الرسالة إلى العبرانيين

تقديم
حين جمعت كنيسة أنطاكية رسائل القديس بولس، جعلت معها الرسالة إلى العبرانيين. فكانت تارة بعد الرسالة إلى رومة حالاً، للدلالة على قرابة بين الرسالتين اللتين توجّهتا إلى كنيسة واحدة، وطورًا كانت بعد الرسالة إلى فيلمون، للدلالة على أن الرسالة إلى العبرانيين لا تقف في صفّ واحد مع الرسائل البولسيّة الثلاث عشرة. قد ترتبط ببولس من قريب أو بعيد. أو هي وُلدت في المدرسة البولسيّة. لكنها ليست من يد بولس ولا من تلميذ من تلاميذه. وهذا ما يفسّر تحفّظ كنيسة رومة التي تسلّمت هذه الرسالة وعرفت مصدرها.
رسالة هي في الواقع عظة أرسلت مع خاتمة تربطها ببولس الرسول رباطًا بسيطًا. توخّت أن تشجّع المؤمنين الذين من أصل يهوديّ. ندموا حين تركوا العهد القديم بكهنوته وهيكله وطقوسه. وأخذوا يعودون عن اعترافهم بيسوع المسيح. وأول خطوة كانت الابتعاد عن الاجتماع الاسبوعيّ، والانتقال من المجمع إلى الكنيسة، ومن الكنيسة إلى المجمع. والتشجيع ضروريّ بشكل خاص، لأن الاضطهادات تصيب المؤمنين وإن لم تكن وصلت بهم إلى الدم والموت في سبيل المسيح. سبقهم أبطال ضحّوا بكل شيء من أجل إيمانهم. سبقهم معلّمون، مثل بطرس وبولس، ماتوا بعد أن نقلوا التعليم إلى الجيل الثاني المسيحيّ.
رسالة تحدثّت عن عظمة ابن الله، عن كهنوته، عن ذبيحته التي قُدِّمت مرة واحدة فنالت الخلاص الأبديّ للبشريّة كلها. فالكهنوت الجديد حلّ محلّ الكهنوت القديم، والذبيحة الواحدة حلّت محلّ الذبائح المتعدّدة. فلا يبقى للمؤمنين الذين نالوا الموهبة السماويّة وشاركوا في الروح القدس، سوى التمسّك بالايمان. أما إذا سقطوا فتنتظرهم دينونة رهيبة لأنهم بدوا وكأنهم يصلبون ابن الله مرّة ثانية. تتحوّل حياتهم من فردوس إلى أرض تنبت شوكًا وحسكًا.
تلك هي الرسالة التي نقدّم شرحًا عنها. جاءت في خمسة أقسام: اسم يسوع واسم الملائكة (1: 5-2: 18). يسوع حبر رحيم وأمين (3: 1- 5: 10). كهنوت المسيح كهنوت حقيقيّ (5: 11-10: 39). الايمان والثبات (11: 1-22: 13). السبل المستقيمة (12: 14- 13: 19).
أما أسلوب التفسير فجاء في ثلاثة وجوه: هناك القراءة البلاغيّة التي تحاول دراسة النصوص ومقابلتها بعضها مع بعض على مستوى البنية الخارجيّة والصور البيانيّة وعلاقة المقاطع بعضها مع بعض. وهناك قراءة تفصيليّة تتوقّف عند الألفاظ اليونانيّة تدرسها لفظة لفظة وتستخلص معنى الآيات داخل رسالة ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بالأسفار المقدّسة فأوردت نصوصها أكثر من مرّة. والوجه الثالث هو الوجه الرعائي أو ما سمّيناه القراءة الاجماليّة. هنا حاولنا أن نتأمّل في النصّ ككل لنستخلص منه بنوع خاص المعاني اللاهوتيّة من أجل الصلاة والوعظ والإرشاد.
توسّع العمل، فجاء الكتاب ضخمًا، لأننا أردناه دراسة مستفيضة، قدر الامكان، لرسالة خاف عدد كبير من أن يقرأها. غير أننا توخّينا أن نقدّم مرجعًا يكون بين يدي الباحث ودارس اللاهوت والكاهن... نختار منه ما نحتاج، ونعود إلى هذا الفصل أو ذاك حسب الغرض الذي نبتغيه. وقد نعود فيما بعد إلي فصل آخر أو وجهة أخرى. ففي أي حال، لا يحقّ لنا أن نجهل كتابًا من الكتب المقدّسة كان له الدور الكبير في كنائسنا الشرقيّة. لهذا أردنا هذا التفسير الذي يقودنا في معارج رسالة تُعرّفنا إلى مبدئ ايماننا ومكمّله الذي تحمّل الصليب من أجلنا قبل أن يجلس عن يمين عرش الله.
مدخـل
إلـى الرسالـة إلـى العبرانييـن
يتضمّن هذا القسم فصلين. الأول يحلّل الرسالة إلى العبرانيين ويتطرّق إلى بعض المواضيع الأدبية، ولا سيّما المتعلّقة بالجماعة التي أرسلت إليها. أما الفصل الثاني، فيقرأ مطلع عب (1:1-4) الذي عنوانه كرامة الابن. بعد ذلك نعود إلى أقسام الرسالة الخمسة وهي: اسم يسوع واسم الملائكة (1: 5-2: 18). يسوع حبر رحيم وأمين (3: 1-5: 10). كهنوت المسيح كهنوت حقيقي (5: 11-10: 39). الايمان والثبات (11: 1-12: 13). السبل المستقيمة (12: 14-13: 19). 
القسم الأول
اسم يسوع واسم الملائكة
1: 5 - 2: 18


تبدو البنية الداخليّة في القسم الأول واضحة مع تبديل الفنّ الأدبي: عرض تعليمّي حول تفوّق الابن على الملائكة (1: 5-14). ثم كلام تحريض يحثّ فيه ((الرسول)) المؤمنين على التمسك بما سمعوه من تعليم (2: 1-4). وأخيرًا، عودة إلى التعليم (2: 5 - 18) حول طريق المجد: فالمسيح الذي خُفض عن الملائكة حينًا، هو اليوم مكلّل بالمجد والكرامة.

الفصل الأول
دراسة الرسالة
بعد أن كلّم الله الآباء قديمًا بالأنبياء، كلّمنا في هذه الأيام الأخيرة بالابن الذي جعله وارثًا لكل شيء. هكذا تبدأ رسالة وما هي برسالة فقط، بل مقال وموعظة أيضًا. رسالة مدوّنة في طريقة بلاغيّة هامّة وفي لغة يونانيّة لا نجدها في أسفار عديدة من العهد الجديد. دوّنها شخص قيل في الماضي أنه بولس. ولكنّنا نعرف عنه أنه أغرم بالمسيح، فقدّم عنه صورة لا نجدها في الأناجيل ولا في الرسائل: يسوع هو عظيم الكهنة الأوحد. لا ذبيحة تغفر الخطايا سوى ذبيحته. كل نظام قبله زائل، سواء كان الناموس أو العهد أو الهيكل. كل ما قبله مؤقت. وحده نهائيّ وأبديّ. فكيف يجسر المؤمنون بعد أن عرفوا ذاك الذي بدأ مسيرة الايمان معهم، أن يتراخوا، أن يتراجعوا. عندئذ يعودون إلى أرض عرفها آدم بعد خطيئته. يُرذلون ويُلعنون، فتنبت حياتُهم الشوك والحسك، وتكون آخرتها الحريق.
تلك هي إشرافة على عب. نبدأ فنحلّلها، ثم ندرس المسائل التي تحيط بهذه الرسالة: المحيط الذي وُلدت فيه. من كتبها ولمن كتبها.

1 - تحليل الرسالة
بعد المقدمة (1: 1-4) نجد نفوسنا أمام خمسة أقسام وخاتمة.

أ - المقدّمة (1: 1-4)
في سياق الأيام الأخيرة وما فيها من صعوبات بالنسبة إلى الجماعة المسيحيّة، أعلنت المقدّمة منذ البداية تفوّقَ المسيح على كل ما سبقه في شعب اسرائل، في شعب العهد القديم، بطقوسه وشعائره الدينيّة. أما التعارض الرئيسيّ فيصيب الوحيين الإلهيين: وحي أول بواسطة الأنبياء، ووحي ثان بواسطة الابن الأزلي الذي به خلق الله العالم، وكلّمنا في هذه الأزمنة الأخيرة. نحسّ في هذه الآيات الثلاث، أننا أمام نشيد يرسم وجه المسيح منطلقًا من سمات الحكمة الالهيّة في العهد القديم. فكما كانت الحكمة فيض مجد الله والمرآة التامّة لذلك القدير الذي يصنع كل شيء (حك 7: 25-27)، هكذا هو ابن الله: إنه ضياء مجد الله، صورة كيان الله المطبوعة في الكون، وهو يسند المسكونة بكلمته القديرة (1: 3). غير أن الحقيقة تتجاوز الصورة، والابن يتفوّق على الحكمة تفوّقًا لا محدودًا. كانت الحكمة، بحسب نظر العهد القديم، صفة إلهيّة. أما الابن فشخص حيّ حمل إلينا تطهير الخطايا، ثم جلس عن يمين الجلال.

ب - القسم الأول (1: 5- 2: 18): اسم يسوع واسم الملائكة
مع عب، نحن حالاً في ما يُسمّى ((الكرستولوجيا العليا)): تفوّقُ يسوع على الملائكة، بانتظار الكلام عن تفوّقه على موسى (3: 1- 4: 13). صاغ الكاتب كلامه حول تفوّق المسيح على الملائكة عبر سبعة استشهادات كتابيّة (1: 5- 14) أخذت من العهد القديم، وهي تقابل تسميات الابن في 1:1- 3. فوضعُ المسيح الذي هو فوق الملائكة، كالابن، يرفعه رفعًا لا مثيل له. فالعالم اليهوديّ سمّى الملائكة ((أبناء الله)). وتحدّثت مخطوطات قمران عن روح الحقّ وروح الكذب اللذين يشرفان على البشريّة كلها. وأخيرًا، الملائكة هم وسطاء الشريعة. هم حملوها إلى موسى. في هذه النصوص، يوجّه الله إلى يسوع كلامًا لم يوجَّه يومًا إلى ملاك (1: 8- 9): عرشك، يا الله، إلى أبد الأبد، وصولجان الاستقامة صولجان ملكك. لهذا مسحك إلهك يا الله بزيت البهجة. وهكذا سُميّ يسوع الله. نشير هنا إلى وجود فكر معاصر للعهد الجديد، جعل الملائكة فوق يسوع المسيح. هو أخذ جسدًا. أما الملائكة فمحض أرواح. والروح فوق الجسد. أترى وصل الأمر بقرّاء الرسالة إلى هذه الهرطقة؟ اذا كنا على المستوى اليهوديّ الذي يرى في يسوع انسانًا وحسب، نفهم أن تكون هذه البدعة انتشرت في محيط ((العبرانيين)) (أي الجماعة التي توجّهت إليها عب). لهذا، انطلق الكاتب من ردّ على موقف سلبيّ، فدلَّ على وضع يسوع الذي هو فوق كل ما في السماء وما على الأرض. بل به خُلقت السماء والأرض (1: 3).
ما نلاحظه في عب، هو أن القسم التعليمي يتبعه إرشاد أخلاقي. بعد الصورة هناك العمل. رسم الكاتب وجه يسوع بالنسبة إلى الملائكة. وها هو يقول في 2: 1 - 4: إذا كان بلاغ الشريعة الذي نقله الملائكة متطلبًا إلى هذا الحدّ، فكيف نُفلت من العقاب إن أهملنا خلاصًا حمله الرب يسوع ونقله أولئك الذين سمعوه. هذا يعني أن كاتب عب لا يقف مع الرسل الشهود، الذين رأوا يسوع بعيونهم، وسمعوه بآذانهم، ولمسوه بأيديهم. لا يقف مع الذين يسمّيهم في 13: 7 ((المدبّرين)) الذين عاشوا حياة الايمان، وأنهوا جهادهم بسفك دمهم. يبدو أن كاتب عب هو من الجيل المسيحيّ الثاني الذي تربّى على يد الرسل.
في 2: 5-18 ،نجد رسمة جديدة تلوّن نظرة عب إلى المسيح بلون آخر. فهي تمزج تنازل الابن وخضوعه، مع ارتفاعه ومجده. استعملت مز 8: 5-7 ، فأعلنت أن هذا الابن الذي خُفض عن الملائكة ((حينا)) (2: 9)، هو ابن الله، وله يخضع منذ الآن كل شيء. احتاجت الجماعة ((العبرانيّة))، التي تصادمُها المحن، إلى كلام يكشف فيه الكاتب قصد الله من أجل البشرية: لا مجد بدون ألم. فالمجد يمرّ بالألم، على مثال ما قال يسوع لتلميذي عماوس: كان ينبغي للمسيح أن يكابد هذه الآلام ويدخل إلى مجده. إذا كان ارتفاع ابن الله في المجد قد حمل الخلاص، إلاَّ أنه لم يهتمّ بخلاص الملائكة. فإن كان المسيح قد مات، فمن أجل البشر الذين مجّد الله منهم عددًا كبيرًا بيسوع باكورة خلاصهم، الذي صار كاملاً بالآلام (2: 10).
إن موضوع شعب الله الذاهب في طريق الحجّ بقيادة يسوع، إلى المعبد الذي هو موضع راحة الله، سيعود في 4: 11، 14 فيدعو المؤمنين ليتبعوا حبرهم إلى موضع الراحة. وفي 6: 20: ندخل إلى حيث دخل يسوع الذي سار أمامنا، سبقنا كي يهيّئ لنا موضعًا كما نقرأ في انجيل يوحنا. فالابن، قائد المسيرة، هو من لحم ودم، شأنه شأن اخوته أبناء الله. وهكذا صار الحبرَ الأمين الرحيم، الذي يكفّر خطايا الشعب. وبما أنه هو نفسه تألم وابتلي (وامتحن)، استطاع أن يُغيث الذين يحاولون مقاومة التجربة. بهذا يكون الكاتب في هذا القسم الأول قد تحدّث عما يُسمّى سرّ التجسد. وسيعود إلى هذا الموضوع في ف 4-5 فيتحدّث عن طاعة الابن الذي اُخذ من البشر وجُعل من أجل البشر.
ج - القسم الثاني (3: 1-5: 10): يسوع حبر أمين ورحيم 
بعد تفوّق يسوع على الملائكة، ها هو الكاتب يتحدّث عن تفوّقه على موسى وسيط العهد القديم على جبل سيناء. كرامة باني البيت أعظم من كرامة البيت. والابن في البيت غير العبد والخادم: ((والعبد لا يقيم في البيت على الدوام. أما الابن فيقيم على الدوام)). هذا ما قاله يسوع نفسه (يو 8: 35). ويرد لقب آخر عظيم يُعطى ليسوع: الرسول وحبر اعتراف الايمان (3: 1). هنا يعود الواعظ (تعتبر عب عظة) إلى العهد القديم، ويركِّز كلامه على خروج بني اسرائيل من مصر، ومسيرتهم في البرّية، طلبًا للراحة في أرض الميعاد (3: 7-4: 13). عاش بنو اسرائيل العصيان، فما استطاعوا أن يُدركوا الهدف الذي جعله الله أمامهم. لم يدخلوا في راحة الله، في الأرض المقدسة. لماذا؟ لأنهم تراخوا. نظروا إلى الوراء. يئسوا من طول الطريق وصعوباتها. وهذا ما ينتظر المسيحيين الذين تتوجّه إليهم عب: الويل لمن يتخلّف. إذا كان باب الراحة ما زال مفتوحًا، إلاّ أنه سيُغلق عن قريب. والذين يتكاسلون، يلبثون خارجًا قائلين: يا رب، افتح لنا. لا شكّ في أن الابن صعد إلى السماء، ولكن كلمته ما زالت حيّة فعالة وأمضى من كل سيف ذي حدّين (4: 12).
دور موسى دور الوسيط. وهو بذلك لعب دور ((الكاهن)). وهكذا وصل الكاتب إلى عنصر في النظام القديم بعد أن تكلّم عن الشريعة التي حملها الملائكة. وصل إلى الكهنوت القديم، إلى ذلك الحبر (= عظيم الكهنة) الذي يُطلب منه أن يكفّر خطايا الشعب. لهذا بدأ فقال: ((وإذ لنا حبر عظيم اجتاز السماوات، يسوع ابن الله...)). نحن هنا أمام نظرة إلى التجسّد (تختلف عن نظرة يوحنا). نظرة تشدّد على واقعيّة بشريّة يسوع. فهو ذاك الحبر الذي يستطيع أن يتعاطف مع ضعفنا. فقد ابتُلي مثلنا في كل شيء، ما خلا الخطيئة (4: 15). وكما أن عظيم الكهنة اليهودي لم يُقم نفسه حبرًا، بل أقامه الله. كذلك كان الأمر بالنسبة إلى المسيح. هو ما سمّى نفسه، بل دعاه الله حين قال له: أنت ابني. أنا اليوم ولدتك. وقال له أيضًا: أنت كاهن إلى الأبد على رتبة ملكيصادق. هنا نجد نفوسنا في مناخ تجلّي يسوع على الجبل الذي تبعه الإنباء بالآلام والموت. فبعد أن كرّم الله هذا الحبرَ، صوّر الكاتبُ آلامه ((في أيام بشريته)) (5: 7): قرّب تضرّعات وابتهالات إلى القادر أن يخلّصه من الموت. أجل، مع أن يسوع هو الابن، فقد تعلّم الطاعة بما تحمّل من آلام. عرفت عب، بلا شك، التقليد الذي صوّر يسوع ليلة آلامه في بستان الزيتون، ويوم موته على الصليب: هو لم ينجُ من الموت في البستان مع أنه قال: إن أمكن فلتبتعد عنّي هذه الكأس. ولا على الصليب مع أنه طلب من الآب أن لا يتركه. فرغم الموت الآتي وضعف البشرية، انتصر يسوع على الموت وصار ينبوعَ خلاص. ورفعتُه على الصليب صارت في الواقع رفعته في المجد.
فبعد أن مرّ يسوع في الألم، صار كاملاً. صار ينبوع خلاص لجميع الذين يطيعونه. ذاك الذي صار طائعًا حتى موت الصليب، رفعه الله وأنعم عليه بالاسم الذي يفوق كل اسم (فل 2: 8-9). لهذا، من رافقه في الطاعة والألم، يرافقه في المجد والسعادة.

د - القسم الثالث (5: 11-10: 39): كهنوت المسيح كهنوت حقيقيّ
هنا عاد الكاتب إلى الارشاد والتحريض، فوبّخ القرّاء على عدم نضجهم: ما زالوا على مستوى الحليب (اللبن) كالأطفال. فلا يستطيعون أن يأكلوا الطعام القويّ (5: 12-13). في 6: 1-2 ،نجد ست نقاط تشكّل التعليم المسيحي ((الابتدائي))، ((التعليم الأوليّ)): التوبة، المعمودية، وضع الأيدي، قيامة الموتى، الدينونة، الحياة الأبدية. ما يهتمّ له الكاتب هو ارتداد المسيحيين عن إيمانهم لأسباب عديدة، ليس آخرها العزلة من المجمع والضيق المادي. لهذا، هدّد الذين اعتمدوا (استنيروا، نالوا نور المسيح، رج يو 9) وشاركوا في عشاء الرب (الإفخارستيا)، وتذوّقوا كلمة الله: إن هم ارتدوا، فلا توبة لهم، بل تنتظرهم اللعنة والحريق (6: 8). وستعود الرسالة إلى الموضوع عينه في 10: 26-31: ((يا لهول الوقوع في يدي الله الحي. من عاند، كان كأنه يطأ ابن الله، ويعدّ مبتذلاً دم العهد الذي تقدَّس به)) (10: 29).
ولكن الكاتب لا يشك في مستقبل هذه الجماعة والأعمال الصالحة التي تعملها: المحبّة الأخوية (رج 13: 1)، خدمة القديسين (6: 10). فالوضع أفضل ممّا كان (6: 9). لهذا، لن ينسى الله ما تقوم به هذه الجماعة من أعمال. فهو أمين لمواعيده. وما يكفل كل هذا شفاعةُ يسوع الفاعلة في المعبد السماوي، حيث صار حبرًا على رتبة ملكيصادق (6: 13- 20)، وتكرّسَ ف 7 للكلام عن تفوّق كهنوت يسوع على كهنوت اللاويين. هناك من توقّف عند جماعة قمران واهتمامها بملكيصادق. ولكن عب اكتفت بما وجدت في التوراة، فتوسّلت قواعد التأويل المعروفة، وهذا كفاها من أجل مشروعها. ماذا وجدت؟ لم يذكر الكتاب المقدس والدَي ملكيصادق، وهو الذي اعتاد ذكر الانساب ولا سيّما الكهنوتيّة منها. واستنتج الكاتب عن ملكيصادق: إذن لا أب له ولا أم. هو ((بداية)) لا تسبقها بداية. لهذا، تفوّق على ابراهيم، باركه. ثم إن كهنوته قد رافقه قسَمٌ إلهي، وهذا ما لم ينعم به كهنوتُ لاوي. وأخيرًا، الكهنوت على رتبة ملكيصادق هو كهنوت أبدي (مز 110: 4). إذن، لا حاجة بعد إلى كهنة عديدين من نسل لاوي، يحلّ بعضهم في وظيفة تركها آباؤهم بموتهم. فيسوع الذي هو كاهن حسب ملكيصادق، حيّ إلى الأبد. إذن، لا نهاية لتشفّعه. ولا حاجة إلى أن يحلّ أحد محلّه (7: 32- 35). فهذا الحبر القدوس والبريء والذي لا عيب فيه والذي انفصل عن الخطأة وارتفع فوق جميع السماوات، هذا الحبر حين قدّم نفسه قدّم ذبيحته مرّة واحدة فنال الخلاص للبشر (7: 26- 27). كان الأحبار يقدّمون ذبيحة كل سنة. هذا يعني أن الخطايا لم تُغفر. وإلاّ لم تكرارُ الذبيحة. أما المسيح فقدّم نفسه، مرة لا غير، وهكذا وضع حدًا لجميع التقدمات التي يقرّبها الحبر عن خطاياه الخاصّة ثم عن خطايا الشعب.
مع ف8 ، نرى يسوع يدشّن العهد الجديد، فيدلّ على تفوّق خدمته الذبائحيّة، كما على تفوّق المعبد السماويّ. أجل، إن الكلام عن يسوع الذي هو حبر لدى الله، وصل بالكاتب إلى مفهوم المعبد السماوي الذي ((رآه)) موسى فجعل صورته في خيمة على الأرض. وكهنة لاوي الذين يخدمون ظلَّ هذا المعبد السماوي، بدت خدمتهم كلا شيء أمام خدمة (ليتورجية) يسوع، كما أن العهد الأول بان حقيرًا تجاه العهد الثاني الذي وسيطه المسيح. وعاد الكاتب هنا بشكل خاص إلى إر 31: 31- 34 ،فبيّن أن العهد الأول الذي عُقد مع موسى شاخ، عتق ، صار باليًا، بل صار قريبًا من الزوال (8: 13).
في ف 9 ، قابل الكاتبُ مطوّلاً بين موت يسوع وطقس يوم التكفير (يوم كيبور) الذي احتُفل به في موضع مقدّس كان ينتقل مع بني اسرائيل في البرية. هنا نجد الغشاء (9: 5 ؛ رج روم 3: 25) حيث يُرشّ دم الذبائح لغفران الخطايا. وهكذا كانت مقابلة بين موت يسوع وذبائح اللاويين. تعدّت عب المقابلة، أو بالأحرى حصرتها في ما يتمّ في يوم كيبور: يدخل الحبرُ قُدس الأقداس مرّة في السنة بدم التيوس والعجول. أما يسوع فدخل مرّة لا غير إلى المعبد السماوي بدمه الخاص (9: 11- 12)، فعقد العهد الجديد. هو الحبر الوحيد الذي يقف منذ الآن أمام الله ((لأجلنا)) (9: 24). في الماضي، قدّم نفسه فحملَ خطايا الكثيرين، وهو يعود لكي يخلّص الذين ينتظرونه. أجل، لا حاجة للتكفير في المجيء الثاني (9: 28).
وفي ف 10 ، يعود الكاتب فيشدّد على تفوّق ذبيحة يسوع. هو لم يقدّم ((حيوانًا)) خارجًا عنه، بل قدّم ذاته، قدّم دمه. أتُرى دم الثيران والتيوس يزيل الخطايا (10: 3)؟ حاشا. فالرب يفضّل الطاعة على كثرة الذبائح، وهذا منذ نبوءة هوشع (6:6). استندت عب هنا أيضًا إلى الكتاب المقدس، إلى مز 40: 7- 9: صنعت لي جسدًا... فقلت ها أنا آت لأعمل بمشيئتك، يا الله. هذه الذبيحة الكاملة حملت الكمال إلى الذين شاركوا المسيح في قداسته (10: 14). غُفرت خطاياهم، فانتفت الحاجة بعد ذلك إلى تقدمة عن الخطيئة (10: 17).
فتح يسوع الطريق. نزع الحجاب الذي كان يمنع المؤمنين من الاقتراب إلى الله في قدس الأقداس. لهذا، فالاخوة الذين التأموا في جماعة، يدخلون إلى المعبد بدم يسوع: في كمال الايمان، في اعتراف الرجاء، في حياة من المحبّة تظهر من خلال الأعمال الحسنة (10: 22- 24). ولكن إن خطئوا خطأ يقود إلى الموت (1 يو 5: 15- 16). إن خطئوا بملء معرفتهم وإرادتهم فقادتهم هذه الخطيئة إلى الارتداد عن المسيح، لن تبقى ذبيحةٌ عن الخطايا. ((بل هول الدينونة وغضب النار)). (10: 26). ويا لهول ما ينتظرهم حين يقعون في يدي الله الحي (10: 31).
اعتاد الكاتب أن يوبّخ، واعتاد أن يشجّع. اعتاد أن يهدّد ((بالعقاب الابدي))، وكأن الأمور وصلت إلى الهاوية. ولكنه يعود حالاً فيفتح باب الرجاء، ويكتشف ما في هذه الجماعة من بذور قيامة وانبعاث جديد. في 6: 4- 6 أشار إلى اللعنة والحريق. ولكنه رأى تحسّن الحال واقتراب المؤمنين من الخلاص، لا من الهلاك (آ 9). وهنا، يعود بالمؤمنين إلى الأيام السالفة وما عملوه تعبيرًا عن إيمانهم. هل نسوا أنهم أبناء الايمان؟ هل نسوا أنهم مدعوّون للحياة (10: 39)؟ 
هـ - القسم الرابع (11: 1-12: 13): الايمان والثبات
بعد القسم المركزيّ سيكون هذا القسمُ قصيرًا. سبق الكاتب ودعا الجماعة إلى عيش الايمان. ولئلاً يبقى كلامه خطبة مجرّدة، أعطى لوحة رائعة عن أناس عاشوا الايمان قبل المسيح وثبتوا في هذا الايمان. منذ هابيل وأخنوخ ونوح، حتى ابراهيم وموسى والملوك والأنبياء. ولكنه ظلّ عند المقابلة بين القديم والجديد: هؤلاء ((القديسون)) شهد لهم الكتاب ولكنهم لم ينالوا الموعد. ((أعدّ الله لنا مصيرًا أفضل، فما استطاعوا أن يبلغوا الكمال بمعزل عنا)) (11: 40). بعبارة أخرى: انتظرونا. في الواقع، انتظروا المسيح. لأن كل ما تاقوا إليه، وجد كمالَه في يسوع المسيح.
وبعد هذه اللوحة، جاء التحريض. ماذا نفعل بعد أن رأينا كل هؤلاء الشهود؟ وخصوصًا، ماذا نفعل بعد أن رأينا يسوع الذي مرّ في عار الصليب (12: 2) قبل أن يجلس عن يمين عرش الله؟ فهذه الآلام التي تصيب المؤمنين، هي في الواقع تأديب من الرب. فإن قبلوا هذا التأديب، دلّوا على أنهم أبناء الله. وإلاّ اعتبروا نفوسَهم أولاد زنى لا بنين شرعيين (12: 8).

و - القسم الخامس (12: 14-13: 19)
وقدّم الكاتب أيضًا أكثر من مثل ليدلّ على العقاب الذي ينتظر المعاندين. فليعلموا أن الله نار آكلة (12: 29)، وتنتهي العظة بإرشادات أخلاقيّة مفصلة نجد مثلها في الرسائل البولسيّة. كما تشدّد على الطاعة للمسؤولية ((للمدبّرين)). أما الأساس فهو يسوع المسيح ((الذي هو هو أمس واليوم وإلى الدهور)) (13: 7).

ز - خاتمة (13: 20- 25)
تنتهي هذه العظة ببركة باسم ((إله السلام)) الذي ((بعث من بين الأموات راعي الخراف العظيم، ربنا يسوع)). وكان خبر: تيموتاوس في السجن ويُطلق سراحه. وسلام من كاتب الرسالة إلى المدبّرين والقديسين. وسلام من جماعة ايطالية، من رومة، حيث مات بطرس وبولس شهيدين، فكانوا من ((المدبِّرين)) الذين أنهوا حياتم بسفك دمائهم (13: 7). فهل وصل المؤمنون في مقاومتهم حتى الدم (12: 4)؟ كلا. ولهذا، ما زال الجهاد ينتظرهم وتأديبُ الرب يعاملهم كالأبناء (12: 7).

2 - المسائل الأدبية
حلّلنا عب وأطلنا التحليل، لما فيها من منطق لا يسمح للقارئ بأن يشرد لحظة واحدة، ولما فيها من طرح جذريّ ينقل هؤلاء المسيحيين من النظام القديم إلى النظام الجديد، ويمنعهم من العودة لئلاّ يكونوا من الجاحدين، بل يمنعهم أن يعرجوا بين الجنبين، فيؤمّون الكنيسة تارة والمجمع تارة أخرى. يبقى علينا أن ندرك المسائل الأدبية وهي: البنية والفن الأدبي. مناخ الرسالة. كتابة الرسالة.

أ - البنية والفن الأدبي
أولاً: الفن الأدبي
منذ قرن من الزمن، بدأ الشرّاح يتحدّثون عن هذا اللغز الأدبي الذي هو الرسالة إلى العبرانيين. قالوا يبدأ كمقال، يتواصل كقصة، وينتهي كرسالة. أنقول إن عب هي مقال لاهوتي؟ لا شكّ في أن التعليم اللاهوتي حاضر فيها، ولا سيّما حول كهنوت المسيح وذبيحته. غير أن الكاتب توخّى بشكل عام أن يمنع القرّاء من أن يؤخذوا بشعائر العبادة الاسرائيليّة التي بدت جميلة إزاء ما يتمّ في جماعة الكنيسة. لهذا، حذّرهم من الارتداد عن الايمان، وتفضيل العهد القديم على المسيح الذي يتفوّق على كل ما سبقه بشكل لا يحدّ. فهو أعظم من الآباء، أعظم من ابراهيم وموسى، أعظم من الملائكة. إنه الابن الذي به خلق الله العالم. إذن، عب هي مقال مع هدف دفاعي يُبرز صفات الايمان المسيحيّ فيبدو ما عداه في وجه لا يستحقّ أن يعودوا إليه. بعد أن ذاقوا الموهبة الالهية، هل يعودون إلى الشوك والحسك؟
وعب هي عظة. هكذا حدّدها الكاتب نفسه في 13: 22: كلام موعظة. وهناك الاسلوب الذي يضمّ الارشاد إلى التعليم، فيحثّ المؤمنين على العيش المسيحي. مرّة يهدّدهم. وأخرى يشجّعهم. وهكذا لا يتكلّم فقط إلى العقل، بل إلى القلب والعاطفة أيضًا. بل إن هناك آيات تدلّ على أننا في إطار عظة. نقرأ في 2: 5: العالم الآتي الذي نتكلّم عنه. نحن أمام كلام يُلقى على الجماعة التي يجعل الكاتب نفسه منها حين يستعمل صيغة المتكلّم المجمع (10: 26: لأنّا إن خطئنا)، لا أمام سطور يدوّنها ((المدبّر)) أو أحد العاملين معه. في 5: 11 ،نحسّ أن الواعظ يرتاح بعض الوقت، ويترك سامعيه ((يتنفّسون)). ثم يوجّه إليهم كلامه في صيغة المخاطب الجمع: عليكم أن تكونوا ... بقي لنا كلام كثير نقوله وأنتم لا تطيقون سماعه. وهو كلام صعب. فكأني بالمتكلّم قرأ على الوجوه ما دلّ على أنهم لم يعودوا يفهمون. وفي 6: 9 ،نرى الواعظ يكلّم هذه الجماعة الحاضرة، ويدعوها ((أيها الاحبّاء)). فكأني به يتحاور معها. بدا في 6: 4- 6 كأنه يكلّم أناسًا غابوا عن ((الاجتماع)). وها هو هنا، يكلّم القطيع الصغير الذي دُعي لأن يرث المواعد. أمّا أن تكون عب رسالة، فالتوصيات التي نجدها في ف ،13 والخاتمة في 13: 20-25 ،تجعلها تشبه رسالة من الرسائل البولسية. وهكذا نستطيع القول إن عب هي عظة كُتبت مع خاتمة رسائليّة.
ثانيًا: البنية في عب
هنا تطرح مشكلة التصميم التي اختلف فيها الشرّاح. أما الابسط فيبدأ في ثلاثة أقسام. الاول (1:1-4: 13) يُبرز سموّ وحي الله في ابنه يسوع على كل وحي. الثاني (4: 14-10: 18) يصوّر يسوع كحبر كامل. الثالث (10: 19-13: 22) يقدّم الارشاد. وهناك قسمة أخرى بسيطة: طريق المخلّص (1:1-6: 20). وظيفة الابن كعظيم كهنة (7: 1-10: 18). طريق الايمان (10: 19-13- 22). أما 13: 22- 25 فهي الخاتمة.
نقدّم هنا أربعة تصاميم. أما نحن فقد اتبعنا الثالث في تفسيرنا للرسالة.
• التصميم الاول
يتألف من مطلع وأربعة مواضيع وملحق وخاتمة
- المطلع: كرامة ابن الله المتجسّد، الذي هو ملك وكاهن وحامل وحي (1:1-4)
- الموضوع الأول: الابن يتفوّق على الملائكة (1: 5- 2: 18)
- برهان كتابي يتحدّث عن تفوّق الابن على الملائكة (1: 5- 14)
- تحريض على عدم إهمال الكلمة التي نالها الابن (2: 1- 4)
- تمّ الفداء بالمسيح الانسان لا بالملائكة (2: 5- 18)
- الموضوع الثاني: يسوع حبر أمين ورحيم (3: 1-5: 10)
- أمانة المسيح تفوق أمانة موسى (3: 1- 6)
- لن يدخل المسيحيون الذين جُعل أمامهم مثلُ بني إسرائيل، إلى راحة الله إلاّ إذا كانوا أمناء (3: 7-4: 11)
- موضوع وأساس الأمانة المسيحية: كلمة الله المسيح الكاهن (4: 12- 16)
- يسوع حبر رحيم (5: 1- 10)
- الموضوع الثالث: كهنوت يسوع المسيح كهنوت حقيقي (5: 11-10: 18)
- الحياة المسيحية واللاهوت (5: 11-6: 20)
أ - تفوّق المسيح الحبر الرحيم، الفريد، الكامل، على الكهنة اللاويين (7: 1- 28)
- رسمة تاريخية لملكيصادق (7: 1- 3)
- ملكيصادق تسلّم العُشر من ابراهيم وباركه (7: 4- 10)
- كهنوت على رتبة ملكيصادق يلغي الكهنوت الخارج من لاوي (7: 11- 14)
- إلغاء الشريعة القديمة (7: 15- 19)
- كهنوت المسيح يفوق كهنوت لاوي، لأن نظامه لا يتبدّل (7: 20- 22)
- كهنوت المسيح كهنوت مستمرّ (7: 23- 25)
- كمال مطلق للحبر السماويّ (7: 26- 28)
ب - تفوّق المسيح الكاهن على مستوى العبادة والمعبد والوساطة (8: 1 - 9: 28)
- الخدمة الكهنوتية الجديدة والمعبد الجديد (8: 1-5).
- المسيح وسيط عهد أفضل (8: 6- 13)
- المسيح حبر دخل بدمه المعبد السماوي (9: 1-14)
- المسيح ختم العهد الجديد بدمه الذي قدّمه مرّة لا غير، فدشّن معبدًا يشفع فيه من أجلنا (9: 15- 28)
ج- ذبيحة المسيح أفضل من الذبائح الموسويّة (10: 1-18)
- ذبائح قديمة تتكرّر فتدل على لافاعليتها، وذبيحة المسيح الطوعيّة هي فاعلة (10: 1- 10)
- فاعلية ذبيحة يسوع أبديّة ولا حدود لها، كما قال الأنبياء، (10: 11- 18)
الموضوع الرابع: الايمان والثبات (10: 19-12: 29)
- إنتقالة (10: 19-25)
- خطرالجحود وعقابه (10: 26-31)
- الجزاء هو دافع للثبات (10: 32- 39)
- ايمان الآباء المنتصر مثال لنا (11: 1-40)
- مثَل يسوع المسيح (12: 1-4)
- تأديب الربّ الأبويّ (12: 5-13)
- عقاب الارتداد المريع (12: 14- 29)
ملحق: توصيات عمليّة (13: 1- 19)
خاتمة: أماني وسلام (13: 20- 25).
• التصميم الثاني
1:1-3 مقدّمة 
1: 4-4: 11 تفوّق يسوع لأنه ابن الله
1: 4- 2: 18 على الملائكة
3: 1-4: 13 على موسى
4: 14-7: 28 تفوّق كهنوت المسيح
8: 10-10: 18 تفوّق كهنوت يسوع وخدمته في المعبد الالهي حيث يدشّن العهد الجديد
10: 19-12: 29 الايمان والثبات: عمل يسوع الكهنوتي
10: 19- 39 إفادة من ذبيحة يسوع
11: 1- 40 أمثلة الايمان في العهد القديم
12: 1-13 آلام يسوع وتأديب الرب
12: 14- 29 تحذير من العصيان (أمثلة من العهد القديم)
13: 1- 19 توصيات عملية
13: 20-25 خاتمة: بركة وسلامات.
• التصميم الثالث
يتألف من مقدمة وخمسة أقسام وخاتمة.
1:1- 4 مقدمة الرسالة
1: 5-2: 18 القسم الأول
اتجاه واحد: اسم يفوق اسم الملائكة 
1: 5-14 الابن فوق الملائكة
2: 1- 4 ارشاد
2: 5- 18 طريق المجد
3: 1-5: 10 القسم الثاني
3: 1-4: 14 الاتجاه الأول: يسوع حبر أمين وأهل الثقة
3: 1-6 أمانة موسى وأمانة يسوع
3: 7-4: 14 ارشاد يستند إلى مز 95
4: 15-5: 10 الاتجاه الثاني: يسوع حبر رحيم
5: 11-10: 39 القسم الثالث
5: 11-6: 20 المطلع
5: 11- 6: 12 ارشاد: استعدادات السامعين 
6: 13- 20 عظمة قسَم الله
7: 1- 28 الاتجاه الأول: حبر حسب ملكيصادق
7: 1- 10 ملكيصادق وكهنوته حسب تك 14
7: 11- 28 رتبة هارون ورتبة ملكيصادق حسب مز 110
8: 1- 9: 28 الاتجاه الثاني: التتمة والكمال
8: 1- 9: 10 إبدال العبادة القديمة لأنها غير كافية
9: 11- 28 ذبيحة المسيح فاعلة ونهائيّة
10: 1- 18 الاتجاه الثالث: علّة خلاص أبدي
10: 19- 39 إرشاد نهائي
11: 1- 12: 23 القسم الرابع
11: 1- 40 الاتجاه الأول: ايمان الأقدمين
11: 1- 7 تحديد الايمان والامثلة الأولى
11: 8- 22 ابراهيم
11: 23-31 موسى
11: 32- 40 أبطال انتصروا وأبطال تألّموا 
12: 1- 23 الاتجاه الثاني: الثبات الضروري
12: 14- 13: 18 القسم الخامس
اتجاه واحد: سبل مستقيمة
12: 14- 28 تحذير بالنسبة إلى النهاية
13: 1- 6 مواقف مسيحيّة
13: 7- 18 نظرة دينية صحيحة ونظرة خاطئة
13: 20-21 خاتمة الرسالة
13: 19، 22- 25 بركة وسلامات
• التصميم الرابع
- المطلع: وحي في يسوع المسيح (1:1- 4)
1:1- 2أ في الماضي تكلّم الله بفم الانبياء
والآن، في الأيام الأخيرة، تكلّم بابنه
1: 2ب- 4 جُعل الابن وارث كل شيء
اعلان موضوع 1: 5- 2: 18 في 1: 4
إبن الله وُضع ورُفع (1: 5-2: 18)
1: 5-14 ابن الله رُفع فوق الملائكة
اعلان موضوع 2: 1- 18
2: 1- 4 استنتاجات إرشادية: اهتمام جديّ بالتعليم
2: 5- 81 رُفع الابن الذي يجب أن يخضع له كل شيء. وُضع فصارمبدئ الخلاص.
اعلان موضوع 3:1-5:10 في 2: 17- 18
- حبر أمين ورحيم (3: 1-5: 10)
3: 1-4: 13 عظة حول موضوع الايمان: حثّ على ايمان واثق وتحذير من الارتداد 
4: 14- 5: 10 الابن حبر رحيم: حثّ على الامانة واعتراف الايمان
اعلان موضوع 5: 11-10: 18 في 5: 6- 10 
- التعليم الكامل (5: 11-10: 18)
5: 11-6: 20 مقدّمة إرشادية: التعليم الكامل (6: 1) يُفهم بصعوبة (5: 11)
القرّاء ما زالوا في البداية (5: 11- 14)، لهذا ما يلي يوجَّه إلى قرّاء تقدمّوا (6: 1-3)
سبب التحذير: اهتداء ثان هو غير ممكن (6: 4-8)
تقديم موضوع 6: 12- 20 في 6: 11
7: 1- 28 الابن حبر برتبة ملكيصادق
مقدمة وعرض تأويلي (7: 1- 3). تفوّق ملكيصادق على اللاويين (7: 4- 10). الكهنوت الجديد يتضمّن نظامًا جديدًا وإلغاء القديم (7: 11- 19). الكهنوت الجديد تثبّت بقسَم إلهي (7: 20- 25). يسوع هو حبر فريد إلى الأبد (7: 26- 28)
8: 1-10: 18 عظة تأويلية حول ذبيحة المسيح 
8: 1- 13 العبادة السماوية والأرضية والعهد الجديد 
9: 1- 10: 18 توسّع في الموضوع: العبادة القديمة ظلُّ الجديدة (9: 1- 10). العبادة الجديدة والسماوية (9: 11- 14). العهد الجديد (9: 15-22) الذبيحة الجديدة والسماويّة (9: 23- 28). النتائج الخلاصيّة للذبيحة السماوية (10: 1- 10). موجز (10: 11- 18)
- نتائج ارشادية: حثّ على عيش الايمان (10: 19- 12: 13)
10: 19- 39 حث على الرجاء
صرنا قريبين من السماء. لهذا نبقى متعلّقين بإيماننا (10: 19- 25). تحذير من الارتداد (10: 26-31)
حثّ على حياة في اليقين (10: 32- 39)
11: 1- 40 فقاهة حول موضوع الايمان
تحديد الايمان (11: 1- 2)
الايمان، من الخلق إلى نوح (11: 3- 7)
إيمان الآباء (11: 8- 22) 
إيمان موسى وشعبه (11: 23- 30)
إيمان الأنبياء والشهداء (11: 31- 38)
موجز: تتمّة الايمان والوعد للمسيحيين (11: 39- 40)
12: 1- 3 عظة حول الثبات
يسوع مبدئ الايمان (12: 1- 3)
الآلام المؤدّبة (12: 4-11)
حثّ على الايمان (12: 11- 12)
- تحريضات نهائية (12: 14-13: 19)
12: 14- 29 تحذير من الارتداد 
13: 1- 19 تحريضات عامة حول الحياة الجماعية
- مباركة مضاعفة 13: 20- 25 
13: 20-21 بركة نهائية
13: 22-25 خاتمة بولسيّة

ب - مناخ الرسالة 
في أي مناخ كُتبت عب، وما هي خلفيّة الكاتب الفكرية؟ نلاحظ أولاً أن صاحب الرسالة قريب جدًا من فيلون الاسكندراني. فهو في استشهاده بالكتب المقدّسة يشبه ما فعله فيلون وصاحب الرسالة إلى برنابا. فوصفُ سلطان كلمة الله التي تنفذ حتى مفرق النفس والجسد (4: 12) تشبه لغة فيلون. والمقولات الفكرية التي يلجأ إليها الكاتب، تجد ما يوازيها في الفلسفة المعاصرة لفيلسوف الاسكندرية. يكفي هنا أن نتحدّث عن الحقيقة والظلّ فنتذكّر المثُل الافلاطونيّة. والتشديد على الوحدة يعود بنا إلى العالم الرواقي. فمنذ سفر الحكمة، اعتاد الكتاب المقدس أن يقرأ الحكمة اليونانية ليكتب فيها الوحي، كما قرأت أسفار أخرى حضارات الشرق القديم وكُتبها على ضوء الالهام الالهي. هكذا فعل فيلون. ومثله كاتب عب الذي لم يكن فيلسوفًا محترفًا وإن ألّم بالمقولات الفلسفية.
في 8: 5 ، نقرأ عن الكهنة اللاويين: ((هؤلاء يقيمون خدمة هي صورة وظلّ)). هذا يعني في إطار الفلسفة الافلاطونيّة، أن لا حقيقة لهذه الخدمة في ذاتها. وبالتالي إنها تزول. مثلُ هذه الأفكار كانت معروفة في عالم الشرق الذي تشرّب الثقافة الهلنستية. وفي 9: 23-24 ،تحدّث الكاتب عن الذبائح والليتورجيا في العبادة الاسرائيلية. هي نسخة، هي ظلّ لواقع وحقيقة في المعبد السماوي. وقال أخيرًا في 10: 1: ((ليس الناموس سوى ظلّ الخيرات الآتيّة، لا ذات الحقيقة بعينها...)). لهذا، ماذا تستطيع أن تفعل مثل هذه الذبائح؟ هي باطلة وبدون فائدة، ولا تستطيع أن تجعل المتقرّبين إلى الله كاملين.
ويبقى التعارض بين ما هو أرضيّ وما هو سماويّ. هو لا يصدر فقط عن طبيعة عنصر الأرض وعنصر السماء. بل عن التبدّل الجذري الذي أدخله المسيح. مع الكهنة اللاويين، كنّا على المستوى البشريّ المحض. هم يموتون، لهذا يحلّ كاهن محلّ كاهن. والذبيحة تحرَق، فتصبح كأنها ما كانت. أما المسيح فهو ابن الله. عرشه يدوم إلى الأبد. ودمه حاضر دومًا لدى الآب ليشفع من أجلنا. هنا نحسّ أن عب ابتعدت عن أفلاطون، كما عن فيلون. فكلاهما لا يهتمّان بمفهوم الاسكاتولوجيا. يكفي أن نتذكّر ردّة الفعل عند أهل أثينة حين كلّمهم بولس عن قيامة الاموات. ((فلما سمعوا بقيامة الأموات، طفق بعضهم يستهزئون)) (أع 17: 32).
وهكذا بدت لنا عب بمناخها، قريبة من طريقة فيلون المتأثِّر بدوره بالفلسفة اليونانية. فماذا نقول عن الغنوصيّة التي تشدّد على المعرفة الباطنيّة بحيث لا يعود المؤمن يحتاج إلى وحي يصل بالتسلسل الرسولي؟ قبل العودة إلى الرسالة نشير إلى أن الغنوصيّة ارتبطت بالظاهريّة فاعتبرت أن الابن لم يتجسّد حقًا، بل اتخذ ظاهر الجسد. بدا كأنه تجسّد. وفي أي حال، لم يمُت على الصليب. كان انجيل يوحنا ردًا على هذه النظرة حين قال إن من هو الكلمة صار بشرًا، صار من لحم ودم. ونحن لمسناه ورأيناه وسمعناه. وشدّدت عب تشديدًا كبيرًا على بشريّة يسوع هذه، فتحدّثت عن خضوعه، ومحنه، وآلامه وموته.
غير أن الشرّاح وجدوا أمورًا غنوصيّة في صورة يسوع القائد، رأس المسيرة، الذي قاد شعب الله إلى الراحة السماويّة، راحة الله. ففي الفكر الغنوصيّ، يقود وحيُ الفادي النفوسَ أو الشرارات الالهيّة الضائعة في هذا العالم الماديّ، يقودها من هذا العالم إلى عالم النور. ورأى آخرون في عب 2: 11 (المقدِّس والمقدَّسين هم كلهم من أصل واحد)، نظرة غنوصيّة إلى وجود الانفس في السماء قبل أن تدخل في جسد على الأرض. ولكننا نظنّ أن الشرّاح يشدّون بنص عب لكي يتوافق مع النظرة الغنوصيّة التي يفرضونها على النصّ الكتابي. لا ننسى أن الكاتب هو ابن عصره. والفكر الغنوصيّ الذي سيدوّن في القرن الثاني المسيحي، كان قد بدأ في العصر الأول بعد المسيح، بل العصر الأول قبل المسيح، وأثّر حتى على الفكر البيبلي. لهذا، لا نعجب إن استقى الكاتب مقولات كانت ((في الجوّ)) ولكنه حمّلها المعنى الجديد، فما عادت الألفاظ تقود إلى أفكار مجرّدة، بل إلى شخص حي، هو الابن الذي تجسّد وعرف كل ما عرفه البشر ما عدا الخطيئة. وفي ما يخصّ وجود الأنفس في السماء، نجد الجواب في عب 11: 15- 16: فالغرباء والمسافرون على الأرض يُوعدون بسفر إلى عالم سماوي لم يكونوا قد ذهبوا إليه من قبل. فوطن بني اسرائيل في البرية هو مصر. ولكن راحتهم لن تكون في مصر بل في أرض الموعد. كذلك يكون الوضع بالنسبة إلى المؤمنين.
والغنوصية عرفت الثنائية بين الخير والشر، بين النور والظلمة... وهذا ظاهر في انجيل يوحنا. ونحن نجد بعض الميول الغنوصيّة في عب: تقابل الرسالة بين الأرض (تحت) والمناطق السماوية (فوق). تقابل بين هذا الدهر وذاك الآتي. بين عالم وعالم. نقرأ في 2: 5: ((ليس للملائكة أخضع العالم الآتي)). ويشير 6: 5 إلى الدهر الآتي. و9: 26 إلى الأزمنة الأخيرة. هنا نقول إن الثنائية لم تكن محصورة بالغنوصيّة. بل كانت معروفة في الشرق القديم، ولا سيّما في الكتاب المقدس. أما صورة ((القائد)) الذي يسير في مقدّمة شعب الله، فنجد سابقة كافية لها في دور موسى ويشوع اللذين قادا الشعب إلى أرض الموعد. وتبقى بشكل خاص الطريقة التي بها لعب يسوع دور القائد. لا بالمعرفة (غنوسيس)، بل بالآلام، وهذا ما يبعدنا كلّ البعد عن الغنوصيّة.
وما علاقة عب بالاسيانيين وجماعة قمران؟ حين اكتُشفت مخطوطات البحر الميت ، اعتبر شرّاح متحمّسون أن هذه الرسالة ارتبطت بمسيحية متهوِّدة وُلدت في هذا المحيط. بل توجّهت إلى كهنة اسيانيين. ولكن هذا الحماس خبا بسرعة، واتخذ أبعادًا متوازنة حيث تلتقي أفكار عب مع أفكار الاسيانيين: فالمناخ واحد وقد استقت منه عب كما استقت كتابات قمران. هنا نتذكّر أيضًا أن تيارات يهوديّة عديدة ازدهرت في القرن الأول المسيحيّ، وهي لن تنجرّ في تيار واحد إلاّ في نهاية القرن الأول المسيحيّ وبعد خراب أورشليم. لهذا، لا نعجب أن تكون عب ظلّت ملتصقة بمحيطها الذي خرجت منه، وهو محيط يهود اهتدوا إلى المسيح. ونستطيع أن نقول القول عينه عن انجيل متّى، مع أنه تحوّل تحوّلاً جذريًا فانتقل من محيط يهودي منغلق يرفض الذهاب إلى السامريين وإلى أرض وثنية ويكتفي بالخراف الضالة من اسرائيل، إلى محيط مسيحيّ (مت 10: 5- 6) منفتح وصل إلى صور وصيدا والمدن العشر، إلى سورية كلها (مت 4: 23- 25) بانتظار الذهاب إلى جميع الأمم (مت 28: 19)، أي الأمم الوثنيّة.
ونعود إلى مقابلات مع جماعة قمران. عارضت كل المعارضة الجحودَ والارتداد عن الايمان. والمسيحيون ((العبرانيون)) عاشوا عقدة الذنب. تركوا معتقدهم الأول. وهم يستعدون للنكوص، للرجوع إلى الوراء. من أجل هذا كان الكاتب قاسيًا، فهدّدهم باللعنة والحريق (6: 8). وبيّن لهم سموّ كهنوت يسوع وعبادته، فكيف ينحدرون. هم يعيشون في الحقيقة فكيف يعودون إلى الظلّ. كفّر يسوع عن خطاياهم. وهم إذ يعودون عن إيمانهم المسيحي ((يطأون ابن الله وينجسّون دم العهد الذي قُدّسوا به)) (10: 29). فالهول ينتظرهم (آ 31). ونبّهم من ((العرج)) بين معتقد وآخر، بين الكنيسة والمجمع. لا يستطيعون أن يكونوا مع المسيح وضدّه.
عرفت جماعة قمران بُعدًا كهنوتيًا وليتورجيًا خاصًا، وهذا ما جعل أعضاءها يلتحمون التحامًا كبيرًا. لهذا، فالذين تركوها ليتبعوا المسيح، ظلّ في قلبهم حنين إلى ما تخلّوا عنه. ونشير بشكل عابر إلى أن الاسيانيين لم يكونوا يشاركون في شعائر عبادة الهيكل، لهذا غابت من عب الامثلة التي تتحدّث عن الهيكل. نبدأ فنقول إن الاسيانيين لم يرفضوا مبدأ الهيكل، بل هذا الهيكل الحاضر الذي تنجّس بسلالة كهنوتيّة لا تنتمي إلى هارون. وفي ((درج الهيكل)) نعرف أن الله يقود عمليّة بناء الهيكل. ولكن في نظر عب، يبقى هذا الهيكل الظلَّ والصورة تجاه الهيكل السماوي الذي يُنزع منه كل حجاب بحيث يقترب المؤمنون بثقة من قدس الأقداس.
وتحدّثت عب عن الكهنوت .أشارت إلى كهنة لاوي وشعائر عبادتهم. كما إلى عيد كيبور وما يفعله عظيم الكهنة مرّة في السنة عن خطاياه الخاصة وعن خطايا الجماعة. ولكن كهنوت يسوع ليس على رتبة هارون، بل على رتبة ملكيصادق، وهذا ما يبعد عب كل البعد عن النظرة القمرانيّة المتعلّقة بمسيح كهنوتي يتحدّر من هارون.
من أجل كل هذا نقول إن قرّاء عب يمكن أن يكونوا أشخاصًا تركوا جماعة قمران وحملوا بعض أفكارهم. ويمكنهم أن يكونوا من جماعة يهوديّة أخرى. في أي حال، انطلق يسوع من عالم يهودي وما انحصر فيه، بل فجّره وحمّله مفاهيم العهد الجديد حيث تحقّقت النبوءات وصار الانتظار واقعًا في تجسّد الابن. كذلك فعلت عب. انطلقت من مفاهيم العالم اليهودي، فأظهرت أن ما ارتبط بالعهد القديم قد شاخ وعتق وهو على شفا الزوال (8: 13). فلا يَعُد المسيحيون إلى الوراء يطلبون كهنوتًا فخمًا وذبائح متعدّدة. فكاهنم واحد وهو يسوع المسيح. وذبيحتهم واحدة لا غير. هي لا تتكرّر لأنها نالت مرة واحدة غفران خطايا البشرية.
ج- كتابة الرسالة
أولاً: من كتب عب
لا نعرف كاتب الرسالة إلى العبرانيين. فنحن لا نجد اسمه في النصّ. ولكن منذ القرن الثاني، نُسبت إلى بولس. وكانت الكنيسة الانطاكية تقول: رسالة القديس بولس إلى العبرانيين. ووُجدت برديّة قديمة (بردية 46 ، بيتي الثاني) من التقليد الاسكندراني، فاحتفظت لنا بأقدم نص للرسائل البولسيّة. تضمنت هذه البردية عشر رسائل توجّهت إلى الجماعات (لا إلى تيطس، تيموتاوس، فيلمون)، وجعلت عب حالاً بعد روم. أهناك علاقة بين الاثنين؟ أو ربما تكون عب كُتبت إلى مسيحيّي رومة. هذا ما سوف نقوله في النهاية.
اذن، اعتبر الشرق أن عب رسالة بولسية. وذلك منذ القرن الثاني. أما الغرب فتأخّر. غير أننا نجد، في الاسكندرية كما في رومة، في اللوائح القانونيّة الرسميّة التي تعود إلى القرن الرابع وبداية الخامس، أن عب حُسبت بين الرسائل البولسية الأربع عشرة. تارة وضعت في نهاية الرسائل، وطورًا قبل 1 و 2 تم، تي، فلم. وبعد ذلك أدرج اسم بولس في العنوان. ما الذي دفع إلى نسبة هذه الرسالة إلى بولس؟ هناك عدّة عوامل.
هناك أولاً ظهور عبارة ((أخينا تيموتاوس)) (13: 23). نشير هنا إلى أن اسم تيموتاوس لا يظهر سوى في أع وعشر رسائل بولسيّة. يسمّيه بولس ((الاخ)) في 1تس 3: 2 (بعثنا أخانا تيموتاوس)؛ فلم 1 (من بولس ومن تيموتاوس الأخ)؛ 2 كور 1: 1؛ كو 1: 1. ولكن جاء من يردّ بأن تيموتاوس كان أيضًا قريبًا من مسيحيّين عديدين. وهناك ثانيًا البركة والسلامات في 13: 20- 24. فهذا ما يجعلنا قريبين من خاتمة الرسائل البولسية. ولكن أجيب بأن الذي بعث بالرسالة استقى أسلوب بولس وجعل هذه الخاتمة في نهاية عظة حول كهنوت المسيح. ونضيف صيغة الأمر المستعملة في ف 12- 13 التي تجعلنا قريبين من الاسلوب البولسي. وهناك ثالثًا تقارب بين حب 2: 3- 4 الذي ورد في عب 10: 37- 38 وفي غل 3: 11؛ روم 1: 17. هذا ما لا شكّ فيه. ولكن بولس يشدّد على التبرير بالايمان لا بالأعمال. أما عب فلا تتحدّث عن التبرير، بل عن أولئك الذين آمنوا بالمسيح ثم ارتدّوا عنه. حين آمنوا، كانت لهم الحياة. فإن نكصوا كان لهم الهلاك. وهناك رابعًا عناصر لاهوتيّة نجدها في عب كما نجدها في الرسائل البولسيّة. مثلاً، تنازلُ يسوع واتضاعه حتى الموت (2: 14- 18؛ رج فل 2: 7- 8). مجد المسيح ومجد موسى (3: 2- 3؛ رج 2 كور 3: 7- 8). طاعة يسوع (5: 8؛ رج فل 2: 8؛ روم 5: 19). الحجاب أو التكفير (9: 5؛ رج روم 3: 25). تقدمة المسيح أو ذبيحته (9: 28؛ رج 1 كور 5: 7). ابراهيم مثال الايمان (11: 8؛ رج غل 3: 6-9). السعي في الميدان (12: 1؛ رج 1 كور 9: 24). لفظة ((قديسين)) (11: 8؛ رج روم 1: 7). نجيب: لا شكّ في أن هناك تقاربًا، ولكن هناك اختلافات أيضًا.
وما هي الأمور التي تمنع نسبة عب إلى بولس؟ هناك أولاً الاسلوب اليوناني الرفيع الذي يختلف كل الاختلاف عن أسلوب بولس، وهذا ما لاحظه اكلمنضوس الاسكندراني وأوريجانس منذ القرن الثالث. وهناك عبارات معروفة لدى بولس لا نجدها في عب. نشير فقط إلى ((المسيح يسوع)) التي ترد 90 مرة تقريبًا في الرسائل البولسيّة، ولا ترد مرّة واحدة في عب... وهناك ثالثًا، وهذا هو الأهم، المنظور والرؤية. فمنظور بولس ليس منظور عب. إن القيامة عنصر جوهريّ في اللاهوت البولسيّ، ولكنها لا تُذكر سوى مرّة واحدة في عب 13: 20 ،وفي جملة معترضة لا في برهان كما في 1كور 15. مقابل هذا، الموضوع الرئيسي في عب هو المسيح عظيم الكهنة. هذا الموضوع لا يظهر أبدًا عند بولس. أعلن بولس أنه ما تلقّى إنجيله من بشر: الله أوحاه له بيسوع المسيح (غل 1: 11- 12). أما عب فكتبت أن التعليم ((يكفله الذين سمعوه)) (2: 3).
ماذا يكون ردّنا؟ لا شك في أن هناك تعابير بولسيّة لا نجدها في عب. ولكن عب فعلت مثل بولس، فجعلت المسيح في قلب تعليمها، ونظرت إليه في إطار العهد القديم، لأنها تتوجّه إلى جماعة جاءت من العالم اليهوديّ، فما عرفت أن تقطع الرباط، أرادت أن تجعل الخمر الجديدة في زقاق عتيقة (مت 9: 17). ثم، لا شكّ في أن عب لا تتوسّع في موضوع القيامة، بل تشدّد بالاحرى على آلام المسيح وموته. ولكنّها تتحدّث عن تمجيده. كما تتحدّث عن هؤلاء المؤمنين الذين ضحّوا بحياتهم من أجل قيامة أفضل (11: 35). الذين عاشوا على الرجاء مع أنهم لم يروا ما رآه أبناء العهد الجديد. وابراهيم نفسه اعتبر أن الله قادر أن يُنهض حتّى من بين الاموات (11: 19). فكيف تكون قيامة للمؤمنين إن لم تسبقها قيامة يسوع الذي هو قائدنا وسابقنا. أما أن بولس تسلّم انجيله مباشرة من الربّ، فهذا ينسينا أنه تعلّم أكثر ما تعلّم من الجماعات المسيحية التي عاش فيها بعد اهتدائه، فقال مرة بعد أخرى: سلّمت ما تسلّمت (1 كور 11: 23).
لذلك يمكننا القول إن البراهين التي تربط عب ببولس تقابل تلك التي تحاول أن تفصلها عن بولس. أما يمكن أن نقول إننا في المدرسة البولسيّة، كما كان الوضع بالنسبة إلى المدرسة اليوحناويّة. اعتبر أوريجانس أن سكرتير بولس كتب عب. ونسبها ترتليانس إلى برنابا الذي ارتبطت باسمه رسالة دوِّنت في القرن الثاني فأخذت بأسلوب الاستعارة كما فعلت عب. وهناك من نسب عب إلى اكلمنضوس أسقف رومة، أو أبلوس، رفيق بولس في عمل الرسالة (أع 18: 24) الذي كان يهوديًا من الاسكندرية، بليغًا، عارفًا بالكتب المقدسة. هذه الفرضيّة الأخيرة اجتذبت عددًا من الشرّاح.
يبقى أن كل ما نستطيع قوله عن كاتب عب، هو أنه مسيحيّ من أصل يهودي. تلقّى تربية هلنستية عميقة، فعرف المقولات الفلسفية اليونانية. أسلوبه يُشبه أسلوب فيلون ومدرسة الاسكندرية. تعرّف إلى المسيح (2: 3) لدى أشخاص ارتبطت نظرتهم اللاهوتيّة بالتيّار الهليني مع موقفه المتحررّ بالنسبة إلى الارث اليهودي في ما يخصّ شعائر العبادة. شابه اسطفانس (7: 47- 50) في موقفه من الهيكل، وقد يكون حاول أن يربح اليهود المتكلمين اللغة اليونانية (أع 6: 1) إلى نظرته التي عرفها يوحنا حين أراد الغاء ((الغنم والبقر)) (يو 2: 15) من الهيكل. فالهيكل الذي كلّف بناؤه ستًا وأربعين سنة، سيحلّ محلّه هيكل جسد الرب. لا حاجة بعد إلى رمز لحضور الله على الأرض. فالابن الذي صار جسدًا هو حضور الله بالذات. هو في حضن الآب فيخبرنا عن الآب (يو 1: 18).
ثانيًا: أين كتبت عب ومتى
قال الشرّاح زمنًا طويلاً إن عب دوّنت في الاسكندرية. فأسلوبها أسلوب مدرسة الاسكندرية مع فيلون، فيلسوفها اليهودي. ثم إن البردية 46 وُجدت في مصر. ولكن هذا لا ينفعنا في دراستنا للرسالة، لأننا لا نعرف شيئًا عن أصول كنيسة مصر. ثم إن البراهين التي نجدها في عب، والتي تتركّز على الليتورجيا اليهودية وعلى الكهنوت اللاوي، تدفعنا لكي نعتبر أن عب كتبت في أورشليم أو في فلسطين. غير أن معرفة الكاتب بالترجمة السبعينية وإيراده نصوصها ايرادًا حرفيًا، يبعدنا عن هيكل أورشليم وعن نص التوراة العبري. ولكن جاء من يقابل بين كاتب عب واسطفانس الذي كان رئيس الهلينيين في أورشليم. فكلاهما ارتبطا بالكتب المقدسة واحتقرا الهيكل: صُنع بأيدي البشر (أع 7: 48) فكيف يصلح مقامًا لله يجد فيه راحته (آ 49).
في الواقع، يبدو أن الهيلنيين عملوا بالأحرى خارج أورشليم، بل خارج فلسطين. فسفر الاعمال يرينا جماعة اسطفانس في السامرة (8: 4 ي) وفي الطريق إلى غزة (آ 26)، بل في فينيقية وقبرص وأنطاكية (أع 11: 19) وقيريني (آ 20) بانتظار أن يوسّع بولس الرسالة حتى رومة. وجاءت السلامات التي ارتبطت بايطالية (عب 13: 24)، فذكّرتنا بوجود يهود من رومة في أورشليم يوم العنصرة (أع 1: 10). هل هذا يعني أن عب وُجّهت إلى مسيحيين في رومة؟ فالمراسلة متواترة بين اليهودية ورومة كما تقول أعمال الرسل (28: 21). ولكن من أين أرسلت، وقد تكون أرسلت من رومة. ولكن لمن؟
وقبل أن نتوّقف عند الجهة التي أرسلت إليها عب، نطرح سؤالاً يرتبط بالسابق. متى أرسلت عب؟ نستطيع أن نؤكّد بادئ ذي بدء أن الكاتب لا ينتمي إلى الجيل المسيحي الأول، لأنه يرتبط بالذين سمعوا كلام الربّ (2: 3؛ نطق به الرب، ثم ثبَّته لنا الذين سمعوه). والقرّاء (أو السامعون) هم مؤمنون منذ زمن بعيد: تعلّموا منذ وقت (5: 12). وها هم يريدون العودة إلى التعليم الأولي (6: 1). مضت سنوات، لا أيام فقط (10: 32) بعد أن نالوا العماد فكلّفهم ذلك صبرًا على النضال وانتهاب أموالهم. بما أن اكلمنضوس الروماني أشار إلى عب (الرسالة الأولى 36: 1- 5)، في أكثر من مقطع (عب 1: 3 ،5 ،7 ،13)، واستعمل أمثلة الايمان (الرسالة الأولى 10-12 ،17) التي استعملتها عب11 ،يجب أن تكون عب دوّنت حوالي سنة 90 أو قبل هذا الوقت.
أما الشرّاح فيتوزّعون بين سنة 60 وسنة 90. إن كانت عب دُوّنت قبل دمار الهيكل فهذا يعني أنها دوّنت سنة 60. وإن بعد دمار الهيكل ففي سنة 80. فان كان بولس أو أبلوس أو برسلكة دوّنوا هذه الرسالة، فيجب أن يكون ذلك سنة 60 في أبعد تقدير، لأن أحدًا منهم لم يكن حيًا سنة 80. أما إطلاق سراح تيموتاوس (13: 23) الذي هو عنصر تاريخيّ في الظاهر، فليس بعائق تجاه تاريخ متأخر. فتيموتاوس كان شابًا حين التقى به بولس، ويمكن أن لا يكون مات سن 80.
الاشارة الرئيسية التي تجعلنا نقول إن عب دوّنت سنة 60 تقريبًا، هي أنها لا تقول شيئًا عن دمار الهيكل (سنة 70) وهو أمر أشار إليه لو 21: 20؛ رؤ 11: 1 ي. فلو وُجد تلميح إلى هذا الحدث، لبدا طرح الكاتب أقوى حين قال بأن يسوع أحلّ شيئًا آخر محلَّ الليتورجيا اليهودية والكهنوت وشعائر العبادة. والواقع أن النص لا يهتمّ أي اهتمام بالهيكل: ربما ليس بالنسبة إليه أهم مكان مقدّس، لأن إله العهد القديم لم يأمر يومًا بأن يُبنى. إذن، لا نستطيع أن نقول إن كان دمار الهيكل دخل في براهين الكاتب. لا فرق إن كان دمِّر أو لم يدمَّر بعد. والعودة إلى شعائر العبادة في الوقت الحاضر (الآن)، لا تبرهن أن شعائر العبادة ما زالت تمارس في الهيكل. رج 8: 3 (يكون له ما يقرّبه)؛ 9: 7 (يدخله مرّة في السنة)؛ 13: 11 (يدخل الحبر المعبد). ولكن يبقى النصّ الاصعب ذاك الذي نقرأه في 10: 1- 2 والذي يتحدّث عن ذبائح تقرّب بغير انقطاع وما زالت تقرّب. إن وجود صيغة الحاضر في كل هذه النصوص لا تعني شيئًا. لأن يوسيفوس الذي كتب العاديات عشرين سنة بعد دمار الهيكل، يستعمل هو أيضًا صيغة الحاضر لا صيغة الماضي.
وما الذي يُسند قولاً يعلن أن عب دوّنت سنة 80 تقريبًا؟ التشديد على إبدال الاعياد والذبائح والكهنوت وموضع العبادة الأرضي، في العالم اليهودي. وهكذا حلّ العهد الجديد محلّ العهد الأول، العهد القديم. ((لأنه، لو كان العهد الأول بغير لوم، لما كان من داع إلى آخر)). كان الكلام الأول حول تجديد جذريّ في نظم اسرائيل. ولكن بعد سنة 70 ودمار الهيكل تبدّلت النظرة: أحلّ المسيح شيئًا آخر ما كان من قبل. فالقديم عتق وشاخ وصار قريبًا من الزوال. فلماذا العودة إليه. ونشير بالنسبة إلى زمن كتابة عب، أن تسمية يسوع ((الله)) بدأت تفرض نفسها في الثلث الأخير من القرن الأول المسيحي. ولكن يبقى أن هذه الاشارة الأخيرة تبقى ضعيفة لأن الاستناد إلى اللاهوت المقارن يبقى ضعيفًا جدًا. وهكذا لا نستطيع أن نجزم في ما يتعلّق بكتابة عب.
ثالثًا: إلى من كتبت عب أو أرسلت
نبدأ يعنوان الرسالة. يرى معظم الشرّاح أن العنوان ((إلى العبرانيين)) ليس من يد الكاتب. ولكنه يظهر في أقدم مخطوط وصل إلينا، البردية 46. كما أنه استعمل حوالي سنة 200 في مصر وفي أفريقيا الشمالية (لم يزاحمه عنوان آخر). إذن يمثّل فرضيّة ترتبط بكتاب يعالج شعائر العبادة في بني اسرائيل.
ونواصل بحثنا في مضمون الرسالة. ماذا نقول عن القرّاء وعن موضع إقامتهم؟ تعكس الرسالة ثلاث مراحل. مرحلتان تنتميان إلى الماضي . والثالثة إلى الحاضر. (1) في البداية، استنار القرّاء (اعتمدوا في المسيح 6: 4). نالت جماعتهم التعليم المسيحيّ من مبشّرين ترافقَ عملُهم مع عدد من المعجزات. واختبروا أيضًا نشاط الروح المقدس ومواهبه (2: 3-4؛ 6: 4 - 5). اكتشف هؤلاء المؤمنون الغنى الديني في العالم اليهوديّ، وهم الذين تربّوا على مطالعة التوراة قبل اهتدائهم وبعده، على ما في أع 2: 42: ((كانوا مواظبين على تعليم الرسل)). كل هذا يفترض أن الجماعة المسيحية التي تسمع العظة أو تقرأ الرسالة، تفهم البراهين وما فيها من تلميحات مرتكزة على الكتاب المقدس وعلى شروح يهوديّة. لهذا، اعتبر بعضهم عب ((مدراش)) (درس وتأمّل) حول مز 95: 110؛ إر 31: 31 - 34. وعرفت هذه الجماعة أيضًا ليتورجيّة شعب اسرائيل فاستطابت المشاركة فيها. (2) بعد ذلك (لا ندري متى)، كانت الجماعة المسيحية ضحيّة اضطهاد فيه العداوة والتعييرات والمضايق (10: 32- 34): نُهبت أموال البعض، ووُضع البعض الآخر في السجن. هذا يفترض أن السلطات المحليّة تدخّلت فجعلت المؤمنين في القيود. هل هناك دور لليهود، كما كان الأمر في أكثر من مرّة (أع 14: 4؛ 14: 16...) مع بولس الذي سيقول في 1 تس: ((اضطهدونا، يمنعوننا أن نكلّم الأمم)) (1تس 2: 15- 16)؟ (3) ساعة دوّنت عب، كانت الأزمة قد مرّت، والاضطهاد توقّف. ولكن ظلّ التوتّر حاضرًا. يئس الناس، تراخوا، تراجعوا أمام الخطر الآتي. فالذين من الخارج يعيّرون المسيحيين (13: 13). والذين في الداخل، أعضاء الجماعة، ما عادوا يريدون أن يفهموا مثل هذا الكلام القاسي (رج يو 6: 60). صاروا بطيئي الفهم. توقّف جريهم. خفّ اجتهادهم (6: 11). صاروا متثاقلين، تراجعوا، فسيطرت عليهم أفكار وأفكار .
ونستطيع أيضًا أن نكتشف في هذه الجماعة حنينًا مفرطًا إلى الجذور اليهوديّة في الاعلان المسيحيّ. فقد أراد بعضهم أن يقفوا عند الارث العباديّ في أرض اسرئيل، ولا يخرجوا منه. هم لم يفهموا بعد التبدّل العميق الذي حمله الله بالمسيح. أجل، كل ما ينتمي إلى العهد القديم، صار باليًا. صار قريبًا من الزوال. ومع ذلك، ما زال هؤلاء يتعلّقون به. بل يبدون مستعدّين لأن يتخلّوا تخليًا تامًا عن الغنى الذي نالوه بالمسيح. فما عادوا يجتمعون مع الإخوة ليشاركوا في العبادة المسيحيّة (10: 25: لا تهجروا الاجتماع). عندئذ قدّمت عب براهينها حول تفوّق المسيح (هو أسلوب يونانيّ، ولكنّنا نجده أيضًا عند المعلّمين اليهود) على موسى بشكل خاص، حول إبدال الذبائح اليهودية والكهنوت اللاوي. ورافق هذه البراهين ارشادات تتوخّى تقديم فهم صحيح للانجيل، وتهديد الذين يتراجعون: الأرض التي شربت المطر (أي تعليم المسيح) تعطي ثمرًا يرتبط يبركة الله، لا الشوك والحسك (6: 7). وهكذا يحذّر الكاتب المؤمنين تحذيرًا قاسيًا، ويُفهمهم أنه من الصعب الحصول على مغفرة لخطيئة اقترفت عمدًا بعد نوال معرفة الحقيقة المسيحيّة. عاد الكاتب إلى الذين قاسوا الاضطهادات في الماضي، فقدّم ثباتهم مثلاً يشجّع فيه الاخوة على المقاومة حتى الدم (12: 11)، وسط عداوة حاضرة، وقد تنمو.
بعد أن عرفنا ما عرفنا عن القرّاء، هل نستطيع أن نحدّد هويّتهم؟ كل الجماعات المسيحيّة في القرن الأول المسيحي، يمكن أن تتوجّه إليهم عب. فالاضطهادُ لاحق الكنيسةَ منذ انطلاقتها في أورشليم ولم يتركها. في أورشليم، استشهد اسطفانس (أع 7: 57- 58) رجمًا بالحجارة، ويعقوب بقطع رأسه (أع 12: 22. وسُجن بطرس ويوحنا وسائر الرسل. وحلّ الاضطهاد بالجماعة الهلينية بعد مقتل اسطفانس (أع 8: 1؛ 11: 19). وفي رومة، مات بطرس وبولس كما قال رؤ 11: 8 (رج أع 12: 1 ي في ما يخصّ موت بطرس). كما كثُر عددُ الشهداء، فذهب بعضهم إلى المنفى، والآخرون قُتلوا (رؤ 13: 10). فلم يبق للقديسين سوى الصبر والايمان.
ذكرنا هاتين المدينتين، لأن الأنظار توجّهت إلى رومة وأورشليم كموضعين أقام فيهما قرّاء عب. بالنسبة إلى أورشليم، نقول إن القرّاء هم يهود صاروا مسيحيين، وما زالوا يحنّون للعودة إلى ديانة الآباء مع ليتورجيّة الهيكل وذبائحه التي كانوا يرونها في أورشليم. إلى هؤلاء كتب مسيحيّ من إيطالية إلى مسيحيّين متهوّدين يعيشون في فلسطين أو في أورشليم، يحثّهم على أن لا يتركوا المسيح. وفي النهاية، يرسل إليهم سلامات ((الذين من إيطالية)).
ولكن هل كان كل قرّاء عب يهودًا اهتدوا إلى المسيحيّة، بدليل معرفتهم بالكتب المقدّسة والنظم اليهوديّة؟ يبدو أنه كان بينهم ((أمم)) أخذ بعقليّة هؤلاء اليهود الذين هدوهم إلى إيمانهم على مثال جماعة غلاطية التي تأثّرت بتعاليم يهوديّة بعد أن بشّرها بولس. لهذا، نستطيع القول إن قرّاء عب جماعة مختلطة: فيها مسيحيون جاؤوا من العالم اليهودي. ومسيحيون جاؤوا من العالم الوثني (أو اليوناني،) والفئتان عرفتا العهد القديم. والدليل على ذلك أن بولس كلّم الغلاطيّين عن ابراهيم، عن سارة وهاجر، مـمّا يعني أن الكنيسة الأولى اعتادت أن تدرّج مؤمنيها في قراءة الكتاب المقدس، شأنها شأن اليهود في المجامع. هذا فضلاً عن وجود وثنيين اعتادوا أن يؤمّوا المجمع. بعضهم سمع، والآخر صار من خائفي الله، أي اقتبل الايمان اليهودي دون الأخذ بالختان.
تحدّثت عب عن شعائر العبادة اليهوديّة، ولكنها لم تذكر الهيكل. فما قيمة أورشليم بدون الهيكل، وما معنى كلام عن المعبد السماوي لا يجد جذوره في الهيكل الذي اعتُبر رمزًا لحضور الله على الأرض. هذا الواقع يدفعنا إلى القول بأن قرّاء الرسالة لا يمكن أن يكونوا مسيحيّي أورشليم وفلسطين. ثم إن ما نعرفه عن مسيحيّي أورشليم، هو أن المسيحيين المتهوّدين في أورشليم عادوا يؤمّون الهيكل (أع 21: 23- 26). فإن توجّهت إليهم عب قبل سنة 70 ،فهم لا يحتاجون إلى توصية تدعوهم أن لا يعودوا إلى ما تركوه. وإن دونّت بعد سنة 70 فكيف يعودون إلى عبادة ذبائحيّة لم يعد معمولاً بها. ثم لا ننسى أن المسيحيين تركوا أوشليم قبل سنة 70 وراحوا إلى الاردن. 
وقال بعضهم لكي يتحاشى بعض الصعوبات: أرسلت عب إلى مجموعة خاصة في أورشليم، إلى كهنة اهتدوا إلى الايمان (أع 6: 7). اعترفوا بيسوع فما عاد يُسمح لهم بأن يقدّموا الذبائح. أو إلى مسيحيين متهودّين لم ينضمّوا إلى الثورة على رومة. فهربوا من أورشليم في الستينات وما عادوا يستطيعون أن يذهبوا كل يوم إلى الهيكل. ولكن حتّى مع مثل هذه المجموعات، كيف يأمل مسيحيّ من الجيل الثاني، مسيحيّ ليس من مصاف الرسل، وهو يكتب في الستينات، كيف يأمل أن تُسمع توبيخاتُه أو تؤثّر نصائحه في مدينة يقيم فيها يعقوب، أخو الرب والمحافظ الأمين على الشعائر اليهودية (توفي سنة 62)؟ ولماذا ألّف هذا النصّ في لغة يونانيّة إلى كهنة مسيحيين متهوديّن كانت العبرية جزءًا من الليتورجيا، أو إلى مسيحيين متهوّدين يقيمون في يهوذا ويتكلّمون العبرية والأراميّة؟
نعود هنا إلى عب 13: 23: ((إعلموا أن تيموتاوس أخانا قد أطلق (سبيله). فإن أسرع في مجيئه ذهبتُ معه لأراكم)). ونعود إلى معطيات العهد الجديد: هو لا يقول لنا إن تيموتاوس كان في السجن. كما لا يقول لنا إنه جاء إلى أورشليم. وفي أي حال، فأهل أورشليم لا يعرفون شيئًا عنه. أما مسيحيّو رومة فقد عرفوا تيموتاوس. ففي روم 16: 21 كان مع بولس أول من حيّى المسيحيين في رومة: ((يسلّم عليكم تيموتاوس معاوني)). وإن 2 تم التي أرسلت على ما يبدو من رومة (1: 17)، ساعة كان بولس مسجونًا هناك، قد طلبت من تيموتاوس أن يأتي إلى بولس. قال الرسول لتلميذه: ((إجتهد أن تقدم إليّ عاجلاً)) (2 تم 4: 9). كل هذا يدفعنا إلى فرضيّة تقول إن عب توجّهت إلى جماعة تقيم في رومة. فنحن نعرف أنه وُجد مسيحيون في بوطيول (خليج نابولي)، وبومباي وهركولانو واوستيا (أع 28: 12ي). ولكن رومة وحدها عرفت جماعة مسيحيّة متهوّدة: كان تيموتاوس معروفًا لديها. ثم إن شهودًا عيانًا بشّروها بالانجيل (عب 2: 3)، ومدبّرين معروفين ماتوا هنا في سبيل إيمانهم. إذا كان الكاتب يلمّح إلى بطرس وبولس، فهذا يعني أن جماعة تشرّفت بهذين المدبّرين العظيمين والشهيدين الكبيرين، لا يحقّ لها أن تتراخى أو تتراجع.
ما الذي يوجّهنا في هذه الطريق؟ حين نقرأ أع 18: 2 نفهم أنه وُجد مسيحيون متهودّون في رومة وقد طُردوا في زمن كلوديوس سنة 49 (أكيلا وبرسكلة). لهذا، أيا يكن المكان الذي منه أرسلت عب إلى رومة، فقد وُجد في هذا المكان مسيحيّون أصلهم من رومة، وقد أرسلوا سلاماتهم إلى إخوتهم في مدينة بطرس وبولس. هنا نشير إلى أن عبارة ((يسلّم عليكم الذين من إيطالية)) تعني شيئين: إما الذين يعيشون في إيطالية. وإما الذين أصلهم من إيطالية. فهمَ الكودكس الاسكندراني العبارة في المعنى الأول، فأضاف في 13: 25: ((كُتب من رومة)). ولكن إن فهمنا العبارة في المعنى الثاني، فقد تكون عب أرسلت من أي مكان يقيم فيه إيطاليون، وهم يحيّون إخوتهم المقيمين في إيطالية. فإذا كانت أرسلت من أورشليم أو من فلسطين، نتذكّر أن أع 2: 10 (كُتب سنة 85) يشير إلى مسيحيين من رومة يوم العنصرة. ونقرأ في أع 10: 1 أن الفرقة الايطاليّة أقامت في قيصريّة حوالي سنة ،40 وقد يكون هذا الخبر تاريخيًا.
في 10: 32-34 لـمَّحت عب إلى عذابات قاستها الجماعة في الماضي، وإلى القيود ونهب الأموال. كل هذا يتّخذ معناه الحقيقي إن كانت عب وجّهت إلى رومة سنة 80 ،لأن المسيحيين كانوا قد اضطهدوا هناك بشراسة، على يد نيرون، سنة 64-68 ،ومات في هذا الاضطهاد بطرس وبولس. والكلامُ الذي وجّهه الكاتب إلى قرّائه بأنهم لم يقاوموا بعد حتى الدم (12: 4)، يعني أننا قبل سنة 90 ، ساعة انطلق رجال الامبراطور دوميسيانس في تحرّياتهم حول الديانات الشرقيّة. في ذلك الوقت صارت حياة السيحيين في خطر. هنا نعود إلى خلفيّة سفر الرؤيا.
هناك توازيات بين رسالة بولس إلى رومة التي دوّنت سنة 58 ،وبين الرسالة إلى العبرانيين. وهذا نفهمه إن كانت الرسالتان دُوّنتا من أجل جماعة واحدة مع فارق عقدين أو ثلاثة عقود من السنين. فإن روم تتفوّق على سائر الرسائل البولسيّة في نظرتها إلى العالم اليهوديّ. وهي تستعمل عددًا من الألفاظ الليتورجيّة اليهوديّة (الختان، روم 3: 1-12، المسيح كفّارة، 3: 25 ،ذبيحة حيّة، 12: 1 ،وخدمة بولس هي قربان. 51: 16). تحدثت روم 12: 10 عن ((بروهيغومانوي)) (أي المدبّرين الأوّلين) حيث يحسب الواحد الآخرين خيرًا منه. وعادت عب 13: 7 إلى ((هيغومانوي)) الجماعة الذين كانوا مثالاً بايمان قادهم إلى الموت (في أيام نيرون). ويتحدّث 13: 17 عن الرؤساء الحاليين الذين ((يسهرون على نفوسهم)). أما رسالة اكلمنضوس الأولى (21: 6) التي كتبت من رومة سنة 96 ،فتطلب من المؤمنين أن يكرموا ((رؤساءنا)). وهناك توازيات أيضًا بين عب و1بط التي دوّنت في رومة (مناخ الاضطهاد هو هو). 
أما البرهان الأهمّ في جعل عب تُرسَل رومة، فهو أن هذه الكنيسة عرفت الرسالة إلى العبرانيين قبل غيرها من الكنائس. سبق فقلنا إن رسالة اكلمنضوس الأولى التي دوّنت في رومة بعد عب، تورد مقطعًا من هذه الرسالة. وفي القرن الثاني، كتب يوستينوس من رومة فدلّ أنه يعرف عب. هذه الرسالة بما فيها من توبيخ، قُبلت في رومة بدون حماس، وهذا ما يفسّر موقف الكنيسة تجاه وضع عب القانوني. مع أن الاسكندرية وأنطاكية تأخّرتا قرنًا من الزمن عن رومة لتعرفا عب، إلاّ أنهما قبلتاها بسرعة ونسبتاها إلى بولس. أما رومة فلم تأخذ بهذا الموقف، ولم تجعل عب بين الرسائل البولسيّة. أترى عرفت رومة أن عب ليست من يد بولس، بل دوّنها معلّم من الجيل الثاني المسيحي. فمن يكون هذا ((المعلّم)) (وان كان جديرًا بالاحترام) تجاه العمودين بطرس وبولس (اكلمنضوس الأولى (5: 2- 7). إذن، كان تردّد. ولكن الجدالات حول الثالوث بدّلت المعطيات لا سيّما وأن عب 1: 3 مهمّة جدًا لتقديم البرهان عن لاهوت المسيح ضد الاريوسيين. عندئذ فُرض الرأي القائل إن بولس دوّن عب، في الكنيسة الجامعة حوالي سنة 400، وهكذا اعتبرت عب الرسالة الرابعة عشرة بين الرسائل البولسيّة.
من أجل هذا، نعتبر أن عب كُتبت إلى أهل رومة، وتوجّهت إلى جيل جاء بعد ذاك الذي تسلّم روم، وسبق الذي تسلّم رسالة اكلمنضوس الأولى. هكذا نستطيع أن نكشف رسمة سريعة لكنيسة ستلعب دورًا كبيرًا في تاريخ المسيحيّة. 
الفصل الثاني
كرامة ابن الله
1:1 - 4
اختلفت عب عن سائر رسائل العهد الجديد، فما تضمّنت عنوانًا يحوي اسم المرسل واسم من أرسلت إليهم، ولا فعل شكر ولا تمنّيات. غير أن هذه الآيات الاربع الأولى التي تتحدّث عن شخص يسوع وعمله، هي قريبة من مطلع الانجيل الرابع، وهي تشكّل إجمالة كثيفة للفكر التعليمي الذي يُشرف على هذه الرسالة كلها: سموّ المسيح إبن الله المتجسّد، الخالق والمعتني بخليقته، ونبيّ الأنبياء حامل الوحي، مخلّص البشريّة وسيّدها وملكها. ذاك هو موضوع الايمان والرجاء في الجماعة المسيحيّة الأولى. كما نقرأ في هذه الآيات أربع نقائض سوف يتوسّع فيها النصّ فيما بعد. الوحي القديم والوحي الجديد. الآباء ونحن. الابن من جهة، والانبياء والملائكة من جهة ثانية. قديم الزمان والآن. منذ البداية نلاحظ طابع الدفاع والهجوم (أبولوجيا) في رسالة تعبّر عن فكر صاحبها في تعارضات ومقابلات وتواجهات.
المسيح هو الابن، التعبير المطلق عن الآب. هو الوحي في سموّه. إنه يتفوّق على الأنبياء، على الملائكة، على موسى، وجميعهم كانوا وسطاء الوحي والتشريع اللذين أعطاهما الله لشعبه (1:1-4: 13). فهو كانسان وإله عظيم كهنة بريء وكامل، حنون وأمين. تتفوّق ذبيحته على شعائر العبادة التي مارسها الكهنة اللاويون (4: 14-10: 18). وبما أن العهد الجديد هو كلمة الله كما نقلها الابن، فهو أرفع من القديم ويحلّ محلّه. والوحي الذي أعطي للآباء هو، بالنسبة إلى الوحي الذي أعطي للابن، ناقص وعابر تجاه الكامل والنهائي. وكهنوتُ المسيح المتجسّد وذبيحته يتفوّقان على ما تقدّمه الليتورجيا اليهوديّة في يوم التكفير.
يبدو 1: 1-4 جملة طويلة. فاعلها الله (آ 1-2) ثم ابن الله (آ 3-4). هي تعبّر أولاً عن تواصل وعن تعارض بين المسيح والأنبياء (آ 1-2أ). ثم تصف الابن (آ 2ب)، وتتحدّث عن طبيعته الالهية، عن عمله الفدائي، عن موقعه السماويّ (آ 3). وأخيرًا عن تفوقّه على الملائكة (آ 4). وهكذا ندخل في الموضوع الاول من عب (آ 4). ما نلاحظه في عب هو تركيز على شخص الله الذي يتكلّم بالابن، يعمل مع الابن في الخليقة، ويرفع الابن الذي أتمّ رسالته على أكمل وجه. وأخيرًا، كلمةُ الله توحّد الوحي الأول والوحي الثاني، بعد أن كان المسيح الكمال النهائي لوحي حمله الآباء والانبياء.

1 - تفسير الآيات
بعد هذه التوطئة، نتوقّف عند الآيات ندرسها في تفاصيلها.

أ - الله كلّم الآباء (1: 1-2أ)
اولاً: الله يُرسل وحيه
ليست عب مقالَ لاهوت نظريّ. فالله حاضر في علاقاته مع البشر بواسطة الوحي. هو يتكلّم (لالاين في اليونانية. رج ((د ب ر)) في العبريّة. وسوف نجد في آ ،6 7 لاغاين، قال، ((أ م ر)) في العبرية على مدّ التاريخ. في الشعب الأول، في بني اسرائيل. وفي الشعب الثاني، في الكنيسة الآتية من اليهود الوثنيين. الله هو ((تيوس)) (مع التعريف. أي الله الآب، أما تيوس بدون تعريف فيدلّ على الالوهة وينطبق على كل من الأقانيم الثلاثة). لا تُضاف صفة. هو الله كما عرفه العهد القديم، وعبده اليهود الذين صاروا المسيحييّن الذين إليهم يتوجّه صاحب الرسالة.فهناك تواصل بين العهدين. والعهد القديم مُوحى، شأنه شأن العهد الجديد. فإذا كان الوحي الذي حمله الانبياء قد بلغ ذروَته في تجلّي الابن، فالوحي الأول والوحي الأخير يعودان إلى أصل واحد. ولكن الكاتب سيشدّد على التعارض، ولا سيّما حين يتكلّم عن طريقة الوحي.
كان الوحي الأول متعاقبًا ومتجزئًا ومتنوّعًا. هذا ما يعنيه الظرف الاول (بوليماروس، مرار عديدة) والظرف الثاني (بوليتروبوس، طرق عديدة، أشكال عديدة). الظرف الاول يشدّد على الأجزاء العديدة. فكلام الله إلى البشر تعدّد بواسطة أشخاص تعاقبوا ((على الكلام)). هذا يدلّ على الغنى. كما يدلّ على أن الكلام جاء جزئيًا. فكل نبيّ حمل وحيًا خاصًا: تحدّث هوشع عن حبّ الله لشعبه. وأشعيا عن قداسة الله كما اختبرها في رؤية الهيكل (أش 6: 1ي). وإرميا عن العهد الجديد، وحزقيال عن الشريعة والذبائح. وهكذا قدّم الله وحيه بشكل تدريجي للبشريّة، فربّاها وهذّبها إلى أن وصلت إلى الانجيل.
والظرف الثاني يشدّد على الطرق التي بها وصل هذا الوحي: بواسطة الملائكة والبشر، بل بواسطة الخليقة كلها. بواسطة الاحلام والرؤى وأحداث التاريخ وظروفه. أما الوحي الذي حمله الابن فهو نهائي وتام. أعطانا الله ابنه الذي هو كلمته. فأعطانا به كل شيء. ولا نستطيع بعد أن ننتظر كلمة أخرى.
ثانيًا: متى أُرسل هذا الوحي ولمن
بعد ملاخي، لم يظهر نبيّ في اسرائيل. بل اعتبر العالم اليهوديّ أن الوحي انتهى مع عزرا. لهذا جاءت لفظة ((بالاي)) (قديمًا) لتدلّ على قدم هذا الوحي الذي صار ((عتيقًا)). رج 1كور 3: 14 (العهد العتيق أبطله المسيح). وتجاه هذا العتيق نجد ((الأيام الأخيرة)) (إب اسخاتو تون هيمارون) التي تدلّ في السبعينيّة على الأزمنة المسيحانيّة (ب أ ح ر ي ت .هـ. ي م ي م، عد 24: 14؛ إر 23: 20؛ دا 10: 14). إن ظهور الابن يدلّ على نهاية حقبة من التاريخ مع نظام الشريعة وبداية حقبة تتميّز بملء وحي الله (الانجيل).
هذا العهد المسيحانيّ الذي انتظره الشعب (هـ. ع و ل م. هـ ب ا) هو الأخير (رج 9: 26؛ أع 2: 17؛ 2 بط 3: 3؛ يهو 18). ولكنه بدأ منذ الآن. ويعيشه قرّاء عب. لهذا جاء اسم الاشارة: توتون (هذه الأيام). هـ. ع و ل م. هـ ز ه. أي في هذه الحقبة الأخيرة التي نعيش فيها اليوم. فإن كان الله تكلّم اليوم، فهو يتكلّم للمرّة الأخيرة.
في هذا السياق تأتي لفظّة الآباء (باتراسين، هـ. أ ب و ت)، فتدلّ، لا على الآباء ابراهيم واسحاق ويعقوب فحسب (يو 7: 22؛ روم 9: 5؛ 11: 28). بل على نسلهم (يو 4: 20؛ 6: 31 ،49 ،58) وصولاً إلى داود (أع 13: 36). الآباء هم أباء الشعب العبراني. وجمعَ النصّ الاباء مع الأنبياء، كما في مت 23: 30- 32؛ لو 6: 23- 26؛ 11: 47؛ أع 3: 25؛ 7: 52 ،فأشار إلى مؤمني العهد القديم الذين سيذكرهم في ف11 ،والذين سيتقابلون معنا (هامايس)، أي سامعي يسوع المباشرين (يو 15:15) وقرّاء الرسالة الذين جاؤوا من العالم اليهوديّ ومن العالم الوثنيّ. فوضعُ المسيحيين يتفوّق على وضع الشعب الأول بعد أن نالوا ملء الوحي.
ثالثًا: من يحمل الوحي
هناك فئتان تحملان الوحي. من جهة، الملهمون ومرسلو الله في العهد القديم. ومن جهة ثانية الابن. هذا الابن هو حامل الوحي في كماله. بل هو وحي الآب. وهذا ما يدلّ على وجود المسيح يسوع قبل الزمن في السماء، كما يدلّ على علاقته الفريدة مع الله أبيه (يو 1: 1 ،14). إن التعليم الذي حمله يسوع وذاك الذي حمله الأنبياء يعودان إلى الله. إن لفظ ((في)) (إن في اليونانيّة) يدلّ على الأداة كما هو الحال مع ((ديا)) (ب ي د، في العبريّة، رج 2: 2، 3؛ أم 27: 6؛ مت 11: 34؛ أع 17: 31). كما يدلّ على الموضع والمكان (4: 7، في داود)، على حضور الله في مرسليه فقط بواسطة كلمات تردّدت، بل في حياته كلها ولا سيّما تجسّده وآلامه وموته وقيامته. لهذا صار الوحي الذي حمله الابن فوق كل وحي. هو وحي لا يستطيع البشر أن يُحيطوا به. ثم إن الانبياء لعبوا دورًا في الزمن، فهيّأوا المستقبل، وأعلنوا الخلاص المسيحاني. أما المسيح فأتمّ الواعيد وأقام العهد النهائيّ والأبديّ. لهذا، إذا كان الله تكلّم في الماضي (صيغة الاحتمال) بالانبياء فهو يتكلّم في الابن اليوم وإلى الأبد. وهكذا ظهر التقابل بين وحي عابر ووحي دائم. كما ظهر بين الكثرة وذاك الذي هو الابن الوحيد. لم يُجعل التعريف أمام الابن (هيو) للتشديد على طبيعة الشاهد وصفته: فالمسيح، وإن كان نبيًا، هو أعظم من نبيّ. لعب دورًا لعبه الأنبياء. فحمل كلام الله، ولكنه بلا قياس الشخص الموهّل لأن يتكلّم عن الآب حسب ما نقرأ في يو 1: 18: ((الله لم يره أحد قط. الابن الوحيد الذي في حضن الآب، هو الذي أخبر عنه)). لا شكّ في أن الوحي القديم يتواصل في الوحي الجديد، لأن الله يكشف عن نفسه في الحالين. ولكن هذا الوحي أصيل في الابن الذي هو صورة الله الكاملة. وسوف تدلّ آ 3 على أن لقب الابن ليس لقبًا استعاريًا. هو اسم علم يدلّ على المسيح (7: 28). لهذا قال النص ((الابن)) وما أضاف شيئًا ليدلّ على قراءة هذه البنوّة التي تحمل صفة المطلق.

ب - الابن هو الوارث (1: 2ب)
تتضمّن البنوّة الحقّ بالميراث (غل 4: 7)، ولكن لا حدود لميراث يناله الابن. هو يرث كل شيء. وتعود المبادرة في هذا الميراث إلى الله (تيتاناي، 1 كور 12: 28؛ 1تم 2: 7؛ 2تم 1: 11). فنحن أمام خيرات مسيحانيّة واسكاتولوجيّة (دا 7: 13- 14؛ مت 28: 18). إن لفظة ((كليرونوميا)) في اللغة البيبليّة لا تعني فقط امتلاك خير بعد موت صاحبه الأول، بل تعني امتلاكًا ووضعَ يد بشكل شرعيّ وقانونيّ. تسلّم المسيح كل شيء من أبيه، فأوصى بما امتلكه (دياتامانوس، 9: 16) للبشرية: بموته سلّم إلى اخوته الميراث السماويّ.
لا شكّ في أن الابن يمتلك كلّ الحقّ في سيادته على الكون. ولكن صاحب عب يشير إلى السلطة التي نالها يسوع كإنسان في تجسّده (مت 11: 27؛ يو 13: 3) ومارسها حين جلس عن يمين الآب (2: 8؛ 10: 13) ولا سيّما في كنيسته. وكما أن الشعب العبراني لم يمتلك من البدء، الميراث الذي وعده به الله، كذلك سينعم المسيحُ بملء السلطان بعد صعوده. فيسوع الذي وُلد في شعب صغير، لم ينحصر في هذا الشعب، بل أعطيت له الشعوبُ والأمم. ولم يرث فقط أرضَ فلسطين بل الكون كله. صار سيّد السماء والأرض، صار سيّد جميع المخلوقات.
هو خلق كل شيء. ولكن المشاركة في الخلق تعني ابن الله في طبيعته الالهيّة. هذا الدور الذي يُبرز كرامة حامل الوحي، نسبه العهدُ القديم إلى الحكمة (حك 9: 2) ويوحنا إلى اللوغوس (1: 3)، وبولس إلى المسيح (1 كور 8: 6؛ كو 1: 16). نقرأ ((أيونس)) التي لا تعني تعاقب الأزمنة ومختلف حقبات العالم (9: 26؛ 1كور 10: 11؛ 1تم 1: 17)، ولا تعني الفيض المتعاقب للكيان الالهي كما لدى الغنوصيين، بل مجمل الكائنات المخلوقة (ع و ل م ي م، في العبريّة)، الكون، كل ما فيه (11: 3؛ مك 13: 9؛ 2 تم 4: 10). ((الدهور)) (أو: العالم) ترادف ((كل شيء)) (بنتا، آ 3)، كما ترادف الكون (كوسموس، فيلون، الشرائع الخاصة 1: 17)، والكون الكبير (مكروكوسموس) لدى الرابينيين (ع و ل ع .هـ. ج د و ل) ما استعمل الكاتب فعل ((كتيزين)) (ب ر ا، خلق، برأ)، بل ((بوياين)) (صنع، سي 15: 14). واستعمل صيغة الاحتمال كما في تك 1: 16ي.
كيف نتصوّر هذا الخلق، خلق العالم، بواسطة الابن؟ مع ((ديا)). هناك سبب فاعل كما قال يوحنا الذهبيّ الفم (رج روم 11: 36). فقدرةُ الخلق، شأنها شأن الطبيعة الالهيّة، مشتركة بين الأقانيم الثلاثة. ولكن الابن ينالها من الآب الذي ولده. في هذا المعنى نحن أمام وجود الابن من الأزل وأمام طبيعته الالهيّة. وهناك سببيّة هي أداة. نعود في هذا المجال إلى التقليد البيبليّ والرابينيّ الذي يقول إن الله خلق بكلمته (تك 1:1ي؛ سي 42: 15)، بحكمته (أم 8: 30). أو بالتوراة كما يقول المعلّمون. إذن نستطيع أن نرى في الابن التعبير التام عن فكر الآب وكلمته الداخليّة. هذا ما قاله أوغسطينس. 
غير أن السياق يدعونا لننظر إلى الدور الكوني للابن المتجسّد، الذي هو وارث كل شيء. فحسب كو 1: 16 ،المسيح بكرُ كل خليقة هو أيضًا وسيط الخليقة. وتقول أف 1: 3-4 إن الله خلّص مختاريه منذ الأزل في المسيح. وفي هذا النصّ، إن الكون الذي خلق بالمسيح هو أيضًا له (ميراث). فحرف العطف (كاي، الواو) يشير إلى مقابلة بين الميراث الذي ناله الابن ونشاطه الخلاّق. والرباط بين الاثنين يتمّ على مستوى الوحدة بين الطبيعة الالهيّة والطبيعة البشريّة في أقنوم الابن الواحد. وهكذا نفهم أن طبيعة الابن البشريّة هي وارثة كل شيء في اتحادها بالطبيعة الالهيّة التي خلقت كل شيء. ينتج عن كل هذا أن الابن الذي هو ينبوع الكون وهدفه، يمارس سلطة على المخلوقات ويطبعها بطابع ((مسيحي)).

ج- ضياء مجد الله (1: 3أ)
إن دور الابن الكونيّ هو دور يفوق عالم البشر. لهذا كانت محاولة من أجل تحديد الطبيعة الالهيّة لهذا الوحي الفريد وعلاقاته مع الله. فكيف يكون المسيح حامل وحي الله، لا بما قاله خلال حياته على الأرض فحسب، بل بما هو كصورة الآب. ولكن كيف السبيل إلى ذلك ونحن في عالم الالوهة، في عالم التجديد؟ هنا يعود الكاتب إلى المجاز والاستعارة، كما في الإطار الدنيويّ. ففي لاهوت الاسكندريّة، كان كلام عن الحكمة (سوفيا) وعن اللوغوس. فسفر الحكمة (7: 25، 26) اعتبر ((الحكمة)) (سوفيا) ((قوّة صافية فاضت من مجد القدير)). وصوَّر فيلون الكون كضياء القداسة. إن لفظة ((أباوغسما)) تتفرَّع من فعل ((أباوغازو)) الذي يعني ((جعله يشع)). وفي المجهول: شع، أشرق. وهكذا يدلّ الاسم (اباوغسموس) على الضياء والشعاع، على فيض نور آتٍ من عند الله (فيلون، الشرائع 4: 123). وهكذا يقابل المسيحُ في علاقاته مع الله، بضياء ينبوع منير، بموج من النور يصدر عنه ويدلّ على قدرته المنيرة. ولكن بما أننا في صيغة المجهول، التي تدلّ على النتيجة لا على الفعل. وبما أننا نقرأ في الخطّ عينه ((خاركتير)) (صورة، طابع)، نفهم ((اباوغسما)) كانعكاس، وصورة تعكس كما في مرآة، شعاعات صدرت عن ينبوع النور. والجذر ((أوغي)) يدلّ على النور الساطع، على ضوء الشمس. وهناك المضاف إليه ((دوكسيس)) (مجد). كل هذا يشير إلى سطوع كبير لهذا النور الذي انعكس فأشار إلى البهاء كما إلى الجمال. في هذا المجال، قال الرابينيون ((د ي و . ي ق ر ا)). سطوع الوقار والمهابة. ((د ي و. إ ي ق و ن ي ن)) سطوع الايقونة (كما نقول: الابن سر ابيه، صورة أبيه).
في العهد الجديد، تدل ((دوكسا)) على طبيعة الله كما تتجلّى للبشر (يو 1: 14؛ 2: 11). وهي تتضمّن إشارة إلى نور مضيء. رج رؤ 21: 23 (لا حاجة للشمس... لأن مجد الله ينيرها)؛ 2 كور 4: 6 (تسطع معرفة مجد الله المتألّق في وجه المسيح). حين نقول إن الابن هو بهاء المجد، نعبِّر في استعارة النور المعكوس، عن علاقته المباشرة بالآب الذي هو نور. كما نقول في النؤمن: الابن هو نور من نور. كما نعلن ايماننا بولادة الابن من الآب قبل كل الدهور. فكما أن النور يصدر عن الشمس، كذلك يصدر الابن عن الآب منذ الأزل وينال منه المجد الذي يليق به كابن. هذا ما قاله يو 1: 14: ((مجدًا من الآب لابنه الوحيد، الممتلئ نعمة وحقًا)). ونجد أفضل تعبير عن هذه العبارة (ضياء مجده) في تجلّي المسيح على الجبل المضيء وإعلان الصوت السماوي: هذا هو ابني الوحيد (مر 9: 2- 9). هي عبارة محسوسة، ولكنها تدلّ على طبيعة الابن الروحية، على طبيعته الالهية، لأن لا شيء يرتفع فوق المادة مثل النور. وارتبط هذا النور بالمجد (دوكسا) الذي هو معرفة الله بذاته، بحيث ابتعدنا عن كل تشبيه للاله بالانسان، وبما عنده من رغبات. في هذا قال أوغسطينس: ((أعطني نورًا بدون شعاع، فأؤمن أن الآب كان من دون ابن)) (عظة 117 : 8 ،11). 
والابن هو أيضًا ((صورة مجده)). ترتبط هذه العبارة بالتي سبقتها ارتباطًا وثيقًا، وقد جُمعتا مع اسم الفاعل (هون)، بدون التعريف، فأشارتا إلى وجهتين متكاملتين لفكرة واحدة. ان الاسم ((خاركتير)) يعود إلى الفعل ((خاراسو)) الذي يعني: حفر، طبع بطابعه. ثم رسم، صوّر. وهو يعني بالتالي: العلامة المحفورة، الصورة، الطبع (رج لا 13: 28، ص ر ب ت). بعد هذا، اتّخذ هذا الاسمُ منحى التجديد، فابتعد عن كل مدلول ماديّ ليدلّ على ما هو خاص بشخص أو بشيء، على ما يميّز هذا الشخص أو هذا الشيء. أجل، طُبع الآب في الابن. إذا اردنا أن نرى الآب، ننظر إلى الابن. وهكذا تكون ((خاركتير)) أقوى من ((ايكون)) (أيقونة، صورة، 2 كور 4: 4؛ كو 1: 15). فالصورة تشبه ((تقريبًا)) الأصل. أما ((الختم)) فهو يعني التماهي الكلي مع الأصل. ص ل م. ع ص م و ت و: ختم عظمته.
والاسم ((هيبوستاسيس)) يتألف من ((هيبو)) و((هستيمي)): ما يختفي تحت الظواهر، تحت الأعراض. الجوهر، الكيان (حك 16: 21). ما يخصّ شخصًا بشكل مميّز. اذا كان الابن ختم (صورة) الآب والتعبير الكامل عن طبيعته، فهو يشبهه كل الشبه ويتساوى معه. هذا ما يؤكّده النصّ دون أن ينسى التمييز بين الاثنين. ولكن الاستعارة تبقى ناقصة: فإن تميّز الختم عن الأصل وانفصل عنه، فالابن لا ينفصل عن الآب. هو مثل النور الذي لا يمكن أن ينفصل عن الشمس. هنا يقابل الشرّاح اسم الفاعل (هون، كائن، هو) مع فعلين في صيغة الاحتمال (اتيكان، جعله؛ إبوييسان، صنع، أنشأ): لم نعد أمام عمل وفعل، بل أمام علاقة دائمة، أبديّة، تنفي فكرة التبنويّة بالنسبة إلى ذلك الذي هو الابن الوحيد. وهكذا تكمّل العبارةُ الأولى (ضياء مجده) العبارةَ الثانية (صورة جوهره). فالابن المساوي للآب في الجوهر. يتميّز عنه على مستوى الاقنوم.

د - ضابط كل شيء (1: 3ب)
هنا نصل إلى امتياز آخر للابن حسب طبيعته الالهيّة. وهذا الامتياز هو نتيجة اتحاده بالآب، وامتداد لعمله الخلاّق وتكملة له. فهناك الاداة ((تي)) (أيضًا) التي تربط هذه الجملة الواردة مع اسم الفاعل (فارون) مع سابقتها (هون). فعلاقة الابن المتجسّد بالله تتضمّن علاقته بالكون: هو يحفظه في الوجود، ويقوده (كل شيء، بنتا) إلى هدفه. الابن يحفظ الكون. يسوسه بشكل دائم. هذا ما يعبّر عنه فعل ((فارو)) الذ يعني حمل. ويعني رتّب، ساس، دبّر (عد 11: 14. قال موسى: لا استطيع أن أحمل هذا الشعب). هذا ما يشير أيضًا إلى المسؤوليّة (س ب ل في العبرية. حمل حملاً). فمن حمل الكون قاده إلى غايته. وهذا ما يفعله الابن. هو يواصل عمل الخلق، كما يعتني بالخليقة، فيدلّ على سلطانه الالهي. إنه يضبط كل شيء بكلمته (رؤ 3: 10). فكما خلق الله كل شيء بكلمته ((في البدء)) (تك 1: 1؛ من22: 9)، كذلك يحفظ الابنُ كلَّ شيء بكلمته (كو 1: 17). وهكذا تُحفظ الخلائق في الوجود بقدرة كلمة الله (ربما هي كلمة الخلق، ولوغوس كلمة الوحي، 3: 2؛ 4: 12).
وتقدّمُ الجملةُ التالية (بعد أن طهّرنا من خطايانا) وجهة جديدة من نشاط الابن، تعتبر السبب الأساسي لمجيئه على الأرض ولعمله الجوهريّ . فالتطهير من الخطايا هو أيضًا عمل قدرة. فكأني بالابن يعيد تكوين العالم بعد أن بلبلته الخطيئة. وهي معجزة أعظم من خلق الكون وحفظه في الوجود. نحن هنا أمام عمل شخصيّ قام به الابن حين ((طهّرنا من خطايانا)). نحن هنا في صيغة الاحتمال: في الماضي، قام يسوع بعمل من أجلنا. قام به مرّة واحدة. وهكذا ننتقل من حياة يسوع في الأزل (ابن الله) إلى حياته في الزمن التي تنتهي بارتفاعه وجلوسه عن يمين الآب. كل هذا يدلّ على التجسّد والفداء، على شخص الابن في علاقته مع البشر وفي عمله بحسب طبيعته البشريّة (مت 26: 28). يشير الكاتب هنا إشارة عابرة إلى هذه الموضوع بانتظار أن يعود إليه فيما بعد (2: 9 ،17؛ 5: 7...). ولكنه منذ الآن يقابل بين عمل عظيم الكهنة في العهد الجديد مع عمل كهنوت اللاويين في العهد القديم. هنا ذبائح كثيرة وغير كاملة من أجل التكفير عن الخطايا (خر 30: 19). أما المسيح فطهّر الكون بمجيئه على الأرض وموته (جاء لكي يموت). رج يو 1: 29 والكلام من يسوع الذي هو حمل الله الرافع خطايا العالم. زالت الخطيئة، فزال الحاجز بين الله والبشر، وتكوّن شعبٌ جديد مقدّس رأسه يسوع المسيح.
وبعد أن أنهى الابن مهمّته، عاد إلى أبيه ليكون بقربه، في حياة حميمة معه. وهذا التلميح إلى زمن الصعود وارتباطه بالتاريخ بواسطة التلاميذ، يشير إلى الابن المتجسد، إلى الانسان يسوع. نقرأ صيغة الاحتمال (إكاتيسن) التي توازي صيغة الكامل (عملٌ في الماضي ما زال حاضرًا). جلس المسيح عن يمين الجلال. هذا ما يشير إلى مز 110: 1 (مزمور مسيحاني سيعود إليه الكاتب في 8: 1؛ 10: 12؛ 12: 1). رج مت 22: 44؛ 26: 64. هذا الجلوس عن يمين الآب هو، مع الفداء، الموضوع المركزي لإيمان الكنيسة الأولى بالمسيح (أع 2: 34؛ أف 1: 20؛ رؤ 3: 21). لهذا دخل في قانون الايمان. من الواضح أن هذا الجلوس يدلّ على القدرة والكرامة. نحن أمام امتياز إلهيّ: عن يمين الجلال في الأعالي. اليمين هو موضوع الكرامة الأرفع (1مل 2: 19؛ مز 45: 10). ((ماغالوسيني)) (الجلال) هي صفة الهيّة (تث 32: 3؛ مز 145: 3، 6؛ 1أخ 29: 11 ،ن ب و ر ة؛ يهو 25) قريبة من ((دوكسا)) (المجد). الجلال يعني الله (رج القدرة، ديناميس، مر14: 62). 
((إن هيبسيلويس)). في الاعالي. لا ترد إلاّ هنا كاسم في العهد الجديد. هي ترتبط بفعل ((إكاتيسن))، وتقابل ((هيبسيستويس)). ارتفع الابن. وكانت له هذه المكانة السامية. فدلّ على أنه ينعم بامتيازات الطبيعة الالهيّة، وأنه يرث العالم. إنه المسيح القائم من الموت. ان طبيعة يسوع البشريّة هي طبيعة الانسان الاله، الذي يجلس على عرش مجده من أجل البشر كملك (1: 8؛ أع 2: 33) وكاهن (8: 1) وشفيع (روم 8: 34). هكذا رآه اسطفانس ساعة موته (أع 7: 56).
تحمل آ 1-3 كثافة لاهوتية نجدها في مطلع روم. هي تصوّر شخص المسيح الذي سيكون موضوع الدراسة اللاهوتيّة اللاحقة. إنه حامل الوحي الذي يسمو على الانبياء والملائكة. به يتكلّم الله ويفعل. فيه يقيم الله. حسب طبيعته الالهية هو مساو للآب، ويمتلك ذات القدرة وذات النشاط الخلاّق. وحسب طبيعته البشرية هو الكاهن الفادي الذي يجلس عن يمين الجلاله الالهيّة في السماء. فمن تركه، حرم نفسه من الخلاص وابتعد عن الله.

د - أعظم من الملائكة (1: 4)
مع هذه الآية ينتهي مطلع عب الاحتفالي: يكمّل الكاتب الجملة السابقة ويشدّد على وجهة من عظمة المسيح الذي دخل في المجد الابديّ: هو يسمو على الملائكة. وهكذا كانت آ 4 انتقالة من أقوال عامة (آ 1-3) حول طبيعة الابن ودوره، إلى برهان مفصّل حول سموّ المسيح بالنسبة إلى جميع ((الوسطاء)) بين الله والبشر (آ 5ي). فالموقع الفريد للمسيح القائم من الموت في البلاط السماويّ، يتأكّد بسموّه على الكائنات السماويّة (السرافيم، اش 6: 2ي؛ رؤ 4: 2 ،يعتبرون قريبين من الله).
((أونوما)) الاسم. دخلت عب في النظرة السامية التي ترى في الاسم أعظم تعبير عن الشخص. الأسم هو الشخص. سموّ الاسم هو نتيجة كرامة الانسان. وهكذا يعلو اسم المسيح على اسم الملائكة كما تعلو قدرته وكرامته. نجد هنا اسم الفاعل في صيغة الاحتمال: هذا ما يعود بنا إلى عمل تاريخيّ محدّد في الزمن، ويقابل ((هون)) في آ 3 (وجود الابن في الأزل). فالمسيح اقتنى في طبيعته البشريّة الممجّدة هذه الكرامة، ورفعها إلى مستوى الألوهة.
لا شكّ في أن المسيح لم يمتلك هذا السموّ على الملائكة في حياته الأرضيّة (2: 9). ولكنه ناله بعد موته، وحين قدّم ذاته لله تقديمًا كاملاً. إن صيغة الكامل في ((كاكليرونوميكان)) (ورث)، تدلّ على أن ما ناله المسيح قد ناله بشكل نهائي. هو ينعم به الآن وإلى الأبد. وهذا الامتلاك يترافق مع الجلوس عن يمين الآب. إن سموّ الاسم الذي ناله المسيح يشير إلى أف 1: 2 حيث يتحدّث بولس عن المسيح الذي جعله الله عن يمينه في السماوات، وأعطاه اسمًا يفوق كل اسم، إسمًا تجثو له كل ركبة في السماوات وعلى الأرض وتحت الأرض. سما المسيح على الانبياء في العهد القديم، لأنه الابن. وسما على الملائكة بعد أن حمل الفداء وارتفع في المجد. فهذا الفادي والمخلّص وحامل كلام الله، هو ابن الله المتجسّد. فبأي احترام يجب أن نسمع كلامه.

2 - قراءة إجمالية
نجد في هذه الآيات الاربع كلامًا عن الآب الذي يعمل بابنه، ثم كلامًا عن الابن. وهكذا نجعل كلامنا في قسمين: الله الآب (1: 1-2). الله الابن (آ 2-4).

أ - الله الآب
((كلّم الله آباءنا من قديم الزمان بلسان الأنبياء مرّات كثيرة وبمختلف الوسائل. ولكنه في هذه الأيام الاخيرة كلمنا بابنه)) (1: 1-2أ).
هذه الطريقة التي بها تبدأ عب فلا تذكر اسم الكاتب ولا الذين يكتب إليهم، ولا تقدم التحيّات المعتادة في الفن الرسائليّ، تدلّ على أننا لسنا أمام رسالة، بل أمام مقال يتوجّه إلى مجموعة خاصة أو إلى بعض الأشخاص. وما يسند هذه النتيجة هو ما نقرأه في 13: 22 حيث يعلن الكاتب أنه أرسل ((كلمة موعظة)) (رج أع 13: 85. طُلب من بولس وبرنابا كلمة تحريض فكانت عظة بولس في انطاكية بسيدية). ومع ذلك، فهذه ((العظة)) الطويلة تنتهي بشكل رسالة. قال صاحب الرسالة: ((كتبتُ إليكم باختصار)) (هكذا اعتاد أن يفعل كاتب الرسائل). ثم كانت أخبار شفهيّة وتحيّة وبركة. وهكذا نقول إن عب هي مقال لاهوتي ورسالة.
بدأ الكاتب حالاً في عرض موضوع يريد أن يوصله إلى قرّاءه: فرادة وهدف وحي الله في ابنه يسوع المسيح. فهذا الوحي يكمّل النظام القديم ويواجهه. إن المسيح، الابن الذي به قال الله كلمته الأخيرة، والذي هو نفسه الكلمة، هو النبيّ النبيّ، ومجيئه ذورة نبوءات الماضي ومواعيده (2 كور 1: 20). قال كلامَ الله، شأنه شأن الأنبياء. ولكنه اختلف عنهم، لأنه الكلمة الأزليّ الذي صار الكلمة المتجسّد (يو 1: 1-14). به تكلّم الله كما بالأنبياء. ولكن فرادته واضحة لأنه الابن، وهذا ما لا نستطيع أن نقوله عن أيّ من الأنبياء. بهذه التسمية نعلن أنه أعظم من جميع الأنبياء الذين سبقوه، بل هو نبيّ من نوع آخر. هناك أنبياء عديدون. ولكن هناك ابنٌ واحد (سيُقال في 7: 15ي، هناك كهنة عديدون. أما يسوع فهو الكاهن الأوحد).
جاء وحي الله بالانبياء مرات كثيرة وفي مختلف الوسائل. وجاء واحدًا في الابن الكلمة. كان ضمنيًا ومجزأ وناقصًا. فصار في المسيح واضحًا وتامًا. أجل، الوحي في المسيح هو كامل في جوهره وفي شكله وفي مضمونه. وكانت مقابلة أخرى بين ((قديم الزمان)) حيث تكلم الله بالأنبياء، وبين ((هذه الأيام الأخيرة)) التي فيها تكلّم بالابن. كلام الانبياء استباق، وكلام الابن تحقيق لمواعيد الله. إن العهد الموسوي والكهنوت اللاويّ فتحا الطريق أمام نظام جديد هو الواقع المسيحاني، وهو نظام يختلف كل الاختلاف عن القديم، لأنه نهائيّ ودائم. فالسيادة والكهنوت والملك تخصّ فقط ذاك الذي هو وحده الابن الأزليّ.
هناك وجهة انقطاع بين القديم والجديد. وفي الوقت عينه، هناك خطّ تواصل. ففي النظام القديم وفي النظام الجديد، الله تكلّم. فقوّة الكلمة التي قيلت في الماضي بالانبياء إلى آبائنا، والتي تقال اليوم لنا بالابن، تستند إلى أن الله، لا غيره، هو الذي تكلّم في الحالتين. لهذا، كان العهد الجديد في المسيح تحقيق المواعيد والنبوءات والصور التي تشكّل قلب العهد القديم. نجد صيغة الماضي: الله تكلّم فجاء كلامه تامًا، في الماضي، في العهد القديم، وفي الزمن الحاضر مع تمامه في المسيح. أجل، صار كلام الله في المسيح تامًا كاملاً، ولا يمكن أن يُضاف إليه شيء. يروي اثناسيوس عن انطونيوس الذي تسلّم رسالة من امبراطور رومة، فتعجّب تلاميذه. فدعاهم وقال لهم: ((لا تدهشوا إن كتب إلينا الامبراطور. بل تعجبّوا لأن الله كتب شريعته لبشر وكلّمنا نحن بواسطة ابنه)) (حياة انطونيوس 81).
بهذه الكلمات قدّم الكاتب موضوع الرسالة، فرادة المسيح وسموّه بالنسبة إلى ما سبق مجيئه، إلى ما هو عابر وناقص. وأفهمنا أن العهد القديم في تعليم الانبياء، هو ((من وحي الله)) (2تم 3: 16). فالله هو الذي ((تكلّم بفم أنبيائه القديسين كما وعد من قديم الزمان)) (لو 1: 70). وقد ربط بولس ربطًا واضحًا العهد القديم بالأنبياء حين قال في روم 1: 1ي: ((اختاره ليعلن بشارته التي سبق أن وعد بها على ألسنة أنبيائه في الكتب المقدسة)) (رج لو 18: 31؛ 24: 25؛ أع 3: 18؛ 24: 14؛ 26: 22). إن عبارة ((الله كلّمنا بابنه)) تُبرز في جملة واحدة، تعليمَ العهد الجديد ومضمونه. لا لأن العهد الجديد هو شاهد على عمل الله الفدائي في المسيح وحسب، بل لأنه أيضًا ملخّص بقلم ذاك الذي هو كلمة الله (يو 1:1ي). الله هو الذي تكلّم في القديم وهو الذي تكلّم في الأزمنة الأخيرة. جاء الكلام الأول على الأرض. وجاء الكلام الأخير من السماء (12: 25). ولكن في الحالتين جاء الكلام شبيهًا بمن هو الكلمة. غير أن هذا الكلام الآتي من الماضي سيجد كماله في حضور المسيح الذي جاء يكمّله (مت 5: 28).
((الذي جعله وارثًا لكل شيء وبه خلق العالم)) (1: 2ب).
بما أن المسيح هو الابن، بل هو وحده ابن الله، فهو الوارث. هو وحده وارث كل شيء. فمفهوم الوراثة يرتبط بمفهوم البنوّة. وهكذا كان الانتقال طبيعيًا من الابن إلى الوارث. ولكننا لسنا هنا على مستوى الكيان الالهيّ. وهذا لا يعني أن الله الآب يجب أن يموت (شأنه شأن الانسان) لكي يرثه الله الابن. فبما أن الآب أزلي، فهذا يعني أن الابن لن يرثه إلى الأبد. إن التمييز بين الآب والابن في اللاهوت هو سرّ عميق من أسرار الوحي. ولكن الله واحد، فلا تكن نطرتنا إليه نظرة بشريّة. لهذا فالكلام عن الابن كالوارث يشير إلى وظيفة المسيح كوسيط بين الله والبشر. إن مفهوم المسيح الوارث نقرأه في منظور الفداء: ميراثه هو جماعة القديسين، والكون الذي تجدّد بعمل المصالحة الذي قام به.
المسيح هو وارث كل شيء، لأن لله ابنًا وحيدًا وبالتالي وارثًا وحيدًا. لا شك في أن المسيحي يُسمّى أبنًا ووارثًا. ولكنه كذلك باتحاده بالابن الوحيد الذي رضي الله به (مت 3: 17؛ 17: 5؛ روم 8: 14-17؛ غل 4: 4-7؛ 1بط1: 3- 4). وبمختصر الكلام، لا بنوّة ولا ميراث خارجًا عن المسيح. فمن أراد أن ينعم بهذا الامتياز، آمن بالمسيح. وحين قال صاحب عب إن هدف الله هو ((أن يهدي إلى المجد كثيرًا من الابناء)) (2: 10)، أوضح أن ذلك سيكون بواسطة ذلك الذي ((صنع)) هذا الخلاص. بسبب المسيح، وبسببه وحده لأنه الابن، صار الخلاص للمؤمنين في كورنتوس: هم للمسيح، والمسيح لله، فصار كل شيء لهم (1 كور 3: 21- 23). في الحقيقة، المسيح هو الباب الذي يفتح أمامنا الكون كله.
أعلنت عب أن الله خلق بالابن العالم. فعملُ الخلق وعمل الفداء هما عمل الله أبي ربنا يسوع المسيح. هنا نرفض ثنائيّة ترى في العالم المادي عمل الشرّير. وسيُقال فيما بعد كلامًا عن دور المسيح في الخلق كما في يو 1: 3؛ كو 1: 16؛ 1كور 8: 6. وستقول عب في معرض كلامها عن المسيح الذي يتفوّق على موسى: يسوع هو الذي يبني البيت. أما موسى فهو خادم أمين في البيت (3: 2- 3).
ما يتضمّنه هذا التعليم هو أولويّة المسيح على كل العالم المخلوق. وبالتالي وجوده منذ الأزل، ومساواته لله الآب. في هذا قال اثناسيوس الاسكندراني في عظاته ضد اريوس (1: 12): ((حين قال الكاتب الملهم إنه قبل كل الدهور، وان به خُلق العالم، أعلن كيان الابن الدائم والأزلي ودلّ عليه بالتالي أنه ابن الله. في ضوء هذا التعليم لا نعجب أن يتضمّن لقب الابن مساواة المسيح للآب، ومشاركته مشاركة تامة في اللاهوت. لهذا قالت عب عن الابن ما قال العهد القديم عن الله (يهوه): هو الخالق السامي، خالق كل شيء."من قديم أسّست الأرض، والسماوات من صنع يديك" (مز 102: 26). أجل بالمسيح خلق الله العالم)).
((هو بهاء مجد الله وصورة جوهره)) (1: 3أ).
ببدو للوهلة الأولى أن وصف الابن كنور مجد الله المشعّ والنسخة الكاملة لطبيعته، يجعل الابن أدنى من الآب. فمفهوم الاشعاع غير مفهوم النور. والنسخة، وإن كانت كاملة، تبقى بعيدة عن الحقيقة. هذا ما وعاه الذهبي الفم، فحذّر المؤمنين من تعليم المضلّين الذين سيحكم عليهم المجمع السكوني. فاللغة البشريّة لا تستطيع أبدًا أن تعبّر التعبير الكافي عن الله. نحن هنا على مستوى الاستعارة التي تساعدنا على الدخول إلى الحقيقة. وإن كان بهاء مجد الله يدلّ على الابن الوحيد في علاقته مع الآب، فالصورة التامة تدلّ على أن الابن يتميّز عن الاب. ولكننا نحافظ في الوقت عينه على الوحدة وعلى التمييز.
الابن يعكس مجد الله. وذلك في تجسّده (يو 1: 14؛ 2 كور 4: 6). هذا لا يعني أن اللاهوت يشعّ عبر الناسوت، بل أن مجد الله تجلّى في كمال بشريّة كانت مشيئتها مشيئة الآب (10: 7، 9). مجد الله هو شكينه، أي حضور الله كما على جبل سيناء (خر 24: 15ي)، أو في خيمة الاجتماع (خر 33: 9ي). رج مر 9: 2ي. لقد رأى الرسل مجد الله مشعًا في الابن، كما رآه بولس على طريق دمشق (أع 9: 3؛ 22: 6؛ 26: 13).
قال اثناسيوس: ((من لا يرى أن الشعاع لا ينفصل عن النور، بل هو في طبيعته خاص به وموجود معه ولا يأتي بعده)). وقال امبروسيوس: ((لم يكن وقت فيه كان الله بدون حكمة، ولم يكن وقت كان فيه النور بدون شعاع)) (الايمان 1: 13؛ 4: 9). فحيث النور هناك شعاع. وحيث الشعاع هناك نور. ((صورة جوهره)). هو يحمل الطابع الحقيقيّ لطبيعة الله التي انحفرت فيه. هذا يعني التقابل التام. وهذا التقابل لا يتضمّن فقط تماهي جوهر الابن مع جوهر الآب، بل الصورة الحقة للآب من خلال الابن. من رأى الابن رأى الآب (يو 14: 9). وتحدّث بولس عن المسيح الذي هو صورة الله (2كور 4: 4). ولخّص غريغوريوس النيصي موقف الآباء فقال: ((وارث كل شيء وصانع الدهور: أشرق مع مجد الآب. وعبّر في ذاته عن شخص الآب. له كل ما للآب وهو يمتلك قدرته كلها. لا تنتقل الحقيقة من الآب إلى الابن، بل هي تثبت في الآب وتقيم في الابن. فالذي هو في الآب هو في الآب مع قدرته، والذي له الآب في ذاته له كل قدرة الآب وقوّته)) (ضد اونوميوس، 2: 6). هذا يعني مشاركة الابن في جوهر اللاهوت، شأنه شأن الآب. نجد مثل هذه الفكرة عند اوريجانس ((في المبادئ)) (1/2: 7ي). وفي تيودورس المصيصي في شرحه يو 1:1 ((الكلمة هو الله)) يساوي ((بهاء مجده)).
((يحفظ الكون يقوّة كلمته ولما طهّرنا من خطايانا جلس عن يمين العظمة في السماء)).
نحن هنا أمام مفهوم ديناميكي: فعمل الابن متحرّك لاجامد. يحمل جميع المخلوقات إلى ما له صُنعت منذ البدء. فالله خلق الكون حسب مشيئته ومن أجل مخطّط وضعَه. وهو يُسنده ويوجّهه بحسب قصده. فخطيئة الانسان لا تُلغي قصد الله. وتجديد الخليقة في المسيح يجعل قصد الله يصل إلى كماله.
وُجد الكون بالمسيح وهو يُحفظ بقوّة كلمته. فالابن هو ((نواة)) الكون. ((فيه يتكوّن كل شيء)) (كو1: 17). وتماسكُ كل شيء يجد كمالَه فيه. كلمة الابن هي كلمة الآب، لأنه التعبير التام عن مشيئة الآب. والكلمة التي بها يحفظ الابن العالم في الوجود، هي فاعلة لأنها كلمة دينونة ضدّ كل ما يعارض مشيئة الله. هذا ما يجعلنا في نص يو 12: 44-50 مع حديث عن الايمان بالابن الذي يعني الايمان بالآب، وعن رفض الابن الذي يعني رفض الآب.
أجل، الابن هو ضياء مجد الله وصورة جوهره. هو يحفظ الكون بقدرته. ويضيف الكاتب: طهّرنا من خطايانا. نحن هنا في تاريخ البشريّة. وبعد ذلك جلس عن يمين الله. فكأني به استراح بعد أن أنهى مهمّته. وبعد ذلك، نال كل كرامة. هو لم يجلس فقط على عرش، بل جلس ليملك إلى الأبد. هو لم يوقف نشاطه بعد عمل التطهير، بل هو يواصله كما يواصل هذا النشاط في الكون. إنه سيجعل أعداءه تحت قدميه (1كور 15: 25). ويعين المتبلين (2: 18)، ويتشفّع بهم (6: 20؛ 7: 25). إنه يهيّئ لنا مكانًا (يو 14: 2- 3).
((فكان أعظم من الملائكة بمقدار ما ورث اسمًا أعظم من أسمائهم)) (1: 4)
إن سموّ (أعظم، كرايتون، ترد 13 مرة في عب) الابن على الملائكة الذي ارتبط بالكرامة التي نالها (آ 3)، نجده في الاسم الذي ورثه. في آ 2 قيل عن الابن انه ورث كل شيء. ويقال هنا أنه ورث الاسم. بفضل بنوّته الأزليّة، كان منذ الأزل وارثَ كل شيء. كما امتلك الاسم الذي هو أبدي. فالاسم يدلّ على الشخص في ذاته وفي عمله. ولكن عب تعلن أيضًا: إن الابن الذي تواضع من أجل خلاصنا فترة من الزمن بحيث صار أقلّ من الملائكة، قد تمجّد الآن فسما عليهم، ونال اسمًا يتفوّق على أسمائهم. نحن هنا أمام أحداث من التاريخ مع اتضاع المسيح وموته وتمجيده.
فالاسم الذي يميّز المسيح عن الملائكة ويرفعه فوقهم، هو اسم الابن. هو ينال الامتياز والسلطة. أما الملائكة فخدّام في الملكوت. في هذا قال اثناسيوس في عظاته ضد الاريوسيين: ((هنا وفي الرسالة، تُنسب لفظة "أعظم" إلى الرب فتدلّ على أنه أفضل من المخلوقات ويختلف عنها. فذبيحته، ورجاؤنا به، والمواعيد التي صارت لنا به، هي أفضل. لسنا هنا أمام درجات، بل أمام كيان من نظام مختلف. بما أنه جعل كل هذا لنا، فهو أعظم من كل مخلوق)).
ولكن لماذا المقابلة بين المسيح والملائكة؟ بسبب الأشخاص الذين يتوجّه إليهم صاحب الرسالة: جعلوا الملائكة يزاحمون المسيح. هل نستطيع أن نكتشف طبيعة هذا التعليم الذي رآه الكاتب خطرًا بسبب الضلال الذي يحمله؟ هنا نعود إلى بولس حين كتب إلى أهل كولسي الذين شدّدوا على عبادة الملائكة (كو2: 18). نحن أمام اعتقاد بقدرة عناصر روحيّة (كو 2: 8 ،20) وكلام عن الطعام والشراب (2: 16)، في خطّ عب 13: 9 مع كلام عن الأطعمة التي لا يمكن أن تحلّ محلّ النعمة. هذا ما يجعلنا في عالم الغنوصيّين. أترى تأثر ((العبرانيون)) الذين يكتب إليهم بولس بالتعليم الغنوصي؟ ربما. ولكن لا ننسى أيضًا الدور الكبير الذي أسنده العالم اليهودي إلى الملائكة الذين حملوا الشريعة والوصايا إلى العالم (غل 3: 19).

خاتمة
ما قدّمت لنا هذه الآيات، هو مدخل إلى تاريخ الوحي والخلاص مركزه المسيح الذي يرتبط بعلاقات سامية مع الآب. ويتدخّل في خلق العالم. وينال مكانة مميّزة ونهائيّة في الوحي. ويطهّر البشر من خطاياهم. هذه الوجهات المختلفة في كيانه، والحقبات والمتنوّعة في دوره الكونيّ والتاريخيّ، سيتوسّع فيها الكاتب على مدّ رسالته في ما يلي. يبدو المسيح تجاه البشر بصفات نبيّ يتكلّم باسم الله. وبصفات ملك سماويّ يجلس عن يمين الله. وبصفات كاهن يتمّ العمل الهنوتي الأسمى الذي هو غفران الخطايا يتمّ العمل الكهنوتيّ الاسمى الذي هو غفران الخطايا. 
الفصل الثالث 
الابن المتأنّس أعظم من الملائكة
1: 5 – 2: 18

هذا الموضوع الأول في عب، الذي هيّأنا له 1: 4 (أعظم من الملائكة)، يوضحه الكاتب في آ 5 بحسب قاعدة التسلسل التي سنكتشفها في الرسالة كلها. هذا القسم لا يضيف شيئًا إلى كرامة الابن الشخصيّة، بل يوضح تفوّق دوره في الخلق وتدبير الخلاص. فبعد البرهان الكتابي (1: 5- 14)، يأتي تحريض يحثّ المؤمنين على الطاعة لكلام المسيح (2: 1- 4). إن الذين عصوا الشريعة التي حملها الملائكة عوقبوا عقابًا قاسيًا، فما يكون مصيرنا إن نحن كنا خائنين للانجيل الذي لم يحمله الملائكة، بل ابن الله. ويرد اعتراضٌ حول تفوّق الابن على الملائكة: أما يتعارض اتضاع المسيح مع ارتفاعه؟ وجاء الجواب: إن السلطان الشامل الذي وُعد به المسيح لم يتحقّق خلال حياته على الأرض. فوجب عليه أن يمّر في الاتضاع قبل أن يصل إلى المجد. ووجب عليه أن يصير شبيهًا بالبشر ليكون الحبر الامين والرحيم الذي يكفّر عن الخطايا فيحمل إلينا الخلاص (2: 5- 18)

1- الابن يتفوّق على الملائكة (1: 5- 14)
نجد في هذا المقطع الأول عددًا من الاستشهادات الكتابيّة التي يقدّمها صاحب الرسالة ليتوسّع في طرحه ويبرهن عنه. وعلى كل هذه النصوص أن توضح مضمون الاسم الذي ورثه المسيح، وتُبرز تفوّقه على اسم الملائكة (1: 4). فما هو الترتيب الذي نجده في هذه الايرادات؟ في الواقع عاد الكاتب إلى نهج بسيط جدًا ليدلّ على مراحل ثلاث في عرضه: استعاد ثلاث مرات عبارة بها يقدّم استشهاده مع اختلافات طفيفة.
نقرأ في البداية: ((فلمن من الملائكة قال (صيغة الاحتمال) قطّ)) (1: 5)
وقبل المرحلة المركزيّة: ((وأما عن الملائكة فقال... (صيغة الحاضر) (1: 7)
وقبل النهاية: ((فلمن من الملائكة قال (صيغة الكامل) قط)) (آ 13).
وكل عبارة من هذه العبارات تبدأ بمقابلة بين المسيح والملائكة. تبدأ المقابلة الأولى بإيرادين يشيران إلى المسيح، وتنتهي بايراد ثالث يشير إلى الملائكة. نقرأ في 1: 5:
((فلمن من الملائكة قال قط:
أنت ابني،
أنا اليوم ولدتك.
وأيضًا:
أنا أكون له أبًا
وهو يكون لي أبنًا)).
وفي 1: 6:
((ولكن عندما يدخل البكر من جديد إلى العالم يقول:
لتسجد له جميع ملائكة الله)).
نلاحظ العناية التي بها رتّب الكاتب نصّه. يتضمّن قسمين متقابلين مع الاداة ((دي)) (لكن). الأول (آ 5) يعظّم ذلك الذي نال اسم الابن. والثاني (آ 6) يحطّ أمامه الملائكة. ترتّب الايرادان في آ 5 فشكّلا توازيًا متداورًا ( أ.ب. ب ب. أ أ). تتكلّم الجملة الأولى والجملة الاخيرة عن البنوّة، والثانية والثالثة عن الأبوّة. كما نلاحظ أن عناصر الجملتين الثانية والثالثة تتقابل في سلسلة متوازية: أنا ولدتك... أنا أكون أبًا. أما الجملتان الأولى والأخيرة فتردان في سلسلة متداورة: ابني (أنا) تكون أنت... ابنا لي يكون هو. فينتج عن ذلك أن الابن يحيط بشكل إطار، بهذه المجموعة الأولى من الاستشهادات. هو الكلمة الأولى والاخيرة.
والتضمين الجزئي حول اسم الابن يدخل في تضمين إجماليّ يستعمل اسم الملائكة. وإذ أراد الكاتب أن يحصل على هذا التضمين الأخير لجأ إلى حيلة: أدخل استشهاداته الاولى بواسطة استفهام بلاغيّ يتطلّلب جوابًا سلبيًا. وهكذا أسبق النصوص التي تدلّ على الابن بعبارة تتكلّم عن الملائكة (1: 5). ظلّ مهتمًا بالتوازي، وعامل الجزء الثاني من النصّ معاملة مشابهة: وهكذا جاء النصّ الذي يعني الملائكة بعبارة تتحدّث عن الابن (البكر 10: 6)
في آ 7 عادت لفظة الملائكة بشكل لفظ عاكف. وجاء التعارض الثاني بارزًا بفضل اداتين: مان، دي: 
1:7 وفيما يخصّ (كاي بروس مان) الملائكة يقول:
صنع ملائكته أرواحًا (أو: رياحًا).
وخدّامه لهيب نار.
1: 8 وأما فيما يخصّ (بروس دي) الابن:
عرشك يا الله، إلى أبد الأبد
و
صولجان الاستقامة صولجان ملكك.
1: 9 أحببتَ البرّ وابغضت الاثم،
لذلك مسحك الهك يا الله
بزيت بهجة دون رفقاتك
1: 10 و
أنت يا رب، في البدء، أسّست الأرض
والسماوات هي صنع يديك
1: 11 هي تزول وأنت تبقى
وكلّها تعتق كالثوب
1: 12 تطويها كالرداء
وكالثوب تتبدّل
أما أنت فعلى الدوام أنت، وسنوّك لن تنقضي.
جاء الترتيب هنا معاكسًا كما في 1: 5- 6: أولاً الاستشهاد الذي يشير إلى الملائكة. ثم الاستشهادات التي تنطبق على الابن. ويأتي الاستشهاد عن الملائكة في عبارتين متوازيتين يجد فيهما الكاتب تأكيدًا لوضع الملائكة الخاضعين: ملائكته (أ) أرواح (ب)
خدّامه (أأ) لهيب نار (ب ب).
انطبق الايراد الأول على الابن (مز 45: 7- 8)، فأعطاه لقب الله في البداية وفي النهاية: عرشك، يا الله (1: 8)... مسحك، يا الله (1: 8)... مسحك يا الله (1: 9). هيّأت هذه التسمية عباراتٌ احتفاليّة في مطلع الرسالة (بهاء مجده وصورة جوهره). كما هيّأها اللفظ الأخير في التعارض السابق. إذا وجب على ملائكة الله (1: 6) أن يسجدوا أمام البكر، فلأنه يقاسم الله ذاته كرامته. وانضمّ إلى لقب الله كلام عن الملك (عرشك... صولجان ملكك)، وكلام عن مسحة عجيبة نالها بعد أن عمل ضد الاثم. فالشطران اللذان يتحدّثان عن بغض الاثم هذا، يقعان في قلب هذه القسمة الثانية التي هي بدورها في قلب المقطع كله (1: 5- 14). فإن بحثنا عمّا يقابله في المطلع، وجدناه في ((الجملة المركزيّة)) الثانية: ((بعد أن طهّرنا من خطايانا، جلس عن يمين الجلال)) (1: 3). هذا التقابل لا يلفت النظر، كما لا يلفت النظر موقعُ الجملة في المقطع. ولكن أما نلاحظ أن الكاتب أقحم ((كاي)) (حرف العطف الواو) في نصّ الاستشهاد قبل ((صولجان استقامة)) لكي يُبرز الجملة إبرازًا.
والايراد الثاني الذي ينطبق على الابن (مز 102: 26- 28) يمنحه لقبًا إلهيًا، لقب الرب. وينسب إليه الخلق. ((أنت يا رب، في البدء، أسّست الأرض)). نجد هنا أيضًا ما قيل في 1: 2، 3: الذي به أنشأ العالم (الدهور). الذي يحمل كل شيء بكلمة قدرته (كلمته القديرة). وتواصلُ الآيتان التاليتان (آ 11-12) إيراد المزمور، فتقابلان بين الخالق الباقي والخليقة العابرة التي صارت نهايتُها قريبة. وهكذا نعود إلى بداية ما قيل في الايراد السابق: عرشك، يا الله، إلى أبد الابد. وهذه الاشارة تنفصل عمّا تبقى بواو (كاي) العطف. وهكذا يبدأ التوسّع الثاني عن الابن وينتهي بإعلان أزليّته.
في نص مز 102 ،كرّر الكاتب أيضًا في آ 12 ((كالثوب)) (هوس هيماتيون). لماذا فعل ما فعل؟ لكي يكون التوازي تامًا. فالمزمور، في اليونانية، يقابل الشطرين الأولين مع الشطر الأخير:
ولكنها كالثوب تعتق،
وكالرداء تلفّها فتتبدّل.
أما أنت فأنت، وسنوّك لا تنقضي.
تركت عب هذا الترتيب وفضّلت عليها توازيين اثنين:
أ - الخلائق: وكلها كالثوب تعتق
ب - الخالق: وكرداء تلفّها (أنت)
أأ - الخلائق: كالثوب أيضًا تتبدّل
ب ب - الخالق: أما أنت فأنت، وسنوّك لا تنقضي.
بعد ذلك - تأتي المقابلة الثالثة بشكل طرح معاكس، بدون انتقالة:
1: 13 فلمن من الملائكة قال قط:
إجلس عن يميني
حتى أجعل أعداءك موطئًا لقدميك؟
1:14 أوليسوا جميعهم أرواحًا خادمة تُرسَل للخدمة من أجل المزمعين أن يرثوا الخلاص؟
ترتبط هاتان الجملتان الاستفهاميتان بالقسمة السابقة (1: 7- 12). وآية مز ،110 إجلس عن يميني (1: 13)، تشير إلى العرش الالهيّ الذي ذُكر في آ 8. والوصف المعطى للملائكة الذين هم ارواح مكلّفون بالخدمة، يستغلّ ايراد آ 7: ((جعل ملائكته ارواحًا وخدّامه لهيب نار)). غير أن هذه النهاية تجعلنا نفكّر بالقسمة الأولى (1: 5- 6): هي موجزة مثلها وتستعيد ترتيبها (المسيح أولاً ثم الملائكة). وتبدأ بالطريقة عينها. ففي الحالين نجد استفهامًا بلاغيًا يبدأ آية مزمور الجلوس على العرش:
فلمن من الملائكة قال قط:
انت ابني (1: 5؛ رج مز 2: 7)
ولكن لمن من الملائكة قال قط:
إجلس عن يميني (1: 13؛ رج مز 110: 1).
بفضل هذا التشابه في البناء، توازى المزموران. قرّب الكاتب بينهما، وكان لهذا التقارب أهميّته. فقد هيّأ له منذ المطلع، فأكّد في العبارة الأولى المركزيّة أن الله كلّمنا في ابن (1: 2؛ رج مز 2: 7)، وفي الثانية أن هذا الابن جلس عن يمين الجلال (1: 3؛ رج مز 110: 1) ما هو هدفه؟ هذا ما لا نفهمه الآن. ولكننا نفهمه فيما بعد حين يرد المزموران، الواحدُ بعد الآخر. حينئذ نلاحظ أن الكاتب يجعل من هذا التقارب أساسًا يبني عليه طرحه الرئيسيّ.
إن التشابه بين 1: 13- 14 و1: 5- 6 يشكّل تضمينًا يدلّ على نهاية المقطع. ولكن دور هاتين الآيتين (آ 13- 14) لا يتوقّف هنا: فهما تهّيئان أيضًا المقطعين التاليين: فعبارة ((أرسلوا من أجل المزمعين أن يرثوا الخلاص)) (1: 14) تُدخلنا في المقطع الثاني (2: 1- 4) الذي هو نداء بأن لا نهمل الخلاص (2: 3). ويُعلن المقطع الثالث هو أيضًا: فالسّطر الأول من الايراد يتحدّث عن وضع تحت القدمين، وهي صورة تعود بإلحاح في 2: 5-8. وهكذا يلعب هذا التعارض الثالث والأخير بين الابن والملائكة، دورين: دور الخاتمة لما سبق والانتقالة لما يلي.

2 - كلام إرشاد (2: 1-4)
بعد المقطع الأول (1: 5- 14)، ها هو المقطع الثاني (2: 1- 4). استخرج الكاتب من تفوّق المسيح على الملائكة، الذي تكلّم عنه، نتيجة عمليّة: طلب طاعة وانتباهًا بالنسبة إلى البلاغ المسيحي. فعبّر عن هذا الاستنتاج في فكرة بسيطة ومباشرة:
2: 1 فلذلك يجب علينا أن نتمسّك (نتنبّه) بما سمعناه أشدّ التمسك لئلاّ نزيغ.
ثمَّ، يشرح في جملة طويلة كيف يرى العلاقة المنطقيّة مع ((لذلك)). بعد قول يشير إلى الملائكة، نقرأ قولاً يشير إلى الربّ كما في المقطع الأول: 1: 5-6 ،المسيح والملائكة؛ في 1: 7-12، الملائكة والمسيح؛ في 1: 13-14 ،المسيح والملائكة؛ في 2: 1-4، الملائكة والمسيح.
يتكوّن القول الأول من عبارتين معطوفتين، ترتّبتا بشكل متواز:
2: 2 فإن كانت الكلمة التي نطق بها بالانبياء (أ)
قد ثبتت، (ب)
وكل تعدّ ومعصية (أأ)
قد نال جزاء عادلاً (ب ب).
تتقابل أ مع أأ،وب مع ب ب، على المستوى الغراماطيقي (في أ وأأ: الفاعل.في ب و ب ب: الفعل) كما على مستوى المعنى (الكلمة - التعدّي؛ الثبوت والجزاء).
ويتكوّن القول الثاني من عبارتين تخضع الواحدة للأخرى بشكل تواز متداور: 
2: 3 فكيف نُفلتُ نحن (ب ب)
إن أهملنا خلاصًا مثل هذا (أأ)
قد نطق به الرب أولاً (أ)
ثم ثبّته لنا الذين سمعوه (ب).
تتقابل ب ب مع ب، وأأ مع أ على المستوى الغراماطيقي ( ب ب و ب: فعل يتصرّف؛ أأ وأ: اسم الفاعل) كما على مستوى المعنى (أفلت، ثبت؛ خلاص يُهمَل، خلاص يُعلن).
وتتوسّع الجملة حتى تصل إلى نهايتها: جاءت أ وب أوسع من الشطرين السابقين، وزيد على ب مضاف مطلق:
2: 4 والله يؤيّد شهادتهم بالآيات والعجائب وشتّى المعجزات وبتوزيع مواهب الروح القدس حسب مشيئته
نجد علاقات وثيقة بين القول الأول والقول الثاني. فكل شطر في قول يقابل شطرًا في القول الآخر. فنظرة سريعة تجعلنا نلاحظ أن الشطرين المركزيين برزا في دائرة (أأ، ب ب، ب ب، أأ) والشطرين الخارجيين في تواز (أ ب... ب أ). وإذا نظرنا إلى توالي الالفاظ نلاحظ توازيها المتداور.
ثبّته
لنا لنا
سمعناه الذين سمعوه
بالملائكة بالرب
نطقوا نطق
بالكلمة خلاصًا
ثبتت
تعدّ مهملين
نفلت نفلت (آ 3)
كيف نحن. 
الاستثناء الوحيد هو موضع ((ثبت)). جعل الكاتب الفعل ((بابايوتي)) (آ 3) في النهاية بسبب أهمّيته. فدرجة الاهتمام المطلوب تقاس بقوّة الوصيّة. ولكي نبرّر الظرف ((ياريسوتيروس)) (أشدّ التمسّك) في 2: 1 ،يجب أن نهتمّ لفعل ((ثبت)) في القول الثاني أكثر منه في القول الأول (بابايوس). ونلاحظ التوازي في مختلف العناصر. من جهة قول إيجابي: نال جزءًا عدلاً. ومن جهة ثانية، استفهام بلاغي: كيف نفلت. هنا نجد اسمين: تعدّ ومعصية. وهناك اسم فاعل: مهملين. وقد حلّ محل ((لوغوس)) في الشطر الثاني ((سوتيريا)) (الخلاص) الذي استعمل في نهاية 1: 14 ليهيِّيء هذا المقطع الثاني (2: 1- 4). برز لفظ ((الخلاص)) بعد أن أعلن مع صيغة التعجّب ((تيليكاوتيس)) (مثل هذا) وشُرح في جملة موصولية. لسنا فقط أمام تبديل في الألفاظ. بل تبديل في التدبير (اويكونوميا). لم يكتف الربّ بأن يحمل كلمة (لوغوس)، بل جاء بالخلاص (سوتيريا).
ولكن، بما أن هذا المقطع هو نداء إلى الانتباه، فقد ضمّ الكاتب فعل نطق (لالايستاي) إلى ((سوتيريا)) وإلى ((لوغوس)). وهكذا ربط إرشاده بالجملة الأولى في المطلع (لاليساس... إلاليسن 1: 1- 2). ويبرز اختلاف. في المطلع هناك تواز بين الانبياء والابن . وهنا التوازي يشير إلى الملائكة (أنغالون) والرب (كيريو). في 1: 1-2 ،كان تواز بين العبارة الاولى والعبارة الاخيرة. وفي هذا المقطع (2: 1- 4) نجد رباطًا منطقيًا في أساس هذا التوازي: لقد مرّ وحيُ العهد القديم بواسطة الملائكة. وهكذا نفهم لماذا اختار الكاتب الكرامة الملائكيّة في 1: 4 ،ليقابلها بكرامة الابن.

3 - طريق المجد (2: 5-8)
يتمّ الانتقال من المقطع الثاني إلى المقطع الثالث بواسطة الأداة ((غار)) (الفاء). لقد استعمل الكاتب حرف العطف هذا لينتقل من فكرة الثبات (والمتانة، بابايوس)، إلى فكرة ((السيادة)) (كيريوس، الرب). فالكلمة التي جاءت إلى البشر بواسطة الملائكة أضعف من الخلاص الذي يحمله الربّ: فالله لم يُخضع الخليقة الجديدة للملائكة.
إن فعل ((هيباتاكسن)) (أخضع، رتّب تحت) يجعلنا في منظور مز 110 الذي ورد في نهاية المقطع السابق (1: 13). وعبارة ((العالم الآتي الذي كلامنا فيه)) تعيدنا إلى القسمة الأولى في المقطع الأول (1: 6). وهكذا نلاحظ مرّة أخرى اهتمام الكاتب بتأمين التماسك في توسيعه لفكرته. فبفضل إيراد المزمور الذي منه أخذ ((هيباتاكسن))، سيساعدنا هذا الفعلُ على ادخال تأكيد كله مفارقة، في توسّع حول تفوّق المسيح: فالاسم الذي يجعل المسيح فوق الملائكة، يتضمّن اتضاعًا تحت الملائكة. ويتمّ إدخال هذه المفارقة بلباقة كبيرة: لا ينسى الكاتب لحظة واحدة منظاره الخاص وهو تفوّق المسيح. والاشارة إلى الاتضاع والألم لا تسيطر سيطرة تامة، بل تأتي بشكل صورة فوق صورة. من هنا، نجد في بنية المقطع سلاسة لم نعتد عليها.
هناك تضمين يدلّ على حدود المجموعة. وهو لا يترك خارجها إلا الآيات التي تُعلن موضوعَ القسم الثاني. فأولى كلمات المقطع (2: 5: فإنه ليس للملائكة) تجد جوابًا في كلمات آ 16: ((لم يأت لإغاثة الملائكة)). واللفظ الذي يلي ذكر الملائكة يتضمّن هو أيضًا قسمة أولى:
ليس للملائكة أخضع العالم الآتي (2: 5)... لم يترك شيئًا غير خاضع له (أنيبوتكتون، 2: 8).
هذه القسمة الأولى تتضمن إيراد مز 8 الذي يتحدّث عن أتّضاع تجاه (تحت) الملائكة:
2: 5 ليس للملائكة أخضع العالم الآتي الذي كلامنا فيه.
2: 6 فلقد شهد واحد في موضع ما قائلاً
ما الانسان حتى تذكره
أو ابن الانسان حتى تنظر إليه؟
2: 7 خفّضته حينًا (قليلاً) عن الملائكة (أ)
بالمجد والكرامة كلّلته (ب)
2: 8 أخضعت كل شيء تحت قدميه (ج)
فإذ أخضع له كل شيء، لم يترك شيئًا غير خاضع له.
حين قدّم الكاتب الايراد الكتابي، ظلّ في خطّ المقطع الأول: اهتمّ فقط بما يشير إلى كرامة المسيح الذي أخضع له الله كل شيء:
2: 8 في الواقع، لا نرى بعد
كل شيء مخضعًا له (=ج)
2: 9 أما الذي خفِّض حينًا (قليلاً) عن الملائكة (=أ)
يسوع، نراه،
بعد أن قاسى الموت،
بالمجد والكرامة قليلاً (=ب)
بحيث ذاق الموت لفائدة كل انسان، بنعمة الله.
كانت اختلافات على مستوى الاسلوب، حين استعادة العناصر الثلاثة في النصّ الوارد. ثم إن كل عنصر من هذه العناصر قد رافقه شرح قصير. وظلّ المنطور هو هو: منظور المجد. فالجملة تجد ذروتها في العبارة التالية: نراه مكللاً بالمجد والكرامة. ويُذكر ذكرًا واضحًا الألم والموت في ارتباطهما بالمجد: بقربهما ظهر اسمُ يسوع للمرّة الأولى في الرسالة. ولكن الكاتب امتنع من التلفظ بالاسم حتى الآن ليضمَّه ضمًا وثيقًا إلى طريق الاتضاع والألم التي قادته إلى الظفر. 
ويسعى الكاتب في ولْي المقطع بأن يتوسّع في حواش زادها على آيات المزمور. ولكنه لا يوزّع الاشارات الأدبيّة الواضحة في بنية نصه. وبدلاً من أن يكرّر لفظ ((تيوس)) (الله) في 2: 9 بجعله لفظًا عاكفًا، نراه يُحلّ محلَّه في 2: 10 عبارة طويلة: ((ذاك الذي كل شيء لأجله، وكل شيء به)). لقد تحوّل ((بنتوس)) (كل) إلى ((ابناء كثيرين)) (بولوس هيوس). وعاد لفظ ((دوكسا)) (مجد). غير أن العلاقة بين الاستعمالين ليست وثيقة: في 2: 9 نقرأ عبارة مزدوجة ((المجد والكرامة)). في 2: 10 ،نقرأ فقط المجد. في 2: 9 ،نحن أمام المسيح مع التمجيد الذي سبق وناله. في 2: 10 ،نحن أمام أبناء كثيرين وتمجيد آت.
ومع ذلك، يتواصل البرهان بترتيب منهجيّ. تستعيد آ 10بشكل آخر ما قيل في الجملة السابقة (2:9) فتقدّم الطرح:
2: 10 أجل، كان لائقًا بالذي كل شيء لأجله، وكل شيء به،
المورد إلى المجد أبناء كثيرين،
أن يجعل قائد خلاصهم كاملاً، بالآلام.
نقرأ ((تالايوساي)) الذي يعني أتمّ. ترجمناه: جعل كاملاً (منح الكمال). ولفظ ((ارخيغوس)) الذي يعني: المبدئ، الرئيس، القائد.
في مرحلة أولى توسّعت آ 11- 13 في فكرة التضامن التي اجتذبتها آ 10 مع عبارة ((قائد خلاصهم)):
2: 11 لأن المقدِّس والمقدَّسين كلهم من أصل واحد.
لهذه العلّة لا يستحي أن يدعوهم إخوة، إذ يقول:
2: 12 سأبشّر باسمك اخوتي
وفي وسط الجماعة أسبّحك.
2: 13 وأيضًا:
أما أنا فأتوكّل عليك.
وأيضًا:
ها أنا والاولاد الذين أعطانيهم الله.
هناك علاقات واضحة بين نهاية 2: 13 وبداية 2: 10: فاللفظ الاخير (الله) في 2: 13 يقابل العبارة الأولى في 2:10 (كل شيء لأجله). ((بايديا)) (الاولاد) تقابل ((هيوس)) (الابناء). وتشير عبارة ((ها أنا والاولاد)) إلى ((قائد)) (ارخيغوس). غير أننا لا نجد علاقات واضحة على مستوى الشكل الأدبي.
في مرحلة ثانية، تشرح آ 14، 15 ضرورة الكمال بالآلام (2: 10)، فتصل بمتطلّبة التضامن حتّى الموت. فلفظ ((تاناتوس)) (الموت) الذي يتكرّر مرتين في آ 9 (ولكنه لا يرد في آ 01-13) يعود ثلاث مرات في آ 14-15، أما اللفظ الذي يربط آ 11-13 مع آ 14-15 فهو ((بايديا)) (أولاد). وهكذا انطبعت الجملة من أولها إلى آخرها بنوعين من التوازي ونوعين من التقارب: 
2: 14 إذن فبما أن الأولاد (أ)
يشاركون في الدم واللحم (ب)، تواز
فهو أيضًا كذلك (أأ) اشترك في هذه الاشياء عينها (ب ب)، تشابه.
لكي بالموت (ج)
يبيد (ينتزع قوّة) (د) تواز
من كان له سلطان (د د)
الموت (ج ج).
وترد معترضة تجعلنا نرتاح بعض الشيء:
أعني إبليس.
ويتتابع النصّ كما في الترتيب السابق:
2: 15 ويُعتق أولئك (هـ)
الذين، خوفًا من الموت (و)، تواز
خلال الحياة كلها (وو)
كانوا خاضعين للعبوديّة (هـ هـ)، نقائض.
تعود نهاية هذه الآيات إلى عناصر قرأناها في 2: 10 وما وجدت لها مكانًا في آ 11-13: يستعيد ((أعتق)) فكرة الخلاص. ويشير الموت إلى الآلام. وتعارض العبوديةُ المجد.
وتأتي آ 16 فتختتم مجموعة بدأت في 2: 10:
2: 16 فإنه لم يأت لإغاثة الملائكة
بل لإغاثة نسل ابراهيم.
الاغاثة هي تعبير واضح عن التضامن الذي يفرضه دور القائد (ارخيغوس). ونستطيع أن نقول أيضًا: الاهتمام بنسل ابراهيم. وإذا تذكّرنا تك 13-22 (13: 16؛ 15: 5؛ 17: 4-6؛ 22: 17) نرى أن ((نسل ابراهيم)) يقابل ((الابناء الكثيرين)). ولكننا لا نستطيع أن نتحدّث عن تضمين حقيقيّ بين 2: 16 و2: 10. غير أن هناك تضمينًا بين 2: 16و2: 5: فالإشارة الأخيرة إلى ((الملائكة)) هنا، جاءت بشكل مصطنع، فتوخّت أن تذكّرنا ببداية المقطع (2: 5)، بل ببداية القسم الأول كله (1: 5)، وتنبّه القارئ إلى أن التوسيع حول اسم المسيح الذي يختلف كل الاختلاف عن اسم الملائكة (آ:4)، قد وصل إلى النهاية.
وفي النهاية نقرأ جملتين تعلنان القسم الثاني:
2: 17 ومن ثمّ كان لا بدّ له أن يكون في كل شيء شبيهًا بإخوته.
لكي يكون رحيمًا
وحبرًا أمينًا فيما هو لله
ليكفّر خطايا الشعب.
2: 18 إذ إنه، هو نفسه، تألّم وابتلي (صيغة الاحتمال)،
صار في طاقته أن يُغيث (صيغة الحاضر) المبتلين.
بما أن هاتين الايتين لا تدخلان في التضمين، نظنّ أن لا علاقة بين مضمونهما والطرح السابق. ولكن هذا عين الخطأ: فهما يقعان في امتداد ما قيل من قبل: هناك الألفاظ عينها. وهناك الألفاظ المترادفة. مثلاً، ((اوفيلان)) تعكس ((ابرابان)) في 2: 10 (كان لائقًا). يعود ((الاخوة)) إلى 2: 12. ويقابل ((شبيهًا)) ما في 2: 14 (مشتركون). ((تألّم)) يقابل ((الآلام)) في 2: 10، والألم في 2: 9. ((يغيث)) يشير إلى ((يعتق)) في 2: 15، وإلى ((الخلاص)) في 2: 3 و1: 14.
نجد هنا أيضًا عددًا من الألفاظ التي تقدمّ تفاصيل جديدة ستكون موضوع التوسّعات الآتية. هي ما جاءت عن طريق الصدفة، بل هُيِّئت لها الطريق. هناك لفظ ((أمين)) (بستوس) هيّأه 2: 13: أتوكّل عليه. وأضاء عليه ((الثبات)) المرتبط بتدبير الخلاص الذي أعدّه المسيح (2: 3-4)، وما قيل في المقطع الأول عن علاقة المسيح بأبيه. فالأمين في العهد القديم هو الذي يثبت في اتحاده بالله، ويشارك الله في ثباته (رج لفظ ((أمين)) في العربية). والصفة الثانية (رحيم) ترتبط ارتباطًا واضحًا بما سبق، فتلخّص المقطع الثالث (2: 5ي) وتوضح نوعيّة التضامن الذي يوحّد يسوع بإخوته (2: 12)، وهم الأبناء الذي سلّمهم الله اليه (1: 13-14). ويترافق ((رحيم)) مع ((شبيه)) تألم، أغاث. ثم إن الكاتب شدّد على أن الألم يحتاج إلى إغاثة في وجهته كمحنة أو تجربة، وأشار إلى الخلاص المعطى بفضل عبارة ((كفّر خطايا الشعب)). هذا العبارة الاخيرة تساعدنا على أن نفهم ما أراد الكاتب أن يقوله في 2: 14 (لكي يبيد ... أي إبليس) وفي 1: 9 (أبغضت الاثم)، فتعود بنا إلى ما قرأناه في المطلع: ((طهّرَنا من خطايانا)) (1: 7).
والموصوف الذي يلي الصفتين (أمين، رحيم) يشكّل الجديد الجديد في هذه الخاتمة الانتقالية. نسب الكاتب للمرة الأولى إلى يسوع صفة حبر (عظيم كهنة). من الواضح أن ما قاله حتى الآن، لا يكفي حقًا لكي يؤسِّس هذا الاعلان أو ليوضحه: لهذا سيعود إليه مطوّلأ. ولكن من الواضح أيضًا أن الكاتب فكّر فيه منذ البدء وهيّأه. وجاءت الصفتان (أمين ورحيم) فعبّرتا عن سمتين أساسيتين في الكهنوت (علاقة بالله، علاقة بالبشر). فإن كانتا ترتبطان ارتباطًا وثيقًا بما سبق، فهذا يعني أن التأكيد على كهنوت المسيح لم يأت فجأة. في 2: 10 جاء فعل ((تالايوماي)) (كمّل) في نهاية جملة مع ((ابرابان)) (كان لائقًا). وكان ((أرخياروس)) (الحبر) نهاية جملة مع ((أوفيلان)) (لا بدَّ). فالكاتب سيجعل في فعل ((تالايوو)) معنى كرّس (رسم كاهنًا) في خط البنتاتوكس (وضع الايدي، تالايوو تاس خايراس).
وهذا ما يقودنا إلى الظنّ بأن الكاتب يعتبر تسمية الحبر تعبيرًا يميّز بشكل خاص كرامة المسيح. لهذا استعملها لكي يتوّج هذا القسم الأول الذي موضوعه: اسم فوق اسم الملائكة (1: 4). ولكن عليه أن يتوسّع في هذا المضمون: هذا سيكون برنامج الأقسام التالية.
وأخيرًا، نقدّم ملاحظة إجمالية: ما انحصر القسم الأول في نقطة من النقاط، بل توسّع فيها كلها. لا شك في أن الكاتب لم يعامل كل نقطة كما عامل غيرها، بل توقّف بشكل خاص عند وجهة واحدة: تأكيد لكرامة المسيح وتفوّقه على الملائكة (1: 4). ولكن حين فعل هذا، لم يهمل ((كلمة الله)) (1: 1-2؛ رج 2: 1- 4)، ولا العلاقات بالخليقة (1: 2-3؛ رج 1: 10-12)، ولا العمل الفدائي (1: 3؛ رج 1: 9؛ 2: 10- 18) ونهايته في المجد (1: 3؛ رج 1: 13؛ 2: 9). وهكذا نكتشف اسلوب الكاتب: هو لا يقسم موضوعه أقسامًا يعود إليها بشكل منطقي. بل يجول في ((الحقل)) كله، ويلفت انتباهنا تارة إلى وجهة وطورًا إلى أخرى. وما رسمه هنا رسمة سريعة، يعمّقه هناك. وما توسّع فيه من قبل، يذكره في كلمة واحدة. نحن بعيدون عن منطق تعوّدنا عليه. ولكنّنا في الواقع مدعوّون لكي نخضع للحياة بما فيها من جديد دائم.
الفصل الرابع
ابن الله والملائكة
1: 5 - 14
بعد هذه النظرة الاجماليّة إلى القسم الأول (1: 5-2: 18)، نعود إلى المقطع الأول (1: 5-14) الذي يتحدّث عن ابن الله المتأنس: هو وسيط العهد الجديد وأعظم من الملائكة. فنقرأه في أربعة تعارضات. الأول، المسيح هو الابن. له تسجد الملائكة (1: 5-6). الثاني، الملائكة هم خدّام تجاه المسيح الملك (عرش أبدي) الذي مُسح فكان سيّدَ الكون في بدايته وفي نهايته (1: 7-12). والتعارض الثالث يُبرز المسيح الجالس عن يمين الله، ويتحدّث عن الملائكة الذين أرسلوا للخدمة (1: 13- 14). أمّا التعارض الرابع فنقرأه في المقطع الثاني (2: 1- 4) الذي سنعود إليه في فصل لاحق.
إن الطرح الذي أعلن في 1: 4 حول تفوّق المسيح على وسطاء العهد القديم، يُبرهَن عنه في سبعة استشهادات من العهد القديم (خمسة استشهادات من المزامير). فالتوراة هي كلام الله (آ ،5 ،6 ،7 13). واليهود اعتبروا أن الملائكة حملوا شريعة الله إليهم. فافتخروا. لهذا بيّن صاحب الرسالة تفوّق المسيح على هذه الكائنات السماويّة.
هذا ما تبيِّنه عب في ثلاثة تعارضات ذكرناها، وها نحن نقسم دراستنا ثلاثة أقسام.

1- المسيح هو الابن الذي تسجد له الملائكة (1: 5-6)

أ - تفسير الآيات
أولاً: أنت ابني (آ 5)
تبدأ الآية باستفهام بلاغيّ مع ((غار)) (إذن)، وتفترض جوابًا سلبيًا: لا، ما توجّه الله يومًا إلى ملاك بمثل هذا الكلام. ويأتي الاستشهاد الاول (مز 2: 7) حسب السبعينية، في مزمور نُسب إلى داود واعتُبر مسيحانيًا في معناه الحرفيّ (الله يقيم ملكه على الأرض). فالله جعل الملكَ المسيحَ، في يوم جلوسه على العرش، سيّدَ جميع الشعوب. نقرأ فعل ((آبيان)) (قال) وفاعله الله كما هو فاعل فعل ((ايساغوغي)) (أدخل، في آ 6): أنت ابني. أنا اليوم ولدتك. المسيح هو ابن يهوه وبالتالي وارث خيرات أبيه الذي هو ربّ الكون. ربط التقليد اليهودي هذا المزهور بداود أو بشعب اسرائيل، وبعض المرات بهارون. ولكنه ربطه بشكل خاص بالمسيح (مز سليمان 17: 23). أما التقليد المسيحي، فربطه بيسوع المسيح في علاقته الخاصة مع الله الآب (أع 4: 26 - 27؛ 13: 33؛ رؤ 2: 27؛ 12:5؛ 19: 15). رأى بعض الآباء (اوريجانس في تفسير يو 1:1 وأوغسطينس في مز 2: 7) في صيغة الكامل العبري تلميحًا إلى ولادة الابن الأزليّة. ولكن وجود ((اليوم)) (هـ.ي وم) يجعلنا في زمن تاريخيّ. أما بولس ففهم المزمور في خطّ قيامة المسيح (أع 13: 33؛ روم 1: 4). حسب التقليد الازائي، أعلن هذا الكلامُ في عماد يسوع (لو 3: 22) وفي تجلّيه على الجبل (لو 9: 35). حين تمجّد المسيحُ تفوّق على الملائكة. وإذ سمّى الله يسوع ابنه، ألبس بشريّتَه قدرتَه الخلاصيّة المجيدة.
ويبدأ الاستشهاد الثاني مع ((وأيضًا)) (كاي بالين. وع و د في العبرية. و ت و ب في الارامية، رج 2: 13؛ 4: 5؛ 10: 30؛ مت 4: 7؛ روم 15: 10- 12؛ 1 كور 3: 20). هو يؤكّد بنوّة المسيح الالهيّة، كما يُبرز تواصل علاقات المحبّة بين الآب والابن. رج 2 صم 7: 14 (1 أخ 17: 13؛ 28: 3). حسب المعنى الحرفي، تكلّم الله بفم ناتان إلى داود عن نسل بشريّ سيكون له أبًا (أب) وهو يكون لله ابنًا (ب ن). هناك سليمان في المعنى القريب. وفي المعنى البعيد، المسيح مع نسله الروحيّ. نشير إلى أن التقليد الرابيني لم يطبّق هذا القول على المسيح.
ثانيًا: يسوع البكر (آ 6)
تربط آ 6 ربطًا واضحًا المسيح بالملائكة. هناك كرامة الابن، ثم الملائكة في وضعهم الخاضع. نقرأ فعل ((أدخل)) الذي يدلّ على عودة المسيح في مجيئه (باروسيا). ولكن هذا لا ينفي أن يرتبط ((ايساغو)) بتجسّد الابن، بعد أن جاء فعل ((قال)) (لاغاي) في صيغة الحاضر. البكر (بروتوتوكوس) هو تسمية اللوغوس في فيلون. كما يعني الابن الحبيب. ولكن البكر هو في معنى أول ذاك المكرّس لله (خر 13: 2، 12-15؛ عد 3: 13؛ لو 2: 7)، والمخصّص لخدمته. إذن، ابن الله المتأنّس هو بحقّ رئيس المملكة المسيحانيّة. وبما أن ((بروتوتوكوس)) هو اسم المسيح القائم من الموت (روم 8: 29؛ كو 1: 18؛ رؤ1: 15)، استعمل بشكل مطلق. لا يقول الكاتب إن المسيح هو بكر الملائكة أو البشر، بل يعطيه لقبًا كريمًا، فيدلّ على علاقته الفريدة بالله، وعلى تفوّقه على جميع الخلائق.
بما أن يسوع يتمتّع بهذا السموّ، فلا يبقى للملائكة سوى السجود له كما يسجدون لله . رج مز 97: 7 الذي قيل في الاصل عن الله وتطبَّق هنا على المسيح. نشير أن النص العبريّ يقرأ: (( ب ن ي. إل و هـ ي م)) أبناء الله. فترجمت السبعينية: ((انغالوي))، أي الملائكة.

ب - قراءة إجمالية
((فلمن من الملائكة قال قط :أنت ابني. أنا اليوم والدتك)) (1: 5أ)
ثبّت الكاتب تفوّق المسيح على الملائكة في استشهادات سبعة تؤكّد بنوّته وسيادته. أجل، انطلق المسيحيون من نصوص العهد القديم، فدلّوا على ألوهيّة يسوع. وطبّقوا ما قيل عن الله، ولا سيّما في المزامير (45: 6-7، 102: 25ي)، على يسوع المسيح.
طُبّق هذا الاستشهاد (مز 2: 7) على يسوع الذي تجسّد من مريم العذراء، فقيل عنه في البشارة: ((يكون ابن العليّ)) (لو 1: 32). وناداه الصوت السماوي في بداية رسالته: ((أنت ابني، عنك رضيت)) (مر 1: 11 وز). كما طُبّق على يسوع في يوم قيامته. ((واليوم)) يعني القيامة كما يعني الصعود والتمجيد عن يمين الله.
نرى هنا أن شخصًا واحدًا قال له لله: أنت ابني. وهذا الابن هو يسوع المسيح. فكل بنوّة تجاه الله تتركّز على شخص المسيح. والمسيحيون هم أبناء باتّحادهم بالمسيح. لقد قبلهم الله، لأنهم اتحدوا بالمسيح الذي هو موضوع رضاه. فبنوّة يسوع هي بنوّتنا، وميراثه ميراثنا، وتمجيده تمجيدنا. 
((وأيضًا: أنا أكون له أبًا، وهو يكون لي ابنًا)) (1: 5ب)
ويأتي الاستشهاد الثاني فيوضح تفوّق المسيح على الملائكة. قيل لداود اولاً. ولكن الذين قيل فيهم، لم يكونوا على قدر المهتّمة. فصار القول وعدًا، وتطلّع الناس بشوق إلى تكملة هذا الوعد في ملك داود المسيحانيّ. رج أش 7: 14 في كلامه عن عمانوئيل (الهنا معنا)، وعن عرش داود الذي يدوم (9: 6ي)،وعن فرع يسّى الذي يحلّ عليه روح الربّ (11: 1ي). ونظر إرميا وحزقيال إلى إقامة مُلك الله بشكل عهد جديد يقيمه الله (إر 31: 1ي؛ حز 11: 14ي). في هذا المعنى قال إر 23: 5: ((ستأتي أيام يقول الربّ، أقيم من نسل داود ملكًا صالحًا، يملك ويكون حكيمًا ويُجري الحقّ والعدل في الأرض)) (رج 33: 14- 15).
إن انتظار الشعب العبري الذي تأسّس على وعد 2 صم 7: 12 ،ظل حيًا في القرن الأول المسيحي. هذا ما نراه في كتابات قمران. وسيقول صاحب عب إن هذا الوعد قد تمّ في مجيء يسوع الذي هو ابن الله وابن داود (روم 1: 3)، الذي هو ابن حق في أزليّته، وانسان حقّ بتجسّده. ولكن ليس من وعد أعطي للملائكة. فبنوّته هي فريدة، لا على مستوى كيانه الالهي فحسب، بل على مستوى التجسّد، لأنه الوسيط الذي قدّم نفسه لأجلنا، فقبل الله تقدمته حين أقامه من بين الأموات.
((وعندما يدخل البكر، من جديد إلى العالم، يقول: لتسجد له جميع ملائكة الله)) (1: 6) 
هو الاستشهاد الثالث للبرهان على تفوّق المسيح على الملائكة. كيف نفهم ((من جديد)). أو: ((نقول من جديد)) (مرّة أخرى أيضًا). أو ((يدخل أيضًا)). فإذا كان الخيار الأول، نكون أمام استشهاد جديد كما في 1: 5. وإذا أخذنا بالخيار الثاني، ارتبط الاستشهاد بمجيء المسيح الثاني إلى العالم، كما بتجسّده من البتول مريم.
فسّر الذهبي الفم هذا النصّ في إطار سرّ التجسد. أما ايرونيموس وغريغوريوس النيصي ففي إطار المجيء الثاني. أوردت عب هنا تث 32: 34 (نشيد موسى) كما في السبعينية. غير أننا نجد القول عينه في مز 97: 7. فالابن الوحيد هو البكر، وهو يأتي قبل الآخرين كلهم، سواء كانوا من الملائكة أو من البشر. هو يمتلك كل امتياز وكل كرامة. وهو مكرّس للربّ. هذا ما كان عليه يسوع المسيح الذي كرّس نفسه لخدمة أبيه فكان طعامه أن يعمل مشيئة الآب (يو 4: 34؛ 6: 38).

2 - الملائكة خدّام المسيح الملك (1: 7-12)
نصل هنا إلى التعارض الثاني في مقابلة ثانية بين المسيح وبين الملائكة الذين جُعلوا للخدمة تجاه الذي هو الرب.

أ - تفسير الآيات
أولاً: قول في الملائكة (آ 7)
في هذا الشقّ الثاني من البرهان، ننظر أولاً (بروس) إلى وظائف الملائكة من جهة، ووظيفة الابن من جهة أخرى. هو الملك وهم خدّامه الذين يرسلهم كالرياح (آ 7- 9). نقرأ الايراد الأول في مز 104: 4 الذي لا يحمل في الأصل العبري أيّ تلميح إلى الملائكة: التحف الربّ بالمجد والبهاء، فسار على أجنحة الريح، وجعل من العاصفة رسوله، ومن النار ولهيب البرق خدّامه. هذا يعني أن قوى الكون من ريح وعاصفة، تأتمر بأمر خالقها. هكذا فهم الرابينيون النصّ. ولكن الترجوم والسبعينية وعزرا الرابع (3/23: 3) اعتبروا أن الله خلق لنفسه مرسلين سريعين كالريح، وخدامًا حاريّن مثل لهيب النار، وذلك لما خلق الانسان من تراب الأرض. وهكذا نكون أمام وصف لطبيعة الملائكة الذين هم أدنى من الابن (الذي هو الله آ 8). نحن هنا أمام ظواهر كونيّة ترتبط بإعلان الشريعة على جبل سيناء مع الريح والنور. رج خر 3: 2؛ 2 مل 6: 17؛ عب 12: 18- 20. وسيقول المعلمون إن الملائكة خُلقوا من نهر نار (دا 7: 10؛ حجيجة، تلمود بابل 14أ): هم يُولدون كل صباح، ويعودون إلى نهر النار بعد أن يُسبِّحوا الله... هم يتبدّلون، أما الابن فأبديّ. خدمتهم (لايتورغوس) عابرة، ومُلك المسيح لا يزول.
ثانيًا: قول في الابن (آ 8-9)
نحن هنا أمام تعارض جذري. ((مان)) في آ 7. ((دي)) في آ 8. هم خدّام. أمّا المسيح فهو ملك وهو الله. جاءته الصفة الأولى من مز 45: 7- 8 الذي يُنشد زواج الملك، ويتّخذ معني مسيحانيًا حسب الترجوم وتقليد المعلّمين. نجد المنادى: تيوس، يا الله. سُمِّي الملوك آلهة في العالم القديم، لأن أصلهم سماويّ (مز 82: 1، 6). وكذلك سُمِّي الملك المسيح في أش 9: 5. ولكن عب فهمته بمعنى خاص (آ 3): فالمسيح ينعم بملك أزليّ. ((إلى أبد الأبد)). نجد هذه العبارة في السبعينية، لا في العهد الجديد. رج أف 3: 21.
ويتواصل إيراد مز 45: 7- 8 مع واو العطف (كاي)، فيؤكّد سموّ هذا الملك وصفات الملك المسيح: هذا المسيح يقيم البرّ والعدل (ربدوس، صولجان، هو علامة سلطة الله. رؤ 2: 27؛ 21: 5؛ 19: 15). فهو البار والمستقيم (اوتيتيتوس). لا نجد هذا اللفظ إلاّ هنا في العهد الجديد، وهو يدلّ على الصدق والعدل الاستقامة على المستوى الاخلاقي. كما يقابل ((ي ش ر)) العبري الذي يترافق مع ((ت م)) (التام، الكامل). بعد ذلك، تُذكر مسحة تبدو بشكل تكريس ملكيّ (1صم 10: 1؛ 16: 12- 13) أو تتويج (اش 61: 3)، لأنها تبدد جزاء لملك المسيح التام خلال حياته على الأرض (ديا توتو، لذلك. فل 2: 18؛ رؤ 3: 21). أما الزيت الذي تتمّ به هذه المسحة. فيسمّى ((زيت بهجة)) (أغالياسيوس): هو يرمز إلى السعادة والمجد اللذين ينعم بهما المسيح في السماء. نحن أمام تكريس مجيد، وتثبيت احتفالي في ملك يتجاوز كل ملك على مستوى السعادة والقدرة.
لا نستطيع أن نطبق هذه المسحة على الابن الأزلي، بل على طبيعة الكلمة البشرية. لا على مستوى الوحدة الجوهرية في التجسّد (كيرلس الاسكندراني)، ولا على مستوى حياة يسوع العامة (لو 4: 18؛ أع 10: 38)، بل على مستوى تمجيد المسيح في الصعود (1تم 3: 16). عندئذ تَعظَّم بين رفقائه، بل فوق (بارا مع النصب، رج آ 4؛ سي 15: 7) رفقائه (ماتوخوي، م. ح ب ر ك) الذين هم ملوك نالوا أيضًا المسحة الملكيّة. بل هم الخلائق الذين شاركهم في الطبيعة البشريّة (2: 9-11)، ثم أشركهم في مجده (3: 14).
نقرأ هنا مرتين ((تيوس)) مع التعريف. هل نترجم ((الله الذي هو إلهك)) (ال هـ ي م، ال هـ ي ك)؟ بل نجعل المنادى كما قال أكيلا: يا الله). هي المرة الوحيدة التي فيها يُسمّى الابن ((هو تيوس)) مع التعريف (في يو 1: 1 نجد ((تيوس)) بدون التعريف). لقد أرادت عب أن تُبرز ألوهيّة المسيح، فأعطته صفات إلهيّة (آ 2- 4)، وطبّقت على المسيح ما قيل عن الله (آ 6؛ تث 32: 43). والفكرة التي نستخلصها من المقابلة بين المسيح والملائكة، في هذا المقطع، هو أنه يتفوّق عليهم بالكرامة، بل هو ينتمي إلى نظام آخر هو نظام الالوهة. لهذا، سجد له الملائكة.
ثالثًا: الابن خالق الأرض والسماوات (آ 10-12)
إن آ 10- 12 هي إيراد مز 102: 26- 28 حسب السبعينيّة مع تعديلات بسيطة. قابل المرنّم بين الحياة البشريّة التي هي عابرة وسريعة العطب، وأزليّة الله. ثم أعلن أن الله وحده يبقى إلى الأبد. هو خالق السماء والأرض. إنه القدير الذي لا يتبدّل. وحين تُساوي عب الابن بالله (آ 3-5، 9)، فهي تطبّق على المسيح هذا الاعتراف بعظمة الله الأزلي. وهذا واضح من استعادة لفظ ((كيريي)) (أيها الربّ)، الذي نجده في السبعينيّة، لا في العبرية. فإن كيريوس، وهو اسم الهيّ، قد سهّل تطبيق هذا المزمور على المسيح، لأنه دلّ على المسيح في الكنيسة الأولى. إذن نفهم عن الابن، بحسب طبيعته الالهيّة، هذه الصفات التي تشير إلى قدرته وثباته وديمومته.
يُعلَن وجود يسوع منذ الأزل مع إشارة كرونولوجيّة (كات ارخاس، ل ف ن ي م، منذ زمان بعيد)، وديمومته مع ((ديامانايس)) (تبقى، في صيغة الحاضر) التي تقابل تطوّر الكون المستمرّ وتفكّكه: هذا الكون يشبه رداء يعتق فيحلّ محلّه آخر (8: 3؛ أش 51: 6؛ سي 14: 7). كانوا يعتبرون في الماضي أن النجوم في السماء ثابتة، والأرض سريعة العطب.كما كانوا يرون الملائكة يقيمون في السماء. فشدّدت عب على الطابع العابر للسماء، شأنها شأن الأرض. سيكون هناك سماوات جديدة وأرض جديدة (2 بط 3: 10- 13؛ رؤ 21: 1). ويتوقّف عمل الملائكة مع ظواهر الكون. ولكن عبر هذه التحوّلات والتقلّبات، يبقى المسيح هو هو (13: 8؛ رو 21: 13). وُجد قبل الخليقة، ويدوم بعدها. ((أنت هو)). رج تث 32: 39؛ أش 41: 4؛ 43: 10. أي أنت لا تتبدّل. هذا ما صار في اليونانية: إغو ايمي (يهوه).

ب - قراءة إجماليّة
((يقول عن الملائكة: صنع ملائكته رياحًا، وخّدامه لهيب نار)) (1: 7)
هذا الاستشهاد الرابع يعود إلى مز 104: 4 الذي يعني في الأصل أن الله يستعمل الرياح كمرسلين يرسلهم، ولهبَ النار كخدّام يخدمونه. هذا ما يتوافق مع سياق مباشر يتكلّم عن الله الذي ينشر السماء كخيمة ويبني قصره فوق المياه، ويستعمل السحاب مركبة له، وينطلق على أجنحة الرياح. إن مز 104 هو كلام حول معجزات الله في الخلق وسلطانه على كل شيء. قال المرنّم ((لهيب نار)) (اش. ل هـ ب) في المفرد. أما عب فجعلت صيغة الجمع لكي تتوافق مع ((خدّامه)). وهكذا توازت ((النيران)) مع ((الرياح)).
وذُكرت الرياح. فلفظ ((روح)) (هنا ((روح وت)) في الجمع) يعني الريح كما يعني الروح. لهذا، قال الشراح: جعل ملائكته أرواحًا، وهكذا كان كلام عن الملائكة الذين هم أرواح. نشير هنا إلى أن المعنيين ممكنان: رياح وأرواح. ولكن يبقى التعارض بين الملائكة والابن. من جهة، الملائكة هم خّدّام (موسى خادم تجاه المسيح، 3: 5- 6)، ووظيفتهم متقطّعة شأنها شأن الرياح والنار. ومن جهة ثانية، الابن يقيم في مجد لا يُدنى منه، ويتمتّع بسلطان لا يزول. نحن أمام تعارض بين ذاك الذي هو الابن والوارث وبين الذين هم خدّام يأتمرون بأمره في ملكوت الله.
((أما عن الابن فيقول: عرشك، يا الله، إلى أبد الأبد. وصولجان الاستقامة صولجان ملكك. أحببتَ البرّ وأبغضت الاثم، لذلك، يا الله، مسحك إلهك بزيت بهجة دون رفقائك)) (1: 8- 9)
جاء الاستشهاد السابق تجاه هذا الاستشهاد الخامس في تعارض قويّ على مستوى المضمون كما على مستوى الشكل (عن الملائكة... أما عن الابن). صوّر الرابعُ موقف الخضوع لدى الملائكة. والخامس سيادةَ الابن الدائمة، حسب مز 45: 6- 7 الذي هو نشيد زواجيّ. في أي ظرف قيل هذا المزمور؟ بمناسبة زواج ملك في فلسطين: سليمان وابنة حيرام. أو اخاب، ملك اسرائيل، مع ايزابيل ابنة ملك صور. ولكن المهمّ هو أن لغة المزمور تطبّقت على الملك المسيحاني الذي من نسل داود (رج 2صم 7: 6؛ مز 89: 3-4 ،20). إن مُلك داود يتميّز بالعدل والاستقامة. ويُقال المزمور عن المسيح ابن داود: ((يقضي للفقراء بالعدل، ويُنصف وضعاء الأرض)) (أش 9: 7؛ 11: 4). لسنا هنا أمام تقارب وحسب، بل أمام تماه بين ملكوت الله وملكوت المسيح، بعد أن أعلن المرنّم لله: ((الاستقامة والعدل أساس ملكك)) (مز 89: 14).
في هذا المنظور، يمكن أن يقال لملك من نسل داود: عرشك إلى أبد الأبد. فنحن أمام كلام مسبق حول ملك إلهي وأزليّ: هو الابن الذي تواضع وصار انسانًا، وقاسى الصلب، وقام من بين الأموات، ورُفع إلى السماء. وهكذا أتمّ كل رجاء مسيحانيّ كالابن المتأنّس. فيه التقى البشريّ والالهيّ، وصار ملكوتُ داود ملكوتَ الله.
يتميّز دور هذا الابن الذي هو ملك، بالاستقامة والعدل. والتأكيد بأنه يحبّ البر ويبغض الاثم، لا ينطبق فقط على قداسة الابن بما أنه الاله الأزليّ، بل على حياته على الأرض كالابن المتأنس. فهذا ما جعله يصل إلى الصلب والموت. وفي هذا قالت 1بط 3: 18: ((فالمسيح نفسه مات مرّة واحدة من أجل الخطايا. مات وهو البار، من أجل الاشرار)). فكمالُ طاعته التي تجد ذورتها في الصليب، كانت على قدر حبّه للبر وبغضه للاثم، وعبّرت عن رحمة الله من أجل البشر (5: 8-9).
هذا الملك مسحه الله. لهذا، فهو المسيح في المعنى المطلق. أما الذين اعتُبروا ((مسحاء)) قبله، بعد أن مُسحوا بالزيت، فهم صورة بعيدة عنه. هنا نتذكر كلام أشعيا (61: 1، روح الربّ عليّ، فالرب مسحني) الذي طبّقه يسوع على نفسه في مجمع الناصرة (لو 4: 18 ي: اليوم تمّ هذا الكلام). فالابن المتجسّد هو وحده مسيح الله. وهذه المسحة لا ترتبط فقط بعماد المسيح، ولا بكمال حياته وذبيحته، بل بدخوله الظافر إلى مجد السماء: تلك هي النتيجة المنطقيّة لرسالته التي تمّت على الأرض. وإتمامُ عمل الفداء من أجل الكون والجنس البشري، هو سبب البهجة والفرح في حضور الله. قال أش 61: 3: ((زيت البهجة بدل الحداد)). وقال بطرس في يوم العنصرة مستندًا إلى مز 16: 11: ((ملأتني بهجة بحضورك)). كل هذا يجد تتمته في قيامة يسوع وتمجيده.
((وأيضًا: أنت، أيها الرب، في البدء أسّست الأرض، والسماوات هي صُنع يديك. هي تزول وأمّا أنت فباق، وكلها تعتق كالثوب. تطويها كالرداء، وكالثوب تتبدّل. أما أنت فأنت وسنّوك لا تنقضي)) (1: 10- 12)
نحن هنا أمام أستشهاد من مز 102 ينطبق على الابن، الذي صنع السماوات كلها والأرض، والذي يبقى هو هو ولا يتبدّل تجاه خلائق تتحوّل، بل تسير إلى الانحلال. قد يرتبط هذا المزمور بدمار المدينة المقدسة التي اعتُبرت منيعة، وبحريق الهيكل الذي هو رمز لحضور الله وسط شعبه (هذا ما حصل سنة 587 ق م). وسيفهم الشعب أن الله ليس فقط الخالق والديّان، بل ذاك الذي يُصلح كل شيء. فإن كان الله لا يتبدّل، فكلمة وعده أيضًا ثابتة (عب 6: 18). وستقول عب 12: 26ي إن الأرض تتزعزع، فلا يبقى إلاّ ((ما لا يتزعزع)) أي ملكوت المسيح الذي يجدّد نظام الخليقة.
في مطلع الرسالة، أعلن الكاتب أن الابن خلق العالم بكلمته، وأنه يحفظ الكون بقدرته (1: 2- 3)، وان المزمور سمّاه ((الله)) (1: 8). وها هو يطبّق عليه الآن ما وجّهه صاحبُ المزامير إلى يهوه، الربّ. وهكذا يبَرز التعارضُ بين الابن والملائكة. هو الربّ الاله. وهم يقدمّون له السجود والاكرام. هو الخالق، وهم الخلائق. هو لا محدود في كيانه وفي قدرته. أمّا هم فمحدودون وخاضعون. ومع أن كل شيء يزول، فالابن يبقى هو هو، أمس واليوم وإلى الأبد (13: 8).

3 - الابن يجلس عن يمين الله (1: 13- 14)

أ - تفسير الآيات
أولاً: لمن من الملائكة قال (آ 13)
إن البرهان البيبليّ الأخير يُجمل، في شكل من الأشكال، تعليم الاستشهادات السابقة، فيقدّم المسيح في جلال ملوكي، لا في سجود خاضع كالملائكة، بفعل قرار إلهيّ فريد ومطلق. يعود هذا الاستشهاد إلى مز 110: 1 الذي يرد مرارًا في العهد الجديد (10: 3؛ مت 22: 44؛ أع 2: 34؛ 1 كور 15: 25). ينطبق هذا المزمور في معنى نمطي (تيبولوجي) على المسيح الذي ملكه شامل ومطلق، الذي منحه الله أعظم كرامة: أن يجلس عن يمينه (داكسيون، صيغة الجمع كما في المزمور. ولكن سيستعمل الكاتبُ المفردَ بعد ذلك). وضع ((إك)) بدل ((إن)) (آ 3)، ليدلّ على الحركة، ويشير إلى فعل الجلوس (في رؤ 5: 1 نجد ((إبي)) على)). نفهم هنا أن طبيعة المسيح البشريّة صارت قريبة من الله. دخلت في قلب الثالوث. فأي ملاك يمكنه أن يصل إلى هذه الرفعة! وساعة يكون الملائكة في خدمة المسيح (آ 5)، وفي خدمة المؤمنين (آ 14)، يعمل الله نفسه من أجل مسيحه، فيحطّم له اعداءه الذين هم الشرّ والخطيئة والموت، كما يقول بولس الرسول في 1 كور 15: 26.
نقرأ ((حتّى)). في العبرية: ع د. حتّى ذلك الوقت وبعده. رج تك 28: 15؛ تث 7: 14؛ مز 112: 8. وتشير هذه الأداة أيضًا إلى الهدف الذي ينبغي بلوغه. قالت السبعينية: ((هيوس أن تو)) فدلّت على أن تدخّل الله بدأ في التجسّد، وأعداء المسيح هم اعداء الله (مت 8: 19- 23). 
ثانيًا: هم جميعهم أرواح (آ 14)
إن موقف الخضوع الذي يقفه جميع الملائكة بلا استشناء، مهما كانت رتبتهم (بنتس)، نقرأه في عبارة تدلّ على مستواهم الوضيع تجاه المسيح الممجّد. جاءت ((أوخي))، بدل ((أو)) (النافية). نحن أمام استفهام ونفي كما في آ 5: أو ليسوا؟ والجواب يكون نعم: هم أرواح خادمة. هم أرواح: بنفماتا. هكذا يُسمّى الملائكة. رج 12: 9؛ عد 16: 22؛ 27: 16؛ 2 مك 3: 24. وظيفتُهم وظيفة الخدّام (ليتورغوس، آ 7)، واسمُهم يرتبط بوظيفتهم (ليتورغيكا بنفماتا، أرواح خادمة). هذه العبارة التي لا ترد إلاّ هنا في العهد الجديد (قال فيلون في الفضائل 73: ملائكة خدّام). تعني حرفيا: أرواح ليتورجيّة. هم يمارسون وظائف عامة بإمرة رئيس. تحدّثت آ 7 عن خدمة الملائكة هذه. وأضيفَ هنا أنهم لا يقومون بعمل في الكون بواسطة عناصر الطبيعة، بل يتسلّمون مهمّة لدى البشر ومن أجلهم فينفّذون مقاصد الله من أجل عمل الخلاص.
لا نجد لفظة ((ليتورغيكوس)) (ليتورجي) في اليونانيّة الأدبية، بل في البرديات مع معنى دنيويّ: مشاركة في الجزية، ضريبة. استُعملت في معنى ديني لكي تدلّ على أيام تُفرض فيها الخدمة الدينيّة (هيمراي ليتورغيكاي). نحن هنا أمام خدمة مفروضة. وهي تقابل الخدمة الطوعيّة (دياكوناين). في العهد القديم، نجد اللفظ ست مرات في معنى دينيّ: خر 31: 10 (لباس هارون)؛ عد 4: 26؛ 7: 15 (احتفال في خيمة الاجتماع). لهذا نترجم ((ليتورغيكوس)): ما يتعلّق بالخدمة وشعائر العبادة. أما وظيفة الملائكة فخدمة مقدّسة (ش ر ت، عد 4: 12؛ 2 أخ 24: 14). تحدّث الرابينيّون عن ((ملائكة الخدمة)) (الالهية): م لا ك ي .هـ. ش ر ت. هؤلاء الخدّام لا يعملون بمبادرة منهم، بل يأتمرون بأمر الله الذي يرسلهم دومًا (اسم الفاعل، ابوستالومانا، يدلّ على عمل متواصل). رج أع 3: 20 ،26؛ يو 1: 51 (صاعدون ونازلون). ((دياكونيا)) هي الخدمة والعون (أع 11: 29 ،ل ع ز و ا). والله هو الذي يعين (مز 22: 20؛ 27: 9؛ 38: 32؛ 40: 14- 18). أراد الكاتب أن يبيّن جهوزيّة الملائكة ليخضعوا لله قبل أن يتحدّث عن خدمات يؤدّونها للبشر. أما الخدمة الرئيسيّة التي يقوم بها الملائكة فهي مديح الله، ومشاهدته وعبادته (مت 18: 10). ثم هم يعملون من أجل (ديا، ب ع د) الذين يخلصون. الذين ينتظرون الخلاص التام ويستعدّون له (9: 28). هم المؤمنون. أجل، الملاك هو عون إلهيّ يُعطى للمختارين. ولفظة ((خلاص)) (سوتيريا) ترتبط بالنهاية، وتدلّ على إقامة سعيدة مع المسيح الممّجَّد. هذا الخلاص هو عطيّة وميراث (كليرونوماين سوتيريا، لا ترد العبارة في العهد الجديد إلاّ هنا). هو خلاص آتٍ (رج ((مالو)) أزمع، لو 4: 44؛ 24: 21) يمنحه الله، فيهيئ الملائكة البشر لكي يتقبّلوه. وهكذا بدا الملائكة مثل اللاويّين الذين في الهيكل. قال الذهبي الفم: ((بم تقوم مهمّة الملائكة؟ خدمة الله من أجل خلاصنا. إذن، هو عمل ملائكي أن نصنع كل شيء لخدمة الاخوة، بل هو عمل المسيح)).
هذا البرهان الكتابيّ يمثّل مشهدًا سماويًَا فيه يُدخل الله الابنَ إلى موضع الكرامة. في فل 2: 11 المسيح هو ((كيريوس)) (الرب). وفي رؤ 4- 5 بدا الحمل المذبوح أمام الملائكة مساويًا لله، فأخذ يسوس الكون. إن موضوع وصول المسيح إلى العرش السماويّ ينطلق من عالم البشر وجلوس الملك الجديد على عرشه. وذلك في مراحل ثلاث، يُرفع فيعطى الألقاب. يقدّم إلى حلقة ((الآلهة)). وأخيرًا ُيجلسونه على العرش علامة السلطان. هذا ما كان بالنسبة إلى الابن: اعلان احتفاليّ من قبل الله حول كرامة المسيح: أنت ابني (آ 5). ثم فُرض على الملائكة بأن يخضعوا للملك الجديد. أخيرًا ارتفاع المسيح على العرش، عن يمين الله (آ 8-13).

ب - قراءة إجمالية
((بل لمن من الملائكة قال قط: إجلس عن يميني حتى أجعل أعداءك موطئًا لقدميك؟ أو ليسوا جميعهم أرواحًا خادمة، تُرسل للخدمة من أجل المزمعين أن يرثوا الخلاص)) (1: 13- 14)
هنا يرد الاستشهاد السابع (رقم الكمال) في هذه السلسلة التي انطلقت من التوراة لتبيّن سموّ الابن على الملائكة. المزمور 110 هو مزمور مسيحاني في الكنيسة الأولى. وهو يدلّ في عب على فرادة المسيح ورفعته، لا كالابن والرب وحسب، بل كالحبر والفادي. ستعود ف 7- 10 إلى طبيعة كهنوت الابن في خطّ هذا المزمور.
رأى معلّمو العهد القديم والتقليد الرسولي في هذا المزمور أساس التعليم حول جلوس المسيح عن يمين الله، ودورَه في عمل الخلق والخلاص. رج مر 12:35 ي وكلام يسوع خلال محاكمته. غير أن الرابينيين سيتنكّرون فيما بعد لطابعه المسيحاني في ردّة فعل على تعليم الكنيسة التي رأت فيه تحقيقًا لشخص يسوع وعمله.
التعارض جذريّ بين الابن الجالس على عرشه كما في مز 110 ،والملائكة الذين هم خدم خاضعون له. أجل جميع الملائكة بكل مراتبهم. هنا نتذكّّر مز 103: 20-21: ((باركوا الرب يا ملائكته، أيها المقتدرون المطيعون أمره عند سماع صوت كلامه. باركوا الربّ يا جميع جنده، يا خدّامه العاملين ما يرضيه)). أما ارتباط الملائكة بخدمة البشر، فنقرأه في مز 91: 11: ((يوصى ملائكته بك فيحفظونك في كل طرقك)). هؤلاء الملائكة فرحوا بولادة المخلّص (لو 2:13) كما خدموه بعد التجارب التي واجهها في البرّية (مت 4: 11). هؤلاء الملائكة كانوا حاضرين عند القبر الفارغ، فأعلنوا قيامة يسوع من بين الأموات (لو 24: 4ي). وهم الذين شجّعوا التلاميذ بعد صعود الربّ، وأفهموهم أنه سيعود كما صعد (أع 1: 10-11). وأخيرًا، هؤلاء الملائكة سيرافقون ابن الانسان حين يعود إلى مجد أبيه (مر 8: 28؛ مت 16: 27؛ 25: 21؛ لو 9: 26؛ 12: 8- 9). وستقول عب 12: 22: ((دنوتم إلى جبل صهيون، إلى ربوات ملائكة، إلى عيد حافل)).

خاتمة
خدمة الملائكة كريمة ومجيدة. ولكن كرامة خدمتهم وعظمتهم لا تقابل بكرامة الابن ومجده وهو الذي طهّرنا من خطايانا وجلس عن يمين الآب. الملائكة أداة في يد الملك العظيم وخدّام لسيادته. مثلُ هذا التعليم يتعارض مع تعليم يشدّد على دور الملائكة ويجعلهم مزاحمين لسيادة المسيح الذي سيأتي في مجد عظيم فلا يكون انتهاء لملكه.
الفصل الخامس
نتمسّك بتعليم سمعناه
2: 1- 4
ما زلنا في القسم الأول من عب (1: 5-2: 18). بعد تعليم عن ابن الله المتأنّس، نصل إلى الارشاد الذي فيه يحثّنا الكاتب على أن لا نهمل التعليم الذي سمعناه، أن لا نهمل الخلاص الذي يقدّم لنا. فالارتباط بالتعليم هو ارتباط بالخلاص. وهكذا بعد تعارضات ثلاثة تقابل المسيح بالملائكة، نصل إلى تعارض رابع يدعونا إلى التنبّه تجاه كلمة نثبتُ فيها فننال الخلاص.
إن هذه الآيات الاربع (4: 1- 4) تقابل أيضًا العهد القديم مع العهد الجديد: كلمة قالها (نطق بها) الملائكة (آ 2)، كلمة قالها الربّ (آ ،3 فعل لالاين في الحالين). هناك نداء للسماع. وعقاب للذين لا يسمعون. وينطلق البرهان من الأقلّ إلى الأكثر: بما أن المسيح يتفوّق على الملائكة، فالوحي الذي يحمله يتفوّق على تعليم حمله الملائكة حين أوصلوا الشريعة إلى موسى. فسلطة التعليم ترتبط بسلطة الوسيط. عوقب الشعب لأنه لم يسمع للشريعة (تث 13: 7- 12؛ عب 10: 28). فكم يكون كبيرًا عقاب الذين يهملون (لا يقدّرون) الخلاص الذي يقدّمه الرب والذي رافقته الآيات والعجائب. لهذا يجب علينا أن نتمسَّك بالوحي المسيحي.
هذا يعني أن قرّاء الرسالة لم يقدّروا سلطة المسيح الوسيط، أو أخذ إيمانُهم يضعف ويتراخى. فأين ثباتهم، وأين نقاوة معتقدهم. لهذا أراد الكاتب أن يقوّيهم، فحرّك فيهم مخافة خلاصيّة: كل عصيان يتضمّن عقابًا. وسيكون العقاب قاسيًا بقدر ما تكون المؤسّسة رفيعة. غير أن التنبيه يخفّف حين يجعل الكاتب نفسه مع القرّاء بواسطة ضمير المتكلم الجمع ((نحن)) (هيماس): نتمسّك (نحن) بما سمعنا. أجل، الرب يسوع هو الذي حمل الوحي الذي يترافق مع آيات ومواهب روحيّة هي أسمى من ظواهر رافقت عطيّة الشريعة على جبل سيناء (19:16). ونستطيع أن نلخّص هذا المقطع في ثلاث عبارات: المسيح تكلّم (نطق به الرب). الله شهد (بالآيات). الروح فعل بواسطة المواهب.

1- تفسير الآيات

أ - نداء إلى التنبّه (2: 1)
((لذلك)) (ديا توتو). هي انتقالة من التعليم إلى الارشاد: بما أن الملائكة يخضعون للمسيح ويخدمون المؤمنين (1: 14)، فعلى المسيحيين أن يعوا مسؤوليّتهم. فكيف لا يفيدون من تدبير يكرمهم إلى هذا الحدّ. فإن كان الله كلّمهم. وإن كان الابن طهّرهم من خطاياهم. وإن كانت الأرواح السماويّة تحمل إليهم العون، فكل إهمال يُعتبر خطأ جسيمًا. ((لذلك)) نربط هذا المقطع بما سبق (ف 1) والمسيحيون مدعوّون (داي، 11: 6) لكي يتمسّكوا بالانجيل بالأشياء التي سمعوها (اكوستايسين، المسموعات، اسم المفعول، في صيغة الاحتمال، صيغة المجهول). أي تلك التي قالها الله بابنه (1: 2)، أي التعليم الشفهي الذي نقله المسيح إلى تلاميذه (2: 3)، فنقلوه بدورهم إلى المؤمنين (13: 7؛ رج 2تم 1: 13؛ 2: 2). هذا هو تعليم الايمان (روم 10: 17) الذي نتمسّك به على مستوى العقيدة وعلى مستوى العمل. ((بروساخو)) يعني تمسّك، توجّه، تنبّه (أي 7: 17؛ أع 8: 6؛ 1تم 1: 4). نتمسّك بشخص أو بتعليم فنخضع له ونطيعه (أع 8: 10؛ 1تم 3: 8؛ 4: 13). هذا التمسّك بالايمان لا حدود له وهو يتطلّب منا حذرًا وانتباهًا، كما في تث 4: 9: ((انتبهوا (احذروا) وانتبهوا جدًا لئلا تنسوا الأمور التي رأتها عيونكم، ولا تدعوها تزول من قلوبكم كل أيام حياتكم)).
ويُستعمل الظرفُ ((باريسوتاروس)) الذي يدلّ على شدّة التمسّك والانتباه. أي أكثر من العادة (13: 19؛ مت 5: 47). كأننا أمام توبيخ. حتّى الآن، لم تتمسّكوا بما فيه الكفاية. هل نسيتم أن المسيح حمل إليكم الوحي. فالسقوط ينتظركم (رج 6: 6ي). هنا يأتي فعل ((باراريو)): غرق، سقط، ضلّ (شخص تجرّه المياه). لا يرد هذا الفعل في العهد الجديد إلاّ هنا. رج أع 3: 21؛ 4: 21. إذا كان الخلاص ارتباطًا إيمانيًا بكلام الانجيل (4: 2)، فالضلال أو السقوط هو ابتعاد عن الله الحيّ بخيانتنا (3: 12). وهكذا نستبعد نفوسنا من تدبير الخلاص فنعود إلى العهد القديم. ((ميبوتي)) (على جانب الطريق). الخطر يتهدّدنا. وقد نقع.

ب - كلمة ثابتة (2: 2)
((غار)) لأن، ترتبط بـ ((نتمسّك أشدّ التمسّك)). يشرح الكاتب هنا لماذا يجب أن تتفوّق أمانة المسيحي للكلمة على أمانة اليهوديّ للشريعة. فالوحي كله كلام الله. واللوغوس الذي تلفظ به الملائكة هو أولاً شريعة موسى (10: 28؛ غل 3: 19)، ثم كلام العهد القديم. كل هذا ثابت ((بابايوس)): طريق نستطيع أن نمشي عليه آمنين. إذن، متين، أكيد. رج حك 7: 23. تكون الكلمة ثابتة، متينة، نستطيع أن نستند إليها ونثق بها (بستوس). هذه الشريعة هي ثابتة. إذن، نخضع لها. ولا تكون متكاملة إن لم يرافقها عقاب. في العهد القديم، كل خطيئة، على المستوى الايجابي (باراباسيس، التعدّي، روم 2: 23؛ 5: 14؛ غل 2: 18)، أو على المستوى السلبيّ (لا نسمع، باروكوي، نرفض السماع، نتظاهر بأننا لم نسمع، لا نجد اللفظة في السبعينية. رج مت 18: 17؛ روم 5: 19؛ 2 كور 10: 6)، تحمل عقابها في ذاتها كمجازاة فُرضت علينا. اللفظة اليونانيّة ((ميستابودوسيا)) التي لا تعرفها اليونانيّة الدنيويّة ولا سائر الكتب البيبليّة (10: 35؛ 11: 26) استعملت لتدلّ على خطورة العمل وبالتالي على قساوة العقاب. نقرأ ((انديكوس)): يوافق القاعدة والعدل. نجد اللفظ في اليونانيّة الكلاسيكيّة ولا نجدها في الكتاب المقدس إلاّ هنا وفي روم 3: 8 (دينونة عادلة). نشير إلى أن ((ديكايوس)) تقال في الاشخاص، عكس ((انديكوس)) التي تقال في الأشياء.

ج - خلاص ثابت (1: 3)
إذا كانت الكلمة ثابتة بحيث نستطيع أن نستند إليها، فالخلاص ثابت هو أيضًا: نطق به الرب. ثبّته الذين سمعوه. رافقته الآيات والعجائب، كما رافقته مواهب الروح القدس. وإذا كانت الشريعة التي حملها الملائكة تعاقب المذنبين، فكيف يأمل المسيحيون أن يُفلتوا من العقاب (إكفوغو، أع 16: 27؛1 تس 5: 7) إن هم خطئوا فأهملوا خلاصًا يقدَّم إليهم. نقرأ فعل ((أماليو)): لم يهتمّ، لم يأخذ بعين الاعتبار (مت 22: 5؛ 1تم 4: 14). هو يتعارض مع ((بروساخو)) (آ 1). يرد الفعل في صيغة الاحتمال واسم الفاعل: هذا يعني أن إهمال الخلاص قد حصل في السابق. هذا ((الخلاص)) (سوتيريا) هو موضوع ((الكلمة)) (لوغوس). هكذا شدّد الكاتب على طابع الانجيل تجاه الشريعة: ليست في ذاتها مبدأ خلاص. فالعهد الجديد يحمل الخلاص حين يحقّق غفران الخطايا (1:3). نقرأ ((تيليكاوتوس)) يدل ((توسوتوس))، مثل هذا، من هذا المعيار (2 كور 1: 10؛ يع 3: 4؛ رؤ 16: 18). أجل، لا مثيل للتعليم الذي قدّمته عب، بل قدّمه العهد الجديد كله (أع 13: 26؛ كلمة الخلاص). فهو يسمو بلا حدود على ما في العهد القديم. الشريعة القديمة عرّفتنا بالخطيئة. أما الشريعة الجديدة فمنحتنا النعمة. وهذا الخلاص أعطي لنا منذ الآن.
وتفوّقُ انجيل الخلاص يكمن في أن الرب نفسه أعلنه. نطق به. حين تكلّمت عب عن الملائكة، جعلت ((نطق)) في صيغة المعلوم (الكلمة التي نُطق بها). فالله هو الذي تكلّم بالملائكة. أما هنا،فنجد صيغة المعلوم: الربّ هو الذي نطق. فالابن الذي هو قرب الله، هو الرب، هو السيّد المطلق لدى المؤمنين. هو يكرز بكلمة الخلاص. بل إن هذا الخلاص صار شخصًا حيًا (شأنه شأن الكلمة). هو حياة يسوع وتعليمه وآلامه وموته وقيامته التي تقدّم لنا. هو قصد الله الخلاصّي كما بدأ يتحقّق في تجسّد الابن. 
ميّز الكاتب مرحلتين في إعلان الخلاص: أصل الخلاص (كلّمنا، 1: 2)، ثم الكلام عن المخلّص في الكرازة المسيحيّة. وفي الحالين، الله هو الذي يتكلّم. وفعل ((بابايو)) يعني أتمّ، حقّق، ثبّت. أجل، الخلاص الذي دشّنه المسيح قد وصل إلى المسيحيين الذين اختبروا حقيقة الانجيل. يرى بولس أن الوعّاظ يثبّتون شهادة المسيح (1 كور 1: 6؛ غل 1: 7)، بجرأتهم في إعلان الحقيقة وفي اجتراحهم معجزات تدلّ على حقيقة تعليمهم. وهكذا صار إعلانهم للانجيل أهلاً بالثقة. أجل شهادة الانجيل تبقى حاضرة بسبب شهود لهم صفة الشهادة وجرأة الشاهد. في هذا، قال الذهبيّ الفم: ((لنا عربون الحقيقة: فالانجيل لم يتبخَّر، ولا كانت له نهاية، بل هو يسيطر وينتصر بفضل القوّة الالهيّة التي تفعل فيه)).

د - الآيات والعجائب (2: 4)
هناك أهميّة الشهود المباشرين الذين التقطوا عن شفتي المسيح تعاليم نقلوها. وهناك أيضًا شهادة الله ذاته الذي أجرى معجزات تدلّ على صدق حاملي البشارة.نقرأ ((سينابيمارتيريو)) (لا يرد إلاّ هنا في الكتاب المقدس): شهد من أجل، وافق، نجد ((ابيمارتيريو)) في 1 بط 5: 12. و((سيمارتيريو)) في روم 8: 16. هي صيغة اسم الفاعل وهي تدلّ على مشاركة (سين، مع) متواصلة بين الله والانسان. الانسان يشهد بحياته وتعليمه، والله بالآيات والعجائب. رج مر 16: 17، 20؛ 2كور 12: 12: إن الرسول الحقيقيّ يقدّم نفسه ببراهين يراها الجميع.
هنا نجد ثلاث ألفاظ تتحدّث عن العجائب، فتشير إلى ظهورها وطبيعتها وأصلها. الأولى: ((سيمايا)): أمور كاشفة، علامة مدهشة ولافتة للنظر نرى فيها تدخّل الله. ((تاراتا)) أحداث تفوق الوصف، تفوق عالم الطبيعة. مثلاً، تحوّلٌ في السماء (أع 2: 19). ((دينامايس)): أعمال ترتبط بقدرة فائقة الطبيعة (مت 11: 20؛ مر 6: 14، 1كور 12: 10). نجد قيمة العجائب كبرهان في العهد القديم (خر4: 1- 6؛ 1مل 18) الذي يسمّيها: اوت. ن ف ل و ت. م و ف ت، كما نجدها عند فيلون الاسكندراني (حياة موسى 1: 95). أخذت بها الكنيسة الأولى في دفاعها المسيحي (روم 15: 19؛ غل 3: 5؛ يو 5: 36؛ 10: 25؛ 1 يو 5: 10). وانطلق بطرس منها لكي يدلّ على رسالة يسوع الالهيّة: ((كان يسوع الناصري رجلاً أيّده الله بينكم بما أجرى على يده من العجائب والمعجزات والآيات)) (أع 2: 22). وهذا البرهان مهمّ جدًا بحيث استعمله الانبياء الكذبة: قاموا بمعجزات ليدلّوا على صدق تعليمهم (مت 24: 24؛ 2 تس 2: 9). أما في عب، فهذه الآيات تُفهم المؤمنين أن الانجيل يتفوّق على شريعة موسى.
وما يُسند أيضًا حجّة الشهود هو عمل عجائبي رابع: مواهب الروح القدس التي تتوزّع في الكنيسة. ((ماريسموس)) (لا ترد إلا في عب): مشاركة، مقاسمة، توزيع. نحن أمام خبرات روحيّة تسعى إلى بناء الكنيسة، ومواهب منظورة يمنحها الله بحسب مشيئته (تاليسيس لا ترد إلاّ هنا في العهد الجديد. رج خر 18:28. أما ((تاليما)) فتدلّ على فعل إرادة محدّد، 10: 36؛ 13: 21). هذه المواهب تدلّ على واقع النعمة وعلى الخلاص الذي يكرز به المرسلون. في هذا المجال، قال تيودوريتس شارحًا 1كور 12: 4- 11: ((إن موهبة التعليم هي في المقام الأول، وهي علّة سائر المواهب المعطاة كلها حتّى يصدّق الناسُ الكرازة. فتعليم العقيدة يمنح الخلاص. ولكن بما أنه لا يُقبل من دون الآيات، وجب أن تُمنح المعجزات كعربون للناس حتى يتوبوا)). 
2 - قراءة إجمالية
((فلذلك يجب علينا أن نتمسّك بما سمعناه أشدّ التمسّك، لئلاّ نزيغ عنه)) (2: 1)
هنا نصل إلى أول أرشاد تتضمّنه عب (رج 3: 12-4: 3؛ 4: 14-16؛ 5: 11-6: 8؛ 10: 32- 39؛ 12: 3- 13؛ 12: 14-17؛ 12: 25- 29). هذه المقاطع تبيّن أن تعليم الرسالة ليس فقط نظريًا، وأنه لا يرتبط بواقع الحياة اليومّية، بل هو عمليّ وجدّي جدًا بحيث لا نستطيع أن نهمل وضعه موضع العمل. وهذا الأمر يصحّ بالنسبة إلى كل تعليم العهد الجديد الذي فيه يقود اللاهوت إلى الممارسة. فالاهوت والحياة يسيران معًا. والتعليم المسيحي يتوجّه إلى الفعل وإلى الإرادة. نتقبّله بالايمان ونبرهن عنه في الخبرة. كان التعليم في ف 1 حول سموّ المسيح المطلق في شخصه وفي عمله الفدائي. فمن استهان بكرامة تخصّ الابن وحده، ونسبها إلى الملائكة، أو إلى خليقة أخرى، دمّر الانجيل ودمَّر معه موقفنا من الله.
بما أن المسيح يتفوّق على الجميع، سواء كانوا أنبياء أو ملائكة أو أحبارًا، يكون أن ما سمعناه حول كلمة الله الأخيرة للبشر (1: 2)، وحول ما أعلنه الرسل عن ذاك الذي هو المخلّص والرب، مهمًا جدًا. فانجيل يسوع المسيح فريد (يو 14: 6 ؛ أع 4: 12). وكل ((انجيل)) آخر ليس بانجيل. هو لا يحمل البركة، بل اللعنة (غل 1: 7- 9). فمن تهاون في سماع الانجيل، لم يرفض فقط الواعظ، بل الله الذي هو ينبوع التعليم الخلاصيّ. وحين كلّمنا الله بابنه، صار الكلمة بشرًا (يو 1: 14)، فاتّحدت الكلمة بالعمل اتحادًا كاملاً. والمؤمن الذي يتجاوب مع الكلمة بالايمان والشكر، لم تعد له بلاغًا يسمعه من الخارج في أذنه، بل قوّة يختبرها في عمق كيانه فتحوّل حياتَه وتُرى في سلوكه اليوميّ. وفي منظار لنعمة الله اللامحدودة التي تجلّت في إرسال الابن إلى العالم ليفتدي الجنس البشريّ، نحسّ أنه يجب علينا أن نهتمّ كل الاهتمام باعلان الانجيل.
اعتبر معظم الشّراح منذ الذهبي الفم، أن الكاتب حثّ قرّاءه على التمسّك بالانجيل، لا بالشريعة التي سلّمها الملائكة. فتاريخ اسرائيل يدلّ على العقاب الذي ناله الشعب حين أهمل الشريعة. فكم يكون قاسيًا عقاب من يهمل الانجيل الذي حمله الابن. هذا يعني أنه يجب على القرّاء أن لا يتهاونوا بالنسبة إلى الانجيل. فالضلال يتربّص بهم إن لم يتمسّكوا بالحقيقة ويحفظون نفوسهم من الابتعاد عن الانجيل. رج 6: 19 والكلام عن المرساة الامينة والراسخة. فالذين تتوجّه إليهم الرسالة سيخسرون حقّهم في أن يسمّوا مسيحيين حقيقييّن، لأنهم يهملون ممارسة الايمان الذي يعلنونه. في هذا المجال نقرأ 3: 12: ((إحذروا أيّها الاخوة من أن يكون لأحد منكم قلب خبيث وغير مؤمن فيرتدّ عن الله الحي)). وفي 4: 11: ((لنجتهد اذن أن ندخل في تلك الراحة...)). وفي 5: 12: ((كان عليكم أن تكونوا معلّمين، فاذا بكم تحتاجون إلى تعليم)) (رج 6: 1؛ 10: 35- 36؛ 12: 1- 12-25؛ 13: 9). أجل، الخطر يهدّد المؤمنين بحيث يبتعدون عن الانجيل.
((لأنه، إن كانت الكلمة التي نُطق بها على ألسنة الملائكة قد ثبتت، وكل تعدّ ومعصية قد نال جزاء عدلاً، فكيف نفلت نحن ان أهملنا خلاصًا (عظيمًا) مثل هذا)) (2:2-3أ)
الله هو الذي ينطق بالملائكة. هو المتكلّم الأول. وما قاله الله على جبل سيناء حمله الملائكة إلى موسى فكانوا وسطاء بين الله وموسى. هذا ما يشير إليه كتّاب العهد القديم والعهد الجديد. غير أن خر 19- 20 لا يشير إلى حضور الملائكة، بل يورد حوارًا بين الله وموسى. ولكن تث 33: 2 يتحدّث عن ربوات القديسين، فيجعلنا نفهم أننا بحضرة الملائكة. رج مز 68: 17 الذي يتكلّم عن آلاف مؤلّفة ترافق الربّ في سيناء. في العهد الجديد، قال اسطفانس إن الشريعة أعطيت بيد الملائكة (أع 7: 53). وصوّر بولس الشريعة وقد جاءت على يد وسيط بعد أن أعلنتها الملائكة (غل 3: 19). هذا ما نجده أيضًا في كتاب اليوبيلات (11: 27)، عند فيلون (الاحلام 1: 143) وعند يوسيفوس (العاديات 15/5: 3).
إذا كانت الشريعة ثابتة متينة، فهذا لا يعود إلى الملائكة الذين حملوها، بل إلى الله الذي نطق بها. لقد كانوا وسطاء في إيصالها. ولكن هناك وساطة من نوع آخر هي وساطة الابن الذي هو وسيط العهد الجديد (8: 6؛ 9: 15؛ 12: 24). فالابن المتأنّس ختم النداء الأبدي بدمه. وجاء البرهان من القليل إلى الكثير. من الأصغر إلى الأكبر. من أهمل شريعة موسى نال العقاب، فما يكون مصير من يهمل الخلاص الذي يقدّمه الابن.
قال بولس إن الشريعة مقدّسة، صالحة، كريمة (روم 7: 12 ،14؛ 2كور 3: 7ي). ولا يمكن أن تكون غير هذا، لأن الله هو الذي أعطاها. ولكن المشكلة ليست مع الشريعة، بل مع الانسان الذي يتجاوز الشريعة فتصبح ضدّه وتحكم عليه بالموت. غير أن كرامة الانجيل فوق كرامة الشريعة بشكل لا محدود. هو يحمل الحياة، وهي تحمل الموت. لهذا لا يمكن أن يتبرّر الانسان بأعمال الشريعة، بل بنعمة الله في الربّ يسوع (غل 2: 15ي). ولكن لا تعارض بين الشريعة والانجيل. فالانجيل هو كمال الشريعة.

((قد نطق الربّ به أولاً ثم ثبّته لنا الذين سمعوه. والله يؤيّد شهادتهم بالآيات والعجائب وشتّى المعجزات، وبتوزيع مواهب الروح القدس على حسب مشيئته)) (2: 3ب-4)
في معرفة القرّاء وفي خبرتهم، نجد شهادة عن صدق الخلاص في المسيح، في أصل هذا الخلاص وتجلّيه في وسط المؤمنين. الرب هو الذي نطق، أخبر بهذا الخلاص. ((الذين سمعوا)) هم أولاً الرسل، ثم صاحب الرسالة والقرّاء. وسوف نقرأ في 13: 7: ((أذكروا مدبّريكم الذين كلّموكم بكلمة الله)).
وصل التعليم إلى ((العبرانيين)) بواسطة بشر. ولكن في الواقع، الربّ هو الذي نطق بهم. وبما أنه إله وانسان (ليس الملاك إلهًا ولا انسانًا) فهو يستطيع أن يكون الوسيط بين الله والبشر. فهو كإله يمتلك القدرة التي تساعد الناس الساقطين. وهو كانسان تماهى مع البشر، تضامن معهم، احتمل ما احتملوه، فكان لهم الحبر الأمين والرحيم.

خاتمة
انطلقنا من مقابلة بين الابن والملائكة، ففهمنا تفوّق الابن الذي هو وحده الوسيط بين الله والبشر. لهذا، يجب أن نسمع الكلمة التي يحملها إلينا، ولا نهمل الخلاص الذي يقدّمه لنا. ولكن الخلاص هو عمل الثالوث الأقدس. لهذا نكتشف أيضًا عمل الله الآب الذي يشهد لحقيقة الانجيل بما يجريه من آيات وعجائب ومعجزات. وهو يشهد في اتحاد مع المؤمنين. بل هو يشهد فيهم، في حياتهم، في أعمالهم. كما نكتشف عمل الروح القدس الذي يوزّع مواهبه حسب مشيئة الله. فالمواهب والخدم والأعمال يجب أن تكون كلها من أجل بناء الكنيسة. 
الفصل السادس
ابن الله واخوته البشر
2: 55 - 18
قابلنا في المقطع الأول بين الابن والملائكة. وها نحن بعد إرشاد حول سماع الكلمة، نربط ابن الله بالبشر الذي هم اخوته: تضامن معهم. تألّم وابتُلي فاستطاع أن يكون بجانب المتألّمين والمبتلين. وجّهنا الارشادُ السابق (آ 1- 4) نحو مهمّة المسيح الخلاصيّة وأشار إلى اتضاعه وموته. مثلُ هذه النظرة تبدو وكأنها تلغي طرحًا يتحدّث عن سموّ المسيح على الملائكة. ولكن الواقع هو غير ذلك. فالدور الذي يلعبه المسيح في التدبير الجديد يؤمّن له مكانة مجيدة لا توازيها مكانة. لهذا يجب أن نفهم طبيعة سموّه المسيحانيّ. فاتّضاع الابن الموقت في التجسّد والآلام، هو علّة ارتفاع، وشرطٌ وضعته العناية. فحبرُ العهد الجديد هو الابن المتجسّد والمذبوح الذي يحرّر البشر من إبليس، ومن الخوف من الموت، ويقدّمهم إلى الله. ولكن يسوع (هي المرّة الأولى يسمّى فيها الابن باسمه الأرضيّ) الذي اتضع ومات عن الجميع، سوف يكلّل بالمجد.
نحن هنا في نهاية الكلام عن الملائكة الذين سيخضعون بشكل نهائيّ للرب. إذا كانوا وسطاء العهد القديم، فيسوع هو رسول، وملكُ عالم فداه؟ هو ملك الآن وملك إلى الأبد. فما يُبرز مجدَ المسيح هو مهمّته الفدائية بما فيها من آلام وموت. طُرح سؤال: لماذا صار الله انسانًا؟ لم يخفّف الكاتب من الصعوبة، بل أبرز السمات المتعلّقة ببشريّة يسوع: خُفض (آ 9). ابتُلي وجرِّب (آ 18). تألّم وذاق الموت (آ 9- 10). شارك في الدم واللحم، أي في الضعف البشريّ (آ 14)، صار شبيهًا بإخوته في كل شيء (آ 17).
نقسم هذا المقطع قسمين: انتصار عبر الاتّضاع (2: 5- 9). تضامن مع البشر من أجل الفداء (آ 10- 18). في الأول، نجد ايرادًا كتابيًا سوف يتوسّع فيه صاحب الرسالة. وفي الثاني، تضامن الابن مع إخوته فنال لهم الخلاص بموته. هو ما جاء من أجل الملائكة، بل من أجل نسل ابراهيم (آ 16). وكانت النتيجة التي ستُنهي القسم الأول (1: 5-2: 18) وتنقلنا إلى القسم الثاني (3: 1-5: 10) أن لنا حبرًا رحيمًا وأمينًا رافقنا في الألم لكي نرافقه في المجد (2: 17- 18).

1 - انتصار عبر الاتّضاع (2: 5- 9) 
أكّد الكاتب مرّة أخرى محبّة الله للمسيح وسلطانه على الكون (نلاحظ فعل أخضع في آ 5- 8). في نص بيبليّ يتبعه تفسير، تقابل عب حقارة الانسان وكرامته المنتظرة. المسيح وحده هو الذي يحقّق دعوة البشر. فهو مثلهم قد اتّضع، ولكنه تمجّد فصار موتُه مفيدًا لجميع البشر بنعمة الله.

أ - تفسير الآيات
أولاً: ما أخضع العالم للملائكة (آ 5)
((غار)) الفاء. يمكن أن تعود إلى ما سبق بشكل مباشر. إن تجلّيات الله التي رافقت الكرازة بالانجيل والعلامات التي تدلّ على طبيعة الابن الالهيّة وعظمة عمله، هي مقدّمة لسلطانه الآتي. ولكن هذه الأداة تعني في بداية الجملة: الآن. وهنا: أو غار: لا في الحقيقة. نحن في الواقع أمام إجمالة تستعيد بشكل سلبيّ عرض 1: 4- 14. وتجيب على أسئلة بلاغيّة طُرحت في 1: 5 ،13. والفكرة القائلة بأن السيادة على الكون لا تخصّ الملائكة، ارتبطت باهتمام أدبّي: نحن أمام انتقالة بين عظمة المسيح في علاقته بالله والعالم، ودوره بالنسبة إلى البشر. لهذا، جاء الفعل في صيغة الحاضر (لالومان، نتكلّم)، فبيّن تواصل الموضوع. ((اويكوماني))، المسكونة. العالم الذي فيه دخل الابن بتجسّده (1: 6) والذي فيه يتحقّق خلاص المؤمنين (2: 3). وهكذا ننتقل من النظريات والمبادئ، فنصل إلى التاريخ والواقع (2: 9ي).
كان اللاهوت اليهوديّ يمنح الملائكة سيادة على الأمم (تث 32: 8 حسب السبعينية؛ دا 4: 4؛ 10: 1ي؛ 12: 1؛ سي 17: 17)، ويُخضع عناصر الكون (الكواكب، الأمطار، الرياح) لقيادتهم (أخنوخ 60: 15-21: يوبيلات 2: 2). كما ميّز الزمن الحاضر، الخاضع للألم والموت، عن أيام المسيح التي فيها يقوم مُلك الله على الأرض (هو زمن خلاص). وهناك أخيرًا العالم الآتي بعد الدينونة والقيامة، حين تتجدّد السماء والأرض.
في عب، ((العالم الآتي)) (مالوسان) يدلّ على النظام الجديد الذي فيه يتمّ الخلاص (سوتيريا، 1: 14؛ 2: 2، 3؛ 9: 28). بدأ مع التجسّد. إذن، هو حاضر الآن. ولكن الكاتب الذي وعى تطوّر التدبير الالهي عبر التاريخ (1: 1-2؛ 20: 3)، وعى أن هذا النظام ما زال في بدايته، ولن يكتمل إلاّ في السماء (6: 5، أيون مالون، الدهر الآتي؛ 13: 14 ،مالوسا بوليس، المدينة الآتية) التي ننعم فيها بالخيرات الآتية (مالونتا اغاتا، 10: 1؛ رج 9: 11). بما أن المسيحيين يشاركون منذ الآن بالمعمودية، في هذا العالم السماويّ (هم مواطنو السماء، غل 3: 20 ،وقد ذاقوا مسبقًا، عب 6: 4)، صارت الحياة الحاضرة ((حياة آتية))، لأن لا معنى لها إلاّ إذا كملت.
غير أن الله لم يعط الملائكة السيادة على العالم (هيبوتاكسن) في حقبته المسيحانيّة التي تدشّنت في التجسّد وفي حقبته النهائية التي تتمّ في السماء، بل أعطاها للبشر في شخص المسيح الذي هو بكر البشريّة المفتداة.
ثانيًا: شهادة المزمور الثامن (آ 6- 8)
((بو تيس))، أحد. يدلّ الكاتب على نصّ مهم ولا يهتمّ بالكاتب البشري. الله يتكلّم، الله يشهد (ديامرتيروماي). نحن أمام إعلان خطير واحتفاليّ، أمام قرار يُعلن في المحكمة. يعود الاستشهاد إلى مز 8: 5- 7 حسب السبعينية: امتدح المرنّم الله، لأنه جعل خليقته العاقلة تسود على الأرض كلها. وإذ رأى حقارة الانسان (ا ن و ش) دُهش من كرم الله تجاهه. وطبّقت عب على المسيح ما قاله المزمور عن البشر (انتروبوس). كيّف الكاتب النصّ في خط فيلون، وساعده على ذلك وجود ((ابن الانسان)) (هيوس انتروبو) الذي يذكّرنا بلقب مسيحاني (دا 7: 13) دلّ على يسوع في فم يسوع (مر 13: 26 ،27؛ 14: 62). تركت عب المعنى البشري، وأضاءت على المزمور بضوء الوحي المسيحيّ ((هوتي)) (ك ي في العبرية، حتّى) ((إبسكوبيو)): زار، افتقد (ف ق د في العبريّة). وأيضًا نظر. جعل المعلّمون كلام هذا المزمور في فم الملائكة احتقارًا للانسان. فقالت عب: هذا الذي تحتقرونه تفوّق عليكم وصار سيّد الكون.
كيف خُفض يسوع عن الملائكة؟ الجواب: ولكنه سيّد الكون بما فيه عالم الملائكة. وحسب النصّ العبري، يقال أن الانسان هو أقلّ بقليل من كائن إلهي. هو قريب من الله. فترجمت السبعينية ((الوهيم)) (الله) ((انغالوس)) (ملاك). وهكذا رأى الكاتب وضاعة المسيح بالنسبة إلى الملائكة. لهذا، فهم الكاتب ((براخي تي)) (م ع ط)، قليلاً، لا على مستوى المسافة والصفة، بل على مستوى الزمن: بعض الوقت، فترة قصيرة. أجل لم تدُم هذه الحالة طويلاً. فبعد الوضاعة المجد. رج أش 57: 17؛ أع 5: 34. بما أن الانسان خُلق شبيهًا بالله (تك 1: 26)، أبرز المزمورُ كرامته، وبيّن سيادته على الخليقة كلّها ولا سيّما الحيوان. أما في عب، فهناك تعارض بين اتّضاع يسوع العابر وتمجيده في القيامة. ثم إن هذا الاتّضاع سبقه وضعٌ فريد عرفه الابن الأزلي لدى الآب. ((المجد والكرامة)) امتيازان ملكيّان (1تم 1: 17) وإلهيان (رؤ 4: 9).
في آ 8 ب، نقرأ ((غار)) (الفاء) التي تعلن التفسير البيبلي. يجب أن نبرهن أولاً، أن الله منح المسيح كل سلطان. وذلك رغم الظواهر: أخضع كل شيء. أضافت عب ((كل)) ( بنتا) التي لا نقرأها في المزمور. لا استثناء. فالملائكة أيضًا يخضعون للابن. أعطى الله الانسان السيادة على الكون (تك 1: 28). قرأت عب كمال هذا الوعد في من هو الانسان، في آدم الثاني، في يسوع المسيح. ولكن هذا الاخضاع لم يتمّ بعد. لهذا أحسّ المسيحيون المحتقرون والمضطهدون باليأس: متى يأتي ملكوت الله (2 بط 3: 4)؟ غير أن هذا الملكوت يأتي بشكل تدريجيّ، ونحن ننتظره في الرجاء.
ثالثًا: الذي خُفض كلّل بالمجد (آ 9)
إذا كانت الظواهر قد جعلت من المسيح ملكًا مغلوبًا، لا غالبًا، فنظرة الايمان التي ينيرها الوحي، تكتشف قدرته، وتفهم هذا التعارض الظاهر بين كرامته واتّضاعه. فهذا الاتّضاع كان الطريقَ الذي أوصله إلى يمين الآب. نقرأ ((بلابومان)) (نراه) الذي يقابل نظرة الله إلى ابنه (ابيسكابتي، آ 6)، ويعارض نظرة المسيحيين (سطحيّة وقصيرة النظر) الذين يساورهم الشك (هورومن، آ 8). رج 1صم 9: 9؛ مت 13: 13؛ 1 كور 13: 12. يبرز ((بلابو)) الانتباه والنظر الثابت (مت 5: 28؛ 7: 3؛ أع 1: 10؛ رج عب 12: 2؛ أفوراوو)، ويعني ميّز (10: 25؛ يو 1: 29؛ روم 7: 23) الواقع الدقيق عبر الظاهر الغشّاش.
يرفع المسيحيّون نظرهم إلى يسوع، الذي اتّضع بعض الوقت، خلال حياته على الأرض، ولا سيّما في آلامه. ولكنّهم يكتشفون أنه مجِّد وأُكرم. نجد صيغة الكامل (إستافانومانون) التي تدلّ على دوام ما نراه. يدلّ الاكليل على النصر (2تم 2: 5؛ 4: 8) الذي حازه المسيح في السماء (1: 13؛ 12: 2). وقد أعطيت ليسوع هذه الكرامة والمجد لقاء آلامه المظفَّرة التي احتملها (ديا، بسبب. رج روم 4: 25؛ غل 4: 13؛ رؤ 12: 11). هكذا تتوضّح طبيعة ملك المسيح الخاصّة: هو فاد مصلوب. وتاجُ مجده هو تحقيق عمله الخلاصيّ. إن هذا الرباط بين الآلام والمجد يجعلنا في مناخ يوحناويّ (يو 12: 23؛ 13: 31).
رأى بعضهم أن المسيح مجِّد وكرِّم قبل موته. أو: في عماده وتجلّيه. أو: خلال حياته على الأرض كابن الله. أو: في استعداده للموت (يو 13: 1). فالمجد تعبير عن كرامة عظيم الكهنة (5: 4ي؛ خر 28: 2). وقال الذهبي الفم: ((الصليب هو المجد والكرامة)). ولكن ما يريد النصّ أن يقوله: وُضع يسوع فترة قصيرة، ثم كلِّل بالمجد.
((هوبوس)) حتّى. بحيث (ل م ع ن): إن قيامة يسوع كانت الشرط الضروري لتصل ثمارُ آلامه إلى جميع البشر. لو احتفظ الموت بيسوع، لكان انتصر عليه، ولكان عملُ الخلاص انتهى إلى الفشل (1كور 15: 17- 18). ولكن قيامة يسوع (وتمجيده) دلّت على أن الفداء نال كلَّ ثماره. حين مجّد الله يسوع، دلّ على أنه قبل ذبيحته. ونقرأ فعل ((غاووماي)) الذي يعني أحسّ، قاسى، اختبر. اختبر الموت، قاسى الموت. نستطيع أن نتحدّث عن مرارة الموت (1صم 15: 32؛ سي 41: 1). ولكن هذا الموت لا معنى له إلاّ لأنه من أجل الجميع (هيبر بنتوس). هي صيغة المذكّر المفرد: كل واحد. وكل هذا بنعمة الله. مبادرة الله هي المسؤولة عن موت يسوع، هي التي تجعل البشر يفيدون منه (روم 8: 32؛ 2 كور 5: 18 ،19، 21). فهذا الموت يكون بلا قيمة ذبائحيّة ولا يشمل جميع البشر إن لم يأمر به الله ويرضى عنه. فالرب أراد خلاص الجميع بنعمة مجانيّة وبحبّ رحيم.
ب - قراءة إجماليّة
((فإنه ليس للملائكة أخضع العالم الآتي الذي كلامنا فيه)) (2: 5)
العالم الآتي هو زمن المسيح الذي فيه تتمّ المواعيدُ المسيحانيّة ونبوءات العهد القديم. هذا الدهر الذي هو آت في منظور الانبياء الذين تحدّثوا عن مجيئه، ما زال آتيًا لأن نهايته الأخيرة لم تتسجلّ. لهذا، يعلن الكاتب في نهاية رسالته: ((ليس لنا هنا مدينة باقية، بل نطلب الآتية)) (13: 14؛ رج رؤ 21: 1ي). ولكن هذا الدهر حاضر أيضًا الآن، لأن المسيح قد أتى في شخص الابن المتجسّد فدشّن بمجيئه هذا زمن التتمّة. فبحياته وموته وقيامته، كمّل عملَ الفداء من أجل الانسان الساقط ومن أجل الكون. وفيه نالت كل مواعيد الله نعمها (2 كور 1: 20). والآيات العجائبيّة والمواهب الروحيّة (رج آ 4) التي رافقت الكرازة بالانجيل وأسندت حقيقته، دلّت بوضوح على أن الزمن المسيحاني حاضر هنا. وهي تشير إلى سيادة المسيح (لا الملائكة). والوعد بملكوت يدوم، يخصّ ذاك الذي هو من نسل داود، وقد تمّ في تمجيد الاله الانسان. بدأ الابن فاتّضع وصار أدنى من الملائكة ليحمل إلينا الفداء.
لهذا، ما زلنا ننتظر كمال الخليقة الجديدة، وإن سبق واختبرنا ((قوّة الدهر الآتي)) (6: 5). فنظام العالم الجديد ما زال ناشطًا، والكرامة والسلطة تخصّان الابن الممجّد، لا الملائكة، كما قالت جماعة قمران. وسوف تبيّن عب، حين تطبّق مز 8 على المسيح، أن كل شيء (حتى الملائكة) يخضع له. فالعالم القديم خسر حقّه في الوجود حين جاء المسيح . إنه سيصبح سماء جديدة وأرضًا جديدة في مجيء المسيح الثاني (أش 65 :17؛ 66: 22؛ 2بط 3: 13؛ رؤ 21: 1). هذا العالم هو حاضر منذ الآن حسب المبدأ الخفيّ والروحيّ. وهو سيأتي حين يتجلّى في المجد. ويسوع الممجّد قد تكلّل منذ الآن بالمجد والكرامة كرأس الدهر الجديد. له أخضع الله كل شيء كما قالت 1بط 3: 22: ((هو عن يمين الله منذ انطلق إلى السماء، وأخضعت له الملائكة والسلاطين والقوّات)).
فلقد شهد واحد في موضع ما، قائلاً: ما الانسان حتى تذكره؟ أو ابن الانسان حتّى تنظر إليه؟ خفضته حينًا عن الملائكة، ثم كلّلته بالمجد والكرامة، وأخضعت كل شيء تحت قدميه)) (2: 6- 8أ)
لا يهتمّ الكاتب بذكر المرجع الذي يأخذ منه. يكفيه أنه يورد الكتاب المقدّس الذي ينعم بالالهام. بما أن الله هو المتكلّم، فمعرفة الكاتب البشريّ أقلّ أهميّة. في 4: 7، نقرأ أن الله قال في داود. رج 5: 5.
المزمور الثامن هو نشيد لعظمة الله، كما هو نشيد لضعف الانسان وكرامته معًا. لم ينظر إليه العالم اليهودي كمزمور مسيحاني. ولكن العهد الجديد طبّقه على المسيح (مت 21: 16؛ اف 1: 22). أما التطبيق على المسيح فعائد إلى أن الابن المتجسّد هو الانسان الكامل الذي يعيد الانسان الساقط إلى كرامته ويردّ له مكانته في الخليقة. في ابن الانسان كان الشفاء للبشريّة. وباتحادنا به نصبح ما يريدنا الله أن نكون.
المزمور الثامن هو استعادة شعريّة لنص تك 1: تأمّل المرنّمُ بإعجاب مجدَ الانسان الذي صار اكليل الخليقة، فسلّمه السلطان على الخلائق كلها. ولكن الجنس البشريّ خسر هذه الثقة، وأفسد هذه القدرة. غير أن قصد الله لا يمكن أن يسقط. لهذا، استعاده الانسان يسوع المسيح وأوصله إلى كماله. المسيح هو آدم الثاني، رأس الخليقة الجديدة وقائد العالم الآتي.
((فإذ أخضع له كل شيء، لم يترك شيئًا غير خاضع له. لا جرم أنّا الآن لا نرى بعدُ كلَّ شيء مخضعًا له)) (2: 8ب)
سيادة المسيح مطلقة. كل شيء يخضع له حتى الملائكة. ولكن في الواقع، لا يخضع الآن كل شيء للمسيح. هذا يعني أن القوى العدوّة ما زالت ناشطة. لهذا، يجب علينا أن ننظر إلى المسيح في حجّنا الحاضر. هو يتحمّل الصليب وينال العار (12: 2). هنا نقرأ: لا نرى بعد. هذا يعني أن هذا الإخضاع بدأ، ولكنه لم يتمّ. وهو سيتمّ ساعة يشاء الله. لهذا، لا نتوقّف عند الظواهر. فكل قوى الشرّ والتمرّد والضلال التي نشاهدها في عالمنا، لا يمكنها أن تناقض واقعًا حاضرًا هو سيادة المسيح الذي سيدينها جميعًا.
بيد أن الذي خُفض عن الملائكة حينًا، يسوع، نراه مكلّلاً بالمجد والكرامة، كونه قاسى ألم الموت حتى يكون الموت الذي قاساه مفيدًا لكل أحد بنعمة الله)) (2: 9)
رغم كل الظواهر، نرى يسوع مكلّلاً بالمجد والكرامة. وهو سيّد حياتنا إن نحن آمنّا به. وخضوع الانسان المؤمن (الذي هو عالم صغير) يكفل خضوع الكون (الذي هو عالم كبير). واسم يسوع هو اسم الابن البشري. وبشريّة المؤمن ترتبط ارتباطًا وثيقًا ببشريّة أخذها الابن من أجل فداء العالم. إن الظواهر تعارض الحقيقة: فالابن المتجسّد قاسى العار والموت على الصليب ووُضع في القبر. ولكن موته الذي بدا وكأنه يلغي قدرته، كان التعبيرَ السامي عن هذه القدرة التي أعلنت: ((حياتي لا ينتزعها أحد مني. فأنا أبذلها باختياري. فلي سلطان أن أبذلها ولي سلطان أن استرجعها أيضًا)) (يو 10: 18). فموته كان الطريقة والزمن المحدّد لخلاصنا (أع 4: 28). وما يثبت هذا الواقع من خلال الظواهر، هو قيامة يسوع وصعوده وتمجيده. فيسوع نفسه هو الذي مات على الأرض وتمجّد الآن فوق الجميع. هو يعرف شعبه وشعبه يعرفه (يو 10: 14). وهو سيعود في نهاية الأزمنة ليزيل الظواهر الكاذبة ويقيم سلطانه الحقيقيّ إلى الأبد (أع 1: 11؛ رؤ 22: 12 ،16 20-21).
أولاً الصليب. ثم اكليل المجد: تمجيد يسوع كان نتيجة اتّضاعه بالتجسّد والموت على الصليب. صُوّر تجسّد الابن على أنه حصل إلى حين، إلى فترة محدودة. هذا يعني أن حال المسيح في الاتّضاع لا تدوم. وكل ما فعله يسوع إنما فعله بنعمة الله. فمبادرة فدائنا تعود إلى الله، لا إلى الانسان. فلولا نعمة الله لكنّا بدون عون ولا رجاء. هذا ما قاله بولس الرسول: ساعة كنا خطأة وأعداء، صالحنا الله بموت ابنه (روم 5: 6-8 ،10؛ رج 2 كور 5: 18ي). وقال يوحنا في رسالته الأولى: ((ما نحن أحببنا الله، بل هو أحبّنا وأرسل ابنه كفّارة عن خطايانا)) (4: 10).
علَّمتنا الكتب المقدسة أن الانسان في سقوطه أفسد الخليقة، وأن نداءه أعاد الخلق إلى نظامه. غير أن عب شدّدت هنا على الانسان، على الانسان الكامل، الذي بموته منح المجد لإخوة عديدين، فخلّصهم من الموت والعبوديّة. فهل يستطيعون بعد الآن أن يهملوا مثل هذا الخلاص الذي يقدّم لهم. 

2- تضامن مع البشر من أجل الفداء (2: 10- 18)
هنا يُطرح سؤال مضاعف: كيف تألّم المسيح ولماذا تألّم؟ ما هو الأساس اللاهوتي والكرستولوجي لهذا الاتّضاع ولهذا التمجيد؟ ما معنى مخطّط الله هذا؟ إذا كان الله واضع ابنه بالنسبة إلى الملائكة بالتجسّد والموت، فلأنه وجب عليه أن يكون الملك، والحبر الذي يحمل الخلاص فيكفّر عن خطايا البشرية. مثل هذه المهمّة فرضت أن يكون المقدِّس (يسوع) والمقدَّسين (البشر) من نسل واحد، فيشاركوا في ظروف الحياة والألم والموت الواحدة. لهذا كان التجسد والآلام التي أتاحت للابن أن يخلّص إخوته (آ 10- 13) ويعتقهم من إبليس (آ 14) ومن الخوف من الموت (آ 15)، وعلّمته الرحمة (آ 18).

أ - تفسير الآيات
أولاً: قائد خلاصنا (آ 10)
وتتواصل الاستشهادات الكتابية والبراهين العقليّة. فنحن لسنا قبل كل شيء أمام طرح لاهوتي موضوعه المسيح الذي هو حبر متألم. بل أمام برهان دفاعي. تريد عب أن تقوّي إيمان القرّاء الذي يهدّده الشكّ (آ 9). بدأت فأجابت على سؤال: لماذا مات يسوع. فموته شكّ لليهود وجهالة للأمم (1كور 1: 23) وقد يؤثّر على تفوّقه على الملائكة. في الواقع، كان يجب أن يحصل هذا الموت فينفّذ مشيئة الله. وهذه المشيئة هي الحكمة عينها، لأن يسوع ما كان يستطيع أن يُعتق البشر من عبودية الموت إلاّ إذا قاسى هو نفسه الموت. وهذا يفترض أنه صار انسانًا. واتّخذ وضع اخوته بما فيه من ألم وموت. وإذ صار الابن كاهنًا بالتجسّد، استطاع أن يُبتلى ويتألم. فقدّم بموته ذبيحة كاملة.
المفارقة الكبرى في آ 10 التي تعبّر نوعًا ما عن الفكرة الاساسيّة في عب ترتبط ارتباطًا وثيقًا (غار) بالجملة الأخيرة من آ 9. إنها تشرح عبارة ((نعمة الله)) (خاريتي تيو) فتسأل: لماذا الآلام؟ حينئذ يبرّرها الكاتب انطلاقًا من صلاح الله الذي أقرّها، ومن المسيح الذي صار المخلّص الذي لا مخلّص بعده. فمن جهة الله، لم يكن انحدار ابنه في طريق الذلّ معارضًا لحكمته وكرامته. فموتُ المسيح أرضاه كوسيلة لائقة بقصده أن يخلّص البشر. ((لائقًا)) أي يتوافق مع هدف وضعه أمام عينيه وأراد أن يحقّقه (تي 2: 1). ان فعل ((برابو)) الذي يطبقه فيلون ويوسيفوس على الله، يعني في العهد الجديد: يليق، يجدر (أف 5: 3؛ 1تم 2: 10). وهو يعارض السبب المفروض (مت 3: 5). يشير فعل ((داي)) (آ ،1 يجب) على ضرورة ترتبط بطبيعة الأشياء. أما ((أوفالاين)) (آ 17)، فعلى ضرورة أدبيّة. كان الله حرًا في أن يخلّص البشر. فإن هو فعل (1تم 2: 4) فبنعمة مجانيّة من لدنه (تي 3: 4- 5). لهذا اختار وسيلة من الوسائل التي كانت أمامه. هذا ما قاله أوغسطينس ((في الثالوث)) (13/10: 13).
لا يُذكر الله هنا (أخضع العالم)، ولكن يقال عنه أنه العلّة الاخيرة والفاعلة في كل شيء. هذا يعني أن الآلام لم تكن صدفة واتفاقًا، بل ارتبطت بقدرته، ورافقت مخططه بأن يقود البشريّة إلى مجد السماء. ((بولوس))، كثيرين. ولكن في آ 9: كل واحد. أترى لا يشمل الفداء جميع البشر؟ ولكنّنا هنا في خط مت 20: 28: لا حدود في عدد المخلَِّصين الذين يُعطى لهم اسم ((أبناء)) وُلدوا من جديد (يو 3: 5)، وشاركوا في الطبيعة الالهيّة (2بط 1: 4). ((هيوي)) هم أيضًا وارثو الخلاص (12: 5). تبنّاهم الله (روم 8: 23)، فكانوا ثمرة الفداء وعطيّة حبّ الله الابويّ. وما حصلنا عليه إنما حصلنا بفضل أخينا البكر (آ 11) الذي بدأ فدخل في المجد (آ 7 ،9) بانتظار أن يُدخل البشر. لهذا جاءت لفظتان من جذر واحد: أغو (أغاغونتا، قاد)، أرخي أغو (ارخيغوس) قائد، من سار في البدء، في الرأس.
((أرخيغوس)) لقب حُفظ للمسيح في العهد الجديد. يعني في اليوناني الدنيوي: البطل الذي أسّس مدينة وتسمّت باسمه. كما يعني العلّة والسبب. وأخيرًا، هو القائد العسكري أو السياسي. رج أع 3: 15(قائد الحياة)؛ 5: 31 (القائد والمخلّص). في عب 12: 2 هو بداية إيماننا وعلّة خلاصنا. وهكذا تتوضّح مهمّة المسيح بالنظر إلى خلاص البشر. هو الرئيس والقائد، وهو يجتذب على خطاه الاخوة الكثيرين، وفعل ما فعل بالآلام. هنا نقرأ فعل ((تالايوو))، أتمّ، كمّل، كما في يو 19: 28. أجل، كان الألم الوسيلة التي بها صار المسيح كاملاً، لأنه أتاح له أن يسير إلى النهاية في مهمّته كمخلّص. فكمال حبر العهد الجديد هو أن يكون أيضًا ضحيّة وذبيحة.
ثانيًا: المقدّس والمقدّسون (آ 11- 12)
هناك قائد واحد تجاه مخلّصين عديدين (آ 10). هم واحد (روم 8: 29). كلّهم أبناء الله. أرادت عب أن تحدّد علّة اتّضاع المسيح وكيف صار موته فاعلاً بالنسبة إلى البشر، إن أراد المسيح أن يكون قائد الخلاص، عليه أن يشارك في طبيعة الذين يخلّصهم. فالانسان وحده يستطيع أن يخلّص أناسًا آخرين (آ 1؛ روم 5: 15؛ 1كور 15: 21). ويعبَّر عن هذا الفداء بالنظر إلى عمل الكاهن الذي يقدّس، يكرّس، يدلّ على أن شيئًا يخصّ الله (عد 16: 5؛ يو 17: 17- 19؛ عب 13: 12)، وذلك في ذبيحة تكفّر عن الخطايا (1: 3؛ 9: 14). فإذا أراد البشر أن يقتربوا من الله، وجب عليهم أن يكون أنقياء من كل خطيئة.
المسيح هو المقدّس (هاغيازون) الذي يفعل ((كقائد)) في المسيحيين (هاغيازامانوي) الذين يصبحون ((قديسين)) (هاغيوي، روم 1: 7؛ 1كور 1: 2). في العهد القديم، كان الكاهن يقدّس المؤمنين بوسائل خارجيّة فرضتها الشريعة. أما المسيح الذي صار كاملاً بآلامه وموته، فهو يفعل في المؤمنين بطريقة شخصيّة. ولكن كي يتمّ هذا العمل الخلاصيّ، يجب أن يكون الكاهن من نسل الذين يخلّصهم (5: 1): كلهم من واحد (إكس هانوس بنتس). إذا كان على المسيح أن يموت كي يخلّص البشر (آ 10)، فمن الضروريّ أن يتجسّد لكي يلعب هذا الدور.
هناك من اعتبر ((هانوس)) (واحد) في صيغة الحياد (مثلاً، افرام) فزاد: أصل، زرع. إن فعلنا هكذا، صار كهنوت يسوع على مستوى كهنوت هارون. ولكي ((هانوس)) هي في صيغة المذكر (1 كور 1: 30؛ 8: 6). قبل هذا الواحد، نجد آدم (لو 3: 38) أو ابراهيم (يوحنا الدمشقي). ولكن بما أننا أمام عمل التقديس (خر 31: 13؛ لا 20: 8؛ 21: 15؛ حز 10: 12؛ 37: 28) فهذا الواحد هو الله الذي هو ينبوع جميع الكائنات (آ 10)، وأبو أبناء عديدين (آ 10)، أبو أولاد صغار (آ 13 وأبو المسيح (الذهبي الفم، تيودوريتس): أرسل المقدِّس إلى المقدَّسين لكي يخلّصهم. قالت آ 10: لا يمكن أن يكون المخلّص كاملاً بدون ألم. وقالت آ 11: لا يمكنه أن يخلّص دون أن يتجسّد.
إن اتّضاع المسيح هو من العمق (غل 2: 7)، بحيث وجب أن نبرهن عنه بالكتب المقدّسة. فإن كان المسيح لم يستح من قرابة بالبشر، فهذا يعني أنه أعظم منهم، لأنه ابن الله بشكل فريد. وبما أن عب تجعل المسيح يتكلّم، فقد كان بالامكان أن تذكر كلماته خلال حياته على الأرض حين دعا تلاميذه ((إخوته)) (أدلفوي، مت 28: 10؛ يو 10: 17). ولكن يسوع عاد إلى العهد القديم فأورد مز 22: 23 حسب السبعينية. هو مزمور مسيحاني في المعنى الحرفيّ (مت 27: 35، 46؛ مر 15: 24؛ يو 19: 24)، وهو يتحدّث عن آلام عبد الرب وانتصاره. فالبار المتألّم الذي نجّاه الله من شقاء مريع يهدّده، يعبّر عن شكره كمحرّره. هو ينشد ((اسم)) الرب، أي رحمته وقدرته وسط المؤمنين الذين جاؤوا إلى المعبد والذين يدعوهم ((إخوته)). حين كان يسوع على الصليب طبّق هذه الكلمات، فجعلتها عب في فمه (لاغون، قائلاً). في المزمور لسنا فقط أمام نسل يعقوب. بل جميع الأمم (آ 28) الذين لأجلهم تجسّد يسوع وعرف الآلام والموت.
ثالثًا: أنا والاولاد الذين أعطانيهم (آ 13)
بعد إيراد أول (مز 22: 23) حول الذين يدعوهم يسوع إخوته، ها نحن أمام ايراد ثان (أش 8: 17) حول الأولاد الصغار الذين أعطاهم الله لابنه. ((وأيضًا)) (كاي بالين). هكذا يرتبط إيراد بإيراد. ما هو سياق النصّ الكتابي؟ لاحظ النبيّ، أمام التهديد الاشوري، أن اسرائيل أعزل، وأن الرب تخلّى عنه. غير أن النبي، ما زال يثق كل الثقة بالله. وهكذا صار النبيّ صورة مسبقة (ونمطًا) عن المسيح الذي أعلن ثقته رغم ضعفه (مت 27: 43) فدلّ على قرابة من البشر: هم إخوته. 
لاحظنا ونلاحظ أن عب تقرأ كلمات العهد القديم بالنظر إلى المسيح. والايراد الذي قرأناه في أش 8: 17 نستطيع أن نقرأه أيضًا في أش 12: 2؛ 2صم 22: 3. كان أشعيا قد قال إن الله جعله (مع أولاده) آية لاسرائيل الذي لا يؤمن. فقالت عب: نال المسيح من الله البشر كأولاد صغار (بايديا، ي ل ي د ي م). فالمسيح ارتبط بالبشر برباط الدم. نحن هنا أيضًا أمام نص مسيحانيّ. رج لو 2: 34؛ روم 9: 33؛ 1بط 2: 7.
رابعًا: اشتراك في الدم واللحم (آ 14- 15)
المسيح والبشر هم أبناء أب واحد. إذن، هم إخوة. هذا ما اكتشفناه في مبادئ عامّة (آ 11) وإيرادات من الكتاب المقدس (آ 12- 13). وهكذا وصلنا إلى التجسّد. يبقى أن نشرح عبارة ((صار بالآلام كاملاً، وهو القائد)) (آ 10)، وأن نبرّر موت المسيح. ما انطلق الكاتب من الله ولا من المسيح، بل من الجنس البشري (لحم ودم: ب ث ر. ودم، بما فيهما من ضعف). نحن هنا أمام الطبيعة البشريّة الضعيفة، القابلة للفساد، المائتة (سي 14: 18؛ مت 16: 17؟ يو 1: 13؛ غل 1: 16؛ 1كور 15: 50). عادة يقال: اللحم والدم (ما عدا أف 6: 12). أما عب فجعلت الدم أولاً لكي تدلّ على دم سفكه يسوع لكي يقدّس البشريّة (13: 12). كل انسان يتكوّن من لحم ودم، والمسيح أيضًا. وهكذا شابه ((الاولادَ)) مشابهة تامّة.
شدّد الذهبي الفم وتيودوريتس على واقع بشريّة المسيح مع لفظة ((بارابليسيوس)) (كذلك، لا ترد إلاّ هنا، رج فل 2: 27). هذا الظرف يدلّ على تشابه تام، من كل الوجوه. إذن، لا فرق بين يسوع وبين البشر. لقد كان انسانًا تامًا كاملاً (هومويوس، آ 17؛ 9: 21؛ روم 8: 3؛ في شبه جسد، فل 2: 7). نقرأ: كوينونيو: شارك. ((ماتاخو)) (7: 13) الذي يعني أيضًا شارك، قاسم. جاء الفعل الأول في صيغة الكامل الذي له معنى الحاضر: الطبيعة البشريّة هي حصّة كل انسان. والفعل الثاني في صيغة الاحتمال: أخذ المسيح هذه الطبيعة في وقت محدّد. ثم شدّد ((ماتاخو)) على العنصر الطبيعي (الفيزيولوجي) في المشاركة. أما ((كوينوينو)) فأشار إلى الرباط الاجتماعي في المشاركة. وشدّد المجرور (في الدم، فيهما) على أساس هذه الوحدة، على الرباط الذي يوحّد البشر وكأنه علّة فاعلة.
الهدف الأول لهذا التجسّد الذي كان حقيقيًا، هو الوصول إلى الموت للانتصار على سلطان الموت (إبليس) بسلاحه. هذه النظرة إلى العلاقة بين إبليس والموت، وإلى الطريقة التي بها انتصر يسوع عليهما، تعود إلى العالم اليهوديّ (لا تتوسّع فيها عب): خلق الله الانسان خالدًا، لا مائتًا (حك 1: 13-14؛ 2: 23). ولكن إبليس أضلّ البشر فصاروا إلى الموت (تك 3: 4؛ حك 2: 24-25؛ يو 8: 44) الذي هو أجرة الخطيئة (روم 6: 23). لهذا، كان التقارب بين إبليس والموت (1كور 5: 5). سوف يُسمّي المعلّمون إبليس ((ملاك الموت)) (م لا ك. م وت، من هنا قيل: ملاك الموت). رج ((كراتوس)): سلطة في مجال محدّد. إذ أراد المسيح أن ينتشل البشر من الموت (1كور 15: 26؛ 2تم 1: 10؛ رؤ 20: 14؛ 21: 4)،وجب عليه أولاً أن يزيل (كاتارغيو، ألغى، عقّم، جعله غير فاعل، 2تس 2: 8؛ 1كور 15: 24) قدرة إبليس. هذه النظرة الاسكاتولوجيّة إلى المسيح الذي يدمّر مملكة إبليس، نجدها في يو 16: 11؛ كو 2: 15؛ رؤ 12: 7-10؛ 20: 2.
((يبيد بالموت)). رج هو 13:14. كيف يخسر إبليس مُلكه بموت المسيح؟ بالتكفير عن الخطايا، لأن الخطيئة (التي ترتبط بإبليس) هي السبب المباشر للموت (روم 5: 12؛ 1يو 3: 12). لم يعد في يد إبليس سلاح. هذا يعني أن موت المسيح كان ذبيحة كاملة. في هذا يقول الذهبي الفم: ((هنا تقوم المعجزة. غلب إبليسُ بالموت. فغُلب به (بالموت). هذا السلاح المريع الذي استعمله ضد الأرض، الموت، صار في يد المسيح أداة هلاكه (= إبليس)، وهذا ما يدلّ على قوّة ظفره)) (رج لو 11: 21- 22 ومثل الرجل المسلّح).
انتصر يسوع على الموت بالقيامة، فدمّر الحاجز الذي يمنع البشر من الاقتراب إلى الله، إلى الحياة. لهذا جاءت آ 15 تدلّ على البعد الحقيقيّ لما في آ 14: إذا كان سلطان الموت قد قُهر، فالموت نفسه لم يُلغَ (1كور 15: 26)، بل تبدّل وجهه. قبل المسيح، ما كان باستطاعة الانسان أن يتحرّر من الخوف (فوبوس، خوف من عقاب أو تهديد، أع 5: 5؛ 1تم 5: 20؛ 1بط 3: 14) الذي يثقل كاهله طوال حياته. فجاء المسيح يحرّره من هذا الخوف. ((كما يخلّص سجينٌ ينتظر حكم الاعدام)) (الذهبيّ الفم). نقرأ ((أبالاسو))، أبعد، أعتق. لقد أزال المسيح الخوف من الموت بقيامته وبالرجاء الذي منحه للمؤمنين (روم 8: 10-11، 33- 39). فهو يمتلك مفاتيح الموت والجحيم (رؤ 1: 18). لهذا، فهو يُخرج الموتى من الشيول، من عالم الموت.
خامسًا: نسل ابراهيم (آ 16)
مسألة الموت مسألة هامّة بالنسبة إلى البشر. لهذا لا معنى للتجسّد (آ 15) والمشاركة في الدم واللحم (آ 14)، إن كان المسيح مخلّص الملائكة الذين هم أرواح (بنفماتا، 1: 14)، لا مخلّص البشر. هنا نقرأ: ديبو: كما يعلم كل انسان. أما تعلمون؟ بما أن يسوع أراد أن يفتدي البشر ويقدّسهم (آ 11)، فعليه أن يشاركهم في حالتهم. ونقرأ ((ابيلمبانو)) أخذ، أمسك... أخذ يسوع على عاتقه الطبيعة البشريّة، جعلها طبيعته. وصيغةُ الحاضر تدلّ على دوام هذا الاتحاد، تدلّ على حالة نهائيّة. غاب التعريف أمام ((انغالون)) (الملائكة)، وأمام ((سبارماتوس)) (نسل، زرع)، فدلّ هذا الغيابُ على أن الكاتب يتطلّع إلى طبيعة الملائكة والبشر، لا إلى هذا الملاك المحدّد، ولا إلى هذا الانسان المحدّد.
إن الكائنات الذين يقاسمهم المخلّص طبيعتهم هم ((أبناء الله)) (آ 10)، ((إخوة المسيح)) (آ 11) ((الأولاد))، الذين أعطوا (آ 13). ويسمّون هنا زرع ابراهيم. لسنا هنا أمام نسل بشري (غل 3: 16 ،على مستوى اللحم والدم)، بل أمام نسل روحي، أي كنيسة الله التي بدأت في العهد القديم، وتواصلت في الجديد، فضمّت شعب اسرائيل وسائر الشعوب.
سادسًا: حبر رحيم وأمين (آ 17- 18)
هنا نصل إلى خاتمة المقطع، بل خاتمة القسم الأول كله (1: 5-2: 18). أما آ 17، فتعبّر عن مضمون الرسالة: لاق التجسّد بالله من أجل الفداء (آ 10). ولكن وجب (اوفايلن) على المخلّص أن يشبه البشر شبهًا تامًا (كاتا بنتا، رج 4:15)، لا شبهًا سطحيًا (هومويوتيناي، رج آ 14؛ 7:15؛ أع 14:11). وذلك في الألم وفي الموت. وأخذُ الطبيعة هذا كان ضروريًا لكي يكون المسيحُ الكاهنَ. فكهنوته نتيجة تجسّده. وهدفُ هذا الكهنوت التكفير عن الخطايا.
فالوظيفة الأولى والرئيسيّة التي يمارسها الكاهن هي التكفير، لكي ينال لهم غفران الله ويصالحهم معه (5: 1). وهكذا، ليس المسيح فقط ((القائد)) (ارخيغوس، آ 10) ((المقدّس)) (هاغيازون، آ 11)، في علاقته بالبشر. إنه أيضًا ((ارخيارايس))، الحبر، عظيم الكهنة. هي المرّة الأولى في العهد الجديد، التي فيها يُعطى هذا اللقب للمسيح. ستتوسّع فيه عب (8: 1-10: 18). ولكن منذ الآن يقدّم لنا هذا الحبرُ مع صفتين مميّزتين: الرحمة والامانة اللذين ينسبهما مز 85 إلى المسيح. لا نجد ((إلايمون)) في العهد الجديد، إلاّ هنا وفي مت 5: 7. لا تعني هذه الصفة أولاً الرحمة التي تغفر للخطأة (ح ن و ن، 4 عز 3: 18)، بل الشفقة أمام ألم القريب وشقائه (ر ح و م). ربطت البسيطة والشعبية والذهبي الفم ((رحيم)) مع ((كان)) (غانيتاي): كان رحيمًا وحبرًا أمينًا. ولكن يبدو أنه يجب أن نعطف ((إلايمون)) على ((بستوس)) (أمين) فنقول: حبرًا رحيمًا وأمينًا.
هذا النشاط الكهنوتيّ الذي لا يتوقّف بالنسبة إلى البشر (هيلسكاستاي، مصدر في صيغة الحاضر، رج 10: 12- 14)، يلخّصه فعل واحد: تهدئة الله وجعله راضيًا عن الشعب (7: 25). هذا هو المعنى الأول لفعل ((هيلسكوماي)) (لو 18: 13، اغفر لي أنا الخاطئ). لقد جعل المسيح من موته ذبيحة تكفير عن الخطايا (لا 14:13-21؛ 26:7). تطهّر الشعب وتقدّس. فاستعاد رضى الله.
أجل، الرأفة (الشفقة) ضروريّة للكاهن. لهذا، تجسّد الابن لكي يحصل عليها، فقادته إلى الموت لخلاص إخوته. هذا ما يشدّد عليه الكاتب أيضًا (آ 18) فيقول: الرحمة هي علّة الغوث (العون) الذي يحمله المسيح إلى البشر. ((إن هو)) = إن توتو هو = في ما. جُرّب في ما تألّم. وبما أن المسيح تألم، فهو يستطيع أن يغيث البشر. ((بسخو)) في صيغة الكامل، لا يدلّ أولاً على واقع الآلام التاريخي، بل على طابعه الدائم في المسيح: قيمتها دائمة، ورحمة المخلّص حاضرة.
وما يحدّد طبيعة هذه الآلام هو التجربة: بايراستايس (اسم فاعل في صيغة الاحتمال): جرّب، ابتلي. نحن أمام محنة الصليب والتهرّب منه (5: 7- 10). اختبر يسوع الضعف البشريّ، ووعى عنف الخوف الأدبي (آ ،14 فوبوس تاناتو) والعذاب (قاسى الموت، آ 9)، فذهب يغيث الذين يصرخون (بوئيتيو) طالبين النجدة. تكرّر الكلام عن المحنة (بايرازو): إن عظيم الكهنة لم يتألّم فقط لأجلنا، بل مثلنا.
هكذا يتحدّد موقفنا تجاه المحن. نرفع نظرنا إلى يسوع الذي خُفض وتألم، الذي جُرّب وانتصر (آ ،9 3: 1؛ 4: 16؛ 12: 3). نحن نفهم أن الرب يفهم ضيقنا. أنه لا يصمّ أذنيه بحيث لا يسمع طلب الاستغاثة من إخوته. إنه يشركنا في انتصاره حين يجعلنا ننعم بثمار ذبيحته. عندئذ يأتينا العون في التكفير عن خطايانا، فنكتشف ذاك الحبر الذي هو رحيم وأمين، الذي تدوم رحمته إلى الأبد، وإلى أبد الأبد.

ب - قراءة إجماليّة
((أجل لقد كان لائقًا بالذي كل شيء لأجله، وكل شيء به، المورد إلى المجد أبناء كثيرين، أن يجعل من يقودهم إلى الخلاص، بالآلام كاملاً)) (2: 10)
بدأ الكاتب يبيّن هنا ما قاله عن هدف تجسّد الابن الذي ذاق الموت عنا، بنعمة الله (آ 9). فالانسان الذي لم يولد ثانية (يو 3: 3- 5)، يعتبر أن اتّضاع التجسّد وعود الصليب لا يليقان بالابن. ((كل شيء...)). إن الخليقة كلها تنطلق من الله وتعود إلى الله (روم 11: 36). والعالم المخلوق هو تعبير عن مشيئة الله، خالق كل شيء (رؤ 4: 1؛ نح 9: 6). إن كان الأمر هكذا، كان التجسّد لائقًا وكذلك الموت. لأنه صار حسب إرادة الله. قال بطرس: تألم يسوع ومات بأيدي الاثمة، فكان هذا ((بحسب مشيئة الله المحدودة وعلمه السابق)) (أع 2: 23). فتجسّدُ المسيح وموته هما الوسيلة التي بها تمّ الخلق، وأصلح كلُّ شيء.
إن مخلّصنا كان كاملاً بالآلام التي احتملها: فانتصاره التام على محن من كل نوع (4: 5) كان ضروريًا لكمال يجعله أهلاً لأن يقدّم ذاته على الصليب، كحمل لا عيب فيه من أجل الخطأة (1بط 1: 8- 9؛ 3: 19). ثم، لأن ألمه وموته على الصليب ألغيا سلطان إبليس،حرّر ((الابناء الكثيرين)) المعدّين للمجد (آ 14). ثالثًا: إن خبرته الخاصّة لألم بشري في جسد أخذه، أهّلته كحبر رحيم لكي يغيث المبتلين ويقوّيهم في التجربة (آ 17- 18).
فالابناء الكثيرون الذين جاؤوا إلى المجد، يشكرون المسيح كقائد خلاصهم. فهو كقائد سار أمامهم وفتح لهم الطريق الخلاصي وقادهم في هذا الطريق. بالنسبة إليه، قاد هذا الطريق إلى المجد والكرامة، عبر الألم. وبالنسبة إليهم، طريقهم طريقه. يقود إلى المجد بالألم. فكما تحمّل الصليب بدل السرور (12: 2)، هكذا يفعل إخوته عارفين أن ألم الزمن الحاضر لا يوازي المجد المهيّأ لنا (روم 8: 18).
((لأن المقدِّس والمقدَّسين كلهم من واحد. ولهذه العلّة لا يستحي أن يدعوهم إخوته)) (2: 11)
من هو الذي لا يقدّس؟ ليس الروح القدس ولا الآب، بل الابن. ولكن عمل التقديس يتمّ بواسطة الآب: ((قُدِّسنا بتقدمة جسد يسوع مرّة لا غير)) (10: 10). ويتابع النص: ((بتقدمة وحيدة جعل مقدَّسيه كاملين على الدوام)) (10: 29). وفي 13: 12: ((تألّم يسوع خارج المحلّة ليقدّس الشعب بدمه الخاص)). اذن، هذا التقديس يرتبط بتقدمة المسيح الكهنوتيّة على الصليب. وتقديسه ذاته هو ينبوع تقديسنا (يو 17: 19). وشعب الله الذي افتداه دم الابن المتجسّد، يتنقّى من كل نجاسة ويصبح مقدّسًا أمام خالقه. هناك القدوس الذي يقدّس، وهناك الذين يقدّسهم. ويتمّ تقديس المؤمنين في عمل المصالحة الذي قام به المسيح على جبل الجلجلة.
المقدِّس والمقدَّسين هم جميعًا من واحد. قد نكون على مستوى البشريّة مع آدم. أو على مستوى الايمان مع ابراهيم. بل نعود إلى الله كما في نهاية سلسلة لوقا (لو 3: 38). من أجل هذا، لا يستحي يسوع بأن يدعو البشر إخوته. فالذين افتداهم هم إخوته بشكل خاص، وإخوة بعضهم لبعض. يمكن أن يكون على حقّ حين يتركنا للدينونة، ولكنه يعاملنا بالرحمة لكي نقوم معه. فأخوّتنا للمسيح لا تقف عند التجسّد، بل الفداء الذي تمّ على الصليب.في مت 28: 10 ،سمّى يسوع التلاميذ إخوته. وقال عنه بولس في روم 8: 29: بكر بين إخوة كثيرين. لهذا، نستطيع أن ندعو الله أبانا، وهكذا نفرح ونبتهج أن لا يستحي الابن الحبيب من أن يدعونا إخوته.
((إذ يقول: سأبشّر باسمك إخوتي، وفي وسط الجماعة أسبّحك. وأيضًا: أما أنا فسأتوكّل عليك. وأيضًا: ها أنا والاولاد الذين أعطانيهم الله)) (2: 12- 13)
للوهلة الاولى تبدو هذه الاستشهادات ضعيفة من أجل البرهان الذي يقدّمه الكاتب. هذا يكون صحيحًا إن نحن اقتطعنا الاستشهاد من سياقه. يعود الاستشهاد الأول إلى مز 22 الذي تلاه يسوع على الصليب: إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟ يبدأ في ضيق الصليب ويذكر اقتسام ثياب المصلوب (يو 19: 23- 24؛ مت 27: 35). طبّق هذا المزمور على الابن المتجسّد وعلى الآلام التي تحمّلها. أما آ 22 فتبدأ قسمًا يتميّز بالفرح والنصر، وهذا ما يتوافق مع فرح الفادي في انتصاره.
ويعود الاستشهادان الثاني والثالث إلى أش 8: 13 ي الذي هو مقطع مسيحانيّ. طبق العهد الجديد آ 14 (صخرة سقوط وفخ وشرك) على المسيح (روم 9: 33؛ 1بط 2: 8). فصليب المسيح يمكن أن يكون سبب نعمة وسبب دينونة. أما الاستشهاد الثاني ((أما أنا فأتوكل عليه)) فيعود إلى أش 8: 17 ،ويصوّر موقف الثقة بالله الذي وقفه المسيح المتجسّد. ونجد الاستشهاد الثالث في أش 8: 18 (ها أنا والاولاد): مع أن الشعب تنكّر لله، إلاّ أن الله يعامله بالصلاة الرحمة. وما يرمز إلى هذا الموقف، الاسم الذي أعطاه أشعيا لولديه: بقيّة تعود (أش 7: 3).
هذا التطبيق المسيحاني للاستشهادات الثلاثة، يقودنا إلى القول بأن الابن المتجسّد هو واحد مع الذين افتداهم والذين سمّاهم إخوته. شدّد الأوّل كيف أوصل المخلّص الظافر، النداء إلى إخوته. وأبرز الثاني علاقة الله بذلك الذي شارك في بشريتنا. والثالث أعلن سيادة الله الذي جعلنا، بنعمته، أبناءه (يو 1: 12)، فصرنا بالتالي إخوة ابنه.
((إذن، فبما أن الأولاد مشتركون في الدم واللحم، اشترك هو كذلك فيهما، لكي يبيد بالموت من كان له سلطان الموت، أعني إبليس)) (2: 14)
هذه الآية تُجمل ما سبق وتتوسّع فيه. لفظة ((أولاد)) تعود إلى أشعيا. كما أوضحت ضرورة التجسّد وهدفه. أعلن الهدف في آ 9: لكل واحد بنعمة الله. والنتيجة في آ 10: يقود الأبناء الكثيرين إلى المجد. هؤلاء الابناء صاروا إخوة للذين قدّسهم (آ 11). وأضافت آ 12- 13 سندًا كتابيًا للأخوّة البشريّة التي تجمع الفادي مع المقدّسين. وها نحن الآن أمام تحديد لبشريّة يسوع: دم ولحم. أي طبيعة بشريّة يشارك فيها الابناء. وهكذا أعلنت عقيدةُ التجسّد بوضوح. كم نحن بعيدون عن الظاهريين الذين رفضوا عقيدة التجسّد، واعتبروا أن الابن لبس ظاهر الانسان، ولم يكن بشرًا حقيقيًا.
إن الكلام عن البشريّة المشتركة التي بها ارتبط يسوع بنا ونحن به، يتبعه قول حول هدف التجسّد: تدمير سلطان الموت، أي إبليس، وذلك بالموت. هذا يعني أن الابن المتجسّد يجب أن يموت. وعلى الصليب، عبر موت يسوع، كانت مجابهة بين الله وإبليس. ولكن كيف يستطيع ألم الموت أن ينتصر على سلطان الموت؟ وكيف يمكن أن لا يكون موت الابن المتأنّس دمار إبليس وانتصار يسوع عليه؟
نبدأ فنقول إن سلطان الموت الذي بيد إبليس، يرد في معنى ثانوي لا في المعنى الأخير. فالموت هو واقع مظلم في استبداده. غير أن الله يبقى الاسمى في سيادته. كل شيء وُجد فيه ولأجله. والموت لا يُفلت من قبضة الله. والبرهان على ذلك انتصار الابن على الموت وعلى إبليس. فإبليس هو خليقة، وهو بذلك خاضع لدينونة الله وذاهب إلى الدمار. نحن أبعد ما يكون عن ثنائيّة كونيّة وكأن إبليس يقف إلى الأبد تجاه الله. فسلطان الموت الذي يمسكه الشيطان ليس سلطانًا مطلقًا. ولكن هذا السلطان سوف يدمّر (1يو 3: 8؛ رؤ 20: 10). والموت يرتبط بدينونة الله، لا بسلطة إبليس.
أجل، موت المسيح لأجلنا هو هزيمة إبليس. ولكنه ليس النهاية. فبعده تأتي القيامة والصعود وإكليل المجد والكرامة. تلك هي نتيجة عمل المسيح الخلاصي وكماله وقبوله لدى الله. تلك هي فائدته الأدبيّة بالنسبة إلى الانسان. في هذا، قال اثناسيوس الاسكندراني (التجسّد 10) : ((صنع اثنين بذبيحة جسده: وضع حدًا لشريعة الموت التي سدّت لنا الطريق، وصنع بداية حياة جديدة لنا حين أعطانا رجاء القيامة)). وقال في إحدى رسائله:((إن انتصار المسيح منحنا البركة بدل اللعنة، والفرح بدل الاتهام، والعيد بدل الحداد، في عيد الفصح هذا، عيد الفرح المقدس)) (2: 7).
((ويعتق أولئك الذين كانوا، الحياة كلها، خاضعين للعبودية، خوفًا من الموت)) (2: 15)
إن هزيمة المستبدّ تعني حرّية الذين يستعبدهم. هناك النجاة من الموت، والنجاة من الخوف من الموت. والكاتب يعبّر عن خبرة (يثبتها التعليم) يعرفها جميع الذين سلّموا نفوسهم إلى الله بالايمان بالمسيح. من أجل خبرة التحرير هذه، لا نرجو شيئًا ولا نعمل شيئًا، بل نتعرّف إلى ما ناله لنا المسيح فنفرح به الآن. هكذا نعرف أن لا شيء في الكون (حتّى الموت) يستطيع أن يفصل المؤمن عن محبّة الله التي في المسيح (روم 8: 38). في الواقع، ((ابتلع الموت في الغلبة)) (1كور 15: 54) بالنسبة إلى المؤمن. وهذا ما يستطيع أن يؤثّر في موقفنا من الموت، لا موتنا وحسب، بل موت أقاربنا وأحبّائنا. لهذا، يوبّخ الذهبي الفم المؤمنين الذين ينتحبون على موتاهم، وكأن لا رجاء لهم بالقيامة.
((فإنه لم يأت لإغاثة الملائكة، بل لإغاثة نسل ابراهيم)) (2: 16)
إن الفعل ((ابيلمباناتاي)) يعني أمسك، هيّأ. رج مت 14: 31؛ لو 9: 47؛ 14: 4؛ 23: 26. قال آباء الكنيسة: بالتجسّد أمسك الابن البشريّة. قال امبروسيوس: أخذ زرع ابراهيم أي وُلد في جسد. وقال توما الاكويني: أخذ الطبيعة البشريّة. إن البشريّة الذي أخذها الابن لنفسه، صُوّرت في عبارة زرع ابراهيم، نسل ابراهيم. حدّثنا مت 1: 1 ي عن تحدّر يسوع من ابراهيم، وهذا ما يدلّ على حقيقة بشريّته. كما يدلّ على أنه دخل في عهد أقامه الله في ابراهيم وأوصله المسيح إلى كماله. هذا ما يقوله بولس في غل 3: 16: ((نسل ابراهيم هو المسيح)). وفي آ 26- 29 نقرأ: ((لأنكم جميعًا أبناء الله بالايمان بالمسيح يسوع... فإذا كنتم للمسيح، فأنتم إذن نسل ابراهيم وورثة بحسب الموعد)).
حين قال الكاتب إن المسيح أخذ زرع ابراهيم، جعل التجسّد في إطار العهد الذي فيه يمثّل الابن المتجسّد مركز الصدارة. هو زرع عهد ابراهيم، وشعبه اتحد به اتحادًا روحيًا، دون توقّف عند عرق أو حضارة. هم فيه ((أبناء كثيرون)) معدّون للمجد (آ 10). فلا يستحي أن يدعوهم إخوته (آ 11). تقبّلوه وآمنوا باسمه فأعطاهم سلطانًا به صاروا أبناء الله (يو 1: 12).
((ومن ثم كان لا بدّ له أن يكون، في كل شيء، شبيهًا بإخوته، لكي يكون في ما هو من الله، حبرًا رحيمًا أمينًا بحيث يكفّر خطايا الشعب)) (2: 17)
كل هذا يعني ضرورة التشبّه بإخوته، والتماهي مع الجنس البشري الذي جاء يخلّصه. وذلك في تجسّد حقيقي يشمل اللحم والدم (الضعف) كما يشمل الشعور والعواطف. إخوته. رج آ 11. هي البشريّة التي سارت وراء يسوع. هذا التشبّه بإخوته أهّله لأن يكون حبرًا رحيمًا. وكهنوته هذا لم يكتمل بذات الفعل، بل في التجسّد.
عبر هذه الرسالة، نجد أكثر من تنبيه حول واقع دينونة الله. فذلك الذي لا يهتمّ بالخلاص العظيم الذي هيّأه الله، لا يستطيع أن يُفلت من العقاب (2: 3). لهذا نقرأ في 3: 12: ((إحذروا، أيها الاخوة، من أن يكون لأحد منكم قلب خبيث وغير مؤمن)). وفي 4:1: ((فلنخشَ اذن أن يوجد أحد منكم متخلّفًا عن موعد الدخول إلى راحة الرب)). وتحدّث 10: 27 عن نار سوف تلتهم المعتدين.
ولكن محبّة الله حاضرة مثل غضبه وعقابه. ونعمته ثابتة مثل عدالته. هو لا يضع غضبه جانبًا لكي يمارس رحمته. بغضه للاثم وحبّه لخلائقه يسيران معًا. لهذا، حين كنّا خطأة وأعداء له، أرسل ابنه كفّارة عن خطايانا (1يو 4: 8 ،10؛ روم 5: 6، 8- 10).
((وإذ إنه هو نفسه تألّم وابتلي، صار في طاقته أن يغيث المبتلين)) (2: 18)
وما يدلّ على حقيقة بشريّة من صار كاهنًا رحيمًا وأمينًا، وعلى أنه صار حقًا شبيهًا بنا، هو أنه تألّم وجرِّب (ابتلي). من يختبر يمكن أن يقع في التجربة. ولكن يسوع وحده لم يعرف الخطيئة (4: 15) وتعلّم أن يكون طائعًا للآب رغم الآلام التي احتملها (5: 7- 8). رفقةُ البشر المتألّمين، جعلت منه حبرًا رحيمًا. قال بعضهم: وحدها خبرة الخطيئة تجعل يسوع يحسّ مع البشريّة الساقطة. ولكن بالنسبة إلى الابن المتجسّد، السقوط في التجربة التي تعني رفقة الخطأة، تعني أيضًا سقوطًا وهزيمة، بحيث لا يستطيع أن يقوم بوظيفة الحبر في كمالها (5: 10)، كما لا يستطيع أن يأتي لعوننا ويقودنا في طريق الظفر. ونخطئ إن اعتبرنا أنه إن لم يسقط، لم يعرف التجربة كما يعرفها الخطأة. فهو حين تغلّب على التجربة وأكّد على أنه لم يخطأ، نما إحساسه معنا ولم ينقص. فهو يعرف قوّة التجربة بشكل لا نعرفه.
فالغوث الذي يقدّمه المسيح الذي يجاهد في وسط التجربة، ليس غوث انسان لانسان، بل غوث الفادي إلى الخاطئ. وهذا العون يرتبط بشعوره معنا نحن الذين نحتمل التجربة لنصل إلى النصر. كما يمنحنا قوّة صليبه وغلبة قيامته. وهكذا صار عونه عونين: غفر خطايانا وألغى سقطاتنا الماضية. ثم أعطانا القوّة لنتغلّب على التجربة. فسيطرة يسوع على التجربة تعني بالنسبة إلى المسيحي أنه حطّم سلطان الخطيئة فيه (روم 6: 14). هذان الواقعان (المغفرة، القوّة)، هما حاضران أمامنا: فكاهننا الرحيم والأمين كفّر عن خطايانا. وبما أنه انتصر، استطاع أن يساعد المجرّبين.

خاتمة
يسوع هو الحبر الرحيم. أما الملائكة فلا يستطيعون أن يمارسوا مثل هذه الرحمة تجاه البشر. لهذا، صار يسوع الكاهن الكامل الذي يستجيبه الله ويعين الخطأة. هذه الفكرة التي تضمّنها ذكر غفران الخطايا (1: 3)، تهيّئ صياغة الموضوع الرئيسي في الرسالة: كهنوت المسيح في كل اتساعه. وجاءت آ 9- 10 ،11 ، 17 ،فقدّمت مشروع الخلاص في إطار مثلّث: الله، المسيح، الانسان. الله أراد بحبّه أن يخلّص الخطأة. لهذا قرّر تجسّد الابن وآلامه. وابن الله الذي كشف الله، يتفوّق على جميع الخلائق. وبما أنه الفادي، فهو يشارك الذين يخلّصهم في حياتهم، في وضعهم بما فيه من ضعف وخطيئة. هذا الوسيط هو وحده كامل، وإن قرّر الله في حكمته وحبّه أن يرسله إلى الموت. يبقى على الانسان أن يسلّم نفسه إلى هذا الكاهن الذي كفّر عن الخطايا واستطاع أن يغيث المبتلين بعد أن جرِّب هو وتألم. أما همّه فتحرير الانسان الخائف من الموت، من سلطان الموت. ومشروعه أن يجمع نسل ابراهيم، سواء جاء من العالم اليهوديّ أو من العالم الوثنيّ. بل جعل نفسه ابنًا مع الابناء الكثيرين، وأخًا مع إخوة لم يستح أن يسمّي نفسه أخاهم. أعطاه الله أولادًا فلم يُفقد واحدٌ منهم، إلاّ ابن الهلاك (يو 17: 12)، أي صاحب القلب الخبيث الذي رفض الايمان فسقط، فكانت آخرته اللعنة وعاقبته الحريق (6: 8).
القسم الثاني
يَسُوع حبر رحيم وَأمين
3 :1- 5: 10


يبدو هذا القسم من عب في اتّجاهين يتّصلان بشكل هذا الحبر الذي هو عظيم اعترافنا. هو حبر أمين، ونحن نؤمن به، ونضع عليه اتكالنا (3: 1-4: 11). وهو حبر رحيم (5: 1- 10) تألّم فكمُل بآلامه، وحمل إلى البشريّة الخلاص. نقسم هذا القسم إلى أربعة فصول: أمانة موسى وأمانة يسوع (3: 1-6). أمانة المسيح وأمانة المسيحيين (3: 7-4: 11). كلام الله والمسيح الكاهن (4: 12- 16). يسوع الحبر الرحيم (5: 1- 10).
الفصل السابع
يسوع المسيح عظيم كهنتنا
1:3 – 10:5

حين بيّن صاحب عب تفوّق المسيح على الملائكة، أراد أن يعظّم ذاك الذي هو وسيط العهد الجديد، وينعش إيمان القرّاء وثقتهم بيسوع. ذاك كان هدفَ القسم الأول. وهو أيضًا هدف القسم الثاني الذي يبرز طابعُه الارشاديّ بشكل خاص (3: 7ي). لن نبحث عن مواجهة بين وسطاء العهد القديم ووسيط العهد الجديد، بين موسى ويشوع وهارون من جهة، وبين يسوع من جهة ثانية، لندلّ على تفوّق المسيح. في الواقع، يستفيد الكاتب من كل الظروف لكي يُبرز عظمة الشريعة الجديدة على الشريعة القديمة، مستفيدًا من جميع المقابلات لكي يُسند برهانه.
أما موضوع القسم الثاني فهو: تألم (بابونتن، 2: 18) الابن المتأنّس، فصار الكاهن (ارخياروس) الرحيم (الايمون) والأمين (بستوس 2: 17) الذي يستطيع أن يغيث (بوئيتيساي، 2: 18) المبتلَين (المجرَّبين). استعاد القسم الثاني هذه الكلمات المفاتيح (3: 1، 2)، فكان اتجاهان: اتجاه أول يتحدّث عن يسوع ككاهن أمين لله (3: 1 - 6). واتجاه ثان يتحدّث عن الحبر الرحيم (5: 1 - 10). وبين الاثنين نجد ارشادًا طويلاً حول مز 95 (3: 7 - 4: 16)، يبدأ مهدّدًا وينتهي مشجعًا (4: 1 - 11).
أفكار ثلاث تتوزّع هذا القسم: الأولى، انطلق الكاتب من ناموس التعارض، فأكّد تفوّق المسيح على أشخاص العهد القديم، من ملائكة وبشر. الثانية، ما زال يتطلّع إلى المسيحيّين، فيدعوهم إلى الايمان بالله وإلى الأمانة لوصاياه، ويشجّعهم في مسيرتهم نحو السماء، ويدعوهم إلى الاجتهاد. الثالثة، وسّع في هذا السياق الأدبيّ والنفسيّ موضوعه التعليميّ الأساسيّ الذي هو كهنوت المسيح. بعد أن حدّد مخطّط الله الخلاصي، بين ضرورة تجسّد الابن وموته. فاستنتج أن الابن المتجسّد هو كاهن رحيم وأمين يقود كنيسته إلى الراحة. ذاك هو موضوع إيماننا.

1 - الاتجاه الأول: يسوع كاهن أمين (3: 1 - 4: 16)
يبدأ الاتجاه الأول في القسم الثاني بجملة احتفاليّة (3: 1 - 2): فالكاتب يتوجّه للمرّة الأولى إلى سامعيه بشكل احتفاليّ، ويلحّ عليهم بطريقة لا نعود نجدها فيما بعد.
((إذن، أيها الأخوة القديسون، الذين لهم نصيب في الدعوة السماوية، تأمّلوا...)).
تبدو الجملة بشكل تحريض يتميّز عن سياق 2: 5 - 18 وما فيه عن عرض تعليميّ. هذا ما يدلّ حقًا على بداية القسم الثاني. ويدعو الكاتبُ المؤمنين لكي يتأمّلوا بموضوع جديد هو موضوع الكهنوت الذي أشار إليه في القسم الأول. وهكذا دلَّ على أن 2: 17 شكّل إعلان التوسّعات الآتية. غير أن الكاتب لا يستعيد كل ما في 2: 17، بل يكتفي بوجهة واحدة: حبر أمين، عظيم كهنة نستطيع أن نثق به. أما الوجهة الثانية (الكاهن رحيم) فستكون موضوع الاتجاه الثاني. هذه البداية (3: 1 - 2) تبدأ مقطعًا ارشاديًا (3: 7 - 4: 16). ولكن يسبق هذا الارشاد عرضٌ كبير يبدأ بفعل: ((تأمّلوا)). وهكذا نكون أمام مقطع أول (3: 1 - 6) ومقطع ثان (3: 7 - 4: 16) سنقسمه إلى فصلين.

أ - أمانة موسى وأمانة يسوع (3: 1 - 6)
إن ارتباط هذه العبارة البادئة (3: 1 - 2) مع ما سبق، يتأمّن بتكرار لفظ ((حبر)) ثم ((أمين)). وهناك أيضًا تسمية ((الاخوة)) التي انتشرت بين المسيحيين فعكست تشبّه المسيح بإخوته (2: 17؛ رج 2: 11). أما الصفة ((القديسون)) فتعود إلى 2: 11 الذي يتحدّث عن تضامن وثيق بين ((المقدِّس والقديسين)). و((الدعوة السماوية)) تقابل 2: 10 الذي يرينا الله وهو ((يقود إلى المجد أبناء كثيرين)). أما ((ماتوخوس)) (مشارك، له نصيب) فهو صدى لفعل ((ماتاسخن)) (2: 14): بما أنه كان للمسيح نصيب (شركة) في واقع البشر (في الدم واللحم)، يُدعى المسيحيون لكي تكون لهم شركة (نصيب) في واقع الله (3: 1: الدعوة السماوية؛ رج 1: 9). وأخيرًا، يرد اسم ((يسوع))، فيعود الكاتب بنا إلى 2: 9.
وها نحن نورد نصّ هذا المقطع كله: 
3: 1 وإذن، أيها الاخوة القديسيون الذين لهم نصيب في الدعوة السماويّة
تأمّلوا الرب والحبر الذي نعترف به، يسوع
3: 2 الذي هو أمين لمن أقام،
كما كان موسى في جميع بيته.
3: 3 فإنه قد حُسب في المجد
أفضل من موسى
بمقدار ما الباني
يفضل البيتَ في الكرامة
3: 4 إن لكل بيت بانيًا،
وباني كل شيء هو الله.
3: 5 فموسى كان أمينًا، بصفة خادم، في جميع بيته (= بيت الله)
لكي يشهد لما سيُقال.
3: 6 أما (دي) المسيح فكالابن
على بيته الخاص
وبيته هو نحن،
إن أقمنا على الثقة وفخر الرجاء.
نلاحظ أولاً تفاصيل تدلّ على اهتمام الكاتب بأسلوبه الادبي. في آ ،1 ترتيب متداور. من جهة، (أ) الموصوف (الاخوة)، (ب) مفعول به (دعوة) يرتبط (ج) بصفة، مشارك. ومن جهة ثانية، (ج ج) صفتان (رسول، حبر) يحدّدهما (ب ب) مفعول به، ثم (أأ) موصوف هو يسوع. ونكتشف أيضًا في آ 3 توازيًا متداورًا: 
- هو - يفضل 
- تجاه موسى - البيت 
- حسب - في الكرامة 
كما نكتشف توازيًا بسيطًا: 
- بلايونوس (أفضل) - بلايونا 
- دوكسيس (مجد) - تيمين (كرامة). 
وأخيرًا، نجد التوازي في آ 5 - 6: من جهة، موسى كخادم. ومن جهة ثانية، المسيح كالابن. أما التعبير الذي ينطلق من ((البيت)) فهو في تواز متداور: في كل بيته خادم... كابن على بيته.
كيف تبدو بنية آ 3 - 6؟ هناك خطان: 
* خطّ أوّل يميّز في النصّ ثلاث وحدات مستقلّة.
آ 3: مقابلة بين موسى والمسيح.
آ 4: معترضة.
آ 5 - 6: مقابلة ثانية بين موسى والمسيح.
ما يحدّد تقطيع النصّ بهذا الشكل ليس إشارات أدبيّة، بل شرح آ 3. ففي نهاية الآية، يدل ((الباني)) (بشكل مباشر) على المسيح. لهذا، اعتُبرت آ 4 معترضة (نستطيع أن نضعها بين قوسين). لها صفة البناء. أو لها بُعد لاهوتيّ. ولكنها لا تدخل دخولاً عاديًا في التوسيع، لأن عمل البناء يعود إلى الله، لا إلى المسيح.
إذن، يكون تحليل النصّ كما يلي: 
3: 3: المسيح يتفوّق على موسى، لأنه يبني البيت.
(3: 4: الذي يبني هو الله).
3: 5: المسيح يتفوّق على موسى لأنه الابن لا الخادم.
ماذا نقول في هذا التقسيم الذي ينسى الدور الأساسيّ الذي تلعبه آ 4؟ هنا نعود إلى آ 3 (يرتبط بها المقطع كله) التي تحمل شرحًا آخر: هي لا تؤكّد بأن المسيح هو الذي يبني البيت. حينئذ يجب أن نقول: موسى هو البيت، وهذا ما لا يفكّر فيه أحد. ولكن الكاتب يقول إن علاقة موسى بالمسيح تشبه علاقة البيت ببانيه. والأمران يختلفان.
* خطّ ثان يفهمنا أن آ 3 هي شرح لما سبق.
نجد أولاً (آ 4) الاداة ((غار)) (الفاء)، ثم واو العطف (آ 5). هذا يعني أننا أمام شرح لما سبق. كما يعني أن الآيتين تشكّلان مجموعة واحدة. لهذا، تكون بنية المقطع كما يلي: 
- آ 1 - 2: تذكير بالقسم الأول وإدخال المقابلة بين يسوع وموسى.
- آ 3: علاقة التفوّق.
آ 4 - 6أ: تفسير هذه العلاقة.
آ 6ب: انتقال إلى التحريض الذي يلي.
هكذا، لا تعود آ 4 معترضة، بل مفصل البرهان. على مستوى ((الأمانة))، ما هو حاسم، العلاقة مع الله. فالمسيح أمين في شكل يتفوّق فيه على موسى، لأن علاقته بالله الذي يبني في علاقة مختلفة. موسى هو خادم. هو جزء من البيت. هو أمين لله في البيت، فتستطيع سائر الحجارة أن تستند إليه. ويسوع هو الابن. إذن البيت المبنيّ هو بيته أيضًا. وعلاقته به كعلاقته بالله نفسه. قال الكاتب فيما سبق إن الله خلق العالم بابنه (1: 2). وطبّق على الابن مزمورًا ينشد عظمة الخالق (1: 1). إذن، يحقّ للمسيح ايمان (وثقة) يختلف كل الاختلاف عن ذاك الذي يستحقّه موسى: لقد أقيم على بيته. هذا هو منطق هذا المقطع (3: 1 - 6): بما أن الأول خادم والثاني ابن، صارت العلاقة بين موسى والمسيح كعلاقة البيت ببانيه.
وإذا توقّفنا عند آ 5 - 6 ،نكتشف أن الكاتب أدخل تفاصيل إضافيّة فيما يخصّ البيت. أولاً، نجد عبارتين تختلفان اختلافًا طفيفًا: كل بيت هذا. بيت هذا. ويوضح الكاتب معنى ((البيت)): البيت هو نحن. هل نفهم كذلك العبارة الأولى (كل البيت) التي تعني موسى؟ كلا، على ما يبدو. فإذا أردنا أن نلقي الضوء على عد 12: 7 (موسى أمين في كل بيته)، لا نعود إلى آ 6 (البيت هو نحن)، بل إلى آ 4 (إن لكل بيت بانيًا، وباني كل شيء هو الله). اذن، نفهم بعبارة ((كل بيت)) مجمل الخليقة. لقد قام دور موسى بأن يهيّئ شهادة للمسيح (على مثال يوحنا المعمدان).
والخلاصة: المسيح أهل للثقة في كل البيت، وفي درجة يتفوّق فيها على موسى (ظنَّ اليهود أن الأمانة توقّفت عند موسى!). قدّم الكاتبُ التوازي، وترك القارئ يستخلص النتيجة العامّة. فاكتفى بأن يشدّد على وجهة خاصة مهمّة. انتقل من ((كل بيت)) إلى ((البيت)): إذا أردنا أن نفيد كل الإفادة من أمانة المسيح، لا يكفي أن نكون في عالم بناه الله، بل يجب أن نصبح من بيته ونبقى في هذا البيت بايمان ثابت. تلك هي النتيجة التي تهمّ الكاتب والتي سيتوسّع فيها في المقطع التالي (3: 7 ي). وما يلفت الانتباه في هذا المقطع الصغير، هو أن لقب المسيح يرد هنا للمرة الأولى في الرسالة. اختلف الوضع بين اسم يسوع (ظهَر في 2: 9) وبين اسم المسيح. فاسم يسوع ارتبط بذكر الاتضاع والموت. أما اسم المسيح فأحيط بالمجد: مجد في علاقته بالآب. مجد في سلطانه على البشر: ((المسيح كالابن على بيته)) (3: 6).
وهيّأ الكاتب الطريق للقب المسيح (مُسح بالزيت وأرسل). فهناك إيراد كتابيّ يتحدّث عن مسحة، في المقطع الأول من القسم الأول. استعمل فعل ((إخريسان)) (مسحك) في 1: 9 ،فوصل بنا إلى 3: 6 (خرستوس، المسيح). ثم إن إيراد 1: 8 - 9 ينطبق على الابن (1: 8). ويتحدّث 3: 6 عن المسيح كالابن. منح الايرادُ لمسيح الله تفوّقًا على الذين يشاركونه (ماتوخوس). وهذه الآية (3: 6) جعلت المسيح ((على رأس بيته)). وهكذا استضاء مقطع بما قيل في مقطع آخر، مع تطبيق ((ماتوخوس)) على المسيحيين في خطّ اوغسطينس وشرحه للمزمور 44.
أخيرًا، نجد توازيًا في استعمال ((مجد)) و ((كرامة)) في 3: 3: مجد أفضل، كرامة أفضل. هنا نتذكّر الموضوع الأخير في القسم الأول حيث قيل عن المسيح: ((كان مكلّلآً بالمجد والكرامة)) (2: 8). فإن ((أمانة)) يسوع هي أمانة كهنوتيّة: فعلى أثر ذبيحته، كلّل يسوعُ بالمجد والكرامة (2: 9). وتوِّج كالابن ومسيح الله (1: 9). وكفالة الله له، التي تجعله أهلاً للثقة، هي كفالة لكهنوته. هذا ما يشير إليه الكاتب، وسوف يوضحه فيما بعد.

ب - أمانة المسيح وأمانة المسيحيين (3: 7 - 4: 16)
ونصل إلى المقطع الثاني الذي هو إرشاد يستند إلى مز 95 فيطلب من المسيحيين أمانة تتجاوب مع أمانة المسيح. وإذ أراد أن يشدّد بقوّة على ما يُطلب، استند كعادته إلى العهد القديم، فاتّخذ تحريضه شكل تفسير للمزمور 95: 
3: 7 كذلك، كما يقول الروح القدس: 
إن أنتم اليوم سمعتم صوته،
3: 8 فلا تقسّوا قلوبكم في المرارة.
كما في يوم الامتحان، في البرّية
3: 9 حيث امتحنني أباؤكم وخبروني
وشاهدوا أعمالي أربعين سنة.
3: 10 لذلك استشطت على ذلك الجيل
وقلت: إن قلوبكم زائغة على الدوام
ولم يعرفوا قط سبلي.
3: 11 كما أقسمتُ في غضبي: 
لن يدخلوا في راحتي!
سار الكاتب في خط السبعينيّة، ولم يبتعد عنها إلاّ في بعض التفاصيل. فبدل ((إدوكيماسان)) (خبروني) قال ((إن دوكيماسيا)) (3: 9)، في المحنة. وهكذا حوّل ترتيب الأشطار (في السبعينيّة: خبروني ورأوني). جعل ((ايدون)) محل ((ايدوسان)) (رأوا)، و((ايبون)) محل ((ايبا)) (قالوا) (3: 10). وأحلّ ((تاوتي)) محل ((اكايني)) (هذا)، وأقحم ((ديو)) (لذلك) بعد ((أربعين سنة)). غير أن هذا الاقحام يطرح سؤالاً: أين نضع علامة القطع في 3: 9 - 10؟ في النصّ العبراني، هي بعد ((أعمالي)). عارض المرنّم بين موقف بني اسرائيل الحذر وخبرتهم السابقة لتدخّلات الله. ((والاعمال)) التي يشير إليها هي معجزات الخروج من مصر. أما فعل ((رأى))، في الماضي (الكامل العبري) الذي تسبقه ((ج م)) (أمّا)، فيجب أن نفهمه كالماضي الماضي الذي يدلّ على زمن يسبق المحنة: ((إختبروني (امتحنوني) مع أنهم رأوا أعمالي)). أما ((أربعون سنة)) فتدلّ على الزمن الذي جاء بعد ذلك. فحدثُ مسّة، في سفر الخروج، يقع في بداية الإقامة في البريّة (خر 17: 7). وهكذا، ما يدوم أربعين سنة هو غضب الله.
في آ 17 ،استعاد الكاتب بوضوح هذا القول الأخير: ((غضب أربعين سنة)). إذن، نستطيع أن نوزّع 3: 9 - 10 كما يلي: 
حيث امتحنني آباؤكم في اختبار ورأوا أعمالي
أربعين سنة، لذلك استشطتُ.
بهذه الطريقة تمّ التوزيع التقليديّ لهذه الآيات: وانتهت آ 9 مع لفظ ((أعمال)). غير أن هذه القسمة تصطدم باعتراض غراماطيقي: إن ديو (لذلك) تُجعل عادة في بداية الجملة. فإذا بقينا على مستوى الغراماطيقي، نقسم نصّ الرسالة غير ما في العبري.وهكذا تصبح علامة القطع بعد ((أربعين سنة)) لا قبلها.
رأوا أعمالي أربعين سنة.
لهذا استشطت...
تلك هي الطريقة التي يأخذ بها الشرّاح اليوم. ولكن، لماذا بدّل الكاتب نصّه بهذا الشكل؟ كانت فرضيّات عديدة. ولكن يبدو أن الكاتب اهتمَّ بالاسلوب فحاول أن يحسّن التوازن في الجملة. حين ضمَّ ((أربعين سنة)) إلى ما سبق، حصل على شطرين متوازنين، مع ثلاثة عناصر في كل شطر.
امتحنني /آباؤكم/ في اختبار
ورأوا /أعمالي/ أربعين سنة.
لم يفهم الكاتب ((ايدون)) على أنه الماضي الماضي. فعبارة ((رأوا أعمالي)) تنطبق على الحقبة التاريخيّة التي فيها ((استشاط)). والاعمال التي يشير إليها، ليست معجزات الخروج من مصر، بل سلسلة الضربات الالهيّة التي ردّت على تذمّرات بني اسرائيل، خلال العبور في البرّية (عد 14: 29 - 30؛ رج عب 3: 17). ولكن صاحب عب اكتفى هنا بأن يتبع السبعينيّة، التي نقلت المضمون العبريّ نقلاً أمينًا. يستحيل في نصّه أن يُفهم أن ((ايدوسان)) تشير إلى عمل يسبق ((إدوكيماسان)) و((إبايراسان)). أما الجملة اليونانيّة ففرضت فهمَ ((ايدوسان)) على أنه يتمّ في وقت تمّ فيه هذان العملان، أو بعد ذاك الوقت. لذلك، لا ندهش إن فهمت عب الفعل بهذه الطريقة.
بعد هذا، كيف نرى ترتيب الآيات (آ 12 - 19) التي جعلت عددًا من الشرّاح في حيرة؟
3: 12 فاحذروا (فانظروا) اذن، أيها الإخوة، من أن يكون لأحد منكم قلب خبيث وغير مؤمن فيرتدّ عن الله الحي.
3: 13 بل عظوا بعضكم بعضًا كل يوم
ما دام يقال ((اليوم))
لئلا يقسو أحد منكم بغرور الخطيئة.
3: 14 فقد صرنا شركاء في المسيح
إن نحن أقمنا على الايمان، ثابتًا في النهاية كما في البداءة.
3: 15 في هذا القول: 
إن أنتم اليوم سمعتم صوته،
فلا تقسّوا قلوبكم بمرارة.
3: 16 من هم الذين سمعوا فأسخطوه؟
أفليسوا جميع الذين خرجوا من مصر على يد موسى؟
3: 17 وعلى من استشاط أربعين سنة؟
أفليس على الذين خطئوا
فسقطت جثثهم في البريّة؟
3: 18 ولمن أقسم أنهم لن يدخلوا في راحته
سوى الذين عصوا؟
3: 19 ونحن نرى أنهم لم يستطيعوا الدخول لعدم إيمانهم.
هناك تضمين بين آ 12 وآ 19 يجعلنا نرى في هذه الآيات الثماني وحدة أدبيّة أولى. نقرأ في آ 19 فعل ((بلاباين)) (رأى، نظر) والاسم ((أبستيا)) (لا إيمان) اللذين قرأناهما في آ 12. نشير هنا إلى أن ((أبستيا)) لن تظهر بعد ذلك في عب.
نلاحظ تلميحات عديدة إلى المزمور، ولكننا لا نجد سوى جملة واحدة (3: 15) تقع في قلب المقطع. قرأنا قبلها ثلاث جمل (في ثلاث آيات)، وبعد ثلاثة استفهامات تقابل الجمل الثلاث ولكن في ترتيب معاكس. فإذا أردنا أن نعرف، في الجملة الاولى، معنى ((ارتدّ عن الله الحيّ)) (آ 12)، نعود إلى الاستفهام الأخير (آ 18 - 19) الذي يكشف وجهتين من هذا الموقف. الأول: عصوا. الثاني: مُنعوا من الدخول إلى راحة الله. وإذا طلبنا شرحًا لعبارة ((غرور الخطيئة)) (آ 13) كما في الجملة الثانية، نجده في الاستفهام الثاني (آ 17) الذي يشير إلى غضب الله ضدّ الذين خطئوا ويصف حالتهم التعيسة: سقطت جثثهم في البريّة. وأخيرًا، إذا أردنا أن نقتنع بأن الثبات ضروريّ، وبأن على شركاء المسيح أن يظلّوا ثابتين في النهاية، كما كانوا في البداءة (آ 14)، نقرأ الاستفهام الأول (آ 16) ونتطلّع إلى الذين تبعوا موسى في بداية الخروج في مصر، ولكنهم، بعد أن سمعوا (اكوسنتس) التعليم، أسخطوا الله.
حين نقابل جزئي هذا النصّ، نلاحظ أن هذا الشرح ليس مرتجلاً، بل ألّف بعناية في إطار توازن متداور. أما بنية المجموعة فتتوافق مع المقابلة التي رأيناها في المقطع الأول (3: 1 - 6) بين موسى والمسيح. أما الجملة الأخيرة (آ 15) من هذه الجمل، فتذكّرنا بنهاية المقطع السابق: ثبت (آ 6 ،آ 14). المسيح (آ 6، آ 14). شركاء (آ 1 ،شركاء، آ 6 ، بيت، آ 14). في موازاة هذا، يهيّئ الاستفهام الأخير (آ 18) في الاستفهامات الثلاثة، ما يلي: دخول في راحة الله (آ 18؛ رج 4: 1 ،3، 5). نخسر هذه الراحة بالعصيان (آ 18؛ رج 4: 6 - 11). 
وكيف رتّب الكاتب ما تبقّى من تفسيره للمزمور 95: هنا نقرأ 3: 12 - 19 فنلاحظ استعادة حرفيّة للمزمور تبدأ بعبارة ((إن تو لاغستاي)) (آ 15). ونجد مرتين عبارة مشابهة تلعب دورًا مماثلاً. في 4: 3: ((كاتوس ايريكن)) (كما قال) تسبق إيراد آية أخرى من المزمور. وفي 4: 7 ((كاتوس بروايريتاي)) (كما قيل في السابق) تعلن تكرار المقطع الذي قرأناه في 3: 15. هذه الملاحظة تقودنا إلى القول بأن 4: 3 و4: 7 يحتلاّن مركزًا رئيسيًا على مثال 3: 15. وفي الواقع، هناك تضمين يبدأ في 4: 1 (آيتان قبل 4: 3) وينتهي في 4: 15 (آيتان بعد 4: 3). يتحدّث 4: 1 عن وعد بالدخول في راحته. ويستعيد 4: 5 عبارة المزمور: لن يدخلوا في راحتي. وبجانب كل ايراد، نجد تضمينًا بين آ 6 وآ 11.
4: 6 وإذ كان لا بدّ أن يدخل فيها قوم، لأن الذين بُشِّروا أولاً لم يدخلوا بسبب عصيانهم.
4: 11 فلنجتهد إذن أن ندخل في تلك الراحة، لئلا يسقط أحد في مثل هذا العصيان.
لا نقرأ لفظ ((ابايتايا)) (عصيان، عدم خضوع) في عب إلاّ في هاتين الآيتين. هكذا اعتاد صاحب عب أن يفعل فيحتفظ من أجل تضمين يبنيه، لفظة لن يعود يستعملها فيما بعد. ذاك كان الوضع بالنسبة إلى ((أبستيا)) (لا إيمان) في 3: 12، 19. رج ((نوتروي)) (بطء الفهم) في 5: 11 و6: 12؛ ((تراخومن)) و((تروخياس)) في 12: 1، 13 (السعي): ((هومولوغيا)) (الاعتراف) في 3: 1 و4: 14. ولكن رج 10: 23.
إذن، يتوزّع شرح المزمور على ثلاث قسمات (3: 19012؛ 4: 1 - 5؛ 4: 6 - 11). وتُبنى كل قسمة حول استعادة جزئيّة للنصّ المشروح. في القسمة الأولى والقسمة الثالثة، الايراد الكتابيّ هو هو، وإن اختُصر بعض الشيء في 4: 7.
وإليك القسمة الثانية: 
4: 1 فلنخشَ إذن 
ما دام موعد الدخول في راحته باقيًا
أن يُرى أحد منكم متخلّفًا عنه.
4: 2 لأن البشارة كانت لنا
أيضًا كما كانت لهم.
غير أن الكلمة التي سمعوها لم تنفعهم شيئًا
لأنهم لما سمعوها لم يؤمنوا بها.
4: 2 أما نحن الذين آمنوا، فندخل في الراحة،
حسب ما قيل: 
أقسمتُ في غضبي: 
لن يدخلوا في راحتي.
فإن الأعمال قد أنجزت منذ إنشاء العالم
4: 4 إذ إنه قال في موضع ما عن اليوم السابع: 
واستراح الله في اليوم السابع من جميع أعماله.
4: 5 وأيضًا في هذا الموضع: 
لن يدخلوا في راحتي!
توسّعٌ متشعّب. ومع ذلك نكتشف فيه جزئين متعاقبين: قبل الايراد الكتابي (آ ،3 أقسمتُ في غضبي)، يشدّد الكاتب على فكرة الدخول (دخل، تخلّف، ندخل) وعلى علاقته بالايمان. بعد الايراد، يحدّد نوعيّة هذه الراحة التي يتحدّث عنها. هذا في ما يخصّ المضمون. وفي ما يخصّ الشكل نكتشف توازيًا متداورًا: 
1 - دخل في راحته (أ)
تخلّف (ب)
بُشّر (ج)
ما انتفع
سُمعت الكلمة (ج ج)
اتحدوا بالايمان (ب ب )
ندخل في الراحة (أأ). رج آ 1 - 2
2 - لن يدخلوا في راحتي (أ)
الأعمال (ب)
السابع (ج)
استراح
اليوم السابع (ج ج)
أْعماله (ب ب)
لن يدخلوا في راحتي (أأ). رج آ 4 - 5.
ونصل إلى القسمة الثالثة التي تنهي شرح المزمور 95: 
4: 6 وإذ كان لا بدّ أن يدخل فيها قوم
لأن الذين بُشّروا أولاً لم يدخلوا بسبب عصيانهم
4: 7 حدّد من جديد يومًا ((اليوم))
إذ قال في داود بعد ذلك بعهد طويل،
القول الآنف الذكر: 
إن أنتم اليوم سمعتم صوته
فلا تقسّوا قلوبكم
4: 8 فلو كان يشوع أنالهم هذه الراحة
لما تكلّم من بعد عن يوم آخر.
4: 9 فهناك راحة سبتيّة محفوظة لشعب الله.
4: 10 فمن دخل في راحته (= راحة الله)
استراح هو أيضًَا من أعماله
كما استراح الله من أعماله الخاصة.
4: 11 فلنجتهد اذن أن ندخل في تلك الراحة
لئلاّ يسقط أحد في مثل هذا العصيان.
هذه القسمة الأخيرة تشرح ((اليوم)) في المزمور، فترى فيه شهادة عن إمكانيّة الدخول في راحة الله. قد نتردّد في صيغة الاحتمال التي نقرأها في 4: 10: هل نعتبر أننا أمام تكرار يعود، فنترجم الفعلين في صيغة الحاضر (يدخل، يستريح)؟ أم نعتبر أننا أمام حدث من الماضي مع شخص محدّد؟ اعتاد الشّراح أن يروا في هذين الفعلين تأكيدًا مبدأيًا (الحاضر). أما نحن فنعود إلى العلاقات البنيويّة: 
قبل الايراد الكتابي وبعده (4: 7 ب: إن أنتم) تبدو الآية صدى لأختها. إن 4: 8 (تكلّم، من بعد، يوم)، يقابل 4: 3 أ (يوم، قائلاً، بعد ذلك الوقت). والآيات الثلاث الأخيرة (آ 9 - 11) تستعيد الآية الأولى (آ 6) وتكمّلها: البعض يدخل (آ 6أ). راحة سبتية لشعب الله (آ 9). ثم: الذين بُشِّروا أولاً لم يدخلوا (آ 6ب). يقابلها بشكل تعارض: ذاك الذي دخل في راحته استراح هو أيضًا من أعماله، كما استراح الله من أعماله الخاصّة (آ 10). وأخيرًا: بسبب عصيانهم (آ 6ج). يقابله: لئلا يسقط أحد في مثل هذا العصيان (آ11 ، نهاية القسمة).
نلاحظ هنا مزيجًا من توازيين
متداور: 6 ... 9 - 11 بسيط: 6أ ... 9
7 أ ... 8 6 ب ... 10
7 ب 7 ب ... 11
ترتبط هذه القسمات الثلاث (3: 12 - 19؛ 4: 1 - 5؛ 4: 6 - 11) بسلسلة من التقابلات. فالثانية مركزيّة وتلعب دور الوصل بين الأولى والثالثة: فالشق الأول منها يستغلّ موضوع اللا إيمان (4: 2: لم يؤمنوا؛ 4: 3: الذين آمنوا) كما في القسمة الأولى (أبستيا، 3: 12 ، 19). والشقّ الثاني من القسمة الثانية يحدّد راحة الله (4: 4) ويرتبط ارتباطًا وثيقًا بالقسمة الثالثة (4: 10). غير أن الثالثة قد هيّأها الشقّ الأول من الأولى. فعبارة ((يوم بعد يوم ما دام يقال اليوم)) (3: 13) هي استباق لشرح ((سيمارون)) (اليوم) في 4: 6 - 9. والايراد المركزي هو هو في الأولى (3: 15) وفي الثالثة (4: 7). وهكذا نقرّب بين 4: 9 - 10 و3: 14: فأعضاء شعب الله (4: 9) الذين حُفظت لهم راحة السبت هم شركاء المسيح (3: 14). والراحة التي تُمنح لهم، إن ظلّوا ثابتين في النهاية كما كانوا في البداية (3: 14)، تُفهم مشاركة في راحة المسيح نفسه، الجالس عن يمين الله. في هذا المنظور، يصبح التفسير الكرستولوجيّ واضحًا: فالذي دخل في راحته هو المسيح (نلاحظ أن ((دخل)) في صيغة الاحتمال ترد ثلاث مرات وكلها تتعلّق بدخول المسيح إلى السماء. رج 6: 20؛ 9: 12، 24: تصوّر راحة المسيح في 10: 11 - 17): هو رسولنا (ابوستولوس، 3: 1). هو قائد (ارخيغوس) خلاصنا (2: 10). وسيعلن 4: 14 أنه اجتاز السماوات. إذا كانت هذه الخاتمة (التي تقابل ما قيل في البداية حول دعوة المسيحيين السماوية) قد هيّئت في القسمة الثالثة، فقد هُيّئت في 4: 10 ،وهي آية لا نفهمها عن دخول كل فرد من شعب الله وحده، بل عن طريق مفتوح للشعب كله بواسطة يسوع (يشوع الجديد) سابقنا (6: 20؛ رج 10: 20).
ونصل إلى التقابلات، فنتوقّف عند بداية كل قسمة ونهايتها.
- الجملة الأولى في القسمة الثانية (4: 1) تذكّرنا أيضًا ببداية القسمة الثانية
فلنخشَ ما دام أحد منكم متخلّفًا (4: 1) 
احذروا ما دام لأحد منكم يرتدّ(3: 12) 
- إن الجملة الأولى في القسمة الثالثة (4: 6) ترتبط ربطًا مباشرًا بنهاية القسمة الثانية (4: 5): لم يدخلوا في (4: 6) تعود إلى ((لن يدخلوا في راحتي)) (4: 5). وهذه الجملة عينها (4: 6) تتضمّن تلميحًا إلى بداية القسمة الثانية (4: 1 - 2). بل هي توجزها: بقي أن بعضًا دخلوا (4: 6) هي صدى: بقي وعد الدخول (4: 1). ((الذين بُشِّروا أولاً)) (4: 6) تذكرنا بما في 4: 2: ((البشارة بالموعد كانت لنا أيضًا)). وأخيرًا، لفظ ((ابايتايا)) (عصيان) الذي يجعل القسمة الثالثة في تضمين (4: 6 ،11)، قد هيّئت في نهاية القسمة الثالثة (3: 18) مع فعل ((ابايتيساسين)) (عصوا).
بسبب هذه الرباطات المتعدّدة عكست الجملة الأخيرة في القسمة الثالثة مجمل التفسير
- مع عصيان ودخل هي تشكّل تضمينًا مع بداية القسمة الثالثة (4: 6).
- مع دخل في الراحة، هي تعود إلى نهاية القسمة الثانية (4: 5).
- مع هذه العبارة عينها وببنيتها، شكّلت أيضًا تضمينًا مع بداية القسمة الثانية (4: 1). هنا، نستطيع أن نقابل 4: 1 و 4: 11.
- تشكّل عبارة ((دخل في الراحة)) ولفظة ((عصيان)) رباطًا مع نهاية القسمة الثانية (3: 18 - 19).
- ونكتشف أخيرًا علاقة بنية ومضمون مع الجملة الأولى في القسمة الأولى، أي في بداية تفسير المزمور 95: لئلاّ (هينا مي) قريبة من ((بلاباتي)) (احذروا) في 3: 12. والعصيان (ابايتايا) قريب من اللا إيمان (أبستيا)، والسقوط (باسي) من التخلّف (ابوستيناي).
وترد قطعة قصيرة بعد تفسير المزمور: هي امتداح لكلمة الله (رج حك 7: 22 - 8: 1).
4: 12 كلمة الله حيّة
وفعّالة
وأمضى من كل سيف ذي حدّين
تنفذ حتّى مفرق النفس والروح
والاوصال والمخاخ
وتميّز خواطر القلب ونيّاته،
4: 12 وما من خليقة مستترة عنها.
بل كل شيء عار ومكشوف لعينها
ولها نؤدّي حسابًا (لوغوس).
إن ((غار)) يربط آ 22 بما سبق: فالعصيان لا يمكن إلاّ أن يُعاقب، لأن كلمة الله تحمل قوّة هائلة. أن اللفظة ((حيّ)) التي قرأناها في بداية القسمة الأولى في عبارة ((الله الحيّ)) قد هيّأت الطريق لهذه القطعة. وهناك تضمين يبدأ هذه الجملة الطويلة ويبنيها: في البداية: لوغوس تو تيو. وفي النهاية: ((هامين لوغوس)). نشير إلى أن معنى لوغوس يختلف. في البداية: كلمة الله. وفي النهاية: الحساب الذي نؤديه. ونجد غرابة حين نلاحظ أن ((بروس هون)) (له) يدلّ في البداية على الكلمة: توجّه الكلمة إلى الكلمة. في الواقع، تحوّلت كلمة الله وغاصت في نهاية الجملة مع الله. عندئذ يفهم القارئ أنه مسؤول أمام الله. تقبّلنا كلمة الله، يجب أن نجيب عنها، بل يُطلب منا حساب بسببها.
تقسم الجملة قسمين. في الأول، لوغوس هو الفاعل مع خمس صفات (حيّ، فعّال، ماض، ينفذ، يميّز). في الثاني، لم يعد لوغوس الفاعل، بل نحن أمام عبارتين: واحدة سلبيّة (ما من خليقة) والثانية إيجابيّة (بل كل شيء). وفي النهاية يأتي الحكم: له نؤدّي الحساب.
إذن، يشكّل مديح كلمة الله هذا قطعة مدروسة تمثّل في بنية الاتجاه (3: 1 - 4: 14) مكانة محدّدة: إنه يقابل ايراد المزمور. يتوازى الاستشهاد بكلمة الله مع مديح كلمة الله من هذه الجهة من التحريض ومن تلك.
3: 7 - 11: إيراد كلمة الله
3: 12 - 19: قسمة أولى
4: 1 - 5: قسمة ثانية
4: 6 - 11: قسمة ثالثة
4: 12 - 13: مديح كلمة الله.
ليس المديح تحريضًا، ولكن قد يبدو التحريض بشكل عرض تعليميّ (4: 8 - 10). ثم إن المديح توخّى النتيجة التي توخّاها التحريض: ألهم الاحترام والخضوع لنداء الله. وهكذا يشكّل مديحُ الكلمة خاتمة المقطع التحريضي (3: 7 - 4: 13).
ونقرأ
4: 14: وإذ لنا حبر عظيم قد اجتاز السماوات،
يسوع ابن الله،
فلنبث على الاعتراف.
وهكذا نعود إلى 3: 1 (حبر، سماوات، يسوع، اعتراف). أما ((سماوات)) فتقابل ((سماوي)). حين أعلن الكاتب أن يسوع اجتاز (دخل) السماوات، كشف أساس دعوة المسيحيي السماويّة (3: 1)، فدلّ بهذه الطريقة على العلة التي تحرّك فينا الثقة (4: 10 - 11). أما فعل ((كراتاين)) (ثبت) فهو امتداد لتحريض قرأناه في 3: 7 - 4: 11 وامتداد له.
وينتهي هذا الاتجاه مع 4: 15 - 16 الذي يشكّل خاتمة الاتجاه الأوّل، ومقدّمة الاتجاه الثاني: 
4: 15 فإن الحبر الذي لنا ليس عاجزًا عن الرثاء لأسقامنا، بل هو مجرّب في كل شيء، على مثالنا، ما خلا الخطيئة.
4: 16 فلنقترب إذن في ثقة إلى عرش النعمة
لننال رحمة
ونجد نعمة تعيننا في الحاجة.
ماذا نجد في هاتين الآيتين.
أولاً، هما تؤمّنان الرباط مع ما سبق. فالبنية تستعيد بنية آ 14. ما قرأنا فيها (لنا حبر عظيم) يتلاقى مع آ 15 (ليس لنا حبر عاجز). ونهاية آ 14 (نثبت على الاعتراف) تتلاقى مع آ 16 (لنقترب).ثانيًا، هما تذكّران بالموضوع الذي أعلن في 2: 17 - 18: 
4: 15 حبر 2: 17 حبر
يستطيع 2: 18 يستطيع أن يرثي 2: 18 ابتلي
جرّب (الكامل) 18:2 جرّب (صيغة الاحتمال)
شبيه في كل شيء 2: 17 شبيهًا بإخوته
4: 16 لكي ننال الرحمة 2: 17 ليكون رحيمًا
لعون مناسب 2: 18 يستطيع أن يعين.
ثالثًا: ذكّرت آ 14 - 15 إعلان الموضوع. وأخيرًا، لعبت دور المقدّمة. تُذكر الكلمات: ((الحبر)) يعود في 5: 1 ،5 ،10. ويعود ((الرثاء)) في 5: 2، والألم في 5: 8 ،والضعف في 5: 2، 7. ويعبَّر عن هدف المحنة: تعلّم الطاعة (5: 8). ويحدّد نوعُ العون: الخلاص الأبديّ (5: 9). وأخيرًا، يلتقي 4: 15 - 16، مع 5: 8 - 10 في ذكر آلام المسيح، وكهنوته، والخلاص الذي يحمله.

2 - الاتجاه الثاني: يسوع حبر رحيم (5: 1 - 10)

أ - نقرأ النص: 
5: 1 فإن كل حبر يؤخذ من الناس
ويُقام لأجل الناس في ما هو لله
لكي يقرّب تقادم وذبائح عن الخطايا
5: 2 وهو قادر أن يترفّق بالجهّال والضالين
لكونه هو أيضًا متلبِّسًا بالضعف
5: 3 ولذلك يلزمه، كما من أجل الشعب،
كذلك من أجله، أن يقرّب عن الخطايا
5: 4 ولا يأخذ أحد لنفسه هذه الكرامة
إلاّ من دعاه الله
كما دعا هارون.
5: 5 كذلك المسيح أيضًا
لم يمجّد نفسه ليصير حبرًا
بل ذاك الذي قال له: 
أنت ابني وأنا اليوم ولدتك.
5: 6 كما يقول في موضع آخر: 
أنت كاهن إلى الأبد، على رتبة ملكيصادق.
5: 7 إنه هو الذي، في أيام بشريّته، قرّب تضرّعات وابتهالات، في صراخ شديد ودموع، إلى القادر أن يخلّصه من الموت
وإذ استجيب له بسبب ورعه
5: 8 ومع كونه ابنًا تعلّم الطاعة، ممّا تتألمه.
5: 9 ولما بلغ الكمال،
صار لجميع الذين يطيعونه علّة خلاص أبديّ
5: 10 بما أن الله أعلنه حبرًا على رتبة ملكيصادق.

ب - القسمة الأولى (5: 1 - 4): تحديد الحبر
- في 5: 1أ، نقرأ أن الحبر أقيم لما هو الله. ويحدّد 5: 4 كيف أقيم: لا يعطي نفسه هذه الكرامة، بل يدعوه الله.
- في 5: 1ب كلام عن التقدمة: يقرّب تقادم وذبائح. وفي 5: 3 ،يحدّد الهدف: يقدم ذبائح عن الخطايا من أجله ومن أجل الشعب.
- يستعيد 5: 2 المقدمة (4: 17) ويعبّر عن الشرط الأساسيّ للكهنوت: تضامن ناشط مع الناس الذين يعينهم: يترفّق بالجهّال والضّالين لكونه متلبسًا الضعف. رج 2: 10 - 18.
ج - القسمة الثانية (5: 5 - 10): تطبيق الكلام على المسيح
تشكّل آ 9 - 10 إعلان موضوع القسم الثالث. وتُقسم آ 5 - 8 في تواز متداور. إن 5: 5أ (لم يمجّد نفسه ليصير حبرًا) يتقابل مع 15: 8 ب (تعلّم الطاعة، بالآلام). يتقابل 5: 5 ب (أنت ابني) مع 5: 8 أ (كونه ابنًا). 5: 7ج (استجيب لورعه) يفسّر 5: 6 (أنت كاهن إلى الأبد). وتبقى العبارات التي تتحدّث عن ضعف المسيح.
كيف ينضمّ كل هذا إلى إعلان الموضوع؟ حين نقرأ المقطع كلَّه نحسّ أن اسم الفاعل (بالغًا الكمال، 5: 9 أ) يستعيد بشكل آخر فكرة عبّرت عنها الجملة السابقة: تعلّم بما تألّم (5: 8). وهذا الشعور يتأكّد حين نتذكّر أن الكاتب ربط التكملة بالألم. قال في 2: 10: بآلامه قاد إلى الكمال. وعبارة ((الذين يطيعونه)) (5: 9 ب) هي صدى واضح للطاعة التي بها نال المسيح الحقّ بأن يُطاع. وتعود بنا ((علّة خلاص أبديّ)) (5: 9 ج) إلى ((التضرّعات التي وجّهت إلى القادر أن يخلّصه من الموت)) (5: 7). فكما نال الطائع طاعة، كذلك صار المخلِّص مخلِّصًا. ونرى في صفة ((أبديّ)) تلميحًا إلى الايراد في 5: 6: إلى الأبد. أما ما تبقّى من الايراد، فقد استعيد في 5: 10: أعلنه الله حبرًا على رتبة ملكيصادق. وهكذا يرتبط اعلان الموضوع بشكل وثيق بالقسمة الثانية من المقطع، ويستعيد عناصره بشكل معاكس.

و - العلاقة بين قسمة (5: 1 - 4) وقسمة (5: 5 - 10)
إذا قابلنا القسمتين نجد عناصر متوازية. استعيدت نهاية القسمة الأولى (5: 4) لا بدايتها، في بداية القسمة الثانية (5: 5)، بحيث تكلّم قلب المقطع (5: 4 - 6) عن الدعوة الكهنوتية. ثم إن 5: 1 ينعكس في 5: 9 - 10. نجد هنا وهناك لفظ ((حبر)) مع فكرة حول دور يتمّ (غامضة في 5: 1: لأجل. ووواضحة في 5: 1: علّة خلاص من أجل). وتقابلَ قلبُ 5: 5 - 8 مع قلب 5: 1 - 4: هنا كلام عن الضعف. وهناك تصوير للضعف. وفي الحالين، يُربط هذا الضعف بتقدمة الحبر وتشفّعه.
غير أن التوازي لا يمتدّ إلى كل التفاصيل. لا كلام عن الخطيئة إلاّ في القسمة الأولى، ولا كلام عن الخلاص إلاّ في القسمة الثانية. أشار 5: 1 إلى التقادم والذبائح. و5: 7 إلى الصلوات والتضرع. حدّد 5: 3 الهدف: من أجل الشعب ومن أجل نفسه. وترك 5: 7 - 9 القارئ يستنتج. في 5: 7 ،يبدو أن المسيح يقدِّم لكي يخلّص نفسه. وفي 5: 9 نفهم أنه نال خلاص جميع المؤمنين. لسنا هنا أمام تماثل وتماه، بل أمام تكامل. 
ونعود إلى قلب البنية. ((تيمين)) (الكرامة)، تقابل ((إدوكساسن)) (مجّد). وهكذا يعود ((المجدوالكرامة)) كما في 2: 7 - 8 و3: 3. حين كرّر الكاتب هذا، شدّد مرّة أخرى على وحدة عرْضه، وأعطاه طابعه النهائيّ: المجد والكرامة اللذان يكلّلان المسيح هم مجد كهنوته وكرامته.
في 5: 4 نقرأ ((الله)). في 5: 5 نجد عبارة: الذي قال له. وفي كل مرة يرد استشهاد كتابي مع ((كاتوس كاي)) (كما). يرى عدد من الشرّاح أن الايراد الأوّل يدلّ على أساس كهنوت المسيح: المسيح هو حبر لأنه الابن. والايراد الثاني يحدّد طبيعة هذا الكهنوت: لسنا أمام كهنوت شبيه بكهنوت هارون، بل كهنوت صوِّر مسبقًا في كهنوت ملكيصادق.
أورد الكاتب الآية الأولى من مز 110. ولكنه لم يورد الآية الرابعة (أنت كاهن) التي تؤمّن أساس براهينه. ولكن قرّاءه لم يعتادوا أن يطبّقوا على المسيح نصًا يتحدّث عن الكهنوت. فقد اعتادوا الكلام عن تتويج ملكي لمسيح هو ابن الله،. إذن، انطلق من هذا المنظور. واستند إلى نصوص تقليديّة (مز 2 - 7؛ رج أع 13: 33؛ مز 110: 1؛ رج أع 2: 34). ولكنه أدخل في الوقت عينه عناصر تقليديّة ولكن غريبة عن منظور الكرامة الملكية: التطهير من الخطايا (1: 3؛ 2: 17)، المرور في الألم (2: 9 - 10). هذه العناصر هيّأت 2: 17: وجب أن يكون المسيح حبرًا. وما إن وضع الكاتب هذا الاعلان، حتى بدأ برهانَه متوسّعًا في متضمّنات الكهنوت: الأمانة والرحمة. وفي قلب هذا الاتجاه، في 5: 5، وصل إلى البرهان الكتابيّ الذي يستند إليه طرحُه استنادًا واضحًا. ويكفيه لذلك أن ينتقل في المزمور 110 من الآية الأولى إلى الآية الرابعة: عندئذ يفهم سامعوه أن تتويج المسيح الملكي كابن الله يترافق مع تولية كهنوتيّة. فابن الله هو أيضًا حبرنا الكامل. ذاك هو الوحي العظيم في عب، الذي هيّأ له صاحب الرسالة. لقد وصل الكاتب إلى قلب موضوعه، فنبّه قرّاءه (5: 11 - 6: 12)، ولكنه سوف يتابع عرضه حتى نهاية الفصل العاشر.
الفصل الثامن
أمانة موسى وأمانة يسوع
3: 1 - 6

تحدّث الكاتب عن صفتين لدى هذا الحبر الذي هو يسوع المسيح: رحيم وأمين (2: 17). وها هو يتحدّث الآن عن الأمانة التي يصوّرها بالنظر إلى تدبير بيت بناه الله (آ 4). بيت هو شعب الله (آ 6): موسى هو فيه كالخادم (آ 2، 5)، وعليه يملك المسيح (آ 6). إن علاقة موسى بهذا البيت تختلف عن علاقة يسوع. فشخص يسوع هو من السموّ بحيث تتفوّق أمانته تفوّقًا لا محدودًا على أمانة وسيط العهد الجديد. وبما أن التراتبيّة ترتبط بالأمانة، نفهم تفوّق العهد الجديد الذي أسّسه يسوع، على القديم الذي كان موسى وسيطه.

1 - تفسير الآيات

أ - الرسول والحبر (3: 1)
نجد في هذه الآية موجزًا للتعليم السابق. بعد ((نحن)) (يجب علينا، 2: 1؛ كلامنا 20: 5)، الذي فيه جعل الكاتب نفسه مع القرّاء، ها هو يستعمل هنا الخطبة المباشرة: أيها الإخوة القديسون. اعتاد الوعّاظ اليهود والاسيانيون أن يسمّوا هكذا أعضاء الجماعة. ومثلهم فعلت الكنيسة الأولى (30 مرة في أع؛ 130 مرة في الرسائل البولسيّة). ((أدلفوس)). رج 2: 11: إيمان مشترك بالمسيح (فل 1: 14). وحدة في المحبّة (1يو 2: 9 ،10). انتماء إلى الكنيسة (1كور 5: 11). ويضاف ((القديسون)) كما في كو 1: 2. نشير إلى أن بولس سمّى المسيحيين ((القديسين)) (عب 2: 11؛ 6: 10؛ 13: 24). فالمسيحيون هم الإخوة (أدلفوي)، القديسون (هاغيوي)، المشاركون (ماتوخوي). هم المؤمنون الذي طهّرهم الحبر وقدّسهم (هاغيازون، 2: 11)، فصاروا حصّة الله. لسنا هنا على مستوى الاخلاقيّات، بل على مستوى الخلاص.
((كليسيس)) (دعوة). ((إبورانيوس)) (سماويّة). نحن أمام نداء جاء من الله، وهو يدعو إلى حياة السماء (11: 16؛ 12: 22؛ فل 3: 24: نداء من الملء). كل مؤمن نال هذه الدعوة فشارك في بركة المختارين، بفضل وساطة عظيم الكهنة. لهذا عليه أن ((يتأمّل)) (كاتونويو))، رج 10: 24)، يتوقّف مليًا، يلاحظ (أع 7: 31، 32؛ يو 1: 23 ،24). هكذا دعا يسوع تلاميذه في لو 12: 24، 27: ((تأمّلوا في الغربان.... تأمّلوا في زنابق الحقل)). عندئذ يكتشفون عناية الآب السماوي.
ونقرأ ((ابوستولوس)) (شليحا في السريانية)، الرسول. هو لقب يُعطى للمسيح بشكل استثنائيّ. استُعمل هنا من أجل المقابلة مع موسى. رج 1: 1 - 2 ،14؛ تث 18: 15، 18. اعتبر المعلمون أن الكاهن هو ((ش ل و ح)) الله. وفي يوم التكفير، سموّه عظيم الكهنة و((ممثّل الشعب أمام الله)). يسوع هو رسول اعترافنا (نعترف به كرسول)، وهو حبر اعترافنا (نعترف به كحبر).

ب - يسوع هو أمين (3: 2 - 4)
ما هو موضوع هذا التأمّل المسيحي؟ أمانة هذا الحبر (بستوس. لا كخادم، تارابون، آ 5: بل كابن، هيوس، آ 6). اذن ليمارس الذين يشاركون في البنوّة، هذه الفضيلة عينها. ((أقامه)). الله هو الذي أقامه. أعطاه الطبيعة البشريّة. أعطاه شخصيّته البشريّة والالهيّة، وحدّد له رسالته. قابل الكاتب أمانة يسوع بأمانة موسى (رج فيلون، الفضائل 175): تسلّم موسى تدبير الله، فتلقّى أوامر الله. سوف نرى أن المسيحيين هم بيت الله، ودور يسوع في هذا البيت شامل شمول التدبير الجديد الذي يلي التدبير القديم.
وسيتوسّع الكاتب (آ 3) في تفوّق المسيح على موسى، بحسب معيار الأمانة، فيستغلّ استعارة البيت (1تم 3: 5) الذي هو صورة عن شعب اسرائيل، وسيصبح صورة عن الشعب المسيحيّ. هذا البيت يرتبط بالله ويخصّه. وبما أن المسيح يتفوّق على موسى، نفهم تفوّق الكنيسة على شعب اسرائيل. يستعمل العهد القديم فعل ((بنى)) (ب ن ه، أش 40: 28؛ 43: 7) ليدلّ على عمل الله الخلاّق. إنه يؤسّس هذا البيت الجديد (الذي يرتبط بالقديم في مجد (دوكسا) يتفوّق على مجد موسى.
وجاء القسم الأول من آ 4 في قول مأثور. هو يعود إلى زك 6: 12 فيتّخذ منحى مسيحانيًا، ويحدّد تفسير عد 12: 7 حيث الكلام عن البيت، لا عن الباني. هكذا تدلّ عب على كرامة موسى كما تدلّ على كرامة يسوع الذي يتفوّق على كل البُناة في الأرض. الله أقام يسوع حبرًا، وبالتالي أعطاه الشعب الأول والشعب الثاني (أويكوس تيو). أعطاه بيته. الله خلق كل شيء. ونظّم تدبير العهد القديم وتدبير العهد الجديد. وهو الذي يختار خدّامه ويرتّبهم. ولكن يسوع ليس خادمًا كسائر الخدّام. بل هو الابن. وبالتالي، عمله هو عمل الآب.

ج - بين الخادم والابن (3: 5 - 6)
لا يتميّز موسى والمسيح فقط (مان... دي) بالشعبين اللذين يرسلان إليهما، بل بالدور الذي يلعبه كل واحد منهما. إذا كان موسى أمينًا لمهمته (سي 45: 4 ،قدّسه لأمانته ووداعته)، فكخادم وعضو في شعب الله (تارابون، لا يرد إلاّ هنا في العهد الجديد). رج عد 12: 7 ، ((ع ب د)). اختارت السبعينيّة ((تارابون)) لا ((دولوس))، لأنها أرادت أن تشدّد على كرامة هذه الخدمة الطوعيّة. هكذا سمّي أيوب (أي 2: 3) وابراهيم واسحاق ويعقوب (تث 9: 27) وموسى (خر 14: 31؛ عد 11: 12؛ تث 3: 24؛ يش 1: 2). نشير إلى أن المدراش سمّى موسى ((ب ن. ب ي ت)). أما عب فاحتفظت بالعبارة ليسوع.
أوكل الله ترجمانه الأمين بأن ينقل أقواله (سي 45: 5) ويلعب دور الشاهد. هو حامل أمين (بستوس) لكلمة الله. هكذا أسّس تدبيرًا يهيّئ وحيًا ساميًا. كان السابق. ولكن، حين جاء من يحقّق التدبير الجديد، كُسف السابق.
أما المسيح (آ 6) الذي أعلنته النبوءات فحقّقها (هو المسيح هنا، لا يسوع، وهو يربط الانجيل بتاريخ اسرائيل)، فهو ابن الله (1: 2؛ رج مت 21: 37). لهذا، فموضعه ليس وسط الشعب كواحد من الشعب. إنه يملك على البيت (10: 21) كسيّد. البيت يخصّه (اويكوس) كما يقول الذهبيّ الفم وتيودوريتس. لم نعد فقط أمام فكرة الامانة، بل أمام تفوّق يسوع ودوره في تأسيس الكنيسة. أما الشقّ الثاني من الآية فيختتم هذه المقطوعة ويشكّل انتقالة إلى التحريض الطويل الذي يلي. ليس اليهود هم الذين يكوّنون شعب الله، بل المسيحيون (هامايس) الذين يجتمعون، لا كشعب من الشعوب، وعرق من الاعراق، بل بالدعوة السماوية. هذا يعني أنهم ينعمون بامتيازات الخلاص ومواعيده، شرط أن يكونوا هم أيضًا أمناء ويثبتوا في ما تعلّموه. رج ((كاتاخو)) الذي لا يعني فقط ((امتلك))، بل تمسّك، تعلّق. ونقرأ أيضًا ((كاوخيما)) التي تدلّ على الافتخار (زك 12: 7) والكرامة (تث 36: 19) فتقابل في السبعينيّة، ت ف ا ر ت، (ف أ ر: زيّن، كرّم) و ((ت هـ ل ه)) التي ترتبط بالفرح. في هذا المعنى، يبتهج البار الذي يرجو الله (مز 5: 12). فمن وثق بالله، ابتهج وكانت له هذه الثقة سببَ فرح. وهكذا ترتبط ((كاوخيما)) بالرجاء (روم 5: 2) الذي يمنح المؤمن فخر الايمان والفرح.
ولفظة ((باريسيا)). هي ((بان ريما)) يعني: نقدر أن نقول كل شيء دون أن نخاف. هي حريّة الكلام (يو 7: 13 ،26؛ 10: 24). هي في نظر لوقا وبولس، الواعظ الذي يتكلّم بجرأة ولا يهتمّ لما يقال (حك 5: 1)، لأنه مقتنع بالبلاغ الذي يحمله (أع 2: 29؛ 4: 13 ،29، 31؛ أف 6: 19). وفي 2كور 3: 12؛ أف 3: 12؛ فل 1: 2؛ 1تم 3: 13، ارتبطت ((باريسيا)). بـ ((بستيس)) (الايمان) و((إلبيس)) الرجاء. في عب، صارت فضيلة مسيحية تميّز علاقة الثقة بين المؤمن والله (3: 6؛ 4: 16؛ 10: 29 - 23). هي تجعلنا في زمن النهاية، فتستبعد الخوف من الدينونة، لأنها تعرف أنها موضوع المواعيد الالهيّة التي تتحقّق. وهذه الثقة بالخلاص، التي يغذّيها الايمان بالله، تتلوّن بلون الفخر (لا 26: 13: ق و م م ي و ت، أي الرأس المرفوع) والفرح (أي 27: 10، ع ن ج، في العربيّة: غنج).
وهكذا يهتمّ الكاتب بإيمان المؤمنين وثباتهم. فيشجّعهم واضعًا أمامهم هدف الحياة المسيحيّة (1: 14؛ 2: 1، 3). هم في عداد المختارين. ويتحدّد موقفهم الأخلاقيّ والروحي، بالنظر إلى الرجاء، بالجرأة والفخر اللذين يليقان بمن يشارك في الدعوة السماويّة.

2 - قراءة إجماليّة
((لذلك، أيها الإخوة القديسون الذين يشاركون في الدعوة السماويّة، تأمّلوا يسوع الرسول وحبر اعترافنا)) (3: 1)
مع أننا انتقلنا إلى قسم جديد (تفوّقُ يسوع على موسى)، إلاّ أن الانتقال جاء منطقيًا وهادئًا. يتوجّه الكاتب إلى ((الاخوة)) الذين يحتاجون التأديب والتوبيخ، وإن كانوا شركاء في الايمان. وأضاف ((القديسين)) (لفظ يدلّ أيضًا على المسيحيين) ليدلّ على تكريس ذواتهم الله واختيارهم بدعوة سماويّة من أجل خدمة الله.
إن الدعوة السماويّة التي يشارك فيها هؤلاء الإخوة القديسون، تدلّ على نداء من أجل كمال سماويّ، يبتعد عمّا في الأرض من ضعف وسقوط. رج 2كور 5: 1 والكلام عن البيت الأرضي (ابيغايوس اويكيا) والبيت الأبدي في السماء (أوكيا أيونوس إن تويس أورانويس). أجل هذا النداء هو الله ((أبونا الذي في السماء)) (مت 6: 9؛ 7: 11). وكنيسة الله (اكليسيا) هي جماعة المدعوين (إك - كاليو). هذه الدعوة تأتي من السماء، وتقود إلى السماء. هو نداء علويّ (فل 3: 14) يدعو المسيحيين إلى الموطن السماوي (عب 11: 16)، إلى أورشليم السماويّة (12: 22). وفي النهاية، سوف يحذّر المؤمنين من الاعراض عن الذي يكلّمهم من أعلى السماوات (12: 25ي). عندئذ لن يفلتوا من العقاب.
من يحمل إلينا هذه الدعوة السماويّة؟ يسوع الذي هو الرسول والحبر. هو المرسل مع سلطة كبيرة جدًا. وهو مرسل ككاهن. أي يقدّم الذبيحة ليكفّر عن خطايا الشعب. لا نستطيع أن نقول إن الكاتب فكّر بموسى كصورة مسبقة عن المسيح في وظيفتيه كرسول وكاهن. فموسى لم يكن أولاً الكاهن في التقليد. بل هارون. أما نقطة التقابل بين الاثنين فالأمانة: كان موسى أمينًا كالخادم، والمسيح كالابن. والمقطع يشير إلى الرسول في خط موسى، وإلى الكهنوت في خط هارون.
((يسوع الذي هو أمين لمن أقامه، كما كان موسى في بيته (= بيت الله). فإنه قد حُسب في المجد أفضل من موسى بمقدار ما الباني يفضل البيت في الكرامة. إن لكل بيت بانيًا، وباقي كل شيء هو الله)) (3: 2 - 4)
سبق الكاتب وصوّر المسيح كحبر أمين (2: 17). وهنا تطبّق عليه الصفةُ أيضًا مع عودة إلى اتمام واجب سُلّم إليه كونه رسول الآب. أما الصورة فصورة المسؤول في البيت، وهو يُتمّ ما لأجله أرسل. والهدف الذي هو في قلب مجيئه وقلب عمله لأجلنا، نقرأه في 10: 7 ،9 مع كلمات مز 40: 8: ((جئتُ لأصنع مشيئتك، يا الله)). وحين نعرف أمانة المسيح لله، نتأكّد أنه جدير كل الجدارة بثقتنا وأمانتنا.
انطلق اريوس من فعل ((أقامه)) (بويايو، صنع)، فاعتبر أن المسيح ليس الابن الأزلي، بل خليقة من خلائق الله. وهناك من اعتبر أن هذا الفعل ينطبق على بشريّة المسيح بحيث لا يمسّ حقيقة لاهوته الأزليّ. قال اثناسيوس انطلاقًا من عب 3: 2: ((حين أخذ الابن ما سوف يقدّمه لأجلنا، أي جسده من مريم العذراء، كُتب حينئذ عنه أنه خُلق، كُوِّن، صُنع)). وقال أيضًا: ((من يستطيع أن يقرأ هذا المقطع (عب 2: 14 - 3: 2) دون أن يشجب الاريوسيين ويُعجب بالرسول المبارك الذي عبّر عنه أفضل تعبير... حين قال ((صنع)) أشار إلى اللحم والدم اللذين شارك فيهما... تحدّث عن خدمة الكلمة البشريّ لا عن جوهر الكلمة)) (عظات ضد الاريوسيين 2: 9).
ومع أن موسى ويسوع شبيهان في أمانتهما للخدمة (آ 3)، فلا نستطيع أن نقول إن الواحد يساوي الآخر. فهناك تعارض. وسوف يبرهن الكاتب تفوّق يسوع على موسى تفوّقًا غير محدود. فيسوع هو باني البيت. تقع هذه الفكرة في خط زك 6: 12 - 13: ((هو يبنى هيكل الرب، وهو يحمل الجلال ويجلس سيّدًا على كرسيه ويكون كاهنًا على كرسيه)). هذا ما يستند إلى وعد الله لداود (1 أخ 17: 11 - 12). فيسوع المسيح، الوسيط والرب، هو باني البيت، أي الكنيسة، شعب الله، الذي بُني في بناء روحي بحجارة حيّة (1بط 2: 5)، ((هيكلاً مقدّسًا)) (أف 2: 22). أما موسى فكان عضوًا في هذا البيت، وبالتالي خادمًا فيه.
أما بيت اسرائيل الذي كان فيه موسى خادمًا، فهو ظلُّ الأمور الآتية، لا الواقع الأخير (10: 1). فاسرائيل القديم الذي قاده موسى من عبوديّة مصر إلى أرض الموعد، عبر الصحراء، قد كان نمطَ اسرائيل الله الحقيقيّ، الذي اقتيد إلى الراحة الأبدية لمجد يسوع (2كور 3: 7ي). اختلف الابن المتجسّد عن موسى، فما كان من البشر فقط، بل من الله أيضًا. كان قبل موسى وبعده. هو قائد خلاص موسى (2: 10) وخالقه. لا شكّ في أن الابن صار خادمًا في البيت الذي بناه حين صار انسانًا، وهكذا كان خادمًا، شأنه شأن موسى، في بيت الله. ولكنه ظلَّ الابنَ الأزليّ، فكان إله موسى ومخلّصه، فتجاوزه في شخصه وفي عمله وفي مجده.
((فموسى كان أمينًا، بصفة خادم، في جميع بيت الله، لكي يشهد لما سيُقال. أما المسيح فكان أمينًا بصفة إبن على بيته الخاص. وبيته هو نحن إن أقمنا على الثقة وفخر الرجاء)) (3: 5 - 6)
إن التعارض بين موسى والمسيح (كلاهما أمينان)، يُلخّص الآن ويوسّع. هناك نقطتان. موسى كخادم، كان أمينًا في بيت الله، بينما المسيح كان الابن، وكان فوق بيت الله. موسى هو الخادم، وهذا يعني وضعًا أدنى من وضع الابن. فالابن هو الوارث (1: 12). وسيُقال عنه في 10: 21: ((كاهن عظيم على بيت الله)).
وهناك علاقة أخرى بين الاثنين على مستوى الوظيفة: موسى يشهد لما سيُقال. فمواعيد الله لا تجد كمالها فيه، بل في ذاك الذي يُتمّها يسوع المسيح.
وفي آ 6ب، نقرأ تحديدًا لهذا البيت الذي يبنيه الابن: بيته هو نحن. رج غل 6: 10 حيث يتحدّث بولس عن ((بيت الايمان))، ويؤكّد لأهل أفسس أنهم لم يعودوا غرباء ولا نزلاء، بل هم مواطنو القديسين، وأهل بيت الله (أف 2: 19). ولكن هناك شرطًا لكي نكون من أهل البيت. لهذا وُضعت الشرطيّة ((إن))، إن نحن أقمنا. في هذا قال يسوع: ((إن أنتم ثبّتم على كلمتي تكونون في الحقيقة تلاميذي)) (يو 8: 31). هذا ما يدلّ على جديّة الدعوة المسيحيّة، ويجعلنا في خطّ العهد، حيث لا يحابي الله الوجوه. فالطاعة له تصل بنا إلى البركة. والعصيان إلى الدينونة.
لا يتكلّم صاحب الرسالة بشكل نظريّ، بل هو ينطلق من وضع واقعيّ. فقد عرف الخطر الذي يهدّد جماعة يكتب إليها: هناك أفكار غريبة. وهناك ضغط أعداء الايمان. فعليهم، شأنهم شأن المسيحيين في كل وقت، أن يواجهوا الاضطراب والتجارب. لهذا حرّضهم لكي لا يضعفوا. وذكّرهم بأن الذي يثبت هوحقًا من بيت الله. هذا التنبيه لا يتعارض مع تعليم يقول إن خلاصنا يرتبط بالمسيح وحده (يو 5: 24؛ 6: 37؛ روم 11: 6 - 7). ولكن هذا يعني أن إعلان الايمان الذي يتعارض مع الحياة، يجعلنا نتساءل إن كنا بعدُ مسيحيين.

خاتمة
في هذه الآيات، نكتشف طريقة الكاتب في دفاعه. كان من السهل عليه أن يقابل بين أمانة المسيح ولا أمانة موسى كما في عد 20: 7 - 14. ولكن القرّاء كانوا يقدّرون موسى كل التقدير، وهو المحبوب لدى الله ولدى البشر (سي 45: 1)، فما أراد الكاتب أن يشكّكهم حين يذكر ما فعله موسى ويستغلّ ضعفه. في هذا قال الذهبي الفم: ((ما بيّن بسرعة تفوّق يسوع. بل خاف أن يثور سامعوه ويُصمّوا آذانهم. فمع أن سامعيه كانوا من المؤمنين، إلاّ أن ذكر موسى كان محفورًا بعمق في قلوبهم)). لهذا، انطلقت عب من أمانة موسى، التي امتدحها الله نفسه. ولكنه شدّد على أنها مُورست في وضع أدنى من وضع يسوع. ستقول الرسالة إن موسى رفض كنوز مصر ليكون مع شعبه في الضيق. وإنه وبّخ الشعب وتشفّع من أجلهم. ولكن مع موسى، ما زلنا على مستوى المواعيد، على مستوى ما سيُقال. أما كمال مخطّط الله الخلاصيّ فيتمّ مع المسيح. لهذا تفوّقت أمانة الابن (الذي صار انسانًا وبالتالي خادمًا) على أمانة موسى.
الفصل التاسع
أمانة المسيح وأمانة المسيحيين
3: 7 – 4: 11
وننتقل هنا إلى المقطع الثاني (3: 7 - 4: 16) في الاتجاه الأول. ولكننا نتوقّف عند 4: 11 تاركين 4: 12 - 16 إلى فصل آخر. بعد إيراد كلام الله كما في مز ،95 نتوقّف عند ثلاث قسمات (3: 12 - 19؛ 4: 1 - 5؛ 4: 6 - 11)، تاركين جانبًا مديح كلمة الله (4: 12 - 13) والخاتمة التي تشكّل في الوقت عينه مقدّمة القسم الثاني (5: 1 - 10).
نحن هنا أمام تحريض طويل يشدّد على جدّية ما يُطلب منا اليوم (سيمارون، آ 5 ،13، 15؛ 4: 17). ذاك هو موضوع عب: كلام تعزية وتشجيع (13: 22) تجاه الأزمة الأخلاقيّة التي تعيشها الجماعة. لقد أراد الكاتب أن يحرّك موقفًا أخلاقيًا ثابتًا، ويدعو إلى جواب الايمان والأمانة على كلمة الله في المسيح. وتأتي التهديدات والمواعيد، فتحرّك الخوف والرجاء. هناك مثل العبرانيين الذين عوقبوا لعدم أمانتهم فما استطاعوا أن يدخلوا أرض الميعاد. هذا ما أصاب بني اسرائيل حين رفضوا نداء موسى، كما يصيب المسيحيين إن لم يسمعوا للمسيح. فالخطر هو قساوة القلب. ومع ذلك، هناك وعد لشركاء المسيح (3: 14) الذين هم شركاء في الدعوة الالهية (3: 1). وهم يُدعون إلى الراحة. غير أن كل هذا يرتبط بأمانتهم التي يجب أن تكون جوابًا على أمانة المسيح: ليتمسّكوا بكلمة الله، فيتحقّق هذا الوعد بالنسبة إليهم.

1 - إيراد كلام الله (3: 7 - 11)
بدأ الكاتب فأورد مز ،95 ثم فسّره في ثلاثة مقاطع، وجاء كل تفسير في خط آية من آيات الكتاب المقدس: إن أنتم سمعتم صوته (3: 15). لن يدخلوا راحتي (4: 3 ب). إن أنتم سمعتم صوته (4: 7 ب).
أ - تفسير الآيات
أولاً: الامتحان في البرية (آ 7 - 8)
تبدأ ((ديو)) (لذلك) التفسير البيبلي حول ثبات الموقف لدى المسيحيين، حسب آ 6. ليس هذا الايراد معزولاً بشكل معترضة، كون التفسير يبدأ في آ 12. فالكاتب يأخذ لنفسه الكلمات الملهمة. لهذا، لا تقسّوا قلوبكم (آ 8). هي المرحلة الأولى في البرهان، وستتواصل في آ 12 - 13. يعود النص (مز 95: 7 - 11) إلى السبعينيّة مع اختلافات طفيفة لا تؤثّر على التفسير. لا عنوان في الأصل العبري. أما السبعينيّة فتنبه إلى داود (وهكذا تفعل عب في 4: 7). أما في 3: 7 فذكر النص ((الروح القدس)) (9: 8؛ 10: 15) ليدلّ على خطورة الموقف (وليس فقط على الالهام): إسمعوا. فالله يتكلّم. ذاك هو أساس كل استعمال للكتاب المقدس من أجل البناء. هذا النصّ ذو الطابع الليتورجي، يتألّف في الواقع من مزمورين مختلفين. الأول هو نشيد لله الخالق وراعي شعبه (آ 1 - 7). والثاني هو توبيخ الآباء خلال العبور وتهديد للجيل الحاضر المدعو إلى الأمانة (آ 7 د - 11). أوردت عب القسم الثاني فقط، وهدفها هدف المزمور.
الكلمة الرئيسية: سيمارون، اليوم. اليوم الحاضر. لا أمس ولا غد. بل اليوم. ((إيان)) في العبرية: إم: إن. يا ليتكم تستطيعون أن تسمعوا صوته. إن الكلمة التي وصلت بواسطة داود، ينقلها اليوم الابن (1: 2؛ 12: 24) ورسله (2: 3). وبما أن الروح القدس يكلّم كل جيل بواسطة الكتب المقدسة (4: 7)، فهو يكلّم قرّاء الرسالة اليوم. فماذا ينتظرون لكي يسمعوا ويطيعوا الكلمة (رج رؤ 3: 20).
وحين يُسمع الله صوتَه بنعمة فريدة منه (آ 8)، نخاطر إن نحن رفضنا أن نسمع. فتقسية القلب الموقتة قد تصبح نهائيّة (صيغة الاحتمال بدل الأمر). والكلمة المفتاح هنا: ((سكليرينو)) (آ 8 ،13، 15؛ 4: 7): فعل لا نجده في العهد الجديد إلاّ في روم 9: 18؛ أع 19: 9 ،هو في العبرية: ح ز ق. ثم ((ق ش ه)) قسّى، قاوم، عاند. إن مقاومة الله وارادته هي ثمرة الكبرياء وتتميّز بالمعاندة (م ر د، نح 9: 16 ،17). وتقابل ختانة القلب (تث 10: 26؛ أع 7: 51) التي هي استعداد للسمع ومحبّة الحقيقة، واتباع لتوجيهات الله في القلب.
يتوجّه التحريض هنا إلى الذين يقاومون النور، ويعيشون في عدم الايمان والعصيان. ذاك كان موقف بني اسرائيل في البرية. شكّوا بالعناية، فجرّبوا (بايرسموس) الله، وأجبروا موسى على أن يطلب آية من أجلهم.
ثانيًا: استشطت على ذاك الجيل (آ 9 - 11)
تشكّى الرب من قلّة إيمان شعبه، مع أنه شاهد أعماله في مصر وفي البرية. لا عذر لهم إن ارتابوا بقدرة الله وعنايته. في السبعينيّة: إدوكيماسان مي: جرّبوني. صارت في عب: إن دوكيماسيا، في التجربة، في المحنة. قال المزمور في العبرية واليونانيّة: قرف الرب من شعبه. أما عب فقلّلت من غضب الله، وشدّدت على مسؤوليّة الشعب، فربطت الاربعين سنة بتجليّات عناية الله.
خبرَ الله مدة طويلة خيانات شعبه الذي ما أراد أن يفهم طول باله وتنبيهاته، ورأى أن لا أمل في العودة (مت 23: 27)، فجاءت ردّة فعله قاسية: قرّر أن يترك لغضبه مداه: بروسوختيزو. لا يرد هذا الفعل إلاّ هنا في العهد الجديد. وربّما دلّ على قرفه (ق و ط، حز 36: 31؛ رؤ 3: 16)، فدلّ على استبعاده للخاطئ الذي لا يقدر بعدُ أن يقف أمام الله. من عرف طرق الرب سمع تعاليمه، ومن فهم دروس عناية الله حفظ وصاياه. ومن تجاهلها عمدًا استحقّ العقاب القاسي (لو 19: 12).
في آ 11، نقرأ ((هوس)) (أ ش ر)، حتّى. حكمَ الله على المعاندين بأن يهلكوا في البرّية (عد 14: 22 – 24، 29 - 35). أقسم، فدلّ على أنّ لا عودة عن قراره (6: 13 - 18). بعد الآن يحلّ عدله محلّ رحمته (روم 1: 18 ي). لن تدخلوا. هي أرض الموعد، أرض الراحة (كاتاباوسيس) بعد التيهان في أرض غريبة (تث 12: 9). هذه الراحة هي صورة عن العطايا الروحيّة، ثم عن الراحة في ملكوت السماء. وسترتبط براحة الخالق بعد أن أنهى عمله (4: 4).

ب - قراءة إجماليّة
((فلذلك، كما يقول الروح القدس، إن أنتم اليوم سمعتم صوته، فلا تُقسّوا قلوبكم، كما حدث في موضع الخصومة، يوم الامتحان في البرية. حيث امتحني آباؤكم وخبروني، مع أنهم شاهدوا أعمالي مدة أربعين سنة. لذلك استشطت على ذلك الجيل، وقلت: إن قلوبكم زائغة على الدوام، ولم يعرفوا قط سبلي! حتّى أقسمتُ في غضبي: إنهم لن يدخلوا في راحتي)) (3: 7 - 11)
إن نداء الكاتب إلى قرّائه ليتحلّوا بالجدّية والثقة في المحافظة على إيمانهم بالمسيح ورجائهم، قد تثبّت في استشهاد كتابيّ يعود إلى مز 95 الذي يشكّل أساس تنبيه احتفاليّ: يجب أن لا نكرّر جنون بني اسرائيل الذين عصوا الله فنالوا دينونته وعقابه. رُبط الايراد بالروح القدس، فدلّ على الانتباه المطلوب من القرّاء: هو الروح يدعوهم من خلال كلمات الكتاب. لا شكّ في أن الكاتب لا يُبرز هنا بشكل خاص دورَ الروح القدس في الالهام، ألاّ أن هذا لا ينفي موقفه الذي نقرأه في 9: 8: ((يشير الروح القدس)). فبالنسبة إلى عب كما إلى سائر الأسفار الرسوليّة، صوتُ الكتب المقدّسة هو صوت الروح القدس. لهذا، هم لا ينظرون إلى الكتب كحرف ميت يعود إلى حقبة مضت، بل ككلام حياة في مدلوله، بحيث إن ما قيل للعبرانيين في البرّية يتوجّه أيضًا إلى قرّاء الرسالة، وهم يسمعونه ((اليوم)).
صُوّر عقوقُ بني اسرائيل وكفرهم وفسادهم، في البرية، في هذا المزمور، كما لم يصوّر في نصّ آخر. فصلاح الله الذي أقام لهم قائدًا أخرجهم من عبوديّة مصر وشقائها، لم يتخلَّ عنهم يومًا. أما هم فتمرّدوا عليه يومًا بعد يوم، وتصرّفوا معه كأنه عدّوهم، لا مخلّصهم. ويشير النصّ إلى خر 17: 1 والنقص في الماء. رج عد 20: 13؛ مز 78: 40 - 42: ((كم تمرّدوا عليه في البرية، وأغضبوه في الأرض القفر. وكم عادوا وجرّبوا الله، وأغاظوا قدوس اسرائيل. لم يذكروا ما صنعت يده يوم افتداهم من الضيق)).
فبدلاً من أن يسيروا مع الرب واثقين بقوّته وصلاحه، أخذوا يجرّبونه. كانوا عميانًا فما عرفوا أنهم هم (لا الله) سقطوا في التجربة، حين ((دانوا)) الله ورفضوا أن يثقوا به إن لم يعطهم ما طلبوا. وكل هذا رغم أربعين سنة في البرية، رأوا فيها أعماله. فمن جرّب الله بهذا الشكل، دلّ على لا إيمان وعدم عرفان جميل. أظهروا أنهم لم يعرفوا طرقه. رأوا وما عرفوا. أو هم ما أرادوا أن يعرفوا. رفضوا الحقيقة كما في روم 1: 28: وضعوا الحواجز في وجه الحقّ.
وكانت النتيجة: لن يرى أحد الأرض التي أقسم الرب عليها للآباء (عد 14: 22 ي). لن تكون راحة لشعب الله في البريّة. ولا لسامعي مز 95. وليحذر قرّاء عب. فكلام الله ليس من الماضي فقط، بل هو يتوجّه إليهم اليوم. والويل لهم إن قسّوا قلوبهم.

2 - القسمة الأولى (3: 12 - 19): احذروا أيها الإخوة
بدأت الرسالة فحذّرت الإخوة من عدم الايمان. وبعد أن أوردت نصّ الكتاب المقدس، ذكّرتهم أيضًا بما حصل للعبرانيين في البرية، يوم الخصومة.

أ - تفسير الآيات
أولاً: قلب خبيث وغير مؤمن (آ 12 - 13)
عرض الكاتب على قرّائه، دون أن يحرّك فيهم الهلع، أن يتأمّلوا في هذا المزمور وفي المثَل الذي قدّمه جيلُ البرّية. ((بلاباتي)) (تأمّلوا، احذروا). صيغة الأمر تدلّ على وقت طويل من التأمّل. هل هناك أحد منكم (تيني هيمون، رج آ 13: 4 - 11) لا يهدّده اللا إيمان؟ القلب الخبيث (مت 18: 35) هو قلب يرفض الايمان ويعاند في العصيان (إر 16: 12؛ 18: 12). ونقرأ أيضًا ((أبستيا)) التي تدلّ على لاأمانة لكلام الله وندائه. وبالتالي، لاأمانة بالنسبة إلى المسيح. هي تقود إلى الارتداد عن الله والجحود (أفيستيمي، حك 3: 10؛ لو 8: 13؛ 1تم 4: 10)، إلى أن نترك الله الحيّ والحقيقيّ. ماذا نترك، وأي عقاب ينتظرنا (4: 2؛ 10: 31؛ حز 18: 26). الله الحيّ. لا يقابل فقط الأصنام الميتة التي لا تستطيع أن تفعل شيئًا، بل يدلّ على ذاك الذي يحفظ مواعيده وينفّذ ما أقسم به. وهو الأزليّ الذي يدين البشر (مت 16: 16؛ 26: 63). هذا هو خطر اللا إيمان. ولا سيّما بالنسبة إلى الذي آمن ثم ارتدّ (6: 4 ي؛ 2بط 2: 21).
لهذا (ألاّ، فوق ذلك. نحن أمام تدرّج). لا نترك الشكّ يسيطر علينا. بل نحضّ بعضنا بعضًا (10: 25؛ أع 14: 22؛ 1تس 5: 11). جعل ((هيوتايس)) (أف 4: 22؛ كو 3: 13) بدل ((أليلوس)) (بعضكم بعضًا) ليدلّ على جماعة تؤلّف وحدة. كما أن العضو في الجماعة، يسند الآخر ويستند إليه، كذلك يشجّع بعضهم بعضًا. وهو يفعل ذلك يومًا بعد يوم، ما دام يقال ((اليوم))، أي خلال كل حياته على الأرض. وهذا ما يقابل الأربعين سنة في البرية، وهي حقبة وجّه الله إلى شعبه النداءات والتنبيهات. يمكن أن نسمع، ويمكن أن نرفض فنرتدّ ونجحد. فالخطيئة، شأنها شأن الارتداد (12: 1 ،4)، تهاجم الانسان، تجتذبه، تغشّه. رج ((أباتي)) (غرور). لهذا، نحتاج دومًا إلى النور.
ثانيًا: شركاء في المسيح (آ 14)
استندت فريضة التشجيع المتبادل إلى سبب كهذا: أنتم جماعة خلاص واحدة. أنت جسد واحد. وحين يفرح عضو تفرح سائر الأعضاء. وحين يتألّم عضو تتألّم معه سائر الأعضاء. ولكن عب تقول: أنتم شركاء المسيح. كان العبرانيون في البرية يقاسمون وسيطهم مصيره، مع أنهم تمرّدوا عليه. والمسيحيون هم شركاء (ماتوخوي) الملك السماوي (1: 9) وإخوته (2: 2) وأهل بيت الله (2: 11) وأبناء الله (2: 9 ، 13). فمن المسيح وبالمسيح ينالون الخيرات الالهية. كما الغصن يأخذ الحياة من الجفنة (يو 15: 5). كما شارك المسيح البشر في طبيعتهم (ماتاسخن، 2: 14)، وورث منهم الضعف والألم والموت، كذلك يشاركه المؤمنون في الدعوة السماويّة. قالت البسيطة: اختلطنا (امتزجنا) بالمسيح. وقال الذهبي الفم: صرنا واحدًا، نحن وهو... صرنا من جوهر المسيح. لهذا، يجب أن نبقى متحدين بالوسيط (غاغونامن، نصل إلى هذه الحالة) ونثق به حتى النهاية.
إن المشاركة الأولى في المسيح التي تؤمّنها المعمودية والايمان، هي عربون وأساس لا يتزعزع نتمسّك به. لهذا نعطي ((هيبوستايس)) معنى الشجاعة والثبات. ومعه نجد ((بابايوس)) المرتبط بـ ((أرخين)) (البداية). استعمل الكاتب هذه الصفة أربع مرات، واستعملها العهد الجديد كله أربع مرات: تدلّ على ثبات المواعيد (4: 16) والأقوال (2: 2؛ 2بط 1: 9) وعهد الله 9: 17) والرجاء (2: 19؛ 2كور 1: 7). أما المعنى الأساسيّ: ما نستطيع أن نمشي عليه. التنشئة المسيحيّة هي بداية، ولكنها تشمل ما يكفل الثبات والحماية من الأخطار، شرط أن نكون أمناء حتى النهاية (تالوس، تجاه أرخي)، أي حتّى اليوم الذي فيه يتحوّل الرجاء إلى امتلاك (6: 11). ما أتعس المسيحيّ الذي يبدأ مسيرته في الايمان ولا يصل إلى الهدف.
ثالثًا: لم يستطيعوا الدخول (آ 15 - 19)
اعتبر الآباء اليونان أن هذه الآيات هي معترضة، ورأى آخرون أن محلّها يقع بعد آ 11 وقبل العبرة الأخلاقيّة التي تتواصل في 4: 1 ي. ولكن يبدو أن الكاتب شعر أنه لم يفسّر المزمور تفسيرًا حرفيًا بحيث لا يُفهم التطبيقُ لدى سامعيه. لهذا، كان هذا الشرح التاريخيّ الذي يُعلن أن مصير جيل البرّية كان كذلك بسبب لا إيمانه. فعلى كل واحد أن يأخذ العبرة من ذلك.
إن الشعب الذي حرّره موسى قد سمع كلام الله. ولكنه زرع طريقه عظامًا (غرما كما تقول البسيطة) أو جثثا (عد 14: 29: رج 1كور 10: 5). فما استطاعوا أن يدخلوا إلى أرض الميعاد (ما عدا يشوع وكالب عب 14: 18). لماذا؟ ألأن الله تراجع عن مواعيده؟ كلا. فالإشارة إلى الخروج من مصر، وذكرُ جميع المعجزات حاضران، وهما يحذّران من عدم الايمان. ولكن بني اسرائيل خطئوا (هامارتيساسين، آ 17؛ رج هامارتيا في آ 13)، بل عصوا (ابايتيساسين، آ 18). لهذا استشاط الله وغضب. إن فعل ((بارابيكراينو)) (لا يرد إلاّ هنا في العهد الجديد) يرد مرارًا في السبعينيّة (المزامير، حزقيال) وهو يقابل ((م ر ه)) فيدلّ على تمرّد بني اسرائيل على الله، ورفضهم بأن يطيعوا كلمته (مز 107: 11) ولا سيّما في البريّة (مز 68: 17؛ 106: 7؛ حز 20: 13). تلك هي نتيجة عدم الأمانة (مز 78: 8) وقساوة الرقاب (تث 3: 27) التي ميّزت شعب اسرائيل (ب ي ت. م ري. حز 2: 5 - 7؛ 3: 9 ،26 ،27؛ 12: 2 ،3 ،9 ،25، 27: 12...).
لهذا، لن يدخل جيلُ البرية إلى الراحة، لأنه لم يكن يستطيع الدخول. كان غير جدير روحيًا وغير قادر. كالخاطئ الذي لا يستطيع أن يدخل إلى السماء. لهذا جاء التنبيه إلى المسيحيين: احذروا. فهم أيضًا شهدوا قدرة الله وضعف ايمانهم.ومع ذلك.

ب - قراءة إجماليّة
((فاحذروا إذن، أيها الاخوة، أن يكون لأحد منكم قلب خبيث وغير مؤمن، فيرتدّ عن الله الحيّ)) (3: 12)
كان الدرس ضمنيًا في نص مز 95، وها هو يتوضّح الآن. لهذا جاء الرباط واضحًا مع الكلمات، التي بدأت آ 7: ((لهذا قال الروح القدس... احذروا)). لقد قال الروح هذه الكلمات لا ليقدّم لنا كلامًا تسجّل في الماضي، بل ليقول لنا كلام تنبيه، يحرّكنا، ويدعونا لكي نحياه في حياتنا اليوميّة. هكذا نبّه بولس الكورنثيين بأن خبرة الشعب في البرية هي تحذير لنا ((لئلا نشتهي الشرور كما اشتهى أولئك)). ويتابع: ((لا تصيروا عابدي أوثان كما كان قوم منهم... فهذه الأمور كلها عرضت لهم لتكون عبرة، وكُتبت لموعظتنا نحن الذين انتهت إليهم أواخر الدهور)) (1كور 10: 6 - 11).
سمّى الكاتب سامعيه: أيها الإخوة (أي المسيحيون)، فدلّ على أنه وإن وبّخهم بشدّة، إلاّ أنه يأمل بأن يجد عندهم الايمان والأمانة. وهو يعتبرهم جماعة مسيحيّة. إلاّ أن بعض الخمير (لأحد منكم)، يمكنه أن يخمّر العجين كله (1كور 5: 6)، والقلّة تفسد الكثرة. الخطر الكبير هو أن أن يقوم في وسطهم قلب خبيث وغير مؤمن. قلب ارتدّ بإرادته عن الله. فالارتداد المذكور هنا هو ابتعاد عن الله الحيّ. ذاك كان وضع الأمم. ووضع بني اسرائيل أيضًا. أترى يكون وضعَ المسيحيين أيضًا؟
من ترك الله الحي سقط في عبادة الأوثان. هذا لا يعني فقط عبادة الحجر والخشب. فهناك نظرات فلسفيّة تعتبر أنها تحمل الخلاص. وقرّاء عب جرّبوا بأن يتركوا نور الانجيل من أجل ظلمة نظرات دينيّة، أن يثقوا بالملائكة والبشر لا بيسوع المسيح، أن يخضعوا للبنى وسلطات أرضيّة وأن يديروا ظهرهم لمن هو وحده الاله الحيّ.
((بل عظوا بعضكم بعضًا كل يوم، ما دام يقال: ((اليوم))، لئلاّ يقسو أحد منكم بغرور الخطيئة)) (3: 13)
هناك وسيلة هامّة لتجنّب الارتداد عن الرب: الوعظة المتبادلة، تنبيه بعضنا بعضًا. فمسؤوليّة المسيحيّ فردية وجماعيَّة. هو مسؤول عن نفسه ومسؤول عن إخوته: ((فنحن أعضاء بعضنا لبعض)) (روم 12: 5). فالتشجيع المتبادل له قيمة كبيرة في الكنيسة، لا لإبعاد خطر التعليم الكاذب فقط، لا لمساندة بعضنا بعضًا في هذا الظرف أو ذاك وحسب. بل في كل يوم. ثم إن تاريخ شعب اسرائيل في البريّة كان تغيَّر لو شدّدوا بعضُهم بعضًا في الايمان، بدلاً من أن يثيروا روح التمرّد وعدم الايمان! فالارتداد عن الله خطر دائم في الكنيسة، فعلينا أن نتنبّه له ونتصدّى، فهذا واجب كل واحد منّا.
وهدف التشجيع المتبادل هو أن لا يكون لأحد قلب قاس، أن لا يقع في غرور الخطيئة. هو الفرد يهتمّ بالجماعة، والجماعة تهتمّ بالفرد في خط تعليم بولس الرسول (1كور 12: 26). هو خطر ممكن بل هو خطر حاضر، أقلّه عند بعض الأعضاء في الكنيسة. لهذا نقرأ ((أحد منكم)). فإذا كان سقط، فباب الرحمة لدى الله ما زال مفتوحًا.
((فقد صرنا شركاء في المسيح، إن نحن أقمنا على الايمان، ثابتًا في النهاية كما في البداية. ففي هذا القول: إن أنتم اليوم سمعتم صوته فلا تقسّوا قلوبكم كما حدث في موضع الخصومة...)) (3: 14 - 15)
نحن نقاسم المسيح. لنا نصيب مع المسيح. نشاركه لأننا رفاقه (1: 9؛ لو 5: 7). هناك مشاركة في الدعوة الالهيّة (3: 1)، في الروح القدس (6: 4). كما كان العبرانيون رفاق موسى في البرية، كذلك يرافق المسيحيون الابن الملك بعد أن صاروا اخوته (2: 11). كيف نشارك المسيح في حياته؟ لا يكفي ما نتعلّق به من طقوس وعبادات. قال بولس عن بني اسرائيل: ((تعمّدوا في موسى في الغمام وفي البحر.... ومع ذلك، لم يُرضِ عددٌ كبير منهم الله فسقطوا في البرّية)) (1كور 10: 1 - 5). والذين يكتب إليهم صاحب عب قد اعتمدوا في المسيح (6: 4: استناروا). فإن تبعوا خط العبرانيين، كان لهم ما يقول يهوذا في رسالته: ((خلّص الرب شعبه من أرض مصر. ثم أهلك الذين لم يؤمنوا)) (آ 5).
ماذا نفعل؟ نقيم على الايمان ونثبت في الايمان. والايمان هو جواب الانسان لنداء الله. لا نبدأ ونتوقّف. بل نحافظ على وديعة الايمان حتى النهاية. هنا نتذكّر رؤ 2: 4 حيث يقول المسيح لملاك الكنيسة في أفسس: ((أهملتَ محبّتك الأولى. فاذكر إذن من أين سقطت)). كما نجد تفسيرًا لهذا الكلام في عب 11 - 12: ((يبدي كل واحد الاجتهاد عينه، لكي يحفظ، حتى المنتهى، كمال رجائه، لئلاّ تصيروا متثاقلين، بل تقتدوا بالذين، بايمانهم وطول أناتهم، يرثون المواعد)).
ومن هم الذين سمعوا وأسخطوه؟ أفليسوا جميع الذين خرجوا من مصر على يد موسى؟ وعلى من استشاط أربعين سنة؟ أفليس على الذين خطئوا فسقطت جثثهم في البرية؟ ولمن أقسم أنهم لن يدخلوا في راحته، إلاّ للذين عصوا؟ ونحن نرى أنهم لم يستطيعوا الدخول لعدم إيمانهم (3: 16 - 19)
يتحدّث الكاتب عن ((جميع الذين خرجوا)). أي ذاك الجيل كله الذي نجا من عبوديّة مصر، وسار بقيادة موسى حرًا إلى أرض الموعد. هذا لا يعني أنهم كانوا جميعهم خطأة فاستحقّوا هذا العقاب. ولكن، كما أن هؤلاء خبروا صلاح الله الذي قادهم من العبوديّة إلى الحريّة، كذلك نحن نتمرّد ضدّ الرب مخلّصنا. كيف يمكن أن يقسو قلب المسيحيين ضدّ الربّ الذي افتداهم بدمه. فالخطر اذن ما زال يهدّدهم، ولا محاباة للوجوه.
فبنو اسرائيل الذين نجوا من مصر، هم الذين جعلوا الرب يغضب عليهم. لماذا؟ لأنهم خطئوا فتركوا إيمانهم بالله. لهذا، سقطت جثثهم في البريّة. تمرّدوا فدينوا ونالوا العقاب، وما وصلوا إلى أرض الموعد، هدف مسيرتهم. وهذا ما يمكن أن يحصل لجماعة ((العبرانيين)) الذين عاشوا في القرن الأول المسيحي. ويمكن أن يحصل لجماعاتنا. رفضوا أن يؤمنوا فعصوا. وهكذا كان العصيان نتيجة اللا إيمان. فكيف تكون لهم راحة الله؟

3 - القسمة الثانية (4: 1 - 5): الدخول إلى راحة الله
يُدعى المؤمنون للدخول إلى الراحة. ما دخل العبرانيون بعد أن استشاط الله. ومع ذلك، فراحة الله تبقى بابًا مفتوحًا للمؤمنين، إلاّ إذا رفضوا أن يؤمنوا.

أ - تفسير الآيات
أولاًَ: فلنخشَ اذن (4: 1)
إن مثَل بني اسرائيل الذين نجوا من عبوديّة مصر (هكذا نجا المسيحيون من عبوديّة الخطيئة، حين آمنوا واعتمدوا، مر 16: 16)، ومع ذلك حُرموا من أرض الموعد (هذا ما يمكن أن يحصل لقرّاء عب)، يجب أن يحرّك فينا الخوف. هنا نقرأ ((فوبيتومن)) لنخف) الذي هو أقوى من ((بلاباتي)) (نحذر في 3: 12). هو في صيغة الاحتمال. أما المتكلّم الجمع، فيدلّ على تضامن من الكاتب مع المؤمنين (3: 13). هم ما زالوا على قيد الحياة. والوعد الذي أعطي لهم ولم يتمّ لا يمكن أن يبقى باطلاً (بلا ثمرة). لهذا هو بعدُ حاضر. ونقرأ فعل ((كاتالايبو)) الذي يعني: بقي في مكانه. لبث (أع 24: 27). واسم المفعول المجهول يُبرز فكرةَ واقع حاضر ودائم. أما موعد (ابانغاليا) الدخول (ايسالتاين) فيؤكّد فكرة جوهريّة: وعدُ الله ما زال حاضرًا. وهو يتوجّه اليوم إلينا. ولما صار هؤلاء ((العبرانيون)) مسيحيين، لم ينكروا رجاءهم السابق، ولكنهم وصلوا بهذا الرجاء إلى كماله حين آمنوا بالمسيح.
كيف نترجم نهاية الآية؟ هذا يرتبط بالمعنى الذي نعطيه لـ ((دوكي)) و((هيستريكاناي)). اذا استُعمل ((هيستارو)) في مدلول متنوع، عنى: حُرم، غاب، وإذا أعطينا لفعل ((دوكيو)) معنى ((ظهر)) نقول: إن بدا أحد منكم وقد حُرم من الموعد. هكذا تصبح ((دوكي)) تخفيفًا للتأنيب. فما يظهر (يرى) يوازي (يعتبر) الواقع. ولكننا نعطي فعل ((هيستارو)) معنى: تخلّف، ظلّ وراء المجموعة، لم يدرك الهدف (هـ ت ا ح، تأخّر، سي 11: 11). عندئذ نكون أمام قراءتين: هل يمكن لمن يشارك في المسيح أن يجد نفسه متخلّفًا عن الفرقة التي يقودها ((ارخيغوس)) (القائد)؟ هذا هو تفسير البسيطة: لا يوجد بينكم من يتأخّر (من يُمنع) من الدخول)). والقراءة الثانية: لنخشَ أن يكون المسيحيّ بلا رجاء، فيكون لا مباليًا وكأنه خارج المواعيد. أو هو وصل متأخّرًا بالنسبة إلى تدبير ولّى ومضى. ولكن الكاتب يقول: الوعد هو هنا. وهو يقدّم لكم. فلا تتخلّفوا. وهو سيعطيهم مثال الرجاء في الآباء (11: 1 - 12: 3).
ثانيًا: هم ونحن (آ 2 - 3)
في الواقع، هذا الايمان يرتبط بالنهاية: فله هدف. وهو يتحدّد بوعد نُقل حقًا إلى تلاميذ المسيح في بشارة فرحة (2: 321) يمتلكونها منذ الآن (اسم المفعول: اوانغاليسمانوي، رج مت 11: 5) وهي تعنيهم مباشرة، كما عنى الوعد الأول آباءهم. جاء الفعل في الكامل. تمّت البشارة. كانت كاملة في الماضي (2: 3). وما زالت نتيجتْها حاضرة. ولكن (أل أوك، 1كور 10: 5) الموعد (إبانغاليا) أو الكلام الموجّه بوضوح إلى بني اسرائيل (لوغوس تيس اكويس، 1تس 2: 13؛ روم 10: 17، د ب ر. اش م و ع ه) لم ينفعهم. نحن أمام تعليم تقليديّ، مع تشديد على مضمون الوعد ومعنـى الكلمة، لا على عبارتها. رج حز 12: 23: تحقيق كل كلمة قريب. ولكنهم لم يتّحدوا (لم يندمجوا) بهذه الكلمة مثل موسى ويشوع وكالب. نحن هنا أمام تلميح إلى سقوط الشعب وعقابه (عد 14). ((سينكارانيمي)) يعني مزج، وحّد بين اثنين، جمع الواحد إلى الآخر (1كور 12: 24). هو يستعمل بشكل خاص في كلام عن اتحاد روحيّ بين الناس، وعن علاقات الصداقة. رج ((ع ر ب)) (العرّاب في العربيّة) الذي يعني اتفق، عقد زواجًا (عز 9: 2؛ 2مل 18: 23).
إذن، نفهم، أنه لو اتحد بنو اسرائيل مع وسيطهم، لنعموا بالمواعيد التي أعطيت للشعب. ولكان الايمان (بستيس) مبدأ خلاص، ووسيلة ينضمّ بها الناس إلى رئيسهم (2: 3؛ 13: 7). عند ذاك، كان كل واحد مشاركًا في امتيازات الجماعة. ولكن هذا لم يكن. رج 1كور 7: 14. هناك سماع وسماع. سمعوا الكلمة من الخارج، فلم يؤمنوا.
((إيسارخوماتا)) (ندخل) (آ 3). ارتبط بـ ((اوانغالاسيمانوي، آ 2 ،مبشَّرون). نحن أمام واقع حاليّ نتطلّع إليه بالنظر إلى قصد الله الذي يكفل الدخول إلى الراحة، وبالنظر إلى الوجدان المسيحيّ الذي يعرف أن الايمان مليء بالرجاء (11: 1). تجاه بني اسرائيل الذين لم يؤمنوا (إكاينوس، آ 2)، جاء المسيحيون إلى الايمان (بستوسانتس، اسم الفاعل في صيغة الاحتمال، رج أع 4: 32؛ روم 13: 11؛ 1كور 13: 5، يقابل ((أكوساسين، سمع)، أي قبلوا الوحي الالهي فصاروا وارثي الخيرات المحفوظة لهم.
ويأتي الايراد الكتابي في آ 3ب الذي جاء مقتضبًا: قيل عنها. أي حسب ما قيل للذين لم يؤمنوا. هي راحة (آ 15) ما زالت ممكنة، ومحفوظة للذين يتقبّلونها. أما الأولون فلم ينعموا بها لأنهم خطئوا. ورد فعل ((إيريكان)) (كما قيل) في صيغة الكامل، فدلّ على أن هذه الكلمة التي قيلت في الماضي ما زالت حاضرة اليوم وهي تتوجّه إلينا. أما ((كايتوي)) (مع أن، أع 14: 17؛ يو 4: 2) فهي تبدأ شرحًا يلغي تفسيرًا خاطئًا. قد نظنّ أننا أمام سعادة بشريّة يقدّمها الله، وأننا لا نستطيع أن نرتاح قبل أن يرتاح الله. في الواقع، ما إن أنهى الله عمل الخلق حتى ارتاح. تلك هي الراحة التي يُدعى إليها المسيحيّون.
ثالثًا: راحة الله (آ 4 - 5)
رغم الظواهر، لا تشكّل هذه الاعتبارات على راحة الله استطرادًا. بل هي تتوجّه إلى شخص جامد. لا يتحرّك، إلى شخص لا يبالي (آ 1). ليست الراحة أرض كنعان، بل السماء. ليست موضوع رجاء بشري، بل واقع من خبرة الله. هذا ما يريد أن يقوله الكاتب. ويضيف: واقع هذه الراحة أكيد، وهويقدَّم لنا دومًا (مت 22: 8). أجل، راحة الأرض المقدّسة رمز إلى راحة الله. والايراد الذي أخذ من تك 2: 2 (حسب السبعينية. أضيف: تيوس، الله) يبرّر الكلام عن راحة الله بعد الانتهاء من الخلق. وهذه الراحة لا نهاية لها. هذا ما يقوله الله نفسه (هو فاعل فعل ((ايريكان))) وجاء إيراد من مز 95: 11 مع الكلام عن الراحة (كاتاباوسين).
لم تحدّد راحةُ الله هذه. ولكن أشير إلى طبيعتها. هي راحة الخالق. وهي تشبه راحة صانع أنهى صنعه فرآه كما أراده. هي راحة من رضي عن عمله. ثم إن هذه الراحة الالهيّة التي يشارك فيها البشر، هي راحة الاله الفادي في نهاية العالم. وقد أراد أن يقود إلى السماء الأبناء الكثيرين ويمجّد ابنه الوحيد (2: 1).

ب - قراءة إجماليّة
((فلنخشَ اذن، ما دام موعد الدخول إلى راحته باقيًا، أن يُرى أحد منكم متخلّفًا عنه)) (4: 1)
في هذه المقطوعة (آ 1 - 5)، يتوخّى الكاتب أن يطبّق على قرّائه العبرة التي يمكن أن يتعلّموها من آبائهم الأولين في البرية. وحين فعلوا هذا، جعل منظار وعد الدخول إلى راحة الله، يمتدّ عبر الحدث التاريخيّ، حدث دخول بني اسرائيل إلى أرض كنعان بقيادة يشوع. إن امتلاك الأرض كان تتميمًا لوعد، ولكنه وعد قريب. أما منظور الايمان فيكتشف تمامه الأخير في دخول إلى الوطن السماوي (11: 16)، إلى أورشليم السماويّة (12: 22). وكل هذا قد تمّ عبر وساطة الابن المتجسّد الخلاصيّة.
هذه النظرة تملأ عب. وهي المفتاح لفهم نظام ملكيصادق الكهنوتيّ الذي يتحقّق إلى الأبد في شخص المسيح الحبر، وعمله (ف 5 - 7). بها نفهم أيضًا أن الخيمة الأرضيّة في البريّة كانت مثالاً وظلاً لواقع سماوي (ف 8 - 10). وبها نفهم موقف ابراهيم وسائر رجال الايمان في حقبة العهد القديم، الذين لم يروا في أيامهم تتمّة المواعيد الالهيّة، بل انتظروا التتمّة السماويّة الآتية فيما بعد (ف 11 - 13). فليفهم المسيحيون أن موعد الراحة ما زال باقيًا: ما زال صالحًا. وباب الدخول ما زال مفتوحًا، لأن التتمة لم تأت بعد. وفي لغة مز 95، ما زلنا في ((اليوم))، في ما يتعلّق بوعد الله. وهذا يدلّ أن الوقت مناسب: فنحن نعيش في يوم الله، في يوم النعمة. كما يدلّ على مسؤوليتنا: لا نستهين بهذا الامتياز ولا نتخلّى عنه.
من أجل هذا، كان التنبيه: لنخشَ. فلا موقف في الكنيسة أخطر من اللامبالاة والاكتفاء بالذات. وتنبيه بولس يتوجّه بقوّة إلى كل واحد منا: ((من ظنّ أنه واقف فليخشَ من السقوط)) (1كور 10: 12). ويلي هذا الكلام تأكيد بأن الله لا يسمح لشعبه أن يجرَّب فوق طاقته. لنخشَ نحن. هناك تضامن بين الكاتب والقرّاء: فقد يخسرون الوعد براحة الله. والمسيحيون هم أيضًا في حجّ نحو أرض الموعد (11: 13 - 16). فليجعلوا ثقتهم في الله، فهو قادر أن يخلّص الذين به يتقرَّبون إلى الله (7: 25).
((لأن البشارة كانت لنا أيضًا كما كانت لهم. غير أن الكلمة التي سمعوها لم تنفعهم شيئًا، لأنهم لما سمعوها لم يؤمنوا بها)) (4: 2)
هم بُشّروا. ونحن بُشّرنا. وصلت إلينا البشارة في ملئها، فما عاد لنا أن ننتظر شيئًا. ولا يحقّ لنا أن ننتظر بعد بسبب نقص في التعليم. هناك تقابل بين وعد العهد القديم وبين وعد الانجيل: فالمضمون الجوهري هو هو. الأول، يتطلّع إلى كماله في المسيح. والثاني يعلن أن الوعد تمّ في المسيح. هذا ما فعله بولس حين صوّر عطيّة الوعد لابراهيم والكرازة بالانجيل بواسطة فعل واحد: بُشّروا مسبقًا، قبل الوقت (غل 3: 8).
غير أن بني اسرائيل لم يتجاوبوا مع البشارة، لم يسمعوا لها. هنا نجد ثلاثة أمور مرتبطة بعضها ببعض: (1) بشارة. (2) سماع. (3) إيمان. نجدها في روم 10: 14: ((كيف يؤمنون بما لم يسمعوا؟ وكيف يسمعون بدون مبشّر))؟ هذا يعني أن البشارة في حدّ ذاتها أمر نظري، ولا فائدة منها. فلكي تكون خبرًا طيبًا، يجب أن تُعلن لكي تُسمع. ولكن لا يكفي أن تُسمع. فهي تحتاج إلى جواب الايمان. لقد اكتشف جيل البرية، وكلّفه هذا الاكتشاف غاليًا، أن البشارة التي سمعوها ورفضوها لأنهم لم يؤمنوا، صارت لهم ينبوع دينونة وشجب. فأي عذر لنا إن نحن تبعنا خطاهم؟ فنحن أكثر خطأ: هم نالوا الوعد، ونحن تمام الوعد. وقد قيل لنا: ((فمن نبذني ولم يقبل أقوالي فله ديّانه، الكلمة التي نطقتُ بها هي تدينه في اليوم الأخير (يو 12: 48).
((أمّا نحن الذين آمنوا، فندخل في راحة قيل عنها: حتّى أقسمتُ في غضبي: إنهم لن يدخلوا في راحتي. فإن أعماله (أعمال الله) قد أنجزت منذ إنشاء العالم، إذ إنه قال في موضع ما عن اليوم السابع: واستراح الله في اليوم السابع من جميع أعماله، وأيضًا في هذا الموضع: لن يدخلوا في راحتي)) (4: 3 - 5)
نحن الذين آمنا ندخل في هذه الراحة، عكس جيل البريّة الذين لم يؤمنوا فاستُبعدوا من البركة الموعودة. هي كنيسة المسيح، اسرائيل الله (غل 6: 16) وجماعة المؤمنين. ما الذي يُطلب للدخول في هذه الجماعة؟ الايمان بالمسيح كالمخلّص والرب، وإعلان هذا الايمان في العماد (يو 3: 16؛ 36: 5: 24؛ أع 8: 23؛ 16: 30ي؛ روم 10: 9 - 10). صيغة الاحتمال هنا (آمنوا) تدلّ على الوقت الذي فيه أعلنوا إيمانهم واعتمدوا. وهكذا سار شعبُ الايمان، في حجّه الأرضي، في خطى المسيح الربّ الذاهب إلى أرض الراحة الموعودة. فامتياز الدخول خاص بالمؤمنين.
يتمنّى الكاتب أن يصبح هذا الرجاء واقعًا. ولكنه يرى في قلب الجماعة المؤمنة، أولئك المرائين أو المرتدّين الذين موقفهم موقف اللا إيمان. في أي حال، هم لا ينتمون إلى الكنيسة، إلاّ في وجهها الخارجي. ولا تكون لهم الراحة التي وُعد بها المؤمنون.
ويتكرّر الشقّ الأخير من الايراد الكتابي (مز 95: 7 - 11) ليلفت انتباهنا إلى أن الله استراح. وبما أن الاستبعاد هو في المستقبل (لن يدخلوا)، إلاّ أن هذا المستقبل لا يرتبط براحة الله بل بتنعّم الخلائق بهذه الراحة. بدأت راحة الله منذ إنشاء العالم. فالأيام الستة في الخلق لها مساء. أما اليوم السابع، فلا مساء له. فراحة الله هي منذ الآن، وهي واقع وحقيقة منذ خلق العالم. وقد وُعد بها الشعب في التتمة، وهو يدخل فيها أن ثبت على الأمانة.

4 - القسمة الثالثة (4: 6 - 11): يسوع أو يشوع الجديد
ويتطلّع الكاتب إلى ((اليوم)) الآخر، الجديد. هو سيأتي مع يسوع، لا مع يشوع بن نون. فلو أتى، لما تكلّم الكتاب عن يوم آخر تكون فيه راحة.

أ - تفسير الآيات
أولاً: يشوع ويوم آخر (آ 6 - 8)
تستخلص آ 6 - 7 البُعد العام للبرهان (إباي أون، ثم إذن) الذي قرّبه شيوخ الشعب من مثَل المدعوّين إلى العرس (مت 22: 1ي؛ رج أع 3: 46): من جهة، وبالنظر إلى الوعد، تأكّد (أبولايباتاي، بقي. لا يرد الفعل إلاّ هنا) أن راحة الله تُحفظ للذين يؤمّنون الشرط المطلوب (الايمان). ومن جهة ثانية، دلّ التاريخ أن المدعوّين الأوّلين لم ينعموا بهذه الراحة (3: 19: لم يؤمنوا). هذا يعني أن موضع الراحة ما زال فارغًا، وهو معدّ للمسيحيين. لا شكّ في ذلك، وداود نفسه يجدّد الوعد بعد موسى بقرون من الزمن. فـ ((اليوم)) في المزامير يدلّ على المؤمنين الذين تجاوبوا مع البشارة التي حملها المسيح.
وقدّمت آ 8 اعتراضًا يأتي من ذاك الذي لا يؤمن (آ 1): لقد دخل بنو اسرائيل إلى أرض الموعد، جيل البريّة أو الجيل الذي جاء بعده. إذن، تمَّ وعدُ الله (يش 1: 13). فكيف نطبّق بعدُ هذه النصوص على المسيحيين؟ قال الكاتب: لا شكّ في أن يشوع دخل إلى كنعان، ولكنه لم يجد راحة. قال ايرونيموس: وُعدت الأرض ولكنها لم تعطَ. رج ((كاتاباوو)) في معناه الأول (أوقف الحرب) ومديح يشوع في سي 46: 1 ،3: حارب من أجل الربّ. في أي حال، لسنا أمام الراحة التامّة والنهائيّة التي نظر إليها الله. لهذا، حفظ الله وعده، بعد هذه الأحداث بسنوات طويلة، بأن يهب يوم راحة لم يُعرف من قبل.
ثانيًا: راحة اليوم السابع (آ 9 - 10)
وهكذا جاءت الخاتمة (أرا، إذن): حفظ الله، منذ الخلق، لشعب الله (الجماعة المسيحيّة)، راحة سبتيّة (سباتسموس، لا يرد إلاّ هنا في الكتاب المقدّس). أحلّ الكاتب هذه اللفظة محلّ ((كاتاباوسيس)) ليدلّ على راحة الله في يوم السبت، اليوم السابع. هذه الراحة المعدّة للمؤمنين، تُرى في علاقتها مع راحة الله. طبيعتها واحدة. ومداها واحد في الحالين. هي سعادة تامّة. وتدوم إلى الأبد. ((لا مساء لها)) كما قال أوغسطينس في ((الاعترافات)) (30: 35). وهذا الدخول في الراحة السعيدة (رج آ 10)، هو مشاركة في سعادة الله، في إطار العيد والفرح. لم يعد الحديث عن راحة في أرض كنعان، بل عن راحة الله التي يشارك فيها المسيحيون حين دخولهم إلى السماء. عندئذ يستريح الانسان من أعماله (إرغا) على مثال الله. رج رؤ 14: 13: ((ليستريحوا من أتعابهم، فإن أعمالهم تصحبهم)).
ثالثًا: لنجتهد اذن (آ 11)
وتنتهي الآية الأخيرة في هذه العظة، بتحريض يقابل ما في آ 1 (تضمين). فعلى كل مسيحيّ أن يأخذ هذه المواعيد على محمل الجدّ. وليجتهد. رج فعل ((سبودازو)) : يدلّ على الجدّية وعلى الاجتهاد. منذ ((اليوم)) نستعدّ بالأعمال للدخول إلى راحة الله (آ 3). لا تعود ((إكايني)) (تلك) إلى الراحة التي تحدّثنا عنها (أوتي)، بل إلى التي نتوق إليها. نحن في إطار اسكاتولوجي، كما في لو 6: 23 (أجركم عظيم في السماء) وفي رؤ 9: 6 (يطلب الناس الموت).
نستطيع أن نفهم النهاية بأكثر من معنى؟ وذلك حسب معنى، ((ببتو)). سقط (3: 17 ،إباسن) أو هلك (المعنى الاستعاري) في روم 11: 11؛ 14: 4؛ رؤ 2: 5. ومعنى ((هيبودايغما)): مثال، نموذج (يو 13: 15؛ يع 5: 10) أو: علامة، طبعة (عد 18: 26؛ 2مك 4: 30). نقول: لا يهلكْ أحد حين يعطي الآخرين مثلاً عن العصيان. عندئذ نكون أمام فكرة جديدة لا شيء يهيّئها. فالعظة كلها تحدّثت عن لا إيمان بني اسرائيل كمثال لا نتبعه. عندئذ تصبح الخاتمة: لا يسقطُ أحد في لا إيمان يماثل لا إيمان بني اسرائيل، وفي النهاية، في المصير عينه الذي كان لهم (كما في البسيطة: لئلاّ نسقط كما عصوا).
في الواقع، إن حجّ الكنيسة يقابل نمطيًا عبور بني اسرائيل في البرية. فيحثّ الكاتب المسيحيين أن يمتِّنوا خطاهم ويثبتوا لئلاّ يهلكوا مثل هؤلاء الذين قادهم موسى. كان هؤلاء نمطًا (تيبوس، 1كور 10: 6 ،تيبولوجيا) أي تنبيهًا لأجلنا. يشدّد النص على ظروف السقوط التي يجب أن نتنبّه لها. إذن المعنى هو: تفحّصوا قلوبكم، إسهروا لئلا تقسوا، اقتلعوا كل ما يقاوم فيكم كلمة الله وإلاّ سقطتم.كيف تفعلون؟ تؤمنون بمواعيد المسيح.

ب - قراءة إجماليّة
((وإذ كان لا بدّ أن يدخل فيها قوم، والذين بُشّروا أولاً لم يدخلوا لسبب عصيانهم، حدّد الله من جديد يومًا، اليوم، إذ قال في داود، بعد ذلك بعهد طويل، القول الآنف الذكر: إن أنتم اليوم سمعتم صوته فلا تقسّوا قلوبكم... ولو كان يشوع قد أنالهم هذه الراحة لتكلّم الله من بعد عن يوم آخر)) (4: 6 - 8)
يعود البرهان إلى حقبتين في تاريخ اسرائيل. في الأولى، أولئك الذين نالوا في زمن موسى البشارة، عن راحة هيّأها الله لشعبه. فما استطاعوا أن يدخلوا بسبب عصيانهم. هذا لا يعني أن هدف الله بأن يعطي شعبه الراحة قد فشل وبالتالي تُرك. بل يبقى أناس غير الذين استُبعدوا: هم يستطيعون أن يدخلوا. في الثانية، وبعد قرون من الزمن بعد موسى، أشار الرب بداود إلى يوم سمّاه ((اليوم)): فالراحة الموعود بها هي باقية، ولم يدخل فيها أحد حين دوِّن مز 95. فيقول قائل إن جيلاً جديدًا دخل إلى راحة أرض كنعان مع يشوع. ويأتي الجواب: لو كانت هناك راحة، لما تكلّم الله بعد (مز 95) عن يوم آخر.
هذه الطريقة في تقديم البرهان تقوى حين نتذكّر أنه حين دوِّن مز 95 ،كان بنو اسرائيل مقيمين في أرض كنعان، بحيث إن راحة أخرى غير راحة كنعان كانت منتظرة. ويثبّت ذلك تاريخُ الشعب اللاحق حين اقتُلع من أرضه ومضى إلى السبي. فما أراد الكاتب أن يقوله هنا هو أن وعد الله بالراحة لا يتمّ ولن يتمّ على الأرض، بل هو اسكاتولوجيّ، وهو ينتظر شعب الله في كل ملئه. وهذا يتوافق كل التوافق مع ما قيل في عب 11: 13 - 16، 35؛ 12: 2 ي، بأن انتظار شعب الله لم يتعلّق يومًا بأغراض ماديّة أو أرضيّة: ((ليس لنا هنا مدينة ثابتة، بل ننتظر المدينة الآتية)) (1: 13 - 14). أجل، موضوع الراحة الموعودة هو موضوع انتظار للمسيحيّ في حجّه إلى الملكوت.
((فهناك إذن راحة، راحة اليوم السابع، محفوظة لشعب الله. فمن دخل في راحة الله هذه، يستريح هو أيضًا من أعماله كما استراح الله من أعماله الخاصّة)) (4: 9 - 10)
النتيجة التي نستخرجها من البرهان السابق هو أنه بقيت راحة تصوَّر الآن كراحة سبت (اليوم السابع) للذين هم حقًا شعب الله. وعبارة ((راحة السبت)) (سباتسموس، كلمة مؤلفة من الجذر: سبت. في العبرية: ش ب ت) ترتبط بمفهوم الراحة الموعود بها، وهي تشير إلى خبر الخلق الذي فيه كان اليوم السابع اليومَ الذي في ارتاح الله من أعماله. هنا نجد تفسيرًا في رسالة برنابا (15: 4 ي) يستند إلى 2بط 3: 8 (مع الرب، يوم واحد هو ألف سنة، وألف سنة كيوم واحد، رج مز 50: 4): إن الحقبة الممتدّة من الخلق إلى المجيء (باروسيا، عودة المسيح) هي سلسلة من ستة أيام (وكل يوم يوازي ألف سنة). والذروة هي اليوم السابع أو سبت المسيح في ملكه الألفيّ. بعد ذلك، يأتي اليوم الأخير، واليوم الثامن الذي يمتدّ إلى ما لا نهاية ويُتمّ بركات راحة اليوم السابع، وهو يوم لا مساء له. أي لا ينتهي.
غير أن العهد الجديد لا ينظر إلى ألفيّة من هذا النوع. فراحةُ السبت المذكورة هنا، ليست راحة الخلق (9: 11)، بل راحة السماء الجديدة والأرض الجديدة التي هي أبديّة الله ومشاركة في راحته التي لا نهاية لها. وهي محفوظة لشعب الله (تسمّيهم عب 8: 10 شعب العهد، إر 31: 33)، أي للذين يؤمنون، وقد تكوّنوا بنعمة الله ((نسلاً مختارًا، كهنوتًا ملوكيًا وأمّة مقدّسة، وشعب الله الخاص)) (1بط 2: 7 ،9)، و((اسرائيل الله)) (غل 6: 16؛ رج 3: 25 ي؛ روم 9: 6 - 7)، و ((البقيّة المختارة بالنعمة)) (روم 11: 5). فالدخول في راحة الله يعني التوقّف عن الأعمال كما فعل الله في اليوم السابع. نقرأ في رؤ 14: 13 عن الذين يموتون في الرب: يستريحون من أعمالهم.
نخطئ إن قلنا إن راحة شعب الله الدائمة تعني عدم النشاط إلى الأبد. فالأعمال التي استراح منها الله هي أعمال الخلق. ولكنه ما زال ناشطًا في عنايته ودينونته ونعمته. والأعمال التي يرتاح منها شعب الله في السبت السماوي، هي الأتعاب والجهاد والمضايقات التي يعرفونها في حجّهم الحاضر. وبكلام آخر، راحة السبت هي لهم خدمة الفرح الأبدي وعبارة مجيدة لمن هو خالقهم وفاديهم. وتصوّر هذه الراحة في رؤ 7: 14 ي كما يلي: ((نجوا من المحنة العظيمة... لن يجوعوا ولن يعطشوا... والله يمسح كل دمعة من عيونهم)) (رج أوغسطينس، الاعترافات 13: 35 - 36).
((فلنجتهد إذن أن ندحل في تلك الراحة، لئلاّ يسقط أحد في مثل هذا العصيان)) (4: 11)
يجب أن نكون جدّيين ولا نتغافل. نركّز كل قوانا من أجل تحقيق الهدف. وهكذا يحرّك التحريض روح الغيرة الذي يعارض اللامبالاة، الذي كان كارثة بالنسبة إلى الآباء في البريّة، والذي يمكن أن يشكّل لنا خطرًا (10: 35 - 36 ،39؛ 12: 12). الهدف هو أبديّ في نتائجه، وليس هناك حل وسط: أو ندخل أو نستَبعد (فل 3: 13 - 14). 
ويعود الكاتب كما في آ 1 (لنخشَ) فيضمّ نفسه إلى القرّاء في صيغة المتكلّم الجمع: لنجتهد. هو واحد معهم في المسيح. والتنبيه يتوجّه إليه كما يتوجّه إليهم. وصلاته أن لا يسقط أحد (رج آ 1: يُرى أحد) في مثل هذا العصيان. هكذا سقط الآباء في البرية. ويكفي أن تسقط قلّة قليلة فتؤثّر على المجموعة (كالخمير في العجين). أما السلاح فهو كلام الله، كما ستقول الآيات اللاحقة.

خاتمة
توسّع هذا التحريض الملحّ بشكل عظة حول مز 95: 7 - 11 ،فافترض تماثلاً بين أجيال متعاقبة في شعب الله، وثباتًا تامًا في سلوك الله. فالله قاد شعب اسرائيل، ومثله يقود المسيحيين. الاثنان نالا المواعيد عينها، وعرفا محنًا متشابهة، وتعرّضًا لذات الاخطار، خطر الارتداد والجحود، واتّجها نحو هدف واحد، ودُعيا إلى أمانة واحدة. لهذا، كان عقاب لا أمانة بني اسرائيل في عبور البرّية (ذكرها المرنّم لمعاصريه) عبرة لتلاميذ المسيح: فالله يعاقب دومًا بالطريقة عينها من يتزعزع إيمانُهم، فيحرمهم من الراحة الموعودة. ويأتي البرهان من الأقلّ إلى الأكثر: إذا كان ينبغي على العبرانيين أن يكونوا أمناء لإرشادات وسيطهم (3: 6)، بحيث عوقبوا بسبب عصيانهم، فكم يجب على المسيحيين أن يكونوا أمناء لكلمة الله التي نقلها المسيح والرسل (2: 3). وكما أن أمانة المسيح تفوّقت على أمانة موسى، على المسيحيّين أن يكونوا أكثر أمانة من آبائهم، بعد أن نالوا ملء الوحي في المسيح.
الفصل العاشر
كلام الله والمسيح الكاهن
4: 12 - 16
إن هذا النداء العملي للطاعة لله والثقة به، الذي ينهي موضوع المسيح الحبر الأمين، يتضمّن قسمين. الأول، يتعلّق بكلمة الله (آ 12 - 13) فيرتبط بالموعظة الارشاديّة (3: 7 - 4: 11) التي تعطيها أساسَها الأخير. كما يرتبط بتفوّق المسيح على موسى (3: 1 - 6) وبوحي الله الذي وصل بواسطة الملائكة والانبياء (2: 2) والابن (1: 1 - 2). قد نحصر بُعد هاتين الآيتين في إطار ضيّق إن رأينا فيهما فقط تنبيهًا جديدًا بأن لا نسقط في عدم الايمان. في الواقع، هما تعبِّران (وتختمان) أحد مواضيع الرسالة الذي بدأ بالمقابلة بين العهدين بالنظر إلى كرامة حاملي هذين الوحيين. فإن كان خدّام العهد القديم أدنى من المسيح، فيبقى أن الله هو الذي يتكلّم في العهد القديم، وأن جوهر كلامه لا يتبدّل. هذه الكلمة التي هي دومًا حاضرًا، سواء تُليت أو دُوِّنت، نسمعها ونطيعها.
حدّد الكاتب لاهوت كلمة الله (أش 55: 11؛ إر 23: 29؛ حك 18: 15 ي): فالله (1: 1) أو الروح القدس (3: 7) يتكلّم إلى البشر، يُسمع صوته (فوني، 3: 7، 15). ينقل تعليمه بواسطة موسى (مرتيريون، الشاهد، 3: 5) أو المسيح (2: 3). إذن، نال المسيحيون الوعد، صاروا سامعين للبشرى (اوبنغاليسمانوي، 4: 2، 6). إذن، يتحدّد التدبيرُ الخلاصيّ بكلمة إلهيّة نقلها أشخاص كلِّفوا بذلك. والناس يقرّرون مصيرهم حسب تقبّل (أكويس) هذه الكلمة (لوغوس، 4: 2)، فينالون (أو لا) تتمّة المواعيد.
يبقى أن نحدّد صفات هذه الكلمة الالهيّة التي لا تنفكّ تُسمع في أقوال العهد القديم والعهد الجديد، فتحضّ المؤمنين (3: 7 - 19)، وتحرّك فيهم الرجاء (4: 1 - 11). ولكنها أيضًا تحمل قوّة مريعة لا تخطئ، على مستوى التمييز والدينونة. لهذا، جاءت هذه الدعوة الملحّة بأن نكون أمناء لكلمة الله التي تلج أعماق النفوس وتميّز العواطف الحقيقيّة. فالانسان، مهما كان فيه من تشعّب وحميميّة، يكون شفّافًا تجاه هذه الكلمة التي تدين النوايا.
هناك أمانة داخليّة نعبّر عنها في الخارج بأمانة لاعتراف إيماننا، وبشهادة نؤدّيها في العالم. والمسيحيون هم الذين يتقبّلون خاضعين للوحي الذي حمله المسيح، بحيث يدلّون بشكل علنيّ على تعلّقهم به، ويعيشون عيش الرجاء. ولكن من أين لهم هذه الشجاعة وهذا الصدق تجاه مراءاة تهدّد الانسان في كل ساعة؟ بفضل المسيح الحبر الأمين الذي يأتي ليعين ضعفنا.
ونصل إلى القسم الثاني (آ 14 - 16). إن كاهننا يستطيع أن يقودنا إلى راحة الله حيث وصل هو. ما استطاع موسى وبنو اسرائيل أن يدخلوا أرض الموعد. أما المسيحيون فنالوا الوعد براحة الله. والمسيح الذي أرسل إليهم من السماء (3: 1)، يجلس الآن ملكًا عن يمين الآب. ويظلّ بأمانته متّحدًا بالمحبّة، بإخوته المدعوين لأن يقاسموه حالته السماويّة (3: 1 ،14). هذا يعني أن المسافة التي تفصلنا عنه، والتي ألغاها التجسّد، لم تتوسّع بفعل الصعود. فبفضل الايمان بهذا الوسيط نستطيع أن نقترب من إله الحب، ونتنقى من خطايانا، وننال العون المطلوب. وهذا النداء إلى الثقة، الذي هو أساس كل أمانة، ينقلنا إلى الاتجاه الثاني في القسم: يسوع الحبر الرحيم (5: 1 - 10). فالثبات في الايمان، والاجتهاد للاقتراب من الله، يسندهما تأمّل في حبر أمين، وفي حبر رحيم: عرف محننا ومحاولاتنا للإفلات من مشيئة الله. ولكنه ظفر بكل الآلام والاضطهادات بحيث صار ضعفُه واتضاعه أكبر مشجّع لنا.

1 - تفسير الآيات
بعد أن يمتدح الكاتب كلمة الله (آ 12 - 13)، يحثّ المؤمنين على الاقتراب من الابن لينالوا الرحمة والنعمة والغوث.

أ - مديح كلمة الله (4: 12 - 13)
أولاً: كلمة الله سيف (آ 12)
ترتبط هذه الآية بما سبقها، فتفسّر لماذا نسمع خاضعين لكلمة الله، لماذا نطيعها (سبوداسومان، آ 11 ،نجتهد). فهم التفسيرُ اليوناني (اكلمنضوس الاسكندراني، اوريجانس) واللاتيني (امبروسيوس) ((كلمة الله)) على أنها الابن الكلمة (آ 14 - 1: 2). ولكننا بالأحرى أمام تشخيص شعري في خطّ سفر الحكمة. كلمة الله هي في النهاية الله الذي يتكلّم. فالاداة (الكلمة) أخذت صفات العلة (الله). هذا ما نكتشفه في عدد من نصوص العهد القديم. بما أن الله خلق بكلمته (تك 1: 3 ي؛ مز 33: 9)، فهذه الكلمة تعتبر حاملة قوّة لا تقاوم (حك 18: 15). أرسلها الله فعملت بأمره، وبدت مستقلّة عنه (مز 112: 20؛ 148: 15). في هذا الخطّ، أراد الترجوم أن يحافظ على تسامي الله، فنسب هذا العمل أو ذاك إلى ((كلمة يهوه)) (م ي م ر ا. د. ي هـ و ه). وهكذا أبعد الصور التشبيهيّة والانترومورفيّة. وهنا، في عب، يتطلّع الكاتب إلى كلمات الله كما نقرأها في الكتب المقدّسة، وكما يستعملها الله من أجل شعبه (تث 18: 19).
هذه الكلمة هي مدوّنة في الكتب، وتتلفّظ بها الشفاه. هي حيّة (زون) كما أن الله حي (3: 12؛ 1بط 1: 13). هي حاضرة اليوم، فتحرّك الحياة في النفس (أع 7: 38)، بل تمنح الحياة الأبديّة (يو 6: 63، 68؛ فل 2: 16). وهذه الكلمة تفعل. هي ديناميكيّة (إنارغيس). حياتها فيها. ولا شيء يوقف عملها (2تم 2: 9). وهي قديرة، أين منها قدرة السيف، فتلج أعماق الانسان (رؤ 1: 16؛ 2: 12؛ 19: 15، 21). وأخيرًا، هي تميّز الصالح من الطالح، وبالتالي تدين (كريتيكوس، لا يردّ إلاّ هنا في العهد الجديد) حتى أفكار الانسان الخفيّة.
ثانيًا: كل شيء مكشوف (آ 13)
لماذا تلج كلمة الله القلوب؟ لأن الخالق يرى حميميّة كل خليقة، فتصبح شفّافة أمام عينيه. أجل، انتقل الكاتب من كلمة الله إلى الله ذاته. وهكذا تماهت كلمة الله مع الله: هي تعرف كل شيء. حاضرة في كل شيء. وتتسلّم كل شيء من الله. تجاه الكلمة الالهيّة، كل خليقة (كتيسيس، روم 8: 39)، حتى الملائكة (كو 1: 15)، لا يمكنها أن تُخفى عن الله (أفانيس، لا تردّ إلاّ هنا في العهد الجديد). هي عارية (غمنوس)، أي لا تستطيع أن تخفي طبيعتَها الحقيقيّة. وأخيرًا هي مكشوفة، معرّضة لعمل الله (تراخيليزو، تصرّف بالشيء، أمسك بعنقه).
القلب اللامختون هو القلب القاسي والمنغلق على كلمة الله. هذه الكلمة هي سكين الختان التي تنفذ إلى الجسم. وحين لا نقسّي الرقبة والعنق، ندلّ على أننا نقبل إرادة الله، نخضع لها. يشير الختان إلى العري والعنق. ومن أزال التصلّب دلّ على سماع كلمة الله.

ب - نقترب من المسيح الكاهن (4: 14 - 16)
أولاً: لنا حبر عظيم (آ 14)
تشكّل آ 14 - 16 خاتمة واضحة (أون، إذن) للموضوع التعليمي حول كهنوت المسيح (2: 17 - 3: 1) والنداء إلى الأمانة الذي يتواصل حتى 4: 11. أما موضوع الاعتراف الايمانيّ (بما فيه من ثقة وحبّ) فهو يسوع حبر الشعب المسيحي. ((إخونتس)) تدلّ على هذه العلاقة. فالمؤمنون في العهد الجديد ليسوا بدون وسيط ((ماغاس)) (عظيم، رج 10: 21؛ 13: 20). ولكن ((ارخيارايس)) هو عظيم الكهنة. ولكننا نجد هذه العبارة في 1مك 13: 42 في حديث عن سمعان. هذا ما يدلّ على سموّ هذا الكهنوت تجاه الكهنوت اللاوي: هو تدبير لكي يخلّص. اجتاز (ديارخوماي، صيغة الكامل، تمَّ العبورُ والنتيجة ما زالت حاضرة) السماوات (ش م ي م، رج أف 4: 10 - 12). وهو الآن عن يمين الله (1: 3 ،8، 13)، مكلّل بالمجد والكرامة (2: 7، 9)، وجدير بأن يمارس عمل الشفاعة الناجعة (7: 25).
وما يُثبت هذه الشفاعة، هو أن هذا الحبر واحد منا في بشريّته: فيسوع هو ابن (هيون) إبن الله. تجتمع التسميات فتدلاّن على طبيعتيه، وتبرزان ما يؤسّس كمال كهنوته، وتجعلانه فوق الذي لم يستطع أن يدخل أرض الموعد (= موسى)، بل فوق رؤساء الكهنة كلهم في العالم اليهوديّ. كان عدد رؤساء الكهنة كبيرًا (26 من عهد هيرودس حتّى دمار الهيكل). كانوا يُعزلون، ولكنهم كانوا يحتفظون باللقب: ((أرخياروس)) (ك هـ ن. هـ. ج دول). أما يسوع فيمتلك كهنوتًا لا يؤخذ منه. وهو يمارسه إلى الأبد.
هذا هو موضوع الايمان الذي نعترف به بثبات، نتمسّك به (كراتيو، في صيغة الحاضر. رج 6: 18؛ 2تس 2: 15؛ رؤ 2: 13 ،25؛ 3: 11). نتمسّك بالمسيح عظيم كهنتنا. فلا أحد يخلّصنا مثله. بل لا اسم سوى اسمه به نخلص (أع 4: 12).
ثانيًا: يرثي لاسقامنا (آ 15)
يشير هذا الإرشاد الأخير إلى أن القرّاء تعبوا وامتُحنوا، فكادوا يرتدّون عن المسيح (3: 12). لهذا، أضاف الكاتب: المسيح يعرف صعوباتكم. بل يرثي لها، يتألمها. كان اعتراض خفيّ: هل الحبر الجالس على عرش الله، يهتمّ بمحن المؤمنين وشقاواتهم؟ الجواب: نعم. صار شبيهًا بالبشر (2: 17 - 18). عرف صعوباتهم وخبرها (سمباتيو، 10: 34. هنا فقط في العهد الجديد. رج سمباتيس في 1بط 3: 18): هو يتألّم معنا (سين). يشاركنا في آلامنا. يشعر بما نشعر به. في هذا المناخ، خبر يسوعُ في بشريّته كل ضعفنا (مت 8: 17؛ أش 53: 4). ونقرأ في أوسابيوس حول مت 13: 20: ((صرت ضعيفًا من أجل الضعفاء. جعتُ من أجل الجائعين. عطشتُ من أجل العطاش)). هذا الضعف (استانايا، رج أستانيس، بدون قوّة) هو ضعف الطبيعة البشريّة الخاضعة للتعب والمرض والموت (11: 34؛ 1كور 2: 3؛ 2كور 13: 4؛ غل 4: 13؛ 1بط 3: 7). ويدلّ هذا الضعف على محدوديّة الكائن المخلوق. وهكذا صار الابن من دم ولحم (2: 14) فعرف كل شقاء البشر، ووعى عجزنا حين جُرّب تجاه إرادة الله (مت 26: 41 ،الجسد ضعيف). أتُرى لأنه صار في السماء، لا يعود يحسّ مع إخوته في صعوباتهم المأساويّة؟!
في الواقع، جرّب المسيحُ. فالاداة ((دي)) (أما) تبدأ مقابلة بين أحبار من السماء لا يحسّون بألم الناس، وبين يسوع الحبر الرحيم. ((بإيرازو)) (ن س ا، في العبرية): حاول (1صم 17: 39)، امتحن (حك 2: 24؛ دا 1: 12). ويُستعمل الفعل خاصة للكلام عن المحن التي تصيب الانسان: بها يتفحّص الله الكلى والقلب (مز 26: 2)، ويتأكّد من أمانة المؤمن. ولكن قد تكون المحنة خطرًا علينا، فنسقط في التجربة. إن ((بايرسموس)) هي محنة الايمان، وواقع أساسيّ في حياة الانسان. هنا يعود الكاتب إلى خبرة بني اسرائيل خلال عبور البريّة (3: 7 - 4: 11)، وبالتالي إلى خبرة الجماعة المسيحيّة.
ويسوع نفسه امتُحن (2: 18 ،صيغة الاحتمال. نحن أمام واقع). في البريّة (لو 4: 13). في الجسمانية (لو 22: 44 ،أغونيا)، بل خلال حياته كلها (بابايرسمانون، صيغة الكامل، اسم الفاعل. هذا ما يدلّ على طول المحنة): عرف الجوع والعطش والتعب والبرد وعداء الفريسيين، بل هو سيصوّر حياته كلها بشكل محنة سيضمّ إليها تلاميذه: ((أنتم ثبتّم معي في محنتي)) (لو 22: 28). بما أن المقدِّس والمقدّسين ينتمون إلى بشريّة واحدة، وينعمون بنعمة واحدة (2: 11)، فهم يشاركون أيضًا في المحن الواحدة. أجل، إن قائدنا (ارخيغوس) عرف صعوباتنا. شابهنا (هومويوتيتا) في كل شيء ما عدا الخطيئة (هامرتيا)، فمع أنه عرف الضعف، إلاّ أنه لم يسقط كما نسقط نحن في التجربة.
ثالثًا: ندنو إلى عرش النعمة (آ 16)
لهذا (اون)، يتأكّد المسيحيون من قدرة حبرهم ورحمته التي لا تزعزع (رغم خطايانا)، فيقفون أمام الله (4: 11) بقوّة إيمانهم. ((بروسارخوماي))، ق ر ب في العبرية (اقترب). هو اقتراب من الله من أجل العبادة وتقريب الذبيحة (لا 9: 7؛ 21: 17 ،21؛ 22: 3؛ عد 18: 3). فالمسيحيون يسيرون في خطى قائدهم الذي اجتاز السماوات (آ 14)، فيقفون أمام عرش الله (7: 25)، بثقة ودالة وجرأة (باريسيا، رج 3: 6؛ 10: 19 - 22). في العهد القديم، كان يحقّ للكهنة وحدهم أن يقتربوا من الله (بعد أن يتطهّروا). أما شركاء المسيح فيقدرون كلهم أن يقتربوا. زال الحجاب الذي كان يستر الله عن المؤمنين. تمزّق في موت يسوع (مر 15: 38).
العرش (ترونوس) هو كرسيّ الملك ورمز سلطانه (2صم 7: 16؛ رؤ 2: 13). الله يجلس على عرش عال ورفيع (أش 6: 1؛ 66: 1) سيجعله المعلّمون في المعبد السماويّ. والمسيح يجلس أيضًا على هذا العرش (عب 3: 21) كالمسيح الملك (لو 1: 32؛ أع 2: 30). هو عرش المجد (دوكسيس، مت 19: 28؛ 25: 31)، عرش العظمة (ماغالوسينيس، 8: 1). أما عرش النعمة الذي يُذكر هنا، فيدلّ على تسامي الله، على حبّه ورحمته.
كيف نستطيع أن نقترب من العرش؟ من جهة، إن الله ينظر إلينا برضاه. هو يُنعم علينا (خاريس، النعمة: نجد نعمة، تك 6: 8؛ لو 1: 3؛ أع 7: 46). هو يستعد لأن يمنحنا رحمته (إلايوس، رج تك 19: 19؛ دا 3: 38؛ 2تم 1: 8) مهما كانت خطايانا السابقة. نجد فعلين في صيغة الاحتمال (يدلاّن على واقع ملموس): لابومن: نتقبّل الغفران المقدّم لنا بشكل منفعل، بشكل مجانيّ. هاوروسن: نأخذ ما طلبناه بإرادتنا. من جهة ثانية، يمنح الله غوثه (بوئيتايا، ع ز ر، 2: 18) للمؤمنين خلال حياتهم ((اليوم)) (3: 13؛ 4: 7؛ 2كور 6: 2)، ولا سيّما في وقت التجربة (اوكاريوس، المناسب، مز 104: 27). فحين يصرخ المؤمن طالبًا النجاة، يأتيه عون الله ولا يبطئ (1كور 10: 13). هذا يفهمنا أن نشاط المسيح الكهنوتي واقع حاليّ يمارسه المخلّص في السماء من أجل البشر. يتعاطف معنا، يعمل معنا ككلمة الله، بل كمن هو الكلمة الذي يقرب الله، الذي هو الله.

2 - قراءة إجماليّة
((فإن كلمة الله حيّة فعّالة، وأمضى من كل سيف ذي حدّين، تنفذ حتى مفرق النفس والروح، والأوصال والمخاخ، وتميّز خواطر القلب ونيّاته)) (4: 12)
هناك ارتباط منطقي (الفاء، غار) بين هذه الآية وما سبقها، على مستوى العصيان الذي ذُكر في آ 11. فالكلمة تدل على إرادة المتكلّم الذي هو الله. والعصيان هو عصيان هذه الكلمة، ورفض الاستماع إليها. فلا يمكن أن نرفض الطاعة لكلمة الله دون عقاب، لأنها كلمة الله. وهذه الكلمة لا يمكن أن تكون باطلة، بل هي تفعل.
كلمة الله حيّة وفاعلة. ليست حرفًا ميتًا. بما أن الله هو الاله الذي يفعل بقدرته، فكلمته لا يمكن إلاّ أن تكون قديرة، وهي تصل إلى مبتغاها الذي هو إرادة الله. وهذه الكلمة لا تُلغى ولا تَفشل. قد تطيل أناتها، قد تصبر. ولكنها في النهاية تحيي أو تدين.
كلمة الله أمضى من كل سيف (أف 6: 17، سيف الروح). يقطع عن اليمين وعن اليسار. لا يفلت أحد منه. سواء من أجل الخلاص أو من أجل الدينونة. قال يسوع: ((الكلمة التي قلتها روح وحياة)) (يو 6: 63). وقال: ((الكلمة التي قلتها تدينه في اليوم الأخير)) (يو 12: 48). تحدّث بولس في 2كور 2: 15 عن الذين يخلصون وعن الذين يهلكون، وبطرس في أع 2: 37 عن قلوب أصابتها الكلمة كسيف. ((فقالوا لبطرس: ماذا يجب أن نصنع))؟
ذكر النفس والروح... فدلّ على قدرة كلمة الله التي تلج أعمق أعماق الانسان، منذ طبيعته الجسديّة حتى طبيعته الروحيّة. أجل، لا شيء يخفى على الله.
((فلذلك، ما من خليقة مستترة عنها، بل كل شيء عار، مكشوف لعيني من سنؤدّي له حسابًا)) (4: 13)
بما أن كلمة الله تلج كسيف ذي حدّين أعمال الانسان، فهذا يعني أن كل تفاصيل حياتنا، وكل وجهة في شخصيتنا، مفتوحة أمام الله. وهكذا انتقل الكاتب من الكلمة إلى الله علّة الكلمة.
بما أن الله هو الخالق بكلمته، ويحفظ نظام الكون، بما فيه الملائكة والبشر، فلا شيء إلا وهو معروف لديه ومفهوم عنده. فهو ينبوع كل معرفة وكل فهم. هذا ما يقوله مز 139: ((يا رب اختبرتني فعرفتني. عرفت قعودي وقيامي، وتبيّنت أفكاري من بعيد. أنت ترافق سفري وإقامتي، وتعرف جميع طرقي)) (آ 1 - 3). حتى الظلمة تصبح نورًا أمام الله الذي ينير خفايا الظلام ويوضح أفكار القلوب (1كور 4: 5).
هذه الحقيقة العميقة، تجعل الانسان أمام ذاته فلا يعود يعتبر نفسه أكثر مما هو. هي تُدمّر اعتداده بأنه حكيم فهيم، وأنه يستطيع أن يجعل نفسه إلهًا (2كور 20: 4 - 5). غير أن الله يرى كل شيء. ويلج قلب الانسان في جذوره. أما معرفة الانسان فناقصة. وحكمته تبدأ حين يُقرّ بهذا الواقع. لهذا، فهو يطلب من الله أن يعرفه لكي يعرف نفسه، كما قال أوغسطينس.
وإذ لنا حبر عظيم قد اجتاز السماوات، يسوع إبن الله، فلنثبت على الاعتراف)) (4: 14)
بعد أن أخافنا الكاتب، ها هو يشجّعنا. بعد أن صبّ الخمر على جرحنا، ها هو يصبّ الزيت. فالمؤمن الذي يعي أنه لا يستطيع أن يقف مرفوع الرأس أمام عرش الله، يمتلئ مع ذلك ثقة، لا بنفسه، بل بالمسيح. فله حبر عظيم يقف محلّه، ويردّ عنه. لهذا، نحن لا ننظر إلى نفوسنا، بل إلى عظيم كهنتنا (3: 9؛ 12: 2) وذلك لأسباب ثلاثة: كفّر عن خطايانا (2: 17). عرف بالخبرة كيف يجتاز المحنة، فقدّم لنا العون في وقت التجربة. مرّ عبر السماوات وهو يعدّ لنا الراحة الأبديّة التي وعد بها شعب الله. وإن معرفة هذه الحقائق الثلاث هي ينبوع تشجيع للمسيحيين في حجّهم الأرضي، بحيث يواصلون السعي حتى النهاية. وتتقوّى ثقتُنا حين نعرف أن عظيم كهنتنا هو فريد في قدرته وسموّه، فلا يجاريه عظـيم كهنة.
أما عظمة هذا الحبر الذي يفوق كل حبر، فيشار إليها بـ ((اجتاز السماوات، تجاه رئيس الكهنة اللاوي الذي يعبر أمام شعبه وهو يحمل دم التكفير في المعبد الأرضي. يسوع، حبرنا العظيم، في صعوده، عبر على مرأى من تلاميذه حين دخل مرة واحدة إلى المعبد السماوي (أع 1: 9؛ عب 8: 1ي، 9: 11 ي). لسنا هنا أمام سفَر في الفضاء. فاللغة لغة التسامي. لم يصعد يسوع فقط، بل حين صعد تجاوز كل حدود الزمان والمكان. تساميه يكفل فرادته، يكفل عظمته.
وجدارة حبرنا بأن يكون كالفادي والوسيط. نتأكّد بأنه يسوع إبن مريم، وبأنه أيضًا ابن الله: فابن الله المتجسّد صار انسانًا حقيقيًا وإلهًا حقيقيًا. لهذا، يقدر أن يكون حبرًا بين الانسان الخاطئ والاله القدوس. لقبان يُوضعان الواحد تجاه الآخر. بحسب الطبيعة الالهيّة، هو واحد مع الله. وفي تجسّده، هو واحد مع الانسان. وهو كإله وانسان جدير بأن يقوم بعمل المصالحة، لكي يعود التناغم بين الله والانسان. فابن الله جاء إلى عوننا في التجسّد، بحيث نأخذ مكاننا على الصليب فتنفتح أمامنا طريقُ حضور الله بالقيامة والصعود والتمجيد.
فإن الحبر الذي لنا ليس عاجزًا عن الرثاء لأسقامنا، بل هو مجرَّب في كل شيء، على مثالنا، ما خلا الخطيئة)) (4: 15)
تسامى عظيمُ كهنتنا وتمجّد، ولكنه لم يبتعد عن واقع خيرتنا البشريّة. فالرب الممجّد هو يسوع، الابن المتجسّد. وتماهيه معنا لم ينته عندما اجتاز إلي المعبد السماوي. لن نطرح سؤالاً حول تعاطفه مع ضعفنا، لأنه أخذ ضعفنا وجعله له حين لبس طبيعتنا. فهدف مجيئه كان (تتميمًا لنبوءة عبد الرب) أن يجعل من ضعفنا ضعفه. فبشريّته لم تكن قناعًا ولا خدعة. وواقع التجارب التي واجهها، دلّ على حقيقة الطبيعة البشريّة التي اتّخذها.
فالتجربة أمر حيادي، وهي لا تدل على فضيلة ولا على خطيئة. التجربة هي محنة وخبرة. والفضيلة تقوم بمقاومة التجربة أو التغلّب عليها. والخطيئة بأن نستسلم. وجابه يسوع التجربة أكثر من مرّة وانتصر عليها. ولكن من خلال هذه التجارب، عرف ضعفنا. فلو سقط يسوع في الخطيئة، لاحتاج أن يكفّر عن خطيئته، شأنه شأن عظيم الكهنة في الهيكل (7: 27). وبالتالي لن يستطيع أن يحمل إلى البشر الخلاص الأبديّ.
((فلنقترب اذن في ثقة إلى عرش النعمة، لننال الرحمة ونجد نعمة تساعدنا في وقت الحاجة)) (4: 16)
في نظام الكهنوت اللاوي، حتى مجيء المسيح، كان يحقّ لرئيس الكهنة وحده أن يقترب من حضور الله في معبده. وذلك مرّة واحدة في السنة، في يوم التكفير (يوم كيبور)، فيمرّ أمام قدس الأقداس. أما الشعب فاستُبعد من الحضور الالهي، وما سُمح له الاقتراب بسبب خطيئته. أما التكفير الذي تمّ بذبيحة يسوع على الصليب، ففتح الطريق الذي كان مغلقًا حتى ذلك الوقت. مُزّق حجاب الهيكل حين صُلب يسوع، فما طلب بعدُ من الخطأة أن يظلّوا بعيدين في الخوف والرعدة، بل أن يقتربوا وكلهم ثقة. فعبور حبرنا في السماوات (ا 14) فتح أمامهم الطريق إلى حضور الله نفسه. وذبيحة المسيح لأجلهم قد قُبلت. وخطاياهم غُفرت. فتوحّدوا معه بالايمان، واقتربوا من عرش النعمة، وصاروا ملوكًا معه بنعمة منه.
ولكن هؤلاء القرّاء الذين تكلّمهم عب، لا يقتربون، بل هم يتراجعون. فقدوا ثقتهم (10: 35)، فارتدّوا عن الايمان وصاروا إلى الجحود. فيجب أن يدلّوا على صدق إيمانهم الذي اعترفوا به، باقتراب وثيق في المسيح. وقساوة الجهاد تقدر أن تقود المسيحي إلى عرش نعمة الله، كما تجعله يتراجع ويتراخى. فخيمة العهد القديم تقودنا إلى عرش الرحمة، وكذلك عرش نعمة الله الذي نجد عنده العون في وقت نحتاج إليه.
وقابل الشرّاح بين الوضع السابق مع العهد القديم، ساعة كان عظيم الكهنة وحده يقترب من حضور الله، وبين الوضع الحاضر مع العهد الجديد، الذي فيه يُدعى شركاءُ المسيح للاقتراب من الحضور الالهي بثقة ودالة كبيرتين. فنحن هنا أمام ثورة في نظرتنا إلى الدين: وحدها المسيحية تمنح الخليقة الخاطئة الجرأة بأن تقف بثقة في حضرة الله.

خاتمة
منذ مطلع الرسالة، بدا يسوع حاملُ الوحي، كحبر وعظيم كهنة. وكانت مهمته نقل كلمة الله والتكفير عن الخطايا. وبعد أن يتمّ هذه المهمّة بأمانة، يدخل إلى مجد السماء. وفي هذه المقطوعة، بدا الكاتب وكأنه يختم موضوع العهد والوحي والشريعة (4: 12 - 13) ويستعيد موضوع كهنوت المسيح (آ 14 - 16). فالرباط بين الاثنين يتمّ باعتراف الايمان. في الواقع، لم تتوسّع عب في الموضوع الأول، واكتفت بلمحة سريعة إلى الموضوع الثاني (رحمة هذا الحبر) في إطار الارشاد الاخلاقيّ في ف 3 - 4. هذه الوجهة الثانوية في كهنوت المسيح الأمين والرحيم، هي خطوة جديدة في الموضوع الذي سيتوسّع فيه ف 7. وبعد الملائكة والانبياء وموسى، نحن نصل إلى هارون الذي دعاه الله فكان صورة بعيدة عن المسيح.
الفصل الحادي عشر

يسوع الحبر الرحيم
5: 1 - 10

في القسم الثاني من عب، كان عرضٌ يقابل بين موسى ويسوع، وإرشاد ينبّه المؤمنين من مصير حلّ ببني اسرائيل فما كانت لهم راحة الله. وها نحن نعود إلى عرض يُنهي هذا القسم الثاني، فيقدّم لنا تحديدًا لرئيس الكهنة (5: 1 - 4)، ويطبّق هذا التحديد على المسيح (5: 5 - 10). وتأتي آ 9 - 10 فتُطلق الاتجاهات الثلاثة في القسم الثالث.
حقّق المسيح كل الشروط الضرورية ليكون حبرًا كاملاً، فأمّن الخلاص للذين وثقوا به. وأول صفة يتحلّى بها الكاهن هي أن يتعاطف مع إخوته. والمسيح الذي اختبر ضعف اخوته كان رحيمًا بالنسبة إلى الخطأة وغيورًا ليمارس وظائفه المقدّسة تجاههم (5: 1 - 4). فابن الله لا يقدر أن يتهرّب من هذه المتطلّبة الكهنوتيّة الأساسيّة. من جهة، هو ما أعطى نفسه هذه الوظيفة، بل الله عيّنه كاهنًا للبشرية (آ 5 - 6). ومن جهة ثانية، نال بآلامه إمكانية التعاطف مع اخوته المبتلين (آ 7 - 8). ولما حقّق هذا المثال الكهنوتي، صار المخلّص الكامل (آ 9 - 10).
تشدِّد هذه المقطوعة على بشريّة الكاهن (مأخوذ من الناس، آ 1). بما أن عليه أن يمثّل البشر، يجب عليه أن يكون منهم. وإذا أراد أن يتعاطف معهم، وجب عليه أن يختبر خبراتهم. والحال أن حياة يسوع على الأرض تدلّ على بشريّته التي تظهر بشكل خاص في ساعة موته. ويتوقّف الكاتب عند النزاع على جبل الزيتون حيث دلّ ابن الله على أمانته ورحمته. فحقّق في الضعف كمال الكاهن.

1 - تفسير الآيات

تقسم هذه المقطوعة جزئين: من هو رئيس الكهنة (5: 1 - 4). يسوع المسيح رئيس الكهنة (5: 5 - 10).
أ - من هو رئيس الكهنة (5: 1 - 4)
هو شخص يؤخذ من الناس من أجل الناس. ويقرّب الذبائح. يترفّق بالضالين. الله نفسه اختاره ودعاه. دعا هارون ومثله دعا المسيح.
أولاً: يؤخذ من الناس (آ 1)
بما أن الكاهن هو أساسًا ممثّل البشريّة لدى الله، وربما أن صفته الاولى هي أن يفهم حاجات الناس ويتعاطف معهم (4: 15)، كان من الضروري (غار)، أن ينتمي إلى الجنس البشريّ. أخذ، قطف (لمبانو إك: من). صيغةُ اسم الفاعل تدلّ على استمراريّة العلاقة. رج عد 8: 6 في ما يقال عن اللاويين: يؤخذون من وسط بني اسرائيل. رج خر28: 1 في ما يتعلّق بالكهنة.
هذا الانسان كُوّن كاهنًا. أقيم، وُضع، جُعل، نُظّم (كاتيستيمي). هذا الفعل يترجم 24 كلمة في عبريّة العهد القديم. ويُستعمل في العهد الجديد للكلام عن رسامة الشمامسة، الكهنة (أع 6: 3؛ تي 1: 5). صيغة المجهول تجعل السلطة التي تقيم الحبر غير محدّدة. في 7: 28 يُستعمل الفعل مع ((نوموس))، الناموس، الشريعة. إن كرامة الكهنوت وسلطانه يمنحها الله (آ 4) وقد جُعلت من أجل البشر.
((بروسفارو))، حمل إلى (ق رب) قرّب. لا يرد الفعل عند بولس. غير أننا نجده عشرين مرة في عب. ثم ورد ((أنافارو)) ثلاث مرات. هو فعل عبادي يرتبط في السبعينيّة بلفظ ((دورون)) (تقدمة، لا 1: 2؛ 2: 1، 4) و((تيسيا)) (ذبيحة، لا 2: 14؛ عد 20: 4، 9؛ 28: 26). التقدمة هي ((م ن ح ه)) أي تقدمة ثمار الأرض التي يأكل منها الانسان، إلى الله. وهي تقابل ذبائح الحيوان (ز ب ج ). ضمّ الكاتب التقدمة والذبيحة (لا نجد هذا الضمّ في العهد القديم) فجمع كل الذبائح الدمويّة واللا دمويّة.
عادت عب إلى شعائر العبادة اللاويّة المتعلّقة بمختلف الذبائح عن خطايا الكهنة وعن خطايا الشعب (7: 27؛ رج لا 4: 1 - 5: 13). كما عادت إلى عيد التكفير (9: 1ي؛ لا 16: 1ي). وهكذا اختير الكاهن ورتِّب بالنظر إلى هذا الدور الخلاصيّ. ((في ما هو لله)) (2: 17؛ خر 4: 16)، يدل على أن هذه الذبائح هي أفعال عباديّة تقدّم لله، فيقوم الكاهن بعمل الوسيط بين الناس والله. وهكذا يمثّل البشرَ ويحملهم إلى الله كما يحمل تقدمته.
ثانيًا: يترفّق بالجهّال (آ 2 - 3)
الصفة الثانية لهذا الحبر هي ترفّقه بالجهّال والضالين. تحدّث العهد القديم عن ذبيحة عن الاثم (لا 5: 14 - 6: 7) وذبيحة عن الخطيئة (لا 4: 1 - 5: 13). لا يمكن التكفير عن خطايا اقتُرفت عمدًا واحتقارًا لشريعة الله (ب ي د. ر م ه، بيد مرفوعة، لا حياء فيها). مثل هذه الخطيئة عاقبتها الموت (عد 15: 30 - 31). أما الخطايا المقترفة عن غير عمد وعن ضعف (ب ش ج ج ه، اكوسيوس، لا 4: 2، 13؛ عد 15: 24 ،27 ،29 ،كات اغنوتيان، لا 22: 14) فالكاهن يكفّر عنها (ك ف ر).
في 4: 15، الكاهن يرثي لأسقامنا. وهنا يقال أنه تلبّس الضعف (باريكايماي، أحاط، لو 17: 2) لكي يكون مثلنا. وهكذا يستطيع أن يترفّق بالخطأة. إن ((ماتريوباتاين)) تتضمّن ((باتوس))، أي الضعف. تقاس (ماتار) العواطفُ الداخليّة. يترفّق. لا يكون ذلك الديّان الذي يحكم عليهم، بل الأب الذي يرافقهم.
إن ((استانايا)) (الضعف، آ 3) يفسّر لماذا يتراجع الانسان أمام التجربة ويخطأ. لهذا (دي اوتين) يفرض سفر اللاويين (4: 3 - 12؛ 9: 7؛ 16: 6، 11) على الكاهن واجب (اوفايلاين) تقديم عجل لا عيب فيه، عن خطاياه، قبل أن يقدّم عن الشعب (عب 7: 27). هذه الفريضة هي أفضل برهان بأن الكاهن الذي اختير من البشر يستطيع أن يتعاطف مع ضعفهم تعاطفًا عميقًا. هو يتألّم مثلهم ومثلهم يتوق إلى التطهير.
ثالثًا: كرامة من الله (آ 4)
ما قالت آ 1 كلمة عن الذي يختار الكاهن من بين سائر البشر. هو مأخوذ (لمبامانوس). هنا يعود فعل ((أخذ)) (لمباناي). هو لا يأخذ كرامته لنفسه. وهكذا، بعد أن شدّد الكاتب على بشريّة الحبر وضعفه، أكدّ دعوته الالهيّة وضرورتها وسلطاتها. هذا يعني أن الله وحده يستطيع أن يختار الوسيط الذي يقبل منه ذبيحته وتقدمته. رج عد 3: 10 (تقيم هارون وأبناءه). نحن نعرف عقاب قورح (عد 16: 40) والملك عزيا (2أخ 26: 18 - 21) اللذين أرادا أن يمارسا الكهنوت دون رسامة. ونتذكّر في زمن المسيح عدد الأحبار الذين لا يتحدّرون من هاورن، والذين عيّنهم هيرودس أو السلطة الرومانيّة. خسروا كل احترام لدى الشعب. ((تيمي)) هي الكرامة الالهيّة (1تم 3: 17). وتقال أيضًا عن الملك، وعن كل وظيفة ولا سيّما الوظيفة الكهنوتيّة. لا جرم في أن أحدًا لا يستطيع أن ((يفرض)) نفسه على الله، ويأخذ لنفسه هذه الكرامة (لاباين تيمين، 2بط 1: 17). فالمبادرة تعود كلها إلى الله. وهو الذي يدعو (كالاين) من يختارهم بنعمة مجانيّة من لدنه. هكذا اختار هارون، واختار أبناءه بعده (خر 28: 1؛ لو 8: 2ي). هذه الدعوة وهذا التكريس هما ما يميّز الكاهن عن سائر البشر.

ب - يسوع المسيح رئيس الكهنة (5: 5 - 10)
اختار الله يسوع حين قال له: أنت ابني، فقدّم ذبيحته وآلامه من أجل خلاص البشر. لهذا أعلنه الله حبرًا على رتبة ملكيصادق.
أولاً: المسيح لم يمجِّد نفسه (آ 5 - 6)
المسيح (اختاره الله، مسحه بالزيت، أرسله) حقّق بدقّة ما قيل عن الحبر، عن عظيم الكهنة (هوتوس. كذلك، تعود إلى آ 1 - 4). نال كهنوته من الله. هنا نقابل بين آ 4 (لم يأخذ لنفسه هذه الكرامة، بل دعاه) وآ 5 (المسيح لم يمجّد نفسه، لم يختر نفسه لمثل هذا المجد، بل). عملُ عظيم الكهنة هو ((دوكسا))، مجد (2مك 14: 7؛ سي 51)، تيمي)) كرامة (آ 4؛ 2: 7 ،9). وفعل ((دوكسازو)) يدلّ على مشاركة في هذا المجد، وفي الكرامة الكهنوتيّة (يو 8: 54). وهناك المصدر ((غانيتيناي)) (صار). لم يتسلّط المسيح على هذه الكرامة، بل الله منحه إياها، كما يقول (لالاين) الكتاب: الذي مجّده هو الذي قال له. ويرد مز 2: 7 (ذُكر في 1: 15) الذي طبّق على المسيح صفة ابن الله. وتعلن صفتُه الكهنوتيّة بشكل غير مباشر.
حسب السياق نفهم أن ((ارخياروس)) الذي أخذ من بين البشر، جُعل لدى الله بصفته ((هيوس)) (الابن، الذي يلده الله من الأزل، ويعترف به كذلك في التجسّد 4: 14). حين اتّحد الابن بالطبيعة البشريّة، صار الكاهنَ الأعظم والوسيط التامّ بين الله والبشر. هذا يعني أن كهنوته ارتبط ارتباطًا عضويًا بشخصه، وما كان امتيازًا أضيف إلى شخصه. فأي وسيط يستطيع أن يرضي الله كما يرضيه ابنه؟ بما أن يسوع لم يأخذ لنفسه كهنوته، فهذا يعني أنه نال من الآب.
في آ 6، يرد مز 110: 4 (حسب السبعينية، في المعنى الحرفيّ)، فيدلّ بشكل نبوءة على واقع كهنوت المسيح، فيعلنه ويحدّد طبيعته: كهنوت ملوكي وأبديّ: حسب المزمور، المسيح هو في الوقت عينه ملك الكون (1: 13) وكاهن إلى الأبد. أما الكهنوت اللاوي فقد أسّسه موسى. فانحصر في سلالة هارون ثم انتهى أمره. فالمسيح الذي من سلالة داود (7: 14) لا يتحدّر من هذه السلالة، بل جُعل كاهنًا بقرار خاص من الله، وجُعل إلى الأبد (9: 12). إذن، هو يمتلك الامتيازات الملكية والكهنوتيّة على مثال ملكيصادق (7: 1 - 3). ذاك هو معنى ((تاكسيس)) في السبعينية: ترتيب، تنظيم. ولكنها تترجم ((ع ل. د ب ر ت)) الاراميّة: حسب، في خطّ.
فكهنوت المسيح الذي هو على خطّ كهنوت ملكيصادق، يحقّق الظروف عينها (قالت البسيطة: على صورة، على شبه) وهو لا يعود إلى كهنوت هارون. حين التجسّد، أعلن الآب لابنه الكاهن ما يريد، فقبل الابن المهمة. نشير هنا إلى أن كمال القبول سيكون على الصليب.
ثانيًا: في أيام بشريّته (آ 7 - 9)
إذا كان المسيح حقّق الشرط الأول للكهنوت (دعاه الله)، فهو يمتلك أيضًا صفة أساسيّة لدى الكاهن، هي التعاطف مع الخطأة (آ 2). مع أنه ابن الله، فهو يمتلك الطبيعة البشريّة وقد عرف ضعفها والألم الذي يرتبط بها (من النزاع إلى الصليب) خلال ممارسته وظيفته كوسيط. عندئذ وصل كهنوته إلى الذروة (2: 10). فالمسيح الحبر السماوي، هو منذ قيامته وصعوده قدير لكي يخلّص البشر، ورحيم لكي يتألّم معهم. كل هذا (2: 17، 18؛ 4: 15،16) نجده في جملتين تذكّراننا بحياة يسوع كما في فل 2: 6 - 11. الجملة الأولى تشير إلى الوسيلة (الألم) التي بها تمّت مهمّة المسيح الخلاصيّة (آ 7 - 8). والثانية دلّت على النتيجة (آ 9 - 10) بالنسبة إلى المسيح وإلى الذين يرتبطون به.
في آ 7 ، ((هوس)) (هو) تعود إلى ((سي)) (أنت). في آ 5 ،6، تعود إلى الابن الأزلي الذي صار انسانًا. ما استطاع أن يختبر الألم إلاّ منذ أخذ الطبيعة البشريّة (ساركس، 2: 14؛ غل 2: 20؛ فل 1: 22 ،24؛ 1بط 4: 1 - 2)، فضمّ جميع ظروف الحياة القاسية إلى طبيعته كابن الله.
تميّزت حياة يسوع على الأرض بالصلاة. استعمل الكاتب أيضًا ((بروسفارو)) (صيغة الاحتمال، في وقت تاريخيّ محدّد) كما في آ 1 بالنسبة إلى الذبائح. فنحن أمام نشاط يسوع العباديّ. هذه الصلاة هي صلاة الطلب الملحّ الذي ولّدته الحاجة (دائاسيس، 1تم 2: 1) والتضرّع (هيكاتيريا، لا يردّ إلاّ هنا في العهد الجديد، 2مك 9: 18)، على مثال موسى، وسيط العهد الجديد، كما يقول فيلون (الفضائل 79). نشير إلى أن ((هيكاتيريا)) ارتبطت بغصن الزيتون (((إلايا)) أو: ((ربدوس))) الذي يمسكه ذاك الذي يطلب عونًا. أما ((دائاسيس)) فتقابل ((ت ح ن و ن ي م)) التي ترتبط بـ ((ح ن ه)) (رج انحنى في العربيّة).
عبّر يسوع عن هذه الصلاة الحارة والملحَّة بصراخ الضيق (كراوغي، أع 22: 9). ويرد ((اسخيروس)) (شديد) الذي هو أقوى من ((ماغاس)) (كبير) (لو 15: 14؛ رؤ 18: 2). وهناك الدموع التي تدلّ على عمق الألم. وهذه الصلوات وجّهها المسيح إلى الآب القدير، وسيّد الخلاص. صلّى يسوع أولاً من أجل نفسه (ا 3) إلى القادر أن يخلّصه (سوزاين)، فدلّ على ما تحسّ به طبيعته البشريّة من ضيق (بروسانانكاس) ولا سيّما في وقت النزاع.
سمع الآب لمسيحه واستجابه. السبب: ورعه. اولابايا (رج لاباين أو: أمسك حسنًا، بعناية) تدلّ على الاهتمام والفطنة، على العناية بأن نكون حذرين. ثم الورع والمخافة الدينية. ما استجاب الله ابنه حالاً فخلّصه من الموت، كما أراد رؤساء الكهنة له أن ينزل عن الصليب (مت 27: 40)، بل فيما بعد، في القيامة والتمجيد.
وجاءت آ 8 ،فشدّدت على تعليم حملته الطاعة. أما الوسيلة فخبرة الألم. يُطلب من الابن أن يطيع أباه مهما كلّفت هذه الطاعة (12: 5ي). والمسيح، المثال الكامل للطاعة، أطاع طوعًا وبدون تكلّف (10: 5 - 9؛ روم 5: 19؛ فل 2: 8). تعجّب الآباء اليونان (تيودوريتس) من المسيح الذي احتاج إلى مدرسة الألم ليتعلّم فضيلة وُلدت معه. ولكن امتيازات ابن الله الأزلي (1: 5)، لم تعفه من اختبار الضعف والتجارب التي يعرفها البشر (آ 2 ،3؛ 3: 17، 18؛ 4: 14 ،15). ((هيباكوي)) تقابل ((ع ن و ه)) الذي يدلّ على الاتضاع. فالمسيح الذي هو كامل منذ الحبل به، مارس الطاعة في كل ظروف حياته، ومارسها حتى البطولة، فتعلّم الكثير لكي يكون بقرب اخوته (ماتريوباتاين، آ 2).
ثالثًا: بلغ الكمال (آ 9 - 10)
وها هي نتيجة آلام المسيح. فالكمال هو ثمرة التعليم. بما قام هذا الكمال؟ بتمجيد بشريّة يسوع. وهذا التمجيد، حسب حك 2: 9 ،هو أجر طاعته. وكملت بشريّة يسوع بالألم، لأن الألم جزء جوهريّ في الوضع البشري. لسنا هنا على مستوى كمال أخلاقيّ بالنسبة إلى يسوع (حك 4: 13). بل أمام صفته كحبر يحمل الخلاص. فإن كان المسيح وسيطًا منذ ولادته، فقد صار الوسيطَ الكامل في موته الفدائي. ((تالايوسيس)) ترتبط بصراخ يسوع الأخير: لقد تمَّ (تالالستاي)، يو 19: 30). ففي آخر أيام بشريّته، تمّ يسوعُ في وظيفته الكهنوتيّة بفضل الطاعة، أي حين قبل قبولاً تامًا الشروط التي وضعها الله لوساطته، وحين اختبر الألم حتى النهاية. منذ الآن، صار (اغاناتو) رحيمًا، فحقّق مثال: ((ارخيا روس))، عظيم الكهنة الذي هو كاهن وضحيّة، ومنح نعمة الخلاص (2: 10) لجميع الذين يطيعونه. كان المسيح قد طلب أن ينجو من الموت، فاذا هو يحصل على خلاص البشر بطاعته حتى الموت والموت على الصليب.
وفي النهاية (آ 10)، يتمتّع المسيح بكل ميزات عظيم الكهنة: هو حبر كامل. والبرهان الحاسم هو إعلان الله له (آ 6 ،مز 110: 4): منح الله لابنه (هو لم يأخذ) لقب عظيم كهنة مع كل السلطات والامتيازات المرتبطة بهذه الوظيفة. بدأت هذه المقطوعة (آ 1) بكلام عن الحبر، وها هي تنتهي مع الحبر، فتدلّ على تضمين. وهكذا منح الآب هذا اللقب لابنه منذ التجسّد، فعاشه الابن منذ بداية حياته حتى الموت على الصليب.

2 - قراءة إجماليّة
((فإن كل حبر يُؤخذ من الناس، ويقام لأجل الناس، في ما هو الله، لكي يقرّب تقادم وذبائح عن الخطايا)) (5: 1)
الرباط المنطقيّ مع ما سبق، هو أن البشريّة التي اتّخذها المسيح في تجسّده، التي تتضمّن تعاطفًا مع ضعفنا البشري وما ينتابنا من تجارب، هي صفة ضروريّة لوظيفة عظيم الكهنة. هذا مع العلم أن الكاتب يتكلّم الآن بصورة عامة عن الصفات والواجبات المطلوبة من الحبر، والتي سيسير عليها المسيح. السمة الاساسيّة في رئاسة الكهنوت، هي أن حامل هذه الوظيفة يُختار من بين البشر: وحده الانسان جدير بأن يخدم كممثل البشر أمام الله. فالملاك لا يستطيع أن يقوم بهذا العمل.
والحبر يقام (صيغة المجهول). هذا يعني أنه لا يقيم نفسه (لا يعطي نفسه). فهذه الوظيفة ترتبط بالتواضع والخدمة، لا بالكبرياء والطموح البشري. بما أنه وسيط بين الله والبشر، فالله هو الذي يقيمه من بين البشر ولأجل البشر. وأول وظيفة له: تقريب التقدمات والذبائح من أجل الخطايا. هذا ما يفعله عظيم الكهنة في يوم التكفير. ولكن يعمله مرّة كل سنة. أما المسيح فكفّر عن الخطايا مرة واحدة: من حيث إنه مات فقد مات مرة واحدة. ومن حيث إنه حيّ فهو حيّ إلى الأبد.
((وهو قادر أن يترفّق بالجهّال والضالين، لكونه هو أيضًا متلبسًا بالضعف. ولذلك يلزمه أن يقرّب ذبائح عن الخطايا لأجل نفسه أيضًا، كما يقرّب عن الشعب)) (5: 2 - 3)
هناك تقابل بين ما قيل في 4: 15 عن يسوع الذي يستطيع أن يتعاطف مع ضعفنا، وحول ما يقال هنا عن الحبر الذي يترفّق بالضعفاء. هو ضعيف مثلهم. لهذا، فهو يفهمهم. والضعف الذي اختبره المسيح في طبيعته البشرية (الذي هو أساس إحساس بضعفنا) ظهر في التجربة التي احتملها.
غير أن يسوع لا يستطيع أن يشاركنا في تقدمة ذبيحة عن نفسه. فهو بلا خطيئة (4: 15) وبالتالي لا يحتاج أن يقدّم عن نفسه (7: 26 - 27).
أن لا يشاركنا المسيح في خطيئتنا، لا ينفي تعاطفه معنا في ضعفنا. فالاساس المشترك هو البشريّة الخاضعة للمحنة والتجربة. والفرق بينه وبيننا،هو أنه تغلّب على التجربة ساعة سقطنا نحن فيها. فما هو ربحُنا إن هو سقط معنا؟ وكيف يستطيع بعد ذلك أن يخلّصنا؟ كان الحبر اللاوي خاطئًا وكان يحتاج أن يكفّر عن نفسه قبل أن يكفّر عن الشعب (لأنه إن كان خاطئًا لا يستطيع أن يقرّب ذبيحته). وعجزُ هذا النظام،هو أن ذبائح كثيرة تقدَّم دون أن تزيل الخطايا (عب 10: 1 - 11). فما يحتاج إليه الناس هو رجل انتصر، لا رجل قُهر. رجل لا يشاركنا في هزيمتنا، بل يقودنا إلى النصر. نحتاج إلى مخلّص، لا إلى خاطئ. فلو كان يسوع رفيقنا في الشرّ، لفسُد كهنوته ولما استطاع أن يكون فادينا. لهذا، بما أن الكهنوت القديم كان عاجزًا، انتظر النظامَ الجديد مع الحبر الكامل والنهائي الذي يقدّم الذبيحة الكاملة والنهائية. والذبيحة ليست تيوسًا وعجولاً تبقى خارجًا عن الانسان. فالمسيح قدّم نفسه.
بمن يترفّق يسوع؟ بالجهّال والضالين. جهلوا شريعة الله فخطئوا. ضلّوا الطريق إلى مشيئة الله. ففساد قلب الانسان يجعله يخطأ. لهذا كان التكفير عن الخطايا ضروريًا. وكان عظيم الكهنة، يمارس طقوس يوم التكفير. وهذا ما عمله يسوع حين قدم نفسه ذبيحة عن الخاطئين. ولكن الكاتب سيكون قاسيًا تجاه الذين ارتدّوا عن الايمان فجحدوا: لا ذبيحة تقدّم عنهم (3: 12؛ 6: 4 - 6؛ 10: 26).
((وليس أحد يأخذه لنفسه هذه الكرامة، بل من دعاه الله كما دعا هارون. كذلك المسيح أيضًا لم يمجّد نفسه ليصير حبرًا، بل الذي قال له: أنت ابني، أنا اليوم ولدتك. كما يقول في موضع آخر: أنت كاهن إلى الأبد،على رتبة ملكيصادق)) (5: 4 - 6)
ما تضمّنت آ 1 من أن الحبر يختاره آخر ويقيمه، من أنه لا يفرز نفسه فيضع يده على الوظيفة بالقوة والعنف، يُعرض الآن هنا. أولاً بقول سلبي: لا يأخذ هذه الكرامة. ثم بقول ايجابي: يدعوه الله. فهذه ((الاقامة)) ترتبط بنداء الله. ليست نظامًا بشريًا، بل دعوة إلهيّة. ويطبّق الكاتب هذا المبدأ على هارون رئيس اللائحة الكهنوتيّة اللاويّة الذي رسمه موسى حسب تعليمات نالها من الله (خر 28: 1ي). وما ثبّت هذه الرسامة ما حصل لقورح ورفيقيه: ((اجتمعتم على الربّ، لا على هارون)) (عد 16: 12). وبعد ذلك، سوف تزهر عصا هارون، فتدلّ على أن الله اختاره ولم يختر هو نفسه (عب 17: 1ي؛ رج عب 9: 4).
ويطبّق الكاتب على المسيح مثال التواضع والخدمة الذي يميّز الكهنوت الحقيقيّ. الآب هو الذي أقامه. مجّده. أعطاه هذا المجد وهذه الكرامة. كان يسوع قد قال: ((لو مجّدتُ نفسي لكان مجدي باطلاً. أبي هو الذي يمجّدني)) (يو 8: 54). وسيقول يسوع أكثر من مرّة في انجيل يوحنا إنه لا يطلب مجده، بل مجد الآب الذي أرسله (7: 18؛ 8: 42؛ 9: 4؛ 10: 18 ،25، 38...). ما يشدّد عليه العهد الجديد هو أن وظيفة المخلّص والحبر (مع المعرفة بمجد المسيح وعظمته) تضمّنت خبرة الاتضاع والرذل والموت.
فصليب المسيح هو أيضًا مجد المسيح. فهذا الوقت الذي كان فيه يسوع وحده (النزاع)، وقدّم ذاته وحده (على الصليب) هو أيضًا الوقت الذي فيه تمجّد. ففي بستان الزيتون قال ((أنا هو))، أنا يهوه، فدلّ على لاهوته. لهذا سقط الآتون للقبض عليه، على الأرض، ساجدين (يو 18: 5). وعلى الصليب، كان يسوع الديّان الذي يحكم على بيلاطس، والملك، ملك اليهود، بل ملك البشريّة كلها.
كرامةُ الابن مُلكٌ في المجد (مز 110: 1). ووظيفته كالوسيط المتجسّد هي وظيفته ككاهن من أجل البشر. فيه اتّحدت المهمّة الملوكيّة والمهمّة الكهنوتيّة. إنه مسيح واحد، كما تقول عب. فريد في بنوّته، وفريد في كهنوته. لهذا، شُبّه بملكيصادق، لا بهارون الذي كان فقط كاهنًا. سيعود الكاتب إلى ملكيصادق في ف7. ولكنه يشير إليه الآن، ككاهن غير يهوديّ، يشمل في كهنوته البشرية كلها. والمسيح هذا الكاهن الآتي من عند الله، يتسلّم وظيفته، لا من نفسه بل من الله.
((إنه هو، الذي، في أيام بشريّته، قرّب تضرّعات وابتهالات في صراخ شديد ودموع، إلى القادر أن يخلّصه من الموت، فاستجيب له من أجل ورعه)) (5: 7)
حين يتكلّم الكاتب عن بشريّة (من لحم ودم) المسيح، فهو يعني الطبيعة البشريّة التي أخذها في التجسّد. فالطبيعة البشريّة لدى ذاك الذي هو عظيم كهنة، تؤكّد لنا أنه انسان حقيقيّ، وأنه يحسّ إحساسنا ويتعاطف معنا، ويفهم ضعفنا وخطيئتنا. أيام البشريّة تشير إلى مقال يو 1: 14: ((الكلمة صار بشرًا...)). (رج غل 2: 20؛ فل 1: 22؛ 24: 1؛ يو 4: 1 - 2). كما تشير إلى كل حياة على الأرض. ويذكر الكاتب الصلوات والتضرعات، في كل حياة يسوع، وبشكل خاص في نزاع يسوع في الجسمانيّة.
إن نزاع يسوع سبّبه الخوفُ من الموت. سبّبته أيضًا دينونة الله للخطيئة، الذي هو الموت الثاني كما قال رؤ 20: 14 ،وخبرة الانفصال النهائيّ عن الله. هذا ما أحسّ به يسوع أيضًا على الصليب حين هتف: إلهي إلهي لماذا تركتني (مر 15: 34). نشير إلى أن هذه الخبرة كانت موقتة. لأن يسوع تابع تلاوة المزمور، فدلّ على الرجاء الذي يقود إلى القيامة: ((سأبشِّر باسمك اخوتي، وفي الجماعة الكبيرة أعظمك)).
((ومع كونه ابنًا، تعلّم ممّا تألّمه، أن يكون طائعًا. ولما بلغ الكمال، صار لجميع الذين يطيعونه علّة خلاص أبدي، بما أن الله أعلنه حبرًا على رتبة ملكيصادق)) (5: 8 - 10)
إن مخافة الله التي ذُكرت في آ 7 (ورع) دلّت على طاعة المسيح، وأظهرت أن يسوع تعلّم هذه الطاعة. كل هذا تمّ في واقع شخصيّ (ممّا تألم)، في ثباته في تتميم إرادة الآب التي هي هدف مجيئه. سار في طريق الألم الذي قاده إلى الصليب. ففي الجسمانيّة التي أشارت إليها آ 7، قبلَ يسوعَ ما ينتظره على الجلجلة. وإذ فعل ما فعل، كمّل طاعته لإرادة أبيه.
مع أنه الابن، كان طائعًا (لو 2: 51). تعلّم الطاعة في الألم، وهكذا عارض عدم الطاعة عندنا. ونحن نختلف عن ذاك الذي هو عظيم كهنتنا: كان حرًا من الخطيئة، وبالتالي حرًا من كل عصيان. ومع ذلك أراد أن يكون طائعًا حتّى الموت والموت على الصليب (فل 2: 8). فهو كالابن المتجسّد أراد أن يخلّص عدم طاعتنا، فأخذها. كما صار خطيئة من أجلنا ليقتل الخطيئة. وصار لعنة من أجلنا ليحرّرنا من لعنة الشريعة (غل 3: 13).
إن كان المسيح صار كاملاً فبالنظر إلى الآلام التي احتملها. ما يقال عنه هو تأكيد لما قيل في 2: 10. وقد تمّ هذا الكمال على الصليب فدلّ على كمال الطاعة. نحن هنا أمام طاعة موته. بل أمام طاعة حياته كله منذ تجسّده.
خاتمة
بعد أن ذكر الكاتب أمانة موسى، ها هو يذكر كهنوت هارون لكي يدلّ على كهنوت المسيح. هو لم يحطّ من قدر كهنوت هارون ليرفع كهنوت المسيح. تلك هي طريقتنا البشريّة. فكل امتيازات هارون ذُكرت. ومع ذلك، فقد تجاوزها المسيح بشكل لا محدود، بضعفه لا بقوّته. والفرق شاسع بين يسوع وسابقيه: لهم كتاب طقوس فيه الشكليّات والأمور اللاشخصيّة مع فرائض دقيقة ومفصّلة تحاول فقط أن تؤمّن ((صحة)) شعيرة العبادة. لا حديث عن عواطف الكاهن الشخصيّة، بل عن طقس يجب أن يحافظ عليه. أما في العهد الجديد، فذُكرت فقط آلامُ الانسان وعواطفه. في النهاية، يمثّل المسيح البشريّة أكمل تمثيل، لأنه يقاسمها ضعفها. وإذا كان مقبولاً لدى الله فبسبب ورعه. فابن الله المتجسّد هو ذاك الذي يقرّب التقادم والذبائح، هو الذي يرفع التضرّع والابتهال، وذلك باسمه وباسم إخوته الكثيرين لأن المقدِّس والمقدَّسين واحد.
القسم الثالث
كهنوت المسيح كهنوت حقيقيّ
5: 11 - 10: 39
القسم المركزيّ في الرسالة ينفتح على مطلع يشدّد على اهميّته ويلفت انتباه القرّاء (5: 11- 6: 20). ثم تأتي اتجاهات ثلاثة (7: 1-28؛ 8: 1- 9: 28؛ 10: 1- 18). وفي النهاية، التحريض الأخير (10: 19- 39): تذكّروا الأيام السالفة. لن نتوسّع في هذا القسم الثالث كله هنا، لئلاّ يطول التحليل البلاغيّ على القارئ، بل نتوقّف في وقته عند كل جزء من هذه الأجزاء التي تؤلّف قسمًا يشكّل قلب الرسالة إلى العبرانيين. ونبدأ بالمطلع الذي يريد أن ينقل القرّاء من طعام الاطفال (الحليب او اللبن) إلى طعام البالغين، طعام الكاملين، الذين تروّضت حواسهم على التمييز بين الخير والشرّ.
الفصل الثاني عشر

مطلع القسم الثالث
5: 11 - 6: 20

توجّه الكاتب إلى القرّاء. بدأ فوبّخهم. ثمَّ هدّدهم: الويل لهم إن أنبتوا الشوك والحسك. وأخيرًِا شجّعهم: أنتم في حالة أفضل وأقرب إلى الخلاص.
ما زال القرّاء متعلّقين بالشريعة والعبادة الموسويّة، أو امتحنهم الضيق والاضطهاد، فما استطاعوا أن يفهموا التعليم الجديد بما فيه من عمق. فهم ما زالوا يحتاجون إلى بداية التعليم المسيحيّ، لا الطعام القوي الذي يليق بالكاملين. هذا ما نكتشفه في مقطعين: تحذير وتحريض (5: 11 - 6: 12). عرض لاهوتيّ ينطلق من وعد ابراهيم (6: 13 - 20).

1 - المقطع الاول (5: 11 - 6: 12): استعدادات السامعين
5: 11 ولنا في هذا الموضوع، كلام كثير وصعب الشرح،
لما أنتم عليه من بطء الفهم.
5: 12 فأنتم الذين كان عليهم أن يكونوا، مع الوقت، معلّمين،
تحتاجون من جديد إلى من يعلّمكم
الركان الأولى لأقوال الله،
وبتّم في حاجة إلى اللبن
لا إلى الطعام القويّ.
5: 13 ومن لا يزال على اللبن
لا يكون خبيرًا بتعليم البرّ
لأنه طفل صغير.
5: 14 أما الطعام القويّ فهو للكاملين
الذين تروّضت حواسهم بالممارسة على التمييز بين الخير والشرّ.
6: 1 لذلك، فلندع التعليم الأوليّ عن المسيح،
ولنرتفع إلى الكامل،
من غير ما عودة إلى ما هو أساسيّ.
إلى التوبة عن الأعمال الميتة، والايمان بالله،
6: 2 والتعليم بشأن المعموديّات، ووضع الايدي،
وقيامة الأموات، والدينونة الابدية.
6: 3 وهذا ما سنصنعه إن وفّق الله.
الهدف الذي عبّر عنه 6: 3 (هذا ما سنصنعه) يستعيد ما قيل في 5: 11 (لنا كلام كثير). غير أن الكاتب لا يجد من المناسب أن يشير إلى هذه العلاقة بلفظة تضمينية. هذا من جهة. ومن جهة ثانية، سوف نرى أن 6: 4 - 12 يؤلّف وحدة كاملة.
أما القسمة التي نقرأها (5: 11 - 6: 12) فهي مبنية كلها على النقائض. فـ((الاقوال الكثيرة والشرح الصعب)) (5: 21) يعارض ((الاركان الأولى لأقوال الله)) (5: 12ب). وبين هذين النوعين من التعليم، نجد نقيضتين أخريين تدلاّن على استعدادات السامعين: صاروا بطيئي الفهم (كسالى) في التعليم (5: 11)، مع أنه كان عليهم أن يكونوا معلّمين مع الوقت (5: 12أ). ونلاحظ في هذه البداية، توازيًا متداورًا (تعليم: استعدادات - استعدادات: تعليم): بعد أن ذكر الكاتب نوعيّة التعليم، ذكر الاستعدادات التي تقابل التعليم، والعكس بالعكس. هذه الطريقة تعكس الوضع وما فيه من شواذ: ماذا سيفعل الكاتب بالعرض اللاهوتيّ العميق الذي يريد أن يقدّمه إن وجد أمامه سامعين لم ((يهضموا)) بعدُ عناصرَ التعليم الأوليّ؟
وتكتمل اللوحة بفضل استعارة: اللبن (الحليب) يدلّ على أول التعليم. والطعام القويّ على التعليم السامي الذي يتوجّه إلى الكاملين (5: 12). بعد ذلك، يتوسّع الكاتب في هذه المقابلة، فيضيف إليها الألفاظ التي توافق استعدادات السامعين: ميّز بين الأطفال والبالغين، تمييزًا يشكّل وصلة بين 5: 13 و5: 14.
تتحدّث جملة المقدمة (5: 11) عن اثنين: كلام كثير، بطء الفهم. ويأخذ 5: 12 في البداية ذات الترتيب: معلّمين، الاركان الأولى. ثم يتواصل في ترتيب معاكس: اللبن، الطعام القوي. وهكذا نكون في تواز متداور. وتستعيد آ 13 - 14 ألفاظ الاستعارة كما جاءت في البدء، من أجل بنية متداورة: لبن، طفل، بالغون، طعام قويّ. نلاحظ في آ 13: لبن، تعليم البرّ، طفل. وفي آ 14: الطعام القوي، البالغون. وبُنيت الخاتمة (6: 1 - 3) بحسب هذا النموذج: تُركت الاركانُ الأولى وبقي البالغون. ذُكرت الاسس. وفي النهاية جاء القرار: هذا ما سنصنع.
ونتابع قراءة النصّ حتى نصل إلى عبارة ((بطيئي الفهم)) التي تشكل تضمينًا مع 5: 11: 
6: 4 فإنه من المحال
على الذين أنيروا مرة واحدة وذاقوا الموهبة السماويّة
وأشركوا في الروح القدس
6: 5 وتذوّقوا كلمة الله الطيّبة، وقوّات الدهر الآتي
6: 6 ثم سقطوا،
إن (من المحال) يجدَّدوا ثانية بالتوبة
إذ إنهم يعيدون بأنفسهم صلب إبن الله ويُشهرونه.
6: 7 فإن الأرض إذا ما ارتوت من الأمطار المتوافرة عليها
وأخرجت نباتًا يصلح للذين يحرثونها،
تنال البركات من الله.
6: 8 وأما إن أنبتت شوكًا وحسكًا،
فتُرذل، وتدانيها اللعنة،
وعاقبتها الحريق.
6: 9 إننا وإن كنا نتكلّم هكذا عنكم، أيها الأحبّاء،
لا ننفكّ نعتقد
أنكم في حالة أفضل وأقرب إلى الخلاص.
6: 10 لأن الله ليس بظالم
حتّى ينسى عملكم، والمحبّة التي أبديتموها لأجل اسمه، حين خدمتم القديسين وتخدمونهم
6: 12 وإنما نروم فقط أن يبدي كل واحد منكم هذا الاجتهاد بعينه، كي يحفظ، حتى المنتهى، كمال رجائه.
6: 13 لئلاّ تصيروا متثاقلين (بطيئي الفهم)
بل تقتدوا بالذين، بإيمانهم وطول أناتهم،
يرثون المواعد.
لا نجد هنا، كما في المقطع السابق، رواحًا ومجيئًا بين قطب وآخر، بل توسّعات رحبة. فنميّز ثلاثة مقاطع. أولاً: استحالة توبة ثانية (6: 4 - 6). ثانيًا: تشبيه أخذ من عالم الزراعة (6: 7 - 8). ثالثًا: كلمات تشجيع (6: 9 - 12). هل ترتبط هذه المقاطع بعضها ببعض؟ نجد الجواب في المقطع الثاني: الأرض التي تنال المطر (آ 7) تذكّرنا بنفس تغذّت بالموهبة السماويّة (آ 4). والشوك والحسك (آ 8) يشيران إلى السقوط (آ 6). والتهديد بالنار (آ 8) يعلن العقاب. ونضيف: لا نجد في آ 7 - 8 فقط نظرة معتمة. فهناك لوحة تصوّر الخصب وبركة الله. وهذا ما يساعد على تفسير آ 9 - 12. فنحن نقرأ في آ 9 ما يلي: نعتقد أنكم في حالة أفضل وأقرب إلى الخلاص. ((حالة أفضل)) هي التي تدلّ على بركة آتية من الله (لا الشوك والحسك). فصورة الأرض المباركة تشير إلى الخلاص. وهذا ما يُثبته ولي النص: ففي نهاية المقطع، يعبَّر عن النظرة إلى الخلاص بعبارة ((ورث المواعد)) (6: 12)، ويحدَّد موضوع هذه المواعد بكلمات البركة: نعم أباركك (6: 14).
كيف نحلّل التفاصيل؟ نلاحظ في آ 4 - 6 عبارات واسعة تقدّم مواهب الله كما في تطواف احتفاليّ، ثم السقوط المفاجئ (باراباسونتاس) الذي يدلّ على سقوط الجاحدين اللامتوقّع والذي يقود إلى الشك. ومن جهة الاسلوب، بعد الصور (أناكاسينيزاين، تجدّد) نجد اسمي فاعل. وبعد إعلان الفرضيّة (الأرض التي ارتوت)، نجد مرحلتين في مقابلة متوازية.

2 - المقطع الثاني (6: 13 - 20): قسَم الله
6: 13 فإن الله وعد ابراهيم
ولم يكن بالامكان أن يُقسم بما هو أعظم منه،
أقسم بنفسه، قائلاً: 
6: 14 مباركة أباركك
وتكثيرًا أكثّرك.
6: 15 وهكذا بطول الأناة نال الموعد.
6: 16 إن الناس يقسمون بمن هم أعظم منهم،
وينقضي كل خصام بينهم
بالقسم كضمانة
6: 17 لذلك، لما شاء الله أن يزيد ورثة الموعد بيانًا لعدم تحوّل عزمه،
توسّط بالقسم
6: 18 حتّى نحصل بميثاقين لا يتحوّلان لا يمكن الله أن يُخلف فيهما،
على واقع قويّ،
نحن الذين وجدوا ملجأ،
إلى التمسّك الوثيق بالرجاء الموضوع أمامنا
6: 19 إن لنا فيه شبه مرساة للنفس، أمينة وراسخة، تنفذ إلى ما وراء الحجاب
6: 20 إلى حيث دخل يسوع لأجلنا كسابق
وصار حبرًا إلى الأبد، على رتبة ملكيصادق.
هناك كلمة عاكفة تؤمّن الرباط مع المقطع السابق: وعد (6: 13). رج 6: 12: المواعد. وسيظهر ((الوعد)) أيضًا مرتين: في 6: 15 مع فعل أطال باله الذي يذكّرنا بما في 6: 12 (طول أناة)، وفي 6: 17 مع لفظ ((وارث)) الذي يذكّرنا بفعل ورث في صيغة اسم الفاعل في 6: 12. أشار 6: 11 إلى الرجاء، فأكّدت نهاية المقطع (6: 18 - 19) متانة هذا الرجاء. وهكذا نلاحظ تماسك هذا المقطع في قلب المطلع كله.
أما هذه الآيات الثماني (آ 13 - 20) فتتوزّع في ثلاث قسمات (13 - 15؛ 16؛ 17 - 20). تتعلّق الأولى بالقسَم الالهي، وتأخذ الثانية قسَم البشر من أجل المقابلة مع قسم الله. قدّمت آ 13 - 15 الواقع الذي يجب أن يفسَّر: ضمّ الله إلى الوعد قسَمًا فكان أساس طول أناة إبراهيم ونجاحه. ذكر الموعد في البداية (كما تلفّظ به الله) وفي النهاية (كما حصل عليه ابراهيم). وحلّ فعل ((أقسم)) في قلب هذه الآيات حيث تكرّر مرتين. وأرادت القسمة الأخيرة (17 - 20) أن تستخلص التعليم، في مشابهة كل المشابهة للقسمة الأولى. في آ 13: نعم ابراهيم، الموعد، الله. في آ 17: الله، نعم الوارثون، الموعد. نقرأ فعل أقسم في آ 14 وآ 17. وتنعكس فكرة طول الأناة (6: 15) في رسوخ المرساة في 6: 18 - 19. فالرجاء ارتبط بطول الأناة في 6: 11 - 21. وأخيرًا، إن كان ابراهيم نال الموعد (6: 15)، فرجاؤنا نفذ إلى ما وراء الحجاب (6: 199) بفضل يسوع الذي دخل لأجلنا (6: 20).
بين هاتين القسمتين المتوازيتين، تلعب آ 16 دور اللحمة، لا دور الفصل. صوّرت القسَم لدى البشر، فلاحظت سمتين اثنتين: الأولى، هي أن البشر يقسمون بمن هو أعظم منهم (آ 16أ). الثانية، هي أن القسم يحدّد المواقف بشكل نهائيّ (آ 16ب). فالسمة الأولى تجد ما يقابلها في القسمة الأولى (6: 13 - 15، أن يقسم بمن هو أعظم منه). والثانية تجد ما يقابلها في القسمة الأخيرة (6: 17 - 20، لا يتحوّلان). ويلاحظ الكاتب، على مستوى القسم (آ 16: أقسم بمن هو أعظم)، في القسمة الأولى، فرقًا بين الله والبشر (آ 13). استعمل ذات الفعل كما في آ 16أ. وعلى مستوى نتيجة القسم (لا تحوّل، آ 16ب)، أكّد الكاتب في القسمة الأخيرة تشابهًا بين الله والبشر فاستعمل الموصوف ((القسم)) كما في آ 16ب. فما يهمّه هو التشابه بين نتيجة ونتيجة. لهذا، جاءت القسمة الأخيرة أكثر الحاحًا من الأولى: شدّد فيها الكاتب على الطابع النهائي للالتزام الالهي. والفكرة القائلة بأن لا مكان للخلاف (آ 16ب)، نجدها في صفة تستعمل مرتين في آ 17 - 18(لا تحوّل). وتؤكّد نتيجة الثبات(آ 16ب) في لفظتين متماثلتين (آ 19: أمينة، راسخة).
وهكذا بدا هذا العرض اللاهوتيّ وقد توخّى أن يؤسّس أركان الرجاء المسيحيّ. وبفضل هذا الاتجاه، ربط نفسه بالتحريض الذي سبق، ووضع السامعين في أفضل الاستعدادات الروحيّة. ونلاحظ أيضًا رباطات وثيقة بين هذا المقطع عينه والفصل التالي. فإن 6: 20 أعلن بوضوح، الموضوع الذي يستعدّ الكاتب لمعالجته: الكهنوت بحسب رتبة ملكيصادق. وما لم نكن ننتظره، هو أن الانتقالة تهيّأت منذ بداية المقطوعة: فشخص ابراهيم (6: 13) سيملأ الساحة في ف 7 (7: 1 - 2 ،4، 6). وسيكون حديثٌ عن بركة نالها (7: 1 ،6 ،7: رج 6: 14) وعن قسَم إلهي (أقسم الرب، 7: 20 - 22) عرفنا بُعده في اختبارات قرأناها في 6: 16 - 18.
الفصل الثالث عشر

استعدادات السامعين
5: 11 - 6: 3

دخلنا في القسم الثالث الذي يبدأ في 5: 11 وينتهي في 10: 39. وها نحن في المطلع (5: 11 - 6: 20) الذي يتألّف من مقطعين. الأول (5: 11 - 6: 12) هو إرشاد يحث فيه الكاتبُ المؤمنين على التطلّع إلى الاطعمة القوية، لا إلى اللبن، ويدعوهم إلى الرجاء لا إلى الحائط المسدود. والثاني (6: 13 - 20) هو عرض لاهوتي حول الوعد لابراهيم. أما 6: 20 فيستعيد الاعلان الذي سنقرأه في الاتجاه الاول (7: 1 - 28): حبر على رتبة ملكيصادق.
أما المقطع الأول فجاء في قسمتين. الأولى (5: 11 - 6: 3) تعرض الحالة. والثانية (6: 4 - 12) تدعو إلى الرجاء رغم الحالة القاسية التي تتخبّط فيها الجماعة. نتوقّف هنا عند القسمة الاولى التي تشير إلى استعدادات السامعين، على أن نعود في فصل لاحق إلى القسمة الثانية التي تحمل التحذير من الجحود والتحريض على الثبات.

1 - تفسير الآيات
تُطرح المسألة أولاً: عرض عميق وسامعون كسالى (5: 11). ثم يتوسّع الكاتب في المسألة (5: 12 - 14): هل نكون معلِّمين أم نبقى على مستوى طلاّب مبتدئين. هل نبقى على مستوى اللبن أم نطلب الطعام القوي؟ هل نبقى أطفالاً صغارًا أم نطلب الكمال فنصير أناسًا بالغين؟ وفي النهاية (6: 1 - 3)، يأتي القرار الذي نتّخذه: لا نعود إلى ((التعليم الأولي))، بل نجتهد لكي نرتفع إلى الكامل.

أ - المسألة (5: 11)
((كلام كثير)). تلك كانت طريقة الرواقيين في بداية خطبهم. هكذا يلفتون الانتباه إلى أهميّة الموضوع وإلى صعوبة السؤال الذي سيُطرح. هي صعوبة العرض (ديسارمينوتوس، لا يرد إلاّ هنا في الكتاب المقدس). لا بسبب عمق التعليم، ولا بسبب عدم كفاية عند المفسّر، بل بسبب عدم كفاية عند السامعين.
نقرأ ((نوتروي تايس أكوايس)): ثقال الآذان، وبالتالي: بطيئو الفهم، ((كسالى))، لا يفهمون (رج 6: 12، لا نجد بعدُ هذه العبارة في العهد الجديد). رج سي 4: 29 (مع بارايمانوس)؛ 11: 12: العاجز، الضعيف، المتراخي. إنه يميّز المتهاملين المتراخين تجاه التعليم المسيحيّ.
كان القرّاء في وقت اهتدائهم جائعين لسماع التقاليد الانجيلية (2: 3). فصاروا (غاغوناتي، صيغة الكامل. ما زالوا في هذه الحالة حتى الآن) متكاسلين، متهاملين. ما عادوا يفهمون. وربما لا يريدون أن يفهموا بعد أن تبدّل الموضع بالنسبة إليهم.

ب - توسّع في المسألة (5: 12 - 14)
أولاً: بين اللبن والطعام القويّ (آ 12 - 13)
تعطي آ 12 البرهان على ما وصل إليه هؤلاء المؤمنون (كاي غار)، وتشدّد على كسلهم وما فيه من خطيئة. كان يجب (أوفايلو)، ولكنهم لم يفعلوا. فبعد الاهتمام والتنشئة المسيحية الأولى، كان يجب على المؤمنين أن يواصلوا التعليم بحيث يعلّمون الآخرين بدورهم، يصيرون معلمين (ديدسكالوي). ولكن هؤلاء ((العبرانيين)) لم يتقدّموا في معرفة إيمانهم، بل تراجعوا ونسوا التعليم الأوليّ في المسيحية. هم يحتاجون إلى أن يعودوا (بالين، من جديد) إلى المدرسة، أن يتعلّموا الأمور الأولى. ((ستويخايون)) يدلّ على الحروف الابجديّة التي يتعلّمها الأطفال. ثم يدلّ على الدروس الأولى (غل 4: 3). ((لوغيون)): قول الله بواسطة الانبياء، من أجل الناس (أع 7: 38): فيه الوحي والوعد، والفريضة وقاعدة الحياة. هو يدلّ على مجمل الحياة المسيحيّة على مستوى العقيدة والأخلاق (1بط 4: 1). ترد هذه اللفظة في روم 3: 2 فتدلّ على مجمل الكتب المقدّسة. أترى يدعو الكاتب قرّاءه إلى معرفة الكتب المقدسة، قبل الكلام عن ملكيصادق؟!
بعد التعارض تلميذ - معلّم، هناك تعارض طفل (نيبيوس، لا يتكلم) - بالغ. فمراحل الحياة الروحيّة، شأنها شأن مراحل الحياة الجسديّة، تنقسم بين طفولة ونضوج، مع طعام خاص بكل مرحلة: اللبن، الطعام القوي (1كور 3: 1 - 3). كان المعلّمون يسمّون تلاميذهم: ت ي ن و ق و ت: الذين يرضعون.
فالمعمّدون الجدد تعلّموا الحقائق الأولى (6: 1 - 2)، ولكنهم جهلوا لاهوت كهنوت المسيح، وما اختبروه (آ 13). نقرأ ((ابايروس)) (غير خبير) الذي لا نقرأه إلاّ هنا في العهد الجديد، وينطبق على مستوى الطعام الذي نهضمه والشراب الذي نستسيغه. هذا ما يمكن أن نقوله أيضًا عن المعرفة.
((ديكايوسيني))، البرّ (ص د ق) الذي اوحي بالمسيح (روم 3: 21 - 26؛ 10: 3). هو قوّة في الحياة الجديدة (روم 5: 21 - 21). لا يأتي بأعمال الشريعة (نوموس، روم 9: 30)، بل بوساطة المسيح الكهنوتية كثمرة آلامه وموته.
ثانيًا: طعام الكاملين (آ 14)
((ستاريا تروفي))، يغذّي على المستوى العقليّ وعلى المستوى الأدبيّ. ولا يستفيد منه إلا الكاملون (تالايوي) الذين وصلوا إلى ملء نموّ الحياة المسيحيّة (1 كور 2: 6؛ أف 4: 3) ودلّوا على عمق تمييزهم الروحيّ (1كور 2: 15؛ 14: 20). ونحن لا نصل إلى هذا النضوج الروحيّ بدون إرادة ومجهود. لذلك ننمّي أداة التمييز (دياكريسيس)، ذاك الحسّ (أيستيتيريون، لا ترد إلا هنا في العهد الجديد) الذي به نفهم (رج ايستيسيس، غل 1: 9)، نروّض أداة التمييز، ننشّطها (غمنازو، 12: 11؛ 1تم 4: 7). ((هاكسيس)) هي وضع أو حالة ننالها بالعادة أو بالخبرة (سي 30: 14)، تدلّ على مستوى الكمال لدى البالغين مع صفاتهم الروحيّة.
في هذا المجال يقول الذهبي الفم: ((أية وسائل نمتلك كي نتمرّس؟ ليس لنا سوى أن نسمع كلام الله على الدوام، وأن نتقوّى في معرفة الكتب المقدسة... ولكننا اليوم لا نعرف الكتب المقدسة رغم كل الاحتياطات التي اتّخذها الروح القدس لكي تُحفظ هذه الوديعة)). فحسب المفهوم البيبلي، تمييز (روم 14: 1؛ 1كور 12: 10) الخير والشرّ يلخّص معرفة الحقيقة، ومبادئ الاخلاق، مع ارتباط القلب بما عرفنا ووضعنا قيد العمل (تك 3: 5؛ تث 1: 39؛ 2صم 19: 36؛ 1مل 3: 9؛ اش 7: 15 - 16). نحن هنا أمام تعليم يبدو غذاء نختاره من أجل صحّتنا الروحيّة: نختار ما هو صالح، ما هو حقّ (روم 2: 18؛ فل 1: 9 - 10). وهذا ما لا يصل إليه ((الاطفال)). يبقى أن نخرج من الطفولة.

ج - قرار نتخذه (6: 1 - 3): ندع التعليم الأولي
إن رباط هذه الآيات بما سبق يتمّ مع ((ديو)) (لذلك). نستطيع القول إن الكاتب اعتبر أن قرّاءه هم في الواقع من الكاملين (سيعود إلى ذلك في 6: 9 بعد تهديد قاس في 6: 4ي). لهذا سيعالج معهم قمّة التعليم. يبقى عليهم أن يخرجوا من حالة الطفولة ((ليهضموا)) ما سيعرضه لهم: ((تالايوسيس)) (ما هو كامل) هو هذا التعليم حول كهنوت المسيح. غير أن بعضًا منهم ما زال فاترًا (يرتدّ، يجحد). فليسع إلى الطعام القويّ. اهتدوا منذ زمن بعيد، ولكنهم يستطيعون أن يدركوا هذا اللاهوت الذي هو أفضل دواء لهذا الفتور. وهذا الوضع الروحيّ الذي يضمّ الايمان القديم والاهمال العقليّ يتطلّب تربية على مستوى قرّائه. بمَ تقوم هذه التربية؟
أولاً: عودة إلى الأساس (6: 1)
أن لا يعودوا إلى التعليم الأوليّ (أرخيس) الذي يُعطى ((للمبتدئين))، وأن يقبلوا التنشئة على تعليم متقدّم، ناضج. فليحملوا (فاروماتا) أنفسهم نحو الكمال، ولا ينتظروا أن يُحملوا: ليفتحوا آذانهم، وليهتمّوا بتعليم يقدّم لهم. التعليم الأولي يدور حول حياة المسيح على الأرض مع تحريض على الأمانة للانجيل. ولكن عب لا تقف هنا، وها هي تورد ستة بنود ((أساسيّة)) في التنشئة المسيحية، ويرد كل بندين معًا. أول زوج: التوبة والايمان، نحن هنا على المستوى الاخلاقيّ السابق للدخول إلى الكنيسة، في وجهه السلبيّ ووجهه الايجابي. ثاني زوج: المعمودية ووضع اليد. نحن هنا على المستوى الاسراريّ مع طقوس تمنح النعمة والروح القدس. ثالث زوج: القيامة والدينونة. نحن على المستوى الاسكاتولوجي مع رجاء المستقبل والحياة بعد الموت. بدأنا بالتوبة ووصلنا إلى العواقب الاخيرة مع الموت والدينونة.
((الاعمال الميتة)) (إرغا نكرا، 9: 14، لا نجدها إلا هنا في العهد الجديد) هي التي لا نعملها مع الله الحيّ (3: 31)، فلا تقود بالتالي إلى الحياة الفائقة الطبيعة. هي أعمال ميت (مت 8: 2؛ يو 5: 24؛ 1تم 5: 6). قال التلمود (بركوت 18 ب): الاشرار هم موتى حتّى خلال حياتهم. الاعمال الميتة عقيمة (أكاربا، لا تحمل ثمرًا، يو 2: 17، 26)، باطلة (أون في العبرية، عا 5: 5؛ أي 4: 8...). فكأنها لم توجد (روم 7: 8). هل نضع أعمال الشريعة الموسويّة في هذه الخانة؟ ربما. فهي في أي حال لم تعد نافعة من أجل الخلاص وغفران الخطايا (نذكر هنا كل ما في سفر اللاويين مثلاً من فرائض عمليّة تعدّاها الزمن).
((ماتانويا)) هي التوبة. هي التجرد والتخلّي. هي الاهتداء. دعا المعمدان الناس إلى التوبة (مر 1: 15) ومثله فعل يسوع (مت 11: 20 - 12) والرسل (أع 2: 38؛ 17: 30). يُدعى الناس إلى الايمان الجديد ويُطلب منهم أن يتركوا معتقداتهم القديمة وطريقة حياتهم (أع 8: 22). فان تضمّن اللفظ التحسّر على الضلال السابق والتنكر لخطايا اقترفناها، فهو يتضمّن بشكل خاص تبديلاً تامًا في الاستعدادات الباطنيّة. ذاك هو المعنى هنا (آ 6) مع متطلّبة أولى تُفرض على المعمّدين الجدد: أن يتركوا الحياة الوثنية (أو اليهودية) بنظراتها وعاداتها وممارساتها. وهذا الاهتداء يرتبط بالايمان (بستواين) الذي يقود (حرف الجر إبي مع المنصوب) إلى الله (مت 18: 42؛ أع 9: 42) من أجل الدخول في حياة جديدة. ذاك هو الاساس (تاماليون) في المسيحيّة.
ثانيًا: تعليم يتواصل (آ 2 - 3)
لا شكّ في أن هذا التعليم (ديداخي) الذي سبق تقبّل المعمودية، كان قد أعطي (تي 3: 4 - 7): أصله، مدلوله، فاعليّته، طقوسه. جاءت لفظة المعمودية في صيغة الجمع (ببتسمون)، وهذا ما لم نعتد عليه. هناك من تحدّث عن تغطيسات ثلاثة (ترتليانس)، عن عدد المعمّدين الكبير (تيودوريتس)، عن العماد بالماء والدم والرغبة (أوغسطينس)، عن إعادة منح السرّ عند الهراطقة (اثناسيوس)، عن غسل جسديّ وغسل روحيّ. ولكن يبدو أننا أمام المعمودية الاسراريّة (ببتسما) من جهة، والغسل التطهيري من جهة ثانية كما عند اليهود (ببتسموس): عماد يوحنا، عماد المهتدين الجدد، الغسل عند الاسيانيين.
ذُكر وضع اليد (2 تم 1: 6) مع المعمودية. هذا يعني أنه كان يمارس في ذات الاحتفال. فوضعُ اليد على رأس المعمّدين، ترافقه الصلاة (أع 8: 15). ويمنح الروحُ القدس (آ 4؛ أع 8: 18 - 19)، ينبوع كل المواهب ومبدأ الحياة المسيحيّة. في هذا المجال، يجب أن ينال الموعوظ التعليم لئلا يسقط في ضلال تلاميذ أفسس (أع 19: 1ي). ترتبط النعمة (خاريس) بالعماد، والمواهب (خارسماتا) بوضع الأيدي.
أما قيامة الموتى والدينونة الابدية اللتين نجدهما معًا في التعليم الانجيلي (يو 5: 21 - 30)، فلا يمكن أن تكونا من التعليم الأوليّ حول المسيح. فقيامة يسوع هي نموذج قيامتنا، ولا نستطيع أن نؤمن بهذه دون أن نؤمن بتلك. ذاك هو أول موضوع في الكرازة الرسولية لدى اليهود (أع 5: 2؛ 23: 6؛ 26: 6 - 8) كما لدى الوثنيين (أع 17: 18 - 22؛ 1 كور 15: 12 - 14). أما الدينونة (كريما، رج كريسيس، 9: 27) الثابتة التي تفصل إلى الأبد (أيونيوس، آ 9) التائبين والمؤمنين عن الاشرار، والتي يعلنها الربّ في مجيئه الثاني (أع 24: 15، 25)، فهي موضوع ايماننا وانتظاره، وموضوع الكرازة الرسوليّة (أع 17: 31). فالتنشئة المسيحية كانت اسكاتولوجيّة. هنا نقرأ الذهبي الفم: ((تلك هي البداية. تلك هي الحقائق الأولى التي نتعلّمها مع أن حياتنا ليست بعدُ كاملة. فلكي نتعلّم أن نقرأ، يجب أن نعرف أولاً الاركان (ستويخايا)، ولكي نتعلّم أن نكون مسيحيين، تكون الحقائقُ المعروضة هنا تلك التي يجب أن نعرفها قبل كل شيء فنقتنع بها كل الاقتناع. فان احتجنا بعد إلى أنوار إضافيّة، فهذا يعني أن ديانة المسيح لم تقم في قلبنا. فقبل كل شيء، يجب أن تكون هذه الحقائق الأساسيّة ثابتة فينا)).
وتعود آ 3 إلى آ 1 بواسطة ((نرتفع إلى الكامل)): سأقدّم لكم درسًا، ولن اكتفي بالتعليم الأولي، بل أصلُ معكم إلى الحكمة الرفيعة. وهذا لا نحصل عليه سوى مرّة واحدة (آ 4ي). إن شاء الله. فالله هو الذي يبارك مشروعنا. يبقى علينا أن نتركه يقودنا (فاروماتا).

2 - قراءة إجمالية
((ولنا في هذا الموضوع، كلام كثير وصعب الشرح، لما أنتم عليه من بطء الفهم. فأنتم الذين كان عليهم أن يكونوا معلِّمين، تحتاجون إلى من يعلمكم الاركان الأولى (الرئيسية) لأقوال الله)) (5: 11 - 12أ)
إن الموضوع الذي أشار إليه الكاتب (كهنوت المسيح الذي ينتمي إلى رتبة ملكيصادق ويكوّن كهنوته)، هو مهمّ جدًا. لذلك يجب أن يُفهم، وإن كان السامعون بطيئين، متكاسلين، لا يريدون أن يتقدّموا في التعليم. تراخوا فأثّر تراخيهم على تنبّههم واستعدادهم لتقبّل الطعام القويّ. فإن لم يتخلّصوا من جحودهم وما فيه من خطأ، يجدون نفوسهم مثل آبائهم في أيام حزقيال: ((بيت تمرّد، لهم عيون ليروا ولكنهم لا يرون، لهم آذان لكي تسمع ولكنهم لا يسمعون)) (12: 2؛ رج إر 6: 01؛ زك 7: 11 - 12). لهذا، وعى الكاتب صعوبة المهمّة التي يواجهها، وطلب أن يعلّم سامعيه حول كهنوت المسيح.
منذ وقت نال هؤلاء المؤمنون التعليم. مرّ على اهتدائهم سنوات. هل بردت المحبّة في قلوبهم (مت 24: 12)؟ فماذا ينتظرون لكي يتقدّموا في التعليم بحيث يصيرون بدورهم ((معلّمين)). ولكنهم ظلّوا على مستوى الأطفال، وهذا لخزيهم، فكيف يمكن أن يتسلّموا مسؤوليّات داخل الجماعة؟
((بتّم في حاجة إلى اللبن (= الحليب) لا إلى الطعام القويّ. ومن لا يزال على اللبن لا يكون خبيرًا بتعليم البرّ لأنه طفل صغير. أما الطعام القويّ فهو للكاملين الذين تروّضت حواسهم بالممارسة على التمييز بين الخير والشر)) (5: 12ب - 14)
من لم يتقدّم في التعليم، ليس أفضل من طفل صغير على مستوى الفهم الروحي: لا يليق به إلا اللبن الذي هو طعام أشخاص غير ناضجين. لا يليق به الطعام القويّ الذي هو التعليم الكامل. هذا يعني أن نموّه توقّف (أو هو سقط) فظلّ على مستوى الطفولة. مثل هؤلاء هم ضعاف الايمان، لا أقوياء. عرف بولس في كورنتوس وضعًا مماثلاً، فقال للمسيحيين: ((ولكنني أيها الاخوة، ما تمكّنت أن أكلّمكم مثلما أكلّم أناسًا روحانيين، بل مثلما أكلّم أناسًا جسديّين (ما زالوا على مستوى البشرية، على مستوى اللحم والدم) هم أطفال بعد في المسيح. غذّيتكم بالحليب (اللبن) لا بالطعام القويّ، لأنكم كنتم لا تطيقونه، ولا أنتك تطيقونه بعد)) (1كور 3: 1 - 2). وضع مؤلم. وهو لا ينحصر في جماعة واحدة، ويمكن أن يكون في جماعتنا.
من يكون هكذا، يدلّ على أنه ليس ((خبيرًا بتعليم البرّ))، أي التعليم حول البرّ، وهو تعليم يشدّد على المسيح الذي هو برّنا (1كور 1: 30؛ 2كور 5: 21). هذا التعليم هو أساسيّ في الايمان المسيحيّ. فالتعليم المتين (والطعام القويّ) هو للكاملين، الذين تطوّروا من ضعف الطفولة إلى البالغ الذي يقدر أن يكون مسؤولاً. في النظرة البيبليّة، لا كامل إلاّ الله. والنضج التام الذي يتوافق مع الكمال قد حصل على المستوى البشريّ (2: 10؛ 5: 15؛ 5: 8 - 9) في الابن المتجسد، يسوع المسيح. لهذا، يكون الكمال هدفًا يتوق إليه المسيحيون، فيحاولون أن يسيروا في اتجاهه (6: 1؛ رج 12: 1 - 2؛ مت 5: 48)، ليكونوا متشبّهين بالرب (1يو 3: 2).
إن نضوج المسيحيّ هو نسبيّ، بالنسبة إلى الكمال الذي في المسيح (2 كور 3: 18). لهذا أعلن بولس: ((لا أدّعي أني فزت بذلك أو بلغت الكمال، بل أسعى لكي أفوز بما لأجله فاز بي المسيح يسوع)) (فل 3: 12). إذن، معيار النضوج هو ملء الكمال في المسيح (أف 4: 12). فالذين لم يغتذوا ولم يتقوّوا بالطعام القوي، بالتعليم الصحيح، هم بعدُ أطفال وما نضجوا على المستوى المسيحي: إنهم يحتاجون احتياجًا عظيمًا أن ينموا في المسيح (أف 4: 15). ينمون على المستوى الاخلاقي في تمييز الخير من الشرّ، وخصوصًا ينمون على المستوى التعليميّ، فيميّزون الحقّ من الضلال.
((لذلك، فلندع التعليم الأوليّ عن المسيح، ولنرتفع إلى الكامل، من غير عودة إلى ما هو أساسيّ، إلى التوبة من الأعمال الميتة، والايمان بالله، والتعليم بشأن المعموديات، ووضع الأيدي، وقيامة الاموات، والدينونة الأبدية... وهذا ما سنصنعه إن وفّق الله)) (6: 1 - 3)
مع ((لذلك)) نفهم الرباط الوثيق والمنطقي بين هذه الآيات والتي سبقت. فالكاتب وبّخ القرّاء (سيوبّخهم في آ 4 ،أما هنا فهو يشجّعهم) لأنهم توقّفوا عن النموّ المسيحي: ظلّوا غير ناضجين على المستوى الروحي. تراخوا وما اجتهدوا لكي يفهموا. وها هو الآن يحثّهم على أن يفعلوا شيئًا لكي يخرجوا من تكاسلهم فيصلوا إلى النضوج. هكذا تكون لهم البركة لا اللعنة.
التعليم الأولي الذي منه ينطلق القرّاء لكي يتقدّموا نحو الكامل، يشبه ما قاله بطرس للناس يوم العنصرة (أع 2: 22). هي التلمذة (مت 28: 19، تلمذوهم ثم علّموهم بعد أن عمّدوهم) التي يتبعها التعليم (أع 2: 42). هذا التعليم هو تقديم يسوع كالمسيح والرب الذي فيه تمّت الكتب المقدسة، والذي كان موتُه حسب قصد الله الخلاصيّ، والذي قام وصعد إلى السماء. مثل هذا التعليم يطلب جواب التوبة والايمان والمعموديّة. وبالنسبة إلى الذين تعمّدوا على يد بطرس (3000)، كان ذلك انطلاقة حياتهم المسيحيّة. ولكن هل يكتفون بذلك، أم يتطلّعون إلى النضوج الروحي؟ هذا ما لم يفعله عدد من قرّاء عب. أهملوا التعليم اللاحق الذي يوجَّه إليهم، فهدّدهم التوقُف في الطريق وربّما الارتداد عن الربّ.
ذكرت الرسالة بعض هذا التعليم: التوبة التي تنقلنا من الأعمال الميتة، إلى الأعمال التي تقود إلى الحياة، والايمان الذي هو استسلام لله، وتعلّق بتعليمه. هذا يعني على المستوى السلبيّ أن نتخلّى عن حياتنا السابقة وتفكيرنا السابق، ونتعلّق بالتعليم الذي يقدّمه لنا يسوع، حبر العهد الجديد. أما المعموديّة التي نلناها فتختلف عن كل معمودية أخرى، ولا سيّما تلك التي ينالها المهتدون من العالم الوثني إلى العالم اليهوديّ: عند ذاك نلبث في العهد القديم ولا نصل إلى المسيح. ويرتبط بالمعمودية وضعُ الأيديّ، الذي يشير إلى عطيّة الروح القدس. وفي النهاية، يتطرّق التعليم إلى القيامة والدينونة. أما هكذا ينتهي قانون الايمان: نترجّى قيامة الموتى والحياة الجديدة.

خاتمة
جاء كلام الرسالة توبيخًا قاسيًا بسبب تكاسل على المستوى العقليّ وعلى المستوى الروحيّ. فهذا المستوى ((البسيط)) من المعرفة الروحيّة، هو نتيجة حياة مسيحيّة شبه ميتة. هذا يعني أن الجماعة تمرّ في أزمة. فأرسل الكاتب إليها نداء (6: 1 - 3) ثم تهديدًا (آ 4 - 8) قاسيًا ليحذّرها من خطر إهمال عطايا الله. نحن هنا في الواقع أمام مجموعة صغيرة من المؤمنين، لا أمام عدّة جماعات كبيرة، إذ لا يُعقل أن يكون المسيحيون كلهم في هذه الكنائس توقّفوا على مستوى التعليم الأولي، فاستحقّوا هذا اللوم. ولكن يبقى أن كلام الرسالة يتوجّه إلينا. لنسمع كلام بولس الرسول: من هو واقف فليحذر من السقوط. وكلام عب حول أرضنا التي إن لم تُنبت حبًا طيبًا تنبت زؤانًا، تنبت شوكًا وحسكًا فتُرذل.
الفصل الرابع عشر

بين الجحود والثبات
6: 4 - 12

كانت القسمة الأولى (5: 11 - 6: 3) في هذا المقطع الأول (5: 11 - 6: 12) الذي يشكّل القسم الثالث من عب، موضوع كلامنا في الفصل السابق، فوعدتنا بمتابعة الكلام ((إن شاء الله)). ولكن قبل ذلك، يتوالى الإرشاد بين يأس ورجاء، بين سقوط وقيام، بين طريق مفتوحة وباب مسدود، بين أرض خصبة وأرض عقيمة، بين بركة ولعنة. فالتراخي يهدّد الجماعة التي قد تسير إلى اليأس واللعنة. فيا ليتها تنهض من سباتها فتكون الأرضَ الخصبة التي تنال البركة!

1 - تفسير الآيات

أ - سقوط رغم عطايا الله (6: 4 - 6)
إن آ 4 - 6 (غار) تبرّر ما قالته الآيات السابقة، بان لا حاجة للعودة إلى التعليم الاولي، إلى الحقائق الأولى. فالاهتداء إلى الايمان لا ينفصل عن التنشئة المسيحيّة. فكلاهما لا يتكرّران. لا نعيد ما فعلناه بشكل نهائيّ، والتنشئة المسيحيّة لا يمكن أن تتجدّد: برهان واضح. ولكن كلام الكاتب جاء قاسيًا: بما أن المرتدّ عن الايمان لا يمكن أن يعود، فهو لا يستطيع بعد أن يتقبّل التعليم الاوليّ حول المسيحيّة. إذن نمتنع عن العمل (رج مت 18: 17، يصبح كالوثني) بعد أن تنكّر مثل هؤلاء الناس لايمانهم. ولكن آ 9 - 11 تقدّم الوجه الإيجابي في جماعة تحاول أن تتقدّم متطلّعة إلى جماعات تحاول أن تعيش إيمانها وتثبت في هذا الايمان.
أولاً: أولئك الذين استناروا (آ 4 - 5)
يذكر النصّ هنا العطايا التي نالها المعمّدون الجدد: استناروا (فوتيزو). الله هو الذي ينير. الكلمة ينير كل انسان (يو 1: 9؛ أف 5: 14). الربّ ينير أورشليم السماويّة (رؤ 21: 23). ينير بمجده المختارين (رؤ 22: 5). المؤمنون لا يدركون نور الانجيل (فوتسموس، 2كور 4: 4). لا يدركون النور الذي هو المسيح (لو 11: 36). هذا يعني أن النور الذي يفيضه الله في القلب (أف 1: 18؛ 2كور 4: 6) هو نور الايمان (عب 01: 23) الذي يعطي الفهم (مز 119: 130)، يعطي معرفة الاله الحقيقيّ (2 تم 1: 10). لهذا، فالمؤمنون هم أبناء النور (لو 16: 8؛ يو 12: 36؛ أف 5: 5). هذه الاستنارة الروحيّة (التي هي أيضًا تعليم، رج 10: 26) ترتبط ارتباطًا وثيقًا بتقبّل المعمودية (التي تسمّى استنارة، رج يوستينوس، الدفاع 1: 61). هكذا فهمت البسيطة هذا النص فقالت ((نزلوا في المعموديّة)) (نحت بمعموديتا، أي: نزلوا في المعموديّة).
هذه الاستنارة تتمّ مرة واحدة (هاباكس، رج ايفاباكس، 7: 27؛ 9: 21؛ 10: 10). نحن أمام عمل لا يمكن أن يتكرّر (9: 7، 26، 27؛ 10: 2)، فيُعتبر الأخير (10: 26). هو يقابل ((بالين)) (أيضًا، من جديد، آ 6).
بعد استعارة النور تأتي استعارة الطعام. من استنار (تعمّد)، ذاق الموهبة السماوية. هي في نظر الآباء اليونان، مغفرة الخطايا. وغيرهم: الافخارستيا التي هي موهبة الواهب. ففعل ((غاووماي)) يُستعمل بالنسبة إلى طعام الافخارستيا في أع 20: 11 (رج حك 16: 21؛ يو 6: 31ي). ولكن، إذا كانت الافخارستيا أهم عطايا الله، إلاّ أنها تُعطى أكثر من مرّة. لهذا قيل هي: حياة الله التي يمنحها المسيح بنعمة مجانيّة. فالفعل ((ديودومي)) وما يتفرّع منه (دوما، أف 4: 8؛ دوسيس، يع 1: 17؛ دوريما، روم 5: 16؛ دورون، أف 2: 8) يعبّر عن عطايا فائقة الطبيعة ولاسيّما عطيّة الابن (يو 3: 16؛ غل 1: 4). أما ((دوريا)) (المعنى الروحي. تستمعل مرارًا) فتدلّ على النعمة (خاريس، روم 5: 15؛ أف 3: 7؛ 4: 7) وتتضمّن فكرة المجانيّة (أع 8: 20) والرضى. ولكن النصّ يشدّد على عظمة هذه العطيّة (2 كور 9: 15) التي لا نستطيع أن نعبّر عنها (روم 5: 17).
يعرف المؤمن طعم هذه العطيّة ويتذوّقها. غاووماي (م ع س، في العبرية). رج لو 14: 24؛ رو 2: 9؛ أع 10: 10؛ 20: 11؛ 23: 14؛ كو 2: 21. نحن أمام ادراك شخصي، وخبرة شخصيّة. تلك هي حياة النعمة التي نتذوّقها كطعام سماويّ. وتضاف الشركة في الروح القدس مع وضع اليد (آ 2): حضور نمتلئ منه على مثال اسطفانس مثلاً. قد نكون أمام الولادة الجديدة بالمعموديّة (تي 3: 5 - 6) أو مواهب الروح (1كور 12: 14) التي كانت تتجلّى في الجماعة الأولى.
ويتكرّر (آ 5) فعل ((غاووماي)) (ذاق) ليدلّ على الخبرة المسيحيّة تجاه كلمة الله، تجاه الانجيل الذي هو وعد ووحي إلهي (هـ. د ب ر. هـ. ط و ب، يش 21: 43؛ 23: 15)، وطريق خلاص، وحياة مسيحية (أش 53: 7؛ ((ط و ب)) مع ((ي ش و ع ه))) في جوّ من البهجة والتعزية والرجاء.
قوّات الدهر الآتي (رج 2: 5): ما ينتج عن عمل المسيح في المستقبل، بدأ يتحقّق منذ الآن (11: 11). قال يسوع: ملكوت الله في داخلكم. لا تقولوا: هو هنا أو هناك. هذه القوات (أعمال القوة) يصنعها الروح القدس (2: 4؛ غل 3: 5) فتدلّ على مجيء الزمن المسيحاني. أجل، إن الايمان بالانجيل الذي هو الوثوق بالامور اللامنظورة (11: 1) يتثبّت بمعجزات النعمة هذه التي تدلّ على قدرة الروح.
ثانيًا: سقطوا (آ 6)
عدّد الكاتب عمدًا وجهات حلوة في الخبرة الدينيّة الأولى، ليُبرز فظاعةَ السقوط والارتداد عن الايمان. كيف يُعقل أن يرذل المؤمنُ عطيّة الله التي عرفها وذاقها. ((باراببتو)) (لا يرد إلا هنا في العهد الجديد): سقط على جانب (الطريق)، خارج الطريق. حاد وسقط. وعلى المستوى الادبي: خطئ (مك 6: 9؛ 12: 2). رج ((ببتو)) في 4: 11. هنا ابتعاد عن الحقّ، مع رياء الكذب. إذا كانت ((بارابتوما)) تدلّ على خطوة ناقصة، على جهالة يمكن أن تُغفر (كو 2: 13)، فهي تدل أيضًا على خطيئة آدم (روم 5: 15 - 20) وعلى خيانات الشعب اليهوديّ (روم 11: 11). لسنا هنا أمام ضعف من هذا النوع. فالكاتب يشير إلى يهود اهتدوا إلى المسيح، ثم أخذوا يتردّدون بين المجمع والكنيسة، فسقطوا دون أن يكون دواء لسقوطهم (2: 1، باراريومن). هي سقطة على المستوى الفكري، هي خطيئة اراديّة ضد النور (آ 4)، ضدّ الروح القدس، من قبل الذي استنار: نحن أمام تراجع وتمرّد على الله بعد أن أطعناه طاعة الايمان.
من الواضح أن هذه القطاعات التي بها يستبعد المؤمن نفسه من النعمة والخلاص، يتمرّد على الله والمسيح والروح القدس، لا تسمح له أن يتجدّد للتوبة، أي أن يستعيد موقفه السابق من قبول للانجيل. إنه يردّ بجرمين كبيرين على الرحمة التي مُنحت له في أربعة وجوه (استنار...): يصلب ابن الله. ((أناستاورو))، صلب مرّة ثانية. فالجاحد مسؤول عن موت يسوع الذي هو ابن الله. والصلب ليس فقط واقعًا تاريخيًا، بل مأساة معاصرة. فعلى كل انسان أن يأخذ موقفًا من المسيح: أو يصلبه أو يصلب نفسه معه (غل 2: 19؛ 4: 19). فالذي يسقط يقف مع الجلاّدين ويجدّد صلب المسيح.
والجرم الثاني: يشهرونه: بارادايغماتيزو الذي يدلّ على عيَّر، جعل الناس يهزأون بشخص (عد 25: 4؛ حز 28: 17). فمن أنكر إيمانه أمام الناس، جدّف على المسيح. نجد هذين الفعلين في صيغة اسم الفاعل، وهما يدلاّن على استمرار هذا السلوك. قد نفكّر في مثول المسيحيين أمام السلطات الوثنيّة التي تطلب منهم أن يجحدوا إيمانهم. لا توبة ممكنة لهؤلاء. ولكن ما يكون مصير الكنيسة، لولا أمانة المسيحيين وما فيها من بطولة!

ب - أرض خصبة تنال البركة (6: 7)
هنا ترد صورة مأخوذة من عالم الطبيعة، كما في الأمثال الانجيلية، وهي تعود إلى تك 2: 5 - 6 (المطر المخصب)؛ 1: 11 (بوتاني، نبات)؛ 3: 18 (شوك وحسك). كما تعود إلى نشيد الكرمة في أش 5: 1 - 7. فالمؤمن يشبَّه بأرض تُنبت نبتًا صالحًا. واللامؤمن بأرض لا تعطي إلا عشبًا رديئًا. في النهاية، هي البركة (اولوغيا). فحين نعمل في خطّ النعمة نحصل من الله على عطايا جديدة. أما التكاسل والخطيئة لدى ذاك الذي أنعم الله عليه، فيقودانه إلى الشجب واللعنة.
حين ترتوي الأرض بالمطر، تدلّ على أنها أرض طيّبة. فنعمة الله، شأنها شأن المطر، تتكرّر (بولاكيس). فمن تقبّل عطيّة الله، جعلها تثمر فيه. وهكذا يشارك الانسان الله لكي يتقبّل (ماتالبانو) البركة. وبقدر أمانة الانسان تتكاثر بركةُ الله. وبقدر ما ننفتح على عطاياه نُعطى ونُزاد.

ج - أرض عقيمة تنال اللعنة (6: 8)
اللعنة هي ما يعارض البركة. هي نفي للبركة. وأرض اللعنة لا تُنبت سوى الشوك والحسك. لا فائدة منها. لهذا، يُحكم عليها حكمًا قاسيًا. ((أدوكيموس)) تقابل ((اوتاتوس)) (لو 12: 35): اعتبر غير قادر على القيام بالدور الذي طُلب منه. تُرك، رُذل (1كور 9: 27؛ 2 كور 13: 5 - 7؛ تي 1: 16). ((كاتاراس))، اللعنة. نحن هنا في إطار اسكاتولوجيّ. ذاك هو وضع الجاحد: أرض عقيمة لا تُنبت ثمرًا مفيدًا. آخرته الحريق. حسب 1كور 3: 13، نتحدّث عن الاعشاب الرديئة (أي أعمال الخطيئة) التي ستمرّ في النار. ولكن يبدو أن العقاب الأخير (كريماتوس أيونيو، 6: 2) يصيب الخاطئ القاسي القلب الذي يموت رافضًا التوبة، فينال عقاب النار (10: 27؛ مت 13: 30، 42؛ 25: 41). ذاك هو أجر المسيحيّ الذي لم يحمل ثمرًا في حياته، بل رفض المسيح. في هذا المجال قال يوحنا فم الذهب: ((لنصغ إلى كلمات الله بخوف. لسنا امام تهديدات بولس. لسنا أمام أقوال رجل، بل أمام أقوال الروح القدس)).

د - أقوال تشجيع، أقوال رجاء (6: 9 - 12)
بعد كلام قاس فيه الكثير من التهديد، تتبدّل اللهجة في خط 6: 1ي. فالخلاص يقدّم لهذه الجماعة التي دلّت على أعمالها الصالحة. يبقى عليها أن تحافظ على حرارة ايمانها، أن تتجنّب الكسل والتهامل.
أولاً: قريبون من الخلاص (آ 9 - 10)
((إي كاي)) ومع ذلك (لو 18: 4؛ 2كور 4: 16). ما قيل في آ 4 - 6، لم يحمل التملّق ولا التفاؤل. هل يظنّ القرّاء أن الكاتب يئس من مصيرهم بسبب شرّهم؟ في الواقع، هو نداء للمتهاملين ليوقفهم في انحدارهم الخطر. استعاد كلامه المباشر (بابايسماتا، المتكلّم الجمع)، وبدّل لهجته، فأكّد لقرّائه احترامًا يكنّه لهم ومحبّة (أغابيتوي)، ويقينًا ثابتًا بمستواهم الاخلاقي ونوالهم الخلاص.
إن فعل ((إخستاي)) يدلّ على قرب في المكان. الخلاص قريب. تجاه ما في آ 8: اللعنة قريبة. فالحياة المسيحيّة تتضمّن الخلاص، ولا ترتبط فقط به. لسنا فقط أمام شرط، بل أمام استحقاق للخلاص. فكأنه يقول: أتطلّع إلى خلاصكم بثقة. ((كرايسونا))، ما هو أفضل. يبقى عليكم أن تعمّقوا موضوع رجائكم.
وهذا اليقين (آ 10) يستند أولاً إلى برّ الله الذي لا يستطيع أن ينسى ((واجبه)) (إبيلنتانوماي، 13: 2؛ مز 9: 13؛ لو 12: 6: دين)، الذين لا يهمل مجازاة سلوك مسيحيّ (1 يو 1: 9). نقرأ ((إرغون)) (عمل، في صيغة المفرد)، تجاه كثرة الأعمال الميتة (آ 1 ،إرغا نكرا)، فنفهم مستوى العمل وتواصله. نحن أمام بذل يلهمه حبّ ينبع من الايمان، دلّ عليه ((العبرانيون)) في الماضي (إندايكنيمي، صيغة الاحتمال، رج 2 كور 8: 24). وهناك سمتان تميّزانه: لأجل اسمه (ل م ع ن. ش م و). ليس ما يقابل هذا في السبعينيّة. بل نجد إسم الله (2 أخ 33: 18)، أو في اسم الله (الثقة بالله، مز 33: 211؛ 24، آ 8: العمل أو البركة باسم الله، مز 20: 5؛ 129: 8). أما عبارة عب، فنجدها في يو 1: 12؛ 2: 23، وهي تدلّ دومًا على الايمان بالمسيح. هي تدلّ على المسيحيّ. فالمسيحي الذي يرتبط بالمسيح يخصّ المسيح (1كور 1: 13 - 15). والتلاميذ يجتمعون لكي يصلّوا باسمه (مت 18: 20).
نستطيع أن نفهم أن محبّة ((العبرانيين)) هي تجلٍ وامتداد لمحبّة الله في قلوبهم. هم يعملون باسمه. بل نفهم أن بذلهم الاخويّ تلهمه محبتهم لله (13: 5): لقد خدموا إخوتهم حبًا لله واكرامًا له. ((دياكونيو)) يتضمّن كل أنواع الخدمة (10: 33 - 34) بين أعضاء جماعة واحدة (أف 1: 15) بشكل تعاون محبّ على مستوى الصدقة أو الضيافة (1كور 16: 15). رج روم 15: 25 وخدمة القديسين في أورشليم، 2 كور 8: 4 وشركة الخدمة تجاه القديسين.
ثانيًا: اجتهاد، لإ إهمال (آ 11 - 12)
إذن، الجماعة التي يتوجّه إليها الكاتب ليست حقلاً لا نفع منه (آ 8). نبتت فيها الاعمال الصالحة، في الماضي، وهي ما تزال تحمل ثمرًا، في الوقت الحاضر. فالبرهان عن المحبّة والخدمة لم يتوقّف (اسم الفاعل في صيغة الاحتمال، في الماضي، ثم في صيغة الحاضر: خدمتم، تخدمون). وهكذا شجّع الكاتب القرّاء على متابعة الاجتهاد. ((نروم)). هو لا يقول: أريد. فليس هو بسيّد يأمر، بل هو أب حنون يعبّر عن رغبته. هذا ما قاله الذهبيّ الفم. وما توجّه الكاتب إلى الجماعة بشكل عام، بل إلى كل واحد بمفرده (إكستون هيمون، 3: 12، 13)، ولا سيّما المتهاملين والكسالى، وأبدى لهم رغبته الملحّة (ابيتيميو، مت 13: 17؛ لو 22: 15؛ غل 5: 17؛ رؤ 9: 6). فكما دلّوا على محبّة حقيقيّة، ليدلّوا على اجتهاد (على غيرة، سبودي، 4: 11؛ روم 12: 11؛ 2كور 7: 11).
يجب أن يتوقوا إلى ملء الرجاء (بليروفوريا، 10: 22؛ 1تس 1: 5؛ كو 2: 2) أي إلى التحقيق النهائيّ (بفضل سلوك محبّ) وثقة لا تتزعزع. نحن هنا أمام نداء إلى الثبات مهما كان الوضع صعبًا. يجب أن يثبت الرجاء حتّى المنتهى (أخري تالوس).
بفضل هذه الغيرة المستمرة (آ 12) التي تقابل الكسل والتهامل (نوتروي، آ 1 ،12)، يستطيع المسيحيون وقد امتلأوا رجاء (3: 6) أن يجاروا المنتصرين، وهم جميع الذين يمتلكون الخلاص الموعود (4: 1؛ 9: 15). سيتوسّع ف11 في هذا الموضوع. ولكن منذ الآن، بدا الكاتب أبًا يربّي أولاده، فجعل أمامهم هذه النظرة المجيدة والسعيدة ليحرّك فيهم الاجتهاد، ويذكّرهم بالوسائل التي تتيح لهم أن يدركوا الهدف. وهو الايمان (بستيس) الذي يخلّص والذي كاد القرّاء ينكرونه، والذي يضمّ الرجاء والمحبّة (آ 10 - 11)، ثم طول الأناة (مكروتيميا، آ 15؛ 2كور 6: 6؛ كو 1: 11؛ 2 تم 3: 10): نثبت بدون تراخ تجاه محن الحياة، ونتابع مسيرتنا رغم الصعوبات. أجل، الله يمنح الخلاص، ونحن نتجاوب معه بممارسة الفضائل الالهيّة (الايمان والرجاء والمحبة)، مع القوّة والصبر واحتمال الشدائد.

2 - قراءة إجمالية
((فإنه من المحال على الذين استناروا مرة، وذاقوا الموهبة السماوية، وأشركوا في الروح القدس، وتذوّقوا كلمة الله الطيّبة، وقوّات الدهر الآتي، ثم سقطوا، أن يُجدَّدوا ثانية بالتوبة، إذ إنهم يصلبون أيضًا بأنفسهم ابن الله، ويشهرونه)) (6: 4 - 6)
ويعود الكاتب الآن إلى موضوع خطير هو موضوع الجحود والارتداد عن الايمان (3: 12ي). فما عاد يفكّر فقط في مسيحيين ما زالوا أطفالاً، مسيحيين لم ينضجوا بعد ولم يحملوا ثمارًا في إيمان يعلنونه، بل في اشخاص يعيشون اللا إيمان في وسط الجماعة. فخطرُ الجحود حاضر، وليس هو من عالم الخيال. وإلاّ، فما معنى هذا التشديد (10: 29ي؛ 12: 25ي) الذي قد يبدو مضحكًا إن لم يكن له أساس في واقع الجماعة. لهذا، توجّه إلى قرّاء يئسوا، فدعاهم إلى إصلاح ذاتهم بعدما نالوا ما نالوا. نالوا ستة أمور في خبرة روحيّة لا يستطيعون أن يستعيدوها إن ظلوا يعارضون الايمان الذي نالوه.
(1) أعلنوا التوبة في خط آ 1 (2) وكانوا بين الذين استناروا بنور الايمان والمعموديّة. ولكن إبليس أعماهم ((لئلاّ يشاهدوا النور الذي يضيء لهم، نور البشارة بمجد المسيح الذي هو صورة الله)) (2كور 4: 4 - 6). فالاستنارة تعني معرفة الحق (10: 32)، وهي تجعلنا أمام مسؤولياتنا كما قال بولس في أف 5: 8 - 11: ((كنتم ظلمة، أما الآن فانتم نور في الرب. فسيروا كأبناء النور... ولا تشاركوا في أعمال الظلمة)). أعمال الظلمة هي الأعمال الميتة التي ذُكرت في آ ،1 والتي انفصل عنها المسيحي حين قبل العماد.
(3) وذاق المؤمنون الموهبة السماويّة. هو تعليم المسيح (كما قال تيودوريتس) في شرح يو 6: 31ي. وقال آخرون: الافخارستيا. وهكذا نكون في أسرار التنشئة الثلاثة التي عرفتها المسيحيّة الأولى بشكل خاص مع آباء الكنيسة: المعمودية (استنارة)، الافخارستيا (الموهبة)، التثبيت (أشركوا في الروح القدس). (4) أشركوا في الروح القدس. نالوا أنوار الروح، ونالوا مواهبه من أجل بناء الجماعة. فهذه المواهب تدلّ على قوّة الانجيل. (5) ذاقوا كلمة الله الطيّبة. اختبروا اختبارًا شخصيًا ما يقول مز 34: 9: ((ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب)). (6) ذاقوا أيضًا قوّات الدهر الآتي. فمن خلال الآيات المعجزات التي ترافق الكرازة بالانجيل، رأوا ملكوت الله آتيًا. بركات ست هي في الواقع تجلّيات ووجهات بركة واحدة عظيمة ترافقت مع الانجيل الذي تقبّله هؤلاء المؤمنون. مثل هؤلاء إن سقطوا، يستحيل عليهم أن يتجدّدوا، أن يتقبّلوا المعموديَّة مرة ثانية، وإلاّ بدوا وكأنهم يصلبون المسيح مرّة ثانية. هنا نتذكّر أن العماد هو مشاركة في موت المسيح وقيامته.
ما نستطيع أن نقول عن هذه الآيات (6: 1 - 6) هو أن آ 1 - 2 تشيران إلى جواب التوبة والايمان على كرازة الانجيل الذي يتبعه تعليم يسبق المعمودية. وتُصوّر آ 4 - 6 حالةَ الذين اعترفوا بالمسيح في المعمودية، ثم أداروا ظهرهم للانجيل فتنكّروا بالتالي للعماد وما يقتضيه. هم يبدون وكأنهم أنكروا المسيح الذي صُلب لأجلهم وانضمّوا إلى الذين رفضوا هذا الصلب. هم اليهود الذين سيواجههم الروح القدس بعد قيامة المسيح: يوبّخ العالم على الخطيئة، خطيئة الذين لم يؤمنوا به. وعلى البرّ، لأن اليهود حسبوا يسوع خاطئًا بعد أن حكمت عليه الشريعة فمات. ولكن الله أقامه وها هو قد ذهب إلى الآب، فدلّ على أن الشريعة أخطأت وأن يسوع وحده بار. وعلى الدينونة. دان اليهود يسوع، ودانه بيلاطس. في الواقع، أراد العالم أن يدين يسوع ويحكم عليه. فاذا العالم وسيّده يقعان تحت دينونة الربّ (رج يو 16: 8 - 11).
وفي النهاية، حين يجعل الروح دم المسيح الفادي يعمل في قلب الانسان، يصبح عملُه عملَ الله الذي لا يمكن أن يسقط. هذا يعني أن الذين هم حقًا للمسيح لا يسقطون في الجحود، وإن سقطوا لا يكون سقوطهم بلا رجعة. فحيث يكون عملُ الله، سواء في الخلق أو في الخلق الجديد، سواء في الدينونة أو في النعمة، فهذا العمل لا بدّ أن يصل إلى هدفه حسب إرادة الله. وهكذا تأكّد بولس أن الله الذي بدأ عملاً صالحًا لدى المؤمنين في فيلبي، سوف يتمّه في يوم يسوع المسيح (فل 1: 6). وشجّع تيموتاوس حين واجه سقوط هيمايس وفيليتس، لكي يتذكّر أن أساس الله متين وثابت ويحمل ختمه: ((الرب يعرف خاصته)) (2تم 2: 19). فما يكفل سرّ الاختبار الالهي هو أن المسيح لم يمت باطلاً، وأن هدف مجيئه إلى العالم قد تمّ بدون فشل. تلك كانت ثقة الرب المتجسّد حين أعلن: ((كل ما أعطاني الآب يأتي إليّ. ومن جاء إليّ لا يبعده عني)) (يو 6: 37). كما أكّد لتلاميذه أنه يعطي خاصته الحياة الابدية، فلا يهلك أحدٌ ولا يفقد من يده أحد (يو 10: 28). فكيف تستطيع الحياة التي يعطيها أن تكون أبديّة، إن كانت ستزول لسبب أو لآخر.
من الواضح أن الكاتب لا يتطلّع إلى إمكانيّة تقول إن عمل الله في حياة الذين يكتب إليهم يمكن أن تسقط أو أن تفشل، لأنه أعلن ثقته بهم، ولأن هذه الثقة تأسّست على أن كلمة الله لا تفشل وعمله القدير في وسطهم لا يمكن أن يكون بلا ثمر. كل ما يخافه هو أن يكون البعض الذين اعترفوا بايمانهم، ونعموا بالحياة المسيحية، والتزموا بالشهادة، يصيرون من المرائين ومن أعداء المسيح، فيميلون عن النور الذي عرفوه، ويدلّون على أنهم لم ينتموا يومًا إلى شعب الله.
((فإن الأرض إذا ما ارتوت من الأمطار المتوافرة عليها، وأخرجت نباتًا يصلح للذين يحرثونها، تنال البركات من الله. وأما إن أنبتت شوكًا وحسكًا فتُرذل، وتدانيها اللعنة، وعاقبتها الحريق)) (6: 7 - 8)
وجاء مثَل ُيسند تنبيه الكاتب. تنعم الأرض بالامطار، فتدلّ على غناها وخصبها، فتحمل ثمرًا ينعم به الآخرون. فإن أتمّت وظيفتها، باركها الله. و((النتاج)) الروحي هو تجلّ لعمل النعمة الالهيّة. فالله هو الذي يرسل مطر رحمته على الناس، ويهتمّ بكرمته (يو 5: 1)، ويعطي النموّ (1كور 3: 6 - 7). ولكن إن أنتجت الأرض بدل الثمار الخيّرة، الشوك والحسك، تأتي اللعنة عليها، فتكون بلا ثمر، وتنتظر دينونة الدمار بالنار. ذاك هو وضع الانسان الذي جاء إلى عالم بركة الانجيل بنعمة مجانيّة من الله القدير، واعترف علنيًا بايمانه بالمسيح المصلوب، وانضمّ إلى جماعة المفديّين، ومع ذلك أثمر شوكًا وحسكًا، أي عداوة ابن الله وسلوكًا لا يتوافق مع اعترافه، ذاك الانسان لا ينال البركة بل اللعنة، وتكون آخرته في نار الدينونة. في هذا قال اوريجانس (المبادئ 3/1: 10): ((إن كانت إرادة الانسان غير مهذّبة، إن كانت شرسة أو بربرية، تصبح قاسية بالمعجزات وعجائب الله، فتصبح أكثر وحشيّة وأكثر شوكًا من قبل، أو تصبح خاضعة فتسير نحو الطاعة إذا تخلّصت من الاثم وخضعت للتأديب)).
إن تقارب هذا المثَل مع خبر الخلق والسقطة، لم يغرب عن بال قرّاء الرسالة. فقد جاء أمر الله الخالق إلى الأرض: ((لتنبت الأرض نباتًا، عشبًا يبزر بزرًا)) (تك 1: 11). وجاء المطر على الأرض (تك 2: 5، 9). ولكن دخلت الخطيئة، فحلّت اللعنة: ((شوكًا وحسكًا تنبت لك)) (تك 3: 18) بعد أن لُعنت بسببك. وتذكّر القرّاء أيضًا مثل الكرمة في أش 5: 1ي. غُرست بعناية، ولكنها في النهاية صارت بورًا لا يُفلح ولا يزرع، فيطلع فيه الشوك والعوسج، ولن ينزل عليه مطر.
تشجّع الذهبيّ الفم بأنه لا يقال عن الأرض العقيمة أنها لُعنت الآن، بل هي قريبة من اللعنة. يمكن أن تُلعن في القريب. فهذا يتضمّن مهلة للتوبة وإصلاح الذات. ولكن التهديد يبقى معلنًا، والحريق يكون عاقبَة أرض تنبت شوكًا وحسكًا.
((إنّا، وإن كنا نتكلّم عنكم، أيها الأحبّاء، لا ننفكّ نعتقد أنكم في حال أفضل وأقرب إلى الخلاص، لأن الله ليس بظالم حتى ينسى عملكم الصالح، والمحبّة التي أبديتموها لأجل اسمه، إذ إنكم قد خدمتم القديسين، ولا تزالون تخدمونهم)) (6: 9 - 10)
رغم التنبيه السابق حول خطر الجحود الذي يهدّد المؤمنين، ما زال الكاتب يثق بأن الذين يكتب إليهم مؤسَّسون في الايمان. هذا لا يعني أن التنبيه لم يكن ضروريًا ولاواقعيًا. فكما رأينا في 5: 11ي، هم بعيدون من النضوج الروحي ويحتاجون العودة إلى التعليم الأولي. مثل هذه الحالة تدلّ على علة ومرض يمكن أن يقودا إلى الموت، وهكذا يكون الخطر مهدّدًا الجماعة ككل أو بعضًا من أعضائها، فيسقطون. فنور الكنيسة وإن اشتعل، يمكن أن يخبو، على ما نقرأ في رؤ 2 - 3.
ومع ذلك، فهناك ثقة بأن عمل النعمة حاضر في قلب الجماعة. فمع أن الخطر ظاهر، إلاّ أن الانجيل الذي بُشّر به، قد وصل إلى هدفه. فالحياة التي يعيشها هؤلاء المؤمنون قرّبتهم من الخلاص، لا من الجحود. لهذا، صاروا الاحبّاء، وصارت أعمالهم أعمال محبّة تجاه الاخوة في الايمان: جاهدوا، تحمّلوا التعيير... شاركوا السجناء في آلامهم (10: 23 - 33). هذا ما تعني عبارة ((خدموا القديسين)). وهم لم يفعلوا فقط في الماضي، بل ما زالوا يفعلون.
وهكذا حثّ الكاتب المسيحيين على أن يثمروا أعمالًا صالحة. فالشجرة الصالحة تُعرف من ثمارها. والثمار في حياتنا نحن مسؤولون عنها. غير أن مبدأ (أو جذور) الايمان زُرع فينا بنعمة الله، وهكذا يكون كل ثمر نتاج قدرة الله وصلاحه. هذا ما قاله بولس لاهل أفسس: ((الله الغني بالرحمة وبمحبّته الفائقة لنا، أحيانا مع المسيح بعدما كنّا أمواتًا بزلاتنا. فبنعمة الله نلتم الخلاص... نحن خليقة الله، خُلقنا في المسيح يسوع للأعمال الصالحة التي أعدّها الله لنا من قبل لنسلك فيها)) (2: 4 - 10). وقال أيضًا لأهل فيلبي (2: 21 - 31): ((إعملوا لخلاصكم بخوف ورعدة، لأن الله يعمل فيكم ليجعلكم راغبين وقادرين على إرضائه)). وقال لأهل كورنتوس: ((هو لم يعمل، بل نعمة الله عملت فيه)) (1 كور 15: 10). أما عب فترى في هذا العمل باسم المسيح، علامة تدلّ على أن الله يعمل فيهم. فهذه المحبّة التي ترضي الله هي في الوقت عينه تجلّ لحنانه.
((وإن ما نروم فقط أن يبدي كل واحد منكم هذا الاجتهاد بعينه، لكي يحفظ، حتى المنتهى، كمال رجائه، لئلاّ تصيروا متثاقلين، بل تقتدوا بالذين، بإيمانهم وطول أناتهم، يرثون المواعد)) (6: 11 - 12)
ويعلن الكاتبُ رغبته في أن يرى قرّاءه يتقدّمون في الحياة المسيحية. هو يتوق أن يرى كل واحد، على مثال الراعي تجاه خرافه، على مثال الأب تجاه أولاده. وهذا التقدّم لن يكون لفترة قصيرة، على مثال حبّة القمح التي جُعلت في أرض ترابها قليل: نبتت بسرعة ويبست بسرعة. بل يصل هذا التقدّمُ إلى المنتهى (مت 10: 22؛ مر 13: 13). وما يسند كل هذا هو الرجاء المؤسّس على قدرة الله، والذي هو دفع ديناميكي يقودنا إلى الهدف.
غير أن التكاسل والتهامل ما زالا يهدّدان هذه الجماعة. لهذا كان مثل الآباء، وأبطال الايمان في الماضي: نالوا المواعيد وآمنوا بها مع أنهم لم يروها تتمّ. فعبر إيمانهم بنعمة الله وجدّهم وطول أناتهم الذي جعلهم يشهدون لحيويّة رجائهم، دلّوا على أنهم ينتمون إلى جماعة الذين ورثوا المواعيد فصارت لهم. فرغم الضيق والمحن، آمنوا واحتملوا، وهم متأكدون أن رجاءهم بالبركة الآتية لا يخيب. هناك مثل ابراهيم، وهناك بشكل خاص مثل يسوع المسيح الذي هو بداية إيماننا ونهايته. فماذا ننتظر لنقتدي بالآباء، بل لنقتدي بالمسيح الذي سيأتي الكلام عنه بعد الكلام عن ابراهيم (6: 13ي).

خاتمة
بعد خطر القساوة والتحجّر (3: 7ي)، دلّ الكاتب على خطر التساهل والتكاسل وبطء الفهم، وكلا الخطرين يقودان إلى الموت. ما زال المؤمنون (أو بعضهم) أطفالاً يحتاجون إلى طعام الاطفال، ما زالوا في ((المرحلة الابتدائيّة)) ولم يصلوا إلى كمال المعرفة، كما لم ينضجوا بعد فاحتاجوا إلى أن يقول لهم بولس الرسول: ((لا تكونوا أطفالاً في تفكيركم)) (1كور 14: 20). فمن يبقى طفلاً، يدرك كالطفل، يفكر كالطفل، وهكذا تكون معرفته ناقصة (1كور 13: 9 - 11). لهذا، بدأ كاتب عب فهدّدهم تهديدًا سيستفيد منه ايرونيموس ليكلّم الشماس سابينيانس الذي غرّر بفتاة عذراء، ويحثّه على التوبة (رسالة 741). ثم سار في خطّ الانبياء، فأورد كلمة الرجاء: حياتهم أفضل، خلاصهم قريب. يبقى أن يعملوا له بخوف ورعدة.
الفصل الـخامس عشر

الوعد لابراهيم والوعد للمسيح
6: 13 - 20

وهكذا وصلنا إلى نهاية المطلع (5: 11 - 6: 20) وفيه تنبيه إلى المؤمنين لكي يتركوا التكاسل ويجتهدوا من أجل عمل خلاصهم. لهذا جاء المقطع الثاني (6: 13 - 20)، فعرض لنا شخص ابراهيم في ثلاث محطات: وعده الله وعدًا وأرفق وعده بقسَم (6: 13 - 15). وبعد كلام سريع عن القسم على المستوى البشري (آ 16)، عاد وطبّق ما قاله على قسم الله لابراهيم: أمانة ورسوخ على مثال مرساة تمسك السفينةَ فلا تترك الأمواج تتقاذفها.

1 - تفسير الآيات

أ - وعد لابراهيم وقسَم (6: 13 - 15)
بعد أن أسّس الكاتبُ الرجاء الذي هو ينبوع الصبر وطول الأناة، على مواعد الله بالدخول إلى الراحة (4: 1 - 10)، شجَّع قرّاءه على الثقة بأمانة الله وعلى الثبات في هذه الثقة. ما اكتفى الله بأن يعلن، بل أقسم، فهو لا يغشّنا. في هذا قال الذهبيّ الفم: ((ترى أن الله لا يدافع عن كرامته، فهدفه أن يقنع البشر. لهذا، يقبل الكلام عنه بعبارات غير جديرة به. فهو يريد أولاً أن يقنعنا)). وبما أن الأمثلة الحيّة تفعل أكثر ما تفعل لكي تقنع (آ 12)، رأت عب في وضع ابراهيم جدّ الوارثين (آ 12) والمهاجرين (آ 18) ونموذجهم، صدقَ رجاء يتأسّس على اعلان إلهي، وضرورة الصبر للحصول على تمامه.
أعلن الله أكثر من مرّة لابراهيم بأنه يباركه ويكثر نسله (تك 12: 2 ،3، 7؛ 13: 14، 17؛ 15: 5 - 7 ،13 - 16؛ 17: 4 - 8، 19). أما عب فاحتفظت بالوعد الأخير الذي أعطي بعد ذبيحة اسحاق (تك 22: 16 - 18)، التي هي عمل عظيم في حياة أبي الآباء (عب 11: 17). فهذا الوعد وحده، قد رافقه قسَم، وكانت تلك المرّة الأولى التي فيها أقسم الله منذ بدأ يكلّم البشر. هذا يعني الأهميّة التي يعلّقها على إعلان يهمّ البشريّة الآتية.
حين يقسم الانسان يجعل الله شاهدًا على صحّة ما يقول (إر 28: 14)، ولكن من هو أرفع من الله لكي يكفله؟ لهذا، تنازل الله من أجل البشر، وتكيّف مع عقليّتهم، وألزم نفسه بأكثر من وعد: أقسم بنفسه. قال فيلون: ((ترى أن الله لا يقسم بغيره، لأن لا أفضل منه، بل يُقسم بنفسه وهو يسمو على الجميع)) (الشرائع 3: 203). تساءل المعلّمون: كيف يستطيع الله أن يقسم بنفسه (شموت ربا على خر 31: 13؛ خر ربا 44)، فجاء شرح رابي اليعازر سنة 270 تقريبًا: ((كلّم موسى الله: يا سيّد الكون، إن كنت أقسمت بالسماء أو بالأرض، لكنت قلت: السماء والارض تزولان، وهكذا قسَمُك يزول. أما الآن وقد أقسمت باسمك العظيم (= بنفسك)، فبما أن اسمك العظيم حيّ وباق إلى الأبد، هكذا يظل قسَمك ثابتًا إلى الأبد)) (بركوت 32 أ).
في آ 14، جاء إعلان تك 22: 17 حسب السبعينية تقريبًا. نلاحظ المفعول المطلق من أجل التشديد. وهكذا جاء التعبير يلهم الثقة والطمأنينة، فردّده ابراهيم (تك 24: 7) وموسى (خر 13: 5، 11؛ 33: 13) وداود (1أخ 16: 16؛ مز 105: 9) وزكريا (لو 1: 73). إن هذا الوعد كان أساس رجاء بني اسرائيل، وقد تحقّق في يسوع المسيح وفي الكنيسة (غل 4: 21 - 23).
((وهكذا)) (هوتوس). رج آ 15. تدلّ هذه الأداة على ثقة ابراهيم الثابتة في قسم الله. فكما أن برّ الله يجازي أعمال المحبّة (آ 10)، فأمانته تكلّل الصبر وطول الأناة: مكروتيميساس (آ 12). هذا مع العلم أن كل أمل بنسل كان بعيدًا حين نال وعدًا بخصب بشريّ، فلا هذه المهلة الطويلة ولا المحن حدّت من رجائه وثباته، بل هي أتاحت له أن يرى تحقيق الوعد.
نقرأ هنا ((ابيتنخانو)) (12: 33): وجد، لقي ما طلب، أدرك الهدف (روم 11: 7؛ يع 4: 2). ثم: نجح، كان سعيدًا (ص ل ح، تك 39: 2). فتحقيق المواعيد السعيد هو ثمرة رغبة حارة. أما صيغة الاحتمال (نال) فتشير إلى ولادة اسحاق. ولكن حسب يو 8: 56 (رج غل 3: 8)، قد يكون نظر ابراهيم إلى مولد المخلّص، وإن لم يكن رآه بعينيه. هنا قال الذهبي الفم: نميّز بين وعدين: وعد يتحقّق في ولادة اسحاق، ووعد بأن هذا النسل سيكون أممًا عديدة. لن يشهد ابراهيم الوعد الثاني. أما قرّاء عب فيقدرون أن يلاحظوا أن بركة الله أعطيت لجميع البشر من كل أمّة وشعب.

ب - القسَم بين الناس (6: 16)
هي نتائج مذهلة. لهذا، وجب أن تحدد: ما هو القسم؟ وما هي فائدته؟ نلاحظ أولاً موقع ((هوركوس)) القسم، في آخر الآية. إن البشر قد يكذبون. لهذا، فهم يحتاجون حين يقسمون، إلى شاهد أعظم منهم: الله أو مسكنه، السماء، الهيكل، المذبح. وحين يكون خلاف (انتيلوغيا، 7: 7؛ 12: 3؛ يهو 11 ،نحن في جوّ القضاء، أم 18: 18)، فالسلطة المقدّسة تنهي كل خصام، فيأتي القسم يشكل كفالة لصدقنا.
((بابيوسيس)) تثبيت، تقوية (لا 25: 3؛ مك 6: 18؛ فل 1: 7). وفي النهاية، كفالة من البائع إلى الشاري (2: 2). يقابله، أتاتيسيس، أي كفالة بسيطة لا يمكن أن نركن لها، وقد يتراجع عنها الانسان. أما هنا، فلا استعادة ولا إلغاء ولا رجوع. وحين نقول إن الله أقسم بنفسه، نؤكّد صدقه التام وشرعيّة مواعيده.

ج - نتيجة قسم الله (6: 17 - 20)
النتيجة: تمسّكٌ وثيق بالرجاء. تأكيد بأن الله الذي فعل في الماضي، سيفعل اليوم وغدًا.
أولاً: أقسم الله فبرهن (آ 17 - 18)
((إن هو)) ليس موصولاً (فيه) يعود إلى ((هوركوس)) (قسَم) بل أداة تعني ((لذلك)) (= ديو، رج روم 8: 3). وهكذا يتمّ الرباط مع الجملة السابقة. بما أن هذا هو وضع القسم في العلاقات بين البشر، أراد الله أن يعاملنا بحسب ((عقليّتنا)). نلاحظ مرتين هذه الإرادة، بولومانوس (اسم الفاعل)، بولي (ارادة)، نقرأ ((إبيدايكنيمي)). دلّ بوضوح، برهن بعد أن اتّخذ قراره بملء إرادته. ونجد أفعل التفضيل ((باريسوتارون)) (2: 1؛ 13: 19). اتّخذ قراره ولن يتراجع عنه. وبعده ((أماتاتاتون)) (لا يرد إلاّ هنا في العهد القديم والعهد الجديد، رج 3 مك 7: 11 - 12): لا تراجع إطلاقًا. أما طريقة البرهان ففي الفعل ((ماسيتوو)) (لا يرد إلا هنا في البيبليا): كان في الوسط، توسّط، عمل عمل الحكَم. فكأني بالقسَم صار وسيطًا بين الله وابراهيم. ولكن حين قطع الله عهدًا مع ابراهيم، ومرّ بين (ع ب ر. ب ي ن) الحيوانات المذبوحة بشكل نار (تك 15: 17، 18)، كان أحدَ المتعاهدين وكان الكفيل في الوقت عينه. فكأني بالقسم حلّ محلّ الله، صار الكفيل، رج أي 17: 3؛ أش 38: 14 (يهوه عرابي، ع ر ب ن ي). أعطيت هذه الطمأنينة لابراهيم، وهي تعني في الواقع نسله، لهذا نجد صيغة الجمع (ورثة، كليرونومويس). هناك وعدٌ على المستوى البشري (اسحاق)، ووعد على المستوى الروحي (مز 110: 4).
وتأتي آ 18 لتختم هذا التحريض الطويل وتعطي السبب الذي لأجله أقسم الله: يعطي كفالة ثابتة ومطلقة لرجائنا. استعاد الشقّ الأول من الآية ما قيل في آ 16 - 17 حول القسم: الامران اللذان لا يتحوّلان (براغما، شيء، 10: 1؛ 11: 1؛ مت 18: 19؛ عمل، أع 5: 4؛ واقع، لو 1: 1؛ 1 كور 6: 1؛ 2كور 7: 11) هما الوعد والقسَم. فعلى كل انسان أن يحترم التزامه. أما الله (تيوس) فلا يستطيع أن ((يكذب))، لأنه عند ذاك يعارض طبيعته. هو ((ابسوديس)) (تي 1: 2 مع علاقة بالمواعد والرجاء): لا يكذب: ((ربُّ اسرائيل، جل جلاله، لا يكذب ولا يندم، فما هو بإنسان ليندم)) (1صم 15: 29؛ رج عد 23: 19؛ أش 46: 10 - 11؛ مز 33: 11؛ يع 1: 7).
فالمسيحيّ الذي يتنكّر للمسيح المخلّص ليعود إلى اليهوديّة، يخطئ خطأ كبيرًا. يعتبر أن الله كاذب وقد أخلف بوعده. ولكن المؤمنين الذين ارتكزوا على صدق الله، فيجدون العزاء في محنهم، والشجاعة في ثباتهم وغيرتهم. ((باراكليسيس)) (تشجيع) تقابل فكرة آ 10 - 12 (حتّى المنتهى). نحن هنا أمام قوّة من أجل القتال (إسخيروس، 11: 34؛ مت 21: 29؛ 1يو 2: 14) الروحيّ. فالايمان بصدق الكلمة (لوغوس) والقسم (هوركوس) الالهي، يجعل النفس بعيدة عن التراخي (آ 10)، عن السقوط والارتداد (6: 6) ساعة العاصفة.
مهما تأخّر تحقيقُ المواعد (رج حب 2: 3 - 4)، ومهما كانت الظواهر غير مشجّعة وداعية إلى اليأس، يرى المؤمنون في قسَم الله علامة على صدقه. رج 2تم 1: 21: ((أعرف على من اتكلت وبمن أثق)). نقرأ ((كاتافيغونتس))، اسم الفاعل، هرب، لجأ. رج ((بستوسانتس)) (4: 3، مؤمنون). المشاركون في الدعوة (3: 1). المخلّصون (أع 2: 47). المحروسون (فرورومانوي، 1بط 1: 5). نحن هنا أمام تسميات متعدّدة للمسيحيين. هم يهربون من الاضطهاد، يذهبون إلى المنفى (فيغالوس، 2تم 1: 15)، ويلجأون إلى مدينة هربًا من الاضطهاد (مت 10: 24وز). هذا الهرب (وهذا اللجوء) يقابل صورة المرساة (اسفالي) التي نقرأها في آ 19، ويعطي قوّة لفعل ((كراتيو)) (تمسّك، 4: 4). لم يبق لهؤلاء الهاربين سوى هذا الكنز. هو أمامهم (2كور 8: 12). هو هدف يتطلّعون إليه (بروكايماي). هو الرجاء الذي بدا كمدينة ملجأ نجد فيها الطمأنينة والسعادة.
ثانيًا: الرجاء مرساة (آ 19 - 20)
وتتطوّر الاستعارة وتتوضّح. لم يعد المسيحيون أشخاصًا هاربين، مضطَهدين، منفيين في هذا العالم، بل بحّارة تتقاذف الرياح سفينتهم (مز 107: 25 - 26) فيهدّدها الغرق (1تم 1: 19). غير أن ثقتهم بالوصول إلى المرفأ، وشجاعتهم في الصراع ضدّ القوى المعادية، لم تضعفا، لأن الرجاء مرساة أمينة راسخة في العالم اللا منظور: هي مرساة من نوع آخر، كما قال الذهبي الفم: يجعل البحّارة مرساتهم في أعماق البحر، أما المسيحيّ فيجعلها في أعلى السماء. نشير هنا إلى أن المرساة لم تُذكر في العهد القديم، وليس لها لفظ في العالم السامي (لا ننسى أن البحر هو عالم الشرّ والموت). لهذا، نقرأ في البسيطة هنا وفي أع 27: 29، 30، 40: أوقينا. أما في العالم اليوناني، فالمرساة ترمز إلى المتانة والثبات تجاه البحر المتقلقل. أما في المسيحية فرمزت إلى الرجاء المسيحيّ بقيامة الموتى. قال الذهبيّ الفم: ((بالرجاء نحن منذ الآن في السماء. قال: انتظروا، فالنجاح أكيد، والرجاء يجعلنا نمتلكه منذ الآن. وما قال: نحن في الداخل، بل: رجاؤنا دخل إلى الداخل، وهذا أصحّ وأكثر إقناعًا)).
ونصل إلى آ 20. توسّعت آ 13 - 19 بشكل عظة في تك 22: 16 - 17 وبلغة التوراة. مع آ 17، فهم القرّاء أنهم الورثة الحقيقيون للموعد. وجاءت آ 20 فأوجزت البرهان، بانتقالة لبقة، وأعطت الرجاء طبيعتَه الحقيقيّة: من ابراهيم إلى يسوع المسيح. فالمرساة هي المخلّص. يقول بولس: المسيح رجاؤنا (1تم 1: 1). وأيضًا: ((في الرجاء خلاصنا)) (روم 8: 24). كما تكون السفينة في أمان حين تلامس المرساةُ الصخر، كذلك المسيحيون حين يلامسون المسيح، يتعلّقون به، فيصبحون أقوياء وينجون من الخطر.
ولكن المسيح في عب ليس في داخلنا (كو 1: 17: المسيح فيكم رجاء المجد). إنه في السماء، وإليها دخل يوم الصعود (ايسيلتان، صيغة الاحتمال)، بطريقة سوف يشرحها (9: 12)، ليلعب دور المخلّص تجاهنا (7: 25)، وليهيِّئ لنا هناك موضعًا (يو 14: 2). ((برودروموس))، ركض أمامنا، سبقنا. اسم الفاعل في صيغة الاحتمال. يدلّ على التجسّد وذبيحة الصليب. فالمسيح دخل ككاهن إلى المعبد السماوي. كان الكاهن اللاوي يدخل وحده إلى قدس الأقداس من أجل (هيبار) شعب اسرائيل الذي لا يُسمح له بالدخول. كان يسوع السابق ونحن اللاحقين. هو يسبقنا. يعلن مجيئنا. قال الذهبيّ الفم: ((لم تكن المسافة كبيرة بين السابق والذين يتبعونه، وإلاّ لن يكون السابق. فالسابق وتابعوه هم بالضرورة على ذات الطريق: هو يبدأ المسيرة وهم يزحمونه)). هذا ما فعله يسوع المسيح الذي هو كاهن على رتبة ملكيصادق.

2 - قراءة إجماليّة
((فإن الله لما وعد ابراهيم، ولم يكن في الامكان أن يُقسم بما هو أعظم منه، أقسم بنفسه قائلاً: أباركك مباركة، وأكثرك تكثيرًا. وهكذا بطول الأناة نال الموعد)) (6: 13 - 15)
هناك أمثلة عديدة عن الايمان والصبر (طول الأناة) نقتدي بها. توقّفت عب عند شخص ابراهيم، بشكل خاص. فهو مميَّز في إيمانه بمواعد الله وانتظاره لأن تتمّ هذه المواعد. فإيمانه ولّد عنده رجاء ثابتًا. ومع أن تحقيق ما وعد به الله قد تأخّر، فهذا الرجاء حرّك ثباته مع أن المحنة طالت. في هذا، قال بولس: ((آمن ابراهيم راجيًا حيث لا رجاء)) (روم 4: 18). ومع أن الظواهر بدت معاكسة (هو شاخ، ورحم سارة مات)، إلاّ أنه ظل ثابتًا وما شكّ: ((قوّاه إيمانه فمجّد الله واثقًا بأن الله قادر على أن يفي بوعده)) (آ 20 - 21).
بالإضافة إلى ذلك، ثبّت الله وعده لابراهيم بقسَم. نستغرب حين نجد الله يُقسم. هو لا يحتاج إلى قسم، لأنه الحقّ المطلق (يو 17: 17). ولكنه أراد أن يتنازل إلى ضعفنا البشري. ما أقسم بشيء أو بشخص آخر، لئلاّ نعتبر هذا الشيء أو هذا الشخص أعظم منه، بل أقسم بنفسه. ثم كيف يُقسم بشيء محدود وسائر إلى الزوال، ساعة لا حدود لوعده في الزمان وفي المكان. أجل، كلمة الله لأنها كلمة الله، لا يمكن أن تسقط ولا تحتاج إلى قوّة. فقوّتها فيها، وصدقها يرافقها. وكما وعد الله ابراهيم، أعطاه طمأنينة فوق طمأنينة. كل هذا من أجل الانسان، لا من أجل الله.
دلّ ابراهيم على إيمانه، وعلى ثقته بمواعد الله، فسار إلى حيث دعاه. ولكن قمة الطاعة كانت حين مضى يقدّم ابنه اسحاق. ثبت في المحنة فانتصر إيمانُه، فاستعاد ابنه الذي بدا وكأنه قام من بين الاموات (11: 19، هو رمز يسوع).
((إن الناس يقسمون بمن هو أعظم منهم، وينقضي كل خصام بينهم بالقسم لضمانة أقوالهم. لذلك، لما شاء الله أن يزيد ورثة الموعد بيانًا لعدم تحوّل عزمه، توسّط بالقسم، حتّى نحصل بميثاقين لا يتحوّلان، ولا يمكن أن يُخلف الله فيهما، على دافع قوي، نحن الذين وجدوا ملجأ، إلى التمسّك الوثيق بالرجاء الموضوع أمامنا)) (6: 16 - 18)
اعتاد الناس أن لا يثقوا بعضهم ببعض، لهذا صار استعمال القسم ممارسة عادية ندلّ به على أن قولاً (أو وعدًا) ثابت، وهو يقيّدنا بحيث لا نتراجع عنه. أجل، خسرت الكلمات قوّتها فربطناها بالله. وإذا كان خصام، فهو ينتهي بالقسم، وهذا ما يكفل حسن النوايا. حين نُقسم بالله ((الذي لا يكذب)) (تي 1: 2)، أو حين ندعو الله ليشهد على أن ما نقوله هو الحقيقة، وما نعمله هو الصلاح، نفعل أعظم ما يستطيع أنسان أن يفعله. ولكن حين يتكلّم الله، فلا أعظم منه يقسم به. وحين وعد ابراهيم، أضاف القسم، لا لأن كلامه احتاج إلى سند، بل لأن الناس قليلي الثقة، فأعطى الرب تأكيدين، لا تأكيدًا واحدًا: وعد وأقسم. جعل نفسه وسيطًا من خلال وعده، ومن خلال قسمه. وهكذا كان لابراهيم ميثاقان (عهدان) لا يتحوّلان، لأن الله لا يتحوّل ولا يتبدّل. وهذا الوعد الذي ناله ابراهيم، وصل إلى اسحاق، ثم إلى أهل الايمان، حتّى اليوم، مع المسيح الذي تمّ فيه كل شيء. فجميع الذين اتحدوا بالمسيح هم وارثو عهد ابراهيم. نقرأ في غل 3: 29: ((إن كنتم للمسيح، فأنتم نسل ابراهيم، وورثة بحسب الموعد)).
يتحدّث الكاتب عن ملجأ يهرب إليه. وفي 13: 14، يقول إنه ليس لنا هنا مدينة ثابتة، بل ننتظر الآتية. أترى نحن في فترة اضطهاد أجبر فيها عدد من المؤمنين على الذهاب إلى المنفى؟ هذا ما قاله بعض الشرّاح. ويبقى في أي حال أن المؤمن يبقى غريبًا وفي حجّ إلى المدينة السماوية. فالرجاء هو أمامنا. في النهاية، سنكون مع المسيح ومثل المسيح (يو 14: 3؛ 1يو 3: 2). فرجاؤنا سيكون فرح الشهادة ومشاركة في المجد الابديّ (يو 17: 24)، وخبرة لا تفنى هي خبرتنا في المسيح (1كور 2: 9؛ 1بط 1: 3ي).
((إن لنا فيه شبه مرساة للنفس، أمينة وراسخة، تنفذ إلى ما وراء الحجاب، إلى حيث دخل يسوع لأجلنا كسابق، وصار حبرًا إلى الأبد، على رتبة ملكيصادق)) (6: 19 - 20)
إن الرجاء المسيحيّ المركّز على المسيح، بعيد كل البعد عن عاطفة عابرة في عالم زائل. هو ثابت راسخ مثل مرساة. تلك هي طمأنينة الانسان الذي يرتاح رجاؤه في المسيح. إن المرساة في حياة الانسان قد لا تعطيه كل طمأنينة، ولا تعفيه من هجمات الرياح. أما مرساة المسيحي فلا تخطئ: هي أمينة، راسخة. هناك تعارض كبير بين الذين هربوا باحثين عن ملجأ (آ 18) والذين جعلوا ثقتهم في المسيح فوجدوا فيه الفرح.
إن ((ما وراء الحجاب)) حيث تدخل مرساة الرجاء المسيحي، تعود بنا إلى قدس الاقداس في الهيكل. هو موضع معبد الله وحضوره الذي لا يدخله إلا عظيم الكهنة، مرّة واحدة في السنة. ولكن الآن، وبعد التكفير الذي أتمّه يسوع، صار الدخول إلى المعبد السماوي، مركز حضور الله الابدي، الذي كان الحجاب الأرضي ظلاً له ورمزًا (8: 5؛ 9: 11 - 20، 23 - 24)، صار مفتوحًا لجميع الذين بالايمان جعلوا رجاءهم فيه. فدخول المسيح الصاعد إلى المعبد السماويّ، يعني دخول رجائنا إلى خدر الله بالذات، لأن المسيح هو رجاؤنا.
يتعلّق الرجاء المسيحيّ بما حقّقه يسوع حين سبقنا إلى المعبد السماوي. فمع أنه مضى قبلنا، إلاّ أنه لم يتركنا. راح أمامنا لكي يهيّئ لنا الطريق نحن السائرين وراءه. في هذا المجال، بدا كهنوت المسيح مختلفًا كل الاختلاف عن الكهنوت القديم. فالكهنوت الهاروني لم يكن السابق: هو لم يفتح الطريق للشعب لكي يتبعه إلى قدس الاقداس، بل دخل فيه وحده. أما يسوع ففتح الطريق للذين استُبعدوا. فصار لهم به دخولٌ إلى حضرة الله، وتشجّعوا لأن يقتربوا بثقة من المعبد السماوي. وأساس هذه الثقة هو أن يسوع صار حبرًا على رتبة ملكيصادق.

خاتمة
كيف بدت الحياة الروحيّة في عب؟ عيش الفضائل الالهيّة الثلاث، وخضوع للضمير الذي يجب أن يبلغ إلى الكمال. فالله يدعو إلى الخلاص ويعطي النعمة لكل واحد بوفرة. فعلى كل واحد أن يحمل ثمرًا. أما الخطر فهو انحطاط الحياة المسيحية في عمى متعمّد وتكاسل يمنعنا من فهم واقع الايمان. أما المثال الذي جعله الكاتب أمامنا فهو ابراهيم: وعد الله وأقسم له، فكان جوابه جواب الرجاء. تعلّق بالرب كمرساة رغم الصعوبات والمحن التي انتابته. ولكن ابراهيم يبقى صورة، هو ونسله، بالنسبة إلى المسيح. فأمام رئيس كهنة يدخل وحده إلى ما وراء الحجاب، مرّة واحدة في السنة، كان يسوع رئيس الكهنة الحقيقيّ الذي دخل أمامنا كالسابق، ثم جاء فأخذنا إلى المعبد السماوي. وها نحن نسير وراءه حاملين عارنا، لأن ليس لنا هنا مدينة ثابتة. نسير وراءه، وهو عظيم كهنتنا، عالمين أن ذاك الذي كان لنا وسيطًا على الأرض، وكاهنًا على رتبة ملكيصادق، سيجعل منا جيلاً مختارًا وكهنوتًا ملوكيًا وأمّة مقدسة.
الفصل السادس عشر
كاهن على رتبة ملكيصادق
7: 1 - 28

في القسم الثالث (5: 11 - 10: 39) من عب، كان توسّع في المطلع (5: 11 - 6: 20) الذي انتهى بكلام على الوعدين، وإعلان لموضوع هذا الاتجاه الاول (7: 1 - 28): كاهن على رتبة ملكيصادق. يتألّف هذا الاتجاه من مقطعين: يتحدّث الأول (7: 1 - 10) عن ملكيصادق، والثاني (آ 7 - 28) عن الكهنوت اللاوي وكهنوت يسوع.
يبدأ الكاتب فيقدّم لنا في جملة طويلة ملكيصادق وألقابه المجيدة. ينفتح المقطع الأول (7: 1 - 10) وينغلق على اسم ملكيصادق مع الإشارة إلى لقائه بإبراهيم. نقرأ في 7: 1: ((ملكيصادق هذا، ملك شليم، وكاهن الله العلي، الذي خرج للقاء إبراهيم)). نجد صدى لهذا في 7: 10 فيتكوّن تضمين: ((أدّى العشور في إبراهيم، لأنه كان بعدُ في صلْب أبيه حين لاقاه ملكيصادق)).
والمقطع الثاني يبدأ بلفظة الكمال (تالايوسيس) وينتهي باسم الفاعل ((كامل)) (تالايومانون). نقرأ 7: 11: ((لو كان الكمال بالكهنوت اللاوي)). ثم 7: 28: ((أما كلمة القسم فتقيم الابن كاملاً إلى الأبد)). فالعلاقة واضحة بين آ 11 و آ 28 لأننا في جوّ مقابلة بين كهنوتين: الكهنوت اللاوي، والحبر القدوس، الابن، الذي لا عيب فيه.

1 - المقطع الأول (7: 1 - 10): ملكيصادق وكهنوته حسب تك 14
يذكّرنا المقطع الأول بما قيل في سفر التكوين عن ملكيصادق، ويفسّره لنا. وقد قسم الكاتب نصّه قسمتين (7: 1 - 3؛ 7: 4 - 10). وإليك القسمة الأولى: 
7: 1 فملكيصادق هذا، ملك شليم، وكاهن الله العليّ،
الذي خرج للقاء ابراهيم عند رجوعه من كسر الملوك، وباركه
7: 2 وإليه أدّى ابراهيم العشر من كل شيء.
وتفسير اسمه أولاً ملك البرّ
ثم ملك شليم، أي ملك السلام.
7: 3 وليس له أب ولا أم ولا نسب،
وليس له بداءة أيام ولا نهاية حياة.
هو المشبّه بابن الله
يقوم كاهنًا إلى الأبد.
نستطيع أن نرى في لفظة كاهن (آ 1 ،3) تضمينًا، يدلّ على حدود القسمة التي تبدو في ترتيب بسيط: أولاً، معطيات سفر التكوين. ثم شرح (لا جميع المعطيات) ألقاب ملكيصادق كما وردت. وبين شرح لفظة شليم ولقب كاهن، أقحم الكاتب تفسير أمور لم تذكرها التوراة: إن إلغاء كل إشارة إلى عمر ملكيصادق وإلى قرابته، تجعله خارج الزمن. إن هذه المشاركة في الابديّة جعلت منه صورة عن ابن الله، وأشارت إلى وجهة من كهنوته: يبقى كاهنًا إلى الأبد. هي نقطة هامة سيعود إليها الكاتب في كل من المراحل التالية (7: 8؛ 7: 15 - 17؛ 7: 23 - 25).
وترتبط القسمة الثانية (7: 4 - 10) بالقسمة الأولى بفضل ((هوتوس)) الذي يعود إلى فاعل فعل ((قام)) (7: 3). حاولت أن تكمّل تفسيرَ النصّ، فتوقّفت لا عند ألقاب ملكيصادق، بل عند وقائع وأفعال جديرة بالاعتبار. أما الترتيب الذي أخذ به الكاتب فيعاكس ترتيب 7: 1 - 2. ذُكر العشر في الأخير (7: 2)، فظهر أولاً (7: 4) وقدّم لحمة البرهان (7: 5 ،6 ،8 ،9). وذُكر اللقاء في 7: 1، وسوف يُذكر في 7: 10 كمحطة زمنيّة. أما فعل لاقى فقد استُعمل في تضمين بين 7: 1 و7: 10، فشكّل إطار التوسّع. وتبقى البركة التي احتلّت هنا وهناك المركز الرئيسيّ (7: 1ب؛ 7: 6ب - 7).
7: 4 فانظروا ما أعظم شأن
الذي أدّى اليه ابراهيم عشرًا
من خيار الغنائم، رئيس الآباء.
7: 5 فالذين يقلَّدون الكهنوت من بني لاوي
لهم وصيّة من قبل الناموس بأن يتقاضوا العشور من الشعب،
أي من إخوتهم، مع أنهم خرجوا من صلب ابراهيم.
7: 6 وذاك الذي ليس له نسب في ما بينهم
قد أخذ العشر من ابراهيم
...
وبارك الذي له المواعد
7: 7 وممّا لا خلاف فيه
أن الأدنى يأخذ البركة من الأعلى.
7: 8 فههنا أناس يموتون،
يأخذون العشور،
أما هنالك فمن يُشهد له بأنه يحيا.
7: 9 وإن سانح القول: بابراهيم، لاوي نفسه الذي يأخذ العشور
قد أدّى العشور
7: 10 لأنه كان بعدُ في صلب أبيه،
حين لاقاه ملكيصادق.
بداية هذه القسمة ونهايتها تتقابلان تقابلاً تامًا: ((ما أعظم شأن)) (7: 2) يحدّد ((ملكيصادق)) (7: 10). ثم إن 7: 9 يتكلّم، شأنه شأن 7: 4 ،عن العشر وعن ابراهيم. إن الجملة الأولى (7: 4) تعلن الموضوع: عظمة ملكيصادق نستخلصها من تسلّمه العشر من ابراهيم. ويقوى توسّع هذا الموضوع في جملتين تأتيان في بنية مشابهة: 
1 - 7: 5 - 6: وإن الذين (كاي هوي مان)... وذاك (هو/دي).
2 - 7: 8: فههنا (كاي هودي مان)... أما هنالك (إكاي دي).
تشدّد هاتان الجملتان على الاختلاف بين تقبّل اللاويين للعشر، وتقبّل ملكيصادق. في 7: 6 ((ليس له نسب في ما بينهم)) تقابل ((ولا نسب)) في 7: 3. بعد أن لاحظ الكاتب أن العشر اللاوي يفترض علاقات على مستوى العرق، وأهمل المساواة الأساسيّة بين الذين يأخذون العشور والذين يؤدّون العشور، لاحظ في وضع ملكيصادق، أن لا رباط على مستوى العرق. ومع ذلك أخضع ملكيصادق أبا الشعب العبراني للعشر. في 7: 8 هي وجهة إيجابيّة لاعتبارات 7: 3، تستعمل: لسنا أمام غياب رباطات النسب، بل أمام تأكيد على الابديّة. حسب 7: 3 ،ملكيصادق، لا نهاية حياة. فيستنتج الكاتب من هنا في 7: 8 ،اختلافًا آخر بين ملكيصادق واللاويين الذين يأخذون العشور: هم أناس مائتون، أما ملكيصادق فيُشهد له بأنه يحيا.
وبين هاتين الجملتين حول العشر، أقحم الكاتب ذكر البركة، فضمّها ضمًا وثيقًا إلى الجملة الأولى. استعمل البركة التي أعطاها ملكيصادق لإبراهيم، ليدلّ أن بين ملكيصادق واللاويين، ليس هناك فرق بسيط، بل تفوّق، لأن الأدنى يأخذ البركة من الأعلى. وهذا التأكيد للتفوّق الذي جُعل في قلب القسمة، يشرف على المجموعة ويلقي بضوئه عليها: أخذ الكاتب بمثل هذا الترتيب لكي ينال هذه النتيجة.
ما قيل بشكل مباشر في 7: 7 هو تفوّق ملكيصادق على إبراهيم. ولكن من الواضح في نظر الكاتب أن هذه الجملة تبدو وصلة تدلّ على تفوّق على الكهنوت اللاويّ. هنا لا ننسى أن الجملتين اللتين تحيطان بهذه الآية (7: 7) تقابلان بين الكهنة اللاويين وبين ملكيصادق.
أما آ 9 - 10 اللتين تختمان المقطع، فتُثبتان هذا التفسير إثباتًا واضحًا وحاسمًا. فهما تدلاّن على أن الاكرام الذي أدّاه ابراهيم لملكيصادق، ألزم بالضرورة لاوي نفسه. فهناك تضامن وثيق بين لاوي وجدّه. ففي شخص ابراهيم، انحنى لاوي أمام ملكيصادق. ولكن لم ينحصر وضعه كأدنى في نتيجة نظريّة، بل ظهر في خضوع واقعيّ. إلى هنا أراد الكاتب أن يصل حين دعانا لكي نتأمل عظمة ملكيصادق الذي أخضع ابراهيم للجزية (7: 4).

2 - المقطع الثاني (7: 11 - 28): رتبة هارون ورتبة ملكيصادق حسب مز 101
اسم لاوي (7: 9) هو الذي أتاح الانتقال من المقطع الأول إلى المقطع الثاني: استعاده في آ 11 حين حدّثنا عن الكهنوت اللاوي. أما النصّ الكتابيّ الذي يستند إليه الكاتب، فليس تك 14،بل قول مز 110. تبدّل طفيف. فالآيات السابقة التي شرحت تك 14، هيّأت في الواقع شرح المزمور، لهذا جاءت كلمات المزمور بشكل يدلّ على هدف الكاتب: 
7: 11 على رتبة ملكيصادق
7: 15 على شبه ملكيصادق
7: 17 أنت كاهن إلى الأبد على رتبة ملكيصادق
7: 21 أقسم الرب ولن يندم
أنت كاهن إلى الأبد
7: 24 إلى الأبد
7: 28 إلى الأبد
إذا ألقينا نظرة سريعة إلى هذه اللوحة، نجد أن المقطع ينقسم قسمتين (آ 17، 21). لهذا، كان تضمينان. واحد في آ 11 و19 (الناموس، الكمال)، وآخر في آ 20 و28 (كلمة القسم). ونقرأ النص: 
7: 11 ومن ثمّ، لو كان الكمال بالكهنوت اللاويّ
وعليه يقوم الناموس الذي أعطي للشعب،
إذن، أية حاجة بعد أن، على رتبة ملكيصادق،
يقوم كاهن آخر
ولا يقال على رتبة هارون؟
7: 12 إن تحوّل الكهنوت
يجرّ حتمًا تحوّل الناموس
7: 13 لأن الذي تقال فيه هذه الأقوال،
هو من سبط آخر
لم يلازم أحد منه المذبح.
7: 14 وإنه لواضح أن من يهوذا اشرق
ربنا،
من السبط الذي لم يصفه قط موسى بشيء من الكهنوت.
7: 15 وممّا يزيد الأمر بيانًا
أن على شبه ملكيصادق
كاهن آخر يقوم
7: 16 لم يُنصَّب بحسب ناموس وصيّة بشريّة،
بل بقوّة حياة لا تزول
7: 17 لأن قد شُهد له: 
انت كاهن إلى الأبد على رتبة ملكيصادق.
7: 18 فقد أُبطلت الوصيّة السابقة
لضعفها وعدم نفعها
7: 19 لأن الناموس لم يبلُغ بشيء إلى الكمال
وإنما كانت (= الوصيّة) مدخلاً لرجاء أفضل،
به نقترب إلى الله.
نلاحظ شيئًا غريبًا في هذا النص: استعمال ((غار)) الفاء، سبع مرات في هذه الآيات التسع. وهناك من ترجم آ 18: وهكذا أبطلت. لماذا فعل الكاتب ما فعل؟ هناك أولاً رمزيّة العدد سبعة. ثم إننا نلاحظ حول آ 14 (يُذكر فيها اسم ربنا) توازيًا تامًا: 
- آ 13: لأن الذي تقال فيه هذه الأقوال...
آ 17: لأن قد شُهد له...
- آ 12: تحولّ الكهنوت... تحوّل الناموس
آ 18: أُبطلت الوصيّة
- آ 11: الناموس الذي أعطي للشعب (هي معترضة)
آ 19: الناموس لم يبلغ بشيء إلى الكمال (هي معترضة).
ومهما يكن من أمر ((غار))، نلاحظ تقابل بداية القسمة مع نهايتها. لسنا فقط أمام تضمين على مستوى الألفاظ، بل أمام قرابة في الموضوع.
- يلاحظ 7: 12 أن تحوّلاً في الكهنوت يجتذب تحوّلاً في الناموس. و7: 18 - 19 يضمّ في منظور واحد من الالغاء، تحديد الكهنوت والناموس كله.
- يفهمنا 7: 11 أن ما يجتذب التحوّل في الكهنوت (الذي هو أساس الشريعة) هو اللا حاجة (اللافاعليّة). وتحدّث 7: 19 في الخطّ عينه وأوضح. وهكذا تأكّد فشل الناموس بدون مواربة، وقُدّمت إمكانية كمال أخرى: الرجاء الأفضل الذي به نقترب من الله. وهكذا تظهر الوحدة الداخليّة في هذه القسمة.
غير أننا نلاحظ في هذه الوحدة مقطوعتين صغيرتين: 7: 11 - 14؛ 7: 15 - 19، يجمعهما استعمال لفظتين متشابهتين (بروديلون، واضح، كاتاديلون، واضح) نجدهما في آ 14 وآ 15. والفاعل هنا وهناك واحد: ((يقوم كاهنٌ آخر على رتبة ملكيصادق)) (7: 11). ((يقوم كاهن آخر على شبه ملكيصادق)) (7: 15).
وهكذا يحمل المقطع الثاني إلى المقطع الأول برهانه: حين نلاحظ شبَه المسيح بملكيصادق، نفهم أنه كان عبور من رتبة إلى رتبة. وهذا الشَبه يشير إلى الصفة كما في 7: 3: دوام الكهنوت. وبالنسبة إلى المسيح، ما يذكّر بهذا الدوام هو قول المزمور.
تنقسم المقطوعة (7: 11 - 14) شقّين على مستوى المضمون كما على مستوى الشكل الخارجي: إن آ 11 - 12 تشيران في استفهام إلى العبور من رتبة هارون إلى رتبة ملكيصادق، فتضعان المبادئ: اللاحاجة (أو اللانفع) تبرّر التحوّل. وفي هذه الحالة، كان الكهنوت والناموس متضامنين (ما يصيب الواحد يصيب الآخر)، وعلى المستوى الأدبي نلاحظ التوازي المتداور: 
أ - الكهنوت اللاوي... أعطي الناموس
ب - رتبة ملكيصادق
ج - كاهن آخر
ب ب - لا رتبة هارون
أ أ - تحوّل الكهنوت، تحوّل الناموس.
أما آ 13 - 14 فتأخذان بترتيب متواز وتلاحظان واقعًا: هو أن القول ينطبق على عضو من سبط (قبيلة) لاكهنوتي. إذن، التحوّل الذي أشير إليه هو واقع وحقيقة. ويتكوّن الترتيب الموازي كما يلي: إن 7: 14أ الذي يذكر بوضوح ((ربنا)) ((يهوذا))، يوضح 7: 13أ: ((لأن الذي تقال فيه هذه الأقوال هو من سبط آخر)). والعبارة في 7: 13ب (سبط لم يلازم أحد منه المذبح) تعود في 7: 14ب: ((اودايس)) يقابل ((اودان)) (أحد) و((هيكل)) يقابل ((كهنة)).
ونجد أيضًا ترتيبًا متوازيًا في مقطوعة 7: 15 - 19. إن آ 17 تقابل آ 15؛ آ 16 أ تقابل 18 - 19أ؛ آ 16ب تقابل آ 19ب. والفرضيّة التي قدِّمت في آ 15 (يقوم كاهن آخر على شبه ملكيصادق) تجد حقيقتها في آ 17 (شُهد له: أنت كاهن إلى الأبد على رتبة ملكيصادق). وهكذا نفهم أن سياق الشبه (آ 15) يعني ((الأبد)) (آ 17). وآ 16أ (لم ينصّب بحسب ناموس وصيّة بشريّة) تجد كمالها في آ 18 - 19أ حيث تعود ((وصية، ناموس)) وحيث يتوضّح معنى ((بشرية)) بـ ((ضعف وعدم نفع)). وأخيرًا، إذ تعود آ 19ب إلى آ 16ب (بقوّة حياة لا تزول) تعلن ((مدخلاً لرجاء أفضل به نقترب إلى الله)).
وبمختصر القول نقدّم عن هذه المقطوعة الرسمة التالية: 
أ - شبَه مع ملكيصادق
ب - لا وصيّة جسديّة
ج - بل حياة لا تزول
أ أ - القول يشهد على الشبَه
ب ب - أبطلت الوصيّة لعدم نفعها
ج ج - مدخل لرجاء أفضل.
وهكذا ترتبط مقطوعة بمقطوعة برباطات متشعّبة: إن آ 15 (بداية المقطوعة) تقترب أولاً من آ 14 (نهاية المقطوعة السابقة) بـ ((اليقين))، كما تقترب من البداية (آ 11) بالشرطية (لو كان الكمال) وبعبارة طويلة: ((يقدَّم كاهن آخر على رتبة ملكيصادق)). في الواقع، تمتلك المقطوعتان بنية واحدة مؤلّفة من شقين: شق نظري (7: 11 - 12؛ 7: 15 - 16) حيث يتكلّم الكاتب في إطار فرضيّ ويقدّم مبادئ عامة. ثم، ملاحظات واقعيّة (7: 13 - 14؛ 7: 17 - 19) ينتج منها جواب ثابت حسب المبادئ المعطاة. وبطريقة أوضح، نلاحظ في المقطوعة الثانية أن الواقع أوضح: أكّدت جملة آ 13 - 14 أصل ربنا اللاكهنوتي، فما اهتمَّت بأن تستخلص شيئًا من هذه المعطية، بل استعادت الشق النظري من البداية (7: 11 - 21). واستعادت جملة آ 17 - 19 في الوقت عينه، القسمين النظريين وأكّدت أنهما تحقّقا في الواقع: هناك شَبه (آ 17؛ رج آ 15)، وهناك تحوّل (آ 18 - 19؛ رج آ 16)، وهناك الغاء لعدم النفع (آ 18 - 19؛ رج 11 - 12). وهكذا نستطيع بحقّ أن نرى في آ 18 - 19 خاتمة المجموعة. هذا ما قلناه منذ البداية.
أما الكلمات الأخيرة (آ 18 - 19) فتشكّل في الوقت عينه انتقالة: هي تعلن القسمة الثانية (7: 20 - 28). فـ ((الرجاء الافضل)) (7: 19) ينعكس في ((عهد أفضل)). وعبارة ((نقترب إلى الله)) (7: 19) تنعكس في ((به يتقرّبون إلى الله)) (7: 25). فاختلاف المنظور الذي يميّز هذين القسمتين (7: 11 - 19؛ 7: 20 - 28) يظهر خصوصًا في طريقة استعمال المزمور. فالقسمة الاولى استعادت دومًا اسم ملكيصادق وعارضته بهارون: الفكرة المشرفة هي تحوّل في الرتبة سبّبها نقصٌ في الكهنوت اللاوي. والقسمة الثانية لا تتكلم أبدًا عن ملكيصادق، بل تستعيد، في الاستشهاد الكتابي، ذكرَ القسَم وتأكيدَ الأبد. فالموضوع الذي تشدّد عليه هو تفوّق الكهنوت الجديد.
وإليك النص: 
7: 20 ولا سيّما وأن هذا لم يكن بغير قسَم.
إن أولئك بغير قسم
صاروا كهنة
7: 21 أما هو فبقسم
ممّن قال له: 
أقسم الرب ولن يندم
أنت كاهن إلى الأبد.
7: 22 ومن ثمّ، فإن يسوع صار ضمانة لعهد أفضل.
7: 23 ثم إن أولئك كانوا كهنة كثيرين
لأن الموت كان يحول دون بقائهم
7: 24 أما هو، فملكوته يبقى إلى الأبد،
له كهنوت لا ينتقل (لا يتجاوزه أحد).
7: 25 ومن ثمّ فهو قادر أن يخلّص تمامًا
الذين به يتقرّبون إلى الله.
إذ إنه على الدوام حيّ يشفع فيهم.
7: 26 فذلك هو الحبر الذي يلائمنا
قدوس، زكي، بلا عيب،
تنزّه عن الخطأة وصار أعلى من السماوات
لا حاجة له كل يوم، مثل الاحبار.
7: 27 أولاً عن خطاياه الخاصة
يقرّب ذبائح
ثم عن خطايا الشعب،
لأنه فعل ذلك دفعة واحدة
حين قرّب نفسه.
7: 28 فالناموس إذن يقيم أحبارًا، أناسًا ضعفاء
أما كلمة القسم التي عقبت الناموس فتقيم الابن كاملاً إلى الأبد.
نميّز هنا ثلاث مقطوعات صغيرة: آ 20 - 22؛ 23 - 25؛ 26 - 28. وخاتمة المقطوعتين الاولين تتضمنان التذكيرين بالخاتمة الانتقالة (7: 19ب). فالمقطوعة قريبة جدًا من الأخرى. وقد بُنيتا كلاهما على تعارض بين ((أولئك)) و((هو)). أما المقطوعة الأخيرة (آ 26 - 28) فتختلف كل الاختلاف: إنها تشكّل خاتمة الاتجاه كله (7: 1 - 28).
في آ 20 - 22، يقع التعارض بين أولئك وهو، في جملة يتقابل قسماها: كما أن هذا لم يكن (آ 20)، كذلك عهد أفضل (آ 22). وتفوّقُ كهنوت يسوع يتأسّس هنا على طريقة اعلانه: بقسَم إلهي. لا يتوسّع الكاتب في هذا البرهان، بعد أن جعل اركانه في 6: 31 - 21. والبرهان الثاني الذي تُبرزه آ 23 - 25 هو أبديّة الكهنوت. استُعمل هذا البرهان في 7: 15 - 17 حيث شدّد الكاتب على شبَه مع ملكيصادق (7: 8 و7: 3) واختلاف مع هارون. فإن هو استعاد هنا المعطيات عينها، فهو لم يذكر ملكيصادق ليستنتج تفوّق المسيح الذي كهنوته فريد ونهائي، وبالتالي ينفع كل النفع. ونلاحظ أن استشهاد المزمور يقع في المقطوعتين، وأن اسم يسوع برز بعد أن جُعل في نهاية المقطوعة الأولى، اذن في وسط هذه المجموعة الصغيرة (7: 20 - 25) كما جُعل اسم ((ربنا)) في وسط 7: 11 - 19.
واهتمّ الكاتب اهتمامًا خاصًا بالخاتمة. فلفظة ((حبر)) التي حلّ محلّها ((كاهن))، أمانة حرفيّة لنصوص العهد القديم حول ملكيصادق، دخلت هنا دخولاً احتفاليًا: ((فذلك هو الحبر الذي كان يلائمنا)). أما سلسلة الصفات وأسماء الفاعل التي تصفه، فتشكّل أمرًا جديدًا. فهي تتوافق كل التوافق مع فكرة الآيات السابقة التي شدّدت على تفوّق المسيح. والتعارض الواضح في آ 27 - 28 بين الكهنوتين، يتابع هو أيضًا (وهو أيضًا بشكل مختلف) التعارض بين أولئك وهو كما في آ 20 - 25. ثم نجد في 7: 28 استعادة حرفية لهذه الآيات: عاد طلب القسم إلى 7: 20 - 22 ، وعبارة إلى الأبد، إلى 7: 23 - 25. غير أن الكاتب لا ينسى القسم الأول من مقطوعته (7: 11 - 19). فالكلمة الأخيرة ((تالايومانون)) (كامل) هي تضمين مع ((تالايوسيس)) (كمال) في 7: 11. ثم إن القول في 7: 25 (ذلك هو الحبر الذي يلائمنا) جاء يعطي جوابًا لسؤال 7: 11: ((أية حاجة بعد أن يقام كاهن آخر على رتبة ملكيصادق))؟ وإلى هذه الآيات 11 - 19 يجب أن نعود أيضًا لنتحدّث عن وجود ((الناموس)) في 7: 28 (مرتين، رج 7: 11 ،19). ثم إن آ 28 هذه ترتبط برباطات واضحة مع كل نهاية القسمة المذكورة (7: 18 - 19): بنية متعارضة واحدة، مواضيع واحدة (الناموس، الضعف، كمال). وحدها اللهجة اختلفت: عبّرت آ 18 بوضوح عن الوجهة السلبيّة (إعطاء الترتيب القديم)، وجاءت آ 28 (التي استعملت آ 20 - 25) أكثر دقّة حول الوجهة الايجابيّة (قسَم، الأبد).
خلال المقطع الأول (7: 1 - 10)، لا خلال المقطع الثاني (7: 11 - 28)، تهيّأ استعمال لقب ((الابن)) في 7: 28: فقد قرأنا عن ملكيصادق أنه شُبّه بابن الله (7: 3). وأبرز الكاتب أيضًا عظمة ملكيصادق (7: 4) ليهيّئنا لنتأمّل الآن عظيم كهنتنا الذي هو أرفع من السماوات (7: 26). وهكذا دلّت نقطتا الاتصال بين 7: 1 - 10 و7: 26 - 28 أن آ 26 - 28 شكّلت خاتمة الاتجاه كله.
غير أن هذا لا يكفي: لعبت هذه الآيات دور الخاتمة، وستلعب أيضًا دور الانتقالة، فتهيّئ الاتجاه التالي (8: 1 - 9: 28). فاسم الفاعل ((صار كاملا)) (7: 28) الذي قربناه من ((إتاليوسان)) (7: 19، بلغ الكمال)، و((تلايوسيس)) (7: 11، الكمال)، يرتبط ارتباطًا وثيقًا بما في 5: 9 الذي أعلن موضوع الاتجاه المركزي (8: 1 - 9: 28): فالفعل هنا ليس في صيغة المعلوم كما في 7: 19 (رج 7: 10) ولا ترافقه نافية (7: 19) أو شك (7: 10)، بل هو في صيغة المجهول، ويتكلم بوضوح عن المسيح كما في 5: 9. إذن، هو يشكّل استعادة لإعلان الموضوع.
والتلميح إلى الذبائح (7: 27) لا يجد ما يقابله في ف 7. فإذا أردنا أن نجد تعابير مماثلة، نعود إلى 5: 1 - 3، بل نتطلّع إلى ف 8 - 10 التي ستتوسّع مطوّلاً في هذا الموضوع. ونقول الشيء عينه عن الإشارة إلى ((السماوات)) (7: 27). فهي تذكّرنا بما في 4: 14 (لنا حبر رفيع اجتاز السماوات)، وتتوضّح بشكل نهائي في 8: 1 و9: 24.
في الواقع، لا تعود فقط لفظة ((السماوات))، بل إن بداية 7: 26 كلها ستعود في 8: 1 لتبدأ الاتجاه المركزي. قال 7: 26: ((فذلك هو الحبر الذي كان يلائمنا... أرفع من السماوات)). ونجد الجواب في 8: 1: ((لنا حبر كهذا جلس عن يمين عرش الجلال في السماوات)). وهكذا تحقّق الانتقال من اتجاه إلى آخر، من 7: 1 - 28 إلى 8: 1 - 9: 28.
الفصل السابع عشر
شخص ملكيصادق
7: 1 - 10

في الإتجاه الأول (7: 1 - 28) الذي عنوانه: كاهن إلى الأبد على رتبة ملكيصادق، نجد مقطعين. الأول (7: 1 - 10) ينطلق من تك 14 فيقدّم شخص ملكيصادق ويقابله مع الكهنوت اللاوي. والثاني (7: 11 - 28) يقابل بين كهنوت وكهنوت. ونبدأ بالمقطع الأول، على أن نقسم المقطع الثاني فصلين: استغناء عن الكهنوت القديم والناموس القديم (7: 11 - 19). ثم، كهنوت المسيح الحبر السماوي (7: 20 - 28).
هنا يتحدّث الكاتب عن شخص ملكيصادق الذي هو صورة نبويّة عن المسيح (7: 1 - 3). أبرزَ سماته التي تفيد براهينه: هو ملك شليم، هو كاهن العلي، بارك ابراهيم وأخذ منه العشر، لا نسب له وبالتالي هو أبديّ. نشير هنا إلى أن كهنوت ملكيصادق لم يلقَ في الكتاب المقدس شرحًا سوى ما نقرأ في مز 110. ولكن الكاتب لم يهتمّ إلاّ لشيء واحد: كهنوت ملكيصادق كان ظلاً وعلامة، وهذا ما أتاح له أن يترك كهنوت هارون اللاوي الذي كانت له بداية وله نهاية.

1 - تفسير الآيات
نقسم كلامنا إلى شقين: شخص ملكيصادق (7: 1 - 3)، ملكيصادق والكهنوت اللاوي (آ 4 - 10). وقبل أن نتوسّع في شرح الآيات، نقدّم لمحة تاريخيّة سريعة عن ملكيصادق، حسب تك 14: 17 - 20.

أ - من هو ملكيصادق (7: 1 - 3)
بعد النصر الذي حازه ابرام (= ابراهيم) على كدر لوعامر، ملك عيلام، والملوك المتحالفين معه، جاء ملكيصادق، كاهن الله العلي، أمام المنتصر، مع الخبز والخمر اللذين هما طعام الآلهة وذبيحة. ولما بارك ملكيصادق ابراهيم، عرف هذا كهنوت ملك شليم وأكرمه وقدّم له عشر الاسلاب (رج عد 3: 30، 47). أوجزت عب هذه الحاشية، واحتفظت بألفاظ استعملتها السبعينية، بعد أن بدّلت بنية الجملة. غير أن ((الخروج للقاء ابرام)). كان عمل ملك سدوم (تك 14: 27)، لا ملكيصادق الذي سنراه في آ 18 (وأخرج ملكيصادق...). أما اللقب الأرفع والأهم لهذا الشخص، فهو ((كاهن الله العليّ)) (ع ل ي و ن). نحن هنا أمام تسمية قديمة لله، تشدّد على تساميه (عد 24: 16؛ تث 32: 8؛ أش 4: 14؛ مز 7: 18؛ 50: 1 - 14...). في الحقبة السابقة لشعب اسرائيل، دلّ هذا اللقب على إله كنعاني، الاله شليم، الذي رُويت ولادته في ملاحم، كما عُبد في أرض تمتدّ بين النيل والفرات، على أنه خالق السماوات والارض وسيّدها.
ترجم ((عليون)) في اليونانية: ((هيبستوس)) فدلّ في الحقبة الهلينيّة على إله اليهود (سي 41: 4، 8؛ 42: 2؛ 44: 20؛ 47: 5، 8؛ رج 5: 7؛ أع 16: 17 وما قاله الممسوسون). حسب يوسيفوس (عاديات، 16/6: 2) سمّى أوغسطس هرقانوس ((كاهن الله العلي)). بعد ذلك، نُسب ((هبستوس)) إلى الآلهة الوثنية، فامتنع الأدب الرابيني عن استعماله. ما توسّعت عب في اللقب (الله العليّ) لئلاّ تخلط بين الاله الحقيقيّ والآلهة الكذبة.
كان فيلون قد استخلص من ألقاب ملكيصادق وأعماله تعاليم روحيّة: ((جعل الله من ملكيصادق ملك السلام وكاهنه. لم يبدأ فيذكر عملاً من أعماله، ولكنه جعله أولاً ملكًا، رجلاً هادئًا، جديرًا بالكهنوت. فقد سُمّي الملك البار. غير أن ((ملك)) يعارض ((متسلّط)). فالملك يُدخل الشرائع، أما المتسلّط فيلغي الشرائع...)) (الشرائع 3: 79 - 82). وهذا ما تفعله عب فتقوم بـ((هرميناواين)) أي ترجمة هذه الاسماء. فأصل الالفاظ يكشف في هذا الشخص صورة عن المسيح. م ل ك. ص د ق، يعني ملك البرّ (رج يش 10: 1؛ ا د و ن ي. ص د ق). ذكر فيلون الجبيلي في ((الاجزاء)) (2: 20) إلهًا فينيقيًا هو ((ص د ق)). وهكذا فإن ملكيصادق يكون اسمًا تيوفوريًا (يرتبط بالله، تيوس): صدق هو ملكي. ولكن وجود ((ي)) في نهاية ((م ل ك)) يدعونا لأن نقول: ملك البر كما في فيلون (3: 79) ويوسيفوس.
اسم عاصمته ((ش ل م)): سليم، كامل، مسالم، هادئ. قرأت عب اللفظة كدلالة على السلام ((ش ل م)) مع كسرة تحت الشين واللام، أو ((ش ل و م)) (1أخ 22: 9). إن يوسيفوس (العاديات 1/10: 180) وترجوم أونلكوس حول تك 14: 18، يريان في ((ش ل م)) شكلاً موجزًا وقديمًا لأورشليم (حرفيًا: خليقة الله شليم، رج مز 76: 2 ولفظة أوروشليمو في رسائل تل العمارنة). أما ايرونيموس فرفض تحديد مكانها وجعلها في سليم (يو 3: 23) التي تبعد ثمانية أميال عن بيسان (سيتوبوليس) (رسالة 73: 7). وهذا ما يتوافق مع التقليد السامريّ الذي يجعل ابراهيم يلتقي بملكيصادق، لا في أورشليم، بل في جرزيم (أوسابيوس، التهيئة الانجيلية 9: 17).
ما اهتمّت عب بتحديد مكان ((ش ل م))، ولم تشرح الصفتين: البرّ (ديكايوسيني) والسلام (ايريني) (رج روم 5: 1؛ 14: 17 حيث نجد هاتين الصفتين). فإن هي فسّرت في هذا المعنى نصّ سفر التكوين، فلتدلّ على أن المسيح هو أيضًا كاهن وملك، وأنه يقيم البرّ (1: 9؛ أش 9: 6؛ 32: 1...) والسلام (أش 9: 5؛ 32: 17؛ زك 9: 10) اللذين هما من خيور الخلاص. إذن، نضيف هاتين الصفتين على الأمانة والرحمة اللتين ذُكرتا سابقًا.
وتؤوّل آ 3 النص البيبلي تأويلاً استعاريًا، فتماهي بين ملكيصادق والمسيح، وتستنتج ديمومة كهنوتهما. هكذا نكون في قلب البرهان في ف 7. في العالم السامي، النسل البشريّ مهم جدًا. ولا يُذكر الشخص دون أن يُذكر أبوه وجدّه. أما ملكيصادق فيَبرز بدون علاقة قرابة، ولا يقال شيء عن مولده ولا عن موته. فبما أن هذا الشخص عظيم جدًا، ولاسيّما في علاقاته مع ابراهيم، أبي الشعب المختار، كان لهذا التحفظ مدلول مهمّ، لأنه يرمز إلى وضع استثنائي في تاريخ الكهنوت. فاستغلت عب، شأنها شأن فيلون، هذا البرهان الذي ينطلق من صمت الكاتب لتبيّن كهنوت المسيح.
((أباتور)) (بدون أب)، ((أميتور)) (بدون أم). لا يردان إلاّ هنا في البيبليا. حسب فيلون، يتيم يجهل أبوه، وقد يكون مات. نقرأ في عالم الرابينيين: إ ي ن. ل و. أ ب. و أ م: لا أب له ولا أم. هو يتيم لا يُعرف نسبه (أس 2: 7). تابعت عب غياب كل نسب مع متطلّبات الكهنوت اللاويّ الذي يجب أن يتحدّر من هارون ويُولد من أم يهوديّة (عد 17: 5؛ لا 21: 31ي؛ حز 44: 22؛ عز 2: 61 - 62). أما المسيح الكاهن فلا ينتمي إلى اسرائيل ولا إلى قبيلة كهنوتيّة. هو ((أغنيالوغيتوس)) (لفظ صاغه الكاتب): أي إن ملكيصادق لا جدّ له ولا ولد (آ 6). نحن أبعد من ((لا أب ولا أم))، بل أمام قول يدلّ على أن المسيح، الملك الكاهن بتجسّده، ليس فقط انسانًا، بل هو يتجاوز الانسان والتاريخ. روى الكتاب بالتفصيل موت هارون (عد 20: 22ي)، ولكنه لم يقل شيئًا عن موت ملكيصادق. فعدم الكلام عن البداية والنهاية، تعبير سلبيّ عن الأبديّ'، وهكذا ماهت هذه الصفات كاهن الله العلي مع ابن الله.
((أفومويو)): شبّه، شابه. نجد اسم المفعول (المجهول). هذا يعني أن التماهي بين المسيح وملكيصادق قد تمّ في الكتب المقدسة. لسنا هنا على مستوى التاريخ، بل على مستوى كلمة الله. وصيغة الكامل تشير إلى علاقة حاليّة (اليوم) بين الرمز وتحقيقه.
تجد هذه الجملة مدلولها في كلماتها الاخيرة. ((هياروس))، كاهن. رج كاهن الله العلي (آ 1). ثم ((مانو)): لبث دومًا، بقي من دون تحوّل، ظلّ هو هو. ((دياناكس)) تدلّ على التواصل وعدم الانقطاع. تقابل ((ع د)) في ترجمة مز 48: 15؛ 89: 30 حسب سيماك. اذن، هذا الكهنوت هو أبدي، مثل ابن الله نفسه، وهو يتواصل بحيث يستبعد كل كهنوت آخر.

ب - ملكيصادق وكهنوت لاوي (7: 4 - 10)
في آ 1 - 3 ،قدّم الكاتب معطيات سفر التكوين حول شخص ملكيصادق: ما هو وما عمله (آ 1 - 2أ). ثم أشار إلى أن لا نسب لهذا الشخص، فاستخلص دوام كهنوته. إنه صورة بعيدة عن المسيح. وهنا (آ 4 - 10) تقابلَ ملكيصادق مع الكهنوت اللاوي. انطلق الكاتب من الواقع: أعطاه ابراهيم العشر (آ 4). وكانت مقابلة بين عشور اللاويين وعشر ملكيصادق، فجاءت البركة التي نالها ابراهيم، تدلّ على تفوّق كهنوت على كهنوت. في النهاية، إذا كان ابراهيم أعطى العشر لملكيصادق (وعبره للمسيح)، فهذا يعني أن لاوي يتابع عمل ابراهيم، بحيث يحلّ كهنوت المسيح محلّ كهنوته.
أولاً: عشر أعطاه ابراهيم (آ 4 - 5)
استشففنا من شرح آ 1 - 3 أنه كان لملكيصادق كهنوت يسمو على كهنوت لاوي. انطلق الكاتب (آ 2) من واقع قرأه في تك 14: 20، فبيّن بواسطة برهان ينطلق من الأصغر إلى الأكبر (آ 4 - 6أ) ما يريد أن يقوله: دفع ابراهيم العشر لملك شليم. يدعونا الكاتب إلى التأمل وإمعان النظر: تيوريو (صيغة الأمر، رج يو 3: 17: اكتشف، تطلّع، يو 4: 19): من ينال العشر هو أكبر من الذي يؤدّيه (آ 7). فالذي أدّاه هو أبو الآباء، وجدّ جميع قبائل اسرائيل. ((بتريرخيس)) (رأس الآباء) هذا العظيم قدّم العشر لملكيصادق. هذا يعني عظمة ملكيصادق التي تفوق عظمة ابراهيم. رج ((بيليكوس)) (عظيم، رج غل 6: 11) التي هي اللفظ المفتاح في هذا الاتجاه. فتقدمة العشر الطوعيّة هي اعتراف من قبل ابراهيم بأنه أدنى، بأنه خاضع. ماذا قدّم ابراهيم؟ ((ح ل ب)) (عد 18: 29، حليب، لبن، ثم أفضل): اختار ابراهيم أفضل ما في الاسلاب (أبو بنتون، من كل شيء، آ 2). ونقرأ ((أكروتينيا)) (مرحلة بيبليّة): فوق البيعة، أي أثمن ما في الاسلاب، وهو يُقدَّم شكرًا للآلهة. وهكذا نلاحظ كرامة ملكيصادق العظيمة في ما عمله ابراهيم له.
ذاك هو روح نظام (آ 5) العشر (م ع ش و ر) حسب عد 18: 21ي. حسب لا 27: 30 - 33، فُرض العشر للمعبد. وفي تث 21: 17 - 19؛ 14: 22 - 29؛ 24: 15، للفقراء. تقول عب ((إنتولي)) (وصيّة)، فتدلّ على فريضة كهنوتيّة: فاللاويون والكهنة المكرّسون لخدمة الرب لا يملكون أرضًا على مثال أعضاء سائر القبائل (تث 10: 8، 9؛ 12: 12). فأراد الله أن يؤمّن لهم مدخولاً، هو العشر: أجرة الوظيفة العباديّة (هياراتايا، الوظيفة الكهنوتية؛ هياروسيني، نظام الكهنوت)، وبهذا اعترف بكرامة الكهنوت. الكهنة وحدهم ينعمون بالعشور.
حسب شريعة موسى، لا يأخذ الكهنة العشر (أبوداكاتوو، رج 1صم 8: 15) إلاّ من بني اسرائيل الذين يتحدّرون مثلهم من ابراهيم. هنا نقرأ الذهبي الفم: ((قال: تلك هي كرامة الكهنوت: أناس يتساوون مع الآخرين بالأجداد، لهم معهم أب واحد وحيد ومبدأ بيتهم المشترك، يفضِّلون جدًا ويميّزون تجاه الآخرين، لأنهم يأخذون العشر منهم)). ((اوسفيوس))، صلب (ح ل ص، تك 35: 11؛ 2 أخ 6: 9؛ أع 2: 30). هذا ما يقابل ((أبناء لاوي)): اذن حقوق الكهنة المتحدّرين من لاوي تسمو (كايبر) على حقوق نسل ابراهيم البشريّ.
ثانيًا: من العشر إلى البركة (آ 6 - 8)
إن ملكيصادق، ذلك الغريب، الذي لا ترتبط عظمته بنسب أو بقبيلة (بسبط)،بل ترتبط حقوقه بسلطته الشخصيّة، نال العشر من أبي بني اسرائيل وبالتالي من الكهنة اللاويين. بل إن ملكيصادق بارك ذاك الذي باركه الله بركة احتفاليّة وفاعلة (عب 6: 13 - 14)، والذي تباركت الشعوب فيه (تك 12: 1 - 3). فالبركة تدلّ على السلطة. وحين يبارك الملوك والوالدون أولادهم، فهم يفعلون باسم الله (هم ممثّلوه). رج 2صم 6: 18؛ 1مل 8: 55. ونقلُ البركة الالهيّة جزء من امتيازات الكهنة (عد 6: 22 - 27؛ تث 10: 8؛ 21: 5). أمّا الملك الكاهن الكنعاني الذي اتّخذ هذه المبادرة (وذكرها سفر التكوين)، فقد نالها من الله. اذن، بركةُ هذا الغريب هي علامة واضحة لتفوّقه (روم 9: 12) على ابراهيم وكل نسله (يرد فعل أخذ وبارك في صيغة الكامل فيدلّ على أن نتيجة ما حصل حاضر الآن). أما كهنوته فلا يتأصّل في نسب بشريّ، ولا ينحصر في عرق ولا في أمّة. هو من طبيعة أخرى، من رتبة أرفع (كرايتون). إنه نموذج كهنوت ابن الله.
وتطلّعت آ 9 إلى هذا السموّ من زاوية كهنوت لاوي. في حالة (دي من، هنا، هذا ما يرتبط بالكهنوت اللاوي)، هم ((مائتون)) (ابوتنيسكونتس)، لا ((تنيتوي)) أي يموت الواحد بعد الآخر، ينالون عشرًا فوق عشر (داكاتاس، التكرار. هو في صيغة الجمع، تجاه صيغة المفرد في آ 2 - 4): مات لاوي، وفرض الناموس بأن ينتقل إرثه من الأب إلى الابن. وفي حالة ثانية (إكاي دي، هناك) دلَّ الكاتب (آ 3) أنه يحيا دائمًا. فالكهنوت الملكي والأبدي لا يتأثّر بالموت. والذي يتسلّمه لا ينقل وظيفته. لم يذكر النصّ ملكيصادق ولا المسيح، لجمع النموذج والنموذج المقابل. لا شكّ في أن يسوع مات. ومثله ملكيصادق. أما الكاهن فيحيا إلى الأبد.
ثالثًا: آخذُ العشور دفع العشر (آ 9 - 10)
تختتم آ 9 - 10 البرهان (1كور 7: 40؛ 11: 16): يُجعل كهنوت اللاويين في الموضع الأدنى. ((إن ساغ (صحّ) القول (هوس إبوس ايباين، مراحدة بيبليّة). عبّر الكاتب بوضوح عن فكرته، وقدّمها بدون جدال (انتيلوغيا، آ 7). فيبقى على السامعين أن يأخذوا بها ولا يقولوا: لم يكن ابراهيم كاهنًا، واكرامه لملكيصادق يُلزمه وحده ولا يلزم نسله معه. أما الامتيازات التي أعطيت فيما بعد للاوي، فهي تبقى. غير أن جدّ شعب يعمل باسم نسله كله ويمثّله، ولا سيّما في اسرائيل، حيث النسل البشريّ يكفل جميع البركات ورجاء الخلاص. فالشعب المختار ليس جماعة أشخاص يستقلّ الواحد عن الآخر. فكل عضو يتضامن مع الأجداد، ويرث المواعيد بقدر اتحاده بهم. هو مبارك ((في ابراهيم)) (غل 2: 19)، وابراهيم هو ينبوع البركة لجميع الأجيال الآتية (6: 14؛ تك 12: 2).
بما أن النظرة إلى الميراث هي كذلك، نستطيع القول بأن لاوي طُلب منه أن يدفع العشر (داداكاتوتاي، صيغة الكامل كما في آ 6، ما زال حتّى اليوم يؤدّي العشر) عبر ابراهيم، وهكذا كرّم ملكيصادق. كأني به كان حاضرًا في اللقاء الحاسم بين هذين الشخصين. كان في صلب ابراهيم. ((وهكذا قلب بولس بناء اليهودية بانتصار عجيب ومجيد)) (الذهبي الفم).

2 - قراءة إجمالية
((فملكيصادق هذا، ملك شليم وكاهن الله العلي، الذي خرج للقاء ابراهيم عند رجوعه من كسر الملوك، وباركه، وإليه أدّى ابراهيم العشر من كل شيء. وتفسير اسمه أولاً ملك البرّ، ثم ملك شليم أي ملك السلام)) (7: 1 - 2)
تعود تسمية ملكيصادق هذه إلى تك 14: 18. أما شليم فتماهت مع أورشليم ساعة دوِّنت عب. ذاك هو شرح الترجوم ويوسيفوس وآباء الكنيسة مثل ايرونيموس الذي قال: في الموضع الذي جاء إليه يعقوب في منطقة شليم (تك 33: 18 - 19). ثم ان شليم وصهيون (أورشليم) تترادفان في مز 76: 2 (في شليم، في صهيون). الله العلي هو في الأصل اسم إله وثني، فصار في الكتاب المقدّس اسم الله الحي. هنا لا ننسى أن تك 14 دُوّن بعد المنفى ليدلّ على أن ابراهيم غلب بإيمانه ملوك الأرض كلها (هم أربعة ملوك). أترى سيُغلب شعبُ الله بالسلاح البشري؟ لقد كانت النتيجة دمار أورشليم وحريق الهيكل وذهاب الملك ورجاله إلى السبي.
((وليس له أب ولا أم ولا نسب. وليس له بداءة أيام ولا نهاية حياة. هو المشبّه بابن الله، يقوم كاهنًا إلى الأبد)) (7: 3)
كان شرح تيبولوجي (نمطيّ) لشخص ملكيصادق الذي يدلّ على المسيح: هو ملك البرّ، ملك السلام. نلاحظ هنا أن الكاتب لم ينطلق من النصّ ((التاريخي))، ولا من شخص ملكيصادق، بل انطلق من المسيح وحاول أن يقرأ نصّ سفر التكوين في هذا الضوء. وها هو ينتقل إلى ما لم يُقل عن هذا الشخص، في خطّ فيلون. فالصمت بليغ، ولاسيّما أن ملكيصادق هو نمط. هذا لا يعني أنه كان بشرًا فوق البشر، ولا أنه كان تجليَّ الله. هذا الصمت مليء بالاسرار. فملكيصادق هو وحده بين عابدي الله الذي لا يُذكر أجداده ولا نسله. وها هو يدخل إلى التوراة بدون رباطات عائليّة، عكس الكهنة في نسل هارون.
هذا لا يعني أن ملكيصادق لم يكن له والدان، شأنه شأن كل انسان، وأنه لم يختبر الولادة والموت مثل كل واحد منا. في الواقع، تنطبق هذه الاقوال على المسيح، لا على ملكيصادق. فمفهوم الصمت البيبليّ هو أنه يدلّ على ملكيصادق كنمط لابن الله الذي هو وحده من الأزل إلى الأبد. ملكيصادق هو الصورة، والحقيقة هي المسيح. لا شكّ في أن الابن المتجسّد له أم بشرية، وله سلالة (مت 1: 1ي؛ لو 1: 26ي؛ 3: 23ي؛ روم 1: 3)، ووُلد كما يولد كل انسان، ومات كما يموت البشر. ولكنه كابن الله هو هو إلى الأبد وسنوّه لا تنقضي (عب 1: 12؛ 13: 8).
إن صمت تك 14 لا يتوقّف عند بداية حياة ملكيصادق ونهايتها، بل يصل إلى السلالة الكهنوتية. كل هذا نمطيّ، فيجعلنا نحسّ أننا أمام كهنوت متواصل لم ينقطع، الذي يجد كماله في المسيح حسب ما قيل في مز 110: 4. فكهنوته يتميّز بقوّة حياة لا تزول (آ 16). هو لا ينتقل منه إلى آخر، ((لأنه يبقى إلى الأبد)) (آ 24). صمتُ الكتاب هو صمت الروح القدس الذي سيبرز وجهَ الربّ على ضوء العهد الجديد.
((فانظروا ما أعظم شأن الذي أدّى له ابراهيم، رئيس الآباء، عشرًا من خيار الغنائم. وإن الذين يقلَّدون الكهنوت من بني لاوي، لهم وصية من قبل الناموس، بأن يتقاضوا العشور من الشعب، أي من إخوتهم، مع أنهم هم أيضًا قد خرجوا من صلب ابراهيم. وذلك الذي ليس له نسب في ما بينهم، قد أخذ العشر من ابراهيم، وبارك الذي له المواعد. وممّا لا خلاف فيه أن الأدنى يأخذ البركة من الاعلى)) (7: 4 - 7)
البرهان المقدّم هنا بسيط جدًا. وهو يهدف إلى أن يبيّن عظمة ملكيصادق تجاه ابراهيم، مع أن ابراهيم هو أبو الآباء وجدّ الشعب العبراني ومؤسّسه، وذاك الذي أعطاه الله عهدًا مع وعد بنسل، وبالتالي ذاك الذي يمتلك الأولويّة في الشعب اليهوديّ. فاليهود يفتخرون بأنهم نسل ابراهيم، خليل الله، وقابلُ المواعد (يو 8: 33، 39؛ مت 3: 9؛ فل 3: 4 - 5). ولكن هنا في كتبهم ما هو أعظم من ابراهيم: أعطى له ابراهيم العشر، نال منه بركة. هذا لا يحتاج إلى البرهان، والادنى ينال البركة من الأعلى، ومن يأخذ العشر يتفوّق على الذي يؤدّيه. فإذا كان ملكيصادق، الذي هو علامة وظلّ، قد فضِّل على ابراهيم والكهنوت اللاوي، فما يكون المسيح الذي هو الحقيقة والجوهر. فإن كان نمطُ المسيح أعظم من الذي نال المواعد، فما يكون المسيح نفسه!
عُرفت عادة دفع العشور في التشريع الموسويّ، وما استُثني إلا اللاويون الذين كانوا يأخذونها بسبب خدمتهم في الجماعة، ولأنه لم يكن لهم ميراث في أرض اسرائيل (تث 10: 8 - 9؛ 12: 12). فاللاويون والشعب هو إخوة من أب واحد. والخدمة الكهنوتية انحصرت في سبط هارون ونسله من الذكور الذين شكّلوا سلالة هارون الكهنوتيّة. أما اللاويون فبقي لهم عشر العشر، لأنهم يساعدون هارون في خدمتهم (عد 3: 5ي؛ 18: 1ي؛ نح 10: 37ي).
((فههنا إنما يأخذ العشور أناس يموتون، أما هناك فمن يُشهد له بأنه يحيا. وإن ساغ القول، إن لاوي نفسه الذي أخذ العشور، قد أدّى العشور، في ابراهيم، لأنه كان بعدُ في صلب أبيه حين لاقاه ملكيصادق)) (7: 8 - 10)
((هنا)) أي مع نسل لاوي (آ 5). هم أناس يموتون. ومع ذلك، ينالون العشور. ((هناك)) أي ملكيصادق. نال العشور من ابراهيم. يُشهد له، أي تشهد له الكتب المقدسة. تقول إنه حيّ. فكما في آ ،3 لم يقل تك 14 شيئًا عن موت ملكيصادق. فقُدّم هنا على أنه حيّ، وبالتالي صورة عن المسيح الذي يدوم كهنوته ((كونه يبقى إلى الأبد)) (آ 24).
والمدلول الأهمّ نجده في نظرة بني اسرائيل إلى التضامن في العائلة. حين دفع ابراهيم العشر لملكيصادق، فكأن لاوي نفسه دفع. فلاوي كان في صلب ابراهيم. تلك كانت أيضًا طريقة بولس حين علّم، على أساس تضامن الجنس البشريّ مع آدم، أنه حين خطئ آدم خطئ الجميع (روم 5: 12)، وأن موت آدم كان موت الجميع (1كور 15: 22). وما تمّ في وقت من الأوقات بين ابراهيم وملكيصادق ما زال حاضرًا اليوم. فرتبة ملكيصادق التي تمّت في المسيح، تسمو على رتبة لاوي الذي تجاوزه المسيح وحلّ محلّه.
في المسيح، التقى ابراهيم وملكيصادق أيضًا. وما التقيا فقط كصورة عن نظام زمني وأبدي، بل فيه توحّدا في واقع أبديّ. وهكذا، فالمسيح، ابن الانسان وابن الله، ردم الهوة التي تفصل الانسان الخاطئ عن الله البار. فبذبيحته التكفيريّة على الصليب أتمّ الحاجة إلى المصالحة التي هي كاملة ودائمة. ومجدُه كابن الله صار مجده كابن الانسان، كما صار مجدَ البشر الذين اتّحدوا معه بالايمان إلى الأبد.

خاتمة
إن صورة ملكيصادق التي ذُكرت وتحدّدت هنا بفضل تأويل فيلولوجي (على مستوى الاشتقاق اللغويّ) وتاريخيّ، بعيد كل البعد عن الاعتباطيّة. فالكتاب المقدّس يهتمّ اهتمامًا خاصًا بالأسماء، التي ليست فقط مجموعة حروف أو مقاطع صوتيّة، بل تعبير عن الشخص، عن وظيفته، عن مصيره. فيبقى علينا أن نفكّ الرموز بما سمّاه بولس ((قاعدة الايمان)) (روم 12: 6). هكذا ظهر أن الملك الكاهن الكنعانيّ الذي له قيمة محدودة على مستوى شخصيته، والذي هو مهمّ على المستوى التيبولوجي، لم يكن له كهنوت من النمط اللاوي، لأن لا جدّ له ولا نسل. ومع ذلك، فهو يتفوّق على ابراهيم في أربعة أمور: نال منه العشر، باركه، هو نمط كهنوت لا يموت، نال الاكرام من قبيلة لاوي الحاضرة في صلب ابراهيم. فإن كان ملكيصادق يتفوّق على أبي الآباء، فهو يتفوّق على نسله، على كهنة لاوي. ولكن هنا تختفي صورة ملكيصادق لتظهر صورة المسيح. فالمهم هو المقابلة بين كهنوت المسيح والكهنوت اللاوي، وهذا ما سنتوسّع فيه في الفصل التالي.
الفصل الثامن عشر

إلغاء الكهنوت القديم والناموس القديم
7: 11 - 19

هذا هو المقطع الثاني في الاتجاه الأول وهو يتكلّم عن كهنوتين في خط مزمور 110. أما الموضوع الأساسي فهو أن الكهنوت القديم لا يكفي. لهذا، يجب أن يحلّ محلّه كهنوت آخر. مقطوعة في شقين، وكل شقّ ينطلق من مبدأ ومن واقع. في الشق الأول (آ 11 - 14)، المبدأ يقول: اللافاعليّة تجرّ واءها التحوّل. أما الواقع، فهو أن ربنا ليس من قبيلة لاوي، بل من قبيلة يهوذا التي ليست قبيلة كهنوتيّة. وفي الشق الثاني (آ 15 - 17)، الشبه يثبت الواقع. والواقع هو شبه المسيح مع ملكيصادق. لهذا، يدوم كهنوته. أما الخاتمة (آ 18 - 19) فتعلن إلغاء النظام القديم الذي لا نفع فيه.

1 - تفسير الآيات
نتحدّث أولاً عن الكهنوت القديم (7: 11 - 14)، ثم عن الناموس القديم (7: 15 - 19).

أ - الكهنوت القديم (7: 11 - 14)
القول الأول: الكهنوت حسب رتبة ملكيصادق يُلغي الكهنوت الخارج من لاوي. سبق الكاتبُ وبيّن عظمة ملكيصادق، ولكن برز اعتراضٌ: نحن أمام نظام سابق للناموس. أما حلّ محلّه الكهنوت الهاروني؟ أما ورث امتيازاته؟ هذا البرهان يستند إلى فرضيّة تعتبر أن الشريعة هي التعبير النهائيّ لإرادة الله. وها هو الكاتب يدفع قرّاءه لكي ينطلقوا من خبرة حياتهم الخاصة، ليفهموا أن الكهنوت القديم كان بحاجة إلى إصلاح جذريّ.
أولاً: لو كان الكمال بالكهنوت اللاوي (آ 11 - 12)
هناك شرط غير موجود (لو كان)، وعملٌ يرتبط بهذا الشرط ولا يتمّ: لو كان الكهنوت اللاوي (صفة غير معروفة في اليونانيّة البيبليّة، لاويتيكيس) كاملاً لكان أبديًا. كان عليه أن يلعب دور الوساطة: تكفير الخطايا (5: 1)، تقديس الشعب وتقريبه من الله (7: 19). هو لم يدرك هذا الكمال، لأن مز 110 أعلن كاهنًا جديدًا. فالله أحلّ الكامل محلّ الناقص، لا العكس (1كور 13: 10). فظهوره (أنيستيمي) يقدّم (أع 3: 22؛ 7: 37) المسيح الذي يعرف بالايمان، يتجاوب وحاجة (خرايا) نستطيع أن نعرفها.
هذا الكاهن لا ينتمي إلى السلالة الهارونيّة، بل هو من رتبة (تاكسيس) أخرى، من طبيعة مختلفة كل الاختلاف: ((هاتاروس)) لا ((ألوس)) (روم 7: ،3 ناموس آخر... هناك تعارض). استعمل العهد القديم هذه الأداة ساعة كلامه عن آلهة غير يهوه (تث 4: 28؛ 5: 7؛ 11: 16). في العهد الجديد، ((هاتاروس)) ترتبط بتاريخ تتمّة مواعيد الله. فالجديد الذي ظهر في يسوع المسيح، هو ((آخر)) بالنسبة إلى الماضي، ويستبعد كل وسيلة أخرى للخلاص. لا إله إلا الاله الواحد (1كور 8: 4)، ولا اسم سوى اسم يسوع به نخلص (أع 4: 42). والكهنوتان، كهنوت لاوي وكهنوت ملكيصادق، يختلفان (غريبان) الواحد عن الآخر، بحيث إن الأول ألغي حين تنظّم الثاني. كان الأول عابرًا لأنه لم يكن كاملاً.
((تالايوسيس))، الكمال. لا تستعمل إلاّ هنا في عب. فالنظام كامل إن هو أدرك هدفه. اذن، الكهنوت القديم لم يكن كافيًا، فما جعل الناس يقتربون من الله. نحن هنا في إطار عباديّ: فذبائح وشعائر العهد القديم لم تستطع أن تكفّر الخطايا (10: 1، 4) ولا أن تنقّي الضمائر (9: 9)، ولا أن تبرّر. وعلى المستوى الاخلاقيّ، حبست الحياةُ الناموسيّة البشر في وضع من الطفولة والجمود. وما استطاع هذا الكهنوت أن ينقلهم إلى النضج الروحي و((الكمال)) الذي سيمنحه التدبير الجديد (يع 1: 25، نوموس تالايوس). فلا موسى ولا هارون امتلكا الكمال (تالايوسيس)، المحفوظ للمسيح (12: 2). لهذا نستطيع أن نعطي ((تالايوسيس)) هنا المعنى الاسكاتولوجي: ما استطاع الكهنوت اللاوي أن يقود المؤمنين إلى الهدف (تالوس)، إلى الراحة السماويّة (11: 1ي؛ 12: 23)، فوجب أن يكون نظام آخر. بما أن الكهنوت الأول لم يحقّق مخطّط الله الخلاصيّ من أجل العالم، فحلّ محلّه تدبير جديد: كمال (تالايوس) في المسيح (إن خرستو).
نقرأ معترضة (عليه يقوم الناموس الذي أعطي للشعب) مع فعل ((نوموتاتيو))، من نوموس، ناموس. مراحدة في العهد الجديد، رج خر 24: 12؛ تث 17: 10، رج ((ي ر ى)) في صيغة المزيد. جعلها الكاتب هنا (لا بعد آ 12)، لأنه اعتاد أن يقدّم قبل الوقت موضوعًا سوف يتوسّع فيه فيما بعد (آ 15 - 19)، ولأنه أراد أن يبرز أهميّة الكهنوت الاساسيّة في تنظيم اسرائيل التيوقراطي الذي هو نموذج التدبير المسيحيّ. أما المعنى الحرفيّ فهو: تستند الشريعة إلى الكهنوت اللاوي، ومنه تأخذ شرعيّتها وفاعليّتها. هذا يعني أن هذا النظام الموسويّ يخضع للكهنوت، فإن سقط هذا الأساس سقطت الشريعة معه.
تلك هي النتيجة التي تستخلصها آ 12: أعطيت الشريعة لشعب واحد، ولزمن محدّد. في هذه الحدود، كانت تعبيرًا عن إرادة الله وتوجيهًا لاسرائيل نحو المسيح (روم 10: 4؛ غل 3: 24 - 28). ولكن حين جاء المسيح الكاهن، تحوّل النظام الكهنوتي وانتقل (ماتاتيستيمي، انتقال من وضع إلى وضع). وهكذا نكون أمام تطوّر في العهد (ماتاتاسيس، 12: 27، مراحدة في العهد الجديد). هي ضرورة (أنانكيس، 2كور 9: 7) طبيعيّة، لأن لا وجود للشريعة ولا معنى إلاّ بالنظر إلى الكهنوت. فالتحوّل في الواحد يفترض التحوّل في الآخر.
ثانيًا: أشرق ربّنا من يهوذا (آ 13 - 14)
في آ 12 قرأنا ((غار)) (لأن، الفاء) فتبرّرت علاقة جوهريّة بين الكهنوت والناموس: أكّدت في آ 11. وفي آ 13، دلّت ((غار)) على تطوّر في البرهان، وأعلنت أن شروط الكهنوت تبدّلت. أن يكون هناك تحوّل جذري في النظام الكهنوتي، فهذا ما يبيّنه التاريخ الذي صادق على شهادة الأنبياء. فالناموس القديم لم يمنح الكهنوت إلاّ لنسل لاوي. أما المسيح الكاهن الذي أشار اليه المزمور، فلم يُولد في قبيلة كهنوتيّة. فالفعل ((ماتاخو)) الذي يُبرز بشريّة المسيح (2: 14) يدلّ على أن الكاهن الجديد لا يشارك في امتيازات السلاّلة اللاويّة. لا علاقة له بهذا السبط (القبيلة)، بل هو غريب (هاتاروس، رج آ 11) عنه كل الغربة. صيغة الكامل تدلّ على واقع حاليّ يرتبط بالتاريخ، كما تُبرز عدم التوافق النهائيّ (الذي هو نتيجة هذه الدلالة) بين المسيح والكهنوت، حسب شروط الشرعيّة التي يحدّدها التشريع القديم. هذا ما تبرزه النهاية التي تكون نافلة لو لم تشدّد على المبدأ التنظيمي: لم يخدم المذبح أحد ليس من سبط لاوي.
نقرأ هنا ((بروساخو))، اهتمّ (2: 1؛ 1تم 1: 4)، تجنّد (1تم 3: 8؛ 4: 13)، تكرّس لخدمة الله. وصيغة الكامل تتضمّن تكريسًا دائمًا ونهائيًا، بحيث لا يُحسب حساب لخدم مؤقتة. هنا نذكر وصيّة لاوي (8: 14): ((يقوم ملك من يهوذا، ويُنشئ كهنوتًا جديدًا)). ونقرأ في يوسيفوس (العاديات 20/10: 226): ((يفرض ناموس آبائنا أن لا يقبل أحد رئاسة الكهنوت إن لم يكن من دم هارون، ولا يُسمح لأحد من عائلة أخرى بأن يقرب هذه الكرامة، ولو كان ملكًا)).
وعاد الكاتب (آ 14) إلى معرفة قرّائه لحياة يسوع التاريخيّة، ولايمانهم. فالمواعيد (تك 49: 10) والوقائع الانجيلية (مت 2: 6؛ روم 1: 3) واضحة (بروديلوس، 1تم 5: 24؛ 2 مك 3: 17؛ 14: 39). اذن، هم يعرفون أن ((ربنا)) موضوع اعترافنا (هومولوغيا، 3: 1) والعبادة المسيحية (كيريوس، الربّ، مز 110: 1) أشرق من يهوذا، من سبط (فيلي) يهوذا. ((أناتولي)) (لو 1: 78؛ إر 23: 5؛ زك 3: 8؛ 6: 12؛ ص م ح) و((اناتالو)) (عد 24: 7؛ أش 54: 8؛ ملا 4: 2) هما لفظان مسيحيان. يدلّ الفاعل على نموّ نبتة تنطلق من حبّة خفيّة، أو على ظهور كوكب، وهو يطبّق على ولادة انسان من الناس.

ب - الناموس القديم (7: 15 - 19)
ارتبط الكهنوت القديم بالناموس القديم. إن ألغي الواحد ألغي الآخر. جاءت آ 11 - 14 فبرّرت إلغاء الكهنوت اللاويّ، لأن الكاهن الجديد الذي أقامه الله أشرق من قبيلة أخرى، لم تكن على رتبة هارون (آ 11). وهنا، في آ 15 - 19، نفهم أن التشريع الموسويّ الذي جعل الكهنوت فقط لنسل لاوي، قد ألغي، لأن الكاهن الجديد هو على رتبة ملكيصادق (آ 17)، على شبه ملكيصادق (آ 15).
أولاً: كاهن آخر (آ 15 - 16)
((وممّا يزيد الأمر بيانًا)) (مراحدة بيبلية) لا ترتبط بما في آ 14، بل بالفكرة التي عبّر عنها الكاتب منذ آ 11: حلول التدبير الجديد محلّ القديم هو نتيجة تحوّل الكهنوت. هناك لفظتان: بروديلون (آ 14) ترتبط بواقع تاريخي واضح، هو نسل الرب من يهوذا. ((كاتاديلون)) تدل على حقيقة نستنتجها، وهو توجّه الفكر في اتجاه آخر: كل ما قلته لكم حول ضرورة التحوّل، في خط إعلان المزمور، يبدو أكثر وضوحًا إذا فكّرنا في طبيعة العمل الذي أتمّه يسوع. فإن واصلنا تأويل مز 110: 4، نكتشف تعليمًا جديدًا حول طبيعة الكاهن الجديد.
ما معنى ((تكسيس))؟ تماثل دقيق. مشابهة تامة (هومويوتيس، رج 4: 15، في السريانيّة: بدموتا، بشبه). فنحن هنا أمام كائنات من جنس واحد (تك 1: 11 ،12)، أمام صورة ومثالها (حك 14: 19).
هذا يعني أن الكاهن الذي يختلف كل الاختلاف عن نمط هارون (هاتاروس، آخر) له سمات ملكيصادق عينها، كما الصورة تشبه الاصل، والرمز الواقع (آ 3 ،أفومويومانوس، مشبّه). فملك شليم الذي سبق هارون وكان أعظم من ابراهيم، لم يأخذ طابعه الكهنوتي من سلطة التشفّع، ولا من نسل بشري، ولا من فريضة بحسب الشريعة. فأصالة كهنوته تقوم بأنه لم ينتقل (كما في وراثة)، بل ارتبط بشخصه. إذن، المسيح هو أيضًا لم يُقَم كاهنًا (انيستيمي، آ 11) حسب قوام الوراثة التي حدّدها موسى. فهذه وُصفت بأنها بشريّة (إنتولي ساركيني، آ 16) فدلّت على موضوع هذه الشريعة التي ربطت حقّ الكهنوت باللحم والدم، وبامتيازات نسل، وبصحّة الجسد... تجاه هذا الناموس، هذه الشريعة (نوموس) الخارحيّة، تقف ((القوة)) (ديناميس) الباطنيّة التي لا يمكن أن تكون إلاّ إلهيّة (1كور 1: 18، 24؛ 2: 4، 5). كما وتجاه الوصيّة البشرية تقف ((الحياة التي لا تزول)) (زوئي أكاتيليتو، مراحدة بيبليّة). كيف نفهم هذا؟
اختلف المسيح عن الكهنة اللاويين الذين ورثوا كهنوت أبيهم، وكانوا مائتين (آ 8)، فامتلك الكهنوت منذ ولادته (غاغونن) بالنظر إلى غياب ((جدود))، مثل ملكيصادق (رج آ 3) أو بالأحرى بالنظر إلى كماله الشخصيّ: هي قدرة وإمكانيّة وكفاءة لممارسة الوظائف الكهنوتية (ديناميس، 11: 11؛ أع 3: 12؛ رؤ 18: 3. هذا ما يعارض مورفوسيس، 2تم 3: 5): فالطبيعة البشريّة اتّحدت بالطبيعة الالهيّة التي رافقته في تجسّده وفي تقدمة ذبيحته على الصليب (9: 14). هذه الحياة التي لا تزول (لا تتلف، لا تدمّر)، التي لا يؤثّر فيها الموت، يحتفظ بها يسوع في السماء. بعد الصعود (يو 10: 18؛ 11: 25). إذن، ما كان له أن ينقل سلطاته إلى خلفائه. فالكهنوت الروحيّ لا يرتبط بظرف بشريّ ولا بحدود في الزمان والمكان.
ثانيًا: رجاء أفضل (آ17 - 19)
ذلك هو معنى المزمور الذي ذُكر مرّة أخرى. هو يدلّ على ((تاكسيس)) الكهنوتي السماوي بالنظر إلى روحانيّته وديمومته. لهذا، كان ملكيصادق صورته، وهو الذي لا أب له ولا أم. أجل، الكاهن الآخر هو ابن الله (آ 3؛ 1: 2، 3؛ 3: 3 ،6).
وأبرزت آ 18 - 19 خاتمتَي العرض (آ 11ي). ((اتاتيسيس)) (إبطال) من جهة، ثم ((إدخال)) (ابيساغوغي). رج ((ماتاتاسيس)) (آ 12)، التحوّل من إبطال إلى إدخال.
إن التدبير السابق للنظام الجديد الذي أقامه كهنوت المسيح، جاء قبله كعلامة وصورة، فأعلنت حقيقته (بروأغو: سبق. ولكنه ظلّ مرتبطًا به، مت 2: 9؛ 21: 9، 31؛ 26: 32؛ 1تم 5: 24). هذا التدبير ألغي (غل 3: 15). فالاسم ((اتاتيسيس)) (رفض، رذل، رج 9: 26)، لا يرد بعد ذلك في العهد الجديد. هو لفظ قانونيّ يرتبط مع ((أكيروسيس)). ما ألغي هو الوصية (إنتولي) التي تفرض كهنوتًا وراثيًا. ولكن إلغاء هذا الكهنوت يعني إلغاء الشريعة كلها، لأن الكهنوت هو أساس النظام الموسويّ كله. وعلّة الإلغاء هي عجز الشريعة عن تطهير الضمائر، عن حفظ الانسان من الخطيئة، عن المساعدة على الخير. هي لم تستطع أن تكمّل (آ 11؛ 9: 9؛ 10: 11)، وبالتالي فهي غير نافعة. إن الصفة ((استانس)) (ضعيف) (1كور 1: 5؛ غل 4: 9)، والصفة ((أنوفالس)) (حرفيًا: يرفضون العون) اللتين استُعملتا كموصوف تدلاّن على واقع الوصيّة كما على طبيعتها.
غير أن هذا الإلغاء، على أهميّته، هو فقط نتيجة سلبيّة لتحوّل النظام الكهنوتي. فهذا النظام حمل إلى العالم خيرًا إيجابيًا (ابايساغوغي، مراحدة بيبليّة، إدخال). حلّ الرجاء محلّ الوصيّة. كما تحدّد التدبيرُ القديم بوصيّة، يتميّز التدبير الجديد على أنه رجاء (3: 1، 6؛ 6: 11 - 12؛ 9: 39؛ 10: 23؛ 11: 1ي). هذا يعني أنه اسكاتولوجي، لأننا نفهم ((إلبيس)) في معنى خلاص ننتظره، فتعطينا المسيحيّة سبيل الوصول إليه: فالمسيح يقود كل شيء إلى الكمال (2: 10)، ويمنح المؤمنين إمكانيّة الاقتراب من الله (6: 20؛ 10: 19 - 20؛ روم 5: 2؛ أف 2: 31؛ 3: 12). والتفضيل ((كرايتون)) لا يصف الرجاء المسيحيّ بالنسبة إلى التدبير القديم (وكأنه يقدّم خيرات أفضل)، بل يشدّد على تفوّق المسيحيّة على اليهوديّة. فهذه لم توصل شيئًا إلى الكمال (تالايوسيس). أما المسيحيّة فأوصلت المؤمن إلى الله بفضل عظيم كهنتها. كان الاقتراب من الله (انغيزاين تو تيو) محرّمًا على العوام (خر 3: 5؛ 19: 21) ومحصورًا في الكهنة (خر 19: 22؛ لا 21: 23، ن ج ش: لا 10: 3؛ حز 42: 31؛ 43: 19، ق ر و ب). ولكن كل مسيحيّ هو كاهن (1بط 2: 5 ،9؛ رؤ 1: 6؛ 5: 10؛ 200: 6). إذن، هو يستطيع أن يقترب من الله (4: 6؛ 6: 19؛ يع 4: 8). ذاك هو نفع (اوفالايا) العهد الجديد مع سموّ كهنوته حسب ملكيصادق (آ 25). فيه يتّحد الانسان مع الله، كما يقول يوحنا الدمشقيّ.

2 - قراءة اجماليّة
((ومن ثم، لو كان الكمال بالكهنوت اللاوي، وعليه يقوم الناموس الذي أعطي للشعب، إذن أية حاجة بعدُ إلى أن يقوم كاهن آخر على رتبة ملكيصادق، ولا يقال على رتبة هارون؟ إن تحوّل الكهنوت يجرُّ حتمًا تحوّل الناموس)) (7: 11 - 12)
يُقدّم البرهان الآن مع اعتبار ينطلق من تاريخ الوحي. فظهور ملكيصادق في تاريخ آباء الشعب قصير ولكنه دراماتيكي. تماهى مع ملك شليم وكاهن الله العليّ، ولكن لم يُقل شيء في تك 14 عن ((رتبة)) ملكيصادق. وحده مز 110: 4 يقول: ((كاهن على رتبة ملكيصادق)). فالمزمور الذي يعبِّر عن انتظار قيام كهنوت مسيحاني وملوكي، دُوّن سنوات عديدة بعد إقامة الكهنوت اللاويّ. إنه يدلّ أفضل دلالة على عدم كمال وعدم ديمومة النظام اللاوي. فلو وصل هذا النظام إلى الكمال، لانتفت الحاجة إلى كلام عن كهنوت آخر. وهكذا يترك النظام القديم المكان للنظام الجديد: فالجديد يسمو على القديم الذي كان موقتًا ولم يكن كافيًا، كما يتميّز عنه بالكمال والفاعليّة.
إن العلاقة بين الكهنوت والناموس، كانت نتيجتها أن التحوّل في الكهنوت يعني التحوّل في الناموس. فنظام الكهنوت الجديد يفترض تدبير شريعة جديدة. وإدخال نظام كهنوت جديد ومختلف، يفترض إلغاء الشريعة وفرائضها المتعلّقة بالكهنوت القديم وخدمته، ويقدّم الناموس الجديد الذي يُشرف على النظام الجديد. هذا ما سمّاه بولس ناموس الحياة، وهو المبدأ الذي يقول بأن المسيحيّ يتبرّر ((لا بأعمال الشريعة)) (روم 3: 27 - 28). فمسألة نظام الناموس مسألتان. الأولى، الجميع (كهنة وعوام) تجاوزوا الشريعة. وبما أن الكهنة خطأة، فهم لا يقدرون أن يقدّموا الذبيحة التامّة الكاملة. لهذا، عليهم أن يقدّموا ذبيحة عن خطاياهم الخاصة قبل أن أن يقدّموها عن خطايا الشعب (7: 27؛ رج 5: 3). الثانية، لا يستطيع حيوان بدون إرادة ولا فهم، كذاك الذي يقدَّم في النظام القديم، أن يحلّ محلّ الانسان الخاطئ. لهذا، كان الكهنة الهارونيون يقدّمون الذبائح العديدة التي لم تكن تنفع. وهذا ما دلّ على نقص في النظام الذي هو في حدّ ذاته شاهد بليغ على الحاجة إلى نظام كهنوت جديد، يحمل التبرير إلى الانسان.
التحوّل في الكهنوت يعني الابتعاد عن الكهنوت اللاوي الذي يحفظ الشريعة ويعلن أنه لا يحتاج إلى فداء. فذبيحة الحيوانات كافية. أما التدبير ((على رتبة ملكيصادق))، فهو أن الذبيحة هي ذبيحة الابن المتجسّد الذي قدّم نفسه على الصليب، انسانًا عن البشر، بارًا عن الخطأة (1بط 3: 18)، وحده يستطيع أن يحلّ حلولاً كاملآً محلّ الخطأة. لهذا، تمّت ذبيحة المسيح مرّة واحدة، وما تكرّرت، بسبب كمال كهنوته. في إطار هذه ((الشريعة)) الايمانية، لن يحتاج المسيحيّ بعد إلى الشريعة، بل إلى النعمة (روم 6: 14). مع الشريعة، صار الناموس أداة الشجب لا أداة التبرير. أما الايمان بذاك الذي حفظ وحده الشريعة وكفّر في جسده عن تجاوز الخطأة، فهو الذي يمنحنا التبرير أمام الله (روم 5: 1ي).
والتحوّل في الشريعة داخل ((رتبة ملكيصادق))؟ إن فرائض الشريعة العديدة التي ارتبطت بالكهنوت اللاوي قد ألغيت وعفاها الزمن، فحل محلّها مبدأ جديد، هو مبدأ ((شريعة)) الايمان. هذا ما عاشه اسطفانس الذي أعلن أن مجيء يسوع الناصري، يعني تحوّلاً في شرائع وصلت إليه في موسى. وبولس الذي اعتبره اليهود معارضًا للشريعة والهيكل (أع 21: 28)، وهو الذي كان متحمِّسًا للشريعة ومعارضًا لانجيل النعمة (أع 8: 3؛ 9: 1 - 2؛ فل 3: 5 - 6). وتشبّهت عب بالرسول بولس، فبيّنت أن كمال الشريعة لا يتمّ إلاّ في المسيح. فمع أن قواعد الكهنوت اللاوي قد تعدّاها الزمن مع زوال هذا الكهنوت، إلاّ أن جوهر الشريعة الذي هو الطاعة والمحبّة، فهو ما زال حاضرًا وإن احتاج إلى أن يجد كماله في المسيح.
ارتبط الكهنوت بالناموس. في رتبة هارون ألغيا معًا. وفي رتبة ملكيصادق كمُلا معًا. في الكهنوت اللاوي كان نظام ناقص يتطلّع إلى واقع مجيد. هذا ما حصل بنعمة الله التي تجلّت في شخص المسيح وعمله، وهكذا تمّ تحوّلٌ جذري في الوضع البشري.
((لأن الذي تُقال فيه هذه الأقوال هو من سبط آخر لم يلازم أحد منه المذبح، وإنه لواضح أن ربنا أشرق من يهوذا، من السبط الذي لم يصفه موسى قطّ بشيء من الكهنوت)) (7: 13 - 14)
اعترف اليهود أنفسهم بأن مز 110 هو مزمور مسيحاني (مر 12: 35 - 37). وصورة الكاهن العظيم المذكورة في هذا المزمور تنتمي إلى رتبة غير رتبة لاوي. تنتمي إلى رتبة ملكيصادق. هذا يعني أن ذاك الذي انتظروا مجيئه ليس من قبيلة لاوي. ثم إن الطابع الملكي لهذا الشخص، كما يقول المزمور، يرتبط بقبيلة يهوذا مع داود الذي جاء ملكه ليستمرّ على الدوام (2صم 7: 12ي؛ أش 9: 6ي).
يعتبر الكاتب أن هذا المزمور تمّ في تجسّد يسوع المسيح وموته وتمجيده. ولكن في العهد القديم، كانت قبيلة لاوي القبيلة الكهنوتيّة الوحيدة. أما الذي يتحدّث عنه مز 110 فلم يخرج من قبيلة لاوي، بل من قبيلة يهوذا. يقول عنه النصّ: أشرق، فدلّ على وجهه المسيحانيّ.
((وممّا يزيد الأمر بيانًا أن هذا الكاهن الآخر الذي يقوم على مشابهة ملكيصادق، لم يُنصّب بحسب ناموس وصيّة بشريّة، بل بقوة حياة لا تزول، إذ قد شُهد له: أنت كاهن إلى الأبد على رتبة ملكيصادق)) (7: 15 - 17)
ويأتي البرهان كما يلي: غاب الكمال عن النظام اللاوي، مع أنه كان يمارَس بشكل طبيعيّ. عندئذ أشار المرنّم إلى نظام كهنوتي يكون فيه الكاهن كاهنًا إلى الأبد (في آ 11 قال: يقوم كاهن آخر). وهذا الكاهن ليس لاويًا (آ 12 - 14)، وبالتالي يختلف كل الاختلاف عن هذا النظام. وهذا الكاهن قد ظهر على ((مسرح)) التاريخ. ففي طبيعة الأشياء، يكون التحقيق أوضح من النبوءة. وظهوره ذو مدلول كبير، لأنه على شبه ملكيصادق. فما وُعد به وبدا ظلاً، يجب أن يزول في المسيح. وطبيعة هذا الشبه قد أشير إليها في 7: 1 - 3 حيث قيل عن ملكيصادق إنه يشبه ابن الله، ويقوم كاهنًا إلى الأبد. وهنا يقال أن الابن المتجسّد هو في شبه ملكيصادق. فالشبه يشرح بشكل سلبيّ وبشكل إيجابي: بشكل سلبي بالنظر إلى كهنوت هارون. فالمسيح الذي ليس من سبط لاوي، لم يكن كاهنًا بحسب لاوي، بل في تعارض مع لاوي. فالشريعة تفرض عليه أن يتحدّر بحسب الجسد، وهكذا يكون في حلقة النظام الهاروني. وفي شكل إيجابي بالنظر إلى أن كهنوته تحدّده ((قوّة حياة لا تزول)). هذه الصفة المهمّة ترتبط بقول مز 110 بأن الكاهن حسب ملكيصادق يكون كاهنًا إلى الأبد. وحيث يوجد كاهن إلى الأبد، لا حاجة إلى شريعة تتعلّق بالتسلسل الكهنوتي. ففكرة التسلسل تتنافى مع كهنوت أبديّ.
ومع ذلك، فليس هناك سوى شبه بين المسيح وملكيصادق، وهو شبه يشير إليه صمت سرّي في خبر سفر التكوين حول ولادة ملكيصادق وموته وقرابته ونسله. في هذا الاطار، صارت صورة ملكيصادق ظلاً يشير إلى ما هو أعظم منه. هو كالسابق يوحنا المعمدان الذي شهد قائلآً: ((يأتي بعدي انسان تقدّم عليّ، لأنه كان قبلي)) (يو 1: 30). فالحقيقة التي كان ملكيصادق ظلاً لها، هي المسيح الذي هو إلى الأبد، لأنه الابن الأزلي (أولاً)، ولأنه بتجسّده وذبيحته صار حبر الجنس البشري الذي بقدرة قيامته من بين الأموات ومجد صعوده عن يمين الجلالة في العلاء، قد افتدى الطبيعة الساقطة ورفعها معه. فهذا الذي مات لأجلنا مرّة واحدة، لن يموت بعد (روم 1: 4؛ 6: 9؛ 1كور 15: 20). فإكليل المجد تبع الصليب، وقوّة الحياة التي تزول كانت الكفيل بأن حبرنا يدوم إلى الأبد.
((وهكذا، قد أبطلت الوصيّة السابقة لضعفها وعدم نفعها، لأن الناموس لم يبلغ بشيء إلى الكمال، وإنما كانت (= الوصيّة) مدخلاً لرجاء أفضل، به نقترب إلى الله)) (7: 18 - 19)
عادت الوصيّة القديمة بشكل خاص إلى تشريع تنظّم فيه الكهنوتُ اللاوي وتسلسُله (آ 11ي). وهذا التشريع جُعل جانبًا، بل ألغي بسبب ضعفه وعدم نفعه: ليس بقادر على تحقيق التبرير للخطأة أمام الله. فالشريعة هي مبدأ حياة فقط للانسان الذي يُتم ما يفرضه البرّ (روم 10: 5). أما الذي تعدّى الشريعة، فالشريعة تصبح له أداة موت (روم 7: 10 - 12؛ 2كور 3: 7ي). لهذا قيل أيضًا أن الشريعة لم تصنع شيئًا كاملاً. نفهم هذا أن الشريعة غير فاعلة في علاقتها بالانسان الخاطئ، وهكذا يكون العجز في الانسان الخاطئ، لا في الشريعة. فالشريعة في حدّ ذاتها مقدسة وروحيّة كما قال بولس في روم 7: 12، 14. فهي في النهاية، شريعة الله.
غير أن الكاتب اهتمّ قبل كل شيء بهذا الجزء من الشريعة (وصيّة سابقة) الذي يفرض وينظّم عالم الذبائح. ولكنه في الوقت عينه، يجعل الانسان واعيًا لخطيئته وتغرّبه وحاجته إلى الغفران، دون أن يستطيع أن يحفظه من الخطيئة، أو يساعده على إكمال المصالحة مع الله. ربّما بلغ بعضهم إلى الكمال في إطار الشريعة، ولكنهم نالوا هذا الكمال بالنعمة لا بالشريعة. فعلّة كمالهم لم تختلف عن علّة كمالنا: تقدمة ذاك الذي هو حبر إلى الأبد على رتبة ملكيصادق (11: 40).
ويحاول الكاتب أن يُقنع قرّاءه بأن لا يعودوا إلى نظام قديم قد تجاوزه الزمن. فمع مجيء ذاك الذي هو حبر عظيم، جاء الرجاء الأفضل: فأي نفع في تبديل الأفضل إلى الاسوأ؟ لماذا نخسر ملء المسيح لكي نأخذ نقص نهج قد ألغي؟ سبق صاحب عب وألحّ عليهم بأن يتمسّكوا بالرجاء الذي امامهم، لأن هذا الرجاء في المسيح يُدخلنا إلى المعبد السماوي (6: 18 - 19). وها هو يؤكّد لهم الآن أنهم يقتربون من الله عبر هذا ((الرجاء الأفضل)). فهم في خطر تجاهل أو إهمال الامتياز العجيب الذي لهم في المسيح: أن يدخلوا بثقة إلى عرش النعمة. لهذا جاء هذا التحريض الملحّ والمتكرّر لممارسة هذا الامتياز بثقة وبدالّة (4: 15 - 16؛ 10: 19 ي). نستطيع أن نوجز برهان الكاتب هنا بكلمات كتبها بولس إلى مسيحيّي رومة حين قال لهم: ((أرسل الله ابنه في شبه جسد الخطيئة من أجل الخطيئة، ففعل ما لم يستطعه الناموس لعجزه بسبب الجسد)) (روم 8: 3 ،اللحم والدم، الضعف البشري). فالرجاء المسيحيّ الذي تركّز على ابن الله، ليس شيئًا متبدّلاً وغير أكيد، بل أمين وجوهريّ. فكلمة الله وعمله في المسيح اللذان نستند إليهما، لا يمكن أن يخيّبا.
هذه الاعتبارات تبرّر ملء التبرير وصف الرجاء الذي صار واقعًا في إطار العهد الجديد كـ ((رجاء أفضل)). وفي الوقت عينه، تضمّن هذا الوصفُ أن الرجاء لم يكن غائبًا في العهد القديم. لا شكّ في أن الرجاء في القديم هو أدنى من الرجاء في الجديد. ويبقى التعارض بين الوعد والتتمة، بين الظلّ والجوهر، بين الضعيف والقويّ، بين العابر والدائم، بين الناقص والكامل. وسيبيّن ف11 أن قدّيسي العهد القديم كانوا أناس رجاء لأنهم كانوا أناس ايمان: ((فالايمان هو قوام ما نرجو)) (11: 1). غير أن رجاءهم تركّز على انتظار مجيء وسيط العهد الجديد والكاهن الابديّ الذي يرفع خطايا العالم. فنحن مثلهم حجّاج نشارك في كمال ملكوت المسيح المجيد والأبديّ. ولكن عبر ذاك الذي جاء الآن، ننعم بالدخول إلى حضرة الله، وهذا ما لم يكن متاحًا لهم خلال حجّهم على الأرض.

خاتمة
كان النظام الموسوي ناقصًا. وإن كانت الشريعة ألغيت، فلأن الكهنوت اللاوي لم يكن على قدر المهمة. فحكم عليه هذا العجز بأن يزول ويترك مكانه لكهنوت أسمى، للمسيح الذي هو كاهن يتحدّر من يهوذا، لا من لاوي. فكهنوته، حسب ملكيصادق، فريد وأبديّ. هذا يعني أنه يعارض فرائض الشريعة المتعلّقة بالخدمة الكهنوتيّة. كل هذا كان الظلّ، أما الحقيقة فهي المسيح. ونحن نقترب به إلى الله دون الحاجة إلى شريعة زالت ساعة زال الكهنوت اللاوي الذي ارتبط بالنسل والكمال والطهارة بحسب الشريعة.
الفصل التاسع عشر

تفوّق الكهنوت الجديد
7: 20 - 28

نحن هنا في المقطع الثاني (7: 11 - 28) من الاتجاه الأول (7: 1 - 28)، في حديث عن كهنوتين. تحدّثت الآيات 11 - 19 عن الكهنوت القديم الذي حلّ محلّه كهنوت آخر. وها نحن في آ 20 - 28 ،نتأمّل في تفوّق الكهنوت الجديد. هو يتفوّق لأنه يرتبط بقسَم (آ 20 - 22). هو يتفوّق لأنه يدوم (آ 22 - 25 ). وتأتي الخاتمة (آ 26 - 28) فتصف ذاك الحبر الجديد: قدوس، زكي، بلا عيب. وهكذا بدا المسيح في ما تفوّق به كهنوته على كهنوت لاوي، أنه كفيل العهد النهائيّ، وأنه يتشفّع من أجلنا.

1 - تفسير الآيات
تقسم هذه المقطوعة ثلاثًا: نظام ثابت، نظام أبديّ. والنتيجة: حبر قدوس.

أ - نظام ثابت (7: 20 - 22)
إن ((كاي)) (واو العطف) تبدأ مرحلة جديدة في التأويل كما في آ 15 وآ 23. يتابع الكاتب تفسير مز 110: 4 ،فيكتشف برهانًا جديدًا لتفوّق الكهنوت الجديد: في أصله قسَم من الله يرفعه. ينتج عن هذا أن يسوع (يتكرّر اسم يسوع باحتفال في آ 22؛ رج 2: 9؛ 6: 20) الذي كرِّس كاهنًا، هو كفيل عهد كامل. فما يوصف به هذا العهد يوصف الوسيط. أما سموّ الوسيط فيظهر في طقوس تسلّمه وظيفته: ((كات هوسون)) (بقدر، رج 3: 3؛ 9: 27)... ((كاتو توسوتو)) (آ 22 ، بقدر ذلك): بقدر ما هو عظيم لأنه لم يكن كاهنًا بغير قسم... بقدر... هذا ما يدعونا إلى القول: الكهنوت مع قسم هو بالنسبة إلى الكهنوت بدون قسم ما هو العهد الجديد بالنسبة إلى القديم.
نجد في هذه الجملة الطويلة (آ 20 - 22) معترضة (تبدأ مع ((أولئك)) وتنتهي مع ((الابد)) ونهاية آ 21) تجعل معارضة جذريّة بين واقع القسم الالهيّ في وضع يسوع، وغيابه في كتاب الطقوس اللاوي. بغير (خوريس) قسم (هوركوموسيا)، مع (ماتا) قسم. رج فعل ((أقسم)) (هوموسن). نلاحظ الاهميّة الدفاعيّة التي يوليها الكاتب للقسم (6: 31). لا شكّ في أن الله لا يحتاج إلى ما يُسند أقواله. ولكن عب تحدّثت عن الله بطريقة بشريّة، فقالت إنه أقسم، وهذا يعني أنه لن يتراجع: ((السماء والأرض تزولان وكلامي لا يزول)) (مر 13: 31). فإن هو أقسم، فتنازلاً نحو البشر، الذين يريد أن يقنعهم بأهميّة قراره الذي لا يتبدّل (تك 22: 16). إن لفظة ((هوركوموسيا)) (قسم) لا ترد في العهد الجديد إلا في عب (آ 20، 21، 28)، وفي العهد القديم، في حز 17: 18 - 19 في علاقته مع ((دياتيكي)) (عهد). هي عمل به يُقسم الانسان. رج ((اوركوس)) (6: 17). توجّه الله إلى المسيح فأقسم له أنه سيكون كاهنًا، وسيدوم كهنوته. وما يدلّ على لاتبدّل هذا الكهنوت، ما قاله الله لداود: هو لا يعود عن قراره ولا يندم (رج روم 11: 29، لا ندامة في هبات الله ودعوته).
لا شكّ في أن ترتيبًا فخمًا أحاط بتكريس هارون وأبنائه، فأبرز كرامتهم (خر 28 - 29؛ لا 8 - 9). غير أن هذه الاغتسالات والمسحات واللباس والعطور والذبائح، لا تقابَل بتكريس المسيح بيد الله ذاته. ما ألزم الله نفسه تجاه الكهنة اللاويين. أما يسوع الانسان فهو عطيّة الله وعربون عهده بالنظر إلى القسم الذي يصف كهنوته. ((انغووس)) (مراحدة في العهد الجديد، رج 2مك 10: 28) هي لفظة قانونية تعني الكفيل، الضمانة. هو الذي يأخذ على عاتقه الواجبات القانونيّة في عقد من العقود. حسب سي 29: 15، قد يُجبر على التضحية بحياته.
إذا كانت عب تعتبر المسيحية رجاء (آ 19)، وأن الخلاص لا يجد تتمته وكماله إلاّ في المستقبل، فمن الطبيعيّ أن ترى ضرورة الكفالة (والطمأنينة) تجاه تحقيق المواعيد الالهيّة. لهذا، فهي تقدّم المسيح ككفالة حيّة، كذاك الذي يمثّلنا أمام الله، والله وضع خلاصنا في يده (إنغيس). ولقد تجاوز يسوع كل الصعوبات التي تعترض كمال الخلاص، منذ ولادته حتّى دخوله إلى السماء (6: 20). ولكن كهنوته المؤسَّس على قسم الله، يدعونا إلى ثقة مطلقة. فهو يكفل واقع العهد الجديد وفاعليّته (رج 6: 17، ماسيتاواين). فالذي يرتّب خيرات الارادة الالهية، لا يغيب عن البشر في حاجاتهم. ونقرأ ((كرايتون)) (أفضل) التي تصف ((دياتيكي)) (عهد، تُذكر هنا للمرّة الأولى). تحدّثت آ 19 عن رجاء أفضل، وآ 22 عن عهد أفضل. أما الكفالة العظيمة التي يعطيها الكاهن الأعظم فذبيحة الصليب التي لا تنفصل عن القيامة التي هي عربون قيامتنا، كما قال تيودورس المصيصي.

ب - نظام أبدي (7: 23 - 25)
وتفوّقٌ جديد للمسيح الكاهن على الكهنوت اللاوي هو دوامه بحيث يلغي كل كهنوت آخر. هو فريد لأنه أبديّ. مات نسل هارون (فنحاس، اليعازر)، الواحد بعد الآخر، فحلّت الأجيال اللاحقة محلّ الأجيال السابقة، وتكاثرت. وهذا العدد الكبير من الكهنة، شكّل نقصًا. ولكنه كان ضرورة فرضها الموت. رج المصدر في صيغة الحاضر (تكرار): كولواستاي (يحول، يمنع). ونقرأ في آ 23: بارامانو (لا نجده إلاّ في فل 1: 25؛ تك 44: 33؛ أم 12: 7): بقي، لبث على قيد الحياة، ظلّ ثابتًا.
أما المسيح (آ 24) الذي كرّسه القسَم الالهي كاهنًا إلى الأبد، فهو يدوم دومًا، ويزاول وظيفته الكهنوتيّة بلا انقطاع. نقرأ هنا الفعل المجرد ((ماناين)) الذي هو أقوى من المزيد ((باراماناين)) (آ 23)، رج آ 3؛ يو 12: 34 (المسيح يبقى إلى الأبد). معناه معنى لاهوتيّ نجده في السبعينية: يدلّ على دوام الله وصفاته تجاه حياة الانسان العابرة. ((فالله هو الحي والباقي إلى الدهور)) (دا 6: 27؛ رج مز 9: 8؛ 33: 11؛ 102: 13؛ أش 7: 7؛ 14: 24). فهذه النظرة إلى الديمومة التي تميّز الله وأعماله، نجدها في روم 9: 11؛ 1كور 13: 13؛ 1بط 1: 23، 25، بحيث نرى في عب إعلانًا عن أبديّة المسيح وكهنوته وبالتالي لاهوته. فلا سلطان للموت على الذي هو كاهن ((بقوة حياة لا تزول)) (آ 16). ونقرأ ((أباراباتوس)) (مراحدة بيبليّة): لا ينتقل من شخص إلى آخر.
وتشكّل آ 25 انتقالة تختتم برهان آ 20ي (هوتن كاي، ومن ثمّ) وتبدأ مديح يسوع الكاهن القدوس (آ 26 - 28). نجد في هذه الآية تحديدًا عن الوظيفة الكهنوتيّة التي قام بها يسوع وحده بشكل كامل. فالكاهن هو وسيط (دي اوتو، به، كو 2: 20) يخلّص البشر، يخلّصهم (سوزاين) الآن (صيغة الحاضر) من الخطيئة ويوحّدهم بالله: هذا هو الخلاص التام الناجز (بنتالس، لو 13: 11). يسوع يقدر أن يخلّص إلى الأبد، ويخلّص دومًا، فيقود الخلاص المدشّن (بموته وقيامته) إلى النهاية (2: 3). رج ((بروسارخوماي)) (تقرّب) وقابل مع ((إنغيزو)) الذي نقرأه في آ 19 (نقترب إلى الله). هناك أولاً المعنى العباديّ (4: 16): لا نقترب إلى الله بدم الحيوانات المنحورة، بل بذبيحة المسيح. ثانيًا، بالنظر إلى الرجاء: نتابع المسيرة بقيادة ((ارخيغوس)) (2: 10)، مسيرة الحياة المسيحيّة (يو 14: 6)، وهي تقدر (ديناتاي، رج ديناميس في آ 16) أن تصل إلى هدفها بفضل المسيح.
وتتكرّر أيضًا هذه القدرة وهذا التفوّق: أزليّة المسيح الكاهن. إذا كان سبقنا (6: 20)، فهو ما زال حيًا في السماء (بنتوتي، في كل وقت، وهذا ما يقابل أيام الأبد مع أيام الأرض، رج مت 26: 11؛ فل 1: 20) لكي يمارس فيها مهمته الكهنوتيّة كمخلّص (ايس تو، لكي: هذا ما يدلّ على الهدف الذي تصبو إليه) ومتشفِّع. لقد صعد يسوع إلى السماء، وكان حاضرًا لدى الله، لكي يمارس وساطته من أجل البشر. وهكذا نفهم أنه، إن تمّت ذبيحة المسيح مرّة واحدة، فشفاعته متواصلة وقدرته لا تزول.

ج - حبر قدوس (7: 26 - 28)
هذه الآيات الثلاث حول قداسة المسيح الشخصيّة ونشاطه الكهنوتيّ، توجز ف7 (إن ((غار))، الفاء، توضح امكانيّة التخليص في آ 25)، وتهيّئ موضوع الذبائح الذي سيُعالج في ف 8 - 9. فهذا الحبر الذي على رتبة ملكيصادق، كما صوّر منذ آ 1 وفي دوره كمتشفّع (آ 25)، يتجاوب تجاوبًا كليًا مع حاجات البشريّة الخاطئة (ولا سيّما المسيحيين، يلائمنا نحن، هامين. رج آ 25: فيهم؛ 3: 6: بيت الله) التي تتوق إلى الطهارة من كل دنس للاقتراب من الله. هو حبر يلائمنا (برابو، رج 2: 10). هذا ما أقرّته حكمة الله. لسنا أمام قرار اعتباطيّ. هي ملاءمة بالنظر إلى البشر وإلى حاجاتهم.
إن تشفّع كاهن خاطئ لا يفيد شيئًا. فإن أراد أن يسمعه الله، وجب عليه أن يتوجّه إليه بشفتين نقيّتين (1تم 2: 8). أما حبرنا فهو قدوس. القداسة المطلقة. ((هوسيوس)) (نادرة في العهد الجديد، ترد 55 مرة في السبعينية، منها 25 مرة في المزامير. تترجم لفظة ((ح س ي د)): تقي، ورع).
المسيح مكرَّس لله ككاهن (آ 17 - 21)، وهو حبر (في مز 132: ،9 16 نجد ((كاهن)) مع ((قديس))) ثم نقرأ: منزّه (كاخوريسمانوس) عن الخطايا. هذا ما يُقال عن قداسة الله (تث 32: 4؛ مز 145: 13، 17؛ رؤ 15: 4؛ 16: 5). وقداسة المسيح ترتبط بشعائر العبادة. في العهد القديم، ((هوسيوي)) هم أعضاء الشعب المختار (حك 4: 15) والنفوس التقيّة التي تخاف الله (أم 10: 29)، تخضع لوصاياه (حك 6: 10؛ 18: 9)، ترجوه (مز 86: 2)، تحبّه (مز 31: 24)، تنتظر عونه (مز 37: 28؛ 43: 1؛ 97: 10؛ 116: 15؛ حك 4: 15؛ 10: 15). ويتميّز هؤلاء الاتقياء بنشاطهم العبادي: يصلّون إلى الله ويسبّحونه (مز 30: 5؛ 32: 6؛ 145: 10؛ 149: 1)، مثل الكهنة الذين يخدمون الله في هيكله ويقتربون منه (148: 14). هكذا المسيح الحبر هو ((هوسيوس))، لأنه أتمّ إرادة أبيه (10: 5 - 10)، وأظهر ورعه (أولابايا، 5: 7) فتكرّس لخدمة مجد الله.
وأخيرًا، المسيح قدوس على المستوى الاخلاقيّ. فهو يمتلك الكمال الذي لا ينقصه شيء. من هذا القبيل ((هوسيوس)) ترادف ((تالايوس)) (كامل)، ((أغنوس)) (نقيّ، رج 2كور 7: 11؛ 11: 2) ((ديكايوس)) (بار، صدّيق، تث 32: 4؛ مز 145: 17)، ((أتوأوس)) (مز 18: 26)، ((اممبتوس)) (لا عيب فيه، حك 10: 15؛ أف 2: 10)، ((أموموس)) (بريء، 9: 14؛ 1بط 1: 19). هو الحبر الأمين (3: 1ي) الذي ينفّذ تنفيذًا كاملاً مهمّته كوسيط، حسب بنود العهد الجديد. هو بعيد عن كل لوم، وطاهر بحيث يقدر أن يطهّر جميع الخطأة.
هذا الكمال الخلقيّ وهذه الاستقامة التي لا غبار عليها، نقرأهما أيضًا في صفتين: ((أكاكوس)) لا شرّ فيه. هو الشخص الصالح والنقيّ القلب الذي يرضى الله عنه (أي 7: 20؛ 36: 5؛ مز 25: 21، ت م، أي التامّ الذي لا نقص فيه). المسيح هو كاهن وضحيّة بلا خطيئة. رضي الله عنه لأنه نقي بريء. هذا ما يشير إليه ((أميانتوس)): بدون نجاسة ماديّة وأدبيّة. تستعمل هذه اللفظة للكلام عن العفّة (13: 4؛ رج حك 4: 2؛ 8: 20)، وعن تكريس الهيكل (2مك 14: 36؛ 15: 34)، وعن الديانة المثاليّة (يع 1: 27). فنقاوة يسوع الكاملة هي سماويّة (1بط 1: 4). هي طاهرة وتعمل عمل النور فتطهّر كل نجاسة فينا. إلى مثل هذا الكاهن نحتاج، وهو يؤدّي خدمته لأجلنا أمام عرش الله.
هذه الألفاظ الثلاث (قدوس، زكي، بلا عيب) تشير إلى صفات عباديّة تجعل الكاهن جديرًا بأن يقوم بوظائفه. هي تتعارض مع قداسة كهنوت هارون حسب الشريعة، وهي تفرض كمال الجسد (لا 21: 17) والنقاوة الطقسيّة (لا 21: 11). أما حبر المسيحيين فيمتلك كمالاً داخليًا، ودينيًا، وخلقيًا، وكاملاً، يرتبط بشخصه الالهي (آ 28). لهذا، لا نجسَ يستطيع أن يلامسه، وهو لا يقيم بعد مع الخطأة، مع أنه عاشرهم في حياته (مت 9: 10؛ 11: 19) فحُسب منهم، وسلّم إلى أيديهم (مر 14: 41). بعد الصعود، ما عاد يتّصل بهم، فارتبط تكريسه لله بحالة من الانفصال والابتعاد (خوريزو، صيغة الكامل، المجهول، منزَّه). ابتعد عن الخطيئة بُعد السماء عن الأرض (1: 10؛ 4: 14). ذاك هو وضع الله المميَّز (مز 57: 6؛ أي 22: 13؛ أم 30: 4)، وابنه (رؤ 12: 5؛ أف 4: 10). هذا يعني أن هذا الحبر ليس على رتبة البشر.
هذه التأكيدات العقائديّة تكمّل الأقوال حول ضعف المسيح (4: 15؛ 5: 2 - 8). إذا كان المخلّص قد تعاطى مع شقاء البشر، إلاّ أنّ عليه أن يكون بريئًا ولا عيب فيه لتكون شفاعته ناجعة لدى الله. والصفات الضروريّة لحبر العهد الجديد هي في النهاية انتصاره على الخطيئة. هو القدوس القدوس، وقداسته علّة سموّه في ممارسة كهنوته بالنسبة إلى عظيم الكهنة في العهد القديم.
ولمّحت آ 27 (رج آ 3) إلى لا 16: 6 - 11 الذي يفرض على الحبر، في يوم التكفير، أن يقدّم ثورًا عنه وعن بيته قبل أن يذبح تيس الخطيئة لتطهير خطايا الشعب. كان هذان الطقسان يتمّان مرّة في السنة (9: 7 ،25). أما المسيح فلا حاجة أن يُقدّم ذبيحة عن خطاياه اليوميّة مثل رؤساء الكهنة. فهو بلا خطيئة (آ 26). ثم لا يحتاج إلاّ أن يكرّر الذبائح عن الشعب، فقد فعل ذلك مرة واحدة (إفاباكس، 10: 10؛ روم 6: 10؛ 1كور 15: 6). نقرأ فعل ((أنافارين)) ، قرّب (ع ل ه في العبريّة). بدأ ف 7 فجمع الكهنوت إلى الملك. وها هو يجمع الكاهن إلى الضحيّة (تيسيا).
وجاءت آ 28 تستعيد ما قيل بشكل تعارض. فالناموس وكلمة القسم (مز 110) يتعارضان كينبوعَي تأسيس الكهنوت (كاتيستيمي، جعل في وظيفة، 5: 1؛ تي 1: 5). من جهة، هناك أناس (انتروبوي) ضعاف وخطأة. ومن جهة ثانية، ابن (هيوس) الله الأزليّ. وهناك الكامل تجاه ((ضعفاء))، يمتلكون الضعف، خاضعون للضعف. المسيح هو الحبر الوحيد الذي جُعل كاملاً ويظلّ كاملاً إلى الأبد. كمال على المستوى الخلقي (بدون خطيئة، كما قال الذهبي الفم). كمال على مستوى الدعوة الكهنوتية. كمال الذبيحة التي انتهت بالدخول في المجد.

2 - قراءة إجماليّة
((وهذا لم يكن بغير قسم، وأولئك صاروا كهنة بغير قسم. أما هو فبقسم ممّن قال له: أقسم الرب ولن يندم: أنت كاهن إلى الأبد. ومن ثمّ فيسوع صار ضمانة لعهد أفضل)) (7: 20 - 22)
قدّم لنا مز 110 حلقة أخرى في سلسلة البراهين، التي تدلّ على تفوّق نظام ملكيصادق على نظام لاوي. فالكاهن إلى الأبد الذي وجد فيه كهنوت ملكيصادق كماله، هو ضمانة عهد أفضل، لأن هذا الكهنوت قد أقامه الله بقسَم، عكس السلسلة اللاويّة. فحين عقد الله عهدًا مع ابراهيم (6: 13ي) من أجل وعد، ثبّته بقسَم، فدلّ على أن هدفه لا يتبدّل (6: 17). وما يصحّ في العهد مع ابراهيم، يصحّ أيضًا في تأسيس نظام ملكيصادق. فهنا أيضًا حلف الله، فدلّ على أن وعده ثابت.
بالاضافة إلى ذلك، لا تُدعى كل أحكام الله لكي تتواصل على الداوم. وهذا ظاهر، في هذا الاطار، في وضع العهد القديم والكهنوت المرتبط به. لقد برهن الكاتب (آ 11) أن الاشارة إلى نظام كهنوت آخر في مز 110، تدلّ على الطبيعة العابرة للكهنوت اللاوي الناقص. وها هو يرى أن كهنوت ملكيصادق لم يقم بدون قسم. أما كهنوت هارون، فلا يرتبط بقسم إلهي.
في زمن موسى، ارتبط العهد القديم (الذي هو أدنى) بالكهنوت القديم. ومع المسيح، ارتبط العهد الجديد بالكهنوت الجديد: هذا جاء بقسم على أساس كمال التقدمة الكهنوتيّة. أما الضمانة فيسوع المخلّص المتجسّد من أجل بشريّتنا. هو الكفيل، وهو إلى الأبد. لهذا، لن يُلغى العهد الذي قطعه، فسمّته عب 13: 20: ((العهد الأبدي)).
((كان أولئك كهنة كثيرين، لأن الموت كان يحول دون بقائهم. أما هو، فلكونه يبقى إلى الأبد، له كهنوت لا ينتقل. ومن ثمّ، فهو قادر أن يخلّص تمامًا الذين به يتقرّبون إلى الله، إذ إنه على الدوام حيّ ليشفع فيهم)) (7: 23 - 25)
ما نلاحظ لدى الكاتب حين يتوسّع في برهانه، هو اعتبار يقول إن نسل هارون كانوا كهنة كثيرين. فتكاثرهم في سلسلة طويلة امتدّت على مئات السنين، فرضتها ضرورة: هم مائتون. يموت كاهن فيحلّ محلّه كاهن آخر. وهكذا يكون الانتقال من كاهن إلى كاهن، ومن جيل إلى جيل. لهذا نظّم التشريع السلالة الكهنوتيّة. أما المسيح فلا مكان له في هذه السلسلة التي تتحدّر من هارون، من قبيلة لاوي. لهذا، كان كهنوته مختلفًا. غير أن السبب الأهم لأن لا يكون يسوع عرضة لتنظيم القرابة والتسلسل، هو أن كهنوت المسيح يتميّز بقوة حياة لا تزول (آ 16). فهو ككاهن يدوم إلى الأبد، كما يقول المزمور، فلا يحتاج إلى من يحلّ محله. فبما أنه لا يموت، فكهنوته لا يموت وبالتالي لا يعبر إلى آخرين. هنا نتذكر روم 6: 9: ((نعرف أن المسيح قام من بين الاموات ولا يموت بعد، ولا سلطة للموت عليه))، ورؤ 1: 17 - 18: ((أنا الأول والآخر. أنا الحي. متُ وها أنا حيّ إلى الأبد)).
وهناك حقيقة ثانية: وسيطنا وحبرنا يدوم إلى الأبد. فهو يعمل في كل زمان. وعمله كامل من أجلنا، وبه نقترب من الله. فكيف نرجو أن نقترب من الاله الأزلي مع كاهن مائت أو عرضة للموت؟ وككاهن ليس فقط الحيّ إلى الأبد، بل هو يشفع فينا إلى الأبد في المعبد السماوي. فمع هذا الشفيع الذي يُسندنا بقوّته ويحيط بنا بمحبّته، لا قوّة تنتصر علينا (فل 4: 13؛ روم 8: 37).
نسب المعلّمون شفاعة إلى الملائكة، فحلّ تشفّعهم محلّ تشفّع المسيح. لهذا أعلن الكاتب أن المسيح هو الوسيط الوحيد في العهد الجديد والشفيع الوحيد، لأن شفاعته هي نشاط وساطته (1تم 5: 5؛ روم 8: 34؛ 1يو 2: 1 - 2). فمن طلب شفاعة الملائكة قام بعمل نافل، بل خطئ ضدّ الثقة بالمسيح وكأنه لا يكفي كشفيع فيحتاج إلى من يعينه (مثلاً، ظنّ اليهود في السنين الاولى أن المسيح لا يكفي من أجل الخلاص، فأضافوا الختان). في الواقع، نحن نكرم الخليقة مع (أو محلّ) الخالق الذي وحده افتدانا (روم 1: 25). وهذا التشفّع لا يعني أن الابن يرافع من أجل البشريّة ليحصل لها على شيء من الآب. فعمل الخلاص من أجل البشرية هو ثالوثيّ، عمل الآب والابن والروح القدس. والابن هو التعبير البشري عن موقف الآب تجاهنا. في هذا قالت روم 8: 32: ((لم يشفق على ابنه الخاص، بل أسلمه عنا جميعًا، فكيف لا يهبنا أيضًا معه كل شيء)).
((فذلك هو الحبر الذي كان يلائمنا، حبر قدوس، زكيّ، بلا عيب، قد تنزّه عن الخطأة، وصار أعلى من السماوات، لا حاجة له أن يقرّب كل يوم، مثل الأحبار، ذبائح عن خطاياه الخاصة أولاً، ثم عن خطايا الشعب، لأنه فعل ذلك دفعة واحدة حين قرّب نفسه. فالناموس إذن يقيم أحبارًا أناسًا ضعفاء. أما كلمة القسم، التي عقبت الناموس، فتقيم الابن كاملاً إلى الابد)) (7: 26 - 28)
تحدّث الكاتب من قبل (2: 10) عن قائد خلاصنا الذي صار خلاصه كاملاً بالآلام. وها هو الآن يتحدّث عن صفات هذا الحبر، بالنسبة إلى حاجاتنا. اذن، وساطة كاملة لا وساطة بعدها. خلاص ناجع لا وجود لخلاص بعده. حبر قدوس. تحدّث تيودوريتس عن قداسة المسيح في ارتباط بالله، في ارتباط بالبشر، في ارتباط مع نفسه. أما تسمية قدوس فلها وجهة مسيحاويّة في نظر الرسل. هكذا استعمل بطرس في عظة العنصرة مز 16: 10 (لا تترك قدوسك يرى فسادًا) فطبّقه على قيامة يسوع وكمال النبوءة (أع 2: 27؛ رج 13: 35). ويتواصل سرد الصفات. زكي. فجذور الشرّ التي فينا ليست فيه. بما أنّه بلا عيب، انفصل عن الخطأة. هكذا، لا يحتاج إلى أن يقدّم ذبيحة عن خطيئته قبل أن يقدّم عن الشعب. وأخيرًا، حبرنا حسب ملكيصادق صار أعلى من السماوات (4: 14)، تسامى فوق كل شيء بانتصاره في القيامة والصعود والجلوس المجيد عن يمين الآب، بشكل يفوق الوصف.
وهذه القداسة والتنزّه عن الخطيئة والرفعة، جعلت المسيح يختلف كل الاختلاف عن كهنة ما زالوا على مستوى البشر. لهذا، ظلّ عملهم بشريًا. هم ضعفاء مثل البشر فكيف تكون فيهم قوّة حياة لا تزول (آ 16). هم خطأة، فكيف يتشفّعون في الخطأة. هم مائتون فكيف يدومون. وتتكرّر ذبائحهم. أما ذبيحة يسوع فواحدة. قدّم نفسه مرة واحدة، قرّب نفسه لأنه بلا عيب.
وفي النهاية، يعود الكاتب إلى العلاقة بين الناموس والكهنوت اللاوي (آ 11 - 12). فضعفُ الأحبار يرتبط بنظام قديم في وجهتين: هم مائتون. لهذا، يمنعهم الموت من متابعة وظيفتهم (آ 23). هم خطأة. لهذا يحتاجون إلى أن يقرّبوا أولاً عن نفسهم (آ 27). كان هؤلاء الكهنة ضعفاء، فما استطاعوا أن يقدّموا تكفيرًا لامحدودًا في قيمته وأبديًا في فعله. لا شكّ في أن عب ضمّت الضعف إلى وظيفة المسيح الكهنوتيّة، حين أخذ بشريتنا في فعل التجسّد، وهذا الضعف ظهر في التعب، في التجارب التي جابهها (2: 14ي؛ مت 4: 2؛ مر 4: 38؛ يو 4: 6)، في الألم الذي قاساه (عب 5: 7 - 8)، وأخيرًا في الموت (7: 27؛ 12: 2). وكل هذا لكي يتعاطف مع ضعفنا (4: 15). أما الآن، فنراه يختلف كل الاختلاف عن الكهنوت اللاوي، لأن كهنوته لم تلطّخه الخطيئة ولا ينتهي بالموت. فانتصر على ضعفنا في ما انتابه: في التجربة، لم يعرف الهزيمة. في الألم، ثبت حتى النهاية. في الموت، كان السيّد بمجد القيامة (يو 10: 18). وانتصر حين تعلّم الطاعة فصار كاملاً عبر آلامه (2: 10؛ 5: 8 - 9). هكذا نفهم ما يعني وصف المسيح الذي صار كاملاً إلى الأبد تجاه كلام عن بشر ضعفاء جعلتهم الشريعة أحبارًا.

خاتمة
جاءت المقطوعة السابقة (آ 11 - 19) تحدّثنا عن حياة لا تزول (آ 16)، وعن رجاء أفضل (آ 19). هكذا يتفوّق كهنوت على كهنوت. وهنا نكتشف ميزتين جديدتين: كهنوت لا يتحوّل ولا يتبدّل. كهنوت يدوم إلى الأبد. فكاهننا لا يموت. هو كفيل العهد النهائي. وهو يتشفّع عنا. أجل، يسوع هو المخلّص الذي يعرف ضعفنا ويأتي إلى عوننا. هو بعيد عنا وهو قريب منا. هو لا يحتاج إلى كفّارة بل هو يكفّر عن خطايانا. اختلف كل الاختلاف عن الكهنة اللاويين، فكانت مهمّته في خدمته الكهنوتيّة كاملة بعد أن حمل إلى المجد إخوة كثيرين.
الفصل العشرون
الكمــال
8: 1 - 9: 28

بعد المطلع (5: 11 - 6: 20) والاتجاه الأول (7: 1 - 28)، نعالج الآن الاتجاه الثاني الذي هو الاتجاه المركزي والأطول، وفيه ينبّهنا الكاتب أننا وصلنا إلى النقطة الرئيسية في عرضنا: رأس الكلام في هذا الموضوع (8: 1). وإذ أرادت عب أن تبيّن أنها نظرت إلى هذا التوسّع منذ اللحظة الأولى، استعادت هنا القول الأول في المقدّمة (1: 3). الابن ((جلس عن يمين الجلالة في الاعالي)). وها نحن نقرأ هنا (8: 1) عن عظيم الكهنة ((الذي جلس عن يمين الجلال في السماوات)). لم تُستعمل عبارة ((جلس عن يمين)) منذ 1: 3 (ستعود في 10: 12؛ 12: 2). أما ((الجلال)) (داكسيا) فلا نجده إلاّ في 1: 3 و8: 1. ولا نجده في سائر العهد الجديد إلا في يهو ،25 في المجدلة الاخيرة.
ننطلق من خاتمة ف 7 لكي نكتشف بنية هذين الفصلين. في 7: 7 ،كان تعارض بين قرّب ذبائح (كما يفعل عظماء الكهنة)، و((قرّب نفسه)) (كما فعل يسوع مرّة واحدة). ونحن نجد التعارض عينه في هذا الاتجاه المركزي. الفعل المستعمل يختلف بعض الشيء، ولكننا لا نزال في الجذر عينه مع ((فاراين)): أنا فاراين (رفع، ع ل ه في العبرية). بروسفاراين، حمل، قرّب (ق ر ب في العبرية). سوف نجد تكرار العبارتين عينه في ف 8 - 9. في 8: 3 و9: 9 ،نقرأ: قرّب تقادم وذبائح. في 9: 14 و9: 25 نقرأ: قرّب نفسه، رج 9: 28. وهكذا نكون أمام دبتيكا في درفتين: الدرفة الأولى تشير إلى الذبائح الطقسيّة القديمة. والدرفة الثانية، إلى ذبيحة المسيح الشخصيّة.
لا نتوهّم أن الكاتب يحصر نفسه في وصف النظم القديمة. يتكلّم فيما بعد فقط عن نظام للاشياء جديد، أقامه المسيح. في الواقع، هو لايني على مدّ ف 8 - 9 يواجه العهد الجديد مع العهد القديم، فينتقل دومًا من الواحد إلى الآخر. غير أن التمييز بين المرحلتين يفرض نفسه: في مرحلة أولى نجد نظرة ناقدة: يُبرز الكاتب ضعف النظام القديم. وإن هو تكلّم عن الجديد منذ الآن، فليدلّ على نقص القديم الذي عفّاه الزمن. وفي مرحلة ثانية، يتّخذ الكلام منحى ايجابيًا: يتحدّث النصّ بقوة عن إقامة العبادة الجديدة وعن تفوّقها. وإن هو أشار إلى العبادة القديمة، فلكي يشهد للجديدة التي حلّت محل القديمة وكمّلتها.
أين نضع الحدّ الفاصل بين المقطعين؟ بين ((قرّب تقادم وذبائح)) (9: 9) و((قرّب نفسه)) (9: 14). ونلاحظ الموضع الذي فيه يُسمّى المسيح للمرة الأولى. ما يلفت النظر، هو أن الكاتب تحاشى في القسم الأول من توسّعه أن يسمّي يسوع تسمية واضحة. فالفعل في 8: 3 ب - 4 وفي 8: 16 احتاج إلى موصوف يكون فاعلاً. ولكن الكاتب لم يعطه. بل اكتفى في المرّة الأولى بـ((توتون)) (هذا): ((لا بدّ لهذا أن يكون له، هو أيضًا، شيء يقرّبه)). وفي المرة الثانية، ترك الكاتب يضيف ((الفاعل))، فقال: ((حصل على خدمة أسمى)). لهذا، أضافت الترجمات: يسوع المسيح، من أجل الوضوح. ولكن ليس هذا ما أراده الكاتب. بل هو انتظر 9: 11 ليسمّي المسيح فقال: ((أما المسيح فقد جاء حبرًا)). وسوف يبرز اللقب بعد ذلك ثلاث مرات (9: 14، 24، 28). هكذا أشار الكاتب إلى الدرفة الثانية في الدبتيكا (9: 11 - 28)، بحيث صارت الدرفة الأولى، 8: 1 - 9: 10. ونحن نميّز في كل درفة قسمات ثلاثًا، وكل قسمة تقابل الأخرى في تواز متداور.

1 - المقطع الأول (8: 1 - 9: 10): عدم كفاية العبادة القديمة والاستغناء عنها

أ - القسمة الأولى (8: 1 - 6)
8: 1 ورأس الكلام في هذا الموضوع،
أن لنا حبرًا كهذا،
قد جلس عن يمين عرش الجلال في السماوات.
8: 2 خادمًا للمقدس والمسكن الحقيقيّ
الذي نصبه الربّ لا الانسان.
8: 3 فإن كل حبر يقام يقرّب تقادم وذبائح
ومن ثمّ لا بد لهذا أن يكون له هو أيضًا، شيء يقرّبه.
8: 4 فلو كان على الأرض،
لما كان كاهنًا،
لأنه يوجد هؤلاء الذي يقرّبون التقادم على حساب الناموس
8: 5 فهؤلاء يقيمون خدمة هي صورة وظلّ لما في السماوات
كما أوعز إلى موسى لمّا همّ أن يُنشئ الخباء (المسكن)،
فقيل له: أنظر واصنع كل شيء على المثال الذي رأيته على الجبل.
8: 6 أما هو فحصل الآن على خدمة أسمى
بمقدار ما هو وسيط لعهد أفضل،
مؤسَّس على موعد أفضل.
هناك تضمين بين ((خادم)) (لايتورغوس) في 8: 2؛ وبين ((خدمة)) (لايتورغيا) في 8: 6. وهذا ما يُبرز وحدة القسمة. كيف تبدو بنيتها؟ إن آ 1 تؤمّن الانتقالة بين الاتجاه الأول (7: 1 - 8) والاتجاه المركزي (8: 1ي)، فتعود بنا إلى بداية الرسالة (1: 3). ولا تظهر لفظة ((خادم)) سوى مرة واحدة بعد أن ثبتت هذه الرباطات. ولكن آ 1 - 2 تلعبان دور مقدّمة للاتجاه كله، وتعلنان بشكل خاص جزءها الايجابي: 
فعبارة ((ولنا حبر كهذا)) (8: 1)، تهيّئ عبارة ((المسيح صار حبر الخيرات الآتية)) (9: 11). وعبارة ((جلس في السماوات)) (8: 1)، تشرحها عبارة ((المسيح دخل السماء بعينها)) (9: 24). و((المسكن الحقيقيّ الذي نصبه الرب لا الانسان)) (8: 2)، سيجد من جديد وصفًا له في 9: 11: ((المسكن الأعظم والأكمل الذي لم تصنعه يد، أي ليس هو من هذا العالم)). وأخيرًا، ستُعطى تفاصيل مشابهة بالنسبة إلى المقدس (8: 2): ((صنعته الأيدي، صورة للحقيقي)) (9: 24). لن نجد بعد ذلك تقاربًا مماثلاً بين 8: 1 - 2 وبين 8: 3 - 9: 10. لا شك في أن آ 1 - 2 تنفصلان عمّا تبقّى انفصالاً واضحًا: هما تقدّمان له، ولكنهما في الوقت عينه تعارضانه: تعطيان لمحة عن اللوحة النهائية، وذلك لتبرز ما في الرسمة الأولى من نقص يُبعدها عن الكمال. ويلفت النظر أن الكاتب انتظر آ 3 ليقحم عبارة تميّز الدرفة الأولى في الدبتيكا: قرّب التقادم والذبائح. ففي آ 3 يبدأ النقد حول الذبائح القديمة التي ليست بكافية. والعبارة المستعملة في 8: 3 و9: 9 تشكّل التضمين الذي يدلّ على الجملة الأولى والجملة الأخيرة.
بعد هذه الاعتبارات على آ 1 - 2 ،نتطلّع إلى آ 3 - 5 ونتساءل عن النقطة المحدّدة التي أراد الكاتب أن يتوسّع فيها، فيأتي الجواب: بما أن وظيفة الكهنوت تأمين العبادة (خدمة المذبح، الليتورجيا)، استبعدت عب، في ما يخصّ المسيح، مشاركة في شعائر العبادة حسب الشريعة. ((فلو كان على الأرض، لما كان كاهنًا، لأنه يوجد الذين يقرّبون التقادم على حسب الناموس)) (8: 4). وبعد ذلك، يأتي مباشرة قولٌ حول الطابع الناقص لهذه العبادة: هي تنحصر في إطار مصطنع. لا شيء صريحًا فيها. وكل ما فيها تكرار. أما الأمور الحقيقيّة فسماويّة (8: 5). أريت لموسى على الجبل (8: 5 ،أراه الله إياها). أقام الكهنوت القديم ((على الارض)) (8: 4) فما تجاوز مستوى ((الصورة والظلّ)) (8: 5). نلاحظ هنا وجهة نظر الكاتب التي هي حقًا سلبيّة.
وتنتهي القسمة الأولى في آ 6 التي تنطبع بطابع إيجابي، شأنها شأن آ 1 - 2، فتتميّز عن الباقي. توخّت آ 6 أن ترفع نظر القارئ فوق اعتبارات مخيّبة للآمال حول نظام الأشياء القديمة وتوجّهه نحو الواقع الجديد الذي سيوصف في المقطع الثاني (9: 11 - 28). ويتركّز مضمون هذه الآية على فكرة العهد، فيتقارب مع القسمة التالية (8: 7 - 13) تقاربًا وثيقًا، غير أنه لا يرتبط بها. لماذا؟ بسبب وجود لفظة ((خدمة)) التي تشكّل تضمينًا مع ((خادم)) (8: 2). والبنية الغراماطيقية تربط 8: 6 مع 8: 4. وعبارة ((نين دي)) (أما) المستعملة هنا تلعب دورًا في إدخال ملاحظة تعارض فرضيّة سابقة. أما هنا، فالفرضيّة يُعبَّر عنها في شكل غير واقعيّ، في 8: 4: ((فلو كان على الأرض، لما كان كاهنًا)) (ولكنه لم يكن على الأرض، بل هو في السماء). بما أن حبرنا نال خدمة مختلفة، فهذا يستبعد مثل هذه الفرضيّة. وهكذا شدّ الكاتب الرباط بين الجملتين، فاستعمل في 8: 4 الاداة ((مان)) (من جهة) التي تعلن ((دي)) (من جهة أخرى) في 8: 6.
وهكذا ترتبط آ 6 بالقسمة الأولى (8: 1 - 6) مع العلم أنها تلعب وظيفتين: هي خاتمة لأنها تستبعد ما قيل في البداية، في آ 1 - 2. وهي انتقالة لأنه تبدأ النقطة التالية عابرة من فكرة الخدمة الليتورجيّة إلى فكرة العهد.

ب - القسمة الثانية (8: 7 - 13)
بعد آية الانتقالة (آ 6)، تبدأ القسمة الثانية التي تتحدّث عن العهد الأول وتتحدّث عنه بلغة لا ترفعه: 
8: 7 فلو كان الأول بلا لوم،
لما كان من داعٍ إلى ثانٍ.
8: 8 فهو يلومهم ويقول لهم: 
إنها تأتي أيام، يقول الرب،
أقطع فيها مع بيت اسرائيل وبيت يهوذا عهدًا جديدًا
8: 9 لا كالعهد الذي قطعتُ مع آبائهم،
يوم أخذتُ بيدهم لأخرجهم من أرض مصر.
وبما أنهم هم أنفسهم لم يستمرّوا على عهدي،
أنا أيضًا أهملتهم، يقول الرب.
8: 10 وهذا هو العهد الذي أعاهد به بيت اسرائيل
بعد هذه الأيام، يقول الرب
أحلّ شريعتي في بصيرتهم،
وأكتبها على قلبهم.
وأكون لهم إلهًا،
وهم يكونون لي شعبًا.
8: 11 ولا يعلّم بعد أحدٌ مواطنه، ولا أحد أخاه،
قائلاً: إعرف الرب.
فالجميع سيعرفونني من صغيرهم إلى كبيرهم.
8: 12 لأنه سأغفر آثامهم،
ولن أذكر من بعد خطاياهم.
8: 13 فبقوله ((جديدًا)) أعلن الأول عتيقًا.
وما عتُق وشاخ هو على شفى الزوال.
نكتشف التضمين هنا مع لفظ ((الأول)) (آ 7 ،13). والايراد الطويل من سفر ارميا يشكّل وصفًا للعهد الجديد. وعى الكاتب هذا الأمر، فأشار في 8: 6 إلى ((مواعد أفضل)). غير أنه لم يبُرز العناصرَ الايجابيّة في هذا العهد، حين بدأ الايراد وحين ختمه. بل هو استغلّ نص ارميا ليبرز الطابع الناقص والمؤقت في العهد القديم: قبل أن يورد كلام النبيّ، لفت الانتباه إلى اللوم الذي يتضمنه القول النبوي (آ 7 - 8: الله يلومهم فيقول لهم). وبعد أن أورد النص الكتابي، انحصر تفسيره في ملاحظة تقول: حُكم على العهد القديم بالزوال.
إن توقّفنا اذن عند ما قاله الكاتب بشكل واضح، نفهم أن الهدف الرئيسيّ لهذه القسمة الثانية هو محاربة اعتداد العهد الموسوي بنفسه، ورذل هذا العهد من المنظار الجديد الذي هو منظار عب.

ج - القسمة الثالثة (9: 1 - 10)
وتعود لفظة ((الأول)) في بداية القسمة الثالثة فتكوّن كلمة مخالفة تربطها بالأولى. ويعلن الكاتب نقطتين: شعائر العبادة والهيكل (9: 1). ويتوسّع فيهما بشكل معاكس: يبدأ بالهيكل (تو أغيون، المكان المقدَّس. أما تا أغيا: الاقداس، فترجمتها: المعبد). رج 9: 2 - 5. ثم يصل إلى الطقوس مع آ 6 - 10.
9: 1 فالعهد الأول كان له هو أيضًا رسوم (شعائر) عبادة
وهيكله (الذي كان) من هذا العالم.
9: 2 ونُصب الخباء الأول
كانت فيه المنارة والمائدة وخبز التقدمة
سُمِّي القدس.
9: 3 ووراء الحجاب الثاني، الخباء الذي يُقال له قدس الاقداس
9: 4 وفيه مستوقد البخور من ذهب،
وتابوت العهد المغشّى بالذهب من كل جهة،
وفيه إناء من الذهب فيه المن، وعصا هارون التي أورقت، ولوحا العهد،
9: 5 ومن فوقه كروبا المجد يظلّلان على الغشاء.
وليس الآن مقام تفصيل الكلام في ذلك.
9: 6 وإذا كانت الأشياء على هذا الترتيب،
كان الكهنة يدخلون الخباء الأول، في كل وقت، للقيام بالخدمة (بالعبادة، بالليتورجيا)
9: 7 وأما الثاني فإنما يدخله رئيسُ الكهنة وحده، مرّة في السنة،
وليس بلا دمّ يقرّبه عن جهالاته وجهالات الشعب (أو: عنه وعن جهالات الشعب).
9: 8 وبذلك يشير الروح القدس إلى أن طريق المعبد لا يبرح غير مفتوح،
ما دام المسكن (الخيمة) الأول قائمًا.
9: 9 وهذا رمز إلى الزمن الحاضر
الذي فيه تقرّب تقادم وذبائح
لا قبَل لها بأن تصيّر خادمها كاملاً، حتّى في ضميره.
9: 10 إذ ليس هناك سوى أطعمة وأشربة وشتى أنواع الغسل،
وكلها رسوم (شعائر، فرائض) بشريّة (من لحم ودم، ضعيفة) موضوعة حتّى زمن الاصلاح فقط.
نجد هنا أكثر من تضمين. ولكننا نشير فقط إلى ((ديكايوماتا))، طقوس، رسوم (9: 1 ،10، لا تستعمل اللفظة إلاّ هنا في عب)، التي تبدأ القسمة وتنهيها. تكرّر فعل ((كاتاسكواسني)) (نصب، أقام) في 9: 2 و9: 6 فدلّ على حدود وصف الهيكل (9: 2 - 5). ولعبت لفظة ((لاترايا)) و((لاترواين)) دورًا هامًا. في 9: 1 جُعلت ((لاترايا)) (عبادة) مع ((ديكايوماتا)) (رسوم، شعائر)، فأوضحتها وأعلنت النقطة التالية التي سوف تُعالج. وتكرّرت في آ 6 ،فدلّت على بداية النقطة الثانية. وجاء فعل ((لاترواين)) (خدم) في آ 9 مع ((ديكايوماتا)) في آ 10، فدلّ على نهاية هذه النقطة.
واستعادت آ 19 عبارة ((قرّب تقادم وذبائح)) التي قرأناها في 8: 3 ،فكوّنت تضمينًا، وحدّدت الدرفة الأولى من الدبتيكا، أو المقطع الأول (8: 1 - 9: 10). وجاءت الألفاظ الأخيرة في 9: 10، فدلّت أننا وصلنا إلى النهاية: أشارت إلى زمن الاصلاح، فوجّهت أنظارنا منذ الآن، إلى القسم الذي يتمّ فيه بناء العهد الجديد (9: 11 - 28)، بعد هدم القديم.
ونلاحظ الاتّجاه في هذه القسمة الثالثة: عالج الكاتب نظام الأشياء القديم. إن آ 2 - 5 هي ملخّص لما صوّره سفر الخروج. وآ 6 - 10 تتحدّث عن شعائر العبادة في شعب اسرائيل. هذا من جهة. ومن جهة ثانية، قُدّمت النظم القديمة على أنها غير كافية، وعلى شفا الزوال. فلا قيمة لها إلا كصورة وظلّ. ((فالتقادم والذبائح لا تقدر أن تصيّر خادمها كاملاً، حتّى في ضميره)). فهي رسوم بشريّة، وترتيب الدخول إلى الهيكل رمز، وهو يدلّ على أننا ما زلنا في وضع مؤقت ((ما دام المسكن والخيمة، الخباء الأول قائمًا)). ثالثًا، إن الطقوس تعبّر بلغة رمزيّة عن شعائر العبادة الموسويّة التي هي ناقصة وعابرة، فتدلّ على أن طريق المعبد ليس بعدُ مفتوحًا. ما ظهر بعدُ للعيان.
يبقى أن نرى العلاقات بين هذه القسمة الأخيرة والقسمتين الاولين، ولاسيّما القسمة الأولى: 
8: 3 يقرب تقادم وذبائح. رج 9: 9 (المجهول)
8: 5 يقيمون خدمة (عبادة، ليتورجيا). رج 9: 9: الخادم. 9: 1: رسوم عبادة؛ 9: 6: الخدمة.
8: 4 على الأرض. رج 9: 1: هذا العالم.
8: 5 موسى يُنشئ الخباء (المسكن). رج 9: 2 ،نُصب الخباء. ق 9: 3 ،6 ،8.
8: 5 صورة وظل السماويات. رج 9: 9 رمز.
غير أن القسمتين لا تتكرّران، بل تكمّل الواحدة الأخرى. الأولى تشير إلى الموضوع باختصار. والاخيرة، تصوّره بتفصيل. لفظت الأولى حكمها على أغراض العبادة: هي صورة وظلّ. وعدّدت الأخيرة هذه الأغراض ولم تحكم عليها، بل حكمت على رسوم العبادة: هي فرائض بشريّة. والعلاقات الوثيقة بين القسمة الأولى والقسمة الثانية، لا تنسينا التوسّع حول العهد الذي يسبق القسمة الثالثة. فالطقوس والهيكل تبدو مرتبطة بالعهد الاول (9: 1)، والنقص الذي كُشف في هذه الطقوس يقابل ذاك الذي أشير إليه في العهد: فالطقوس مؤقتة (9: 8)، شأنها شأن العهد الذاهب إلى الزوال (8: 13). هي عاجزة (9: 9) كالعهد الذي لا يبدو بلا لوم (8: 7). فالعلاقة بين نقص في الطقوس ونقص في العهد، هي العلاقة بين العلّة والسبب (8: 6).
وحين نقابل هذه القسمات الثلاث، نكتشف علاقات وثيقة بينها. (1) تتعلّق كلها بشعائر (برسوم) العبادة في العهد القديم. الأولى تحدّد مستوى الواقع الذي تقف عنده هذه العبادة (هذه الخدمة، هذه الليتورجيا). الثانية تتحدّث عن العهد الذي يقابلها. الثالثة تصف تنظيم العهد وشعائر العبادة. (2) تبدو كلها في وجه سلبيّ. بيّنت الأولى أن الكهنوت العبراني هو من الأرض ولا يُدرك أبدًا سوى صورة الحقيقة. وبيّنت الثانية أن العهد الأول لم يكن كاملاً ولا نهائيًا. وقالت الثالثة إن فرائض العهد هي مؤقتة وعاجزة. (3) وقرأت القسمات الثلاث من العهد القديم إقراره بحدوده. قرأت الأولى خر في 8: 5. والثانية إر في 8: 8 - 12. والثالثة، حلّلت فرائض الطقوس في 9: 6 - 8. وهكذا يمكننا القول إن هذه القسمات الثلاث تشكّل مقطعًا واحدًا يصوّر العهد القديم كحقبة تحمل صورًا سابقة ومؤقتة، بانتظار العهد الجديد.
2 - المقطع الثاني (9: 11 - 28): ذبيحة المسيح فاعلة ونهائيّة
في 9: 12 يبدأ المقطع الثاني. فالصور السابقة والمؤقتة تركت مكانها للواقع النهائي. أشير إلى هذا الواقع في 8: 1 - 2 وفي 8: 6 ،وها هو يُسمّى بكل وضوح ويُعلن باحتفال. هو المسيح الذي أصبح حبر الخيرات الآتية (9: 11؛ رج 8: 1). والليتورجيا (أو الخدمة) التي سلّمت إليه (رج 8: 6 ،خدمة اسمى) هي ليتورجية دمه. هذه اللفظة (د م)، لم تُستعمل حتّى الآن سوى مرة واحدة في عبارة ملبّقة: ليس بلا دم (9: 7). ولكنها ستفرض نفسها الآن على الانتباه، فتتكرّر تقريبًا في كل آية (9: 12، 13، 14، 18، 19، 20،21، 22 ،25). سبق وقلنا إن العبادة الجديدة تعارض القديمة، لأن المسيح قدّم نفسه (9: 14، 15، 28، ولم يقرّب تقادم وذبائح). وها هو الكاتب يعبّر عن الحقيقة عينها حين يقول إن العبادة الجديدة تتميّز بدم المسيح: إن أراد المسيح أن يقدّم نفسه، وجب عليه أن يسفك دمه (9: 12). وهكذا نفهم التشديد على لفظة الدم في ف 9.
وهناك سمات أخرى تميّز هذا المقطع (9: 11 - 28) عن سابقه (8: 1 - 9: 10)، فتعطيه وجهًا إيجابيًا. أولاً، صيغة الحاضر تدلّ على التكرار (تكرار لا يتوقّف وعاجز): يقرّبون، يدخلون، رج 8: 3 ،4 ،5؛ 9: 6 ،7، 9. وتحل محلّها صيغة الاحتمال التي تصوّر عملاً تحقّق مرّة واحدة (9: 21)، عملاً وحيدًا وفاعلاً: قرّب، دخل. رج 9: 12، 14، 24، 28. ثانيًا، تستعمل لفظة ((أبدي)) ثلاث مرات (9: 12 ، 14 ،15) فتدلّ على القيمة النهائيّة لهذا التدخّل. في 8: 4 و8: 7 (رج 7: 11)، كنا قد قرأنا جملتين غير واقعيتين تحملان وضعًا لا مخرج له في الناموس القديم. والآن، نقرأ في 9: 14 و9: 2 (رج 7: 22) جملتين تنطلقان من الأقلّ إلى الأكثر، فتبيّنان تفوّق العبادة الجديدة.
في هذا المجال، نلاحظ أن المقطع الثاني يحتفظ بوجهة إيجابيّة حتّى ساعة يتكلّم عن نظم وفرائض ألغيت. اختلف عن المقطع الأول، فما أبرز ضعف هذه النظم بل أشار إلى ما فيها من قيم، وجعل من هذه العناصر نقطة انطلاق لكي يصوّر الواقع النهائيّ. في 9: 9 - 10، تكلّم الكاتب عن طقوس قديمة لا نفع منها. في 9: 13، أكّد نفعها النسبيّ من أجل تطهير الجسد، وانطلق من هناك ليقدّم برهانه من الأقلّ إلى الاكثر في 9: 14 (فكم بالاحرى دم المسيح). في 8: 7 ،9 ،13، أطلق الكاتب الحكم القاسي على العهد الأول. في 9: 18 - 23، صار هذا العهد المثال الذي يتبعه لكي يقدّم الطقس الدمويّ الذي به تدشّن. وهكذا نكون أمام تواز كامل بين مقطع ومقطع.
بعد هذا، كيف يبدو المقطع الثاني (9: 11 - 28). هناك إشارة واضحة تساعدنا على قسمته ثلاث قسمات. فاسم المسيح الذي استعمل أربع مرات، يلعب هنا دورًا خاصًا في البنية. استعمل أولاً في 9: 11 و9: 14. ثانيًا، في 9: 24 و9: 14. ثانيًا، في 9: 24 و9: 28. في 9: 11 و9: 24، جاء الاسم بدون التعريف مع فعل دخل: المسيح دخل. في 9: 14 و9: 28، جاء اسم المسيح مع أل التعريف (هوخرستوس) وفعل قرّب: المسيح الذي قرّب (9: 14). المسيح قرِّب (صيغة المجهول. الآب قرّبه). أما الظرف ((ابفاباكس)) (مرة واحدة، مرة لا غير) فيرتبط تارة بفعل ((دخل)) وطورًا بفعل ((قرّب)). وهكذا نكون أمام قسمتين متقاربتين، شبيهتين بالقسمتين الأولى والثالثة في المقطع الأول. حدوده في 9: 11 - 14 من جهة، وفي 9: 24، 28 من جهة ثانية، مع تضمين اسم المسيح. وتشكّل آ 15 - 24 القسمة المركزيّة.

أ - القسمة الأولى (9: 11 - 14)
9: 11 أما المسيح فإذ قد جاء حبرًا للخيرات الآتية،
بالخباء الاعظم والأكمل
الذي لم تصنعه يد، أي ليس من هذا العالم.
9: 12 لا بدم تيوس وعجول،
بل بدمه الخاص،
دخل مرّة واحدة إلى المعبد،
بعد أن أحرز فداء أبديًا.
9: 13 لأنه، إن كان دم تيوس وثيران ورماد عجلة
يُرشّ على المنجّسين
فيقدّسهم لتطهير الجسد (ساركس، اللحم والدم، الضعف البشري)
9: 14 فكم بالاحرى دم المسيح
الذي بروح أبديّ قرّب لله نفسه بلا عيب،
يطهّر ضميرنا من الأعمال الميتة
لنعبد الله الحي.
نلاحظ التوازي في ترتيب هذه القسمة.
9: 11 9: 12
- الخيرات الآتية - فداء أبدي
- خباء أعظم - بدمه الخاص
- لم تصنعه - لا بدم التيوس
9: 13 9: 14
- دم التيوس - دم المسيح
- يرش على المنجّسين - قرّب بلا عيب - طهارة الجسد - يطهّر ضميرنا
ما هي علاقة هذه القسمة مع نهاية المقطع الأول (9: 1 - 10)؟ نلاحظ أولاً الرباط الغراماطيقي بين 9: 11 وما سبق. في 9: 1 قرأنا ((مان اون)) (إذن): في الحقيقة، بالأحرى. إن الأداة التي تقابل ((مان)) (من جهة)؟ نجدها في آ 6 ((دي)) (من جهة أخرى). ويُشرح التعارض كما يلي: في شعائر العبادة المقابلة للعهد الاول وُجدت عناصر إلهيّة لها معناها. ولكنها خضعت لحدود حين استُعملت. هذا يعني أن آ 1 أعلنت فقط آ 2 - 5 التي جاءت بعدها، وأن آ 6 قدّمت وجهة مختلفة. في الواقع، لاحظنا أن آ 1 أعلنت القسمة كلها حتى آ 10 مع لفظة ((فرائض)). لهذا، لا نقدر أن نجعل آ 1 وآ 6 على مستوى واحد. فإن آ 6 تقع في درجة أدنى وتقابل آ 2. هذا ما يدلّ عليه استعادة فعل ((نُصب)) في 9: 2 و9: 6. لهذا، نستطيع أن نرى المجموعة بحسب الرسمة التالية: 
9: 1 إعلان الرسوم (أو الفرائض) والهيكل
9: 2 - 5 وصف الهيكل
9: 6 - 10 وصف رسوم العبادة.
فاذا كانت الاداة ((مان)) تحتاج إلى جواب، يجب أن نذهب إلى أبعد من آ 10. وها نحن نجده في آ 11 مع الاداة ((دي)) التي تعارض التوسّع الآتي (9: 11 - 14) بما سبق (9: 1 - 10). فما هي التوازيات بين 9: 1 - 10 و9: 11 - 14؟
إن 9: 2 - 5 تحدّث عن الخباء ووصف بالتفصيل كيف نُصب؛ و9: 11 تحدّث عن خباء أعظم وأكمل، وحدّد أنه لم يُصنع، أي لم يكن من هذه الخليقة، من هذا العالم. إن 9: 6 - 7 بيّن أن الكهنة يدخلون في الخباء الاول في كل وقت. أما الخباء الثاني فيدخله رئيس الكهنة وحده؛ و9: 11 - 12 بيّن أن المسيح حبر الخيرات الآتية، دخل مرّة واحدة إلى المعبد. 9: 7 حدّد أن الحبر لا يدخل بلا دم؛ 9: 12 حدّد أن حبرنا لم يدخل بدم التيوس والعجول، بل بدمه الخاص. 9: 9 صوّر ليتورجيا قديمة فقال: قرِّبت تقادم وذبائح؛ 9: 14 صوّر ذبيحة المسيح النهائيّة، فقال إن المسيح قرّب لله نفسه بلا عيب. 9: 10 أكّد أن الطقوس القديمة كانت طقوسًا بشريّة؛ 9: 14 قابل هذه الطقوس مع تقدمة المسيح التي أنعشها ((روح أبدي)). 9: 9 لاحظ عجز الطقوس القديمة التي لا تستطيع أن تصيّر الخادم كاملاً، حتّى في ضميره؛ 9: 13 اعتبر أن قيمتها نسبيّة، ومحدودة في تطهير الجسد. تجاه هذا، أكّد 9: 14 فاعليّة تامّة لدم المسيح الذي يطهّر ضميرنا من الاعمال الميتة لنعبد الله الحي. وهكذا نكون أمام تواز بين 9: 1 - 10 و9: 11 - 14، ولكنه تواز متعارض.

ب - القسمة الثانية (9: 15 - 23)
ونكتشف في القسمة الثانية أمورًا مشابهة: 
9: 15 ولذلك هو وسيط عهد (دياتيكي) جديد،
بحيث إنه بموته لفداء المعاصي
(المقترفة) في العهد الأول،
ينال المدعوّون وعد الميراث الابدي.
9: 16 لأنه حيث تكون وصيّة (دياتيكي)
لا بدّ من موت الموصّي.
9: 17 إذ إن الوصيّة بالموت
تثبت
ولا قوّة لها البتّة
ما دام الموصيّ (دياتامانوس) حيًا
9: 18 فمن ثمّ، حتّى (العهد) الأول لم يكرَّس بلا دم
9: 19 وفي الواقع، إن موسى لما تلا، على مسامع الشعب، كل وصيّة بحسب الناموس،
أخذ دم العجول والتيوس مع ماء وصوف قرمزيّ وزوفى،
ثم رشّ على السفر عينه، وعلى جميع الشعب.
9: 20 قائلاً: 
هذا دم العهد الذي أمركم به الرب.
9: 21 وعلى الخباء أيضًا، وعلى جميع أدوات الخدمة
رشّ الدم كذلك
9: 22 فإن الناموس يقضي بأن يطهّر كل شيء تقريبًا بالدم،
ولا مغفرة بدون سفك دم.
9: 23 واذن، فإذ كان لا بدّ
لرموز ما في السماوات أن تطهَّر على هذا الوجه،
كان لا بد للسماويات أيضًا مثل ذلك، ولكن بذبائح أفضل من تلك.
ما نلاحظه في البنية الداخلية لهذه القسمة، هو تبديل في الألفاظ. في آ 15 - 17، نجد أربع مرات الاسم ((دياتيكي)) (عهد، وصيّة)، ومرتين الفعل الذي يقابله. ثم كان كلام عن الموت (آ 16)، عن ((جثث)) أي موت (آ 17) وعن حياة (آ 17). في آ 18 - 22 ،ليس من كلام بعد عن الموت، بل مرّة واحدة عن العهد. ولكننا نقرأ لفظة ((دم)) في كل آية تقريبًا. بدأت آ 15 مع ((دياتيكي)) وانتهت آ 17 مع ((دياتامانوس)). في آ 18: بلا دم. في آ 22: سفك دم. في 9: 18 - 22، يُبرز التوازي عبارة ((دم العهد)) (في آ 20) التي تشكّل قلب القطعة: 
- بلا دم (9: 18) - بدون سفك دم (9: 22)
- حسب الناموس (9: 19) - حسب الناموس (9: 22)
- رش (9: 19) - رش (9: 1)
- هذا دم العهد (9: 20).
إن الخاتمة التي نقرأها في آ 23، تعود إلى المرحلة الأولى وإلى المرحلة الثانية: إلى الأولى مع الاشارة إلى الضرورة (آ 16: لا بدّ). إلى الثانية مع استعادة فعل ((طهّر)) (آ 22). فالقسمة، إجمالاً، تدلّ بوضوح على العهد، وهي تقابَل مع القسمة المركزيّة في المقطع الأول (8: 7 - 13). فالبداية (ولذلك هو وسيط عهد جديد) تُكرّر بشكل شبه حرفيّ عبارة 8: 6 التي قدّمت موضوع القسمة الثانية في نهاية القسمة الأولى: ((وسيط عهد جديد)). وأخذت الصفةُ ((جديد)) من نص إرميا الذي ورد في 8: 8 وذُكر في 8: 13 . في 9: 15 كما في 8: 6 ،ارتبط العهد بالموعد. ولفظة ((دياتيكي)) (عهد، ترتيب، وصيّة) عادت في 8: 8 ،9 ،10. أما في هذه القسمة (9: 11 - 23)، فاستُعملت خمس مرات: 9: 15، 16، 17، 20. والفعل الذي يعود إلى الجذر عينه (دياتيتاماي، رتّب) قد استعمل في 8: 10. وهو يعود في 9: 16 و9: 17 . ويُذكر قاطعا العهد (الله والشعب) في 8: 10، ثم في 9: 19 - 20. وبين خيرات العهد الجديد، ذكر إرميا غفران الخطايا (8: 12). وأعلن 9: 15 أن الموت حصل لفداء المعاصي. وأكّد 9: 22 الرباط بين سفك الدم والمغفرة. الألفاظ المنتقاة ليست الألفاظ التي استعملها النبيّ، ولكنها ترتبط بها، وهذا ما نلاحظه حين نقرأ 10: 17 - 18 حيث تنطبق بشكل مباشر على نص إرميا بعينه.
حين توسّعنا في المقطع الأول، لاحظنا الوجهة السلبيّة في نظرة الكاتب الذي استبعد العهد القديم. أما هنا، فنظرته إيجابيّة. هو يؤكّد إقامة العهد الجديد، ويهتمّ بأن يبيّن الحاجة إلى موت، إلى ذبيحة دمويّة، للوصول إلى هذه النتيجة. من أجل هذا، استعمل أولاً معنى ((ترتيب وصيّة)) الذي ينتمي إلى ((دياتيكي)). ثم ثبّت طرحه مستعينًا بمثَل موسى الذي نظّم بذبيحة العهدَ الأول. ونلاحظ أيضًا الدقّة في التأليف. في المقطع الاول، إذ اراد الكاتب أن يعلن إلغاء العهد القديم، تكلّم بشكل خاص عن العهد الجديد الذي أنبأ به ارميا. ولكن حين أراد في هذا المقطع الثاني أن يؤكّد إقامة العهد الجديد، تكلّم بشكل خاص عن القديم الذي هو صورة سريعة عنه. وهكذا نكون أمام تواز متكامل.
وهناك سمة أخرى تساعد على توحيد القسمات. فالمنظور الذي يُشرف على هذه القسمة (9: 15 - 23) هو ذاك الذي أشارت إليه الانتقالتان (8: 6؛ 9: 1) اللتان قرأناهما قبل وبعد التوسيع الأول عن العهد (8: 7 - 13). في 8: 6 ،أشير إلى العلاقة بين الليتورجيا (الخدمة) والعهد: عهد أفضل، خدمة سامية. وتحدّث 9: 1 في الخط عينه فقال إن الهيكل ورسوم العبادة تنتمي إلى العهد. وهكذا نجد التطبيق العمليّ لهذا التعليم: يُبنى العهد على الليتورجيا. وهدف الليتورجيا هو خدمة العهد. وتأتي لوحة تقدّم احتفال التدشين بالعهد الموسويّ والطقوس اليوميّة في شعائر العبادة اليهودية. فالخباء وأدوات الخدمة، ضُمَّت في تأسيس العهد، والتطهيرات من كل نوع تماهت مع العهد.
في هذا المنظور حدِّدت آ 23 موقع الليتورجيا (أو الخدمة) التي أسّست العهد الجديد، وبالتالي أدخلتنا بشكل طبيعيّ إلى القسمة الثالثة التي تتوازى مع 8: 3 - 5 فثبت مستوى هذه الليتورجيا. لا شكّ في أن آ 23 ترتبط بما سبق، فتستند إلى ما قيل عن تطهيرات العهد القديم، وتذكر ما قيل في 9: 15 - 16 حول ضرورة (أنانكي، آ 23 وآ 16) الموت. ولكن الالفاظ المستعملة تعود إلى القسمة الثالثة (8: 3 - 6) لا إلى القسمة الثانية (8: 7 - 13). ومن آية انتقالية (8: 6)، استعيدت (في إطار عبارة ((ذبائح أفضل))، آ 23) فكرةُ ((ليتورجيا أخرى)). ومن 8: 5 جاءت لفظة ((صورة)) ولفظة ((سماويات))، كما برز التعارض بين مستويَيْ الواقع. وهكذا تهيّأنا للقسمة الثالثة (9: 24 - 28).

ج - القسمة الثالثة (9: 24 - 28)
قبل أن نقدّم النصّ، نشير إلى أن قسمات المقطع الأول جاءت عكس قسمات المقطع الثاني. في الأول، بدأنا بالقسمة الثالثة (8: 3 - 6) وانتقلنا إلى القسمة الثانية (8: 7 - 13). وانتهينا بالقسمة الأولى (10: 1 - 10). أما في المقطع الثاني (9: 11 - 28)، فبدأنا بالقسمة الأولى (9: 11 - 14)، ثم القسمة الثانية (9: 15 - 23). وأخيرًا، القسمة الثالثة (9: 24 - 28). وهكذا توازى المقطعان.
9: 24 لأن المسيح لم يدخل معبدًا صنعته الأيدي، صورة للحقيقي،
بل السماء بعينها
ليظهر الآن أمام وجه الله، لأجلنا.
9: 25 ولا ليقرّب نفسه مرارًا،
كما يدخل الحبر كل سنة، المعبد بدم غيره
9: 26 وإلاّ لاقتُضي أن يتألّم مرارًا منذ إنشاء العالم،
غير أنه الآن، في الأزمنة الأخيرة، ظهر مرّة واحدة، ليُبطل الخطيئة بذبيحة نفسه.
9: 27 وكما حُتِّم على الناس أن يموتوا مرة واحدة،
وبعد ذلك تكون الدينونة،
9: 28 كذلك المسيح، هو أيضًا، بعد أن قرّب نفسه مرّة واحدة ليرفع خطايا الكثيرين،
سيظهر مرّة ثانية، لا (ليكفّر) الخطيئة، بل لخلاص الذين ينتظرونه.
ما يربط هذه القسمة بسابقتها، لفظة ((سماء)) (السماء، 9: 24، السماوية، السماوات، 9: 23). إليها تستند الاداة ((لكن)) (او غار). أما التوسّع فيتألّف من ثلاثة شقف بُنيت في تواز بسيط وارتبطت بعضها ببعض. إن آ 24 تقابل عددًا من الألفاظ: من جهة، معبد صُنع وصورة الحقيقي، ومن جهة ثانية، السماء بعينها ووجه الله. نقرأ أولاً فعل ((دخل))، ثم فعل ظهر. أما 9: 25 - 26 فيبدو كما يلي: 
9: 25 9: 26 
- ليقرب مرارًا - يتألم مرارًا
- كل سنة - مرة واحدة
- بدم آخر - ذبيحة نفسه.
في آ 25، مرارًا وكل سنة. قرّب نفسه ودخل مع دم آخر. في آ 26، تألّم وذبيحة نفسه، مرارًا ومرّة واحدة، منذ إنشاء العالم يقابل الأزمنة الأخيرة (أو: نهاية الأزمنة).
وتظهر آ 27 - 28 كما يلي: 
- كما مصير الناس - كذلك المسيح
- أن يموتوا مرّة واحدة - قرّب مرة واحدة
- بعد ذلك - مرة ثانية
- الدينونة - للخلاص.
بين آ 24، وآ 25 - 26 وآ 27 - 28، نرى رباطات واضحة بواسطة الافعال. في الشق الأول (آ 24) والشق الثاني (آ 25 - 26) نجد فعل ((دخل)): دخل المسيح معبدًا (آ 24). دخل الحبر معبدًا (آ 25). وفي الشق الثاني والشق الثالث (آ 27 - 28) نقرأ فعل ((قرّب)): قرّب نفسه مرارًا (آ 25). قرّب مرّة واحدة (آ 28). نقرأ في الشق الثاني: تألّم مرارًا (آ 26). وفي الشق الثالث: مات مرّة واحدة (آ 27). وتضمّن كل شق فعل ظهور: في الاول، ليظهر الآن (آ 24). في الثاني، ظهر (أو أُظهر، آ 26). في الثالث، سيظهر (سيُرى، آ 28). ونضيف أن كل شق يتضمّن عبارة تتعلق بالقيمة التكفيريّة لعمل المسيح: لأجلنا في آ 24، ليبطل الخطيئة بذبيحة نفسه في آ 26، ليرفع خطايا الكثيرين في آ 28.
أما العلاقات بين هذه القسمة وما يقابلها في المقطع الأول (8: 3 - 6) فواضحة. تحدّث 8: 3 عن تقريب تقادم وذبائح وأعلن: لا بدّ لحبرنا أن يكون له شيء يقدّمه. وحدّد 9: 25 أن المسيح يقرّب نفسه، مرة واحدة لا مرارًا. وأعلن 9: 26 أن ذبيحته تمّت مرّة واحدة، مرّة لا غير. وكرّر 9: 28 أن المسيح قرِّب مرة واحدة. في 8: 5 ،أشار الكاتب إلى موسى الذي أنشأ المسكن حسب المثال الذي رآه على الجبل. ورذل 9: 24 فكرة تقول بأن المسيح دخل معبدًا صنعته الأيدي، هو صورة عن الحقيقيّ. استبعد 8: 4 من أجل حبرنا خدمة (ليتورجيا) أرضيّة: فلو كان على الأرض، لما كان كاهنًا. وأعلن 9: 24 أن المسيح دخل السماء بعينها. وهكذا نفهم مستوى الواقع الذي أدركه المسيح. هو ما لبث في عالم الرموز والصور، بل عمل في جوهر الواقع، فوصل بشكل نهائيّ إلى ما ابتغاه الله من أجل خلاصنا والتكفير عن خطايانا.

3 - مقابلة بين المقطع الأول (8: 1 - 9: 10) والمقطع الثاني (9: 11 - 28)
هكذا بدا التشابه كاملاً بين المقطع الأول الذي يشدّد على شعائر العبادة القديمة التي لم تكن كافية، فوجب أن يحلّ محلّها شيء آخر، وبين المقطع الثاني الذي يتحدّث عن ذبيحة المسيح: هي نهائية، فوصلت إلى مبتغاها. ففي كل من المقطعين، وجدنا ثلاث قسمات رُتّبت في تواز متداور مع ستة عناوين. من جهة، الأرض، العهد، الطقوس وشعائر العبادة. ومن جهة ثانية، الطقوس والعهد والسماء.
نبدأ فنعود إلى القسمة الثالثة في المقطع الثاني (9: 24 - 28)، فنقابلها مع القسمة الأولى (9: 11 - 14) في المقطع عينه. إن 9: 11 استبعد صفة ((مصنوع بالايدي))، وكذلك فعل 9: 24. قال 9: 12: المسيح دخل المعبد مرّة واحدة بدمه. وقال 9: 24: لم يدخل المسيح في معبد مصنوع. وقابل 9: 25 المسيح مع الحبر الذي يدخل بدم غيره. وتعود آ 26، 27، 28 إلى ((مرّة واحدة)). تكلّم 9: 14 عن المسيح الذي قرّب نفسه لله. وأشار 9: 24 إلى المسيح الذي دخل السماء ليظهر الآن أمام وجه الله. وأكّد 9: 14 أن دم المسيح يطهّر ضميرنا من الأعمال الميتة. وقال 9: 28 إن المسيح قرِّب ليرفع خطايا الكثيرين. أخيرًا، أكّد 9: 12 أن المسيح أحرز فداء أبديًا. وقال 9: 26: ظهر ليبطل الخطيئة بذبيحة نفسه.
ولكن هذا التقابل التام بين القسمة الأولى والقسمة الثالثة في المقطع الثاني، لا يمنعنا أن نرى وجهات مختلفة. تتطلّع القسمة الأولى إلى الوسائل المستعملة، إلى طقوس العبادة الحقّة، فتشدّد بالتالي على دور الدم، ثم تقابل مرتين دم المسيح مع دم الذبائح التي تقدّم باسم الشريعة. أما القسمة الثالثة، فاهتمت بالنتيجة الحاصلة وتحدّثت مرتين عن دخول المعبد. حدّدت مستوى فاعليّة الذبيحة، وأكّدت أن هذه الفاعليّة قد تمّت في السماء بعينها. لهذا، لم تعد حاجة لتكرار الذبيحة. ولا يعود يُذكر دور الدم هنا إلاّ في شكل غير مباشر (9: 25، بدم غيره).
والتحوّل عينه في المنظور، يظهر في استعمال الصفة ((مصنوع)) (خايروبوئيتوس). في القسمة الأولى طبِّقت على ((خباء أفضل)) يتيح للمسيح أن يدخل المعبد (في هذا الخباء الذي يحلّ محلّ الخباء الاول، 9: 8 ،أي هيكل أورشليم، نرى الهيكل الذي أقيم في ثلاثة أيام، كعمل الخلق الجديد، مر 14: 58). أما القسمة الثالثة فاستعادت ((مصنوع)) للكلام عن المعبد بعينه، أي عن السماء الالهيّة وحضور الله.
ارتبطت هذه القسمة (9: 14 - 18) بالقسمة الاولى (9: 11 - 14)، فارتبطت في الوقت عينه بما في 9: 1 - 10. استعاد الكاتب في 9: 26 فعل ظهر الذي استُعمل في 9: 8. وإذ تكلّم عن منع من دخول قدس الأقداس، فسّره كعلامة تدلّ على أن طريق المعبد لا يبرح غير مفتوح (9: 8). هكذا ترجم الفعل ((بافاناروستاي)). ولكن يبدو أن المعنى هو: ظهر. فالكاتب لا يقول إن الطريق الحقيقيّ عُرف منذ العهد القديم ومُنع الآن بشكل مؤقت، بل يقول إن الطريق الحقيقي لم يُعرف.بما أن عمل عظيم الكهنة الذي يتمّ على مستوى غير واقعيّ (8: 3 - 5)، لا شيء يتيح لنا أن نعتقد أنه يلغي المواصلة على ذات المستوى لكي نصل. يجب أن نبدّل الطريق. إذن، اين هو الطريق الحقيقيّ؟ قدّم لنا الكاتب الجواب في 9: 26، فطبّق على المسيح فعل ظهر. الطريق الحقيقيّ هو المسيح عبر ذبيحته. في 10: 19 - 20 سيوضح الكاتب فكره ويدعو إلى اتباع هذا الطريق الجديد.
قبل هذا التلميح الخفر الذي كان يهيّئ هذه القسمة الثالثة (9: 24 - 28)، تضمّنت هذه القسمة تذكيرًا واضحًا بقلب القسمة الأولى في المقطع الاول (9: 7). وها نحن نجعل النصفين الواحد بازاء الآخر: 
9: 7 في المقطع الثاني يدخل رئيس الكهنة وحده، مرّة في السنة، وليس بلا دم يقرّبه عن نفسه وجهالات
9: 8 الشعب، وبذلك يشير الروح القدس أن الطريق لم يظهر بعد.
9: 25 ولا ليقرّب نفسه مرارًا، كما يدخل الحبر، كل سنة، المعبد بدم غيره
9: 26 في الواقع مرة واحدة ليبطل الخطيئة بذبيحة نفسه، ظهر
إن 9: 12 الذي يوازي 9: 7، كان قد شبّه دخول المسيح بدخول عظيم الكهنة. أما الفرق فهو التشديد على أن المسيح قدّم نفسه، قدّم دمه الخاص. أما 9: 25 فأشار إلى هذا الفرق، ولفت انتباهنا إلى وجهة أخرى: ذبيحة واحدة.
قال الكاتب: مرّة واحدة (مرّة لا غير) في السنة (9: 7). نستطيع أن نقرأ هذه الآية بطريقتين، شأن كل ما هو صوري. قد نُبرز القيمة الايجابيّة للصورة أو نشدّد على نقصها. نحن هنا أمام شيء وحيد (مرة واحدة، سمة ايجابيّة)، ولكنه يبقى نسبيًا في الصورة (مرة في السنة، نقص). إن دخول الحبر مرّة واحدة إلى قدس الاقداس، يتطلّع إلى ذبيحة المسيح الوحيدة. هذه الوجهة الايجابيّة هي التي يقدّمها الكاتب في 9: 12 حين يستعيد العبارة ويطبّقها على المسيح الذي ((دخل المعبد مرة واحدة)). ولكنه في هذا الموضع أيضًا يشير إلى اختلاف بين الصورة والحقيقة، فيحلّ محل ((هاباكس)) (9: 7)، لفظة ((إفاباكس)) (7: 27). في القسمة الاخيرة اهتمّ بأن يدلّ بوضوح على سموّ النتيجة التي حصل عليها المسيح. إذن، حوّل عبارة 9: 7 ، وما عاد يقول ((مرة واحدة في السنة)) عن دخول الحبر، بل ((كل سنة))، ونلاحظ أن هذا يعني ((مرارًا)). إن هذا التبدّل أتاح له الآن أن يحتفظ بـ ((مرة واحدة)) لذبيحة المسيح، ويشدّد بقوة على هذه الذبيحة الواحدة بشكل لم يفعله من قبل (آ 26، 27، 28). وهكذا أعلنت النهاية الكاملة لذبيحة المسيح. نحن هنا أمام خاتمة المقطع الثاني (9: 11 - 28)، بل خاتمة الاتجاه كله (8: 1 - 9: 28).
ونضيف مقابلة تقدّم لنا برهانًا آخر. حين نقرأ الآية التي أعلنت في نهاية ف 7 هذا الاتجاه، وجدت رسمة لخاتمة المقطعين (8: 1ي؛ 9: 11ي)، وبشكل خاص 9: 25 - 26. وإليك هذا النص (7: 27) الذي سنستعيده عنصرًا عنصرًا لكي نقابله مع نهاية 9: 6 - 10 ونهاية 9: 27 - 28.
كل يوم (أ) لا حاجة له، مثل الأحبار (ب) أولاً عن خطاياه الخاصة (ج) أن يقرّب ذبائح (و)، ثم عن خطايا الشعب (ج) لأنه فعل ذلك مرّة واحدة (هـ) حين رفع (قرّب) نفسه (ز).
عبارة كل يوم (أ) يقابلها في 9: 25 لا مرارًا كل سنة، وهذا ما يعارض 9: 7: مرة كل سنة.
عبارة مثل الاحبار (ب) تقابل 9: 25: مثل الحبر، وهذا ما يعود إلى 9: 7 (الحبر).
عبارة أولاً عن خطاياه الخاصة... ثم عن خطايا الشعب (ج) تقابل في 9: 7: عن نفسه وعن جهالات الشعب. رج 9: 26 مع ((إبطال الخطيئة)) مع ذكر ((مرة واحدة)). ينتج عن هذا في 9: 28: استبعاد الخطيئة (حرفيًا: لا الخطيئة. قلنا: ليكفّر).
عبارة قرّب ذبائح (د) لا تقابل في 9: 7 دمًا يقرّبه، وفي 9: 9 قرابين وذبائح تقدَّم. وهذا ما يعارض 9: 26 مع صيغة المفرد: بذبيحة نفسه.
عبارة فعل ذلك مرة لا غير (هـ) تقابل في 9: 26، 27، 28 مرّة واحدة. هو الواحد المطلق الذي يقابل الواحد النسبيّ مع مرّة في السنة (9: 7).
عبارة رفع نفسه (و) يقابل في 9: 25: قرب نفسه. وفي 9: 28: قرِّب.
كل هذا يدلّ على أن الكاتب هيّأ مشروعه منذ 7: 27، وأنه وصل إلى الهدف في 9: 24 - 28، وجملته هي جملة ختاميّة. غير أنه لم يكتف بأن يختم، بل اهتم في الوقت عينه، هنا كما في 7: 27 - 28، بأن يتطلّع إلى التوسيع التالي الذي (حسب الاعلان في 5: 9 - 10) يعالج تطبيق الذبيحة على المسيح: صار المسيح لجميع الذين يطيعونه علّة خلاص أبدي (5: 9). لقد تمّ الانتقال من موضوع إلى موضوع بدون صعوبة. بعد أن ثبّت الكاتب أن المسيح قد وصل حقًا، (أنه دخل السماء بعينها) انتقل إلى فكرة تقول إن التلاميذ اطمأنّوا إلى الخلاص. هذا ما يشير إليه الكاتب منذ 9: 24: من أجلنا ظهر المسيح أمام الله. وجاء 9: 26 أكثر وضوحًا: ظهر ليلغي الخطيئة. عندئذ تشير النهاية (9: 27 - 28) إلى الواقع الاسكاتولوجيّ الذي يوجّهنا إليه بشكل نهائي، دخولُ المسيح إلى السماء، لكي يدشّن نهاية الأزمنة (أو: الأزمنة الأخيرة). فنسمع كلامًا عن الموت، عن الدينونة، عن عودة المسيح. في هذا السياق يظهر من جديد لفظ مهمّ (5: 9): الخلاص. جُعل في نهاية الجملة (وكذا نقول عن 7: 28، كاملاً)، ففرض نفسه على انتباهنا على أنه عنوان الاتجاه الثالث: علّة خلاص أبديّ.

الفصل الحادي والعشرون

الـخدمة القديمة والعهد القديم
8: 1 - 13

نحن هنا في القسم الثالث (5: 11 - 10: 39) من عب. في الاتجاه المركزي (8: 1 - 9: 28) الذي عنوانه: بلغ إلى الكمال. يُقسم هذا الاتجاه إلى مقطعين. في الأول (8: 1 - 9: 10) نكتشف أن الخدمة (الليتورجيا، شعائر العبادة) غير كافية، ويجب أن يحلّ محلها شيء آخر. في الثاني (9: 11 - 28) نفهم أن ذبيحة المسيح فعلت فعلها بشكل نهائي، بحيث انتفت بعدها الحاجة إلى ذبيحة أخرى. وقسمنا المقطع الأول إلى اثنين: الخدمة القديمة والعهد القديم (8: 1 - 13)، وتركنا إلى فصل آخر المقطوعة الثانية (9: 1 - 10): النظم العباديّة القديمة.

1 - تفسير الآيات
نكتشف تفوّق الحبر على رتبة ملكيصادق بالمعبد الذي يرتبط به هذا الكهنوت. فالشريعة الموسوية أنشأت موضع عبادة تمارس فيها الطقوس المقدسة. غير أن الناموس نفسه أعلن أن المعبد الارضي هو صورة عن المعبد السماوي. في هذا المعبد يخدم المسيح، يمارس الليتورجيا، في حضرة الله يقدّم ذبيحة نفسه.

أ - الخدمة القديمة صورة عن الأرض (8: 1 - 6)
بعد مقدّمة عامة، نفهم أن المسيح لا يرتبط بعبادة أرضيّة، بعبادة هي صورة وظلّ لما في السماوات.
أولاً: حبرنا في السماوات (آ 1)
إن تمجيد يسوع هو موضوع الكاتب المفضّل، وهو يربطه دومًا بالطابع الكهنوتي. فحبرُنا دخل السماوات (4: 14)، صار أعظم من السماء (7: 26). دخل كالسابق داخل الحجاب (6: 19). وبعد تطهير الخطايا، جلس عن يمين الله في الأعالي (1: 3) حيث يمارس إلى الأبد وساطته الكهنوتيّة الناجعة (7: 25). تلك هي النقطة الرئيسية التي سيعرضها الآن.
((كافالايون)). الكلمة الأولى. أرادها الكاتب بارزة، ليدلّنا على أن هذا صلب الموضوع الذي يريد الوصول إليه. حرفيًا: ما يشكّل الرأس، ما يشير إلى الرأس. قيل: الموجز أو الجوهر. ونقول: القسم الأهم، الرئيسيّ، النقطة الأساسيّة في جدال أو في عرض، وإليها تؤول الأفكار الرئيسية لتأخذ مدلولها. هي الرأس والباقي الاعضاء.
في 5: 11 أرادت عب أن تلفت نظر القارئ إلى أهميّة الموضوع، فألغت الاعتبارات الجانبيّة ووسائل البرهنة (لاغامانويس). وانتهت إلى القول بأننا أمام ملك وكاهن أزليّ في عهد جديد: يخدم في السماوات. إن الجلوس عن يمين الله (مز 110؛ رج عب 1: 3 مع إضافة ((ترونوس)) عرش، وإحلال ((في السماوات)) محل ((في الاعالي))) علامة السموّ، وهو يدلّ على فاعليّة هذه الوساطة الكهنوتيّة (10: 12؛ 12: 2). اختلف كهنوت الابن عن كل كهنوت في الأرض، فمورس في مجد سماويّ بكرامة ملوكيّة وقدرة إلهيّة. ذاك هو الحبر الذي تقدّمه عب لايمان المسيحيين (رج 7: 26 - 27). هو كذلك (عظيم) بحيث جلس عن يمين الله.
ثانيًا: خادم المعبد (آ 2)
إن صورة الجلوس البيبليّة التي تشير إلى الراحة، لا تنسينا أن هذا الحبر القريب من الله، هو في الوقت عينه ناشط يعمل لأجلنا. ((لايتورغوس)) هو العامل، هو الخادم (يش 1: 1؛ 2صم 13: 18؛ 1مل 10: 5؛ 2 مل 4: 34؛ 6: 15، ش ر ه؛ فل 2: 25). قال الذهبي الفم وكيرلس الاسكندراني: يسوع يجلس عن اليمين كالله، وهو خادم كإنسان، هو يقوم بخدمة عامة (ليتورغيا). رج ((لائيتوس إرغون))، 1: 7؛ روم 13: 6. هي وظيفة مقدسة وعبادة تُرفع إلى الله (روم 15: 16). في السبعينية، ((لايتورغوس)) هو الكاهن اليهودي (واللاوي) الذي يخدم الهيكل. وهكذا ترادف اللفظ مع ((هياروس)) في أش 61: 6؛ إر 32: 21؛ نح 10: 40؛ سي 7: 30.
((تون أغيون)): الاشياء المقدّسة، القديسون. بل المعبد (9: 8 ،12؛ 10: 19؛ 13: 1). ويقابل ((هيارون)) في السبعينيّة (لا 5: 15؛ 1مك 4: 36؛ 14: 15). يوازي هنا ((سكيني)) المسكن. إذن، المسيح خادم المعبد. لا المعبد الأرضي، لا معبد أورشليم قلب العبادة في أمّة تيوقراطيّة، منذ سليمان، بل الخباء، مسكن الله. هناك تجلّى الله في زمن البريّة (نلاحظ التخلّي عن الهيكل والعودة إلى البرية، كما فعل اسطفانس في أع 7: 44ي).
هذا الخباء (أو المسكن) هو حقيقيّ (9: 24؛ 10: 22) أي كامل، من أصل إلهي (يو 1: 9؛ 6: 32؛ 15: 1؛ 1يو 1: 8). وهو يعارض ما هو ثانوي، مادي، غير كامل، عابر. فمعبد السماء هو الهيكل والصورة الأولى لهياكل ((صُنعت)) بالايدي (9: 1 ،من هذا العالم، كوسميكون). هو وحده الحقيقي بالنسبة إلى ((النسخة))، إلى الرمز. كان فيلون قد تحدّث عن معبدين (سماوي، أرضي) يخدمهما كهنوتان. واعتبر الرابينيون أن هيكل أورشليم هو صورة المعبد السماوي وليتورجيته. إذن، هيكل الأرض (وخدمته) هو صورة عن المعبد السماوي (وليتورجيته) الذي شاهده الأنبياء (أش 6: 1؛ مي 1: 2؛ رؤ 11: 19؛ 21: 2 - 3 ،10).
وتأتي نهاية الآية فتميّز بين موضعَي العبادة، وتصحّح تفسيرًا ماديًا للهيكل السماوي. هذا بناه الله، فلا يمكن أن يكون ماديًا (9: 11؛ مر 14: 58، لم تصنعه بالأيدي). وهو يقابل الخباء (الخيمة) التي نصبها موسى (خر 33: 7؛ عد 24: 6). فعل ((بيغنيمي)) (مراحدة في العهد الجديد) يعني نصب خيمة، تك 26: 25؛ 31: 25. استعمله أش 42: 5 (ن ط ه) ليتحدّث عن الله الذي كوّن القبّة السماويّة. إذن، الخيمة الحقيقيّة هي السماء. كما قال الذهبي الفم وكيرلس وتيودوريتس. ولكن في الواقع، هذا المعبد هو الله نفسه (إر 17: 12) حيث يقيم الحبر ويخدم. لهذا سُميّ يسوع خادم المعبد، وخدمته هي تقديم نفسه (آ 3) قبل الجلوس عن يمين الله. ندهش للوهلة الأولى أن يكون جلس كخادم المعبد، والخادم يكون واقفًا (أع 7: 55). لقد أراد الكاتب أن يدلّ على استمرارية دور يسوع الكهنوتي: هو كاهن أزليّ، ولا يحتاج أن يجدّد ذبيحته. إنه الحبر الذي يمارس مهمّته لدى البشر (7: 25) بقدرة تشفّعه لدى الآب الذي يقاسمه عرشه.
ثالثًا: تقادم وذبائح (آ 3 - 4)
اعتُبرت ليتورجية السماء شبيهة بليتورجية الأرض، فتضمّنت التقادم والذبائح (5: 1). وعظيم الكهنة وحده يقوم بعمل التكفير هذا في قدس الأقداس. ولكن بما أن يسوع كاهن، فبأي معبد ارتبط، وأية ذبيحة يقرّب؟ هو لا يستطيع أن يقدّم حيوانات. ومع ذلك، لا بدّ له (اناكايون) أن يقدّم شيئًا. إن يسوع هو الضحيّة (7: 27؛ أف 5: 2)، التي تتحدّث عنها عب 9: 14، 25. أما الآن فيقدّم المبدأ الذي يؤكّد أن المسيح يمارس في السماء خدمة كهنوتيّة حقيقية.
تبدأ الآية مع ((غار)) (لأن، الفاء) فتشرح الليتورجيا السماوية الحقيقية لهذا الخادم (ليتورغوس، آ 2) وتسند فكرة آ 1: يسوع هو كاهن في السماء، يخدم في المعبد الحقيقي، يقدّم دمه. نلاحظ صيغة الاحتمال (بروسانانخي): ذبيحة قُدّمت مرة لا غير (في 9: 5) نجد صيغة الحاضر (بروسفاري: ذبائح تتكرّر).
وتقدّم آ 4 البرهان عن خدمة المسيح الكهنوتيّة في السماء. المسيح كاهن. غير أنه لا يستطيع أن يخدم على الأرض: لا مكان له مع ناموس نظّم التقادم والذبائح، وحصر الكهنوت في قبيلة لاوي (ويسوع هو من قبيلة يهوذا، 7: 14). يسوع لا يمكن أن يكون حبرًا ولا كاهنًا (عد 16: 40). إذن، لا يستطيع أن يمارس كهنوته إلاّ في السماء. وهكذا جاء كهنوته يستبعد استبعادًا جذريًا كهنوت الأرض، كهنوت لاوي.
رابعًا: الصورة والظل (آ 5)
من الوجهة الليتورجيّة والعباديّة، تفوّق المسيحُ الذي يخدم في المسكن الحقيقي، على كهنوت لاوي. فالكهنة هنا هم خدّام عبادة لا قيمة لها في نفسها. وهيكلهم هو بالنسبة إلى المعبد السماوي، ما الصورة بالنسبة إلى الاصل، والظلّ بالنسبة إلى الحقيقة. ((هيبودايغما)) يعني المثال، النموذج (4: 11). هو نسخة طبق الأصل. رج ((دايكنيمي)) الذي يربط النسخة بالأصل. في الواقع، نسخة الهيكل السماوي غير كاملة. هي ظل (((سكيا))، رج 10: 1؛ كو 2: 17)، تمثّل مستور (مثل السحاب، يُظهر ويخفي). نقرأ فعل ((لاتروو))، خدم. هم يخدمون أشياء، لا الله الحيّ. وشتّان ما بين خدمة وخدمة. يبدو أن ((هيبودايغما)) تشير إلى الأغراض العباديّة (9: 23)، و ((سكيا)) إلى الأعمال العباديّة (10: 1). مهما يكن من أمر، فالذبائح رمز إلى الحمل المذبوح من أجل خطايا العالم. والحبر الداخل إلى قدس الاقداس مع دم الذبائح، هو صورة عن المسيح الذي يفتح السماء بسفك دمه.
إن التقابل بين المعبدين قد أعلنه الربّ (خر 25: 40) في وحي: خريماتيزو، نبّهه الله. رج 11: 7؛ 12: 25؛ مت 2: 12؛ أع 10: 22 (هنا صيغة المجهول الذي هو نادر). دُعي موسى لكي يتفحّص النموذج الالهي (تيبوس، ت ب ن ي ت، ماكيت في العربية الدارجة) لكي ينفّذه بالدقة الممكنة. فالليتورجيا السماوية كلها (بنتا، كما في السبعينية) هي نموذج لليتورجية الأرض. لهذا، أحاطت القداسة بالخباء الموسويّ.
خامسًا: خدمة أسمى وعهد أفضل (آ 6)
((نين دي)) (أمّا). نحن على المستوى المنطقيّ (9: 26؛ 11: 16؛ 1 كور 15: 20)، لا على المستوى الزمني (2: 8؛ 12: 26): مقابلة بين فرضيّة كهنوت المسيح على الأرض (آ 4 - 5) وخدمته الكهنوتيّة في السماء. بعد آ 5 ،نستطيع أن نقرأ: في هذا الهيكل السماويّ الذي شاهده موسى، نجد المسيح الذي يقوم بعمل الكاهن. إذن، خدمته تفوق الخدمة اللاويّة. وربط الكاتب بين ((لايتورغيا)) (خدمة، ليتورجيا) و((دياتيكي)) (عهد)، فاضاف فقرة جديدة: بما أن الليتورجيا الكهنوتيّة تناسب العهد، فعظمة الكهنوت تتناسب مع رفعة العهد. ((ديافوروس))، المختلف. ثم: المميَّز والسامي، وقد يعني المفيد. نجد التفضيل (مع كرايتون، رج 1: 4) الذي يتكرّر (أسمى، أفضل) فيدلّ على أننا أمام خدمة (وعهد) استثنائية، لا تصل إليها خدمة بشريّة.
كان موسى الوسيط بين الله وشعب اسرائيل فنظّم الليتورجيا الأرضية. ونال المسيح من الله وظيفة عباديّة يمارسها شخصيًا. نقرأ فعل ((تينخانو)) (م ص ا): أدرك، حصل، نال. يقال عن عون الله (أع 26: 22)، عن القيامة (11: 35؛ لو 20: 35)، عن الخلاص (2تم 2: 10). هذا الخلاص يقوم (رج 9: 15ي) بسفك دمه ليختم العهد الجديد ويجعله يحمل كل ثماره. فذبيحة الصليب والتشفّع في السماء، هما الليتورجيا التي عُيّن لها الكاهن الجديد، فيلعب دور الوسيط. كان موسى أيضًا الوسيط، ولكنه لم يمتلك الكهنوت، والعهدُ الذي كان وسيطَه (ماسيتيس) كان أدنى من العهد مع المسيح. ((نوموتاتيو)) يعني: جعل بشكل شريعة. فالعهد الجديد هو بطريقته الخاصة تشريع (يع 1: 25، ناموس الايمان؛ روم 3: 27، ناموس المسيح، غل 6: 2)، كما أن العهد القديم كان خبرًا طيّبًا (رج 4: 2 ،إونيغاليسمانوي).
يتميّز العهد الجديد، شأنه شأن العهد القديم، بالمواعد التي منحها الله للمؤمنين. قابل الذهبيّ الفم بين خيرات زمنيّة (تث 29 - 30) وبين خيرات روحيّة (آ 10 - 11؛ رج 7: 19؛ 11: 5). غير أن عب لا تشدّد على هذا التعارض. لهذا، نتحدّث فقط عن ثبات عطايا العهد الجديد: هي تتمّ في المسيح، فلا يقدر شيء أن يمنع تحقيقها، حتّى الخطيئة (آ 12).

ب - العهد القديم ناقص ومؤقت (8: 7 - 13)
بعد أن أعلن الكاتب أن هذا العهد ناقص، أورد نبوءة إرميا التي تتحدّث عن إحلال عهد محلّ عهد، ليقول في النهاية: إن هذا العهد شاخ وعتق وهو ذاهب إلى الزوال.
أولاً: بين أول وثان (آ 7)
مبدأ إحلال تدبير جديد (دوتاراس، ثان، رج 9: 6؛ 10: 9) محلّ آخر (بروتي، أول)، قرأناه في 7: 11 (الكهنوت اللاوي، كاهن آخر، هاتاروس). ففي منطق العناية الالهيّة، يعتبر النظامُ عتيقًا وعلى شفا الزوال، حين لا يقدر أن يلعب دوره وينال النتيجة المنتظرة (7: 18). إذا كان غير كاف، فقد حُكم عليه، وسيأتي آخر محلّه. ((توبوس))، حاجة، مناسبة (12: 17؛ عد 25: 16). وقد يعني: موضع المعبد (يُقطع فيه العهد بذبيحة). بما أن هذا المعبد لا يمكن أن يكون على الأرض (8: 4)، يجب أن يكون في السماء، في أورشليم السماويّة (8: 1 - 12: 22ي). ((توبوس)) هو موضع عبادة يختاره الله (تك 22: 3؛ تث 12: 5؛ 16: 2). وهنا، كما منع الكهنوتُ اللاوي المسيح من ممارسة كهنوته على الأرض (8: 14)، فالعالم اليهوديّ يمنع قطع عهد جديد. وهكذا انطلق الكاتب من دمار أورشليم وزوال الكهنوت اليهوديّ، للكلام عن كهنوت آخر وهيكل جديد وذبيحة واحدة هي ذبيحة المسيح على الصليب. ما دام العهد الأول حاضرًا، لا مكان للثاني. ولو كان الأول كاملاً، لما كنا نحتاج إلى الثاني. غير أن وجود العهد الثاني، أفهمنا أن الأول كان ناقصًا ويجب أن يزول.
ثانيًا: عهدًا جديدًا (آ 8)
هذا لا يعني أن العهد الأول الذي قطعه الرب مع شعبه كان ناقصًا. ولكن ممارسته كانت ضعيفة، فبدا غير كامل بالنسبة إلى الذين يربّيهم ويقودهم إلى الله. ويشدّد النصّ على مسؤوليّة الناس في الحكم على العهد القديم. قرأنا في آ 7: أماميتوس، لا لوم فيه، وفي آ 8 ((ممفومانوس)) (الجذر عينه، موموس، لوم): الله لام شعبه: بسلوكهم أتلفوا الخير الذي حملته الشريعة. ولكن هذا لا يعني أن العهد لم يكن فيه ما يؤمّن فاعليّته. كان بإمكان الله أن يجعل شعبًا بدل شعب. بل هو جعل عهدًا بدل عهد، عهدًا جديدًا يختلف كلَّ الاختلاف عن الأول.
إن إعلان إحلال العهد الجديد محلّ القديم نقرأه في نبوآت خلاص، في إر 31: 31 - 34 (حسب السبعينية). ماذا يقول النصّ النبوي؟ أعلن الرب بنفسه لجميع المنفيّين من اسرائيل ويهوذا الذين اتّحدوا وتابوا: انتهى الانقسام، وجاءت العودة إلى أورشليم. سيعودون إلى الأرض بفرح، ويكوّنون الشعب الجديد الذي يُشرف عليه عهدٌ جديد ونهائي. والحال أن التحرير من سبي بابل هو نموذج التحرير المسيحانيّ. هذا ما أعلنه الأنبياء مرارًا لاسرائيل الذي سيُعطى في زمن المسيح عهدًا لا يتبدّل (أش 54: 10؛ 55: 3؛ 59: 21؛ 61: 8؛ حز 16: 60؛ 37: 29). أما إرميا فشرح مضمون هذا العهد وبيّن أنه يحلّ محلّ القديم.
((ها إنها تأتي أيام، يقول الرب)). عبارة اسكاتولوجيّة نجدها عند إرميا (7: 32؛ 9: 24؛ 16: 14...) وعاموس (8: 11؛ 9: 13؛ رج أش 39: 6). بدّلت عب بعض ألفاظ النبي، فشدّدت على مبادرة الله والطابع النهائيّ لنظام الأشياء الجديد. وهكذا أبرزت فكرة الكمال: جاء العهد الجديد مختلفًا عن القديم، فكان ناجعًا ووصل إلى هدفه (تالايوسيس، 7: 11؛ رج 7: 28) بفضل دم المسيح ودخول الحبر إلى المعبد السماويّ.
لن تعود في العهد القديم عبارة ((عهد جديد)) (ب ر ي ت. ح د ش ه) لتدلّ على العهد المسيحاني، بل في قمران وفي بعض المدارش. استعادها يسوع (لو 22: 20؛ 1 كور 11: 25) وبولس (2كور 3: 6). وقالت عب ((دياتيكي كايني))(9: 51)، أو ((نيا)) (12: 24، رج مت 9: 17). ولكن مبدأيًا، تدلّ ((نيوس)) على الجديد والشباب والاصالة. أما ((كاينوس)) فتشير إلى صفة سامية. رج مت 26: 29؛ أف 4: 24؛ كو 3: 10. وهكذا وُصف تدبير الخلاص الذي رسمه المسيح، أنه السامي (2 كور 5: 17؛ رؤ 21: 5).
ثالثًا: لا كالعهد (آ 9 - 10)
((أخذت بيدهم، ب ي و م. هـ ح ز ي ق ي. ب ي د م)). أمسك باليد مع فكرة أعان، ساند (2: 8). يشبَّه الله بالانسان حين يتدخّل من أجل شعبه، كما تتدخّل الأم مع صغارها. تتقابل ((اوتوي)) (هم)، مع ((كاغو)) (أنا)، سلوك البشر وسلوك الله (في آ 10، إسوماي، أكون، اسونتاي، يكونون). والتقابل على مستوى الديمومة. فالقديم (دياتيكي) نُقض، وألغي بفعل بني اسرائيل، في نتائجه. رج تك 17: 14؛ عد 15: 31؛ تث 31: 16، 20؛ حز 17: 16، 19. هو شرّ القلب وقساوته (3: 7 - 11؛ أع 7: 51 - 53). ((هوتي)) (لهذا)، تخلّى الله عنهم. رذلهم (حز 16: 45). لن نجد مثل هذه العواطف في العهد الجديد الذي يكون نهائيًا ولا يُلغى إطلاقًا.
ويظهر الاختلاف بين العهدين في لغة إيجابيّة. ((ابيغرابسو)) (بدل غرابسو): كتب. عارض العهد الجديد العهدُ القديم الذي حُفر في ألواح من حجر. أما الجديد فتميّز بروحانيته: يدوّن في البصيرة، وفي القلب. وهكذا يكون الاتحاد تامًا مع الله، والعبادة عبادة بالروح والحقّ (يو 14: 23). كان توق العهد القديم (خر 6: 7؛ لا 26: 12؛ تث 26: 17 - 19...) أن يرى اسرائيل مكرّسًا للرب (أكون لهم إلهًا ويكونون لي شعبًا). ولكن العهد الجديد حقّق وحده هذه الرغبة، فأعطى البشر مبدأ جديدًا، وحوّلهم تحويلاً بما فعله كاهنهم من أجلهم.
رابعًا: الجميع يعرفونني (آ 11 - 12)
بما أن هذا العلم يلج القلوب والبصائر، لا يحتاج الناس أن يعلّم بعضهم بعضًا. فالروح يعطينا المعرفة الدقيقة والضروريّة عن الله. كان الأنبياء قد تحدّثوا عن الأزمنة المسيحانيّة التي تتميّز بإلغاء الأصنام، بفيض نور الله، بشموليّة معرفة الله (أش 11: 9؛ 55: 5، حز 11: 19؛ 26: 26؛ يوء 2: 27). عاد المسيح إلى أش 54: 13 فأعلن أن تلاميذه يكونون تلاميذ الآب (يو 6: 45؛ رج 15: 15). رج 1تس 4: 9؛ 1يو 2: 27. نشير هنا إلى أن هذه المعرفة الحميمة والباطنيّة، لا تتنافى مع ضرورة الكرازة الرسوليّة (روم 10: 17).
قابل الشرّاح بين الوحي القديم وما فيه من نقص، والوحي الجديد الذي يحمل النور الكامل. فمنذ موسى، تعاقب الأنبياء وأضافوا تعليمًا على تعليم، وهكذا علّم الأخ أخاه. أما مع المسيح فلا تعليم جديدًا يُعطى لنا. كلهم، من صغيرهم إلى كبيرهم، نال الوحي في المسيح.
في آ 12، نقرأ ((هيلايوس)) (مت 16: 22). يهدأ غضب الله، وبالتالي يغفر الخطايا. رج ((س ل ح))، سامح (عد 14: 20؛ 1مل 8: 30، 34، 36، 39، 50). إن غفران الخطايا أمر جوهريّ في العهد الجديد، وهو يرتبط بمعرفة الله. فالقلب الذي تحوّل بالنعمة (آ 10)، قد تطهّر. هو غفران تام بحيث لا يعود الله يذكر الخطايا السابقة (10: 17؛ رج أش 38: 17). فبفضل الوسيط الجديد (آ 6)، لن تعود الخطيئة، كما في الماضي (أش 59: 2)، عائقًا في علاقاتنا مع الله، وتهديدًا بأن ننقض عهدنا معه. بهذا يتميّز العهد (دياتيكي) الجديد عن العهد القديم (2كور 5: 19).
خامسًا: الجديد والعتيق (آ 13)
استخلص الكاتب بإيجاز، كما فعل في 1: 14 (رج 10: 39) معنى الايراد البيبلي، بواسطة ألفاظ مترادفة، حين قال (إن تو لاغاين). رج 2: 8؛ 3: 15. توخّى هذا الاستشهاد أن يبيّن سموّ وساطة المسيح في العهد الجديد (آ 6). هناك لفظة ((كايني)) (جديد). لم يحوّل الله عهدًا كان موجودًا، لم يحسّنه (يرقعه)، ويعيد إليه شبابه، بل يعتبره عتق وشاخ (صيغة الكامل). نحن هنا أمام تجديد جذريّ يحلّ بكل بساطة محلّ نظام الأشياء العتيق. فعل ((بالايو)) يقابل ((ب ل ه)) (بلي في العربية). رج تث 8: 4؛ 29: 4؛ يش 9: 13؛ نح 9: 21؛ أش 50: 9...). ويُستعمل الفعل في صيغة المجهول (1: 11). والفعل ((شاخ)) (غيراسكو، أي 21: 18). سوف يزول بعد أن خانته قواه ((أفانيسموس)) (الزوال، ملحدة في العهد الجديد): زوال الكواكب في اليونانية. يقابل في السبعينية: ش م ه أو ش م م ه (مي 1: 7؛ 6: 16؛ 7: 13؛ يوء 1: 7؛ 2: 3). رج فعل ((أفانيزو)) عن تشريع عتُق فما عاد يُعمل به. في الواقع، لم يزل بعدُ العهد القديم، بل صار قريبًا من الزوال. متى يزول؟ في ملء الأزمنة. ((مثل شيخ رقد في القبر بعد أن لعب دوره خلال حياته))، كما قال تيودوريتس.

2 - قراءة إجماليّة
((ورأس الكلام في هذا الموضوع، أن لنا حبرًا كهذا، قد جلس عن يمين عرش الجلال في السماوات، خادمًا للمعبد والخباء (المسكن) الحقيقيّ، الذي نصبه الربّ، لا الإنسان)) (8: 1 - 2)
ويتواصل الموضوع ليصل إلى كهنوت المسيح الفريد. وسيبيّن البرهان أنه ليس هناك فقط وجهات انقطاع (عدم اتصال)، بل تقارب نمطي (تيبولوجي) بين نظام المعبد القديم مع موسى، ونظام ملكيصادق الأبدي الذي أقامه المسيح. فالنظام القديم، وإن كان ناقصًا ومؤقتًا، يتطلّع إلى نظام فاعل: طريق التكفير هي طريق الذبيحة البدليّة، مع الرجاء بأن يرسل الله الضحيّة الكاملة التي تزيل جميع الخطايا.
حين توسّع الكاتب في موضوع ملكيصادق، لم يقف على مستوى النظريات، بل انطلق من الواقع: الحبر الذي لنا. هو حقيقيّ ونحن نعرفه. وهو لنا، لأنه يختلف عن الكهنة اللاويين الذين يموتون، أما هو فيدوم إلى الأبد. رُفع إلى السماء فكان خادمًا في المعبد الذي هو الخباء الحقيقيّ، عكس خباء البرية. فمعبد البريّة هو الظلّ، أما المعبد الذي خادمه المسيح فهو الحقيقة. خيمة البرية صنعتها أيدي البشر، لهذا فهي تختلف عن المسكن السماويّ.
هناك معبد، ولكنه ليس على هذه الأرض. وهناك كهنوت يتمّ في المسيح حبرنا المجيد على رتبة ملكيصادق. فنحن لا ننتظر صورة من هذا العالم، بل حقيقة السماء. فيسوع سابقنا قد فتح لنا الطريق التي كانت مقفلة منذ خطيئة آدم (تك 3: 24). صرنا قادرين على الدخول إلى معبد الله والتنعّم بحضوره ورضاه. والراحة الأبدية التي فشل بنو اسرائيل في الحصول عليها، صارت لنا نحن المؤمنين به (4: 1ي). فمع أنه على عرشه في العلاء، فما زال معنا. وصعوده كان في الواقع عودة إلى مجد انحدر منه (يو 7: 33؛ 8: 14؛ 13: 3؛ 17: 5). ولكنها كانت عودة مختلفة. انحدر كابن الله، وعاد كابن الله وابن الانسان بعد أن تجسّد. انحدر كالرب، وعاد كالرب والخادم من اجلنا، في حضرة الله. انحدر كملك، وعاد كملك وحبر ومتشفّع من أجل هؤلاء الذين لم يستحِ أن يسمّيهم أخوته (عب 2: 11). انحدر كالسيّد، وعاد كالمخلص. ذاك الذي كان يسند الخليقة كلها هو قائد فدائنا وكافله (1: 1 - 3؛ 2: 10؛ 12: 2).
((فإن كل حبر يقام ليقرّب تقادم وذبائح. ومن ثم لا بدّ لهذا (الكاهن) أن يكون له، هو أيضًا، شيء يقرّبه. فلو أن (يسوع) كان على الأرض، لما كان كاهنًا، لأنه يوجد (كهنة) آخرون يقرّبون التقادم على حسب الناموس)) (8: 3 - 4)
بداية آ 3 هي استعادة لما قيل في 5: 1: أول واجبات الحبر، تقديم الذبائح. فعلى يسوع أيضًا أن يقرّب، وإلاّ لا يكون كاهنًا. هم يقرّبون تقادم وذبائح، هو يقدّم شيئًا واحدًا. فذبيحته واحدة وحيدة، قدّمها على الصليب.
وتقابل آ 4 (لو كان المسيح على الأرض، ولكن كهنوته أبدي) المسيح مع الكهنة. لو كان من الأرض، لما كان له موضع، لأنه ليس من قبيلة لاوي، بل من قبيلة يهوذا. إذن، كهنوته لا ينتمي إلى عالم الأرض. فهذا الذي مضى إلى السماء، هو ذاك الذي جاء من السماء. والمعبد الحقيقيّ الذي يظهر فيه الآن، في حضرة الآب، هو السماء بعينها (9: 24). فعالم كهنوته سماوي وأبدي، لا أرضي وزمني. وهكذا لا يتعلّق المؤمنون بالظلّ الذي على الأرض، بل بالحقيقة التي في السماء. فالحياة هي وقت الحجّ، لا وقت الراحة. وهذا العالم الحاضر هو موضع كل ما هو عابر، قبل تجديد كل شيء. ولهذا، ليس جديرًا بمن هو حبرنا إلى الأبد (4: 1؛ 11: 10، 13 - 16؛ 12: 2).
((فهؤلاء يقيمون خدمة هي صورة وظل لما في السماوات (أو: صورة وظل المعبد السماوي)، كما أوعز لموسى لما همّ أن يُنشئ المسكن (الخباء، الخيمة)، فقيل له: انظر، واصنع كل شيء على المثال الذي أُريته (= أراك الله إياه) في الجبل)) (8: 5)
ارتبطت خدمة كهنة لاوي بظل المعبد السماوي، بل بالواقع الحقيقيّ والأبدي. ولكن حين سُمّي الخباء ((الصورة والظلّ))، فهذا يعني أن خباء البرية قابل الواقع السماوي، وإن بدرجة محدودة. هو نسخة عن البناء، لا البناء بعينه. هو النموذج لا الواقع. هو ظلّ بقدر ما الظلّ يفترض جسدًا، ولكن الظلّ لا جسد له ولا جوهر.
ولكن المهم هو امتلاك الحقيقة، لا الظلّ. الجوهر، لا النسخة. وهكذا يظهر الاختلاف الاساسيّ بين نظام لاوي (الظل) ونظام ملكيصادق (الحقيقة). فالجديد لا يحلّ فقط محلّ القديم، بل يكمّله.
((أما هو (حبرنا، المسيح) فقد حصل الآن على خدمة أسمى بمقدار ما هو وسيط لعهد أفضل، مؤسّس على مواعد أفضل. لأنه لو كان (العهد) الأول بلا لوم، لما كان من داع إلى عهد آخر)) (8: 6 - 7)
بدأ الكاتب فأبرز التعارض الأساسيّ بين خدمة المسيح وخدمة النظام القديم. دُعي المسيح ((الخادم)) كما في آ 2 ،مع إشارة إلى حضوره الكهنوتي في المعبد السماوي. وهكذا كانت خدمته خدمة كهنوت فريد. خدمتُه أسمى من النظام القديم، ليس فقط لأن السماوي يرتفع فوق الأرضي، والواقع الأبدي فوق النسخة الزمنيّة، بل لأن العهد الذي وسيطه المسيح هو أفضل لأنه يشمل مواعد أفضل. وهكذا أكّد الكاتب مرّة ثانية تفوّق النظام الجديد على القديم. في 7: 22، صوّر المسيح ((كفالة عهد أفضل))، وهو قول يتأسّس على القسَم الالهي الذي شدّد على طبيعة كهنوته الدائمة (7: 21؛ مز 110: 4)، وعلى فاعليّة الذبيحة الأبديّة التي قدّمها. والآن يقال أنه وسيط عهد أفضل، تجاه عهد موسى الذي سمّاه بولس وسيط الشريعة (غل 3: 19). هذا العهد هو عهد القلب الذي يقول: ((إفعل هذا فتحيا)) (لو 10: 28؛ لا 18: 5؛ حز 20: 11 ،13، 21). في الإطار عينه، نقرأ ما يقول الانجيل الرابع: أعطيت الشريعة بموسى. وجاءت النعمة والحقّ (جوهر العهد الجديد) بواسطة يسوع المسيح (يو 1: 17).
تتفوّق وساطة المسيح على وساطة موسى، لأن العهد الذي تحمله ((مؤسَّس على مواعد أفضل)). فالعهد القديم ارتبط بالشريعة عبر وساطة موسى، بحيث إن التحوّل في الكهنوت يعني بالضرورة التحوّل في الشريعة (7: 11 - 12). وهذا التحوّل يتضمن إلغاء كل قواعد الشريعة حول الكهنوت اللاوي وخدمته، والاحتفاظ بشريعة أدبيّة بواسطة الابن المتجسّد الذي يستطيع أن يتحمّل عنا عقوبة تجاوزنا للشريعة ويُدخلنا في كمال برّه. فعمله الكهنوتي في التكفير، حرّك مواعد العهد الجديد وأتمّها حين طهّر ضمائرنا من موت الخطيئة. وغرس في قلوبنا محبّة الله والتعلّق بمشيئته، وجعل بيننا وبين خالقنا المصالحة التي دمّرتها اللعنة التي جلبناها بأنفسنا.
((فإن الله يلومهم إذ يقول لهم: ها إنها تأتي أيام، يقول الربّ، أقطع فيها مع بيت اسرائيل وبيت يهوذا، عهدًا جديدًا، لا كالعهد الذي قطعتُ مع آبائهم، يوم أخذتُ بيدهم لأخرجهم من أرض مصر. وبما أنهم هم أنفسهم لم يستمرّوا على عهدي، أنا أيضًا أهملتهم، يقول الرب. وهذا هو العهد الذي أعاهد به بيت اسرائيل، بعد هذه الأيام، يقول الرب: أحلّ شريعتي في بصيرتهم، وأكتبها على قلبهم، وأكون لهم إلهًا، وهم يكونون لي شعبًا. ولا يعلّم بعد أحدٌ مواطنه، ولا أحد أخاه، قائلاً: أعرف الرب، بما أن الجميع سيعرفونني من صغيرهم إلى كبيرهم، لأني سأغفر آثامهم، ولن أذكر من بعد خطاياهم)) (8: 8 - 12)
في هذه الآية التي تبدأ باستشهاد طويل من نبوءة ارميا، مع كلام عن العهد الجديد، لا يُذكر اسم فاعل الفعل. حرفيًا: يلومهم. فقد يكون الله أو النبي. أو يمكن أن نقرأ: يقول الكتاب. لا يمكن أن يكون الفاعل ارميا، لأن اسمه لم يُذكر، مع أنه هو الذي يتكلّم بفم الله حين يورد النبوءة قائلاً: قال الرب. لقد اعتاد كاتب عب أن يقدّم استشهادًا كتابيًا دون أن يحدّد المتكلّم. في الواقع، الله هو الذي يتكلّم. رج 1: 5؛ 6: 7، 8...
إن الميزة الرئيسية للعهد الجديد التي تظهر في هذا الاستشهاد، يمكن أن تلخَّص بما يلي. (1) إن النبوءة التي تلفّظ بها إرميا تشير إلى عصر آت، عصر النعمة والبركة. من هنا عطيّة الوعد الالهي: ستأتي أيام. في الواقع، كانت أيام إرميا أيام دمار وشقاء، لأن الله حكم على شعب عصى وصاياه واستخفّ بعهده. رفضوا البركة التي يعد بها العهد، فنالوا اللعنة المهدّدة (إر 11). لهذا، كانت نبوءة إرميا شعاع نور في ظلمة الارتداد عن الله، وتركيزًا على أيام مقبلة يحبّون الله فيها بالحقّ ويطيعونه. (2) تعود مبادرة العهد الجديد كلها إلى عمل الله المجانيّ. فالله هو الفاعلُ المنفّذ. وهذا العهد الجديد الذي يختلف عن العهد الموسويّ، يكون عهد نعمة، لا عهد أعمال بحسب الشريعة. يكون عهدًا جذريًا (لا خارجيًا)، دائمًا (لا زمنيًا)، يصل إلى عمق حاجات الانسان ويحوّل كيانه، لأن العمل، من البداية إلى النهاية، يكون عمل الله بذاته. (3) هذا العهد الجديد يجمع الذين انفصلوا بفعل العداوة والعنف، يجمع يهوذا واسرائيل. وهذا الجمع يرمز إلى شفاء البشريّة من جراحها، ومصالحة الشعوب والأفراد في المسيح، زرع ابراهيم، الذي فيه تتبارك جميع أمم الأرض وتتوحّد (غل 3: 8 ي). فالمسيح حطّم جدار العداوة (أف 2: 14)، وصالح العالم مع نفسه في المسيح (2كور 5: 19ي). (4) يتميّز هذا العهد الجديد كل التميّز عن القديم. لن تكون الشريعة مبدأ تبرير للخطأة، بل مبدأ شجب، لأنهم لم يستطيعوا أن يحفظوا فرائضها. لهذا قال بولس: ((لا يبرّر انسان بالنظر إلى أعمال الشريعة)) (روم 3: 20). هذا يفسّر سقوط الذين حافظوا على العهد مع الله في إطار النظام القديم. أهملهم. أما الجديد فيتميّز عن القديم بالوعد القائل بأن الشريعة تُكتب في القلوب بعد أن حوّلها المسيح بذبيحته التكفيريّة. في هذه الخليقة الجديدة، يفرح شعب الله ببركة متواصلة هي ثمرة حضور الله، وهذا يعني أنهم يعرفونه كلهم، من صغيرهم إلى كبيرهم.
وفي الوقت عينه، هناك نقاط اتصال بين العهد القديم والعهد الجديد. فالله الذي أقام الجديد هو الذي أقام القديم. فبما أن الله هو صاحب هذا وذاك، فكل منهما صالح ومجيد، وإن كان صلاح الجديد ومجده يتفوّقان على ما للقديم. وارتبطت الشريعة الواحدة بالعهد القديم والعهد الجديد. فمع أن المسيحيّ لا يتبرّر بأعمال الشريعة، فحين يحفظ الشريعة وينال نعمة من الذي قدّم نفسه عنه، تصبح الشريعة نموذج قداسة مطلوبة منه. وهكذا يصبح قادرًا على محبّة الله والطاعة لوصاياه، بعد بغض وعصيان عرفهما.
وعدَ الله فقال: أكون إلههم ويكونون شعبي. ولكن هذا يرتبط بممارسة العهد الموسوي. ولكن تكرّرت ارتدادات بني اسرائيل، فانقطعوا عن بركات هذا الوعد. لهذا جاء الله بعد عمل ابنه الفدائي، وحلول روحه القدوس، فأقام في شعبه الذي صار هيكل الله الحيّ (1بط 2: 5؛ 1كور 3: 16 - 17). ولكن هذا يتمّ في النهاية، مع دخول الأرض الجديدة والسماوات الجديدة، التي تقيم فيها جماعةُ المفديّين. عندئذ يسكن الله معهم، ويكونون شعبه، ويكون الله نفسه معهم (رؤ 21: 3). في تلك العلاقة الحميمة والمستمرّة، لن نحتاج أن ((نتعلّم)) الرب. فجميعنا سنعرفه. ومعرفة الله هي الحياة الأبديّة (يو 17: 3). بما أن جوهر الخطيئة هو رفض معرفة الله وتمجيده (روم 1: 18ي)، فبدون مغفرة الخطايا، لا تكون لنا معرفة الله ولن ننعم ببركة حضوره. لهذا، كان كلام عن الرحمة والمغفرة والمصالحة. في آخر الاستشهاد: أغفر آثامهم. لن أذكر خطاياهم. وهذا ما يتمّ لنا بواسطة مخلّصنا يسوع المسيح ووسيطنا الكاهن الذي قرّب نفسه من أجلنا فأحرز لنا فداء أبديًا.
((فبقوله عهدًا جديدًا، أعلن الأول عتيقًا، والحال أن ما عتق وشاخ هو على شفا الزوال)) (8: 13)
في نبوءة إرميا التي وردت هنا، تضمّنت تسميةُ عهد آخر، أن العهد الأول صار باليًا. عتق وشاخ. ففي النظرة النبويّة التي ركّزت على وعد أفضل وعهد أفضل (16)، بدا العهد القديم على شفا الزوال. فالقول النبويّ برهان واضح أن العهد القديم لا بدّ أن يزول فيحلّ محله العهد الجديد الابديّ، عهد النعمة. هذا يعني أن عب دوِّنت بعد أن زال العهد الاول والكهنوت الأول، وحلّ محله بشكل عمليّ العهد الثاني والكهنوت المسيحي. ولكن إن أخذنا بالاعتبار أن عب دوّنت قبل سنة 70 (كما يقول بعض الشرّاح)، هذا يعني أن الكاتب انطلق من نبوءة يسوع حول دمار الهيكل (مر 13: 2) فقال ما قال.

خاتمة
إن تفوّق الحبر الذي على رتبة ملكيصادق، يُقاس بسموّ المعبد الذي يخدمه. فالشريعة الموسويّة أسّست موضعَ عبادة تتمّ فيه الطقوس المقدسة: الخباء الذي نصبه موسى وخدم فيه بنو لاوي. اذن، لا مكان هنا لكهنوت آخر. غير أن الشريعة نفسها أعلنت أن المعبد الأرضي هو نسخة عن المعبد السماوي. في هذا المعبد السماوي خدم يسوع في حضرة الله، قدّم نفسه، فتفوّق على عظيم الكهنة في أرض اسرائيل. وارتبط بهذا الكهنوت الجديد عهدٌ جديد، عهد لا يستعيد الماضي، بل يعيد تكوينه. هذا العهد يتجسّد في القلوب فيوحّدها بالله، ويعطيها معرفته، ويؤمّن غفران الخطايا. عندذاك، تصبح الطريق إلى المعبد السماوي مفتوحة أمامنا فننعم بحضور الله. يزول العائق، ويسقط السيف الملتهب الذي يقفل باب الفردوس، فيعود الانسان ليتمشّى مع الله في الجنّة عند برودة المساء، لأن الرب هو الإله القريب لا البعيد. هو إلهنا، ونحن شعبه وغنم مرعاه.
الفصل الثاني والعشرون

النظم العباديّة القديمة
9: 1 - 10

تحدّثت المقطوعة الأولى (8: 1 - 13) عن الخدمة القديمة والعبادة القديمة. وفي هذه المقطوعة (9: 1 - 10) نتطلع إلى النظم العبادية القديمة، على مستوى الخباء وأدوات العبادة، كما على مستوى شعائر العبادة التي هي مؤقتة وغير نافعة.
توقّف ف 8 عند الخدمة الكهنوتيّة في السماء (ليتورغيا) وعند العهد الجديد (دياتيكي). وها هو ف 9 يستعيد هذين الموضوعين، مقابلاً بين العهدين، وبين ليتورجية التكفير في العهد الأول كما في العهد الثاني. وهكذا تتمّ المقابلة التي ستتواصل حتى نهاية القسم الثاني، في 10: 18. وما يقال هو أن تطهير الضمائر بتقدمة دم المسيح في المعبد السماوي، يفعل أكثر ممّا يفعل التطهيرُ الذي نطلبه في ليتورجيا أرضيّة. ويأتي وصف الخباء وخدمة عظيم الكهنة في يوم التكفير (9: 1 - 10)، كردّ على ما قرأنا في 8: 1 - 5. أشار 8: 5 إلى ضعف هذا النظام. وسيشدّد 9: 8 - 10 على هذا الضعف، لأن هذه النظم ليست ناجعة، فلا بدّ من خدمة ليتورجيّة يقوم بها المسيح، عظيم الكهنة، الذي وحده يطهّر ضميرنا من الأعمال الميتة لنعبد الله الحيّ. ولكننا تجاوزنا آ 10، فوصلنا إلى 9: 11 - 14.

1 - تفسير الآيات
نجد في هذه المقطوعة شقين واضحين. نجد في الأول (آ 1 - 5) وصفًا للخباء الأرضي. لم يكن العهد القديم ناقصًا بسبب الوسائل العباديّة، بل كان فيه كل ما يحتاج إليه من أدوات لكي يصل إلى الكمال مع المسيح. ولكن خيانات العهد القديم جعلت الله يتطلّع إلى عهد آخر لا يكون وسيطه انسانًا من البشر، مثل موسى، بل انسانًا وإلهًا هو يسوع المسيح. ويصوّر الشق الثاني (آ 6 - 10) خدمة الكهنة وعظماء الكهنة في قسمي المعبد. أما التعليم الرمزي في كل هذا فتعليمان: من جهة، طريق السماء غير مفتوح، فلا يستطيع الشعب أن يصل إلى الله. ومن جهة ثانية، لم تتطهّر الضمائر، لأن الطقوس الماديّة لا تحمل إلاّ نتائج بشريّة، فالمسيح وحده يطهّر الضمائر. وهكذا ترتبط فاعليّة هذا الفداء بدخول حبرنا النهائي إلى المسكن السماوي.

أ - الخباء الأرضيّ (9: 1 - 5)
أولاً: معبد من هذا العالم (آ 1)
((مان)) من جهة، تقابل ((دي)) (من جهة أخرى) في آ 6. هذه البداية تدلّ على أن الكاتب أرسى أسس طرحه (7: 18، 27؛ 8: 1ي)، ويستعدّ لاستغلاله، لكي يبدأ توسيعًا أصيلاً. إن صيغة اللاكامل (أيخي، له) وصيغة الاحتمال (كاتاسكواستي، نُظم، آ 2) يشيران إلى إلغاء الطقوس الموسويّة التي شاخت (8: 13)، كما يدلاّن على أصلها العتيق...
وصف الكاتب بدقّة تصميم المعبد ومضمونه، لأن الله حدّد كل شيء فيه. لهذا كان التوقّف عند الرمزيّة. عادت عب إلى صيغة الحاضر (كما في الوصف). رج آ 6 - 10؛ ق 5: 1 - 4؛ 8: 3. ((ديكايوما))، فريضة، شريعة، رسم. ارتبط مع ((إنتولي)) (وصيّة). رج تث 6: 1؛ 7: 11؛ 10: 13؛ 2مل 17: 13؛ كما ارتبط مع ((نوموس)) (عد 15: 16؛ 1مك 2: 21، 22). هو ((ح ق. ح ق ه. م ش ف ط. اذن، يدل ((ديكايوما)) على الفريضة والشريعة الوضعيّة والعادة المتّبعة. أما هنا، فنحن أمام فرائض دينية، ليتورجيّة. يرد مرارًا مع المضاف إليه: فرائض الله (روم 1: 32). فرائض الرب (مز 19: 8). هكذا نكون أمام السلطة التي تأمر بهذه الفرائض. كان في العهد القديم مجموعة قواعد ليتورجيّة محدّدة من أجل ممارسة العبادة (لاترايا، ع ب د ه، خر 12: 25، 26؛ 13: 5) في المعبد الواحد.
امتلك العهد القديم معبدًا خاصًا به، وله قيمته. وقد برز دوره في الكلام عن طبيعة المعبد السماوي ولم يُصنع، أو خايروبوئيتوس. هي المرة الوحيدة في العهد القديم، حيث ((تو أغيون)) تعني المعبد المحلّي (ق د ش، خر 26: 33 ،34؛ 29: 30؛ عد 28: 7؛ م ق د ش، عد 3: 38؛ حز 45: 4 ،18؛ 48: 8. لذلك ترجم عند البعض: المقدس) دون التوقّف عند أقسامه.
هذا المعبد هو ((كوسميكون)) (كوسموس، الكون، العالم). اعتبر يوسيفوس أن هيكل أورشليم يمثّل الكون (العاديات 3: 122؛ الحرب 5: 212)، وأن عظيم الكهنة يقوم بخدمة ليتورجيّة باسم العالم كله (الحرب 4: 324). ورأى فيلون أن لباس عظيم الكهنة يرمز إلى العالم، وحجاب الهيكل إلى الكون. واستعاد هذه الرموز الذهبيّ الفم وتيودورس المصيصي وتيودوريتس ويوحنا الدمشقي، ففهموا أن الدخول إلى المعبد صار مفتوحًا للجميع، حتى الأمم الوثنيّة. غير أن الكاتب لم يكن يفكر بهيكل أورشليم بل بخباء البرية. لهذا يجب أن نعود إلى المعنى الأصلي: ما يخصّ العالم. رج ((ابيغايوس)) (ما على هذه الأرض)، يقابل ((إبورانيوس)) (8: 5؛ 9: 23، في السماوات). إذن، موضع عبادة العهد القديم هو على الأرض، وجزء من هذه الأرض. لهذا، فهو عابر.
ثانيًا: القدس وقدس الأقداس (آ 2 - 3)
اُخذ وصفُ المعبد وأثاثه من خر 25 - 26. صعدوا ونظّموا خيمة (سكيني، مسكن) أولى (كاتاسكواستي) رج 3: 3. هي القدس (جمع الحياد كما في خر 29: 30؛ 39: 1؛ حز 44: 9 ،11 ،15) ((هاغيا)). وقد سُميّ بعض المرات ((هـ ي ك ل)) (1مل 6: 5؛ 7: 50). حين ندخل إلى هذا الخباء، نجد إلى الجنوب (أي عن اليسار) المنارة (م ن و ر ه) بفروعها السبعة (خر 25: 31 - 39؛ 37: 17 - 24)؛ وعن اليمين ((المائدة النقية)) (لا 24: 6؛ تربازا كاتارا، سمّاها يوسيفوس في العاديات ((هيارا)) مقدسة) أو مائدة التقدمة (عد 4: 7). غُشّيت بالذهب وكانت عليها عرمتان من الخبز المكرس. وفي كل عرمة ست خبزات (تمثّل اسباط اسرائيل الاثني عشر)، رج ((خبز مقدس)) (ل ح م. ق د ش، 1صم 21: 5). كانت هذه الخبزات تبدّل كل سبت. يأكل الكهنة الخبزات القديمة (لا 24: 5 - 9) ويضعون موضعها الجديدة. كانت تُوضع أمام الله، شكرًا على جميع خيراته. لهذا سُمّيت خبز الوجه، الذي يوضع أمام وجه الله (خر 25: 30؛ رج مت 14: 4).
وانفصل القدس عن قدس الأقداس (ق د ش. هـ ق د ش ي م)، أي أقدس مكان، بحجاب (كاتابتسما، ف ر ك ت، رج 6: 19؛ خر 26: 31 - 35؛ مت 27: 1). هو ((الثاني)) بالنسبة إلى الأول الذي كان على مدخل القدس (خر 26: 36) والذي سمّاه فيلون ((كاليما)) (حياة موسى 2: 101). ميّزت عب خباءين ساعة تضمّن معبد موسى خباءً واحدًا، ينقسم قسمين. ولكن حين وُضع قدس الاقداس وراء الحجاب الثاني، تصحّح الوضعُ. يعبرون القدس أولاً، ثم يصلون إلى قدس الأقداس.
ثالثًا: أدوات العبادة (آ 4 - 5)
((تيمياتيريون)) (مراحدة في العهد الجديد): رج حز 8: 11: م ق ط ر ت. (قتّر في العربيّة). هي المبخرة. ميّز 2 أخ 29: 19 بين مبخرة البخور ومذبح البخور. كان يأخذ عظيم الكهنة الجمر (م ح ت ه، تيرايون، لا 16: 12، 18 - 20) عن مذبح المحرقات ويأخذه معه إلى قدس الأقداس، في يوم كيبور. يضع العطور على نار المبخرة، فيخرج الدخان ويخفي عن عينيه الغطاء (لا 16: 12 - 13؛ سي 50: 9).
يوضع مذبح العطور (البخور) في القدس، أمام الحجاب الذي يخفي تابوت الشهادة (خر 30: 6؛ 40: 26؛ حز 41: 21 - 22). وهناك تابوت العهد (أو الشهادة) المصنوع من خشب السنط (خر 25: 10؛ 38: 1 - 6) والمغشّى بالذهب من الداخل ومن الخارج. زال بزوال الهيكل سنة 587 ق.م. (إر 3: 16). وعصا هارون كانت شهادة عجائبيّة عن حقه في كهنوت يُحصر فيه وفي أبنائه (عد 17: 10). ولوحا العهد، أو لوحا الوصايا (ل و ح ت. هـ ب ر ي ت، خر 25: 16، 21؛ تث 10: 2 - 5؛ 2 كور 3: 7).
بعد أن تحدّث الكاتب عن خارج تابوت العهد وما فيه من أدوات عباديّة، أشار إلى كرامته: عرش الجلالة الالهيّة. الغشاء، موضع الرحمة، غشِّي بالذهب فغطّى تابوت العهد (خر 25: 17). كان الحبر يرشّ عليه دم الضحايا لكي ينال من الرب غفران خطايا شعبه (لا 16: 13ي). لهذا سُمّي ((ك ف ر ت)) (كفارة)، هيلستيريون، غطّى، كفّر، غفر. وكانت أجنحة الكروبين تظلّل الغشاء، وهذا الظلّ يدلّ على حضور الرب ومجده. فالمجد (دوكسا) يعني هنا الظهور الملموس لحضور الله في الخباء أو في الهيكل (خر 40: 34؛ 1صم 4: 21 - 22؛ 1مل 8: 10 - 11). اعتبر الله جالسًا على الكروبيم (أش 37: 16؛ مز 80: 2؛ سي 49: 8 - 9)، فيمدّ (جناحي) رحمته وقدرته من أجل شعبه.
كل هذا له مدلوله: أدوات العبادة الموسويّة. ترتيب المعبد. وحاول فيلون أن يكشف رمزية الكروبيم مثلاً (أسئلة حول الخروج 25: 22). وحاولت عب في خطاه (10: 20، كاتاباتسما، الحجاب). ولكنها قالت: ليس الآن وقت تفصيل الكلام. غير أننا نرى في كل هذا صورة عن المسيح: تابوت العهد (أش 42: 6؛ 49: 8)، الغشاء (1يو 2: 2)، المن (يو 6: 49 - 50)، مذبح البخور (رؤ 8: 3).

ب - الكهنة وعظماء الكهنة (9: 6 - 10)
تحدّث عن القدس وقدس الأقداس، فلا بد من كلام عمّن يخدم في القدس (الكهنة) ويخدم في قدس الأقداس (عظماء الكهنة). وهكذا نصل إلى الطقوس التي هي مؤقتة وغير فاعلة.
أولاً: الخباءان الأول والثاني (آ 6 - 7)
انتقل الكاتب، بعد هذا الوصف السريع، من موضع العبادة وأثاثه، إلى وصف شعائر العبادة، ولا سيّما في يوم التكفير (يوم كيبور) الذي تتوافق رمزيّته أفضل توافق مع تعليمه حول ذبيحة المسيح. أما هدفه، فإظهار النقص في العبادة القديمة، وهكذا يظهر سموّ ذبيحة المسيح. النقص الأول: يُجعل الكهنة في الجزء الاماميّ من الهيكل، ويمنعون من الدخول إلى قدس الأقداس حيث يتجلّى الحضور الالهي. حين ميّز بين القدس وقدس الأقداس، دلّ على التعارض بين ليتورجيا خاصة بتنظيم الكهنة، وأخرى بالكهنة الذين يدخلون دومًا إلى القدس (ديا بنتوس، مت 18: 10؛ أع 24: 16) ليمارسوا نشاطًا عباديًا متواصلاً، يقدّمون البخور صباح مساء، يسهرون على المنارة، يبدّلون خبز التقدمة أو خبز الوجوه. رج ((لاترايا))، عبادة. ((إبيتالايو))، الخدمة العبادية (8: 5).
في آ 7، نصل إلى قدس الأقداس، حيث يدخل عظيم الكهنة وحده (مونوس)، مرّة في السنة (هاباكس). وهكذا نكون أمام نقص ثان في العبادة القديمة. كان يدخل بحذر (لا 16: 2 - 16) ولا يتعدّى الطقوس لئلاّ يموت. ونصل إلى النقص الثالث: كان يأخذ معه دمًا يقرّبه. فيرش الدم مرّة أولى وثانية وثالثة. جمعت عب كل هذا، واعتبرت أن الفاعليّة محدودة، لأن هذا الرش لا يكفّر إلا خطايا الجهل أو الضعف (أغنوئيماتا، مراحدة في العهد الجديد. رج 5: 2). ولكن هذه الخطايا تغفر أيضًا بواسطة الكهنة (لا 4: 1 - 6: 7) بعد أن يُذبح ثور. لهذا، جعلوا ((خطايا الجهل)) خطايا بالمعنى العام (هامرتيا). ولكن يبقى أن عب ظلّت في خط المعلّمين، حيث تُغفر فقط خطايا الجهل. فما يكون مصير سائر الخطايا؟ وهكذا كانت الشريعة القديمة أضعف من أن تغفر جميع الخطايا (آ 13 - 14).
ثانيًا: طقوس عديدة وغير فاعلة (آ 8 - 10)
وها هو الكاتب يشرح الآن المعنى الرمزيّ لطقس التكفير، كما يكشفه الروح القدس بالترتيبات الليتورجيّة التي فرضها على موسى. نحن أمام مدلول روحيّ. بما أن المؤمنين لا يحقّ لهم أن يدخلوا القدس (لو 1: 9)، والكهنة قدس الأقداس (يدخله رئيس الكهنة وحده مرة في السنة)، فهذا يعني أن الطريق إلى المعبد (هاغيا) غير مفتوحة. لا معبد الله على الأرض، ولا المعبد السماويّ الذي بدا قدس الأقداس نسخة عنه. وبعبارة أخرى، إن العبادة القديمة مع كهنوتها وخبائها وناموسها وعهدها، لا تجعل الشعب يقترب من الله. وما زالت حاضرة (إخوسيس ستاسين)، فهي حاجز يمنع الاتّحاد بالله (آ 11؛ رج 8: 2): يدوم العهد الأول ما دام المعبد الأول، وهذا المعبد يدلّ على عدم امكانية الدخول إلى السماء، إلى المعبد الحقيقيّ. هذا ما عرّف به الروح القدس بشكل جليّ (1كور 1: 11؛ 3: 13) أو خفيّ (2: 27؛ 2 بط 1: 14). وفعل ((ديلوو)) يحمل هذين الوجهين.
وتفسّر آ 9 تعليم الروح القدس. ((هيتيس)) تشير إلى أثاث المعبد وليتورجيّته. فالطقس الموسوي هو مثل (بارابولي = تيبوس) أو رمز أو تعليم عن العبادة المسيحية والأزمنة المسيحانيّة: فتوزيع المعبد في خباءين، والفرائض المتعلّقة بالاحتفال، ترمز إلى دخول يسوع الحبر إلى السماء ليمارس هناك خدمته التكفيريّة عن الخطايا. وهو أيضًا درس دائم لمعاصري عب الذين يشاركون في الليتورجيا الموسويّة. نقرأ فعل ((إنيستيمي)). يدلّ على عمل يستمرّ، أو على واقع حاضر. يرتبط بـ ((هورا)) (ساعة)، ((خرونوس)) (زمن)، ((نيكتوس)) (ليل)، ((هيمارا)) (نهار).
وتعود آ 10 بحزن أو خيبة أمل، إلى عجز العبادة القديمة عن تطهيرنا من الداخل. مثل هذه الاحتفالات الليتورجيّة، والطقوس المقدسة، والادوات الثمينة والكريمة، لا تنفع، لا تنقّي الضمير من الخطيئة. فهي وسائل بشريّة (ساركوس، تجاه ((تقادم وذبائح)) )، ولا يمكنها أن تنفع النفس (سينايديسيس تقابل ساركس، اللحم والدم)، ولا يمكنها أن توصل إلى الهدف. هي ذبائح حيوان وتقادم ترافقها شرائع حول الاطعمة، وشتّى أنواع الغسل. ((إبي)) لا تدلّ على الأساس، بل على المعيّة والظروف (1 كور 9: 10؛ 2كور 9: 6؛ غل 5: 13). عاد الكاتب إلى القواعد اللاويّة حول التمييز بين أطعمة طاهرة وأطعمة نجسة (لا 11: 1ي)، حول منع أكل لحم الذبائح وشحمها (لا 7: 16 - 27)، وشرب الخمر والمسكر (لا 10: 8 - 11؛ عد 6: 3)، حول الاغتسال (خر 29: 4؛ لا 11: 25، 40؛ 14: 7؛ 15: 5؛ 16: 4 ،24، 28؛ عد 8: 7؛ 19: 7) الذي اهتمّ به التقليد المعاصر للرسامة اهتمامًا كبيرًا (مر 7: 2 - 4). كل هذه الرسوم الخارجيّة تفرض نفسها. رج فعل ((إبيكايماي))، وُضع هنا، فُرض. فكأننا أمام عقاب، وهي أمور ثقيلة، كما قال عنها الآباء اليونان. ولكن فاعليتها لا تقابل ثقلها، وهي مؤقتة إلى أن يأتي زمن الاصلاح، وها هو قد جاء مع يسوع المسيح في عهد جديد أبديّ.
نقرأ ((ديورتوسيس)) (مراحدة بيبليّة): ترتيب، تصحيح خطأ، إصلاح شرائع قديمة. بما أن النظام اللاويّ الذي يمثّله خباء موسى، لم يصل إلى هدفه، يجب أن يوجِّه أنظار البشر إلى نظام آخر، يكون فيه الحمل خفيفًا (مت 11: 29). هذا يعني أن العبادة القديمة هي نسبيّة بالنظر إلى الجديدة، هي انتظار لمجيء الكاهن المخلّص (11: 1ي).

2 - قراءة إجمالية
((فالعهد الأول إذن، كان له هو أيضًا رسوم عبادة ومعبد من هذا العالم)) (أرضي) (9: 1)
لا نجد لفظ ((عهد)). ولكن وُضع من أجل المعنى. العهد الأول أي العهد القديم تجاه العهد الجديد. هناك من تحدّث عن الخباء (الخيمة) الأول، أي المعبد الموسويّ في البرية، رج آ 2. غير أن الخباء الأول في آ 2 ،لا يدلّ على المعبد كله، بل على القسم الأول منه، على القدس (أو المكان المقدّس).
ما تقوله هذه الآية، هو أنه كان للعهد الأول رسوم عبادة، وهذه الرسوم اتخذت مكانها في معبد أرضي، في خباء البريّة. وصوّر الكاتب الاحتفال مع العهد الأول، فشرح تصميم المعبد وطقوسه. وفي النهاية، سوف يصل إلى خدمة المسيح الكهنوتيّة.
المعبد الأرضي (من هذا العالم، كوسميكوس): معبد من هذه الأرض. يقابل المعبد السماويّ الذي يخدم فيه حبرنا اليوم. جلس حبرنا في السماء (8: 1). فهو ليس على الأرض (8: 4). والمعبد الأرضي هو نسخة وظلّ عن المعبد السماويّ (8: 5؛ 9: 23). لم تصنعه الأيدي (9: 11)، أي ليس من هذه الخليقة، بل هو من السماء (9: 24).
نترك جانبًا ما قاله الآباء والمعلّمون اليهود حول هذا المعبد. أما عب فلا تهتمّ بالنظريات ((الكونيّة))، بل هي تريد أن ترى العلاقة بين خباء البرية والمعبد السماوي، مع عودة إلى معبد يدخله عظيم الكهنة، يوم التكفير، ليقدّم الذبائح عن الشعب ويدخله في حضرة الله. فمهما كان هذا المعبد الأرضي ((كاملاً))، فالكاتب يرى أنه ناقص، أنه عابر، ويدعو قرّاءه للتطلّع إلى المعبد السماوي، المعبد الحقيقيّ والمجيد، الذي دخله المسيح من أجلنا. فالمعبد الأرضيّ ينتمي بطبيعته إلى هذا العالم الحاضر. ولهذا، فهو يزول (مت 24: 35؛ 1يو 2: 17). أما الملكوت الذي لا يتزعزع فهو ملكوت الخليقة الجديدة (عب 12: 26ي).
((ونُصب الخباء الاول الذي يُقال له القدس. وكانت فيه المنارة والمائدة وخبز التقدمة. ووراء الحجاب الثاني الخباء الذي يُقال له قدس الأقداس، وفيه مستوقد البخور من الذهب، وتابوت العهد المغشّى بالذهب من كل جهة، وفيه إناء من ذهب فيه المنّ، وعصا هارون التي أورقت، ولوحا العهد. ومن فوقه كروبا المجد يظلّلان على الغشاء... وليس الآن مقام تفصيل الكلام في ذلك)) (9: 2 - 5)
فالمعبد أو الخباء الأول (آ 1) قُسم بواسطة حجاب إلى غرفتين (أو خدرين): القدس وقدس الأقداس. كان القدس الخباء الأول، وأمام الحجاب. ووراء الحجاب قدس القداس. وذُكرت ثلاث أدوات: المنارة التي تبقى مضاءة ليلاً نهارًا، خبز التقدمة الذي يتبدّل يوم السبت فيحلّ محله خبز جديد، مذبح البخور الذي كان في قدس الأقداس، لا في القدس.
مع آ 3 ، يبدأ الكلام عن الحجاب الذي هو حاجز يفصل القدس عن قدس الأقداس. لا يميّز الكاتب بين حجاب وحجاب، بل ينظر إلى الاثنين معًا. فالأول يُدخل الكهنة من الرواق إلى القدس، والثاني إلى قدس الأقداس، وهذا يعني مرورًا بالحجاب الأول.
جعل الكاتب مائدة الذبيحة، ومذبح البخور، وموضع الرحمة معًا، ليدلّ على التكفير الذي حدّده الله في يوم كيبور. ففي هذا اليوم، يحمل رئيس الكهنة دم الذبائح التي نُحرت على المذبح، والبخور عن مذبح البخور، وهو الذي يدلّ على صلاة الشعب. لماذا الربط بين الاثنين؟ لأن الدم الذي يقدّم عن الخطيئة، كان يُرش على مذبح الضحايا وعلى مذبح البخور (لا 16: 17ي؛ خر 30: 10). وحين نتذكر أن ما يريد الكاتب أن يركّز عليه هو يوم كيبور، وأن كمال كل هذا الاحتفال نجده في عمل كامل يقوم به المسيح الكاهن، يتّضح أمامنا ما عملته عب حين ربطت مذبح البخور بقدس الأقداس.
ويُذكر تابوت العهد، أهم غرض في قدس الأقداس. ولوحا العهد (25: 16) اللذان يدلاّن على عهد الله مع شعبه. فمن نقض الوصايا نقض العهد. وهما أيضًا لوحا الشهادة، لأن القداسة التي يطلبها الله من شعبه، تشهد ضدّ الذين عصوا فرائضه. لهذا، سُمّي أيضًا التابوت، تابوت الشهادة. نشير هنا إلى أن هذا التابوت (= الصندوق) زال بزوال هيكل أورشليم سنة 587 ق.م. ولما دخل الرومان إلى قدس الأقداس، في هيكل أورشليم، سنة 70 ب.م.، وجدوا المكان فارغًا، فحلّ محلّ تابوت العهد ((حجر الأساس)). ماذا يقال اليوم عن تابوت العهد؟ حمله الملائكة مع ما كان في قدس الأقداس (2با 6: 7)، أو أخفاه إرميا، مع مذبح البخور، في مغارة، على جبل شاهد منه موسى أرض الموعد (2مك 2: 4 - 8). أما السامريون فيقولون بأن موسى دفن التابوت على جبل جرزيم بانتظار عودة المسيح النبي الذي وعد به تث 18: 15ي (يوسيفوس، العاديات 18: 85 ي). أما يوحنا، صاحب سفر الرؤيا، فلم يجد تابوتًا أرضيًا بل ((تابوت عهد الله)) حين انفتح الهيكل في السماء (رؤ 11: 19).
وهناك إناء (جرّة) فيها المن (خر 16: 32 - 34) شهادة لأجيالهم. وعصا هارون كما في عد 17: 10 - 11. ويقول المعلّمون بوجود جزء من عمودي النحاس (خر 32: 19) ونسخة من التوراة والأسماء التي بها ينادي عظيم الكهنة الله. فكما أن منّ البرية هلك ومعه عصا هارون، فقد تطلّع المسيحيون إلى المنّ الخفيّ (2: 17)، إلى الطعام السماوي الذي به يحفظ الله خدّامه المؤمنين. ومع أن حياتنا الماضية أنتجت الأعمال الميتة (6: 1)، إلاّ أن اتحادنا بالمسيح يجعلنا حاملين ثمارًا صالحة لمجد الله (يو 15: 4 ،5، 8؛ غل 5: 22 - 23). فالقوّة التي جعلت عصا هارون تورق وتزهر وتعطي ثمارًا، ما زالت تعمل اليوم.
كروبا المجد. سمّيا كذلك لا لأنهما كانا مجيدين أو جميلين، بل لأن بينهما ظهر حضور الله المجيد فوق الغطاء، حسب خر 25: 22: ((فاجتمع بك هناك (يا موسى)، وأكلّمك من فوق الغطاء. من بين الكروَبين اللذين على تابوت العهد، بجميع ما أوصيك به إلى بني اسرائيل)). أجل، المعبد الذي في قدس الأقداس، هو شكينه، أي مجد الله، وحضور الله في وسط شعبه (خر 40: 34ي؛ لا 16: 2؛ 2صم 6: 2؛ 1مل 8: 10 - 11؛ 2أخ 5: 13 - 14؛ مز 80: 1؛ أش 37: 16).
((وإذ كانت الأشياء على هذا الترتيب، كان الكهنة يدخلون الخباء الأول، في كل وقت، للقيام بالخدمة. وأما الخباء الثاني (الآخر) فإنما يدخله رئيس الكهنة وحده، مرّة في السنة، وليس بلا دم يقرّبه عن نفسه وعن جهالات الشعب)) (9: 6 - 7)
قدّم الكاتب موجزًا عن بنية المعبد، وعمّا تضمّنه (رُتّبت، هيّئت، رج آ 2 حيث هُيِّئ الخباء، نُصب). وهو الآن يتطلّع إلى مسيرة الاحتفالات، ولاسيّما في قدس الأقداس. بدأ فقال إن الكهنة (كهنة النظام اللاوي بدون تمييز) يقومون بالخدمة (الليتورجيا) في كل وقت، يومًا بعد يوم، حسب ما طلب موسى، في الخباء (أو: الغرفة، الخدر) الأول، الذي أمام الحجاب الثاني، أي في القدس أو المكان المقدّس، لأنه خاص بالكهنة، ولا يحقّ للعوام أن يدخلوه. أما الفرائض الطقسيّة التي يقومون بها فثلاث: الاهتمام بالسراج الذهبي ليبقى مشتعلاً نهارًا وليلاً (خر 27: 20 - 21). إشعال البخور على مذبح البخور، صباحًا ومساء، ساعة يُوضع السراج (خر 30: 7 - 8). هذان واجبان يوميان. والواجب الثالث يتمّ كل أسبوع حين تبدَّل الخبزات على مائدة التقدمة، كل سبت (لا 24: 8 - 9). تضمّن سفر اللاويين فرائض مفصّلة حول وظائف الكهنة ومسؤولياتهم، ليس فقط في القدس بل في الأروقة المقدسة. ونجد ملخصًا عن كل هذا في 1أخ 23: 24 - 32.
واختلف الخباء الثاني أو قدس الأقداس فما عرف نشاطًا يوميًا أو اسبوعيًا، بل مرّة واحدة في السنة، في يوم كيبور، وهو اليوم العاشر من الشهر السابع (لا 16: 29)، أي شهر تشري (أيلول - تشرين)، في فصل الخريف. ويُسمح فقط لشخص واحد بأن يدخل قدس الأقداس، في هذه المناسبة السنوية، هو عظيم الكهنة. وما كان يدخل بلا دم. هذا يعني أن لا حقّ له بالدخول من نفسه، لأنه خاطئ، شأنه شأن الشعب، ويحتاج إلى تكفير. فقداسة هذا الموضع تحافظ عليها فرائض دقيقة تستبعد العوام والكهنة، وتحدّد دخول عظيم الكهنة. هذا يعني أن الطريق إلى حضرة الله كانت مغلقة بسبب حالة الخطيئة التي تفصل بني اسرائيل عن خالقهم. لهذا، يحتاجون إلى دم ذبيحة يقدّم عنهم لتكون لهم الرحمة والغفران.
في الوقت عينه، كان من الواضح أن الذبيحة الكاملة والكافية، لم تقدّم في النظام اللاوي، لأن الطريق إلى قدس الأقداس ظلّت مقفلة، وطقس يوم التكفير يتكرّر سنة بعد سنة. ثم إن الاحبار الذين تقدّموا أمام الله، لم يستطيعوا، بسبب عجزهم، أن يقوموا بالمصالحة النهائيّة التي يحتاجون إليها. فهم خطأة ويحتاجون إلى دم الذبيحة، وامتدّ النقص من الكاهن إلى الضحيّة. فالحيوان لا يحلّ محلّ الانسان الذي خُلق على صورة الله ومثاله. وهكذا وجّهت كثرُة الذبائح أنظارنا إلى الذبيحة التامة التي ترفع خطايا العالم.
((وبذلك يشير الروح القدس إلى أن طريق المعبد لا يبرح غير مفتوح، ما دام المسكن الأول قائمًا. وهذا رمز إلى الزمن الحاضر، الذي فيه تُقام تقادم وذبائح لا قبل لها أن تصيّر خادمها كاملاً، حتى في ضميره، إذ ليس هناك سوى أطعمة وأشربة وشتّى أنواع الغسل، وكلها فرائض بشرية موضوعة حتى زمن الاصلاح فقط)) (9: 8 - 10)
الروح القدس الذي يعتبر ملهم النصوص المقدسة، هو الذي يقدّم بعض الحقائق عن المسكن الذي أعلم الله به موسى في ما يخصّ البناء وشعائر العبادة (8: 5). والواقع الذي يمنع الجميع، ما خلا عظيم الكهنة، من المرور في الحجاب إلى قدس الأقداس، وفي يوم واحد في السنة، يصل بنا إلى نتيجة سلبيّة، هو أن الطريق إلى المعبد غير مفتوح وأن لا امكانية للحضور أمام الله، ((حتّى الآن)). إذن، هناك أمل وانتظار بأن يأتي وقت يكون الطريق إلى عرش النعمة الالهيّة مفتوحًا للجميع. وقد أعطي هذا الأمل بشكل إيجابيّ بمواعد ونبوءات حول مجيء ذاك الذي يكون كاهنًا إلى الابد على رتبة ملكيصادق، وبتدشين العهد الجديد حين تكون شركة بين الله وشعبه، وبشكل سلبي مع عجز النظام اللاوي عن تأمين شفاء جذري للجنس البشريّ. ولكن هذه التتمة تنتظر، ما زال النظامُ القديم عاملاً. متى تُزال قوّة هذا النظام؟ حين يزول الحجاب الذي يغلق الطريق إلى قدس الأقداس، وهذا ما حصل مع موت يسوع على الصليب: كان التكفير كاملاً (1يو 2: 2)، فاستطاع البشر كلهم الدخول إلى حضرة الله.
وقال الكاتب: النظام القديم هو رمز إلى الزمن الحاضر الذي فيه تتمّ الصورة والظلّ. إن المدلول الرمزي للممارسات اللاويّة، قد نالت بعض انتباه الكاتب. وها هو يتوسّع فيها بالنظر إلى كمال الاحتفال بيوم التكفير، في المسيح. هناك تقادم وذبائح (5: 1) توجّه أفكارنا إلى حاجة الخطأة إلى غفران ومصالحة. فهذه الذبائح لا تستطيع أن تنقّي الضمائر (7: 18 - 19، 27؛ 10: 1 - 3). هي تتكرّر، وهي ذبائح حيوان.
الضمير هو معرفة الانسان لذاته ومسؤوليّته في كل ما يقوم به من عمل. فهو كخليقة مصنوعة على صورة الله، يقف أمام خالقه ويؤدّي حسابًا عن أعماله. وهو كخاطئ، لم يحفظ شريعة الله الحيّ. فيعي في باطنه أنه مذنب ويحتاج إلى تطهير وإصلاح. ما كان باستطاعة الطقوس اللاويّة أن تؤمّن المصالحة التامة وملء التبرير أمام الله، وتلك كانت حاجة الانسان الجذريّة. كانت فرائض موسى خارجيّة، لا باطنية، فلا تصل إلى الضمير، بل تتوقف عند أطعمة وأشربة واغتسال. تبقى على مستوى الجسد، على المستوى البشريّ.
هذه الفرائض لم تكن فرائض فارغة، بل شكّلت رمزًا إلى الحقيقة الآتية. ارتبطت بالعهد الموعود والنبوءة المسيحانيّة، فحرّكت المؤمن نحو الذبيحة التي يؤمّنها الله لشعبه. كانت ((سابقة)) للذبيحة الفريدة التي يقدّمها حبر على رتبة ملكيصادق. لهذا فُرضت حتّى وقت الاصلاح، حتى وقت يستقيم فيه كل شيء، فيحلّ الجوهر محلّ الظلّ. وقد أشارت نبوءة إرميا إلى أن زمن الاصلاح هو العهد الجديد وكماله في المسيح (عب 8: 7ي).
إن طبيعة عطايا الله لشعبه في حقبة العهد القديم، تظهر في الطريقة التي بها ترتبط هذه العطايا بعهد يعد ببركة تدوم. فأفق المؤمن لم يكن محدودًا في أمور خارجيّة من أرض موعد ومعبد أرضيّ يخصّ العالم الحاضر الذي هو زائل. فمع مواعيد الله التي ارتبطت بهذه العطايا، صارت هذه كلمات منظورة تتركّز على واقع أبديّ. لهذا، قال يسوع للفريسيين: ((أبوكم ابراهيم فرح حين رأى يومي. رآه فابتهج)) (يو 8: 56). وأعلنت عب 11: 10، 16 أن الآباء انتظروا وطنًا أفضل، الوطن السماوي (11: 16). فالله ما خيّب أملهم وهو الذي ((هيّأ لهم المدينة ذات الأسس)) (11: 10). وقالت في 11: 72 إن موسى ((عاين ما لا يُرى)). إن هذه العطايا الخارجيّة التي ترافقت مع المواعيد، فُهمت كعلامات لحقيقة روحيّة تدوم. فمع أنهم خلال حجّهم على الأرض لم ينالوا ما وُعدوا به، إلاّ أنهم ((رأوه من بعيد)) (11: 13). فتبريرهم، شأن تبريرنا، هو في المسيح، ويتأسّس على كمال عمله التكفيري. ففي مخطط الله، المسيح هو الحمل المذبوح منذ تأسيس العالم (رؤ 13: 8؛ 1بط 1: 19 - 20)، بحيث إن تبريرهم في المسيح أكيد مثل تبريرنا في وقت الكمال. تطلّعوا بالايمان إلى الامام، إلى الذبيحة المبرّرة. ونتطلّع إلى الوراء، إلى ذات الذبيحة. فبالمسيح نلنا الحياة، وهم نالوها. فيسوع المسيح هو هو، أمس واليوم وإلى الأبد.

خاتمة
انطلق الكاتب من لا 17: 11 ((الدم يكفّر عن النفس))، فبيّن أن دم المسيح يتفوّق على دم الثيران والتيوس. هي حياة انسان يذبح، لا حيوان. وهذا الشخص هو المسيح، ذاك الذي اختاره الرب ومسحه بالزيت وأرسله. هذا ما هيّأنا له 9: 1 - 10 الذي اعتبر النظم العباديّة قد عتقت وشاخت، فما استطاعت أن تفتح أمامنا طريق الوصول إلى الله. أجل، كانت هذه القطعة (8: 1 - 9: 10) نظرة سلبيّة إلى نظم العهد القديم، فهيّأتنا لتعليم إيجابي حول المسيح الذي قدّم نفسه على الصليب فكان الكاهن والضحيّة. هذا ما نتوقّف عنده في الفصل التالي.
الفصل الثالث والعشرون
ذبيحة المسيح ذبيحة نهائيّة
9: 11 - 28

قدّم المسيح نفسه للموت في مبادرة طوعيّة وخيار شخصيّ. غير أنه كان لا بدّ من أن يتمّ هذا الموت، من أجل خلاص البشر. سبقت عب وعالجت هذه الضرورة، ضرورة موت المسيح (2: 1ي). وإن شدّد الكاتب الآن عليها، فلأن موت المسيح كان حجر عثار لليهود وللمسيحيين المتهوّدين. لهذا، نظر الكاتب إليه في إطار العهد وهدفه ووسائل الحصول على التكفير عن الخطايا وتحقيق المواعيد. فإن كان المسيح وسيط عهد جديد، فبالنظر إلى فاعليّة ذبيحته التي أتاحت له أن يقوم بفداء أبديّ وينال الخيرات التي وعد بها النبيّ. وهكذا بدت هذه القطعة (تقابل 8: 6 - 13) شرحًا مسيحيًا لما في إر 31: 31 - 34، وبرهانًا على ضرورة موت المسيح الذي هو وسيط بين الله والبشر.

1 - تفسير الآيات
حين نقرأ هذا المقطع الثاني (9: 11 - 28)، في قلب الاتجاه المركزي (8: 1 - 9: 28، بلغ إلى الكمال)، بعد المقطع الأول (8: 1 - 9: 10، عدم كفاية العهد القديم)، نفهم أننا أمام ثلاثة أمور يتوسّع فيها كاتب عب: نظم جديدة وفاعلة (9: 11 - 14)، عهد جديد (9: 15 - 23)، دخول إلى السماء (9: 24 - 28).

أ - نظم جديدة وفاعلة (9: 11 - 14)
كان الخباء الأول ناقصًا، وها نحن مع خباء كامل بواسطة دم المسيح الذي يختلف عن دم التيوس والعجول. كانت فاعلية الذبائح نسبيّة، وهي تتطلّع إلى الذبيحة الوحيدة التي تحمل الخلاص الكامل الناجز، تتطلع إلى دم المسيح الذي يطهّر ضميرنا من الأعمال الميتة لنعبد الله الحيّ.
أولاً: الخيمة الكاملة ودم المسيح (آ 11 - 12)
شدّد المقطع السابق على نقطتين: فرائض بشريّة، ضعف هذه الفرائض في تطهير الضمير. وها هي الرسالة تقابل (دي، رج ((مان)) في 9: 1) معها، لا نظامًا جديدًا، بل شخص الحبر الذي يخدم في المعبد السماوي ويقدّم الذبيحة الناجعة. إنه يختصر كل العبادة الخلاصيّة. أجل، دخل المسيح على مسرح التاريخ في وقت حاسم، وكأنه آت من عالم آخر، وجاء يلعب دوره. ((باراغينوماي))، كان حاضرًا، وفد، جاء للمساعدة (لو 11: 6؛ 12: 51؛ 1كور 16: 3). يشير إلى وصول المسيح أكثر من ((غانومانوس)) الذي قرأناه في 1: 4 (صار)؛ 6: 20؛ 7: 26. قدّم يسوع نفسه على أنه عظيم الكهنة (4: 14). وقد نال المسحة الكهنوتيّة (لهذا هو المسيح، خرستوس) بتجسّده. وكأنه ما كان يستطيع أن يجيء إلى العالم إلاّ كاهنًا. هو لا يشبه الكاهن الهاروني الذي هو وسيط عهد أرضيّ وعابر، بل جاء يحمل إلى البشر الخيرات الروحيّة والأدبيّة (آ 15؛ رج 2: 5؛ 3: 1؛ 13: 14). وتتحدّد وظيفتُه الكهنوتيّة بهدفها الأخير: كمال الخلاص. هي اذن اسكاتولوجيّة.
أول سمة في تفوّق عمل المسيح الكهنوتي، هي كمال المعبد الذي يتمّ فيه هذا العمل، وهو معبد سماوي دخل به إلى الله. فسّر الآباء اليونان وغيرهم ((ديا)) (عبر الخيمة) بمعنى أداة، وفهموا أن المسيح دخل المعبد بواسطة خيمة أفضل هي بشريّته (مر 14: 58؛ يو 1: 14؛ 2: 19؛ كو 2: 9). في هذا قال الذهبيّ الفم: ((دلّ هنا على بشريّته، ولهذا قال إنها أعظم وأكمل، لأن الله الكلمة يسكن فيها مع قوّة الروح)). وتيودوريتس: ((سمّى الخيمة التي لم تصنعها يد، الطبيعة البشرية التي اتّخذها السيد المسيح... التي لا تتبع ناموس طبيعة تقيم في هذه الخليقة)). ولكن يبدو أن المعنى المكاني هو الأصحّ: ((اجتاز في المسكن)). إن عب تنظر إلى الاحتفال بيوم التكفير، وتقابل دخول المسيح إلى السماء مع دخول الحبر إلى قدس الأقداس عبر الحجاب (آ 3؛ رج 6: 19). إذن، نفهم أن يسوع اجتاز السماوات، بعد قيامته وصعوده، ليصل إلى حضرة الله (4: 14؛ 7: 26؛ أف 4: 10)، أي إلى المعبد السماوي (آ 24؛ رج 8: 1 - 2) الذي أشير إليه تجاه المعبد الموسويّ.
المعبد الأول هو الصورة والظلّ، والمعبد السماوي هو الحقيقة والمثال. ((خايروبوئيتوس)) (صنع يد، آ 24؛ مر 14: 58؛ أع 7: 48؛ 18: 24). هي لهجة استخفاف. فالأصنام هي صنع يد الانسان (ا ل ي ل، لا 26: 1 ،30؛ يه 8: 18؛ أش 2: 18؛ 100: 11). إذن، لا وجود حقيقيًا له. هو نسخة عن معبد الله، وهو من هذا العالم. ((كتيسيس)) (الخليقة) تقابل ((كوسميكوس)) (من هذا العالم).
مع آ 12 نصل إلى التعارض الرئيسيّ بين ذبيحة المسيح والذبيحة التي يقدّمها الحبر اليهودي في يوم التكفير. وإليك البرهان: يُقاس ثمن الدم بقدر سافكه. دخل عظيم الكهنة قدس الأقداس مرة واحدة، لا بدمه، بل بدم تيوس (تراغوس، ش ع ي ر، الساعور) تقدّم عن خطايا الشعب، وعجول (موسخوس. ف ر. رج ((ب ق ر)). ش و ر أو الثور، رج آ 13، ع ج ل، لو 15: 23) من أجل خطاياه الخاصة. استُعملت صيغة الجمع (رج آ 13) مع أنه يُذبح تيس واحد وعجل واحد، لأننا أمام عبارة مقولبة. أما المسيح فدخل ((مرة لا غير)) (افاباكس، 7: 27؛ روم 6: 10) بدمه الخاص أي في ذبيحة آلامه. نقرأ ((ايديوس)) الخاص. هو دمه الخاص، دمه لا دم غيره. وهذه الوسيلة كانت فاعلة بحيث ندخل السماء بشكل نهائي. نجد صيغة الاحتمال (ايسلتان، عمل واحد، اورامانوس، اوريسكو، وجد، احرز). قبل المسيح كان التطهير التام والروحي مجهولاً ومستحيلاً. لهذا، شدّد الأنبياء على ما في الذبائح من ناحية سحريّة (أش 1: 10 - 17؛ هو 6: 6) إذا ظلّت مجرّد طقس خارجيّ.
نشدّد على الرباط الواضح بين ((الدم)) (هايما) و ((دخل)) و((أحرز)) و((فداء)) (ليتروسيس). فالدم هو ثمن الفداء (1كور 6: 20؛ 7: 23) وشرط الدخول إلى السماء (2: 9). فبعد أن أتمّ الكاهن ذبيحته، استطاع أن يدخل إلى المعبد السماوي الذي يكرّس عمله إلى الأبد. هذا ما يفرضه التوازي مع الليتورجيا الموسويّة. هو عمل واحد نلنا به ما نلنا. وذبيحة الصليب لا تعاد ولا تتجدّد. فقوّتها التكفيريّة باقية إلى الأبد (7: 27).
ثانيًا: دم الذبائح ودم المسيح (آ 13 - 14)
وقدّمت آ 13 - 14 البرهان على الفداء الأبدي، مع ((غار)) (لأن)، وشدّدتا على قوّة هذا الدم الذي يطهّر الضمائر. وكانت مقابلة مع ذبائح الحيوان مع برهان بالحري. كان للذبائح فاعليّة أكيدة، ولكن في إطارها الخاص، فمنحت الطهارة الطقسيّة. فكم يطهّر دم المسيح على المستوى الروحي؟ إن دم التيوس والعجول يلمّح إلى ما يفعله عظيم الكهنة في يوم التكفير (لا 16: 14 - 15). ثم إن كل اسرائيليّ يتنجّس يغتسل بماء طاهرة (عد 19) ليتطهّر. نشير إلى أن بعض هذه الممارسات لم يعد يُعمل بها، ومع ذلك ذكرتها عب، فدلّت أنها لا تعود إلى ما كان يمارس في القرن الأول المسيحي، بل ترتبط بالتفسير البيبلي مع بعض تقاليد المعلّمين. نقرأ ((رانتيزاين)) (رش، مر 7: 24 يذكّرنا بـ عد 19: 9 ،ماء التطهير). هذه الطقوس التكفيريّة كانت تجعل المؤمنين جديرين بالمشاركة في العبادة (هاغيازاي، يقدّس)، فتمنحهم فقط طهارة خارجيّة. وحده الايمان يعطي الطهارة الباطنية.
أما دم المسيح (آ 14) فيمتلك قوة لا تمتلكها ذبيحة (بوسو مالون، كم بالأحرى، رج 10: 29). كانت الحيوانات وسائل غير مباشرة للتطهير. أما المسيح فوهب دمه الخاص. من جهة، الحيوانات. ومن جهة أخرى، ابن الله. من جهة ذبيحة مكرهة. ومن أخرى، تتقدّم الضحيّة بحريتها إلى الموت. كانت الضحايا بلا عيب (ت م ي م، خر 29: 1)، ويسوع كان بلا خطيئة (4: 15). كان القداسة بالذات.
وارتبطت نتائج الذبيحة بكرامة الكاهن وكمال الضحيّة. نلنا طهارة الضمير، لا طهارة الجسد. وغُفرت (2: 17) الأعمال الميتة أي الخطايا (6: 1). بعد هذا، يستطيع الانسان أن يعيش حياته الدينية كما يليق، أن يجعل من حياته على الأرض عبادة تليق بالله الحي (8: 10 - 12؛ روم 12: 1). قابلت ((زونتي)) (الحي) ((نكرون)) (الاعمال الميتة)، و ((سينايديسيس)) (الضمير)، ((ساركوس)) (البشرية). كان تعارض بين الله والخطيئة، بين الحياة والموت. هذا هو موضوع خدمة المسيح الكهنوتيّة (روم 1: 9؛ فل 3: 3، الخدمة): تمنح الذين ينعمون بوساطته بأن يشاركوا في ليتورجيّته السماويّة الموجّهة كلها لمجد الله.

ب - عهد جديد (9: 15 - 23)
تلاعب الكاتب على لفظة ((دياتيكي)) التي تعني ((عهد)) و ((وصيّة)) (انسان قبل موته)، وانطلق من رشّ الدم في الحالتين، فأعلن أن الذبيحة تتضمّن الموت وهي ضروريّة في كل دياتيكي. فموت الموصيّ مفروضة لتصلح الوصيّة وتنفَّذ. والمسيح وجب عليه أن يموت ليؤسّس العهد الجديد ويجعله يحمل كل ثماره. إذن، يتعارض هذا العهد مع القديم الذي خُتم بدم الحيوانات.
أولاً: إقامة عهد جديد (آ 15)
وينتقل الكاتب بواسطة ((كاي ديا توتو))، ولذلك. فيشرح تطهير الضمير وخدمة الله الحيّ (آ 14) كفداء (أبوليتروسيس) أبدي (ايونيوس) كما في آ 12. غير أنه أدخل بشكل خاص ضرورة العهد الجديد الذي فيه يتمّ الفداء الكامل (روم 3: 24؛ أف 1: 7). أنبأ إرميا بإقامة هذا العهد الجديد (كايني دياتيكي) (عب 8: 8). فإذا كان المسيح وسيط هذه العهد (8: 6) وهو يحقّق النبوءة، فلأنه اضطلع بمهمّة هذا الفداء (هوبوس ايس، بحيث إن) من أجل متجاوزي العهد الأول، أي قرّاء الرسالة قبل اهتدائهم. ففيهم فعلَ دمُ المسيح، فحلّ محلّ وسائل تطهير غير كافية في العهد القديم. فخلال تلك الحقبة كلها، لم تُمحَ الخطيئة، بل تكاثرت بسبب الشريعة (روم 3: 25؛ 7: 8 - 12؛ غل 3: 19 - 22؛ أع 13: 38: 39).
((إبي)) (في العهد الاول) ليست فقط زمنيّة، بل شرطيّة وسببيّة (بسبب العهد الأول، بما أن). لسنا فقط أمام عدد من الخطايا تكاثرت مع الشريعة الموسويّة، بل أمام خطايا كانت نتيجة هذه الشريعة. كان موسى وسيط العهد القديم، وبدا يسوع كما بدا، فكان الوسيط الذي لا يمكن إلاّ أن يجدّد فيؤسِّس عهدًا يختلف عن السابق. والوسيط (8: 6) هو أيضًا ضحيّة، ولموته قوّة الذبيحة، وتقديم ذاته هو عمل جوهريّ في هذه الوساطة الكهنوتيّة. بهذا الموت غُفرت الخطايا (8: 12)، وامتلك المدعوّون إلى العهد وإلى خيراته السماويّة (كاكليماوي، رج 3: 1. صيغة الكامل. دُعوا وما زالوا مدعوّين) تحقيق أسمى المواعيد الالهيّة. لسنا فقط أمام مسيحيين يعيشون اليوم في نظام العهد الجديد، بل أشخاص عديدين من بيت اسرائيل وبيت يهوذا (8: 8 ،10) الذين عاشوا في الماضي واستفادوا من نتائج موت المسيح الخلاصيّة، فشاركوا في المواعد (11: 40؛ 12: 22). ((ابنغاليا)) هي تارة وعد الله (7: 6؛ 11: 17)، وطورًا تتمّة هذا الوعد (6: 15؛ 11: 33). ننال (لمباناين، 9: 15) الوعد، نمتلكه (إخاين، 7: 6)، نحصل عليه وقد تحقّق (كوميزاستاي، 9: 36)، نرثه (كليرونوماين، 6: 12) بالايمان والثبات. فالمسيحيون هم وارثو الموعد (6: 17)، وارثو الخلاص (1: 14) والخيرات الآتية (9: 11 ،مالونتا أغاتا). هذا يعني أن ((دياتيكي)) و ((البيس)) (الرجاء) ارتبطا (7: 19، 22).
في العهد القديم كانت ((كليرونوميا)) (الميراث) أرض كنعان التي وُعد بها شعب اسرائيل (ن ح ل ه، لا 20: 24؛ عد 26: 53؛ تث 9: 6؛ عب 11: 8). وكان الشعب ميراث الله وحصته وشعبه المميَّز (تث 32: 9؛ 1مل 8: 51). وسيقول صاحب المزامير والأنبياء إن الابرار يرثون الأرض ويسكنونها إلى الأبد (مز 37: 9 ،11، 12، 29؛ أش 57: 13). نجد هذه الوجهات الثلاث في عب: فالارض الموعودة هي رمز الخيرات الروحيّة التي يمنحها الله بواسطة المسيح (10: 36؛ غل 3: 14 - 22؛ أف 2: 12). فالمسيح (لا اسرائيل) هو وارث الله (1: 4). وهو يشرك في غناه المتعاقدين (3: 14؛ 8: 17) فيمنحهم الدخول إلى راحة الله (4: 9)، إلى حضرة الله (9: 24)، إلى الخلاص الأبديّ (9: 28؛ رج تي 3: 7).
ثانيًا: الوصيّة (العهد) والموت (آ 16 - 17)
إن ((كليرونوميا)) التي تعني عادة الميراث (1: 4 ،14؛ 9: 8)، تحمل في آ 15 الوجهة القانونيّة للميراث. لهذا تُعتبر آ 16 - 17 بشكل معترضة، ولكنهما تبرّران في الواقع عبارة ((تاناتو غانومانو))، الموت حاصل، بالموت (آ 15). فالميراث ينتج عن وصيّة (دياتيكي). وهذا ينتج عن مبدأ حقوقيّ: لا نرث شخصًا ما دام حيًا. إذن، وحسب ((أنانكي))، على المسيح أن يموت، ليمتلك المؤمنون امتلاكًا فاعلاً خيرات وعد بها الله. إذن، أضاف المسيح على وظيفة الوسيط، وظيفة الموصي (دياتامانوس، لفظة مخصّصة، لو 22: 92). إن موته ضروريّ لكي يبدأ تنفيذ الوصيّة، وينعم بها الوارثون بشكل شرعي. استعمل فعل ((فاراستاي)) (بدل ((غانستاي))، صار): أعلن، أنتج، نقل بشكل رسميّ. رج يو 18: 29؛ رج أع 25: 7. هي صيغة المجهول لفعل ((فارو))، حمل.
وتعلن آ 17 المبدأ الذي يؤسّس الضرورة القانونيّة. ((بابايوس)) (ثابت، متين، 6: 19). يُستعمل في لغة القانون بمعنى صحيح (2: 2؛ 3: 6). فالوصيّة لا معنى لها ولا قيمة إلاّ بالنظر إلى موت الموصيّ. استعمل الكاتب ((إبي نكرويس)) ليشير إلى أمرين: موت الموصي قبل موته (آ 16) وموت الضحيّة في الاحتفال بقطع العهد (آ 18). ((إبي)) تشير إلى النقطة التي بها يرتبط شيء بآخر، إلى العلاقة: شرط. فالموصي قبل موته يستطيع أن يبدّل ارادته ويحتفظ بميراثه. ووصيّته، وإن دوّنت، لا تحمل نتائج قانونيّة. ((اسخيوو))، كان قويًا، متينًا. في اللغة القانونية: سرى، ثبت.
ثالثًا: تأسيس العهد الأول في الدم (آ 18 - 22)
((أوتن)) تقابل ((غار)) (لأن، الفاء، 2: 17؛ 3: 1) في آ 16. تربط التوسّع الذي يلي بما قالته آ 15 (لا ننسى أن آ 16 - 17 معترضة)، وتقول إن الذبائح اللاويّة كانت صورة الذبيحة الدمويّة التي شكّلها موتُ المسيح. استعاد الكاتب مدلول ((دياتيكي)) (عهد) فبرهن على ضرورة موت المسيح كذبيحة عهد (آ 18 - 21) من أجل التطهير والتكفير (آ 22). هناك رباط قوي بين ((دياتيكي)) و((تاناتوس)) (موت، آ 15، 16 - 17) بحيث إن كل وصيّة تفرض موت الموصيّ. وكل عهد، حتّى العهد الأول (8: 13) لم يُختم بدون رشّ دم (خر 24). إن فعل ((انكانيزو)) (10: 20، مراحدة في العهد الجديد، رج يو 10: 22: انكاينيا، عيد التجديد) يستعمل لتدشين الهيكل أو مذبح للرب (ح د ش. ح ن ك. 1مل 8: 63؛ 2أخ 7: 5؛ 15: 8؛ 1مك 4: 36، 54؛ 5: 1)، أو بيت (تث 02: 5) أو ملك (1صم 11: 41). يُستعمل للكلام عن كل غرض نستعمله للمرّة الأولى. إن هذا الفعل يليق بالطقوس الاحتفاليّة التي بها قُبل العهد الأول وصار في الشريعة. لسنا أمام دم انسان، بل دم حيوان. فالدم مركز الحياة (تك 9: 4؛ لا 17: 11، 14). استحقّ الانسان الموت حين أغاظ الله. ما كان يحقّ له أن يدمّر نفسه (تك 22: 13)، فذُبح الحيوان عنه.
وأورد (آ 19) العهد القديم طقسين عن قطع العهد: الرب مع ابراهيم (تك 15)، ومع بني اسرائيل (خر 24: 4 - 8). توقّف الكاتب عند الثاني لأنه أساس النظام التيوقراطي وصورة العهد الجديد. غير أنه تعامل بحريّة مع النص البيبليّ، فدلّ إلى أنه يعود إلى التقليد الشفهيّ. كانت قراءة كتاب العهد ضروريّة ليعرف الشعب بما يلزم نفسه. قالت عب: جميع الشعب (مرتين). ثم ((كل وصيّة)). رج خر 24: 3 ،7 ،8. وارتبطت البركة والويل بكل وصيّة، وهذا ما قبله الشعب أيضًا: فإن مارس الشعب هذه الفرائض، ثبت العهد المقطوع مع الله. إذن، لا بدّ من الموافقة. في خر 24: 5 ،قدّم الشبان العجول (ف ر ي م. موسخوس، عب 9: 12). فأضافت عب ((التيوس)) في خط يوم التكفير (آ 12) وأضافت عب رش الماء والصوف والزوفى (لا 14: 4 - 7، البرص). الماء يغسل الأوساخ وربما الدم. والقرمزي، رمز الدم، يرمز إلى الحياة والخطيئة معًا (أش 1: 18). وظهرت الزوفى في طقس البقرة الحمراء (عد 19: 16 - 18). أما كتاب العهد فيدلّ على إرادة الله ويرمز إلى حضوره.
حسب السبعينية، كان موسى قد قال: هذا (إيدو) دم العهد الذي قطعه (ك ر ت) الرب معكم (ع م ي م). أحلّ الكاتب ((توتو)) (هذا) محلّ ((إيدو))، فعاد إلى تأسيس الافخارستيا (مر 14: 24؛ مت 26: 28؛ 1كور 11: 25). ((دياتيتيمي))، رتّب، نظم، عقد (رج آ 16؛ 8: 10؛ أع 3: 25). قد حلّ محله ((انتالوماي)) (أوصى، انتولي، الوصية). رج سي 45: 3؛ مت 17: 9؛ 19: 7؛ يو 15: 14. نحن أمام فرائض العهد (آ 19).
تحدّثت آ 21 عن رشّ الخباء والأثاث (لا يُذكر في خر). هو طقس تكريس المعبد بالزيت (خر 40: 9 - 11؛ لا 8: 10 - 13). أحلّت عب الدم محلّ الزيت بسبب قوّة التطهير فيه (رج يوسيفوس، العاديات 3/8: 206). والمبدآن المعطيان في آ 22 يشرحان قوّة التطهير والتكفير في الدم، وهذا ما يوجّه البرهنة منذ آ 12، إذ بيّن الكاتب أن الدم ضروري لعقد العهد، وشدّد على دوره التطهيريّ (رنتيزو، رشّ، طهّر، آ 19 - 21). هناك الماء (لا 15: 10، 13)، والنار (عد 3: 22 ،23)، والدقيق (لا 5: 11 - 31). ولكن لا وسيلة تنفع مثل الدم. فقد فرض كاتب الطقوس أن يطهّر كل شيء (بنتا) في الدم وبالدم (سخادون، رج أع 13: 44؛ 19: 26، كذلك): المذبح (لا 8: 15؛ 16: 19)، الكهنة (لا 8: 24، 30)، اللاويون (عد 8: 5)، الشعب (لا 9: 16؛ 19: 30).
والتكفير؟ وحده الدم يقوم به. نحن أمام مبدأ مطلق يعود إلى لا 17: 11. قال فيلون: ((الدم رشاش النفس)) (الوصايا الخاصة 1: 205). واستخرجت عب ((هايماتاخيسيا)) (رش الدم)، لتدل على ليتورجية ذبائح تكفّر عن الخطيئة، حيث كان الكاهن يمسح قرون المذبح بالدم ويصبّ الباقي عند أساس المذبح الذي هو عند باب خيمة الاجتماع (خر 29: 12؛ لا 4: 7 ،18، 25، 30، 34؛ 8: 15؛ 9: 9). في المحرقة (ع ل ه)، كان يُرشّ دم الضحية حول المذبح (لا 1: 5 ،11؛ 9: 12). ولكن في الذبيحة عن خطايا عظيم الكهنة والشعب، كانوا يرشّون سبع مرات من دم العجل أمام حجاب المعبد (لا 4: 5 - 6 ،17). واخيرًا، في يوم كيبور، كان يرش الحبر تابوت العهد بدم الضحيّة. وهكذا كان رش الدم اساسيًا في ذبيحة التكفير، فكان وسيلة لا بدّ منها لغفران الخطايا.
ونقرأ أيضًا في آ 22 ، ((أفاسيس))، أطلق، حرّر الأسرى (لو 4: 18)، عفا عن الدين وبالتالي عن الذنب. فالخطيئة التي تُغفر هي دين يُترك (مت 6: 12). في العبرية، نجد 13 لفظة وأهمها ((ي و ب ل)). الله، يحرّر المؤمن من عبودية الخطيئة ومن الشجب، وهذا يناله بالدم. أحل الكاتب ((أفاسيس)) محل ((كاتاريزو)) (طهّر، آ 22أ)، ((رنتيزو)) (رش، آ 19، 21)، ((انكانيزو)) (دشّن، آ 18)، فترك الوجهة العباديّة والطقوسيّة في العلاقات مع الله، وأبرز الطابع الاخلاقيّ والشخصيّ.
رابعًا: الخاتمة (آ 23)
هذه الخاتمة تشكّل انتقالة. لهذا لن نتوقّف عند مضمونها الحرفيّ في شأن تطهير السماويات، على مثال تطهير ((الارضيات)) التي هي عنها نسخة ناقصة. إن ((أون)) (اذن) تربط هذه الآية بتطهير الخباء (آ 21) وسائر أدوات العبادة (آ 19 - 22). ويقابل الكاتب مرّة أخرى المعبدين. واحد (مان، من جهة) حقيقيّ، روحيّ، سماويّ، وآخر (دي، من جهة ثانية) مادي، أرضي، ونسخة وصورة عن ذاك (هيبودايغما، 8: 5). فليتورجية الهيكل الالهي تسمو على النسخة والصورة. فبدل طقوس ماديّة وذبائح حيوانات، تُفرض (انانكي، آ 16) عبادة روحيّة، وذبيحة المسيح الشخصيّة (آ 25 - 28). ((ذبائح أفضل))، أو بالأحرى، ذبيحة واحدة، هي ذبيحة المسيح، توجز في ذاتها كل الذبائح.
كان على عظيم الكهنة، قبل أن يدخل قدس الأقداس، أن يرشّ المعبد بدم الضحايا. ولكن لا ليطهّر المعبد الذي هو رمز حضور الله، بل ليطهّر نفسه فيصبح جديرًا بالاتصال بالله. ولكي يتاح الدخول إلى المعبد السماوي، للمسيح كما للبشر، لا بدّ من الدم، وهو دم أنقى من دم الضحايا الحيوانية، بشكل لامحدود. هو دم اين الله الذي يُسفك في ذبيحته. هكذا صارت السماء (مسكن الله) هيكلاً جديرًا بالليتورجيا التي كاهنها المسيح من اجل المدعوّين حتّى نهاية العالم. في الواقع، هو الرباط بين الذبيحة والدم من جهة، والتوازي بين المعبدين والطقسين من جهة ثانية (مان... دي)، ما جعل الكاتب يتحدّث عن تطهر السماويات. ولكنه لم يكرّر فعل ((كاتاريزاتاي))، بل ((دشّن)) (رج آ 18). نحن أمام بداية مع ذبيحة سامية هي ذبيحة المسيح (تيودوريتس).

ج - دخول إلى السماء (9: 24 - 28)
إن آ 24 - 26 تبيّن كيف تتحقّق في المعبد السماوي المتطلّباتُ (انانكي) التي قيلت في آ 23. وتحمل آ 27 - 28 برهانًا جديدًا حول طرح الكاتب بأن المسيح مات مرّة واحدة لاجل فدائنا.
أولاً: دخول المسيح إلى السماء (آ 24)
استعارت آ 24 المقابلة مع الحبر الداخل إلى قدس الأقداس، في يوم التكفير. وأعلنت أن يسوع وسيطنا (آ 15) دخل إلى السماء (غار، لأن)، إلى المعبد الحقيقي (اليتينون، يقابل ((ابورانيا))، آ 23)، الذي يشكّل المعبدُ الأرضي نسخة عنه ((انتيتيبوس))، الصدى، النسخة، الصورة، ما يمثّل. هو يقابل ((هيبو دايغما)) (آ 23). حاليًا (نين، الحاضر الابدي تجاه ما هو عابر في الكلندار الليتورجي)، يجد المسيح نفسه في حضرة الله (7: 20؛ 8: 1؛ 9: 11) كممثّل ومحام عنا (هيبر هامون). حضوره العميق هو حضور وسيط وحضور ضحيّة. هو ((بارقليط)) (1يو 2: 1؛ عب 5: 9). وما يحدّد علّة دخول المسيح إلى السماء وعمله الكهنوتي هو عبارة: ((ليظهر الآن، أمام وجه الله لأجلنا)). الفعل هو ((إمفانيزو))، أرى، عرّف، أظهر (خر 33: 31 - 81؛ 2مك 11: 29؛ حك 1: 2؛ 17: 4؛ مت 27: 53؛ يو 14: 21 - 22). وهو يدلّ على حضور فاعل، ناشط. هو لا يجلس وحده عن يمين الآب، بل يمثّل المدعوين ويرافع عنهم كالمحامي (باراكليتوس). دخل أمام الله بدمه كحمل مذبوح (رؤ 5: 6 ،12، 13؛ 6: 17)، وهو يلعب دور الراعي. في هذا المعنى تقول عب إنه خادم الأماكن المقدّسة (8: 2). ووساطته الكهنوتيّة تتواصل في السماء، وإن بشكل آخر، ولكنه وهو في مجده، لا يتخلّى عن آلامه من أجلنا، حتى مجيئه الثاني (آ 28).
ثانيًا: مرّة واحدة، لا مرارًا (آ 25 - 26)
أجل، لا يكرّر المسيح ما فعله مرّة على الصليب. فذبيحة واحدة لا غير كانت كافية، وهي تحقّق بشكل نهائي ما أراده الله. وهكذا تبدأ مع آ 25 (رج آ 12) مرحلةٌ جديدة في البرهنة. يبدو الكاتب وكأنه يردّ على اعتراض يهوديّ: إذا كان المسيح، شأنه شأن عظيم الكهنة، قد دخل قدس الأقداس السماوي، فعليه مثله أن يكرّر ذبيحته ويدخل مرارًا (بولاكيس). كيف يفعل؟ هل يعود من جديد إلى الأرض لكي يموت؟ الجواب هو كلا. بما أنه قدّم نفسه، فذبيحته سامية جدًا بحيث لا تحتاج إلى أن تتكرّر، وفاعليتها لا تنتهي. فالتقابل بين تقدمة نفسه (بروسفاري هيوتون) ودم آخر (هايماتي ألوتريو)، رج آ 12، يدلّ على أن الطابع المتعالي لتضحيته يمتلك قيمة أبدية (آ 14): هي ذبيحة واحدة وحيدة نالت خلاص البشر، ذبيحة المسيح، الذي لن يموت بعد. فطابع ذبيحته طابع نهائي (لا ذبيحة بعدها) وقيمتها لامحدودة. حصلت مرّة واحدة، ولكنها تدوم إلى الأبد (الآن، 24). ذاك هو سموّها على ذبائح تتكرّر وتقدّم لله المرّة بعد المرة.
((يتألم مرارًا)) (آ 26) يرتبط بـ ((قدّم نفسه مرارًا)). تقدّم هذه الآية برهانًا بالمحال حول الفاعلية المطلقة والنهائيّة لموت المسيح الذبائحيّ: في العهد القديم (بل منذ بداية البشرية)، تكاثرت الزلات وما غفرت، فوجب على المسيح أن يكفّر عنها (آ 15؛ 2: 17). فلو كان حبرًا مثل سائر الأحبار، لقدّم أكثر من مرّة ذبيحة تكفيريّة. ولكن بما أنه ضحيّة، يجب أن يموت أكثر من مرة، وهذا محال. في الواقع، انتظر لكي يظهر (فانارو، 1تم 3: 16؛ 1 بط 1: 20 . يتضمّن أزليّة المسيح. وصيغة الكامل تدلّ على أن هذا الظهور التاريخي يتواصل في الحاضر، رج يو 1: 29)؛ ويقدّم نفسه، انتظر زمن النهاية والتتمّة (سنتالايا). إن تتمة الأزمنة (أو الأزمنة الأخيرة) تشير إلى حقبة طويلة من الاستعداد الذي يليه مجيء عالم جديد، العصر المسيحاني، الذي يعيش فيه قرّاء الرسالة. اذن، لا وقت له لكي يجدّد ذبيحته، أو بالأحرى: جاء في النهاية فكفّر عن جميع الخطايا السابقة، وهكذا افتدى البشر جميعًا. إذن الآن (نيني، 8: 6 ،الساعة الحاضرة)، لا يمكن أن تكون ذبيحة المسيح إلا واحدة وحيدة، هي واحدة لا غير (هاباكس، آ 2؛ 1بط 3: 18)، وهي تلغي الخطيئة. هنا نقرأ لفظة قانونية ((أتاتيسيس)) (إلغاء، 7: 18) التي هي أقوى من ((ابوليتروسيس)) (آ15، فداء) و ((أفاسيس)) (مغفرة)، فتشدّد على إلغاء جذري لخطيئة سيطرت مدّة طويلة، فما غلبتها محاولاتُ التطهير الموسوي (10: 4). قُهرت الخطيئةُ مرّة واحدة بدم المسيح، فلن تقوم لها قائمة. وهكذا دشّن دم المسيح كونًا جديدًا (8: 10 - 12)، وسيطرت ذبيحة الصليب على تاريخ الكون، منذ بداية الأزمنة حتّى نهايتها.
ثالثًا: عودة المسيح وخلاص البشر (آ 27 - 28)
الحياة البشريّة لا تتجدّد. والانسان يموت مرّة واحدة (3: 19). وما يُقال عن البشر يقال عن المسيح (2: 14؛ 4: 15). نقرأ ((أبوكايماي)): احتُفظ به (لو 19: 20؛ كو 1: 5؛ 2تم 4: 6). يدلّ على مصير لا مهرب منه، ويأتي اسم المفعول في صيغة الاحتمال (بروساناختايس، آ 28) في موازاة مع ((أبوتاناين))، فدلّ على خضوع المسيح لهذه القاعدة حين صعد على الصليب. وإن هو تحمّل الموت، فقد تحمّله مرّة لا غير، ولكن من أجل هدف فدائي: رفع الخطايا. اختار الكاتب ((أنافارو)) في موازاة ((بروسفارو)) (هو موت تكفيريّ) ليدلّ على معنيين: رفع، قرّب ذبيحة (7: 27؛ 13: 15؛ يع 2: 21؛ 1بط 2: 5. لهذا ترجمت البسيطة: د ب ح أي ذبح). رج يو 1: 29 (يرفع خطايا العالم)؛ أش 53: 12 (س ب ل). هناك تكفير بدليّ، وبالاحرى مشاركة. فالمسيح تضامن مع البشريّة وهكذا افتدى اخوته. تماهى معهم واحتمل الموت فاستطاع أن يكون الذبيحة، لا عن بعض منهم، بل عن الكثيرين (بولون، 2: 10؛ مر 14: 24).
وارتبطت الدينونة بالموت. فبعد موت المسيح هناك مجيئه المجيد (100: 25، 37)، مجيئه الثاني (دوتاروس). كما أن حياة يسوع على الأرض انتهت بالموت، فعلاقاته بالأرض لا تنتهي إلاّ بتدخّله الأخير وعودته من السماء (أع 1: 11). ولكنه عند ذاك، يعود بلا خطيئة، بعد أن حمل في مجيئه الأول خطايا الكثيرين. فذبيحته في مجيئه الأول كانت كافية، فلا حاجة إلى تكرارها بعد أن ألغيت الخطيئة (آ 26). وعودتُه ليست عودة محارب، بل عودة منتصر جاء يدوس بقدميه آخر عدوّ له وهو الموت (1كور 15: 26). عندئذ يتمّ خلاص الذين انتظروا كاهنهم الآتي من قدس الأقداس السماويّ. هو انتظار قلق (أباكداخوماي، 1كور 1: 7؛ فل 3: 20)، ولكن يحرّكه الايمان (غل 5: 5): سيظهر، سيُرى (اوفتيساتاي). ونحن نظهر معه (روم 8: 19). نلنا الخلاص الذي هو تبرير من الخطايا، فلا نعود نخاف الموت ولا الدينونة (كريسيس، آ 27) بعد أن طهّرنا دمُ المسيح.

2 - قراءة إجماليّة
((أما المسيح، فإذ قد جاء حبرًا للخيرات الآتية، اجتاز المسكن (الخباء) الأعظم والأكمل الذي لم تصنعه يد، أي ليس هو من هذا العالم، وبدمه الخاص، لا بدم تيوس وعجول. دخل المقادس مرّة لا غير، بعد أن أحرز فداء أبديًا)) (9: 11 - 12)
الصور في هاتين الآيتين، صور يوم التكفير. هناك علاقة منطقيّة مع ما قيل في آ 7 حول خدمة الحبر اللاويّ، مرّة كل سنة. هناك كان الظلّ، وهنا الحقيقة. فحين ظهر المسيح تبدّل الوضع كله. ما استطاع كهنوت لاوي أن يمنح الخيرات التي وعد الله بها. ولكن مع ظهور ذاك الذي على رتبة ملكيصادق، قيل أنها ((أتت))، لأن العهد الجديد ومواعيده تمّت في عمله الكهنوتي. هذه الخيرات قد أعطيت في العهد القديم (عب 10: 1)، ووصلت إلى كمالها مع مجيء المسيح. أو: هذه الخيرات أعطيت للمسيحيين وستجد كمالها في مجيء المسيح الثاني (عب 13: 14؛ 1كور 2: 9). والخيرات التي هي لنا في المسيح، جاءت في مرحلتين: اتحدنا به فورثنا كل شيء (روم 8: 17؛ 1كور 3: 21 - 23). ولكننا ندخل بعد ذلك في ملء ميراثنا (1بط 1: 4؛ 1يو 3: 2). فعملُ المسيح التكفيري هو الينبوع الذي به تفيض كل بركات العهد الجديد. لهذا قال بولس: ((لم يشفق على ابنه الخاص، بل أسلمه عنا جميعًا، كيف لا يهبنا أيضًا معه كل شيء)) (روم 8: 32)؟ وهذه العطايا التي ننعم بها الآن، لا نعرفها بعدُ في ملئها. فالأجمل يكون في النهاية (يو 2: 10). وهذه النهاية هي بداية واستمرار لما لا حدّ له ولا حدود. وخبرتنا لقدرة الروح الذي يقيم فينا ويحوّلنا، هي عربون ما ينتظر شعب الله في مجد الأبديّة (أف 1: 13 - 14؛ 1كور 1: 22). اذن ((الخيرات)) أتت وهي آتية. والمرحلتان اللتان فيهما نختبرها (التذوّق السابق، الملء)، ترتبطان الواحدة بالأخرى كالعلة والنتيجة، في إطار مجيئي المسيح: المجيء السابق والمجيء الآتي.
وماذا نقول في آ 12؟ لم يدخل المسيح إلى القدس، بل إلى قدس الأقداس (هاغيا تعني الاثنين). دخل بدمه الخاص، فأحرز لنا فداء أبديًا. استُعمل اسم الفاعل (اورامانوس) في صيغة الاحتمال فدلّ على أن المسيح دخل إلى المعبد السماوي بعد أن أحرز الفداء الأبديّ. هذا ما فعل على الصليب ثم صعد إلى السماء. فموته الذبائحيّ وسفك دمه كانا ((الشرط)) لدخوله الظافر في المجد. سُمح للأحبار اللاويين وحدهم بأن يقفوا أمام الله، في قدس الأقداس، من أجل الشعب، فتسامى يسوع عليهم، وظهر من أجلنا في مجد المعبد السماويّ. سُمح للاحبار بأن يدخلوا مرّة في السنة (آ 7)، فتسامى يسوع، ودخل مرّة لا غير إلى المعبد الحقيقي. هناك ((واحد)) سنويّ (مرّة في السنة)، وواحد لامحدود. ذبيحة تتكرّر مرّة كل سنة، وذبيحة لا تتكرّر أبدًا لأن نتيجتها التكفيرية تدوم إلى الأبد. لا يمرّ الحبر إلى قدس الأقداس إلاّ بعد أن يرشّ دم الذبيحة على المذبح. وتسامى يسوع فأحرز فداءنا الأبديّ بذبيحة نفسه، ثم انتقل بقدرة دمه أمام وجه الله، لأجلنا (آ 24).
((لأنه، إن كان دم ثيران وتيوس ورماد عجلة يُرَش على المنجسين لتطهير الجسد، فكم بالأحرى دم المسيح، الذي بروح أزليّ قرّب لله نفسه بلا عيب، ليطهّر ضميرنا من الأعمال الميتة لنعبد الله الحيّ)) (9: 13 - 14)
يتوسّع الكاتب هنا في تسامي ذبيحة المسيح الحبر اللامحدودة، بالنسبة إلى ذبائح النظام اللاوي. سبق ورأينا أن النظام الذي جعله المسيح باليًا، بمجيئه، تميّز بذبائح لا تستطيع أن تجدّد الخطأة فتكرّرت باستمرار. أما ذبيحة المسيح الكاملة فقُرّبت مرة واحدة لا غير (7: 23). هذا يتضمّن تجاه طقوس قديمة وخارجيّة وسطحيّة (وإن هي تطلّعت إلى كمالها في المسيح) أن عمل الابن المتجسّد دخل إلى عمق الضمائر فطهّرها، ولم يبق على مستوى الجسد، على المستوى البشريّ.
تحدّث الكاتب عن طقسين في النظام الجديد: رشّ الدم في يوم التكفير. رشّ رماد العجلة الحمراء، ثم استخلص برهانه: إذا كان دم هذه الحيوانات يطهّر أجساد الناس، فماذا يفعل دم المسيح الذي هو ذبيحة لا عيب فيها؟ سار المسيح إلى الموت بملء حريّته وكمال إرادته، فأتمّ الهدف الذي لأجله جاء إلى العالم (مر 10: 45؛ 1تم 1: 15). هو يقدّم حياته (بالموت)، وهو يستردّها (بالقيامة)، ولا أحد يأخذها منه (يو 10: 17 - 18). كم نحن بعيدون كل البعد عن حيوان يذبحه عظيم الكهنة الذي لا شيء يربطه بما يقدّم. أما يسوع فيقدّم نفسه. وحين صعوده إلى أورشليم (لو 9: 15، قسّى وجهه، ما خاف الصعوبات الآتية)، قال: ((من أجل هذه الساعة جئتُ)). هو سيُرفع على الصليب ليدلّ على الميتة التي يموتها (يو 12: 32 - 33). أجل، ذبيحة المسيح على الصليب هي عمله الحرّ من أجلنا.
يتطهّر الضمير من الأعمال الميتة. هذا التطهير الجذريّ الذي تمّ على الصليب، هو أساس المصالحة التي منحها الله في المسيح. من جهة الانسان، هناك الحاجة للارتداد عن الاعمال الميتة (6: 1)، وهذا الارتداد هو تجاوب مع نداء الله، ونتيجة نعمة الله التي تفعل في القلب وتقود إلى التوبة (12: 15 - 17؛ أف 2: 8 - 10). هناك ثلاثة معان رئيسيّة فيها تصوّر الاعمال ((ميتة)). أولاً، هي ميتة لأنها تصدر عن خاطئ صار ميتًا بالنسبة إلى الله. فالخطيئة لا تجعله قادرًا على أعمال حيّة يرضى بها الله. فحين يعود من ذاته إلى الله الذي خلقه، يصبح حيًا مع المسيح (أف 2: 5)، لن تعود أعماله ((ميتة)). ثانيًا، هي ميتة لأنها عقيمة ولا تنتج ثمرًا.كيف يستطيع الانسان أن يثمر إن كان لا ينظر إلى الله ينبوع حياته؟ أعماله هي في الزمن، لا في الأبد. هي أعمال شهوة لا أعمال حب. هي أعمال الجسد لا أعمال الروح (روم 6: 21؛ غل 5: 13ي). ثالثًا، هذه الأعمال هي ميتة، لا لأنها تنطلق من عالم الموت ويرافقها عالم الموت وحسب، بل لأنها تنتهي في الموت: هي تقود إلى الدينونة والهلاك (روم 6: 21، 23؛ فل 3: 19 - 20؛ رؤ 21: 8). مثل هذه الأعمال التي تنبع من الموت وتقود إلى الموت، تعبّر عن حاجة الانسان إلى التحرّر من تسلّط الموت (2: 15)، وإلى التجدّد في أعماق كيانه.
إن تطهير الضمير من الأعمال الميتة، بدم المسيح، ليس نهاية في ذاته، بل هو بداية تفتح الطريق لتحقيق هدف الفداء وغايته. وهذه النهاية تصوّر هنا بواسطة ((عبادة (خدمة) الله الحي)). ما يبدأ مع الله ينتهي مع الله أيضًا، لا مع الانسان. وعمل الله بما فيه من ديناميّة، لا يقود إلى نتيجة نستطيع أن نحصيها في أعمال متعدّدة. عمل الله يقود إلى خدمة متحرّكة. ففي الخبرة المسيحيّة، كل شيء هو ((لحمد نعمته المجيدة التي أنعم بها علينا في الحبيب)) (أف 1: 6). لهذا، لا يُعقل أن يُخدم الله الحي إلاّ بأعمال حيّة، بأعمال تصدر عن الحياة الجديدة في المسيح، والتي يثيرها الروح القدس في قلب الانسان. لهذا قال بولس في أف 2: 10: ((خُلقنا في المسيح يسوع للأعمال الصالحة التي أعدّها الله لنا من قبل لنسلك فيها)).
((ولذلك هو وسيط عهد جديد، بحيث ينال المدعوون، بموته لفداء المعاصي، تمام الموعد، الميراث الأبديّ)) (9: 15)
أتمّ دمُ المسيح المراق ما عجز عنه العهد القديم مع كهنوته وذبائحه، أي تطهير الضمير من الاعمال الميتة من أجل عبادة الله الحي. لهذا، هو وسيط عهد جديد، يختلف عن القديم، ويحلّ محلّه. فلاهوت العهد خاص بهذا الجزء المركزي من عب: صُوّر المسيح ككفيل عهد أفضل ووسيط (7: 22؛ 8: 6). والوعد النبويّ بعهد جديد مع بركاته، جاء في كلام إرميا. وتوضّحت عطايا دلّت على عجز العهد الأول الذي كانت نظمه من عالم الأرض، تجاه الواقع السماوي في العهد الجديد (8: 7 ،13؛ 9: 1ي).
لا يقول الكاتب بأن ضرورة العهد الجديد تفترض فشل مخطط الله في القديم. فلا كلام عن عهد جرِّب ولم يكن مرضيًا، فأجبر الله على أن يُجرّب شيئًا آخر. فمنذ بداية ما سميّ هنا (8: 7، 13) العهد الأول، عُرفت الحاجة إلى تدبير جديد تكون عطاياه كاملة ومستمرة. لهذا (قالت عب) فمنطق الوضع مع النظام الأول، مع تكراره من جيل إلى جيل مع ذبائح عديدة، يتطلّع إلى ذبيحة كاملة تتمّ مرّة لا غير فتلتقي إلى الأبد مع حاجات الانسان. وهناك اعتبار آخر يدلّ على أن العهد الجديد لم يكن محاولة إلهيّة لتصحيح خطأ خبرة سابقة. فقد كان هناك قبل ذاك الذي سميّ ((الاول)) هنا، هو عهد ابراهيم الذي لم يُلغه العهد الموسوي (غل 3: 15 - 18). فالعهد الذي أعطي لابراهيم بأن تتبارك جميع الأمم في نسله، قد تمّ في المسيح (غل 3: 16). وهكذا كان الوعد الابراهيمي في جذور العهد الجديد، وفي امتداده، فتماهى معه. وهكذا دلّ مجيء المسيح أن الله كان يعمل ((ليذكر عهده والقسم الذي أقسم به لأبينا ابراهيم)) (لو 1: 72 - 73). اذن، العهد ((الجديد)) ليس جديدًا بالنسبة إلى الله، بل بالنسبة إلينا، في مسيرة التاريخ، وهو يسمو على الأول الذي أعطي بوساطة موسى.
بركتان ارتبطتا بموت المسيح. الفداء من المعاصي التي اقتُرفت في العهد الأول، أي النجاة من حكم لفظته الشريعة على الذين تجاوزوها، وما استطاعت الذبائح شيئًا من أجلهم. ونتيجة الفداء هذه لم تصل فقط إلى الذين عاشوا بعد مجيء المسيح، بل إلى جميع الذين وثقوا بمواعيده قبل أن تتمّ في مجيئه. فالكمال الذي لنا في المسيح هو لهم أيضًا (11: 39 - 40)، ثم، نوال الميراث الموعود به. فالوعد الجديد يجد جذوره في عهد ابراهيم الذي وعده الرب بنسل كبير. تمّ هذا العهدُ بشكل خارجي وعلى مستوى الأرض، مع يشوع بن نون. ولكن بسبب الطبيعة العابرة لامتلاك الأرض هذا، وللموت الذي يصيب البشر، استحال على هذا العهد أن يجد كماله في نظام الأشياء الحاضر. فالأرض والنسل يشيران إلى شيء آخر. هما منظوران وعابران، وينطلقان إلى واقع غير منظور يدوم إلى الأبد.
((لأنه حيث تكون وصيّة لا بدّ من موت الموصي. إذ إنّ الوصيّة تثبت بالموت، ولا قوّة لها البتّة ما دام الموصيّ حيًا)) (9: 16 - 17)
إن الميراث الموعود الذي نقبله على أساس موت المسيح الفدائي، يقابل مع مبدأ الوراثة في الحياة اليومية: لا ميراث قبل موت الموصيّ. هناك ارتباط بين العهد والموت، ولا سيّما في رش دم الذبائح. وموت المسيح الذبائحيّ يترافق مع العهد، كما يترافق مع الوصيّة. فهناك تقارب بين إرادة الموصي الأخيرة والوصيّة، وفي فكرة العهد الذي قطعه الرب. فالارادة تمثل رغبة انسان هو الموصيّ وحده، حول توزيع أملاكه بعد موته. ولكن يطلب الوارث بعض الشروط من الورّاث. وهذا ما نقوله عن الله الذي عاهد شعبه: عليهم الطاعة لكي ينالوا المواعد المرتبطة بالعهد.
دمه هو ينبوع كل حياة، وليس عرضة للموت، شأنه شأن البشر. لهذا، فهو لا يستطيع أن يلعب دور الموصيّ. ولكن بالمسيح الذي هو الله المتجسّد والذي صار واحدًا منا، وذاق الموت لأجلنا (عب 2: 9)، استطاع الله أن يقوم بدوره هذا. فالمسيح هو الله العامل من أجلنا (2كور 5: 9). والميراث الذي به وعد الله شعبه، يبدأ مفعولُه مع موت الابن المتجسّد. فسرّ النعمة الالهية العجيبة، أن ابن الله الذي لا يموت صار ابن الانسان الذي يموت. ومع أنه ابن الله الأزلي، استطاع أن يموت كانسان من أجل الجنس البشريّ، ويقوم من القبر، ويوحّد البشر معه لينعموا بالميراث الأبدي.
((فمن ثم، حتّى العهدُ الأول لم يكرَّس بلا دم. وفي الواقع، إن موسى لما تلا، على مسامع جميع الشعب، كل وصيّة بحسب (من وصايا) الناموس، أخذ دم العجول والتيوس مع ماء وصوف قرمزيّ وزوفى، ثم رشّ على السفر عينه، وعلى جميع الشعب قائلاً: هذا دم العهد الذي أمركم به الرب)) (9: 18 - 20)
بعد أن شرح الكاتب أن بنود العهد الجديد الذي وسيطه المسيح، صارت سارية المفعول بموته (تبدأ الوصيّة مع موت الموصيّ)، ذكّر قرّاءه أن العهد الأول لم يدشّن بدون دم. هذا ما فعله موسى على جبل سيناء (خر 24: 3ي). وعاد النصّ إلى سفر الخروج وإلى عدد من التقاليد، فتحدّث عن العهد الموسوي الذي تكرّرت عباراته إلى العهد الجديد. قال يسوع: ((هذا هو دمي، دم العهد، الذي يسفك من أجل أناس كثيرين)) (مر 14: 24؛ رج مت 26: 28).
((وكذلك رشّ على الخباء وعلى جميع أدوات الخدمة. فإن الناموس يقضي بأن يطهَّر كل شيء تقريبًا بالدم. ولا مغفرة بدون سفك دم)) (9: 21 - 22)
كما أن تدشين العهد الأول في سيناء رافقه سفكُ دم، كذلك تقدّس بهذه الطريقة، الخباء وكل ما يرتبط به. فالشريعة أعلنت داخل النظام اللاوي، مبدأ تطهير كل شيء (تقريبًا) بالدم. هذا المبدأ نجده أيضًا في العهد الجديد الذي يقول إن دم المسيح المسفوك هو الينبوع الوحيد لتطهير الخاطئ ومصالحته مع الله (1يو 1: 7؛ 1بط 1: 18 - 19). فما كان ظلاً مع العهد الأول قد تمّ في المسيح. وهنا نعود أيضًا إلى تأسيس العشاء السرّي (مت 26: 28).
((وإذن، فإذ كان لا بدّ لرموز ما في السماوات (الأمور السماوية) أن تطهَّر على هذا الوجه، كان لا بدّ للسماويات أيضًا من مثل ذلك، ولكن بذبائح أفضل من تلك. لأن المسيح لم يدخل معبدًا صنعته الأيدي، صورة للحقيقي، بل دخل السماء بعينها ليظهر الآن، أمام وجه الله لأجلنا. ولا ليقرّب نفسه مرارًا، كما يدخل الحبر كل سنة، قدس الأقداس، بدم غيره، وإلاّ لاقتُضي أن يتألّم (ويموت) مرارًا منذ انشاء العالم. غير أنه الآن، في نهاية الأزمنة، ظهر مرّة واحدة ليُبطل الخطيئة بذبيحة نفسه)) (9: 23 - 26)
إن التمييز الذي عُرض في 8: 2 - 5 ،قد أوجز هنا، في آ 23: هناك كهنة لاويون، من الأرض، يخدمون صورة وظلّ المعبد السماوي (8: 5). أما المسيح عظيم كهنتنا فهو خادم في المعبد وفي الخباء الحقيقيّ الذي نصبه الرب لا الانسان (8: 2). وهنا تتقابل الأشياء السماوية مع نسختها. أما النسخة (8: 5) فهي خباء البرية وأدواته وطقوسه، مع كل ما هو ضروريّ لتطهير الخطأة. والحقيقة هي المسيح الذي أبطل الخطيئة بذبيحة نفسه (آ 26). هو قدوس، ولا عيب فيه، ومنزّه عن الخطيئة (7: 26). لهذا وصل إلى المعبد السماوي. وسفكُ دمه وتمجيدُ ذاك الذي هو انسان مثلنا، بل سابقنا (2: 14؛ 6: 20)، فتحا الطريق للجنس البشريّ ليكونوا في حضرة الله (4: 14 - 16؛ 9: 8؛ 10: 19ي). والنتيجة الأخيرة هي تجديد الكون، تحرير البشر من الخطيئة، ليصيروا أبرارًا أمام الله. في هذا الإطار يُحكم على العهد الأول مع ذبائحه، تجاه عهد ثان قدّمت فيه ذبيحةُ ذاك الذي هو حبرنا إلى الأبد.
وظهر المسيح (آ 24) في حضرة الله من أجلنا، أي مثّلنا كحبر قدّم الذبيحة الكاملة تكفيرًا عن خطايانا. وهو الوسيط الذي يشفع دومًا بنا (7: 25؛ روم 8: 34؛ 1يو 2: 1). كل هذا فعله المسيح من أجلنا وما زال يفعله.
ويبدأ الكاتب مع آ 25 فيلخّص موضوع تقدمة المسيح نفسه عن الخطأة، بما في هذه التقدمة من فرادة وكمال. هذا الموضوع هو في قلب تعليمه حول طبيعة عمل المسيح الكهنوتي ومدلوله. لهذا، نراه يستعيده ويتوسّع فيه (رج آ 11؛ 7: 27؛ 10: 11 - 18). أما نقطة الانطلاق فالاحتفال بيوم التكفير. ففي النظام الكهنوتي، كان الحبر يدخل مرة في السنة. ويتكرّر هذا الدخول سنة بعد سنة. أما المسيح فظهر مرة واحدة، لا بدم غيره، بل بدمه الخاص.
في هذا المقطع، نجد ثلاثة ((ظهورات)) للمسيح. في آ 24، دخل المسيح السماء بعينها، وقد ظهر الآن أمام وجه الله، لأجلنا. في آ 26، ظهر مرة واحدة، في نهاية الأزمنة، ليُبطل الخطيئة بذبيحة نفسه. وفي آ 28، ظهر مرة ثانية، ولا يرتبط ظهوره بالخطيئة، بل ظهر لخلاص الذين ينتظرونه. تعود بنا آ 24 إلى نشاط المسيح الكهنوتيّ في المعبد السماوي. وآ 28 تتحدّث عن ظهور المسيح الاسكاتولوجيّ. هو يأتي مرّة ثانية (بمجد عظيم) بعد أن جاء مرة أولى ليرفع خطايا الكثيرين. أما آ 6 ،فتعود بنا إلى التجسّد وخدمة الابن على الأرض، التي تجد ذروتها في ذبيحة نفسه، على الصليب.
((وكما حُتم على الناس أن يموتوا مرّة واحدة، وبعد ذلك تكون الدينونة، كذلك المسيح، هو أيضًا، بعد أن قرّب نفسه مرّة لا غير، ليرفع خطايا الكثيرين، سيظهر ثانية، لا من أجل الخطيئة، بل لخلاص الذين ينتظرونه)) (9: 27 - 28)
لقد ظهرت بشريّة الابن المتجسّد، لا في حياته وحسب، بل في مماته أيضًا. فالهدف الأول لمجيئه إلى عالمنا، هو أن يموت انسان عن البشر، أو يقاسي الموت لكل واحد منّا، بنعمة الله (2: 9 - 14). ويظهر تماهيه مع بشريتنا في أنه مات مرّة واحدة، فكان مصيرُه مصيرَ سائر البشر. ويقول الكاتب إن البشر الذين يموتون، لا يموتون مرّة ثانية، بل مرّة واحدة، ثم تأتي الدينونة. أجل، الانسان مائت في طبعه، و& وحده الخلود (1تم 6: 16). أما الانسان فيرتبط ارتباطًا تامًا بعطيّة الحياة واستمراريّتها. وعلاقة الحبّ والرجاء التامّة تجاه الخالق، تعني بالنسبة إلى الخليقة (والانسان المفديّ) مشاركة لا تنقطع في حياة تجري كما من ينبوع. فإن تُرك الانسان وشأنه مات. ونقول أيضًا إن الانسان يموت اليوم، بسبب ثورته على ينبوع الحياة. دخل الموت إلى الجميع لأن الجميع خطئوا بعد أن ابتعدوا عن معطي الحياة (روم 3: 23؛ 5: 12). لهذا، ارتبط الموت بالدينونة. وهذه الدينونة ترتبط باليوم الذي يظهر فيه المسيح مرّة ثانية، لا ليعالج الخطيئة التي عالجها في مجيئه الاول، بل ليحمل الخلاص التام للذين انتظروه. أما الذين أهملوا هذا الخلاص العظيم (2: 3)، فينتظرهم هول الدينونة وغضب نار تلتهم المعاندين (10: 27؛ رج 12: 25). فالانسان الذي يبتعد عن كلمة الانجيل، يحكم على نفسه بأنه غير اهل للحياة الأبديّة (أع 31: 64). فمن رفض صليب المسيح كأداة خلاص، اختاره كأداة دينونة، كما قال يسوع: ((من رفضني وما قبل كلامي، فله من يدينه. الكلام الذي قلته يدينه في اليوم الآخر)) (يو 12: 48).
إن الاعلان القائل إن المسيح ((يرفع خطايا الكثيرين)) يعود إلى أش 53: 12. نحن في إطار آلام عبد الرب كما قرأتها الكنيسة الرسوليّة. أما ((الكثيرين)) فلفظ يدلّ على البشريّة الكثيرة، لا على بشريّة محدودة مهما كثر عددها. وظهور المسيح الذي أشارت إليه آ 26، 28 (في خطّ عظيم الكهنة) بدأ مع الغفران وانتهى في دوره كالوسيط والمتشفّع. ونحن ننتظر صباح اليوم الأبديّ، الذي فيه نراه نحن الذين انتظرنا مجيئه (2تم 4: 8)، بل نكون مثله لأننا سنراه كما هو (1يو 3: 2؛ رج 2كور 3: 18).

خاتمة
بعد كلام عن شعائر عبادة بقيت محدودة في فاعليّتها، لم تكلّمنا عب عن شعائر عبادة أخرى تُصلح ما في سابقتها من خلل، بل عن شخص عظيم الكهنة، عن المسيح الذي يخدم (ليتورجيا) في الهيكل السماوي، ويقرّب الذبيحة التي تُبطل الخطيئة وتحمل الخلاص، التي ترفع خطايا المؤمنين ولا تجيء بهم إلى الدينونة. أما البرهان فبسيط: لا عهد بدون رش دم، ولا وصيّة تنفّذ قبل موت الموصي. وها هو المسيح يتنازل، فيسفك دمه من أجل عهد جديد، في خط العهد الذي قطعه موسى، باسم الشعب، على جبل سيناء. كما أنه يموت على الصليب، فيصبح الميراث لنا. وهذا الميراث ليس فقط عطيّة خارجيّة، أو ((خيرات آتية))، بل يسوع المسيح نفسه الذي صار وسيطنا وشفيعنا. هو الكاهن الذي دخل السماء بدمه. وهو يدعونا منذ الآن. نبدأ فنحمل عاره ونتطلع إلى المعبد السماوي الذي صار مفتوحًا أمامنا. هو ((ظهر أمام وجه الله))، ونحن أيضًا. فذاك الذي لم يستح أن يدعونا اخوته، يريدنا له شركاء في موته لكي نكون شركاء في مجده.
الفصل الرابع والعشرون

علّة خلاص أبدي
10: 1 - 18

مع هذا الاتجاه (10: 1 - 18) في القسم الثالث (5: 10 - 10: 39)، نصل إلى الذروة مع المسيح الذي هو علّة خلاص أبدي. فلا يبقى بعد ذلك، سوى خاتمة القسم (10: 19 - 39) التي هي تحريض طويل يدعو إلى الجهاد ويهدّد الخطأة بالعقاب الآتي.
إن أولى كلمات الاتجاه الثالث (10: 1 - 18) تربطه بالاتجاه السابق (8: 1 - 9: 28). ((الظلّ)). قد ذُكر في 8: 5: ((ليس للناموس سوى ظلّ الخيرات الآتية)) (10: 1). هذا ما ذُكر في 8: 4؛ 9: 19، 22. أما ((الخيرات الآتية)) (10: 1) فظهرت في 9: 11 مع المسيح حبر الخيرات الآتية. وما يلي من الجملة (الذبائح التي تقرّب كل سنة) قد هيّأه 9: 25 الذي يتحدّث عن ضرورة تفرض على الحبر بأن يقدّم كل سنة.
ونتذكّر أن بين الآية الأخيرة في هذا الاتجاه (10: 18) والآية الأولى (10: 1) هناك تعارض. من جهة 10: 1 يتكلّم عن تقديم الذبائح الواحدة على غير انقطاع. ومن جهة ثانية، يعلن 10: 18 بعد اليوم إلغاء كل تقدمة عن الخطيئة. وهكذا نكون في تضمين على مستوى تقديم الذبائح.
نلاحظ هنا أربعة مقاطع (آ 1 - 3؛ 4 - 10؛ 11 - 14؛ 15 - 18). يظهر اسم يسوع المسيح في نهاية المقطع الثاني، أي في قلب الاتجاه. ولما أراد الكاتب أن يؤمّن له هذه المكانة، امتنع عن ذكر فاعل الفعل في 10: 5، واكتفى بالضمير في 10: 12.

1 - المقطع الأول (10: 1 - 3)
هاجم المقطع الأول الشريعة، وأبرز لانفع الذبائح التي تفرضها. وما يدل على اللانفع هذا، هو ضرورة تكرارها.
10: 1 وإذ ليس للناموس سوى ظلّ الخيرات الآتية، لا ذات الحقيقة بعينها،
كل سنة، بتلك الذبائح الواحدة التي تقرّب على غير انقطاع،
لا يمكنه أن يجعل المقتربين كاملين
10: 2 وإلاّ فما كان عُدل عن تقريبها
كون القائمين بهذه العبادة لم يعودوا يشعرون، بعد إذ تطهّروا دفعة واحدة، بشيء من الخطايا؟
10: 3 ولكن في هذه الذبائح عينها تذكرة الخطايا
كل سنة.
هناك تضمين مع ((كل سنة)). والبنية الداخليّة تخضع للتوازي: هناك جملتان تتقابلان والثانية توضح الأولى. ونحن نلخّصها كما يلي: الشريعة التي تفرض تقادم متكرّرة، لا نفع منها. ولو كان هناك نفع، لما كانت التقادم تتكرّر. وها نحن نقدّم رسمة تبيّن التقابلات الرئيسية: 
- كل سنة بتلك الذبائح الواحدة
أ التي تقرّب بلا انقطاع
ب (1) لا يمكنه
(2) للذين يقتربون
(3) أن يمنح الكمال.
أ أ أفما عُدل عن تقريبها
ب ب (1) لم يعودوا يشعرون بالخطايا
(2) عند القائمين بالعبادة
(3) إذ تطهروا دفعة واحدة
- في هذه الذبائح عينها، تذكرة للخطايا كل سنة.
تستعيد الخاتمة بداية الجملة الأولى (هذه الذبائح، كل سنة)، وتقابل جزءًا من الجملة الثانية: تذكرة الخطايا تقابل الشعور بالخطايا.

2 - المقطع الثاني (10: 4 - 10)
عارض المقطع الثاني ذبائح الحيوانات بتقدمة المسيح الشخصيّة
10: 4 إذ من المحال أن دم ثيران وتيوس يزيل الخطايا
10: 5 فلذلك، عند دخوله العالم، يقول: 
ذبيحة وقربانًا لم تشأ
غير أنك هيّأت لي جسدًا
10: 6 لم ترتض محرقات (وذبائح) عن الخطيئة
10: 7 حينئذ قلت: هاءنذا آتي
إذ عني قد كُتب في درج الكتاب
لأعمل، يا الله، بمشيئتك.
10: 8 فلقد قال أولاً: إنك لم تشأ ذبائح وقرابين ومحرقات (وذبائح) عن الخطيئة، ولم ترضَ بها مع أنها كلها تقرّب بموجب الناموس
10: 9 ثم يقول: هاءنذا آتي لأعمل بمشيئتك
يبُطل الاول
ليقيم الثاني.
10: 10 في هذه المشيئة قُدِّسنا نحن بتقريب جسد يسوع مرة لا غير.
ما هو دور آ 4؟ هل نربطها بما سبق فيبدأ هذا المقطع مع دخول المسيح إلى العالم (10: 5)؟ في الواقع، رأينا أن بنية المقطع الأول تامّة بدون آ 4. ثم إن التوزّع يتميّز الآن بانتقال متواصل بين استبعاد العبادة القديمة وتقديم المسيح. فإذا جعلنا من آ 4 بداية المقطع، يبدأ هذا الانتقال منذ بداية الايراد الكتابي. وأخيرًا، نؤمّن بين المقطعين رباطًا بواسطة كلمة عاكفة هي ((خطايا)) في 10: 3 التي تعود في 10: 4.
وها نحن نلاحظ هذا الانتقال بالتفصيل
(3) من المحال... دم الثيران
أ عند دخوله العالم قال
(3) ذبيحة وقربانا لم تشأ
أ هيّأت لي جسدًا
(3) محرقات ولا
أ جئتُ
ب لأعمل بمشيئتك
(3) لا ذبائح
(2) بموجب الناموس
(أ) جئت
(ب) لأعمل بمشيئتك
(2 + 3) يبطل النظام الأول
(ب ج) ليقيم الثاني
(ب) وفي هذه المشيئة
(ج) تقريب جسد يسوع.
لسنا هنا أمام تواز دقيق بين تقدمة ذبائحيّة لدم العجول، ودخول المسيح إلى العالم. فهذا الدخول هو مرحلة أولى تعلن إلغاء العبادة القديمة، ولكنها لا تعمل على إلغائها. وهكذا قابلنا هذا الدخول (أ) مع العبادة القديمة (3). وفي نهاية الايراد الكتابي، علمنا أن المسيح حين عمل بمشيئة الله ألغى العبادة القديمة، ولكننا لم نعلم بدقّة بما تقوم هذه المشيئة. لهذا، استعاد الكاتب قبل ذلك، وبطريقته الخاصة، نصّ المزمور، ودلّ بوضوح على أن هذه المشيئة هي ترتيب جديد يحلّ محلّ الناموس. وهكذا جعلنا الناموس (2) تجاه هذه المشيئة (ب). وأخيرًا، كشفت لنا الجملة الأخيرة التدخّل الحاسم الذي يحلّ محلّ العبادة القديمة ويلغيها: تقريب جسد يسوع المسيح مرّة لا غير. وهكذا وجد العنصر الأول (3) ما يوازيه (ج).
نلاحظ أولاً أن المرنّم استبعد كل تقدمة ذبائحيّة. ولكن عب تريد أن تحتفظ بتقدمة واحدة، مميّزة. ولهذا، حين استعادت نصّ المزمور أدخلت فيه تحويلاً خفيفًا: انطلقت من صيغة المفرد (ذبيحة، قربان، 10: 5) فحوّلتها إلى صيغة الجمع (ذبائح، قرابين، 10: 8). لهذا، لم نعد أمام أية ذبيحة، مهما كانت هذه الذبيحة، بل أمام كثرة الذبائح بحسب الشريعة. وهكذا لم يبق مكان لتقريب جسد يسوع المسيح مرّة لا غير (10: 10). وبعد هذا، نلاحظ أن المرنم لم يتطلّع إلى إلغاء الناموس لتحلّ محله ((مشيئة)) الله الجديدة، فما هي بين مشيئة الله والناموس. فترجمت السبعينيّة النص كما يلي: أعمل يا الله مشيئتك، أردتُ. وناموسك في وسط بطني. هذا ما يوافق موافقة تامّة النص العبري. هذا الوضع، شكّل صعوبة ثانية بالنسبة إلى عب. لهذا، جُعلت نقطة القطع حيث يجب، أي حالاً بعد ((مشيئة))، وهكذا تقابلت هذه ((المشيئة)) مع الناموس القديم الذي يفرض تكرار الذبائح.
ويُطرح سؤال: أترى الكاتب خان الاستشهاد الكتابي؟ بل هو أعطاه وجهته الصحيحة. هاجم الاستشهادُ عبادة ذبائحيّة خارجيّة (لا باطنية، لا تنبع من القلب) وفضّل عليها التزام الانسان نفسه. وذبيحة المسيح (هذا ما قالته عب في الاتجاه المركزي، 8: 1ي) ليست ذبيحة خارجية، لم تتم ((بدم آخر))، بدم غيره (9: 25)، بل هي الالتزام الشخصي الاكمل. إذن، هو لا يدخل في رفض عبّر عنه المزمور. ثم إن هذا الردّ على الطابع الخارجيّ (للذبيحة) قد شرح أيضًا موقف المرنم تجاه الناموس. فضّل على طقائس عباديّة تعلّقًا بمشيئة الله. وتواصلت عب في الخط عينه. عرفت أن الناموس لا يستطيع أن يقود إلى موقف داخليّ حقيقيّ. وحدها ذبيحة المسيح تقدر أن تجدّد البشر من الداخل. لهذا، عارضت الناموس القديم بمشيئة الله الجديدة التي تجلّت في المسيح وتحقّقت به. وهكذا كان التعارض: يستحيل على دم الضحايا أن يمحو الخطايا (4: 10). ولكننا قُدِّسنا في مشيئة الله الجديدة (10: 10). وهكذا أدركنا الموقف الداخليّ الذي يقوم بالعمل بمشيئة الله. أجل، هذا التعارض بين آ 4 وآ 10 ألقى ضوءًا حاسمًا على تفسير المزمور وبرّر ملء التبرير هذا التفسير.

3 - المقطع الثالث (10: 11 - 14)
ويتواصل المقطع الثالث بتعارض آخر: 
10: 11 إن كل كاهن يقف
كل يوم خادمًا (في الليتورجيا)
ومقرّبًا مرارًا تلك الذبائح بعينها
التي لا قبل لها البتّة بأن تزيل الخطايا
10: 12 أما هو، عن الخطايا
إذ قرّب ذبيحة واحدة
جلس عن يمين الله إلى الأبد
10: 13 منتظرًا من بعد
أن يُوضع أعداؤه موطئًا لقدميه
10: 14 لأنه بتقدمة وحيدة جعل مقدَّسيه كاملين على الدوام.
ننتقل من التعارض بين ذبيحتين إلى التعارض بين وضعين على مستوى الكهنة، ينتجان عن الذبيحة المقدَّمة ويكشفان فاعليّتها. فما كان لنا انتقال من واحد إلى آخر كما في آ 4 - 10، بل تواز، يبدو الآن بشكل نقيضة وتعارض: 
كل كاهن
1 - يقف
2 - كل يوم خادمًا
ومقرّبًا مرارًا الذبائح بعينها
التي لا تقدر أن تزيل الخطايا
هو
عن الخطايا
قرّب ذبيحة واحدة
1 - جلس
2 - ينتظر منذ الآن.
نلاحظ التقابل بين الوقوف والجلوس. كما نلاحظ الخاتمة التي تستعيد كل الشقّ الايجابي. بما أن عبارة ((عن الخطايا)) لا تكفي لتقيم التوازن مع ((لا قبل لها بأن تزيل الخطايا))، أحلّ 10: 14 محلّ عدم الكفاية هذه عبارة أوضح وأدقّ: ((منح الكمال للذين قدِّسوا)). واستعاد أيضًا ((بتقدمة وحيدة)) (10: 14) فأوضح متطلبات ((ذبيحة وحيدة)) (آ 12) مستعملاً ((إلى الأبد)). إن كان المسيح لبث جالسًا إلى الأبد، فلأن تقدمته تبقى فاعلة إلى الأبد: منح الكمال إلى الأبد للذين صاروا قدّيسين. إن وضع صيغة الكامل (تاتالايوكن، كامل) قرب صيغة الحاضر (هاغيازامانوس، مقدّسين) تُبرز ما في هذه الفاعليّة من مفارقة، وتؤكّدها في الوقت عينه أفضل تأكيد.

4 - المقطع الرابع (10: 15 - 18)
جاء المقطع الأخير قصيرًا فقدّم تثبيتًا للطرح ببرهان من الكتاب المقدس: 
10: 15 وهذا ما يشهد لنا به الروح القدس أيضًا.
فإنه بعد أن قال: 
10: 16 هذا هو العهد الذي سأقطعه معهم
بعد تلك الأيام،
يقول الرب: 
إذ أعطي شرائعي
وأرقمها في قلوبهم وفي أذهانهم
10: 17 أما خطاياهم وآثامهم فلن أذكرها من بعد.
10: 18 فحيث تكون مغفرة خطايا
لا تقدمة بعدُ عن الخطيئة.
استعاد الكاتب هنا جزءًا من نص إرميا الذي ورد في الاتجاه المركزي (8: 10 - 12)، وحوّل بعض التفاصيل من أجل البنية التي يبينها. مثلاً، جعل ((القلوب)) قبل ((البصائر))، وجعل الموصوفين يرتبطان مع ((إبي))، وهكذا ارتبطا بفعل ((أرقم))، ولم يربط ((قلوبهم)) بفعل أعطى، وضمّ إلى ((خطايا)) ما يوازيه: ((آثام))، وجعل فعل ((منيستو)) (ذكر) في صيغة المضارع (منيستيسوماي). وهكذا حصل على عبارتين مع فعل في صيغة المضارع: 
في قلوبهم وفي أذهانهم
أرقمُها
وخطاياهم وآثامهم
لن أذكرها من بعد.
وهكذا صارت عبارة ((أعطي شرائعي)) قاسمًا مشتركًا، ففُهمت في موازاة: ((هذا هو العهد)). واحتفظ الكاتب بسمتين فقط من وصف العهد الجديد: الوجه الداخليّ (تسجّلت في القلوب). غفران الخطايا. غير أن العلاقة وثيقة بين الاثنتين. شدّد الكاتب على الثانية في النهاية، لأنه يتيح له الكلام عن إلغاء الذبائح.

5 - الرباط بين المقاطع الأربعة
ما هي العلاقات التي تربط هذه المقاطع بعضها ببعض. نجد حدود المقطعين الأول والثاني بواسطة التضمين: 10: 1 و10: 3 (كل سنة). 10: 5 و10: 10 (تقدمة، قدّم، قرّب). ودلّ التوازي على نهاية المقاطع الثلاثة الأخيرة: 
قدِّسنا بتقدمة (10: 10)
بتقدمة واحدة جعل الذين قدّسوا (10: 14)
حيث مغفرة لا تقدمة (10: 18).
سبق ولاحظنا أن آ 18 التي أعلنت إلغاء كل تقدمة، جاءت تناقض آ 1 التي تتحدّث عن ذبائح تقدَّم بلا انقطاع. غير أن التعارض يمتدّ إلى مجمل هذين المقطعين (1) إن 10: 1 - 3 وصف وضع الذين يُشرف عليهم الناموس (10: 1) أي شرائع العهد الاول. أما 10: 15 - 18 فوصف وضع الذين نعموا بالعهد الجديد (10: 16) الذي تسجّلت شرائعه الباطنيّة في القلوب. (2) في ذبائح الناموس، ذكرت الخطايا كل سنة (10: 3). في العهد الجديد، ألغي هذا التذكر. قال الرب: لن أذكر خطاياهم وآثامهم (10: 17). (3) من جهة، هناك عجز عن التطهر (10: 2)، عن إعطاء الكمال (10: 1). ومن جهة ثانية، هناك حقًا غفران الخطايا (10: 18). (4) لهذا، إن فرضيّة 10: 2 (عُدل عن تقريبها) التي عارضتها فرائض الناموس، قد تحقّقت في العهد الجديد. من جهة، تقرّب ذبائح على غير انقطاع (10: 1). ومن جهة ثانية، لا تقدمة بعدُ عن الخطيئة (10: 18).
لم يذكر المقطع الأول ولا المقطع الرابع لفظة ((خلاص)) التي استعملت لاعلان موضوع هذا الاتجاه (5: 9؛ 9: 28). ولكنهما، في الواقع، يعالجان هذا الموضوع. إستبعد المقطع الأول اعتبار الناموس نفسه بأنه يحمل الخلاص. وحدّد الرابع العهد الجديد على أنه الحامل الحقيقي للخلاص. فتكرار الذبائح أو إلغاؤها هو السمة التي تدلّ على هذا الاختلاف. أما المقطعان الثاني والثالث فظلاّ أمينين للمنظور ذاته. أرادا أن يؤكّدا تحوّل العهد وأن يدلاّ على أشكال هذا التحول، فتحدّثا عن حلول ذبيحة واحدة محل ذبائح كثيرة (10: 4 - 10) وعن حلول مسيح يجلس عن يمين الله محلّ كهنة منشغلين بكثرة الذبائح. فقد لاحظنا في المقطع الذي يتحدّث عن الذبائح (10: 4 - 10) أن الكاتب يشدّد مرّة أخرى على علاقة الذبائح القديمة بالناموس (10: 8). وبعد الإشارة إلى هذه العلاقة، أشار إلى تعارض بين الناموس و ((مشيئة)) الله الجديدة (10: 9)، فقال: ((أبطل الأول ليقيم الثاني)) (10: 9). وهكذا قدِّم الانتقال من الذبائح الكثيرة إلى تقدمة المسيح الوحيدة، كإلغاء للناموس ووضع نظام للاشياء جديد وفاعل. وفي نهاية المقطع، لم يقل الكاتب فقط ((قُدِّسنا بتقدمة جسد يسوع المسيح))، بل ((في هذه المشيئة قُدسنا)). هذه المشيئة قد حلّت محلّ الناموس.
والمقطع الثالث (10: 11 - 14) يتضمّن هو أيضًا سمة لها معناها، فيقابل بين المسيح والكهنة، ويبيّن هنا أيضًا أننا أمام تحوّل في العهد. نجد هذه السمة في الخاتمة، في آ 14. كان المقطع الأول قد تحدّث عن الناموس، فقال: ((لا يمكنه أن يمنح الكمال)) (10: 1). أما آ 14 التي تكلّمت عن المسيح، فقد قالت عكس ذلك: ((منح الكمال)). وهكذا نفهم أن المسيح لم يأت فقط لكي يحلّ محلّ الكهنة، بل حلّ أيضًا محلّ الناموس نفسه، فاتّخذ الدور الذي لم يستطع الناموس أن يقوم به. ما حاول الناموس، ولكن عبثًا، أن يناله ((بتلك الذبائح التي تقرّب على غير انقطاع)) (10: 1)، قد ناله المسيح ((بلا انقطاع (على الدوام) بتقدمة واحدة وحيدة)) (10: 14). فلا نقول فقط: أولئك الذين يقتربون (آ 1 ، المقتربين)، بل نقول الآن: أولئك الذين يصيرون قديسين (آ 14، مقدّسيه).
منذ ف 7 حتى ف 10، استعاد الكاتب أكثر من مرّة المعطيات عينها، ولكنه في كل مرة أضاء عليها بضوء جديد. يبقى أنّ المنظور الخاص بهذا الاتجاه هو منظور العهد الجديد والابدي، أو منظور تقديس الكنيسة، الذي هو الثمرة المستمرّة لذبيحة المسيح الوحيدة.
الفصل الـخامس والعشرون

ذبائح متكرّرة وذبيحة وحيدة
10: 1 - 10

نقسم هذا الاتجاه الثالث (10: 1 - 18) إلى فصلين. في الفصل الأول نضع المقطعين الأولين. وفي الفصل التالي، المقطعين الأخيرين. دلّ المقطع الأول (10: 1 - 3) على أن الناموس بذبائحه المتكرّرة غير كاف. لهذا سيحلّ محل هذه الذبائح الخارجيّة (10: 4 - 10) ذبيحةُ المسيح الوحيدة.
سفك يسوع دمه لغفران الخطايا، ودخل السماء ليشفع في البشر، فحمل التقديس الحقيقيّ والخلاص الأبدي. ذاك كان موضوع ف 9. وها هو يُبرز، مرّة أخرى، قيمةَ ذبيحة المسيح اللامتناهية. لا يكتفي بأن يقابلها بالاحتفال بيوم كيبور، بل بكل ذبائح العهد القديم (10: 1 - 4). هنا، الانسان يقدّم نفسه، فيرضى الله عن تقدمته (10: 5 - 10). والقبول الالهيّ الذي يدلّ عليه جلوس المسيح عن يمين الله، يجعل هذه الذبيحة الوحيدة فاعلة، بحيث لا تحتاج أن تتكرّر. وهكذا يقابل الكاتب عقم الذبائح الموسويّة ونفع ذبيحة المسيح.

1 - تفسير الآيات
نقرأ هنا مقطعين: عقم الناموس مع ذبائحه المتكرّرة (10: 1 - 3). ثم، ذبيحة المسيح الوحيدة (آ 4 - 10) الفاعلة من أجل تقديسنا.

أ - عقم الناموس (10: 1 - 3)
بدأ الكاتب فأكّد أن الناموس مع ذبائحه، ظلّ بدون ثمرة بالنسبة إلى المؤمنين. ثم قدّم برهانًا نظريًا: لو كان هناك ثمرة لما كانت الحاجة إلى التكرار. وأخيرًا كان البرهان المرتبط بالواقع: الذبائح هي مناسبة لتذكّر الخطايا. هذا يعني أنها لا تزال حاضرة ولم تُغفر.
أولاً: التأكيد (آ 1): عجز الناموس
يرتبط عمل الناموس (= الشريعة) بعمل المسيح، ولكنهما يتعارضان تعارض الظلّ والحقيقة: الناموس عقيم، أما الثمر الذي يقدّمه المسيح فهو تقديس المؤمنين. ((سكيا)) (الظلّ) يرد مع ((هيبودايغما)) (8: 5)، فيدلّ على ما هو باطل، ما هو صورة ناقصة، غير كافية. نحن أمام تعارض بين القديم والجديد، بين ما هو ناجع وما ليس بناجع، بين ((براغماتون)) و ((أغاتون)). في العهد الجديد تعني ((براغما)) بشكل عام: شيء (روم 16: 2)، غرض (1كور 6: 1)، عمل (أع 5: 4؛ يع 3: 16)، واقع (لو 1: 1؛ مت 18: 19). في عب نحن أمام الامور السماويّة والالهيّة (6: 8؛ 11: 1). لهذا (مع الذهبي الفم وغيره) نعطي ((ايكون)) معنى: صورة تعبّر عن جوهر شيء (أو شخص)، عن شكله (روم 8: 29؛ 1كور 15: 49؛ 2كور 3: 18). في هذا المعنى، المسيح هو صورة (ايكون) الله. رج 2كور 1: 15.لا يمتلك الناموس الحقيقة، لا يمتلك فاعليّة ((الخيرات (اغاتون) الآتية)) (9: 11؛ رج 2: 15؛ 6: 5)، أي غفران الخطايا والاقتراب إلى الله (النعمة والمجد). هو يرمز إليها، ويهيّئنا للحصول عليها (كل ظل هو عابر). بالمسيح وحده نحصل عليها منذ الآن.
النظام الموسوي نظام ناقص. إذن، هو عاجز. ولما أراد اليهود أن يقربوا (بروسارخومانوس، ق ر ب، 4: 16؛ 7: 25) بضمير منقّى من الخطيئة (يصيرون كاملين، تالايوساي)، أكثروا من الذبائح التي يقرّبونها (بروسفارو) بواسطة كهنتهم (5: ،1 ،3 7؛ 8: ،3 4؛ 9: 7 - ،9 14، 25، 28)، ولكن عبثًا. شدّد النصّ على التكرار: ((كات انيوتون)) جُعلت في بداية الجملة لا قبل ((ذبائح)) ولا بعدها: إن الدورة الليتورجية السنويّة الغنية والثابتة التي فيها تقرّب ((ذات الذبائح)) (تايس اوتايس)، لم تكن ناجعة. لهذا، يجب أن تتكرّر. ((اودابوتي)) (1كور 13: 8)، اطلاقًا، جُعل قبل ((ديناتاي))، يقدر. أجل، الناموس لا يقدر إطلاقًا. ليس هناك من استثناء. ((ايس تودياناكس)) تعني ((على الدوام)). ولكننا نقول مع الآباء اليونان: لا انقطاع (7: 3). لا ينفكّ المؤمنون يأتون إلى الهيكل ((كل سنة)) (كات انيوتون).
ثانيًا: البرهان النظري (آ 2)
يستخلص الكاتب بشكل استفهام العبرة من تكرار الذبائح بلا انقطاع. ((إباي)) (مع النفي) يعني: ((بما أن بدون)). فلو حصل العابدون في العهد القديم (لاتروونتس، 9: 9) على التطهير (كاتاريزو، 9: 14؛ رج يو 13: 10. صيغة الكامل تدلّ على حالة حصلنا عليها بشكل نهائي) الأبدي والنهائي الذي انتظروه، لامتنعوا (باوو، عدل) عن تجديد طقس صار بعد اليوم لانافعًا. فحين يصل الانسان إلى هدف، يترك الوسائل التي أوصلته إليه. وإن أحسّ العابدون أنهم نالوا غفران الله، أنهم ما عادوا ((مذنبين))، تركوا هذه الذبائح. هنا تحدّث الذهبي الفم عن دواء كامل، يستعمله المريض مرّة واحدة فيُشفى. وحين يستعيد عافيته يتركه. نلاحظ طريقة عرض البرهان: ليس الله هو الذي رفض الذبائح، بل المؤمنون عدلوا عن تقديمها بعد أن اختبروا في داخلهم غفرانًا حصلوا عليه.
ثالثًا: البرهان العملي (آ 3)
ويعود الكاتب إلى الواقع الذي عرفه بنو اسرائيل في الماضي. ما كانت الذبائح تؤمّن لهم الغفران، بل تذكّرهم كل سنة بخطاياهم، تذكّرهم بأنهم مذنبون، وتحرّك فيهم الندامة (2تم 1: 6). ((أنامنيسيس)) ليست تذكارًا عاديًا، ذاتيًا، حميمًا (رج منيمي، منايا)، بل قول أو عمل نفرض فيه على نفوسنا بأن نتذكّر الماضي. ترد اللفظة أيضًا مرّتين في العهد الجديد، فتدلّ على مضمون عبادي: الافخارستيا هي تذكّر الفداء التام الذي حقّقه المخلّص (لو 22: 19، إعملوا هذا لذكري). لهذا ترتبط بفعل ((أخبر)) و ((عمل)) في 1كور 11: 24، 26. رج لا 16: 21 حيث يقرّ هارون بخطايا الشعب (إكساغوروساي). اذن، لسنا أمام استعادة ذكرى بسيطة، بل إن الخطايا ((تحضر)) وتُعلن بشكل احتفالي، وفي إطار ليتورجيّ. اذن، نقرّ بخطايانا سنة بعد سنة. أما في العهد الجديد، فالله لا يذكر بعد خطايانا (آ 17). يقول مي 7: 18 ي في هذا السبيل: ((من مثلك ينسى ذنوبنا ويعفو عن كل معاصينا، نحن بقيّة ميراثك، لأنك يا رب تحبّ الرحمة، ولا تحفظ إلى الأبد غضبك. الرب يرجع ويرحمنا، ويستر لنا ذنوبنا، وفي أعماق البحر يطرح جميع خطايانا)).

ب - ذبيحة المسيح الوحيدة (10: 4 - 10)
بعد مقدّمة تتحدّث عن بطلان الذبائح الخارجيّة ومجيء المسيح، يأتي إيراد كتابيّ يشير إلى ذبائح رُذلت بمجيء ذاك الذي يعمل بمشيئة الله. وبعد أن يفسّر الكاتب النصّ الكتابي، يختم كلامه عن ذبيحة المسيح الوحيدة من أجل تقديسنا.
أولاً: ذبائح خارجية (آ 4)
المسيح جاء، ففهمنا أن لا نفع من الذبائح الخارجيّة. المبدأ الحاسم (لا نجد التعريف أمام دم، ثيران، تيوس، خطايا) الذي يوافق ديانة الانبياء (إر 11: 15؛ مي 6: 7؛ رج مز 51: 18) الذي نقرأه هنا هو قلب البرهان. وهو يستضيء بما في 9: 3: هناك فقط نفع طقسيّ وخارجيّ من الذبائح الطقسيّة والجسدية، ولا سبيل إلى تطهير الضمائر. فلا نسبة إطلاقًا بين الوسائل الموضوعة والنتيجة المتوخّاة. كيف تستطيع هذه الأدوية الحقيرة أن تشفي من مثل هذا المرض الخطير، من الخطيئة. هنا نقرأ للمرة الثالثة ((أديناتون)) (محال، يستحيل مع ((أ)) التي تنفي القدرة، 6: ،4 18). هو شجب جذري للناموس (في حدّ ذاته) وشعائر عبادته. والفعل ((أفايرو)) (جرّد، أخذ، انتزع) يدلّ على أن وعي الخطيئة يشبه حملاً يثقل كاهلنا (المصدر. هذا يعني أن هذا الثقل يدوم، لهذا يجب أن يزول. فهل تستطيع هذه الذبائح أن تزيله). لا نجد معنى هذا الفعل في العهد الجديد (ما عدا روم 11: 27 التي تورد نصًا كتابيًا)، بل في العهد القديم. رج لا 10: 17؛ عد 14: 18 (ن ث ا، رفع، يو 1: 29)؛ أش 1: 16؛ 6: 7؛ 27: 9؛ حز 45: 9 (س و ر). نشير هنا إلى أن موسى ربط غفران الخطايا بالذبيحة (لا 4: 26، 31؛ 5: 10...). في الواقع، هناك صلاة الكاهن، وإيمان الخاطئ وندامته.
ثانيًا: لذبائح ومشيئة الله (آ 5 - 7)
إن مجيء المسيح إلى هذا العالم، يقدَّم بوضوح مع هدفه الفدائي: جاء ليعوّض عجزَ الذبائح اللاويّة. هو سيقدّم نفسه لأبيه. هذا ما يؤكّده الاعلان الصريح (لاغاي) الوارد في مز 40: 7 - 9 (كما في السبعينية، مع بعض الاختلافات). أنشد المرنّم شكره للرب لأنه نجّاه من خطر يهدّده (مز 40: 2 - 6)، فحدّد الوسائل التي بها يعبّر عن امتنانه. استبعد الذبيحة الدموية (ز ب ح)، والذبيحة اللادموية (م ن ح ه)، والمحرقة (ع ل ه)، والذبيحة عن الخطيئة، أي التي تكفّر عن الخطيئة (ح ط ا ه = باري هامرتياس، رج لا 5: 6؛ 7: 26)، لأنها غير كافية. واحتفظ بشيء واحد: الخضوع لمشيئة الله، واتمامها بالطاعة السريعة. اعتبرت عب هذا المزمور مسيحانيًا في خط تعليم الرابينيين الذين كيّفوا بعض نصوصه مع السبعينيّة ليدلّ على المسيح الآتي.
إن ابن الله الأزلي (1: 6) الذي لا يُذكر مع أنه حاضر في زمن الكاتب، يتوجّه إلى أبيه منذ تجسّده. كأني به يريد أن يبرّر التجسّد. صار انسانًا ليقدّم ذاته. دخل العالم. اتى. في العهد القديم سُمّي المسيح: الآتي (إرخومانوس). أما الدخول (ايسارخومانوس) إلى العالم (كوسموس) فيُفهم عن كل حياة المسيح على الأرض، ولاسيّما الجلجلة (يو 1: 9؛ 6: 14؛ 1تم 1: 15). وهكذا تعبّر كلمات المزمور عن عاطفة لم تكن عابرة في حياة يسوع، بل رافقته طوال حياته: فهمّ مشيئة الآب (يو 4: 34؛ 6: 38) قد قاده إلى الموت (يو 10: 17، 18؛ عب 5: 7 - 9)، وجعل من هذا الموت الذبيحة الكاملة التي تحلّ محلّ ذبائح العبادة القديمة. فلا أحد سوى المسيح جعل من حياته كلها تكريسًا تامًا لله (لو 22: 19 جسدي يُعطى). هكذا ألغى الطريقة القديمة في تقديم الذبائح ودشّن الجديدة (آ 9ب).
أحلّت عب ((هولوكاوتوماتا)) (محرقات، مر 12: 33)، التي هي في صيغة المفرد، في السبعينية، و ((أودوكيساس)) (ارتضى) محل ((إيتيساس)). نقرأ في النصّ العبري: ثقبت لي أذنيّ، أي علّمتني السماع، وبالتالي الطاعة وتقبّل فرائضك (أش 50: 5). ولكن الترجمة قالت ((سوما)) (جسد). هذا يعني أن كيان المسيح كله جُعل في خدمة الله حتى الموت. أضيفت فكرة التقدمة الطوعيّة إلى فكرة الطاعة والجهوزيّة، مع مهمّة يقوم بها. نحن في عب أمام طبيعة الابن البشريّة التي تسلّمها عطيّة من الله (9: 11) وقدّمها له ذبيحة (10: 10) من أجل خلاصنا (كو 1: 22). لا نستطيع أن نتوقّف عند الجسد كجسد، وللحيوان جسد. فكرامة هذا الجسد تعود إلى الابن الذي منح ذبيحته هذه القيمة اللامحدودة.
أجل، فهم الابنُ مشيئة أبيه، ورأى عجز الذبائح في العهد القديم، فعزم على التدخّل شخصيًا وعلى تتميم مشيئة الله الكاملة (آ 7). رج ((هيكو)) (ب ا ت ي، آ 37؛ رج يو 5: 20): ها قد جئتُ (يو 8: 42). ويتابع النص العبري: ((في سفر الكتاب كُتب ما فُرض عليّ (ع ل ي): أسرّ برضاك، يا إلهي. فشريعتك في وسط أحشائي)). لمّح المسيح إلى سفر يتضمّن الفرائض الالهيّة التي تتعلّق به وترسم خطّ سلوكه. وأعلن أنه يعمل بها، وأن قلبه يتعلّق كل التعلّق بشريعة إلهه. أما السبعينية فأحلّت محلّ ((ع ل ي)) ((باري إمو)) (في ما يتعلّق بي، يو 5: 46)، فاعتبرت أن الله هيّأ لمسيحه دورًا كبيرًا يلعبه. أما عب فألغت مز 40: ،9 فنقلت ((بوياساي)) (عمل) بـ ((هيكو)). وهكذا صارت ((عني قد كُتب في درج الكتاب)) معترضة تقطع بين ((آتي)) و ((أعمل)). رج الكتاب. م ج ل ت. س ف ر في العبرية: أي الكتاب المقدس كله (يبدو كدرج ولفيفة). إن الكتاب كله يشهد للمسيح (يو 5: 39، 46 - 27؛ لو 24: 27).
ثالثًا: تقدمة جسد يسوع (آ 8 - 10)
بعد أن أورد الكتاب الاستشهاد الكتابيّ، استعاده لكي يفسّره: وحدها ذبيحة جسد المسيح ترضي الله، وبالتالي تقدّسنا تقديسًا كاملاً. وتوالت الآيات فجعلت الذبيحة الجديدة بعد تسلسل زمني للذبائح القديمة: رفض الربّ هذه، وقبلَ تلك، وفي النهاية، ألغى العبادة القديمة (أنايريو، أزال، دمّر. في المعنى القانوني: ألغى) رغم أنها تأسّست على الناموس (8: 4). وهكذا برزت بوضوح مشيئة (تاليما) الله التي قرّرت أن تحلّ هذه المشيئة محلّ الناموس، فيتقدّس المسيحيون (1تس 4: 3) بوساطة المسيح وحدها (1: 3).
إلى الله، اذن، عادت مبادرة خلاصنا (يو 3: 16؛ روم 8: 32؛ أف 1: 4 - 11). ((إن)) في (بقوّة هذه المشيئة) تعبّر عن العلّة الفاعلة. ((ديا)) (بواسطة) على الاداة. إن كان الله أقام بشكل نهائي (ايستيمي، روم 3: 31؛ 14: 4) هذه العبادة الخلاصيّة وحافظ عليها، فلأنه رضي بخضوع المسيح ابنه لهذه المشيئة. وهو بالتالي يرضى عن ذبيحة جسده، التي قدّمها يسوع طوعًا (أف 5: 2). هذه الذبيحة النابعة من قلب يسوع هي الاكرام التام للآب. والتسمية التامة ((يسوع المسيح)) (13: ،8 21)، الكاهن المقدِّم والضحيّة المقدّمة، تتّخذ لون الانتصار الذي يبرز أيضًا في لفظة ((ابافاكس)) (مرة لا غير) التي جُعلت في آخر الجملة. لسنا فقط أمام تقديس (هيغياسمانوي، صيغة الكامل) المؤمنين، بل أمام تقدمة جسد يسوع تقدمة فريدة ونهائية. ذبيحته هي الذبيحة الأخيرة، وبعده تكون الديانة حتمًا بالروح والحقّ.
2 - قراءة إجماليّة
((وإذ ليس للناموس سوى ظلّ الخيرات الآتية، لا ذات الحقيقة بعينها، لا يمكنه بتلك الذبائح الواحدة التي تقرَّب كل سنة، على غير انقطاع، أن يجعل المقتربين (إلى الله) كاملين. وإلاّ، أفما كان عُدل عن تقريبها، لكون القائمين بهذه العبادة لم يعودوا يشعرون، بعد أن تطهّروا دفعة واحدة، بشيء من الخطايا. إنما بالعكس، فإن في هذه الذبائح عينها، كل سنة تذكرة للخطايا. إذ من المحال أن دم ثيران وتيوس يزيل الخطايا)) (10: 1 - 4)
في هذه الآيات يظهر عجز النظام اللاوي القديم تجاه كهنوت المسيح الفريد في أربع وجهات خاصة. أولاً: طابع النظام الموسوي. إن القول بأن الشريعة التي ارتبط بها الكهنوت اللاوي ارتباطًا دقيقًا (عب 7: 17) هي ظلّ الخيرات الآتية، إعادة لما قيل في 8: 5 بأن الكهنوت الهاروني ((صورة وظلّ في المعبد السماويّ)). فمع أنّ هناك مقابلة بين المعبد الأرضيّ والمعبد السماوي، هناك أيضًا مقابلة بين ذبائح يقدّمها هذا النظام أو ذاك. إن التشديد الأول يشير إلى المسافة بين الظل والحقيقة. ثم إن الظل لا يوجد بدون واقع. إذن، هو يفترض الواقع الذي هو ظلّه. إن الينبوع الحقيقيّ لهذا الظل نجده في شخص وعمل الفادي المتجسّد. ثانيًا: طبيعة الذبائح القديمة المتكرّرة. سبق وتحدثت عب عن تكرار الذبائح اللاويّة (7: 27؛ 9: 25). هناك تصارع بين التكرار والنهائي. فالعمل الذي هو نهائيّ لا يتكرّر. والعمل الذي يتكرّر يدلّ على أننا بعيدون عن الاستنتاج. فالاستنتاجي هو ناقص في ذاته وفي فعله. من هنا كان البرهان: فرض الناموس ذبائح سنة بعد سنة. فبمثل هذه الذبائح لا يتمّ التطهير. فلو كانت هذه الذبائح حصلت على النتيجة المرجوّة لما كانت تتكرّر. ولكن ذبيحة المسيح الكاملة هي التي جعلت الذبائح تتوقّف. ثالثًا: وظيفة الذبائح اللاوية التي تتكرّر، تذكّر الانسان بخطاياه، كما تذكّر الله إلى الوقت الذي فيه يتمّ التكفير كاملاً فينال الايمان النعمة. رابعًا: لا نفع من رفع الحيوانات. هل اعتبر هذا الدم أنه الواقع لا الظلّ؟ فالحيوان منفعل، لا فاعل، لا إرادة له ولا بصيرة. هو لا يستطيع أن يقول: جئتُ لأصنع مشيئتك يا الله (آ 7). وحده الانسان العاقل والحرّ والمسؤول، يستطيع أن يحلّ محلّ الانسان. وهذا ما فعله ابن الله المتجسّد حين اتّخذ بشريّتنا: فاستطاع أن يقدّم نفسه عن كل البشريّة الساقطة (2: ،9 14). ثم، وحده الانسان الكامل، المنزّه عن كل خطيئة، يستطيع أن يقف عن جانب الانسان ويكفر عن خطيئته (2: 14 - 18؛ 4: 15 - 16؛ 5: 8 - 10؛ 7: 26 - 27؛ 9: 26). وفي النهاية، وحده ذاك الذي بقيامته من بين الاموات انتصر كسيّد الحياة، والذي يحيا إلى الأبد، يستطيع أن يكون حبرنا وكامل خلاصنا الأبدي (1: 2 - 4؛ 6: 20؛ 7: 16، 24، 25؛ 8: 1؛ 9: 12؛ 12: 2؛ 13: 8). في ضوء كل هذا، أعلنت عب أن دم الثيران والتيوس لا يستطيع أن يرفع الخطايا.
ويُطرح سؤال: ما قيمة النظام الذبائحيّ الذي ارتبط بشريعة موسى؟ هل كان وهمًا وسرابًا؟ أما حرّك رجاء كاذبًا؟ إن الجواب على هذه الاسئلة يبقى ضمنيًا، لا واضحًا، في عب. أولاً: إن النظام الموسويّ مؤسّس تأسيسًا إلهيًا (3: 2ي؛ 8: 5؛ 12: 8ي)، وبالتالي هو داخل مخطّط الله بالنسبة إلى الجنس البشريّ، ولكن في طبيعته يهيّئ لطريق آخر: يدلّ على جدّية الخطيئة، على واقع التبرير الذي يمنحه الله، على ضرورة التكفير. ثانيًا: مع أنه الظل، لا الحقيقة، لا يستطيع في ذاته أن يُتمّ المصالحة التي يتطلّع إليها. هو يرتبط بمواعيد العهد الجديد. إذن هو يتطلّع إلى تكملة التكفير التام والنهائي عبر حمل الله الذي يرسله الله (7: 11ي؛ 8: 1ي؛ 9: 11ي؛ 10: 11ي). إن العهد القديم هو أرض الانتظار، لا أرض الوصول، كما يقول ف11: نالوا المواعيد ولم يروها تتمّ.
هذا في العهد الاول. أما في العهد الثاني، الذي هو زمن النعمة، فاعلان الصليب يدعو البشر لكي يتذكّروا خطاياهم، ويقدّم لهم الدواء الذي منحه الله في المسيح. فالايمان المسيحي أيضًا لا يمكن أن يُوجد دون تذكّر، لأن حياة المؤمن كلها يجب أن تكون فعل شكر حين يتذكّر الدم الثمين الذي نال لنا الفداء الأبديّ.
X X X
((فلذلك يقول عند دخوله العالم: ذبيحة وقربانًا لم تشأ، غير أنك هيّأت لي جسدًا. لم ترتض محرقات ولا ذبائح خطيئة، حينئذ قلت: هاءنذا آتي، إن عنّي قد كُتب في درج الكتاب، لأعمل بمشيئتك، يا الله. فلقد قال أولاً: إنك لم تشأ ذبيحة وقرابين، ولا محرقات ولا ذبائح خطيئة... ولم ترضَ بها، مع أنها كلّها تقرّب بموجب الناموس. ثم يقول: هاءنذا آتي لأعمل بمشيئتك. فهو إذن يبطل الاول ليقيم الثاني... وبقوّة هذه المشيئة قُدِّسنا نحن بتقدمة جسد يسوع مرّة لا غير)) (10: 5 - 10)
اتخذ الكاتب كلمات مز 40: 5 - ،8 وجعلها على شفتي المسيح في دخوله العالم كرسول المصالحة. أراد المرنّم أن يمتدح الله الذي نجاه، واستعدّ لكي يتمّ مشيئته. غير أن العهد الجديد تطلّع إلى العمل الفدائيّ حين أعاد قراءة هذا المزمور. لا يستطيع المرتّل أن يقول بحقّ ولا يتردّد: جئت لأعمل مشيئتك (وهل يستطيع). فهو يعجز عن ذلك لأنه خاطئ أمام خالقه القدوس. ولكن هذه الكلمات توافق كل الموافقة شفتي المسيح. فهو حسب الوعد وحسب النبوءة، ذاك الآتي، والفادي المسيحاوي الذي انتظر الشعبُ مجيئه طويلاً. ثم كان هدف مجيئه العمل بمشيئة الآب. لهذا قال: ((ما نزلت من السماء لأعمل بمشيئتي، بل بمشيئة الذي أرسلني)) (يو 6: 38). وهذه المشيئة الالهيّة هي خلاص البشريّة الخاطئة. في هذا قال بولس في 1تم 1: 5: ((هذه الكلمة ثابتة وأهل للقبول: جاء المسيح إلى العالم ليخلّص الخطأة)). وقالت عب في المعنى عينه: ((قدِّسنا بهذه المشيئة)) (آ 10). فالتقديس في لغة الرسالة، يتضمّن التطهير من الخطايا والدخول إلى حضرة الله القدوس. تلك هي خبرة الخلاص (2: 11).
وإذ أراد الابن أن يتمّ إرادة الآب، احتاج إلى جسد، لأن الخلاص الموعود طلب منه أن يقدّم نفسه بدل الخطأة. فكالراعي الصالح الذي يبذل حياته عن خرافه، قال: ((أبي يحبّني لأني أبذل حياتي واستردّها)) (يو 10: 11). لهذا، تنازل إلى حالتنا الوضيعة في فعل التجسّد بحيث إن كلمات المرتل (هيّأت لي جسدًا) تمّت فيه بمدلولها الانجيليّ. فالجسد المهيّأ للابن هو الجسد الذي اتّخذه في سرّ التجسّد الذي فيه أطاع الآب حتى الموت والموت على الصليب (فل 2: 8؛ عب 2: 14؛ 5: 8؛ 12: 2). في هذا قال اثناسيوس الاسكندراني: ((بما أنه الكلمة اللامائت وابن الآب، لم يكن بالامكان أن يموت. لهذا السبب، اتخذ جسدًا ليستطيع أن يموت. وإذ انتمى إلى الكلمة الذي هو فوق الجميع، مات فكان التبادل. حين قدّم هيكله الخاص وجسده بدل حياة الجميع، أتمّ في الموت كل ما طلب منه)). وأضاف: ((لبس جسدًا بحيث استطاع أن يجد الموت ويطرده إلى خارج)). ثم: ((ما تحدّد ولا انحصر في جسد، بل تمسّك به بحيث كان فيه وفي كل شيء، كما كان كله خارج المخلوقات مرتاحًا في الله فقط. فالعجب هو أن ذاك الذي هو في الوقت عينه انسان يحيا حياة بشريّة، هو أيضًا الكلمة الذي يسند حياة الكون، والابن المتّحد اتحادًا مستمرًا بالآب)) (التجسّد 9/44: 17).
إن صدق ما كتب المزمور يجد تثبيتًا له لانه ((كُتب)): ((كُتب عني في درج الكتاب)). درج الكتاب هو أسفار موسى التي دوِّنت فيها مشيئة الله والطريق إلى الطاعة (تث 28 - 30). ولكن حين جعلت عب كلمات المزمور على شفتي المسيح، دلّت على أن درج الكتاب هو التوراة أي أسفار العهد القديم كله. هنا نشير إلى أن الشريعة دوّنت بشكل خارجي، بمداد وورق. أما الشريعة فتدوّن في قلب الانسان الجديد في المسيح (عب 8: 10؛ 2كور 3: 3).
في آ 8 - 10، قدّم الكاتب شرحًا للمزمور. أولاً، إن التقادم والذبائح في النظام اللاوي، قرِّبت بموجب الناموس وفرائض شريعة موسى: شاخت وصارت بالية. لما جاء المسيح، حلّ نظام ملكيصادق محلّ نظام لاوي. وهكذا ألغى الابن المتجسد ((الأول))، أي الذبائح التي ارتبطت بشرائع موسى، وأقام الثاني أي مشيئة الله التي تشير إلى تقدمة نفسه كذبيحة عن الخطأة، إلى الأبد. فبهذه المشيئة، وبهذه المشيئة وحدها قدِّسنا، أي طهِّرنا من خطايانا واستعدنا رضى الله.

خاتمة
تحدّث الكاتب عن بطلان الذبائح اللاويّة، واستعان بما في مز 40 الذي أعلن تقدمة يسوع الطوعية. في الواقع، جاء المسيح إلى الأرض وهدفه أن يطهّر خطايا ((العابدين)) من الخطيئة. وكان أمينًا لمخطّطه، فقدّم نفسه لأبيه على الصليب، تقدمة رضي الله عنها، تقدمة حملت الخلاص والقداسة للمؤمنين: ((قدِّسنا بتقدمة جسد يسوع المسيح)) (آ 10). مشيئة الله هي التي رذلت العهد القديم وأقامت الجديد. فإليها يعود الابن حين يتوجّه إلى الآب ويقول له: أتيت لأعمل بمشيئتك. فما أبعد هذه التقدمة الذاتية عن ذبائح العجول والتيوس. وكم تبدو العبادة القديمة ظلاً باهتًا تجاه الحقيقة التي وحدها تمنح الكمال للذين يقتربون من الله بذبيحة ابنه يسوع.
الفصل السادس والعشرون

ذبيحة الجالس عن يمين الله
10: 11 - 18

في فصل سابق (10: 1 - 10) قدّمنا مقطعين في هذا الاتجاه الثالث (10: 1 - 18) المتحدّث عن المسيح الذي هو علّة خلاص أبدي. وفي هذا الفصل نقدّم أيضًا مقطعين. في الاول (10: 11 - 14) نفهم أن الكاهن الذي جلس عن يمين الله إلى الأبد، قد حلّ محلّ كهنة مأخوذين بتقديم الذبائح المتكرّرة. وفي الثاني (10: 15 - 18) نفهم أننا لا نحتاج بعدُ إلى الذبائح الكثيرة. فالعهد الجديد بذبيحته الوحيدة كاف لينال للبشر مغفرة خطاياهم.
قد يعترض معترض على البرهان السابق: إن كان الله رضي فقط بذبيحة المسيح، أما يستطيع أن يطلب تكرار هذه الذبيحة على مثال الذبائح اللاوية؟ من يطرح مثل هذا السؤال يدلّ على أنه يجهل ملء فاعليّة ذبيحة يسوع. هي كافية فما الحاجة إلى غيرها. قدّمت الخلاص التام الناجز، فلماذا تتكرّر بعد أن نالت غفران خطايا البشريّة كلها منذ البدء حتى نهاية العالم.

1 - تفسير الآيات
نقرأ هنا مقطعين: حلّ الكاهن محل الكهنة (10: 11 - 14). لا حاجة إلى تقدمة أخرى عن الخطيئة بعد أن نالت البشرية مغفرة خطاياها (آ 15 - 18).

أ - الكاهن والكهنة (10: 11 - 14)
تجاه كهنة يقدّمون الذبائح العاجزة، بدا يسوع المسيح الكاهن الممجّد، فقادنا بذبيحته الوحيدة إلى الهدف، إلى الكمال.
أولاً: كل كاهن (آ 11)
كيف بدا الكاهن في العهد القديم في موقفه وعمله وفائدته. أولاً، هو واقف. ثانيًا، هو يقدّم كل يوم ذات الذبائح. ثالثًا، لا تستطيع ذبائحه أن تزيل الخطايا. نحن هنا أمام واقع دراماتيكي، فنقرأ آ 11 بالنظر إلى آ 1. هي تشير إلى غيرة باطلة، إلى حركة دائمة لدى أشخاص لا يجلسون بسبب كثرة الذبائح التي يقدّمونها. الوقوف هو علامة الخادم الذي يعمل ((هستيمي)) (ع م د. ل ف ن ي، رج تث 10: 8؛ 17: 12؛ 18: 7). هو لا يرتاح، فيقوم بذات الحركات، ويقرّب ذات الذبائح، ويكرّر مهمّته يومًا بعد يوم. لا فائدة من كل ذلك، والخطيئة باقية. نقرأ ((لايتورغوس)) (خادم)، ((بارياريو)) = ((أفايريو)) (آ 4): انتزع (2كور 2: 16)، أزال، ألغى (أع 27: 20)، ألغى الاثم (ع ب ر، 1أخ 21: 8؛ صف 3: 15)، ألغى العار (ج ل ل، مز 119: 22، 39).
ثانيًا: كاهن لا غير (آ 12 - 13)
هنا التعارض بين كل كاهن، كل الكهنة، وكاهن لا غير هو يسوع المسيح. هم وقفوا للخدمة (على مثال موسى). أما يسوع فجلس عن يمين الله. موقف يسوع جذريّ بالنسبة إلى موقف الكهنة اللاويين، وكذلك عمله. ((هوتوس دي)) (أما هو)، رج ما قيل عن خدمة الملائكة ونشاطهم (1: 14). قدّم ذبيحة واحدة وقيمتها نهائيّة، فلا حاجة إلى ذبيحة أخرى. لهذا، يستطيع أن يجلس ويرتاح. ثم إن هذا الجلوس (رج مز 110: 1 كما قرأته عب) يدلّ على أن الله يوافق على عمل مسيحه، ويجازيه خيرًا على ما فعل (1: 13؛ 8: 1؛ رج أف 1: 02ي). ((جلس عن يمين)) يقابل ((وقف خادمًا)). اختلف الواحد عن الآخر على مستوى النظر، وبالتالي على مستوى الكرامة. إن فعل ((ي ش ب)) العبري الذي يعني جلس، سكن، طبّقه المزمور على داود الذي نصب خيمته بجانب تابوت العهد الذي يرمز إلى حضور الله. وحين كان يدخل إلى الخيمة، كان يجلس أمام الربّ (2صم 7: 18). حسب هذه الآية، ارتبط انتصار داود على أعدائه بأن جلس عن يمين الربّ. وجاء التطبيق التيبولوجي مع المسيح الذي دخل إلى معبد الله وجلس في حضرته، فلم يبقَ للكاهن الملك سوى انتظار نهاية العالم.
((تو لويبون))، تدلّ على الوقت (من بعد) وعلى النتيجة (بالتالي). تستخلص خاتمة حدث سابق: في نهاية المطاف، بمختصر الكلام (1كور 4: 2؛ 7: 29؛ 2كور 13: 11؛ 2تم 4: 8). أما وفاعليّة ذبيحة المسيح الوحيدة هي ما هي، فما عليه سوى أن ينتظر سجود أعدائه (ابليس، اليهود، الخطأة، الحاقدون، بحسب الآباء اليونان). فالله الذي نفّذ مخطّط الخلاص، جعل جميع الأجيال تنعم بثمار الفداء. وهكذا تظهر قدرة الرب وانتصاره تجاه عجز الكهنوت القديم. هذا ما يدلّ عليه ((إكداخومانوس)) (منتظر). رج يع 5: 7ي (إكداخاتاي) وانتظار الفلاح بين الزرع والحصاد.
ثالثًا: الهدف المنشود (آ 14)
وهكذا أوصلنا المسيح إلى الهدف المنشود بذبيحته الوحيدة. فإن آ 14 التي تبدو نافلة، تريد أن تبرّر هذه الراحة (جلس) وانتظار المسيح الهادئ. فعمله كان تامًا (بروسفورا، تقدمة، رج آ 10) ولا يمكن أن يُضاف إليه شيء. هذا من جهة. ومن جهة ثانية، هناك ثقة المؤمنين بالمشاركة في ثمار هذه الذبيحة. فنتيجتها المستمرة (إبي تو دياناكس، آ 12) هي أن تعطي الكمال (تاتالايوكن، صيغة الكامل، رج كاكاتاريسمانوس، طهر؛ هيغياسمانوس، مقدسون، آ 10): غفران الخطايا، طهارة الضمير، الاتحاد بالله للذين قدّسوا (صيغة الحاضر، هاغيازومانوس). بما أن العهد القديم لم يدرك الهدف (تالوس)، فقد كان ناقصًا، أما عهد المسيح فكان تامًا.

ب - لا حاجة إلى تقدمة أخرى (10: 15 - 17)
نحن لا نحتاج بعد إلى ذبائح، فالعهد الجديد يكفي. انطلق الكاتب من إيراد كتابي ينطلق من عهد جديد لن تذكر فيه الخطايا، وتحلّ شرائع باطنية محل الشرائع الخارجية.
أولاً: شهادة الروح القدس (10: 15 - 17)
إذ أراد الكاتب أن يقدّم خاتمة برهانه (8: 1ي)، عاد إلى إر 31: 33، 34 الذي أورده في 8: 10، 12. أولاً، يبرهن هذا النصّ أن ذبيحة المسيح تمحو الخطايا محوًا تامًا وتحقّق النبوءات. ثانيًا، يحدّد سمة العهد الجديد الذي يتمتّع به المؤمنون بقلب طاهر. ورد الاستشهاد الكتابيّ بشكل احتفالي جدًا. هو الروح القدس يتكلّم في الكتب المقدسة (2بط 1: 12). يضمّ شهادته إلى شهادة المسيح ليقوّي ايمان المسيحيين الذين اهتدوا من العالم اليهودي. إليهم يتوجّه، يقدم برهانه. ونقرأ فعل ((مرتيراين))، شهد، مع اهتمام الكاتب بإقناع قرّائه.
((بعد أن قال)). هذه العبارة تطلب جوابًا، يبدأ بلا شك في آ 7، الذي يتضمّن التأكيد الحاسم. لهذا أضافت المخطوطات ((هستيرون لاغاي))، قال. أو ((توتي ايريكان)) (الارمني،الصعيدي). وكان اقتراح: يقول الرب.
جاء الاستشهاد الكتابي في آ 16 - 17، وحوّله الكاتب من أجل برهانه. قسمه إلى شقين، ليبرز الشق الثاني الذي هو الأهمّ. حل ((بروس اوتوس)) (معهم) محل ((بيت اسرائيل)) (رج لنا في آ 15). وحلّ ((ابي كاردياس)) (في القلوب) محل ((بصيرتهم)) والعكس بالعكس. واضيفت ((وآثامهم)) في آ 17، وحلّت صيغة المضارع مع ((أذكر)) لتشير إلى أن غفران الخطايا يتمّ في المستقبل. وفعل ((ميمنيساستاي)) لا يدلّ فقط على تذكّر الماضي، بل على نظرة خارج الزمن: اعتبر، اهتمّ. فحين يذكر الله الانسان (2: 6) أو عهده (لو 1: 72)، يدلّ على اهتمامه. وحين يذكر الخطايا، يعتبرها وكأنها ما حصلت (8: 12؛ لو 1: 54؛ أع 10: 4، 31). ما غفره الله، غُفر حقًا ولا عودة عن غفرانه. وقد عبّر الانبياء بعدد من الاستعارات عن هذا الغفران (أش 38: 17؛ 44: 22؛ إر 50: 20؛ مي 7: 19).
ثانيًا: خاتمة البرهان (آ 18)
أما النتيجة فإلغاء كل ذبيحة تقدّم عن الخطيئة. لقد صارت نافلة. إن آ 18 التي توازي آ 14، تختتم موضوع كهنوت المسيح: فالايمان المسيحي هو تطهير من الخطايا وتقديس يمنحه الله بالمسيح (9: 28). بما أن الخطايا غفرت حقًا (أفاسيس، رج 9: 22 ،يقابل ((انامنيسيس)) في آ 3، تذكرة)، بالنظر إلى ذبيحة المسيح بحيث لا يعود لها وجود في المستقبل، يصبح أن تقدمة جديدة لا معنى لها. هي استحالة مطلقة (هوبو دي، 9: 16؛ أوكاتي، روم 6: 9؛ لو 15: 19، 21؛ يو 14: 19). حاول بعض القرّاء أن يعودوا إلى الممارسات اليهودية وذبائحها، فأفهمهم الكاتب أنهم باطلاً يفعلون. واحد هو مكمّل (تالايوتيس) الخلاص، يسوع المسيح (21: 2). خارجًا عنه لا تصل الحياة البشرية إلى هدفها الذي هو الله.

2 - قراءة إجمالية
((إن كل كاهن يقف، كل يوم، خادمًا ومقرّبًا مرارًا تلك الذبائح بعينها، التي لا قبل لها البتة بأن تزيل الخطايا. أما هو فإذ قرّب عن الخطايا ذبيحة وحيدة، جلس عن يمين الله إلى الأبد، منتظرًا، من بعد، أن يُوضع أعداؤه موطئًا لقدميه، لأنه بتقدمة وحيدة جعل مقدّسيه كاملين على الدوام)) (10: 11 - 14)
إن التعليم الذي برز في بداية ف 10، يعاد فيقول: مع النظام الجديد، كانت سلسلة من الذبائح لا تنقطع. هي ذات الذبائح، وهي لا تستطيع أن ترفع الخطايا. في آ 1ي، عاد الكاتب إلى الذبائح السنويّة التي يقدّمها عظيم الكهنة في يوم كيبور. أما هنا، فيشير إلى ذبائح تقدّم كل يوم، في الصباح وفي المساء، على يد الكهنة بشكل عام. ((كل كاهن)). هذا لا يعني أن جميع الكهنة كانوا يعملون في كل يوم، بل هناك ترتيب بحيث لا تتوقّف الذبائح يومًا واحدًا.
ولكن التعارض بين النظام القديم والنظام الجديد، ظهر في اعتبار لم يُذكر حتى الآن: كان كهنة لاوي واقفين لكي يتابعوا واجبات خدمتهم. أما المسيح فجلس عن يمين الله (انتهت مهمّته الذبائحيّة). فالكاهن الذي لا يقوم بواجباته الكهنوتيّة، يقف أمام الربّ. نقرأ في تث 10: 8 إن بني لاوي يحملون تابوت عهد الرب ويقفون أمامه ليخدموه ويباركوا باسمه (رج 17: 12؛ 18: 7). هذا يعني أن عمل الكهنوت اللاوي لا ينتهي أبدًا، لأن خدمتهم وذبائحهم مطبوعة بطابع النقص. والتقادم التي لا تستطيع أن تزيل الخطايا، يجب أن تتكرّر على الدوام.
ويبدو التعارض دراماتيكيًا بين غيرة الكهنة اللاويين واضطرابهم وحركتهم المتواصلة في الهيكل، ووقوفهم بدون راحة وقيامهم بذات الأعمال مع نتيجة خارجيّة لا تحصل في أي حال على غفران الخطايا، وبين مسيح قدّم نفسه مرّة لا غير، فجلس عن يمين الله ودخل في الراحة. ولكن هذا لا يعني أن نشاط يسوع توقّف بعد أن صعد إلى السماء، فهو يعمل دائمًا وأبوه يعمل. هو يرافقنا ويعين ضعفنا كما تقول عب 2: 18؛ 4: 14ي. وهو في معبده السماوي ما زال يشفع بنا (7: 25؛ 9: 24). أما عمله الذبائحيّ فقد تمّ ولا حاجة إلى تكراره.
ويصوّر المسيح منتظرًا أن يُخضع له جميعُ أعدائه. رج 2: 8. الله هو الذي سيخضعهم. ويقول مز 8: 6 الذي تورده عب: لا نرى أن كل شيء خضع له. منذ الآن نعرف أن أعداء يسوع خضعوا له، وهم الشر والخطيئة والموت، وذلك بفدائه على الأرض كالابن المتجسّد. فمجيء الابن إلى العالم هو، منذ البداية، غلبة العالم (يو 16: 33). وصليب المسيح يدلّ على أن سيّد هذا العالم (إبليس) قد دين وحُكم عليه (يو 16: 11). لهذا قال يسوع لدى دخوله في آلامه: ((اليوم دينونة هذا العالم. واليوم يُطرد سيّد العالم)) (يو 12: 31). وكيف ذلك؟ ((متى ارتفعت عن الأرض)). وهذا الارتفاع يدلّ على الصليب كما على الصعود. بدأت نهاية العالم أي انتصار يسوع التام يوم الصلب ووصلت إلى ذروتها في القيامة والصعود بالمجد. أما الدينونة التي ننتظر، فهي وضع كل انسان ووضع البشريّة تجاه صليب المسيح. من يؤمن ويعتمد يخلص ومن لم يؤمن يدان.
ولماذا تأخّر المسيح لكي يضع أعداءه تحت قدميه؟ هذا هو السؤال الذي طرحه الذهبيّ الفم. وكان الجواب: ليس الله عاجزًا عن إتمام ما قال إنه يعمله. أما التأخير فهو إطالة زمن النعمة والرحمة. في هذا قالت 2بط 3: 9 - 10: ((فالربّ لا يؤخّر إتمام وعده، كما يتهّمه بعضهم، ولكنه يصبر عليكم لأنه لا يريد أن يهلك أحد، بل أن يتوب الجميع. ولكن يوم الرب سيجيء)). هذا الانتظار ليس انتظار القلق عند المسيح، كما هو الحال عند البشر، بل رغبة الله في أن يرحمنا. وفي هذا يقول أش 30: 18: ((الرب ينتظر ليتحنن عليكم وينهض ليرحمكم لأنه إله بار. هنيئًا لجميع الذي يرجونه)).
((وهذا ما يشهد لنا به الروح القدس أيضًا. فإنه بعد أن قال: هذا هو العهد الذي سأقطعه معهم من بعد تلك الأيام، يقول الرب، فأجعل شرائعي في قلوبهم وأرقمها على أذهانهم. أما خطاياهم وآثامهم فلن أذكرها من بعد. والحال أنه حيث تكون مغفرة خطايا لا تقدمة بعد عن الخطيئة)) (10: 15 - 18)
وأورد الكاتب هنا مرة أخرى نبوءة إرميا حول العهد الجديد، التي سبق وأوردها في 8: 8 - 9. وذكر الروح القدس، فدلّ على اعتقاده بأن كلام النبي هو إلهام إلهيّ. فالروح القدس والرب هما واحد، وهذا ما نفهمه من التقابل بين ما قال الروح وما قال الرب (يهوه في العبرية). إن هذا التعليم يتوافق مع إعلان 2بط 1: 21 بأن الانبياء هم أناس حرّكهم الروح القدس فتكلّموا من قبل الرب. وفي الوقت عينه، نلاحظ أن الاستشهاد لا يرد حرفيًا كما في إر 31: 32، بل لا يتوافق مع ما في ف 8 ، فنفهم مرّة أخرى أن معنى الكلمات هو المهمّ لا حرفيّتها. والاختلاف في الاستشهاد تجاه نصّ محدّد، لا يفترض بالضرورة اختلافًا في النظر تجاه النصّ الاصليّ. بالاضافة إلى ذلك، لا يتوقّف الكاتب عند دقائق الألفاظ، بل يهمّه فهم الحقيقة وتطبيقها، لأنه ينبوعها. وبمختصر الكلام، كتب صاحب الرسالة في تنسيق فكر الروح، فجمع الحقيقة مع نبوءة ارميا من العهد الجديد، فأبرز وجهات خاصة من هذه النبوءة لأجل قرّائه دون أن يتلاعب بتعليم النبيّ.
إن تكرار الاستشهاد مع التأكيد بأنه شهادة الروح القدس، يتوخّى أن يقدّم خاتمة البرهان حول طبيعة كهنوت المسيح وكمال ذبيحته التكفيرية التي وصلت إلى غايتها. وهكذا بلغ العهد الجديد إلى الكمال. هو الروح الذي يشهد عبر إرميا أن الله جعل شرائعه في القلوب، وأنه لن يعود يتذكّر خطاياهم، وهذا هو جوهر العهد الجديد في الماضي وفي المستقبل: غُرست شرائع الله في قلوب المفديّين بحيث صاروا جديرين في النهاية، بأن يمجّدوه في طاعة طوعيّة لإرادته. بل، إن تمرّد حياتهم السابقة وما فيها من خطيئة، قد زال من أمام نظره، وضميرهم المذنب تطهَّر بقوّة دم المسيح الذي قدّم نفسه عبر روح أبديّ، بغير عيب، لأجلنا (9: 14). حين نقول إن الله لا يعود يذكر خطايانا، نعني أنه يغفرها. وحين ُتغفر، لن تعود أمام الله (كما كان الوضع في النظام اللاوي)، وبالتالي لا تحتاج بعد إلى تكفير. فقد تمَّ التكفير الذي يكفي كل الكفاية، مرّة لا غير (1يو 2: 2). وهكذا حصلت البشريّة على ما تاقت إليه منذ أجيال: غفران حقيقيّ للخطايا بذبيحة المسيح الوحيدة الكاملة على الصليب. وبعد ذلك، انتفت كل حاجة إلى تقدمة تقرّب عن الخطيئة. فمن عاد إلى الذبائح الموسويّة يطلب فيها التكفير عن الخطايا فيبدو وكأنه ينكر الانجيل. لهذا، كان تحريض للتمسّك ببركات العهد الجديد التي أعطيت لنا بوساطة يسوع المسيح الفادي الوحيد والربّ الوحيد.

خاتمة
من عاد إلى العالم اليهودي، من استعاد طقوس العبادة القديمة، دلّ على لاإيمانه بعمل المسيح الكامل. وإذا كانت الذبائح قد ألغيت إلغاء كليًا، فهذا يعني أيضًا أن الكهنوت الهاروني ألغي ومعه العهد القديم. زال الظلّ وحلّت محله الحقيقة. ذاك هو الواقع الايماني الذي يسنده الروح القدس، روح الآب الذي يتكلّم بالابن. هذا الروح يشهد لروحنا أننا ابناء الله (روم 8: 16) بعد أن غُفرت خطايانا ونلنا نعمة تتيح لنا أن نشارك الابن في مجده إن نحن شاركناه في آلامه.
الفصل السابع والعشرون

تحريض على الثبات في الإيمان
10: 19 - 39


بعد أن عالج الكاتب معالجة وافية كهنوت يسوع المسيح، أخذ يستنتج التطبيقات العمليّة. وهكذا نكون أمام تحريض آخر يختتم القسم الثالث من عب (10: 19 - 39). فمنذ 2: 1 - 4؛ 3: 7 - 4: 14، أرادت الرسالة أن تكون كلام تحريض، وكشفت عن مقصدها: حثّ المؤمنين على الطاعة لكلمة الله، على الثبات في الايمان والأمانة. وجاء العرض عن كهنوت المسيح محرّكًا لهذا الايمان، لهذا الثبات في الايمان. أما الغاية فخلقيّة مسيحيّة ترتبط بالموضوع العقائديّ وتتميّز بثلاث سمات. أولاً، ارتبطت بدم المسيح الذي يطهّر الخطايا وينال جميع النعم. إذًا، تكون حياتنا مقدّسة. ثانيًا، هي خلقيّة إكليزيولوجيّة. نعيشها في الكنيسة، في مدينة الله حيث يتضامن أعضاء شعب الله، مع المسيح الذي تضامن معهم، بل تشبّه بهم في كل شيء ما عدا الخطيئة. هي خلقيّة اسكاتولوجيّة. ترتبط بالنهاية. تتأصّل في الماضي، في دم المسيح، وتعيش في الحاضر، وتتطلّع إلى أورشليم السماويّة.

1 - نظرة عامة إلى التحريض النهائي (10: 19 - 39)
دلّ 10: 18 على نهاية الطرح المركزي. في 10: 19 يبدأ الكاتب فيتوجّه بشكل مباشر إلى قرّائه ليحثّهم على العيش المسيحيّ في خطّ ما تعلّموه حول كهنوت المسيح. ((ومن ثمّ أيها الاخوة)). وهكذا ينتهي القسم الثالث (5: 11 - 10: 39) من عب كما بدأ: بمقطع تحريضيّ. إن بداية هذا الجزء (10: 19 - 20) يوافق كل الموافقة نهاية المطلع (6: 19 - 20). لن نتوقّف الآن عند العلاقات بين إرشاد (5: 11 - 6: 20) وإرشاد (10: 19 - 39)، بل نقول كلمة عمّا يربط هذه الآيات بالعرض الذي يسبقها (7: 1 - 10: 18).
تعود بداية الجملة الأولى (10: 19) إلى قلب هذا العرض (9: 11 - 14): إن ((دخول المعبد)) (10: 19) يشير إلى المسيح الذي ((دخل المعبد)) (9: 12). و ((في دم المسيح)) (10: 19) يستعيد ((بدمه الخاص)) (9 ك 12) و ((دم المسيح)) (9: 14). ويلمّح إلى 9: 25 (دم غيره). في 10: 20، بعد أن تحدّث الكاتب عن الثقة (الدالة) للدخول إلى المعبد (آ 19)، تكلّم عن الطريق الجديدة الحيّة التي دشّنها يسوع خلال (عبر) الحجاب، أعني جسده. هذا النصّ يذكّرنا أيضًا بالاتجاه المركزيّ. فاذا وضعنا جانبًا الاستشهاد الكتابي في مز 95 (عب 3: 10: لم يعرفوا طرقي)، نرى أن لفظة ((طريق)) لم تستعمل سوى مرتين في عب: هنا (10: 20) وفي الاتجاه المركزي (9: 8)، حيث نفهم أن ((طريق المعبد لم تظهر بعد ما دام الخباء الأول باقيًا)). فما قيل في 9: 8 قريب ممّا قيل في 10: 20: لقد توخّى الكاتب أن يعارض نصًا بنصّ، لا سيّما وأن التقابل بين طريق وطريق، تقابله علاقة تربط شقّ (فتح) الحجاب (10: 20) بترك الخباء الاول جانبًا (9: 8، لأنه يمنع الطريق إلى المعبد، يبقيه مغلقًا). هنا نتذكّر أن وصف ((معبد هذا العالم)) (9: 10 - 12) أعلن أن ((الحجاب الثاني)) يدلّ على عبور من الخباء الاول إلى الثاني.
بما أن بعض عناصر 9: 8 جُعلت في أماكن اخرى في الاتجاه المركزي (9: 11 - 12، 26)، ارتبط أيضًا 10: 20 بهذين النصين الآخرين. هناك أولاً رباط مع 9: 11. قال 10: 20: ((خلال الحجاب، أعني جسده)) (ساركس، بشرّيته). وكان 9: 11 قد قال إن المسيح دخل ((بخباء أعظم)). وتحدّث الكاتب في 10: 19 (قبل 10: 20) و9: 12 (بعد 9: 11) عن الدم. وطبّق في 10: 21 على كاهننا صفة تصف الخباء الجديد في 9: 11 (ماغاس، عظيم). وهناك أيضًا علاقة مع 9: 26. تؤكّد هذه الآية أن المسيح ((ظهر (كـ ((طريق))، رج هذا الفعل في 9: 8) بذبيحة نفسه)). وجعلنا 10: 20 في المنظور عينه، فتكلّم عن تدشين طريق تمرّ عبر بشريّة المسيح المذبوح. وتحدّث الاتجاه المركزيّ أيضًا عن تدشين طريقنا التي هي طريق الدخول إلى دم يسوع، فذكّرنا بإقامة العهد الاول الذي لم يتدشّن (لم يكرّس) بلا دم (9: 18). وبعد ذلك، ستعيدنا استعارة الرش (10: 22، النضح) إلى هذا الطقس عينه، طقس إقامة العهد (9: 19 - 21).
ويترك 10: 21 منظور الطقوس الخاص بالاتجاه المركزيّ، ليشير بسرعة إلى منظورَي الاتجاهين الآخرين (أي الأول، 7: 1 - 28؛ 8: 1 - 9: 28). أرانا الكاتب نتيجة الذبيحة، وهي إقامة كاهن عظيم على بيت الله. هكذا ذُكرت، من جهة، اعتبارات ف7 حول الكاهن المختلف (7: 11 - 15) الذي هو أرفع من السماوات (7: 5). وذُكر، من جهة أخرى، التعارض الذي نقرأه في 10: 11 - 14 بين عجز كهنة العهد القديم، وسلطان التقديس الذي يملكه المسيح الجالس ملكًا عن يمين الله. ونجد أخيرًا في هذه الآيات (10: 19 - 39) تلميحين واضحين إلى الوضع الذي يصوّره الاتجاه الثالث (10: 1 - 18). فالجملة الأخيرة في هذا الاتجاه (10: 18، لا تقدمة بعدُ عن الخطيئة) تعود في 10: 26: ((ليس بعدُ ذبيحة عن الخطايا)). والتوسّع في 10: 4 - 10 حول ((مشيئة الله)) يجد له صدى في 10: 26 حيث يُدعى المسيحيون بدورهم حتى ((يعملوا بمشيئة الله)).

2 - بنية النصّ
بعد أن أشرنا إلى علاقة هذا التحريض (10: 19 - 39) بالعرض العقائدي، نتوقّف عند تفاصيل البنية. هناك تضمين مع كلمة ((باريسيا)) (دالة، ثقة) في آ 19 وآ 35. خارجًا عن آ 19 - 35، تبقى آ 36 - 39 التي تبدأ مع لفظة ((هيبوموني)) (الثبات) وتنتهي بالتأكيد على الايمان، فتعلن موضوعي القسم الرابع. ونستطيع أن نقسم آ 19 - 35 إلى ثلاثة مقاطع: آ 19 - 25؛ آ 26 - 31؛ آ 32 - 35. أما دراستنا التفصيليّة في الفصل التالي والذي يليه، فستقسم آ 19 - 39 إلى فصلين، الايمان وعقاب المعاندين (آ 19 - 31)، الايمان ومجازاة المؤمنين (آ 32 - 39).

أ - المقطع الأول (10: 19 - 25)
ونبدأ بقراءة المقطع الأول: 
10: 19 ومن ثمّ، أيها الاخوة، فبما أن لنا بدم يسوع، ثقة الدخول إلى المعبد،
10: 20 من هذه الطريق الجديدة الحيّة
خلال الحجاب، أعني جسده.
10: 21 وكاهنًا عظيمًا على بيت الله،
10: 22 فلندن (فلنقترب) بقلب صادق، وفي كمال الايمان،
وقد تطهّرت قلوبنا من كل دنس ضمير شرّير
ونضحَ الماءُ النقيّ أجسادنا.
10: 23 ولنتمسّك باعتراف الرجاء على غير انحراف (بلا تراخ)
لأن الذي وعد أمين
10: 24 ولينتبه بعضُنا لبعض تحريضًا على المحبّة والأعمال الصالحة
10: 25 ولا تهجروا اجتماعكم الخاصّ،
كما هو من عادة البعض،
بل حرّضوا بعضكم بعضًا
وبالغوا في ذلك بقدر ما ترون اليوم يقترب.
بعد أن ذكر التحريضُ العرضَ المركزيّ الذي استند إليه (10: 19 - 21)، تنظّم حول ثلاثة أفعال، لندنُ (آ 22)، لنتمسّك (آ 23)، لننتبه (آ 24). ويرافق كلاً من هذه الأفعال فضيلة من الفضائل الالهيّة: في آ 22 كمال (ملء) الايمان. في آ 23: اعتراف الرجاء. في آ 24: تحريض على المحبّة.
ارتبط بالفعل الأول اسما مفعول (مطهرين، مُغسَلين). ويبقى الفعل الثاني (لنتمسك) وحده. والسبب هو أننا لا نريد أن نفصل بين اسم مفعول وآخر. فالواحد يكمّل الآخر. نقرأ في اسم المفعول الأول تأكيدًا على نعمة نلناها في العماد: ((تطهّرت قلوبنا من كل دنس ضمير شرير)). وفي الثاني، نجد وصفًا خارجيًا لسرّ المعمودية: ((غسل الماء النقيّ أجسادنا)). وهكذا ربطنا اسم المفعول الأول واسم المفعول الثاني بفعل ((اقترب))، وما فصلنا بينهما، رابطين اسم المفعول الثاني بفضيلة الرجاء. حين ربطنا بينهما، ربطنا العماد بالايمان. أما حرف العطف (كاي)، فهو لا يربط اسمَي المفعول (مطهرين ومغسلين) فقط، بل يربط الفعلين الاساسيين فنقول: لنقترب... ونتمسك.
هناك رباط بين نضح القلوب وتطهيرها، وبين غسل الجسد، وتكامل بين نضح (تطهر) وغسل، وبين اقترب وتمسّك، وبين كمال (أو ملء) وبدون انحراف (أو: تراخ)، وبين ((قلب صادق)) و ((أمين))، وبين الايمان والرجاء. لقد أراد الكاتب أن يربط ربطًا وثيقًا تعابير هاتين الجملتين بحيث تكمّل الواحدة الاخرى، وما خاف أن يبدّل موضع الالفاظ لكي يفهمنا أن المنظور واحد. مثلاً، ما قال ((ملء الرجاء)) و ((اعتراف الايمان)) (وهذا طبيعي)، بل قال: اعتراف الرجاء وملء الايمان. فعبارة ((ملء الايمان)) تقابل ما في 3: 1 (نعترف به) و4: 14 (نثبت على الاعتراف) حيث نقرأ لفظة ((اعتراف)) (لا تستعمل لفظة اعتراف، هومولوغيا، إلاّ في هذه المقاطع الثلاثة). أما ((كمال الرجاء)) فنقرأه في 6: 11 (لا نجد بليروفوريا التي تعني الملء والكمال إلاّ في هاتين الآيتين من عب). ثم، أما يجب أن نقول ((الايمان يحفظ)) و ((الرجاء يقترب)) ؟ ربما، ولكن الكاتب لا يميّز التمييز القاطع بين الايمان والرجاء. وحين يحدّد الايمان في 11: 1 ،يبدأ فيؤكّد علاقته بالمرجوات، بالاشياء التي نرجو. فلماذا ندهش اذن حين نراه يذكر هنا اعتراف الرجاء بجانب المعمودية؟ ويأتي الفعل الثالث (لينتبه) بعد المعترضة حول أمانة الله (الذي وعد أمين) بواسطة العطف (كاي، الواو). فالآن يرد الارشاد (التحريض) في تحذيرين: لا نهجر الاجتماع الخاص بالجماعة. حرّضوا بعضكم بعضًا بالنظر إلى اليوم الأخير الذي يقترب. وهكذا جعلنا الكاتب نستعدّ لقراءة المقطع الثاني.

ب - المقطع الثاني (10: 26 - 31)
يجعلنا الكاتب هنا أمام منظور معتّم، مظلم. تتبدّل اللهجة، فنفهم أننا أمام مقطع جديد. هو يبدأ مع لفظة ((هول)) (آ 27، 31) و ((دينونة)) (آ 27) و ((دان)) (آ 30). بعد عناصر تقديم، يبدأ التضمين في آ 27 وينتهي في آ 31.
10: 26 لأنّا إن خطئنا عن اختيار
بعد إذ نلنا معرفة الحق،
فليس بعدُ ذبيحة عن الخطايا،
10: 27 بل هناك هول انتظار دينونة
وغضب نار سوف تلتهم المعاندين.
10: 28 فلئن كان من يتعدّى ناموس موسى،
يُقتل بلا رأفة، على شهادة اثنين أو ثلاثة،
10: 29 فكم ترونه يستوجب عقابًا أشدّ
من يطأ ابن الله
ويعدّ مبتذلاً دم العهد الذي قُدِّس به
ويهين روح النعمة.
10: 30 فإنّا نعرف الذي قال: 
لي الانتقام، أنا أجازي.
وأيضًا: 
إن الرب سيدين شعبه.
10: 31 فيا لهول الوقوع في يدي الله الحي!
يتمّ إعلان الطرح (10: 26 - 27) بوضع تعارضين الواحد تجاه الآخر. أولاً، الخطيئة تعارض الحقيقة التي نالوها. ثانيًا، إن رجاء الحصول على غفران بواسطة ذبيحة، يعارض التهديد بالدينونة والعقاب (الانتقام). أما مسيرة الجملة فتتوخّى التشديد على هذا التهديد: يا لهول الوقوع في يدي الله الحي!
وجاء التوسّع (10: 28 - 29) في برهان مع ((بالحريّ)) (أي من الأقل إلى الاكثر)، صادفناه أكثر من مرّة في عب. ننتقل من تذكّر عقوبات العهد القديم، إلى عقوبات أشدّ تصيب الذين لم يكونوا أمناء للعهد الجديد، فكفروا وعاندوا. تترتّب العناصر (خطيئة، عقاب) أولاً بشكل يتوازى مع ما في 10: 26 - 27. وبعد ذلك، ينعكس، بحيث تصبح بنية المقطع متداورة: تصوّر البداية والنهاية الخطيئتين. وفي الوسط، يُذكر العقابان: بلا رأفة، عقاب أشدّ. أبرز الكاتب خطورة الاستهانة بالعهد الجديد فحطّم التوازن. إشارة سريعة (تعدّى ناموس موسى) عارضت سلسلة مؤلّفة من ثلاثة أمور شدّد عليها الكاتب بقوّة: ابن الله، داسه. دم العهد، اعتبره مبتذلاً (دنيويًا، من هذا العالم) مع أنه قدّسه. روح النعمة، أهانه. هذا ما يفعله ذاك الذي يتنكّر لإيمانه ويعود إلى الوراء. وإذا عدنا إلى التفاصيل، نرى تقابلاً بين موسى وابن الله، بين الناموس والعهد، بين الناموس وروح النعمة.
وتعود نهاية (10: 30 - 31) المقطع إلى الموضوع المركزي، موضوع العقاب، فتستعيد في الوقت عينه، ما كان أشار إليه العنصر المسيطر في الجملة الأولى (آ 26).

ج - المقطع الثالث (10: 32 - 35)
بعد هذا الوصف لمستقبل ممكن، مع ما فيه من هول، يعود الكاتب الآن، ويقابله بتذكّرين حول ماضٍ من السخاء والعطاء. ذاك هو المقطع الثالث: 
10: 23 ولكن تذكّروا الأيام السالفة
التي، بعد أن أنرتم فيها،
صبرتم على نضال طويل مؤلم
10: 33 فكنتم مرّة مشهدًا (للناس) بالتعييرات والمضايق،
وأخرى شركاء للذين يعاملَون بمثلها.
10: 34 أجل، تألّمتم مع الذين في القيود،
ورضيتم بانتهاب أموالكم فرحين،
لعلمكم أن لكم ثروة أفضل وأبقى.
10: 35 فلا تفقدوا إذن ثقتكم،
فإن لها جزاء عظيمًا.
قد يكون ذكر ((الأيام السالفة)) (10: 32) في موازاة مخافة اليوم الذي يقترب (10: 25)، وهكذا يرتبط هذا المقطع الثالث بالأول (10: 19 - 25). أما المقطع الثاني (10: 26 - 31) فيُذكر بوضوح أكبر: تتقابل البدايتان، إمّا في تشابه (أنرتم في 10: 32، يعود إلى معرفة الحق في 10: 62)، وإمّا في تعارض (نضال مؤلم في 10: 23 يعارض خطئنا في 10: 26). وهناك ارتباط مع المقطع الأخير (10: 36 - 39): إن فعل صبر يعلن الموضوع منذ الآن، موضوع الصبر والثبات (10: 36).
تظهر الفكرة المسيطرة في هذا المقطع، في العلاقة بين عبارتين تحيطان به: نضال طويل في البداية (10: 32)، جزاء عظيم في النهاية (10: 37). هذا ما يقابل مقابلة دقيقة المقطع السابق الذي تحدّث عن الخطيئة والعقاب. ويصوَّر هذا النضال الذي يتضمّن المضايق (10: 33) ومشاركة الآخرين في ألمهم. وهكذا ننطلق من المضايق إلى التضامن، ومن المشاركة في الألم إلى انتهاب الأموال. والتعارض واضح حين يُذكر الألم لدى مسيحيين نُهبت أموالهم (10: 34)، وهذه هي المفارقة. ونفهم هذا الفرح لدى المؤمنين، لأنهم تيقّنوا بأنهم يمتلكون كنزًا لا يأخذه أحد منهم. وهذا الفرح ينقلنا من كلام عن الضيق إلى كلام عن المجازاة. في الشق الثاني من 10: 34، تستعيد لفظة ((ثروة)) لفظة ((أموال))، ويقابل ((انتهاب)) لفظة ((أبقى)) (كل هذا في آ 34). وينهي الكاتب كلامه في آ 35 فيعود إلى فكرة الكنز السماوي بواسطة ((الجزاء)) (يقابل 10: 30 ويعارض ((أجازي، أنتقم))). كما يدرج لفظة ((ثقة)) التي تبني تضمينًا مع 10: 19.

د - المقطع الرابع (10: 36 - 39)
أغلق التضمين، وهكذا نفهم أن الآيات الأخيرة تعلن التوسّعات الآتية. هذا ما حصل في 2: 17 - 18 (حيث أعلن القسم الثاني) وفي 5: 9 - 10 (حيث أعلن القسم الثالث).
10: 36 فلا بدّ لكم من الثبات (أو الصبر)
حتى، إذا عملتم بمشيئة الله،
تفوزون بالموعد.
10: 37 أجل، في أقرب وقت
يأتي الآتي ولا يبطئ
10: 38 إن باريّ (أنا) بالايمان يحيا
وإن نكص فلا ترتضي به نفسي.
10: 39 أما نحن، فلسنا من أبناء النكوص، للهلاك،
بل من أبناء الايمان، لخلاص النفس.
جاء موضوعا القسم الرابع في وضوح تام: الثبات (في بداية الجملة) والايمان (في تعارض مع نكوص واستعادة لفظة ايمان). وإذ أراد الكاتب أن يبرز العلاقة بين الموضوعين، اتبع ((الثبات)) هنا بعبارة نجدها في التوسّع حول الايمان (نفوز بالموعد، 10: 36؛ رج 11: 13، 39، ثم 11: 9 ،17، 33). ومقابل هذا، تحدّث عن الايمان في سياق سوف نجده في توسّع حول الثبات (يحيا، 10: 38؛ رج 12: 9 ،نحيا، تكون لنا الحياة). وبالنسبة إلى النكوص، في 10: 39، ق 12: 3 و12: 13.
لاحظ الشرّاح أن قول حبقوق الذي ورد في 10: 38، قد تحوّل بعض الشيء في عب. فاهتمامات الكاتب الأدبيّة معروفة. رج 10: 16 (نص ارميا)؛ 3: 9 - 10 (مز 95). قالت السبعينية: إذ هو آتط يأتي. وإن نكص لا ترضى به نفسي، أما البار فيحيا بإيماني. قد نظنّ أن فاعل فعل ((ينكص)) هو فاعل فعل ((يأتي)). لهذا، بدّلت عب ترتيب النص، فأزالت الالتباس، ثم كوّنت توازيًا متداورًا في 10: 38 - 39 (إيمان، نكوص، نكوص، ايمان). جُعلت لفظة ((إيمان)) في بداية التعارض (بالايمان يحيا) وفي نهايته (أبناء الايمان)، فبدت بارزة ولعبت وظيفة كلمة عاكفة فأمّنت الانتقال إلى بداية القسم الرابع (11: 1).
ونلاحظ أخيرًا أن هذا المقطع الرابع يقترب بوضوح من الاول (10: 19 - 25). شدّد هذا على الايمان (10: 22؛ رج 10: 38 - 39)، وتحدّث عن الذي وعد (10: 23؛ رج 10: 36)، وذكر ضرورة الاعمال الصالحة (10: 24؛ رج 10ك 36 والعمل بمشيئة الله)، وأكّد اقتراب اليوم (10: 25؛ رج 10: 37، لا يبطئ).
الفصل الثامن والعشرون

الإيمان وعقاب المعاندين
10: 19 - 31

نحن هنا في نهاية القسم الثالث (5: 11 - 10: 39) والتحريض الأخير (10: 19 - 39) الذي قسمناه فصلين مع أننا اكتشفنا فيه أربعة مقاطع. كان عنوان هذا الفصل (10: 19 - 31): الايمان وعقاب المعاندين. أما عنوان الفصل الذي يليه (10: 32 - 39) فيكون: الايمان ومجازاة المؤمنين.
في نهاية التوسّع حول كهنوت المسيح، فهمنا أن على المسيحيين أن يثقوا ثقة مطلقة بيسوع حبرهم. غير أن هذه الثقة ليست طمأنينة عمياء ولا استسلامًا فارغًا. فهي تتضمّن ملء الايمان واعتراف الرجاء وحرارة المحبّة. ولكن المسيحيين لم يكونوا على هذا المستوى. وبعد أن حثّهم الكاتب، هدّدهم بالمصير الذي ينتظرهم: تركوا الاجتماع الاسبوعيّ، فدلّوا في الوقت عينه أنهم تركوا الجماعة التي ينتمون إليها، ووصلت بهم الأمور إلى اللاإيمان وإلى الجحود. نسوا ابن الله ودم عهده وروح نعمته. فيا لهول ما ينتظرهم!

1 - تفسير الآيات
نقرأ هنا مقطعين. نداء إلى الايمان والرجاء والمحبّة (10: 19 - 25). عقاب ينتظر الخطأة (10: 26 - 31).

أ - نداء إلى الايمان والرجاء والمحبّة (10: 19 - 25)
بدأ الكاتب فذكّر القراء بالعرض اللاهوتي حول يسوع الحبر الذي دخل إلى المقدس السماوي، ثم دعاهم إلى ممارسة الفضائل الالهية الثلاث. وانتهى بتحذير يربط المقطع الثاني بالمقطع الأول: اليوم يقترب. وهذا اليوم هو يوم الدينونة الذي ينتظر المعاندين.
أولاً: لنا كاهن عظيم (آ 19 - 21)
يتحدّث الكاتب إلى اليهود، فينطلق في حديثه من العهد القديم: السماء قدس الأقداس والمسيح حبرنا. الاحتفال بيوم التكفير، المرور خلال الحجاب. ما يطلبه الانسان هو الوصول إلى الله. وحده يسوع يعرف الطريق وهو يسير أمامنا كالسابق والقائد. نقرأ هنا كلمة ((إخوة)) (أدلفوي) التي تشدّد على جماعة تلاميذ المسيح، والتي ظهرت للمرة الأخيرة في 3: 1 ،12. فان ((أون)) (اذن، من ثم) تربط هذا التحريض الاخلاقيّ بالبرهان العقائديّ (7: 1 - 10: 18)، كما تربطه بالارشاد الذي قرأناه في 3: 1 - 4: 16. فقد توخّى الكاتب أن يعلّم قراءه، كما توخّى أن يحثّهم على عيش إيمانهم. أما ثقتهم فتستند إلى ثلاثة أمور: فُتح المعبد السماوي. الطريق إليه آمنة. إلى هناك سبقنا المسيح الكاهن والضحيّة. وسيُقال أيضًا في آ 35: جزاء عظيم يتنظرنا. لهذا، كانت ثقة المسيحيين (وجرأتهم) مفعمة بالفرح.
نقرأ هنا ((باريسيا)) التي تدلّ على جرأة لا تردّد فيها، وحريّة لا يعيقها عائق. في العهد القديم، كان الحبر وحده يدخل قدس الاقداس، مرّة في السنة. أما الآن، فجميع المؤمنين يقدرون أن يدخلوا المعبد السماوي، ويكونوا في حضرة الله. ((ايسودوس)) يعني العبور والدخول. دم يسوع (إذن، تشديد على بشريّته) هو الذي نال لنا هذا الامتياز. وفيه (ان) نجعل ثقتنا. لقد فُتحت السماء (ايس). هنا نورد كلام الذهبيّ الفم: ((هكذا يستطيع بولس أن يكلّمنا حين يدلنا على الاختلاف في الحبر، في الذبيحة، في المعبد، في الوصيّة، في المواعد. اختلاف عظيم. فعند اليهود، كل هذا زمني وعندنا أبديّ. كل هذا يُمحى ويسقط هناك. وهنا، كل شيء دائم. من جهة، الضعف. ومن جهة أخرى، الكمال. والظلال والصور تجاه الحقيقة التي لا تتبدّل)).
وتتحدّث آ 20 عن الطريق التي تقود إلى السماء، التي هي المسيح (يو 14: 6). هو السابق (6: 20، برودروموس). فتح الطريق (9: 12). وأخصّاؤه (هامين، نحن) يسيرون فيها. ((إنكاينيزو)) (في صيغة الاحتمال)، شقّ، تأخذ معنى ليتورجيًا (9: 18) في ارتباطها بالاقداس (هاغيا). هي طريق مقدسة، تقود إلى السماء. حتّى مجيء المسيح كانت مقفلة، والدخول إلى المعبد السماوي غير ممكن. لهذا، سُمّيت الطريق ((جديدة)). هي جديدة، وتبقى جديدة، لأن لا شيء يشيخ في العهد الجديد (8: 13). ((بروسفاتوس)) (مراحدة في العهد الجديد). في الاصل (بروس فونوس): قُتل منذ فترة قصيرة. أما المعنى العام فهو: ما دخل قريبًا في الاستعمال (عد 6: 3؛ جا 1: 9)، أو الانسان الذي يشيخ. يرادف ((كاينوس)) (تث 32: 17) ويعارض ((ارخايوس)) (سي 9: 10) و ((بلايوس)).
الطريق الحية قد تدلّ على الايمان أو حياة النعمة. ولكن بالعودة إلى 7: 25 (حي ليشفع بهم)، والتعارض مع موت الضحايا في العهد القديم، هي تدلّ على المسيح نفسه الذي هو طريقنا (ديا) إلى الآب. صارت الطريق شخصًا حيًا (يو 14: 6) تقود إلى الحياة (إر 21: 8 ،طريق الحياة)، فتحمل الذين يدخلون فيها. هناك من اعتبر الحجاب بابًا (به ندخل)، بينما هو حاجز يمنع الدخول (6: 19؛ 9: 3). والجديد الذي عمله يسوع هو أنه حطّم هذا الحاجز، ليلة آلامه (مت 27: 5). أما ((ساركس)) (الذي ارتبط بالطريق، هودوس) فيدلّ على الطبيعة البشريّة التي اتّخذها يسوع ليصير شبيهًا بنا (2: 14). هكذا نكون أمام المسيح الكاهن (آ 21)، أي الابن المتجسد والطريق الحية، الذي يدخلنا بذبيحته إلى المعبد السماوي، منذ صعوده. وحده استطاع إزالة العائق، وبه وصلنا إلى الآب (يو 14: 6).
ومع الدخول إلى السماء، لنا شفيع مسموع لدى الله (آ 21). رج 3: 1 - 6؛ 4: 14. هنا نعود إلى العهد القديم مع عد 12: 7 (موسى في شعب العهد)؛ زك 6: 11 حيث ((بيت الله)) هو المعبد السماويّ (رج 1تم 3: 15). قرأنا هنا ((هياروس ماغاس)) (كاهن عظيم) كما في 4: 14 (رج لا 21: 10؛ عد 35: 28؛ تي 2: 13) التي تدلّ على نشاط هذا الوسيط الذي هو كاهن وملك. لا، ليس المسيحيون وحدهم في هذه المسيرة، فلهم كل غنى بيت الله.
ثانيًا: نتجاوب معه (آ 22 - 24)
بما أن لنا هذه التطمينات المميّزة والمجانيّة، يبقى علينا أن نكون منطقيّين مع أنفسنا، فنتجاوب مع عطايا الله، ونسير في الطريق المفتوحة أمامنا، فنقترب من الله (بروسارخوماي، رج 4: 16). فما كان مستحيلاً على أهل الشريعة القديمة (10: 1) صار حقًا لنا، وإذا شئنا، واقعًا. غير أن هذا الدخول يفرض ثلاثة شروط باطنية. أولاً: الصدق والأمانة. ((القلب)) (كارديا) يدلّ على العواطف الحميمة، وعلى الإرادة العميقة. ((أليتينوس)) في السبعينية تقابل ((ي ش ر)) (مستقيم) أو ((ا م ت؛ ا م و ن ه)) (الجذر ا م ن: ما هو ثابت، متين). إذن، نحن أمام نيّة مستقيمة وعزم ثابت في البحث عن الله والتكرّس له (أش 38: 3). ذاك هو التحريض الجوهري لمسيحيين يمرّون في المحنة: ضجروا وصاروا قريبين من اليأس. ثانيًا: الايمان (بستيس). ((لا شيء عندنا منظور، لا الكاهن ولا الذبيحة ولا المذبح)) (الذهبي الفم). ايمان لا تردّد فيه ولا ارتياب، كذلك الذي يتحدّث عنه ف 11 (بليروفوريا، رج 6: 11؛ روم 4: 19 - 21): يقين مطلق وناشط، لأنه يستند إلى الله ومواعيده (4: 1 - 11). ثالثًا: نقاوة باطنية لم تستطع الشريعة القديمة تأمينها. أما المسيحيون فحصلوا عليها بالمعموديّة التي تدلّ عليها عبارتان متوازيتان: فالماء الطاهر ليس فقط ماء نقيًا، بل ماء مقدسًا (هيدور كاتارون = م ي م. ق د ش ي م، عد 5: 17 = م ي م. ط هـ و ر ي م، خر 36: 25). إن المعمودية المسيحية هي غسل ماء (أف 5: 26؛ 1بط 3: 21) يغسل نجاسات الجسد (لووو، يو 13: 10؛ أع 9: 37؛ 16: 33؛ رج تي 3: 5) ولطخات الضمير (6: 1؛ 9: 14؛ 10: 2). نقرأ ((سينايديسيس))، الضمير، النية. موقف من يوافق حياته مع مواعيد الله ومتطلّباته. هي ترتبط مع ((بستيس)) (الايمان)، و ((هومولوغيا)) (اعتراف، آ 32).
((رانتيزو)) يعني نضح، رشّ (9: 13، 19، 21)، طهّر (مز 51: 9). في الاصل، هناك الطقس اللاوي مع رشّ البشر بدم الذبائح (خر 24: 8؛ 29: 21). وهذا ما يفعله الماء في العماد، الذي يفعل فعل كلمة الله (4: 12). إن هذا التطهير الكامل والمستمدّ من الخطايا، هو ما يدعونا إلى الثقة. ((فإن نقصت هذه الاستعدادات، لا نستطيع أن نتقبّل ملء الأشياء المقدسة... لا يدخلُ انسان عاديّ إلى هنا. تطهّر اسرائيل في جسده، ونحن في ضميرنا)) (الذهبيّ الفم).
حين يتقبّل المسيحيون العماد، يعلنون اعتراف إيمانهم بشكل احتفاليّ (هومولوغيا، 4: 14؛ 1تم 6: 12). وجوهر هذا الاعتراف: الحياة الأبديّة. إذن، نحن أمام اعتراف رجاء (11: 1). ونحن نتمسّك به بشكل خاص (كاتاخو، 3: 6، 14) في وقت الاضطهاد. فالمحن لا تقدر أن تؤثّر في ثقة تستند حصرًا إلى الله وإلى أمانته (1تس 5: 24؛ 1كور 1: 9؛ 10: 13). إن الرب يُتمّ دومًا ما يعد به (6: 13؛ 11: 11؛ 12: 26). واليهود الذين اهتدوا إلى العهد الجديد، يختلفون عن جيل البريّة المتحسّر دومًا إلى عبوديّة مصر، يتمسّكون بكل قلبهم بالتزامهم الجديد. ((أكلينيس)) (مراحدة بيبليّة): لا يميل، مستقيم، ثابت، متين، لا يتحرّك. رج ((بابايا)) (6: 19). ذاك هو موقف الانسان الذي وُلد ولادة جديدة.
بعد الايمان (آ 22أ) والرجاء (آ 23)، ها هي المحبّة (آ 24). كما كانت آ 23 صدى 4: 14، أشارت آ 24 إلى 6: 10 (رج 3: 12 - 13). فالتلميح إلى العماد الذي هو عمل كنسيّ، يتيح لنا أن ننتقل من فرائض على مستوى الفرد، إلى واجبات اجتماعيّة. بما أن المعمّد ارتبط بالكنيسة، فهو لا يستطيع أن يعيش دون أن يهتمّ بالقريب وببناء الجماعة. إذن، يهتمّ باخوته. فعل ((كاتانويو)) (تنبّه) يدلّ على تفحّص وتفكير. الأعمال الصالحة (ضد الاعمال الميتة، 6: 1)، بل الأعمال الجميلة (كالا) أي الأعمال التي هي أهل للمديح لجمالها الخلقيّ. ((باروكسيسموس))، لفظة طبيّة تدلّ على أرفع درجة في الحمّى. تستعمل في التوراة في معنى الغضب (ق ص ف، تث 29: 28؛ إر 32: 37؛ أع 15: 39). تعني هنا: الحافز، المحرّك. نحن أمام مزاحمة لممارسة المحبّة على مستوى العون الماديّ (12: 15) أو الإصلاح الأخويّ (رج كاتانويو).
ثالثًا: لا نهجر الاجتماع (آ 25)
إن فريضة حضور اجتماع الجماعة (حيث المسيح حاضر، مت 18: 20) بشكل مستمرّ، يُعبَّر عنها في اسمَي فاعل يردان في صيغة النفي (لا تهجروا، غير هاجرين) وصيغة الايجاب (حرّضوا، محرضين). اعتاد (كاتوس إتوس، رج أع 25: 16) بعض المسيحيين أن يعفوا نفوسهم من المشاركة اليوميّة (أع 2: 46) أو الاسبوعيّة (أع 20: 7) في اجتماعات الكنيسة، عن إهمال، بل عن سابق قصد (إنكاتالايبو، ترك، هجر، مضى). هم لا يفهمون معنى الليتورجيا أو الصلاة المشتركة، أو يعيشون أنانيّتهم، فلا يحملون العون إلى الجماعة. فرض المعلّمون على اليهود الحضور إلى المجمع، وهكذا فعلت عب، لأن هذه الاجتماعات تحمل التشجيع (باراكالونتس) والمساندة الاخويّة في زمن الاضطهاد. في هذا المعنى قال الذهبي الفم: ((الجماعة المسيحيّة تنمي المحبة... كما الحديد يشحذ الحديد، كذلك التقارب ينمي المحبّة. وإن الحجر الذي يضرب حجرًا يخرج شرارة، فكم بالأحرى النفس التي تذوب في النفس)). في هذه الاجتماعات اعتاد المؤمنون أن يحثّوا بعضهم بعضًا، وأن يتساندوا بالنصائح الأخويّة (3: 13؛ روم 12: 8؛ 1كور 14: 3).
وما يدفع المؤمنين إلى الحرارة في الاقتراب من الله، إلى اعتراف الرجاء... هو أن مجيء الرب قريب (آ 37، نقرأ هنا ((هيمارا))، اليوم، رج أش 5: 4؛ 1كور 3: 13). أجل، صار المؤمنون في نهاية المطاف، وهم لن ينتظروا طويلاً (2تم 4: 1). هنا ينتقل النصّ من اسم الفاعل إلى الحاضر، ليُبرز النداء الموجّه إلى الجماعة. ((انغيزو)) (اقترب) لفظة خاصة للحديث عن عودة الرب (روم 13: 12؛ فل 4: 5؛ يع 5: 8؛ 1بط 4: 7). ((بلابو)) (رأى) يدلّ على معرفة أكيدة تستند إلى الخبرة (3: 19؛ روم 7: 23؛ 1كور 10: 18).

ب - عقاب ينتظر الخطأة (10: 26 - 31)
جاء إعلان يربط العقاب بالخطيئة، ثم مقابلة بين ناموس موسى والعهد الجديد. وأخيرًا أعلنت الدينونةُ المريعة: ماذا يكون مصير من استهان بنعمة الله وعامل إبن الله وعهده معاملة مبتذلة؟
أولاً: الخطيئة والعقاب (آ 26 - 27)
أعلنت آ 26 في ألفاظ مأخوذة من العهد القديم موضوعًا سوف تتوسّع فيه عب في ف 11: خطورة الخطايا التي نقترفها بملء اختيارنا (عمدًا، لا سهوًا أو جهلاً). إن الطابع الاراديّ والواعي كل الوعي، يعطي الذنب خطورة خاصة. لهذا، جاءت ((إكوسيوس)) (2مك 14: 3؛ 1بط 5: 2) في بداية الجملة. يقابل في العبرية: ونحن رافعون ايدينا. رج ((ب ز د و ن)) بوقاحة (تث 17: 12؛ 18: 22). نحن هنا أمام خطايا التجديف والتمرّد على الله. مثل هذا الخاطئ في اسرائيل لا يستفيد من ذبائح عن الخطيئة كانت تقدّمها الشريعة القديمة. في آ 25 قرأنا عن هجران الاجتماع، وهنا في آ 26 عن غياب الذبيحة. ومع أن الخاطئ سقط عمدًا، فهو لا يزال يعاند ولا يريد أن يتوب. صرنا أمام حالة تدوم، لا أمام فعل اقترفه المؤمن مرّة واحدة. نقرأ ((هامرتونتون)) : اسم الفاعل. يقيمون في الخطيئة ولا يتوبون.
وأخيرًا هذه الخطايا الاراديّة هي ضد النور. ((معرفة الحق)) (ابيغنوسيس تيس أليتاياس) تدل على الاستنارة في العماد، على الاعتراف الايماني. الله هو الذي يعطي هذه المعرفة التامة (6: 4) التي يتقبّلها المؤمن (التاين ايس، يذهب إليها، 2تم 3: 7)، يأخذها (لاباين) فينال الخلاص. إن اختيار هذه العبارة العقلانيّة والاشارة إلى وقت حاسم في الماضي (رج آ 39 وثلاثة أفعال في صيغة الاحتمال) يدلاّن على طبيعة الخطيئة: أنكر المسيحيّ بشكل نهائي التزامه العمادي، وعاد عن الحقّ بملء إرادته. ذاك هو الجحود. بعد ذلك، لا تنفعه ذبيحة المسيح التكفيريّة، بعد أن قطع رباط الايمان مع المخلّص الذي جاء لكي يخلّصنا من الغضب الآتي (1تس 1: 10؛ رج يو 3: 16). فُصلت ((تيسيا)) (ذبيحة) عن ((هامرتيون)) لتبرز هذه الاخيرة مقابل ((هامرتونتون))، وهكذا بدا التوازي واضحًا. أما صيغة الجمع فتدلّ على استحالة كل غفران. نحن في خطّ معاكس لما في 8: 12؛ 9: 14، 26؛ 10: 10، 17، ولكن الجاحد يرذل العهد، وبالتالي يجعل نفسه خارج التدبير الخلاصيّ. رج آ 18 (لا تقدمة بعد عن الخطيئة). نقرأ ((أبولايبو)) الذي لا يعني في عب: ترك وراءه (تي 1: 15؛ 2تم 4: 13، 20)، بل ((احتفظ)) (4: 9؛ يهو 6). نحن هنا على المستوى اللاهوتي: لم يحتفظ الله بشيء للجاحدين. فكأننا أمام تجديف على الروح القدس.
لا سبيل غفران للجاحدين (أديناتون، 6: 4)، بل ينتظرهم أقسى عقاب (آ 27). هنا يبدأ العذاب، تبدأ جهنّم. ساعة انتظر المؤمنون الدينونة (9: 27، كريسيس) برغبة وثقة (10: 25)، على الخطأة أن ينتظروها (إندوخي، مراحدة بيبليّة) في الخوف والرعدة. إذا كان الحاضر كذلك، فما يكون المستقبل. اعتبر الجاحد عدوًا (هيباننتيوس، رج اختروس في 10: 13)، فصار فريسة النار (شُخِّصت النار، رج 12: 29). في السبعينية، ((زيلوس)) (ق ن ا ه) تدلّ على عمل الله وغيرته، إمّا لخلاص شعبه، وإما لمعاقبة الخطأة. يكون هذا ((الغضب)) مع ((النار)) (تث 29: 19؛ مز 79: 5؛ مز 38: 19، اشتعل الغضب) فتعبّر عن انتقام (آ 30) الله الذي يعاقب الخطأة بلا رحمة. ((نار غيرة)) (بيروس زيلوس) تقابل في العبرية: ق ن أ ت. إ ش. رج أش 26: 11؛ 66: 24؛ صف 1: 19؛ 3: 8. فالنار هي أداة انتقام الله (تث 4: 24 = عب 12: 29؛ حز 36: 5؛ مر 9: 48؛ رؤ 11: 5). هذا هو العقاب الأبديّ.
ثانيًا: ناموس موسى والعهد الجديد (آ 28 - 29)
ويأتي برهان مع ((بالحري)) (من الأقل إلى الاكثر)، أخذ من عالم القانون (في 6: 7 - 8 ،أخذ البرهان من عالم الطبيعة)، فبيّن أنّ مثل هذه القساوة تفرض نفسها، وأن الكاتب لا يغالي في ما يقول. ففي شعب اسرائيل، كل دعوى تطلب شهادة شخصين أو ثلاثة (تث 19: 15 - 21). فإن ثبتت التهمة، يعاقب المذنب بلا شفقة (آ 21)، وإلاّ كان ((القاضي)) مخطئًا إلى الله. نقرأ ((اويكتيرمون)) (صيغة الجمع، روم 12: 1؛ 2كور 1: 3) التي تقابل ((ر ح م ي م)). هناك حالات يُحكم فيها بالاعدام. مثلاً، من جدّف على اسم الله (لا 24: 13 - 16)، من زنى ولا سيّما مع الأقارب أو مع الحيوان (لا 20: 11 - 17)... رج تث 13: 9 حيث يمنع المشترع كل رأفة، وتث 17: 2 - 7 الذي يتكلّم عن عبادة الأوثان التي تلي الجحود (ب ر يت و. ل ع ب ر). لهذا استعملت عب: أتاتيو: تجاوز شريعة أو عهدًا (مع نوموس في أش 24: 7. مع وصيّة، انتولي، في مر 7: 9. مع ((دياتكي)) عهد، في غل 3: 15). وهكذا يعني الفعل رفض (مر 6: 28)، رذل (لو 10: 16؛ يو 12: 48)، ثار (2مل 18: 7). يتصرّف الانسان بمكر، يخون (خر 21: 8؛ إر 3: 20). نحن أمام معاندين، متمرّدين (آ 27) لا يقيمون أي اعتبار للشريعة (لو 7: 30)، بل يحسبونها باطلة أو رديئة (اتاتيسيس، 7: 18؛ 9: 26، مبتذل في آ 29). بعد أن تعلّقوا بالعهد، رذلوه، تركوه جانبًا وكأنه ما كان (غل 2: 21؛ 1تم 5: 12).
ويكون العقاب مناسبًا للخطيئة (آ 29). عقاب مسيحيّ في العهد الجديد أقسى من عقاب اسرائيليّ في البريّة. ((تيموريا)) (مراحدة في العهد الجديد): عقاب، قصاص، انتقام. لا ((كولاسيس)) (مت 25: 46؛ 1يو 4: 18): هناك تقابلٌ بين الذنب والمجازاة (حك 19: 13؛ 2مك 6: 12، 26) يبدو مقبولاً لدى كل انسان (دوكايتي، ترون، تظنون، مت 17: 25؛ 18: 12). دلّ الجاحد على احتقار لابن الله. داسه (كاتاباتيو، يدلّ على الاحتقار). يقال عن التلميذ (مت 5: 13) أو التعليم الذي هو درّة تدوسها الخنازير (مت 7: 16). في الحالين، نحن أمام شيء ثمين أو شخص كريم. استعمل العهد القديم هذا الفعل قرابة خمسين مرة، ولاسيّما في المزامير وعند الانبياء: داس العهد (أش 10: 6؛ 18: 7...)، ضيّق عليه (عا 4: 1؛ 5: 12).
وعى الجاحد كل الوعي تصرّفه وما فيه من احتقار. ((هاغيوماي)): اعتبر، حسبَ (11: 26؛ 2كور 9: 5؛ 1تم 1: 12؛ 6: 1). اعتبر الجاحد دم المسيح الذي ختم العهد الجديد (9: 20؛ 13: 20) شيئًا مبتذلاً، عاديًا، دنيويًا، لا قدس فيه (كوينوس يقابل هاغيوس، القدوس، أو ((كاتاروس)) الطاهر، رج مر 7: 2؛ أع 10: 14؛ روم 14: 14). هذا الدم الذي اغتسل فيه المؤمن في المعموديّة (إن هو، الذي فيه قدّس، رج 10: 14، 19؛ 1كور 1: 2 ،30)، واعتبره مقدّسًا، وبه نال غفران الخطايا والدخول إلى المعبد السماوي، يحسبه الجاحد دمًا مثل دم كل انسان. قدِّس (هيغياستي). الله قدّسه، كرّسه، جعله خاصته. هكذا كان الكاهن يكرَّس بالدم في العهد القديم (خر 29: 20) فيدلّ على خضوعه لكلام الله وتتميم مشيئته. فمن احتقر هذا الدم، رفض كل انتماء إلى الربّ.
وأخيرًا، تصرّف الجاحد بوقاحة (هيبريزو، لو 18: 32؛ أع 14: 5) ضد الروح القدس الذي أناره، سقاه الماء الحي في المعموديّة (6: 4؛ تي 3: 6). هذا خطر يفوق خطر تجاوز ناموس موسى. قال تيودوريتس: ((لم يعارض شريعة (من عنده) بشريعة موسى، بل يعارضها بدم المسيح)). ((بنفما تيس خاريتوس)) (روح النعمة): الروح القدس التي به ننال النعمة. ونستطيع أيضًا أن نقول إن الجاحد يهين روح محبّة الله التي عملت ما عملت لأجله (4: 16؛ 12: 15؛ زل 12: 10، روح. ح ن). هذه الخطيئة الاراديّة ضد الروح والمحبّة هي ذروة الشرّ (هيبريس، احتقار مهين، روم 1: 30). هو لا يُغفر (مر 3: 29). كان التعارض تامًا بين ((هيبريس)) و((خاريس)). كيف عاملَنا الله بنعمته، وكيف احتقرناه بتصرّفنا.
ثالثًا: الدينونة الرهيبة (آ 30 - 31)
إن الاستشهادين الكتابيين اللذين يؤكّدان قساوة العدل الالهي، يردان في شكل بلاغي، كنداء مباشر إلى وجدان القرّاء، ليحرّكا فيهم الخوف. بما أن الله هو عادل وأمين (ثابت في أحكامه)، فالجاحد لا يقدر أن يُفلت من عقابه. جاء الاستشهاد الأول من تث 32: 35، بشكل مثل ردّده المعلمون. والثاني من تث 32: 36 (= مز 135: 14). في الأصل، نحن أمام قول عن الرحمة، والرب يدين شعبه، وعلى عبيده يشفق، مع انتقام من الاعداء. أما في عب، فالديّان الذي يتدخّل لا يعفو عن الخطأة، ويعاقب أشدّ عقاب الجاحدين (رج آ 17، لن يذكر الرب الخطايا).
وترد دهشة مفاجئة (آ 31) لا ترتبط بما سبقها: هي صرخة الخوف والرعب. إذا كانت النظرة إلى دينونة الله، تثير كل هذا الهلع (فوبارا، الهول، آ 27)، فلأن الوقوع في يدي الله مرعب (فوبارون). الله الحيّ (زونتوس)، رج 3: 12. هذا ما يدلّ على قدرة الله التي تفعل بسرعة فتعاقب. ويدلّ على أن الله يرى ويسمع (وإن ظلّ صامتًا)، وليس كآلهة الخشب والحجر. إن يد الله تمسك الخاطئ كما يمسك الجلاّد من حُكم عليه بالموت. ونحن هنا أمام موت الجسد (الموت الاول) وموت الروح (الموت الثاني)، أي عقاب جهنّم (مت 10: 28؛ لو 12: 5).

2 - قراءة إجمالية
((ومن ثم، أيها الاخوة، فبما أن لنا بدم يسوع، ثقة بالدخول إلى المعبد (قدس الأقداس) من هذه الطريق الجديدة الحيّة، التي شقّها لنا خلال الحجاب، أعني جسده (بشريّته)، وكاهنًا عظيمًا على بيت الله، فلندنُ بقلب صادق، وفي كمال الايمان، وقد تطهّرت قلوبنا من كل دنس ضمير شرير، ونضح الماء النقيُّ أجسادنا)) (10: 19 - 22)
إن خاتمة الاتجاه التعليميّ المركزي في عب، يرد في تحريض جدّي جدًا إلى القرّاء، كي يضعوا موضع العمل في حياتهم اليوميّة، الحقائق التي عُرضت عليهم. وهذا التشديد على علاقة بين اللاهوت والعمل، يميّز الاسلوب الرسائليّ في العهد الجديد. فالتعليم ليس فقط نظريات. يجب أن نطبّقه. يُعلَن الايمان ويُعاش أيضًا. والحقيقة تتجسّد في العمل.
بدأ الكاتب فتوجّه إلى قرّائه. سمّاهم ((الاخوة)). نحن في جوّ احتفاليّ. وهو يطلب منهم أن يبرهنوا عن إيمانهم بأعمالهم. هو لا يحكم عليهم، بل يعتبرهم اخوته ويثق كل الثقة بعمل الله فيهم (رج 3: 1، الاخوة القديسين؛ 3: 12، الاخوة؛ 6: 9 ، الاحبّاء). هذا يعني أن هذه الرسالة (أو هذه العظة) هي أبعد ما تكون عن عرض تعليميّ مجرّد. ثم إن الكاتب يجعل نفسه مع القرّاء، فيستعمل صيغة المتكلّم الجمع (لنا بدم يسوع، إن خطئنا...).
امتلاك الثقة بالدخول إلى المعبد الذي فيه يظهر المسيح في حضرة الله من أجلنا (6: 19 - 17؛ 8: 1 - 9؛ 9: 11 ،12، 24)، هو النتيجة المنطقيّة لتعليم حول خدمة المسيح الكهنوتيّة ومدلولها. وما يعطينا هذه الثقة هو دم المسيح، أي تقدمته كالابن المتجسّد وموته التكفيريّ. ذكر التائب اسم يسوع فدلّ على بشريّته وبالتالي على عمله البدليّ حين افتدى الجنس البشريّ. والجرأة على الدخول إلى حضرة الله التي يكفلها الانجيل، تتعارض مع خوف الكهنة من دخول قدس الأقداس، بل عظيم الكهنة الذي لا يدخله سوى مرّة في السنة. رج 4: 16 حيث تستند الثقة إلى عمل المصالحة الذي قام به حبرنا فمنحنا الرحمة والنعمة والغوث. قال بولس: ((لنا فيه الجرأة، بالايمان به، على الدنوّ من الله في ثقة)) (أف 3: 12).
لسنا أمام معبد أرضيّ (هو ظلّ السماوي، عب 8: 5؛ 10: 1). ولسنا أمام طريق قديمة (مع ذبْح تيوس وعجول). هي طريق جديدة وحيّة فتحها يسوع حين قدّم نفسه. هي جديدة لأنها تنفصل عن القديمة، فتدشّن مساحة العهد الجديد. ما من أحد سار فيها قبل يسوع. وهي جديدة، لأنها تختلف عن القديمة، التي هي ناقصة، وقد شاخت وبليت (8: 13). وهي حيّة، لأنها طريق الحياة الابديّة. هي ليست جامدة، ليست طقسًا ميتًا. هي شخص حيّ، فادينا يسوع المسيح (7: 16، 24، 25، 28)، الابن المتجسّد الذي صُلب ومجّد فصار الحياة والطريق (يو 14: 6). وهكذا استطعنا أن ندخل فيه (هو المعبد السماوي)، وبواسطته، بعد أن اتّحدنا به. لا، لم يعد المسيحيون غرباء ونزلاء في هذا العالم. هم قريبون من الله، ولن يسألوا مثل توما عن الطريق. فالمسيح مرّ أمامهم (سابقهم) وفتح لهم الطريق. دشّن الطريق الجديدة التي يمكننا أن نسير فيها. كان الحجاب حاجزًا، فأزاله. وها قد صار جسده الهيكل الجديد ومركز حضور الله على الأرض (يو 2: 21).
والثقة لنا بأن نقترب من عرش النعمة، تتقوّى باعتبار يقول لنا إن لنا عظيم كهنة على بيت الله، وهو الفادي الذي فتح لنا الطريق. هو القيّم على البيت، وهو يسمح لنا بالدخول لنكون في حضرة الله. مثل هذه الحقيقة تؤسِّس هذا الارشاد الذي قيل في 4: 16 وأعيد هنا ليدعونا إلى الاقتراب (1) بقلب صادق أي بتكريس ذاتنا. (2) بثقة الايمان ومتانته وكماله. (3) بقلوب تطهّرت من كل غشّ. (4) بأجساد غُسلت بماء طاهر. وحده القلب الذي تطهّر يمكن أن يكون قلبًا صادقًا، ويعرف ثقة الايمان. مثل هذا القلب يخصّ الانسان الذي اغتسل بماء طاهر. في العهد القديم، اقترب الناس من حبرهم، ونحن بواسطة حبرنا الوحيد نقترب إلى معبد الحضور الالهي. هم اغتسلوا بالماء ورشاش الدم (خر 29: 4 ،21)، كذلك يُفرض الغسل على الذين ينتمون إلى الكهنوت المقدس كما قال بطرس: ((كونوا كهنوتًا وقدّموا ذبائح روحيّة يقبلها الله بيسوع المسيح)) (1بط 2: 5).
حين تحدّث الكاتب عن أجسادنا التي اغتسلت بماء طاهر، فكّر بوعد حز 36: 25 الذي يقول: ((أرشّ عليكم ماء طاهرًا، فأطهّركم من جميع أصنامكم وما به تنجّستم)). لسنا فقط أمام تطهير خارجيّ، لهذا يتابع النبي فيقول: ((أعطيكم قلبًا جديدًا وأجعل في أحشائكم روحًا جديدًا، وأنزع من لحمكم قلب الحجر وأعطيكم قلبًا من لحم. وأجعل روحي في أحشائكم، وأجعلكم تسلكون في فرائضي وتحفظون أحكامي وتعملون بها)) (آ 26 - 27). وقال بولس في المعنى عينه: ((خلّصنا الله بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس الذي سكبه فينا بواسطة يسوع المسيح مخلّصنا)) (تي 3: 5 - 6). وقال في أف 5: 26 إن المسيح طهّر الكنيسة ((بغسل الماء مع الكلمة)) (هذه هي المعمودية).
((ولنتمسّك باعتراف الرجاء على غير انحراف، لأن الذي وعد أمين. ولينتبه بعضنا لبعض تحريضًا على المحبّة والأعمال الحسنة (الجميلة، الصالحة). لا تهجروا اجتماعكم الخاص، كما هو من عادة البعض، بل حرّضوا بعضكم بعضًا، وبالغوا في ذلك بقدر ما ترون اليوم يقترب)) (10: 23 - 25)
إن نداء الكاتب لأن نتمسّك بالاعتراف هو تكرار لنداء 4: 14 (نثبت على الاعتراف) الذي هو صدى لتنبيه قرأناه في 3: 6 (نحن بيته إن أقمنا على الثقة) و3: 4 (نشارك المسيح إن ثبتنا على الايمان). والآن، أضافت عب: على غير انحراف، بلا تراخ ولا تخاذل. أما الاعتراف فهو اعتراف الرجاء المرتبط بالايمان. فقد رغب القارئ أن يرى قرّاءه يحفظون كمال رجائهم، حتى المنتهى (6: 11)، ويعون العون الذي وجدوه في وعد الله. يتمسّكون تمسّكًا وثيقًا بالرجاء الذي وُضع أمامهم (6: 18). فهذا الرجاء هو مرساة أمينة، راسخة (آ 19). فالعهد الجديد (الذي يتفوّق على القديم) مع كاهنه الفريد وذبيحته الكاملة، هو أساس رجاء أفضل (7: 19، 22).
هناك اعتبار هام بأن المواعيد التي بها آمنا، والتي هي أساس رجائنا، هي مواعيد الله التي تطلب جواب الايمان الواثق واعتراف الرجاء الذي لا يحيد. فلو كانت هذه المواعيد مواعيد بشرية، فهي ليست بأكيدة، ولن تتمّ. وهكذا يسقط الايمان والرجاء. أما وهي مواعيد الله، فهي تُعلن بشكل مطلق، وما تعد به يدوم على الأمانة إلى الأبد. وهذا ما يؤمّن الأساس المنطقيّ الوحيد لاعتراف الرجاء لدى المسيحيين. الله الحي وعد، ولهذا السبب تكلّم بطرس عن رجاء حيّ وُلدنا له من جديد (برحمة الله العظيمة) عبر قيامة المسيح من بين الأموات (1بط 1: 3). فالانحراف عن اعتراف الايمان هذا، يدلّ على تراجع في ثقتنا بالله وعلى نظرتنا إلى أمانته.
في آ 24، نصل إلى النداء الثالث في الإرشاد: ندنو، نتمسّك، ننتبه. نحن أمام نداء إلى المحبة، نمارسها مع الاخوة، ونمارسها داخل الجماعة بحيث لا تتفكّك ساعة يسير كل واحد في طريقه. ارتبط النداء الأول (آ22) بالايمان، والثاني (آ 23) بالرجاء، والثالث (آ 24) بالمحبّة (رج 1كور 13: 13). قبل ذلك، حثّ الكاتب قرّاءه أن ينتبهوا إلى يسوع رسول وحبر اعترافنا (3: 1). وها هو يلحّ عليهم الآن لكي يتنبّهوا إلى إخوتهم في الايمان ويحثّوهم على محبّة اخوتهم وعلى الأعمال الحسنة. هذا يعني ضعفًا في العلاقات بين المسيحيين، ناتجًا عن ضعف في محبّة توحّد أعضاء الجماعة وعن أعمال رحمة تكون تعبيرًا عن هذه المحبّة. عدم الاهتمام بصحّة الجسد الذي هم أعضاؤه، يدلّ على أنانيّة وانغلاق على الذات وانعزال. فالذي لا يحبّ اخوته المسيحيين من كل قلبه (1بط 1: 22)، لا يحسّ بالحاجة لأن يكون معهم. وهكذا تكون صحّة اعتراف إيمانهم موضوع شك. فصدقُ محبتنا للاخوة دليل على صدق محبتنا لله.
ويظهر ضعف المحبّة في تصرّف فردي، ولا سيّما حين يهمل المؤمن اجتماع الجماعة. فمن لا يهتمّ بإخوته المسيحيين، لا يهتمّ بالمسيح، وهذا ما يقود إلى اللاإيمان والجحود. يجب أن نبرهن عن واقع المحبّة المسيحيّة في علاقة شخصيّة ومتبادلة داخل الجماعة. فإن كانت المحبّة تنعش الجماعة، فالجماعة أيضًا تنعش المحبّة: فحين تلتئم الكنيسة، يشجّع الأعضاء بعضهم بعضًا، يحضّون بعضهم على الأعمال الحسنة وعلى مجابهة الصعوبات.
وينبّه الكاتب قرّاءه إلى هذا التشجيع المتبادل لأن ((اليوم يقترب)). اليوم هو اليوم الاخير، يوم النهاية، يوم الدينونة والتعرّف إلى الله، يوم الربّ. هناك من رأى أن الكاتب انطلق من سقوط أورشليم سنة 70 ب.م. ليتحدّث عن هذا اليوم. ربما. ولكن يبقى أن عب هي في إطار عام: يوم عودة المسيح في الزمن الحاضر ليقيم ملكوته الذي لا ينتهي، أي الأرض الجديدة والسماوات الجديدة.
((لأنّا إن خطئنا عن اختيار بعد إذ نلنا معرفة الحقّ، فليس بعدُ ذبيحة عن الخطايا. بل هناك ما يُنتظر من هول الدينونة وغضب نار سوف تلتهم المعاندين)) (10: 26 - 27)
إن خطر الجحود الحقيقيّ ونتائجه المريعة، التي سبق الكاتب ونبّه لها (2: 1ي؛ 3: 12؛ 4: 1ي؛ 6: 4ي)، هو موضوع تحذير جديد ومتشدّد. فالذين سقطوا في حالة لا دواء لها، فأنكروا إيمانهم، هم أعضاء الجماعة المسيحية الذين أخطأوا عمدًا (اختلفوا عن الجهّال والضالين، 5: 2)، فكان عنادُهم جذريًا تجاه الانجيل. انقطعوا عن العهد، فما عادت الذبيحة تفيدهم من أجل غفران خطاياهم. يسمّيهم سفر الامثال: ((التاركين طريق الاستقامة ليسلكوا طريق الظلام، الفرحين بارتكاب المساوئ والمبتهجين بأكاذيب الشرّ)) (2: 13 - 14). لقد تخلّوا عن اعتراف الايمان، وعن القداسة التي لا تنفصل عن هذا الاعتراف. مثل هذا الخاطئ يبتعد عن هدف يعرف أنه الحقّ، ويتمرّد على العهد الذي به خُتم. يخطأ ضد النور (6: 4) فيدلّ على أنه يفضّل الظلمة على النور (يو 3: 19). يرفض الخلاص ويختار الدينونة (تث 30: 15 - 20). مثل هذا الانسان الذي تخلّى عن العهد، لا تبقى له ذبيحة عن الخطايا. فماذا يبقى له إذن؟
بعد أن جحد ايمانه، وقطع نفسه من نعمة الله، لا يبقى له سوى الدينونة التي اختارها بما فيها من هول، لا الخلاص. صار عدوّ صليب المسيح، وكانت آخرته الهلاك (فل 3: 18 - 19). واستباقًا لهذه النهاية، يكون له الخوف والرعدة كما سيقول الكاتب في آ 13: ((فيا لهول الوقوع في يدي الله الحي))! أما هنا فتصوَّر الدينونةُ على أنها ((غضب نار تلتهم المعاندين)). هذا ما تقوله روم 1: 18 عن ((غضب الله الذي أعلن من السماء على كفر البشر وشرّهم. فهم يحجبون الحقّ بمفاسدهم)). وستقول عب 12: 29: ((إلهنا نار آكلة)). أما الجحود الذي يتكلّم عنه الكاتب فهو في الدرجة الأولى عودة إلى اليهوديّة. فماذا ينتفع مثل هذا المسيحي بعد، من ذبائح لم تنفع اليهود أنفسهم لأنها كانت ناقصة؟
((فلئن كان من يتعدّى ناموس موسى يُقتل بلا رأفة، على شهادة اثنين أو ثلاثة، فكم ترون يستوجب عقابًا أشدّ من يطأ ابن الله ويعدّ مبتذلاً دمّ العهد الذي قُدِّس به، ويهين روح النعمة)) (10: 28 - 29)
إن الجحود يعاقب عقابًا قاسيًا، في النظام الموسوي، وبدون رأفة. يكفي لذلك شاهدان أو ثلاثة (تث 17: 2 - 7). عندئذ يُحكم بالموت على عابد الأوثان، على المتعدّي على شريعة العهد. تقول تث 13: 8 مشدّدةً على ما يصيب ذاك الانسان: ((فلا تلتفت إليه، ولا تسمع له، ولا يتوجّع قلبك عليه، ولا تتحمّله، ولا تستر عليه، بل اقتله قتلاً)). ويأتي البرهان من الأقل إلى الاكثر، وشعب العهد القديم نال المواعيد ولم ينل تتمّة المواعيد. أما أعضاء جماعة العهد الجديد فنالوا المواعيد وتتمتها في المسيح، فما عادت لهم فقط امتيازات عظيمة بل مسؤوليّة أعظم. اذن، إن كان هكذا يعاقب أبناء شريعة موسى، فكيف يعاقب المسيحيون؟
وما الذي فعله هؤلاء المسيحيون المعاندون؟ (1) داسوا ابن الله، أي عاملوه باحتقار حين اعتبروه انسانًا فقط وأنكروا لاهوته. رذلوا يسوع كالابن الذي فيه تكلّم الله، وافتدى الجنس البشري، الذي به خُلق الكون، وبقوّة كلمته يُحفظ العالم في الوجود (1: 1 - 3). كما أنكروا تفوّق الابن على الملائكة مع أن الله قال له: انت ابني (1: 4 - 13). وأنكروا تفوّقه على موسى الذي هو خادم في البيت، أما يسوع فالابن (3: 5 - 6). تركوا الاعتراف بيسوع ابن الله وعظيم كهنتنا، الذي يتفوّق تفوّقًا لا محدودًا على هارون، الذي مرّ عبر السماوات وبه نقترب بثقة إلى عرش النعمة (4: 14 - 16). رفضوا بازدراء ذاك الذي هو وحده ابن الله الأزليّ، الذي تجسّد وصُلب وقام وتمجّد، الذي هو أعظم من ابراهيم ومن سائر الآباء، بعد أن صار كاملاً إلى الأبد (7: 4ي، 26 - 28). (2) دنّسوا دم العهد الذي به قدّس. في نقطة أولى، كان الموضوع شخص المسيح الالهي (إله من إله). وهنا، عمل الفداء الذي أتمّه كالابن المتجسّد. فدم المسيح في عب، يدلّ على موته الذبائحيّ على الصليب حيث قدّم نفسه ذبيحة تكفيرية عنا. هو دم العهد، لأن ذبيحة الابن اتمّت مواعيد العهد الجديد التي أنبأ بها الأنبياء. في 13: 20 يتكلّم الكاتب عن ((دم العهد الأبديّ)). بهذا الدم المراق يقدّس المؤمن، أي تزول نجاسته ويُصبح مقبولاً لدى الله. يتطهّر ضميره من الأعمال الميتة ويُدعى إلى خدمة الإله الحيّ (1: 3؛ 9: 14؛ 10: 14). فكأس الشركة التي نشربها حين نتذكّر فادينا، هي دم العهد الجديد في دمه (1كور 11: 25). أسبوعًا بعد اسبوع، اعتاد المؤمن أن يشارك في سرّ جسد المسيح ودمه لغفران الخطايا. ولكن ايمانه كان مصطنعًا ولم يكن حقيقيًا، فابتعد عن جماعة المؤمنين، وما جعل ثقته في دم يسوع من أجل الغفران، بل نجّس هذا الدم، حسبه كلا شيء، حسبه دمًا عاديًا، مبتذلاً. هذا الدم الذي كان باستطاعته أن يُدخل المؤمن إلى قداسة الله، يُحسب الآن نجسًا، لا مقدسًا. وهكذا يتعارض هذا الانسان مع ما أعلنه من إيمان حين استنار وذاق الموهبة الالهية (6: 4). (3) أهان روح النعمة. فتمرّدُه على الانجيل هو إهانة للروح القدس الذي جعل في قلب الانسان نعمة الله العاملة في يسوع المسيح. فمعارضو يسوع، خلال حياته على الأرض، نسبوا أعماله وما فيها من نعمة، إلى روح الشر، لا إلى روح الله، وهكذا أنكروا عمل الروح القدس واعتبروه عملاً شيطانيًا، لا عملاً إلهيًا. مثل هذا التشويه للانجيل وما فيه من إهانة، وتحويل حقيقة الله إلى كذب وما فيه من لاإيمان (روم 1: 5)، ورفض النعمة والنور وتفضيل الكفر والظلمة عمدًا، تلك هي الخطيئة التي لا تقود إلا إلى الموت والتي لا مغفرة لها (1يو 5: 16)، ذاك هو التجديف على الروح القدس (مر 3: 22 - 30).
ربط الذهبيّ الفم وغيره عبارة ((داس ابن الله)) بتقبّل الافخارستيا بشكل لا يليق. لا شكّ في أن بولس كتب أن ((من أكل خبز الرب وشرب كأسه وما كان أهلاً لهما خطئ إلى جسد الرب ودمه)) (1كور 11: 27). وقال: ((أكلَ وشرب دينونة لنفسه)) (آ 29). ولكن يبدو أيضًا أنه إن بحثنا عن مدلول الجماعة المسيحية في آ 29، نقول إننا أمام انسان أنكر عماده الذي فيه لبس المسيح (غل 3: 27)، واعترف بموته ودفنه وقيامته (روم 6: 3 - 5؛ كو 2: 12). وهكذا يكون هذا الشخص استهان بكلمة الله، استهان بالمعموديّة التي جعلته ابنًا مع الابن ووارثًا الخيرات الآتية. استهان بالافخارستيا التي تضمّ الجماعة في جسد واحد على مثال جسد الرب الذي هو نتيجة حبّات عديدة توحّدت لتدلّ على الكنيسة.
((فإنا نعرف الذي قال: لي الانتقام. أنا أجازي. وأيضًا: إن الرب سيدين شعبه. يا لهول الوقوع في يدي الله الحي)) (10: 30 - 31)
إن التنبيه الاحتفاليّ حول خطر الجحود ونتائجه، لم يعبَّر عنه بلغة ((الحرم)) من قبل الكاتب. وهذا واضح من الطريق الثابتة التي فيها يستعمل صيغة المتكلّم الجمع (إن خطئنا، لأنا نعرف نحن) في التشجيع كما في التنبيه منذ آ 19ي: ندنو، نتمسك... إن خطئنا، نعرف. تماهى مع القرّاء فدلّ على حبّه لهم واهتمامه بهم لكي يقودهم بعيدًا عن هوّة الجحود: رفض أن يعاملهم وكأنهم من الخارج، لأنه مهما كان موقعهم خطرًا، إلاّ أنهم لم يتركوا شركة النعمة التي يجدونها في إطار عمل العهد الجديد. لهذه فنداؤه إليهم كما إلى الذين معه يعرف أن الله لا يمنح فقط النعمة بل يعاقب على المعصية. ومهما حاول أن يعذر عدم نضوجهم، فهم لا يستطيعون أن يدافعوا عن جهلهم له. فإن أداروا ظهرهم له، يواجههم انتظار دينونة مرعبة (آ 27)، لأن هذا الاله الذي عرفوه هو الذي قال: ((لي الانتقام، أنا أجازي)). وقال: ((الرب سيدين شعبه)). فهذا الاله الذي اعترفوا به على أنه إله النعمة والرحمة، هو أيضًا إله القداسة والعدالة: الأمانة لعهده تقود إلى البركة، والعصيان يعني المجازاة والعقاب.
إن الاستشهادين اللذين أوردهما الكاتب، يعودان إلى نشيد موسى الذي وجّهه إلى شعب اسرائيل، وذكّرهم باهتمام الرب بهم، وحذّرهم من نتائج نكران الجميل والجحود. أما الاول (تث 32: 35، لي الانتقام) فيطبّق على الاعداء الذين من الخارج، الذين رفضوا أن يعرفوا طريق الرب، وإلى الاعداء الذين في داخل جماعة العهد الذين ثاروا على الرب بعد أن اعترفوا به. أما الثاني (تث 32: 36) فيتحدّث عن مجازاة بشكل عقاب (مز 135: 14)، خصوصًا تجاه الذين استهانوا بالنعمة. إن انتقام الله من شعبه يعني في الوقت عينه دينونة الذين عارضوا سيادته. ذاك هو المبدأ الذي قيل فيما بعد، في نشيد موسى: ((حيّ أنا مدى الدهر. إذا صقلتُ بارق سيفي، وأخذت بيدي زمام القضاء، رددتُ الانتقام على أعدائي، وأنزلتُ العقاب بالذين يبغضونني)) (تث 32: 40 - 41). أما الدينونة فتفصل الأشرار عن الأخيار.
والنتيجة التي نستخلصها من هذه الاعتبارات: الوقوع في يدي الله الحيّ مرعب. فهو إله، وهو سيّد الخليقة وديّانها. هو لا يُشبه الاصنام والآلهة الكاذبة، التي ليست آلهة ولا كيان لها، التي لا قوة لها. أما هو فهو الله الحي. وحده الله. وهو يستطيع أن يدين الدينونة العادلة. كان كلام عن الله الحي في 3: 12: ((فاحذروا، اذن، أيها الاخوة، من أن يكون لأحد منكم قلب خبيث وغير مؤمن، فيرتدّ عن الله الحي)). يريد الانسان أن يهرب من الله، فيقع بين يدي الله الحي: ترك الله كالمخلّص، فوجد الله كالديّان. والخوف من يوم دينونة الله يصوّر بشكل مرعب في رؤيا يوحنا: ((وملوك الأرض وعظماؤها وأقوياؤها... يلجأون إلى المغاور وهم يقولون للجبال: أسقطي علينا وأخفينا عن وجه الجالس على العرش وعن غضب الحمل. جاء يوم غضبهما العظيم، فمن يقوى على الثبات)) (6: 15 - 17)؟

خاتمة
في هذا الارشاد الذي فيه ينبّه الكاتب قرّاءه، نلاحظ انتقالاً من التشجيع إلى التحذير والتهديد، ثم رجوعًا إلى التشجيع. بعد أن انتقل الكاتب من التعليم النظري حول كهنوت المسيح، وصل إلى الممارسة العمليّة، فدعا الجميع للاقتراب من هذا المسيح بعواطف الايمان والرجاء والمحبّة، وللتمسّك بما اعترفوا به في الماضي اعترافًا يفترض فيه أن يعيشوا المحبّة والتكاتف والمثابرة على الاجتماعات مهما كانت الظروف. ولكن حين رأى صاحب الرسالة ما وصل إليه بعض المؤمنين، والخمير القليل يخمّر العجينة كلها، وبعض الجاحدين يزيغون بالجماعة عن طريق المسيح، أطلق كلامًا قاسيًا: الرب يدين وتكون دينونته قاسية. يدين الجميع حتّى كاتب الرسالة. كلنا نعمنا بعطايا الله وخلاصه، ولكننا مهدّدون كلّنا بدينونته المرعبة.
فالويل لنا إن وقعنا في يدي الله الحي!
الفصل التاسع والعشرون

الإيمان ومجازاة المؤمنين
10: 32 - 39

بعد تعليم طويل قدّمه صاحب الرسالة، بدأ بإرشاد طويل سيمتدّ على أكثر من فصل في عب. في 10: 19 - 31، أشار إلى العقاب المريع الذي يصيب الجاحدين. وها هو الآن يتذكّر حياة المؤمنين السابقة، ليعودوا إلى حبّهم الاول (10: 32 - 39).
كما في 6: 9 (أقرب إلى الخلاص) جاءت كلمات التشجيع بعد كلمات التهديد. أما هدف الرسالة فدعوة القرّاء إلى الثبات. فالضجر هو الذي يتهدّدهم. تحمّسوا واعترفوا بالمسيح، إلى متى يدوم حماسهم واندفاعهم؟ من أجل هذا، ذكّرتهم الرسالة بالماضي المجيد من حياة عرفت الضيق والشدة، كما عرفت تكاتف الاخوة متطلّعين إلى الجزاء الذي ينتظرهم. في هذا يقول الذهبي الفم: ((حين يقوم طبيب عظيم بعملية عميقة ويضيف على الألم جرحًا لاذعًا، يعجّل فيخفّف عن العضو المتألّم ويمنح هذه النفس المضطربة العون والمقوّيات. ما أراد أن يقطع اللحم الحي، بل جعل على الجرح الأول الأدوية المخففة وكل ما يزيل الوجع. هكذا فعل بولس: وجب عليه أن يحرّك المؤمنين، أن يلامسهم بالتوبة فيذكّرهم بجهنم، ويؤكّد لهم أن الذي يستهين بنعمة الله يهلك هلاكًا. ولكنه ما أراد أن تصل نفسهم إلى اليأس من فرط الخوف، ولا أن يسيطر الوجع عليها، عزّاهم بمديحه وتحريضه وقدّم لهم امكانية السباق مع أنفسهم)).

1 - تفسير الآيات
في هذا الفصل الذي يتحدّث عن المؤمنين الثابتين في إيمانهم، نتوقّف عند مقطعين: سخاء الأيام السالفة (10: 32 - 35). الثبات الضروري (10: 33 - 39).
أ - سخاء الأيام السالفة (10: 32 - 35)
يأتي هذا المقطع في ثلاث: نضال سابق. وكيف تمّ هذا النضال؟ ضيق، تضامن، تعاطف، خسارة ما يملكون. وجاءت الخاتمة تدعو إلى الأمانة التي ينتظرها جزاء عظيم.
أولاً: نضال طويل (آ 32)
إن صيغة الأمر (اناميمنيسكاستي، تذكروا) تربط هذا التحريض بما في آ 20 - 24 (نقترب، نتمسَّك). يشير النصّ إلى حالة تسبق الحالة الحاضرة ولا تحدّد على مستوى الزمن، بل على المستوى الخلقيّ (بروتارون، رج 4: 6؛ 1بط 1: 14). أما الوقت، فهو ذاك الذي جاء حالاً بعد المعموديّة وحماس المعمّدين الجدد. لقد كان العماد لهؤلاء المهتدين ينبوع نور (6: 4) ومعرفة حق (10: 26) وحياة سخيّة. فالأيام الأولى في الايمان الجديد كانت أيام بطولة (فل 1: 29؛ 1تس 2: 14 - 16). لقد قاسى المسيحيون بصبر وثبات (هيبومونيو) المحن العديدة. يشدّد النصّ على ((باتيماتون)) آلام، عذابات. جاءت أحداث مؤلمة ومأساويّة فهاجمت المؤمنين، وهدّدت بكثرتها (بولين، رج آ 11؛ أع 24: 2؛ 27: 10) ومداها المؤمنين بالسقوط. اذن، تبدو المقاومة بشكل ((تليبسيس))، نضال (مراحدة بيبليّة). هي استعارة أخذت من حلبة السباق (12: 1؛ 2تم 2: 5؛ رج 2كور 4: 7 - 9). ((أنظر، لا يقول فقط: عملتم نضالاً، بل يضيف: نضالاً طويلاً. ولا يقول: تجارب، بل نضال. هي لفظة مديح وثناء عظيم)) (الذهبيّ الفم).
ثانيًا: عناصر هذا النضال (آ 33 - 34)
تميّز آ 33 بشكل واضح نوعين من المحن واجهها المؤمنون بشجاعة (توتو مان... توتو دي، مرة، أخرى، مراحدة في العهد الجديد). ((أونايدسمويس)) (ح ر ف ه، تعني اللوم، التعيير، اللعنة) يرافقها الهزء (إر 20: 8؛ 24: 9؛ حك 5: 3) والكلام المسيء (مز 15: 3؛ رج 1تم 3: 7) الذي يطلقه الأشرار والمتكبّرون على شعب الله (با 2: 4؛ 3: 8؛ حز 34: 29؛ 36: 15؛ يوء 2: 9) أو على البار المضطهد، بسبب أمانته لله (مز 69: 7 ،9 ، 10 ،19، 20). هذا ما يصيب المؤمنين من قبل مضطهديهم، فيتحمّلونه من أجل الله (13: 13؛ رج مز 89: 51؛ أش 37: 3؛ 51: 7؛ إر 15: 15).
ارتبط ((التعيير)) بالمضايق (تليبسيس) كما في أش 37: 3 (رج يو 16: 21). هنا، الاضطهاد (في معنى ديني). رج يو 15: 20؛ أع 20: 23؛ 2كور 1: 4 ،8؛ 6: 4؛ رؤ 7: 14. يتضمّن هذا الضيق عددًا من الأمور المؤلمة: الفقر (يع 1: 27؛ رؤ 2: 9. لهذا يطوّب لو 6: 20 المساكين. صاروا فقراء بسبب الاضطهاد. انتزعت منهم أموالهم أو رفضوا التعامل معها)، الأسر (فل 1: 17)، الجلد وسائر العذابات (مت 24: 9). هذا شرط للدخول في الحياة الأبديّة (أع 14: 22؛ 2تم 3: 12). قد يجعل الايمان فاترًا (مت 13: 21). وقد يجعل المؤمن متمسّكًا بالمسيح إن هو ثبت (هيبوموني). رج 2تس 1: 4؛ روم 5: 3؛ 12: 12 ((تياتريزو)) (مراحدة بيبليّة). ظهر على المسرح، وذلك بشكل علني، فرآه الجميع. وهذا ما أثّر على المؤمنين وزاد في ضيقهم. اذن، لم يكتف ((العبرانيون)) بأن يثبتوا أمام التعيير والمعاملة السيّئة، بل دلّوا على محبتهم بعضهم لبعض (آ 24). لم يتخلّوا عن إخوتهم المضطهدين. تضامنوا معهم مهما كلّفهم هذا التضامن. لم يشاركوا فقط في فترة معيّنة، بل ((صاروا مشاركين))، ودامت شراكتهم. صاروا كنيسة في الاضطهاد.
وكيف تمّت هذه المشاركة؟ جاءت ((كاي غار)) (أجل، لأن) فشرحت ما قيل (4: 2؛ 5: 12). جُعل أعضاء الجماعة في السجن (13: 3: عار وعذاب، آ 33؛ رج 2تم 2: 9). رأوا فيهم المسيح (مت 25: 36) فتألموا معهم وتعاطفوا (سينباتيو، 4: 15): زاروهم، أغاثوهم. قال بولس: ((حين يتألّم عضو تتألّم الأعضاء كلها معه... أنتم جسد المسيح وأعضاء بعضكم لبعض)) (1كور 12: 26 - 27). رأى المسيحيون كيف نهبت أموالهم أو وُضعت عليها الأيدي (ربّما لأنهم تعاطفوا مع إخوتهم)، فتحمّلوا هذه المحنة بصبر وبدون تذمّر، بل قبلوها بفرح (روم 5: 3) فساروا في خطى الرسل (أع 5: 41). سبق لهم وتجرّدوا في قلبهم، من أموالهم، فتحمّلوا السلب والنهب (وهذا ما يحصل حتّى اليوم، بروسداخوماي، رج 11: 35؛ فل 2: 29). هذا ما وعدهم به يسوع (مت 5: 11) مع خيرات يمنحها لهم إن هم تركوا كل شيء وتبعوه: ((نال في هذه الدنيا، مع الاضطهادات، مئة ضعف من البيوت)) (مر 10: 31). ويتحدّث النص هنا عن ثروة (هيباركسيس)، رج أع 2: 45 (مع كتيماتا). وقرأنا قبل: ((هيبارخونتا))، أموال. نحن نستعدّ أن نقبل خسارة خيرات حين نعرف أننا نحصل على أفضل منها، على خيرات تبقى. هنا نفهم فعل ((غينوستاين)) (علم)، اعتبر. وكانت هذه النظرة فعل ايمان يدلّ على ما تعيشه الجماعة، لا في فترة محدّدة، بل مدّة طويلة.
ثالثًا: جزاء الأمانة (آ 35)
تستخلص آ 35 العبرة من هذا الماضي، وتنقلنا إلى فكرة الجزاء السماوي القريب. فإن كان المسيحيون قد برهنوا بشكل ساطع على ايمانهم ورجائهم ومحبّتهم الاخوية، فهذا يعني أنهم جديرون بالبطولة، وأنهم يقدرون أن يواصلوا ما بدأوا به. قال الذهبي الفم: ((لم يقل: خسرتم ثقتكم، فاستعيدوها. وهكذا لم ينزع منهم الأمل. بل قال: أنتم تملكونها، فلا تخسروها. وهكذا شجّعهم، لأننا نحتاج إلى عمل أقل لكي نتجنّب أن نخسر ما نملك، من أن نستعيد ما خسرناه)). فبعد الاختبار الذي عاشه المسيحيون، عليهم أن يحافظوا على هذه الثقة التامة التي هي جرأة وفرح (باريسيا، آ 19). إن فعل ((أبوبالو)) (فقط في مر 10: 50) يقال عن ميراث أو ثروة. قالت عب: خسرتم الأمور المادية، فلا تخسروا الامور الروحيّة، لا تخسروا (لا تفقدوا) الثقة والجرأة، فلم يبق لكم ثروة سواها. هي أجركم اليوم. من هنا فعل ((إخاي)) في صيغة الحاضر. ونقرأ ((ميستابودوسيا)) (2: 2؛ 11: 26، لا نجدها في الكتاب المقدس): الأجر، الجزاء الذي يقابل العمل مقابلة تامة (2تم 4: 8). لكل عمل جزاؤه، وثقتكم تحمل جزاءها في ذاتها، فلا تفقدوها، وإلاّ فقدتم كل شيء.

ب - الثبات الضروري (10: 36 - 39)
لا بدّ من الثبات حتى مجيء الرب، وهو يأتي ولا يبطئ. لهذا يطلب منهم الكاتب أن يثبتوا لخلاص نفوسهم، فالويل لهم إن نكصوا وارتدّوا عن الايمان.
أولاً: ثبات من أجل الموعد (آ 36 - 37)
ارتبطت آ 36 بالآية السابقة (آ 35)، فاستعادت لفظة ((هيبوموني)) من آ 32 (فعل ثبت) وفكرة آ 23 (الله أمين، نتمسّك) بعد أن أغنتها بإشارة إلى الثبات في الاضطهادات. هو نداء إلى مجهود أخير: كنتم أمناء في الماضي، ولكن النضال لم ينته. يجب أن نتحمّل ونطيل بالنا. بل إن الضيق الذي سنتحمله بعد هو انتظار الاكليل. هنا نتذكر كلام الذهبي الفم: هو يتكلم إلى متسابق غلب جميع مزاحميه وقلبهم، فما عاد يرى خصمًا يقبل الحرب معه. فلم يعد له سوى أن ينال الاكليل. ولكنه يغضب حين يرى حكم السباق يتأخّر ليضع الغار على جبينه. فقد صبرَه، فخرج من الحلبة وهرب من المسرح لأنه تعب من الحرّ والعطش: أعطني ما استحق وإلاّ خرجتُ. قيل له: احتمل هذا التأخّر بصبر، فالامبراطور الذي سيعطيك الجزاء آت قريبا. في هذا المعنى نبّهت عب المؤمنين: لا تفقدوا صبركم. بعد قليل، يأتي الربّ ولا يبطئ.
تدل ((هيبوموني)) (6: 12؛ 12: 1) على الصبر والقوّة والاحتمال والثقة والثبات. والجزاء العادل (آ 35) لا نحصل عليه إلاّ بفضل الثبات (غار، لا بدّ) الذي يتجسّد في تحمّل الالام (آ 32) ويُعبَّر عنه في الطاعة لإرادة الله وعنايته. فالله هو الذي يفرض المحن للمختارين، ولكن التجربة لا تتعدّى قدرتهم (مت 10: 30؛ 1كور 10: 13). هذا من جهة. ومن جهة ثانية تُفرض هذه الفسحة بين الجهاد والجزاء (اسم الفاعل في صيغة الاحتمال، بوييسانتس، صانعين مشيئة الله). بعد أن يرضي المسيحي الله في ما يطلبه منه، يثق كل الثقة بأنه يحصل على ما وعده به (6: 15، الفرح السماوي). ((كوميزو)) (11: 13، 19، 39): حمل إلى مكان أمين، قطف ثمرة، حصل على شيء من شخص. هذا المعنى نجده في العهد الجديد (لو 7: 37؛ 1بط 1: 9؛ 6: 4). رج مت 25: 27؛ 2كور 5: 10؛ أف 6: 8؛ كو 3: 25: فمن عمل بمشيئة الله وثبت في هذا العمل، نال الحياة الأبدية.
طلبت عب الثبات، ولكن الانتظار لن يدوم طويلاً (آ 37). فإن عب 2: 3 ،4 قد أنبأت بأن المسيح لن يبطئ. فهم الكاتبُ هذه النبوءة بالنسبة إلى المجيء الثاني. وقال الذهبي الفم: هذا المجيء أقرب إلى الرسول منه إلى النبي. سبق هذا الاستشهاد عبارة أش 26: 20: على بني اسرائيل أن يقيموا في الطمأنينة والثقة إلى أن ينفّذ الله دينونته في الاشرار. وجاء نصّ حبقوق مع ذكر ((هيبوموني)) (آ 36؛ رج حب 2: 3) فأبرز قوّة الايمان لمساندة الثبات في انتظار الجزاء الموعود به. رج روم 1: 17؛ غل 3: 11 اللذين يذكران نصّ حبقوق. وقف النبي كالحارس الذي يهمّه السلام من أجل شعبه (آ 1)، فأمره الرب أن يدوّن على اللوح الرؤية (ح ز و ن) التي سيمنحه إياها لكي تُحفظ فيتحقّق الناس أنها نُفِّذت (آ 2). هذا التدوين هو كفالة اليقين. أما الرؤية فتشير إلى عقاب الكلدانيّ المتكبّر وحياة البار (آ 4). قال العبري: ستأتي ولا تخطئ. أما السبعينية فقالت: سيأتي الآتي ولا يُبطئ. فالآتي هو المسيح (مز 118: 26؛ لو 7: 19؛ 19: 38؛ يو 1: 15، 27) الذي تعلن عودتُه (لا مجيئه) قريبة. طبّق المعلّمون اليهود هذا النص على المسيح وأعلنوا انتظار مجيئه في وقت لا يعرفونه. ولكن لا تيأس (بابل، سنهدرين 97 ب). نتذكّر هنا أن اقتراب يوم الرب، عبارة تقليديّة في الكرازة الرسولية (استعادتها عب، رج صف 1: 14؛ حز 30: 3؛ أش 13: 6؛ يوء 1: 15؛ 2: 1)، تتوخّى تنبيه المؤمنين إلى علامات الأزمنة، سواء كانت كونية (زلازل، 12: 26) أو وطنيّة (اجتياح، اضطهاد). فكل ظهور للشرّ هو علامة تدلّ مسبقًا على الكارثة الآتية في نهاية الأزمنة.
ثانيًا: ايمان لا يتزعزع (آ 38 - 39)
فعلى المؤمن أن يعيش في الأمانة، بانتظار عودة الربّ، وهو يعيش على ضوء الايمان. عادت عب إلى حب 2: 4 وبدّلت مضمون القول النبويّ كما ورد في العبرية، وذلك في ضوء السبعينية. ((من كانت نفسه شريرة، لا ينجو. أما البار فبإيمانه (بأمانته) يحيا)). تركت عب الشق الأول في النص العبري، ثم قلبت عبارة وعبارة لكي تقابل بين البار (يعطيه إيمانه الصبر والثبات) والشرير (يخسر الجزاء فينال العقاب). حسب حبقوق، يُفلت الاسرائيلي الذي وثق بالله، من سبي بابل وتكون له حياته مغنمًا. أما عب فتطلّعت إلى الأمانة لإرادة الله في الاضطهاد، وهي تمنح الحياة الابدية. شدّد بولس (روم 1: 17؛ غل 3: 12) على البرّ، أما عب فعلى الأعمال، وعلى الصبر والشجاعة والثبات. احتفظ بمعنى ((أمانة)) (ا م و ن ه) كما في العبرية، ولم يتحدّث عن الايمان (بستيس) كما في السبعينيّة. أما حياة بني اسرائيل التي يهدّدها الكلدانيون، فهي صورة عن الحياة الأبدية التي قد يخسرها المسيحيون إن لم يثبتوا في أمانتهم. هذه الحياة هي موضوع الموعد (آ 36)، حتى تفوزوا بالموعد) ومضمون المجازاة (ميستابودوسيا، آ 35). إذن، جاء الكلام النبوي خاتمة رائعة لامتداح الثبات (هيبوموني) في 10: 32 - 39، وتأكّد برهان الكاتب بسلطة كلمة الله.
إن الشق الثاني في آ 38 (آ38 ب) يوافق السبعينية التي تختلف عن النصّ العبري. ((هيبوستالو)) رج ((ع ل ف))، تراجع إلى الوراء، اعتزل (أع 20: 20). نكص، ارتدّ (حك 6: 7)، أو تراجع عن كلامه خوفًا (غل 2: 12؛ رج خر 23: 21؛ 1: 17). وبالتالي: أخفى فكره. ذاك هو موقف المرتدّ (الجاحد) في زمن الضيق. أمس تبرّر (آ 29، قدِّس)، واليوم يتراخى وينكر إيمانه. عدم رضى الله يدلّ على الدينونة والشجب (1كور 10: 5) ((اودوكاي)). بمختصر الكلام، إن رجع المسيحي إلى الوراء، خسر كل ما كان له. أراد أن يحفظ حياته من موت الجسد، فإذا هو يخسر حياة النفس، ويكون عقاب الله أقسى من عذاب يصيبه من المضطهدين (آ 27).
وتستخرج آ 39 بايجاز، بُعد الاستشهاد الكتابي، وذلك بالنظر إلى شعب الله في حجّه إلى المدينة الثابتة (3: 7 - 4: 13). فالمسيحي المسيحيّ لا يترك إخوته في البرية. ميّز حبقوق بين الأمين واللاأمين. والكاتب وقرّاء عب (هامايس، نحن) هم أمناء، ولن يتراجعوا بعد أن التزموا بمسيرة الايمان (هيبوستولي، نكوص، ارتداد، مراحدة بيبليّة). فالبعد عن الله هو جحود الايمان الذي هو خضوع لله واستسلام. مثل هذه العودة إلى الوراء تقود إلى الدمار التام، إلى الهلاك الأبدي، إلى عقاب غضب الله (أبولايا، يعارض، سوتيريا، الخلاص، مت 7: 13؛ فل 1: 28).
تجاه هذا النكوص (ارتداد، تراجع) المرتبط بالجحود، نجد الأمانة والثبات في الايمان والثقة بالله. هكذا نمتلك نفوسنا، نحافظ على نفوسنا. قال الرب: ((بصبركم تقتنون (كتيساستي) نفوسكم)) (لو 21: 19). في عب نجد ((باريبوياسيس)) الذي هو لفظ من اللاهوت البيبلي يقابل لفظ ((سوتيريا)) (1تس 5: 9) و((أبوليتروسيس)) (افتداء، أف 1: 14). لهذا يقال أن الله هو أصل هذا ((الامتلاك)) (2تس 2: 14) الذي يتحقّق بموت (بدم) المسيح (1تس 5: 9؛ أع 20: 28؛ تي 2: 14). لهذا، يتمجّد المخلّص (2تس 2: 14)، ويتمجّد الله نفسه (1بط 2: 9). يبقى الخيار: خلاص أم هلاك. وسيأتي البرهان على ذلك مع ف11 من عب.

2 - قراءة إجمالية
((ولكن، تذكّروا الأيام السالفة التي، بعد ما أنرتم فيها، صبرتم على نضال طويل مؤلم، فكنتم مرّة مشهدًا بالتعييرات والمضايق، وأخرى شركاء للذين يعاملون بمثلها)) (10: 23 - 33)
بدا الكاتب طبيبًا: يجرح ثم يقدّم الدواء. وقد قابل بين حالة وحالة، بين حالة من حرارة المحبّة وحالة انحدار على المستوى الروحي. لهذا، حثّهم على التذكّر أول أيام حياتهم المسيحيّة، يوم أنيروا (انتقلوا من الظلمة إلى النور): اهتدوا إلى المسيح الذي يمنح النور للجالسين في الظلمة وظلال الموت (لو 1: 79)، فآمنوا واقتبلوا العماد (رج 6: 4)، صاروا أعضاء في جماعة الله. أجل، رجعوا من الظلام إلى النور، ومن سلطان الشيطان إلى الله، فنالوا بايمانهم غفران الخطايا وميراثًا مع القديسين (أع 26: 18).
هؤلاء الذين انيروا، الذين آمنوا، لم يحفظوا ((استنارتهم)) سرًا، بل اعترفوا بإيمانهم فكانت نتيجة هذا الاعتراف النضال الطويل والألم. فهذه الشهادة العلنيّة كانت أكثر خطرًا للآتين من العالم اليهودي. فالمجتمع الوثني كان أكثر تسامحًا من العالم اليهودي. فاليهودي الذي يهتدي إلى المسيح المصلوب، يبغضه اخوته (ربّما يقتلونه)، ويخسر تجارته، ويطرد من جوّ العائلة. هذا ما يفسّر فقر الجماعة المسيحيّة الأولى التي سيرسل إليها بولس المساعدة من مسيحيين آتين من الأمم الوثنيّة. هذا يعني الألم على مستوى الجسد، وخسارة الممتلكات (آ 34) بالنسبة إلى أناس يعيشون في فلسطين، أو في موضع يسيطر عليه تأثير يهودي، كما كان الوضع في حدياب (في العراق اليوم) مثلاً. وقد شارك هؤلاء المسيحيون اخوتهم، فدلّوا على وحدة جسد المسيح، وبذلك صاروا مشهدًا للعالم (1كور 4: 9). فحبّ المسيح الحقيقيّ يجعل المؤمن يتحمّل التعيير. وحبّ حقيقيّ للاخوة في المسيح، يجعل المؤمنين يقفون بجانب المتألّمين ويشجّعونهم في ساعة المحنة.
مهما قست هذه المضايق، من الواضح أن العبرانيين المسيحيين لم يُدعوا لكي يختموا شهادتهم بدم الاستشهاد. فنقرأ في 12: 4 أنهم لم يقاوموا بعد حتى الدم ضد الخطيئة. هذا يعني أننا لسنا أمام اضطهاد منظّم، كما في أيام نيرون مثلاً. لا ننسى أن اسطفانس مات (أع 7: 54ي) رجمًا، ويعقوب قُطع رأسه (أع 12: 1 - 2)، وبطرس سُجن (أع 12: 3ي). كما لا ننسى ما حدث لليهود في رومة في زمن الامبراطور كلوديوس سنة 49 ب.م. أترى كُتبت عب في ذلك الوقت؟ سؤال بلا جواب.
((أجل، إنّكم قد تألّمتم مع الذين في القيود، ورضيتم بانتهاب أموالكم فرحين، لعلمكم ان لكم ثروة أفضل وأبقى. فلا تفقدوا اذن ثقتكم، فإن لها جزاء عظيمًا. فلا بدّ لكم من الثبات حتى، إذا ما عملتم بمشيئة الله، تفوزون بالموعد)) (10: 34 - 36)
إن آ 34 تشرح ما قيل سابقًا. صبرَ المؤمنون على التعيير والضيق، فاستعدوا للتعاطف مع الذين في السجن (بسبب المسيح) وما يرافق سجنهم من سوء معاملة. فقد سبق واختبروا ذلك، وقد حدّثنا بولس عمّا قاساه حين دخل السجن، وما تحمّله من ضرب وتهديد بالموت (2كور 11: 23 - 25). هذا الاستعداد الارادي لمشاركة الاخوة المسجونين، في القيود، يدلّ على أن روح المسيح الذي تماهى مع بشريتنا في الألم والموت وتمجّد كالحبر السماوي، ما زال حاضرًا في كنيسته. فالوحدة في الجسد، هي وحدة في المسيح (3: 28). هنا نتذكر كلام المسيح: ((كنت سجينًا فزرتموني)) (مت 25: 36).
عمل المسيحيون ما عملوا، فخسروا أموالهم إما بفعل السلطات المدنية، وإما بفعل الأهل والأقارب. قبلوا هذا الوضع بفرح فدلّوا على متانة اعترافهم المسيحيّ. ما حزنوا على هذه الخسارة، بل فرحوا، لأن ما حصل لهم كان من أجل المسيح، ودلّوا على أن كنزهم الحقيقيّ ليس من هذا العالم (مت 6: 19 - 21؛ 1بط 1: 4؛ 1يو 2: 15 - 17؛ كو 2: 3). نحن بعيدون كل البعد عن موقف الرواقيين الذين لا يتحرّكون مهما أصابهم. فالمؤمن يتألّم، ولكنه يسمع قول الرب: ((طوبى لكم إذا عيّروكم واضطهدوكم وقالوا فيكم كل كلمة شريرة كاذبة من أجلي. إفرحوا وابتهجوا، لأن أجركم في السماوات عظيم)) (مت 5: 11 - 12؛ لو 6: 22 - 23). ويشهد في العالم أن حياة الانسان لا تقوم بكثرة الأموال بل بالغنى الآتي من عند الله (لو 12: 16ي). هذا الايمان جعل التلاميذ يفرحون لأنهم اعتُبروا أهلاً لأن يتألّموا من أجل المسيح (أع 5: 41)، ودفع بولس إلى أن يشجّع المسيحيين في رومة لكي يفرحوا في الشدائد (روم 5: 3).
بعد كل هذه ((الخسارة)) والضيق، لا معنى للعودة إلى الوراء وفقدان الثقة (آ 35). فالارتداد هو الجهالة كل الجهالة، لأنه يعني عودة عن ذاك الذي اعترفنا به كالينبوع الوحيد وأساس ثقتنا، الذي نلنا بدمه حريّة الدخول إلى المعبد السماوي وكمال الايمان. فالآباء في العهد القديم، يئسوا من مخاطر البريّة وقساوتها، فحرّكهم روح جحود وتساءلوا: ((أما يكون من الافضل أن نعود إلى مصر)) (خر 14: 3)؟ تلك هي تجربة قرّاء عب: أن يتبعوا هذا المثل الرديء (3: 12) فيتركوا الله الذي صنعهم وينبذوا خالقهم ومخلّصهم (تث 32: 15). إن فعلوا هذا فقدوا ثقتهم (رموها وراءهم) وعادوا إلى العالم بما فيه من نقص وخيبة أمل. تكون المأساة كبيرة إن لم يحفظ المؤمن، حتّى المنتهى، كمال رجائه (6: 11).
((أجل، في أقرب آن يأتي الآتي ولا يبطئ. إن باريّ بالايمان يحيا، وإن نكص فلا ترتضي به نفس. أما نحن فلسنا من أبناء النكوص، بل من أبناء الايمان لخلاص (لاقتناء) النفس)) (10: 37 - 39)
إن الحاجة إلى ثقة ثابتة لا تتزعزع، تستند إلى قول من النبيّ حبقوق (نهاية القرن السابع) الذي جابه وضعًا حرجًا في حياة شعبه. في الداخل، سيطر العنف والجور. ومن الخارج، كان الهجوم الكلداني والاحتلال. فكان هذا المقطع جواب الرب على هذا السؤال الذي يحمل الضيق: ((إلى متى أصرخ، يا رب، ولا تسمع)) (1: 2)؟ الخلاص آت. ولهذا، كانت كلمة التشجيع. سيمرّ الغضب والرب يأتي ليعاقب سكّان الأرض على شرّهم (أش 26: 20 - 21). أجل يأتي الله، فما علينا سوى الانتظار بفرح وثقة، ثابتين في النضال، متحمّلين الاضطهاد.
في آ 38، يرد قولان من حبقوق حول الأمانة المطلوبة. فالانسان الذي يدعوه الله ((بارّي)) (أنا الرب)، الرجل الذي يعتبره الرب بارًا، هو الذي يمارس الأمانة ولا يرتدّ عن الله، فلا يستسلم إلى الاكتفاء الذاتي، بل يربط حياته بالربّ. فمن نكص، ترك حياة الايمان، ما عاد الله راضيًا عنه على ما يقول 11: 6 (بدون إيمان يستحيل إرضاء الله).
إن ثقة الكاتب بأن عمل النعمة الحقيقيّ قد حلّ في قلب الذين يتوجّه إليهم، نجدها في آ 39 مع صيغة المتكلّم الجمع (نحن لسنا). هم معه في المسيح، وإن احتاج أن يحذّرهم من خطر الجحود. نحن لا نرتدّ لئلاّ ندمَّر. فالدمار هو نهاية الذين تركوا الايمان (فل 3: 18 - 19؛ 2بط 3: 7؛ 1يو 2: 19). فالذين تراجعوا عن الايمان بيّنوا أنهم ليسوا ((وارثي البرّ الذي ننال بالايمان)) (11: 7). ولكن صاحب الرسالة يثق (كما في 6: 5) أن الأمور هي أفضل. فالقرّاء هم أبناء الايمان الذي يقود إلى اقتناء النفس، إلى الخلاص. فالله الذي بدأ يعمل فيهم سوف يتابع عمله حتى مجيء الربّ. وكلمة الله تنمو، مهما كانت صغيرة، حتّى تصبح شجرة كبيرة تعشّش طيور السماء في ظلها (مر 4: 26 - 32).

خاتمة
واصل الكاتب تحريضه، فذكّر القرّاء بخبرتهم السابقة: كيف عاشوا إيمانهم رغم الصعوبات، كيف تحمّلوا التعيير والاضطهادات، كيف شاركوا اخوتهم فدلّوا على أن محبتهم ليست عاطفة سريعة تكتفي بكلمات معسولة ولا تفعل شيئًا. بما أنهم تصرّفوا على هذا النحو، فينتظرهم جزاء عظيم شرط أن يظلّوا أمناء حتى يوم الربّ. أجل، الحياة المسيحيّة نضال نجابهه بجرأة، رغم قساوته، بفضل نور الايمان ونعمة المعمودية. ونواصله حتى النصر متيقّنين أن يسوع المسيح، رأس ايماننا، يتابع معنا هذا الجهاد كي يوصله إلى الكمال.
القسم الرابع
الإيمان والثبات
11: 1 - 12: 13

بعد القسم المركزيّ (5: 11 - 10: 39) الذي هو قلب عب، نجد قسمين أخيرين: الأول (11: 1 - 12: 13) يتحدّث عن الايمان والثبات. والثاني (12: 14 - 13: 25) يقدّم الطرق المستقيمة أو سلوكنا مع الله والقريب. قسمان عمليّان يقابلان قسمين أولين عقائديين، سبقا القسم المركزي. كان عنوان القسم الأول (1: 5 - 2: 18): الابن المتأنّس أعظم من الملائكة. والثاني (3: 1 - 5: 10): يسوع حبر رحيم وأمين.
أما هذا القسم الرابع (11: 1 - 12: 13)، فينقسم إلى اتجاهين: إيمان الأقدمين (11: 1 - 40). ثم الثبات الضروريّ (12: 1 - 13). هكذا تصرّف أولئك الذين كانوا جدودنا بالايمان، فضحّوا بكل شيء لكي يرضوا الله، وهم يعلمون أن الثروة التي يطمحون إليها هي أفضل وأبقى. لهذا قبلوا الموت لكي يُطحرزوا القيامة (11: 35).
الفصل الثلاثون

من إيمان الأقدمين إلى ثبات المؤمنين
11: 1 - 12: 13

انتهى الموضوع العقائدي حول كهنوت المسيح، وبدأت التطبيقات العملية، لا في هذا القسم الرابع، وحسب، بل في نهاية القسم الثالث. هذه الرسالة التي تبغي الارشاد، وصلت بنا إلى الايمان الذي عاشه الآباء ونعيشه نحن دون أن نتراخى، بل نبقى ثابتين. وهكذا كان كلام عن الايمان وعن ديناميّته، فشكّل قمّة في الكتاب المقدس. كل هؤلاء القديسين والأبطال وأحبّاء الله، عاشوا الايمان والرجاء. وانتظروا حتّى في ساعة موتهم، تحقيق المواعيد. فكيف ينسى أبناء العهد الجديد هذه المواعيد ويعودوا إلى الوراء، إلى تدبير قديم وعابر؟ كانوا أغنياء ويريدون أن يكونوا فقراء؟ كانوا عظماء في ملكوت الله، فكيف يتخلّون عن هذه النعمة؟
ذاك هو موضوع القسم الرابع في عب. وموضوعه الايمان والثبات. وهو يتوزّع في اتجاهين. الأول (11: 1 - 40) يتحدّث عن ايمان الأقدمين، منذ هابيل وأخنوخ ونوح، حتى ابراهيم وموسى، وجميع الذين عاشوا البطولة، إمّا بما فعلوه من معجزات، وإمّا بما احتملوه من آلام. أما الاتجاه الثاني (12: 1 - 13) فعنوانه الثبات الضروري. في كل هذه المضايق، يقوم الله بتربيتنا. فإن نحن رفضنا تأديب الرب، لا نكون أبناء حقيقيين، بل أبناء زنى. إذا كنا نرضى تأديب والدينا، فكيف نرفض تأديب الرب؟

1 - الاتجاه الأول: ايمان الأقدمين (11: 1 - 40)
إن التوسّع حول الايمان، الذي به يبدأ القسم الرابع، يبدو واحدًا موحّدًا. هناك أولاً تضمين يبدأ في 11: 1 (الايمان هو قوام المرجوات)، وينتهي في 11: 39 (شُهد لهم بالايمان). ثانيًا، يتكرر لفظ ((بستيس)) (الايمان) في بداية كل جملة، فيشكّل حركة موسيقيّة تعلق في الذاكرة وفي القلب بانتظار أن تتجسّد في العمل. جعل الكاتب أمثاله الواحد بعد الآخر، كما في سبحة، وحسب التسلسل التاريخي، ففرض تفسيره في شكل واحد. تسير الخطبة بشكل ((رتيب)) ولكن الكاتب يوقفها في 11: 32 (وماذا أقول أيضًا) لئلاّ تطول إلى ما لا نهاية، فيتوقّف عن تعداد الأبطال القدماء ويوجز معطيات البيبليا في لوحة إجمالية واسعة. في البداية، يلفت نظرنا شخصان: ابراهيم (11: 8)، موسى (11: 23). من أجل هذا، نقسم هذه الاتجاه إلى أربعة مقاطع: آ 1 - 17؛ آ 18 - 22؛ آ 23 - 31؛ آ 32 - 40.
أ - المقطع الأول (11: 1 - 7): الآباء الأولون
بدأ الكاتب فحدّد الايمان، وقدّم الأبطال الاولين حتى نوح: 
11: 1 أما الايمان فهو قوام المرجوّات،
وبرهان غير المرئيات.
11: 2 به شُهد للأقدمين.
11: 3 بالايمان نفهم أن العالم (= الدهور) قد أنشئ بكلمة الله،
بحيث إن المرئيات صدرت عمّا لا يُرى.
11: 4 بالايمان قرّب هابيل لله ذبيحة أكمل من ذبيحة قايين
وبه شُهد له أنه بار
إذ شهد الله نفسه لقرابينه.
وبه أيضًا، وإن مات، لم يزل بعدُ يتكلّم.
11: 5 بالايمان نُقل أخنوخ لكي لا يرى الموت
ولم يُوجد بعد لأن الله نقله
فقبل أن يُنقل، شُهد له أنه أرضى الله.
11: 6 وبدون إيمان يستحيل إرضاء (الله)،
إذ لا بدَّ، لمن يدنو إلى الله، أن يؤمن بأنه كائن،
وأنه يثيب الذين يتبعونه ( = يطلبونه).
11: 7 بالايمان نوح، إذ أنذر بوحي بما لم يكن بعد منظورًا،
تورّع فأعدّ تابوتًا لخلاص بيته،
وبه شجب العالم
وصار وارثًا للبرّ حسب الايمان.
هناك سمات تبيّن أن آ 1 - 7 تكوّن وحدة أدبيّة أولى. ويتكررلفظ ((بستيس)) في بداية كل آية. أما في آ 7 ،فهو في النهاية. (2) إن اسم الفاعل (بلابومانون، المرئيات) الذي يسبقه النفي (أو، لا، غير) يشكّل تضمينًا بين آ 1 وآ 7. (3) مع اسم الفاعل هذا، ينطبع المقطع بفعل ((مرتيراين)) شهد، الذي يتكرّر أربع مرات، ولا يعود يظهر قبل آ 39 ليشكّل تضمينًا عامًا. (4) يتردّد اسم الله (تيوس) ست مرات، في آ 2 - 6 ،بقدر ما يتردّد في آ 8 - 40.
في بداية هذا المقطع، تبدو آ 1 - 2 بشكل مقدمة. والجملة الأخيرة (11: 39) هي صدى لهما، مع ((بستيس)) (الايمان)، ((مرتيراين)) (شهد). وفي آ 3 تبدأ سلسلة ((الايمان)). مع العلم أن الفعل في هذه الآية هو في معطيات التاريخ المقدس، بل أمام قول عقائدي سيكون مبدأ تفسير لما يرد من وقائع فيما بعد. ذكّرنا الكاتب أن العالم المنظور صدر عن العالم اللامنظور: هو انعكاس له. من هنا قيمته، ومن هنا أيضًا حدوده. فالمرئيات (الأمور المنظورة) هي صور ولهذا ننظر إليها. وبما أنها صور لا نستطيع أن نتوقّف عندها، بل نتجاوزها. ذاك هو اسلوب عب: تأكيد، ثم نفي، ثم تأكيد.
وقدّم لنا هذا المقطع ثلاثة أمثلة: هابيل، أخنوخ، نوح. قيل عن هابيل أنه شُهد له بأنه بار. وعن نوح أنه صار وارث البرّ حسب الايمان. وهكذا يتقابل المثلان الأول والثالث. أما الرباط بين هابيل وأخنوخ فرباط التعارض: هابيل مات (نهاية آ 4). أخنوخ لم يرَ الموت (بداية آ 5). إن وضع هابيل يُبرز الوجهة الذبائحيّة في إيمانه. ووضعُ أخنوخ يُبرز هدفه السماوي (الله يثيب، يجازي، آ 6). وهكذا نكون أمام مثل أول من التعارض بين مرحلتين. مثلُ هذا التعارض ليس مطلقًا. فانتصار الموت على هابيل ليس تمامًا: فمع أنه مات، فهو لم يزل يتكلّم. وهابيل، شأنه شأن أخنوخ، نال شهادة حسنة من الله، وهذه الشهادة الالهيّة هي أساس المرحلة الايجابيّة التي يصوّر تحقيقها الكامل في ((انتقال)) أخنوخ السرّي.
وفي وضع نوح، نجد المرحلة السلبيّة (النفي) والمرحلة الايجابيّة (التأكيد). فالايمان بما لم يكن منظورًا (النفي) يصل إلى خلاص بيت نوح (تأكيد). وشجب العالم (السلبيّ) يتعارض مع هذا الخلاص، كما يتعارض مع ميراث البرّ (ايجابي).

ب - المقطع الثاني (11: 8 - 22): ابراهيم
أمّن لفظ ((ميراث)) (كليرونوميا) الاتصال مع المقطع الثاني الذي يتحدّث عن ((ميراث)) (11: 8) ومشاركة في الميراث (آ 9 ، سينكليرونومون). مقطع طويل. نجد فيه خمس قسمات متعاقبة ترتبط بعضها بعض بأكثر من رباط. نجد التلميح إلى الموعد في الأربع الأولى، مع امتداد في الخامس مع فكرة البركة.
أولاً: القسمة الأولى (11: 8 - 10)
تبدأ القسمة الأولى باسم ابراهيم وإشارة إلى ارتحاله. وتنتهي بانتظار وصوله وباسم الله.
11: 8 بالايمان ابراهيم، أذ دُعي، لبّى الخروج إلى موضع سيأخذه ميراثًا.
وخرج لا يدري أين يتوجّه.
11: 9 بالايمان نزل في أرض الميعاد ونزوله في أرض غربة،
وسكن في أخبية مع اسحاق ويعقوب
الوارثين معه الموعد نفسه.
11: 10 لأنه كان ينتظر المدينة ذات الأسس،
التي الله مهندسها وبانيها.
يتميّز النصّ بألفاظ تتحدّث عن ((المكان)): موضع، أخبية، مدينة، أسس. الخروج، خرج، نزل، سكن. وهو يصوّر حقبة سلبيّة: إيمان لا يمتلك شيئًا. لا يتعلّق بشيء. بل ينتظر تحقيق المواعيد.
ثانيًا: القسمة الثانية (11: 11 - 12)
بعد حقبة سلبية (النفي مع لا)، ها هي حقبة ايجابيّة (فيها تأكيد). نالت سارة الحبل، وظهر نسل كبير. في الوسط، يُذكر الوعد. ومن هنا وهناك الصعوبات: بالنسبة إلى سارة، تجاوزت السن. وبالنسبة إلى ابراهيم، صار ميتًا.
11: 11 بالايمان سارة أيضًا نالت قوّة للحمل،
مع أنها تجاوزت السن.
لاعتقادها أن الذي وعد صادق.
11: 12 من أجل ذلك وُلد من رجل واحد
يكاد يكون ميتًا،
نسل كنجوم السماء كثرة
وكالرمل الذي على شاطئ البحر، لا يُحصى.
ثالثًا: القسمة الثالثة (11: 13 - 16)
تجاه وُلد في 11: 12 نقرأ مات في 11: 13. وهكذا بدأت القسمة الثالثة التي تعود بنا إلى المرحلة السلبيّة، إلى الايمان الذي لا ينال (10: 13 النفي)، بل يصبو (11: 61).
11: 13 على الايمان مات أولئك جميعًا،
ولم ينالوا الموعد،
بل رأوه من بعيد وحيّوه،
معترفين أنهم كانوا
غرباء على الأرض ونزلاء.
11: 14 فالذين يتكلّمون هكذا،
يوضحون أنهم يطلبون وطنًا.
11: 15 ولو أنهم قصدوا بذلك، الوطن الذي خرجوا منه،
لكان لهم وقت للعودة إليه.
11: 16 ولكن، لا. فإن قلوبهم كانت تصبو
إلى (وطن) سماوي.
لذلك لا يستحي الله أن يُدعى إلههم.
فإنه قد أعدَّ لهم مدينة.
العلاقات بين هذه القسمة والأولى واضحة. نجد ذات الألفاظ حول السفَر والنزول في مكان ما: خرج، عاد، قصد. أرض، وطن، مدينة. أما 11: 16 فيذكّرنا ببداية القسمة الأولى (11: 8 ،ما يقابل دعوة لبّاها ابراهيم، هو قبول الله بأن يُدعى إلههم) ونهاية 11: 10 (تعبّر هذه الآية عن انتشار مدينة يبنيها الله؛ ويؤكّد 11: 16 أن هذا الانتظار قد تحقّق).
قدّم الكاتب في هذه الآيات الأربع (آ 13 - 16) تفاصيل هامّة حول موضوع المواعيد الحقيقيّ. حين نقرأ 11: 10 نستطيع أن نتوقّف عند انتظار أرضيّ: فالمدينة المؤسّسة والمبنيّة، هي أورشليم. أساسها على الجبال المقدسة (مز 87؛ رج مز 48). غير أن أورشليم جزء من العالم المنظور (المرئيات). إذن، هي صورة. لهذا، فالتجرّد المطلوب يجب أن يقود إلى حقيقة أسمى. وهذا ما تدلّ عليه هذه القسمة الثالثة حين تستعمل البرهان بواسطة اللاواقعيّ الذي اعتدنا عليه (رج 4: 8: ولو كان يشوع أنالهم... ولكنه ما أنالهم؛ 7: 11: ولو كان الكمال تحقّق... ولكنه لم يتحقّق؛ 8: 4؛ 8: 7؛ 10: 2). فالوطن الذي يصبو إليه الآباء، ليس وطنهم الأرضيّ الذي كان بإمكانهم أن يعودوا إليه. إذن، هو الوطن السماويّ. لهذا، قبلَ الله أن يتصل بهم. وهكذا توَّضح المعنى الدقيق للمرحلة السلبيّة التي صُوّرت في القسمة الأولى.
رابعًا: القسمة الرابعة (11: 17 - 19)
في آ 17 - 19 التي تشكّل القسمة الرابعة، يحمل الكاتب نورًا إضافيًا إلى المرحلة الايجابيّة التي اشار إليها في آ 11 - 12.
11: 17 بالايمان ابراهيم قرّب اسحاق،
حين امتُحن،
كان يقرّب وحيده،
هو الذي نال المواعد
11: 18 وهو الذي قيل له: 
باسحاق يُدعى لك نسل.
11: 19 بما أنه كان يعتقد أن الله قادر أن يُنهض حتّى من بين الأموات،
عاد فحصل عليه (= ابنه)، على سبيل الرمز.
في آ 18، كما في آ 11، يدور الكلام على النسل، مع إشارة إلى قدرة (ديناميس، آ 11، ديناتوس، آ 19) تنتصر حتّى على الموت (كاي توتا ناناكرومانو، آ 12؛ كاي إك نكرون، آ 19). نحن هنا في مرحلة إيجابيّة، مرحلة تأكيد. فعل ((حصل)) في آ 19 (تأكيد) يقابل ((نال)) في آ 13 (نفي، لم ينالوا). غير أن هناك لفظة لا تترك التأكيد يأخذ كل بُعده: لسنا أمام تكملة حقيقيّة، بل فقط أمام مثل ورمز (بارابولي). فالنسل الذي ناله، لم يكن سماويًا إلاّ على سبيل الرمز: مثل نجوم السماء (آ 12). لهذا فالذبيحة تبقى ممكنة وضروريّة (آ 17، قرّب وحيده). فحياة اسحاق بعد هذه المحنة، ليست ((قيامة أفضل)) (11: 35). فقيمتها نسبيّة، شأنها شأن كل ما تحقّق على الأرض. هي راحة في مرحلة، لا الوصول إلى الهدف.
خامسًا: القسمة الخامسة (11: 20 - 22).
مع آ 19، ينتهي خبر ابراهيم. وكان بالامكان أن ننهي المقطع هنا. فقد لاحظنا أن القسمة توافق الأخرى. فبداية القسمة الأولى تجد صداها في نهاية القسمة الثالثة (دعوة، قبول). ونهاية القسمة الثالثة تجد ما يناقضها في نهاية الرابعة (لم ينالوا، نال أو حصل). أما التكملة فهي على سبيل الرمز. لهذا، نفهم أن الخبر يتواصل، فتأتي قسمة خامسة تضاف إلى أربع قسمات سابقة: 
11: 20 بالايمان أيضًا، من جهة ما سيأتي،
بارك اسحاق يعقوب وعيسو.
11: 21 وبالايمان يعقوب، وقد حضره الموت،
بارك كل واحد من ابني يوسف
وسجد (متوكئًا) على طرف عصاه.
11: 22 بالايمان يوسف، لما دنا أجله،
ذكر خروج بني اسرائيل،
وأوصى بشأن عظامه (وفاته).
تنقلنا الألفاظ الأولى نحو المستقبل (ما سيأتي)، فتؤكّد هكذا الطابع العابر لما حصل هؤلاء عليه (11: 19). وتقدّم آ 21 - 22 تواليًا سريعًا بين البركة والموت، بين مرحلة ايجابيّة ومرحلة سلبيّة في المسيرة نحو الوعد. وهكذا اقتربت هذه القسمة الخامسة من الثالثة والأولى. فهي، شأنها شأن الثالثة، تحدّثنا عن موت الآباء (آ 21، حضره الموت؛ آ 22، دنا أجله؛ رج آ 13: مات أولئك جميعًا). وهي، شأنها شأن الأولى، تسمّي اسحاق ويعقوب. وتشير إلى ما سوف يأتي (مالونتون، أ 20، رج آ 8، إمالن، سوف). وطقس المباركة في ساعة الموت (آ 20، 21) يرتبط بالفكرة حول وراثة الموعد (آ 9). وأخيرًا، ذكرُ الخروج، قبل أن يتمّ (آ 22)، يقابل ذكر ارتحال ابراهيم في آ 8 (اكسالتاين).
تتحدّث القسمة الثانية والقسمة الرابعة عن النسل. هكذا نكون في خطّ نسب الآباء، ونجعل مع ذكر الخروج (آ 2، اكسودوس) تكاثر بني اسرائيل (آ 12). إذن، نحن في خاتمة كل ما سبق. وبالتالي فهمنا أن آ 8 - 22، تشكّل مجموعة تامّة، وأن التأكيد الاهمّ (الوجهة الايجابيّة) جُعل في قلب التوسّع الذي استضاء هكذا كله على مستوى الوعد والنسل.

ج - المقطع الثالث (11: 23 - 31): موسى
ذُكر الخروج في 11: 12، فهيّأ الطريق لدخول موسى على المسرح. وكان تعارض أمّن الانتقال: بعد يوسف الذي دنا أجله (آ 22)، جاء موسى الذي وُلد (آ 23). نستطيع أن نقسم هذا المقطع قسمتين.
أولاً: القسمة الأولى (11: 23 - 27)
وما يدلّ على حدود القسمة الأولى، تكرار بعض الألفاظ في آ 23 ،27: رهب (خاف).
11: 23 بالايمان، لما وُلد موسى،
أخفاه أبواه ثلاثة أشهر،
لأنهما رأيا أن الطفل جميل
ولم يرهبا أمر الملك.
11: 24 بالايمان موسى، لما كبر،
أبى أن يدعى ابنًا لابنة فرعون؛
11: 25 واختارالمشقّة مع شعب الله
على التمتّع الوثنيّ بلذّة الخطيئة.
11: 26 عادًّا عار المسيح ثروة أعظم من كنوز مصر،
لأنه كان ينظر إلى الثواب.
11: 27 بالايمان ترك مصر
ولم يرهب غضب الملك،
بل تجلّد كأنه يعاين الذي لا يُرى.
إن الإشارة إلى مقاومة الملك مرتين (آ 23 و آ 27)، وكان الدافع للأولى رؤية حسيّة (صورة) والثانية رؤية إيمانيّة، تحيط بتوسّع كبير حول التجرّد الذي مارسه موسى. في أ 24 - 26، التي تشكّل قلب القسمة، نجد تعارضًا واحدًا يتكرّر مرتين في ألفاظ مختلفة، وفي تواز متداور. (أ) المشقة. (ب) التمتّع (ب ب) كنوز (أأ) عار. ضمّ الكاتب التفسير إلى عرض الوقائع: اعتُبرت المعاملة السيّئة مع شعب الله (أ) كجزء من عار المسيح (أأ) الذي شارك موسى فيه. أما كنوز مصر (ب ب) فاعتُبرت تمتّعًا بالخطيئة (ب). إنها نقيضة جريئة تشرح موقف موسى وما فيه من مفارقة: عار المسيح هو غنى (سر المسيح حاضر في ذبيحة هابيل، وانتقال أخنوخ، وخلاص ناله نوح، ونسل ابراهيم، ونجاة اسحاق. ولكن لا يُذكر اسم المسيح سوى مرّة واحدة). لا شكّ في أن هذه النقيضة ستجد شرحًا لها فيما بعد: نظر إلى الثواب. نلاحظ في هذا المجال أن بنية المقطع تقابل (في شكل تعارض)، بين فكرة الثواب الالهي (آ 26) وفكرة الدخول في بيت فرعون (آ 24). لهذا، يُدعى القارئ لأن يفهم الثواب على أنه أرفع ممّا سيناله موسى حين تتبنّاه ابنة فرعون. هذا المنظار سيعود إليه الكاتب في الاتجاه الثاني، في 7: 21 ي.
ثانيًا: القسمة الثانية (11: 28 - 31)
تستعيد نهاية المقطع (آ 28 - 29) ما قيل في آ 20 - 22. وهكذا ننتقل على الدوام من المناعة التي ينعم بها المؤمنون، إلى الضربات الهائلة التي تصيب اللامؤمنين.
11: 28 بالايمان صنع الفصح ورشّ الدم،
لئلاّ يمسّ الهلاك الأبكار.
11: 29 بالايمان جازوا في البحر الأحمر كما في أرض يابسة،
ولما حاول ذلك المصريون، غرقوا.
11: 30 بالايمان سقطت أسوار أريحا
بعد الطواف حولها سبعة أيام.
11: 31 بالايمان راحاب البغيّ لم تهلك مع العصاة
لأنها قبلت الجاسوسين بسلام.
تحدّثت الجملة الأولى بعد عن موسى. ولكن منذ الجملة الثانية يغيب، فينتقل النصّ من صيغة المفرد (صنع هو الفصح)، إلى صيغة الجمع (جازوا، عبروا، هم). لا يتكلّم الكاتب عن البرية، ولا عن احتلال الأرض المقدّسة. في 3: 7 - 4: 11، سبق له وعبّر عن نظرته إلى هذه الأحداث. أما هنا فاكتفى بالكلام عن سقوط أريحا، فكان له مثال حيّ عن الخلاص بالانتماء إلى شعب الايمان.

د - المقطع الرابع (11: 32 - 40): أبطال منتصرون وأبطال متألّمون
هنا أوقف الكاتب تعداد حالات خاصة، وانتهى بنصّ عام كله بلاغة. تنطبع بدايةُ القطعة ونهايتها بتضمين مع ((ديا بستايوس)) (بواسطة الايمان) التي لا تظهر إلاّ هنا في ف 11.
11: 32 وماذا أقول أيضًا؟ إنه ليضيق بي الوقت إن أخبرتُ عن جدعون وباراق وشمشون ويفتاح، وعن داود وصموئيل والأنبياء
11: 33 أولئك الذين بالايمان (ديا بستايوس)
قهروا الممالك،
وأقاموا القضاء،
ونالوا المواعد،
وسدّوا أشداق الاسود،
11: 34 وأخمدوا حدّة النار،
ونجوا من حدّ السيف
وتقوّوا من ضعف (مرض)
وصاروا أشدّاء في القتال
وقلبوا معسكرات الاعداء
11: 35 واسترجعت نساء أمواتهنّ بالقيامة.
11: 35 ب فمنهم من عذّبوا
ولم يقبلوا النجاة
ليحرزوا قيامة أفضل.
11: 36 وآخرون ذاقوا الهزء والسياط حتّى القيود والسجن
11: 37 رُجموا، نُشروا، أحرقوا
ماتوا بحدّ السيف،
تشرّدوا في جلود الغنم والمعز،
معوزين، مضايقين، مجهودين.
11: 38 هم الذين لم يكن العالم مستحقًا لهم،
تائهين في البراري
والجبال والمغاور وكهوف الأرض.
11: 39 وهؤلاء كلهم، وإن شُهد لهم بالايمان،
لم ينالوا الموعد،
11: 04 لأن الله إذ أعدّ لنا مصيرًا أفضل،
لم يشأ أن يبلغوا الكمال بمعزل عنّا.
بُني هذا التوسّع الطويل على تعارض بين مرحلتي الايمان، مرحلة إيجابيّة (تأكيد)، ومرحلة سلبيّة (نفي)، ونحن نجد الوصلة في آ 35 مع الاداة ((دي)) (آ 36، الفاء)، والتقابل بين قيامة على مستوى الجسد، على الأرض (آ 35 أ) وقيامة أفضل (آ 35 ب). فالقيامة على مستوى الأرض، هي تتمّة ما يحقّقه الايمان على مستوى الرمز. غير أن الايمان لا يتوقّف هنا، كما لا يتوقّف عند سائر الأمور المنظورة (المرئيات). بل هو ينفصل عنها وينتظر شيئًا أفضل. في الشقّ الأول (آ 33 - 35 أ)، نجد أولاً ثلاث وحدات قصيرة (فعل ومفعول به). ثم تتوسّع الوحدة في تواز: ستوماتا (أشداق الأسود، حدّ السيف، فم السيف، رج آ 34). ثم ((ديناميس)) (قوّة النار) و((إديناموتيسان)) (تقووا، آ 34). وفي النهاية، صارت الجملة طويلة (آ35 أ) كنفير يعلن نهاية القتال. وجاء الشقّ الثاني (آ 35 ب - 83) متنوعًا جدًا: أفعال، أسماء الفاعل. وتُطرح هنا مسألة نصوصيّة في آ 37: إبايراستيسان (أحرقوا). هناك حلول ثلاثة: هذا الفعل هو تكرار للذي قبله ((نُشروا)) (إيريستيسان). لهذا نلغيه. الحلّ الثاني، نصحّح النص إلى ((إبراستيان)) أو ((ابيروتيسان)): أحرقوا. الحل الثالث، نحافظ عليه كما هو. نستطيع أن نلغيه. أما نحن فاحتفظنا به وهكذا كانت لنا مجموعة من ثلاثة أفعال: رُجموا، نشروا، أحرقوا.
إن الجملة الأخيرة (آ 39 - 40) هي خاتمة المقطع. تستعيد عبارة ((بواسطة الايمان)) (آ 33) وتعود إلى ما قيل في آ 33 (نالوا المواعد) فتحدّد أن ما تحقّق بشكل جزئيّ لا يمكن أن يُمزج بالنوال النهائيّ للموعد. من هذا القبيل، جُعل الأبطال المنتصرون (آ 33 - 35أ) والابطال المتألّمون (آ 35 ب - 38) في خانة واحدة: كلهم انتظرونا لكي يبلغوا إلى الكمال معنا. لهذا، قرأنا لفظ ((أفضل)) في آ 40، كما قرأناه في آ 35 ب: فالقيامة الأفضل محفوظة للعهد الأفضل (8: 6؛ رج 7: 22).
لم يرَ الكاتب أن يدرج هنا تلميحًا مباشرًا إلى اعتباراته عن موسى (آ 23 - 31). فتفضيل موسى لثروة أعظم يجدها في عار المسيح (آ 26)، هيّأه لأن ينعم بمصير أفضل (آ 40). هذا ما يتعلّق بالمقطع الأخير (آ 32 - 40). وأشار الكاتب أيضًا إلى المقاطع السابقة. استعاد من المقطع الأول (آ 1 - 7) شهادة الله التي مُنحت للايمان (آ 39؛ رج آ 2 ،4 ،5)، وهي شهادة لا تمتزج بالثواب (آ 6) أي بنوال الموعد (آ 39)، ولكنها تعطينا الثقة بالحصول عليه. وعاد الكاتب، في التوسّع حول ابراهيم (آ 8 - 22)، إلى القسمة المركزيّة (آ 13 - 16). فعبارة آ 39 (وهؤلاء لم ينالوا الموعد) هي صدى آ 13 (أولئك جميعًا لم ينالوا الموعد). والانتقال من صيغة الجمع (المواعد)، إلى صيغة المفرد (الموعد) يدلّ على تطوّر في الفكرة صار ممكنًا بواسطة برهان آ 15 - 16: ما قصدوا ذلك الوطن الأرضيّ. بل كانوا يصبون إلى وطن أفضل. فمرحلة نجاحات الايمان الأرضيّة (ايجابيّة) ومرحلة التجرّد عنها (سلبيّة)، هما مرحلتان تتطلّعان إلى هدف أفضل: الكمال في الله الذي يُعطى لنا. وهكذا نستعدّ للاتجاه الثاني (12: 1 - 13).
2 - الاتجاه الثاني: الثبات (12: 1 - 13)
بعد الاتجاه الأول الذي كان موضوعه الايمان في حياة الآباء من هابيل حتى ابراهيم وموسى، والقضاة والملوك والانبياء، يرد الاتجاه الثاني الذي يدعو المسيحيين إلى الثبات في خطى يسوع. نجد هنا مقدمة (12: 1 - 3) هي نداء، وتوسّع حول الباعث على التعزية، وخاتمة (12: 12 - 13). هي نداء للنهوض وابتعاد عن التراخي مهما طال الوقت وتكاثرت الصعوبات.

أ - نظرة عامة
اتّخذ الاتجاه الثاني منذ البداية لهجة التحريض، فاختلف عن الاتجاه الأول. لم نعد أمام الآباء الأولين وطريقة عيشهم للايمان، بل أمام مؤمنين يعيشون الآن، في الزمن الحاضر، زمن دوّنت فيه عب، زمن نعيش فيه نحن اليوم أيضًا. نقرأ في 12: 1: نحن أيضًا. وفي 12: 9: نخضع نحن. إذن، صيغة المتكلم الجمع، وفي 12: 3 ،5 ،7 ،13، ترد صيغة المخاطب الجمع: لئلاّ تكلّ نفوسكم (أنتم). نسيتم هذا التحريض، إصبروا على التأديب... غير أن الكاتب اهتمّ بأن يربط اتجاهًا باتجاه. ففي نهاية الاتجاه الأول، أعلن الاتجاه الثاني حين أورد صيغة المتكلّم الجمع (لا الغائب الجمع: عذَّبوهم ولم يقبلوا) فقال: ((أعدَّ الله لنا مصيرًا)) (11: 40). وفي بداية الاتجاه الثاني (12: 1 - 13) أوجز الاتجاه الأول في عبارة قصيرة (12: 1): ((يحدق بنا هذا السحاب الكثير من الشهود)). رج 11: 2 ،4 ،5 ،31. وبعد ذلك، سيستعيد فكرة الكمال (مكمّله، 12: 2؛ رج 11: 40) ولفظة الايمان (12: 2).
غير أنه لن يشدّد هنا على الايمان، ولا على دور الشهود. فموضوع الاتجاه الثاني هو ثبات أبناء الله. اشير مرّة واحدة إلى الايمان (12: 2)، ولكن أربع مرات إلى الثبات (12: 1 ،2 ،3، 7). وما يلفت النظرليس ((سحابة الشهود)) بل يسوع (12: 2) مثال الذين جعلهم الله أبناءه. وهكذا يرتبط هذا الاتجاه (12: 1 - 13)، عبر ف 11، بالتحريض الذي نقرأه في نهاية القسم الثالث؛ هنا أعلن الغرضُ من الثبات (10: 36؛ رج 10: 32)، وهناك تطلّعنا إلى يسوع (10: 19) الذي فتح لنا الطريق بدمه فدخلنا المعبد (10: 19 ،رج 12: 4).
هناك اختلافات في الاسلوب تدعونا إلى تقسيم هذا الاتجاه إلى مقاطع صغيرة. في آ 1 - 3 ،تأتي الأفعال في صيغة الأمر (تأمّلوا 12: 1) أو صيغة قريبة (لنسعَ، 12: 1). هي المقدمة. وإذا وضعنا جانبًا فعلين في صيغة الأمر (لا تحتقر، لا تفشل، 2: 5) يتمُ التوسّع (12: 4 - 11) في صيغة الدلالة. نتميّز قسمتين تفصل بينهما ((ايتا)) (ثم) التي تلعب دور الوصلة. الأولى (12: 4 - 8) تشدّد على صفة الأبناء (تتكرّر اللفظة ست مرات). والثانية (آ 9 - 11)، لا تتكلّم عن البنوّة، بل تُبرز ثلاث نقائض مع ((مان)) (من جهة). دي، (من جهة أخرى). وأخيرًا، هناك آيتان (12: 12 - 13) ترد فيهما الافعال في صيغة الأمر (انهضوا، اصنعوا). هي الخاتمة.

ب - المقدمة (12: 1 - 3)
12: 1 لذلك نحن أيضًا مثل هذا السحاب الكثير الكثيف من الشهود،
فلنطرح عنا كل ثقل
الخطيئة التي تكتنفنا،
ولنسعَ بثبات في الميدان المفتوح أمامنا
12: 2 شاخصين بأبصارنا إلى مبدئ الايمان ومكمّله، يسوع،
الذي بدل السرور الموضوع أمامه،
تحمّل الصليب هازئًا بالعار.
وجلس عن يمين عرش الله.
12: 3 فتأمّلوا بتفصيل ما قاساه الذي صبر على مثل هذه المقاومة لشخصه من قبل الخطأة، لئلاّ تكلّ نفوسكم وتخور.
يظهر في هذا النص تواز متداور في نهاية آ 2: تتكوّن العقدة بعبارتين تدلاّن على الآلام: تحمّل الصليب، هزئ بالعار. ومن كل جهة تتجاوب جملتان تتعارضان مع منظور الآلام هذا: أولاً، السرور الذي تخلّى عنه يسوع، ثم المجد الذي ناله (نلاحظ هنا للمرة الرابعة ((جلس عن يمين)) مز 110؛ رج 1: 3؛ 8: 2؛ 10: 12، وكل مرة مع تفصيل خاص). ونستطيع أن نواصل البحث عن التقابلات: ((فتأمّلوا بتفصيل)) (آ 3) تتوازى مع ((شاخصين بأبصارنا نحو يسوع)) (آ 2). ((ما قاساه)) (آ 3) تذكرنا ((بثبات)) (هيبوموني) (آ 1). ((المقاومة)) (آ 3) تقابل ((الميدان)) (أو القتال) (آ 1). وأخيرًا نجد علاقة بين الاشارة إلى الكلل والخور (آ 3) والوصيّة التي نقرأها في آ 1 بأن نطرح كل ما يثقلنا. وهكذا يمتدّ التوازي حتى يصل إلى قلب النصّ.
ويُبرز هذا التوازي أيضًا تشابهًا بين يسوع والمسيحيين: فالمعلم والتلاميذ يمرّون في ذات الطريق، طريق الثبات والمعاناة والمقاساة. غير أن الكاتب يعرف أيضًا، بفضل تقابل يأخذه من الخارج، أن يجد بينهما اختلافًا. فتكرار اسم الفاعل لفعل ((بروكايستاي)) له معناه: هو يشدّد على الاختلاف بين وضع البداية للمعلّم وللتلاميذ. ما هو أمام (بروكايمانون) التلاميذ بشكل عادي هو النزال، القتال، الميدان. وما هو أمام (بروكايمانيس) يسوع هو السرور والفرح. غير أن ((قائدنا)) اتخذ طريقًا آخر: بدل السرور تحمّل الصليب. وبهذه المقاساة الاراديّة، انضمّ إلينا، وسار على رأسنا. تشبّه بنا (رج 4: 15 و 2: 14 - 18).

ج - التوسّع (12: 4 - 11)
نلاحظ شيئًا مماثلاً في التوسّع حول العلاقة بين المقاساة والبنوّة. حسب 5: 8، تعلّم الطاعة من الألم، مع أنه كان الابن. فإن هو تحمله فتضامنًا مع البشر. وها هو يُقال لنا الآن أن المؤمنين يخضعون للمحنة لأنهم أبناء (آ 7). لا تحمل بنوّتهم القيمة عينها: فالتأديب الذي ينالونه، يجب أن يكمّلهم (12: 6). وهذا الدور الايجابي للمحنة، هو الذي يعطي الكاتب أساس برهانه في آ 4 - 11. فالتأديب أبعد ما يكون باعثًا على اليأس، بل هو يحرك الثقة المسيحيّة والدالة، لأنه يتوخّى قبل كل شيء تقوية رباطات البنوّة مع الله، فيشهد على وجود مثل هذه الرباطات (12: 4 - 8).
أولاً: القسم الأول (12: 4 - 8)
أبرز الكاتب أولاً (آ 4 - 8) هذه الوجهة الثانية. من قال ((تأديب))، قال ((بنوّة)) (الابن يؤدّب). واللفظة اليونانية ((بايدايا)) توافق كل الموافقة هذا الكلام، لأنها تدلّ على الولد (بايس) وتشير إلى التربية والتأديب معًا. نحن هنا في وجهة مؤلمة في الحياة المسيحية لهذا نقول: أدّب، تأديب، مؤدّب.
12: 4 فإنكم إلى الآن، لم تقاوموا بعد حتّى الدم في الجهاد ضدّ الخطيئة
12: 5 وقد نسيتم هذا التحريض
الموجّه إليكم إلى بنين: 
يا ابني لا تحتقر تأديبات الربّ،
ولا تيأس إذا وبخك
12: 6 لأن من أحبّه الرب يؤدّبه،
ويجلد كل من يرتضيه ابنًا له.
12: 7 فاصبروا على التأديب،
إنما الله يعاملكم كبنين،
وأيّ ابن
لا يؤدّبه ابوه؟
12: 8 فإن لبثتم بدون هذا التأديب
الذي يشترك فيه الجميع،
فأنتم نغول (أبناء زنى)
لا بنون.
عالج الكاتب موضوعه عائدًا إلى سفر الامثال (3: 11 - 12) كما قرأه في السبعينية. وهذا السفر اعتاد أن يقدّم أقواله في جمل متوازية: 
يتألف الشطر الاولين من جملتين متوازيتين في صيغة النفي: 
- لا تحتقر - لا تيأس
- التأديب - مؤدّب
ويتألف الشطر الثاني من جملتين متداورتين في صيغة التأكيد: 
- من يحبّ - من يرضى عنه
- يؤدب - يعاقبه
وتوحّدت المجموعة، بفضل التكرار، في سلسلة متداورة مؤلّفة من ثلاثة عناصر: 
- الابن - الابن
- التأديب - مؤدب
- الربّ - الرب 
وتابع كاتب عب هذا الكلام في ذات الاسلوب. فاستعاد عناصر السلسلة المتداورة، ما عدا ((الرب))، وأحلّ محله ((الله))، ثم ((أب)). فجاء التسلسل مرتبًا كما يلي: 
تأديب، ابن، الله
ابن، أدّب، أب
تأديب، ابن.
أبرز سفر الأمثال العطف الذي يظهره الأب، فلم يقل كلامًا مباشرًا عن العلاقة بين البنوّة والتأديب. ولكن هذا هو الأمر الذي يهمّ عب. فشرحُها يتوخّى التشديد عليه لكي يعطي عن المحنة نظرة إيجايبّة جدًا. وهكذا توزّع هذا المقطع الأخير في ثلاث مراحل: 
- تأكيد (12: 7 أ) : أصبروا على التأديب.
- استفهام (12: 7 ب): أي ابن لا يؤدّبه أبوه؟
- نفي (12: 8) : لستم أبناء
يتوضّح التأكيد في جملتين متوازيتين: 
- باسم التأديب - كما مع الابناء
- تصبرون، تقاسون - معكم يتعامل الله
وهكذا نصل إلى تقابل بين ((ابن)) و ((مؤدّب)) (الابن هو الذي يؤدَّب)، وهو تقابل يتوخى الاستفهام أن يدل عليه بشكل صريح: ((أي ابن لا يؤدّبه أبوه))؟ وأخيرًا، تنطبق الفرضيّة السلبية (غياب التأديب، لا يؤدّبه) على القّراء، فيحلّل مضمونها في جملة تناقضيّة، رتّبت ترتيبًا متوازيا: 
- بدون تأديب - نغول
- مشارك - بنون
ينتج عن هذا أن غياب التأديب يتضمّن غياب البنوّة. لا ترضون التأديب، إذن لستم أبناء. هذه الملاحظة تجعلنا نخاف وضعًا من هذا النوع قد تمنيناه للوهلة الأولى. وفي الوقت عينه، لم يعد من معنى لتحفّظات المسيحييّن أمام المحنة.
ثانيًا: القسمة الثانية (12: 9 - 13)
بعد أن بيّن الكاتب أن التأديب لا ينفصل عن البنوّة، أبرز في قسمة ثانية المنفعة التي تمنحها المحنة بما فيها من تأديب: 
12: 9 لقد كان أباؤنا بحسب الجسد (حسب البشرية)
يؤدّبوننا
وكنا ننقاد لهم
فكم بالاحرى يجب أن نخضع
لأبي الأرواح،
فتكون لنا الحياة.
12: 10 إن أولئك، لأيام قلائل،
وعلى هواهم،
كانوا يودّبوننا
أما هو فلفائدتنا
لكي يشركنا في قداسته
12: 11 كل تأديب في الحال
لا يبدو باعثًا على الفرح بل على الغمّ
ولكنه في ما بعد، ثمر برّ سلميًا
يُعقب للذين راضهم.
واستخلص الكاتب حالاً من هذه الاعتبارات المشجّعة، النتائج العمليّة، فأطلق نداء للوقوف من جديد بعيدًا عن التراخي. وهكذا نكون في خاتمة هذا الاتجاه كله (12: 1 - 13)
12: 12 فأنهضوا إذن أيديكم المسترخية، وركبكم الواهنة،
12: 13 واصطنعوا لأقدامكم مسالك أمينة،
لكي لا يشرد الأعرج بل بالحريّ يبرأ.
كان التعبير في آ 9 - 11 في ثلاثة تقابلات متناقضة. قابل التناقضان الأولان بين تربية بشريّة وتربية إلهيّة. وعارض التقابل الأخير بين حاضر مؤلم ومستقبل زاهر. وما يُبرز هذه الوحدة هو ألفاظ عن التربية: في التقابل الأول: مؤدّب. في التقابل الثاني: يؤدّبوننا. في التقابل الثالث: تأديب. في التقابل الأول، نقرأ فعل ((انترابوماتا)) الذي هو موضوع جدال. استُعمل مرة واحدة في العهد الجديد (1 كور 4: 14، لإخجالكم) في صيغة المعلوم. ونجده في الصيغة الوسطيّة ثماني مرات: خمس مرات في الأناجيل الازائية مع المفعول به (رج مت 21: 37: يهابون ابني). مرتين في الرسائل البولسيّة، بدون المفعول. رج 2 تس 3: 14 ((لكي يخجل)) والمرة الأخيرة في هذا النصّ من عب. كيف نفهم هذا الفعل هنا؟ بما أن السياق هو سياق خضوع تقول: ((نحترمهم، ننقاد لهم)). وهكذا تصبح الجملة كما يلي: 
- ليؤدّبونا - لتكون لنا الحياة
- آباؤنا حسب الجسد - لأبي الأرواح
- نحترمهم - نخضع.
هذه نظرة، ولكنها تحوّل ((نحيا)) (زيسومان) إلى ((تكون لنا الحياة)). وتقرأ ((كمؤدبين)) لا ليؤدبونا)). لهذا تُبنى الجملة بعناصرها الستة كما يلي: 
لنا مؤدبّون نكون خاضعين 
أباؤنا حب الجسد أبو الارواح
((كاي انترابوماتا)) ونحيا.
وهكذا تصبح ((انتربوماتا)) بدون مفعول، شأنها شأن نحيا. وهكذا نرى في هذا الفعل لا موقف الولد أمام مربّيه، بل النتيجة التي حصلت عليها التربية. وهكذا لن يكون المعنى، هاب، احترام، بل تربّى، تأدّب، خضع، تهذّب (رج تروبوس في 13: 5). و ما يثبت هذا الموقف، هو أن الكاتب يستعمل مرّة ثانية فعل ((ترابو)) في الصيغة الوسطيّة مع ((إك)) لا مع ((إن)) وهذا ما يصل بنا إلى معنى معاكس: مال، ابتعد، شرد (آ 13). أيكون الكاتب استعمل فعلين من جذر واحد ليكوّن تضمينًا بين بداية هذه القسمة (آ 9) ونهايتها (آ 13)؟ ربما.
في التقابل الثاني (آ 10)، تبدو البنية متداورة. قلبُها فعل أدّب. نجد قبله وبعده اسم فاعل في صيغة الحياد مع حرف الجرّ. معنى الشقّ الأول: حسب هواهم، على ما بدا لهم. في الشق الثاني نجد ((ابي)) مع المنصوب، بالنظر، لكي (غائيّة): الله يؤدّبنا لفائدتنا. ولكن يُطرح السؤال: ما الفرق بين تربية يقدّمها الله وتربية يقدّمها البشر؟ فهل يريد الكاتب أن يقول إن الوالدين لا يطلبون فائدة (منفعة، خير) أولادهم؟ أما يجب أن نبحث عن معنى آخر غير الغائيّة؟ بل نتطلّع إلى مدى تدخّل الله في حياتنا. وهكذا تلتقي ((كاتا)) (حسب، على، في الشق الأول) مع ((ابي)) (في الشق الثاني). الأولى، أشارت إلى ما في كل تربية بشرية من أمور غير أكيدة. والثانية دلّت على تربية الله التي هي أكيدة كل التأكيد. فالآباء لا يؤدّبون إلا على هواهم. حسب ما يشعرون، حسب ما يظنون ويرون. أما تربية الله فتنظر بشكل مباشر إلى المنفعة الحقيقيّة.
وماذا عن التقابل الثالث (آ 11)؟ اللفظة المشتركة بين قسمي التقابل (كل تأديب)، نجدها في رأس الجملة. ثم هناك تعارض بين هذين القسمين (في الحال، في ما بعد)، وفي داخل كل منهما جاء الأول أكثر وضوحًا: الفرح والغم. والثاني أكثر وضوحًا: ثمر سلميّ، راضَ. تعود بنا فكرة الترويض إلى استعارتين رياضيّتبن استُعملتا في 12: 1 (السعي والنضال والميدان) لتهيّئ هذه الخاتمة التي تجد نفسها في المنظور عينه (12: 12 - 13)، مع صيغة الأمر (إنهضوا، اصطنعوا) كما في آ 1 - 3. ذكّرتنا آ 13 ببداية المقطع في تضمين (ننقاد لهم، آ 9) وببداية الاتجاه (مسالك مستقيمة، رج آ 1 نسعى) فدلّت على النهاية، وفي الوقت عينه أعلنت موضوع القسم الرابع (12: 14 - 13: 25): ((اصطنعوا لأقدامكم مسالك مستقيمة)).
الفصل الحادي والثلاثون

الآباء الأوّلون
11: 1 - 7

نحن هنا في الاتجاه الأول (11: 1 - 40) من القسم الرابع (11: 1 - 12: 13). قسمنا هذا الاتجاه إلى أربعة مقاطع: الآباء الأولون (11: 1 - 7)، ابراهيم (آ 8 - 22)، موسى (آ 23 - 31)، أبطال منتصرون وأبطال متألمون (ا 32 - 40). ونتوقّف عند المقطع الأول.
بعد مقدّمة تعطي تحديد الإيمان، ومبدأ يربط ما لا يرى بما يرى، يقدّم لنا الكاتب ثلاثة أشخاص جاؤوا في الكتاب المقدس قبل ابراهيم: هابيل، أخنوخ، نوح.

1 - تفسير الآيات 
نوزّع هذا التفسير في خمس محطّات كما ترد في نص عب.

أ - ما هو الإيمان (11: 1 - 2)
لسنا هنا أمام تحديد للايمان في كل معنى الكلمة، بل وصف له بالنظر إلى الرجاء، وتشديد على النتائج العمليّة في حياة المؤمن. نقرأ ((هيبوستاسيس)) ما يُوضع تحت، السند، الاساس، القوام. يقابل في العبرية ((م ش ا)) (تث 1: 2) ((س ود)) (إر 23: 22) ((ت ك و ن ه)) (حز 43: 11). إلى الإيمان يستند كل ما نرجوه. فالايمان يكفل السماويات التي نرجوها. هو لا ينفي كل شك وحسب، بل يعطينا الثقة بأننا ننعم بها بشكل نهائيّ. هناك متانة وثبات في الايمان: بستيس مع هيبوستاسيس. فالحياة الأبدّية التي بدأت هنا، هي باكورة القيامة والخلاص (2 كور 1: 22؛ 5: 5؛ أف 1: 14). وهذا الخلاص الذي تمّ بالنسبة إلى المؤمنين، ينتظر ملء كماله في يوم الرب (روم 8: 23 - 25، 30؛ غل4: 7).
وموضوع الايمان موضوعان: مستقبل وُعدنا به (الخيرات الابديّة التي نلناها بالفداء)، وحاضر غير منظور مثل تشفع الحبر من أجلنا في السماء. ((برغماتون))، الأشياء، الأمور. نربطها بـ ((المرجّوة)) (البيزومانون) أو بـ ((المرئيّة)) (بلابومانون). الأمور غير المرئيّة. فالأمور اللامرئية لا تتوافق كل الموافقة مع الأمور المرجوّة. فهي تضمّ أحداثًا معاصرة أو سابقة لا نعرفها إلا بتلك الطريقة، مثل الخلق (آ 3). وهكذا نكون أمام عالمين (8: 5): الروحيّ أو الالهيّ، والمادي. بالإيمان ينال الروحي يقينًا لا نجده عند المادي. أما الأمور المرجوّة، فالايمان يكفل اقتناءها، يُدركها بشكل من الأشكال، فيولّد الثقة. جُعل اسم الفاعل ((البيزومانون)) في صيغة الجمع، لأن موضوع الرجاء كما يُنظر إليه هنا، متنوّع لدى الاشخاص الذين سيتكلّم عنهم ف 11.
((برغماتا)) لا تعني فقط الأشياء الجامدة. بل ((الأمور))، وذلك في إطار قانونيّ (1 كور 6: 1)، أو عمل (براسو) شخص حرّ ومسؤول: عب 6: 18؛ رج لو 1: 1؛ برغماتون، أي خبر أعمال المسيح. رج أيضًا سفر ((أعمال الرسل)) براكسايس تون ابوستولون. أما هنا، فاللفظة تعني السلوك الحياتيّ حسب مشيئة الله (كما في ف 11). أو الأشارة إلى وساطة المسيح الكهنوتيّة وارتفاعه إلى السماء، إلى عمل ذبيحته السامي. إذن ((أو بلابومانون)) اللامرئيات، تدل على نشاط حبرنا في السماء، وهو نشاط لا يُرى إلاّ على ضوء الايمان. وهكذا نكون أمام موضوعي الايمان: أمور نرجوها. الباعث على الثقة. وهكذا ينظر المسيحيّ إلى اللامنظور.
((إلانخوس)) (مراحدة في العهد الجديد، هـ و ك ح ت)، يعني في السبعينية: البحث (حك 1: 9)، التحكيم (أي 16: 21)، النقد (أي 6: 26)، التذكّر (حسب 2: 1)، اللوم (حك 2: 14)، التوبيخ (أم 1: 22 ،25، 30؛ سي 20: 1؛ 21: 6)، الشجب (سي 16: 21، العقاب (هو 5: 9). أما هنا فيعني: البرهان، وسيلة إقناع. وهكذا جاء الشقّ الثاني يوضح الشقّ الأول ويكملّه على المستوى العقلي: ليس الايمان فقط ما يكفل الامتلاك، بل ما يبعث على اليقين بوجود أمور نرجو امتلاكها أو هي تبقى خفيّة. هو برهان دائم يولّد اليقين، وبالتالي الثقة والصبر والجهاد. رج ((ي ك ح)) في العبريّة: أقنع، برهن، حكم في قضيّة. فالانسان العائش في الشك لابتعاد مجيء الرب الثاني، يحتاج إلى الإيمان ((ليُعاين ما لا يرى)) (آ 27). هنا نذكر ((هيبوستاسيس)) وارتباطها بالايمان (ا م ن، ا م و ن ه، ثبات، دوام، حقيقة). ولا ننسى ((إلانخوس)) التي تشير إلى البرهان القانونيّ. فكفالة الايمان وقوّته لا تأتيان إلاّ من الله الذي يُسند يقيننا في العهد القديم (الانتظار) كما في العهد الجديد، بعد أن تمّ لنا سرّ الخلاص في يسوع المسيح. 
تشكل آ 2 انتقالة بين سمات الايمان الأساسيّة وممارسته لدى الأباء. وتوضح الموضوعَ العام في ف 11. فالايمان (غار) أكيد وحقيقيّ، بحيث إن الذين عاشوه نالوا رضى الله. تيقّنوا أن تعلّقهم بالامور المنظورة كان مؤسَّسًا أساسًا متينًا. الأقدمون (براسبيتاروي) هم (الآباء) (1: 1؛ مت 25: 2)، ويقابلون ((نحن)) (هامايس، 12: 1). وأول الآباء ابراهيم كما قال فيلون في كتابه حول ابراهيم (270). كان الأقدمون شهود الايمان بالمستقبل وباللامرئيات، بواسطة أقوالهم وحياتهم، فنالوا بركة الله. ((إن توتي)) تعود إلى الايمان: نال الأقدمون شهادة الايمان. أي شهد لهم الايمان كأنه شخص حيّ. 

ب - المنظور واللامنظور (11: 3)
انتظرنا لائحة الشهود الذين رضي الله عنهم، فاذا نحن أمام بند من بنود الايمان: خلْق العالم، الذي هو موضوع وحي إلهي. آمن به المؤمنون في كل الأجيال، في العهد القديم كما في العهد الجديد. رج آ 1 ب وبرهان يقدّمه الايمان للعقل. ننطلق ممّا يُرى (العالم) فنصل إلى ما لا يرى، إلى الله خالق العالم بكلمته. تجاهل الفلاسفة (والهراطقة) تدخّل الله في خلق العالم (2 بط 3: 5). أما المسيحيّ الذي يؤمن (بستاي، صيغة الجر، أي بواسطة إيمانه، أو بالطريقة التي بها يؤمن، 2 كور 1: 24؛ تي 2: 2) فينضمّ إلى الآباء ويفهم تكوين العالم. نوياوو أي جعل في فكره بواسطة الحواس، أو بعد إعمال الفكر (على ضوء الله، 2 تم 2: 7). فهم. نحن هنا في خاتمة برهان ينطلق من بعض المعطيات (مثلاً، المعجزة)، فيصل إلى فهم الامور واكتناهها (مت 15: 17؛ 16: 9 - 11 مع ((ديالوغيزاماي)) 24: 15؛ أف 3: 4). ندرك بُعد البرهان. ونستخرج النتيجة. فنكتشف ما ليس بمنظور (حك 13: 4؛ رو 1: 20). وبمختصر الكلام ننطلق من فعل الايمان، الذي يفترض قبول الوحي، فنصل إلى معرفة الحقيقة الالهيّة (10: 26). وهنا، في عب، يقرّ المؤمن أن الله صنع الخليقة (أي 38: 4 ي) ت ي ز و. إن فعل ((كاتيرتيزو)) يعني رتّب، نظّم (10: 5؛ رج مز 54: 16؛ 89: 38، في العبرية: ك و ن) يدل على توزيع أعمال الخلق كما في تك 1. لهذا، لا تدل لفظة ((أيوناس)) على مراحل أعمال الخلق في الزمان (الدهور)، بل على مختلف المخلوقات: الجلَد، الأرض، الكواكب (أي كل مخلوق يمفرده، بنتا، رج أي 1: 3). جاء الفعل في صيغة الكامل، فدلّ على ديمومة هذا العمل المتشعّب (2 بط 3: 4) الذي رتّبه الله بكلمته، بقدرته. الذي جعله متناسقًا بحكمته.
أما آ 3 ب فتدلّ على ما وصل إليه تمييزُ الايمان. إن الأداة ((ايس تو)) مع المصدر تدلّ على النتيجة (بحيث إن) لا على الغاية (كي). رج روم 1: 20؛ 6: 12؛ 2 كور 8: 6؛ غل 3: 17. بكلمة الله كُوّنت الخلائق بحيث إن العالم المنظور لم يخرج من المنظورات، المرئيات. اللامرئيّ هو علّة المرئيّ. الله خالق هو. والمادة ليست أزليّة. وهكذا نرفض الالحاد (وإنكار وجود الله) والحلوليّة (يحلّ الله في كل شيء فيصبح كل شيء الله) والشرك (هناك أكثر من إله) والثنائيّة (هناك إلهان، الله والعالم أو المادة). هكذا نكون أمام مبدأ التدبير الالهي الذي يتعلّق به الايمان. ينظر المؤمن إلى ((صورة هذا العالم)) (1 كور 7: 31)، إلى الأحداث البشرية ووقائع التاريخ، فيفهم أن كل هذا يدلّ على حكمة الله وعنايته. ذاك هو الإطار لما سيقوله الكاتب فيما بعد: الخليقة الماديّة هي الموضع الذي فيه يسير التاريخ البشريّ.

ج - ذبيحة هابيل وشهادة الله (11: 4)
لم يذكر الكاتب آدم وحواء. فمديح الايمان يبدأ مع الجيل البشري الثاني، مع رجلين لم يريا الله، فمثّلا عندذاك التمييز بين الأخيار والأشرار. نشير هنا إلى أن التقليد اليهودي امتدح هابيل كثيرًا (يوبيلات 4: 1 - 4 ،7 ،31؛ رؤيا موسى 1: 3؛ 2: 2...؛ أخنوخ الأول 22: 6 - 7...). كما نشير إلى أن أول فعل إيمان ارتبط بذبيحة (ذبيحة المسيح). ((بلايون))، نوعيّة أحسن (قال تيودوريتس: تيميوتاران؛ رج مت 5: 20؛ 6: 25: مر12: 43؛ يو 21: 15). أو كميّة أكبر (1 كور 9: 19؛ 15: 6). يطرح سؤال: بماذا تفوّقت ذبيحة هابيل (أبكار القطيع) على ذبيحة قايين (محاصيل الأرض، رج تك 4: 3 - 4)؟ قال يوسيفوس (العاديات 1: 2): كان قايين جشعًا بخيلاً، يحتفظ بالاحسن له، أما هابيل فقدّم أفضل ما عنده. لا ننسى أننا أمام تفضيل للذبائح الدمويّة، على التقادم الزراعية، حين دوّن سفر التكوين في شكله النهائي، أي القرن الخامس ق.م. هناك تلميح خفيّ في السبعينيّة يدلّ على أن قايين كان يقدّم ما يقع تحت يده، فلا يختار الأفضل. أما هابيل فيقدّم البكور أي الأفضل.
حسب عب، ايمان ابراهيم المرتبط بعاطفة السجود للعزّة الالهية، هو الذي جعل ذبيحته مقبولة لدى الله. قابل أوغسطينس (رسالة يوحنا الأول 5: 8) بين محبّة هابيل، وبغض قايين. لهذا، دلّ الله على رضاه واعتبر عبده مبرّرًا. نُسبت صفة البرارة أول ما نُسبت إلى نوح، في العهد القديم (تك 6: 9)، ثم نسبها الرب نفسه إلى هابيل (مت 23: 5). هناك من يقول: بُرّر بالذبيحة (دي هيس تعود إلى تيسيا أي الذبيحة). وآخر: برّر بالايمان (بستيس). إذا كان الايمان أعطى الذبيحة ثمنها، فالذبيحة أنالت هابيل المؤمن البرّ. رج تك 4: 4. المؤمن الأول كان أول من نال شهادة من الله (آ 2)، أول من برِّر (روم 3: 21). وكيف ظهر ذلك التبرير؟ بمعجرة. قالوا نزلت نار من السماء كما حدث لإيليا (1مل 18: 38)
فهم الشق الأخير من الآية كما يلي: ايمان هابيل وموته مثل بليغ لجميع الأجيال، في الكتاب المقدس. فالشهادة (مرتيرونتوس) هي أن الايمان قد يواجه الموت (12: 4)، فيبقى واثقًا بأن الله لا يتخلّى عنه. ((أبوتاناوو)) (مات). ليس الكلمة الأخيرة في حياة البار (ديكايوس). وهكذا صار المؤمنُ الأول الشهيد الأول، ونموذج المسيح الذي هو الشهيد الأخير (عب 12: 24). دم هابيل ما زال يتكلّم فيصل إلى أذني الله: هو يدعو البشر إلى المصالحة، ويذكّرهم بأن المسيح كفّر عن خطاياهم. وهكذا يصل صوت هابيل إلى الله، وإن مات.

د - انتقال أخنوخ وشهادة الله (11: 5 - 6)
وضعُ أخنوخ الذي ولد متوشالح (تك 5: 22) وضعٌ فريد، بعد ما توسّع فيه التقليد اليهوديّ والمسيحي: هو نموذج الحكمة والتقوى. خليل الله وصديقه، حامل وحي عن أسرار الله. ماهى المعلّمون مع ((ماتاترون)) الجالس على العرش، الذي يتوسّط الله والبشر، فيلعب دور الشفاعة والمصالحة بالنسبة إلى بني إسرائىل. أما عب فاحتفظت بسمتين من هذا التقليد الواسع: رضي الله عنه، نقله.
قال تك 5: 24 إن أخنوخ سلك مع الله (مديح لم ينله أبٌ من الآباء). قالت السبعينية: أرضى الله (رج تك 17: 1؛ 24: 40؛ 48: 15؛ مز 115: 9). ورضى الله عنه ميّزه عن سائر الآباء، فلم يمت. يقول النص العبري: لم يوجد بعد (إ ي ن ن و)، لأن الله أخذه. إن فعل ((ل ق ح)) (ر ج سي 44: 16) الذي نجده في السبعينيّة (ماتاتيتيمي). يعني بدّل، نقل من مكان إلى آخر (رج أع 7: 16). قد صار في سي 49: 14: أنالمبانو (أخذ ورفع إلى فوق) وفي حك 4: 10 ((هربازو)). كيف نفهم هذا الارتفاع؟ اعتبر آباء الكنيسة أنه جُعل في الفردوس الأرضيّ. ولكن هذا الفعل يعني أيضًا: مات (انتقل إلى ديار الربّ). نقله الله من هذا العالم الفاسد. اعتبر الدفاع المسيحي انتقال أخنوخ كصورة مسبقة عن المسيح القائم من الموت، فردّ المعلّمون اليهود أنه مات موتًا طبيعيًا بل لم يصل إلى ما وصل إليه سائر الآباء من عمر مديد. هنا نشير إلى أن عمره هو سنة كاملة من السنين: 365 سنة.
أما عب فحدّدت هدف (أو نتيجة) هذا الانتقال، هذا الاختطاف: ما مات بسبب الشيخوخة، بل مات باكرًا فكان موته بركة. ومهما يكن من أمر، فإن هذا الامتياز كان جزاء ايمانه. هو ما زال حيًا، كما ما زال هابيل يتكلّم. قبل أن يُخطف أخنوخ، نال من الكتاب شهادة تدلّ على رضى الله عنه. بل إن هذا الاختطاف يدلّ على رضى الله.
وتتحدّث آ 6 عن ضرورة الايمان المطلقة من أجل الخلاص. انطلقت من أخنوخ الذي لم يُذكر إيمانه في تك 5: 22 - 24: لا بدّ أنه كان رجل إيمان ليقول الكتاب إن الله رضي عنه.
فبدون الايمان لا نستطيع أن نرضي الله. هو مبدأ عام يستعيد 10: 38: البار بالايمان يحيا. رج ((إواراستيو)) (13: 16، مراحدة في العهد الجديد، يرتضي، وهناك الصفة ((إوارستوس)) (مرضيّ) في روم 12: 1؛ 14: 18؛ 2 كور 5: 9؛ فل 4: 18. بدون الايمان يستحيل هذا الارضاء. هذا يعني أن الايمان هو كل شيء، وهو يضمّ مجمل علاقات الانسان بالله. فهي تتيح (داي، يجب، على مستوى الطبيعة وعلى مستوى العناية الالهيّة) للانسان أن يطلب الله والخلاص (أع 15: 17؛ روم 3: 11)، أن يقترب منهما (7: 25؛ 10: 22)، وينالهما (4: 6، 16). لهذا، كان الايمان قوام (أساس) ما نرجو.
ويكون لهذا الايمان موضوعان يقابلان ((غير المرئيات)) (أوبلابوماننتس) والمرجوات (البيزومانوي) كا في آ 1: الايمان بوجود إله شخصيّ (حك 13: 1)، غير منظور في طبيعته (روم 1: 20؛ (تم 1: 17). الايمان بعنايته التي تجازي، والتي هي أساس ما ننتظره من سعادة: فالله يعطي (غيناتاي. يصير، يُصبح، يجعل نفسه. لا ((استين))، هو) الجزاء العادل للذين ابتغوه (ميستابودوتيس، مراحدة بيبليّة؛ رج 2: 2؛ 10: 35).

هـ - من اللامنظور إلى الخلاص (11: 7)
وصُوّر ايمان نوح (((حفيد)) أخنوخ) أفضل ممّا صُوّر إيمان سابقيه، فصار مثالاً مباشرًا لقرّاء الرسالة. فهذا الايمان يستند إلى وحي إلهيّ صريح (خريماتيزو). وجب عليه أن يُعدّ السفينة (الفلك، التابوت كذا في العبرية: ت ب ت) لينجو من كارثة لم يكن شيء منظور يُنذر بها. طوفان تام! هل هذا معقول؟ ومع ذلك، آمن نوح بكلمة الله، فبرهن بإيمانه عن واقع لا يُرى (آ 1). ولم يكن إيمانه هذا عاطفة سريعة فقط. بل تعلّق تعلّقًا دينيًا عميقًا بهذا القول الالهي (اولابيوماي، مراحدة في العهد الجديد، رج 5: 7): بنى، صنع، كانت طاعته ناشطة، فاعلة.
إيمان نوح رفعه فبنى السفينة. وبهذا الايمان (دي هيس) شجب العالم، وحكم على معاصريه الذين لم يهتّموا باللامرئيات، وتمرّدوا على كلمة الله (رج حك 4: 16؛ مت 12: 41؛ 24: 37 - 39؛ 2بط 3: 20؛ 2 بط 2: 5). حكم على معاصريه، كما حكمت توبةُ أهل نينوى على لا إيمان اليهود. فنوح وأهل بيته وجدوا نفوسهم في تعارض مع ((العالم))، فنالوا الخلاص في إيمان عبرّوا عنه في إعداد ((التابوت)). أما الباقون فهلكوا.
شدّد النصّ على المجازاة الشخصيّة التي نالها الايمان: برّر نوح (10: 38): ورث (امتلك 1: 14) هذا البرّ، الذي لا نناله في أعمال حسب الشريعة (7: 5)، بل في الإيمان (روم 4: 11 ،13). فالايمان هو الوسيلة التي بها نرضي الله، والتي بها سُمِّي نوح ((ص د ي ق)) (صدّيق، بار، حسب الكتاب، تك 6: 9؛ 7: 1). وبهذا الايمان أيضًا يتغلّب المسيحيون على تعييرات المضطهدين (10: 33) وينالون باكورة مواعيد الله (11: 12؛ رج 10: 36).

2 - قراءة إجماليّة
(( أما الايمان فهو قوام المرجوّات، وبرهان غير المرئيّات. به شُهد للأقدمين شهادة حسنة)) (11: 1 - 2)
قال الكاتب في 10: 39: ((نحن من أبناء الايمان)). وها هو يطلق مديحًا للايمان يبدأ بتحديد قصير. نلاحظ هنا أن تحديد الايمان هذا لا يحيط بهذه الفضيلة الالهيّة من كل جوانبها، بل هو يجعلها في منظور الرجاء الذي ينتج عن مواعد الله. وهذه المواعد لم تتمّ بعد في خبرة أهل الايمان الذين ينتمون إلى الزمن السابق لمجيء المسيح، والذين يبدون مثال البطولة لموضوع يريد الكاتب أن يتوسّع فيه. فالانسان الذي لا إيمان له، يكون رجاؤه غير أكيد، ويتأثّر بالخوف. أما رجل الايمان، فرجاؤه أكيد وهو يستند إلى الحقيقة التي بها وعد الله الذي لا يمكن أن يكذب. ارتبط الايمان بالرجاء ارتباطًا وثيقًا، فصار الواحد يحلّ محلّ الآخر. ((فاعتراف رجائنا)) (10: 23) الذي نتمسّك به بدون انحراف ولا تراخ، يقابل ((اعتراف إيماننا)) لأن الذي وعد أمين. و((ثقة الايمان التامّة)) التي تدعونا للاقتراب من الحضرة الالهيّة (10: 22) تقابَل مع ((ثقة الرجاء التامّة)) (6: 11) والرجاء الافضل الذي به نقترب من الله (7: 19). وفي 6: 18، ألحّ الكاتب على قرّائه أن يتمسّكوا بهذا الرجاء الموضوع أمامهم. ولكن هذا التمسّك (أو الثبات) هو فعل إيمان حين يكون الغرض الذي نطلبه هو الرجاء الذي يتركّز على كلمة وعد لا بدّ أن تتمّ. ذاك هو الارتباط الوثيق بين الايمان والرجاء، وهو يظهر بشكل واضح في آ 1: الايمان يوكّد لنا الأمور التي نرجوها.
حدّد الايمان بأنه ((يقين (برهان) أمور غير مرئيّة)). وحده الايمان يكفل البركات التي نرجوها، ويؤكّد أمورًا ما زالت غير مرئيّة الآن. فمع أن هذه البركات الموعودة لم تُكشف بعد، إلاّ أن رجل الايمان مقتنع بحقيقتها. وهذا اليقين هو الذي دفع بولس لكي يقول بثقة تامة: ((إن آلام الدهر الحاضر، لا توازي المجد الذي سيُكشف لنا)) (روم 8: 18). لهذا أعلن أن لا شيء يفصلنا عن محبّة الله في المسيح يسوع ربنا: لا الموت ولا الحياة... ولا خليقة أخرى (روم 8: 38 - 29). وهذه الثقة (وهذا اليقين) هي صفة ديناميكية، صفة تدفعنا إلى اتخاذ موقف عمليّ، لا أن نتوقّف عند شعور يجعلنا نرضى عن نفوسنا ولا نتحرّك.
بهذا الايمان الذي حدّدته آ 1 ورسمه مثال أناس عاشوا في العهد القديم، مثل الآباء أو الأقدمين، ننال رضى الله. فبالنسبة إلينا، كما بالنسبة إليهم، يجب أن يكون الايمان الدافع لكل سلوكنا. من شهد للأقدمين؟ هذا ما لا يقوله النصّ. هو الله نفسه. وقد يكون الكتابَ الذي يحمل كلام الله. أجل، الله شهد لهم فهل يحتاجون بعد إلى شهادة الناس؟
((بالايمان نفهم أن العالم أنشئ بكلمة الله، بحيث إن ما يرى صدر عمّا لا يُرى)) (11: 3)
من المنطق أن ينتقل النصّ من آ 2 إلى آ 4: ذكر الأقدمين. فلماذا لم يبدأ حالاً بهابيل، بل بدأ كلامه عن الخلق؟ لقد أراد أن يتبع الترتيب التقليدي الذي يبدأ بخبر الخلق (تك 1: 1ي) ليصل إلى الكلام عن الآباء. وتبدأ الآية بلفظة ((بالايمان)) التي ستعود أكثر من مرّة (آ 3 ،4 ،5 ،6 ،7، 8...) في ف 11. بالإضافة إلى ذلك، فكلمة الله التي هي قوّة حياة وحركة بها خُلق العالم وتوجّه إلى كمال أعدّ له (1: 3؛ 4: 12) هي الحقيقة، التي دلّت مواعيدُها على الايمان وثبتّت مؤمني العهد القديم في الرجاء. فإيمانهم (وإيماننا) اعترف بالله خالقًا وفاديًا، وأدرك أن الخلق الجديد في المسيح يكمّل قصد الله حين خلق الكون والانسان. ففي نظر الايمان، لا يفترق المستقبل عن الماضي، والأصل عن التكملة، والنهاية هي منذ الآن في البداية. ففي المسيح، صالح الله مع نفسه العالم الذي خلقه (2 كور 5: 19). والايمان يضمّ الخلق والخلق الجديد. أجل ((بالايمان)) نفهم أن العالم خُلق بكلمة الله.
والايمان الذي يتحدّث عنه الكاتب، ليس إيمانًا أعمى، ولا تصديقًا فارغًا لا يستند إلى العقل. فالايمان هو حسّ رفيع تنيره الحقيقة. فكلمة الله التي نتجاوب معها هي قوّة وهي نور (مز 119: 105). ففي المنظور البيبليّ، الايمان والوحي يسيران معًا، والوحي يتضمّن نشاطًا عقليًا: بالايمان نفهم. وأصل كل ما تمّ بكلمة الله الخلاّقة، حقيقة تعلن أن كل ما نعرفه إنما نعرفه بالوحي، وهذا ما يتطلّب جواب الايمان.
إن قوّة كلمة الله الخلاّقة تظهر أول ما تظهر في سفر التكوين مع عبارة: وقال الله: ليكن (تك 1: 3 ،6 ،9...). ونجد الحقيقة عينها في مز 33: 6 ي: ((بكلمة الرب صُنعت السماوات... لتخف الأرض الرب... قال فكان كل شيء. أمر فصار كل موجود)). وأعلن الانجيلي: ((به صُنع كل شيء، وبدونه لم يكن شيء ممّا كوّن)) (يو 1: 3). وشرح الرسول كيف أن كلمة الله التي عملت في الخلق، هي التي تعمل في الخلق الجديد: ((لأن الإله الذي قال: ((يشرق من الظلمة نور))، هو الذي أشرق في قلوبنا، لكي تسطع فيها معرفة مجد الله المتألق في وجه المسيح)) (2 كور 4: 6). وأكّد بطرس أننا وُلدنا من جديد بكلمة الله الحيّة الخالدة (1 بط 1: 23). فالمسيح الكلمة هو الذي يفعل في الخلق الأول وفي الخلق الثاني (2 كور 5: 17)، بحيث إن الكلام عن الواحد يعني الكلام عن الآخر.
((بالايمان قرّب هابيل لله ذبيحة أكمل من ذبيحة قايين وبه شُهد له أنه بارّ إذ شهد الله نفسه لقرابينه)) (11: 4)
والكلمة المفتاح في ف 11 (بالايمان) تبدأ سلسلة من الوجوه الايمانيّة التي سبقت مجيء المسيح (رأوا من بعيد المواعد وحيّوها، آ 13). وقد جُعلت في أربع حقبات ((تاريخية)): (1) ما قبل الطوفان (آ 4 - 7): هابيل أخنوخ، نوح. (2) في الحقبة السابقة لموسى (آ 8 - 22): ابراهيم، سارة، اسحاق، يعقوب، يوسف. (3) الحقبة الموسويّة (آ 23 - 29): موسى نفسه. (4) بعد موسى (آ 30 - 38): راحاب وسواها من أبطال الايمان سواء دُعوا بأسمائهم أم لم يُدعوا، من جيل إلى جيل. وأول هؤلاء هو هابيل الذي حدّثنا سفر التكوين (4: 2ي) عن مولده وموته.
رضي الله عن هابيل بسبب إيمانه وكمال قلبه. هو أول مثال عمّا قيل في 10: 38 (رج حب 2: 4) عن البار الذي يحيا بالايمان. إنه ينتمي إلى أولئك الذين كانوا من أبناء الايمان، فنالوا الخلاص وكانت لهم الحياة (10: 39). مع أنهم ذُبحوا على يد أناس أشرار. لا شكّ في أن هابيل مات، ولكنه ما زال حيًا، لأنه ما زال يتكلّم. هذا ما يعود بنا إلى تك 4: 10 حيث نقرأ: ((صوت دم أخيك يصرخ إليّ من الأرض)). وإلى رؤ 6: 9 - 10، حيث دم الشهداء يصرخ إلى الله. وسوف نقرأ في عب 12: 24 إن دم يسوع ((أبلغ منطقًا من دم هابيل)). هذا ما يدلّ في معنى أول على التكفير والمصالحة. ويدلّ في معنى ثان، أن مثال إيمان هابيل ما زال بليغًا حتى اليوم، مع أنه مات من زمن طويل. فمشهد كماله في ثقته بالله، تجاه العنف، يدعونا كي نثبت بالوسائل عينها ونقهر. أجل، مات هابيل. ولكنه ما زال حيًا بإيمانه. هنا نتذكّر كلام الرب لمرتا: ((من كان حيًا وآمن بي، لن يموت أبدًا)) (يو 11: 26).
بالإيمان نُقل أخنوخ كي لا يرى الموت، ولم يُوجد بعد لأن الله نقله. فإنه من قبل أن يُنقل، شُهد له أنه أرضى الله)) (11: 5) 
ما نعرفه في العهد القديم عن أخنوخ، نقرأه في تك 5: 18 - 24: هو ابن يارد، ووالد متوشالح. عاش 365 سنة. سار مع الله. ولم يعد موجودًا في العالم، لأن الله أخذه. وقالت السبعينية: ((أرضى الله)) بدل ((سلك مع الله)). ولكن لا اختلاف بين النصّين، لأن من يرضي الله هو الذي يسلك مع الله، فينعم بعلاقة حميمة معه. هنا نتذكّر الله الذي كان يتمشّى عند برودة المساء في الجنّة. لا شكّ مع الانسان. في العهد الجديد، يُذكر أخنوخ مرتين. مرّة أول في سلسلة نسب يسوع كما في لوقا (3: 37). ومرّة ثانية في يهو 14 - 15 الذي يقول إن أخنوخ جاء يجري الدينونة ويقدّم الحجّة للمنافقين. أما في التقليد اليهودي، فوجه أخنوخ وجه مشرق.
خُطف. هذا لا يعني أنه أخذ من موضع إلى آخر، بل مات، وعنه يقول حك 4: 11 - 13: ((رضي الله عنه فأحبّه، وكان يعيش بين الخاطئين فانتشله منهم... وبلغ أخنوخ من الكمال حدًا لم يبلغه سواه في سنين كثيرة)). لا تقول عب شيئًا عن انتقال أخنوخ، بل تشدّد على إيمانه بعد موته.
((وبدون إيمان يستحيل إرضاء الله، إذ لا بدّ لمن يدنو إلى الله، أن يؤمن بأنه كائن، وأنه يثيب الذين يبتغونه)) (11: 6)
أخنوخ هو مثال حيّ عن مبدأ عام يعلنه الكاتب الآن: ((بدون الايمان يستحيل علينا أن نرضي الله)). فالايمان هو استعداد يميّز علاقة الخليقة بالخالق. فالايمان رباط وثيق يجد تعبيرًا في طاعة إراديّة، وفي خضوع لكلمة الله السامية، وفي إقرار بأعمال الله الخيّرة التي لا يشوبها نقص، وفي ثقة تامّة بمواعيده. ويبيّن لنا تك 3 أن فقدان الايمان يدلّ على تمرّد على سلطة الله، وتساؤل عن صلاحه، وإنكار لحقيقة كلامه. فالتخلّي عن الايمان يقود إلى تصرّف يدلّ على أن الله غير موجود، غير حاضر وفاعل. والانسان الذي لا إيمان له، هو من يحاول بشرّه أن يلغي حقيقة الله (روم 1: 18ي). لا يمكن أن يُحسب في عداد الذين يرضون الله. فمن طلّق إيمانه، قطع الرباط الذي يربطه بالخالق وبالتالي خسر معنى وجوده. صار بدون إله في هذا العالم، صار بدون رجاء (أف 2: 12).
من أراد أن يدنو من الله، يؤمن به أنه موجود. نحن نؤمن، والله هو موضوع إيماننا. كما نؤمن أنه يجازي. هو إله شخصيّ، يسمع صراخ خلائقه فيمنح رحمته وغفرانه للذين يتوبون ويجعلون ثقتهم فيه. لسنا هنا أمام منطق التاجر الذي ينتظر ((الثمن)). بل إن الاقتراب من الله بالايمان يتضمّن قولاً بأنه الاله الشخصيّ، أنه القدوس والعادل، أنه يحبّ خلائقه. هو يجازي الذين يطلبونه. ولا يجازي الذين يطلبون جزاءه. فجزاؤه هو عطاء ذاته: من يطلبه يجده هو. والاقتراب من الله لا يكون فقط حين نمارس أعمال العبادة، بل في كل مجالات حياتنا، في الصلاة والعمل، في الشدّة كما في الراحة، في الصحّة والمرض. حياتنا مسيرة مع الله وهو يقود خطانا.
نلاحظ أن الكاتب لا يحاول أن يقدّم البرهان عن وجود الله. فوجود الله لم يكن يومًا في الكتاب المقدس موضوع شك أو جدال. فالتفكير في هذا المجال (مز 19: 1 ي؛ روم 1: 19ي) ينطلق من ثقة أكيدة. فالله هو الواقع السامي واساس وينبوع كل خليقة. وحين يُقال للقارئ الذي يقترب من الله، بأن عليه أن يؤمن أنه موجود، لا يُدعى إلى أن يسير في الظلمة، بل أن يميل إلى النور. لا يطلب منه الايمان الأعمى، بل الثقة في من هو النور والحياة. عندئذ تكون ذبيحتنا ((خدمة عقليّة)) (روم 12: 1)، خدمة يُسندها العقل البشريّ الذي يرى نفسه منجذبًا إلى من هو حياة حياته ونور قلبه.
((بالايمان نوح، إذ أنذر بوحي بما لم يكن بعدُ منظورًا، تورّع فأعدّ تابوتًا (السفينة، الفلك) لخلاص أهل بيته. وبالايمان حكم على العالم، وصار وارثًا للبرّ الذي نناله بالايمان)) (11: 7)
والمثل الثالث للايمان المنتصر يقودنا إلى نوح، الذي اختلف عن هابيل وأخنوخ، فرُوي خبره مطولاً في تك 5: 28 - 9: 29. قيل عنه أنه كان بارًا، تامًا، لا لوم عليه في جيله. أنه سلك مع الله (6: 9) مثل أخنوخ، فنال بركة هي علاقة حميمة مع الله. وأشار حزقيال (14: 14) إلى برّ نوح. أما العهد الجديد فصوّره ذاك ((المنادي بالبرّ)) (2 بط 2: 5). ذاك الذي ظلّ ذكره حيًا، لأنه دعا المنافقين إلى التوبة، وإلى الايمان بالله، وحذّرهم من دينونة الله القاسية إن ظلّوا على عنادهم. وفي 1 بط 3: 19 - 20، كانت سنوات بناء التابوت سنوات حلم الله الذي يتأنّى وينتظر عودة الانسان إلى التوبة. 
دلّ نوح على إيمانه حين أخذ في بناء السفينة. أنبأه الله بأمور لا تُرى، بأحداث آتية، وهي طوفان مدمّر، يدين الذين لا يتوبون ويخلّص الذين يأتون إلى السفينة. إن سلوك نوح يؤكّد تحديد الايمان كما في آ 1: ما يرجوه هو الخلاص. يقين ما لا يُرى هو دينونة الطوفان. كل هذا تأسّس على إيمانه بكلمة تلقّاها من الله. من أجل هذا، تورّع، تنبّه، فقام بعمل اعتبره معاصروه جنونًا. غير أن نوحًَا لبث ثابتًا في إيمانه، وبهذا الايمان حكم على العالم. كما صار وارثًا للبرّ. هو وارث وسوف يمتلك البرّ الذي يمنحنا الله إياه في المسيح.
إن خبر نوح يدلّ على تزامن بين الدينونة والخلاص. ففي الوقت عينه، كان الخلاص لبيت نوح والهلاك لعالم رفض أن يسمع كلمة الله ويخضع لها. وما كان وسيلة خلاص كان وسيلة هلاك: فالماء الذي أغرق المعاندين هو الذي حمل السفينة مع من فيها. ففي ساعة الدينونة، تكون الراحة للذين استترت حياتهم في المسيح (كو 3: 3). وما نجا حينذاك سوى الثمانية الذين كانوا مع نوح في الفلك: ((نجوا بالماء)) (1 بط 3: 20). أجل، إن يوم مجيء المسيح لن يكون فقط زمن خلاص تام للذين هم للمسيح، بل زمن دينونة أخيرة للذين استمروا في كفرهم وعدم إيمانهم. فمن لا يريد الله مخلصًا سيجده ديّاناً.
خاتمة
تلك كانت الامثلة الأولى في مسيرة الايمان: هابيل، أخنوخ، نوح. آمنوا بما لا يُرى فذاقوا الرجاء قبل أن يتمّ هذا الرجاء في المسيح. عندئذ رضي الله عنهم، وشهدت لهم الكتب المقدسة، فصاروا لنا مثالاً يُفهمنا أن طريق الخلاص أمامنا وطريق الهلاك، ونحن نختار. نختار المجد والكرامة والخلود حين نصبر على العمل الصالح. أو نختار الغضب والسخط حين ننقاد للشرّ (روم 2: 7 - 8). هكذا يظهر إيماننا، وبهذا الايمان نرضي الله. ولكن هل توقّفت المسيرة مع نوح؟ بل هي تواصلت حتى تبلغ إلينا. تواصلت في شخص ابراهيم الذي دعاه الله فلبّى النداء معبّرًا عن إيمانه. هذا ما يكون موضوع الفصل التالي في هذه اللوحة الواسعة عن أبطال الايمان.
الفصل الثاني والثلاثون

ابراهيم ونسله القريب
11: 8 - 22

تعرّفنا في الاتجاه الأول (11: 1 - 40) إلى الآباء الأولين، الذين جعلهم سفر التكوين قبل الطوفان أو في الطوفان: هابيل، أخنوخ، نوح. ما تميزّوا به هو أنهم أرضوا الله. وما فعلوه كان الدافع إليه الايمان. فإن ف 11 من عب موضوعه الايمان. ومن مثل ابراهيم عاش هذا الايمان. هذا ما نتوسّع فيه هنا (11: 8 - 22) فنتوقّف عند شخص ابراهيم وامتداده في اسحاق ويعقوب ويوسف. هناك ثلاث محطّات وكل محطة لها امتدادها: المنفى وأرض الموعد مع عطية النسل. بحث عن الوطن، ولكنهم ماتوا ولم يبلغوه. وأخيرًا، موت الآباء والبركات التي حملوها.

1 - تفسير الآيات

أ - المنفى وأرض الموعد (11: 8 - 12)
ترك ابراهيم أرضه وبيت أبيه، ومضى إلى أرض الموعد. وارتبط بالأرض نسلٌ كبير يكون كنجوم السماء وكالرمل على شاطئ البحر.
أولاً: أرض الغربة ومدينة الله (آ 8 - 10)
معنى ابراهيم في الاكادي: أحبّ الأب. وفي السامية الغربية: هو رفيع بأبيه. صاحب محتد. هذا الأب يكرّمه الىهود والمسيحيون والمسلمون. انطبعت حياة أبي المؤمنين بتعارض متواصل بين واقع حاضر ومستقبل موعود. وسيقول بولس: آمن (أو: ترجّى) على خلاف كل رجاء (روم 4: 18). وكانت حياته مسيرة متواصلة من إيمان إلى إيمان (روم 1: 17). لهذا، توسّع الكاتب في الكلام على هذا الشخص، وهو الذي خضع لكلمة الله وعمل بها (رج يو 8: 37 - 40). هكذا يجب أن يكون نسله (مت 3: 9).
أشارت عب إلى ثلاث سمات في إيمان ابراهيم: آمن فأطاع الربّ (آ 8)، وترك أرضه (فيلون، الفضائل 214). آمن فصبر وانتظر تحقيق مواعيد الله (آ 9 - 10) وانتظرها مثله اسحاق ويعقوب. آمن فقبل بما يجعل تحقيق الموعد مستحيلاً (ذبيحة اسحاق، آ 17 - 19). وشاركته سارة في هذه ((الذبيحة)). لهذا، برّره إيمانه (روم 4). هذا الايمان دفع ابراهيم إلى طاعة عمياء، إلى طاعة مجرّدة تشبه طاعة نوح. نقرأ ((كالومانوس)) (دُعي) في صيغة اسم الفاعل: قبول باطنيّ وعمل خارجيّ. ما إن رنّت كلمة الله في أذن ابراهيم حتّى مضى تاركًا أور وطنه (تك 12: 1 - 4؛ هجرة ابراهيم 23 ي) التي اشتهرت بحضارتها الرفيعة. خضوع بطوليّ، لأن أبا الآباء يسير إلى المجهول. الله يعرف. أما ابراهيم فلا يعرف. من هنا كان المصدر ((ارخاتاي)). أما فعل أطاع، لبّى (هيبيكوسن، صيغة الاحتمال، في وقت محدّد) فيرتبط بفعل سمع (أكوو). عرف ابراهيم وجهته حين وصل إلى حاران (تك 12: 7) أع 7: 2 - 8.
نلاحط التعارض ((بالايمان دُعي)) (بستاي كالومانوس). ثم ((لا يدري)) (مي ابيستامانوس). هذه الثقة بالله هي أساس كل حياة دينيّة. ترك الأمور المنظورة وتعلّق باللامنظورة فدلّ على يقينه بأن الله حقّ ولا يمكن أن يغشّنا. والكفالة: كلمته (آ 1). هي تكفينا.
بالايمان دُعي. وبالايمان نزل (باروكيسن). رج آ 9. كنعان، أرض العبرانيين (تك 40: 15)، الأرض المقدسة (زك 2: 16؛ 2 تك 1: 7) أرض يهوه (هو 9: 3؛ أش 8: 8؛ مز 85: 2). وهي أيضًا أرض (غي) الموعد (ابانغالى): هي ميراث وعد به الله. ولكن ابراهيم لم يقم فيها، بل نزل كغريب (تك 23: 4). هو مرور عابر، مؤقّت. ((بارويكيو)) أقام بشكل مؤقت (تك 17: 8؛ 26؛ 3، ج و ر؛ لو 24: 28؛ أع 7: 4، 6؛ 29: 12: 7). حرف الجر هو ((ايس)) لا ((إن)): يدلّ على التحرّك وعدم الثبات. ((الوتريا)): كان غريبًا في أرض غريبة، وجعل إقامته في خيمة، لأنها إقامة مؤقتة (كالبدو) نقرأ: كاتويكيو، سكن (تك 37: 1). هكذا كان يفعل الجنود الذين لا يطلبون الإقامة في مكان ما. والمستوطنون تجاه أهل الأرض. لا، لن يلتصق ابراهيم بهذه الأرض، بل يتطلّع إلى مدينة أسّسها الله وبناها. ستكون أورشليم السماويّة.
قابل المعلّمون بين هذه الإقامة وطقس عيد المظال: يقيم المؤمنون في الخيام، فيتذكّرون تنقلاتهم في البرية (لا 23: 43 ي؛ نح 8: 13 - 18)، ويتطلّعون إلى إقامة اسكاتولوجيّة في أخبية (لو 16: 9) يقيم فيها الصديقون، في الفردوس. إن حياة ابراهيم التائهة المؤقته، التي قبلها بارادته بروح الايمان، قد شاركه فيها فيما بعد اسحاق ويعقوب اللذين انتظرا هما أيضًا تحقيق مواعيد الله.
وتفسّر آ 10 نفسية هذا العائش رجاء صابرًا يلهمه الايمان. إذا كان ابراهيم رفض أن يمتلك أرض كنعان ويتمسّك بها، فليس حبًا بحياة البدو، بل لأنه كان ينتظر بثقة مطلقة (اكداخوماي، 10: 13؛ يع 5: 7) أن يدخل المدينة الوحيدة التي تستحقّ هذا الاسم. أساساتها أساسات المدينة السماويّة (رج آ 14 - 16)؛ أش 33: 20؛ مز 87: 1؛ 122: 3؛ رؤ 21: 14، 19). هنا نتذكّر أن الأساس يدلّ على الثبات والمتانة. تُذكر المدينة (بولي)، وتذكر الآساسات (تاماليوس). ولكن ما قيمة هذه الأساسات وأمتن أبنية الأرض هي في نظر ابراهيم خيام تجاه ((المدينة الباقية)) (13: 14). فدوام هذه المدينة وأمانها وجمالها وعظمتها تأتي من الله الذي هندسها ونفّذها حسب التصميم الذي وضعه (8: 2؛ 9: 11، ديميورغوس، مراحدة في العهد الجديد). هناك تقليد يهوديّ متأخّر يقول إن ابراهيم رأى المدينة السماوية ساعة قطع العهد مع الرب (تك 15: 9 - 12): رؤيا باروك 4: 4) ما تاق إليه ابراهيم هو رمز إلى أرض الموعد وأورشليم العليا وسكن الله (غل 4: 26).
ثانيًا: نسل كبير (آ 11 - 12)
بالايمان أيضًا، انتظر ابراهيم النسل الكبير، مع أنه كبر في السن ولم يكن له ولد. ذُكرت سارة التي ربطها الخبر البيبلي ربطًا وثيقًا بدعوة ابراهيم والمواعيد التي نالها (اش 51: 2؛ روم 4: 19؛ 9: 9؛ ربط 3: 6). ((كاي أوتي)). هي أيضًا دخلت مع ابراهيم في المسيرة. آمنت مثل ابراهيم. كما أن تنقلات ابراهيم في كنعان لا تُفهم بدون إيمان (آ 10)، كذلك حبل سارة باسحاق. ((آمنت فحبلت كما آمنت)) (تيودورتيس). وهكذا صارت سارة أم المؤمنين، كما كان ابراهيم أبا المؤمنين. وقد نالت القدرة ((ديناميس)) (رج روم 4: 19. ماتت أحشاء سارة) من أجل وظيفة الامومة التي ضعفت مع الوقت. وهكذا ارتبطت المعجزة بالايمان. رج ((إباي)) (5: 2 ،11، لأن، بما أن). وثقت سارة بأمانة الله الذي يُتمّ دومًا مواعيده بالتمام (10: 23؛ 1تم: 1: 12).
وأبرزت آ 12 عظمة المعجزة التي هي عمل الايمان. ((ديو)) من أجل ذلك. هذا ما يدلّ على السببيّة (مع كاي، واو العطف). رج 13: 12؛ لو 1: 35؛ أع 10: 29؛ 24: 26؛ روم 15: 22؛ 2 كور 1: 20 ؛ 4: 13؛ 5: 9. غصن واحد أعطى نسلاً عديدًا (تك 15: 5؛ 22: 17؛ تث 1: 10 - 11). والمدهش (كاي توتا، فوق هذا، رج روم 13: 11؛ 1 كور 6: 6 - 8: 3 يو 5) هو أن سارة لم تكن قادرة البتّة على نقل الحياة، لأنها كانت ميتة من زمان بعيد (روم 4: 19). الله وحده أعطى هذه القدرة التي تعارض نواميس الطبيعة، وفعل ما فعل لأن سارة آمنت بالله وبمواعيده. نلاحظ دومًا الرباط بين الايمان والحياة.
قبل أن يشير الكاتب إلى ظهور ثالث لايمان ابراهيم، يستخرج العبرة من مثال يقدّمه الآباء. كان الايمان مبدأ سلوكهم بحيث اعتبروا نفوسهم سائرين إلى الوطن السماويّ. تلك تكون عاطفة المسيحيين (3: 7؛ 4: 13؛ أف 2: 19).

ب - البحث عن وطن (11: 13 - 19)
بحث الآباء، وماتوا دون أن يجدوا ضالّتهم. فهم يبحثون عن أكثر من وطن أرضي. هم يبحثون عن وطن سماويّ. واسحاق الذي هو النسل قد مات وقام، لأن المؤمن يتطلّع إلى أبعد من اسحاق، إلى ذاك الذي يرمز إليه اسحاق: يسوع المسيح (ف 12).
أولاً: ماتوا وما نالوا (آ 13 - 16)
عاش الآباء الثلاثة الأقدمون (هابيل، أخنوخ، نوح) مستلهمين مبادئ الايمان وما يحمل من بركة. ولكن الايمان أضاء أيضًا على موتهم بأنواره (كاتا بستين، حسب الايمان، على الايمان). فالايمان هو الذي جعلهم يقبلون الموت دون تذمّر، لأنهم لم يمتلكوا بعد خيرات وعدهم بها الله (كنعان التي هي صورة عن الحياة الأبديّة، (آ 39)، لأنهم لم يروا النسل العظيم الذي سيُولد منهم. ولأنهم لم يمتلكوا الخلاص الذي سيحمله المسيح الخارج من صلبهم (يو 8: 56). ((البُعد)) (بوروتان، رج أش 33: 17؛ لو 17: 12، من بعيد) يسيطر على الانسان ويرميه في الغمّ واليأس. ولكن ايمان هؤلاء الذين ماتوا (اباتانون) امتلأ بالثقة وتفتّح في الفرح. هذه هي ((باريسيا)) (ثقة، جرأة، ارتياح، البعد عن الهمّ). الايمان ويقينه الثابت، وانتصاره على كل الأوهام. وفي الساعة الاخيرة، حيث لن يبقى شيء ننتظره على الأرض، نحتفظ بثقة لا شيء يزعزعها. بالايمان رأى الآباء ما يهيّئه الله، وحيّوا بفرح الوطن السماويّ الذي يطلّ في الافق (اسباسامانوس، رج اسباسموس ابراهيم في يو 8: 56، ويعقوب وهو يموت في تك 49: 18، والجمع المؤمن في مر 9: 15). ((هي استعارة مأخوذة من عالم الملاّحين الذين يرون من بعيد المدن المرغوبة فيمتلكونها بتحيّتهم قبل أن يدخلوا مياهها)) (الذهبي الفم).
حين تقابَل الحياةُ على الأرض مع إقامة الابرار، فهي منفى وموضوع عبور مؤقت، فلا نحسّ أننا في بيتنا. أما الآباء فاستناروا بالايمان وما أحّسوا أن انتظارهم خاب أو أنهم أخطأوا السبيل. عرفوا أنهم على الأرض غرباء ومسافرين (بارابيديموي، تك 23: 4؛ مز 39: 13؛ 1 بط 2: 11؛ رج تك 47: 9؛ 1أخ 29: 15؛ أع 17: 21 مع ((كسانوي)) غرباء). إن عبارة ((على الأرض)) أوسع من ((كنعان)). هي تقابل ((سماوي)) (ابورانيو).
ويرد في آ 14 كلام (منفى، غريب، سفر، حج)، لا معنى له إلاّ بالنظر إلى بحث عن موطن ثابت. حين سمّى الآباء أنفسهم غرباء ومسافرين (تك 23: 4)، دلّوا أيضًا أنهم يطلبون وطنًا، كما بيّنوا نظرتهم إلى حياتهم على الأرض في ضوء الايمان. ((إمفانيزو، يعني أظهر، دل. ويعني أيضًا ((بيّن بوضوح)) (مت 27: 53: يو 14: 21 - 22)، أعلن (9: 24؛ أع 23: 15، 22). هذا الايمان ليس فقط نورًا يولِّد اليقين، بل نداء للبحث أيضًا. إنه يحرّك في القلب رغبة في سعادة، ويدعو إلى امتلاكها. ((ابيزيتيو))، ذهب في طلب، في بحث. رج مت 6: 32؛ 12: 39؛ أع 12: 19؛ 13: 17؛ روم 11: 7. هو إيمان فاعل ناجع.
غذّى برهان ايمان الآباء ومتانته الرجاء الذي وجّههم إلى الوطن الحقيقيّ. وهكذا لم يستغلّوا الظروف (كايروس، الوقت المناسب، رج آ 11؛ أع 24: 25؛ غل 6: 10) للعودة إلى الأرض التي جاؤوا منها (أناكمبتو، عاد أدراجه، مت 2: 12؛ أع 18: 21). تركوا أرضًا وُلدوا فيها وما رجوا عودتهم إليها (إكباينو، صيغة الاحتمال. مراحدة في العهد الجديد، خرجوا) بل هم نسوا تلك الأرض (إمنيمونوون، غير الكامل) لأن فكرهم وقلبهم تعلّقا بالسماء التي يقفون على بابها (تك 27: 17). ركّزوا أنظارهم إلى الأمام فما عادوا يهتمّون بما وراءهم كما قال بولس (فل 3: 13): أنسى ما ورائي وامتدّ إلى ما أمامي. رفضوا أن يضعوا يدهم على المحراث وينظروا إلى الوراء. ((باتريس)) تدلّ على أرض وُلدنا فيها (إر 22: 10؛ حز 22: 15) وتعلّقنا بها. لم يكن ابراهيم غريبًا عن كنعان بالنسبة إلى الكلداي، بل بالنسبة إلى السماء التي هي موضع إقامة دائمة تتجاوب مع تطلّعاته. إن ايمانه جعله ينظر إلى الأمام لا إلى الوراء، إلى فوق لا إلى تحت. 
بعد آ 15، نصل إلى آ 16: كانت قلوبهم تصبو إلى وطن أفضل. في الواقع (نين دي). إذن نحن أمام نتيجة لا تسلسل زمني (8: 6؛ 9: 26؛ 1 كور 7: 14؛ 12: 20). إن كان الآباء لا يمتلكون الوطن السماوي (إبورانيو، رج 3: 1)، إلاّ أنهم يصبون إليه بكل جوارحهم (أوراغو في الحاضر. رج 1 تم 3: 1) بحيث يضحّون من أجله برغباتهم البشريّة. تجاه هذا الايمان وهذا الرجاء، قبلهم الله في حياته الحميمة، مع أنه السامي والمتعالي. من جهة، هو لا يستحي من هؤلاء الناس الذين لا يعيشون إلاّ له: هو فخور بهم (كما كان الله فخورًا بأيوب، أي 1: 8) ويحبّهم (2: 11). في هذا قال الذهبي الفم: ((إن إله الكون كله لا يستحي أن يُدعى إله هؤلاء الثلاثة، لأن قيمة هؤلاء القديسين ساوت، لا هذا العالم الأرضيّ فقط، بل عددًا لا محدودًا من عوالم مثل عالمنا! فإنسان واحد يعمل بمشيئة الله أفضل من عشرة آلاف شرير)).
ومن جهة ثانية، قبل الرب إكرام هؤلاء الرجال وعبادتهم. حين لقّب (ابيكاليو، صيغة المجهول، سُمّي، مت 10: 25؛ أع 1: 23؛ 4: 36؛ 10: 5؛ 18، 32) نفسه إله ابراهيم إسحاق ويعقوب (خر 3: 6)، دلّ على أنه إله يتجاوز الموتى (حسب تفسير يسوع في مر 12: 26 - 27)، أنه إله الأحياء، إله الذين تعلّقوا به وأحبّوه على هذه الأرض. فالموت لا يمكن أن يحطّم رباط الايمان (رج مز 73: 23؛ أنا معك في كل حين). لهذا، يقوم الآباء ويكونون دومًا أحياء لدى الله. تلك هي كفالة)) (آ 1) الخلود. وهذا يعني أن رجاءهم لم يكن باطلاً. دُعي الله إلههم. هم يطالبون بذلك ويطلبون. وهذا الاله هيّأ لهم مدينة (آ10) يستقبلهم فيها فيجدون الراحة الأبدية جزاء إيمانهم. ((إتويمازو)) (صيغة الاحتمال، ك و ن). هيّأ، أعدّ. يقال عن سعادة السماء التي يحتفظ بها الله في عنايته (آ 6) من أجل مختاريه (مت 20: 23: 25: 34؛ لو 2: 30؛ يو 14: 2؛ 1كور 2: 9؛ 1بط 1: 4؛ رؤ 21: 2). وهكذا تعرف الجماعة المسيحية أن الله لا يتركها مهما انتابتها صعوبات وأصابتها اضطهادات . فالله يتضامن مع المؤمنين، ويعلن مسؤوليته في حمايتهم وجزائهم. أعلنوا إيمانهم وتعلّقهم بالله، فاعترف بهم الله على أنهم أخصّاؤه.
ثانيًا: موت وقيامة (آ 17 - 19)
أخطر ((محنة)) في إيمان ابراهيم، سبّبها أمرٌ بأن يذبح ابنه (تك 22: 1ي). اجتازها ابراهيم، فأنشد التقليدُ بطولته (سي 44: 20؛ 1 مك 2: 52. وُجد مؤمنًا في المحنة، بستوس؛ حك 10: 5؛ يع 2: 21). كانت المحنة محنتين. الأولى، وجب عليه أن ((يذبح)) بيده ابنًا يحبّه. ((ي ح ي د)) في تك 22: ،2 ،12 16 يقابل في السبعينية ((أغابيتوس)) (حبيب). وهكذا فضّل الله على حبّه البشريّ العميق. الثانية، حين يموت هذا الابن، لن تتحقّق مواعيد الله بنسل كبير (تك 21: 12؛ رج روم 9: 7). هل يطيع أمر الله الأخير أم يبقى مؤمنًا بوعده؟ فهذا الوعد يعارض معارضة جذريّة الأمر، لا سيّما وأنه أكثر من بركة شخصيّة أعطيت لابراهيم. هذا الوعد يُلزم كرامة الله، فوجب على ابراهيم أن يفعل كل شيء من أجل تحقيقه.
نقرأ ((بروس هون)) (آ 18) الذي يعود إلى ابراهيم. هو المسؤول. له قيل. ونقرأ فعلاً لم نعتَد عليه (أناداخوماي). رج أع 28: 7. لن نجده بعد في العهد الجديد، ولا يرادف ((لابون)) (آ 13، نال)، بل يدلّ على قبول إرادي، حارّ (2 مك 6: 19). أخذ على نفسه، التزام، كفل (2 مك 8: 36). أخذ مسؤوليّة على عاتقه. أجل، ابراهيم مسؤول عن الوعد. فماذا سيفعل والله يطلب منه أن يقتل ((حامل)) الوعد؟ إن صيغة الكامل ((بروسانينوخن)) تدلّ على أن ابراهيم قبل في قلبه ما يُطلب منه. امتُحن ابراهيم. وجاءت صيغة غير الكامل (بروسفارو) فدلّت على تحقيق هذه التقدمة دون ضعف، على مدى الطريق الموصل إلى جبل موريا. اختار الكاتب ((مونوغانيس)) (الوحيد) و((بروسفارو)) (في كلام عن ذبيحة المسيح) ليدلّ على تقابل بين ذبيحة اسحاق وذبيحة المسيح (آ 19ب). في الحالتين، كانت الطاعة لكلام الله المحيّر، ينبوع بركات (5: 7؛ 10: 5 - 7). اسحاق ، ي ص ح ق: يضحك الله، يبتسم، يكون راضيًا. لا نجد هذا المعنى خارجًا عن الكتاب المقدس.
بعد الواقع، ها هو التعليم (آ 19): رمز إلى القيامة. إن كان ابراهيم قد قبل بأن يضحّي بابنه الوحيد، ويخاطر بالوعد بنسل، فلأنه آمن بحكمة الله الذي لا يرتبط بهذه الوسيلة أو تلك ليحقّق أهدافه، كما آمن بقدرته اللامحدودة، وهو سيّد الموت والحياة (روم 4: 17). فاستنتج: الرب قادر على أن يقيم الموتى (2 كور 1: 8 - 10). ((لوغيزوماي))، اعتقد (رج أع 19: 27؛ روم 2: 3 ،62؛ 3: 28؛ 6: 11؛ 8: 10). انطلق ابراهيم من يقين إيمانه، فكّر، واتّخذ قراره (صيغة الاحتمال لوغيسامانوس، اعتقد). الله لا يكذب (6: 18). الله هو القدير (ديناتوس، مت 19: 26) تجاه الحياة والموت. لهذا، ما خاب إيمان ابراهيم الواثق بالله. ((هوتن)) لذلك (2: 17؛ 3: 1؛ 7: 25؛ 8: 3؛ 9: 8). ((كوميزو)) اعتنى، ربّى. وهنا استعاد، عاد فحصل (تك 38: 20). كان قد قدّمه، وها هو يستعيده (آ 17). وهكذا انتصر الايمان على الموت.
غير أن هذا الحدث يتضمّن تعليمًا أعمق، لمّحت إليه عبارة: ينهض (إغايراين، يقيم) من بين الاموات (إك نكرون). نحن أمام مقابلة، مقاربة (بارابولي) تدلّ على القيامة العامّة في المستقبل. كما تدلّ على آلام المسيح وقيامته. فاسحاق، الابن الوحيد الذي نجا من الموت بأعجوبة، بدا وكأنه قام. وهكذا كان صورة عن قيامة المخلّص (آ 35). نشير إلى تقليد يهودي متأخّر يعتبر أن اسحاق ذُبح حقًا، ثم قام. وهكذا قدّم نفسه بارادته، ذبيحة (يوسيفوس، العاديات 1: 32؛ تك ربا 56: 4؛ لا ربا 29: 9) فكان الضحيّة الكاملة (نش ربا 1: 14) والمكفّر عن خطايا اسرائيل. وهكذا صارت ذبيحة اسحاق تعليمًا في مثل (9: 9) كما كان الأمر بالنسبة إلى الحيّة النحاسيّة التي رُفعت في البرية. وأعظم جزاء لايمان ابراهيم، هو أنه نال من الله كفالة تشير إلى قيامة المسيح. 

ج - اسحاق ويعقوب ويوسف (11: 20 - 22)
وامتدّت البركة من ابراهيم إلى اسحاق، ومن اسحاق إلى يعقوب وعيسو، ومن يعقوب إلى يوسف. حملوا البركة، ومع ذلك ماتوا. ولن تكون لهم قيامة إلاّ مع المسيح.
كان اسحاق أيضًا شاهد الايمان (آ 20). نال بركة أبيه وبالتالي الميراث الذي يتعارض وامتيازات البكر (تك 27: 28ي؛ روم 9: 10ي). آمن بعناية الله، فكان له المستقبل، عكس أخيه عيسو. وفعل يعقوب ما فعله اسحاق: بارك على فراش الموت ابني يوسف، افرائيم ومنسى، ولم يفعل كما يفعل البشر، بل إن الأصغر نال البركة الكبرى (تك 48: 14 - 16). نلاحظ أن عب لا تتحدّث عن بركة الآباء الاثني عشر (تك 49). 
((سجد)) (تك 47: 31). رج ((ش ح ه))،انحنى، سجد ( في المزيد، ا ش ت ح و ه). سجد يعقوب لله ليدلّ على أنه خاضع لمشيئته. ((ربدو))، م ط ه، عصا. هي عصا الذاهب إلى الحجّ (تك 32: 11). إنه يتطلّع (مؤمنًا) إلى المدينة المقبلة التي يصبو إليها.
أما يوسف (آ 22) فأعطاه إيمانُه اليقين بأن بني اسرائيل ينجون من عبوديّة مصر. لهذا طلب أن تُنقل رفاته إلى أرض الموعد. مثل هذا التمنّي لا يُفهم على المستوى البشريّ، بل على ضوء الايمان. ((منيموناوو))، ذكر. رج تك 15: 13 - 16)). تذكّرُ الخروج الذي وعد به الله، هو شرط يبرّر أمره بأن لا يتركه رفاته في مصر.
ذُكر كل من اسحاق ويعقوب ويوسف بشكل سريع. هم ينقلون المواعد. وهكذا يجب على المسيحيين أن يفعلوا. هم لم يروا تحقيق المواعد، ومع ذلك آمنوا بها. فانتصر إيمانهم على الموت، وأضاء المستقبل. فماذا يجب أن نعمل نحن بعد أن رأينا تحقيق المواعد في يسوع المسيح، وكم يجب أن يكون إيماننا ثابتًا.

2 - قراءة إجماليّة
((بالايمان ابراهيم إذ دُعي (دعاه الله) لبّى للخروج إلى موضع سيأخذه ميراثًا، وخرج لا يدري أين يتوجّه)) (11: 8)
بعد هابيل وأخنوخ ونوح، نصل إلى ابراهيم، أبي الشعب العبراني، وأبي المؤمنين. أما مفتاح حياة ابراهيم فنجده في تك 15: 6: آمن بالرب فاعتُبر ايمانه برًا، برّره الرب لإيمانه. استعاد بولس هذا الكلام فشرحه عائدًا إلى وجه ابراهيم: ((إن الذي يعمل لا تُحسب له الأجرة نعمة، بل دينًا. وأما الذي لا يعمل، بل يؤمن بمن يبرّر الكافر، فإن إيمانه يُحسب له برًا)) (روم 4: 5). فبسبب هذا الايمان العميق، ورغم المحن والضيقات، اعتُبر ابراهيم أبًا لجميع الذين آمنوا (روم 8: 11 - 16). وقالت غل 3: 9: ((والمؤمنون يبارَكون (يباركهم الله) مع ابراهيم المؤمن)). والنسلُ الحقيقي والأبديّ الذي وعده به الله، يتضمّن جميع الذين آمنوا بالمسيح مثل ابراهيم. لهذا تحدّث بولس عن ((نسل ابراهيم)) الذين هم ((ورثة بحسب الموعد)) (غل 3: 29). تجاه هذا، من رفض الايمان بالمسيح، لا يستطيع أن يقول إنه ينتمي إلى نسل ابراهيم (يو 8: 31 ي). فالتبرير لا يكون من خلال نسل بشريّ، بل بالايمان. والتجديد في الداخل، لا الزرع الخارجيّ، هو الذي يجعل الانسان عضوًا في اسرائيل الحقيقي، اسرائيل الله (عب 10: 38؛ روم 2: 29؛ 5: 1؛ غل 6: 15 - 16؛ يو 3: 8 ،36).
يعلّمنا ابراهيم بمثَله، أن الايمان الحقيقيّ يقود دومًا إلى العمل الحاسم. وأننا ندلّ على ثقتنا بالله حين نطيعه. فالاعمال تدلّ على الايمان. وحيث لا أعمال يكون ايماننا كاذبًا (وكذا نقول عن محبّة تبقى على مستوى العاطفة). هذا ما يقوله يع 2: 14ي عن إيمان بدون أعمال: هو ميت وعقيم. هذا ما تقوله عب عن ابراهيم: دعته كلمة الله، لا من أجل الايمان وحسب، بل من أجل العمل الذي ينبع من إيمان بهذه الكلمة. حين طلب يسوع من تلاميذه أن يتبعوه، لم يطلب منهم فقط نظرة مجرّدة، بل أن يتركوا كل شيء ويحملوا الصليب ويتبعوه (مت 4: 18ي؛ 9: 9؛ 10: 38 - 39؛ 19: 27ي). هذا ما فعله ابراهيم حين سمع النداء. قام بدون تردّد. مضى من أور الكلدانيين، فدلّ العالم على صدق إيمانه. ولم يكن نداء ابراهيم نداء الطاعة فقط، بل وعدًا بميراث يُعطى له. وهذا ما آمن به ابراهيم أيضًا، رغم الظواهر البشريّة.
بالايمان نزل في أرض الميعاد نزوله في أرض غربة. وسكن في أخبية مع اسحاق ويعقوب الوارثين معه الموعد نفسه، لأنه كان ينتظر المدينة ذات الأسس، التي الله مهندسها وبانيها)) (11: 9 - 10)
وكان ايمان ابراهيم لافتًا، لأن ما سينعم به نسله من ميراث غنى وعون وامتياز، نقصه وما كان قد حصل عليه (روم 9: 4 - 5). لم يكن أمامه رجال الله ليسير في خطاهم. فأبوه كان وثنيًا وعابد أصنام (يش 22: 2). وما كان له أن يسمع كلام الانبياء. والأرض التي وُعد بها لم يمتلكها كما امتلكها نسله. ومع ذلك، فحين وصل إلى أرض الموعد التي سُمّيت: ((الموضع الذي سيأخذه ميراثًا)) (آ 8)، أقام فيها كنزيل وعابر، كما في أرض غربة. فكيف نستطيع أن نقول إنه نال هذه الأرض ميراثًا؟ في الواقع (كما يقول اسطفانس، أع 7: 5) لم يعطه الله موطئ قدم، ولم يكن له ولد. ولكن حين بدأ النسل يبرز (عب 11: 11 - 12)، وشارك اسحاق ويعقوب في الموعد، وحين ماتت سارة فبحث لها عن موضع قبر، ظلَّ يقول إنه ((غريب ونزيل)) (تك 23: 4). هو لا ينتمي إلى الأرض، ولا يقيم فيها، بل هو نزيل ونزوله مؤقتّ.
نحن هنا أمام مفارقة في هذا المزج الغريب بين الدخول وعدم الامتلاك. ولن نجد الجواب إلاّ بالايمان. فالذي بدأ بالايمان عليه أن يستمرّ كذلك، لأن الايمان مبدأ الخطوة الأولى ومبدأ الثبات. فحياة الايمان لا تنتهي بالنسبة إلى ابراهيم حين يترك أور وراءه أو حين يضع أولى خطواته في كنعان. فالوضع الذي فيه يتحرّك عنه وصوله إلى أرض الموعد، هو محنة أقسى لايمانه من تلك التي قاساها حين ترك أرضه. ولقد كان أسهل عليه أن يعيش الايمان وهو يتوجّه إلى هدف غير منظور، من أن يعيشه بعد أن وصل إلى هذا الهدف فوجد أن ملء ما وُعد به لم يتمّ بعد. فالعيش كغريب بدون ملجأ أفضل من خيمة في أرض الموعد (هي تتعارض مع ما عرفه في الكلدان من طمأنينة وراحة)، يتطلّب درجة رفيعة من الايمان من قبل ابراهيم.
بالايمان تعلّم ابراهيم أن ينظر أبعد من الحاضر، ينظر إلى البركات اللامنظورة والأبديّة التي أعدّها الله للذين يحبّونه ( 1كور 2: 9)، وأن يحسب آلام الزمن الحاضر بدون قيمة تجاه المجد المزمع أن يتجلّى (روم 8: 18). وهكذا فهم أن البلوغ إلى وطن أرضيّ ليست نهاية الحج، وأن أرض الموعد هي نقطة انطلاق إلى أبعد، إلى واقع أكثر متانة. فظروف إقامته في هذه الحدود كانت له شاهدًا يوميًا بأن النتيجة لم تحصل بعد. وهكذا صارت الأرض علامة إلى مدينة لها أسس (لا كالخيمة). الله هندسها وشيّدها.
((بالايمان سارة أيضًا نالت قوّة للحمل، مع أنها تجاوزت السنّ، لاعتقادها أن الذي وعد صادق. من أجل ذلك وُلد من رجل واحد، يكاد يكون ميتًا، نسلٌ كنجوم السماء كثرة وكالرمل الذي على شاطئ البحر، لا يُحصى)) (11: 11 - 12)
إن سارة، امرأة ابراهيم، لعبت دورًا أساسيًا في تحقيق الموعد بالنسبة إلى نسل كثير. فمع أنها كانت عاقرًا وتجاوزت السن، إلاّ أنها حملت فشاركت ابراهيم في إيمانه. وهنا نتذكّر أش 51: 2 الذي يقول: ((أنظروا إلى ابراهيم أبيكم وإلى سارة التي ولدتكم. دعاه الرب وهو رجل واحد، وباركه وكّثر نسله)). كانت سارة المرأة الحرّة، تجاه هاجر الأمة (غل 4: 22 - 23). وهكذا كانت جميع النساء بناتها (1 بط 3: 6).
بدت المعجزة أولاً، في أن الذي بدا ميتًا صار أبًا لولد، بل لنسل كبير. هو ابراهيم. نلاحظ هنا أن الكاتب يجمع سارة مع ابراهيم، فيقول عن الواحد ما يجب أن يقوله عن الأخرى والعكس بالعكس. فلماذا الدهشة والاثنان صارا جسدًا واحدًا. في آ 11، تحدّث النصّ عن زرع سارة، بينما الزرع هو زرع ابراهيم. وفي آ 12، تحدّث عن حشا ابراهيم الميت، بينما الحشا هو حشا سارة. في أي حال، كلاهما طعنا في السن وما عادا ينتظران نسلاً، فتمّت لهما المعجزة في الايمان.
وبدت المعجزة ثانيًا في أنه من رجل واحد كان نسل كثير. ذاك كان الوضع حين كُتب سفر التكوين في صيغته النهائيّة. ولكن العهد الجديد ينظر إلى نسل آخر يجد ذروته في المسيح. مع هذا النسل الروحي نكتشف حقيقة الموعد في عمقها. فإن بولس يعلّم أن المسيح هو زرع ابراهيم الذي فيه تتبارك الشعوب. وزرعُ ابراهيم يتألّف من الذين اتّحدوا بالمسيح (غل 3: 7 - 9، 16: 29). ففي هذا المنظور الابدي، نجد عدد المفديّين الذين لا يحصون، الذين جاؤوا من كل أمّة وقبيلة وشعب ولسان. غسلوا ثيابهم وبيّضوها في دم الحمل (رؤ 7: 9، 14). البياض علامة النصر. وهذا يعني أن المفديّين انتصروا بدم المسيح.
((على الايمان مات أولئك جميعًا، ولم ينالوا الموعد، بل رأوه من بعيد وحيّوه، معترفين بأنهم كانوا غرباء على الأرض ونزلاء. فالذين يتكلّمون هكذا يوضحون أنهم يطلبون وطنًا)) (11: 13 - 14)
لم يقل الكاتب إن الآباء ماتوا بقوّة الايمان (كأن الايمان أماتهم)، بل ماتوا في الايمان، حسب مبدأ الايمان الذي عاشوا فيه. فكما عاشوا ماتوا. فالموت هو ما يفكّك الانسان. أما الايمان الذي يتغلّب على تقلّبات الحياة، فهو يتجاوز الموت وما فيه من سلبيّة. فإن لم يكن الأمر كذلك، يكون مبدأ الايمان وكأنه ألغي. ولكن ساعة الموت هي في شكل خاص ساعة انتصار الايمان.
مع أن هؤلاء المؤمنين بلغوا أرض الموعد، وصار الميراث لهم حقيقة، إلاّ أنها بدوا وكأنهم لم ينالوا ما وُعدوا به، لأن رجاءهم يتجاوز وطنًا أرضيًا ونسلاً بشريًا. فلو كان كذلك، لهزئ الموت بايمانهم والوعد بامتلاك أبدي (تك 17: 8). لقد واجه ايمانهم التحدّي، وهو يلج الموت وهذا العالم الحاضر. إنه يتطلّع إلى الملكوت السماويّ الذي يدوم. لهذا قال الكاتب إنهم رأوا من بعيد تحقيق الموعد. وثبّتهم الموت في هذا اليقين. فكلام الله صادق ولا يمكن أن يخطئ. وهكذا نعود مرّة أخرى إلى آ 1: ما لا يُرى صار مرئيًا، لا بعين الجسد، بل بعين الايمان. في هذا المعنى قال يسوع لليهود: ((ابتهج ابراهيم بأن يرى يومي،فرآه وفرح)) (يو 8: 56). فمواعيد الله كانت جدّ حقيقيّة بحيث إن حصولها (وإن لم تحصل بعد) بدا أكيدًا وكأنها حصلت. وهكذا جعلت قوّة الايمان الرجاء البعيد وكأنه واقع حاضر. المؤمنون في العالم القديم رأوا وحيّوا تتمّة الموعد، في ساعة موتهم، وكأنهم يرونها بعيونهم.
بالاضافة إلى ذلك، كان انتصار الايمان في وقت الموت قمّة الاعتراف بما أعلنوه في حياتهم كحجّاج: كانوا غرباء ونزلاء على الأرض. هذا يعني أن نظام العالم الحاضر ليس بيتهم الحقيقي ومحجّتهم الأخيرة. ذاك هو وضعهم ووضع كل مؤمن من جيل إلى جيل. نقرأ مز 38: 12 حسب السبعينيّة عن داود: ((غريب أنا ونزيل في الأرض)) (رج تك 23: 4 وما قاله ابراهيم لأهل حت).
((ولو أنهم قصدوا بذلك الوطن الذي خرجوا منه، لكان لهم وقت (مناسبة، ظرف) العودة إليه. ولكن لا، فإن قلوبهم كانت تصبو إلى وطن أفضل، سماوي، لذلك لا يستحيي الله ان يُدعى إلههم. فإنه قد أعدّ لهم مدينة)) (11: 16 - 17)
ذاك الذي ترك بلده، يحسّ أنه غريب في محيط لا ينتمي إليه، فيحنّ إلى العودة. ورجل الايمان هو ((غريب)) روحي ترك وراءه وطنًا لينال الوعد بوطن أفضل. أما قراّء عب فقد حاولوا أن يعودوا إلى الوراء بسبب الضيقات والصعوبات خلال حجّهم. غير أن البركات لا تكون في رجوع إلى الوراء، بل في انطلاق إلى الأمام. ذاك كان وضع بني اسرائيل في برّية قاسية وقفت حاجزًا بينهم وبين محجتهم، فتمنّوا العودة إلى مصر، لا متابعة الطريق فقال الله فيهم: ((لن يروا راحتي)) (عب3: 18 - 19؛ 4: 3). سعى الكاتب أن ينفح روحًا جديدة في قرّائه، بعد أن صار بعضُهم قريبًا من التخلّي عن النضال. وحذرّهم من الاقتداء بالاسرائيليين الجاحدين، وذكّرهم بأن النعمة والعون ما زالا حاضرين بفضل حبرنا الذي مرّ في الألم والعار قبل أن يكلَّل بالمجد والكرامة (2: 9، 18؛ 4: 15 - 16؛ 6: 1). فإن هم عادوا إلى الوراء خسروا نعمة الفداء التي نالها عظيم الكهنة. وأخيرًا شجّعهم: لستم من الذين ينكصون، يتراجعون. أنتم أبناء الايمان أنتم أبناء الخلاص (10: 39).
إن ابراهيم والذين رافقوه قدّموا لنا أجمل مثَل عن الإيمان الثابت الذي يغلب هذا العالم (1 يو 5: 4). كانوا غرباء، فبحثوا عن وطن (آ 14). كان بإمكانهم أن يعودوا إلى أور الكلدانيين، ولكنهم لم يفعلوا. فهم ينظرون إلى وطن أفضل. إلى وطن سماوي لا يشوبه نقص، إلى وطن مجيد وأبديّ. لهذا فرح الله بهم وباندفاعهم الذي لا يقف في وجهه عائق. هم شعب الله الحقيقي، والربّ أعدّ لهم الوطن الذي يصبون إليه. بعد هذا من يفكر بالرجوع إلى الوراء.
((بالايمان ابراهيم، حين امتُحن، قرّب اسحاق. إنه كان يقرّب وحيده، هو الذي نال المواعد. وهو الذي قيل فيه: إنه باسحاق يُدعى لك نسل، كان يعتقد أن الله قادر أن ينهض حتّى من بين الأموات. ولذلك عاد فحصل على ابنه، على سبيل الرمز)) (11: 17 - 19)
تستعيد هذه الآية محنة ابراهيم القاسية في إيمانه، التي بها تقوىّ هذا الايمان وثبت. الله هو الذي امتحنه كما قال تك 22: 1ي حين طلب منه أمرًا يدمرّ الموعد. دلّ أبو الآباء على ثقته التامّة بالله، فأطاع دون أن يطرح سؤالاً على حكمة الله وصلاحه. قابل الذهبي الفم بين أمر الله ووعده، فقال: جاء طلب الله يتعارض مع وعده. ولكن هذا الرجل البار لم يتردّد ولم يعبّر عن خيبته.
أترى سأل ابراهيم الله أن يبرّر مثل هذا الطلب العجيب؟ وهل من الصواب أن يمتحن الله عبده محنة تشمل مثل هذا الضيق؟ قد يكون ابراهيم واجه هذه الأسئلة. ولكنه عاش علاقة حميمة مع الله. لهذا عرف أن الإله القدوس والعادل هو محبّ أيضًا. فلا يمكن أن يكون فيه شيء يعارض الحقيقة. وفهمُ الخليقة الخاطئة والمحدودة لا يطرح سؤالاً على الخالق اللامحدود. فمن تساءل حول كلام الله، يكون وكأنه يسائل صلاح الله. مثل هذه المحنة لم تزعزع ايمان ابراهيم، بل ثبتّته. فالافق البشري لا يستطيع أن يحكم على طرق الله ونواياه (اش 55: 8 - 9: طرقي ليست طرقتم). وفي أي حال، الله هو إله المستحيلات. فقد قال لسارة حين وعدها باسحاق: ((ليس من صعب على الربّ)) (تك 18: 14). وقال الملاك لمريم في البشارة: ((ليس على الله أمر مستحيل)) (لو 1: 37).
تركّز قصد الله وبركته على اسحاق فأعطي الوعد لابراهيم قبل ولادته: ((أقيم عهدًا مع اسحاق)) (تك 17: 21). طلب الله بأن تقدّم ذبيحة بشرية، فبدا طلبُه لا أخلاقيًا ولا بشريًا. ولكن حين طلب أن يكون اسحاق هو الضحيّة، عنى بطلبه أنه يلغي ما وعد به. ولكن هذا السؤال لا يطرحه رجل الايمان الذي جعل حياته في يد الله. هو يطيع وينتظر. فالله ليس بشرّير. ووعده صادق. لهذا، حلّ الخروف محلّ اسحاق. ونجا الوعد. فكان انتصار الطاعة لدى ابراهيم، انتصارًا على تجربة تدفعه لأن يتساءل عن ((كمال)) الله. وفي النهاية، كان هذا الانتصار انتصار الايمان.
((بالايمان أيضًا بارك اسحاقُ يعقوب وعيسو من جهة ما سيأتي. وبالايمان يعقوب، وقد حضره الموت، بارك كلَّ واحد من ابني يوسف، وسجد متكئًا على طرف عصاه. بالايمان يوسف، لما دنا أجله، ذكر خروج بني اسرائيل، وأوصى بشأن رفاته)) (11: 20 - 22)
وتتواصل لائحة الآباء في صور سريعة تجعل أمامنا مثلاً عن ثباتهم في الايمان، في ساعة موتهم. هناك ثلاثة أجيال: اسحاق، يعقوب، يوسف. كان بإمكان الكاتب أن يتحدّث عن حياتهم وموتهم كما فعل مع ابراهيم. ولكن ما قال عن أبي الآباء يكفي حول مبادئ حياة الايمان وممارستها، ساعة كانت توضع أسُس الشعب العبرانيّ. جاء الجيل بعد الجيل، وانتظرت المواعيدُ تتمّتها، وانتصر الايمان على الموت الذي هو المحنة القاسية التي ما بعدها محنة. فموت الايمان يظهر بشكل أقوى من حياة الايمان.
بالايمان بارك اسحاق ولديه. هكذا يبارك الآباء أولادهم، ككفالة على الأيام الآتية. لا، لم يكن ((موت)) اسحاق النهاية، بل البداية والمسيرة إلى وطن أفضل يصبو إليه. ونال يعقوب البركة قبل عيسو، رغم عادة البشر بأن يبارك البكر أولاً. هنا نتذكّر أن هابيل لم يكن البكر، بل قايين. ومع أن اسماعيل كان البكر، إلاّ أن اسحاق نال الموعد. وهذا ما حدث أيضًا حين بارك يعقوب ابني يوسف. منسىّ وافرائيم. بدّل يعقوب يديه فلم يجعل يمينه على البكر، منسّى، بل على الثاني، افرائيم. حين بارك يعقوب افرائيم ومنسّى، قال النص العبري إنه كان على فراشه (اللفظة ذاتها، هـ م ط ة، ولكن تتبدّل الحركات). أما عب فقالت: على عصاه. هو الراعي الذي لا يستقرّ في مكان، بل يسير نحو الوطن السماوي.
وجاء يوسف في خطّ هؤلاء الآباء. ففي نهاية حياته لم يتزعزع إيمانه. تحدّث عن خروج بني اسرائيل وكأنه يراه أمامه، وثق بمواعيد الله، فأعطى أوامره بالنسبة إلى رفاته. هو يرى ما لا يُرى، يرى ما لا يراه الآخرون. هؤلاء يرون شعبًا في العبودية بعد أن قام على مصر ملك جديد لا يعرف يوسف (خر 1: 8). أما يوسف فرأى خروج بني اسرائيل وبالتالي اهتمام الله بشعبه وكأنه يقيمهم من الموت. بالايمان رأى ما رأى.

خاتمة
بعد هابيل وأخنوخ ونوح الذين ساروا مسيرة الايمان، رسم الكاتب وجه ابراهيم في ثلاث لوحات: ابراهيم الخارج من أرض أور والعائش في الخيام، مع أنه وصل إلى أرض الموعد. ابراهيم الذي نال النسل مع أنه ((ميت)) وسارة تجاوزت السن. ابراهيم الذي استعدّ لأن يذبح ابنه دون أن يتساءل عن مصير الموعد الذي يتجسّد في اسحاق. وذكر الكاتب نسل ابراهيم القريب: اسحاق، يعقوب، يوسف. دلّوا على إيمانهم في حياتهم، ودلّوا على إيمانهم في مماتهم. حملوا المواعيد ونقلوها. وجاء بعدهم من تابع المسيرة حتى يسوع المسيح الذي فيه تمّت المواعيد ونالت جميع الشعوب البركة التي بها وُعد ابراهيم.
الفصل الثالث والثلاثون

موسى والدخول إلى أرض الموعد
11: 23 - 31

توقّفت عب عند سفر التكوين، فأوجزته في بعض صور دلّت على ثبات الآباء في الايمان. وها هي تصل إلى سفر الخروج مع شخص موسى الذي حرّر شعبه وقادهم في طريق وصلت بهم إلى أرض كنعان. ولكن هذه القراءة الماديّة لنصّ التوراة تبقى مغلقة، ولا تفتح القرّاء على أفق الايمان التي تصل إلى المسيح. فموسى صورة عن المسيح، كما كان اسحاق، وعليه أن يختار بين مصر وكنوزها وغناها، وبين المسيح الذي يدعونا لنحمل عاره: نحن لا نرضى بمدينة نعيش فيها اليوم، بل نطلب الآتية (13: 14). هكذا فعل موسى. وما فعله فعله بالايمان. وهكذا يفعل المؤمنون مهما اجتذبهم هذا الدهر وإغراءاته.
أما المقطع الذي نقرأه الآن (آ 23 - 31) فيرد في قسمين: من كنوز مصر إلى عار المسيح. تحرير المؤمنين ودمار الاعداء.

1 - تفسير الآيات

أ - من كنوز مصر إلى عار المسيح (11: 23 - 27)
وُلد موسى في مصر، وعرف غناها. ولكنه تركها مدفوعًا بالايمان. لم يتوقّف عند ما يُرى، بل عند ما لا يُرى.
أولاً: لما وُلد موسى (آ 23 - 25)
هنا وصلنا إلى الحقبة الموسويّة واحتلال أرض الموعد. فبعد إيمان ألهم الصبر والتضحية، رأيناه في حياة الآباء وعملهم، ها هو ايمان يُلهم خيارات حاسمة وأعمال شجاعة، عند موسى ويشوع وغيرهما. إن موسى شخص عظيم وقد قابله التقليد مع ابراهيم. ثم إن قرّاء الرسالة يقدرّونه تقديرًا خاصًا، ويريدون العودة إلى عهد قطعه مع الله، بطقوس وذبائح وكهنوت وهيكل. لهذا توسّع الكاتب في روح الايمان التي أحاطت بحياة موسى الخاصة (آ 24 - 28: رج أع 7: - 2ي)، وألهمت والديه (آ 23) وشعبه (آ 29). فعلى القرّاء أن يستلهموا مثَله ويتبعوا إيمانه بالمسيح (آ 26؛ يو 5: 45 - 47): عدّ عار المسيح ثروة أعظم من كنوز مصر.
إذا كان موسى نجا من الموت رغم قرار فرعون بإهلاك الذكور من العبرانيين (خر 1: 16)، فلأن والديه (فيلون، حياة موسى 1: 9؛ يوسيفوس، العاديات 2/9: 218، في العبرية: والدته) رأيا جماله ونعمة الله عليه (استايوس، خر 2: 2)، فاعتبرا هذا الجمال علامة عن بركة الله وإشارة إلى دعوة رفيعة. إذن، اخفياه لأنهما آمنا ووثقا بعناية الله. شدّد فيلون على جمال موسى: كان الناس يتوقّفون عن أعمالهم لينظروا إليه عند مروره. هو جميل في نظر الله كما قال اسطفانس في أع 7: 20 (استايوستو تيو)، مرضيّ عند الله.
ووجد والدا موسى (عمرام ويوكابد، خر 6: 20) العون والشجاعة في إيمانهما، فعرّضا نفسيهما لملاحقة الملك. فالايمان يتغلّب على الخوف عند البشر (آ 27: لو 12: 4 ،5؛ مز 2: 1 - 4؛ 27: 1 - 6؛ 33: 12). وما ثبّتهما أيضًا في موقفهما هو رؤية إلهيّة. نقرأ ((دياتغما)) (مراحدة في العهد الجديد): أمر، قرار. رج حك 11: 7. من خلال موسى، نظرت عب إلى يسوع الذي نجا من الموت أيضًا رغم قرار الملك هيرودس (رج مت 2: 1ي).
جُعل موسى عند حافة النهر، وتهدّده الموت. لكن أخذته ابنة فرعون وعاملته كابنها (خر 2: 5 - 10؛ يوسيفوس، العاديات 2: 9). كان بإمكانه أن ينعم بكرامات وامتيازات هذا الوضع الملكي، ويتمسّك بهذا اللقب العظيم. ها قد لاحت الأمجاد أمامه. ولكن لا. رأى ضيق اخوته، كما قال خر 2: 10ي، ودفعه الايمان كما قالت عب، فتخلّى عن كل هذه الخيرات التي نعم بها. ((ارنيوماي))، قال كلا. رفض، تخلّى، قطع كل علاقة. وارتبط بهذا الفعل المصدر (لاغستاي، أن يدعى). رج حك 12: 27؛ 16: 16؛ 17: 9 ،هزئ بكل هذا واحتقره. فهناك أمر أهمّ تعلّق به. تضامن مع شعب الله (4: 9)، واختار الخيار الحاسم (أيرايو، في الصيغة الوسطيّة: أخذ على نفسه، اختار، أخذ جانب. مع ((مالون)): فضّل). قاسم شعبه الاضطهاد والمعاملة السّيئة (سينكاكوخيوماي، مراحدة بيبليّة، أسيئت معاملته)، وترك امتيازات قدّمت له (مز 84: 11).
رافق التجرّدُ الاختيار. وكان التعارض الاساسيّ بين ((شعب الله)) و((الخطيئة))، لا بين ((المشقّة)) (سوء معاملة) و((التمتّع)). بالايمان رأى موسى في هؤلاء العبيد العاملين في مصر، الشعبَ المختار ووارث الموعد. عرف أنه ارتبط بالله وبشعبه. هو مدين لشعبه. وإن هو تخلّى عن قضّيتهم خان دعوته، مجد إيمانه. ((بروسكايروس)) موقت، سريع، عابر. رج مت 13: 21؛ 2كور 4: 17 - 18). تجاه هذا، جزاء سماوي، ثابت، نهائي (رج آ 1، 6؛ 10: 35). وحده الايمان يتيح لنا أن نميّز الخير والشرّ، أشياء هذه الحياة الحاضرة واللامرئيّات.
ثانيًا: ترك مصر (آ 26 - 27)
إن اسم الفاعل (هيغيسامانوس، حاسبًا، عادًا) الذي يرد بشكل بدل، يحدّد بوضوح سبب خيار موسى هذا الذي يعارض كل حكمة بشريّة. عار المسيح (خرستوس) هو عار شعب الله (آ 25) والنسل المقدس والمكرّس للرب. ((اونايديسموس))، العار. نقرأ في يش 6: 9؛ عار مصر الذي ناله شعب اسرائيل حين كان في العبوديّة. رج مز 89: 51: ((أذكر يا رب عار عبيدك وما احتملوه من شعوب كثيرين)). ولكن الربّ يقابل هذا التعيير بأمانة لعهد قطعه مع سلالة داود. ويتابع المزمور: عيّروا نسل مسيحك (آ 52). ولكن بما أن الله اختار اسرائيل ليلد المسيح ويحقّق تحقيق مواعيد الخلاص، نستطيع القول إن موسى (والمسيحيين معه) اعتبروا (آ 11) أن الألم من أجل المسيح هو كنز لا يضاهيه كنز. المسيح هو رأس جميع الأبرار في العهد القديم كما في العهد الجديد، وكلّهم يشاركونه عاره. لذلك، فكل ألم هو امتداد أو استباق لألم المسيح (10: 33؛13: 13). لهذا، كانت النظرة المسيحيّة إلى الألم، على أنه وسيلة للاتّحاد بالمخلص (2 كور 1: 5؛ فل 3: 10؛ 1بط 4: 13).
ما الذي يكشف ثمن هذه المحن؟ الايمان. فهو ينظر من بعيد، يحدّق (ابوبلابو، مراحدة في العهد الجديد) في الجزاء السماوي الذي لا يخطئ والذي هو نتيجة الصبر والثبات. هل هناك مقابلة بين كنوز (تيساوروس) وعار المسيح؟ كلا. رج 2 كور 4: 17 - 18. أيكون هذا التلميح إلى مصر دلالة بأن عب دوّنت في مصر، فقابلت بين غنى مصر وفقر فلسطين؟ في أي حال، ترك موسى كل خير من أجل المسيح.
آمن والدا موسى ففعلا ما فعلا ولم يرهبا الملك. وآمن موسى (آ 27) ولم يرهب (الفعل هو هو، فوباين). عارض الوالدان قرار الملك، وما اهتمّ موسى بسخط الملك وغضبه، فخرج من مصر على رأس بني اسرائيل. رج خر 2: 15 حيث يقال أن موسى خاف الملك بعد أن قتل الرجل المصري، ومضى إلى أرض مديان. نقصه الايمان. ولكن بعد اللقاء بالرب قرب العلّيقة الملتهبة، واجه موسى فرعون. ((كاتالايبو)). تخلّى عن ميراث. وهنا: ترك أرضه. مضى.
ويشير الشقّ الثاني من الآية إلى ينبوع هذه الشجاعة التي تتعدّى مقدور البشر. في برية سيناء رأى موسى ذاك الذي لا يُرى (أووراتوس، تسمية الله الاحتفاليّة، 1 تم 1: 17). كان يكلّم الله كما يكلّم الصديقُ صديقه (خر 33: 11؛ عد 12: 8). إن يقين موسى كان من المتانة والثبات، بحيث نفّذ مخطّط الله. ((كارتاريو)) ثبت، تجلّد وانتظر تدخّل الله (2 مك 7: 17).

ب - تحرير المؤمنين ودمار الاعداء (11: 28 - 31)
من الاحتفال بالفصح، إلى عبور البحر الاحمر، إلى احتلال أريحا، هي مسيرة ايمان متواصلة.
أولاً: صنع الفصح (آ 28)
هو أول احتفال بعيد الفصح. ((بوياين (صنع) تو باسخا)) (الفصح). كذا في العبريّة. (رج خر 12: 48؛ عد 9: 2؛ مت 26: 18). صيغة اللاكامل وسط الاحتمال. هذا يعني أننا أمام نظام نهائي. يُذبح الحمل ويُرش الدم (بروسخيسيس مراحدة بيبلية، الرش) على أبواب بني اسرائيل (خر 12). كل هذا فعل إيمان بكلمة يهوه وبرمزيّة هذه الطقوس. إنها تشير مسبقًا إلى النجاة من الخطيئة بفعل دم الفادي. الرب يمرّ ويضرب مصر، ولكنه لا يضرب حين يرى الدم على عتبة الباب وقائمتيه. هو لا يسمح للملاك المهلك ( هـ م ش ح ي ت، 1 كور 10: 10؛ (أخ 1: 12؛ سي 48: 21) أن يضرب (خر 12: 23)، أن يمسّ (تنغانو، كو 2: 21) أبكار بني اسرائيل (رج مز 78: 49 - 51) = أوتون، فاعل ((ديابيسان)) في آ 29. وهكذا خلّص الايمان من الموت. في هذا قال الذهبي الفم: ((إذا كان دم حمل رُشّ على أبواب العبرانيين حماهم من الهلاك الذي دمرّ مصر، فكم خلّصنا دم المسيح الذي يرشّ على قلوبنا، لا على أبوابنا، من روح الشر الذي يترصّد مخرّبًا في ظلمة هذا الليل العميق)).
لم يقل الكاتب شيئًا عن عطيّة الشريعة في سيناء (يو 1: 17؛ أع 7: 35ي). بل ذكر السمة الاساسيّة لدى موسى: هو مؤمن. وبالإيمان سيصير قائد (أرخيغوس) شعب الله. إن رئيس بني اسرائيل المخلّصين آمن بالله، بمجيء المسيح، بمستقبل شعب. إنه مثال للمسيحيين المضطهدين، حين ترك ملذات مصر وقبلَ العار، فكان الصادق الأمين.
ثانيًا: جازوا البحر الأحمر (آ 29) 
آمن الاسرائيليون بكلمة الله وقدرته العجائبيّة، فساروا وراء مخلّصهم الذي قاسموه معتقده (3: 16)، وما تردّدوا في ولوج البحر الأحمر (خ 14). ما خابت ثقتهم، فعبروه كأنهم على أرض يابسة (خر 14: 29). وهكذا كان لهم النصر. تحرّروا من العبودية. أما المصريون الذين تبعوهم فغرقوا. ((بايران لمباناين))، اختبروا خبرة (تث 28: 56). حاولوا. ولكنهم غرقوا (كاتابينو، ابتلعتهم المياه). السبب: لم يكن عندهم إيمان. رج حك 10: 18 - 19. صار البحر الاحمر للبعض باب خلاص وللبعض الآخر باب موت (1 كور 10: 1 ي). غاب الايمان فكان الهلاك. ولكن صارت المعجزة ممكنة بواسطة الايمان. فعلى المسيحيين أن لا يخافوا بغض مضطهديهم وهجماتهم. فالله أقوى من فرعون، وخالق الكون هو الذي يوجّه الأحداث لخير مختاريه (رو 15: 3 - 4) فيخلّصهم من وضع ميأوس. فمن أراد أن يدخل أرض الميعاد، عليه أن يمرّ في هذه المحن وأن يؤمن أنه يتغلّب عليها. فالايمان ينقل الجبال (مت 17: 20)
ثالثًا: سقطت اريحا (آ 30 - 31)
بالايمان صنعوا الفصح، جازوا البحر. وبالايمان سقطت أريحا، وما هلكت راحاب. عاد كل شيء إلى الايمان. فالله هو الذي يفعل، والانسان يتمتّع بنتيجة عمله. ذُكر حصار أريحا في يش 6. أمر الرب بالطواف حولها. نفّذ الشعب الأمر، فسقطت (بيبتو، مت 7: 25؛ أع 15: 16؛ رؤ 11: 13؛ 14: 8). لن نتوقّف عند الحفريات الاركيولوجيّة. فالكاتب يربط سقوط أريحا بإيمان بني اسرائيل وطاعتهم لله. لا نعرف ماذا حدث بالضبط. هل كانت حيلة سقطت على أثرها الحامية (ح و م ة، رج 1صم 25: 6) فدخل المهاجمون المدينة؟
لا يهتمّ الايمان بالوسيلة، بل يدرك الهدف. يتدخّل الله فيشهد. والنتيجة هي هنا ولا تحتاج إلى برهان. سقطت القلعة نتيجة إيمان الشعب. هذا يعني أن الحواجز تسقط بفضل سلاح الايمان (أف 6: 13ي). لو كان فيكم إيمان مثل حبّة الخردل.
في آ 31 ذُكرت راحاب في معرض الحديث عن أريحا. فهي التي استقبلت الجواسيس. هي الغريبة التي ستنضمّ إلى شعب الله. وهي الزانية (ز و ن ه) التي نالت الخلاص. تحدّث الكاتب عن مهنتها المشينة، فدلّ على انتصار الايمان فيها. ارتبطت بتامار وراعوت في نسب المسيح، كزوجة صلمون وأم بوعز (مت 1: 5). يقول المعلّمون إن يشوع تزوجّها فكانت جدّة ثمانية كهنة، منهم إرميا وحزقيال النبيّان. ذكر يع 2: 25 اسمها مع اسم ابراهيم. آمنت كما آمن. ورأى فيها آباء الكنيسة ((الكنيسة الآتية من الأمم الوثنيّة)). نشير هنا إلى أن راحاب ذُكرت وحدها كامرأة، في لائحة أبطال الايمان، مع سارة أم الشعب المختار.
استحقّت راحاب هذا المديح لأنها أمنت بالاله الحقيقيّ، فكان اعتراف ايمانها من أجمل ما في العهد القديم (يش 2: 11). وآمنت بالعناية الالهيّة، كما اقتنعت بانتصار الشعب منذ البحر الأحمر. وكان ايمانها فاعلاً وحكيمًا فوصل بها إلى البطولة. ما أكتفت بأن تستقبل الجواسيس استقبالاً حسنًا (داخوماي، كما يليق)، بل أضافتهم وأرسلتهم بسلام (ايريني، رج أع 15: 33). نقرأ ((كاتاسكوبوس)) (جواسيس، مراحدة في العهد الجديد، م ر ج ل ي م). آمنت فنجت مع أهل بيتها (يش 6: 22 - 25)، عكس جميع الذين لم يؤمنوا فقاوموا مخطّط الله. هذا هو معنى فعل ((ابايتايو)): من لا يريد أن يقتنع، من يرفض كلمة الله (3: 18؛ يو 3: 36؛ أع 14: 2؛ 19: 9؛ روم 2: 8؛ 10: 21؛ 11: 30 ،31؛ 15: 21). قال الذهبي الفم ويوحنا الدمشقي: أما تستحون حين يكون إيمانكم أقل من ايمان بغيّ؟
2 - قراءة إجمالية
((بالايمان، لما وُلد موسى، أخفاه والداه ثلاثة أشهر، لأنهما رأيا أن الطفل جميل ولم يرهبا أمر الملك)) (11: 23)
وصل الكاتب إلى موسى. ترك وراءه سفر التكوين مع خبر الآباء، ووصل إلى سفر الخروج ودخول بني اسرائيل إلى أرض الموعد (آ 23 - 31). تميّز موسى، شأنه شأن ابراهيم، في توسّع طويل تجاه حاشية قصيرة لسائر الآباء. هو رجل الايمان الذي يجد كماله في يسوع المسيح. أما آ 23 فتدلّ على أم موسى. أحيط منذ طفولته بمناخ من الإيمان، وذلك في روح الله الحقيقيّ الذي تضمّ مواعيدُه المؤمنين وأولادهم. يقول إن الولد أخفي ((بالايمان)) ولا يشرح مضمون هذا الايمان بالنظر إلى مشيئة الله تجاهه. كان الطفل جميلاً. نحن هنا أمام أكثر من جمال خارجيّ. هذا الطفل هو موضوع نعمة الله، كما قال الذهبيّ الفم.
إن مخافة الله لدى والدي موسى، كان باعثها اعتقادٌ بأن لولدهما دورًا يلعبه داخل مخطّط الله. لهذا لم يرهبا أمر الملك. وهذا الموقف من اللاخوف انتقل إلى موسى حين صار رجلاً: لم يرهبا سخط الملك (آ 27). خاطر الوالدان، فدلاّ على إيمانهما، وزادا في المخاطرة حين جعلا الولد على حافة النهر مع أخته. ولكن الله حفظ الطفل. دربّت الوالدة طفلها كما يجب، فعرف أن يكون مع اخوته في ضيقهم. غير أن اخوته لم يفهموا أن الربّ يخلّصهم بيده (أع 7: 25).
في 3: 2 ي، كان الكاتب قد قابل بين موسى والمسيح على مستوى الأمانة للعهد. كان موسى صورة المسيح، وهذا واضح في الوعد المسيحاني الذي أعطاه الله بأنه سيرسل نبيًا مثله، من بين اخوته، ويصبح كلامه في فمه (تث 15: ،15 18؛ أع 7: 37). أما هنا، فالكلام عن موسى الذي به أعطيت الشريعة للشعب، والذي هو نموذج المسيح في دوره كمخلص: قاد الشعب المختار من عبوديّة مصر إلى حدود أرض الموعد. والمسيح أتمّ نموذجه البعيد كمبدئ خلاصنا الذي لم يستح أن يدعونا إخوته، الذي خلّص شعب الله من عبودية الخطيئة وأوصلهم إلى الراحة الموعودة (عب 2: 10، 11 ،15؛ 3: 14ي؛ 4: 3؛ 12: 2).
بالايمان موسى. لما كبر، أبى أن يُدعى ابنًا لابنة فرعون، واختار المشقّة مع شعب الله على التمتّع الوقتيّ بلذّة الخطيئة، عادًا عار المسيح ثروة أعظم من كنوز مصر، لأنه كان ينظر إلى الثواب)) (11: 24 - 26)
بالايمان كبر موسى. ونجا من الموت، فوصل إلى النضوج والمسؤوليّة. واجه القرار الحاسم الذي يحدّد وجهة حياته منذ البداية. ماذا يختار؟ هو الأمير المصري. يبقى ذاك الأمير، ينعم بالامتيازات التي حصل عليها بنعمة فريدة من لدن الله. قال عنه اسطفانس في خطبته: ((تأدّب بحكمة المصريين كلها. وكان مقتدرًا في أقواله وأعماله)) (أع 7: 22). فماذا ينقصه بعد ذلك. أما هكذا كان يوسف بن يعقوب؟ ولكن موسى أدار ظهره لهذه القدرة وهذه الامتيازات، كما ُطلب منه. فمصيره غير مصير يوسف. لهذا رفض أن يُدعى ابنًا لابنة فرعون. كان باستطاعته أن يقول: أبقى في هذا المركز المرموق وأعين إخوتي. ولكن مشيئة الله كانت غير ذلك: عليه أن يترك الطمأنينات البشريّة ويواجه الأخطار العديدة ليقود شعبًا من الرعاة، من العبوديّة إلى الحرية. كانت خطيئة موسى كبيرة لو أنه عصى النداء السماوي (عب 2: 1؛ أع 26: 19) واختار التمتّع بما يقدّمه القصر الملكي. فالطاعة للنداء طلبت منه إيمانًا يدفعه إلى هدف سماوي، وإن كان هذا الهدف بعدُ بعيدًا. عليه أن يفهم أن سراب العالم لا يقابَل ببركات أبديّة يكفلها وعدُ الله. ففي خط الايمان الذي انطلق مع ابراهيم، فضَّل موسى عار المسيح على خيرات مصر، على مثال بولس الذي قابل بين ضيق هذا الزمان والمجد المزمع أن يتجلّى.
إن التخلّي عن كنوز مصر واختيار الحياة القاسية مع الشعب رغم احتقار هذا العالم وحزنه، وحّدا موسى بمسيح الله. هل يعني أنه تخلّى عن شعبه؟ كلا. بل هو تطلّع، بالايمان، إلى شعب أوسع من شعبه، فكان صورة بعيدة عن المخلّص الحقيقيّ، يسوع المسيح. ثم إن طريق الايمان هي طريق الآلام (كلام يتوجّه بشكل خاص إلى قرّاء الرسالة). وحين اختار موسى هذه الطريق، تبع خطًا سيجد كماله في الذي هو وحده المسيح (عب 2: 10). وهكذا كان انتقال من موسى إلى يسوع المسيح عبر شخص عبد الربّ (أش 53) الذي سحقه الله بالأوجاع فرأى ثمرة تعبه، وبرّر الناس، وحمل خطاياهم بعد أن شفع فيهم.
شابه موسى المؤمنين الذين سبقوه والذين لحقوه، فاندفع بنظرة ترى من خلال المحن والضيقات، في الزمن الحاضر، المجدَ الذي يدوم. نظر إلى الجزاء. إلى ما لا يُرى، إلى من لا يُرى. هذ ما يجب على المسيحيين أن يفعلوه: يطرحون كل ثقل، يسعون بثبات، وينظرون إلى يسوع الذي تحمّل الصليب بدل السرور (12: 1 - 2). تماهى موسى مع شعبه، فعرف عارًا أول. وتماهى مع المسيح فعرف عارًا ثانيًا. واختار هذا الموقف بفرح عارفًا الهدف المجيد الذي يصبو إليه. فلماذا يخاف المؤمنون الاضطهاد والمسيح قال لهم: ((طوبى لكم حين يضطهدكم الناس)) (مت 5: 11).
بالايمان ترك مصر ولم يخشَ (يرهب) سخط الملك. بل تجلّد كأنه يعاين الذي لا يُرى. بالايمان صنع الفصح ورشّ الدم لئلاً يمسّ المهلك الأبكار. بالايمان جازوا في (عبروا) البحر الأحمركأنما في أرض يابسة، ولما حاول ذلك المصريون غرقوا)) (11: 27 - 29)
ويتابع الكاتب خبر موسى. حين ترك موسى مصر، تركها مدفوعًا بالايمان. نحن نعرف أن موسى ترك مصر هربًا من الفرعون بعد أن قتل مصريًا يعنّف واحدًا من اخوته. قال خر 2: 14 - 15: ((خاف موسى وقال في نفسه: ذاع الخبر. وسمع فرعون بهذا الخبر، فحاول أن يقتل موسى، فهرب موسى من وجه فرعون)). ذاك هو الوجه البشري، أما عب فربطت تصرّف موسى منذ هربه وحده إلى هربه مع بني اسرائيل واجتياز البحر الأحمر، بالايمان الذي وجّهه من أجل خلاص شعبه.
وأقام موسى في البرّية أربعين سنة. وجاء وقت عرف فيه أن ساعة الله دقّت، وكانت محنة الملاك في الطريق (خر 4؛ 24 - 25). ولكن موسى واصل طريقه. وقبل أن يخرج مع شعبه، عاش الخروج وعبور البحر الأحمر في السرّ: صنع الفصح، رشّ الدم. أطاع الله، فكان هذا الخلاص الأول من المهلك، رمزًا إلى خلاص آخر من البحر. أما الحمل الذي ذبحه فيشير إلى ((حمل الله)) (يو 1: 29 ،36)، إلى ((حمل فصحنا)) (1كور 5: 7) الذي يفتدينا بدمه الثمين، الذي هو ((دم الحمل الذي لا عيب فيه ولا دنس، دم المسيح)) (1 بط 1: 19)، هذا الحمل الذي دمّر بموته قوّة الشرّ (رمز فرعون عابر الأوثان). حمل الخلاصَ من العبوديّة (عب 2: 14 - 15). المهلك هو هنا. لنتسلّح بذبيحة المسيح بعد أن أخرجنا الله من مصر، من الظلمة ومن العبوديّة (الذهبي الفم).
ترك بنو اسرائيل أرض فرعون، وبدأوا مسيرتهم إلى أرض الموعد، فوجدوا نفوسهم في محنة هدّدت إيمانهم. أمامهم حاجز البحر الأحمر. ووراءهم جيش فرعون الذي بدّل رأيه حين تركهم ينطلقون. إن لم يدلّ الله على أنه إله المستحيلات، فلا سبيل نجاة لمجموعة ضعيفة وغير منظّمة. فحثّ موسى، رجلُ الايمان، هذا الشعب اليائس، وجمعه حول كلمة الله: ((لا تخافوا، قفوا (ثابتين) وانظروا اليوم خلاص الرب. سترون المصريين اليوم ولن تعودوا ترونهم إلى الأبد. الربّ يحارب عنكم، وأنتم لا تحرّكون ساكنًا)) (خر 14: 13 - 14). ففعلت قدرة العلي. والايمان بكلمته نال النصر الكامل، فانفتحت مياه البحر (الذي يدلّ على الشرّ) أمامهم. وهكذا عبر الشعب بقوّة الايمان. أما المصريون فنقصهم الايمان (هنا نتذكّر سفر الحكمة). فالمياه التي حملت سفينة نوح وأغرقت الأشرار، هي ذاتها التي صارت طريقًا للعبرانيين ومدفنًا للمصريين. في هذا الأطار، تحدّث بطرس قائلاً: ((ها أنا أضع في صهيون حجر زاوية كريمًا، فمن آمن به لا يخيب. فهو كريم لكم أنتم المؤمنين. أما لغير المؤمنين فهو الحجر الذي رفضه البناؤون وصار رأس الزاوية، وهو حجر عثرة وصخرة سقوط)) (1 بط 2: 6 - 8؛ رج أش 8: 14 - 15؛ 28: 16). وقال بولس: ((نحن رائحة المسيح الذكيّة بين الذين يخلصون أو الذين يهلكون. فهي للذين يهلكون رائحة موت تقود إلى الموت، وللذين يخلصون رائحة حياة تقود إلى الحياة)) (2 كور 2: 15 - 16).
بالايمان سقطت أسوار أريحا بعد الطواف حولها سبعة أيام. بالايمان راحاب البغيّ لم تهلك مع العصاة لأنها قبلت الجاسوسين (وصرفتهما) في سلام)) (11: 30 - 31)
وتبع عبور البحر الأحمر، أربعون سنة من الدوران في البرية. وما حدث مع موسى حدث مع يشوع: فالعوائق تقف في وجه الداخلين إلى أرض الموعد. بعد عبور الاردن انتصبت أسوار أريحا التي لا يمكن أن تؤخذ. ولكن يشوع كان رجل ايمان، شأنه بشأن موسى. سمع صوت الربّ: ((تشدّد، تشجّع. لا ترهب ولا ترتعب، لأني أنا الرب الهك معك حيثما توجّهت)) (يش 1: 9). مرّ إيمانه في محنة أمام أمر يبدو غريبًا ولامفهومًا: يدور الشعب حول المدينة التي ستسقط، لا بالسلاح، بل بالايمان بقدرة الله. قال الذهبي الفم: ((لا يستطيع صوت الأبواق أن يُسقط الاسوار، ولو ظلّوا ينفخون فيها ربوات من السنين. فالايمان يستطيع أن يفعل كل شيء)). 
وارتبط بخبر سقوط أريحا خبر راحاب. جُعلت راحاب هنا مع أبطال الايمان، وهذا أمر له مدلوله. أولاً، هي امرأة. ولن تكون امرأة أخرى سوى سارة زوجة ابراهيم. أما هنا فراحاب وحدها. إن كان من تمييز بين الرجل والمرأة على مستوى الحياة اليوميّة والوظائف الاجتماعيّة. فعلى مستوى الايمان، لا رجل ولا امرأة (غل 3: 28). كان بامكان الكاتب أن يذكر نساء أخرى، ولكن راحاب هي نموذج لهنَّ جميعًا. كانت سارة أم المؤمنات. أما راحاب فأم الخاطئات وصولاً إلى زمن المسيح الذي رفض أن تُرجم الزانية التي قدّمت له (يو 8: 11؛ أنا لا أحكم عليك. إذهبي ولا تخطئي بعد الآن)، والذي استقبل الخاطئة وفضّلها على سمعان: أحبّت كثيرًا فغُفر لها الكثير (لو 7: 37).
أجل، عُرفت راحاب أنها بغيّ (رج بع 2: 25؛ يش 2: 2)، أنها زانية. هذا ما كانت عليه قبل أن تهتدي إلى الايمان وتنضمّ إلى شعب الله، على مثال متّى الذي كان عشارًا (ف 10: 3) وجابي ضرائب (أي: سارق في الأحوال العادية)، وسمعان الذي كان محاربًا مع الغيورين (لو 6: 15؛ أع 1: 13) قبل أن يلتحق بالطريق الرسوليّ. هذا ما تفعله نعمة الله إن نحن تجاوبنا معها بالايمان. فالمسيح جاء يدعو الخطأة إلى التوبة (لو 5: 32). وسيقول لرؤساء اليهود: ((الحقّ أقول لكم، العشارون والزناة يسبقونكم إلى ملكوت الله. جاء يوحنا عن طريق البرّ فلم تؤمنوا به. ولكن آمن به العشّارون والزناة. ومع ذلك، حين رأيتم هذا ما ندمتم بعد حين ولا آمنتم به)) (مت 21: 31 - 32). وراحاب، في عصرها، كانت زانية. آمنت فقيل فيها أنها لم تهلك مع العصاة لأنها آمنت. فالعصيان يعني اللاإيمان (رج 3: 18)؛ يو 3: 36؛ أع 14: 2...). وعبّرت عن إيمانها بشكل منظور في الطريقة التي بها استقبلتهم ((في سلام)). لم تعاملهم كغزاة وأعداء: سمعت ما صنعه الله لشعبه، فآمنت بالاله الحقيقيّ. ((أعرف أن الله أعطاكم الأرض))(يش 2: 1ي). آمنت حيث تردّد شعب الله: هل يقدر الربّ على أسوار أريحا. وكانوا قد تساءلوا في البرية: هل يقدر الله أن يطعم شعبه؟ وقالوا: هل الله معنا أم لا؟
وأخيرًا راحاب ليست زانية فقط، بل هي امرأة غريبة عن شعب الله. فلا يحقّ لها ما يحقّ لأفراد الشعب. ولكنها بإيمانها تجاوزت هذا الحاجز أيضًا: صارت من شعب الله، ونعمت بامتيازات وبركات استُبعدت عنها في الأصل. وهكذا دلّت على أن جميع الأمم تتبارك في زرع ابراهيم (تك 22: 28؛ غل 3: 18 - 19). وحين انضمّت إلى شعب الله دخلت في نسب المسيح.

خاتمة
تابع الكاتب رسمة الايمان بعد ابراهيم. فوصل إلى موسى، رجل العهد، وجعله يتطلّع إلى المسيح صاحب العهد الجديد الأبديّ. قرأ حياة موسى في ضوء حياة المسيح، فجعله مسيحيًا يرى آلام المسيح وعاره قبل أن تحدث، كما رأى ابراهيم مجد الابن وابتهج (يو 8: 56). وتحدّث عن يشوع الذي أدخل الشعب أرض الموعد، فكان مثالاً بعيدًا ليسوع الذي يُدخل البشريّة إلى الراحة. وأخيرًا برزت امرأة فدلّت بإيمانها على أنها أهل للملكوت الذي يحمله المسيح، وهو الذي لم يأت للابرار بل للخطأة. بالايمان صار البحر أمام موسى أرضًا يابسة. وأمام يشوع صارت أسوار أريحا كتلة حجارة. وأما راحاب فسقطت أمامها حواجز الشريعة التي تمنع المرأة الخاطئة من الاختلاط بالابرار، والغريبة من الجلوس مع شعب الله. غير أن كل هذا لم يصل إلى كماله مع العهد القديم، بل هو ينظر إلى العهد الجديد، إلى المسيح الذي بدأ وهو يكمل.
الفصل الثالث والثلاثون

موسى والدخول إلى أرض الموعد
11: 23 - 31

توقّفت عب عند سفر التكوين، فأوجزته في بعض صور دلّت على ثبات الآباء في الايمان. وها هي تصل إلى سفر الخروج مع شخص موسى الذي حرّر شعبه وقادهم في طريق وصلت بهم إلى أرض كنعان. ولكن هذه القراءة الماديّة لنصّ التوراة تبقى مغلقة، ولا تفتح القرّاء على أفق الايمان التي تصل إلى المسيح. فموسى صورة عن المسيح، كما كان اسحاق، وعليه أن يختار بين مصر وكنوزها وغناها، وبين المسيح الذي يدعونا لنحمل عاره: نحن لا نرضى بمدينة نعيش فيها اليوم، بل نطلب الآتية (13: 14). هكذا فعل موسى. وما فعله فعله بالايمان. وهكذا يفعل المؤمنون مهما اجتذبهم هذا الدهر وإغراءاته.
أما المقطع الذي نقرأه الآن (آ 23 - 31) فيرد في قسمين: من كنوز مصر إلى عار المسيح. تحرير المؤمنين ودمار الاعداء.

1 - تفسير الآيات

أ - من كنوز مصر إلى عار المسيح (11: 23 - 27)
وُلد موسى في مصر، وعرف غناها. ولكنه تركها مدفوعًا بالايمان. لم يتوقّف عند ما يُرى، بل عند ما لا يُرى.
أولاً: لما وُلد موسى (آ 23 - 25)
هنا وصلنا إلى الحقبة الموسويّة واحتلال أرض الموعد. فبعد إيمان ألهم الصبر والتضحية، رأيناه في حياة الآباء وعملهم، ها هو ايمان يُلهم خيارات حاسمة وأعمال شجاعة، عند موسى ويشوع وغيرهما. إن موسى شخص عظيم وقد قابله التقليد مع ابراهيم. ثم إن قرّاء الرسالة يقدرّونه تقديرًا خاصًا، ويريدون العودة إلى عهد قطعه مع الله، بطقوس وذبائح وكهنوت وهيكل. لهذا توسّع الكاتب في روح الايمان التي أحاطت بحياة موسى الخاصة (آ 24 - 28: رج أع 7: - 2ي)، وألهمت والديه (آ 23) وشعبه (آ 29). فعلى القرّاء أن يستلهموا مثَله ويتبعوا إيمانه بالمسيح (آ 26؛ يو 5: 45 - 47): عدّ عار المسيح ثروة أعظم من كنوز مصر.
إذا كان موسى نجا من الموت رغم قرار فرعون بإهلاك الذكور من العبرانيين (خر 1: 16)، فلأن والديه (فيلون، حياة موسى 1: 9؛ يوسيفوس، العاديات 2/9: 218، في العبرية: والدته) رأيا جماله ونعمة الله عليه (استايوس، خر 2: 2)، فاعتبرا هذا الجمال علامة عن بركة الله وإشارة إلى دعوة رفيعة. إذن، اخفياه لأنهما آمنا ووثقا بعناية الله. شدّد فيلون على جمال موسى: كان الناس يتوقّفون عن أعمالهم لينظروا إليه عند مروره. هو جميل في نظر الله كما قال اسطفانس في أع 7: 20 (استايوستو تيو)، مرضيّ عند الله.
ووجد والدا موسى (عمرام ويوكابد، خر 6: 20) العون والشجاعة في إيمانهما، فعرّضا نفسيهما لملاحقة الملك. فالايمان يتغلّب على الخوف عند البشر (آ 27: لو 12: 4 ،5؛ مز 2: 1 - 4؛ 27: 1 - 6؛ 33: 12). وما ثبّتهما أيضًا في موقفهما هو رؤية إلهيّة. نقرأ ((دياتغما)) (مراحدة في العهد الجديد): أمر، قرار. رج حك 11: 7. من خلال موسى، نظرت عب إلى يسوع الذي نجا من الموت أيضًا رغم قرار الملك هيرودس (رج مت 2: 1ي).
جُعل موسى عند حافة النهر، وتهدّده الموت. لكن أخذته ابنة فرعون وعاملته كابنها (خر 2: 5 - 10؛ يوسيفوس، العاديات 2: 9). كان بإمكانه أن ينعم بكرامات وامتيازات هذا الوضع الملكي، ويتمسّك بهذا اللقب العظيم. ها قد لاحت الأمجاد أمامه. ولكن لا. رأى ضيق اخوته، كما قال خر 2: 10ي، ودفعه الايمان كما قالت عب، فتخلّى عن كل هذه الخيرات التي نعم بها. ((ارنيوماي))، قال كلا. رفض، تخلّى، قطع كل علاقة. وارتبط بهذا الفعل المصدر (لاغستاي، أن يدعى). رج حك 12: 27؛ 16: 16؛ 17: 9 ،هزئ بكل هذا واحتقره. فهناك أمر أهمّ تعلّق به. تضامن مع شعب الله (4: 9)، واختار الخيار الحاسم (أيرايو، في الصيغة الوسطيّة: أخذ على نفسه، اختار، أخذ جانب. مع ((مالون)): فضّل). قاسم شعبه الاضطهاد والمعاملة السّيئة (سينكاكوخيوماي، مراحدة بيبليّة، أسيئت معاملته)، وترك امتيازات قدّمت له (مز 84: 11).
رافق التجرّدُ الاختيار. وكان التعارض الاساسيّ بين ((شعب الله)) و((الخطيئة))، لا بين ((المشقّة)) (سوء معاملة) و((التمتّع)). بالايمان رأى موسى في هؤلاء العبيد العاملين في مصر، الشعبَ المختار ووارث الموعد. عرف أنه ارتبط بالله وبشعبه. هو مدين لشعبه. وإن هو تخلّى عن قضّيتهم خان دعوته، مجد إيمانه. ((بروسكايروس)) موقت، سريع، عابر. رج مت 13: 21؛ 2كور 4: 17 - 18). تجاه هذا، جزاء سماوي، ثابت، نهائي (رج آ 1، 6؛ 10: 35). وحده الايمان يتيح لنا أن نميّز الخير والشرّ، أشياء هذه الحياة الحاضرة واللامرئيّات.
ثانيًا: ترك مصر (آ 26 - 27)
إن اسم الفاعل (هيغيسامانوس، حاسبًا، عادًا) الذي يرد بشكل بدل، يحدّد بوضوح سبب خيار موسى هذا الذي يعارض كل حكمة بشريّة. عار المسيح (خرستوس) هو عار شعب الله (آ 25) والنسل المقدس والمكرّس للرب. ((اونايديسموس))، العار. نقرأ في يش 6: 9؛ عار مصر الذي ناله شعب اسرائيل حين كان في العبوديّة. رج مز 89: 51: ((أذكر يا رب عار عبيدك وما احتملوه من شعوب كثيرين)). ولكن الربّ يقابل هذا التعيير بأمانة لعهد قطعه مع سلالة داود. ويتابع المزمور: عيّروا نسل مسيحك (آ 52). ولكن بما أن الله اختار اسرائيل ليلد المسيح ويحقّق تحقيق مواعيد الخلاص، نستطيع القول إن موسى (والمسيحيين معه) اعتبروا (آ 11) أن الألم من أجل المسيح هو كنز لا يضاهيه كنز. المسيح هو رأس جميع الأبرار في العهد القديم كما في العهد الجديد، وكلّهم يشاركونه عاره. لذلك، فكل ألم هو امتداد أو استباق لألم المسيح (10: 33؛13: 13). لهذا، كانت النظرة المسيحيّة إلى الألم، على أنه وسيلة للاتّحاد بالمخلص (2 كور 1: 5؛ فل 3: 10؛ 1بط 4: 13).
ما الذي يكشف ثمن هذه المحن؟ الايمان. فهو ينظر من بعيد، يحدّق (ابوبلابو، مراحدة في العهد الجديد) في الجزاء السماوي الذي لا يخطئ والذي هو نتيجة الصبر والثبات. هل هناك مقابلة بين كنوز (تيساوروس) وعار المسيح؟ كلا. رج 2 كور 4: 17 - 18. أيكون هذا التلميح إلى مصر دلالة بأن عب دوّنت في مصر، فقابلت بين غنى مصر وفقر فلسطين؟ في أي حال، ترك موسى كل خير من أجل المسيح.
آمن والدا موسى ففعلا ما فعلا ولم يرهبا الملك. وآمن موسى (آ 27) ولم يرهب (الفعل هو هو، فوباين). عارض الوالدان قرار الملك، وما اهتمّ موسى بسخط الملك وغضبه، فخرج من مصر على رأس بني اسرائيل. رج خر 2: 15 حيث يقال أن موسى خاف الملك بعد أن قتل الرجل المصري، ومضى إلى أرض مديان. نقصه الايمان. ولكن بعد اللقاء بالرب قرب العلّيقة الملتهبة، واجه موسى فرعون. ((كاتالايبو)). تخلّى عن ميراث. وهنا: ترك أرضه. مضى.
ويشير الشقّ الثاني من الآية إلى ينبوع هذه الشجاعة التي تتعدّى مقدور البشر. في برية سيناء رأى موسى ذاك الذي لا يُرى (أووراتوس، تسمية الله الاحتفاليّة، 1 تم 1: 17). كان يكلّم الله كما يكلّم الصديقُ صديقه (خر 33: 11؛ عد 12: 8). إن يقين موسى كان من المتانة والثبات، بحيث نفّذ مخطّط الله. ((كارتاريو)) ثبت، تجلّد وانتظر تدخّل الله (2 مك 7: 17).

ب - تحرير المؤمنين ودمار الاعداء (11: 28 - 31)
من الاحتفال بالفصح، إلى عبور البحر الاحمر، إلى احتلال أريحا، هي مسيرة ايمان متواصلة.
أولاً: صنع الفصح (آ 28)
هو أول احتفال بعيد الفصح. ((بوياين (صنع) تو باسخا)) (الفصح). كذا في العبريّة. (رج خر 12: 48؛ عد 9: 2؛ مت 26: 18). صيغة اللاكامل وسط الاحتمال. هذا يعني أننا أمام نظام نهائي. يُذبح الحمل ويُرش الدم (بروسخيسيس مراحدة بيبلية، الرش) على أبواب بني اسرائيل (خر 12). كل هذا فعل إيمان بكلمة يهوه وبرمزيّة هذه الطقوس. إنها تشير مسبقًا إلى النجاة من الخطيئة بفعل دم الفادي. الرب يمرّ ويضرب مصر، ولكنه لا يضرب حين يرى الدم على عتبة الباب وقائمتيه. هو لا يسمح للملاك المهلك ( هـ م ش ح ي ت، 1 كور 10: 10؛ (أخ 1: 12؛ سي 48: 21) أن يضرب (خر 12: 23)، أن يمسّ (تنغانو، كو 2: 21) أبكار بني اسرائيل (رج مز 78: 49 - 51) = أوتون، فاعل ((ديابيسان)) في آ 29. وهكذا خلّص الايمان من الموت. في هذا قال الذهبي الفم: ((إذا كان دم حمل رُشّ على أبواب العبرانيين حماهم من الهلاك الذي دمرّ مصر، فكم خلّصنا دم المسيح الذي يرشّ على قلوبنا، لا على أبوابنا، من روح الشر الذي يترصّد مخرّبًا في ظلمة هذا الليل العميق)).
لم يقل الكاتب شيئًا عن عطيّة الشريعة في سيناء (يو 1: 17؛ أع 7: 35ي). بل ذكر السمة الاساسيّة لدى موسى: هو مؤمن. وبالإيمان سيصير قائد (أرخيغوس) شعب الله. إن رئيس بني اسرائيل المخلّصين آمن بالله، بمجيء المسيح، بمستقبل شعب. إنه مثال للمسيحيين المضطهدين، حين ترك ملذات مصر وقبلَ العار، فكان الصادق الأمين.
ثانيًا: جازوا البحر الأحمر (آ 29) 
آمن الاسرائيليون بكلمة الله وقدرته العجائبيّة، فساروا وراء مخلّصهم الذي قاسموه معتقده (3: 16)، وما تردّدوا في ولوج البحر الأحمر (خ 14). ما خابت ثقتهم، فعبروه كأنهم على أرض يابسة (خر 14: 29). وهكذا كان لهم النصر. تحرّروا من العبودية. أما المصريون الذين تبعوهم فغرقوا. ((بايران لمباناين))، اختبروا خبرة (تث 28: 56). حاولوا. ولكنهم غرقوا (كاتابينو، ابتلعتهم المياه). السبب: لم يكن عندهم إيمان. رج حك 10: 18 - 19. صار البحر الاحمر للبعض باب خلاص وللبعض الآخر باب موت (1 كور 10: 1 ي). غاب الايمان فكان الهلاك. ولكن صارت المعجزة ممكنة بواسطة الايمان. فعلى المسيحيين أن لا يخافوا بغض مضطهديهم وهجماتهم. فالله أقوى من فرعون، وخالق الكون هو الذي يوجّه الأحداث لخير مختاريه (رو 15: 3 - 4) فيخلّصهم من وضع ميأوس. فمن أراد أن يدخل أرض الميعاد، عليه أن يمرّ في هذه المحن وأن يؤمن أنه يتغلّب عليها. فالايمان ينقل الجبال (مت 17: 20)
ثالثًا: سقطت اريحا (آ 30 - 31)
بالايمان صنعوا الفصح، جازوا البحر. وبالايمان سقطت أريحا، وما هلكت راحاب. عاد كل شيء إلى الايمان. فالله هو الذي يفعل، والانسان يتمتّع بنتيجة عمله. ذُكر حصار أريحا في يش 6. أمر الرب بالطواف حولها. نفّذ الشعب الأمر، فسقطت (بيبتو، مت 7: 25؛ أع 15: 16؛ رؤ 11: 13؛ 14: 8). لن نتوقّف عند الحفريات الاركيولوجيّة. فالكاتب يربط سقوط أريحا بإيمان بني اسرائيل وطاعتهم لله. لا نعرف ماذا حدث بالضبط. هل كانت حيلة سقطت على أثرها الحامية (ح و م ة، رج 1صم 25: 6) فدخل المهاجمون المدينة؟
لا يهتمّ الايمان بالوسيلة، بل يدرك الهدف. يتدخّل الله فيشهد. والنتيجة هي هنا ولا تحتاج إلى برهان. سقطت القلعة نتيجة إيمان الشعب. هذا يعني أن الحواجز تسقط بفضل سلاح الايمان (أف 6: 13ي). لو كان فيكم إيمان مثل حبّة الخردل.
في آ 31 ذُكرت راحاب في معرض الحديث عن أريحا. فهي التي استقبلت الجواسيس. هي الغريبة التي ستنضمّ إلى شعب الله. وهي الزانية (ز و ن ه) التي نالت الخلاص. تحدّث الكاتب عن مهنتها المشينة، فدلّ على انتصار الايمان فيها. ارتبطت بتامار وراعوت في نسب المسيح، كزوجة صلمون وأم بوعز (مت 1: 5). يقول المعلّمون إن يشوع تزوجّها فكانت جدّة ثمانية كهنة، منهم إرميا وحزقيال النبيّان. ذكر يع 2: 25 اسمها مع اسم ابراهيم. آمنت كما آمن. ورأى فيها آباء الكنيسة ((الكنيسة الآتية من الأمم الوثنيّة)). نشير هنا إلى أن راحاب ذُكرت وحدها كامرأة، في لائحة أبطال الايمان، مع سارة أم الشعب المختار.
استحقّت راحاب هذا المديح لأنها أمنت بالاله الحقيقيّ، فكان اعتراف ايمانها من أجمل ما في العهد القديم (يش 2: 11). وآمنت بالعناية الالهيّة، كما اقتنعت بانتصار الشعب منذ البحر الأحمر. وكان ايمانها فاعلاً وحكيمًا فوصل بها إلى البطولة. ما أكتفت بأن تستقبل الجواسيس استقبالاً حسنًا (داخوماي، كما يليق)، بل أضافتهم وأرسلتهم بسلام (ايريني، رج أع 15: 33). نقرأ ((كاتاسكوبوس)) (جواسيس، مراحدة في العهد الجديد، م ر ج ل ي م). آمنت فنجت مع أهل بيتها (يش 6: 22 - 25)، عكس جميع الذين لم يؤمنوا فقاوموا مخطّط الله. هذا هو معنى فعل ((ابايتايو)): من لا يريد أن يقتنع، من يرفض كلمة الله (3: 18؛ يو 3: 36؛ أع 14: 2؛ 19: 9؛ روم 2: 8؛ 10: 21؛ 11: 30 ،31؛ 15: 21). قال الذهبي الفم ويوحنا الدمشقي: أما تستحون حين يكون إيمانكم أقل من ايمان بغيّ؟
2 - قراءة إجمالية
((بالايمان، لما وُلد موسى، أخفاه والداه ثلاثة أشهر، لأنهما رأيا أن الطفل جميل ولم يرهبا أمر الملك)) (11: 23)
وصل الكاتب إلى موسى. ترك وراءه سفر التكوين مع خبر الآباء، ووصل إلى سفر الخروج ودخول بني اسرائيل إلى أرض الموعد (آ 23 - 31). تميّز موسى، شأنه شأن ابراهيم، في توسّع طويل تجاه حاشية قصيرة لسائر الآباء. هو رجل الايمان الذي يجد كماله في يسوع المسيح. أما آ 23 فتدلّ على أم موسى. أحيط منذ طفولته بمناخ من الإيمان، وذلك في روح الله الحقيقيّ الذي تضمّ مواعيدُه المؤمنين وأولادهم. يقول إن الولد أخفي ((بالايمان)) ولا يشرح مضمون هذا الايمان بالنظر إلى مشيئة الله تجاهه. كان الطفل جميلاً. نحن هنا أمام أكثر من جمال خارجيّ. هذا الطفل هو موضوع نعمة الله، كما قال الذهبيّ الفم.
إن مخافة الله لدى والدي موسى، كان باعثها اعتقادٌ بأن لولدهما دورًا يلعبه داخل مخطّط الله. لهذا لم يرهبا أمر الملك. وهذا الموقف من اللاخوف انتقل إلى موسى حين صار رجلاً: لم يرهبا سخط الملك (آ 27). خاطر الوالدان، فدلاّ على إيمانهما، وزادا في المخاطرة حين جعلا الولد على حافة النهر مع أخته. ولكن الله حفظ الطفل. دربّت الوالدة طفلها كما يجب، فعرف أن يكون مع اخوته في ضيقهم. غير أن اخوته لم يفهموا أن الربّ يخلّصهم بيده (أع 7: 25).
في 3: 2 ي، كان الكاتب قد قابل بين موسى والمسيح على مستوى الأمانة للعهد. كان موسى صورة المسيح، وهذا واضح في الوعد المسيحاني الذي أعطاه الله بأنه سيرسل نبيًا مثله، من بين اخوته، ويصبح كلامه في فمه (تث 15: ،15 18؛ أع 7: 37). أما هنا، فالكلام عن موسى الذي به أعطيت الشريعة للشعب، والذي هو نموذج المسيح في دوره كمخلص: قاد الشعب المختار من عبوديّة مصر إلى حدود أرض الموعد. والمسيح أتمّ نموذجه البعيد كمبدئ خلاصنا الذي لم يستح أن يدعونا إخوته، الذي خلّص شعب الله من عبودية الخطيئة وأوصلهم إلى الراحة الموعودة (عب 2: 10، 11 ،15؛ 3: 14ي؛ 4: 3؛ 12: 2).
بالايمان موسى. لما كبر، أبى أن يُدعى ابنًا لابنة فرعون، واختار المشقّة مع شعب الله على التمتّع الوقتيّ بلذّة الخطيئة، عادًا عار المسيح ثروة أعظم من كنوز مصر، لأنه كان ينظر إلى الثواب)) (11: 24 - 26)
بالايمان كبر موسى. ونجا من الموت، فوصل إلى النضوج والمسؤوليّة. واجه القرار الحاسم الذي يحدّد وجهة حياته منذ البداية. ماذا يختار؟ هو الأمير المصري. يبقى ذاك الأمير، ينعم بالامتيازات التي حصل عليها بنعمة فريدة من لدن الله. قال عنه اسطفانس في خطبته: ((تأدّب بحكمة المصريين كلها. وكان مقتدرًا في أقواله وأعماله)) (أع 7: 22). فماذا ينقصه بعد ذلك. أما هكذا كان يوسف بن يعقوب؟ ولكن موسى أدار ظهره لهذه القدرة وهذه الامتيازات، كما ُطلب منه. فمصيره غير مصير يوسف. لهذا رفض أن يُدعى ابنًا لابنة فرعون. كان باستطاعته أن يقول: أبقى في هذا المركز المرموق وأعين إخوتي. ولكن مشيئة الله كانت غير ذلك: عليه أن يترك الطمأنينات البشريّة ويواجه الأخطار العديدة ليقود شعبًا من الرعاة، من العبوديّة إلى الحرية. كانت خطيئة موسى كبيرة لو أنه عصى النداء السماوي (عب 2: 1؛ أع 26: 19) واختار التمتّع بما يقدّمه القصر الملكي. فالطاعة للنداء طلبت منه إيمانًا يدفعه إلى هدف سماوي، وإن كان هذا الهدف بعدُ بعيدًا. عليه أن يفهم أن سراب العالم لا يقابَل ببركات أبديّة يكفلها وعدُ الله. ففي خط الايمان الذي انطلق مع ابراهيم، فضَّل موسى عار المسيح على خيرات مصر، على مثال بولس الذي قابل بين ضيق هذا الزمان والمجد المزمع أن يتجلّى.
إن التخلّي عن كنوز مصر واختيار الحياة القاسية مع الشعب رغم احتقار هذا العالم وحزنه، وحّدا موسى بمسيح الله. هل يعني أنه تخلّى عن شعبه؟ كلا. بل هو تطلّع، بالايمان، إلى شعب أوسع من شعبه، فكان صورة بعيدة عن المخلّص الحقيقيّ، يسوع المسيح. ثم إن طريق الايمان هي طريق الآلام (كلام يتوجّه بشكل خاص إلى قرّاء الرسالة). وحين اختار موسى هذه الطريق، تبع خطًا سيجد كماله في الذي هو وحده المسيح (عب 2: 10). وهكذا كان انتقال من موسى إلى يسوع المسيح عبر شخص عبد الربّ (أش 53) الذي سحقه الله بالأوجاع فرأى ثمرة تعبه، وبرّر الناس، وحمل خطاياهم بعد أن شفع فيهم.
شابه موسى المؤمنين الذين سبقوه والذين لحقوه، فاندفع بنظرة ترى من خلال المحن والضيقات، في الزمن الحاضر، المجدَ الذي يدوم. نظر إلى الجزاء. إلى ما لا يُرى، إلى من لا يُرى. هذ ما يجب على المسيحيين أن يفعلوه: يطرحون كل ثقل، يسعون بثبات، وينظرون إلى يسوع الذي تحمّل الصليب بدل السرور (12: 1 - 2). تماهى موسى مع شعبه، فعرف عارًا أول. وتماهى مع المسيح فعرف عارًا ثانيًا. واختار هذا الموقف بفرح عارفًا الهدف المجيد الذي يصبو إليه. فلماذا يخاف المؤمنون الاضطهاد والمسيح قال لهم: ((طوبى لكم حين يضطهدكم الناس)) (مت 5: 11).
بالايمان ترك مصر ولم يخشَ (يرهب) سخط الملك. بل تجلّد كأنه يعاين الذي لا يُرى. بالايمان صنع الفصح ورشّ الدم لئلاً يمسّ المهلك الأبكار. بالايمان جازوا في (عبروا) البحر الأحمركأنما في أرض يابسة، ولما حاول ذلك المصريون غرقوا)) (11: 27 - 29)
ويتابع الكاتب خبر موسى. حين ترك موسى مصر، تركها مدفوعًا بالايمان. نحن نعرف أن موسى ترك مصر هربًا من الفرعون بعد أن قتل مصريًا يعنّف واحدًا من اخوته. قال خر 2: 14 - 15: ((خاف موسى وقال في نفسه: ذاع الخبر. وسمع فرعون بهذا الخبر، فحاول أن يقتل موسى، فهرب موسى من وجه فرعون)). ذاك هو الوجه البشري، أما عب فربطت تصرّف موسى منذ هربه وحده إلى هربه مع بني اسرائيل واجتياز البحر الأحمر، بالايمان الذي وجّهه من أجل خلاص شعبه.
وأقام موسى في البرّية أربعين سنة. وجاء وقت عرف فيه أن ساعة الله دقّت، وكانت محنة الملاك في الطريق (خر 4؛ 24 - 25). ولكن موسى واصل طريقه. وقبل أن يخرج مع شعبه، عاش الخروج وعبور البحر الأحمر في السرّ: صنع الفصح، رشّ الدم. أطاع الله، فكان هذا الخلاص الأول من المهلك، رمزًا إلى خلاص آخر من البحر. أما الحمل الذي ذبحه فيشير إلى ((حمل الله)) (يو 1: 29 ،36)، إلى ((حمل فصحنا)) (1كور 5: 7) الذي يفتدينا بدمه الثمين، الذي هو ((دم الحمل الذي لا عيب فيه ولا دنس، دم المسيح)) (1 بط 1: 19)، هذا الحمل الذي دمّر بموته قوّة الشرّ (رمز فرعون عابر الأوثان). حمل الخلاصَ من العبوديّة (عب 2: 14 - 15). المهلك هو هنا. لنتسلّح بذبيحة المسيح بعد أن أخرجنا الله من مصر، من الظلمة ومن العبوديّة (الذهبي الفم).
ترك بنو اسرائيل أرض فرعون، وبدأوا مسيرتهم إلى أرض الموعد، فوجدوا نفوسهم في محنة هدّدت إيمانهم. أمامهم حاجز البحر الأحمر. ووراءهم جيش فرعون الذي بدّل رأيه حين تركهم ينطلقون. إن لم يدلّ الله على أنه إله المستحيلات، فلا سبيل نجاة لمجموعة ضعيفة وغير منظّمة. فحثّ موسى، رجلُ الايمان، هذا الشعب اليائس، وجمعه حول كلمة الله: ((لا تخافوا، قفوا (ثابتين) وانظروا اليوم خلاص الرب. سترون المصريين اليوم ولن تعودوا ترونهم إلى الأبد. الربّ يحارب عنكم، وأنتم لا تحرّكون ساكنًا)) (خر 14: 13 - 14). ففعلت قدرة العلي. والايمان بكلمته نال النصر الكامل، فانفتحت مياه البحر (الذي يدلّ على الشرّ) أمامهم. وهكذا عبر الشعب بقوّة الايمان. أما المصريون فنقصهم الايمان (هنا نتذكّر سفر الحكمة). فالمياه التي حملت سفينة نوح وأغرقت الأشرار، هي ذاتها التي صارت طريقًا للعبرانيين ومدفنًا للمصريين. في هذا الأطار، تحدّث بطرس قائلاً: ((ها أنا أضع في صهيون حجر زاوية كريمًا، فمن آمن به لا يخيب. فهو كريم لكم أنتم المؤمنين. أما لغير المؤمنين فهو الحجر الذي رفضه البناؤون وصار رأس الزاوية، وهو حجر عثرة وصخرة سقوط)) (1 بط 2: 6 - 8؛ رج أش 8: 14 - 15؛ 28: 16). وقال بولس: ((نحن رائحة المسيح الذكيّة بين الذين يخلصون أو الذين يهلكون. فهي للذين يهلكون رائحة موت تقود إلى الموت، وللذين يخلصون رائحة حياة تقود إلى الحياة)) (2 كور 2: 15 - 16).
بالايمان سقطت أسوار أريحا بعد الطواف حولها سبعة أيام. بالايمان راحاب البغيّ لم تهلك مع العصاة لأنها قبلت الجاسوسين (وصرفتهما) في سلام)) (11: 30 - 31)
وتبع عبور البحر الأحمر، أربعون سنة من الدوران في البرية. وما حدث مع موسى حدث مع يشوع: فالعوائق تقف في وجه الداخلين إلى أرض الموعد. بعد عبور الاردن انتصبت أسوار أريحا التي لا يمكن أن تؤخذ. ولكن يشوع كان رجل ايمان، شأنه بشأن موسى. سمع صوت الربّ: ((تشدّد، تشجّع. لا ترهب ولا ترتعب، لأني أنا الرب الهك معك حيثما توجّهت)) (يش 1: 9). مرّ إيمانه في محنة أمام أمر يبدو غريبًا ولامفهومًا: يدور الشعب حول المدينة التي ستسقط، لا بالسلاح، بل بالايمان بقدرة الله. قال الذهبي الفم: ((لا يستطيع صوت الأبواق أن يُسقط الاسوار، ولو ظلّوا ينفخون فيها ربوات من السنين. فالايمان يستطيع أن يفعل كل شيء)). 
وارتبط بخبر سقوط أريحا خبر راحاب. جُعلت راحاب هنا مع أبطال الايمان، وهذا أمر له مدلوله. أولاً، هي امرأة. ولن تكون امرأة أخرى سوى سارة زوجة ابراهيم. أما هنا فراحاب وحدها. إن كان من تمييز بين الرجل والمرأة على مستوى الحياة اليوميّة والوظائف الاجتماعيّة. فعلى مستوى الايمان، لا رجل ولا امرأة (غل 3: 28). كان بامكان الكاتب أن يذكر نساء أخرى، ولكن راحاب هي نموذج لهنَّ جميعًا. كانت سارة أم المؤمنات. أما راحاب فأم الخاطئات وصولاً إلى زمن المسيح الذي رفض أن تُرجم الزانية التي قدّمت له (يو 8: 11؛ أنا لا أحكم عليك. إذهبي ولا تخطئي بعد الآن)، والذي استقبل الخاطئة وفضّلها على سمعان: أحبّت كثيرًا فغُفر لها الكثير (لو 7: 37).
أجل، عُرفت راحاب أنها بغيّ (رج بع 2: 25؛ يش 2: 2)، أنها زانية. هذا ما كانت عليه قبل أن تهتدي إلى الايمان وتنضمّ إلى شعب الله، على مثال متّى الذي كان عشارًا (ف 10: 3) وجابي ضرائب (أي: سارق في الأحوال العادية)، وسمعان الذي كان محاربًا مع الغيورين (لو 6: 15؛ أع 1: 13) قبل أن يلتحق بالطريق الرسوليّ. هذا ما تفعله نعمة الله إن نحن تجاوبنا معها بالايمان. فالمسيح جاء يدعو الخطأة إلى التوبة (لو 5: 32). وسيقول لرؤساء اليهود: ((الحقّ أقول لكم، العشارون والزناة يسبقونكم إلى ملكوت الله. جاء يوحنا عن طريق البرّ فلم تؤمنوا به. ولكن آمن به العشّارون والزناة. ومع ذلك، حين رأيتم هذا ما ندمتم بعد حين ولا آمنتم به)) (مت 21: 31 - 32). وراحاب، في عصرها، كانت زانية. آمنت فقيل فيها أنها لم تهلك مع العصاة لأنها آمنت. فالعصيان يعني اللاإيمان (رج 3: 18)؛ يو 3: 36؛ أع 14: 2...). وعبّرت عن إيمانها بشكل منظور في الطريقة التي بها استقبلتهم ((في سلام)). لم تعاملهم كغزاة وأعداء: سمعت ما صنعه الله لشعبه، فآمنت بالاله الحقيقيّ. ((أعرف أن الله أعطاكم الأرض))(يش 2: 1ي). آمنت حيث تردّد شعب الله: هل يقدر الربّ على أسوار أريحا. وكانوا قد تساءلوا في البرية: هل يقدر الله أن يطعم شعبه؟ وقالوا: هل الله معنا أم لا؟
وأخيرًا راحاب ليست زانية فقط، بل هي امرأة غريبة عن شعب الله. فلا يحقّ لها ما يحقّ لأفراد الشعب. ولكنها بإيمانها تجاوزت هذا الحاجز أيضًا: صارت من شعب الله، ونعمت بامتيازات وبركات استُبعدت عنها في الأصل. وهكذا دلّت على أن جميع الأمم تتبارك في زرع ابراهيم (تك 22: 28؛ غل 3: 18 - 19). وحين انضمّت إلى شعب الله دخلت في نسب المسيح.

خاتمة
تابع الكاتب رسمة الايمان بعد ابراهيم. فوصل إلى موسى، رجل العهد، وجعله يتطلّع إلى المسيح صاحب العهد الجديد الأبديّ. قرأ حياة موسى في ضوء حياة المسيح، فجعله مسيحيًا يرى آلام المسيح وعاره قبل أن تحدث، كما رأى ابراهيم مجد الابن وابتهج (يو 8: 56). وتحدّث عن يشوع الذي أدخل الشعب أرض الموعد، فكان مثالاً بعيدًا ليسوع الذي يُدخل البشريّة إلى الراحة. وأخيرًا برزت امرأة فدلّت بإيمانها على أنها أهل للملكوت الذي يحمله المسيح، وهو الذي لم يأت للابرار بل للخطأة. بالايمان صار البحر أمام موسى أرضًا يابسة. وأمام يشوع صارت أسوار أريحا كتلة حجارة. وأما راحاب فسقطت أمامها حواجز الشريعة التي تمنع المرأة الخاطئة من الاختلاط بالابرار، والغريبة من الجلوس مع شعب الله. غير أن كل هذا لم يصل إلى كماله مع العهد القديم، بل هو ينظر إلى العهد الجديد، إلى المسيح الذي بدأ وهو يكمل.
الفصل الرابع والثلاثون

أبطال منتصرون وأبطال متألّمون
11: 32 - 40

بدأ الكاتب فذكر أسماء أبطال عاشوا الايمان. أشار بسرعة إلى هابيل وأخنوخ ونوح. وأطال الكلام عن ابراهيم وموسى قبل أن يعود إلى يشوع وراحاب. وها هو في نهاية هذا الاتجاه الأول (11: 1 - 40) من القسم الرابع (11: 1 - 12: 13)، يقدّم لوحة إجمالية تحاول أن تقرأ العهد القديم على ضوء الايمان، ومن زاويتين اثنتين: هناك أبطال انتصروا بإيمانهم. صمدوا فظهرت فيهم قدرة الله وعملت المعجزات، وآخرها اقامة الموتى. وهناك أبطال آخرون يشبهون إلى حدّ بعيد كنيسة عب: لم ينتصروا بالقوة، بل بالضعف. لم ينتصروا بالأعمال الخارقة التي عملوها، بل بالآلام التي تحمّلوها. فهؤلاء وأولئك هم مثال لنا، ومعهم نسير لكي نبلغ الكمال، ومعهم نشهد للمسيح الذي تحمّل الصليب قبل أن يجلس عن يمين عرش الله.

1 - تفسير الآيات
في هذا المقطع (11: 32 - 40) الذي ينهي نشيد الايمان كما عاشه المؤمنون في العهد القديم، ويُدعى إلى عيشه المؤمنون في العهد الجديد، نتوقّف عند محطتين وخاتمة: أبطال انتصروا (11: 32 – 35 أ). أبطال تألّموا (آ 35ب - 38). وترد الخاتمة (آ 39 - 40) فتُوجّهنا إلى الموعد الحقيقي، وإلى المصير الأفضل الذي ينتظر المؤمنين.

أ - أبطال انتصروا (11: 32 – 35 أ)
أولاً: أسماء الأبطال (آ 32)
سار الكاتب مسيرته في التوراة، فوصل إلى يشوع، لكي يكتشف وجوهًا فيها انتصر الايمان. وتوسّع في خبر الدخول إلى كنعان من ابراهيم إلى موسى. ولكنه لا يستطيع أن يتابع تحليلاته من سفر القضاة إلى سفر المكابيين، لئلا يطيل الكلام. نقرأ هنا اسم الفاعل لفعل ((دييغيوماي)) روى، أخبر، وصف، رج لو 8: 39؛ 9: 10 ،اذن اختصر. فقال إنه لن يتحدّث عن هذا الشخص أو ذاك، بل يكتفي بأن يذكر الأعمال العظيمة التي عُملت (آ 32 – 35 أ) والآلام الكبيرة التي احتُملت (آ 35 ب، 38) بفضل الايمان. سيذكر المحاربين والشهداء.
تبدأ هذه الآية في إطار خطبة (لا في إطار رسالة): ماذا أقول؟ فإن عب هي عظة تتوجّه إلى مؤمنين بدأ إيمانهم يتزعزع بعد أن انتظروا طويلاً خلاص الله من الضيق الذي يعيشون فيه. وجاءت السلسلة: أربعة قضاة، ملك واحد. نبيّ واحد هو في الوقت عينه آخر القضاة: جدعون (قض 6 - 8) الذي خلّص الشعب من غزوات المديانيين، مع أن القوى لم تكن متعادلة، ومع أنه كان الصغير في بيت أبيه، وكان من قبيلة هي أصغر القبائل، ومع أن الرب أجبره على تسريح الكثير من جيشه. ولكنه انتصر بايمانه. باراق (قض 4 - 5) الذي انتصر مستندًا إلى إيمان امرأة هي دبورة (قض 4: 8 - 9). شمشون (قض 12 - 16) الذي عُرف بمغامراته، ومع ذلك سيقول من عمق ضعفه (وحده في هيكل داجون) وشقائه (بعد أن سلّمته دليلة إلى الفلسطيّين): أذكر، يا رب، وشدّدنيّ)) (قض 16: 28). يفتاح (قض 11 - 12) الذي هو ابن زنى. طُرد من بيت أبيه. (قض 11: 1 - 2). ثم صار رئيس شعبه وقائده، وانتصر حين حلّ عليه روح الرب. أربعة اختارهم الربّ لخلاص شعبه، قبل تأسيس الملكيّة. ثم ذكر الكاتب داود الذي جاء من وراء الغم ليرعى شعبه (1 صم 16: 11 - 13)، وصموئيل الذي مسح شاول وداود، الملكين الأولين في الشعب العبراني. وأنهى اللائحة باشارة إلى الانبياء بشكل عام، ولم يُهمل أحدًا. كان بإمكانه أن يُسمّي إيليا، ولكنه لم يفعل، بل اكتفى بالاشارة (آ 37 - 38) إلى هذا الذي كان بطل الايمان فقال يومًا للرب: ((بنو اسرائيل نبذوا عهدك وهدموا مذابحك وقتلوا أنبياءك، وبقيت أنا وحدي معك)) (1 مل 19: 14).
كان عملُ الانبياء حاسمًا في مسيرة تاريخ شعب الله، فوظّفوا المواهب التي نالوها في خدمة الايمان. عبّروا عن كلمة الله، وطلبوا من المؤمنين التمسّك بهذه الكلمة، ونظروا إلى المستقبل، لا فقط إلى الحاضر، إلى ما لا يُرى، لا فقط إلى ما يُرى. وأعادوا دومًا اسرائيل من طرقات ضلّ فيها (اش 53: 6) إلى الطريق التي تقود إلى الحياة والخلاص (إر 6: 16؛ 21: 8؛ 50: 5). كانوا مناضلين من نوع خاص، فاشتعلوا حماسًا للحفاظ على الديانة من الانحطاط، وخاطروا بحياتهم (إر 11: 19؛ 20: 3ي؛ 38: 4ي؛ عا 7: 10 - 11). ودافعوا أيضًا عن الضعفاء (أش 3: 12؛ 5: 20؛ إر 22: 1ي؛ عا 6: 1ي؛ مي 3: 11). كما ناضلوا في سبيل العهد (هو 4: 12؛ 5: 4؛ 9: 1)، مشدّدين على موقف داخليّ في تقديم الذبائح (عا 5: 21؛ أش 1: 11). في النهاية دعوا الشعب إلى الايمان بالله والأمانة له. وكل هذا يتلخّص في كلام أشعيا ساعة تهدّد الخط البلاد: إن لم تؤمنوا لن تأمنوا. أي إذا لم يكن عندكم ايمان، فلن يكون لكم أمان وسلام. وإيمان هؤلاء الاشخاص بدّل مسيرة التاريخ، وهو يفعل الآن.
ثانيًا: أعمال الابطال (آ 33 - 35أ)
إن انتصار هؤلاء الأبطال في أرض الموعد يرتبط بما في آ 30 - 31. هناك فعل ((كاتاغونيزوماي)) (مراحدة بيبليّة) استعمله يوسيفوس (العاديات 7/2: 53) في معرض حديثه عن انتصار داود على الفلسطيّين. والكتاب عن انتصار باراق على الكنعانيين (قض 4)، وجدعون على المديانيين (قض 7)، ويفتاح على العمونيين (قض 11)، وشمشون على الفلسطنيين (قض 14)، وداود على الفلسطنيين والموآبيين والعمونيين (1 صم : 17ي؛ 8: 1ي؛ 10: 1ي). ((ارغازوماي (صنعوا) ديكايوسينين)) (البرّ، ع ث ه. ص د ق ه): البرّ تجاه الله أو العدالة تجاه القريب. فمن كان بارًا نجاه الله، مارس العدالة في القضاء. ((ابيتينغانو)) لقي بغيته، شارك. أدرك الهدف، نجح. هنا، نال المواعد (ابانغاليا).
بعد هذا النجاح في ((السياسة)) الخارجيّة (انتصار على عدوّ خارجيّ)، وفي ((السياسة)) الداخليّة (إقامة العدالة)، ذكر الكاتب معجزات أجراها رجال الايمان هؤلاء: سيطروا على الوحوش كما فعل شمشون (قض 14: 6) وداود (1 صم 17: 34 - 35) وبنايا بن يوياداع (2 صم 23: 20) ودانيال (وا 6: 23؛ 1 مك 2: 60). سار المؤمنون وسط النار ولهيبها (سبانيمي، أخمد) كما فعل الأولاد الثلاثة الذين يذكرهم دا 3: 49 - 50؛ رج 1 مك 2: 59. والخلاص من السيف يرفعه الأعداء أو ملك متسلّط (4: 12؛ لو 21: 24) يشير إلى موسى (خر 18: 4) وداود (1 صم 18: 11؛ 19: 10؛ مز 144: 10) والانبياء (1 مل 19: 21) بمن فيهم إرميا (إر 26)، والشعب كله كما في أس 3: 6ي. فالايمان ينبوع قوّة للنفس والجسد: يقوّي (إديناموتيسان) في الضعف، ينتشل الانسان من (أبو) الضعف (استانايا، رج 1 صم 2: 4): شمشون في هيكل داجون. يهوديت الأرملة الضعيفة تجاه اليفانا. داود أمام جليات (1 صم 17). يشوع البطل وابن القوة كما يقول سي 46: 1 حسب النصّ العبريّ.
إن عبارة ((قلبوا معسكرات الاعداء)) تنطبق على الحقبة المكابيّة. فإن لفظة ((الوتريوي)) تدلّ على مضطهدي المؤمنين (1 تك2: 7؛ رج 1: 38). ((بارمبولي))، م ح ن ه، تدلّ على المخيمّ أو المعسكر (تك 32: ،3 9 ،22؛ أع 21: 34 ،37؛ رؤ20: 9)، وعلى جيش الأعداء، حيث الأشرار (1 مك 3: 15 ، 23، 27). ((كلينو)) وقع، قلب... وأخيرًا، بفضل ايمان إيليا واليشاع قام ابن أرملة صرفت صيدا (1 مل 17: 2407) وابن الشونميّة (2 مل 4: 33 - 37): تسلّمت (إلابون) كل امرأة ابنها (هيون)، لا من زوجها، ولا من الطبيعة، بل من القيامة (اناستاسيس).

ب - أبطال تألّموا (11: 35 ب - 38)
أولاً : قيامة افضل (آ 35ب - 37)
الايمان ينبوع حياة وقوّة من أجل الظفر. وهو أيضًا ينبوع ثبات في الألم وشجاعة أمام الموت. لهذا، جاءت لائحة جديدة من الشهود (ألوي، آخرون)، فعلّمتنا أن احتمال المحن والعذابات بطولة توازي الانتصار على الأعداء وسياسة البلاد. ((تيمبانيزو)) (مراحدة في العهد الجديد): ضرب كما على الطبل. شكل من أشكال العذاب ذاقه اليعازر (2 مك 6: 19 ،28) والاخوة السبعة الذين ماتوا في زمن انطيوخس الرابع تعلّقًا بإيمانهم. هو عذاب قاسٍ جدًا يشلّع أعضاء الجسد وينتهي بموت الانسان.
حاول المضطهدون أن يخلّصوا اليعازر من الموت، فدعوه إلى التساهل على مستوى الضمير. أما هو ففضّل موتًا مجيدًا على حياة في النجاسة (2 مك 6: 19). يشير الكاتب إلى رفض الشهيد بأن يخلّص حياته على حساب إيمانه. فالايمان هو ينبوع بطولة. هنا نتذكّر 2 تم 2: 11 - 12؛ ((إذا متنا معه نحيا معه أيضًا، وإذا صبرنا ملكنا معه)). أجل، بعد العذاب هناك القيامة.
عذابات عديدة تصيب النفس والجسد، وقد أصابت البشر بسبب إيمانهم (آ 26). لهذا تكدّست الألفاظ التي تتحدّث عن الاضطهاد: امبايغموس (مراحدة في العهد الجديد، غير معروف في اليونانية العادية) يعني الهزء، الكلام القاسي (مز 38: 8؛ حز 22: 4؛ سي 27: 28؛ حك 12: 25) كما يعني المعاملات السيّئة كالضرب واللطم (2 مك 7: 7). هكذا هزئ نكانور من كهنة أورشليم (1 مك 7: 33). وبكيديس من أصدقاء يهوذا المكابي (1 مك 9: 26)، ورؤساء الكهنة من الأنبياء (2 أخ 36: 16) ونذكر بين الذين أسيئت معاملتهم ميخا الذي لطمه صدقيا على فكّه (1 مل 22: 24 - 27) لأنه قال الحقيقة فعاكس الأنبياء الكذبة. حناني الذي جُعل في السجن (2 أخ 16: 10). إرميا الذي ضُرب وحُبست رجلاه في القيود (إر 20: 2).
وبدت القساوة في موت رجال الايمان هؤلاء. زكريا رُجم (2 أخ 24: 20 - 21؛ رج مت 23: 35)، وإرميا أيضًا كما يقول تقليد مسيحيّ أورده ترتليانس وهيبوليتس وايرونيموس. نُشر أشعيا بالمنشار بأمر الملك منسّى كما يقول تلمود بابل. وهناك أنبياء ماتوا بحدّ السيف (2 أخ 24؛ 20 - 22؛ إر 26: 23) ولا سيّما يوحنا المعمدان (مر 6: 27). لا شكّ في أن عب عادت إلى تقليد انطلق من 1 مل 19: 10، 14 (رج روم 11: 13 وإر 2: 30)، يقول: إن عددًا من الأنبياء اضطهدوا واستشهدوا بيد معاصريهم. هذا ما قاله يسوع (مت 23: 31) واسطفانس (أع 7: 52) وبولس الرسول (1 تس 2: 15).
اضطهد الاشرار خدّام الله هؤلاء، فأجبروهم على الهرب والمنفى. لم يكن لهم بيت، فتاهوا في البراري مثل إيليا (1 مل 19: 3ي) ومتتيا (1 مك 2: 28). لبسوا جلد الغنم (ميلوتي، مراحدة في العهد الجديد) مثل إيليا واليشاع (1 مل 19: 12، 19؛ 2 مل 2: 8 ،13 ،14) معوزين، مضايقين (تليبو، رج 1 كو 4: 8)، وليس من يدافع عنهم (كاكوخيو، في المجهول، مجهودين، رج 13: 3؛ 1 مل 2: 26).
ثانيًا: أكبر من العالم (آ 38)
كان هؤلاء أكبر من العالم. لهذا، لم يكن العالم يستحقّهم. لم يكونوا من العالم، كما طلب يسوع من تلاميذه (يو 17: 14 - 15). حكمٌ موجز ومؤثّر: هؤلاء الناس المحتقرون والمعذّبون، الذين يرذلهم العالم ويحسبهم غير مستحقي الحياة (أع 22: 22؛ 1كور 4: 11 - 13)، كانوا في الواقع مجد البشرية وملح الأرض. في الواقع، العالم (كوسموس، رج آ 7؛ 2 بط 2: 5، كما في انجيل يوحنا) لم يكن يستحقّهم. ((اكسيوس)) جدير بهم، يقابلهم، يستحقّهم. فقيمتهم تفوق قيمة الخليقة كلها. ويشدّد الشق الثاني من هذه الآية أيضًا، على حياة هؤلاء القديسين وهؤلاء الأبطال: تاهوا في البراري (1 مك 2: 29 ،31) كالوحوش (2 كور 11: 26)، وفي الجبال (1 مل 19: 8؛ 2 مك 10: 6). لجأوا إلى المغاور (1مل 18: 4، 13؛ 19: 9؛ 2مك 6: 11) وكهوف الأرض. ((أوبي)). رج يع 3: 11: فتحة في الصخر مثلاً أو في المغارة (خر 33: 22، ن ق ر ه؛ قض 15: 11، س ع ي ف). 
هذه اللائحة الثانية من شهود الايمان تلفت النظر أكثر من الأولى. فالثبات أمام الموت والعذاب، يدلّ على أهمّية البرهان على غير المرئيات وعلى ما يكفل الرجاء (آ 1). فمهما كان الوضع البشريّ قاسيًا، فالايمان قادر على أن يحفظ الانسان في الأمانة لله ويجعله يحصل على موضوع رجائه. تطلّع الآباء إلى الراحة والوطن السماوي. أما المضطهدون فعرفوا حياة مقلقلة. فانتظروا النهاية ومجيء ذاك الذي يكمّل انتظارهم.

ج - مصير أفضل (11: 39 - 40)
تشكل آ 39 - 40 خاتمة ف 11، فتكوّنان مقابلة بين مصير المسيحيين ومصير القديسين في العهد القديم، وهي مقابلة ستكون أساس التحريض في ف 12 - 13. فالايمان يتضمّن يقينًا أن العناية الالهيّة تقود العالم، أن لا شيء يحصل لشعب الله بدون سماح إلهي، وأن الله يجازي الأعمال الصالحة الجزاء العادل. والبرهان هو أن الله أعان، حمى، حفظ، قوّى هؤلاء المؤمنين كلهم (هوتوي بنتس). فإن حافظوا على أمانتهم وعملوا أعمالاً عظيمة ، فلأن الله تدخّل من أجلهم. شهد لهم ( آ 2) شهد لهابيل (آ 4) وأخنوخ (آ 5) فدلّ على رضاه عنهم، ففعلوا كل ما فعلوا ((بالايمان)) (ديا تيس بستايوس). ولكن هذا الجزاء ليس كل الجزء، فامتلاك الخيرات المسيحانيّة تأخّر (آ 13)، وكذلك الحياة الأبديّة (6: 17ي؛ 10: 36 - 37). لماذا؟ ما الذي قصده الرب بهذا التأخير؟ هل أهملهم، أم هل كان إيمانهم ناقصًا؟ هذا ما تجيب عنه آ 40.
لقد ترتّب مخطط عناية الله بالنظر إلى المسيحيين (بارى هامون، لنا، ثم ((خوريس هامون، بمعزل عنا). لقد هيّأ الله للمسيحيين مصيرًا أفضل (بروبلابو، نظر مسبقًا، مراحدة في العهد الجديد. رج مز 37: 13). ((كرايتون تي)) (أفضل) تدلّ على تحقيق الوعد (آ 39)، على امتلاك الخلاص الأبدي (8: 6). على التتمة. فتلاميذ المسيح يختلفون عن أجدادهم في الايمان. فهم ينالون حالاً بعد موتهم كمال حياتهم والدخول إلى المعبد السماوي. فحبرهم، قلبُ التدبير الالهي، فتح لهم السماء (يو 1: 51) وهم يدخلونها. رسم لهم الطريق إلى مدينة مؤسّسة تأسيسًا متينًا (آ 10 ،13، 14). وسار أمامهم كالقائد (أرخيغوس 2: 10؛ 6: 20). أهل العهد الأول انتظروا. وأهل العهد الثاني امتلكوا. الأولون ظلوا في الطريق. والمسيحيون وصلوا إلى الهدف، إلى الكمال والتتمة (تالايوسيس).
يعتقد المؤمن أن الله يوجّه تاريخ العالم، يرتّب العهدين، ويجعل الأول يهيّئ الثاني. ولكن لا معنى للتهيئة بدون الكمال، والمواعيد إن لم تتمّ. العهد الأول يتطلّع إلى الكنيسة (1كور 10: 11؛ 1بط 1: 12)، وشعبُ الله إلى ((الراحة)) السماوية. بدأ ف 11 في الخلق (آ 2) وانتهى في كمال الخليقة، راسمًا تاريخ البشريّة بالنظر إلى الايمان. إذا كان مجد الشعب الأول كبيرًا، فما يكون مجد الذين اتحدوا اتحادًا وثيقًا بالمسيح المتجسّد، الذي مات وهو حيّ دومًا في المعبد السماوي. صار المؤمنون قريبين من الهدف، ولم تعد المسافة بعيدة. ألا يستحون بأن يكون ثباتهم أضعف من ثبات الأقدمين الذين ورثوا الموعد (6: 12) ولكنه لم يحصلوا عليه؟

2 - قراءة إجمالية
((وماذا أقول أيضًا؟ إنه يضيق بي الوقت لأخبر عن جدعون وباراق وشمشون ويفتاح، وعن داود وصموئيل والأنبياء)) ( 11: 32)
بعد كلام عن حقبة وصلت بالشعب الاسرائيلي إلى أرض الموعد، فهمَ الكاتبُ أن عليه أن يقدّم مقالاً طويلاً ان لم يوجز، فاكتفى ببعض الامثلة السريعة أو بالاحرى بلائحة أسماء عاشت الايمان واستنتج إجمالة حول انتصار الايمان لدى شعب الله تجاه أقسى المقاومات. ((وماذا أقول أيضًا))! أي لا حاجة إلى توسيع أكبر. فما قلناه يكفي لندلّ على مضمون الايمان ومضمون الرجاء. لهذا ذكرت عب أسماء يعرف المؤمنون ما وراءها من تصرّف يعبّر عن الايمان. انطلق الكاتب من الزمان اللاحق ليشوع، فوصل إلى القضاة والملوك، وأشار إلى الأنبياء الذين كلّمنا الله بهم منذ القديم (1: 1).
على المستوى البشري كانوا ضعفاء، ولكن قوّتهم كانت من الله. في هذا قال بولس الرسول بعد أن افتخر بما عمله من أجل الرب: ((فبكل سرور إذن أفتخر بأوهاني، لتستقرّ عليّ قوّة المسيح. أجل، أني أسرّ بالاوهان والاهانات والضيقات والاضطهادات والشدائد من أجل المسيح، لأني متى ضعفت فحينئذ أنا قويّ)) (2 كور 12: 9 - 10).
((أولئك الذين بالايمان قهروا الممالك، وزاولوا القضاء ونالوا المواعد وسدّوا أشداق الاسود، وأخمدوا حدّة النار، ونجوا من حدّ السيف، وتقوّوا من ضعف، وصاروا أشدّاء في القتال، وقلبوا معسكرات الأعداء)) (11: 33 - 34)
هؤلاء الأبطال الذين حاربوا من أجل الحقيقة، سواء ذُكرت أسماؤهم أو لم تُذكر، تغلّبوا على كل أنواع الصعوبات بإيمانهم. هم لم ينتصروا في النضال فقط، بل في العذابات والآلام، في السجن والموت، فارتبط عندهم ثبات الايمان بثقة الرجاء. قهروا الممالك كما فعل داود. زاولوا القضاء، أو بالاحرى قضوا القضاء الحسن في البلاد على ما روى 1صم 12: 3 - 5 عن صموئيل. ((ها أنا أمامكم. فاشهدوا عليّ أمام الرب... هل أخذتُ ثور أحد أو حمار أحد؟ هل أسأت إلى أحد أو ظلمتُ أحدًا...)). فقالوا له: ((ما أسأت إلينا، ولا ظلمتنا ولا أخذت من أحد شيئًا)). فقال لهم: ((يشهد الرب وملكه عليكم اليوم أن لا مأخذ لكم علي)). فقالوا: ((يشهد الرب)). وقيل عن داود أنه ((كان يحكم بالعدل والانصاف)) (2 صم 8: 15). وعن سليمان: ((أقامه الرب ملكًا ليحكم بالحق والعدل، لأنه أحبّ شعبه)) ( 1مل 10: 9).
((سدّوا أشداق الأسود)). هذا ما قاله دانيال لداريوس الملك: ((أرسل الرب ملاكه فسدّ أشداق الاسود فما أساؤوا إليّ)) (دا 6: 22). ((وأخمدوا حدّة النار)). فرض نبوخذ نصر على الفتية الثلاثة أن يسجدوا للتمثال وإلا رماهم في اتون النار. فقالوا: ((إلهنا الذي نعبده هو قادر على إنقاذنا من أتون النار المتقدة)) (دا 3: 17). وفي الواقع لم يكن الفتية ثلاثة بل أربعة، ومنظر الرابع يشبه ابن الله (آ 25). ((وصاروا أشدّاء في القتال)). في هذا المجال، نقرأ بعض آيات مز 18: ((أرسل من عليائه فأخذني، وانتشلني من المياه الغامرة. نجاني من عدوّ لدود، ومن مبغض أقوى مني. هاجموني في يوم بليّتي، فكان الرب سندي. أخرجني إلى الآمان وخلّصني لأنه رضي عني)) (آ 17 - 20) ويتابع المرنّم: ((الرب يضيء سراجي، إلهي ينير ظلمتي. بعونه اقتحم الجيوش، وبه أتسلّق الأسوار... يعلّم يديّ القتال، فتلوي ذراعاي قوس النحاس. تعطيني ترس الخلاص، وعينك يا رب تساعدني)) ( آ 29، 34 - 35)
واسترجعت نساء أمواتهن بالقيامة. فمنهم من عُذّبوا ولم يقبلوا النجاة ليُحرزوا قيامة أفضل. وآخرون ذاقوا الهزء والسياط حتى القيود والسجن)) (11: 35 - 36)
هناك أناس قاموا من الموت وهناك أناس تطلّعوا إلى القيامة، كما كان الأمر بالنسبة إلى المكابيّين. فكلهم فعلوا ما فعلوا يدفعهم الايمان. كان ابراهيم قد اعتبر أن الله قادر أن ينهض حتى من بيت الاموات (آ 19). هذا ما فعله إيليا وأليشاع. ولا ننسى العهد الجديد حين أقام يسوع ابن أرملة نائين (لو 7: 11ي) ولعازر شقيق مرتا ومريم (يو 11: 1ي)، وبطرس طابيتة التي بكتها آرامل يافا (أع 9: 36ي).
وذكر الكاتب ما نال هؤلاء من عذاب وهزء وقيود وسجن: تحملّوا كل هذا وفضّلوه على حياة من الراحة لأنهم آمنوا.
((رُجموا، نُشروا، ماتوا بحدّ السيف. تشردّوا في جلود الغم والمعز. معوزين، مضايقين، مجهودين، هم الذي لم يكن العالم مستحقًا لهم. تائهين في البراري والجبال والمغاور وكهوف الأرض)) (11: 37 - 38)
وتتواصل لائحة الذين تألّموا فشهدوا على أمانتهم لله. إن يسوع نفسه بكي على أورشليم التي قتلت الانبياء، ورجمت أولئك الذين أرسلهم الله (مت 23: 21). كان مصير زكريا الرجم، لأنه وبّخ معاصريه الذين تركوا وصايا الرب . قال : ((تركتم الرب فترككم الرب)) ( 2 أخ 24: 20 - 21). نلاحظ في هذه العذابات، ثبات هؤلاء الرجال الذين رفضوا أن ينكروا الحقيقة التي بها تحرّروا. كما نلاحظ البغض والحقد في عالم كافر يعادي الحقيقة، ويهاجم أولئك الذين وثقوا بمواعيد الله التي لا تتزعزع. رفض المؤمنون العالم فرفضهم العالم. رفضوا أن يسيروا بحسب منطق العالم، فحاول العالم أن يلغيهم ويلغي شهادتهم. لهذا، فالعالم لا يستحقّهم. شعّت حياتهم في عالم مظلم، لهذا قال يوحنا في رسالته الأولى: ((العالم عابر ومن يعمل بمشيئة الله يدوم إلى الأبد)). 
((وهؤلاء كلهم ، وإن شُهد لهم بالايمان لم ينالوا الموعد، لأن الله إذ أعدّ لنا مصيرًا أفضل، لم يشأ أن يبلغوا الكمال بمعزل عنا)) (11: 39 - 40)
كل هؤلاء الذين ذُكروا في ف 11، الذين شهدوا للحق وثبتوا خلال الأجيال حتى مجيء المسيح، شهد لهم إيمانهم، أنهم ثبتوا في وجه أقسى المحن والمقاومات، فبيّنوا صدق اعترافهم. ومع ذلك فهم لم ينالوا ما وُعدوا به: فمع أنهم نالوا بركة الله، وجعلوا رجاءهم في مواعد الله، إلاّ أنهم خلال حجّهم الأرضي، لم يروا التتمّة المجيدة لهذه المواعد التي ستصبح حقيقة في المسيح (2 كور 1: 10). ولكن بما أنهم رأوا بعين الايمان الوالجة، وحيّوا تتمّة الموعد من بعيد، عاشوا في الايمان وماتوا في الايمان.
هذا لا يعني أن هؤلاء المؤمنين في العهد الأول، أبعدوا عن ملء التمتّع بالحقيقة الموعود بها، بل إن الكاتب يقول إن الله الذي يُنجز حقًا ما وعد به، أعدّ لنا مصيرًا أفضل. فليس لله مخطط لهم ومخطط لنا. فقد رأوا مسبقًا في الايمان بداية التصميم الأفضل الذي يشمل الحبر الذي يفوق النظام اللاوي (7: 7)، والذبيحة التي تفوق التيوس والعجول (9: 23)، والعهد الذي يفوق العهد الموسوي (7: 22)، والوطن الذي يفوق كل وطن أرضيّ (11: 16). من أجل هذا تكلّم بولس عن سرّ مشيئة الله الذي ارتضى في نفسه أن يحقّقها، أي التدبير الذي يتمّمه عندما تكتمل الأزمنة، فيجمع في المسيح كل شيء في السماوات وعلى الأرض (أف 1: 9 - 10). 
فالمؤمنون في العهد القديم يُدركون الكمال الموعود، ولكن لا بمعزل عنا. هم معنا من الأبناء المهيّأين للمجد بفضل مبدئ خلاصنا. فكمالهم (وكمالنا) لا يُنسب إلى آلامهم، بل إلى آلام المسيح عنا جميعًا. فجميع الذين دعاهم إخوته تقدّسوا به، أي صاروا كاملين أمام الله. وهكذا تكون الوحدة والتواصل في المسيح، بالنسبة إلى جميع المؤمنين في العهد القديم وفي العهد الجديد.
العهد الذي نعيش فيه هو عهد التتمَّة، ولكنه ما زال عهد الايمان. هذا ما تشدّد عليه الرسالة بشكل خاص. فايمان الذين عاشوا في العهد الأول، كان لنا مثالاً يدعونا لنقتدي به. فالزمن المسيحي يتضمّن ما تمَّ ((الآن)) وما لم يتمّ بعد. إن الله أتمّ هدفه، وأعطى كامل بركته في عمل ابنه الوسيط والحبر يسوع المسيح. فمعه قام المؤمنون إلى حياة جديدة واختبروا مجد السماء وسعادتها (أف 2: 6؛ كو 3: 1ي). وفيه صارت بركات العهد الجديد حاضرة الآن في واقعنا اليوميّ. وعلى الصليب تمّ عمل الفداء مرّة واحدة. ولكن تبقى مسافة بين ما تمَّ على الصليب وما يتمّ في نهاية الأزمنة. فنحن ما زلنا ننتظر تجديد الخليقة كلّها وافتداء أجسادنا (روم 8: 21 - 25). ننتظر أن يُبتلع ما هو مائت في الحياة (2 كور 5: 1 - 4؛ 1كور 15: 42 ي)، أن تنكشف السماوات الجديدة والأرض الجديدة التي فيها يسكن البرّ (2 بط 3: 13؛ رؤ 21: 1 - 5). وهكذا في حجّنا عبر هذا العالم الذي ما زال يئنّ ويتوجّع (روم 8: 22 - 23)، لا ندهش إن نحن تحمّلنا العذابات واحتجنا الايمان لكي نتغلّب عليها، وعيوننا شاخصة إلى الهدف الذي أمامنا والجزاء الذي ينتظرنا، شاخصة إلى الكمال الأبدي الذي يتمّ حين يصير المسيح كلاً في الكل.

خاتمة
مع هذه القطعة (11: 32 - 40) انتهى الكاتب من رسم لوحة عن أبطال العهد القديم: كانوا مثالاً للمؤمنين الذين يعيشون الضيق الخارجي والفتور الداخلي. اضطهاد من الخارج. فتور في الجماعة، وتراخ في الحياة المسيحيّة. هناك أبطال حاربوا وانتصروا بايمانهم. وهناك ((شهداء)) احتملوا الهزء والضرب والسجن، فانتصروا هم أيضًا بإيمانهم. فماذا يفعل المسيحيون بعد أن رأوا تحقيق كل مواعيد الله في المسيح؟ يشخصون بأبصارهم إلى المسيح الذي بدأ فزرع فيهم الايمان، وهو ينمي الزرع فيصل به إلى الكمال. 
الفصل الـخامس والثلاثون

الثبات الضروري
12: 1 - 13

اكتشفنا في القسم الرابع (11: 1 - 12: 13) اتجاهين. كان عنوان الأول (11: 1 - 40) الايمان والثبات. وها نحن ندرس الاتجاه الثاني (12: 1 - 13) وعنوانه الثبات الضروريّ. فبعد أن رسم الكاتب أمام عيون قرّائه لوحة عن أبطال العهد القديم الذين آمنوا وثبتوا في ايمانهم، دعاهم إلى أن يعيشوا هذا الايمان عينه والثبات، فيجعلوا نصب عيونهم يسوع نفسه الذي فيه وجد جميعُ اشخاص العهد القديم كمالهم وغايتهم.
بعد مقدّمة (12: 1 - 3) تدعو المؤمنين إلى الثبات، في خطى يسوع، يتوسّع الكاتب في تأديب الربّ الذي يعتبره رحمة (آ 4 - 11). وينتهي بخاتمة (آ 12 - 13) تبدو بشكل تضمين. تدعو القرّاء للنهوض من كبوتهم ومتابعة الجهاد الذي قد يصل بهم حتى الدم إزاء الخطيئة.

1 - تفسير الآيات
جاءت الآية الأولى بشكل انتقالة، فقدّمت لنا العبرة التي استخلصناها من ف 11: ثبات في الايمان. تألّم ((القديسون)) في العهد القديم وجاهدوا. والمسيحيون يجاهدون لكي ينالوا الموعد (10: 36). لكي يصلوا إلى المسيح.

أ - المقدمة (12: 1 - 3)
جاءت المقدّمة في فكرتين: نداء إلى الثبات (آ 1)، اتباع مثل يسوع (آ 2 - 3).
أولاً: نسعى بثبات (آ 1) 
إن الاداة ((تويغارون)) (لذلك، أي 22: 10، ع ل. ك ن، ر ج 1تس 4: 8. أقوى من ديو، آ 12، 28. رج توينين في 13: 13) تدلّ على استعادة التحريض بالحاح. أما الكلمتان المفتاح فهما: هيبوموني (الثبات، الصبر)، أغون (نضال، حرب). هذه الأخيرة التي استُعملت في الأصل في إطار مبدأ ومكان مقدس، دلّت على كل مبارزة: هناك عدوّ يجب أن نزيحه، فكرة يجب أن نفرضها. هنا الكلام عن السعي (تراخاين، رج 1 كور 9: 24؛ غل 2: 2؛ فل 2: 16؛ 5: 7). فالمؤمن على الأرض يبدو كأنه في حلبة سباق يراه المشاهدون العديدون (1 كور 4: 9؛ فل 3: 12؛ 1 تم 6: 12؛ 2 تم 2: 5). ثم إن ((مرتيس)) ليس فقط الشاهد البسيط الذي يكتفي بأن ينظر ويحمّس، بل هو يشهد. هذا يعني أن تدخّله إيجابيّ وفاعل. وعلى المناضل أن يأخذ هذه الوجهة بعين الاعتبار (1تم 6: 12؛ 2 تم 2: 2). في 10: 33، كان معرّضًا لعار البشر. هنا الشهود الكثيرون يتابعون نضالهم من السماء (آ 23). هم كالسحاب (نافوس، مراحدة في العهد الجديد). الكلمة أقوى من ((نافالي)) التي تدلّ على سحابة عابرة. رج أش 60: 8. تدلّ هذه الاستعارة على الكثافة وعلى الارتفاع. ومع ذلك فهذه الجماعة اللامنظورة ليست بعيدة، بل هي تحيط بالمناضل (من أجل الايمان) من كل جهة (باريكايماي، أحاط كما بسور وفي المعنى الرمزي تعلّق). حين يعرف المسيحي أنه محاط بهذا الشكل، يزداد قوّة ويعي أنه جزء من هؤلاء الشهود بعد أن صاروا هم جزءًا منه. حضور يحمل العزاء والتشجيع، ولكنه متطلّب. هنا نتذكّر كلام يسوع عن الذي بدأ بناء برج، وعن الملك الذي أراد أن يحارب... إن لم يكن الواحد على قدر المقام يهزأ به الناظرون لأن هذا الرجل بدأ وما كمّل.
هؤلاء الشهود (مرتيرس لا ترد إلاّ هنا في عب) هم أبطال العهد القديم. نالوا من الله شهادة (شهد لهم الله) حسنة لأجل ثباتهم في الايمان (11: 2 - 4 ،5، 39 مرتيريتنتس، شاهدون). وها هم يشهدون بدورهم (شهادتهم امتداد لشهادة الله، رج أع 22: 15، 20؛ 26: 16). يشهدون لحقيقة الايمان، لقدرة الله التي لا تُقهر في الاضطهادات، ليقين المواعيد الالهيّة. ونخصّ بالذكر أولئك الذين تألموا وسفكوا دمهم، فدلّوا على صدق عقيدتهم وثبتوا في هذه الشهادة (11: 35 - 38؛ رؤ 2: 13). مثَلهم يكفي. وقد ازداد عددهم بعد يسوع. وهكذا جاء شهود العهد الجديد وتسلّموا المشعل في خطى يسوع.
لا يستطيع المصارع (المناضل، الساعي، أغون) أن ينتصر إن لم يستعدّ. لهذا قال بولس: ((كل مسابق يمارس ضبط النفس في كل شيء من أجل إكليل)) ينتظره (1 كور 9: 25). نخفّف وزننا نخفّف حملنا. رج ابوتيتيمي، وضع جانبًا، أبعد. رج 13: 12؛ أف 4: 22 - 25؛ كو 3: 8، هذا ما قاله يسوع لتلاميذه: لا تحملوا نقودًا من ذهب ولا من فضة ولا من نحاس في جيوبكم ولا كيسًا للطريق ولا ثوبًا آخر ولا حذاء ولا عصا (مت 10: 9). وهكذا يستعدّ المسيحي فينطلق. لا تهتمّ عب بالسرعة، بل بالثبات حتى النهاية (رج مت 24: 13). بالصبر والثبات (10: 36) نربح السباق الذي بدأنا به (بروكايماي، آ 3 ،6 ،18). ولا ننسى سحابة الشهود الذين يرافقوننا بعيونهم وبمثلهم، بعد أن سبقونا إلى الجهاد ونالوا الاكليل.
ثانيًا: بدأ يسوع وهو يكمّل (آ 2 - 3)
حين يبدأ السباق، لن يهتمّ السابق بشيء آخر: لا ينظر إلى الوراء، لا ينظر يمينًا ولا شمالاً، بل يحدّق بالهدف ويفكّر في النصر. هكذا يفعل المسيحيّ الذي يشاهد المسيح ويسمّر عليه عينيه. أفوراوو: نظر من بعيد (مراحدة في العهد الجديد. رج أبوبلابو، 11: 26). دوّر عينيه ليرى شخصًا يبصره. جاء الفعل في صيغة الحاضر ليدلّ على أننا لسنا أمام نظرة عابرة، بل متواصلة. هكذا ينظر الرسّام إلى المثال الذي أمامه. وينظر المؤمن إلى يسوع في بشريته، وفي علاقته بالايمان. هو المبدئ (ارخيغوس) وهو المكمّل (تالايوتيس مراحدة بيبلية). المسيح يوجّه إيماننا ويوصله إلى المنتهى، إلى الكمال. وهو الذي يثبت هذا الايمان كما يحقّق الرجاء الذي يتضّمنه هذا الايمان (بستيس 11: 1ي). إن يسوع يهتمّ بالمتسابقين منذ الخطوة الأولى ولا يتركهم حتى النهاية. هو ((أرخي)) و((تالوس)) (رؤ1: 17؛ 2: 8؛ 22: 13). هو الألف والياء: الأوّلون شهدوا له، والآخرون أيضًا. رج 1 بط 1: 10 - 11.
هناك من ترجم ((بستيس)) ثقة (2: 13؛ 3: 2). فالمسيح هو أيضًا قد حارب حرب الايمان منذ تجاربه في البرّية حتى الموت على الصليب. منذ بداية حياته حتّى نهايتها، قبلَ كلّ شيء مستسلمًا إلى مشيئة الأب. تعلّم الرحمة (2: 17) والطاعة (5: 8). وتعلّم أيضًا الثقة بالله. وهكذا صار يسوع العربون الذي لا يخطئ لانتصار أكبر: حارب وانتصر عابرًا محنة الموت، وهو يعطي الناس المضطهدين الذين يتعلّقون به بالايمان، يقينَ الانتصار هذا، ويدلّهم على الطريق. طريق الجلجلة.
كان باستطاعة يسوع أن يخلّصنا دون أن يتألّم ويموت فيحيا حياة من السرور والراحة. ولكنه ما تمسّك بامتيازات طبيعته الالهيّة (فل 2: 6). بدل السرور (والاكرام على الأرض) اختار الصليب، اختار الهزء والعار (مت 4: 8؛ يو 6: 15؛ 2 كور 8: 9). في هذا المعنى قابل ((ستاوروس)) (الصليب) ((النضال المفتوح أمام المسيحيين)) (آ 1). هذا خطّ الذهبي الفم ومدرسة انطاكية (يوحنا الدمشقي). أما مدرسة الاسكندريّة مع كيرلس وغريغوريوس النازيانزي، فاعتبرت السرور الذي هو أمام يسوع، السعادةَ التي ينعم بها الكلمة في طبيعته الالهيّة. تجرّد عنها في التجسّد (5: 8) ثم استعادها حين جلس عن يمين الله (رج 11: 25؛ فل 2: 6).
نقرأ: كاتافرونيساس (صيغة الاحتمال): اختار المخلّص ما اختار بملء حريته، وضحّى بالسعادة التي هي حقّ يرتبط بشخصه. ونقرأ ((بروكايماني)) الذي يعني الحاضر، لا المستقبل (رج آ 1): ليغيث إخوته (2: 9 - 18). مثل هذه الفكرة تشجّع المسيحيين الذين يفضلّون شهادة الايمان على كل خير يقدمّه لهم المضطهدون. ويشخصون بأبصارهم إلى الرب في النضال ( في الجهاد) (أغون) الذي فُرض عليه فتخلّى عن امتيازات السماء، كما تجرّد عن كل شيء من أجل الظفر.
((هيباماينن)) (رج 10: 32) يدلّ على الصلب وعلى ثبات بطوليّ وصبر طويل عاشه المخلّص لمّا أصابته الآلام، فقبلها بكل إرادته. عذاب خاص بالعبيد والمجرمين، عذاب العار. رج ((أيسيخيني))؛ في 13: 3 نقرأ ((أونايويسموس)). رج 10: 33؛ 11: 11، 26. هذا الذي كان له المجد حصل على العار. هذا الذي هو السيّد والرب عومل كالعبيد. هذا الاله القدوس، جُعل مع الخطأة. ولكن ذاك الذي لم يرفض العار في نظر البّر هو اليوم عن يمين الله، في ملء الكرامة والسعادة. نقرأ فعل ((كاكاتيكن)) (صيغة الكامل ي ش ب، ارتاح، اطمأن): ينتهي الألم ولكن المجد يدوم إلى الأبد. هذا ما ينتظر المسيحيين الذين يتخلّون عن أمور الأرض لينتصروا في الجهاد: يشاركون في مجد المسيح وكماله، وينعمون بالسعادة.
وتستخرج آ 3 (الأمر في صيغة الاحتمال) البعد النموذجي (غار، الفاء) لآلام تحمّلها المسيح فانتصر. لا يكتفي المسيحيّون بأن يشخصوا بأبصارهم إلى المخلّص المصلوب، بل يتأمّلون في آلامه ويقابلون محنه بمحنهم، فيرونها كلا شيء. هو القائد في كل شيء. وهو الأول في الألم. هكذا يكون الأول في المجد (ارخيغوس). نقرأ ((أناغوليزوماي)) حسب، قابل (مراحدة بيبليّة). تجاه مقاساة الصليب (آ 2) نجد مقاساة أخرى من قبل الخطأة. ((انتيلوغيا)) ر ي ب. م ر ي ب ه، خر 18: 16؛ تث 1: 12؛ 17: 8؛ 19: 17؛ 25: 1. نجد هنا تلميحًا إلى عداوة واجهها يسوع خلال حياته على الأرض (مقاومة وثورة مع ((أنتي))، مز 18: 44)، وإلى محاكمته في مناخ من الحقد والعنف والهزء (رج مز 80: 7). الشهود (مرتيرس) يشجّعون المتسابقين. أمّا الخطأة (هامرتولوي) فيثبّطون هممهم (مر 14: 41). في المحاكمة رفضوا ليسوع كرامة ابن الله.
كان المسيح علامة خلاف (سيمايون انتيلاغومانون، لو 2: 34). فرذله الخطأة. كان علامة سقوط. كما عارض قورح وداتان وابراهم موسى (2 تم 2: 19) فعوقبوا (عد 16: 27؛ رج يهو11)، كذلك سيكون مصير الخطأة. وأخيرًا، حين يعارض الخاطئ الله يسيء إلى نفسه. رج أم 8: 36؛ 20: 2؛ حب 2: 10؛ 1 مل 2: 23.
أمام المحنة، يستعيد المؤمنون شجاعتهم حين ينظرون إلى آلام المسيح. تجاه العداوة التي يواجهونها في اعتراف إيمانهم (1 تم 6: 13 - 14) يشدّدون نفوسهم (فلا تكلّ ولا تخور) فيتجاوزون العار والعذاب. ويأتي فعل ((اكيوماي)) الذي يعني تراخى، كلّ، تعب على المستوى الماديّ (مت 15: 32) وعلى المستوى الروحيّ (غل 6: 9). فأصعب ما في المسيحيّة ليس بطولة يوم واحد، بل أمانة وثبات في المثال الذي جعلناه نصب عيوننا.

ب - الرب يؤدّبنا كالأبناء (12: 4 - 11)
الآلام حاضرة والاضطهادات. قد ننظر إليها آتية من البشر فيمتلئ قلبنا حقدًا على الناس، وتساؤلاً حول عناية الله وقدرته. وننظر إليها آتية من عند الله، فتصبح تأديبًا لنا وتربية. تصبح نعمة على ما قال الرسول: ((أنعم عليكم لا أن تؤمنوا به فقط، بل أن تتألّموا معه)) (فل 1: 29). هذا ما يحمل العزاء والشجاعة للمسيحيّين الذين يتعرّضون للشدائد. وهكذا جاء هذا التوسّع (آ 4 - 11 في فكرتين: التأديب يدلّ على أننا أبناء الله (آ 4 - 8). التأديب نافع على المدى الطويل وإن لم يبدُ في الحال باعثًا على الفرح.
أولاً: أي ابن لا يودّبه أبوه (آ 4 - 8) 
بعد مقدّمة تشكّل انتقالة (آ 4 - 5أ)، يرد النص الكتابي (آ 5ب - 6) المأخوذ من أم 3: 11 - 12، ثم تفسير هذا النصّ (آ 7 - 8) وتطبيقه على وضع القراء.
*مقاومة حتى الدم (آ 4 - 5أ)
هناك طريقتان نشجّع بهما المتألّم: هناك أناس تألمّوا مثلك أو هناك ألم أقوى لم يصل بعد إليك. في الطريقة الأولى، نحسّ أننا لسنا وحدنا. وفي الثانية، نستعدّ لجهاد أكبر وصعود أرفع. رج 1 كور 9: 24 - 26: ((أجروا أنتم مثله حتى تفوزوا)). فالحياة المسيحيّة ليست مجهودًا سهلاً يقود إلى السرور، بل عملاً خطرًا يفترض مقاومات آتية من الخارج. هذا ما يعلّمنا إياه المسيح الذي مات على يد الخطأة (هامرتولوي). أما قرّاء عب فيضطهدون (10: 32 - 34) وتهدّدهم الخطيئة (هامرتيا). في هذا يقوم جهادهم (انتاغونيزوماي، مراحدة بيبليّة، 4 مك 17: 14). لسنا أمام صراع داخليّ مع خطايا شخصيّة (1 بط 2: 11). فالمسيحيّ كفر بالخطيئة (آ 1). بل أمام نضال في وجه المضطهدين الذين اكتفوا حتى الآن بالعنف والسجن... ولكنهم لم يصلوا حتّى الدم. أجل، لم يصل الجهاد بعد إلى الدم، إلى الموت (انتيكاتيستيمي، مراحدة في العهد الجديد، 2 مك 13: 14: جهاد حتى الموت).
يجب أن يستحي المسيحيون من أنفسهم، إن هم تراخوا وتراجعوا عن الجهاد. فلينظروا إلى آبائهم في الايمان (11: 31 - 38). لينظروا إلى مخلّصهم (آ 3): سفك دمه (9: 12 - 14؛ 10: 29). فمصيره يكون مصيرهم. ليستعدّوا له.
ولكن بدأ المسيحيون ينسون (آ 5أ). ضعف إيمانُهم فما عادوا يفهمون مبدأ التربية (بايدايا) الذي شرحه فيلون فقال: تأتي الآلام من الله. هي برهان حبّه الابويّ وبنوّتنا الالهيّة. فحين يكون الله خالقنا وأبانا وحامينا، فهذا يكفي لينجّينا من الغمّ والخوف. نقرأ هنا صيغة الكامل في المجهول: إكلانتانو (مراحدة بيبليّة). نحن أمام سؤال يطلب جوابًا: لا ، لم ننسَ. لا يعلن الكاتب ان المسيحيين نسوا، بل يشجّعهم لكي لا ينسوا. من هنا استعمال ((باراكليسيس)) (حرّض، حث وألحّ) الذي يدل على كلام يوجّهه المعلّم إلى تلميذه.
* تأديب الرب (آ 5ب - 6)
بعد المقدّمة، يرد الاستشهاد الكتابي الذي أخذ من السبعينية، فاختلف بعض الشيء عن النصّ العبري: الابن هو تلميذ الحكيم. عليه أن يحذر كل استخفاف أو إهمال (م اس، أوليغوريو، مراحدة بيبليّة) بالنسبة إلى التربية أو التأديب (م و س ر) الذي يفرضه الربّ، وكل رفض (ق و ص) لعقاب (ت و ك ح ت) يصيبه. لا نكتفي بالاهتمام الجدي بعقاب يرسله الله، بل نعتبره تعليمًا من أجل خيرنا. فالهدف الإيجابي: تنمية عبد الله. لهذا قال أي 5: 17: ((طوبى للرجل الذي يؤدّبه (ي ك ح) الله، ولا يستخفّ بنصيحة (م و س ر، مشورة) القدير)). وقال مز 94: 12: (( طوبى للرجل الذي تؤدّبه يا ربّ، وبشريعتك تعلّمه. ((م و س ر))، هو التأديب، التعليم، الدرس يعود إلى ((ي س ر)) علّم، أدّب، أصلح، أشار (أم 1: 1 - 2). لهذا ترجم ((بايدايا)). نحن أمام تربية الأب لأبنائه (أو لعبيده) مع العقاب الجسدي. رج أم 13: 24 (من يوفّر العصا يبغض ابنه، ولو أحبّه سارع إلى تأديبه)؛ 22: 15؛ 23: 12 - 14؛ سي 22: 6؛ 30: 1؛ 42: 5. فمبدأ التربية الأول هو أن لا نترك ضلالاً بدون عقاب (سي 23: 2).
تلك هي تربية الله تجاه شعبه. يؤدّب، يعاقب، يرسل ((الضربات)) لكي يعلّم، وفي النهاية يمنح نعمه (إر 2: 30؛ حك 3: 5؛ 16: 10-12). تأديبه رحمة وصلاح من أجل الأبرار ولخيرهم (سي 18: 13؛ 2 مك 6: 12 - 17). هذا ما سمّاه المعلمون ((تأديب الحب)) الذي نبارك الله بسببه. في هذا قال فيلون: يجب أن نطلب من الله أن يؤدّبنا.
وتشدّد آ 6 على علاقة بشكل مفارقة، بين محبّة الله وتأديبه بالضربات. ولكن ((أغاباوو)) لا تدلّ فقط على عاطفة ملموسة تتراخى مع الابن (آ10). بل هي أرفع أشكال الحبّ الذي يريد خير الآخر. في العبرية نقرأ: و ك ا ب. وكأب. قرأت السبعينيّة: ي ك ا ب، أو: ي ك ا ي ب: يجلد ((باراداخوماي)) تقبّل. يقابل ((ر ص ه)) رضي، سُرَّ. الله ((يضرب)) الابن الذي يحبّه. إن هذه الرحمة الأبويّة تمارس في العهد القديم كما في العهد الجديد (رؤ 3: 19: الذي أحبّه أؤدّبه). إلى هذا يستند البرهان في تفسير الاستشهاد الكتابي (آ 7 - 8): بايدايا (تربية، تأديب). إلانخو أو مستيغوو: جلد. رج حك 12: 20 - 22؛ تي 2: 11ي.
* أنتم بنون (آ 7 - 8) 
يفسّر الكاتب النصّ الكتابيّ ويطبّقه على المؤمنين. إن رفضوا التأديب دلّوا على أنهم ليسوا أولاد شرعيين، بل أولاد زنى (نغول). هذا يعني أنهم لا يعبدون الله الواحد، بل الأوثان، والزنى هو خيانة للربّ. وهكذا جاء الجواب الصريح على سؤال طُرح بشكل ضمنيّ: لماذا يسمح الله بأن نتألّم هكذا؟ جاء فعل ((هيبوموناتي)) (أصبروا، كونوا ثابتين) يربط واقع اضطهاد المسيحيين بالمبدأ الكتابي (آ5ب - 26): ان الضربات التي تصيب الجماعة المسيحية هي تأديب من قبل الله (4: 16؛ 6: 16) لتربية من يحبّهم. فالله لا يتصرّف معنا كسيّد مستبدّ أو لامبال، بل كأب تهمّه تربية أولاده. ((بايدايا)) ترتبط بـ ((بايس)). والتربية ترتبط بالبنوّة. لهذا، كان التأديب امتيازًا ونعمة، لا عقابًا ولعنة.
وجاءت القاعدة العامّة والثابتة (آ 8): إذا كان النموّ المسيحيّ لا يلغي صعوبة ولا ألمًا، فهذا يعني أن الله لا يعاملنا بمحبّة مميّزة (يو 15: 2). عندئذ لا نكون حقًا أبناءه، بل نكون أبناء زنى، فلا يحقّ لنا من بعد بميراثه وحمايته. ((نوتوي)) (نغول، مراحدة في العهد الجديد؛ يوسيفوس، العاديات 5: 233). نفهمها في المعنى القانونيّ القديم، الذي يقابل ((غنيسيوي)) الأولاد الشرعيين الذين يحقّ لهم وحدهم بالميراث. ((نوتوس)) ليس ((ابيكليرس)). هو لا يشارك في الميراث ولا في شعائر العبادة (هيارا). فهو ليس على لائحة المواطنين فأين هو موقعنا؟ أبناء أم نغول؟ أنرضى التربية والتأديب أم نرفضهما؟
ثانيًا: آباؤنا والآب السماوي (آ 9 - 11)
نقرأ هنا مقابلة مثلّثة بين تربية البشر وتربية الله (آ 9) . بين ما يتوخّاه البشر وما يتوخّاه الله (آ10). بين نتيجة ونتيجة (آ11): الحزن أو ثمر البّر.
* آباؤنا يؤدبوننا (آ 9) 
إن آباءنا بحسب الجسد يؤدّبوننا لكي نتعلّم التهذيب البشري والتعامل مع الناس. أما تأديب الله فلكي يكوّن فينا الحياة الروحيّة. شتّان ما بين تأديب يكون بحسب الجسد، وتأديب يكون بحسب الروح. إذن، لماذا نقبل تأديب آبائنا ونرفض تأديب الله الآب السماوي؟
نحن هنا أمام برهان (مع بالحري) ينطلق من الأقلّ إلى الأكثر. طريقة الله غير طريقة البشر. فماذا ننتظر لنخضع لتوبيخه؟ الوالد أنجب ابنه وهو يؤدّبه (بايدوتيس، رج روم 2: 20؛ هو 5: 2؛ سي 37: 15 التأديب). والابن يرضى هذا التأديب مهما كان، ويخضع له (انترابو، رج مت 21: 37؛ لو 18: 2. صيغة اللاكامل. هكذا يفعل الأولاد عادّة، لا مرّة واحدة. هذا يعني أن التأديب لا يدوم لحظة. بل العمر كله). نحن أمام واقع عام على مستوى البشر. فكيف يجب أن يتصرّف المسيحيّون تجاه المؤدّب الالهيّ (هيبوتاسو يتضمّن خضوعًا طوعيًا واعترافًا بتبعيّة، رج تي 2: 9؛ 3: 1؛ يع 4: 7) الذي هو أبونا بشكل مطلق. هو خالق حياتنا وسيّدها، هو مبدأ الأرواح وعالم الروح. فإذا أردنا أن تكون لنا الحياة (حياة الجسد وحياة الروح) نخضع لتربية سيّد الحياة وأبي الأرواح.
* تأديب قصير (آ 10)
يؤدبّنا آباؤنا لوقت قصير. هم مائتون، ضعفاء. والمعيار غير أكيد. تقودهم العاطفة وتسيطر عليهم الخطيئة. أما المعيار الالهي فأكيد جدًا، ومرماه يسمو على البشر. يريد أن يشركنا في قداسته. فشتّان بين هدف وهدف، وسيلة ووسيلة. 
أجل، الأسلوب التربويّ لدى الله يتفوّق على أسلوب البشر (هو مان... هو دي: من جهة هم. ومن جهة أخرى هو). يربّي الوالدون أولادهم لفترة قصيرة (بروس أوليغون، آ 11؛ حك 16: 6؛ يو 4: 14)، حتّى يبلغوا مرحلة النضوج. يربّونهم حسب نزواتهم (ابايداوون، اللاكامل، المرّة بعد المرّة). أما الله، فتربيته كاملة ودائمة. لا يهمّه إلاّ خيرنا (سيمفارون، رج 1 كور 12: 7). الخير الاسمى الذي يريده لنا: القداسة (هاغيونيتوس). يريد أن يشركنا (ماتالمبانو) في قداسته، في حياته. المسيحيون ((قديسون)) لأنهم مكرّسون لله يفضل ذبيحة المسيح (10: 14، 29)، ويخصّون أبا الأرواح. هذا يعني انفصالاً جذريًا عن العالم والخطيئة (آ 1، 14). ولكن كيف التوصّل إلى هذه الحالة بدون ألم. لهذا كانت الاضطهادات التي تأتي من البشر فيستفيد منها الآب السماويّ من أجل فائدتنا.
* فرح وغمّ (آ 11)
حين ننال التأديب، نغتمّ ونحزن، ولكنّنا في النهاية نفرح حين نرى أن الله عمل فينا عظائم، كما قالت مريم في نشيد التعظيم (لو 1: 49)، حين نرى الثمرة من الحبّة التي غُرست فينا: ثمرة البرّ وثمرة السلام في خط التطويبات: هنيئًا للجياع والعطاش إلى البر، هنيئًا لصانعي السلام (مت 5: 6 ،9).
مهما كانت هذه الاعتبارات الروحيّة رفيعة، يبقى أن كل تأديب يحمل على الغمّ. حين يصيبنا لا يمكن إلاّ أن نشعر بالحزن. تو بارون: في الحال. يقابل هستارون (في ما بعد). يجب أن نحكم على كل شيء بالثمر الذي ينتج عنه (2كور 7: 8ي). فالتأديب ليس فقط ((اغون)) (نضال، سعي) بل ((غيمناسيا)) (رج 5: 14؛ 1تم 4: 7؛ تمرّس طويل. وهو يتطلب نسكًا وتضحيات، ولكنه يعطي ثمرًا. أبوديدومي: ردّ، أعاد، أعقب (مت 6: 4؛ 16: 27؛ 21: 41؛ 2 تم 4: 8؛ رؤ 22: 22، يردّ علينا من خير). هكذا نفهم خصب ((بايدايا)). كانت تضحيات والنتيجة: ثمرة (كربون) سلام (ايرينيكون). يرتاح المناضل بعد السعي (آ 1)، ويعرف الطمأنينة والسلام بعد قتال مرير (آ 4). هو سلام داخليّ مع الله. وخلاص من الشرّ، من الأعدء. ديكايوسينيس: الفضيلة، الاستقامة، الوحدة مع الله (القداسة، آ10)، بل السعادة الأبديّة (11: 7؛ 2 تم 4: 8). دخلنا في مشروع الله، فأدخلنا إلى سعادته.

ج - فانهضوا اذن (12: 12 - 13)
جاءت الخاتمة بشكل نداء إلى النهوض مهما أخذ منّا الوهن مأخذه، ومهما تراخت منا الارادة. بشكل نداء إلى متابعة السبيل، وعدم العودة إلى الوراء، وعدم التهرّب من المسؤوليّة. أما هكذا أراد أن يهرب إيليا، أن يقيم في سيناء بعيدًا عن النضال الذي ينتظره؟ ولكن الله أعاده في الطريق الذي جاء به: أرجع إلى المجاهدين الكثر (سبعة آلاف) الذين لم ينحنوا أمام البعل (1 مل 19: 15، 18). أما أراد التلاميذ الثلاثة أن يظلّوا على الجبل، بينما ينتظرهم وينتظر يسوعَ الصلبُ والموت (مر 9: 5 – 6 وز)؟
في آ 12 نقرأ الاستنتاج العمليّ. ما وصلتم بعد إلى نهاية محنكم. فتسلّحوا بالشجاعة، وتغلبّوا على التراخي والكلل: انورتوو: ثبّت،أنهض، أصلح ما كان ملتويًا (ي ف ر). بارييمي (في المجهول): سقط، خار. يقال عن الأرجل التي ضعفت فكادت تؤدّي إلى السقوط (باراليو، وجمد، صار رخوًا، مت 8: 6؛ رج أش 35: 3؛ سي 25: 23). اليدان تدلاّن على النشاط، والرجلان على القوّة. لا ننسى أننا في صراع (آ 4). إن التراخي على مستوى الجسد صورة عن تراخ من نوع آخر. لهذا نثبت (هيبوموني)، نقاوم الشرّ (أي 4: 3 - 4؛ سي 2: 13) إذا شئنا أن ننتصر.
في الشق الأول من آ 13، نقرأ أم 4: 26 حيث يتعلّم التلميذ الاستقامة في كل أعماله: سبيل ثابت تحت قدميه. يتصرّف بضمير مستقيم، أي يرسم طريقه ويسير فيها. أما آ 13ب فتحثّ المؤمن على أن لا يشكّك الضعفاء فيعثروا ويسقطوا. الأعرج هو المسيحي الضعيف والمتردّد، الذي قد يميل عن الطريق. يجب أن نساعده بمثلنا الطيب بحيث لا يشرد، بل نساعده على الأمانة والثبات. رج 10: 24 - 25؛ روم 14: 1؛ 15: 1ي؛ 1 كور 8: 9ي. رج ((اكترابو)) شرد عن الطريق، شرد عن الايمان (1تم 1: 6؛ 5: 15؛ 2 تم 4: 4). ولكن قد يكون الأعرج ذاك الذي يعرج بين هذا الفريق وذاك (1 مل 18: 21)، تكون رجله الأولى في البور، والثانية في الفلاحة. يكون تارة مع المسيح وطورًا ضد المسيح (من ليس معي فهو ضدي، ومن لا يجمع يفرّق). مثل هذا يحتاج إلى شفاء، لأن الجحود يتهدّده.

2 - قراءة إجمالية
((لذلك نحن أيضًا، إذ يُحدق بنا مثل هذا السحاب الكثير الكثيف من الشهود فلنطرح عنّا كل ثقل الخطيئة التي تكتنفنا، ولنسعَ بثبات إلى الميدان المفتوح أمامنا)) (12: 1) 
يطبّق الكاتب الآن على قرّائه (على نفسه، فهو الراعي الحكيم والمحبّ. يجعل نفسه معهم) الدرس الذي تعلّموه من أناس انتصروا بإيمانهم على كل محن الحياة والموت، خلال أجيال قبل مجيء المسيح. فأخذ صورة المتصارعين (المتسابقين) في الحلبة، الذين تنظر إليهم الجموع المحيطة بهم. إن صورة السعي قديمة جدًا. قال فيلون عن ابراهيم إنه سعى، وأنهى حياته بدون عثار، فنال الاكليل والجزاء (هجرة ابراهيم 133). وقال 4 مك 14: 5 إن ((اليعازر أسرع إلى الموت بالعذاب وكأنه يسعى في عجلة الخلود)). وقد شاهده كما شاهد الاخوةَ السبعة، الظالمُ وخصومهم. ولا ننسى بولس الذي شبّه المسيحي بالمتسابق والمتصارع. وقال عن نفسه: ((جاهدتُ الجهاد الحسن، وأتممت شوطي، وحافظتُ على الايمان، والآن ينتظرني إكليل البر الذي سيكافئني به الربّ الديّان العادل في ذلك اليوم، لا وحدي، بل جميع الذين اشتاقوا إلى ظهوره)) (2 تم 4: 6 - 8).
وهكذا صوّر الكاتب نفسه مع قرّائه كمصارعين من أجل الايمان في ساحة الحياة. يحيط بهم جميع الذين سبقوهم. ينظرون بفخر إلى جهادهم، وينظرون الاكليل الذي سبقوا ونالوه قبلهم. كيف يكون الجهاد؟ هناك موقف سلبي: يتحرّرون من الخطيئة التي تُثقل كاهلَهم فتمنعهم من السعي والوصول إلى الهدف وإحراز النجاح. والموقف الايجابي هو سعي وثبات وكفاح. لا ننظر إلى ورائنا كالفلاح فلا نكون أهلاً للملكوت. نبدأ في خطى المسيح الذي بدأ، ونثبت في كفاحنا متأكّدين أن ذاك الذي بدأ يكمّل. لهذا يكون ايماننا ايمان الثقة.
وإليك الكلام الذي به حثّ الذهبي الفم المؤمنين: ((كثيرون منكم شاهدوا أكثر من مرّة الألعاب الاولمبية، فما كانوا فقط مشجّعين للمسابقين، بل متشيّعين لهم ومعجبين. تعرفون أنه خلال نهارات السباق ولياليه، لا يفكّر المنادي بشيء آخر ولا يهتمّ إلاّ بأنّ لا يُعفى المتسابق في سعيه... فإن كان الذي يدخل في سباق أمام البشر يفكّر مثل هذا التفكير يليق بنا أن نفكّر بجديّة، وحياتنا هي صراع كلها)). 
شاخصين بأبصارنا إلى مبدئ الإيمان ومكملّه إلى يسوع الذي، بدل السرور الموضوع أمامه، تحمَّل الصليب هازئًا بعاره، وجلس عن يمين عرش الله)) (12: 2)
يركّز المصارع كل قواه، ليربح إكليل النصر. لهذا يُطلب من المشاركين في السعي المسيحيّ أن يتحرّروا من كل ثقل وأن ينطلقوا في الجهاد بلا تردّد. ويُطلب منهم أيضًا بأن ينظروا إلى يسوع، على مثال اسطفانس ساعة كان يُرجم (أع 7: 55 - 56): الهدف فريد فلا يشتّتنا ما يحيط بنا. لهذا نشخص ببصرنا إلى من هو الهدف والجزاء. هذا ما قاله بولس: ((أحسب كل شيء خسارة من أجل الربح الاعظم، وهو معرفة المسيح يسوع ربّي. من أجله خسرتُ كل شيء وحسبت كل شيء نفاية لأربح المسيح وأكون فيه)) (فل 3: 8 - 9).
بما أن هذه المسيرة هي مسيرة الايمان، فمن الضروريّ أن نجعل دومًا أمام أبصارنا مبدئ إيماننا ومكمّّله. فبعيدًا عن ذاك الذي وجدت مواعد الله كمالها فيه، لن يجد الجنسُ البشري أساس إيمانه وموضوعه. فعليه تركّز نظرُ الايمان في كل جيل. وبما أنه مبدئ خلاصنا (عب 2: 10)، فهو صاحب إيماننا. فقد بدأ إيماننا معه، وسيتواصل به بعد أن صلّى إلى أبيه لأجل الذين آمنوا به (يو 17: 20)، وطلب لهم أن لا يفقدوا هذا الايمان (لو 22: 31 - 32). لهذا، ننظر إليه كرسول وحبر اعترافنا (3: 1)، ونتأكّد أن الذي بدأ فينا العمل الصالح يتمّمه (فل 1: 6).
بالإضافة إلى كل هذا، الابن المتجسّد هو نفسه رجل الايمان. هو لا يؤمن بشيء أو بشخص كما هو الحال بالنسبة إلينا. هو رجل الايمان أي رجل الثقة بالله (2: 13). فحياته ، منذ بدايتها حتى نهايتها، ارتبطت ارتباطًا تامًا بمشيئة الآب (10: 7 - 10)، وعبّر عن هذا الايمان بالصلاة (5: 7؛ يو 17: 1ي؛ مر 1: 35...)، وانتصر انتصارًا تامًا على التجارب والمضايق، فصار كاملاً عبر الآلام (2: 10؛ 4: 15). وهكذا صار ينبوعَ خلاص أبديّ للذين يطيعونه (5: 8 - 9). حين ننظر إلى يسوع، ننظر إلى ذلك الذي يعرض علينا الايمان، الذي بدأ المسيرة ويتابعها بدون انحراف حتى النهاية. وهو وحده يقدر أن يتشفّع، أن يسند ايمان الذين يتبعونه. إيمان الذين سبقوه قد أفسدته الخطيئة والنقص ولا يمكن أن يقال عن أحد أنه مبدئ الايمان ومكمّله. فالوحيد الذي نستطيع أن نشخص إليه بأبصارنا هو الوسيط الذي لا يستحي بأن يدعونا إخوته (2: 11)، والذي يشعّ مَثلُه أمامنا نحن المجرّبين لكي نتبعه، وهو الذي يعيننا بنعمته بحيث ننتصر معه (2: 17 - 18؛ 4: 15 - 16).
ونتأمل أيضًا فرادة يسوع، في سعيه على الأرض. هو سعى وحده. فقد جاء يفعل ما لم يستطع أحد أن يكمّل، فقاده سعيه إلى الصليب حيث نسعى من أجل جزاء الخلاص الأبدي والمجد الذي اقتناه لنا بموته على الصليب. وهو فريد أيضًا في نضاله الذي عليه سمّر ناظريه. والفرح الذي كان أمامه هو أنه أتمّ عمل المصالحة الذي جاء يتمّمه من أجل خيرنا الأبديّ ولمجد اسم الآب. وهكذا تحقّقت مقاصد الله على مستوى الخلق وكل مواعيده في إطار العهد. فرحه الذي هو ملء الفرح (مز 16: 11) هو أيضًا فرح الاختيار. أراد أن يقيم فرحه فيهم بحيث يتمّ فرحهم (مثل فرحه). من أجل هذا صلّى كي يكون فرحه كاملاً فيهم (يو 15: 11؛ 17: 13). فرحه هو فرح السماء لكل خاطئ يتوب ويعود إلى بيت الآب، كل خروف ضال قد وُجد، لكل ابن كان ميتًا فعاش وضالاً فوُجد (لو 15: 6 - 7 ،24، 32). ولكن يبقى الصليب طريق الفرح، فرح الابن وفرحنا، بالنسبة إلى يسوع الذي قاسى الصليب واحتمل العار، وفي النهاية جلس عن يمين الله، وبالنسبة إلى المؤمنين الذين يشاركونه في الآلام، فيشاركونه في قوّة قيامته (فل 3: 10؛ أف 2: 6؛ كو 3: 1ي).
فتأملّوا بتفصيل ما قاساه الذي صبر على مثل هذه المقاومة لشخصه من قبل الخطأة، لئلا تكلّ نفوسكم وتخور. فإنكم، إلى الآن، لم تقاوموا بعد حتّى الدم في الجهاد ضدّ الخطيئة)) (12: 3 - 4)
إن هؤلاء ((العبرانيين)) الذين يتوجّه إليهم الكاتب، بدأوا انطلاقتهم في حماس، وها هم يدلّون على أن نفوسهم بدأت تكلّ وتخور وثباتهم يفتر، مثل عجلة صاعدة. فالصعوبات جاءت من العالم، والعداوة من اليهود، فتوقّف النضال. ظنّوا أنهم أخطأوا الطريق وأنهم لن يثبتوا إلى النهاية. ما عادوا ينظرون إلى يسوع (آ 2) الذي هو ينبوع قوّة ونور، الذي ينتظرهم في نهاية سيعهم ليقدّم لهم إكليل البرّ (2 تم 4: 7 - 8). لهذا قال لهم الكاتب: تأمّلوا فيه، فكّروا فيه. قابلوا بين آلامكم المحدودة وآلامه التي قاساها فنالت الخلاص الأبديّ، التي احتملها من قبل الخطأة الذين رفضوه ورفضوا نداءه، ورذلوا الذين تبعوه واعترفوا به. مثلُ هذه العداوة ضد يسوع وجدت ذروتها على الصليب حيث تجمّعت كل قوى الشر لتحاول تدميره وهو القدوس والبار وسيّد الحياة (أع 3: 14 - 15؛ 4: 27). 
وذكّرهم الكاتبُ بأن خبرة الضيق التي عرفوها، أخفّ من التي عرفها مجاهدون في الماضي وفي الحاضر. ففي صراعهم ضدّ الخطيئة لم يصلوا بعد إلى الدم. فبعد أن تقبّلوا الانجيل ونالوا العماد (10: 31 - 34)، قاسوا مختلف العذابات. ولكن هذه المضايقات لم تصل بهم إلى سفك دمائهم من أجل إيمانهم. فلماذا يتراخون ويحاولون التراجع؟ هل نسوا أن ضمائرهم تطهّرت من الأعمال الميتة، وأنهم نالوا الفداء بدم يسوع الذي سُفك لأجلهم (9: 12، 14؛ رج 10: 29). فكم عليهم أن يستعدوا للصبر والآلام حتّى سفك الدم، امتنانًا لذلك الذي أعطاهم حياته كله حتّى الموت على الصليب.
((هل نسيتم هذا التحريض الموجّه إليك كأنما إلى بنين؟ يا ابني، لا تحتقر تأديبات الرب ولا تيأس إذا وبّخك. لأن من أحبّه الربّ يؤدّبه، ويجلد كل من يرتضيه ابنًا له. فاصبروا على التأديب. إنما الله يعاملكم كبنين ، وأي ابن لا يؤدّبه أبوه؟ فإن لبثتم بدون هذا التأديب الذي يشرك فيه الجميع، فانتم نغول (أولاد زنى) لا بنون)) (12: 5 - 8)
يُنسب يأسُ قرّاء هذه الرسالة جزئيًا، إلى قراءة خاطئة للوضع الذي فيه وجدوا نفوسهم. فالصعوبات والمضايق التي يقاسونها بعد أن اعترفوا بالمسيح، لا يعني أن الله غير معنيّ براحتهم، وأنه تركهمم بدون عون ولا مساندة. ولكن قيل لهم مرارًا أنه دومًا بجانبهم، ومساعدته المجانيّة لا تبتعد عنهم (2: 18؛ 4: 15 - 16؛ 7: 25؛ 10: 19ي). وهناك اعتبار آخر نسوه أو كادوا: كل ما يقاسونه من أجل الانجيل يدعوهم إلى أن يعرفوا أن الله لم يهملهم، بل يدلّ على أنه أب حقيقيّ لهم، فيعاملهم كما يعامل الأب أولاده. لهذا قرأ لهم الكاتب ما يقول سفر الامثال في هذا الشأن: لا تحتقر تأديب الرب.
(( لقد كان آباؤنا بحسب الجسد يؤدّبوننا وكنا ننقاد لهم، فكم بالأحرى يجب أن نخضع لأبي الأرواح فتكون لنا الحياة. إن أولئك كانوا يؤدّبوننا لأيام قلائل، وعلى هواهم. أما هو فلفائدتنا، كي يشركنا في قداسته)) (12: 9 - 10)
برهان من الأقل (العلاقة البشرية بين الآباء والبنين) إلى الأكثر (علاقة روحيّة ننال فيها التأديب من الله نفسه، من أبي الأرواح). ما هو معروف هو أننا ننقاد لآبائنا بدون جدال ولا تردّد. فبالأحرى ننقاد للآب السماوي. فالتعارض واضح بين أب وأب، أب أرضيّ وأب سماوي. بين طريقة وطريقة: تأديب قصير النفس يرافقنا في الصغر ويكون عرضة للضعف البشري، وتأديب لا يخطئ يمارسه ذاك الذي يعرفنا أكثر مّما نعرف نفوسنا. ثمرة التأديب الأرضيّ تبقى على الأرض وفي علاقتنا مع أهل الأرض. أما تأديب السماء فيتوخّى أن يُشركنا في قداسة الله، فننعم بمجده ونفرح بحضوره.
حين نخضع للآب الذي هو ينبوع كل حياة، تكون لنا الحياة. وحين نبتعد عنه، نبتعد عن الحياة. حين نجعل من تأديب الربّ، عبر الصعوبة والضيق، عذرًا يُبعدنا عن سعي الايمان، فهذا يعني أننا نشكّ بعلاقتنا البنويّة بالآب السماوي وبجدّية مشاركتنا في قداسته. فالله لم يدعنا إلى النجاسة، بل إلى القداسة، كما قال بولس في 1 تس 4: 7. وصوّر الكاتب الله ((كذلك الذي يقدّس)). هو مع المفديين، ((مع الذين قُدِّسوا))، أي فُرزوا للقداسة (2: 11؛ رج 10: 10 ،14؛ أع 20: 32). وسوف يقول في آ 14: بدون القداسة لا يعاين أحدٌ الرب. فبدون القداسة لا يقدر أحد أن يرى الربّ، أن يقف في حضرته وينعم برضاه.
((كل تأديب لا يبدو في الحال باعثًا على الفرح، بل على الغمّ. ولكنه في ما بعد، يعقب الذين راضهم ثمر برّ سليمًا. فأنهضوا إذن أيديكم المسترخية وركبكم الواهنة واصطنعوا لأقدامكم مسالك مستقيمة، لكي لا يشرد الأعرج بل بالحري يبرأ)) (12: 11 - 13)
من طبيعة كل تأديب أن يكون مؤلمًا، وإلاّ فهو لم يبلغ هدفه الذي هو ابتعاد عمّا لا فائدة فيه، ومجيء إلى القداسة. ولكن هذا لا يدوم طويلاً. بل يدوم في الوقت الذي نختبر الصعوبة. ومن استفاد من التأديب، وجد أن بعد الألم الفرح. لهذا يجد رجلُ الايمان في هذا التأديب استباقًا لكمال السعادة. لهذا قال بولس وهو في قلب الألم من أجل الانجيل، إن آلامًا مؤقتة تعدّ مجدًا أبديًا (2 كور 4: 7). فزمنُ التأديب هو زمن حجّنا الحاضر على الأرض. وصعوبته ليست بشيء على مستوى الكثرة أو الطول تجاه أبديّة المجد الذي ينتظرنا (روم 8: 18). وأخيرًا نتيجة الألم حصاد وفير من البرّ والسلام.
إذن، شدّوا حالكم (آ 12). هذا هو المنطق العمليّ للبرهان. يطبّق على القرّاء في تحريض تنوّع وطال، فأمتدّ حتى نهاية الرسالة. في آ 12 - 14، نجد من جديد صورة المقاتلين: فمن ترك الممارسة اليوميّة المتواصلة، كلّت يداه وضعفت رجلاه، فيترك المجال لليأس، ولا يعود يسير أمام وجهه لكي يبلغ الهدف. يعرج على الرجلين. المهمّ أن نتابع، لأن النضال هام والمصير الابدي يرتبط بنتيجة. فالمحن الحاضرة هي الطريق للجزاء الأكبر. والذين أرسلت إليهم الرسالة ليسوا أول المحاربين، وليسوا وحدهم محاربين. في هذا قال بولس: ((لا بدّ أن نجتاز كثيرًا من المصاعب لندخل ملكوت الله)) (أع 14: 22).
شجّع الكاتب قرّاءه هنا بكلمات مأخوذة من أش 35: 3: ((شدّوا الايدي المسترخية، وثبّتوا الركب المرتجفة)) الضعيفة. ويتابع النبيّ: ((قولوا لمن فزعت قلوبهم: تشدّدوا ولا تخافوا! ها إلهكم آت لخلاصكم)). ويتابع الكاتب: واجعلوا لأقدامكم طرقًا مستقيمة، لا معوجّة ولا ملتوية. قال أم 4: 26 - 27 في هذا المجال: ((أنظر بعينك إلى الأمام، وسدّد نظراتك قدّامك. بل مهِّد سبيل قدميك، فتثبت جميع طرقك. لا تمل يمينًا ولا شمالاً فتمنع قدمك عن الشر)). هكذا يعين المسيحي اخوته، ولا سيّما الضعفاء منهم. فنحن مسؤولون، بعضنا عن بعض، بحيث لا نضع لأخينا عثرة ولا شكّ.

خاتمة
وهكذا انتهى القسم الرابع (11: 1 - 12: 13) الذي حدّثنا عن ايمان الأقدمين، في اتجاه الأول (11: 1 - 40)، ودعانا إلى السير في خطاهم، في اتجاه ثان (12: 1 - 13). من أجل هذا، بدا 12: 1 - 13 كلام تحريض وجّهه الكاتب إلى قرّائه: جعل أمامهم شخص يسوع الذي يسير أمامنا، الذي يعيننا ويشفع بنا. تألّم ونحن نتألم مثله. ولكنه تمجّد ونحن نتمجّد معه. غيرأن الألم هو غير غضب الله، كما نظنّ حين نقرأ التوراة. إنه وسيلة بها يؤدّبنا الله ويؤمّن تربيتنا، لأننا أولاده. وهنيئًا لنا إن قبلنا التأديب من يد الله، كما نقبله من أيدي أبائنا. عندئذ يكون لنا ثمر وفير، يكون لنا البرّ والسلام، ونشارك الله في قداسته. 
الفصل السادس والثلاثون

السلام والقداسة
12: 14 - 13: 19

حين بدأ الكاتب القسم الخامس، حدّد معنى الاعلان منذ البداية: حين يطلب المسيحيون السلام والقداسة (12: 14) يصنعون لنفوسهم مسالك مستقيمة (12: 13). بهذه الطريقة، بيّن كيف يكون سلوك المسيحيّ في الحياة اليوميّة: العلاقة الصحيحة مع الله ومع القريب.

1 - المقطع الأول (12: 14 - 29): تحذير من العقاب
جاءت التعابير في الأصل واسعة، ثم أخذت تضيق حين ذكرت خبرًا معروفًا، خبر عيسو. وهكذا نكون في هذا المقطع أمام ثلاث قسمات. المقدمة (12: 14 - 17). بين سيناء والعهد الجديد (آ 18 - 24). سمعوا فمالوا بأسماعهم (آ 25 - 29).

أ - القسمة الأولى (آ 14 - 17)
لعبت هذه القسمة دور المقدمة، فجاءت كما يلي: 
12: 14 اقتفوا السلام مع الجميع، والقداسة
التي بدونها لا يعاين الربّ أحد.
12: 25 إحرصوا أن لا يُحرم أحد من نعمة الله،
وأن لا يثبُت جذر مرارة يُحدث بلبالاً
ويُفسد الجماعة
12: 16 وأن لا يكون فاجر ولا مبتذل
كعيسو الذي باع بكريته بأكلة واحدة
12: 17 وتعلمون جيّدًا أنه من بعد أيضًا
لما رام أن يرث البركة
رُذل،
ولم يجد سبيلاً للتوبة
وإن يكن التمس ذلك بالدموع.
نلاحظ تقابلاً بين بداية هذه القسمة ونهايتها. ولكن على مستوى الأفكار، لا على مستوى الشكل الأدبي: يشير 12: 14 إلى خطر يقوم بأن لا نُقبل في حضرة الله، بأن لا نقدر أن نعاين الله. وتلاحظ آ 17، في الواقع، أن عيسو رُذل (استُبعد) من البركة. جاء اسم هذا الشخص بارزًا، لأن عليه يتركّز الانتباه. ولكنّنا لا نفهم للوهلة الأولى، لماذا أورد الكاتب هذا المثل.

ب - القسمة الثانية (آ 18 - 24)
في هذه القسمة، أشار الكاتب إلى تجلّي الله في سيناء، وكأن موقف عيسو يرتبط بهذا التجلّي (آ ،18 غار، الفاء). فما هو واضح، هو تعارض بين مناخين روحيين: مناخ سيناء بما فيه من ظلمة وضيق، ومناخ العهد الجديد بما فيه من نور وراحة. ذلك هو موضوع القسمة الثانية: 
12: 18 فإنكم لم تدنوا (تقتربوا)
من حقيقة ملموسة،
من نار مضطرمة،
ولا من ظلمة وديجور وزوبعة
12: 19 ولا من هتاف بوق ولا من صلصلة كلام،
قد استعفى الذين سمعوها
أن يُزادوا كلامًا.
12: 20 فإنهم لم يطيقوا احتمال هذه الوصيّة: 
كل من مسّ الجبل، حتّى وإن كان بهيمة يُرجم
12: 21 وكان المنظر هائلاً
فقال موسى: أنا خائف ومرتعد!
12: 22 بل دنوتم (اقتربتم)
إلى صهيون الجبل،
وإلى مدينة الله الحي، أورشليم السماوية،
وإلى ربوات ملائكة في عيد
12: 23 وإلى جماعة الأبكار المسجَّلين في السماوات
وإلى الله ديّان الجميع
وإلى أرواح الصديقين الذين أبلغوا إلى الكمال
12: 24 وإلى وسيط عهد جديد، يسوع
وإلى دم مطهّر أبلغ منطقًا من دم هابيل.
عارض الكاتب بين نظامين اثنين منذ عبارة المقدمة: لم تدنوا (آ 18). بل دنوتم (آ 22). هما حقيقتان. من جهة كما من أخرى، ارتبطت عناصر الوصف بحرف العطف (كاي) الذي تكرّر أكثر من مرّة. وفي نهاية اللوحة الاولى، جاء اسم موسى يزيل كل شكّ ممكن حول التعرّف إلى الموضوع. وقابله في نهاية اللوحة الثانية اسمُ يسوع. هو التوازي الوحيد في هذه القسمة على مستوى التفاصيل: بين موسى ويسوع. أما التعارض الذي يلي فيبدو بشكل إجماليّ. نلاحظ أن وصف سيناء لا يذكر سوى ظواهر مادية ولا شخصيّة (صلصلة كلام. لا يقال من تكلّم)، بل ظواهر تنزع الوجه الشخصيّ فتجعل الخوف يسيطر. أما في اللوحة الثانية، فكل شيء سماويّ، وهو يشير إلى علاقة بين الأشخاص (الملائكة، الأبكار...). هناك لفظة تذكّرنا بالقسمة السابقة، في معرض وصف الحياة المسيحية: جماعة الأبكار في آ 23 تذكّرنا بامتيازات البكريّة التي باعها عيسو لقاء أكلة (آ 16).
ج - القسمة الثالثة (آ 25 - 29)
تبدأ القسمة الثالثة بكلمة عاكفة قرأناها في آ 24: دم ينطق، يتكلّم. فنقرأ في آ 25: ((الذي يتكلّم)). هنا يستغلّ الكاتب إحدى معطيات لوحة سيناء: استعفى الذين سمعوها (آ 19). إذن، لا تستعفوا (لا تميلوا بأسماعكم) في آ 25. هو برهان بالحري، برهان ينطلق من الأقل (العهد القديم) إلى الأكثر (العهد الجديد).
12: 25 فاحذروا أن تستعفوا (تميلوا بأسماعكم) عن الذي يتكلّم.
فإن كان هؤلاء لم يُفلتوا من المتكلّم على الأرض،
فكم بالأحرى نحن
إن أعرضنا عن التكلّم من السماوات
12: 26 الذي زعزع الأرضَ صوته آنفًا،
ويعد الآن قائلاً: 
إني مرة بعدُ، أزلزل
لا الأرض فقط
بل السماء أيضًا.
12: 27 فقوله مرة بعد يدلّ
على تحوّل الأشياء المتزعزة إذ إنها مخلوقة،
لكي يبقى ما لا يتزعزع.
12: 28 لذلك، إذ قد حصلنا على ملكوت لا يتزعزع،
فلنتمسَّك بالنعمة
التي بها نعبد الله عبادة مرضيّة،
في ورع وتقوى.
12: 29 فإن إلهنا نار آكلة.
في الواقع، لسنا أمام برهان واحد مع ((بالحري))، بل أمام برهانين، في هذه القسمة. البرهان الأول يستعيد فعل ((استعفى)) (آ 25؛ رج آ 19 ب)، ويتأسّس على التعارض بين الأرض والسماوات، وهو يعارض فيطبّق على وحيين متعاقبين: وسيط الوحي الأول كان انسانًا من الأرض. أما وسيط الوحي الآن، فيفرض نفسه آتيًا من السماء. من استعفى (تهرّب) منه نال أقسى عقاب.
والبرهان الثاني مع بالحري، يستعمل ذات التعارض بين الأرض والسماء، ولكن بشكل آخر: يستعيد لفظة ((صوت)) (آ 26؛ رج آ 19أ) فيعود إلى القسمة السابقة. ويكون التعارض هنا بين زعزعتين كونيّتين، واحدة مضت والثانية آتية. في سيناء، تزعزعت الأرض فقط. في نهاية الأزمنة، تتزعزع السماء هي أيضًا. من الواضح أن ديانة سيناء لا تستطيع أن تواجه مثل هذه الكارثة. فهي تقف على مستوى الاشياء التي تتزعزع، على مستوى الأشياء المخلوقة (آ 27)، أي على مستوى الخليقة الأولى كما في 9: 11. لهذا، قدَّم الكاتب في القول النبويّ الذي أورده، اعلان تبدّل اسكاتولوجيّ (تحوّل في نهاية الأزمنة) حيث تترك الخليقة الاولى المكان للحقائق النهائية.
بدأ الكاتب هذه القسمة بتقابل (آ 25) وأنهاها في فكرة التحوّل (آ 27)، فجمع في هذه الآيات وجهتين متكاملتين اكتشفناهما أكثر من مرّة. فبين الوضع المسيحي والوضع الديني القديم، نلاحظ من جهة تواصلاً حقيقيًا: هناك تشابه بين العمل وصورته (آ 25). ومن جهة ثانية، نلاحظ قطيعة: يُلغى العهد القديم لأنه غير كاف (آ 26 - 27). ترتبط هاتان الوجهتان هنا بفضل انخفات: ننتقل مثلاً من الأرض إلى السماء. وهكذا نبقى في إحساس من الغموض.
ومهما يكن من أمر، يصل الكاتب إلى الخاتمة: دخل المسيحيون منذ الآن في نظام الحقائق الدائمة، فوجب عليهم أن يستمرّوا فيها. وإن 12: 28 - 29 ،يعبّر عن هذه الفكرة بشكل متناسق، فيميّز في الموقف المسيحيّ وجهتين: وجهة الفرح: لنتمسّك بالنعمة. ووجهة الانقباض: بخوف ورعدة. قبل الوجهة الأولى جاء باعثها: لأننا حصلنا على ملكوت لا يتزعزع. وباعث الوجهة الثانية جاء بعدها: فإن إلهنا نار آكلة. وقلبُ البنية يحدّد الاتجاه الأساسي الذي يُشرف على هذا الموقف: نعبد الله عبادة مرضيّة.
إذا قابلنا هذه الخاتمة ببداية القسمة الأولى (آ 14) نستطيع أن نعتبر أن الوجهة الأولى (نتمسّك بالنعمة) تقابل فكرة السلام. والوجهة الثانية التي تتحدّث عن الورع والتقوى، تقابل فكرة القداسة. ولكن يُطرح سؤال حول العلاقة بين استعمالين للفظة ((نعمة)) في آ 15 وآ 28. هل مدلولها هو هو في هاتين الآيتين؟ وهل نستطيع أن نتحدّث عن تضمين في آ 15 - 28؟ يبدو أن لا تشابه بين هذين الاستعمالين للفظة ((النعمة)). في آ 15، يسبق اللفظة التعريفُ، ويكمّلها المضاف إليه: نعمة (النعمة) الله. أما في آ 28 ،فلا نجد أل التعريف وتبدو اللفظة جزءًا من عبارة. لتكن لنا نعمة. ما معنى هذه العبارة التي لا تبدو واضحة؟ إذا حدّدها مجرور عنت: أقرّ بالجميل، امتنّ (لو 17: 9؛ 1تم 1: 2؛ 2تم 1: 3). وبدون المجرور تعني ((نال حظوة)) (أع 2: 47). توقّف مجمل الشرّاح عند المعنى الأول، والعبارة تنطبق هنا على موقف من ((حصل)) (آ 28) على شيء. هكذا نكون أمام عرفان الجميل. ولكن هذا الموقف يُلغي العلاقة بين آ 28 وآ 25 بحيث لن تتحدّث عن تضمين.
لهذا، نبحث عن حلّ ثالث يحافظ على مفهوم الامتنان للفظة ((نعمة))، وينسب لها أيضًا دور التضمين مع آ 15. يقوم هذا الحلّ بأن لا نحصر ((نال نعمة)) في مدلول واحد محدّد. فالكتاب ((يتلاعب)) بمعاني لفظة ((خاريس)). نحن نشكر الله. ولكن كيف نشكره؟ حين نكون أمناء لنعمته. بل نسأل: لماذا لا تستطيع المشورة المعطاة أن تصل إلى موقفنا تجاه الآخرين؟ هنا أيضًا،إن أردنا أن نؤدّي عبادة مرضيّة لله (آ 28)، يجب علينا أن تكون لنا النعمة، أي أن ندلّ على سخائنا. وحين يعود الكاتب إلى الذبائح التي ترضي الله في 13: 15 - 16 ،فهو يؤكّد هذين المنظورين ويميّز بينهما. أما هنا فيميّزهما في عبارة واحدة تفرض نفسها. فإن حافظنا على رنّة هذه العبارة نقرّ أنها وإن كانت أوسع من عبارة 12: 15 (يحرم، يستبعد من نعمة الله)، فهي ترتبط بها. وهكذا نقول بتضمين بين آ 28 وآ15.
وضمّ الكاتب إلى تضمين عام حول ((نعمة)) (آ 15 - 28)، تضمينًا خاصًا حول ((نار)) (12: 29 و12: 18 ،أي بداية القسمة الثانية). وهكذا ينتهي التقابل بين سيناء والعهد الجديد. هاتان الاشارتان تؤكّدان وتحدّدان الدور الذي لعبته هاتان الآيتان (آ 28 - 29): بدأتا مع ((ديو)) (لذلك)، فشكّلتا خاتمة القسمة الثالثة (12: 25 - 29)، بل خاتمة المقطع كله (12: 14 - 29).
2 - المقطع الثاني (13: 1 - 6): مواقف مسيحيّة
بدت الآيات الأولى في ف 13 (آ 1 - 6) مختلفة عمّا في هذا القسم، في ترتيبها وفي مضمونها. فهي بشكل وصايا وأوامر لا يربطها رابط، وبعضها يتألّف من مبتدأ وخبر فيغيب الفعل (آ 4 - 5). ومع ذلك فهذا المقطع مرتّب ترتيبًا دقيقًَا باستعمال التوازي كما في سفر الأمثال: 
13: 1 اثبتوا على (لتبقَ ) المحبّة الأخويّة (أ)
13: 2 ولا تنسوا (لا تُنسى) ضيافة (الغرباء) (أأ)
إذ بها أضاف أناسٌ ملائكة وهم لا يعلمون (ص)
13: 3 أذكروا الاسرى كأنكم مأسورون معهم (ب)
والمجهودين كما أنكم أنتم أيضًا في جسد (ب ب)
13: 4 (ليكن) الزواج مكرّمًا عند الجميع (ج)
والمضجع بلادنس (ج ج)
فالفسّاق والزناة يدينهم الله (ص ص)
13: 5 نزّهوا سيرتكم عن حبّ المال، (د)
قانعين بما عندكم، (دد)
فان (الله) نفسه قد قال: (ص ص ص)
لا أخذلك، (هـ)
ولا أهملك (هـ هـ)
13: 6 نستطيع إذن أن نقول في ثقة: (و)
الرب عوني (ز)
فلن أخشى (وو)
وماذا يصنع بي الانسان (زز).
هناك تقاربات ألفاظيّة بين هذا المقطع (13: 1 - 6) والذي سبقه (12: 14 - 29): في 13: 1 نقرأ ((ثبت)) كما في 12: 27 (يبقى، يثبت). يرد لفظ ((الملائكة)) في 13: 2 وفي 12: 22. ولفظ ((زناة)) في 13: 4 و12: 16. أشير إلى دينونة الله في 13: 4 كما في 12: 23، وإلى المخافة في 13: 6 و12: 21. ولكن بما أن السياق يختلف بين مقطع وآخر، لا نستطبع أن نستخرج الكثير من هذه التقابلات الألفاظيّة.
تبقى التقابلات على مستوى الأفكار. فالطريقة التي بها وُجّهت هذه النصائح تقابل ما في الجملة الأؤلى (12: 14): فالمحبّة الأخويّة واستقبال الضيوف وكرامة الزواج والتجرّد من المال، كل هذا يمكن أن يكون مجهودًا لطلب السلام مع الجميع (12: 14). وحين نقرأ التحذير المركزيّ في 13: 4 (يدينهم الله)، نفهم أن الكلام يدور على قداسة لا يرى أحد الله بدونها (12: 14). في هذا المنظار يقود إلى ((نتمسّك بالنعمة)) (12: 28): إن 13: 1 - 6 هي تطبيق لها: بالنعمة يعيش الانسان الأخوّة والضيافة والأمانة الزوجية (13: 1 - 4). بالنعمة نثق بالرب (13: 6) بحيث لا يدخل الخوف إلى قلوبنا.

3 - المقطع الثالث (13: 7 - 19): نظرة دينيّة صحيحة ونظرة خاطئة
مع 13: 7 يبدأ مقطع طويل تدلّ على وحدته بعضُ سمات أدبيّة. تحيط به تلميحات إلى المدبّرين، إلى المسؤولين في الجماعة: في 13: 7 يدعو الكاتب المؤمنين لأن يتذكّروا المسؤولين الأولين ويقتدوا بإيمانهم. في 13: 17 يطلب الطاعة للمسؤولين الحاليين. وهناك تضمين ألفاظيّ آخر بين 13: 7 و 13: 18: سيرتهم، سلوكهم والتصرّف. أو سلك، سار.
13: 7 اذكروا (تذكّروا، احتفظوا بذكرى) مدبّريكم
الذين كلّموكم بكلمة الله،
تأمّلوا في عاقبة سيرتهم.
واقتدوا بإيمانهم.
13: 8 إن يسوع المسيح هو هو أمس واليوم
وإلى الدهور: 
13: 9 فلا تنخدعوا بتعاليم متنوّعة وغريبة.
إذ بالنعمة يجدر بالقلب أن يثبت،
لا بأطعمة
لم تجد الذين استعملوها نفعًا.
13: 10 إن لنا مذبحًا
لا يحقّ للذين يخدمون المسكن أن يأكلوا منه.
13: 11 لأن الحيوانات التي يدخل الحبرُ المعبد بدمها، عن الخطيئة،
تُحرق أجسادها خارج المحلّة.
13: 12 لذلك، يسوع أيضًا،
ليقدّس الشعب بدمه الخاص
تألّم خارج الباب
13: 13 ومن ثمّ، فلنخرج لنجيء إليه خارج المحلّة
حاملين عاره.
13: 14 إذ ليس لنا هنا مدينة باقية.
بل إنما نطلب الآتية.
13: 15 ولنقرّب به لله ذبيحة الحمد في كل حين،
ثمرة شفاه تعترف باسمه
13: 16 أما الاحسان والتعاون فلا تنسوهما،
لأن الله يرتضي مثل هذه الذبائح.
13: 17 أطيعوا مدبّريكم واخضعوا لهم
لأنهم يسهرون على نفوسكم سهر من سيؤدّي حسابًا
حتّى يفعلوا ذلك بسرور لا بكرب
لأن هذا غير نافع لكم.
13: 18 صلّوا لأجلنا، 
فإنّا نثق بأن لنا ضميرًا صالحًا،
إذ نريد أن نحسن التصرّف في كل شيء.
13: 19 وأطلب إليكم في إلحاح أشدّ،
هكذا لأردّ إليكم عاجلاً.
كيف تبدو الوحدة الداخليّة في هذا المقطع؟ نحسّ للوهلة الأولى أن القلب يمتلك وحده تماسكًا حقيقيًا: فيه يتكلّم الكاتب عن ذبيحة يسوع ويستخرج من هذا الكلام نتائج من أجل الحياة المسيحيّة (آ 10 - 14). وقبل هذا القلب وبعده، نجد المواضيع المتفرّقة: تذكّرُ القدماء، الايمان، التعاليم الجديدة، الطقوس الطعامية من جهة. ومن جهة ثانية، الحمد، الاحسان، الطاعة، طلب الصلاة. ولكن نظرة متفحّصة تفهمنا أن الكاتب جعل كل هذا في خطّ رسمه أمامه.
وننطلق من قلب النصّ (آ 10 - 14) حيث نجد اسم يسوع. تتقابل آ 11 مع آ 12 حسب تواز بسيط: 11أ: لأن الحيوانات التي يدخل الحبر المعبد بدمها، عن الخطيئة. تعاد في آ 12أ: لذلك، يسوع أيضًا، تألّم خارج الباب ليقدّس الشعب بدمه الخاص... نجد في هذه السطور مقابلة بين الحبر القديم ويسوع، بين دم الحيوانات ودم يسوع الخاص. وهناك علاقة على مستوى الألفاظ والأفكار بين ((في المعبد عن الخطيئة)) و((قدّس الشعب)). ثم إن آ 11 ب (تحرق أجسادها خارج المحلة) تعاد في آ 12ب: تألّم خارج الباب. وفي النهاية، يصبح التوازي متداورًا بين آ 11ب وآ 12ب: ((خارج)) هي في نهاية آ 11ب. فصارت في بداية آ 12 ب.
تلك هي النواة المركزية. هي تتميّز عن الباقي تمييزًا واضحًا. ولكنها لا تنفصل عنه، بل تبدو كشرح له (رج 13: 11 مع ((غار)) لأن) ومقدّمة لما يلي (13: ،13 من ثمّ، إذن). العلاقة وثيقة بين 13: 13 و13: 11 - 12. فإن آ 13 تستعيد تعبير آ 11ب (خارج المحلّة) الذي تحوّل في آ 12 ب فصار: خارج الباب. واستعاد الترتيب (فعل ثم مفعول) الذي عكسته آ 12ب. والعلاقة مع آ 12 بارزة بالاداة ((اذن)) وتسمية يسوع (إليه) والتذكير بما تألّم يسوع (آ 12): عاره (وآ 13). قال الكاتب إن المشاركة في ذبيحة يسوع (آ 12) تفرض على المسيحي أن يخرج من المحلّة (آ 13). فما معنى هذه العبارة الأخيرة داخل المقطع كله؟
إذ ترتبط آ 15 - 16 بقلب المقطع (آ 12) بإشارة جديدة إلى يسوع (نقرّب به)، فهما تعودان إلى آ 10 مع تقارب في الألفاظ. تحدّثت آ 10 عن المذبح والعبادة (الخدمة، الليتورجيا). وتحدّثت آ 15 - 16 عن تقريب الذبائح وعن إرضاء الله (نحن في إطار شعائر العبادة، رج 12: 28: لنعبد). فمن الواضح، في الحالين، أن الكاتب لا يهتمّ بأن يشجّع المؤمنين على تقديم العبادة، بل يشدّد على أفضل الطرق لتقديم العبادة. من هذا القبيل، لا تفترق آ 10 عمّا سبق. وترتبط آ 15 - 16 ببداية المقطع. فإن أوردت آ 10 فعل ((أكل))، فلأن آ 9 تحدّثت عن الأطعمة: هي مسألة ترتبط من جهة ارتباطًا مباشرًا بالايمان (ق 13: ،9 تعاليم و13: ،7 إيمان)، ومن جهة ثانية بالعبادة الحقّة. ولقد أوجز الكاتب موقفه بكل وضوح في آ 9: ما يجدر بنا، هو تقوية القلب بالنعمة، لا بالاطعمة. ذاك هو مفتاح المقطع كله.
أخذت آ 10 - 14 هذه العبارة فحاولت أن تبرّر وجهتها السلبيّة: لا بالأطعمة. شدّد الكاتب على انفصال بين المسيحيين والذين يخدمون المذبح (آ 10) حول الأطعمة. والسبب نجده في ذبيحة يسوع (آ 11 - 12) التي ينبغي على المسيحيين أن يشاركوا فيها (آ 10، 13). كما نجده أيضًا في غاية هذه الذبيحة التي تعطي المسيحيّين توجّهًا اسكاتولوجيًا (آ 14). عندئذ توسّعت آ 15 - 16 في الوجهة الايجابيّة للموقف المسيحيّ: تثبيت القلب بالنعمة (آ 9). فالعبادة الحقيقيّة تقوم في حمد الله (آ 15) وعيش المحبّة (آ 16). وبما أن النظرة الصحيحة للعبادة المسيحيّة جزء لا يتجزّأ من الايمان، نفهم أن يكون الكاتب قد بدأها بتذكير بالبشارة وبالذين قاموا بها (13: 5). يجب أن يبقى الانسان أمينًا ليسوع المسيح الذي لا يتبدّل. هذا من جهة. ومن جهة ثانية، بما أن العبادة الحقّة تقوم في عيش حياة مسيحيّة تتّسم بالسخاء داخل الجماعة (آ 16)، كان من الطبيعيّ أن ينتهي هذا التوسّع بنداء للخضوع تجاه المسؤولين الحاليين في الجماعة. هكذا دلّ الكاتب بشكل ضمنيّ أنه من ((المدبّرين))، فطلب لنفسه الصلاة من قرّائه.
هناك تفاصيل عن الوضع الذي تعرفه عب ما زلنا نجهلها. وهذا ما يحيّرنا في توسّع يبدو رغم كل شيء متماسكًا. من أجل هذا، نعود إلى نتيجة التحليل فيستنير بعضَ الشيء هذا القسمُ الأخير من الرسالة. نلاحظ أولاً أن قلب هذا المقطع (13: 12، ليقدّس) استعاد فكرة التقديس (أو القداسة) التي كانت هدف كلامه منذ الآية الأولى (12: 14). ونلاحظ أيضًا أن التوصية المعطاة في 13: 9 (تثبيت القلب بالنعمة، لا بالأطعمة، بروماسين) تشبه توصية البداية: لا نستعفي من نعة الله... مثل عيسو الذي بأكلة واحدة (بروسايوس، 12: 15 - 16). تعجّبنا حين رأينا الكاتب ينتقل بسرعة من تحريض عام إلى وضع عيسو الخاص ويتوقّف عند هذا الواقع. في 13: 9 يقدّم لنا مفتاح اللغز: منذ الآن كان الكاتب يتطلّع إلى مسألة الآطعمة. لهذا نظنّ أن ((جذر مرارة)) (12: 15) يهدّد النموّ في الجماعة، ويفسدها ويبلبلها. هو اجتياح هذه التعاليم المتنوّعة والغريبة (13: 9) التي تهتمّ اهتمامًا كبيرًا بالأطعمة، ولا تتوافق مع ايمان المرسلين الأولين (13: 7 - 8)، ولا مع قداسة يحملها المسيح (13: 12 - 13)، ولا مع خضوع للمدبّرين الحاليين في الكنيسة (13: 17). وبما أن هذه التعاليم ترتبط بالذين يخدمون الخيمة (13: 10، المسكن)، نفهم بسهولة أن يكون الكاتب ضمّ إلى خبر عيسو (12: 16 - 17) حدث سيناء (12: 918. فالمسيحي الذي يأخذ بمسألة ((الأطعمة)) ويقف مع أهل العهد القديم، يكون تابعًا مثَل عيسو الذي بأكلة باع امتيازاته كبكر تسجّل اسمه في السماء (12: 16 و12: 23).
عارض الكاتب هذا الانحراف بكلام عن العبادة الحقّة قرأناه في 12: 28، وجاء واضحًا في المقطع الأخير: ((لتكن لنا نعمة بها نعبد الله عبادة ترضيه)) (12: 29). إن عبارة ((لتكن لنا نعمة...)) (نتمسّك بالنعمة) تهيّئ: ((ثبّت القلب بالنعمة)) (13: 9). وعبارة ((نعبد الله عبادة ترضيه)) تجد صدى لها في ((الله يرتضي مثل هذه الذبائح)) (13: 16: اوارستوس واوارستايتاي). إن الذبائح المذكورة في 13: 15 - 16، فتقابل مفهومي ((النعمة)). (1) نشكر الله بالحمد (13: 15). (2) ننال حظوة لدى البشر بالمحبة (3: 16). كما تعارض (في بنية المقطع) ليتورجية الذين يخدمون الخيمة (13: 10). كل هذه نقاط تلاق تدعو القارئ لأن يفسّر المقطع الأول بالمقطع الثالث. والمقطع الثالث بالمقطع الأوّل.
وليس من قبيل الصدف أن يبدأ المقطع المركزي (3: 1 - 6) بتوصيات عن المحبّة تجاه الناس، وينتهي في نشيد ثقة بالربّ (13: 6). هو ثمر الشفاه التي تعترف باسمه (31: 5). وهكذا يدلّ هذا المقطع على وجهَتي العبادة المسيحيّة. وفي النهاية، نكتشف من خلال الاشارات الأدبيّة، على مستوى البنية، وحدةَ حقيقيّة في القسم الخامس: أراد الكاتب أن يؤكّد ضرورة التمييز بين نظرة صحيحة ونظرة خاطئة إلى الممارسة الروحيّة. النظرة الخاطئة تقف عند الكلمات والحركات الخارجيّة، فتتركّز على مسألة الأطعمة: هي تهدّد الايمان وتدمّر وحدة المسيحيين. أما النظرة الصحيحة فتتوخّى جعل الحياة كلها، في عمقها الشخصي وفي امتدادها الاجتماعي، في إطار النعمة.

4 - خاتمة الرسالة (13: 20 - 25)
نقرأ هنا نهاية الخطبة (آ 20 - 21)، ثم السلامات والاخبار (آ 22 - 25).

أ - نهاية الخطبة (آ 20 - 21)
تبدأ الجملة بدعاء، وتتواصل بتمنّ، وتنتهي بمجدلة. إنها في الواقع نهاية الخطبة أو نهاية العظة. أما ما تبقّى، أي آ 22 - 25، فيعطي عب طابع الرسالة.
13: 20 وإله السلام
الذي بعث من بين الأموات
راعي الخراف، العظيم
بدم عهد أبديّ،
ربنا يسوع
13: 21 يؤتيكم في كل عمل صالح
أن تتمّوا مشيئته
مُجريًا فينا ما حسن لديه
بيسوع المسيح
الذي له المجد إلى دهر الدهور. آمين.
جملة ذات طابع احتفاليّ. تنتهي آ 20 بـ ((ربنا يسوع)) وآ 21 بـ ((يسوع المسيح)). الأولى تحدّثت عن عمل الله الذي سبق وتحقّق في ربنا. والثانية عن عمل الله الذي سيتحقّق في المسيحيين. هما حركتان يحيط بهما دعاء في البداية (إله السلام) ومجدلة في النهاية (اله المجد). نستطيع أن نحسب معترضة كبيرة ما يبدأ مع ((الذي بعث...))، وينتهي مع ((يسوع المسيح)). عندئذ يتوجّه ((المجد)) إلى ((إله السلام)). تلك نظرة. وهناك نظرة أخرى تجعل علامة القطع قبل ((بيسوع المسيح)) في آ 21، فنصل إلى قسمة مثلّثة في شكل متداور: إن التمنّي المركزي الذي يعني المسيحيين يسبقه اسم يسوع ويتبعه اسم يسوع.
(أ) ليؤتيكم كل عمل صالح
(ب) لتتمّوا مشيئته
(أأ) مجريًا فينا ما حسن لديه.
جاءت عبارة ((أتمّ مشيئته)) بين عبارتين متقاربتين فكوّنت قلب الخاتمة. أما المجدلة فترتبط باسم يسوع المسيح. نحن أمام موقفين ممكنين. وسنختار الثاني في معرض الشرح.
ويُطرح سؤال آخر حول العلاقات بين هذه الجملة الطويلة (13: 20 - 21) وجسم الرسالة. للوهلة الأولى نجد فرقًا. هناك الطابع المختلف. وهناك عبارة تستلهم أش 63: 11: ((الذي بعث (أصعد) من بين الأموات راعي الخراف)). غير أننا نلاحظ سمات أخرى بها ترتبط هذه الجملة، بالقسم الخامس، وبالتالي بمجمل الرسالة. (1) الاشارة إلى السلام يذكّرنا ببداية القسم تضمينًا مع 12: 14. ونقول الشيء عينه عن ((الربّ)). (2) أن يتمنّى الكاتب تحقيق ما يرضي (اوارستون) الله، يقابل الاهتمام المركزيّ في القسم الخامس الذي عبّر عنه بضمير (12: 28، اوارستوس، بطريقة ترضيه) وبفعل (13: 16، اوارستايتاي، يرتضي). أما هنا فيبدو الاهتمام في وجه جديد: الله هو الذي يحقّق رضاه (ما حسن لديه) في المسيحيين. (3) إن عبارة ((تتمّوا مشيئته)) تستعيد 10: 36 الذي أمّن الانتقال من القسم الثالث إلى القسمين الأخيرين، فأسّس متطلّبات الحياة المسيحيّة على الكرستولوجيا، على يسوع المسيح (10: 7 ،9 ،10). (4) ويعود بنا ((دم العهد)) أيضًا إلى القسم الخامس (العهد والدم في 12: 24؛ الدم في 13: 11 - 12)، وبه إلى القسم الثالث (دم العهد في 10: 29 و 9: 20) الذي أضاف صفة ((أبدي)) فأعطى تحديدًا نهائيًا وحاسمًا. وهكذا تبدو آ 20 - 21 خاتمة خطبة (أو عظة) قسمناها خمسة أقسام.

ب - سلامات وأخبار (آ 22 - 25)
بعد ((أمين)) الذي ينهي الخطبة، تتبدّل اللهجة تبدّلاً كليًا. ننتقل من الاسلوب الخطابي الاحتفالي إلى بساطة الاسلوب الرسائلي.
13: 22 وأسألكم، أيها الإخوة، أن تقبلوا كلام الموعظة هذا،
إذ أرسلت إليكم بإيجاز.
13: 23 واعلموا أن تيموتاوس أخانا قد أطلق. فإن جاء سريعًا (بعجل)، جئت معه لأراكم.
13: 24 سلّموا على جميع مدبّريكم وعلى القديسين جميعًا.
يسلّم عليكم الذين من ايطالية.
13: 25 النعمة معكم أجمعين.
نقرّب هذه الآيات الأربع من آية تسبق مباشرة خاتمة الرسالة (13: 20 - 25). هي آ 19 التي أوردناها في نهاية القسم الخامس: ((وأطلب إليكم في إلحاح أشدَّ (صلّوا، رج آ 18) لأردّ إليكم عاجلاً)). وُضعت آ 19 قرب آ 22 - 25 لتبرر العلاقات بينهما: استعمال المتكلّم المفرد (أطلب أن... أسألكم أنا). أطلب أو أسأل (باراكالو) في آ 19 وآ 22. عاجلاً في آ 19 و آ 23. ثم إن آ 19 و آ22 - 23 تبدو وكأنها لا ترتبط بمجمل الخطبة. ولكن تبقى بعض العلاقة. فالطلب في آ 19 يعود إلى طلب آ 18 الذي هو طلب من الجماعة حتّى تصلّي. ثم إن آ 24 تذكر المدبّرين كما في آ 7 و17. وتشير آ 22 بوضوح إلى كلام الموعظة.
ولكن يبقى أن الخطبة تامة بدون هذه الآيات (آ 19، 22 - 25) التي ظلّت مستقلة عنها. إن آ 19 تختلف عن آ 18 في تبدّل غير منتظر: استعملت آ 18 صيغة المتكلّم الجمع (نثق، نحن، أن لنا ضميرًا صالحًا). وآ 19، المتكلّم المفرد (اسأل بأن أردّ). غير أن هناك من قال بأن الانتقال من المتكلّم المفرد إلى المتكلّم الجمع أمر معروف في الرسائل البولسيّة (2 كور 8: 1، 3). ولكن عب لم تتبع بولس في هذا المجال. فنحن لا نجد مثلاً آخر في عب، ننتقل فيه من صيغة إلى صيغة. فكاتب عب حين يستعمل المتكلّم، هو يستعمل المتكلّم الجمع فيجعل نفسه مع القرّاء.
وهكذا نكون في عب أمام فنين أدبيين. الأول، هو كلام الموعظة (آ 22) والارشاد (رج أع 13: 15). والثاني، هو بطاقة قصيرة. أما الفعل ((أبوستالو)) فيعني أرسل، لا كتب. إذ أراد ((المدبّر)) أن يرسل العظة، كتب بضعة أسطر ترافقها.
الفصل السابع والثلاثون

عاقبة الكفر بنعمة الله
12: 14 - 29

نبدأ هنا دراسة القسم الأخير (12: 14 - 13: 18) من الرسالة إلى العبرانيين. وقد جاء في ثلاثة مقاطع ستكون فصولاً ثلاثة يتبعها فصل رابع هو خاتمة الرسالة (13: 19 - 25). عنوان الفصل الأول (12: 14 - 29)، عاقبة الكفر بنعمة الله. هو موضوع دراستنا الآن. ويليه فصل ثان عنوانه: توصيات في الحياة المسيحية (13: 1 - 6). والفصل الثالث (13: 7 - 17) يكون: الأمانة للتعليم.
إن الخوف من العقوبة يفعل كما يفعل الأمل بالمجازاة لكي يحرّك النفوس المتراخية. في هذا المنظار (رج 6: 4 - 8) يحّث الواعظ سامعيه على الطاعة لكلمة الله، على الأمانة للتعليم، على طلب القداسة، لئلاّ يصيبهم غضبُ الله الذي هو نار محرقة. هذا ما نقرأه في هذا الفصل الطويل مع ثلاث نقاط: انحدار عيسو (12: 14 - 17). من سيناء إلى السماء (آ 18 - 24). الطاعة المطلوبة (آ 25 - 29).

1 - تفسير الآيات
جعل الكاتب قرّاءه في إطار نهاية العالم والدينونة الآتية لا محالة. دعاهم إلى السلام والقداسة، وحذّرهم من الاستخفاف بنداء الربّ الأخير. وبدأ فرسم أمامهم وجه عيسو الذي هُيّئت له البركة ((فباعها)). فلم يبقَ له سوى الدموع.

أ - انحدار عيسو (12: 14 - 17)
بعد مقدّمة، تحذّر الرسالةُ المؤمنين من السقوط، من الاقتداء بعيسو: استُبعد من البركة، والمصير نفسه ينتظرنا.
أولاً: السلام والقداسة (آ 14)
استعادت آ 14 لفظتين من 12: 10 - 11 ايريني (السلام) هاغياسموس (القداسة). تلك هي الحياة المسيحيّة التي نُدعى إليها كي نعاين الربّ: سلام مع الإخوة. علاقة مع الله. إن أحد الظروف التي فيها يصل المؤمن إلى الجحود، هو غياب المحبّة الأخويّة التي تواجه المسيحيّ الضعيف (آ 13) في الجماعة. وما يقوّي الثبات في الايمان والوحدة بين الجميع هو السلام. قال يع 3: 18: ((ثمرة البر تُزرع في السلام بيد فاعلي السلام)). لهذا يُفرض على المؤمن، لا أن يعيش في سلام فيبتعد عن الخلافات وحسب، بل أن يعمل أيضًا بكل قواه من أجل السلام. ((ديوكاتي))، لاحق، اقتفى طريق السلام رج مز 34: 15؛ روم 12: 18؛ 1بط 3: 11. في هذا قال يسوع: طوبى لفاعلي السلام، طوبى للعاملين من أجل السلام. وبشكل خاص مع الذين يقاوموننا (من سخّرك ميلاً فامش معه ميلين، من طلب ثوبك فخلّ له الرداء أيضًا)، مع الفاترين والمتراخين. ارتبط طلبُ السلام بالقداسة، فكان هذا الطلب أقرب الطرق إلى القداسة في خط يسوع الذي كان سلامنا كما قال بولس الرسول في أف 2: 14.
القداسة (هاغياسموس، لا نجدها في اليوناني العادي) تميّز المسيحي وتقابل الخلاص (2 مك 2: 17). هي موضوع مشيئة الله (1تس 4: 7،3) وتترافق مع المحبّة (اتم 2: 15) والطهارة (10: 10). القداسة تدلّ على أننا مكرّسون لله، أننا لا نخصّ بعد أنفسنا، فلا يحقّ لنا والحالة هذه أن نساوم على مستوى المثال المسيحيّ. لهذا بدت القداسة ثمرة البرّ (آ 11؛ روم 6: 19)، وظهرت في خدمة الله التي اسمها في عب ليتورجيا وعبادة بها نُرضي الله في ورع وتقوى (آ 29). بدون هذه القداسة التي نحقّقها في صدق، ونحمل ثمارًا، لا نستطيع أن نصل إلى هدف حياتنا السامي الذي هو معاينة (اوراوو) الله (تيون، رج 11: 27). لن ينعم الخطأة بهذ النعمة الفريدة (1 يو3: 6؛ 3يو 11). إنها محفوظة للنقيّة قلوبهم (مت 5: 8)، لأولئك الذين عاشوا الأمانة حتى المنتهى (1 يو 3: 2).
ثانيًا: حذر مرارة (آ 15)
في صراع الكنيسة من أجل ملء إيمانها وطلبها للقداسة، يعتبر كل مسيحيّ نفسه حارسًا لإخوته (10: 24 - 25). لهذا، يتصرّف معهم وكأنه مسؤول عنهم (سي 17: 14؛ رو؛ 13: 8 - 10). ((ابيسكوبيو))، حرص، ساهم (مراحدة في العهد الجديد. نقرأه في الرسائل العادية). جعله الله قرب الضعاف في صحّتهم، كما قال الذهبي الفم. هو يسهر على نموّهم الروحي: لم يكونوا أمناء للنعمة فسقطوا. فسدوا فأفسدوا. واخيرًا صارت خطيئتهم بلا غفران.
ثلاث مرات ترد ((مي تيس)) لئلاً. وهي ترتبط بفعل ((حرص)).
إحرصوا لئلا يضيع أحدهم النعمة أو يحرم نفسه منها. ((هستاريو (4: 1؛ 11: 37، صيغة اسم الفاعل). رج 3: 23. في 1 كور 1: 7 نعرف أن الكورنثييّن الذين كانوا أغنياء في المسيح ، لم يعوزهم شيء من المواهب. ((خاريس)) هنا قد تشير إلى عطايا الله، إلى عون روحيّ ضروري لحياة أمينة وحارّة، من أجل المشاركة في جماعات العبادة (آ 28؛ 10: 25) والتعليم الديني. ولكن السياق بما فيه من كلام قاس، يدعونا لأن نفهم ((خاريس)) في معنى حظوة، رضى الله المجاني. أول شرّ يشجبه الكاتب هو شرّ يهود اهتدوا، دُعوا إلى الخلاص، تنقّوا من خطيتهم. وها هم الآن يتراجعون (يعزلون نفوسهم) عن ((روح النعمة)) (10: 29). كانوا قد ساروا وراء القائد (ارخيغوس)، وها هم الآن يعودون أدراجهم. من تهرّب من النعمة، ترك المسيح وتنكّر للانجيل (آ 25). مثل هذا الأخ الاعرج (12: 13) الذي يندفع إلى ترك الايمان (تث 29: 7)، نذهب إلى مساعدته (ابيسكوبيا يحمل أيضًا هذا المعنى). قال الذهبي الفم: كما في القافلة نطلب ونسند المسافر الذي تعب وصار في المؤخّرة.
من جهة، يتجنّبون البلبلة في الجماعة (إنوخليو، لو 6: 18، عمل الأرواح النجسة)، ويغطون الشك الذي مثّله أخٌ سقط. ومن جهة ثانية، نوقف عدوى الحجود قبل أن يمتدّ وينجّس عددًا من المسيحيين (مياينو، أفسد، تي 1: 15، بالنسبة إلى الهراطقة). جاءت الاستعارة من تث 29: 17 (عرق يثمر مرارة ولعنة) حسب السبعينية. في النص الماسوري، يُشبَّه الاسرائيليّ العائد إلى عبادة الأصنام بجذر يُنبت السمّ والمرارة اللذين يدلاّن على نتائج الخطيئة الوخيمة. يشير النصّ هنا إلى يهود اهتدوا ثم عادوا إلى المجمع (10: 29 - 31). ((بيكرياس)) (مضاف إليه)، مرارة. تدّل على خطأة معلنين تحدّوا كل شيء فاجتذبوا إخوتهم إلى الجحود (1 مك 1: 10)، على مثال شجرة تسمّم الناس. ((أنو فووسا)) تنمو وترتفع (اسم فاعل. ما زالت حتّى اليوم). هذا ما يدلّ على حيويّة هذا الجذر الذي ينمو شيئًا فشيئًا ولا يتوقّف (لو 8: 6 ،8). قوّة الجاحدين تظهر وتفعل تدريجيًا في الكنيسة.
ثالثًا: فاجر ومبتذل كعيسو (آ 16)
انتبهوا من السقوط والانحطاط. لا تقتدوا بعيسو. بعد ((مي تيس)) (لئلا، أن لا يحرم) أول، و((مي تيس)) ثان (أن لا يثبت). في آ 15، نصل إلى ((مي تيس)) ثالث: أن لا يكون فاجر. نحن أمام نجاسة وزنى في جماعة المسيحيّين المكرّسين لله. إحرصوا (ابيسكوبيو) أن لا يُحرم أحد من نعمة الله. 
إحرصوا أن لا ينبت جذر مرارة. والآن إحرصوا أن لا يكون فاجر أو زان. كانت تلك الخطيئة متواترة بين المهتدين الجدد (13: 4؛ 1 كور 5: 9 - 11؛ 6: 13ي؛ أف 5: 3 - 5؛ 1 تم 1: 10). لهذا ندّد بها الكاتب. وقد تُذكر مع عبادة الأوثان (عد 14: 33؛ حز 23: 1 ي؛ يو 8: 41؛ 1 كور 6: 9؛ رؤ 2: 14؛ 17: 1ي؛ 21: 8؛ 22: 15). وهذا هو الوضع الآن مع الكلام عن الحجود. ((بورنوس)) (زان ) ((بابيلوس)) (فاسق، منجّس). رأى فيلون في عيسو رجلاً فاجرًا (الفضائل 208). وقال التقليد الرابيني إنه قضى الأربعين سنة الأولى من عمره وهو يلاحق النساء، وينجّسهن (تك ربا حول تك 26: 34). ويوم باع حقّ بكوريّته، تجامع مع فتاة مخطوبة، كما قال رابي يوحانان في بابا بترا 6 ب. ودعا أخاه لكي يشاركه في فجوره (يوبيلات 25: 8 - 8). وصيته كزان جاءه من زواجه ببنات حث (تك 26: 34 - 35؛ 27: 46). والزواج من امرأة وثنيّة (يتجاوز ما تحرّمه شريعة موسى، لا 18) يُعتبر زنى (بورنايا، أع 15: 20؛ 2: 21: 25). وهكذا تلمّح عب إلى هذا الزواج من غير المؤمنات، الذي اعتبر زنى وفجورًا. قال تيودوريتس: بورنايا (الزنى) لأنه ((بارانوموس)) (تجاوز للشريعة). وكانت مقابلة بين ((بورني)) (الزنى) و ((برنيمي)) (باع) فالمرأة الزانية تبيع جسدها. وهذا ما فعله عيسو: باع نفسه وتنجّس حين تخلّى عن حقّ البكوريّْة. نجّس هذا الامتياز المقدّس، احتقره (تك 25: 34؛ إفاوليسن). ((بروتوتوكيا)) (بكريّة). جعلته الوارث الأول للمواعيد المسيحانية. ولكنه حرم نفسه منها (والمسيحيون أيضًا!).
هذا الانتحار ((الروحي)) وضعٌ يقدَّم للمسيحيين الذين اضطهدوا ويئسوا، فتخلّوا عن بنوّتهم، وعن المواهب الروحية التي يتضمّنها هذ الحقّ الالهي (آ 5 - 14). فضَّلوا راحتهم الحاضرة على بركات حُفظت لهم في المستقبل. فالجاحد الذي يترك الاله الحي (3: 12) ويخسر النعمة (آ 14) ليتعلّق بعالم خاطئ، ويتنازل عن القداسة (آ 14) يمسّ المقدّسات. إنه ((بابيلوس))، مبتذل. هذا ما فعله عيسو، لا تجاه خيرات كثيرة، بل تجاه أكلة (بروسايوس، لا ترد إلاّ هنا في عب) واحدة. بروسيس: طعام مادي (روم 14: 17). رج ((بروما)) (9: 10؛ 13: 9).
رابعًا: رُذل وخاب (آ 17)
تتألّف هذه الآية من جملتين مميّزتين. الأولى توجز تك 27: 30 - 40 (استي، تعلمون في صيغة الحاضر، لا في صيغة الأمر): رفض اسحاق أن يستعيد بركة احتال يعقوب وأخذها، ويعطيها لعيسو. الثانية تشرح الطابع النهائي وهذا الرذل والاستبعاد . ((ابودوكيمازو))، رذل بعد امتحان، استبعد مرشحًا لوظيفة، أعلن شخصًا غير أهل لمهمة، جعله في سلّة النفايات. رج إر 6: 30؛ لو 9: 22. يتضمّن هذا الفعل فكرتين: من جهة، طالب عيسو أباه بأن يغيّر رأيه. ومن جهة ثانية جاء طلبه باطلاً. هناك من ربط الضمير ((أوتين)) (التمسها، طلبها) مع ((اولوغيا)) (البركة). ولكن من الأفضل أن يُربط مع ((ميتانويا)) (التوبة). وهكذا نكون في تقابل تام بين طلب ووجد (تث 4: 29؛ يش 2: 22؛ 2 أخ 15: 2؛ هو 5: 6). ونفهم ((رذل)) مع ((غار)) لأن هذا يعني أن عيسو لم يستطع شيئًا تجاه قرار أبيه، مع أنه التمس ما التمس بالدموع.
هذا رأي. ولكن هناك رأيًا آخر يعود إلى الذهبيّ الفم (والعدد الكبير من الشرّاح) فيعطي ((ماتانويا)) لا المعنى الدنيوي: بدّل رأيه أو عاطفته (كما في فيلون ويوسيفوس)، بل المعنى الديني: التوبة، الارتداد عن الخطيئة (6: 6). ليس اسحاق هو الذي بدّل رأيه. بل عيسو الذي أراد أن يتوب، فلم يجد سبيلاً للتوبة. هذا يعني الدمار الكبير الذي حلّ به، فشابه يهوذا الذي باع ربّه. إذن، ليفكّر المسيحيّون الذين سقطوا. تخلّوا عن كرامتهم كأبناء، وسيأتي يوم لن يستطيعوا فيه العودة إلى البيت الأبوي. في هذا قال الذهبي الفم: ((حقّ البكورية يخصّنا وما عاد يخصّ اليهود... فلا نسقط سقوطًا لا شفاء منه. فما زلنا على مستوى العرج. نستطيع أن ننهض، ولكن إذا ملنا بكليتنا، فماذا نقدر بعدُ أن نعمل))؟
ب - من سيناء إلى السماء (12: 18 - 24)
كان عيسو مميّزًا بحقّ البكورية. ولكنه خسره وما استطاع استعادته. فالسقوط في هوّة سحيقة يجعل النهوض صعبًا، وبعض المرّات مستحيلاً، مهما كانت رحمة الرب واسعة. هذا ما يجب على المسيحيين أن يفهموه : إن اقتدوا بعيسو، انحطوا واستُبعدوا عن بركات قدّمها لهم الحبر الامين الرحيم. أجل يريد هؤلاء المسيحيون أن يعودوا إلى خبرة سيناء بعد أن وصلوا إلى يسوع، وسيط العهد الجديد. فليحذروا.
أولاً: ظهور مخيف (آ 18 - 21)
ورد خبر عيسو كمثَل، وبشكل معترضة (آ 15 - 17). ثم عاد الكاتب إلى ضرورة الثبات (آ 12 - 13)، إلى طلب القداسة (آ14). نقابل بين وضع بني اسرائيل أمام وحي الله على جبل سيناء، مع ما في هذا الظهور من رهبة وخوف (آ18 - 21)، ووضع المسيحيين الذين يعيشون في الكنيسة ويتطلّعون إلى السماء (آ 22 - 24). بما أنهم قريبون من الله (بروسارخوماي، رج 4: 16؛ تث 4: 11)، وقد نالوا نعمًا كبيرة، فهم مدعوّون إلى أمانة أكبر (آ 25ي).
الموضوع هو الجبل. بين سيناء وصهيون. فالجبل هو موضع لقاء السماء بالأرض. هناك جرزيم، الكرمل، تابور، حرمون، موريا. أما العبادة في اسرائيل فتركزّت حول جبل الهيكل، صهيون. هناك يقيم الرب. وهناك ينصّب مسيحه ملكًا (مز 2: 6). وكل أحداث الأزمنة المسيحانيّة تتمّ على الجبل (أش 2: 2). وفي العالم الرابينيّ، سيناء هو النموذج الأول لجبل الخلاص النهائيّ (8: 5؛ غل 4: 24 - 25). المسيح ينزل من جبل (4 عز6: 35). وفي العالم الآتي يقيم الأبرار على جبل هو في الوقت عينه جبل المعبد وجبل الفردوس. استنار الكاتب بهذه النظرة العباديّة والاسكاتولوجيّة (رج بروساليليتاتي اوراي: دنوتم إلى جبل، آ 22؛ رج رؤ 14: 1؛ 21: 10). ولكن بما أن صهيون وحدها هي مركز الحياة الدينيّة والموضع السماوي، لم يُذكر جبل سيناء الذي كان عنها صورة مسبقة. فهذا الالغاء رمز إلى الغاء التدبير القديم والطقوس السينائية.
إن وصف ظروف وحي العهد (دياتيكي) قد أخذ من خر 19: 12 - 9؛ تث 4: 11 - 14؛ 5: 22 - 30. أولاً الظواهر المخيفة، وعددها سبع. اللفظة الأولى ((بسيلافاوو، رج بسيلافيتوس في خر 10: 21. يدل على الطابع الماديّ والحسيّ للعهد القديم، فيقابل بين سيناء وصهيون السماوية (آ 22). في بعض الوقت، كان الجبل يشبه مشاعل يرتفع لهيبها حتى أعماق السماء (خر 20: 18؛ تث 4: 11، 12؛ أخنوخ 18: 6؛ 24: 1). وعن الدخان الكثيف الظلمة التي تخفي شخص الله، رج تث 5: 22 - 23. ((تيالا)) (تث 4: 11) تضم الريح العاصفة ولمعان البرق. وهناك الضجيج الذي يصمّ الآذان كأننا أمام بركان يغلي. وجاءت معجزة غير معهودة فحرّكت الخوف: امتزج بصوت الرعد أصوات بوق (خر 19: 16؛ 20: 18) تُعلن للكون مدلول الحدث، أو حضور الملك كما في المجيء (باروسيا). كان الرب يتكلّم من وسط النار فيُسمع صوت كلماته ولكنه لا يُرى (تث 4: 12، ق و ل، ر ج مز 29).
كانت ردّة فعل الحاضرين الخوف، وذلك عند التلفّظ بالكلمات. بروستيتيمي: يقال عن الكلام. هو صوت الله الذي يرعب أكثر من جميع الظواهر الكونيّة. ما كان بمقدور بني اسرائيل أن يسمعوه دون أن يموتوا. لهذا، طلبوا من موسى أن يكون هو صدى لصوت الرب (خر 20: 19؛ تث 5: 27 – 29). وكان تأثير الله كبيرًا بقدرته، بل بمضمون فرائضه. نقرأ دياستالو (رج أع 15: 24؛ مر 5: 43؛ 7: 36؛ 8: 15؛ 9: 9) الذي يعني ميّز، فصل ثم فرض، أوصى، أمر. رج لا 10: 10؛ 11: 47. هذا المناخ الالهي برعبه المقدس، أبرزه موسى حين منع الاقتراب من الجبل تحت طائلة الموت، وذلك ثلاثة أيام قبل أن يتجلّى الربّ. وهكذا صار الجبلُ مقدسًا بحيث لو صعدت بهيمة تُرجم دون أن تلمسها يد (خر 19: 10 – 13). عبّر النصّ عن هذه الرعدة بـ ((أوك إفارون)) (لم يطيقوا)، رج روم 9: 22. ولكن عب فسرّت هذه العبارة بأنها رفض للوحي الالهيّ. هنا نقرأ ((بارايتيوماي)) (آ 19): رفض، رذل (1تم 4: 7؛ 5: 11؛ تي 3: 11؛ 2 تم 2: 23). رج آ 18: لم تدنوا.
ونصل إلى آ 21. كان المشهد مريعًا بحيث إن موسى نفسه، صديق الله ونديمه، ارتعب وصرخ من الخوف،. في الواقع، هذا ما لا نجده في العهد القديم. خاف الوسيط (تث 9: 19؛ أنا خائف) لأنه واجه غضب الله ضدّ عبادة العجل الذهبيّ، لا يسبب ((المنظر)) (فنتازومانون). لفظة واحدة في العهد الجديد. رج حك 6: 16. نحن أمام خبر تقليدي أشار إليه اسطفانس حين تحدّث عن خوف موسى لما سمع صوت الرب أمام العليّقة الملهّبة (أع 7: 32). كل هذا يعود إلى خر 3: 6: أخفى موسى وجهه لأنه خاف أن ينظر الله.
ثانيًا: جماعة السماء (آ 22 – 24)
* جبل صهيون ومدينة الله (آ 22)
لقاءان لله مع البشر المدعوّين ليكونوا شعبه. ولكنهما يتميّزان بتعارضهما. حصل الأول في قلب عناصر ملتهبة مدمِّرة، فحرّك الرعب بحيث إن بني إسرائيل حاولوا التهربّ من هذا الوحي. والثاني حصل أيضًا على جبل، ولكن في إطار سلام (آ 11، 14). هو لقاء روحي سماوي. فالمسيحيون يلتقون، بالايمان، الله، المسيح، الملائكة، وينالون الخلاص والحياة الأبديّة. إنهم يبشّرون بالسماء خلال حياتهم على الأرض. وجاءت اللوحة التي رسمتها عب حماسيّة، فتوخّت أن تُنعش إيمان وتقوى هؤلاء المهتدين الذين لم يعوا كل الوعي الامتيازات التي نالوها في الكنيسة، فراموا العودة إلى المجمع وإلى والممارسات اليهوديّة.
أول تعارض بين العهدين يأتي من الموضع الذي أعلنا فيه. جبل صهيون كموضع عبادة (رج 1 مك 4: 37 ،46، 60؛ 6: 48، 62 حيث جبل صهيون يدلّ على جبل الهيكل، على الهيكل) يقابل جبل سيناء (غل 4: 24 - 21؛ يوبيلات 4: 26؛ 8: 19). هو مسكن الله على الأرض ومعبده المقدّس (أش 8: 18؛ حز 40: 2ي؛ يو 3: 5؛ مز 50: 2). هناك يتجلّى مسيحه. ومن هذا الجبل يشعّ مجدُ الله على العالم. من هذا القبيل صارت صهيون المقدسة مدينة الله الحي، وسكنى إله الحياة. وهي أيضًا المدينة ذات الأسس (لها أساسات متينة فلا تتزعزع، 11: 10، 16) التي صبا إليها ابراهيم والآباء. إذن هي أرضّية وسماويّة معا. هي أورشليم الدنيا وأورشليم العليا (غل 4: 26). والواحدة نموذج الأخرى (8: 2، 5). اسم اورشليم يدلّ على الطمأنينة: وهي خيمة لا ُتنقل من مكانها، ((أوتادها لا تقلع إلى الأبد، وحبل من حبالها لا ينقطع)) (أش 33: 20). كما تدلّ على السلام الذي هو ملء بركات الله، لا غياب الحرب فقط.
ثلاثة أسماء لمدينة الله، وثلاثة أسماء لسكّانها الاولين، الملائكة. هم يعيشون العيد حول الله الحيّ. ((بانيغيريس)) (مراحدة في العهد الجديد) تعني في السبعينية (س و ع د)، تجمّع كل الشعب للاحتفال بعيد كبير مثل الفطير أو المظال (عا 5: 21؛ هو 10: 5؛ حز 46: 11). تشير اللفظة إلى النصر والغبطة (هو 2: 13). هي حفلة عيد.
* جماعة الأبكار (آ 23)
الأبكار (بروتوتوكون) هم المكرّسون لله وأول الناعمين بسعادته. في العهد القديم، كان الأبناء المكرّسون للرب يُجعلون في سجلّ، تُكتب أسماؤهم (عد 3: 40ي). رج ((أبوغرافو)) (لو 2: 1 ،3، 5؛ 10: 20) وتدوين أسماء أهل المدينة في العالم اليوناني والروماني. صيغة الكامل تدلّ على أن هذه الاسماء كُتبت وما زالت مكتوبة.
اعتبر البعض أن الآبكار هم الملائكة لأنهم أول خلائق الله. سبقوا المسيحيين في الكنيسة الظافرة (السماء). ذاك كان موقف الآباء اليونان. ولكن يبدو أنه يجب أن نفكّر بالبشر حسب الكتاب المقدس. رج خر 32: 32 - 33؛ مز 69: 29؛ أش 4: 3؛ دال 12: 1؛ لو 10: 20؛ فل 3: 20؛ رؤ 3: 5؛ 13: 8؛ 17: 8. هم أولاً الآباء والاتقياء في العهد القديم (ف 11). ثم شهود الايمان الأولون، وقد قال فيهم سفر الرؤيا: ((هم من كل أمّة وكل قبيلة وكل شعب وكل لسان)) (7: 9). هم ((جمع كثير لا يستطيع أحد أن يحصيه)). إلى هؤلاء ينضمّ قرّاء عب إن ظلّوا أمناء، وإلاّ خسروا هذا الامتياز العظيم.
في قلب هذا البلاط السماوي يقف الله. هو الديّان، ديّان الجميع. إن لفظة ((كريتيس)) تقابل ((ميستابودوتيس)) في 11: 6 (رج أع 10: 42) فتجعلنا في إطار نهاية الأزمنة (2 تم 4: 8). فحين ينتصب الله كالديّان، يحيط به الملائكة (مت 24: 30؛ 25: 1). هذه الإشارة إلى الديّان السامي الذي يجازي ويعاقب (10: 30؛ أخنوخ 41: 9) تهيّئ الطريق للارشاد (في آ 25 ي). غير أن هناك خطًا تفسيريًا آخر يعود بكلمة ((كريتيس)) إلى العالم العبري ((ش ف ط)). القاضي هو الذي يقضي في الناس ويهتمّ بأمورهم. هو حاكم المدينة فيقابل ((ديناستيس)) (1تم 6: 15). هذا القاضي، مهما كان عادلاً، هو أبو اليتامى ومعين الأرامل (مز 68: 6)، ويقول فيه أش30: 18: ((ينتظر (الوقت)، يتحيّن الفرصة، ليتحنّن عليكم وينهص ليرحمكم، لأنه إله عادل. هنيئًا لجميع الذين يرجونه)).
حين يبلغ المسيحيون أورشليم السماويّة، يجدون هناك قرب الله أبرار العهد القديم والعهد الجديد. يتحدّث الكتاب عن الانفس البارة (2 بط 2: 8؛ رج عد 23: 10؛ حك 3: 1؛ دا 3: 86؛ 4 عز الا 11: 3؛ رؤيا باروك السريانية 20: 1 ي). ((بنفماتا))، أرواح. ارتدت مجد الله. وصلت إلى الهدف، إلى الكمال. لهذا كان الفعل في صيغة الكامل فدلّ على وضع نهائي وثابت.
* يسوع وسيط العهد (آ 24).
بدأ وصف أورشليم السماوية مع ((بروساليليتاتي)) (دنوتم، آ 22)، وها هو ينتهي مع رؤية المسيح مكمّل الايمان (آ 2) والقائد (ارخيغوس) الذي كان أول الداخلين إلى مدينة السعادة فاتحًا الطريق لأخصّائه. وهم سيجدون رئيسهم في بشريّته المجيدة. ولكن الكاتب يذهب أبعد من ذلك، فيتطلّع إلى كل عمل المسيح الكهنوتي الذي يفتح السماء للبشر (7: 10). هو كوسيط (ماسيتيس) عهد (دياتيكي) يقابل موسى المرتعب أمام الله (آ 12). ترك الكاتب ((كايني)) 8: 8، 13؛9: 15) وأخذ ((نيا)) ليدلّ على ميزة كل عهد (بالايا، 2 كور 3: 14). العهد القديم ألغي. أما الجديد فيدوم مدى الدهر (أيونوس 13: 20).
لن يدخل إلى مدينة الله سوى الذين اقتربوا من يسوع (الذي هو أخوهم)، من دمه المطهّر الذي هو أفضل من دم الذبائح التكفيرية الذي كان يرش، فيما يرش، في يوم كيبور (رانتيسموس، رج 9: 13 ،19، 21؛ 10: 22؛ 1بط 1: 22). وإنّ تقريب الدم من العهد يقودنا إلى خر 24 حين قرأ موسى كتاب العهد ورشّ الشعب: هذا هو دم العهد الذي قطعه الله معكم.
الدم يتكلّم. ذاك كان الوضع منذ قتل قايين هابيل (تك 4: 10). في هذا المعنى، قال أخنوخ ان دم الابرار (ونموذجهم هابيل) يرفع الصوت إلى السماء مشتكيًا على نسل الأشرار. رج 11: 4. في 2 مك 8: 2 - 4 نسمع صوت الشهداء يصرخ طالبًا الانتقام الذي هو في الواقع عدالة الله. ودم المسيح يفعل أكثر من دم هابيل في خطّ هذه العدالة. فالله هو الديّان (كريتيس، آ 23). ولكن دم الشهداء هو أيضًا دم تكفير وتشفّع (4 مك 6: 28؛ 17: 21ي). وهنا تأتي المقابلة: دم هابيل طلب تدخّل العدالة الالهيّة فأغلق باب السماء على الخطأة. أما يسوع فيفتح باب أورشليم السماوية أمامهم. صوتُ يسوع أقوى من صوت هابيل، وهو يبلغ مبتغاه. لكنه يطلب شيئًا آخر: يطلب الغفران لا الانتقام. هنا نتذكّر صلاة الشهداء في سفر الرؤيا (6: 10): ((حتّى متى أيها السيّد القدوس والحقّ...))؟

ج - الطاعة المطلوبة (12: 25 - 29)
حين نقترب من الله، تُكبر مسؤولياتنا. هذا هو وضع أبناء العهد الجديد: تُطلب منهم طاعة أكبر من طاعة أبناء العهد القديم. ما جاءهم رسول من الأرض، بل من السماء. ليخشوا ما تزلزلت الأرض، بل السماء. ليتمسّكوا بالمسيح، ليتمسّكوا بالنعمة، وليدلّوا على تمسّكهم هذا بعبادة ترضي الله.
أولاً: كلام من الأرض، كلام من السماء (آ 25).
تبدأ هذه القطعة فجأة بدون أداة وصل. هكذا نعود إلى مطلع الرسالة (تكلّم... كلّم، لالونتا... لاليساس): إن إله ابراهيم واسحاق ويعقوب وموسى يتكلّم اليوم إلى كل انسان بفم ابنه المصلوب. هو لا يعد بامتلاك أرض مباركة، بل بالخلاص والحياة الأبديّة. نحن أمام مشاهدة (وكأنها بأمّ العين) أورشليم السماوية (بلاباتي مي : احذروا. حرفيًا انظروا، تبصّروا لئلا، رج 3: 12): لقد اقتربتم من هذه المدينة... ويدلّنا عليها بإصبعه. فهل نُهمل هذه العطيّة الآتيّة من عند الله؟ حين يتكلّم الله يجب أن نسمعه حتّى النهاية (صيغة الأمر الحاضر. بدلّ على الاستمرار) ونحمل على محمل الجد ّمتطلّبات عهده (دياتيكي). مبادرة من الله، أمانة من الانسان. سخاء من قبل الله، ثبات من قبل الانسان. رفض اليهود أن يسمعوا صوت الله (آ 19). فليحذر المسيحيون. وهكذا يتلخّص الارشاد في فعل ((بارايتيوماي)) الذي يتكرّر ثلاث مرات (آ 19. في البرديات، رفض ما يقدّم له. احتجّ على ما يُطلب منه). وجاء البرهان مع بالأحرى: عهد جاء من الأرض (غيس). الويل لمن لا يسمعه. فما يكون عهد آتٍ من السماء (اورانون)؟
رأى الذهبي الفم وغيره في هذا الكلام تعارضًا بين موسى (رج 8: 5) والمسيح (يو 3: 12 - 31؛ 1كور 15: 47). موسى هو ((خريماتيزون)) الذي أوتي كلام حياة ليؤدّيه إلينا (أع 7: 38). تكلّم على الأرض، في سيناء. أما يسوع فتكلّم من السماء. ولكن حسب خر 20: 22؛ تث 4: 36؛ نح 9: 13، حين كان الله يتكلّم على سيناء، كان في الواقع يتكلّم من السماء. وسيقول المجمع: التوراة من السماء (ش م ي م). ثم إن المسيح، كوسيط العهد الجديد، قد تكلّم على الأرض. في الواقع، إن السياق المباشر (آ 19: 26) والتعليم عن الله الموحي (1: 1ي) يفهماننا أن نظام العهد القديم ونظام العهد الجديد يعودان إلى الله. وهكذا يُرادف ((خريماتيزو)) ((لاليو)) (تكلّم). الفعلان هما في صيغة اسم الفاعل مع أل التعريف. ليس التعارض بين الوسيطين، بل بين موضع الوحيين: أرضيّ وسماويّ. عناصر الطبيعة (آ 18: 19) تجاه مدينة الله، أورشليم السماويّة، الملائكة، الأرواح، إله الجميع (آ 22 - 23). توخّى ظهور الله في سيناء تنظيم الحياة على الأرض، بشكل موقت وعابر (9: 1، رج بابوييمانون، 12: 27). العهد الثاني فتح السماء بدم المسيح. وفي صهيون المقدسة، يكلّم الله من السماء الناس الذين اقتربوا من مسكنه، بل دخلوا فيه. في الحالين الله يتكلم. ولكن شتّان ما بين الأرض والسماء.
بقدر ما ترتفع السماء عن الأرض، كذلك يتفوّق العهد الثاني على العهد الأول. ولهذا يكون التمرّد في إطار العهد الثاني أخطر منه في العهد الأول. رذل العبرانيون أوامر الله فاستُبعدوا من أرض الموعد (3: 17 - 19)، وعاقبتهم الحيّات والملاك المهلك. ((اوك إكسافيغون)) (لم يفلتوا، لم يستطيعوا أن يهربوا). لا مفعول بعد الفعل. هذا يدلّ على أن لا مهرب من العقاب الالهيّ. هنا نتذكر آ 17: ((لم يجد سبيلاً إلى التوبة)) وآ 23 مع الكلام عن الله ديّان الجميع. فاذا شابه المسيحيون العبرانيين في عصيانهم، لن يدخلوا راحة الله (2: 2 ،3؛ 10: 29). بل سيكون عقابهم أشدّ. قرأنا هنا فعل ((أبوسترافو))، عاد أدراجه، أعرض، تخلّى. هذا ما فعله اليهود الذين اهتدوا إلى المسيحيّة، وها هم يتركون المسيحيّة ليعودوا إلى الممارسات اليهوديّة. هذا هو الحجود بعينه (تي 1: 1؛ 2 تم 4: 4).
ثانيًا: تزعزُع الأرض، تزعزع السماء (آ 26 - 27)
جاء الشقّ الثاني من آ 25 (إن كان أولئك ...) بشكل معترضة. ولهذا ارتبطت آ 26 ربطًا مباشرًا بـ ((لالونتا)) (المتكلّم، الذي يتكلم، 25 أ). التعارض بين الأرض والسماء ميّز بين عهد وعهد (توتي، نين، آنفًا، الآن)، وها هو يتواصل بالنظر إلى الوحي الالهي (فوني، صوت، آ 19 ، 24، 25) الذي تظهر نتائجه هنا. إن انقلاب الكون وزعزعة الأرض أو السماء استعارتان جليانيتان تدلاّن على حضور الله وعلى قدرة تدخّله (اش 6: 4؛ عا 9: 5؛ 13: 13...). لهذا ارتجف جبل سيناء كله حين إعلان الشريعة (خر 19: 18؛ رج قضى 5: 5؛ مز 68: 29) وكأن الرعدة استولت عليه (سي 16: 18 - 19). أما العهد الجديد فيميّزه زلزال الكون كله (مت 27: 41، 51، 54) حتى الكواكب نفسها (مت 24: 29). هذه الصورة تدلّ على اتّساع عمل الله، وبالتالي على تفوّق التدبير الجديد على القديم. كان حجاي (2: 6) قد قابل بين الهيكل الجديد والهيكل القديم. وها نحن أمام مقابلة تدلّ على مجد العهد المسيحاوي: أو مونون (ليس فقط)... ألا كاي (بل أيضًا). فالزلزلة الآتية لن تكون كالاولى، بل تتجاوزها تجاوز السماء للأرض. كان قد قال رابي عقيبة، في تلمود بابل (سنهدربن 97 ب): ((وبعد هذا الملك، أزعزع السماء والأرض فيأتي مسيحي)).
في آ 27، نقرأ تأويلاً قصيرًا يستخرج المدلول الروحي للايراد الكتابي. يُرينا الروح في هذا النص (ديلوو، دل، 9: 8؛ رج ما في البرديات: شرح، أضاء، بيّن) حصول تدبير لا يتبدّل محلّ تدبير وقتي وغير ثابت. حسب 7: 12 ((ماتاتاسيس))، تحوّل، انتقال من عهد إلى عهد وإلغاء الأول. فالدكالوغ (الوصايا العشر) الذي أعلن في سيناء، قد مسَّه الزلزال (سالوومانون، الحاضر، الآن). فالعهد الأول ينتمي إلى نظام الخلق (بويايو، صنع، في الكامل المجهول، المصنوعة، المخلوقة. رج تك 2: 2؛ سي 15: 14؛ 43: 5). فهو عرضة للنموّ والزوال (1: 10 - 12؛ 8: 13؛ 1كور 7: 31؛ 2 كور 4: 18؛ 1يو 2: 17 باراغو). ما صُنع ورُكّب يمكن أن يُحلّ. أما تقلّبات نهاية الأزمنة فتوخّت تهيئة المكان من أجل نظام جديد ونهائي. سيكون الأخير (هاباكس، مرّة بعد. ولن يكون بعدها شيء). أما عبارة ((لكي يبقى ما لا يتزعزع))، فتدلّ على ثبات العهد الجديد وروحانيّته (اش 34: 4؛ 65: 17؛ 66: 22؛ 2 بط 3: 10 - 11).
ثالثًا: عبارة ترضي الله (آ 28 - 29)
نبدأ مع ((ديو)) (لذلك) الخاتمة العمليّة، التي توازي خاتمة آ 12 وتكون خاتمة عامة. هي تتحدّث عن العبادة، فتبدو وكأنها خاتمة عب. إن عبارة ((حصلنا على ملكوت لا يتزعزع)) توجز ما في 22 - 24. فملكوت الله الخاص هو السماء مع ملائكته ومختاريه. هو أورشليم السماويّة والمدينة الروحيّة، التي هي في طبعها لا تتبدّل ولا تزول. ((أسالوتوس)) (رج أع 27: 41). قابل ((سالوو)) (آ 27): زعزع. هذا ما يدلّ على الطمأنينة والسلام في الكنيسة (آ 14). المسيحيون هم منذ الآن أعضاء في هذا الملكوت (اسم الفاعل في صيغة الحاضر، حاصلون، بارالمبانونتس). وهذا مع العلم أنهم مضطهدون. فالفعل ((بارالمبانو)) يدلّ على تسلّم ملك (باسيلايا) أو وظيفة. عطاء من الله وقبول من الانسان (1 كور 11: 23؛ 15: 1؛ غل 1: 9؛ فل 4: 9). امتلاك الملكوت يعني أن نسمع الله الذي يتكلّم من السماء (آ 25) ودمّ المسيح الذي يطهرنا (آ 24).
لهذا (يأتي التمني) نحافظ، نتمسّك (إخاين، رج ماتاخاين في 2 تم 1: 13) بالنعمة الالهيّة، مهما كلّفنا هذا التمسّك. والنعمة (خاريس) هي نعمة العهد الجديد والملكوت الثابت ودم المسيح. وحين نكون أمناء لجميع هذه المتطلّبات، نؤدّي لله العبادة التي ترضيه (اوارستوس، مراحدة بيبليّة، رج روم 12: 1؛ 14: 18؛ فل 4: 18)، لا ذبائح العهد القديم (10: 5). فالحياة المسيحيّة التي هي سعي إلى القداسة (آ 14)، هي حياة دينيّة يلهمها الاحترام العميق القريب من الرهبة (إولابايا، 5: 7. ثم دايوس، مراحدة في العهد الجديد؛ رج 1مك 3: 30). كل هذا نحسّ به في حضرة الله أو أمام تدخّل قدرته (2 مك 11: 22؛ 15: 23) كما فعل حين زعزع الكون.
توخّت هذه القطعة أن تُلهم الخوف الذي يقود إلى الخلاص. وها نحن في نهايتها (آ 29) نصل إلى كلمة تهديد أخذت من تث 4: 24: ذكّر موسى اسرائيل بمراحل الرب تجاههم: خلّصهم من عبودية مصر، ملّكهم أرض الموعد. ولكن ما زال الشعب يتعلّق بعيادة الأصنام. نبّههم موسى إلى خطأهم وأفهمهم أن الله يريد عبادة بدون صورة ولا تمثال: احذروا أن تنسوا عهد الرب معكم. فالله نار آكلة. هو يزيل من يتجاوزون عهده (تث 9: 3). إنه الاله الديّان (آ 23، 25)، والنار رمز أحكامه وعقاباته (6: 8، ايس كاوسين، إلى الحريق) ورمز قداسته (آ 18). هذا ما فهمه بنو اسرائيل في سيناء. ودفعوا ثمنه غاليًا. والخطر نفسه يهدّد المسيحيّين. إن حافظوا على الأمانة بلغوا السماء (آ 22). وإلاّ أصابتهم دينونة النار. فالإله الذي يغدق عطاياه، هو الذي يهدّد بغضبه من يرفض حبّه.
2 - قراءة إجمالية
((اقتنوا السلام مع الجميع، والقداسة التي بدونها لا يعاين أحد الرب. احرصوا أن لا يُحرَم أحد من نعمة الله. وأن لا ينبت جذر مرارة يُحدث بلبالاً ويُفسد الجماعة)) (12: 14 - 15)
بما إن الله هو إله السلام (13: 20)، الذي عبر ملكيصادق ، ملك السلام (7: 2)، قد قادنا من البلبلة إلى الأمان، ومن الغربة إلى المصالحة (1 كو 1: 20؛ 2 كور 5: 18ي)، فعلينا نحن، في حياتنا اليوميّة وعلاقاتنا، أن نطلب السلام مع الجميع. هذا ما قاله بولس لأهل رومة: ((سالموا جميع الناس إن أمكن)) (12: 18). فنعمل لا من أجل سلامنا الخاص وحسب، بل بحيث يصل سلامه وبركته إلى الجميع. هذا ما يجب أن يشوب المجتمع ككلّ. قد يكون الكاتب عاد إلى مز 34: 4 (أطلب السلام واسع له)؛ رح 1 بط 3: 11. وقد يكون كلامه صدى لكلام يسوع في مر 9: 50: ((وليسالم بعضكم بعضًا)).
يترافق السعي إلى السلام مع السعي إلى القداسة. ولكن لا قداسة اعتبر ((المراؤون))، أنهم بلغوا إليها، بل قداسة بها نعاين الله. هذا القداسة هي علاقة حميمة بين الله والانسان. لهذا نمارس ما نمارس، لا ليرانا الناس، بل ليرانا الله الذي يرى في الخفية ويجازينا علانية (مت 6: 1 - 18). هذه القداسة التي تعكس صلاح الله، تنبع من محبّتنا لله وحده وتصبو إلى رؤية الله والقدوس. فالله لا يراه سوى أنقياء القلوب (مت 5: 8). وقد قال: ((كونوا قديسين لأني أنا قدوس)) (لا11: 44 - 45؛ 19: 2). وتكتمل قداستنا في يسوع المسيح ((الذي صار لنا من الله قداسة)) (1 كور 1: 30).
أجل، السلام والقداسة يسيران معًا. ورجل القداسة هو رجل السلام. فغياب السلام هو نتيجة اللاقداسة التي تزدهر حين تنقطع العلاقة مع الله القدوس بثورة الخطيئة. غير أن اله السلام يمنح السلام لعالم لا يستطيع أن يأخذه بسبب علاقته بالشرّ. أما الذي هو في سلام مع الله، فهو في سلام مع نفسه ومع الآخرين (2 تس 3: 16؛ يو 14: 27؛ روم 5: 1؛ 1كور 7: 15). فحياته وشهادته تعلنان معًا المصالحة. اهتمّ الكاتب بالتلاقي والتوافق داخل الجماعة، لهذا خاف من وجود جذر مرارة يبلبل ويفسد. مثل هذا الانسان حرم نفسه من نعمة الله، فصار قريبًا من الحجود : في 3: 12، نبّه من القلب الخبيث واللامؤمن. في 4: 1 طلب منه أن يكون حاضرًا، فلا يتخلّف عن موعد الدخول، فيشبه العذارى الجاهلات اللواتي لم يدخلن ساعة دخل العريس، فأخذن يصرخن: ربنا، ربنا، افتح لنا. في 6: 4 - 6 قرأنا استحالة العودة لمن سقط وترك التزامه الأول بكلمة الله. في 10: 26 - 31، فهمنا أن من يدوس دم العهد لن يجد الغفران. وهنا يتهدّده خط التوقّف عن السعي. الويل له إن ((أعرض عن المتكلّم من السماوات)) (آ 25). لا يتكلّم الكاتب عن سقطة عابرة وغير إراديّة، بل عن كارثة تحلّ بمن رذل نعمة الله. فهو سمّ لنفسه وسمّ للجماعة كلها. طلب موسى أن يُقتلع مثل هذا الجذرُ لئلا يُسمِّم الجماعة. أما يسوع فقبل أن يبقى الزؤان مع الزرع الجيدّ حتى الحصاد (مت 13: 29)، ويُجمع السمك كله في شبكة واحدة. ((في منتهى الدهر، بفصل الملائكة الأشرار من بين الصديقين)) ( آ 49). أما المثَل الذي يشير إلى هذا الجحود والارتداد عن الله فنجده عند عيسو الذي استهان ببركة الله. 
((وأن لا يكون فاجر ولا مبتذل كعيسو الذي باع بكريّته بأكلة واحدة وتعلمون جيّدًا أنه لما رام من بعدُ، أن يرث البركة رُذل، ولم يجد سبيلاً إلى التوبة، وإن يكن قد التمس ذلك بالدموع)) (12: 16 - 17)
إذن. قدّم الكاتب مَثل عيسو كرجل احتقر ودنّس بركة تخصّه، فما عاد يستطيع أن يستعيدها. كان عيسو فاجرًا زانيًا. والزنى يعني أيضًا خيانة الله. لهذا يدينه الله (13: 4). وهو ((مبتذل)). ترك الدين الذي هو ارتباط بالله. وداس ما هو مقدّس على ما استعدّ أن يفعل بعض الناس في جماعة عب: ((داس ابن الله وعدّ مبتذلاً دم العهد)) (10: 29). كان عيسو تاجرًا، ولكن تجارته كانت خاسرة، بل مدمّرة له ولنسله. قايض بأكلة امتيازَ البكرية. قايض ثقة الله به بشيء لا قيمة له ولا ثمن بادل ما لا يدوم، بطعام ماديّ. ((الاطعمة للجوف، والجوف للأطعمة وسيُبيد الله هذه وذاك))، قال بولس في 1 كور 6: 13. فالخطر يتهدّد المؤمنين في عب أن يقايضوا إيمانهم بمنافع ماديّة، بمديح الناس لهم. عندئذ يسمعون كلام يسوع: الويل لكم أيها الاغنياء، أيها المشبعون، أيها الضاحكون (لو 6: 24 - 26).
ماذا حدث لعيسو؟ الدمار الذي لا عودة عنه. خسر البركة، ولكن خسارته كانت خسارة أرضيّة. أما المؤمنون، جماعة الابكار، فقد خسروا الامتيازات التي وُعدوا بها من السماء. ما عاد عيسو يستطيع أن يقوم من كبوته، بكى ولكن لم تعد الدموع تنفع، لأن حزنه حزن العالم. ومثل هذا الحزن ينشئ الموت، لا الحياة (2 كور 7: 10)، تذكّر الأيام الماضية، فشابه أولئك الذين قالوا وما فعلوا، فظلّت توبتهم على مستوى الخارج ولم تبدّل قلوبهم . ((يا رب، يا رب! أما تنبّأنا باسمك؟ وأخرجنا الشياطين وصنعنا القوّات))؟ ويأتي الجواب: ((ما عرفتكم قط. أبعدوا عني، يا فعلة الاثم)) (مت 7: 21 - 23). وهكذا كان عيسو مثَلاً عن الذين استُنيروا ثم رفضوا النور وفضلّوا عليه الظلام.
((فإنكم لم تدنوا (تقتربوا) من حقيقة ملموسة، ولا من نار مضطرمة، ولا من ظلمة وديجور وزوبعة ولا من هتاف بوق، ولا من صلصلة كلام قد استعفى الذين سمعوها أن يُزادوا كلامًا. فإنهم لم يطيقوا احتمال هذه الوصيّة (الأمر): كل من مسّ الجبل، حتى وإن كان بهيمة، يُرجم)) (12: 18 - 20)
يُجمل الكاتب الموضوع في تعارض نهائي بين الجديد والقديم كما قرأناه في عب: تعارضٌ بين الناقص والكامل، بين الموقت والدائم، بين الشريعة والانجيل (2: 1 - 3؛ 3: 5 - 6؛ 7: 11ي...). وهو يقول في كل مرة: من كبُر امتيازه كبُرت مسؤوليّته: فالذين بعد مجيء المسيح، نالوا البركة، ونور الله الكامل، وعرفوا يوم النعمة، سيُدانون دينونة خطيرة جدًا إن هم أهملوا هذه البركة. فإن كان عصيان بلاغ حمله الملائكة إلى سيناء نال مثل هذا العقاب، فما يكون عقاب مَن تجاهل الخلاص الذي جاءه بواسطة من هو الابن (1: 1 - 3؛ 2: 2 - 3): إن جُثث الجيل العاصي سقطت في البرية فكانت لنا تنبهًا: لن ندخل الراحة، كما لم يدخلوا هم راحة أرض الموعد (3: 16 - 4: 1). كان الموت عقاب من تجاوز شريعة موسى. فما يكون عقاب من يدوس دم العهد ويستهين بنعمة الله في المسيح يسوع (10: 28 - 29؛ 13: 20). وتابعت عب التعارض في تنبيه احتفالي يصل إلى آ 25: هم لم يفلتوا حين رفضوا تنبيهًا آتيًا من الأرض، من سيناء. أترى نفلت حين نرفض تنبيهًا آتيًا من السماء؟
قابل الكاتب بين مدلول جبل سيناء، موضع العهد القديم، وجبل صهيون، موضع العهد الجديد. لم يُذكر سيناء باسمه، ولكن لا شك في أن الكاتب يعود إلى هذا الجبل وإلى عطيّة الشريعة عليه. واللغة المستعملة هي لغة خر 19: 21ي؛ تث 4: 11ي. بل لم تظهر لفظة ((جبل)) في آ 18، بل في آ 20، ولكن ((لم تدنوا من حقيقة ملموسة)) ( آ 18) تتوازى مع ((دنوتم إلى جبل صهيون)) (آ 22).
لم تدنوا. هذا يعني أن بني اسرائيل دنوا (تث 4: 11: جئتم ووقفتم عند أسفل الجبل). ماذا لمسوا؟ الجبل. رج خر 11: 2: كل من مسّ الجبل يُقتل. ((نار مضطرمة)). رج تث 4: 11: الجبل مضطرم بالنار. ((ظلمة وديجور)). رج تث 4: 11: الظلام والسحاب والضباب. ((هتاف بوق)). رج خر 19: 16؛ صوت بوق شديد جدًا، وصوت كلمات أي صوت يُخرج كلمات. رج تث 4: 12: كلمكم الرب من وسط النار فسمعتم صوت الكلمات. قال الشعب لموسى: كلّمنا أنت فنسمع لك، ولا يكلّمنا الله لئلا نموت (خر 20: 19؛ تث 5: 25 - 27). وزاد الحكم بمنع يطال الانسان والحيوان: لن يقترب حيّ من الجبل ساعة يتجلّى الله عليه. فكل من يتعدّى هذه الوصيّة يُقتل: إما يرجم بالحجارة، وإما تطلق عليه السهام (خر 19: 13)
سُمح لموسى أن يقترب ويصعد الجبل (خر 19: 20). ولكن المنظر كان مخيفًا. فقال مشترع العهد القديم: إني خائف ومرتعد. كان الرعب في سيناء، جبل شريعة الله: فالشعب الخاطئ لا يحقّ له أن يدنو من الحضور الالهيّ. ولكن اختلفت الأمور مع جبل صهيون، جبل نعمة الله، بسبب ذاك الذي أتمّ الشريعة وقدّم الذبيحة الكاملة، بسبب الابن المتجسّد الذي كان البدل عنا. لهذا، نُدعى نحن الآن لنقترب بثقة من قدس الأقداس في السماء (10: 19ي). إن الذين يكتب إليهم يحاولون العودة إلى شريعة موسى، فيفضّلون الظلّ على الحقيقة والنظام الذبائحيّ الناقص مع خيمة وهيكل، على ذبيحة المسيح الكاملة والنهائيّة. يتركون انجيل النعمة ويتعلّقون بعالم الشريعة الذي سيزول. أيكونون تأثّروا بجماعة قمران؟
((بل دنوتم إلى جبل صهيون وإلى مدينة الله الحي، إلى أورشليم السماويّة، إلى ربوات ملائكة، وإلى عيد حافل. إلى جماعة الأبكار المكتوبين في السماوات، إلى الله ديّان الجميع، إلى أرواح الصديقين الذي أبلغوا الكمال. إلى يسوع، وسيط العهد الجديد، وإلى دم مطهِّر أبلغ منطقًا من دم هابيل)) (12: 22 - 24)
إن جبل سيناء الذي ظهر في بداية الاقامة في البرية، لا يرمز فقط إلى شريعة أعطيت لموسى وإلى النظام الكهنوتي الهاروني، بل إلى تيهان جيل لم يصل، جيل حُكم عليه بسبب خيانته وعقوقه، فهلك في البرية. أمّا جبل صهيون فيرمز إلى إقامة كهنوت المسيح الفريد والدائم: فيه تمَّت كل مواعد العهد الجديد. وانتهى التيهان في البرية. وأعدّ الدخول إلى الراحة الابدية، لشعب الله.
قال الكاتب: دنوتم إلى جبل صهيون. هذا يعني أنهم اختبروا بركة العهد الجديد، وإن كان بعضهم في خطر السقوط في الحجود. سبق الكاتب وألمح إلى هذا القول في 6: 9: ((نعتقد أنكم في حالة أفضل وأقرب إلى الخلاص)). وفي 10: 39: ((لستم أبناء الارتداد عن الايمان، بل أبناء الايمان)). حيث يعمل الله، فهو يعمل ولا يفشل. أما الذين مالو إلى الحجود، فلم يكونوا يومًا بالحقيقة من شعب الله، وإن ظهر عليهم ذلك بعض الوقت. لهذا سمّاهم يوحنا ((انتيكرست)) مناوئي المسيح ،معارضيه: ((خرجوا من بيننا وما كانوا منا. فلو كانوا منّا لبقوا معنا. ولكنهم خرجوا ليتّضح أنهم ما كانوا كلهم منا)) (1 يو 2: 19).
قدّم بولس استعارة في غل 4: 25 - 26 ،ضمّ فيها جبل صهيون إلى أورشليم الحالية، وهكذا هيّأ الطريق لتعارض تام بين جبل صهيون وأورشليم السماويّة في عب. كما ميّز بين أورشليم وأورشليم (الحاضرة أو الدنيا، والعليا أو السماويّة). واحدة تدلّ على الحريّة وأخرى على العبوديّة. إن ((مدينة الله الحيّ، أورشليم السماوية)) هي في جوهرها المدينة التي صبا إليها ابراهيم. هي ((المدينة ذات الأسس التي بانيها وصانعها هو الله)) (11: 10). هي المدينة الآتية التي يسعى إليها شعب الله الذي ليس له ههنا مدينة باقية (13: 14). مواطنو هذه المدينة هم في السماء (فل 3: 20). هي المدينة المقدسة وأورشليم وعاصمة السماء الجديدة.
والأرض الجديدة هي التي فيها يقيم الله مع البشر، حسب ما وعد في عهده، فيكونون شعبه إلى الأبد وتزول كل الاشياء القديمة من موت ونوح ونحيب ووجع ودموع (رؤ 2: 1 - 4). المواطنون هم المدينة، لأن الله الذي يعطيهم الحياة، يقيم فيهم. فحضور الله هو ما يكوّن أورشليم الجديدة.
((ربوات ملائكة اجتمعت في عيد)). عظّم الملائكة لأنهم أرواح حيّة. هم أقوياء، وفي خدمة الله. يُتمّون دومًا مشيئته ((عند سماع صوت كلامه)) (مز 103: 20). هم أرواح خادمة ((من أجل المزمعين أن يرثوا الخلاص)) (1: 14). فالابن الأزلي الذي جُعل لوقت قصير أدنى من الملائكة من أجل خلاصنا، قد كلّل الآن بالمجد والكرامة فصار أرفع من الملائكة (2: 9). أمامه في المدينة السماوية ((ربوات ربوات وألوف ألوف (أي جماعة لا تعدّ ولا تُحصى) من الملائكة يسجدون له وينشدون: ((الحمل المذبوح يحقّ له أن ينال القدرة والغنى والحكمة والجبروت والاكرام. له المجد والحمد)) (رؤ 5: 11 - 12). هذا المشهد الفرح من حمد احتفاليّ في أورشليم السماوية هو ما نعنيه بعبارة ((عيد حافل)). يقف الملائكة حول الاله الحيّ ويعبدونه بالفرح. وينضمّ إلى عبادتهم جموع لا تُحصى افتداها المسيح بدمه (رؤ 7: 9ي). هنا نرى التعارض بين ربوات القدّيسين (اللاملائكة) الذين كانوا على جبل صهيون (تث 33: 2) وربوات الملائكة الموجودين على جبل صهيون ليحتفلوا بانتصار الابن المتجسّد.
((جماعة الأبكار)). نحن هنا أيضًا أمام تعارض بين جبل سيناء وجبل صهيون. فالجماعة (إكليسيا) المذكورة هنا تقابل جماعة بني اسرائيل بقيادة موسى في البريّة. قال اسطفانس عن موسى: ((وهو الذي كان في الجماعة، في البرية، مع الملاك الذي كلّمه في جبل سيناء)) (أع 7: 38؛ رج تث 4: 10؛ 9: 10؛ 18: 16، يوم الجماعة كما في السبعينية). بعد ذلك اعتُبر شعب اسرائيل في فم الله ((البكر)). لهذا قيل لموسى أن يقول لفرعون: ((اسرائيل ابني البكر... أطلقه ليخدمني)) (خر 4: 22 - 23). وهكذا، فجماعة الأبكار تدلّ على بني اسرائيل بقيادة موسى. والآن انتقلت التسمية فصارت لشعب الله في العهد الجديد. استعمل المسيح لفظة ((كنسية)) للكلام عن أبناء الملكوت (مت 16: 18). والكنيسة الأولى تدلّ على المؤمنين الذين يؤلّفون، على مستوى محلّي أو عالمي، كنيسة الله. كنيسة الأبكار. وُلدوا من جديد (يو 3: 3، 7؛ أف 2: 1). برحمة الله ((وُلدوا من جديد لرجاء حيّ بقيامة يسوع المسيح من بين الاموات)) (1 بط 1: 3). ولدوا بكلمة الحقّ ليكونوا باكورة (يع 1: 18). باكورة الثمر تقابل بكر البشر (أكانت الباكورة والابكار). تقدّم لله (خر 13: 2 ،12ي؛ 23: 19). فأعضاء جسد المسيح هم باكورة، هم وارثو كل شيء. ((هم وارثو الله ووارثون مع المسيح)) (روم 8: 17)، أي باتحادهم بالابن الوحيد. لهذا يكون أمام جنون فادح من يتبع مثل عيسو (آ 16) فيبادل غنى بكريته براحة زمنيّة لا تدوم طويلاً. أو من يعود إلى نظام العهد القديم الذي شاخ وبلي بعد أن أختبر العهد الجديد.
وهناك مقابلة أخرى مع النظام السينائي نجدها في وصف الأبكار على أنهم ((مكتوبون، مسجلّون في السماء)). طُلب من موسى أن يقوم بإحصاء (عد 3: 40ي). ذاك إحصاء على الأرض. وتتكلّم عب عن إحصاء الأبكار في السماء. وهذا ما يتوافق مع كلام يسوع لتلاميذه بأن يفرحوا لأن أسماءهم كُتبت في السماء (لو 10: 20). وسمّى بولس معاونيه أولئك ((الذين أسماؤهم في سفر الحياة)) (فل 4: 3 أيكونون ماتوا) الذي يُذكر في رؤ 3: 5؛ 13: 8؛ 17: 8؛ 20: 12، 5. ومع أن هناك تعارضًا، إلاّ أن هناك تواصلاً بالنسبة إلى موسى ، رجل الايمان (11: 23ي) الذي ينطلق من إحصاء أرضيّ إلى إحصاء سماويّ في كتاب يحتفظ به الله (خر 22: 33 - 33) ويذكره مز 69: 28 ودا 12: 1. هذا الاحصاء في السماء هو متواصل: تُسجّل الاسماء في كتاب الله إلى الأبد ولن تمحى أبدًا. يتضمّن هذا السجل المؤمنين الذين سبقوا مجيء المسيح، الذين لم يروا في أيامهم تتمّة المواعيد التي نالوها (ف10). كما يتضمّن أولئك الذين عرفوا المسيح. جميع الذين منذ الابتداء، انتموا إلى خط الايمان الذي يشكّل اسرائيل الله (غل 6: 16؛ رج 3: 7 ،9 ،14 ،29). هنا قال اثناسيوس: ((من لا يتمنّى أن ينعم برفقة هؤلاء؟ من لا يرغب في أن يُحصى معهم بحيث يقدر أن يسمع معهم: تعالوا يا مباركي أبي، رثوا الملكوت المعدّ لكم منذ إنشاء العالم)) (مت 25: 34) (رسالة 43).
((أرواح الصديقين)). رج 11: 40. إن قديسي العهد القديم، مع أن وضعهم السابق لم يصل إلى الكمال، يشاركون الان في الكمال الذي يمنحه الابن المتجسّد بذبيحته التي تكفي جميع البشر. هي تعود إلى الوراء، وإلى الذين لم يعرفوا المسيح، وتتطلّع إلى الأمام لتضمّ الذين يأتون بعد المسيح. فالمسيح ذاق الموت عن الجميع، عنهم كما عنا، بحيث استطاع أن يخلّص جميع الذين خضعوا للعبوديّة عبر خوفهم من الموت (2: 9، 15). فيسوع هو قائد الايمان ومكمّله (12: 2): للذين بالايمان حُسبوا أبرارًا لدى الله (10: 38) منذ بداية العالم (ف 11)، والذين يرون اليوم أن يسوع بدأ وهو يكمّل. لهذا سيظلّون معه. وان ماتوا، وإن تغرّبوا في الجسد (2 كور 5: 8؛ فل 1: 21 - 23)، فهم مع الرب. لا شكّ في أنهم ينتظرون القيامة التي فيها يلبسون الجسد الممجّد. ولكنهم يعرفون أنهم منذ الآن يشاركون المسيح في كمال مجده. ((طوبى للذين يموتون في الرب)). هذا ما قال رؤ 14: 13، فدلّ على سعادة المؤمنين حتى في الموت.
((فاحذروا أن تميلوا بأسماعكم عن الذي يتكلّم. فإنه، إن كان أولئك الذين لم يسمعوا للناطق بالوحي على الأرض، لم يفلتوا، فكم بالأحرى نحن إن أعرضنا عن المتكلّم من السماوات، الذي زعزع صوتُه الأرض آنفًا، وبعد الآن، قائلاً: إني مرّة بعد، أزلزل لا الأرض فقط، بل السماء أيضًا. فقوله ((مرة بعد)) يدلّ على تحوّل الأشياء المتزعزعة، إذ إنها مخلوقة، لكي يبقى ما لا يتزعزع)) (12: 25 - 27)
إن اللغة في هذا التحذير ترتبط بفكر قيل في ما سبق. فالاشارة إلى المتكلّم)) الذي يتكلّم، تستعيد آ 2 مع كلام عن دم يسوع الذي يتكلّم (ناطق)، وعن الله الذي يتكلّم بقوة الفداء الذي حمله إلينا يسوع المسيح عظيم كهنتنا. هذا من جهة. ومن جهة ثانية، ترتبط بما قيل في بداية الرسالة: ((في هذه الأيام الأخيرة كلّمنا الله بابنه)) (1: 2). فمن رفض الذي يتكلم (كما هو الأمر بالنسبة إلى بعض قرّاء الرسالة)، وإن اجتمع مع المؤمنين، يبدو وكأنه يدوس دم العهد (10: 29)، أو يتهاون بصلاح كلمة الله (6: 5 - 6)، كلمة النعمة، أو يثور على الله الحي (3: 12) بقلبه الخبيث واللامؤمن.
والرفض الذي يحذّر منه الكاتب، يرتبط أيضًا بما كتب في آ 19 عن طلب بني اسرائيل، بأن لا يكلّمهم أحد بعد. فالمسيحيون العبرانيون هم في خطر، شأنهم شأن آبائهم الذين عاشوا في زمن موسى: يميلون بآذانهم عن صوت الله بالذات. لا شكّ في أن الباعث على عدم السماع في العهد القديم (خر 20: 19؛ تث 5: 25 - 27) كان الخوف من الله، لا التمرّد عليه ورفض كلامه. إلاّ أن كاتب عب يفكّر في خبر بني اسرائيل في البرية، الذي دلّوا على عصيانهم وعقوقهم. وهكذا رأى في طلبهم، على جبل سيناء، بأن لا يكلّمهم الله بعد، مثَلاً عن قساوة قلبهم. نحن هنا في خط بولس الرسول الذي تحدّث عن رفض عند موسى بأن ينزع القناع عن وجهه لكي لا يُبصر بنو اسرائيل المجد المشعّ على وجهه (2 كور 3: 13ي؛ رج خر 34: 29ي).
لم ينجُ بنو اسرائيل من العقاب حين مالوا بآذانهم الصمّاء عن كلمة الله المرسلة إليهم. فمنعهم ايمانهم من الدخول إلى الراحة الموعودة (3: 19؛ 4: 1). نبّههم الله على الأرض. رفضوا، فلم يفلتوا. وماذا يكون وضعنا حين يأتي التنبيه من السماء؟ رج 2: 2 - 3 ومقابلة بين كلمة الملائكة التي حملت شريعة سيناء، والخلاص الذي حمله الربّ. كيف يفلت من يستهين بالخلاص العظيم العجيب الذي هو لنا في المسيح؟ وهكذا نعود إلى المقابلة بين العهد القديم والعهد الجديد: عقاب شديد لهم. عقاب أشدّ لنا. 
في جبل سيناء، زعزع صوتُ الله الأرض. ((بحيث اهتزّ الجبل اهتزازًا شديدًا)) (خر 19: 19). كان الوقت الذي فيه أعطى الله شريعته التي حكمت على عالم ساقط وعاص، رهيبًا. وسيكون أكثر رهبة في الدينونة الأخيرة، ساعة تتزعزع السماء والأرض (حج 2: 6) أي الكون كله (تك 1: 1). وأضاف حجاي: والبحر واليابسة. مشهد مريع. ولكنه خبر طيّب لشعبه المؤمن، لأن الزعزعة الأخيرة التي هي تمام الدينونة، هي في الوقت عينه تمام الخلاص. وهكذا بدت النبوءة في هذا المناخ، تحريضًا أرسله الله إلى شعبه لكي يتشجّعوا (فهو معهم)، ولئلا يخافوا لأن روحه يبقى معهم، ووعدًا بأن المجد الآتي لبيت الله سيفوق كل ما عرفوه إلى الآن.
وأضافت عب إلى هذا الشرح ((مرة بعد)). ستتحوّل الأشياء المتزعزعة. وما هو متزعزع ليس دائمًا ولا يُركن له. لأن المتزعزع هو المخلوق. وكل مخلوق هو كالعشب وكزهر الحقل. هنا نعود إلى مز 102 الذي سبق وورد في 1: 10 - 12: السماوات والأرض تزول لأنها عمل يد الله. هي معروفة الآن وحاضرة أمامنا. ولكنها تتحوّل. أما الله فيبقى إلى الأبد (عب 13: 8). ولكن هناك ((ما لا يتزعزع)). بما أن شعب الله ينتمي إلى نظام لا يتزعزع، فالتحوّل الحاضر هو استباق فيه يتطهرّ الكون من كل ما يعادي الله ومشيئته، ويقوم كل ما يتناسق مع فكر الله من أجل أرض جديدة وسماء جديدة. في هذا قال غريغوريوس النازيانزي: (( إن الزعزعة الأخيرة ليست سوى مجيء المسيح الثاني، ساعة يتحوّل الكون ويتبدّل إلى وضع من الثبات لا يمكن أن يتزعزع)) (العظات 21: 25)
((لذلك إذ قد حصلنا على ملكوت لا يتزعزع، فلنتمسّك بالنعمة ولنعبد بها الله عبادة مرضية في ورع وتقوى فإن إلهنا نار آكلة (12: 28 - 29)
الأشياء التي تتزعزع هي ذبائح النظام اللاوي، ونظام الأشياء اللاثابت الذي تنظّم بيد موسى. فقد تجاوزته ذبيحة يسوع المسيح الكاملة، وحلّت محلّه. أما ذبيحة رئيس كهنتنا فلا تتزعزع في فاعليّتها. إنها أساس نظام جديد يدوم إلى الأبد. فماذا سيفعل قرّاء الرسالة بعد أن طلبوا الأمور التي لا تتزعزع؟ هل يعودون إلى نظام عفّاه الزمن؟
جمع الكاتب كل ما يتزعزع في لفظة ((الملكوت)) أي مجتمع منظّم ومتناسق يسوسه ذاك الذي هو ربّ الكون وسيّده (رؤ 19: 16). هذا الملكوت هو (كما في آ 22) مدينة الله الحي وأورشليم السماويّة، حيث يسكن الله مع شعبه إلى الأبد، وحيث يملك البرّ (رؤ 2: 1ي). نور هذا الملكوت هو مجد الله والحمل (رو 21: 23). هو ملكوت لا يتزعزع لأنه تطهّر من كل ما يتزعزع، أي من كل نجاسة وفساد، فلم يبقَ فيه سوى الصلاح والبرّ والفرح. وظهور هذا الملكوت في ملء بهائه ينتظر ظهور المسيح المجيد. ولكنه منذ الآن واقع وحقيقة: فيسوع يجلس الآن عن يمين الجلال في العلاء (آ 2؛ 1: 3)، وقد اقترب منه شعب الله (آ 22). هو ملكوت يستقبل المؤمنين بالمسيح، بإيمان يعمر في قلوبهم: هم أبكار مع البكر، هم أبناء مع الابن. وهم ينعمون الآن ببركات هذا الملكوت الذي يرثونه إلى الأبد.
هذا الملكوت نتمسّك به. إنه عطيّة النعمة. فنكران الجميل هو أساس كل خطيئة وتمرّد على الله (روم 1: 21). أما عرفان الجميل فيدفع القلب إلى التجاوب مع الانجيل، وهو الذي جعل الرسول يقول: ((شكرًا لله على موهبته التي لا توصف)) (2 كور 9: 15). فمهما كانت الظروف ومهما فعل المسيحيّ أو تالّم، فهو يشكر الله دومًا وعلى كل شيء ((باسم ربّنا يسوع المسيح)) (أف 5: 20؛ كو 3: 17 1تس 5: 18). فحياته كلها تكون تعبيرًا عن هذا الشكر وعرفان الجميل. ويدفعنا عرفان الجميل، كما دفع عظيم كهنتنا إلى ملكوت لا يتزعزع (رؤ 5: 10)، إلى أن نقدّم لله عبادة ترضيه: نقدّم ذواتنا في ذبيحة حيّة نعبّر فيها عن خدمتنا له. وننشد أعماله العجيبة التي بها دعانا من الظلمة إلى النور (1 بط 2: 5، 9). مثلُ هذه العبادة هي تعبير عن جوابنا لحبّه، كما أنها تنبع من هذا الحب. عندئذ نترك تقديرنا لأنفسنا واكتفاءنا بذاتنا، ونتركّز على ذلك الذي هو ربّنا وفادينا. وإذ نعرف عظمة وجلال من نخدم نقدّم له كل هذا في ورع وتقوى. فإلهنا نار آكلة. قال موسى لشعبه: احذروا أن تنسوا الرب الهكم (تث 4: 24). والكلام نفسه يتوجّه إلى مؤمني عب. إن هم ارتدّوا عن إيمانهم، انتظرهم ((هول الدينونة وغضب نار سوف تلتهم المعاندين)) (10: 27).

خاتمة
في هذا النص، أوجز الكاتب الأفكار الأساسيّة في الرسالة، وجمع جمعًا متناسقًا موضوعين ذكرهما في المطلع: الوحي والفداء. تكلّم الله على جبل سيناء، فكانت كلمته مرعبة، وظلّ هو بعيدًا عن الشعب. واقترب المسيحيون من جبل صهيون الذي هو موطن السلام والفرح، وعاصمة الكون الجديد، عاصمة الأرض الجديدة والسماء الجديدة. ستكون رؤية الله جزاء القداسة (آ 14)، فتعوّض الشرور التي أصابت المؤمنين وتصيبهم على الأرض. منذ الآن يكلّمهم الله بابنه الذي يحمل الغفران والطهارة والنعمة. أما الخطر الخطر ففي رفض هذا المتكلّم معنا. فمن رفض الخضوع والأمانة بدا كالزاني ومنجّس المقدّسات، فيعرّض نفسه لنار غضب الله. فلا يبقى للمؤمنين سوى التمسّك بالنعمة. فلو تزعزعت الأرض والسماء، فهم لا يتزعزعون لأنهم ربطوا مصيرهم بذلك الذي هو هو أمس واليوم وإلى الأبد.

الفصل الثامن والثلاثون

توصيات في الحياة المسيحيّة
13: 1 - 6

في هذا القسم الخامس (12: 14 - 13: 18) الذي عنوانه ((سبل مستقيمة))، توقّفنا في مقطع أول (12: 14 - 29) عند مقابلة أخيرة بين نظام أول ونظام أخير، بين العهد القديم والعهد الأخير، وأخذنا العبرة التي تدعونا لأن نتفوّق على تابعي شريعة موسى. لا أن نعود إلى الوراء بعد أن استنرنا وذقنا الموهبة السماويّة. وفي هذا المقطع الثاني (13: 1 - 6)، نتأمل في بعض المواقف المسيحيّة التي يدعونا إليها صاحب الرسالة. وهي ثلاثة: ممارسة المحبّة. كرامة الزواج. تجرّد وثقة بالربّ.

1 - تفسير الآيات
لقد وصلنا إلى نهاية الرسالة، بعد أن توسّع الكاتب في موضوع الثبات في الايمان، من كل وجوهه. فقبل الأخبار الأخيرة والسلامات (13: 19 - 25)، كانت هذه التوصيات العمليّة، التي قسمناها فصلين.

أ - ممارسة المحبّة (13: 1 - 2)
ما نلاحظه هنا دعوة إلى الثبات (آ 1)، وتذكّرُ الواجبات المسيحيّة تجاه الاخوة (آ 2 - 3).
أولاً: اثبتوا (آ 1 - 2)
أثبتوا على المحبّة. المحبّة التي يُدعى المسيحيون لعيشها، هي المحبّة الاخوية. هم كلهم أبناء الآب السماوي (هم من واحد، 2: 11). وإخوة يسوع الذي لم يستح بهم. فيلدلفيا (محبّة الاخوة). لا نجدها في العهد القديم ( بل نجد فيلدلفوس، 2مك 15: 14؛ رج 1 بط 3: 8). ولا تظهر إلاّ هنا في العهد الجديد. هي شكل من أشكال المحبّة في المسيحيّة (يو 13: 35). وقد عرفها الوثنيون أنفسهم فقالوا عن المسيحيين: أنظروا كم يحبّ بعضهم بعضًا. هذه المحبة التي هي عطيّة من الله (1 تس 4: 9) هي تفتّح النعمة (2 بط 1: 7) وهي تتكوَّن من الاحترام العميق (روم 12: 10). هي أولى متطلّبات القداسة (1 بط 1: 22). لهذا ذُكرت حالاً بعد إرشاد حول القداسة (هاغياسموس، 12: 14ي). مارسها ((العبرانيون))، (6: 10؛ 10: 33 - 34)، كما مارسها التسالونيكيون، فلا يبقى عليهم سوى المثابرة. لهذا جاء الفعل ((ماناتو)) في صيغة الأمر. هل كانت هذه المحبّة في خطر؟ هذا ما لا يقوله النصّ.
وأحد تعابير المحبّة الأخويّة هو الضيافة، التي هي عمل من أعمال الرحمة (روم 12: 13؛ رج 3 يو 5 - 8). جعلتها الرسائل الرعائيّة ميزة الاسقف (1 تم 3: 2؛ تي 1: 8). أما عب (رج 1 بط 4: 9) فجعلتها واجبًا مفروضًا على جميع المسيحيين. قال الرسول: لا تنسوا. هذا يعني أنه كان نسيان وكان إهمال، بل تهرّب. فقد كانوا يتعرّضون للاضطهاد إن تضامنوا مع إخوتهم. وما الذي يدفع المؤمنين إلى هذا السخاء؟ قد يكون الذي نستقبله رسولاً من عند الله وملاكًا (غل 4: 14). استقبل ابراهيم وسارة ملائكة (تك 18: 1 ي؛ فيلون، ابراهيم ،107 113؛ يوسيفوس، العاديات 1/11: 196)، ومثلهما فعل لوط (تك 19) ونوح (قض 13: 3 - 22) وطوبيا (12: 1 - 20)، ساعة ظنّوا أنهم يستقبلون مجرّد مسافرين. الظاهر في ((فيلوكسانيا)) (الضيافة) هو دومًا أقلّ من الحقيقة. في الواقع، استقبل المسيحيون الله (والمسيح) في إخوتهم، حين استضافوا أولئك الذين أرسلوهم (انغالوي). رج مت 10: 40 - 42؛ 25؛ 40، 45؛ يو 13: 20. كان بامكان الكاتب أن يتحدّث عن استضافة الله ((تيوكسانيا)) ولكنه لم يفعل خوفًا من أن يُفهم كلامه في إطار وثني، والآلهة تزور البشر (أع 14: 11؛ تشبّه الآلهة بالبشر). تحدّث الامبراطور يوليانس الجاحد في رسالة 49 عن ضيافة المسيحيين للغرباء، وقال، إنها كانت من أهم وسائل دعايتهم.
ثانيًا: أذكروا (آ 3)
تقدم آ 3 تعبيرًا آخر عن المحبّة الأخوية. هي تكلّف غاليًا، وتتطلب مبادرة وتجنّدًا: زيارة الاسرى ومدّ يد العون إليهم. فهم أكثر الناس جديرون بالشفقة، ولا سيّما إذا كانوا أبرياء وُوضعوا في السجن بسبب إيمانهم. فالمسيحي الذي امتلأ من محبّة الله، يحسّ نفسه سجينًا مع السجين (سيندادامانوي، مراحدة بيبليّة، رج 1 صم 18: 1؛ نفس يوناتان سجنت، تعلقت بنفس داود)، وهناك ما يدفع المسيحي إلى الرحمة: الخوف من مصير مماثل يصيبه. لقد شارك ((العبرانيون)) في آلام المعذّبين، متذكّرين أنهم بشر مثلهم ويمكن أن يصابوا مثلهم. ((إن سوماتي))، في جسد. رج 2 كور 5: 6. في الواقع، سُجن عدد من المسيحيين خلال الاضطهاد (10: 34)، فعرفوا عن خبرة ثقل مثل هذه المحنة. لهذا، أحسّوا نفوسهم قريبين من هؤلاء التعساء، فتصرّفوا معهم كأعضاء في جسد واحد (1كور 12: 26؛ 2 كور 11: 29). وعبّروا عن تعاطفهم بالصلاة (كو 4: 3، 18)، بالزيارات (مت 25: 39)، بالاحسان (10: 33 - 34؛ 2 تم 1: 6)، بالسعي لإطلاق سبيلهم. فالتذكّر يعني التفكير في شخص من أجل مساعدته (كو 4: 81)، وهو أبعد ما يكون عن الإهمال الذي هو نسيان (آ 2، 16).

ب - كرامة الزواج (13: 4)
بعد واجب المحبّة، يطلب الكاتب من المسيحيين ((العفّة)) (رج 12: 16) والابتعاد عن الفجور والزنى. فالمحبّة الاخوية والقداسة تسيران معًا (12: 11، 14). نحن هنا، لا أمام تمنٍّ وحسب، بل أمام واجب يُفرض على المؤمنين. ((غاموس)) يعني الزواج هنا فقط. ما عدا ذلك، فهو يدلّ على عيد الزواج ولا سيّما وليمة العرس (مت 22: 2 - 12؛ لو 12: 36؛ 14: 8؛ يو 2: 1). من الممكن أن يكون بعض المتعفّفين (1تم 4: 2) حاولوا أن يبعدوا الناس عن الزواج. ولكنه مؤسّسة جديرة بالاحترام (تيميوس). رج ((إن باسين)) عند الجميع، أو في جميع الاحوال، رج آ 18؛ 1 تم 3: 11؛ تي 2: 9.
يبقى على الزوجين أن يحافظوا على الشرائع الزوجيّة في علاقاتهما. ((كويتي))، مضجع. رج روم 9: 10؛ 13: 13. ((أميانتوس)) يُقال عن جسد طاهر (مك 8: 20)، امرأة عفيفة (حك 3: 13). ويُذكر الفسّاق والزناة. عملهم يتمّ في السرّ بحيث لا يراهم أحد. ولكن الله يدينهم (سي 23: 18ي)

ج - تجرّد وثقة بالرب (13: 5 - 6)
ما زلنا على مستوى الحياة الاجتماعيّة . مع آ 7 ي، ننتقل إلى مستوى الحياة الدينيّة. في آ 5 - 6 كما في 1 كور 5: 11؛ 6: 9 - 10 (رج أف 5: 3؛ كو 3: 5) تلتقي محبّة المال مع الفسّاق والزناة. ولا ننسى الوصيتين السادسة (لا تزن) والسابعة (لا تسرق). في هذه الآيات، يحذّر الكاتب المسيحيين من ثلاث شهوات: الأنانيّة (ضيافة، تضحية من أجل المسجونين). زنى وفجور. تعلّق بالمال حتى الجشع. يكون المسيحيون ((أفيلارغيروس)) (لا يحبّ المال) مثل أسقف أفسس. رج 1 تم 3: 3؛ مت 6: 24 - 34 (لا يعبد سيّدين)؛ 1تم 6: 6 - 10 (يرومون الغنى، يسقطون في التجربة). رأى الآباء اليونان أن ((العبرانيين)) الذين سُلبوا (10: 34)، حاولوا أن يجمعوا المال من جديد، فلم يعرفوا أن يتجنّبوا الجشع. ولكن التعلّق بالمال يعني التعلّق بالعالم، كما أن التعلّق بالزنى هو عبوديّة للجسد.
إن المسيحيّ المتجرّد، والعائش حسب الروح الانجيلية، يثق بالله ثقة دائمة، لأن عنايته لا تخيّبه. ((تروبوس)). رج 2 مك 5: 22: السيرة، طريقة العيش. لهذا، فهو يستبعد كل اهتمام للغد، بل يعيش كل يوم بيومه ((باروسين))، ويكتفي (أركيو، مت 25: 9؛ لو 3: 14؛ يو 6: 7) بما جنت يده. فالله لا يتخلّى عن الانسان ولا يتركه وحده. بل يعينه. أعلن تث 31: 6 (في صيغة الغائب): لا يهملك، لا يتركك. فجعلت عب الجملة في صيغة المتكلم حسب يش 1: 5 (رج تك 28: 15؛ 1 أخ 28: 20). تكرّرت النافية خمس مرات (مت 24: 21؛ لو 10: 19) فدلّت على ثقة عميقة بالعون الالهي. مهما كانت الظروف لن أتركك.
حوّل الكاتب النصّ الاصليّ. فكيّف هذه العبارة المطلقة مع تأكيدات العهد الجديد. هناك استعمال ((أنييمي)) (رج أع 16: 26) للكلام عن فكّ قيود سجين. واستعمال ((انكاتالايبو)) بفم المسيح المصلوب (مت 27: 46). فالمسيح المنتصر والممجّد الذي اختبر الضيق والعزلة والتخلّي، لن يترك يومًا تلاميذه بدون عون ولا مساعدة: فهو حاضر دومًا لديهم. إن فعل ((ايريكان)) (صيغة الكامل) يدلّ على أن العون الذي أعطي ما زال يُعطى. في هذين النصّين المأخوذين من الكتاب (مت 31: 6؛ مز 118: 6) يعد الله شعبه بأنه سيدافع عنه دومًا ويمنحه النصر. لهذا يحثّه على أن يكون قويًا ويتشجّع. فيبقى جواب الانسان على عناية الله. ((هوستي))، من هنا، إذن. ((تارونتاس)) اسم فاعل. نتجرّأ، نثق: إن العون الالهي لا ينحصر في طعام أو شراب. إنه يشمل حياة الشعب كلها. لهذا يستعدّ شعب العهد الجديد لمجابهة الصعوبات بثقة،فيردّد ما قاله مز 118: 6 (حسب السبعينية) الذي هو نشيد شكر يصل بالتطواف إلى الهيكل وينتهي أمام مذبح المحرقات حيث تُنحر الضحيّة. هذه الحاجة العباديّة والليتورجيّة هي في محلّها (رج آ 4؛ 12: 28). فالثقة بالله هي تأكيد على عنايته التي لا تترك طالبي القداسة (12: 14). ((بوئيتوس))، عون (مراحدة في العهد الجديد). هذه الصفة استعملها اليوناني العادي للكلام عن عون يحمله الآلهة (فدخلت في السبعينيّة)، ولا سيّما في صنع المعجزات.

2 - قراءة إجمالية
((أثبتوا على المحبّة الاخوية. لا تنسوا ضيافة الغرباء، إذ بها أضاف أناس ملائكة وهم لا يعلمون. أذكروا الأسرى كأنكم مأسورون معهم، والمجهودين (المعذّبين) كما أنكم أنتم أيضًا في جسد)) (13: 1 - 3)
نجد في ف 13 تحريضًا عمليًا واجتماعيًا وتنبيهًا تعليميًا (آ 1 - 17) يتبعه طلب الصلاة (آ 18 - 19) والنداء الأخير مع التحيّة (آ 22 - 25). طرح سؤال: هل ف13 هو حقًا من يد صاحب عب، وهل يتوافق مع مضمون العظة اللاهوتيّة التي نقرأها في ف 1 - 12؟ قيل: إذا انطلقنا من الألفاظ، اكتشفنا نفَسًا بولسيًا (أحد تلاميذ بولس). وقيل: الكاتب نفسه أضاف هذه الآيات. كانت هناك عظة، فكيفها ((المدبّر)) وجعلها بشكل رسالة. لهذا أضاف ف 13. لهذا يبدو أن الرسالة كلها من يد كاتب واحد. لقد سبق فقدّم تعليمًا خاصًا إلى أشخاص يعرفهم ويحبّهم ويوجّه كلامه إليهم كـ((إخوة)) و((إخوة قديسين)) و((الاحبّاء))، (13: 1، 2؛ 6: 9؛ 10: 8). لهذا جاء ف 13 كخاتمة رسائليّة مع تحريض وصلاة وسلامات.
المحبّة الأخوية التي يحثّ الكاتب قرّاءه على ممارستها، هي محبّة تسود أولئك الذين هم إخوة لأنهم مؤمنون. قال بولس: ((أحبّوا بعضكم بعضًا حبًا أخويًا)) (روم 12: 10). وقال: ((أما المحبّة الأخوية فلاحاجة بكم أن يكتب فيها إليكم. لأنكم أنتم بأنفسكم، تعلّمتم من الله أن يحبّ بعضهم بعضًا)) (1تس 4: 9). وتحدّث بطرس عن ((محبّة أخوية لا رئاء فيها)) (1بط 1: 22؛ رج 2 بط 1: 7، عب الأخوي المرتبط بالتقوى). لقد أعطى الكاتب المفتاح لفهم هذه العلاقة الاخوية في 2: 11ي: الاخوّة بين المسيحيين تنبع من المسيح الذي اتّحد معنا بالتجسّد فصار انسانًا. والذي تضامن معنا عبرخبرة الفداء الذي أتّمه لاجلنا. فالاخوّة المسيحية هي في جوهرها أخوّة في المسيح. هو الابن الوحيد (1: ،2 5ي)، وبالوحدة معه نشاركه في نعمة هذه البنوّة، ونُقبل فيه كأبناء الله. وبما أننا أبناء فنحن ورثة (روم 8: 14 - 17؛ أف 1: 5 - 7). 
إذا كانت الاخوّة تنبع من المسيح، فمحبّتنا كاخوة تنبع من محبّته أيضًا. فمحبّته اللامتناهية لأجلنا هي الينبوع والدافع لحبّ بعضنا بعضًا. من هنا وصيّة الرب في العليّة ليلة آلامه: ((هذه هي وصيتي: أن يحب بعضكم بعضًا)) (يو 13: 34؛ رج 15: 12، 17؛ 2 يو 5؛ 1يو 3: 11 ،14، 16 - 18؛ 4: 7 - 12). وفي هذا الخط كتب بولس: حين نرى كمسيحيين أننا نشارك في بركة محبّة الله العظمى في المسيح، فكيف نتصوّر أن لا يحبّ بعضنا بعضًا. فمحبّة الله في يسوع المسيح ربنا، التي لا يمكن لأحد أن يفصلنا عنها (روم 8: 38 - 39) تتجلّى بشكل خاص في محبّتنا داخل الكنيسة: ((أيها الأحبّاء، إن كان الله يحبّنا، فعلينا أن نحبّ بعضنا بعضًا)) (1يو 4: 11).
أحبّ ((العبرانيون)) بعضهم بعضًا، وهم يتحدّرون من شعب واحد. لهذا يدعوهم الكاتب ليتذكّروا الأيام السابقة حيث ارتبطوا برباط الحبّ والرحمة (10: 32 - 34). وهو يطلب منهم الآن أن يستمرّوا في هذه المحبّة الأخوية. تراخوا في إخوّتهم تجاه الغرباء، فهل يتراخوا مع أعضاء الكنيسة. لهذا دعاهم إلى أن لا ينسوا (أن لا يهملوا) ضيافة الغرباء، ((محبّة الغرباء)) (كما في الأصل اليوناني). فالضيافة المسيحيّة تدلّ على أمانة وصدق تجاه حبّ افتُدينا به وهو يوحّدنا كإخوة في المسيح. لهذا قيل لغايوس: ((أيها الحبيب، إنك تعمل عمل الايمان في ما تصنع إلى الاخوة، ولا سيّما وأنهم غرباء. فإنهم قد شهدوا لمحبّتك أمام الكنيسة)) (3 يو 5 - 6). فالضيافة الحقيقيّة تنبع من معين الحبّ الالهي الذي تجلّى لنا ساعة كنا بعد خطأة (روم 5: 8). لهذا يجب أن تكون طوعيّة، غير مكرهة، حرّة من كل تباه وتظاهر. حين طلب بطرس من المؤمنين أن يحبّوا بعضهم بعضًا، قال: ((أضيفوا بعضكم بعضًا على غير تذمّر)) (1 بط 4: 8 - 9).
وتمتدّ المحبّة الاخويّة إلى المؤمنين الذين في الأسر، أو في السجن. هؤلاء لا نستطيع أن نستضيفهم. اذن، نتذكّرهم: نصلّي لاجلهم. نخدمهم قدر الامكان وحسب حاجتهم. فالايمان والحبّ يوحّداننا بهم. لهذ نحسّ معهم، نتعاطف. في 10: 34 قالت عب: ((تألمتم مع الذين في القيود))، أحسستم معهم بالألم. وقال يسوع: ((كنت محبوسًا فأتيتم إليّ)) (مت 25: 35). وأوصى بولس باونسيفورس قائلاً: ((رحمة الله على بيته، لأنه كثيرًا ما فرّج عني ولم يخجل من قيودي)) (2 تم 1: 16). ويشجّع كاتب الرسالة قرّاءه على أن يذكروا الذين يعامَلون معاملة سيّئة، الذين يلقون العار والضيق والسجن شهادة للمسيح. فما حصل لاخوتكم يمكن أن يحصل لكم. فلستم أرواحًا تنجو من هذه المضايقات. أنتم تساعدونهم الآن، فيساعدونكم فيما بعد. نفعل للغير ما يريد أن يفعله الغير لنا (مت 7: 12). وكان بولس قد قال في حديث حول المدد للقدّيسين في أورشليم: ((في الأحوال الحاضرة، ستسدّ فضالتكم عوزهم، لكي تسدّ يومًا فضالتهم عوزكم، فتحصل المساواة)) (2 كور8: 14).
((ليكن الزواج مكرّمًا عند الجميع، والمضجع بلا دنس، لأن الله سيدين الفسّاق والزناة. نزّهوا سيرتكم عن حبّ المال، قانعين بما عندكم، فان الله نفسه قد قال: لا أخذلك ولا أهملك. فنستطيع إذن أن نقول في ثقة: الرب عوني فلن أخشى. وماذا يصنع بي الانسان))؟ (13: 4 - 6)
كانت بلبلة في بداية الكنيسة، ربّما كردّة فعل على مناخ صوّره بولس في بداية رسالته إلى رومة (1: 23 - 27)، اعتبرت أن الزواج نجاسة ونادت بالعفّة التي صارت مرادفة للقداسة. مثلاً نبّه بولس في 1 تم 4: 3ي من الذين يريدون أن يمنعوا الزواج. وأضاف تفسيره: ((كل ما خلقه الله صالح، ولا يُرذل شيء إن قُبل بالشكر، لأنه يقدَّس بكلمة الله والصلاة)). وسيتوسّع المونتانيون في الغرب في هذه النظرة إلى الزواج. ونادى أبناء العهد وبنات العهد في الشرق بالعفّة يعيشها حتى المتزوّجون في بيوتهم. أترى نحن أمام تأثير أسياني وصل إلى قرّاء الرسالة؟ هذا ما يقوله عدد من العلماء.
تحدّث الكاتب عن كرامة الزواج، وحذّر من الزنى. داخل البيت: ليكن فراش الزوجيّة طاهرًا. فلا علاقات زوجيّة خارج الزواج. وكان تنبيه عام: الله يدين الزناة. في هذا قال بولس: ((إن غضبَ الله معلن من السماء على أبناء المعصية)) (أف 5: 6). ويتابع: ((لا تشتركوا معهم (أي الزاني...) في شيء)) (آ 7). وقال في 1تس 4: 3 - 7: ((إن مشيئة الله أن تقدّسوا نفوسكم بأن تمتنعوا من الزنى... يحفظ الانسان جسده في القداسة والكرامة، ولا ينقاد لتيّار الشهوة... فإن الله لم يدعُنا إلى النجاسة بل إلى القداسة)).
الزنى تجربة أولى. والجشع (وحبّ المال) تجربة ثانية تهدّد قرّاء الرسالة. فالوصية السابعة (لا تسرق) تلي الوصيّة السادسة. فكأننا أمام نظرة إلى الوصايا كما نجد مرارًا في العهد القديم. هنا نتذكّر بولس في 1تم 6: 9: ((الذين يرومون الغنى يسقطون في التجربة، وفي الفخّ، وفي جمّ من الشهوات السفيهة المضرّة التي تغرق الناس في الدمار والهلاك)). ثم قال في آ 10: ((حبّ المال أصل كل الشرور)). أما النصيحة فنقرأها في آ 6 - 7: ((التقوى تجارة عظيمة على أن تقترن بالقناعة. إنّا لم ندخل العالم بشيء، ولن نستطيع أن نخرج منه بشيء)). والنصيحة العمليّة: ((لنا القوت والكسوة. فلنقتنع بهما)) (آ 8). ويقول بولس عن نفسه وعن رفاقه في الرسالة: ((كأن لا شيء لنا ونحن نملك كل شيء)) (2 كور 6: 10). كما يقول في فل 4: 11 - 12: ((تعلّمت أن أكون قنوعًا في كل حال. أعرف أن أعيش في العوز وأعرف أن أعيش في السعة. لقد روّضتُ نفسي في جميع الأحوال وفي كل منها، على الشبع وعلى الجوع، على الرفاهة وعلى الفاقة)).
هكذا بدا في خط معلّمه الذي لم يكن له على الأرض موضع يُسند إليه رأسه (مت 8: 20)، والذي قال: لا تقوم حياة الانسان بوفرة ما يملك من مال (لو 12: 15)، والذي أوصى تلاميذه بأن يكون كنزهم في السماء حيث لا يتلف عثّ ولا صدأ (مت 6: 20)، ونبّههم أن المهم ليس أن نكون أغنياء في نظر الناس، بل في نظر الله (لو 12: 21). فأسقف كنيسة لادوكية حسبَ نفسه غنيًا فما عاد يحتاج إلى شيء. فقيل له: ((كم أنت بائس مسكين فقير)) (رؤ 3: 17). هو يحتاج إلى ((ذهب)) من المسيح، لا من العالم حيث ينقب اللصوص ويسرقون (مت 6: 19). فالمسيح الذي كان غنيًا افتقر لكي يغنينا بفقره (2 كور 8: 9) . فماذا نفعل نحن لنردّ على السخاء بالسخاء؟ ولماذا لا نثق بأن ((الله يوفي حاجتنا كلها بما له من غنى عظيم في المسيح يسوع)) (فل 4: 19).
يبدو أن الذين كُتبت إليهم هذه الرسالة نسوا كيف أنهم في الأيام السالفة رضوا بفرح بأن تُنهب أموالهم عالمين أن لهم ((ثروة أفضل وأبقى)) (10: 34). ويبدو أن التجارب هاجمتهم، فخسروا بعض إيمانهم. وشكّوا بعض الشيء باهتمام أبيهم السماوي بهم (مت 6: 25 - 34: لا يهمّكم... ماذا نأكل؟ ماذا نشرب؟ ماذا نلبس)، مع أنه يهتمّ بطيور السماء وزنابق الحقل. لهذا، ذكّرتهم الرسالة بوعد الله الذي اختبرته الأجيال السابقة وما خابت: لا أخذلك، لا أهملك. قيل هذا الكلام لموسى (تث 31: 6) وليشوع (يش 1: 5). وقال لسليمان داود والدُه: ((لا تخف ولا ترهب، لأن الرب إلهي معك. فهو لا يتخلّى عنك ولا يهملك)) (1 أخ 28: 20). من أجل هذا، يستطيع المؤمنون أن يقولوا مع المرتّل: الرب عوني. وفي النهاية نعرف أن كل شيء لنا شرط أن نكون للمسيح (1 كور 3: 21 - 22). فلا يبقى سوى أن نترك الفرح يسيطر على حياتنا والثقة في قلبنا، بعد أن نلنا نعمة الله وقدرته في ربنا يسوع المسيح.

خاتمة
تلك هي بعض الأمور العمليّة التي يقدّمها الكاتب في نهاية عظته، أو بالاحرى في نهاية رسالته: المحبّة الأخويّة وما يعارضها. الزواج والزنى. التجرّد عن المال والجشع وحب المال. الثقة بالرب تجاه الهموم التي يحسّ بها المؤمن ساعة يكون العالم عدوًا له، بل ساعة يحسّ أن أهل بيته هم أعداؤه. من أجل هذا رسمت عب أمام القرّاء بعض المواقف المسيحيّة. واللائحة يمكن أن تطول. ولكن هذا يكفي، لا سيّما وأن الرسول يبدأ بالمحبّة. فالمحبّة هي ينبوع سائر الفضائل المسيحيّة. فقد قال بولس في غل 5: 22: ثمرة الروح هي المحبّة. ومن المحبّة ينبع الفرح والسلام وطول الأناة... وعندما تطلب عب من المؤمنين أن يمارسوا المحبّة الأخوية تفهمهم أن متطلّبات المحبّة لامحدودة. لهذا كانت الطريق إلى القداسة بعيدة جدًا، لأنها في النهاية تشبّهٌ بالله الذي هو محبّة. فما علينا سوى أن نبدأ الطريق فندلّ على محبّتنا في العمل والحق لا في القول والكلام فقط.
الفصل التاسع والثلاثون

الأمانة للتعليم
13: 7 - 17

وهكذا نصل إلى نهاية القسم الخامس (12: 14 - 13: 18) مع مقطع أخير يقدّم النظرة الدينيّة الصحيحة والنظرة الدينيّة الخاطئة (13: 7 - 17). توقّفنا عند آ 17 ولم نصل إلى آ 18 ولا إلى آ 19 لأسباب عمليّة، وهكذا يكون الفصل التالي الذي عنوانه خاتمة الرسالة، 13: 18 - 25. يبدأ هذا الفصل (آ 7 - 17) بين نداء يطلب من القرّاء أن يحفظوا الايمان الذي تلقّوه من معلّمين سابقين، من مدبّرين كلّموهم بكلام الله، وصاروا الآن في دار الخلود. ونداء يدعو القرّاء إلى الطاعة والخضوع لمدبّرين يهتمّون بهم الآن. فالتعليم الذي يعود إلى المسيح، والذي انتقل من جيل أول إلى جيل ثان وثالث، هو هو أمس واليوم وإلى الأبد. فلا نتعلّق بالأشخاص مهما كان مركزهم رفيعًا، بل بكلمة الله التي بدأت صغيرة كحبة الخردل، ونمت، وما زالت تنمو. ونحن حين نتعاون مع المسؤولين في جماعاتنا نساعد هذه الكلمة على النموّ، كما نساعد المسؤولين على خدمة الكلمة بسرور وفرح، وكل هذا من أجل فائدة الكنيسة.

1 - تفسير الآيات
بعد مقدّمة تذكّر القرّاء بمدبّريهم وبما علّموهم (13: 7)، يرد التوسيعُ حول مسألة عرفها العالم اليهودي: الطعام بحسب الشريعة (آ 8 - 16). وهكذا نظلّ في هذا التجاذب بين العهد القديم والشرائع حول الأطعمة، والعهد الجديد الذي يتطلّع إلى النهاية في خط المشاركة بذبيحة المسيح. والخاتمة (آ 17) تعود إلى المدبّرين، إلى رؤساء الجماعة، الذين يبدو الكاتب واحدًا منهم. فهو مثلهم يحتاج إلى صلاة الجماعة ليقوم بخدمته بسرور، لا بكرب. واهتمامه أن يكون خدمَ الخدمةَ الصالحة بضمير نقيّ.
أ - المقدمة (13: 7): أذكروا مدبّريكم
مع هذه الآية التي تتحدّث عن الجيل الأول من المعلّمين الذين رقدوا، نبدأ فصلاً جديدًا موضوعه: الأمانة للمسيح الذي يقدّسنا. هذا يتضمّن تجرّدًا جذريًا عن شعائر العبادة الموسوية، وتعلّقًا بتعليم ((المدبّرين)) ومثَلهم. ((هيغومانوس)). هو لقب خاص بالله (الرب هو الراعي، ومع ذلك فقد قال لبطرس: إرع خرافي). ولكننا لا نجده في الرسائل إلاّ في هذا المكان. هناك فعل ((هيغيوماي))، سار أمام، قاد، وجّه، أمر. يدلّ على الاولويّة والسلطة والقيادة. قد يكون قائدًا حربيًا (1 مك 9: 30) أو سياسيًَا: ملك، أمير (سي 17: 17؛ 41: 17)، حاكم (أع 7: 10). قابل سي 33: 19 بين ((مدبّري (هيغومانوي) الكنيسة وعظماء (ماغيستانس) الشعب))، فدلّ على المعلّمين الذين ينقلون التعليم في الجماعة. في بداية المسيحيّة سُمِّي عظيم الكهنة ((مدبّر)). ونسب مت2: 16 اللقب إلى المسيح الذي يرعى شعب الله (عب 13: 20). والرب نفسه طلب من رسله (الوكيل...) أن يكونوا ((دياكونون)) (خدّامًا) بالنسبة إلى المؤمنين (لو 22: 26). ينتج من هذه المعطيات أن المدبّرين هم رؤساء الجماعة. لهم سلطة على إخوتهم. وينعمون بعدد من المواهب (أع 15: 22 - 23، يهوذا وبرسابا وموهبة النبوءة). المدبّرون هو موجّهون وقوّاد، يعملون عمل الراعي، ويدلّون الرعيّة على الطريق. هم يشبهون إلى حدّ بعيد ((إبيسكوبوي)) (الاساقفة)، ((برسبيتاروي)) (الكهنة أو القسس) كما في الرسائل الرعائية، أو ((بروأيستامانوي)) (المترئّسون) كما في 1تس 5: 12. هم يرئسون ولكن كخدّام إخوتهم، كما يقول الانجيل (مر 10: 35).
إذن، تألّفت الكنيسة من ((هيغومانوي)) ومن ((هاغيوي)) (قديسين)، من مدبِّرين (بكسر الباء) ومدبَّرين، من مرشدين ومرشَدين (عب 13: 24). سلّم الله هؤلاء إلى أولئك الذين هم مسؤولون عنهم. لهذا طُلب من المؤمن الخضوع والطاعة (آ 17). ليست سلطة المدبّر سلطة مطلقة، بل ترتبط بسلطة الله. يُطلب منهم أن يختاروا قوّاد شعب الله خلال حجّهم في هذا العالم المعادي (3: 7 ي) إلى الوطن السماوي (13: 14)، في الطريق الذي رسمه القائد (ارخيغوس) .
بما أن على ((العبرانيين)) أن لا ينسوا هؤلاء الرجال المكرّمين، فهذا يعني أنهم ماتوا استشهادًا (ربّما) في أحد الاضطهادات (آ 3؛ 10: 32 - 34). وصلت مقاومتهم حتى الدمّ. وقد تكون الطريق مفتوحة أمام المؤمنين (12: 4). ((إكباسيس)) خروج، ابحار: استعارة بحاريّة (رج 2 تم 4: 6). ثم عاقبة، نهاية. يعني: كيف انتهت حياتهم. كيف ماتوا. ماتوا شهداء حفاظًا على إيمانهم. فيجب على المؤمنين أن يقتدوا بهم. رج ((إكسودوس)) (لو 9: 31، خروج المسيح من هذا العالم، 2 بط 1: 15؛ اريكسيس، موت موسى، يوسيفوس، العاديات 4/8: 315؛ أع 20: 29 وموت بولس). المضاف إليه ((أناستروفي))، طريقة التصرّف، السلوك، نوعيّة الحياة. يقابل ((تروبوس)) (آ5). دلّ الكاتب على أن موت ((المدبّرين)) كان تتويجًا لحياة مثاليّة. حياتهم كانت حياة في الايمان، فكلّموا (لالاين، أع 4: 31) الناس بكلام الله، وقادوهم إليه (2: 3). وحين سفكوا دمهم، أعطوا الشهادة العظمى عن يقينهم ورجائهم (ف 11). 
فعلى المؤمنين أن يتأمّلوا في كل عمل من أعمالهم، وأن يتوقّفوا بشكل خاص عند مدلول موتهم وما فيه من إيمان وشجاعة. ((أناتيوريو)): تفحّص بدقّة، تطلّع وتطلّع (أع 17: 23. لا نجد بعد هذا الفعل في البيبليا). بعد ذلك، يسيرون حسب تعليمهم وحسب مثلهم، يقتدون بهم أقتداء (ميميوماي، 6: 12). ((بستيس)) تدلّ هنا على فضيلة أساسيّة تُلهم الحياة الخلقية وتمنحها القوّة والشجاعة. إيمان المدبّرين هو سرّ تصرّفهم (أناستروفي) في حياتهم وفي مماتهم. وإيمان التلاميذ يشبه إيمانهم: فهم أيضًا أبناء الايمان (10: 39).

ب - التوسيع (13: 8 - 16): مسألة الاطعمة 
هنا يبدأ الموضوع في مقدمة (آ 8 - 9) تدعو القرّاء إلى التعلّق بيسوع، لا بشرائع قديمة عفّاها الزمن. ويتواصل في كلام عن عبادة الخيمة والمشاركة في ذبيحة المسيح. لا توافق بين الاثنين، وعلى ((العبرانيين)) أن يختاروا. لا يمكنهم بعد اليوم أن ((يعرجوا)) (12: 14) فيذهبوا تارة إلى المجمع ليصلّوا مع اليهود، وطورًا إلى الكنيسة ليشاركوا في ذبيحة المسيح (آ 10 - 13). وبعد أن يتحدّث عن الأساس الاسكاتولوجي (آ 14) الذي يفتحنا على المدينة الباقية، يصل إلى العبادة الحقيقيّة التي هي اعتراف باسم الله (آ 15) وحياة سخيّة في خدمته (آ 16).
أولاً: لا تنخدعوا (آ 8 - 9)
إن آ 8 التي لا ترتبط بأداة بما سبق، بل تبدو بشكل مقدّمة تُشرف على التوسّع التالي. إذن هي انتقالة. نجد فيها اعتراف إيمان قد يكون أجمل ما في العهد الجديد على مستوى التعليم (رج كل ما قيل عن المسيح كالحبر الرحيم...)، وعلى المستوى النفسي (لا تقلّب ولا تحوّل كما في النظام الأول. هو كاهن إلى الأبد). كان يسوع المسيح قلب كرازة المدبرين، وينبوع قداسة حياتهم. من أجله ماتوا. غير أن فراقهم سبّب لدى المسيحيين الذين حُرموا من مثَلهم وتعليمهم وسندهم، عاطفة فراغ مؤلمة وتخوّفًا كبيرًا من المستقبل. فمن يقودهم بعد الآن؟ لهذا ذكّرهم الكاتب بأن لا ينسوا هؤلاء المدبّرين، وذكّرهم بشكل خاص أنه إن مضى الناس، فالمسيح يبقى، وبه نتعلّق، وهو يحفظ جماعته ممّا يهدّدها من ضلال تعليمي (آ 9). أما تعلّق أهل كورنتوس ببطرس وبولس وابلوس، ونسوا أن المسيح هو الذي صلب لاجلهم وبه اعتمدوا (1 كور 1: 12 - 13)؟
هذه العبارة (هو هو أمس واليوم وإلى الأبد) التي تستلهم مز 102: 13، 28 (وأنت يا ربّ تقيم إلى الأبد، وإلى جيل فجيل ذكراك. أما أنت فلا تتغيّر وسنوك يا رب لا تفنى)، تطبّق على الله (رج تث 6: 4؛ الرب الهنا واحد). نفهمها هنا كلامًا حول ألوهيّة المسيح. لهذا رأى فيها كيرلس الاسكندراني وتيودوريتس القورشي، وامبروسيوس (الايمان 5/1: 25) كلامًا حول وجود المخلص مند الأزل. رج 1: 10؛ رؤ 13: 8. وهناك رأي ينطلق من السياق. ((أمس)) (إختس)، ((اليوم)) (سيمارون). رج خر 5: 4_ 2؛ صم 15: 20؛ سي 38: 22؛ 1 مك 9: 44. فيسوع الذي عاش في فلسطين، ومات وقام (أمس) هو نفسه حاضر اليوم مع المدبّرين الذين ينقلون كلمة الله (آ 7؛ 2: 3). هو المخلّص ووسيط العهد الجديد بصلبه وموته وقيامته، هو اليوم حاضر بالنسبة إلى قرّاء الرسالة، وسيظل كذلك إلى الأبد (أيوناس، آ 21؛ 6: 20؛ 7: 17). فهو الجالس عن يمين الله (4: 14). مبدئ إيماننا ومكمّله (12: 2). هذا يعني أن موضوع الايمان لا يتبدّل، ونحن نتعلّق به ((اليوم)) (3: 15).
نجد هنا رأيين. الأول تحدّثنا عنه، وهو يدلّ على استمراريّة عمل المسيح: هو هو أمس واليوم وإلى الأبد. وهناك رأي آخر يقرأ الآية كما يلي: يسوع هو المسيح. عندئذ يكون التشديد على حياة المخلّص الأبّدية، لا على موضوع الايمان. فالانسان يسوع الذين وُلد في بيت لحم ومات على أيام بيلاطس البنطي هو المسيح حقًا (أع 2: 36؛ 9: 22؛ 18: 5، 28؛ 1يو 2: 22؛ 5: 1). إن هذه العبارة الايمانيّة هي التي علّمها المدبّرون، في وجه ((التعاليم المتنوّعة والغريبة)) (آ 9) ، وهي قريبة ممّا في 1 كور 2: 2 (لا أعرف بينكم غير يسوع)؛ 16: 2؛ رؤ 22: 20 (مرانا تا: تعال أيها الرب يسوع. أو مران أتا: جاء ربنا).
تشير آ 9أ إلى تعاليم متنوّعة ترجع في معظمها إلى مناخ يهودي، وتهدّد أرثوذكسيّة الجماعات المسيحيّة (أع 10: 29 - 30؛ غل 1: 6 - 7؛ أف 4: 14؛ 5: 6؛ كو 2: 8، 18 - 23...). لهذا، أضاع عدد من المسيحيين إيمانهم. فجاء الكاتب يحذّر قرّاءه أن لا يحيدوا عن الطريق القويم (بارافارو، انجرّ، مال، حاد، بدّل، شوّه، رج يهو 12؛ باراريو، 2: 1). الخطر حاضر الآن وهو ملّح (الأمر المجهول). ولا نستطيع أن نحفظ نفوسنا بدون قلب (إرادة) قويّ ومستقيم. نجد هنا ((كردويا)) و((بستيس)) كما في 10: 22. ((كالوس))، حسن، جميل، رج روم 14: 21؛ 1 كور 7: 1؛ جدير (1تم 1: 8). الله وحده يعطي (الموهبة السماويّة؛ 6: 4) ثبات (بابايوس1كور 1: 8؛ 2 كور 1: 21؛ كو 2: 7) القلب، ويربط المؤمن بيسوع المسيح. هي نعمة (خاريس) من لدنه تعالى. 
في آ 9 ب كلام عن الأطعمة. هناك نوعان من المؤمنين: من يطلب الثبات في الحياة المسيحيّة في نعمة روحيّة، ومن يطلب الخلاص في ممارسات خارجيّة، ولا سيّما على مستوى الطعام. هناك من يؤخذ بتعاليم (ديداخايس) غريبة (كسانايس). ولكن تعدّدها، تنوّعها (بويكيلايس)، يدلّ على أنها غير ثابتة. نجد هنا أناسًا يبحثون عن ينبوع جديد لحياتهم الدينيّة ((بروماتا)) (أطعمة). هي ممارسات نسكيّة كما في روم 14: 15، 20؛ 1تم 4: 3؛ كو 2: 16 ،21 - 22. في الواقع، تُستعمل هذه اللفظة للتمييز بين أطعمة طاهرة وأطعمة نجسة (لا 11: 34؛ 1 مك 1: 65). وهكذا نكون أمام عودة إلى الممارسات اليهوديّة التي خسرت كل قيمتها مع النظام الجديد الذي أسّسه المسيح. قد يشير الكاتب إلى مشاركة في أكل حمل الفصح أو ذبيحة السلامة (لا 19: 5 - 6؛ 22: 29). أو إلى التمييز لدى اليهود بين طعام وطعام. ولكن كل هذه الممارسات لا تنفع من أجل تقديس المؤمنين (9: 10؛ رج 1 كور 8: 8). غير أن بعضهم يعود إليها لأنها منظورة. أما تلميذ المسيح الذي يعود إليها، فهو لا ينتفع في شيء، بل هو ينحدر عن تعليم الخلاص ليعود إلى الممارسات الموسويّة. هل استطاع الحبر اللاوي أن يؤمّن مغفرة الخطايا له ولشعبه؟ 
ثانيًا: نخرج للقاء يسوع (آ 10 - 13)
* عبادة في الخيمة الموسويّة (آ 10 - 11)
ذكرُ الطعام المهمّ جدًا لليهود من الوجهة الدينيّة، يدفع الكاتب لأن يُسند إرشاده الاخلاقي ببرهان جدليّ (آ 10 - 16)، فيعود مرّة أخرى إلى موضوع الرسالة الرئيسي: التعارض بين التدبيرين. ((إخومن)). لنا. هم لهم، ونحن لنا (رج مجامعهم، الغائب الجمع في مت، أي مجامع اليهود). اليهود لهم احتفالات فخمة. أما اليهود المهتدون إلى المسيحيّة فطقوسهم فقيرة: لا طقوس ذبائحية، لا مشاركة في الأطعمة، لا أمور خارجيّة تلفت النظر. ماذا يبقى من الدين؟! هذا ما ذكّرهم به اليهود الذين لم يهتدوا. ولا ننسى الحرم الذي أصاب من يعترف بأن يسوع هو المسيح (يو 8: 22). فأجاب الكاتب: ما لنا أفضل ممّا لهم. لنا مذبح خاص بنا، وقيمته رفيعة (4: 14؛ 8: 1، عظيم كهنة يجلس عن يمين الله)، أما اليهود فلا يشاركون في ذبيحة التكفير. نحن نشارك في الذبيحة الوحيدة التي تكفّر الخطايا. أما هم فلا. وهكذا تشكل آ 10 - 12 توازيًا تناقضيًا بين عبادة العهد القديم وعبادة العهد الجديد: لنا، ليس لهم. دم (هايما)، حيوانات (زوون). سكيني (خيمة). ((تيسياستيريون)) (مذبح). وهكذا يبدأ التقابل النمطيّ بين الظلّ والحقيقة.
((سكيني)) (8: 5؛ 9: 2 ،3، 8). المسكن، الخيمة الموسوية، الهيكل. وفي النهاية، مجمل شعائر العبادة الماسويّة. خدّامه هم الكهنة اليهود (لاتروو = لايتورغاين، خدم الذبيحة. لا يقوم بالعمل سوى الكهنة، 8: 5؛ 9: 9؛ 10: 2؛ رج حز 45: 4). وحدهم يستطيعون أن يأكلوا من الذبائح التي نحروها (1كور 9: 12 - 13). وهكذا يرتبط الأكل والذبح ربطًا وثيقًا (1كور 10: 18)، إذا عدنا إلى ((إخومن)) (لنا) و12: 28، نفهم أن بني اسرائيل كانوا يشاركون في عبادة مركّزة على الهيكل. هناك مقابلة بين ((خدمة المسكن)) و((خدمة الله))، بين خدمة شيء وخدم شخص حيّ، خدمة الاله الحيّ. تدل الخيمة على ما هو مؤقت وناقص. وهي تُعارض المدينة ذات الأسس (11: 9؛ رج 9: 11، 24) ومقام الله في السماء (12: 22ي). تدلّ هنا على النظام الموسوي الذي زال (8: 5؛ 9 - 21)، كما يزول الظلّ أمام الحقيقة. 
((تيسياستيريون)) يقابل ((سكيني))، ويدلّ على قلب العبادة الجديدة. المسيح المذبوح (هناك من تحدّث فيما بعد عن الافخارستيا لأنها ذبيحة ولكنّنا أمام معنى متفرّع). تدلّ آ 11 - 12 على أن الكاتب ينظر إلى ذبيحة الصليب الذي هي الذبيحة الوحيدة التي تعرفها المسيحيّة. فالمسيح الفادي بدمه المراق على الصليب، اجتاز ((المسكن السماوي)) (9: 11)، اجتاز الحجاب السماوي (10: 20)، فنضح بدمه المذبح الذي هو جسده. فالجسد يتماهى مع المذبح. 
((لا يحقّ أن يأكلوا منها)). هنا نتذكّر الوليمة المقدّسة التي تتبع الذبيحة: فمن أكل من لحمها، أخذ ثمار الذبيحة (ولكن أي ثمرة من هكذا ذبيحة). صار مشاركًا (1 كور 10: 18)، صار له نصيب (1كور 9: 13). بما أن للمسيحيين مذبحًا، فهناك ذبيحة وطعام مقدّس. وحين يأكلون (مت 26: 26؛ يو 6: 50ي؛ 1 كور 11: 29)، يأخذون ثمار الفداء، يشاركون في ذبيحة المسيح (3: 14). هكذا نكون في إطار الافخارستيا مع ((فاغاين))، ((سوماتا))، ((تيسياستيريون، أكل، جسد، مذبح. بالايمان تتمّ المشاركة في الذبيحة كما قال تيودوريتس، ويقابل الكاتب بين ذبيحة المسيح التي نأكل منها، وذبيحة يوم كيبور. لا يحق. لا امكانيّة (اكسوسيا). وهكذا نصل إلى الفكرة الاساسيّة: لا يحقّ للمشاركين في الذبائح الموسويّة (مسيحيون تراجعوا) أن يشاركوا في ذبيحة المسيح، ولا أن يقطفوا ثمارها من مشاركة في الفداء وتطهير من الخطايا واقتراب من الله.
وتتوسع آ 11ي في التفسير التيبولوجي، النمطي، فتقابل بين ذبيحة المسيح والاحتفال بعيد التكفير (9: 12 ،14، 24 - 26). فالحيوان الذي يُنحر أمام المذبح، يؤخذ خارج المحلّة ويُحرق (لا 16: 27. هي المرة الوحيدة يُستعمل ((زوون)) لتدلّ على حيوانات الذبائح، في البيبليا). نقابل ذبيحة ((الحيوان)) مع ذبيحة يسوع. إلى أي مستوى يقف العهد القديم، وما أتعس المسيحيين الذين يعودون إليه!
* دم يسوع (آ 12 - 13)
قدّم المسيح دمه ليطهّر (1: 3) الشعبَ الجديد ويقدّسه (9: 12 - 14: هاغياسي، 10: 10؛ 12: 14؛ تي 2: 14). وهكذا حقّق طريقةَ الاحتفال بيوم التكفير. ((ديو كاي))، لذلك، لهذا السبب. لا بدّ من تتميم هذه الصورة النبويّة التي تجد حقيقتها فيه. وهكذا كان موته تكفيريًا (باسخو، تألم، مات). توقّف الكاتب فقط عند الدم، وما توقّف عند نحر الذبيحة خارج المحلة. بل اكتفى بأن يقول إن يسوع مات خارج باب المدينة، خارج أورشليم (وهو أمر تاريخيّ). في آ 11 قال: ((بارامبوليس)) (المحلة). وهنا ((بيليس)) (الباب). لم نعد أمام الخيمة التي تنتمي إلى نظام عابر، بل أمام المدينة الثابتة، أورشليم. هناك نُصب إلى الأبد (آ 8) مذبحٌ يأكل منه المسيحيون (آ 10). 
في آ 13 انطلق الكاتب من تحديد جغرافي يتعلّق بصلب يسوع (يو 19: 20)، ففسّره في معنى ينطلق من الحرفيّ إلى الروحيّ. ((لذلك)) (توي نين، رج لو 20: 25). انطلاقًا من ذبيحة المسيح المقدسة وظروفها، على المسيحيين أن يخرجوا حالاً من المحلة (إكسارخوماي، صيغة الحاضر، 3: 16؛ 11: 8). أي يعتبرون نفوسهم منفيّين في هذا العالم (آ 14) الذي هو أرض الخطيئة (كيرلس، الذهبي الفم). وبالأخص يخرجون من نظم الشعب القديم (تيودوريتس)، ويتخلّون عن ممارساته الطقوسية وعبادته الأرضيّة (آ 9ي) . فموت يسوع خارج المدينة يعني أنه لم يعد من العالم اليهوديّ وتدبيره. غاب كل تضامن بينه وبين الذين ظلوا متعلّقين (أو عادوا إلي) بالمجمع. هنا نفهم كلام يسوع في خطبة خبز الحياة: ((ما من أحد يجيء إليّ إلاّ إذا اجتذبه الآب الذي أرسلني)) (6: 44). ويبدو أن الخروج من المدينة، يدلّ على الخروج من هذا العالم والصعود إلى السماء. وبما أن المسيحيين يتّحدون به، فقد استبعدوا من الممارسات الموسويّة، ودخلوا به إلى الله. نقرأ ((إكسارخوماتا)) (لا ((فوغاين)) هرب) الذي هو عمل إرادي به ينفي الانسان نفسه، يبتعد.
إن قطع كل رباط ديني مع الماضي اليهودي هو شرط سلبي لكي ننضمّ إلى المسيح الذي دخل المعبد السماوي وأقام فيه (المعبد الأول كان خارج المحلة، خر 33: 17). فموضوع الرجاء المسيحي هو كله في اللامنظور، في السماء، في المستقبل. دخل المسيح كـ ((ارخيغوس)) و((برودروموس))، ونحن نتبعه في طريقه. ولكن هذه الطريق، التي هي في الواقع طريق المنفى، لا تتمّ بدون تجرّد مؤلم. حمل المسيح عاره، والمسيحيون الذين يتركون العبادة اليهودية، يرفضون المساومة (غل 5: 11) والتضامن مع الذين مارسوا معهم طقوسهم، فيحملون هم أيضًا عار المسيح (11: 26؛ 12: 2، فارو، أي أخذ على عاتقه، اتخذ).
تلك هي خاتمة رسالة تتوجّه إلى يهود اهتدوا إلى المسيح وها هم يرتدّون عن المسيح. ليقتنعوا بأن العهد القديم عابر ويتفوّق عليه العهد الجديد مع ذبيحته التكفيريّة التي يقدّمها يسوع المسيح الحبر الجديد. فهل هم مستعدون لأن يقطعوا كل رباط ديني مع اسرائيل ويهربوا إلى المدينة السماوية. غير أن هذا الهرب يعني ((منفى)). هو منفى بالنسبة إلى العالم. هو خروج من المحلة، من الباب. ولكننا لن نكون وحدنا. فحبرنا أيضًا خرج من الباب، ونحن نسير وراءه حاملين عاره.
ثالثًا : المدينة الآتية (آ 14)
هنا يقدّم الكاتبُ الأساسَ الذي يربط هذا التفوّق بنهاية الأزمنة. فالطقوس الموسوية ترتبط بهذه الأرض. أما ذبيحة المسيح فتنظر إلى المدينة الآتية. أجل الرجاء يقدّم الدافع لعيش الشجاعة المسيحية، ويقويّ المؤمنين في الألم والتجرد والاضطهاد بفضل يقين يقول لهم إن وطنهم الحقيقي وموضع الراحة هو المدينة السماوية (فل 3: 20). نحن هنا أمام قمّة من قمم الرسالة مع التعارض بين سيناء وصهيون (12: 18 - 22)، بين عهد وعهد، بين عبادة ملموسة وعبادة روحيّة. كل محن الحياة الحاضرة عابرة (12: 27)، فلماذا نهتمّ لها؟ نتعلّق بما لا يتبدّل، بصهيون المقدّسة (11: 10؛ 12: 22). إن الفرق بين مدينة ومدينة، يفرض اختلافًا في تصرّف سكان كل مدينة: هم يتركون مدينة كي يستطيعوا الدخول إلى الأخرى. مع تدمير أورشليم، فهمَ المؤمنون أن ليس لهم على الأرض مدينة باقية. لهذا، لم يتعلّقوا بأورشليم الأرض، بل تطلّعوا إلى أورشليم السماويّة. هذا يعني أن المسيحيين، شأنهم شأن الآباء، هم مسافرون ولا وطن لهم (11: 13 - 16). وهم يسيرون وراء المسيح نحو المدينة الآتية. في 10: 34 فهم المسيحيون أين هي ثروتهم الحقيقيّة، كما فهموا في 4: 11 الراحة التي يقدّمها الله لهم، والتي لم يستطع بنو اسرائيل أن يبلغوها.
رابعًا: ذبيحة الحمد (آ 15)
هذا لا يعني أن اليهود الذين اهتدوا إلى المسيح لم يعد لهم ذبيحة يقدمّونها لله. بل عليهم أن يؤدّوا له عبادة دائمة، ولكن عبادة روحيّة. يتكوّن الرباط مع ما سبق بروحانية عب. فالمدينة الآتية أو أورشليم السماوية، هي المعبد الذي فيه يمارس المسيح وساطته الكهنوتية. ونحن نتقرّب منه في حياتنا على الأرض، حين نشارك في هذه الليتورجيا. وهكذا تستعيد آ 15 - 16 ما قيل في 12: 28 حول الحياة المسيحيّة: عبادة المسيح هي حياة من الايمان والمحبّة. نحن هنا أمام شميلة تعليمية وعمليّة، تشكّل في الوقت عينه ردًا على العالم اليهوديّ المأخوذ باحتفالاته الضخمة في أورشليم.
ماذا يقدم المسيحيون؟ ذبيحة الحمد (ز ب ح. ت و د ه) أو ذبيحة الشكر التي نرفعها إلى الله لأجل حسناته (لا 7: 11؛ مز 50: 14، 116: 17) ولا سيّما حين يكون المؤمن في خطر الموت (107: 22). طلب حزقيا من اللاويين أن يقدّموا ذبائح الشكر في بيت الرب (2 أخ 29: 31). وأعلن الله في مز 50: 23: ((الحمد هو الذبيحة التي تمجّدني، ومن قوّم طريقه أريه خلاصي)). ذاك هو وضع جماعة قدّسها المسيح، فسارت نحو المعبد السماوي (12: 22). اضطُهدت، وما كانت عبادتها مادية، بل تقدمة ضمير نقي وطريق مستقيمة (10: 22). لهذا تواصلت ذبيحتها (ديا بنتوس، في كل حين، رج 9: 26) عكس ذبائح تتكرّر في أوقات محدّدة في زمن العهد القديم. عبادة المسيحيين دائمة، وهي مشاركة في ذبيحة المسيح الفريدة. هي ثمرة (كربون) الشفاه (خايلايون، رج هو 14: 3)؛ ف ر ي. ش ف ت ي ن و. نبارك الله، ننشد اسمه (مز 54: 8)، ولا سيّما بعد النجاة. لا عبادة بعد الآن سوى العبادة الروحيّة. في هذا قال كيرلس: ((ويسأل سائل: أي نوع من الذبائح هذا؟ أجيب: هو الاعظم، هو الأقدس، هو الافضل)).
خامسًا: حياة ترضي الله (آ 16)
أجل، هذه هي العبادة الحقيقية، في خطّ تعليم الانبياء. قال الله بفم اشعيا: ((إذا بسطتم أيديكم للصلاة أحجب عينيّ عنكم. وإن أكثرتم من الدعاء لا استمع لكم، لأن أيديكم مملوءة بالدماء... تعلّموا الاحسان، اطلبوا العدل، أغيثوا المظلوم، أنصفوا اليتيم، حاموا عن الأرملة)) (1: 15 - 17). وهكذا تعود آ 16إلى آ 1 - 3 مع كلام عن المحبّة الأخويّة والاحسان. إذا كان المسيحيون يصبون إلى المدينة السماويّة، يُطلب منهم ((أوبويا)) (مراحدة بيبلية) أي الاحسان إلى إخوانهم بسخاء. و((كونيونيا)) (أع 2: 42؛ روم 15: 26؛ 2 كور 8: 4؛ 9: 3؛ ا تم 6: 18) أي مشاركة الآخرين في ما أعطاهم الله من خير. ويتذكرون بشكر، أن كل خير لهم إنما هو عطيّة من الله. وهم يدلّون على شكرهم حين تكون يدهم امتدادًا ليد الله مع إخوتهم. وهكذا لا تكون عبادتنا فقط عبادة الشفاه، بل عبادة تتجسّد في العمل اليومي. قال يوحنا الرسول: ((من كانت له خيرات العالم ورأى أخاه محتاجًا فأغلق قلبه عنه فكيف تثبت محبّة الله فيه)) (1 يو 3: 17). 

ج - الخاتمة (13: 17): اطيعوا مدبريكم
تعود آ 17 إلى آ 7 مع الكلام عن مدبّري الجماعة. ((هيغومانويس))، مع اختلاف هام. في آ 7 ، كان كلام عن مدبِّرين حملوا كلمة الله وأنهوا حياتهم في الشهادة من أجل المسيح. لهذا ظلّت حياتهم نورًا للجماعة، وموتُهم مثَلاً. في آ 17، يشير الكاتب إلى المدبّرين الحاليين (وهو منهم). هم يتابعون أسلافهم. وكما أطاع المؤمنون السلف، ليطيعوا أيضًا الخلف. فكلاهما امتداد لعمل المسيح الراعي الصالح الذي هو وحده مدبّر نفوسنا، فيختار أناسًا يكون عملهم امتدادًا لعمله. فالكنيسة عيلة الله، وفيها تراتبيّة. من هنا، أهميّة الطاعة والخضوع للرؤساء. في هذا قال يسوع لتلاميذه: ((من قبلكم قبلني، ومن قبلني قبل الذي أرسلني)) (مت 10: 40). لهذا، كانت وظيفة المدبرين إيصال كلمة الله (آ 7)، وواجب المؤمنين أن يثقوا بكلامهم ويطيعوهم. ((بايتو))، اقتنع، خضع، صدّق، رج روم 2: 8؛ غل 5: 7 ، ((هيبايكو)) (مراحدة بيبلية، ولكننا نقرأها في اليونانيّة الدنيوية): خضع، قبل في الطاعة حقيقة تقدّم له. إن الايمان يأتي من كرازة مدبّرين نسمع لهم. والباعث على هذه الطاعة هو أن هؤلاء الرؤساء مسؤولون أمام الديّان (12: 3). هذا يعني من جهة أن الله كلّفهم بهذه الخدمة (هم وحدهم لا أصحاب التعاليم المتنوّعة والغريبة، آ 9)، وهم يتكلّمون باسمه. ومن جهة ثانية، أنهم يمارسون خدمة رهيبة بضمير واع. لهذا وجب عليهم السهر الدائم. رج ((أغريبنايو)): ظلّ سهرانًا، فارقه النوم (مر 13: 33؛ لو 21: 36؛ أف 6: 18؛ مز 127: 1). هذا السهر ليلاً ونهارًا، على مثال ما يفعل الرعاة، نفهمه بالنسبة إلى كنز استودعه الله للرعاة المسؤولين عن نفوس يقودونها إلى الحياة الابديّة (6: 19: 10 - 39).
كيف لا يحبّ المؤمنون مثل هؤلاء ((المدبرين))؟ كيف لا يبتهجون بإيمانهم الحي (3 يو 4)؟ وكيف لا يحزنون حين يرون كربهم (ستانازو، تأوّه، 2 كور 5: 2، 4؛ يع 5: 9)؟ ويظهر هنا كلام التهديد في الرسالة: لا تسمحوا أن يكون عملُهم صعبًا بسببكم، بسبب تمردّكم وعصيانكم. ساعدوهم لكي يقوموا بعملهم أحسن قيام، لكي يقوموا به بسرور، لأن الله يحبّ المعطي الفرحان. هنا نقرأ الذهبي الفم: ((لا يستطيع الطبيب الذي يحتقر مريضه، أن ينتقم منه، بل يبكي ويئن. وإن أنّ، انتقم الله له. فإن ربحنا الله إلى قضيتنا حين نبكي خطايانا، فكيف يجب بالأحرى أن نئنّ على وقاحة الآخرين واحتقارهم... فالأنين أكثر رهبة من الانتقام)).
حين يخضع المسيحيون للمدبّرين، يعيشون المحبّة تجاههم (1تس 5: 12 - 13)، ويتيحون لهم أن يمارسوا وظيفتهم بفرح. فعصيان المسؤولين في جماعة يحافظون فيها على الإيمان والسلام، يدمّر الحياة الروحيّة. استعمل الكاتب ((أليسيتالس)) (مراحدة بيبليّة) ليدلّ على حصاد بسيط جدًا. لن ينتفع المسيحيون إن هم رفضوا أن يسمعوا. أجل المسؤولية الرعائية خطيرة جدًا، قال الذهبي الفم في كتابه ((الكهنوت)) (6: 1). وكم يستطيع كل واحد منا أن يساعد المسؤولين. 

2 - قراءة إجمالية
((أذكروا مدبّريكم، الذين كلّموكم بكلام الله. تأمّلوا في عاقبة سيرتهم واقتدوا بإيمانهم... إن يسوع المسيح هو هو أمس واليوم وإلى الدهور. فلا تنخدعوا (تنجرّوا) بتعاليم متنوّعة وغريبة، إذ بالنعمة يجدر بالقلب أن يثبت، لا بأطعمة لم تجد الذين استعملوها نفعًا)) (13: 7 - 9)
المدبّرون الذين سيُذكرون أيضًا في آ 17 ،24، والذين يطلب لهم الكاتب الاحترام، هم رؤساء الجماعة في الماضي وفي الحاضر. الاولون ماتوا. وهم يُذكرون بالخير. نالوا البشارة من الرب (2: 3) فحملوها إلى المؤمنين، حملوا إليهم كلام الله. علّموهم الأركان الأولى (5: 12). فليتذكّر القراّء الأيام السابقة (10: 32) التي فيها قبلوا هذا التعليم بحماس. ليتذكّروا كيف عاش هؤلاء المدبّرون وكيف ماتوا، فشابهوا الذين ذكرهم ف 11: بالايمان هابيل وأخنوخ ونوح وابراهيم وموسى... فما على المؤمنين إلاّ أن يسيروا في خطى معلّميهم الذين ساروا بدورهم في خطى الاقدمين، وشخصوا بأبصارهم إلى يسوع المسيح مبدئ الايمان ومكمّله (12: 2).
عاش المدبرون حياة الايمان، ووصلوا إلى المجد على مثال يسوع الذي مات وقام وهو الآن عن يمين الآب. فأسم يسوع هو ينبوع قوّة وتشجيع للمؤمنين في كل أجيالهم. وعمله هو هو أمس واليوم وإلى الأبد. هو بدأ وهو يكمّل. بدأ في المؤمنين العمل الصالح، وهو يكمّله في يوم ربّنا. بعد هذا، لماذا الخوف من النضال، ولماذا التعلق بامور لا طائل منها. صرخ الشعب العبراني حين كان في الضيق، في عبودية مصر. سمع الله ورأى. وإن الله الذي تجسّد وشابهنا في كل شيء وعرف محننا وآلامنا، أتراه لا يرى؟ أتراه لا يسمع؟ لو كان كذلك لشابه الاصنام. ولكنه الاله الحي، والحبر الرحيم الحاضر مع اخوته ليتشفّع من أجلهم.
ومع أن الاعتراف باسم يسوع حاضر في جماعة عب، إلاّ أن التعاليم الغريبة تكاثرت وتنوّعت فدلّت على أن المؤمنين لم يبلغوا بعد مرحلة النضوج، أنهم لم يزالوا متقلّبين (5: 11ي)، وأنهم يحتاجون إلى من يذكّرهم بأن يسوع هو هو. لم يكن نعم ولا. بل حياته كله كانت نعم إكرامًا لمجد الله (2 كور 1: 19 - 20). لهذا، نبّههم الكاتب أن لا ينخدعوا، أن لا ينجّروا بحيث يتراخون في سعيهم.
((إن لنا مذبحًا لا يحقّ للذين يخدمون المسكن (الخيمة، الخباء) أن يأكلوا منه، لأن الحيوانات التي يدخل الحبرُ المعبد بدمها، عن الخطيئة، تُحرق أجسادُها خارج المحلة)) (13: 10 - 11)
بعد الكلام عن أطعمة في إطار العالم اليهودي، نصل إلى ذبائح السلامة بشكل خاص. فيها كان يُسمح للكهنة بأن يأكلوا من لحم الذبائح (لا 4: 1ي). أما الذبيحة عن الخطيئة، فلا (لا 7: 1ي). وخصوصًا ذبيحة يوم التكفير (لا 16: 1ي). توقّف الكاتب عند هاتين الذبيحتين الأخيرتين، اللتين لايأكل منهما الكاهن ، فوصل إلى ذبيحة المسيح التي يشارك فيها المؤمنون من أجل التكفير عن خطاياهم. ولكن لا يشارك فيها غيرُ المؤمنين. وجعل في هذه الفئة مسيحيين عادوا إلى شريعة موسى: فهؤلاء لا يحقّ لهم أن يأكلوا.
((لذلك، يسوع أيضًا، تألّم خارج الباب، ليقدّس الشعب بدمه الخاص. ومن ثم، فلنخرج لنجيء إليه، خارج المحلة، حاملين عاره. إذ ليس لنا ههنا مدينة باقية، بل إنما نطلب الآتية)) (13: 12 - 14)
إن جثث الحيوانات التي كانت تُنحر على المذبح في يوم التكفير، كانت تُجعل خارج المحلة حسب لا 16: 27، وتُحرق كلها. المحلّة مقدسة. وخارجها غير مقدّس. لهذا وجب على الذي خرج من المحلة أن يتطهّر عندما يدخلها (لا 16: 26 - 28). انطلق الكاتب من هذا الوضع، فتحدّث عن يسوع الذي تألّم خارج الباب، خارج باب أورشلم، التي بدت كالمحلّة في البرية، في أيام موسى. إذن، ذهب يسوع إلى مكان ((نجس)) وهناك قدّم ذبيحة نفسه التامّة. فمن العجب أن يكون في هذا المكان غير المقدس، قدّس شعبَه بدمه الخاص. هذا مستحيل في نظر العهد الأول. هناك تضارب بين مفهومين. فموضع الجلجلة كان موضع النجاسة، لا موضع القداسة. ولكن حضور الله القدوس (7: 26؛ أع 2: 27) قدّس ما لم يكن مقدّسًا في السابق، وأدخل نظرة جديدة كل الجدّة.
حين تألّم يسوع خارج الباب، تماهى مع العالم في نجاسته. وساعة لم نكن نقدر أن نقترب من الله بسبب خطيئتنا (ونجاستنا)، اقترب الله ذاته منا في شخص ابنه الوحيد الذي جعل قداسته في متناولنا، في ((محلّة نجسة))، وأخذ خطيئتنا التي رفعها وكفّر عنها على الصليب. عبر رشّ الدم خارج الباب، قدّس شعبه (والقداسة هي إرضاء الله بعد أن ابتعدنا عن كل نجاسة وذنب)، وفرزنا للرب، بعد أن ابتعدنا بعصياننا وعقوقنا عن خالقنا (2: 11؛ 9: 13 - 14؛ 10: 10، 14).
ما يطلبه يسوع من المؤمنين هو كل شيء، وهو منطقي. فالخلاص الذي منحنا يسوع كان تامًا. فدى الانسان وأعاده إلى ملء كيانه، جسدًا ونفسًا وروحًا. وإذ منح فداءه، كان هذا الفداء ذبيحة نفسه التامة (روم 8: 32؛ 12: 1). فالصليب هو رمز الانفصال ورمز التكريس، بل إن الصليب هو أكثر من رمز. هو طريق الذين هم للمسيح. فالمعلّم قال للاثني عشر: ((لا تلميذ أعظم من معلّمه، ولا خادم أعظم من سيّده)) (مت 10: 24). وتابع ((ومن لا يحمل صليبه ويتبعني فلا يستحقني)) (آ 38). فعلى تلاميذ يسوع أن يذهبوا إلى خارج المحلة حيث الصليب موضوع، لأنه من العار أن يوضع في المحلة. هو انفصال عن حياة قديمة لم تولد من جديد، وهي تطلب قبول البشر في المحلة. وانفصال المسيح الذي احتُقر ورُذل وصُلب خارج الباب. وإذ نفعل هذا نعرف معنى ((حاملين عاره))، أي نشارك في عاره. إذا تماهى المسيحي مع المسيح وعاره، يستطيع أن يشاركه في آلامه ويتشبّه به في موته (فل 3: 10)، ويبذل حياته لربه ومخلّصه، مثل اسطفانس، ((خارج المدينة)) (أع 7: 58). مضى قراّء الرسالة إلى خارج المحلّة فشاركوا المسيح صليبه. ولكن الآن ضعُفت مقاصدهم، وحاولوا أن يعودوا أدراجهم منتظرين أن يجدوا داخل المحلة حياة أسهل وأكثر إكرامًا في نظر العالم.
((ولنقرّب به لله ذبيحة الحمد في كل حين، ثمرة شفاه تعترف باسمه. أما الإحسان والتعاون فلا تنسوهما، لأن الله يرتضي مثل هذه الذبائح. أطيعوا مدبّريكم واخضعوا لهم، لأنهم يسهرون على نفوسكم سهر من سيؤدّي حسابًا، حتى يفعلوا ذلك بسرور لا بكرب، لأن هذا غير نافع لكم)) (13: 15 - 17)
المسيح هو وسيطنا الوحيد بفضل ذبيحته كفدية عن الخطأة (9: 15؛ 1تم 2: 5 - 6). ((به)) (في بداية الجملة)، بشكل بارز، لا بفعل طقس كهنوتي يرتبط بنظام قديم، ولا بفعل شخص أو نظام، نقدّم الذبائح لله. فأعضاء الجماعة المسيحيّة يكوّنون كهنوتًا مقدسًا واجبه تقديم الذبائح الروحيّة التي يقبلها الله بيسوع (1 بط 2: 5). وهذه الذبائح تحدّد على أنها مديح لله، خدمة تشعر مع آلام الغير وحاجاته. عبادتنا نشيد شكر لله. وهي أيضًا أعمال محبّة، كما قال بولس: ((أناشدكم أن تجعلوا من أنفسكم ذبيحة حية مقدّسة مرضّية عند الله. فهذه هي عبادتكم الروحية)) (روم 12: 1). وهي ذبيحة تقدّم كل حين، لا حسب الظروف والأوقات.
وننتقل إلى آ 17. كان قد طلب الكاتب من قرّاء الرسالة أن يتذكّروا ايمان مدبّريهم الذين غابوا، ويقتدوا بهم (آ 7). وها هو يطلب منهم الآن أن يطيعوا مدبّرين ما زالوا يعملون في وسطهم. مثلُ هذا التنبيه يعتبر أن للكاتب سلطة الرئاسة على هؤلاء ((العبرانيين)). ونعترف أن الجماعة التي يكتب إليها، لا تؤدّي لرؤسائها الطاعة المتوجّبة لهم. قد يكون وصل تقرير إلى كاتب الرسالة، أو كتب إليه أحدُهم حول الوضع الخطير الذي نما وسط الذين يرئسهم. هناك عمل المسؤول وعمل الجماعة من أجل العمل الكنسي. ((تخطيط)) المسؤول وجواب المؤمنين في الطاعة والخضوع.
إن سلطة هذا ((المدبّر)) ليست تسلطًا. هو يستحق الطاعة والاكرام. هو انسان يسهر، ولا يهتمّ بنفسه (لا ينام الليل). إنه من أجل رعيته، واع لواجبه كل الوعي، وبعيد كل البعد عن الأنانيّة. ثم هو يمارس خدمته بالنظر إلى الأبدية. هو يؤدّي حسابًا عن وكالته. ولكن المؤمنين سيؤدّون هم أيضًا حسابًا عن الطاعة التي بها تجاوبوا مع مدبّريهم. الرب يهتم بالرعاة ويهتمّ أيضًا بالقطيع الذي يتبارك بجدّية رعاته وأمانتهم. فليساعدهم المؤمنون لكي يقوموا بعملهم بفرح، لا بحزن. هنا نتذكَّر كلام يوحنا: ((لا فرح أعظم من أن أسمع أن أولادي يسلكون في الحق)) (3يو4). وسيقول بولس لأهل فيلبي: ((أنتم فرحي وإكليلي)) (4: 1). أيستطيع الكاتب أن يقول الكلام عينه لأولئك الذي أرسل إليهم هذه الرسالة. إن كان كذاك يكون قد وصل إلى هدفه.

خاتمة
ذاك كان المقطع الأخير في القسم الخامس الذي موضوعه: السبل المستقيمة. فعلى الكاتب أن يحذّر حتّى نهاية عظته من نظرة خاطئة إلى الدين المسيح، ويقدّم نظرة صحيحة. فالذين يعودون إلى النظام القديم يُخطئون. يريدون أن يميّزوا بين طعام وطعام. ينسون أن ذبيحة المسيح وضعت حدًا للذبائح الموسويّة. إذا كانوا يتطلّعون إلى المدينة الآتية، فلا يمكن بعد أن تكون ذبيحتهم تيوسًا وعجولاً، بل عبادة ترتبط بذبيحة المسيح، عبادة روحيّة تقوم في الاعتراف باسم الربّ وعيش حياة يسيطر عليها الاحسان والتقوى. هذا ما تعلّموه من مدبّريهم الاولين الذين ختموا حياتهم بسفك دمائهم. وهذا ما يجب أن يتعلّمه المؤمنون اليوم من مدبّرين يسهرون عليهم بفرح من أجل فائدتهم. غاب السلف، وها هو الخلف يتابع الرسالة. في الواقع، لنا أمام رسالة بشرية تموت بموت البشر، بل أمام رسالة إلهيّة يكفلها المسيح الذي لا يشبه أحبار العهد القديم المائتين ، بل هو هو أمس واليوم وإلى الأبد. فلا يبقى على المؤمنين سوى الخضوع لهؤلاء المدبّرين، لأن الخضوع لهم يعني الخضوع لمن أرسلهم، يسوع المسيح، الذي هو راعي الرعاة وراعي نفوسنا.
الفصل الأربعون

الكلمات الأخيرة
13: 18 - 25

هنا تنتهي العظة وتبدأ ((رسالة)) صغيرة توصل العظة إلى القرّاء. ما أورد الكاتب في بداية عب التعابير المعروفة في الرسائل (من بولس ... إلى ...)، بل بدأ حالاً كلامه كأنه أمام مقال أو عظة طويلة: بعد أن كلَّم الله آباءنا، ها هو يكلّمنا. لا شكّ في أن المسيح صعد إلى السماء، وجلس عن يمين الجلال. ولكنه ما زال يُكلّمنا بواسطة مدبّرين، بعضهم مات، والآخر ما زال حيًا يسهر علينا ويؤدّي حسابًا عن وكالته لدى ربّنا.
وهذه الآيات التي ندرس، نقسمها في ثلاث. طلب الصلاة (13: 18 - 9). نهاية الخطبة (آ 20 - 21). سلامات وأخبار (آ 22 - 25).

1 - تفسير الآيات

أ - طلب الصلاة (13: 18 - 19)
اعتاد بولس أن يبدأ رسالته فيصلّي من أجل قرّائه ويطلب منهم أن يصلّوا معه. هنا ترد الصلاة في النهاية: صلّوا لأجلنا. فالحالة صعبة. وقد يكون ((المدبِّرون)) (ومنهم كاتب الرسالة) في ضيق. أيكون الكاتب في السجن ليقول: لأردّ إليكم؟ هكذا رُدّ بطرس ويوحنا، فرجعا إلى رفاقهم، وأنشدت الجماعة المزمور الثاني وطبّقته على المسيح وعلى الكنيسة (أع 4: 23 ي).
طلبُ الصلاة أمر طبيعي. هكذا يدلّ القرّاء على عرفان جميل تجاه المدبّرين، كما يعبّرون عن المحبّة الأخوية والوحدة بين المؤمنين، تعبيرًا عن إيمان يعيشونه. طلبُ الصلاة أمر معروف في الرسائل، ونحن نجده مثلاً في 1 تس 5: 25 (صلّوا لأجلنا أيها الإخوة). 2 تس 3: 1 (وبعد أيها الاخوة، صلّوا لأجلنا)؛ روم 15: 30؛ أف 6: 18؛ كو 4: 3. نجد هنا صيغة الأمر (بروسوخاستي)، وهذا ما يدلّ على الاستمراريّة: واصلوا الصلاة. لماذا الصلاة؟ بما أن المدبّرين يقدّمون حياتهم مثالاً، فالصلاة لأجلهم تدلّ على ثقة المؤمنين بهم وعلى تعاطفهم معهم. هذا ما يقول بولس لجماعة كورنتوس: ((وستعينوننا أنتم بصلواتكم. فإذا باركنا الله (استجابة لصلوات كثيرين من الناس)، فكثير من الناس يحمدون الله من أجلنا. وما نفتخر به هو شهادة ضميرنا. فهو يشهد لنا بأن سيرتنا في هذا العالم، وخصوصًا بينكم، هي سيرة بساطة وتقوى)) (2كور 1: 11 - 12). ((بايتوماتا)). الكاتب يثق، شأنه شأن بولس، بأنه تصرّف بضمير صالح. اذن، ستكون صلاة المؤمنين مسموعة، لأن استعدادات الراعي حاضرة.
عمل ((المدبّرُ)) ما في وسعه. وهو يطلب الصلاة. وأشار إلى ضميره (سينايديسيس) الصالح (كالين، الحسن، الجميل). كما أشار إلى سلوكه في ما بين الجماعة (أناسترافوماي، هـ ل ك، أى تصرّف تصرّفًا خلقيًا). أترى يبرّر سلوكه تجاه انتقادات وصلت إليه (رج 1كور 4: 1 - 5)، أو لأنه تأخّر في المجيء، أو لأنه بدّل مشاريعه (رج 1تس 2: 18؛ 2كور 1: 17 ي)؟ نجد ((سينايديسيس)) مع ((أناستروفي)) في 1بط 3: 16، 17: نحن أمام صدق الضمير وموقف طيّب تجاه القريب. هذا رأي. وقد يكون هذا الكلام اعترافًا من المدبّر في نهاية حياته على مثال بولس الذي تحدّث عن شهادة ضميرنا (2كور 1: 12). وأعلن في 2تم 4: 6 (هو أو تلميذه): ((جاهدتُ الجهاد والحسن وأتممت شوطي وحافظت على الايمان)).
في آ 19 نجد باعثًا آخر على الصلاة، يدلّ على رباط وثيق بين الكاتب وقرّائه، كما يدلّ على الخطورة التي يعيش فيها. وإن هو طلب ما طلب، فلأنه أحد مدبّري الجماعة. باراكالو: حرّض، طلب، ناشد. ثم ((ابوكاتيستاتو)) يدلّ على شخص أبلى من مرض، من حمّى (مت 3: 5؛ 8: 25)، أو عاد إلى حالة سابقة (مت 12: 13؛ 17: 11؛ أع 1: 6؛ رج إر 16: 15: لأني سأعيدهم). أجل، لا يستطيع الكاتب أن يعود إلى الجماعة. فالصلاة تساعد على تجاوز عوائق بحيث يتمّ السفر بسرعة (تاخيون). إن لم يكن هو في السجن، فربّما تيموتاوس الذي قد يُطلق (آ 23). والكاتب ينتظره ليمضي معه إلى جماعته التي أحبّها.
ب - نهاية الخطبة (13: 20 - 21)
((إله السلام)). رج 12: 11، 14. ولكن مناخ الجماعة ليس مناخ سلام: من الخارج، اضطهاد. وفي الداخل، بلبلة بسبب التراخي واليأس ومحاولات الارتداد عن الايمان. ولكن مثل هذا الدعاء نقرأه في عدد من الرسائل (1تس 5: 23؛ روم 15: 23؛ 16: 20)، فيدلّ على أن الله هو إله الخلاص الذي يصالح نفسه مع الخطأة، ويقطع معهم العهد الثاني في دم المسيح (كو 1: 2). والتلميح إلى قدرة الله التي أقامت المسيح، يدعو المؤمنين إلى الشجاعة والتغلّب على الخوف والتراخي والضجر، يدعوهم إلى الصبر والثبات (11: 19؛ 12: 2 - 3؛ رج 1: 3؛ 2: 9 ي). فعل ((أناغو)) يعني قاد من أسفل إلى أعلى، رفع من جديد، بنى من جديد. قد يدلّ على الصعود (أف 4: 9 - 10) وانتقال من الموت إلى السماء كما يقول انجيل بطرس (19). قابل الكاتب مجد يسوع الحالي وحياته في معبد السماوات، مع آلامه وموته (2: 9 - 10). طبّق هذا الفعلُ على قيامة المسيح في روم 10: 17.
في العهد القديم، يقال أن الله يُميت ويُحيي، يُحدر (كاتاغو) إلى الجحيم ويُصعد (1صم 20: 6؛ طو 13: 2؛ حك 16: 13). كما أن فعل ((أناغو)) يُستعمل للكلام عن الخروج من مصر: أصعد الله شعبه، ونجّاه من العبوديّة والخطيئة (خر 33: 12، 15؛ عد 14: 13؛ 20: 5). وقد يكون الكاتب عاد إلى أش 63: 11: ((أين الذي أصعد شعبه من البحر ورعاهم كغنمه، وجعل في وسطهم روحه القدوس؟ أين الذي سيّر عن يمين موسى ذراعه المجيدة...))؟ إن لقب الراعي الذي أعطي لموسى قد أعطته عب (ومثلها 1بط 2: 5) للوسيط الجديد، للقائد (ارخيغوس) الجديد في شعب الله. سمّى العهد القديم الله الراعي (مز 23: 1؛ رج مز 79: 13؛ اش 40: 11؛ حز 34: 21 ي)، ليدلّ على عنايته وسهره واهتمامه. وسمّى المسيحَ أيضًا (حز 37: 24؛ زك 11: 4 ي). طبّقه يسوع على نفسه (يو 10: 10 - 17؛ رج مت 25: 32؛ 26: 31). قال بطرس: ((متى ظهر رئيس الرعاة...)) (ارخيبويمين، 1بط 5: 4). أما عب فقالت: الراعي (بويمين) العظيم (ماغاس). رج 4: 14 (ارخياروس ماغاس، الحبر العظيم)، حيث يرتفع المخلّص فوق موسى وجميع المدبّرين الذين استشهدوا، وما قاموا بعد (آ 17).
((إن هايماتي)) (في دم). تعود إلى ((أناغاغو))، فتدلّ على أن قيامة المسيح (لا تُذكر إلاّ هنا في عب)، ارتبطت بالآلام. تألّم يسوع فاستحقّ القيامة. أو بالأحرى، كانت آلامه وموته تقدمة ذاته للآب. فكانت القيامة جواب الآب الذي أعلن أنه قبل ذبيحة ابنه. إن يسوع القائم من الموت، دخل السماء، والحبرُ قدسَ الأقداس، بدم ذبيحته (9: 25). ولكن عبارة ((في دم عهد)) تعود إلى زك 9: 11 فتدلّ على دمّ الذبائح الذي له يكرّس العهد المسيحاني. اذن نفهم أن المسيح صار، بفضل ذبيحته (آ 11، يسوع المسيح) الراعي العظيم والوسيط الفاعل في العهد الجديد. فبفضل استحقاقات الجلجلة، ومنذ دخوله إلى المعبد السماوي، نال النعمة وأفاضها (12: 15، 24)، فقدّس شعبه (13: 12)، وغذّاه، وقاده إلى المرعى، وصار ربَّه إلى الأبد (أع 20: 28). نقرأ هنا ((ايونيو)) التي تقابل بين عهد وعهد. عهد مؤقت مع موسى الذي مات قبل أن يُدخل شعبَه إلى أرض الموعد. وعهد أبدي مع المسيح الذي هو حيّ إلى الأبد، ويقود أخصّاءه إلى مدينة الله. فالعمل الذي بدأه سوف يتمّه مهما كانت الصعوبات، بشفاعته المتواصلة من أجلنا (7: 25)، فيوصله إلى النصر (10: 13).
ونصل إلى آ 21. إذا كان الله أقام يسوع من بين الأموات، كالراعي، فالمسيحيّون يتأكّدون أن قدرته وعنايته لا تتركانهم أبدًا. لهذا يطلب منهم الكاتب أن يفعلوا ما في وسعهم. ((كاتارتيزو)). رج 1بط 5: 10؛ 2تم 3: 7): رتّب، نظّم (10: 5؛ 11: 3). ((رقّع)) (مت 4: 21). قد يكون هنا تلميح إلى وضع الجماعة التي تحتاج إلى إصلاح: يعيدها الربّ إلى حماسها الأول، فتفعل الخير (الذي هو عطيّة من الله). وهكذا تُتمّ مشيئة الله (10: 36؛ رج أف 2: 10: الأْعمال الصالحة التي أعدّها الله؛ فل 2: 13: الله يفعل الارادة والعمل). أجل، الله هو الذي يعمل في النفس ما يجعلها مرضيّة لديه (1تم 2: 4؛ 5: 4). هذه هي النعمة. اواراتوس: ما حسن لديه. رج: هـ ل ك: سلك مع الله وحسن لديه (اواراستيو). رج تك 5: 22، 24؛ 6: 9؛ 17: 1؛ 24: 40.... النعمة تجعل الانسان يُسرّ الله، كما تجعله موضوع حبّ الله (حك 4: 10، 14). هدفُ المؤمن الأساسي هو أن يرضي الله (10: 6؛ 2كور 5: 9؛ غل 1: 10؛ أف 5: 10). يطلب من الله أن يعرّفه ارادته، فيعرّفه عليها، بواسطة رسله (1تس 4: 1). وفي الواقع، حين يعمل الانسان بمشيئة الله يكتشف شيئًا فشيئًا هذه المشيئة.
وعطيّة النعمة هذه تصلنا بيسوع المسيح، الوسيط الوحيد. استحقّها بدمه، وهو ما زال يطلب لنا من سمائه تشفّعًا من أجلنا. نلاحظ هنا التقابل بين عمل الله (بوييساي، الله يجري، يعمل ما يحسن لديه) وعمل الانسان (بويون، عاملين بمشيئته. هو الفعل بويايو في الحالين). ويسوع المسيح، الاله الانسان، هو الذي يجمع هذين العملين، عطيّة الله وجواب الانسان. لهذا، تتوجّه إليه المجدلة الأخيرة: له المجد إلى دهر الدهور (2تم 4: 18؛ 1بط 4: 11؛ 2بط 3: 18). كل هذه الرسالة تحدّثت عن الابن، وها هي تنتهي برفع المجد إلى هذا الابن الجالس عن يمين الآب. ((آمين)) تنهي المجدلات في العهد الجديد.

ج - سلامات وأخبار (13: 22 - 25)
توجّه الكاتب إلى قرّائه ليوصيهم بما أرسله (أو ربما كتبه) إليهم. اقرأوا ما كتبتُ ((بإيجاز)). طلب (باراكاليو، سأل)، رج ((إروتو)). ((اناخو)). قبل، تحمّل، سمع بصبر، أعار سمعه. هناك بعض الهم لديه (آ 18). أتراهم لن يقرأوا؟ فالموضوع خطير وعرضة لجدال في نظرهم. فهناك بعض المؤمنين لا يقبلون بإلغاء الفرائض الموسوية إلغاء جذريًا كما فعلت عب. فالتعاليم غريبة (عن الانجيل) ومتنوّعة. أرسل كلام (لوغوس) الموعظة (باراكلسيس) ليثير الهمم المتراخية ويحثّ الجميع على الثبات في ما آمنوا به حين اهتدوا إلى المسيح. هي عظة عن يسوع المسيح، وسيطنا إلى النعمة الآن، ووسيطنا إلى السماء.
قد تدلّ لفظة ((بإيجاز)) على ما أضاف ((المرسل)) على الخطبة ((الطويلة)). وقد تدلّ على أن الواعظ حاول أن يوجز قدر الامكان (9: 5؛ 11: 32؛ رج أف 3: 12، ولكن الموضوع واسع جدًا. لهذا قال في 5: 11: ((لنا، في هذا الموضوع، كلام كثير وصعب الشرح)). لهذا، لم يتوقّف عند التفاصيل (9: 5) لضيق الوقت (11: 32).
((تيموتاوس)) (آ 23). رفيق بولس. يبدو أن القرّاء يعرفونه. هو ((أخ)) (أدلفوس) الكاتب. هو رفيقه في الرسالة، ورفيقه في الايمان. وربّما في السجن. نقرأ ((أبوليو)) (صيغة الكامل المجهول): أطلق بعد أن كان سجينًا (مت 27: 15؛ يو 19: 10؛ أع 3: 13؛ 4: 21؛ 5: 40؛ 16: 35؛ 17: 9). ((غينوسكاتي)) إعلموا (صيغة الأمر، غل 3: 7): خبر طيّب يوصله الكاتب إلى هذه الجماعة. هذا الكلام عن إطلاق سراح تيموتاوس يرسم المناخ الذي فيه دُوّنت عب.
وتنتهي الرسالة بالتحيّات العاديّة. هي قصيرة. ولا تتوجّه إلى الجماعة ككلّ. بل إلى مجموعة محدّدة. هذه الجماعة تحمل سلام الكاتب إلى المدبّرين وإلى الإخوة القديسين (فل 1: 1؛ 4: 21). أي إلى الكنيسة ككلّ. وترد السلامات، لا من الكاتب فقط، بل من الذين أيضًا من إيطالية. نحن هنا أمام افتراضين. إمّا كتبت الرسالة من رومة حيث يقيم الكاتب، فيرسل سلامات من رومة إلى المسيحيّين الذين أرسلت إليهم عب. وإمّا كتبت من كنيسة لا نعرف اسمها، تُقيم فيها حامية إيطالية. فأرسلت إلى رومة التي عرفت الاضطهاد وأدّت أعظم شهادة للايمان.
((النعمة معكم)) (آ 25). هكذا انتهت عب. وهكذا انتهت الرسائل البولسيّة: موضوع المهمّة الرسوليّة هو نقل النعمة، وتقبّلُها يميّز المسيحيّ. هذا التمنّي جاء موسعًا في 2تس 3: 18؛ 2كور 13: 13؛ أف 6: 24، وموجزًا في الرسائل الرعائيّة. هو يرد كما في تي 3: 15. ما ذكر الكاتب المسيح (نعمة ربنا يسوع المسيح، 1تس 5: 28؛ روم 16: 20، 24؛ 1كور 16: 23؛ غل 6: 18)، لأنه ما فتئ يتحدّث في رسالته عن ذاك الذي هو الوسيط والحبر. والنعمة التي نالها لنا هي عطيّة الله نفسه. مبادرة هي من ((الآب، أبي ربنا يسوع المسيح، الذي غمرنا، من علياء سمائه، بكل بركة روحيّة في المسيح)) (أف 1: 3).

2 - قراءة إجماليّة
((صلّوا، لأجلنا، فإنا نثق بأن لنا ضميرًا صالحًا، إذ نريد أن نحسن التصرّف في كل شيء. وأطلب إليكم بإلحاح أشدّ أن تفعلوا ذلك لأردَّ إليكم عاجلاً)) (13: 18 - 19)
طلب الكاتب صلاة القرّاء فدلَّ على ثقته بهم، على موقفه المتواضع، وعلى حرارة محبّته لهم. هذا، مع أن بعضهم صار على حدود الارتداد عن الربّ (6: 4 - 6 ،9؛ 10: 26 - 29، 39). في الحقيقة أراد أن يعمل كل شيء كما يليق. فكمسيحيّ ذي ضمير صالح، ومدبّر مسؤول عن الجماعة، تكلّم بصراحة، عن الأخطار التي تهدّد الجميع. ولكنه لا يجعل نفسه في هذا الخطر. لهذا يطلب الصلاة، بعد أن جعل نفسه مرارًا مع قرّائه (صيغة المتكلّم الجمع، مثلاً 10: 26: إن خطئنا نحن). في هذا المعنى، طلب بولس الصلاة من الكورنثيين: ساعدوني في صلاتكم. وكم يودّ أن لا يبقى بعيدًا عن أشخاص أحبّهم. فهو يرجو أن ينضمّ إليهم. هذا ما قاله بولس لأهل تسالونيكي: ((فُصلنا عنكم حينًا من الوقت... ونحن في اشتياق شديد أن نشاهد وجهكم)) (1تس 2: 17). والسبب؟ يقول بولس: عاقنا الشيطان (آ 18) فما استطعنا أن نجيء إليكم.
((وإله السلام، الذي بعث من بين الأموات من صار، بدم عهد أبديّ، راعي الخراف العظيم، ربنا يسوع المسيح، يؤتيكم أن تتمّوا مشيئته في كل عمل صالح، عاملاً فيكم ما حسُن لديه بيسوع المسيح، الذي له المجد إلى دهر الدهور. آمين)) (13: 20 - 21)
قد تكون هاتان الآيتان خاتمة الرسالة. بعدهما تأتي السلامات والأخبار. أما الدعاء الذي نقرأه هنا فنجده في 1تس 5: 23؛ 2تس 3: 16... مع كلام حول إله السلام. فهذا السلام الآتي من الله، هو سلام الانجيل (أف 6: 15)، هو سلام بين الخالق والخليقة بدم المسيح (كو 1: 20). وهو سلام يتجاوز كل فهم (غل 4: 7). يتعدّى امكانيّات الفكر البشريّ. وأساس هذا السلام نجده في قدرة الله الذي أقام يسوع المسيح من بين الأموات. أجل، هذا الذي تألم ومات، قد كلّل بالمجد والكرامة (2: 9). أما الثمن فدم يسوع، ذبيحة الابن المتأنّس، على الصليب. وقد دلّ الآب على قبوله الذبيحة حين أقام ابنه من بين الأموات، وأصعده إلى السماء، وأجلسه عن يمين الجلال في العلاء (1: 3؛ 12: 2) حيث أعلن ربّ الجميع (فل 2: 8 - 10).
في كل هذا، كان يسوع الراعي العظيم، راعي القطيع الوحيد، الذي اختلف عن سائر الرعاة. هو الحبر الوحيد (4: 14؛ 7: 23 - 24) الذي كفّر حقًا عن خطايانا. وهو وحده الراعي الصالح الذي بذل حياته عن الخراف. بذل حياته بالموت ولكنه استعادها بالقيامة. وفي إطار العهد الأبديّ، أعطى خرافه الحياة الأبديّة، فلا تهلك أبدًا ولا يخطفها أحد من يده (يو 10: 28 - 29). إن عطيّة ((دم العهد الأبدي)) تكمّل نبوءة زك 9: 11 (الله يقول: دم عهدي) ونبوءة حز 37: 26 حيث يعد الله فيقول: ((أقطع عهد سلام معهم. أقطع عهد سلام أبدي)) (رج أش 55: 3؛ إر 31: 31ي؛ عب 8: 8 ي). نتذكّر أن المسيح هو وسيط العهد الجديد، فينال المدعوون الميراث الأبدي، بموته (9: 15). أما الذين داسوا دم العهد، فينالون العقاب الشديد (10: 29). وهكذا يكون دمُ الابن المتجسّد فاعلاً إلى الأبد، للخلاص أو للدينونة.
من أجل هذا يصلّي الكاتب. فكما حاول أن يعمل بمشيئة الله، فليحاول المؤمنون. ولكن الله هو الذي يُعطي النعمة، هو الذي يعمل فينا ما يرضيه. فالانسان الذي تجدّد في المسيح هو انسان استعاد كامل بشريّته. خُلق من جديد بعد الفداء والمصالحة. بما أنه يتجدّد، فهو يعمل الأعمال الصالحة. صار نبتة جديدة، زرعًا جيدًا. فالشجرة الصالحة تثمر ثمارًا صالحة. وصلاحها من الله بعد أن جدّد لها طبيعتها. هذا ما فعله دم المسيح في المؤمنين. جاء يعمل مشيئة الآب (10: 7) منذ جاء إلى العالم. فضمّ إرادتنا إلى إرادته، فصارت الارادتان ارادة واحدة، وهكذا صار بامكاننا أن نُتمّ مشيئة الآب ونعمل ما يحسن لديه.
((وأسألكم، أيها الأخوة، أن تقبلوا كلام الموعظة هذا، إذ قد كتبتُ إليكم بايجاز. وأعلموا أن تيموتاوس أخانا قد أطلق. فإن أسرع في مجيئه، ذهبتُ معه لأراكم. سلّموا على جميع مدبّريكم، وعلى القديسين جميعًا. يسلّم عليكم الذين من إيطالية. النعمة معكم أجمعين)) (13: 22 - 25) أرسلت الموعظة مع كلمة قصيرة. أرسلت لكي تشجّع المؤمنين وتدعوهم إلى الثبات. أرسلت، لا من أجل التوبيخ والتأنيب، بل من أجل البناء. من أجل هذا تحدّث بولس عن ((السلطة التي وهبها الرب للبنيان لا للهدم)) (2كور 13: 10). فالمؤمنون هم أحبّاؤه. قال: ((لا نطيل الدفاع عن أنفسنا عندكم. فنحن نتكلّم أمام الله في المسيح، وهذا كله لبنيانكم)) (2كور 12: 19). فالطريقة التي بها يتوجّه الكاتب إلى قرّائه (3: 10، 12؛ 6: 9؛ 10: 19) تدلّ على حبّه لهم. قال بولس: أتمخّض بكم، فدلّ على أنه أم تجاه أولادها.
قرّاء الرسالة هم إخوته (3: 1، 22) الأحبّاء (6: 9). وتيموتاوس هو أخوه (13: 23). أخوه في الرسالة، أخوه في الجهاد، وأخوه في السفر القريب إلى حيث تقيم هذه الجماعة التي تحتاج إلى من يشدّد عزيمتها ويشجّعها على الثبات في الايمان (أع 14: 22). وبما أن امكانيّة السفر ما زالت بعيدة، أرسل ((المدبّر)) نعمة الله. ينبوع النعمة هو عرش النعمة حيث يصل إلينا العون الإلهي في ساعة الحاجة (عب 4: 16)، والقوّة لكي نتغلّب على هجمات العدو فنثبت إلى المنتهى.

خاتمة
حين قرأنا هذه الآيات الأخيرة (13: 18 - 25)، انفتحت أمامنا أبواب عديدة، وإن كان السرّ ما زال يلفّ الظروف التي فيها دوِّنت عب. هناك هجوم على المدبّرين الجديد، وهم يحتاجون إلى صلاة. كما أنهم حاولوا أن يُبرِّروا أنفسهم تجاه الجماعة: تصرّفوا بضمير صالح. فالجميع يحتاج إلى صلاة: المدبّرون (آ 18) والمؤمنون (آ 21). ويبدو أن التعاون لم يكن دومًا حاضرًا (آ 17). وعرفنا أن تيموتاوس كان في السجن (آ 23)، وربّما كاتب الرسالة الذي طلب الصلاة لكي ((يُردّ)) عاجلاً. أما الرسالة (والعظة) فأرسلت إلى جماعة محدودة، وهذه الجماعة توصلها بدورها إلى المدبّرين وإلى القديسين، أي المؤمنين. وتنتهي الرسالة فتجعلنا أمام الرب يسوع الذي يرعى كنيسته ولا يتخلّى عنها. لقد افتداها بدمه، دمه الكريم (1بط 1: 16)، وأقام معها عهدًا أبديًا. أتراه يتراجع؟ كلا. فهو الذي بدأ مسيرة الايمان وهو الذي يكمّلها. يبقى علينا أن نشخص بأبصارنا إليه فنجد القوّة والشجاعة ولو وصل بنا الجهاد حتّى بذل الدم.
خاتمة عامة
تلك هي الرسالة إلى العبرانيّين التي حاولنا أن نقرأها قراءة بلاغيّة، وتفسيريّة ورعائيّة. بعد مدخل حاول أن يحدّد هويّة كاتب الرسالة والأشخاص الذين أرسلت إليهم، توقّفنا عند كرامة ابن الّله الذي هو بهاء مجد الّله وصورة جوهره.
وكما قابلنا بين اسم يسوع واسم الملائكة، شدّدنا على تفوّق يسوع الذي حسبه بعض ((العبرانيّين)) أدنى من الملائكة، لأنه أخذ جسدًا مثل جسدنا وتلبّس الضعف البشريّ. وهذا ما قادنا إلى الكلام عن يسوع الذي هو حبر اعترافنا: هو عظيم كهنة واحد يفترق عن عظماء الكهنة في العالم اليهودي: هو رحيم يرأف بضعفنا. وهو أمين يتمّ فيه مخطّطُ الخلاص كاملاً. أما القسم المركزيّ (5: 11 - 10: 39) فجاء في مطلع يهدّد القرّاء ويشجّعهم: في الاتّجاه الأوّل (7: 1 - 28) يحدّثنا عن يسوع الذي هو كاهن على رتبة ملكيصارق. وعنوان الاتّجاه الثاني (8: 1 - 9: 28) الكمال. ينبّهنا الكاتب أننا وصلنا إلى النقطة الرئيسيّة: لنا رئيس كهنة جلس عن يمين عرش الجلال. وفي الاتّجاه الثالث (10: 1 - 18) نعرف أن المسيح هو علّة خلاص أبديّ لجميع الذين يطلبونه. ينتهي هذا القسم المركزي بتحريض (10: 19 - 39)يدعو القرّاء إلى تذكّر الأيام السالفة. وفي النهاية، كانت دعوة إلى الإيمان والثبات رغم الاضطهادات، وإلى سلوك صحيح في علاقتنا مع الّله ومع القريب.
رسالة غنيّة جدًا. في اللاهوت العقائديّ واللاهوت الأخلاقيّ. فيها التوسّع الفكري والدعوة إلى الممارسة العمليّة التي تنبع من عمق حياة المؤمن. رسالة تفتح المؤمنين على آفاق جديدة لم يعالجها سفر من أسفار العهد الجديد. انطلقت ولا شكّ من بعض ما قيل في الأناجيل والرسائل البولسيّة، وتوسّعت فيه توسّعًا يقدّم جوابًا لكنيسة تساءلت عن معنى العهد القديم في التدبير الجديد. أجل، إن عب هي في خطّ روم. طرحت روم سؤالاً حول مكانة الشريعة تجاه الإيمان بيسوع المسيح. كما طرحت سؤالاً آخر حول أمانة الّله لشعب استعدّ لمجيء المسيح ولكنه في النهاية رفضه. أما عب فتوقّفت عند أسفار الشريعة وما فيها من كلام عن الكهنوت القديم والمعبد والذبائح التي يقدّمها الكهنة بشكل عام، وعظيم الكهنة بشكل خاص، في يوم عيد التكفير. كهنة عديدون. يموت بعضهم فيحلّ محلّهم بعض آخر. وذبائح تتكرّر. فلو نالت مبتغاها لما تكرّرت. ومعبد هُدم سنة 70 فضاع معه رمز حضور الّله في أرضه ووسط شعبه.
فما يكون جواب عب؟ المعبد الوحيد هو يسوع المسيح المتجسّد. هو الكاهن الأعظم الوحيد، قدّم ذبيحته مرّة واحدة لا غير، فنالت الفداء الأبديّ. وهكذا استغنينا عن دم الجداء والعجول. هنا نتذكّر يو2: 15 الذي أظهر لنا أن يسوع استغنى عن ((الغنم والبقر)). كما نفهم أن الهيكل الجديد الذي يبنيه يسوع في ثلاثة أيام هو جسده (أ 20). وهكذا تلتقي عب مع إنجيل يوحنا وخطبة اسطفانس في سفر الأعمال (ف7). بل مع تعليم الأنبياء الذين شدّدوا على العبادة الروحيّة. يسوع قدّم نفسه (عب7: 27). والمؤمنون، في خطاه، يقدّمون نفوسهم ذبيحة حيّة مقدّسة مرضيّة عند الّله (روم12: 1). وهم لهذا يستعدّون كي يقاوموا حتى الدم إزاء الخطيئة. يستعدّون لأن يجروا في ميدان الجهاد ناظرين إلى يسوع الذي تحمَّل الصليب مستخفًا بالعار، من أجل الفرح الذي ينتظره (عب12: 2).