعطى للحياة، لا أمام هرب من الحياة إلى مكان آخر يبدو بعيدًا. مع أن أف وكو أعلنتا أن المؤمنين الذين قاموا من الموت هم مقيمون في السماوات، إلاّ أنهما لا تجعلانهم يتركون هذا العالم. فالاتحاد التام والنهائي مع الربّ يتيح لحياتهم أن تنطبع بطابع المسيح، في بُعدها الشخصي والكنسيّ والاجتماعيّ. وفي النهاية، حين أرادت هاتان الرسالتان أن تدعما الارشاد الخلقيّ، عادتا إلى تبريرات كرستولوجيّة للانفتاح على الحياة الاجتماعيّة والعائليّة: ((أيتها النساء إخضعن لرجالكنّ... أيها الرجال أحبّوا نساءكم... أيها الأولاد أطيعوا والديكم... أيها الآباء لا تغيظوا أولادكم لئلاّ يفشلوا)) (كو 3: 18-21؛ رج أف 5: 21 و 6: 9).

ب - لماذا هذا التحوّل
إذا كانت الرسائل الثانية (خاصة كولسي وأفسس) تحافظ على الانشداد بين هذا الدهر والآتي، فلماذا فرضت على نفسها أن تصوّر، عن طريق الاستعارة، حياة المسيحيّين الحاليّة على أنها قيامة تمّت وخلاص حصل منذ الآن؟ لماذا لا تقول فقط، كما قالت الرسائل الأولى، بأن المؤمنين ماتوا ودُفنوا مع المسيح الذي هو حياتهم إلى الأبد؟
ظنّ بعض الشراح أن بولس قد أعاد النظر بالعالم الآتي وبعلاقة المؤمنين بالعالم، بعد أن رأى أن المجيء تأخّر. ولكن إذا أمعنا النظر، رأينا أن الأمور هي أكثر تشعبًا: فإن كانت الكرستولوجيا قد طُبعت بطابع النظرة إلى الآخرة، فهي قد حملت معها بذار التحوّل اللاحق. والتشديد على علاقة المسيح بالمؤمنين هو الذي نقل بولس من كلام عن قيامة مقبلة للمؤمنين إلى كلام عن قيامة وخلاص حصلا منذ الآن. فإن كانت الحياة هي المسيح الذي يحيا فينا، فقد ورثنا منذ الآن الحياة الأبديّة، وصرنا قائمين معه من الموت (كو 2: 12؛ 13: 1؛ أف 2: 5-8). أجل، القيامة والخلاص المنتظران من أجل نهاية الأزمنة، حصلنا عليهما الآن في إطار الرسالة إلى كولسي. فمن أين جاء هذا التحوّل؟
واجهت كولسي وضعًا صعبًا. لقد أجبر المؤمنون على ممارسة طقوس نسكيّة متطرّفة (3: 16، 18، 21، 23). هكذا يتطهّرون جسدًا وروحًا فيُخطفون إلى السماء برؤى وإيحاءات مختلفة، ويشاركون في ليتورجية الملائكة، وينالون خيرات الّله. أدرك بولس بحدسه مرمى هذا الوضع. فالممارسات النسكيّة لم تكن، قبل كل شيء، ممارسات تنقية، كما في عدد من الديانات، بل توخّت، أول ما توخّت، إن تهيّئ المؤمنين للصعود إلى السماء (رج رؤ 4: 1-2): يُخطفون فيبلغون إلى أسرار الّله المتعلّقة بنهاية الأزمنة والخلاص. 
هنا أطلّت الصعوبة. فهذه الطقوس التي ترتبط بالطعام لا تشكّل للجميع وسيلة لهذه الرحلة السماويّة. والذين رأوا رؤى اعتبروا ذواتهم أنهم فوق الآخرين فاحتقروهم (كو 2: 18). وانقسمت الجماعة بين ((نخبة)) وبين سائر المؤمنين. ثمّ إن من يجعل من الرؤى السماويّة وسائل مميّزة للاتصال باللاهوت، يعني أنه نسي البُعد الخلاصي للانجيل. فالتعلّق الايمانيّ بتعليم الرسول هو تعلّق بالمسيح نفسه، وهو رباط نهائيّ لا رباط بعده. ولكن إذا كان جميع المؤمنين بلغوا بالمعموديّة إلى ملء حياة القائم من الموت (كو2: 3)، ويستطيعون أن يبلغوا الكمال فيه (1 كو 1: 28)، فمعرفة طرق الّله لا نحصل عليها بإيحاءات خاصة ورؤى خارقة، بل بعلاقة حميمة بالمسيح، تنمو يومًا بعد يوم. لذلك ترك بولس وسائل ((الإيحاء)) هذه، وشدّد على سرّ المسيح الذي يعلو جميع الأسرار.
وعندما أراد بولس أن يبيّن أن هذه ((الرحلات السماويّة)) وما يرتبط بها من ممارسات، هي باطلة ولا نفع فيها، ركّز على أن المؤمنين نالوا منذ الآن كل شيء في المسيح. فماذا يحتاجون بعد؟ لذلك، ما عاد لهم أن ينتظروا شيئًا يتعلّق بمستقبلهم وخلاصهم. من هنا نفهم أهميّة سيادة المسيح المطلقة على أرفع الكائنات الروحيّة والسماويّة (كو 1: 15-20؛ 2: 10، 24-25؛ أف 1: 21) التي جعلتها كتب ((الرؤى)) تخدم أمام عرش الّله. ولكن، حين جعل الّله المسيح فوق جميع هذه الخلائق، فهو لم يبعده عن المؤمنين، لأنهم هم أيضًا يقيمون مع المسيح في أعلى السماوات، وهكذا يظلّون قريبين منه (أف 2: 4). ولكن كيف نتكلّم عن كيان المؤمنين مع المسيح في أعلى السماوات دون الكلام عن ((رحلة سريّة))؟ لا يحتاج المؤمنون إلى مثل هذه الممارسات؛ فهم منذ الآن قد قاموا ونالوا الخلاص. وبقدر ما ينمون في معرفة ذاك الذي اتّحدوا به، يكتشفون يومًا بعد يوم غنى المجد الفائض الذي دُعوا إليه.
ج - المعمّدون وسيادة المسيح
قدّمت لنا الرسائل الثانية صورة في ثلاث محطّات: إن جلوس المعمّدين مع المسيح، في السماوات، يفترض تحوّلهم وانتقالهم. لقد قاموا مع المسيح، وهكذا لم يعودوا خاضعين للقوى والرئاسات، ولا عادوا يحتاجون إلى وسيط من أجل خلاصهم ومن أجل معرفة هذا الخلاص، لأن المسيح يسمو، بقيامته المجيدة، على الكائنات السماويّة العليا كلها(11).
وأضافت الرسالة إلى كولسي بأن يسوع، بقيامته، هو منذ الآن ربّ السماء والأرض. ولكن أهل كولسي كانوا يعتبرون أن مجده هو مجد إنسان، وبالتالي أقلّ من مجد الملائكة الذين يخدمون أمام العرش الالهي على الدوام. هل ذلك لأن الملائكة لم ينفصلوا عن الّله، فهم لا يحتاجون إلى وسيط ومخلّص؟ فكان جواب أنه وسّع وساطة المسيح ومصالحته على جميع الكائنات بلا استثناء، فبلغت إلى القوى السماويّة والروحيّة. المسيح هو الأول، وهو يسود جميع المخلوقات التي تحتاج كلها إلى وساطته وخلاصه. ولا نقول الأول فقط، بل وحده هو الوسيط، ولا اسم سوى اسمه به تنال الخليقةُ الخلاص.

خاتمة
انطلقنا من نظرة إلى الاسكاتولوجيا، إلى عالم النهاية، عالم الموت والقيامة، فرأينا أن المسيح يملأ الحاضر كما يملأ المستقبل، يملأ هذا الدهر كما يملأ الدهر الآتي. ففي المسيح، لا تنفصل السماء عن الأرض، ونحن لا نتطلّع إلى الأبديّة ناسين هذا العالم الذي نعيش فيه. هناك نصوص رفعت الأرض ورفعتنا نحن معها إلى السماء. أما بولس، فعندما تحدّث عن مجيء المسيح إلى الأرض، فقد جعل عالم الآخرة في هذا العالم. خطئ الانسان فانحدر وانحدرت الخليقة معه. ذاك كان آدم الأول. أما المسيح، آدم الثاني، فتمجّد ومجّد معه البشريّة ورفع الخليقة بحيث تصبح أرضًا جديدة وسماوات جديدة. فالمسيح لا يرتفع وحده إلى السماء، بل يُصعدنا معه. ونحن المتضامنين مع الخليقة نرافقها في أنينها (روم 8: 22) متطلّعين إلى الخليقة الجديدة التي تبدأ على الأرض وتنتهي في السماء، وهي تمتدّ في هذا العالم متطلّعة إلى الآخرة.
ذاك هو مجيء المسيح الذي انتظره الفكر القديم من خلال معرفة باطنيّة تجهل التقليد الرسولي وعثار الصليب، والذي تنتظره بعض الشيع داخل عالم جليانيّ مليء بالخوف والدمار والموت. أما مجيء المسيح، بالنسبة إلينا، فهو ذلك النور الذي يجعل السماء على الأرض، ويدفع بالانسان ليحوّل الأرض إلى سماء. هذا يعني أنه علينا أن نسهر، أن نعمل، أن نتاجر بالوزنات. لا شكّ في أن الشرّ والألم والموت ما زالت هنا، ولكن منذ الآن قام المؤمنون وتمجّدوا مع المسيح. فلا يبقى لهم سوى النموّ في المحبّة ليبلغوا إلى المسيح الذي يجمع، في نهاية الأزمنة، ((كل ما في السماء وما على الأرض)) (أف 1: 10). 
الفصل الثامن عشر
مجيء المسيح
في رسائل القديس بولس


في نهاية الألف الثاني وبداية الألف الثالث، طرح الناس أكثر من سؤال حول نهاية الأزمنة. فتحدّث اللاهوت الكاثوليكيّ عن ((عواقب الانسان))، أي الموت والحياة الأبديّة، الثواب والعقاب، السماء وجهنّم. وذلك في كلام يتردّد: ((أذكر عواقبك يا انسان، فلن تخطأ إلى الأبد)). توقّف السؤال عند الخلاص الفرديّ، وهو خلاص يُشرف على التاريخ والعالم دون أن يهتمّ لهما كثيرًا. فالتعليم عن ((العواقب الأخيرة)) يُعدّ المؤمنين للصعود إلى السماء. ولكن هذه النظرة جعلت البعض يتركون الحياة الأخرى ويتعلّقون بهذه الحياة. بين الّله والانسان، اختاروا الانسان وحياته في العالم.
غير أن النظرة إلى الكتاب المقدّس لا تتوقّف عند الخلاص الفرديّ، بل تتطلّع إلى خلاص البشريّة بشكل إجمالي. تتطلّع إلى وعد يحرّك التاريخ ويعلن دينونة الّله على العالم. فنبوءات الأزمنة الأخيرة تعلن حدثًا سيأتي، حدثًا قريبًا، ملكوتًا ينزل من السماء إلى الأرض. وهكذا، كان انتقال من نهاية الأزمنة إلى نهاية حياة كل انسان. لا شكّ في أن تأخّر المجيء هو الذي قام بهذا التحوّل، بحيث لا يعيش الفرد في حقائق عامة وينسى نفسه، وهو العارف أنه ذاهب إلى الموت والدينونة، وما يستتبع ذلك من ثواب وعقاب.
فما هي نظرة بولس الرسول إلى مجيء المسيح في حياتنا وفي العالم؟ هذا ما نعالجه هنا في محطّات ثلاث: بعد نظرة إلى العالم الجلياني وما فيه من كشف في عالم الصور إلى الآخرة، نفهم أهميّة المصالحة مع الّله بالصليب وتدشين بشريّة جديدة في قيامة المسيح. وفي النهاية، نفهم أن قيامتنا قد بدأت منذ الآن مع المسيح، آدم الثاني، الذي يساعدنا على تحديد مصير البشريّة الأخير. فالّله الآب ((انتزعنا من سلطان الظلمة، ونقلنا إلى ملكوت ابنه الحبيب الذي لنا فيه الفداء ومغفرة الخطايا)) (1 كور 1: 13).

1 - العالم الجليانيّ وعالم النهاية
لفظة ((جلياني)) تترجم اسم سفر الرؤيا في اللغة السريانيّة (جليانا). وهي ترتبط بالعربيّة بفعل ((جلا)) الذي يعني كشف، أظهر، أوضح. فسفر الرؤيا يحاول أن يكتشف سر الّله في كنيسته خلال الاضطهاد الذي يصيب المؤمنين. والأناجيل الازائيّة، أي متى ومرقس ولوقا، حاولت أن تكتشف بعض سرّ الّله في سقوط أورشليم سنة 70 ب.م.، وفي الحروب والقلاقل. ونفهم في النهاية أن ((ذلك اليوم وتلك الساعة لا يعرفهما أحد)). أما الجواب العمليّ فهو: ((ما أقوله لكم فللجميع أقوله: كونوا ساهرين)) (مر 13: 32-37).
ما هي نظرة القديس بولس في هذا المجال؟ وما هي العلاقة بين العالم الجليانيّ وعالم النهاية في الفكر البولسيّ؟

أ - نظرتان
نجد في هذا المجال نظرتين: الأولى ترفض العلاقة بين عالم وعالم، يعني أن عالم النهاية عند بولس لم يكن في الأساس جليانيًا. والثانية تعتبر هذه العلاقة جوهريّة، وإلاّ ضاع معنى النهاية في الفكر البولسيّ.
أكّدت النظرة الثانية أن بولس ارتبط بالعالم الجليانيّ، وأن الصور الجليانيّة التي تحاول أن تكتشف بعض الشيء عن الآخرة، كوّنت الاطار لكلامه عن يسوع المسيح. فإن اشتمل موت وقيامة يسوع مضمون إنجيله، فوظيفتهما وتفسيرهما الجليانيّ أعطاهما معنى وبُعدًا حاسمين. فما يهمّ بولس، قبل كل شيء، ليس فقط طبيعة المسيح أو وضعه، بل مصيره بالنسبة إلى مصيرنا. لا شكّ في أن هناك كلامًا كثيرًا عن المسيح في الرسائل البولسيّة. ولكن ما قيل عن هذه الكرستولوجيّا قد قيل من أجلنا، من أجل تعليمنا.
وإذ أراد الرسول أن يعبّر عن فكره حول النهاية، عاد إلى عالم الجليان اليهوديّ وصحّحه بما عرفه من العالم اليونانيّ في كورنتوس؛ وهكذا قدّم لنا حياة خلقيّة تتطلّع إلى الآخرة. غير أن عالم الجليان هذا أبرز بشكل خاص القيامة الأخيرة، أي الانتصار النهائي لّله على الشرّ والموت، وظهور برّه المجيد وخلاصه. من أجل هذا، هتف بولس: ((أين غلبتك، أيها الموت، وأين شوكتك أيها الموت ... فالشكر لّله الذي يؤتينا الغلبة بربّنا يسوع المسيح)) (1 كور 15: 54-57). أجل، الّله الآب هو الذي يفعل وهو يفعل بوساطة ابنه يسوع. 
أما النظرة الأولى فاعتبرت أن بولس انطلق من العالم الجلياني، من عالم الصور حول نهاية الكون. ولكنه تدرّج شيئًا فشيئًا نحو اسكاتولوجيا (قراءة عالم النهاية) يكيّفها مع محيط هلنستي(1)، بشّره بنفسه. نستطيع هنا أن نرى صورة الراقدين ومجيء الموت كاللص في الليل، وصوت رئيس الملائكة وهتاف بوق الّله (1 تس 4: 13 و 5: 11)، وكلها صور انطلقت من العالم اليهوديّ فقدّمت صوره عن العالم وعلاقته بالّله. انتظر المسيحيّون الأوّلون مجيء المسيح القريب، فتصوّروا مجيئه كمجيء الّله على جبل سيناء (خر 19: 9-25)، يسير في ركبه الأحياء والأموات. ولكن مجيء المسيح تأخّر. فوعى بولس أنه مائت قبل ذاك المجيء. لهذا، أخذ يتساءل: ماذا يكون بعد الموت؟ ((انساننا الظاهر ينهدم. أما انساننا الباطن فيتجدّد يومًا بعد يوم)) (2 كور 4: 16). ويذكر المسكنَ الأرضيّ الذي يشبه الخيمة التي تقتلعها الرياح، والمسكن الأبديّ الذي هو بيت يصنعه الّله لنا. نحن هنا في مقابلة بين حياة وقتيّة على هذه الأرض، حياة تُرى، وبين حياة أبديّة في السماء، حياة لا تُرى (1 كور 5: 1-10).
عند ذاك، بدأ الرسول يتوسّع في نظره إلى الانسان في إطار العالم اليونانيّ، وإلى خلقيّة لا تنقلنا حالاً إلى السماء التي ننالها بأعمالنا الصالحة، بل تربطنا بالعالم الذي نعيش فيه. فالرب في صلاته لم يطلب من الآب أن ((يُخرج المؤمنين من العالم)) (يو 17: 15). فهم مرسلون إلى العالم. لكن يجب أن يُحفظوا من الشرّ(2).
ب - تقارب من عالم الجليان
نظرتان يعرفهما شارح الكتاب المقدّس، وهما ترتبطان، في أي حال، بالمسألة الكرستولوجيّة، بشخص يسوع المسيح. فنحن لا نستطيع أن نفصل قيامة المسيح عن وظيفتها بالنسبة إلى المجيء، وهي أن تُجسّد الرجاء في انتصار الّله، وهو انتصار يحوّل الخليقة كلها بشكل نهائي ويمجّدها: ((تترقّب الخليقة تجلّي أبناء الّله... وستُعتق من عبوديّة الفساد إلى حريّة مجد أبناء الّله)) (روم 8: 21). لا شكّ في أن القيامة هي بالنسبة إلى يسوع جزاء طاعته وأمانته لمشيئة الآب. وهي التأكيد على أنه الّله وابن الّله. غير أنها أكثر من واقع منعزل ومحروم من نتائجه الخلاصيّة. فالمسيح ((من أجلنا ومن أجل خلاصنا، تألّم ومات وقُبر وقام)). وفي القيامة، أُعلن المسيح ربًا. ولكن الرسول لا ينظر إلى ربوبيّته إلاّ بما توصّلت إليه وهو انتصار الّله النهائي على الشرّ والموت؛ وهي تمارس في الكنيسة التي تعيش الحياة اليوميّة في تطلّعها إلى المجيء، والربّ يعينها بالمواهب والأسرار في حجّها نحو الملكوت. وفي الاحتفال الليتورجيّ، بعد كلام التقديس، تقول الجماعة: ((نتذكّر موتك، يا ربّ، ونعترف بقيامتك، وننتظر مجيئك)).
انطلق بولس من مقولات جليانيّة في كلامه عن الآخرة. ولكن حدث يسوع المسيح حوّل هذه المقولات؛ ومع قيامته بدأ هذا التحوّل النهائيّ. ونحن منذ الآن أبناء الّله، وإن كانت هذه البنوّة ظاهرة فقط على مستوى الإيمان، لا على مستوى العيان. أجل، قيامة يسوع دلّت على حضور النهاية في التاريخ، وليس فقط على نهاية التاريخ كحدث جليانيّ يجعلنا نرغب في القيامة الأخيرة، التي ليست مجرّد حدث معزول به نصعد إلى السماء وننال جزاء أعمالنا، بل مشاركة في مجد الربّ القائم من الموت والعائد على سحاب السماء(3).
كان بولس قريبًا من العالم الجلياني حين توقّف عند أمانة الّله وانتقامه في النهاية، عند خلاص شامل يصل لا إلى البشريّة وحسب، بل إلى الخليقة كلها؛ عند بنية ثنائيّة للعالم: يدمّر عالم ثمّ يُبنى عالمٌ آخر، سماوات جديدة وأرض جديدة عند مجيء الّله القريب في المجد. هذه الأمور نجدها في الرسائل البولسيّة. مثلاً في ما يتعلّق بالانتقام والغضب في نهاية الأزمنة: ((منتظرين من السماوات ابنه الذي أقامه من بين الأموات، يسوع الذي ينقذنا من السخط الآتي))(4).
غير أن بولس يشدّد أيضًا على مرمى هذه النصوص، على مستوى تاريخ الخلاص كما على مستوى النظرة إلى الّله وبرّه ومجده. فقيامة المسيح تُبرز أيضًا هذا المرمى الأخير، لأن ربوبيّته على الخلق والموت، العدو الأخير، تجعل ملكوت الّله يأتي (1 كور 15: 23-28). هذه الطريقة في النظرة إلى الآخرة ترتبط بالعالم الجلياني: فإن كان الّله لا يقدر أن ((ينتقم لأخصّائه))، أن يخلّصهم ويمجّدهم، فيجب أن نبحث عن إله آخر أقوى من هذا الاله. 
أما الطريقة التي بها يتطلّع بولس إلى القيامة الأخيرة للموتى، فهي تسير في الخطّ عينه. فالرسول لا ينطلق أبدًا من رغبة بشريّة في الخلود وعدم الموت. فلو فرضنا أن خلود النفس يكفي لتعزيتنا وتحريرنا من جسد ثقيل وضعيف، فالصعوبة تبقى هي هي. وإذا كان الّله لا يقدر أن يخلّصنا إلاّ إذا جعلَنا نهرب من هذا العالم، فإن قصده الخلاصيّ يبقى دومًا أدنى من قصده في الخلق، أي إنه خلق الحياة ولكنه عجز عن أن يغلب الموت.
وحين يتطلّع بولس إلى موته (1 كور 5: 1-10؛ متى 1: 20-26)، فهو لا يتكلّم عن خلود النفس(5). هذا لا يعني أنه ينكر الحياة بعد الموت (فل 1: 21؛ روم 14: 7-9)، بل إن ما أراد أن يعبّر عنه هو الفرح بأن يكون مع المسيح، واليقين بأنه يستطيع أن يلبس في نهاية الأزمنة ((مسكننا السماويّ))، أي جسد القيامة.

ج - تباعد عن عالم الجليان
حين نتوقّف عند صور ترسم الآخرة، نفهم أننا أمام الرموز لا أمام أمور تاريخيّة تنبئ بما سيحدث؛ فالاتحاد بالربّ يكون على مستوى الإيمان. هي خبرة روحيّة باطنيّة نعبّر عنها بلغة بشريّة. ولكن حين نقرأ هذه النصوص، نتجاوز الحرف لنصل إلى الخبرة التي اختبرها بولس أو غيره، فنستعد للقاء بالربّ لا يجاريه لقاء بين البشر.
كل هذا يدلّنا على تباعد بولس عن عالم الجليان الذي لا يذكر المسيح إلاّ نادرًا. وهذا ما يبرز نظرة الرسول المضمّخة بحضور يسوع المسيح، الذي ليس هو في نظره، من يبدأ زمن النهاية فقط، بل هو ذاك الذي به نلنا نعمة التبنيّ فدعونا الّله: ((أبّا، أيها الآب))، الذي نقاسمه حياته منذ الآن، والذي سنكون معه إلى الأبد فنشعّ من مجده الخاص. وهو الذي يأتي ليأخذ أحبّاءه، سواء كانوا أمواتًا أو أحياء، كي يكونوا معه (1 تس 4: 16-17). إن المجيء النهائي لّله في المجد قد انطبع بحضور المسيح. فيوم الربّ هو يوم مجيئه في المجد(6). غير أن انتظار هذا اليوم لا يملأ المؤمنين رعبًا، بل يحمل إليهم العزاء، ويدلّ على الساعة التي فيها يتّحدون اتّحادًا نهائيًا مع ذاك الذي انتظروه واشتاقوا إليه. لذلك كان بولس يستبعد كل ما يشير إلى الخوف حين يتحدّث عن هذا اللقاء الأخير. إذا كان الّله، في ابنه يسوع، قد جعل نفسه بجانبنا، ((فمن يستطيع بعد اليوم أن يكون ضدّنا، أن يشجبنا ويحكم علينا)) (روم 8: 31).
لا شكّ في أن رسول الأمم يصوّر القيامة العامة مستعينًا بصور آتية من عالم الجليان. غير أن تطوّر النهاية يجعل حضور المسيح يعطي الحدث كلّ بعده، لأنه يُتيح للمؤمنين، أحياء وأمواتًا، أن يكونوا على الدوام مع الربّ ويقاسموه مجده. ويشدّد على أن المسيح هو الذي يأتي ليأخذ المؤمنين إليه. فانتصار المسيح على الموت يعلن الملك العام والنهائيّ لّله الذي ((سيكون كلاً في الكلّ)) (1 كور 15: 23-28). ومع ذلك، فهو يربط مُلك الّله هذا بانتصار المسيح على الموت. فبفضل قيامة المسيح يعرف المؤمنون أنهم انتصروا،أنهم منذ الآن نالوا الغلبة (1 كور 15: 57). 
قام المسيح، فانتصر على الموت، صار ربّ الخليقة كلها ((التي أُخضعت له)) (1 كور 15: 26-27). وهو على اتصال دائم بأخصّائه، لأنهم ينعمون بغناه: نالوا الروح، والمواهب المتنوّعة، والرجاء في مسيرتهم، والصبر في المحَن. ولا يخضع له المؤمنون فقط، بل الخليقة كلها التي تنتظر حريّتها (روم 8: 18-25). لهذا، لا نجد عند بولس التعارض الجذريّ والنهائيّ بين عالمين، بين هذا العالم الفاسد والمعادي للمؤمنين والذاهب لا محالة إلى الدمار، وبين العالم الآتي، عالم البرّ وملكوت الّله. لأن القائم من الموت يظلّ لدى أخصّائه، ولأن القيامة دلّت على ما في المخلوقات من عناصر تتوق إلى النهاية المجيدة. فالحاضر مضمّخ بقيم العالم المقبل. والبشريّة، والخليقة معها، تحمل منذ الآن في ذاتها بذار الفداء. فبفضل قيامة الربّ لا نستطيع أن نقول بعدُ، إن الّله ترك العالم وشأنه، وإنه اعتزل التاريخ البشريّ الذي ينتهي في الفشل، وهو ينتظر أن ينتقم للمؤمنين في الزمن المحدّد.

2 - المصالحة بالصليب من أجل بشريّة جديدة
انطلق بولس من إطار اسكاتولوجيّ، فتحدّث عن أبرار يصيرون كالملائكة أو كالنجوم، وأشرار يصيرون أكثر شرًا. كما عن دينونة عامة تجعل جهنّم للأشرار والفردوس للأبرار. ولكنه حافظ على دور المسيح ومكانته في الكلام عن قيامة الأجساد. فقيامة المسيح نموذج قيامتنا. لهذا يبقى الشرّ الكبير يهدّدنا، إذا كنا لا نقوم مع المسيح ولا نقاسمه مجده. لهذا، نشدّد على تأثير الكرستولوجيا البولسيّة على نظرته إلى نهاية العالم.

أ - النهاية وواقع الكنيسة
ظنّ بعض الشرّاح أن تأخّر مجيء يسوع في المجد بدّل نظرة بولس إلى الآخرة. فالخبرة التي اختبرها الرسول على طريق دمشق، أفهمته مكانة المسيح في تاريخه الحاضر. لهذا قال: ((يا ربّ، ماذا تريد أن أفعل؟)) فأرسله الربّ إلى الكنيسة: ((أدخل المدينة، وهناك يقال لك ماذا ينبغي أن تفعل)) (أع 9: 7). لا شكّ في أنه، بعد قيامة يسوع، كان انتظارُ مجيئه القريب قويًا جدًا، بحيث تُركت جانبًا الاهتماماتُ الأخرى، مثل تنظيم الكنائس وعلاقة الجماعة بالعالم. ومع ذلك، فنظرة بولس ظلّت هي هي. ففي نهاية الرسالة الأولى إلى كورنتوس التي دُوّنت بعد قيامة يسوع بعقدين من الزمن تقريبًا، ظلّ الرسول يرغب رغبة حارة بمجيء الربّ، قال: ((مرانا تا، يا ربّنا، تعال)) (1 كور 16: 22).
ومع ذلك، فهذه الرسالة كلها تدلّ على اهتمام تام بالزمن الحاضر، وذلك على جميع المستويات: هل يعيش الزوجان حياتهما الزوجيّة أم يمتنعان عن بعضهما، والزمان صار قريبًا؟ هل يتزوّج الشبّان والشابّات أم يظلّون في البتوليّة منتظرين الربّ على مثال العذارى الحكيمات؟ لقد أوصى بولس بالواقعيّة في هذا العالم: يعيش الزوجان حياتهما الزوجيّة العادية لئلاّ يقعا في تجربة إبليس. والشاب والشابة يختاران إما البتوليّة وإما الزواج. وهناك نساء متزوّجات اهتدين إلى الايمان، فيمكن لهنّ أن يعشن مع زوج ما زال وثنيًا، أو يتركنه إذا غاب السلام في البيت. فالمرأة المؤمنة تقدّس زوجها غير المؤمن، والرجل غير المؤمن يقدّس امرأته التي ما زالت على الوثنيّة. وطرح المؤمنون سؤالاً على الرسول: هل يشاركون في أعياد الوثنيّين؟ هل يأكلون من اللحوم التي ذُبحت للأصنام (1 كور 8: 1-8)؟
وهكذا برزت الحياة اليوميّة بكل متطلّباتها. فالمسيحي الذي يعيش في محيط وثنيّ بأكثريّته، عليه أن يميّز. فهو لا يستطيع أن يعيش، بعد أن قبل سرّ العماد واستنار بنور المسيح، كما كان يعيش في الماضي. فإن فعل، جدّف الناس على اسم الّله بسببه. وإذا كان الصنم ليس بشيء، فالذبيحة للوثنيّ هي، في النهاية، ذبيحة للشياطين. لذلك، لا ينسى المسيحيّ أن كأس البركة هي شركة في دمّ المسيح، والخبز الذي يكسره هو شركة في جسد المسيح. فهو لا يحقّ له أن يشكّك أخاه. ولماذا يُهلك بطعامه ذاك الذي مات المسيح من أجله؟
وما قاله بولس لأهل كورنتوس، سبق وقاله في رسالته الأولى إلى أهل تسالونيكي، وفيها ما فيها من أسئلة حول مجيء المسيح القريب. طلب من المؤمنين أن يعيشوا الواقع اليوميّ: ((تميّزوا كل شيء وتفحّصوه، وتمسّكوا بما هو حسن)) (1 تس 5: 21). فانتظار مجيء الربّ لم يمنع الرسول من أن يعطي الحياة اليوميّة كلَّ أهميّتها. لذلك، جعل في نهاية الرسالة وصايا شتى: ((كونوا في سلام بعضكم مع بعض، شجّعوا الصغار، أسندوا الضعفاء، عاملوا الجميع بصبر وأناة، لا تجازوا أحدًا على شر بشرّ. كونوا فرحين على الدوام)) (1 تس 5: 12-16).
ذاك كان انتظار بولس للنهاية منذ الرسائل الأولى. ولن يتبدّل هذا الانتظار تجاه المسائل الجديدة التي واجهتها الجماعاتُ على مستوى الحياة داخل الكنيسة، سواء في الأمور الخلقيّة أم في علاقات المسيحيّين بالذين حولهم من يهود ووثنيّين. انطلق الرسول في كل هذا من واقع الانسان الذي نال العماد، فاستنتج كيف يعيش ذاك الذي اتّحد بالمسيح، حياةً تليق بالذي دعاه إلى ملكوته ومجده (1 تس 2: 12).

ب - الصليب وانتظار النهاية
أجل، بدا التجلّي لمجد الّله وانتظار غلبته على الشرّ والخطيئة وكأنهما لم يؤثّرا التأثير الحاسم على لاهوت رسول الأمم. لا شكّ في أن الرسالة إلى رومة تبدأ بقسم تكرّس كلّه للكلام عن غضب الّله الذي ((يُعتلن من السماء على كل كفر وظلم للناس الذين يعوّقون الحق بالظلم)) (روم 1: 18). واعتلان الغضب هو، في الواقع، اعتلان نتائج هذا الغضب التي هي عقاب لخطايا البشريّة. كل هذا لا نفهم مداه إلاّ في وحي الّله في يسوع المسيح: ((بإنسان واحد دخلت الخطيئة إلى العالم وبالخطيئة الموت... وبإنسان واحد، هو يسوع المسيح، نلنا وفرة النعمة وموهبة البرّ)) (روم 5: ،12 17). حين قدّم بولس ((انجيله))، أي طريقته في عرض البشارة، جعل كلامه في إطار من الانتظار الجليانيّ. وهكذا بدا الانجيل، للوهلة الأولى، في قلب الغضب الالهي وانتقام السماء من الخطأة. فكأني بالرسول يُلقي الرعب في قلوب السامعين لكي يجعلهم يفهمون حسنات الّله وغفرانه. أما وجب عليه بالأحرى أن يبدأ بالكلام عن وفرة النعمة التي نلناها في يسوع المسيح، وعن الغفران المجانيّ الذي يأتي إلينا في أعماق شقائنا؟ لا شكّ في ذلك، وخبرة الخلاص عند بولس سابقة لخبرة الشقاء والخطيئة. فهو لو لم يعرف أنه خلص بنعمة الربّ، لما تجرّأ وكشف الخطيئة ببشاعتها. فلو فعل، لقاد الناس إلى اليأس، لا إلى الرجاء بخلاص يُعطى لهم.
إذن، لماذا لم يبدأ برهانه مع ما قاله عن ((برّ الّله وطريق الإيمان بيسوع المسيح)) (روم 3: 22)، والعقاب الذي ينتظر فاعلي الاثم؟ الجواب هو أنه اختار أن ينطلق من النظرة اليهوديّة(7) ليقود الانسان إلى موضع لم يفكّر يومًا بالوصول إليه، إلى التبرير بالإيمان وبدون أعمال الشريعة الموسويّة. وهذا التبرير (عمل الّله الذي يقود إلى القداسة) ليس خاصًا باليهود، بل يصل إلى جميع البشر. بدأ الرسول مع انتظار تجلّي البرّ النهائي، وهو انتظار شديد لدى جميع اليهود الأتقياء الذين يرغبون في عزاء ما زال يتأخّر يومًا بعد يوم، فحرّك الدهشة والمفاجأة. إن ما تجلّى في النهاية ليس غضب الّله، بل برّه. وما يتجلّى هنا يرتبط بحدث يسوع المسيح. تجلّى برّ الّله لا ليدمّر، بل ليخلّص ويقدّم برّه بشكل مجانّي، بشكل لا يفرض على الخطأة إلاّ الإيمان وتقبّل عطايا الّله. وإلاّ شابهوا اليهود، فدلّوا على أمانة الّله حين أظهروا عدم أمانتهم.
فالإطار الجلياني عن ((ظهور غضب الّله على كل الناس وظلمهم))، يجب أن يُفهم على حقيقته. وإذا كان بولس قد استعاده، فلكي لا يقف عنده بل ليتجاوزه. فالدينونة ليست الكلمة الأخيرة. إن تجلّي الّله الشخصي يجد ذروته في الرحمة والخلاص: ((ولكن هبة الّله غير خطيئة آدم. فإذا كان الموت ساد البشر بخطيئة انسان واحد، فبالأولى أن تفيض عليهم نعمة الّله والعطيّة الموهوبة بنعمة انسان واحد هو يسوع المسيح)) (روم 5: 15). فالبرهان الذي قدّمه الرسول لا يتوخّى أن يبيّن أن البشريّة يجب أن يضربها غضبُ الّله، بل بأن اليهوديّ والوثنيّ يتبرّران بالإيمان لا بالأعمال.
وهكذا ما قيل عن غضب الله العادل وانتصاره الأخير له أهمّية ثانوية. فما يهمّ الرسول هو الطريق الذي تجلّى به هذا البرّ وهذا المجد. فالصعوبة الكبرى ترتبط بكيفيّة هذا التجلّي، أي بالموت على الصليب، بالشكل الذي سبّبه هذا الصليب: ((نحن ننادي بالمسيح مصلوبًا، وهذا عقبة لليهود وحماقة للوثنيّين)) (1 كور 1: 23). لهذا، فالإطار الجليانيّ الذي لم يتحدّث عن طرق عجيبة اتّخذها انتصار الله، فتكلّم الرسول عنها، لم يُدخلنا في قلب هذه الاسكاتولوجيا، وإن كان الرسول أشار أكثر من مرّة إلى غضب الّله ودينونته، فهو يركّز بالأحرى على التبرير المجّاني والمصالحة التي منحها الّله للبشريّة بواسطة ((جنون الصليب)). هنا كشف إله المجد والجلال عن قدرته كما لم يكشفها في موضوع آخر.
ج - قيامة المسيح ودعوة البشريّة
رأى بولس المرمى الأخير لحدث يسوع المسيح في انتصار الّله النهائي على الشرّ والموت، وهو انتصار يتطلّع إليه برجاء لا يُقهر. غير أن هذا الانتظار لا يخفّف أبدًا من أهميّة ما نلناه من غلبة. وإذ يتأمل المؤمنُ في المسيح على الصليب، يستطيع أن يدرك أسباب هذه الغلبة، كما يستطيع أن يتذوّق منذ الآن الخيرات الآتية في علاقته بالقائم من الموت. انطلق بولس من قيامة يسوع وتأثيرها في الموت، فرسم سمات البشريّة في دعوتها التامة والنهائيّة، وأكّد أن المؤمنين صاروا أولاد الّله ووارثي الموعد. إنهم صاروا ((خليقة جديدة)) (2 كور 5: 17؛ غل 3: 28).
لقد لاحظ الرسول نتائج هذا الموت وهذه القيامة في حياة المؤمنين. فإن كانوا جميعًا، مهما كان أصلهم، قد نالوا روح الموعد، فلأنهم دُعوا إلى كرامة الأبناء الواحدة، فتكوّنت فيهم وبينهم علائق أخرى، ووُلدت بشريّة جديدة هي تلك التي أرادها الّله في ابنه. عاد بولس إلى الانجيل فاكتشف نتائج قيامة يسوع بالنسبة إلى وضع البشريّة ومستقبلها. وهكذا صار يسوع آدم الآخر، الذي يقابل آدم الأول، لأنه انتصر على الخطيئة والموت واستطاع أن ينقل الحياة (1 كور 15: 20-22؛ روم 5: 12-21). أجل، إن اعتاد بولس أن ينطلق دومًا من يسوع المسيح وإليه يعود، فلأن وجهه الذي اكتشفه في اهتدائه، ما زال مطبوعًا في قلبه وهو يحرّك عواطفه وأقواله، بل يحرّك حياته كلها. 
لا شكّ في أن نقطة الانطلاق في الكلام عن القيامة كانت خبرة طريق دمشق(8). ولكن بولس لم يشبّه قيامة الانسان بقيامة المسيح. فالسامعون بعيدون كل البعد عن مثل هذه الخبرة. فحين كلّمهم عن الجسد القائم من الموت، قال إنه يختلف عمّا نرى من أجساد. فأخذ مثَل النبتة التي ترتبط بالبذرة المزروعة في الأرض: إنها ليست أبديّة، بل تيبس بدورها وتموت. ولجأ إلى تشبيه آخر ليدلّ على أن الجسد القائم من الموت يشعّ بمجد أبديّ لا يفنى، على مثال النجوم التي تشع بدون انقطاع. فلا صورة البذرة تكفي، ولا صورة النجمة تُغني، ولكنهما توجّهان أنظارنا إلى تحوّل وتمجيد: ما تمّ في جسد المسيح يتمّ في أجسادنا. وما إن أشار بولس إلى آدم الآخر حتى أشار إلى نتائج قيامته بالنسبة إلى الجميع. فالمسيح الممجّد يدشّن بشريّة جديدة تستطيع منذ الآن أن تحمل في ذاتها ((صورة السماوي)) (1 كور 15: 49). فالبشريّة أصبحت تعرف أنها مصنوعة على صورة آدم الثاني، أنها مطبوعة بطابع المسيح. ذاك هو عربون مستقبلها.
جاءت مراحل البرهان الذي قدّمه بولس مهمّة جدًا بالنسبة إلى موضوعنا: كان المؤمنون يتصوّرون القيامة كعودة الحياة إلى جسد أرضيّ يشيخ ويموت في يوم من الأيام(9). أما الرسول فلم يقدّم عرضًا انتروبولوجيا (دراسة عن الانسان)، بل بحثًا عن صور من الحياة اليوميّة تساعده على تقديم البرهان الكرستولوجي السامي. فانطلق من القائم من الموت لكي يتصوّر دعوة الانسان وكرامته. فالمسيح يعطي الآخرة مضمونها، وهي بدورها تعطي الزمن الحاضر نوعيّة الرجاء الذي يحتاجه.
وقد يقودنا البرهان الكرستولوجي إلى التقليل من أهميّة الجسد المائت. فإن كان الّله هيّأ لنا جسدًا روحيًا يختلف كل الاختلاف، فجسد الأرض المعدّ للفساد لا قيمة له، ولا نحسب له أي حساب. فكان جواب بولس منطلقًا من علاقة المؤمنين بالمسيح: ((إن أجسادكم هي أعضاء المسيح)) (1 كور 6: 15-17).

3 - المسيح آدم الثاني
تجوّلنا في الرسائل البولسيّة الأولى(10)، فرأينا الكرستولوجيا في كل مظاهرها وهي تعطيها هدفها ومضمونها وامتدادها: فالّله يريدنا مثل ابنه ومع ابنه. ثم إن مجد يسوع هو مجدنا، وحياته حياتنا. أخيرًا، سيأتي يسوع ليأخذ أحبّاءه كلهم، أحياء وأمواتًا. لقد كان بولس أكثر من فكَّر في تأثير التمثّلات عن الّله والمسيح والمجيء على خبرة المؤمنين. فهناك تمثّلات تسمِّر الانسان مكانه، تخيفه، تجعله يثور، وأخرى تحرّك فيه الإيمان والرجاء. وسرّ المسيح هو الينبوع الذي لا ينضب وفيه يجد المؤمنون نماذج المستقبل، بل نماذج عملهم على الأرض.

أ - تحوّل في انتظار المجيء
في الرسائل البولسيّة الثانية، يعلن الكاتب أن المؤمنين خلصوا منذ الآن، أنهم ماتوا وقاموا. وهكذا يكون تحوّل مع ما جاء في الرسالة إلى رومة، مثلاً: نموت مع المسيح فنقوم معه في المستقبل. أما في كولسي (2: 20)، فنحن في صيغة الماضي: سبق لنا ومُتنا وقُمنا ونلنا الخلاص التام. غير أن الواقع يبيّن لنا أن الآلام والموت ما زالت هنا، وأن خلاصنا ما زال موضوع رجاء. هنا نشير إلى أن الرسول لا يريد أبدًا أن يقول إننا تقبّلنا منذ الآن جسد مجدنا، هذا الجسد الروحي الذي حاول أن يصوّره في الفصل 15 من كورنتوس الأولى. كما أنه لم يُلغ الانشداد بين ما هو حاضر منذ الآن، وقد حصلنا عليه، وبين ما لم نحصل عليهَ بعد، بين هذا الدهر والدهر الآتي (أف 1: 21)، وذلك بقدر ما اللفظان اللذان يصوّران مستقبل المؤمنين هما لفظا الرجاء والمجد (كو 1: 27؛ أف 1: 18). ودعوة المعمّدين كي يعتبروا أن الرجاء المحفوظ فيهم هو في السماوات، تجعلنا نفهم أن انتظار المجيء يتحوّل إلى رغبة في السماء.
ولكن رغبة السماء أو ((ما هو فوق)) (كو 3: 1)، تدلّ في الرسالة إلى كولسي، على أننا نريد أن نحيا هذه الحياة الأرضيّة مع المسيح القائم من الموت، دون أن نكون عبيد قيَم تسيطر على هذا العالم. وحين تقول أف 2: 6 بأن الّله أجلسهم مع المسيح ((في السماوات))، فهي لا تريد أن تجعلهم يهربون من مسيرة التاريخ وواقع الحياة اليوميّ، بل بما أن المسيح القائم من الموت ينعش حياتهم، فهو يعطيهم معه أن يقهروا القوى المعادية (أف 6: 10-17).
هناك لفظان يدلاّن على السماء: واحد منظور يدلّ على المكان، وآخر غير منظور لا يرتبط بالمكان. استعمل بولس هذا المدلول الأخير، ليدلّ على أننا أمام بُعد آخر يعطى للحياة، لا أمام هرب من الحياة إلى مكان آخر يبدو بعيدًا. مع أن أف وكو أعلنتا أن المؤمنين الذين قاموا من الموت هم مقيمون في السماوات، إلاّ أنهما لا تجعلانهم يتركون هذا العالم. فالاتحاد التام والنهائي مع الربّ يتيح لحياتهم أن تنطبع بطابع المسيح، في بُعدها الشخصي والكنسيّ والاجتماعيّ. وفي النهاية، حين أرادت هاتان الرسالتان أن تدعما الارشاد الخلقيّ، عادتا إلى تبريرات كرستولوجيّة للانفتاح على الحياة الاجتماعيّة والعائليّة: ((أيتها النساء إخضعن لرجالكنّ... أيها الرجال أحبّوا نساءكم... أيها الأولاد أطيعوا والديكم... أيها الآباء لا تغيظوا أولادكم لئلاّ يفشلوا)) (كو 3: 18-21؛ رج أف 5: 21 و 6: 9).

ب - لماذا هذا التحوّل
إذا كانت الرسائل الثانية (خاصة كولسي وأفسس) تحافظ على الانشداد بين هذا الدهر والآتي، فلماذا فرضت على نفسها أن تصوّر، عن طريق الاستعارة، حياة المسيحيّين الحاليّة على أنها قيامة تمّت وخلاص حصل منذ الآن؟ لماذا لا تقول فقط، كما قالت الرسائل الأولى، بأن المؤمنين ماتوا ودُفنوا مع المسيح الذي هو حياتهم إلى الأبد؟
ظنّ بعض الشراح أن بولس قد أعاد النظر بالعالم الآتي وبعلاقة المؤمنين بالعالم، بعد أن رأى أن المجيء تأخّر. ولكن إذا أمعنا النظر، رأينا أن الأمور هي أكثر تشعبًا: فإن كانت الكرستولوجيا قد طُبعت بطابع النظرة إلى الآخرة، فهي قد حملت معها بذار التحوّل اللاحق. والتشديد على علاقة المسيح بالمؤمنين هو الذي نقل بولس من كلام عن قيامة مقبلة للمؤمنين إلى كلام عن قيامة وخلاص حصلا منذ الآن. فإن كانت الحياة هي المسيح الذي يحيا فينا، فقد ورثنا منذ الآن الحياة الأبديّة، وصرنا قائمين معه من الموت (كو 2: 12؛ 13: 1؛ أف 2: 5-8). أجل، القيامة والخلاص المنتظران من أجل نهاية الأزمنة، حصلنا عليهما الآن في إطار الرسالة إلى كولسي. فمن أين جاء هذا التحوّل؟
واجهت كولسي وضعًا صعبًا. لقد أجبر المؤمنون على ممارسة طقوس نسكيّة متطرّفة (3: 16، 18، 21، 23). هكذا يتطهّرون جسدًا وروحًا فيُخطفون إلى السماء برؤى وإيحاءات مختلفة، ويشاركون في ليتورجية الملائكة، وينالون خيرات الّله. أدرك بولس بحدسه مرمى هذا الوضع. فالممارسات النسكيّة لم تكن، قبل كل شيء، ممارسات تنقية، كما في عدد من الديانات، بل توخّت، أول ما توخّت، إن تهيّئ المؤمنين للصعود إلى السماء (رج رؤ 4: 1-2): يُخطفون فيبلغون إلى أسرار الّله المتعلّقة بنهاية الأزمنة والخلاص. 
هنا أطلّت الصعوبة. فهذه الطقوس التي ترتبط بالطعام لا تشكّل للجميع وسيلة لهذه الرحلة السماويّة. والذين رأوا رؤى اعتبروا ذواتهم أنهم فوق الآخرين فاحتقروهم (كو 2: 18). وانقسمت الجماعة بين ((نخبة)) وبين سائر المؤمنين. ثمّ إن من يجعل من الرؤى السماويّة وسائل مميّزة للاتصال باللاهوت، يعني أنه نسي البُعد الخلاصي للانجيل. فالتعلّق الايمانيّ بتعليم الرسول هو تعلّق بالمسيح نفسه، وهو رباط نهائيّ لا رباط بعده. ولكن إذا كان جميع المؤمنين بلغوا بالمعموديّة إلى ملء حياة القائم من الموت (كو2: 3)، ويستطيعون أن يبلغوا الكمال فيه (1 كو 1: 28)، فمعرفة طرق الّله لا نحصل عليها بإيحاءات خاصة ورؤى خارقة، بل بعلاقة حميمة بالمسيح، تنمو يومًا بعد يوم. لذلك ترك بولس وسائل ((الإيحاء)) هذه، وشدّد على سرّ المسيح الذي يعلو جميع الأسرار.
وعندما أراد بولس أن يبيّن أن هذه ((الرحلات السماويّة)) وما يرتبط بها من ممارسات، هي باطلة ولا نفع فيها، ركّز على أن المؤمنين نالوا منذ الآن كل شيء في المسيح. فماذا يحتاجون بعد؟ لذلك، ما عاد لهم أن ينتظروا شيئًا يتعلّق بمستقبلهم وخلاصهم. من هنا نفهم أهميّة سيادة المسيح المطلقة على أرفع الكائنات الروحيّة والسماويّة (كو 1: 15-20؛ 2: 10، 24-25؛ أف 1: 21) التي جعلتها كتب ((الرؤى)) تخدم أمام عرش الّله. ولكن، حين جعل الّله المسيح فوق جميع هذه الخلائق، فهو لم يبعده عن المؤمنين، لأنهم هم أيضًا يقيمون مع المسيح في أعلى السماوات، وهكذا يظلّون قريبين منه (أف 2: 4). ولكن كيف نتكلّم عن كيان المؤمنين مع المسيح في أعلى السماوات دون الكلام عن ((رحلة سريّة))؟ لا يحتاج المؤمنون إلى مثل هذه الممارسات؛ فهم منذ الآن قد قاموا ونالوا الخلاص. وبقدر ما ينمون في معرفة ذاك الذي اتّحدوا به، يكتشفون يومًا بعد يوم غنى المجد الفائض الذي دُعوا إليه.
ج - المعمّدون وسيادة المسيح
قدّمت لنا الرسائل الثانية صورة في ثلاث محطّات: إن جلوس المعمّدين مع المسيح، في السماوات، يفترض تحوّلهم وانتقالهم. لقد قاموا مع المسيح، وهكذا لم يعودوا خاضعين للقوى والرئاسات، ولا عادوا يحتاجون إلى وسيط من أجل خلاصهم ومن أجل معرفة هذا الخلاص، لأن المسيح يسمو، بقيامته المجيدة، على الكائنات السماويّة العليا كلها(11).
وأضافت الرسالة إلى كولسي بأن يسوع، بقيامته، هو منذ الآن ربّ السماء والأرض. ولكن أهل كولسي كانوا يعتبرون أن مجده هو مجد إنسان، وبالتالي أقلّ من مجد الملائكة الذين يخدمون أمام العرش الالهي على الدوام. هل ذلك لأن الملائكة لم ينفصلوا عن الّله، فهم لا يحتاجون إلى وسيط ومخلّص؟ فكان جواب أنه وسّع وساطة المسيح ومصالحته على جميع الكائنات بلا استثناء، فبلغت إلى القوى السماويّة والروحيّة. المسيح هو الأول، وهو يسود جميع المخلوقات التي تحتاج كلها إلى وساطته وخلاصه. ولا نقول الأول فقط، بل وحده هو الوسيط، ولا اسم سوى اسمه به تنال الخليقةُ الخلاص.

خاتمة
انطلقنا من نظرة إلى الاسكاتولوجيا، إلى عالم النهاية، عالم الموت والقيامة، فرأينا أن المسيح يملأ الحاضر كما يملأ المستقبل، يملأ هذا الدهر كما يملأ الدهر الآتي. ففي المسيح، لا تنفصل السماء عن الأرض، ونحن لا نتطلّع إلى الأبديّة ناسين هذا العالم الذي نعيش فيه. هناك نصوص رفعت الأرض ورفعتنا نحن معها إلى السماء. أما بولس، فعندما تحدّث عن مجيء المسيح إلى الأرض، فقد جعل عالم الآخرة في هذا العالم. خطئ الانسان فانحدر وانحدرت الخليقة معه. ذاك كان آدم الأول. أما المسيح، آدم الثاني، فتمجّد ومجّد معه البشريّة ورفع الخليقة بحيث تصبح أرضًا جديدة وسماوات جديدة. فالمسيح لا يرتفع وحده إلى السماء، بل يُصعدنا معه. ونحن المتضامنين مع الخليقة نرافقها في أنينها (روم 8: 22) متطلّعين إلى الخليقة الجديدة التي تبدأ على الأرض وتنتهي في السماء، وهي تمتدّ في هذا العالم متطلّعة إلى الآخرة.
ذاك هو مجيء المسيح الذي انتظره الفكر القديم من خلال معرفة باطنيّة تجهل التقليد الرسولي وعثار الصليب، والذي تنتظره بعض الشيع داخل عالم جليانيّ مليء بالخوف والدمار والموت. أما مجيء المسيح، بالنسبة إلينا، فهو ذلك النور الذي يجعل السماء على الأرض، ويدفع بالانسان ليحوّل الأرض إلى سماء. هذا يعني أنه علينا أن نسهر، أن نعمل، أن نتاجر بالوزنات. لا شكّ في أن الشرّ والألم والموت ما زالت هنا، ولكن منذ الآن قام المؤمنون وتمجّدوا مع المسيح. فلا يبقى لهم سوى النموّ في المحبّة ليبلغوا إلى المسيح الذي يجمع، في نهاية الأزمنة، ((كل ما في السماء وما على الأرض)) (أف 1: 10). 
الفصل التاسع عشر
رسالة القديس بولس
إلى تلميذه فيلمون


الرسالة إلى فيلمون هي من أصغر نصوص الكتاب المقدّس، وعلى الرغم من صغرها فهي تعتبر نصًا غنيًا باللاهوت، وأهم موضوع فيها هو موضوع تحرير العبيد.

موضوع الرسالة ومناسبتها
اونيسمس العبد الهارب، يلتجيء إلى بولس، يسأله أن يتشفّع له عند سيّده فيلمون. فيلمون رجل غنيّ من قولسي كان يستقبل الأخوة المسيحيّين في بيته من أجل الصلاة والعبادة ونشر الكلمة.
حسب القانون القديم، كان العبد الهارب يستحقّ العقاب من سيّده، لكن الأمر هنا يتعلّق بإنسان مؤمن مثل سيّده.
بولس يرسل العبد الهارب إلى سيّده من جديد، ويتخطّى الخوف من العبوديّة ومن عنف الأسياد.
بولس الشيخ، السجين، يتشفّع لأجل ابنه اونيسمس الذي عمّده وهو في القيود. فهو يصبح له مثل قلبه بذاته (آية 12)، ويطلب أن يقبل هذا الابن كما لو أنه هو بنفسه (آ آ 12، 18).
مع أن بولس كان يتمنّى أن يحتفظ بأونيسمس بقربه ليخدمه (آ 13) إلاّ أنه يحترم فيلمون ولا يفعل شيئًا دون موافقته، حتى يكون احسانه طوعًا لا اجبارًا (آ 14). لهذا لا بدّ لفيلمون بدوره أن يقبل اونيسمس، لا كعبد بل كأخ ((ولد)) مثله لبولس (آ آ 15-17، 19)، فيه تربطه ((صلة الربّ)) (آ آ 16-17).
يهتمّ بولس أيضًا بالخسارة التي قد يكون قد سبّبها اونيسمس لسيّده وبالدين الذي عليه، إلاّ أن ذلك قد ((دفع مسبقًا)) وفيلمون يدين لبولس بنفسه كلها (آ آ18-19)، لهذا يثق بولس أن فيلمون لن يرد طلبه، بل على العكس سيفعل أكثر مما طلب منه (آ آ 20-22). ويختم بولس رسالته مثلما بدأها، بالتحيّة والبركة ونعمة الربّ.

1 - سلطة بولس الرسوليّة
يظهر بولس في الرسالة كرسول حقيقيّ للمسيح ويملك سلطة مستلة من المعلّم بنفسه (رج 2 قور 10: 8؛ روم 1: 1)، ويعبّر عن حقّه بممارسة هذه السلطة وشرعيّتها بصراحة (آ 8)؛ وهو يثق بطاعة الذين يتوجّه إليهم (آ 21).
يستخدم بولس سلطته بمسؤوليّة واحترام وحبّ وليس من خلال القوّة (آ 14)، فهو يؤمن أن سلطته هي من أجل البناء وليس الهدم (رج 2قور 1: 14؛ 10: 8). لهذا، فهو يرجو فيلمون وبروح مسيحيّة، أن يتقبّل عبده الهارب من جديد وكأنه هو بشخصه (آ آ 12، 17، 21)، ويترك له القرار بالتصرّف باسم المحبّة.

2 - الحريّة والعبوديّة
يعتبر بولس أن اونيسمس هو رجل حرّ، نال الحريّة بالمعموديّة، وإن كان لا بدّ للعبوديّة فهي فقط للربّ يسوع. لهذا فهو يبدأ رسالته بـ: ((بولس سجين المسيح)) (آ 1). فسجن المسيح هو الحريّة.
هكذ فإن اونيسمس، العبد الهارب، هو انسان حرّ، مخلوق جديد، معمّد على يد بولس، مولود جديد في المسيح (آ 10). ولهذا يطلب بولس أن يُقبل كأنه هو بذاته، أي كأنه بولس الحرّ، الأخ، الصديق، والأفضل من عبد (آ آ 16، 18).
لا يتحدّث بولس بشكل مباشر عن إلغاء العبوديّة (رج 1 كور 7: 20)، لكنه يؤكّد أن الجميع متساوون في المسيح (رج غلا 3: 28)، الجميع هم جزء من عائلة المسيح (آ 16).
العبد إذًا هو الخاطئ، والحرّ هو المسيحيّ. يسوع وحده هو مقياس الحريّة: ((صلة الربّ)) (آ 17).

3 - حياة الجماعة المسيحيّة
حاولت الكنيسة منذ بدايتها أن تعيش عطيّة حريّة أبناء الّله في المجتمع وفي العالم الوثنيّ، وذلك من خلال المصالحة والغفران والشركة (رج 2 كور 5: 17-21). كما انشغلت الكنيسة لأن تكون مثالاً للحريّة والصلاة، رافضة كل ما هو تسلّط وعنف وعبوديّة.
في الرسالة إلى فيلمون، ذكر واضح للجماعة الكنسيّة التي تعمل لأجل خدمة الكلمة والبشارة، سواء مع بولس كمعاونين له، سواء كجماعات مكوّنة من أفراد متّحدين (آ آ 1، 2-3، 23-4)، ويدعوهم الرسول أخوة وقديسين. 
تعيش هذه الكنيسة شركة الإيمان في المحبّة وتستدعي حضور الروح القدس (آ 5)؛ تعمل على تنفيذ ومعرفة إرادة الّله (آ آ 6-7)؛ تقبل بفرح سلطة الرسول (آ آ 28، 21)؛ وتواظب على الصلاة وعمل الاحسان (آ آ 6، 14، 17، 18، 22) كإيفاء للدين نحو الّله ونحو حامل بشارته (آ 19).

خاتمة
هذه الرسالة السريعة والمختصرة هي نادرة من أكبر مجازفات الكنيسة الأولى: الاصرار على الحريّة وبكل أنواعها ورفض العبوديّة بكل أشكالها.
وحده ثبات الكنيسة بتعاليم الربّ يسوع يحطّم كل سلاسل الاستعباد.
الفصل العشرون

الافخارستيا لدى بولس


المقدمة
بالواقع لا يتكلّم بولس عن الافخارستيا صراحةً إلا مرّتين: في 1 كور 10 و 11. لا نجد عنده مذهبًا مدروسًا مفصّلاً عن الموضوع. فهناك خطر كبير أن نقرأ في داخل نصوص بولس آراء ومتّجهات نشأت في عصور لاحقة فقط. هذا الخطر يهدّدنا دائمًا في نصوص قديمة (وخاصة في نصوصنا الدينيّة؟).
ليس هذا الأمر مهمًا جدًا في رأي معيّن حول ((تطوّر العقيدة)): قد وُجد كل شيء ضمنًا منذ البدء كما في نواة، والتاريخ لم يفعل إلاّ أن أظهره صراحةً، وذلك في ((الاتجاه الحسن المضبوط)) طبعًا. يبدو لي أن واقعنا الانسانيّ المخلوق أكثر من ذلك تعقّدًا. ليس التاريخ طريقًا سويًا بسيطًا من الظلمات إلى العتمة إلى النور. هناك أيضًا إلحاح وتركيز في نقطة معيّنة وعلى حساب نُقط أخرى. هناك التواري إلى النسيان واضمحلال منظورات. ويمكن أن بعض الأمور ((المنسيّة)) تعود إلى الأمام مرّة أخرى فيما بعد.
أظنّ أنه ينبغي عند دراسة الافخارستيا لدى بولس (وفي كل العهد الجديد) أن نحذر من إيجاد تأييد فقط لما نسمّي مع علم اللاهوت اللاحق بأسماء مثل ((الاستحالة الجوهريّة)) و ((كلمات التقديس)) و ((الحضور الحقيقيّ)) الخ.

النص
1 كور 10: 14-22: ((...كأس البركة التي نباركها، أما هي مشاركة في دم المسيح؟ والخبز الذي نكسره، أما هو مشاركة في جسد المسيح؟ فنحن على كثرتنا جسد واحد لأن هناك خبزًا واحدًا، ونحن كلنا نشترك في هذا الخبز الواحد....)) (آ 16-17).
1 كور 11: 17-34: ((...فأنا من الربّ تسلّمت ما سلّمته إليكم، وهو أن الربّ يسوع في الليلة التي أسلم فيها أخذ خبزًا وشكر وكسر وقال: هذا هو جسدي، إنه من أجلكم. اعملوا هذا لذكري. وكذلك الكأس بعد العشاء قائلاً: هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي. كلّما شربتم، فاعملوا هذا لذكري...)) (آ 23-25).
كُتبت 1 كور في نحو سنة 54-55 (قليلاً قبلها، قليلاً بعدها؟). نحو 25 سنة بعد موت يسوع. يبدو وكأن الجماعة في كورنتوس مصابة بدرجة كبيرة من الانقسام الباطنيّ. الرسالة تُجيب على أسئلة وتعالج بعض الأسواء الموجودة في الجماعة. بالواقع، تُفتتح الرسالة بكلام عن انقسامات وتحزّبات في الكنيسة (1: 10-4: 21). ويعود هذا السوء في 11: 17-34 أيضًا لمناسبة خلافات عند ((عشاء الربّ)). بعض الأعضاء في الكنيسة يأكلون ويشربون بين جماعتهم الخاصة دون أن ينتبهوا لأعضاء فقراء. هذا غير ممكن!! غير ممكن!! إنه ضدّ روح ((عشاء الربّ)). فيُسند بولس كلامه بذكر ما قد استلمه من تقليد وما سلّمه هو للكنيسة: ((ما صنعه الربّ يسوع في الليلة التي أسلم فيها)) (11: 23-25). فمن المهم أن نرى بوضوح أين بالضبط يتعارض موقف بعض الأعضاء مع روح ((عشاء الربّ)).
1 - ((عشاء الربّ)) طقس سياقه عشاء يهوديّ دينيّ يبارك فيه رئيس الوليمة الّله ويشكره لمناسبة طقس الخبز (في البداية) الافخارستيا لدى بولس وطقس الكأس في النهاية (((بعد العشاء)) 11: 25)، وينضمّ إلى ذلك الجالسون بقولهم ((آمين)) على بركة الرئيس وأكلهم من الخبز وشربهم من الكأس. نهمل هنا التفاصيل ونقاط النقاش بخصوص تطوّر هذا الطقس ونكتفي بإطاره العام. فما يذكره بولس عمّا صنعه الربّ يسوع ((في الليلة التي أسلم فيها)) ليس مجرّد مثال صالح من الاستعداد للتضحية حتى الموت من قبل الربّ ليُقتدى به. بل إنما هو التزام من قبل يسوع تجاه الّله، ثمّ التحاق من قبل التلاميذ بالتزام الربّ هذا، عن طريق الأكل والشرب الطقسيّ. هذا الانضمام إلى موقف الربّ في طقس العشاء يناقض موقف المسيحيّين الأنانيّ المتحزّب في كورنتوس. من انضمّ إلى الربّ في طقس ((عشاء الربّ))، لا يعود يمكنه أيضًا أن يهتمّ بنفسه فقط: ((يجب أن ينتظر بعضُكم بعضًا)) (11: 33).
2 - ثم، أردتُ أن أقول إن ((عشاء الربّ)) قربان. قد سبق لي أن أسمّيه ((طقسًا)). فكل طقس يتوجّه إلى الّله. يقال مرارًا إن يسوع في الافخارستيا يقدّم لنا جسده ودمه. يبدو لي أن هذه الجملة غير كاملة، حيث يوضع الّله ((بين قوسين)). هناك مجموعة رسائل بولس كلها تذكّرنا بأن الّله هو في المركز، وأن الّله يجب في الأخير ((أن يكون كلاً في الكل)) (1 كور 15: 28). نعم، يعطينا يسوع ((جسده)) و ((كأس العهد الجديد بدمه)) (11: 24-25) بمثابة طقس يمكّننا من الالتحاق بموقفه تجاه الّله. ((عشاء الربّ)) موجّه إلى الّله. يسوع يصلّي إلى الّله، يبارك الّله، يشكر الّله، في طقس الأكل والشرب. وفي العقليّة اليهوديّة إنه ((قربان)) (طبعًا ليس بالمعنى الوثنيّ!). إنه قربان حقيقيّ بمعنى ((ز ب ح. ت و د ه)) من مزمور 50 ونصوص نبويّة أخرى. وكل قربان حقيقيّ هو شكر واعتراف بإلهنا الخالق المخلّص وبمكاننا أمام الّله والاعتراف بأن لّله المبادرة في كل شيء. لسنا نحن نعطي شيئًا لّله في القربان، بل نعترف بأنه هو يعطينا كل شيء. ماذا يصنع يسوع إذن بحسب ما تلقّاه بولس من التقليد؟ يسوع، وجهًا لوجه مع موته الأحمر القريب ( ((دم)) ) يبارك الّله ويشكره ويدعو تلاميذه (وكنيسة كورنتوس، وإيانا) إلى أن ينضمّوا إلى ذلك الحمد والشكر على كل شيء (حياة وموت) متيقّنين بأن الّله ((سيكون الكل في الكلّ)). استلم الرسول إذن من التقليد أن الربّ يسوع ((في الليلة التي أسلم فيها)) ضمّ حياته (جسده؟) وموته القريب (دمه) إلى صلاته وقربانه، ورأى ذلك فعلاً خلاصيًا من قبل الّله لصالح العالم.
أوليس هذا هو المعنى أيضًا في كلمات بولسيّة مركزيّة أخرى؟ مثلاً: روم 3: 25: ((جعل الّله المسيح يسوع كفّارة (غطاء تابوت العهد؟) في دمه...)) = الّله يجعل موت يسوع واسطة للخلاص. روم 5: 9: ((وقد نلنا البرّ بدمه...))، والنصوص المتكلّمة عن موت يسوع على الصليب. 2 كور 5: 18-19 ((هذا كله من الّله الذي صالحنا بالمسيح (اقرأ: بموته)...)). كان هناك ولمدّة طويلة نقاش حاد بين البروتستنت والكاثوليك في موضوع طابع القداس القرباني. ولم يجادل مرّة في موضوع طابع صليب يسوع القرباني. يبدو لي ذلك عالمًا على المقلوب! أوما يكون الوقع أن ((عشاء الربّ)) فسّر الموت على الصليب قربانًا، بما أنه هو نفسه (أعني العشاء) قربان؟ مقتل يسوع في ذاته ليس قربانًا إلاّ من خلال الموقف الداخليّ، المعبّر عنه في الطقس. ولا ننس أنه - منذ قبل تدمير الهيكل في سنة 70م.- قد أخذت التقوى اليهوديّة تُعيد معايرة مفهوم القربان (مع مفاهيم كثيرة أخرى) كمثل الصلاة والصوم والصدقة كقربان. هنا يقول بولس شيئًا مماثلاً في روم 12: 1: ((فأناشدكم، أيها الاخوة، برأفة الّله أن تجعلوا من أجسادكم ذبيحة حيّةً مقدّسةً مرضيهةً عند الّله. فهذه هي عبادتكم الروحيّة)). فأقول: بإقامة ((عشاء الربّ)) يتعلّم المؤمن أن يقف موقف يسوع القرباني ( ((ذكرًا لي)) )، فيغيّر اتجاهه نحو الآخرين. يتعلّم أن يرى نفسه مدعوًا من قبل الّله مع يسوع وفي إثره إلى إقامة شركة وإلى العيش والموت من أجل الآخرين ( ((ينتظر بعضكم بعضًا)) 11: 33).
3 - وهناك النص الثاني، 1 كور 10: 16-،17 في سياق مسألة أكل اللحوم المقرّبة للأوثان. ((كأس البركة التي نباركها)) تعطي شركة في ((دم المسيح)) كما شرحنا أعلاه. و ((الخبز الذي نكسره)) يعطي شركة في ((جسد المسيح)). نعثر هنا على مفهوم ((جسد المسيح)). إنه مفهوم صعب. هناك جسد المسيح بالمعنى الكتابيّ: إنسانيّته الواقعيّة في علاقتها بالعالم والآخرين. ولكن من خلال كثرة استعمال العبارة  ((في المسيح)) نخمّن معنى آخر: المؤمن (بلغة الطقس: المعمّد. أنظر روم 6: 3-11) يدخل إلى وجود جديد، ((في المسيح)). جميع المؤمنين يؤلّفون ((جسد المسيح)). فيرمز إلى هذا الكيان الجديد، إلى هذه الرسالة الجديدة، الكون من أجل الآخرين (((من أجلكم)) 11: 24) يرمز إليه ويعبّر عنه الأكل الافخارستي. وإذا استخدمنا كلمات (لا يستخدمها الرسول!!) كمثل ((سريّ)) و ((حقيقيّ))، فلا بدّ من أن نقول إن جماعة المؤمنين هم جسد المسيح ((الحقيقيّ)) ، والخبز الطقسيّ هو جسد المسيح ((السريّ الرمزيّ)).
:الفصل الحادي والعشرون


تطوّر الفكر البولسي
من أولى تسالونيكي إلى رسائل الأسر

تتضمّن المجموعة البولسية أربع عشر رسالة إذا حسبنا معها الرسالة إلى العبرانيين، هذه الرسالة التي كان لها دومًا وضع خاص منذ زمن آباء الكنيسة الذين لم يعتادوا على طرح أسئلة ترتبط بصحة نسبة الرسالة إلى رسول من الرسل. في الغرب، تأخّرت في الدخول إلى قانون (لائحة) الكتب المسيحيّة. مثلاً، لم تجد لها مكانًا في لائحة ((قانون موراتوري))(1) الذي هو وثيقة رومانيّة يعود زمنها إلى نهاية القرن الثاني، على ما يقول البحّاثة بشكل عام. وفي الشرق الذي لم يشكّ يومًا بقانونيّتها، فإنّ كتّابًا مثل أوريجانس ارتابوا منذ القرن الثالث بأن يكون بولس هو كاتبها.
أما الرسائل الثلاث عشرة الأخرى، فلم يُطرح سؤال حولها قبل العصور الحديثة. لم يُطرح سؤال حول قانونيّتها التي اعترف بها الجميع، بل حول صحّة نسبتها البولسيّة. هناك سبع رسائل يعتبرها الشرّاح اليوم بشكل عام من عمل بولس وهي: روم، 1و2 كور، غل، فل، 1تس، فلم. وهناك ثلاث لا يقرّ الشرّاح بشكل عام بنسبتها إلى بولس وهي: أف، 1تم، تي. وما زال الجدال قائمًا بالنسبة إلى كو، 2تس، 2تم(2) وصحّة نسبتها إلى بولس. أما في ما يخصّني، وبالنسبة إلى الاسئلة التي نهتمّ بها هنا، فإني أعتبر أن كو هي من تأليف بولس، وأن أف هي عمل تلميذ استعاد أفكار كو الرئيسيّة وقدّمها إلى عدّة كنائس مسيحيّة آتية من العالم الوثنيّ.
ومهما تكن الآراء حول صحّة نسبة هذه الرسائل إلى بولس، فهناك أمر أكيد يشكّل ظاهرة فريدة في مجموعة العهد الجديد، وهو أن تدوين الرسائل، امتدّ على خمس عشرة سنة، أي منذ سنة 50 حتى موت بولس الذي حصل سنة 64 أو 67. إذن، نستطيع أن نكتشف تطوّرًا في الأفكار التي عبّرت عنها هذه الرسائل.

1 - أسباب هذا التطوّر
ما هي أسباب هذا التطوّر؟ هي ثلاثة على الأقلّ.
الأول وهو الذي يرد حالاً إلى الفكر، هو تطوّر شخصيّ لدى الرسول. إذا كان بولس وُلد حوالي سنة 6 ب م، وهو رأي تأخذ به شريحة واسعة من الشرّاح وإن لم تكن لنا إشارة دقيقة لكي نحدّد تاريخ ولادته، فقد كان عمره 35 سنة حين دوّن 1تس. ومات وهو في الستين من عمره. إذن، نجعل مجمل رسائله داخل زمن نضوجه. ولكن كانت حياته متحرّكة مضطربة. وهذا أقلّ ما يمكن أن يقال فيها. فأسفاره وصعوباته في عمل التبشير، وصراعاته مع تيّارات أخرى في المسيحيّة الأولى لعبت بلا شك دورًا كبيرًا في تطوّر بولس. إذا كان كل فكر بشريّ عرضة للنموّ والتطوّر، فبالاحرى فكر بولس الذي كان يغلي غليانًا.
غير أن التطوّر الشخصيّ لم يكن العامل الوحيد. فيجب أيضًا أن نأخذ في عين الاعتبار أوضاعًا جديدة تعرّض لها الرسول. نفكّر هنا في فشله أكثر من مرّة، فنشير مرارًا إلى فشل أثينة، الذي لا يجب أن نضخّمه، في رأيي(3). نفكّر بالاحرى بالمعارضة التي لاقاها في الكنائس التي أسَّسها، وحيث قاوم مبشّرون آخرون مضمون شهادته: كنائس غلاطية. وخصوصًا كنيسة كورنتوس التي نعرفها بشكل أفضل(4). ونفكّر أيضًا في أن الرسول بشَّر، انطلاقًا من رحلته الرسولية الثانية، مدنًا لا جماعة يهوديّة فيها. وهكذا وُلدت بفضله، وبشكل تدريجيّ، كنائسُ مسيحيّة جاءت كلها من العالم الوثني. مثلاً، كنائس غلاطية. هذا ما قاده إلى اتّخاد المواقف التي نعرفها تجاه الختان وسائر الممارسات اليهودية، وإلى اجتذاب حذر الكنيسة الأم في أورشليم. وحين دوّن الفصول الأخيرة من الرسالة إلى رومة، خاف أن لا تُقبل التبرّعات التي جمعها لها، فيُجبر على العودة أدراجه مع ماله (روم 15: 30-31). لو حصل هذا لكان نال الإهانةَ العظمى.
والسبب الثالث والأخير في تطوّر الفكر البولسي هو أن العلاقات التي أقامها مع كنائس بعث إليها برسائله، اتّخذت بشكل تدريجي وجهًا جديدًا. فرسائل بولس الأولى توجّهت إلى جماعات أسّسها هو نفسه: تسالونيكي، كورنتوس، غلاطية. وتبدّل الوضع بعد الرسالة إلى رومة: فبولس ما ذهب بعدُ إليها. كتب إلى أشخاص لا يعرف وجوههم، ولم تكن له معهم علاقة شخصيّة. وكان الوضع مماثلاً في كولسي، التي هي مدينة صغيرة بشّرها ابفراس (كو 1: 7؛ 4: 12)، فما زارها بولس يومًا (كو 2: 1). تضمّن هذا الوضعُ الجديد أسلوبًا آخر في العلاقات الرسائليّة، وعملَ، بشكل لا يستهان به، على تبديل في التعبير عن فكر الرسول.
سنحاول أن نتتبّع تطوّر الفكر البولسي، فنسير عبر الرسائل حسب التسلسل الزمنيّ لتدوينها (بقدر معرفتنا): نبدأ مع 1تس فنصل إلى كو. ونتوقّف عند موضوعين يتواتران في قلمه: الاسكاتولوجيا أو نهاية الأزمنة، والمعمودية.

2 - تطوّر الاسكاتولوجيا البولسيّة
في ما يتعلّق بالاسكاتولوجيا، أو ما يرتبط بنهاية الأزمنة، تشكّل 1تس أفضل نقطة انطلاق. فهذه الرسالة التي هي أول ما كتبه بولس، وأول ما كُتب في العهد الجديد كله، توخّت بشكل جزئيّ أن تجيب على قلق القرّاء في ما يخصّ موتاهم. نالوا انجيل قيامة يسوع، فاستخرجوا من هذه القيامة، على ما يبدو، نتائج غير مناسبة لهم، فاعتبروا أنهم أعدّوا للدخول في رفقة الربّ يسوع دون أن يمرّوا في الموت. ولكن، ما إن مرّ وقت قصير على انطلاق بولس من تسالونيكي، حتّى اختبروا أن بعضًا منهم مات. ما رأي بولس في ذلك؟ هل يُستبعد هؤلاء الموتى من القيامة؟ أما ينالهم خسران وإجحاف بالنسبة إلى الأحياء ساعة مجيء يسوع في المجد، وهو مجيء اعتبره التسالونيكيون قريبًا في الزمن، شأنهم شأن أكثريّة المسيحيين في الجيل الأول؟
خصّص بولس لهذه المسألة مقطعًا قصيرًا من الرسالة. نحاول أن نقدّم عنه ترجمة حرفيّة (1تس 4: 13-18): 
(13) ثم لا نريد، أيها الأخوة، أن تجهلوا من جهة الراقدين. لكي لا تحزنوا كالباقين الذين لا رجاء لهم.
(14) لأنه إن كنا نؤمن أن يسوع مات وقام، فكذلك أيضًا الراقدون، بيسوع سيقودهم الله معه (= مع يسوع).
(15) فنقول لكم هذا، في كلمة الربّ، نحن الأحياء الباقين إلى مجيء الربّ، لا نسبق أبدًا الراقدين.
(16) لأن الرب نفسه، بهتاف، بصوت رئيس ملائكة وبوق الله، سوف ينزل من السماء، والموتى في المسيح سيقومون أولاً.
(17) ثم نحن الأحياء الباقين، سنُخطف جميعًا معهم في السُحب لملاقاة الرب في الهواء. وهكذا نكون كل حين مع الربّ.
(18) لذلك، عزّوا بعضكم بعضًا بهذه الكلمات.
لن نحلّل النصّ بالتفصيل. ومع ذلك، نودّ أن نلاحظ عدّة نقاط تُبرز التعليمَ الذي وجّهه بولس إلى قرّائه، ونبدأ فنتوقّف عند البنية الأدبيّة. في حديث سابق، أشرنا إلى أن بولس استعمل بعض المرات البلاغة الساميّة، وهذا ما قاده إلى أن يجعل التوازيات تتلاعب في نصّه. ونجد هنا بعض التوازيات الواضحة. فعبارة ((نحن الأحياء الباقين)) تعود مرتين (آ 15 وآ 17) فتدلّ في آية مركزيّة (آ 16) على مرمى الجواب الذي وجّهه بولس إلى التسالونيكيين القلقين على موتاهم: إن أحداث النهاية ستنطبع بنزول الرب الذي يأتي ليطلب البشر. وهذا يبدأ بقيامة الموتى. ولا يُعنى النصّ بالاحياء إلاّ في زمن ثان. ثم يصعد الجميع إلى السماء، تحملهم السحب. سواء كانوا أمواتًا، أو كانوا أحياء. وبعبارة أخرى، لن يُغبَن الموتى. تلك هي الطريقة التي بها يُطمئن بولس قرّاءه. لهذا يستعمل، في كلامه عن الموت، صورة كلاسيكيّة هي صورة الرقاد(5). استعمل مرّة واحدة في كلامه عن الموتى لفظ ((مائت))(6)، في آ 17. ومن يقول ((رقاد)) يقول في الوقت عينه حالة نستعدّ للخروج منها.
ونلاحظ أيضًا أننا أمام سيناريو (مخطّط مسرحّي) فيه تلعب حواس الجسد دورًا كبيرًا جدًا. أولاً، حاسة السمع تُستدعى في الدرجة الأولى وفي ثلاثة أزمنة: الهتاف(7). وهو لفظ يذكرنا بصرخات تُطلق في المهن القاسية جدًا. كالجذّاف والحوذي، وساحب المركب، وذلك لإعطاء علامة لمجموعة رجال أو بهيمة داجنة. ثم يُسمع صوت رئيس الملائكة، الذي هو على الأرجح ميخائيل، ذاك الذي ربطه سفر دانيال بأحداث النهاية (دا 10: 13، 21؛ 12: 1). وأخيرًا، وفي زمن ثالث، يُسمع صوتُ بوق الله، الذي هو أيضًا إعلان تقليدي عن نهاية الأزمنة(8). أما الطريقة التي بها تسير الأمور، فهي تتوجّه إلى حاسة النظر: يُنشر أمامنا سيناريو عظيم جدًا، وهو يأخذ صوَرَه من المجيء (باروسيا) كما في العالم الهلنستي، من جهة، كما يأخذها من جهة أخرى من الحضارة اليهودية. وليس بمستحيل أن تكون تيوفانية (ظهور إلهي) سيناء التي صوّرها خر 19، قدّمت النماذج المرتبطة بالنظر والسمع. ونجد في هذا النصّ نزول الرب، البوق، الصوت، الغمام، موضوع اللقاء، حركة صاعدة لمجموعة من البشر(9).
ونلاحظ أخيرًا في كلام حول مسائل بهذه الدقّة، أن بولس لا يتكلّم من عندياته. بل هو يعود بشكل واضح إلى كلمة من كلمات الربّ (آ 15). تساءل الشرّاح كثيرًا حول هويّة القول(10) المشار إليه، فما وجدوا ما يقابله كل المقابلة في الأناجيل. إذن، أي قول يمكن أن يكون ينبوع هذا الاعلان الذي يتضمّن موضوعين اثنين: موضوع الموتى الذين يقومون، وموضوع الأحياء الذين لا يقومون؟ وقُدِّمت فرضيّة تقول إننا أمام كلام يسوع كما احتفظ العهد الجديد بآثاره هنا في 1تس 4: 15 وفي يو 11: 15-26. إليك هاتين الآيتين اليوحناويتين حيث نضع بين عاكفين ما جعله يوحنا في نصّه الخاص: 
(25) [أنا القيامة والحياة]
من [يؤمن بي وان] مات، يحيا.
(26) وكل من يحيا [وآمن بي) لا يموت أبدًا(11).
حين نلخّص ببضع كلمات الجواب الذي حمله بولس هنا إلى قلق التسالونيكيين، نلاحظ أنه جواب كرستولوجيّ، جواب يرتبط بيسوع المسيح. وما يؤسِّس هذا الجواب هو قول يسوع الذي يُصبح الفاعل الرئيسيّ بعد العلامات الصوتيّة السماويّة: ينزل، يأخذ الموتى الذين عادوا إلى الحياة والاشخاص الذين ما زالوا أحياء، فيحملهم على السحاب. ويكون هؤلاء كلهم معه بشكل نهائيّ. وصفٌ ملموس جدًا وإن كان فيه بعض السذاجة مع ((آلياته))(12) التي تذكّرنا بما نشاهد على المسرح. ولكن كيف نستطيع بكلمات بشريّة، أن نتكلّم عمّا سيحدث، في وقت من تاريخ العالم يتعدّى مستوى الكلام، بحيث لا نملك عنه أي سند اختباريّ؟ فإنه وإن أعلنت هذه الأحداث على أنها قريبة في الزمن، إلاّ أنها تنتمي إلى عالم آخر يتجاوز العالم الحاليّ.
ومن المفيد أن نقابل هذا الوصف للسيناريو الاسكاتولوجيّ الذي نجده في 1تس، مع وصف تُقدّمه 1كور، جوابًا على سؤال يختلف بعض الاختلاف عن السؤال الذي طُرح في 1تس. يبدو أن الكورنثيين لم يكونوا مهتمّين بموتاهم اهتمامًا يتفوّق على اهتمامهم بالآخرين. فقد كان بعضهم يشكّ في واقع قيامة البشر. لماذا؟ هذا ما زال موضوع سؤال لدى الشرّاح. وقد أعطيت أربع أو خمس فرضيّات مختلفة، تنطلق من نظرة إلى العالم كوّنتها الانتروبولوجيا (دراسة الجنس البشري) اليونانيّة التي فيها يخسر الجسد قيمته(13)، إلى نظرات سابقة للغنوصيّة(14) تتحدّث عن اتحاد بالله بالمعرفة وطقوس التنشئة، أو مواقف حماسيّة انخطافيّة(15) تعتبر أننا دخلنا منذ الآن في حقبة الروح الاسكاتولوجيّة.
اعتبر بولس أن هذه الانحرافات جدّية جدًا، فكرّس لها فصلاً كاملاً هو 1كور 15. بعد أن ذكر الكرازة الاولى (1كور 15: 3-5)، وعالج جدالاً مكثّفًا حول العلاقة بين قيامة المسيح وقيامتنا، راح يصف الأحداث الاسكاتولوجيّة وصفًا يذكّرنا بعض التذكير بوصف 1تس. وهذا ما يفرض علينا أن نقابل بين النصّين لنكتشف التشابهات والاختلافات (1كور 15: 51-52). ونقدّم هنا أيضًا ترجمة حرفيّة للنصّ.
(51) هوذا سر أقوله لكم: لا نرقد كلّنا، ولكنّا كلنا نتغيّر.
(52) في لحظة. في طرفة عين، وببوق أخير، فإنه سيبوَّق، فيُقام الأموات عديمي الفساد، ونحن نتغيّر (نتحوّل).
هذا الكلام يجعلنا أمام سيناريو أكثر تحفّظًا من سابقه، سيناريو لا يتضمّن عمليًا أي عنصر يقابل حاسة النظر. لا شكّ في أنه سيكون ثلاثة عناصر منبئة بالآخرة، وفي أن العنصر الأخير هو الذي نقرأه في 1تس. وهذا العنصر هو البوق. ولكن يبقى أن العنصرين الباقيين بعيدان عن الملموس. كما لا نجد حركة صعود ونزول. ولا يُذكر الربّ يسوع، الذي ليس جزءًا من المشهد. فالنصّ لا يعود إلى قول من أقوال الرب. بل يتكلّم بشكل لاهوتيّ، لا كرستولوجيّ، عن ((سرّ))، أي عن واقع خفيَ في الله منذ البدايات، ويجب أن يعرفه البشر في أزمنة الوحي الأخير. وها هو بولس يكشفه الآن.
وعى بولس دومًا أن هذه الأحداث الاسكاتولوجيّة هي قريبة على المستوى الزمني: ((لا نرقد كلنا)). وبعبارة أخرى، يبدو كأنه يقول: بعض منا سيكونون بعدُ أحياء، حين يحدث ذلك. وبالنسبة إلى الموتى الذين يسمّون أيضًا ((الراقدين))، فمن الضرورة أن ينهضوا (كما من رقاد)، أن يقوموا. أما الكلمة الرئيسية في الوصف والتي تعني جميع البشر، فهي الفعل ((تبدّل، تحوّل)). فبالنسبة إلى الأحياء، كما إلى الأموات، هم يحتاجون جميعًا إلى أكثر من نهوض بسيط، أكثر من انتقال مكاني بسيط، من الأرض إلى السماء. سيكون التحوّل ضروريًا، لأن الجسد النهائيّ لا يتماهى مع الجسد الأرضيّ، كما أن النبتة لا تتماهى مع البذرة التي خرجت منها (1كور 15: 35-44).
لا شكّ في أن هذه الاستعارة، استعارة البذرة والنبتة، التي استعملها بولس في آيات سابقة من ف ،15 تعفيه بعض الاعفاء من سيناريو تسيطر عليه الصور. وإذا قابلنا 1كور مع 1تس مع الوصف السطري والمهيب الذي تقدّمه، فهي تستعمل لغة مصفّاة تسندها استعارة لا تقدّم وصفًا، بل تشبيهًا بعيدًا يرضى عنه الفكر الحديث.
في الرسائل التالية، لن يستعيد بولس بشكل مباشر هذه المسائل، لأن قرّاءه لم يطرحوها، على ما يبدو، في الألفاظ عينها. فيظهر أن زمن المجيء (باروسيا) صار في تفكيرهم، بعيدًا في الزمن. فاعتادت الجماعات المسيحيّة على العيش في الوقت الحاضر اليوميّ. ففي الرسالة إلى رومة، ميّز بولس تمييزًا واضحًا ((التبرير)) الذي هو الوضع الحاضر الذي يبلغ إليه المؤمنون بالايمان بالمسيح، وهذه حالة تمتدّ في الزمان، من ((الخلاص)) والبلوغ إلى ((المجد)) اللذين هما واقعان مُقبلان ينعشهما الرجاء. بالنسبة إلى البشر، كلهم مدعوّون إليهما،ولكن لا تُذكر مهلة زمنيّة طويلة أو قصيرة(16).
وبرزت قفزة في رسائل الأسر التي تمثّل مرحلة لاحقة في الفكر البولسي، سواء كانت هذه الرسائل بولسيّة في المعنى الحصري أو حُدّد موقعُها بشكل إجمالي في تيّار بولسيّ حمله تلاميذ الرسول. في ذلك الوقت، حين نقرأ كو التي تستعيد أف تعابيرَها، إن لم يعد يظهر بشكل واضح التمييز بين تبرير يتمّ الآن وخلاص يتمّ فيما بعد، فالخلاص واقع إجماليّ. لهذا استطاع الكاتب أن يقول: ((متّم)) (في صيغة الاحتمال، في الماضي)(17). ويقول: ((أنهضتم مع المسيح)) (في صيغة الاحتمال أيضًا)(18). وإذ أراد أن يتجنّب الدمج التام ساعة ركّز الزمن في شبه حاضر أبديّ، حاضر الخلاص، ظلّ مع ذلك يميّز الأمكنة. فمع أن حياة قرّائه ظلّت أرضيّة في تجلياتها، لبث الهدفُ وحده سماويًا. ولكن الأزمنة تبدّلت تبدّلاً كبيرًا منذ 1تس. أو هو بولس بدا وكأنه يشدّد على الطابع المقبل للقيامة مع أنها قريبة.

4 - ثوابت وتنوّعات في لاهوت المعموديّة لدى بولس
وهناك موضوع آخر يستحقّ أن ندركه في مسيرته عبر رسائل بولس: هو موضوع المعمودية. تحدّث عنه الرسول مرارًا، وهذا ما لم يفعله بالنسبة إلى عشاء الربّ. غير أنه لم يكرّس له بشكل عام توسّعات طويلة، ما عدا في روم 6: 1-14. لا نستطيع أن نتوقّف عند جميع النصوص. بل فقط عند تلك التي تدلّ على مراحل لها معناها في تطوّر الفكر البولسيّ.
لا نجد شيئًا عن المعموديّة بحصر المعنى في 1تس، كما وجدنا عن الاسكاتولوجيا. ويجب أن نصل إلى 1كور لكي تُذكر المعمودية ذكرًا صريحًا(19). فالفعل ((عمَّد))(20) والموصوف ((العماد))(21) يُستعملان مرارًا في 1كور 1: 13-17. نحن هنا في بداية الرسالة. تأسّف بولس في هذا المقطع لوجود الانقسامات التي استقرّت بين المسيحيين في كورنتوس، بحيث ارتبطت كل مجموعة بوجه رسوليّ جعلته شعارًا لها: ((أنا لبولس. أنا لابلوس. أنا لكيفا. أنا للمسيح)) (1كور 1: 12). وإذ أراد بولس أن يبيّن اللافائدة من هذه الانقسامات، طرح في آ 13 ثلاثة أسئلة متعاقبة تبدو مترادفة بعض الشيء.
هل انقسم المسيح؟
ألعلّ بولس صُلب لأجلكم؟
أو هل باسم بولس اعتمدتم؟
والجواب الذي يعطيه بولس على هذه الاسئلة الثلاثة هو بلا شك: كلا. ثم إن السؤالين الأخيرين بدأا بأداة يونانيّة  تستعمل عادة حين يكون الجواب المنتظر نفيًا. إذن، تسجّلت ثلاثة تأكيدات ضمنيّة داخل هذه الأسئلة الثلاثة: لا، ليس المسيح مقسومًا. والمسيح هو الذي صُلب لأجلكم. وأنتم قد اعتمدتم باسم المسيح. وهناك تقابلٌ بين هذه التأكيدات الثلاثة، ولا سيّما بين التأكيدين الأخيرين اللذين يردّان على سؤالين بدأا مع الأداة السؤالية . وبعبارة أخرى، ذاك الذي باسمه اعتمد المؤمنون هو المسيح نفسه الذي صُلب لأجلهم. واقتبال المعمودية يجعل المعمّد مرتبطًا بالمسيح الذي صُلب لأجله.
ونلاحظ أيضًا أن اللفظة المرتبطة بحرف الجرّ (ب) ((باسم))، جاءت في اليونانيّة في شكل . هي عبارة تعود إلى عالم التجارة في اليونانيّة، فتدلّ على انتساب وانتماء(22). فالمعمَّد يصبح بالمعمودية مُلك المسيح الذي مات لأجله. وهذا ما تعبّر عنه 1كور فيما بعد بألفاظ تكاد تكون مبتذلة: ((اشتُريتم بثمن)) (1كور 6: 20؛ 7: 23). فالعلاقة المقامة هي انتماء المعمّد إلى المسيح المصلوب. ظلَّ بولس هو هو في هذا المجال، فاستعمل دومًا حرف الجرّ  (بشكل عام ودون أن يستعمل )، فبنى جملة تربط المعمَّد بالمسيح أو بذلك الذي يلعب دورًا مماثلاً(23).
ونجد نظرة مشابهة لهذه النظرة في الرسالة إلى رومة. والسبب الذي لأجله عالج بولس هنا مسألة العماد ليس هو هو. نحن في داخل البرهنة(24). ردّ بولس على اعتراض طرحه على نفسه، على اثر تأكيد فيه بعض المفارقة: ((حيث كثُرت الخطيئة، هناك فاضت النعمة)) (روم 5: 20). نلاحظ كيف أن أصحاب الأفكار الملتوية استخرجوا حالاً من هذا القول ما يفيدون منه: إذا كانت الخطيئة الطريقَ إلى النعمة، فلماذا نحاربها. هذا ما يشير إليه بولس بشكل سؤال: ((أنبقى في الخطيئة لتكثر النعمة)) (روم 6: 1)؟
وإذ أراد بولس أن يردّ بالنفي (كلاّ) على هذا السؤال ويؤسّس جوابه، دُفع إلى الكلام عن المعموديّة (روم 6: 3- 4).
(3) أتجهلون أننا كلنا المعتمدين ليسوع(25) المسيح، اعتمدنا لموته(25).
(4) إذن دُفنا معه في المعموديّة للموت(25)، حتّى كما أقيم المسيح من الأموات لمجد الآب، هكذا نسلكُ نحن أيضًا في جدّة الحياة.
ما نقرأ هنا من مفهوم للمعموديّة هو ما قرأناه في 1كور، غير أنه توضّح. فالمعمّد يُجعل دومًا في علاقة مع موت المسيح، ((يغطّس في الموت)). هكذا نعود بفعل ((عمّد)) إلى معناه الحرفيّ. وهذا ((الغطس)) تحدّده لفظة تشير هي أيضًا إلى إقامة تحت البحر أو تحت الأرض، هي صورة الدفن. تُذكر قيامة المسيح بعد دفنه. وبها يُدعى المعمَّد، بعد عماده، لأن يسلك مثل المسيح القائم من الموت، في جدّة الحياة.
غير أن هذه هي مرحلة بعدعماديّة. لن نكون واضحين_إن قلنا، كما يقال مرارًا، إننا في نظر بولس، نغطَّس بالمعموديّة في موت المسيح وقيامته. كلا ثم كلا. فبالعماد نغطّس في الموت. تلك هي مرحلة الدفن. وبالتالي نُدعى إلى أن نحيا حياة طبعتْها القيامةُ بطابعها. إن العماد يقابل المرحلة التي تحمل الموت، في مسيرة التلميذ. ويجب أن نلاحظ أن بولس لا يربطه بإيجابيّة الوضع المسيحيّ. وبشكل خاص يختلف بولس عن سفر الأعمال إذ لا يكون العماد، بالنسبة إليه، طقسًا به ينال المؤمن الروح القدس(26).
جاءت الرسالة إلى كولسي، بضع سنوات بعد الرسالة إلى رومة، فعالجت مرّة أخرى الموضوع نفسه. وفي كلام عن المسيح، دوّن الكاتب (كو 2: 11-13): 
(11) وبه أيضًا خُتنتم ختانًا غير مصنوع بيد، في خلع جسم البشر (جسم اللحم والدم)، في ختانة المسيح.
(12) وإذ كنتم أمواتًا بالمعاصي (أو في المعاصي) وغُلف بشركم (لحمكم). أحياكم (= الله) معه (مع المسيح) مسامحًا لكم بجميع الخطايا.
لم تعُد تُوضَّح العلاقة بين العماد والموت. ولكن صورة الدفن العمادي التي تحدّثت عنها روم، ما زالت حاضرة. إذن، المعموديّة هي دومًا بجانب الموت. وبناء النصّ الذي نقدّمه، يحدّد موقعَ مضمونه في تواصل مع الرسالة إلى رومة، بقدر ما المعموديّة تناسب دومًا مرحلة الموت في المسيرة المسيحيّة. فقيامة المؤمن بالايمان هي بعدعمادية(27).
غير أننا نلاحظ جديدين هنا. الأول جاء متماسكًا مع ملاحظات قيلت فيما قيل حول الاسكاتولوجيا البولسيّة. النصّ هنا هو صدى اسكاتولوجيا تحقّقت: فالقيامة جزء من الماضي المسيحيّ. والثاني يقيم توازيًا بين العماد والختان، فيكون أول شهادة كرونولوجيّة في العهد الجديد. لا شكّ في إن إطار كنيسة كولسي قد أتاح ذلك. فالكولسيون اختلفوا عن الغلاطيين، فما حاولوا أن يختتنوا. غير أنه من المفيد، على المستوى التاريخيّ، أن نلاحظ أن المعموديّة دُعيت ((ختان المسيح)). إن الدور الذي يلعبه الختان في العالم اليهوديّ، إذ يدلّ على الهويّة والانتماء، هو ذاك الذي تلعبه المعموديّة داخل هذه المجموعة الجديدة التي استقلّت الآن كل الاستقلال عن العالم اليهوديّ الذي وُلدت فيه، فاتخذت اسم ((المسيحيّة)). حين كان جميع المسيحيين من أصل يهوديّ، لم تكن حاجة إلى علامة انتماء أخرى سوى الختان. ولـمّا لم يعد العنصر اليهوديّ هو الاكثريّة، وجب عليهم أن يجدوا علامة أخرى: سيلعب العماد هذا الدور ولزمن طويل.
خاتمة
حاولنا أن ندرك، في مسيرة كرونولوجيّة، موضوعين عالجتهما الرسائل البولسية هما: الاسكاتولوجيا أو نهاية الأزمنة، والمعموديّة. وانكشفت في كل مرّة ثوابت، كما ظهرت أيضًا على مرّ الزمن تغيّرات فرضها بدون شكّ تطوّرٌ داخليّ لدى بولس، كما فرضتها عوامل خارجيّة. كان من السهل علينا أن نتحرّى العوامل الخارجيّة، لأن مقاطع الرسائل التي درسناها، أتاحت لنا أن نبلغ إلى وضع الكنائس التي توجّهت إليها هذه الرسائل، بلوغًا لم نحصل عليه للولوج إلى داخليّة الكاتب. أما بالنسبة إلى نصوص أخرى أخذت من غل أو من الفصول الأخيرة في 2كور، فانعكس الوضع. فخمس عشرة سنة زمن طويل، ولا سيّما في حياة رجل من العصور القديمة كان نشيطًا مثل بولس، وفي حياة كنائس كانت في ملء انطلاقتها: فقد انطبعت حياة بولس كما انطبعت هذه الكنائس بأزمات مختلفة عرفت طلعات وارتدادات.
والطريق التي سرنا فيها، أتاحت لنا كما يبدو لي، بأن نعي أن لاهوت بولس هو لاهوت يرتبط بإطار حياتيّ، ولاهوت انطبع بأسئلة طرحتها كنائس تسلّمت هذه الرسائل، كما انطبع بالتاريخ العام لمسيحيّة فتيّة. وبشكل خاص، كوّن العبورُ من جماعات مسيحيّة آتية من العالم اليهودي أو من جماعات آتية كلها من العالم الوثني، خطًا هامًا على مستوى القطيعة والانفصال. هذا يعني أنه يصعب، بل يستحيل علينا أن نقدم لاهوتًا بولسيًا يرد في نظرة شاملة. فالمحاولات التي قام بها الأب برا(28) والمونسنيور لوسيان سرفو(29) في وقتهما، لم تعد ممكنة. مع أنها استحقت المديح. فبعد اللاهوت اللاهوت(30)، أرادوا أن يكتبوا لاهوت البيبليا، ثم لاهوت العهد الجديد، وأخيرًا لاهوت القديس بولس. بعد ذلك، نكتشف أن مثل ذلك اللاهوت مستحيل إذا كان ((صنع)) اللاهوت البولسيّ يعني أن نعتبر الرسائل مجموعة لا تباين فيها(31).
يجد المفسّر نفسه بين إفراطين يحملان الضرر. من جهة، تفكيك فكر بولس من رسالة إلى رسالة. ومن جهة ثانية، تقديم لاهوت بولسيّ إجماليّ. فلا يبقى له سوى امكانية رسم مدارات تأخذ بعين الاعتبار تطوّر فكر عبّرت عنه الرسائل على التوالي. هذا ما حاولنا أن نقوم به. والمستقبل يقول إن كان هذا الطريق يحمل الخصب والثمار.
أربع مداخلات في يوم الخميس هذا. وأضيف إليها مقالات قبل محاضرة الأب ميشال كينال
1 - الكرازة البولسيّة
2 - بولس والمسيح القائم من الموت
3 - سرّ الحكمة في الرسائل البولسيّة
4 - المعموديّة، روم 6: 1-14
5 - واحد هو انجيل رومة، وواحد هو المبشّر به، روم 1: 1-7
6 - بنية الرسالة إلى فيلبي
7 - بولس معلّم في الصلاة
8 - الرسائل البولسيّة الثانية

الفصل الثاني والعشرون

الكرازة البـولسـية

إن قارئاً متمعناً في رسائل بولس وفي التفاسير العديدة التي أعطيت لكتاباته إن من حيث الأسلوب أو المضمون، ومحاولات اكتشاف بنية الرسائل على أساس أساليب البلاغة أو غيرها... يجد نفسه في بحر من المعلومات التي تفيده ولا شك وتعطيه غنىً كبيراً في معرفته لهذا الرسول العظيم ولكتاباته. ويبدو لي أن هذا المؤتمر الذي نحن بصدده يدخل في إطار المحاولة عينها. مع ذلك، أريد أن أحاول تبسيط الفكر البولسي بما يمكن السامع أو القارئ من إعادة تجميع كلّ هذه المعلومات وترتيبها بطريقة تسهّل عليه فهم جوهر الرجل وفكره الذي ما هو في النتيجة إلا عبد ورسول ليسوع المسيح، كما يحلو له غالباً أن يقدّم نفسه في رسائله المتعددة. طبعاً مثل هذا العمل فيه مخاطرة التفقير التي تجابه كل محاولة تبسيط، ولذلك ما أود أن أعرضه ليس تجميعاً لكل فكر بولس بل لما أسمّيه هنا الكرازة البولسية، أعني جوهر إعلان بولس لإنجيل المسيح يسوع. من ناحية ثانية سيكون تركيزي خاصةً على الرسالة إلى أهل رومة، فهذه المقالة لا ترغب سوى أن تكون مثلاً يمكن تطبيقه على الرسائل الأخرى وفي دراسات لاحقة.
قبل أن أبدأ دراستي أعرض ما أعتقده البنية الأساسية للكرازة البولسية وأقسّمها ثلاثة أقسام: 
أ - الانسان قبل المسيح أو واقع الخطيئة
ب- الخبر السار بيسوع المسيح كجواب على هذا الواقع
ج - الدعوة إلى استقبال هذا الخبر السار بالتخلّي عن الماضي والعيش في الواقع الجديد. 
هذا التصميم نجده في كرازات بولس في أعمال الرسل ( أع 13 على سبيل المثال).
من خلال هذه البنية نجد أبعاداً زمنية ثلاثة هي الماضي والحاضر والمستقبل، حيث إن هذا الحاضر، أي حدث المسيح، يأتي كجواب على واقع موجود في الماضي ومستمرّ، ولكنه في الوقت عينه ينفتح على واقعٍ جديد ينطلق من الحاضر ويمتدّ باتجاه المستقبل.
أما التصميم الذي سنتبعه في معالجة هذا الموضوع فهو من ناحيتين: الأسلوب والمضمون.
1 - من حيث الاسلوب: لا شك أنّ العرض البلاغي هوأحد أهم مميّزات رسائل بولس وبخاصة روما وغلاطية. ولكننا نترك الأمر لمقالآت أخرى عالجت هذا الموضوع.
ما يهمّنا نحن هو ثلاثة أبعاد مرتبطة بجوهر الكرازة البولسية وهي: 
أ- تفسير العهد القديم على ضوء حدث المسيح وفيه نتطرّق إلى بعض ملامح استفادة بولس من فريسيّته وعلمه الكتابيّ ونحاول أنّ نعطي بعض الأمثلة عن الأسلوب الرابّيني بشكل عام وبخاصة استعمال بولس للإسلوب المدراشي.
ب- التفسير التيبولوجي.
ج- الشهادة الشخصيّة لبولس وهذا (كما سنرى)، ما يميّزه عن كل كتّاب العهد الجديد بمن فيهم كتّاب الرسائل الأخرى.
2 - أما من ناحية المضمون فنرغب أن نقدّم الأفكار التالية: 
أ - مركزية الكرازة بالخبر السار، أي حدث المسيح، في فكر بولس وتعليمه. فالتاريخ البشري السابق لحدث المسيح هو مهيِِّئ له ومهيَّأ لاستقباله.
1- من جهة أولى يبدو أنّ العهد القديم هو مكان تجذّر سر يسوع المسيح في التاريخ الخلاصي، ولكنّه في الوقت عينه الحالة التي كانت تستدعي هذا الحدث لتكتمل، بل ليتحقّق ما وعدت به وأشارت إليه.
2- ومن ناحية ثانية فإن تاريخ الشعوب الوثنية وواقع الأمم يحمل تلميحات إلى هذا السر الذي لم يُكشَف للعقل البشري وإن كان هذا الاخير يتوق اليه في بحثه الدائم عن أجوبة على سرّ وجوده. وحدث المسيح هو الجواب الأوحد عن واقع العالم الوثني الذي كان مفصولاً عن الشركة والمواعد... وغارقاً في فساد الجهل والخطيئة!
ب- الجواب الوحيد الممكن عن هذا الحدث إذاً هو الإيمان به واستقباله من قبل الجميع: يهوداً كانوا أم وثنيين. ونستبق هنا بالقول ان للايمان بعدين أساسين سنفصّل كلاً منهما في بعض النقاط، وهما: 
1- البعد الشخصي والمعبَّر عنه غالباً بصورة التخلّي عن الإنسان العتيق أو السيرة الماضية، ولبس الإنسان الجديد والسيرة الجديدة في المسيح. وسنُظهر أن هذا البعد الشخصي مرتبط ارتباطًا خاصًا بعمل الروح القدس أي بروح المسيح القائم.
2- البعد الجماعي والأسراري حيث إن حدث المسيح الذي يُستقبل بالإيمان لا يمكن التعبير عنه إلا من خلال الانتماء إلى الجماعة أي الكنيسة وهي جسد المسيح السري. وفي الوقت عينه هي التي تحقّق هذا السر في احتفالها بالأسرار المقدّسة وبشكل أساسي بالمعموديّة والإفخارستيا.
أمّا موضوع الأخلاق المسيحيّة، فالواضح انّ بولس يعتبرها ثمرة للإيمان وعلامة تدلّ عليه. وهذا ما يفسّر تقسيم كل رسالة من رسائل بولس عامة إلى قسمين، أي ما يسمّى بالقسم العقائدي وهو في البداية، وما يسمّى بالقسم الإرشادي التهذيبي وهو في النهاية. ما نوّد أن نؤكد عليه مسبقًا هو أن ما يُدعى بالقسم العقائدي هو عنوان لا يعبّر بدقّة عن فكر بولس. فالرسول لا يعرض في القسم الأول من رسائله عقيدة مسيحيّة أو تعليماً إيمانياً مفصلاً، بل إعلاناً لحدث المسيح، سمّيناه كرازة، وهذا الذي يتحكّم بفكره وعرضه. في كل الأحوال لن نعرض هذا القسم تاركين الامر للمقالات الاخرى. ابدأ اذاً بتفصيل الموضوع.
1 - من حيث الأسلوب 
إنّ الكرازة البولسيّة التي هي، خاصةً في رومة وغلاطية، موضوع خطبة طويلة تتبع إطارًا للكلام عن البنية البلاغية المعروفة في الأدب اليوناني الروماني في عصره، تتضمّن ما نسمّيه (( البرهنة)) أي العناصر التي يلجأ إليها الخطيب في إطار عرضه لفكرته وتقديم البرهان عنها. ولا شك انّ القارئ يجد عناصر عديدة يلجأ إليها بولس في رسالته، ولكنّنا سنتوقّف كما قلنا عند ثلاثة: 

أ- تفسير العهد القديم على الطريقة الرابينيّة: المدراش 
يعتبر الشرّاح أن بولس قد لجأ فعلاً إلى تقنيات التفسير الرابينيّة في معرض شرحه لنصوص العهد القديم(1)، مع التنبيه إلى أن بولس لا يتمادى في ترك العنان لمخيّلته كما فعل أولئك غالباً في شرح النصوص، بل يتوقف عند المعنى الحقيقي والواقعي للنص بارتباطه بالوعد الإلهي. ويعتقد البعض الآخر أن سبب هذا التباين هو أن بولس لم يستعمل أسلوب (( الهلكة)) أي تفسير النصوص على خلفية إيجاد مسوّغات كتابية لمواضيع أدبية وأخلاقية، كما كانت الحال بالنسبة إلى الرابّينيين، بل إنّه استعمل بشكل خاص أسلوب الهغادة أي قراءة النصوص، وبخاصة الأحداث التي ترويها التوراة، وذلك بهدف استنتاج تعاليم إيمانية منها واستخراج معناها الكامل الكائن وراء الكلمات. ولمزيد من المنهجية في العرض، نستفيد هنا من بعض الدراسات التي حاولت المقاربة بين بولس وبعض كبار المدارس التفسيرية في عصره ونتوقّف عند ثلاث: 
بولس وفيلون: يلتقي بولس وفيلون معاً على رفض التفسير الحرفي للتوراة خاصة في ما يتعلّق بالمواضيع المتعلّقة بقواعد السلوك في الحياة اليومية والطقسية. ومع أن بولس يستعمل بعض التفاسير الأليغورية (قريبة من الاستعارة) لفهم معاني النصوص الكرستولوجية والروحية، إلاّ أنه بعيد جداً عن أسلوب فيلون الذي كان يلجأ إلى هذا الأسلوب بطريقة مستديمة وعلى أساس أنه القاعدة الأساسية لتأوين النصوص(2). فهمّ فيلون الأول هو المقاربة بين الفلسفة اليونانية والتوراة ومحاولة إظهار التوراة أنها ليست كتاباً تخطّاه الزمن وغير صالح للزمن الحاضر؛ ولذلك لجأ إلى التفسير الأليغوري عند كل صعوبة في التوفيق بين الفكر المنطقي والفلسفي وبين تعاليم التوراة؛ بينما بولس لم يكن محتاجاً إلى ذلك، لأنّ الفكر المسيحي كان في نفس الخط اللاهوتي للفكر التوراتي من حيث مضمونه الأساسي، أي التاريخ الخلاصي الواحد الذي صنعه الله، والوحي والنبوءات، ولم يكن يحتاج إلا إلى قراءة النصوص على ضوء حدث المسيح الذي اعطى لهذه النصوص معانيها الكاملة إن في عصرها أو في ما يجب أن تقوله الآن (عصر بولس). 

بولس والتفاسير الرابينيّة
يقسّم العلماء أسلوب المدراش اليهودي إلى ثلاثة أنواع: 
- المدراش التفسيري، المدراش الوعظي، المدراش السردي(3). ويمكن القول بأن بولس يستعمل كثيراً الأسلوب المدراشي خاصة من النوعين الأولين، أي المدراش التفسيري والمدراش الوعظي. بل قل أن المفضّل عند بولس هو المدراش التفسيري، حيث يلجأ إليه للبرهان على صحة تعليمه وعلى حقيقة فهمه لحدث يسوع المسيح. 
فإذا نظرنا مثلاً إلى روم 8: 19ي، لا نجد أن بولس يذكر أي نص من نصوص العهد القديم، ولكننا نكتشف أنه يكتب ما يكتب إرتكازاً على تفسيره لنصوص في العهد القديم: فهو يعطي مدراشاً لنص تك3: 17 دون أن يذكره مباشرةً. نفس الشيء في روم 7: 11 الذي يفسّر فيه نص تك 3: 13. هذا الأمر عينه يمكن تطبيقه على الفصل 5: 12-21 حيث الإطار العام هو المقارنة التيبولوجية بين شخص المسيح وشخص آدم، ولكن أساليب العرض والبراهين كلّها مدراشية تفسيرية، مثل الآية 12 التي تفسّر تك 2: 17و3: 19، مع إكمال الفكرة ودعمها من خلال نص تك 2: 24. نفس الشيء يمكن قوله عن الآية 19 التي تفسّر نص اش 53: 11. وهكذا طبعاً كل التفاسير يقولها بولس في إطار كرازته وتعليمه الهادف إلى إظهار الفهم الحقيقي للنصوص وإلى دعوة الجماعة التي يكتب لها إلى الطاعة لتعاليمه. 
من جهة ثانية، لا يلجأ بولس إلى تأليف قصص تعليمية كما هي العادة عند الرابيّنيين، بل يستعمل بعض القصص الموجودة في تعاليمهم مثل تفسيرهم الأليغوري لنص سفر الخروج وبخاصة نصوص من الفصول 13 إلى 20 وهو يعيد قراءتها وتفسيرها على ضوء حدث يسوع المسيح. (راجع 1قو 10: 1-13) الأمر نفسه نجده في نص 2قو 11: 13-14 الذي يستعمل فيه بولس مدراشاً رابينيًا لنص سفر التكوين وبخاصة عن موضوع الشيطان الذي يتلبّس بلباس النور كما جاء في كثير من القصص الرابينيّة.

بولس وتفاسير قمران
لقد عرفت جماعة قمران بطريقة تفسيرية خاصة سميت (( المدراش فشر)). وهذه الطريقة ليست سوى محاولة من جماعة قمران لقراءة دقيقة جداً لكل كلمة أو فعل أو إسم في نصوص الكتاب المقدّس بطريقة تخدم فهمهم الخاص للأحداث وتعاليمهم وتوقّعاتهم لما سيكون. بالحقيقة ليست هناك فوارق كبرى مع المدراش الرابيني العادي سوى اللجوء إلى إكتشاف معانٍ حتّى في كل حرف من النص أو من الكلمات... ولعلّنا نجد مثلاً عن ذلك في روم10: 6-8 حيث يعلن بولس ثلاث مرّات: هذا هو () ليفسّر النص الكتابي الذي هو بصدده. ويعتقد البعض انّ هذا التفسير قريب من تفاسير قمران الأليغوريّة. راجع مثلاً عن ذلك ما ورد في تفسير سفر العدد 21: ،18 الوارد في (( وثيقة دمشق)) في الفصل السادس: (( البئر هي التوراة، والذين حفروها هم المهتدون من شعب اسرائيل الذين ذهبوا إلى أرض دمشق. الله دعاهم كلهم امراء لانهم افتكروا به)). هذه المقابلة غير أكيدة، وليس أكيداً أن بولس قد عرف التفسير القمراني أو أنه استعمله. وهذا النص نفسه أعني روم 10: 1-11 يتبع الطريقة التفسيرية التي كان يلجأ اليها الرابينيّون أي تأويل النص بطريقة تساعد على فهم المعنى المقصود والذي يعتقد المفسّر أنه هو المعنى الحقيقي. فهنا مثلاً، يستعمل بولس نص تث 9: 4 ونص تث 30: 12-13 ليؤكّد بأن البرّ الذي يأتي من الايمان هو موضوع يتطرّق إليه هذا النص عن الشريعة. فكما أن الوحي بالشريعة ليس بعيداً عن الانسان القديم، كذلك المسيح الذي يبرّر الانسان بمجرّد الايمان به والاعتراف به. 
في خلاصة القول يمكننا التأكيد بأن خلفية بولس الرابينيّة واليهودية واضحة إلى حدّ كبير، وهذا مناسب أيضاً لتنشئته الفريسيةّ في مدرسة جملئيل المعروفة. والكتاب المقدس هو أوّل مصدر لفكر بولس وفيه نجد الخلفية الحقيقيّة لطريقة بولس في تفسير الكتاب المقدس. فلا ننسى ان الكتاب المقدس يحتوي على كتب كثيرة مثل سفر الامثال والحكمة وابن سيراخ التي حاولت اعادة قراءة نصوص من التوراة وتأوينها وتفسيرها. وبهذا الموضوع، نجد عند R. Brown مجموعة من المقالات المهمة عن موضوع مثل كلمة ((سر)) التي يستعملها بولس في العديد من رسائله للاشارة إلى التاريخ الخلاصي وسرّ يسوع المسيح الذي لم ينجلِ إلاّ في ملء الازمنة ((وأعلن لنا وحدنا))، (افسس 1: 9). ويعتقد هذا الكاتب بأن خلفية بولس يجب أن نجدها في أسفار الحكمة وقمران(4). 
ونجد ايضاً مقالات عديدة عن استعمال بولس لكلمة عن يسوع المسيح وكأنه يريد بذلك أن يعلن أن الادوناي في العهد القديم، هو المسيح في وجوده الازلي والذي تجلى إلى شعب اسرائيل. وهذا اللاهوت عينه نجده عند يوحنا كما هو معروف ويعبر عنه بكلمة  أي ((الانا هو)) وهذا أيضًا هو التفسير الأبائي وخاصة الشرقي للكلمة عينها. 
هذا اذاً جزء صغير مما يمكن أن نقوله عن أسلوب بولس التفسيري الذي هو في الخط الرابيني الذي نشأ عليه. وننتقل لمعالجة نقطة سريعة في أسلوب بولس أعني الأسلوب التيبولوجي. 

ب- الأسلوب التيبولوجي
لقد استعمل بولس أسلوب التفسير التيبولوجي لكثير من شخصيات وأحداث العهد القديم، مفسّراً من خلال ذلك كونها قد استبقت حدث المسيح ومهّدت له، فهي كانت صورة ناقصة عنه ثمّ اكتملت قالباً ومضموناً به وبالحدث الخلاصي الذي حقّقه. مع ذلك فليس صحيحاً ما يعتقده البعض بأن بولس نفى عن هذه الشخصيات أو الأحداث كونها كانت قائمة بذاتها أو أنها لم توجد إلا لتكون صورة مسبقة للمسيح(5). 
والحقيقة أنّ بولس عندما يتكلّم عن ابراهيم فإنه يعنيه هو أولاً ويقدّمه كمثال المؤمن الذي تبرّر بالإيمان ليؤكّد لاهوته عن التبرير بالإيمان بيسوع المسيح. فابراهيم هو مثال المؤمن المسيحي وليس اليهودي ولكنه قبل ان يكون مثالاً فهو الذي عاش وآمن وتبرّر (روم 4). وكذلك في كلامه عن آدم الذي يقدّمه كمثالٍ معكوس للمسيح، مقابلاً بين آدم الأول الذي به دخلت الخطيئة إلى العالم فالموت، وآدم الثاني الذي به دخل البر فالحياة ؛ وهكذا أيضاً في استعماله التفسير الأليغوري لشخصية هاجر وسارة مفسّراً الأولى على أنّها رمز لشريعة سيناء والثانية لشريعة المسيح، والواحدة مثالٌ للعبودية والأخرى للحرية... وفي هذا فإنّ بولس لا ينفي طبعاً عن هاجر وسارة شخصيّتهما التاريخية الطبيعية. 
في كلّ حال فإن التفسير التيبولوجي عند بولس لا يتطابق في استعماله لكل الشخصيات التي يذكرها. ويمكننا القول بأنّ شخصيات مثل ابراهيم واسحق وفرعون وآدم هي الأقرب إلى التعبير عن المقابلة بين ما نسمّيه عادة بالـ  والـ  أي بين المسيح والعهد الجديد من جهة، والشخصيات المذكورة والعهد القديم من جهة أخرى (راجع عب 9: 24). ولا بد من القول بأن النص الوحيد الذي يستعمل فيه بولس كلمة  عن إحدى الشخصيات هو روم 5: 14 حيث يقول عن آدم إنّه (( مثال المزمع أن يأتي)) أي المسيح. طبعاً موسى هو مثال للمسيح ولكنه مثال غير كامل إذ إنّ ما صنعه موسى كان مؤقتاً، أعني إعطاءه الشريعة، ولخدمة مؤقتة بين وقت التبرير بالإيمان الابراهيمي، ووقت التبرير بالايمان المسيحي. ونجد مثل هذا التفسير في روم 10: 6 ي حيث يمثّل موسى الصاعد إلى سيناء والنازل مع الوصايا، المسيحَ الذي نزل من السماء حاملاً الخلاص للانسان. وهنا لاشكّ ان بولس يستعمل تفسيراً ترجومياً للنص كما يظهر ذلك في بعض الدراسات(6). 
ويمكن قول الامر نفسه عن تمثيل موسى الغير كامل للمسيح يمكن ايجاده في استعمال بولس للمدراش الرابيني عن المزمور 68: 19 في رسالة أفسس 4: 8ت. 
من جهة ثانية يمكننا التوقف عند تطبيق بولس على النصوص الكتابية معنيَين، ولنا في ذلك نصوص عديدة لا مجال للتوقف عندها هنا مثل: روم 9: 17، 9: 25-26؛ وروم 10: 6ي وغيرها. ويبدو لي أنّ بولس يؤكّد في هذه النصوص انّ المعنى التاريخي لا يكتمل الاّ بتطبيقها تطبيقاً تيبولوجياً على الواقع الحالي حيث يكتمل معناها. ولعلّ اشهر هذه النصوص هو 1قو 10: 1-11 الذي يفسر فيه بولس نصوص حز 13 و14 على انها مثالاً مسبقاً عن العماد المسيحي، ثمّ يفسر نص خر 16: 4-35 عن المنّ، ونص خر 17: 5-6 وعد 20: 7-11 عن الماء الخارج من الصخرة على أنها مثال مسبق عن الافخارستيا. والصخرة نفسها هي المسيح الذي كان يرافقهم الخ... ويمكننا القول ان النص بكامله يتبع منهجية تفسير تيبولوجية مزدوجة. فالآيات 1-4 تعبر عن عدة عناصر من السر المسيحي، والآيات 6-11 هي احداث مثالية معكوسة، أي اننا لا يجب أن نقتدي بها وقد كتبت لتكون لنا مثالاً في ما يجب أن نتحاشاه. وكما يقول بعض الشراح، فإن هدف هذا النص ونصوص أخرى عديدة في كتابات بولس هو غالباً التعليم والحثّ على العيش بحسب الايمان المسيحي او ما نسميه بال(7).
بالاختصار، يمكننا القول بأن جوهر التفسير التيبولوجي البولسي يعتمد على هذه القناعة، التي سيعبّر عنها آباء الكنيسة لاحقاً، وهي أن التاريخ الخلاصي مركّز على المسيح إن في ما سبقه من أحداث أو في المستقبل الذي سيقود إلى المجيء الثاني: فكل شيء يجد معناه في المسيح وفي جسده السري الذي هو الكنيسة والتي بدورها تنمو في التاريخ ليتحقق فيها ملء قامة المسيح.

ج- شهادة بولس الشخصية
في مقال له أهمية بالغة يؤكد الاب Vanhoye بأن الكاتب الوحيد في العهد الجديد، الذي يقدّم ذاته وحياته وخبرته الشخصية وشهادته الايمانية في رسائله هو بامتياز بولس الرسول؛ حتى صار من المستغرب تفسير هذه الرسائل لا من حيث المضمون فقط، بل من حيث الاسلوب ايضاً، بدون الاخذ بعين الاعتبار هذا العنصر الاساسي أي شهادة بولس(8). 
صحيح ان كل الرسائل تبدأ بذكر المرسِل والمرسَل إليهم وهذا ما نجده في رسائل بولس كما في رسائل يعقوب وبطرس ويهوذا، ولكننا لا نجد في هذه الرسائل الاخيرة كما في كل رسائل العهد الجديد الاّ شذرات قليلة عن شخصية كاتبها.
أما في الرسائل، فإن بولس لا يفتأ يعبّر عن ردات فعله الشخصية على الاحداث التي يذكرها، ويؤكّد سلطانه الرسولي، ويدافع عن مركزه وعمله ورسالته. بل نراه يضحك ويبكي ويحزن ويفرح ويعبّر عن كل هذه وعن خوفه وقلقه كما عن رجائه وآماله، حتى نكاد لا نميّز ابداً بين المرسل والرسالة، فهما واحد(9). 
مثالٌ على ذلك يورد الابVanhoye بعض الامثلة المعبّرة كما ورد في 1تس 1: 4-10 حيث يؤكّد الرسول لاهل تسالونيكي ان وجوده مع معاونيه بينهم واعلانهم البشارة لهم هو العلامة الحقيقية الاكيدة على محبة الله لهم. 
مثال آخر عن هذه العلامة بين الرسول ورسالته ومن ارسل اليهم نجده في غل 4: 71-02 حيث يعلن بولس: ((انهم يريدون ان يفصلوني عنكم ليربطوكم بهم هم)) ! ثم يؤكد لهم بأنهم اولاده الصغار الذين يلدهم بالآلام حتى يتكوَّن المسيح فيهم. ولا ننسى كل شهادة بولس عن اختباره الايماني الخاص على طريق دمشق واختلائه في الصحراء العربية وعلاقته بالرسل... حتى انه لا يتوانى عن خبر مشادته مع بطرس، رأس الرسل، واتهامه بالرياء... وكل ذلك ليؤكد صحة تعليمه الذي علّمه للغلاطيين.
هذا ما نجده أيضاً في الرسالة إلى اهل فيلبي حيث يؤكّد لهم أنه يحملهم في قلبه (1: 7) وأنه يحبهم بحنان أحشاء المسيح (1: 8) وأنهم كمال فرحه (2: 2). ولا بتوانى عن اخبارهم عن اختباراته الروحية الخاصة والحميمة (1: 12-26؛ 2: 7-14؛ 3: 12-13). 
كذلك في الرسالتين إلى اهل قورنتس، نجد الكثير من هذا التداخل بين الرسول والرسالة التي يكتبها، حيث لا يتوانى عن الكلام عن ذاته وعن المشاكل التي تخصّه مع الجماعة كلها او مع بعض اعضائها...
ما يهمنا هنا هو ما يقوله الابVanhoye عن اهمية هذا الاسلوب البولسي في تفسير رسائله ولاهوته: ((فهل يمكننا ان نعبّر بشكل صحيح عن وجه المسيح عند بولس دون ان نحلّل العلاقة الشخصية التي لبولس مع المسيح كما يعبّر عنها هو نفسه))؟ وهل يمكننا أن نفهم صورة الكنيسة عند بولس دون أن نحلّل بتأنٍ دور شخصية الرسول في علاقته مع الجماعات عند تأسيسها، وإبّان نمّوها، وفي أوقات المحن التي مرت بها؟(10) ولا نتوقف هنا عند ما يؤكّده الأب Vanhoye من أن دراسة نسبة الرسائل نفسها إلى بولس أو إلى تلاميذه تتأثر ايجاباً حين نأخذ هذا الاسلوب الشخصي بعين الاعتبار؛ واعتقد ان هذا هو احد اهم النتائج التي يمكن الاستفادة منها من هذه المقالة(11). 
ولكني سأعطي مثالاً آخر عن اهمية دراسة علاقة بولس الشخصية بالجماعات التي يتوجّه اليها، في فهم تعليمه.فإذا أخذنا الموضوع الشهير المتعلّق بالتبرير الآتي من الاعمال أو من الايمان، أفلا تساعدنا معرفة ان بولس يتوجه إلى جماعات هو نفسه قد أسّسها أو أنها حديثة التأسيس (مثل جماعة رومة) وان معرفته لواقع المهتدين حديثاً إلى الايمان تجعله يفهم عدم قدرتهم على القيام بأعمال، وهي قد تصبح أحمالاً ثقيلة على كاهلهم وقد تؤدي بهم إلى الضياع وفقدان هذا الايمان الحديث الذي نالوه؟ 
فبولس يعلم جيداً أن الوثنيين المهتدين إلى المسيحية هم أنفسهم كانوا تحت تأثير شرائع عديدة مرتبطة بعالمهم الوثني، وهو يعلم أن خيبة أملهم بكل هذه الشرائع هو الذي دفعهم إلى استقبال الايمان بيسوع المسيح على انه المحرّر الحقيقي لهم. افلم يكن الوثنيون يمارسون الصلاة؟ أو لم يكن عندهم طقوس عبادة وأنواع صيام أو نذورات أو تقدمات؟ أفلم يتفوّق الوثنيون على اليهود بعباداتهم وطقوسهم؟ فماذا كان ينقصهم اذاً؟ طقوس جديدة وشرائع جديدة وعبادات جديدة؟ وهل لاجل هذا تركوا الوثنية؟ طبعاً لا، بولس يعلم أن اختبار المهتدي إلى الايمان هو أولاً وآخراً اختبار قدرة اعلان الخبر السار في حياته. وقدرة هذا الخبر السار، اعني حدث يسوع المسيح وموته وقيامته، هي التي جعلتهم يتخلون عن حياة الاستعباد للخطيئة والموت التي كانوا فيها، لينالوا حياة الانسان الجديد التي انتقلوا اليها بالعبودية. فأي فضل اذاً للختان أو أنواع المأكولات، أو مراعات الاعياد والشهور... في اهتدائهم؟ ولا أي فضل !! وبولس نفسه، ألم يكن فريسياً محافظاً ومتمسّكاً بالشريعة وبالعبادات... أفليس ذلك ما دفعه لأن يصبح شريكاً في القتل ومضطهداً للكنيسة؟
كل هذه وغيرها، يعبّر عنها في رسائله كلها، وقد دفعته إلى فهم اولوية الايمان، أي اختبار قدرة المسيح القائم من الموت، ((والذي مات لاجل خطايانا وأقيم لاجل تبريرنا))، في نقل الانسان من واقع الخطئية والموت إلى واقع الحياة الجديدة المرضية لله. وهذا هو جوهر تعليمه عن التبرير، مع انه هو نفسه سيدعو جماعاته كلها إلى عيش حياة تليق بدعوتهم وتبيّن ثمرة إيمانهم. هذا المثل الذي نعطيه هنا عن اهمية شخصية بولس في فهم لاهوته وتعليمه يقودنا إلى القسم الثاني من هذه الدراسة والذي سنحاول فيه عرض الكرازة البولسية من حيث مضمونها.

2 - مضمون الكرازة البولسية

أ- مركزية الكرازة بالخبر السار أي حدث المسيح في فكر بولس
1- هناك تصاميم عديدة ممكنة وموضوعة للرسالة إلى أهل رومة. ولكن الأقرب منها إلى الواقع، بحسب رأينا وخصوصاً في الفصول الثمانية الأوّلى التي تركّز على الجواب الذي يقدّمه المسيح على الحالة البشرية التي سبقته: 
فالواقع الأول هو واقع الخطيئة الذي يعيش فيه اليهود والوثنيون على حدٍّ سواء (1: 8 - 3: 20)، والذي لم تستطع الشريعة ولا العقل البشري أن يبرراه، والذي جاء المسيح يبرره في نعمته وعطية الإيمان لليهود كما للوثنيين! (3: 21 - 4: 25).
والواقع الثاني هو واقع الموت الذي عاشته البشريّة كلّها منذ خطيئة آدم (5: 1-14) والذي وحده المسيح قادر أن يعطيه الحياة والتبرير (5: 15 - 6: 23). والواقع الثالث هو واقع الانقسام الذي يعيشه الإنسان بشكل عام واليهودي المؤمن بشكل خاص بين معرفته للخير وعدم قدرته على تتميمه ومعرفته بالشر وعدم قدرته على الامتناع عنه (7: 1-25)، وهنا أيضاً ليس سوى المسيح من يقدر أن يحرّر الإنسان من عبودية تلك الشريعة الموجودة في أعضائه، وذلك بالروح القدس وشريعة الروح الجديدة التي تجعل منه ابنا ووارثاً (8: 1-39).
وهناك من يعتبر أن الفصول 9-11 هي أيضاً ذات بنية متشابهة حيث إن إسرائيل المنبوذ بسبب رفضه المسيح (9: 1 - 10: 21) سيعود وينال الخلاص بالمسيح في نهاية الازمنة (فصل 11).
وتشبه هذه البنية إلى حدٍّ بعيد الأسلوب النبوي في عرض كلمة الله وتتميّز بأسلوب تكرار المعنى الواحد على شكل دوائر مركزها واحد: أي أنّ الفكرة تتطوّر وتتعمّق بينما تتكرّر (Structure spirale). فإذا نظرنا إلى الرسائل الأخرى المتشابهة بالمواضيع مثل غلاطية أو أفسس وقولوسي، فإننا نجد أن الكرازة البولسية فيها ترتكز على بنية متشابهة إلى حدٍّ بعيد: 
ففي الرسالة إلى أهل غلاطية نجد موضوع التبرير بالإيمان في أساس الخبر السار الذي يريد بولس إعلانه إلى أهل غلاطية بعد أن عادوا يبحثون عن التبرير من خلال أعمال الشريعة! وهنا أيضا لا يتردد بولس في إعلان واقع ((اللعنة)) الذي وجد فيه أنفسهم ((أهل العمل بكلام الشريعة)) طالما انهم لم يستطيعوا القيام بكل فرائضها (غل 3: 10-11)، والشريعة لا تبرر الخاطئ بل بالعكس تبيّن له ما ينتظره من موت بسبب خطاياه دون أن يكون لها القدرة على مساعدته! والخبر السار إذا أن يسوع المسيح جاء ليفتدي أهل الشريعة أنفسهم، أولئك الذين عاشوا في حكمها وفي حراستها (غل 3: 23-24، 4: 4-5). (( فكانوا قاصرين وفي حكم أركان العالم عبيدًا لها)) (4/3).
نفس الخبر السار يعلنه بولس إلى أهل افسس واصلهم من الوثنيين مؤكدًا ((أن الله الواسع الرحمة، لحبّه الشديد الذي أحبنا به، مع أننا كنّا أمواتا بزلاتنا، أحيانا مع المسيح وأقامنا معه وأجلسنا معه في السماوات في المسيح يسوع!)) (أفسس 2: 4-6).
والملاحظ أن الرسالة إلى أهل افسس تعلن نفس موضوع الرسالة إلى أهل رومة، أي أن ليس الوثنيين وحدهم من كانوا أمواتًا بزلاتهم وخطاياهم، بل أيضا اليهود، حيث يقول بولس: ((وكنا نحن أيضًا جميعًا في جملة هؤلاء، أي أبناء المعصية، نحيا بالأمس في شهوات جسدنا، ملبّين رغبات الجسد ونزعاته، وكنا بطبيعتنا أبناء الغضب كسائر الناس)) (افسس 2: 1-3). فحدثُ المسيح إذا يأتي هنا أيضًا كجواب على واقع موت ومعصية عند الوثنيين كما عند اليهود! 
الأمر نفسه نجده في الرسالة إلى أهل قولوسي حيث يذكرهم بولس بأنهم ((كانوا بالأمس غرباء وأعداء في صميم قلوبهم بالأعمال السيئة)) (قولوسي 1: 21) وبأن الله قد صالحهم ((في جسد ابنه البشري وبموته ليجعلهم في حضرته قديسين لا ينالهم عيب أو لوم)) (1: 22). 
ولعلّ نصّ (روم 5: 6-11) هو افضل معبّر عن هذين البعدين للكرازة البولسية الأساسية، أعني واقع الإنسان الخاطئ، يهوديًا كان أم وثنيًا، وجواب الله على هذا الواقع بأن أرسل ابنه الوحيد ليفتدي، لا الذين يحبونه ويطلبونه ويدعونه، ولا الذين يرضوه بأعمال الشريعة، بل ((لما كنا ضعفاء، مات المسيح في الوقت المحدد من اجل قوم كافرين، ولا يكاد يموت أحد من أجل امرئ بار، ولا جرؤ أحد أن يموت من اجل امرئ صالح، أما الله فقد دلّ على محبته لنا بأن المسيح مات من أجلنا إذ كنا خاطئين!)). 
2- من جهة ثانية، فهذا الخبر السار هو ((جهالة)) ((وحماقة)) عند الذين يتمسّكون بحكمة عقولهم وفلسفاتهم وبحثهم عن الإقناع والمجادلات الفلسفية العقيمة، كما في عالم الحكمة الرومانية، وهو أيضًا جهالة عند الذين ينتظرون الخلاص بآيات القوة والعجائب والذين يبررون أنفسهم بادعائهم حفظ الشريعة والبحث عن العدالة البشرية ومنطق العين بالعين والسن بالسن، أولئك الذين يزرعون الكراهية لمن ليسوا مثلهم ويحتقرون الوثنيين (كما في العالم اليهودي). نعم، إن الخبر السار الذي أعلنه الله للعالم مع حدث المسيح، صار سبيل شكّ وازدراء لأن هذا الخبر السار هو ((المسيح المصلوب، قدرة الله وحكمة الله)) (1قورنتس 1: 27-35).
اذا، فلا سبيل إلى الخلاص بالمسيح إلا بالإيمان به، أي بالتصديق أن الله يخلص العالم بنفس ما يعتبره العالم حماقة وضعفا! 
طبعا، لا يستطيع الإنسان أن يلوم اليهود الذين يعتبرون ظهور سيناء وما رافقه من علامات القدرة والقوة الإلهية قمّة الظهور الالهي، والعلامة التي ينتظرون تكرارها أو مشاهدة ما هو اعظم منها عندما يحين مجيء المسيح! وكيف لهم أن يصدقوا بأن المصلوب هو هو ((يهوه)) الآتي ليخلص العالم بعلامة الضعف هذه؟ 
ولا يستطيع الإنسان أن يلوم مبدعي الفلسفات وأصحاب العقول الراجحة وخطباء البلاغة وغيرهم ممن كانت تعجّ بهم المدن اليونانية والرومانية، لأنهم ينتظرون من العقل أن يقودهم إلى ((العقل الأول)) ومن قدرة البلاغة على إقناع الناس بمواهبهم؛ لا يمكن لوم هؤلاء لأنهم يحتقرون الإعلان المسيحي بالخلاص بصليب لصّ محكوم عليه بالموت! 
ولكن المشكلة الأساسية هي في أن ((ما يعرف عن الله بيّن لهم (أي لفلاسفة الوثنيين ومذاهبهم المختلفة المرتكزة على العقل والمنطق)، فقد أبانه الله لهم. فمنذ خلق العالم لا يزال ما لا يظهر من صفاته، أي قدرته الأزلية وألوهته، ظاهرا للبصائر في مخلوقاته. فلا عذر لهم اذا، لأنهم عرفوا الله ولم يمجّدوه ولا شكروه كما ينبغي لله، بل تاهوا في آرائهم الباطلة فأظلمت قلوبهم الغبية. زعموا انهم حكماء، فإذا هم حمقى قد استبدلوا بمجد الله الخالد صورة تمثل الإنسان الزائل والطيور وذوات الأربع والزحافات...)).
فالمشكلة إذا ليست في استعمال العقل والحكمة البشرية للوصول إلى الله، بل في اعتبار العقل نفسه مؤلها وكذلك الفكر والمنطق، فيضيع الإنسان في ادّعائه المعرفة ويصبح أسير المجادلات العقيمة... ولا يمجد الله في عقله ولا يتواضع ليقبل وحي الله له! هذه مشكلة حكماء هذا الدهر الذين رفضوا الخبر السار (اع 17: 32-34). ولكن المشكلة الأكبر هي عند اليهود أنفسهم الذين ((هم بنو إسرائيل ولهم التبنّي والمجد والعهود والتشريع والعبادة والمواعد والآباء، ومنهم المسيح من حيث انه بشر)) (روم 9: 4-5)، ومع ذلك فإن الوثنيين الذين لم يسعوا إلى البر قد نالوا البر الذي يأتي من الايمان، في حين أن إسرائيل الذي كان يسعى إلى شريعة البرّ، لم يدرك هذه الشريعة. ولماذا؟ لأنه لم ينتظر البر من الايمان، بل ظنّ إدراكه بالأعمال، فصدم حجر صدم (روم 9: 30-32).

ب- جواب الايمان
ان الخبر السار أي حدث يسوع المسيح، ((موته لأجل خطايانا وقيامته لأجل تبريرنا)) يفترض ان يحقق تجديد الانسان، ولكن دون ذلك جملة شروط بحسب كرازة بولس: أوّلها الايمان، أي كما يقول هو نفسه: ((هذا هو كلام الايمان الذي نبشر به، فإذا شهدت بفمك ان يسوع رب، وآمنت بقلبك ان الله أقامه من بين الاموات، نلت الخلاص)) (روم 10: 8-10). ولكن دون هذا الايمان شروط عديدة يذكرها بولس في روم 10: 13-17: فإن لم يسمع الانسان لا يؤمن، ولكي يؤمن يجب ان يجد مبشرا يعلن له الايمان... وهذا ما يقوم به بولس نفسه الذي كرّس نفسه لخدمة البشارة. 
فجواب الايمان اذًا ضروري، واعتقد ان بولس يشدّد على أن الايمان وحده هو القادر أن يبرر الانسان أي أن ينقله من حالة الخطيئة والموت إلى حالة النعمة والحياة الجديدة. 
وأنا أرغب هنا أن أتوقف عند البعدين الاساسيين للإيمان بحسب بولس: البعد الشخصي وهو مرتبط بعمل الروح القدس والبعد الجماعي وهو مرتبط بالانتماء إلى جسد المسيح من خلال سرّي المعمودية والافخارستيا.

اولاً: البعد الشخصي
وفيه ثلاثة نقاط مهمّة: 
1ً- عجز الانسان عن الجواب
البعد الشخصي للإيمان يعني بالدرجة الاولى الجواب الشخصي على اعلان الخبر السار بموت وقيامة المسيح والاعتراف بأن يسوع المسيح هو حقا الرب، وان الله اقامه من بين الاموات. والاعتراف بذلك بشهادة الفم (روم 10: 8-10). ولأن الايمان يأتي من السماع (10: 17) فهو اذا جواب على محتوى الاعلان والبشارة. في هذا المجال اعتقد ان هنالك لدى بولس تأكيدًا على ان المؤمن هو الذي اختبر بنفسه عدم جدوى الطرق الاخرى في خلاصه. فلنرى مثالا أولاً على ذلك في روما2: 17ي: 
فاليهودي الذي يعتقد بأنه مبرر بالشريعة لأنه يحفظها ويتبعها وذلك الذي يعتقد انه قادر على هداية الناس إلى طريق الله من خلال ما تلقّنه إياه الشريعة، فهل يجد هذا الانسان خلاصا مما يعرفه ويلقّنه؟ كلا! فهذا الانسان نفسه، مع انه يعلّم الآخرين الا انه لا يعلّم نفسه! ومع انه يعظ بالاقناع عن السرقة فهو يسرق! وينهي عن الزنى ولكنه يزني! فما هي المشكلة اذا ؟ يتوسع بولس في شرح هذه المشكلة في روم 7: 12-14: 
ان الانسان يجد في أفعاله شريعة تخالف شريعة عقله، فهو وان كان يعرف الشر فيجد نفسه عاملا به! وان كان يعرف الخير ويرغب به إلاّ أنه لا يفعله! فما أشقاه اذا (آية24).
فمن اين تأتي هذه المشكلة؟ اعتقد ان بولس يعطي جوابا لها في الآية 13 من النص عينه: ((ان الخطيئة، ليظهر انها خطيئة، اورثتني الموت، متذرّعة بما هو صالح، لتبلغ الخطيئة أقصى حدود الخطيئة، متذرّعة بالوصيّة)). 
في الآية 11 كان بولس قد قال: ان الوصية التي هي سبيل إلى الحياة قد صارت لي سبيلا إلى الموت، ذلك بأن الخطيئة انتهزت الفرصة سبيلا فأغوتني () بالوصية وبها اماتتني. هذا الفعل نفسه يستعمله بولس في 2 قورنتس 11: 3 مشيرا بطريقة مباشرة إلى ما حصل مع حواء في جنة عدن وذلك في معرض دعوته القورنثيين إلى التمسك بإنجيله الذي بشرهم به: ((... ولكني أخشى عليكم ان يكون مثلكم مثل حواء التي أغوتها الحية بحيلتها...)). 
() ما يريده بولس هنا هو التأكيد بأن هذه المشكلة هي مشكلة الانسان عامة بمعزل عن معرفته بشريعة موسى او بالشريعة الطبيعية المكتوبة في قلبه! 
فالشيطان أغوى حواء مستغلا الوصية ليجعلها تخطئ، اي انه استعمل وصية إلهيّة طيبة هدفها خير الانسان ليؤلّب الانسان ضد الله. أفلم يقل الشيطان ان الله اعطى الوصية لحواء وآدم لأنه يغار منهما ولأنه لا يريد ان يصيرا آلهة مثله؟ أليست رغبة ((التحرر)) من الوصية هي التي دفعت حواء إلى الخطيئة فإلى الموت؟
هذا هو تفسير بولس اللاهوتي والوجودي لواقع الانسان: انه يعرف الخير ولكنه يعتقد ان هذا ((الخير)) المتمثّل بالشريعة يحدّه ولا يسمح له بالتعبير عن حرّيته. انه ينظر إلى ما يغويه (اي الخطيئة) على انه الخير الحقيقي ولكنه ممنوع عليه. فيرفض هذا المنع ويقرر ان يعمل ((الشر)) حتى ولو كانت الوصية تمنعه! انها تلك النظرة القانونية إلى الوصية التي تبرر القول الشائع: ((كل ممنوع مرغوب!))
اعطينا هذا المثل لنظهر من هو الذي يستقبل الايمان بنظر بولس: انه باختصار ذلك الانسان الذي اختبر بأنه عاجز عن ((عدم القيام بالشر الذي يغويه)) وهو الذي اختبر بأن وقوعه في الشر يميته ويحوّله إلى عبد لشهواته! 
لذلك نفهم الآن صرخة مار بولس في روم 7: 24: ((ما أشقاني من انسان، فمن ينقذني من هذا الجسد الذي مصيره الموت؟)) وجوابه في روم 7: 25: ((الشكر لله يسوع المسيح ربنا!)).

2ً- الايمان المختبر
هذا الجواب هو ما يعنيه بولس بالايمان، اي الاختبار بأن المسيح وحده هو الذي يستطيع ان يعتق الانسان من واقع العبودية والموت هذا ! وهو الذي في الفصل 5 أظهر كيف ان المسيح قام بهذا التحرير ووصفه بآدم الثاني في مقابل آدم الأوّل الذي بعصيانه دخلت الخطيئة إلى العالم ودخل الموت. لقد توقّفنا عند الفصل الخامس سابقاً، ونود هنا أن نشير ايضاً إلى نص 6: 20-23حيث يعود بولس من جديد إلى الاختبار الشخصي لدى المؤمنين وهو: (( لمّا كنتم عبيداً للخطيئة، كنتم أحراراً من جهة البر، فأي ثمرٍ حملتم حينذاك؟ إنّكم تخجلون الآن من تلك الأمور لأن عاقبتها الموت. أما الآن وقد إعتقتم من الخطيئة وصرتم عبيداً لله، فإنّكم تحملون الثمر الذي يقود إلى القداسة، وعاقبته الحياة الأبدية، لأن أجرة الخطيئة هي الموت، وأما هبة الله فهي الحياة الأبدية في يسوع المسيح ربنا)). أعتقد هذا الكلام الموجه إلى مؤمنين عن موضوع الخطيئة وما ينتج عنها من موت، والايمان ينتج عنه من حياة، لا يمكن أن يجد مصداقيته إلا في اختبار هؤلاء المؤمنين الواقعي والتاريخي. فكلام بولس ليس وعظاً من نوع ((ما يلزم وما لا يلزم))، ولا خطابياً من نوع الشرح النظري عن الخطيئة والإيمان ومحاولة إقناع السامعين بهذا دون تلك... بل هو كما نرى يذكّر هؤلاء باختبار إيمانهم. لقد إنتقلوا من واقعٍ قديم إلى واقعٍ جديد، وكما يقول هو نفسه في رسالته إلى أفسس 4: 20 - 24، فإن من يتلقّى تعليماً موافقاً للحقيقة التي في يسوع، يُقلع عن سيرته الأولى فيخلع الإنسان القديم الذي تفسده الشهوات الخادعة، ويتجدد بتجدد أذهانه الروحية فيلبس الإنسان الجديد الذي خُلق على صورة الله في البر وقداسة الحق. طبعاً هذا الكلام نجد له كلاماً موازياً في غل3: 26 حيث يؤكد بولس: ((لأنّكم جميعاً أبناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع، فإنّكم جميعاً وقد إعتمدتم في المسيح، قد لبستم المسيح)). أي أن الإنسان الجديد الذي يتكلم عنه في نص أفسس الذي ذكرناه هو على صورة المسيح وبالإيمان به. نفس الموضوع نجده في رسالة رومة التي نركّز دراستنا عليها وذلك في الفصل 6. ولكننا نفضّل أن نبقي هذا النص إلى حين كلامنا عن البعد الجماعي والأسراري للإيمان.

3ً- عمل الروح القدس
تبقى نقطة مهمة في هذا البعد الشخصي للإيمان وهو إرتباطه بعمل الروح القدس، بل كون الروح القدس هو العامل الأساسي في تحول الإنسان من القديم إلى الجديد، من حالة العبودية بلا إيمان إلى حالة البنوّة التي من الإيمان.
نشير هنا فقط إلى نص روم 8: 1-17 الذي سظهر فيه بولس أن عمل الروح أساسي لكي ينتقل الإنسان من حالة ((عداوة الله)) إلى حالة ((إرضاء الله)).
لقد سبق وتوقفت في مكان آخر عند هذا النص(12) وأظهرت أن الروح المقصود هنا هو الروح القدس طبعاً، ولكن بارتباطه الوثيق بالمسيح القائم من الموت الذي صار روحاً محيياً أي أنه يعطي الروح المحيي (راجع 1كو 15: 45). أعتقد أن بولس هنا هو في خط الأنبياء الأوائل الذين بعد أن اكتشفوا عدم قدرة الإنسان على إرضاء الله بحسب ((الشريعة المكتوبة)). أعلنوا أن لا سبيل إلى إستقامة علاقة الإنسان بالله وعيشه الأمانة لعهده إلا من خلال روح الله نفسه (راجع حز 36: 26-28).
ومن الجدير ذكره أن بولس يربط بين عدواة الله وعدم القدرة على إرضائه بما يسمّيه ((روح العبوديّة))، حيث يقول: ((لم تتلقّوا روح عبودية لتعودوا إلى الخوف، بل روح التبنّي به ننادي أبّا، يا أبتي))! وهذا الروح يشهد مع أرواحنا بأننا أبناء الله (روم 8: 15-16). فالمشكلة الأساسية التي قادت حواء وآدم إلى الخطيئة فالعبودية فالموت هي روح العبوديّة، أي روح التمرّد الذي قادهما إلى العصيان وبالتالي إلى الخوف (راجع تك3: 10). والحل الوحيد هو التحرر، بواسطة روح الله، من روح العبوديّة هذا، لاستعادة الحريّة والبنوّة.
وخلاصة الأمر أن الخطوة التي يحتاجها الإنسان لكي يؤمن بما سمعه، ولكي يتخلّى عن إنسانه القديم، هي أن يثق بالكلمة التي تعلَن له وبالخبر السار الذي يُعلن على مسامعه. فلا أحد يتخلّى عن شيء مهما كان حقيراً ومزعجاً ومؤلماً، إن لم يتأكد بأن ما يُعرض عليه هو أفضل منه كثيراً. وهذا هو بالتأكيد ما يُقنع الإنسان ليقبل الكرازة، أي الروح القدس الذي ((يشهد مع روحه بأنه إبن الله)).

ثانياً: البُعد الجماعي
وفيه نقطتان: تحقيق الايمان من خلال الانتماء إلى جماعة، وعيش الايمان في الاسرار.
1ً - الانتماء إلى جماعة
نتوقّف قليلاً عند نص 1كو12: 12-13 الذي يختصر فكر بولس عن البعد الجماعي للإيمان المسيحي، لا من حيث فعل الإيمان الذي يبقى موقفاً شخصياً وجواباً منفرداً أمام سماع الإعلان بالخبر السار وعمل الروح القدس، ولكن من حيث عيش هذا الإيمان. فليس من مؤمن يستطيع أن يكتفي بإيمانه، بل إنّ الإيمان يكتمل باختبار الانتماء إلى جسد المسيح، أي الكنيسة. فاختبار المسيح ليس اختباراً روحانياً، أو عقلياً، أو وجودياً شخصياً فحسب، بل أن المسيح الحقيقي هو المختبر في تجسده الكنسي أي من خلال جماعة المؤمنين المتّحدة في جسده السرّي. وموضوع المواهب الذي يذكره بولس هنا وأيضاً في روم 12 يتطرّق إلى موضوع الروح الواحد ليؤكّد بأن ما يُظهر صحةَ إيمان الفرد هو في أنّ إيمانه، الذي يختبره في المعمودية، هو نفس إيمان الآخرين. والعلامة عن ذلك هو أن الروح واحد وليس هناك أرواح عديدة: ((فلقد اعتمدنا جميعاً في روحٍ واحد لنكون جسداً واحداً، أيهوداً كنّا أم يونانيين، عبيداً أم أحراراً، وشربنا من روحٍ واحدٍ)) (1كو12: 31). هذا النص يطرح أيضاً البعد الأسراري للإيمان من خلال سريّ المعمودية والإفخارستيا ولنا عودة إليهما. ولكننا نركّز الآن على الطابع الجماعي للإيمان من خلال الروح الواحد. فهذا الموضوع يتطرق إليه بولس مجدداً في الرسالة إلى أهل أفسس4: 1-6 حيث نجد أساس دعوته المؤمنين إلى أن يسيروا سيرةً تليق بالدعوة التي دعوا إليها، وإلى احتمال بعضهم بعضاً في المحبة، وإلى الإجتهاد في المحافظة على وحدة الروح برباط السلام، في قوله: ((هناك جسد واحد وروح واحد، كما أنكم دُعيتم دعوة رجاؤها واحد. وهناك رب واحد وإيمان واحد ومعمودية واحدة وإله واحد أب لجميع الخلق وفوقهم جميعاً، يعمل بهم جميعاً وهو فيهم جميعاً)). وهذا ما يؤكده أيضاً في روم12: 5 وفي قول3: 14-15. 
أعتقد أنّ هذا البُعد الجماعي للإيمان هو إحدى الركائز الأساسية للكرازة البولسية. فالرسول يدرك أن الأجساد تختلف، والعقول، وكذلك المواهب التي يعطيها الله للإنسان. ولكن العلامة الأكيدة على أنّ إيمانهم المختبر بطريقة شخصية هو من روح الله، هو في عدم التناقض بين إنسان وآخر، وهو في رباط المحبة الذي يجمع المؤمنين في واحد ويوحّدهم في جسد المسيح الواحد. طبعاً هذا الجسد له شكله الخاص القائم على التراتبية إن في المواهب أو في الأعمال. فالمسيح هو الرأس وله يجب أن يخضع الأعضاء... ولا نريد أن نتوقّف عند هذا الموضوع المعروف والذي تنظّمت على أساسه الكنيسة لاحقاً من خلال موهبة القيادة والتدبير الممثّلة في الرسل والأساقفة، ومواهب التعليم والنبؤة... وهذا كله نجده في تكملة نص أفسس الذي ذكرناه (4: 9-16). امّا هدف هذه التراتبية فهو تأكيد ((وحدة الإيمان بابن الله ومعرفته لنصير الإنسان الراشد ونبلغ القامة التي تُوافق كمال المسيح)).
2ً - عيش الأسرار
إن نص 1كور المذكور سابقاً هو من أهم النصوص في طرح البعد الأسراري للإيمان؛ وكما سبق وقلنا، فالايمان هو جواب شخصي على الإعلان السار، وهو حدث يحصل بعمل الروح القدس. وقلنا إن هذا الإيمان يتأكد من خلال انتماء الإنسان إلى جسد المسيح كعلامة عن وحدة الروح ووحدة الإيمان. ونريد هنا بالقول أن أهم ما يمكن أن يحقّق الإيمان ويغذّيه ويجعله أمراً متجسداً، هو الاشتراك بالأسرار المقدسة. وإذا كان سر المعمودية هو الحدث الذي يولد فيه الإنسان بالروح القدس إلى بنوّة الله على مثال المسيح مرةً واحدة، أي بالإشتراك بموت المسيح وقيامته (( سرياً)) (Sacramentellement) وهذا ما يختبره المؤمنون جميعاً، فإن سر الإفخارستيا هو الحدث الدائم الذي يتحقّق فيه الإيمان بطريقة فردية وجماعية معاً.
فكل مؤمن يتناول جسد المسيح في جسده الخاص، ويشرب دم المسيح ليمتزج بدمه الخاص. ولكن في الوقت عينه، هذا الجسد يحوّل كل متناوليه إلى واحد في الجسد الواحد والدم الواحد، بالمسيح الواحد.
وقول بولس، (( فإننا جميعاً نشرب من الروح الواحد))، هو قول يعبّر عن المشاركة في دم المسيح الواحد من خلال الإفخارستيا.
طبعاً هناك نص 1كو 10: 15-17 الذي يعلن وحدة المؤمنين من خلال سر الإفخارستيا الذي فيه ((نحن على كثرتنا جسد واحد لأننا كلّنا نشترك في هذا الخبز الواحد)). ولكن يبدو لي أن الفصل 12 أكثر عمقاً من حيث إنّه يعلن وحدة المؤمنين الأسرارية، بدءًا بسر المعمودية وإنتهاءً بسر الإفخارستيا وذلك في نصٍ واحد.
من جهة ثانية، من الواضح أن سر الإفخارستيا هو الذي يعبّر أكثر من غيره عن حقيقة الوحدة في الإيمان من خلال حدث إحتفالي جماعي تظهر فيه وحدة الجماعة المسيحية بطريقة أسرارية أي بشكل ظاهري يعبّر عن حقيقة وجودية وإيمانية. ولا عيب إذا كانت الكنائس المسيحية التي تحتفل بالإفخارستيا تدعو المؤمنين إلى عدم المشاركة في المناولة في احتفالات الجماعات الأخرى التي لا وحدة بعدُ معها، لأنه إن لم يكن من وحدة في الإيمان، والتراتبية الرسولية، وغيرها، فالمناولة من الجسد الواحد تصبح شكلاً خارجياً عن كمال الوحدة لا يعبّر عن الحقيقة الوجوديّة والإيمانية الناقصة عن هذه الوحدة عينها.

خاتمة
رأينا ان بولس الرسول يهيئ كرازته على أساس تفسير كلمة الله التي تتحقّق بكمالها في شخص المسيح والتي أعلن عنها ((العهد القديم)). وهو يجتهد في استعمال كل أساليب التفسير والعرض التي تعلّمها من مدرسة جملئيل، إن من حيث أسلوبه المدراشي او من حيث اللجوء إلى التفسير التيولوجي. وقلنا ان اهم ما يميز أسلوب بولس في تفسيره للأحداث هو إقحام خبرته الشخصيّة، اي اختباره التاريخي لشخص المسيح، في معرض شرحه لموت يسوع المسيح، لا بل في اعلانه له، وحتى في أسلوب كتابته.
واذا كان قد لجأ في بعض رسائله إلى أسلوب الخطابة البلاغية لإيصال كرازته واعلان حدث المسيح بأفضل طريقة ممكنة، فإن هذا الاسلوب البلاغي نفسه، ونحن لم نعرضه هنا، يتميّز غالبا بثغرات على مستوى التأليف الادبي وذلك تحديدا لأن بولس يقحم شعوره وردّات فعله الشخصية في كلامه. 
بولس هو رسول الامم وهو القائل ((الويل لي ان لم أبشّر)). أعتقد انه استحقّ الطوبى لأنه بشّر بالمسيح، بعلمه وبكلّ طاقاته بل بكلّ كيانه.

الفصل الثالث والعشرون


بولس والمسيح القائم من الموت
1 كور 15

المقدّمة
دامت علاقة بولس بالكورنثيّين حوالي العشر سنين، ومراسلته مع هذه المدينة كانت أكثر غزارة من غيرها. إن الوضع الصعب الذي كان يعيشه المسيحيّون في هذه المدينة يوضّح لنا أسباب اهتمام بولس المتزايد بهذه الكنيسة. كانت المعانات تصبّ في وجود لاهوتيّين عدائيّين وفي الممارسات الجنسيّة المنحرفة وعيش الليتورجيا وطرح موضوع الوظائف الكنسيّة وغيرها. فتولّدت مشكلة من جراء ذلك ألا وهي عدم المقدرة على ترجمة الانجيل بالطريقة المطلوبة. أما الطريقة التي عالج فيها بولس هذه المشاكل، فقد جعلت من رسالته جذّابة وحيّة في نفس الوقت.
بالواقع لا يحدّد لنا بولس في رسالته موقف مؤمني كورنتوس الذين أنكروا قيامة الأموات. فهو يدخل مباشرة في الموضوع (1 كور 15) دون أي توضيح للأسئلة التي يردّ عليها. أعتبر بعض الشراح أن الكورنثيين ينكرون فقط قيامة الأجساد وليس قيامة النفس. قال البعض الآخر بأنه نظرًا لقوّة مؤمني كورنتوس الروحيّة المواهبيّة، بات هؤلاء ينظرون إلى الموت باستخفاف كليّ ويزعمون أن القيامة تمّت في العماد.

أ - تاريخ كتابة الرسالة
كتبها بولس في أواخر سنة 56 أو في بداية سنة 57 من منطقة أفسس إلى كنيسة مؤلّفة من وثنيّين ويهود مرتّدين إلى المسيحيّة على يد بولس، بين السنة 51-52 أو 42-43.
ب - وحدة الرسالة
البعض يرون أنها تحتوي على عدّة رسائل. ولكن الأكثريّة تُجمع على وحدة الرسالة حتى ولو كانت الوحيدة التي كُتبت على مراحل، لأن المعلومات لم تصل إلى بولس في نفس الوقت. والسؤال المطروح هو التالي: هل الرسالة كاملة؟
بالواقع ليس هناك من دراسات مهمة تُجمع على هذا الموضوع. إلاّ أن هناك مشكلة مطروحة حول الفصل 14: 34-35 والفصل 13.

ج - تصميم الرسالة
بعد أن طرح موضوع حالة الرسالة بشكل سريع علينا الآن البحث عن تصميم لها. هناك نوعان من التصاميم: الأول التصميم الشكليّ، والثاني التصميم من ناحية المضمون.
* التصميم الشكليّ للرسالة
أ - إفتتاح الرسالة: 1: 1-3
ب - شكرالله: 1: 4-9
ج - الموضوع: 1: 10-16: 18
د - الخاتمة: 16: 19-24
* التصميم من ناحية المضمون
أ - توجيه الرسالة وسلام وشكر لله مع تذكير الكورنثيّين بعطايا الّله الروحيّة لهم. 1: 1-9.
ب - الجزء الأوّل: الأحزاب والانشقاقات في الكنيسة 1: 10-4: 21.
ت - الجزء الثاني: الانحرافات اللاأخلاقيّة من زنى وخيانات زوجيّة ولواط إلى المحاكم ومشاكل الطعام وعيش الافخارستيا. بالإضافة إلى ما سمعه بولس من أخبار والأسئلة التي طُرحت عليه. 5: 1-11: 34.
ث - الجزء الثالث: مشاكل المواهب ونشيد المحبّة. 12: 1-14: 40
ج - الجزء الرابع: قيامة المسيح وقيامة المسيحيّ. 15: 1-58.
ح - تجميع الأموال ومشاريع بولس الخاصة بأسفاره وتوصية بأشخاص معيّنين. 16: 1-18.
خ - سلامات، بولس يكتب بيده، وعبارة ((يسوع تعال)). 16: 19-24.

د - إطار النص في 1 كور 15
يشكّل الفصل 15 الجزء الرابع من صميم الرسالة (1: 10-16: 18). أما النصوص التي تتقدّمه (12: 1-14: 40)، فهي تعالج موضوع المواهب التي أعطيت للكورنثيّين بغزارة (12 و 14). وتذكّر في الفصل 13 بالمحبّة التي ينبغي أن ترافق هذه المواهب كي تجرّد أصحابها من فكرة التملّك الشخصيّ.
والنصوص التي تلي 1 كو 15 تتناول جمع الأموال من أجل أورشليم، وتطرح خبر أسفار بولس وتوصية بتيموتاوس رسوله إلى كورنتوس (16: 1-18). وفي النهاية (16: 19-24) يسلّم بولس على الكورنثيّين ويكتب بخط يده: محروم من لا يحبّ الربّ (16: 22). ويتلو الصلاة التي يعرفها الكورنثيّون: ((يا ربّ تعال)).
القيامة إذًا مربوطة بالإيمان بيسوع المسيح القائم من الموت. والمؤمن هو الذي يسعى إلى امتلاك المحبّة وليس المواهبيّة، لأن الموهبة. لوحدها مشبعة بالأخطار كما سبق وقلنا في المقدّمة. وفي النهاية، إن القيامة هي رهن بمجيء المسيح الثاني.

هـ - تقسيم النص
تقسم الآيات 15: 1-58 إلى قسمين. الأول 1-34 والثاني 35-58. ينطلق بولس في ردّه من معطيات التبشير الرسوليّ، أساس الإيمان المسيحيّ (1-32) خاتمًا بتحريض أوّل (33-34) ثمّ يشرح كيف تكون القيامة (35-57)، خاتمًا بتحريض ثان (58).

و - القيامة في 1 كور 15
يقرأ بولس البشارة من منظار قيامة المسيح، ويستنتج من ذلك قيامة المسيحيّ. بعد أن نكون قد تطرّقنا إلى دور القيامة في رسالة بولس إلى الكورنثيين، نعود لنذكّر بأبرز المشاكل المتعلّقة بالقيامة التي آمن بها الرسول بالذات. 
أعلن بعضُ المسيحيّين في كورنتوس أنّ لا قيامة للأموات (15: 12). ونحن لا نعلم علم اليقين كيف كانوا يفكّرون أو يفهمون ما حدث ليسوع. لكن بولس استطاع أن ينقدهم بواسطة حجة واحدة ذات توجّه قيّم وفعّال. إذا كان الكورنثيون يؤمنون بقيامة يسوع من بين الأموات بالجسد فلا بدّ من تذكيرهم في 15: 1-11 بالتقليد المشترك: المسيح قام من بين الأموات وظهر على شخصيات يعرفونها كمعرفتهم ببطرس، أي على الاثني عشر ويعقوب أخي الربّ وعلى بولس نفسه (15: 3-8 و 9: 1). وهذا التقليد لا يعاكس أبدًا الكتب وهو معترف به بقوّة: ((أفكنت أنا أم كانوا هم، هذا ما نعلنه وهذا ما به آمنتم)) (15: 11).
واعتبر البعض أن الروح قد أتمَ عملاً موازيًا لعمل القيامة في حياة المؤمنين. أما الآن فلم يعد هناك ما ينتظرونه. بالمقابل، إستند بولس إلى ما حدث للمسيح، وحافظ على مبدأ قيامة الأموات: ((فإذا أعلن أن المسيح قام من بين الأموات، فكيف يقول بعضكم إنه لا قيامة للأموات؟)). (15: 12-19). بالإضافة إلى ذلك، القيامة آتية وهي مستقبليّة (15: 20-34). والقيامة ستكون حتمًا للأجساد: (15: 35-50). 
المسيح هو بكر من رقدوا: وبما أنهم كلهم ماتوا بآدم، فسيحيون كلهم بالمسيح (1 كور 15: 20-22). في الواقع هناك ترتيب نهيوي: في البداية المسيح، ثمّ عند عودته سيقيم خاصته. وعندما يبيد كلّ رئاسة وسلطان وقوّة ويُخضع كل الأعداء وآخرهم الموت، يعيد المسيح الملك للآب. وفي النهاية، فالابن بنفسه يخضع لله الذي بدوره يُخضع أمام مسيحه كل شيء حتى يصير الله الكل في الكل (15: 23-28).
إن القيامة بالنسبة لبولس ليست مشكلة غير واقعيّة، بل بالعكس رجاء القيامة وحده يستطيع توضيح ما يعيشه من آلام في أفسس حيث كتب رسالته (15: 30-33). ويركّز بولس في 15: 35-38 على موضوع آخر طُرح في كورنتوس: في أي جسد؟ وظلّ هذا السؤال مطروحًا طيلة أجيال كثيرة. حاول بولس الإجابة عليه معلنًا أن الأجساد تتحوّل عند القيامة ولا تعود لتحيا كما كانت سابقًا. فالجسد الجديد لا يزول ولا يموت وهو قويّ خال من أي ضعف، وروحانيّ غير ملموس على صورة الّله وليس على صورة تراب الأرض. في الواقع لا يستطيع اللحم والدم أن يرثا الملكوت (15: 50).
بالنهاية ستعمّ القيامة الأحياء والأموات، وكلنا سنتحوّل لنلبس الخلود وعدم الموت (15: 51-54). فالجواب الأساسيّ على الكورنثيين يكمن في كون الموت قد خسر شوكته لأن الّله أعطى النصر للربّ يسوع المسيح (15: 55-58).

ز - استنتاجات
هناك ثلاثة استنتاجات: 
1 - إن التقليد المذكور في 15: 3-5 يتضمّن سلسلة من المشاهد التي تتوالى: موت المسيح ودفنه وقيامته وظهوراته. وتشكّل هذه الوقائع الأسس التي ارتكز عليها خبرُ الآلام، وهي تكتمل إذا ما جُمعت مع الفصل 11: 23 الذي يحتوي خبر عشاء يسوع مع تلاميذه في الليلة التي أسلم فيها. تؤكّد هذه المشاهد النظريّة التي تدّعى القول أن هناك تقليدًا آخر حول حياة يسوع الأرضيّة كان يتكوّن إلى جانب الكرازة التي قام بها بولس والتي لم تحتو الكثير عن هذه الحياة.
2 - وبالرغم من أن هذا الفصل أدخل في 1 كور كتعليل لدعم حقيقة قيامة الذين رقدوا في المسيح، فقد أصبح المرجع الأساسي في أي نقاش حول قيامة المسيح.
3 - ظهر المسيح أولاً في 1 كور 15 على بطرس ومن ثمّ على الاثني عشر وبعدها على أكثر من خمسماية شخص، وعاد ليظهر من جديد على يعقوب وعلى الرسل وأخيرًا ظهر على بولس. إن ظهور المسيح على بولس مهمّ جدًا لأن بولس هو الكاتب الانجيليّ الوحيد الذي يدّعي أنه شاهد المسيح القائم من الموت شخصيًا (إن كاتب 2 بط 1: 16-18 الذي يتكلّم كما ولو كان بطرس بالذات إدّعى أنه شاهد التجلّي وليس أكثر، والكاتب النبويّ لسفر الرؤية شاهد المسيح السماويّ في رؤى).
ح - بولس والقائم من الموت في 1 كو 15
أ - اعتبر بولس أن شهادته الخاصة بالمسيح القائم من الموت، حتى ولو كانت في خاتمة الظهورات، لها المستوى نفسه للشهادات الأخرى المذكورة أعلاه.
يعطينا سفر الأعمال لوحة أخرى مختلفة عن ما ورد عند بولس حول الظهورات، لأن يسوع بالنسبة له بعد ظهوراته الأرضيّة صعد إلى السماوات (1: 9)، وظهر إثر ذلك نور وصوت من السماوات على بولس (أع 9: 3-5، 22: 6-8، 26: 13-15). هم قلّة الشرّاح الذين يقدّمون لوحة أعمال الرسل على لوحة بولس.
ب - استعان بولس في 1 كور 15: 3-5 بمشاهد تطغى عليها الأفعال التي تتوالى على النحو التالي: مات/وضع في القبر/قام/ظهر. ويعاود بولس استعمال فعل ظهر ثلاث مرات في 15: 6-8. فبالرغم من أن بعض الشرّاح دافعوا عن النظريّة التي تقول إن بولس لم يدّع رؤية المسيح تحت شكل جسديّ، فإننا نرى أنفسنا أمام بولس الذي يستبعد بقوله: ((إن المسيح ظهر على خمسماية شخص)) كل شكّ حول ظهور المسيح الجسديّ عليه. إذًا لا يمكن أن يكون ظهور المسيح داخليًا لأنه ظهر على الخمسماية في نفس الوقت. ظهور المسيح إذًا على بولس باستعماله للفعل ظهر نفسه هو حقيقة خارجيّة وليست داخليّة.
إضافة إلى ذلك فالخبرة التي عاشها بولس مع المسيح القائم من الموت هي التي ولّدت فيه رجاء بقيامة الأموات. فهو يتكلّم بوضوح عن قيامة الأجساد التي تتحوّل. ويستعمل مثَل الزارع والذي ينبت منه لكي يشرح هذا التحوّل (15: 35-37).
ج - لقد تكلّم الشرّاح سابقًا عن صمت بولس في ما يخصّ قبر يسوع الفارغ كما ولو كان هذا الصمت مناقضًا لما ورد في الأناجيل. في الحقيقة ليس هناك من شيء كان يستطيع منعه لو أراد الإشارة إلى القبر الفارغ. والمشهدان المتتاليان ((وضع في القبر، ثمّ قام)) يوضحان أن الجسد القائم من الموت لم يعد حيث وضعوه.
د - إن لوقا الانجيلي يصف يسوع القائم من الموت كشخص يأكل وله عظم ولحم (لو 24: 39 و 42-43). وهذا الوصف يتناقض بشكل ظاهريّ مع فكرة بولس حول الجسد الروحانيّ القائم من الموت وليس معمول لا من لحم ولا من دم (1 كور 15: 44 و 50). إن لوقا الذي لا يدّعي رؤية الربّ القائم من الموت يملك ربّما فكرة ملموسة وواقعيّة أكثر من فكرة بولس عندما يتكلّم عن أجساد المسيحيّين الذين سيقومون عند مجيء المسيح. هم قلّة الشرّاح الذين يقدمون نظرة لوقا على نظرة بولس.
الفصل الرابع والعشرون


سر الحكمة في الرسائل البولسية

مقدمة
تظهر الرسائل البولسية اهتمامًا خاصًا بعقيدة ((سر الله)) (1 كورنثوس 2: 1)، و((سر المسيح)) (كولوسي 4: 3)، و((سر الإنجيل)) (أفسس 6: 19). ويجد الناقدون الحديثون في هذه العبارة إشارات إلى تعاليم أسرارية وغنوصية، وذلك خصوصًا في الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس ورسالة أفسس(1).
انطلاقًا من أنّ كل التعليم المتعلق بالإيمان المسيحي في الكتابات البولسيّة متجذر في تقليد العهد القديم(2)، يحاول هذا المقال أن يشير إلى نقاط التلاقي الموجودة بين الأعمال البولسية والأدب الرؤيوي الحكمي في اليهودية الأولى، وذلك بدراسة لغويّة ولاهوتيّة لطبيعة مفهوم ((السر)) ووظيفته في هذه الرسائل.
لهذا، وقبل الشروع في دراسة الأعمال البولسية، أرى من الضروري الحديث عن الخلفيّة الدينيّة والثقافيّة لليهوديّة الأولى التي نشط فيها القديس بولس ورفاقه، بالتركيز على الطريقة التي فهمت بها اليهوديّة العبارة موضوع كلامنا.
في الجزء الأول من هذا المقال عرض لمفهوم الحكمة في اليهوديّة الأولى، وذلك بتحليل نصوص من الحكمة الرؤيويّة التي كانت تشكل، دون شك، التيار الحكميّ، الذي كان له أثر كبير في أعمال بولس وفي المسيحيّة الأولى بشكل عام. وفي الجزء الأخير دراسة لمعنى عبارة ((سر)) في نصوص الرسائل وعلاقته العميقة بالثقافة الدينيّة اليهوديّة في القرن الأول للميلاد.

الحكمة في اليهوديّة الأولى
للحديث عن الحكمة في اليهوديّة الأولى لا يكفي الرجوع إلى الكتابات الحكميّة القانونيّة(3)، كيشوع بن سيراخ، والجامعة، وحكمة سليمان، وأيوب، بل إلى سلسلة كاملة من كتابات فترة ما بين العهدين، كأخنوخ، وكتاب اليوبيلات، ومزامير سليمان، ونظام جماعة قمران. إنّ هذه الكتابات كلها تعكس، دون شكّ، فكرًا لاهوتيًا معاصرًا ليسوع المسيح ويوحنا المعمدان والرسل... وشاول الفرّيسيّ، تلميذ غمالائيل، دون أن ننسى تلاميذ بولس الذين سيتبعونه في وقت لاحق.
والحديث عن الحكمة في اليهوديّة الأولى يعني أيضًا دراسة الإضافات التحريريّة اللاحقة إلى الكتابات القانونية في العهد القديم (نذكر مثلا أيوب 28 أو العناصر الحكمية المتأخّرة التي نجدها في الكتب الموسويّة الخمسة، والمزامير وكتب الأنبياء). يوجز كارلستون بدقّة المفاهيم الأساسية المسيطرة في ذلك الوقت والمتعلقة بالحكمة في اليهوديّة: 
((الحكمة خلقها الله في البدء - سيراخ 1: 9؛ حكمة 9: 2. وهي كانت مخبأة عند الله وساكنة في السماء، وكانت موجودة عند الخلق، وهي كانت واسطته - حكمة 7: 21-22؛ 8؛ 1: 3-6؛ أمثال 3: 19؛ ارميا 10: 12 (أو أداته - أيوب 28: 12-14؛ سيراخ ،1 1-8؛ 1أخنوخ 42، 1)؛ أتت إلى الأرض، أرسلت لتدعو إسرائيل - سيراخ 24، 8؛ باروك 3: 9-4، 4 - والبشرية كلها - أمثال 8: 4، 31؛ سيراخ 1، 10، 15؛ 51: 23؛ حكمة 10. بعضهم استمع إليها - أمثال 1: 20-33؛ 1أخنوخ 93: 8؛ 2باروخ 44: 14-15، ولكنّ معظمهم لم يعرها اهتمامًا - سيراخ 6: 22؛ 1أخنوخ 42: 1-2أ؛ حكمة 10: 6-8؛ 11قمران/مزامير داود 18: 13. وعندما رفضها البشر ولم تجد مكانًا للراحة - 1 أخنوخ 42: 1؛94: 5 - عادت لتسكن عند الله - 1أخنوخ ،42 2ب؛ 4عزرا 5: 10؛ التلمود (II Para ،48 33-36)(4) )).
يبقى أن نضيف إلى هذا التحديد العام بعض المعلومات الخاصة. إبّان الخبرات القاسية التي عرفها إسرائيل تحت الحكام البطالسة والسلوقيين، وبعدها، ومع الثورة المكابيّة الدمويّة، والاضطهادات والثورات التي توالت في زمن الامبراطوريّة الرومانيّة، لم تعد الحكمة مجرّد خير موجود في الخليقة كلها وفي الشعوب التي تسكنها، ولكنّها اكتسبت جانبَين مختلفَين: 
عندنا، من جهة، الحكمة (المشخصنة) الساكنة في الشريعة والمتماهية معها. والحكمة الحاضرة عند الخلق، في هذا النوع من الكتابات، هي الشريعة. ولذلك كان من الضروري، لمعرفة مشيئة الله ونيل الخلاص، دراسة الشريعة الحكمة ومعرفتها وممارستها. هذا يجعل المؤمنين في اليهودية في وضع أفضل من سائر الشعوب الذين كان عليهم أن يتعلموا منهم الحكمة الحقيقية، إذا أرادوا أن يفهموا إرادة الله. أطلق على هذا التيار الحكمي الذي فضلته اليهودية الربانية اسم ((حكمة الشريعة))(5)، وهو يجد تعبيره الأفضل في كتاب سيراخ (أنظر مثلا سيراخ 15: 1؛ 21: 11؛ 24: 1-34)، وفي مقاطع مثل باروك 3: 9-4، 4؛ تثنية 4: 6-8، وفي معظم الكتابات الربانية (أنظر مثلا St.-BI,79ss.974s; II,353s).
ومن جهة أخرى ارتبطت الحكمة بالاعتقاد بأن الله لا يكشف حكمته إلا إلى مجموعة من المختارين. تتحدّث هذه الحكمة عن خلاص المؤمنين وهي تستعلن بالروح عند نهاية الأزمنة في عالم متقلب، عنيف، ومشحون بالشر. تختلط العناصر الحكمية بالعناصر الرؤيوية والأخروية لتشكل كلها ما أسماه العلماء ((الحكمة الرؤيوية))(6)، وهي التيار الحكمي الذي يلازم العهد الجديد والذي يعبر به القديس بولس عن عقيدة السر. في ما يلي تحليل لبعض من نصوص هذا التيار.

سرّ الحكمة الرؤيويّة في أدب ما بين العهدين
في السبعينية ينحصر استعمال العبارة اليونانية  - سرّ - بالكتابات التي ظهرت في الحقبة الهلينستية (طوبيا، يهوديت، الحكمة، سيراخ، دانيال، 2 مكابيين). بالإضافة إلى معانيه الوثنية والعالمية7 تتخذ عبارة ((سر)) مسحة رؤيوية وأخروية. إنّ كتاب دانيال هو ((الذي يرتبط باستعمال خاص للمفهوم في الأدب الرؤيوي لليهودية المتأخرة(8) )). فيه ينكشف تصميم الله للمستقبل، ونهاية الأزمنة الأخيرة بشكل خفي، بأحلام رمزية ورؤى(9). وحده الله (دانيال 2: 28، 29) والملهمون من روحه (دانيال 4: 9) يستطيعون أن يفسّروا معنى هذا الإعلان السريّ(10). 
إن المعرفة المكتسبة عن طريق الدراسة والبحث لا تكفي للإجابة على الأسئلة الكثيرة التي يطرحها الإنسان على نفسه في ما يتعلق بمصيره وبكل الأسرار التي يصادفها في الخليقة التي أعطاه الله إياها. يعبر كتاب أخنوخ بوضوح عن موقف الكاتب الرؤيويّ هذا: 
((مباركُ ربّ الأرواح، ربّ الملوك، ربّ المقتدرين، ربّ الأغنياء، ربّ المجد، ربّ الحكمة. تألّقت قدرتك في كل خفيّ، من جيل إلى جيل، ومجدك أبديّ. أسرارك كلها عميقة ولا عدّ لها. عدلك لا يُقاس)). (1 أخن 63: 2-3).
ليست هذه الأسرار فقط في السماء، بعيدة عن واقع الإنسان، ولكنها حاضرة في كل الخليقة (أخنوخ العبري 48 ت 8؛ قمران/نظام الجماعة 3: 15-17). يؤثر إعلانها على كلّ الكائنات البشرية على وجه الأرض (1 أخنوخ 83: 7؛ 61: 5). أحد هذه الأسرار الأساسية معرفة الأزمنة التي سيضع فيها الله، بحكمته، حدًا للشر والظلم. لهذا سيبتهج القديسون والأبرار بالأسرار في حين أن الخطاة سيرفضونها (رؤيا باروك السريانية 81: 4؛ قمران/تفسير حبقوق 7: 1-17؛ 4 عزرا 14: 5؛ 1 أخنوخ 104: 10، 12). هذه الأسرار، التي هي مشاريع الله للإنسان والخليقة أجمع، هي حكمة الله (1 أخنوخ 48: 7) وهي موجودة منذ الأزل في السماوات (1 أخنوخ 48: 2-3) وإن لم تنكشف بالطريقة الملائمة يمكنها أن تسبب الشر (1 أخنوخ 9: 6).
ولكن، كيف نعرف مشاريع الله هذه؟ لقد رأينا أنّ اكتساب هذه المعرفة، عند الكاتب الرؤيوي، مستحيل. فالله يعطي هذه المعرفة في إعلان لأشخاص محدّدين يتلقون لاحقًا أمرًا بنقلها مدوّنة إلى جماعاتهم (رؤيا باروك السريانية 81: 4؛ دانيال 12: 4). غير أنّ الكائن البشري لا يمكنه لوحده أن يفهم الإعلانات. لهذا كان من الضروري أن يلعب الملائكة دورهم في هذا المضمار. فهم الذين يشرحون شيئًا فشيئًا للرائي معنى ما يراه وهم الذين يقودونه في عالم السماوات السري ويفسرون له كلاً من مشاريع الله (أنظر دانيال 8: 16؛ 9: 21-22؛ 1 أخنوخ 71: 3-4؛ 40: 2؛ 46: 2).
أما إذا لم يكن الإنسان قادرًا حتى على أن يفهم مشاريع الله، فكيف له أن ينفذها؟ من يكون قادرًا على أن يتمم الأمر الجديد؟ من يستطيع أن يتمم مشاريع الله لنهاية الأزمنة وما يليه؟ أما الجواب فهو ابن الإنسان، المختار، المسيا (قمران/نظام الجماعة 9: 11)، الذي هو وحده قادر على فهم حكمة الله السرية وتنفيذها على كل شعوب الأرض. فلننظر إلى النصين الآتيين: 
((لأنه(11) قويّ بكل أسرار البر يمر العنف كالظل ولن يكون له موطئ قدم، لأنّ المختار يقف أمام ربّ الأرواح. مجده أزليّ، وقدرته إلى جميع الدهور. فيه يقيم روح الحكمة وروح التعليم، روح العلم وروح القدرة، روح الراقدين في البر)). (1 أخنوخ 49: 2-3)
((عندها سيجمع شعبًا مقدسًا يقوده في العدل. ويحكم أسباط شعب قدسه الرب إلهه. ولن يتحمل أن يستمر الفساد من بعدُ بينهم، والإنسان المعتاد على الشرّ لن يسكن بعد ذلك معهم. وسيعرفهم لأنهم كلهم أبناء إلههم. وسيوزعهم في أسباطهم على الأرض. والمهاجر والغريب لن يسكنا معهم بعد ذلك. وسيحكم الشعوب والأمم في الحكمة وفي عدله. (مزامير سليمان 17: 26-29).
سيجلس المختار في اليوم الأخير على العرش و((بفمه تُعلَن كل أسرار الحكمة (1 أخنوخ 51: 3). سيتم هذا في اليوم الذي سيثاب فيه الأبرار ويعاقب الخطأة (رؤيا باروك السريانية 29-30؛ دانيال 12: 1 وما يليها؛1 أخنوخ 48: 8-9).
باختصار يمكننا أن نقول إنّ أدب اليهودية الأولى قد أعطى عبارة ((سر)) ميزات خاصة. فالسر هو الذي قد أعده الله بحكمته منذ ما قبل الزمن لخلاص البشر والذي ينكشف الآن عبر مرسليه (الملائكة) للذين قد اختارهم. وفي السرّ أيضًا تدخل مختارٍ يتمم مشاريع الله ويملك معه موزعًا السلام والعدل.
يبقى أن نذكر، لننهي هذا الجزء من الدراسة، الاختلافات الأساسية الثلاث التي يشير إليها بورنكام ما بين الغنوصية والكتابات الرؤيوية الحكمية اليهودية في ما يتعلق باستعمال عبارة ((سرّ))(12): 
1- إن الأسرار في الأدب الرؤيوي ليست مصيرًا محتومًا يلقاه الآلهة، ولكنّ الله هو الذي يملكها ويتصرف بها كما يشاء.
2- اقتبال هذه الأسرار في الأدب الرؤيوي ليس تألهًا، وأضيف أنه ليس هروبًا من الوضع الذي نعيشه، من الحالة البشرية ولكنه طريقة لفهم هذه الحالة وعيشها.
3- إنّ الأسرار في الأدب الرؤيوي هي إعلان أخروي وعالمي وليست مجرد شيء يهمّ فقط مجموعة صغيرة من المبتدئين.

سر الحكمة في الأعمال البولسية
ترد عبارة سر باليونانية  28 مرة في العهد الجديد؛ ثلاث مرات في قول مشترك عند الإزائيين (متى 13: 11؛ مرقس 4: 11؛ لوقا 8: 10)، و21 في الأعمال البولسية (رومية 11: 25؛ 16: 25؛ 1 كورنثوس 2: 1؛ 2: 7؛ 4: 1؛ 13: 2؛ 14: 2؛ 15: 51؛ أفسس 1: 9؛ 3: 3؛ 3: 4؛ 3: 9؛ 5: 32؛ 6: 19؛ كولوسي 1: 26ي؛ 2: 2؛ 4: 3؛ 2 تسالونيكي 2: 7؛ 1 تيموثاوس 3: 9؛ 3: 16) و4 مرات في رؤيا القديس يوحنا (رؤيا 1: 20؛ 10: 7؛ 17: ،5 7). تساعدنا هذه المعلومات الإحصائية على أن نستنتج أنّ عبارة ((سر)) هي عبارة بولسية بامتياز، ولذا كانت الأعمال البولسية المكان الأفضل لفهم معنى هذه العبارة الأساسيّ. ترد عبارة ((سر)) 9 مرات في الرسائل الأصلية و21 مرّة في الرسائل المنسوبة إلى بولس وخصوصًا في أفسس (6 مرات) وكولوسي (4 مرات).
أما التعابير الخاصة بالسر الرؤيوي الحكمي في الرسائل البولسية فهي الآتية: 
1- ((إعلان السر)) في رومية 16: 25؛ أفسس 1: 9؛ 3: 3 
2- ((إعلام السر)) في 1 كورنثوس 2: 1 وأفسس 6: 19
4- ((فهم السر)) في أفسس 3: 4
5- ((تدبير السر)) في أفسس 3: 9
6- ((السر الخفي منذ الدهور)) في أفسس 3: 9؛ كولوسي 1: 26 
انطلاقًا من هذه المعلومات الإحصائية واللغوية، يمكننا أن ننتقل إلى تحليل مضمون النصوص البولسية التي تشير إلى السر.
السرّ، في الرسائل البولسية، معرفة تنبثق عن الله وتشير دائمًا إلى عمل يسوع المسيح وخصوصًا إلى آلامه وقيامته. هذا السر أعدّ قبل أن يكون العالم وبقي خفيًا منذ بدء الدهور (رومية 16: 25؛ 1 كورنثوس 2: 8؛ أفسس 3: 9؛ كولوسي 1: 26). 
ميزات السرّ هذه نجدها في نصوص موازية في الأدب الحكمي الرؤيوي الذي سبق الحديث عنه. فكتاب أخنوخ الأثيوبي مثلا، يقدم المختار والمشاريع التي أوكله الله بها كسر الحكمة الإلهية المعدة منذ ما قبل الخليقة(13): 
((لهذا صار(ابن الانسان)(14) المختارَ، وذاك كان خفيّا لديه قبل خلق العالم وحتى مجيء الدهر ولكن حكمة رب الأرواح كشفته للقديسين والأبرار)). (1 أخنوخ 48: 6-7)
والسرّ، بالعودة إلى القديس بولس، ليس سرا لكونه تصميمًا لله خفيا فحسب، بل أيضًا لكونه تجسد وانتشر في العالم لخير الأمم جميعها (أفسس 3: 5-6)، أي لكونه صار يهم الخليقة كلها(15). بإعلان هذا السر يفهم عمل الخلق وغايته، البداية والنهاية (كولوسي 1: 15-20). الحقيقة كلها تقرأ بطريقة جديدة. لهذا تبلغ الأزمنة، في إعلان السر الإلهي، نهايتها (أفسس 1: 10)، لتبدأ حقبة جديدة.
نجد في الأدب الرؤيوي الحكمي المقاربة ذاتها لهذا الموضوع: إعلان السرّ حدث عالميّ يخص البشرية كلها (قمران / نظام الجماعة 3: 15-17؛ 4: 18-23؛ 4 عزرا 14: 5؛ 1 أخنوخ 61: 5).
ثمة جانب أساسيّ للسر بحسب القديس بولس وهو مشاركة الرسول في عمل الخلاص من خلال إعلان سرّ المسيح عند الأمم. نجد هذا على سبيل المثال في كولوسي 1: 24-29 حيث يعتبر بولس خادمًا للسر ووكيلاً ومتممًا لعمل المسيح الخلاصيّ. إذا درسنا التعابير المرتبطة بالسرّ التي أتينا على ذكرها أعلاه نتأكد من أن هذا المفهوم من الثوابت في فكر بولس: أنظر مثلا رومية 16: 25-27؛ 1 كورنثوس 2ك 1؛ أفسس 3: 7-8؛ 6: 19؛ 1 تيموثاوس 3: 16.
إن دور حامل الإعلان أساسي بالنسبة إلى وجود الأدب الرؤيوي اليهودي. كاتب الكتاب هو الذي يحمل الرسالة ويحافظ على صلة لا تنقطع بالرسالة التي أعلنها الله له: قمران/تفسير حبقوق 7: 1-17؛ دانيال 12: 4. 8-31؛ رؤيا باروك السريانية 81: 4.
من ميزات السرّ المهمة عند القديس بولس علاقته المباشرة بحكمة الله. بهذه الطريقة يقدم القديس بولس إلى المؤمنين نظرة جديدة إلى العالم لا علاقة لها بالهوى أو الظرف، بل هي حكمة أزلية وسماوية أراد الله إعلانها الآن. فلنقرأ في هذه المرحلة بعضًا من النصوص النموذجية: 
25 وَالْمَجْدُ لِلْقَادِرِ أَنْ يُثَبِّتَكُمْ، وَفْقاً لإِنْجِيلِي وَلِلْبِشَارَةِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، وَوَفْقاً لإِعْلانِ مَا كَانَ سِرّاً ظَلَّ مَكْتُوماً مَدَى الأَزْمِنَةِ الأَزَلِيَّةِ، 26 وَلكِنْ أُذِيعَ الآنَ، بِأَمْرِ اللهِ الأَزَلِيِّ فِي الْكِتَابَاتِ النَّبَوِيَّةِ، عَلَى جَمِيعِ الأُمَمِ لأَجْلِ إِطَاعَةِ الإِيمَانِ؛ 27 الْمَجْدُ لِلهِ إِلَى الأَبَدِ، الْحَكِيمِ وَحْدَهُ، بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ. آمِين! (رومية 16: 25-27)
6عَلَى أَنَّ لَنَا حِكْمَةً نَتَكَلَّمُ بِهَا بَيْنَ الْبَالِغِينَ. وَلَكِنَّهَا حِكْمَةٌ لَيْسَتْ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ وَلاَ مِنْ رُؤَسَاءِ هَذَا الْعَالَمِ الزَّائِلِينَ. 7 بَلْ إِنَّنَا نَتَكَلَّمُ بِحِكْمَةِ اللهِ الْمَطْوِيَّةِ فِي سِرٍّ، تِلْكَ الْحِكْمَةِ الْمَحْجُوبَةِ الَّتِي سَبَقَ اللهُ فَأَعَدَّهَا قَبْلَ الدُّهُورِ لأَجْلِ مَجْدِنَا 8 وَهِيَ حِكْمَةٌ لَمْ يَعْرِفْهَا أَحَدٌ مِنْ رُؤَسَاءِ هَذَا الْعَالَمِ. فَلَوْ عَرَفُوهَا، 9 لَمَا صَلَبُوا رَبَّ الْمَجْدِ! وَلَكِنْ، وَفْقاً لِمَا كُتِبَ: ((إِنَّ مَا لَمْ تَرَهُ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ بِهِ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ بَشَرٍ قَدْ أَعَدَّهُ اللهُ لِمُحِبِّيهِ!)) (1 كورنثوس 2: 6-9)
8 فَلِي، أَنَا الأَصْغَرَ مِنْ أَصْغَرِ الْقِدِّيسِينَ جَمِيعاً، وُهِبَتْ هَذِهِ النِّعْمَةُ: أَنْ أُذِيعَ بَيْنَ الأُمَمِ بِشَارَةَ غِنَى الْمَسِيحِ الَّذِي لاَ يُحَدُّ، 9 وَأُنِيرَ الْجَمِيعَ بِمَعْرِفَةِ مَا هُوَ تَدْبِيرُ السِّرِّ الَّذِي أَبْقَاهُ اللهُ ، خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، مَكْتُوماً مَدَى الأَجْيَالِ. 10 وَالْغَايَةُ أَنْ يَتَجَلَّى الآنَ أَمَامَ الرِّئَاسَاتِ وَالسُّلُطَاتِ فِي الأَمَاكِنِ السَّمَاوِيَّةِ مَا يَظْهَرُ فِي الْكَنِيسَةِ مِنْ حِكْمَةِ اللهِ الْمُتَعَدِّدَةِ الْوُجُوهِ، 11 وَفْقاً لِلْقَصْدِ الأَزَلِيِّ الَّذِي قَصَدَهُ اللهُ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا. (أفسس 3: 8-11)
24 وَالآنَ أَنَا أَفْرَحُ فِي الآلاَمِ الَّتِي أُقَاسِيهَا لأَجْلِكُمْ، وَأُتَمِّمُ فِي جَسَدِي مَا نَقَصَ مِنْ ضِيقَاتِ الْمَسِيحِ لأَجْلِ جَسَدِهِ الَّذِي هُوَ الْكَنِيسَةُ، 25 وَلَهَا قَدْ صِرْتُ أَنَا خَادِماً بِمُوجِبِ تَدْبِيرِ اللهِ الْمَوْهُوبِ لِي مِنْ أَجْلِكُمْ، وَهُوَ أَنْ أُتَمِّمَ كَلِمَةَ اللهِ، بِإِعْلاَنِ 26 السِّرِّ الَّذِي كَانَ مَكْتُوماً طَوَالَ الْعُصُورِ وَالأَجْيَالِ، وَلكِنْ كُشِفَ الآنَ لِقِدِّيسِيهِ، 27 الَّذِينَ أَرَادَ اللهُ أَنْ يُعْلِنَ لَهُمْ كَمْ هُوَ غَنِيٌّ مَجْدُ هَذَا السِّرِّ بَيْنَ الأُمَمِ: إِنَّهُ الْمَسِيحُ فِيكُمْ، وَهُوَ رَجَاءُ الْمَجْدِ؛ 28 هَذَا السِّرُّ نُعْلِنُهُ نَحْنُ، وَاعِظِينَ كُلَّ إِنْسَانٍ، وَمُعَلِّمِينَ كُلَّ إِنْسَانٍ، فِي كُلِّ حِكْمَةٍ، لِكَيْ نُحْضِرَ كُلَّ إِنْسَانٍ كَامِلاً فِي الْمَسِيحِ. 29 وَلأَجْلِ هَذَا أَتْعَبُ أَنَا أَيْضاً وَأُجَاهِدُ، بِفَضْلِ قُدْرَتِهِ الْعَامِلَةِ فِيَّ بِقُوَّةٍ. (كولسي 1: 24-29)
أما رومية 16: 25-27، فتشير، من جهتها، إلى أن تعليم الرسول ليس تغييرًا في مشاريع الله بل إتماما لإرادته. أما 1 كورنثوس 2: 6-9 وأفسس 3: 8-11 فتظهر بوضوح تام ان الرسول لم ينل حكمة الله هذه عن طريق التنظير البشريّ بل عن طريق إعلان يسوع المسيح إلى عبيده الرسل وإلى كل الكنيسة. وأخيرًا يشير نص كولوسي 1: 24-29 إلى أن السر المعلن من خلال التعليم في الإنجيل يعطي المؤمن حكمة جديدة بالمعنى العملي للكلمة، أي طريقة جديدة للعيش لكي يظهر كاملا أمام المسيح حين يأتي (أنظر أفسس 3: 12-13)(16). 
إن مبدأ العلاقة بين السر والحكمة في الأدب الرؤيوي الحكمي هو العنصر الذي يميز النوع الأدبيّ. فلنأخذ على سبيل المثال النصين الآتيين: 
((في ذلك الوقت يجلس المختار على عرشي، بفمه تُعلَن كل أسرار الحكمة لأنّ ربّ الأرواح أعطاه (إياها) ومجّده)). (1 أخنوخ 51: 3)
((أما الله، وفي أسرار عقله ومجد حكمته، فقد وضع حدًا لوجود الضلال فهو يزيله بشكل نهائي في ساعة الإفتقاد)) (قمران / نظام الجماعة 4: 18).
حكمة الله هي مصدر كل معرفة وهي أيضًا، دون شك، مصدر الأسرار السماوية (1 أخنوخ 42: 1-3؛ 63: 2-3؛ رؤيا باروك السريانية 54: 13؛ 4 عزرا 5: 10؛ مزامير سليمان 17: 23-27).

خاتمة
مضمون السرّ عند القديس بولس حكمة الله التي تمت في ابنه يسوع المسيح في ملء الزمان. وخادم السرّ هو بولس الذي، بشهادته عند كل الأمم، مهد الطريق لعمل يسوع المسيح لكي ينتشر فعليًا في الخليقة كلها. لميزات الفكر البولسي هذه، كما رأينا، ما يوازيها في أدب اليهودية الأولى. 
من غير الصحيح أن نؤكد أن القديس بولس وتلاميذه استعملوا هذه النصوص كمصادر لكتاباتهم. المرجع الوحيد للقديس بولس يبدأ بالكتب الموسوية الخمسة وينتهي بكتب الأنبياء. وهو يستشهد بها دائمًا. غير أنّ الكتب الرؤيوية الحكمية شهادة على طريقة لفهم نصوص اليهودية الكلاسيكية تساعدنا على أن نفهم بشكل أفضل إلى أي درجة يمكن اعتبار الأعمال البولسية جزءا من هذا التيار التفسيري للكتابات المقدسة.
وأخيرًا لا بد من الإشارة إلى اختلاف كبير بين بولس والأدب الرؤيوي الحكمي. فنهاية الأزمنة، بالنسبة إلى بولس، قد حصلت، وأعلن الله سره وأرسل مسيحه الذي عاش بين الناس وأعطى تعليمه تألم على يد خاصته وجلس عن يمين الله إلى أن يأتي ثانية. بولس موجود تحت كنف المجيء الأول والمجيء الثاني، حيث على المرء أن يتصرف كعبد للمسيح ليوصل إلى البشرية كلها الخبر السارّ، خبر إتمام مشاريع الله في شخص يسوع المسيح، الرب الحكيم.

لائحة المراجع

المصادر
الفغالي، بولس، أخنوخ سابع الآباء (على هامش الكتاب 3)، بيروت، 1999.
الفغالي، بولس، رؤيا باروك في السريانية واليونانية، رؤيا ابراهيم، رؤيا إيليا (على هامش الكتاب 6)، بيروت، 2000.
الفغالي،بولس، كتابات قمران، الجزء الثاني (على هامش الكتاب 2)، بيروت، 1998.
الفغالي،بولس، كتابات قمران، الجزء الأول (على هامش الكتاب 1)، بيروت، 1997.
Dupont-Sommer, André; Philonenko, Marc (Ed.), La Bible: Ecrits In
tertestamentaires (Bibliothèque de la Pléiade), Paris 1987.

الأبحاث

Bornkamm, G., Musth,rion mue,w, in: ThWNT IV, Stuttgartet al., 1990 (reprinted), 809 - 834.
Carlston, C.E., Wisdom and Eschatology in Q, in: Delobel, J. (Ed.), Logia, n.p., n.y., 101 - 119.
Conzelmann Lindemann, Arbeitsbuch zum Neuen Testament (UTB 52) Tuebingen, 1998
Cothenet, E., San Pablo en su tiempo (C.B. 26 Estella (Navarra), 1988.
Finkenrath, G., Misterio, en: DTNT III, Salamanca, 1993, 94-98.
Goetzmann, J., Sabiduria, necedad, in: DTNT IV, Salamanca, 1992, 122-128.
Kraemer, H., , en: DENT II, Salamanca, 1998, 342-351.
Kuechler, M., Frühjüdische Weisheitstraditionen. Zum Fortgang weisheitlichen Denkens im Bereich des frühjüdischen Jahweglaubens (OBO 26), Freiburg (Swissland) - Goettingen, 1979.
Tarazi, P.N., The New Testament: An Introduction. Volume 1 Paul and Mark, Crestwood (New York), 1999.
Wilckens Fohrer, sofi,a ktl), in: ThDNT VII, Grand Rapids (Michigan), 1983, 465 - 528

الفصل الـخامس والعشرون

بالمعموديّة نموت مع المسيح لنحيا معه
روم 6: 1-14


الأطروحة: 
1 إذًا فماذا نقول؟ أنستمرّ في الخطيئة، لكي تكثر النعمة؟
2 معاذ الّله! نحن الذين متنا بالنظر إلى الخطيئة، كيف نعود نحيا فيها؟

الدفاع: 
3 أوتجهلون أنّا نحن الذين عُمدنا في المسيح يسوع، في موته عمدنا؟
4 إذًا دفنا معه في الموت، بالمعموديّة، حتى كما أقيم المسيح من بين الأموات بمجد الآب، كذلك نسلك نحن في جدة الحياة.
أ - 5 فإذا صرنا وإياه واحدًا على شبه موته، نكون أيضًا على شبه قيامته
ب - 6 وإنّا لعارفون أن انساننا العتيق صُلب معه، لكي يُبطل جسد الخطيئة، فلا نعود نخدم الخطيئة.
ج - 7 لأن من مات بُرّر من الخطيئة.
أ - 8 فإذا متنا مع المسيح نؤمن أنّا سنحيا أيضًا معه.
ب - 9 وإنّا لعالمون أن المسيح، وقد أقيم من بين الأموات، لن يموت من بعد، لن يتسلّط عليه الموت من بعد 
ج - 10 لأن من مات مات بالنظر إلى الخطيئة مرة واحدة، أما الذي يحيا فبالنظر إلى الله يحيا.
11 كذلك أنتم أيضًا أحسبوا أنفسكم أمواتًا بالنظر إلى الخطيئة، أحياء بالنظر إلى الّله في المسيح يسوع.
التطبيق: 
12 إذًا فلا تملكنّ الخطيئة بعد في جسدكم المائت، لكي تطيعوا شهواته.
13 ولا تجعلنّ أعضاءكم بعد سلاح ظلم للخطيئة، بل اجعلوا أنفسكم لله، كأنكم حييتم من بين الأموات، وأعضاءكم سلاح برّ لله.

الخاتمة: 
14 فلا تتسلّط عليكم الخطيئة، لأنكم لستم في قيد الشريعة بل في قيد النعمة.

مقدمة
يقسم القديس بولس رسالته إلى أهل روما إلى قسمين واضحين: قسم لاهوتي تعليمي (1-11)؛ وقسم أدبي عملي (12-16). في القسم الأول يتّبع الرسول أسلوبًا في الشرح خاصًا، على طريقة الأنبياء الأقدمين، فيعلن الموضوع، أن الإنجيل هو قوّة خلاص لكلّ مؤمن (1: 16-17) ثمّ يوسّعه في أربع مراحل متتالية، شارحًا في كلّ مرحلة، في لوحين سلبيّ وإيجابيّ، الشقاء بدون الانجيل، في لوح، والخلاص بالانجيل، في لوح ثان.
فنصّ رومانيّين 6: 1-14 الذي نحن بصدده يقع في المرحلة الثانية للموضوع (5: 12-6: 23) حيث يجري الكلام في اللوح السلبيّ عن شقاء الانسان المتضامن وآدم الخاطئ (5: 12-21)، وفي اللوح الإيجابيّ عن خلاص الانسان المتضامن ويسوع، آدم الثاني البار (6: 1-23). هذا اللوح الأخير يتضمّن موضوعين، الأول عن المعموديّة وهو الموضوع الذي نعالج (6: 1-14)، والثاني عن التحرّر من الخطيئة (6: 15-23).

1 - إطار النص
يؤلّف نص رومانيّين (6: 1-14) وحدة أدبيّة متماسكة، ومرتبطة ربطًا وثيقًا بالنصّ السابق له وبالنصّ التابع له. فيبدأ بسؤال (6: 1): ((إذًا فماذا نقول؟ أنستمرّ في الخطيئة، لكي تكثر النعمة؟ وهذا السؤال مرتبط مباشرة بالآيتين السابقتين (5: 20-21): ((أما الشريعة فقد اندسّت لكي تكثر الزلّة، وحيث كثرت الخطيئة طفحت النعمة...)). ثم بعد إعطاء الجواب على السؤال (6: 1)، في 6: 2-،14 يعود الرسول فيطرح السؤال نفسه من جديد في 6: 15: ((إذًا، ماذا؟ أنخطأ لأنّا لسنا في قيد الشريعة، بل في قيد النعمة؟))
يحذّر بولس قرّاءه من تفسير خاطئ للحريّة المسيحيّة، يؤدّي إلى العيش من جديد ((حسب الجسد)). فالتساؤل في 6: 1 ليس فرضيّة نظريّة، لأنّ بولس يؤكّد في 3: 8 أن بعضهم قد اتّهمه بأنه ينادي بما سينقضه هنا: ((أفلا نفعل السيّئات لتأتي الصالحات، كما يفتري علينا قوم، ويزعمون أننا نقول ذلك؟ إنّ القضاء عليهم لعدل!)). من هم هؤلاء القوم، أيهود هم، أم يهود مسيحيّون، أم الاثنان معًا؟ لا ندري. ولكن استعمال صيغة المخاطب الجمع في رومانيين 6: 1-7: 6 قد يدلّ على أن المعضلة المطروحة تهمّ مباشرة كنيسة روما.
وبولس يسعى ليصحّح بين الرومانيّين صورته وما يفتري عليه هؤلاء القوم وعلى بشارته. يدحض بولس هذا الافتراء على مرحلتين: المرحلة الأولى 6: 2-14 حيث يعطي جوابًا سلبيًا للسؤال المطروح في الآية الأولى، ويختمها بهذا الاعلان في الآية 14ب: ((لأنكم لستم في قيد الشريعة بل في قيد النعمة)).
هذه الخاتمة (14ب) لما سبق هي أيضًا عرضة لاستنتاجات مرفوضة، منها يحذّر بولس قرّاءه: لا شريعة بعد اليوم، مما يعني حريّة التصرّف حسب الأهواء والميول. لذلك يكمّل بولس في تحذير جديد في الآية 15، بتكرار التساؤل الذي قدّمه في الآية الأولى مستعملاً تعابير الآية 14ب: ((إذًا، ماذا؟ أنخطأ لأننا لسنا في قيد الشريعة، بل في قيد النعمة؟)). معاذ الّله! يجاوب بولس، لأنه بعملكم هذا تخسرون الحريّة التي أعطاكم المسيح لتعودوا عبيدًا للخطيئة.

2 - بنية النص الأدبيّة 
يقسم نص رومانيين 6: 1-14 إلى ثلاثة أقسام أساسيّة: 
الأولى 6: 1-2 وهو الأطروحة، ويتألف من تساؤل وجواب.
الثاني 6: 3-10 وهو دفاع عن هذه الأطروحة، ويستند إلى حجة قويّة حيث يدور الكلام على المعموديّة مع التركيز على موضوع الموت والحياة مع المسيح.
الثالث 6: 11-14 وهو تطبيق الأطروحة على حياة المسيحيّين، مع التنويه على أن الآية 11 هي آية انتقاليّة، والآية 14 تشكّل الخاتمة.
معطيات كثيرة تثبّت هذا التقسيم وذلك بالاستناد إلى دلائل تتعلّق بالمبنى والمعنى. فالقسم الأوسط (6: 3-10) بدوره يقسم إلى ثلاث مراحل: 
تبدأ المرحلة الأولى بطابع خطابي يعتمده بولس غالبًا، ولا نجده في سائر كتب العهد الجديد. ويتميّز باستعمال تعبيرين متشابهين: 
((لا أريد/نريد أن تجهلوا أيها الاخوة...)) (1 تس 4: 13؛ 1 كور 10: 1؛ 12: 1؛ 2 كور 1: 8؛ روم 1: 13). ((أوتجهلون...؟)) (روم 6: 8؛ 7: 1).
بعدها يذكر العماد 3 مرات: الفعل عمّدنا مرتين (آية 3) والاسم معموديّة مرة واحدة (آية 4).
ثمّ تتوازى المرحلة الثانية والثالثة على الشكل التالي: 
1) أ - فإذا صرنا (5)
في وحدة عضويّة مع المسيح بالموت تتبع الوحدة مع المسيح في القيامة.
ب - وإنّا لعارفون (6)
توسيع حول الانسان العتيق المصلوب مع المسيح لكي يبطل جسد الخطيئة.
ج - لأن من مات (7)
بديهيّة مقرّرة عامة يقدّمها بولس كبرهان على ما تقدّم. 
2) أ - فإذا متنا (8)
الرجاء في الحياة مع المسيح التي بدأت ولكنها تكتمل في القيامة وتتجذّر معه في الموت.
ب - وإنّا لعالمون (9)
توسيع في المسيح القائم الذي لن يتسلّط عليه الموت أبدًا.
ج - لأن من مات (10)
برهان تطبيقي على حالة المسيح في المسلّمة الآية 7: موته حقّق ((مرّة واحدة)) التحرير من الخطيئة، حياته هي دخول نهائي في حياة الّله.
فالآية 5: ((فإذا ؟ صرنا وإيّاه واحدًا (غرسة واحدة ) على شبه موته)) 
توازي الآية 8: ((فإذا ؟ متنا مع المسيح))
وتعبّر الآيتان الشرطيتان 5 و 8 على مشاركة المؤمن في موت المسيح، وتحدّدان بداية المرحلة الثانية والثالثة. كما أنّ نهاية المرحلتين تردّد تقريبًا ذات العبارة: ((لأن من مات)) (7 و 10)
زد إلى ذلك أنها تحتوي في محورها على أفعال المعرفة: ((وإنّا لعارفون أن (6) وأيضًا ((إنّا لعالمون أن  (9) 
الآية 11 سبق وقلنا إنها تشكّل جملة انتقاليّة بين الجزء العقائديّ والتطبيق العمليّ في حياة المسيحيّين. هذه الآية تكرّر عناصر الأطروحة في الآية 2. ولكن ليس على شكل تساؤل، بل في صيغة الأمر الجمع: ((احسبوا)). يهدف فعل الأمر هذا إلى تحقيق الأمور المتطابقة ((كذلك أنتم أيضًا))، وبذلك يمهّد إلى التوجيهات اللاحقة.
تبدأ التوجيهات ب ((إذًا ؟)) التي تدلّ على أن بولس سيقدّم الاستنتاجات عمّا قيل. توسّع الآيات 12 و 13 هذه الاستنتاجات بوصايا مبنيّة على ثلاثة أفعال في صيغة الأمر يبدأ كل منها وصيّة: وصيّتان في صيغة الأمر النفي، وواحدة في صيغة الأمر التأكيد في تواز مفارق مع ((بل أو لكن)): 
((فلا تملكنّ ...، ولا تجعلنّ  ...، بل اجعلوا "... .
تدلّ الآية 14 في الوقت نفسه على علاقتها بما سبق وعلى وضعها المميّز في استعمال الفعل في صيغة المستقبل ((فلا تتسلّط))، )) حيث تحتفظ الآية بشيء من الأمر وتنفتح على وعد. ولكن هذه الآية تدلّ بوضوح على أنها تشكّل خاتمة القسم الأول من التوسيع، بتكرار عناصر أساسيّة من الآية الأولى وبذات الترتيب: 
(1) أنستمرّ في الخطيئة، (14) فلا تتسلّط عليكم الخطيئة،
لأنكم لستم في قيد الشريعة
لكي تكثر النعمة؟ بل في قيد النعمة

إلى جانب الهيكليّة التي عرضنا هناك دلائل على صعيد المعاني والكلمات تبيّن أن رومانيّين 6: 1-14 هي وحدة أدبيّة مستقلّة. منها المتناقضات بين خطيئة ونعمة (1 و14)، بين موت/مات وحياة/حيي أو قيامة (2 و 4 و 5)، بين عتق وجدّة (6 و 4).
زد إلى ذلك الرابط بين العلة والمعلول إنطلاقًا من حدث الخلاص، موت وقيامة المسيح، وقد عبّر عنه بمجموعة من الجمل الشرطيّة والجمل الغائية، تبدأ إذًا (5 و 8) ولكي (4 و 6).
ثمّ ترداد الكلمات المركّبة مع حرف العطف ((مع)): دفنا معه (4)، غرسة معه (5)، صلب معه (6) سنحيا معه (8). وهي تجمع الكل تحت مفهوم إشتراك المؤمن في عمل الفداء. 
وأخيرًا الترابط الداخلي للموضوع حيث تتوسع المقالة في شرح مفهوم الموت والحياة (مات وحيي). وتدور في فلك كل مفهوم عبارات خاصة: فمن جهة صُلب (6) ودُفن (4)، ومن أخرى أقيم (قيامة) (4 و 5 و 9 و 13). الأولى لها معنى سلبيّ والثاني إيجابيّ. موت ومات هي تعابير سلبيّة بالنسبة إلى حيي وقام من وضع مائت (4 و 9 و 13)، ومن تسلّط الموت (9)، ومن الحيازة على جسد مائت (12). هذه الكلمات ذاتها لها مدلولات إيجابيّة عندما تعبّر عن التحرّر من الخطيئة (2 و 7 و 10 و 11)، والاتحاد بموت المسيح، بعمله الخلاصي (3 و 4 و 5 و 8 و 10).
كذلك الفعل ((حيي)) له مدلول سلبي عندما يُطبّق على وضع الانسان الخاطئ (2)، بينما ذات الفعل مدلوله إيجابيّ عندما يتعلّق الأمر بالمسيح الممجّد (10)، وبالذين يقبلون الخلاص الذي يعطيه (4 و 8 و 11 و 13).
يطال المفهومان المتناقضان، في الوقت ذاته، المسيح والمسيحيّين في عمليّة حيث موت وحياة الأول غايتها موت وحياة الآخرين. هناك ارتباط عضويّ جماعيّ في هذا التعليم المضاد.
بولس الذي يعلّم وينشر هذا التعليم هو حاضر في النص، فرد من أفراد هذه الجماعة. لأنه يتكلّم عنها بصيغة المتكلّم الجمع. بولس لا ينظر إلى الجماعة كمراقب ومنظّر ولكن كعضو في هذه الجماعة التزم في هذا المشروع الذي يصف وهو يتحمّل كل المتطلّبات (2).
يطرأ تغيّر منذ الآية (11) إذ تبدأ بالتعبير التالي: ((كذلك أنتم)) وتشير إلى ((كذلك نحن)) (آية 4) فتقدّم الاستنتاجات المتعلّقة بحياة القراء المسيحيّين. في هذه الاستنتاجات يظهر قصد بولس الأساسي التحريضيّ. العماد الذي يبدأ هذا التوسيع لا يظهر بالفعل إلاّ قليلاً: لأنه منذ الآية ،4 لم يعد له ذكر. والموضوع يكمّل دون الحاجة إلى الرجوع إليه. وهذه دلالة على أن موضوع العماد ليس بالموضوع الجوهريّ في هذا التأليف.

2 - المعموديّة (3-4)
لا حاجة إلى ذكر أصل المعموديّة في العهد الجديد والنصوص التي تتناولها معتبرين هذا الأمر معروفًا. لا يتعلّق موضوعنا بعماد يوحنا بل بالعماد المعطى باسم الربّ يسوع (رسل 2: 38)، وهو يفترض عند المعمِّد والمعمَّد الإيمان بالمسيح القائم من الموت. وهذا ما تعبّر عنه رمزيًا الحركتان المتلاحقتان اللتان تشكلان رتبة الغطس: النزول إلى الماء أي الموت، والصعود من الماء أي القيامة. حتى نستطيع أن نفهم التشابه القائم بين رتبة العماد الرمزيّة وسرّ المسيح المائت القائم، فلا بدّ أن نذكّر بإعلان الإيمان التقليديّ الذي تسلّمه بولس وسلّمه بدوره إلى الكورنثيين: ((المسيح مات...، وقبر...، وأقيم...)) (1 كور 15: 3-4). هذه الأحداث الثلاثة يحدثها العماد فينا، بفضل الاتحاد الوثيق بالمسيح يسوع. ((عُمّدنا)) في موته (3)، ((دُفنّا معه في الموت)) (4)
ولكن التوازي ينتهي هنا، لأن المرحلة الثالثة لم تتمّ بعد. لم نكن بعد أقمنا من الموت مثله، فقط في الوقت المناسب نتّحد به إتّحادًا وثيقًا على شبه قيامته (5). في الحاضر، النتيجة المحدثة هي أن نسلك في جدة الحياة (4ب). أما أفعال القيامة ومشتقّاتها فلا تعود تظهر في هذا الفصل، ولكن موضوع الحياة يتردّد ثلاث مرات مع الفعل (8 و 10 ، 10)، ومرّتين مع الاسم (،11 13)، ويؤلّف ثنائيًا مع الموت أربع مرات (3 و 4 و 5 و 9).

أ - الموت مع المسيح
إن موضوع إشتراك المؤمن في موت المسيح على الجلجلة لا يرتبط بالعماد في رسائل بولس إلاّ إستثنائيًا، كما هي الحال في نص روما 6: 3-4أ الذي نعالج، وفي قول 2: 12. فعبارة ((مات مع المسيح)) تعود بجوهرها إلى عبقريّة بولس اللاهوتيّة، فيحمّلها معاني متعدّدة متنوّعة. لذا يجب أن ندرس كل مقطع في ذاته وفي إطاره.
ففي الرسالة إلى أهل غلاطية ذاتها تتعدّد المعاني. عندما يكتب بولس أنه ((صلب مع المسيح)) (غل 2: 19)، فالفعل هو في صيغة الماضي، والموضوع يتعلّق بالمسيح الذي بصلبه، ألغى شريعة موسى كونها وسيلة خلاص. هذا الاعلان لا يستدعي أي ألم وتحوّل عند بولس. ولكنه يتعلّق بعمليّة الّله الموضعيّة في الماضي، عمليّة قطف ثمارها بولس وكل الذين يؤمنون بالمسيح. فمن الآن الخلاص يكون به وفيه، ((بالإيمان بابن الّله)) (غل 2: 20)، وليس بتبرير الذات في طاعة الشريعة. في هذا النص لا يوجد أي تلميح إلى العماد.
وفي غل 5: 24 حيث يقول بولس ((إن الذين هم للمسيح يسوع، قد صلبوا الجسد وأهواءه وشهواته))، فإنه يتكلّم عن النتائج الخلقيّة لحدث الجلجلة. فالذين تخلّوا عن كل شيء ليكونوا للمسيح هم الذين ((صلبوا الجسد وميوله وشهواته)). فالفعل ((صلبوا)) هو في صيغة الماضي المبهم ويدلّ على عمل تام. الفاعل هو المسيحيّون والأمر يتعلّق بعمل سبق وقاموا به. على خلاف النص الذي رأينا في غل 2: 19 حيث الفعل في صيغة المجهول يدلّ على عمل المسيح. ولكنه هنا أيضًا لا يذكر شيئًا عن موضوع العماد كما في غل 2: 19. نرى في هذه الأقوال المنهجيّة الأساسيّة التي يتبعها جواب الإيمان على البشارة الإنجيليّة: هذا هو الصلب الفاعل أبدًا المتعلّق بالصلب السلبيّ الذي عاناه المسيح على الجلجلة، وهو يستمرّ في رفض إرضاء متطلّبات إنسانيّة قد جرى التخلّي عنها.
وفي نهاية رسالته إلى أهل غلاطية فلا يفتخر بولس إلا بصليب المسيح، على حساب إكتفاء دينيّ لا نتيجة فيه: ((أما أنا فمعاذ الّله أن أفتخر إلاّ بصليب ربّنا يسوع المسيح، الذي به صُلب العالم لي، وأنا صُلبت للعالم)) (غل 6: 14). فالصليب أي موت يسوع على الصليب (راجع 6: 12) هو العمل الذي بطريقة ما صلب العالم بالنسبة لبولس ولكل الذين، مثله، وضعوا إيمانهم بالمسيح. هذا الصلب يؤدّي إلى صلب آخر مشابه، إلاّ وهو صلب المؤمن وقد مات عن العالم، وبكلام آخر لا يطاله العالم كونه دخل في الخلق الجديد (غل 6: 15). إن مفهوم الموت مع المسيح أو الصلب معه، المتنوّع والمتعدّد واضح في رسالة غلاطية. ولكن تبقى الفكرة الرئيسيّة والمشتركة هي أن الاشتراك في أحداث موت يسوع هي وسيلة الخلاص.
الملفت أنه لا ذكر للقيامة في أي من هذه النصوص، وأكثر من ذلك فالرسالة إلى أهل غلاطية لا تذكر القيامة إلا مرّة واحدة في العنوان (1: 1)، والاهتمام يتمحور على الصليب وعثار الصليب (غل 5: 11).
أما في الرسائل الأخرى فالقيامة تأتي أوّلاً، يتكلّم بولس في فيلبي عن التغيّر الرائع الذي جعله ينتقل من طاعة الشريعة إلى معرفة يسوع المسيح: ((لكي يعرفه ويعرف قوّة قيامته والاشتراك في آلامه، مشابهًا إياه في موته)) (فل 3: 8 و 10). وبما أن الأمر يتعلّق بالمعرفة نفهم أن القيامة تتقدّم على الموت لأننا عرفناها أوّلاً في دخولنا في الإيمان في يسوع. الباقي جرّ بولس إلى لائحة من الاختبارات جعلته يكتشف ما يتضمّنه واقعيًا موت المخلّص.
يجب ألا تقتصر الفكرة على تطابق أدبيّ بين بولس الذي اضطُهد وسُجن، والمسيح في آلامه. هل قام بولس برسالته دون مصاعب وآلام وجلجلة؟ لقد استطاع أن يتكلّم عن المشاركة في موت المسيح التي حدثت منذ اهتدائه إلى الإيمان به. بولس عنده هنا حجة إضافيّة حتى يذكر هذا الأساس الجوهريّ لكل حياة مسيحيّة: فالذي ينجذب انجذابًا جسديًا وأدبيًا لخدمة الانجيل يتّضح له أن اتحاد المسيحيّ الموضوعيّ بموت يسوع على الجلجلة، بالتحديد الذي يحدثه، يشدّه إلى مغامرة شخصيّة حيث الإماتة، التي تصبح ممكنة، تصحبها آلام محتّمة (فل 1: 15-17).
هذه الآلام في حالة الرسول كما يخبرنا في 2 كور 4: 10-11 تصبح إعلانًا عن سرّ الموت والحياة. وهذا السرّ تحقّق مرّة وإلى الأبد في المسيح. حاليًا يتجلّى هذا السر في الذين ((لأجل يسوع))، يعيشون بطريقة مفارقة (راجع 2 كور 6: 9) مصنوعة من الألم والحياة المنيعة، تحت دفع الإيمان والحبّ للذي هو المنبع.
إنّ موت وحياة الانسان هما بعلاقة مع موت وقيامة المسيح. هذا ما يعلنه أيضًا بولس في رسالته 2 كور 5: 14-15: ((فإن محبّة المسيح لتأسرنا، وقد أدركنا أن واحدًا مات عن الجميع. فالجميع إذًا ماتوا. مات عن الجميع لكي لا يحيا الأحياء بعد لأنفسهم، بل للذي مات عنهم وأقيم)). القول بأن المسيح مات (وقام) عن الجميع، يدلّ على أن موت المسيح يندمج مع ذبيحة التكفير عن الخطأة. وهذا يدعو وكنتيجة حتميّة ليس الجملة ((فالجميع إذًا ماتوا)) بل ((إذًا خطايا الجميع غفرت)). بموته عن الجميع يأخذ كل الناس إلى الموت إلى موته هو. 

ب - نموت مع المسيح في العماد لنحيا ثم نقوم معه
لا يوجد، في النصوص التي استعرضنا، أي ذكر واضح للعماد والمعاني مفهومة بشكل كاف وبدون هذه الزيادة. ولكن روم 6: 1-14 هي واضحة: ((نحن الذين عمّدنا في المسيح يسوع، في موته عمدنا)). ويستنتج بولس: ((إذًا فقد دفنّا معه في الموت، بالمعموديّة...)) (3ب-4). بداية هذا القول نجده تقريبًا حرفيًا في غل 3: 27، وفي ذات التعبير ((عمدنا في المسيح)). هذا التعبير هو خاص في بولس ولا يستعمله إلاّ في هذين النصّين، ولكن بأي معنى نفهم ((العماد في المسيح))؟
حتى نفهم العبارة يجب أن نحدّد معنى ((عمّد)). يستعمل بولس في 1 كور 10: 1-2، رمزيّة سفر الخروج ويفسّرها بلغّة مسيحيّة إذ يقول ((والجميع عُمّدوا في موسى)) وهو يلمّح إلى العبارة الواردة في غل 3: 27. فالعماد في موسى لا يمكن فهمه إلاّ بمعنى الانتماء إلى موسى كونه القائد الذي اختاره لشعبه. نحن أمام عبارة تدلّ على العلاقة مثل العبارة المستعملة للإيمان: ((آمن ب)) والتي تدلّ على الاتحاد بالمسيح.
يبدو، حسب العلماء، أن عبارة ((العماد في المسيح)) هي اختصار وتفرّع لعبارة أقدم معروفة أيضًا في بولس (راجع 1 كور 1: 13ب-15): ((عمّد)) أو ((تعمّد باسم يسوع)). وهي تفترض اتّحادًا شخصيًا بين المعمّد والمسيح. ولكن بولس يقدّم هنا تفصيلاً متوازيًا لا نجده في غل 3: 27 ألا وهو: 
أ - نحن الذين عُمّدنا أ - عُمدنا
ب - في المسيح يسوع ب - في موته.
التوازي يؤكّد من جهة أن العماد ((في موت المسيح ((هو عماد الماء، وهو رتبة الدخول في المسيحيّة؛ ومن جهة ثانية، العماد في موت المسيح يصيّرنا واحدًا مع شخص المسيح من خلال الرابط الذي أحدثه العماد، ليس مع موته كحدث موضوعيّ، ولكن مع المسيح كونه عانى الموت.
هكذا فالفعل عمد في هذه الآية، يحتفظ بمعناه ولا يأخذ في الاستعمال الثاني معنى يختلف عن الاستعمال الأول. هذا ما أدّى في الآية اللاحقة (6: 4) إلى تغيير صغير: ((إذًا فقد دفنا معه في الموت بالمعموديّة)). مما أوحى رتبة العماد وصار المعنى العام: ((عُمدنا (غصنا) في موت المسيح، كوننا في حفلة العماد قمنا برتبة دفن رمزيّة)). ولكن في الواقع الربط يختلف، والجملة في الآية الرابعة تقدّم الاستنتاج الأخير لما قيل ولما هو جليّ: مشاركة حقيقيّة في موت المسيح، إذا كاملة وتامة، بما في ذلك، الدفن. بذلك يعبّر بولس بطريقة نهائيّة وجازمة عن حقيقة موتنا مع المسيح، لأن الدفن هو الختم الموضوع على حدث الموت. عندما يترك الأهل والأصدقاء جثة انسان في القبر ويعودون بدونه إلى البيت، فالنتيجة حتميّة: من الآن لن يشاركهم في حياتهم. إذًا لا يوجد أي تغيير في النظرة بين الآية 3 والآية 4. ولكن كيف نفهم هذه المشاركة في موت المسيح في العماد؟
القسم الأول من الآية 5 يعطي شرحًا وهو في الواقع ليس تكرارًا للآية 4أ. فبولس يكتب حرفيًا: فإذا صرنا (وإياه) واحدًا على شبه موته...)). ويجب ألا نفسّر بداية الآية حسب المعنى الأصلي محتفظين لكلمة  بالمعنى النباتي ((نبتة واحدة)). فالكلمة في الأدب اليونانيّ الكلاسيكيّ، انتشرت بمعنى ((متّحد مع)) أو أيضًا بمعنى ((خاص ب)). إذًا بهذا يعبّر هنا أيضًا على فكرة المشاركة، الموجودة في كل الإطار.
ولكن في هذا الإطار بالذات ((الاتحاد بموت المسيح)) وجب أن يتحقّق دون وسيط. فكيف نفهم هذا الاتحاد على ((شبه موته؟))
حيرة الشرّاح واضحة في الإجابة على هذا السؤال، وبالفعل كل جواب حازم يدخل في باب الافتراض. يمكن معالجة الأمر في إبعاد المعنى الليتورجي عن كلمة ((شبه)): رتبة العماد بواسطة الغطس، تقدّم هذا الشبه، هذه الصورة المؤونة لموت المسيح، صورة يشترك بواسطتها المعمّد في هذا الموت. بدون شكّ المقابلة بين الآية 4أ و 5أ تبدو لأوّل وهلة أنها تدعم هذا الشرح.
4أ - إذا فقد دفنّا معه بالمعموديّة بالموت
5أ - فإذا صرنا (وإياه) واحدًا ب شبه موته
((بالمعموديّة)) تقابل ((ب شبه)). وإذا ما اعتبرنا أن الإضافة ((ب شبه)) هي إضافة سببيّة ((بواسطة الشبه)) نجعل منها مرادفًا ل ((بالمعموديّة)): ((وبالتالي الكل لا يعبّر إلاّ عن فكرة واحدة ألا وهي أننا اشتركنا أو اتّحدنا بموت المسيح بواسطة العماد كونه صورة إسراريّة لهذا الموت. ولكن هذه القراءة غير ممكنة، لأنه إذا ما اعتبرنا ((ب شبه)) إضافة سببيّة (بالمعموديّة)، يبقى السؤال بما أو بمن نحن متّحدون؟ لأنه ينقص عنصر في الآية 5أ: وإيّاه أو والمسيح. لذا يجب اعتبار ((شبه)) كونها مفعول ل ((صرنا واحدًا)): متّحدين بشبه وليس بواسطة هذا ((الشبه)). وهناك تفسيران لهذا القول: 
الأول يقدّر استعمال ((شبه)) عند بولس كونها حقيقة واقعيّة، تشبه ولا تساوي المشبّه به. هذا ما يمكن تطبيقه هنا حيث اشتراك المعمّد في موت المسيح يتحقّق مع اختلاف: طالب العماد لا يموت جسديًا مثل المسيح.
والثاني، يعطي لكلمة ((شبه)) معنى ((هيئة))، وذلك بالاستناد إلى إستعمالها في السبعينيّة (تث 4: 12؛ يش 22: 8) والرؤيا (9: 7)، فتصبح الجملة مشابهة لما كتبه بولس في فل 3: 10: ((مشابهًا إياه في موته)).
وهناك التباس أيضًا حول نتيجة هذه الشركة في الموت، أي حول الاتحاد بقيامة المسيح. سببه معنى الفعل ((نكون، )) في صيغة المستقبل. ويقدّم الشرّاح رأيين: 
الأول يتعلّق المعنى بمستقبل منطقيّ أو ناتج، وهذا يعني أن المعمّد عند عماده يشترك، منذ الآن في قيامة المسيح. وهذا لا يمكن فهمه إلاّ بطريقة تماثليّة، فيدلّ على ((جدة الحياة)) التي نحن بصددها. وإذا ما كانت ((جدة الحياة)) هي الشرط المطلوب لنشترك في مجد المسيح (راجع 8: 17)، نبقى حكمًا على مستوى السلوك البشريّ الأخلاقيّ. وفي هذا المعنى، الفكرة لا تتقدّم ولا تتطوّر بالنسبة لنهاية الآية السابقة.
والثاني، المعنى يتعلّق بمستقبل حقيقيّ ونهيويّ. فتحرز الفكرة تقدّمًا، إذ تدلّ على القيامة العامة في منتهى الزمن. علاوة على ذلك، فالقسم الأوّل من الآية 5، مع الفعل في صيغة الماضي ((صرنا))، يدلّ على وضع قائم ناتج عن فعل المعموديهة الذي حدث في الماضي؛ ننتظر إذًا في جواب الشرط نتيجة تشير إلى المستقبل. في النهاية، التعبير يستبق ما نقرأه في الاية ،8 حيث المفهوم الاسكاتولوجي، بالمقارنة مع جمل أخرى مشابهة عند بولس، لا يمكن أن تقبل الشكّ (راجع 1 تس 5: 10؛ روم 8: 17؛ 2 طيم 2: 11-12). بالتأكيد المعمّد يحيا متحدًا بالمسيح (روم 6: 10 و 13) ولكن في الرجاء واليقين في البلوغ، في المستقبل، إلى قيامة الأموات.
رأينا سابقًا أن مفهوم موت أو صلب المؤمن مع المسيح، له معان متنوّعة متعدّدة في رسائل بولس. ففي روم 6: 1-،14 المفهوم يصبح هو ذاته الموجود في غلاطية 5: 24، وفي إطار مشابه، يتمحور حول الشروط الأدبيّة للحياة المسيحيّة. ولكن في رومانيّين يفتح بولس نافذة على القيامة، ليس فقط قيامة المسيح كما في 2 كور 5: 14-15، ولكن أيضًا قيامة المسيحيّين: فالذي تبنّى ((جدة الحياة)) التي أسّسها المسيح وجعلها ممكنة سيعطى أن يشترك في قيامته عندما يشرق يوم مجيئه القريب (روم 13: 11-14).
4 - تطبيق رمزية العماد (6: 6-7)
تطبيق رمزية رتبة العماد تناولت الانسان والخطيئة التي فيه. لا بدّ أن نرى ماذا حلّ ب ((الانسان العتيق)) فينا، بمعنى آخر الحالة التي ورثنا منذ ولادتنا، من جنس يعاني من نير الخطيئة المشخصة، من قدرة جهنّميّة هي مصدر الشرّ. تظهر الخطيئة في نص رومانيّين وكأنها شخص، كائن حي يسكن قلب الانسان ويفرض عليه شريعته، ويتسلّط عليه؛ الانسان مستعبد للخطيئة (راجع 6: 15..؛ 7: 14...) كما كان العبرانيّون قديمًا عبيدًا للفرعون. الجواب نعرفه بالإيمان: ((إنّا لعارفون أنّ...))
- انساننا العتيق: ((صلب مع)) (مقدّر المسيح)، هذا يفسّر معنى ((عمادنا في موته))
بفضل هذه الصورة نرى كل الانسانيّة العتيقة مسمّرة على الصليب مع يسوع على الجلجلة. 
- إذًا، ((جسد الخطيئة)) أي الجسد كونه أداة للخطيئة، وسمّي الكل باسم الجزء للدلالة على طبيعة الانسان الشريرة التي يرثها منذ ولادته، أبطل أي تحوّل إلى لا شيء.
- كان الهدف المنشود ألا ((نعود نخدم الخطيئة)) مشخّصة هنا كونها القدرة التي تخضع الانسانيّة العتيقة تحت نيرها. هكذا تتوطّد العلاقة بين فعل العماد ومفهوم الفداء العام كتحرير وهو مطروح في الرسالة إلى الرومانيّين في غير مكان.
بفضل المعموديّة، تحرّر المؤمنون من هذه العبوديّة. كيف تمّ ذلك؟ فالبرهان واضح: بالعماد يغوص المؤمنون في موت المسيح ويدفنون معه في الموت ويموتون معه. استعمل بولس بشكل خفيّ حجة قضائيّة (لا ننسى أنه يكلّم رومانيّين ضليعين في الحقوق؛ راجع 7: 1): فالذي يموت بذات الفعل تحرّر من كل قيد وشريعة، إن كان العبد بالنسبة إلى سيّده أو المرأة المتزوّجة بالنسبة إلى رجلها (راجع 7: 4)، فالموت يلغي كل استعباد. وبما أن المسيحيّ مات مع المسيح، فالخطيئة لم يعد لها أي حق عليه ولم تعد تستطيع أن تفرض عليه شريعتها.
ومن جهة ثانية يعتبر بولس أن جسد الانسان هو الوسيلة التي بواسطتها تملك الخطيئة عليه (6: 6)؛ كون الجسد مات بشكل سريّ مع المسيح، فالخطيئة لم تعد تستطيع أن تفرض شريعتها على الانسان. الفكرة واضحة: الموت مع المسيح بالمعموديّة يحرّر المؤمن من عبوديّة الخطيئة. في هذا المفهوم يدخل التضاد عتيق - جديد: الذي مات فينا بالمعموديّة، هو الانسان العتيق، ذاك الانسان الخاضع لسلطان الخطيئة. الآن، المسيحيّ، وقد تحرّر، يستطيع أن يعيش ((حياة جديدة)). هذا لا يعني أن فيه، في طبيعته، ما يمكنه أن يعيش هذه الحياة الجديدة. ولكن كما أنه تعمّد في موت المسيح، هكذا تعمّد في قيامته. مبدأ الحياة الذي أقام المسيح يسمح له أن يعيش في حياة جديدة. النصوص اللاحقة تخبرنا عما لم تقله النصوص هنا بوضوح وهو أن مبدأ القيامة والحياة هو روح الله (8: 2...).
التضاد بين عتيق وجديد، يفرض فصلاً جذريًا في طريقة حياة المؤمن: قبل العماد كان يعيش حياة خطيئة، مستعبدًا للخطيئة باعتبارها قوّة شرّ تفرض عليه شريعتها، بعد العماد المسيحيّ يتبع شريعة الروح المحيي. موضوع ((العتيق والجديد)) يرتبط غالبًا بعلاقة مباشرة أو ضمنيّة مع العماد المسيحيّ وفيه فكرة الفصل. وفكرة الفصل هذه لها ثلاثة أبعاد.
الأول بعلاقة مع رمزيّة المعموديّة العامة بالاستناد إلى الخروج والبعدين الآخرين بعلاقة بالموضوع اليهوديّ، الخليقة الجديدة.
1 - المعموديّة تحدّد فصلاً في نوع حياة المؤمن. قبلاً كان يعيش حياة أدبيّة فاسدة، مستعبدًا للخطيئة والشهوات الجسديّة. الآن خلع الانسان العتيق ليلبس الانسان الجديد. يعيش في البرّ والقداسة تحت دفع الروح القدس. موت الانسان العتيق وولادة الانسان الجديد الذي يتجذّر في موت وقيامة الربّ يسوع. هذه الحياة الجديدة في روح المسيح هي العبادة الروحيّة التي ترضي الّله.
2 - المعمّد صار في نظر الّله خليقة جديدة. المسيح أخذ على عاتقه كل خطايا البشر وكفّر عنها على الصليب، لدرجة أن المعمّد يصبح بارًا وكأنه ولد من جديد.
3 - بما أن المعموديّة تجعل من المعمّد خليقة جديدة، وتلغي الماضي، فهذا يعني أن المعمّد خلق من جديد في المسيح يسوع.

5 - العبور من الموت إلى الحياة (8-11)
ينتج عن هذا الوضع، بالنسبة إلينا نحن المعمّدين، عبور من الموت إلى الحياة (8-11). ففي الآية 8 ينظر إلى الموت كحدث من الماضي، (الفعل في صيغة الماضي المبهم ((متنا)) )؛ ولكن الحياة ينظر إليها في نظرة مستقبليّة (مع فعل في صيغة المستقبل ((سنحيا)) ). وفي الحالتين نحن متّحدون مع المسيح: الموت مع المسيح، ((نؤمن أنّا سنحيا أيضًا معه)). هذا المستقبل لا يدلّ على القيامة التي ذكرت في 5ب كونها إتّحاد نهائي للمعمّدين في قيامة المسيح. بل هو الاشتراك في حياة المسيح مدى العمر على الأرض أي جدّة الحياة في الآية 4. التشديد هنا هو على دوام جدّة الحياة، لأن الفعل في صيغة المستقبل يتعلّق بفعل في صيغة المصدر (وإنّا لعالمون) الذي يدلّ على دخول المسيح في حياته الممجّدة: ((إن المسيح، وقد أقيم من بين الأموات لن يموت من بعد)): الموت (مشخّص مثل الخطيئة سابقًا). ((لن يتسلّط عليه الموت من بعد)) (9).
إذًا فالموت والحياة يرتبطان تلقائيًا بالنقيضين الخطيئة والّله. ((فالذي مات بالنظر إلى الخطيئة مرّة واحدة)) (10أ). هنا أيضًا التعبير يدلّ على علاقة سريّة بين موت المسيح والتسلّط العتيق للخطيئة المشخّصة على الناس الذين صاروا عبيدًا لها. هل أن المسيح مات عن الخطيئة هو بذات المعنى كوننا ((متنا عن الخطيئة)) (6: 2)؟. الموت عن الخطيئة ليس هو ذاته في الحالتين، إذا ما اعتبرنا الخطيئة أنها غلطة أدبيّة من الانسان: فالتعبير لا يعود له معنى بالنسبة إلى المسيح. ولكن إذا اعتبرنا أن بولس يجسّد الخطيئة (يشخّصها) كونها قوّة تسلّطت على الانسانيّة بكاملها، عندها نفهم أن المسيح يجعل نفسه متضامنًا مع البشريّة الخاطئة، عانى الموت، ليس كقصاص للخطيئة التي تُظهر انتقام الّله الذي يُنزل على البار قصاص الخطأة، ولكن كعلامة حسيّة عن تسلّط قوّة الشرّ على الانسانيّة التي ألقت خطاياها عليه. بموته، ذهب المسيح، من فرط حبّه، حتى نهاية التضامن مع الخطأة، حتى يحرّرهم من هذا الاستعباد المزدوج: الموت والخطيئة.
نصل إلى التفكير حول سرّ الفداء كونه تحريرًا: بخضوعه إلى سلطان الموت، غلب الخطيئة في عقر دارها، وقيامته أظهرت فيما بعد الغلبة على الموت. في هذا المعنى ((مات عن الخطيئة))، بالنظر للخطيئة ليغلب. ولكن في معنى آخر، كونه غلب الموت، فهو حيّ ((يحيا لله)) (10ب). يتأتى من ذلك للمعمّدين تحرير مزدوج من الخطيئة والموت: ((إحسبوا أنفسكم أمواتًا بالنظر إلى الخطيئة، أحياء بالنظر إلى الّله في المسيح يسوع)). هذا هو الوضع المسيحيّ الذي يتأتى عن العماد.
هذا النص عن رتبة العماد يقدّم مباشرة لفهمه إنطلاقًا من رمزيّة الغوص في الماء التي تمثّل الموت، والصعود من الماء الذي يمثّل القيامة، كونها دخول في جدّة الحياة.
إنه لمن الواضح أن تغيير الرتبة بسكب قليل من الماء على الجبهة مكان الغوص الكامل في جرن العماد، يلزمنا أن نفكّر بشكل مختلف حول معنى العماد: نستعجل إلغاء الخطيئة كمحو لنجاسة، أو أيضًا تكريس الجسد بماء مقدّس حيث المسيح غطس عندما قبل العماد من يوحنا: الاشتراك في هذا العماد، الذي قبله المسيح، يشترك المعمّد بقداسته حتى يعيش ((حياة جديدة)). ولكن علينا أن نعترف أن الرتبة لا تعود تعبّر كفاية، وتخسر هكذا قسطًا كبيرًا من رمزيْتها.

6 - تحريض على الحياة الجديدة (12 -14)
سبق ورأينا أن بولس يستعمل في هذا التحريض ثلاثة أفعال في صيغة الأمر، والخاتمة يعرضها في صيغة المستقبل مع حافز يشدّد على العبور من قيد الشريعة إلى قيد النعمة. تُذكر الشريعة مرتين في 14 و 15 ولكن أي شريعة؟ أشريعة موسى، والأمم حسب بولس لن تخضع لها؟ إنه من الواضح أن كلمة شريعة مأخوذة هنا بمعنى ضيّق تدلّ على كل تعبير عن إرادة الّله كمقياس لحياة البشر من حيث النظرة الأخلاقيّة. نعرف من خلال روم 2: 14-15 أن الأمم دون أن تعرف الشريعة بالمعنى الموسويّ، لها شريعتها التي يمليها عليها ضميرُها. فالتحريض الذي يتوجّه إلى اليهود كما إلى الأمم عندما يتقدّمون لقبول العماد، لا يستعمل كلمة ((شريعة)) إلا لمقابلة نظامين دينيين حيث الّله صُوّر تحت شكلين مختلفين: الّله الذي يأمر ويدين بالنسبة للطاعة لأوامره. الآب الذي يريد أن يخلص الناس فيهبهم نعمته حتى يلهمهم الأمانة لحبّه.
هذا لا يعني أن الشريعة بحدّ ذاتها هي شريرة. ولكن لا يكفي الشريعة أن تعرفنا على الخطيئة (روم 3: 20). فهي لا تعطي السبيل للانتصار والغلبة عليها، مع أن الخطيئة (مشخّصة) كانت تملك على ((الجسد المائت)) لضحاياها حتى تخضعهم لشهواتها (12). الشهوات بارتباط وثيق مع الجسد. هذا لا يعني أن الجسد هو شرير (راجع الثنائيّة اليونانيّة)، ولكنه المكان حيث الميول غير المنتظمة تظهر في الشخص الحيّ، لذلك فما يتبع سيتكلّم عن ((الأعضاء)) (مرتين في الآية 13) أي الهيئة الخارجيّة، المنظورة، الحسيّة للفرد. ندخل هنا في موضوع مقياس الحياة. قبل العماد، الأعضاء كانت ((سلاح ظلم للخطيئة))؛ في حياة المعمّدين تصير الأعضاء ((سلاح برّ لله)) (آية 13).
الطباق واضح: فهو يُظهر الحياة كمعركة ويحدّد الأرباب الذين بخدمتهم يقاتل الناس، الّله أو الخطيئة (مشخّصة كقوّة جهنّمية). ومع هذا هناك اختلاف بين الحالتين: ففي الحالة الأولى يقدّم البشر كذريّة خاطئة، أعضاءهم. نتبيّن هنا تلميحًا إلى معضلة حريّة الشخص: فالحريّة لم تكن إلاّ حريّة مأسورة ما دامت خاضعة لسير حركة الأعضاء. ولكن العماد بالنعمة التي يعطيها للمعمّد، يحرّره حتى يستطيع أن يمثل أمام الّله في كيانه الأكثر حميمة.

خاتمة
نص روم 6: 1-14، مرتكز على سير رتبة العماد، يُعالج جوهر الحياة المسيحيّة بإعطائها معنى روحيًا للسلوك الأخلاقيّ من خلال فضيلة ((البرّ)). يجب ألا نفتّش في هذا المقطع عن عقيدة بولس حول العماد. هناك نصوص أخرى كثيرة، لا سيّما الرسالة إلى كولسيّ والرسالة إلى أفسس، تقدّم عناصر مكمّلة، بطريقة مختلفة. ولكن المهمّ هنا، أن نتلمّس أننا لسنا أمام تفكير لاهوتي عام، لا يمت بصلة إلى واقع الكنيسة. فعلاقة هذا النص مع رتبة العماد، هو جوهريّ لمعنى النصّ.
يبدو أن الإطار الفصحيّ هو الأقرب ويفسّر شرح الرتبة في اتحاد المعمّدين بالمسيح في موته ودفنه وقيامته. هذا النص يفسّر للمؤمنين معنى عمادهم والعلاقة القائمة بين العماد وقواعد الحياة الجديدة التي يسلكها المعمّد في المسيح يسوع. هذه الطريقة في الشرح التي يعتمدها بولس تبعد اللاهوت الأدبيّ عن قواعد المسموح والممنوع، حيث كثير من الناس، مؤمنين أولاً، يختذلون اللاهوت الأدبيّ المسيحيّ بالمسموح والممنوع، غافلين عن الخلقيّة الانجيليّة والليتورجيّة.

الفصل السادس والعشرون


واحد هو انجيل رومة، وواحد هو المبشّر به
روم 1: 1-7

مقدمة
تنطبع هذه المقدّمة، المكوّنة من جملة يونانيّة واحدة والمؤلّفة من سبعة آيات، بطابع أسلوب بولس الانشائيّ من حيث المبنى. كما تتراكم الأفكار وتتسابق في فكره لتنبثق وتؤلّف إعتراضات كثيرة في سياق كلامه. يذكرنا هذا الأسلوب برسالة أغناطيوس الانطاكي إلى أهل روما.
تؤلّف هذه الآيات، من حيث المعنى، مقدّمة للمواضيع الرئيسيّة التي سيتوسّع فيها بولس في رسالته، كما إنها تكوّن ملخّصًا فريدًا لنظريات الرسول حول دور المسيح، وأهميّة الانجيل، وعلاقة الإيمان بالخلاص. يضمّ بولس إليها بعض العبارات التي تسلّمها من ((كرازة)) الكنيسة الأولى.
تتميّز هذه المقدّمة بالطول والأبّهة وغنى العقيدة، وتتضمّن أربعة عناصر: اسم المرسل، توسيع عن معنى ((الانجيل))، تحديد المرسل إليهم الرسالة، والتحيّة. سنتطرّق إلى كل عنصر منها على حدى.

1 - العنصر الأول (آية 1)
يظهر لنا من هذه الآية الأولى أنّ بولس وحده مؤلّف الرسالة إلى المسيحيّين في رومة. غير أنّ روم 16: 22 تبيّن لنا بأن طرطيوس هو كاتب الرسالة (....؟). نعرف من الرسائل الأخرى أن الرسول يضيف في مقدّمة الرسالة عمومًا أسماء مشاركيه في كتابة وتأليف الرسالة(1).
يتكوّن هذا العنصر من اسم المرسل الذي يُطلق على نفسه ثلاثة ألقاب ((عبد يسوع المسيح)) (في اليونانيّة ((عبد المسيح يسوع)) )، والذي ((أفرد لبشارة الله))، و ((رسول)). أتاه هذا اللقب الأخير بدعوة خاصة من الربّ، الذي اختاره لخدمة الانجيل.
يلقّب بولس نفسه بادئ ذي بدء ((بعبد)) () يسوع المسيح. يعطي العهد القديم لقب ((عبد)) إلى أشخاص هامين ومميّزين كأبي الآباء ابراهيم (مز 105: 6) وموسى (2 مل 18: 12) وداود (2 صم 7: 5) ويشوع (قض 2: 8) وكاتب سفر المزامير (مز 27: 9؛ 31: 17). كذلك يُلقّب الاسرائيليّون ((بعبيد الربّ)) (تث 32: 36).
ويأخذ لقب ((عبد يهوه)) دورًا هامًا ليصبح الشخص الذي توكّل إليه مهمة رفيعة الشأن ذات طابع ديني. وقد أعطي لأشخاص مميّزين أوكل الله إليهم مهمّات تتضمّن مسؤوليّة عالية ليقوموا بتحقيق مخطّط الخلاص. هؤلاء هم ((الأنبياء)) (رج عا 3: 7؛ إر 7: 25). نجد هذا اللقب مرتبطًا بالشخصيّة التي يتكلّم عنها الجزء الثاني من نبوءة أشعيا، ويصفه العهد الجديد ((م ش ي ح)) (رج أش 42: 1-4؛ 49: 1-6؛ 50: 4-9؛ 52: 13-53: 12؛ أيضًا أع 3: ،13 26؛ فل 2: 7).
يقدّم بولس نفسه ((عبد الله)) () في طي 1: ،1 ولكننا نجد عمومًا لقب ((عبد يسوع المسيح)) أو ((عبد المسيح))... ويعود هذا اللقب في رسائل العهد الجديد الأخرى. كما يعطي العهد الجديد هذا اللقب للمسيحيّين (رج أع 4: 29؛ 1 بط 2: 16؛ رؤ 1: 1؛ 2: 20؛ 11: 18).
يرتبط ((العبد)) () بعلاقة مع ((معلّم، مالك))  (طي 2: 9؛ 1 طيم 6: 1) أو  (فل 2: 7). تشبه هذه العلاقة ، علاقة ((عبد)) و ((أدون)) في العهد القديم (تث 23: 16؛ أش 24: 2). ونلحظ أن لقب () يصبح بعض الأحيان () في الترجمة السبعينيّة (1 صم 22: 14-15). في هذا الإطار البيبليّ، يشير لقب ((عبد)) إلى شخص مرتبط بشخص آخر، يعمل عنده ويخضع له ويأتمر بأمره. إنه خضوع بولس التام لإرادة يسوع المسيح.
يساعدنا هذا الإطار على فهم الفكرة التي اتّخذها بولس بتسمية نفسه ((عبدًا)) وخصوصًا فكرة ((عبده يهوه)) الواردة عند أشعيا. إنه ملتزم بأن يكون نورًا للأمم (رج أع 13: 47) وبأن يتحدّى الصعوبات والأتعاب في تحقيق هدفه (رج أع 9: 15ي؛ 2 كور 11: 23-12: 10). هذا ما يكوّن مسؤوليّته كرسول. إنه ينظر إلى إستمراريّة رسالة المسيح وتطويرها، إذ إنّ المسيح حقّق في نفسه كل هذه النبوءات(2).
يصنّف بولس بعد ذلك نفسه في فئة الرسل، ويشدّد على أن لقب ((رسول)) أعطي له ((بدعوة)) إلهيّة خاصة من أجل كرازة الانجيل. تعود كلمة ؟ إلى فعل  اليونانيّ بمعنى ((أرسل شخصًا)) أو ((شيئًا مرسلاً)). يتّخذ هذا اللقب صفة دينيّة في العهد الجديد إذ يرتبط بفكرة ((ش ل ي ح)) الآرامي، أي الشخص المرسل بمهمة للتعليم خارج حدود أورشليم. يعود هذا التأسيس إلى القرن الأول قبل المسيح عندما أرسلت السلطات الأورشليميّة ((مرسلين)) ليقوموا مقامها في الارشاد والتعليم والتنظيم. أما ميزة الرسول المسيحيّ فترتكز على عمل المسيح القائم من بين الأموات الذي أوكل أتباعه بالشهادة أو بالبشارة باسمه (رج لو 24: 47-48؛ متى 28: 19-20)(3).
تذكرنا عبارة ((دُعي ليكون رسولاً)) ( من فعل ؛ رج 1 كور 1: 1) بالعبارة ((إلى المدعويّن ليكونوا قدّيسين)) (1: 7؛ رج 1 كور 1: 2 )(4). تطابق هذه المفردات العبارة الواردة في الترجمة السبعينيّة () التي تدلّ على جماعة اسرائيل وتجعلها الأمة المقدّسة، لأنها مجتمعة بأمر الله، أو بالأحرى مدعوّة من الله للاجتماع بمناسبة الأعياد لتقدّم له العبادة (رج خر 12: 16؛ أح 23: 2-44؛ عد 28: 25). يساعدنا هذا التقارب بين النصوص إلى القول، إنّ الجماعة ((مقدّسة)) لأنها مدعوّة من الله للاجتماع، وبالتالي ((مفردة)) عن الآخرين لتشارك في القداسة الالهيّة. يصبح بولس رسولاً لأنه مدعو من الله ليقوم بمهمة رسوليّة خاصة. نجد هنا تعاطف العبارتين ((المدعو)) () و ((المفرد)) ()(5). 
يشعر بولس باستخدامه لقب ((رسول)) بأنه ينتمي إلى أعضاء تلك الجماعة الذين اختارهم يسوع ليكونوا ممثليه الشخصيين ولهم مطلق الصلاحيّة (رج غل 4: 14 حيث يتكلّم عن ((ملاك الله)) بمعنى ((رسول))؛ كذلك 2 كور 5: 20)(6) مع المهمة الخاصة بكرازة الانجيل (رج روم 1: 14ي؛ 1 كور 9: 16؛ طي 1: 1-3). نستنتج من هذه الشهادات أن بولس يودّ أن يحظى، إلى جانب دوره ((الرسوليّ))، بمكانة خاصة. يشعر بولس أولاً بأن المسيح اختاره، ليس بنوع مطلق، ليكون رسولاً للأمم (رج روم 11: 13؛ 15: 15ي؛ غل 2: 7ي)، وثانيًا لأنه حصل على معرفة سر الخلاص بعمق (رج روم 16: 25ي؛ أف 3؛ كول 1: 24-29). كذلك يعي بولس وعيًا تامًا أنه ((رسول)) وأنه ينتمي إلى فئة ((الذين كانوا قبله رسلاً)) (غل 1: 17). إنها شهادة دفاع عن حقوقه الرسوليّة وواجباته كرسول بين المسيحيّين (1 كور 9: 1-2؛ 15: 9؛ 2 كور 11: 5؛ 12: 12؛ غل 1: 1).
تقدّم لنا آيات غل 1: 15ي أجمل تفسير للعبارة ((المدعو ليكون رسولاً))، حيث تعود مواضيع الدعوة والافراد والتبشير نفسها. أجل، تتطابق في بولس الدعوة إلى الإيمان والدعوة إلى الرسالة. أجل، دعاه الله، ليس كسائر المسيحيّين، ليعرّفه بابنه ((حتى يبشّر به بين الوثنيّين)) (غل 1: 16). يعلّق يوحنا الذهبي الفم على ذلك: ((دُعي بولس ليعرف يسوع المسيح وليُعرّفه في الوقت نفسه)) في العالم أجمع.
((أفرد ليعلن بشارة الله)) (). نرى في هذا الفعل خلفيّة العهد القديم في إفراد الله اسرائيل من بين سائر الشعوب كشعب خاص به (لا 20: 26) أو في إفراد سبط لاوي لخدمته الخاصة (عد 8: 1). ويرى بعض المفسّرين أن بولس يتلاعب في ألفاظه على خلفيّته الفريسيّة (رج فل 3: 5). يلمّح بولس إلى أن خلفيّته الفريسيّة ظاهرة من العناية الالهيّة لإعلان البشارة الرسوليّة(7). يكتب بولس في غل 1: 15 أن الله أفرده من بطن أمه () ودعاه ليبشّر بابنه بين الوثنيّين. تذكّرنا هذه العبارة بدعوة أش 49: 1 (عبد يهوه) وإر 1: 5. ينتمي بولس بالتالي إلى فئة أنبياء العهد القديم. لم تكن بالتالي مهمة إعلان ((يسوع ربّ)) مسؤوليّة إتّخذها بولس بنفسه على عاتقه. أصبحت دعوته للتلمذة المسيحيّة لاحقًا دعوةً للمسؤوليّة الرسوليّة التي تتطلّب منه بشارة الوثنيّين (روم 11: 13).
يجب أن ندرك مدلول معنى كلمة ((بشارة)) ()، ((بشارة الله)) أي البشارة التي تأتي من الله، وينجلي محتواها من خلال الآيات 3-4. يشدّد بولس تارة على الأعمال الخلاصيّة، وهي موضوع الكرازة، في إطار تحقيقها التاريخي (وهذا ما نسمّيه بالتحديد التاريخي للبشارة)؛ وطورًا على قدرة هذه الأعمال الخلاصيّة وتأثيرها على جميع الذين يتقبّلونها من خلال الإيمان والعماد (التحديد اللاهوتيّ للبشارة، روم 1: 16). يطرح إذًا بولس في مقدّمة رسالته موضوع ((البشارة)) التي سيتوسّع فيها فيما بعد. إنها الحقيقة المطلقة والجديدة التي أدخلها الله في تاريخ البشريّة. يتساءل نايجرين: ((ما هو الانجيل، ما هو محتوى الإيمان المسيحيّ؟ يستطيع الانسان أن يتعلّم ذلك كله من الرسالة إلى أهل رومة أكثر من أي كتاب آخر في العهد الجديد. وتعطينا هذه الرسالة الانجيل في إطاره الواسع))(8).

2 - العنصر الثاني (آ 2-6)
يؤلّف العنصر الثاني تفصيلاً حول موضوع بشارة الله (آ 2-4) وموضوع دعوة بولس إلى الرسالة (ا 5-6).
أ - بشارة الله (آ 2-4)
تكوّن هذه الآيات صدى واضحًا لإعلان الخلاص الأوليّ والأساسيّ الذي توسّع فيه بولس لاحقًا. أجل، يتطرّق الرسول إلى السرّ الفصحيّ، موت يسوع وقيامته، الذي يشكّل النواة المركزيّة في الرسالة الخلاصيّة. ويشير إلى ولادة المسيح الزمنيّة وإلى ارتباطه بالنسل الداوديّ (رج أع 13: 23). ويتكلّم عن ما حدث بعد تمجيد المسيح من حلول الروح القدس، ويذكّر بالتحضير الذي أعدّه الله للخلاص حسب شهادات العهد القديم.
نجد نصوصًا قريبة إلى نصّنا في 2 كور 13: 4؛ 1 كور 15: 45؛ 1 طيم 3: 16؛ 2 طيم 2: 8. كذلك الأفكار المعبّر عنها في نصّنا تجد لها صدى في خاتمة الرسالة (16: 25-27). أما في ما يتعلّق بتصميم الآيتين 3 و ،4 فنجد عناصر متوازية تؤلّف هاتين الآيتين وتأخذ شكل ((تعاكس أو تصالب))، وهو نوع من البديع في الفن الأدبيّ(9): 
 




  
 

أولاً: إنّ القصد الانجيليّ الذي وعد به الله، وهو مبدؤه، نجده معلنًا في الكتب المقدّسة على ألسنة الأنبياء. يصبح الانجيل مفهومًا من خلال تحقيق وعد الخلاص الشامل الذي وعد به الله ابراهيم وجدّده لنسله من بعده مرات كثيرة. وراحت محتويات هذا الوعد تتحدّد بطريقة بطيئة من خلال نبوءات العهد القديم (رج أع 13: 32ي). ترتبط هذه البشارة بما سبقها في تاريخ الخلاص. لقد هيأها الربّ نفسه من خلال الأنبياء. ويؤكّد بولس أن البشارة التي يقوم بها، هي أيضًا تنبع من وحي إله العهد القديم، وأن شريعة العهد الجديد أينعت من العهد القديم. فالله هو الإله الحيّ الذي لا يزال يقدّم لشعبه طريقة خلاص جديدة (روم 16: 25-26).
يعبّر الرسول عن نظريّته هذه عندما يعلن أنّ ((برّ)) الله سيظهر في الانجيل (رج روم 1: 17؛ 3: 21-26). سيعود بولس ليتوسّع في تحليل هذه العبارة عندما يتطرّق إلى الكلام عن فكرة الوعد في رسالته إلى أهل غلاطية (3: 15-4: 7).
ثانيًا: تتمحور هذه البشارة حول ((ابن الله)) الذي يصفه بولس بريشته الفنيّة في شخصه وفي أعماله، في وضعه الضعيف وفي كيانه المجيد (رج فل 2: 5-11)، وفي مجيئه الذي يصبح بداية عهد جديد.
تدلّ كلمة ((الابن)) () على علاقة يسوع بالله الآب. يقول الأب لاغرانج: ((الذي وُلد من زرع داود كان ابن الله سابقًا، وهذا الفعل مستقلّ عن العمل الذي يحدّده الفعل الثاني)) ()(10). بينما يقول كايزمان: ((فهم جميع مؤلّفي أسفار العهد الجديد بنوّة يسوع الإلهيّة الفريدة في معنى ماورائي))(11). غير أن فيتزماير يرفض هذه النظريّة المتطرّفة المتعلّقة بالتفكير ((الآبائي)) أكثر منه بالتفكير اللاهوتيّ البولسيّ(12).
يستعمل بولس كلمة ((ابن)) في مدلولها على ((البنوّة الكائنة قبلاً)) (prexistent (رج روم 5: 10؛ 8: ،3 ،29 32؛ 1 تس 1: 10؛ غل 1: 10؛ غل 1: 16؛ 2: 20؛ 4: 4...). كذلك يستعمل الرسول كلمة ((زرع)) ( في المعنى المجازيّ وليس في المعنى الحرفيّ للكلمة، كما يظهر ذلك أيضًا في العهد القديم (تك 12: 7؛ 15: 13؛ 2 صم 7: 12؛ مز 89: 5).
أصبح المسيح عضوًا في عائلة داود بحسب الجسد (  آية 3)، لأنه اتّخذ طبيعة ضعيفة ومريضة، ولأنه جعل نفسه مشاركًا وضع البشريّة الضعيف (رج روم 8: 3). تشير عبارة ((جسد)) ()، في نصّنا، إلى حدود الطبيعة البشريّة وإلى النقائص الموجودة فيها، وليس إلى تلك النقائص على المستوى الدينيّ أو الأخلاقيّ التي هي تحت حكم خطيئة الانسان الحاضرة أو الماضية (رج روم 7؛ غل 5)(13).
نحن بإزاء إشارة واضحة إلى تجسّد ابن الّله، الذي يدل على بدء تحقيق مواعيد الخلاص. يظهر ذلك من استعمال عبارة () من فعل () بمعنى ((أصبح)) وبالتالي ((وُلد)). يُستعمل هذا الفعل في مراجع أخرى ليدلّ على المسيح الذي يتضامن مع البشر ويشترك بضعفهم وتأثّراتهم ليكون قادرًا أن يخلّصهم ((من الداخل)) (رج غل 4: 4؛ يو 1: 14).
ويزيد النص عبارة () من فعل () بمعنى ((حدّد حدودًا)) أو ((رسم خطًا يُظهر حدود شيء ما)) (). ((إنه جُعل)) ابن الله القدير، في سلطة قدرته الكاملة بعد قيامته من بين الأموات، إذ أصبح روح قداسة. يشير ذلك إلى أنّ المسيح أولاً أصبح بعد القيامة ((روحًا)) أي ((مروحنًا)) في كيانه كله؛ ثانيًا دخل بطبيعته البشريّة في إطار الالوهيّة ولكنه ((أفلت)) من الحدود التي قبلها؛ ثالثًا بدأ يؤثّر تأثيرًا فعّالاً وشاملاً من أجل ((تقديس)) البشر. يذكّرنا ذلك بقول بولس، إنه أصبح ((روحًا محييًا)) (رج 1 كور 15: 45).
> ترجمت الفولغاتا (اللاتينيّة الشعبيّة) كلمة () بعبارة Praedestinatus أي ((المؤهّل سابقًا)). غير أن الترجمة ((جُعل)) التي أتبعناها، تعطي النصّ حقّه. وأيضًا ترد في هذا المعنى في أع 2: 23؛ 10: 42... يقول الأب بوامار، تعني عبارة ((جُعل ابن الله)) أن المسيح جلس ((على عرش الملك المسيحانيّ))(14). يظهر أنّ هذه الفكرة غير مقبولة لأنها تمنح ((الابن)) معنى مختلفًا في الآية 3 والآية 4 في نصيّن محازيين. كذلك، لأن فكرة المسيح ((ملك مسيحاني)) واردة من خلال انتمائه إلى ((النسل الداوديّ)). تقدّمه عبارة الآية (3) مثل ابن لداود وبالتالي بطريقة غير مباشرة مثل ملك مسيحاني.
يظهر طابع يسوع المسيحاني واضحًا من خلال العبارة المستعملة في نصّنا إذا ما قارنّاها مع يو 7: 42: ((ألم يقل الكتاب إنّ المسيح هو من نسل داود وإنه يأتي من بيت لحم، القرية التي منها خرج داود؟)). يتبع الأب ليونيه تفسير الأب بوامار، غير أنه يفترق عنه في بنية الجملة ويفصل بين () و ()(15). نوافق رأي الأب ليونيه لأن نصّنا يحتوي على حرف الجر () وليس على () كما جاء في روم 6: 4(16).
1)   
2) ...
> نلحظ أيضًا أهميّة القيامة () ودورها المميّز في هذه الرسالة. بعكس غل التي تشدّد على موضوع الصليب، تعطي روم مكانة رفيعة لموضوع القيامة وتؤكّد عمومًا على ارتباطها بالعنصر ((الخلاصيّ)) أكثر من ارتباطها بالعنصرين ((الدفاعي)) (أع 17: 31) والتبشيريّ (أع 1: 22). أجل، نجد عنصر القيامة ((الخلاصيّ)) في روم مرتبطًا: 
(+) بتقديسنا (روم 1: 4؛7: 4)؛ وبتبريرنا (4: 25)؛ وبإحياء أجسادنا (8: 11)؛ وبالخلاص (5: 10).
(+) تصبح القيامة موضوع الإيمان الذي يخلص (4: 19-24؛ 10: 9).
(+) نفهم تأثير القيامة في العماد (6: ،5 9).
بالإضافة إلى ذلك يعود فعل القيامة إلى الآب (4: 25؛ 8: 11)، ولكنه يرتبط بعض الأحيان مباشرة بالابن (14: 9). يظهر لنا أن العبارة الأولى بدائيّة وتقليديّة، بينما الثانية المتعلّقة بالابن هي لاهوتيّة.
> نحن بصدد عمل المسيح الخلاصي المرتبط عمومًا بقيامته من بين الأموات (روم 4: 25؛ 1 كور 15: 17ي..). نلحظ أن حرف الجرّ () غائب من العبارة اليونانيّة () في نصّنا، وهذا ما دعا بعض المفسّرين إلى الكلام عن قيامة الأموات العامة في آخر الأزمنة. غير أن هذه العبارة ترتبط بالعبور من حالة الضعف (الجسد) إلى حالة القدرة المتعلّقة بالمجد، أي بانتصار يسوع على الموت وتمجيده (رج فل 2: 5-11). تشير هذه العبارة العامة ((قيامة الأموات)) إلى أنّ قيامة المسيح، آدم الجديد (رج 1 كور 15: ،22 42؛ روم 5: 14) تتضمّن البشريّة كلها، كما أنها تفتح قيامة جميع البشر وتعطيها الضمانة الكافية(17). يبدأ المسيح بقيامته من بين الأموات في ممارسة قدرته الالهيّة في التقديس.
> يظهر لنا أن العبارة () مأخوذة حرفيًا من العبارة العبريّة (روح ه ق د ي ش) الواردة في مز 51: 13 وأش 63: 10. كما أنها تشير، بحسب بنيتها الساميّة، إلى حلول الروح في أورشليم كثمرة لتمجيد المسيح وعلامة له. يدعونا ذلك إلى القول، تشير عبارة ((روح القداسة)) إلى القداسة التي ينقلها ابن الله إلى البشر، أكثر من أنها تصف قداسة ابن الله الشخصيّة. يرى القديس يوحنا الذهبي الفم فيها إشارة إلى عمل المسيح الذي يمنح الروح القدس ليقدّس المؤمنين. وهذا ما دفع بعض المفسّرين إلى الكتابة: (((تدلّ العبارة) على تلك القوة الفعّالة المحيية والخلاّقة التي تعمل في شعب الله لترفعه من المستوى الطبيعي إلى مستوى ))(18).
يفتتح هكذا المسيح ابن الله والكائن قبل الدهور، بقيامته التي تعمل في روحنة كيانه ( ((الذي أصبح روحًا)) )، عهدًا جديدًا في تفعيل قدراته الالهيّة خاصة من خلال عمله التقديسيّ ( ((روح القداسة)) ). تعود هذه القدرات له منذ الأزل ( ((جعل ابن الله في القدرة)) )، غير أنها كانت شبه ((مغلّفة)) ومرتبطة بحالته الضعيفة عندما اتّخذ الطبيعة البشريّة ( ((ولد من نسل داود بحسب الجسد)) ). يقول أيضًا زرويك: ((تعني عبارة  الطبيعة الالهيّة التي ينظر إليها بولس من زاوية الخلاص: يمنح المسيح بعمل الروح القدس قدرته الخلاصيّة والمقدّسة، بفضل تمجيده من خلال الموت والقيامة. رج يو 7: 39))(19).
> يختتم بولس كلامه بدخوله في عالمنا التاريخيّ ليقول بأنّ ابن الله هذا هو الذي يُلخّص فيه الانجيل، وهو يسوع المسيح ربّنا. يحبّ الرسول استعمال العبارة ((يسوع المسيح ربّنا)) () التي توجز الإيمان المسيحي.
يشير اسم ((يسوع)) إلى طبيعة ابن الله البشريّة وإلى تضامنه مع البشر إذ أتى ((ليخلّص)) البشر (رج متى 1: 21). كما يؤكّد بولس في عبارة ((المسيح)) التي تؤلّف جزءًا من اسم يسوع على مسيحانيّته. يتضمّن اسم المسيح في فكر بولس ذكرًا لدور المخلّص الملكيّ والنبويّ والكهنوتيّ؛ هذا هو مفهوم العهد القديم لاسم ((م ش ي ح)). بينما تدلّ كلمة ((الربّ)) على ((الاسم الذي يفوق جميع الأسماء)) (فل 2: 9) وتشير إلى أن المسيح تمجّد في طبيعته البشريّة نفسها وجلس عن يمين الآب. إنها تشرح لنا بطريقة تامة قدراته الالهيّة لصالح البشر.
هكذا توجز هذه الأسماء حدث المسيح منذ تجسّده وبدء الملكوت المسيحانيّ معه حتى تمجيده الأخير الذي يوليه حقّ عبادة جميع الخلائق.

ب - الدعوة إلى الرسالة (آ 5-6)
بعد أن تطرّق بولس بطريقة عابرة إلى الانجيل، وشدّد على طبيعة المسيح محور الانجيل كله، برّر تدخّله في أمور الرومانيّين، وذكّر بأن المسيح القائم من بين الأموات منحه نعمة الإيفاد إلى الرسالة. تتمركز هذه الرسالة حول هداية جميع الوثنيّين لطاعة الإيمان إكرامًا لاسم يسوع. يسعى الرسول بالتالي إلى قيادة هؤلاء إلى إيمان يتحقّق في الطاعة لله. 
نقرأ في النص اليوناني: ((به نلنا النعمة والرسالة من أجل طاعة الإيمان بين جميع الوثنيّين)) (آ 5). لا نتكلّم هنا عن هبتين مختلفتين منفصلتين الواحدة عن الثانية، بل إن هاتين الكلمتين ((النعمة والرسالة)) () تعبّران معًا عن فكرة مركّبة من عبارتين تتبع الأولى الثانية وتخصّصها وتؤلّفان معًا ما يُسمّى (Hendiadys). لا تبقى الأداة حرف عطف فحسب بل تأخذ منحى تفسيريًا لتعطي المعنى إلى النصّ: ((النعمة لمهمة رسوليّة)). ارتبطت الدعوة إلى الإيمان عند بولس بالدعوة إلى المهمة الرسوليّة. أتته ((نعمة الرسالة)) من عند يسوع المسيح، من ((سيّد)) ()حياته. ونجد عمومًا في العهد الجديد هذه الصلة بين ((النعمة)) و ((الرسالة)) (رج روم 15: 15؛ غل 2: 9؛ فل 1: 7؛ أف 3: 2).
تنطوي عبارة ((طاعة الإيمان)) () حسب التركيب الإنشائيّ اليونانيّ على المعاني التالية: ((الطاعة التي تنبع من الإيمان))، ((الطاعة للإيمان))، ((الطاعة التي تكمن في الإيمان)). تعود هذه العبارة من جديد في روم 16: 26 وقد تكون موازية لعبارة ((سماع الإيمان)) () الواردة في غل 3: 2، 5. يعرض فيتزماير ترجمة ثانية ((الالتزام الإيماني)) (Commitment)(20). 
يدلّ الإيمان، كما هو معروف، بعض الأحيان، على ذلك الفعل الذي يقوم به الفرد ليصبح مسيحيًا. ويطبع أحيانًا أخرى تصرف المسيحيّ الذي يتابع عمله الأوليّ في تقديم نفسه الكامل إلى المسيح. ويصبح تارة مرادفًا لكلمة الانجيل وللمسيحيّة.
إذا أعطينا للإيمان المعنى الشخصيّ أي أن الإيمان الذي يعبّر عنه ويكمن في الطاعة لله وللمسيح، وليس فقط المعنى الموضوعيّ أي الطاعة للبشارة، نجد أن كلمة ((الإيمان)) عندما ترادف كلمة ((البشارة)) () تحمل عمومًا ((أل)) التعريف (رج غل 1: 23؛ 3: 23، 25). ونشير أيضًا إلى أن الانتماء إلى المسيحيّة يكون بعض الأحيان ((فعل إيمان)) (أع 4: 4؛ 13: 12؛ 14: 23) و ((فعل طاعة)) (أع 5: 32؛ 6: 7). ونجد في روم 10: 16 موازاة بين ((الطاعة)) للبشارة و ((الإيمان)) بالكرازة.
يرى بعض البحاثة في العبارتين () و () إشارة إلى التصرّف المختلف بين المسيحيّين المتهودين الذين يرفعون راية ((الطاعة)) للشريعة، والمسيحيّين الوثنيّين الذين اتّخذوا ((الإيمان)) كلمة السرّ في حياتهم. يظهر أن بولس يسعى إلى الجمع بين هذين الموقفين. إنه يطلب من المسيحيّين ((الطاعة)) في مفهومها المختلف عن الطاعة للشريعة حسب تعليم الرابّينيين، أي الطاعة ((كفعل إيماني))، الذي هو بالتالي ((فعل خضوع الانسان لله في الطاعة له))(21).
تمثّل عبارة ((إكرامًا لاسمه)) () موضوع ذلك ((الإيمان))، وتشير إلى الإيمان باسم يسوع، أي بالربّ القائم من بين الأموات والممجّد. نتّخذ هنا مقولة القديس يوحنا الذهبي الفم ((حتى نؤمن باسمه)) (). يهدف بولس خدمة المسيح من خلال تبشيره، وقد أصبح ((عبدًا)) من أجل مهمة خدمة ((سيّده)).
ينتمي أولئك الذين يُرسل بولس إليهم رسالته إلى العالم الوثنيّ، غير أنهم هم أيضًا ((مدعوّين)) من قبل يسوع المسيح. إنهم أيضًا ينتمون إلى المسيح وقد أصبحوا خاصة روحه القدوس. نلحظ أن بولس يحيل الدعوة دائمًا إلى الآب كما ورد في روم 4: 17؛ 8: 30؛ غل 1: 6، ولكنّ المسيحيّين أصبحوا مدعويّن ((من)) يسوع المسيح بفعل الدعوة إلى الإيمان، وبالتالي باتوا خاصة المسيح ربّهم وعبيده. وهذا ما دفع البعض إلى ترجمة أخرى: ((دعاكم (الله) إلى يسوع المسيح)).
3 - العنصر الثالث (آ 7أ)
يلمّح هذا العنصر إلى المرسل إليهم، ويتضمّن المؤمنين الرومانيين الذين اهتدوا من الوثنيّة إلى المسيحيّة مع عدد ضئيل من المسيحيّين المتهودين. يصفهم الرسول بأنهم موضوع محبّة الله، وقديسين من خلال دعوتهم إلى الإيمان الذي ضمّهم في شعب الله وجعل منهم أمة مقدّسة وكهنوتًا ملوكيًا (رج 1 بط 2: 9).
نلحظ أن بعض المخطوطات لا تحتوي على ذكر مدينة ((رومة)) ()(22)، ويرجع بعض المفسّرين هذا الغياب إلى مرقيون الذي أراد أن يضفي على الرسالة طابع الشموليّة لتكون موجّهة إلى جميع المؤمنين في ((المسكونة)).
نلحظ أيضًا في عنوان الرسالة غياب لقب ((كنيسة)) الذي يعود في 1 تس 1: 2؛ 2 تس 1: 2؛ غل 1: ،2 ولكننا بصدد عبارة مماثلة نجدها في فل 1: 1؛ كو 1: 2. يرى بعض البحاثة في غياب هذا اللقب عدم وجود بنية في تلك الجماعة، لا بل انقسامًا في الجماعة بين يهود ووثنيّين، ويفكّرون بأن بولس يسعى إلى إعادة تنظيمها(23).
تحدّد الألقاب الثلاثة ((أحبّاء)) و ((مدعوين)) و ((قديسين)) حالة المسيحية من جوانبها المختلفة، وتلخص بنوع ما تاريخ الخلاص. كما إننا نجد هذه الألقاب الثلاثة معًا في كو 3: 12 (((مختارين)) بدل ((مدعوين)))، وفي 1 تس 1: 4 نجد لقبيّ ((محبوبين)) و ((مختارين)). لنتناول الآن كل لقب على حدى.

أ - ((أحبّاء)) ()
يُلمّح بولس بهذا اللقب إلى مصدر الخيرات كلها، تلك الخيرات التي يتمتّع بها جميع القراء. ستشرح الألقاب اللاحقة معاني الخيرات المختلفة، لا بل إنها تسبق أحد مواضيع الرسالة الهامة ((محبة الله)) (الفصول 5-8).
يعتبر بولس محبة الله مصدر عمل المسيح الفدائي وهدفه (5: 8؛ 8: 31-39)، ومصدر عمل روح ابن الله التقديسيّ وهدفه (5: 5؛ 8: 1-30)(24).
نقرأ في الرسائل الأخرى العبارات التالية ((محبة الله)) و ((محبة المسيح)) (روم 5: 5، 8؛ 8: 35-39؛ 2 كور 5: 14؛ 13: 13؛ أف 3: 19). ونجد كذلك عبارة ((محبة)) في استعمالها المطلق (رج غل 5: 6، 13، 22؛ روم 12: 9؛ 13: 10؛ كو 3: 14). إنه من البديهيّ أن العبارة الأولى تدلّ على المحبّة التي تصدر عن الله أو المسيح، ولكنها تصل من خلال عطيّة الروح القدس إلى قلب الانسان. بينما تشير المحبّة المطلقة والملتصقة بالإيمان (غل 5: 6) إلى محبّة القريب(25).

ب - ((قديسين)) ()
تطرّقنا سابقًا إلى هذه العبارة في كلامنا عن دعوة بولس ليكون ((رسولاً)). لا تدلّ العبارة في استعمالها البيبليّ إلى حالة الطهارة أو الكمال في مفهومها الأخلاقيّ، ولا تتعلّق مباشرة بطريقة ((عمل)) شيء ما ولكن ((بكيان)) هذا الشيء. تشير كلمة ((قديس)) في جذورها إلى الفصل بين ما هو مدنّس وبين ما يختصّ بالله من ناحية العبادة.
تتّخذ عبارة ((قُ د ش)) في العهد القديم معنى قانونيًا وطقسيًا. هذا ما يفرضه فهم نص سفر الخروج في قوله: ((وأنتم تكونون لي مملكة من الكهنة وأمة مقدّسة)) (19: 6). يصبح شعب اسرائيل أمة مقدّسة لأن الله فصله عن سائر الشعوب، ولأنه أصبح خاصة الله بقصد العبادة التوحيديّة. يطبّق العهد القديم هذا المفهوم على جميع المنتمين إلى الشعب المختار (مز 79: 2: ((أصفيائك)) أو بالأحرى ((الذين ينتمون إليك)) أو ((خاصتك))؛ رج 1 مك 7: 7)(26).
أما في العهد الجديد، وفي استعمال أول، دلّت عبارة () على مؤمني الكنيسة - الأم، كنيسة أورشليم وفلسطين (روم 15: 25، 31؛ أع 9: 13، 32). ثم امتدّت التسمية بدون تفرقة إلى جميع المسيحيّين لأنهم يشتركون في الخيرات نفسها (أف 3: 6) في يسوع المسيح (روم 16: 2؛ 1 كور 1: 2؛ 2 كور 1: 1؛ كو 3: 12). وتذكّر العبارة أيضًا بفكرة الفصل والانتماء إلى الله نتيجة لدعوة واختيار، ولكنها بالوقت ذاته تحتوي مفهومًا ومضمونًا أكثر فعاليّة. إنها المشاركة في القداسة الالهيّة، وفي طهارة كيانه وكماله، هذا الكيان الذي يظهر في العمل. تصبح القداسة إذًا مرتبطة في قلوب المؤمنين بوجود الروح القدس الفعّال الذي يجعلهم ((أبناء)) (روم 8: 14) ويفيض فيهم ((محبة الله)) (روم 5: 5). يبدو هذا المظهر الإيجابيّ للقداسة في 1 تس 5: 23: ((قدّسكم إله السلام نفسه تقديسًا تامًا وحفظكم سالمين روحًا ونفسًا وجسدًا...)). يجعل فعل الله المقدّس المؤمنين كاملين على صورته.
بالإضافة إلى ذلك، تتطلّب حالة ((القداسة)) ()، أي هبة الله الداعية إلى الإيمان، ((التقديس)) () وهي إرادة الله (رج 1 تس 4: 3) وثمرة عمل الله الظاهرة في المؤمنين (رج 1 تس 5: 23). تقتضي هذه القداسة من المؤمنين أن يعيشوا في طريقة مختلفة عن حالة سائر الناس (رج 1 تس 4: 6ي) وعن الأزمنة الماضية (روم 6: 15-23)، ولكنها مطابقة لله وللمسيح (أف 5: 1ي). يطلب بولس من الرومانيين أن يجهدوا في خدمة البرّ ليعملوا في تقديسهم (6: 19؛ رج أيضًا 1 بط 1: 5)(27).

ج - ((مدعوين)) ()
يعبّر هذا اللقب عن فكرة تقول إن الله هو الذي اتّخذ المبادرة في الخلاص، وهو الذي أراد تحقيق هذا المخطّط الخلاصي في أن يدعو الانسان إلى الإيمان ليبرّره ويمجّده (روم 8: 30).
تتماشى مع هذا اللقب عبارة ((مختار)) () التي تحمل معنى مماثلاً ((للمدعو)) (1 كور 1: 24ي؛ كول 3: 12؛ 2 بط 1: 10؛ رؤ 17: 14؛ روم 8: 33). غير أنها تتضمّن بوضوح مفهوم الاختيار والتفضيل والاصطفاء. نلحظ أن عبارة كنيسة EKKLHSIA تجمع بين فكرة الانتقاء وفكرة الدعوة.

4 - العنصر الرابع (آ 7ب)
يتألّف هذا الجزء الثاني من الآية 7 من ثلاثة أقسام، وكل قسم من أربع كلمات 
-  

.

كما أنه ينطوي على التمنّيات الرسوليّة بالنعمة والسلام. ويذكرنا ضمّ عبارتيّ ((النعمة والسلام)) (في القسم الأول) ببعض عناصر البركة الكهنوتيّة التي كان يسألها بنو هارون من الله ليفيضها على الشعب: ((يباركك الربّ ويحفظك، ويضيء الربّ بوجهه عليك ويرحمك، ويرفع الربّ وجهه نحوك ويمنحك السلام! فيجعلون إسمي على بني اسرائيل، وأنا أباركهم)) (عد 6: 24-26).
يدلّ اسم () عمومًا على الآب ويصبح في روم 15: 6: ((الله أبا ربّنا يسوع المسيح)). ويشرح بولس في روم 8: 15 (((أبا، يا أبت))) معنى هذه الأبوّة في علاقتها مع المسيحيّ (رج 1 كور 1: 3؛ 2 كور 1: 2؛ فل 1: 2)(28).
تشكّل ((النعمة)) في هذا الإطار مجموعة البركات المسيحانيّة الملخّصة في هبة الروح القدس (غل 3: 14) والمعبّر عنها من خلال الرضى الالهيّ. ويشير ((السلام)) إلى الخلاص المسيحانيّ المرتبط بتحقيق سلامة الانسان الكاملة التي تتجلّى في إعادة التناغم في العلاقات بين الله والبشر (روم 5: 1)، والاتفاق التام بين البشر أجمعين (أف 2: 14-17؛ روم 12: 18). هذا السلام هو الركيزة الأولى للسلام الذي يرفض جميع مظاهر العداء والحرب والشقاق (غل 5: 19-22)(29).
يجاور بولس الآب مصدر هذه البركة إلى جانب المسيح السيّد القائم من بين الأموات (رج لقب (()) المعطى للمسيح). هكذا يصبح الآب والابن بالتساوي مصدر البركات لمسيحيي رومة.

خاتمة
لا نستطيع إلاّ أن نقف منذهلين أمام هذا الغنى الفكريّ اللاهوتيّ في مطلع هذه الرسالة، وهذا الأفق الروحيّ الواسع الذي فتحه أمامنا الرسول بولس. يسيطر مخطّط الله على الزمن، لأن الله في المسيح ومن خلال بشارته () يتابع خلاص العالم. هكذا يؤلّف المسيح ((الربّ)) محور التاريخ البشريّ لأنه ((أعطي كل سلطان في السماء والأرض)) (متى 28: 18)، ولأنه يهب قوّته المقدّسة إلى جميع المسيحيّين الذين يدعوهم إلى الرسالة. تقوم هذه الدعوة، في جوهرها، على الانتماء في الطاعة الأبويّة إلى يسوع المسيح (آ 6)، وعلى أن يكون المسيحيّون ((أحباء)) الله في المسيح. أجل، تشكّل هذه الآيات القليلة في مقدّمة الرسالة إلى أهل رومة ملخّصًا غنيًا في العقيدة الكرستولوجيّة، استطاع بولس أن يعبّر عنها بعد موت المسيح وقيامته بزمن يسير. 

مراجع: 
- بولس الفغالي، ((الانجيل قدرة الله - الرسالة إلى الرومانيين))، محطات كتابيّة ،1 الرابطة الكتابيّة 1995.
- ((رسالة بولس إلى الرومانيين))، في مجلة ((بيبليا)) عدد 6 و ،7 2000.

- DUPLACY, J., اLe Fils de Dieu né de la race de David, in AssS n. série 8 (1972) 12-16.
- IDEM, اPaul Apotre du Fils de Dieu auprès des Nations (Rom 1, 1-6), in AssS 8 (1962) 20-36
- CIPRIANI, S., Epistola Ai Romani, in Introduzione alla bibbia, V/1, Torino 1966, pp. 432-438.
- FEUILLET, A., Romains (Epitre aux), in DBS X, 1985, col. 739-863.
- CAMBIER, J. M., Lépitre aux Romains, in introduction à la bible, éd. nouv., le Nouveau Testament, Desclée, 1977, pp. 123-151.
- LYONNET, S., Le message de lépitre aux Romains, Paris 1971.
الفصل السابع والعشرون


بنية الرسالة إلى فيلبّي

هذه الدراسة هي محاولة لقراءة الرسالة إلى فيلبّي مع تطلّع خاص إلى البنية والأسلوب والتعليم. وما نودّ المدافعة عنه هو أن فل رسالة واحدة موحّدة، ووظيفتها تداوليّة، تشاوريّة. هذا يعني أن الرسالة ترمي العمل على إزالة الشقاق الذي نقرأ عنه بوضوح في 4: 2-3: ((أطلب من أفودية وسنتيخي أن تفتكرا فكرًا واحدًا في الربّ)). أي أن تعيشا الوفاق والوحدة اللذين يتمنّى الرسول وجودهما في جماعة فيلبّي. وكل هذا من أجل الانجيل الذي نحامي عنه. وعلى ضوء هذا الموضوع الأساسيّ، تستنير سائرُ المواضيع. من أجل هذا، نتوقّف عند البنية، فنجد تماسكًا يعكس مختلف الوجهات وعلاقاتها بعضها ببعض داخل النصّ كله.
منذ زمان تحدّث الشرّاح عن موضوع الوحدة في فل، على أنه وجهة جوهريّة في الحياة المسيحيّة والشهادة(1). ولكن يبقى أن نستخلص هذا الموضوع من بنية الرسالة. اختلف بولس عن يوحنا(2)، فما قال شيئًا لأهل فيلبّي عمّا دفعه إلى الكتابة. لهذا، كانت الاقتراحات. بعضهم رأى كلامًا عن الفرح، فاعتبر أن موضوع الرسالة هو الفرح. وآخرون شدّدوا على شكر بولس لما تلقّاه من عون. وآخرون أيضًا أشاروا إلى تواضع المسيح الذي هو مثال للمؤمنين. سوف نحلّل الخطبة مستندين إلى المقاطع، وارتباط المقطع بالآخر. ونحاول أن نكتشف التماسك بشكل يدلّ على التفاعل بين المتكلّم والسامع، بين الكاتب والقارئ. وحين نصل إلى ((بنية كبيرة))(3)، نكتشف على نطاق واسع مضمون النصّ قبل أن نصل إلى تفاصيله.
بعد أن ندرس، بسرعة، المفاصل الأولى في فل، نتوقّف عند المقاطع الصغيرة، فنفهم الموضوع الأساسيّ: تجاه تحزّب وانقسامات في الجماعة، كان نداء بولس إلى الوحدة والتوافق من أجل شهادة انجيليّة وسط العالم الوثنيّ وفيه ما فيه من رفض للمسيح.

1 - المفاصل الأولى في فل
نحاول هنا أن نرسم مسيرة الأفكار في فل، ونكتشف الرباطات المنطقيّة بين مختلف مقاطع الرسالة. فإننا وإن كنّا لا نتجاهل تكوين الجمل ومفردات اللغة، إلاّ أن تحليلنا يبدأ في البنية الكبيرة قبل أن يصل إلى البنية الصغيرة(4). فهذه التي تتألّف من ألفاظ وجمل وأقوال واسعة هي هامة، ولكن داخل نظرة نصل إليها حين نتفحّص النصّ كله. هنا يُطرح سؤالان يوجّهان كلامنا. الأول، أية بنية كبيرة تجمع الرسالة في كلٍّ متماسك؟ الثاني، كيف تدخل البنى الصغيرة في هذه البنية الكبيرة؟

أ - الرسالة ككلّ (1: 1-4: 23)
إذا عدنا إلى تكوين الرسائل في زمن بولس الرسول، نتعرّف إلى ثلاثة أقسام أساسيّة: فاتحة الرسالة. جسم الرسالة. خاتمة الرسالة. إن فاتحة فل (1: 1-2) توافق شكل الرسائل في القرن الأول المسيحيّ، وتُبرز طريقة الاتّصال الرسائليّ، فتعرّفنا إلى ذاك الذي وجّه الرسالة، وإلى الشخص الذي تلقّى الرسالة. والمقطع الأخير في فل (4: 21-23) يتوافق هو أيضًا مع الأسلوب الرسائليّ، فيُنهي الخطبة بالسلامات والبركة. وهكذا تُقسم فل ثلاثة أقسام: فاتحة الرسالة (1: 1-2). جسم الرسالة (1: 3-4: 20). خاتمة الرسالة (4: 21-23).

ب - فاتحة الرسالة (1: 1-2)
تبيّن هذه البداية في هاتين الآيتين أن الرسالة كلٌّ تامّ. فرباطات هذه الوحدة واضحة في انتقالة تتألّف من جمل إسميّة (لا فعل فيها) تصل بنا إلى أول فعل يرد بوضوح في 1: 3 (أشكر) . على مستوى التأليف، تتكوّن فاتحة الرسالة هذه من عبارتين اثنتين. الأولى (1: 1) تدلّ على المرسل وعلى متسلّم الرسالة. الثانية (1: 2) تتحدّث عن البركة. نحن نعرف اليوم أن مضمون الفاتحة في رسالة من الرسائل البولسيّة، يعكس عددًا من الأمور سنقرأها في الرسالة نفسها. وإن فل تتضمّن في فاتحتها ثلاث سمات فريدة تلعب وظيفتها في هذا المضمار. أولاً، في 1: ،1 ترك بولس الطريقة العاديّة في الكلام، وتنازل، فمنح تيموتاوس ذات اللقب الذي يمنحه لنفسه. ((عبد)). ثانيًا، استعمل بولس لفظ ((جميع)) (كل) ، في بداية التضمين، ليكلّم قرّاءه: إلى جميع القديسين(5). ثالثًا، ذكر بولس بنوع خاص الأساقفة والشمامسة في الكنيسة، فبيّن مكانتهم ((مع)) المؤمنين، لا ((فوقهم))(6).
هذه السمات هي انعكاس واضح للظرف الذي دفع بولس لكي يكتب رسالته: فالحاجة إلى الوحدة هي فضيلة مسيحيّة لا غنى عنها. بالإضافة إلى ذلك، فلفظ  يشير إلى التواضع، وهو موضوع لاحق (يرتبط بالموضوع الأساسيّ) سيتوسّع فيه بولس في جسم الرسالة، حين يدعو أهل فيلبّي لكي يخدموا بعضهم بعضًا كما خدمَهم المسيحُ (2: 7). وهكذا لعبت آ 1-2 وظيفة هامة، فهيّأتنا لفكر سيتوسّع فيه بولس وهو أن العلاقات داخل الكنيسة، بين العاملين معًا في الرسالة الواحدة، هي علاقات التواضع التي يتساوى فيها جميع المؤمنين (بل نحسب الآخرين أفضل منا، 2: 3)، لا علاقات السلطة والتسلّط.

ج - جسم الرسالة (1: 3-4: 20) 
بعد المقدّمة (آ 1-2)، يبدأ جسم الرسالة في 1: 3. ويمكننا أن نجزّئه أربعة أجزاء: 1: 3-11 (المقدّمة)؛ 1: 12-2: 30 (النواة والذروة)؛ 3: 1-4: 9 (أمور جانبيّة، ولكنها أمور مهمّة)؛ 4: 10-20 (الخاتمة). ويُطرح السؤال هنا: على أي أساس إرتكزت هذه التجزئة؟
أولاً، نجد في 1: 3-4: 20، ثلاث علامات قطع رئيسيّة. العلامة الأولى نقرأها بين 1: 11 و 1: 12، حيث ينتقل بولس من الجزء الأول، الذي هو المقدّمة (الشكر والصلاة)، إلى جسم الرسالة في المعنى الحصري. بالإضافة إلى ذلك، في 1: 12 حيث يبدأ الطرح، تظهر عبارة قاطعة (أريد أن تعلموا) تدلّ على بداية انتقال من مقطع إلى آخر في الرسائل البولسيّة(7). ونجد العلامة الثانية الرئيسيّة بين 2: 30 ، 3: 1ي، حيث ينتقل بولس من الفرح إلى الحزن والسخط. هذا التبدّل هو من الفجاءة بحيث اعتبر عدد من الشرّاح أن فل تتألّف من أكثر من رسالة، وأن 3: 1 تبدأ رسالة جديدة. والعلامة الثالثة تقع بين 4: 9 و 4: 10. يتوقّف 4: 1-9 عند وصايا عامّة توازي ما في 3: 1. أما في 4: 10، فيعود بولس إلى موضوع مشاركة أهل فيلبّي في الانجيل (رج 1: 5). والحدود التي تختم الرسالة، تدلّ عليها نهايةُ الطرح في 4: 20، مع ثلاث عبارات متوازية ومستقلّة تتضمّن السلامات (4: 21-22) والبركة الأخيرة (4: 23). وهكذا انفصل 4: 21-23 عن المواد السابقة، على مستوى المضمون وعلى مستوى الشكل حيث نجد ثلاث عبارات مستقلّة.
ثانيًا، من الواضح أن 1: 3-11 و 4: 10-20 يرتبطان الواحد بالآخر، كبداية جسم الرسالة ونهايته، وهذا ما لا نجده في 1: 12-4: 9. هذا اليقين نكتشفه أيضًا على مستوى اللفظ والعبارة وعلم النحو، كما في اللوحة التالية: 
1: 3-11 4: 10-20
مشاركة في (1: 5) لم تشاركني (4: 15)
شركائي في النعمة (1: 7) اشتركتم في ضيقي (4: 14)
من أول يوم (1: 5) في بداءة الانجيل (4: 15)
أن أفتكر (1: 7) افتكاركم (4: 20)
حين رأى أحد الشرّاح هذا التوازي، قال: ((لم تأت هذه الألفاظ عن طريق الصدفة، بل جُعلت هنا بشكل خاص لتدلّ على هدف معيّن وبنية محدّدة)). وهكذا لا نجد الجذر  (شركة) إلاّ في بداية الرسالة ونهايتها، للاشارة إلى العلاقة بين بولس وأهل فيلبّي. وما هو لافت أيضًا هو أن في كل كتابات بولس، لا نجد الجذر  (شركة مع) إلاّ في بداية فل ونهايتها، كما لا نجد إلاّ في فيلبّي المزج بين  (افتكر، احترم) و  (فوق، على)(8).
نستطيع أن نستنتج من هذا أن 1: 3-11 يشكّل مقطوعة منفصلة داخل الرسالة، بحيث يكوّن فاتحة جسم الرسالة. ونقول الشيء عينه عن 4: 10-20. هو أيضًا مقطوعة منفصلة داخل الرسالة وهو خاتمة جسم الرسالة. وهكذا يتّضح أن النواة الذروة نجدها في جسم الرسالة في المعنى الحصريّ للكلمة، في 1: 12-4: 9. هنا نجد ((التعليم)) الأساسيّ في فل.

د - خاتمة الرسالة (4: 21-23)
نجد هنا استنتاجين: تحيّة مثلّثة في آ 21-22. وبركة على كنيسة فيلبّي في آ 23. ومع ذلك، داخل وظيفة 4: 21-23 الواسعة كنهاية جسم الرسالة، هناك تضمين يدلّ على نيّة الكاتب بأن يجعل رسالته وحدة واحدة. وهذا ما نجده في الألفاظ والمدلولات: 
4: 21-23 1: 1-2
الاخوة الذين معي بولس وتيموتاوس
جميع القدّيسين جميع القدّيسين
نعمة الربّ يسوع المسيح نعمة ... الربّ يسوع المسيح
ما يلفت النظر هو تكرار التمنّي بالنعمة. فآخر كلمة قالها بولس (4: 23: نعمة ربّنا) تتلاقى مع أول كلمة (1: 2: نعمة لهم). ويرد القرار مع صيغة الجمع (ضمير المتكلّم ) وصيغة المفرد (الروح ): فكل عضو من أعضاء الكنيسة يشارك في الحياة الروحيّة الواحدة (4: 23). وهكذا انتقل التركيز من هدف يتطلّع إلى الحياة المسيحيّة، إلى اتصال شخصيّ بين فئتين مدعوّتين إلى التوافق.

2 - المقاطع الصغيرة في جسم الرسالة

أ - فاتحة جسم الرسالة (1: 3-11)
بعد أن تعرّفنا إلى فاتحة جسم الرسالة وخاتمته، يجب أن ندخل إلى جسم الرسالة، لكي نكتشف ما أراد الرسول أن يقوله في خطبته. فالفاتحة تميّزت بانتقال عبارتين لا فعل فيهما (1: 1-2) إلى فعل أول في 1: 3 (أشكر). والوقفة في نهاية 1: 11، توجّهنا نحو بنية الوحدة التالية (1: 12-26). ثم إن التوازي بين 1: 3-8 و 1: 9-11 يدلّ على اتّصال بين هذين المقطعين، كما أنه يفصلهما عمّا يلي، وهذا ما نراه في الفعل الذي يرد في بداية كل مقطع: أشكر (آ 3). أصلّي (آ 9). في كل هذه المقطوعة نجد فعلين رئيسيّين (أشكر، أصلّي). وهذا ما يجعلنا تجاه مقطعين متوازيين: فعل الشكر الذي اعتاد بولس أن يرفعه في بداية رسائله (1: 3-8) والصلاة مع فعل  (1: 9-11). سيلعب 1: 3-11 وظيفة استباق المواضيع الرئيسيّة في سائر أقسام الرسالة(9). وهذا ما نعالجه الآن في جزئين اثنين.
أولاً: شكر من أجل أهل فيلبّي (1: 3-8)
هو شكر من أجل المشاركة في الانجيل، المشاركة في نشر الانجيل. تتميّز هذه القطعة كوحدة مدلوليّة بثلاث سمات. الأولى، عودة ((جميعكم)) أربع مرات في هذه الآيات (آ ،4 آ 7 مرتين، آ 9). ولا نعود نجد هذا اللفظ في فل، إلاّ في 1: 25؛ 2: 17، 26. الثانية، هي أن هذه القطعة هي جملة طويلة في اليونانيّة (إلاّ إذا كانت علامة الوصل  في آ 8 علامة قطع). الثالثة، إن فعل  يمثّل فاتحة جملة مستقلّة ومحدّدة. لهذا، يشكّل 1: 3-8 مركّبًا يعبّر عن الشكر (آ 3-6) مع مركّبين آخرين في داخله (آ 7 و آ 8) يدلاّن على سببَي الشكر الذي رفعه بولس.
بعد أن قرأنا موضوع هذه القطعة، نتوقّف عند 1: 3-6. ونجد فعلين: أشكر، يكمّل . غير أن الفعل الثاني يخضع للفعل الرئيسيّ ويرتبط به. هذا يعني أن موضوع 1: 3-8 هو كمال الشكر البولسيّ من أجل مشاركة () أهل فيلبّي في الانجيل (آ 5). ونستطيع أن نعبّر عن هذا الموضوع كما يلي: أشكر الله، يا أهل فيلبّي، لأنكم تشاركوني بأمانة في نشر الانجيل. استعمل بولس لغة الرفقة والشراكة ليعبّر عن التوافق بين بولس والمسيحيّين في فيلبّي على مستوى ((العطاء والأخذ)) (4: 15)، على مستوى المشاركة في الأمور الماليّة والخيرات الماديّة(10). ساعة تدلّ  في ملء معناها على مشاركة روحيّة، بدت في 1: 5 وكأنها تشير إلى العون الماديّ الذي تلقّاه الرسول من الفيلبيّين. وبعبارة أخرى، رأى بولس علاقته مع أهل فيلبّي عقدًا متبادلاً من أجل هدف واحد هو نشر الانجيل. نلاحظ أن فكرة المشاركة في الخيور الماديّة (هي وجهة هامّة في الوحدة المسيحية) موجودة في فاتحة جسم الرسالة (1: 3-11) كما في خاتمته (4: 10-20). وهكذا نكون أمام البرهان الرئيسيّ في فل.
ثانيًا: صلاة من أجل نموّ الحبّ عند الفيلبيّين (1: 9-11) 
ما يدلّ على الوحدة في هذه القطعة، هو وجود فعل ((أصلّي)) كجملة رئيسيّة. وأن لا فعل رئيسيًا آخر. هذه القطعة تبدو خاتمة الشكر في 1: 3-8، وتشير إلى وظيفة التشفّع من قبل المرسل إلى من يتلقّى الرسالة، على ما في الأسلوب الرسائليّ في العالم اليونانيّ.
بعد فعل في صيغة المتكلّم المفرد (أصلّي)، ترد  (كي) فتشير إلى مضمون الصلاة التي تتوزّع في طلب (تزداد محبّتكم أيضًا أكثر فأكثر، آ 9) وهدف (حتى تميّزوا الأمور... وتكونوا بلا عثرة، آ 10) وتطلّع (مملوءين من ثمر البرّ، آ 11). لا شكّ في أن هدف بولس في صلاته يرتبط بشكل التصرّف الذي يُظهره المؤمنون في فيلبّي. ونحن نستطيع أن نعبّر عن موضوع 1: 9-11 كما يلي: أصلّي لكي يكون حبّ بعضكم لبعض من النضوج بحيث تقدرون أن تروا المهمّ المهم: سلوك مخلص وصادق (لا لوم فيه)، بعضكم تجاه بعض(11). وهكذا تقف صلاة بولس على حدود الارشاد والتحريض، فتدلّ على ما رمى إليه تشجيعُ جماعة فيلبّي إلى قدر أكبر من الوحدة والمحبّة. فالمسألة التي تواجه بولس والكنيسة في هذه الرسالة(12)، تُذكر هنا منذ الآن في فاتحة جسم الرسائل. ويبرز الموضوعُ أيضًا على المستوى البلاغيّ للغة في تكرار اللفظة الواحدة: جميع، جميعكم... (آ 3-8): كل صلوات بولس هي من أجل كل الفيلبيّين(13).
بالإضافة إلى ذلك نجد هنا خمسة مواضيع تابعة تلعب دورًا هامًا في برهان بولس. الأول، يتضمّن 1: 7 أول استعمال لفعل  (افتكر) الذي يرد أيضًا عشر مرات في الرسالة(14). يعكس هذا الفعل إطارًا خاصًا لتكرار موقف، ويربط الأجزاء الرئيسيّة التي نجدها في جسم الرسالة، في كلٍّ موحّد: يبدأ مع عودة إلى موقف بولس تجاه الفيلبيّين (1: 7)، ويقدّم مدلولاً لاهوتيًا فيه يحثّ بولس المؤمنين على الوحدة (2: 2، 5)، ويقف تجاه الذين يفكّرون تفكيرًا أرضيًا (3: 15، 19؛ 4: 2). وفي النهاية، يُستعمل للكلام عمّا فعله أهل فيلبّي تجاه بولس، فعبّروا عن فعلهم بتقدمتهم (4: 10). حين استعمل بولس فعل ((افتكر)) في 1: 7، هيّأ قرّاءه لما سيقوله فيما بعد، في 2: 2: يكون فكرهم كفكر المسيح. يفتكرون فكرًا واحدًا.
الثاني، إن موضوع الألم كوجهة من الخدمة المسيحيّة، يبدأ في 1: 7، ويمتدّ عبر الرسالة. فالألفاظ التي تنتمي إلى الحقل الدلالي للألم، تتضمّن الجهاد (، 1: 30)، وثاق (، 1: ،7 ،13 ،14 17)، الضيق ( 1: 17: 4: 14). الألم ( 3: 10)، تألّم (، 1: 29)، جاهد مع (، 1: 27؛ 4: 3). أوّل مرّة يرد هذا المدلول، في 1: 7 مع ((وثاق))، وآخر مرّة في 4: 14 مع ((ضيق)). الثالث، يظهر هنا وللمرة الأولى لفظ ((انجيل، بشارة))(15) ، كرسالة تُنشر ويدافع عنها. الرابع، المسبّق(16)  (مع) يُستعمل هنا للمرة الأولى (1: 7)، فيكون أحد المفاتيح في الرسالة: في 1: 7 (شارك مع)، نقرأ وصفًا للمشاركة بين بولس والكنيسة بالنظر إلى سجن يقاسيه من أجل خدمة الانجيل. في 1: 27 (جاهد مع)، نقرأ كلامًا عن سعي الفيلبيّين لعيش الانجيل. في 2: ،2  (نفس واحدة) تعكس الوحدة في الموقف الذي يرغبه بولس من أجل المؤمنين. في 2: 17-18 (أفرح معكم... إفرحوا معي)، يصوّر الرسول الفرح (المتبادل والمشترك) بين بولس والكنيسة، كذبيحة يقدّمها عن الجماعة. في 2: 25 (العامل معي... المتجنّد معي)، نكتشف العلاقة الحميمة بين الرسول وإبفروديتس. في 3: 17  (اقتدى مع) يرتبط برغبة بولس في أن تقتدي مجموعة فيلبّي برسولها. في 4: 3 (جاهدتا معي ... العاملين معي) نجد صورة عن المشاركين لبولس في خدمته. في 4: 14، يلمّح الفعل ((اشترك مع))  إلى المعونة الماديّة التي حملها الفيلبيّون إلى بولس في السجن. الخامس، موضوع الفرح (الفعل  والاسم ) الحاضر في فل، يرد هنا للمرّة الأولى وسوف يرد 14 مرّة تجاه 36 مرّة في سائر الرسائل البولسيّة(17). وهكذا مع لفظ ((بفرح)) (1: 4) يعلن بولس أحد المواضيع التابعة في رسالته: الفرح في وسط الضيقات.
ب - جسم الرسالة (1: 12-4: 9)
من المهمّ أن نعرف منذ البداية، أننا هنا أمام قسمين واسعين يرتبط الواحد بالآخر: 1: 12-2: 30. ثم 3: 1-4: 9. فكل تحليل يبحث عن وحدة الرسالة، يجب أن يأخذ بعين الاعتبار العلاقة بين هذين القسمين. هكذا يبرز في 1: 12-2: 30، البرهان الرئيسيّ في الرسالة، بروزًا خاصًا: الحاجة إلى الوحدة، مع وضع حدًا للانقسام والتحزّب. هذا مع العلم أن النداء إلى التوافق وإنهاء التفرقة في الكنيسة، يسري في جسم الرسالة كلها. لهذا نعتبر أن بولس يستعمل 3: 1-4: 9 ليواصل برهانه من أجل الوحدة، ما عدا هنا، حيث يعود في برهانه إلى الوراء فيقدّم نقاطًا سبق له وطرحها. ففي 3: 1-4: 9 مثلاً، توقّف عند موضوع الافتخار والطموح الشخصيّ(18). وما يُسند برهان بولس من أجل الوحدة في الكنيسة، هو أنه ينهي كلامه مع نداء إلى أفودية وسنتيخي لكي تضعا حدًا لخلافهما (4: 2-3) الذي لعب دورًا كبيرًا في التفرقة لدى جماعة فيلبّي.
أولاً: ذروة جسم الرسالة )1: 12-2: 30)
شكّل 1: 12-2: 30 الوحدة الأولى الرئيسيّة في جسم الرسالة. انتهت الفاتحة مع 1: 11، فتنظّمت المعلومة التي تقدّمها حول فعلين (أشكر، 1: 3، أصلّي، 1: 19). وبرزت بداية وحدة جديدة في 1: 12 مع عبارة قطْع نموذجيّة: ((أريد الآن أن تعلموا))، مع المنادى (أيها الإخوة، لفظ تحبّب) الذي يشير إلى انتقال إلى موضوع (أو موضوع تابع) جديد في الرسائل البولسيّة (رج 3: 1، 17؛ 4: 1، 8). أما التبدّل التالي فنجده في 3: 1 (يا إخوتي) مع ظرف (أخيرًا) يرد للمرّة الأولى فيدلّ على انتقال إلى فكرة أخرى ويشير إلى نهاية رسالة أو فكرات ثانويّة.
ولكن هل من رباط داخليّ ورئيسيّ في قلب 1: 12-2: 30؟ يبدو هذا غير معقول لأسباب ثلاثة. الأول، الرباطات الداخليّة التي يمكن أن نكتشفها، هي فقط في مقاطع قصيرة. الثاني، إن الوحدات التابعة(19) ترتبط في إطار التضمين، ونحن نقرأها في ما يلي: 
الوحدة التضمين
1: 12-26 1: 12 : تقدّم الانجيل
1: 25 تقدّمكم
1: 27-30 1: 27 : رأيتكم، أسمع
1: 30 رأيتموه، تسمعون
2: 1-18 2: 2  فرحي
2: 17-18 أفرح، أفرح مع، إفرحوا، إفرحي معي
2: 19-24 2: 19  في الربّ، سريعًا
2: 24 في الربّ، سريعًا
2: 25-30 2: 25  خادم
2: 30  خدمة
وفي الثالث، هناك بنية تعاكسيّة (تصالبيّة) في 1: 12-2: 30: 
أ أخبار حول سجن بولس (1: 12-26)
ب تعليمات من أجل الكنيسة (1: 27-2: 18)
أ أ أخبار حول رفاق بولس (2: 19-30).
ما نجده في أ و أأ، ليس تحريضًا، بل أخبارًا. وفي 1: 27، ينتقل بولس من فنّ لاتحريضيّ إلى فنّ التحريض والارشاد (أدعوكم لكي تعيشوا) : عيشوا. هذا التحريض يمتدّ (مع اختلافات بسيطة) عبر 2: 18. ولكن في 2: 19، يعود بولس إلى أمور خاصة ويتحدّث عن شركائه في الرسالة. وهكذا نستطيع أن نعتبر 1: 12-2: 30، كمركّب رسائليّ رئيسيّ في فل، وقد جاء في شكل تعاكس، في ثلاثة أجزاء: 1: 12-26؛ 1: 27-2: 18؛ 2: 19-30.
> أخبار حول سجن بولس (1: 12-26) 
الموضوع هو أولويّة الانجيل في كل شيء. في هذه القطعة، يبدأ بولس فيشرح لأصدقائه أن سجنه سار في الطريق التي يريدها: وصل الانجيلُ إلى جميع فئات الشعب، وهذا كان له سببَ فرح. نحن نجد داخل آ 12-26 ثلاثة أمور رئيسيّة متفرّعة. في الأول (1: 12-14)، يؤكّد بولس لقرّائه أن سجنه (سمع عنه أهل فيلبّي) يعمل الآن من أجل انتشار الانجيل. وقدّم بولس درفتين تُسندان مقاله: عُرض الإيمانُ المسيحيّ أمام ((كل دار الولاية)) (1: 13). ثمّ، تشجّع سائرُ المسيحيّين فشهدوا بجرأة للمسيح (1: 14). في الثاني، بدأ 1: 15-18أ بتعاكس متداخل (قوم، قوم ... هؤلاء، هؤلاء)، وانتهى بسؤال (فماذا) في إطار لغة الفرح (أفرح في هذا)(20). يفرح بولس لأن الانجيل أعلن على يد أشخاص كانوا معارضين له حقدًا وعداء. في الثالث، بدأ 1: 18ب - 26 مع الأداة ((بل))، فاستعاد لغة الفرح من 1: 18أ (أنا أفرح) وأضاف معلومة شخصيّة أخرى، بدأت بعلامة القطع مع ((لأني أعلم)) (1: 19) و ((بهذا أعلم)) (1: 25)، وانتهت مع الهدف (1: 26، لكي) الذي فيه ينتقل بولس إلى فكرة جديدة: يرجو أن يُطلق من السجن فيتبيّن أنه كان بريئًا من كل تهمة ضدّ الحكم الروماني.
إن هذا المقطع السيروي في 1: 12-26، يقوم بوظيفة قيّمة: هو لا يجعل فقط بين قوسين الجزء المركزيّ من جسم الرسالة، بل يأخذ أيضًا موضوعَ الوحدة، ويجعله نموذجيًا في حياة بولس. فمثال بولس الخاص كمشارك في الانجيل (1: 12)، وإن ضُيّق على هذه المشاركة بسبب السجن، هو دعوة ملحّة للفيلبيّين لكي ((يعيشوا كمواطنين صالحين وجديرين بإنجيل المسيح)) (1: 27)، كما فعل بولس حين واجه مقاوميه (1: 28). حين وضع حاجات الآخرين قبل حاجاته (أبقى في الجسد لأجلكم، 1: 24)، أعدّ بمثاله الطريقَ للارشاد على التواضع (2: 1-4) مع كلام عن تواضع المسيح (2: 5-11). وأخيرًا، حين يشير إلى المقاومين الذي يسعون لحدّ خدمته (1: 15-17)، فهو ينتقد بشكل خفيّ أولئك الذين يقسمون الجماعة في فيلبّي (4: 2). أن لا يكون جميع المشاركين في الخدمة المسيحيّة مدفوعين بدافع صادق، فكرة سيعود إليها الرسول خلال تحذيره الموسّع حول الافتخار في 3: 1-4: 9.

> تعليمات للكنيسة (1: 27-2: 18)(21)
بعد أن تحدّث بولس عن ظروفه الخاصة وأثرها في الانجيل وفي أهل فيلبّي، عاد يُعطي تعليمات للجماعة كلها. هناك موضوع واحد يربط ما في هذا القسم: الحاجة إلى فكر واحد، وسلوك من أجل الانجيل. يرتاح الرسول حين تقوم علاقات متبادلة من الصدق والاخلاص بين الفيلبيّين ساعة بدت العلاقات تمرّ في محنة مزمنة. انقسمت هذه الآيات بشكل تعاكس في ثلاث وحدات متفرّعة: وحدة تجاه عالم معاد لا يؤمن (1: 27-30). وحدة داخل الجماعة المؤمنة (2: 1-11). وحدة من أجل شهادة لا لوم فيها أمام العالم (2: 12-18). أعلن الموضوع في 1: 27: نعيش بطريقة تليق بالانجيل. مثلُ هذا العيش يعني، قبل كل شيء، أن نكون فكرًا واحدًا ونيّة واحدة، أن نقاتل جنبًا إلى جنب من أجل الإيمان بالانجيل (1: 27-30). بما أن أهل فيلبّي تمزّقوا بسبب العُجب والأنانيّة، فوصلوا إلى هذا الموقف الذي لا منطق فيه، لهذا، دعاهم بولس لكي يبدّلوا طرقهم، وأن يخدموا بعضهم بعضًا في التواضع، كما خدمهم المسيح (2: 1-11). ثم يلحّ عليهم لكي يحملوا الشفاء إلى جماعتهم، وإلاّ كانت شهادتهم ملومة وغير فاعلة (2: 12-18).

- حثّ على الوحدة تجاه مقاومة العالم (1: 27-30)
ثلاث سمات في هذه القطعة: بدأى بولس مع ((فقط)) . هناك شيء واحد فقط. هذا الظرف النادر ينقلنا من الشرح إلى الارشاد، ويدلّ على ما هو مهمّ في قلب هذه الرسالة: خاف بولس على الجماعة من السقوط تجاه التزامها بالانجيل. ثم، نلاحظ التقابل بين آ 27 (رأى، سمع) وآ 30 (رأيتموه، تسمعون). أخيرًا، تبدو القطعة جملة واحدة مع فعل رئيسيّ واحد يدلّ على مسؤوليّة متبادلة داخل الجسد. من هنا جاء الأمرُ في آ 27 بالعيش عيشًا جديرًا بإنجيل المسيح، جزءًا هامًا في هذا المقطع، فالفعل ((عيشوا))  (1: 27) والاسم  ((سيرة)) (3: 20) يشكّلان تضمينًا يضمّ جسم المقال كله. فدعوة بولس هذه تشكّل اللحمة في دفاعه عن الوحدة، لأن لا وحدة حيث لا حسّ بالمسووليّة في الجسد.
حين دعا بولس قرّاءه ليعيشوا كمواطنين صالحين في ملكوت سماويّ، أوضح أن هذا يعني قبل كل شيء الثبات في فكر واحد. هذا ما يشرح فعل ((عيشوا)) ويحدّده. إن فعل ((ثبت))  يشكّل تضمينًا مع 4: 1 (أثبتوا في الربّ)، فيضمّ كل الجزء الارشاديّ في الرسالة على مثال ((عيشوا، مسيرة)): سواء كان بولس حاضرًا أم غائبًا، فعلى الفيلبيّين أن يعيشوا فقط في شكل خاص. في الوحدة. ربط بولس كل هذا بمجيئه المحتمل، لأنه مشتاق إلى قرّائه. لهذا جاء إرشاده بارزًا بشكل خاص.
دل 1: 27-30 على أن بولس لا يكتب فقط لكي يدلّ على امتنانه لأهل فيلبّي بسبب عطيّتهم له (1: 3-11)، ولا ليعلمهم بظروفه الخاصة (1: 12-26)، بل ليطلب منهم موقفًا وسلوكًا. فاهتمامه الرئيسيّ هو الوحدة والحاجة إلى روح المشاركة في إعلان الانجيل. وهذا الاهتمام يفسّر لماذا ترك بولس ((اثبتوا في روح واحد)) وأخذ بلغة السباق في الحلبة. فاسما الفاعل ((مجاهدين معًا وغير خائفين)) يفسّران بشكل إيجابيّ وسلبيّ ما يعني الموقفُ الثابت. فعلى الفيلبيّين أن يثبتوا حين يجاهدون معًا من أجل إيمان الانجيل، وحين يرفضون كل خوف من المقاومين: هل استعمل أهل فيلبّي الاضطهاد لكي يخوّفوا المؤمنين؟ وقد يستبق بولس ما سيقوله في ف 3 حول الوعّاظ المتعلّقين بالشريعة، والذين يقدّمون تعليمًا ((للكمال)). مهما يكن من ينبوع هذه المقاومة، فليتأكّد الفيلبيّون أن سلوكهم يعمل من أجل تقدّم الانجيل.

- حث على الوحدة والتواضع (2: 1-11)
((الشيء الوحيد)) (فقط، 1: 27) الذي دفع بولس إلى الكتابة، هو أن يتوحّد الفيلبيّون في الشهادة للانجيل. ويأتي البرهان عنه بشكل منطقيّ حول الطرح الرئيسيّ في 1: 27-30. فالجزء المتفرّع الأول (2: 1-11) يلوم الفيلبيّين بسبب تحزّبهم، فيبدو تهيئة لما سيقوله الرسول حول المسألة التي تقسم الكنيسة (4: 2-3). ما نلاحظه في 2: 1-11 هو أن بولس يعالج مظاهر التحزّب(22)، لا سبب هذا التحزّب. كما أنه لا يقدّم نصيحة ملموسة في هذا الجزء من الرسالة، بل يسعى لأن يُقنع القرّاء بأن يميلوا عن سلوك يقسمهم، ويتوجّهوا نحو الوحدة.

- حث على الوحدة تجاه الانقسامات الداخليّة (2: 1-4)
إن بداية هذا الجزء المتنوّع، ينقلنا من موضوع الوحدة تجاه مقاومة خارجيّة إلى موضوع الوحدة تجاه التحزّب داخل الجماعة. يتمّ هذا الانتقال بواسطة الأداة  (إذن، الفاء) و ((الفرح)) (2: 2؛ رج 2: 17-18). يتركّز 2: 1-4 على الفعل في 2: 2أ (تحبّوا) الذي يسبقه أربع عبارات شرطيّة وتليه عبارات تابعة. ويبدو أننا في صيغة إيقاعيّة نقسمها إلى ثلاثة أبيات(23): 
I . أ فإن كان وعظ ما في المسيح
ب إن كانت تعزية محبّة
ج إن كانت شركة ما في الروح
د إن كانت أحشاء ورأفة 

II. تمّموا فرحي
أ بأن تكونوا فكرًا واحدًا
ب - وتكون لكم محبّة واحدة
ب ب - وتكونوا نفسًا واحدة (في ملء الاتفاق)
أ أ - مفكّرين فكرًا واحدًا
III - أ لا تفعلوا شيئًا بتحزّب أو بعجب
ب بل بتواضع حاسبين الآخرين أفضل منكم
أ أ لا تنظروا كل واحد إلى ما هو لنفسه
ب ب بل إلى ما هو للآخرين
نلاحظ هنا أيضًا أن الوحدة هي اهتمام بولس الأساسيّ. فالبيت الأول (I) قدّم للوحدة الأساسَ الذي لا بدّ منه: ما يحتاجه أهل فيلبّي ليجعلوا حياتهم في توافق، يجدونه في رفقتهم للمسيح. في البيت الثاني (II) نجد الفكرة الواحدة تتردّد في أربع طرق طلبًا لهذا التوافق: فكر واحد. محبّة واحدة. نفس واحدة (توافق تام). فكر واحد. في البيت الثالث (III) يطلب الرسول من الفيلبيّين أن يجاهدوا من أجل الوفاق والتواضع وأن يتخلّوا عن التحزّب الذي يدمّر وحدة الجماعة. في أصل هذا الانقسام في فيلبّي، خلاف بين امرأتين (4: 2-3)، سيجابهه بولس بالكلام الذي قاله للجماعة كلها (2: 2). ولكنه قبل ذلك، قدّم أساسًا آخر، ومثالاً ساميًا للحياة المسيحيّة في 2: 5-11.

- حثّ على الاقتداء بتواضع المسيح (2: 5-11)
سمات عديدة تدل على حدود هذه الوحدة. (1) تجاه المقطع السابق وما فيه من إرشاد، نجد هنا تفكيرًا خلقيًا مع مثال  أسمى للسلوك المسيحيّ هو سلوك المسيح. (2) في 2: 5 نعود إلى صيغة الأمر (فليكن فيكم) كما في 2: 2. (3) في 2: 11 ننهي الكلام عن المسيح. وفي 2: 12 نجد إرشادًا جديدًا ومقطعًا جديدًا مع فنّ أدبيّ مختلف في هذه المرحلة من البرهان. (4) في 2: 5 استعمل الكاتب  (افتكر) كرباط بين 2: 5-11 و 2: 1-،4 حيث يرد الجذر  مرّتين في آ ،2 ومرّة واحدة في آ 3. 
إن الطريقة التي بها يستعمل بولس هذا المديح للمسيح، داخل الرسالة، يدفعنا إلى النظر إليه كجزء من برهان بدأ في 1: 12 وأسند التحريض في 2: 1-4. يسوع متواضع. أفرغ نفسه. قدّم نفسه. ذاك هو المثال المقدّم للفيلبيّين في علاقاتهم المتبادلة. وجاء التشديدُ بواسطة تكرار تعاكسي لاسم المسيح: المسيح يسوع في آ 5. يسوع المسيح في آ 11. بل إن النشيد كله يبدو بشكل تعاكس: 
أ - المسيح يسوع هو الله (آ 5-6أ)
ب - نزل إلى الأرض وخضع للوضع البشريّ (آ 6ب - 7)
ج - مات ميتة مريعة (آ 8)
ب ب - صعد إلى السماء وسما على الوضع البشريّ (آ 9)
أ أ - اعتُرف بيسوع أنه إله (آ 10-11).
ما قيل في ب ب و أ أ يقدّم النتيجة المنطقيّة لاتضاع المسيح (كما في أ وب). أما قلبُ التعاكس (ج) فنبّهنا إلى العنصر اللافت: اتضاع المسيح وموته مصلوبًا.

- نور في العالم (2: 12-18)(24)
بُني هذا المقطع حول فعلين في صيغة الأمر (آ 12-16) يمثّلان جملتين مستقلّتين (2: 12ج؛ تمِّموا، 14: إفعلوا). هناك انتقال من مقطع لاتحريضيّ (2: 5-11) إلى التحريض (صيغة الأمر). وهناك انتقال أيضًا من تصرّف المسيح (2: 5-11)، إلى تصرّف بولس (2: 17-18). وهكذا نستطيع أن نعتبر 2: 12-16 كامتداد للكلام عن الوحدة كما بدأ في 2: 1-4، مع موجز (2: 17-18) يبدو بشكل خاتمة فيستعيد ما سبق. أما موضوع آ 12-16 فهو: أدعوكم لكي تطيعوني وتعملوا على شفاء الجماعة. فالله يعمل الآن لكي يمنحكم فيما بينكم المشيئة الصالحة لا المريضة. إفعلوا هذا بحيث لا يجد أحدٌ لومًا فيكم. لأنكم تشاركون الآخرين تعليم الحياة. قال أحد الشرّاح: ((لم يطلب بولس من كل عضو في الكنيسة أن يعمل من أجل خلاصه الشخصيّ، بل فكّر في صحّة الجماعة ككلّ. فعلى كل واحد، وعليهم جميعًا، أن يُعيروا انتباههم إلى هذا الأمر))(25).
> أخبار عن رفاق بولس (2: 19-30)(26)
نجد حدود هذه الوحدة مع ((أرجو)) في البداية. والنهاية هي بداية الوحدة التالية مع ((أخيرًا، وبعد)). ثم هناك سمات لا نجدها في المقاطع السابقة أو اللاحقة: معلومة عن العاملين مع بولس وعلاقتهم بالفيلبيّين. عاد بولس إلى أموره الخاصة ومخطّطاته التي بدأها في 1: 12. إن بنية 2: 19-30 تتضمّن توازيًا في الكلام عن تيموتاوس (آ 19-24) وإبفروديتس (آ 25-30).
ارتبط 2: 19-30 بالأجزاء السابقة من الرسالة، بواسطة اللغة. فاللفظ  (تطيب نفس 2: 19) يستعيد  (1: ،27 نفس واحدة) و  (2: 2 توافق، نفس مع). في 2: 20 نقرأ نظير نفسي  فيقابل 2: 6 (معادل، نظير). وما في 2: 21 (يطلبون ما هو لأنفسهم) يقابل 2: 4 (ينظر إلى ما لنفسه). وأخيرًا، فعل  (خدم) يذكّرنا ببولس ((خادم، عبد)) (1: 1) المسيح، وبيسوع الذي صار عبدًا طائعًا (2: 7). فما بدا للوهلة الأولى أنه استعادة لتقرير يقدّمه بولس عن الرسالة، تواصل تعليمًا لأهل فيلبّي حول أهميّة الوفاق والتواضع. ضحّى تيموتاوس بنفسه، وخاطر إبفروديتس بصحّته في خدمة بولس، فدلاّ على اهتمام بالآخرين (2: 1-4) وأبرزا المثال الفريد الذي قدّمه المسيح (2: 5-11). إن العودة إلى تيموتاوس وإبفروديتس لعبت بشكل غير مباشر وظيفة إقناع دعا فيها بولس المؤمنين إلى الوحدة وإلى الاقتداء بالمسيح(27).
ثانيًا: جزء متفرّع في جسم الرسالة 3: 1-4: 9
موضوع 3: 1-4: 9 هو موضوع ما سبق (1: 12-2: 30): الوحدة والتواضع في الجهاد من أجل الانجيل. استُبق الكلام عن هذا الموضوع في 1: 27-2: 18 مع تضمين تألّف من 1: 27 (عيشوا، تثبتون) و 3: 20 (عيش، تثبتون) و 4: 1 (اثبتوا). يختلف أهل فيلبّي عن مقاوميهم الذين يتوفّف عجبهم عند أمور الأرض  (3: 19؛ رج 2: 10)، فيشاركون في مواطنيّة السماء.
يبدأ هذا المقطع (3: 1) مع المنادى (يا إخوتي)، مع فعل الأمر (إفرحوا). مع ظرف (أخيرًا) يشكّل انتقالاً (بالإضافة إلى ذلك) أكثر من خاتمة. وهكذا يكون 3: 1 عنصرًا انتقاليًا كتنبيه ضدّ المتهوّدين، يبدأ في 3: 2 (احذروا الكلاب). وهو أيضًا توسّع في موضوع الفرح الذي هو قلب برهان بولس(28): إفرحوا في ما فعله الربّ، لا في ما فعلتموه بعُجب وكبرياء. ويضيف بولس أن نداءه المتكرّر للفرح هو وسيلة بها يحفظ المؤمنين من معتقدات وممارسات مدمّرة. يعتقد بولس أنه إن أطاعه مسيحيّو فيلبّي في ندائه إلى الفرح، فهذا يكفي لكي يكتشفوا الموقف المسيحيّ الإيجابيّ الذي يخلّصهم من أمراض تضرب كنيستهم من تذمّر واختلافات وآراء فارغة وما شابه(29).
في 3: 2-4أ يصوِّر بولس تهديدًا قد يصيب الكنيسة من الكلاب وفعلة الشرّ وأهل القطع. هم المتهوّدون الذين يستندون إلى الشريعة وأعمالها، وإلى الختان. أما أهل فيلبّي فيعبدون الله بالروح، ولا يجعلون إتّكالهم على اللحم. بعد ذلك (3: 4ب - 11)، يقدّم بولس حياته كنموذج للاتكال على البرّ في المسيح (آ 7-11) تجاه برّ الشريعة (آ 4ب-6). شابه مخلّصَه (2: 5-8)، فتخلّى بملء إرادته عن كل هذا الربح وهذه الامتيازات من أجل شيء آخر: من أجل معرفة المسيح والتشبّه به في موته وحمل الصليب يومًا بعد يوم. فالاهتداء لا يعني الارتفاع والتكبّر، بل إفراغ الذات على ما فعل المسيح.
والموضوع المشرف في 3: 12-16، هو أن الكمال هدفٌ نجاهد من أجله وإن كنّا لا ندركه إدراكًا تامًا. أجل، بولس نفسه ما أدرك الكمال. وهكذا جعل من حياته مثالَ تواضع يجب أن يعيشه الفيلبيّون. ويتواصل البرهان في 3: 17-21 مع كلام يعلن فيه بولس ثقته بالبرّ الآتي من المسيح. مع تنبيه إلى الذين يعتبرهم أعداء صليب المسيح بما يقدّمونه من مثل سيّئ. ومرّة أخرى، يقابل الرسول بين طريقة حياة وطريقة حياة (3: 4ب-11): لا نتّكل على اللحم والدمّ، بل على حقيقة الانجيل. وأخيرًا، في 4: 1-9، استعاد بولس برهانه وأشار إلى عدد من النقاط ذكرَها في جسم الرسالة.
ومجمل القول، انطلاقة 3: 1-4: 9 هي انطلاقة 1: 12-2: 30. فكما دعا بولس الفيلبيّين في 1: 27-30 إلى عمل مشترك تجاه مقاوميهم، ها هو هنا يدعوهم أيضًا فيصوّر التهديد الذي يشكّله المتهوّدون... وكما حدّد في 2: 1-4 فرح المسيحيّين الحقيقيّ ظاهرًا في الخارج، يقول في 4: 5 إن على المسيحيّين أن يمارسوا الحلم تجاه بعضهم بعضًا. وكما صوّر في 2: 1-5 حياة يسوع في مسيرة الموت والمجد، ها هو يصوّر حياته أيضًا في 3: 4ب - 11. وكما ندّد بولس في 1: 27-2: 4 بالبحث عن المصالح الشخصيّة، والتحذّب لدى الفيلبيّين، كذلك لام في 4: 2-3 مسؤولتين في الجماعة، أفودية وسنتيخي. مع أننا لا نستطيع بوضوح أن نعيد بناء الخلاف بين هاتين المرأتين، إلاّ أن بولس يعتبر هذا الخلاف هامًا جدًا. ما هو واضح، ارتباط وثيق بين 2: 2 و 4: 2 حيث ترد ذات اللغة الأساسيّة. هذا يعني أن 4: 2-3 تطبيق لما قاله بولس حول الوحدة. حثّ بولس قرّاءه أكثر من مرّة، بسبب تأثير هذا الخلاف على الجماعة وعلى الرسالة البولسيّة. لهذا طلب منهما الرسول أن تتركا الطموح الشخصيّ وتعملا معًا في تناسق تام بقيادة الربّ. فالثبات (4: 1) في نظر بولس يعني حياة في وفاق بين أعضاء الجماعة في الكنيسة (4: 2-26 والافادة من السلام والتوافق اللذين يعطيهما الله (4: 7-9).
ثالثًا: خاتمة جسم الرسالة (4: 10-20)
أقرّ بولس في هذا الجزء من الرسالة بالهديّة التي أرسلها إليه أهل فيلبّي. فإن 4: 10-،20 شأنه شأن فاتحة جسم الرسالة (1: 3-11)، يُقسم جزئين: في آ 10-14، عبّر بولس عن شكره للعطيّة التي حملها إليه إبفروديتس. كما ذكّر أهل فيلبّي في آ 15-20، بمساندتهم في خدمته الرسوليّة. اعتبر بعض الشرّاح أن 4: 10-20 هي رسالة شكر منفصلة كتبها بولس قبل أن يكتب جسم الرسالة. وقد يكون الرسول حاول أن يوجز هنا مواضيع الرسالة. وفي النهاية، ترد المجدلة في 4: 20 مع السلامات الأخيرة (4: 21-23).
خاتمة
عرف بولس واستعمل التقاليد البلاغيّة لكي يقنع أهل فيلبّي بالطريق التي تحمل الثمار. غير أنه لم يكن سجين المصطلحات البلاغيّة في أيامه. فهو يستعمل البلاغة فقط من أجل هدفه، فيدعو قرّاءه إلى فهم واضح للانجيل. وهدفه لا يتوخّى أولاً إرضاء سامعيه، بل الانجيل بما يحمل من قوّة في حياة الفيلبيّين.
وفي النهاية، ُتفهم فل على أنها رسالة واحدة. تنطلق من الشقاق الحاضر في الجماعة، فتدعو المؤمنين إلى الوحدة: يتركون التحزّب والعجب والبحث عن المصلحة الشخصيّة، ويتطلّعون إلى المسيح الذي علّمهم بتواضعه أن يخدموا بعضهم بعضًا، وأن يعتبر الواحد أن الآخر أفضل منه. كما دعاهم إلى الاقتداء برسولهم، كما بتيموتاوس الذي اهتمّ بهم بإخلاص، وبإبوفريدتس الذي هو خادم تجنّدَ من أجل الرسالة. هكذا تشهد الكنيسة للمسيح في العالم، وتعيش في فرح تصل آثاره إلى ذاك الذي يقيم في السجن، ولايني يقول لأبنائه في فيلبّي: ((إفرحوا دومًا في الربّ. وأقول لكم أيضًا: إفرحوا))(30). 
الفصل الثامن والعشرون


بولس معلّم في الصلاة

لا يمكننا أن نحدّد جيّداً موقع صلاة المسيحيّين وفرادتها في لاهوت القدّيس بولس، دون أن نربطها بسرّ الخلاص كاملاً، كما فعل الرّسول نفسه، مشدِّداً على بادرة الآب، ووساطة الابن، وعمل الرّوح. بالواقع، إذا كان في إمكان المسيحيّين أن يردِّدوا الكلمات نفسها من صلاة يسوع، فذلك لأنّ الله الآب قد أرسل ابنه ليخلِّصنا، جاعلاً منّا أولاده، ومعطياً لنا روحه. فبادرة التبنّي هي في الواقع عمل الله الآب الّذي يجعلنا بيسوع ابنه الحبيب، أبناءه، بسخاءٍ منه مجانيّ، لأنّنا بالنّعمة صرنا أبناء الله (1قور 1: 9؛ روم 8: 29).
ونَصّ الرسالة إلى أهل غلاطية 4: 4-7، يتميّز لا بالتشديد على بادرة الآب فحسب، بل أيضاً بتقييم دور الوساطة للمسيح في علاقتنا بالآب وبعمل الروح في قلوب المؤمنين. فالمؤمن، تحديداً، وجوهراً، هو الذّي أصبح منذ الآن فصاعداً في المسيح، وهو مدعوّ إلى أن يحيا من بنوّة المسيح، ومن رسالته، في الكنيسة، بقوّة الروح.
ولذلك، فصلاة بولس هي كصلاة كلّ مؤمن، وفي الوقت عينه: 
- صلاة الرائي المستغرق في تأمّله.
- صلاة الرّسول المُكِبّ على رسالته.
- صلاة المؤمن المشارك في اختباره.
فلنستمع إليه، أوّلاً، يكلّمنا بكلّ بساطة عن صلاته، ويدعونا إلى مشاركته في الصلاة. 
عندما نقرأ رسائله نتأكّد أنّ صلاته هي صلاة كلّ آن. فهو يصلّي كما يتنفّس. فالصّلاة هي متنفَّسُهُ اليوميّ، ولا عجب في أن تكون رسائلُه كلَّها موشّاة بالصّلوات: ((قبل كلّ شيء، أشكر إلهي بيسوع المسيح من أجلكم جميعاً، لأنّ إيمانكم يُنادى به في العالَم كلّه. يشهد عليّ الله، الّذي أعبُده بروحي، بحسب إنجيل ابنه، أنّي أذكركم بغير انقطاع، ضارعاً في صلواتي على الدّوام أن يتيسَّر لي يوماً، بمشيئة الله، أن آتي إليكم)) (روم 1: 8-10). 
في هذه الأسطر القليلة، نرى كم كان بولس مجبولاً بالصّلاة. فهو لا يعبِّر عن نفسه إلاّ في الصّلاة. كذلك أيضاً في ما يتعلَّق بنصّ 1تس 2: 3؛ 2: 13 وفل 1: 3-5، حيث نجد التعابير نفسها. وهذا لأن بولس يحيا في صلاة دائمة، وفق تعبير المزمور 109: 4: ((إنّي لستُ إلاّ صلاة)). ومن هنا كانت دعوته إلى المسيحيّين ليعيشوا، هم أيضاً، في فعل شكرٍ متواصل: ((شاكرين دوماً لله الآب على كلّ شيء، باسم ربّنا يسوع المسيح)) (أف 5: 20). وأيضاً قول 2: 6-7؛ 4: 2-3.
هكذا يظهر المستوى الأوّل لصلاة بولس؛ فهي أشبه بنسيجٍ لحياته اليوميّة وعمله اليوميّ. إنّها في الوقت نفسه حياته الشخصيّة، بما فيها من يُسْرٍ وعُسْرٍ، من أفراح ومضايق، ومن نجاح وإخفاق. إنّها حياة الكنائس والمسيحيّين جميعاً. إنّها المصير السرّي لمواطنيه اليهود، ومآلُهُم ومآل البشريّة جمعاء. فالصّلاة هي أكثر من رفيق لحياته، إنّما هي حياته نفسُها، المستنيرة بنظر الله، والحاضرة في هَمّ الكنائس، في شركة الإيمان بين جميع إخوته في المسيح يسوع.

1- صلاة الرّائي المستغرق في تأمّله: نظرة إلى يسوع
إنّ أوّل نظرة لبولس مع المسيح قد عبّر عنها بصرخة: ((مَن أنتَ، يا ربّ؟)). تلك كانت ردّة الفعل الأولى لبولس المطروح على الأرض، على طريق دمشق. سؤاله هذا كان تعبيراً عن حاجته إلى الدّخول في شركة مع الّذي أوحى إليه بنفسه بغتةً وبنوع مفاجئ. والجواب جاء أيضاً ساطعاً : ((أنا هو يسوع الّذي أنتَ تضطهده!)) (رسل 26: 15). 
إنّ ذلك الوجه وتلك الصورة التّي طرحته إلى الأرض، والّتي استحوذت عليه، والّتي لن ينفكّ شاخصاً إليها، هي صورة شخصٍ مُضطَهَد في أعضاء جسده الّذي هو الكنيسة، ولكنّها صورة مُضطَهَدٍ مُجَلبَبٍ بنورٍ ((يفوق لمعان الشمس)) (آ 13)، وقد لفَّه هو بولس نفسُه. لذا سيبقى واحداً مع تلك الرّؤيا، وواحداً مع ذلك الجسد. ولن تكون حياته منذ الآن إلاّ تأمُّلاً في ذلك الوجه، الّذي سيبقى السِّر والقوّة في تبشيره القائم بأن ((يرسم أمام عيون العالم يسوع المسيح مصلوباً)) (غل 3: 1). وسوف يكتب إلى أهل قورنتس قائلاً: ((قرَّرتُ أن لا أعرف بينكم شيئاً إلاّ يسوع المسيح، وإيّاه مصلوباً!)) (1قور 2: 2).
ولكنّ الرَّب يسوع قد أنهضه عن الأرض بهذه العبارة: ((أنا هو يسوع الّذي أنتَ تضطَهده. ولكن قُمْ وقِفْ على قدَميْك، فقد تراءَيتُ لكَ لأجعل منك خادماً وشاهداً على ما رأيتَني فيه، وعلى ما سوف أتراءى لك فيه)) (آ 15-16). ويضيف بولس: ((من ذلك الحين، أيّها الملك أغريبا، ما عَصَيْتُ الرّؤيا السّماويّة)) (آ 19). 
بدون تلك الرؤيا، وبدون تلك النظرة وذلك التأمّل، لا يمكن أن يكون ثمَّة حياة صلاة، ولا حياة في الكنيسة، ولا رسالة. هكذا كانت الحال في العهد القديم؛ فكلّ رسالة نبويّة كان أساسها رؤيا: فلا نبيّ ولا نبوءة بدون رؤيا سابقة: ((يا ابن الإنسان، أنظر بعَينيك، واسمع بأُذنَيك، وانتبه لكلّ ما أريك إيّاه، فإنّك لكي تراه أُتِـيَ بك إلى هنا، وكلّ ما تراه فأخبر به بيت إسرائيل)) (حز 40: 4).
في وجه هذا المسيح المصلوب والحيّ القائم، لم يكتشف بولس بتأمّله،الغلبة على الموت فحسب، بل حفظ بعناية فائقة سرّ تلك الغلبة: حبّ الله لنا حتّى الجنون: ((إبن الله أحبّني وبذل نفسه عنِّي)) (غل 2: 20). 
ولقد شدّد بولس على هذا الموضوع مراراً في رسائله: ((المسيح أحبَّنا فبذل نفسه عنّا قرباناً وذبيحة لله)) (أف 5: 2). هنا يتكلّم بولس في صورة الجمع. 
وأيضاً عن الكنيسة، الّتي هي جسد المسيح وعروسه: ((المسيح أحبّ كنيسته، فبذل نفسه عنها)) (أف 5: 25). 
((لقد مات المسيح عن الجميع، لكي لا يحيا الأحياء من بعدُ لأنفسِهِم)) (2قور 5: 15). 
نظير يوحنا، يرى بولس في محبّة يسوع الباذل حياته، صدى ونتيجة لمحبّة الآب ((الّذي لم يبخل بابنه، بل سلّمه إلى الموت من أجلنا)) (روم 8: 32). في محبّة المسيح تتجلّى محبّة الآب بكامل بهائها: ((أمّا الله فأثبتَ محبّته لنا بأنّنا، حين كنّا بعدُ خطأة، مات المسيح من أجلنا)) (روم 5: 8). 
فالصّلاة هي نظرة، وتولد من نظرة، فهي عمل العيون. في الرّسالة إلى العبرانيّين، يشير علينا الكاتب ((أن نبادر ثابتين إلى الجهاد المُعَدّ لنا. ولننظر إلى رائد إيماننا ومكمِّله يسوع)) (عب 12: 1-2). 
إنّ هذا التأمّل في المسيح المصلوب، وهذه النظرة تثير لدى المؤمن قراراً وجواباً أي خياراً. المحبّة تتطلَّب المحبّة، والمحبّة المتأمِّلة تصبح محبَّة فعّالة ملتزمة: ((كونوا مقتدين بالله كأولاد أحبّاء. واسلكوا في المحبّة كما المسيح أيضاً أحبّنا، فبذل نفسه عنّا قرباناً وذبيحة لله، طِيباً ذكيّ الرّائحة)) (أف 5: 1-2).
((إنّ محبّة المسيح تأسُرنا، لأنّنا أدركنا هذا، وهو أنّ واحداً مات عن الجميع، فالجميع إذاً ماتوا. لقد مات عن الجميع، لكي لا يحيا الأحياء من بعدُ لأنفسِهِم، بل للّذي مات عنهم وقام من أجلهم)) (2قور 5: 14-15). 
فالصّلاة هي في الوقت نفسِه أن نتأمَّل، من خلال المصلوب، في محبَّة الآب ومحبَّة الإبن، وأن نُنَمِّي في حياتنا، بقدرة الرّوح، المحبَّة الّتي يجب أن تولَد من تلك النّظرة: ((لأنّ الّذين ينقادون بروح الله هم أبناء الله. وأنتم لم تنالوا روح العبوديّة لتعودوا إلى الخوف، بل أخذتم روح التبنِّي الّذي به نصرخ: أبَّا، أيُّها الآب!)) (روم 8: 14-16).
فتلك النظرة تُضحي تطابقاً مع المسيح، فتتَّخِذ الصّلاة إذّاك عُمقاً جديداً: ((فلستُ بعدُ أنا الحيّ، بل المسيح هو الحَيّ فيَّ، وإن كنتُ الآن حيّاً في الجسد، فإنّي حيٌّ بإيمان ابن الله الّذي أحبّني وبذل نفسه عنّي. ولستُ أُبطِلُ نعمة الله)) (غل 2: 20-21). 
فلا حاجةَ بعدُ إلى السّؤال عمَّا يجب أن يفعله، ولا حاجة بعدُ إلى الاهتمام في ما إذا كانت الحياة بعدُ أفضل أم الموت حالاً: ((لكي يُعظَّم المسيح في جسدي بالحياة أو بالموت. فالحياة لي هي المسيح، والموت ربحٌ لي)) (فل 1: 20-21). ((نحمل في جسدنا كلّ حين موت يسوع، لكَي تظهر حياة يسوع أيضاً في جسدنا)) (2قور 4: 10). ((فلا يُزعِجْني أحدٌ بعد الآن، لأنّي أحمل في جسدي سِماتِ يسوع)) (غل 6: 17).
لقد أضحى بولس مذّاك جسداً واحداً مع رؤيته للمسيح. 

2- صلاة الرّسول المُكِبّ على رسالته
إنّ ما يجعل بولس رسولاً هو نداء الله الّذي وقع في قلب هائم بحبِّه. وجواب بولس على ذلك النِّداء ستكون صلاته ورسالته في آنٍ معاً. فلا فصلَ لديه بين الصّلاة والرّسالة، لأنّ الحياة بالنّسبة إليه هي المسيح.
ولن ينسى يوماً أنّ كلّ ما هو عليه، لقد ناله من المسيح. ولذلك يقول: ((بنِعمة اللهِ صِرْتُ ما أنا عليه، ونعمتهُ عليَّ لم تكُن باطِلة)) (1قور 15: 10). وبالتّالي، ((فنحن لا نبشِّر بأنفسِنا، بل نبشِّر بيسوع المسيح ربّاً)) (2قور 4: 5أ). 
إذاً فمُهِمَّة الرّسول، هي أن يُبشِّر بإنجيل يسوع المسيح، وهي أن يكرّس حياته له، وبنفس الحبّ أن يبذُل نفسه لجميع النّاس الّذين يُرسَل إليهِم: ((نبشِّر بأنفسِنا عبيداً لكم من أجلِ يسوع)) (2قور 4: 5ب). ولا يمكن أحداً أن يكون رسولاً وعبداً خادماً إلاّ انطلاقاً من تأمّل في هذا المسيح الّذي يستولي على حياتنا بكلّيـتها. تلك هي حال بولس: ((قُمْ وقِفْ على قدمَيكَ، فقد تراءَيتُ لك لأجعل منك خادماً وشاهداً على ما رأيتني فيه، وعلى ما سوف أتراءى لك فيه)) (رسل 26: 16). 
فالرّسالة لا يمكنها أن تكتفي بالخدمة لا غير؛ فليست هي في نطاق الخدمة فحسب، بل تضحي أيضاً في نِطاق الولادة، فتجعل من المؤمنين أولاداً في الابن؛ وهذا هو المبرِّر لكلّ تبشير: ((يا أولادي الّذين أتمخَّض بكم ثانيةً حتَّى يُصوَّر المسيح فيكم!)) (غل 4: 19). 
ولذلك سيشعر بولس في نفسه أنَّه أب وأمّ في آنٍ، عندما يكتب إلى أهل قورنتس قائلاً: ((ولو كان لكم عشرات الآلاف من المربّين في المسيح، فليس لكم آباء كثيرون، لأنّي أنا ولدتكم ببشارة الإنجيل في المسيح يسوع)) (1قور 4: 15).
((مع أنَّا قادرون أن نكون ذوي وقار، كرسل للمسيح، لكنّنا صرنا بينكم ذوي لُطفٍ، كمُرضِعٍ تحتضن أولادها)) (1تس 2: 7). وبعد بضع آيات، يتابع الرّسول فيذكِّرهم: ((كيف كنَّا نعامِل كلاًّ منكم، كما تعلمون، معاملة الأب لأولاده، وكنَّا نناشدكم، ونشجِّعكم، ونحثُّكم على أن تسلكوا مسلكاً يليق بالله، الّذي يدعوكم إلى ملكوته ومجده)) (1تس 2: 11-21). 
لذلك لا يمكننا أن نفصل بين صلاة بولس عن هذا الاهتمام اليوميّ الدّائم بـ ((جميع الكنائس)) وبكلّ مؤمن: ((عانَيتُ التّعب، والكدّ، والسّهر مرّاتٍ كثيرة، والجوع، والعطش، والصّوم مرّات كثيرة، والبرد، والعُري! أضِف إلى ذلك، ما عليّ من الأعباء كلّ يوم، والاهتمام بجميع الكنائس! من يضعُف ولا أضعُف أنا؟ ومن يقع في الخطيئة ولا أحترق أنا؟ وإن كان لابدّ من الافتخار، فأنا أفتخر بأوهاني! والله أبو ربّنا يسوع، المبارك إلى الدهور، يعلَم أنّي لا أكذب)) (2قور 11: 27-31).
فرسائل القدّيس بولس كلّها مليئة بهذا التأكيد يردِّده دوماً أنّ الشركة الدّائمة في الصّلاة هي الرّوح لكلّ رسالة: 1تس 1: 3؛ 2: 13؛ 5: 17؛ 2تس 1: ،3 11؛ 2: 13؛ 1قور 1: 4؛ 2قور 2: 14؛ فل 1: 3-4؛ روم 1: 8-10.
وليس في ذلك أيّ عجب! فهُيامُه الأوحَد إنّما هو المسيح، وبالتّالي جسده الّذي هو الكنيسة. أفَما أحبَّها أيضاً المسيح وبذل نفسه لأجلها (راجع أف5: 25)؟ أفَلَم يكن بولس رسولاً ((لكمال القدّيسين، ولعمل الخدمة، ولبنيان جسد المسيح، حتّى نصل جميعاً - يهوداً وأمَماً - إلى وحدة الإيمان ومعرفة ابن الله، إلى الإنسان المكتمل، إلى مقدار قامة ملء المسيح)) (أف 4: 12-13)؟ 
وبالنّسبة إلى بولس، خدمة الرّسالة هي أيضاً من نطاق العبادة: ((يشهد عليَّ الله، الّذي أعبُدُه بروحي، بحسب إنجيل ابنه)) (روم 1: 9). عبادةٌ جديرةٌ بالّذي، لمّا ارتضى، فرزه منذ كان في بطن أمّه، ودعاه بنعمته، أن يعلن إبنه فيه، لكي يبشِّر به بين الأمم (راجع غل 1: 15-16).
إعلان وتبشير. الإعلان في سبيل التبشير، كما يقول الرّسول بولس: ((بفضل النِّعمة الّتي وهبها الله لي، فصرت للمسيح يسوع خادِماً لدى الأمم، كاهناً عاملاً لإنجيل الله، حتّى يكون قربان الأمم مقبولاً عند الله مقدَّساً في الرّوح القدس. إذاً فإنّ خدمتي لله فخرٌ لي في المسيح يسوع)) (روم 15: 15-17). لا يمكن الرّسالة أن تُخصِب إلاّ "باستدعاء الرّوح القدس)).
أجل، تأتي البادرة دوماً من الآب، والوساطة من الإبن، أمّا الإكمال فهو فعل الرّوح القدس. ولقد فهم بولس ذلك فهماً كاملاً، هو الّذي صار قلبه بالمسيح موحَّداً. فبالنّسبة إليه، الصّلاة والرّسالة، العبادة والخدمة، لن تكون بعد الآن إلاّ واحداً ((بقوّة الرّوح)) (روم 15: 19)، في خدمة جسد المسيح الواحد الّذي هو الكنيسة. 

3- صلاة المؤمن المُشارِك في اختباره
ليست الصّلاة، بالنّسبة إلى الرّسول بولس، واسطة مفضّلة يستعملها ليجعل عمله فعّالاً خصباً؛ ولا هي بالأحرى واجب يقوم به بأمانة أو عن عادة؛ بل هي مشاركته نفسها مع المؤمنين، الّتي يحياها بدافع من حبّه الثالوثي الّذي به يتحوّل كلّ شيء إلى نعمة: ((نعمة الرّب يسوع المسيح، ومحبّة الله، وشركة الرّوح القدس معكم أجمعين!)) (2قور 13: 13).
إنّ صلاة بولس هي مشاطرة لإيمانهم ورجائهم، ومِحَنِهِم وآلامِهِم: ((كلّ شيء هو من أجلكم، لكي تكثر النعمة، فيفيض الشّكر في قلوب الكثيرين لمجد الله)) (2قور 4: 15). 
هكذا يعبّر بولس عن أعماق فؤادهِ وسرّ شغفه، كونَه رسولاً. غير أنّ هذا السرّ لا يصدر عن بولس، بل يصدر عن عمل الربّ يسوع بالرّوح القدس الحاضر في أعماق بولس. فبما أنّ الربّ ساكن فيه، فذلك الشغف ساكن أيضاً في أعماقه، وكم كان يتمنّى لو استطاع أن يُشرِكهم فيه هو بدورِه: ((إنّ محبّة المسيح تأسُرنا، لأنّنا أدركنا هذا ، وهو أنّ واحداً مات عن الجميع، فالجميع إذاً ماتوا. لقد مات عن الجميع، لكي لا يحيا الأحياء من بعدُ لأنفُسِهِم، بل للّذي مات عنهم وقام من أجلهم... إذاً، إن كان أحدٌ في المسيح فهو خلقٌ جديد)) (2قور 5: 14-15، 17).
هكذا تصبح الّصلاة تجرّداً جذريّاً أمام الله وفي خدمة الناس، وانقلاباً جذريّاً. في المسيح، لا يعود المؤمن يركّز على نفسه، بل يصير مُستقطَباً بالله وبإخوته البشر. يسلّم نفسه كما هو إلى الله وبالتّالي أيضاً إلى البشر، فيُشرِكهم في جوهر كيانه وحياته. 
وفي هذا التجرّد وهذا الإنقلاب الجذري، تضحي صلاة بولس صلاة الإنسان الخاطئ الواعي لخطيئته والمُسامَح عنها. هو واعٍ لقلبه ولقلب البشر، واعٍ للشرّ الّذي يضجّ في كلّ مكان ويلوِّث العالم بأسره: سالخير الّذي أريده لا أفعله، والشرّ الّذي لا أريده إيّاه أفعل)) (روم 7: 19).
((إنّ الجميع قد خطئوا، وينقصُهُم مجدُ الله)) (روم 3: 23).
((إنّ الجميع، يهوداً ويونانيّين، هم تحت الخطيئة، كما هو مكتوب: ليس بارٌ ولا واحد)) (روم 3: 9-10).
هو واعٍ، لا يائس. بل هو متأكّد من ((أنّهم يبرَّرون مجّاناً بنعمة الله، بالفداء الّذي تمّ في المسيح يسوع)) (روم 3: 24)، وأنّهُم مدعوّون إلى العيش منذ الآن بقوّة قيامته: ((نحن الّذين تعمّدنا جميعاً في المسيح يسوع، في موته قد تعمّدنا. إذاً فنحن بالمعموديّة دُفنّا معه في الموت، حتّى إنّنا كما أُقيم المسيح من بين الأموات لمجد الآب، كذلك نسلك نحن أيضاً في الحياة الجديدة. فإذا صرنا وإيّاه واحداً في موتٍ يشبه موته، هكذا نكون أيضاً في قيامة تشبه قيامته... ونحن نعلم أنّ المسيح، بعد أن أُقيمَ من بين الأموات، لن يموت من بعد، ولن يتسلّط عليه الموت أبداً. فهو بموته مات عن الخطيئة مرّة واحدة، وبحياته يحيا لله. كذلك أنتم أيضا احسبوا أنفسكم أمواتاً عن الخطيئة، أحياء لله في المسيح يسوع)) (روم 6: 3-5، 9-11). 
وباختصار، الصّلاة بالنّسبة إلى بولس، هي تعبير عن كلّ ما هو عليه في سبيل الله وفي سبيل البشر، وهي أيضاً تعبير عن كلّ ما هو الله وما فعله في سبيلنا في يسوع المسيح، بقوّة الرّوح القدس. فإنّها صلاة حياته كلّها، صلاة أفراحه ومتاعبه كلّها، ولكنّها بالأخصّ صلاة الإبن، الّذي يردّد فينا، بقوّة الرّوح، صلاته يافعاً وطفلاً: ((أبّا، أيّها الآب)): ((ولكن، لمّا بلغ ملء الزّمان، أرسل الله ابنه مولوداً من امرأة، مولوداً في حُكم الشّريعة، لكي يفتدي الّذين هم في حُكم الشّريعة، حتّى ننال التبنّي. والدّليل على أنّكم أبناء، هو أنّ الله أرسل إلى قلوبنا روح ابنه صارخاً: أبّا، أيّها الآب! فأنت إذاً لم تعُد عبداً، بل أنت ابن، وإذا كنت إبناً، فأنت أيضاً وارث بنعمة الله)) (غل 4: 4-7). 
أجَل، تلك هي نعمة الله وعمله في يسوع المسيح، وقد دُعِيَ بولس ليكون له خادماً وشاهداً: ((هذا السرّ الّذي لم يُعرَف عند بني البشر في الأجيال الغابرة، كما أُعلِن الآن بالرّوح لرسله القدّيسين والأنبياء، هو أنّ الأمم (= كلّ إنسان) هم، في المسيح يسوع، شركاء لنا في الميراث والجسد والوعد، بواسطة الإنجيل)) (أف 3: 5-6).
ثمّ يتابع بولس تأمّله في هذا السرّ العظيم: ((لكي تُعرَف الآن من خلال الكنيسة، لدى الرئاسات والسلاطين في السماوات، حكمة الله المتنوّعة، بحسب قصده الأزليّ الّذي حقّقه في المسيح يسوع ربّنا، الّذي لنا فيه، أي بالإيمان به، الوصول بجرأة وثقة إلى الله)) (أف 3: 10-12). 
وهل نستطيع أن نختم هذه الإعتبارات حول الصّلاة لدى القدّيس بولس، بأفضل من أن نجثو معه على الرّكبتين أمام الآب، الّذي منه تُسمَّى كلّ أبوّة في السماوات وعلى الأرض؟ 
((لذلك أجثو على ركبتيَّ للآب، الّذي منه تُسَمَّى كلّ أبوّة في السّماوات وعلى الأرض، لكي يعطيكم بحسب غنى مجده أن تشتَدّوا بروحه، ليقوى فيكم الإنسان الداخليّ، فيسكن المسيح بالإيمان في قلوبكم، وتكونوا في المحبّة متأصّلين ومؤسَّسين، لكي تقدروا أن تدركوا مع جميع القدّيسين ما العرض والطول والعُلْوُ والعُمْقُ، وأن تعرفوا محبّة المسيح الّتي تفوق المعرفة، لكي تمتلئوا حتّى ملء الله كلّه. 
((والله القادر أن يعمل وَفْقَ قدرته العاملة فينا ما يفوق كلّ شيء، أكثَر وأبعَد ممّا نسأل أو نتصوَّر، له المجد في الكنيسة وفي المسيح يسوع، إلى جميع أجيال دهر الدّهور. آمين)) ( أف 3: 14-21).
الفصل التاسع والعشرون

الرسائل البولسيّة الثانية

إن رسائل بولس الأصيلة، هي أقدم كتابات العهد الجديد، وقد دُوّنت بين سنة 50 وسنة 64 أو ،67 سنة موته. ولكن حتى قبل أن تدرك هذا الوضع القانوني، كانت أقدمَ أدب مسيحيّ. لا نعرف عددها بالضبط، لأن عددًا منها قد ضاع(1)، ولأننا لا نستطيع أن نميّز بدقّة، بين تلك التي حُفظت لنا، الرسائلَ الأصيلة، والرسائل التي استعارت اسم بولس. فعند موت بولس قاربت رسائله العشر. إذن، قبل تدوين الأناجيل، ظهرت مجموعة صغيرة من الكتابات المسيحية. ثم صارت مرجعًا يرجعون إليه، بشكل تدريجيّ. وجاءت الجماعات المسيحية تستقي منه معلومات، وتبحث فيه عن حلول لأسئلة طُرحت عليها. وقبل أن تأخذ وضع كتاب مسيحيّ بشكل مطلق، كانت منذ ذلك الوقت مجموعة مكوّنة يرجعون إليها.
وبولس نفسه عاد كثيرًا في كتاباته، إلى الكتاب المقدّس كما عرفته اليهوديّة، إما بإيرادات صريحة، وإمّا بتلميحات. ومنذ القرن الأول وُجدت شهادات تقول إنهم كانوا يعودون إلى بولس. وأعطي عن ذلك مثلين. نجد الأول في 2تس التي أعتبَرُها مع عدد كبير من الشرّاح المعاصرين، أنها استعارت اسم بولس. يقول الكاتب إلى قرّائه: ((لا تتزعزعوا سريعًا عن ذهنكم ولا ترتاعوا، لا بوحي نبوي ولا بكلمة ولا برسالة كأنها منّا فتجعلكم تظنّون أن يوم الربّ قد حضر)) (2تس 2: 2). ونقرأ في نهاية الرسالة أيضًا: ((السلام بيدي، أنا بولس، هكذا أوقّع كل رسالة. وهكذا أكتب)) (2تس 3: 17). مثل هذا الكلام يدفعنا إلى القول بأن 2 تس استعارت اسم بولس. وفي الوقت عينه، يدلّ على أن بولس صار يوم دوّنت هذه الرسالة، المنشئ الأوّل للرسائل في العالم المسيحيّ. وعُرفت رسائل أخرى لبولس، وانتشرت. فعادت إليها الجماعات المسيحيّة، وهذا أمر لا شكّ فيه.
والمثل الثاني الذي هو معروف هو مقطع من 2 بط يذكر الرسائل البولسية. ((واحسبوا أناة ربنا خلاصًا، كما كتب إليكم أخونا الحبيب بولس أيضًا بحسب الحكمة المعطاة له. وهذا ما يقوله أيضًا في جميع الرسائل التي يتكلّم فيها عن هذه الأمور. فيها أشياء عسيرة الفهم يحرّفها الجهّال وضعفاء النفوس، كما يفعلون في سائر الكتب المقدّسة، لهلاك نفوسهم)) (2 بط 3: 15-16). إذا كان الجدال لا يزال قائمًا بالنسبة إلى 2تس، فبالنسبة إلى 2بط، لم يعد من جدال تقريبًا: إن توافقًا واسعًا من الشرّاح يعتبرأن هذه الرسالة استعارت اسم بطرس، ويرى أنها تعود إلى سنة 130(2). فالطريقة التي بها صارت الرسائل البولسيّة مرجعًا هي واضحة هنا أكثر ممّا في 2تس. تحدّث الكاتب عنها، وجعلها بجانب ((سائر الكتب))، أي الكتاب المقدس بعهده القديم. فدخلت في نواة القانون المسيحي الذي كان موجودًا في ذلك الوقت.
ونتائج هذا الوضع الفريد في الأدب المسيحي، هو أن بولس سيقتدى به كما اقتُدي بأجلّ النصوص في العهد القديم. وكانت كتاباتٌ امتدادًا لكتاباته. فدوّن تلاميذه ((رسائل)) وجعلوا ما دوّنوه تحت اسمه. ذاك هو المبدأ الذي يتكلّم عن الرسائل البولسيّة الثانية.

1 - اعتبارات عامة حول استعارة الاسم في الكتابة
قبل أن ندرس بتفصيل أكثر، مسألةَ الرسائل البولسيّة الثانيّة، يجدر بنا أن نلقي نظرة عامة إلى استعارة الاسم في الكتابة. هذه الظاهرة التي انتشرت انتشارًا واسعًا في عالم البحر المتوسط القديم، تضايق الباحثَ المعاصر الذي يهتمّ اهتمامًا خاصًا بالملكيّة الأبديّة ويشعر ببعض الاحتقار تجاه مؤلّفات تقلّدُ من سبقها. أتكلّم هنا بشكل خاص عن العالم الغربي.
ولكن الوضع بدا مختلفًا في العالم القديم. فقد نُفرط إن قلنا إن الملكية الأدبيّة لم تكن موجودة. فالمزاحمات بين الكتّاب ظلّت مشهورة. مثلاً، تلك التي جعلت المواجهة بيت شاعرين يونانيين كاد الواحد يعاصر الآخر، هما ايسخيليس(3) واوريبيديس(4). ورأت رومة خطر الاقتداء بالكتّاب الكبار يتّخذ حجمًا مقلقًا، فاتّخذت الدولة اجراءات قانونيّة في القرن الأول المسيحيّ تضع حدًا لهذه الظاهرة. ومهما يكن من أمر، فتلاميذ الخطباء والفلاسفة العظام اعتادوا أن ينشروا باسم معلّميهم مؤلّفات حسبوها التعبيرَ الأمين لهؤلاء المعلّمين. والأمر معروف بالنسبة إلى أفلاطون(5).
وهذه الظاهرة التي انتشرت في العالم اليوناني والرومانيّ، وُجدت أيضًا وبشكل أوسع في العهد القديم، الذي هو مجموعة كتُب ارتبطت بجماعة لم يوقّعها أغلبية كاتبيها. فداود هو أبو المزامير. وقد جعل التقليد تحت اسمه عددًَا كبيرًا من المزامير المئة والخمسين. وكان سليمان الحكيمَ الحكيمَ، فصار كاتب سفر الجامعة والأمثال وبعض الكتب الأخرى. بل صار صاحب سفر الحكمة (حكمة سليمان) الذي دُوّن في اليونانيّة قبل بداية المسيحيّة ببعض عقود من الزمن.
وبعبارة أخرى، ورغم التحفّظات التي نربطها بهذه التأكيدات، فتلميذ يكتب ويختبئ وراء اسم معلّمه، ليس كاتبًا مزيّفًا، إلاّ إذا توخى من كتابته أن يمنح لتعاليمه الشخصيّة سلطة لا يحقّ له بها. بل إن من مدّ فكر المعلّم، دلّ على تكريمه وعلى خصب فكره حتّى بعد موته.

3 - 2تس والاسكاتولوجيا
إن الضرورة التي أحسّت بها الكنائس لتكتب في امتداد القديس بولس، وُلدت من مسائل جديدة طُرحت على الحياة المسيحيّة، فلم يعالجها الرسول نفسه ولا الكتابات المسيحيّة اللاحقة مثل الأناجيل الازائية وأعمال الرسل. ومن هذه المسائل بلبلاتٌ حصلت في نهاية القرن الأول وبداية القرن الثاني. ونحن نجد آثارًا عنها في رسالة يهوذا ورسالة بطرس الثانية. واجهت الكنيسة صعوبات داخليّـة وخارجيّـة بعد انتشار متنام للانجيل في حوض البحر المتوسّـط وفي الشرق الأوسط كله. ومن هذه الصعوبات اضطهاد دوميسيانس. كان الأولَ بين اضطهادات نظّمها الامبراطور فتوسّعت توسّعًا كبيرًا. بدأت في رومة نفسها سنة 93، فوصلت إلى أسرة الامبراطور بالذات، ساعة تعاطف أعضاء العائلة مع المسيحية أو اليهوديّة. وامتدّ الاضطهاد فوصل إلى آسية الصغرى وفلسطين، وكوّن في مخيّلة المسيحيين صورة عن قوى تُعارض مُلك المسيح. والمثلُ المشهور جدًا هو وحش سفر الرؤيا. كانوا يظنّون أن الشيطان سيهاجم الكنائس بعنف، وأن النهاية صارت قريبة. فنتج عن كل هذا اضطرابات بدأت مع انتظار خائف وجامد لكوارث مقبلة، وانتهت بالكسل والمجون.
نجد هذا الوضع في خلفيّة 2تس التي ندّدت تنديدًا بتصرّف أشخاص يعيشون على حساب الآخرين (2تس 3: 8-12).: ((من لا يريد أن يعمل، لا يحقّ له أن يأكل... فهؤلاء نوصيهم ونناشدهم في الربّ يسوع أن يشتغلوا بهدوء ويأكلوا من خبز كسبوه بأنفسهم)).
ولكن بأية وسائل نوجّه هذه التحذيرات الضروريّة؟ نعود إلى كاتب مسيحيّ كرّس رسالة للمسائل الاسكاتولوجيّة: هو بولس في الرسالة الأولى إلى التسالونيكيين. فانبرى كاتب نجهل اسمه. عاش بلا شك في جماعة طُرحت فيها هذه المسائل المشار إليها بشدّة، فدوّن رسالة ثانية إلى التسالونيكيين وجعلها تحت سلطة المعلّم. هي براهين عديدة تؤكّد أننا أمام مؤلَّف مقلَّد. ففي مقاطع عديدة، تكتفي الرسالة بأن تستعيد نصّ 1تس بألفاظ قريبة جدًا. وهكذا يكون الكاتب في الحقّ ويتحاشى الخطأ. ثم أضافت هذه الرسالة إلى كل هذا، عناصرَ جديدة أخذتها من الوضع الجديد وهي: البطالة والمجون. إن هذا الوضع الذي عرفته الكنيسة في نهاية القرن الأول، جعلها تغرق في الاضطرابات. لهذا، حثَّت 2تس المؤمنين على تصرّف أخلاقيّ أكثر تطلّبًا. كما قدَّمت مقطعًا عن الاسكاتولوجيا، هو حضّ على الاعتدال والرجاء. ستأتي نهاية الأزمنة. هذا ما لا شكّ فيه. ولكنها لا تأتي في الحال. فلماذا نتوقّف عن الحركة والعمل؟ وقدّم كاتب الرسالة قراءة لعلامات الأزمنة، بدت بشكل استعراض لاضطرابات انتشرت في الكنيسة، ونحن نوجزها كما يلي: إن العلامات السابقة لنهاية العالم ليست بعدُ هنا.
هذا المقطع الذي لا يخلو من ارتباط مع تعليم رسالة يهوذا ورسالة بطرس الثانية والمدرسة اليوحناويّة، نقرأه في 2تس 2: 1-12 الذي يقدّم لائحة عن العلامات السابقة للنهاية. بعضها يُدعى بألفاظ مجرّدة: الكفر أو الجحود والارتداد(6). الشرّ أو اللاناموس أو المعصية(7). هذه اللفظة الأخيرة ستتوضّح بعض الشيء في عبارة ((سر المعصية)) (أو سرّ الإثمّ) في آ 7. ويصوّر الكاتب ما يتوقّعه من ثوران في نشاط إبليس (آ 9-10). ويدعو الشخص السرّي، الذي يتميّز عن إبليس، كما يبدو، ((رجل المعصية)) (آ 3)، ((ابن الهلاك))(8) (آ 3)، أو بشكل أبسط ((الكافر))(9). ربّما يتماهى عدوّ الله هذا الذي ينشر سلطانه الشّرير في السنوات التي تسبق نهاية العالم، مع ذاك الذي تسمّيه الكتابات اليوحناويّة ((ضد المسيح))، المناوئ للمسيح، المسيح الدجّال(10). غير أن يوحنا يختلف عن 2تس، فيستعمل اللفظة بعض المرات، في صيغة الجمع.
نستطيع بلا شكّ أن نحاول كشف هويّة هذا الكاتب الملهم الذي فكّر بأن يقدّم شقيقة صغيرة للرسالة الأولى إلى التسالونيكي، مكرّسة لمسائل مشابهة، وذلك بعد عشرات السنين. ولكن المحاولة لا تستحقّ كل هذا التعب. أولاً، طُرحت أسماء عديدة ولم يفرض اسمٌ نفسه. ثم إن مثل هذا البحث يخون بشكل من الأشكال الروح التي أشرفت على تدوين الرسالة. فبما أن الكنيسة بمجملها اعتُبرت ككاتب أكثر أهميّة من الافراد، رأت النورَ الكتبُ التي استعارت أسماء الرسل. فلماذا نبحث عبثًا عن اسم يطمئن عقول المعاصرين ولا يحمل فائدة إلى معرفة أصولنا.

4 - الرسائل الرعائيّة وتنظيم الكنائس
قبل اضطهاد دوميسيانس والقلاقل التي حرّكها هذا الاضطهاد لدى المسيحيين، طُرحت في الكنائس مسألة أقل مأساوية، هي مسألة التنظيم. فمنذ السنوات 80-85، زُرعت في حوض المتوسط الشرقيّ مدنٌ توزّعت فيها جماعات مسيحيّة ذات أهميّة بحيث لا يمكن اهمالها. أسّس بولس نفسُه عددًا كبيرًا منها، في آسية الصغرى وفي اليونان (نحن لا نقدّم لائحة عنها). وأسّس تلاميذ الرسول جماعات أخرى. نعرف منهم ابفراس في كولسي (كو 1: 7). وبين معاوني بولس الذين ظلّوا أمناء له، نذكر اثنين: الاول تيموتاوس الذي كان من لسترة في ليكأونية. تحدّد موقعُه الحضاريّ (ففاق بولس) على حدود عالمين: كانت أمه يهوديّة. وكان والده وثنيًا. هذا ما نقرأ في أع 16: 1. أرسله بولس إلى كورنتوس باسمه، منذ برزت الصعوبات (1كور 4: 17)، وضمّه إليه حين دوّن عددًا من رسائله (2كور، فل، كو، 1تس، فلم). وحسب شهادة سفر الأعمال، كان بولس يتركه في مدينة بشّرها، ليمضي إلى مكان آخر. فكانت مهمّة تيموتاوس تثبيت عمل الرسالة وتدعيمه. اذن، كان هذا التلميذ ذاك الذي يتابع العمل. ويُطرح سؤال: هل وجَّه إليه بولس رسالة من رسائله؟ لا تزال المسألة موضوع جدال. فيمكن أن 2تم كانت في الأصل بطاقة وجّهها بولس إلى معاونه الأمين، كانت بقدر فلم أو أطول منها بقليل(11).
أما تيطس، فقد كان له، على ما يبدو، مهمّات محدّدة. لم يتحدّث عنه سفر الأعمال، بل بولس في رسائله. قالت غل 2: 3 إنه لم يكن مختونًا. وهذا يعني أن دمًا يهوديًا لا يسري في عروقه. نجده خاصة في كورنتوس حيث أرسله بولس خلال الأزمة التي كانت في أساس ((الرسالة في الدموع)) والفصول الأولى في 2كور. يظهر أن عمله هناك كان جيّدًا، لأن بولس استطاع أن يفرح، في 2كور 7: 6-7، بالأخبار الطيّبة التي حملها إليه. فكتب عنه في 2كور 8: 23: ((أما تيطس فهو رفيقي ومعاوني عندكم)).
والآن، كيف نستطيع أن نعيد بناء المسيرة التي تقود إلى تدوين 1تم، تي، وكتابة ملحقات أضيفت إلى 2تم؟ بطريقة تشبه تلك التي صوّرناها سابقًا بالنسبة إلى 2تس. فبقدر ما أخذت الكنيسة في الانتشار، وجب عليها الانتقال من مرحلة الخلق والانشاء إلى مرحلة التنظيم. فرُتّبت خدم اختلفت عن تلك التي عرفناها في 1كور 12: 28، وقد جاءت شبيهة في جزء منها بخدم عرفتها المجامع اليهوديّة في الشتات: أساقفة، شمامسة، أرامل، كهنة أو قسس(12). غير أن هذا الوضع الجديد كان محتاجًا إلى جذور. فوُجدت طوعًا عند بولس الذي كلّف تيموتاوس وتيطس بمهمّات لارسوليّة بحصر المعنى. وجاءت الرسائل التي استعارت اسم بولس وتوجّهت إلى هذا التلميذ وذاك، فصوّرت تنظيم هذه الوظائف.
هل كانت لتيطس وتيموتاوس علاقة شخصيّة بهذا الأمر؟ جوابنا هو كلا، بلا شكّ. فالرسائل التي وُجهت إليهما تعكس، على ما يبدو، وضعًا يعود إلى السنوات 80-90. فمن المعقول أن يكونا غادرا هذه الدنيا. ولكن قربهما من رسول الأمم، أتاح لاسمهما أن ينتقل إلى السلف فتَميّز عن اسم مسيحيين آخرين عاشوا في القرن الأول، لأنهما تسلّما في ((خدعة أدبيّة)) رسائل لم نعرف اسم كاتبها، ولكنها استندت إلى سلطة بولس.

5 - الرسالة إلى أفسس ووحدة الشعبين
إن عناصر التوازي التي اكتشفناها بين 1تس و2تس، والتي دلّت على أن الثانية قلّدت الأولى، تبدو أيضًا أكثر وضوحًا بين كو وأف. وهذه العناصر لافتة بشكل كبير، بحيث إننا نستطيع أن نرتّب النصّين بشكل متواز، وذلك بالنسبة إلى مقاطع كاملة(13). ولوائح المقاطع المتوازية التي نجدها في ترجمات الكتاب المقدس الحديثة مدهشة(14). نستطيع أن نشرح هذا الوضع الأدبيّ بثلاث رسمات تاريخيّة ممكنة: إما ترتبط أف بالرسالة إلى كولسي، وإما ترتبط كو بالرسالة إلى أفسس، وإما تألفت كو وأف في مدرسة بولسيّة واحدة(15) واستقلّت الواحدة عن الأخرى على المستوى الأدبي. يبدو أن مجمل الشرّاح يأخذون بالحلّ الأوّل(16)، الذي يستند إلى سمة نصوصيّة هامّة، وهي أنه لا يرد في أقدم المخطوطات (للرسالة إلى أفسس) إشارة إلى الذين أرسلت إليهم(17). هذا الوضع النصوصي الأصليّ، جعل الشرّاح يقدّمون فرضيّة تقول إن أف التي أرسلت منها أكثر من نسخة إلى كنيسة أفسس، لم تدوَّن من أجل كنيسة محدّدة، بل اتخذت وضع رسالة دوّارة بحيث تُقرأ في أكثر من جماعة، من النمط عينه، في منطقة واحدة. ولنا عن هذه الظاهرة شهادة أخرى في العهد الجديد: فالرسالة إلى كولسي تشير إلى وجود رسالة إلى اللاودكيين. فعلى الجماعتين في كولسي ولاودكية أن يتبادلا الرسالتين اللتين استلمتاهما (كو 4: 16).
أما بالنسبة إلى العلاقة بين أف وكو، فنحن نأخذ بالفرضيّة التالية: توجّهت كو إلى جماعة مسيحيّة جاءت كلها من العالم الوثنيّ(18). ومن المعقول جدًا أن يكون بولس نفسه هو الذي كتبها، فجاءت خاتمةً كرونولوجيّة للفكر البولسيّ في نقطتين رئيسيتين.
أولاً، هي تدلّ على كرستولوجيا رفيعة تقدّم عن المسيح رؤية كونيّة شاملة، في نهاية الزمن كما في بدايته (كو 1: 15-16). هو رأس كل سلطان وكل قدرة سماويّة (2: 10). هو رأس الجسد الذي هو الكنيسة (1: 18). هو سرّ الله الخفيّ منذ البدايات والذي كُشف الآن (4: 3)(19). ونلاحظ أيضًا أن لفظ ((كنيسة))، استُعمل هنا في صيغة المفرد ليدلّ على مجموعة المسيحيين، ساعة استُعمل في الرسائل السابقة، لكلام عن الكنائس المحلّية الخاصّة. وهكذا كانت خطوة هامّة منذ الرسائل الكبرى في خط الشمول والكونيّة.
ثانيًا، تقدّم كو رؤية موحّدة جدًا عن العالم المخلّص، عن مصالحة أتمّها المسيح بين الله والبشر، ترافقت مع مصالحة بين الفئتين اللتين تكوّنت منهما البشرية، وذلك بحسب النظرة اليهوديّة: الفئة الأولى، اليهود. والفئة الثانية، اللايهود أو الوثنيون. لقد استخلص النشيد، في كو، من فكرة المصالحة، تطبيقًا جديدًا بالنسبة إلى الرسائل الكبرى، هي فكرة مصالحة إجماليّة بين البشر بعضهم مع بعض، وبين البشر والله. ((شاء الله أن يُحلّ فيه الملء كله، وأن يصالح به وله كل شيء، في الأرض كما في السماوات، فبدمه على الصليب حقّق السلام)) (كو 1: 19-20)(20).
غير أن هذا الغنى اللاهوتي في الرسالة إلى كولسي، لم يكن ليصل إلى جميع الكنائس، لأن الرسالة جاءت جوابًا على وضع متأزّم عرفته جماعة محدّدة: يبدو أن الكولسيين قبلوا المسيح بأنه الربّ حقًا. هذا صحيح. ولكنهم جعلوه ربًا بين أرباب آخرين. بالإضافة إلى ذلك، أخضعوا حياتهم لمجموعة من المحرّمات لا تتوافق مع الحريّة المسيحيّة: ((لا تلمس، لا تذق هذا، لا تمسك هذا. وهي كلها أشياء تزول بالاستعمال. نعم، هي أحكام وتعاليم بشرية)) (كو 2: 21-22). ندّد صاحب كو بهذا الموقف. ولكن رؤساء الكنيسة لم يرضوا بأن يجعلوا من رسالة تحمل عددًا من التحذيرات، رسالة دوّارة لدى جماعات غير معنيّة بهذه الأمور. لهذا، جاءت فكرة رفيعة تقوم بالانطلاق من كو لتأليف رسالة أكثر حياديّة، رسالة تخلّصت ممّا يتعلّق بانحرافات كولسي، رسالة تقدر أن تصل إلى مجمل الكنائس المسيحيّة الآتية من العالم الوثنيّ، لكي تنعم بالغنى الذي تضمّنه النصّ الأساسيّ، نص كو. مثلُ هذه الرسالة تستطيع أن تنتقل من كنيسة إلى كنيسة فتقدّم جوهر الفكر البولسي وقد بلغ إلى ملء نضوجه.
نستطيع أن نستعيد بعض مقاطع من كو لكي نرى ماذا صارت إليه في أف. المثل الأول نقرأه في كلام عن المسيح الرأس في كو 1: 18: ((هو رأس الجسد الذي هو الكنيسة)). وكتبت أف 1: 22 في موازاة هذا النص: ((وجعل [الله) كل شيء تحت قدميه [قدمي المسيح]، وجعله، فوق كل شيء، رأسًا للكنيسة التي هي جسده وملء ذاك الذي يملأ كل شيء في كل شيء)). جاء الفكر في أف أكثر تفصيلاً. فلم يقل فقط من هو المسيح بالنسبة إلى الكنيسة، بل أيضًا من هو بالنسبة إلى الله الذي جعله (أعطاه كهدية) للبشر، وأيضًا من هو بالنسبة إلى جميع الكائنات بما فيها القوى السماويّة. كانت ربوبيّّة المسيح شاملة جدًا منذ الرسالة إلى كولسي، فاتّسعت شموليّتها أيضًا في الرسالة إلى أفسس.
والمثل الثاني يكشف أيضًا الطريقة التي به استعادت الرسالة نصًا من رسالة أخرى: توجّه صاحب كو إلى قرّائه بالكلمات التالية (1: 21- 22).
(21) وأنتم الذين كنتم فيما مضى، غرباء، أنتم الذين دلّت أعمالكم الشريرة على عداوة عميقة،
(22) ها إن الله صالحكم الآن بفضل جسد ابنه البشريّ، بموته...
هذا المقطع الذي جاء موجزًا في تعبيره، قد توسّعت فيه أف كما يلي (2: 21-16): 
(12) فاذكروا أنكم كنتم فيما مضى من دون مسيح، بعيدين عن رعيّة اسرائيل، غرباء عن عهود الله ووعده، لا رجاء لكم ولا إله في هذا العالم.
(13) أما الآن، فأنتم الذين كنتم فيما مضى بعيدين، صرتم قريبين يوم المسيح.
(14) فهو (المسيح) سلامنا: جعل ما كان مقسومًا، واحدًا. في بشريّته هدم الحاجز الذي يفصل بينهما: العداوة.
(15) ألغى الشريعة ووصاياها مع أحكامها. وهكذا أراد أن ينطلق من اليهودي والوثنيّ (اللايهوديّ) ليخلق في شخصه انسانًا واحدًا جديدًا، بعد أن أحلّ السلام.
(16) ويصالحهما كليهما مع الله في جسد واحد، بصليبه: فقتل العداوة.
من الواضح أن نص أف يعطي دورًا كبيرًا جدًا للمسيح. فهو ليس فقط ذاك الذي به تمّت المصالحة، بل أيضًا ذاك الذي أتمّها في شخصه. ثم عبَّر النصّ عن التقارب بين فئتي البشريّة، بصور قويّة جدًا: هُدم جدار العداوة. لم يعد اليهود من جهة واللايهود من جهة أخرى، بل هناك شعب وحيد واحد وقد توحّد منذ الآن. هذا ما يصل بنا إلى عبارة مشهورة لا نجد ما يقابلها في كو: ((هناك جسد واحد وروح واحد، مثلما دعاكم الله إلى رجاء واحد: ربّ واحد، إيمان واحد، معموديّة واحدة. إله واحد وأبٌ للجميع. يسود على الكل، يعمل بالكل، ويقيم في الكل)) (أف 4: 4-6). قبل ذلك الوقت، لم يعبّر كتاب من العهد الجديد، بمثل هذه القوّة، عن وحدة الكون في الله وفي المسيح. كانت هذه الوحدة نبتة صغيرة في كو، فوجدت في أف قوّة ووضوحًا في التعبير له بليغ الأثر.

6 - الحواشي: شكل آخر من الرسائل البولسيّة الثانية
إذن، أعيدت قراءة القديس بولس، وأعيد تفسيره. فأنتجت هذه الظاهرة خمس أو ست رسائل بولسيّة ثانية، أدخلتها الكنيسة في قانونها، معتبرة (وهذا أمر نعود إليه) أنها تستحق الاكرام الذي تنعم بها رسائل صدرت مباشرة من يد الرسول. غير أننا لا نستطيع أن ننهي هذه النظرة الاجماليّة دون أن نشير إلى شكل آخر من الرسائل البولسيّة الثانية: هو نصّ محدّد وقصير. لهذا نعتبره غير موفّق. نحن هنا أمام حواش أدرجها الكتبة في النصوص ليجعلوها تتجاوب تجاوبًا أفضل مع وضع الكنائس التي تقرأها. عندئذ نجد نصًا بولسيًا صحّحه أناس ابتعدوا عنه كثيرًا في الزمن. ونعطي على ذلك مثلين نقرأهما في الرسالة الأولى إلى كورنتوس.
نقرأ في 1كور 14: 33 ب-35: ((كما في جميع كنائس القديسين، لتصمت نساؤكم في الكنائس لأنه لا يجوز لهنَّ التكلّم، وعليهنّ أن يخضعن كما تقول الشريعة. فإن أردن أن يتعلّمن شيئًا، فليسألن أزواجهنَّ في البيت، لأنه عيب على المرأة أن تتكلّم في الكنيسة)). هذا النصّ الذي يتعارض مع النسويّة(21) هو في أصل بغضاء عنيفة تشعر بها النساء تجاه بولس. لا شكّ في أن هذا النصّ يبدو جذريًا إلى حدّ يجعل الانسان يرتعش غضبًا. ولكنه ليس من بولس. هذا ما لا شكّ فيه. وأنا لا أقول هذا الكلام لكي أرضي النساء. فنحن، على ما يبدو، أمام حاشية أقحمها كاتب في الحقبة الآبائيّة. ولماذا هذا الاستنتاج؟ لأنه لو كان من بولس لعارض الرسول نفسه بشكل فادح. فقد كتب هو نفسه في 1كور 11: 5: ((كل امرأة تصلّي أو تتنبّأ وهي مكشوفة الرأس تهين رأسها)). لا شكّ في أنه يليق بالمرأة أن تغطّي رأسها. ولكن يقال بأنها تصلّي. وفي القديم، كانت الصلاة في الجماعة تُتلى بصوت عال. وقيل أيضًا أنها تتنبّأ. فكيف تتنبّأ دون أن تفتح فمها، ودون أن تتكلّم؟ فإن كان بولس فرض على المرأة بعض قواعد في اللياقة داخل الجماعة، فهو لم يتوخَّ من المرأة أن تسكت. والأمر بالصمت الذي يُفرض على النساء في 1كور 14، التي تستعمل أيضًا لفظة ((شريعة)) في معنى يختلف كل الاختلاف عن معناها البولسي العادي، هو أيضًا حاشية أقحمها كاتب: نسخَ رسالةَ بولس، فأدخل في النصّ ممارسة عرفتها كنيسته المحلّية، وهكذا أعطى قوّة لممارسة جاءت بعد القرن الأول.
وهناك أيضًا حاشية ذات نتائج أقل أهميّة، أقحمت في 1كور 15: 56، في وسط توسّع حول الموت والقيامة: ((شوكة الموت هي الخطيئة، وقوّة الخطيئة هي الشريعة)). لماذا ذُكرت هنا الخطيئة والشريعة، دون أي رباط بالسياق؟ هذا ما يشبه بعض المواضيع التي توسّعت فيها روم. أدخلها في هذا المقطع، كاتبٌ تغذّى بالتعليم البولسيّ فأراد أن يفاخر بمعرفته لفكر بولس. هل نحن أمام تأنّق ناسخ؟ هذا ما لا نعرفه. غير أن هذا النهج يدلّ على أن المسيحيين أحسّوا منذ زمن طويل بالحاجة إلى التوسّع في الفكر البولسيّ، لأنه متشعّب ولأنه يدفع القارئ طوعًا إلى تفسيره.

خاتمة
إن الحضارة الحديثة التي اغتذت بالعقلانيّة والدقّة، لا ترضى باسم مستعار. لهذا، يصعب عليها أن تقارب مؤلَّفًا لاأصيلاً دون فكر مسبق ينطبع بطابع الرفض. والخطّ الذي قدّمناه داخل الرسائل البولسيّة الثانية، قد يكون عملَ (هذا ما نرجوه على الأقل) على تبديل بعض الآراء. لا شكّ في أن بعض أساليب الاقتباس والتقليد تعطي نتيجة سقيمة تبعث على الحزن. فإن كانت حاشية 1كور 15: 33ب-35 إضافة جعلها كاتب في النصّ، فقد أساءت مدة طويلة إلى القديس بولس وإلى حياة الكنيسة التي استندت إلى سلطة بولس لتبرّر موقفها المعارض للنسويّة بما في هذا الموقف من شكّ.
ولا شكّ أيضًا في أن الرسائل الرعائيّة تبدو بعض المرّات ضعيفة بالنسبة إلى الرسائل التي دوّنها بولس نفسه. غير أن الحياة تمرّ عبر حقبات مختلفة، ويجب أن نقبل بهذا الاختلاف. فحقبات التأسيس غير حقبات التنظيم. ولكن الاثنين ضروريتان. ظلَّ بولس منسيًا بعض الوقت خلال القسم الأكبر من القرن الثاني، وهذا أمر نفهمه. فهذا القرن الذي عرف اضطهادات قاسية، والذي انطبع بمسافة اتسعت يومًا بعد يوم، بين الكنيسة والمجمع، كانت له اهتمامات غير التبرير بالشريعة.
ولكن حين يتيح الاسم المستعار كتابة نصّ من مستوى الرسالة إلى أفسس، فلا يمكننا إلاّ أن نبتهج بهذه الظاهرة. فالرسالة إلى كولسيّ تبدو في حجمها الصغير مسودّة بسيطة تجاه عظمة شقيقتها (الرسالة إلى أفسس) التي جاءت بعدها. ثم إن الكنيسة لم تخلط يومًا بين المسائل المتعلّقة باسم مستعار وتلك المتعلّقة بقانونيّة نصّ من النصوص. وهذا أمر تحمد عليه. فلو فعلت غير ذلك، لحرمنا من أشعيا الثاني وأشعيا الثالث، ومن حكمة سليمان. ولحُرمنا من انجيلين على الأقل، من انجيل متى وانجيل يوحنا. هما يغرزان جذورهما في أرض بذرها الرسولان، ولكنهما ليسا من عمل الرسولين. فلنحمد الروح القدس الذي ألهم كتّابًا لا نعرف أسماءهم فدوّنوا ما دوّنوا من أجل خير الكنيسة والعالم.
أربع مداخلات في اليوم الأخير من المؤتمر. ولكن لم يطبع سوى اثنتين منها: 
1 - بولس في عصرنا 
2 - من لاهوت المسيح إلى الحياة في المسيح

الفصل الثلاثون

بولس معلّم في عصرنا

ما زال فكر بولس الرّسول بعد ألفَي سنة يحرّك الناس في عالمنا المعاصر. فشخصه والتزامه وكتاباته وإرثه الرّوحيّ، كل هذا يقسم الناس بين موافق ومعارض. فرسول الأمم ما زال واقفًا في وجه بطرس في ما يخصّ الحريّة المسيحيّة: المعمّد معمّد سواء جاء من العالم اليهوديّ أو العالم الوثنيّ. لقد تحطّم حاجز الشّريعة وتحطّمت أطر عديدة أمام ذاك الذي انتقل من عالم إلى عالم، من عالم كانت حياته الشّريعة إلى عالم صار فيه المسيح حياته. ولغته القاسية. وتهديده للكورنثيّين باستعمال العصا إذا احتاج الأمر. وما وصلت إليه الأمور حين أراد أن يرتّب الجماعة، فقاده تصرّفه إلى فرض الصّمت على النّساء في الجماعة، فسمّي اليوم المعارض لكل حركة نسائيّة. من أجل هذا تركه بعضهم، والآخرون هاجموه. ومع ذلك، ظلّت رسائله تُردّد في كتب ومقالات لا يستطيع أحد مهما طال باعه أن يحيط بهذا الفكر الذي خافه الجميع بعد أن فجّر المسيحيّة المسجونة في ((شيعة)) داخل أورشليم وأطلقها في طرق العالم.
سوف نتوقّف في هذا العجالة عند فكره اللاهوتيّ وفكره الفلسفيّ وفكره الإجتماعيّ. 

1 - بولس وفكره اللاهوتيّ
نتذكّر هنا أن أوّل ما وصل إلينا من كتابات العهد الجديد كانت رسائل بولس التي حملت إلينا تعليمًا لاهوتيًا ما زالت تغتذي منه الكنيسة إلى اليوم ولن تزال حتى نهاية مسيرتها على هذه الأرض(1).
أ - قوام هذا التعليم
انطلق كل شيء في حياة بولس من خبرته مع المسيح على طريق دمشق. لهذا، ملأ شخصُ يسوع قلبه وتصوّره، بل قلبَ كلَّ مشاريعه. فيسوع هذا الإنسان الذي يمكن أن نقول عنه الشيء الكثير، هو في العمق ذلك القائم من الموت. فالقيامة تعطي حياة المؤمن معناها، وتسند رجاءه، وتفهمه معنى الصليب. هذا الصليب الذي اعتبره اليهود ضعفًا، والوثنيّون حماقة، هو قدرة الله وحكمته. ولكن هذا لا يُفهم إلاّ على ضوء القيامة. ونحن اليوم، حين نتحدّث عن عظماء التاريخ من قوّاد السياسة وموجّهي الفلسفة، لا نستطيع أن نجمعهم مع يسوع: فهم ماتوا وماتوا. أما يسوع فحيّ إلى الأبد. هذا الذي حسبه اليهود مات واعتبرته الشّريعة مخطئًا بعد أن جعل نفسه ابن الله، هو الآن حيّ ويتدخّل في حياة المؤمنين وحياة اللامؤمنين. وبولس نفسه سمع صوته على طريق دمشق فبدّل له ذاك الصوتُ حياته كلها. ذهب يضطهد المسيحيين، فعاد يبشّر بأنّ يسوع هو المسيح. ذاك الذي تألّم ومات وقُبر، هو في الواقع حاضر في كنيسته حتى نهاية الأزمنة.
هذا المسيح الذي رآه بولس هو الرب. إياه يعلن كل لسان، وله تنحني كل ركبة في السماء والأرض وتحت الأرض (فل 2: 10-12). لهذا هتف بولس: ((إن كنتَ تعلن بفمك أن يسوع هو ربّ، وتؤمن بقلبك أن الله أقامه من بين الأموات تخلص)) (روم 10: 9). ونحن لا نقدر أن نقول إن المسيح ربّ إلاّ في الروح القدس.
لهذا سوف يتوسّع بولس في عمل الروح توسّعًا لم يجاره فيه سوى يوحنا. هذا الروح هو معرفة وقدرة فاعلة، وخبرة نعيشها يومًا بعد يوم. هذا الروح يعمل في قلوبنا فيعلّمنا ما يقوله الطفل لأبيه: أبّا، أيها الآب (غل 4: 6). هذا الروح هو واحد. وهو يحرّك فينا المواهب المتعدّدة من أجل بناء الكنيسة. وهذه الكنيسة التي وُلدت من الروح تحيا بالمحبّة.
منذ البداية، وفي الرسالة الأولى إلى تسالونيكي، بدأ بولس يلقي هذا التعليم في الجماعات التي يؤسّسها، بحيث حسبه بعض المفكّرين ((مؤسّس المسيحيّة)). لا شكّ في أنه حاول أن يعبّر عما قاله يسوع في اللغّة الأراميّة، وينقله إلى العالم اليونانيّ حيث نقرأ كل أسفار العهد الجديد. مثلاً، قال لأهل تسالونيكي: ((اهتديتم إلى الله وتركتم عبادة الأوثان لتعبدوا الله الحيّ الحقّ، منتظرين مجيء ابنه من السماوات، وهو الذي أقامه الله من بين الأموات، يسوع الذي ينجّينا من الغضب الآتي)) (1تس 1: 9-10). 

ب - من يسوع الناصريّ إلى بولس 
كيف نفهم أن بولس ذاك المثقّف بالفكر اليهوديّ والفلسفة اليونانيّة، قد امسكه يسوع الناصريّ(2). قال في الرسالة إلى فيلبيّ: ((أمسك بي يسوع المسيح)) (3: 12). تغلّب عليّ بعد صراع مرير. ونحن نفهم قوّة هذا الصراع من شراسة الاضطهاد الذي وجّهه بولس على المسيحيّين. فما اكتفى بأن يمسك المسيحيّين في أورشليم ويزجّهم في السجون (أع 8: 3)، بل طلب رسائل من رئيس الكهنة كي يعتقل الرجال والنساء الذين يجدهم في دمشق على مذهب الربّ ويجيء بهم إلى أورشليم (أع 9: 1-2).
ما الذي ربط بولس بذاك اليهوديّ العائش في الريف الفلسطينيّ، بذاك النجّار الذي عايش الشعب البسيط وصادق الخطأة؟ لقاء دمشق. بل سبق هذا اللقاء تساؤل حول وعظ الرسل بعد القيامة. حكم رؤساء الكهنة على يسوع بالموت باسم الشريعة. ومات يسوع. إذن، كانت الشريعة على حقّ. ولكن التلاميذ أعلنوا أن يسوع حيّ. هذا يعني أن الشريعة أخطأت، وأن الأساس الذي جعل بولس حياته عليه قد انهار. فشلت الشريعة. بل فشلت ثقة بولس في الشريعة. جاءت نهاية هذه الشريعة لأنها جعلت المسيح على الصليب.
هنا تبرز الفكرة الأساسيّة التي يمكننا أن نسميّها فشل الديانة. فكل ديانة تنغلق على ذاتها تصل بالإنسان إلى الصنميّة. وحين يظنّ الإنسان أنه يقدر أن يبني نفسه بنفسه أمام الله، يعيش في الوهم والسراب. ظنّ اليهوديّ أنه بممارسة الشريعة يجعل الله في ((خدمته))، يفرض على الله أن يتبدّل. وظنّ ((الوثنيّ)) أنه بالبحث عن حكمة بشريّة ومعرفة باطنيّة يستطيع أن يمسك الله ويجلبه إليه. الاثنان مخطئان بعد أن قرّر الربّ أن يخلّص الجميع بحماقة الصليب: ((اليهود يطلبون المعجزات، واليونانيّون يبحثون عن الحكمة. أما نحن فننادي بالمسيح مصلوبًا، وهذا عقبة لليهود وحماقة في نظر الوثنيّين)) (1كور 1: 23-24).
اكتشف بولس فشل مثل هذه الديانة التي تحاول أن تستولي على الله، واستسلم بكليّته لمجانيّة النعمة. عندئذ تبدّلت صورة الله كما تخيّلها: ظنّه ذلك القويّ، فإذا هو ضعيف جدّاً. ظنّه سيّدًا مستبدّاً ،فإذا هو يتضامن معنا. يصبح خطيئة من أجلنا. لعنة من أجلنا. ظنّه بعيدًا في أعلى سمائه، فإذا هو حاضر في آلامنا. تلك كانت خبرة بولس في حضارته اليهوديّة. وفي حضارته اليونانيّة، بحث عن الفلسفة فما وجدها عند الرواقيّين الذين اعتبروا نفوسهم أبرارًا حين يسيطرون على أهوائهم. أما موقف بولس فبدا جذريّاً. قال: ليس الإنسان حرّاً، بل هو لا يستطيع أن يستعيد حريّته بقواه الذاتيّة، لأن الخطيئة تغرّب الإنسان عن ذاته، وتجعله يقف في وجه الله. لهذا، يحتاج الإنسان إلى من يأتي من الخارج. يحتاج إلى عمل الروح. نقرأ في روم 8: 2: ((شريعة الروح الذي يهبك الحياة في المسيح يسوع،حرّرتك من شريعة الخطيئة والموت...)). أجل. تجدّد المؤمن وتحوّل بروح الله الذي يعطيه يسوع، فاستطاع أن يخضع لمشيئة الله التي لم تعد بالنسبة إليه شيئًا يُكرهه من الخارج، بل شريعة داخليّة في حياته الجديدة.

ج - لاهوت القدّيس بولس
هذه النظرة الشخصيّة(3) دفعت عددًا من الشرّاح إلى أن يكتبوا لاهوت القدّيس بولس، وليس فقط لاهوت رسالة من رسائله. لا شكّ في أننا نتوقّف بشكل خاص عند الرسائل التي دوّنها بولس، وهي روم، 1كور، غل، فل، 1تس، فلم. وبدأ الشرّاح يعتبرون أن كو هي رسالة بولسيّة. أما أف فجاءت بعد موت الرسول، شأنها شأن الرسائل الرعائيّة (1تم، 2تم، تي). أما 2تس فهي قراءة متأخّرة لما في 1تس حول أمور استجدّت بعد موت الرسول.
من أجل هذا اللاهوت، نورد أربعة عوامل.
الأوّل، هناك سمات في لاهوت بولس ارتبطت بديانة آبائه: ما تعلّمه في طفولته وفي صباه. وكل هذا رافقه في خبرة دمشق وانطلاقة حياته الأوّلى مع المسيح. هذه السمات أساسيّة في درجة كبيرة. منها الإيمان بالله الواحد كما اعلن في 1كور 8: 4. والإيمان بروح الله الذي ليس صفة من صفات الله، بل شخص حيّ يعمل في المؤمنين وفي العالم. وعمل النعمة الذي اختار شعبًا من الشعوب، بل يختار كل واحد منا ((قبل انشاء العالم لنكون عنده قدّيسين بلا لوم في المحبّة)) (أف1: 4). تلك كانت مسيرة بولس الذي كان يهوديّاً فصار مسيحيّاً: اعتبر أنه تعمّق في نصوص العهد القديم، والتقى بالربّ فاستضاءت هذه النصوص وحملته إلى المسيح.
والعنصر الثاني في اللاهوت البولسيّ، هو الإطار الإسكاتولوجيّ في وحي المسيح (غل 1: 12-16). فما أخذه الرسول من العالم اليهوديّ قد تحوّل وتبدّل. فالله الواحد هو إله ربنا يسوع المسيح وأبوه (أف 1: 3). والروح هو روح يسوع المسيح. ونعمة الاختيار والخلاص التي حدّدت في وقت من الأوقات شعب اسرائيل، ووجدت الآن ذروتها في المسيح، ربطت الخلق بالخلاص فتسامت على شعب من الشعوب لتصل إلى جميع الشعوب. لهذا، قال بولس في روم 1: 14: ((عليّ دين لجميع الناس من يونانيّين وبربر)). وقال: ((إنجيل المسيح هو قدرة الله لخلاص كل مؤمن. لليهوديّ أوّلاً ثمّ لليونانيّ (آ 16).
ثالثًا، إن التفاعل الأساسيّ بين فكر بولس الأوّل، واللاهوت المسيحيّ السابق لبولس، ووحي المسيح لبولس نفسه، كل هذا لم يسر مسيرة متواصلة تبرز في شكل واحد. فهناك أحداث وأزمات لعبت دورًا هامًا. نشير هنا إلى أزمة الكورنثيّين المتعلّقين بالحكمة. ولكن بولس توسّع في الكلام عن الحكمة بالنظر إلى المسيح، بالنظر إلى صليب المسيح. ونقول الشيء عينه عن الشريعة. هناك من حدّد التبرير في ألفاظ تتحدّث عن الفرد الذي يجد السلام مع الله، وأعلن قطيعة بولس مع الشريعة على طريق دمشق. ولكن ما قاله بولس في غل 1: 13-16 يفهمنا أن الظهور لرسول الأمم اعتُبر أنه نداء لحمل ذات الإنجيل الذي اضطهده ((إلى الأمم))، ونداء للانفتاح على الوثنيين. لا شكّ في أن هذا اليقين بدأ مع خبرة دمشق. وجاءت أزمة الغلاطيّين فعجّلت في فتح الطريق إلى العالم الوثنيّ.
والعنصر الرابع في لاهوت بولس هو التفاعل مع أوضاع خاصة لدى الأشخاص الذين يكتب إليهم. لهذا، يبدو تعليم الرسول جانبيّاً في السياق الذي يرد فيه، وضعيفًا أمام تفسير يشدّد على الاختلافات. فهذه الاختلافات تعبير ضروريّ عن أوضاع متنوّعة يحاول أن يردّ عليها. هذا يعني تطوّر الفكر البولسيّ مع الزمن(4). ولا سيّما على مستوى الكلام عن النهاية ومجيء المسيح.

2 - بولس وفكره الفلسفيّ
حين انطلق بولس من العالم اليهوديّ الذي تربّى فيه، اصطدم بالشريعة، التي رذلها حين اعتبرت نفسها طريق خلاص. وهكذا لم يفهمه اليهود في عصره، فغضبوا عليه، ولاحقوه من مدينة إلى مدينة، وفي النهاية أرسلوه موثوقًا إلى قيصر قبل أن يموت: قطع رأسه على طريق اوستيا بجوار رومة. أترى سيكون حظّه أفضل إن هو انطلق من العالم اليونانيّ بفلسفته، وبولس هو ابن الحضارة اليونانيّة التي عرفها في طرسوس فتحدّث عن شعرائها وفلاسفتها (رج أع 17: 21-29)؟ هنا ننتقل إلى فكر بولس الفلسفيّ ولا ننسى أن الأسفار الحكميّة في العهد القديم فتحت الطريق أمام تعليم يتوجّه إلى البشريّة كلها، لا إلى شعب من الشعوب وعرق من الأعراق. ونحن نتوقّف عند نظرة إلى الإنسان كشخص حرّ ومسؤول عن أعماله في مجتمع منفتح ومتعدّد الوجوه. 
أ - دور الفرد في المجتمع
اعتاد الفلاسفة(5) أن يميّزوا بين الفرد الذي يبرز وجهه في إطار اجتماعيّ محدّد. والذات التي تدلّ على الفرد حين يعبّر عن نفسه في صيغة المتكلّم المفرد (أنا) وباسمه الشخصيّ. والأنا الذي يدلّ على الإنسان الواعي لداخليّته ولوحدته. نتحدّث عن الفرد في سيرة نكتبها عنه. ويتحدّث الإنسان عن ذاته في السيرة الذاتيّة. ونجد الأنا في الذكريات الحميمة(6). كل هذا نكتشفه عند بولس حين يتحدّث عن صراعه مع نفسه (روم 7: 11-25)، وعن سيرته داخل الجماعات ولا سيّما في غلاطية حيث اعتبر نفسه رسولاً مثل سائر الرسل (غل 1: 2)، وعن اعتباراته حول العمل الرسوليّ (1كور 1-4؛ 2كور 2-7)، وعن لاهوت البرّ كما صاغه بشكل خاص في بداية الرسالة إلى رومة والرسالة إلى غلاطية.
إن اكتشاف الأنا كذات شخصيّة وعنصر مكوّن لكل انسان، ينتج عن اختبار شخصيّ هو وحي تلقّاه الرسول من عند الله. فالله كشف عن نفسه لبولس على أنه الآخر الآخر. وهذا الكشف ولّد هويّة جديدة لديه. قال بولس في غل 2: 10: ((وكل ما طلبوه منا أن نتذكّر الفقراء، وهذا ما بذلت في سبيله كل جهد)). الأنا يتعرّف إلى الأنت. غير أن هذا الأنت ليس مثلك: الواحد يهوديّ والآخر وثنيّ. وهكذا نكون أمام مجتمع جديد جهله العالم اليهوديّ كما جهله العالم اليونانيّ والرومانيّ. مجتمع يتميّز بالشموليّة والتعدّديّة. نحن بعيدون كل البعد عن شموليّة تشبه ما في الفكر الرواقيّ، ولكنها تترك جانبًا ما ليس يونانيّاً (رج كو 3: 11: لا أعجميّ أو بربريّ). إن هذه النظرة الجديدة إلى الإنسان، وهي نتيجة وحي خاص من الله، تبقى الأساس لمجتمع جديد يعرف الشمول والتنوّع. 
هنا جاء من يجعل بولس في فئة المحافظين أو في فئة التقدميّين. اعتبروه محافظًا بالنسبة إلى النساء حين أمرهنّ بالسكوت في ((الكنيسة)). واعتبروه مستبدّاً حين فرض رأيه بحزم في تنظيم الكنائس. والمثال على ذلك، ما يقوله في 1 كور 11: 11: ((فإن أراد أحد أن يعارض، فما هذا من عادتنا ولا من عادة كنائس الله)). هذا يعني: انتهى النقاش. واتّهموا بولس بالتشدّد تجاه بعض ((زملائه)) في الرسالة فاعتبروه ضيّق التفكير.
ولكن بولس يحاول في الواقع أن يكون تقدميّاً. أن يكون منفتحًا على الآخر من أجل مجتمع يضمّ البشريّة كلها، بحيث لا يبقى يهوديّ ويونانيّ، عبد وحرّ، رجل وامرأة: ((فكلنا واحد في المسيح)) (غل 3: 28). وكلنا نشارك في وعد ناله ابراهيم، وفي ميراث (آ 29). هاجم الرسول في غل و2 كور أشخاصًا يعلنون إنجيلاً آخر غير إنجيل الله الذي كرز به هو (غل 1: 6-8). مثل هؤلاء يستحقّون اللعنة، لا البركة من الله. وما الذي حدا ببولس إلى هذا القول؟ رفضُه للنظام القديم الذي يجعل حواجز بين فئة وفئة، ويدلّ على اختلاف بين رسول دعاه المسيح خلال حياته على الأرض، وبين آخر دعاه بعد قيامته. فما قيمة تمييز يتحدّث عن رسل من الدرجة الدنيا ورسل من الدرجة العليا. قال بولس: ((لا أظنّ أني أقلّ شأنًا من أولئك الرسل العظام)) (2 كور 11: 5). ما يهاجمه الرسول، سلطة مستبدّة تفرض نفسها وحدها تجاه مجتمع ينفتح على الآخرين ولا يتوقّف عند معرفة يسوع بحسب الجسد (2كور 5: 16) أو صفات بشريّة كالبلاغة والفصاحة (2 كور 11: 6). أما في ما يتعلّق بالمرأة فموضوع نعود إليه في القسم الثالث من كلامنا. ولكننا منذ الآن نعرف أن للمرأة ذات الحقوق والواجبات التي للرجل في فكر بولس الذي يشير إلى مسائل الحشمة من أجل سلوك يليق بالكنيسة.

ب - أبعد من المحيط اليهوديّ واليونانيّ
تحدّث الرسول عن الذات التي تتكوّن في حوار مع الآخر، وعن مجتمع لا يبقى حيّاً إلاّ إذا انفتح على الآخرين. فجاء من يتّهمه بأنه محافظ وأصوليّ ومتعصّب. ولكن هذا الاتّهام هو ما سيدلّ على قوّة فكر الرسول وما فيه من جديد. فهناك حدث لم يتوقّعه حصل في حياته فقاده فجأة إلى التخلّي عما كان حتى الآن يقينه الأساسيّ، وإلى التوسّع في نظرته إلى الله وإلى الإنسان بشكل يختلف عما في العالم اليهوديّ والعالم اليونانيّ، وإلى ممارسة ما اكتشفه في الجماعات التي أسّسها.
ففي نظر بولس، يقوم برّ الله بالنظر إلى الإنسان في ذاته، بمعزل عن صفاته وانتماءاته، وبتحريك هذا الوعي لديه على أنه ذات عارفة وحرّة. أجل، ما نقوله اليوم عن ((الأنا)) كفرد وكشخص مسؤول عن حياته الخاصة، أمر تحدّث عنه بولس قبل الفلاسفة الذين جاؤوا على مرّ العصور. فنحن لا نعرف حركة إرساليّة واحدة في تاريخ الكنيسة الأولى، حرّكت مثل هذا العدد من المعاونين الآتين من أفق مختلفة، كما فعلت المجموعة البولسيّة. فبولس لا يعمل أبدًا وحده، بل يتعاون مع أشخاص يتمتّع كل واحد بشخصيّته الخاصة. هنا معاونون دائمون مثل تيموتاوس، ومعاونون ظرفيّون لهم مشروعهم الخاص مثل أبلوس (1كور 16: 12) أو برسكلة وأكيلا. وهناك آخرون يرسَلون إليه لوقت محدّد ومهمّة معيّنة، مثل تيطس الذي كان مسؤولاً عن جمع المعونة للكنيسة (2كور 7: 5-9-15).
بولس هو مؤسّس ما دُعي ((المجتمع المنفتح)). فنظرته إلى الله والإنسان دفعته إلى أن يؤسّس ((كنائس)) يلتقي فيها اليهوديّ والوثنيّ، العبد والحرّ، الرجل والمرأة (غل 3: 28). والحياة السياسيّة والفكريّة في العالم اليونانيّ، كوّنت هويّته فابتعد عن البرابرة في عزلتهم، وعن العالم اليهوديّ الذي يشدّد على اختيار يفصله عن الوثنيّين. حين قال: لا يونانيّ ولا يهوديّ، أعلن أن مختلف أشكال التمييز التي تستعملها المجموعات لتدلّ على هويّتها، قد ولّت وانتهت. وحين قال: لا عبد ولا حرّ، تنكّر لإيديولوجيّة الإمبراطوريّة الرومانيّة التي قسّمت الناس فئتين، وهي قسمة لا نزال نجدها في عالمنا المعاصر. وحين قال: لا رجل ولا امرأة، اتّخذ موقفًا واضحًا بالنسبة إلى المدارس الفلسفيّة والمجتمعات المحليّة التي تكتفي بالذكور ولا تحسب حسابًا لوجود المرأة.
إن التمييز بين الرجل والمرأة لا يعني أنه لم يعد اختلاف بينهما. وكذا نقول عن التمييز بين اليونانيّ واليهوديّ، بين العبيد والأحرار، بين الأغنياء والفقراء، بين الصغار والكبار. هذا التمييز يعني أن لكل واحد شخصيّته، وأن لا شخصيّة تذوب في شخصيّة الآخر، كما يحدث مرارًا في مجتمعنا الزواجيّ الشرقيّ. كما لا نذوب في المجتمع، على مثال ما كان في العالم العبرانيّ القديم وفي العالم الهلينيّ، بل العالم الحديث، حيث صار الإنسان قطعة في آلة كبيرة لا نفس فيها ولا روح. التعدديّة هامة كي يحافظ كل واحد على غناه وينمّي هذا الغنى. ولكن التعدديّة لا تعني تشديدًا على الخلافات بحيث تزول كل نقاط التلاقي. فالتعدديّة تصبح غنى أكبر عندما يلتقي الإنسان مع الآخر في وحدة لا يلغي فيها الواحدُ الآخر، ولا يصبح فيها الواحد امتدادًا للآخر. والشموليّة تعارض نظرة اليونانيّ الذي يرفض اللايونانيّ ويعتبره من عالم الهمج. كما تعارض نظرة اليهوديّ الذي يرفض اللايهوديّ ويعتبر أن الله اختاره وحده دون الآخرين. فإن كان من اختيار إلهي لشعب من الشعوب أو لفرد من الأفراد، فمن أجل الخدمة لا من أجل السيادة، من أجل العطاء لا من أجل الأخذ، من أجل التواضع لا من أجل التسلّط والاستعلاء على الآخرين. في هذا قال بولس الرسول: ((من ميّزك أنت على غيرك؟ وأي شيء لك ما نلته من الله؟ فإن كنت نلته من الله (كعطيّة مجانيـّة)، فلماذا تفتخر كأنك ما نلته)) (1كور 4: 7)، فتعتبر أنك صرت إلى ما أنت عليه الآن بقدرتك الذاتيّة؟

ج - حدث بدّل حياة الرسول
أكّد بولس على ما يسميّه الفلاسفة اليوم: أنا. فأنا موجود كشخص بمعزل عن صفاتي وعن انتماءاتي. أما الناس فيقولون أنا موجود إذا كنت طيّب المعشر. وإلاّ لا وجود لي. أنا موجود لأني انتمي إلى هذه المجموعة، وأكبر حين أنال تلك الوظيفة أو أكون قريب شخص مهمّ! كلا. فأنا أنا أمام الله وفي علاقتي مع القريب. أعيش ما أعطي لي من قبل الربّ وأراعي الآخرين في ما يميّزهم عني. ويُطرح السؤال: من أين جاء بولس بهذه النظرة العميقة في مجتمع اعتاد أن ((يستغَلّ)) الفرد ولا سيّما إذا كان ضعيفًا، صغيرًا، فقيرًا؟ هي خبرة طريق دمشق.
في الرسالة إلى غلاطية، شدّد بولس على الغنى الفائق الطبيعة الذي ناله من الربّ. فالحقيقة التي وصل إليها جاءته من الربّ الذي اختاره وهو في بطن أمه ودعاه إلى خدمته (غل 1: 15). هناك تقليد يهوديّ عريق، عاش فيه بولس وها هو يقف تجاهه ولا يخاف أن ينتقده ولا سيّما على مستوى الشريعة. وهناك تقليد يونانيّ عرفه بولس في الجامعة، في طرسوس بتركيا. وها هو الرسول يتجاوزه. فدعوته هي التي تؤسّس حياته فتحمل إليه حقيقة الإنجيل. بل إن بولس بدا مستقلاً حتى عن الرسل، حتى عن بطرس نفسه. هذا لا يعني أنه لا يرتبط بالإنجيل الذي سمعه في الجماعات المسيحيّة، في بلاد العرب (غل 1: 17)، أي في حوران بسورية وفي شرقي الأردن. فقد تسلّم التعليم من الكنائس التي عاش فيها وسلّمه إلى كنائس أسّسها. ولكنه أخرجه من إطاره الضيّق الذي صعب عليه الخروج من أورشليم والانطلاق على طرقات العالم ليصل إلى أقاصي الأرض(7).
دعوة الرسول حدث هام في حياته. بل هي الحدث الذي أعطى بعدًا جديدًا لذاك الذي كان بالإمكان أن يبقى ذاك الفريسيّ العائش في مدينة طرسوس، العامل بيديه في مهنة الحياكة. هذا الحدث بدّل حياته كلها. أغرم بالمسيح فصار سجينه في المعنى الماديّ وفي المعنى الروحيّ (أف 3: 1)، بل عبدًا له مع أنه حرّ (1كور 7: 22). حين فهم يسوعَ المسيح، نما في المعرفة واقتنى وعيًا جديدًا: استعدّ أن يخسر كل شيء تجاه الربح الأعظم، تجاه معرفة لا تضاهيها معرفة (فل3: 8). فانقلب من مضطهد للكنيسة إلى رسول الأمم. تحوّلٌ في فكر الرسول، تحوّل في حياته كلها. كل هذا رآه الناس فمجّدوا الله (غل 1: 24).
كان بولس ذاك الفريسيّ المقتنع بفريسيّته وما فيها من معرفة للكتب المقدّسة. فاعتبر أن يسوع تجاوز الشريعة، أنه كان معلّمًا أضلّ الجموع، فحُكم عليه بالموت واعتُبر ملعونًا من الله، لأنه كُتب: ملعون كل من علّق على خشبة (غل 3: 13؛ رج تث 21: 23). ولكنه عرف بخبر يسوع من المسيحيّين الذين يضطهدهم: هم ينتمون إلى يسوع ويتعاملون بحريّة مع الشريعة. ومن الفريسيّين الذين ظلّوا يحاربون يسوع بعد موته في خط يو7: 33-35. يسوع ((رجل أكول وسكيّر، وصديق للعشّارين والخطأة)). فماذا تريدون بعد ذلك؟ فمن كان حكيمًا يفهم. وسار اليهود في خط حكمتهم. في خط شريعتهم التي تحمل وحي الله. ولكن خبرة طريق دمشق أفهمت بولس أن الله لا يمكن أن يكون إله شريعة تمارَس بهذا الشكل. في هذا النزاع بين الشريعة ويسوع، فضّ الله النزاع: دلّ على أن هذا المصلوب هو ابنه الحبيب. وأن موته كان ذبيحة من أجل الخطأة، وقد قبلها الله حين أقام ابنه من بين الأموات وأجلسه عن يمينه. وانطلقت حياة بولس من هذا اللقاء الأساسيّ الذي أسّس حياته الجديدة: دعاه الله ليكون رسولاً. اختاره ليعلن الإنجيل (روم 1: 1).
فهم في هذا اللقاء ثلاثة أمور: برّ الله هو أساس كل احترام للإنسان. أي إن الله يعتبرنا ابناءه، يقدّسنا، يخلّصنا، لا بسبب أعمال عملناها، بل برحمته. بل لأنه يحبّنا. هو يحبّنا لأننا نحن ولأنه هو. وذلك بمعزل من صفاتنا ومزايانا. حين كنا بعد خطأة أحبّنا الله. وارسل ابنه فمات من أجلنا (روم5: 9). فالإنسان يُحَبّ لأنه انسان. ففيه انطبعت صورة الله. وفهم بولس أيضًا أن صليب المسيح يحوّل الإنسان، يجعله خليقة جديدة. لا الختان ولا عدم الختان. بل الصليب الذي هو عبور من الموت إلى القيامة. وحين يصير الإنسان ما يصير إليه، يعرف أنه حرّ في أن يطلب معنى وجوده، وأن يتقبّل معنى حياته، فيختار ذاته اختيارًا مسؤولاً. كنا عبيدًا، فحرّرنا المسيح من الخطيئة واللعنة. وهكذا لم يعد إله بولس إله الشريعة، بل إله يسوع المصلوب الذي بدا بلا صورة ولا منظر ولا بهاء (أش 53: 2). ولكن الله أقامه. وهو يفعل كذلك معنا سواء كنا يهودًا أو يونانيّين، أبرارًا أو خطأة... فيا لسعادتنا إن عرفنا أن نسمع صوته ونبني حياتنا على ندائه.
والأمر الثالث الذي فهمه بولس هو أن الإيمان ثقة بالله واتكال عليه. نقرأ في روم 1: 17: ((من إيمان إلى إيمان)). آمن الله بنا. وهو يطلب منا أن نؤمن به. جعل ثقته فينا. أقامنا مسؤولين عن ذواتنا، عن اخوتنا، عن العالم. اعتبرنا كبارًا، لا صغارًا وقاصرين. وانتظر منا جواب الإيمان العامل بالمحبّة. الله نفسه آمن بالإنسان. فكيف لا يؤمن الإنسان بالإنسان على أنه شخص حرّ، على أنه أنا يتفاعل مع آخرين من أجل بناء مجتمع جديد، يلتقي فيه التعدّد مع الوحدة والفرادة مع الشموليّة.

3 - بولس وفكره الإجتماعيّ
خلال مسيرتنا مع القدّيس بولس، أشرنا إلى العلاقات الاجتماعيّة(8) داخل الكنيسة المحليّة، أو في الكنيسة ككلّ، كما نكتشفها في الرسالة إلى أفسس أو إلى كولسي. هذه العلاقات فصّلتها غل 3: 28: العلاقة بين اليهوديّ واليونانيّ. بين العبيد والأحرار. بين الرجال والنساء.
أ - اليهوديّ واليونانيّ(9)
اعتادت الفئات المختلفة أن تقسم البشريّة قسمين: هي والآخرون. هي على حقّ. والآخرون هم على ضلال، ولن يصلوا إلى الحقّ إلاّ إذا التحقوا بنا. فإذا وقفنا في العالم اليهوديّ، نعتبر الآخر لايهوديّاً. هذا مع العلم أن اليونانيّ كان أرفع حضارة من اليهوديّ بدأ هذا التمييز بين ما هو يهوديّ وما ليس يهوديّ منذ اتصال الشعب العبرانيّ بسائر الشعوب بعد أن كان منغلقًا على نفسه داخل أرض كنعان. هناك إله العبرانيّين وآلهة الشعوب. وبالتاليّ هناك الشعب العبرانيّ وسائر الأمم. وسوف يبيّن ابن سراخ مثلاً أن تعليم الشريعة يتفوّق على تعاليم الفلسفة اليونانيّة. كما تحدّث سفر الحكمة عن رضى الله على شعبه فميّزه مثلاً عن الشعب المصريّ، ولا سيّما في حقبة الخروج.
وهذا الخلاف بين فئتين بدأ داخل الكنيسة. أوّلاً، بين يهود من فلسطين يتكلّمون اللغة الأراميّة القريبة من العبريّة. وبين يهود جاؤوا من الشتات فتكلّموا اليونانيّة. وكادت جماعة أورشليم تنقسم على ذاتها. لا شكّ في أن الانقسام ظهر على مستوى توزيع المساعدات الماديّة. ولكن هذا الانقسام كان تعبيرًا عن انقسام أعمق. وهكذا تميّز العنصر العبرانيّ عن العنصر اليونانيّ، فاهتمّ الرسل ((بالعبرانيّين)) والسبعة ((باليونانيّين)) (أع 6: 1-6). وسوف نرى اسطفانس يموت واخوته ((اليونانيّون)) يلاحقون، فيتشتّتون، ساعة كان الرسل في سلام (أع 8: 1). وتوسّع الانقسام داخل الكنيسة الأولى، ساعة كثُر العنصر اليونانيّ الآتي من العالم الوثنيّ (أع 11: 20-21) إلى جانب العنصر اليهوديّ. وكان ((المجمع)) الأوّل الذي لم ينته في وفاق تام. فالخط الأوّل أعلن أن الخلاص يقدّم للجميع بالإيمان، لا بشيء آخر (أع 15: 11: نحن نخلص بنعمة الربّ يسوع كما هم يخلصون). أما الخط الثاني، فعاد إلى الشريعة اليهوديّة كما نقرأها في سفر اللاويّين، وفرض على الوثنيّين ما هو خاص بفئة ستصبح أقليّة في الكنيسة (أع 15: 29).
غير أن بولس رفض هذا الانقسام بين مؤمنين جاؤوا من العالم اليهوديّ وآخرين جاؤوا من العالم الوثنيّ. سمع من يقول للوثنيّين: ((لا خلاص لكم إلاّ إذا اختُتنتم على شريعة موسى)) (أع 15: 21). وكان منطقيّاً مع نفسه في اجتماع الكنيسة في انطاكية، فرفض تراجعَ بطرس ومن معه، وتألّم من موقف برنابا رفيقه في الرسالة. ولم يكن كلامه معسولاً وهو رجل المبادىء التي تنبع من الإنجيل. قال: إن كنت أريد أن أرضي الناس فلا اكون خادمًا للمسيح يسوع (غل 1: 10). ماذا فعل؟
انتقل من منطق إلى منطق. من موقف منغلق ومنعزل إلى موقف منفتح على الجميع. ترك منطقًا يقول إن الله هو فقط إله اليهود. وقال: هو إله جميع الأمم. اعتبر اليهوديّ أنه يتميّز عن الآخرين لأنه مختون. فاسقط بولس برهانه: لم يبرّر ابراهيم بالختان، بل بالإيمان (روم4: 11). الختان خاص بفئة قليلة، أما الإيمان فهو علاقة الإنسان، كل انسان، بالله. واعتبر اليهوديّ أن عنده شريعة حملتها الملائكة. فزعزع بولس هذا اليقين: هل يمارس اليهوديّ وحده الشريعة؟ اليونانيّ يسرق واليهوديّ أيضًا. اليونانيّ يزني واليهوديّ أيضًا. فماذا تنفع مثل هذه الشريعة التي تجعل الناس يجدّفون على اسم الله بسبب ((شعبه))؟ ويمضي بولس أبعد من ذلك: المختون الحقيقيّ، أي المنفتح على كلمة الله، هو الذي يعمل بأحكام الشريعة، لا ذاك الذي يفتخر بالشريعة ولا يمارسها.
وفي النهاية، هل من امتياز بين يهوديّ ووثنيّ؟ الجواب: كلا. فكلّهم خطأة. وكلّهم بحاجة إلى الخلاص بيسوع المسيح. لا شكّ في أن لليهوديّ شريعة ووصايا إن عمل بها المؤمن يحيا (روم10: 5). ولكن الوثنيّ يمتلك الضمير الذي هو صوت الله فيه. فإن نال اليهوديّ المجد والكرامة والسلام، كذلك ينالها الوثنيّ. ينالها كل من يعمل الخير، لأن الله لا يحابي أحدًا، لا يفضّل انسانًا على آخر. وكل من يرفض الحقّ وينقاد للباطل، سواء كان يهوديّاً أو يونانيّاً، ينال عقاب الله (روم 2: 6-15).
وهكذا خرج بولس من الختان الذي يميّز اليهوديّ عن الوثنيّ، وجمع اليهوديّ والوثنيّ في الإيمان بالله الذي أحبّنا وأرسل ابنه كفارة عنا. وخرج من عالم الشريعة الموسويّة كما حدّدها المعلّمون بحيث ما عاد اليهوديّ نفسه يستطيع أن يمارسها (غل 2: 14؛ رج 3: 10: ملعون من لا يثابر على العمل بكل ما جاء في الشريعة). وأبرز الضميرَ الذي هو صوت الله في الإنسان، في كل إنسان. وهكذا لم يعد من تمييز بين إنسان وإنسان بعد أن صار الجميع واحدًا في المسيح (غل3: 28).

ب - لا عبد ولا حرّ(10)
انقسم العالم القديم بين يهوديّ ولا يهوديّ. وكانت قسمة ثانية بين يونانيّ ولا يونانيّ (بربر، اسكيتيّ 2كو 3: 11). والقسمات تتوالى حتى اليوم فتفرّق الناس على مستوى العرق واللون والدين والمركز الإجتماعيّ. والقسمة الكبرى على المستوى الإجتماعيّ، في العالم القديم، كانت بين عبيد وأحرار. حين نعلم أن كورنتس عدّت 600000 منهم ثلث من الأحرار وثلثان من العبيد. وحين نعرف أن رومة عرفت في القرن الأوّل ق.م. ثورة العبيد بقيادة سبارتاكوس. وحين نتذكّر كيف كان الأسياد يعاملون عبيدهم، نفهم هذه المسألة الكبيرة التي جابهتها المسيحيّة القائلة بأن الجميع هم على صورة الله. بأن لا فرق بين عبد وحرّ.
ماذا كان موقف بولس في هذا المجال؟ هو الذي أطلق هذا المبدأ: لا عبد ولا حرّ (غل 3: 28). وقال في 1كور12: 13: ((فنحن كلنا، أيهودًا كنا أم وثنيّين، عبيدًا أم أحرارًا، تعمّدنا بروح واحد لنكون جسدًا واحدًا، وارتوينا من روح واحد)). صرنا كلنا مسيحيّين بعد أن شاركنا في أسرار التنشئة، في المعموديّة والتثبيت والإفخارستيّا، فسرى في عروقنا الدمُ الواحد، وتغذّينا بالطعام الواحد، وارتوينا بالروح الواحد. إن ما يوحّدنا هو أكبر بكثير ممّا يبعدنا. وهنا نعود إلى المبدأ: لا يحبّ الله الإنسان لأنه حرّ. ولا يكره ذاك الذي هو عبد. فإلهنا واحد وهو إله الجميع وأبو الجميع.
موقف واضح على مستوى الإيمان. وماذا كان على مستوى الممارسة؟ دعا بولس، أو تلاميذه، العبيد ليخضعوا لأسيادهم بخوف ورهبة (أف 6: 5). وقال في كو 3: 22: ((أيها العبيد، أطيعوا في كل شيء سادتكم في هذه الدنيا)). وما اكتفى الرسول بتذكير العبيد بواجباتهم، بعد أن جعل أمانتهم في إطار الإيمان، بل ذكّر الأسياد بواجباتهم، لأن لهم سيّدًا في السماء. قال: ((أيها السادة، عاملوا عبيدكم بالعدل والمساواة)) (كو 4: 1). حين نعلم أن العبد هو شيء في يد سيّده، يشتريه ويبيعه كما يشتري ويبيع كل متاع، ندرك الثورة التي نادى بها بولس والتي سوف نراها في الرسالة إلى فيلمون. صار اونسيمس، العبد الذي ترك سيّده فيلمون، والتحق ببولس، صار ابن بولس شأنه شأن فيلمون. قال بولس: ((ولدته في الإيمان)) (آ 9). فما عاد ملكًا لك. بل صار ملك الرسول، وبالتالي ملك الربّ يسوع. أجل، في المسيحيّة يتحوّل العبد من حالة إلى حالة. يصبح أخًا حبيبًا (آ 16). في هذا الشأن قال بولس: ((فما أنت بعد الآن عبد، بل ابن. وإن كنت ابنًا، فأنت وارث بفضل الله)) (غل 4: 7).
انتظر عصرنا، عصر الثورات التي تحمل الموت مرارًا، أن يتّهم بولس بأنه لم يدع إلى ثورة يقوم بها العبيد على أسيادهم. فكيف يرضى بولس. وكيف يرضون بهذا الوضع بعد اليوم. ولكن بولس رأى الوقت غير مؤات. بل إن العبوديّة ظلّت مسيطرة في العالم حتى القرن الثامن عشر، بل هي لا تزال حاضرة في أماكن عديدة من العالم. لهذا، عاد بولس إلى المبدأ الأساسيّ: الإنسان يجد عظمته في ذاته. يجد كرامته في المسيح. إذن، يبقى هو هو سواء كان حرّاً أو عبدًا. فالدعوة لاتّباع المسيح في العبوديّة كاتّباعه في الحريّة. فهو لا يفرّق بين عبد وحرّ. وفي الوقت عينه، يقول الرسول: ((إن كان بإمكانك أن تصير حرّاً، فالأولى بك أن تغتنم الفرصة)) (1كور 7: 21). وفي أي حال المؤمن هو رسول المسيح ويمكنه أن يكون حرّاً بالنظر إلى إيمانه تجاه سيّد يمكن أن يكون عبد أهوائه وخطيئته (2بط 2: 19؛ يو 8: 34).

ج - الرجل والمرأة أمام الربّ
نبدأ فنطبّق في هذا المجال الثالث ما قلناه على مستوى العبد والحرّ. على مستوى الإيمان، يعتبر بولس أن المرأة مساوية للرجل. لها ما له من حقوق. وعليها ما عليه من واجبات. ولكن على المستوى الحضاريّ، راعى بولس عددًا من الظروف لئلاّ يضع البلبلة في الجماعة، ولا سيّما في إطار العالم اليونانيّ حيث أخذت المرأة ببعض الأمور التي شكّكت المرأة اليهوديّة في الكنيسة.
وننطلق من الرسالة الأولى إلى كورنتوس(11)، التي طُرح فيها عدّة أسئلة على بولس في مجال العلاقة بين الرجل وامرأته. لكل رجل امرأته. ولكل امرأة زوجها. الزوج يوفي امرأته حقّها. والمرأة توفي زوجها حقّه. لا سلطة للزوج على جسده. إنه لامرأته. لا سلطة للمرأة على جسدها. إنه لزوجها (7: 2-4). نلاحظ هنا تعليم المسيح الذي يرتبط بما في البدء (1مت 19: 4): جعلهما الخالق رجلاً وانثى. يصير الاثنان جسدًا واحدًا. حين نعلم أن محيطنا الشرقيّ يسمح لرجل بأن يكون له أكثر من امرأة نفهم أننا لم نعد أمام اثنين، رجل وامرأة، بل ثلاث أو اربع نساء مع رجل واحد. ثمّ إن لا حقوق للمرأة البتّة. الحقوق كلها للرجل. أما المرأة فعليها الطاعة فقط والخضوع. والرجل يستطيع أن يزني قدر ما شاء. أما المرأة فإن زنت تُرجم. والزنى يعتبر في هذا المقام تعدّيًا على ملكيّة الرجل، لا على احترام المرأة كمرأة. فالمرأة في عرف عدد من الشرقيّين هي خادمة لزوجها ولأولادها. فلا يحقّ لها بأكثر من هذا الدور. وإن أعطي لها شيء، لتعتبر أنه أعطي لها أكثر ممّا تستحقّ. أعطي لها ما لا تستحقّ. 
خرج بولس من هذا التمييز بين ذكر وانثى. بين رجل وامرأة(12). كما عرفه في العالم اليهوديّ. فمنذ البداية، تنتظر الأم أربعين يومًا من أجل حفلة التطهير، إذا كان الطفل ذكرًا. وتنتظر ثمانين يومًا إذا كان الطفل انثى. ثمّ إن المرأة لا تحاسب إن هي لم تتّبع الوصايا. أما بولس فأعلن المساواة أيضًا بين الرجل والمرأة على مستوى التقوى. قال: ((الزوج غير المؤمن يتقدّس بامرأته المؤمنة. والمرأة غير المؤمنة تتقدّس بزوجها المؤمن)) (1كور7: 15). وسيعطي بولس الحقّ للفتاة بأن لا تتزوّج، إذا شاءت، فتبقى في الحالة التي كانت فيها حين اهتدت إلى الإيمان (7: 36ي). وستكون الأرامل عاملات في الكنيسة (1 تم 5: 3ي). بل إن الكنائس التي مرّ فيها بولس، رسمت شمّاسات، مثل فيبة التي كانت في كنخرية، المرفأ الشرقي لكورنتوس، قبل أن تنتقل إلى رومة (روم 16: 1)، ونمفا ابنة كنيسة لاودكيّة (كو 4: 15). والمبدأ هو هو. الإنسان، رجلاً كان أو امرأة، هو عظيم في نظر الربّ. ويستحقّ كل احترام. لا لأنه رجل أو امرأة، لأنه غني أو فقير، لأنه عبد أو حرّ. يستحقّ كل اكرام لأنه هو. وهذا يكفي. أن تكون المرأة ظلاً للرجل، هذا يتنافى مع الكتاب المقدّس منذ البداية. هي عون. والخضوع الذي يُطلب منها للرجل، يسبقه خضوع متبادل بين الرجل والمرأة (أف 5: 21)، خضوع يستند إلى مخافة المسيح وإلى المحبّة وبذل الذات (آ25). 
هذا هو المثال المسيحيّ الذي قدّمه بولس من أجل حياة بين الرجل والمرأة، تشبه علاقة المسيح مع الكنيسة (أف 5: 25-33). ولكن الجماعات لم تستطع أن تجاريه في هذا المضمار. لهذا، جاء تلاميذ الرسول وصحّحوا بعض أقوال بولس التي تجاوزت جرأتُها ما يتحمّله مؤمنون ما زالوا متأثّرين بالعالم اليهوديّ. قال بولس إلى أهل كورنتوس: تستطيع المرأة أن تصلّي في الجماعة، والصلاة في هذا الوضع تُتلى بصوت عال. ويمكنها أن تتنبّأ فيسمعها الجميع. أما الذين نشروا رسائل بولس فعادوا إلى ما تقول الشريعة. وقالوا: ((لتصمت نساؤكم في الكنائس. فلا يجوز لهنّ التكلّم... فإن أردن أن يتعلّمن شيئًا، فليسألن أزواجهنّ في البيت، لأنه ليس على المرأة أن تتكلّم في الكنيسة)) (1كور 14: 34-35).

خاتمة
هكذا بدا بولس ذاك المعلّم الذي كان أوّل من دوّن كتابًا في العهد الجديد. وهو الآن ما زال ذاك المعلّم الذي يمكن أن نستقي منه الكثير، على المستوى اللاهوتيّ والفلسفيّ والاجتماعيّ. هو لم يعط نصائح عمليّة كثيرة، ولكنّه قدّم مبادىء استقاها من لقائه بالربّ يسوع على طريق دمشق. كما انطلق من قراءة جديدة للعهد القديم، ومن فهم خاص به لما سمعه في الجماعات المسيحيّة التي التقى بها في بداية مسيرته مع الربّ يسوع. طرح عليه المؤمنون أسئلة عمليّة فوسّع الجواب، وفتح الإيمان المسيحيّ على مداه. أخرجه من نظرة يهوديّة متأثّرة بالفريسيّة ومنغلقة على فكرة الشعب المختار الذي يتميّز عن الشعوب الوثنيّة. كما حرّره من شريعة يهوديّة أرادت أن تسجن الإنسان. وأخرج الإيمان من عالم الفلسفة اليونانيّة الذي يريد للإنسان أن ينحصر في هذا العالم فلا يخرج منه، فيرفض خلاصًا يحمله إليه الربّ. فالربّ يسوع حرّر بولس وربطه بشخصه، وهو المصلوب والقائم من الموت، وأفهمه أن الإنسان قيمة في ذاته، لا في ما يميّزه بصفات وأعمال وانتماءات ومزايا. فهو انسان سواء كان بارًّا أو خاطئًا، عبدًا أو حرًا، رجلاً أو امرأة، يهوديًا أم وثنيًا. من أجل هذا، لم يعد سوى إطار واحد يجمع البشريّة كلها. هو الكنيسة جسد المسيح حيث تلتئم الأعضاء فيكون لكل واحد موهبة يجعلها في عمل البناء. كل واحد ينال أجر عمله. وما يقيّم هذا العمل هو النار. فكيف يكون بناؤنا لشخصنا وجماعتنا وكنيستنا وعالمنا؟ أبالخشب والقش والتبن فيحترق؟ بل بالذهب والفضة والحجارة الكريمة (1كور 3: 12). هكذا بنى بولس. وهكذا يجعل المؤمن موهبته في بناء الكنيسة فنصل جميعًا إلى الإيمان الكامل، إلى ملء قامة المسيح (أف 4: 12-13).
الفصل الحادي والثلاثون


من لاهوت المسيح إلى الحياة
في المسيح عند بولس الرسول

المسيحيّة إيمان وحياة. والحياة ترتكز على الإيمان. هذا ما رآه بولس الرسول في نظرته إلى الحياة المسيحيّة في بعديها الشخصيّ والجماعيّ. هناك رؤيةٌ إجماليّة للكيان المسيحيّ، نجدها واضحة عند بولس الرسول، وهذه الرؤية توجّه حياةَ المسيحيّ الشخصيّة والجماعيّة، في ساعات الفرح والسلام، وفي ساعات الألم والاضطراب. وبدون رؤية، تبقى حياةُ المسيحيّ مجزّأة وعرضةً للتغيير والتبديل ولكلّ هوى، كما كتب بولس للغلاطيّين: ((إنّي متعجّب من أنّكم تتحوّلون بمثل هذه السرعة عن الذي دعاكم بنعمة المسيح، وتنتقلون الى إنجيل آخر؛ لا أنّه يوجد إنجيل آخر، إنّما هناك أناس يُبلبلونكم، ويريدون أن يقلبوا إنجيلَ المسيح. ولكن إن بشّركم أحد - وإن يكن نحن أنفسَنا، أو ملاكًا من السماء - بإنجيل آخر غير الذي بشّرناكم به، فليكن مُبسَلاً)) (غل 6: 1-8). فما هي هذه الرؤية البولسيّة للحياة المسيحيّة.

أوّلاً - حياة المسيحيّ الشخصيّة
قال يسوع: ((أنا الطريق والحقّ والحياة؛ فلا أحد يأتي إلى الآب إلاّ بي)) (يو 6: 14). الحقيقة يمكن أن تكون نظريّة، فتكون في هذه الحالة عرضةً للجدل. مثلاً، يمكن النقاش في حقيقة وجود الله، وتقديم البراهين لدعم هذا الوجود، كما يمكن تقديم براهين معاكسة لإنكار هذا الوجود. أماّ الحقيقة المسيحيّة فليست حقيقة نظريّة يمكن المناقشة فيها والبرهان عنها ببراهين عقليّة. بل هي واقع حياتيّ اختبره الرسل الذين عاشوا مع المسيح، واختبره، من بعد الرسل، القدّيسون الذين عاشوا من قوة المسيح، وبحسب تعاليم المسيح. وبولس الرسل اختبر هذه الحقيقة-الواقع في ترائي المسيح له على طريق دمشق، وعاش بموجبها في حياته الشخصيّة وحياته الرسوليّة. فلاهوته هو قبل أيّ امر آخر لاهوت كريستولوجيّ، أي إنّه لاهوت يرتكز على يسوع المسيح: على شخصه في قصد الله وعلى ما فعله لأجلنا، وعلى كيفيّة اتّحادنا به لنحقّق من خلاله قصد الله.

1- واقع المسيح في قصد الله
من أين نقتبس رؤيَتَنا ونظرتَنا الى العالم والحياة؟ يقول بولس في رسالته الى الكولسّيين إنّ كلّ تعليم لا يستند الى المسيح هو باطل. فالجهاد الذي يعانيه لأجل الجميع يهدف الى أن ((تتشدّدَ قلوبُهم، حتى إذا ما التأموا في المحبّة، يبلغون الى الفهم الكامل بكلّ غناه، وبه الى معرفة سرّ الله، أي المسيح، المكنونةِ فيه جميعُ كنوز الحكمة والعلم)). ثم يضيف: ((أقول هذا لئلاّ يغرَّكم أحد بكلام مموّه... احذروا أن يقتنصَكم أحد بغرور الفلسفة الباطل، مستقى من تقليد الناس، أو أركان العالم. فذلك ليس بحسب المسيح. إذ في المسيح يحلّ كلّ ملء اللاهوت جسديًّا، وفيه أنتم تمتلئون، لأنّه هو رأسُ كلّ رئاسة وسلطان)) (كو2: 2-10). والشرائع القديمة لم تكن إلاّ ((ظلّ المستقبلات. والحقيقةُ هي المسيح)) (كو 2: 17). وهو الذي يجب أن نتمسّكَ به، لأنّه هو ((الرأس الذي به يتغذّى الجسمُ كلّه، ويتلاءم بالمفاصل والمواصل، ويبلغ الى تمام نموّه في الله)) (كو 2: 17).
وتتّسع الرؤية لدى بولس، فيعود الى قصد الله من قبل إنشاء العالم، ليرى أن الله قد ((غمرنا، من علياء سمائه، بكلّ بركة روحيّة في المسيح)) (أف 1: 3). ثمّ يعدّد البركات التي نلناها من الله بالمسيح: 
- ((إذ فيه قد اختارنا عن محبّة، من قبل إنشاء العالم، لنكون قدّيسين، وبغير عيب أمامه (هذه هي البركة الإولى، والدافع هو المحبة)؛ 
- وسبق فحدّد، على حسب مرضاته، أن نكون له أبناء بيسوع المسيح، لتمجيد نعمته السنيّة التي أنعمَ بها علينا في الحبيب (هذه هي البركة الثانية: نعمة التبنّي الإلهي، والدافع هو مرضاة الله)؛
- وفيه لنا الفداء بدمه، ومغفرةُ الزلاّت، على حسب غنى نعمته، التي أفاضها علينا بملء الحكمة والفطنة (هذه هي البركة الثالثة: الفداء، والدافع هو غنى نعمة الله)، 
- بإعلانه لنا، على حسب مرضاته، سرّ مشيئته، الذي سبق فقصده في نفسه، ليحقّقه عند تمام الأزمنة، أي أن يجمعَ تحت رأس واحد في المسيح، كلّ شيء، ما في السماوات ما على الأرض (هذه هي البركة الرابعة: أن يجتمع الكلّ تحت رأس واحد هو المسيح)؛ 
- وفيه ايضًا دُعينا، وقد اصطُفينا من قبل، بمقتضى قصد من يعملُ كلّ شيء على حسب مرضاته، لنكونَ تسبحةً لمجده، نحن الذين سبقوا فأناطوا رجاءَهم بالمسيح (هذه هي البركة الخامسة: دعوتنا لنكون تسبحةً لمجده، أي تجسيدًا لحضوره على الأرض)؛ 
- وفيه أنتم أيضًا، بعد إذ سمعتم كلمةَ الحقّ، إنجيلَ خلاصكم، وبعد إذ آمنتم به (هذه هي البركة السادسة: سماع الإنجيل والإيمان به)، 
- خُتِمتُم بروح الموعد القدّوس، الذي هو عربونُ ميراثنا، لفداء الشعب الذي اقتناه الله لتسبيح مجده)) (هذه هي البركة السابعة: الختمُ بالروح القدس، الذي هو عربون ميراثنا وفدائنا) (أف 1: 4-14).
هذه البركات السبع يتوسّع فيها بولس الرسول في مختلف رسائله، ويضعها كلّها تحت راية المسيح الذي يحيط شخصُه ومحبتُه بحياة المسيحيّ منذ بدايتها حتى نهايتها: 
- فتبدأ حياة المسيحيّ بالمعموديّة، التي بها يلبس المسيحيّ المسيح: ((أنتم، جميع الذين اعتمدوا بالمسيح، قد لبستم المسيح)) (غل 3: 27).
- بالمسيح ابن الله ننال روح التبنّي، وإذ نصير أبناء لله نصير ورثة له: ((لمّا بلغ ملء الزمان أرسل الله ابنَه، مولودًا من امرأة، مولودًا تحت الناموس، ليفتديَ الذين تحت الناموس، ونال التبنّي. والدليل على أنّكم أبناء، كونُ الله أرسل الى قلوبنا روح ابنه، ليصرخَ فيها: أبّا! أيّها الآب! فأنت لستَ بعد عبدًا، بل ابنٌ؛ وإذا كنتَ ابنًا، فأنت وارث لله)) (غل 4: 4-7). لقد ((أخذتم روحَ التبنّي الذي به ندعو: أبّا! أيّها الآب! فهذا الروح عينُه يشهد مع روحنا بأنّا أولادُ الله. أولاد، فإذن ورثةٌ أيضًا، ووارثون مع المسيح، إن كنّا نتألّم معه لكي نتمجّدَ معه)) (رو 8: 15-17).
- التبنّي الإلهي هو دليل محبّة الله لنا، تلك المحبّة التي تجلّت لنا في المسيح، وبنوع خاصّ في موته وقيامته: ((إذا كان الله معنا فمن علينا؟ هو الذي لم يُشفقْ على ابنه الخاصّ، بل أسلمه عنّا جميعًا، كيف لا يهبُنا أيضًا معه كلّ شيء. من يشكو مختاري الله؟ الله الذي يبرّرهم! من يقضي عليهم؟ المسيح الذي مات، بل بالحريّ قام، وهو عن يمين الله، وهو يشفع فينا! فمن يفصلُنا عن محبّة المسيح؟ الشدّة؟ أم الضيق؟ أم الاضطهاد؟ أم الجوع؟ أم العري؟ أم الخطر؟ أم السيف؟ على ما هو مكتوب: إنّا من أجلك نُماتُ النهارَ كلّه؛ وقد حُسبنا مثل غنم للذبح. غير أنّا في هذه كلّها نغلبُ بالذي أحبّنا. فإنّي لواثق بأنّه لا موتَ ولا حياةَ، لا ملائكةَ ولا رئاسات، لا حاضرَ ولا مستقبل ولا قوّات، لا علوّ ولا عمق، ولا خليقةَ أخرى أيّةً كانت، تقدرُ أن تفصلَنا عن محبّة الله التي في المسيح يسوع ربّنا)) (رو 8: 31-39). 
- ومحبة الله هذه، التي هي الله نفسه، قد أُفيضَت فينا بالتبنّي الإلهيّ، مع الروح القدس، كما يبيّن بولس أيضًا في الرسالة الى الرومانيّين: ((الرجاء لا يُخزي، لأنّ محبةَ الله قد أفيضت في قلوبنا بالروح القدس الذي أُعطيناه)) (رو 5: 5). ثمّ يوضح كيف برهن الله عن محبته لنا بموت المسيح لأجلنا: ((أجل، إنّ المسيح، ونحن بعض ضعفاء، قد مات، في الأوان المعين، عن الكافرين. ولا يكاد أحد يموت عن بار؛ وقد يُقدمُ أحدٌ على الموت عن صالح. وأمّا الله فقد برهنَ على محبّته لنا بأنّ المسيح قد مات عنّا ونحن خطأة؛ فكم بالأحرى، وقد بُرّرنا الآن بدمه، نخلصُ به من الغضب)) (رو 5: 6-9).

2- اتّحادُنا بالمسيح
إذا كان دور المسيح على هذا القدر من الأهمّية، فلا عجب أن نسمع بولس الرسول يكتب للفيلبيّين: ((أعدّ كلّ شيء خسرانـًا إزاء هذا الرّبح الفائق، معرفة المسيح يسوع، ربّي، الذي لأجله خسرتُ كلّ شيء؛ وفي كلّ شيء لا أرى سوى أقذار حتى أربحَ المسيح، وأجدَني فيه لا على برّي الذي من الناموس، بل على البرّ الذي بالإيمان بالمسيح، البرّ الذي من الله، القائم على الإيمان. فمنيتي إذن أن أعرفَه هو، وأعرفَ قدرةَ قيامته، والشركةَ في آلامه، فأصيرَ على صورته في الموت، على أمل البلوغ الى القيامة من بين الأموات)) (في3: 8-11). ((الحياة لي هي المسيح، والموت لي ربح)) (في 1: 21). وكذلك يكتب للغلاطيّين، في المقارنة بين الناموس والمسيح: ((إنّي بالناموس متّ للناموس، لكي أحيا لله. إنّي قد صُلبت مع المسيح؛ فلستُ أنا حيًّا بعد، بل هو، المسيح، يحيا فيّ. وإن كنتُ الآن أحيا في الجسد، فإنّي أحيا في الإيمان بابن الله، الذي أحبّني وبذل نفسه عنّي)) (غل 2: 19-20). ويكتب في نهاية الرسالة: ((أمّا أنا، فمعاذ الله أن أفتخرَ إلاّ بصليب ربّنا يسوع المسيح، الذي به صُلبَ العالم لي، وأنا صُلبتُ للعالم... فلا يُعنـِّني أحد في ما بعد، لأنّي حامل في جسدي سماتِ الربّ يسوع)) (غل 14: 6).

3- حياة القداسة بالمسيح 
هذا الاتّحاد بالمسيح جعلنا نموت عن الخطيئة. والموت عن الخطيئة يجب أن يظهر في كلّ أعمالنا. وهذا هو موضوع الفصل السادس من الرسالة الى الرومانيّين: 
((نحن الذين متنا عن الخطيئة، كيف نعيش بعد فيها؟ أم تجهلون أنّا، جميع من اعتمدوا للمسيح، قد اعتمدنا لموته؟ فلقد دُفنّا معه بالمعموديّة للموت، حتى إنّا، كما أقيم المسيح من بين الأموات بمجد الآب، كذلك نسلك نحن أيضًا في جدّة الحياة... عالمين أنّ إنساننا العتيق قد صلب معه، لكي يتلاشى جسد الخطيئة... فكذلك أنتم أيضًا، احسبوا أنفسَكم أمواتًا للخطيئة، أحياءً لله في المسيح يسوع)) (رو 6: 3-11). 
وفي مواضع أخرى من رسائله يعود الى الفكرة عينها: خلع الإنسان العتيق، ولبس المسيح: 
((لقد حانت ساعة استيقاظكم من النوم... لقد تناهى الليل واقترب النهار؛ فلنخلعْ إذن أعمال الظلمة، ونلبسْ أسلحة النور... البسوا الربّ يسوع المسيح، ولا تهتمّوا بالجسد لقضاء شهواته)) (رو 13: 11-14).
((ينبغي لكم أن تخلعوا عنكم، في ما هو من أمر حياتكم السالفة، الإنسانَ العتيق، الفاسد بشهوات الغرور، وأن تتجدّدوا في صميم أذهانكم، وأن تلبسوا الإنسان الجديد، الذي خُلق على مثال الله في البرّ وقداسة الحقّ)) (أف 4: 22-24). ثمّ يعدد مزايا هذا الإنسان الجديد الذي خُلق على مثال الله في البرّ وقداسة الحقّ: ((فانبذوا إذن الكذب، وكلّموا كلّ واحد قريبه بالحقّ، إذ إنّا أعضاء بعضنا لبعض. اسخطوا ولا تغضبوا، لا تغرب الشمس على حنقكم... لا تخرجنّ من أفواهكم ولا كلمة فاسدة، بل ما يصلح منها ويفيد البنيان - إذا دعت الحاجة - ويؤتي السامعين نعمة. لا تحزُنوا روحَ الله القدّوس الذي خُتمتم به لأجل يوم الفداء. ليُستأصل منكم كلّ مرارة وسُخط وغضب وصَخَب وسِباب، مع كلّ شرّ. كونوا بالحريّ ذوي رفق بعضكم ببعض، شفقاء، متسامحين كما سامحكم الله في المسيح. أجل كونوا مقتدين بالله كأولاد أحبّاء، واسلكوا في المحبّة، على مثال المسيح الذي أحبّكم، وبذل نفسَه لأجلنا ذبيحة، رائحة طيّبة)) (أف 4: 25- 2: 5). 
نلاحظ أنّ بولس يعود عدة مرّات الى مثال الله الآب ومثال المسيح: لنلبس الإنسان الجديد الذي خُلق على مثال الله في البرّ وقداسة الحق، لنكنْ متسامحين كما سامحنا المسيح، لنسلكْ في المحبة على مثال المسيح الذي أحبّنا. ويشير أيضًا، في نظرة ثالوثيّة، الى الروح القدس، فيقول: ((لا تحزنوا روحَ الله القدّوس الذي خُتمتم به لأجل يوم الفداء)). الفضائل المسيحيّة ليست مجرّد فضائل إنسانيّة، بل هي مشاركة في حياة الثالوث، الآب والابن والروح القدس. وإن كانت، في مادّتها، تشبه فضائل سائر الناس، إلاّ أنّها، في صورتها، تتميّز من فضائل سائر النّاس. وهذا التمييز يعطيها بعدًا إلهيًّا على مقدار الكيان الإلهي، منذ الأزل والى الأبد، وعلى مدى الزمن كلّه، كما يُعطيها عمقًا إلهيًّا وشموليّة لتكون على مثال محبّة الله لجميع أبنائه. 
ويعود بولس الى هذا البعد الإلهي، فيتكلّم على السلوك بالروح في الرسالة الى الغلاطيّين: ((اسلكوا بالروح، فلا تقضوا شهوةَ الجسد... وأعمال الجسد بيّنة: الفجور والنجاسة والعهَر؛ وعبادةُ الأوثان والسّحر؛ والعداوات والخصومات والأطماع؛ والمغاضباتُ والمنازعاتُ والمشاقّات والبدع؛ والمحاسدات والسّكر والقصوف وما أشبه ذلك... أمّا ثمر الروح فهو المحبة والفرح والسلام؛ وطول الأناة واللطف والصلاح والأمانة؛ والوداعة والعفاف... لأنّ الذين هم للمسيح يسوع صلبوا الجسدَ مع الأهواء والشهوات. فإن كنّا نحيا بالروح، فلنسلكنّ أيضًا بحسب الروح...)) (غل 5: 16-25). أي إذا كان الروح هو مبدأ حياتنا، فيجب أن يظهر ذلك في سلوكنا. 
هذا القول يوضح تحديد هويّة المسيحيّ وجوهر المسيحيّة. فالمسيحيّ ليس من يؤمن فقط بيسوع المسيح وتعاليمه، بل هو أوّلاً من يسكن فيه روح المسيح الذي هو نفسه روح الله. ولأنّ روح الله يسكن فيه، يستطيع أن يحيا حياة قداسة الله. وهذه الفكرة يبيّنها بولس بتشبيه الهيكل، فيقول: ((أوَما تعلمون أنّكم هيكل الله، وأنّ روح الله ساكن فيكم؟ من يُفسدْ هيكلَ الله يُفسدْه الله. وهذا الهيكل هو أنتم)) (1 كو 3: 16-17). وفي موضع آخر، يقارن بين أعضاء المسيح وهيكل الروح القدس، لأنّ المسيح هو أيضًا هيكل الروح القدس، إذ فيه ملء الروح القدس وملء اللاهوت. فيقول بشأن الزنى: ((أما تعلمون أنّ أجسادكم هي أعضاء المسيح؟ أفآخذ أعضاء المسيح وأجعلها أعضاء فاجرة! حاشا وكلاّ!...)) (1 كو 6: 15). ثمّ يضيف: ((أوَلا تعلمون أنّ أجسادَكم هي هيكل الروح القدس، الذي فيكم، الذي نلتموه من الله؟ وأنّكم لستم بعد لأنفسكم، لأنّكم قد اشتُريتم بثمن كريم؟ فمجّدوا الله إذن في أجسادكم)) (1 كو 6: 19-20). ويُعيد تشبيه الهيكل عينه في حديثه عن عدم مخالطة الكفرة: ((لا تشتركوا مع الكفرة تحت نير واحد، إذ أيّ شركة بين البرّ والإثم؟ وأيّ مخالطة للنور مع الظلمة؟ وأيّ ائتلاف للمسيح مع بليعال؟... وأيّ وفاق لهيكل الله مع الأوثان؟ فإنّا نحن هيكل الله الحيّ، على حسب ما قال الله: إني سأسكن فيهم، وأسير في ما بينهم، وأكون لهم إلهًا، ويكونون لي شعبًا...)) (2 كو 6: 14-16). هذه النبوءة من العهد القديم قد تطبّقت في كمالها باتّحاد المسيحيّ مع الله، بواسطة اتّحاد المسيحيّ الشخصيّ مع المسيح، وسكنى روح الله القدوس في كيان المسيحيّ. ومن هذا الاتّحاد بالمسيح ومن سكنى الروح القدس هذه تنبع كلّ أعمال المسيحيّ.

ثانيًا - حياة المسيحيّ الجماعيّة
روح المحبة التي نلناها في الكيان المسيحيّ يجب أن تظهر في حياتنا الجماعيّة التي تتمحور، حسب بولس الرسول، حول المحبة. فما هو المبدأ الذي ترتكز عليه الحياة الجماعيّة، وما هي ميزاتها وأعمالها؟

1- مبدأ الحياة الجماعيّة: الجميع أعضاء في جسد المسيح الواحد
المبدأ الأساسيّ الذي ترتكز عليه حياة كلّ جماعة مسيحيّة، هو أنّ جميع أعضاء الجماعة، باتّحادهم بشخص المسيح، وبامتلائهم من روح الله، يصيرون أعضاء في جسد واحد. يكتب بولس الرسول الى الكورنثيّين في تشبيه له بين الكنيسة والجسد، يركّز فيه على وحدة الجسد ضمن تنوّع الوظائف، فيقول: ((فكما أنّ الجسد واحد، وله أعضاء كثيرة، وأنّ جميع أعضاء الجسد، مع كونها كثيرة، هي جسد واحد، كذلك المسيح أيضًا. فإنّا جميعًا قد اعتمدنا بروح واحد لجسد واحد، يهودًا كنّا أم يونانيّين، عبيدًا أم أحرارًا، وسُقينا كلّنا من روح واحد)) (1 كو 12: 12-13). وينتج من هذا أنّه يجب "ألاّ يكون شقاقٌ في الجسد، بل يكون للأعضاء اهتمام واحد بعضُها ببعض. فإن تألّم عضو تألّم معه سائر الأعضاء، وإن أُكرم عضو فرح معه سائر الأعضاء)) (1 كو 12: 25-26).
ويطبّق بولس المبدأ عينه في رسالته الى الرومانيّين، فيقول: ((إنّي أوصي كلّ واحد منكم، بالنعمة المعطاة لي، أن لا يعتبرَ نفسَه فوق ما يليق، بل أن يقدُرَها حقّ قدرها، على حسب ما قسم الله لكلّ واحد، من الإيمان. فإنّه، كما أنّ لنا في جسد واحد أعضاءً كثيرة، وليس لكلّ الأعضاء عملٌ واحد، كذلك، نحن الكثيرين جسدٌ واحد في المسيح، وكلُّ واحدٍ منّا عضوٌ للآخرين. وإذ لنا مواهبُ مختلفة بحسب النعمة المعطاة لنا، فمن أوتيَ النبوّة فليتكلّم بحسب قاعدة الإيمان؛ ومن أوتيَ الخدمة فليلازم الخدمة، والمعلّمُ التعليم، والواعظُ الوعظ، والمتصدّقُ سلامةَ النيّة، والمدبّر الاجتهاد، والراحم البشاشة)) (رو 3: 12-8). 
هنا أيضًا محور الحياة المسيحيّة هو المسيح في جسده. فالجميع هم أعضاء في جسد المسيح الواحد. وبما أنّهم، باندماجهم في جسد المسيح، لم يعودوا لأنفسهم، بل للمسيح، هكذا في عملهم، عليهم ألاّ ينظروا لمصلحتهم الشخصيّة ولمجدهم الخاصّ، بل يضعوا أمام أعينهم خدمةَ الجسد الواحد في مختلف احتياجاته، بحسب النعمة أو الموهبة المعطاة لكلّ واحد.

2 - المحبة وأعمالها
ثم إنّ بولس، في سياق حديثه في الفصل الثاني عشر من رسالته الأولى الى الكورنثيّين عن المواهب التي يجب أن توضعَ في خدمة الجسد، يتابع في الفصل الثالث عشر، فيتكلّم على الطريق المثلى التي هي المحبّة. فالمواهب المختلفة، كالنطق بالألسنة، والنبوّة، وعلم الأسرار والعلم كلّه، والإيمان الذي يقدر أن ينقلَ الجبال، وبذل الأموال إحسانًا، وتسليم الجسد ليُحرَق، كلّ هذه ليست بشيء، إن لم ترافقها المحبّة. يقول: 
((لو كنت أنطق بألسنة الناس والملائكة، ولم تكن فيّ المحبّة، فإنّما أنا نحاسٌ يطنّ، أو صنجٌ يرنّ. ولو كانت لي النبوّة، وكنت أعلم جميعَ الأسرار والعلمَ كلّه، ولو كان لي الإيمان كلّه حتى لأنقلُ الجبال، ولم تكن فيّ المحبة، فلست بشيء. ولو بذلت جميع أموالي إحسانًا، ولو أسلمتُ جسدي لأحرق، ولم تكن فيّ المحبّة، فلا أنتفع شيئًا)) (1 كو 13: 1-4). فالمحبة هي وحدها تعطي كلّ عملٍ قيمته. والمحبّة هي الموهبة التي أعطيت لجميع المسيحيّين، حسب ما رأينا سابقًا في قول بولس: ((إنّ محبةَ الله قد أفيضت في قلوبنا بالروح القدس الذي أعطيناه)) (رو 5: 5).
بعد نشيد التسبيح هذا لمحبّة الله، يمتدح بولس المحبّة في ظهورها وامتدادها في العلاقات بين الناس: ((المحبّة تتأنّى وترفُق؛ المحبّة لا تحسد؛ المحبّة لا تتباهى، ولا تنتفخ؛ لا تأتي قباحةً، ولا تطلب ما لنفسها؛ لا تحتدّ، ولا تظنّ السوء. لا تفرح بالظلم بل تفرح بالحقّ؛ تتغاضى عن كلّ شيء، وتصدّق كلّ شيء، وترجو كلّ شيء، وتصبر على كلّ شيء. المحبّة لا تسقط أبدًا. أمّا النبوءات فستُبطَل، والألسنة تزول، والعلم يضمحلّ... الآن يثبت الإيمان والرجاء والمحبة، هذه الثلاثة. لكنّ أعظمهنّ المحبّة)) (آ 4-13). في هذا الوصف، الذي تصوّر فيه المحبّة نفسَها على نحوٍ ما، تُنبَذ تصرّفات خاطئة: التباهي، الانتفاخ من التكبّر، عمل ما هو قبيح، السعي وراء المصلحة الشخصيّة، الغضب، الحقد على السوء. المحبّة تتجاوز الميول النفعيّة والهدّامة، وفي الوقت عينه تعملُ على تغيير الإنسان بامتصاص الشرّ القابعِ فيه. وهي تمنحُ الصبرَ والصلاح، وتهبُ الفرحَ بالحقيقة، وتحتملُ المحنَ وتثبتُ في الخيبات. هنا يتكلّم بولس بلغة شعريّة، يظهرُ فيها تأثّرُه وحماسُه. وقد اختبر هو نفسه ما هي المحبّة وما تستطيع أن تحقّقَه.
وترد أوصاف لأعمال المحبة في أكثر من موضع في رسائل بولس. وفي كلّ لائحة من تلك الأعمال تركيز على ناحية من نواحي المحبّة. 
- فتارة يركّز بولس على الوحدة، كما في المقطع التالي من الرسالة الى الأفسسيّين: 
((فأحرّضكم إذن، أنا الأسير في الربّ، أن تسلكوا مسلكًا يليق بالدعوة التي نُدبتم اليها، بكلّ تواضع ووداعة وصبر. احتملوا بعضكم بعضًا بمحبة. اجتهدوا في حفظ وحدة الروح برباط السلام. فإنّ الجسد واحد، والروح واحد، كما أنّكم، بدعوتكم، قد دُعيتم الى الرجاء الواحد؛ وإنّ الربّ واحد، والإيمان واحد، والمعموديّة واحدة، والإله واحد، والآب واحد للجميع، وهو فوق الجميع وخلال الجميع وفي الجميع)) (أف 4: 1-6).
- وتارة يركّز على التواضع كأساس للوحدة، كما في رسالته الى الفيلبيّين: 
((ومن ثمّ فأناشدكم، بما في المسيح من دعوة ملحّة، وفي المحبّة من قوّة مقنعة، وفي الروح من شركة، وبالحنان والرحمة، أن أتمّوا فرحي بأن تكونوا على رأي واحد، فتكون لكم محبّة واحدة ونفس واحدة، وفكر واحد. لا تعملوا شيئًا عن منازعة أو عجب، بل فليحسب، بتواضع، كلّ واحد منكم أنّ الآخرين خير منه. ولا ينظر كلّ واحد الى ما هو لنفسه، بل الى ما هو لغيره. ليكن فيكم من الاستعدادات ما هو في المسيح يسوع. فإنّه، هو القائم في صورة الله، لم يعتد مساواته لله حالة مختلسة، بل لاشى ذاتَه، آخذا صورةَ عبد، صائرًا شبيهًا بالبشر، فوُجد كبشر في الهيئة، ووضع نفسَه وصار طائعًا حتى الموت، بل موت الصليب...)) (في 2: 1-8).
هنا أيضًا يعود بولس الى طلب التشبّه بالمسيح الذي هو مثالنا الأسمى في ممارسة المحبّة.
- وفي موضع آخر يركّز بولس على احتمال الآخرين. فبعد تعداد ثمار الروح (رَ: غل 5: 22-25)، يقول للغلاطيّين: 
((فلا نكن ذوي عجب، ولا نتحدَّ بعضُنا بعضًا، ولا نحسدْ بعضُنا بعضًا. أيّها الإخوة، إنْ أُخذ أحدٌ في زلّة، فأصلحوه، أنتم الروحيّين، بروح الوداعة؛ واحتطْ أنت لنفسك، لئلاّ تُجرَّبَ أنت أيضاً. احملوا بعضُكم أثقال بعض، وهكذا تُتمّون ناموس المسيح. فإنْ ظنّ أحدٌ أنّه بشيء، وهو ليس بشيء، فقد غرّ نفسَه. فليختبرْ كلّ واحد عملَه الخاصّ، وحينئذ يكون افتخارُه من قبل نفسه، لا من قبل غيره. لأنّ كلّ واحد سيحملُ حملَه الخاصّ)) (غل 5: 26- 6: 6).
وهناك وجه آخر من وجوه المحبة، يركّز عليه بولس، وهو الرحمة واحتمال الآخر والتسامح، كما في الرسالة الى الكولسّيين. فيضع أوّلاً أساس العلاقات بين الناس، وهذا الأساس هو كيانيّ. فالفروقات التي يرتكز عليها الناس لينفصلَ بعضُهم عن بعض قد زالت كلّها في كيان المسيح الذي ((هو كلّ شيء وفي كلّ شيء)). فيقول: ((لقد لبستم الإنسان الجديد، الذي يتجدّد بالمعرفة على صورة خالقه. فثمّة ليس بعد يهوديّ، لا ختان ولا قلف، لا أعجميّ ولا إسكوتيّ، لا عبد ولا حرّ، بل المسيح، الذي هو كلّ شيء وفي كلّ شيء)) (3: 10-11). ثم يستخلص ما ينتج من هذا الكيان الجديد بالنسبة الى علاقات الناس بعضهم ببعض: ((فالبسوا إذن، أنتم مختاري الله وقدّيسيه وأحبّائه (نلاحظ هنا أيضًا تسمية المسيحيّين الذين يتوجّه اليهم، انطلاقًا من عمل الله فيهم. فهم مختارو الله، لأنّ الله اختارهم، وهم قدّيسو الله، لأنّ الله قدّسهم، وهم أحباء الله، لأنّ الله أحبّهم. واستنادًا الى عمل الله فيهم، عليهم أن يتصرّفوا)، أحشاء الرحمة، واللطف، والتواضع، والوداعة، والصبر. احتملوا بعضكم بعضًا، وتسامحوا، إن كان لأحد شكوى على آخر؛ وكما أنّ الربّ سامحكم، سامحوا أنتم أيضًا))؛ ثمّ يختم واضعًا كلّ هذه التعابير تحت قاسم مشترَك: ((وفوق كلّ شيء البسوا المحبّة، التي هي رباط الكمال))؛ وواصفًا الجوّ الشامل الذي يجب أن يعيش فيه المسيحيّون، وهو ((سلام المسيح)): ((وليَسُدْ في قلوبكم سلامُ المسيح، الذي فيه دُعيتم لتكونوا فيه جسدًا واحدًا)). وتنتهي النصائح المسلكيّة بالدعوة الى الشكر والتسبيح والتمجيد: ((وأخيرًا كونوا شاكرين. لتحلّ فيكم كلمة المسيح بوفرة؛ علّموا وانصحوا بعضُكم بعضًا بكلّ حكمة؛ رنّموا بالنعمة لله في قلوبكم بمزامير وتسابيح وأناشيد روحيّة. ومهما أخذتم فيه من قول وفعل، فليكن الكلّ باسم الربّ يسوع، شاكرين به لله الآب)) (كو3: 12-17).
- ومن أعمال المحبّة أيضًا عدم مجازاة أحد على شرّ بشرّ، ومحبّة الأعداء كما علّمنا إيّاها السيد المسيح. فيقول في الرسالة الى الرومانيّين: 
((ولتكن المحبّة بلا رئاء؛ امقتوا الشرّ، واعتصموا بالخير. أحبّوا بعضُكم بعضًا حبًّا أخويًّا، وليحسب كلّ واحد الآخرين خيرًا منه. كونوا على غير توانٍ في الغيرة، وعلى اضطرامٍ بالروح، فأنتم تخدمون الربّ؛ وليكن فيكم فرح الرجاء؛ كونوا صابرين في الضيق، مواظبين على الصلاة؛ ابذلوا للقدّيسين في حاجاتهم، واعكفوا على ضيافة الغرباء. باركوا الذين يضهدونكم، باركوا، ولا تلعنوا. افرحوا مع الفرحين؛ وابكوا مع الباكين. كونوا في ما بينكم على اتّفاق؛ لا تتوقوا الى الأمور الرفيعة، بل ميلوا الى الوضيعة؛ لا تكونوا حكماء في عيني أنفسكم؛ لا تكافئوا على شرّ بشرّ؛ اعتنوا بفعل الخير أمام جميع الناس. سالموا جميعَ الناس إن أمكن، وما استطعتم الى ذلك سبيلاً. لا تنتقموا لأنفسكم، أيّها الأحباء، بل اتركوا موضعًا للغضب، لأنّه قد كُتب: لي الانتقام؛ أنا أجازي، يقول الربّ. بل بالحريّ، إن جاع عدوّك فأطعمه، وإن عطش فاسقه؛ فإنّك، بفعلك هذا، تركمُ على رأسه جمرَ نار. لا تنغلب للشرّ، بل اغلب الشرّ بالخير)) (رو 12: 9-21).
وفي ختام الرسالة الأولى الى التسالونيكيّين، يعود بولس الى موقف المسيحيّ من الشرّ: 
((ثمّ نسألكم أيها الإخوة أن تؤنّبوا المتكاسلين، وتشجّعوا صغيري النفوس، وتسندوا الضعفاء، وتتأنّوا على الجميع. احذروا أن يُجازيَ أحدٌ آخرَ على شرّ بشرّ، بل اقتفوا الخيرَ على الدوام بعضُكم لبعض وللجميع... لا تُطفئوا الروح، ولا تزدروا النبوّات. امتحنوا كلّ شيء وتمسّكوا بما هو حسن. احترسوا حتى من كلّ شبه شرّ. وليقدّسكم إله السلام نفسه تقديسًا كاملاً)) (1 تس 5: 14-23).

3- المحبة تمام الناموس
يرى بولس في المحبّة ملخّص كلّ الوصايا وتمامَ الناموس. فيكتب في رسالته الى الرومانيّين: 
((لا يكن لأحدٍ عليكم حقّ ما خلا المحبّةَ المتبادلة؛ لأنّ من أحبّ القريبَ قد أتمّ الناموس. فإنّ هذه الوصايا: لا تزنِ، لا تقتلْ، لا تسرقْ، لا تشهدْ بالزور، لا تشتهِ، وكلَّ وصيّةٍ أخرى، تُلخّصُ في هذه الكلمة: أحببْ قريبَكَ كنفسكَ. إنّ المحبّة لا تصنع بالقريب شرًّا؛ فالمحبّة هي تمامُ الناموس)) (رو 13: 8 ي).
وكذلك يقول في رسالته الى الغلاطيّين: 
((فأنتم، أيّها الإخوة، إنّما دُعيتم الى الحرّية. ولكن، لا تجعلوا هذه الحرّية فرصة للجسد؛ بل كونوا بالمحبّة خدّامًا بعضُكم لبعض. لأنّ الناموسَ كلّه يُتمّمُ في هذه الوصيّة الواحدة: ((أحبب قريبكَ كنفسكَ)). فإذا كنتم تنهشون بعضُكم بعضًا، فاحذروا أن تُفنوا بعضُكم بعضًا)) (غل 5: 13-15).
في هذه الكلمات تُجمَع وصايا اللوح الثاني من وصايا الله العشر الى قاسم واحد. وهنا يتوجّه النّظرُ كلّه نحو عيش الناس معًا. وتحتلّ المهامّ في الجماعة مكانة مرموقة. وفي الوقت عينه يفكّر بولس انطلاقًا من الله، الذي ينبغي على جميع المسيحيّين أن يؤدّوا له العبادة الواجبة: ((فأحرّضكم إذن، أيّها الإخوة، بمراحم الله، أن تٌقرّبوا أجسادَكم ذبيحةً حيّة، مقدّسة، مرضيّةً لله؛ تلك هي العبادة التي يقتضيها العقلُ منكم)) (رو 12: 1). العبادةُ الحقيقيّةُ يجب أن تؤدّى في حياة العالم اليوميّة.
يقول القديس أوغسطينـُس في عظته في رسالة القديس يوحنا الأولى: ((ألزمْ نفسَكَ نهائيًّا بالوصيّة القصيرة التالية: أحببْ، وافعلْ ما تشاء! إن صمتّ، فاصمتْ عن محبة؛ وإن تكلّمتَ، فتكلّم عن محبة؛ وإن عاتبتَ، فعاتب عن محبّة؛ وإن داريتَ، فدارِ عن محبّة. لتكن المحبّة متأصّلةً في قلبكَ. ومن هذه الأصول لن يزهرَ سوى الخير)) (مقالة ،7 8). هذا القول "أحببْ، وافعل ما تشاء!" لا ينبغي أن يُفهَم كأنّه يجوز للإنسان أن يتصرّف على هواه؛ فالمقصودُ بالحريّ هو أنّ كلّ الأعمال الصالحة التي نفعلها تحصل على قيمتها الحقيقيّة من المحبّة. 
وبما أنّ المحبّةَ تحمل الحياة البشريّة من بدايتها حتى نهايتها، وتعبرُ بها الى عند الله، يوجّه بولس النظر، في القسم الأخير من ((نشيد المحبّة))، الى مسيرة الإنسان على مدى حياته كلّها، والى اكتمالها الأخير لدى الله. ينضج الإنسان بانتقاله من سنّ الطفولة الى سنّ البلوغ، ولكنّه لا يني ((ينظر كما في مرآة، في إبهام)) (1 كو 13: 12). ولا يمكن الوصول الى أقصى المعرفة والوضوح إلاّ لدى الله، الذي هو أوّلاً قد عرفَ الإنسان. عن محبّة الله التي اختارتنا، لا يمكننا أن نجيب بغير المحبّة. لذلك، فالإيمان والرجاء، اللذان هما الموقفان الأساسيّان للمسيحيّ في هذا العالم، تتقدّم عليهما المحبّة: ((الآن يثبت الإيمان والرجاء والمحبة، هذه الثلاثة؛ لكنّ أعظمهنّ المحبّة)) (آ 13).
الحياة المسيحيّة هي مسيرة طويلة. كلّ مسيحيّ يمكنه أن يقول مع بولس الرسول: ((ولا أعني أنّي قد أصبتُ الهدف، أو بلغتُ الى الكمال. إنّما أواصل السعي لعلّي أدركُ المسيحَ يسوع، لأنّه هو قد أدركني. لا، أيّها الإخوة، لست أحسب أنّي قد أدركت الغاية، إنّما أمر واحد أجتهد فيه: أن أنسى ما ورائي وأمتدّ الى ما أمامي، ساعيًا نحو الأمد، لأجل الجعالة العلويّة التي دعانا اليها الله في المسيح يسوع)) (في 3: 12-14).

خلاصة
بدأنا بالقول إنّ الحقيقة المسيحيّة ليست حقيقة نظريّة، بل هي واقع يعيشه كلٌّ منّا ليس في فكره فحسب، بل أيضًا في حياته، استنادًا الى الواقع الذي اختبرناه في شخص يسوع المسيح، وعاشه الرسل واختبروه. وأخذنا مثالاً بولس الرسول الذي يلخّص لنا، في رسائله، اختبارَه للمسيح، ويدعونا الى أن نعيش نحن بدورنا هذا الاختبار. قال أحد الكتّاب الروحيّين: ((الله ليس اختراعًا، بل هو اكتشاف)). والاكتشاف هو اكتشاف خبرة حياة. ولدى كلّ اكتشاف، يملأ القلبَ شعورُ التعجّب والدهش. فكلّ مرة يكتشف العلماء شيئًا في الكون أو في الطبيعة أو في جسم الإنسان، يملأهم التعجّب. وإذا كان الأمر يعنينا شخصيًّا، كاكتشاف بولس الرسول لمحبّة الله التي تجلّت في المسيح يسوع، ومحبّة الله له شخصيَّا، كما يردّد: ((لقد أحبّني وبذل نفسَه عنّي)) (غل 2: 20)، يتحوّل التعجّب الى تأثّر يدخل الى صميم القلب، ويحمل على جواب يأخذ بشخص الإنسان كلّه. وهذا التأثّر نقرأه في كلّ رسالة من رسائل بولس الرسول. فمن يقرأها بقلب منفتح، تحرّك قلبه نحو الارتداد ليصير كلّ يوم أكثر فأكثر على مثال المسيح. قال القدّيس يوحنا الذهبيّ الفم: ((قلب بولس هو على مثال قلب المسيح)). وقيل عن القديس يوحنا الذهبيّ الفم: ((قلب يوحنا هو على مثال قلب بولس)). كلّ تلميذ للمسيح مدعوّ إلى أن يكون قلبه على مثال قلب بولس وعلى مثال قلب المسيح. وهذا المثال لن يستطيعَ المسيحيّ التوصّل اليه بقواه الذاتيّة، بل بالاتّحاد الدائم بالمسيح في الصلاة والعمل، كما قال السيّد المسيح نفسه: ((بدوني لا تستطيعون أن تفعلوا شيئـًا)) (يو 15: 5)، وكما قال بولس الرسول: ((إنّي أستطيعُ كلّ شيء في الذي يقوّيني))(في 4: 13).
الفصل الثاني والثلاثون

الوعد والعهد والـخلاص بالمسيح يسوع
مقدمة
يستحق موضوع "الخلاص بالمسيح يسوع بين الوعد والعهد"، ليس محاضرة أو اثنتين أو ثلاثة فقط، بل وقتاً حدودُه حدودُ مؤتمرنا بكامله على الأقل، كون الوعد والعهد رُكنَين من أركان البيبليا، أو بالأحرى من أسس تاريخ الخلاص. لذا، فإن ما سَيَرِدُ في المداخلة ما هو إلا جولة "جويّة" سريعة، تبقى معلّقةً ويتيمة إن لم نستتبعها بعد هذا المؤتمر بما يواصلها ويكملها من أبحاث وتعمق وتأملات. 
قد يقع الباحث لدى القديس بولس في موضوعَي الوعد والعهد، ومعهما الشريعة بطبيعة الحال، في نشوةِ حماسٍ (غل 1: 14؛ فيل 3: 6) كالتي عند هذا الرسول، المثيرِ للمتاعب لأمّةٍ غفا معظم أبنائها "وناموا واستراحوا" (مت 26: 45) على اطمئنان كاذب، لم يوفّر لهم سوى قضِّ المضجع، والفراغِ العدميّ (رج تك 1: 2)، وتركِ "اللصوص ينقبون" (رج مت 6: 19) ويعبثون، وخلوِّ الساحة لـ"فريسي مُراءً" (رج مت 6: 2 و5 و16؛ 15: 7؛ 16: 3؛ 22: 18؛ 23: 13؛ لو 11: 44؛ 12: 56؛ الخ)، وصادوقيٍ متعالٍ مخادعٍ (مت 3: 7/لو 3: 7؛ مت 16: 1/مر 8: 11/لو 11: 16؛ مت 12: 38)، وغيورٍ (أع 21: 20؛ روم 10: 2) لا يتردد في الإبادة والإفناء باسم الدين (فيل 1: 18)، وانطلاقاً من الاعتقاد الواهم بواجب الحفاظ على الله، كما فعل شاول بالذات! 
فبولس هذا المشاكس، كان قبلاً يغار لشريعة إلهه غَيرةً أصوليةً (أع 22: 1-5؛ 26: 9-11) تستأصل حتى إنساناً "وجهُه وجهُ ملاكٍ" (أع 6: 15)، كإسطفانوس مثلاً، وكل ذلك لأنه، في شريعة الرب على هواهُ هو هامَ، وبه وبها على طريقته هو أُخِذَ، فإذا بحماسه هذا يتحول إلى جنونٍ أعوج، لم يبدّل مضمونه إلاّ مَن جذبه على طريق دمشق (أع 9: 1-9؛ 22: 6-16؛ 26: 12-18)، ونزع البرقع عن عينيه (أع 9: 18؛ رج خر 34: 33 و34؛ 2 كو 3: 13، عندها فقط "رأى وآمن" (رج يو 20: 25 ثم 29)، بعد أن أدرك بوحيٍ أن الموعود الذي "به تتبارك جميع الأمم" (تك 12: 4؛ أع 3: 25؛ غل 3: 8) هو يسوع المسيح، الذي صلبه أولئك الذين "لم يعرفوا رب المجد" (1 كو 2: 8)، وأن العهد الحقيقي هو ذاك الذي ختمه بدمه الذي سفك على الجلجلة (رج لو 22: 20؛ 1 كو 11: 25). 
إذاً، من أجل إدراك أفضل لما حققه المسيح يسوع من أجل خلاصنا، لا بد من أن ندرك المعاني العميقة لمواضيع الوعد، والشريعة، والعهد.

1 - المعضلة اللغوية ومفاعيلها
لا بدّ من الانطلاق في بحثنا من المعطيات اللغوية أولاً، ولو سريعاً كمرور الطير، خاصة من كلمتَي "وعد" و"عهد"، مع بعض الاستطرادات حول "الشريعة"، لنتمكن من بلوغ كُـنْـهَ المعطيات البيبلية المتعلقة بالخلاص الذي بالمسيح يسوع قد تحقق، خاصة عند رسول الأمم، ولو جزئياً.
1/1 - الوعد

أ - استعمال الكلمة
ترد كلمة "وعد" (epaggelia)(1) في رسائل القديس بولس مرات عدة(2)، مركِّزةً، بالدرجة الأولى، على أن الله هو صاحب المبادرة، أي أنه هو الذي يَعِدُ ويلتزم. ما نجده بشكل حصري من وعود في رسائل القديس بولس هو ما يلي: وعد الله للآباء، لشعبه، ولداود؛ الوعد المشروط؛ التأكيد على أن ما يعد به الله يتممه لأنه أمين لوعده، لا بل لشعبه ولمختاريه، أي لداود وللآباء؛ الوعود الأسكاتولوجية؛ مضمون وعود المسيح؛ الروح القدس الموعود؛ الخ. 
أ/1 - الله يَعِدُ: 
- وعد مشروط: "تلك أول وصية مرتبطة بوعد" (أف 6: 2؛ رج تث 5: 16).
- الله الأمين يتمم وعده: "فجميع وعود الله كانت فيه نعم!" (2 كو 1: 20).
- وعد الله للآباء (روم 4: 20؛ 15: 8؛ غل 3: 16؛ أف 2: 12؛ 6: 2؛ رج خر 20: 12؛ تث 5: 16؛ مت 15: 4).
- وعد الله لشعبه (روم 3: 2؛ 4: 13-25؛ 9: 4 و8؛ 2 كو 1: 20؛ 7: 1؛ غل 3: 19؛ 4: 23ي).
- وعد الله لداود (روم 4: 13-25؛ 9: 8؛ 2 كو 7: 1؛ غل 3: 19؛ 3: 22 و29؛ 4: 23ي؛ أف 2: 12؛ 3: 6).
أ/2 - وعود الله: 
- مضمون وعود المسيح الأخرى: "وفقاً لوعد الحياة التي في المسيح يسوع" (2 تيم 1: 1).
- الوعود الأسكاتولوجية: "وعندما يظهر المسيح، الذي هو حياتنا، فأنتم أيضاً ستظهرون معه في المجد" (كول 3: 4)؛ "أما التقوى فهي نافعة لكل شيء، لأن لها وعد الحية الحاضرة والآتية" (1 تيم 4: 8).
أ/3- وَعَدَ: 
- المؤمنون يعدون: "... تقدمات بركتكم التي وعدتم بها" (2 كو 9: 5).
- الله يعد: "... على رجاء الحياة الأبدية التي وعد بها الله" (تيط 1: 2).
- ما يعد به الله يتممه: "هذا الإنجيل الذي وعد به الله من قبلُ" (روم 1: 2)؛ "الله قادر أن ينجز ما وعد به" (4: 21).
- الروح القدس الموعود: "فننال بالإيمان الروح الموعود به" (غل 3: 14)؛ "ختمتم بالروح القدس الموعود به" (أف 1: 13).
أ/د - صِيغ الوعد الأدبية عند بولس: 
يستعمل الرسول كلمةَ "وعد" في صِيغ أدبية مختلفة، هي التالية: 
(1) مُـضافة: 
"فإنّ كلمة الوعدِ هي هذه..."( : روم 9: 9؛ أنظر أيضاً 4: 13ي و16؛ أع 2: 39).
(2) يَستعمل بولس المضاف مع كلمة "وعد" لأسباب مختلفة: 
- ليُبرِزَ مَن الذي منه يأتي الوعد: "وبناءً على وعد الله..." ( : روم 4: 20)؛ "فجميع وعود الله كانت فيه نعم" (2 كو 1: 20)؛ "فهل تنقض الشريعة وعود الله؟" (غل 3: 21)؛
- ليُبرِزَ الأمر الموعود: "أما التقوى فإنها النفع كله، لأن لها وعدَ الحياة الحاضرة والآتية" ( : 1 تيم 4: 8)؛
- ليبرز مَن إليهم الوعد هو موَجَّه: "أقول إن المسيح صار خادماً للختانة، تصديقاً لله، لكي يوطد وعود الآباء" ( : روم 15: 8).
من ناحية ثانية، غالباً ما تُستعمل كلمة "الوعد"، كمضافِ صفةٍ، للدلالة على علاقة اسمٍ ما بالوعد، مثلاً: "أرض الوعد" (: عب 11: 9)؛ "أبناء الوعد"، أي أولئك الذين ولدوا بفضل الوعد ( : روم 9: 8؛ غل 4: 28)؛ "روح الوعد" ( : أف 1: 13)؛ الخ.
(3) مع حرف الجر: 
- "أما الذي من الأمة فقد ولد على حسب الجسد، وأما الذي من الحرة فبالوعد" (: غل 4: 23؛ أنظر 3: 18ب)؛ 
- "إذا كان الميراث من الشريعة، فلم يعد من الوعد" (: غل 4: 18أ)؛
- "أكرم أباك وأمك، أول وصية معقودة بوعد" (: أف 6: 2)؛
- "إن كنتم للمسيح، فأنتم إذاً نسل إبراهيم، بحسب العد وارثون" ( : غل 3: 29؛ رج أع 13: 23؛ 2 تيم 1: 1).

1/2 - العهد

أ - استعمال الكلمة
ترد كلمة "دياتيقي"( ) في رسائل القديس بولس أيضاً مرات عدة(3)، وتتضمن بالإيجاز المواضيع التالية: عهد الله مع الآباء، ومع داود؛ العهد القديم (ancienne alliance)؛ العهد الجديد (nuvelle alliance ( الخ.
بالنسبة إلى معنى كلمة "دياتيقي" في اليونانيّة ، لدينا ثلاث معطيات : 
- المعنى العام للكلمة، أي "ترتيب" (من فعل )(4)؛
- المعنى التقني للكلمة، أي "وصيّة"(testament)(5)؛
- معنى الكلمة العبريّة "ب رِي تْ" (tyrB)(6)، الذي يُترجم بكلمة "دياتيقي" في السبعينيّة. هذا المعنى الأخير ليس بسيطاً بل مركّب، لأنّ معنى كلمة "برِيتْ" ليس هو ذاته في مختلف النصوص، ويمكن بالتالي إعطاؤه تفسيرات عدة . 
تعني كلمة "دياتيقي" أساساً "الإرادة الأخيرة" أو "الوصية"(7) (قبل الموت)، كما ورد عند بولس: "إن وصية ()، وإن كانت من إنسان، إذا أُقِرَّت ()، لا أحد يبطلها أو يزيد عليها" (غل 3: 15)؛ "إن وصيةً سبق الله فأقرّها، لا تلغيها شريعة" (غل 3: 17).
كترجمة لكلمة "برِيتْ" في السبعينية، فقدت كلمة "دياتيقي" معنى "الإرادة" أو "الوصية"، من حيث أن الـ"دياتيقي" التي من الله لا يمكنها أن تتطلب موت الموصي لكي تصبح الوصية نافذة. مع ذلك، هناك ميزة جوهرية أخرى لوصيةٍ ما ينبغي الانتباه إليها، هي أنها حصراً إعلان إرادة شخص ما، وليس نتيجة اتفاق بين فريقين، كعقدٍ مثلاً. هذا هو بدون شك أحد الأسباب الذي لأجله ترجمت السبعينيةُ كلمة "بريت" بكلمة "دياتيقي". في "عهود" الله، هو الله وحده مَن يضع شروطاً؛ من هنا، يمكن استعمال كلمة "عهد" لترجمة كلمة "دياتيقي"، فقط عندما يكون هذا الأمر حاضراً في الذهن. لقد أعطى اللهُ "إعلاناً عن إرادته" (روم 11: 27؛ رج أش 59: 21)، يحمله في خاطره (رج مز 104: 8ي). 
إن "قرار" الله أو "عهده" الموجَّه نحو المؤمنين بابنه يسوع هو "عهد جديد" (: 1 كو 11: 25؛ 2 كو 3: 6)؛ هناك بالمقابل "العهد القديم" ( : 2 كو 3: 14)، أو "العهد الأول" ( : عب 9: 15ب)، الذي هو على نقيض السابق (غل 4: 24؛ رج خر 34: 28؛ 31: 18). 
لا بد من الانتباه إلى أن إعلان العهد القديم أو الأول في سيناء قد خُتِمَ بالدم (عب 9: 20؛ رج 24: 8)، وكذلك العهد الجديد (عب 10: 29)؛ هذا يساعد على فهم عبارة "دمي الذي للعهد" (: مت 26: 28؛ مر 14: 24)، وسبب ارتباط العهد بالدم.

ب - أهمية موضوع "العهد" في كتب العهد القديم 
يحتلّ موضوع "العهد" مكاناً مميّزاً في الكتاب المقدّس، وهذا ما حدا بمفسّري الأسفار المقدّسة وباللاّهوتيّين إلى اعتبار "العهد" أحدَ المواضيعِ الرئيسيّة في العهد القديم(8)، لا بل الموضوع المركزي الذي حوله تتمحور باقي المواضيع، والذي يتضمّن تفاصيل ووجوهاً عدّة، إلى حدّ أنّ كلمة "عهد"، المستعملة لترجمة الكلمة العبريّة "بِ رِي تْ" (tyrb)، لا تفي بالغرض إلاّ جزئيّاً(9). السبب في ذلك يعود إلى أن مضمون الكلمة متنوعٌ وفق الظروف والأحكام: 
- ففي العهد بين الله ونوح (تك 9: 8-18)، هو الله مَن يلتزم تجاه نوح، دون أن يطلب أي التزام من هذا الأخير.
- وفي العهد بين الله وإبراهيم (تك 15: 18)، هو الله أيضاً مَن يلتزم تجاه إبراهيم، دون أن يطلب بالمقابل أي التزام منه.
- كذلك في العهد بين الله وفنحاس (عد 25: 11-13)، هو الله مَن يلتزم تجاه هذا الأخير.
- أما في العهد المبرم في خر 24: 4-،8 فالعنصر الصريح هو الالتزام الذي يفرضه الله على الشعب (رج 24: 3 و7).
- بالنسبة إلى العهد المدرَج في تث 29: ،8 فإنه نوع من الالتزام المفروض(10)، لكن المبني على ما صنعه الله لأجل الشعب(11).
- وفي عهد تك 17، يلتزم الله تجاه إبراهيم، وفي الوقت عينه يفرض عليه التزاماً، ألا وهو الختان، الذي يشكل علامة العهد.
- هناك أخيراً لا آخراً، عهد بين الناس: اتفاق متبادل بين أبيملك وإبراهيم (تك 21: 22-34)، بين أبيملك وإسحق (تك 26: 27-31)، بين لابان ويعقوب (تك 31: 44-54).
نستنتج أن كلمة "عهد" تناسب فقط بعض الحالات الواردة في النموذج الأخير، وبالتالي لا تترجم بدقة كلمة "بريت"، لأنها لا تناسب المعنى الأساسي، أي "الإلتزام".

ج - أهمية موضوع "العهد" في كتب العهد الجديد
إذا انتقلنا من العهد القديم إلى العهد الجديد، يصبح الموضوع أكثرَ أهميّة، لأنّه، بالإضافة إلى غناه الذي كدّسه في العهد القديم، يتضمّن كلَّ الجديد الذي جاء به الربُّ يسوعُ وكنيستُـه. فلقد حمل العهدُ بين اللّه وشعبِه أبعاداً غير متوقّعة، بعد تحقيق سرّ التّجسّد، وعلى أثر حدث موت يسوع وقيامته، فأصبح عمقُ الاتّحاد عظيماً بين اللّه والإنسان، والعهدُ حميماً إلى حدّ كبير، وأكثرَ انفتاحاً، وذا بُـعْـدٍ هامٍّ جدّاً بالنسبة إلى الحريّة، من جهة، وإلى متطلّباته القويّة، من جهة ثانية.
لقد اغتنى موضوع العهد إذاً، وأصبح أكثرَ تشعّباً، مع الملاحظة أنّ هذا التّشعّب، من الناحية اللّغويّة، هو أكبر وأوسع، لأنّ ترجمة الكلمة العبريّة "ب ري ت" (tyrb) بكلمة "دِياتِيقِي" () اليونانيّة، جعلت المفاهيمَ الجديدة تتراكم فوق أصلِ الكلمة، مع ما في كلّ لغةٍ من صعوبات في تحديد المعنى الأساسي لكلّ من الكلمتَين : 
- فماذا تعني كلمة "ب ري ت" (tyrb) في أطرها المختلفة؟ هل هي "عهد" أم "ميثاق"؟ لكنَّ هذَين ليسَا مترادفَين بالتمام. هل هي "قَسَمٌ"؟ لكنَّ هذا مختلف تماماً. هل هي "واجب"؟ الخ.
- ماذا تعني كلمة "دياتيقي"، عندما تكون ترجمةً لكلمة "بِ رِي ت" (tyrb)؟ هل تحتفظ بذات المعنى، أم إنّها تأخذ معاني إضافيّة؟ لماذا اعتمد المترجمون هذه الكلمة وليس أخرى؟ أية فكرة كانت لديهم عن كلمة "بِ رِي ت" (tyrb)؟ إلى أيّ حدّ أرادوا أن يتبنّوا المعنى المعتاد لكلمة "دياتيقي" اليونانيّة، أي "وصيّة"(testament)؟ وفي النصوص المسيحيّة، هل علينا أن نترجم بعبارة "عهد جديد"(nouvelle alliance )، أم بعبارة "وصيّة جديدة" (nouveau testament)؟ أم أحياناً بطريقة، وأحياناً بأخرى؟
المعضلة اللّغويّة هي إذن متشعّبة جدّاً، وليست دون أهميّة بالنسبة إلى الإيمان. ليس الأمر سيّان القولُ بأنّ يسوع قد ترك لنا "وصيّة" (testament)، أو القول بأنّه قد أقام معنا "عهداً" (alliance).
لكن ينبغي ألاّ نخلط بين المعضلة اللّغويّة لمعنى كلمة "دياتيقي"، "العهد"، وبين المعضلة العقائديّة لوجود "العهد الجديد" (nouvelle alliance), لأنّهما مختلفتان، بالرغم من كونهما مترابطتين، وتستحيل معالجة الواحدة ودراستها دون الأخرى. من شاء أن يبحث في مسألة "العهد الجديد" (nouvelle alliance)، عليه أن يحلّل النصوص التي تتكلّم على "الدياتيقي"؛ ستكون نتائج البحث في المسألة اللّغويّة هامّة لدراسة الموضوع العقائدي، لكن هذا أيضاً لن يكفي لحلّ كلّ هذه المسائل.
من الضروري التمييز دوماً بين المصطلح وبين الحقيقة في دراسة موضوع "العهد". فلقد "كان العهد عملاً وحالة، وليس كلمة"(12). في الـعهد الجديـد، نستـنـتـج من فهارس الـمـرادفات أنّ كلمة "دياتيقي"، والفعل الذي من ذات الإشتقاق "دِيَـاتِـيثِمَايْ" ()، هما غير موجودين إطلاقاً في إنجيل يوحنّا ولا في رسائله. مَـن يمزج بين الحقيقة وبين المصطلح سيستنتج بأنّ يوحنّا غير مهتمّ إطلاقاً بوجود العهد الجديد، ولا يكترث أبداً لِـوَحْيِ العلاقات المتبادلة بين اللّه والناس. سيكون هذا خطأً فادحاً. في الواقع لا يوجد أيّ كتاب في العهد الجديد أكثر انتباهاً إلى العلاقات المتبادلة، ويعبّر عنها بتشديد، مثلما يفعل يوحنّا. إنّ جملة كتلك التي في يو 14: 23: "إذا أحبّني أحدٌ يحفظ كلمتي، وأبي يحبّه، وإليه نأتي، ونصنع لنا عنده مقاماً"، تعبّر عن عقيدة الـعهد بالتمام، حتى ولو كانت لا تـتكـلّـم على الـ "دياتيقي" حرفياً. ينبغي قولُ الشيءِ ذاتِه بالنسبة إلى التعابير التي تحكي على الأمور الحميمة المتبادلة: "أنتم فيّ وأنا فيكم" (يو 14: 20: "في ذاك اليوم تعرفون أنّني في الآب، وأنتم فيّ، وأنا فيكم"؛ أو 15: 4: "إثبتوا فيّ وأنا فيكم"؛ و17: 21-23). لماذا لا يستعمل يوحنّا كلمة "دياتيقي"؟ قد يكون أحد الأسباب حصراً أنّ هذا المصطلح لم يكن يعبّر بطريقة واضحة بما فيه الكفاية عن التبادل في العلاقات. في كلّ حال يستحيل حصر حقيقة العهد في استعمال كلمةٍ. 
في ما يتعلّق بالرسالة إلى العبرانيّين المعضلة الأكثر نقاشاً هي تلك التي تدور حول المعنى الذي يعطيه المؤلّف لكلمة "دياتيقي": "عهد"، أو "ميثاق"، أو "ترتيب"؟ ينبغي معالجة هذا الأمر مع تحاشي حصر كلّ شيء بمسألة اللّغة، والعمل على تعميق كلّ عقيدة المؤلّف، أي كلّ الحقيقة الموحاة. 

د - التعليم الذي لم يعد ضرورياً والعهد 
إذا أخذنا أقدمَ نصَّ في العهد الجديد، أي 1 تس، الذي كُتِب حوالي السنة 50، لا نجد فيه كلمة "دياتيقي"، ولا عبارة "عهد جديد" (). لكنّ غياب الكلمة لا يعني غياب الحقيقة. 
في الواقع يمكننا أن نميّز في الرسالة تلميحات واضحة إلى حالة عهد جديد. يكتب بولس إلى التسالونيكيّين المرتدّين حديثاً ما يلي: "في ما يتعلّق بالمحبّة الأخويّة، لستم بحاجة إلى أن أكتب إليكم؛ فأنتم ذاتكم في الواقع معلَّمين على يد اللّه أن تحبّوا بعضكم بعضاً" (1 تس 4: 9). هذا ما ورد في إر 31: 31-34 الذي يتكلم على العهد الجديد، ويضيف بأنه "لن تعود هناك حاجة إلى أن يعلم الواحد الآخر قائلاً له : إعرفِ الرب، لأنهم كلهم سيعرفونني، من صغيرهم إلى كبيرهم". بالطبع، هكذا سيكون، لأنهم أبناء العهد الجديد، الذي ستكتب شريعته على قلوب من لحم. أثر هذا النص في نفس بولس، فضمّنه رسالته الأولى إلى أهل تسالونيكي، كما فعل أيضاً كاتب الرسالة إلى العبرانيين.
هـ - ارتباط السلام بالوعد وبالعهد
في هذا المجال، وانطلاقاً مما تقدم، نؤكد أن العهد مرتبط بالسلام؛ فـ"العهد له السلامُ حصراً عنصر مكوِّن، يصدّق على الاتفاقية أو يدشنها (يش 9: 15). في سفر عوبديا (آ 7)، العبارة "رجال العهد" (أي الحلفاء) هي معادلة مباشرة لعبارة "رجال السلام" (أي أصدقاء). ولكن هو يهوه خاصة مَن يعلن على لسان الأنبياء "عهد سلام" ("بريت شَلُوم"): "وأبتّ معهم عهدَ سلام، فيكون عهداً أبدياً" (حز 37: 26؛ رج 34: 25)؛ "فالجبال يمكنها أن تتباعد، والتلال أن تتأرجح، لكن محبتي لا تتباعد عنك، وعهدي السلامي لا يتأرجح، يقول يهوه الذي يعزّيك" (أش 54: 10). كما نرى استناداً الى هذه النصوص، "السلام" هو وحدة مكثّفة جدّاً من الناحية اللاّهوتيّة، ليس فقط لأنّه عطيّة من الرب، بل لأنّه مرتبط بالحب، وبالرحمة، وبنوع خاص بثبات اللّه الذي لا يتزعزع وبوعوده. يمثّل السلام إذاً انتصار العلاقات الشخصيّة المتبادلة، إن بالمعنى الديني (حز 37: 27: "أكون لهم إلهاً ويكونون لي شعباً")، وإن بالمعنى البشري (حز 34: 25 : "يسكنون في الصحراء بأمان"). في إطار العهد هذا، في الحقيقة، تظهر المقوّمات الروحيّة والخلقيّة للسلام."(13)

2 - نماذج عن الوعد والعهد من رسائل بولس
من أجل القيام بدراسة متكاملة لموضوعنا، قد يكون من الضروري، بعد دراسة نصوص العهد القديم، البحث في الأدب الوسيط الذي ما بين العهدين القديم والجديد (Littérature intertestamentaire)، لنرى كيف فَـسّرَ أدباؤها موضوع الـ"بْ رِي ت" (tyrb) أو الـ"ديـاتيقي" (diaqhkh)، وبأيّة طريقة تمّ عيش حقيقة العهد بين الشعب وبين اللّه. ولكن بما أنّ المكان يضيق الآن، لذلك فإنّنا نتوجّه مباشرة إلى نماذج مختارة من نصوص العهد الجديد، وبالتحديد من بعض رسائل مار بولس وما يوازيها أحياناً.

2/1 - الوعد والـعـهـد لإبـراهـيـم (غل 3: 15 و17)
إنّ نصوص رسالة بولس الى أهل غلاطية هي هامة في دراسة موضوع العهد، إن من حيث الاستعمال اللّغوي وإن من حيث المضمون، لأنّ هذه النصوص تتكلّم على أنواع مختلفة من الـ"دياتيقي"، وتُؤمّن عدّة مجالات للتنقيب في هذا المضمار. تقدّم لنا غل 3: 15 نموذجاً أو مثلاً عن الـ"دياتيقي" التي يقيمها إنسان ٌ ما مع ابنه؛ يقول الرسول: 
"أيّها الإخوة، كبشر أقول : إنّ الوصية، وإن كانت من إنسان، إذا أُقِرَّت، لا أحد يبطلها، أو يزيد عليها". 
بالطبع، المعنى الدقيق لكلمة "دياتيقي" في هذه العبارة هو موضوع نقاش، ليس بسبب الجملة بالذات، بل بسبب التطبيق في آ 17 على د"ياتيقي" بيبليّة. بمعزل عن الإطار الذي يلي، إنّ معنى آ 15، الواضح بالنسبة إلى قارىءٍ يوناني، كان معنى "الوصيّة"، وليس أي أمر آخر (قارن مع عب 9: 16-17).
نجد تطبيقَ المثل في آ 17. في ما يتعلّق بـ"دياتيقي" مصدَّقة مسبقاً، ليس من قبل إنسان بل بالأحرى من اللّه بالذات، يُلاحظ بولس أنّ هذه الـ"دياتيقي" لا يمكن إبطالها بتدبير لاحق. يدلّ إطار النص على أنّه، في ذهن بولس، الـ"دياتيقي" المتعلّقة بإبراهيم في تك ،15 هي مصدّقة علناً من قبل اللّه (رج تك 15: 17). تنحصر الـ"دياتيقي" بموضوع الوعد (تك 15: 18؛ رج 15: 5 و7). يُبرز بولس هذه الناحية في آ 16، كما أيضاً وأكثر في آ 18 : "إنَّ اللّه بوعد أنعم بالميراث على إبرهيم". يُلاحظ أنّ هذا الوعد قد أُعطي للنسل، وهذا ما يتوافق مع المعنى المعتاد لكلمة "دياتيقي" في اليونانيّة، عنيتُ "وصيّة". يَظهر الارتباطُ بصورة أدق في تك 15 حيث اهتمام إبراهيم حصراً هو أن يكون له وريث. يشكو إبراهيمُ همّه للّه قائلاً : "لم تُعطني نسلاً، وخادمي سيكون وريثي؛ لكنّ اللّه يجيبه : ليس هذا من يكون وريثك، بل آخرُ مولودٌ منك هو يكون وريثَكَ" (تك 15: 3-4). في هذا الاطار، تحتفظ كلمة "دياتيقي" برباط قويّ مع كلمة "وصيّة". في ذهن بولس هناك إذاً حتى مسألة الوراثة؛ هو يتكلّم عليها في غل 3: 18. 
إنّ موضوع النقاش هو حصراً بلوغ الوراثة. كان المتهوّدون يعتبرون أنّه، من أجل الحصول على الميراث الإلهيّ، قد يكون من الضروري الخضوع لشريعة موسى. يُبرهن بولس في وجه ذلك أنّ الشريعة لا دخل لها. 
يتعلّق الميراث بالوعد المُعطى لابراهيم، وهذا يكفي؛ من المستحيل جعله يتعلّق أيضاً بالشريعة: "إذا كان الميراث من الشريعة، فهو لم يعد من الوعد" (غل 3: 18).
ما هو مهمّ بالنسبة إلى بحثنا هو أنّ بولس يضع هنا في حالة تعارض عهدين بيبليَّين، عهد الله لإبراهيم (تك 15)، وعهد الله في سيناء مع شعبه على يد موسى (خر 19-24)، فيبرهن أنّ هذين الترتيبين مختلفان جدّاً، ليس فقط بأحد بنودهما الخاصّة، بل بتركيبتهما الأساسيّة: الأوّل هو وعد، والثاني مطلب. يستعمل بولس هنا كلمة "دياتيقي"() فقط ليعبّر عن العهد المرتبط بالوعد؛ بالنسبة الى الثاني، يتكلّم على "الشريعة" (). إنّ موقفه هو أنّ "دياتيقي" الوعد كان لها قيمة نهائيّة، ووجدت تمامها في المسيح. بالمقابل، الترتيب السينائي ( - disposition sinaïtique) لم يكن له قيمة نهائيّة، بل كان موقّتاً : "إذاً فالشريعة كانت لنا مؤدِّباً يقودنا إلى المسيح، لكي نُبَرَّر بالإيمان؛ فلما أتى الإيمان، لم نعد تحتَ مؤدِّب" (غل 3: 24-25)؛ "فأنت إذاً لم تَعُدْ عبداً، بل أنت ابنٌ، وإذا كنتَ ابناً، فأنت أيضاً وارثٌ بنعمة الله" (4: 7). ينبغي ألاّ يغيب هذا الأمر عن البال عند البحث عن مسألة ابراهيم. 
إذا كانت غل 3: 15 التي تتكلم على "عدم جواز نقض أو إبطال وصية قد أُقِرَّت" هي المبدأ الذي يستخدمه الرسول في حِجاجِهِ مع المتهوّدين، فإن غل 3: 17 التي تتكلم على "عدم إمكانية الشريعة الموسوية أن تلغي الوصيةَ، وبالتالي الوعدَ لإبراهيم"، هي تطبيقٌ للمبدأِ المذكور. يبغي بولسُ من وراء هذا كلِّه أن يُفهم أصحاب العلاقة أن الوعد الذي لإبراهيم كان، هو عينه للمسيح يسوع، لأنه بيسوع تحقق الوعد لإبراهيم، وبه يُقيم الله معنا وبيننا. 
ويستنتج الرسول أيضاً موقفاً وتعليماً للمسيحيين المعتَبَرين "أمماً" أو وثنيين، وهو أنه، استناداً إلى وعد الله لأب الآباء بأنه "به وبنسله ستتبارك جميع الأمم"، فإنّ البركة تشمل هؤلاء أيضاً، لأنهم ينتمون إلى الوعد عينه، ولأن لهم بالمسيح الإيمان الواحد. فحين بارك الله إبراهيم، أعلمه بأنه يشمل برحمته أيضاً الوثنيين الذين سينالون، هم أيضاً، الخلاص بالمسيح الذي من نسل إبراهيم (تك 12: 3؛ 18: 18؛ سي 44: 21؛ أع 3: 25؛ غل 3: 8).
ترتبط غل 3: 17 بـ3: 15 مباشرة من حيث الموضوع والمضمون والتطبيق؛ لذا تُعتَبَر غل 3: 16 التي تتكلم على "إبراهيم ونسله الذي يعني المسيح"، وكأنها بين الاثنتين استطراد، لكنها ذو دور توضيحي ومكمِّل، حتى لو قَطَعَتْ سيرَ البرهان بين الآيتَين المذكورتَين. كما في آ ،15 كذلك في آ 17، يتكلم بولس على مسألة "الوصية" ("دياتيقي")، لكن هناك عنصر اختلاف أساسي في هذه المقارنة، ألا وهو أن الموصي يموت، أما الله فلا، لكن هذا الاختلاف لا يلغي المقارنة؛ فـ"شريعة" سيناء التي أتت متأخرة جداً عن "الوصية"، والتي لعبت دوراً حاسماً وحازماً في حياة شعب الله، لا تستطيع أن تلغي هذ الأخيرة المؤسسة على "الوعد" (3: 16)، والتي وجدت تمامها في يسوع المسيح الذي من نسل إبراهيم.
أما غل 3: 18، فإنها تميز بين "الميراث" من "الشريعة"، و"الميراث" من "الوعد": "إذا كان الميراث من الشريعة، فهو لم يعدْ من الوعد؛ والحال أن الله بوعدٍ أنعم بالميراث على إبراهيم". "الميراث"، وهو "الخلاص" الذي "وعد" اللهُ به إبراهيم مجاناً، وليس وفق "الشريعة". لا يمكن أن يعطيَ اللهُ ميراثاً يرتبط باستحقاق بشري؛ هذا ما يؤكده بولس عندما يوضح أن المؤمن يحصل على الميراث بمنَّةٍ من الله، وليس بأعمال الشريعة، وبالتالي، لا يمكن أن يكون الميراث مرةً عطيةً من الله، ومرة أخرى نتيجة أعمال الشريعة. الميراث هو أولاً فيض الخير الذي يسوع مصدره، ولكنه على الأكثر هو "الخلاص" الذي سبقَ فوعد اللهُ به إبراهيم، وتحقق "بالمسيح يسوع"، وصار حقاً معطى من فوق إلى الجميع بدون استثناء(14).

2/2 - الوعد والشريعة (غل 3: 16)
"فالوعود كانت لإبراهيم ونسله..." (حرفياً "زرعه"؛ هو مفرد ذات مدلول جماعي).
رج تك 12: 7؛ 13: 15؛ 15: 18؛ 17: 7-8؛ 22: 16-18؛ غل 3: 29.
في العبرية، لا تُستَعمَل كلمة "زِرَعْ" () بصيغة الجمع للدلالة على الأنسال البشرية، على عكس اليونانية حيث تُستَعمَل صيغة الجمع"زروع" spermata)). بالتالي، يلعب بولس على الفرق، ويفسر الكلمة العبرية "زِرَعْ" ([rz) التي بصيغة المفرد، كإشارة إلى المسيح التاريخي. تقطع هذه الآية الموضوع الذي كان قد ابتدأ به الرسول في غل 3: 15، ولكنها تُعِدُّ لـ غل 3: 19ب، مُـضَـمِّـنَـةً فكرةَ أن وعود العهد هي الأساس الحقيقي لعلاقة البشر مع الله(15).
حول الوعد وتفوّقه على الشريعة، وحول تتمّته في المسيح يسوع، يكتب بولس مبيِّناً أن المشاركة في الوعد المذكور ممكنٌ فقط بالإيمان الذي يشكّل السبيل الوحيد لبلوغ هذا الهدف. ولكنه سيركّز من جديد على نواحيَ من برهانه. 
في غل 3: 15-20(16)، يُبرز الرسولُ الوعدَ في علاقته التاريخية مع مختلف مقومات تاريخ الخلاص، أي الشريعة، والتتمّةِ في المسيح، والإيمانِ بيسوع المسيح؛ 
وفي غل 3: 21-29(17)، يبىّن أن الشريعة هي غير كاملة، لأنها من الوعد أدنى، ثم يرتد من جديد إلى الكلام على المعطيات التاريخية المعروفة، محدِّداً دور الشريعة في تاريخ الخلاص، ومحدوديتها من حيث أنها مؤقتة، وبالتالي يكون طابعها طابع الانتظار والإعداد، انتظار المسيح يسوع، والإعداد لمجيئه، وموضحاً دورَ كلٍّ من الشريعة والإيمان في تصميم الله الخلاصي.
في غل 3: 15، يَرُدُّ بولس على اعتراض المتهوّدين الغلاطيين الذين ينحون باللائمة على الرسول لعدم تأديته المجدَ لشريعتهم، مذكِّرينه بأنها عطيةٌ نهائية من الله على جبل سيناء لكل الناس، وأنها هي "النور الذي لا يفنى"، كما جاء في حك 18: 4. بولس الذي يصف نفسه بأنه "أب" في رسالته الأولى إلى أهل كورنتس ("أنا ولدتكم ببشارة الإنجيل في المسيح يسوع": 1 كو 4: 15)، يشنّ في غل هجوماً تأديبيَّ الطابع والوسائل، من دون أي تردد، على عكس ما سيفعل في روم حيث سيلجأ إلى الدبلوماسية والليونة أكثر. مع هذا، فهو يعترف "بأن الشريعة كانت لنا مؤدِّباً يقودنا إلى المسيح" (غل 3: 24)، ولكن لا هذا لا يعني أنه يجوز لها أن تصبح عائقاً في وجه البلوغ إلى الإيمان بالمسيح، كونه هو الهدف وليست هي. فباسم هذه الشريعة كان المتهودون يقاومون الإنجيل، ويرفضون أن يروا العصر المسيحاني الذي صار حقيقة محسوسة مع المسيح يسوع، والذي به صارت "العجنةُ الجديدة" (1 كو 5: 7)، و"الخلقُ الجديد" (غل 6: 15)؛ فهذا الخلق هو الأهم وليس "الختانة ولا القلفة" (غل 6: 15). 
ومن أجل تبيان أن الشريعة هي عاجزة عن أن تلغي الوعد الذي كان لإبراهيم فكوّنه، استعان الرسول بما هو قائم في العالم اليوناني في القانون والتقليد المتعلقَين بـ"الوصية" البشرية التي بها يورث الأب ابنه - أو بنيه - ما يملك، ويأتمنه على رغبته وإرادته قبل رحيله من هذه الدنيا، فيقول بأنه ممنوع على المؤتمن على الوصية وعلى تنفيذها أن يحوّر شيئاً منها، وبالأحرى أن يلغيها. بالتالي، لا يمكن لأحد أن يُـحوِّر أو أن يُـلغي الوعد لإبراهيم، لأنه له هوية "الوصية" وقيمتها ومفعولها، مما يعني أن هذا الوعد يحتفظ بقيمته لنسل إبراهيم الذي منه ظهر المسيح.
من الناحية الزمنية، أُعلنَتِ الشريعةُ بعد الوعد بأربعمائة وثلاثين سنة (غل 3: 17)، فليست هي إذاً السابقة بل اللاحقة، وليست هي الأهم بل الوعد الذي تبقى له الأسبقيةُ والأوّلويةُ، الأمرُ الذي يحول دونَ إلغائه أو حتى تحويره.
من حيث المصدر، "أعلن ملائكةٌ الشريعةَ على يد وسيط، هو موسى" (غل 3: 19). يرى التقليد اليهودي في حضور الملائكة على جبل سيناء وساطة بين الله وموسى (أع 7: 38 و53؛ عب 2: 2)، لذلك يرى اليهودي المؤمن أن للشريعة سلطةً إلهية. أما بولس فيرى أن الشريعة تستعبدنا للملائكة، لأن المسيح هو الذي حررنا من تلك العبودية (كول 2: 15)، وهو الوسيط الأوحد (1 تيم 2: 5)(18). فهي تضع في خطر حقيقي المبدأ القائل بأن التبرير يتم بالإيمان، كما أنها عاجزة عن أن تهب الحياة لمن يبتغيها بواسطتها. دورها إذاً هو التوجيه نحو المسيح، وعندها يتم بالتأكيد الاستغناء عنها. هذا ما يؤمن به الرسول الشجاع وصاحب المواقف التي تضج بالجرأة والتحدي والإثارة.
بيّن بولس إذاً سموَّ الوعد على الشريعة، واختار مثلاً قانونياً وتقليدياً معروفاً لدى قارئيه وسامعيه، هو مَثَلُ وصيّةِ الأبِ لابنِه، ليستخرج منه للذين ولدهم تعليماً حاسماً، ولآراء أهل البرقع وضلالهم قاصماً، وبرهن للجميع "أن عهداً سبق اللهُ فأبرمه، لا تلغيه شريعة جاءت بعده...، فتُبطِلَ الوعد" (غل 3: 17).
تعني كلمة "دياتيقي" اليونانية التي يستعملها بولس "العهد"، أو "الميثاق"، أو "الاتفاق"؛ أما هنا، في غل 3: 17 و4: 24، فهي تعني "الوصية"، أي أننا نحن أمام فعلٍ قانونيٍ يعبّر به صاحبُه عن إرادته التي يجب أن تُـنَـفَّـذَ بحرفيَّتِها. نحن هنا إذاً أمام ترتيب قانوني، ليس بين اثنين غير متكافئين وغير متساويين فقط، بل أيضاً أمام وصيةٍ من الله، تصبح نافذة حين يبلغ الوارث سن الرشد المعترف به شرعاً. 

2/3 - الدياتيقي السينائي ودياتيقي الوعد (غل 4: 24)
في غل 4: 24 يستعمل بولس كلمة "دياتيقي" للكلام على عهد سيناء، الذي يضعه من جديد في مقابل عهد إلهي آخر. نرى إذاً أنّ كلمة "دياتيقي"، ليس بطريقة منتظمة، محفوظة للعهد المرتبط بالوعد فقط. يقترح بولس تفسيراً نموذجياً (تِيبُولوجيّاً)، كون ابراهيم "وُلد له ابنان، واحد من الأمة، وآخر من الحرّة" (غل 4: 22). يقول بولس إنّ المرأتين تمثّلان عهدين، "واحدة من جبل سيناء تلد للعبوديّة" (غل 4: 24). مع هذا التحديد يصعب ترجمة كلمة "دياتيقي" بكلمة "عهد". أيّ نسلِ "عهدٍ" هو هذا، إذا كان مفعوله أن يضع في العبوديّة؟ كذلك كلمة "وصيّة" هي أيضاً لا تناسب، لأنّ وصيّةً يعطيها أبٌ لابنه لا تضع في العبوديّة. ينبغي إذاً اعتماد معنىً عامّاً للكلمة اليونانيّة "دياتيقي"، أي "ترتيب"؛ من وجهة نظر بولس، لا يتميّز عهد سيناء بأنّه "عهد"، بل بأنّّه "ترتيبٌ" يستعبد، و"نيرُ عبوديّة": "إن المسيح قد حررنا لنبقى أحراراً، فاثبتوا إذاً ولا تعودوا تخضعون لنير العبودية" (غل 5: 1). 
بعد تحديد "الدياتيقي" الأولى (غل 4: 24)، أي أن "هاجر عهدٌ من جبل سيناء يلد للعبودية"، نتوقع تحديد "الدياتيقي" الثانية، لكنّ بولس يُدخل فجأة بعض التفسيرات، ولا يعود يفكّر في تحديد هذه الأخيرة. مع هذا، نفهم من النص أنّ الثانية، تناسب "أورشليم العليا، التي هي حرّة وهي أمّنا" (غل 4: 26). سيطول الأمر إذا ما حلّلنا كلّ النص المعقد جدّاً. بشكل عام، إنّ له ذات التوجّه الذي لمعنى النص السابق (غل 3: 15-17)، أي أنّ الرسول يضع المسيحيّين في تواصل مع "دياتيقي الوعد" لإبراهيم : "أنتم، أيّها الاخوة، أولاد الوعد مثل اسحق" (غل 4: 28)، وعلى نقيض قوي مع "دياتيقي سيناء" التي تُعتبر عبوديّة. 

2/4 - الـ"دياتيقي" في روايات العشاء الأخير (1 كور 11: 23-25 والنصوص الموازية)(19)
هناك العديد من النصوص في العهد الجديد التي تعبّر عن حقيقة "العهد الجديد"، لكنّنا سنحصر بحثنا ببعض نصوص تتضمّن كلمة "دياتيقي". 
إذا بحثنا عن الاستعمال الأقدم لهذه الكلمة في أسفار العهد الجديد، فعلينا بالتأكيد أخذ نص 1 كو 11: 25 أولاً، لأنّه ليس فقط قديماً جدّاً (حوالي العام 55) بل لأنّه ينقل صراحة تقليداً تلقّاه بولس قبل عدّة سنوات من ذلك. 
نجد هذا التقليد في الأناجيل الإزائيّة التي يعود تاريخ تحريرها النهائي إلى ما بعد 1 كو، علماً أنّ الأصل هو بالمقابل أقدم بكثير. لنأخذ إذاً الروايات الأربع معاً حول تأسيس الإفخارستيّا، حيث توجد كلمة "دياتيقي" في الجملة التي فاه بها يسوع على كأس الخمر (مت 26: 28؛ مر 14: 24؛ لو 22: .2؛ 1 كور 11: 25).
في مت وفي مر هذا النص هو الوحيد الذي فيه توجد كلمة "دياتيقي"؛ في لو، هو تقريباً النص الوحيد (باستثناء آخَر في إنجيل الطفولة، في لو 1: 72). من وجهة النظر الكمّي، تحتلّ كلمة "دياتيقي" إذاً مكاناً محدوداً جدّاً في الأناجيل؛ أما من وجهة النظر النوعي، بالمقابل، فإنّها تحتلّ أهميّة رئيسيّة، لأنّ تأسيس الإفخارستيّا يحدّد معنى حدث الجلجلة، وكلمةَ "دياتيقي" تحدّد معنى الأفخارستيّا.
يلقي تأسيس الإفخارستيّا الضوء على حدث الجلجلة ويكشف لنا معناه العميق. بحدّ ذاته حدث الجلجلة هو معتم، لا بل ظلاميّ. ماذا يعني موت المسيح على الصليب؟ كان موتَ محكوم عليه! "أصبح يسوع لعنة"، يقول بولس في غل 3: 23. نحن نعلم أنّ الحكم كان ظالماً. إنّه أمر محال، مسبّب للعثار ومأساويّ. انتهت حياة يسوع العلنيّة بهذه النهاية المأساويّة، لنقلْ بهذه الهزيمة. من يسيّر الفعل ليس هو بل أعداؤه. لكن صحيحٌ أنّ موقف يسوع لم يكن استسلاماً؛ فهو يُحدَّد أنّه بالأحرى طاعة؛ هذا الأمر كان يتكشف في الإعلان المتكرّر عن الآلام: "ينبغي أن يتألّم ابن الإنسان كثيراً" (مر 8: 31)؛ كذلك في مت 16: 21؛ لو 17: 25؛ 22: 37؛ 24: 7 و44). ذات الأمر تأكّد عند النزاع من خلال أقوال يسوع عند توقيفه: "إنّما الساعة هي ساعتكم، والسلطان سلطان الظلام" (لو 22: 53)؛ "إنّما على الكتاب أن يتمّ" (مر 14: 49؛ رج مت 26: 54 و56). هذا يعني أن يسوع يقبل قصد الله السرّي، وهذا بالتأكيد هو عنصر حاسم يغيّر النظرة ويضفي على الحدث قيمة عميقة. لكن لا يمكننا أن نقول بأنّ هذا يكفي لكشف معناه، إذ يبقى السؤال: لماذا هذه النهاية المأساويّة كانت جزءًا من تصميم اللّه؟ بأيّة طريقة كان هذا الموت قادراً على أن يفيد في تفعيل عمل الله؟ في روايات الآلام لا تجد هذه التساؤلات جواباً. لا يعبّر يسوع ولا الإنجيلي أبداً عن معنى الحدث. لو كانت لنا فقط الروايات ذاتها عن الآلام قد لا يكون لنا أي أساس صريح للتأكيدات الأساسيّة المتعلّقة بالإيمان: "المسيح مات لأجلنا" (روم 5: 8)؛ "بذل نفسه عن خطايانا" (غل 1: 4)؛ "أحبّنا فأسلم نفسه عنّا" (أف 5: 2)؛ "به نلنا المصالحة" (روم 5: 10)، إلخ.
بالمقابل يلقي كلام يسوع عند تأسيس الإفخارستيّا الضوء على الحدث، ويعطي أساساً صريحاً لكلّ هذه التأكيدات، لأنّ يسوع أوضح معنى الحدث بفعلٍ وبكلمات. الفعل كان عطاءً: أعطى يسوع تلاميذه الخبز الذي كسر والخمر الذي سكب. أما الكلمات: "هذا هو جسدي المبذول عنكم" (لو 22: 19)؛ "هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي المسفوك عنكم" (22: 20)، فتكشف أنّ الفعل كان يجعل، وبطريقة مسبقة، حدثَ الجلجلة حاضراً، ومضمونه واضحاً.
لكنّ الكلمة التي تلقي الضوء أكثر هي "دياتيقي"()، لأنّها تحدّد مضمون كلّ الحدث وتكشف ما شاء يسوع أن يحقّق - وحقّق - بموته. بفضل الكلمة التي قالها يسوع على الكأس نعرف ما هو التفسير الصحيح. بسفكه دمه، أراد يسوع أن يؤسّس "دياتيقي"/"بريت". 
لنُبرز المعطيات الرئيسيّة المتعلّقة بمختلف روايات تأسيس الإفخارستيّا.
أ - تعبّر صيغة تأسيس الإفخارستيّا عن علاقة وثيقة بين "دياتيقي" ودم، ولهذا فهي في علاقة مع نص الخروج الذي يذكر تأسيس الـ"بريت" السينائيّة (خر 24: 3-8)، ويتكلّم على "دم العهد". يرد ذكر هذا المقطع في عب 9: 19-21.
ب - عندما يتكلّم التقليد الإنجيلي على "الدم المسفوك"، فإنّه يذكّر بموت يسوع(20)، ويضع بالتالي علاقة بين "دياتيقي" وموت، الأمر الذي يُضفي على كلمة "دياتيقي" معنى "الوصيّة"؛ يدعم إطار العشاء الأخير أيضاً المعنى(21).
ج - من ناحية أخرى، في كلمة "دياتيقي" يضع تأسيس الأفخارستيّا في الواجهة جانبَ العلاقة بين أشخاص، أي الجانب الجماعي: 
- على الجلجلة لا يظهر هذا الأمر؛ يموت يسوع وحيداً. يكشف موته فقط عن مظهر انفصال كامل، يبدو أكثر فأكثر جذريّاً، بسبب أنّه يموت محكوماً عليه ومنبوذًا. 
- في العليّة، بالمقابل، يسوع هو مع تلاميذه في إطار وليمة مشتركة . لكلّ وليمة معنى شراكة بين الأشخاص، واستقبال متبادل، وعلاقات صداقة وأخوّة.
في هذا الإطار، يحوّل يسوع موته إلى مناسبة لإعطاء ذاته. هكذا، تأخذ كلمة "دياتيقي" معنى قويّاً، هو "الـعهد" (alliance). يُعطى دم العهد كي يُشرب؛ تأسيس الإفخارستيّا يشكّل وليمةَ "عهد" (alliance). لدينا أمثلة عدة على هذا الموضوع، نورد بعضها: 
- في تك 36: 30-31، و31: 54، تُعتَبَر الوليمةُ المُتناولة معاً علامةَ بتِّ ميثاقٍ بين إسحق وأبيملك، وبين يعقوب ولابان.
- في خر 24: ،11 نجد أيضاً التلميحَ إلى وليمة لإبرامِ الميثاق السينائي. 
- في سفر اللاّويين تلحظ رتبةُ "ذبيحة الشراكة" (أو "السلامة") تقديمَ قسم من الضحيّة كـ"ذبيحة تلتهمها النار إكراماً للربّ" (لا 3: 3-5)، والقسم الآخر يتناوله المشتركون (لا 7: 15؛ رج خر 18: 12). هناك تلميح إلى وليمة الذبيحة في 1 كور 10: 14-12 وفي عب 13: 10.
د - على موضوع العهد يضيف مت 26: 28 موضوع "مغفرة الخطايا". تشكّلا لمسامحة أحد عناصر نبوءة العهد الجديد في إر 31: 34. يُعبَّر عن ذات الرباط بين "عهد جديد" وبين "مغفرة الخطايا"، مع تشديد أكبر، في عب 9: 15-28.
ينبغي لفت الانتباه إلى أنّه، بين كلّ الأقوال التفسيريّة المتضمّنة في الروايات الأربع، كلمة "دياتيقي" هي الكلمة الأكثر تجذّراً، ولها وضع قويّ جدّاً. هذا ما أدركه بولس في العمق، ولذلك استلّ من سلفِه إرميا النصَ، والفكرةَ وأبعادَها، وختم "العهدَ الجديد" الذي عند النبي العظيم إرميا بما سبق وختمه به يسوعُ، أي دمُه المسفوك لأجل أن يجعلنا أبناء العهد. 

2/5 - نصوص أخرى حول الوعد عند بولس
لن يُتاح لنا في هذه العجالة أن ندرس كل النصوص التي يجري فيها الكلام لدى القديس بولس على موضوعَي الوعد والعهد، ومعهما الشريعة، ثم الخلاص بالمسيح يسوع، لذا نورد بعض النصوص المختارة التي سنوجز مضمونها، والتي ينبغي التعمق فيها لاحقاً كي يكتمل البحث، وبنوع خاص هنا، النصوص المتعلقة بالوعد، هي التالية: 
أ) روم 4: 20-21 : 
"وبناء على وعد الله، ما شكَّ من عدم إيمان، بل تقوّى بالإيمان، ومجّد الله، وأيقن ملء اليقين أنه قادر أن ينجز ما وعد به"(22).
لم يشك إبراهيم في وعد الله، لا بل أصبح قوياً (أو أن الله قوّاه) في إيمانه. يبين تك 15: 5-6 أن إيمان إبراهيم لم يكن سوى إيمان بوعد الله. إن قوة إيمان إبراهيم كانت حصراً أنه لم يكن مدعوماً بأي شيء آخر؛ لم يكن شيئاً باستطاعة إبراهيم أن يقوم به؛ كان فقط إيماناً، ولا شيء غير ذلك، وبهذا "مجّد الله" (روم 4: 20).
تكرر آ 21 ذات العوامل تقريباً: إيمان إبراهيم، وقدرة الله على إنجاز وعده. موقف إبراهيم هنا هو موقف الواثق من كلام الله، ومن وعده، ومن أمانته، وهذا كافٍ ليصبح الوعد حقيقة متجسدة. 
ب) - روم 15: 8 : 
"أقول إن المسيح صار خادماً للختانة، تصديقاً لله، لكي يثبّت وعودَ الآباء".
"صار خادماً لليهود" (حرفياً: للختانة"؛ رج غل 2: 8-9، حيث نجد التعبير ذاته للدلالة على الشعب اليهودي)(23). 
كان على يسوع أن يكون يهودياً وخادماً لليهود "لكي يثبت وعود الله للآبا"ء، ويعطي بالتالي تأكيداً على "الحقيقة" الإلهية (أي على أمانة الله)(24). ولكن، كما فهم بولس هذه الوعود، كذلك يتقاسمها اليهود والأمم. في هذا يجد بولس وحدةَ الجماعة المسيحية، مهما كان أساسها العرقي(25).
ينبغي الملاحظة أن الفعل اليوناني bebaiow الذي يُتَرجم بالفعل "وطّد" أو "ثبّت"(26)، يتضمن أيضاً معنى "إعطاء الضمانة"(27)، وهذا ما يمكن تأكيده بالمقارنة مع روم 4: 16 ("حتى يُثَبَّت الوعد")، ومع 11: 29 ("لأن الله لا يتراجع عن مواهبه ودعوته")، حيث المعنى غير المباشر هو "الضمانة" أن الوعد أكيد وسيُنجَز. ترتبط المسألة هنا بكيفية ارتباط روم 15: 9 بالآية السابقة (15: 8): هل ينظر بولس إلى الوعود على أنها "مُنجَزَة"، كامتدادٍ لبركة إبراهيم التي وعَدَ اللهُ أن يهبها به للأمم (غل 3: 14 و22)، أم على أنها "مضمونة" لأجل عظمة اليهود بالرغم من قلة إيمانهم المعتادة؟(28). يحتاج الجواب على هذا السؤال إلى المزيد من البحث، ولكن ليس في بحثنا الآن. 
ج) 2 كو 1: 20: 
"فجميع وعود الله كانت فيه نعم!"
بما أن الله أمين لوعوده، فقد حققها كاملة في المسيح يسوع، وهذا ما يبيّنه بولس. وبالفعل، لقد تمم المسيح في التاريخ مختلفَ الأشكال التي بها كان الله قد وعد بالخلاص. إنه زرع إبراهيم (غل 3: 16)، المسيح الداودي (روم 1: 4)، آدم الأخير (1 كو 15: 45)، الحياة، والحكمة، والبر، والتقديس (1 كو 1: 30).
كل مواعيد الله، تلك التي نقرأها في التوراة، بل الميثاق القديم الذي يعبّر عن هذه المواعيد، كل هذا وجد "نَعَمَهُ" في شخص ابن الله؛ وعلى نَعَمِ الله الفريد والنهائي والعلني، يجيب المؤمنون: نَعَم!(29). إن "آمين" الجماعة الليتورجية (1 كو 14: 16)(30) يواصل قبول الابن الذي يعلن أمانة الآب(31). لم يكن الإعلان "نعم ولا"؛ فلم يكن في المسيح يوماً إلا "نعم". إذا كان المسيح هو نعم، فعلى الجماعة أن تقول: "آمين: ليكن كما تقول، يا رب". في رؤ 14: 13؛ 16: 7؛ 22: 20، يأتي "نَعَمٌ" من الله، وتطلق الجماعة صوتَ القبول والتأكيد من خلال كلمة "آمين"(32).فتدل هكذا على رجائها بأن مواعيد الله ستتحقق باستمرار.
د) أف 6: 2 : 
"أكرم أباك وأمَّك"، هي أول وصية التي يواكبها وعد" (رج تث 5: 16).
رج خر 20: 12؛ تث 5: 16؛ مت 15: 4. 

خاتمة
هكذا، ينبغي أن نقرأ تاريخ الخلاص على أنه انطلاق وبلوغٌ، على أنه تجسيد في الزمان والمكان لعطية الله التي كانت في الوعد لإبراهيم، ولا يمكن أن يكون أبداً ثمرة الشريعة الموسوية. أن نبلغ هذا الاستنتاج، وبفضل إنسان كان يتعبد للشريعة، ويقدسها، ويفتخر بها، ويقاتل ويقتل لأجلها، فهذا برهان تتحول أمامه البراهين هباءً، وحجةٌ تستسلم أمامها الحجج؛ فبولس المرتدُّ عن الشريعة الموسوية إلى الإيمان الجديد قد تأكد أن "المسيح قد افتدانا من لعنة الشريعة" (غل 3: 13)، وحررنا من عبوديتها. 
لذلك، لن يكون بمقدور أحد أن يترك قدورَ مصرَ التي تملأ فراغ البطن، ولا الجريَ السريعَ إلى دمشقَ للاعتقال والاقتياد اللذَين يسدّان فراغاً أساسه العمى والضلال، ولا عبادة الآلهة الغريبة التي تخرب العقول والأذهان، من أجل أن نلحق، كما بولس، بالمسيح يسوع، ما لم ننزع البرقع وننظر إلى كلمة الله وجهاً لوجه.
لذلك، عندما يتحوّل المؤمنون للروح القدس هيكلاً، وللمسيح يسوع مكان إقامة، وللآب ابناء وعدٍ، فإنَّ "الشريعةُ التي لا تحيي" (غل 3: 21)، والتي "تحبس تحت الخطيئة" (غل 3: 22) لن تقوى من بعد أن تمدِّد إقامتها فيهم، ولن تطول إقامتُهم خارج الفردوس، بل ستصبح العودة إلى بيت الآب حقيقةً، لأنهم يُمسون للوعد مستودعاً، وفي العهد شركاء، وللخلاص بالمسيح يسوع عاملين ومبشرين. 

مراجع
- أونجليون - الكتاب المقدس، العهد الجديد (كلية اللاهوت الحبرية، جامعة الروح القدس، الكسليك : لبنان 1992).
- ضرغام، الخوري يوسف، "في الروح يصبح العهد حقيقة داخليّة"، المجلّة الكهنوتيّة، العدد 3، حزيران (1987) 103-108.
- الفغالي الخوري بولس، رسالة القديس بولس الأولى إلى أهل كورنتس (كلام الله 1؛ منشورات الرسل: لبنان 1993) 93-94.
- الفغالي الخوري بولس، رسالة القديس بولس إلى هل غلاطية (كلام الله 3؛ الرابطة الكتابية: لبنان 1996) 138-143.
- مهنا الأب أغسطين، "الاجتماع الأفخرستي" (1 كو 11: 17-34)"، بيبليا 4 (1999) 9-13.
- Bailly A., Dictionnaire grec-français (Hachette: Paris 1950).
- Bauer W., A Greek-English Lexicon of the New Testament and Other Early Christian Literature (The University of Chicago Press: Chicago 1979).
- Beauchamp P., "Vous êtes tous les invités de l'alliance (Is 55)", AssSeig, 49 (1971) 6-11.
- Brown F. at al., A Hebrew and English Lexicon of the Old Testament (Oxford University Press 1979).
- Brown R. E. et al., Jerome (The New ) Biblical Commentary (NY 1990).
- Buis P., La notion d'alliance dans l'Ancien Testament (Lectio Divina 88; Cerf: Paris 1976).
- Delling G., Worship in the NT (Phl, 1962) 71-75.
- De Surgy P., "Le ministère apostolique de la nouvelle alliance (2 Co 3)", AssSeig, 39 (1972) 36-43. 
- Dunn James D. G., Romans 1-8.9-16 (Word Biblical Commentary; vols. 38a. 38b; Word Books, Publisher: Dallas, Texas, 1988). 
- Füglister, "La nouvelle alliance (Jr 31)", AssSeig, 18 (1971) 28-35.
- Jacob E., "Alliance et engagement (Ex 24)", AssSeig, 32 (1971) 36-39.
- Jaubert A., La notion de l'alliance dans le judaïsme aux abords de l'ère chrétienne (Seuil, Paris 1963).
- Kittel G. and Friedrich G. (eds.), Theological Dictionary of the New Testament (10 vols.; Grand Rapids: Eerdmans, 1964-76).
- McCarthy P., Treaty and Covenant (Roma 1978). 
- Moulton J. H. and Milligan G., The Vocabulary of the Greek Testament (London: Hodder, 1930). 
- Passelecq G. لله Poswick F. , Table pastorale de la Bible. Index analytique et analogique (P. Lethielleux, éd. : Paris 1994).
- Penna R., "L'évangile de la paix", in Lorenzo De Lorenzi (par le soin de), Paul de Tarse apôtre de notre temps (Abbaye de S. Paul h. l. m.: Rome 1979) 179ss.
- Antonio Pitta, Disposizione e messaggio della lettera ai Galati. Analisi retorico-letteraria (Analecta biblica, 131; ed. PIB: Roma 1992).
- Sander N. Ph. لله Trenel I., Dictionnaire hébreu-français (Slatkine Reprints: Genève 1979).
- Vanhoye A., La nuova alleanza nel Nuovo Testamento (PIB : Roma 1990).

خاتمة عامّة
ذاك هو كتاب بولس ورسائله. ضمّ مداخلات المؤتمر الكتابي السابع، فتوزّع في ستة أيام، هي الأيام التي عُقد فيها، من 21 إلى 26 كانون الثاني 2001.
في اليوم الأول، كان لنا نموذج عن عمل بولس في مدينة بشّرها وكتب إليها عددًا من الرسائل. حوار أب مع أبناء ولدهم في المسيح: فيه اللطف وفيه قساوة تصل بالرسول كي يهدّدهم بالعصا. لا شكّ في أنها عصا الراعي، ولكنها تدلّ على أن بولس لم يكن سهلاً في التعامل مع الكنائس، ولا مع معاونيه، كما فعل مع برنابا ومرقس.
في اليوم الثاني، تلاقت المحاضرات: من خبرة بولس مع المسيح إلى شخصيّته وفيها ما فيها من غنى جعلت الباحث يتعرّف إلى بعضها ويفتح أمامنا أفاقًا يجب أن نغوص فيها. ودُرست نصوص من 1 كور من أجل خلقيّة مسيحيّة لم تتشابك مع نصوص ترسم أمامنا بعضًا من نظرة بولس إلى المرأة. وسبق الكلام عن الصليب دراسة بلاغيّة في رسالة بولسيّة، سوف تتوسّع فتصل إلى جميع الرسائل بدءًا من روم.
في اليوم الثالث، كانت مواضيع محدّدة في الرسائل البولسيّة: الحياة المسيحيّة، وجه يسوع، الكنيسة، الخلاص، الاسكاتولوجيا وطريقة الكلام عنها، الشريعة وتعامل بولس الرسول معها. وأخيرًا، كان كلام طريق بولس في التبشير سوف يجد ما يقابله في حديث عن الكرازة، يوم الخميس.
في اليوم الرابع، طُرح سؤال أول حول علاقة إنجيل بولس بانجيل يسوع عن منطلق دفاعيّ، بيّن اللقاء بين الاثنين. وسؤال ثان أفهمنا أن العهد القديم ما كان ليتمّ لو لم تصل البشارة إلى العالم الوثني. في انجيل لوقا، بدأت البشارة في أورشليم وانتهت في أورشليم. أما في سفر الأعمال، فانطلقت البشارة من أورشليم لكي تصل إلى أقاصي الأرض، أي إلى العالم الوثني. والسؤال الثالث عالج تطوّر الفكر البولسي منذ الرسائل الأولى حتى الثانية. أخيرًا قرئت الرسالة إلى فيلمون، والنصوص المتعلّقة بالافخارستيا، وتلك التي تتحدّث عن مجيء الرب في حياة الكنيسة.
في اليوم الخامس، دُرست ثلاثة نصوص حول القيامة والمعموديّة، وحول لاهوت المسيح وناسوته. كما دُرس ارتباط بولس بالأدب الحكميّ، وأهميّة الرسائل الثانية. والمقالتان الأخيرتان، بنية فل، والصلاة في حياة بولس.
في اليوم السادس والأخير مقالان: الأول، بولس معلّم في عصرنا على المستوى الفلسفي واللاهوتي والاجتماعي. والثانية، كلمة الختام التي انطلقت من لاهوت المسيح فوصلت إلى الحياة المسيحيّة.
أسبوع كامل في رفقة القديس بولس، في رفقة المؤمنين الذين سمعوا كلامه أو قرأوه، سواء جاءوا من العالم الوثنيّ أو من العالم اليهوديّ. أسبوع كامل قضاه الآتون من الشرق والغرب، في رفقة كلمة الله. درسوها، تأمّلوا فيها، صلّوها، وسيحاولون أن يعملوا بها. كان شعار المؤتمر: نحن سفراء المسيح. والمسيح يعظ بألسنتنا. وبعد أن امتلأنا من الكلمة، يبقى علينا أن نحملها إلى الآخرين ولا ننسى أننا سفراء، أننا نمثّل المسيح في المحيط الذي نحن فيه، أننا امتداد لقلب المسيح وفمه وقلبه.
بهذه الطريقة نستعدّ لمؤتمر ثامن يعقد في 26 كانون الثاني سنة ،2003 ويكون موضوعه سفر التكوين، مع تشديد على شخص ابراهيم الذي نتوقّف عنده في الجمعيّة العامة للرابطة الكتابيّة العالميّة، التي تنعقد في 3-12 أيلول ،2002 في سيدة الجبل، قرب جونيه، في لبنان.