رسالة تيموثاوس الأولى

تقديم
الرسالة الأولى إلى تيموتاوس هي أولى ما يُسمّى الرسائل الرعائيّة. تعود هذه التسمية إلي بداية القرن الثامن عشر لتدلّ على ثلاث رسائل هي 1تم، 2تم، تي. رسائل تتوجّه إلى الرعاة، وتتحدّث عن تنظيم الرعاية في الكنيسة. جُعلت 1تم في المركز الأول، لأنها أطول من الرسالتين الأخريين. ولكن يبدو أنها ارتبطت بالرسالة إلى تيطس، فجاءت متأخّرة عن 2تم التي ترتبط ارتباطًا حميمًا بآخر أيام بولس قبل أن يمضي إلى الموت كشهيد يسوع المسيح.
رسالة نعرف من عنوانها أنها توجّهت إلى تيموتاوس، التلميذ الذي رافق بولس في رسالته، في أوروبا بشكل خاص. ويبدو أنه كان أسقفَ أفسس، تلك الكنيسة التي أسّسها بولس ورافقها ما يقارب الثلاث سنوات، وسلّمها وصيّة قبل أن يُقبض عليه في أورشليم ويُرسل سجينًا إلى قيصرية ثم رومة.
رسالة جاءت في مقدّمة وخاتمة وأربعة أقسام. نعرف في مقدّمة كُتبت في أسلوب بولسيّ أن المرسل هو بولس والذي تلقّى الرسالة هو تيموتاوس، التلميذ الحبيب. توقّف القسم الأول عند اعلان الانجيل (معلّمون كذبة، لا بدّ من الجهاد)، والثاني عند تنظيم شعائر العبادة في الكنيسة (صلاة عن الجميع، صلاة الرجال والنساء)، والثالث عند مختلف الخدم في الكنيسة من أساقفة وشمامسة وشماسات، بانتظار الكلام عن الشيوخ، وعن الأرامل اللواتي سيكنّ أول »المكرّسات« في خدمة الكنيسة. وتحدّث القسم الأخير عن تيموتاوس ومهمّته الرعائيّة: يحارب تعاليم نسكيّة كاذبة (على مستوى الطعام والزواج)، ويظهر خادمًا واعيًا لواجبه ولا سيّما على مستوى إعلان الكلمة، بعد درسها والتأمّل فيها. وجاءت النهاية كلامًا عن المضلّين الكذبة وتنبيهًا للأغنياء، وطلبًا إلى التلميذ بأن يحفظ وديعة الايمان، ويشهد كما شهد يسوع شهادة حسنة أمام بيلاطس. فالشهادة يمكن أن تقود إلى الاستشهاد وبذل الدم في سبيل المسيح.
رسالة ترتبط بوضع خارجيّ: يستعدّ بولس لأن يترك أفسس متوجّهًا إلى مكدونية. وإذ يترك تيموتاوس ويحمّله توصيات، يأمل أن يعود قريبًا. في الواقع، نحن أمام تنظيم كنسيّ متشعّب جدًا: هناك الأسقف الذي يُشرف على العمل في الكنيسة. ثم الشمامسة والشماسات. ويُذكر الشيوخ (القسوس، الكهنة فيما بعد، في الكنيسة) والأرامل. وعلى الأغنياء أن يلعبوا دورًا في الكنيسة. وتيموتاوس يكون امتدادًا لبولس في تنظيم كل هذا. أيعني أنه كانت أكثر من جماعة في أفسس، تلك المدينة الكبيرة وعاصمة آسية؟ ما هو أكيد هو أنه وُجدت جماعة يوحناويّة على الأقلّ. إذن، ما فعله بولس متنقلاً من بلد إلى بلد، ليشدّد عزائم التلاميذ، ويقيم القسوس في كل كنيسة (أع 14: 22- 23)، سيفعله تيموتاوس في أفسس، رغم حداثة سنّه.
رسالة دلّت على أن تيموتاوس كُلّف تكليفًا رسميًا حين وُضعت الأيدي عليه. فوجب عليه أن يقود الجماعة، بل الجماعات: على مستوى الصلاة والتعليم، وعلى مستوى التنظيم. إذن، يكون "قائدًا" وموجّهًا: يحارب التعاليم الضالّة، يكون مثالاً للمؤمنين، يحدّد موقعه بالنسبة إلى مختلف الفئات على مستوى الجنس والعمر... ولا ينسى حضوره وحضور الكنيسة في العالم، وتجاه الذين هم في الخارج.
رسالة دوّنها بولس أو أحد تلاميذه في أيامه. وربّما دُوّنت بعد موت الرسول بسنوات. انطلق الكاتب من الرسائل البولسيّة الأولى (روم، 1كور...)، ودوّن تعليمًا جاء امتدادًا لتعليم الرسول، وذلك جوابًا على وضع جديد. فكما كان لبولس لقاء بالربّ ففسّر في رسائله الوحي الذي تلقّاه، هكذا فعل تلاميذه الذين رافقوه ونالوا بعض سلطانه. ونحن إذ نقرأ 1تم وغيرها من رسائل كُتبت في إطار المدرسة البولسيّة، نفهم أننا في الكنيسة التي تفهمنا أنّها حين أدخلت هذه الأسفار في اللائحة القانونيّة، اعتبرتها كلام الله الذي يفيد في التعليم والتفنيد والتقويم والتأديب في البرّ. من قرأها، كان رجلاً كاملاً واستعدّ لكل عمل صالح (2تم 3: 16).
فإلى قراءة 1تم، أولى الرسائل الرعائيّة ندعو القارئ، ورجاؤنا أن نتابع المسيرة في العهد الجديد فنقدّم تفسيرًا للرسالة الثانيّة إلى تيموتاوس والرسالة إلى تيطس. عند ذاك، نتصوّر العلاقة القائمة بين هذه الرسائل الثلاث.
القسم الأول
مدخل إلى الرسالة وبدايتها

يرد هذا القسم في فصلين:
1- مدخل إلى الرسالة الأولى إلى تيموتاوس
2- عنوان الرسالة، 1: 1- 2.
الفصل الأول
مدخل إلى الرسالة الأولى
إلى تيموتاوس

نجد في قانون العهد الجديد رسالتين توجّهتا إلى تيموتاوس، تلميذ بولس. ولكن الواحدة لا تذكر الأخرى كما هو الأمر بالنسبة إلى 1بط و2بط (2بط 3: 1). وحين نقول الرسالةَ "الأولى" لتيموتاوس، هذا لا يعني أنها دُوّنت قبل "الثانية"، بل أنها أطول من "الثانية". ثم إن 1تم قريبة جدًا من تي. ولكن أيّة رسالة كُتبت قبل أختها، هذا ما لا نعرفه.
أما نحن فندرس ما يُسمى الرسائل الرعائيّة (1تم، 2تم، تي) حسب الترتيب الذي جاءت فيه، في العهد الجديد. وبالتالي نبدأ بالرسالة الأولى إلى تيموتاوس فنتوقّف عند إطار الرسالة قبل أن نصل إلى التصميم والمسائل المتعلّقة بالعالم البولسيّ الذي أنبت 1تم، 2تم، تي.

1- إطار الرسالة: شخص تيموتاوس
نستطيع أن نستخرج بعض التفاصيل السرديّة، حول تيموتاوس، من سفر الأعمال وسائر الرسائل البولسيّة. فهي مفيدة وقد تكون كوّنت الصورة التي رسمها الكاتب عن ذاك الذي أرسل إليه رسالته. عاش تيموتاوس في لسترة، في الجنوب الشرقي لآسية الصغرى. اهتدى إلى الايمان، على ما يبدو، حوالي سنة 46، حين بشّر بولس تلك المنطقة. ولما عاد الرسول إليها، انضمّ إليه تيموتاوس، كمرسل متنقّل، ومعاون أمين. وسيظلّ فيما بعد في خدمته.
حسب أع 16: 1- 3، كان والد تيموتاوس وثنيًا. غير أن أمّه كانت مسيحيّة من أصل يهوديّ. إذن، ختنه بولس لئلاّ يشكّك اليهود. خلال الرحلة الرسوليّة الثانية، سنة 50- 52، رافق تيموتاوس بولس في فريجية وغلاطية، وحتى أوروبا (فيلبي، تسالونيكي، بيريه). فبعث به الرسول إلى التسالونيكيّين لكي يشجّعهم. ثم انضمّ إلى بولس في كورنتوس وهو يحمل الأخبار السارّة (1تس 3: 6؛ أع 18: 5). وهكذا جُمع اسم تيموتاوس مع اسم بولس في 1تس 1: 1.
هناك شرّاح يرفضون دقّة أع 16: 1- 3، مستندين إلى غل 2: 3 حيث يعلن بولس أنه رفض أن يختن تيطس. ولكن تيطس كان من الأمم، ووالده وثنيان. أما تيموتاوس فقد وُلد من امرأة يهوديّة فاعتُبر يهوديًا. ثم إن جدّته كانت يهودية واسمها لوئيس حسب 2تم 1: 5، واسم أمه أفنيكة. وهكذا نقول إن لا شيء في كتابات بولس يدلّ على أنه اعتبر أنه لا يجب أن يُختن اليهود. فالوثنيّون وحدهم لا يُختنون، لأن الختان لا يضيف شيئًا إلى من آمن بالمسيح. نشير هنا بشكل عابر إلى أن اسم تيموتاوس جُعل مع اسم بولس في فل 1: 1 وفلم 1 اللتين أرسلتا من أفسس، على ما يبدو.
عاون تيموتاوس بولس في حمل الانجيل إلى كورنتوس (2كور 1: 19). بعد ذلك، لا نعرف شيئًا عنه ساعة عاد بولس إلى قيصرية وأورشليم وأنطاكية سورية (أع 18: 18- 19) لينطلق أيضًا في رحلة رسوليّة ثالثة، إلى أفسس عبر غلاطية وفريجية. خلال إقامة بولس في أفسس، سنة 54- 57، كان تيموتاوس معه بعضَ الوقت، وهناك كتبا فل وفلم. في نهاية سنة 56 أو بداية سنة 57، أرسل الرسول تلميذه من أفسس إلى مكدونية لجمع المال الذي سيُحمل إلى أورشليم (أع 19: 22؛ 1كور 4: 17؛ 16: 10)، بحيث يذهب تيموتاوس في النهاية إلى كورنتوس. يبدو أن تيموتاوس وصل إلى هذه المدينة، حالاً بعد أن وصلت 1كور التي ما لقيت ترحيبًا كاملاً. لهذا، عاد عاجلاً إلى أفسس ليحمل تقريره إلى بولس.
وكان تيموتاوس مع بولس حين ترك الرسول أفسس خلال صيف 57. فحين حمل تيطس الأخبار السارّة حول حلّ شريف للمسألة الكورنثيّة، أرسل بولس وتيموتاوس 2كور (2كور 1: 1) من مكدونية. قضى تيموتاوس الشتاء، في كورنتوس، مع بولس، سنة 57- 58، ساعة أرسلت روم (16: 21). ويقول أع 20: 4- 5 إن تيموتاوس كان مع بولس في بداية السفر من كورنتوس إلى أورشليم، قبل فصل سنة 58. ثم سبقه وانتظره في ترواس. هنك يُذكر تيموتاوس للمرّة الأخيرة في سفر الأعمال.
خلال الحقبة التي فيها دُوّنت الرسائل البولسيّة الكبرى (سنة 51- 58)، يرد اسم تيموتاوس أربع مرّات في 1تس، فل، فلم، 1كور. وجُعل أيضًا مع اسم بولس في كو 1: 1. وبما أن هذه الرسالة (كو) كُتبت في رومة، على ما يقول عدد من الشرّاح، نظنّ أن تيموتاوس كان مع بولس خلال إقامته في سجن رومة سنة 60- 63.
على مرّ السنين، كتب بولس أقوالاً فيها المديح والمحبّة، حول تيموتاوس. قال عنه في 1تس 3: 2 إنه أخ وخادم لله في انجيل المسيح. ودوّن في فل 2: 19- 23: "ما وجدتُ أحدًا مثله". فقد كان لبولس بمثابة إبن في خدمة الانجيل. لم يطلب منفعته الخاصّة، بل اسم المسيح. وفي 1كور 4: 17؛ 16: 10- 11، تيموتاوس هو الابن الحبيب والأمين لبولس. لا نقدر أن نستخفّ به (لحداثته) لأنه يُتم عمل الربّ.
كيف تدخل في هذه اللوحة، معلومات سيرويّة نكتشفها في 1تم؟ إن 1تم (و2تم) قريبة جدًا من الرسائل الكبرى، في موقفها من تيموتاوس: تيموتاوس هو إبن حبيب لبولس، وخادم &. لقد تعلّم من بولس أن يكون قدوة للمؤمنين. لهذا، لا يستخفّ به أحد. ثم إن 1تم تصوّر تيموتاوس كشاب (4: 12؛ 5: 1، خبرة قليلة) نال موهبة "عن طريق النبوءة وبوضع أيدي الكهنة" (4: 14). هو يتألّم من معدته وأمراضه المتواترة (5: 23). حين دُوّنت 1تم، كان التلميذ في أفسس حيث تركه بولس لكي يمضي إلى مكدونية (1: 3)، راجيًا أن يزوره أيضًا في أفسس، في وقت قريب (3: 14- 15؛ 4: 13). هذه المعلومة لا تتوافق مع رحلة بولس وتيموتاوس التي استندت إلى الرسائل الكبرى وسفر الأعمال. مثلاً، حين ترك بولس أفسس ذاهبًا إلى مكدونية، سنة 57، مضى تيموتاوس معه. لهذا طرح عدد من الشرّاح، بالنسبة إلى 1تم كما إلى تي، مبدأ يتحدّث عن رحلة جديدة قام بولس بعد خروجه من سجن رومة سنة 63. واعتبروا أن بولس عاد إلى أفسس (رغم ما في أع 20: 25، 38 حيث يقول للشيوخ إنهم لن يروا وجهه)، وترك هذه المدينة حوالي سنة 60، وانفصل تيموتاوس، وعاد إلى مكدونية.

2- تحليل الرسالة
حين نقسم 1تم بحسب مضمونها، نرى أن هناك أكثر من تكرار. ما قاله بولس في البداية (التعليم الكاذب، بنية الكنيسة) يقوله في النهاية. تارة يقول لتيموتاوس ما عليه أن يفعل (1: 3- 20)، وطورًا يتحدّث بشكل مباشر عن مشاكل الجماعة. هناك من اعتبر أن تعليمات بولس إلى تيموتاوس تندرج في قسمين رئيسيّين حول نواة من النصوص النبوية والأناشيديّة (3: 14- 4: 5). الأول (1: 3- 3: 11) والثاني (4: 6- 6: 21). أما التصميم الذي اتّبعناه في دراستنا، فهو يقع في أربعة أقسام: تيموتاوس وإعلان الانجيل (1: 3- 20). تيموتاوس وتنظيم العبادة (2: 1- 15). تيموتاوس والخدم في الكنيسة (3: 1- 16). تيموتاوس ومهمّته الرسوليّة (4: 1- 6: 19).
غير أننا في هذه المقدّمة نتبع الأب براون، فندرس الرسالة في ثلاثة رؤوس: البنية الكنسيّة، التعليم الكاذب، الايمان والعلاقات داخل الجماعة.

أ- البداية والنهاية
العبارة التي تفتتح 1تم (1: 1- 2) هي أقصر ممّا في تي حيث وجدنا "خادم الله". أما هنا، فنرى أن الرسول يقدّم نفسه كمكلّف بمهمّة من قبل الله مخلّصنا، والمسيح يسوع رجائنا. وهكذا شيّد دعامة يستطيع أن يجعل عليها تعليماته في شأن الكنيسة.
وفي الخاتمة (6: 20- 21)، لا نجد السلامات التي اعتدنا أن نجدها في مجمل الرسائل البولسيّة، بما فيها 2تم، تي. كل ما وجدناه هنا، نداء ملحّ إلى تيموتاوس بأن يحفظ الوديعة. وقد رأى بعضُ الشرّاح أن نهاية 1تم المفاجئة تشكّل تهيئة لما في 2تم، كما كانت عبارة الافتتاح في تي مدخلاً للرسائل الرعائيّة الثلاث، بحيث اعتبرت تي أولى الرسائل الرعائيّة على المستوى الزمني. ونعود إلى جسم الرسالة (1: 3- 6: 19) ونبدأ كلامنا عن البنية الكنسيّة أو النظام في الجماعة (3: 1- 13؛ 5: 3- 22أ).

ب- البنية الكنسيّة
توقّف هذا الموضوع في تي عند تسمية الشيوخ والأساقفة في كريت. ولكنه جاء أكثر تشعّبًا في 1تم. فمعالجة بنية الكنيسة في أفسس يمتدّ على مقطعين ابتعد الواحد عن الآخر في الرسالة: الأول (3: 1- 13) يصوّر الأسقف (المراقب، المشرف) والشمامسة. والثاني (5: 3- 22أ) يذكر الأرامل والشيوخ (الكهنة، القسوس). رأى بعضهم هنا تعليمات لنموذجين كنسيّين مختلفين: توجّه الأول إلى كنيسة محليّة في عالم الأمم الوثنيّة، في أفسس، والثاني (ولا سيّما في ما يتعلّق بالشيوخ) إلى كنيسة مؤلّفة من يهود. ولكن لا شيء يؤكّد ذلك. فنحن لا نستطيع أن نفترض أكثر من بنية كنسيّة أساسيّة في جماعات بولس في أفسس، وإن كانت هذه البنية أكثر تشعّبًا ممّا في كريت. فالمسيحيّة في أفسس تعود إلى الخمسينات. أما في كريت، فغُرست فيما بعد. وإذ تشير 1تم 5: 19- 20 إلى محاكمة أحد الشيوخ المتّهم، فهذا يفترض أن هذا النظام وُجد منذ بعض الوقت. وما يُقال عن الشيوخ الأساقفة في تي 1: 5- 9، أي معلّمي الجماعة، يقال في الأسقف (3: 2، في صيغة المفرد) في 1تم 3: 1- 7. فيبدو، والحالة هذه، أن هؤلاء الأساقفة كانوا "شيوخًا". ولكن بما أن 5: 17 تتضمّن أن بعض الشيوخ فقط التزموا الكرازة والتعليم، فجميع الشيوخ لم يكونوا أساقفة (بعد ذلك الوقت، سيكون لأحد الشيوخ سلطة على الآخرين. وهذا ما نقرأه في رسائل أغناطيوس الأنطاكي). والقول "من اشتهى الأسقفيّة اشتهى عملاً صالحًا" (3: 1) يدلّ على كرامة هذه "الوظيفة". نقرأ في 3: 1: "ما أصدق هذا القول". ولكن اختلافة تتحدّث عن "كلمة بشريّة" وهذا ما يدلّ على أن اشتهاء الأسقفيّة يعكس قيمًا بشريّة تحتاج إلى من يعترف بها. هنا نفهم التنبية الموجّه إلى الأسقف بأن لا يستكبر (3: 6).
ووُجد، في أفسس، بجانب الشيوخ/الأساقفة، شمامسة (3: 8- 13) يمتلكون صفات مماثلة: يكونون أهلاً للاحترام. لا يشربون الخمر. لا يطلبون المكسب الخسيس. تزوّجوا مرة واحدة فكانوا والدين صالحين وأرباب بيوت. أما البيت الذي له شيوخ/أساقفة وشمامسة، فليس بواضح. كل ما يقال في 3: 10 هو أن الشمامسة يُختبرون قبل أن يُسمح لهم بالخدمة. إذن، يمثّلون مجموعة من الشباب (تجاه الشيوخ). وقد تكون هناك تمييزات اجتماعيّة أو اقتصاديّة، لا نعرف الكثير عنها. لهذا، لا نستطيع إلاّ أن نقدّم فرضيّات: مثلاً، لم يكن الشمامسة أغنياء يقدرون أن يفتحوا بيتًا كبيرًا تلتئم فيه الجماعة المسيحيّة، إذ إن امتلاك مثل هذه "المساحة" كان جزءًا من واجبات الضيافة المرتبطة بالأسقف. فالفعل "دياكونانين" يدلّ على الخدمة. فربّما كان الشمامسة يومّنون خدمة دنيا، بالنسبة إلى الشيوخ/الأساقفة (كما نقول اللاويين بالنسبة إلى الكهنة في العهد القديم). ونلاحظ أن الشمامسة الذين يخدمون حسنًا "ينالون قدرًا ساميًا" (3: 13). نستطيع أن نفهم بهذا الكلام أنهم يرتفعون من "درجة" إلى "درجة"، من "الشماسيّة" إلى "شيوخ/أساقفة". وهكذا نفهم أن تكون الصفات المطلوبة هي هي في الحالين.
وقد وُجدت أيضًا شماسات (3: 11). يكنّ كريمات، عفيفات، أمينات. بعد أن تكلّم النصّ عن الشمامسة في 3: 8- 10، قال "وكذلك النساء". هذا يعني النساء الشماسات (لا امرأة الشماس، كما نقول امرأة الخوري، الخورية). فستُذكر امرأة الشماس في 3: 12 في دور آخر. ثم من الواضح أن "دياكونوس" يعني الشماس والشماسّة. هنا تحدّثت روم 16: 1 عن أختنا فيبة التي هي "دياكونوس" في كنيسة كنخرية. كانت هؤلاء الشماسات يخدمن الخدمة التي يقوم بها الشمامسة. وقد يكنّ اهتممن بشكل خاص بالنساء (ولا سيّما في جرن المعموديّة) كما اهتمّ الشمامسة بالرجال. غير أننا لا نعرف شيئًا واضحًا في هذا المجال، لأن 1تم لا تقول كلمة واحدة عمّا ينبغي على الشمامسة أن يفعلوه للجماعة المسيحيّة.
في أع 6: 1- 6، عنى فعل "دياكوناين" خدمة الموائد. فاعتبر بعضهم أن الشمامسة كانوا يقومون بخدمة الموائد وتوزيع الطعام. ولكن حين نجعل اسطفانس وفيلبس في مثل هذا العمل، نكون أمام تفسير خاطئ للتاريخ. إن "خدمة الموائد" لغة رمزيّة تدلّ على أشخاص مسؤولين عن أموال الجماعة وتوزيعها (رج أش 22: 22- 23 والذي يحمل مفتاح البيت). وإذا أردنا أن نستعمل لغة خارجة عن وقتها وقد استُعملت فيما بعد، لكي نتحدّث عن الهلينيّين السبعة المميّزين الذين كانوا مسؤولين عن تدابير الجماعة وأموالها، وعن الكرازة بالانجيل، نقول: كانوا في دور أساقفة تجاه العنصر الهليني. وهكذا يمكن أن يكون لوقا الذي كتب سنة 85 سفر الأعمال، قد استلهم ما وجد في الكنائس في الثمانينات، لكي يتحدّث عن الدور الذي لعبه اسطفانس وفيلبس، ولا سيّما في الكرازة والتعليم.
وشكّلت الأرامل (5: 3- 16) في أفسس مجموعة أخرى. كان لهنَّ وضعٌ قانونيّ محدّد في الجماعة. ولكنّنا لا نعرف إن كُنّ تسلّمن مهمّة في الجماعة أو شكّلن هيئة خاصّة. ميّز بولس بوضوح بين أرامل هنّ أرامل فقط لأن زوجهن مات، وأولئك اللواتي يلعبن دورًا خاصًا في الكنيسة فيُطلب منهنّ صفات خاصّة، كما طُلب من الأسقف والشمامسة. ففي الفئة الأخيرة يكون عمر الأرملة أقلّه ستين عامًا، وما تزوّجت سوى مرّة واحدة (هذا يعني أنها تلتزم حياة العزوبيّة) فظلّت أمينة لزواجها الأول (كما نجد في عدد من المدوّنات)، أنها ربّت الأولاد، وعُرفت بأعمالها الصالحة. فإن كانت هؤلاء بدون مال شخصيّ (5: 5، 16)، تساعدهنّ الكنيسة من الصندوق العام (أع 6: 1). فدورهنّ في الكنيسة يتضمّن بشكل خاص الصلاة نهارًا وليلاً (رج لو 2: 36- 37 وما فعلته حنة ابنة فنوئيل، فكانت مثال الأرامل في الكنيسة الأولى). ثم ممارسة الضيافة بأعمال متواضعة جدًا (غسل أرجل القديسين، مساعدة المحتاجين). هل اختلف دور الأرامل عن دور الشماس والشمامسة؟ هذا ما لا نعرفه.
ما نلاحظ في كلام بولس، في هذا المجال، هو اللهجة القاسية تجاه أرامل يجب أن لا يدخلن في مجموعة الأرامل. مثل هؤلاء يُطلب منهنّ الاهتمام بأولادهنّ وأحفادهنّ. بل إن بولس يخاف من أن تصبح هذه الأرامل الشابات، تابعات لشهواتهنّ بحيث يملن عن دعوتهن، فيتجوّلن من بيت إلى بيت، وينقلن الكلام بين الناس، ويبحثن عن زوج آخر بحيث ينقضن عهدهنّ الأول. بعد أن فكَّر بولس، طلب منهنّ أن يتزوّجن فيكون لهنّ أولاد، وهكذا لا يكنّ سبب شكوك في الكنيسة: "فإن بعضًًا منهنّ انحرفن إلى اتّباع الشيطان" (5: 15). واعتبر بعض الشرّاح أن هؤلاء النسوة (لا الأرامل فقط، بل المطلّقات أو العوانس) طالبن بحريّة أكبر على مستوى الكلام في الكنيسة. لهذا، جاء كلام بولس قاسيًا بالنسبة إليهنّ (2: 11- 15). فطلب منهنّ الخضوع. وبما أنهن يُخدعن بسرعة، لا يحقّ لهنّ أن يعلّمن الرجال. كل هذا نعود إليه في معرض الحديث عن التعاليم الضالّة (1: 3- 20؛ 3: 14- 4: 10؛ 6: 3- 5).

ج- التعليم الصحيح والتعليم الضالّ
يُذكر التعليم الضالّ في أكثر من موضع في هذه الرسالة. غير أننا لسنا أكيدين أننا دومًا أمام الخطر عينه. فالوصف هنا، كما في تي، هو وصف هجوميّ (6: 3- 5، منتفخ، أعمته الكبرياء). لهذا يصعب علينا أن نعرف الضلال الأساسيّ معرفة دقيقة. فبولس يشير في 1: 13- 16 أنه هو في الماضي، كان مجدّفًا ومضطهدًا، ولكنه اهتدى بنعمة المسيح ورحمته، فجاء اهتداؤه تشجيعًا ضمنيًا للذين ما زالوا حتّى اليوم يعارضون التعليم الصحيح: إنهم يستطيعون أن يهتدوا، لأن المسيح جاء إلى العالم لكي يخلّص الخطأة. وتيموتاوس عرف، رغم شبابه، "النبوءات التي قيلت في الماضي عنه" (1: 18). تبع التعليمَ الصحيح، وهو قادر أن يكون خادمًا صالحًا للمسيح (1: 19؛ 4: 6) فيقف في وجه المعلّمين الكذبة.
وقالت الرسالة أيضًا عن هؤلاء "المعلّمين": "أرادوا أن يكونوا معلّمين في الشريعة" (1: 7). وهكذا نكون أمام خصوم يرتبطون بالعالم اليهوديّ: هم يتعلّقون بخرافات وأنساب (1: 4؛ 4: 7). كيف نحكم على هؤلاء المعلّمين على مستوى الممارسة؟ ننطلق من خطاياهم التي تعارض الوصايا العشر (1: 8- 10). هذا بشكل عام. ولكن بعضَ النقاط التي تستحقّ النقد هي خاصّة ومحدّدة: إن الخصوم يمنعون من الزواج، ويحرّمون بعض الأطعمة (4: 3). وإذ هم يعلّمون، يدلّون على تعلّقهم بالمال يربحونه (5: 5، 10). وهكذا نجد السؤال الذي يُطرح في تي: فالتعليم الذي تشير إليه الرسائل الرعائيّة، يعود بنا إلى إطار أسفار يهوديّة منحولة، أو غنوصيّة يهوديّة، هي شبه غنوصيّة ومعرفة كاذبة (6: 20)، أو الاثنتان معًا.
ورأى آخرون أن بولس شدّد على القيم التقليديّة، وهذا ما يدلّ على أنه "يقاتل" أفرادًا متكبّرين يرتبطون بالفلسفة الكلبيّة: تعلن أنها لا تعرف شيئًا عن الله، وترفض الكلام عن المعتقدات التقليديّة، وتمتدح من يرفض الزواج وإيلاد البنين. إلى أي مدى يقود هذا التعليم الكاذب؟ هنا نتميّز في الجماعة، الأعضاءَ الذين يؤثّر عليهم هؤلاء المعلّمون الضالّون (2: 1- 15؛ 4: 11- 5: 2؛ 5: 22ب - 6: 2؛ 6: 6 - 19). هذا ما نتطرّق إليه في ما يلي.

د- العلاقات في الجماعة والايمان
يتداخل هذا الموضوع مع الحكم على التعليم الضالّ في 1: 8- 11. نجد في هذه الرسالة (كما في تي 2: 1- 10) شرعة عائليّة. غير أن عناصرها مبعثرة. ففي 1تم 5: 1- 2 مثلاً، نجد تعليمات حول العلاقات المتبادلة بين الشيوخ والشبّان، بين العجائز والفتيات. وفي 2: 8- 15، تعليمات للرجال والنساء حول سلوكهم خلال شعائر العبادة. وفي 6: 1- 2، يقال للعبيد أن يحترموا أسيادهم سواء كانوا مسيحيين أم لا (لا يقال شيء للأسياد). وفي 2: 1- 2، تُطلب الصلاة "لأجل الملوك وذوي المناصب".
إن الأوامر الموجّهة إلى الرجال والنساء في شأن العبادة، بدت قاسية جدًا في ما يخصّ النساء. يشدّد النصّ أولاً على التواضع والحشمة في اللباس. بعد ذلك، يُطلب من النساء السكوت والخضوع خلال التعليم (2: 9- 12): "لا أبيح للمرأة أن تعلّم ولا أن تتسلّط على الرجل". مثل هذا الكلام يعود بنا إلى إطار عباديّ. ولكن يمكن أن يتجاوز هذا الإطار (ما يدلّ على ذلك، الاشارة إلى حوّاء). تُقرأ هذه الآيات بشكل عاديّ كموقف عام بالنسبة إلى النساء. وفي السياق الحاليّ، نرى تطرّفًا في الحدّ من دور المرأة. وهذا يبدو واضحًا إن قرأنا 2: 8- 15 مع 5: 11- 15 والموقف القاسي تجاه الأرامل الشابات.
غير أن بعض الشرّاح قدّموا تفسيرًا آخر لهذا المقطع (2: 8- 15) في إطار هجوم على التعليم الكاذب. نحن هنا أمام نساء غنيّات، والكلام واضح عن الذهب واللالئ والحلل الفاخرة (2: 9). وهذا ما يقرّبنا من النقد القاسي للأرامل اللواتي لا شغل لهنّ سوى التنقّل من بيت إلى بيت (5: 6- 3. رج أيضًا الهجوم على الغنى في 6: 9، 17). فإذا كان المعلّمون الضالّون قد جعلوا من هؤلاء الناس هدف تعليمهم، نفهم هجوم الرسالة على البحث عن الغنى (رج 2تم 3: 2، 6- 7، والكلام عن هؤلاء المعلّمين الذين يحبّون المال، فيلجون البيوت ويسبون نساء ضعيفات). إذن، لا يشير النصّ إلى النساء بشكل عام، بل إلى هؤلاء اللواتي حملن مشعل الضلال وسقطن فيه: هؤلاء يُمنعن من التعليم ولا يمارسن سلطة من السلطات (2: 12؛ رج تي 2: 3 حيث يُطلب من العجائز أن يكنّ معلّمات). ومع ذلك، يبقى تعبير الرسائل الرعائيّة، ولا سيّما 2تم 3: 6- 7، جارحًا. فيجب أن نفهمه انطلاقًا من نظرة حول الوضع الاجتماعيّ في ذلك العصر. الكلام يقف على المستوى الحضاريّ، لا على المستوى الايمانيّ حيث لا رجل ولا امرأة.
حين تنتقل هذه النسوة من بيت إلى بيت، فهنّ ينشرن الضلال. حينئذ يشبَّهن بحواء التي أضلّت آدم (2: 13- 14). أما الخلاص الذي تناله هذه النسوة بالأمومة (2: 15؛ رج 5: 14 والنصيحة إلى الأرامل الشابات بأن يلدن البنين)، فهو يستند إلى تك 3: 16، فيشكّل ردًا على المعلّمين الذين يمنعون الزواج (1تم 4: 3). ففي سياق نهاية القرن الأول وبداية القرن الثاني، يبدو هذا القول معقولاً. ففي "الاعمال" المنحولة، التي دوّنت في القرن الثاني، نجد تعليمًا يمنع أكل اللحم وشرب الخمر والعلاقات الجنسية. هناك نساء ألّفن بعض هذه "الأعمال" (أعمال يوحنا، بطرس، بولس، اندراوس، توما)، فجاءت 1تم 4: 7 ردًا على مثل هذا التقليد وانتقادًا لمثل هذه الخرافات الدنيويّة. في هذا المجال، اعتبر بعض الشرّاح أن نظرة بولس كانت مؤاتية للمرأة. فجاء من صحّح إرثه في إطار سيطرت فيه نساء مسيحيات (أرامل أو عوانس) وقدّمت مثل هذا التعليم الذي لا يمكن إلاّ أن يقود إلى الضلال.
ونقرأ في 1تم حذرًا من الغنى في 6: 5- 10، 17- 19 مع القول المشهور "أصل كل الشرور محبّة المال" (6: 10). كما نقرأ أناشيد تُسند التعاليم الأخلاقيّة في هذه الرسالة. وأشهرها 3: 16 الذي يصوّر سرّ التقوى في معرض حديثه عن مصير الابن المتأنّس. ونقرأ نشيدًا في 6: 7- 8 وآخر في 6: 15- 16 الذي هو مباركة ليتورجيّة.

3- من كتب 1تم ومتى
هناك آراء ثلاثة في هذا المجال، وتحديدُ الكاتب يرتبط بتحديد الزمان. الرأي الأول يعتبر أن بولس نفسه كتب 1تم، كما كتب الرسالتين الرعائيتين الأخريين أي 2تم، تي. ذاك هو الرأي التقليديّ، الذي لم يناقشه أحد مبدأيًا قبل القرن التاسع عشر. استندوا إلى النقد الخارجيّ، أي ارتباط 1تم بنصوص أخرى، وإلى النقد الداخليّ، أي قراءة النصّ. وآخر الآراء يقول: لا تذكر 1تم سقوط أورشليم سنة 70 ب م. إذن، دُوّنت قبل هذه السنة، وربّما سنة 55. ودُرست التلميحات إلى الأشخاص والأحداث والتذكّرات. فاقتربت 1تم من تي. وظلّت 2تم وحدها، وقد ارتبطت بسجن بولس في رومة سنة 61. أما الرسالتان الأخريان، فجاءتا قريبتين من روم، فدوّنتا بحسب هذه النظرة في ربيع سنة 58.
والرأي الثاني يقول إن أحد تلاميذ الرسول كتب، بإشرافه، هذه الرسالة. وهكذا نصبح في تيّار بولسيّ سوف يمتدّ حتّى بعد موت بولس. فكما كان كلام عن المدرسة اليوحناويّة التي تأمّلت في نصوص سابقة ارتبطت بيوحنا الرسول، كذلك هنا كلام عن المدرسة البولسيّة التي يبدو أنها كتبت فيما كتبت الرسالة الثانية إلى تسالونيكي والرسالة إلى أفسس وربما الرسالة الثانية إلى تيموتاوس والرسالة إلى تيطس. وفي إطار هذه المدرسة تُجعل الرسالة إلى العبرانيين التي قد تكون دوًّنت في الثمانينات.
وهكذا نكون في الرأي الثالث، الذي انطلق من ثلاثة أمور ليقول إن 1تم لا يمكن أن تكون من يد بولس. بل هي دُوّنت في الثمانينات. كان أولاً تدارس المعطيات التاريخيّة (1: 3؛ تي 3: 12- 13؛ 2تم 4: 9- 21). فهي لا تتوافق مع معطيات أكيدة نقرأها في سفر الأعمال. ثم، كان تدارس لتعليم الرسائل الرعائيّة، ولا سيّما التنظيم الكنسيّ. هذا ما يجعلنا في حقبة متأخّرة. وأخيرًا، هناك خصائص على مستوى الاسلوب واللغة، لا يمكن أن ننسبها إلى الرسول. وإذا أضفنا نظرة إلى الخصوم الذين يرتبطون من قريب أو بعيد بالغنوصيّة اليهوديّة، وتوقّفنا عند لاهوت يجعل من تجسّد المسيح تجليًا، ومن شخص يسوع مخلّصًا، نفهم أننا في الجيل المسيحيّ الثاني، وربّما الثالث. وما يحدونا إلى هذا القول، هو أنه مضى زمان طويل على تكوين الجماعات، واختيار الخدّام (3: 6، 10). وأن الكنيسة بدت مهدّدة من قبل المعلّمين الكذبة: بيوت تدمَّر (5: 15). وهناك أشخاص يرفضون متابعة المسيرة، كما هو الأمر في الرسالة إلى العبرانيين التي تتحدّث صراحة عن جيل ثان من المدبّرين (عب 3: 17). وأخيرًا. إن الكنيسة أخذت تتنوّع على المستوى الاقتصاديّ والعائليّ والاجتماعي، فاهتمّت بعلاقاتها بالخارج (2: 1ي)، بمجتمع ما زال في أكثريّته وثنيًا.
الفصل الثاني
عنوان الرسالة
1: 1- 2
منذ القرن الثامن عشر، اعتاد الشرّاح أن يسمّوا الرسالتين الأولى والثانية إلى تيموتاوس، والرسالة إلى تيطس، الرسائل الرعائيّة. فهذه الرسائل اختلفت عن تلك التي توجّهت إلى جماعات، مثل كورنتوس أو تسالونيكي. هي توجّهت إلى أشخاص محدّدين، فبدت رسائل شخصيّة. ومع ذلك، اختلفت 1تم، 2تم، تي، عن رسالة شخصيّة أيضًا هي الرسالة إلى فيلمون. فهذه الرسالة عالجت موضوعًا خاصًا، هو غفران من سيّد (هو فيلمون) إلى عبد (هو أونسيموس) هرب من بيت سيّده. أما الرسائل الرعائيّة، فتتوخّى تنظيم الجماعات المسيحيّة في غياب الرسول، وتقدّم التوصيات إلى المسؤولين. ففيها كلام التحذير والتنبيه، وفيها الارشاد الذي يدعو إلى التقوى والفضيلة: "في التقوى ربح عظيم إذا اقترنت بالقناعة" (6: 6).

1- إطار 1تم
كتب بولس رسالة قصيرة إلى تيموتاوس، فدعاه فيها إلى أن يقاوم التعاليم الكاذبة التي تبلبل الجماعة، ثمّ يقدّم الشريعة التي ستكبح رذائل الناس، إن عرفوا أن يمارسوها. فيبقى على الرسول أن يجاهد الجهاد الحسن، في خطّ معلّمه. وأن يكون القدوة الصالحة للمؤمنين. فذاك الذي رافق بولس منذ رحلته الرسوليّة الثانية (أع 15: 36 ي)، يفهم مقاصد الرسول، بحيث يقدر أن يتابع في أفسس ما عمله بولس. قال لهم في خطاب وداعه: "لم أقصّر في شيء ممّا هو مفيد لكم، واعظًا إياكم، ومعلّمًا في الجهر وفي البيوت، ومناشدًا اليهود واليونانيين أن يتوبوا إلى الله ويؤمنوا بالربّ يسوع" (أع 20: 20- 21).
تيموتاوس هو مشارك لبولس في عمله الرسوليّ. وتلميذ وثق به الرسول كل الثقة، وأشركه في توجيه عدد من رسائله (2كور؛ فل؛ كو؛ 1و 2تس؛ فلم). بل أرسله من مكدونية، كابن حبيب له، لكي يذكّر الكورنثيين بتعاليمه (1كور 4: 17). وامتدحه بولس امتداحًا تجاه الذين يطلبون من الرسالة منفعة شخصيّة. أما تيموتاوس "فرجل مختبَر، خدم معي في الانجيل، خدمة الوالد مع أبيه" (فل 2: 22).
حين نقرأ 1تس، نكتشف الساعة الأولى التي زُرع فيها بذار الانجيل في أرض وثنية. ولكن حين نقرأ 1تم و2تم وتي، نجد نفوسنا أمام جماعات مسيحيّة تأسّست منذ زمان بعيد. كأني بنا في الجيل الثاني المسيحيّ، كما هو الأمر بالنسبة إلى الرسالة إلى العبرانيين، حيث مات المعلّمون الأوائل (عب 13: 7). فوجب، والحالة هذه، على المؤمنين أن يسمعوا للمعلّمين الجدد (13: 17) الذين لم يروا وجه الرب، بل تسلّموا المهمّة من الجيل الأول، من بطرس وبولس اللذين سفكا دمهما في رومة، من أجل المسيح (عاقبة مسيرتهم. أي كيف انتهت حياتهم)، على مثال الأقدمين (عب 11: 2).
في 1تم، لم نعد أمام حمل البشارة، بل أمام المحافظة على الوديعة (6: 20). هذا ما يقوله بولس لتلميذه تيموتاوس. بولس هو "رسول المسيح يسوع" (2كور 1: 1؛ أف 1: 1؛ كو 1: 1) بأمر الله مخلّصنا. سيقول في 2تم: "بمشيئة الله". نلاحظ بشكل خاص بُعد الرجاء، الذي لا نجده في سائر الرسائل. في 1تم كان كلام عن "المسيح يسوع رجائنا" (1: 1). في 2تم عن »موعد الحياة التي في المسيح يسوع«. وفي تي 3: 7، نتبرّر بالنعمة "فنصير ورثة على حسب رجاء الحياة الأبديّة".
بولس هو الذي غرس. وجاء بعده من سقى (1كور 3: 6). بولس هو الذي وضع الأساس كبنّاء حكيم، وجاء من يبني بعده (1كور 3: 10). تيموتاوس، الابن الحقيقيّ لرسول الأمم، سوف يتابع العمل، ينظّم الجماعة، يحارب الضلالات، ويشجّع المؤمنين على الثبات في الايمان المسيحيّ، بحيث لا تفتر المحبّة في القلوب. من أجل هذا، تمنّى له الرسول النعمة والرحمة والسلام. وربط كل العطايا التي ننالها بالله الآب وبالربّ يسوع المسيح. أما الكلمة الأساسيّة فهي "المخلّص". الله الآب يخلّصنا، فمنه كل مبادرة خلاص. والرب يسوع مخلّصنا بعد أن تجسّد من أجلنا نحن البشر، فتألّم ومات وقبر قبل أن يقوم في اليوم الثالث (1كور 15: 3- 5).

2- دراسة النصّ
قبل أن نتوقّف عند دراسة الآيات، نشير إلى أن المخطوط السينائي قرأ "إبانغاليا" (موعد)، بدل "إبيتاغي" (أمر). هذا في آ 1. في آ 2، جعلت بعض المخطوطات (موسكو، القرن التاسع، باريس، الملكي، القرن الثامن...) والترجمات السريانيّة، الصعيدية، الحبشيّة) الضمير "نا" (هامون في اليونانيّة) بعد "الآب"، فقرأت "من الله أبينا". هي إضافة، لهذا أهملناها وقلنا: "من الله الآب ومن المسيح يسوع ربنا".

أ- بولس رسول (آ 1)
بولس رسول. ابوستولوس. ترد اللفظة مرّة واحدة في العهد القديم (1مل 14: 6). في المفهوم الدينيّ الذي يعرفه العهد الجديد، هو حامل الانجيل، أو من ترسله الجماعة. في أع 14: 4، 14، يُذكر بولس وبرنابا على أنهما رسولان. في روم 16: 7 يُذكر أشخاص مشهورون بين الرسل. رج فل 2: 25. في المعنى الخاص، الرسل هم الاثنا عشر وبولس نفسه. ليس الرسول شخصًا يُوفد في مهمّة محدّدة وموقتة، وليس فقط عاملاً من العمّال أو رجل ثقة. هو شخص مكلّف بمهمّة مدى الحياة (أع 1: 17، 20، 25). وهذا يعني مسؤوليّة ترتبط بسلطة تُعطى له (آ 2)، في حياته (1: 16؛ رج 2كور 12: 12)، كما في تعليمه (مت 28: 18- 19؛ 1كور 1: 17؛ 2كور 10: 18؛ 1تس 2: 7).
رسول المسيح. هو المضاف الذي يدلّ على انتماء شخص إلى آخر. فبولس يخصّ المسيح. هو قريب بشكل خاص من المسيح، الذي اختاره وأوكله بهذه الخدمة (غل 1: 15؛ أف 3: 8)، وقوّاه من أجل بناء الكنيسة (1كور 3: 9- 10؛ أف 2: 20). تسلّم سلطةً، فشارك آخرين في بناء "اسرائيل الجديد". حمل تعليمَ الخلاص (غل 1: 12)، فعبّر عن فكر المعلّم (1كور 2: 16؛ 2كور 5: 18- 20)، لأن من سمع من الربّ سمع من تلاميذه (رج مت 10: 40).
إذن، رسالة بولس إلى تيموتاوس، رسالة رسمبّة. يرفعها سفير (2كور 5: 20؛ أف 6: 20) وعى رسالته (1كور 15: 9) في خطّ الربّ الذي يمثّل. هو خادم للمسيح. عبد للمسيح. رج روم 1: 1؛ تي 1: 1. تقوم وظيفته بأن يقيم علاقة بين ربّ المجد وأخصّائه، في الموضع الذي أرسل إليه (2كور 10: 13- 15).
بولس سفير. فأين هي أوراق اعتماده؟ اعتاد بولس أن يتحدّث عن مشيئة (تاليما) الله (2تم 1: 1؛ 1كور 1: 1) لكي يدلّ على شرعيّة رسالته. أما هنا فاستعمل وحده لفظ "إبيتاغي" التي تعني أمرًا يلزمنا، وقرارًا لا عودة عنه، يجب أن ننفّذه. فالاسم والفعل الذي يقابله (إبيتاسو) نقرأهما في إطار سلطة عليا (أس 1: 8؛ حك 14: 17). وهكذا فهم مسيحيّو أفسس حيث يقيم تيموتاوس، أن بولس تسلّم مهمّة رسول بأمر ملكيّ هو أمر الله (1: 17؛ 6: 15). هذا يفرض عليهم الاحترام والطاعة لمن أسّس كنيستهم ورعاها بتكليف خاص من الله.
الإله الذي يرتبط به بولس، هو إله كنيسة (3: 15) يختار خدّامها ويعطيهم سلطته، لأنه صاحب التدبير الخلاصيّ كله (1كور 1: 21؛ أف 2: 4- 8؛ فل 1: 28). لهذا سُمِّي المخلّص (سوتير) في خطّ ما قيل عن الله في العهد القديم: ينجّي من الأخطار (1مك 4: 30)، يحمي شعبه ويُغدق عليه عطاياه (لو 1: 47، 69). يغفر له خطاياه. بما أن المسيح قام بعمل الخلاص، يُدعى هو أيضًا المخلّص: فهو يشارك الآب في عطيّة النعمة والحياة (أع 5: 31؛ 13: 23؛ يو 4: 42؛ 1يو 4: 4). وإذ نعلن إيماننا بيسوع، الربّ المخلّص، نعلن إيماننا بلاهوته كما في تي 2: 13: "إلهنا العظيم ومخلّصنا يسوع المسيح".
وردت لفظة "سوتير" عشر مرّات في الرسائل الرعائيّة، من أصل أربع عشرين في كل العهد الجديد. ورافقها الضمير "نا" (مخلّصنا، نحن) للدلالة على أن هذا المخلّص يختلف عن الآلهة الوثنيّة التي اعتبرها عبّادُها أنها تخلّص (مثلاً، أرطاميس، إلاهة الخلاص)، وعن الملوك الذين كانوا في أنطاكية أو رومة (رؤ 7: 10: الملك لإلهنا)، وعن الفلاسفة الذين ينجّون البشر من الضلال والخرافات. إن إلهنا، إله الخلاص، يمنحنا السلام والحياة والسعادة (4: 8- 10)، بعنايته وسخائه، بحمايته ونعمته، بعونه وسهره، بحيث نبلغ إلى الملكوت السماويّ.
تسلّم بولس مهمّته على طريق دمشق (أع 9: 3ي). تسلّمها من الله ومن المسيح. المسيح هو رجاؤنا. هذا يعني أن الرسول ينتظر مجيئه. كما ينتظر منه الحياة الأبديّة. فبدون المسيح، نحن بلا رجاء (أف 2: 10). والمسيحيّون هم الذين وضعوا رجاءهم في المسيح (1كور 5: ،19 روم 5: 1ي). قرأنا هنا الخلاص مع الرجاء (إلبيس). بالرجاء نحن متأكّدون أننا ننال الخلاص. في هذا قال الذهبيّ الفمّ: "مخلّصنا إله، لا انسان. وهذا المخلّص ليس بضعيف. هو الله بالذات... ورجاؤنا لا يخيب، لأنه المسيح بالذات. بهذين السندين نتحدّى المخاطر وننجو منها سريعًا. فغذاؤنا رجاء خيّر".

ب- إلى تيموتاوس (آ 2)
أرسل بولس رسالة وجّهها إلى ابنه الحقيقيّ، إلى ابنه الحبيب. منذ البداية، ظهرت عاطفته تجاه ذاك الذي ولده للمسيح (أع 16: 1- 3). تيموتاوس يعمل مع بولس (سينارغوس، روم 16: 21). هو أخوه (1تس 3: 2). بل هو إبن عزيز (1: 18؛ 2تم 1: 1)، بعد أن تربّى على يد بولس في الايمان.
ما استعمل بولس "هيوس"، بل "تكنوس"، في خطّ عالم الحكمة. حيث التلميذ لا يرث "خيرات" معلّمه (كما يرث الابن أباه) بل حياته وتعليمه. وأضاف بولس صفة "غنيسيوس" (حقيقيّ) تجاه نغل وابن زنى (نوتوس... عب 12: 8). تدلّ هذه الصفة على حامل الوحي، على مفسّر الوحي، وعلى مساعد معلّمه. وهكذا كان تيموتاوس، بالنسبة إلى أهل أفسس، امتدادًا لصوت بولس، وممثّلَه لديهم. والمحبّة التي تجمع بينهما هي محبّة بين إبن وأبيه (رج 2تم 2: 10).
"النعمة والرحمة والسلام". رج في العبرية: ح س د. ر ح م ي م. ش ل و م. مثلّث نجده في الرسائل الرعائيّة ورسائل يوحنا. اعتاد اليونانيون أن يتمنّوا الفرح "خايراين" لمن يكتبون إليهم. أما بولس، فحوّل هذه التحيّة إلى عبارة مسيحيّة. "خاريسط (النعمة) هي تعبير عن الحبّ والرحمة. هي موهبة مجانيّة في إطار تدبير الخلاص (تي 2: 11؛ أع 20: 24). وحيُ عون وقوّة من أجل المسيحيّ (1كور 15: 10). "إلايوس" (الرحمة) قريبة من النعمة. ولكنها تشدّد على مجانيّة ما يفعله الله من أجل الخطأة (1: 13؛ تي 3: 5؛ روم 11: 32)، بحيث ينالون غفرانه (أف 2: 14). لهذا، فهي ترد مع السلام (ايريني). هناك نظرة سلبيّة: تبتعد عنّا كلُّ عداوة فينال المؤمن الراحة. والنظرة الايجابيّة: ننال كل خير ماديّ وروحيّ. بل ننال الخير كل الخير، يسوع المسيح.
مواهب ثلاث. ينبوعها واحد، الله الآب. والمسيح ربّنا. فالله أب لمن يعترف بأبوّته، والمسيح رجاء لمن يعترف بخلاصه. الأبوّة ترافقها القدرة. والخلاص ترافقه المحبّة. وهذا الاله الذي يمنح عطاياه، يُغدقها بشكل خاص على تيموتاوس وجماعة أفسس.

3- قراءة إجمالية
بدأت 1تم باسم الكاتب الذي أرسلها، وباسم القارئ الذي تسلّمها، فجاءت مثل فلم، مع العلم أن البطاقة التي أرسلها إلى صديقه بعد أن فرّ عبده من بيته، توجّهت أيضًا إلى أبفية "الاخت" التي يمكن أن تكون امرأة فيلمون، وإلى أرخبّس "الأخ" الذي يمكن أن يكون إبن فيلمون.
أعلن بولس لقبه كرسول، فيعي تيموتاوس، خلال القيام بواجبه، أنه يستند إلى سلطة رسوليّة، وإلى أمر إلهي واضح. فعملُ الرسالة ليس عملاً فخريًا، نقوم به لكي يرضى عنّا البشر. وما من أحد يعطي لنفسه هذه الكرامة. بل هو الله الآب والرب يسوع المسيح. هو أمر واضح بأن يحمل الرسولُ الانجيل. هذا يعني أن على المؤمنين أن يخضعوا لما يُعطى لهم من توصيات.
الله الذي أرسل بولس هو المخلّص. هو يخلّص المؤمنين (1كور 1: 21). اختارهم منذ البدء من أجل الخلاص (2تس 2: 13)، وهيّأهم لنعمه (1تس 5: 9)، وقدّم لهم انجيل الخلاص (أف 1: 13)، هذا الانجيل الذي هو قدرة الله للخلاص (روم 1: 16). لهذا، نستطيع أن ندعو المسيحيين "المخلَّصين" (1كور 1: 18؛ 2كور 2: 15). فكرة الخلاص متجذّرة في العهد القديم، ومتجذّرة في العالم الوثنيّ. لهذا، فهم الرعاة كلام الملائكة يوم الميلاد: "وُلد لكم مخلّص هو المسيح الربّ" (لو 2: 11). وستفهم الكنيسة أن هذا الطفل الذي لفّ في القمط هو المخلّص، "وما من خلاص بأحد غيره، إذ ليس تحت السماء اسم آخر أعطي في الناس به ينبغي أن نخلص" (أع 4: 12).
إذا كان الآب منشئ الخلاص، فالمسيح أداته. به وفيه أعطي لنا الخلاص (روم 5: 10؛ 1كور 1: 18)، بحيث إن سرّ الخلاص هو في الواقع سرّ المسيح (أف 1: 9- 10). ولكننا بما أننا لم نحصل بعد على "كل" هذا الخلاص، لم نحصل عليه إلاّ في الرجاء (روم 8: 24). ففكرة الخلاص ترتبط بالرجاء. وهكذا جمع بولس في الآب والابن عملاً واحدًا، فدعا الآب "مخلّصنا" والابن "رجاءنا".
والذي يكتب إليه بولس، ليس شخصًا غريبًا عنه. ولسنا أمام رسالة "إدارية" تحمل توجيهات من رئيس إلى مرؤوسيه، كما في منطق العالم، حيث اللغة لغة السلطة، لا لغة الخدمة، وحيث الاطار إطار القوّة والتخويف، لا إطار الثقة والمحبّة. بل أمام رسالة يرسلها أب إلى ابنه. فالرسول يقابل تلاميذه بالابناء (فلم 10). يحبّهم كما تحبّ الأم أولادها. من أجلهم قاسى آلام الولادة (1كور 4: 15؛ غل 4: 19). ولا يزال يحبّهم كأب حقيقيّ تجاه أولاد حقيقيين (1تس 2: 11- 12). ومحبّة بولس لتيموتاوس محبّة خاصّة. يسمّيه الابن الحبيب (1كور 4: 17؛ 2تم 1: 2). وتيموتاوس، من جهته، قد سلّم نفسه بكلّيتها للرسول، الذي يمكن أن يثق به كل الثقة (فل 2: 20- 22؛ 1تم 3: 2). إلى هذا الابن، وإلى كنيسة أفسس، يتمنّى بولس "النعمة والرحمة والسلام". يتسلّح تلميذ بولس بهذا السلام ولا يخاف في دفاعه عن حقّ الانجيل.

خاتمة
ذاك كان عنوان 1تم. هناك من يرسل الرسالة. وهناك من يتقبّلها. وهكذا يبدأ الحوار بين معلّم وتلميذه، بين أب وابن حقيقيّ له، بين ذاك الذي غرس وذاك الذي يُطلب منه أن يسقي لكي ينمو الزرع الذي كان صغيرًا بحيث يصبح شجرة كبيرة تتفيّأ طيور السماء أغصانها. بين ذاك الذي وضع الأساس وذاك الذي يُطلب منه أن يتابع البناء مع هؤلاء المؤمنين الذين يشكّلون حجارة حيّة بحيث يصبحون على الأرض هيكل الروح، الذين تكون حياتهم مقبولة لدى الله بيسوع المسيح (1بط 2: 5).
القسم الثاني
تيموتاوس وإعلان الانجيل
1: 3- 20

دورُ تيموتاوس الأول هو محاربة المعلّمين الكذبة. ونتيجة كرازته تكون السلام ووحدة القلوب في الجماعة، من أجل المحبّة الأخويّة. هذان هما الفصلان اللذان نقرأهما في هذا القسم الأول (1: 3- 20). الأول، محاربة المعلّمين الكذبة (آ 3- 11). والثاني، بولس ودعوته الرسوليّة (آ 12- 20).
الفصل الثالث
محاربة المعلّمين الكذبة
1: 3- 11
بدأ بولس فشدّد على سلطته الرسوليّة التي نالها من الله. أرسله الربّ يسوع، فأطاع أمرًا جاءه من الله. ووجّه كلامَه إلى تيموتاوس، طالبًا له النعمة الضروريّة لإتمام عمله، والعون في الصعوبات، والسلام في القلب.
والسؤال الذي يُطرح على خادم الله، هو التعليم الذي ينقله: هناك وجه سلبي: محاربة المعلّمين الكذبة. ووجه إيجابيّ: إيصال البشارة إلى المؤمنين. لهذا، يعود تيموتاوس إلى الشريعة الجديدة، تجاه خرافات تدخل إلى الكنيسة، تجاه مزج بين الحقّ والضلال، بحيث نبتعد عن مخطّط الله الخلاصيّ، وننسى العلاقة بين الايمان والمحبّة من جهة، والفضائل الأخلاقيّة من جهة ثانية.

1- التعليم الصحيح
تشدّد الرسائل الرعائيّة، أول ما تشدّد، على استقامة الايمان. وذلك في ردّ على تعليم الهراطقة. أما الردّ فيستند إلى مكانة الكتب المقدّسة في قلب الحياة المسيحيّة. لهذا نتوقّف عند أربعة ألفاظ: الانجيل أو البشارة. الكلمة. معرفة الحقّ. التعليم الصحيح.
لا نستطيع القول إن 1تم تورد النصّ الانجيليّ المكتوب، اللهمّ ما نقرأ في 5: 18: "العامل يستحقّ أجرته" (رج لو 10: 17). لهذا، فلفظ "انجيل" (أو: بشارة) يحتفظ بمعناه الأول: إعلان البشارة والخبر الطيّب. لسنا هنا أمام ملكوت الله كما في الأناجيل الإزائيّة، بل أمام شخص يسوع المسيح. في هذا المجال، نقرأ 2تم 2: 8: "أذكر يسوع المسيح، المتحدّر من نسل داود، الذي قام من بيت الأموات، بحسب انجيلي"، بحسب الانجيل الذي أبشّر به في كل مكان. فالانجيل هو القاعدة الأولى للتعليم. وهو يكشف مجد الله السيّد (1: 11)، وقدرة المسيح يسوع "الذي أباد الموت، وأبان (أشعّ) الحياة والخلود (= عدم الموت) بواسطة الانجيل" (2تم 1: 10). إذن، يليق بنا أن نتألّم من أجل الانجيل (2تم 1: 8).
وبعد الانجيل، يرد لفظ "الكلمة" (لوغوس) عشرين مرّة في الرسائل الرعائيّة. وهو يعني دومًا كلمة الله (لو 8: 11) التي هي زرع يُرمى في قلب المؤمنين. كما يعني "التعليم الموحى" (تي 1: 3). فينبغي على خادم الانجيل أن يتكرّس لكلام الله (5: 17)، وأن يُعلنه في وقته وفي غير وقته (2تم 4: 2). أما الكرازة فتتركّز في عبارات تبدو بشكل حجّة دامغة. هي "كلمات الايمان" (4: 6). وترد خمس مرّات عبارة "هذا القول صادق". رج 1: 15؛ 3: 1؛ 4: 9؛ 2تم 2: 11؛ تي 3: 8.
وهكذا نصل إلى معرفة الحق. إن لفظ الحق "أليتايا" لفظ مفتاح في الكتاب المقدّس، وهو يقع بين تقليدين: التقليد العبريّ الذي يشدّد على وجهة الأمانة (ا م ت) ويشير قبل كل شيء إلى الصدق في التزاماتنا بحيث يستطيع الآخرون أن يستندوا إلينا. والتقليد اليونانيّ يُبرز الوجهة العقليّة في المعرفة: الحقيقة هي كشف ما هو خفيّ، وتوافق الفكر مع معطيات الواقع. برز تيّار فلسفيّ في خط أفلاطون يقابل عالم الفوق محسوس مع عالم محسوس يبدو كالهباء، وقريبًا من التلاشي.
عاد لفظ "أليتايا" 14 مرّة في الرسائل الرعائيّة في معنى تعليميّ، فقابل الضلال الذي يتجسّد في الكذب (4: 1) ويصوّر من أغواه الكذبة المراؤون. و"معرفة الحق" عبارة ترد أربع مرّات في الرسائل الرعائيّة، فتدلّ على معرفة تسمو على المعرفة البسيطة (غنوسيس). ونحن نحصل على معرفة الحقّ بالتوبة (2: 25). في هذا الاطار، نقرأ 2: 4: "يريد الله مخلّصنا أن يخلص جميع البشر ويبلغوا إلى معرفة الحقّ". نحن أمام مسيرة تُلزم الانسانَ بكل كيانه، ولا تتوافق عند فضول بسيط نكتشفه عند نساء قالت عنهنّ 2تم 3: 7: "يتعلّمن على الدوام، ولا يبلغن أبدًا إلى معرفة الحقّ". ومهما كانت أهميّة استقامة المعرفة من أجل الخلاص، فلا نستطيع أن ننسى الوجهة الأخلاقيّة. فبكرازة الانجيل نسعى لكي نجيء بالمختارين إلى الايمان ومعرفة الحقّ "حسب التقوى) (تي 1: 1). ومعرفة الحقّ هذه التي نقتنيها بالايمان، تبدو كمبدأ حُكم يوجّه المؤمنين في حياتهم اليوميّة: خلق الله جميع الأطعمة "لكي يتناولها في شكر المؤمنون والعارفون بالحقّ" (4: 3).
أما التعليم الصحيح فتتحدّث عنه الرسائل الرعائيّة 28 مرّة مع ألفاظ ترتبط بجذر »ديدسك« (ديدسكالوس، ديداخي...)، وتُبرز أهمّيته.هو يعارض "التعليم الآخر"، تعليم الهراطقة. هو "حسن" (4: 6)، جميل (كالوس في اليونانيّة). أي قيمته كبيرة هو سام. رفيع. فيعارض ما هو قبيح ومشين. هذا التعليم أهل للمديح والكرامة، لأنه مستقيم.
أما الصفة التي تصف هذا التعليم فهي "صحيح". رج فعل "هيغياينو" (تسع مرّات)، نحن أمام استعارة عن صحّة الجسد، لكلام عن الاستقامة الخلقيّة (أفلاطون). وتحدّث فيلون الاسكندراني في مقال عن ابراهيم (233) عن الكلام الصحيح. في هذا المعنى نفهم أن الرذائل الواردة في 1: 9- 10 تعارض التعليم الصحيح (1تم 1: 10؛ رج 2تم 4: 3). فهذا التعليم يرتبط بالكلام الصحيح، "كلام ربنا يسوع المسيح" (6: 3). وأساسه كرازة الرسول لتلاميذه (2تم 1: 13؛ تي 2: 1). هذا التعليم هو ما يجب أن ينقله الشيوخ أو الكهنة (تي 1: 9).

2- دراسة النصّ
قبل الدراسة، نقدّم التقليد النصوصيّ. في آ 4، جعلت بعضُ المخطوطات والذهبيّ الفمّ وتيودوريتس "زيتيسايس" (المجرّد) بدل "إكزيتيسايس" (المزيد) الذي لا نقرأه في موضع آخر في البيبليا (يثير المجادلات). وقرأ البازي وايريناوس وأبيفانيوس والشعبيّة اللاتينية "اويكودومين" (بناء) بدل "اويكودوميان" (بناء). في آ 8، قرأ اكلمنضوس الاسكندراني "خريسيتاي" بدل "خريسيتاي" (طلب، مارس). في آ 11، جُعل الموصول (تي) قبل "كاتا" عند باسيليوس والشعبيّة اللاتينيّة (كوي): هكذا يرتبط التعليم الصحيح بالانجيل، ساعة يبدو الانجيل مشيرًا إلى التعارض مع الرذائل المذكورة، أو مع نظرة هؤلاء المعلّمين إلى الشريعة.

أ- تعليم وتعاليم (1: 3- 7)
يقابل الرسول بين التعليم الصحيح الذي هو واحد، وتعاليم الهراطقة المتعدّدة: هي في الواقع خرافات وجدالات لا نهاية لها.
أولاً: طلبتُ منك (آ 3)
كان بولس قد أقام في أفسس، فطلب من تلميذه قبل أن يمضي إلى مكدونية، أن يبقى حيث هو. نقرأ فعل "بروسمانو": لبث أيضًا في موضع محدّد، قرب شخص من الأشخاص. إذن، طُلب من تيموتاوس أن يبقى في مركزه، مهما كانت الصعوبات التي تنتظره. هذا يدلّ على أن تيموتاوس كان متردّدًا، كما قال الذهبيّ الفمّ وتيودورس المصيصي، لأن الأجواء غير مريحة. مثل هذا الارشاد للرسول، يعني أمرًا (2: 1) مع موضوع محدّد، سبق وتحدّث عنه.
وما هو هذا الأمر؟ التنبّه إلى التعليم الدينيّ الذي يُعطى في جماعة أفسس، فيدلّ على سلطته. نقرأ "باراغالو"، أوصى، أمر، فرض كما بأمر عسكريّ (أع 5: 28؛ 16: 23؛ 1كور 7: 10). على تيموتاوس أن يتصرّف بقوّة فيسدّ فم (تي 1: 11) الهراطقة، ويحرمهم اذا اقتضى الأمر، كما فعل بولس فعل طبيب يقطع العضو الفاسد (1: 20؛ 2تم 2: 18). يرفض الرسول الحوار مع أشخاص يتلهّون بالمباحثات السخيفة (2تم 2: 23). هو لا يذكر اسمهم، كما اعتاد أن يفعل في مناسبات أخرى (1كور 4: 18؛ 2كور 10: 2؛ غل 1: 7؛ فل 1: 5). نقرأ "بعض" (تينس) فنفهم أننا لسنا أمام مجموعة كبيرة، بل أمام أفراد قلائل. هم من أصحاب البلاغة (آ 7) الذين يعلّمون تعاليم غريبة عن الكرازة التقليديّة التي هي قاعدة الايمان. لسنا أمام تعليم يُناقض الانجيل، بل يناقض ما علّمه بولس. هو تعليم خطر يجب أن يتصدّى له تيموتاوس. وفي أي حال، هو تعليم لا يُفيد الحياة المسيحيّة لعُقمه.
ثانيًا: خرافات وأنساب (آ 4)
حين مرّ بولس في ميليتس، انتظر أن يقوم أناس "يحاولون بأقوالهم الفاسدة، أن يجتذبوا التلاميذ وراءهم" (أع 20: 30). وها هم حاضرون. هم يهتمّون (بروساخو، تمسّك) بخرافات وأنساب: يقرأون حياة الآباء وأقوالهم وأعمالهم بالنهج الاستعاريّ، ويضمّونها إلى الميتولوجيا اليونانيّة، كما يقابلون خبر الخلق في الكتاب المقدّس مع نظريات حول نشوء الكون في العالم اليونانيّ. كل هذا يرتبط بالعالم اليهوديّ (تي 1: 14؛ رج 1تم 1: 7. معلّمي الشريعة) وبمجادلات ترتبط بالشريعة (تي 3: 9).
مثل هذه المجادلات لا نهاية لها، وهي لا تصل إلى نتيجة (أبارانتوس). هنا نتذكّر كلام بولس في 1كور 4: 20: "ملكوت الله ليس بأقوال، بل بالقوّة". ويشدّد الشقّ الثاني من آ 4، على عدم جدوى هذا الجدال، بل على ضرره: نحن أمام لاهوت كاذب يخلق الخلافات في الجماعة (أع 15: 2). وهذا ما يخالف حكمة الله الخلاصيّة. نقرأ هنا "أويكونوميا" التي تعني تأمين ما يحتاجه البيت وأعضاؤه من أجل حياتهم اليوميّة. هي مخطّط الله الخلاصيّ الذي يتسجّل في مسيرة البشريّة (أف 1: 10؛ 3: 9). وهي وكالة تُسلّم إلى أشخاص من أجل تحقيق هذا الخلاص (1كور 9: 17؛ أف 3: 2؛ كو 1: 25).
وهكذا نفهم أن المعلّمين في الانساب، لا يمارسون خدمة توافق وضعهم كوكلاء في تدبير الله. عليهم أن يربّوا المؤمنين من أجل اقتناء الخلاص. فماذا يفعلون في الواقع؟ وهل يستند الخلاص إلى خطب ومناقشات، أم إلى إيمان نعيشه (1كور 1: 21)؟ بما أن الواعظ هو وكيل أسرار الله (1كور 4: 1)، يُمنع من أن يضيف إلى الايمان أفكاره الخاصّة وما فيها من استنباط. "ماذا يتوخّى تدبير الحكمة الالهيّة؟ أن نتقبّل قوّته، أن نُصلح ذواتنا، أن لا نشكّ ولا نجادل، أن نكون في راحة. ما يهيّئه الايمان ويبنيه، تقلبه تساؤلاتُنا" (الذهبيّ الفمّ).
ثالثًا: غاية الوصيّة (آ 5)
وظيفة تيموتاوس هي محاربة التعاليم الضالّة. ولكنّها وجهة جزئية. فما يجب أن يضعه نصب عينيه هو المحبّة (أغابي). المجادلات تخلق النزاع، والمسيحيّة المحبّة. ودور الوصيّة (بارانغاليا) هو إرساء ملكوت المحبّة (1: 14؛ 2: 15؛ 4: 12...). إن "تالوس" (غاية) تدلّ على النهاية والغاية، والنتيجة التي تقابل الاستعداد (روم 6: 21؛ 2كور 11: 5) مع تطلّع إلى النجاح (يع 5: 11) وإلى النجاح الكامل (يو 13: 1؛ روم 10: 4). ذاك يكون هدف تيموتاوس، وهدف وظيفته. في هذا المجال، كتب أوغسطينس إلى شماس يعلّم الموعوظين: »بما أنك وضعتَ أمامك هدفًا لعملك، هو المحبّة، فإليها تُعيد كل ما تقول. ومهما كان الموضوع الذي تتكلّم عنه، فقله بحيث إن الذي يسمعك يؤمن. وإذ يؤمن يرجو. وإذ يرجو يُحبّ".
بما أن المحبّة هي جوهر الانجيل وقوام الحياة المسيحيّة، حاول الرسل أن يبعدوا كل تقليد وتزييف. بما أن المحبّة هي من الله (روم 5: 5؛ غل 5: 22)، فهي مقدّسة، لا عيب فيها (أف 1: 4؛ 5: 27). هي طاهرة (كاتاروس)، نظيفة، نقيّة (يو 13: 10). وهذا ما يعارض الملطّخ والنجس (تي 1: 15). وترتبط المحبّة بالضمير (سينايديسيس) الذي يكوّن الانسان، ويجعله مسؤولاً، ويُفهمه كيف يميّز الخير من الشرّ (1كور 10: 25، 27). وهكذا يلتقي الضمير مع المحبّة في بغض الشرّ وحبّ الفضيلة. فنحن لا نستطيع أن نحبّ الله والقريب إن تنجّس ضميرُنا بالخطيئة ونوايا السوء. قال أوغسطينس: "أضاف إلى المحبّة "القلب الطاهر" لئلاّ نحبّ إلاّ ما يجب أن نحبّ".
"إيمان صادق"، لا غشّ فيه. "انيبوكريتوس". يرفض الطلاق بين ما نقول وما نفعل. شجب الربُّ الخبث والمراءاة (لو 12: 1)، فوصف الرسلُ في خطاه، الحكمة (يع 3: 17) أو المحبّة (روم 12: 9؛ 2كور 6: 6) التي هي بلا رياء: التعبير عن المحبّة في الخارج يقابل العواطف الداخليّة (1يو 3: 18، نحبّ في الحق). والايمان الذي نعلنه في الخارج، بلا رياء، يعبّر عمّا في القلب من يقين. وحده البار يحيا إيمانه، ويعيش من إيمانه (غل 2: 20). أما الهراطقة فيتميّزون بمظاهر دينيّة لا تقابل الواقع (تي 1: 16؛ 2تم 3: 18). وغياب الاستقامة (هي تُرى، أما استعداد القلب فلا يُرى) يجعلهم غير جديرين بالمحبّة. فما يقابل القلب الطاهر هو فساد العقل (نوس في اليونانيّة، 6: 5). وما يقابل الضمير الصالح، الضمير المكويّ بالحديد المحمّى (4: 2). وما يقابل الايمان الصادق، استبعاد عن الايمان وحياة في الكفر (2تم 3: 8).
رابعًا: معلّمون مدّعون (آ 6- 7)
إن الذين يشابهون "هيمينايس وفيليتس" (2تم 2: 17)، لا يتّخذون الوسائل (استقامة القلب والضمير والايمان) ليبلغوا إلى هذه الغاية التي هي المحبّة. لهذا، لن يبلغوا إلى الهدف. "أستوخيو". انحرف. اتّخذ الاتجاه الخاطئ. فشل وسقط. هذا ما يفعله الهرطوقي. من جهة، يبتعد ويضلّ عن الايمان (6: 21). ومن جهة ثانيّة، يغرق المؤمنُ في أفكاره الخاصّة فيتراجع أو يسير في طريق مسدودة. واستُعمل فعل "إكتراباين": انحرف عن الطريق. وهذا ما يعارض طريق الربّ (2بط 2: 15)، طريق البرّ والخلاص (مت 21: 32) والمحبّة (1كور 12: 31).
الاتجاه الكاذب الذي أخذه هؤلاء الهراطقة، دُعى "ماتايلوغيا". خطبة فارغة. كلام بكلام. نحن هنا أمام انحطاط دينيّ. أما التعليم الانجيليّ فليس بفلسفة تنحصر في عالم العقل، بل وحي إلهيّ، لا يفسّره "المعلّم" كما يشاء (2بط 1: 20)، ولا يُغرقه في عالم من الأدب واللغة المنمّقة (6: 20؛ 2تم 2: 16). التعليم الانجيلي يعارض حكمة البشر، ويرفض كل حكمة سوى حكمة الصليب (1كور 1: 17- 25).
أما أحد الأسباب التي تجعل المعلّمين يضلّون (آ 7)، فهو البحث عن الشهرة والمجد الباطل. يريدون أن يقدّموا ما هو "جديد"، ما لم يقله أحد، ما يلفت النظر ويثير الحواس. ذاك كان وضع المعلّمين في غلاطية: يريدون أن يفتخروا افتخارًا بشريًا (غل 6: 13). هم عمّال أشرار (فل 3: 2). يريدون أن يكونوا معلّمين في الشريعة. ولكنهم جهّال، لا يفهمون. نقرأ فعل "نوياوو" الذي يشدّد على التعارض بين ما يريدون أن يصلوا إليه، وضعف الوسائل التي بين أيديهم. لا يفهمون معنى الكلمات والألفاظ التي يتلفّظون بها. يخطأون حين يقولون الأقوال الفارغة (آ 6). ويزداد خطأهم حين يريدون أن يعلّموا أمورًا يجهلونها 60: 20).
ب- الشريعة صالحة (1: 8- 11)
ترتبط آ 8- 11 ارتباطًا وثيقًا بما يسبقها من آيات. هي تحدّد موقع الانجيل الجديد بالنسبة إلى دور الشريعة الموسويّة التي يُفرط الهراطقة في تقديرها، فيعودون إلى الوراء. اخترعوا الخرافات والانساب. وملأوا النصّ المقدّس حواشي وشروحات، فدلّوا على أنهم لم يفهموا حرف الكتاب المقدس ولا روحه. جهلوا "الهدف الذي تؤول إليه الشريعة، والزمن الذي فيه ينتهي دورها" (الذهبيّ الفمّ)، فأعلنوا أنها ما زالت صالحة للمسيحيين، مع أن شريعة الحريّة والمحبّة تسودهم (يع 1: 25؛ 2: 12؛ غل 5: 1، 13). أعلن بولس أن الشريعة صالحة، ولكنها تتوخّى قبل كل شيء وضع حدّ للرذائل. فهي لا تستطيع أن تجعلنا نحيا حياة النعمة (غل 3: 24).
أولاً: الشريعة والأشرار (آ 8- 9)
»ونحن نعلم«. جعل الرسول نفسه مع القرّاء. وصيغة الكامل تدلّ على أن هذه المعرفة هي يقين. وقد امتلكناها بشكل نهائيّ، لأنها معرفة الايمان (أويدا في اليونانيّة). هنا نتذكّر كلام بولس في روم 3: 19: "ونحن نعلم أن كل ما تقول الشريعة، إنما تخاطب به الذين يخضعون للشريعة". لا ننسى أن الشريعة صالحة (روم 7: 16)، لأن الله أعطاها. ولكن يبقى أن نعرف كيف نستعملها، وأن لا تطلب منها أكثر ممّا تقدر أن تعطي. إن فعل "خريتاي" يعني ممارسة عادة، خضوع لشريعة. إن الشريعة الموسويّة التي ألغاها يسوع (روم 10: 4)، كانت حاجزًا تمنعنا من الخطيئة، وتجعلنا نعي الشرّ (روم 7: 7). ولكنها لا تستطيع أن تبرّرنا (روم 3: 20)، لأنها غريبة عن التدبير المسيحي (غل 5: 20). فالتدبير المسيحيّ هو شريعة روح الحياة في المسيح يسوع (روم 8: 2).
في آ 9، يأتي المبدأ الشامل الذي يشرح كلام الرسول (لأننا نعرف، إيدوس)، بعد أن نستنتجه من الحياة الجديدة التي يُشرف عليها الروح (غل 5: 18). لم تعلَن هذه الشريعة للأبرار، بل للأشرار "نوموس" (ناموس، شريعة). "كايماي" (وُضعت، جُعلت). جعلها الله هنا، فتوخّت أن تمنع الخطيئة. فالابرار يتبرّرون بالمسيح. يعيشون بالايمان، لا حسب الشريعة (غل 3: 11؛ روم 1: 17؛ 5: 19؛ كو 2: 20- 22). هم الصادقون الذين يسلكون بحسب الحقّ (يع 5: 16؛ 1يو 3: 17). يعارضون "أنوموس"، من لاناموس له. هم أهل المحبّة (مت 25: ،37 46) الذين لا يحتاجون إلى ضوابط قانونيّة، لأن إيمانهم يعمل بالمحبّة (غل 5: 6، 14؛ روم 13: 8). "ديكايوس" (البارّ) يعني أولاً المعلّم، الرابي، النبيّ (مت 10: 41؛ 13: 43). يسخر بولس من هؤلاء المعلّمين فيقول لهم إن الناموس ليس لهم، لأنهم لا يعرفون أن يستعملوه.
ولكن يأتي القول المأثور: من ليس بارًا، لا يحتاج إلى شريعة. فهو يدوسها في كل وقت. فالشريعة وُضعت لتمنع الأشرار عن الشرّ وتصلحهم (روم 13: 1- 7؛ 1بط 2: 14)، وتجعل حدودًا لما يصنعونه. ويذكر بولس 14 فئة من الخطأة، مع ارتباط بالوصايا العشر. أولاً: الذين لا ناموس لهم (أنوموس). هم الوثنيون والخطأة بحسب المفهوم اليهوديّ (أع 2: 23؛ 2بط 2: 8). هم يتمرّدون على الشريعة (لو 22: 37). هذا يعني البشريّةَ كلها. ثم "أسابيس" (عكس أوسابيس، التقي) الذي يرفض الخضوع لله في قلبه، وفي ممارسة الشعائر الدينيّة. والفئة الثالثة، هم "الخطأة" (هامارتولوس) الذين يتعدّون الفرائض فيُغيظون الله. وتتواصل اللائحة: الفجّار (أنوسيوس). النجسون (بابيلوس، يقابل هاغيوس). إن "قاتلي الآباء والأمهات" يعارضون الوصيّة الرابعة: أكرم أباك وأمك. وفي النهاية، نصل إلى الوصيّة الخامسة التي تقول بشكل عام: لا تقتل.
ثانيًا: مخالفة التعليم (آ 10- 11)
وتتواصل لائحة "الأشرار" فتدلّ على الذين يخالفون التعليم الصحيح. لسنا فقط على مستوى ضلال في التعليم، بل ضلال في الحياة. ارتبط الزناة (آ 10) بالقتلة (رؤ 22: 15) وبعبّاد الأوثان (رؤ 21: 8؛ 1كور 6: 9)، فكان أمامنا كل أشكال الخطايا الجنسيّة التي تحرمُ الانسان من ملكوت الله (أف 5: 5؛ عب 13: 4. رج الوصيّة السادسة: لا تزن). وذُكر "مضاجعو الذكور"، ثم أولئك الذين يخطفون الناس ليبيعوهم. هذا هو معنى الوصيّة السابعة: لا تسرق. وفي النهاية، الكذب والحلف بالباطل (الوصيّة الثامنة). فتعاليم الهراطقة ليست فقط فارغة (1: 6). بل هي طعام يضعف الأخلاق. فمن أخذ بهذه التعاليم، شرب سمًا لا يمكنه إلاّ أن يسمّم حياته: فنحن نعرف الشجرة من ثمرها.
نقرأ في آ 11 نتيجة ما في آ 8- 10: هذا ما يعلّم الانجيل، الذي هوقاعدة الايمان وينبوع الخلاص (2تم 1: 8، 10)، على مستوى الشريعة التي لا معنى لها للبار، وعلى مستوى الرذائل التي لا تتوافق مع ما تعلّمه الكنيسة.
مجد الله (أف 1: 17) هو تجلّي قداسته (أش 6: 3) وقدرته (مز 24: 8). هو وحي (أش 35: 2) يدلّ على عمل الله. انجيل المجد يدلّ على سموّ التعليم الموحى. غير أن مضمون الانجيل هو الحدث أو تجلّي ابن الله (تي 2: 11؛ 3: 4)، وهو القدرة التي تحمل الخلاص والقداسة (2كور 3: 18؛ أف 3: 16). هذا الحضور الفاعل والمضيء، هو ما يسمّيه العهد الجديد "المجد" (روم 9: 23؛ 1بط 4: 14) الذي يليق بالانجيل، نورنا وقوّتنا (2تم 1: 10) في المسيح. بما أن الله يدلّ على رحمته وتساميه في تدبيره الخلاصيّ، صار مجدُ الله مرادفًا لتتميم الخلاص. أخيرًا، يدلّ "انجيل المجد" على الوجهة الاسكاتولوجيّة في التعليم الخلاصي، لمجد الله (أف 1: 14؛ 3: 21) والمسيحيّين (تي 2: 13؛ 1كور 2: 7).
أجل، التعليم المسيحيّ هو غذاء لنا. ونحن لا نعيش بعد من الشريعة ولا بالشريعة. بل بالحريّة والمحبّة. هذا ما يجب على الكنيسة أن تزرعه في قلوب المؤمنين.

3- قراءة إجمالية
كان بولس مع تيموتاوس في أفسس. فانطلق إلى مكدونية، وترك تلميذه في عاصمة آسية الصغرى. تقع هذه الأحداث بعد سجن بولس الأوّل في رومة. لا نعرف الموضع الذي منه أرسل بولس رسالته، ولكننا نعرف أن أهل أفسس أحبّوا التنظيرات، والممارسات السحريّة، وهدّدتهم عبادةُ الامبراطور والالاهة ارطاميس. لهذا، بدا بولسُ قلقًا. وإن هو ترك أفسس لكي ينطلق إلى مكدونية، فلأنه أجبر على ذلك: فجماعة أفسس معرّضة لكرازة معلّمين لم يوفدهم أحد. ويجب أن يسكتوا. فطلب من تيموتاوس أن يُسكت هؤلاء الذين يعلّمون تعاليم مغايرة، تبتعد عن التقليد الرسولي. لسنا أمام انجيل آخر، بل أمام نظريات تحوّل المؤمنين عن جوهر الايمان.
اعتبر بولس ما يقوله هؤلاء المعلّمون "خرافات، سخافات، أخبار عجائز" (4: 7)، تعليمًا لا جدّية فيه. يعتبرون نفوسهم معلّمي الشريعة، فيقدّم بولس نظرته إلى الشريعة الموسويّة. وسوف يحدّد في تي 1: 14 أننا أمام "خرافات يهوديّة". وفي تي 3: 9 أن المباحثات الخرقاء والأنساب "ترتبط بالشريعة". إذن، ينتمي هؤلاء المعلّمون الأفسسيون إلى الأوساط اليهوديّة التي اهتمّت بأخبار وأنساب نجدها في عدد من الكتب المنحولة.
غير أن هذه الأبحاث الفارغة، لا علاقة لها بتدبير الايمان، بقصد الله المؤسّس على الايمان. فلفظة "تدبير" تعني في المطلق مخطّط الله الذي قاد البشريّة إلى الخلاص، عبر العصور. أما هنا، فتُشير إلى الخلاص في طبيعته العميقة. تشير إلى سرّ ظلّ مخفيًا مدى الدهور، وتجلّى الآن في يسوع المسيح، وانكشف للوثنيين. فما يُطلب للخلاص، ليس تنظيرات في العهد القديم، بل قبول نعمة الخلاص في المسيح. وهي نعمة ننالها في الايمان وبالايمان (غل 3: 1- 5). المهمّ ليس أن نعتدّ بأنساب دُرست بدقّة، بل أن نكون أبناء ابراهيم بالايمان (غل 3: 7). في هذا الإطار عينه، تحدّثت كو 2 عن سرّ (آ 2) يتعارض مع غرور "الفلسفة" الباطل (آ 8) وتفاصيل الشريعة، من ختان (آ 11) وفرائض طعاميّة وكلندار يهوديّ (آ 16) ونسك مصطنع (آ 16). فبالايمان نخلص حين نتقبل المعموديّة (آ 12).
ولما طلب بولس من تيموتاوس أن يقاوم كرازة المعلّمين الكذبة (آ 5)، أراد أن يكون طلبُه أمرًا لا رجوع عنه. أما الهدف فهو المحبّة التي هي وصيّة الربّ، كمال الشريعة، وقلب التدبير الالهيّ، وعطيّة الروح القدس التي ننالها في التبرير (روم 5: 7). هنا تتعارض المحبّة مع بحث عقليّ عقيم ومنغلق على ذاته. فالعلم ليس بشيء. هو ينفخ. والايمان لا ينفع إن لم ترافقه المحبّة (1كور 13: 2).
والمحبّة التي هي موهبة الروح للانسان، لا يمكن أن تتفتّح إلاّ بشروط: قلب طاهر. ضمير صالح. إيمان صادق. القلب هو مركز الحبّ أولاً. وهو داخل الانسان وينبوع شخصه العميق. والقلب الطاهر هو القلب غير المنقسم. القلب الصادق، المعطى كلّه لله. والضمير هو أكثر من نور طبيعيّ. هو شهادة الروح القدس في أعماقنا. ضمير الخاطئ منجّس، طُبع بحديد محمّى كعبد فرّ من بيت سيّده. أما ضمير البار فصالح، طاهر، لا اعوجاج فيه.
لماذا كتب بولس ما كتب؟ لأن الخطر يتربّص بالجماعة. فبعضُ أعضائها أصيبوا بهذا المرض الذي اسمه المماحكات، الأحاديث الفارغة (6: 20)، المباحثات التافهة (6: 4). بما أنهم لم يفقدوا بعدُ إيمانهم، ولم يتركوا الكنيسة، لم يسمّهم باسمهم (قال بعضهم)، كما فعل مع هيمينايس والاسكندر اللذين انكسرت سفينتهما، فبدا إيمانهما وكأنه غرق في اللجج (1: 19- 20). لهذا حرمهما بولس.
وهذا ما يتهدّد المعلّمين في أفسس. ظنّوا أنهم حكماء، فإذا هم جهّال، لا يعرفون عمّا يتكلّمون. هم مشهورون بضعف معرفتهم وقلّة خبرتهم. افترقوا عن أصحاب الأزمة الغلاطيّة، فما أرادوا أن يفرضوا على الوثنيين التشريع الموسويّ، كشرط ضروريّ الخلاص، بل اعتبروا أنهم يقدرون أن يستخلصوا من الشريعة نظرياتهم، وما فيها من مخاطرة، ومتطلّباتهم النسكيّة وما فيها من تهوّر (4: 3).
جهلوا المعنى الحقيقيّ للشريعة، فقدّم لهم بولس النظرة المسيحيّة. فالشريعة في ذاتها ليست سيّئة. بل هي مقدّسة. ولكنها فقط شريعة وتنظيم خارجيّ لا يحمل أي وسيلة داخليّة للخلاص. لهذا، فحين يدخل المؤمن، بواسطة المسيح، في قلب الخلاص، يموت عن الشريعة (غل 2: 19) ولا يعود خاضعًا لها (غل 5: 18). وحياته التي يُلهمها الروح القدس، تُثمر ثمار المحبّة التي ليس ضدّها ناموس (غل 5: 23). في هذا المعنى، استطاع بولس أن يقول إن الشريعة لم تُجعل للبار، بل للأشرار.
وفي النهاية، حدّثنا الرسول عن التعليم الصحيح (آ 10- 11). هو التعليم الذي يتضمّنه انجيل مجد الله. هذا ما يكرز به بولس الذي يتحدّث عن سرّ رحمة الله. الذي يحنو على الانسان الخاطئ، والمحروم بالتالي من مجد الله (روم 3: 23). وإذ يمنحه التبريرَ بنعمة مجانيّة، يُشركه في مجده، في حياته. وهكذا يستطيع الانسان المبرّر أن يعرف الحريّة المجيدة، حرّية أبناء الله (روم 8: 21). إذا كان التدبير القديم، تدبير الشريعة، لم يُحرم من بعض المجد (2كور 3: 7- 11)، فبالأحرى التدبير الجديد، تدبير الروح يشعّ بمجد الله. فانجيل بولس هو إنجيل "مجد المسيح الذي هو صورة الله" (2كور 4: 4). وهو أيضًا "معرفة مجد الله الذي على وجه المسيح" (2كور 4: 6).

خاتمة
انطلقنا من نداء بولس إلى تيموتاوس، يدعوه فيه إلى محاربة التعاليم الضالّة، فوصلنا إلى كلام عن الشريعة التي لم تُجعل للأبرار، بل للأشرار والخطأة. فتلميذه بولس يعمل على إسكات أصوات تستطيب جدالات عقيمة لا بدّ أن تؤثّر على جوّ الجماعة المسيحيّة. ويُفهم بعضَ الذين يطلبون الشهرة على حساب الكنيسة، ما هي الشريعة وكيف يمكن عيشها، أو بالأحرى تجاوزها في شريعة الحريّة والمحبّة. هكذا كان تعليم بولس قاسيًا، بعدما رأى الخطر يتهدّد جماعة أفسس. أترى سيخاف تيموتاوس؟ هل يتردّد في اتّخاذ الخطوات اللازمة من أجل كنيسة قضى بولس فيها ثلاث سنوات، ولم يكفّ ليلاً ونهارًا، عن نصح كل واحد منهم بالدموع (أع 20: 31)؟
الفصل الرابع
بولس وتيموتاوس
1: 12- 20
ائتُمن بولس على البشارة (آ 11)، فعاد إلى حياته السابقة، شاكرًا لله حامدًا. اختبر النعمة كما لم يختبرها أحد، وعاش الخلاص في يسوع المسيح، فبدا في تعارض تام مع المعلّمين الكذبة الذين يتوقّفون عند الجدالات والسخافات. هكذا يفهم تيموتاوس أن ما فعلته النعمة في بولس تفعل فيه، كما تفعل في جميع البشر، الذين يفتحون قلوبهم لعملها. فلا ييأس انسان، مهما كان خاطئًا: "جاءت الشريعة حتى تكثر الزلّة. ولكن، حيث كثُرت الخطيئة، هناك فاضت (طفحت) النعمة" (روم 5: 20).
بدا بولسُ الرسولَ الذي عاش خبرة عناية الله في حياته، فبرزت مبادرة الله المجانيّة حين قرّر ما قرّر، واختار من اختار لمجده تعالى. أما الوسيلة فالمسيح المتجسّد والمصلوب الذي جعل هذا القصد يتحقّق. ونحن بالايمان ننعم بقصد الله الخلاصيّ. يبقى على تيموتاوس أن يفهم أصل الدعوة. فيتشجّع لكي يكون أمينًا للوصيّة التي تسلّمها من بولس: اختاره الانبياء (أنبياء الجماعة المسيحيّة)، قوّاه الروح القدس، تعلّم واجباته، فلا يبقى له سوى التكرّس لمهمّته بدون خوف ولا تردّد. يكون المعلّمَ بإيمانه، ومثالَ القطيع بحياة لا عيب فيها.

1- وديعة الايمان
استندت حياة بولس إلى شخص يسوع المسيح، فاستقى من الكتب المقدّسة، ودعا تيموتاوس إلى الحفاظ على ما تسلّمه من تعليم: هو وديعة جُعلت بين يديه. فكم يجب عليه أن يكونًا أمينًا.
إذا قابلنا الرسائل الرعائيّة مع رسائل السجن (فل، كو، أف) التي تتضمّن تعليمًا عن وجود المسيح في الأزل وعن دوره في عمل الخلق، نلاحظ أنها لا تقدّم تعليمًا في هذين المجالين. بل لا نجد في 1تم، 2تم، تي، توسّعًا خاصًا يدلّ على تطوّر الفكر المسيحيّ، بل اهتمامًا بأن يستند الكاتب إلى أناشيد واعترافات إيمان تقليديّة، لكي يردّ على ضلال يهدّد الجماعة. ندهش أن لا نجد لقب "الابن" الذي يرد مرارًا عند بولس ليحدّد موقع المسيح في علاقته الفريدة بالآب. أما لقب وسيط "ماسيتيس" (2: 5) فيقدّم وجهة عامّة في الرسائل الرعائية المهتمّة بدور المسيح في خلاصنا، لا بتنظير حول شخصه. وتذكّرُ الأصل الداودي (2تم 2: 5) يدلّ أن لقب المسيح (خرستوس) ليس تسمية وحسب، بل يعود إلى الانتظار المسيحانيّ التقليديّ. وهناك نصوص تُبرز المسيح الذي يقدّم ذاته من أجل خلاص الخطأة (1: 15؛ 2: 6؛ تي 2: 14). فهي ترتبط بشكل مباشر بالتعليم حول عبد الربّ المتألّم (أش 53) وبما قاله يسوع في هذا الصدد (مر 10: 45). وردّت هذه الرسائل على الهراطقة، فأعلنت أن الخلاص يقدّم لجميع البشر، لا لفئة خاصّة من الفئات. فالكنيسة انفتاح. أما البدعة فانغلاق واستبعاد لكل من ليس عضوًا فيها.
تتحدّث 1تم، 2تم، تي، عمّا سنجده في قانون الايمان: نقرأ التجسّد في 3: 16: يسوع "تجلّى في الجسد". والآلام في أيام بيلاطس (6: 13). والقيامة من بين الأموات في 2تم 2: 8. وظهور يسوع الأخير ليدين الأحياء والأموات في 2تم 4: 1.
وترد بشكل خاص لفظتان تتكرّران: المخلّص (سوتير) والتجلّي (ابيفانايا). يتحدّث العهدُ القديم عن الخلاص، ولكن لقب المخلّص نادر، ولا يظهر أبدًا كلقب للمسيح (المسيح المخلّص). فسَّر انجيل متّى اسم يسوع: "ذاك الذي يخلّص شعبه من خطاياهم" (مت 1: 21). ستقول الرسائل الرعائيّة إن الله مخلّص، إن المسيح مخلّص. هذا يعني أننا أمام نصوص متأخّرة في العهد الجديد، شأنها شأن 2بط. بما أن الأباطرة اعتبروا نفوسهم "مخلِّصين"، جاء كلام الرسول: لا مخلّص إلاّ إله الآباء (1: 1؛ 2: 3؛ 4: 10؛ تي 1: 3؛ 2: 10؛ 3: 4) ويسوع المسيح الربّ (2تم 1: 10؛ تي 1: 4؛ 2: 13؛ 3: 6). هذا الخلاص يدلّ على ظهور الله في العالم (غير ظهور الامبراطور قبل دخوله إلى مدينة من المدن). وإذ تحدّثت هذه الرسائل عن الآب المخلّص والابن المخلّص، دلّت على وحدة العمل بينهما من أجل خلاص البشر.
من أجل هذا، يستعمل الكاتب الأسفار المقدّسة (غرافي). هو لا يورد إلاّ نادرًا نصًا واضحًا؟ فعبارة "لا تكمّ الثور حين يدوس القمح" (تث 25: 4) تنطبق على المعلّمين في 1كور 9: ،9 وتنضمّ إلى قول انجيلي: العامل يستحقّ إجرته (لو 10: 7؛ مت 10: 10). قابلت 2تم 2: 19 بشكل ضمنيّ، الكنيسة مع هيكل العهد القديم، فاستعملت نصيّن كتابين: الرب يعرف الذين له (عد 16: 5). ثم: ليتباعد عن الاثم كل من ينطق باسم الربّ (أش 26: 3).
وهناك تلميحات واضحة في مواضع أخرى. مثلاً، تستلهم 1تم 2: 14 خبر خطيئة حواء لكي تُسند فرْضَ الصمت على المرأة في الاجتماع الليتورجيّ. واستندت 2تم 3: 8 إلى ترجوم بسودو يوناتان حول خر 1: 15 لتورد اسم الساحرَين اللذين عارضا موسى أمام فرعون: ينيس، يمبريس. وكما في روم 2: 6 تقول 2تم 4: 14 قولاً (جازاه الرب بحسب أعماله) يقابل مبدأ يتكرّر في العهد القديم (مثلاً، مز 62: 13). وعبارة "أنقذت من فم الأسد" (2تم 4: 17) نقرأها في مز 22: 22.
مع أننا لم نجد الكثير من الآيات والتلميحات المأخوذة من العهد القديم، إلاّ أن الرسائل الرعائيّة تقدّم قولين قاطعين حول الإلهام في الكتاب المقدس. نقرأ الأول في 2تم 3: 16: "إن الكتاب (غرافي) كله قد أوحى به الله". ولفظة "غرافي" تعني الكتب المقدّسة التي تُقرأ في المجمع يوم السبت. والقول الثاني يشدّد على فائدة الكتب المقدّسة في التعليم والتقويم والتهذيب في البرّ، لكي يكون رجلُ الله كاملاً (2تم 3: 16- 17).
لهذا يُطلب من تيموتاوس أن يحافظ على وديعة الايمان. على تعليم وصل إليه من الرسول. وعلى تقليد (بارادوسيس) يقف تجاه تقليد "سرّي" يعتدّ به الهراطقة ويعتبرونه متفوّقًا على التقليد الرسوليّ. إن هذا التقليد ينقله بولس إلى أناس أمناء، يثق بهم، وهم يستطيعون أن يعلّموا الآخرين (2تم 2: 2).

2- دراسة النصّ
في آ ،12 نقرأ صيغة الحاضر (إندينامونتي) في السينائي، ولدي ابيفانيوس (رج فل 4: 13). مكان اسم الفاعل في صيغة الاحتمال (أشكر). ولكن المعنى لا يتبدّل. في آ 13 نقرأ "تون" (التعريف المذكر) مكان "تو" (التعريف الحياديّ). في آ 15، قرأت اللاتينيّة العتيقة "انتروبينوس" (انساني)، بدل "بستوس" (جديرة بالقبول)، في آ 16 نجد "المسيح يسوع" كما في آ 15 (الاسكندراني، الصعيدي...) أو "يسوع المسيح" (السينائي، السرياني، القبطيّ، الأرمنيّ، الحبشيّ). في آ 17، جُعل "سوفو" الحكيم (سرياني، غلوطي...) قبل "تيو" بتأثير من روم 16: 27. وهنا نجد ثلاث قراءات: لا يموت (اتاناتو) ولا يُرى (أؤوراتو). ثم: لا يفسد (افتارتو) ولا يُرى. أو: لا يفسد، لا يُرى، لا يموت.

أ- بولس ودعوته (1: 12- 17)
يعود بولس إلى حياته الخاصّة، فيقدّم نفسه مثالاً لتلميذه.
أولاً: شكر وحمد (آ 12- 13)
ما استعمل النصّ هنا "اوخاريستو" كما اعتاد بولس أن يفعل (فل 1: 3؛ أف 1: 16)، بل "خارين إخو" ليدلّ على الشكر (رج 2تم 1: 3؛ لو 17: 9). نحن هنا أمام عاطفة متواصلة من الشكر تجاه فعل شكر وحسب. لماذا هذا الشكر؟ نال بولس من المسيح في ضعفه وعدم امكانيّاته، الجدارةَ من أجل المهمّة الرسوليّة (2كور 3: 5). نال القوّة (2تم 4: 17؛ فل 4: 13) والعون وجميع الصفات (روم 4: 20؛ أف 6: 10). جاء الفعل "ديناموو" (قوّى) مرتبطًا بخبرة دمشق. وإذا كان المسيح قد كلّف المضطهد بهذه المهمّة الرفيعة، فلأنه رأى فيه الأمانة الضروريّة لخدمة الله (1كور 4: 2؛ 7: 25؛ 2تم 2: 10). نقرأ "تيتيمي" (2: 7؛ 2تم 1: 11). وضع، وظّف.
هذا المخلَّص والرسول انتمى إلى فئة الخطأة (1كور 15: 9). إن التجديف على يسوع (أع 26: 11) هو إنكار قيامته ولاهوته والهزء به (مت 27: 39). والتجديف على المسيحيين هو افتراء عليهم. إن المضطهد (ديوكتيس) لاحق تلاميذ الرب (أع 9: 4- 5). وجاوز في اضطهاده كلّ حدّ. والمعجزة هي أن هذا "المهاجم" الذي لا رحمة عنده، قد رُحم. في الواقع، كان شاول بلا لوم وصاحب غيرة من أجل كرامة الله. كان ذا نيّة صالحة، وظنّ أنه يحسن في ما يفعل. قبل أن ينال نور الايمان، لم يكن يعرف يسوع إلاّ "حسب الجسد"، حسب البشريّة (2كور 5: 6). بعد التعصّب الأعمى، شدّد النصّ على الجهل (أغنووون) الذي يمكن أن يعذر الانسان عمّا فعل.
ثانيًا: نعمة ربنا (آ 14- 15)
كثُرت الخطيئة. ولكن طفحت النعمة (روم 5: 20). فرحمة الله (آ 13) عفت عن المضطهد وغمرته بالعطايا (خاريس) بشكل يفوق كلَّ حدّ وكلَّ تعبير. هي نعمة جاءته من ربنا (2تم 1: 8)، لا من الشريعة وممارساتها، وترافقت مع الايمان والمحبّة (فضيلتان تحدّدان الحياة المسيحيّة، 1تس 3: 6؛ أف 1: 15). وأضيف "في المسيح يسوع" (2تم 1: 13) كما هي العادة بعد "الايمان" (3: 13؛ 2تم 3: 15؛ كو 1: 4) والمحبّة (روم 8: 39) والخلاص والفداء (3: 24؛ 2تم 2: 10).ولكن لهذه النعمة موقعًا خاصًا هنا، لأنها تدل على انتقال هذا "الفرّيسيّ" إلى التدبير الجديد: لم تكتف رحمة الله بأن تبرّر الخاطئ، بل جعلته يحيا حياة في المسيح بالايمان الذي هو حبّ (غل 2: 20).
"لوغوس" هنا في آ ،15 هو التعليم، لا الكلمة فقط. هو تعليم الايمان (4: 6؛ 6: 3؛ 2تم 1: 3) وموضوع الكرازة والديداخي (تي 1: ،3 9؛ 2تم 2: 15؛ 4: 2). يتلخّص الانجيلُ كلّه في هذا القول: توخّى حدثُ يسوع المسيح بأن يخلّص الخطأة (يو 3: 16). وهذا التعليم الأكيد واليقينيّ، يفترض قبولاً تامًا وحارًا. وموضوع إيمان الكنيسة كلها تعليمان: كرستولوجيّ، يرتبط بيسوع المسيح، وسوتيريولوجي، يرتبط بالخلاص. فمجيء (إرخومانوس، يو 6: 14) يسوع الذي مُسح مسحة إلهيّة (لو 4: 18)، يتضمّن وجودَه الأزليّ. هذا ما يشير إلى دور كونيّ ويتضمّن، لا التجسّد فقط، بل جميع "أيام بشريّته" (عب 5: 7)، وحياتَه العامّة وآلامه وموته. وهذا النزول من السماء الذي يتضمّن تحولاً (فل 2: 7) في موضع إقامة الخطأة، يهدف إلى خلاصهم. فالتجسّد يتوجّه نحو الفداء، ويشمل خطيئة الجنس البشريّ كله. وهكذا يشدّد النصّ على خلاص تحقّق في الكون وفعل فعلَه. عبّرت كنيسة أفسس عن هذه الحقائق الإيمانيّة في الليتورجيا أو في الفقاهة التقليديّة، فقالت ما تقوله في النؤمن: "الذي من أجل خلاصنا نزل من السماء".
كان بولس أولَ المضطهدين، واعتبر نفسه "المجرم" الرئيسيّ (بروتوس، مت 22: 38)، وأكبر الخطأة الذين نالوا الخلاص. على المستوى الزمني، هو الأول. على المستوى النمطيّ (آ 16)، هو في رأس سلسلة كانت موضوعَ رحمة الله، وقد بدأت به (مت 10: 2). وعى بولس خطيئته فشابه العشّار الآتي إلى الهيكل (لو 18: 13). كما وعى قدرة الخلاص التي لامسته، فجعلته يرفع الشكر الدائم لله.
ثالثًا: رحمة ربنا (آ 16- 17)
يتكرّر فعل "رحم" (آ 13) فيربط بولس بجميع المؤمنين، في إطار رحمة الله، بما فيها من حكمة وقوّة. أما التعارض (لئن، ولكن) فيجعل اهتداء الرسول معروفًا لدى جميع البشر (رج روم 9: 17). فهذا الخاطئ الكبير الذي نال الخلاص، يعلّم الناس إلى أين تصل رحمةُ الله. تحدّث بولس عن اختيار الله له، حسب ما قاله في روم. فاختيار الله لا يرتبط باستحقاقات الانسان، بل بمشيئة الله التي غايتها مجد الله (آ ،17 رج روم 9: 23). "إندايكنيمي" (الأسم: إندايكسيس): برهن، كشف، بيّن (تي 2: 10؛ 3: 2). نبرهن بالأحداث والأفعال. يراها الجميع فيقتنعون بحبّ الله للانسان (روم 3: 25؛ أف 2: 7). وهنا، يقتنعون بطول أناة المسيح. حين نعطي هذه الصفة للمخلّص، نُقرّ بلاهوته، لأن "ماكروتيميا" هي صفة تدلّ على الله (عد 14: 18؛ مز 86: 15) الذي يؤخّر غضبه، يتحمّل المتمرّدين، يأخذ وقته (1بط 3: 20) قبل أن يعاقب الضالّين. وهكذا يترك المجالَ لرحمته، بانتظار أن يعود إليه الانسان بالتوبة (2بط 3: 9) ، في الساعة المناسبة (روم 2: 24؛ 9: 22).
بفضل طول الأناة هذه، كان بولس، وسط الخاطئين، أول المخلَّصين. كان المثالَ، النموذج: هيبوتيبوسيس (2تم 1: 13). قال الذهبيّ الفمّ: "تمثّلوا مدينة تعجّ بالسكان، مؤلّفة فقط من أناس أردياء، الواحد أردأ من الآخر، وجميعهم يستحقّون الدينونة والحكم. غير أن واحدًا منهم استحقّ أقسى عقاب، لأنه تجاوز حدود الشرّ. فإن جاء إعلان يقول بأن الملك يريد أن يسامح الجميع، لا يصدّقون حتّى ينال المجرم الأكبر غفرانه. عندئذ، لا يعودون يشكّون. هذا ما يقوله لنا بولس... حين نلتُ الغفران لي، لا يُسمح للآخرين بأن يخافوا... وحين سامح الرب ذاك، دلّ على أنه لن يعاقب الآخرين. إذن، لا يحقّ لأحد بأن يشكّ بخلاصه، لأني أنا نلتُ الخلاص".
وجاءت نهاية الآية تحديدًا رائعًا للذين نعموا بالعهد الجديد (أع 13: 48). فالمسيحيّون يعلنون إيمانهم بالمسيح الطويل الأناة. يستندون إليه، وهم واثقون مطمئنون كأنهم على صخر. هو وحده الوسيط بين الله والبشر (2: 5). هو في الوقت عينه أساس الايمان وموضوعه. وما نتوخّاه هو الحياة (6: 19؛ 2تم 1: 1، 10) الآتية (4: 8)، الحياة الأبديّة (6: 12؛ تي 1: 2؛ 3: 7) وخلاص نفوسنا (1بط 1: 9؛ 2بط 1: 11).
مع آ 17 نصل إلى خاتمة المقطوعة (آ 12- 17) تجاوبًا مع بدايتها (آ 12). وعى بولس فقرَه وضعفه وخطيئته، فشاهد بشكل خاص رحمة الله وصبره وقدرته، كما شاهد حكمة القصد الخلاصيّ الذي جعل من اهتدائه مثالاً لجميع الأجيال الآتية، لينالوا الخلاص. وهذه المشاهدة تقوده دومًا إلى رفع المجد (روم 11: 33- 36؛ فل 4: 20). ملكُ الدهور هو يسوع المسيح. ولكن عبر المخلّص، الله يفعل ويكشف صفاته (2كور 5: 19)، فله الحمد إلى الأبد. 
أعطي لقب "ملك" لله، وهذا أمر نادر في العهد الجديد (6: 15؛ مت 5: 35؛ رؤ 15: 3)، لا في العهد القديم. هو ملك جميع الدهور. هو أبديّ (6: 16) أي لا يصل إليه الموت (أتاناتوس) ولا الفساد (أفتارتوس). وإذا كان إله المسيحيين روحًا محضًا، فهو لا يُرى (أووراتوس). هذا ما يتعارض مع الأصنام. وهذا الاله هو الواحد (مونوس). وحده الخالد والقدير (6: ،15 16). هو وحده الحقيقيّ والقدوس (يو 17: 3؛ رؤ 15: 14).
هذا الاله الملك، نعترف به، ونهتف له بحسب طبعه. ونعبّر عن مديحنا وعبادتنا بلفظ "تيمي" (الاكرام، 6: 16؛ رؤ 4: 9)، و"دوكسا" (المجد، رؤ 7: 12)، في إطار الليتورجيا والعبادة. نكرمه إكرامًا لا ينتهي. إلى دهر الدهور. آمين (2تم 4: 18). أي حقًا. هذا ما يكفل قَسَمًا أقسمناه. هو ختم الحقيقة في إعلان إيمانيّ.

ب- تيموتاوس ومسؤولياته (1: 18- 20)
أشار بولس هنا إلى أساس دعوة تلميذه، وشجّعه على الأمانة لها، مهما كانت الظروف التي يعرفها. وهذا ما يفعله تيموتاوس الذي سيقوم بعمله بدون خوف ولا تردّد.
أولاً: الوصيّة (آ 18)
وننتقل من دعوة بولس إلى دعوة تيموتاوس والمسؤوليّات المرتبطة بهذه الدعوة. فهذه الوصيّة (بارانغاليا) التي هي في الوقت عينه تعليم ووظيفة (آ 5)، تعود بشكل غير مباشر إلى ما سبق (آ 3 ي)، ولا سيّما خلاص الخطأة بيد المسيح، وبشكل مباشر إلى ما يلي (2: 1): يجاهد تيموتاوس جهاد الجنديّ الشجاع، بل يُفرض عليه هذا الجهادُ فلا يقدر أن يتهرّب منه.
تسلّم بولس من الله المهمّة الرسوليّة والحقيقة الموحاة، فسُئل عنهما. وها هو يسلّمهما إلى تلميذه كوديعة مقدّسة لا تخصّه (6: 20؛ 2تم 1: 13- 14). يعني فعل "باراتيتامي" سلّم آخر شيئًا (لو 12: 48؛ أع 14: 23). عليه أن يحفظه ويردّه في الوقت المناسب (لو 23: 46). هذا ما يتضمّن فكرة التقليد (2تم 2: 2). يا ولدي. هو ابن يرث أباه، وتلميذ يرث معلّمه.
لا يستطيع تيموتاوس أن يتهرّب من مسؤوليّته، لأن وظيفته لا ترتبط بقرار شخصيّ من قبله أو من قبل الرسول. فالربّ عبّر عن مشيئته، ومنح مواهبَه بواسطة الأنبياء. يبدو أن هذا التلميذ الشاب لفت نظرهم. نقرأ فعل "بروأغو"، قدّم، وجّه (أع 16: 30؛ 17: 5). نجد هنا صورة الجمع. هذا يعني أن أكثر من نبيّ فسّر مشيئة الله: حلقة الكهنة أو الشيوخ (2تم 4: 14). أين تمّ ذلك ومتى؟ نقرأ نموذج التعيين لمثل هذه المهمّة في أع 13: 1- 4. أمر الروح القدس، ففرز المعلّمون والانبياء برنابا وشاول. ثم وضعوا أيديهم عليهما. ويمكن أن يكون بولس اختار تيموتاوس في لسترة (أع 16: 1- 3؛ 2تم 3: 10) كمساعد، أو في أفسس، حين جعله يترأس الكنيسة فيها. وتدخّل "أنبياء" فحدّدوا مهمّته الرسميّة وحثّوه على ممارسة الفضائل اللازمة. ووضعوا أيديهم عليه فمنحوه السلطة. وفي النهاية، أقسم بأن يكون أمينًا لما دُعي إليه (6: 16).
نعمة الله، طقوس حلقة الكهنة، التزام احتفاليّ من قبل تيموتاوس. كل هذا جعل منه جنديًا ناشطًا في خدمة الكنيسة، مستعدًا للجهاد، لا للجدالات العقيمة. التجنّد الحميد أو الجميل (كالوس): تيموتاوس ليس من المرتزقة، بل موظّف لدى ملك العالم (1: 17) الذي جنّده من أجل قضيّة عظيمة.
ثانيًا: الايمان والضمير الصالح (آ 19- 20)
بدا بولس ذاك الذي يسلّح تلميذه: الايمان، الضمير الصالح. الايمان هو سلاح المعلّم، وهو معرفة معمّقة للحقيقة الموحاة (2تم 2: 15- 18) بحيث تتيح للمسؤول أن يعطي التعليم الصحيح، وأن يحارب الهراطقة، وينتصر على العالم بقدرة الله (1يو 5: 4). في هذا قال الذهبيّ الفمّ: "على المعلّم أن يبدأ فيعلّم نفسه. فكما لا يقدر القائد الحربيّ أن يكون رئيسًا صالحًا إن لم يكن أولاً جنديًا ناجحًا، هكذا يكون المعلّم". أما "الضمير الصالح" (1: 5؛ 3: 9؛ 1بط 3: 16) الذي هو ضروريّ للراعي، فيخضع لفرائض الايمان ويُترجَم في التصرّف اليوميّ، بنيّة نقيّة وصدق تامّ.
فإبليس هنا، وهو متربّص (أف 2: 1؛ 1بط 5: 8). والأخطار تهدّد. فالجنديّ (وبالاحرى القائد) الذي لا سلاح معه، يسقط سريعًا في يد العدوّ. فهناك بعض المسيحيين قد ابتعدوا عن النور الذي يوجّه سلوك المؤمنين. "أبوتايو": انتبذ، استبعد باحتقار ووقاحة.
البحر، في الكتاب المقدّس، هو رمز الأخطار الكبيرة. وخسارة الايمان تقابَل بانكسار (ناواغايو) سفينة. نحن أمام صورة تدلّ على الكارثة والدمار. والدمار هو دمار الايمان.
وفي مجموعة هؤلاء المهدَّدين بالغرق بعد أن انكسرت سفينتهم، يبرز اسمان (آ 19) كانا يعملان مع بولس وتيموتاوس، وقد انتقلا الآن إلى المعارضة في أفسس: تمرّدا بشكل علنيّ وما رجعا عن نيّتهما. هيمينايس. يُذكر في 2 تم 2: 17 مع كلامه الذي يتفشّى كالآكلة. والاسكندر الذي يمكن أن يكون ذاك النحّاس الذي أساء كثيرًا إلى بولس (2تم 4: 14- 15) أو ذاك اليهوديّ الأفسسي الذي ذُكر في أع 19: 33- 34، بأنه أراد أن يتكلّم خلال ثورة الصاغة في أفسس.
فالرسول، خلال مروره في أفسس، سلّم هيمينايس والاسكندر ليد الشيطان، كما فعل مع الكورنثي العائش في الزنى (1كور 5: 5)، وكما فعل الملك حين سلّم الدائن الذي لا شفقة في قلبه، إلى يد الجلاّدين (مت 18: 34). جُعل التعريف أمام "ساتاناس" للدلالة على الوظيفة، لا على الشخص (يكون آنذاك اسم علم). في العهد القديم، الشيطان هو تارة الخصم في القتال (1صم 29: 4). والمتّهم الذي يقف بقرب المخطئ (مز 109: 6؛ أي 1: 6- 7؛ 2: 1). والمفتري الذي يشكو الأمراء الصغار أمام الملك الأعظم (عز 4: 6). منذ سُمح له بأن يعذّب أيوب (أي 1: 12 ي؛ 2: 7 ي)، صار الجلاّد الرسميّ لدى الله، وملاك العقاب الذي ترتبط به الآلام والأمراض والموت (حك 2: 24؛ لو 13: 16؛ يو 8: 44؛ 2كور 12: 7).
حين حرم بولس زاني كورنتوس، حفظ جماعة القديسين من عدوى الرذيلة (روم 16: 17- 18). وفي أفسس، وضع حدًا لانتشار الهرطقة (2تس 3: 14). ولكن في كلا الحالين، توخّى الرسول إصلاح المخالفين. فالفعل "بايدواين" يدلّ على تربية تدرّبُ الطباع، وتُصلح الأخلاق، ولا تخاف أن تلجأ إلى العقاب من ضرب وغيره (عب 12: 6). هذا ما يتوخّاه الرسول من عقاب هيمينايس والاسكندر: حين يُضربان (لو 23: 16، 32) يعودان إلى ذواتهما. فالمحنُ القاسية قد تعيد الانسان إلى التوبة. في كورنتوس، "هلاك الجسد" بيد الشيطان، كان موجّهًا لخلاص النفس (1كور 5: 5). لا نجد وجهةَ الدواء في هذا العقاب. ولكن الرسول يقابل بين التأديب والعقاب. لهذا، لا يستطيع أن ينسى الهدف الأخير لكل وصيّة (1: 5). وفي 2تم 2: 5، إصلاح المعارضين يتوخّى العودة بهم إلى التوبة لكي يبلغوا إلى معرفة الحقّ. إذن، هدفُ كل تربية وما فيها من حزن، إسكاتُ المجدّفين.
إن الفعل "بلاسفيمايو" يعني: قال سوءًا. تكلّم بالشرّ. جدّف (مت 27: 39؛ 1تم 6: 4). ويعني: تواقح وكذب في الأمور الدينيّة. ضلّ في عرض الايمان المسيحي (6: 1؛ تي 2: 5). ذاك هو خطأ المعلّمين الهراطقة (2 بط 2: 10- 11)، وشرّ الشرور (روم 2: 24؛ 1بط 4: 4) الذي يستحقّ الموت بسبب تدنيس اسم الله أو كلمته بالقول أو الفعل (رؤ 12: 6؛ يع 2: 7). فالتجديف الذي يرتكز على الاحتقار (مر 15: 29) يسيء إلى كرامة الانسان الذي نفتري عليه.

3- قراءة إجماليّة
يعود بولس إلى الماضي، إلى دعوته الرسوليّة. يتذكّر سيرته الماضية لكي يشكر لله نعمه وبركاته. فيكفيه أن يشير إلى الثقة التي منحه الله حين أوكله بحمل البشارة، ليفيض قلبه حالاً بعرفان الجميل. فكأننا في آ 12- 17 أمام تأمّل شخصيّ استعاده الرسول أكثر من مرّة: بدأه بفعل شكر وحمد، وأنهاه بالمجدلة: "لله الأوحد الكرامة والمجد إلى دهر الدهور. آمين" (آ 17).
كان بولس، قبل لقائه بالمسيح، خاطئًا لا يستطيع أن يخلص. كان أضعف من أن يبلغَ بنفسه إلى التبرير. غير أن الربّ اجتاح حياته، وملأها بقدرته. في غبار طريق دمشق حيث سقط بولس، راكعًا إلى الأرض ولا يرى شيئًا، اختبر ضعفًا جذريًا يحسّ به. وفهمَ بشكل نهائيّ أن الله لا يفعل إلاّ عبر ضعف الانسان، لئلاّ يفتخر أحد أمامه (1كور 1: 29).
فالربّ أحبّ بولس. واعتبره في حبّه، أهلاً للثقة. في الأصل، لا بولس ولا غيره جدير (أكسيوس) بالخدمة الرسوليّة. ولكن الله وضع فيه ثقته، مثل خادم سلّمه سيّدُه خيراته لكي يستثمرها. فمفهوم الوكالة يرتبط بالأمانة (بستوس). والرسالة خدمة (دياكونيا). وقد حدّد الرسول نفسه على أنه خادم الانجيل فقال: "الانجيل الذي صرتُ خادمه بموهبة النعمة التي منحني الله بفعل قدرته" (أف 3: 7).
والثقة التي نالها بولس حيّرته. فماضيه أسود، وهو لا يدافع عنه. كان معتدًا بنفسه ومتكبّرًا. كان "فريسيًا" يبحث عن برّه الخاص. جدّف على اسم يسوع، واقتاد المسيحيّين إلى السجون. وأعمل في التلاميذ تهديدًا وقتلاً (أع 9: 1). ذاك كان موقف بولس قبل اهتدائه. ولكن الربّ رحمه، حيث لم يكن موضع للرحمة. ففهم أن سعي الانسان لا يفرض نفسه على الله. قال: "ليس الأمر في الارادة أو في السعي. وإنما هو مرتبط برحمة الله" (روم 9: 16). فالله "أغلق على الجميع في المعصية، لكي يرحم الجميع" (روم 11: 32). أمسك المسيحُ بولس، حمله (فل 3: 12). فأحسّ في كيانه شيئًا سوف يتوسّع فيه بعد ذلك: "الجميع خطئوا فأعوزهم مجد الله، والجميع بنعمته يتبرّرون مجانًا، بالفداء الذي بالمسيح يسوع" (روم 3: 23- 24).
إن كان بولس تحدّث عن صفاء نيّته، فهو لم يُرد أن يُنكر خطيئته: أقرّ أنه أول الخاطئين. وإذ قال إنه فعل ما فعل عن جهل، فهو يعود إلى الكتاب المقدّس الذي يميّز خطايا اقترفناها غير متعمّدين (حسب الجهل)، وخطايا اقترفناها بملء ارادتنا (ويدنا مرفوعة، ورأسنا مرفوع من الفخر، لا 4: 2ي؛ عد 15: 22- 31). وحين نتذكّر ما كان عليه بولس في الماضي، نستطيع القول إن النعمة فاضت فيه، بل طفحت (هيباربلايونازاين). تعلّق الايمان والمحبّة بالنعمة، فأعطيا لنا. حلّ الايمان محلّ الكفر. والمحبّة محلّ القوّة الوحشيّة.
العناية تعمل في الانسان، في كل إنسان. وجاء عملها بالنظر إلى بولس تطبيقًا لرحمة الله. قال بولس: "جاء الله إلى العالم، لكي يخلّص الخطأة" (آ 15). هي عبارة ليتورجيّة أو فقاهيّة تستعيد ما قاله يسوع في لو 5: 32 (ما أتيت لأدعو الصدّيقين إلى التوبة، بل الخطأة) و19: 10 (جاء ابن البشر ليطلب ما هلك ويخلّصه). حين قال بولس إنه أول الخاطئين، الذين خلّصهم المسيح، ما فكّر بخلاص في الزمن، بل بخطيئة تعدّت ما عرفه الناس. وسوف يقول في 1كور 15: 9 إنه أقلّ الرسل، وفي أف 3: 8 إنه أقلّ القديسين.
تجاه هذا الظهور الرائع لرحمة الله، يستطيع كلُّ انسان أن يبقى واثقًا به. إذا كان خاطئٌ مثل بولس قد تحوّل، فكل انسان يمكنه أن يتحوّل بحيث ينال الخلاص. فصبرُ الله لا حدود له، وكذلك طول أناته. تجلّى منذ العهد القديم (خر 34: 6- 7)، وسطع بنور أقوى في العهد الجديد. من أجل هذا، أطلق بولس هتافه لكل ما فعله الله من أجله، وبالتالي من أجل جميع المؤمنين.
وبعد هذه الاعتبارات الشخصيّة التي قرأناها في آ 12- 17، التفت بولس أيضًا إلى تيموتاوس. وقبل أن يعطيه التوصيات الضروريّة بالنسبة إلى الوضع في أفسس دعاه هو أيضًا للعودة إلى الماضي، إلى الوقت الذي تسلّم فيه مهمّته الرسوليّة. كان الأنبياء (آ 18)، وهم أشخاص نالوا مواهب الروح فتكلّموا باسم الله. هكذا اختارت جماعة أنطاكية بولس وبرنابا. وهكذا اختير تيموتاوس "عن طريق النبوّة وبوضع أيدي الكهنة" (4: 14). فانطلق في عمله الرسوليّ. حين تذكّر بولس هذا التدخّل العلوي، توخّى أن يقوّي قلب التلميذ، ويساعده لكي يكون جنديًا صالحًا للمسيح.
إلى ماذا يحتاج مثل هذا التلميذ؟ الضمير الصالح. فمن لم يهتمّ بالضمير، غرق إيمانه كسفينة تنكسر وتتحطّم على الصخور. جاء الضمير بشكل نور يوجّه السفن ويمنعها من الغرق. فمن احتقر هذا النور، تعرّض للغرق. وهكذا تكون علاقة وثيقة بين استقامة الأخلاق واستقامة الايمان. فإذا كان الايمان الحقيق يُلهم بالضرورة المجهودَ الخلقي، ففلتان على مستوى الأخلاق يقود من قريب أو بعيد إلى خسارة الايمان. لهذا قال الذهبيّ الفمّ: "حين يكون سلوك الانسان خاطئًا، يصبح معتقدُه خاطئًا أيضًا".

خاتمة
رسم الكاتب أمامنا وجهين. وجه أول هو وجه شاول المضطهد الذي صار فيما بعد مبشّرًا بالانجيل. ووجه ثان هو وجه تيموتاوس الذي يُطلب منه أن يترك الخوف والتردّد، ويلتزم بعمل الرسالة مهما كلّفه هذا العمل. ما الذي دفع بولس إلى العمل؟ محبّة الله له. اعتبار جميع ما عمله مرتبطًا بالجهل. وحيث يكون الجهل، لا تعود مسؤوليّة الانسان كاملة. كان بولس ذاك الذي اعتمد على رحمة الله، ومضى لا يهاب الصعاب. ومثله سيفعل تيموتاوس: يكفيه ايمان يتمسّك به، وضمير صالح يوجّه أموره. حين فهم بولس ما يطلبه منه الله، رفع إليه المجد والشكر، واستعدّ لمجابهة الصعوبات والاضطهادات. أتُرى سيختلف التلميذ عن معلّمه؟ أيُنكر تيموتاوس أنه تتلمذ على يد بولس؟ فهل يفعل مثل مرقس الذي شاهد صعوبات جبال طوروس في تركيا، فترك الفريق الرسولي وعاد إلى أورشليم، إلى بيته (أع 12: 12)؟ خاف عليه بولس، فكتب إليه يشجّعه، ونبّهه إلى ما ينتظره لكي يكون المثال للذين في الداخل، بحيث يؤدّي له أولئك الذين في الخارج (خارج الكنيسة)، شهادةً حسنة.
القسم الثالث
تيموتاوس وتنظيم العبادة
2: 1- 15

ترك بولس تيموتاوس في أفسس لكي يحارب معلّمي الضلال. فيبقى على التلميذ، عبر هذه المهمّة الخاصّة، أن يقوم بوظيفة تسلّم إلى المسؤول في الكنيسة. فعليه قبل كل شيء أن يسهر بحيث تقوم الجماعة بواجبها في الصلاة والدعاء، في النظام والكرامة. وها نحن نقسم هذا القسم فصلين. الأول (2: 1- 7): صلاة الكنيسة شاملة. والثاني (2: 8- 15) جماعة الصلاة، حيث يقف الرجال والنساء في المكان الواحد لإقامة التضرّعات والصلوات والابتهالات (آ 1).
الفصل الخامس
صلاة الكنيسة صلاة شاملة
2: 1- 7
بعد ملاحظات سريعة حول مهمّة تيموتاوس في أفسس، وهي بمثابة مقدّمة للموضوع الرئيسيّ، واصل بولس فكرته التي بدأت في 1: 3. طلب الصلاة من أجل جميع البشر. والصلاة المذكورة هنا، هي الصلاة العامّة والجهوريّة، التي تُتلى في الجماعات المسيحيّة، في الليتورجيا. الصلاة أول عمل يطلبه بولس، وهو يسبق الأمور الأخرى. فعلى تيموتاوس أن يقوم به كواجب رئيسيّ في مهمّته الحاضرة. وهو يستطيع أن يفعل بفضل السلطات التي نالها بيد الأنبياء في الجماعة. هو مكلّف تكليفًا رسميًا. هذا يعني أن هذا التلميذ ليس معلّمًا وحسب، بل هو خادم الصلاة. أعطي نعمة لكي يرئس الصلاة الليتورجيّة ويوجّهها ويحدّدها.

1- الكنيسة تصلّي
اعتاد بولس أن يصلّي من أجل الجماعة، من أجل المؤمنين. وها هو الآن يطلب من الجماعة أن تبدأ رسالتها بالصلاة. لا الصلاة الفرديّة وحسب، بل الصلاة الجماعيّة، صلاة الليتورجيا والخدمة المقدّسة. وهكذا كانت لنا صلوات في تلك الجماعات التي أسّسها بولس في آسية الصغرى (تركيا الحالية). قبل الرسائل الرعائيّة، كان لنا في أف 5: 14 بعض النشيد العمادي: "استيقظ، أيها النائم، وقم من بين الأموات، فيضيء المسيح لك". وهنا، نجد ثلاثة أنواع من الصلاة: المجدلات، اعترافات الايمان، المدائح الكرستولوجيّة.
أ- المجدلات
نقرأ في 1: 17: "فلملك الدهور الذي لا يُدركه فساد، ولا يُرى، لله الأوحد، الكرامة والمجد إلى دهر الدهور. آمين". وفي 6: 15- 16: "السيّد الأوحد، ملك الملوك وربّ الأرباب الذي له وحده الخلود، ومسكنه نور لا يُدنى منه، الذي لم يرَه انسان ولا يقدر أن يراه، له الكرامة والعزّة على الدوام. آمين".
تعود المجدلة إلى لفظ "مجد" (دوكسا). بها نمجّد الله. هي هتاف ننسب فيه إلى الله الكرامة والمجد في عاطفة من السجود والعبادة. ونقرأ أبسطها في 2: 4، 18: "له المجد إلى دهر الدهور. آمين". عرف العالم اليهوديّ المجدلات، ولا سيّما في نهاية كل قسم (أو: كتاب) من أقسام المزامير. نقرأ في مز 41: 14: "تبارك الرب، إله اسرائيل، منذ الأزل وإلى الأبد. آمين ثم آمين". وفي مز 72: 18- 19: "تبارك الرب الاله، إله اسرائيل، الصانع المعجزات وحده. وتبارك اسم مجده إلى الأبد، ولتمتلئ الأرض كلها من مجده. آمين ثم آمين". والمجدلات عديدة عند بولس الرسول. في نهاية كلامه عن اختيار الشعب (روم 9- 11) قال: "كل شيء هو منه وبه وإليه. فله المجد إلى الدهور. آمين" (روم 11: 36). وفي فل 4: 20: "لألهنا وأبينا المجد إلى دهر الدهور. آمين". تتوجّه المجدلة عادة إلى الله الآب. ولكن في روم 9: 5 تتوجّه إلى الله الابن: "المسيح الذي هو فوق كل شيء إله مبارك إلى الدهور. آمين".
ماذا نجد في هذه المجدلات؟ كلام عن الله في الخطّ اليهوديّ. هو الملك الذي لا نقدر أن ندركه. يقيم على عرش عال لا يُدنى منه. ونجد ألفاظًا مع "لا" النافية: لا يموت (اتاناتوس)، لا يفسد (افتارتوس)، لا يُرى (أؤوراتوس)، لا يدرك (أبروسيتوس). هذا اللاهوت النافي لأقوالنا الضعيفة والمحدودة، يوجّهنا في خطّ وسيط (2: 5)، به نقترب إلى الله الآب.

ب- اعترافات الايمان
الايمان عاطفة داخليّة تدلّ على علاقاتنا بالرب وتعلّقنا به. هو دعانا ونحن نتجاوب مع دعوته. بل نعبّر عن ايماننا في صلاتنا، كما في اعترافات نعلن فيها عقيدة تغذّي حياتنا. نقرأ في 2: 5- 6: "الله واحد، والوسيط بين الله والناس واحد، الانسان، المسيح يسوع، الذي بذل نفسه فداء عن الجميع". وفي 6: 12- 13: "أوعز إليك أمام الله الذي يحيي كل شيء، وأمام يسوع المسيح الذي أدّى، لدى بونسيوس بيلاطس، شهادته الرائعة".
شدّد العهد القديم على وحدانيّة الله: الرب إلهنا واحد (تث 6: 4). وقال بولس في الخطّ عينه: "لا إله غير واحد" (1كور 8: 4). وتابع: "لنا إله واحد، الآب، الذي منه كل شيء، ونحن له". وأضاف: "وربّ واحد يسوع المسيح، الذي به كل شيء، ونحن به" (1كور 8: 6). هذا الاله هو إله اليهود وإله الوثنيين، وهو يبرّرهم جميعًا بالايمان بيسوع المسيح (روم 3: 28- 30).
والربّ يسوع هو الوسيط بين الله والبشر. هذا يعني أن له الطبيعة الالهيّة والطبيعة البشريّة. بما أن يسوع انسان، يستطيع أن يمارس وساطته متضامنًا مع الانسان. وبما أنه الله، يقدر أن يكون لنا الوسيط والشفيع لدى الله. وظهرت وساطتهُ بشكل خاص حين بذل نفسه فداء عنا، حين طهّرنا من كل خطيئة (تي 2: 14). فأمام الله الذي يعطي الحياة لكل شيء، فيظهر الاله الآب والخالق، ذاك الذي لا يُرى، نرى يسوع المسيح يقف أمام بيلاطس. يشهد شهادة الايمان: جئتُ لأشهد الحقّ. وهو يعلّمنا كيف نشهد، كيف نعلن إيماننا.

ج- المدائح الكرستولوجيّة
في العهد القديم، يُمدح الله. في العهد الجديد يُمدح الله الآب ويُمدح الله الابن؛ فتهتف الكنيسة ليسوع المسيح: "تجلّى في الجسد، شهد له الروح، شاهدته الملائكة، بُشِّر به في الأمم، آمن به العالم، ارتفع في المجد" (3: 16). كان يسوع بشرًا، من لحم ودم. وهذا ما يدلّ على بشريّته التي تجلّت. ونلاحظ أن النشيد لم يذكر الآلام، بل انتقل حالاً من ظهور المسيح في الجسد، إلى ارتفاعه في المجد، بالقيامة والصعود. وهكذا وصل الانجيل إلى العالم الوثني، فآمن العالم بذاك الذي أحبّه وبذل نفسه عنه.
ونقرأ في 2تم 2: 11- 13: "إن نحن مُتنا معه، فنحيا معه. وإن صبرنا فسنملك معه. وإن أنكرناه فسينكرنا هو أيضًا. وإن لم نكن أمناء، فهو يبقى أمينًا، لأنه لا يقدر أن يُنكر ذاته". نلاحظ حرف الجر "مع" (سين في اليونانية) الذي يرد ثلاث مرات: نموت معه. نحيا معه. نملك معه. وهكذا نكون في إطار المجيء والدينونة. إذا أردنا أن نشارك المسيح في ملكوته، نعيش الأمانة التي تساعدنا على مقاومة الضغوطات والاضطهادات. فحين نشهد للمسيح، نفهم في النهاية أن الشهادة قد تقودنا إلى الاستشهاد والموت. فلا تلميذ أفضل من معلّمه. ولا عبد أفضل من سيّده. فكيف نريد أن يكون مصيرنا غير مصير معلّمنا، يسوع المسيح!

2- دراسة النصّ
نبدأ بالدراسة النقدية: في آ 1، نقرأ الحاضر، أسأل (باراكالو). ولكن البازي والصعيديّة... جعلت الأمر "باراكالاي" (اسأل). في آ 3 وضع السينائي والشعبية والسريانية "غار" في بداية الآية وقبل "توتو" (ذلك). فصارت اللفظة: فذلك. في آ 6، أضاف البازي وغيره "أو" قبل "الشهادة" (مرتيريون)، وجعل في النهاية "إدوتي" من أجل الوضوح (أعطيت). في آ 7، قرأ الاسكندراني "ابيستوتان" بدل "إتاتين" (أريد). وقرأت الشعبية اللاتينية: "إن هو اتاتين" بدل "إيس هو إتاتين". وأضاف السينائي وغيره "إن خرستو" (في المسيح) بعد "لاغو" (أقول في المسيح). وبدل "بستاي" (الايمان) قرأ الاسكندراني "بنفماتي" (الروح) والسينائي "غنوساي" (معرفة).

أ- تضرّعات وصلوات (2: 1- 4)
بدأ بولس فطلب أن تقام الصلوات في الكنيسة.
أولاً: فأطلب إذن (آ 1)
"أون" (اذن) هي أداة انتقالة كما في 2تم 2: 1، تدلّ على أن الموضوع ليس بجديد. فالطلب هنا يعود إلى 1: 3، والوصيّة تعود إلى 1: 5. كما أن هناك ارتباطًا مباشرًا مع 1: 15 وخلاص جميع الخطأة. "باراكالو" (طلب، سأل). هي دعوة إلى العمل، إلى الصلاة. فعلى المسيحيّين أن يشاركوا في نشر الانجيل بصلواتهم. لا من أجل إخوتهم في الايمان وحسب، بل من أجل البشريّة كلها. يشدّد ف 2 على الشموليّة، مع ورود لفظة "كل، جميع" أكثر من مرّة. تصلّي الكنيسة حتّى من أجل نيرون المضطهد. في هذا المجال، قال قبريانس، أسقف قرطاجة (أفريقيا) أمام القنصل باتارنوس: "هذا الاله الذي نعبده، نحن المسيحيين، هو الذي نرفع صلواتنا إليه، ليل نهار، من أجلنا، من أجل جميع البشر، ومن أجل خلاص الأباطرة أنفسهم". وكتب أوسابيوس في التاريخ الكنسيّ (10/8: 10) أن ليسينيوس "طرد من بيته جميع المسيحيين، فحرم نفسه لتعاسته من صلاة توجّهت إلى الله من أجله، وهي صلاة يرفعونها من أجل جميع البشر، حسب التعليم التقليديّ".
"قبل كل شيء". هذا يبيّن أهميّة الصلاة في نظر بولس والثقة بفاعليّتها. كأني به يقول: ذاك هو طلبي الأول. ذاك هو واجبك الأول. هي أولويّة زمنيّة. وهي أولويّة حياتيّة (لو 12: 1؛ 2بط 1: 20). الصلاة هي نشاط أساسيّ في حياة الكنيسة (أع 1: 14؛ 2: 16). نقرأ أربع ألفاظ (العدد 4 رمز الشموليّة) تشدّد على تواتر هذه الصلاة وتواصلها وعمّا في هذا النداء إلى الله من إلحاح (فل 4: 6). تضرّعات (دائيسيس، لو 5: 33؛ فل 1: 4؛ دايو، احتاج، نقصه شيء). هي صلاة في حالة ملموسة وفي ضرورة ملحّة، نرفعها إلى الله (مت 9: 38). رأي فيها تيودوريتس طلبًا بأن يبعد الشرّ عنا (لو 22: 32؛ عب 5: 7؛ روم 1: 10؛ 1تس 3: 10). صلوات (بروسوخي، رج أوخوماي، أرغب) ترافق تضرّعات في أف 6: 18؛ 1تم 5: 5. نقول صلاة الأبانا (لو 11: 1، 22). هي ارتفاع النفس إلى الله. ابتهالات (إنتوكسيس، 4: 5، لفظ قانونيّ): طلب نرفعه إلى شخص أكبر منّا (الملك مثلاً) إلى الله الذي نأتي إليه (حك 8: 21؛ 2مك 4: 8). وأخيرًا، التشكّرات (فعل الشكر) التي هي جزء جوهريّ في العبادة العلنيّة، (1كور 14: 16). في اليونانيّة: أوخارستيا. إن الذين يصلّون يشكرون الله، لأنهم موضوع حبّه، ولأنه خلّصهم. "يجب أن نشكر الله حتّى على خيرات منحها للآخرين. مثلاً، نطلب منه أن يُشرق شمسه على الأشرار أو الأخيار، ويمطر على الأبرار والخطأة. نلاحظ أن الرسول جمعنا وربطنا بعضَنا ببعض في الطلبات كما في التشكّرات" (الذهبيّ الفمّ).
الحياة المسيحيّة هي حياة شعب كهنوتيّ (1بط 2: 5- 9). ومحبّته هي افخارستيا ترتفع إلى الله، وفعل عبادة (1تس 5: 8؛ أف 5: 19- 20؛ فل 4: 6). لهذا، لا تنحصر صلاتُنا في منفعة شخصيّة، ولا في حلقة محدودة من المؤمنين. بل تكون من أجل جميع البشر، بدون حدود الدين والجنس والبلد والمراتب الاجتماعيّة. في هذا المجال، قال الذهبيّ الفمّ: "الكاهن هو أبو العالم كله. فعليه أن يعتني بالجميع مثل الله نفسه الذي هو كاهنه... ينتج خيران عن هذا الطلب: من جهة، يختفي بغضُنا للغرباء، لأن أحدًا لا يستطيع أن يبغض من يصلّي لأجله. ومن جهة ثانية، يتحسّن أولئك الذين نصلّي من أجلهم ويفقدون بغضهم لنا".
ثانيًا: الملوك وأصحاب السلطة (آ 2)
هي صلاة من أجل الجميع. ومنهم بشكل خاص الملوك وأصحاب السلطة الذين هم أقوياء في الخير كما في الشرّ. صيغة الجمع (الملوك) تعني أننا نصلّي من أجل كل ملك، كبيرًا كان أم صغيرًا، متسلّطًا كان أم متسامحًا. ومع الملوك، الوجهاء (2مك 3: 11) الذين ينعمون بسلطة (1كور 2: 11)، مثل أولئك الذين توفدهم الامبراطوريّة. هكذا كان يفعل اليهود في منفاهم (عز 6: 10؛ 1مك 7: 33). واعتاد اليهود في الاسكندرية أن يرفعوا صلاة من أجل الملك، وأن يذبحوا في أورشليم، مرتين كل يوم، على نيّة القيصر والشعب الرومانيّ. مثلُ هذه الصلاة، تبعد عن المسيحيين روح الثورة التي كانت تشتعل هنا وهناك، ولا سيّما الثورة اليهوديّة على رومة. ثم إن الصلاة على نيّة الامبراطور، تمنع المسيحيين من عبادته: فهو خليقة مثلهم، ويحتاج إلى صلاة تُرفع إلى الله من أجل حمايته من كل خطر.
نتيجة هذه الصلاة: نقضي حياة مطمئنة. "دياغاين"، تصرّف. سلك. مع "بيوس" حياة. فالملوك يحملون السلام إلى شعبهم. والمثال المسيحانيّ هو حياة في سلام (إر 30: 10؛ لو 3: 14). وصلّى الربّ لكي ينجو أخصّاؤه من المحن والتجارب (لو 11: 4؛ 22: 40، 46). "هيسيخيوس"، هادئة، مطمئنة. رج 1بط 3: 4. هذا ما يقوّي فكرة السلام والأمان. في كل تقوى (أوسابايا) ووقار (سامنوتيس). فالسلام لمسيحيّي أفسس هو ثمرة حياة دينيّة وأخلاقيّة. الانسان التقيّ هو البار والحكيم، الذي يمارس الوصايا. عندئذ ننال احترام الجميع (3: 4، 8، 11؛ تي 2: 7).
ثالثًا: رضى الله (آ 3- 4)
مثلُ هذه الصلاة ترضي الله الذي لا يستبعد أحد من محبّته، ومن خلاص لجميع البشر. أجل، إن دعاء يُتمّه الشعبُ المسيحيّ، ككهنوت ملوكيّ، من أجل جميع البشر، ترافقه حياة أخلاقيّة رفيعة. هو حسن (كالوس)، جميل، نبيل. هو عمل محبّة عظيم. والرب يفرح به ويرضى عنه، فيجعله فاعلاً. بهذه الطريقة نشارك في تحقيق قصد الله الخلاصيّ. الربّ يحبّ مثل هؤلاء العابدين (يو 4: 23). نقرأ هنا الصفة "ابوداكتوس" (رج 1: 15؛ 5: 14، أبو دوخي): ما يرضي الله. ما يوافق عليه الله.
ومع رضى الله، هي مشيئته. هو "يريد" (تالو) خلاص الجميع. حدّثنا يوحنا عن الله الذي هو محبّة. وحدّثتنا الرسائل الرعائيّة عن الله المخلّص (1: 1؛ 4: 10؛ تي 1: 3). يريد الله خلاص جميع البشر، بدون استثناء (لا خلاص فئة محدّدة كما قال الغنوصيّون). يدعو الله البشر إلى الخلاص. وهم يتجاوبون معه. يأتون إلى معرفة (ابيغنوسيس) الحقّ (اليتايا). يجتذبهم الآب (يو 6: 44) فيتقبّلون التعليم من أجل الخلاص. لسنا فقط على مستوى معرفة عقليّة، بل أمام تمييز نعتنق فيه الايمان (روم 1: 28؛ كو 2: 2؛ 3: 10). كلمة الله الحقّ (2كور 6: 7؛ 2تم 2: 15، 18) هي الانجيل (غل 2: 5، 14). هي المسيح (يو 14: 6؛ 1يو 5: 20) الذي نخضع له (روم 2: 8؛ غل 5: 7؛ 2تم 2: 8). "اقتد بالله. إن أراد خلاص جميع البشر، عليك أن تريد ذلك أيضًا. وإن أردتَ فصلِّ. فالصلاة تعبّر عن رغباتنا" (الذهبيّ الفمّ).
هذا القول عن خلاص شامل يريده الله، يصطدم "بالملعونين" (مت 25: 41)، بالمجدّفين على الروح القدس (مت 12: 31)، بالجاحدين (عب 6: 6)، بالمرميين في مستنقع النار (رؤ 20: 10، 15؛ 21: 8). هنا تبرز الحريّة البشريّة التي تعارض إرادة الله. ولكن مشيئة الله هي التي تنتصر في النهاية. لا نعرف كيف يكون ذلك. ولكن رجاءنا وطيد بذاك الذي لا يقدر أن يُنكر نفسه (2تم 2: 3).

ب- الله واحد والوسيط واحد (2: 5- 7)
ما قيمة صلاة يرفعها البشر إلى الله، إن لم يكن معهم وسيط يرفع هذه الصلاة إلى الله. وهكذا نكون في آ 5- 7 أمام فعل ايمان مثلّث: الله واحد. الوسيط واحد. وهذا الوسيط افتدى جميع البشر حين سفك دمه لأجلهم.
أولاً: أساس الصلاة (آ 5)
يرى الشرّاح في آ 5- 6 هتافًا ليتورجيًا، بل خمسة هتافات: الله واحد. الوسيط بين الله والناس واحد. هذا الوسيط هو إنسان من البشر. هو المسيح يسوع. بذل نفسه فداء عن الجميع. هو إعلان إيمان عماديّ يؤسّس إرادة الله الخلاصيّة الشاملة: بما أن الله واحد، فهو بالضرورة إله البشريّة كلها، إذ لا إله سواه. لهذا، لا يستطيع أن يخلّص فقط بعض الناس (المؤمنين فقط)، بل جميع البشر، حتّى وإن لم يخضعوا لسيادته.
ووجود الوسيط يدلّ على أن مخطّط الله الخلاصي يتمّ حقًا. وهذه الوساطة لا وساطة غيرها. هو الوسيط الوحيد للبشريّة كلها (كو 1: 18- 20؛ أف 2: 11- 22). لا الملائكة (كو 2: 18؛ عب 2: 12)، ولا موسى (غل 3: 19؛ عب 3: 1- 7). هذه الوساطة تحدّد العهد الجديد: "لا يأتي أحد إلى الآب إلاّ بي" (يو 14: 6). وأبرز الكاتبُ بشريّة المسيح يسوع (روم 5: 15؛ 1كور 15: 47؛ فل 2: 7- 8). هو "انتروبوس" (بدون التعريف. انسان من الناس). لم يأخذ من الملائكة (عب 2: 11- 17)، بل تضامن مع البشريّة، ومثّلها أمام الآب.
ثانيًا: بذل نفسه (آ 6)
إن صلاة التلاميذ (آ 1) تشارك المسيح، الذي هو الكاهن والذبيحة (روم 8: 34؛ عب 13: 15؛ رؤ 8: 3- 4). تشاركه في صلاته. والخلاص الذي يقدّمه الله، هو نداء وتحرّر. ذاك هو موضوع إيماننا: كفّر المسيح عن خطايانا، حين صار "عبد الربّ" المتألّم (أش 53). كان البشرُ عبيدَ الظلمة والخطيئة (روم 6: 17، 20؛ كو 1: 13)، ما عادوا يستطيعون أن يتحرّروا (مت 16: 26)، فقدّم يسوع حياته من أجل تحرّرهم. هو لا يحلّ محلّ البشريّة، بل يتضامن معها. فهو كعضو في البشريّة، يمثّلها أفضل تمثيل. هذا ما نسمّيه الشخصيّة المتضمّنة. في آدم، كانت جميع البشريّة خاطئة. وفي المسيح، آدم الثاني، نجد البشريّة كلها، كالخليقة الجديدة التي يسوع بكرها (كو 1: 15؛ رؤ 3: 14). وهكذا صار عمله الفدائي كوسيط بين الله والبشر، امتلاكًا (تي 2: 14). اشترانا فصرنا له. وما عدنا مُلك أنفسنا (1كور 6: 20؛ 7: 23). وهكذا أبرز النص ذبيحة المسيح الطوعيّة (مت 20: 28؛ غل 1: 4؛ تي 2: 14)، ودلّ على أن الذين نعموا بها هم البشريّة كلها (روم 8: 32؛ رج مر 14: 24).
"تلك هي الشهادة". الكرازة الرسوليّة (2تس 1: 10؛ 2تم 1: 8) تعلن للعالم الخلاص الشامل، بفضل المسيح (3: 16؛ أع 1: 8). ولكننا بالأحرى نتحدّث عن شهادة يقدّمها الله، هي مشيئته في خلاص البشريّة (1كور 1: 6؛ 2: 1). وذلك حين أعطانا الوسيط الذي صُلب لأجلنا. ذاك هو البرهان (روم 5: 8). الحدث أو الكرازة، والواحد لا ينفصل عن الأخرى. فتحقيق مخطط الله الخلاصي وحكمته الأزليّة، يتمّ شيئًا فشيئًا في التاريخ (أف 3: 5- 12؛ كو 1: 25- 27؛ 1بط 1: 11)، حسب الأوقات والأزمنة (6: 15؛ تي 1: 3).
حين تتمّ جميعُ المواعيد والاستعدادات المسيحانيّة (2كور 1: 20)، نكون في نهاية الزمن (غل 4: 4) والوقت المناسب للخلاص. من أجل هذا، يجب أن نصلّي. وحين يتدخّل الله في ابنه "في هذه الأيام الأخيرة" ليكشف الخطيئة ويلغيها (عب 1: 1- 3)، نكون أمام وقت فيه يمتدّ الخلاص ومعرفة الحقّ إلى المسكونة كلها.
ثالثًا: في الايمان والحقّ (آ 7)
حين يعود بولس إلى سرّ الخلاص في المسيح، فهو يشير إلى دوره في كشف هذا السرّ (2كور 5: 18- 20؛ أف 3: 7- 8). وهنا، نراه يذكر وظيفته في حمل "شهادة" الله. وبهذا، يقدّم البرهان الواضح على أن مشيئة الله في تخليص البشر، هي حاصلة في هذا الوقت وفي هذا الآن. فالرسالة جزء أساسيّ في مخطّط الخلاص. لا شك في أن لا تواصل بين الله ومرسليه، وكأنهم على مستواه! ولكن يبقى أن الله أراد أن يحتاج إلينا. فلو لم يكن الفداء الذي أتمّه الوسيط قد عرفه الجميع، سيبقى باطلاً وبدون فائدة، ولا يصل إلى المدعوّين إلى الايمان. هنا نتذكّر روم 10: 14- 15: "كيف يدعونه إن لم يؤمنوا به؟ وكيف يؤمنون به إن لم يسمعوا به؟ وكيف يسمعون به إن لم يبشّرهم أحد"؟ لهذا، نقرأ هنا ثلاثة ألفاظ: الأول "كيريكس" (المنادي) "أبوستولوس" (المرسل)، "ديدسكالوس" (المعلّم). رج أف 4: 11. لسنا هنا أمام ثلاث وظائف. بل أمام وجهات مختلفة من العمل لدى الوثنيين (مت 28: 19). يعمل »المنادي« في الساحات العامّة: من أجل بيع سلع. أو إعلان قرارات رسميّة (الضرائب مثلاً)، وبداية الالعاب الرياضيّة، واسم الغالب وبلده. و"المرسل" (1: 1) هو الموفد ليبشّر الوثنيين (غل 1: 16؛ أف 3: 18). ليحمل إليهم إنجيل الخلاص (2تم 1: 10- 11). و"المعلّم" يمتلك سلطة التعليم (كو 1: 28؛ أع 20: 20). لهذا نقرأ: "أقول الحقّ ولا أكذب" (روم 9: 10؛ 2كور 11: 31؛ غل 1: 20). هو يشهد للبشريّة عن المسيح، كالمنادي والمرسل والمعلّم. "في الايمان والحقّ". أو: نعلّم، نحبّ، نسير في الحق. أي في الحقيقة والواقع، لا في الوهم والخيال (مت 22: 16؛ 1يو 3: 18). ولكن يبدو أن النصّ لا يشدّد على أمانة الرسول وصدقه (فهو أهل للثقة)، ولا على يقينه الايماني الضروريّ من أجل اعلان الحقيقة (2كور 4: 13). فالسياق يدعونا لكي نأخذ "بستيس" (الايمان)، "اليتايا" (الحقّ) في معنى موضوعيّ كما في آ 4. فكرازة إنجيل الخلاص هي كلام الحقّ (2كور 6: 7؛ كو 1: 5؛ أف 1: 13). أجل، إن هدف العمل الرسوليّ هو إعلان الايمان (كعقيدة) والحقّ.

3- قراءة إجماليّة
قبل أن يقدّم بولس في 2: 8- 15 توصيات عمليّة، عرض عقيدة غنيّة جدًا حول شموليّة الصلاة والدعوة إلى الخلاص. يجب أن نصلّي من أجل جميع البشر. فالعالم اليهودي حصر صلاته ومحبّته في أفق ضيّق جدًا: القريب الذي أحبّه هو ابن ديني. وعبارة "أحبب قريبك وأبغض عدوّك" (اللايهودي، مت 5: 14) تعكس عقليّة معروفة في العالم اليهوديّ في القرن الأول (لا نجد هذه العبارة كما هي في الكتاب المقدس، رج لا 19: 18). وفي قلب كنيسة أفسس، اصطدم بولس بالخاصيّة اليهوديّة، المعارضة لعظة الجبل (مت 5- 7). والصلاة العامّة التي تُتلى في الجماعة، نعبّر عنها بأكثر من شكل: هي صلاة شكر وطلب. هي مديح وتضرّع في ساعات الضيق والشدّة.
وحين طلب بولس من المؤمنين أن يصلّوا من جميع البشر، أراد أن لا ينسى أحدًا. ومع ذلك، شدّد على فئة خاصّة: السلطات المدنيّة من ملك وموظفين كبار. لماذا هذا التشديد؟ لأن بعض المؤمنين بدأوا يعادون سلطة تحمل إليهم المضايقات والاضطهادات. أترى نسوا كلام الرب: "أحبّوا أعداءكم. وصلّوا لأجل الذين يضطهدونكم" (مت 5: 44). وسبق لبولس وأعلن في روم 13: 1: "لا سلطان إلاّ من الله. والسلطات الكائنة إنما رتّبها الله". واذ نصلّي على نيّة الامبراطور، نذكّره أنه انسان لا إله. وسيقول الشهداء المسيحيون: "نحن لا نرفع صلاتنا إلى الامبراطور، بل نصلّي من أجله".
هذه الصلاة تؤمِّن للكنيسة حياة هادئة مطمئنة. إما لأن الحكام يرون ولاء المسيحيين. وإمّا أنهم، بفضل هذه الصلاة، يمارسون سلطتهم بالحكمة ومخافة الله. فالهدوء والطمأنينة خيران يترافقان مع الرسائل الرعائيّة، ولا سيّما إذا كان هناك اضطهاد يصيب المؤمنين (3: 16؛ 4: 7- 8؛ 2تم 3: 5؛ تي 1: 1). ويذكر النصّ التقوى التي هي أغنى من ميل إلى الصلاة. التقوى فضيلة ترتكز على تأمّل في سرّ الله (1تم 3: 16)، تجد امتدادها في حياتنا كلها، وتوجّه نحو الله كلَّ نشاط المسيحيّ فتغمره بالحبّ والوقار. تجعل المسيحيّ يعيش في البرّ والقداسة.
غير أن الأمل بحياة هادئة مطمئنة، ليس السبب الوحيد ولا الرئيسيّ، الذي يدفعنا إلى الصلاة من أجل السلطات المدنيّة. فهناك سبب أهمّ بكثير: يريد الله أن يخلُص جميعُ البشر. نحن أمام قول لاهوتيّ عميق لا نجده بهذا الوضوح في سائر الرسائل البولسيّة. إن الرب يقدّم خلاصه للجميع، ولا يستثني أحدًا. ولا يحابي أحدًا، فيفضّل انسانًا على آخر. كلهم خطئوا. وكلهم يبرّرون مجانًا بالايمان بيسوع المسيح. "فلا يهوديّ ولا يونانيّ. لا عبد ولا حرّ. لا رجل ولا امرأة" (غل 3: 28). فمخطّط الخلاص شامل في طبيعته، لأنه سرّ يتوخّى توحيد كل ما في السماء والأرض في شخص المسيح (أف 1: 10). ونداء الخلاص شامل، يتوجّه إلى الجميع. وإذ يدعو الله البشر، فهو يدعوهم حقًا. وإن هم لم يبلغوا جميعهم إلى الخلاص، فلأن الله يحترم حرّيتهم. هذا ما حصل بالنسبة إلى المدعوّين إلى العرس (مت 22: 1- 10)، أو الشاب الغنيّ (مت 19: 16- 22). هنا سرّ اللقاء بين الله ورحمته من جهة، وجواب الانسان وحرّيته من جهة ثانية. لهذا، قال يسوع لأورشليم التي فشّلت مشروعه: "كم مرّة أردتُ أن أجمع بنيك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها، ولكنك لم تريدي" (مت 23: 37؛ رج لو 13: 34).
وصلاةُ الكنيسة الشاملة، تقابل إرادة الله الشاملة في خلاص البشر. فالكنيسة هي الشعب الجديد، الذي اصطفاه الله نسلاً مختارًا وكهنوتًا ملوكيًا، وأمّة مقدّسة (1بط 2: 9). هي تقف أمام ربّها كباكورة البشريّة كلها، فتحمل البشر في صلاتها. في هذا المعنى، لا تكون صلاة الكنيسة، في أي حال، صلاة خاصّة ومنغلقة على أبنائها. لا تكون إلاّ مسكونيّة، لأنها دخلت في مخطّط الله الخلاصيّ، وقيلت باسم الوسيط الوحيد بين الله والبشر، الانسان يسوع المسيح.
أما الخلاص بالنسبة إلى كل انسان، فهو بلوغ إلى معرفة الحقّ. لا معرفة تبقى على مستوى العقل، بل تصل إلى القلب والعاطفة. بهذه المعرفة نكتشف أين هو الخلاص، وكيف نقبله ونلتزم به في حياتنا. قال يو 17: 3: "الحياة الأبديّة هي أن يعرفوك". فالمعرفة هي تبادل حميم وشخصيّ. هي علاقة خاصّة مع الله، أين منها علاقة الزوج بزوجته. ما استعمل النصّ "غنوسيس" التي تعني معرفة يصل إليها العقلُ البشريّ بقواه. بل "ابيغنوسيس" التي هي معرفة يمنحها الوحي الالهيّ. مثلُ هذه المعرفة ترتبط دومًا بالحقّ، وترتبط بكشف الخلاص في يسوع المسيح.
كل هذه الصلاة الشاملة تستند إلى اعتبارات حول الوحدة. هناك إله واحد خلق البشَر كلهم (أع 17: 26)، ويسهر على الجميع بحبّ واحد (مت 15: 45)، ويدعوهم كلهم إلى الخلاص الواحد (روم 3: 29- 30). ويُظهر غناه لجميع الذين يدعونه (روم 10: 12). وهناك وسيط واحد بين الله والبشر. الانسان يسوع المسيح. كان موسى وسيطًا، ولكن شتّان بين وساطته ووساطة يسوع. لا شكّ في أنه قام ببعض وساطة بين الله وشعبه، ولا سيّما على جبل سيناء (خر 20: 19)، فتوسّل من أجل اسرائيل الخاطئ (خر 32: 11- 14). ولكنه كان في الواقع، صورة بعيدة عن الوسيط الحقيقيّ (عب 3: 3- 6). كان موسى وسيطًا في مهمّة قام بها، لا في شخصه كله. أما المسيح الذي هو إله حقيقيّ وانسان حقيقيّ، فهو وسيط في كيانه كله، لأن في شخصه الفريد اجتمع اللاهوت والناسوت اجتماعًا لا ينفصم. لهذا، استحقّ وحده اسم وسيط (عب 8: 6؛ 9: 15؛ 12: 24).
هذا من جهة. ومن جهة ثانية، استطاع المسيح وحده أن يقوم بعمل الوساطة الجوهري، استطاع أن يقدّم نفسه فدية عن الجميع. ففي ذبيحته تمّ مرّة واحدة خلاصُ جميع البشر. استعمل الكاتب "انتيليترون" ليدلّ على ثمن يُدفع لافتداء عبد، لتحرير أسير، ولإنقاذ حياة إنسان. قدّم يسوع ذاته. أعطى حياته كثمن لتبريرنا (عب 9: 14). وهكذا اشترانا. كان العهد الأول في دم ذبائح لاواعية (خر 24: 18). والعهد الجديد هو أيضًا عهد في الدم، لأنه حيث لا سفك دم، لا غفران (عب 9: 22). ولكن دم العهد الجديد هذا هو دم يسوع، الذي فعل ما لم يفعله دمُ الذبائح الحيوانيّة (عب 9: 13- 14). فالمسيح صالح بدمه البشريّة كلها مع الله، فجعل من الشعبين المتعاديين، انسانًا واحدًا جديدًا (أف 2: 13- 18). وحين قام الربّ من بين الأموات، ما زال يتابع عمل وساطته لدى الآب، فيقدّم لله آلامه من أجل كل البشر ويتشفّع من أجلهم جميعًا.

خاتمة
دعا بولس جماعة أفسس إلى الصلاة: صلاة من أجل الجميع. وصلاة بشكل خاص من أجل الحكّام: مسؤوليّتهم كبيرة. ودينونتهم كبيرة، كما يقول سفر الحكمة. ثم إن الكنيسة تنمو وتنتشر إن عرفت السلام والطمأنينة. هكذا يعرف الناس الله الواحد. ويعرفون الوسيط الواحد. وهم يعرفون الآب والابن بواسطة الرسل، ولا سيّما بولس الذي اعتُبر المنادي والمرسل والمعلّم، فجمع هذه المواهب الثلاث من أجل البشر، بل من أجل البشريّة كلها. فإن لم يكن من يحمل الانجيل، فكيف يستطيع الوثنيون أن يصلوا إلى معرفة الحقّ، إلى معرفة من هو الطريق والحقّ والحياة. ذاك كان واجبَ بولس. وواجب تيموتاوس أيضًا. بل واجب كل واحد منا فهمَ دعوتَه المسيحيّة نداء إلى حمل البشارة في خطّ بولس الذي قال إلى أهل كورنتوس: "التبشير ضرورة فُرضت عليّ. فالويل لي إن كنت لا أبشّر" (1كور 9: 16).

الفصل السادس
الجماعة العابدة
2: 8- 15
في فصل سابق، أشرنا إلى دور تيموتاوس في تنظيم الصلاة وترؤسها، بعد أن أوكلته الكنيسة بهذا العمل، بواسطة أنبيائها. هي صلاة ليتورجية، صلاة الخدمة الالهيّة. هي فعل عبادة المسيحيّين حين يجتمعون، ولا سيّما يوم الأحد، على مثال ما يفعل اليهود في المجمع يوم السبت. لمن ترتفع هذه الصلاة الرسميّة؟ هدفها الأساسيّ هو خلاص الجميع، لا فئة من الفئات أو شعب من الشعوب. وما الذي يُسندها؟ الله الذي يريد أن يخلُص جميع البشر. وشروطها: موقف خارجيّ يعبّر عن موقف داخليّ. من يصلّي؟ الرجال وحدهم على أن تكون النساء منسيّات أو منعزلات؟ كلا. بل الرجال والنساء. قد ينفصلون حين يجلسون في الكنيسة، ولكنهم يشاركون جميعًا في الصلاة الواحدة. وهكذا، حين يتّحد كل مسيحيّ بإخوته في الصلاة، يشارك في الجهاد عينه (1: 18). والكنيسة تتّحد مع المسيح في صلاتها، فتقهر الشيطان (1: 20)، وتنتصر على أصحاب التعاليم المضلّة، محافظة على وديعة الايمان.

1- صلاة الجماعة
نقرأ في ف2- 3 مجموعة من الترتيبات تتوخّى تنظيم الجماعة وتحديد الظـروف لكي يكون الواحد شيخًا (كاهنًا) أو شماسًا (خادمًا). وفي البداية والنهاية، نقرأ نصّين ليتورجيّين يتجاوبان: اعتراف ايمان في 2: 5- 6. ومديح كرستولوجي في 3: 16. أما الارشاد الذي نجده في بدء هذه التوصيات، فيشير إلى الصلاة من أجل جميع البشر. نحن هنا أمام نظرة شاملة، تجاه نظرة ضيّقة، تحصر الخلاص في نخبة قليلة، وتنسى الآخرين إن لم ترسلهم إلى الهلاك.
إن الصلاة من أجل الملوك وأصحاب السلطة، تجد جذورَها في العالم اليهوديّ. فإرميا مثلاً حثّ المنفيّين عليها وقال لهم: "إعملوا لخير المدينة التي سبيتكم إليها، وصلّوا من أجلها، ففي خيرها خيركم" (إر 28: 7). وجاء في با 1: 11- 12: "وصلّوا من أجل نبوخذ نصر (= أنطيوخس ابيفانيوس، مضطهد الشعب) ملك بابل، وبلطشصر ابنه، لتكون حياتهما على الأرض طويلة كأيام السماء، فيمنحنا الربّ قوّة، وينير عيوننا، ونحيا تحت ظلّهما، ونخدمهما أيامًا كثيرة، ونحظى برضاهما". وشجّع إرميا المسبيّين على بناء بيوت بالحجارة وأن لا يكتفوا بالخيام. واحترم ملوكُ الفرس المعتقدات الخاصّة بشعوبهم، فطلبوا الصلاة من أجلهم في هيكل أورشليم، وأرسلوا مالاً لتقديم الذبائح (عز 6: 10).
وقال فيلون الاسكندراني في "الشرائع الخاصّة" (2: 166- 167) ما يلي: "إن الأمّة اليهوديّة تقدّم الصلوات والأعياد والبواكير، من أجل مجمل الجنس البشريّ، وتقدّم عبادة لذاك الذي هو وحده الاله الحقيقيّ. تقيم العبادة باسمها الخاص، وعن الآخرين الذين تخلّوا عن العبادة الواجبة لله". وفي زمن الرومان، اعتاد اليهود أن يقدّموا ذبيحة على نيّة الامبراطور. وفي الحرب اليهوديّة (2: 409)، سنة 66، توقّفوا، فدلّوا على أنهم قطعوا كل رباط مع السلطة المدنيّة.
وبالنسبة إلى الرسائل الرعائيّة، فرض الولاء للملكة نفسها (تي 3: 1) دون الادلاء بتبرير لاهوتي، كما فعل بولس في روم 13: 1- 7. يبقى، في الواقع، أن الكاتب يسلّم أصحاب السلطة مهمّة فرض الأمن والسلام في المدينة. والصلاة التي تُتلى على نيّتهم، جاءت تبحث عن منفعتها (2: 3): ماذا يكون مصير الجماعات إن فُقد السلام! غير أن 2: 3 وسّع الأفق، فضمّ المسؤولين إلى الناس الذين يريدون الله لهم أن يخلصوا.
وحين نقرأ 2: 3- 4، نكتشف أهميّة هذا المقطع، لأنه يعلّمنا أن لله يريد خلاص جميع البشر. ولأنه يكشف لنا المعنى العميق للصلاة. أما نتخيّل مرارًا أنه يجب أن نصلّي لكي تتحوّل إرادة الله وتتبدّل. ولكن يبدو أنه يجب أن نصلّي لخلاص البشر، لأن الله يريد ذلك. عندئذ تظهر الصلاة في طبيعتها الحقيقيّة، كمجهود للدخول في وفاق مع مخطّط الله في العالم. ويُطرح سؤال: هل يأتي تدخّل الله مشروطًا بصلاة المؤمنين؟ لم يطرح كاتبُ هذه الرسالة السؤال على نفسه بشكل مباشر. ولكن حين قدّم لنا المسيح كالوسيط الوحيد (آ 5)، دعانا لكي نشارك في تشفّعه لننال خلاص العالم. ويمكن القول: إذا كان الله يخلّصنا بشكل مجانيّ، فهو لا يفعل إن لم نشاركه في عمل خلاصنا.

2- دراسة النصّ
في القراءة النقديّة، نلاحظ ما يلي: في آ 8 جُعلت صيغة الجمع (ديالوغيسمون، مماحكة) حسب السينائي والسريانيّة والقبطيّة، محلّ صيغة المفرد بتأثير من فل 2: 14. في آ 9، أضيف حرف العطف (كاي، الواو) قبل "اوساوتوس" (وكذلك) حسب السينائي والبازي... قرأ السينائي وغيره، وعدد كبير من الترجمات الظرف "كوسميوس". فقد جاء بعد عدد من الظروف. في الواقع، نحن أمام الاسم "كوسميوس" (في وضع لائق). جُعل الموصول "هي" بعد "بلغماسين" (الضفائر). في السينائي وغيره من المخطوطات، في أوريجانس وكيرلس... نقرأ "خريسو". والأفضل "خريسيو" (الذهب).

أ- صلاة الرجال (2: 8)
"إذن" تعود إلى الارشاد الأساسيّ حول الصلاة (آ 1)، مع ارتباط بسلطة الرسول والمعلّم (آ 7). "بولوماي" (أريد، 5: 14؛ تي 3: 8) هو أقوى من "باراكالو" (آ 1، اسأل). نحن أمام قرار المشترع وإرادة الحاكم. نحن هنا كما أمام أمر رسوليّ. وفي كل "مكان". أولاً، في الجماعات البيتيّة (عب 10: ،25 كانت هناك أكثر من جماعة في أفسس). في المنطقة المحيطة بالعاصمة (خورا، الريف، 1كور 1: 2). وأخيرًا، في العالم كله (1تس 1: 8؛ 2كور 2: 14). رج ملا 1: 11. هنا نتذكّر همّ بولس من أجل تنظيم الحياة الليتورجيّة والمسيحيّة (1كور 4: 17؛ 7: 17؛ 11: 16؛ 14: 33). حين نعود إلى يو 4: 20- 21 والكلام عن الهيكل (أش 66: 1؛ 1مل 8: 29) والمجمع كموضع تجمّع، نفهم كيف تنظّمت مراكز الصلاة في الجماعات المسيحيّة.
أمام الأقداس، تكون وقفتنا لائقة، أفرادًا وجماعات. والوقفة الخارجيّة لها أهميّتها، لأنها تقابل استعداد القلب. كان الانسان يسجد، يركع، يقف (لو 18: 1). يرفع يديه (خر 17: 11 ي) متوسّلاً. وقد قابلوا رفع الأيدي بوضع البخور (مز 141: 2؛ عز 9: 5). هكذا فعل ملكيصادق، وموسى (خر 9: 29)، وسليمان (1مل 8: 54)... ويسوع (لو 24: 50).
يأتي الناس إلي الصلاة وهم أطهار (كاتاروس) على مستوى الجسد، كما على مستوى القلب. رج يع 1: 19- 21؛ فل 2: 14- 15. ومع هذه الطهارة، ننفي الغضب والمماحكات (مر 11: 25؛ مت 23- 24). فالصلاة لا تصل إلى الله، إلاّ إذا كنّا في سلام مع إخوتنا (1بط 3: 7). ونحن لا نحصل على الغفران الالهي، إلاّ إذا تخلّينا عن الانتقام من القريب. "ديالوغيسموس" (حوار مع الذات). نحن أمام النوايا السيّئة والأفكار الفاسدة تجاه القريب. وهذا ما ينجّس الانسان. كما يقود إلى الخصومات.

ب- زينة المرأة (2: 9- 10)
لا نجد في بداية هذه المقطوعة فعلاً. هل نضيف "أريد"؟ ربما. أو: "أقول الشيء عينه. أكرّر" (فل 4: 4). هكذا فهمه الذهبيّ الفمّ وتوما الأكويني: كذلك (هوساوتوس). ما يُطلب من الرجال يُطلب من النساء، والعكس بالعكس. على مستوى الصلاة والحياة المسيحيّة اليوميّة. نحسّ هنا بتأثير العادات اليهوديّة: يجعل التلمود المرأة مع العبيد والاولاد (براكوت 3: 3). هي تُعفى من صلاة "اسمع يا اسرائيل". أما بولس فيدعوها إلى الصلاة من أجل خلاص العالم، ويسلّمها مهمّة رسوليّة. هذا يعني أن النساء دخلن أفواجًا في الكنيسة الأولى، واحتللن مركزًا مرموقًا (ليدية، فيبة، برسكلة...). وأن بولس كيّف المسيحيّة مع العالم الروماني الذي جعل المرأة تشارك في الليتورجا، وفي الكهنوت. وأنه يطبّق مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة (غل 3: 28؛ 1كور 14: 26) على شعائر العبادة. ولكن الرسول (أو تلاميذه الذين رأوا أفكاره متقدّمة فخافوا من الشكوك) يهمّه الترتيب والنظام. فطلب من المرأة الحشمة في الاجتماعات، بل السكوت... رج 1كور 11: 5- 15. نجد هنا كلامًا عن الزينة. هناك مقابلة لا تنفي بل تدلّ على التفوّق. جمال المرأة ليس أولاً بالذهب والحلل الفاخرة، بل بالأعمال الصالحة.
وهكذا نكون تجاه مقابلة بين زينة الجسد وزينة النفس. نقرأ مثلاً في الأدب الدنيويّ: ،"اذن، لا تتزيّن النساء بالذهب والحجارة الكريمة، ولا بالثياب المزهرة، ولا بالارجوان، بل بالفضيلة، بالحبّ الزوجيّ، بالحنان الأموميّ، بالطاعة والاعتدال". وشدّدت 1تم على الأعمال الصالحة، الحسنة، الجميلة (2كور 9: 8؛ أف 2: 10؛ كو 1: 10). هناك جمال جسديّ، وهناك جمال روحيّ. هذا الأخير يليق (برابو) بشكل خاص بالمرأة. نقرأ "تيوسابيس"، تقيّ، ورع. رج "اوسابيس" في العالم اليونانيّ. هذا ما يجعل النفس خالدة. ثم "ابانغالاستاي": أعلن وشهد. بل وأيضًا التزم التزامًا رسميًا، في خط العماد الذي اقتبله المؤمن.

ج- المرأة في الكنيسة (2: 11- 15)
نجد هنا كلامًا يأمر المرأة بالصمت في الجماعة: لا تُعلّمُ. لا تتسلّط (آ 11- 12). ويأخذ الكاتب (هو تلميذ بولس) برهانه من خبر الخلق والخطيئة في تك 2- 3.
أولاً: صمت وخضوع (آ 11- 12)
نلاحظ هنا التأثير اليهودي في إطار المعلّمين الفرّيسيّين الذين سيطروا بعد سقوط أورشليم سنة 70 ب م. وبالتالي، النظرة إلى المرأة الخاضعة الصامتة، التي لا دور لها في الجماعة، على ما في العالم الشرقيّ. كما نلاحظ تفسير الكتاب في منع مطلق يمنع أي جدال. لا شكّ في أن المرأة (غيني، في المفرد، بدون التعريف) تتعلّم أمور الديانة، تتعلّم المسيح (أف 4: 20). ولكن كتلميذ في مدرسة معلّم (منتاناين، مت 9: 29؛ يو 6: 45؛ 2تم 3: 14). تتعلّم في الكنيسة إذن، في صمت (هيسيخيا، آ 2. تتوقّف عن الكلام كمن أرتج عليها. نلاحظ القساوة. لو 14: 4؛ أع 11: 18. أيكون هناك فوضى في هذا المجال، فجاء الأمر قاسيًا)، وفي خضوع يتقبّل ما يقال له (هيبوتاغي، 2كور 9: 13؛ غل 2: 15)، لأنها أدنى من الرجل (هيبوتاسو، رج تي 2: 9؛ 3: 1). هي مثل ولد يعلّمه أبوه (3: 4؛ عب 12: 9). هكذا تمارس المرأة الرصانة (سوفروسيني) التي هي أول عمل صالح.
في آ 12، يعود النصّ إلى ما قاله في آ 11 بشكل إيجابيّ، فيقول بشكل سلبيّ (على مثال المعلّمين اليهود) بصوت لا يقبل النقاش (ابيتراباين، يو 19: 38). هي تتعلّم (مانتاناين) ولا تعلّم (ديدسكاين). فالمعلّم هو صاحب سلطة على التلميذ. فأين التراتبيّة في المجتمع، ولا سيّما بين الرجل والمرأة. هذا يعني أن المرأة لا تتسلّط، لا تكون لها سلطة في الكنيسة، لا تعلّم، بل تبقى صامتة، بل لا تتحرّك من مكانها. في الأساس، هناك تك 3: 16: "هو (الرجل) يسود عليك". ذاك هو الوضع بعد الخطيئة. وقال يوسيفوس: "تقول الشريعة إن المرأة أدنى من الرجل في كل شيء. لهذا عليها الطاعة، لا لتُذلّ، بل لتوجَّه" (ابيون 2: 201). يجب أن تخضع لئلاّ تغوي الرجل فتقتله. لهذا، هي تحتاج إلى توجيه.
ثانيًا: البرهان (آ 13- 15)
هذه الخلقيّة الانتروبولوجيّة (أي دراسة الانسان) ترتبط بخبر تك 2: 22- 23 الذي يحاول أن يفسّر الوضع الذي تعيشه المرأة في المجتمع اليهوديّ في القرن الخامس ق م. رج 1كور 11: 8: المرأة هي من الرجل. بدا آدم وحوّاء نموذجين يعطيان طبعهما لنسلهما. فما عاشته حوّاء تعيشه كل امرأة. وما عاشه آدم يعيشه كل رجل. آدم جُبل (بلاسو) أولاً (روم 9: 20)، وهذه الاسبقيّة الزمنيّة تعني أسبقيّة في الكرامة. الرجل أول (بروتوس). والمرأة ثانية (آيتا، ثم، بعد ذلك). هي "ايشة" (امرأة) تجاه "ايش" (الامرئ، الرجل). هي "هيباندروس" (تحت الرجل). (رج عد 5: 19، 29؛ أم 6: 29؛ روم 7: 2).
تبدأ آ 14 مع واو العطف (كاي) فتقدّم برهانًا آخر في إطار الخَلق: مسؤوليّة حوّاء في تاريخ السقطة والخطيئة. أقرّت هي نفسها أن الحيّة أغوتها. في هذا المجال، قال سي 25: 24: "من المرأة ابتدأت الخطيئة، وبسببها جميعنا نموت". غير أن بولس قال في روم 5: 12: برجل "انير" لا "انتروبوس" دخلت الخطيئة إلى العالم. هو لا ينسى حوّاء هنا، كما لا يشدّد في 1تم على "الغواية" فقط. قال أوغسطينس: "لم يقل النصّ إن آدم لم يخطأ. ولكن خطأ حوّاء هو أنها خُدعت بشرّ الأوهام. بما أنها كانت أسرع إلى التصديق، صارت مشاركة للحيّة في الشرّ". من أجل هذا، لا يسمح الرسول للمرأة أن تتسلّط على زوجها، ولا أن تعلّم الحقيقة في كنيسة أفسس حيث تنصرف النساء إلى البطالة ويتشاركن بما لا يعنيهنّ (5: 13). وقال الذهبيّ الفمّ: "علّمت الرجلَ مرّة واحدة، فكانت الخسارة كاملة. لهذا أخضعها الله، لأنها أساءت استعمال سلطتها أو مساواتها للرجل".
ذاك هو وضع المرأة: شخص يتعلّم ولا يعلّم. خاطئة تعاقَب حتى النهاية. إذن، تخضع في الصمت والاتضاع، وتعرف حدودها.
جاءت آ 14 قاسية. لهذا، خفّفت آ 15 من قساوتها في ما يخصّ خلاص البشر: تخلُص المرأة، لا حين تعلّم (4: 16)، بل حين تلد أولادًا، أي حين تُتمّ واجباتها كأم. قال يوسيفوس (أبيون 2: 199): "لا تعرف الشريعة سوى اتحاد واحد، الاتحاد الطبيعي مع المرأة، وإذا كان الهدف إنجاب الأولاد". هنا، لم نعد أمام حوّاء فقط (المضارع بدل الاحتمال)، ولا أمام النساء بشكل عام، لأن الايمان والمحبّة مطلوبان، بل أمام النساء المسيحيّات: ينعمن بخلاص أراده الله (آ 4) وحقّقه بالمسيح (1: 15).
ما هي العلاقة بين "سوتيريا" (الخلاص) و"تكنوغونيا" (الامومة، تكوين الأولاد)؟ ظلّ بولس مرتبطًا بخبر السقطة، وبالتالي بعقاب يصيب المرأة، فتلد في الألم (تك 3: 16). وحين تتحمّل الألم تكفّر عن الخطيئة وتعيش الفداء. وهذه الأمومة تتضمّن أيضًا تربية مسيحيّة للأولاد (بايدوتروفيا)، بحيث إن المرأة المتزوّجة التي تمارس جميع الفضائل في بيتها (تي 2: 4) تدرك الخلاص حين تربّي أولادًا يثبتون في الايمان والمحبّة (3: 4؛ تي 1: 6). وقد نكون في خطّ ولادة المخلّص من العذراء مريم، بحيث يُلغى تأثيرُ حوّاء الحامل الموت. هنا قال أوريجانس: "من هي المرأة التي تخلص بالأمومة، سوى النفس التي حبلت بكلمة الله وبالحقّ، وولدت أعمالاً صالحة شبيهة بالمسيح". وقال أوغسطينس: ولادة الأولاد رمز إلى الأعمال الصالحة.

3- قراءة إجماليّة
نحن هنا أمام ترتيبات ليتورجيّة تبدو بشكل "قرار ملكي" (أريد، آمرُ). ويجب أن تطبّق بدقّة في كل مكان، أي في جميع الكنائس (1كور 4: 17). توجّه الكاتبُ أولاً إلى الرجال، فطلب منهم أن يصلوا بيدين مرفوعتين إلى السماء. هكذا يفعل اليهود والوثنيون على السواء. والمسيحيّة ورثت هذا التقليد، لأنه يعبّر عن عاطفة نجدها عند كل انسان، فلماذا لا تأخذ بها. هنا نذكر ترتليانس الذي قال: يختلف المسيحيون عن الوثنيين الذين يرفعون أيديهم بشكل عموديّ. أما المسيحيون فيفتحونها على مثال المسيح المصلوب.
لا شكّ في أن الحركة عنصر خارجيّ بالنسبة إلى الصلاة. لا قيمة له إلاّ إذا توافقت مع عواطف القلب. والأنبياء سبق لهم وندّدوا بعبادة لا تحمل روحًا دينيّة. إذن، يجب أن تكون هذه الأيدي المرفوعة إلى الله، نقيّة، مقدّسة. لا نتكلّم عن طهارة بحسب الشريعة والطقوس، يؤمّنها الاغتسال بالماء، بل عن طهارة خلقيّة، طهارة النفس التي لا تتعلّق بالخطيئة، وتتوجّه بكلّيتها إلى الربّ. قال أي 16: 17: "لا عنف في يديّ، وصلاتي طاهرة". وكان صوفر قد قال له: "إرفع يديك إلى الله، طلّق الشرّ الذي ينجّس يديك" (أي 11: 13- 14). وقال يع 4: 8: "أغسلوا أيديكم، أيها الخطأة، نقّوا قلوبكم، أيتها النفوس المنقسمة".
إن الموقف الداخليّ الذي يميّز التلميذ، هو المحبّة. لهذا أوصى بها الكاتب وأضاف "بدون غضب ولا خصام". هناك التردّد والشكّ مع لفظ "ديالوغيسموس". ولكننا في الواقع أمام كل ما يجرح المحبّة الأخويّة (فل 2: 14). فالمسيحيون المجتمعون من أجل الصلاة المشتركة، لا يمكنهم أن يغذّوا تجاه بعضهم بعضًا عواطف الحسد والغيرة (1كور 11: 17- 33). أو كيف يعتبرون أنهم يلتقون الربّ في الصلاة، إذا لم يكن قلبهم مملوءًا من محبّة الآخرين؟ إن لم يكن الأمر كذلك، فمن الأفضل أن يؤخّروا عملهم هذا، ويمضوا فيصالحوا إخوتهم في الحال (مت 5: 32- 34).
ثم توجّهَ الكاتبُ إلى النساء. لهنّ دور في الجماعة المسيحيّة كما في الصلاة العلنيّة. يتحدّث الرسول عن زينتهنّ وعن دورهنّ. قد تجتذب المرأة أنظار الناس إليها حين تهتمّ بزينتها، بشعرها، بلآلئها. والاجتماع مناسبة مؤاتية لمثل هذا الظهور الباطل. إذن، لتتحلَّ بالحشمة، متحاشية التهاون في االرزانة، والبحث عن الإثارة. تُرضي زوجَها (1كور 7: 34)، وتكون لائقة في لبسها، ولكن تتجنّب كل ما يلامس الفضائل المسيحيّة مثل الوقار والرصانة. والغنى في الجماعة، يجرح النساء الفقيرات ويجعل حواجز بين أعضاء الكنيسة. فالزينة الحقيقيّة للمرأة المسيحيّة هي الأعمال الصالحة. يُذكر بعضها في 5: 10: تربية الأولاد، إضافة الغرباء، الاهتمام بالمؤمنين، مساعدة المتضايقين.
تكون المرأة محتشمة في لبسها، ومحتشمة في تصرّفها. هي تشارك في الصلاة، شأنها شأن الرجل، ولكنها لا تقدر أن تمارس وظيفة الرئاسة والتعليم. الرجل هو الذي يعظ. والمرأة تسمع صامتة. تلك كانت القاعدة في 1كور 14: 34- 35 (نصّ أضافه تلميذ من تلاميذ بولس). وكان توضيح: إن أرادت المرأة أن تفهم، فلتسأل زوجها في البيت. هذا ما يعارض فكر بولس الأساسيّ حيث المرأة تستطيع أن تصلّي بصوت علنيّ في الجماعة، وأن تتنبّأ عند الحاجة (1كور 11: 5).
وأعطى الكاتب برهانين يسندان كلامه الأول: أولويّة الرجل بالنسبة إلى المرأة: هو خُلق أولاً. فالباكورة تأتي أولاً. وفي الوقت عينه، هي أفضل الثمار. وبما أن المرأة جاءت بعد الرجل، وجب عليها الخضوع والاحترام (1كور 11: 8). والبرهان الثاني يستند إلى خبر الخطيئة (تك 3: 1- 6). تركت المرأة التجربة تدخل إلى قلبها. سقطت، ثم جذبت الانسان إلى الخطيئة. نلاحظ أن هذا البرهان يبقى ضعيفًا في نظرتنا الحاليّة. ولكن كانت له أهميّة في طريقة المعلّمين اليهود. فكرة بولس سابقة. والكتاب يسندها دون أن يكون البرهان كافيًا. وسيقول بولس في غير مكان، بعد أن رأى الناس لا يقتنعون: إن أراد أحد أن يجادل، فليست تلك عادتنا. ولا العادة في كنائس الله (1كور 1: 16).
وإذ رأى بولس ما في هذا الكلام من قساوة على المرأة (وبالأحرى في عصرنا، حيث المرأة مساوية للرجل حسب مبدأ بولس في غل 3: 28)، أراد أن ينهي كلامه في إطار التفاؤل. إذا كانت المرأة أول الخطأة وفاتحة الطريق إلى الخطيئة، أتراها لا تخلص؟ وأين الخلاص لجميع البشر كما في آ 3؟ لا تخلص المرأة بالزينة واللآلئ، بل بالأعمال الصالحة. وأهمها إيلاد البنين وتربيتهم التربية الصالحة. وفي أي حال، تبقى هذه النظرة بعيدة عن مبدأ أعلنه بولس مرارًا، ولا سيّما في 1كور 7. أجل، نجد في 1تم عودة إلى العالم اليهوديّ وشريعته، على حساب العالم الرومانيّ، وعلى حساب ما أعلنه بولس على مستوى كرامة المرأة.

خاتمة
تحدّثت 1تم عن الرجال بسرعة: هم يصلّون وأيديهم مرفوعة إلى السماء. هم يتسلّطون على المرأة ويعلّمونها، ولا يتعلّمون منها ولا يسمحون لها أن تتسلّط. وتحدّثت عن النساء. أشارت بشكل ضمنيّ إلى أنهنّ يصلّين. في صوت عال؟ ليس من الأكيد، بل بصوت منخفض. هل يعلّمن؟ كلا. بل يتعلّمن. فهنّ قاصرات في جماعة ما زالت متأثّرة بالتقاليد اليهوديّة، ونسيت التقليد البولسيّ حيث لا رجل ولا امرأة، لا عبد ولا حرّ... من أجل هذا حكم شرّاح كثيرون على بولس بأنه قاس بالنسبة إلى المرأة، بأنه عاد إلى ما تعلّمه في المدارس الرابينيّة. واعتبر آخرون أن 1تم دوّنها تلميذ من تلاميذ بولس، في خطّ ما أضيف من نصوص على 1كور. وهكذا لا يكون بولس مسؤولاً عن كلام رفع فيه المرأة في خطّ انجيل لوقا بشكل خاص، كما رفع العبيد، فجعل فيلمون يفهم أن أونسيموس عبده، ليس شيئًا يُشري ويباع، بل أخ حبيب (فلم 15).
القسم الرابع
تيموتاوس والخدم في الكنيسة
3: 1- 16

مع ف 3، نصل إلى موضوع رئيسيّ في الرسائل الرعائيّة: الخدم المختلفة في الكنيسة. تتحدّث الرسالة عن الأساقفة (3: 1- 7)، ثم عن الشمامسة (آ 8- 13)، مع نهاية حول سرّ التقوى (آ 14 - 16). أما نحن، فنقسم ف 3 إلى فصلين: الأساقفة (3: 1- 7). الشمامسة (3: 8- 16).
الفصل السابع
الأساقفة
3: 1- 7
إذا كان الحفاظ على التعليم (ف 1) وتنظيم العبادة (ف 2) هما الواجبين الأوّلين اللذين يقوم بهما تيموتاوس، فالموضوع الأهمّ في رسالته، هو تأمين خدّام يمثّلون هذه الكنيسة، يجعلون النظام في جماعات المؤمنين، يحاربون الذين يضعون البلبلة من هراطقة وغيرهم. إذا كانت صفات المسؤولين تؤثّر على حياة الجماعات الدينيّة، فمثلُ هذا الدور ملحّ جدًا ساعة يتفشّى الضلال، ويعشّش الكفر، ويسود الاضطهاد. لهذا كانت التوصيات الرسوليّة حول صفات الأساقفة (آ 1 - 7)، صفات الشمامسة والشمّاسات (آ 8 - 17): يجب أن يشهد لهم الذين هم من داخل الكنيسة ومن خارجها.
في فصل أول (3: 1- 7) نتوقّف عند الأسقف بوظائفه التعليميّة والليتورجيّة: يحافظ على العقيدة، ينظّم الصلاة في الجماعة. لا تقدّم الرسالةُ لوحة مثاليّة عن الأسقف، بل تورد الصفات المطلوبة لهذه المهمّة النبيلة.

1- الخدم وأوّلها الأسقفيّة
حين نقرأ أسفار العهد الجديد، نرى أن الرسائل الرعائيّة تتميّز بمعلومات غنيّة حول تنظيم الجماعات المسيحيّة. ولا سيّما حول الخدم، خدمة الأسقف، خدمة الشمّاس والشمّاسة.
بمَ يقوم عمل الخدّام هؤلاء في الكنيسة؟ المثال هو تيموتاوس وتيطس اللذان شاركا بولس مشاركة قريبة في الرسالة. اعتُبرا ابنين حقيقيّين في الايمان (1: 2؛ تي 1: 4)، ووارثين روحيين للرسول. وقد كُلِّفا بمهمّتين رئيسيتين: محاربة المعلّمين الكذبة، تنظيم الجماعات المسيحيّة. تحدّث النصّ مرّتين عن وضع يدي بولس على تيموتاوس (4: 4؛ 2تم 1: 6)، للدلالة على مسؤوليّة في الكنيسة (أسقف، شيخ أو كاهن، شمّاس). ولكن تيموتاوس لا يُسمّى رسولاً، ولا تيطس، كما لا ينالان لقب "إبيسكوبوس" ولا "براسبيتاروس". فكأني بهما خارج التقليد العاديّ. ومع ذلك، فهناك تسلسل رسوليّ، لأن تيموتاوس اُمر بأن "يسلّم ما تعلّمه من بولس، إلى أناس أمناء، وكفاة بأن يعلّموا آخرين" (2تم 2: 2). لم نعد هنا على مستوى انتظار المسيح الآتي قريبًا، بل على مستوى كنيسة تعيش في الزمن، ولا بدّ أن تتنظّم. لهذا، كانت التعليمات لتيموتاوس وتيطس.
وأول التعليمات تشير إلى الأسقف (ابيسكوبوس). "من يرغب في الأسقفيّة، يشتهي عملاً نبيلاً". نلاحظ أن الرسول يحثّ المؤمنين على القبول بهذه المهمّة. هذا يعني أن الكثيرين كانوا يتهرّبون عن خوف أو عن اعتقاد بأنهم غير أهل، والصفات المطلوبة من الأسقف هي على ما هي.
"ابيسكوبوس" هو الذي يسهر على. نحن أمام وظيفة تختلف باختلاف الفئات والمجموعات. في السبعينيّة، نقرأ أش 60: 17: "أقيم رؤساءك في السلام، وأساقفتك (رقباءك) في البرّ". ولا ترد اللفظة سوى مرّة واحدة في سفر الأعمال، وذلك في خطبة وداعيّة وجّهها بولس إلى شيوخ أفسس الذين دعاهم إلى ميليتس: "فانتبهوا لأنفسكم، ولجميع القطيع الذي أقامكم فيه الروح القدس أساقفة، لترعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه الخاص" (20: 28). بما أن خطبة الوداع هذه تتوجّه إلى الشيوخ (الكهنة، القسس) (أع 20: 17)، فهذا يعني ترادفًا بين الشيوخ والأساقفة في نظر لوقا، صاحب سفر الأعمال. وإذا تركنا العامل البشريّ، يبدو الروح القدس ينبوع هذا النظام: فهو يقيم الأساقفة بشكل ثابت، من أجل خدمة الكنيسة. يبدو دورُه واضحًا على مستوى الليتورجيا في الصلاة التي ترافق وضع اليد. وحسب صورة القطيع ورعايته، نرى أن الشيوخ (= الأساقفة) يوجّهون الجماعة، ويحافظون على تماسكها، ويؤمّنون لها الطعام الروحيّ الذي يحميها من ضلال ينشره أناس نواياهم شريرة.
لا نجد لفظة "ابيسكوبوس" مع "دياكونوس" (شمّاس) عند بولس، إلاّ في فل 1: 1. وفي الرسائل الرعائيّة، تستعمل لفظة "براسبيتاروس" (ما عدا في 5: 19) في صيغة الجمع. هذا يعني أننا أمام حلقة تلتئم حول الأسقف (يرد دومًا في صيغة المفرد). هل نستطيع القول إن الأسقف يرئس جماعة الشيوخ أو الكهنة؟
أما الشيوخ (براسبيتاروس) فهم في العالم الساميّ، رؤساء العشائر والبيوت الكبيرة. كانوا يلعبون دورًا رئيسيًا في المدن كما في القرى، دور المستشار. حسب أعمال الرسل، وُجد شيوخ في جماعة أورشليم السماويّة، دون أن نعرف متى أو كيف عُيّنوا (أع 11: 30؛ 15: 2، 4، 6). لا تتحدّث رسائل بولس (ما عدا الرعائيّة) عن الشيوخ. ولكن لوقا يقول إن بولس أقام شيوخًا في مدن لسترة وإيقونية وأنطاكية بسيدية (أع 14: 23). نشير هنا إلى أن هذه المدن الثلاث مذكورة في 2تم 3: 11. وهكذا يكون تقارب بين ما قاله لوقا وما نقرأ في الرسائل الرعائيّة.
في إطار تنظيم الخدم هذا، يرد كلام عن وضع الأيدي (4: 14؛ 5: 25؛ 2تم 1: 6). إن لهذه الفعلة أكثر من مدلول. ففي الأخبار الانجيليّة، هي فعلة شفاء (مر 8: 23ي؛ لو 13: 13). في سفر الأعمال، تدلّ على عطيّة الروح القدس (أع 8: 17؛ 19: 6)، كما تبدو عملاً به نكلّف انسانًا بمهمّة (أع 6: 6). لا نجد هنا هذا العمل في الرسائل الكبرى. أما في الرسائل الرعائيّة، فهو فعلة به ننقل سلطة إلى شخص ما. هل هناك علاقة مع ما يفعله المعلّمون اليهود؟ ما زالت المسألة موضوع جدال.
حسب 1تم، 2تم، تي، بولس (أو تيموتاوس) يضع يديه لينقل وظيفة. وهكذا تتوخّى هذه الفعلة أن تعطي موهبة ثابتة: على بولس أن يُذكيها، أن يُشعلها، لأنها بدت وكأنها نار تحت الرماد (2تم 1: 6). هي تعطي القوّة: "ليست روح فزع، بل روح قوّة ومحبّة وامتلاك للنفس" (2تم 1: 7). وهي تدفع صاحبها إلى العمل، إلى الشهادة: "فلا تخجل اذن بتأديّة الشهادة لربنا" (2تم 1: 8). وأخيرًا، تتمّ هذه الفعلة بنبوءة (4: 14). هناك نبيّ يُسمّي شخصًا من الأشخاص، كما حدث بالنسبة إلى شاول وبرنابا في أنطاكية (أع 13: 1- 3). ولكن الرسائل الرعائيّة لا تتحدّث عن أنبياء مسيحيين، بل عن "كلمة نبويّة" (4: 14). هي كلمة تحمل الروح. فالصلاة التي ترافق هذه الفعلة، تطلب من الروح أن ينزل على هذا الشخص الذي يتقبّل الرسامة، فيصبح من مصاف "الأساقفة" أو "الشيوخ"، على مثال ما حدث لمتيا الذي "أحصي مع الرسل الأحد عشر" (أع 1: 26).

2- دراسة النصّ
نبدأ بالدراسة النقديّة. في آ 1، "انتروبينوس" مكان "بستوس" في البازي وغيره، كما في 1: 15.
ما هي الصفات المطلوبة من الأسقف؟ بغير مشتكى، رزين، مهذّب، مضيف الغرباء...

أ- الرغبة في الأسقفيّة (3: 1)
"بستوس"، صادق، يجب أن يصدّق. هذا القول (لوغوس). رج 1: 15. نحن هنا أمام انتقالة، أو مقدّمة لموضوع جديد يجب أن نهتمّ له. الأسقفيّة أمر نبيل. هذا ما لم يقتنع به الأفسسيون. فبين مواهب الكنيسة الأولى، اهتمّ المؤمنون بالتعليم (رسل، أنبياء، معلّمون) وأعمال القوّة (المعجزات، الأشفية). رج 1كور 12: 8ي. وتأتي موهبة "التدبير" في النهاية تقريبًا. في روم 12: 6- 8، يأتي المدبّر في المركز الأخير. وفي أف 4: 11 يُذكر الرعاة والمعلّمين في آخر السلسلة. فما هو "المراقب" (ابيسكوبوس) تجاه المعلّم والنبيّ؟ لهذا، احتاج بولس أن يعيد اعتبار هذه المهمّة الصعبة (1تس 5: 12: يتعبون بينكم؛ عب 13: 17: يتألّمون؛ 1تم 3: 2: يجبر على إضافة الناس، وهذا ما يكلّفه غاليًا)، بعد أن أهملت.
نقرأ هنا "ابيسكوبي": لفظ يهوديّ. هي وظيفة السهر والمراقبة والتحقّق من الأمور. هي مهمّة روحيّة لسياسة المؤمنين، ورئاسة الجماعة (أع 1: 20؛ 1بط 2: 25). تدلّ على وظيفة نقوم بها، لا على كرامة نتمتّع بها. أما الرغبة (إبتيميو) فهي التمنّي بأن نقوم بمتطلّباتها (مت 13: 17؛ لو 22: 15).

ب- يكون بلا مشكتى (3: 2- 3)
"الأسقف" (إبيسكوبوس). في صيغة المفرد. لا يقال أنه وحده في أفسس، مع العلم أن الشمامسة عديدون والشماسات (آ 8، 11). وظيفته محدّدة. عمله معروف. ينتمي إلى فئة في الكنيسة، ويقف بين سائر الخدّام. بل هو أوّلهم. لهذا، يجب أن يمتلك عددًا من الصفات.
"أون" (من ثمّ، إذن). بما أن الأسقف هو ما هو، ماذا يطلب منه؟ يكون اسمه فوق كل شبهة، من قبل المؤمنين الوثنيين. "أنابيليمبتوس". يُشرف على سائر الفضائل: كيف يكون بلا مشتكى؟ يرتبط بفعل "ابيلمبانو"، من نستطيع أن نأخذه في زلّة، أن نهاجمه. لا نستطيع أن نهاجمه. فمن يرئس يجب أن يكون مثالاً للمؤمنين (1بط 5: 3؛ 2تس 3: 9؛ فل 3: 17؛ عب 13: 7).
اهتمّ لا 21: 14 بزواج الكهنة. وكذلك فعل بولس: من تزوّج مرّة واحدة. وهذا ما سيقوله عن الشمامسة (آ 12) والشيوخ (تي 1: 6). ثم يُطلب منه أن يكون "صاحيًا"، أي لا يسكر. يكون معتدلاً في الطعام والشراب. لا يشرب خمرًا. شربُ الخمر أمر معروف في أم 20: 1؛ 23: 29- 35؛ 31: 6. "رصين" (سوفرون). مضيف الغرباء. فالاخوة ينطلقون من مدينة إلى مدينة، فيحتاجون إلى من يضيفهم. رج روم 16: 2؛ 1كو 16: 9... وأخيرًا، وهذا الأهم، يجب أن يكون الأسقف قادرًا على التعليم (ديدكتيكوس، 2تم 2: 24). رج 1كور 12: 29. يعرف الانجيل، يعرف التعليم، يحلّ الاسئلة الصعبة، يعرف كيف يُوصل الحقيقة.
ونعود في آ 3 إلى صفات ذكرناها في آ 2. "غير سكير" (باروينوس، تي 1: 7؛ 2تم 3: 8). هو وكيل يعمل لدى الله ومن أجل إخوته. لهذا، يترك العنف والضرب (لو 12: 42- 48). يكون مسالمًا، أي يكره الخصام. وفي النهاية، لا يكون محبّاً للمال (أفيلرغيروس). هذا يعني الصدق في التعامل مع المال، والشفقة على الفقراء.

ج- تدبير الكنيسة (3: 4- 5)
الكنيسة هي عائلة. الله أبوها، والمسيحيون أبناؤه، يقيمون في بيت الله (آ 15؛ أف 3: 15). "برواستيمي"، دبّر، ترأس. رج روم 12: 8؛ 1تس 5: 12. لا يكتفي بالتدبير، بل يمارس سلطة حازمة ومهمّة تجاه أولاده (تي 1: 96. هذا يفترض مواهب على مستوى التربية والإقناع... ويجب أن ينجح على المستوى الدينيّ، لا على المستوى البشريّ فقط وهكذا يصبح بيته كنيسة. وهذا ما يهيّئه لإدارة كنيسة الله. "سامنوتيس"، أدب، كرامة.
فالأب الذي لا يحترمه أولاده، يكون وكأنه غير موجود. لا يمكن أن يتسلّم مسؤوليّة. من لا يُحسن تدبير بيته، لا يُحسن تدبير الكنيسة. برهان من الأقل إلى الأكثر. جاء بشكل سؤال (بوس، كيف) يفترض الجواب بالنفي.

د- حديث العهد في الايمان (3: 6- 7)
قد يكون الأسقف شابًا أو كهلاً. لا يقال شيء عن عمره. ولكن لا يكون مسيحيًا جديدًا. "نيوفيتوس"، نبتة طريّة. الكنيسة هي حقل الله (1كور 3: 9) والمؤمنون غرسه. فكيف يستندون إلى شخص غير بالغ، غير ناضج. ثم إن هذا المسيحيّ الجديد، قد يتكبّر فيخسر الحكمة المطلوبة من أجل تدبير الكنيسة. "ينتفخ" "تيفوو" (6: 4؛ 2تم 3: 4). »تيفوس« هو الدخان والبخار الذي يصعد إلى الرأس.
"يقع في قضاء ابليس". يلقى العقاب الذي لقيه إبليس بسبب كبريائه. أو هو بانتفاخه يلعب لعبة إبليس في الضرر الذي يصيب إخوته. يمكن أن يكون السببَ في انحرافات تعليميّة (1: 15؛ 6: 21) أو أخطاء إدارية. ذاك هو وضع الآتي حديثًا إلى الايمان.
شهادة من الداخل. شهادة من الخارج. إذا كان على المسيحيّ أن يكون مسلكُه لائقًا في نظر الذين هم في الخارج (1تس 4: 12)، فماذا نقول عن الأسقف الذي يمثّل التعليم والأخلاق في الكنيسة. يجب أن تكون حياته بلا لوم. بل يجب أن يتوافق الجميع على إنشاد صفاته، يشهدون له الشهادة (مرتيريا) الحسنة (كالوس).
"أونايديسموس" (العار). يُنظر إليه باحتقار. وحين يكون من هذا النوع، يقع في فخّ إبليس، أي يصير تحت سلطة إبليس الذي يوجّهه كما يشاء. فالحياة السابقة التي اعتادت على الخطايا، لا يمكن إلاّ أن تعود. هذا ما يقول الانجيل: يخرج الروح من انسان. وإذ يعود إليه فيجده فارغًا، "يجيء بسبعة أرواح شرّ منه، فتدخل وتسكن فيه" (لو 11: 24- 27).

3- قراءة إجماليّة
يبدأ التوسّع حول الأسقف بشكل احتفاليّ. فالأمر جديّ. اعتاد المسيحيون أن يهتمّوا بمواهب الكلام والنبوءة، فيعتبروا مثل هذه الوظائف من الدرجة الثانية. قالت الديداخي: "إن الأساقفة والشمامسة يقومون تجاهكم بخدمة الأنبياء والمعلّمين. فلا تحتقروهم لأنهم ذووا اعتبار" (15: 1- 2). وهكذا اعتبر بولس الأسقفية وظيفة نبيلة، تستحقّ الاكرام. هي خدمة نبيلة يتقدّم إليها الانسان طوعًا، وهي بعيدة كل البعد عن المجد البشريّ، المجد الباطل.
أما الصفات المطلوبة فهي صفات عامّة. نستطيع أن نجدها عند جميع المسيحيين: الاعتدال، الرزانة، الحياة الاجتماعيّة، الضيافة، المحبّة، احتقار المال (رج روم 12: 9- 21؛ أف 5: 12- 17؛ كو 3: 5- 17). غير أن هناك صفات ضروريّة للاهتمام بالجماعة: القدرة على التعليم (آ 2)، على التدبير (آ 4). الهمّ الرعائيّ (آ 5).
إثنان يُبعَدان عن الأسقفيّة: حديث الايمان. الذي تزوّج أكثر من مرّة. أما سائر المزايا فترتبط بطبيعة الوظيفة. هناك ما يقال بشكل سلبيّ: أصحاب الغضب. الذين يشربون فيسكرون. محبّو المال، الشخص المتهوّر. كل هؤلاء يُبعَدون. وهناك ما يُقال بشكل إيجابيّ: يكون الأسقف مضيافًا. قال بولس للمؤمنين في رومة: "ساعدوا القديسين في حاجاتهم، وداوموا على ضيافة الغرباء" (روم 12: 13). هو نفسه نعم بضيافة ليدية في فيلبي (أع 16: 15 ي)، وضيافة تيسيوس يوستوس وكايوس في كورنتوس (أع 18: 7؛ روم 16: 23). في هذا قال راعي هرماس (التشابهات 9: 27): "هؤلاء الأساقفة كانوا رجالاً مضيافين. استقبلوا دومًا بمحبّة صادقة، فرحة وحقيقية، في بيوتهم، خدّام الله. هؤلاء الأساقفة جعلوا من خدمتهم ملجأ دائمًا للبائسين وللأرامل". أما إمكانيّة التعليم لدى الأسقف فتكون في ثلاثة أمور: أمانة للتقليد. غيرة في نقل الانجيل. مهارة في إقناع المعاندين.
ويتجرّد الأسقف عن المال، عن مال الظلم (لو 16: 13). وإلاّ ليس تلميذًا حقيقيًا ليسوع. لقد قال لنا المعلّم: "لا تقدرون أن تعبدوا الله والمال". وقال: "طوبى لكم، أيها الفقراء، فلكم ملكوت الله" (لو 6: 20). تجرّدٌ سابق للأسقفيّة. تجرّد لاحق في تدبير مال الكنيسة. لهذا، من لا يحسن تدبير بيته، لا يحسن تدبير كنيسة الله.

خاتمة
كيف يكون الأسقف؟ هناك أمور عامّة. والأسقف، كما قال أوغسطينس، هو من جهة، مؤمن بين المؤمنين. فيُطلب منه ما يطلب من المؤمنين: سمعة حسنة في الداخل. سمعة حسنة في الخارج. وفوق كل هذا، هناك الناحية الروحيّة التي تتلخّص في ثلاثة أمور: استقامة التعليم. يجب أن يحافظ على وديعة الايمان التي تسلّمها. يجب أن يواصل مهمّة التعليم دون أن ييأس من المعارضين. يجب أن يغذّي إيمانه يومًا فيومًا من الكتاب المقدّس: يواظب على قراءته فيأخذ منه زاده اليومي من أجل التعليم والتفنيد والتقويم والتأديب. هكذا يكون رجل الله كاملاً، مستعدًا لكل عمل صالح (2تم 3: 15- 17).
الفصل الثامن
الشمامسة
3: 8- 16
بعد الكلام عن الأساقفة، هو كلام عن الشمامسة (خدّام الربّ) والشماسات (خادمات الربّ). فهمُّ بولس تدبير الكنيسة التي هي بيت الله. أما صفات الشمامسة فتشبه إلى حد بعيد صفات الأساقفة: صفات عرفها العالم المعاصر، ولا سيّما في الخطّ الرواقي، فأخذت بها المسيحيّة: يجب أن يكون الشمّاس فوق كل الشبهات، فيحترمه الأقربون والأبعدون. يجب أن يتحلّى بصفات تؤهّله من أجل الخدمة: هناك فترة اختبار يكتشف فيها تيموتاوس كلَّ واحد منهم ويتحقّق من مؤهّلاته. ومع الشمّاس، تُذكر الشمّاسة.
وترد ثلاث آيات (3: 14- 16) لا ترتبط بما سبق، لا على المستوى الغراماطيقيّ، ولا على المستوى التعليميّ، كما لا ترتبط بما يلي. تجعلنا ننتقل من المواضيع التعليميّة الكبرى (الصلاة، الخدمة في الكنيسة) إلى القواعد العمليّة المتعلّقة بتيموتاوس والأرامل والشيوخ. هذه الآيات الثلاث هي قمّة في 1تم ومفتاح الرسائل الرعائيّة. نجد فيها فكرتين: الأولى، الكنيسة التي هي في طبيعتها بيت الله، تتوخّى أن تكون عمود الحقّ وأساسه (آ 15). تلك هي رسالتها. والثانية، تعليم الكنيسة هو المسيح الذي تجسّد من مريم العذراء، وتمجّد في القيامة والصعود (آ 16). تلك هي الكنيسة التي يخدمها الأساقفة والشمامسة من جهة، والأرامل والشيوخ من جهة ثانية. هذا يعني مسؤوليّة الجميع. ومن تهرّب سقط في العار. أما من أحسن الخدمة، فيُحرز لنفسه مكانة رفيعة وثقة عظيمة في الايمان بالمسيح يسوع.
1- شمامسة وشمّاسات
تُستعمل لفظة "دياكونوس" مرارًا في العالم اليونانيّ، فتدلّ على الخادم. أما الفعل »دياكوناين« فيدلّ على خدمة المائدة. في هذا المعنى قال يسوع لرسله: "من هو الأكبر: الجالس للطعام أم الذي يخدم؟ أما هو الجالس للطعام؟ وأنا بينكم مثل الذي يخدم" (لو 22: 27).
إن الجذر "دياكون" نادر في السبعينيّة. فاتّخذ أهميّة في العهد الجديد مع خدمة الموائد (أع 6: 1- 4) في إطار عشاء الربّ. لا تدلّ اللفظة في حدّ ذاتها على كرامة محدّدة، بل تشير إلى ارتباط جذريّ بالربّ. هكذا سمّى بولس نفسه "خادم العهد الجديد" (2كور 3: 6). "خادم الله" (2كور 6: 4). لقد استحقّ لقب "خادم المسيح" بسبب آلامه الرسوليّة، أكثر ممّا استحقّه معارضوه في كورنتوس (2كور 11: 23).
في عنوان الرسالة إلى فيلبي، جُعل الخدم (الشمامسة) مع الأساقفة. وبما أن هذه الرسالة موجّهة إلى الفيلبيين تشكرهم فيها على عونهم المالي (فل 4: 20)، هل نستطيع أن نفترض أنه كان للشمامسة مسؤوليّة خاصّة في الاهتمام بالمال الذي يُعطى للفقراء، كما سيكون الأمر بعد ذلك؟ فرضيّة ضعيفة. فمنظّمو الاعانات التي شغلت بال بولس سُمّوا "مرسلي" (ابوستولوي) الكنيسة (2كور 8: 23)، لا "دياكونوي".
في الرسائل الرعائيّة، بدا الشمامسة مجموعة محدّدة، كُلّفت بمسؤوليات في الجماعة. يجب أن يتميّزوا بصفات شبيهة بتلك المطلوبة من الشيوخ (براسبيتاروي). إذا كان الكاتب فرض عليهم فترة اختبار، إلاّ أنه لم يحدّد الطريقة التي بها يعيّنون في وظيفتهم.
وبجانب الشمامسة نجد الشماسات. نقرأ في 3: 8- 23 والكلام عن الشمامسة، ملاحظة تتعلّق بالنساء: "وكذلك النساء. فليكنّ أديبات، غير نمّامات، صاحيات، أمينات في كل شيء" (آ 11). قد يعني النصّ نساء الشمامسة، وهنّ ينضممن إلى خدمة أزواجهنّ. ولكن وجب وجودُ الضمير: نساؤهم (هم). لهذا، يبدو من المعقول أننا أمام نساء يمارسن خدمة شبيهة بخدمة الشمامسة. فإن فيبة سُمّيت "دياكونوس" في كنيسة كنخرية (روم 16: 1) دون تحديد لدورها الخاص. لا شكّ في أنها كانت تستقبل الجماعة في بيتها، فتلعب دورًا مماثلاً لدور مسيحيّة لها تأثيرها، هي خلوة التي مضى خَدمُها إلى بولس وأخبروه بالصعوبات التي تتعرّض لها كنيسة كورنتوس (1كور 1: 11).
في الكنيسة القديمة، عُرفت الشماسات، خصوصًا في سورية وآسية الصغرى. وشهادة بلينوس الأصغر التي جاءت غير مباشرة، مهمّة جدًا، لأنها تحدّثنا عن عبيد عُذِّبوا ليخبروا بما تقوم اجتماعاتُ المسيحيّة المحرّمة: "ظننتُ أنه من الضروريّ أن أستخرج الحقيقة من عبدتين تسمّيان "شماستين"، فأخضعتهما للتعذيب. ما وجدتُ إلاّ خرافة لا معقولة وغير متّزنة".
يبقى أن نعرف الصفات المطلوبة من الشمامسة. هي تلك المطلوبة أيضًا من الشيوخ: صفات ربّ البيت الذي يحترمه جيرانه. دلّت الخبرة على الخطر في اختيار مسيحيّين جدد لم يُختبروا بعد (3: 6): هذا يفترض بلا شكّ أن للجماعة ماضيًا بعيدًا وراءها، لأن بولس اختار "الباكورة" أي أول المهتدين، من أجل توجيه الجماعات الفتيّة (1كور 16: 15).
في لائحة المزايا هذه، لا نجد ما يميّز الانجيل بشكل خاص على مثال ما في 1بط 5: 1- 4، حول صفات الشيوخ. لهذا تساءل الشرّاح: أما اكتفت الرسائل الرعائيّة بأن تورد لائحة كانت معروفة، فحدّدت فيها بعض الشيء. ما نلاحظه هو الاهتمام بالمزايا الاجتماعيّة ثم وظيفة التدبير ووظيفة التعليم، ولا سيّما بالنسبة إلى الأسقف. أما الشمامسة، فطُلب منهم "أن يحفظوا سرّ الايمان بضمير نقيّ" (3: 9). هذا ما يجعلنا قريبين من "سر التقوى" (آ 16) الذي جاء في نشيد فصحيّ عرفته جماعةُ أفسس.

2- دراسة النصّ
في الدراسة النقديّة، في آ 14، قرأ البازي "إن تاخاي". وهناك أيضًا "تاخيون" (عاجلاً). وجعلت الشعبية "بروس سي" أمام "إلتاين" لا بعدها. ولكن البعض أغفلها. في آ 16، نحافظ على الموصول المذكّر "هوس" (كما في السينائي والاسكندراني...) بدل الموصول الحيادي "هو" (صُحّح النصّ بسبب "ميستيريون، في الحياد).
نبدأ بالشمامسة. ونصل إلى الشماسات. وننتهي في النظرة اللاهوتيّة التي ُتشرف على 1تم كلها.

أ- الشمامسة (3: 8- 10)
إن ارتباط الأدوار في الكنيسة، يُفهمنا وجود "هوساوتوس" (وكذلك، 2: 9). فكما بالنسبة إلى الأساقفة، كذلك بالنسبة إلى الشمامسة: يجب أن يكونوا هم أيضًا أصحاب أدب وكرم (سامنوس). هذا ما يميّز المسيحيين (2: 2) والأساقفة (3: 4) في نظر العالم. لا يكونون "ديلوغوس": من يكرّر، من يقول الشيء عينه مرّتين. رج أم 11: 13؛ سي 5: 9، 14؛ 6: 1؛ 28: 13. هو بلسانين. هذا يعني أن لا صدق في فمه. أما الشمّاس فكلمته واحدة. نعم نعم ولا لا. وإن قال كلمة وقف عندها. رج 2كور 1: 17- 22؛ 2كور 2: 17.
الاعتدال في الشرب، هو المطلوب من "الشمّاس" في العالم الهليني، ومن جميع خدّام المذبح (لا 10: 8- 11)، وبالتالي الأسقف (آ 3). ولكن يبدو هنا كأنه مخفَّف. فالشمّاس يزور البيوت، يخدم الموائد، فتكون له أكثر من مناسبة لكي يشرب. "المكسب الخسيس" (أيسخروكارديا) يُمنع عن الأسقف وعن المعلّمين الكذبة (تي 1: 7، 11): جشع مع سرقة. فالرعاة قد يصبحون مرتزقة فيستغلّون القطيع (1بط 5: 2؛ يو 12: 6). وهناك الكتبة الذين يأكلون بيوت الأرامل (مر 12: 40). طُلب من الأسقف أن يتجرّد عن المال (افيلارغيروس، آ 3). ولكن الشمامسة يوزّعون الاعانات (أع 6: 3)، فقد يستفيدون من الظرف لكي يجمعوا المال.
الضمير الطاهر (آ 9؛ رج 1: 5) هو الكمال الخلقيّ البعيد عن الرذائل التي ذُكرت من قبل. هو ضروريّ من أجل خادم الكنيسة، الذي أودع "سرّ الايمان" ليوزّعه (1كور 4: 1). السرّ هو الايمان. رج آ 16؛ 1كور 15: 51. والايمان هو الطريق (أع 19: 9، 23)، هو الحقيقة (3: 1؛ 4: 3) والديانة. ليس "السرّ" فقط مجمل الحقائق الخفيّة التي كشفها الله (روم 16: 25؛ كو 1: 16)، بل الخلقيّة الجديدة التي تُلهمها المحبّة وتتضمّن الموت عن ذاتنا (2كور 5: 14- 15؛ غل 2: 19- 20). فالشمّاس، خادم المحبّة، لا يمكنه أن يمارس خدمته المسيحيّة إلا إذا كان لا يطلب مصلحته الخاصّة (1كور 13: 5). فهمَ افرامُ السرياني "سر الايمان" عن الافخارستيا. لهذا جُعلت العبارة في كلام التقديس.
بالإضافة (كاي... دي) إلى كل هذا (2تم 3: 12؛ روم 11: 23). إذا وجب على المرشّحين للشماسيّة أن يُختبروا (هناك امتحان للنجاح والقبول)، فلأنهم كانوا يتقدّمون بكثرة، فلا بدّ من الاختيار (كان القليلون يتقدّمون إلى الأسقفيّة). "دوكيمازاين": نتحقّق من معرفة (روم 1: 28). نتميّز الأمور (فل 1: 10). نختبر شخصًا لنرى إن كان أهلاً لخدمة أو وظيفة. لهذا يقولون "أكسيوس". هو أهل.
في الأصل، الله هو الذي يختار. هو يتحقّق (مز 17: 3؛ 26: 2؛ حك 11: 10). وسلطان الرسول يأتيه من الله (1تس 2: 4؛ 2كور 10: 18). وحسب 1كور 16: 3، الجماعة هي التي عيّنت المسؤولين عن حمل الإعانة للقدّيسين: استحسنوهم. وجدوهم أهلاً. وتيموتاوس ينتظر بعض الوقت لكي يرى إن كان الشمّاس بلا لوم (تي 1: 6- 7) قبل أن يوكله بخدمة في الكنيسة.

ب- الشماسات (3: 11)
"النساء" (غينايكس): هنّ نساء من أفسس. بعض الشرّاح رأى فيهنّ نساء الشمامسة. يرافقن أزواجهنّ في الزيارات الرعائيّة، ويتحلّين بذات الصفات. ولكن للشمّاس امرأة واحدة (آ 12). فلماذا صيغة الجمع هنا. ثم، لماذا يطلب بولس من زوجات الشمامسة ما لم يطلبه من زوجات الأساقفة. لهذا اعتبر الآباء اليونان (تيودورس...) وغيرهم أننا أمام شمّاسات تجاه شمامسة. هذه الخدمة الكنسيّة تقوم بها المرأة كما يقوم بها الرجل. تبدأ آ 11 مع "هوساوتوس"، كذلك. رج آ 8. هناك الأساقفة. وكذلك الشمامسة. وكذلك الشماسات. هي ثلاث خدم: الأسقف، الشمّاس، الشماسة. يُطلب منهنّ ما يطلب من الأسقف (آ 4) والشمّاس (آ 8) على مستوى الصفات الأدبية التي تفرض الاحترام. وبالإضافة إلى ذلك، يبتعدن عن النميمة، عن كل كلام يسيء إلى الوحدة الأخوية. وتطلب منهنّ الأمانةُ (بستوس) والدقّة في تتميم وظيفتهنّ رج 5: 10.

ج- صفات الشمّاس (3: 12- 13)
أشار الكاتب إلى الشمّاسات، ثم عاد إلى الشمامسة. فما يُطلب من فئة يُطلب من فئة أخرى. والمزايا المطلوبة من هاتين الفئتين هي التي طُلبت من الأسقف (آ 2، 4). فمن عاش بهذه الروح، نال ثمرة، نال جزاء من الربّ (مت 19: 29). كانت الخدمة محتقَرة في العالم القديم. كانت إذلالاً للانسان. ولكن في كنيسة المسيح، الخادم يكرم (يو 12: 26). ترد في آ 13 مرّتين لفظة "حسن، جميل" (كالوس). من يجازي الخادم؟ لا البشر. بل الله. رج 1كور 15: 32- 33؛ غل 6: 7- 9؛ 2تم 4: 8؛ يع 5: 7- 8.
بين الذين يخدمون (اسم الفاعل، صيغة الاحتمال، عدد كبير، مر 10: 45؛ لو 10: 40) هناك فئة تفانت في الخدمة فاستحقّت كل مديح. "باريبويايو". نال، أحرز. نعمَ بخير كبير. "باتموس" قدر، درجة، رفعة. بالاضافة إلى تقدير من الرب لهؤلاء الخدّام، فممارستهم لا تجعل منهم أناسًا خائفين، غير مسؤولين، بل تعطيهم ثقة وجرأة وافتخارًا في خدمتهم.

د- سرّ التقوى (3: 14- 16)
يدعو الرسول تلميذه إلى ممارسة مسؤولياته، ويُسند هذا التصرّف العمليّ إلى الايمان بيسوع المسيح.
أولاً: بيت الله (آ 14- 15)
أكتب إليك (غرافو). رج 1: 3، 18. هذا ما يدلّ على مضمون الرسالة. يوجّه بولس كلامه إلى الكنيسة، بيت الله (آ 4، 5، 12)، إلى الجماعة بكل أعضائها، ولا سيّما الخدّام منهم (داي، ينبغي، آ 2، 7). يأمل بولس في أن يأتي إلى تيموتاوس. ولكنه يجهل متى. لهذا، أرسل له كتابة ما استعدّ ليقول له شفهيًا. هكذا لا يتردّد التلميذ في السلوك الواجب اتّخاذه.
سأل تيموتاوس بولس: ماذا أفعل، كيف أفعل؟ فجاءه الجواب "أناسترافو" تصرّف. هو في الأصل سلوك خلقيّ شخصيّ (أم 20: 7؛ أف 2: 3؛ عب 13: 18). ثم تصرّف المسيحيين في بيت الله. هناك فئات في الكنيسة، ولا بدّ من التعامل معها.
"في بيت الله" (عب 10: 21؛ 1بط 4: 17). البيت (أويكوس) هو البناء وهو الجماعة. هو بيت يقيم فيه الله (عب 3: 2، 5). هو معبد (1كور 3: 16؛ 6: 19؛ أف 2: 22). يأتي إليه "شركاء (أبناء بيت) الايمان" (غل 6: 10)، "شركاء (أبناء بيت، أوكايوي) الله (أف 2: 9). "أي" (هيتيس، الذي هو) الكنيسة. كنيسة الله (1كور 1: 1؛ 11: 22؛ 1تس 2: 14). رج عد 16: 3؛ تث 7: 6 (ق هـ ل. ي ه م ه): الشعب المختار بأعضائه، تجاه الوثنيين. الله الحيّ. رج روم 9: 26؛ 1تم 4: 10؛ 1تس 1: 9. هو في العهد القديم، يقف تجاه الأصنام الميتة.
أول وظيفة من وظائف الكنيسة في الرسائل الرعائيّة، هي المحافظة على الايمان من كل ما يشوّهه ويهدّده. هو "عمود" (ستيلوس). واقف. منتصب. يمكن أن نستند إليه. "قاعدة"، دعامة" (هادرايوما). يرتبط بالصفة "هادرايوس"، ما يُسند. رج 1كور 7: 37؛ 15: 58؛ كو 1: 23. يقابل "ط و ر" في العبريّة (حز 46: 23). إن الربّ يؤسّس على الصخر كنيسة تقدر أن تقاوم أبواب الجحيم (مت 16: 18). فالحقيقة التي تدافع عنها الكنيسة وتحافظ عليها، هي الانجيل "كلام الحقّ" (أف 1: 13) الذي يكرز به الرسل (تي 1: 1)، وموضوعه خلاص كُشف وتحقّق في يسوع المسيح (2كور 4: 2؛ أف 4: 21؛ يو 1: 4، 17).
ثانيًا: نشيد فصحيّ (آ 16)
إن الايمان المشترك الذي يعلنه "المختارون" (تي 1: 1، 4)، يبدأ بعبارة احتفاليّة ودينيّة. "هومولوغومانوس". ظرف يدلّ على توافق تام، على عدم خلاف. كلهم يُقرّون به. أجل، لاخلاف على مستوى هذا الايمان الذي تردّده كنيسة أفسس في صلاتها الاسبوعيّة حول المسيح الذي تجسّد وتمجّد. "السرّ" (ميستيريون) هو مضمون الايمان. نحن على مستوى الدين (اوسابايا). نتكلّم عن الله الذي كشف عن ذاته فوصل إلينا هذا الكشفُ. لا مرّة واحدة، لا غير. بل بشكل متواصل. ووظيفة الكنيسة تقوم في مواصلة هذا الاعلان. في العالم اليونانيّ، السرّ يقودنا إلى الديانات السرانيّة التي تعدُ بالخلاص الفرديّ والخلود. أما في العهد الجديد، فالسرّ هو سرّ الله الذي كشُف وانتشر في العالم كله. هو البشرى. لهذا قيل "سر الانجيل" (أف 6: 19، أي السرّ الذي هو الانجيل). وارتبط السرّ بالحقيقة. أليتايا: ما ليس بخفّي ولا مخبّأ. هذا السرّ تجلّى (فانارون، آ 16؛ روم 16: 26).
كُشف (أبوكالبتاين، 2تس 2: 6- 7). عُرف (غنوريزاين). رج أف 1: 9؛ 3: 3، 10. السرّ يُقال: لاغاين (1كور 15: 51). لالاين (1كور 2: 7؛ 14: 2؛ كو 4: 3).
تحدّث العهد القديم عن "الاسرار" (دا 2: 28، 47). أما بولس فتحدّث عن "السر" (في صيغة المفرد) بالنسبة إلى الخلاص (سوتيريولوجيا) والخدمة الرسوليّة: نظّمت حكمةُ الله خطّة خلاص شامل. جهلها البشر، وظلّوا يجهلونها حتى كشفها الله لهم (روم 16: 25- 26؛ 1كور 2: 7). المسيح هو مركز هذا السرّ (أف 1: 9- 10؛ 3: 3- 9؛ كو 2: 2- 3). وكرازة الانجيل هي إعلان عمل هذا المخلّص، الذي هو رجاء المجد (كو 1: 26- 29) بواسطة الرسل (1كور 4: 1) والكنيسة (3: 16) التي تجعل الجميع يعرفون ويؤوِّنون هذا السرّ الذي هو الموضوع الجوهريّ للايمان (آ 9).
بعد هذه المقدّمة عن "السرّ" (آ 16أ). نقرأ نشيدًا، نتلو اعلان ايمان في الليتورجيا. نُنشد ايماننا بالمسيح القائم من الموت (رج أف 5: 14). نجد فيه ست عبارات متناسقة ومتوازية: بشر (ساركس، جسد). روح (بنفما). العالم (كوسموس). المجد (دوكسا). الملائكة (أنغالوي) الأمم (إتني). وتبدأ كل عبارة مع فعل في صيغة المجهول، في الاحتمال. في الغائب (هو). كُشف. بُرِّر. أظهر. بُشِّر به، أومن. رُفع. نحن أمام نشيد يُتلى في الكنيسة. يُرفع المسيح فيُكشف الله الأزليُّ وبرّه في القيامة. تُعلن هذه الرفعة أمام الملائكة وأمام العالم. يجلس في المجد فيملك على الأرض كما في السماء. ومن يفعل هذا؟ الله. لهذا، جاءت الأفعال في صيغة المجهول (المجهول الالهي).
تجلّى في الجسد. فالمسيح القائم من الموت والممجَّد ليس خيالاً. كان من لحم ودم (لو 24: 39). هذا هو أساس إيمان الرسل والكنيسة (1كور 15: 3- 11). "شهد". حرفيًا: برِّر، أعطي الحقّ بعد أن اتّهم باطلاً. فالبارقليط يتدخّل في قيامة يسوع ليدلّ أن ذاك الذي حُكم عليه بالموت، هو البارّ القدوس. لهذا، كانت خاتمة مرقس في أحد المخطوطات: "إكشف برّك الآن".
في العالم السماويّ، رأى الملائكة المسيح الممجّد. رؤي. سُمح لهم بأن يروه. شعّ نور من القائم من الموت كما من كوكب مضيء. وتجاه الأرواح، نجد الأرض، الأمم الوثنيّة (اتني) التي هي بعيدة عن الله. ومع ذلك، وصلت إليها البشارة وقبلتها. أما اليهود، القريبون، ومع أنهم خاصّة المسيح، فلم يقبلوه. خلاص شامل. وصل إلى البشريّة كلها (كو 1: 23). فالوحي ليس ظهورًا عابرًا وحسب. إنه إعلان للانجيل. هذا يعني أن الرب أرسل من يعلن الانجيل (أف 3: 8)، أَبعد من أورشليم، فيصل إلى أنطاكية وأفسس. إن مسيح الشعب اليهوديّ، صار مخلّص الكون كله، بفضل الكرازة الرسوليّة.
ونقرأ الانتصار النهائي في الخاتمة. رُفع في المجد. "أنالمبانو". أُخذ من الأرض إلى السماء. من تحت إلى فوق. رج مر 16: 19؛ أع 1: 2، 11، 22. الرب تدخّل. وهو الذي رفعه (صيغة المجهول). بالقيامة والصعود، استعاد المسيح حالة المجد التي كانت له قبل التجسّد، وأخفاها فترة، فصار "حينًا" دون الملائكة (عب 2: 9).

3- قراءة إجماليّة
في مقطوعة أولى، بدأ الرسول فأورد الصفات المطلوبة من الشمامسة. الذين يشاركون الأسقف مشاركة مباشرة. لهذا، ما طُلب من الشمامسة، هو تقريبًا ما طُلب من الأساقفة. وطلب أيضًا من الشمّاس أن لا يكون صاحب لسانين، فيقول شيئًا لهذا وآخر لذاك. والزيارات التي يقوم بها، يمكن أن تكون مناسبة لمثل هذا الكلام، الذي قد يصل إلى النميمة مع الشمّاسات (آ 11).
يكون الشمامسة راكزين، صادقين، أعفّاء، مجرّدين. يحفظون بضمير طاهر "سر الايمان" أي التعليم القويم. وانجيل الخلاص في يسوع المسيح. ويفسّرون هذا الانجيل بحسب التقليد الذي تسلّموه. هذا السرّ الذي هو مخطّط رحمة الله، قد عرفه البشر، بعد أن حمله الرسل إلى العالم اليهودي، وبولس إلى الأمم الوثنيّة. كلهم مدعوّون إلى الميراث. مدعوّون ليكونوا أعضاء في جسد المسيح، أن ينعموا بالوعد الذي حمله الانجيل (أف 3: 6). السرّ هو مخطّط الخلاص الذي أراده الآب، وتحقّق في المسيح، وقبلناه في الروح القدس. هذا يعني أن الشمامسة يتحاشون المتاجرة بالانجيل والتساهل في متطلّباته لكي يُرضوا الناس، لا الله (غل 1: 10).
إذا كان الراغب في الأسقفيّة يحتاج إلى شهادة عن تدبير بيته وعن سمعة حسنة بين الوثنيين، إلاّ أنه لم يكن يحتاج إلى وقت اختبار، شأنه شأن الشمّاس. فرغم كفالة تتحدّث عن سلوك لا عيب فيه، وعن إدارة الأمور البيتية إدارة لا غبار عليها، فهو لا يُقبل في الخدمة الشماسيّة إلاّ بعد أن يُختبر. من يختبره؟ لا يقال من. لا شكّ في أن الشيوخ يأخذون القرار الأخير. يبقى على الجماعة أن تبحث في أعضائها عن مرشّحين لخدمة الموائد فتقدّمهم للرسل. والرسل هم الذين "يرسمونهم" في هذه الخدمة (أع 6: 3). وهذا ما سوف يعمله بولس. وتيموتاوس، بعد بولس، أو في غيابه.
وتنتهي التعليمات في آ 8- 13، بتأكيد يعلن أن الشمّاس الذي يقوم بوظيفته على أكمل وجه، ينال مركزًا مرموقًا في قلب الجماعة، ولو لم تكن خدمته "رفيعة" في المعنى البشريّ. هذا لا يعني أنهم »يتقدّمون«، يرتفعون من درجة إلى درجة، كما هو الوضع الآن. فلا ننسى أن الشمّاس يُرسم لكي يكون شماسًا كل حياته: يحمل كلمة الله. يهتمّ بالفقراء. إن هو خدم حسنًا، لن يخجل أمام الله، ولا أمام البشر. ويقدر أن ينتقل من الخدمة الماديّة إلى الخدمة الروحيّة. من خدمة الموائد إلى خدمة الملائكة. هذا ما كان عليه اسطفانس وفيلبس اللذين تكرّسا لنشر كلمة الله. والثقة (أو الجرأة) التي يشعر بها "الخادم" تعرّفه أنه يقدر بالايمان بيسوع المسيح، أن يقترب من الآب السماوي وينعم بحضرته. هنا نتذكّر ما قاله بولس لأهل أفسس: "ولنا فيه الجرأة، بالايمان به، على الدنوّ من الله في ثقة" (أف 3: 12). لهذا، لا نضعف.
ونصل في قلب هذه الرسالة، إلى قمّة تسند كل ما قيل في 1تم. سأل تيموتاوس: كيف يتصرّف في غياب بولس؟ فجاء الجواب خلال الصلاة العلنيّة، ليدلّ كيف يتصرّف الأساقفة والشمامسة وجميع المؤمنين في الكنيسة التي هي عيلة الله الحقّة، بيت الله الحيّ. وهذا البناء الذي يشكّل الكنيسة هو عمود الحقّ وأساسه. لا شكّ في أن يعقوب وبطرس ويوحنا اعتُبروا "عُمدًا" (غل 2: 9). وأن المؤمن الذي ينتصر هو عمود (رؤ 2- 3). ولكنّنا لا نستطيع أن نقول إن تيموتاوس عمود يستطيع المؤمنون أن يستندوا إليه. فالكنيسة ككل هي عمود، وهي دعامة تحمل البناء، وتقدّم إلى العالم هذه الحقيقة الحيّة التي هي المسيح المخلّص. فبالحقّ يحرّر يسوع البشر من عبوديّة الخطيئة. وفي النهاية، ما تقدّمه الكنيسة للعالم، على أنه نور ومنارة في الليل، هو وحي السرّ الذي سبق وتحدّثنا عنه.
من أجل هذا، استعاد بولس لفظة "سرّ"، فأنشد مضمون مخطّط الخلاص في يسوع المسيح. لهذا، عاد إلى الليتورجيا المسيحيّة في أفسس. في مقطع أول، نجد المقابلة بين الجسد (اللحم والدم) والروح: هو سرّ الاله المتجسّد. إله حقّ وانسان حقّ. فإنه قد ظهر لجميع الذين استطاعوا أن يروه خلال حياته على الأرض، في واقع لحمي، بشري. ظهر في بشريّتنا (روم 1: 3). أخذ حالتنا الانسانيّة "فوُجد كإنسان في الهيئة" (فل 2: 7)، فرأيناه، وسمعناه، ولمسناه (1يو 1: 1). صار بشرًا (يو 1: 14)، فصار ملموسًا، منظورًا. تجاه الطابع الضعيف لبشريّة يسوع، جاء لفظ "بالروح" فدلّ على الطبيعة الالهيّة التي تجلّت في مجد القيامة. حيث لا ترى العينُ البشريّة سوى انسان مثل كل الناس، يجعلنا الروح نكتشف، بعمله القدير في يسوع، من هو المسيح في الحقيقة. إنه ابن الله.
قدّمت القطعة الأولى، في شخص يسوع، لقاء بين عالمين، عالم الله وعالم البشر. وها هي القطعة الثانية تقدّم سرّ المسيح الذي يُعلن لعالمين: عالم السماء وعالم الأرض، العلوّ والعمق. عالم السماء يمثّله الملائكة. والثاني يمثّله البشر، ولا سيّما الأبعدين، الوثنيين (أف 2: 17013). لن نبحث عن الظروف الملموسة في حياة يسوع العلنيّة، التي فيها نال الملائكة وحي السرّ (في المذود، في التجارب، في القيامة). فموضوع النشيد هو تمجيد المسيح القائم من الموت. إذن، يجب أن نفهم التجلّي للملائكة كاعلان عظيم لسيادة يسوع (يسوع هو ربّ) الذي به يجد السرّ الفصحيّ كماله. والقطعة الثالثة تقدّم هي أيضًا نقيضة بين العالم والمجد. فهذان الموضوعان يتداخلان في الانجيل الرابع، مع العلم أن العالم يشير إلى الشرّ ومعارضة النور. فالعالم والمجد، والجسد والروح، والملائكة والوثنيون. ثلاث نقائض تدلّ على أن تجلّي السرّ وبُعده وصلا إلى المسكونة كلها. فالمسيح ينال إكرام المؤمنين في العالم كله، بل في السماء والأرض.

خاتمة
في إطار كلام عن الأساقفة والشمامسة والشماسات. وبانتظار كلام عن الأرامل والشيوخ (أو الكهنة)، قُدّم لنا نشيدٌ فصحيّ طبع 1تم بطابع الايمان، وأدخلنا إلى سرّ الايمان، سر التقوى. نشيد ينظر منذ الآن إلى اهتداء الكون إلى المسيح، وكأن هذا الاهتداء تمّ. في الواقع، ما زال أمام الكنيسة طريق طويل تسير فيه قبل أن »تعلن بشارة الملكوت هذه في العالم كله« (مت 24: 14). فالكنيسة التي هي كعمود يُسند البناء ويُبرز يسوع نور العالم، كما على منارة، ستعلن للعالم سرّ التقوى، سرّ يسوع المسيح. غير أن هذا لن يكون ممكنًا بدون مشاركة في حياة يسوع وموته. ونلاحظ أن هذا النصّ الذي قرأناه (3: 14- 16) لم يتحدّث عن آلام يسوع الخلاصيّة، بل انتقل حالاً من تجلٍّ بالجسد إلى ارتفاع في مجد القيامة والصعود. وهكذا في إيجاز رائع دلّ على الطبيعة البشريّة المنظورة، كما دلّ على الطبيعة الالهيّة، غير المنظورة. هذا الذي لمسته أيدينا، يسوع الذي عاش في التاريخ، هو المسيح الممجَّد الذي نعرفه بالايمان بعد أن قام من القبر، وصعد إلى السماء، بانتظار أن يعود ليدين الأحياء والأموات.
القسم الخامس
تيموتاوس ومهمّته الرسوليّة
4: 1- 6: 19

نجد في هذا القسم كلامًا عن حياة تيموتاوس وتعليمه (4: 1- 16)، عن علاقته مع أعضاء الكنيسة (5: 1- 6: 2)، عن علاقاته مع المعلّمين الكذبة (6: 3- 19). وزّعنا هذا القسم توزيعًا تقريبيًا، لأن المواضيع تتداخل: مواضيع رعائيّة (5: 1- 6: 2). هجوم على تعاليم ضالّة (4: 1- 6). ارشادات شخصيّة (4: 11- 16؛ 5: 23؛ 6: 11- 16). لاهوت أخلاقيّ (6: 3- 10). أما نحن فنقسم هذا القسم الكبير (ف 4- 6) ستة فصول. خليقة الله الصالحة (4: 1- 7). مثال المؤمنين (4: 8- 16). الأرامل في الكنيسة (5: 1- 16). الشيوخ والعبيد (5: 17- 6: 2). التقوى الحقيقيّة (6: 3- 10). تيموتاوس وجهاد الايمان (6: 11- 21).
الفصل التاسع
خليقة الله الصالحة
4: 1- 7
يبدأ هذا القسم الأخير في الرسالة، شأنه شأن الأول، بتحذير من معلّمي الضلال، وكيف نستطيع أن نعرفهم. تشكّل هذه التنبيهات انتقالة بين العرض الايماني (3: 14- 16) والنصائح حول الطريقة التي بها نحارب الضلال (4: 6- 10) وندبّر الكنيسة.
الروح القدس نفسه أعلن ظهور المعلّمين الكذبة (آ 1- 5). فكما أن الرب حين بنى كنيسته على الصخرة، أشار إلى أبواب الجحيم، كذلك أشار بولس إلى عمل الشيطان الذي يُلهم المضلّين في الكنيسة ويدفع المسيحيّين إلى الجحود، ساعة ذكرَ ايمان بيت الله بالمسيح الممجَّد. هي ضلالات حول الزواج، حول الأطعمة، تقود إلى كوارث روحيّة. هذا يعني أن الحقيقة التي تحفظها الكنيسة ترتبط بالعقيدة كما ترتبط بالأخلاق. هذا ما يجب على تيموتاوس أن يعرضه على المؤمنين. فيبيّن لهم أن كل ما خلقه الله صالح، إن تناوله المؤمن بالشكر.

1- عيش في التقوى
ما يميّز ألفاظ الرسائل الرعائيّة، هو الأهميّة المعطاة لكلمات ترتبط بالجذر "أوسب" الذي يدلّ على الورع والتقوى. فالموصوف "أوسابايا" يرد عشر مرّات في هذه الرسائل، وخمس مرّات فقط في سائر العهد الجديد (لا يرد مرّة واحدة في رسائل بولس الكبرى). والفعل "اوساباين" يرد مرّة واحدة من مرّتين في العهد الجديد. والظرف "أوسابوس" (بالتقوى) يرد مرّتين في الرسائل الرعائيّة، ولا يرد أبدًا في سائر نصوص العهد الجديد. كل هذا الاستعمال (13 مرّة) يتيح لنا القول إن الحثّ على "التقوى" ميزة خاصّة بروحانيّة الرسائل الرعائيّة.
قد ندهش حين نرى هذا الاهتمام بالتقوى، لأن الجذر "أوسب" لا يرد إلاّ نادرًا في السبعينيّة. نذكر هنا أش 11: 2. ذكر النصّ العبري ست مواهب للروح القدس. فأضاف النصّ اليونانيّ موهبة سابعة: التقوى (اوسابايا). وهذا ما برّر التوسّعات اللاهوتيّة حول مواهب الروح القدس السبع. يبدو أن المترجم اليوناني أراد أن يوضح مفهوم مخافة الله. فتحدّث عن التقوى والورع.
تظهر التقوى عبر ممارسة الطقوس في العالم اليونانيّ. أما في 1تم، 2تم، تي، فتظهر في الحياة اليوميّة، داخل العائلة، أو في المدينة. وهدف الصلاة من أجل السلطات المدنيّة هو أن تستطيع الجماعاتُ "أن تقضي حياة مطمئنّة هادئة في كل تقوى ووقار" (2: 2).
إن لفظة "سامنوتيس" خاصّة بالرسائل الرعائيّة، شأنها شأن التقوى. يرد الموصوف ثلاث مرّات، والصفة ثلاث مرّات أيضًا. ولا يرد أبدًا في سائر أسفار العهد الجديدة. نحسّ هنا بتأثير التيّار الهلينيّ حيث "سامنوس" تصف الاله وكل ما يتعلّق به. وحين تطبّق على الناس والأشياء، تشير إلى ما هو عظيم، رائع، مهيب، يحرّك الاحترام والمخافة والوقار. كان بولس قد دعا أهل فيلبيّ أن يطلبوا "كل ما هو حقّ ونبيل (سامنا) وعادل وطاهر ولطيف ومكرّم، وكل ما هو فضيلة، وكل ما يمتدح" (فل 4: 8). ذاك هو البرنامج الذي تتوسّع فيه 1تم، 2تم، تي.
وتترافق التقوى مع مجموعة من المزايا. مثلاً، نقرأ في 6: 11- 12: "اقتف البرّ والتقوى والايمان والمحبّة والثبات والوداعة. جاهد جهاد الايمان الحسن". هذا ما قاله بولس لتيموتاوس. فالايمان (بستيس) الذي نجده بين التقوى والمحبّة، لا يدلّ على فضيلة إلهيّة، بل على الأمانة في العلاقة مع القريب. وفي عالم حرّ من الخصومات والشتائم (رج 6: 4- 5؛ الحسد، الخصام، التجاديف)، جاء الارشاد حول الوداعة في محلّه. في هذا قالت غل 5: 26: "فلا نكن ذوي عُجب. ولا نتحدَّ بعضُنا بعضًا. ولا نحسد بعضنا بعضًا". وقالت فل 2: 3- 4: "لا تعملوا شيئًا عن منازعة أو عجب، بل فليحسب بتواضع كل واحد منكم، أن الآخرين خير منه. ولا ينظر كل واحد إلى ما هو لنفسه، بل بالحري إلى ما هو لغيره".
وحياة التقوى هذه ترافقها حياة من النسك والتجرّد. هل وُجد في هذه الجماعات مراؤون ارتدوا رداء التقوى، ليجمعوا المال من مؤمنين سذَّج (6: 5)؟ المهمّ أن الجواب أتى واضحًا: "التقوى تجارة عظيمة، شرط أن تقترن بالقناعة" (6: 6). ففي نظرة قريبة من العالم الرواقيّ، وشبيهة بما في فل 4: 11- 12 (تعلّمت أن أكون قنوعًا... أعيش في العوز، وأعيش في السعة... روّضتُ نفسي على جميع الأحوال)، يدعو الكاتب قرّاءه إلى البساطة والزهد: "لم ندخل العالم بشيء، ولن نستطيع أن نخرج منه بشيء. لذلك، إذا كان لنا القوت والكسوة فلنقتنع بهما" (6: 7- 8).
والتقوى الحقيقيّة تتجذّر في حياة الايمان، في إيمان حقيقيّ، لا في تعاليم ضالّة (6: 3؛ تي 1: 1). لهذا نستطيع أن نتكلّم عن "سرّ التقوى" (3: 16) الذي يجب على الكنيسة أن تُعلنه للعالم، أو عن "سرّ الايمان" (3: 9) الذي نحافظ عليه بضمير طاهر. وهكذا نتجاوز خلقيّة أعمال خارجيّة فنطلب النوايا الطاهرة التي تصل بنا إلى إيمان لا رئاء فيه (1: 5). وإلاّ انكسرت سفينتنا وتاهت، وضاع إيماننا (1: 19).

2- دراسة النصّ
ونبدأ بالنقد النصوصيّ. في آ 1، قرأت المخطوطات الجرّارة والشعبيّة "بلانيس" بدل "بلانويس" (مضلّلة) بتأثير من 1يو 4: 6. في آ 2، نقرأ "كاكاوتيرياسمانون" (في السينائي والاسكندراني)، لا "كاكاتيرياسمانون" (الافرامي وغيره). في آ 6، نقرأ "هي" بدل "هيس" كما في الاسكندراني. ونقرأ صيغة الكامل، لا صيغة الاحتمال (باراكولوتيساس، الافرامي).
أ- يقول الروح (4: 1- 2)
ما زال روح النبوءة (1كور 12: 10) يتدخّل في حياة الكنيسة من أجل المنفعة العامّة (1كور 12: 7) للمؤمنين في نهاية الأزمنة. قد يكون حصل تدخّله خلال اجتماع ليتورجيّ (أع 11: 27- 28؛ 13: 2)، أو بشكل مباشر مع الرسل، ومنهم بولس (أع 20: 22- 23، 29- 30). يبقى وجودُ الوسطاء أمرًا ثانويًا. المهمّ هم الالهام الالهيّ وما قيل (ريتوس) ومدلول ما قيل.
لا يُقال شيء بوضوح كما يُقال في العهد الجديد حول الأزمنة الأخيرة، أو الأزمنة الآتية، التي تلي آلام يسوع وقيامته (1كور 7: 26). هي الحقبة التي تفصل المجيء الأول عن المجيء الثاني. استعمل الكاتب "كايروس" (الوقت المناسب) ليدلّ على الصفة الدينيّة للزمن كله: سيتطوّر العالم من سيِّئ إلى أسوأ، حتى الكارثة الأخيرة: يكثر المضلّون، وينجح تعليمهم لدى المؤمنين. هذا ما قاله يسوع حين حذّر تلاميذه من الأنبياء الكذبة (مت 7: 15؛ 24: 11؛ مر 13: 5- 6، 22). وقال بولس الشيء عينه لشيوخ أفسس حين اجتمع بهم في ميليتس (أع 20: 29)، ولأهل تسالونيكي (2تس 2: 3- 4). وقال يوحنا في 1يو 2: 18: "ها هي الساعة الأخيرة. سمعتم أن مسيحًا دجّالاً (انتيكرست، مناوئ للمسيح) سيأتي، وها مسحاء دجّالون كثيرون. فمن هذا نعرف أن هذه هي الساعة الأخيرة".
نقرأ فعل "أفيستيمي"، ابتعد. سقط، بدّل موقفه (لو 8: 13؛ عب 3: 12). مدلول الفعل دينيّ هو في التوراة: ثورة وخيانة للربّ (يش 22: 22). خروج من العهد وابتعاد عن شعائر العبادة (1مك 1: 15؛ 2: 19). وهنا، ابتعاد عن الايمان وعيشه بملء إرادتنا.
هذا الضلال يعود إلى إبليس (يع 3: 15)، لأن كل كذب وخيانة يُنسبان إليه (2كور 4: 4؛ 11: 13- 15). هناك مسيحيون تعلّقوا (بروساخاين) بأشخاص مغامرين: متهوّرين (بلانوس)، لا يريدون الحقّ ولا يعرفون الصدق. أما الاسم "بلاني" فيشير إلى ضلال خارج طريق الحقّ (1تس 2: 3؛ 2تس 2: 11). إلى الكذب، إلى حياة شرّيرة (2بط 2: 18؛ 3: 17).
ولكن كيف يكون المسيحيّ فريسة مثل هذا الكذب (آ 2)؟ لا يكفي أن يغويه إبليس. فهناك "ظاهر التقوى" (3: 5) الذي لا نعرف أن نميّزه. هو يلبس قناعًا (هيبوكريسيس، 1بط 2: 1). يُخفي هويّته الحقيقيّة (مت 7: 15)، ويمزج في تعليمه الحقّ والكذب (يع 3: 17). هذا يعني أن المسيحيّ خسر كل حسّ أدبيّ. صار ضميرُه محجّرًا، فما عاد يسمع صوت الله. مثل هؤلاء الكذّابين اكتوت ضمائرهم فماتت. فما عاد ينفعهم النصحُ والإرشاد.
ب- يمنعون ويمنعون (4: 3- 5)
هؤلاء المعلّمون الكذبة يمنعون عن الزواج، يمنعون عن الأطعمة، وينسون أن الله حين خلق الكون رأى أنه حسن جدًا. إنطلاقًا من هذين المنعين اللذين لا شيء يبرّرهما، نجد نفوسنا في فلسفة ثنائيّة، تقابل بين الروح والمادة، بين الجسد والنفس، وتحتقر ما هو بشريّ. يمكن أن يرتبط هذا الموقفُ بغنوصيّة سابقة للغنوصيّة، أو بجماعة قمران التي ابتعدت عن الزواج وبعض الأطعمة. بل نحن في هذا العالم الشرقيّ الذي يمتدّ حتى الهند، فيقدّم الممنوعات المختلفة. أما المسيحيّ الحقيقيّ، فكل ما خلقه الله حسن. وهو يأخذه بالشكر.
كان بولس قاسيًا ضد هؤلاء الذين ينسبون إلى الزواج أو بعض الأطعمة، فكرة شريرة: مثلُ هذه النظرة المتشائمة إلى الخليقة ترتبط بإبليس. فذكّر أن الأطعمة (بروماتا) خلقها الله لكي نأكلها بفرح (أع 2: 46)، فنشعر أننا نشارك في عطيّة إلهيّة. ولهذا نرفع الشكر إلى ربّ الحياة، الذي يحفظنا في الحياة، ويعطينا فيض خيراته. في هذا المعنى نقرأ سي 39: ،25 27: "من البدء خلق (= الله) الخير للصالحين، وللخاطئين خلق الشرور... كل هذه خيرات للأتقياء، وتستحيل شرورًا للخاطئين".
بما أن كل ما على الأرض هو خليقة الله، إذن كل شيء حسن، صالح (آ 4). رج تك 1: ،4 31. وهذا ينطبق على الزواج كما على الأطعمة. هنا نتذكّر كلام الرب في مر 7: 19: »جعل يسوع الأطعمة كلها طاهرة«. ما من شيء يجب رفضه. عبارة سلبية، وقد تكون قولاً مأثورًا. »أبوبليتوس«، لا شيء يُستبعد، لا شيء يُحتقر. نلاحظ التشديد على الشكر، على عرفان الجميل. هناك شكر على حسنات الله (كو 3: 17؛ أف 5: 20). وهناك مباركة المائدة (أع 27: 35؛ 1كور 10: 30- 31). وكل هذا على مثال المعلّم الذي "رفع عينيه إلى السماء، وبارك وكسر الأرغفة، وناول تلاميذه ليوزّعوها على الناس" (مر 6: 41؛ رج 8: 6- 7؛ 14: 22؛ لو 24: 30).
وتأتي "غار" لأن (آ 5)، فتفسّر فاعليّة المديح والشكر. يتحوّل الاستعمال الدنيويّ إلى عمل دينيّ: حين نأخذ طعامًا بالشكر، يصبح مقدّسًا، مكرّسًا (هاغيازاين). رج 2تم 2: 21؛ يو 10: 36؛ 17: 19. بما أن كل شيء يأتي من الله، فهو يعود إليه (مز 24: 1؛ 1كور 10: 26). إذن، يتقدّس الطعام حين نكرّسه لخدمة الله. »كلمة الله والصلاة«. هي صلاة تتردّد فيها كلمة الله، كلمة المباركة.

ج- الايمان والتعليم (4: 6- 7)
بما أن الكنيسة هي "عائلة الله" (3: 15)، فأعضاؤها "إخوة" (5: 1؛ 6: 2؛ 2تم 4: 21). فيجب أن يُنبَّهوا إلى تعليمات الروح القدس حول ما يحدث في نهاية الأزمنة: المعرفة السابقة تمنع الشكوك التي يمكن أن تجعل الضعفاء يعثرون ويسقطون: هذا مبدأ رعائيّ (يو 16: 1، 4، 5، 33) وتربويّ. "هيبوتيتيمي"، عرض نصيحة. قدّم فرضيّة ليفحصها الانسان ويستخرج نتائجها. وحين يفعل تيموتاوس هذا، يكون خادمًا كاملاً ليسوع المسيح (يخصّ المسيح) في عمل الرسالة أو الرعاية (1: 12؛ 1كور 3: 5؛ 2كور 11: 23). يقوم بوظيفته خير قيام (يحفظ سر الايمان، يعرضه، 3: 9).
هذا يعني أن تيموتاوس يتغذّى دومًا بتعليم الوحي (إنترافومانوس، اسم الفاعل، يدلّ على التواصل، مغذّي. الله يغذّيه). بما أن التعليم طعام (1كور 22)، يجب أن يُهضم كما يُهضم الطعام. وهكذا يتكيّف التعليم حسب وضع السامعين. قال الذهبيّ الفمّ: "بما أننا نوزّع كل يوم هذا الطعام، فعلينا أيضًا كل يوم أن نغتذي نحن أيضًا من دروس الايمان، ونغتذي على الدوام. أجل، نغتذي منها، نجترّها، نعود دومًا إلى ذات التعاليم، نتأمّل فيها بلا انقطاع. فهي ليست بطعام عاديّ".
هذا الطعام يعطي الصحّة والقوّة (آ 7- 8): إن حقائق الايمان الوحيدة، التي تشكّل تعليم الكنيسة، عمود الحقّ (1: 10؛ 6: 3)، تقدر وحدها أن تجهّز رجل الله (2تم 3: 15) من أجل الجهاد. في أزمة على مستوى العقل، وفي موضع تكثر فيه المجادلات، عاد بولس إلى تعليم تتبّعه تيموتاوس (مر 16: 17). هكذا يرتبط التلميذ بالمثال الذي أمامه (2تم 3: 10). نحن هنا أمام مديح يبرّر ثقة بولس، ويهيّئ الارشادات اللاحقة. ويرتبط الفهمُ بالممارسة المتواترة: تغذّى تيموتاوس بالكتب المقدّسة منذ نعومة أظفاره (2تم 3: 5)، فكان دومًا أمينًا لتعليم الكنيسة كما نقله الرسول، وثابر عليه اليوم، وفهمه وهضمه، فاستطاع أن يقدّمه للمؤمنين. بما أن عليه أن يعظ، وجب عليه أن يتعلّم، يعمّق عقيدته. يستنير لكي يكون نورًا، يشتعل ليعطي الدفء للذين حوله. فمن أهمل التعلّم خطئ تجاه الرسالة الموكولة إليه.
أمام كرازة لا تعرض إلاّ الايمان وتعليم الكنيسة في كماله ونقاوته (آ 7)، يجب أن نرفض ما هو مبتذل، وما هو خاطئ: لا مساومة، ولا تنازل، بل لا حوار مع الهرطقة. لا نستقبل (بارايتاستاي)، نرفض الدعوة (عب 12: 19، 25). نترك الخرافات الدنيويّة (بابيلوس، 2نتم 4: 4) أي التي تعارض ما هو مقدّس. تعارض التقوى، وتُدخل عناصر لا علاقة لها الدين.
"روّض نفسك بالتقوى". هذه هي الرياضة الحقّة في حلبة الجهاد. هي قوّة النفس تجاه قوّة الجسد، وذلك بالصلاة والتجرّد وممارسة الرحمة ودراسة الكتب المقدّسة.

3- قراءة إجماليّة
لا تقوم مهمّة تيموتاوس الرعائيّة فقط بالسهر على شعائر العبادة، وتنظيم الاساقفة والشمامسة والشماسات، بل هو مسؤول أيضًا عن الحياة المسيحيّة لدى المؤمنين. إذن، عليه أن يحذّر مسيحيّي أفسس من نسك كاذب لا يأخذ بعين الاعتبار الظرف الملموس لكل انسان. في 1: 3، أشار الكاتب إلى التعاليم الباطلة. وها هو يعود الآن ليتحدّث عن كثرة المعلّمين الضالّين والمضلّين. لا يتبلبل المؤمنون من هذا الوضع، لأنه جزء من مخطّط الله. ثم إن إبليس هو وراء هذه التعاليم. من أجل هذا نقول في الصلاة الربيّة: نجّنا من الشرير.
كما أن الشيطان تزيّا بزيّ ملاك النور (2كور 11: 14)، هكذا يلجأ تابعوه إلى الغواية والمكر والكذب. يأتون إلى المؤمنين بثياب الحملان وهم في الواقع ذئاب خاطفة (مت 7: 15). قال بولس لشيوخ أفسس: "أنا أعرف أن الذئاب الخاطفة ستدخل بينكم" (أع 20: 29). هم تلاميذ معلّمهم، الكاذب وأبي الكذب، والقاتل منذ البدء (يو 8: 44). هو أسد يستعدّ للوثوب طالبًا فريسة ينقضّ عليهما (1بط 5: 8). ومهما تظاهروا، فقد طُبعت فيهم علامةُ سيّدهم، كما يُطبع الخروف بالحديد المحمّى فيدلّ على أنه يخصّ صاحبه. أما تلميذ المسيح فيحمل آثار جراح مخلّصه (غل 6: 17). أما المختارون فقد خُتموا بختم الاله الحيّ (رؤ 7: 2؛ 9: 4). ولكن أصحاب إبليس ختموا بختم الوحش (رؤ 13: 16- 17) الذين يسجنهم في شباكه، ويستعبدهم لمشيئته (2تم 2: 26).
وخبثُ المعلّمين الكذبة يظهر في شكل خاص حين يعرضون على المؤمنين مثال حياة يبدو متطلّبًا في الخارج: تنكّرٌ للزواج. امتناع عن بعض الأطعمة. تحدّث بولس عن البتوليّة، ولكنه شدّد أيضًا على الزواج والعائلة (1كور 7). وعلى مستوى الأطعمة، قال بولس: "أنا أعرف، أنا متأكّد في الرب يسوع، بأن ما من شيء نجس في ذاته" (روم 14: 14). وقال في آ 17: "ليس ملكوت الله أكلاً وشربًا". وقال في تي 1: 15: "كل شيء نقيّ للأنقياء". ونقرأ هنا: "كل ما خلقه الله صالح". هنا نتذكّر ما قاله الرب لبطرس في رؤية: "ما طهّره الله، لا تعتبره أنت نجسًا" (أع 10: 15).
سيكون سلوك تيموتاوس الشخصيّ عنصرًا هامًا في صراعه مع المعلّمين الكذبة. لهذا جاءت النصائح إيجابيّة في آ 6- 16، ما عدا آ 7 حيث قيل لتيموتاوس بأن يتجنّب الخرافات الباطلة وحكايات العجائز. أولاً، على تيموتاوس أن يعرض على إخوته ما تعلّمه من بولس. وأن يقنعهم. قد يأتي وقت يعطي فيه أوامر، ولكن يجب أن يجتذب إليه الناس بلطفه. هو »رئيس« إذا شئنا. ولكن يجب أن لا ينسى أن المسيحيين الذين يرئسهم هم إخوته. فإن سار بحسب توصيات الرسول، كان خادمًا صالحًا ليسوع المسيح. وكيف يكون الخادم الصالح؟ يرذل الخرافات وحكايات العجائز. هذا على المستوى السلبيّ. وعلى المستوى الايجابي، يغتذي من كلمات الايمان والتعليم الصحيح. ويتوّج عمله الرسولي بالتقوى التي هي امتداد لمخافة الله.

خاتمة
وجهان في هذا الفصل من القسم الرابع في 1تم: وجه سلبيّ ووجه ايجابيّ. على مستوى الزواج، رفضه المعلّمون الهراطقة. على مستوى الأطعمة، امتنعوا عن بعضها ليدلّوا على روح الإماتة والتجرّد. في الواقع، تعليمهم خاطئ وهو يتعارض مع الانجيل والتقليد الصحيح. ذاك هو الوجه السلبيّ. أما الوجه الايجابي، فهو أن الله خلق كل شيء. وبالتالي خلقه حسنًا. فلماذا نعتبره شرًا. فلماذا لا نقتبل عطايا الله بالشكر ونقدّسها بالصلاة. وتجاه المعلّمين، يتّخذ تيموتاوس موقفًا سلبيًا: لا يستقبلهم، بل لا يحاورهم. فلا مساومة معهم. أما الموقف الايجابيّ فهو تغذية بالكتب المقدّسة، وترويض النفس بالتقوى. هكذا يكون تيموتاوس خادمًا صالحًا للمسيح. يغتذي فيغذّي إخوته، ولا يكتفي باللبن (= الحليب)، بل يقدّم لهم الطعام القويّ، لكي يستطيعوا أن يقاوموا تعليم المضلّين، فلا يقعوا في حبائل إبليس لهلاك نفوسهم.
الفصل العاشر
مثال المؤمنين
4: 8- 16
بعد أن حدّد بولس المهمّة الرسميّة التي يجب أن يقوم بها تيموتاوس، أعطى تلميذه تعليمات شخصيّة ترتبط بعمله الراعوي. هكذا يكون مثالاً للمؤمنين. مثل هذه التعليمات تعطي نعمة "الرسامة" كل ثمارها (آ 14). غير أنها تطلب من رئيس الجماعة مجهودًا أخلاقيًا جديًا. على الرسول أن يكون نورًا في الكنيسة بتعليمه وبحياته. إذن، يتعلّم بلا انقطاع وينمو في الفضائل، لكي يكون جديرًا بالتعليم والبناء. بفضل هذه الحياة والأمانة للمهمّة الرسوليّة، يستطيع الراعي أن يخلّص نفسه (آ 16)، ويقود إلى الخلاص نفوسًا كان لها مثالاً.

1- نعمة الله
في الرسائل الرعائيّة، تبدو الحياة المسيحيّة جوابًا على تجلّي نعمة الله، وانتظارًا هادئًا ومطمئنًا لعودة المسيح. في هذا المجال نقرأ تي 2: 11- 13: "نعمة الله، ينبوع الخلاص لجميع البشر، ظهرت لتعلّمنا أن نمتنع عن الكفر وشهوات هذه الدنيا لنعيش بتعقّل (سوفرونوس) وصلاح (ديكايوس، برّ) وتقوى (اوسابوس) في العالم الحاضر، منتظرين اليوم المبارك الذي نرجوه، يوم ظهور مجد إلهنا العظيم ومخلّصنا يسوع المسيح".
حين تحدّث الرسول عن عمل الله على أنه "تربية" (بايداواين)، استلهم ما في الحكمة اليهوديّة والحكمة اليونانيّة. استُعملت صيغة الظرف ثلاث مرّات: بتعقّل، بصلاح. بتقوى. فدلّت على حياة المسيحيّ. "سوفرونوس" تشير إلى المثال اليوناني في النظام والاعتدال. "ديكايوس"، هي حياة حسب البرّ: إن توق البشر الأساسي لاحترام الحق وممارسة الواجب، يغتني بنفحة دينيّة نجدها في البيبليا، لأن البرّ يجعلنا في علاقة مع إله العهد. "اوسابوس" هي حياة حسب التقوى، هي تجاوب مع حنان الرب ولطفه ومحبّته للبشر (تي 3: 4).
هذا المثال اليونانيّ الذي ألهم حك 11: 20 (اخترتَ أن تقيس كل شيء، أن تعدّه وتزنه، أيها الربّ)، نجده هنا في كماله. غير أن اختلافًا أساسيًا يبقى ظاهرًا: عبادة الارادة كانت في قلب الفلسفة الرواقية، التي هي أقرب ما يكون إلى المثال المسيحيّ. ولكن هذه الارادة صارت صنمًا نعبده ونتعلّق به وننسى أن الانسان ضعيف وخاطئ، وأنه يحتاج إلى خلاص يأتيه من الخارج، من الله. لهذا، قالت الرسائل الرعائيّة إن الانسان لا يستطيع بنفسه أن يبلغ الكمال. قال بولس إنه كان في بداية حياته "مجدِّفًا، مضطهدًا، عنيفًا" (1: 13). لم يكن أفضل من الذين حوله، الذين كانوا عبيدًا للشهوات ولجميع الملّذات (تي 3: 3). لقد دلّت خبرتُه الخاصّة أن الحياة الحقّة لا يمكن أن تكون سوى جواب على تدخّل حاسم من الله في حياتنا، بعد أن تجلّت نعمته في يسوع المسيح.
وهكذا نستطيع القول إن الرسائل الرعائيّة تهتمّ "بالرعاة" في الكنيسة. ولكنّها أيضًا ترسم لجميع المؤمنين الطريق الحقّة للحياة المسيحيّة. فتكيّفها حسب حضارة الزمن ومتطلّبات الحياة الاجتماعيّة. هي تكيّفها ولكنها لا تنتقدها بروح النبوءة. فكأني بها ترضى بالوضع الذي تعيشه الكنيسة في جوّ من القبول "والمساومة". كم هي بعيدة عن سفر الرؤيا الذي رفض الامبراطوريّة الرومانيّة العابدة لنفسها والمعتبرة أنها تحمل الخلاص إلى البشريّة. لهذا، حكم يوحنا على هذا العالم الذي يتمرّد على الله. ذاك هو صوت في الكنيسة، يهزّ القلوب والضمائر. أما الرسائل الرعائيّة فأشارت إلى لطف الله وحنانه تجاه جميع البشر: يريد أن يخلّصهم بوسيط وحيد هو يسوع المسيح الذي صار انسانًا بين البشر، فشابهنا في كل شيء ما عدا الخطيئة.

2- دراسة النصّ
ماذا نجد في النصّ من اختلافات؟ في آ 10، جُعلت "كاي" (واو العطف) بعد "غار" (الفاء). وجعل السينائي والسريانيّة والقبطيّة والذهبيّ الفمّ "اونايديزوماتا" بدل "أغونيزوماتا" (كافح). أضيف في آ 2، "في الروح" (إن بنفماتي) بعد "في المحبّة" (إن أغابي)، فصارت: في المحبّة، في الروح، في الايمان، في العفاف. في آ 15، جُعل حرف الجر (إن) أمام "باسين" (الجميع).

أ- الرياضة والتقوى (4: 8)
إن الارشاد حول "الرياضة الروحيّة"، يرتبط بما يقال عن الرياضة البدنيّة. لا عقل سليمًا بدون جسم تمرّس على الرياضة. ويُنظر إلى الرياضة من جهة فائدتها.
»سوماتيكي غمناسيا« (مراحدة في البيبليا): رياضة بدنيّة، جسديّة. هي مفيدة لأنها تحمل إلينا الخير، بل هي تحمل بعض الخير، وتنفع بعض النفع. هذا في نظر الايمان (أوليغون، قليل). رج 2كور 8: 15. نفع موقت (يع 4: 14). ثم إن هتاف الناس والاكاليل، كل هذا لا يجعلنا بمنأى عن الموت.
أما ممارسة حياة دينيّة حقّة، فهي نافعة في كل الوجوه، في كل المجالات (روم 8: 28؛ 2بط 1: 3، 7- 8). لهذا، نهتمّ لها. قال العالم اليونانيّ: "لا يخسر الأبرار أبدًا جزاء تقواهم". فالتقوى تُدخلنا إلى مقام الابرار. في العالم اليهوديّ، كان الجزاء بركة زمنيّة (تث 28: 1- 14). كان البار سعيدًا (مز 1: 1- 3). ولكننا سننتظر العهد الجديد لكي نجد ملء الحياة الأبديّة في هذه الدنيا وفي الآخرة. رج 1: 16؛ 6: 19؛ 1بط 5: 1.

ب- رجاؤنا في الله (4: 9- 11)
نقرأ في آ 9 إيمانَ الكنيسة بوعد المسيح، رغم أن الحياة الآتية لا تُرى، وأن محن الحياة الحاضرة كثيرة: يريد الربّ أن يكون تلاميذه سعداء منذ الآن، فيأخذهم بعنايته الأبديّة (لو 12: 22- 34). يعطيهم مئة ضعف في هذا العالم. يعطيهم سلام القلب النقيّ الذي يفوق كل سلام (فل 4: 7). وإن أعطيَ لهم أن يحملوا صليبًا، فالفرحُ الروحي يرافق مثلَ هذا الألم (2كور 1: 3- 11؛ 6: 9- 10؛ 12: 9- 10)، لدى الأتقياء الذين يعيشون على الأرض برفقة الله. مثل هذه التقوى تحمل كل الخير. ذاك هو إيماننا.
طلب بولس من تيموتاوس أن يكون مثالاً للمؤمنين. وها هو يقدّم نفسه مثالاً، فيعلن أن الخادم الصالح لا يكتفي بالتعليم، بل يصل إلى الممارسة. فإذا أردنا الحصول على المواعيد المرتبطة بالتقوى، في هذا العالم وفي الآخر، نتعب، نكافح، كما يفعل الرياضي. "كوبياوو"، عمل، تعب (5: 17؛ 1كور 4: 12؛ 15: 10؛ 16: 1؛ غل 4: 11). ثم "أغونيزوماي"، تسابق، كافح، جاهد (6: 12؛ 2تم 4: 7؛ 1كور 9: 25؛ كو 1: 29)؛ نحن على مستوى العمل الرسولي الذي يعلّمنا احتمال الاتعاب والتجرّد والزهد من أجل هدف نضعه أمامنا. هذه الآية تعبّر عن أخلاقيّة ترتبط بالنهاية: لا يتشجّع أحد على جهاد الحياة المسيحيّة (1تس 1: 3؛ رؤ 2: 2) إن لم ينتظر عالمًا أفضل (1كور 15: 19، 30- 34، 58).
وينبوع القوّة من أجل هذا الجهاد، رجاء ثابت، أكيد. هذا الرجاء هو أكثر من انتظار وشوق. هو استناد إلى إله يعد الخلاص، يقدّمه، يحقّقه. هو "سوتير" (تي 1: 3؛ 2: 10؛ 3: 4). هذا ما يدلّ على قدرته وسخائه من أجل البشريّة كلها.
وفي قلب البشريّة، ينعم المؤمنون بموقع خاص في تدبير الخلاص (أع 15: 14). "ماليستا"، خصوصًا، بشكل خاص، قبل كل شيء. هناك أقليّة في قلب الأكثريّة (فل 4: 22). أراد بولس بمثل هذا الكلام أن يُبرز ثقةَ الذين يمارسون التقوى: لن يخيبوا (روم 5: 5). هنا نتذكّر أن الكنيسة هي بيت الله (3: 15). إليها يلجأ من الخطر، أعضاء العائلة (أو 2: 12، 19) الذين تسجّلت أسماؤهم في السماء، ونالوا الخيرات الاسكاتولوجيّة (روم 9: 22؛ عب 6: 5). هم منذ الآن مخلّصون في الرجاء (روم 8: 24؛ 15: 3؛ أف 2: 5، 8)، بعد أن فازوا بالحياة الأبديّة (6: 12).
يرد في آ 11 فعلان في صيغة الأمر: وصِّ، علّم. ثم نقرأ الارشاد الملحّ في آ 12- 16. هذا يدلّ على ثقة بولس بتيموتاوس وامكانياته بعد أن روّض نفسه: افتخار بالعمل وشجاعة. عزم ثابت. يعطي الأوامر كرئيس كنيسة، ولكن يعامل المؤمنين كأب مع أولاده. ويعطي الرسول نصائحه: إفعل هذا (واطلب)، لا تفعل (لا تهمل)، فكّر، تنبّه. عاش تيموتاوس مع معلّمه فاستند إليه. ولكن ابتعد المعلّم، فأحس تيموتاوس بالعزلة. تحيّر. تخوّف حين رأى نفسه في مدينة كبيرة. فزع من المسؤوليّة الملقاة على عاتقه.

ج- هبة النبوءة (4: 12- 16)
أولاً: الوعظ والتعليم (آ 12- 13)
"لا يستخفّ أحد بشبابك". فالعمر هو معيار الخبرة والسلطة. كان تيموتاوس شابًا حين دعاه بولس في لسترة، سنة 50 (أع 16: 1- 3). بالنسبة إلى بولس الذي صار شيخًا (فلم 9) والذي كان تيموتاوس بمثابة إبن له أخذه من جدّته لوئيس وأمه أفنيكة (2تم 1: 5)، يبقى تلميذه شابًا بالنسبة إليه. لهذا يقول له بأن يعامل الشبّان والشابات كإخوته وأخواته. ويحترم الشيوخ كما يحترم والده ووالدته (5: 1- 2). وفي أفسس، أحسّت حلقة الشيوخ (5: 17، 19) أنها مهانة بعض الشيء لأنها ترتبط بشاب، لا خبرة له، لا بشيخ، مثل بولس. فالشيخوخة وحدها تفرض الاحترام.
كن قدوة، مثالاً. يرونك فينجذبون إلى خدمة الربّ. تي 2: 7؛ 1بط 5: 3؛ فل 3: 17؛ 2تس 3: 9؛ 1تس 1: 17. "تيبوس" تعني النموذج والمثال، وتعني أيضًا القالب والمعيار والقاعدة. أين تظهر فضيلة تيموتاوس؟ في مجمل تصرّفه (أناستروفي، 3: 15) الشبيه بتصرّف بولس (غل 1: 13) والمدبّرين (عب 13: 7)، والكاشف عن حضور النعمة فيه (يع 3: 13؛ 1بط 2: 12؛ 3: 16). ونوع هذه الحياة (أف 4: 22؛ 1بط 1: 18) يتضمّن طريقة التصرّف واللبس، والعلاقات مع الآخرين وفي داخل الجماعات. حضور وكلام. وكله مفعم بالمحبّة التي يرافقها اللطف والوداعة والتواضع والصبر، مع البحث عن خير الجميع. والايمان الذي هو ثقة بعناية الله، وتفاؤل ضروريّ لكل راع، وأمانة لموهبة نالها (غل 5: 22) لأنه وكيل نعمة الله (1بط 4: 20؛ روم 12: 6). أما العفاف (أغنايا)، فليست طهارة دينيّة أو خلقيّة (عد 6: 2، 21)، بل نقاوة النيّة، واستقامة عميقة (2كور 11: 3)، وتصرّف شفّاف فوق كل شبهة (5: 22؛ 1بط 3: 2). اذن، لا يخاف من أحد، ولا يلومه أحد. جاءت حياتُه مثالاً، فاستحقّ احترام الجميع.
هل ترك بولس تيموتاوس وحده (آ 13)؟ كلا. فهو سيجيء إليه (رج 3: 14). بانتظار ذلك يهتمّ التلميذ بالاحتفالات الليتورجيّة، وتوزيع كلمة الله، وتنفيذ التوصيات الرسوليّة (5: 11) من قراءة وأرشاد وتعليم. اعتادت الجماعات اليهوديّة أن تقرأ الكتب المقدّسة يوم السبت، في المجمع. والكنيسة المسيحيّة ورثت عادة قراءة كلام الله والليتورجيا. وأضافت قراءة رسائل الرسل (1تس 5: 27؛ 2كور 1: 13؛ تو 4: 16) وأقوال الأنبياء (رؤ 1: 3). وبما أن كلمة الله لا تصل فقط إلى العقول (عب 4: 12)، بل تصل إلى القلب وتحرّك سلوك المؤمنين، يُتبع تيموتاوس القراءة بإرشاد (2تم 4: 2؛ عب 13: 22)، "يبني، يشجّع، يعزّي" (1كور 14: 3). هكذا يقوّي المؤمنين ويثبّت رجاءهم (روم 15: 2).
ولا يكتفي تيموتاوس بذلك، بل يهتمّ بالتعليم (ديدسكاليا). تعليم العقيدة (1: 10؛ 5: 17؛ تي 2: 1، 7، 10؛ 2تم 3: 10؛ 4: 3، 6، 16). لا تعليم في الكنيسة لا يرتكز على الكتاب المقدس (2تم 3: 16). والوعظ الذي يقدّمه الانبياء ينطلق من الايمان. فالمؤمنون يحتاجون إلى عرض متماسك ومعمّق عن الديانة، ليقفوا في وجه معلّمي الضلال.
ثانيًا: عمل الرسول (آ 14- 16)
بعد الدعوة إلى "الرياضة" والجهاد (آ 8، 13) من أجل حياة أخلاقيّة توافق الانجيل، هناك إشارة إلى موهبة النبوءة (آ 14). فالخادم يستعمل مواهبه الشخصيّة. ولكنه يستند بالاحرى إلى ما ناله من مواهب من الله. لا تهمل (أمالايو). بل اهتمّ. إحسب حساب (مت 22: 5). يجب أن لا ينسى تيموتاوس أنه جُهّز تجهيزًا علويًا لكي يمارس مهمّته. فليَعُد إلى نعمة الله ليواجه مسؤوليته كمعلّم في الكنيسة وقدوة في الجماعة.
الهبة هي عطيّة من الروح القدس تؤهّلنا وتقوّينا لممارسة وظيفة في الكنيسة. من أجل جميع أعضائها (روم 12: 6؛ 1كور 12: 4؛ 1بط 4: 10). لم تُعط هذه الهبة لتيموتاوس بشكل سرّي، فلم يعرف بها أحد. ولم تُعطَ لفترة معيّنة، وبعد ذلك زالت. بل أعطيت له بمناسبة نبوءة. أي خلال اجتماع الجماعة وبحضور أعضائها. وهي تلازم الراعي في عمله. وكيف تسلّم تيموتاوس هذه الموهبة؟ بوضع اليه (إبيتاسيس). هكذا بارك الآباء أبناءهم (تك 48: 14؛ لا 9: 22؛ سي 50: 20). هكذا بارك يسوع تلاميذه (لو 24: 50- 51). فوضعُ اليد ينقل قدرة الله، كما فعل يسوع حين شفى المرضى (مر 5: 23). صارت هذه الفعلة في الكنيسة الأولى طقسًا يُعطى به الروح القدس (أع 8: 17؛ 19: 6) وبوضع اليد رُسم السبعة (أع 6: 6). فمن تُوضع عليه اليدُ ينال الموهبة التي لدى واضع اليد.
وضع الشيوخ أيديهم على تيموتاوس: هم يؤلّفون حلقة. يرئسون جماعة محليّة (أع 11: 30)، ولا سيّما في أفسس (أع 20: 17). إذن، نحن أمام احتفال تكريس، يعبّر فيه شعبُ الله عن نفسه. هذا ما حصل في لسترة حين عيّن بولس وبرنابا قسوسًا في كل كنيسة (أع 14: 23).
بدأ الارشاد في آ 6، وصار ملحًا في آ 15. توجّه إلى المجاهد جهاد التقوى (آ 7) مع الهبة التي نالها: فكّرْ، تأمّل. هناك واجبات نقوم بها. هناك فضائل نمارسها (آ 12). وهناك كرازة نقوم بها (آ 13) لكي نحافظ على الإيمان لدى نفوس تجتذبها تعاليمُ شيطانيّة (آ 1). ذاك هو الطلب الأول. والطلب الثاني، التزام مطلق، تكرّسٌ تام لمهمّة محدّدة دون النظر إلى الوراء (لو 9: 62). فالخطر الذي يتربّص بخادم الله هو أن ينشغل بأمور ثانويّة (أو باطلة) على حساب حياته الروحيّة وخدمة النفوس. بعد ذلك، لن نحسب تيموتاوس شابًا بلا خبرة (آ 12). تروّضَ، فسار من أحسن إلى أحسن. وهذا ما يظهر لعيون الجميع فينال إعجابهم.
نقرأ في آ 16 فعل "إباخاين"، انتبه، فكّر، تأمّل، توقّف (سي 34: 2). هذا على المستوى النظريّ. وعلى المستوى العمليّ، اتّخذ خيارًا (لو 14: 7؛ أع 19: 22) تمسّك (فل 2: 16). هذا ما يدلّ على السهر والثبات في تصرّف شخصيّ وتعليم يقدّمه للجماعة. انتباه دائم. لا أهمال ولا تراخي. والسبب: هناك خلاص للرسول وخلاص للمؤمنين.

3- قراءة إجمالية
طلب الرسول من تيموتاوس أن لا يُضيع وقته في ترّهات، بل يمارس التقوى. يروّض نفسه كالمتسابقين في الحلبة. الرياضة البدنيّة تنفع لوقت، تنفع لبعض الشيء. أما الرياضة الروحيّة فتنفع كل وقت، وتقودنا إلى الحياة. هي لا تعطينا فقط إكليلاً يذبل، بل إكليلاً لا يذبل (1تس 2: 19؛ 2تم 4: 8).
على تيموتاوس أن يتعب، أن يجاهد دومًا ليقوم بمهمّته بأمانة. فليس هو وحده في هذا الجهاد. بل كل مسيحيّ هو في وقت من الأوقات وحده. هذا على المستوى المنظور. أما على المستوى غير المنظور، فيسوع هو رفيقنا وإن لم ننتبه له على مثال تلميذي عماوس في بداية مسيرتهما. كان تيموتاوس شابًا، فخاف (1كور 16: 10- 11) بعض الشيء أمام الشيوخ في كنيسته، وهم أكثر خبرة منه. ولكن هذا لا يعني أن الكنيسة لا تكرمه ولا تخضع له. عند ذاك تكون فقدت فضيلة الايمان. ويبقى على التلميذ أن يعوّض عن شبابه ليكون قدوة للجميع: بحياة لا لوم فيها. باهتمام بعمل الرعاية المسيحية: في الكلام والتصرّف والمحبّة والايمان والعفاف. قبل أن يكون تيموتاوس راعي جماعة، فهو مسيحيّ، وهو قدوة لكل مسيحيّ في أفسس. وهو أيضًا مسؤول: يُدعى لأن يتكرّس للقراءة والوعظ والتعليم، أي خدمة الكلمة. هي قراءة علنيّة للكلمة يتبعها التفسير والارشاد (باراكليسيس). وفي النهاية، التعليم على مثال الرسل في كنيسة أورشليم. نقرأ في أع 2: 42 عن التلاميذ الأوّلين: »كانوا يداومون على الاستماع إلى تعليم الرسل«.
وسلطة تيموتاوس لا تأتيه من نفسه. ولا تأتيه من سلطة إداريّة ذي طابع بشري. هي نعمة تكرّسه لرسالته. هو لا يستند فقط إلى سلطة بولس، ولا إلى صفات تدبير يمتلكها، بل إلى هبة إلهيّة تجعله جديرًا بوظيفته وتساعده على ممارستها. والهبة التي يشير إليها بولس هنا، ليست هبة عابرة، ولا ظاهرة خارقة لا يمكن التسلّط عليها. بل هي نعمة دائمة، لا تُرى، ولكنها تعمل. هي تشبه الروح الذي يهبّ كما يشاء (يو 3: 8). ولكنّنا نرى آثاره (أع 2: 12؛ 8: 17).
ما نلاحظه في هذا المقطع، هو العلاقة الوثيقة بين هبة نالها تيموتاوس، وحدثين رافقا قبول هذه الموهبة. هما: تدخّل نبويّ. وضع اليد. هنا نعود إلى 1: 18: "وفقًا للنبوءات التي قيلت فيك من قبل". قيلت هذه النبوءات في ظرف هام في حياته، حين تكرَّس للخدمة الرسوليّة. وهنا يذكر بولس أيضًا هذا التدخّل النبويّ. كما يحدّد أن تكريس تيموتاوس رافقه وضعُ أيدي حلقة الشيوخ. في 2تم 1: 6، لا يذكر الرسول النبوءات، بل يكتفي بالكلام عن وضع الأيدي، ولا يقول شيئًا عن الشيوخ: "لذلك أنبهك (يا تيموتاوس) أن تضرم الهبة التي جعلها الله لك بوضع يديّ"
وتأتي آ 15- 16 في خاتمة إرشاد بولس لتلميذه. دعاه إلى الاهتام بكل ما قيل له (رج 1صم 3: 19: لا يهمل كلمة، لا يدع كلمة من كلمات الله تسقط). هكذا، ينمو أمام الجميع، فتقوى سلطتُه في الجماعة. فالناس يثقون بمن تتوافق حياته مع المثال الذي يعظ به. كما أنه ينال الخلاص لنفسه وللذين أوكل بهم. فإذا كنا قد تبرّرنا (روم 5: 1)، فنحن ما خلّصنا إلا في الرجاء (روم 8: 24). وإذا كنا منذ الآن وارثي الخلاص (عب 1: 14)، فميراثنا لا ينكشف إلاّ في نهاية الأزمنة (1بط 1: 5). وكل يوم يمرّ، يقرّبنا من ساعة الخلاص (روم 13: 11). ويتيح لنا، في مسيرة ايماننا (فل 1: 25) وعزم جهادنا، أن لا نُخزى في اليوم الأخير (1كور 9: 27)، بل نكون مع الربّ على الدوام.

خاتمة
تلك كانت نصائح بولس لتلميذه تيموتاوس، الذي هو راعي كنيسة أفسس. بولس بنى، وتيموتاوس يتابع البناء. قد يحسّ التلميذ نفسه وحده. يحسّ بضعفه. يخاف، يتردّد. سيجيء إليه بولس. وبانتظار ذلك يدعوه ليكون مثالاً للمؤمنين في سيرته، وللرعاة في قراءة الكتب المقدّسة وحمل كلمة الله بالوعظ والارشاد والتعليم. منذ هذه الحياة تكون له السعادة مئة ضعف، وهو في رفقة الرب. وفي النهاية، يخلّص نفسه ونفوس الجماعة التي أوكل بها. من أجل هذا، لا يهمل هذا الراعي موهبةَ الله، بل يتنبّه لحياة يحياها، ولتعليم يقدّمه. فالرسول يثق بتلميذه، ويذكّره بنعمة نالها في البداية وترافقه حتى النهاية. يبقى عليه أن يجاهد ليفوز بالحياة الأبدية (6: 11).
الفصل الحادي عشر
الأرامل في الكنيسة
5: 1- 16
ونصل هنا إلى علاقة تيموتاوس بأعضاء الكنيسة (5: 1- 6: 2). فإن وجب عليه أن يكون قدوة في حياته الشخصيّة واهتمامه بالتعليم، فيجب أن تكون علاقاته مع أعضاء الكنيسة بلا لوم ولا مأخذ. من هنا توصيات تتعلّق بسلوكه مع الشيوخ والشبّان (5: 1- 2)، مع الأرامل (آ 3- 16)، مع القسوس أو الكهنة (آ 17- 25)، مع العبيد (6: 1- 2). هؤلاء هم بين الذين يسمعون له (4: 16). فالذين يقودهم تيموتاوس إلى الخلاص، ليسوا جميع البشر، ولا أهل أفسس كلها، بل الذين كلّف بهم، كالراعي بخرافه. لا يقال شيء عن الأولاد ولا عن الوالدين. كما لا يقال شيء عن العذارى، إمّا لأن لا عذارى في الكنيسة، وإما لأنهن لم يحتجن إلى تنبيه خاص. أما الأرامل، فكنَّ موضوع توصيات خاصّة ودقيقة وواسعة، بحيث قال بعضهم إن الكاتب أدرج هنا تعليمًا مسيحيًا رسميًا في هذا الخصوص.

1- رجال ونساء
بعد أن دعا بولس المؤمنين إلى صلاة مسكونيّة، صلاة من أجل جميع البشر، أعطى تعليماته حول الموقف الذي يقفه المؤمنون في الصلاة الليتورجيّة. توجّه أولاً إلى الرجال ليدعوهم إلى الصلاة بلا غضب ولا خصام. يصلّون في كل مكان. فقد قيل في ملا 1: 11: »في كل مكان تقدَّم ذبيحة بخور لاسمي وتقدمة نقيّة، لأن اسمي عظيم بين الأمم، يقول الربّ القدير«. كانت الديداخي طبّقت هذه الآية على الافخارستيا، بعد أن أشارت إلى ضرورة المصالحة السابقة بين الإخوة: "في يوم الأحد، يوم الربّ، اجتمعوا لكسر الخبز والشكر، بعد أن تكونوا اعترفتم بخطاياكم لكي تكون ذبيحتُكم طاهرة. فمن كان على خلاف مع صاحبه لا ينضمّ إليكم قبل أن يتصالح، لئلاّ تنجّس ذبيحتكم" (14). والحركة التي يقوم بها المصلّي هي رفع اليدين إلى السماء. المهمّ لا الحركة في حدّ ذاتها، بل السلوك المستقيم. كان الله قد قال في أش 1: 15: "إذا بسطتم أيديكم للصلاة أحجب عينيّ عنكم... لأن أيديكم مملوءة من الدماء".
ثم يأتي دور النساء بشكل عام: كيف يقفن في الجماعة الليتورجيّة؟ استلهم الكاتب ما كان يُقال في أيامه، فانتقد زينة النساء بما فيها من ترف وغرابة. قال ابيكتات: "ما إن تصل المرأة إلى الرابعة عشرة من عمرها حتى تُدعى "سيّدة" بفم الرجال. وإذ ترى أنه لم يبقَ لها شيء سوى مقاسمة الرجل سريره، تشرع تتزيّن وتجعل هنا كل آمالها. يجب أن نهتمّ بأن نجعلها تحسّ أن لا شيء يجعلها مقدَّرة سوى أن تظهر محتشمة ومتحفّظة".
نحن نفهم ما قالته 1تم 2: 9- 10، لأننا في مدينة كأفسس اشتهرت بالصاغة فيها. ونقابل هذا النصّ مع ما قاله بطرس للمسيحيّات، حين جعل أمامهنّ سارة قدوة: الزينة الحقّة زينة القلب (1بط 3: 2- 6). أما 1تم فتشدّد على الأعمال الصالحة التي تقوم بها امرأة فاضلة، من تربية الأولاد والضيافة والاحسان (تم 5: 10).
ونصل إلى الأرامل. طُرحت أسئلة عديدة في هذا الشأن. لهذا توسّع الكاتب في هذا الموضوع. إذا جعلنا جانبًا أع 9: 39- 41، فإن 1تم 5: 3- 6 هو النصّ الوحيد في العهد الجديد، الذي يتحدّث عن مثل هذا التجمّع. وستكتمل معلوماتُنا في هذا الشأن حين نقرأ نصوص الآباء الرسوليين.
إن وجود هذه المجموعة أمر لا جدال فيه بالنسبة إلى الرسائل الرعائيّة، وهو يتجاوب مع حاجة اجتماعيّة (أع 6: 1). فالأرامل ينلن مساعدة من الجماعة (آ 16). وحين صارت الواجبات ثقيلة، ميّز الرسول بين أرامل حقيقيات (لا معين لهنّ) وأرامل يمكن أن تعيلهنّ أسرتهن. تتوجّه التعليمات أولاً إلى أولاد هؤلاء الأرامل وإلى أحفادهنّ (آ 4)، بل إلى جميع أقاربهنّ (آ 16). والأرملة الحقيقّة التي تشهد لها الجماعة، بعد أن ترى التزامها (آ 12)، تعيش حياة الصلاة، في خطّ حنّة البنيّة (لو 2: 27). وسيقول بوليكربوس إن الأرامل هنّ مذبح الله.
تقدّم لنا هذه التوجيهاتُ لوحة من حياة ربّة بيت قريبة ممّا في أم 31، حيث يحتلّ الاحسان مكانة بارزة. هذا يعني أن المزايا العائليّة، في الرسائل الرعائيّة، لا تسجن المرأة داخل البيت، بل تفتحها على الحياة الاجتماعيّة. ولكن الكاتب سيكون قاسيًا تجاه الأرامل الصبايا وحياتهنّ المضطربة. هذا ما يدلّ على خبرة نجد آثارها في 2تم 3: 6 (نساء ضعيفات، مثقلات بالخطايا، منقادات لكل أنواع الشهوات). نشير إلى أن بولس كان قد نصح الأرامل بأن يبقين في حالتهنّ (1كور 7: 40). أما هنا، فهو يأمرهنّ بأن يتزوجنّ وينجبن أولادًا. هي الخبرة علّمته أن يحذر تقوى عاطفيّة تشتعل بسرعة وتخبو بسرعة.

2- دراسة النصّ
بعد النقد النصوصي، نقسم 5: 1- 16 أربعة أقسام: شيوخ وشبّان (آ 1- 2). أرملة وأرملة (آ 3- 8). أرملة حقيقيّة (آ 9- 10). أرامل شابات (آ 11- 16).
في آ 4، جعل افرام، تيودوريتس، الذهبيّ الفمّ صيغة المفرد (تتعلّم، ماتناناتو) مع "خيرا" (أرملة). ولكن كيف تعود الأرملة لكي تتعلّم. إذن، نحافظ على الجمع: الاولاد يتعلّمون. في آ 5، يجعل التعريف (تون) أمام "تيون" (الله) أو لا يُجعل. في آ 8، أضيف "تون" (التعريف) أمام "أوكايوي" (أهل بيته) على مثال "تون" أمام "إديون" (أقربائه). جعل السينائي (برونويتاي) بدل "برونوي" (يعتني). رج 2كور 8: 21. في آ 16، جُعلت "بستوس" بدل "بستي" (مؤمنة). وكانت امكانيتان: إباركايستو أو اباركايتو (ساعد).

أ- شيوخ وشبّان (5: 1- 2)
تقابل هذه النصائحُ رسمة معروفة في العالم الاخلاقيّ لدى اليونان، ولا سيّما إكرام الشيوخ واحترامهم. قال لا 19: 32: "قم احترامًا للأشيب، وأكرم وجه الشيوخ". ونقرأ في سي 8: ،6 9: "لا تحتقر أحدًا في شيخوخته، لأن منّا من يشيخون هم أيضًا... لا تهمل كلام الشيوخ، فهم تعلّموا من آبائهم". وقال أم 20: 29: "فخر الشباب عزيمتهم، وبهاء الشيوخ المشيب". هو مبدأ نظام وسلام في المدينة.
كان تيموتاوس شابًا (4: 12). فليأخذ ذلك بعين الاعتبار. حين يحدّث أحد الكبار، لايكون قاسيًا معه، لا يجرحه، لا يوبّخه (ابيبليو)، بل يُرشده، يعظه (باراكاليو). "من الطبيعي أن يتألّم انسان حين يوبّخ، ولا سيّما إذا كان شيخًا يوبّخه شاب. هذا الألم المثلث يخفّف بطريقة الكلام. نحن نحتاج إلى فطنة، ولكنّنا نستطيع أن ننجح" (الذهبيّ الفمّ).
يمكن أن يكون الفعلان الوحيدان في آ 1- 2، يشرفان على العلاقة مع سائر المسيحيين الذين يتميّزون بالعمر والجنس. وما يقال عن العجّز يقال عن العجائز: يُعاملن بلطف وعفاف كأنهن أمهاتنا (روم 16: 12).

ب- أرملة وأرملة (5: 3- 8)
الترمّل الجدير بهذا الاسم هو حالة سامية من الحياة المسيحية (آ 5- 8). لهذا، تكرم الكنيسة الأرامل وتعينهن. هناك ثلاث فئات: من لا معين لها. الأرملة الشابة. الأرملة التي تجاوز عمرها الستين.
أولاً: أكرم الأرامل (آ 3- 4)
كرّس بولس مقطعًا طويلاً لهذا الموضوع. فدلّ أن الأرامل كنّ كثيرات في الكنيسة التي تختلف في هذا المجال عن العالم اليونانيّ. اعتُبر الترمّل عارًا وانحطاطًا (أش 54: 4؛ رؤ 18: 7) أو لعنة (مز 109: 9). أما المسيحية فرأت أن يُكرمن (تيمان، في العبرية: ك ب د). ويتطلّع الرسول إلى فئة مميّزة من الأرامل، لهنّ وضع رسميّ في الكنيسة. كأننا أمام تنظيم شبيه بالشمّاسات. "خيرا" (الارملة). هي التي حُرمت من زوج أو أقارب. حُرمت من أي عون. مثل هؤلاء يحتجن إلى عون. ولكن أولئك اللواتي يعيلهنّ أولادهنّ وأحفادهنّ، فهنَّ لا يحتجن إلى عون من الكنيسة. وهكذا يخفّ العبء على الجماعة.
ثانيًا: الترمّل حالة سامية (آ 5- 8)
يقدّم لنا الكاتب هنا صورة رائعة عن الأرملة الكاملة، الأرملة الحقيقية. هي وحدها. ليس له من يعينها أو يدافع عنها. ليس لها سوى الله تكشف له ضيقها وتنتظر عونه. لهذا وضعت فيه كل رجائها.
مثلُ هذه الأرملة تشبه حنّة النبيّة. هي تصلّي دائمًا، فيبدو ابتهالها فعل رجاء. ولكن التي جعلت حالها مجلبة للعار، فليست بأرملة حقّة. هي تستفيد من ترمّلها لكي تعيش كما يحلو لها (آ 6). ماتت النعمة في قلبها، فما عادت تثمر. هو موت روحيّ (يع 2: 17) بالنسبة إلى الجماعة.
في آ 7- 8، نجد توصيات في ما يخصّ الأرامل وأقاربهن: على الأرملة أن تعي حالها الرفيعة المرتبطة بالانجيل، والفضائل المطلوبة منها، ولا سيّما المحبّة، إذا أرادت أن تهتمّ بها الكنيسة. بمختصر الكلام: يجب أن تكون بلا لوم. ثم على المسيحيّ أن يعين الأرملة التي في أسرته (آ 8). فهذا عدل. وباسم المحبّة يعينها، حسب قول الرسول: نحمل بعضنا أثقال بعض، وهكذا نتمّ شريعة المسيح (غل 6: 2). وهذا واجب بشكل خاص، حين تربط صلةُ القرابة بيننا وبين أرملة. فمن تنكّر لهذا الواجب، تنكّر لإيمانه: ما العلاقة بين معتقداتنا وممارساتنا؟ ما معنى محبّة الله إن لم تجد امتدادًا لها في محبّة القريب. وهكذا يبدو المسيحيّ وكأنه تنكّر لعماده، فصار خاطئًا، وبالتالي لا مؤمنًا (تي 1: 16؛ 2تم 3: 5؛ 1كور 13: 2). صار شرًا من كافر (أبستوس، 1كور 6: 6؛ 7: 12).

ج- الأرملة الحقيقيّة (5: 9- 10)
بعد أن طلب الرسول من المسيحيّين أن يُعينوا أرامل هنّ قريبات لهم، شدّد على الشروط التي تدلّ على الأرملة الحقيقيّة، لا على الأرملة المزيّفة، الكاذبة. عندئذ تأخذها الكنيسة على عاتقها، وتسجِّلها في سجلاتها (كاتالاغو). عندئذ تدخل في مجموعة مرتبطة بالكنيسة. تلتزم بعيش إيمانها. تتكرّس لخدمة المرضى والفقراء. تستفيد من إعانات تقدّمها الكنيسة.
الارملة الحقيقيّة يكون عمرها ستين سنة على الأقل. ذاك هو العمر القانوني للشيخوخة في العالم القديم. وتكون تزوّجت مرّة واحدة. يُشهد (مرتيريو) لها، يشهد بفضيلتها وأعمالها. هي سمعة صالحة تنالها بالتفاني في حياتها (3: 7، 10). أما الأعمال (ارغا) الحسنة، الصالحة (كالا) فهي الواجبات البيتيّة وأوّلها المحبّة. وأوّل واجب قامت به، هو أنها ربّت أولادها (تكنوتروفيو)، وربّت أولاد الآخرين، أي اليتامى. وهناك طريقة في استقبال الغرباء واستضافتهم. غسلت أقدام القديسين، أي المسيحيين، على مثال الربّ (يو 13: 4). إن نسيان الذات هذا، والتفاني في الخدمة، والثبات في العمل الصالح، هي مثال تتوق إليه كل أرملة لكي تكون حقًا في مجموعة الأرامل في كنيسة من الكنائس (نلاحظ أن مثل هذه الخدم، قامت بها الراهبات في الكنيسة على مدى تاريخها). قال عنها ترتليانس: »مضت تزور الإخوة في أفقر المواضع. نهضت في الليل للصلاة والمشاركة في احتفالات الكنيسة. ذهبت إلى مائدة الربّ ودخلت السجون لتقبّل قيود الشهداء، ولتسكب ماء على أقدام القديسين. إن جاء أخ غريب، هيّأت بيتها لتستضيفه".

د- أرامل شابات (5: 11- 16)
أما الأرامل الشابات (لم يصل عمرهن إلى الستين)، فيُرفضن (باراو، 4: 7؛ تي 3: 10؛ 2تم 2: 23). وهذا ما يعارض "كاتالاغو". قد تتحمّس أرملة شابّة فتودّ التكرّس للرب. ولكن حماسها لا يدوم طويلاً، وهي من تحبّ الحياة. هي نبتة رخصة تخنقُها الأشواك فتمنعها من الثمر (مت 13: 7، 22).
في هذه الظروف التي تتحقّق، لا يكون تيموتاوس فطنًا إن هو قبلَ التزامَها. فهي جديدة. لم تتمرّس بعد على الفضيلة. هي كشمّاس جاء حديثًا إلى الايمان. تنقض عهدها (بستيس) والتزامها بخدمة الربّ في الترمّل وخدمة الفقراء، مع وعد بأن لا تتزوّج.
والخيانة للمسيح (آ 13) تجرّ وراءها عددًا من الخطايا. فمثلُ هذه الأرملة الشابّة لا تستطيع أن تضع حدًا لرغبتها فتستلم للسخافات أو النميمة. وهذا سبب آخر يمنع من تسجيلها مع الأرامل. لم يعد لها بيت تديره، ولا أولاد تهتمّ بهم. لا تتكرّس للصلاة، لأن قلبها بعيد. كل هذا يجعل هذه المرأة التي لا عمل لها، تقيم في الكسل والتراخي.
وجاءت توصية الرسول (آ 14): الأرملة الشابّة تتزوّج، يكون له أولاد وبيت (أويكودسبوتيو). وهذه الاهتمامات العائليّة تناقض البطالة وتكون دواء لعقليّات خفيفة. ليس الزواج المثال (آ 3)، ولكنه شرّ أقلّ، كما قال الذهبيّ الفمّ: فحياة عائليّة طبيعيّة تضع حدًا لكل كلام.
وانطلق الكاتب من الواقع المؤلم، فاتّخذ مثل هذا الإجراء القاسي. ضلّت هؤلاء النساء. استسلمن للشيطان. أما الدعوة المسيحيّة فاتّباع يسوع (مت 16: 24). وبعد هذه الصورة السوداء، يعود الكاتب إلى من يهتمّ بالأرامل: مؤمنة أو مؤمن. هكذا نخفّف عن الكنيسة التي تستطيع أن تتفرّغ للأرامل اللواتي هنّ حقًا أرامل.

3- قراءة إجماليّة
أشارت نهاية ف 4 إلى "سامعين" (آ 16)، ففتحت الطريق للكلام عن مختلف فئات المؤمنين الذين نجدهم في أفسس. يتطلّع بولس تارة إلى العمر (5: 1- 2)، وطورًا إلى الوضع العائليّ (5: 4) أو إلى الوظيفة الكنسيّة (5: 17) أو الحالة الاجتماعيّة (6: 1- 2) أو الاقتصاديّة (6: 9- 10). ويقطع التوسّع استطراداتٌ فيها هجوم على المعلّمين الضّالين (6: 3، 5)، أو استحلاف علنيّ لتيموتاوس (6: 11- 16): يا رجل الله، تجنّب هذا كله.
ويأتي 5: 1- 2 كتطبيق لمبدأ عام: كنيسة الله عائلة. نصبح عضوًا فيها بالايمان بالمسيح. إذن، صورة العائلة ستكون نموذجًا للعلاقات بين المسيحيين. لينظر تيموتاوس إلى الشيخ كأنه والده، وإلى العجوز كأنها أمه. وإن فرض عليه واجبه الرعائيّ أن يأخذ بعض الاجراءات، فليكن بلطف واحترام. هو شاب، فليراع الشيوخ. ومع الشبّان يكون لهم كأخ، مع التحفّظ اللازم.
ونصل إلى الأرامل (آ 3- 16). هناك فئتان من الأرامل: من لا معيل لهنّ (آ 3، 8، 16)، فتأخذهنّ الكنيسة على عاتقها. واللواتي يُردن التكرّس للرب على مثال الشماسات (آ 9، 15). إن مضمون آ 9- 15 يلتقي مع ما يطلبه بولس من الأسقف والشماس. ثم، لماذا لا نعين امرأة عمرها أقلّ من ستين سنة؟ فالحاجة لا ترتبط بالعمر. ثالثًا: لماذا نرفض مساعدة امرأة تزوّجت رجلين وماتا؟ فالزواج مرّة ثانية ليس ممنوعًا (آ 14). أخيرًا، كيف نفهم آ 12 سوى أنها قرار يتّخذه انسان يريد أن يتكرّس لله؟ ولكن مثل هذا القرار ليس شرطًا ضروريًا للحصول على مساعدة.
تتحدّث آ 3- 8 عن مساعدة الأرامل اللواتي يحتجن إلى مال من أجل حياتهنّ. فمن كانت لهنّ أولاد وأطفال لا يساعَدن. والفئة الاولى تنتظر صدقة من الجماعة. تتّكل على الله الذي يعينها فيُلهم من يستطيع ذلك. ولكن جميع الأرامل لسن فاضلات. بعضهن يعشن حياة الملذّات. وفي النهاية، يعود الكاتب فيذكّر المؤمنين بواجباتهم تجاه أراملهم.
بعد آ 9، نكون أمام فئة أخرى من الأرامل (لا نتكلّم عن المساعدة) يقبلن بوظائف الخدمة في الجماعة. هنّ في مجموعة تفرض شروطها: عمر الأرملة ستون وما فوق، على ما يقول القدماء. تزوّجت مرّة واحدة. دلّت على تفانيها. تمتّعت بسمعة حسنة لما فعلت من أعمال صالحة. ولكن لماذا نقف عند الستين؟ إن أرادت أرملة شابّة أن تكرّس نفسها للربّ، فقد تكون أرادتها عابرة. فتحاول أن تتزوّج مرّة ثانية وتترك جماعة انتمت إليها. والخطر الثاني: لا مهمّة عائليّة للأرملة الشابّة، فتدور من بيت إلى بيت في الثرثرة والكلام غير اللائق. لهذا، قال الرسول: الأرملة الشابة تتزوّج. هكذا لن يكون للعدوّ مناسبة احتقار الايمان المسيحيّ. لن تكون شكوك. العدوّ هو إبليس في معنى أول. وهو يعمل بواسطة البشر، بالذين يهاجمون الانجيل فيستعدّون دومًا لأن يستغلّوا الشكوك في الكنيسة. لهذا قال بولس في 1كور 5: 13: "أزيلوا الفاسد من بينكم".

الخاتمة
منذ البداية، عرفت الكنيسة الأرامل، وصعوبة التصرّف إزائهنّ. ففي أع 6: 1ي، كادت تنقسم الكنيسة بسبب توزيع الاعانات على العنصر اليوناني والعنصر العبراني. وطُرحت المسألة على بولس منذ الرسالة الأولى إلى كورنتوس. فوضعُ الأرملة دقيق، على مستوى عمرها وحياتها، وعلى مستوى دورها الذي لم يكن محدّدًا. ثم إن التفاني في أعمال المحبّة لا يحلّ محلّ النظام والفضائل التي يجب ممارستها. فهناك الانتقادات والظنون والحسد. فماذا يفعل تيموتاوس؟ سأل بولس، فجاءته التعليمات: من نساعد ومن لا نساعد. أما يكون العبء ثقيلاً إذا كثر عدد الأرامل؟ يبقى على تيموتاوس أن يعرف كيف يدبّر كنيسة الله، على مثال الأسقف الذي لا يُختار إلاّ إذا عرف كيف يدبّر بيته. ولكن بولس سيجيء إليه (4: 13). يشجّعه. يعطيه النصح. يرافقه في مسيرة كنيسة فتيّة تبحث عن طرق تنظّم فيها حياتها بحيث تكون نورًا للأمم، فلا ينالها لوم من العالم الوثنيّ المحيط بها.
الفصل الثاني عشر
الشيوخ والعبيد
5: 17- 6: 2
كيف تكون علاقة تيموتاوس بأعضاء الكنيسة؟ بعد الأرامل (5: 1- 16)، نصل إلى الشيوخ أو القسس في الكنيسة، ثم إلى العبيد. يكرم تيموتاوس الشيوخ كما يكرّم الأرامل: احترام ومساعدة ماديّة. هناك أرامل حقيقيّات وأرامل طائشات. والشيء عينه بالنسبة إلى الكهنة: هناك شيوخ يستحقّون الاكرام، ولا سيّما حين يتعبون في التعليم والتبشير (آ 17) كما يقول الكتاب (آ 18). ولكن هناك آخرين يشتكي عليهم المؤمنون. ليتصرّف تيموتاوس بفطنة: لا تُقبل الشكوى إلاّ بشهادة شاهدين أو ثلاثة. وإن ثبتت وُبِّخ المخطئ. ثم يطلب الرسول من تلاميذه الفطنة أيضًا في اختيار من يضع يده عليه من الشيوخ: لا يستعجل. وينتهي هذا الفصل بكلام عن موقف العبيد تجاه أسيادهم (6: 1- 2).

1- دراسة النصّ
نبدأ بالدراسة النقدية. في آ 17، حلّت "أليتايا" (الحقيقة) محلّ "ديدسكاليا" (التعليم). في آ 19، غاب الشقّ الثاني من الآية عند قبريانس، ايرونيموس، مع أنه موجود في كل المخطوطات. في آ 20، جُعلت "دي" قبل "هامارتونتاس"، المذنبون، في الاسكندراني والبازي، وبعدها في مخطوطي كمبريدج ولندن (القرن التاسع). في آ 21، جُعل "كيريو" (السيّد) قبل "خرستو" (المسيح) في السريانيّة وغيرها. في آ 23، جُعلت "سو" (أنت) بعد "ستوماخون" (معدة) في جميع الترجمات. في آ 25، جُعلت "دي" بعد "هوساوتوس" (كذلك) في الاسكندراني وغيره. جُعل الفعل "دينانتاي" (يمكن) في الجمع، ويجب أن يكون في المفرد، لأن الفاعل في الحياد الجمع.
أ- كهنة أحسنوا (5: 17- 18)
الكهنة أو القسوس (تي 1: 5) هم وكلاء يجعلون كل اهتمامهم (بروئيستاناي) في الجماعة. تقول 1تس 5: 12: "يرأسونكم في الربّ". هي وظيفة كريمة. فمن قام بها بأمانة (كالوس، جميلاً، حسنًا) يستحقّ الاكرام. يعتبره الله أهلاً للمكافأة الحسنة (أكسيوس). "ديبليس"، مرّتين، مضاعف. أكثر من الأرامل. من سائر المؤمنين.
إذا كان جميع الكهنة في خدمة المؤمنين، فهناك فئة تستحقّ إكرامًا خاصًا: الذين يتعبون (كوبياوو) في التعليم والتبشير. يتفانون على مستوى الرسالة، فيتميّزون عن "مدبّرين" عاديّين. لهذا، تؤمّن حياتهم، لأنهم لا يعملون عملاً، بل يتكرّسون بكلّيتهم للمناداة بالانجيل.
نقرأ في آ 18 نصّين يُسندان حقّ هؤلاء الخدّام بأن تؤمّن لهم الكنيسةُ حياتهم. الأول نقرأه في تث 25: 4، وقد استُعمل في ذات السياق، في 1كور 9: 9. نُقلت شريعةٌ من إطار ماديّ إلى إطار خلقيّ، كما اعتاد اليهود أن يفعلوا. وهكذا انتقلنا من المعنى الحرفيّ إلى المعنى النمطيّ.
والايراد الثاني، يعود إلى تث 24: 14- 15: "لا تهضم أجرة مسكين... بل إدفع له أجرته في يومه، قبل أن يغيب عليها الشمس". بل يعود إلى مت 10: 10: "العامل يستحقّ طعامه". ونقرأ في 1كور 9: 14: "وهكذا أمر الربّ للذين يعلنون البشارة أن ينالوا رزقهم من البشارة".

ب- كهنة أساؤوا (5: 19- 20)
بما أن مرتبة الشيوخ رفيعة، ووظيفتهم الاداريّة هامّة، فهم يُنتقدون، ويُحكم عليهم الحكم القاسي. غير أن الاحترام الذي يستحقّونه يحميهم من الافتراء والنميمة والانتقام، ويمنع تيموتاوس من أن يقبل (باراداخوماي، أع 22: 18) اتهامات باطلة وافتراءات (كاتيغوريا، شكوى). يُتهم الكاهن أمام المسؤول وهو يتخذّ القرار. هنا لا بدّ من شهود، كما قال تث 19: 15.
بمَ يقوم الذنب؟ على مستوى الأخلاق أم الوظيفة؟ الفعل (أذنب في صيغة اسم الفاعل) يعني أنهم تمادوا في الخطأ ولم يرتدّوا. لا بدّ من توبيخهم (الانخو) وإصلاحهم. وهناك العقاب أمام سائر الكهنة (عب 12: 5) فيتعلّمون. قال الذهبيّ الفمّ: "من الخطأ أن نحكم على شخص باطلاً، ومن الخطأ أيضًا أن لا نلاحق الخطايا البارزة. عندذاك نفتح الطريق لآخرين سوف يتجرّأون ويفعلون مثلهم".

ج- اختيار الكهنة (5: 21- 23)
الحزمُ ضروريّ (1كور 5: 13؛ 2تم 2: 8). غير أن ثقة الرسول ضعيفة بتلميذه الذي يخاف أو يساوم، أو يتحاشى انتشار الشكوك. وهكذا يكون أمام وضع مؤلم. لهذا، يستحلفه بولس »ديامرتيروماي« رج 2تم 2: 14؛ 4: 1. هناك ثلاثة شهود: الله، المسيح، الملائكة. سيكونون في الدينونة الأخيرة (مر 8: 38؛ رؤ 14: 10؛ رج مت 25: 31). الله هو الديّان السامي (عب 12: 23). لم يُوضع التعريف أمام يسوع المسيح، بل فقط أمام الآب (وأمام الملائكة). هذا يعني أن الكاتب ضمّ يسوع إلى الآب في اللاهوت الواحد. فالابن يدين أيضًا (يو 5: 22، 27؛ أع 17: 31) مثل الآب. والملائكة جزء من البلاط السماوي وقت الدينونة، وهم ينفّذون الأحكام (مت 13: 41؛ 16: 27؛ 2تس 1: 7). "المختارين" صفة الملائكة الاخيار، في العالم اليهوديّ (أخنوخ 39: 1) تجاه الملائكة الأشرار (2بط 2: 4). إن تيموتاوس يمثّل، على الأرض، هذا المثلّث: هو يعمل باسمه. ولكن هذا المثلّث يدينه إن لم يكن على قدر المهمّة الموضوعة على عاتقه.
أما موضوع الاستحلاف، فقواعدُ تتعلق بالكهنة: وضعُ حدّ للمخالفين (آ 19- 20). اختيار المرشّحين (آ 22). فنوعيّة الخدم مهمّة بالنسبة إلى قداسة الكنيسة. وهناك صفتان مطلوبتان من تيموتاوس: الموضوعيّة (لا نترك العاطفة تسيطر علينا) والحياد (لا محاباة للوجوه). نلغي كل فكرة مسبقة. نستعلم بدقّة قبل أن نقرّر. لا نتبع ميل قلبنا (بروسكليسيس).
ويصل بولس إلى الرأي المناسب الذي يحفظ الكنيسة: الرسامات (الذهبيّ الفمّ). يتبع ما يُعمل في المجمع (آ 22). عدم التسرّع. الفطنة، بعد أن سقط عدد من الكهنة وتراجعوا. فإن تسرّع تيموتاوس فوضع يده على بعض الكهنة دون أن يكون اختبرهم، يكون مسؤولاً عن خطايا يقترفونها. هذه المسؤوليّة المرتكزة على التضامن، نجدها عند الأنبياء، حيث النبيّ مسؤول عن موت الخاطئ الذي لم ينبّهه إلى خطأه (حز 3: 18؛ 33: 6- 8). من أجل هذا، جاء التنبيهُ الأخير: يكون بلا لوم، ولا يشارك الخطأة في أعمالهم (2كور 7: 11). في الواقع، همّ الرسول أن لا يقبل في خدمة الكنيسة سوى أشخاص أكيدين وأصحاب وقار.
ترد آ 23 في هذا الموضع، فتقطع السياق المنطقي بين آ 20- 22 وآ 24- 25. غير أنها موجودة في كل المخطوطات، مع أن بعضهم اقترح أن تكون في 4: 3- 8. هي ملاحظة تحمل نصيحة من أب إلى ابنه. في آ 22، قال الرسول لتلميذه: إحفظ نفسك عفيفًا. رج عد 6: 1- 21 والامتناع عن الطعام والشراب. يبدو أن كهنة أورشليم ما كانوا يشربون سوى الماء بعد أن مُنع عنهم الخمر. ترك بولس هذا المنع، ونصح تلميذَه بأن يشرب الخمر من أجل معدته. تبدو الخمر وكأنها دواء. ثم، هناك أمراض متواترة (بكنوس). المهمّ ليس الطعام والشراب، بل الخدمة وما يساعد على الخدمة التي ترضي الرب.

د- الخطايا والأعمال الصالحة (5: 24- 25)
"خطاياهم" (آ 24) تقابل "يخطأون" في آ 20. إذا أراد تيموتاوس أن لا يشارك في خطايا الآخرين، واضعًا يده على أناس غير جديرين لكي يكونوا كهنة، عليه أن يكون فطنًا دون أن يكون موسوسًا بحيث لا يجرؤ أن يتّخذ موقفًا. لا شكّ في أن الطبيعة البشريّة متشعِّبة، بحيث يصعب الاختيار. لهذا، ذكّر الرسول تلميذَه أحد المبادئ الأساسيّة في الخلقية الانجيليّة: لا خفيّ إلا سيظهر (مت 10: 26). والرئاء سيُكشف في يوم من الأيام. حين تكون الأخطاء والتقصيرات صارخة ومعروفة من الجميع، فهي تشبه مناديًا يعلن عدم أهليّة هذا المرشّح، وتسبقه إلى المحكمة. يبقى على تيموتاوس أن يسجّل الحكم وينفّذه. ولكن عند البعض الآخر تكون الخطايا صامتة، خفيّة، ولكنها تعلق بالشخص كظلّه أو كأثر لا خلاص منه. هنا يطيل المسؤول البحث وينتظر. لهذا، لا يضع يده بسرعة.
وما قيل عن النقائص، يقال في آ 25 عن الصفات: قد لا تُكتشف في الحال فتتطلّب بعض الوقت. هناك أعمال الأساقفة والشمامسة. قد تكون معيارًا لاختيار الشيوخ أو الكهنة. فالشجرة يُحكم عليها من ثمارها (لو 6: 43- 44). هنا لا نستبعد مرشّحين لا يظهرون في العلن. فالروح المسيحيّة، وموهبة الفطنة، تساعدان على اكتشافهم. فالرسل شدّدوا مرارًا على التمييز. قال بولس في 1كور 2: 5: "الانسان الروحي يحكم في كل شيء". وقال يوحنا في رسالته الاولى: "بهذا يظهر أولاد الله وأولاد إبليس. كل ما من لا يفعل البرّ ليس من الله. وكذلك أيضًا من لا يحبّ أخاه" (3: 1). وهناك قول يُنسب إلى المسيح: "كل ما ليس أمام عينيك فخفيَ عليها، سينكشف لك".

هـ- العبيد وأسيادهم (6: 1- 2)
"جميع الذين". رج روم 2: 2؛ غل 3: 10. كل واحد. المجموعة والأفراد. كل من وجد نفسه في مثل هذا الوضع. نير "زيغوس" العبودية. هذا ما يدلّ على ما في العبوديّة من قساوة وقهر. نشير إلى أن النير يرمز دومًا إلى العبوديّة (تك 27: 40؛ لا 26: 13؛ تث 28: 48...). إن حسب العبدُ أنهم مظلوم أو أنه أكره على العبوديّة (أسير حرب)، عليه أن يحترم سيّده. »دسبوتيس«: سيّد عبد (1بط 2: 18). ستتخذ اللفظة فيما بعد معنى آخر. لا يطلب بولس الطاعة كما في أف 6: 5 (هيباكواين)، بل الاحترام. والسبب: لئلاّ نعطي غير المؤمنين مناسبة للافتراء على الله والديانة المسيحيّة (3: 3؛ تي 2: 5). يعود هذا السبب إلى العالم اليهوديّ (أش 52: 5؛ حز 36: 20). وقد أخذت به الكنيسة الاولى (يع 2: 7؛ 1بط 4: 4، 14؛ 2بط 2: 2). اسم الله قدوس. والمؤمنون يمجّدونه (مت 6: 9؛ يو 17: 6). أما الأسياد الذين لا يعرفون الايمان الجديد إلاّ بشهود يرونهم كل يوم، فإنهم يجعلون الله مسؤولاً عن إهمالات مؤمنيه وكسلهم. هذا يعني أن سلوك المسيحيين هو كرازة في العالم (مت 5: 16؛ 1بط 3: 1- 2). وأن على العبيد المسيحيين أن يكونوا عبيدًا صالحين، أمناء لواجبهم اليومي. فان كانوا موضوع انتقاد واحتقار، أصاب التعليمَ الجديد ضررٌ بسببهم (تي 2: 10). "بما أنك مؤمن، لا تظنّ أنك حرّ. فهي حريّة من أجل خدمة أفضل" (الذهبيّ الفمّ).
تلك حالة لا يكون فيها الاسيادُ مؤمنين. وفي آ 2، نحن أمام أسياد اهتدوا إلى الله وآمنوا. عندئذ قد يرى فيهم العبيدُ إخوة مساوين لهم (1كور 7: 22؛ غل 3: 28؛ كو 3: 11). عندئذ يرفضون لهم الاحترام والطاعة الواجبة للرئيس. ويستفيدون من الظرف لكي يتجاوزوا الحدود. وهنا أيضًا يدعو بولس العبيد إلى حكم صائب، وإلى تقدير القيم التي عرفوها في الايمان. أسياد مسيحيّون. إذن، هم أول من نحبّ، والمحبّة احترام وتضحية. وهكذا تنطبع خدمتنا بالايمان والمحبّة. إذن يعملون مع، يشاركون، يُعينون.

2- قراءة إجماليّة
الشيوخ الذين يتكلّم عنهم بولس في 5: 17- 25، ليسوا بالضرورة أشخاصًا معمّرين. هم مسيحيون مسؤولون عن الكنيسة المحلّية، تحت سلطة الرسول أو ممثّله تيموتاوس. تصرّفُهم مهمّ جدًا من أجل حسن سير الجماعة، ومن أجل سمعة الايمان المسيحيّ لدى الوثنيين. طُرحت على بولس ثلاثة أسئلة وها هو يجيب عليها: كيف نكافئ ذاك الذي سلوكه كله أهل للمديح؟ كيف نعاقب ذاك الذي أخطأ أو أساء التصرّف في أموال الكنيسة؟ ما العمل لكي يُبعَد من ليس أهلاً، من وظيفته، بحيث يصل فقط من يستطيع أن يقوم بهذه المهمّة بجدارة ووقار؟
الشيوخ يرئسون الجماعة. لهذا كتب بولس في 1تس 5: 12: "وأسألكم، أيها الاخوة، أن تُجلّوا الذين يتعبون فيما بينكم، ويرئسونكم بالربّ، ويعظونكم". لسنا أمام رئاسة فخريّة وشرفيّة، بل أمام تدبير يشبه تدبير البيت. فمن كان أمينًا على وظيفته استحقّ أجرًا مضاعفًا: احترام الجماعة وتقديرها لمسؤوليها. أو أجر مالي يقوم بأود حياته. فالعامل يستحقّ طعامه. ومن لا يعمل لا يحقّ له أن يأكل. فالكنيسة مسؤولة عن تأمين حياة الخدّام الذين يعملون فيها. وتهتمّ بشكل خاص بالذين ينصرفون للتعليم والتبشير.
وإذ أراد الرسول أن يُسند كلامَه، عاد إلى العهد القديم كما فعل في 1كور 9: 9 (لا تكمّ الثور على البيدر، تث 25: 4). نشير هنا إلى أن تطبيق هذا الايراد على الوضع الحاضر، لا يرتبط بالمعنى الحرفيّ ولا بالمعنى التامّ. بل تكيّف النصّ من أجل هدف معيّن. في أي حال، كلام بولس دخل في الكتاب المقدّس، شأنه شأن العهد القديم، سواء كان شرحُ القديم قريبًا من النصّ أو بعيدًا عنه. ولكن السؤال الحقيقي المطروح في آ 18، هو أن الايراد الثاني يعود إلى انجيل لوقا (10: 7؛ رج مت 10: 10). هذا يعني أن الانجيل الثالث اعتُبر كتابًا مقدّسًا، يوم دوّنت 1تم (هذا يعني أنها جاءت متأخّرة)، فكان حجّة يُستند إليه كما يستند إلى كتب التوراة. ولكن إن اعتبرنا أن 1تم دوّنت قبل انجيل لوقا، فهذا يعني أن العبارة وردت في 1تم قبل أن تدخل في إنجيل لوقا، ونحن نعرف العلاقة بين بولس الرسول ولوقا كاتب الانجيل الثالث.
وإذا أراد أحد أن يتهمّ شيخًا من الشيوخ، كاهنًا من الكهنة، يسير في خط عُرف في العالم اليهوديّ: شاهدان أو ثلاثة. وإن صحّت الشهادات، يوبّخ تيموتاوس المذنب، يذكّره بواجباته، ويبرز سلوكه أمام الجميع، سواء كانوا الكهنة، أو الجماعة كلها. هو يتّضع. والجماعة تتنبّه، والكل يخاف خوفًا خلاصيًا.
واستحلف الرسول تلميذه (رج 6: 13؛ 2تم 4: 1). عاد به إلى الدينونة التي تنتظرنا كلنا، إلى نهاية الأزمنة ومجيء الربّ. فحين يمارس تيموتاوس وظيفته "القضائيّة، فهو لا ينسى من جهة أنه يحلّ محلّ الديّان السامي. ومن جهة ثانية، أنه سيمثُل هو نفسه أمام منبر الله. إن فكرة الدينونة الأخيرة لا بدّ أن تجنّب تيموتاوس كل فكرة مسبقة، كل حكم مسبق (بروكريما)، كل محاباة وتمييز شخص على شخص (بروسكليسيس) بسبب ميل شخصيّ. حكم موضوعي. لا يدين قبل أن يسأل.
ولكن التوبيخ عمل مؤلم لمن يوبّخ (هذا إذا كان فيه روح الله) ولمن ينال التوبيخ. لهذا، نتجنّبه إذا أمكن. أونقلّل منه. والسبيل بسيط: يكون المسؤول حذرًا في اختيار المرشّحين. لا يضع يده بسرعة على أحد ليكرّسه لخدمة في الكنيسة. حين تحدّث بولس عن الشمامسة، طلب فترة اختبار (3: 10). ونستطيع أن نقول الشيء عينه بالنسبة إلى الشيوخ (أو الكهنة، القسس). فتعيينُ المسؤول يفترص فطنة خاصّة. وإذا تصرّف تيموتاوس تصرّفًا غير لائق في هذا المجال، يكون مسؤولاً عن خطايا يقترفها شيخ وضع عليه يده. لأنه "رسمه" دون "كفالة" كافية. قال يوحنا في رسالته الثانية: "يكون مشاركًا له في أعماله السيّئة" (آ 11). هنا تبرز فضيلة التمييز (آ 24- 25). هناك أخطاء تظهر للعيان وأعمال، وهناك أخطاء تبقى خفيّة وأعمال. يبقى على المسؤول أن لا يؤخذ بالظواهر، أن لا يؤخذ فقط بما يرى أو يسمع. وفي أي حال ينتظر بعض الوقت قبل أن يتّخذ قراره في اختيار شخص لخدمة الكنيسة.

خاتمة
بعد الأساقفة (أو بالأحرى الأسقف) والشمامسة، أشارت 1تم إلى الشيوخ أو القسوس، أو الكهنة. فالاسم اتّخذ منحى خاصًا في تاريخ الكنيسة. وتفرّع في الطوائف المسيحيّة. فالشيخ هو مسؤول في الجماعة. وهناك أكثر من شيخ، كما كان هناك أكثر من شمّاس. غير أن هناك أسقفًا واحدًا، بدليل ورود الاسم في صيغة المفرد. وسوف نرى في الكنيسة الرسوليّة أنه يكون أسقف (مراقب) واحد في كل مدينة، يحيط به الكهنة والشمامسة، كل بحسب رتبته وموهبته. والهدف واحد: بنيان جسد المسيح.
الفصل الثالث عشر
التقوى الحقيقيّة
6: 3- 10
يبدو أننا وصلنا إلى نهاية الرسالة. أعطى بولس جميع التعليمات الضروريّة لتلميذه الذي تركه في أفسس. والدليل نهاية 6: 2: "علّم هذا وعظ به". تبدو هذه العبارة بشكل ملخّص لما قاله بولس في 1تم. ولكن قبل أن يوقّع الرسول رسالته، أوجز في لوحة أخيرة الموضوعين الكبيرين في الرسالة: حرب على المعلّمين الكذبة (6: 3- 10). مسؤوليّة التلميذ (6: 11- 21). أما نحن فاخترنا عنوانًا آخر: التقوى الحقيقيّة التي يقابلها الرسول مع تقوى يرغب فيها صاحبُها سبيلاً إلى الربح الماديّ.

1- دراسة النصّ
تكلّم بولس مرّة أولى عن المعلّمين الكذبة في 1: 3- 20، أي في بداية الرسالة، فقابلهم بتيموتاوس الذي يجب أن يكون واعظ حقيقة الخلاص ومدافعًا عنها. وتكلّم مرّة ثانية (4: 1- 8) عن هؤلاء المعلّمين الذين أنبأنا الروح بظهورهم، في خطّ ما قاله يسوع: "سيظهر مسحاء دجّالون وأنبياء كذبة" (مت 24: 24). وقبل الآيتين الأخيرتين في الرسالة كلها (6: 20- 21) اللتين تبدوان بشكل "وصيّة" أخيرة تحذّر تيموتاوس من الذين زاغوا عن الايمان، تتوقّف الرسالة هنا على سبب العمى عند هؤلاء "المعلّمين": الكبرياء وحبّ الظهور مع أنهم لا يفهمون شيئًا. ثم الجشع وحبّ المال، وهذا ما يتعارض مع التقوى الحقيقّة التي تقترن بالقناعة. وكانت نتيجة هذه الكبرياء وهذا الجشع، فقدان الايمان. حكمَ الرسولُ على هذه الكبرياء، ودعا تلميذه إلى التقوى. وحكم على هذا الجشع ودعا تيموتاوس إلى قناعة تكتفي بالقوت والكسوة، ولا تطلب الغنى لئلاّ يقع صاحبها في التجربة.
وقبل التفسير، نتوقّف عند الدراسة النصوصيّة: في آ 3، قرأ السينائي واللاتينيّ "بروساخاتاي" (وافق). وقرأ تيشندورف في خطّ 1تم 1: 4؛ 4: 1؛ تي 1: 4، المصدر (بروساخاين). ولكن يجب أن نقرأ "بروسارخاتاي"، تعلّق، تمسّك. في آ 5، هناك من أضاف بعد "التقوى" عبارة تكمّل بناء جملة ناقصة: فابتعدْ عن هذه. هذا ما نجده في السريانيّة والأرمنيّة والذهبيّ الفمّ... في آ 7، نجد في السينائي "هوتي أودي إكسن..." لأنا لم نأت. في البازي "ديلون هوتي"، يظهر أن. أو "أليتس هوتي"، في الحقيقة إنّا. في آ 8، القوت هي في الجمع (دياتروفاس). وُضعت في المفرد في البازي، وغيره "دياتروفين). في آ 9، جُعل "إبليس" (ديابولو) بعد "فخ" (باغيدا)، مثل 3: 7. في آ 10، نجد في السينائي "بويكيلايس" بدل "بولايس"، كل. والشعبيّة اللاتينيّة قرأت "زرع" بدل "أصاب".

أ- رجل الكبرياء (6: 3- 5)
إن آ 2ج (علّم هذا وعظ به) هي انتقالة تُنهي ما سبق وتبدأ ما يلي. إن تعليم بعض الافسسيين ليس بصحيح (1: 13)، لأنهم لا يستقونه من الانجيل. الفعل "بروسارخاتاي" (خالف) يعود إلى العالم الحكميّ (سي 2: 1؛ عب 4: 16؛ 7: 25). إنه يفسّر مسيرة الايمان (إلتاين، 2: 4؛ 2تم 3: 5)، يدلّ على من يقترب من كلمات الصدق ويتعلّق بها (إرخاستاي، يو 1: 39؛ 3: 20- 21). هذه الأقوال هي وديعة (6: 20) نقلها الرسل ونشروها (1تس 1: 8؛ 2تس 3: 1) فشكّلت التعليم (ديدسكاليا) التقليديّ. وما يميّز هذا التعليم البيبلي هو أنه ليس استنباطًا ذاتيًا، ولا تنظيرًا مجرّدًا، ولا اعتبارات دنيويّة. هو دينيّ بشكل خاص، وهو قاعدة حياة. ويتوجّه كله نحو العيش المسيحي فيغذّيه وينمّيه حسب التقوى (تي 1: 1). في الكنيسة وحدها، التي هي عمود الحقّ وحارسة سرّ التقوى، يقيم المسيح (3: 15- 16). فيها نجد أقواله في صدقها وقيمتها الحياتيّة (يو 5: 24؛ 6: 63، 68).
أما المعلّم الكاذب فلا يغتذي من ينبوع المسيح، بل يقدّم تعاليم باطلة، لا ترتبط بحياة المؤمنين العميقة. إن هذا التعليم الجديد الذي يبني لاهوتًا مستقلاً عن المسيح (1كور 3: 11)، يصل بنا في النهاية إلى مؤسّسة دنيوية، لا إلى كنيسة المسيح.
فكيف يستهين هؤلاء بأقوال المسيح التي هي في متناول الجميع، ويتجرّأون أن يعرضوا تعليمًا يعتبر نفسه دينيًا مع أنه لا يكرم الله؟ هم عميان. دخل فيهم تجّار الباطل (3: 6؛ 2تم 3: 4). نقرأ "تاتيفوتاي" في صيغة المجهول الكامل، فنكتشف وضعًا مستمرًا: هناك بلاغة على مستوى الفكر يتبعها كلام غير مسؤول وأحلام فارغة تنسى العهد الجديد والعلم الوحيد الذي يحمل ثمرًا، علم يسوع المسيح. هم يتكلّمون لكي يتكلّموا. وهكذا، حين لا نبحث عن الحقيقة في ذاتها، نجادل ونتكلّم ونعود إلى الكلام حتّى ننتهي في الفراغ التام.
حين يترك المؤمن "التقوى" ويتعلّق "المماحكات"، يلد عنده عددٌ من الرذائل التي تناقض المحبّة: مزاحمة تريد السوء. حسد وغضب ضد معلّمين مزاحمين. وننتهي في مرارة المنازعات (غل 5: 20- 21؛ روم 1: 29). وهكذا يكون الانسان ضدّ ما ما هو نبيل، ما هو حكيم، ما هو سام. وفي النهاية، يصل إلى الهجوم على مستوى الشتائم والافتراءات (بلاسفيميا، 1: 13؛ 2تم 3: 2) في رفقة الظنون السىّئة (هيبونويا، سي 3: 24).
عندئذ تكثر المنازعات (آ 5) التي تدلّ على العنف... وتنتقل العدوى من أشخاص إلى القطيع كله (2تم 2: 17)، فتفعل فعل الجرب، كما قال الذهبيّ الفمّ. "ديافتايراين"، أفسد، دمَّر. هذا الفساد لا يُرى بالعين المجرّدة، لأنه أصاب العقول. ولكننا نرى نتائجه في الضرر الذي يُحدثه. اعتبر هؤلاء المعلّمون أنهم ربحوا، فاذا هم خسروا كل شيء. ابتعدوا عن الايمان (2: 4؛ 2تم 2: 25؛ 3: 7)، فماذا بقي لهم. ظنّوا (نوميزو، 1كور 7: 26، 36) أن في التقوى الربح الماديّ (بوريسموس). ولكن تجارة التقوى هي تجارة من نوع آخر. لا شكّ في أن خادم المذبح يعيش من المذبح، ولكن الخطأ هو جعل "التقوى" موضوع تجارة.

ب- بين الربح والقناعة (6: 6- 8)
تلاعب بولس على معنى لفظ "بوريسموس" (ربح)، فتحدّث عن ربح من نوع آخر. ربح يقترن بالقناعة. هذا هو الربح العظيم الذي يجعلنا نفيد من مواعيد الحياة الحاضرة والحياة الأبديّة (4: 8؛ 2بط 1: 3- 4): من جهة يكون لنا الغنى الحقيقيّ الذي هو القرب من الله. ومن جهة ثانية، ننال من الربّ كل عون. "اوتاركايا". نكفي حالنا بحالنا. القناعة. الموضوع: كميّة تكفي حاجاتنا. تجعلنا نكتفي بما عندنا ولا ننظر إلى الخارج. مثلُ هذه التقوى تحمل أكبر سعادة.
ماذا تقول الفلسفة البشريّة في هذا المضمار (آ 7)؟ ندخل بجسدنا ونخرج بجسدنا. لا نحمل معنا شيئًا لا في الدخول ولا في الخروج. قال أي 1: 2: "عريانًا خرجت من بطن أمي وعريانًا أعود إلى بطن الأرض". وقال الفيلسوف سينيكا: "تفتّشُنا الطبيعة حين نغادر كما فتّشتنا حين دخلنا. لا يحقّ لنا أن نأخذ شيئًا لم نأت به معنا".
لهذا، ما يكفينا هو في الواقع شيء بسيط (آ 8). ما نأكله (دياتروفي، في الجمع) لئلا نموت من الجوع، وما نغطّي به أجسادنا. رج لو 12: 22- 24. هذا هو الضروريّ في العالم القديم. رج تك 28: 20؛ تث 10: 18؛ أش 3: 7.

ج- حبّ المال (6: 9- 10)
بعد أن ندّد الرسول بجشع بعض المعلّمين في أفسس، وهو وضعٌ يعارض كل المعارضة روح الانجيل، بل روح الحكمة البشريّة، ها هو يشجب نتائج حبّ المال وما فيها من خطر. نحن هنا في إطار بيبليّ تقليديّ: "من أحبّ الذهب لا يبرّر" (سي 31: 5؛ أم 15: 27؛ 23: 4). هناك الأغنياء. وهناك الذين يسعون إلى الغنى. هؤلاء سيجدون الفخاخ، ويقعون في التجارب (بايراسموس) بحيث يسقطون (امبيبتاين): يظلمون الناس، يكذبون، يحتالون، يسرقون. عميَ فكرُهم، وفسُد قلبُهم، فما عادوا يسمعون ويرون سوى المال.
ولكن رذيلة واحدة لا تبقى وحدها. وطلبُ المال هذا يجلب عددًا من الرذائل التي تقود إلى الدمار. نقرأ "بلاباروس": تعطلت الآلة. تعطّلت الصحّة. "بيتيزاين"، غرقت الباخرة في قعر البحر (لو 5: 7). وهكذا يخسرون كل شيء. على المستوى المادي. بل على المستوى الروحي: خسارة الايمان والخلاص.
كل هذا نجده في مثل "الغنيّ الجاهل" الذي أغلّت أرضه، فما بحث عن العطاء، بل عن تكديس الخيرات. قال ابن سيراخ إن المال هو في أصل شرور عديدة (سي 27: 1- 3). وقال التقليد اليهودي إن حبّ المال يقود إلى عبادة الأصنام. وقال الفلاسفة اليونان: سبب جميع الشرور هو سلطة نطلبها بالجشع. أصل (ريزا)، جذر، سبيل، نبع. بحبّ المال يبدأ كل شرّ. والنتيجة دمار على مستوى النفس كما على مستوى الجسد. استسلم (أوراغوماي، عب 11: 16) بعضهم لكل هذا، وها هم يقطفون ثمر ما زرعوا.

2- قراءة إجماليّة
يرسم الكاتب المعلّم الكاذب، الذي يعلّم تعاليم أخرى، في ثلاث سمات أساسيّة: عدم توافق مع تعليم الرسل. رفض كلمات المسيح. التخلّي عن التقوى الحقيقيّة. وهكذا نجد في آ 3 ثلاث عبارات تميّز الرسائل الرعائيّة. الأقوال الصادقة (1: 10). التقوى (2: 10). التعليم 1: 10). ماذا تعني عبارة "الكلمات الصادقة، كلمات ربنا يسوع المسيح". هي كلمات تلفّظ بها يسوع نفسه ونقلها التقليد (الشفهيّ والخطيّ). أو: هي كلمات عن يسوع المسيح، هي الكرازة الانجيليّة. نستطيع أن نفهم العبارة: أقوال يسوع الحاليّة كما عبّر عنها الرسل، على مثال ما كان الأنبياء يعبّرون عن كلام الله أمام الشعب. إن كانت 1تم دوّنت قبل سنة 67 وموت الرسول، فنكون أمام تقليد شفهيّ. وإن حوالي سنة 80 فنكون أمام أكثر من انجيل. في أي حال، نحن أمام كرازة حول يسوع المسيح.
وتجاه التقليد الصحيح حول يسوع المسيح، نجد المناقشات "المريضة" التي يقوم بها معلّمو الضلال. هم أشخاص مرضى انتفخ فكرهم كبرياء، فما عادوا يفهمون شيئًا. فسُد عقلهم واهترأ. وصار حسّهم الأبديّ مغلوطًا حتى الجذور، فما عادوا قادرين على بلوغ الحقيقة. محاولات صفّ كلام لا معنى لها ولا قوام. وثمارُ مثل "هذا النشاط" هي الحسد والخصومات والظنون الباطلة والافتراءات والمنازعات. وهكذا حلّ محلّ الوحدة التي يمنحها التعلّق بأقوال يسوع المسيح، فوضى تولّدها عودة حصريّة إلى حكم الشخص وحده دون العودة إلى الله.
بالاضافة إلى ذلك، هؤلاء المعلّمون أناس يحبّون المال. بل إن التقوى في نظرهم هي ينبوع ربح ومناسبة لجمع الثروة. ولكن الديداخي (11/6: 12) قال إن التجرّد هو علامة تميّز الرسل الصادقين من الرسل الكذبة. هؤلاء خلطوا بين عون ماديّ تقدّمه الجماعة للذين يخدمون فيها وبين انجيل هو "منجم" ذهب نستغلّه. لا شكّ في ذلك، قال بولس. التقوى ينبوع ربح، لا ماديّ، بل روحيّ. وهو الربح الوحيد الذي يستحقّ أن يهتمّ له المؤمن. فعلى مستوى الامكانيّات الماديّة، على المسيحي أن يعرف كيف يكتفي بما يملك. لا يتعلّق بشيء، فيفهم أن الأشياء لا تجعلنا سعداء، بل سعادتنا تحوّل الظـروف والأوضاع، بل إن الرب يحوّل كل شيء لخير الذين يحبّونه. وتبيّن آ 7 أن عدم اهتمام المسيحيّ بخيور الأرض، عائد إلى أن هذه الخيور لا ترتبط بالانسان في الصميم: فهو يأتي إلى الدنيا بدونها، ويعود إلى الآخرة بدونها. فلماذا يُتعب نفسه بأمور تافهة. لماذا لا يكتفي بالضروريّ على مستوى الطعام واللباس.
أما الذين يقتادهم طلبُ الغنى، فيحكمون على نفوسهم بحياة من الأوجاع تنتهي في الخراب والدمار. لأن الانسان الذي يقع في تجربة البحث عن الربح لن يعرف الراحة. تُلبّى رغباته فتنبت رغبات أخرى أقوى من الأولى، مثل شخص اعتاد على الكحول، فتصبح كل الوسائل صالحة ليشبع رغباته. من أمور بسيطة يصل إلى أمور أهم وقد يصل إلى الخطأ الكبير. ومن تجربة إلى تجربة، يؤخذ الانسان في فخاخ لا يستطيع أن يتخلّص منها. فيصل في النهاية إلى الدمار الزمنيّ والدمار الأبديّ.
لهذا، لا ندهش أن يكون بولس أعلن أن ينبوع كل الشرور هو محبّة الفضّة. لا شكّ في أن بولس يضخّم الأمور، هذا إذا لم يكن ما يقوله مثلاً معروفًا في الأوساط الرواقيّة. وقدّم صورة أولى عن الغنى: سيف يعبر في جسم الانسان. لا يشجب بولس كل ضلال، بل هذا التعطّش إلى المال الذي لا شيء يُشبعه.
خاتمة
جاء كلام بولس يشدّد على التعليم الصادق والتعليم الباطل، ويميّز بين الغنى الكاذب والباطل والغنى الصحيح. فالانسان يختار لنفسه طريق الايمان أو طريق الضلال، طريق السعادة أو طريق الشقاء. أما الطريق الأولى فهي طريق التقوى التي ترافقها أقوال الربّ. والطريق المعاكسة تقود إلى الباطل وإلى ما يقود إليه من رذائل. وتجاه الغنى الذي ينتهي في الدمار والهلاك، هناك غنى حقيقيّ يعطيه الربّ الذي لا ينسى طير السماء وزنابق الحقل، الذي يعرف حاجاتنا قبل أن نرفعها إليه. هناك الغنى الذي يرتبط بالقناعة، فيجعلنا نعيش يومًا بعد يوم الصلاةَ التي علّمنا إياها يسوع: "أبانا الذي في السماوات... أعطنا خبزنا كفاف يومنا".
الفصل الرابع عشر
تيموتاوس وجهاد الايمان
6: 11- 21
بعد أن ندّد بولس مرّة أخيرة بتعليم الهراطقة ورذائلهم، دفعه الكلام عن حبّ المال إلى عرض فلسفة عن السعادة البشريّة (في إطار عالم الحكمة)، وإلى تقديم اللاهوت حول التقوى التي تقترن بالفضيلة فتجعل المسيحيّ كاملاً. فلم يبقَ سوى إنهاء الرسالة بتحريض لتيموتاوس لكي يكون ثابتًا في الايمان، مجاهدًا في الفضيلة. هكذا يبرز وجهُ الراعي المثالي تجاه معلّمي الكذب. وبعد أن يتحدّث الرسول عن أغنياء هذا الدهر، يذكّر تيموتاوس مرّة أخيرة بالوديعة التي سُلِّمت إليه.

1- دراسة النصّ
ينقسم النصّ خمسة أقسام مترابطة: يجب على تيموتاوس أن يدافع بشجاعة عن الايمان (آ 11- 12). وما يدعوه إلى ذلك ثلاثة أمور: ما ألزم نفسه به حين تقبّل المعموديّة. الشهود العديدون الذين سبقوه وتقبّلوا التزامه. وأخيرًا، مثال يسوع الذي شهد أحسن شهادة أمام بيلاطس (آ 13- 14). والقسم الثالث هو مجدلة (آ 15- 16) تذكر قدرة الله تجاه ضعف الرسول، ونورَ الله تجاه الظلال التي تؤثّر بعض الشيء على حياة الكنيسة. وفي آ 17- 19 نسمع نصائح للأغنياء. وأخيرًا (آ 20- 21) تنتهي الرسالة بإشارة إلى الموضوعين الأساسيين في الرسالة: احفظ وديعة الايمان. إسهر تجاه التعليم الضال.
ونبدأ في الدراسة النصوصيّة. في آ 11 نجد التعريف (تو) أمام "تيو" (الله) في السينائي... والذهبيّ الفمّ وتيودورس... في آ 13 نقر "سوي" (إليك) بعد "أوصيك" في الاسكندراني وغيره. كان في الأصل فعل نادر: يُحيي، فجعل السينائي وغيره فعلاً يتكرّر "صانع الحياة". وقلب السينائي والنسخة السريانيّة عبارة "المسيح يسوع" إلى "يسوع المسيح". في آ 17، جعل السينائي الاسم والفعل (تكون لك عواطف تكبّر) كما في روم 11: ،20 بينما نقرأ هنا الفعل: تكبّر. جعل الاسكندراني والبازي التعريف (تو) بين "إبي" و"تيو"، على الله. وقرأ آخرون: في (إن) الله. وأضافت السريانية والشعبيّة... في خط 4: 10: الحيّ، فصارت الجملة: على الله الحيّ. في آ 18 نجد "أغاتويس" (صالح في صيغة الجمع) محلّ "كالويس" (حسن، جميل). في آ 19، قرأت بعض المخطوطات "الأبدية" بدل "الحقة". أما نحن فنقرأ الحياة الحقّة، لا الحياة الأبديّة. في آ 26، قرأنا "معكم"، فرأت السريانية والارمنيّة: معك (يا تيموتاوس). وكانت النهاية "آمين" في السريانيّة والشعبيّة، لا في النصّ المعتمد، في النهاية أضاف الاسكندراني: كُتبت من اللاذقية. وقالت مخطوطات أخرى: كُتبت من اللاذقية (لاودكية) التي هي عاصمة فريجية. وفي مخطوط روسيّ نجد "من نيكوبوليس".

أ- الدفاع عن الايمان (6: 11- 12)
"أما أنت". هذا ما يقابل بقوّة "بعض" في آ 10، و"أحد" في آ 3. علامة النداء »هو« تدلّ على الإلحاح (روم 2: 1، 3؛ 9: 20). "رجل الله". لا نقرأ هذه العبارة إلاّ هنا وفي 2تم 1: 21. رج 2بط 1: 21. في العهد القديم "إيش الوهيم" هو أولاً النبيّ الذي يرسله الله فيتكلّم باسمه (ق1 13: 8؛ 1صم 2: 27؛ 1مل 12: 22). هو يقابل "رجل الفضّة" (آ 9- 10).
ضلّ الهراطقة فابتعدوا عن الايمان الحقيقيّ (آ 3- 10). أما تيموتاوس فأخذ التوجيه الدينيّ الصحيح. نقرأ هنا الفعلين "تجنّب، طلب..." رج 2تم 2: 22؛ روم 12: 9. حسب قول الفلاسفة: طبيعة كل انسان طلبُ الخير والهرب (تجنّب) من الشرّ. ممّ يهرب؟ من اللائحة التي ذُكرت في الآيات السابقة. ومقابل هذا، لاحقْ، إبحث، أطلب أن تقتني. أن تمارس ستًا من الفضائل الأساسيّة السبع في المسيحيّة، وهي التي تتعارض مع مماحكات المعلّمين الكذبة: البرّ والتقوى (تي 2: 12). أي استقامة السلوك خصوصًا في العلاقات مع رؤساء الجماعة (حك 1: 1؛ 2تم 3: 16). والتقوى التي تحمل الثمار ترتبط بالمسيح وشعائر العبادة، وهي كمال العلاقات الشخصيّة مع الله وفي شعائر العبادة. والمثلث "الايمان" المحبة، الصبر". (هيبوموني) نجده في 1تس 1: 3؛ تي 2: 2؛ 2تم 3: 10. هو بلا شكّ عبارة ليتورجيّة. أما الوداعة فضروريّة من أجل الراعي ليساعد الخطأة على النهوض (غل 6: 1؛ 2تم 2: 25)، ليُهدئ الخلافات (2كور 10: 1)، ليحتمل كل هجوم وكل نكران جميل بدون مرارة ولا عنف. تلك كانت فضيلة الرب (مت 11: 29). بمثل هذا السلاح يستعدّ التلميذ للجهاد.
"طلب الرسول من تيموتاوس من قبلُ، أن يتمرّس، يتروّض. والآن يدعوه إلى القتال" (تيودوريتس). نحن هنا أمام استعارة رياضيّة وحربيّة، بل اسكاتولوجيّة، لأنها تهيّئ التلميذ لساعة النهاية. فالحياة الأبديّة هي الهدف الأخير. ورجلُ الله هو أول من يقوم بهذه الحرب الخاصّة من أجل الايمان الحقيقيّ. والحرب تبدأ اليوم. وتمتدّ حتى النصر. إذن، لا تتوقّف. ولماذا هذا القتال؟ لسببين. الأول، لأن الله دعاه إلى ذلك (2تم 1: 9؛ 2تم 2: 14). ورجل الله يتجاوب مع هذه الدعوة حتّى النهاية. الثاني، لأنه قبلَ هذه الدعوة وألزم نفسه بها، وجب عليه أن يقبل بكل متطلّباتها. تلك هي الشهادة وذاك هو الاعتراف (هومولوغيساس): توافق، ثمّ وعدٌ والتزام. ولم يكن التلميذ وحده حين تعهّد. كان أمام شهود عديدين. هي شهادة الايمان، في المعموديّة، أو في الوقت الذي التزم بالرسالة حين وُضعت الايدي عليه. وقد تأتي شهادة من نوع آخر تجعل التلميذ يشبه معلّمه، تجعل تيموتاوس يشبه بولس الذي أنهى حياته موتًا في سبيل المسيح.

ب- يسوع الشاهد الأول (6: 13- 14)
ويتحوّل الكلام هنا فيصبح احتفاليًا. يستحلف الرسول تلميذه أمام الله والمسيح. الله هو الذي يعطي الحياة الأبديّة. والمسيح يعطي مثالاً عن الأمانة حتى الموت، وهو الذي سيدين خدّام كنيسته في عودته. الشاهد الأول هو الله الحيّ، الذي يعطي الحياة لكل شيء. والثاني، شهد أمام بيلاطس: أعلن أنه ملك. أعلن أنه الحقّ وبالتالي الطريق التي تقود إلى الآب. في الأصل: بونطيوس بيلاطس. هذا كان الوالي الروماني في اليهودية حين مات يسوع. وهكذا حُدِّد الحدث بشكل رسمي، وانتقل إلى قانون الايمان. أجل، إن الالتزام العمادي هو اقتداء بالمسيح (عب 12: 2- 4) ووعدٌ بالذهاب في الجهاد حتى الموت، كجنديّ صادق مع سيّده. "كما فعل هو (يسوع) عليك أنت أيضًا أن تفعل" (الذهبيّ الفمّ).
هذا ما يعطي أمر الرسول كل معناه (آ 14). هذا الذي تشهد له ومعه الآن، هو الذي تلتقيه حين يظهر. وهنيئًا لك إن وجدك الآب شبيهًا بابنه. فعلى التلميذ أن يحفظ (تيراين) الوصيّة (إنتولي) كاملة (يو 14: 15، 21). وأن يحفظها بكمال، فيكون في حفظها بعيدًا عن كل لوم، على مستوى الكلام كما على مستوى العمل. هكذا يتصرّف رجل الله فيحفظ بلا لوم سرَّ التقوى.
إن ملاحقة الفضيلة (آ 11) وجهاد الايمان (آ 12) وحفظ الوصيّة (آ 14)، كل هذا يتوجّه نحو ظهور الربّ الذي يُبرز عمَل خدّامه (1كور 4: 5، ليجازيهم الجزاء الحسن)، فيقابل منبر بيلاطس والي اليهوديّة. وشتّان بين "ظهور" و"ظهور" (إبيفايناستاي). فظهور المسيح كالملك والربّ، هو موضوع رجائنا الأخير (تي 2: 13؛ 2تم 4: 8)، لأنه يتطابق مع دخولنا في السعادة.

ج- مجدلة أخيرة (6: 15- 16)
بعد أن يؤكّد الرسول أن هذا الظهور سيتمّ في حينه، يقدّم لنا نشيدًا من الكنيسة يعلن المجد والخلود لله.
فالكنيسة التي هي عمود الحقّ، التي هي بيت متين، يجب أن تدوم، والزمن ما زال طويلاً قبل ظهور الربّ. ولكن الله هو الذي يحدّد الوقت المناسب (كايروس)، لا الانسان. وبما أن هذا الظهور يدلّ على نهاية التاريخ وعودة المسيح المجيدة، أنشد الرسول "ذلك السيّد المبارك" ("ماكاريوس"، سعيد، طوباويّ، 1: 11)، لأنه يمتلك ملء الكمال. والسعادة الكاملة هي خاصّة بالامبراطور، بالملك. لهذا قال النصّ "السيّد" (ديناستيس). غير أن ربّنا يملك على السماء والأرض (2مك 12: 15). فمن هم الملوك تجاهه؟ قال النشيد: وحده (مونوس). السعادة الكاملة لا يملكها سوى الله. هو ملك الملوك. هو أعظمهم. وربّ الأرباب (تث 10: 17؛ مز 136: 3). لا ربّ يقف تجاهه. بل كل ربّ على الأرض ليس بشيء تجاهه. هو باطل.
ألِّه الأباطرةُ فاعتبُروا خالدين. ولكن الله وحده (مونوس، مرّة ثانيّة) خالد. وحده لا يموت. هذا يعني أنه من عالم آخر، أنه "نور لا يُقترب منه" (مز 104: 2؛ أي 37: 21- 24). النور شعاع يخرج من ينبوع. وهذا الينبوع يدلّ على السعادة والقدرة والخلود في عالم الروح. الله نور (1يو 1: 15). هو أبو الأنوار (يع 1: 15). لهذا، فهو لا يُرى (1: 14) ولا نستطيع أن ندنو منه. هو كالجبل الذي لا يمكن ارتقاؤه (أبروسيتوس). هذا ما قاله العهد القديم (خر 33: 20: لا يرى الانسانُ وجهي) والعهد الجديد (يو 1: 18؛ 1يو 4: 12؛ روم 1: 20).

د- نصائح للأغنياء (6: 17- 19)
هنا تأتي معترضة تقطع السياق بين آ 16 وآ 20، فتقدّم نصائح للأغنياء. يا ليتها كانت بعد آ 1- 2 (حبّ الغنى) أو آ 9- 10 (أخطار الغنى). ما جاء بها إلى هنا، الاشارة إلى الخلاص والحياة الأبديّة.
جاءت 1تم سلسلة من التوصيات (1: 3) سيحملها تيموتاوس إلى مختلف الفئات في أفسس. والوصيّة الأخيرة تتوجّه إلى الأغنياء الذين يبدو أنهم كانوا كثرًا. هم مسيحيّون أغنياء (يتكرّر الجذر أربع مرات). إذن، لا يطلبون الغنى (آ 9). هذه الدنيا. أي الزمن الحاضر (وما فيه من ضعف وموت. فلا نهتمّ به). يقابل الزمن الآتي. بدأت القسمة بين الاثنين مع العالم اليهودي، وانتقلت إلى العالم المسيحيّ. رج روم 12: 2: 1كور 2: 6؛ 2كور 4: 4؛ 2تم 4: 10. ففي هذه الدنيا، على هذه الأرض (يع 2: 5)، تسير الحياة بحسب التقوى حتّى ظهور المسيح (تي 2: 12- 13). أول فضيلة في الفضائل السبع التي تميّز المسيحيّ الغني، والتي تشرف على سائر الفضائل، هي التواضع. قالها بولس بشكل نهْي: لا يتكبّر، لا يترفّع. لا يحتقر الصغار، ولا يحسب نفسه أفضل من الآخرين. وتردُ الفضيلة الثانية أيضًا بشكل نهْي (لا يتكّلوا) ثم تأكيد (بل على الله): لا نجعل ثقتنا في الغنى، بل في الله. نقرأ "إلبيكاناي" (اتكل) في المصدر الكامل. أي نمنع نفوسنا كليًا عن الاتكال على الأموال، لأنها غير ثابتة وغاشة. "أديلوتيس": لا ثبات لها. كيف نستند إلى ما نجهل، إلى الأوهام.
كل غنى من الله. هذا ما يتذكّره كل انسان، ولا سيّما الغنيّ. والغنيّ الحقيقيّ هو الذي يستغني عن المال ويحبّ أن يعطيه. أعطانا الله المال لكي نعطيه، لكي نستثمره عطاء.
وترد في آ 18 أربعة أفعال تصوّر فضائل يجب أن يمتلكها الأغنياء: يكون الانسان حرًا تجاه الخيرات الماديّة، صغيرها وكبيرها. يسود على غناه ويوجّهه من أجل الخير. لا يتعلّق بما له. لا يحزن إن هو خسره (أو أعطاه). "أغاتوبوياين" صنع الخير. يقابل عمل الله (أغاتورغاين، أع 14: 17) وفريضة المحبّة الأخويّة (لو 6: 35). يعني هذا الفعلُ أننا نعطي وبطريقة تليق بالله: طوعًا، مجانًا، دون تمنين. لا تعرف شمالنا ما تفعل يميننا. ونقرأ "اوماتادوتوس": يدلّ على السخاء الذي به نعطي. كما يدلّ على عزّة النفس والفرح (المعطي الفرحان كما قال بولس في 2كور 9: 7). وحين يشرك الغني إخوته في ماله، يدلّ حقًا أنه عضو في الجماعة، يجعل موهبته في خدمة الآخرين، كما يجعل المعلّم موهبة المعرفة في خدمة الكنيسة.
أتُرى حين يعطي الغني إخوته يفتقر؟ بل هو يغتني، لأنه "يستثمر" ما له حيث يجب أن يستثمر (لو 19: 13). وينمو كنزه (أبوتيساوريزو). يصبح رأسُ ماله أكبر بحيث يستطيع أن يعطي أكثر. هذا على المستوى المادي. وهناك غنى من نوع آخر، الحياة الحقيقيّة، في هذه الدنيا، وفي الأخرى (المستقبل). حين يعطي الغني المساكين، يكونون أول مستقبليه في المظال السماويّة (لو 16: 9).

هـ- خاتمة الرسالة (6: 20- 21)
نادى بولس تيموتاوس باسمه كما في 1: 18، فدلّ على محبّته، كم دلّ على ما في إرشاده من إلحاح، ولا سيّما مع المنادى في آ 11: "يا رجل الله". إن مؤسّس كنيسة أفسس ترك بشكل نهائي هذه الجماعة المسيحيّة الكبيرة بين يدي خلفه الشاب وتلميذه والمفضّل. هي كلمة واحدة يستعملها الرسول للمرة الأولى فتوجز عواطفه وتمنّيه الأخير وروح الرسالة كلها: احفظ الوديعة.
"فيلاكسون". حفظ. في العبرية: ف ق د (لو 5: 21، 23). رج طو 10: 13: قالت عدناء لطوبيا: "ها إني أسلّم ابني وديعة أمام الله". التشديد هنا على الأمانة: نحافظ على ما سلّم إلينا ونعيده سالمًا. هذه الوديعة هي مهمّة تيموتاوس الرعائيّة والتعليميّة والإداريّة والالتزام الذي اتّخذه أمام الرب، والوصيّة التي تلقّاها (آ 14)، بل نحن أمام "التعليم الصحيح" وسرّ التقوى الذي تسلّمته الكنيسة (3: 15- 16) والذي يعطي الحياة. نستطيع أن نقول: حفظُ الوديعة هو السهر لكي تبقى الكنيسة دومًا، في تواصل وجودها وكل وجهات حياتها، كنيسة يسوع المسيح الذي هو الربّ الواحد.
يحفظ تيموتاوس الوديعة. لا يضيف إليها. ولا يحذف منها. يحفظها، بصدق وحكمة، وهذا حتّى الموت. والسهرُ يفرض عليه أن يهرب في وقت الحاجة، ويقف ساعة يجب الوقوف. يهرب من "كانوفونيا"، أي أصوات لا مدلول لها ولا مفهوم. كلام ضبابيّ. عددُ هؤلاء الأشخاص ليس كبيرًا، ولكن تأثيرهم يُفسد الجماعة. لهذا أنهى بولس كلامه بالكلام عنهم. وطلب لنفسه ولتيموتاوس ولجماعة أفسس نعمة خاصّة من لدن الله.

2- قراءة إجماليّة
بعد أن انتقد بولس معلّمي الضلال، رسم وجهَ الراعي الحقيقيّ في شكل موجز: حثّ تيموتاوس على أن يكون جديرًا بنداء الله. فالتلميذ »رجل الله«، وبهذا يختلف عن الذين يحبّون الفضّة. رجل الله هذا يشبه إيليا وأليشاع وداود. هو رجل نال رسالة خاصّة يجب أن يكرّس لها حياته كلها (اعلان الكلمة، مسؤوليّة الرعاية). ورسالة تيموتاوس تدعوه لكي يهرب من الضلال الذي ندّد به بولس، ويحيا الفضائل التي تجعل منه مسيحيًا حقيقيًا وراعيًا لا لوم فيه.
وما يُطلب من مجهود من التلميذ، يقابَل بجهاد، بل بسباق في الحلبة. فالمتسابق يسعى إلى إكليل يفنى. أما المجازاة التي وُعد بها تيموتاوس، فتعني انتصار الايمان ونوال الحياة الأبديّة. لا شكّ في أن هذه الحياة ليست ثمرة مجهود الانسان. فهي تبقى عطيّة الله (روم 8: 22- 23). غير أن الله يريد من الانسان جهادًا وعزمًا يتوافقان مع النداء. كل شيء نعمة، ولكن النعمة تصبح باطلة إن أهملها الانسان. يعرف التلميذ أنه مدعوّ إلى الحياة الأبديّة برحمة الله، بدون استحقاق سابق. والنداء المذكور هنا ليس دعوة إلى الخدمة، بل نداء إلى الحياة في يسوع المسيح الذي يجعل من المؤمنين "مدعوّين" (روم 1: 6- 7؛ 1كور 1: 2). لهذا، نفسّر اعتراف الايمان (هومولوغيا) هنا، لا كتأكيد على إيمان مستقيم ساعة وضْع اليد، ولا كشهادة أمام المحاكم، بل كجواب المؤمن على نداء الله. "إن اعترفت بفمك أن يسوع ربّ، وآمنت بقلبك أن الله أقامه من بين الأموات، تخلص" (روم 10: 9)
"من آمن أن يسوع هو المسيح، وُلد من الله" (1يو 5: 1). فالمعموديّة التي هي علامة الايمان، تنقل "الموعوظ" من الموت إلى الحياة (روم 6: 1ي). فالمؤمن خليقة جديدة (2كور 5: 17) في يسوع المسيح وبقدرة الله. لهذا، لا ندهش إن تحدّث الكاتب عن الله وقال إنه يعطي الحياة. أما الوصيّة التي ينبغي على تيموتاوس أن يحفظها، فليست قولاً يدعوه إلى الهرب من محبّة الفضّة. بل هي قاعدة حياة تصدر من الايمان والانجيل. كان يسوع قد تسلّم من الآب وصيّة بها يعطي حياته ويستعيدها (يو 10: 18). هذه الوصيّة هي الحياة الأبديّة (يو 12: 50). ويسوع بدوره أعطى تلاميذه وصيّته. لهذا، فالمسيحيّ يتسلّم هذه الوصيّة ويعد بأن يبقى أمينًا لها. وما يساعد التلميذ على هذه الأمانة فكرة مجيء الربّ.
كانت آ 5- 8 انتقادًا لطلب الربح، كما ظهر لدى عدد كبير من المعلّمين المضلّين، فيبقى أن يقدّم الرسول اعتبارات عامّة حول التعلّق بخيرات هذا العالم مع سؤالين: هل يجب على من يريد أن يكون تلميذ المسيح أن يتجرّد عن كل ما يملك؟ هل يمكن الانسان أن يكون مسيحيًا وغنيًا في الوقت عينه؟ تحدّث بولس عن الغنى، ودلّ أن هناك غنى هذا العالم الذي يعطي خيرات موقتة، وغنى العالم الآتي الذي يعطي الخيرات الحقيقيّة. رج مت 6: 19؛ لو 12: 16- 21؛ 16: 9. وكانت مقابلة بين هذا العالم، العالم الحاضر، الخاضع لقوى الشرّ التي تسعى لبلبلة أفكار البشر بحيث تمنعهم من البلوغ إلى الخلاص بالايمان بيسوع المسيح، وبين العالم الآتي. إن المسيح قهر هذه القوى الشيطانيّة فسارت في ركابه (كو 2: 15). والمسيحيّ مات عن عناصر العالم (كو 20: 10).
ومع ذلك، لا يطلب بولس من الأغنياء أن يتخلّوا عن أموالهم. فالفقر المادي (والعوز) ليس شرطًا ضروريًا لكي نكون مسيحيين. كل ما أراده بولس هو أن يحذّر أصحاب الأموال من تجربتين: احتقار الآخرين، الاتكال اللامحدود على المال. فهناك تجربة قد يقع فيها الغني حين ينظر من فوق إلى الناس، يحتقر الصغار والعمّال، يستغلّ الفقراء بلا رحمة. وهناك تجربة تجعله ينسى الله ويستغني عنه وعن عونه. فالرفاهيّة التي يُرمز إليها بالشحم الذي يغلّف الجسم، تمنع النفس من الارتفاع إلى الله (تث 31: 20؛ 31: 15؛ أي 15: 27). لهذا يصعب على المتخم الشبعان أن يكون قلبُه قلبَ فقير ليدخل إلى الملكوت. كان أجور (أم 30: 8- 9) قد طلب من الله أن يُبعد عنه الفقر والغنى. فإن شبع قال: "أين هو الرب". وهكذا يميل عن الله.
فللغنيّ المسيحيّ في الكنيسة مكانته، وله رسالته التي هي نبيلة مهما انتابها من الخطر: إنه وكيل الغنى الالهي الذي يمكن أن يجعله في خدمة الجماعة، ولا سيّما الفقراء فيها. هذا ما نقرأه في آ 18. فالغنيّ لا ينعم بغناه بروح أنانيّة بما يملك، بل يستعدّ للعطاء والمقاسمة. هناك عمل خارجيّ، الصدقة (اوماتادوتوس). وهناك استعداد داخليّ يدلّ على محبّة الاخوة (كوينونيكوس). أو هناك من يحسن للآخرين بقلب منفتح ولا ينتظر من يطلب منه (أم 22: 9؛ 2كور 9: 7). وذاك الذي يجعل ما عنده في خدمة المجموعة كلها، كما كان الوضع في كنيسة أورشليم (أع 2: 44؛ 4: 32). هكذا يتصرّف الوكيل الصالح.
وإن كان هذا الوكيل أمينًا لوكالته، كان له الربح الحقيقيّ. فهو يجمع من أجل المستقبل كنزًا يكون له رأس مال مهمًا جدًا. نجد هنا صورتين: الكنز الذي نحتفظ به. الأساس الذي نستند إليه. فكرة الكنز السماويّ معروفة في العهد الجديد (مت 6: 20؛ مر 10: 21). وحيث يكون كنزنا هناك قلبنا.
وتنتهي الرسالة بدعوة تيموتاوس إلى السهر والمحافظة على وديعة الايمان. ويفهمه بولس أن الرسالة وإن توجّهت إليه، فهي تتوجّه أيضًا إلى الكنيسة كلها. لهذا، لم ينه كلامه: "النعمة معك"، بل "النعمة معكم". لقد تمنّى بولس أن يرى نعمة الرب فائضة بوفرة في قلوب المؤمنين، في خط ما نقرأ في نهاية 2كور: "نعمة ربنا يسوع المسيح، ومحبّة الله، وشركة الروح القدس معكم أجمعين".

خاتمة
ظلّت 1تم محافظة على موضوعها الأساسيّ، فما انتهت مثل روم، مع السلامات والتمنيات. في البداية، أعطى الرسول وصيّته. وفي النهاية، طلب من تلميذه أن يحفظ الوديعة. منذ البداية حذّره من المعلّمين والمضلّين، وظلّ ينبّهه حتى النهاية من هذا الخطر الذي يهدّد كنيسة أفسس، ويهدّد اليوم كل كنيسة من كنائسنا. لهذا، وجب على تيموتاوس أن لا يخاف ولا يتردّد، بل ينطلق في طريق الجهاد، ولو كلّفه ذلك حياته. سيكون جنديًا ليسوع المسيح. أما سلاحه فغير سلاح البشر. البر، التقوى، الايمان، المحبّة، الصبر، الوداعة. بمثل هذه الفضائل، يمكنه أن ينطلق لكي يفوز بالحياة الأبديّة التي دُعي إليها. وليس هو وحده، بل جميع الذين سلّموا إلى رعايته. تلك هي التجارة الحقّة التي يقوم بها هذا التلميذ الصالح والوكيل الأمين والشاهد لحضور الربّ يسوع في الكنيسة.
خاتمة
تلك كانت دراستنا للرسالة الأولى إلى تيموتاوس، أولى الرسائل الرعائية، كما في العهد الجديد. رسالة تنقلنا إلى عالم "بولسيّ" آخر لم نعتد عليه في سائر الرسائل، وان جاء في امتداد الرسائل السابقة.
بولس هو رسول يكتب إلى تلميذه. وتلميذه يقتدي به. بولس خادم الانجيل، رغم الصعوبات التي تجابهه والآلام. وهو يريد أن يكون حاضرًا في جماعات أسّسها، فينقل إليها توصياته. يحدّث تيموتاوس الذي هو ابنه، ويذكّره بأن الشريعة صالحة. أما مركز حياته، فالمسيح الذي من نسل داود، حسب انجيل بولس.
وتجاه ذلك، نقرأ التقاليد الارشاديّة التي تستعمل أمورًا خلقيّة عرفها العالم اليونانيّ، وقرأها اليهود قبل المسيحيّين فوجدوا فيها امتدادًا لتعليم الكتب المقدّسة. فالصفات المطلوبة من المسؤول في الكنيسة، هي تلك التي تُطلب من الموظّف في "الادارات الرسمية" مع تشديد خاص على الانسان الصادق، الشريف. ولائحة الرذائل والفضائل التي تستعملها الرسائل الرعائيّة في صراعها مع المعلّمين الكذبة، نجدها في "الحرب" بين المدارس الفلسفيّة. ولوائح الواجبات المتعلّقة بالفئات الاجتماعيّة، تذكّرنا بشرعة العائلة التي نجدها في أف 5: 21- 6: 9؛ كو 3: 18- 4: 1؛ 1بط 2: 13- 3: 7. مثل هذه اللوائح نقرأها في الأدب اليونانيّ الذي يتحدّث عن تدبير البيوت في العالم القديم.
وانطلقت 1تم من عبارات تقليديّة عن الخلاص نقرأها في المدائح والمجدلات. في عبارات الكرازة والفقاهة، في اعترافات الايمان، فقدّمت عناصر سوف نجدها في قانون الايمان: عن التجسّد: "ظهر في الجسد، شاهدته الملائكة، آمن به العالم" (3: 16). عن آلام المسيح وموته في أيام بونطيوس بيلاطس (6: 13): هناك شهد أحسن شهادة. وأخيرًا، عن القيامة والظهور الأخير كما في 2تم 2: 8؛ 4: 1.
فالرسالة الأولى إلى تيموتاوس، شأنها شأن الرسالتين الأخريين، تكشف لنا الخلاص داخل مخطّط الله. فإن شددت تي 1: 2 على وعد الله الذي لا يكذب، و2تم 1: 9 على قصد الله، فإن 1تم تذكر تدبير الله المبنيّ على الايمان (1: 4). فالله إله مخلّص. وهو منذ الأزل يقدّم نعمته للبشر. وهذا القرار الأبديّ عن الخلاص يتجلّى في التاريخ، ويتّصل بأحداثه. اُخذ التعبير من العالم اليونانيّ حيث يدخل الملك إلى المدينة بصورة مفاجئة، ليتجلّى بعمله الخيّر بمناسبة انتصار في الحرب أو شفاء من مرض، أو حدث خارق ما كان لبشر أن ينتظره. فأخذته الرسائل الرعائيّة للكلام على تدخّل الله بواسطة ابنه يسوع.
تلك كانت مسيرتنا في 1تم. نطرح الموضوع العام. ندرس النصّ. وفي النهاية، القراءة الاجماليّة التي ترتبط بنظرة روحيّة ورعائيّة. فالكتاب كُتب لتعليمنا. فما نفع تعليم لا يكون حياة، وما نفع غنى تعليميّ نأخذه ولا نحمله إلى آخرين. عندئذ نُشبه صاحب الوزنة الواحدة الذي لم يتاجر بها فنال العقاب الذي يستحقّ. قرأنا 1تم وتأمّلنا فيها. هي الأولى بين الرسائل الرعائيّة. فإلى الرسالة الثانية إلى تيموتاوس والرسالة إلى تيطس. والربّ هو الذي يلهم مسيرتنا.