الإنجيل قدرة الله، الرسالة إلى الرومانيين

تقديم

حين كنا على مقاعد الدراسة في نهاية الخمسينات، درسنا الرسالة إلى رومة. وتوقفنا طوال السنة على بضع آيات ولم نتجاوزها. وظفت هذه الرسالة في حياة العديد من الكهنة ومن المسيحيين نصاً صعباً لا يجب الإقتراب منه. وتوقّف البعض في دراساتهم الشخصيّة عند المواضيع الكبرى مثل برّ الله، نظام الشريعة، نظام الروح، نظرات إلى التاريخ المقدّس. ولكن هذه المواضيع ظلّت مجرّدة، ولم تصل إلى حياتنا وتأمّلنا اليومي. فالإنجيل يكفينا، وهو يتحلّى ببساطة تجعل كلام الله يصل حتى إلى الأطفال.
ومرّت الأيام. وها نحن نعود إلى الرسالة إلى رومة. لم نقدّم شرحاً لنصوصها كما فعلنا بالنسبة إلى الرسائل إلى كورنتوس وغلاطية، بل حاولنا أن نلقي بعض الأضواء على بنيتها وعلى مواضيعها اللاهوتية إن على مستوى الخلاص وإن على مستوى التعليم الأخلاقي. لم نترك موضوعاً لم نعالجه، كما حاولنا أن نشدّد على الآيات الأساسية نفسّرها ونقدّم المعاني في إطار من الدراسة تحاول أن تجد خطها وسط الآراء المتعدّدة.
لم يفسّر كتاب من كتب العهد الجديد كما فسّرت روم. وكان تفسير البعض من أجل الحرب والهجوم أو من أجل الدفاع. وتفسير البعض الآخر من أجل تغذية إيمان المؤمنين. هذا هو الخطّ الذي أخذناه تاركين جانباً كل ما هو علمي وعويص، محافظين على الوجهة الرعائية. ولكن لا ننسى أنّ الوجهة الرعائية تستند إلى تفسير دقيق للنصوص وشرح معلّل للألفاظ الأساسية. هذا ما حاولنا أن نقوم به دون أن نضع على القارىء حملاً لا يستطيع أن يحرّكه إلاّ بجهد ومشقة.
هذا الكتاب سمّيناه "الإنجيل قدرة الله". أخذنا العنوان من 1: 16: "أنا لا أستحي بالإنجيل، لأنه قدرة الله". وحاولنا أن نقدّم بعض الدراسات عن "الرسالة إلى رومة". نحن لا نعتبر أننا وفينا هذه الرسالة حقّها من الدرس، بل جعلنا معالم تساعد القارىء على الولوج إلى فكر بولس الرسول في أعمق ما ترك لنا من كتابة. وكل أملنا أن لا نكون جعلنا حاجزاً بين كلمة الله والقارىء، بل هيّأنا الدرب مثل يوحنا المعمدان فتسكت الشروح والتفاسير وينطق كلام الله في القلوب.
الفصل الأول
مدخل عام

الرسالة إلى رومة هي أهمّ رسائل مار بولس، كان لم تكن عرضاً كاملاً لتعليمه. بل هي أهمّ نصّ في العهد الجديد بعد الأناجيل. لا شكّ في أنّ فكر الرسول قد اغتنى فيما بعد وتوسّع في رسائل الأس، إلا أنه في روم قد وصل إلى درجة من العمق جعلت الشرّاح يسمّون هذه الرسالة "وصيّة بولس". قد نتشكّى بأن لا تعود هذه الرسالة إلاّ قليلاً إلى وضع جماعة رومة. فهي لا تتطرّق إلى الصعوبات الخاصة بهذه الجماعة، بل تعالج مسائل الحياة في الديانة المسيحية، بحيث لم يتجرّأ أحد بعد بولس للتصدّي لمسائل لها هذا البعد الواسع.
ونحن سنبدأ تعرّفنا إلى روم مع نظرة عامةْ إلى مكانة الرسالة في المجموعة البولسية، إلى فنّها الأدبي، إلى لغتها وأسلوبها، إلى تاريخ تفسيرها.

1- مكانة روم
حين نفتح العهد الجديد، نجد أن روم تتصدّر الرسائل البولسية. فقد جعل الجامعون رسائل بولس في ترتيب يبدأ بأطول رسالة فيصل إلى أقصر رسالة هي الرسالة إلى فيلمون. ولكن الوضع لم يكن دوماً هكذا.
إن "أبوستوليكون" مرقيون (حوالي سنة 150) الذي تضمّن فقط عشر رسائل، جعل روم في المقام الرابع بعد غل، 1 كور، 2 كور. وفي نهاية القرن الثاني، وزّع قانون موراتوري رسائل القديس بولس في مجموعتين: تلك التي تتوجّه إلى الكنائس، وتلك التي تتوجّه إلى الأفراد (لا سيما الرسائل الرعاوية). جاءت 1 كور في المقام الأول، واحتلّت روم المكان التاسع. ويتبع موراتوري كل من ترتليانس وقبريانس فيما يخصّ 1 كور وروم. ويبدو أن 1 كور قد جُعلت في رأس اللائحة لأن أول مجموعة بولسية ترتّبت في كورنتوس. ومهما يكن من أمر، فابتداء من القرن الثالث، وربّما بسبب كرامة كنيسة رومة، جُعلت روم في رأس الرسائل البولسية. يشهد على هذا الترتيب البردية 46 (تعود إلى سنة 200 تقريباً)، والمخطوط اللاتيني كلارومونتانس (القرن 5- 6)، والقديس اثناسيوس في رسالته الرعائية التي أرسلها سنة 367.
وهكذا هو الوضع اليوم في جميع النصوص القديمة منها والحديثة، حيث تبدأ روم اللائحة البولسية، وتتبعها 1 كور، 2 كور، غل...

2- الفن الأدبي في روم
أراد بعض الشرّاح أن يحددوا الفن الأدبي للرسائل البولسية، فانطلقوا من وثائق عرفها العالم الهلنستي (أي تحضر بحضارة اليونان بعد مجيء الإسكندر الكبير إلى الشرق)، وتساءلوا هل نحن أمام صحيفة أو رسالة؟ فالصحيفة هي عمل أدبي إعتنى به كاتبه من أجل نشره. أما الرسالة فكلام "عائلي" وغير معدّ للنشر. ولكن في الواقع، حتى الرسالة إلى فيلمون قد نشرت مع روم وغيرها من الرسائل.
واعتبر شرّاح آخرون انه يجب أن ننطلق من المحيط اليهودي الديني لكي نجد نصوصاً موازية للرسائل البولسية. مثلاً، الرسائل الدينية الرسمية المتبادلة بين الجماعات اليهودية ورؤسائها. في 2 مك 1: 1- 2: 18 نجد رسالة من هذا النوع وجّهها يهود فلسطين إلى إخوتهم في مصر، وحضّوهم على ممارسة الشريعة، وأكدوا لهم أنهم يصفون من أجلهم في ضيقهم. "الإخوة اليهود في أورشليم... يسلّمون على إخوتهم اليهود في مصر...". ونقرأ في إر 29: 4- 23 رسالة إرميا إلى اليهود المنفيين في بابل. "ابنوا بيوتاً واسكنوا فيها، تزوّجوا ولدوا بنين وبنات...". ظنّ المسبيون أنهم سيعودون قريباً إلى أرضهم، وجعلهم الأنبياء الكذبة يعيشون في هذا السراب. لهذا كتب إليهم إرميا بعد السبي الأول (597 ق. م.) بسنتين أو ثلاث سنين.
هذا يعني، إنطلاقاً مما ذكرنا، أنّ بولس حين كتب إلى الجماعات المسيحية، إستلهم عوائد عرفها في الأوساط اليهودية. ولكنه وعى بشكل خاص انه بهذه الطريق يقوم بدوره كرسول. هذا ما تدلّ عليه المقدّمات الإحتفالية للرسائل. "من بولس عبد يسوع المسيح ليكون رسولاً، إلى جميع أحبّاء الله الذين برومة" (روم 1: 1، 7). "من بولس المدعوّ ليكون رسولاً للمسيح يسوع ومن سستنيس الأخ إلى كنيسة الله في كورنتوس" (1 كور 1: 1). وهذه الرسائل يجب أن تُقرأ فتسمعها الجماعة كلها. قال بولس في 1 تس 5: 27: "أناشدكم بالربّ أن تُتلى هذه الرسالة على جميع الإخوة". هكذا يكون المسؤولون وسائر "القديسين" في جوّ كلمة الله كما كتبها الرسول. وتُقرأ الرسائل أيضاً في غير الجماعة التي أرسلت إليها. كتب بولس في كو 4: 16: "وبعد أن تُتلى هذه الرسالة عندكم، إعتنوا بأن تُتلى أيضاً في كنيسة لاودكية، وأن تتلوا أنتم أيضاً التي من لاودكية". هذا يدل على تبادل الرسائل بين الجماعات. وهكذا بدأت مجموعات الرسائل تتكوّن هنا وهناك. وقد نستطيع أن نشرح ما حدث لنصّ روم خلال انتقاله بين الكنائس.
تفوّقت روم على سائر رسائل بولس، فبدت مقالاً تعليمياً. ومع ذلك فهي رسالة حقيقية في المعنى الذي أشرنا إليه، أي كتاب يلعب فيه العنصر الشخصي والظرفي دوراً لا يُستهان به، ويتوجّه إلى مجموعة أناس محدّدين. غابت لفظة "برومة" من 1: 7، 15 في بعض المخطوطات (واحد يوناني، كودك اللاتينية الشعبية، أوريجانس)، ولكن هذا الغياب لا يؤثّر على أصالتها وصحة نسبتها. وقد نسب هذا الإلغاء (أُلغيت لفظة برومة) إلى مرقيون الذي أراد أن يشدّد على أن الرسالة لم تتوجّه إلى أهل رومة وحدهم، بل "إلى جميع القديسين". وبما أن روم هي وحدها بين الرسائل البولسية تمثّل هذه الشمولية، فهي قريبة جداً من الرسالة التعليمية أو ما سميناه "صحيفة". إذا كانت معرفة جماعة رومة تساعدنا بعض الشيء لكي نفهم هذه الرسالة، إلاّ أن بولس يتحدّث منطلقاً من وضعه الخاص لا من وجهة قرّائه "أحبّاء الله في رومة".

3- لغة روم وأسلوبها
حين نقرأ الأناجيل التي وصلتنا في اليونانية، نرى أنها تختلف اختلافاً كبيراً عن لغة بولس، بسبب الخلفية السامية التي فيها. لسنا هنا أمام نصّ أرامي نُقل إلى اليونانية، بل أمام لغة يونانية حقيقية بعيدة عن كل تصنّع وتكلّف، بعيدة عن كل سوقيّة في الكلام.
لا شك في أنّ هناك بعض التعابير السامية. مثلاً، يوضع الإسم موضع الصفة. يقول: جبل قدسه، بدل جبله المقدّس. وهناك الموازاة على اختلاف أنواعها، وهذا ما نكتشفه حيث نقرأ النصّ اليوناني. ونجد خاصيّة أسلوبيّة ترتبط بعض الإرتباط بالتوازي تسمّى: توسّع متقارب (مجمّع). هناك فكرة، ثم فكرتان، وثلاث فكرات أو أكثر تعود مرتين في الترتيب عينه. ففي ف 6، تتقابل آ 5، 6، 7 مع آ 8، 9، 10. "لأننا إذا كنا قد صرنا متّحدين معه بشبه موته، نصير أيضاً بشبه قيامته، عالمين أن انساننا العتيق قد صُلب معه لكي يتلاشى جسد الخطيئة، بحيث لا نُستعبد بعد للخطيئة، لأن الذي مات قد تحرّر من الخطيئة". هذا في آ 5- 7. ونقرأ ما يقابله في 6: 8- 10: "فإن كنا قد متنا مع المسيح، نؤمن أيضاً أننا سنحيا أيضاً معه، عالمين أن المسيح، بعدما أُقيم من بين الأموات، لا يموت أيضاً. فالموت لا يسود عليه من بعد. فإنه بموته قد مات للخطيئة إلى الأبد، وبحياته يحيا لله". ونجد التقابل عينه في ف 7 بين آ 14- 15 أ وآ 15 ب، 16، 17 وبين آ 18 أ و18 ب، 19- 20. نحن هنا أمام لغة شفهية فيها التكرار لا أمام لغة أدبية. فبولس يملي رسائله إملاء.
بولس هو كاتمة كبير. ولكن بلاغته تنبع كلها من حبّه الحار للمسيح ومن غيرته الرسولية. وهذه العواطف جعلته يجد من وقت إلى آخر لهجة ونبرة صوت لا تُقلّد.
قد يقسو بعض الشرّاح على أسلوب بولس وما فيه من استرخاء وتباعد. ولكنهم لا يقدرون إلاّ أن يُثنوا على جمال بعض المقاطع التي أعادت إلى اللغة اليونانية قوة داخلية وحماساً خسرتهما منذ زمان بعيد. مثلاً، 8: 31- 39: "وماذا نزيد على ذلك؟ إذا كان الله لنا فمن علينا؟ هو الذي لم يشفق على ابنه الخاصّ، بل أسلمه عنا جميعاً، كيف لا يهبنا أيضاً معه كل شيء..." (رج 1 كور 13 ونشيد المحبة).
هل تأثَّر بولس بجوّ الجدال الذي عرفه الرواقيون والكلبيون في العالم اليوناني، هذا الجوّ الذي هو بين المقالة والحوار؟ لا شكّ بذلك. وهذا التأثّر قد ساعد الرسول على توضيح الغنى الروحي في المسيحية. وهكذا نرى كيف يتوسّع بولس في تفكيره المتدرّج بواسطة أسئلة تضع الحياة في عَرضه لفكره. مثلاً، في 3: 5: "ولكن، إن كان اثمنا يثبّت برّ الله، فماذا نقول؟ أفلا يكون الله ظالماً إذا ما أطلق السبيل لغضبه؟ إنما أتكلم بحسب البشر (بحسب منطق البشر)". وفي 4: 1: "ماذا نقول إذن؟ ما الذي ناله إبراهيم أبونا حسب الجسد"؟ وفي 7: 7: "فماذا نقول؟ أو يكون الناموس خطيئة" (رج 8: 31؛ 9: 14- 30)؟ كما يلجأ إلى الكلام اللاذع. حدّث اليهود قائلاً: "فلذلك لا معذرة لك أيها الإنسان الذي يدين، أيا كنت، لأنك فيما تدين غيرك تحكم على نفسك، بما أنك أنت الذي يدين، تفعل ذلك بعينه" (2: 1؛ رج آ 3، 17 ي؛ 9: 19- 20؛ 11: 19). في هذه الحالة يستعمل بولس الخدعة الأدبية فيجعل شخصاً من الأشخاص يتدخلّ، ليردّ عليه الرسول: "ولقد تقول: إنّ بعض الفروع قد نُزعت لأطعّم أنا! حسن! ولكنها لعدم الإيمان قد نُزعت، وأنت بالإيمان قد ثبتَّ. فلا تستكبر إذن، بل خف" (11: 19- 20).

4- تاريخ تفسير روم
كان للرسالة إلى رومة كما لسائر الرسائل البولسية، تأثير محدود على القرنين الأولين في المسيحية التي سيطر عليها تعليم يسوع، لا سيّما كما برز في إنجيل متى، الذي اعتبر منذ البداية إنجيل الكنيسة. قد يرد إسم بولس في الوثائق القديمة، ولكن مع التشديد على حياة أخلاقية تتوافق مع الديانة الجديدة التي ننتمي إليها. ولكن جاء الشرّاح الكبار أمثال أوريجانس الذي فسّر روم في عشر كتب (أي 455 صفحة في ترجمة روفينوس اللاتينية)، ويوحنا فم الذهب الذي ألقى 32 عظة عن روم (أي 301 من الصفحات) وأوغسطينس، فصار اللاهوت البولي بعدهم تقليدياً في الكنيسة.
عرفت الكنائس اليونانية واللاتينية والسريانية روم وفسّرتها من افرام إلى يوحنا الدمشقي في الشرق، وحتى بريماسيوس في الغرب. أما أوغسطينس فلم يفسّر إلا بعض المقاطع (ما يوازي 40 صفحة). ولكنه اكتنز التعليم البولسي اكتنازاً تاماً. وخبرة ارتداده الخاصّ جعلته يتعلّق بحماس بفكرة بولس حول مجانية الخلاص المطلقة. وهكذا أثّر، شأنه شأن بيلاجيوس والإمبروسياستر، على التفسير في القرون الوسطى في أوروبا. عرف الغرب توما الاكويني والعالم السرياني إيشوعداد المروزي وديونيسيوس الصليبي...
في زمن الإصلاح الأوروبي لعبت روم دوراً رئيسياً. ففي سنة 1515- 1516، وقبل قضيّة الغفرانات، وساعة كان لوثر بعد كاثوليكياً، كتب تفسيراً شكّل حدثاً هاماً في تاريخ الإصلاح. ففي روم إكتشف لوثر أساس تعليمه عن التبرير بالإيمان وحده. وسنة 1516- 1517، فسّر لوثر أيضاً الرسالة إلى غلاطية. تأثّر لوثر بهاتين الرسالتين فاكتشف العمق الروحي مركّزاً تفكيره على الوجود المسيحي. إستعاد التعليم عن التبرير وحجّره في حرب برزت في تفسير ثان للرسالة إلى غلاطية حول "الإيمان العامل بالمحبة" (غل 5: 6). وهكذا عارض معارضة تامة نظرية التبرير بالأعمال التي "تلغي نعمة يسوع المسيح" كما كان يقول. واهتمّ كالفين أيضاً بالرسالة إلى رومة بعد أن فسّرها فاكتشف فيها التعليم عن اختيار الله المسبق (قضى بأن يخلص فلان، ويهلك آخر) حين قرأ 9: 17- 18: "فإن الكتاب يقول لفرعون: إني لهذا أقمتك لكي أرى فيك قدرتي، ولكي يُشاد باسمي في جميع الأرض. فهو إذن يرحم من يشاء ويقسيّ من يشاء". نشير إلى أن بولس لا يشدّد هنا على خطأ فرعون الشخصي ولا على الحكم الأبدي من قِبَل الله له. بل يؤكّد على أن موقفه المضطهد للشعب هو جزء من مخطّط الله السامي. لقد احتوى الله هذا الواقع الذي يُسأل عنه فرعون (الذي قسّى قلبه، كما قال خر 8: 28) وعناده، من أجل تحقيق وعده.
إكتشفت الكنيسة في روم قيماً مسيحية أساسية مثل مجانية الخلاص المطلقة التي كادت تنسى في زمن الفلسفية الإسمية (المفاهيم هي مجرّد أسماء). واستخلص لوثر تعليم "التبرير بالإيمان وحده" من 3: 28: "نعتقد أن الإنسان يبرّر بالإيمان بدون أعمال الناموس". يرى بولس أن الطريق الوحيد إلى رحمة الله هو الإيمان. هذا ما لا شكّ فيه. ولكن لا بدّ من تجاوب الإنسان مع نداء الله. ثم إن أعمال الناموس تشير بشكل خاص إلى ما في الناموس الموسوي حيث لا يفيد الختان ولا الغرلة ولا سائر ممارسات الشعب اليهودي، بل الإيمان العامل بالمحبة.

خاتمة
إن التأمل في روم سيبقى للمسيحيين ينبوع نار وحقّ. كم من لاهوتي انطلق منها ليصل بالتعليم المسيحي إلى نقائه الأصلي. وحين يقرأ الكاثوليك والبروتستانت والأرثوذكس هذه الرسالة بروح الكنيسة، سيعون بشكل هي ما الذي يوحّدهم. فحين أرادوا أن يقدّموا الترجمة الفرنسية للكتاب المقدّس في إطار مسكوني، قرّروا أن يبدأوا عملهم مع روم فيصبح النصّ الذي قسم الكنيسة إلى كاثوليك وبروتستانت هو النصّ الذي يجعل الجميع يلتفّون حول كلمة الله الواحدة في كنيسة المسح الواحدة.
الفصل الثاني
أصالة روم وصحة نسبتها إلي بولس

عرف الشرق روم وقرأها وتأمّل فيها دون أن يطرح سؤالاً نقدياً حولها. أمّا في الغرب فكان بعض التساؤل حول أصالتها وصحة نسبتها إلى بولس. ولكن الجميع أقرّوا بها اليوم وقد استعملها الآباء الرسوليون منذ اكلمنضوس الروماني في رسالته إلى الكورنثيين (32: 2؛ رج روم 9: 5- 8: منهم المسيح بحسب الجسد الذي هو فوق كل شيء؛ 35: 5؛ رج روم 1: 29- 32)، وأغناطيوس الأنطاكي في رسالته إلى الأفسسيين (9: 3؛ رج روم 6: 4: دفنا معه بالمعمودية للموت) والمغنيزيين (6: 2؛ رج روم 6: 17: كنتم عبيدا للخطيئة) والتراليين (9: 2؛ رج روم 8: 11: الذي أقام يسوع من بين الأموات يحيي أجسادكم المائتة)، والسميرنيين (1: 1؛ رج روم 1: 8- 14)، وبوكيلربوس في رسالته إلى الفيليبيين (3: 3؛ 6: 2؛ رج روم 13: 8- 10؛ 14: 10، 12).

1- أصالة روم
يتفق الشرّاح على القول بأن روم قد أرسلها بولس خلال رحلته الرسولية الثالثة، وزمن إقامته في الشتاء في كورنتوس، وقبل أن يحمل إلى أورشليم نتاج ما جمعه من مساعدة للكنيسة الأم (1 كور 16: 1- 4: يحملون إحسانكم إلى أورشليم... وإن كان من الموافق أذهب أنا نفسي ويذهبون معي). إستعدّ بولس لرسالة جديدة في الغرب، وطلب من الجماعة المسيحية في رومة أن تساعده على تحقيق هذا المشروع الرسولي الذي يقوده إلى أسبانيا (1: 11- 14؛ 15: 22- 24: إذا ما إنطلقت إلى إسبانيا، فاني أرجو أن أشاهدكم عند مروري وأن تشيّعوني إلى هناك).
أن تكون روم قد كتبت من كورنتوس، فهذا ما يثبته ذكرُ فيبة شماسة (خادمة) كنيسة كنخرية التي هي مرفأ كورنتوس الشرقي (16: 1). وواقع يدلّ على أن بولس هو ضيف غايوس (16: 23) الذي تتحدّث عنه 1 كور 1: 14. لن نتوقّف هنا عند نظرة غريبة عجيبة تجعل روم قبل 1 كور، وقد كتبها بولس من أفسس في خريف سنة 54!
متى كُتبت روم؟ هنا تختلف الآراء باختلاف الكرونولوجيا (التسلسل الزمني) التي يأخذ بها الشرّاح ليتحدّثوا عن مجمل الرسالة البولسية. يرى أحدهم أن روم كتبت في شتاء 57- 58. ويبدو أن هذا هو الأصحّ. فمنهم من قال 58 أو 59، وآخرون: 55 أو 56. قد نستطيع أن نجد نقطة استدلال في السنتين اللتين قضاهما بولس كسجين في قيصرية بعد سجنه في أورشليم على أثر ضغط اليهود على السلطة الرومانية. قد حصل هذا السجن حين كان فيلكس وفستوس واليين، وتبل أن يستدعى فيلكس إلى رومة (أع 24: 26). هذا يفرض علينا القول بأن روم تسبق بسنتين هذا الإستدعاء الذي كان في عهد نيرون الذي تدشّن سنة 54. من المؤسف أننا لا نجد وثيقة تقول لنا بالتحديد متى أُستدعي فيلكس إلى رومة.
ونقرأ 16: 22: "وأنا ترسيوس، كاتب هذه الرسالة، أسلّم عليكم في الرب". هذا لا يذكّرنا فقط بأن بولس كان يُملي رسائله. بل يفرض علينا أن نتساءل في أي معنى كتب ترسيوس (سكرتير بولس) روم. هناك فرضيات ثلاث. الأول: أملى بولس رسالته حرفاً حرفاً. الثانية: أملى على ترسيوس جوهر الرسالة وتركه يتوسّع فيها. الثالثة: لعب ترسيوس دوراً هاماً، فألّف بنفسه الرسالة متقيّداً بتعلميات بولس. نحن نأخذ بالفرضية الأول، لأننا أمام نصّ يرتبط إرتباطاً حميماً بتعليم خاصّ ببوله. ولكن مع العلم بأن الإملاء لم يتمّ في يوم واحد، بل على مراحل، وهذا ما يفسّر وجود التكرار أو التبديل المفاجىء على مستوى الموضوع.

2- مقابلة بين روم و1 بط
إن مضمون روم يدعونا إلى أن نقابلها مع سفرين آخرين في العهد الجديد: رسالة يعقوب ورسالة بطرس الأولى. إن العلاقة بين روم ويع مسألة معروفة. وسنعود إليها. ولكن نبدأ بالمقابلة بين روم و1 بط.
توجّهت روم إلى جماعة غريبة كلياً عن رسول الأمم، ومرتبطة برسالة بطرس لدى المسيحيين الآتين من العالم اليهودي. يبدو أن 1 بط ارتبطت بالرسالة إلى رومة. فما هي التشابهات بين الرسالتين؟
هناك تشابه ظاهر بين فرائض الطاعة للسلطات المدنية في روم 13: 1- 7 وفي 1 بط 2: 13- 14 حيث نقرأ: "إخضعوا إكراماً للرب، لكل سلطة بشرية: للملك فهو الحاكم الأعلى، وللحكام فهم مفوضّون منه لمعاقبة الأشرار ومكافأة الصالحين". هذا الخضوع يجد ذروته في خضوع المسيح المتألم (رج 1 بط 2: 21- 24). وتقول روم: "ليخضع كل واحد للسلطات المنصّبة، فإنه لا سلطان إلا من الله. والسلطات الكائنة إنما رتّبها الله. فمن يقاوم السلطات يعاند ترتيب الله...". يتحدّث النصّ عن الأشخاص الذين يملكون السلطة كما عن المؤسّسات.
وهناك تشابه لا شكّ فيه بين ما تقوله روم 6: 1- 11 عن نتائج سّر المعمودية وما نقرأه في 1 بط 4: 1- 3 من كلام لا ينفصل عن ذكر المعمودية في 1 بط 3: 21: إن المعمَّد "الذي تألّم في الجسد" وشارك المسيح في آلامه قد قطع كل علاقة بالخطيئة وأخذ يعيش لا بحسب الرغبات البشرية بل حسب مشيئة الله. ونستطيع أيضاً أن نقابل بين 1 بط 1: 14 (لا تتبعوا شهواتكم الماضية) وروم 12: 2 (لا تتشبّهوا بهذا العالم). وهناك العودة إلى أش 28: 6 في 1 بط 2: 6: ها أنا أضع في صهيون حجر زاوية كريماً. فمن آمن به لا يخيب) وروم 9: 33؛ 10: 11. نقرأ في 1 بط 3: 9: "لا تردّوا على الشّر بالشّر والشتيمة بالشتيمة". وفي روم 12: 17: "لا تكافئوا أحداً على شّر بشرّ". قالت 1 بط 4: 7: "أقتربت نهاية كل شيء". وروم 13: 12: "لقد تناهى الليل وأقترب النهار".
ماذا نقول في هذا الشأن؟ إن ما أوردناه لا يتيح لنا أن نستنتج أن صاحب 1 بط قد أخذ من روم، لأنه لا يستعيد أياً من المواضيع البولسية الخاصة كالتعارض بين الإيمان والأعمال، والتبرير بالإيمان، والروحانية المركّزة على المسيح، وتسمية الكنيسة جسد المسيح. لهذا فبالأحرى نقول إن 1 بط وروم تعودان بشكل مستقلّ إلى التقليد المسيحي الواحد الذي عرفته الكنيسة الأولى.
وقد نقول إن بطرس هو ينبوع مميّز للتقليد المسيحي الأولاني الذي إستقى منه بولس. فكل مرّة عاد رسول الأمم إلى أش 53 (نشيد عبد الله المتألم) ليحدّثنا عن سّر الفداء، فهو يعود إليه بشكل غير مباشر وينطلق من الكرازة الأولى. مثلاً في 3: 25: "سبق الله فأقامه أداة تكفير بالإيمان بدمه لإظهار برّه". وفي 4: 25: "أسلم لأجل زلاّتنا وأقيم لأجل تبريرنا" (رج أش 53: 6، 12 حسب اليونانية). وفي 5: 19: "كما جُعل الكثيرون خطأة بمعصية إنسان واحد، كذلك بطاعة واحد يجُعل الكثيرون أبراراً" (رج 8: 32). أمّا في 1 بط فاستغلال أش 53 هو عمل مباشر لاسيّما في 2: 21- 25 بشكل لم يعرفه كل العهد الجديد. "فالمسيح تألّم من أجلكم وجعل لكم من نفسه قدوة لتسيروا على خطاه. ما اقترف خطيئة ولا عرف فمه المكر... حمل خطايانا في جسده على الخشبة... وهو الذي بجراحه شفيتم. كنتم خرافاً ضالّين فاهتديتم الآن إلى راعي نفوسكم وحارسها". رج أش 53: 5، 6، 12، الذي يدلّ على عبد الله المتألّم الذي رأت فيه الكنيسة الأولى إعلاناً وصورة عن يسوع الذي مات لكي يخلّص البشر.

3- مقابلة بين روم ويع
إن العلاقة بين روم ويع هي مسألة متشعّبة كما لم يرف العهد الجديد مثلها. لقد اكتشف الشرّاح بين هذين السفرين بعض التشابهات: التعارض نفسه بين "السامع" و"العامل". نقرأ في يع 1: 22، 23، 25: "ولكن لا تكتفوا بسماع كلام الله من دون العمل به فتخدعوا أنفسكم... وأمّا الذي ينظر في الشريعة الكاملة، شريعة الحرّية، ويداوم عليها، لا سامعاً ناسياً، بل عاملاً بها، فهنيئاً له في ما يعمل... فالديانة الطاهرة النقيّة عند الله أبينا هي أن يعتني الإنسان بالأيتام والأرامل...". ونقرأ في روم 2: 13: "ليس السامعون للناموس هم أبراراً عند الله، إنمّا العالمون بالناموس يبرّرون".
ونجد العبارة عينها ولا نجدها في أي مكان آخر من العهد الجديد: "تعدّى على الناموس". نقرأ في يع 2: 9، 11: "وأما إذا حابيتم أحداً فترتكبون خطيئة وتحكم الشريعة عليكم كمن تعدّى عليها... لأن الذي قال: لا تزن، قال أيضاً: لا تقتل. فإن قتلت وما زنيت تعدّيت على الشريعة". وفي روم 2: 25، 27: "لا جرم في أن الختان ينفع بشرط أن تعمل الناموس. ولكن أن كنت تتعدّى الناموس (أو: الشريعة) فختانك ليس إلا قلفاً (أي: عدم ختان)". إن الوثني الذي يعيش بحسب الناموس يدينك "أنت الذي يتعدّى الناموس". في هذا المجال نقرأ غل 2: 18: "إن عدت أبني ما قد هدمت، جعلت نفسي متعدياً".
ونكتشف الصورة عينها عن الأعضاء التي هي أسلحة للبرّ والقداسة أو للائم والنجاسة. قال القديس يعقوب (4: 1): "من أين القتال والخصام بينكم؟ أما هي من أهوائكم المتصارعة في أجسادكم"؟ وقال بولس في روم 6: 13، 19: "لا تجعلوا أعضاءكم أسلحة إثم للخطيئة، بل أجعلوا أنفسكم لله، كأحياء عادوا من الموت، وأعضاءكم أسلحة برّ لله" (رج 7: 23: أهواء الخطيئة تعمل في أعضائنا).
ويتوسّع بولس، شأنه شأن يعقوب، في الفائدة من المحنة: "نفتخر حتى في الشدائد، لعلمنا أن الشدّة تنشىء الصبر، والصبر ينشىء الفضيلة المختبرة، والفضيلة المختبرة تنشىء الرجاء" (روم 5: 3- 4). نحن هنا أمام ما يصيب الشعب ولاسيّما الناس الأتقياء. هنا تُعرت صفات المؤمن، وهي تُبرز لا قوته، بل ضعفه. فنعمة الله تعمل في ضعفنا. ويقول يع 1: 2- 3: "إفرحوا كل الفرح، يا إخوتي، حينما تقعون في مختلف المحن فأنتم تعرفون أن امتحان إيمانكم فيها يلد الصبر".
ويلجأ يعقوب وبولس إلى مثال إبراهيم، ولكن كل واحد في خطّه: إستعمل يعقوب هذا المثال ليدلّ على ضرورة الأعمال. "برّره الله بالأعمال حين قدّم ابنه اسحق على المذبح. فأنت ترى أن إيمانه رافق أعماله، فصار إيمانه كاملاً بالأعمال" (يع 2: 21- 22). واستغلّ بولس المثال عينه ليثبت طرحه حول التبرير بالإيمان من دون الأعمال. "لو كان ابراهيم قد برّر بالأعمال لكان له فخر، ولكن لا عند الله" (روم 4: 2).
ولكن كان التعارض قاسياً بين ما قاله يعقوب وما قاله بولس. قال الأول: "ترون إذاً، أن الإنسان يتبرّر بالأعمال لا بالإيمان وحده" (يع 2: 24). والثاني: "نعتقد أن الإنسان يبرّر بالإيمان بدون أعمال الناموس" (روم 3: 28). أكّد لوثر (وتبعه آخرون) أن يعقوب عرف روم وأراد معارضتها. ولكن عدداً كبيراً من الشرّاح يكتفي بالقول إن يعقوب يقدّم برهاناً ضدّ تفسير خاطىء للتعليم البولسي. كما قال آخرون: إن يعقوب كتب بعد بولس بزمن طويل فما اهتمّ بما يقوله رسول الأمم، بل اكتفى بالردّ على انحلال خلقي نتيجة الغنوصية الناشئة. ودافعت فئة أخرى عن الرأي المعاكس: كتب بولس بعد يعقوب، فأراد أن يصحّح تعليمه حول الأعمال: إختلفت الآراء لأن البعض يعتبر يع رسالة قديمة بالنسبة إلى الرسائل البولسية، والبعض الآخر يعتبرها آخر ما ظهر من أسفار العهد الجديد.
إتفق بولس ويعقوب على أن السماع ليس بشيء من دون العمل، فما اختلفا حول مسألة الإيمان والأعمال لأنهما يعالجان مسألتين مختلفتين. قيل أن بولس يتحدّث عن عدم جدوى أعمال عفى عنها الزمن، أعمال الشريعة الموسوية كالختان وسائر الممارسات الطقسية. ربما. ولكن الرسول لا يميّز بين شريعة وشريعة. ولكنه يستبعد من أجل التبرير الأول كل استحقاق، كل عمل بشري. أما يعقوب فلا يقف عند هذا المستوى، بل يكتفي بأن يندّد بالإيمان "النظري" وبأن يشدّد على ضرورة الأعمال الصالحة، وهي ضرورة يعلنها بولس مثله. ذاك الحلّ كان حلّ القديس اغوسطينس الذي قال في "المسائل المختلفة": "لا يتعارض قولا الرسولين بولس ويعقوب، حين يقول الواحد إن الإنسان يبرَّر بالإيمان دون الأعمال، ويقول الآخر بعدم جدوى الإيمان بدون الأعمال. فذاك (أي يعقوب) يتحدّث عن الأعمال التي تسبق الإيمان. وهذا (أي بولس) عن تلك التي تتبع الإيمان، كما بيّن ذلك بولس نفسه في مواضيع عديدة".
ماذا اعتبرنا أن رسالة يعقوب كُتبت قبل الرسائل البولسية، وهي تعود إلى سنة 46- 47، هكذا لن نجد أي تعارض مع المجمع (المجمع في 2: 2 يدلّ على الجماعة المسيحية)، كما لا نجد أثراً للجدالات حول الشروط المفروضة على الوثنيين من أجل دخولهم في الكنيسة. تشّربت يع من العالم اليهودي، فلا نكاد نجد فيها فكرة مسيحية خاصة. وقد سبقت مجمع أورشليم، والأزمة التي حاول أن يحلّها. تذكر اسم يسوع المسيح مرتين (1: 1؛ 2: 1) وتدعو اسم الرب على المؤمنين والمرضى (2: 7؛ 5: 10؛ 14؛ رج أع 2: 21، 38). وتتحدّث عن مجيء الربّ (5: 8). هي تعود إلى العهد القديم أكثر من أي سفر من أسفار العهد الجديد، وهذا ما يجعلها "وعظة يهودية" كيّفها كاتب مسيحي مع إيمانه. ومن جهة ثانية، هي صدى لتعليم يسوع لاسيّما في خطبة الجبل، دون أن نكتشف أي اتصال أدبي بينها وبين وثيقة مكتوبة.
إذا كان الأمر هكذا، فيع ليست نقداً للتعليم البولسي وقد جاءت قبله. وإن كان الأمر غير ذلك، فلا أساس لهذا الإنتقاد لأن رسول الأمم، شأنه شأن يعقوب، يتحدّث عن إيمان يحمل ثمراً. فما قاله يعقوب عن إيمان ينشىء الأعمال الصالحة يجد ما يقابله في العهد القديم، في الأناجيل (مت 3: 8- 10؛ 7: 16- 27؛ 12: 33- 35؛ 21: 28- 31؛ 25: 31- 46)، في العالم اليهودي المتأخّر (الإيمان يرافق الأعمال، 4 عز 7: 34- 35...).

خاتمة
إن روم وُلدت في قلب الرسالة البولسية. وُلدت في كورنتوس فقدّمت لنا تعليم بولس هناك. وإستلهمت الينابيع المسيحية فجاءت قريبة من 1 بط ومن يع. كان يعقوب قد قال في 2: 10: "من ابتعد عن نقطة واحدة في الشريعة تعدّى الشريعة كلها". مثل هذه العبارة قد تكون انطلاقاً لبولس ليفتح طريقاً تعليمياً جديداً. وهكذا يدلّ على أنه مرسل كبير ولاهوتي من الدرجة الأولى. هذا ما سوف نكتشفه في الفصول اللاحقة.
الفصل الثالث
روم رسالة واحدة

اتفق الشرّاح على صحة نسبة روم إلى بولس، ولكنهم لم يتّفقوا على وحدتها، بل اعتبر بعضهم أنها تألّفت من أجزاء جمُعت فيما بعد، وربّما تشوّهت. أشرنا في ما سبق إلى شهادات المخطوطات العديدة التي تحافظ على لفظة "برومة" في 1: 7، 15. كما أن لا شيء يسمح بأن نجعل 7: 25 ب (أنا بالعقل عبد لناموس الله، وبالجسد، باللحم والدم، بالضعف البشري، عبد لناموس الخطيئة) حاشية زيدت فيما بعد. كما أن التقليد المخطوطي لا يتيح لنا أن نضعها بعد آ 23 ("أرى في أعضائي ناموساً آخر يحارب ناموس عقلي، ويأسرني لناموس الخطيئة الذي في أعضائي").

1- وضع روم
أ- محاولات تفتيت
هناك شرّاح قطّعوا روم بشكل لا يقنع أبداً. تحدّث البعض عن رسالتين مدموجتين. كانت هناك رسالة موجّهة إلى الأمم، فزيدت عليها توسّعات كثيرة حول المسائل اليهودية. مثلاً، خلاص اليهود (2: 1- 5، 17؛ 3: 1- 20؛ 3: 27- 4: 25؛ 10: 1- 11: 36). ثمّ، مسألة الضعفاء (يأكلون البقول فقط) والأقوياء (14: 1- 15: 3). وأخيراً الحاشية التي في ذيل الرسالة (15: 4- 13). وتحدث آخرون عن 14: 1- 15: 13+ 16: 3- 20، على أنه مجموعة مميّزة داخل الرسالة (فكأنها رسالة داخل الرسالة). وراح بعض آخر يعتبر روم تجميعاً قام به ناشر أقدم مجموعة للرسائل البولسية. وهكذا نكتشف رسالة أولى (1: 1- 4: 25؛ 5: 12؛ 11: 36؛ 15: 13). ورسالة ثانية (12: 1- 21؛ 13: 8- 10؛ 14: 1- 15: 4 أ 7، 5، 6). ثم فتائت من مراسلات بولس مع أهل تسالونيكي (5: 1، 2- 11 و13: 11- 14). وزيادات آخرى (13: 1- 7؛ 16: 25- 27). وأخيراً حواشيَ مختلفة.
لا حاجة إلى الردّ على مثل هذه النظريات التي تنسى طبع بولس، وطريقة الإملاء. وقد يكون ترسيوس توسّع في هذا المقطع أو ذاك بناء على طلب بولس. ثم إن هؤلاء الشرّاح يقفون عند الوجهة الأدبية وينسون الناحية اللاهوتية التي توّحد روم. فهناك فكرة عقائدية واحدة ترد في أربعة أشكال متنوّعة. عرف بولس أن جميع الناس خطأة وأنهم يحتاجون كلهم إلى الخلاص بيسوع المسيح (1: 18- 5: 11). وكان مؤمناً فانطلق ممّا صرنا إليه في العماد. بيسوع آدم الجديد والإنسان السماوي صرنا خليقة جديدة (5: 12- 7: 6). وكان بولس عالم نفسه فبيّن أن الإنسان مقسوم بين الخير الذي يريده ولا يصنعه، والشّر الذي لا يريده ومع ذلك يصنعه (7: 7- 8: 39). وكان مؤرخاً، فأعاد قراءة تاريخ شعبه الذي رفض المسيح (ف 9- 11). وفي القسم الأخلاقي (ف 12- 15) يستخلص بولس نتائج هذا الإيمان في الحياة اليومية. ولهذا سوف نتوقّف عند توسع 13: 1- 7 والمجدلة الأخيرة في 16: 25- 27. هذان النصّان يطرحان مسائل نقدية جدّية.

ب- روم 13: 1- 7
قيل مراراً ان التعليمات حول الخضوع للسلطات المدنية في 13: 1- 7 تتكيّف بشكل سيّىء مع سياق الكلام. وراح البعض يعارض صحة نسبة هذه المقطوعة إلى بولس، فيقول إنها جاءت من الخارج ودسّت هنا. أعلن: إن 13: 1- 7 يتعارض مع الأفكار البولسية، ويفترض عالماً يمتدّ إمتداداً لا حدود له، مع أننا نجد في أمكنة أخرى ولاسيّما في 13: 11- 12 (حانت ساعة إستيقاظكم من النوم، لأن الخلاص أقرب إلينا) تأكيداً على الرجاء بنهاية عالم قريبة. وأعلن أن كلمة "اكسوسيا" تعني السلطة السياسية، بينما هي تعني في الرسائل البولسية السلطات الحاكمة أو تدلّ على القوى الكونية، بل الشيطانية.
وجاء من يعارض هذا الموقف المتطرّف. فلاحظ أن في عدد من نصوص العهد الجديد، تستعمل كلمة "اكسوسيا" دون العودة إلى الملائكة أو الشيطان. وأن الرسول يستعمل في هذا المكان اللغة الهلنستية كما عرفتها الإدارة المحلّية. أجل، إن المقطوعة التي هي موضوع نزاع تدخل في إطار هو بولسي كله.
وجب على الجماعة المسيحية الجديدة أن تتساءل حول علاقاتها مع السلطات السياسية؛ تساءلت: إن مُنع تلميذ المسيح من أن يتكيّف مع العالم الحاضر كما قيل في 12: 2 (لا تتشبّهوا بهذا العالم، بل تحوّلوا إلى صورة أخرى)، فهل يفرض عليه أن يقطع كل علاقة بالمؤسسات؟ ألا تتوافق الطاعة للربّ مع التي تفرضها السلطة المدنية؟ لم يُطرح السؤال في أرض إسرائيل، أقله من زاوية المبدأ، لأن الشريعة الموسوية أعلنت أن لا ملك للشعب المختار إلا الله وحده. ولكن الأمر ليس كذلك بالنسبة إلى المسيحي الذي لا يخضع للشريعة الموسوية. ولهذا طُرحت مسألة الموقف الواجب اتخاذه تجاه السلطة السياسية بشكل حاد في جماعة مسيحية تعيش في عاصمة الأمبراطورية.
كان قد سبق ليسوع وقدّم المبدأ من اجل الحلّ: "أعطوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله" (مر 12: 17 وز). بما أن المؤمنين ينعمون بهذا النظام السياسي، فهم مدعوون إلى المشاركة فيه على كل الصعد. مع العلم أن الواجب تجاه الله هو في مستوى يختلف عن الواجب تجاه قيصر. رأى عدد من الشرّاح أن نصّ روم يعود إلى هذا القول الإنجيلي. "الجزية لمن له الجزية، والجباية لمن له الجباية، والمهابة لمن له المهابة، والكرامة لمن له الكرامة" (13: 7). وما هو لافت أيضاً هو أن 1 بط الذي يطالب باحترام السلطات السياسية رغم انتظار "نهاية كل شيء" (4: 7: إذاً هناك توافق بين المعطيين)، يعود إلى كلمة المسيح فيقدّم نصحه: "اتقوا الله، اكرموا الملك" (1 بط 2: 17). المخافة واجبة لله وحده، والأكرام للملك. إن 1 بط 2: 17 يستغلّ أم 14: "إتقِ الله والملك". ولكنه تأثّر بالكلام الإنجيلي فدلّ على اختلاف بين الواجبات تجاه الله والواجبات تجاه الملك. فالمسيحي لا يخاف إلاّ الله. وإكرام الملك يأتي فيما بعد. هذا ما قاله الرسل للسلطات اليهودية: "إن الله أحقّ بالطاعة من الناس" (أع 5: 29).
ج- المجدلة في 16: 25- 27
نقرأ روم 16: 25- 27: "للقادر أن يثبّتكم في إنجيلي وفي بشارة يسوع المسيح على حسب اعلان السّر المكتوم منذ الأزمنة الأزلية، المعلن الآن والموضح بحسب أمر الله الأزلي، في كتب الأنبياء، لجميع الأمم لكي يخضعوا للإيمان. لله الحكيم وحده، المجد بيسوع المسيح إلى دهر الدهور. آمين". تتضمن هذه المجدلة إعجاب الكنيسة أمام السّر الموحى به، الذي شهدت له الكتب النبوية أي أسفار العهد القديم والعهد الجديد الذي انتشر الآن في العالم كلّه. نظرت الكنيسة إلى الماضي فابتهجت لأنها تحيا في زمن دار فيه اسم يسوع المسيح مفتاح التاريخ البشري ومصير كل إنسان.
أولاً: على مستوى التقليد المخطوطي
إعتبر بعض الشرّاح أن هذا المقطع هو حاشية زادها مرقيون. ولكن هذا الطرح لم يلقَ ترحيباً. فكان طرح آخر قدّمه عدد من الشرّاح، فرفض نسبة هذه المجدلة الإحتفالية إلى بولس. واختلفت الترجمات التي تتوجّه إلى القرّاء، وهكذا خرج الجدال من دائرة الباحثين. فماذا نقول؟
إن المخطوطات تتردّد حول الموضع الذي وُجد فيه هذا المقطع، وهذا ما يطرح على بساط البحث انتماءه إلى النصّ الأولاني. إذا كان أكبر الشهود يقرأونه بعد 16: 24 (نعمة ربنا يسوع المسيح معكم أجمعين! آمين)، فهناك المخطوط 020 الآتي من رومة ومن القرن التاسع، و044 الآتي من جبل آتوس والعائد إلى القرن الثامن أو التاسع، وعدد آخر من المخطوطات وعدد كبير من الآباء، يجعلونه بعد 14: 23 (أي في نهاية الفصل: كل ما ليس عن عقيدة فهو خطيئة). ثم إن المخطوط الأسكندراني (القرن الخامس) والرقم 025 (لنينغراد، القرن التاسع) وعدد من المخطوطات الجرّارة والترجمة الأرمنية يقرأونه مرتين: بعد 14: 23 وبعد 16: 24. وأقدم نصّ للرسالة إلى رومة، البردية 46 (يعود إلى القرن الثالث) يجعله بعد 15: 33 (آخر الفصل. "وليكن إله السلام معكم أجميعين آمين"). وغابت هذه المجدلة من اللاتينية العتيقة والترجمة الغوطية وبعض مخطوطات الآباء ومرقيون.
ثانياً: على المستوى العقائدي
تجاه هذه التقلّبات في التقليد المخطوطي، نتساءل: هل هناك اسباب جدية على المستوى العقائدي تتيح لنا أن نرفض نسبة هذه المجدلة (16: 25- 27) إلى بولس الرسول؟ قدّمت أسباب ولكنها ليست قيّمة، وبالأخصّ ليست حاسمة. فالطابع المدائحي للمقطع لا يمكن أن يكون اعتراضاً لا يمكن تجاوزه، حتى وان اعتبرنا أنه لا رسائل رسول الأمم ولا رسائل سائر الرسل تنتهي بهذه الطريقة. فالموازاة الوحيدة نجدها في يهو 24- 25: "وللقادر أن يقيكم من كل زلّة، ويوقفكم أمام مجده بغير عيب وفي الإبتهاج، لله الأوحد..." (أتكون زيدت مجدلة روم في الزمن عينه؟). ولكن لا ننسَ أن بولس ختم روم 1- 8 بمديح شكر في 8: 38- 30: "لا موت ولا حياة... تقدر أن تفصلنا عن محبّة الله التي في يسوع المسيح ربنا". والتوسّع حول مصير إسرائيل (ف 9- 11) قد انتهى هو أيضاً في تأمّل مليء بالأعجاب "في عمق غنى الله وحكمته وعلمه" (11: 33- 35). وقد أراد الرسول أيضاً ان ينتهي القسم الأخير من رسالته بل رسالته كلها التي هي تأمّل كبير في مخطّط الله، بمجدلة بدت بعض سماتها في تضمين مع بداية الرسالة. فإن 16: 26 (لكي تخضع جميع الأمم للإيمان) تتجاوب مع 1: 5 حيث نقرأ: "الذي به نلنا النعمة والرسالة ليطيع جميع الأمم للإيمان لأجل مجد أسمه". أجل، الإيمان الذي هو جواب للإنجيل يُلزم الإنسان بكليّته. إنه طاعة وخضوع. وهو يتضمّن أن يخضع الإنسان بحرّية لله الذي يكشف عن نفسه كالأمين والصادق.
لا شكّ في أن عبارة 16: 27 (لله الحكيم وحده) تطرح للوهلة الأولى سؤالاً. من جهة لا نجدها في مكان آخر من الرسائل البولسية. ومن جهة ثانية، القول بأن الحكمة هي صفة محصورة باللاهوت، موضوع عرفه العالم اليوناني ولاسيّما افلاطون. هنا نكتشف المسافة التي تفصل النظرة البيبليّة عمّا في العالم اليوناني. فالإله الذي تنشده مجدلة 6: 25- 27، قد تدخّل لكي يخلّص البشرية كلها بفضل تدبير هو ثمرة حكمته التي لا تسبر ولا تُستقصى. لهذا تمتدح هذه الحكمة التي تسطع في مشروع الخلاص الإلهي. أما عند أفلاطون، فالحكمة التي تُنسب إلى اللاهوت، لا تجعل نفسها في خدمة البشر من أجل خلاصهم. لهذا لا يدعو سقراط افلاطون أن يبارك هذه الحكمة ويمتدحها.
ونزيد فنقول: إن الإرتباط في 16: 25- 27 بين "السّر" والحكمة الإلهية هو خاصّ ببولس. فنحن نجده في 1 كور 2: 7 (حكمة بشكل سّر) وروم 11: 25 (السّر والحكمة البشرية). وسيُستعاد فيبرز في رسائل الأسر. في كو 1: 26- 28 (السّر الذي كتمه الله طوال الدهور... ننادي ونبشّر جميع الناس ونعلّمهم بكل حكمة). في أف 3: 8- 12 (لأبيّن تدبير ذلك السّر.... فيكون للكنيسة فضل إطلاع اهل الرئاسة على حكمة الله في جميع وجوهها). هذا السّر الذي أعلنه الإنجيل، يتناول شخص يسوع المسيح الذي هو علّة وجود وحجر غلقة للتاريخ البشري كله. إعتبر أحد الشرّاح أنه اكتشف في روم 16: 25- 27 فكرة مرقيون حول سّر ظلّ خفياً في العهد القديم أن يوم كشف بواسطة المسيح وانبياء العهد الجديد. ولكن يبدو أن "الأزمنة الأزلية" في آ 25، لا تدلّ على التاريخ الذي سبق التجدد، بل أزلية الله كما نقرأ في 1 كور 2: 7 (أعدّها الله قبل الدهور)؛ أف 3: 9 (طوال الدهور)؛ 2 تم 1: 9 (وهبها في المسيح يسوع منذ الأزل). أما "الأقوال النبوية" في آ 26 فتدلّ كما قلنا على كتب العهد القديم وكتب العهد الجديد. وصمت "الأزمنة الأزلية" يعود إلى مخطّط الله الأزلي الذي ظلّ خفياً حتى مجيء المسيح، حتى وإن جعلنا القديمُ نستشفه ونشعر به مسبقاً. ولكن الكرازة الإنجيلية تعلنه الآن مستندة إلى شهادة الأنبياء في الكتاب المقدس.
ونجد شرحاً آخر لما في 16: 25. إن روم 16: 25 هو النصّ الوحيد في العهد الجديد الذي يجمع صمت الله إلى السّر. ثم إن صيغة الماضي (فعل تام) تعني صمتاً ما زال مع أنه قد انكشف الآن. "إن سّر الله يبقى سّر الله، وإن كُشف في يسوع المسيح. فالمسافة لا محدودة بين الله وكل ما ليس الله. فالله يبقى الله وإن عرفه البشر". هنا نتذكّر الإله الخفي الذي يكشف عن ذاته كالمخلّص في أش 45: 15، أو إعلان "غنى المسيح الذي لا حدّ له" في أف 3: 8.

2- روم 16: 1- 24 والفرضية الأفسسية
كانت خلافات حول 16: 25- 27 ونسبتها إلى بولس وإلى روم. ولكن الإتفاق تام حول ما تبقّى من الفصل أو 16: 1- 24. ولكن، هل انتمى هذا المقطع إلى النصّ الأولاني في روم؟ قال الرأي التقليدي بنصّ واحد يمتدّ على ستة عشر فصلاً. ولكن جاء من يقول بأن روم انتهت في 15: 33. ثم زيدت قطعة أفسسية تتضمّن ف 16. وهكذا رأى بعض الشرّاح في 16: 1- 24 رسالة (أو: جزءاً من رسالة) وجّهها بولس إلى أفسس لكي يوصيّ بفيبة في جماعة أفسس (16: 1- 2).
لا نستطيع أن نسند هذا الرأي إلى نسخة مرقيون للرسالة لأنه توقّف عند ف 14. فالنصّ الأصلي حسب هذه النظرية، يتضمّن أيضاً ف 15. ولكننا نستطيع ان نرتكز على المواضع المختلفة التي فيها وضعت مجدلة 16: 25- 27. فأقدم النصوص يجعلها بعد 15: 33 فتكون التحيّة الأخيرة.
وجاءت براهين تسند الفرضية الأفسسية.
أولاً: هل يُعقل أن يكون بولس عرف هذا العدد الكبير من المسيحيين في رومة وهو لم يذهب بعد إليها؟ ففي 16: 3- 16، يحيّي الرسول 26 شخصاً مع مجموعات من الناس (16: 5، 10- 11، 14- 15). والإشارات التي ترافق الأسماء تدلّ على أنه يعرف الأشخاص معرفة تامة. وأنه عمل معهم. ونلاحظ بطريقة عابرة عدد النساء اللواتي شاركن بولس في رسالته. فكيف نتخيّل أن يكون كل هذا العدد من الأشخاص قد ترك الشرق وأقام في رومة ساعة كتب بولس روم؟ وهناك أسماء تلفت الإنتباه في 16: 5. ابينتس هو "باكورة آسية" أي أول المرتدّين فيها. لا شيء يمنع من أن يكون قد جاء إلى رومة فيما بعد. غير أن لقب باكورة آسية يُفهم فهماً أفضل من قبل بولس إن كتب إلى أفسس لا إلى رومة. وهناك اكيلا وبرسكة (16: 3- 4) (في أع، نجد التصغير: برسكلة). كانا من البنطس، وأقاما في رومة. جاءا إلى اليونان، إلى كورنتوس، ثم إلى أفسس على أثر قرار كلوديوس يطرد اليهود من رومة (أع 28: 2). وكانا هناك ساعة كتب بولس 1 كور (رج 16: 19). قد نفترض أنهما عادا فيما بعد إلى أفسس لأن 2 تم 4: 19 (أرسلت من آسية) ترسل إليهما تحيّة وسلاماً. أما ندهش لهذا الرواح والمجيء؟
ثانياً: نعجب من التحذير القاسي في 16: 17- 20 (أن تحترسوا من الذين يحدثون الشقاقات والمعاثر، خلافاً للتعليم الذي تعلّمتموه). إن هذا التنبيه يُفهم فهماً أفضل في إطار الحرب التي قادها الرسول ضد المتهوّدين في آسية الصغرى (غل) أو في اليونان (1 كور). أن يكون أولئك المقلقين من المتهوّدين أو المتفلّتين على مستوى الأخلاق (فل 3: 19)، فالأمر سواء لأن روم لا تتحدّث عن مخاطر من هذا النوع عرفتها الجماعة. وتخيّل أحد الشرّاح مسافة بين تدوين ف 1- 15 وتدوين ف 16. في ذلك الوقت، وصلت إلى الرسول معلومات، دفعته إلى مثل هذا التحذير. وقد عرت حينذاك أن عدداً من الأشخاص الذين يعرفهم (وهم الذين يحيّيهم في 26: 3- 16) قد جاؤوا وأقاموا في رومة. أما يبدو هذا مصطنعاً؟ ويبقى السؤال: كيف يتكلم بولس بلهجة متسلّطة إلى جماعة رومة التي لم يؤسّسها؟
ثم يجب أن نتذكر أن بردية شسترباتي (بردية 46) التي هي أقدم شاهد، تجعل مجدلة 16: 25- 27 حالاً بعد 15: 33. أما نستطيع أن نظّن أنه وجدت نسخة روم لا تتضمّن ف 16؟
ولكن هذه الفرضية لم تقنع عدداً كبيراً من الشرّاح. فلا شهادة في الأجيال الأولى ولا في التقليد النصوصي تساند الفرضية الأفسسية التي تطرح من الأسئلة أكثر مما تقدّم أجوبة. وتساءل أحدهم: ما هذه الرسالة التي لا تتضمّن إلا سلامات؟ فلا معنى لها. وان اعتبر ف 16 جزءاً من رسالة طويلة، فلماذا احتفظ فقط بهذا الجزء، ولماذا ضمّ إلى روم؟
ثم لا يُقال لنا ان بولس التقى شخصياً بكل الذين يحيّيهم في روم 16. أما نقرأ تحيات خاصة في كو وهي كنيسة لم يزرها بولس؛ ثم إن السلامات المتعدّدة في روم هي وسيلة يؤمّن بها حسن الإستقبال له ومساندته في جماعة لم يؤسّسها.
والتحذير القاسي وغير المنتظر في 16: 17- 20 لا يفاجئنا. وكم مرة قرأنا في الرسائل البولسية مثل هذا التبديل في اللهجة؟ مثلاً 1 كور 16: 19- 20 و22. وهناك تعارض مدهش بين 2 كور 1- 19 و10- 13: إنتقل بولس من الوداعة والحنان إلى اللهجة القاسية والتهديد. وقد قيل ان الذين "يحدثون الشقاقات" هم أقرب إلى 2 كور 10- 13 منه إلى المتهوّدين في غل. ومهما يكن من أمر، هذا التحذير هو تدبير وقائي من أجل عمل يستعدّ له بولس.

خاتمة
بعد هذه الجولة الواسعة، عدنا إلى ما قاله التقليد الكنسي: الرسالة إلى رومة هي رسالة واحدة. فبول كاتب ولكنه يحيرّنا بطريقة كتابته، ويطرح علينا عدداً من الأسئلة. رسالته هي صورة عن شخصيته الغنية. فلماذا نريد ان نحصرها في أطرنا الضيّقة وفي منطق يتحدّى كل منطق؟ لماذا لا نترك نفوسنا كالسابح في المياه، فلا نتوقّف عند سطح البحر، بل ننزل إلى الأعماق وهناك نكتشف ذلك الوحي الذي اختبره بولس على طريق الشام، فحاول ان يفتح قلوبنا على عمق غنى الله وحكمته وعلمه؟
الفصل الرابع
الجماعة المسيحية في رومة

نطرح في هذا الفصل سؤالين يرتبط الواحد بالآخر، ولكنهما يتميزان. الأول يتطرّق إلى وضع الجماعة المسيحية في رومة، ساعة كتب لها بولس. الثاني يعالج الهدف الذي توخّاه بولس حين كتب روم. كان الأول موضوع جدال. وها قد ظهر توافق يكاد يكون عاماً. أما الثاني، فما زال موضوع مناقشة حتى الساعة.

1- وضع الجماعة
في القرن الأول المسيحي كانت رومة مدينة على مستوى المسكونة. ضمّت مليون شخص كان معظمهم من الطبقة الشعبية: مهاجرون، عبيد، موالي معتقون، عامة الشعب. كان الشرقيون عديدين، وكانوا يجتمعون في أحياء خاصة بهم. وكانت الجماعة اليهودية هناك متماسكة وقوية. هذا ما يحدّثنا به المؤرخون أمثال سواتونيوس ويوسيفوس. كما تشهد له المدافن العديدة. فالمدوّنات تتيح لنا أن نستنتج أنه كان في رومة 13 مجمعاً، وقد وزّعت على مختلف أحياء المدينة. وقد يكون اليهود في رومة في ذلك الوقت: بين أربعين ألفاً وستين ألفاً.
لا نعرف بالضبط كيف وُلدت الجماعة المسيحية في رومة. فأغلب الظن هو أنه في هذه المدينة كما في سائر الشتات، دخلت المسيحية لدى اليهود والوثنيين المتعاطفين مع العالم اليهودي. وهذا يعني أنّ الجماعة المسيحية في رومة كانت في البداية بأكثريتها من اليهود المرتدّين إلى المسيحية. فإن كان الأمر هكذا، نظنّ بحق أن بداية هذه الجماعة تأثّرت ببطرس بعد التوافق الذي تمّ حسب غل 2: 7 والذي بموجبه توكّل بولس على الرسالة بين الوثنيين، وبطرس على الرسالة بين اليهود.
هناك تقليد يتحدّث عن رئاسة بطرس على رومة مدة 25 سنة. غير أن هذا التقليد ليس مؤسّساً بما فيه الكفاية على المستوى التاريخي. ومع ذلك، فمن المعقول جداً أن يكون بطرس أقام في رومة قبل أن يجيء بولس إليها. وهكذا يكون بطرس أقام مرّة أولى في رومة قبل أن يجيء إليها في زمن نيرون حوالي سنة 64. ويبقى أمر أكيد. هو أنه حين كتب بولس إلى رومة، كان بطرس غائباً، وإلاّ فكيف نفهم صمت بولس التام حول بطرس.
إنتشر رأي في المسيحية القديمة، ودافع عنه الامبروسياستر، فقال: كان لمسيحيي رومة أفكار خاطئة منذ زمن ارتدادهم. وهذا الرأي قد أسندته عدة مطالع لاتينية إنتقلت مع مخطوطات الترجمة الشعبية، واستعادها بعض الكتّاب في القرون الحديثة. أخذ المسيحيون المتهوّدون في رومة بالضلال اليهودي، فحاولوا أن يفرضوا نظراتهم على الوثنيين المرتدّين. وهكذا يكون بولس قد أراد أن يحارب في رومة الضلال الذي لقيه في غلاطية.
لن نعالج طويلاً هذا الموقف الذي تخلّى عنه الشرّاح اليوم. فلو كانت مشكلة بولس مع المتهوّدين، أما كانت ردّة الفعل عنده أكثر عنفاً؟ ثم إن هذا الرأي ارتبط بمسألة تأليف كنيسة رومة ساعة كتب بولس لها. فإذا كانت الجماعة في رومة مسيحية متهوّدة بأكثريتها في البداية، فمن الواضح أن الوضع تبدّل فيما بعد، ولا سيّما بعد أن طُرد اليهود من رومة سنة 49. وهذا أمر يشهد له سواتونيوس وأع 18: 2 حيث نقرأ: "لأن كلوديوس كان قد أمر جميع اليهود بالخروج من رومة". نحن لا نعرف إلاّ أي حدّ وُضع هذا القرار موضع العمل، كما لا نعرف الزمن الذي ظلّ يُعمل به (رج أع 28: 17 حيث نجد وجهاء اليهود؛ روم 16: 3 حيث نجد برسكة وأكيلا).
وإن كان من المعقول أن عدداً من اليهود والمسيحيين المتهوّدين قد أفلتوا من هذا القرار. أو أن يكونوا عادوا إلى رومة بعد أن طُردوا منها في زمن نيرون، هناك أمر لا شكّ فيه إطلاقاً: وهو أنه حين كتب بولس روم لم تكن الجماعة المسيحية في عاصمة الإمبراطورية مهدّدة من قِبَل المتهوّدين. بل هي مؤلّفة بأكثريتها من مسيحيين جاؤوا من العالم الوثني. فإليهم يتوجّه الرسول في بداية رسالته منطلقاً من المهمة الموكلة إليه لدى الوثنيين: إنه يرغب أن يكون له عندهم ثمر كما عند سائر الأمم الوثنية. نقرأ في 1: 13- 15 ما يلي: "ولا أريد أن تجهلوا، أيها الاخوة، أني عزمت مراراً أن أقدم إليكم، ومُنعت حتى الآن، لكي يكون لي فيكم ثمر كما في غيركم من الأمم. إن عليّ ديناً لليونانيين والبرابرة، للحكماء والجهلاء. لذلك فإني لمستعدّ أن أبشرّكم أنتم أيضاً يا أهل رومة". يتطلّع بولس هنا إلى البشرية جمعاء، سواء تألّفت من وثنيين متمدّنين كاليونانيين الذين منهم الرومان، أو تألّفت من برابرة أي شعوب اعتبروا بعيدين عن المدنيّة.
وهذا الذي قاله بولس في البداية، سيعود إليه في نهاية الرسالة: إنه يريد أن يقدّم لله الوثنيين المرتدّين كذبيحة حقيقية. نقرأ في 15: 15- 16: "لكنني أكثرت جرأتي فكتبت إليكم في بعض الشؤون، كأني مذكّر لكم من أجل النعمة التي وهبني الله، أن أكون خادماً للمسيح يسوع في سبيل الأمم، كاهناً خادماً إنجيل الله، حتى يكون قربان الأمم مقبولاً، مقدّساً في الروح القدس". إن بولس يبرّر كتابة هذه الرسالة إلى كنيسة لم يؤسّسها ويعتذر عن جرأته. أما النعمة التي خصّه الله بها فهي أن يربح الأمم للمسيح، ويقرّبهم لله قرباناً مقدّساً مرضياً.

2- هدف بولس من كتابة روم
كل هذه المعطيات حول روم، وحول الجماعة التي توجّهت إليها رومة، وهي مؤلّفة بأكثريتها من الوثنيين، تطرح السؤال حول الباعث على كتابة روم. هناك أسئلة ثلاثة تجعل تدوين روم سّرياً بل أشبه باللغز:

أ- أسئلة ثلاثة
* توجّهت سائر الرسائل البولسية إلى كنائس أسّسها بولس (هو أو تلاميذه كما فعل ابفراس في كولسي) أو أقلّه زارها. فكيف حصل له أن يكتب لجماعة رومة التي لم يكن له أي إتصال بها؟
* كيف تجرّأ رسول الأمم أن يكتب إلى جماعة رومة التي ترتبط في أصلها ببطرس؟ أما افتخر بأنه لا يريد أن يبني على أساس غيره (15: 20)؟ لقد قال في 2 كور 10: 15- 16: "لا نتعدّى تلك الحدود فنفتخر بأعمال غيرنا، ولكن نرجو أن يزداد إيمانكم فيتّبع مجال العمل بينكم في الحدود التي لنا، حتى نحمل البشارة إلى أبعد من بلادكم، فلا نفتخر بما أنجزه غيرنا في حدود عمله" (رج 1 كور 3: 10- 15).
* إنّ تأليف سائر الرسائل البولسية قد خضع لصعوبات تمرّ فيها الجماعة، أو لأسئلة طُرحت على الرسول. فكيف نفهم أن تكون رسالة اعتنى بولس بكتابتها وحمّلها كل هذا التعليم، قد توجّهت إلى كنيسة لم تطرح عليه سؤالاً لأنها كانت كريبة عنه فلم تعرفه؟

ب- كيف نفسّر هذا الوضع
تنوّعت التفاسير حول الهدف الذي رمى إليه رسول الأمم حيث دوّن روم. وها نحن نقدّم خمسة منها نوجزها قبل أن نقدّم محاولة جواب على سؤال متشعّب بل معقّد.
* التفسير الأول
أراد بولس أن يحارب نواقص صغيرة في جماعة رومة المسيحية. نحن نكتشف في روم تعارضاً هاماً: من جهة، يتوجّه بولس إلى الرومان كأعضاء في الجماعة المسيحية في كل معنى الكلمة. ومن جهة ثانية، يعبرّ لهم عن نيّته بأن يحمل إليهم الإنجيل. كيف نفهم هذا اللامنطق عند بولس؟ تعلّق مسيحيّو رومة بالإنجيل، ولكنهم لم يشكّلوا بعد كنيسة بحصر الكلمة، لأن خاتم بولس الرسولي ما زال ينقصهم. لهذا غابت لفظة "كنيسة" في الرسالة كلها، ما عدا استعمال ظرفي في ف 16 (آ 1، 4، 16).
وهناك وجهة أخرى قريبة من هذه الوجهة التي عرضنا: إن الجماعة المسيحية التي كتب إليها بولس، يهدّدها انشقاق خطير. وهذا ما يدلّ عليه 1: 18- 3: 8 وف 14- 15.
ولكن مهما يكن من أمر، فنحن لا نستطيع أن نقبل بالقول إن مسيحية رومة عرفت ضعفاً على المستوى التعليمي. يكفي أن نذكر ما قاله بولس في 15: 14: "أما أنا، أيها الاخوة، فإني متيقّن من قبلكم أنكم مفعمون صلاحاً، ممتلئون كل معرفة، قادرون أن ينصح بعضكم بعضاً".
* التفسير الثاني
كتب بولس رسالته إلى رومة ليعدّ سفره إلى أورشليم. إذا كانت الرسالة، على المستوى الأدبي، قد توجّهت إلى جماعة رومة، فقد أملاها في الواقع اهتمامات تحاصر بولس ساعة استعدّ للذهاب إلى أورشليم لكي يحمل إليها ثمار اللمَّة من أجل فقراء المدينة. لهذا، فالأسئلة التي يجيب عنها هي أسئلته الخاصة لا أسئلة الجماعة. وهكذا لا يكون عرض إنجيله العنصر الأهم في نظر الرسول حين كتب روم. ما أراد أن يشرحه أولاً هو السبب الذي لأجله يريد أن يذهب إلى أورشليم قبل أن يذهب إلى رومة وإسبانيا. والسبب الذي يدفعه في كرازته إلى التوجّه أولاً إلى اليهود. من أجل هذا كانت أهمية ف 9- 11.
هناك بعض الحقّ في هذه الملاحظات. ولكننا لا نستطيع القول إن بولس يكتب لمنفعته الخاصة لا لمنفعة المؤمنين الذي يتوجّه إليهم. لهذا ظنّ بعض الشرّاح أن الرسول يردّ على الإعتراضات التي يعتبرها موجودة عند جماعة رومة، وينتقد أفكاراً خاطئة تتداول فيها.
* التفسير الثالث
إن روم هي رسالة دوّارة. بمعنى أنها لا تتوجّه إلى كنيسة محدّدة، بل إلى مجمل كنائس موزّعة في حوض البحر المتوسّط. هنا نفهم لماذا غابت "برومة" في 1: 7، 15 من بعض المخطوطات. كما نفهم نظرية بعض الشرّاح القائلين بأن هناك رسالتين إلى رومة. وقد قال أحدهم: إن روم هي ملخّص عن مواقف أخذ بها بولس في نهاية جدال طويل بدأ مع 1 كور وفل. أرسل الرسول نسخة عن هذه المواقف إلى أفسس لكي تعرفها كنائس آسية، كما أعلم شفهياً مسيحيّي كورنتوس وسوريا وفلسطين بها. وفي الوقت عينه أرسل إلى كنيسة رومة استجماعاً لكل هذه المواقف. فرضية مثيرة. ولكن لا شيء يسندها. ثم، لماذا أرسلت هذه الرسالة الدوّارة إلى رومة ولم تُرسل إلى مكان آخر.
* التفسير الرابع
كتب بولس روم لكي يرّف بنفسه ويطلب مساعدة كنيسة رومة. هذا التفسير البسيط يقبل به عدد من الشرّاح. تفسير معقول ولكنه غير كافٍ. فهو وحده لا يبرّر كتابة رسالة بأهمية روم. ثم إنه يصطدم باعتراضات. بعد نشاط رسولي طويل، هل كان بولس مجهولاً في عاصمة الإمبراطورية؟ وبعد أن كتب ما كتب في غل، هل يرجو أن ينال موافقة كنيسة رومة على إنجيله ومشاريعه الرسولية؟
* التفسير الخامس
رغب بولس في أن يضع حداً للخلاف القائم بين "الضعفاء" و"الأقوياء" في جماعة رومة المسيحية. هذا ما يعبرّ عنه الرسول بشكل واضح في ف 14- 15. ولكننا نغالي إن فسّرنا كل الرسالة بهذا الهدف، مع أن مسألة "الضعفاء" و"الأقوياء" لا تظهر مرّة واحدة قبل ف 14- 15. ثم، إن المسألة المطروحة بوجود هاتين الفئتين في رومة، لا يبدو أنها ارتدت طابعاً مأساوياً. ثم، حين نتعرّف إلى هؤلاء الضعفاء والأقوياء بما فيه الكفاية، نستطيع ربّما أن نتوقّف عند هذا التفسير.

ج- محاولة تقديم حلّ
كل التفاسير التي قدّمناها تتضمّن جزءاً من الحقيقة. أما خطأها فهي أنها ناقصة وتنظر إلى زاوية واحدة من الأمور. نحن لا نعتبر اننا نعطي جواباً يُرضي الجميع على سؤال متشعّب إلى هذا الحدّ. ولكننا نظنّ أن الحلّ الأفضل ينتج من مقابلتين بين معطيات مختلفة وقليلة التماسك ظاهرياً نجدها في روم 15: 13- 32، وفيها يدلّ الرسول على نواياه. كما ينتج من مقابلة بين إعلانات بولس في غل وإعلانات روم المختلفة حول المسألة اليهودية.
أولاً: خدمة بولس ومشاريعه (15: 13- 32)
بعد الجزء الكبير (14: 15- 13) الذي فيه حاول بولس أن يعيد الوحدة إلى مسيحية رومانية مقسومة بين "ضعفاء" و"أقوياء"، نندهش وبحقّ حين نقرأ في 15: 14 مديحاً لهذه المسيحية عينها التي امتلأ أعضاؤها بأفضل العواطف وامتلكوا عطيّة المعرفة وصاروا جديرين بأن ينصحوا بعضهم بعضاً. فإذا كانت الجماعة في مثل هذا الوضع الجيّد، فلماذا يوجّه إليها بولس هذه التعليمات الطويلة؟ وبعد هذا حالاً، يعتذر الرسول حالاً عن جرأته حين يكتب إليها. ومع ذلك، فما أراد إلاّ أن يذكّر أهل رومة بما سبق لهم وعرفوه، من أجل النعمة التي وُهبت له (آ 15). وبعد هذا يزيد أنه أخذ على نفسه أن لا يحمل الإنجيل حيث عُرف المسيح من قبل (آ 25- 22). وهذا ينطبق ولا شكّ على جماعة رومة التي لم يؤسّسها بولس، والتي كانت في خطّ بطرس. وهنا يطرح السؤال من جديد: كيف تجاسر رسول الأمم أن يكتب إلى أهل رومة رسالة طويلة جداً بحيث تبدو مقالاً تعليمياً؟ هناك من يقول إن بطرس كان على اتفاق مع بولس حول جوهر التعليم المعروض في روم. وهذا ما يتيح لبولس بأن يقول للرومان بلهجة متواضعة بأنه أراد أن يذكّرهم بما سبق لهم وعرفوه. ولكن يُطرح السؤال أيضاً: لماذا اهتمّ بأن يرسل إليهم عرضاً تعليمياً طويلاً جداً؟ سؤال ينتظر جواباً.
يبدو أن قراءة 15: 22- 30 حول مشاريع بولس، تعرّفنا إلى وجهة أخرى من الوضع. فمع أن بولس ما زال غريباً عن الجماعة المسيحية في عاصمة الإمبراطورية، فهو يعرف أنه متّحد معها بالروح والقلب اتحاداً عميقاً. ولهذا فهو معجّل في أن يتذوّق الفرح النابع من حضور هؤلاء المسيحيين (آ 24). إنه يريد أن يستريح معهم (آ 32). وهو متيقّن أنه يحمل إليهم بركة المسيح (آ 29). وفي الوقت عينه، يسّر إليهم بهمومه العميقة ليلة سفره الطويل إلى أورشليم حيث سيحمل ثمر ما جمعه من مساعدات للفقراء هناك. وهو يتوسّل إليهم لكي يجاهدوا معه في الصلاة فينجو في اليهودية من الكافرين، وتكون خدمته (العون الذي يحمله) مقبولة لدى القديسين (أي المؤمنين) في أورشليم (آ 30- 31). كل هذا يفهم فهماً أفضل إذا كان التعليم المفصّل للرومانيين الذين عرفوا عنه بعض الشيء، هو ذاك الذي أراد بولس أن يعلنه في أورشليم. إذن، حين يحمل الرسولي إلى الرومانيين الخير الروحي، وحين يكمّل تعليمهم، فهو في الوقت عينه يدافع عن قضيّته الخاصة.
ثانياً: بين غل وروم
وهناك عنصر هام آخر قد يساعدنا على تقديم الحلّ الذي نقترحه: بسبب قساوة وأمية الصراع الذي بدأ في كل، لم يكن لبولس أن يقدّم أية تنازلات للمتهوّدين. بل وجب عليه أن يترك جانباً امتيازات الأمّة المختارة. ونظنّ في بعض الأوقات أنه ينكرها. ففي غل 3 يعتبر أن الشريعة الموسوية هي نظام مؤقت يؤول إلى الإكثار من المعاصي (3: 19: أضيف بسبب المعاصي). ولا يتردّد في أن يقابلها بسجّان. وسيخفّف من حدّة هذه الصورة حين يتحدّث عن "المربيّ" الذي يقود إلى المسيح (3: 23- 24: الناموس كان مؤدبنا يرشدنا إلى المسيح). وفي بداية ف 4 سيذهب أبعد من ذلك فيجعل العبادة اليهودية والعبادة الوثنيّة في "خندق" مشترك ويجعلهما بين "أركان العالم" (غل 4: 3، 9) السقيمة البائسة.
وفي روم، تابع بولس معالجة مسألة ثانوية في حدّ ذاتها: العلاقات بين "الضعفاء" و"الأقوياء" داخل جماعة رومة. حينئذ وجد في هذا الموضوع مناسبة رائعة لا لكي يصحّح ما قاله في غل، بل ليكمّل معطيات غل حول المسألة اليهودية. كان قد قال في غل 3: 19: "فلم الناموس إذن؟ إنما أضيف بسبب المعاصي حتى مجيء النسل الذي جُعل له الموعد". كان نظام الشريعة مرحلة مؤقتة في تاريخ الخلاص. وقد جعل مجيء المسيح له حداً. زيدت الشريعة. إنها على هامش مخطّط الخلاص، لأنها لا تحرّر بشكل مباشر، بل تتدخّل بسبب المعاصي. هل تراجع بولس عن قوله في روم؟ كلا. فإذا فسّرنا عبارة غل على ضوء روم 4: 15 (الناموس ينشىء الغضب. فإنه حيث لا يكون ناموس لا يكون تعدٍ. الناموس يجعل الإنسان يقرّ بخطيئة)؛ 5: 20 (دخل الناموس حتى تكقر الزلّة. ولكن حيث كثرت الخطيئة طفحت النعمة)؛ 7: 7- 13 (أو يكون الناموس خطيئة؟ كلا وحاشا! بيد أني ما عرفت الخطيئة إلاّ بالناموس...)، نرى أنها تعني أن الشريعة تزيد مسؤولية الخاطىء وتثير التعدّيات. فهي بشكل مباشر تكشف للإنسان عبوديته، وبشكل غير مباشر تحرّك فيه انتظار المخلّص.
حين كتب بولس ما كتب حارب في الوقت عينه حذَر المسيحيين المتهوّدين منه، وهكذا أصاب بكلامه هدفين معاً: فالقضية التي يحارب من أجلها في رومة توافق تلك التي سيدافع عنها في أورشليم.
إذا وضعنا جانباً ف 9- 11 التي سندرسها فيما بعد، نجد إشارات تدلّ على رغبة بولس بأن يبيّن أنه لا ينسى مكانة اسرائيل المميّزة في مخطّط الله الخلاصي. نقرأ في 1: 3 عن المسيح "الذي وُلد من نسل داود، على حسب الجسد". في 1: 16 و2: 9- 10، نجد عبارة "اليهودي أولاً ثم اليوناني". كما نقرأ اعتباراً في 3: 1- 2: "إذن، فما فضل اليهودي؟ أم أي نفع للختانة؟ إنه جزيل على كل حال. وهناك اعتبار موازٍ في 3: 9: "إذن، ماذا؟ هل نحن (اليهود) أفضل منهم؟ كلا. فإنّا قد بيّنا من قبل، أن الجميع، يهوداً ويونانيين، هم تحت الخطيئة". وفي 3: 31: "إذن، أفنبطل الشريعة بالإيمان؟ معاذ الله! بل نثبت الشريعة". نلاحظ أن في هذا النصّ كما في 3: 19، كل ما تقوله الشريعة يستعيد إيرادات المزامير والأنبياء. ولفظة شريعة هنا لا تدلّ فقط على الشريعة الموسوية بل كما في مز 119 على الكتاب المقدّس كله، على العهد القديم الذي يكمّله التدبير المسيحي ويفتحه على شموليّة الخلاص. وسوف نبيّن فيما بعد أن 7: 7- 25 ليس هجوماً على الشريعة الموسوية. الموضوع هو كل شريعة إلهية بما فيها الشريعة الإنجيلية.

خاتمة
وهكذا تعرّفنا إلى جماعة رومة ساعة كتب بولس إليها. كما حاولنا أن نكتشف الهدف الذي توخّاه حين كتب روم. هل وصلنا إلى الجواب الشافي؟ كلا. ولكننا قدّمنا مختلف المواقف والتفاسير، وفتحنا طرقاً قد تساعد كل واحد على اكتشاف بعض الغنى الذي تزخر به هذه الرسالة الطويلة. فإن كان "الضعفاء" هم اليهود، وقد صاروا كذلك بعد أن طردهم كلوديوس من رومة. وإن كان "الأقوياء" هم الوثنيون الذين فرضوا نفسهم على كنيسة تأسّست في الأصل على عناصر يهودية، نفهم أننا في الواقع أمام العلاقات بين العالم اليهودي والعالم الوثني. أمام التفاهم بين مجموعتين قد تقسمان الكنيسة. فالمسيح هدم الحاجز الذي يفصل بينهما، فلماذا تبني كل واحدة حواجز جديدة لتستبعد الأخرى وكأن الخلاص محصور بفئة واحدة؟
الفصل الخامس
التبرير والخلاص

نبدأ هنا فندرس بنية الرسالة إلى رومة، علّنا نكتشف المواضيع الأساسية التي توسّع فيها الرسول. فنكتشف ثلاثة أقسام كبيرة: التبرير والخلاص (ف 1- 8)، وضع شعب اسرائيل (ف 9- 11) الذي جعل نفسه خارج خلاص الله حين رفض المسيح، القسم الإرشادي (ف 12- 15). أما ف 16، ففد سبق لنا ودرسناه.

1- مطلع الرسالة (1: 1- 17)
أخذ بولس بالعادة الرسائلية في أيامه، فبدأ في 1: 1- 7 بتقديم نفسه إلى قرّائه وبإرسال التحية إليهم. في 1: 8- 15 شكر الله من أجل إيمان الجماعة المسيحية في رومة، التي تجتذب أنظار سائر الكنائس بسبب موقعها في قلب الإمبراطورية. بعد هذا، عبرّ الرسول عن رغبته الحارّة بأن يزور هذه الجماعة. "إني أشتاق أن أراكم لأفيدكم شيئاً من المواهب الروحية لتأييدكم" (آ 11).
لقد رأى الشرّاح منذ زمن بعيد الأهمية الرئيسية لما في 1: 16- 17، الذي يعلن الموضوع العام للرسالة. إن عبارة "أنا لا أستحي بالإنجيل" هي إعلان يدلّ على تمسّك بإيمانه وأمانته. هنا نتذكّر تحذير يسوع: "من يستحي بي وبكلامي" (مر 8: 38 وز). قد يكون بولس عرف هذا القول بواسطة التقليد، فعبرّ عنه بطريقته الخاصة. ثم إنّ التأكيد بأن "الإنجيل هو قوّة الله لخلاص كل مؤمن"، يحيلنا إلى موضوع أساسي، موضوع كلمة الله التي نراها من الوجهة الديناميكية والوجهة العقلية. هي تبني تاريخ الخلاص، وفي الوقت عينه تجعل هذا التاريخ مفهوماً. سوف نرى فيما بعد المكانة الجوهرية التي يحتلّها فكر بولس في روم حول تاريخ الخلاص. هنا نتذكّر بشكل خاص أش 40- 55 الذي هو المرجع النبوي الرئيسي لكي نفهم نظرة بولس إلى "برّ الله". "هو قوّة الله لخلاص كل مؤمن". هذا ما يشدّد على وجهة الشمولية فيه. كل إنسان مدعوّ إلى الإيمان. وحين يؤمن إيماناً حقيقياً ينال الخلاص.
إنّ العبور من "اليهودي أولاً ثم اليوناني" لا يفهم فقط في معنى يقول إن الإنجيل كُرز به أولاً لليهود ثم لليونانيين. فبولس يذكر الدور المميّز الذي لعبه اليهود في تاريخ الخلاص. أما إيراد حبقوق (2: 4: البار بالإيمان يحيا) فسنعود إليه فيما بعد. إنّ الإنجيل هو وحي برّ الله، قوّة الله التي تخلّص المؤمن. والحياة لا تتوقّف عند هذا العالم، بل لها رنّة اسكاتولوجية، بل هي تفتحنا على الآخرة.
وبرّ الله ليس تلك العدالة التي تجازي كل واحد بحسب أعماله. بل هو البرّ الخلاصي، بل هو إرادة الله التي تتمّ مواعيد أُعطيت لنا بصورة مجانية. وهذا البرّ ليس محصوراً بإنسان من الناس أو بفئة من البشرية. إنه يتوجّه إلى كل إنسان، يتوجّه إلى جميع الشعوب.
"برّ الله يتجلّى بإيمان إلى إيمان". هي عبارة يصعب علينا فهمها. وقد قيل أيضاً: "من الإيمان إلى الإيمان". نحن نجد مثل هذه العبارة في 2 كور 2: 16: "لهؤلاء نعمة موت للموت، ولاولئك نعمة حياة للحياة". وفي 3: 18: "ونحن جميعاً، والوجه سافر، نعكس كما في مرآة مجد الربّ، فنتحوّل إلى تلك الصورة بعينها" (رج 4: 17). ماذا تعني هذه العبارة في روم 1: 17؟ من أمانة الله إلى إيمان المؤمن. أو: من إيمان الواعظ إلى إيمان السامع. أو: من الإيمان القديم إلى الإيمان الجديد. أو: الذي يأتي من الإيمان ويُنقل إلى الإيمان. أو: الذي فيه الإيمان هو الكلمة الأولى والأخيرة. هذا يعني أن الإيمان هو الشرط الضروري الوحيد لهذا الإيمان.
إنّ 1: 16- 17 هو قول نبوي. وهو قريب من إعلانات أخرى حول مجانية الخلاص في يسوع المسيح، نجدها في الأناجيل. نقرأ في مت 1: 21 عن يسوع "الذي يخلّص شعبه من خطاياهم". فماذا يستحقّ الخاطىء لكي يخلص؟ هو لا يستحق سوى العقاب الأبدي. ومع ذلك فالرب يقدّم له الخلاص. هنا نتذكر روم 3: 23- 24: "فالجميع قد خطئوا فأعوزهم مجد الله. والجميع بنعمته يتبرّرون مجاناً بالفداء الذي بالمسيح يسوع" (رج 5: 6- 9: مات عنا ونحن بعد خطأة). ونقرأ في مر 16: 15- 16: "من آمن واعتمد يخلص". كما في لو 19: 9- 10: "اليوم حصل الخلاص لهذا البيت". وحتى في أي 11: 13- 17 كما في السبعينية نكتشف إيمان البار وثقته بخلاص يتمّ له بالحكمة الإلهية. وكان بولس قد أعلن في 1 كور 1: 18- 21 مخطّط الله بأن يخلّص المؤمنين بقدرة الله وحدها: "حسُن لدى الله أن يخلّص المؤمنين بجهالة الكرازة".
إنّ القول النبوي في 1: 16- 17 يعلن الأقسام الثلاثة في 1: 18- 15: 13. أولاً، 1: 18- 8: 39؛ ثانياً، ف 9- 11؛ ثالثاً: 12: 1- 15: 13. سوف نرى فيما بعد أن القسم الثاني (ف 9- 11) يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالقسم الأول. وأنّ القسم الثالث يرتبط بالقسم الثاني والقسم الأولى.
سوف ندرس على التوالي بنية 1: 18- 8: 39. كما ندرس في هذا القسم الأولى النقائض الثلاث الأساسية. بعد هذا، نعود إلى بنية القسم الثاني وأفكاره الرئيسية. وفي النهاية نعود إلى القسم الثالث (12: 1- 15: 13) بوجهته الإرشادية والتحريضية. أما في هذا الفصل، فنتوقّف عند القسم الأول لندرس بنيته ومواضيعه.

2- بنية روم 1- 8
حتى وإن قلنا إن ف 1- 8 لا تنفصل كلّياً عن ف 9- 11، إلاّ أنّ الشرّاح يقرّون أن هذه الفصول الثمانية الأولى تمثّل في حدّ ذاتها وحدة أدبية وتعليمية، كما تمثّل مع ف 9 موضوعاً جديداً، أقلّه بصورة نسبيّة. ولكن ما هي بنية ف 1- 8؟

أ- آراء الشرّاح
أولاً: المعايير التعليمية
إنّ الأسلوب المتبع عادة لاكتشاف بنية روم 1- 8 هو اللجوء إلى المعايير التعليمية. فتدرّج الأفكار يقودنا لكي نميّز توسّعين متعاقبين. ولكن الإختلافات الهامة تبرز حين نحاول أن نعرف في أي موضع محدّد يتمّ العبور من موضوع تعليمي أول إلى موضوع ثانٍ يشكّل تكلمة له.
* علامة القطع هي بين ف 5 وف 6. من 1: 18 إلى 5: 21: الخطيئة والتبرير. ثم ف 6- 8: التقديس ونموّ الحياة المسيحية.
* علامة القطع هي في نهاية ف 4. في 1: 18- 4: 24: حديث عن التبرير، في ف 5- 8: تختلف وجهات الخلاص المسيحي ووضع الإنسان المبرّر.
* دور ف 5. هناك اختلاف حول طريقة فهمه. ما هو دوره؟ هناك من يربطه بما سبق، وآخرون بما لحق. وفئة ثالثة قسمته إلى جزئين. الأول (آ 1- 11) هو خاتمة ف 1- 4. والثاني (آ 12- 12) هو تهيئة للفصول 6- 8.
* واقترح عدد من الشرّاح بإلقاء الضوء على التدرج في أفكار ف 1- 8 بواسطة إيراد حب 2: 4. لا شك في أن الكلمات التي تعبرّ عن برّ الإيمان أو التبرير بالإيمان، ترد مراراً بين 1: 18 و4: 24، وتصبح نادرة فيما بعد. وهذا ما يقابل الشقّ الأول في نص حبقوق: "من هو بار بالنظر إلى الإيمان". أما الكلمات التي تدلّ على "الحياة"، فتتجاوب مع لفظة "يحيا" التي تنهي إيراد حبقوق. هي غائبة تقريباً في ف 1- 4 ومتواترة في ف 5- 8. هذا يعني أننا نختار: من هو بار بالإيمان يحيا. لا: البار يحيا بالإيمان.
فالتفسير الذي نأخذ به (من هو بار) يتوافق مع تعليم روم، الذي بحسبه لا ينشأ البرّ الذي يمنح الحياة الأبدية، لا ينشأ أساساً من الأعمال، بل من الإيمان. وهناك ملاحظتان تثبتان هذا التأويل. نجد توافقاً بين آ 16 وآ 17: "كل من يؤمن" يقابل "البارّ بالإيمان". أما "وعد الخلاص" فيقابل "يحيا". فالحياة التي يريد بولس أن يتحدّث عنها، ليست فقط حياة الإيمان. إنها كالخلاص واقع اسكاتولوجي. إذن، نحن أمام الحياة الأبدية، ولكن كما تدشّنت على هذه الأرض. وعن هذه الحياة تتحدّث مراراً روم. في 2: 7: "الحياة الأبدية للذين، بالصبر على العمل الصالح، يطلبون المجد والكرامة والخلود". في 5: 17، 18، 21: "سيملكون في الحياة بواحد، هو يسوع المسيح... يكون لجميع الناس تبرير الحياة... كذلك النعمة تمتلك بالبرّ للحياة الأبدية، بيسوع المسيح ربنا" (6: 4، 10، 11، 13، 22، 33؛ 7: 10؛ 8: 2، 6، 13؛ 10: 5؛ 12: 1).
ثانياً: ظواهر على المستوى الأدبي
إستند عدد كبير من الشرّاح إلى المعايير التعليمية. وقلّة منهم إلى ظواهر تدلّ على المستوى الأدبي. إنهم يرون أن النظرات المعروفة في بنية روم 1- 8 قد فُرضت من الخارج، ولم تأخذ، بما فيه الكفاية، بعين الإعتبار بطرق الكتابة. بل بدت مجرّدة لتليق بإنسان كان واعظاً ومرسلاً قبل أن يكون لاهوتياً يعالج الأمور من وراء مكتبه.
إنّ الدراسات التي تسير في هذا الخطّ ترى في ف 6- 7 (حيث تكثر الأسئلة: فماذا نقول إذن؟ أو نستمرّ على الخطيئة لتكثر النعمة؟) بل في قسم كبير من ف 5- 8، أجوبة بسيطة على اعتراضات المؤمنين أكثر منه عرضاً عقائدياً كتب من أجل العرض. ولماذا البحث في روم 1- 11 عن تصميم للأفكار، حين فكّر بولس أوّل ما فكّر في "تاريخ خلاص"؟ إن المجموعة الكبرى التي تبدأ في 3: 21 وتنتهي في 11: 36، تتميّز بالتناوب بين أجزاء عقائدية وأخرى برهانية.
وبدت في هذا الخطّ نظرتان. الأولى ترى في روم 1- 11 ثلاثة أجزاء، ويتكوّن كل جزء من طرح، وطرح معاكس، وطرح جامع: الزمن الماضي، زمن الشريعة والوعد (1: 18- 4: 25). الزمن الحاضر، زمن النعمة والتبنّي (ف 5- 8). الزمن المقبل، زمن الرحمة والملء (ف 9- 11). الثانية تميّز ثلاث نظرات زمنية: الزمن المقبل، زمن الخلاص الإسكاتولوجي (5: 1- 11 و8: 18- 39: أ- أأ). الزمن الحاضر، زمن الوجود المسيحي (6: 1- 14؛ 6: 15- 7: 8: ج- جج). العلاقة بين الحاضر والمستقبل (5: 12- 21؛ 7: 7- 8: 39: ب- بب). 

ب- العلاقة بين روم وغل
أوردنا كل هذه الوجهات المختلفة في بنية ف 1- 8، لكي ندرك صعوبة المسألة وتشعّباتها. ونحاول أن نصل إلى حلّ يكون مرضياً. أما الطريق فالقرابة بين روم وغل.
أولاً: موضوع العلاقة
هناك قرابة لا شكّ فيها بين غل 3: 1- 6: 10 وبين روم 1- 8. وهي ستساعدنا على اكتشاف بنية القسم الأول في روم. إن خلاصاً مبنياً بناء زمنياً كان موضوع تعليم يسوع والكرازة الأولانية، وسيكون موضوع تعليم رسول الأمم في روم كما في غل. إنّ بولس يرى أن المسيرة الزمنية للخلاص هي إطار متين فيه تتسجّل الحياة المسيحية والفكر اللاهوتي.
في غل 3: 1- 6: 10، الخطّ الذي يوجّه فكر الرسول ويدرّجه، هو النظرة إلى تاريخ الخلاص، كما تمثّلتها المسيحية الأولى. من هذا القبيل نكتشف ثلاث مراحل. أولاً: حقبة التهيئة في العهد القديم كما صوّرها غل 3 إنطلاقاً من إبراهيم. ثانياً: حقبة مجيء الإبن المتجسّد إلى هذا العالم، ليضع حداً لعبودية "عناصر العالم" في البشرية كلها (4: 1- 20). ثالثاً: حقبة إحلال "أورشليم العليا" محلّ المجمع (العالم اليهودي)، بعد أن أحياها الروح الذي هو ينبوع حرّية (4: 21- 6: 10). ويبدو هذا التقسيم المثلّث واضحاً مع التأكيد العلني الذي هو في قلب الرسالة: "لما بلغ ملء الزمان، أرسل الله إبنه مولوداً من إمرأة، مولوداً تحت الناموس، ليفتدي الذين تحت الناموس، وننال التبني" (غل 4: 4- 5). هذا التدخّل الإلهي الرئيسي في تاريخ البشرية الديني، قد تحدّد في الزمن وشكّل الحقبة الثانية. ما جاء قبله يقابل الحقبة الأولى، وما جاء بعده، الحقبة الثالثة.
ونستطيع الآن أن نعود إلى روم 1- 8. ونقول إنه من الخطأ أن نعتبر روم مجرّد توسّع في غل التي كانت لها الرسمة الأولى. روم هي مؤلّف جديد يتجاوب مع تصد آخر تحدّثنا عنه فيما قبل. فإن كان الأمر هكذا، يجب أن نلاحظ أن المراحل الثلاث في تاريخ الخلاص التي اكتشفناها في غل 3: 1- 6: 10 تجد ما يقابلها في روم 1- 8. مع العلم أنّ روم توسّع النظرة مع صعود مثلّث إلى بدايات البشرية عينها.
نترك التحليل المفصّل لتسلسل الأفكار في روم إلى القسم المخصّص للسوتيريولوجيا (أي: تاريخ الخلاص)، ونكتفي الآن بالإشارة إلى التوافق التام بين روم وغل في عرضهما لتاريخ الخلاص.
ثانياً: المرحلة الأولى والمرحلة الثانية
إنّ المرحلة الأولى في هذا التاريخ، وهي تهيئة التدبير المسيحي بيد الله، تشير (كما في غل) إلى مثال إبراهيم (روم 4)، وتعود حتى خلق العالم (1: 20: منذ خلق العالم، تُدرك قدرة الله وأزليته)، فتبيّن لنا أولاً كيف أنّ الأمم واليهود وجدوا نفوسهم مستعبدين للخطيئة (1: 18- 3: 20). ثم تعلن فيما بعد أن الله (الآب) قد قرّر أن يخلّص مجاناً جميع البشر بالإيمان بالمسيح: توسع يبدأ في 3: 21 وينتهي في 4: 25، بل 5: 11، لأن 5: 1- 11 يختتم كل ما سبق. "نفتخر بالله بربنا يسوع المسيح الذي به نلنا الآن المصالحة" (5: 11).
وتصوّر المرحلة الثانية في تاريخ الخلاص في روم 5: 12- 7: 6: إنها تشير إلى الحدث نفسه الذي قرأناه في غل 4: 1- 20. أي: التجسّد الفدائي الذي تقدّمه بشكل جديد جداً. ففي 5: 12- 21، يتأمّل الرسول في البشرية التي اجتمعت كلها في شكل من الأشكال، في البدايات، في آدم الخاطىء. ثم يضع مقابل ذلك استجماع جميع البشر في المسيح الفادي: كما أن بإنسان واحد... كذلك... هذا من جهة. ومن جهة ثانية، تحاول المقطوعة (6: 1- 7: 6) أن توضح طبيعة وثمار الإتحاد (يصبح المؤمن مع المسيح جسداً واحداً) الذي يجعل المسيحيين متضامنين مع المسيح الذي مات عن الخطيئة مرة واحدة، وبحياته يحيا لله (6: 10). إن هذه المقطوعة تعلن على التوالي تحرّرنا من الخطيئة (6: 1- 14)، وواجبَ الإنسان المحرّر أن يكونَ في خدمة البرّ (6: 15- 23)، وتحرّرنا من الشريعة الموسوية (7: 1- 6).
ثالثاً: المرحلة الثالثة
تصوّر المرحلة الثالثة في تاريخ الخلاص في روم 7: 7- 8: 39. فالقسم الثالث من غل (4: 21- 6: 10) المخصّص للحياة" الروح التي يعيشها أعضاء أورشليم العليا، يقابله في روم تصويران متتابعان للإنسان الساقط والمستعبد للحم والدم وللخطيئة (7: 7- 25)، وللإنسان المحرّر بواسطة الروح القدس (ف 8). إن 7: 7- 25 هو نصّ شامل إلى آخر حدّ من الشمول. عاد بولس مرة ثالثة إلى أصول البشرية. فنحن نقرأ في 7: 7- 11 صورة عن مأساة عدن، تقابل الصورة التي نجدها في 8: 9- 21 (لستم في الجسد، بل في الروح). في كل هذا المقطع، يتجاوز الرسول تاريخ البشرية كله وهو يفكّر أن ما حصل في الفردوس الأرضي (تك 3) أو ساعة إعطاء الشريعة الموسوية، يتكرّر بشكل من الأشكال في حياة كل إنسان حين يكون أمام شريعة إلهية وضعية.
وخلاصة القول، إنّ جميع البشر يحتاجون إلى هذا التحرّر المتدرّج الذي يقوم به الروح (ف 8). ونحن نستطيع أن نجمل المضمون العام لهذا الفصل في تأكيدات ثلاثة: افتُدي الإنسان بالمسيح فصار روحياً وانتصر على البدن (اللحم والدم، ضعف الإنسان) والخطيئة والموت، شرط أن يحيا حياة الروح (آ 1- 17). فالذين لهم "باكورة الروح" ما زالوا يتألّمون، ولكن آلامهم (بل آلام العالم كله) هي آلام مسيحاوية مثل آلام يسوع (آ 18- 25). فالتلاميذ يجدون في محنهم عوناً من الروح الذي يتشفّع من أجلهم، ومن الآب الذي يوجّه آلامهم داخل مخطّط حبّه من أجلهم: أي: أن يصبحوا شبيهين بابنه الوحيد، وأن يتمجّدوا معه (آ 26- 30). وينهي نشيدُ الثقة الغالبة كل هذا التوسّع: فالتلميذ يعرف منذ الآن أنه قد انتصر. وهو متأكّد من حبّ الله ويسوع له.
لم يتوافق فكر بولس مع منطق مجرّد، بل التصق التصاقاً حميماً بمسيرة تاريخ الخلاص. وفي التوسّعات الثلاثة التي اكتشفناها في غل وفي روم، عبّر بولس عن كلّ العمل الخلاصي الذي تمّ في المسيح، فبدا لنا وكأنه يكرّر في المرحلة الثالثة ما قاله في المرحلتين السابقتين.

خاتمة
إن مسيرة الأفكار في ف 1- 8 ترضي الشرّاح الذين يبحثون عن بنية تتوافق مع نظرة العهد الجديد إلى تاريخ الخلاص. هنا نعود إلى قسمة لوقا لتاريخ الخلاص في المسيح عبر إنجيله وسفر الأعمال. ما بدأه يسوع قد تابعه التلاميذ. وهكذا نقول هنا إن عمل الروح المقدّس هو امتداد لعمل المسيح. وتدخّل الروح، كان جاء بعد تدخّل يسوع في الزمن، لا ينفصل عن التدخّل الأول.
وهذا ما نكتشفه أيضاً حين نقابل غل 3: 1- 6: 10 مع روم 1- 8. في غل، إرتبطت عطية الروح الذي يصرخ أبّا في قلب المسيحيين، بالمرحلة الثانية، المرحلة الاسكاتولوجية (غل 4: 6). أما في روم، فترتبط بعطية مشابهة بالمرحلة الثالثة، المرحلة البتفماتولوجية (مرحلة الروح القدس) (روم 8: 15). وهكذا يقول لنا بولس إن مرحلة تقابل مرحلة. ماذا كان إيراد حبقوق (رج روم 1: 17: الذي هو بارّ بالنسبة للإيمان) يعلن كل ما يلي حتى نهاية ف 8، نكتشف قسمين. قسم أول مخصّص للشقّ الأول من الإيراد (الذي هو بارّ بالنظر إلى الإيمان، 1: 18- 5: 11). وقسم ثانٍ مكرّس للشقّ الثاني من الإيراد (يحيا، 5: 12- 8: 39): يعيش المسيحي "في المسيح" (5: 12- 7: 6). ويعيش أيضاً يكفي الروح" (7: 6- 8: 39). أجل، ما اكتشفه بولس (في غل وفي روم) هو اجتياح الروح كحدث خلاصي يشكّل امتداداً لتدخّل المسيح، كما أن العنصرة في تاريخ الخلاص تتبع آلام المسيح وسّره الفصحي.
الفصل السابع
وضع شعب الله

وننتقل في هذا الفصل إلى ف 9- 11 التي تتكلّم بشكل خاص عن امتيازات شعب الله الذي لم يؤمن بمرسل الله، فطرح سؤالاً قاسياً على أشخاص مثل بولس: أين هي أمانة الله؟ هل خان الله عهده؟ بعد أن نطرح السؤال في إطار البنية وتسلسل الأفكار في 9- 11، سوف نفهم أن عدم إيمان اليهود يدخل في مخطّط الله: سينالون الرحمة كما نالها الوثنيون.

1- إمتيازات شعب الله
تعالج ف 9- 11 مسألة خطيرة: فالمسيح المخلّص المسيحاني الذي أنبىء به لشعب الله في العهد القديم، لم يقرّ به ذاك الشعب في أكثريته. وهكذا وجد نفسه مرذولاً وخارج كنيسة المسيح. كيف نفسّر مثل هذا الواقع الغريب؟ هل تخلّى الله عن الوعد المعطى لإبراهيم؟ وهل تستطيع الكنيسة، في مثل هذه الظروف، أن تعتبر نفسها وريثة هذا العهد؟
كان هذا الوضع مؤلماً بالنسبة إلى المسيحية الأولى عامة وبولس، مرتدّ طريق دمشق، خاصة. بعد هذا، وجب على الكنيسة أن تتخذ قرار القطع مع شعب اسرائيل، ومرات المقاطعة. هنا نتذكّر ما كتبه بولس في 1 تس 2: 13- 16 من قول قاسٍ أملته ظروف الرسالة، ومن نداء إلى التوبة في خطّ أنبياء العهد القديم. "فإنكم، أيها الإخوة، قد صرتم مماثلين لكنائس الله التي في اليهودية، التي في المسيح يسوع، إذ قد أصابكم أنتم أيضاً من مواطنيكم، ما أصابهم من اليهود، الذين قتلوا الرب يسوع، والأنبياء، واضطهدونا نحن أيضاً. الذين لا يرضون الله البتّة، وقد صاروا أعداء لجميع الناس، إذ يمنعونا من أن نكلّم الأمم ليخلصوا. فهم يستتمّون خطاياهم على غير انقطاع، والسخط قد حلّ عليهم حتى النهاية". أجل، كان على اليهود أن يكونوا حملة الإنجيل، فإذا هم يضعون أمامه الحواجز كما فعلوا مع يسوع، وكما رفضوا في الماضي نداءات الأنبياء. رفض شعب اسرائيل الإنجيل فجعل نفسه خارج الخلاص الذي لم يزل يقدّم له.
هنا نتذكّر مثلاً أش 1: 4 ي: "ويلٌ للأمّة الخاطئة، الشعب المثقل بالاثم، المجرمين، البنين الفجّار. إنهم تركوا الرب، واستهانوا بقدوس إسرائيل، وارتدّوا على الأعقاب... فتبقى إبنة (مدينة) صهيون (أورشليم) كمظلّة في كرم، كمبيت في مقثأة...". ونتذكر يسوع في مت 23: 13 ي: "ويلٌ لكم أيها الكتبة والفريسيون والمراؤون، لأنكم تغلقون في وجه الناس ملكوت السماوات فلا تدخلون أنتم ولا تدعون الداخلين يدخلون... تأكلون بيوت الأرامل... أيها الحمقى والعميان".
بما أن لا علاقة ظاهرة بين 9- 11 وما يسبق هذه الفصول، رأى بعض لناس فيها ملحقاً ألّف فيما بعد. بل ذهب بعضهم يميلون بهذه النصوص (روم 9- 11؛ مت 23؛ 1 تم 2: 13- 16) عن معناها لكي يسهّلوا الحوار مع لشعب اليهودي. ولكن مجمل الشرّاح اليوم يرون رباطات عميقة وخفية بين روم 9- 11 وما سبقها. ففيها قدّم بولس "إنجيل الله" الذي يعلنه كتتمة للعهد القديم (1: 2: وعد به على ألسنة أنبيائه في الكتب المقدسة عن ابنه). بل قدّم هذه المفارقة بأن لاإيمان (كفر، عدم إيمان) اليهود يبرز بشكل أوضح أمانة الله لمواعيده الخلاصية (3: 5 ي). وأخيراً، إنّ عبارة "اليهودي أولاً" التي تتكرّر ثلاث مرّات (1: 16؛ 2: 9- 10) يجب أن تشرح هنا، كما نجد "برّ الله" و"برّ لإيمان" في 9: 30- 10: 10.
إذا أردنا أن نفسّر ف 9- 11 تفسيراً صحيحاً، يجب أن نتذكّر أنها تفكير لاهوتي حول مسيرة تاريخ الخلاص (كما في ف 1- 8)، وأنها تتطلّع إلى الدور المحدّد لجماعة إسرائيل في تاريخ البشرية الديني. نحن لسنا هنا أمام المصير الأبدي لكل إنسان، بل أمام مصير الجماعة كجماعة تسلّمت مهمة تهيئة الدرب ليسوع المسيح. بعد أن أعلن بولس بقوّة لا تضاهى أن الخلاص يقدّم لكل إنسان، أن "المجد والكرامة والسلام" تعطى لكل من يعمل الخير، وأن الله "لا يأخذ بالوجوه" (لا يحابي، لا يفضّل أحداً على إحد. بل ينظر إلى القلب)، وأنه إله الجميع (1: 14- 16؛ 2: 10- 11؛ 3: 29- 30). بعد أن أعلن هذا، أحد بنوع من تجديف أمام فكرة تقول بوجود فئتين من الناس (كانوا يقولون في الماضي: اليهود وغير اليهود. ويقولون الآن: غير اليهود واليهود): بعضهم معدّ للسعادة الأبدية، والآخرون محكوم عليهم بالهلاك الأبدي. فالمشكلة المطروحة هي التالية: كيف نوفّق كفر اليهود مع ثبات (عدم تبدّل) مخطّطات الله؟
إنّ الرفض المأساوي الذي أظهره أكثر اليهود تجاه الوحي النهائي الذي حمله المسيح، جعل الرسول يعلن: "إن لي في قلبي غماً شديداً ووجعاً لا ينقطع، ولقد أودّ أن أكون أنا نفسي "محروماً" عن المسيح من أجل إخوتي، ذوي قرباي بحسب الجسد" (9: 2- 3). هذا يدلّ على حزن عميق وألم متواصل، كما يدلّ على تعلّق قوي بإخوته. وهو يستعدّ لأن يقوم بأعظم التضحيات من أجل ارتداد شعبه.
بعد هذا، عدّد الرسول في 9: 4- 5 امتيازات الشعب الأول في مخطّط الخلاص.
* إنهم إسرائيليون. إنهم ينتمون إلى أمّة تسلّمت رسالة. هنا نتذكّر معنى كلمة "اسرائيل" كما ترد في يو 1: 31، 47، 49؛ 3: 10؛ 12: 13. نقرأ بلسان يوحنا المعمدان: "ولكن لكي يظهر لإسرائيل جئت أنا أعمّد بالماء". وقال يسوع عن نتنائيل: "هوذا في الحقيقة إسرائيلي لا غش فيه". فأجابه نتنائيل: "رابي، أنت ابن الله، أنت ملك إسرائيل". فعندما يكون يسوع ملك إسرائيل يصبح ابن الإنسان حقاً تجاه ابن الله. ويأتي تنبيه روم 9: 6: "فما جميع الذين من إسرائيل هم اسرائيل". لا يكفي أن يولد الإنسان في شعب خاص ليكون من شعب الله. فرباطات اللحم والدم لا تكفي. هناك رباط الإيمان. ونقرأ في غل 6: 16: "السلام والرحمة على جميع الذين يسلكون هذه الطريقة، وعلى إسرائيل الله. هذا ما يدلّ على الكنيسة المسيحية.
* التبني. إنه صورة مسبقة عن تبنّي الله للمسيحيين على مثال المسيح: "أنت ابني وأنا اليوم ولدتك". تبنّيتك. نقرأ في روم 8: 15: "والحال أنكم لم تأخذوا روح العبودية للمخافة، بل أخذتم روح التبنّي الذي به ندعو أبّا، أيها الآب". نحن نشترك في حياة يسوع الحميمة وفي علاقته مع الآب فنهتف نحن كما يهتف هو. وفي غل 4: 5: "والدليل على أنكم أبناء، كون الله أرسل إلى قلوبنا روح إبنه ليصرخ فيها أبا، أيها الآب". وفي أف 1: 5: "حدّد الله... أن نكون له أبناء بيسوع المسيح".
* المجد. أي حضور الله الملموس في خيمة الإجتماع، في الهيكل. ومع ذلك يبقى هذا الإله خفياً ومتسامياً. تحدّث أشعيا، حزقيال، دانيال عن هذا الحضور الذي هو استباق لظهور الرب في نهاية الأزمنة.
* العهود. يذكر الكتاب المقدّس عدداً من العهود: مع إبراهيم، مع يعقوب، مع موسى، مع داود... وقد رأى بعض الشرّاح أن نتحدّث عن العهد (في صيغة المفرد) (هذه الصيغة موجودة في مخطوطات قليلة) لنكون في خطّ بولس الذي يقابل العهد القديم مع العهد الجديد. ولكننا نحافظ على الجمع، فنفهم رغبة بولس بأن يتذكّر تاريخاً طويلاً، هو تاريخ علاقات شعبه بالله.
* الإشتراع (الناموس): نحن هنا أمام الشريعة الموسوية بحصر المعنى. أما في 3: 19 (كل ما يقول الناموس) و31 (أفنبطل إذن الناموس بالإيمان؟ حاشا، بل نثبت الناموس) فيدل "الناموس" على الكتاب المقدّس. وبالرغم مما قيل في 5: 20 (تدخّل الناموس لكي يكثر المعاصي)، وبالرغم من إلغاء الشريعة الموسوية (7: 1- 6: كان الناموس يأسرنا. تخلّصنا منه) التي حلّ محلها حسب غل 6: 2 "شريعة المسيح" (أتموا ناموس المسيح) التي تتلخّص في المحبة. بالرغم من كل هذا، تبقى هذه الشريعة الموسوية خيراً من عند الله.
* العبادة: قبل كل شيء العبادة الذبائحية في هيكل أورشليم. وربما أيضاً شعائر العبادة في المجامع التي توزّعت في كل موضع من الإمبراطورية الرومانية. كانت هذه العبادة خيراً، وقد توجّهت إلى "العبادة الروحية" (في المسيحية) التي سيتحدّث عنها بولس في 12: 1- 2.
* الوعود. وليس فقط الوعد المعطى لإبراهيم وإسحق ويعقوب، بل الوعود التي نقرأها في النبوءات المسيحانية (رج روم 1: 2).
* الآباء. إبراهيم، إسحق، يعقوب، أبناء يعقوب الإثنا عشر. ثم الوجوه الكبيرة في تاريخ الشعب. مثلاً، سمّي داود "أباً" في أع 2: 29. ونفهم حين نقرأ سفر الرؤيا حول 24 شيخاً، أن آباء العهد الجديد قد سبقهم آباء العهد القديم، فألّفوا معاً كنيسة الله الواحدة.
* ولكن تبقى الميزة الرسولية لشعب اسرائيل أنه أعطى للعالم المسيح الذي يرتبط بطبيعته البشرية بالنسل المختار. ويزيد الإفتخار في أن يسوع هو في الوقت عبنه "فوق الجميع، إله مبارك للدهور".
تحدّثنا فيما سبق عن تعليم بولس المركّز على تاريخ الخلاص داخل "بنية زمنية". ونحن نستطيع أن نقول الشيء عينه عن 9- 11. الطرح الأول (9: 6- 29): عودة إلى مواعيد الله في الماضي. الطرح الثاني (9: 30- 10: 21): عودة إلى كفر اليهود في الزمن الحاضر. الطرح الثالث (ف 11): عودة إلى مخطّط الله حول مستقبل الشعب المختار من أجل رسالة خاصة. ونستطيع القول إن هذه الطروح الثلاثة قد تترتّب حسب الرسمة الأدبية: أ، ب، أأ (بمعنى أن أأ تعود إلى أ). أ= كفر شعب إسرائيل من جهة الله. ب= كفر شعب إسرائيل من جهة المسؤولية البشرية. أأ= ثم من جهة الله. هذا يعني أن الطرح الأخير يستعيد الطرح الأول ويكمّله. ويعني أيضاً أننا إذا أردنا أن ندرك فكر الرسول، وجب علينا أن نحافظ على الطروح الثلاثة معاً فيكمّل الواحد الآخر.

2- كفر اسرائيل ومواعيد الله
نبدأ هنا فندرس الطرح الأول (9: 6- 29): إرتباط كفر (لاإيمان) إسرائيل مع مواعيد الله التي لا تتبدّل، مع برّ الله الثابت. إن كفر قسم كبير من إسرائيل لا يدلّ على أن "كلمة الله سقطت" (آ 6)، فشلت. ففي التوراة، ولا سيّما في الأسفار النبوية، ينشد الكاتب كلمة الله الفاعلة والتي لا عودة عنها. ويُقال من وقت إلى آخر أن كلمة هذا النبي أو ذاك لم تسقط. نقرأ في 1 صم 3: 19: "وكبر صموئيل وكان الرب معه. ولم يدع شيئاً من جميع كلامه يسقط على الأرض" (كما لا نسمح أن يسقط الخبز على الأرض). هذا يعني أنه لم يهمل كلمة من كلمات الله (رج يش 21: 45؛ 23: 14؛ 1 مل 8: 56؛ 2 مل 8: 10). أجل، لا يمكن لكلمة الله إلا أن تفعل فعلها (أش 55: 10)، وقد دوّنت أسفارٌ لتدلّ على تحقيق الأقوال النبوية التي تلفّظ بها الله من أجل شعبه.
وإليك برهان بولس الرسول. إن اسرائيل المعدّ لينعم بالمواعيد لا يتطابق مع كل نسل إسرائيل بحسب الجسد. فبين أبناء إبراهيم، كان إسحق وحده وارثاً لعطيّة الله المجانيّة، كان موضوع اختيار واضح من قِبَل الله. هذا يعني أنه ليس من حقوق تنتج عن اللحم والدم (أي: القرابة بحسب الجسد). وأن الدخول إلى الجماعة المسيحانية يرتبط برضى الله. وهذا ما يبرهن عنه أيضاً بشكل حاسم وضع عيسو ويعقوب اللذين ميّزهما الله قبل ولادتهما: إنهما يمثّلان شعبين مختلفين. وهكذا بدأ الرسول فأكّد (آ 12)، أن الله اختار يعقوب (بني إسرائيل) وما اختار عيسو (بني أدوم) دون النظر إلى استحقاقهما. إختاره ليحمّله المواعيد المسيحانية. وانتقل في آ 13 مع النبي ملاخي إلى حقبة ما بعد المنفى، إلى زمن اقترف فيه الشعبان الشقيقان جرائم مماثلة. ومع ذلك غفر لبني إسرائيل، أما بنو أدوم فعاقبهم بيد نبوكدنصر ساعة سقط شعبهم وزالت. هذا هو المعنى الأصلي لنصّ ملاخي (ق أش 27: 7- 8): في ما يلي من تاريخ الشعبين الشقيقين، بدا الله أميناً لمخطّطه الأول بأن يظهر رضاه لشعب، لا لآخر، رغم أصلهما المشترك.
ونقول الآن: إن لم يرتبط الدخول إلى المملكة المسيحانية بالإنتماء إلى اسرائيل حسب الجسد، بل باختيار الله الحرّ، فلا نتّهم الله بعدم الأمانة لكلمته: إنه في عمله هذا يتوافق مع المعنى العميق لمواعيد الخلاص القديمة.
ولكن حين يختار الله من يريده، أفلا يكون جائراً؟ أجاب بولس (9: 14- 18) بمثلَيْ موسى وفرعون: ينطبق المثل الأول على المسيحيين، والثاني على اليهود الكافرين. وبما أن الموضوع هو دخول (أو: عدم دخول) مجموعة لا إلى المجد السماوي، بل إلى الإيمان المسيحي، نخطىء إن نسبنا إلى الرسول فكرة قضاء الله الأبدي فنرسل الأشخاص إلى السماء أو إلى جهنم بشكل مطلق. فهذه الفكرة غريبة كل الغربة عن هذا النص الذي ندرس والذي يتوخّى إعلان برّ الله المتدخل في التاريخ. ونقول أكثر من ذلك. إن كان بولس قد رأى خلال عودته إلى موسى (آ 15)، في دعوة المسيحي موهبة مجانية من قبل رحمة الله، فالطريقة المختلفة التي بها يقدّم وضع فرعون (آ 17) يدل أنه رغم آ 18، لا نستطيع أن نقول يقسيّ من يشاء. فهمّه بالأحرى هو أن يبرّر الله من كل اتهام بالجور في وضع كفر اليهود، فيدلّ على أن هذا الكفر، وإن كان مخطئاً (رج 9: 30- 10: 21)، قد سمح به الله من أجل تنفيذ مخططاته الخلاصية. كما انه (حسب آ 17) سمح لغايات مماثلة (أي: لإظهار قدرته الخلاصية) بتقسية قلب فرعون مع ما في هذه التقسية من خطأ (هذا يعني أن الفرعون مسؤول عن قساوة قلبه، وأن الرب الذي لا يغلبه الشّر أدخل هذه القساوة في مخططه).
نحن لا نتردّد في القول إن بولس رأى الله يسمح (ولا يريد) بتقسية قلب فرعون. فلقد كان الرسول اعتبر بمثابة تجديف أن ننسب بشكل مباشر الخطيئة إلى الله. ولغته بما فيها من قساوة جعلته يستعيد العهد القديم كما هو، دون أن يفصل عمل الله (السبب الإلهي، هو السبب الأول) عن عمل الإنسان (السبب البشري، السبب الثاني). فالله لا يكون إلا السبب الظرفي لقساوة القلب، بمعنى أن الأنوار التي يعطيها (مثلاً، الآيات التي تمت أمام فرعون) لم تنِرْه، بل جعلت ذاك الذي قرّر أن يقسّي قلبه، أن يترسّخ في خطيئته. لهذا ينسب الكتاب قساوة قلب فرعون تارة إلى الله (خر 4: 21؛ 7: 3؛ 9: 12؛ 10: 1، 20، 27)، وطوراً إلى فرعون نفسه (خر 7: 13، 22؛ 8: 11، 15، 28؛ 9: 7).
إن مثلَيْ موسى وفرعون يتجاوبان، كل من موقعه، مع وجهة خاصة من الأسئلة. وكفرُ اليهود لا يرتبط بإرادة الله (أي: لم يرده الله)، شأنه شأن موهبة الإيمان. وهكذا نستطيع أن نقدّم النتيجة التالية: إن كان الله يمنح أو يرفض نعمة النداء في الظروف التي أشار إليها مثلاً موسى وفرعون (أي: إن لم يكن للإنسان حقّ بالدعوة المسيحية، وإن كان الرب رتّب اللانداء حسب غايات تليق به)، فهو لا يجور حين يرحم من يشاء و"يقسيّ"من لا يشاء.
ويأتي سؤال جديد في آ 19 في خط البرهان: إن لم يقاوم أحد مشيئة الله، وأن ظنّ أولئك الذين يقاومونه أنهم يحقّقون مقاصده، فلماذا يوبّخ الله الإنسان؟
قدّم بولس على هذا السؤال ثلاثة أجوبة متوازية، وهي تشكّل رفض جواب كما تنطوي على فكرة أساسية واحدة تقول: الإنسان هو عدم أمام الله. (1) لا يستطيع الإنسان أن يطلب حساباً من الله (آ 20: من تراك، أيها الإنسان، حتى تعارض الله؟) كما حاول أن يفعل أيوب. (2) طالب الحساب من الله يشبه إناء من خزف يسأل صاحبه لماذا صنعه هكذا (آ 20 ب- 21: أو ليس للخزاف سلطان على الطين؟). (3) لا حق للإنسان أن يجادل الله حول مخطّط خلاصي يتضمن تجلّيين لصفاته الإلهية: تجلّ لبرّه العقابي (الغضب) تجاه اليهود الكافرين الذين أطال أناته عليهم. تجلّ "لغنى مجده" تجاه المسيحيين. فالرسول مهتمّ، كما قلنا، بأن يبيّن أن الله أمين تجاه كلمته، وأن طرقه هي هي لا تتغيرّ.
هنا (آ 25- 29) يصوّر الرسول سلوك الله الرحيم تجاه الأمم التي دُعيت إلى الإيمان، بواسطة نصّين مأخوذين من هو 2: 25؛ 2: 1. كما ينير وضع اليهود الحاضر الذين تبقى منهم "بقية"، بواسطة نصّين من أش 10: 22- 23؛ 1: 9.
لا نأخذ التشبيه مع الخزّاف عن طريق الإستعارة. فالله لا يتلاعب بالإنسان، كما يفعل الخزّاف مع الطين. أخذ بولس هذه الصورة من حك 15: 7 (إن الخزّاف يعنى بعجن الطين الليّن ويصنع منه كل إناء). فما أراد أن ينسب إلى الخلاّق سلوكاً إعتباطياً ومتقلّباً تجاه خلائقه. لا شك في أنّ الأواني الثمينة والأواني البسيطة (آ 21) تمثل الأدوار التي يقوم بها البشر في تحقيق مخطّطات الله. ولكننا لا نجد تلميحاً إلى مصير الأفراد الأبدي. فالخزّاف صنع حتى آنية الهوان، لا ليحطمها، بل ليجعلها للخدمة. لذا، ليست صورة عن الهالكين. وليست مقابلة "لآنية الغضب" (آ 22، أي اليهود) التي يقابلها الرسول مع "آنية الرحمة" الذين هم المسيحيون: آنية الهوان قد صنعها الخزّاف كذلك، وهو مسؤول عنها. أما آنية الغضب فقد صارت كذلك بخطيئتها (إنها مسؤولة). إختلفت آنية الغضب عن آنية الرحمة التي هيّأها الله منذ القديم لمجده، ولكنها لم تعدّ من أجل الهلاك. إنها على العتبة، وهي تستعدّ للهلاك.
إذا عدنا إلى 2: 4 وأناة الله تجاه اليهود (آنية الغضب)، نرى أن هذه الأناة تتوخّى عودتهم إلى التوبة. لهذا رأى عدد من الشرّاح أننا في 9: 22 أمام الأناة الإلهية نفسها. إنها تهدف بأن تعطي لاسرائيل مهلة للتوبة. ولكن بولس يقول الآن بوضوح إن الله قد تحمّل اليهود المتمرّدين بأناة كبيرة لكي يدلّ على غضبه، أي على برّه وما يحمل معه من عقاب (برّه العقابي). نحن هنا أمام وجهة تكمّل وجهة 2: 4 (لطف الله يدعوك إلى التوبة). إن ظلّ عقاب الله بعض المرّات الدواء الوحيد، فهو مرتّب دوماً نحو التوبة. وإذ يعرّف الله (كما يقول الرسول) ببرّه العقابي، فهو يعرّف أيضاً "بقدرته". وبسبب التقابل بين 9: 22 و9: 17، نحن أمام قدرة الله الخلاصية: ومقاومة فرعون لله في زمن الخروج تجعل تدخّل الله الخلاصي ساطعاً كالشمس. ومقاومة اسرائيل المتمرّد لله، تلعب اليوم الدور عينه في مخطّط الله: إن الله يخلّص رغم الإرادة السيئة لدى البشر.
وتساءل الشرّاح: هل يخضع تجلّي الغضب تجاه اليهود الكافرين، لظهور الرحمة تجاه المسيحيين، أو هل يترافق معه؟ لقد عاتب الله آنية الغضب لأنهم أرادوا ذلك، لكي يبرز بواسطة هذه الظلال، غنى مجده الذي ظهر في آنية الرحمة المهيّأة لمجده.

3- كفر إسرائيل والمسؤولية البشرية
لماذا لم يؤمن شعب إسرائيل بأكثريته؟ إنه مسؤول عن هذا اللاإيمان (9: 30- 10: 21). يطرح بولس السؤال في 9: 30 (فماذا نقول إذن)، فيستخرج النتيجة ممّا سبق. هذا في الظاهر. ولكن في الواقع، أراد بولس أن يعالج مسألة كفر اليهود لا من زاوية صفات الله وندائه الحرّ، بل من زاوية المسؤولية البشرية. فبين هاتين الوجهتين نجد سّر وجود الإنسان المرتبط كلياً بالله، والمسؤول في الوقت ذاته عن نفسه. ونزيد أن بولس لا يتعمّق في هذه المسألة بطريقة مجرّدة، بل يقف على مستوى تاريخ الخلاص.
أوصلنا الطرح السابق إلى المفارقة التالية (9: 30- 31): إن الأمم (الوثنية) التي لم تكن مهيّأة مثل إسرائيل لأن تطلب البرّ بالحماس نفسه، أي بالإستقامة في علاقتها مع الله، قد أدركت هذا البرّ حين آمنت بيسوع. أما اليهود الذين طلبوا البرّ باندفاع كبير (10: 2) فلم يحصلوا عليه. لماذا؟ لأنهم تصوّروا (9: 30- 31) أن أعمالهم تبرّرهم. ونسوا أنّ الجوهر هو الإيمان (نذكر هنا أن نظام الإيمان يسبق نظام الشريعة الموسوية الذي وجب عليه أن يخضع له، 4: 1 ي). ولهذا، حين جاء المسيح وطلب منهم أن يتعلّقوا به كالمخلّص الوحيد، رفضوا أن يؤمنوا رغم البراهين التي قدّمها عن رسالته. وفي الآلام، إصطدموا بحجر العثار الذي قال فيه أشعيا بأنه يميّز الناس ويدينهم (أش 28: 16؛ 18: 4؛ رج 1 بط 2: 6- 11).
ويقول 10: 1- 4 الشيء عبنه، ولكنه يلج إلى عمق المسألة. فالإعتبار في 10: 1 يعود إلى 9: 1- 3، ويبيّن مرة أخرى الصعوبة التي يحسّ بها بولس حين يطرح هذه المسألة المؤلمة (إن منية قلبي وابتهالي إلى الله لأجلهم، هما أن يخلصوا). ما نقص اليهود هو غيرة مستنيرة تستند إلى التأمل في علاقة الإنسان بالله. لم يكونوا متواضعين بما فيه الكفاية (10: 3) فرفضوا أن يخضعوا (10: 3) لنظرة الله حين قدّم لهم، بواسطة المسيح، البرّ الحقيقي والحياة البنويّة الحميمة مع الآب المشروطة بغفران الخطايا. رفضوا أن يتقبّلوا من يسوع "برّ الله" هذا، وتمسّكوا ببرّ نفسهم وبممارستهم للشريعة. هكذا استبعدوا نفوسهم من نشاط المسيح الخلاصي، من يسوع الذي هو "غاية" الشريعة ومبدأ تبرير لكل من يؤمن.
وخيار اليهود لبرّ يرتكز على الأعمال، دفع الرسول إلى أن يرسم في 10: 5- 13 موازاة متعارضة بين برّ حسب الشريعة وبرّ حسب الإيمان. وهذا التعارض لا يبدو متوازناً كل التوازن: القسم الأول يرد في آ 5 (كتب موسى عن البرّ الذي من الناموس). أمّا القسم الثاني (برّ حسب الإيمان) فيتضمّن ما يبقى من المقطع.
وإليك المعنى العام لهذا المقطع الصعب. إنّ البرّ الذي ينبع من الشريعة، والذي يعارض نظام الإيمان والنعمة (كان على البرّ أن يتكيّف مع هذا النظام)، هو ثقيل جداً وبعيد عن متناول الإنسان: إنه يطلب من الإنسان ممارسة دقيقة للشريعة، وهذا ما يبدو مستحيلاً من دون نعمة الله (8: 7- 25). أما البرّ الذي ينبع من الإيمان، فيسهل علينا أن ندركه. نحن لا نحتاج الصعود إلى السماء لنطلب مخلّصاً هناك. فالإبن تجسّد. ولا نحتاج النزول إلى الجحيم لنعيده من بين الأموات. فالله أقامه. فبالمسيح وفي المسيح صار هذا الخلاص قريباً جداً. يكفي أن نعترف بفمنا أن يسوع هو الرب، وأن نؤمن بقلبنا أن الله أعاده إلى الحياة: فالإيمان بوجهتيه (تعلّق القلب الحميم والإعلان الخارجي) هو ما يخلّص جميع البشر دون تمييز بين شعب وشعب. وهذا حسب الكتب المقدّسة التي ما زال الرسول يوردها ويبيّن أنها تمّت الآن.
بعد هذه المقابلة بين البرّين (10: 5- 13)، نعود في 10: 14- 21 إلى البرهان عن مسؤولية اليهود الكافرين في خطيئتهم. فبعد تأكيد الآيات السابقة (من يؤمن بالمسيح يخلص) نجد في آ 14- 17 سلسلة من الأسئلة تهدف إلى تثبيت الشروط الواعية للمجيء إلى الإيمان بيسوع لدى الذين لم يعرفوه ولم يسمعوه شخصياً. هم لا يستطيعون أن يعرفون إلا بالكرازة. وهذه الكرازة لا يقوم بها أي شخص كان. بعد أن تتحقّق هذه الشروط، نستطيع أن نتهم شخصاً بالكفر واللاإيمان. وكما تقول آ 17 التي هي الخاتمة المنطقية لما سبق، "الإيمان يلد من الكرازة"، والكرازة تتمّ بناء على أمر المسيح.
وفي آ 18 يبدأ الهجوم المباشر على اليهود المتحجّرين. إستعمل بولس مز 19 وكيّفه حسب فكرته، فبيّن (في آ 18) أن لا عذر لليهود إن جهلوا التعليم الإنجيلي. فقد كُرز به "حتى أقاصي الأرض"، أي في كل حوض البحر المتوسّط. أما الآيات التي تلي (آ 19- 21) فتعني أنه إن لم يفهم إسرائيل فلأنه لم يرد أن يفهم كعادته: فالله هدّد بأن يحلّ محله أمّة جاهلة (تث 32: 21). أما أشعيا (65: 1- 2) فشهد أن الله قد وجده من لم يطلبه، وفشل لدى شعبه المتمرّد.

4- كفر اسرائيل ومخطط الله
ونصل وإلى القسم الرابع، وهو علاقة كفر إسرائيل بمخطّط الله الذي يهمّه أن يؤمّن في النهاية الخلاص لشعبه (ف 11).
من الواضح أن بداية ف 11 تعود إلى مخططات الله كما تحدّث عنها ف 9، وتستعيد موضوع "البقية" الذي عالجه 9: 27- 29. يتألّف هذا التوسيع من ثلاث مقطوعات، حيث تعالج كل مقطوعة موضوعاً مختلفاً (11: 1- 10؛ 11: 11- 24؛ 11: 25- 32). وينتهي كل هذا بمديح ختامي يتناول روم 9- 11.

أ- المقطوعة الأولى (11: 1- 10)
تبيّن المقطوعة الأولى أن كفر إسرائيل كان جزئياً، وكان قد أعلن عنه مسبقاً. ما يدلّ على أنه كان جزئياً هو ارتداد بولس نفسه، وارتداد "بقية": هي مجموعة اليهود الذين صاروا مسيحيين، فكانوا على مثال "البقية" في زمن إيليا النبي، وهكذا ظهر طابع اختيار النعمة الذي لا يقف شيء في وجهه. والتذكير "بالبقية" في زمن إيليا هو أكثر من تصوير لما يحدث في زمن الرسول حيث دخلت أقلية من اليهود في الكنيسة. ففكرة "البقية" التي هي رئيسية في الكرازة النبوية، تريد أن تبيّن أنّ العدد الصغير لليهود المرتدّين إلى المسيحية، ليس مخالفة لمخطّط الله. أما استشهادات الكتاب المقدّس في آ 8- 10، فهي تبرز أن عناد اليهود الذين رفضوا أن يؤمنوا، قد أعلن في الكتب المقدّسة. وهذا العناد لا يفاجىء الله، لا سيما وأن النصوص البيبليّة تبيّن أن هذه التقسية (للقلوب) مرتبطة بالسببية الإلهية. ولكن يجب أن نتذكّر لدى قراءة هذا النصّ أن الله لا يقسيّ إلاّ الناس الذين اتخذوا قرارهم بأن يقسّوا قلوبهم. بهذه الطريقة صارت المواهب التي أعطاها الله لشعبه "فخاً وشكاً" (آ 9)؛ ينبوع دمار، لا ينبوع خلاص.

ب- المقطوعة الثانية (11: 11- 24)
تبيّن المقطوعة الثانية أن كفر اليهود هو مؤقت. وإن كان هدفه، في المخطط الإلهي، تسهيل ارتداد الوثنيين، فلا يجب أن يحرّك الكبرياء عند الوثنيين. يجب أن نعرف الآن (لا كما في 11: 1- 10) إن كان الله رذل كل شعبه، بل إذا كان اليهود قد رذلوا بشكل نهائي. أعلن بولس أن الواقع هو غير ذلك، أن الله لم يرذل شعبه بشكل نهائي. وقدّم ثلاثة اعتبارات تعود بنا إلى الشيء ذاته.
* الإعتبار الأول (آ 11- 15)
إذا كان الله قد رتّب كفر اليهود من أجل خلاص الوثنيين (هذا ما دفع الرسل للتوجّه إلى العالم الوثني وساعد الكنيسة على التحرّر من الفرائض الموسوية التي كانت أكبر حاجز لدخول الوثنيين إلى الإيمان)، فارتداد الوثنيين سيثير بدوره "غيرة" اليهود ويساعد على قبولهم في الكنيسة.
* الإعتبار الثاني (آ 16- 21)
ظلّ الشعب اليهودي، رغم كفره، شعباً مقدساً، إما بسبب أعضائه الذين انضموا إلى المسيح فكانوا الباكورة، وإما بسبب الآباء الذين كانوا الجذور. فإن افتخر الوثنيون بوضعهم المسيحي فاحتقروا اليهود، فهم ينسون أنهم بفضل إسرائيل نالوا الخلاص، أنهم غصن برّي طعّم على شجرة قديمة، أنهم يتعرّضون لأن يُقطعوا بأسرع من الأغصان الطبيعية.
* الإعتبار الثالث (آ 22- 24)
تطعّم الوثنيون على زيتونة غريبة بواسطة رحمة الله، فعليهم أن يستلهموا هذا الحنان الإلهي نفسه في علاقتهم مع اليهود، وأن لا ينسوا أن اليهود يستطيعون أن يطعّموا إن هم عادوا إلى المسيح، وأن العبور من العالم اليهودي إلى العالم المسيحي هو أكثر طبَعية من العبور من الوثنيّة إلى المسيحية.
كيف نفهم القول في آ 15 (إن كان انتباذهم مصالحة للعالم، فماذا يكون قبولهم سوى عبور من الموت إلى الحياة)؟ حسب آ 12 وآ 15، إن مشاركة إسرائيل التامة (الملء، على مستوى الكمية وعلى مستوى النوعية تقابل سقوطهم وانحطاطهم) في الخلاص يجب أن تكون لكنيسة المسيح انتصاراً كبيراً، "حياة تنطلق من الموت"، أي حياة تعاد إلى الأموات. يرى عدد من الشرّاح في هذه الآية مجرّد إستعارة: إن عودة الشعب (إلى المسيح، إلى الكنيسة) هي عمل عجيب جداً، وتجّلٍّ ساطع لقدرة الله، لهذا نسميها قيامة كما في حز 37 (العظام اليابسة تعود إليها الحياة. هكذا الشعب) أو في لو 15: 24، 32 وعودة الإبن الضال (كان ميتاً فعاش). غير أن بولس يحدّد موقع دخول مجمل الوثنيين إلى الجماعة المسيحية قبل ارتداد إسرائيل. وهذا ما يدفعه إلى القول بأن هذا الإرتداد يكون خاتمة تاريخ الخلاص. وهكذا نكون في قيامة الأموات العامّة. ولكن العبارة ليست واضحة كل الوضوح، وهذا ما يمنعنا من أي استنتاج ثابت عن علاقة كرونولوجية دقيقة بين ارتداد اليهود والقيامة الأخيرة للأموات.

ج- المقطوعة الثالثة (11: 25- 32)
إن هذه المقطوعة تفتح أمامنا طريقاً معرية: فكفر إسرائيل يتبعه تعلّق مجمل الشعب بيسوع. في ف 11، كان بولس قد استشفّ مراراً هذا "الإرتداد" (11: 11، 12، 15، 23، 24). وها هو الآن يعلنه بشكل واضح جداً، ويرمي بواسطة هذا الإعلان إلى أن يجعل الوثنيين المرتدين يقيمون في التواضع. إنه يسمي هذا الحدث "السّر". وهي لفظة (ترد 20 مرة في رسائل مار بولس، رج روم 16: 25) تدلّ لا على "خفيّة" محفوظة للمتدرّجين، بل على حقيقة بدأت مستورة ثم عُرفت فقط بفضل وحي إلهي يرتبط بشخص المسيح. ونحن هنا أمام وجهة هامة من مخطط الله الخلاصّي في العالم. والإعلان الذي ينقله الرسول لا يفهمه جميع الشرّاح بشكل واحد. وهم يجادلون بشكل خاص حول معنى آ 26 (وهكذا يخلص جميع إسرائيل) وآ 31 (عصوا الآن من أجل رحمتكم لهم، لكي يرحموا هم أيضاً بتوبتهم). "جميع إسرائيل" يقابل "البقية" (آ 5) و"بعض من إسرائيل" (آ 25). لسنا أمام اليهود ننظر إليهم فرداً فرداً، بل أمام إسرائيل كمجموعة. والرباط ليس على مستوى الزمن، بل على مستوى السببية بين كفر إسرائيل وارتداد الوثنيين (آ 11). ولكن هناك من فهم "جميع إسرائيل" في معنى الكنيسة التي تضمّ جميع المؤمنين سواء جاؤوا من العالم اليهودي أو من العالم الوثني.
كتب بولس في 11: 25- 26: "لا أريد، أيها الإخوة، أن تجهلوا هذا السّر... وهو أن تصلّباً عرى بعضاً من إسرائيل، إلى أن يدخل ملء الأمم". قال بعضهم: اسرائيل يعني الشعب المختار. وقال آخرون: شعب الله الجديد.
في هذا القول لا يمكن أن يكون للفظة "إسرائيل" معنى غير ذاك الذي في العبارة السابقة مباشرة، حيث يدور الحديث حول قساوة قلب قسم من إسرائيل، أي قسم من الشعب المختار وحده. وهكذا فعبارة "جميع إسرائيل" تتعارض مع بقية اسرائيل وبعض اسرائيل. ثم إننا نجد في هذه العبارة رنة يهودية تقابل "ملء الوثنيين".
والآن كيف نقرأ آ 31؟ "كما أنهم عصوا الآن أيضاً على أثر الرحمة التي مورست تجاهكم، لكي يكونوا هم الآن أيضاً موضوع الرحمة". أو: "وهم أيضاً في الزمن الحاضر قد عصوا بفضل الرحمة التي مورست تجاهكم لينالوا هم أيضاً رحمة في الزمن الحاضر". إن عبارة "بفضل (على أثر) الرحمة التي مورست" هي تتمة للكلام السباق: اليهود قد "عصوا". وبعبارة أخرى، يرى الرسول في ارتداد الوثنيين عذراً لليهود لئلا يدخلوا في الإيمان المسيحي. وهذا الدخول سيتمّ فيما بعد بفضل رحمة الله وحدها.
ولكن ربط عدد من الشرّاح "بفضل الرحمة التي مورست نحوكم" بالعبارة التالية: "لكي ينال اليهود هم أيضاً الرحمة". هذا التفسير يتوافق مع ما قيل في 11: 11، 14، وما يتضمن نصّ 11: 26. ففي 11: 11، أكّد الرسول أن الدور الذي لعبه في المخطط الإلهي ارتدادُ الوثنيين هو إثارة الغيرة لدى اليهود ودفعهم للإرتباط بالمسيح. وهكذا نكون أمام نتيجة غريبة عما اكتشف بعضهم من معنى في آ 31. يقولون: إن عمق العناد وقساوة القلب لدى اليهود هو نتيجة ارتداد الوثنيين. ثم إن 11: 14 تستعيد مرّة أخرى فكرة المزاحمة التي عبرت عنها آ 11. ونجد الشيء عينه في آ 26 وإن بشكل ضمني. نحن هنا أمام مدلول سببي وزمني: بعد دخول مجمل الوثنيين إلى الكنيسة، وبفضل هذا الدخول (هكذا) يتم "ارتداد" جميع إسرائيل.
وضعنا لفظة "ارتداد" بين مزدوجين. ففي 11: 15 يتحدّث النصّ عن "قبول" (إدخال جديد) اليهود في جماعة المؤمنين بعد أن استبعدوا (نبذوا) عنها. لا شكّ في أننا نجد في 2 كور 3: 16 تلميحاً مباشراً إلى ارتداد اليهود، أما في روم فلا نجد لفظة ارتداد. لقد رأى بولس في ديانة المسيح تتمة لديانة الشعب الأول كما أرادها الله (رج روم 11: 26- 27؛ ق أش 59: 20- 21؛ 27: 9). لهذا فهو لا يتحدّث عن تبديل في الديانة. ونذهب أبعد من هذا فنقول: أعلن الرسول في 11: 28- 29 أن اليهود "محبوبون" (من الله) بسبب الآباء، "لأن مواهب الله ودعوته بلا ندامة". فهل يُعقل أن تزول المواعيد التي أُعطيت لهم؟ إنها تجد كمالها في يسوع المسيح.
وهناك الفكرة المقابلة: إن خلاص إسرائيل الذي يتحدّث عنه 11: 26 يرتبط (بواسطة أش 59: 20- 21) بتدخل إلهي مقبل، ويتضمن الإقرار بالطابع المسيحاني ليسوع وبلاهوته، وقبول التعليم الإنجيلي. على هذا المستوى، يجب أن يرتدّ اليهود، شأنهم شأن غيرهم. وكما أن قساوة قلب اليهود (المنسوبة إلى الله في 11: 7- 10) هي ثمرة إرادة بشرية رديئة وحرة، كذلك لا يتم ارتداد كل اسرائيل (المنسوب إلى تدخل الله في 11: 26) إلاّ بانقلاب داخلي حرّ، بتعلّق العقول والإرادات البشرية تعلّقاً حراً بالمسيح.
وتفسير 11: 31 يقودنا إلى التفكير بأن رحمة الله التي ستغمر في النهاية جميع اليهود ستجري من الينبوع نفسه الذي ينعم به الوثنيون: الإعتراف بيسوع كالمخلّص الوحيد. ففي 11: 17، 19، 20، دُعي اليهود الذين لم يقبلوا يسوع كالمسيح "أغصاناً مقطوعة" بسبب عدم إيمانهم (كفرهم). هذا ما كان أش 28: 16- 17 قد قاله: إن شعب الله في حقبة النعمة، هو في أساسه جماعة روحية ترتكز على الإيمان بالمسيح. و"اسرائيل الله" الذي يتكلّم عنه غل 6: 16 يتألّف من كل الذين تعلّقوا بالمسيح (يهود أو وثنيون)، ولا يتألّف إلا منهم.
ويشكل مديح حكمة الله (11: 33- 36) خاتمة لتعاليم حول مخطّط الله الخلاصي نقرأه في ف 9- 11 (المرتبطة مع ف 1- 8). هذا النشيد الشعري يتألّف من تعجّبين (يا لعمق غنى الله! كم أحكامه لا تُسبر!) ومن ثلاثة أسئلة متوازية تستلهم أش 40: 13، 28 وعدداً من النصوص الحكمية. "من عرف فكر الرب (إر 23: 18؛ أي 15: 8)؟ من كان له مشيراً (أش 40: 13)؟ من أسلفه عطاء فيردّ إليه (أي 41: 3)؟ أمّا الآية الأخيرة (منه، به، إليه) فتدلّ على فكر بيبلي وتعبير يعود إلى العالم الرواقي.
سنعود إلى هذا النصّ الذي فيه يعبرّ بولس عن إعجابه المليء بالسجود حين يتأمّل في حكمة الله الرحومة التي تعمل من أجل خلاص البشرية كلها رغم عصيان البشر.

خاتمة
في ف 1- 8، بيّن بولس أن التعليم عن التبرير بالإيمان يتوافق مع العهد القديم (رج 1: 17؛ 3: 21؛ 4: 1- 25). وفي ف 8- 9، بيّن أن هذا التعليم يتوافق أيضاً مع مخطّط الله تجاه اسرائيل. وهذا ما يتيح له أن يجيب على سؤال مؤلم يقضّ مضجعه: جهل إسرائيل (الشعب الذي هو موضوع الإختيار والوعد) تحقيق الوعد في يسوع المسيح، فصار بكفره وعدم أمانته خارج الخلاص. فهل فشلت كلمة الله؟ كلا (9: 6). إن المرحلة الحالية في مخطّط الله توافق المراحل السابقة. فداخل الشعب المختار تبقى مجانية الإختيار كما هي داخل العالم الوثني. الله يدعو ونحن نجيب على الدعوة فنصبح من شعبه. هنا لا فرق بين يهودي ووثني. الطريق الوحيد الذي يوصل إلى المسيح هو الإيمان بنعمة الرب يسوع. وبهذا الإيمان، وليس بشيء آخر، يخلص اليهود والوثنيون (رج أع 15: 11). كل البشر مرّوا في الخطيئة والعصيان. وكلهم يستطيعون أن يلجأوا إلى رحمة الله. بدأ الوثنيون وآمنوا، وسيأتي في النهاية دور اليهود الذين ينالون الخلاص كما نالته الأمم قبلهم.
الفصل الثامن
تحريض وإرشاد

إن ف 12- 16 في روم تتضمن تحريضاً أخلاقياً وإرشاداً (12: 1- 15: 13)، ثم عرضاً حول نظرة بولس الرسولية ومشاريعه المستقبلية (15: 14- 33). وينتهي كل هذا (ف 16) بسلسلة من السلامات والتوصيات، وأخيراً بمجدلة تختتم روم فتقول: "للقادر أن يثبتكم على إنجيلي وبشارة يسوع المسيح... لله الحكيم الواحد، المجد بيسوع المسيح للدهور آمين".
بعد أن ندرس علاقة هذا التحريض بالفصول السابقة، نعطي فكرة إجمالية عن سلسلات النصائح الثلاث التي تنظّم حياة المسيحيين بعضهم مع بعض، وحياتهم في المجتمع.

1- علاقة التحريض بما سبق
لن ندرس في هذا الفصل إلا 12: 1- 15: 13. فقد سبق لنا ودرسنا مشاريع بولس الرسولية، كما توقّفنا بشكل مطوّل عند ف 16. سوف نتعرف إلى بنية هذه الفصول وتسلسل الأفكار فيها. أما موضوعها العام فتحريض وإرشاد (يبدأ بهذه الكلمة: أحرّضكم). فما هي علاقة هذا التحريض مع ف 9- 11 ثم مع ف 1- 8؟

أ- مقابلة مع ف 9- 11
يبدو للوهلة الأولى أن لا علاقة بين ف 12- 15 وف 9- 11 المكرّسة لكفر إسرائيل. ولكن التوقّف عند المفردات في بداية ف 12 يجعلنا نغيرّ رأينا. يستند بولس في تحريضه إلى رحمة الله (آ 1). كلمة يونانية نادرة، لا ترد إلا في هذا المكان من روم وهي تقابل فعل رحم الذي لا نجده في الجذر عينه إلا في روم 9: 15 (أرحم من أرحم، وأرأف بمن أرأف، الفعل الثاني). ونحن قريبون هنا من الرأفة والحنان والشفقة التي نجدها في 9: 23؛ 11: 31؛ 15: 9. وهناك الفعل أيضاً الذي يستعمل في روم 7 مرات. مرة في 12: 8 (الذي يرحم يفعل بالفرح). وست مرات في ف 9- 11 (9: 15، 16، 18؛ 11: 30، 31، 32. ولا يوجد الفعل في أي مكان آخر).
وهكذا يبدو أن ما يشرف على ف 9- 11 هو تأمل في الرحمة الإلهية، على مثال ما نقرأ في 11: 32: "لقد حبس الله الجميع في المعصية، لكي يرحم الجميع". حين أعلن بولس هذه الآية تفخر من قلبه نشيد الحمد في 11: 33- 36.

ب- مقابلة مع ف 1- 8
غير أن التحريض الكبير الذي يبدأ في 12: 1 يرتبط قبل كل شيء بالتعليم العقائدي الأساسي الذي يُعطى للمسيحيين في ف 1- 8. فالتبرير المجاني الذي أتمّه الله (3: 21- 5: 11) والذي يجعل المؤمن يحيا في المسيح (5: 12- 7: 6) وفي الروح (7: 7- 8: 39) يتضمّن تصرّفاً أخلاقياً يبدأ مع "إذن" في 12: 1. وهذا التصرف هو جواب عرفان الجميل يرسله الإنسان إلى رحمة الله التي سبقته. إن فكرة رحمة الله التي يعبرّ عنها بكلمات أخرى في ف 9- 11، تملأ أيضاً ف 1- 8. نحن نجد "النعمة" (15 مرّة)، "المحبة" (4 مرّات). النعمة هي قبل كل شيء تجلّي الحبّ الحرّ الذي به ينتزع الله (أو: المسيح) الإنسان من الخطيئة والموت ويدخله في حياة جديدة. وهي أيضاً هذه الحياة الجديدة عينها (5: 2، 17، 20). وهكذا نستطيع أن نسمّي بولس "ملفان النعمة".
وما يدلّ على ارتباط إرشاد 12: 1- 15: 13 بالتعليم في 1- 8، هو مضمون الآيات الأولى في ف 12. في آ 2، يعيدنا تجديد الدينونة إما إلى "جدّة" (جديد) الحياة التي هي (في 6: 4) ثمرة الموت والقيامة العمادية. وإمّا "جدة" الروح التي تعارض "عتق" الحرف الذي (في 7: 6) يعلن التحوّل الداخلي بفعل الروح القدس، وهو عمل سوف يصوّره مطولاً ف 8.
ثم إن 12: 1 يطلب من المسيحيين أن يقدّموا ذواتهم ذبيحة حيّة، مقدّسة، مرضية لله. لأن هذه هي العبادة الروحية التي ينتظرها الله من المسيحيين. نحن هنا تريبون من 1 بط 2: 5 حول عبادة داخلية تسمو على ذبائح الحيوانات في العهد القديم، وهي ذبائح لم يكن له معنى إلا كتعبير عن عطاء حميم يقدّم فيه الإنسان ذاته إلى الله (وهذا ما ذكرتنا به مراراً الكرازة النبوية). إن هذه العبادة الجديدة ترتبط بالتقدمة الذبائحية التي فيها قرّب المسيح نفسه. وانطلاقاً من هنا يفسّر طابعها الداخلي الذي لا يرتبط بالمدلولات اليونانية فيقودنا إلى القول بأنه لا يلزم الإنسان كله، بل نفسه فقط: إن بولس يطلب إلى المسيحيين أن "يقدموا أجسادهم ذبيحة حيّة".
إن هذه الليتورجيا الروحية للتدبير المسيحي (كما يطلبها 12: 1) لا تنفصل عن التجديد العمادي الذي يجعلها ممكنة. وهذا ما يدلّ عليه إستعمال الفعل الواحد خمس مرّات على التوالي في 6: 13، 16، 19. وهذا الفعل يعبرّ عن ضرورة تفرض على المسيحيين أن يقطعوا كل علاقة بالخطيئة، أو عن واجبهم بأن يقدّموا ذواتهم لله كأحياء عادوا من الموت (6: 13).
إن الفصول الأخيرة في روم هي مهمة جداً. هي شرعة بشرية جديدة يعيشها المسيحيون. إنها تدلّ على العلاقة التي يخلقها الحبّ بين مختلف أعضاء جسد المسيح. والفكرة المسيطرة هي أن الإنسان جزء من كلّ، أنّه لا يعيش منعزلاً في العالم. هو يرتبط برباطات من التضامن الوثيق مع آخرين يقاسمهم ذات المسؤولية ويشاركهم في ذات البركة.

2- تسلسل الأفكار
سنعود فيما بعد إلى التعليم الأخلاقي في ف 12- 15. إنما نشير الآن إلى تسلسل الأفكار داخل النصّ. إذا ألقينا فقط نظرة سطحية قلنا إن التحريضات تتلاحق بلا نظام ولا ترتيب. ولكن إذا تمعّنا في هذ الفصول وجدنا فيه (كما في ف 9- 11) تنظيماً للمواد حسب الرسمة البولسية المعروفة (أ- ب- أأ). فبعد آيتي المقدّمة حول العبادة الروحية، نقرأ أولاً في 12: 3- 16 (أ) نصائح عن علاقات المؤمنين بين بعضهم البعض داخل الجماعة. ونجد ثانياً في 12: 17- 13: 14 (ب) توصيات وفرائض تتوخّى تنظيم علاقات المسيحيين بمحيطهم: علاقات مع العالم الوثني بشكل عام، علاقات مع السلطات المدنية. وأخيراً نعود ثالثاً (14: 1- 15: 13) إلى حياة الجماعة الداخلية (أ أ) من زاوية محدّدة جداً: لقد حاول الرسول أن يخفف التوتّر بين مسيحيين مستنيرين (أي: الأقوياء) ومسيحيين موسوسين (أي: الضعفاء) داخل جماعة رومة المسيحية.
وها نحن نعطي فكرة إجمالية عن هذه السلسلات الثلاث من النصائح.

أ- السلسلة الأولى (12: 3- 16)
نبدأ مع السلسلة الأولى من النصائح: العلاقات العامة بين أعضاء الجماعة. لا يحسب الإنسان نفسه أكثر مما هو. ليلعب دوره دون أن يتعدّى حدود دعوته الفائقة الطبيعة (على حسب ما قسم الله لكل واحد). ويستعيد بولس بشكل موجز، في هذا المقطع، النظرة إلى الكنيسة، "جسد المسيح" التي توسّع فيها مطوّلاً في 1 كور 12: 12- 30. فإن لم يعد الآن يتكلّم كما في 1 كور 12: 27 عن الكنيسة "جسد المسيح" بل عن "جسد واحد في المسيح"، فلأنه أراد أن يميّز شخص المسيح عن أعضائه. والمسيح سيسمّى في رسائل الأسر "رأس الجسد". إن وحدة المسيحيين هي وحدة حيّة وعضوية. هي وحدة في التنوعّ، لا في تشابه تام بين عضو وآخر (السلسلة من الأشياء المصنوعة). فيجب على كل عضو أن لا يبقى جامداً وغير ناشط. وعليهم كلّهم أن يقوموا بالوظيفة التي أوكلت إليهم. وتذكر سبع مواهب في 12: 6- 8: النبوءة، الخدمة، التعليم، الوعظ، التدبير، الإجتهاد، الفرح.
نحن في 1 كور أمام مثلث يتضمن: العبادة الأفخارستية (ف 11). جسد المسيح (ف 12). المحبة الأخوية (ف 13). ونجد التعاقب نفسه في روم 12: "العبادة الروحية" في 12: 1 مع تلميح معقول إلى الافخارسيتا والمعمودية. ثم نقرأ: "جسد واحد في المسيح" (12: 5). وأخيراً، ممارسة المحبة الأخوية (12: 9- 16). هذه روح الخطبة على الجبل في هذا النصّ الأخير. والمحبّة المطلوبة فيه هي التي (حسب روم 5: 5) أفيضت في قلب الذين تبرّروا. فتلميذ المسيح يحبّ بالمحبّة التي بها أحبّه الله. نجد هنا (12: 9- 12) ذات العلاقة بين الحبّ والفرح والرجاء والثبات في المحنة، كما في 5: 2- 5.

ب- السلسلة الثانية (12: 17- 13: 14)
ونصل إلى السلسلة الثانية من النصائح: علاقات المسيحيين مع سائر الناس، أياً كانوا. فالتحريض الذي يبدأ في 12: 1 هو شامل جداً على مثال نقائض خطبة الجبل (مت 5: 38- 48). فالطلب "بأن نعمل الخير أمام كل الناس" (آ 17) يذكّرنا بما في مت 5: 16: "ليضىء نوركم أمام الناس". يطلب من المسيحي أن لا يردّ على الشّر بالشّر، أن يعطي الناس فكرة سامية عن المسيحية، أن يعيش بسلام مع الجميع، أن يترك الله يدين البشر، أن يطعم عدوّه ويسقيه. وأخيراً أن "يغلب الشّر بالخير". إن هذه العبارة الأخيرة ترتبط بالفكرة المركزية في روم 1: 8: إن سّر الحبّ الفدائي هو الوسيلة العظمى التي استعملها الله لينتصر على الشّر بالخير. وحين يحارب تلميذُ المسيح البغض بالحبّ، فهو يقتدي بالله. إنه يشارك في انتصار الإنجيل الذي هو "قوة الله لخلاص كل إنسان يؤمن" (1: 16). وإذ يشدّد الرسول كل هذا التشديد على واجبات المسيحيين تجاه العالم الوثني، فهو يدلّ أنه لا يريد أن يجعل من مجموعة المؤمنين جماعة منغلقة على ذاتها. إن وجب عليهم أنّ ينفصلوا (12: 2) فعلى مستوى العقلية والعادات. إنهم يشبهون الآخرين ويتميّزون عنهم. ففي إطار حياة مشترك، يكون لنا سلوك مقدّس. هذه هي المتطلّبة الأساسية في الشهادة المسيحية.
يعالج 13: 1- 7 الخضوع للسلطة المدنية، داخل فرضية سلطة نظامية تهتمّ بإحلال الخير المشترك (لا يتوقّف بولس عند الوضع حين تكون السلطة ظالمة). يؤكد بولس، لا على المستوى التاريخي، بل على المستوى المبدأي أن الله أسس السلطة التي هي انعكاس لقدرة الله. فهي، كقدرة الله، تمارس من أجل خير الإنسان. إذن يجب على الجميع أن يطيعوها، ولهم في هذه الطاعة فائدة.
لقد نالت السلطة المدنية من 13: 1- 7 تكريساً سامياً، فاعتبرت آتية من عند الله. ولكن هذا النصّ لا يشير إلى ملكوت المسيح بطابعه الروحي المحض. ولا يتيح لنا كما قيل في العصور الوسيطة أن نظنّ أن السلطة المدنيّة تخضع للكنيسة ولرئيسها المسيح. بل إن التعليم البولسي يتضمن خاصية السلطة السياسية.
وكانت فرضية عن "السلطات التي هي فوقنا" (العليا): إن الرسول يرى وراء السلطات السياسية قوّات الملائكة التي تشكل السلطات السياسية أداة لها وظهوراً. فهذه القوات الملائكية عينها (حسب 1 كور 2: 8) وجّهت البشر المسؤولين عن موت المسيح. هي الآن خاضعة للمسيح المجيد، ولكن بقيت لها إمكانيّة إعادة الحياة إلى رغباتها الشيطانية. أما البرهان المقدّم فهو أن "السلطات" (أو القوّات) في صيغة الجمع تدلّ عند بولس على القوى السماوية (1 كور 15: 24؛ كو 1: 16؛ 2: 10، 15؛ أف 1: 21؛ 3: 10؛ 6: 12). ولكن أكثر الشرّاح يرفضون هذه النظرية. فاللفظة اليونانية تنطبق على السلطات السياسية في العالم اليوناني وفي العالم اليهودي. وهذا ما يثبته روم 13: 2 مع المقابلة بين السلطات والحكّام.
وبعد طلب الطاعة للدولة، يعود بولس في 13: 8- 10 إلى واجبات المسيحيين تجاه سائر البشر. وهذا يعني أن هذا المقطع هو امتداد لما في 12: 17- 21. فالعبارة "المحبّة المتبادلة" (آ 8) لا تدلّ فقط على محبّة المسيحيين بعضهم لبعض. إنها متطلّبة تدلّ على الشمول في المحبة. كما في العبارة التي تسبقها بشكل مباشر: "لا يكن لأحد عليكم دين". حين نقرأ العبارتين معاً نفهم أننا لا نستطيع أبداً أن ندفع "الدين"، دين المحبّة للآخرين مهما كانوا. هنا نعود إلى إعلان آ 10: "المحبّة هي تمام الناموس". هي تمام كل ناموس، الناموس الموسوي وغيره.
ويشرح بولس في آ 11- 14 للمسيحيين أن عليهم أن لا يتركوا رذائل الوثنيين تسيطر عليهم. فلَيلُ الضلال سيزول ويحلّ محلّه الخلاص الاسكاتولوجي بكل أبعاده، أي: إنتصار المسيح (والجماعة المسيحية) على عالم الخطيئة. وهو انتصار أقرب إلى مؤمني رومة مما كانوا عليه ساعة اعتنقوا الإيمان. كل هذا يدلّ على أن فكرة المجيء الثاني كانت حاضرة لدى الرسول حين كتب هذه السطور. وانتشار الإنجيل كان سريعاً، بحيث ظنّ أن الغلبة النهائية صارت قريبة. ولكنا نخطىء خطأ فادحاً إن تحدّثنا عن حسابات زمنية (متى تكون النهاية). فبول يكتشف في نموّ الرسالة علامات تسبق الخلاص النهائي. فلا نطلب منه أكثر من ذلك.

ج- السلسلة الثالثة (14: 1- 15: 13)
وهذه سلسلة النصائح الثالثة: العلاقات بين "الأقوياء" و"الضعفاء" داخل الجماعة المسيحية في رومة. هذا التوسّع الطويل يعطي أفضل تعبير عن النظرة المسيحية للاخلاق. سنتوسّع فيه فيما بعد. أما الآن فنكتفي بطرح سؤال أولي يشرف علي فهم هذا المقطع: من هم هؤلاء "الضعفاء" وهؤلاء "الأقوياء" في جماعة رومة المسيحية؟ يجب أن ننطلق من الضعفاء لنكتشف الوضع في رومة.
"الضعيف في الإيمان" هو المسيحي الذي يميّز بين طعام وطعام، الذي يمتنع عن اللحوم والخمور (14: 2- 17، 21). الذي يميّز بين الأيام (14: 5)، فيختار هذا اليوم أو ذاك ليقوم بعمل أو ليمتنع عن شيء من الأشياء (مثلاً، يقال اليوم: لا "نفصل" الثياب يوم الثلاثاء، لئلا يموت صاحبها فيوّرثها للآخرين). والضعيف هو أيضاً المسيحي الذي يتردّد (14: 23) ويرتاب، فلا يعرف ماذا يفعل. إنه متحيرّ، موسوس. ووسوسته لا أساس لها. يرى أن بعض الاطعمة هي نجسة، مع "أن كل شيء طاهر" (14: 20).
و"الأقوياء" الذين نفترض أنهم كانوا الأكثرية في جماعة رومة، هم مسيحيون غريبون عن هذه الوسوسات، فلا يميّزون طعاماً عن طعام، ويوماً عن يوم. ولقد جعل بولس نفسه بين الأقوياء. قال: "نحن الأقوياء" (15: 1). وطلب من "الضعفاء" أن لا يدينوا الأقوياء (آ 2- 12). ولكنه اهتم بأن يعطي درساً للأقوياء: طلب منهم أن لا يشكّكوا "الضعفاء" (14: 13- 21) وقدّم لهم المسيح نفسه كمثال للتجرّد (15: 1- 7).
رأى بعض الشرّاح القدماء، ومنهم اوغسطينس، أن الضعفاء هم المتهوّدون، أي المسيحيون الذين ما زالوا متعلّقين بالفرائض اليهودية (كما في غلاطية). ولكن المسألة التي طرحها المتهوّدون في كلاطية كانت مسألة إيمان بالمسيح (المقلقون في غلاطية هم متهوّدون زعزعوا أسس المسيحية). أما صدق الإيمان المسيحي لدى "الضعفاء" في رومة، فلا شكّ فيه. لهذا يعاملهم الرسول بلطف المسيح ووداعته. ثم إن الشريعة الموسوية لم تكن تحرّم اللحم والخمر إلا على الكاهن أثناء خدمته، وعلى المنذور. وأعلن ايرونيموس ويوحنا الذهبي الفم وتيودورس المصيصي أن الضعفاء هم يهود أرتدوا حقاً إلى المسيحية وحافظوا على الختان. ولكننا نلاحظ أن نصّ روم لا يتكلّم أبداً عن الختان.
وقابل اوغسطينس وبلاجيوس ضعفاء رومة مع مسيحيّي كورنتوس الذين سمّوا هم أيضاً "ضعفاء" (1 كور 8: 7، 9، 10، 11، 12؛ 9: 22) إذ رفضوا أن يأكلوا من اللحوم المذبوحة للأصنام. وما يسند هذا القول هو تعليمات 1 كور 8: 1- 13؛ 10: 23- 33 التي أرسلها بولس إلى جماعة كورنتوس المقسومة حول مسألة هذه اللحوم، والتي تشبه بألفاظها ومدلولها ما نقرأ في روم 14: 1- 15: 13.
وجب على المسيحيين أن يتجنّبوا الشكوك (روم 14: 13، 20، 21؛ 1 كور 8: 9- 13). وطلب منهم بولس أن لا يحزنوا الأخ بطعام (روم 14: 15؛؛ 1 كور 8: 12). وذكّرهم أن المسيح قد مات عن الأخ الضعيف (روم 14: 15؛ 1 كور 8: 11). وفرض عليهم أن لا يطلبوا بأنانية ما يرضيهم (روم 15: 1؛ 1 كور 10: 33). وهناك واجب كل مسيحي بأن لا يدمّر عمل الله، بل أن يبني (روم 14: 19؛ 15: 2؛ 1 كور 8: 1؛ 10: 23). ويشدّد الرسول على الطابع الثانوي لمسائل الطعام والشكر الواجب لله حين نتناوله (روم 14: 6، 17؛ 1 كور 8: 8؛ 10: 30).
تقاربات عديدة. ولكن يجب أن لا تنسينا الفرق الأساسي بين وضع الجماعة المسيحية في 1 كور وفي روم. فلا حديث عن اللحوم المذبوحة للأوثان في روم. وهذه المسألة تتعلّق بتعدّد الإلهة (ليس الوثن بشيء، 1 كور 8: 4). ويعارضها بولس بإعلان هذه العبارة التي لا تجد ما يقابلها في روم.
ولهذا تبدو النتيجة الوحيدة التي نستخلصها من هذه التشابهات: إن بولس يبدو قاسياً حيال مسائل أساسية متعلّقة بالإيمان (كما في غل). غير أنه يقبل بإختلاف في المواقف في الأمور الثانوية. فبين المسيحيين من يكونون جريئين ومتحرّرين. أما الآخرون فيخافون. لا يتعجّب الرسول من ردّات الفعل المختلفة، ولكنه يطلب أن لا تضّر التوافقَ والمحبة.
وهناك حلاّن يتوزعان الشرّاح. الأول، إن أكل البقول لدى "الضعفاء" يرتبط بممارسات نسكية انتشرت انتشاراً واسعاً في العالم القديم، اليوناني (جماعة فيتاغور) واليهودي (الاسيانيون. كما يتحدّث عنه فيلون الأسكندراني). الثاني، تصرّف الضعفاء هو تصرّف المسيحيين المتهوّدين الذين ظلّوا متعلّقين تعلّقاً عميقاً بفرائض الشريعة الموسوية، فما أرادوا أن يتركوها وإن لم تكن ضرورية للخلاص. وهذا ما يميّزهم عن المتهوّدين في غلاطية.
هناك معطيات تدعونا إلى الأخذ بالطرح الثاني وإن لم نجد حلاً للإمتناع عن الخمر. فما قاله بولس (14: 14- 20: لا شيء نجس. كل شيء طاهر) يدلّ على التمييز الطقوسي بين الطاهر والنجس، ويشير إلى كلام يسوع حول نجاسة اللاويين والنجاسة الباطنية التي تؤخذ وحدها بعين الإعتبار (مر 7: 14- 23 وز). ثم في خاتمة روم 15: 1- 13، تطلب آ 1- 2 من "الأقوياء" ان يهتموا بخير "الضعفاء"، ومن كل مسيحي بأن ينسى نفسه من أجل منفعة الآخرين. هذا ما يقابل آ 7 التي تفرض على أعضاء الجماعة المسيحية أن يتقبّل الواحد الآخر. وتشير آ 3- 4 أيضاً إلى تجرّد المسيح (المرتبط بالصليب) في رسالته كما أنبأت بها الكتب المقدّسة. وتأتي آ 8- 10 فتذكر حنان المسيح تجاه اليهود الذين لأجلهم حقّق المواعيد ورحمة الله من أجل الوثنيين على ما قال الأنبياء في العهد القديم.

خاتمة
سيطر على هذا الفصل القسمة بين الضعفاء والأقوياء. ولكننا ما زلنا داخل الإيمان الواحد في كنيسة رومة. وقد يكون بين الضعفاء مسيحيون من أصل يهودي ومسيحيون من أصل وثني. ولكن تبقى القسمة الكبيرة هي بين العالم اليهودي والعالم الوثني. غير أن المسيح الفادي أزال الإنقسام بين البشر. وفيه قالت الرسالة إلى أفسد: "المسيح هو سلامنا. جعل من الشعبين (اليوناني، واليهودي) واحداً، إذ نقض الحائط الحاجز بينهما أي العداوة" (أف 2: 14).
الفصل التاسع
الثالوث وسر الخلاص
تبدو روم بادىء ذي بدء كتعليم عن سّر الخلاص (سوتيريولوجيا) كما نقرأ في 1: 16- 17. وفي هذا الفصل وفي الفصول التي تتبعه سنقوم بدارسة إجمالية عن العلاقات بين السوتيريولوجيا والكرستولوجيا (التعليم عن يسوع المسيح) والثالوث الأقدس. بعد هذا نتوقّف عند المسائل التالية: الحياة الجديدة لدى المسيحي والأقانيم الإلهية الثلاثة (ف 1- 8). المسيح آدم الجديد وعبد الله المتألّم، وتضامننا مع المسيح ومع آدم (5: 123- 21). الوجه الشامل والوجه الشخصي لدراما الخلاص. حياة الجماعة الكنسيّة ومثلّث الإيمان والرجاء والمحبة. تاريخ الخلاص بمراحله المختلفة مع اعتبارات حول مسيرة مخطّط الله في العالم. ونبدأ بنظرة إجمالية حول السوتيريولوجيا (التعليم عن الخلاص) وسّر الثالوث الأقدس.

1- تعابير إيمانية
إن التعليم اللاهوتي في روم يرتكز على تأكيدات كرستولوجية مهمّة جداً. والقسم الكبير منها هو في الأصل تعابير إيمانية في الكنيسة الأولى، أفعال إيمان قبل "نؤمن" مجمع نيقية.

أ- 1: 3- 4: "إنجيل الله الذي سبق فوعد به على ألسنة أنبيائه في الكتب لمقدسة عن ابنه، المولود بحسب الجسد من ذرّية داود، المقام بحسب روح القداسة في قدرة الله بقيامته من بين الأموات، يسوع المسيح ربنا".
نحن هنا أمام بشرى، أمام خبر سارّ: يعلن الله ابنه في العالم. يرسله إلى العالم ليقيم ملكوته. والطابع الجديد للإنجيل يعني قبل كل شيء شخص يسوع المسيح. كانت النبوءات في العهد القديم قد تحدّثت عن حب الله وغفرانه للبشر. والآن قد تمّت كل هذه المواعيد في يسوع. لهذا قال بولس عن نفسه في آ 2: إنّ الله فرزه لكي يحمل إلى البشر، إلى الوثنيين كما إلى اليهود، الإنجيل الذي أعلنه الأنبياء في القديم.
إن آ 3- 4 تستعيد فعل إيمان يبرز في توازن تام. يسوع، بحسب الجسد، قد خرج، قد وُلد من ذرية داود. وحسب الروح (القدس)، قد أُقيم ابن الله بالقدرة، بقيامته من بين الأموات. نحن هنا أمام الطبيعة البشرية والطبيعة الإلهية في المسيح. كما نحن أيضاً أمام وجهتين من وضع يسوع المسيح: قبل الفصح، ضعف الجسد ووضاعته. وبعد الفصح، دخول إلى ملء القدرة الإلهية. أكّد بولس هنا ان يسوع هو في وضعه البشري ابن الله (أنت ابني الحبيب، في العماد). وسيؤكّد لاهوته في 9: 5 (المسيح، إله مبارك إلى الدهور). أما في القيامة، فقد أُقيم يسوع ابن الله: لقب جديد ومسيحاني. مهمته أن يشرك المؤمنين في بنوّته الإلهية (8: 29؛ غل 4: 5- 7)، ويمارس وظيفته كربّ الأحياء والموتى (14: 9). هنا نقول: ليست القيامة هي التي جعلت يسوع ابن الله. ولكن في القيامة رفعه الله بشكل سامٍ جداً وأعطاه المجد والقدرة. كانت بنوّته خفية فصارت ظاهرة للعالم.

ب- 4: 24- 25. "نحن المؤمنين بالذي أقام، من بين الأموات، يسوع ربنا، الذي أسلم لأجل زلاّتنا، وأُقيم لأجل تبريرنا". هنا يعود النصّ إلى أش 53: 6، 12 حسب اليوناني. "كلّنا ضللنا كالغنم. كل واحد ضلّ في طريقه. والرب أسلمه عن خطايانا... لهذا سيرث الكثيرين ويقاسم الأقوياء الغنائم، لأنه سلّم نفسه إلى الموت. وأحصي بين العصاة وحمل خطايا الكثيرين وأسلم بسبب خطاياهم".
إنّ التبرير هو مشاركة أولى في حياة المسيح القائم من الموت (6: 4؛ 8: 10). إن بولس لا يفصل موت يسوع عن قيامته. في العهد القديم، الله يبرّر حين يدين (مز 9: 9: يدين العالم بالبر ويحكم على الأمم بالإستقامة). في العهد الجديد سيدين في اليوم الأخير (2: 5). وحين نقول إنه "يبرّر" بواسطة المسيح (3: 24)، فنحن نعني أنه يهب عطية البرّ والقداسة بالنظر إلى الإيمان وحده (1: 17)، لا إلى أعمال الناموس (3: 27؛ 7: 7).
هنا نقرأ في الخط عينه 8: 32: "هو الذي لم يشفق على ابنه الخاص، بل أسلمه عنا جميعاً، كيف لا يهبنا أيضاً معه كل شيء"؟ نحن هنا في جوّ ذبيحة إسحق (تك 22: 16) وفي خط أش 53: 6: "أسلمه الله من أجل خطايانا".

ج- 5: 8- 9: "وأما الله فقد برهن على محبّته لنا بأن المسيح قد مات عنا ونحن بعد خطأة. فكم بالأحرى، وقد برّرنا الآن، نخلص به من الغضب". في هذا الخطّ نقرأ غل 2: 20: "إني أحيا في الإيمان بابن الله الذي أحبني وبذل نفسه عنيا. بهذه الصورة أشار بولس إلى صليب يسوع، وإلى موقف الذين يجعلون هذا الصليب بلا فائدة لأنهم يظنّون أنهم يتبرّرون بواسطة الشريعة الموسوية.
ويقول بولس في أف 5: 2: "أسلكوا في المحبّة على مثال المسيح الذي أحبّكم (أحبّنا) وبذل نفسه لأجلنا، مقدّماً نفسه لله ذبيحة رائحة طيّبة". يعود بنا هذا إلى خر 29: 18؛ مز 40: 7؛ حز 20: 41.
ونقرأ من روم أيضاً 10: 9 كفعل إيمان في كنيسة رومة (أو: كورنتوس، من حيث كتبت روم): "إن اعترفت بفمك أن يسوع هو ربّ، وآمنت بقلبك أن الله أقامه من بين الأموات، فإنك تخلص". إن تعلّق القلب الداخلي يقابل إعلان الإيمان الخارجي كما تمّ في المعمودية، بفم المؤمن أو بفم من تلا عنه "قانون الإيمان".
الإيمان هو العمل الذي به يسلّم الإنسان ذاته إلى الله الذي هو وحده صاحب الخلاص في يسوع المسيح. والإيمان هو جواب على بُشرى الخلاص التي أعلنها المبشّرون. هو لا يستند إلى الحكمة البشرية، ولا إلى شخصية الرسل، بل إلى قدرة الله. الإيمان الذي هو تعلّق العقل بالإنجيل هو في الوقت عينه خضوع الإنسان لله والطاعة لوصاياه.
في روم 10: 9 نرى خصوصاً أن اعتراف الإيمان يلزم الإنسان كله، نفساً وجسداً، عقلاً وروحاً. فعلى الفم أن يعبرّ عما في القلب. وعلى الأعمال أن تدلّ على تعلّقنا بالمسيح تعلّقاً يصل بنا حتى التضحية بحياتنا: نفعل كما فعل هو.

2- المسيح ابن الله والروح القدس
أ- المسيح
في هذه النصوص ولا سيما في 1: 3- 4 نتعرّف إلى الكائن الأزلي، يسوع المسيح ابن الله، في تواضع وجوده البشري، وفي ارتفاع ناله في سرّه الفصحي. نحن نكتشف هنا ثلاثة تأكيدات رئيسية.
* التأكيد الأول
المسيح هو منذ الأزل "ابن الله" في المعنى الحصري. لا شكّ في أن تسمية "ابن الله" عنت في التوراة الملك الذي يتبنّاه الله يوم يعتلي العرش. والشعب هو ابن الله على ما قيل في هوشع: من مصر دعوت ابني. أما هنا فلفظة الإبن تقوله أكثر من العهد القديم ولا تنطبق إلا على شخص واحد هو الأقنوم الثاني من الثالوث الأقدس. هذه البنوّة قد اكتشفها بولس على طريق دمشق في وحي وصل إليه في بداية حياته مع يسوع.
* التأكيد الثاني
في وقت محدّد في التاريخ، أخذ ابن الله الطبيعة الإنسانية، صار بشراً (من لحم ودم). تدلّ كلمة "جسد، بشر" هنا كما في يو 1: 14 على الطابع المائت والسريع العطب الذي يرافق الطبيعة البشرية. ولا تدلّ إطلاقاً على الخطيئة. صار ابن الله بشراً في خطّ السلالة الداودية. ماذا وضعنا جانباً هذا القول الذي يربط الكرستولوجيا بالتاريخ، فالرسول لن يتحدّث كثيراً عن يسوع بحسب الجسد، ولا عن المسيحانية الداودية.
* التأكيد الثالث
تجاه ضعف الجسد (البشرية) هناك قدرة روحية وسّرية. "أُقيم، جعل" كما في أع 10: 42؛ 17: 3: جعل بقيامته ابن الله المرتدي بالقدرة (1 كور 15: 43؛ 1 تس 1: 5؛ مر 9: 1). حسب روح القداسة. أو: حسب روح التقديس. قد تدلّ الكلمة على الروح القدس. أو بالأحرى نحن أمام "شيء" يتعلّق بالمسيح (أي: الطبيعة الإلهية). هو يمتلكه منذ الأزل. وبعد ذلّ حياته على الأرض، عاد إشراقه بفضل قيامته من بين الأموات. وهناك من قال: إن المسيح أُقيم، بقيامته، روحاً مقدِّساً، بحيث إن الحياة التي ينقلها إلى البشر هي مشاركة في حياته السماوية.
ونعود إلى 9: 5. إذا قرأنا رسائل بولس نجد عادة أن الإسم الإلهي للمسيح هو "الرب" (كيريوس). أما لفظة "الله" (تيوس) فهي محفوظة للآب. ولكن في 9: 5 يسمّي بولس يسوع "الله". نجد هذا النصّ في خاتمة تعداد امتيازات إسرائيل: التبنّي، المجد، العهود، الإشتراع، العبادة، المواعيد، الآباء. وينتهي التعداد بجملة فسّرت تفسيرين رئيسيين. الأولى: "منهم (من بني اسرائيل) خرج المسيح بحسب الجسد (أي فيما يخصّ الطبيعة البشرية). وهذا المسيح هو فوق كل شيء إله مبارك إلى الدهور". الثاني: يجعل وقفة بعد "بحسب الجسد". ويجعل من الباقي مجدلة تتوجّه إلى الله الآب: "ليكن الله الذي هو فوق كل شيء مباركاً إلى الدهور". هناك ما يسند التفسير الأول: إن مجدلات بولس ترتبط عادة بما يسبق (1: 25؛ 2 كور 11: 31؛ غل 1: 5). إن مسيرة الفكرة تصل بنا بشكل طبيعي إلى تمجيد المسيح الذي هو ذروة امتيازات شعب إسرائيل: فهذه الإمتيازات هي عظيمة جداً، لأن المسيح ليس فقط إنساناً، بل يمتلك الطبيعة الإلهية. ثم إن التعارض بين الطبيعة الإلهية والطبيعة الإنسانية في المسيح، أمرٌ معروف في الرسائل البولسية.

ب- الروح القدس
في العهد الجديد، كما في مجمل القديم، يُعرض الروح القدس على أنه قوة إلهيّة، لا على أنه شخص بالمعنى الحصري للكلمة. ولكن هناك مواضع تبدو شخصية الروح القدس فيها واضحة، ولا سيّما عند القديم بولس الذي يقدّم لنا التعليم الثالوثي عن الروح القدس. ماذا تقول روم في هذا المجال وخصوصاً ف 8؟ يبدو الروح ككائن شخصي يقيم في المسيحيين (8: 9، 11)، يحرّكهم بنشاطه (8: 11، 14)، يشهد لأرواحهم أنهم أبناء الله (8: 16). يأتي إلى معونة ضعفهم، وإذ يحضر فيهم يتشفّع من أجلهم بأنّات لا توصف (8: 26). هذا الروح الذي هو في الوقت عينه روح الله الآب (8: 9، 14)، وروح المسيح أو روح الإبن (8: 9؛ 8: 15؛ ق غل 4: 6: "روح ابنه")، لا يسكن في المؤمنين إلاّ إذا سكن الإبن فيهم. أما إذا غاب فهذا يعني أن الإبن غائب (8: 9- 11). وهذا يعني اتحاداً لا ينفصم بين الروح والابن. ومع ذلك يبقى التمييز بين الابن والروح واضحاً. لا يسمّى الروح أبداً ابن الله. ولا ينسب إليه الرسولُ النشاط الفدائي الذي قام به يسوع على الأرض. وسوف نرى فيما بعد أن العبارتين البولسيتين "في المسيح" و"في الروح"، ترتبطان ارتباطاً وثيقاً ولكنهما ليستا مترادفتين.

3- النشاط الإلهي
حين حدّثنا كتّاب العهد الجديد، ولا سيما بولس ويوحنا، عن الله، لم يحاولوا أن يكشفوا لنا كائنه الحميم، بل نشاطه الخارجي الحرّ، وبالأخص عمل الخلاص من أجل البشر. ولكن عبر هذا العمل، هم يقولون لنا بعض الشيء عما هو الله في ذاته، عمّا هم الآب والابن والروح القدس في ذاتهم. إن الرسول يعلّم أن المسيح هو ابن الله في المعنى الحصري. ويفهمنا أيضاً أن الروح القدس هو أيضاً في قلب الثالوث. هذا الروح الذي هو للآب والابن، الذي يكمّل عملهما التقديسي فيتيح لنا جواب الأبناء على نداء الله بعطاء حرّ من قبلنا. "فإن جميع الذين يقتادهم روح الله هم أبناء الله" (8: 14).
قدّمت روم بشكل عابر معطيات كرستولوجية وثالوثية، ولكن لهذه التعابير أهميتها، وقد لعبت دوراً كبيراً في توسّع اللاهوت. ففي استكشاف سّر الثالوث، فُتحت طريقان مختلفتان: مسيرة الوحي البيبلي الذي شدّد على الله الواحد، فرفض تعدّد الآلهة. مسيرة ثالوثية الأقانيم (أو: الأشخاص). انطلقت واحدة من وحدة الجوهر الإلهي ثم تأمّلت في الأقانيم الثلاثة (خطّ الآباء اللاتين، ولا سيّما القديس أوغسطينس). وانطلقت الثانية مباشرة من وحي العهد الجديد حول الأقانيم الثلاثة الإلهية فوصلت إلى جوهر الله الواحد (خطّ الآباء اليونان). خطّان شرعيان. ولكن يبدو أن خطّ الآباء اليونان هو أقرب إلى لاهوت القديم بولس الذي ربط (في روم) تبرير المسيحيين وتقديسهم بكل من الأقانيم الإلهية: بدأ مع الآب، ثم ابن الله المتجسّد وآدم الجديد، وأخيراً الروح القدس. ومهما يكن من أمر، ففي روم كما في سائر أسفار العهد الجديد، يتعلّق إعلان الخلاص بفكرة دقيقة عن كيان الله (الآب والابن والروح القدس) الذي هو ينبوع عمل الخلاص.

4- تعليم عن الخلاص
ولكن يبقى أن تعليم روم هو في جوهره تعليم عن الخلاص، سوتيريولوجيا. وهذه السوتيريولوجيا تتركّز على المسيح، لأن المسيح هو في نظر بولس المحبوب الأول. فالآب يرسم في المسيحيين صورة ابنه "ليكون بكر إخوة كثيرين" (8: 29). ويتمّ التوافق مع صورة الابن على هذه الأرض بفضل تحوّل داخلي متدرّج (2 كور 3: 18). ولن ينتهي إلاّ في مجيء الابن (1 كور 15: 49).
أبرز بعض الشرّاح التوجه السوتيريولوجي في روم، ولكنه حصر نظرته في المؤمنين وحدهم. قال: توخّت روم أن تبيّن قوة الله في خدمة الذين آمنوا بالإنجيل، وأن هذه القوة تخلّصهم. ولكن يبدو أن الرسول يطرح السؤال في أبعاده الواسعة. كتبت روم في ذروة رسالة بولس، وساعة كان مهتماً بتوحيد المسيحيين الآتين من العالم اليهودي والمسيحيين الآتين من العالم الوثني، وبحَمْل الإنجيل إلى حدود الإمبراطورية (15: 14- 29). كتبت فنفحتها روحُ المسكونية وروح الوحدة: إن هدف مخطّط الله هو خلاص الجنس البشري وتوحيده كله في الإيمان بالمسيح.
ولكن، أي خلاص نعني؟ مع أن العهد القديم لم يجهل وجهة الشمولية والوجهة الروحية، إلا أن الخلاص ظلّ محصوراً في شعب الله وحده، وظلّ على المستوى السياسي والزمني. أما الفكرة المسيحية للخلاص كما تسلّمها بولس من الجماعات الأولى فكانت في نجاة من الخطيئة، تقدّم لجميع البشر بواسطة المسيح. وهناك سمتان تميّزان السوتيريولوجيا الخاصة ببولس: تشديد على الإيمان. إبراز الطابع المسكوني للتعليم المسيحي. في 1: 16 نقرأ: اليهودي أولاً ثم اليوناني. هذا يعني البشرية كلها (كما نقول: السماء والأرض، يعني الخليقة كلها). إن عبارة "أولاً" تدلّ على أولوية زمنية. إنطلق يسوع من العالم اليهودي، وكذلك فعل الرسل لكي يصلوا إلى العالم الوثني.
فالناس يخلصون بتعلّقهم بتدخّل الله الحاسم بواسطة شخص يسوع وعمله. فالرسول لا يميل بنظره دقيقة واحدة عن المخلّص: ففيه يتأمّل البشرية كلها، وهذا ما يتيح له أن يراها، في الوقت عينه، في ضعفها الذي لا شفاء منه بدون النعمة، وفي سموّ دعوتها الفائقة الطبيعة. فالصور المتعاقبة عن الخطيئة الشاملة (1: 8- 3: 20 ثم 5: 12- 21 ثم 7: 7- 25) تخضع خضوعاً وثيقاً للعروض السوتيريولوجية التي تليها فتعطيها ملء مدلولها. وبعبارة أخرى، إن "الإنجيل" الذي أعلنه بولس "كقوة الله لخلاص كل من يؤمن" (1: 16)، لا نفهمه في العمق إلا إذا تعرّفنا مسبقاً إلى شقاء البشرية (على المستوى الخلقي) المحرومة من المسيح. "يا لي من إنسان شقي! من ينقذني من جسد الموت هذا؟ الشكر لله بيسوع المسيح ربنا" (7: 24- 25).

خاتمة
كيف بدت براهين بولس وعودته إلى الكتاب المقدّس؟ إن الروح الذي يلهمه يختلف كل الإختلاف عما عند الرابانيين. إلتفتوا هم إلى الماضي، إلى عطية الشريعة الموسوية المكتوبة، وربطوا بها كل تجديد في الشريعة الشفهية المتناقلة. أما بولس فعاش في المستقبل، أي في المسيح. في العهد الذي دشّنه المسيح، في الأزمنة الجديدة التي كان العهد القديم تهيئة لها وصورة. تسلّم بولس وديعة العهد القديم، فرأى فيها لا قاعدة إيمانه الذي يأتيه من المسيح، بل المربيّ الذي هيأ ملك الحكمة الإلهية وعمل الشاهد الأمين الذي هو يسوع المسيح.
مع القديس بولس لسنا أمام مفكّر بنظرات عامة ومجرّدة. بل أمام صوفي حمله عالم الروح فاستند إلى خبرة دينية خارقة عاشها على طريق دمشق، وحاول طوال حياته أن يعبرّ بكلمات البشر عمّا لم تره عين، ولم تسمع به أذن، ولم يخطر على قلب بشر.
الفصل العاشر
مبادرة الاب

ندخل في الحديث عن حياة المسيحي الجديدة والثالوث الأقدس حسب روم 1- 8. ننطلق من سّر الثالوث، ونتوقف في هذا الفصل عند مبادرة الآب تاركين لفصلين لاحقين الحديث عن الحياة في المسيح، ثم الحياة في الروح.

1- الثالوث الأقدس
إن العبارات الثالوثية في الرسائل البولسية هي عديدة ومتنوّعة. والحالات العديدة التي فيها يذكر الله (الآب) والابن (الرب، يسوع المسيح) والروح القدس معاً، أمر يلفت النظر. هناك أولاً 1 كور 12: 4- 6: "لا جرم أن المواهب على أنواع، إلا أن الروح واحد". وأن الخدم على أنواع، إلاّ أن الرب (يسوع المسيح) واحد. وأن الأعمال على أنواع إلا أن الله (الآب) واحد، وهو ويعمل كل شيء في الجميع". وهناك 2 كور 13: 13: "نعمة ربنا يسوع المسيح، ومحبة الله (الآب)، وشركة الروح القدس معكم أجمعين". في النصّ الأول جاء الروح في الدرجة الأولى، وفي النصّ الثاني، الابن. الأقانيم الثلاثة متساوية. والنصوص تبدأ تارة مع الآب، وتارة مع الابن، وطوراً مع الروح القدس.
ونعود إلى روم 5: 1- 5: "فإذ قد برّرنا بالإيمان فنحن في سلم مع الله بربنا يسوع المسيح الذي نلنا به أن ندخل إلى هذه النعمة التي نحن مقيمون فيها... إن محبّة الله قد أفيضت في قلوبنا بالروح القدس الذي أعطيناه". في المسيح يسوع أعطينا السلام الذي هو الخير المسيحاني الأسمى، وليس فقط استعداداً من استعدادات النفس. أما النعمة التي نقيم فيها فهي الوضع الجديد للمؤمن الذي تبرّر مجاناً في يسوع المسيح، فصار خليقة جديدة. نجد في هذا النصّ الآب والمسيح (الابن) والروح القدس.
أما في 14: 17- 18 فنجد الآب والروح والمسيح. "لأن ملكوت الله ليس أكلاً ولا شرباً، بل هو برّ وسلام وفرح في الروح القدس. فمن يخدم المسيح على هذا النحو، فهو مرضيّ لدى الله، ومحمود لدى الناس". وفي 15: 16: المسيح، الآب، الروح: "لأكون خادماً للمسيح يسوع لدى الأمم، وأقوم بخدمة انجيل الله المقدسة حتى يكون قربان الأمم، وقد تقدّس بالروح القدس، مرضياً لدى الله". وفي 15: 30: المسيح، الروح، الآب: "بيد أني أسألكم، أيها الإخوة، بربنا يسوع المسيح وبمحبّة الروح، أن تجاهدوا معي بالصلاة إلى الله لأجلي". نجد هنا تشديداً على الصلاة من أجل نجاح العمل الرسولي. وفي 8: 11 نجد: الروح، المسيح، (الله) الذي أقام المسيح من بين الأموات. "وإن كان روح الذي قام يسوع من بين الأموات ساكناً فيكم، فالذي أقام المسيح يسوع من بين لأموات يحيي أيضاً أجسادكم المائتة بروحه الساكن فيكم".
إن الصيغة الثالوثية في الحياة المسيحية تقدّم رسمة القسم العقائدي في روم (ف 1- 8). وهكذا نجد عند بولس ما يقابل التعليم السامي في التقليد الإنجيلي: الخطب بعد العشاء السري كما ترد في الأناجيل الرابع، حيث تبرز البنية الثالوثية في الحياة المسيحية. ونتوقف خصوصاً في يو 14 حيث نجد مرتين (14: 1- 7؛ 14: 8- 27) ذكراً للأقانيم الثلاثة، الآب والابن والروح القدس.
لا تذكر الأقانيم في الترتيب عينه لدى القديس بولس. ولكن هذا لا يعني أن الشخص يلعب دور الشخص الآخر. فبنية روم 1- 8 تتجاوب مع الوظيفة الخاصة بكل شخص. أولاً، الآب. ثم الابن. ثم الروح. مع العلم أننا أمام وجهات مختلفة لعمل خلاص واحد وحيد. ونذكر هنا ما يقوله اللاهوت: أعمال الثالوث في الخارج لا تنقسم. فالعمل الفدائي الذي أتمّه المسيح يصوّر لنا ثلاث مرّات في روم 1- 8 (رج غل 3: 1- 6: 10): مرة أولى بالنسبة إلى الآب (3: 21- 5: 11). ومرّة ثانية في علاقة بالمسيح الذي هو آدم الثاني (5: 12- 7: 6). ومرة ثالثة في ارتباط مع عطيّة الروح القدس (ف 8).

2- مبادرة الآب
نتأمل هنا في مبادرة الآب في التبرير المجاني للبشر. هذا يتمّ بالإيمان وبفضل عمل المسيح الفدائي. فمبادرة العمل الخلاصي محفوظة كلها للآب. هذا ما نكتشفه في الجزء الأولى من القسم العقائدي (1: 18- 5: 11)، ولاسيما في نصّ أساسي (3: 21- 31) سنتوقّف عنده الآن بشكل خاصّ.

أ- نظرة عامة
إن العهد الجديد (ولاسيّما مار بولس) يستعيد التوحيد كما أعلنه العهد القديم. كتب بولس في 3: 30: "لأن الله واحد وهو يبرّر. ق مع 1 كور 8: 6 (لنا إله واحد، الآب)؛ غل 3: 20 (أما الله فواحد)؛ 1 تس 1: 9 (لتعبدوا الله الحي). ولكننا نلاحظ وجود شيء جديد ومهمّ: فإله التوراة الواحد الذي ليس جوهراً مجرّداً كما يقول الفلاسفة، بل شخص هي، يقدّم الآن على أنه "أبو ربنا يسوع المسيح" (روم 15: 6؛ 2 كور 1: 3). في روم 15: 6، قرأ مجمل الشرّاح النصّ على الشكل التالي: "الله وأبو ربنا يسوع المسيح". ولكن البعض يفضل: "الله (الذي هو) أبو ربنا يسوع المسيح".
إن لفظة "تيوس" تكاد تدلّ دوماً على الآب. أشرنا أعلاه إلى شواذ في 9: 5 وتطبيق اللفظة على المسيح (رج تي 2: 13؛ يو 1: 1، 18؛ 20: 28؛ 1 يو 5: 20). يتحدّث النصّ عن بشرى الخلاص، أي انجيل المسيح (موضوعه المسيح، 15: 19؛ 1 كور 9: 12)، وإنجيل الله الآب (الآب هو صاحبه، 1: 1؛ 15: 16؛ 1 تس 2: 2، 8، 9). والنعمة المعطأة للبشر هي ولا شكّ نعمة المسيح (16: 20؛ 1 كور 16: 23). ولكنها تبل كل شيء نعمة الله (الآب). رج 3: 24؛ 5: 15؛ 1 كور 1: 4؛ 3: 10. أجل، ركّز بولس تعليمه على شخص المسيح، ولكن لا يجب أن ننسى أيضاً تركيزه على الله الآب في عمل الخلاص.
عرفت الجماعة الأولى الصلاة إلى المسيح. أما عند بولس فهي تتوجّه بشكل لا يكاد يتغيرّ إلى الله الآب: نجد فعل الشكر لله الآب في 1: 8؛ 7: 25 (بواسطة يسوع المسيح)؛ 16: 4. والطلب إلى الآب في 10: 1؛ 15: 30 (رج 1: 10: المعنى الضمني). ونزيد على ذلك التسميات في 1: 7؛ 15: 13، 33 والمجدلات في 1: 25؛ 16: 25- 27. في 1: 6: "مدعوّي يسوع المسيح". ولكن هناك من يقرأ: والمدعوين بواسطة يسوع المسيح" أي: الذين دعوا بواسطة الله الآب يخصّون يسوع المسيح ويعيشون متحّدين معه. فالله الآب هو الذي يدعو البشر. هذا ما نقرأه في 8: 30 (إياهم دعا)؛ 9: 24 (نحن الذين دعاهم)؛ 1 كور 7: 15، 17، 18، 20- 21؛ غل 1: 6؛ 5: 8، 13...
في روم 8: 29- 30، نجد سلسلة الأعمال الإلهية التي تقود الإنسان إلى الخلاص النهائي: عرف، حدّد، دعا، برّر، مجّد. كل هذا يفعله الآب.

ب- 3: 21- 31
ونتوقف الآن بشكل خاصّ عند تبرير الخطأة كما تصوره مقطوعة 3: 21- 31، التي تربطه في الوقت عينه بمبادرة الآب والعمل الفدائي الذي قام به المسيح وفعل إيمان الإنسان. فكيف تتوافق هذه المعطيات بعضها مع بعض؟
إن التبرير الذي هو مرحلة حاسمة في الزمن داخل نوايا الآب الخلاصية منذ الأزل، يقوم في عبور من وضع الخاطىء إلى وضع حياة الصداقة مع الله. وهو يُنسب دوماً إلى الآب في الدرجة الأولى. ونقول الشيء عينه عن المصالحة، هذا الموضوع الذي بدأه بولس في 2 كور 5: 18- 20 وتابعه في روم 5: 10- 11. في العالم الهليني، حيث ينبع هذا الموضوع، تبدو المصالحة عودة إلى التوافق بين شخصين عدوين أو شعبين متحاربين. ويكون ذلك بتحوّل العواطف والعلاقات المتبادلة. أما بولس فيجعل من المصالحة مسيرة يكون فيها لحبّ الله (الآب) كل المبادرة فيصالح الخاطىء الذي لم يعمل بعد عملاً صالحاً. في 2 كور 5: 18- 19 (الذي ينير روم 5: 10- 11). الفعل هو في صيغة المعلوم. فحسب 2 كور 5: 19: الله هو الذي يصالح في نفسه العالم في يسوع المائت على الصليب.
في روم 3: 24، يقدّم التبرير كنتيجة نعمة الله، وحنانه الرحوم، ويشدّد على المجانية المطلقة. في 3: 21 يعطى التبرير كـ "تجلي" برّه الخلاصي (رج 3: 5 مع فعل يشدّد على البرهان والظهور الخارجي). وهذا الفعل عينه نجده في 5: 8 (برهن على محبته) حيث تقدّم الجلجلة (بشكل لم نكن نتوقعه، وفي معنى لافت) كبرهان عن حبّ (الذي لا يُفهم) الآب نفسه لبشر أعلنوا في 5: 6: "ضعفاء، كافرين". "لقد برهن الله على محبته لنا بأن المسيح مات عنا ونحن بعد خطأة فكم بالأحرى، وقد برّرنا الآن بدمه، نخلص به من الغضب" (5: 8- 9). الله هو الذي يحبّنا في يسوع المائت على الصليب. وهكذا ننال الفداء في المسيح يسوع (3: 24). أما اللفظة المستعملة فتدلّ على نجاة نحصل عليها بعد أنّ تدفع "الفدية". هذه اللفظة نجدها مراراً عند القديس بولس: روم 8: 23؛ 1 كور 1: 35؛ أف 1: 7، 14؛ 4: 30؛ كو 1: 14؛ عب 9: 15؛ 11: 35. فالفداء في العهد القديم هو نجاة تتمّ بيد الرب من عبودية مصر أو من أسر بابل أو من عبودية الخطيئة. من الواضح أن الرسول يتطلّع إلى النجاة من الخطيئة (4: 7، 8؛ 1 كور 15: 3؛ كو 1: 14) والى المؤمن الذي ينعم بالنجاة منذ الآن (3: 21: وأما الآن). غير أن روم 8: 23- 24 تؤكد أن النجاة لا تكون تامة إلا في نهاية الأزمنة.
إن موضوع العبودية والتمرّد معروف لدى قرّاء بولس. وجاء موضوع "الفداء" في أشعيا الثاني فعبرّ عن الخلاص من مصر ومن المنفى. واستعمل بولس "اشترى، افتدى" (1 كور 6: 20؛ 7: 23؛ غل 3: 13؛ 4: 5) ليدلّ على أن المسيحي تحرّر من عبودية الخطيئة والموت وصار خاصة الله. وإن اشير إلى "الثمن" (1 كور 6: 20؛ 7: 23)، فلكي يدلّ على ما كلّف هذا الفداء. لم يتردّد الآب في تسليم ابنه (روم 5: 8؛ 8: 32). أما الثمن فهو دم المسيح.
إذا أردنا أن نفسّر تفسيراً صحيحاً مختلف العبارات البولسية المتعلّقة بعمل المسيح الفدائي، وجب علينا أن نوحّد (ونلقي الضوء) هذه العبارات بمعطية رئيسية سنعود إليها فيما بعد حين نفسّر 5: 12- 21: إن ابن الله تضامن بإرادته الحرة مع البشرية الخاطئة بواسطة تجسّده الفدائي. فإذا كان المسيح حسب 3: 25 ذبيحة تكفير عن ذنوبنا، فقد دفع الدين عنا. فهو ليس بشخص غريب يفتدينا ويدفع ديوننا (هذه طريقة خاطئة لفهم الفداء). بل هي البشرية تتخلّص من دينها بواسطة ممثلها الذي يحملها في ذاته. وإذا كان حسب 4: 25 قد أسلم المسيح من أجل خطايانا، وإذا كان حسب 1 كور 5: 21 قد صار خطيئة لأجلنا (رج غل 3: 13)، فنحن لا نفهم هذا الكلام وكأن بريئاً يحلّ محلّ الخطأة: فالعقاب شيء شخصي وهو لا يعود عقاباً إذا سقط على شخص آخر. لهذا يجب أن نرى في مثل هذه النصوص تعبيراً عن شيء عظيم أراد المسيح بموجبه، وهو كلي البراءة والطهارة، أن يتحد مع البشر الخاطئين.
حين نتأمّل في عمل المسيح الفدائي، كما يراه رسول الأمم، يجب أن نحافظ على طابعه كتكفير عن الخطايا. ولكن لا يجب أن ننسى من جهة أخرى، أن هذا التكفير يقدّم لنا في جوهره كسّر حبّ: حبّ مجاني لدى الله الذي يهبنا ابنه (3: 24؛ 5: 5- 8؛ 8: 39؛ أف 1: 3- 6؛ 2: 7). وحبّ الابن للآب، وتعلّق حرّ بمخطّطه. ليكفّر عن خطيئة آدم ونسله (5: 19؛ فل 2: 8). وأخيراً، حبّ المسيح لإخوته الذين فتح أمامهم الكنوز الإلهية (14: 7- 8؛ 15: 2- 3؛ 2 كور 8: 11؛ غل 2: 20).
يرى الشرّاح عامة في روم 3: 22 فكرة تقول إن الآب جعل من المسيح ذبيحة تكفيرية من أجل خطايا البشرية. ولكن هناك تفسيرين مختلفين للكلمات الأولى في هذه الآية. الأول: "عُرض على الأنظار ورشّ بالدم بيد عظيم الكهنة في يوم التكفير العظيم". يرى عدد من الشرّاح هنا تلميحاً إلى أداة الكفارة التي كانت توضع على تابوت العهد. ولكن العدد الأكبر يرون أن هذا التلميح مشكوك فيه، فيفهمون أن الآب "أعدّ المسيح ليكون الضحية الذبائحية التي تقدّم عن خطايانا". نحن نأخذ بالتفسير الثاني الذي يعطي الفعل (أقام) معناه المعروف في سائر نصوص العهد الجديد (1: 13؛ أف 1: 9). وهو معنى يثبته مخطّط الآب الخلاصي (8: 28؛ 9: 11؛ أف 1: 11؛ 3: 11). ثم هل يعقل أن يرمز إلى المسيح الكاهن والضحية في ذبيحة الجلجلة، إناء عبادي جامد يعود إلى الليتورجيا القديمة؟
إن الآب يبرّر الخطأة بفضل الإيمان. هي عبارة تتكرّر مراراً في 3: 22، 25، 26، 28، 30 وفي ف 4 بمناسبة الحديث عن تبرير ابراهيم المثالي بالإيمان، كما ترد في 5: 1: إن يسوع قد أخذ على عاتقه قضية الخطأة (رج 3: 24). بالإيمان الذي هو عطية الشخص للمخلّص، يربط الخطأة مصيرهم بمصير يسوع وينعمون بثمار ذبيحته. لا تبرير بدون إيمان (ولو ضمني) بالمسيح. سنعود فيما بعد إلى مسألة تبرير الوثنيين الذين لم يسمعوا إطلاقاً بالوحي البيبلي ولا بالمسيح، فندرس 2: 12- 16.
هناك عبارات غير متوقعة: "الإيمان بيسوع المسيح" (3: 22). "الإيمان بيسوع" (3: 22)؛ رج غل 2: 16 (مرتين)، 20؛ 3: 22؛ فل 3: 9. نحن لا نتحدّث عن إيمان لدى يسوع المسيح، ولا أمانة وتوافق مع مخطّط الآب الخلاصي (يقرأون: إيمان يسوع، بدون حرف الجرّ). بل نقول: الإيمان الذي موضوعه يسوع المسيح. ففي 3: 22- 26، هناك تعارض بين الشريعة الموسوية، وإيمان (الإنسان) بيسوع المسيح. نحن هنا على مستوى الإتحاد التام مع يسوع المسيح. مع أن البر الذي يُعطى للخاطىء يشترط الإيمان، إلا أنه يبقى هبة مجانية من الآب. ليس الإيمان هو سبب البرّ. بل هو فعلة بها يستقبل الإنسان البرّ ويستسلم له. هو الإستعداد الأخير الذي يتيح للإنسان أن "يتملّكه". لهذا، فالإيمان نفسه لا يفلت من عمل الله، لأن الإنسان الساقط لا يستطيع أن ينفتح على حبّ الله إذا كان متروكاً وحده، إن لم تُعنه قدرة الله (7: 7- 25؛ 1 كور 2: 14؛ أف 2: 8- 9). إذا كان الإنسان يتبرّر بالإيمان، فهذا لا يعني أنه مستحقّ هذا التبرير، وكأن الإيمان جاء منه، هذا الإيمان الفاعل وغير المنفصل عن المحبّة. إن استبعاد الأعمال (كما يقول 3: 28) يسري مع التبرير الأول، ويرافق اعتداد اليهود المتكبرّين بأن لهم حقّاً على الله في علاقاتهم معه. إذا كنا لا نتبرّر إلا إذا اتممنا الشريعة الموسوية يكون الله إله اليهود وحدهم، لا إله البشر جميعاً (3: 29- 3).
إن التبرير الذي منحه الله، لا يلغي فقط الوضع الخاطىء بل يميل إلى وضع حدّ لحالة الشقاء لدى الناس "المحرومين من مجد الله" (3: 22). المجد هنا يعني إشعاع وظهور الكائن الإلهي المتسامي. خُلق الإنسان على صورة الله، ولكنه بخطيئته تعرّى من هذا الإشعاع. وبالمسيح الفادي و"ربّ المجد" (1 كور 2: 8) و"صورة" الله الكاملة والحكمة الإلهية (2 كور 4: 6) يعود إلى البشر المبرّرين هذا الإشعاع الإلهي. ويعود إليهم بشكل ناقص في زمن التبرير (هم لا يستطيعون أن يتحملّوا كل هذا المجد على الأرض). في العهد القديم أعطي المجد الذي أشّع على وجه موسى خلال ظهور سيناء، أعطي على أنه ميزة جوهرية تُحفظ لعهد الكمال. وفي روم 8: 29- 30 كان التمجيد آخر الأعمال التي يتضمنها مخطّط الآب الخلاصي. والمسيحيون ينتظرونه خلال وجودهم على الأرض كما يقال في 8: 18، 21: "وإني لأحسب أن آلام هذا الدهر الحاضر لا يمكن أن تقابل بالمجد المزمع أن يتجلّى فينا... الخليقة ستُعتق من عبودية الفساد إلى حرّية مجد أبناء الله". هذا المجد حاضر منذ الآن في المسيح القائم من الموت، وبشكل من الأشكال في المسيحي (2 كور 3: 18؛ 4: 17). وأنه لم يظهر بعد. والإنسان الذي نال الوحي لا يستطيع أن يتصوّر بهاء هذا المجد المقبل الذي سيدرك أيضاً الخليقة كلها.

خاتمة
كل شيء يبدأ مع الآب. وكل شيء يعود إليه. صلاتنا نرفعها إلى الآب. إيماننا هو تعلّق بالآب. تبريرنا مصدره الآب وإن كان بواسطة ابنه يسوع. وفي النهاية، تمجيدنا هو آخر عمل يقوم به الآب من أجل المؤمنين. يدعو، يبرّر، يمجّد. لقد نظمّ الآب كل شيء لمجد يهيّئه لمختاريه، وهو مجد دُعوا إليه بالإيمان فتبرّروا في العماد، ولبسوا منذ الآن هذا المجد الذي سيتجلّى في نهاية العالم.
الفصل الحادي عشر
الحياة في المسيح

بعد مبادرة الآب التي تبرّر الخطأة بواسطة الإيمان وبفضل العمل الفدائى الذي تمّ في المسيح، نجد في روم 6 إعلان عمل المعمودية التي تربط بشكل حميم وجود الإنسان الجديد بالمسيح الذي مات وقام.
وهكذا نصل إلى الحديث عن الحياة في المسيح. مشاركة في العماد. موت المسيح وقيامته. سّر المعمودية الذي نتقبّله في الإيمان.

1- المعمودية
المسيحي هو إنسان تعمّد "للمسيح" (أي توجّه نحو المسيح)، "في المسيح" (6: 3؛ غل 3: 27). فالمعنى الأول للفعل هو "غطس". غطس في المسيح كما في الماء. وهناك عبارة "تعمّد باسم المسيح" (أع 8: 16؛ 19: 5؛ مت 28: 19؛ 1 كور 1: 13، 15). إن المعمّد يرتبط بشخص المسيح، يتدرّج في ديانته.
إن بولس يرى أن المعمودية تشركنا إشراكاً حميماً بموت المسيح وقيامته، بهذا الواقع الذي لا يدرك والذي تعبرّ عنه أفعال مؤلفة مع الأداة "مع" (سون في اليونانية). نُصلب مع المسيح (6: 6). نُدفن مع المسيح (6: 4). نحيا مع المسيح (6: 8). في 6: 5 (متّحدين معه بشبه موته، نصير أيضاً بشبه قيامته) نجد تفسيرين. الأول: صرنا كائناً واحداً مع المسيح بالتشبّه بموته. الثاني: صرنا نبتة واحدة مع التشبه بموته، صرنا مشابهين لصورة موته (نولد مع المسيح، ننمو معه، نكبر). في نظر بولس، يتّحد المعمّد بالمسيح نفسه الذي مات وتام، لا بصورة عن موته وقيامته.
ويُطرح السؤال: كيف يمكن بالمعمودية أن نشارك المسيح الذي يتحدّد موته وقيامته في زمن معروف من التاريخ؟ ظنّ بعضهم أن مقولة الزمن تلغى وأننا صرنا معاصرين لأحداث الجمعة العظيمة وعيد القيامة. وقالت فئة ثانية: لا يستطيع أحد أن يموت مع إنسان إن لم يمت هذا الإنسان. هذا يفترض أن الرمز الأسراري يجعل الآن موت يسوع وقيامته حاضرين: هذا ما يسمّى الحضور السّراني (الديانات اليونانية وما فيها من سرّ) كما في أسرار الوثنيين حيث تستعيد طقوس التنشئة دراما الإله الذي يموت ويقوم في عالم من السطر والميثولوجيا.
ولكن تفكير الرسول هو غير ذلك. ففي الأسرار الوثنية حول الموت والقيامة، نرى تجدّد الطبيعة (الشتاء والربيع). أما بولس فيرى في موت المسيح وقيامته واقعاً وحقيقة تمّت في وقت محدّد وهي لا تتكرّر. فنحن لا نلتقي في المعمودية، بشكل مباشر، بموت المسيح الذي حصل على الجلجلة. فلا يوجد الآن إلاّ المسيح الجالس عن يمين الآب. ولكن هذا المسيح المجيد يحمل دائماً في ذاته آثار آلامه وقيامته: هو في وضع دائم من موت للخطيئة والجسد (أي اللحم والدم وما فيهما من ضعف) (لا يقول الرسول فقط إنه مات عن خطايانا، بل إنه مات عن الخطيئة، روم 6: 10 أ. مات باسم البشرية الخاطئة التي تضامن معها). وهو يتسلّم باستمرار من الآب الحياة الجديدة في الروح (6: 10 ب: بما أنه هي يحيا لله). وهكذا فالمؤمن يشارك في هذا السّر المزدوج، سّر الموت والحياة (6: 11: إحسبوا أنفسكم أمواتاً للخطيئة أحياء لله). أجل، لبس موت المسيح الذي يصير حاضراً. بل المعمّد هو الذي يدخل في موت المسيح.

2- الحياة الجديدة
وهكذا، فمن المسيح القائم من الموت والجالس عن يمين الله، تجري دوماً قوى جديدة نحو المؤمن. وهذا ما يجعل حياته كلها بإشراف المسيح الممجّد. لا شك في أن هذه الوحدة هي عرضية، بمعنى أنها تحافظ على تمايز الأشخاص (أنا لا أذوب في المسيح)، إذن نحن بعيدون جداً عن الحلولية التي عرفتها بعض التيارات اليونانية. ولسنا أمام وحدة ذاتية (نظن ذلك). بل أمام وحدة موضوعية (هناك أنت وأنا)، تتوجّه إلى كل معمّد. وهي مستقلّة عن استعدادات المسيحي الروحية. إذن، هي غير وعي الإنسان لحبّ الله له.
إن خبرة بولس الشخصية لعبت دوراً هاماً في التعمّق بالتعليم عن العماد كما أخذه من الكنيسة الأولى. ونكتفي بالإشارة إلى بعض المعطيات. في 2 كو 4: 10 يُسّر إلينا بولس بهذا الكلام المؤثّر: "نحمل في الجسد، كل حين، موت يسوع، لتظهر أيضاً حياة يسوع في جسدنا". وهو يهتف في غل 2: 19- 20 "لقد صُلبت مع المسيح. فلست أنا الحيّ، بل المسيح هو الحيّ فيّ". ويستعمل في روم 6: 6 فعل "صلب مع" فيقدّم تعليماً إلى جميع المؤمنين: "عالمين أن إنساننا العتيق قد صُلب معه، لكي يتلاشى جسد الخطيئة". جسد الخطيئة هو الإنسان العتيق، هو الإنسان العائش في هذا العالم.
نلاحظ أن بولس يربط حياة المسيحي الجديدة تارةً بالإيمان وطوراً بالعماد: في بداية روم لم يكن حديث إلا عن الإيمان. وفي ف 6 تدخّل سّر العماد. ولكن إذا كان الإنسان قد تبرّر بالإيمان بالمسيح، فلماذا سّر العماد؟
هنا نعود إلى غل 3: 26- 27 الذي ينسب البنوّة تارةً إلى العماد وطوراً إلى الإيمان. إنه يبيّن أن الإيمان الذي يبرّر لا ينفصل عن الخضوع للعماد الذي هو وسيلة أرادها المسيح لكي يؤوّن عمله الفدائي ويطبّقه على كل إنسان. "أنتم جميعاً أبناء الله، بالإيمان بالمسيح يسوع. أنتم جميع الذين اعتمدوا في المسيح قد لبستم المسيح". في العهد الجديد، لا إيمان بدون عماد. ولا عماد لا يلعب فيه الإيمان دوراً مميزاً. فان واحد يؤثّر على الآخر. رج مر 16: 16 (فمن آمن واعتمد يخلص)؛ أف 4: 5 (الإيمان واحد، المعمودية واحدة)؛ أع 2: 37- 38 (توبوا وليعتمد كل واحد)؛ 10: 44- 48 (أمر أن يعمّدوا باسم يسوع المسيح). إذا كان بولس لا يربط أبداً التبرير بالعماد ربطاً مباشراً، فهو لا يتصوّر التبرير بمعزل عن الطقس العمادي. إن الإيمان الحيّ والمعمودية هما وسيلتان للتبرير تجتمعان وتتكاملان بالنظر إلى المخطّط الخلاصي الذي أقامه الله. بالنظر إلى الطابع الروحي والجسدي والإجتماعي للإنسان الذي يقدّم له الخلاص.
بدأ بولس فتحدّث في بداية روم عن الإيمان، ولم يتحدّث إلاّ عن الإيمان. أما أراد أن يقول بذلك إن الإيمان أساسي أكثر من الطقس العمادي؟ لا شكّ في أن الإيمان الذي يبرّر لا يسير مساره بدون رغبة بالعماد أقلّه ضمنية. ولكننا نستشفّ أن هذا الطقس قد يحلّ محله شيء آخر كل مرة استحال على الإنسان أن يتقبّله.
نقرأ في غل 2: 20: "المسيح هو الحي فيّ". وفي 4: 19: "إلى أن يتكوّن المسيح فيكم". نحن هنا أمام عبارتين تصوّران الصوفية المركّزة على المسيح، تصوّران حضور المسيح في المسيحيين. وفي روم 6: 1- 11، ولا سيّما في النهاية، نجد تعبيراً معاكساً لهذه الصوفية نفسها: حضور المسيحيين في المسيح. "إحسبوا أنفسكم أمواتاً للخطيئة، أحياء لله في المسيح يسوع" (آ 11). وإليك أمثالاً أخرى مأخوذة من روم. "ليس إذن بعد من قضاء على الذين في المسيح يسوع" (8: 1). "إن ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد اعتقك من ناموس الخطيئة والموت" (8: 2). "أقول الحقّ في المسيح" (9: 1). "نحن الكثيرين جسد واحد في المسيح، وكل واحد منا عضو للآخرين" (12: 5). "أستطيع أن أفتخر في المسيح يسوع" (15: 17).

3- في المسيح
إن عبارة "في المسيح" ترد مراراً في الرسائل البولسية. هناك 168 استعمالاً "في المسيح"، "في الرب"، "فيه" (أي: في المسيح). من أين جاءت هذه العبارات؟ هناك السبعينية حيث نجد "في الرب". "في الله". ولكن يبقى المعنى البولسي مختلفاً عما في النص اليوناني للتوراة. في الواقع، لقد صاغ بولس لغة جديدة لأنه وجب عليه أن يعبرِّ عما لا يعبرَّ عنه بلغة البشر: الحضور السّري لشخص في شخص آخر، حضور شخص المسيحي في حضور المسيح الممجّد. هل نرى هنا صدى لخبرة صوفية عاشها الرسول نفسه؟ هناك عدد من أقوال بولس الحميمة عن حياته الباطنية واتحاده الوثيق مع المسيح يجعلنا نفترض ذلك. لا شك في أننا لسنا أمام الحلولية، كما سبق وقلنا، ولكن قوة الكلمات تقودنا إلى تماهي الأشخاص مع المحافظة على شخصية كل منهما.
إذا أردنا أن نفهم عبارة "في المسيح"، لن نتوقّف فقط عند خبرة بولس، ولا نضخّم هذه الخبرة. فهي خبرة كل مسيحي يرتبط ارتباطاً كيانياً بالمسيح، مهما كان وعيه لهذا الإرتباط. وهو إيمان بالمسيح واتحاد عمادي يشكّلان أصل هذا الخير الذي ينعم به المؤمن. وهذا الإيمان وهذا الإتحاد ينقلان الإنسان إلى محيط حياتي جديد فيه يتحوّل كيانه وملكاته. والرباط الذي تخلقانه بينه وبين المسيح، لا يكون فقط في فترات الحياة الحارّة. إنه موضوعي ومستمرّ مع العلم أن هذا التحوّل الذي هو عرضي وغير جوهري، نستطيع أن نخسره بخطيئتنا.
هناك عبارات تجعل "المسيح" في موقع "المضاف إليه". نحن لا نستطيع أن نفسّرها. هل هي مقولات مستعملة في الصرف والنحو؟ هل نحن أمام استعمال مسيحي سابق للقديس بولس؟ من هذه العبارات: حبّ المسيح. في 8: 35: "فمن يفصلنا عن محبّة المسيح"؟ في 2 كور 5: 14: "لأن محبّة المسيح تحثنا". في أف 3: 19: "أن تدركوا تلك المحبة التي تفوق كل إدراك". في 1 تس 1: 3: "وتعب محبتكم".
وعبارة "إيمان المسيح" أي الإيمان الذي يربط المؤمن بشخص المسيح. في 3: 22، 26: "برّ الله بالإيمان بيسوع المسيح"؛ غل 2: 16، 20: "لا يبرّر بأعمال الناموس بل بالإيمان بيسوع المسيح"؛ 3: 22؛ فل 3: 9؛ أف 3: 12. وداعة المسيح (2 كور 10: 1). سلام المسيح (كو 3: 15). حقيقة المسيح (2 كور 11: 10). صبر المسيح (2 تس 3: 5). خوف المسيح (أف 5: 21، أي مخافتنا تجاه المسيح). ختانة المسيح (كو 2: 11، بها نخلع عنا الجسد البشري). آلام المسيح (قل 3: 10؛ 2 كور 1: 5). مضايق المسيح (كو 1: 24). كل هذا يدلّ دلالة لها معناها على مشاركة المسيح في شخصه وفي حياته.
وحلّت محلّ عبارة "في المسيح" عبارة أخرى هي "في الرب" التي لا تبدو متواترة مثل سابقتها. إن عبارة "في المسيح" تعود بنا إلى ثلاثة أمور: ما عمله يسوع في الماضي لكي يخلّصنا. ما سيعمله أيضاً لأجلنا في نهاية تاريخ الخلاص. ما يعمله الآن بفضل الإتحاد الذي يقيمه بيننا وبينه. أما عبارة "في الرب" فليس لها الإمتداد عينه. فيسوع جلس على عرشه كالرب على أثر قيامته المجيدة. فجاءت عبارة "في الرب" مرتبطة بالحياة الجديدة التي يعيشها المسيحي أو يتوجّب عليه أن يعيشها. هذا ما يفسّر أنها تظهر دوماً في الرسائل البولسية في العنوان والتحية أو في القسم الإرشادي. والرسالة إلى رومة شاهدة على ذلك. فعبارة "في الرب" ترد ثماني مرات، ترد في ف 14 وما فيه من إرشاد (آ 14)، وترد في ف 16 مع السلامات التي يرسلها بولس إلى أعضاء الجماعة (آ 2، 8، 11، 12 أ، 12 ب، 13، 22).
ينتج مما سبق أنه حسب روم 6، حياة المعمّد هي "مع المسيح" و"في المسيح". ما هي العلاقة بين هذين الواقعين؟ إذا أردنا أن ندركها نعود إلى العهد القديم علّنا نجد فيه ضوءاً. عند اليونان، يحمي الإله الناس حين يكونون معه. أما في التوراة، فالأمر عكس ذلك. فعبارة "الله معنا" (عمانوئيل، أش 7: 14؛ 8: 10) تدلّ على عون الله ومساعدته. أما عبارة "كان، سار، عاش مع الرب" فتدلّ عادة على سلوك يوافق إرادة الله (تك 5: 24؛ ملا 2: 6). غير أن هناك قولاً نقرأه في 1 أخ 15: 2: "الله هو معكم حين تكونون معه". وهو يشدّد على أن السلوك الخلقي الصالح يتيح للإنسان أن يلتقي بالله. وتتحدّث بعض النصوص المتأخّرة عن لقاء اسكاتولوجي مع الله هو ثمرة حياتنا في رفقتنا معه على الأرض (حك 3: 9؛ 6: 19؛ 8: 16). في مز 73، يعبرّ البارّ العائش في المحنة والذي يبقى أميناً لله، عن أمله بأن لا ينفصل أبداً عن الله. بأن يكون دوماً معه. ولهذا، سيأخذه الله إليه في المجد السماوي كما أخذ أخنوخ وإيليا (تك 5: 24؛ 1 مل 2: 3، 5، 9، 10). يقول المزمور: "أنا معك في كل حين، تمسكني بيدي اليمنى، بمشورتك (أو: بعصاك) تهديني (كالراعي)، وإلى المجد تأخذني من بعد. من لي في السماء سواك، وفي الأرض لا أريد غيرك... القرب من الرب يطيب لي، وفي السيد الرب جعلت حماي" (آ 23- 28). هنا نجد الخلفية البيبليّة لاختطاف الأبرار الذي يتحدّث عنه 1 تس 4: 17 أ: "ثم نحن الأحياء نختطف معهم جميعاً في السحب لنلاقي الرب في الفضاء".
فكما دلّت عليه 1 تس 4: 14، 18، إن عبارة "نكون مع المسيح" تعود بالدرجة الأولى إلى لقائنا معه ساعة مجيئه. ولكن هذا لا ينفي بداية المشاركة معه خلال حجّنا على الأرض. وإذا عدنا إلى رسائل بولس الكبرى (روم، 1 كور، 2 كور، غل) رأينا أن الحياة مع المسيح تتدشّن في الولادة العمادية التي تؤسّس أيضاً حياتنا في المسيح. هذا هو بشكل خاص تعليم 6: 1- 11. وسيحلّ يوماً محل الحياة في المسيح التفتّحُ التام للحياة مع المسيح إما في ساعة الموت (2 كور 5: 6- 8؛ فل 1: 23)، وإما ساعة القيامة المجيدة.

خاتمة
الحياة مع المسيح، الحياة في المسيح. هذه هي طريق المؤمن منذ العماد وخبرة الإيمان حتى الموت والقيامة المجيدة. عاد بولس إلى عالم اليونان، وعاد بالأحرى إلى التوراة والتقليد المسيحي الأول يستلهمهما عباراته لكي يحدّثنا عن هذه الخبرة الفريدة والمتبادلة: المسيح فينا. نحن في المسيح. تبقى الكلمات ضعيفة لكي تعبرّ عمّا يفوق الإدراك. ولن نصل إلى ملء المعرفة إلا ساعة نصل إلى ملء الإتحاد بالمسيح في الحياة السعيدة. ولكن بعضاً من الناس استشفوا هذه المعرفة، مثل بولس، استشفوها بنعمة فريدة من الله، وحاولوا أن ينقلوها إلينا كلمات فيها النور والحياة.
الفصل الثاني عشر
الحياة في الروح القدس

حين قرأنا ف 6 عرفنا أن المسيح يخلّصنا من الخطيئة ومن الموت ويدخلنا إلى الحياة. ونعرف في ف 8 أن الروح القدس يعمل العمل عينه. نحن هنا أمام توازٍ يذكره الإنجيل الرابع بين دور المسيح ودور البارقليط. أو ذاك الذي يذكره لوقا بين عمل المسيح في الإنجيل الثالث وعمل الروح الذي يمتدّ في الكنيسة بعد العنصرة كما يصوّره سفر أعمال الرسل.
نتوقّف أولاً عند موهبة الروح الذي يحرّرنا. وثانياً عند عمله في حياتنا كأبناء الله. وثالثاً عند دوره في التاريخ. وهكذا نكتشف الحياة في الروح القدس، أو حياة الروح القدس في العالم وفي كل واحد منا.

1- موهبة الروح
كان 5: 5 قد أعلن عن موهبة الروح، فجاء مقدّمة لا شكّ فيها لما في ف 8: "إن محبّة الله قد أُفيضت في قلوبنا بالروح القدس الذي أعطيناه".
إن الأهمية الكبيرة لهذا النصّ تظهر بوضوح حين نعرف أن أوغسطينس عاد إليه أكثر من 200 مرة. ونقطة إنطلاقه كانت أن اسم المحبة يليق بشكل خاصّ بالروح القدس. إنه حب الآب للابن، وحب الابن للآب، والشركة بين الآب والابن. وبعد سنة 411 استعمل أوغسطينس روم 5: 5 ليحارب البلاجيين (يخفّفون من دور النعمة تجاه الحرية) ويبيّن لهم أن البر والمحبة عند المسيحي هما موهبتان من مواهب الروح القدس. أن الشريعة الجديدة صارت في داخلنا بالروح، وان حضور الروح في المسيحيين ينشىء تفتّح القلب واتساعه. إن أوغسطينس يتحدّث عن حبنا لله.
إن الروح القدس يفيض في قلوب المسيحيين المحبة التي بها يحبّهم الله. هذه المحبّة التي تتعدّى الإدراك تحدّث عنها بولس فقال: "والبرهان على أن الله يحبّنا هو أن المسيح مات عنا ونحن بعد خطأة" (5: 8). حين أفاض الروحُ في عمق أعماق المؤمنين هذا الحبّ الإلهي الذي لا يُدرك، هذا الحب الذي ينشىء التجسد الفدائي، شخصن الإيمان (جعله شخصاً حياً) في هذا السّر الأساسي، وأعطى للرجاء الذي فينا ثباتاً يقاوم كل محنة (الرجاء لا يخيّب). وهو يتيح للإنسان أن يردّد كلمات القديس بولس باليقين عينه: "أحبّني وبذل نفسه عني" (غل 2: 20). وكلمات يوحنا في 1 يو 4: 16: "عرفنا المحبة التي لله فينا، وآمنا بها" لسنا هنا فقط أمام معرفة نظرية، بل أمام خبرة دينية. ففيض المحبة (أغابي) هو رباط حقيقي وحيّ بين الله والمؤمن. وهذا المؤمن يعي هذا الرباط، ولأنه يعرف أنه موضوع المحبة الإلهية التي يمتلكها ويحيا منها، فرجاؤه أكيد وحقيقي.
بما أن الله، الذي هو محبة، يمنحنا بالروح القدس شيئاً من ذاته، ينتج عن ذلك أن الخبرة عينها التي تعطينا يقين محبة الله لنا، تجعلنا نحبّ في الوقت ذاته الله وسائر البشر بهذا الحب الذي أُفيض فينا.
ونعود الآن إلى ف 8. فالموضوع الأساسي في ف 8 هو التحرير الذي يتمّ في الإنسان الساقط بموهبة الروح القدس، والعبور من نظام الحرف الذي يقتل إلى نظام الروح الذي يحيي. تتردّد في هذا الفصل لفظة "بنفما" (الروح) فتدلّ تارة على روح الله نفسه، الروح القدس، والأقنوم الإلهي المميّز، وينبوع الحياة الفائقة الطبيعة في قلوبنا (آ 9- 11). وطوراً على ما ينقله إلينا، على النعمة (آ 4، 6، 9). ومرة ثالثة، على روح الإنسان الذي يحوّله عملُ روح الله (آ 10). وهناك شرّاح يرون أيضاً في "روح التبني، روح الأبناء" (آ 15) موهبة مميّزة للنعمة تشبه المواهب المذكورة في أش 11: 2.
إن غل 5: 16- 23 وروم 8: 8- 14 يصوّران التعارض بين "البدن" (اللحم والدم بما فيهما من ضعف وميل إلى الخطيئة، الجسد) و"الروح". فالبدن (ساركس) والروح (بنفما) يتقابلان لا كعنصرين مميّزين بل كاتجاهين مختلفين في الشخص البشري الواحد. فالروح الذي يصطدم به البدن، ليس هنا روح الله، بل عقل الإنسان (أو: روح الإنسان) الذي وُلد من جديد بالروح القدس. أما المركّب الثاني في الكائن البشري فهو البدن الذي له معنى خاص في هذه المقاطع. ففي مجمل التوراة، وحتى في الرسائل البولسية (بعض المرات) تنطبق كلمة بدن (تقابل في العبرية "بسر" أو البشرية، أو اللحم والدم) على كل ما فيه حياة، سواء كان بشراً أم حيواناً، دون الإشارة إلى صفة أخلاقية. لهذا فهي تدلّ على الشخص (يرى كل جسد، أي كل شخص)، على القرابة (أنت من لحمي ودمي)، على البشرية كلها. وبرزت إمالة أخلاقية حين وُضع البدن مع ضعفه في تناقض مع الله.
ولكن الخبرة البشرية التي استضاءت بنور الله، دفعت رسول الأمم لكي يعطي كلمة "بدن" مدلولاً جديداً يبرز الوجهة الخلقية إبرازاً واضحاً. هذا ما نجده في غل 5: 16- 23 وروم 8: 8- 14: في الإنسان الساقط، صار للبدن، لإنسان البشري (اللحمي، الذي من لحم ودم) ميول تجعله حليفاً للخطيئة، تجعله يقف بوجه الله، بوجه الحياة الإلهية الحاضرة في الإنسان.
يرى 8: 8- 14 أن هناك حياتين متقابلتين يجب أن نختار واحدة دون الأخرى. هناك "حياة حسب البدن" (حسب الجسد) أي توافق الميول الشرّيرة التي يحملها الإنسان الخاطىء في ذاته. وهناك "حياة حسب الروح"، وهي امتداد للملكات الفائقة الطبيعة والميول التي يمتلكها الإنسان المولود جديداً (آ 5- 8). على الصليب مات "جسد" التلميذ "مات" بشكل سرّي عن الخطيئة مع جسد المسيح (آ 10). ولكن إذا أراد المؤمن أن يعيش عيشاً مسيحياً، فهو لا يُعفى من أن يميت كل يوم "أعمال الجسد" (آ 13). فإن مات كل يوم، تأكّد أنه لن يموت أبداً. رج كو 3: 3، 5: "متّم، وحياتكم مستترة مع المسيح في الله... أميتوا إذن أعضاءكم الأرضية: الزنى، النجاسة...".

2- الحياة البنوية وفعل الروح
إن حضور الروح فينا خفي وسّري. ونحن لا نعرفه معرفة مباشرة. غير أن الرسول يستطيع أن يتحدّث عن "شهادة" يؤدّيها الروح لنفسه في القلوب بالنتائج التي يتركها (آ 16). لا شكّ في أن الجماعة هي التي تبتدىء فتختبر عمل الروح. وهذا ما تشدّد عليه كل 4: 21- 6: 10 ذاكرة الرباط الوثيق بين موضوعي أورشليم العليا والروح القدس. إن لم يذكر هذا إلاّ بشكل عابر في روم 8 (آ 16: يشهد مع روحنا بأنّا أبناء الله)، فلأن حياة المسيحيين في الكنيسة ستصوّر مطولاً في ف 12- 15.
ولكن يبقى أن كل مسيحي مدعوّ لكي يشارك مشاركة شخصية في هذه الخبرة الكنسية. فهناك خبرة للروح عبر الشهادة التي يشهدها لذاته في نفس المؤمن. ويقين هذه الخبرة هو يقين معاش، يعبرّ عن موقف ولا ينفصل عن هذا الموقف، خفي كالسّر الذي يحمله ويتغذى منه. يقين من النور كالحضور الذي ينكشف عبر هذا السّر المعاش، يقين ثابت كالله الذي يستند إليه، يقين مرتعد مثل الكائن الضعيف الذي فيه يتفتّح. إنه يقين المفارقة، يقين الخبرة. "لستم في الجسد (في البدن)، بل في الروح، إن كان روح الله ساكناً فيكم" (آ 9، شرط أن يكون روح الله).
إن الروح القدس يجعل المسيحيين أكثر حرية حين يجعلهم يعيشون عواطف الأبناء: "فالذين يقودهم روح الله هم أبناء الله" (روم 8: 14). فالإنسان الذي يحرّكه الروح الإلهي بفاعلية تزداد حريته ولا تنقص. يقوده "آخر"، ومع ذلك، فهو يتصرّف تصرّف الأبناء لا تصرّف العبيد. والسبب الأساسي لهذه الإستقلالية الظاهرة، هو أن هذا "الآخر" الذي يقود التلميذ يصبح فيه أكثر من ذاته في ذاته. والملكات السامية في الإنسان تتألّه فتسمّى أيضاً "روح" على مثال الروح القدس. إذن، هناك تناسق عميق بين سلوك الإنسان الفاضل وما يريده كائنه العميق الذي ينعشه الروح القدس.
يعمل الروح القدس فتشفى حرّية الإنسان الساقط. غير أن هذا الشفاء هو عمل يتدرّج شيئاً فشيئاً ولا ينتهي على هذه الأرض. هكذا يجب أن نفهم 8: 4 (نحن السالكين لا بحسب الجسد بل بحسب الروح): إذا كان تدخّل المسيح الفدائي وموهبة الروح لكي تتم فينا فريضة الشريعة، فشرط هذه التتمة في سلوكنا هو أننا "لا نطيع البدن، بل الروح". إن روم 8: 8- 14 تفرض علينا، شأنها شأن غل 5: 16- 23، أن نفكّر في شفاء الإنسان الساقط على مراحل، لا سيما وأن هذين النصّين يصوّران صراع الإنسان بين البدن والروح، ونستخرج النتيجة عينها من روم 6: 18- 22 حيث يبيّن لنا بولس كيف أن الناس الذين كانوا عبيداً للخطيئة صاروا بارتدادهم "عبيداً للبرّ"، "عبيداً لله".
إن لفظة "أبّا" (أيها الآب) التي نقرأها في غل 4: 6 وروم 8: 15، والتي لم تعرفها الصلوات اليهودية في توجّهها إلى الله، هي ميزة صلاة أبناء الله الأحرار: نفي يسوع تمّت رسمة الأبوّة الإلهية التي تمتم أولَ صورها العهُد القديم. لا شكّ في أن يسوع حين كان يصلّي على الأرض، استعمل وحده لفظة "أبا". قال: "أبي" و"أبوكم". وما مزج يوماً موضعه قبالة الآب مع موضعه تلاميذه. ولكن أبا يسوع صار في الإنجيل الرابع، بعد القيامة، أبا تلاميذه (يو 20: 17). هذا هو ثمر العمل الفدائي. وهذا الثمر عينه، ثمر الروح القدس، تصوّره بشكل آخر غل 4: 6 وروم 8: 15: فالروح القدس الحاضر في المسيحيين يمنحهم بعض العواطف البنوية التي تحلّى بها يسوع تجاه أبيه. وجعلهم يقولون مقتدين بيسوع: أبّا، أيها الآب. وفي 8: 26 يضمّ صلاته إلى صلاتهم بحيث إن تأوّهاً مثلثاً يُسمع في 8: 18- 27 الموجّه نحو التمجيد السماوي لأبناء الله: تأوّه الخليقة المادية (آ 22: "الخليقة كلها معاً تئنّ حتى الآن وتتمخّض": حالة من الألم وانتظار مجد مقبل". تأوّه المسيحيين (آ 23: "ونحن أيضاً الذين لنا باكورة الروح، نحن أيضاً نئنّ في أنفسنا منتظرين التبنّي، إفتداء أجسادنا". لقد نلنا التبنّي. ونحن ننتظر ملء نتائجه. ننتظر افتداء أجسادنا). تأوّه الروح القدس (آ 26: "الروح نفسه يشفع فينا بأنّات تفوق الوصف". هو يدعو فينا أبا، أيها الآب. رج آ 15).

3- كمال تاريخ الخلاص
إن هذا التشوّق وهذه الرغبات التي يحرّكها الروح في النفوس، تتوجّه نحو ملء تحقيق مخطّطات الله في نظام الخلاص. وهذا النظام يعني المشاركة النهائية لأبناء الله (بالتبني) في مجد ابن الله الوحيد. حتى الخليقة الطبيعية ترغب في كمال تاريخ الخلاص.
في روم 8: 19- 22، تحدّث بولس، فأذهلنا، عن ألم العالم المادي نفسه. وهذا الألم يحمل في نظره معنى دينياً خصيباً، فيشكّل توسّلاً صامتاً، ويكون جزءاً من المخاض المؤلم الذي فيه يولد أبناء الله بفعل الروح القدس. إن الكون سيشارك في يوم من الأيام في سعادة أبناء الله، لأنه سينجو من عبودية الفساد. ليس في هذه النظرة ما يمكن أن يبدو غريباً علينا. فالكتاب المقدس يفترض دوماً وجود علاقة سّرية بين الإنسان والكون المادي الذي فيه يتحرّك. والتاريخ البيبلي يبدأ مع خلق الكون الذي يقول عنه بولس في كو 1: 16 إنه صنع بيد المسيح، إنه صنع في المسيح. وهذا يعني أن الكون يحمل في ذاته مثل انعكاس للمسيح. والعهد (أو: الميثاق) مع البشرية كلها في شخص نوح يعني أيضاً الكون المادي الذي كُفل تناسقه وتوازنه ونظامه (تك 8: 21- 22). والدور الطبيعي للعالم المادي، ذاك الذي يلعبه في الأمثال الإنجيلية والليتورجيا الكنسيّة، هو أن يساعد الإنسان على اللقاء بالله، فيجعله يقرأ، بشكل من الأشكال، مجدَ الله في مرآة الخليقة (رج روم 1: 19 ي؛ حك 13).
ولكن حين يستعمل الإنسان الخلائق ليبتعد عن خالقه، كما فعل في الفردوس الأرضي، فالخليفة المادية المتضامنة مع مصير الإنسان، تجد نفسها مستبعدة عن غائيتها الطبيعية. صارت خاضعة للباطل، خاضعة "لعبودية الفساد" (روم 8: 20- 21). لهذا، سوف تتحوّل على الإنسان (تك 3: 17). والله نفسه سوف يستعملها مراراً (حسب ما تقول التوراة التي ترى عقاب الله في "ضربات" تصيب الإنسان) ليعاقب الأشرار (القحط والجفاف، إجتياح الجراد، المطر الغزير، البرَد الذي هو حجارة يضرب بها الله). كما يستعملها لكي يكافىء الأبرار (الماء في البرّية). ولون العالم المادي الذي عُومل بالعنف بسبب خطيئة الإنسان الذي هو وكيل الله (ملك الكون)، يرغب في أن يستعيد هو أيضاً، بفضل خلاص الإنسان، حريته وتناسقه. من هنا برزت عند الأنبياء فكرة البناء الاسكاتولوجي للعهد في إطار فردوسي. أجل، إذا أردنا أن نفهم فساد الكون في روم 8: 19- 22، نجعله في كل هذا الإطار البيبلي الذي يبدأ مع خلق الإنسان والسقطة الأولى، وينتهي على عتبة العهد الجديد.
إذن، بدا بولس أميناً للفكر البيبلي الثابت حين رفض أن يفصل فداء الإنسان عن فداء الكون. ولكن لا ننسَ ما يقوله الرسول: لا افتداء للكون من دون تحرير الإنسان تحريراً خلقياً. وتحرير الإنسان وافتداء الكون ننالهما بشكل نهائي حين المجيء الثاني الذي إليه توجّه فكرَنا ورغباتنا نهايةُ روم 8. نحن هنا في المرحلة الأخيرة.
إن نصّ بولس حول تحوّل الكون لا يتضمّن أي تأكيد علمي. بل يتضمّن حصراً جمع الطبيعة بمصير الإنسان المجيد. والمهمّ في نظر الرسول هو ما سيحصل للمسيحيين ونقرأه في روم 8: 24 (بالرجاء خلّصنا). سبق لهم وصاروا أبناء الله (آ 14)، فهم يتوقون مع هذا إلى نعمة التبني التي لم تعطِ بعد كل ثمارها. وينتظرون أيضاً "إفتداء أجسادهم"، لأن عطية الروح التي وُهبت لهم الآن ليست إلا "الباكورة" (8: 23)، و"عربون" (2 كور 1: 22؛ 5: 5) روحنتهم التامة التي تجعلهم في منعة من الفساد والموت (1 كور 15: 42- 44).
يرى بولس أن خلاص الإنسان على الأرض يبقى مهدّداً (8: 9، 17: شرط أن). إن الفكرة الرئيسية في 8: 26- 30، هي أن تلاميذ المسيح ليسوا أبداً وحدهم في محنهم. وأنهم سيلقون مساعدة لدى الروح الذي يتشفّع من أجلهم بشكل سام، ولدى الآب الذي يجعل كل شيء في حياتهم (حتى آلامهم) يؤول إلى مخطّط حبّه من أجلهم. وهذا المخطّط هو تشابه تام مع الابن الوحيد وتمجيد معه. هذا يعني أن الثالوث الأقدس كله يعمل هنا، الآب والابن والروح القدس. وهكذا نفهم نشيد الثقة المبني على الغلبة في روم 8: 31- 39: فالتلميذ يعرف أنه حقاً قد انتصر. لأنه متأكّد من حبّ الله وحبّ المسيح. "إذا كان الله معنا، فمن علينا؟ هو الذي لم يشفق على ابنه الخاصّ، بل أسلمه عنا جميعاً، كيف لا يهبنا أيضاً معه كل شيء... فمن يفصلنا عن محبّة المسيح (محبته لنا ومحبتنا له)؟ لا علوّ ولا عمق... تقدر أن تفصلنا عن محبّة الله التي في المسيح يسوع ربّنا".

4- في الروح
إن القسم الأكبر من روم 8 هو صورة عن الحياة المسيحية في الروح، أي بتأثير من الروح القدس الذي يحرّكنا. إن عبارة "في الروح" ترد فقط 20 مرة (هي لا تتواتر مثل عبارة "في المسيح"): خمس مرات في روم (2: 29؛ 8: 9؛ 9: 1؛ 14: 17؛ 15: 16). خمس مرات في 1 كور (6: 11؛ 12: 3، 19، 9 ب، 13). خمس مرات في أف (2: 18، 22؛ 3: 5؛ 4: 30؛ 5: 18). ومرة واحدة في كل من 1 تس (1: 15)، 2 كور (6: 6)، غل (6: 1)، فل (1: 27)، كو (1: 8). ونستطيع أن نزيد 3: 16.
نقرأ في 8: 1- 2: "الذين في المسيح يسوع" هم أناس "لا قضاء عليهم لأن ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد اعتقهم من ناموس الخطيئة والموت". ولكننا نقرأ في 8: 9 عن هؤلاء الناس أنفسهم الذين في المسيح: "ليسوا في الجسد (البدن اللحم والدم)، بل في الروح، شرط أن يكون روح الله ساكناً فيهم".
هذا التوازي بين عبارتَيْ "في المسيح" و"في الروح"، تسنده الأمور عينها التي يقولها بولس عن المسيح وعن الروح. المسيح يسكن فينا (روم 8: 10؛ أف 3: 17). والروح القدس أيضاً (روم 8: 9د 11؛ و3: 16). المسيح هو حياتنا (كو 3: 4؛ روم 5: 17؛ 6: 4، 8؛ فل 1: 21). نحن نعيش بالروح (روم 8: 13؛ غل 5: 25). المسيح ينشر فينا قدرته (فل 4: 13؛ كو 1: 29). وكذلك الروح القدس (روم 15: 13، 19). حرّض بولس المؤمنين "برينا يسوع المسيح وبمحبة الروح القدس" (روم 15: 30). يختن المسيحي ختان القلب في المسيح وفي الروح القدس (روم 2: 29؛ كو 2: 11). ويكون ثابتاً، يفرح، يتكلّم، يشهد... في المسيح وفي الروح.
هل نقول كما قال بعضهم إن الروح القدس هو في نظر بولس المسيح الممجّد؟ كلا ثم كلا. فهناك أقوال بولسية عن المسيح لا يمكن أن تنطبق على الروح. فالمسيح هو شخص تاريخي، ملموس، هو يسوع الناصري الذي عاش على الأرض وصُلب.
ولكن عمل المسيح لا ينفصل عن عمل الروح. "فروح الله هو أيضاً روح المسيح" (روم 8: 9- 10) الذي يمنحه الآب لنا (غل 4: 6). فعبارة "بالروح" توازي عبارة بالمسيح الذي هو آدم الجديد الذي أعلنه 1 كور 15: 45: "روحاً محيياً". والمقابلة بين ف 6 وف 8 من روم تقود إلى الإستنتاجات التالية. إن عبارة "في المسيح" تدلّ على أساس موضوعي لحياة المسيحي الجديدة. أما عبارة "في الروح" فهي تدل على الوجهة الداخلية والذاتية. فالروح يعطى كمبدأ عمل جديد يعارض المبادىء العتيقة أي الحرف والبدن اللذين تحدّث عنهما ف 7: إنه ينقّي، إنه يلد من جديد، إنه يوجّه (رج "شريعة روح الحياة" في 8: 2) العقل البشري الذي اختبر حتى الآن بمرارة فشله وعبوديته أمام الواجب الخلقي.

خاتمة
إنّ عمل المسيح ينتظم مع عمل الروح على مثال سرّ الفصح الموجّه إلى سّر العنصرة. وهدف عمل المسيح الفدائي هو أن يحرّك الروحُ الإلهي البشرَ ويحوّلهم. قال أثناسيوس أسقف الإسكندرية: صار الله حامل الجسد (وما فيه من ضعف) لكي يصير الإنسانُ حامل الروح.
الفصل الثالث عشر
ادم الأول وادم الثاني

نتوقّف في هذا الفصل عند 5: 12- 21 الذي يقابل بين تدبيرين: تدبير الخطيئة وتدبير النعمة. الذي يقابل بين آدم والمسيح، ويدلّ على تفوّق الثاني على الأوّل. الذي يقول لنا إن المسيح وعمله هما النقطة المركزية في فكر بولس. وانطلاقاً من هذه النقطة يقدّم آدم كذلك الذي به كان الموت الذي جاء المسيح يخلّص البشرية منه.
ثلاث محطات في توسعنا: المسيح آدم الجديد. المسيح عبد الله المتألم. تضامن البشرية مع المسيح ومع آدم.

1- المسيح آدم الجديد
شدّد الشرّاح كثيراً على الدور الذي لعبته النقيضة "آدم والمسيح" (روم 5: 12- 21) في العرض التعليمي كما في ف 1- 8. هذه النقيضة تدلّ على تعارض بين عهدين يشرف على التعليم البولسي كله: عهد حكم الخطيئة والموت الذي دشّنه آدم. وعهد حكم البّر والحياة الذي أدخله المسيح إلى العالم. وفي هذا المجال كما في غيره من المجالات، يرتبط بولس بتعليم المسيح الأساسي: فحسب مر 1: 15 يتضّمن تاريخ البشرية الديني حقبتين. ومع يسوع تبدأ الحقبة الجديدة لمجيء ملكوت الله. وهذا المجيء قد هيّأه يسوع خلال حياته على الأرض ودشّنه بشكل نهائي في سّره الفصحي.
وإذا أردنا أن نفهم في العمق نقيضة 5: 12- 21، وجب علينا أن نربطها مع 1 كور 15: 21- 22، 45- 49 حيث نجد تعبيراً آخر عن التعليم عينه. لا ننسَ أن روم كتبت في كورنتوس. وما قيل لكورنتوس في رسالة، يكتب من كورنتوس داخل رسالة ترسل إلى رومة. وهكذا يلتقي تعليم الرسالتين.
وإذا أردنا أن ندرك بعد المقابلة بين آدم والمسيح كما في 1 كور وروم، يجب أن نتذكّر أولاً تيارين فكريين في العهد القديم واليهودية المتأخرة حول صورة الله في الإنسان. من جهة، هناك تيار مسيحاني ينسب شبه الله إلى المسيح الداودي، إلى ابن الإنسان الجلياني، إلى الحكمة الإلهية الشخصية التي تلعب دور المسيح. ومن جهة ثانية، هناك تيار انتروبولوجي (يشدّد على الإنسان) يعتبر أن عورة الله مكفولة لكل إنسان بفعل الخلق (تك 1: 26). هذه الصورة قد باخت (تشوّهت) بالخطيئة، ولكنها لم تفقد ماهيتها بلا رجعة.
في 1 كور 11: 7، عاد الرسول إلى تعليم سفر التكوين فقال لنا إن الإنسان هو "صورة الله ومجده". وفي 1 كور 15: 45- 49، تأمّل في الإنسان في وضعه الحالي كإنسان ساقط وخاطىء. هذا الإنسان لن يُعطى له الشبه مع الله الذي يُنظر إليه على مستوى سامٍ، إلاّ بمشاركته في آدم الأخير الذي جعله الله "روحاً محيياً" منذ الدقيقة الأولى من وجوده، وليس فقط في قيامته. هذا مع العلم أنه يمارس منذ القيامة عمله المحمي بقدرة الله.
هنا يعود بولس إلى التقليد الجلياني الذي ارتبط بدانيال حول ابن الإنسان المسيحاني، والى التقليد الإنجيلي عن يسوع ابن الإنسان. لا شك في أن بولس عرف تسمية يسوع كابن الإنان ولكنه لم يرد أن يستعملها لأنها غريبة على عالم الكنائس البولسية. وقد فسّر لقب ابن الإنسان بلقب ابن الله. وهذا التوازي قد عرفه الإنجيل لاسيّما مت 16: 13 (ابن الإنسان) و16: 6 (ابن الله).
وهناك شرّاح يجعلون من آدم الأخير (1 كور 15: 47) الذي يأتي من السماء ابن الإنسان كما نجده عند دانيال وفي الأناجيل، الذي هو أيضاً إنسان من أصل سماوي: يُعرض أمامنا آتياً على سحاب السماء على مثال يهوه نفسه في التيوفانيات (دا 7: 13؛ مر 13: 26 وز؛ 14: 62 وز). ونذكر هنا أيضاً يو 3: 12: ولم يصعد أحد إلى السماء إلا ذاك الذي نزل من السماء، ابن الإنسان الذي في السماء". أجل، هناك تشابه له مدلوله بين آدم الجديد وابن الإنسان في الأناجيل.
إن المقارنة التي تميّز النظرة الإنجيلية إلى يسوع ابن الإنسان، هي أن هذا الشخص الذي هو المسيح المتسامي في دانيال، والمعدّ لأن تخدمه "جميع الشعوب والأمم والألسنة" (دا 7: 14)، يعلن رغم كل شيء أنه جاء لا ليُخدم بل ليخدم ويبذل حياته فدية عن الكثيرين (مر 10: 45 وز؛ رج أش 53 وعبد الله المتألم). وفي الواقع، نحن نجد المفارقة عينها عند رسول الأمم شرط أن نكمّل تحديد المسيح، آدم الأخير، الذي أعطي لنا في 1 كور 15: 45- 49، بالوظيفة الفدائية التي تشير إليها بوضوح 1 كور 15: 22 وتشدّد عليها روم 5: 12- 21. أجل، إن روم 5: 12- 21 تحيلنا إلى نبوءة اشعيا حول استشهاد عبد الله المتألّم. فبولس الذي يستغلّ الفكرة الأساسية في القول النبوي، يساعدنا مساعدة قوية على تثبيت معناه الحقيقي.
لا شكّ في أننا لا نجد في روم 5: 12- 21 إيراداً حرفياً من أش 52: 3- 53- 12. ولكننا نكتشف تلميحات لا شكّ فيها. فهنا وهناك الموضوع الأساسي هو هو: إنسان واحد بريء كل البراءة، خاضع لإرادة الله، يمنح كل البشرية الخاطئة المغفرة والمصالحة التامّة مع الله. وإذ أراد النبي أن يدلّ على مجمل الذين نعموا بالعمل الخلاصي الذي قام به عبد الله المتألّم، استعمل أربع مرات (52: 14، 15، 53: 11، 12) لفظة "ربيم" كثيرين، الكثيرين (لا أقلّية ضئيلة). هذا يعني انه لا يُستبعد أحد من هذه العمل المحرّر. وسيحدّد لنا أش 53: 6 أن "الجميع" معنيّون بهذا التحرّر. وكذلك في روم 5: 12- 21. يقابل المسيحَ المخلّص المخلَّصون العديدون الذين هم كثيرون (آ 15، 19) الذين هم "جميع" البشر (آ 18). لهذا، كيف لا نرى في روم 5: 19 (بطاعة واحد تبرّر الكثيرون) عودة مقصودة إلى أش 53: 11: "إن عبدي البار يبرّر الكثرين".
وهناك أمر خاص في النصّ البولسي نفهمه بهذه العودة إلى أشعيا: يرتبط عمل التبرير (في سائر النصوص) بمبادرة الآب. أما في روم 5: 19 فيُنسب إلى المسيح، كما يُنسب في أش 53: "إلى عبد الله المتألّم". إنطلق بولس من أش 53 فقابل بين المخلّص الوحيد (بطاعة واحد) ومجموعة المخلَّصين. وهكذا أفهمنا أنه يدخل في جوّ أشعيا ولكنه يتعدّاه في التحدّث عن خلاص الجميع وعن خلاص كل فرد.

2- المسيح عبد الله المتألّم
ونلاحظ في سياق روم 5: 12- 21 تلميحات أخرى إلى أش 53. أهم تلميح نجده في روم 4: 25، هذه العبارة الكرازية التي تجد أساسها السابق لبولس في نصّ أشعيا: "أسلم من أجل زلاتنا، وأقيم من أجل تبريرنا". هناك الشكل الأدبي (جملة تبدأ مع الموصول). وتوازي الألفاظ في الجملة. واستعمال المجهول (أسلم) الذي يعبرّ عن عمل إلهي تجاه يسوع. وهذا المجهول يذكّرنا بالانباءات بالآلام في الإنجيل (مر 9: 31؛ 10: 33؛ 14: 41 وز: سيسلَّم أي: سيسلّمه الله). فنص روم، شأنه شأن النصوص الإنجيلية، يحيلنا إلى أش 53 ونبوءة عبد الله المتألّم. فبالإضافة إلى موضوع التبرير المشترك بين المقطعين، نلاحظ أيضاً فعل "أسلم" في المجهول، كما نلاحظ عبارة "من أجل زلاتنا" التي تستعيد ثلاث عبارات مشابهة في أش 53: 6، 12.
ونضم 4: 25 إلى عبارتين أخريين. الأولى في 5: 6: "مات المسيح عن الاثمة". والثانية في 5: 8: "مات المسيح من أجلنا". فهذه العبارات هي تذكّرات الفقاهة الأولى في ارتباطها بالنظرة إلى المسيح، عبد الله المتألّم. وهذا ما يفترضه القول الموازي في 1 بط 2: 21: "إذ إن المسيح أيضاً تألّم لأجلكم، وأبقى لكم قدوة لتقتفوا آثاره". تألّم لأجلكم أو لأجلنا. وبعد هذا يأتي توسّع في أش 53 (آ 22 ي). ونذكر أيضاً الذبيحة التكفيرية في روم 3: 25 التي تقابل ما في أش 53: 10.
قد يشير بولس بشكل عابر إلى المسيح "الذي هو من نسل داود" (1: 3؛ رج أع 13: 23). ولكنه لا يهتمّ كثيراً بالمسيحانية الملكية التقليدية التي عرفها العهد القديم. غير أنه لا يتردّد أمام إعلان المسيح الذي صُلب وقام كما في نبوءة أشعيا عن موت عبد الله وتمجيده. ونظرته إلى آدم الجديد والفادي (5: 12- 21) تقابل ابن الإنسان وعبد الله المتألّم كما في التعليم الإنجيلي. في هذا الاطار نفهم قول أشعبا وسرّ الفداء.
إذا فهمنا نصّ أش 53 بشكل مادي، فقد نصل إلى فكرة غير مقبولة عن خلاص نحصل عليه بواسطة استبدال عقابي: بإرادة الله يموت بريء محلّ المذنبين، يحلّ محلّهم في العقاب. مثل هذه الفكرة تعارض روح ديانة العهد القديم التي رفضت دوماً الذبائح البشرية. ولهذا يجب أن نعتبر استشهاد عبد الله المتألّم كتكفير يتمّه إنسان تقي بحرية، باسم الخطأة. وهم يشاركون فيه لكي ينعموا به. هذا العمل الذي يلهمه سخاء لم يسمع به، يقف في ذروة التقليد التوراتي مع الأنبياء المتشفّعين الذين تدخلّوا لكي يخلصوا مواطنيهم الذي خانوا العهد.
هذه الوجهة التي أشار عليها قولُ أشعيا، قد شدّد عليها رسول الأمم. فحين تذكر بولس "عبد الله" الذي "أسلم" عن خطايا البحر، قال إن المسيح اسلم نفسه، وهب ذاته من أجلنا، من أجل خطايانا (غل 1: 4؛ 2: 20؛ أف 5: 2، 25). وذكّرنا بالحبّ الذي ألهم هذا العمل: "ابن الله أحبني وبذل ذاته عني" (غل 2: 20). "المسيح أحبّنا وبذل نفسه عنا مقدماً ذاته ذبيحة رائحة طيبة (أف 5: 2). "المسيح أحبّ الكنيسة وبذلك نفسه لأجلها" (أف 5: 25). وتجعل روم في أصل الآلام التكفيرية، لا حبّ المسيح وحسب، بل حبّ الآب أيضاً. "والبرهان على أن الله (الآب) يحبّنا، هو ان ابنه مات عنّا" (5: 8). ونقابل هذا الكلام مع 8: 32: "إن الله الآب لم يوفّر ابنه الخاص، بل اسلمه عنّا جميعاً". هنا نلتقي مع يو 3: 16: "لقد أحبّ الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد": رج أيضاً 1 يو 3: 16: "بهذا عرفنا المحبة، أن ذاك قد بذل نفسه لأجلنا. فيجب علينا، نحن أيضاً، أن نبذل نفوسنا لأجل الإخوة".
إنطلاقاً من هذه المعطيات المتلاقية في بولس ويوحنا يمكننا أن نستنتج ما يلي: إن مبادرة التكفير تعود إلى الله نفسه. والموت (أو: الدم) الذي يحقّقها ليس دفع دين لإله غاضب، ولا عقاباً يتحّمله بريء بعد أن فرضه عليه قاضٍ لا شفقة في قلبه. بل هي اظهار حبّ الله الآب الذي أرسل ابنه على. الأرض ليزيل ارتهاننا للخطايا البشرية، ليغفر خطايانا وينقينا منها، ليزيل كل حاجز في علاقاتنا البنوية معه. لقد كان موت المسيح البرهان السامي على هذا الحبّ. كم نحن بعيدون عن عدالة عقابية تضرب المسيح الذي تماهى مع الخطأة! فموته يحقّق غفران الله ويكشف للبشر عمق هذا الغفران.

3- تضامن البشرية مع آدم ومع المسيح
لقد تصوّر بولس الرسول عمل المسيح الفادي كفعل تضامن يلهمه الحبّ الإلهي. وبيَّن لنا في غل 4: 4- 7 كيف أن الآب حرّر البشر من العبودية وجعل منهم ابناء بالتبني، فأرسل ابنه الوحيد إلى العالم وجعله يقاسي كل حالتنا البشرية الوضيعة. وفي روم 5: 12- 21 سنتكشف الموضوع عينه، موضوع التضامن الذي أراده الله بين المسيح والبشرية. استعاده بولس مشدّداً عليه ومقدما إياه بشكل جديد جداً: هنا صار البشر متضامنين مع المسيح، آدم الجديد، الذي صار عبد الله المتألم، بعد أن تضامنوا مع آدم الأول وخطيئته المقترفة في البدايات. إن هذا التضامن مع آدم الجديد ورئيس البشرية المولودة من جديد، يفترض في الوقت عينه انتماء المسيح إلى الجنس البشرى، إنتماء كرامته كابن الله الوحيد، وإلا لما استطاع أن يبدلّ وضعنا البشري ويؤلّهه.
وعارض 5: 19 فعل عصيان آدم الأول، الذي يتضمن تجاوزاً أرادياً لأمر عبرّت عنه الوصية بوضوح، عارضه بطاعة المسيح. ولا نحسب هذه الطاعة مجرّد خضوع المسيح لضرورة فُرضت عليه من الخارج. فمحبّة ابن الله الخلاصية هي واحدة مع محبّة الآب، وهذا ما يفرض علينا هنا أن نفهم طاعة المسيح كاستعداد يلهمه الحبّ لكي يتحمّل آلامه ليكفّر عن خطايا البشر اخوته ويفتح لهم الباب إلى البرّ وحياة الله.
ولكن كيف نفهم تضامن البشر مع آدم الأول، آدم الخاطىء، بحيث يشاركونه بشكل من الأشكال في خطيئته؟ إن رأينا في تعليم القديس بولس فقط تعبيراً رمزياً أو سطرياً (ميثولوجياً) نخون فكره. هناك حقيقة يختبرها البشر جميعاً في حياتهم اليومية: فالشرّ الأدبي لا يقترفه فقط كل واحد بمفرده. وهو لا ينحصر في خطايانا الشخصيّة. إنه سبقنا. إنه يميّز المحيط البشري الذي نعيش فيه. إن له بُعداً جماعياً.
يرى الشرّاح في الخبر البيبلي عن السقطة في البدايات تعميماً وامتداداً لخبرة المنفى المأساوية على الجنس البشري. لقد أسقط مصير إسرائيل الدراماتيكي على البشرية بجملتها، وكلمة الله التي أخرجت الإنسان من الفردوس هي الكلمة التي أرسلت اسرائيل إلى المنفى. وهكذا ما حصل لشعب من الشعوب، انطبق في العمق على كل الشعوب، انطبق على البشرية في خطيئها وابتعادها عن الله. وهناك خبرة انطلقت من الفرد فوصلت إلى جميع البشر، بل إلى بدايات البشر. لم ينطلق الكاتب الملهم من الماضي ليصل إلى الحاضر. فهو لا يعرف الماضي. بل انطلق من الحاضر، من خبرة الخطيئة في حياته، وفهم ان هذه الخطيئة حاضرة في حياة كل إنسان، في حياة أول إنسان وُجد على الأرض، وستبقى موجودة في كل إنسان حتى نهاية العالم. أجل الخطيئة هي في كل إنسان وفي كل شعب. في شعب إسرائيل وفي الشعوب المحيطة به. وهكذا اكتشف الكاتب الذي ألهمه الله، وضع الإنسان الخاطىء والشّر الذي فيه منذ بدايات البشرية. في هذا المناخ نفهم تضامننا مع الخطيئة الأولى التي اقترفت في بداية التاريخ البشري. ونفهم أن خطيئة آدم الشخصية لا تنفصل عن خطيئة الجماعة.
يقدّم تك 2- 3 تفسيراً لافتاً لتضامننا مع آدم شريطة أن يستنير هذا التفسير بموضوع العهد. فهذه اللفظة (العهد، الميثاق) لا تُذكر مرة واحدة في تك 2- 3. ولكن هو 6: 7؛ سي 17: 8- 12 يطبّقان فكرة العهد على تقاليد البدايات. ومهما يكن من أمر، فصاحب سفر التكوين (2- 3) يُدخل السعادة الفردوسية والخطيئة الأول في تاريخ الخلاص. يدخلهما في الإطار العادي للعهد، ويوسّع الإطار بحيث لا يضمّ شعباً واحداً من الشعوب بل البشرية كلها. فهناك توازٍ ظاهر بين معطيات العهد العادية ومعطيات تك 2- 3: ففي الحالتين يمرّ الإنسان، بنعمة من الله مجانية، من حالة دنيئة إلى حالة فضلى. إنتقل إسرائيل من مصر وبرّية سيناء إلى أرض كنعان. وانتقل الإنسان الأول من الأرض التي جُعل عليها إلى جنّة عدن. وفي الحالتين ارتبط استمرار هذه الحالة المميّزة بالطاعة لفرائض الله. ولهذا، فتجاوز الوصية الإلهية سيجعل الإنسان (أو الشعب) يخسر امتيازات وهبه الله إياها بسخائه.
وربط شرّاح بالعهد والميثاق خلقَ الإنسان على صورة الله. إن موضوع الإنسان الذي هو على صورة الله يلتقي وموضوع العهد والميثاق... يتضمّن العهد نظرة أكثر نشاطاً من الصورة. إنه يتضمّن إلتزاماً بعمل مشترك. أما الصورة فتحمل الإنتباه بشكل مباشر إلى الشكل الأصلي في ذاته. ولكن رغم هذه الإختلافات، فالصورة والعهد يفترضان دخول الإنسان في نظرة الله، نداء إلى لقائه والاتحاد به، استشفافاً بعيداً لرؤيته وجهاً إلى وجه.
ونستطيع القول في خطّ روم 5: 12- 21: إن عدة أحداث قصيرة من سفر التكوين، تتمتّع بكثافة خارقة وبقوّة تصوّر غير محدودة. وهي تجذّر، منذ عتبة الكتاب المقدس، اليقين بأن الحياة مع الله، والدالة مع الله، هي ذروة الحياة البشرية. فما يشرف على التوراة كلها هو حنين إلى جنّة عدن، ويقين أنه وراء السيف اللامع كالبرق في تك 3: 24 تقوم شجرة الحياة، والموضع الذي فيه يقيم الإنسان مع الله. فبين بروق تيوفانيات سفر الخروج (19: 16)، وسيف الكروب الساطع، هناك تواصل واستمرارية: فالله هو وراء النار بشكل مباشر. إنه حياة الإنسان وموت الخاطىء.
في التوراة، تتخذ علاقات الإنسان بالله منذ البدايات، طابع حبّ رضي به الله، علاقات بين الله والبشرية التي كان آدم رئيسها وممثّلها بقرار من قبل الله (آدم هو الوسيط. كما كان موسى الوسيط بين الله والخليقة. لهذا سيطر موسى على عناصر الكون). لا ننسَ أن "آدم" اسم جماعي واسم فردي. يدلّ على البشر، ويدلّ على شخص محدّد. والله الذي أخرج الإنسان من تراب الأرض، نقله فيما بعد إلى جنّة عدن. نحن هنا أمام صورة تعبرّ عن عطية الله للبشرية في شخص رئيسها، عن الحالة الفائقة الطبيعة التي وهبها الله بطريقة مجانية. ولكن آدم حُكم عليه بعد خطيئته أن يعود إلى الأرض التي أخذ منها، حُكم عليه بالموت الذي هو طبيعي للإنسان وعقاب قد يكون نجا منه لو ظلّ خاضعاً لله (تك 3: 19).
حين نعيد إلى هذا ألإطار تضامننا (الذي يبدو قاسياً) مع آدم الخاطىء، نفهم أنه الوجهة المقابلة لسّر الحبّ. فالتضامن في السعادة الأولى كان قد تحقّق لو أن آدم لم يخطىء. ولهذا، فعبارات مثل "خطيئة" "ذنب"... لا تكفي لتعبرّ عن مشاركة النسل البشري في انحطاط آدم. وهذه المشاركة تأتي من واقع هو أن الله أراد البشر في آدم، وكأنهم وحدة تامة وغير متجزئة. ولهذا وجدوا نفوسهم في آدم الخاطىء منقطعين ومفصولين في شكل من الأشكال عن ينبوع الحبّ.

خاتمة
إن ارتباط تك 2- 3 بموضوع العهد يفهمنا ما استخلص بولس من تعليم في روم 5: 12- 21: فكما أن الوعد بالبركة على جميع الأمم أعطي لإبراهيم في تك 12: 3، يبدو أن العهد مع إسرائيل لاحق للعهد مع البشرية، وخاضع لمخطط الله في الخلاص الشامل الذي تحقّق في يسوع المسيح. انفصلت البشرية عن ينبوع الحبّ في آدم، وها هي من جديد ترتبط، هذه المرّة بشكل لا يوصف، بينبوع الحبّ في يسوع المسيح.
الفصل الرابع عشر
تاريخ الخلاص

سبق لنا وقابلنا بنية روم 8- 10 مع بنية غل 3: 1- 6: 10. ووجدنا نفوسنا تجاه ثلاث محطات متعاقبة في تاريخ الخلاص كما يتصوّرها الكتاب المقدّس. مع العلم أن روم تحاول أن تبيّن لنا هدف الرسول بأن يقدّم لنا نظرة واسعة جداً إلى تاريخ البشرية الديني.
نتوقف عند نظرة شاملة إلى الخلاص، نظرة شخصية إلى الخلاص، نظرة إلى الجماعة الكنسيّة العائشة في الإيمان والرجاء والمحبة.

1- نظرة شاملة
تبرز هذه النظرة الشاملة إلى دراما الخلاص منذ الفصول الأولى من روم: إذا عدنا إلى غل وجدنا أن المسيرة الماضية لهذه الدراما لا تتجاوز إبراهيم. أما القسم الأول في روم (وهو قسم تعليمي) فينطلق من بدايات البشرية نفسها، "منذ خلق العالم" (1: 20). وإذ أراد بولس أن يجعلنا ندرك كل عظمة الخلاص الذي تمّ في المسيح من أجل جميع البشر بدون استثناء، أبرز أولاً في روم عمق الخطيئة وشموليتها كما تبرز في العالم.
حسب التقليد اليهودي الذي، يستعيده العهد الجديد في هذا المجال، الأمميون (أي: الأمم الوثنية، الوثنيون) هم أناس لا يعرفون الإله الحقيقي، لا معرفة نظريّة ولا معرفة عمليّة. نقرأ في 1 كور 1: 21: "إذ إن العالم، بحكمته، لم يعرف الله في حكمة الله، حسن لدى الله أن يخلّص المؤمنين بجهالة الكرازة". إن حكمة الله قد ظهرت في الخلق. هذا ما يجعلنا قريبين من روم 1: 19- 20: "ما يُعرف عن الله واضح لهم...: صفاته غير المنظورة تُدرك منذ خلق العالم". ونقرأ في غل 4: 8: "إذ كنتم قديماً لا تعرفون الله، تعبّدتم لآلهة ليست في الحقيقة آلهة. إن الله لا يمتزج مع أي قوة من قوى العالم المخلوق، حتى الخفيّة منها. وهكذا يحرّر الوحيُ الإنسان من قوى يحاول أن يؤلّهها فتحجب عنه الإله الحقيقي.
نحن هنا كما في روم 1: 21 حيث يكتب الرسول أن الناس عامة "عرفوا الله ولكنهم لم يمجّدوه كإله". بدل من أن يبيّن بولس، شأنه شأن الفلاسفة، كيف أن البشر يبادرون بالإرتفاع من العالم المخلوق إلى الله، فهو يبيّن أن الله نفسه يتّخذ المبادرة ليدلّ على صفاته غير المنظورة وقدرته الأزلية. قال: "الله كشف ما يُعرف عنه" (1: 19). ومع ذلك، نحن أمام معرفة نمتلكها بواسطة أنوار العقل البشري الذي يتأمّل في أعمال الخلق. ولسنا أمام وحي بالمعنى الحصري للكلمة: وحي محصور باليهود وحدهم، وحي أولاني به أراد الله أن ينمي المعارف الدينية في البشرية. وبمختصر الكلام يتكلّم بولس منطلقاً من الوحي، عن معرفة طبيعية محضة. من أين جاءه هذا الكلام؟
عاد بولس، كما قلنا، إلى بداية البشرية، كما نقرأ في آ 20 (منذ خلق العالم). فحين خلق الله العالم، أوكله بأن يحمل تعليماً إلى البشر، وأعطاهم العقل لكي يفهموا هذا التعليم. فإن قال الرسول إننا اليوم أيضاً نقرأ هذا التعليم، فهذا يعني أن لا شيء تبدّل على المستوى الموضوعي. هنا نتذكّر الوعد لنوح (تك 8: 21- 22)، وفيه قيل أن نواميس الطبيعة لن تتبلبل كما حدث في زمن الطوفان. والآن أيضاً، فعمل الخلق ما زال يقدّم تعليمه، فيشكّل ظهوراً مستمراً لصفات الله على أعين البشر.
ولكن يبقى أن تحوّلاً كبيراً حصل في تصرّف العديد من البشر. فالكون ما زال يكلّمهم عن الله. أما هم فسفهوا في أفكارهم (تاهوا في بطل أفكارهم)، وأظلمت قلوبهم الغبيّة (صار قلبهم ضحيّة الظلمة). زعموا أنهم حكماء، فصاروا حمقى (جهلاء). واستبدلوا مجد الله الذي لا يدركه الفساد، بشبه صورة إنسان فاسد، وطيور وذوات أربع وزحافات (1: 21- 23). فالمعرفة والحسّ الديني لم يقودا البشر إلى تمجيد الله الحيّ. نلاحظ هنا موقف بولس السلبي من الديانات الوثنية.
تصوّر بولس البشرية غارقة في الآلهة المتعددة وما في هذه العبادة من سفاهة. وتذكّر خطايا بني اسرائيل خلال عبور البرّية وعبادة العجل الذهبي. لا شك في أن آ 23 تعود إلى مز 106: 19- 20: "صنعوا عجلاً في حوريب، وسجدوا أمام صورة مسبوكة، بدّلوا مجدهم بشكل ثور يأكل العشب". هذا لا يعني أن بولس يشير إلى اليهود وحدهم. ولكنه ينتقل إلى زمن يسبق انقسام البشرية قسمتين كبيرتين: الأمم واليهود. وهذا ما يتيح له أن يذكر خطيئة قسم ويسمّي خطيئة القسم الآخر. أو بالأحرى، ما أراد أن يصوّره هو انحطاط البشرية منذ البداية، إنتقالها من عبادة الله الواحد إلى عبادة الآلهة المتعدّدة، إلى عبادة الأوثان. ولم يكن العبرانيون أفضل من الوثنيين بعد أن جدّدوا الشرك في البرية.
فالفوضى التي نجدها اليوم، لم تكن موجودة في الماضي. "لم يكن منذ البدء هكذا". في البداية، عرف الناس الله، ولكن براهينهم الكبريائية جعلتهم يخسرون كل حسّ، يصيرون عمياناً وأضعف من أن يفهموا لغة الخليقة. فما نجد في روم 1: 18- 25 ليس اعتبارات مجرّدة حول إمكانيّة معرفة الله إنطلاقاً من الخلائق، بل التأكيد على واقع هو: سقوط البشريّة في الوثنية مع كل النتائج التي تتبع هذا السقوط. وسبب هذا السقوط كان الكبرياء التي تجعل العقل يُظلم. أما البسطاء والوضعاء فيعرفون أن يقرأوا مجد الله في مرآة الخليقة.
مع أن الكبرياء سبقت إنفلات الشهوات كما في الفردوس الأرضي، فهذه الخطيئة الجماعية الأولى لا تتماهى مع خطيئة آدم وحواء التي يتحدّث عنها بولس في 5: 12- 21. ثم إن الرسول لا يجعل من الوثنية تشويهاً لوحي أولي. بل يري فيها فساداً في معرفة الله بالعقل. والأجيال التي توالت قد أُصيبت بانحطاط البدايات. فمع أن الله ما زال يتجلّى بواسطة أعمال الخلق، فهذه الأجيال أغلقت عيونها على النور. هذا ما يفسّر صيغة الحاضر في 1: 18: "الناس الذين يحبسون الحقّ في الظلم". هم أولاً معاصرو الرسول، وهم في الوقت عينه المجموعة البشرية الخاطئة التي تؤلّف وحدة مع آبائها الأبعدين. إذا كان البشر بشكل عام يحبسون (يعيقون) الحقيقة الدينية التي يجهلها عددٌ كبير منهم، فهذا يعني أن الرسول الذي اهتمّ بتفسير ظهور الوثنية، لم يميّز بين الوثنيين في أيامه والذين أدخلوا مثل هذه الترهات في البدايات. لا شك في أنه ما كان ليجسر أن يكتب أن "البشر عرفوا الله" (بضميرهم كما في 2: 13، بل بأعمال الخلق الخارجية) لو لم يفكّر في بدايات البشرية الأولى. فالتأكيد في 1: 20 يعاكس الخبرة المعروفة كما يعاكس التقليد البيبلي الثابت.
في هذا المنظار يجب أن نقرأ ما سيُقال فيما بعد عن شمولية الخطيئة. فالتأكيدات (في ف 1) حول انتشار الوثنية في البشرية، لا يمكن أن تُفهم بشكل عام ومطلق. نستطيع أن نقابل هذا الوضع مع يو 1: 10- 11: "العالم لم يعرف الكلمة... أهله لم يقبلوه". وفي روم 2: 14 سيدور الموضوع حول خلاص الوثنيين الذين، وإن لم يكن لهم الشريعة الموسوية، قد أتموا ما تطلبه هذه الشريعة.
إن الصورة المظلمة التي رسمها بولس عن الوثنية، ليست إلاّ لوحة إجمالية تستلهم الحضارة اليونانية والرومانية في عصره. ولكنها ليست شجباً لممثّلي هذه الحضارة، أو حكماً على العالم الوثني في كل اتساعه. فالفكرة الرئيسية عند الرسول هي: إن الضلال الديني هو الينبوع الأول للفوضى الأخلاقية. لأن من جهلَ الإله الحقيقي جهل كرامة الإنسان الحقة. ويؤكّد ف 1 ثلاث مرات العقاب الإلهي على هذا الجهل الذي سقط فيه البشر. "أسلمهم الله" (آ 24، 26، 28). كيف نفهم هذا الكلام؟ لأنهم لم يؤدّوا للإله الحقيقي الواحد العبادة الواجبة له، أسلمهم الله إلى الفوضى الأخلاقية. هذا لا يعني أنه دفعهم إليها دفعاً، بل تركهم وضعفهم الخاص.

2- نظرة شخصية
إن الكلام في بداية روم، مع ما فيه من مفارقة، هو، في نظر الرسول، إستعداد لتدخّل الله الخلاصي بما فيه من شمولية مطلقة. وهذا ما نجده في 3: 21- 5: 11. فكما أن القول في 1: 18 (غضب الله يُعلن من السماء) يهيّىء القول في 3: 21 (أما الآن، فبغير شريعة ظهر برّ الله)، كذلك جاءت الإعلانات القاسية في 1: 24، 26، 28 (أسلمهم الله) توازي التأكيدات التي تحمل أطيب العزاء في 3: 21- 5: 11 وتهيّىء لها الطريق. نقرأ في 3: 25: "إن الله جعل المسيح ضحية تكفيرية بدمه". وفي 4: 25: "إن يسوع المسيح ربنا قد أسلم من أجل خطايانا وأُقيم من أجلى تبريرنا" (فعل "أسلم" كما في 1: 24، 26، 28). وفي 5: 8: "والبرهان على أن الله يحبّنا، هو أنه حين كنّا بعد خطأة مات المسيح عنا".
وفي 5: 12- 21، لنا عودة إلى بدايات البشرية، موازية لما في 1: 18 ي. هكذا تتأكد مرة أخرى في روم إرادة بولس بأن يستعيد التعليم الذي عرضه في غل، مع توسيع كبير في المنظار. في غل 4 كان الرسول قد اكتفى بأن يبيّن أنه قبل مجيء المسيح، كانت البشرية في وضع ديني حقير، كانت في عبودية سيحرّرها منها التجسّد الفدائي. أما في روم 5: 12- 21، فيقول لنا إن كل تاريخ البشرية قد استُعيد منذ البدايات في رَجُلين: آدم والمسيح.
ويُطرح هنا سؤال: بما أن المشاركة في خطيئة آدم (في 5: 12- 21) تشكّل مدخلاً إلى الإتحاد العمادي مع المسيح الذي مات وقام (ف 6). وبما أن تصوير الخطيئة الشاملة (في 1: 18- 3: 20) يشكّل مدخلاً إلى صورة الخلاص المقدّم إلى جميع المؤمنين (في 3: 21- 5: 11)، فكيف يحدث في هذه الظروف أن لا يتدخّل (في 5: 12- 21) آدمُ وعملُه السيّىء إلا كمقدّمة في مقابلة تكون نهايتها البرّ الذي يحمله يسوع (5: 18- 19: كما أنه بزلّة واحدة... كذلك ببرّ واحد)؟ صعوبة حقيقية وقد نستطيع تجاوزها.
درس الشرّاح الأصل التاريخي للخطيئة الأصلية، فاستنتجوا أن بولس أعطى عنها وحياً واضحاً. وإليك برهانهم: حين وُضع آدم تجاه المسيح الذي هو ينبوع النعمة، فُهم على أنه ينبوع الخطيئة. فإن لم تنكشف الخطيئة الأصلية إلاّ في مقابلة مع التبرير الذي تمّ في المسيح، فهذا لا يعني أنها لا تُفهم إلاّ فيه. كان آدم "رمزاً" للمسيح (آ 14). ونحن لا ندرك بعد "رموز" العهد القديم إلاّ حين تتحقّق في العهد الجديد. وبعبارة أخرى، إذا كان الله قد أراد احتواء البشر في آدم الخاطىء، فلأنه نظر إلى احتوائهم في المسيح الفادي. لا شكّ في أن الرسول (كما قلنا) لم يصوّر الفساد في البشرية الحاضرة (1: 18- 3: 20) إلا ليظهر عظمة الخلاص الذي يقدّمه الإنجيل في كل سطوعه. ولكن خطايا البشر الحالية هي أمور يجب أن نفسّرها بضعف الطبيعة البشرية. وبعد ذلك نبيّن كيف استفاد من هذا الوضع (أخرج الخير من الشّر). أما تضامننا مع آدم الخاطىء فنفهمه على ضوء الطبيعة المشتركة بسمنا وبينه. ومع ذلك، يبقى هذا أمراً فريداً، ولا نستطيع أن نتصوّره حقاً إلا بترتيب خاص من قِبَل الله، وعلى أساس تضامننا مع المسيح الواحد (وجهتان لتضامن واحد). فآدم هذا الذي هو سبب الخطيئة والموت هو نمط آدم المقبل. فحين سمح الله بالإنحطاط الشامل للبشرية بفعل زلّة واحدة، فقد نظر إلى عمل التقديس الشامل الذي يتمّ في المسيح.
حين درسنا نقيضة الحرف والروح، شكّل 8: 7- 25 مع دخول "أنا" على المسرح، نظرة شخصية إلى دراما الخلاص، بل نظرة الشمولية لشكل خاص هذا الخلاص. فعلى كل إنسان تنطبق الصورة المؤلمة، صورة الإنسان المنقسم داخلياً، الذي "لا يفعل ما يريد، بل يفعل ما يكره" (آ 15) "الذي لا يعمل الخير الذي يريد ويقترف الشّر الذي لا يريد" (آ 19). يتطلّع الشرّاح هنا الإنسان الذي لم يولد من جديد. ولكن يمكن أن نطبّق النصّ أيضاً المسيحيين. فليست الشريعة الموسوية وحدها، بل كل شريعة إلهيّة تهدّد بالموت الإنسان الذي لم يعتقه الروح بعد. ثم إن هذا التحرير الذي يقوم به الروح، لا يتمّ في المسيحيين إلا بشكل تدريجي. إذن، الصراع يستمرّ عندهم بين البدن والروح، بين اللحم والدم من جهة والعقل من جهة أخرى. وينتج عن ذلك اللوحة أن التي يرسمها بولس في 7: 7- 25 هي أيضاً شاملة جداً. وهذا ما تبيّنه مقابلة روم 7: 14 ي مع الكلمات الموجّهة إلى أهل غلاطية في غل 5: 17: "فإن الجسد (البدن، اللحم والدم مع ما فيهما من ضعف) يشتهي ضدّ الروح، والروح ضدّ الجسد. فكلاهما يقاوم الآخر حتى إنكم لا تصنعون ما. تريدون).

3- بناء الكنيسة
من النظرة الشخصية إلى دراما الخلاص في 7- 8، ينتج ما يلي: إعتاد بولس أن يقدّم خبرة الروح على أنها خبرة كنسيّة. هذا ما تدلّ عليه نصوص مثل 1 كور 12: 13: "لقد اعتمدنا بروح واحد لجسد واحدة، والتوسّع في غل 4: 21- 6: 10 حيث ترتبط النظرة إلى البنوّة الإلهية والحرية المسيحية بالنظرة إلى أورشليم السماوية التي هي الكنيسة، جسد المسيح. أما في روم 8، فيشدّد بولس بالأحرى على التحوّل العميق الذي يتمّ في كل مسيحي بالروح القدس. فالرسول اعتمد أن يتكلّم مطولاً عن حياة الجماعة المسيحية في ف 12- 15.
تتميّز النظرة الكنسية جوهرياً في 12- 15 بحضور موضوعين أشار إليهما بولس بعد أن توسّع فيهما في 1 كور بشكل بارز: موضوع الكنيسة، جسد المسيح (12: 3- 8). موضوع البناء (14: 19؛ 15: 2، 20).
عديدة كانت الشروح التي أعطيت عن هذه النظرة الرائعة إلى الكنيسة جسد المسيح. فإذا عدنا إلى 1 كور 10: 16- 17، يبدو أن جسد المسيح الذي يصبحه المسيحيون، ينال ينبوعه الرئيسي في جد المسيح الافخارستي. ثم هناك تقابل مع المسيح، آدم الجديد. فنصّ تك 2: 24 (حواء، لحم من لحم آدم) الذي استغلّته 1 كور 6: 16- 20 وأف 5: 22- 23، قد ساعد الرسول على تكوين فكرة حول اتحاد بين المسيح، آدم الجديد، وكنيسته التي هي جسده والمتميّزة عنه.
إن موضوع بناء الكنيسة لا يفسّر على مستوى التقوى الفردية. إنه قبل كل شيء جماعيّ وكنسيّ. وننظر إلى موضوع البناء هذا في اتجاهين، بل في وجهتين متكاملتين لا متعارضتين. من جهة، هناك بناء أفقيّ يرتبط بالتحريض والإرشاد، ويهدف إلى بناء الجماعة المسيحية من الداخل. عن هذا البناء تتحدّث روم 14- 15: "فلنتبع إذن ما هو للسلام، وما هو لبنيان بعضنا بعضاً" (14: 19). وفي 14: 20: "لا تهدم عمل الله من أجل الطعام". وفي 15: 2: "فليرضِ كل واحد منّا القريب للخير، من أجل البنيان". ومن جهة ثانية، هناك البعد العمودي، البعد الاسكاتولوجي، المحفوظ للرسل والوعّاظ بالإنجيل. يتوخّى هذا البعد أن يبرز شعب الله في زمن النعمة كما أعلنه العهد القديم. وقد عبرّت عنه 1 كور 3: 6- 17 بصورتَيْ الغرس والبناء (رج إر 1: 10؛ 24: 6؛ 31: 28؛ حز 36: 36). ونستطيع أن نقرّب من هذا النصّ الأساسي (1 كور 3) روم 15: 20 حيث يقول بولس: "أبشر بالإنجيل... فلا أبني على أساس غيري".

4- الإيمان والرجاء والمحبة
وترتبط بالعلاقة بين وجهتَي الحياة المسيحية (الشخصية والجماعية) إشارة إلى المثلث التقليدي: الإيمان، الرجاء، المحبّة. هذا المثلث الذي تشهد له أعظم شهادة 1 كور 13: 13، يعود إلى بدايات المسيحية. فنحن نجده في بداية أول رسالة بولسية، في 1 تس 1: 3 (عمل إيمانكم، تعب محبّتكم، ثبات رجائكم). ونلاحظ وجود هذه الفضائل الثلاث في روم 5: 1- 5: "فإذ قد برّرنا بالإيمان... نفتخر في رجاء مجد الله... والرجاء لا يخزي، لأن محبّة الله قد أُفيضت في قلوبنا بالروح القدس الذي أعطيناه". لا يستطيع المؤمن أن يفتخر بأعماله. بل هو يفتخر بالرجاء، لأن الرجاء، كالإيمان، لا يستند إلاّ إلى رحمة الله وأمانته لمواعيده. وكذا نقول عن محبة الله التي لنا، التي أعطيناها بفيض الروح القدس.
ونقرأ عن هذا المثلث الإلهي (الإيمان، الرجاء، المحبة) في روم 12: 6- 12: "وإذ لنا مواهب مختلفة بحسب النعمة المعطاة لنا، فمن أوتي النبوءة فليتكلّم بحسب قاعدة الإيمان... ولتكن المحبة بلا رياء... وليكن فيكم فرح الرجاء". يتحدّث النصّ عن الإيمان، أي عن توافق إيماننا مع الكنيسة واتحادنا مع المؤمنين. أما المحبة التي تكون بلا رياء، فهي تدعونا إلى أن نحبّ بعضنا بعضاً حباً أخوياً، وأن نحسب الآخرين خيراً منا. أما الرجاء فيرافقه الفرح، والصبر في الضيق، والمواظبة على الصلاة.
يلد الإيمان من الكرازة ويدلّ على ما صنعه الله في الماضي لكي يخلّص البشر. والرجاء الذي به ترتبط النبوءة يميل بالمسيحيين إلى مستقبل من السعادة ينتظرونه. أما المحبّة التي هي موضوع الإرشاد فتنظّم وجودهم في الزمن الحاضر.
بما أن في الإيمان تتجذّر العلاقات الشخصيّة بين الله والإنسان، فعنه يتحّدث ف 1- 8، وخصوصاً ف 1- 4 التي تعالج مسألة التبرير بالإيمان. فالإيمان هو قبل كل شيء تعلّق بما يتضمنّه "إنجيل الله في شأن ابنه"، تعلّق بشخص يسوع المسيح. ولكن الإيمان هو أيضاً عطاء حياة الإنسان لله وللمسيح. يتحدّث بولس مراراً عن "طاعة الإيمان": فالعقل البشري يطيع خاضعاً لشهادة الله. والإنسان كله يطيع خاضعاً لإرادة الله التي عرفها بالوحي. أما خطيئة اليهود الكبرى، فلأنهم رفضوا طاعة الإيمان. نقرأ في 1: 5: "نجعل جميع الأمم تطيع الإيمان" وتلتزم به. وفي 2: 8: "الغضب والسخط على الذين لا ينقادون للحق، بل ينقادون (يذعنون) للشرّ". وفي 6: 17: "لقد أطعتم من كل قلبكم رسم التعليم الذي سُلّم إليكم". أطعتم قاعدة التعليم، التعليم المشترك. نحن هنا أمام الكرازة المسيحية الأولى. وفي 10: 3، 16: "لم يخضع اليهود لبرّ الله... لم يذعنوا كلّهم للإنجيل". وفي 11: 30- 31: "أنتم عصيتم الله من قبلُ... هم أيضاً قد عصوا". فاليهود قد عصوا، شأنهم شأن الوثنيين، وهم يحتاجون إلى الرحمة مثل غير اليهود. ونقرأ في 15: 18: "لا أجسر أن أتكلّم بشيء مما لم يُجرِ المسيح على يدي، لطاعة الأمم، بالقول الفعل". نحن هنا أيضاً أمام طاعة الإيمان، أمام مجيء الأمم إلى الإيمان، وما فعل بولس من أجل هذا المشروع.
والرجاء لا ينفصل عن الإيمان. ويسمّى الثبات. تُذكر هذه الفضيلة مراراً في القسم الأول من روم. "آمن إبراهيم راجياً على غير رجاء" (4: 18). "نفتخر في رجاء مجد عظيم... الفضيلة المختبرة تنشىء الرجاء، والرجاء لا يخزي" (5: 2، 4، 5). "أخضعت الخليقة... ولكن على رجاء" (8: 20). إنها تنتظر في الرجاء. "أخضعت للباطل". هذا ما حدث بعد خطيئة الإنسان الذي يستعمل الخلائق من أجل أنانيته وفرض سلطانه. وفي 8: 24 نقرأ: "لأنّا بالرجاء خلّصنا. ولكن رجاء ما يشاهد ليس برجاء. لأن ما يشاهده المرء كيف يرجوه أيضاً"؟ الخلاص، شأنه شأن التبنّي، قد صار لنا منذ الآن. ولكننا ننتظر تحقّقه الكامل. لهذا نحتاج إلى الرجاء. وفي 8: 25: "ولكن إن كنا نرجو ما لا نشاهد، فبالصبر ننتظره". نثبت، نستمرّ في انتظارنا. هنا يترافق الرجاء مع الصبر والثبات. "بالصبر على الأعمال الصالحة يطلبون المجد والكرامة" (2: 7)؛ رج 5: 3- 4 (الشدّة تنشىء الصبر، والصبر ينشىء الفضيلة المختبرة)؛ 8: 25.
وهكذا نرى أن ف 5- 8 تتضمّن استشهادات تجمع الرجاء إلى الإيمان كشرط للخلاص. فالذي تبرّر بالإيمان هو في سلام، وهو متأكّد أنه يعيش حياة فائقة الطبيعة لا وصول للموت الطبيعي إليها، حياة ستتفتّح في مجد لا تقاس به "آلام هذا الدهر الحاضر" (8: 18). في هذا الإطار من وعد بالخلود والسعادة، تجد فضيلةُ الرجاء مكانتها.
ويتدخّل الرجاء أيضاً دون أن يُذكر بصريح العبارة في الحديث عن خلاص الشعب الأول في النهاية. فالنبوءة ترتبط بالرجاء، كما ترتبط الكرازة بالإيمان، والإرشاد بالمحبة.
نقرأ في 8: 24: "ما خلّصنا إلا بالرجاء" أو: "خلّصنا بالرجاء". وهذا يتضمّن مشاركة المؤمن الناشطة في النعمة التي تخلّص، بواسطة فضيلة الرجاء. أي تفسير نأخذ؟ إن الإطار المباشر الذي بحسبه لم يدرك خلاصُنا بعد ملء تحقيقه، لأننا لا نستطيع أن نرجو ما نشاهد، إن هذا الإطار يدفعنا للأخذ بالتفسير الأول. أما وجود الـ التعريف أمام لفظة "رجاء"، فيجعلنا نميل إلى التفسير الثاني. وهكذا تلتقي روم 8: 24 مع عدد من نصوص العهد القديم، ولا سيّما المزامير، حيث يتأمّن الخلاص للذين يرجون الله (مز 25: 3؛ 33: 22؛ 71: 5- 6؛ مرت 3: 25 ي).
إن تشديد روم 1- 8 على الإيمان والرجاء يجعلنا ننتظر ذكر العنصر الثالث في المثلث التقليدي: المحبّة. إن المحبّة تشكّل الموضوع الرئيسي في ف 12- 15، دون أن تُنسى الفضيلتان الأخريان. ذُكرت المحبة مع الإيمان والرجاء في 5: 1- 5 و12: 6- 12. وتشديد ف 12- 15 على المحبة سببه أن ملء الشريعة (13: 8- 10) يُشرف على حياة المسيحيين بحيث يشكّلون جماعة شعب الله الجديد. وهذه المحبّة ليست عاطفة بشريّة وحسب. إنها عيش بحسب الوصايا. وهذه المحبة قد وُضعت فينا لأن الله هو الذي أحبّنا أولاً (5: 5- 8).

خاتمة
هكذا بدا لنا تاريخ الخلاص في شموليته. وارتكز على شخص يسوع المسيح الذي يقابل آدم الأول وما حمل إلى العالم من خطيئة. تاريخ الخلاص يتجسّد في المرحلة الأولى في الكنيسة، في الجماعة التي يبنيها المسيح. وهذا التاريخ يعبرّ عنه المسيحي (والجماعة المسيحية) حين يعيش الفضائل الثلاث، أي الإيمان والرجاء والمحبّة. وهكذا نستعد لقراءة القسم الإرشادي في روم مع قمة في عيش فضيلة المحبة. لأن المحبة هي تمام الشريعة (13: 10).
الفصل الخامس عشر
مسيرة مخطط الله

حين نتحدّث عن تاريخ الخلاص، ننسى أنه ليس شيئاً مجرّداً وخارجاً عن الزمن. فمن تحدّث عن السوتيريولوجيا وكأنها تصوير للتبرير ونتائجه في النفس، يخطىء خطأ كبيراً. السوتيريولجيا هي شهاد على المكانة الفريدة التي يحتلّها المسيح في تاريخ البشرية الديني. لهذا نتوقف عند مسيرة مخطّط الله، مع إبراهيم المؤمن، مع المسيحي في مسيرته إلى الله، مع نظرة إلى مخطّط الله ومخطّط البشر.

1- إبراهيم وأشخاص العهد القديم
عاد بولس مراراً إلى مجمل تاريخ الخلاص. وتذكّر أشخاصاً لهم مكانهم في مسيرة تاريخ الخلاص كما تراها التوراة: آدم، إبراهيم، سارة، اسحق، يعقوب، عيسو، موسى، فرعون، داود... إن التعليم البولسي يُعلن وحدة هذا التاريخ، ويشجب مسبقاً نظرية مرقيون والغنوصية، التي تعارض بين إله العهد القديم وإله العهد الجديد. هذا لا يعني أن الرسول يتحدّث عن تواصل تاريخي بين التدبير القديم وإله العهد الجديد. فالرباط الذي يكتشفه بين التدبيرين ليس من هذا النوع. من جهة نحن أمام مواعيد الله. ومن جهة ثانية أمام تحقيقها في المسيح. ما يهمّ بولس ليس تعاقب زمني للأحداث بل علاقتها مع المسيح. وهدف الإيرادات العديدة للعهد القديم هو الدلالة بأن المرور من العالم اليهودي إلى العالم المسيحي لا يعني تبديل ديانة. فالديانة المسيحية تُتمّ ديانة إسرائيل بشكل لا يُعقل، بشكل يتعدّى امكانيّة انتظار البشر.
وما له معناه في هذا المجال هو الدور الرئيسي المعطى لإبراهيم في روم كما في غل. قد نعجب من الأمر للوهلة الأولى، لأن هذا "الأب" لم يلفت كثيراً إنتباه التقليد التوراتي المأخوذ في إجماله، لم يلفته كما لفته شخص موسى مثلاً. ونلاحظ في المزامير التعارض بين ندرة ذكر ابراهيم (يُذكر فقط في مز 47 ومز 105) وتواتر ذكر موسى أو المعجزات التي اجترحها. غير أن بولس (في روم 4؛ غل 13) ينتزع ابراهيم من نظام الشريعة ويرى فيه مقدّمة لتدبير زمن النعمة والخلاص المجاني الذي أعطي بالإيمان بالمسيح. وما ينتج من كل البرهان البولسي هو أن الإنجيل لا يستند إلى حدث منعزل ومصطنع، يتدخّل فجأة دون أن يكون هناك شيء يهيّئه. إنه جزء من مخطّط. وهو يدلّ على أمانة الله تجاه ذاك الذي أعطى له مواعيده. ما بدأه الله مع ابراهيم قد أتمّه في المسيح.
إن قراءة الكتاب المقدس التي أتاحت للرسول أن يُعلن هذه الحقيقة هي قراءة مواهبية (كارسمية، حسب موهبة خاصة). وهي تتجاوز بشكل كبير إمكانيّة التأويل الحرفي. وهي أيضاً كرستولوجية بمعنى أن مجيء المسيح وحده سمح بها. وفي هذا المجال ليس العهدُ القديم هو الذي ينير العهد الجديد، بل العهد الجديد القديم. غير أن هذه القراءة تلتقي والمعنى العميق لأخبار لسفر التكوين. فهذه الأخبار تبيّن لنا ابراهيم قبل كل شيء كرجل صاحب إيمان خارق. فهو منذ البداية يترك كل شيء، ويذهب بناء على أمر غير مفهوم جاءه من العلاء، ويلتصق بدون تردّد بكلمة الله، مهما بدت محيرّة. ثم إن هذه الأخبار التي تأتي بعد تك 1- 11 الذي يعني البشرية كلها، تمنعنا من إخضاع ابراهيم لموسى. بل تدلاّن على العكس بوضوح. تدلاّن على أن اختيار ابراهيم هو في خدمة مخطّط إلهي أولاني لا يتبدّل، مخطط خلاص لجميع البشر. فالكلمات الأولى التي وجّهها الله لابراهيم تؤكّد أن "جميع عشائر الأرض سوف تتبارك فيه" (تك 12: 3. يرد حرفياً في غل 3: 8- 9 وبشكل قريب في روم 4: 17- 18 مع عودة إلى تك 17: 5- 6). في هذا المنظار يبدو اختيار إسرائيل كتراجع ستراتيجي: ما أستطاع الله أن يتوجّه إلى البشرية كلها بسب إرادة البشر السيئة. إختار إسرائيل بواسطة إبراهيم، ولكن لكي يخلّص جميع البشر. وهكذا يعطينا بولس في غل 3 وروم 4 مفتاحاً ثميناً جداً من أجل قراءة العهد القديم.
نرى بعض الإختلاف بين تقديم غل وروم لشخص ابراهيم. شدّدت غل على الرباط بين ابراهيم والمسيح، الذي هو النسل الحقيقي لابراهيم. أما روم (4: 17- 25) فشدّدت على المقابلة بين إيمان إبراهيم والإيمان المسيحي بما فيه من كمال. في 4: 19، يجب أن نفهم: لم يضعف إبراهيم في إيمانه حين عرف أن جسده وحشا سارة الأمومي قد أصابهما الموت. وعى الصعوبات البشرية التي تجعل التحقيق مستحيلاً على مستوى البشر، صعوبات يصطدم بها الوعد الإلهي فتجعل ابراهيم يتعلّق به. لا شكّ في أن الإيمان يرتكز على علامات، ولكنه يظلّ مبهماً غامضاً. لقد كشفت كلمة الله الحقيقة دون ان تنيرها. وبقدر ما نكتشف الصعوبات التي تقاوم الإيمان وكما هو الأمر مع ابراهيم، بهذا القدر يكون الإيمان كاملاً.
فالإيمان الذي يعطينا ابراهيم مثالاً عنه، ليس في النهاية محض قبول لحقائق مجرّدة. بل له طابع شخصي رفيع. إنه لقاء مع الله الحي الذي يعرف كل شيء، يقدر على كل شيء، الذي إليه نستسلم فنمجّده، كما فعل ابراهيم (4: 20). لقد آمن ابراهيم بالله الذي يكلّمه، ولم يؤمن أولاً بالمواعيد. فالإيمان لا ينشأ من رؤية ينعم بها المؤمن. بلى من رؤية ذاك الذي به نؤمن.

2- مسيرة الايمان المسيحي
وشدّد الرسول أيضاً (4: 17، 19) على سمة أخرى من إيمان إبراهيم لا تُبرزه فقط كإيمان مثالي، بل كتسبيق نمطي للإيمان بالمسيح، كثمرة للفداء سابقة لأوانها. آمن إبراهيم أن الله يستطيع أن يردّ الحياة لجسد ميت بسبب الشيخوخة، سواء كان جسده أو جسد زوجته. إذن تبرّر بالإيمان بالله الذي يقيم الموتى. والمسيحيون يخلصون بدورهم بالإيمان بالمسيح الذي مات وقام، كما تعلن العبارة الكرازية في 4: 25: "أسلم لأجل زلاتنا، أقيم لأجل تبريرنا".
وترد مراراً عبارة "الآن" في روم. وهي تتضمّن أكثر من معنى زمني عادي. إنها تعبرّ عن الحضور الآني للحقيقة الكاملة التي أفتتحها تدخّل المسيح الحاسم بعد تهيئات لم تنتهِ سبقت التجسّد الفدائي. نقرأ في روم 3: 21، 26: "أما الآن فقد اعتلن برّ الله... في الزمان الحاضر". في 5: 9، 11: "وقد برّرنا الآن بدمه.. الذي به نلنا المصالحة". في 6: 19، 21، 22؛ 7: 6؛ 8: 1؛ 11: 5، 30، 31؛ 13: 11؛ 16: 26. وهكذا قد نتساءل عن عدد الحقبات في هذا التاريخ الطويل لخلاص البشرية.
إذا عدنا إلى 3: 25- 26، نجد حقبتين مميّزتين في تاريخ الخلاص: الزمن الماضي مع "صبر الله". والزمن الحاضر، زمن تدخّل المسيح الفدائي الذي يدلّ بشكل ساطع على برّ الله الخلاصي. هنا نقارب مع أع 17: 30- 31: "لقد أغضى الله عن أزمنة الجهل، وها هو الآن يُنذر جميع الناس، في كل مكان، أن يتوبوا، لأنه قد حدّد يوماً سيدين فيه المسكونة بالعدل، بالإنسان الذي عيّنه، مقدّماً للجميع ضمانة إقامته من بين الأموات" (القيامة هي الضمانة).
هل نفهم هذه العبارة الأخيرة: لقد أراد الله أن يبيّن عدله من أجل مغفرة الخطايا المقترفة؟ أو: بالنظر إلى التسامح تجاه خطايا اقترفت في الماضي؟ إن الخطايا الفردية لم تكن تُعاقب. فالسؤال لا يُطرح على مستوى الأفراد. بل نحن أمام نظام تحيا في ظلّه البشرية. وتجاه هذا التدبير هناك تدبير آخر، تدبير الزمن الحالي الذي فيه يغفر الله الخطيئة بالإيمان بدم يسوع.
إفترض الشرّاح مراراً ان بولس (في 5: 13- 14) جعل الحقبة التي تسير من آدم إلى موسى، هي مرحلة خاصة في تاريخ البشرية. وخاصتها تقوم في أنها تفلت من القاعدة التي بموجبها يتمّ العقاب بقدر إعلان الشريعة. فساعة لم تتحدّث فريضة إلهيّة عن هذا العقاب ضد الخطأة، كما كان الأمر بالنسبة إلى آدم في الفردوس الأرضي، واليهود تحت نظام الشريعة الموسوية، في تلك الساعة ساد الموت على البشر بين آدم والمسيح. وكان الإستنتاج: أصاب الموتُ البشر بالنظر إلى تضامنهم مع آدم الخاطىء. وهكذا نصل إلى البرهان على الخطيئة الأصلية.
ولكن يصعب علينا أن ننسب إلى الرسول مثل هذا البرهان. فقد صوّر بولس في بداية روم العقوبات الإلهية الهائلة ضد الأصنام والوثنية. فهل يستطيع أن ينسى تلك التي تذكرها التوراة بين آدم وموسى (مثلاً الطوفان ودمار سدوم)؟ لقد سبق له وعلّم أن للأمم شريعة أدبية مكتوبة في قلوبهم (2: 15). وقد عرفوا قضاء الله الذي يعلن أن من يعمل هذه الأعمال يستوجب الموت (1: 32). فهل استطاع أن ينسب إلى الله الذي يعرف ما في القلوب، فكرة قانونية لدى قاضٍ بشري لا يعرف وضع الضمائر.
في الواقع، إن قول 5: 12 (وهكذا إجتاز الموت إلى جميع الناس، لأن جمعيهم خطئوا) يضمّ الخطايا الشخصية مع المشاركة في خطيئة آدم. ثم إن آ 13- 14 لم تكتب لتبرهن أن البشر ماتوا بين آدم وموسى لسبب واحد وهو أنهم خطئوا في آدم. إن هدف آ 13- 14 هو أن يردّ على اعتراض قد يستخرجه قارىء روم من 4: 15: "لأن الناموس ينشىء الغضب. فإنه حيث لا يكون ناموس لا يكون تعدّ". أي: لا تكون خطيئة ضد شريعة وضعية. ما يريد الرسول أن يقوله هنا هو أن الشريعة كونها مميّزة عن الوعد والنعمة التي ارتبطت بها، تحرّك غضب الله. إنها تكتفي بأن تظهر للبشر الخير دون أن تمنحهم القوة لإتمامه. فإن لم يحفظها البشر قادتهم إلى التعدّي والخطيئة. ولكن أنستطيع أن نستنتج أن الحقبة الممتدة بين آدم وموسى، أي السابقة للشريعة الموسوية، كانت حقبة لا تحمل تعدّياً يثير الغضب الإهلي، وإن عرفت الخطيئة؟ ولكن كل قارىء للتوارة يعرف أن العكس هو الحقيقة. لهذا يعلن الرسول أن الموت وبالتالي الخطيئة سادا خلال هذه الحقبة التي لم يكن فيها وصيّة إلهية وضعية تشبه وصيّة الفردوس الأرضي أو التشريع الموسوي. وبعبارة أخرى، إن حقبة سيادة الخطيئة والموت إمتدت بدون انقطاع من آدم حتى يسوع المسيح.
إذا كان هذا هو مدلول 5: 13- 14، نستطيع أن نستنتج أن الرسول يميّز فقط ثلاث حقبات في تاريخ البشرية الديني. الحقبة الأولى هي حقبة السعادة والخلود، التي تميّز (حسب تك) الحياة في الفردوس الأرضي، قبل خطيئة آدم. الحقبة الثانية تقابل سيادة الخطيئة والموت، وتضمّ الزمن الواقع بين خطيئة آدم ومجيء المسيح، بما فيه النظام الموسوي. والحقبة الثالثة هي حقبة سيادة النعمة والبرّ والحياة الأبدية (آ 21)، وتد بدأت مع برء يسوع المسيح، مخلّص البشر الوحيد، إلى هذا العالم.
لا يصوّر الرسول الحقبة الأولى، لأنه يفترض أن معطيات سفر التكوين معروفة. ولكنه يتوسّع مطوّلاً في الحقبتين الثانية والثالثة. أما بالنسبة إلى الثالثة التي هي الحقبة الحاسمة، فبولس يعرف أنها تتحقّق تدريجياً. فاجتياح الروح المرتبط بسّر التجسّد الفدائي، يقوم شيئاً فشيئاً بعمله المحرّر الذي يصل أيضاً إلى الخليقة المادية التي ما زالت غارقة في تنهّدها من أجل ولادة سّرية (8: 22). ولكن يبقى أن النور حلّ منذ الآن محلّ الظلمة، فلم يعد المجيء بعيداً في عين الإيمان: "لقد تناهى الليل واقترب النهار" (13: 12). فالتعارض بين الظلمة والنور، بين الليل النهار للدلالة على التعارض بين النظام القديم والنظام الجديد، أمر معروف في التوراة، وقد توسّع فيه أهل قمران بشكل صراع بين قوّتين.
ونصل الآن إلى أصعب ما في فكر بولس عن مخطّط الله الخلاصي، وهو: الوجهة الماورائية لتفكيره. نكتفي هنا بأن نلفت النظر إلى بعض نصوص لها مدلولها الخاص. الأول: 3: 3- 8؛ الثاني: 5: 20 (حيث كثرت الخطيئة). الثالث: 8: 28 (كل لشيء يسعى لخير الذين يحبّون الله) الرابع: 11: 32 (أغلق على الجميع في المعصية لكي يرحم الجميع).
في 3: 3- 5، عرض بولس مشكلة خطيرة. لقد سُلّمت إلى اسرائيل "أقوال الله"، أي قبل كل شيء (إن لم يكن حصراً) المواعيد المسيحانية. ولكن الشعب المختار كان مرات عديدة خلال تاريخه الماضي، خائناً لإله العهد. إذن، هل نستنتج أن المواعيد التي حملها لم تعد بذي قيمة؟ كلا، يعلن الرسول. فخيانة البشر تبرز بالأحرى أمانةَ الله لكلمته، وصدقه، وبرّه الخلاصي الذي أنبأت بتدخّله من أجل الخطأة أسفارُ العهد القديم.

3- مخطّط الله ومخطّط البشر
وخاف بولس من تفسير خاطىء لهذه المفارقة فأشار إلى تمييز مهمّ بين مستويين: مستوى مخطّطات الله. مستوى الخطيئة على المستوى السيكولوجي والبشري (3: 5- 8). ومع أن الخطيئة أبرزت برّ الله المخلّص وأمانته، إلا أنها تستحق أن تعاقب. إن كان الله يستخرج الخير من الشر، فهذا لا يسمح لنا أن نصنع الشر ليخرج منه الخير.
وهذا التمييز الثمين الذي اكتشفناه في 3: 3- 8 سيعيننا على تفسير 5: 2 (تدخّلت الشريعة الموسوية لكي تكثر الزلّة. ولكن حيث كثرت الخطيئة هناك طفحت النعمة) تفسيراً صحيحاً. فالهدف النهائي للشريعة الموسوية لم يكن دفع الإنسان إلى الخطيئة. فهذا التشريع كان في حدّ ذاته خيراً. ولكن بما أن الذين نعموا به فصلوه مراراً (بغير حقّ) عن نظام النعمة والإيمان الذي سبقه (رج ما قيل عن ابراهيم في ف 4)، كانت النتيجة كثرة المعاصي التي جعلت البشر مذنبين. غير أن هذه النتيجة المؤلمة لم تفاجىء الله. فمخطّطه الخلاصي قد استعدّ لأن يستخرج من هذا الوضع خيراً عميماً، هو: فيض النعمة. فالنعمة ستقف في الميزان مع الخطيئة الأصلية، ومع الخطايا الحالية التي سبّبتها الشريعة، وتتفوّق على هذا كله.
وقبل أن يتفحّص بولس مختلف حقبات مخطّط الله الخلاصي، قبل أن يتفحّص المعرفة السابقة والتهيئة الأولى إلى المجد النهائي، يعلن: "إن الله يجعل كل شيء يؤول لخير الذين يحبّونه" (8: 28). الله هو فاعل الفعل. وفي هذا "الكل" الذي يجعله الله يؤول للخير، نضع "آلام الزمن الحاضر" (كما في 8: 18) والذنوب التي اقترفها المضطهدون ضد تلاميذ المسيح (8: 33: من يشكو مختاري الله) بل الخطايا التي اقترفها المسيحيون انفسهم. فكرة توافق تعليم روم العام، وإن لم تبرز في سياق 8: 28.
ونقرأ تأكيداً رئيسياً في 11: 32: "الله أغلق على الجميع في المعصية، لكي يرحم الجميع". لا نخطىء ضد فكر بولس والتعليم المسيحي فنقول إن الله أراد عصيان البشر! أو نقول بأن الله اقنع البشر بعصيانهم. ما يظنّه بولس في خطّ الكتاب المقدّس هو أن معاصي البشر كلها حرّة. وما يريد أن يقوله الآن هو أن الله قد توقّع هذه الخطايا، توقّع أيضاً أنه سيُخرج منها خيراً كبيراً: سجن جميع البشر في معصيتهم كما في سجن، حصرهم في ضعفهم لكي يفهموا أنهم مدينون بخلاصهم لرحمة الله وحدها. هذا القول يسري أولاً على الجماعات، على قسمَي البشرية، على اليهود والأمم. ويسري أيضاً على الأفراد دون أن نستطيع التأكيد بأن هناك شخصاً واحداً قد حُكم عليه بالهلاك الأبدي.
لأن لفظتي "معصية" و"رحمة" تحيلاننا إلى الآيات التي تسبق مباشرة 11: 32، فعلى ضوء هذه الآية يجب أن نفسّر ما قيل في ف 9- 11 عن كفر اسرائيل. نحن نخطىء إن اعتبرنا أن الله وحده قسّى اسرائيل، وأنه وحده ينقذ شعبه من هذه التقسية، بحيث لا تهتم الكنيسة بارتدادهم! فمع أننا نقرأ أش 6: 10، فالنبي الواعظ توخّى أن يعلّم سامعيه. وإن يسوع تكلّم لكي يفهمه الناس، رغم ما نقرأ في مر 4: 11- 12 (رج أش 6: 10) و4: 33 عن كلام يسوع بالأمثال. ويستعيد الإنجيل أش 6: 10 لا ليقول لنا إن الله يجعل الناس عمياناً بالعمى الروحي، وصمّاً بالنسبة إلى كلمته. ولا نستطيع أن نستنتج من 11: 7- 10 أن الله هو وحده سبب كفر إسرائيل بينما يؤكّد ف 10 على مسؤولية إسرائيل الكاملة في هذا الكفر.
قد تختلف اللفظة بين نصّ وآخر، ولكن المعصية في 11: 32 تجعلنا نفكّر في تجاوز آدم في 5: 19. لسنا هنا أمام الصدفة والإتفاق، لأن ما قيل في 11: 32 يتلاقى مع 5: 12- 21. فالفكرة الرئيسية في هذا المقطع الأخير هو أن الله لم يسمح بتضامن جميع البشر مع معصية الإنسان الأول إلا لأنه نظر إلى التضامن المعاكس، تضامن البشر مع طاعة المسيح الفادي البطولية، تضامن لا يُقابل به تضامن، تضامن أفاد البشرية أكثر مما آذاها تضامُنها مع آدم.
ولكن ما يسري على اللوحة التناقضية في 5: 12- 21، يسري أيضاً على اللوحتين اللتين نجدهما في 1: 18- 5: 11 و7: 7- 8: 39. فالعنصران الأولان هما الخطيئة الشاملة (1: 18- 3: 20) وشقاء كل إنسان ساقط ما لم يحرّره الروح (7: 7- 25)، وهدفهما أن يُعظّما الخلاص الذي حمله المسيح، هذا الخلاص الذي كان منذ البدء الهدف الأول في مخطّط الله.
ونستطيع أيضاً أن نقول فيما يخصّ الصورة المعتمة في البداية، ما يلي: بسبب التوازي بين وحي برّ الله الخلاصي في 1: 17 ووحي الغضب في 1: 18. وبسبب التقابل بين 1: 18 و3: 21، يترافق ظهور الغضب والبرّ في قسم كبير من مسيرتهما. فالغضب يبدو خاضعاً للبرّ، والله لا يعرّي جراح البشرية إلا لكي يشفيها. وانجيل المسيح يبرز الشقاء الأدبي في بشرية تركت وحدها أمام دينونة الله وحكمه. وحين نكرز على البشر بيسوع المصلوب والقائم من الموت، فنحن نجعلهم في خط التبرير، وفي الوقت عينه نجعلهم يعون ذنوبهم.
وخلاصة القول، إن النظرة الماورائية والنظرة السيكولوجية في 3: 3- 8 و11- 32، تشرفان بشكل واضح بعض الوضوح على كل التوسّع التعليمي الذي يمتدّ من 1: 18 إلى 11: 32. وهذا ما يحرّك في قلب بولس النشيد إلى الحكمة الإلهية في 11: 33- 36. لقد اجتاز تاريخ البشر خطيئة الإنسان المبتعد عن الله فاخترقته من جهة إلى جهة. وأجتازه أيضاً فاخترقه عمل رحمة الله الذي يذهب إلى عمق شقائنا الأدبي فيطلب الأفراد والجماعات ليردّهم إليه على طريق الحياة والسعادة.

خاتمة
من كل ما قلنا نستطيع أن نستخلص أن تعليم روم تعليم إيجابي جداً. هذا ما كان يمكن أن نتوقّعه لدى قراءة حبقوق في روم 1: 17. فما أراد الرسول أن يبيّنه قبل كل شيء هو فيض الحياة الذي ينعم به الإنسان، كل إنسان، مهما كان خاطئاً، بعد أن تبرّر بالإيمان بالمسيح: "من هو بار بالنظر إلى الإيمان يحيا". والإنحدار إلى اعماق الشقاء البشري، كان هدفه في نظر الرسول أن يحعلنا ندرك (عن طريق التعارض) عظمة التحرّر الذي أتمه المسيح وطابعَ حبّ الله العجيب الذي تجلّى على الجلجلة.
الفصل السادس عشر
التعليم الخلقي

بدت روم غنيّة جداً على مستوى اللاهوت. وفي الوقت عينه تركت لنا أُسسَ أخلاقية مسيحية عجيبة. أما ما يميّز هذه الأخلاقية فارتباطها بالمعمودية والإيمان. سيكون أمامنا فصلان في هذا المجال. الأول عنوانه التعليم الخلقي والذي سندرسه الآن في محطات ثلاث: التمييز الأدبي عند اللامسيحيين. تحوّل هذا التمييز عند المسيحيين. الضمير والإيمان المسيحي. أما الفصل التالي فسيكون عنوانه: حياة المعمّد بين الإيمان والشريعة.

1- التمييز الأدبي عند غير المسيحيين
الفعل اليوناني (دوكيمازو) الذي يدلّ على التمييز يعني في معنى أول: إمتحن، تحقق، وافق، أقرّ. وهو ينطبق على النقود التي لا تكون مزيّفة. كما ينطبق على التحقق من نوعية أشخاص يستعدون ليكونوا قضاة أو كهنة أو موظفين في إحدى الوظائف.
وفي الرسائل البولسية، كان التمييز في علاقته مع حكم الله، موافقة وامتحاناً وتنقية من كل ما هو إنساني أو رديء (1 تس 2: 4: إختبرهم الله قبل أن يأتمنهم؛ 1 كور 3: 13؛ 11: 28؛ 2 كور 2: 9؛ 8: 8، 22؛ 9: 13؛ غل 6: 4). ولكن حين يدل التمييز على معرفة المسيحي لواجباته، فهو يعني إمكانيّة الاختيار لما يجب أن نعمل في هذا الظرف أو ذاك لكي توافق حياتُنا الإنجيل. وتعطينا روم في هذا المجال أغنى المعطيات وأثمنها تعبيراً.
إنّ التمييز كما نقرأ عنه في العهد الجديد إجمالاً، يرتبط بالعهد القديم، حيث تسير الحياة المؤمنة تحت نظر الله (إر 6: 27- 30؛ 9: 6؛ 11: 20؛ 14: 19؛ مز 17: 30؛ 26: 2؛ 139: 1: يا رب، فحصتني فعلمتني. علمت جلوسي وقيامي. إطّلعت على جميع طرقي؛ حك 3: 6؛ 11: 10).
قبل أن تحدّثنا روم عن التمييز الخلقي المتأثر بالإيمان المسيحي، تتوقّف عند وضع الوثنيين. "بما أنهم لم يستحسنوا أن يقيموا على معرفة الله الحقة، أسلمهم الله إلى فساد الرأي لكي يفعلوا ما لا يليق" (1: 28). بما أن الوثنيين ظنّوا أن لا حاجة إلى الحياة بحسب معرفة الله، تشوّه التمييز الأدبي عندهم وخسر صفة من صفاته الأساسية. سمّوا خيراً ما هو شّر، وهذا ما شكّل حكماً إلهياً عليهم. نحن هنا أمام "روح فاسد، منحرف" أو أمام روح رفضه الله.
نحتفظ هنا من تجربة تحجير الأقوال التي نجدها في بداية روم. لهذا يجب أن نصحّح اللوحة المعتمة في ف 1 بما سيُقال عن الأمم في 2: 13- 16 (رج 2: 25- 29 حول الختان "في القلب" أو "حسب الروح"، وهو الختان الوحيد الذي له قيمة، رج إر 9: 24- 25). فحسب الرسول، يبلغ الوثنيون إلى الخلاص بالمسيح إن هم تبعوا ضميرهم. هذا يعني أن الحسّ الخلقي عندهم لم يُلغَ. فالضمير يعم كشخص غريب عن الإنسان، يتهمه أو يدافع عنه. إنه ناموس داخلي يعود إلى الله شأنه شأن الناموس الموسوي. وحكمه هو استباق للدينونة الأخيرة حيث يمثل جميع البشر أمام المسيح.
في 2: 19، أعلن بولس أن الممارسين الحقيقيين للناموس هم الذين يتبرّرون. وفي آ 20 علّم أن الوثنيين الذين يتمّون فرائض الشريعة يدلّون على واقع الشريعة المكتوبة في قلوبهم.
يقول معظم الشرّاح إن هذا المقطع لا يؤكّد وجود شريعة طبيعية مكتوبة في القلوب وحسب، بل إمكانيّة حقيقية بالنسبة للوثنيين بأن يخلصوا فقط بممارسة هذه الشريعة الطبيعية. وهذا ليس تجاوزاً للمبدأ العام، مبدأ الخلاص بالإيمان بالمسيح. لأن هذه الممارسة لا تكون بدون إيمان ضمني بالمخلّص الوحيد الذي أدرك بعمله الفدائي جميع البشر ولم يستثنِ أحداً. ويُزاد على هذا نصّ 12: 13- 16 الذي يتضمّن بالنسبة إلى الوثنيين مشاركة (ناقصة) لما يميّز العهد الجديد (إر 31: 31- 34) وهو: كتابة شريعة الله في القلوب. ينتج عن هذا أنه إن خلص الوثنيون فقط بممارسة الشريعة الطبيعية، فهذا لا يتمّ بدون معونة نعمة الله.

2- التمييز عند المسيحيين
إن العبارة التي نجدها في 2: 15 (مكتوب في قلوبهم)، تعود بنا إلى إر 31: 33. غير أن الوثنيين الذين يشير إليهم الرسول هنا هم وثنيون صاروا مسيحيين. ولكن هذا يصل بنا إلى جهل التعارض بين اللوحتين، لوحة البشرية الخاطئة بدون المسيح (1: 18- 3: 20)، ولوحة البشرية المخلَّصة في المسيح (3: 21- 4: 25). إنّما هناك من يعود بالأحرى إلى أش 51: 7 (إسمعوا لي، يا عارفي البرّ، الشعب الذين في قلوبهم شريعتي) الذي يرتبط مع إر 31: 33. هنا نتذكر التفسيرين اللذين قدّمهما أوغسطينس على التوالي: فكّر أولاً بالوثنيين. غير أن البلاجيين فهموا عبارة 2: 14 (عملوا طبيعياً) في معنى: "بقوى الطبيعة وحدها". بينما المعنى هو بالأحرى: كمتطلّبة طبيعية (أي لا تتعدّى قوى الطبيعة". حينئذ أراد أوغسطينس أن يردّ على البلاجيين فقدّم التفسير الثاني مطبّقاً النصّ على المسيحيين الآتين من الأمم الوثنية.
للوهلة الأولى، يحسب اليهود فوق الأمميين (أي: الأمم الوثنية) فيما يتعلّق بالتمييز الخلقي. أما هم، بفضل الشريعة، عارفون بإرادة الله؟ إذن هم معرّضون أقلّ من الوثنيين لأن يسمّوا الخير ما هو شّر. فالرسول يقر أنهم يعرفون أن يُخضعوا للفحص مختلفَ القيم، فيميّزوا منها الجوهرية والصحيحة: هذا هو المدلول المزدوج الذي ترتديه العبارة الملتبسة التي نقرأها في 2: 18 (يميّز ما هو الأفضل، ما يجب ويليق) وفي فل 1: 10 (في وسعكم أن تميّزوا القيم الحقّة، القيم الفضلى، وهذا يرتبط بحبّ يرى الأمور بوضوح) والتي قد تعود إلى العالم الهلنستي (ما هو جميل وما هو صالح) (رج مت 23: 32: أن تعملوا هذه ولا تتركوا تلك).
ولكن يزيد القديس بولس: إن هذه المعرفة الفضلى التي يتمتّع بها اليهود لإرادة الله، تبقى غير فاعلة، لأن سلوكهم الأخلاقي لا يوافق تمييزهم. فاليهود هم، في نظر الرسول، مسؤولون كل المسؤولية عن هذا التنافر بين معرفتهم النظرية وممارستهم. وإذا أردنا أن نفهم الوضع، نتذكّر أن عطيّة الشريعة الموسوية ارتبطت في الأول بنعمة الله. لهذا فلا تعارض مع ما قلناه في 7: 7- 25 حيث يتحدّث بولس لا عن شريعة موسى فحسب، بل عن كل شريعة. فبمعزل عن العون الإلهي، سنسير حتماً إلى الفشل: إذا ظلّت فريضة إلهية خارجة عن الإنسان فهي تعطي معرفة ما يجب عمله ولكنها لا تمنح القوّة لإتمام العمل.
وهكذا نستعد لسماع التوصية الكبرى في بداية ف 12: "لا تتشبّهوا بهذا العالم (بالعالم الحاضر). بل تحوّلوا إلى صورة أخرى بتجديد عقلكم لكي تميّزوا ما مشيئة الله، وما هو صالح وما يرضيه، وما هو كامل" (آ 2).
بيّن الرسول في ف 1- 8 أن المسيح، آدم الجديد، هو في أصل العالم الجديد والخليقة الجديدة. مثل هذه الفكرة قد عبرّت عنها بداية غل: المسيح "أسلم من أجل خطايانا ليحرّرنا من هذا العالم الحاضر والرديء" (غل 1: 4). فالمسيحي قد انتزع أساساً من العالم العتيق بفضل عماده (روم 6) وحضور الروح القدس فيه (روم 8) وأدخل إلى العالم الجديد. والمفارقة الخاصة بالتدبير المسيحي هو أن الرسالة لا تتحدّث عن عالمين متعارضين يحلّ الواحد محلّ الآخر كما في عالم الجليان (أسفار الرؤيا) اليهودي. بل تجعلنا أمام عالمين موجودين معاً: العالم العتيق، عالم الشيطان، عالم الظلمة والخطيئة الذي هو دوماً حاضر هنا وفاعل بشكل مخيف. ثم العالم الجديد، عالم النور والنعمة. ولكن الأوّل يحمل في ذاته جرحاً مميتاً منذ انتصر عليه المسيح ودشّن ملكوت الله النهائي.
إذن، المسيحي هو بفضل المعمودية والإيمان (اللذين لا ينفصلان عادة في نظر بولس) قد دخلَ، من جهة المبدأ، في العالم الجديد. ولكن يُطلب منه دوماً مجهود أخلاقي لكي يكمّل دخوله في العالم الجديد وتحوّلَه الروحي. وإلا ترك ذاته من جديد تتحوّل حسب العالم العتيق. هناك تعارض له معناه بين فعلْيَ أمر: لا تتشبّهوا، تحوّلوا. نفسرّهما حسب الإمالة الخاصة بكل منهما. فالشبه (مورفي) يدلّ على الكائن الحميم ويعبرّ عن واقع أعمق من "سكاما" (وجهة، رسم) التي تدلّ على الشكل الخارجي والسطحي. إذن، علينا أولاً أن لا نتشبّه خارجياً بالعالم الرديء الذي تجاوزه العالم قبل المسح. ثم، أن نتحوّل في العمق بالقوى الجديدة التي نلناها في العماد.
ويرتبط بهذا التحوّل الذي تدشّن بالروح القدس وما زال يتتابع فيما بعد بعونه، يَرتبط تجدّدُ الإنسان اليومي على المستوى الخلقي. قد يتشوّه التمييز الخلقي بحياة فاسدة (رج فساد الرأي في 1: 28). ولكن ذلك، قد يتكمّل بسلوك المعمّد الروحي. فالحياة المسيحية التي نعيشها بشكل تام هي ينبوع نور: إن كان يجب أن نحسّن رؤيتنا لكي نحسّن عملنا، فيجب أيضاً أن نحسّن عملنا لكي نحسّن رؤيتنا. ويفهمنا 12: 2 أن الحياة المسيحية الصحيحة لا تقوم أولاً بالخضوع لقوانين حدّدت سلفاً، بل هي بالأحرى استنباط متواصل. يجب أن نميّز يوماً بعد يوم وفي تفاصيل الحياة العادية ما هي مشيئة الله: أولاً، ما هو صالح في نظره. ثم ما هو مرضي له، ما يسّره. أخيراً، ما هو كامل في نظر الله. ومع هذه اللفظة الأخيرة ينفتح المنظار أمام إمكانيّة كمال لا حدود له. فلا يستطيع تلميذ المسيح أن يقول أبداً: لقد وصلت. هنا نتذكر كلمات يسوع: "إن شئت أن تكون كاملاً" (من 19: 21). ونتذكّر النداء للإقتداء بكمال الآب السماوي في العظة على الجبل: "كونوا كاملين كما أن أباكم السماوي كامل هو" (مت 5: 48).

3- الضمير والإيمان المسيحي
ويتكرّس ف 14- 15 للضعفاء والأقوياء في جماعة رومة، فيقدّمان تطبيقاً ملموساً للمبدأ الذي عبرّ عنه 12: 2 حول التجدّد على المستوى الأخلاقي. وهكذا نكون أمام ثلاثة توسّعات:

أ- التوسّع الأول (14: 1- 12)
يقدّم هذا التوسّع تعليمات عامّة حول العلاقة بين الضعفاء والأقوياء. فليس على المسيحيين المستنيرين أن يحسبوا الآخرين "عقولاً ضيقة". وليس على هؤلاء أن يحسبوا الآخرين "متساهلين، فلتانين". فعلى كل واحد أن يتصرّف حسب يقيناته الشخصية. فإن تحقّقت هذه الشروط، فلا نستطيع أن نلوم أحداً. يكون كل واحد قد سار حسب يقينه، فيشكر الجميع الربّ. فالمسيحي لا يحيا ولا يموت إلا من أجل الربّ. ثم كل حياة مسيحية مكرّسة للمسيح لم تعد خاضعة لتقدير سائر البشر: فالحكم محفوظ لله وحده الذي أمامه سنمثل جميعاً.

ب- التوسّع الثاني (14: 13- 23)
والتوسّع الثاني الذي نتوقّف عنده مطوّلاً يعالج الواجب الذي تفرضه المحبة المسيحية على الأقوياء، بأن يتجنّبوا الشكوك (أو: المعثرة، تتكرّر اللفظة في آ 19، 20، 21). بعد آ 13 التي تشكّل المقدّمة، تضع آ 14 و20 المبدأ: لا طعام نجساً في طبعه. ولكننا نخطىء حين نتصرّف عكس يقينات إيماننا. ثم إن آ 15- 16 وآ 21 التي تتوازى وتتكامل، تطبّق هذا المبدأ لا على الضعيف (كما يمكن أن ننتظر) بل على القوي الذي يتجنّب إطلاقاً (بالنظر إلى محبّته المسيحية) أن يدفع الضعيف لكي يأخذ بسلوكْ يعتبره أهلاً للوم. فخير للقوي أن يتخلّى عن حريته من أن "يحزن أخاه" (آ 15)، من أن "يشكّكه" (آ 21)، وبالتالي يسبّب هلاك ذاك الذي مات المسيح من أجله (آ 15). وتدلّ آ 16 على أن الحرية المسيحية لدى الأقوياء (خيرهم) لا يمكن أن تكون موضوع تفسير سيّىء. وأخيراً تأتي آ 17- 19 ثم آ 22- 23 فتعلن مبادىء عامة تلائم كل المسيحيين بدون تمييز.
إن البعد العام للآية 17- 19 هو واضح: إن إقامة ملكوت الله فينا ليست موضوع طعام وشراب. فهو لا يرتبط إلا بخدمة المسيح في البرّ والسلام والفرح التي تأتي من الروح القدس. وهكذا نكون مرضيين لله ومحمودين لدى الناس، وبالأخص لدى الجماعة المسيحية التي نبنيها بسلوكنا.
ويتجادل الشرّاح حول معنى آ 22- 23. قال بعضهم: إنهما تعنيان الأقوياء فقط. فعلى القوي أن يحفظ إيمانه له. أي أن لا يتصرّف بحسب يقينه في الظروف التي فيها يسبّب معثرة. ولكن إن أخذنا بعين الإعتبار التقابل مع 14: 5 (فليُقم كل واحد على رأيه)، يرى شرّاح آخرون أنه في الأفضل أن نفسّر آ 22 أ على الشكل التالي: على الضعفاء والأقوياء أن يكون تصرّفهم موافقاً ليقين إيمانهم. وبعبارة أخرى، لكل مزمن الحق والواجب بأن يتصرّف حسب إيمانه. ولكن يجب أن يكون تصرفه في سبيل الله.
وتأتي التطويبة في 14: 22 ب (طوبى لمن لازم على نفسه حين يمارس التمييز) حيث نجد فعلاً يدلّ على القرار الخلقي: إن الذي لا يحكم على نفسه في عمل قرّر أن يعمله هو سعيد. يستحيل علينا أن ننسب إلى هذه التطويبة بعداً عاماً، ونجعلها تنطبق على كل مسيحي أياً كان. فهذا ما يقودنا إلى مديح الضمير حتى الخاطىء منه وغير المقوّم. إن هذه التطويبة لا تنطبق إلا على طريقة التصرّف في خلاف محدود يقسم الضعفاء والأقوياء في كنيسة رومة.

ج- التوسّع الثالث (15: 1- 12)
قد فسّرنا هذا المقطع حين بحثنا عن الأقوياء والضعفاء في جماعة روما. وما يلفت الإنتباه في هذا المجال هو التوازي بين النصائح المعطاة في 15: 1- 7 للمجموعتين في كنيسة رومة، ثم واقعان من تاريخ الخلاص الحالي كما يذكّرنا به 15: 8- 12: من جهة، أتمّ الله من أجل الشعب المختار المواعيد التي أُعطيت للآباء (آ 8). ومن جهة ثانية، وجب على الوثنيين أيضاً أن يسبّحوا الله على الرحمة التي نعموا بها، كما يقول الكتاب (آ 9- 12).
يدفعنا ف 14- 15 إلى طرح لسؤال حول العلاقات بين الضمير الخلقي والحياة المسيحية. نلاحظ (في 14: 22- 23) أن بولس يستعمل ثلاث مرات بشكل غير متوقّع لفظة "إيمان" (بستيس). "الإيمان الذي لك، احتفظ به لنفسك أمام الله... من يأكل وهو على ارتياب، يحكم على نفسه، لأنه يتصرّف عن غير إيمان. وكل ما ليس عن إيمان هو خطيئة". ما تعني هنا لفظة "إيمان"؟
ظنّ البعض أن الإيمان يعني الضمير والضمير الصالح والنيّة الحسنة. والمبدأ الذي طرحه الرسول يسري على الوثنيين كما على المسيحيين. علينا أن نتصرّف بضمير مؤكّد، بضمير مستقيم. مثل هذا التفسير مشكوك فيه. فكلمة "إيمان" التي ترد مراراً في روم، أيعقل أن تعني "الضمير والوجدان"، أن تدلّ على معنى فلسفي؟
هنا نعود إلى المقابلة بين التوسّع حول اللحوم المذبوحة للأوثان (1 كور 7- 11) الذي يستعمل مراراً لفظة "ضمير" (8: 7، 10، 12؛ 10: 25، 27، 28، 29)، والتوسّع حول الأقوياء والضعفاء في روم 14- 15 حيث لا نجد أبداً لفظة ضمير (سونايداسيس). ورغم اختلاف في الألفاظ، نشهد الظاهرة عينها في كلا الحالين: طبع الحسّ الخلقي والضمير بالطابع المسيحي. فالعالم اليوناني كان يفتخر بأنه لا يتبع إلا ضميره الخاص، فيهزأ برأي الآخرين. ولكن بولس يذكّر "العارفين" في كورنتوس أن على ضميرهم أن يخضع لمتطلّبات المحبة المسيحية. قال: لا شكّ في أن عليكم أن تتبعوا ضميركم، ولكن شرط أن تأخذوا بعين الإعتبار ضمير قريبكم الذي لا يجب أن تشكّكوه. قد تتبدّل اللغة، ولكن المثال المسيحي هو هو في روم وفي 1 كور.
حين يعلن الرسول في 13: 5 أن على المؤمن أن يخضع لسلطة الدولة، فهذا لا يكون خوفاً من العقاب، بل من أجل الضمير. هذا يعني، من أجل عقيدتنا المسيحية. لقد توخى 13: 1- 7 أن يذكّر المسيحيين بمسؤولياتهم كتلاميذ للمسيح تجاه العالم الوثني. ومن هذا القبيل يعود بهم إلى ضميرهم. فعبارة 1 بط 2: 19 (بسبب الضمير تجاه الله، احتراماً لله) التي تنطبق على الطاعة لأسياد ظالمين، لها معنى مماثل.
مهما يكن من أمر الإختلاف بين التفاسير، فما هو أكيد في ف 14- 15: ليس المدلول الدنيوي للفظة "ضمير" هو الذي دفع الرسول لكي يعطي هنا لفظة "إيمان" معنى جديداً يترادف مع لفظة ضمير في اليونانية. بل عكس ذلك. فالإيمان المسيحي هو الذي يفتي ويعمّق مفهوم الضمير بشكل لا يُضاهى.

خاتمة
هكذا برز التعليم الخلقي في روم. هناك الوثني الذي يعيش بحسب ضميره، بحسب هذه الشريعة المكتوبة في قلبه. وهناك اليهودي الذي ظنّ نفسه أنه أفضل من الوثني على المستوى النظري، بسبب الشريعة الموسوية التي يمتلكها. ولكنه على المستوى العملي ليس بأفضل من الوثني. يقول: لا تسرق، وهو يسرق... إنه بحاجة إلى خلاص المسيح، شأنه شأن الوثني. أما المسيحي فلا يحسب نفسه أنه تحرّر من كل شريعة. فهناك شريعة المحبة التي تفرض على الأقوياء أن لا يشكّكوا الضعفاء. وعلى الضعفاء أن لا يحكموا بسرعة على الأقوياء. هناك يقين الضمير يحرّكنا من أجل العمل. ولكن هذا اليقين تحرّكه المحبّة. وفي أي حال: سواء حيينا أم متنا فنحن للربّ. وحين نكون للرب يصبح همّنا البحث عن الإقتداء به كما قال لنا متى في عظة الجبل: كونوا كاملين كما أن أباكم السماوي كامل هو

الفصل السابع عشر
حياة المعمد بين الإيمان والشريعة

إستبعد بولس الأعمال من أجل التبرير الأول، في الرسالة إلى رومة، ولكنه ما زال يوجّه إلى المسيحيين تحريضات خلقية. فانجيل المسيح لا يمكن أن يكون تعليماً عقائدياً لا يصل بنا إلى الحياة الأخلاقية. لهذا طرحت ثلاث مسائل: مسألة تمييز الضمير والإيمان بالنسبة لإرداة الله. مسألة إرتباط المتطلبات الأخلاقية بالزمن المسيحي ووضع المعمّد الجديد. مسألة العلاقات بين الشريعة القديمة والخلقيّة المسيحية.
توقّفنا في فصل سابق عند التمييز الخلقي. وها نحن نعالج في هذا الفصل ثلاثة أمور، الزمن المسيحي، حياة المعمّد، الشريعة والإيمان.

1- الزمن المسيحي
إختلفت لفظة "كايروس" عن لفظة "كرونوس" (تدلّ فقط على تعاقب الساعات والأيام والسنين) فعبرّت عن نوعيّة الزمن. وهي تنطبق في العهد الجديد على المحطات الكبيرة في تاريخ البشرية الديني. وتنطبق بشكل خاصّ على زمن الخلاص الحاسم الذي طبعته رحمة الله بطابعها، زمن مجيء المسيح على الأرض (مر 1: 15؛ لو 12: 56؛ 19: 44؛ مت 16: 3؛ كور 6: 2). حسب روم 5: 6 إن "كايروس" المسيحي هو الزمن الذي حدّده الله لموت المسيح التكفيري. وفي روم 3: 26: "كايروس الآن" يعارض الزمن الذي فيه لم يكن بعد تحقّق فداء البشرية. وهو زمن "صبر الله". وتقول لنا روم 8: 18 إن "كايروس الآن" هو الزمن الذي فيه ينشر الروح القدس عمله في النفوس، مع ما يرافق ذلك من آلام. إذن، ليس بعدُ زمان الخلاص الذي تحقّق كلياً. هذا ما تقوله لنا روم 11: 5 حين تقف في زاوية أخرى: كفرُ مجمل اسرائيل الذي يميّز الزمن (كايروس) المسيحي هو عابر. فكما في أيام ايليا، هناك بقيّة. هناك مجموعة من اليهود المرتدّين إلى الإنجيل، عربون البناء الروحي المقبل لكل إسرائيل.
ورغم عدم التمام الحاضر، يعيش المسيحيون في زمن غنى فائق الطبيعة لم يُسمع به. ولكن هذا الزمن الخارق، زمن النعمة والرحمة الإلهية، هو أيضاً زمن الله، النداء الملحّ والموجّه إلى البشر لكي يتعرّفوا إلى علامات الأزمنة ويقولوا "نعم" بنوياً وسخياً لله الآتي إليهم. هذا هو الإطار العام، الذي فيه نحدّد موقع الأخلاقية المسيحية لكي ندرك ديناميتها. فبعد أن حدّثنا الرسول بحرارة عن المحبّة الأخوية في 13: 8، 10، ربط إرشاده بالنظرة إلى الزمن (كايروس) المسيحي. "هذا، وإنكم تعرفون في أي زمان نحن. لقد حانت ساعة استيقاظكم من النوم. لأن الخلاص أقرب إلينا الآن مما كان حين آمنا" (13: 11).
كان التباس بين مختصرين (الزمن، السيّد)، فقدم 12: 11 (في اليونانية) اختلافة لها معناها إذا كانت صحيحة: لقد نصح الرسول المؤمنين لا بأن يجعلوا نفوسهم في خدمة الرب (كيريوس) كما يقول النصّ العادي. بل بأن يجعلوها في خدمة الزمن. (كايروس). يشهد على هذه الاختلافة النصّ الغربي، اللاتينيّة العتيقة، قبريان. إذن، اسنادها ضعيف. ومع ذلك، هي القراءة الأصعب. لهذا أهملها آباء الكنيسة، لأنها بدت غريبة. قال اثناسيوس: "لا نخدم الزمن، بل الرب". وقال مثله ايرونيموس. وفهم الشرّاح خطأ هذه الإختلافة فظلّوا غريبين عن نظرة بولس إلى الزمن ومسيرة التاريخ. وحسبوا أننا أمام نصيحة انتهازية، وهذا ما لم يريدوه لرسول الأمم.
إن البواعث التي عرضها بولس في إرشاده قد دُرست مراراً. فالرسول الذي أقرّ بشريعة طبيعة غير مكتوبة، هي شريعة الضمير (2: 14- 16) عاد بين الفينة والأخرى إلى اعتبارات في النظام الطبيعي كما استلهم الفلسفة الشعبية. هذا ما يدلّ عليه استعمال كلمة "ضمير" (سونيداسيس).
ويشهد على الشيء عينه لوائح الرذائل والفضائل في العهد الجديد، ولاسيّما في الرسائل البولسية. نجد لائحة بالرّذائل موسّعة في روم 1: 24- 31. ولائحة قصيرة بالفضائل في روم 15: 13- 14. رج لوائح الرذائل في 1 كور 6: 9- 10؛ أف 4: 3- 5؛ 5: 22؛ 1 كور 13: 1- 7؛ 2 كور 6: 4- 6؛ 8: 7؛ أف 5: 9. إذا وضعنا جانباً عدداً من الإختلافات التفصيلية، نرى أن الأخلاقيات المسيحية والرواقية تتوجّه توجيهاً مختلفاً. في الرواقية، يؤول كل المجهود والبشري إلى إستقلالية الأنا. أما المسيحية فتطلب من الإنسان تجرداً من ذاته لكي يلبس المسيح. ولكن حين يتذكّر بولس تعداد الرذائل والفضائل المعروفة لدى الوعّاظ الرواقيين في أيامه، فهذا يدلّ على أن هناك أساساً طبيعياً للأخلاقية التي هي في متناول الجميع. إذن، لا يدافع الرسول بإفراط عن عالم الروح دفاعاً يجعله يهمل معطيات الشريعة الطبيعية.

2- حياة المعمّد
ويذكر الرسول من وقت إلى آخر بواعث لاهوتية ترجع إلى العهد القديم. ولكن بواعث الإرشاد البولسي هي في أكثر الأوقات مسيحية، فكان في يد اللاهوتيين ينبوع لا ينضب للتفكّر في التعليم الخلقي بالنظر إلى المسيح ونعمته وعمله الفدائي. هذا لا يعني أن الرسول يعود، شأنه شأن معلّمي الأخلاق المسيحيين، إلى المكافأة الأبدية والعقاب الأبدي. لا شكّ في أن بولس يتشبّه بمعلّمه (يسوع المسيح) فيعود إلى المخافة والرجاء لكي يسند أخلاقية المؤمنين. ولكنه في معظم الحالات يتحدّث عن العقاب دون خلفية تحريض أخلاقي. كما أنه في أكثر من مرّة يقدّم تحريضاته الأخلاقية دون العودة إلى العقاب. لا شكّ في أن الأخلاقية البولسية بعيدة كل البعد عن البحث عن سعادة تحسب الف حساب وحساب.
وتدعونا روم إلى إعادة الإرشاد البولسي إلى باعثين اثنين. في الفصول الثمانية الأولى التي تتعلّق بحياة المسيحي الشخصية، ترتبط التحريضات الأخلاقية خاصة بعلاقات حميمة مع المسيح والروح القدس بواسطة الإيمان وسّر المعمودية. وفي ف 14- 15 اللذين يعنيان حياة المسيحي في الجماعة، ترتبط التحريضات بالكنيسة جسد المسيح: على المسيحي أن يجعل حياته تتناسق مع تدبير عهد النعمة الذي فيه دخل. وهذه هي القاعدة الأساسية في الأخلاقية البولسية. فللحياة المسيحية بعدان: بعد شخصي (ف 1- 8) وبعد جماعي (ف 12- 15). وهذا ما يفتح الطريق أمام سلسلتين من التحريضات. قد نلخّص السلسلة الأولى في عبارة روم 6: 4: "نمشي في جدّة الحياة. والثانية في عبارة 14: 15: "نسلك في المحبة".
إذا وضعنا جانباً الرسائل الرعائية (1 تم، 2 تم، تي)، يستعمل بولس في رسائله فعل "سلك" 31 مرة ليعبرّ عن سلوك الإنسان الأخلاقي. إن استعمال فعل "سلك" عن طريق الإستعارة بمعنى عاش، أمر معروف في اللغة اليونانية. ولكنه يميّز بشكل خاص التوراة حيث يُشرف على وجود الإنسان حضورُ وعمل الله الذي يتدخّل في مسيرتنا الأخلاقية والدينية. فيقال لنا من وقت إلى آخر إن الله يسير مع شعبه المختار (خر 33: 15؛ تث 20: 4). وتطلب الكتب دوماً من الشعب المختار ومن كل اعضاء الجماعة بأن يسلك مع الله، في حضرته، أمام وجهه، في طريقه. إنها عبارات قريبة من تلك التي يستعملها الرسول ليترجم هذه الفكرة: إن موهبة المسيح والروح والقدس، والحياة التي تنتج عنها هي بالنسبة إلى المسيحي ينبوع واجبات أخلاقية ودينية دقيقة جداً وسامية.
أما نتيجة إدخال الحياة المسيحية في المسيح (ف 6، 8) كما يحققها الروح القدس في المعمودية، فهي ان نصير شيئاً فشيئاً ما صرناه أساساً في المعمودية. ويستعمل الرسول مراراً الألفاظ عينها أو الألفاظ المتقاربة ليقول لنا تارة ما صار إليه الإنسان بواسطة عماده، وطوراً ما عليه أن يصير إليه بفضل مجهود يتجدّد باستمرار. فالإنسان العتيق فينا قد صُلب مع المسيح (6: 6). ولكن علينا من جهتنا أن "نلبس الربّ يسوع المسيح" (13: 14) فنتخلّى عن الإنسان العتيق ونلبس الجديد (كو 3: 9- 10؛ أف 4: 22- 24). فالروح هو حياتنا (غل 5: 25 أ)، ولكن علينا أيضاً أن نتركه يقودنا ويوجّهنا (روم 8: 5 ي؛ غل 5: 16 ي).
وهكذا نستطيع أن نجمل الأخلاقية التي تنتج من تعاليم روم العقائدية. بعد أن تبرّر البشر مجاناً بواسطة إيمانهم بالمسيح، بإيمانهم وعمادهم، صاروا كلهم معاً في المسيح وفي الروح القدس: من جهة الموضوع نُقلوا إلى تدبير الخلاص الذي تمّ بواسطة المسيح الفادي. ومن جهة الذات هم يعيشون بتأثير الروح الإلهي الذي حوّل روحهم. ولكننا ما زلنا هنا في نقطة الإنطلاق. فعلينا أن نحيا يوماً بعد يوم كأبناء حقيقيين لله، أي أن نقتدي بسلوكنا بالمسيح، ابن الله، وأن نسير بهدي الروح القدس لمجد الله الآب.
إن مجمل العهد الجديد، ولا سيّما الرسائل البولسية، ونخصّ منها روم، يفرض علينا أن نمسك بعنصرين لا ينفصلان في الديانة المسيحية هما: الكرازة والتعليم الخلقي. وكما ارتبطت في العهد القديم متطلّبات يهوه الأخلاقية (بدءاً بالوصايا العشر) بالتحرّر من عبودية مصر (رج مقدّمة إلى الوصايا في خر 20: 2؛ تث 5: 2- 6)، كذلك في العهد الجديد. فالواجبات المفروضة على المسيحيين تنبع من إعلان الخلاص بالمسيح، سواء دلّ هذا الخلاص على مجيء الملكوت في شخص يسوع وعمله (الأناجيل الإزائية)، أو على أحداث الخلاص العظمى التي هي هدف وغاية حياته على الأرض: الآلام، القيامة، يعود يسوع إلى السماء، عطية الروح القدس (بولس ويوحنا). لقد دوّنت فرائض الشريعة الأدبية في قلب الإنسان بواسطة خالقه (2: 15). ومثال المسيحي قد دوّن في نظر بولس في كائن المعمّد نفسه. فلا يبقى له إلاّ أن يصبح ما بدأ به يوم عماده بفعل المسيح والروح القدس معاً.
فالأخلاقية البولسية في روم ترتبط بالمسيح من جهتين. اولاً، هي ترتبط بعمل التبرير والتقديس الذي ينتج من الإيمان بالمسيح. ثانياً (وأكثر مما يقال للوهلة الأولى)، الأخلاقية البولسية هي لدى لتعليم المسيح. والأمثلة عديدة في ف 12- 15.
هناك توصية في 12: 14: "باركوا الذين يضطهدونكم، باركوا ولا تلعنوا". وفي 12: 17: "لا تكافئوا أحداً على شّر بشرّ". وفي 12: 2: "لا تنغلب للشرّ، بل اغلب الشّر بالخير". هذه التوصيات الثلاث تعود إلى الدروس الكبرى في العظة على الجبل: حبّ الأعداء، عدم مقاومة الشّر، إستبعاد روح الإنتقام. وبعد هذا نجد التعبير عن واجب الطاعة للسلطة المدنية، وهو ينتهي بهذه التوصية: "أدّوا إذن للجميع حقوقهم: الجزية لمن له الجزية، والجباية لمن له الجباية، والمهابة لمن له المهابة، والكرامة لمن له الكرامة (13: 7). نحن قريبون جداً من كلمة يسوع نفسه "أعطوا ما لقيصر لقيصر. وما لله لله" (مت 22: 21 وز).
وكتب الرسول في 14: 14: "إني عالم ومتيقّن في الرب يسوع، أنه ما من شيء نجس في ذاته. بيد أن من يحسب شيئاً نجساً فله يكون نجساً". إن عبارة "في الرب يسوع" تحتفظ بمعناها العادي في الرسائل البولسية: هي تعبرّ عن اتحاد حياتي مع المسيح. ولكننا لا نستطيع أن نبقى هنا. فهناك تمييز بين الفعل الأول "أعلم" الذي يدلّ على معرفة طبيعية، والفعل الثاني (متيقّن في الرب يسوع) حيث نجد تطبيقاً لتعليم يسوع الذي رفض التمييز بين الأطعمة الطاهرة والأطعمة النجسة (مر 7: 14- 23؛ مت 15: 10- 20). فالفكرة هي هي في الإنجيل وفي روم. ثم إن بولس (روم 14: 14) يستعمل مع مرض (7: 2، 15) كلمة غريبة في اليونانية (كوينوس) تدلّ على ما هو نجس بحسب الشريعة والطقوس (رج 1 مك 1: 47، 62؛ أع 10: 15، 28؛ 11: 9).
في روم 14: 13، طلب بولس منا الأقوياء في جماعة رومة بأن لا يكونوا للضعفاء سبب عثرة (14: 13، 20، 21) أو شكّ (14: 13، 21). ونقرأ التحذير عينه في 1 كور (8: 9؛ 8: 13 مرتين) حيث يعالج الرسول صراعاً مماثلاً بين مسيحيين مستنيرين وآخرين يحسّون بالوساوس التي لا أساس لها في استعمال اللحوم المذبوحة للأصنام. في الحالتين (في روم وفي 1 كور) يستلهم بولس الوصية القاسية التي تفوّه بها المسيح تجاه الشكوك (مت 18: 5- 9؛ مر 9: 42- 47؛ لو 17: 1- 2).
في الإنجيل الأول، وحالاً بعد التحذير من الشكوك، يقدّم يسوع هذه التوصية: "إحذروا من أن تحتقروا واحداً من هؤلاء الصغار" (مت 18: 10). ورسول الأمم، حين يطلب من مسيحيّي رومة الأقوياء أن لا يشكّكوا الضعفاء، يقدّم بشكل سؤال كلام يسوع هذا. "لماذا تحتقر أخاك" (روم 14: 10)؟ ونجد في الآية عينها سؤالاً آخر: "لماذا تدين أخاك"؟ نحن هنا أمام انعكاس لتعاليم المسيح. نقرأ في مت 7: 1- 2: "لا تدينوا (أحداً) لئلا تُدانوا (لئلا يدينكم الرب). فبالدينونة التي تدينون بها تُدانون، وبالكيل الذي تكيلون به يُكال لكم" (رج لو 6: 37).
إختلفت الرسائل البولسية عن الأناجيل الإزائية فلم تتكلّم إلا قليلاً عن ملكوت الله. كان تكلّمت فمتأثّرة بالأناجيل. ففي تحديد ملكوت الله نقرأ في روم 14: 17: "ليس ملكوت الله أكلاً وشرباً، بل برّ وسلام وفرح في الروح القدس". نجد هنا صدى للتطويبات كما نقرأها في مت 5: 3- 12.

3- الشريعة القديمة والأخلاقية المسيحية
إن الوجهة التي دافعت عنها غل وروم حول العلاقات بين الأخلاقية المسيحية والشريعة القديمة قد تتحجّر إذا عزلنا بعض المقاطع، ولا سيما تلك التي هي ردّ على اعتدادات المتهوّدين (المسيحيين المتعلّقين بالشرائع اليهودية). إن لغة بولس تصدم المتعلّقين بالشريعة والقريبين من طريقة العهد القديم في حبّ الشريعة. هنا نقرأ ثلاثة أقوال تتلاقى وتتكامل. في 3: 31 قيل لنا ان نظام الإيمان في يسوع المسيح يثبت الشريعة. ولكن هذا لا يمنع بولس من أن يعلن فيما بعد عن إلغاء الشريعة. وفي 10: 4 يؤكّد أن المسيح هو غاية الشريعة (يجب أن توصلنا إليه). وفي 13: 10: المحبة المسيحية هي تمام الشريعة. كيف نفهم هذه الأقوال؟

أ- الشريعة والإيمان
نقرأ 3: 31 وتثبيت الشريعة بنظام الإيمان بالمسيح. ثم 7: 1- 6 وموضوع إلغاء الشريعة.
أولاً: تثبيت الشريعة
في 3: 31، طرح بولس السؤال: "أفنبطل (أفنلغي) الناموس بالإيمان؟ حاشا بل نثبّت الناموس". ما معنى كلمة "ناموس" (أو: شريعة) في هذا الموضع؟ نظام شريعة من الأنظمة، أو مجمل العهد القديم، أو الأسفار الخمسة ككلّ (بنتاتوكس).
* إن الشريعة لا تنفصل عن تاريخ الخلاص. لهذا نفهم أن تمتدّ في نظر اليهود والعهد الجديد على الأسفار الخمسة، وإن تضمّنت هذه الأسفار الأخبار الكثيرة.
* وارتبطت الشريعة بوحي الله الخاص عن نفسه: إنه الإله الواحد. هذا ما يدلّ عليه قول متواتر (أنا هو الرب) يرافق الإعلان عن الشرائع (لا 18: 1 ي). وهكذا تكون لفظة "يجب" (أن تعمل) امتداداً للفظة: "أنا هو" (يهوه). فأخلاقية العهد القديم هي في جوهرها أخلاقية جواب على نداء الله بنعم أو لا. والجواب بلا يعني الموت والإنتحار. وهي أيضاً أخلاقية حوار تتضمّن تبادلاً على مستوى التصرّف: معرفة، حبّ، صدق، أمانة.
* والطاعة للشريعة هي جواب الإنسان إلى الله الذي بدأ فأحبّ شعبه، كما تقول بداية الوصايا العشر: "أنا الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر، من أرض العبودية" (خر 20: 2؛ تث 5: 6). فكيف ينحصر جواب الإنسان هذا بفرائض قانونية مدوّنة في نصوص؟ إنه يمتدّ ويتوسّع إلى ما لا حدود له، لأن الحبّ هو ينبوع الأمانة، والأمانة هي البرهان على أن الحبّ صادق هو (رج سفر التثنية).
* إرتبطت الشريعة بالعهد الذي هو فعل رحمة من قِبَل الله، فبدت في الأصل عطية لا تنفصل عن نعمة العهد، وبالتالي عن العون الإلهي الضروري لممارستها. والتعارض بين الشريعة والنعمة لا يظهر أبداً في الشعب القديم، لأن الشريعة نعمة.
كل ما قلناه يساعدنا على فهم الطريقة غير المتوقعة التي بها تكلّم بولس عن الشريعة القديمة في 3: 31، مع أنه فيما بعد يبدو وكأنه يحطّ من قدرها. فاليهود وكتّاب العهد الجديد يطبقون كلمة "ناموس" على البنتاتوكس كله (يو 1: 45؛ أع 6: 13- 14). في روم 3: 31 وحتى في 3: 19، يدلّ الرسول بكلمة "ناموس" على العهد القديم في مجمله (في 3: 19 تأتي لفظة "ناموس" بعد عدد من الإيرادات مأخوذة من المزامير والأنبياء لا من أسفار موسى الخمسة، 3: 10- 18). إن هذا التوسّع في استعمال لفظة "ناموس" يجد جذوره في العهد القديم. ففي مز 119 تدلّ الشريعة على كل الوحي الإلهي الذي هو قاعدة حياة. تدلّ على كل الكتاب المقدّس.
من الواضح أن الشريعة القديمة نفهمها على هذا الشكل، لا يمكنها أن تهلك، أن تزول. لهذا يعلن الرسول أنه لا يبطل الشريعة أي مجمل التعليم الذي أعطاه الله حتى ذلك الوقت، بل يريد أن يعطيها معناها الحقيقي بحيث لا تعارض نظام النعمة، بل تشهد له. وهذا ما يبيّنه بولس فيما بعد (روم 6) حين يدرس مسيرة إبراهيم.
ثانياً: إلغاء الشريعة
بعد أن تكلّم بولس عن الشريعة بهذا الشكل (3: 31) يعود فيسميها "شريعة الخطيئة والموت" (8: 2)، مع العلم أنه أوضح أن الشريعة الموسوية هي سبب عارض للخطيئة. لن نفهم النصّ انطلاقاً من روم 5: 20 (تدخّل الناموس حتى تكثر الزلة) التي ترتبط باعتبار ميتافيزيقي حول مخطّط الله. ولكن الرسول (كما سبق وقلنا) يميِّز بعناية مستوى مخطّط الله عن مستوى النشاط البشري الحرّ.
ففي "شريعة الموت والخطيئة" (8: 2) وعبارة "شريعة الخطيئة" (7: 23)، تبدو لفظة شريعة (أو: ناموس) كاستعارة وتعبير إنشائي. كان بولس قد أعلن أن الشريعة "مقدسة" و"روحية (7: 12، 14). فكيف يسمّيها الآن "شريعة الخطيئة"؟ وسيذكر فيما بعد في 9: 4 بافتخار التشريع الذي أعطاه الله لشعبه. شريعة الخطيئة هي سيادة الخطيئة، نظام الخطيئة. نحن أمام طريقة عنيفة في التشديد على السلطان الذي تمارسه علينا الخطيئة فتحاول أن تقتدي هزءاً بالسلطة التي تعود في الحقيقة إلى شريعة الله المقدّسة. تحدّث توما الاكويني عن شريعة الخطيئة على أنها الشهوة التي تميل بنا إلى الشرّ. ولكن هل يتحرّر المسيحي من هذه الشهوة؟ بل أما نكون أمام تحرّر جزئي وتدريجي؟
ما لا شك فيه هو أن بولس يعلن في 7: 1- 6 أن المسيحي قد تحرّر من الشريعة بواسطة الصليب. هو لم يتحرّر من الكتاب المقدّس كله، بل من الشريعة الموسوية وحدها. هو لا يميّز بين ممارسات بطُلت وعفّى عليها الزمن، وأخرى لم تتبذل مثل معظم الوصايا العشر التي هي تعبير عن الشريعة الطبيعية. كان قد قال في غل 2: 19: "بالناموس الذي حكم على المسيح كمجدّف (مر 14: 64 وز؛ يو 19: 7) متُّ عن الناموس (مع المسيح) لكي أحيا لله". كيف نفهم هذا التعليم البولسي؟
إذا أردنا أن ندرك بعده، نربط روم 7: 1- 6 بأقوال إرميا (31: 31- 34) وحزقيال (36: 26- 28) حول الميثاق الجديد. عارض إرميا (نبيّ عناتوت) بين شريعة سيناء المكتوبة على ألواح من حجر وشريعة الميثاق الجديد التي دوّنها الله في القلوب. ما يعنيه إرميا هو جعل الشريعة في داخل القلوب (إدخالها إلى القلوب) لا إحلال شريعة مكانها. مثل هذه النظرة هي غريبة من النظرة المسيحانية إلى العهد القديم والعالم اليهودي. فإرميا (شأنه شأن سائر الأنبياء) يهتم بشكل حصري أو شبه حصري، بالفرائض الأخلاقية في الشريعة الموسوية، يهتمّ بالوصايا العشر بما فيها من قدم، بما فيها من بعد عن غنى الكرازة النبوية. ومن اللافت هو أنه رغم تنوّع التعاليم واختلاف الحالات، ظلّ الأنبياء يذكّرون الشعب بالوصايا وتطبيقها في حياتهم. وجاء تعليم حزقيال امتداداً وتكملة لتعليم إرميا فبيّن ان جعل الشريعة في داخل القلوب يرتبط بعطية روح الرب. وهكذا نفهم عبارة روم 7: 6: "نخدم في جدّة الروح، لا في عتق الحرف".
ولكن كيف توصّل بولس (على خطى إرميا) أن يجعل التعارض واضحاً بين الشريعة الموسوية ونعمة الميثاق الجديد؟ نذكر أن النظرة القديمة رأت في الشريعة الموسوية عطية إلهية ترتبط بنعمة العهد (أو: الميثاق). ولكن امتلاك الشريعة عرّض بني إسرائيل لعدد من المخاطر. ونحن نكتشف إثنين حين نفصل الشريعة عن إطار الميثاق. حينئذ لا تعود جواب حبّ يطلبه الله من الإنسان، وهو الذي أحبّه أولاً وخلّصه من عبودية مصر وما زال يرفده بعونه.
الخطر الأول: تبدو الشريعة كأنها إكراه خارجي، وسلسلة تقيّدنا، وقاعدة مكتوبة فقط على ألواح من حجر، وفرائض لم تعد محبوبة فيتعدّاها الناس دوماً. والخطر الثاني: إنفصلت الشريعة عن الله وجعلت نفسها مطلقاً وغاية في ذاتها. لا وسيلة يستعملها الله لكي يلتقي بالإنسان. هذا ما حصل في الواقع في اليهودية المتأخرة مع اتجاه إلى جعل الشريعة صنماً يُعبد. ومع هذه "العبادة" برزت فكرة تقول إن الشريعة كانت سابقة للخليقة، وقد خضع لها آدم، وأتمها إبراهيم بحذافيرها فكانت ممارسته لها ينبوع حياة وبرّ. وافتخر اليهود على الأمم لأنهم يملكون الشريعة الموسوية (روم 2: 17 ي).
هذه النظرة إلى الشريعة هي ضلال يعيشه المتهوّدون، ولهذا حاربهم بولس بكل قواه باسم المجانية المطلقة لخلاص الله. وإن روم (التي ليست رسالة حرب مثل غل) أعلنت بقوة تعليم الخلاص بالإيمان بيسوع المسيح بمعزل عن ممارسات الشريعة. لقد تأكّد بولس منذ ارتداده أن الإيمان بالمسيح يكفي ليؤمّن الخلاص للذين يعلنون إيمانهم وإن لم ينتموا إلى العالم اليهودي.
يجب أن نفهم أن هذه الأخطار لا تقود إلى الموت. فالميثاق القديم والشريعة الموسوية (إذا فهمناها جيداً) يوجّهان النفوس نحو إله الرحمة ويهيّئانهم لكي يتقبّلوا مخلّص البشر الوحيد.

ب- المسيح "غاية الناموس"
نقرأ في 10: 4: "غاية الناموس هي المسيح لكي يعطي البرّ لكل من يلؤمن". يتطلّع الرسول إلى الشريعة الموسوية (لا الشريعة بشكل عام، وإن غاب ألـ التعريف). وكلمة "غاية" (تالوس)؟ فهم بعض الشرّاح: المسيح يضع حداً للشريعة الموسوية. وآخرون: المسيح هو الغاية التي تسير نحوها الشريعة الموسوية. وفئة ثالثة: توجّهت الشريعة نحو المسيح. فلما جاء بطلت وزالت.
* الفكرة القائلة بأن المسيح هو الغاية التي تتوجّه إليها الشريعة، توافق الإطار السابق بشكل مباشر (10: 1- 3). أقرّ بولس أن لدى اليهود "غيرة من أجل الله". ولكنه يلومهم لأنهم جهلوا برّ الله المجاني واعتبروا أنهم يستطيعون أن يحققوا، بواسطة أعمالهم، براً يكون ملكاً خاصاً بهم. فقادتهم هذه الكبرياء إلى نسيان خطاياهم التي كان دور الشريعة بأن تعرّفهم بها. وقادتهم لكي يخضعوا مقاصد الله العظيمة لأفكارهم البشرية المسبّقة، وأغلقتهم هكذا على نشاط الله الخلاصي والرحيم. وهكذا، حين قدّم المسيح نفسه للعالم كمخلّص للعالم، لم يعترفوا به كالهدف الذي وجب على الشريعة أن توجّههم إليه.
* والفكرة القائلة بأن المسيح يضع حداً للشريعة (أي: ينهي وجودها)، توافق 10: 5- 13 الذي يحلّ براً يولد من الإيمان بالمسيح محلّ برّ يولد من الشريعة. هذا التوسيع هو صعبٌ جداً. فكأن بولس يرى أن البرّ المؤسّس فقط على ممارسة الشريعة، قد أراده الله حقاً قبل مجيء المسيح. فالقاعدة يعبرّ عنها بمساعدة إيراد من لا 18: 5: "الإنسان الذي يتمّ الشريعة يحيا بها". في الواقع، تيقّن الرسول بأن هذا البرّ (من زاوية الكتاب المقدّس) هو سراب لا يتحقّق إذا عزلناه عن النعمة. وما يبيّنه هو إيراد كتابي آخر يأتي بعد إيراد اللاويين ويؤخذ من تث 9: 4؛ 30: 11- 14. وهذا الإستشهاد يُعطى كشهادة من أجل برّ الإيمان. إذن، أعطى الكتاب حكمه من أجل برّ الإيمان.
حين شدّد سفر التثنية على سهولة ممارسة الفرائض الموسوية، دلّ على برّ يرتبط بالشريعة فجاء معاكساً لطرح بولس. ولكن الواقع ليس كذلك. فسفر التثنية يربط الشريعة الموسوية بنعمة العهد (أو الميثاق) وبالله الذي أحبّ شعبه. فالكلمات (10: 6: لا تقل في قلبك) التي تدخلنا إلى لغة برّ الإيمان مأخوذة من مقطعين يعودان إلى تث فيحذّران من الكبرياء ونسيان مبادرة الله المطلقة ورحمته. "لا تقل في قلبك: إن قوتي وقدرة يدي هما أنشأتا لي هذا اليسار" (تث 8: 17). "لا تقل في قلبك: لأجل برّي أدخلني الرب لأرث هذه الأرض". فعبارة "بسبب برّي" تنبىء بانتقادات الرسول لليهود الذين "جهلوا برّ الله وطلبوا برّهم الخاص" (روم 10: 3). إذن، شهدت النصوص الموسوية نفسها (إن فُسّرت تفسيراً صحيحاً) من أجل طرح الرسول الذي أراد أن يحارب تفاسير خاطئة يقدّمها المتهوّدون.

ج- المحبّة "تمام الشريعة"
يبقى لنا أن نفهم 13: 8- 10: "لا يكن لأحد عليكم حقّ ما خلا المحبّة المتبادلة. لأن من أحبّ القريب قد أتمّ الناموس. فإن هذه الوصايا: لا تزنِ، لا تقتل، لا تسرق، لا تشهد بالزور، لا تشتهِ، وكل وصية أخرى، تلخَّص في هذه الكلمة: أحبب قريبك كنفسك. إن المحبّة لا تصنع بالقريب شراً. فالمحبّة إذاً هي تمام (ملء) الناموس".
ظنّ بعض الشرّاح ان "نوموس" (آ 8، 10) لا تعني فقط الشريعة الموسوية، بل الشريعة بشكل عام، قاعدة الحياة، مبدأ الأخلاقية المسيحية (غياب ألـ التعريف). ولكن في 10: 4 استعمل "نوموس" بدون ألـ التعريف ودلّ على الشريعة الموسوية (رج خر 20: 13- 17؛ تث 5: 17- 21).
نظر بولس إلى المحبة الأخوية نظرة وضعية (هي دين دائم)، فقال إنها "لا تصنع شراً بالقريب" (آ 10). لقد أراد الرسول أن يبيّن في المحبة الأخوية "كمال" الشريعة القديمة. ما زلنا أمام المسألة نفسها: ما هي العلاقات بين التدبير الجديد والأخلاقية المسيحية، وبين الشريعة القديمة؟
إن فعل "لخّص، جمع" المستعمل في آ 9 يعني: ضمّ في وحدة متناسقة. أو: جمع الكثرة بامرة رئيس واحد أو مبدأ موحّد. طبّق الفعل على المسيح في أف 1: 10، فدلّ على جمع الكون كلّه بإمرة رئيس واحد هو المسيح. وقالت رسالة برنابا (5: 11): إن موت ابن الله المتجسّد يضمّ كل الجرائم التي اقترفت قبله بيد من اضطهدوا الأنبياء وقتلوهم، ثم يتجاوزها. ونفسر روم 13: "في المعنى عينه: المحبة المسيحية هي مبدأ سام يوحّد كل وصايا الشريعة القديمة فتتوجّه إليه.
ونجد فكرة مشابهة في 13: 10: المحبة تمام الناموس. هناك من يفهم: المحبة هي تتمة الناموس (ق آ 8: من أحب القريب أتمّ الناموس). إن كلمة "بلاروما" تعني الملء، التمام، الكمال، كل شيء. فملء اللاهوت يعني كل غنى الحياة الإلهية الذي يقيم في المسيح بحيث يصير للمسيحيين ملئاً فياضاً (كو 2: 9؛ رج 1: 19). والكنيسة بدورها هي ملء المسيح (أف 1: 23). هذا لا يعني أنها تكفل المسيح. بل إن فيها تتركّز كل الخيرات الإلهية التي حملها المسيح إلى العالم. ونقول الشيء عينه عن المحبة التي هي ملء الشريعة المسيحية. هذا لا يعني أن ممارستها توازي تتمة الشريعة الموسوية بحذافيرها. بل إن في فضيلة المحبة وحدها نجد ملء (كل) فرائض الشريعة.
نحن أمام "ملء" هو أكثر من مجموعة فرائض موحّدة. فإن كانت المحبّة تضمّ الوصايا فلكي تتجاوزها. قد نحفظ جميع الوصايا التي هي ممنوعات في نظر الرسول. قد نتمّ كل فرائض البرّ وندفع كل الضرائب (13: 6- 7). ولكن هناك ديناً لا نستطيع يوماً أن نفيه كله، هو دين المحبة الأخوية. ويقوله أوريجانس: "هو دين يلزَمنا أن ندفعه كل يوم دون أن نحصل على وصل بما دفعناه". وهكذا تتطبّق هنا على المحبة الأخوية حقيقة أبرزها بولس بالنسبة إلى الإيمان في 3: 31: إن النظام الجديد الذي حمله المسيح لا يلغي نظام الشريعة القديم، بل يتمّه ويتجاوزه.
وكان المسيح نفسه قد سبّق على هذا التعليم فقال: كل الناموس والأنبياء يرتبطون بمحبة الله ومحبّة القريب (مت 22: 40). إن أزلنا حبّ الله وحبّ القريب سقطت كل الحياة الأخلاقية عند البشر.
يبدو بولس هنا أيضاً مديناً للتقليد الإنجيلي. هذا ما يشير إليه نصّ غل 5: 14 الموازي: "الناموس كله يتمَّم في هذه الوصية الواحدة: أحبب قريبك كنفسك". فلقد كان الرسول قال قبل ذلك للغلاطيين: "كونوا بالمحبّة خدّاماً بعضكم لبعض" (آ 13). نحن أمام صدى لنصّ مر 10: 45 وز: "لم يأتِ ابن الإنسان ليُخدم بل ليَخدم". وهكذا طلب يسوع من تلاميذه أن يكونوا خدّاماً بعضهم لبعض.
ولكن هناك اختلافاً بارزاً بين يسوع وبولس: أعاد يسوع كل الشريعة والأنبياء إلى محبة الله والقريب، أما الرسول فاكتفى بالتحدّث عن محبة القريب في غل 5: 14 وروم 13: 8- 10. فإن عاد إلى تعليم المسيح كما عرفه في الجماعات المسيحية التي كتب إليها، اعتبر أن محبّة الله هي الأساس المطلق. إن محبّة الله كما يفرضها الإيمان المسيحي تسبق كل نظرة إلى الحياة العملية.

خاتمة
ونحن نكتشف صحّة هذا القول حين نعود إلى بنية روم. فالفصول الثمانية الأولى تكرّست لتبيّن كيف أن الإنسان العتيق يصبح إنساناً جديداً بفعل الإيمان بالمسيح والعماد. ففي قلب هذا الإنسان الجديد، أُفيضت محبّة الله بالروح القدس الذي أُعطي له (5: 5). المحبّة التي بها يحبّ الله. ثم المحبّة التي بها نحبّ الله جواباً على حبّه لنا. جاء الروح القدس فطرد روح العبودية وأحلّ محله الروح البنويّة (8: 15). صار الإنسان ابن الله، فتصرّف منذ الآن مثل يسوع، أي توجّه بمحبّة، وتوجّه نظره إلى الآب وقال له باستمرار: أبا، أجها الآب. وإلى البشر الذين تحوّلوا على هذا الشكل، فصاروا مثل الإبن الوحيد، تتوجّه الفصول الأخيرة في روم. أملى بولس المبادىء الكبرى للأخلاقية المسيحية ولخّصها في ممارسة مستمرة لفضيلة المحبة. ومن الواضح أن هذا الحبّ يتجذّر في الإيمان وفي محبّة الله. وهكذا التقى بولس مع يوحنا الذي جعل الإيمان شرطاً ضرورياً للدخول إلى النور والحياة الإلهية. وهذا الإيمان لا ينفصل عن محبّة الله والمسيح. وفعل بولس مثل يوحنا فشدّد في النهاية على المحبّة الأخوية التي تنبع من الإيمان وتنبع من محبّة الله الذي أرسل ابنه فتجسّد ومات من أجلنا نحن الخطأة.
خاتمة الكتاب

يمكن أن نلخّص روم على الشكل التالي: كان الله بالمسيح أميناً لمواعيده، فحقّق مخطّطه وكشف لجميع البشر برّه الخلاصي والرحوم. وقد سطع عمله بقوة تجاه البشر الخاطئين (ف 1- 8). وعلى المستوى الجماعي، استفاد الله من كفر اليهود ليعجّل في إظهار رحمته للوثنيين، كما سيستفيد من ارتداد الوثنيين ليرحم بني إسرائيل (ف 9- 11). وإذ نعِم الإنسان بواسطة الإيمان والرجاء بمخطّط الخلاص الإلهي الذي هو مخطّط حبّ ورحمة، دُعي لأن يشارك في هذا المخطّط وأن يجعل المسيح يملك في المحيط الوثني كما في الجماعة المسيحية. أن يملك قبل كل شيء بالحبّ الذي أعطانا الصليب والجلجلة. وبفضل المحبة يرتبط الإنسان بالمسيح ليبدأ منذ الآن بناء مجتمع يتجلّى في الآخرة (ف 12- 15).
تطرّقت ف 1- 8 إلى الحياة المسيحية في وجهتها الشخصية مع بنية ثالوثية في جوهرها. وتطلّعت ف 12- 15 إلى المسيحي كعضو في الكنيسة، جسد المسيح. إذا كانت روم تفكيراً لاهوتياً في مخطّط الله الخلاصي كما تحقّق في شخص المسيح وفي عمله، دخلت ف 9- 11 في هذه المجموعة لتبيّن التماسك الداخلي لهذا المخطّط الخلاصي الذي بدا متناقضاً بسبب كفر إسرائيل. واكتشف بولس هذا التعليم الرائع حين تأمّل المسيح الذي صُلب وقام كما التقى به في طريق دمشق، وحين عاد إلى العهد القديم يعيد قراءته على ضوء التقاليد التي عاشها في الجماعات المسيحية.
وننهي هذه الدراسة عن روم فنتذكّر المجدلتين لا 11: 33- 36 و16: 25- 27. فقصد الله السّري يتدخّل في التاريخ فيجمعه في عبارة واحدة: يسوع المسيح، مخلّص البشر الوحيد. هذا القصد قد أنبأت به أسفار العهد القديم. فإذا قرأناها على ضوء الوحي النهائي الذي حمله يسوع المسيح، تُبرز وحدة مخطّط الله الخلاصي وتواصله. وفي تحقيق هذا المخطّط، عمل الله بحكمته الغنية والتي تتجاوز الفهم البشري. ولقد اختير بولس ليحمل إلى العالم كله هذا التعليم الرائع الذي هو تعليم حبّ، حبّ الله الذي لا يُفهم، حبّ الله الذي أراد أن يخلّصنا فأعطانا ابنه الوحيد. وإذا منحنا هذه العطية، أما يهب لنا كل شيء (8: 32). "فنحن غالبون بالذي أحبنا".
هذا هو تعليم روم. أوجزناه قدر المستطاع، وشدّدنا فيه على المواضيع البارزة، ونحن ننتظر يوماً نعود فيه إلى هذه الرسالة الغنية فنقرأ نصوصها كلمة ونفسّر معانيها. وكم نودّ أن يكون عملنا "تمجيداً ليسوع المسيح إلى دهر الدهور"!