رسالة القديس بولس إلى أهل فيليبي

تقديم

الرسالة إلى فيلبّي هي رسالة من القلب إلى القلب بين بولس وجماعة كانت أولى الجماعات التي أسّسها الرسول في أوروبا. وهي أيضاً تنبيه إلى صعوبات من الداخل وصعوبات من الخارج. صعوبات من الداخل هي الخصومة والحسد والبحث عن المجد الباطل. لهذا يدعو بولس الفيلبيّين لأن يتحلّوا بالتواضع ويحسب كل واحد الآخرين أفضل منه. وصعوبات من الخارج سبّبها وعّاظ متجوّلون ومسيحيّون متهوّدون، مسيحيّون ما زالوا متعلّقين بالشعائر اليهوديّة ويحاولون أن يفرضوها على مسيحيّين جاؤوا من العالم الوثنيّ.
الرسالة إلى فيلبّي رسالة دوّنت من السجن. قالوا من رومة في الستينات وربما من قيصريّة البحريّة في فلسطين. بل دوّنت من أفسس حوالي سنة 55 فجاءت أفكارها قريبة جداً من الرسائل البولسيّة الكبرى (روم، 1 كور، 2 كور، غل) لا سيّما على مسئوى العلاقات اليهوديّة المسيحيّة في بدايات الكنيسة والصراع القائم بينهما. لا شك أننا لا نقابل فل مع غل أو روم، ولكن عمق المشكلة هو هو.
الرسالة إلى فيلبّي، بل الرسائل إلى فيلبّي: قال الشّراح واعتبروا أنها ثلاثة. وقد جاء أحد تلاميذ بولس فدمجها في رسالة واحدة لكي تتوافق مع حجم سائر الرسائل البولسيّة. وهكذا جاءت فل بعد أف وقبل كو و1 تس و2 تس. فلو بقيت رسائل ثلاث لكانت بعضها قريبة من الرسالة الثانية أو الثالثة من رسائل يوحنا. فرضيّة لم تفرض نفسها ولكنها تُطرح على المستوى الأدبيّ لتحلّ بعض المشاكل العالقة في توالي الأفكار والعبارات. غير أن هناك من يدافع عن وحدتها وهو العارف بطرق الكتابة في ذلك الزمان، أكان إملاء أم كتابة باليد. وهو العارف بشخص بولس المندفع الذي يتذكّر الخصوم فجأة والدمار الذي يخلّفونه وراءهم فيحذّر المؤمنين من "كلاب" مستعرة، هم أبعد ما يكونون عن الراعي الذي يبذل نفسه من أجل الخراف، هم أبعد ما يكونون عن الأب الذي ولد أبناءه ليكونوا عروسأ للمسيح.
الرسالة إلى فيلبّي رسالة تشعّ بالفرح. مع أن بولس هو في السجن والموت ينتظره. مع أنه يحاول أن يخفي مواطنيّته الرومانيّة ليكون شهيد الرب يسوع. فيدعوه "الروح" إلى أن يكشفها. وهكذا يختار أن يعيش، لا أن يموت، لكي يعود إلى أهل فيلبّي والى العمل من أجل نجاح الإنجيل وتقدّمه. وفرحُ بولس ينبع من نظرته إلى هذه الكنيسة الفتيّة، إلى الإنجيل الذي يبشّر به في كل مكان حتى في دار الولاية. والفرح الذي يعمر به قلب الرسول يريد أن يوصله إلى أبنائه. "إفرحوا في الرب دائماً، وأقول أيضاً إفرحوا". فرح في قلبه رغم الجهاد والاضطهاد، لأنه مبنيّ على الإيمان ومؤسّس في يسوع المسيح.
هذه هي الرسالة إلى فيلبّي ونحن نحاول أن نقرأها ونتأمّل في معانيها فنكتشف فكر الرسول بولس الذي كان طليعة كتّاب العهد الجديد منذ 1 تس حتى فل و1 كور، و2 كور، وحتى روم التي كانت قمّة في تفكيره اللاهوتي. وفّقنا الله في متابعة مشروع تفسير رسائله وبارك عملنا الصغير لمجده تعالى.
الفصل الأول
بولس وأهل فيلبي

أسّس بولس كنيسة فيلبّي في ثاني رحلاته الرسوليّة. وابتعد عن هذه الجماعة العزيزة على قلبه. فأرادت أن تعبّر عن حبّها له واهتمامها بأموره، فأرسلت له مع ابفروديتس، أحد أفرادها، مساعدة ماليّة، ساعدته على الخروج من ضيقته، فكتب لها هذه الرسالة التي هي أبعد ما تكون عن المقال اللاهوتي كما هو الحال بالنسبة إلى الرسالة إلى العبرانيين أو الرسالة إلى أفسس.
نتعرّف إلى مدينة فيلبّي والكنيسة التي تأسّست فيها. كما نتعرّف إلى الزمان الذي فيه دوّنت فل والمكان الذي منه أرسلت. وفي النهاية نقول كلمة سريعة في اللاهوت الذي يميّز هذه الرسالة.

1- مدينة فيلبّي
في زمن بولس، كانت فيلبّي متربّعة على تلّة تجاه سهل مكدونية الشرقية، وإلى الشمال الشرقيّ من اليونان الحالي. أحاطت الجبال بهذه المدينة من ثلاث جهات، فلم تكن مفتوحة إلاّ على الغرب. هناك يمرّ نهر "انجيتس" بين جبليَ أوربلوس وبنجيس. إتصلت فيلبّي ببحر إيجه بطريق تعبر جبل سنبولون فتصل إلى مرفأ نيابوليس (اليوم: كافالا) بعد ثلاث أو أربع ساعات من السير على الأقدام. هذا ما فعله بولس مع رفاقه على ما يرويمما لوقا في أع 16: 12.
يعود إسم فيلبّي إلى فيلبّس الثاني، ملك مكدونية ووالد الاسكندر الكبير. في سنة 358/ 357، حوّل مكاناً مغموراً إلى مدينة محصّنة. كانت المنطقة غنيّة بمعادن الذهب، فاستفاد منها الصندوق الملكي. في سنة 169 ق. م.، قهر بولس اميليوس فونا (الروماني) برسيس، ملك مكدونية، فصارت البلاد مقاطعة رومانيّة وخسرت وحدتها. وصارت فيلبّي جزءاً من أولى مناطق مكدونية الأربع مع عاصمتها أمفيبوليس (أع 17: 1). وبعد سنة 148، إرتبطت مكدونية ارتباطاً وثيقاً برومة، وصارت فيلبّي محطة وصل هامة على الطريق الاغناطية، وهي الطريق الستراتيجيّة التي تربط الشرق بالغرب، عبر بيزنطية (في تركيا الحالية) ودورازو (في ألبانيا الحالية).
خلال قلاقل داخليّة طبعت العالم بطابعها في القرن الأول ق. م.، انتصر أوكتافيوس (سيصبح الامبراطرر أوغسطس) وأنطونيوس (الذي تعلّق فيما بعد بكليوباترة، ملكة مصر) في سهل فيلبّي سنة 42 على قاتليَ يوليوس قيصر، بروتوس وكاسيوس. وبعد نهاية المعركة، حوّل أنطونيوس المدينة إلى مستوطنة (أع 16: 12)، بمعنى أن المولود فيها يكون مواطناً رومانياً يتمتّع بما يتمتّع به ابن رومة نفسها. وكمّل أوغسطس عمل شريكه بعد أن انتصر عليه في أكسيوم سنة 31 ق. م. حينئذ أحلّ فيها قدامى الحرب، فصارت فيلبّي مستوطنة عسكريّة وسمّيت مستوطنة يوليا أوغسطا فيلبّي.
وعى سكان المدينة أنهم "رومان" (أع 16: 21). ولكنهم في الواقع تألّفوا من خليط من البشر. هناك السّكان الأصليّون، ثم قدامى الجيش الروماني الذين انتصروا على أنطونيوس في أكسيوم، وعدد من المهاجرين من إيطاليا. تنوّع السكّان فتنوّعت شعائر العبادة عندهم: فمع عبادة الامبراطور ووظيفتها الموحّدة، شكّلت عبادات محليّة (جاءت من تراقية) ويونانيّة وأناضوليّة ومصريّة وسوريّة، فسيفساء تلفيقية، بدت بجانبها الديانة التوحيديّة اليهوديّة، في وجه "حقير" جداً. لم يكن لها مجمع لأن عدد المؤمنين لم يتجاوز العشرة رجال.
هكذا بدت فيلبّي حين وصل إليها بولس ليجعل منها أول مدينة أوروبيّة تتقبّل الإنجيل. ما الذي حدث لهذه المدينة بعد ذلك، لا يهمّ موضوع الرسالة إلى فيلبّي. حافظت المدينة على مكانتها في القرون الوسطى. ولكن دمّرها الأتراك فصارت اليوم تلاً من الركام.

2- الجماعة المسيحية في فيلبّي
إن الحقبة التي شكّلت بالنسبة إلى المسيحيّة تأسيس جماعة فيلبّي، هي مهمّة جداً. ففيها وُضعت أولى بذار الإنجيل في أرض أوروبيّة. لهذا أبرز صاحب سفر الأعمال تبشير هذه المدينة، فروى كيف نال بولس وهو في ترواس من أعمال أسية الصغرى (أي: تركيا الحاليّة) رؤية ليليّة. بدا بولس كالآباء في ترحالهم، فوجّهه الله بشكل يفوق الطبيعة البشريّة. "وقف به رجل مكدونيّ يطلب إليه قائلاً: أعبر إلى مكدونية وأغثنا" (أع 16: 9).
فعبر بولس شمالي بحر إيجه برفاقة سيلا وتيموتاوس. وبعد وقفة في جزيرة ساموتراكية، وصلوا إلى نيابولس. حينئذٍ أخذوا الطريق الاغناطيّة ووصلوا إلى فيلبّي. وبعد بضعة أيام، انضم بولس ورفاقه إلى جماعة يهوديّة صغيرة كانت تصليّ خارج المدينة "يوم السبت على مجرى ماء". لم يكن هناك إلاّ بعض النسوة. فوجّه إليهنّ بولس كلامه. وكان بينهن امرأة اسمها ليدية. أصلها من تياتيرة في ليدية (في آسيا الصغرى. قد تكون أخذت اسمها من اسم المقاطعة التي وُلدت فيها). كانت تتاجر بالارجوان، ولهذا كانت غنيّة جدّاً. لم تكن يهوديّة، بل وثنيّة تعبد الله الواحد. كانت تتعاطف مع العالم اليهودي وتمارس بعض شرائعه.
هذه المرأة تقبّلت الانجيل بفرح. فبعد أن سمعت كرازة بولس، اعتمدت هي وأهل بيتها. بل طلبت من المرسلين أن يدخلوا بيتها ويقيموا فيه. وبعبارة أخرى، صار بيتها "كنيسة" تجتمع فيها جماعة فيلبّي يوم الأحد (أع 16: 11- 15).
كنا نتمنّى أن يواصل سفر الأعمال خبره كما بدأ، فيقدّم لنا ملاحظات حول السفر. ولكن ما نقرأه في أع 16: 16- 40 يطرح عدداً من الأسئلة على المؤرّخين. يروي لوقا طرد الشيطان من خادمة فيها روح عرافة، وسجن بولس وسيلا وخروجهما العجيب من السجن بفضل هزّة أرضية (تدلّ على حضور الله وتدخّله)، وعماد السجّان وأهل بيته، والإفراج عن الرسولن بأمر من القضاة الذين توسّلوا إليهما بأن يتركا المدينة.
مهما يكن من أمر هذه الأخبار وما فيها من نفحة أدبيّة جميلة، لا شكّ في أن أوّل إقامة لبولس في فيلبّي لم تخلُ من الألم ولا من الاضطهاد. وهو بنفسه يشهد على ذلك مرّتين. مرّة أولى في 1 تس 2: 2 قال: "فإنّا بعد أن تألمّنا وأُهِنّا في فيلبّي، كما تعلمون، تجرّأنا في إلهنا على أن نكلّمكم بإنجيل الله في جهاد جمّ". ومرّة ثانية في فل 1: 30. فبعد أن حدّث بولس أهل فيلبّي على النعمة التي أعطيت لهم بأن يتألّموا من أجل يسوع، قال: "تجاهدون الجهاد عينه الذي رأيتموه فيّ وتسمعون به عني الآن". هذا الجهاد هو الاضطهاد الذي قاساه بولس في تأسيس كنيسة فيلبّي.
ما رواه لوقا يتوافق مع كلام بولس. بدأ المرسلون بالتبشير، ولكن فسدت الأمور بسرعة، فأجبروا على ترك المدينة والتوجّه إلى تسالونيكي (أع 17: 1).
متى تأسّست جماعة فيلبّي؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الوجهة التقريبيّة في الكرونولوجيا البولسيّة، نستطيع الاقول بدون مخاطرة، إن كنيسة فيلبّي قد تأسّست سنة 50. وهكذا تكون المسيحيّة قد وصلت إلى أوروبا عشرين سنة بعد موت يسوع وقيامته.
وسيكون لبولس أن يمرّ أيضاً مرّتين في فيلبّي. الأولى، خلال الرحلة الرسوليّة الثالثة. عبر مكدونية وزار فيها الكنائس المحليّة وأقام في فيلبّي. نقرأ في 1 كور 16: 5: "وسوف آتيكم بعد اجتيازي في مكدونية". وفي 2 كور 2: 13: "لم تكن لي راحة في روحي... فودّعتهم وانطلقت إلى مكدونية". وفي 7: 5: "منذ قدومنا إلى مكدونية، لم يكن لجسدنا راحة قطّ". فالصعوبات القاسية التي أصابت الرسول هناك، لا يمكن أن يكون سببَها هذه الكنائس التي افتخر بولس بشجاعتها وسخائها (2 كور 8: 2: فاض فرحهم في ما امتحنوا فيه من الضيق الكثير، وفقرهم الشديد قد طفح بغنى سخائهم).
ويذكر سفر الأعمال مرور بولس الثاني في مكدونية في 25: 6. فبدلاً من أن يتوجّه إلى جنوب اليونان (رج أع 18: 18)، أجبر على أن يتوجّه إلى مكدونية بسبب مؤامرة دبّرها اليهود عليه. قال لوقا: "أمّا نحن فأقلعنا من فيلبّي، بعد أيام الفطير". بعد ذلك، توجّه بولس إلى أورشليم وسوف لن يترك المدينة المقدّسة إلاّ سجين يسوع المسيح.

3- أين كتبت فل
أ- رسائل الأسر
ويطرح السؤال: أين دوّن بولس فل، ومن أي موضع أرسلها؟ إذا عدنا إلى أع، نعرف سجنين لبولس. واحد في قيصريّة البحريّة (أع 23: 33- 26: 32)، وآخر في رومة (أع 28: 16- 1 3). مع العلم أن سجن رومة هو امتداد لسجن قيصريّة. أما إذا عدنا إلى رسائل السجن (أو: رسائل الأسر)، فلا نجد إشارة إلى مواضع سجن بولس.
إن 2 تم تقدّم بولس في ليلة موته (4: 6- 7). مهما يكن من أمر هذه الرسالة وأمر الرسالتين الرعائيتين الأخريين، فيبدو أن 2 تم قد دوّنت في رومة التي هي بحسب التقليد موضع استشهاد بولس. وإن كو وأف وفلم تقع خلال الأسر عينه. وهذا ما نكتشفه حين نقابل فلم مع كو من جهة، أف مع كو من جهة أخرى. ويرى معظم الشّراح أن موضع كتابة أف، كو، فلم، هو رومة. لا براهين نجدها في هذه الرسائل. ولكن لا بدّ من إبعاد هذه الرسائل عن رسائل بولس الكبرى بسبب تطوّر الفكر من روم، 1 كور، 2 كور، غل، فل، إلى كو، أف.
وتبقى الرسالة إلى فيلبّي التي تختلف عن كو وأف، فتقف في خطّ الرسائل الكبرى. اعتبر الشّراح الأقدمون، وحتى نهاية القرن التاسع عشر، أن فل دوِّنت في رومة. ولكن تحوّلت الآراء اليوم وتعدّت موضع تدوين فل. هل كتب بولس رسالة واحدة إلى فيلبّي؟ ولكن تفتيت الرسالة لا يفرض نفسه. سوف نعود إلى "الرسائل الثلاث" في فصل لاحق. ولكن مهما يكن من أمر، يجب أن تبتعد فل عن كو، أف، فلم، وبالتالي يجب أن نتحدّث عن سجن آخر جاء قبل سجن رومة بزمن طويل.
ب- كُتبت فل في أفسس
هنا برزت فرضية سجن ثالث، لا يكون في رومة ولا في قيصريّة، بل في أفسس. فيها سُجن بولس وبعث منها برسالة إلى أهل فيلبّي.
نحن نعرف أن بولس أقام ثلاث سنوات في أفسس (مدينة في أسية الصغرى، أي تركيا)، خلال رحلته الرسوليّة الثالثة (أع 19: 1- 20: 1). وسفر الأعمال الذي يروي لنا ما حصل لبولس في تلك المدينة، لا يقول شيئاً عن سجن له في أفسس. غير أن 1 كور التي دوِّنت ولا شك في نهاية إقامة بولس في أفسس (فصح 57)، تذكر المخاطر التي حلّت بكاتبها من أجل الإنجيل: كان كلام بولس البرهان بأنه يؤمن بقيامة الموتى. قال: "ونحن أيضاً، لِمَ نخاطر كل ساعة بأنفسنا؟... وإن كنتُ لأغراض (لأسباب) بشريّة قد حاربت الوحوش في أفسس، فأي نفع يعود عليّ؟ إن كان الأموات لا يقومون، فلنأكل ونشرب فإنّا غداً نموت" (1 كور 15: 30- 32).
هذا "الصراع ضد الوحوش" قد فهمه عدد من الشرّاح بطريقة حرفيّة. قالوا: هناك فجوات في أع: قد يكون لوقا جهل أن بولس حارب الحيوانات المفترسة في ملعب أفسس! في الواقع، لا نستطيع أن نفهم 1 كور 15: 32 بهذا الشكل. لأن هذا النوع من الصراع كان محصوراً بالمحترفين (على مثال ما يحدث في صراع الثيران في إسبانيا).
أما إذا فهمنا هذه العبارة في المعنى العام، أي أن يُرمى بولس للوحوش كما حدث لأغناطيوس الانطاكي (رسالة إلى أفسس 1: 2؛ إلى الترليين 10) أو في استشهاد بوليكربوس (3: 1)، إذا فهمنا العبارة بهذا الشكل، يكون بولس قد خرج حياً من هذا الخطر. هنا لا ننسى أن بولس هو مواطن رومانيّ، وهو بالتالي لا يخضع لمثل هذا العذاب. لهذا، يجب أن نرى في هذه العبارة صورة (رج 2 تم 4: 17: أنقذت من فم الأسد؛ اغناطيوس الانطاكي إلى رومة 5: 1) عن المعاملات القاسية التي أصابت الرسول وهو في أفسس. ولكن هذا لا يفرض بالضرورة أنه ألقي في السجن في تلك المدينة.
ج- كُتبت فل في رومة
إذن، هل كتب بولس فل في رومة؟ في 1: 13 يعلن: "صارت قيودي في المسيح معروفة في دار الولاية كلّه وسائر الأنحاء). هل نحن أمام إشارة واضحة تدلّ على موضع تدوين فل؟ نشير أولاً إلى أن "برايتوريون" (دار الولاية) دلّت في الأصل على خيمة القائد في المعسكرات الرومانيّة. وتعطي الأخبار الإنجيلية (عن الآلام) لهذه اللفظة معنى متفرّعاً: قصر الوالي بيلاطس (مر 15: 16؛ مت 27: 27؛ يو 18: 28، 33). وهناك والٍ آخر اسمه فستوس قد جعل بطرس مقيّداً في "دار هيرودس، في قصر هيرودس" (أع 23: 35).
غير أن "برايتوريون" قد يدلّ أيضاً على حرس الأمبراطور أو الوالي (أو: الحاكم)، ويدلّ على مقام ممثّل رومة. والحال أننا نجد فرَقاً حاكميّة (مرتبطة بالحاكم الروماني) لا في رومة فقط، بل في مدن أخرى من الامبراطوريّة، مثل أفسس وغيرها. إذن، لا تتيح لنا "برايتوريون" التي نقرأها في فل 1: 13، أن نستخلص أيّة نتيجة. وكذا نقول عن "بيت قيصر" في 4: 22. هذه التسمية تدلّ على خدم مرتبطين بالامبراطور، وهم موجودون حيث للامبراطور أملاك وقرى. 
إذن، ليس من برهان مقنع يدلّ على أن فل كتبت في رومة. ثم لا ننسى أن رومة تبعد 1300 كلم (4 أو 5 أسابيع من السفر) عن فيلبّي. أما الرسالة إلى فيلبّي فتفترض رواحاً ومجيئاً متواصلين بين هاتين المدينتين (بين بولس وأهل فيلبّي): عرف المسيحيون بسجن بولس، فأرسلوا إليه من فيلبّي ابفروديتس. لما وصل هذا إلى بولس، مرض مرضاً خطيراً، وعرفت جماعة فيلبّي بمرضه. كل هذا قد ذُكر في 2: 25- 26، وهو يفترض أقلّه خمسة أشهر من التبادل بين بولس وكنيسة فيلبّي...
كانت الطريق قصيرة بين فيلبّي وأفسس: عشرة أيام عبر بحر إيجه. هل يمكن أن نترك رومة ونعود إلى أفسس كموضع تدوين فل؟
ثم إن هناك مشاريع بولس: فهو يرجو بعد نجاته من السجن أن يأتي شخصياً ليزور الفيلبيّين (2: 24). أما حسب روم 15: 23- 24، فقد كان بولس يخطّط للذهاب إلى إسبانيا بعد أن يترك رومة. فإذا كانت فل قد دوّنت في رومة، فيجب أن نفترض أن بولس ترك المشاريع المتعلّقة بإسبانيا، أنه تخلّى عن انطلاق وإلى الغرب، وعاد أدراجه نحو الشرق. قد يكون الرسول بدّل مشاريعه بعد أن وصل إلى رومة كسجين لا كإنسان حرّ.
لن نتوقّف عند الفرضيّة التي تتحدّث عن قيصريّة كموضع محتمل لتدوين فل. وهكذا نستطيع العودة مع درجة كبيرة من المعقول إلى أفسس كالموضع الذي فيه دوّن بولس رسالته وبعث بها مع أبفروديتس. فإذا أخذنا بهذه الفرضيّة تكون فل قد دوّنت مع الرسائل الكبرى. إما قبل 1 كور و2 كور. يعني سنة 53/ 54. وإما بعد هاتين الرسالتين (وهذا أقرب إلى المعقول)، أي سنة 56/ 57. فالمواضيع المطروحة في الرسالة الكبرى، ولا سيّما المتعلّقة بالصراع مع العالم اليهوديّ والختان، تجعلنا نقول إن زمن تدوين فل قريب جدّاً من تدوين 1 كور، 2 كور.

4- لاهوت فل
اعتبر النشيد الكرستولوجي (2: 6- 11) منذ زمن بعيد درّة ثمينة في قلب فل. فما يميّز هذه الرسالة يكمن في "عناد" بولس بأن يرفض كل هرب إلى خارج تاريخ البشر، وهو هرب "تقدّمه" نظرة إلى الموت "مع المسيح" (1: 21- 24). أو تجربة حياة مسيحيّة "مجيدة" (ف 3)، بمجد فارغ، أو مجد يُفرغ الحياة من الصليب. أما في نظر بولس، فيجب أن "نغطس" من جديد في تاريخ البشر وزمانهم، أن نعمل في هذا التاريخ وننطلق دوماً إلى الأمام.
في هذا العالم تجسّد يسوع وعمل، فقلبَ التاريخ البشريّ دون أن يلغيه، حوّله تحويلاً كلياً لكي يجعل فيه ملكوته (2: 10- 11). غير أن هذا الملكوت ليس حقيقة مجرّدة. إنه يُعاش، يتجسّد في تاريخ البشر الذين أصابهم في الصميم تأثيرُ الصليب والقيامة (3: 4 ي)، فجعلهم يتحرّكون (3: 12 ي)، ويتوقون إلى هدف لم يأتِ بعد. فبما أن لا خلاص إلاّ في التاريخ، اهتمّ الرسول بأن يعلن الإنجيل بلا كلل (1: 12- 26)، وحرّض الجماعة المسيحيّة على الهرب من "فردوس" مصطنع، ليبنوا حياة أخلاقيّة ملموسة (1: 27- 2: 5؛ 2: 12- 16؛ 4: 2- 9). ولكن هذا التاريخ الذي صار جديداً، ما زال مطبوعاً بالحدث الذي ولّده. بل هو هذا الحدث الذي نعيشه في الكرازة الرسوليّة وفي حياة الجماعة المسيحيّة.
لهذا، فالانجيل الذي نعيشه في التاريخ، يتميّز أولاً بديناميّته، التي هي ديناميّة قيامة المسيح (3: 10). والرسالة كلها تهتزّ بالفرح أمام النظرة إلى انطلاقة جديدة للعمل الرسوليّ (1: 12- 26). كما نحسّ بالسخط وعدم الرضى تجاه تزييف الانجيل (ف 3). وفي كلا الحالين، نأخذ قوّة لكن نواجه الموت والسجن والخيانة، ونقبل بدمار سنوات من العمل والصلاة. وهذه القوّة عينها تتيح لنا المثابرة والصمود، والسير إلى الأمام، فنتحدّى الصعوبات والانشدادات، ونرفض الهرب والمساومات.
وكما أن القيامة تتجذّر في ليل الصليب، كذلك تنبع قوّة المسيحيّ من المشاركة في آلام المسيح والتشبّه بموته (3: 10: نأخذ فينا صورة موته. نأخذ موتاً مثل موته). لهذا، لا تعرف الرسالة من علامة فارقة إلاّ التواضع والضعف. ولهذا، تتأسّس أخلاقيّة الجماعة المسيحيّة على الموت عن الذات وعلى الحبّ الذي يجعل الإنسان يعتبر الآخر أفضل منه (2: 3).
وهكذا يُدفع المسيحي إلى أن يعيش يوماً بعد يوم المعنى الحقيقيّ للتقلّبات التي يُحدثها موت المسيح في تاريخ البشر: كل شيء هو عطاء مجانيّ من عند الله. كل شيء هو عمل عجيب من أب يُخرج القوّة من والضعف، والحبّ من المنازعات، والحياة من الموت (2: 9- 13؛ 3: 8 ي).
الفصل الثاني
رسالة أم رسائل إلي فيلبي

كان بولس سجيناً حين كتب إلى المسيحيّين في فيلبّي. إنه يذكر "قيوده" في 1: 3، 14، 17. ويتطلّع إلى الاستشهاد والموت كأمر ممكن (1: 20- 21؛ 2: 17). غير أنّ هذه التعليمات لا تُقرأ إلاّ في الفصلين الأولين. لا شكّ في أننا نستطيع أن نكتشف في 4: 14 إشارة إلى "محنة" شاركه فيها أهل فيلبّي. ولكن يبقى أنّ هذه الرسالة التي يعتبرها الشّراح مدوّنة بيد بولس، قدّمت إشارات جعلت بعض الشّراح يرون فيها لا رسالة واحدة، بل عدّة رسائل دوّنت إلى جماعة فيلبّي ثم ضمّت بعضها إلى بعض في رسالة واحدة.
بعد أن نتوقّف عند أصالة وكمول فل، ندرس النظريّة التي تتحدّث عن رسائل ثلاث قد جمعت في رسالة واحدة هي اليوم الرسالة إلى فيلبّي كما نقرأها في نصّ العهد الجديد.

1- أصالة وكمول فل
قبل أن نطرح هذه الأمور العلميّة نودّ أن نقول إنّ النصّ الكتابيّ هو كلمة الله، سواء كانت فل رسالة واحدة منذ البداية، أم ثلاث رسائل ضمّت في رسالة واحدة. البحث العلميّ يبقى للعلماء ويّقدّم بشكل فرضيّة، أما كلمة الله التي نقرأها في الإيمان، فنستمع إليها بخشوع ونحاول أن نجسّدها في حياتنا وأعمالنا وأقوالنا.
أ- أصالة فل
حين نتحدّث عن الأصالة (authenticité)، نريد أن نشدّد على صحة نسبة الرسالة إلى بولس الرسول. في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين هاجم بعض الشّراح هذه الرسالة واعتبروا أنّ بولس لم يكتبها. أمّا الآن، فلا نجد أحداً يشكّ بأصالتها ونسبتها إلى بولس. كيف نتخيّل كاتباً "كاذباً" يكتب مثل هذه الرسالة "المفكّكة"، التي تعود إلى وضع غير واضح وإلى تعليم غير منسّق. فالتعليم الذي نجده في فل ينبع من قلب الرسول الذي لا يهتمّ بأن يقدّم "مقالاً" لاهوتياً على ما في أف أو عب أو روم.
ثم إنّ بولس يبدو متردّداً في هذه الرسالة (1: 21 ي). يدلّ على تواضعه، فلا يستند إلى سلطته الرسوليّة (1: 1). فمن هو "الكاتب" الذي سيختفي وراء مثل هذا الشخص؟
إذن فل هي رسالة أصيلة ولو حاول بعض العلماء أن يعودوا إلى الحاسوب ليقابلوا كلمات هذه الرسالة مع كلمات غل، روم، 1 كور، 2 كور. ثم إنّ بوليكربوس الأزميري (القرن الثاني) لمّح إلى رسائل كتبها بولس إلى أهل فيلبّي، كما أورد مقاطع هامّة من فل في ما كتبه إلى المؤمنين.
ب- كمول فل
حين نتحدّث عن الكمول (intégrité)، نريد أن نقول إنها واحدة مع كل أجزائها، وانه لم يقع تبدّل فيها ولا تحوّل. هي هي كما صدرت من يد بولس ولم تشوّه إطلاقاً. لم تُجزَّأ ولم يُنتقص منها.
* فل هي تجميع وتركيب
في القرن السابع عشر هاجم الشّراح كمول فل. وبعد هذا توقّف كل جدال في هذا المجال حتى منتصف القرن العشرين. ولكن بعد هذا الوقت ظهرت عدّة دراسات تقول إنّ فل هي تجميع وتركيب لنصوص كانت في الأصل مستقلّة. لن نورد التقطيعات (الطريقة التي قطعت، جُزِّئت الرسالة) المختلفة التي تدور حول مسألتين أساسيّتين: القطع الذي نلاحظه في 3: 1. "وبعد أيها الأخوة، إفرحوا في الرب"... وهنا يأتي القطع وتبديل الموضوع: "لا تزعجني الكتابة إليكم في الأمور نفسها، ففي تكرارها سلامة لكم". والمسألة الثانية هي الحديث الذي نجده في 4: 10- 20. هل هذا وقت الشكر عن المدد الذي أرسله الفيلبيّون إلى بولس؟
* القطع في 3: 1
أن يكون هناك قطع (أو: توقّف) في 3: 1، فالأمر واضح. فالتحريض على الفرح (3: 1 أ) يتبعه تحذير قاسٍ جداً (3: 1 ب). واللهجة اللاذعة في ف 3 تتعارض مع لغة المودّة التي نجدها في ف 1- 2. لا شك في أنّ هذا العنف لا يتوجّه إلى الفيلبيّين أنفسهم، بل إلى خصوم محدّدين. ومع ذلك فالفصلان الأولان يجعلاننا لا نستشفّ خطرأ قريباً على الجماعة، كما أننا لا نجد شيئاً في ف 3 حول مصير الرسول (وهذا جزء كبير من ف 1- 2). إذا تذكّرنا أنّ بوليكربوس تحدّث عن عدّة رسائل لبولس إلى الفيلبيّين، نتساءل هل انتمى ف 1- 2 وف 3 إلى رسالة واحدة أم إلى رسالتين مختلفتين؟
* ما هو الردّ على هذه البراهين
إنّ الذين يدافعون عن وحدة فل يقولون إنه مرّ بعضُ الوقت بين تدوين ف 1-2 وف 3- 4. وإنّ بولس حين وصل إلى مقال الخصوم احتدّ بعض الشيء، ونسي علامة الوصل. ثم إنّ بداية الرسالة ليست بعيدة عن كل جدال. مثلاً، نقرأ في 1: 28: "غير متخوّفين في شيء من الذين يقاومونكم". بعد هذا، لا نطلب في فل منهجيّة منطقيّة للكتابة: فبولس "يتحدّث" مع الفيلبيّين الأعزّاء على قلبه، فيقول الأمور كما ترد في ذهنه دون أن يبحث عن نظام وترتيب. وقد يكون بولس بدأ بإملاء القسم الأول، ثم دوّن بيديه القسم الثاني. ومهما يكن من أمر، فالتقليد المخطوطيّ متّفق كل الاتّفاق بشأن الرسالة إلى فيلبّي. وهذا هو البرهان الأهم من أجل التشديد على وحدة فل.
* ردّ على الردّ
ماذا نقول في كل ذلك؟ كان التردّد مشروعاً لو أنّ ف 1-2 هما حديث لا هدف محدّداً له. إنما القراءة المتفحّصة لهما تدلّ على أنّ بولس وضع أمامه هدفاً معيَّناً وتابعه بشكل متماسك. وانطلاقاً من الخطوط الكبرى التي يعلنها في المقدّمة (1: 3- 11)، نراه يعطي أخباراً عن وضعه الخاصّ (1: 12- 26)، ثم رأيه حول تطوّر الوضع في فيلبّي (1: 27-2: 18). بعد هذا، يُنهي كلامه بنظرة إلى المستقبل (2: 19- 30).
من جهة ثانية، يبدو تقديم البراهين في ف 3 بشكل متراصّ، وهو لا يخلو من بعض العمق اللاهوتيّ. إذن، نحن هنا أمام كتلتين متجانستين ومتماسكتين. وينفسخ هذا التماسك حين نحاول أن نجمع بين هاتين الكتلتين الأدبيّتين. فنحصل حينئذٍ على تجميع غير منسّق. هذا مع العلم أنّ "الفجوة" في 3: 1 واضحة جداً، وأنّ جميع المحاولات التي قام بها الشّراح ليردموها ظلّت مصطنعة. أما البرهان المتين الوحيد من أجل كمول فل فيكمن في القرابة بين مواضيع ف 3 و1: 27- 2: 18. ولكن هذه مسألة يجب أن تجد حلّها خارج وحدة الرسائل، كما سنبيّن في ما بعد.
* مسألة 4: 10-20
إنّ هذه المقطوعة (4: 10- 20) تكفي نفسها بنفسها وهي ترتبط بالسياق بشكل متراخٍ. فيها يشكر الرسول أهل فيلبّي على المساعدة التي أوصلوها إليه في سجنه. ولكن هل هذا هو موضع الشكر في الرسالة؟ أفي النهاية؟ هذا ما نشكّ فيه لا سيّما إذا انتبهنا أنّ 1: 3- 11 و2: 19- 30 تشيران إلى معونة شكرَ الرسولُ أهل فيلبّي بسببها. ثم إنّ 2: 19- 30 يدلّ على أنه مضى وقت طويل بين وصول أبفروديتس حامل المعونة وتدوين هذا المقطع. هل انتظر بولس كل هذا الوقت لكي يعبرّ عن شكره لأحبّائه؟ ثم إنّ 2: 19- 30 تجعلنا نظنّ أنّ المبادلات كانت متواترة بين بولس وفيلبّني (لي رجاء أن أبعث إليكم تيموتاوس). لهذا، فمعظم الشّراح الذين يرون في فل رسائل متميّزة في الأصل يجعلون الرسالة ثلاث رسائل. ف 1- 2؛ ف 3؛ 4: 10- 20. هذا الأخير هو بطاقة (أو رسالة موجزة) سبقت باقي الرسالة، وفيها أرسل بولس شكره حين تسلّم المعونة التي وصلت إليه.
* تحديد قسمة الرسالة
إذا وضعنا جانباً 4: 10- 20، فما تبقّى من ف 4 يتكوّن من تحريضات وتوصيات تصلح لأن تكون خاتمة لإحدى الرسائل المذكورة أعلاه. هنا يختلف الشّراح الذين يعتبرون فل مركّبة من ثلاث رسائل. غير أننا نستطيع أن نكتشف في تحريضات وتوصيات ف 4 أربعة أجزاء مختلفة. أ- آ 1- 3؛ ب- آ 4- 7؛ ج- آ 8– 9؛ د- آ 21- 23.
ترتبط (ب) بالفصلين الأولين اللذين يستعيدان موضوع الفرح الذي يغيب من ف 3، بعد اقطع في 3: 1 أ. ثم إننا نجد في الحالتين إشارة إلى الصلاة وفعل الشكر (4: 6= 1: 3 ي= 2: 12 ي) وقرب الرب (4: 4= 1: 7، 11= 2: 16). أما الجزء الأول (آ 2-3) فلا نستطيع أن نفصله عن آ 4- 7 دون أن نعقّد تدخّل الكاتب الأخير للرسالة، ونتجاهل التوافق اللافت لموضوع الجهاد لأجل الإنجيل المتواتر في ف 1- 2، والحاضر في 4: 3 (= 1: 5، 7، 12، 16؛ 2: 22)، والغائب من ف 3. وفي الختام، إنّ 4: 1- 7 ينتمي إلى الرسالة المكوّنة من ف 1- 2.
أما 4: 8- 9 (ج) فهو تكرار بالنسبة إلى بداية ف 4، ويوافق لغة 3: 1 ب- 21، لا سيّما في ما يخصّ النموذج الذي يقدّمه الرسول (4: 9= 3: 17 ي. ولكن رج 1: 29 ي). أما التحيّة في 4: 21- 23 (د) فهي ترتبط مع عبارة "بيت قيصر"، إمّا بقصر الوالي في 1: 13، وإمّا بالبطاقة في 4: 10- 20 الذي يفترض (في ما يخصّ سجن الرسول) سياقاً مشابهاً للفصل 1-2.
وهكذا نصل إلى التقسيم التالي:
أ- 4: 10- 20 (أو: 4: 10- 23).
ب- 1: 1- 3: 11+ 4: 2- 7+ (4: 21- 23).
ج-3: 1 ب- 4: 1+ 4: 8- 9.
أما التسلسل الكرونولوجي لهذه الرسائل الثلاث فيبدو كما يلي: الرسالة أ هي سابقة للرسالة ب بسبب طبيعتها (بطاقة شكر قصيرة). أما الرسالة ج فلا تتحدّث عن السجن. إذن، قد تكون كُتبت قبل سجن الرسول. ولكننا في هذه الحالة لا نفهم أن لا تكون الرسالتان أ و ب تأثّرتا بالهجوم العنيف الذي نجده في ف 3 (= ج). وإلاّ، نفترض أن لا تكون كل هذه الرسائل قد وُجّهت إلى فيلبّي. لهذا يبدو أنّ بولس حين كتب الرسالة ج، كان قد ترك السجن وتطرّق إلى حالة خطرة في جماعة فيلبّي، وهي حالة نكتشف جذورها في الرسالة ب.

ج- تجميع وتركيب فل
كل فرضيّة حول الطابع المركّب للرسالة إلى فيلبّي، تفترض عملاً تدوينياً: أخذ كاتبُ هذه الرسائل الثلاث وجعلها رسالة واحدة. فرسائل بولس أخذت تدور في الجماعات، وقُرئت خلال شعائر العبادة، فكوّنت شيئاً فشيئاً مجموعة ستكون في أساس اللائحة القانونيّة للعهد الجديد. من قام بعمليّة التجميع هذا؟ أمر لا نعرفه. غير أننا أمام مسيرة بطيئة. وفي داخل هذه المسيرة نحدّد موقع تدوين فل. وما هو معقول، هو أنه بمناسبة انتقال كتابات الرسول، امتلكت جماعة فيلبّي ثلاث رسائل قصيرة، فجمعتها في رسالة واحدة لتكون قريبة بحجمها من سائر الرسائل البولسيّة.
نشير إلى أنّ هذا التدوين تمّ بصدقٍ، فلا نجد أثراً لأيّ تحريف أو دسّ نصّ لم "يدوّنه" الرسول. فالنصوص هي مقدّسة ولا بدّ من التعامل معها بكل احترام. وإذ أراد المدوّن الأخير أن يجعل من الرسائل الثلاث رسالة واحدة، جعل في النهاية كل المقاطع التحريضيّة التي اعتاد بولس أن ينهي بها رسائله. وهكذا بدت رسمة هذا العمل التدوينيّ واضحة: مقدّمة (1: 1- 12). جسم الرسالة (1: 12- 4: 1). تحريضات وتوصيات (4: 3- 23). وضمّ كلُّ من هذه الفصول أجزاء تقابل الرسائل الأولانيّة. في هذا المنظار، صارت الرسالة أ (4: 10- 20) عنصراً دخل في مجموعة التوصيات التي تنهي فل.

2- الرسالة ب
تبدو الرسالة أ (4: 10- 20) قصيرة. كان الرسول في السجن، فأرسل إليه أهل فيلبّي ما يكفي حاجاته بواسطة ابفروديتس (4: 18؛ رج 2: 25 ي). كان بولس مشغولاً بأمور ملحّة، فأرسل بطاقة قصيرة يشكر لهم هذه المساعدة. غير أننا نحسّ ببعض التحفّظ في كلام الرسول.
أما الرسالة ب (1: 1- 3: 1 أ+ 4: 21-23). فهي تشكّل الجزء الأكبر في فل. ما زال بولس في السجن (1: 7، 13 ي)، ولكن في أي ظروف؟ إنّ تحديد ذلك مهمّ جداً لكي نفهم النصّ فهماً صحيحاً، ونعرف وضع قرّاء الرسالة. لهذا نبدأ فنحدّد معنى هذين الإطارين.
أ- وضع الرسول
* بولس سجين
يعتبر الشرّاح عامّة أنّ الرسول المسجون يتعرّض للموت ولا يعرف المصير الذي ينتظره. لهذا قد تكون هذه الرسالة وصيّة يرسلها بولس إلى الجماعة التي أسّسها. فيؤكّد فيها مرة أخرى أنّ المهمّ هو تقدّم الإنجيل (1: 5، 7، 12، 16، 27؛ 2: 22)، والتواضع الذي يميّز الجماعة المسيحيّة (2: 1 ي). في هذه النظرة، بدا سجنه ذا فائدة (1: 12). وإنّ الفرح بتقدّم عمل الله يتغلّب على الآلام الشخصيّة (1: 4، 25؛ 2: 2، 29؛ 4: 1؛ 1: 18؛ 2: 17؛ 2: 28؛ 3: 1).
يستند هذا التحليل إلى 1: 21-24 و2: 17 حيث نكتشف تلميحات إلى موته القريب. ولكن هناك من يقول (دون أن يقنعنا) إنّ بولس كان قد ترك السجن حين كتب هذه الرسالة. بل هو كتبها كسجين، والتلميحات إلى المحكمة (1: 13)، لا يمكنها أن تعود إلى مثول بولس أمام غاليون في كورنتوس (أع 18: 12- 17). ولكن بعض الشّراح يشكّ في أن نكون تجاه رسالة وداعيّة. بل نجد ترقّبات بأن يرى بولس أبناءه من جديد (1: 25- 27؛ 2: 12، 24). ونحن نفهم الباعث على الفرح في إطار خلاص من السجن ولا في إطار تهديد بالموت.
لا شكّ في أن الوضع الذي يفرضه 1: 12- 26 ليس بالسهل. وإن آ 21- 24 تفترض أن الرسول ينتظر حكم الأعضاء في المحكمة، دون أن يعرف إن كان يُعتبر بريئاً أو يُحكم عليه بالموت. ولكن أسلوب هذه الآيات لا يجد ما يوازيه عند بولس إلاّ في الجدالات البلاغيّة. إذن، يمكننا أن نتساءل: ما نجده هنا ليس وصفاً نفسياً، بل دفاعاً بلاغياً ولاهوتياً لموقف اتّخذه بولس. وتبدو هذه الفرضيّة معقولة حين نعرف أن آ 15- 18 جعلت القارىء في إطار هجوميّ.
هناك رباط بين آ 15- 18 من جهة وبين آ 21- 24 من جهة ثانية مع الأداة "غار" التي نقرأها في آ 19 (فإني أعلم). ثم، من هم الأشخاص المذكورون في 1: 15 (يكرزون بالمسيح بروح الحسد والخصام)؟ إنهم واعظون مسيحيّون حقيقيّون. فبولس لا يلومهم من الناحية العقائديّة.
* بولس وخلاصه من السجن
هنا نقدّم فرضيّة تاريخيّة قد يبدو لها بعض السند وإن كانت ضعيفة. كان بولس سجيناً منذ بعض الوقت، وقد عزم على أن ينجو من سجنه كاشفاً عن صفته كمواطن رومانيّ. غير أنّ هذه المبادرة لم تلقَ الترحيب في الجماعة المسيحيّة: بعضهم اتهّم بولس بالتخاذل والجبن، واعتبروا أنّ الاستشهاد هو الدعوة الحقيقيّة لتلميذ المسيح، لرسول الصليب. لهذا دافع بولس عن نفسه في 1: 12- 26 ودلّ على أنّ همَّه الوحيد هو الانجيل.
ولقد كانت نتائج عمله على قدر آماله: فحين كانت محاكمته تتعثّر، استيقظ قصر الوالي كله بما كشفه بولس من تعليم (آ 12- 13). والجماعة المسيحيّة التي تربّطت بسبب سجنه، استعادت الشجاعة لتقوم بعمل الكرازة (آ 14). وأولئك الذين لاموه على مبادرته، أخذوا يبشّرون بالإنجيل بكل صدق دون أن ينسوا الصليب، ولو كانت نواياهم موضع شكّ (آ 15- 18). والمثول أمام القضاة سيكون بجديّته مناسبة فريدة لتمجيد المسيح (آ 19- 20). في الواقع، كان الاستشهاد هو الحلّ الأسهل (آ 21- 24). أما الآن ففُتح حقل جديد للرسالة والعمل.
* نقاط تفسيريّة
بعد هذه النظرة السريعة إلي مبادرة بولس، نستطيع أن نضيف بعض نقاط التفسير. قيل ثلاث مرّات (آ 15، 16، 18) عن الوعّاظ السيّئي النيّة أنهم يبشّرون بـ "المسيح". وإعلان المسيح في نظر بولس لا يمكن أن يكون إلا إعلان الصليب. في آ 17، تحدّدَ طرحُ هؤلاء الوعّاظ بشكل واضح: "ظنّوا أنّ المضايق قد تصدر عن قيودي". وفي آ 22، أكّد بولس أنه لا يعرف ماذا يختار: الموت أو الحياة (لا ماذا يتمنّى، بل ماذا يختار). فكيف نفسّر هذا الاختيار في إطار التفسير التقليديّ؟
* الفرضيّة من الوجهة التاريخيّة
ما قيمة هذه الفرضيّة؟ نستطيع أن نسندها إن لم نقل بأنّ بولس كان سجين رومة. فمواطنيّة الرسول الرومانيّة كانت تجعله في خارج العاصمة، بمأمن من الحكم بالموت (رج أع 25: 11)، إلاّ إذا كان بولس قد عزم على إخفاء هويّته الحقيقيّة. والحال، إن التبادلات بين بولس وفيلبّي (والرسالة هي صدى لهذه التبادلات) تدلّ على أنّ السجن دام مدّة طويلة. كما أنّ 1: 21- 24 كشف على أنّ نيّة الرسول كانت "تمجيد المسيح" (آ 20) بموته وآلامه.
غير أنّ الوضع تعثَّر في الواقع، وكادت المحاكمة تمرّ دون أن يدري بها أحد. فالجماعة المحليّة تعيش في الخوف (آ 14). وجاءت أخبار تبعث على القلق من جماعات أخرى مثل جماعة فيلبّي (آ 25 ي). لهذا بدّل الرسول موقفه، ودفعه اهتمامه بالانجيل إلى أن يكشف مواطنيّته الحقيقيّة ليخرج من السجن. والأمر معقول جداً. فسفر الأعمال يحدّثنا عن ثلاثة مساعٍ مماثلة (16: 37 ي؛ 22: 25؛ 25: 11). ولكن هذا التحوّل أثار لدى بعض المسيحيّين ردّة فعل معادية. "ما همّ! فالمسيح يبشّر به على كل وجه" (آ 18).
ويقرأ 2: 17 الذي يفهم في إطار الاستشهاد المحتمل. ولكن التفسير سيبيّن أنّ هذه الآية تستطيع أن تتّخذ معنى آخر.
ب- جماعة فيلبّي
رغم لهجة المودّة في فل، من الواضح أنّ الجماعة المسيحيّة في فيلبّي تعرف المصاعب والمشاكل. والنداءات إلى التواضع وإلى التفكير بالغير (2: 1 ي) تدلّ على مزاحمات في داخلها، على الخلافات والحسد. ونستطيع أن نذهب أبعد من ذلك. فإذا قرأنا 1: 27- 2: 18 رأيناه يشبه 3: 1 ب- 4: 1. لهذا نظنّ أنّ الخصوم الذين جاؤوا من الخارج والذين هاجمتهم بعنف الرسالة ج، قد بدأوا عمل الدعاية حين كتب بولس الرسالة ب. ونجد تثبيتاً لهذا الطرح في 1: 28 الذي يطرح مسألة تفسيريّة جديّة.
سنعود إلى الخصوم في ما بعد، حين نتحدّث عن الرسالة ج. غير أننا نقول إنّ الرسالة ج تجعلنا أمام وعّاظ متجوّلين، مسيحيّين متهوّدين، وقد قدّموا نفوسهم كنماذج "مجيدة" يجب الاقتداء بها، لأنها تعارض النموذج الذي يقدّمه رسول الصليب بما فيه من "تعاسة". لهذا نفهم أن يكون عملهم أثار القلاقل والخصام. كما نفهم أن يكون النشيد الكرستولوجي (2: 6- 11) قد جاء ردّاً على هذا الوضع. فليس للمسيحيّ إلا "نموذج" واحد ممكن، وهذا النموذج يجذّر الحياة المسيحيّة في تاريخ محدّد. وهذا التاريخ يسير من الانحدار إلى الرفعة، من الشقاء إلى المجد. وقد وعدنا المسيح حقاً بهذا المجد، ولكن الوصول إليه يمرّ في ذلّ الصليب وحقارته.
ج- جواب الرسول
* فرح ومودّة وسهر
ما يميّز الرسول هنا هو الفرح والمودّة والسهر. هناك الفرح لأنّ بولس يختبر مرة أخرى ديناميّة الإنجيل. وهناك المودّة لأنّ ما فعله الفيلبيّون من أجله أعاد الحياة إلى صداقة قديمة. لهذا ما أراد الرسول أن يستند إلى سلطته الرسوليّة (1: 1). وأعطى في مطلع طويل (1: 3- 11) كل الضمانات في ما يتعلّق بعواطفه. وهذه العواطف تعني جميع قرّائه دون استئناء. كل هذا يدلّ على موقف الرسول الذي هو السهر. وعى المشاكل الخطيرة المطروحة في فيلبّي، فاعتبر أنّ الإقناع يفعل أكثر من كل تسلّطية لا تعرف المساومة. ولكن في هذا المجال، دلّ التطور من الرسالة ب إلى الرسالة ج أنّ الطريق "الناعمة" لم تنجح كل النجاح.
د- التصميم
ونستطيع أن نقدّم التصميم التالي:
- العنوان (1: 1- 2): توجّه بولس بتواضع وحرارة إلى جميع الفيلبيّين.
- مطلع (1: 3- 11): تأكيد جديد واحتفاليّ لمودّة بولس لأهل فيلبّي.
يجب أن ننظر إلى كل شيء على نور عمل الله في يسوع المسيح، على نور الصلاة والشكر.
- الوضع الشخصيّ للرسول (1: 12-26). مهما قال الحسّاد (1: 15 ي)، فعمل الرسول من أجل خلاصه من السجن، كان الباعثَ الوحيد له تقدّمُ الإنجيل. في هذا المجال، بدأت تتحقّق أمال الرسول (آ 12 ب).
- الوضع في فيلبّي (1: 27- 2: 18). لقد تزعزعت وحدة الكنيسة بفعل خصوم يبدو الصليب (الذي هو علامة الخلاص) بالنسبة إليهم بدون معنى، والإيمان بدون جهاد ولا تعب (1: 27- 30). وهكذا اقتُلعت الجماعة المسيحيّة ممّا يميّزها، فلم تعد إلاّ جماعة مثل سائر الجماعات حيث يحاول كل واحد أن يستخدم الآخر لكي يرتفع (2: 1- 4). لهذا، يجب تجذير الجماعة من جديد في التاريخ الذي ولّدها والذي يستطيع أن يحملها: هو تاريخ التنازل الإراديّ والعجيب لدى ذاك الذي لم يُرد شيئاً لنفسه، فتسلّم كل شيء من الله (2: 6- 11). ولكن هذا التاريخ يحرّكنا ويفرض نفسه علينا. إذن، يُدعى الفيلبيّون أن يتركوا السراب الحاضر وأن "يعملوا لخلاصهم بخوف ورعدة". حينئذ يكون الفرح كاملاً عند الرسول وعند جماعة فيلبّي (2: 12- 18).
- مسائل شخصيّة مباشرة (2: 19- 3: 1 أ+ 4: 2- 7+ 21- 23). ما استطاع الرسول أن يذهب الآن إلى فيلبّي، فاقترح إرسال تيموتاوس إليها (2: 19- 24). أما ابفروديتس، موفد الفيلبيّين، فيفضّل الرسول أن يراه يعود إلى بيته بسبب حالته الصحيّة السيّئة (2: 25- 30). وتنتهي الرسالة ببعض التوصيات الشخصيّة (4: 2- 3)، وبتحريض جديد على الفرح (4: 4- 7)، وبالسلامات (4: 21- 23).

3- الرسالة ج
نقرأ هذه الرسالة في 3: 1 ب- 4: 1+ 4: 7- 8.
أ- خصوم الإنجيل في فيلبّي
* مجموعة أم مجموعتان
المسألة الأولى التي تُطرح الآن هي: هل نحن أمام مجموعة واحدة من الخصوم أم مجموعتين مختلفتين؟ إنّ آ 18 ب قد تُفهم هجوماً على تراخٍ يتعارض مع الشريعانية التي تفترضه آ 2 ي. إذاً، يواجه بولس في فل فئتين: اليهود أو المتهوّدون من جهة و"الفالتون" أو المسيحيّون ذوو التصرّف الملتصق بالمادة، أو الذين سقطوا فجحدوا إيمانهم خلال الاضطّهاد من جهة أخرى.
في الواقع، إنّ مثل هذا التمييز لا يبدو واضحاً في النصّ. والبراهين تتلاصق فتتحدّث عن الاسكاتولوجيا والموت والقيامة في آ 10 ي كما في آ 20 ي. وصورة الجري التي تبدأ في آ 12 تمتدّ في آ 17- 18 مع فعل "باريبتاين" (سلك). ثم إنّ تفسير آ 18- 19 يطبّق هذا القول على الموقف اليهوديّ. وهكذا يكون بولس أمام فئة واحدة يواجهها.
* ارتباط بالعالم اليهوديّ
أول ما يميّز الهرطقة الفيلبيّة هو ارتباطها بالعالم اليهوديّ. هذا ما يبرز في التوسّع في البداية وفي التلميح إلى الختان في 3: 2 ي (احذروا البتر... الختان الصحيح هو نحن). هل نحن أمام اليهود أم المتهوّدين؟ ما زال السؤال موضوع جدال. أما النتيجة فهي هي: هل يمارس الوثنيّون الفرائض اليهوديّة؟ هل يجب أن يمرّوا في الديانة اليهوديّة (والختان) لكي يدخلوا في المسيحيّة فيكون خلاصهم كاملاً؟ هرطقة فرضت نفسها أيضاً في غلاطية، ونحن نجد الجواب عنها في أع 15: 11 مع كلام بطرس: "بنعمة الرب يسوع نؤمن أن نخلص نحن مثل أولئك".
* ارتباط بالخارج
هؤلاء الناس الذين يهدّدون جماعات فيلبّي ليسوا من داخل الجماعة، بل من خارجها. فنحن لا نرى أية محاولة من الرسول ليجعلهم ينكرون تعليمهم أو ينضمّون إلى الآخرين. إنهم خارج حلقة قرّاء الرسالة. ومع ذلك فهم يقدّمون نفوسهم كمثال يُحتذى به. ويلفت نظرنا تشديدُ بولس على تقديم نفسه كالمثال الذي يُقتدى به: "كونوا مقتدين بي" (آ 17؛ رج 1: 30). أما المثال الذي يقدَّم إلى الفيلبيّين فيرتبط بالكمال، ولفظة "ثالايوس" (كامل، كمّال) تنتمي إلى لغة هؤلاء الدعاة.
* فل و2 كور
هناك تشابه بين الجدال في فل 3 و2 كور. نحن هنا أيضاً أمام خصوم، أمام وعّاظ متجوّلين يفتخرون بأصلهم اليهودي (11: 22 ي)، ويهتمّون بشكل خاص بالعهد القديم. والتشابه حاضر أيضاً على مستوى الألفاظ: "ارغاتيس"، عامل (فل 3: 2؛ 2 كور 11: 13. "هبرايوس (فل 3: 5؛ 2 كور 11: 22)، عبرانيّ. نحن هنا في جوّ الدعاية اليهوديّة أو دعاية المتهوّدين. ولا ننسى أنّ دعاة المسيحيّة المتهوّدة في كورنتوس قدّموا نفوسهم (شأنهم شأن دعاة الديانات والفلسفات في ذلك العصر) كممثّلين للألوهة، وأعطوا كفالة لصفتهم "الرسوليّة". في الانخطافات والأعمال الخارقة.
* المعجزات والقيامة
مثل هذا اللاهوت تأسّس على كرستولوجيا ساحرة في الخارج، هي كرستولوجية المعجزات والقيامة. في الواقع، دلّت على "انحطاط" الكرستولوجيا والتعليم عن يسوع المسيح: فمع عثار الصليب ونظرة إلى مسيرة الإيمان نحو عالم لم يأتِ بعد، أُبعد المسيح من أجل "مجد" هؤلاء "الرسل". وهكذا ضاع مجدُ الله الذي تتحدّث عنه فل أكثر من مرّة.
ما نلاحظه هو أنّ بولس يواجه في فل الأخطار عينها التي وجدناها في كورنتوس. هو يتحدّث عن "أعداء الصليب" (آ 17). ويشدّد على آلام المسيح وموته، ومسميرة المسيحي في خطّ هذا الموت والآلام (3: 10 ي، 21؛ رج 1: 28 ي؛ 2: 12 ي). وهو لم يحصل على المجد بعد، فالمجد سوف يأتي (3: 11، 20- 21). وبالنسبة إلى بولس ليس هناك إلاّ مثال واحد: المسيح (2: 6- 11). أو أناس يسيرون بتواضع في خطى المعلّم (3: 17).
ب- ردّ بولس: تصميم الرسالة ج ومضمونها
إذن، لم يعد بولس في السجن. أما الوضع في فيلبّي فقد صار خطيراً جداً (أقول مرة ثانية، 3: 1 ب، 18). لهذا بدت اللهجة متحمّسة، بل عنيفة (الكلاب، 3: 2)، ومليئة بالقلق (بدموع، 3: 18). إذن، لا يبدو البرهان تقليدياً جافاً. فالرسول يحذّر بشكل احتفاليّ الفيلبيّين من تصرّفات هؤلاء المتطفّلين (آ 1 ب- 4 أ) الذين لا تهمّه ألقابهُم "المجيدة" (آ 4 ب- 6).
أما إنجيل الصليب فيمثّل انقلاباً في القيم، وهذا ما تدلّ عليه فقاهة الخلاص بالإيمان وبرّ الله (آ 7- 11). ثم إنّ الحياة المسيحيّة تتسجّل في الزمن وفي التاريخ وهي تبدو بشكل مسيرة إلى هدف لم نبلغ إليه بعد، ولكنه أكيد جداً (آ 12-16).
أما 3: 17- 4: 1 فهو يستعيد هذه النقاط المختلفة (الاقتداءالرسول، تحذير أهل فيلبّي، تصوّر المجد الآتي). وإنّ 4: 8- 9 يختتم الرسالة بنداء ملحّ إلى موقف عاقل، إلى موقف واثق بنعمة الله.

خاتمة
قدّمنا نظريّة الشّراح التي تتحدّث عن ثلاث رسائل إلى أهل فيلبّي. وهذه الرسائل قد جُمعت على يد أحد تلاميذ بولس في رسالة واحدة. ولكن هل يعني أننا تخلّينا عن فكرة الرسالة الواحدة؟ كلا. فإن كانت الرسائل دُمجت فلماذا دمجت؟ فإن قيل لنا لأنها قصيرة وقد تضيع، نجيب بأن هناك رسائل قصيرة في العالم القديم قد حُفظت من الضياع. وعلى مستوى العهد الجديد، هناك فلم، 2 يو، 3 يو، يهو. ثم من يتجرّأ على اقتطاع أجزاء من رسائل اعتبرها المؤمنون كتاباً مقدّساً (رج 1 بط 3: 16)؟
وهكذا يبقى الموضوع مفتوحاً وإن كنا نميل إلى القول بأن فل هي رسالة واحدة كتبها بولس على مراحل قبل أن يرسلها إلى هذه الجماعة العزيزة على قلبه.
الفصل الثالث
السلام والشكر
1: 1- 3

حين يقدّم بولس رسائله فهو يستعيد رسمة مثلّثة عرفها عصره: اسم الكاتب أو المرسِل. اسم المرسَل إليه أو القرّاء. السلام والتحيّة. غير أنّ العبارة ستغتني عنده غناءً خاصاً بالنسبة إلى الاستعمال الكلاسيكي. هل هناك تأثير شرقيّ عليه، أم تأثير ليتورجي؟ هذا ما لا نستطيع أن نجزم في أمره. ولكن ما هو واضح هو العمق اللاهوتيّ والغنى البشريّ اللذان يجعلهما الرسول في عبارات عاديّة وباهتة. وميزة كل رسالة من رسائله ندركها منذ كلمات التحيّة.
أما هنا في فل، فبولس لا يقدّم نفسه كرسول، بل كعبد وخادم للمسيح يسوع. وهو يضمّ إلى صوته صوت تيموتاوس. ويوجّه تعليمه إلى جميع الفيلبيّين بمن فيهم "الأساقفة والشمامسة". ولكن ما يسيطر على هذا المدخل هو اسم "المسيح يسوع" الذي يعود ثلاث مرات. فكل ما يوحّد الرسول بجماعة فيلبّي، والروح التي بها نفهم مضمون الرسالة، يتحدّدان "في المسيح" وفيه وحده.
بعد أن ندرس نصّ 1: 1- 30 من الناحية النقديّة، نشرح 1: 1- 3، ونتوقّف في النهاية عند مفهوم الأساقفة والشمامسة.

1- الدراسة النقديّة (1: 1- 30)
* في آ 1، قرأت بعض المخطوطات لا سيّما الفاتيكاني، وآباء الكنيسة وخصوصاً يوحنا فم الذهب، لفظة "سينابسكوبويس" أي أساقفة مع بولس وتيموتاوس، محل "ابسكوبويس" أي الأساقفة. ولكننا نحتفظ بالنصّ القائل: "الأساقفة والشمامسة".
* في آ 7، اقترح نستله أن يقرأ "خراياس" (حاجة)، بدل "خاريتوس" (النعمة). ولكن هذا الاقتراح لا يفرض نفسه. لهذا نقرأ: "شركة في النعمة التي أوتيتُها".
* في آ 8، تقرأ بعض المخطوطات "موي" (ضمير المتكلّم المفرد) بدل "مو" (مضاف إليه). ولكن بردية 46 تستغني عن هذه الكلمة. أما النصّ الشائع فيزيد "استين" (فعل كان) بين "مو" و"تيوس" (الله). غير أنّ هذه الاختلافات لا تؤثّر إطلاقاً على معنى النصّ. ونحن نقرأ: "الله يشهد لي".
* في آ 9، قرأ الفاتيكاني والمخطوط د وغيرهما صيغة الماضي (باريسوسي) بدل الحاضر (باريسوي) أي: يزداد حبّكم.
* في آ 11، يقرأ النصّ الشائع صيغة الجمع: "ثمار البرّ" بدل المفرد. أما المجدلة الأخيرة فتنتهي بـ "المسيح" لا بـ "الله" في البازي. لا نستطيع أن نقبل بهذا النصّ بسبب عبارة "يسوع المسيح" التي تسبق المجدلة. وتنتهي الجملة في بردية 46: "لمجد الله وحمدي". عبارة غريبة وهي شبيهة بما في 1 كور 4: 5: "حينئذ يكون لكل واحد مدحه من الله".
* في آ 14، تستعمل "الكلمة" بشكل مطلق في بردية 46. أما المخطوط ج فيقول: "كلمة الربّ".
* في آ 16- 17، يقلب النصّ المتعارف هاتين الآيتين ويصحّح فعل "اغايرن" (نهض) بفعل "ابيغاراين" (حمل، زاد). ولكننا نقول بالأحرى: "يزيدون تثقيلاً على قيودي".
* في آ 18، تحوّلت "بلان هوتي" (ما عدا) إلى "هوتي" (لأن) في الفاتيكاني، وإلى "بلان" (إلاّ أن) في د. وتأتي علامات الوقف في نهاية هذه الآية مختلفة بين المخطوطات. تربطها بردية 46 بما يسبق فتزيد "ألا" (لكن).
* في آ 21، اقترح أحد الشّراح: خراستوس (مفيد) بل "خرستوس" (المسيح) فقرأ "العيش لي مفيد". ولكنه اقتراح مرفوض: "العيش لي هو المسيح. حياتي هي المسيح".

2- تفسير 1: 1-3
أ- من بولس وتيموتاوس (آ 1)
تبدأ كل رسائل بولس بذكر اسمه. في ثماني حالات يضمّ أسماء إلى اسمه. وفي خمس حالات يضمّ اسم تيموتاوس. في 1 تس و2 تس ينضمّ تيموتاوس إلى سلوانس دون الإشارة إلى "صفة" "الكتّاب" الثلاثة لهاتين الرسالتين. في 2 كور، كو، يأتي اسم تيموتاوس في الدرجة الثانية، وهو يتميّز تميّزاً واضحاً عن الرسول بولس الذي يستعمل لنفسه هذا اللقب. "بولس رسول يسوع المسيح، وتيموتاوس الأخ" (2 كور 1: 1).
أولاً: تيموتاوس
في فل، يبدو تيموتاوس مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بصاحب الرسالة. لا شكّ في أن تيموتاوس لا يمكن أن يكون مشاركاً في تدوين هذه الرسالة، فهي جدّ شخصيّة. وتسيطر عليها صيغة المتكلّم المفرد: أنا. "أشكر إلهي. إني على الدوام. إني لواثق". ومع ذلك يظهر اسم تيموتاوس مرة ثانية في 2: 19 ي، ويتميّز تميّزاً واضحاً عن صاحب الرسالة: "أبعث لكم تيموتاوس عن قريب... فليس لي نظيره للاهتمام بشؤونكم".
قد يكون تيموتاوس سكرتير (أمين سر) بولس. وقد يكون ناقش مع الرسول مضمون هذه الرسالة. أو قد يكون بولس ذكر اسمه ليعطي كلامه بُعداً واسعاً وأساساً متيناً. بل ذُكر تيموتاوس لمشاركته في تأسيس كنيسة فيلبّي. هو ابن لسترة في ليقونية. وقد لازم بولس حين عبوره في تلك المدينة خلال الرحلة الرسوليّة الثانية (أع 16: 1). كان تيموتاوس أحد أعضاء الفريق الذي عمل في فيلبّي (أع 16: 12 ي)، إلاّ أنّ سفر الأعمال لا يميّزه عن غيره في هذه المناسبة، ويبدو أنّ دوره كان أكبر في كورنتوس (أع 18: 5؛ رج 1 كور 4: 7؛ 16: 10؛ 2 كور 1: 1: روم 16: 21). وبما أنّ تيموتاوس لا يظهر في فيلبّي إلاّ كأحد المشاركين في العمل، فالرسول ضمّه منذ البداية إلى سلطته من أجل الرسالة "المطلقة" التي سيسلّمه إياها في تلك المدينة (2: 19 ي). وإذ فعل بولس ما فعل، بيّن مرّة ثانية لأهل فيلبّي أنّ العلاقات بين العاملين في الكنيسة لا تقف على مستوى السلطة، على علاقات الأكبر والأصغر، بل على مستوى المساواة والتواضع. وكم كان أهل فيلبّي (ونحن أيضاً) يحتاجون إلى هذا الدرس.
ثانياً: بولس وتيموتاوس خادمان
يقدّم بولس وتيموتاوس نفسيهما على أنهما عبدان ليسوع المسيح، خادمان (دولوس). هنا نجد الفرق مع سائر الرسائل حيث يقدّم الكاتب نفسه على أنه رسول. ولكن ما أراد بولس أن يبيّنه هنا هو العلاقات الشخصيّة التي تربطه بكنيسة فيلبّي. أما زلنا نقول حتى الآن في كنائسنا: هذا خادم الرعيّة. فالعبد الخادم في العهد القديم هو المرسل الذي فرزه الله، اختاره، أرسله. هنا نتذكّر أشعيا وأناشيد عبد يهوه.
ولكن حين جاءت اللفظة بعد عبارة "يسوع المسيح"، دلّت على عبوديّة من نوع آخر، دلّت على وضع المسيح المتجسّد الذي اتّخذ صورة العبد وصار طائعاً حتى الموت، بل موت الصليب (2: 6- 8). امتلأ القرّاء عُجباً وزهواً فقدّم لهم بولس الوضع المسيحيّ في إطار سيادة واحدة هي سيادة المسيح. لقد طُبع هذا الوضع بطابع التواضع. ما أراد بولس أن يعطيهم درساً في الأخلاق، بل أن يقف معهم متواضعاً على خطى المسيح الذي وضع نفسه فرفعه الله.
ثالثاً: "القدّيسين في المسيح يسوع"
سمّى بولس أهل فيلبّي "القدّيسين". اعتادت الرسائل البولسيّة أن تسمّي القرّاء "كنيسة" أو "قدّيسين". ليست القداسة في الأصل نتيجة سلوك خلقيّ خاصّ، بل نتيجة انتماء إلى شعب الله. فهنا كما في العهد القديم، أصل القداسة يكمن فقط في الله، وهو يمنحها لنا نعمة مجانيّة. وهذا التجذّر تدلّ عليه عبارة "في المسيح يسوع".
إنّ حرف الجرّ "إن" (في) لا يتّخذ المعنى المكانيّ، بل المعنى الزمانيّ والتاريخيّ. فوضعنا "في المسيح" ينطبع بحدث تاريخيّ هو موت يسوع المسيح وقيامته. وهكذا فالكنيسة مقدسة لأنّ المصلوب والقائم من الموت دعاها لتشهد لهذا الحدث الذي هو تاريخيّ (عمل وضيع) واسكاتولوجي (يربطنا بالنهاية) معاً. لهذا، كانت القداسة ميزة جميع المسيحيّين: فالتحزّبات والنزاعات حول الأولويّة كما نجدها في فيلبّي، هي خيانة كبيرة للإنجيل.
وفي هذا المنظار، يذكر بولس بشكل خاصّ الأساقفة والشمامسة. من هم هؤلاء الأشخاص؟ لماذا يذكرهم بولس هنا؟ هل وُجدوا فقط في فيلبّي أم في جماعات بولسيّة أخرى؟ سنعود إلى هذه الأسئلة في المقطع الثالث من هذا الفصل.
ب- نعمة لكم وسلام (آ 2)
جاءت التحيّة في الرسائل البولسيّة بشكل مقولب، فدلّت على وضع الرسول في قلب العالم اليونانيّ والرومانيّ في ذلك الزمان. فالرسمة اليونانيّة تجعل التحيّة تتبع العنوان وجهة الإرسال. أما لفظة "نعمة" (خاريس) فترتبط بفعل "خايراين" (سلّم). ولكن توسّع التحيّة يجعلنا نفكّر بالشرق لا ببلاد اليونان. وعبارة "نعمة وسلام" هي عبارة ساميّة تستعيد ما في المباركة اليهوديّة: الرحمة والسلام. رج طو 7: 12؛ رج أيضاً 1 تم 1: 2؛ 2 تم 1: 2؛ 2 يو 3؛ يهو 2؛ غل 6: 16.
غير أنّ هذه الآية التي نقرأها الآن هي أبعد ما تكون عن الجملة التلفيقيّة المركبّة. فـ "السلام" يدلّ على ملء العلاقات بين الله والبشر. وهو واقع تاريخيّ متجسّد بقدر ما يكون ينبوعه ذاك الذي كشف لنا يسوع عن أبوّته. وبقدر ما يكون كافله سيادة يسوع على أخصّائه وعلى العالم كلّه. لهذا، فالسلام هو أيضاً "نعمة"، والنعمة كلمة هامّة في الفكر البولسيّ.
إذن، هذه التحيّة هي في جوهرها "مسيحيّة" وقد ترجع إلى إطار ليتورجيّ. وما يوضح كلامنا هو التناسقُ بين أجزائها الثلاثة: ذكر أبوّة الله. ذكر سيادة المسيح (رج 2: 6- 11). نعمة لكم وسلام. استعاد بولس مباركة يهوديّة. وكانت الرسائل تُقرأ خلال شعائر العبادة. فكأني بالقديس بولس يبارك قرّاءه ببركة آتية من الله الآب ومن الربّ يسوع المسيح. وهكذا نجد نفوسنا منذ البداية في إطار دشّنه عملُ يسوع الناصريّ، ويتابعه الآن الربُّ في الكنيسة.
ج- أشكر إلهي (آ 3)
إنّ كل الرسائل البولسيّة تبدأ بفعل شكر (اوخارستيو) يتوسّع حسب رسمات مشابهة تكون قصيرة أو طويلة. حين نعود إلى برديّات ذاك العصر ومدوّناته، نجد أنّ رسائل بولس تقف من الوجهة الأدبيّة بين الرسالة الشخصيّة والرسالة الرسميّة أو الإداريّة.
إذا عدنا إلى أفعال الشكر في الرسائل البولسيّة، نجد أنّ ما في فل موسّع جداً، وهذا ما يدلّ على الفرح العامر لدى الرسول: يفرح حين يذكر هذه الجماعة. يفرح حين يتذكر حبّه لها (آ 4، 7، 8). كانت هناك بعض الغيوم في هذه العلاقات، كما برزت اهتمامات الرسول بالنسبة إلى هذه الجماعة (آ 6، 9، 11). كل هذا جعله يرفع شكره إلى الله.
وكان فعل الشكر، حسب عادات ذلك العصر، يُدخل القارىء في كبرى مواضيع الرسالة. فإنّ آ 9- 11 تقدّم لنا منذ البداية لمحة عن الوضع في فيلبّي، وعن المواضيع التي سيتوسّع فيها الرسولي بعد 1: 27. ولكن بولس يذهب أبعد من ذلك: فالفرح والمحبّة اللذان يطبعان كلامه في فل، هما ثمرة يقينه حول عمل الله في تاريخ البشر. لهذا، فالمصادفات المحيرّة التي ستُذكر، يجب أن تأخذ موضعها الحقيقيّ، أي أن تجد معناها بين "اليوم الأول" (آ 5) واليوم "الأخير" (آ 6، 10). حينئذ يقودنا كل شيء بواسطة يسوع المسيح إلى "مجد الله وحمده" (آ 11).

3- الأساقفة والشمامسة
يلفت الانتباه ذكرُ الأساقفة والشمامسة، وهذا ما يدلّ على قدم "الأسقفيّة" في الكنيسة. قد نجد هنا جذور الدرجة الأسقفيّة والشماسيّة في الكنيسة. ولكن لا ننسى أنّ بولس يتحدّث عن الأساقفة في صيغة الجمع، لا في صيغة المفرد. أترى كان في جماعة فيلبّي أكثر من أسقف؟
أ- معنى الألفاظ
الأسقف هو "ابيسكوبوس". هو الساهر على، هو المراقب. يدلّ على وظائف متنوّعة تختلف باختلاف الأطر الاجتماعيّة والتاريخيّة. إذن، لسنا أمام نظام واحد.
الشماس هو "دياكونوس". ما يميّزه هو الخدمة. إنه خاضع لسيّد. هذا لا يعني أنّ عمله مذلّ. فأفلاطون يسمّي القوّاد السياسيين "خدّام المدينة". وابيكتاتس يسمّي الفيلسوف "خادم الآلهة ورسولهم".
ويبدو أنّ لَفظتَي "الأساقفة والشمامسة" تشكّلان عبارة ثابتة. نحن نجدهما في ثلاثة نصوص من المسيحيّة الأولى: ديداكه 15: 1؛ اكلمنضوس الروماني والرسالة إلى كورنتوس 42: 4- 5؛ راعي هرماس، الرؤى 3/ 5: 1. هذا يعني أننا أمام مجموعة مؤلّفة من فئتين. ويظنّ يوحنا فم الذهب أنّ هذه المجموعة تدلّ على الشيوخ أو القسس (قشيشا في السريانيّة أو الأقدمون). إنهم يقومون مقام الرسل داخل الجماعة. يسميهم اكلمنضوس بواكير الجماعة. فيشكّلون النواة الأولى. أما الديداكه فتقول إن رفاقهم ينتخبونهم. نلاحظ أن 1 تم 3: 1- 13 تقدّم تعليماً عن الأسقف (آ 1- 7) وآخر عن الشمامسة (آ 8- 13). ويتحدّث بوليكربوس عن "القسس والشمامسة" في الرسالة إلى الفيلبيّين (5: 3)، فلا يميّزهم دوماً عن "الشمامسة" (5: 2. ولكن رج 6: 1).
في أع 20: 28، يتحدّث بولس إلى شيوخ (براسبيتاروي) أفسس فيقول: "إحذروا لأنفسكم ولجميع القطيع الذي أقامكم فيه الروح القدس أساتفة (ابسكوبوس) لترعوا كنيسة الله". وهذا التماثل بين "الأساقفة و"الشيوخ" نجده أيضاً في 1 بط 5: 1- 2؛ تي 1: 5-7. قد يكون في الجماعة "شيوخ" توزّعوا إلى "أساقفة وشمامسة".
ولكن لماذا نجد فئتين؟ هنا يعود الشّراح إلى تث 16: 18 حيث يُذكر "القضاة والحكّام" الذين جُعلوا على رأس كل مدينة في إسرائيل. ولكن هذه الفرضيّة لا تقنع الجميع، فيعودون إلى بولس الرسول نفسه، ويستندون إلى يوحنا فم الذهب الذي يقول: "في ذاك الزمان كان الأساقفة يسمّون خدّاماً" (دياكونوس).
ب- تنظيم الجماعات البولسيّة
ما يلفت النظر بادىء ذي بدء، هو أنّ بولس لا يستعمل لفظة "شيوخ" (التي نجدها في أع 11: 30؛ 14: 23؛ 20: 17) إلاّ في الرسائل الرعائية (1 تم 5: 17، 19؛ تي 1: 5؛ رج يع 5: 14). ولكنه يستعمل مراراً لفظة "خدّام" أو "شمامسة". غير أنّ غياب اللفظة في بعض الرسائل، لا ينفي الواقع نفسه. فمن الواضح أنه مع امتداد الجماعة برزت الحاجة إلى تحديد نواة من "الشيوخ" هم أول المرتدّين. وسوت يسمّيهم بولس "الباكورة" (أبارخي" في روم 16: 5؛ 1 كور 16: 15 (باكورة أخائية. ثم تُذكر الخدمة). أو "القوّاد والرؤساء" (برواستامانوي) في 1 تس 5: 12 ي (هذه اللفظة تطبّق على الشيوخ في راعي هرماس، الرؤى 2/ 4: 3).
وهكذا يترك الرسول جانباً لفظة الشيوخ لأنها تحمل تاريخاً خاصاً، ولأن لها مدلولاً جامداً. ويفضّل استعمال ألفاظ سيظهر معناها من خلال الوظيفة التي يقوم بها أصحابها. بالنسبة إليه، ليس من بُنى كافية في ذاتها فيقيم فيها البشر. هناك الروح الذي يعمل لبناء الجماعة بواسطة المواهب (1 كور 12: 4- 11، 31). فالمواهب ليست "سوبر عطايا" تخصّ بعض الأفراد، بل وظائف يرتّبها الروح لبناء الجماعة، ويحدّد هو بواسطة كنيسته من يمارسها.
هنا نفهم لماذا زاد بولس لفظة "شمامسة" (أو: خدّام) على "أساقفة". فهو يهتمّ بالخدم المتنوّعة ولا سيّما خدمته. ولكنه يحدّد في كل وقت أن هذه المهامّ هي في خدمة عمل الله العظيم في المسيح، وأن هذه الخدمة تفترض التواضع والبساطة والوداعة.
حملَ بعض شيوح أفسس لقب "أساقفة" (أي: مراقبين). ولكن هذه الوظيفة لا قيمة لها إلاّ في خدمة الجماعة وبنيانها.
وجد بولس نفسه تجاه جماعة فيلبّي في وضع دقيق. من جهة، امتدحها لإيمانها ولموقفها منه. ومن جهة ثانية، لا يستطيع أن يتجاهل الخلافات السائدة فيها والتي يسببها نقص في التواضع. لهذا لجأ إلى الوداعة والإقناع: "أتمّوا فرحي بأن تكونوا على رأي واحد... لا تعملوا شيئاً عن منازعة أو عجب، بل فليحسب بتواضع، كل واحد منكم، أن الآخرين خير منه" (2: 2- 3).

خاتمة
تحيّة، نعمة وسلام، شمكر. تلك هي بداية الرسالة إلى فيلبّي. فبولس وتيموتاوس هما خادمان. وقدّيسو فيلبّي يعيشون مع الأساقفة والشمامسة فينالون بركة يرسلها إليهم بولس تحمل نعمة المسميح وسلامه. أما فعل الشكر الذي يتطلّع في البداية إلى الخيرات السابقة، فهو يتحوّل سريعاً وبشكل طبيعيّ إلى صلاة حارّة من أجل المستقبل. قال بولس في 4: 6: "لا تهتمّوا بشيء، بل في كل حال اعرضوا حاجاتكم على الله بالصلاة والابتهال مع الشكر". وهكذا يصبح كلام الرسول نداء إلى الرجاء في الصعوبات التي نعانيها الكنيسة من أجل عيش المحبّة.
الفصل الرابع
حب الله فينا
1: 4-6

تحتلّ فل مكانة خاصّة في رسائل القديس بولس: هي لا تشبه روم حيث حاول الرسول أن يقدّم نفسه، فأعطانا في هذا المجال عرضاً شاملاً عن المبادىء الكبرى في تعليمه. وهي لا تشبه 1 كور أو 2 تس، حيث احتاج الرسولي إلى أن يرتّب الأمور. كما لا تشبه 2 كور حيث ردّ بولس على الذين هاجوا وافتروا عليه، وقدّم توجيهات عمليّة. لقد انطلقت فل من عواطف الفرح والمحبّة التي يكنّها بولس لأهل فيلبّي الأعزّاء على قلبه. إنه يكلّمهم ببساطة كما يكلّم الأب أبناءه. هو معهم كأب يهنّىء نفسه بسخاء أبنائه.
يتذكّر الرسول هذا السخاء فيمتلىء قلبه فرحاً مع أنه الآن في السجن (1: 17)، سواء كان هذا السجن في رومة (أع 28: 30) أو في أفسس (قد يكون بولس سُجن ذاك لبمنة 56 أو 57).
بعد التحيّة التي اعتاد أن يرسلها، لم يهتمّ بوضع أسس تعليميّة يسند إليها في ما بعد عرضه أو توبيخه. بل هو يترك عواطفه تنفجر من قلبه. لسنا أمام مناجاة عاطفية، بل بالأحرى أمام الشكر للخير الذي تمّ (آ 3- 5)، وللصلاة التي يرفعها الرسول حتى يثبت أهلُ فيلبّي إلى المنتهى (آ 6- 11).

1- فعل الشكر (1: 4-5)
إن المحبّة تولّد الفرح، غير أن الفرح يتلوّن بألف لون ولون حسب الأشخاص والظروف. وفرح الرسول ليس مجرّد عاطفة بشريّة، إنه فرح المسيح (4: 4؛ رج يو 15: 11: يكون فرحي فيكم). فرح ينبع من الإيمان بالمسيح (1: 25؛ روم 15: 13: ملء الفرح والسلام). فرح هو عطيّة الروح القدس (غل 5: 22: ثمر الروح هو المحبة والفرح)، هو ابتهاج بالروح القدس (روم 14: 17؛ رج لو 10: 21). هو فرح روحيّ، ولكنه ليس بفرح بعيد عن هذا العالم وما يحمل من صعوبات وآلام.
وقد يحصل أن يكون الحبّ الذي يكنّه الرسول للمؤمنين الذين ولدهم إلى حياة المسيح (1 كور 4: 14- 15)، سبب حزن وغمّ. والسبب هو أنهم لا يسلكون حقاً كتلاميذ للمسيح. ذاك هو وضع الكورنثيين ساعة كتب لهم بولس رسالته الثانية (2 كور 2: 3- 4). ولكن وضع أهل فيلبّي يختلف عن هذا الوضع. فحين يتذكّرهم الرسول لا يعكر تذكّره هذا أيُّ ظلال ولا كدر. بل هو يفكّر فيهم دوماً بسرور (آ 4).
اذا كان تذكّر الفيلبيّين يملأ قلب بولس فرحاً، فالسبب الأساسي ليس وجود كنيسة فيلبّي وحسب. بل هناك سبب أخر يحدّده ويذكره بسرور ورضى: "من أجل مساهمتكم في الإنجيل" (آ 5). حرفياً: مشاركة، مقاسمة، عمل مشترك (كوينونيا) في الإنجيل. ما معنى هذه العبارة؟ قد نفهمها بطريقتين: إما المشاركة في الإنجيل بمعنى أنهم آمنوا به. وءاما الفسط الذي اتخذوه في عمل. التبشير حين ساندوا الرسول لكي يتمّ مهمّته في العالم. إذا عدنا إلى السياق، توقّفنا عند المعنى الثاني دون أن ننفي الأولى. فكأني ببولس يلمّح هنا تلميحاً خفياً إلى الإعانة الماديّة التي أرسلها إليه الفيلبيّون في سخائهم (4: 10- 20).
وبعد هذه النظرة إلى الماضي، يلتفت الرسول إلى المستقبل بفرح وثقة عظيمين.

2- الصلاة (1: 6)
إن عبارة "يوم المسيح يسوع" (1: 6) وعبارة "يوم المسيح" (1: 10) تشكّلان تضميناً وتبدوان كإطار للقطعة كلها. ونحن نقسمها ثلاثة أقسام:
- ثقة الرسول بالنسبة إلى ثبات المسيحيّين: "الذي ابتدأ فيكم هذا العمل يتمّمه إلى يوم المسيح يسوع" (آ 6).
- دفق الحبّ من قلب الرسول: "أحملكم في قلبي... أحبّكم جميعاً في أحشاء المسيح يسوع" (آ 7-8).
- صلاة الرسول من أجل الفيلبيّين: "صلاتي إليه أن تكون محبّتكم على نموّ متصاعد في المعرفة والإدراك التامّ" (آ 9- 11). ونبدأ مع النعمة والرجاء المسيحيّ.
أولاً: ذاك الذي بدأ فيكم
كما أن البشر على المستوى الطبيعيّ يمتلئون فرحاً حين ينقلون إلى أولادهم قيمهم الأخلاقيّة، وينجحون في تأمين مستقبلهم، هكذا امتلأ الرسول بالفرح، لأنه لاحظ العمل الذي حقّقته النعمة في مسيحيّي فيلبّي، ولأنه عرف أن هذا العمل هو عربون نعمٍ جديدة. إذن، يستطيع أن يتطلّع بدون قلق ولا همّ إلى مستقبل الفيلبيّين. هذا لا يعني أنه يستند مرتاحاً إلى استحقاقاتهم الخاصّة، أو صفاتهم، أو الأمانة التي سبق لهم وبرهنوا عنها. بل هو يجعل كل اتكاله في ذاك الذي أتمّ فيهم عملاً عظيماً.
أجل، إن ثقة بولس لا ترتكز على البشر مهما بدوا صلاّحاً، بل على الله. هذا ما لاحظه يوحنا الذهبيّ الفم، فقال: "إن بولس لا يقول: أنا واثق أنكم ستتمّون حسناً لأنكم بدأتم حسناً. إذن، ماذا يقول؟ ذاك الذي بدأ فيكم هذا العمل العظيم يواصل تتميمه...". لا شكّ في أنّ بولس لا ينفي مشاركة الإنسان في النعمة. ولكنه يدلّ بشكل واضح وصريح على أولويّة النعمة لا في بداية الطريق وحسب، بل حين يتمّ عمل التقديس أيضاً.
إذن، يتضمّن هذا النصّ تعليماً لاهوتياً أساسياً عن النعمة: الله وحده هو أساس سلامنا (روم 8: 38؛ 2 تم 1: 12)، لا البشر، مهما كانوا أبراراً. فالخبرة اليوميّة قد علّمت الرسول أن البشر مخيّبون للآمال. هذا ما سبق وقاله صاحب المزامير: "كل إنسان كاذب" (مز 116: 11). والنظريات الحديثة التي تُعلن أن الإنسان يكفي نفسه بنفسه، تقودنا إلى السراب والخداع.
إن ما أبداه أهل فيلبّي في الماضي، يدلّ على قدرة الله وحبّه لهم، كما يدلّ على محبّتهم له. فحبّ الله لهم هو الأول، وهو ينبوع حبّهم لله (روم 5: 5؛ 1 يو 4: 19). وهذا الحبّ القدير الذي منحه الله لأهل فيلبّي هو عربون النعم التي يهيّئها لهم في المستقبل. فإن كان من السهل أن نلتقي بأناس لا يتابعون إلى النهاية العمل الذي بدأوا به، لأنهم متقلّبون، فالأمر لا يصحّ في الله. فهو لا يتخلّى عن أعماله قبل أن ينهيها. فحبّه أمين هو. كان قد قال بفم النبيّ ملاخي: "إني أنا الربّ لا أتغيّر. لهذا، فأنتم يا بني يعقوب لا تزالون أحياء" (ملا 3: 6). ويستعيد بولس العبارة نفسها حين يكتب إلى أهل رومة حول اختيار الله لشعبه: "فعطايا الله ونداؤه لا ندامة فيها" (روم 11: 29).
إذن، يستند الرجاء الحقيقيّ إلى قدرة الله وأمانته، خصواً حين نكون أمام الثبات الأخير الذي هو عطيّة من الله لا يستحقّها الإنسان. نقرأ في 1 كور 1: 8-9: "وهو الذي يحفظكم ثابتين إلى النهاية حتى لا يكون عليكم لوم في يوم ربّنا يسوع المسيح. أمين هو الله الذي دعاكم إلى شركة ابنه يسوع المسيح ربنا".
ثانياً: حتى يوم المسيح
إن عبارة "يوم المسيح" أو ما يقابلها، هي امتداد لعبارة تتواتر في العهد القديم: "يوم الرب". دلّت هذه العبارة على تدخّل عظيم من قبل الله. إمّا ليخلِّص شعبه كما في أش 11: 11 (يمدّ الرب يده ليفتدي بقيّة شعبه)؛ 13: 6- 9 (هوذا يوم الرب قد حضر)؛ 19: 16؛ 34: 8؛ إر 46: 10، 21؛ 50: 27. وإما ليعاقب شعبه بسبب خياناته. نقرأ في عا 5: 18- 20: "يوم الربّ يكون ظلمة لا نوراً". وفي صف 1: 15: "يوم حنق ذلك اليوم. يوم ضيق وشدّة. يوم خراب ودمار. يوم ظلمة وديجور". رج حز 22: 24.
واتخذ كتّاب العهد الجديد هذه العبارة من التوراة وطبّقوها على يسوع: فصار يوم الربّ يومَ المسيح. وهنا "يوم المسيح" هو يوم عودته المجيدة كالديّان السامي.
ترد عبارة "يوم المسيح" أيضاً في فل 2: 16 (افتخر في يوم المسيح بأني ما سعيت عبثاً). ونجد عبارة "يوم الرب" في 1 تس 5: 2 (يوم الربّ يجيء كاللصّ في الليل)؛ 2 تس 2: 2 (يوم الرب حان)؛ 1 كور 5: 5 (تخلص روحه في يوم الربّ)؛ 2 كور 1: 14 (سنفتخر بكم في يوم الربّ يسوع)... ونقرأ في لو 17: 24: "يوم ابن الإنسان". كما نقرأ "ذلك اليوم" في 2 تس 1: 10 (يجيء في ذلك اليوم ليتمجّد)؛ 2 تم 1: 12، 18؛ 4: 8 (اكليل سيكافىء به الربّ الديّان العادل في ذلك اليوم). ونجد في 1 كور 3: 13 لفظة "اليوم": "فعمل كل واحد سيكون ظاهراً، لأن اليوم سيبيّنه".
وهناك مقابلة بين فل 1: 6 و1 تس 5: 23- 24. نقرأ في النصّ الأول: "سيواصل تتميمه حتى يوم المسيح يسوع". وفي 1 تس: "وإله السلام نفسه يقدّسكم في كل شيء ويحفظكم منزّهين من اللوم، سالمين روحاً ونفساً وجسداً، عند مجيء ربّنا يسوع المسيح". نصّان متوازيان. وعبارة "يوم المسيح يسوع" في فل، تقابل عبارة "مجيء ربّنا يسوع المسيح" في 1 تس.
تدلّ هذه الايرادات على المكانة الخاصة التي يحتلّها انتظار عودة المسيح المجيدة في فكر الكنيسة الأولى، والتي يجب أن يحتلّها في فكر جميع المسيحيّين. إن هذه العبارة تشكّل جزءاً من قانون الإيمان. من جهة، بالنظر إلى مجد المسيح. ومن جهة ثانية، بالنظر إلى دينونة جميع البشر التي ستحصل في ذلك الوقت. والنظرة الثانية تسيطر على سياق النصّ الذي ندرس: فالعمل الذي بدأه الله في تحويل الفيلبيّين تحويلاً داخلياً، هو استعداد لذلك اليوم، يوم الدينونة العظيم، يوم المسيح، وهذا العمل سيكون تاماً في ذلك اليوم.

خاتمة
تلك هي مواضيع هذه المقطوعة. أولاً، الفرح. وهو موضوع يعود مراراً، مع أن بولس هو في السجن، يهدّده الحكم عليه بالموت، ويقلقه همّ من أجل الكنائس. أما ينبوع فرحه فيجده في المسيح. ثانياً، مشاركة أهل فيلبّي في عمل الله الذي هو نشر الإنجيل، وهو عمل كلّف به بولس ورفاقه. ثالثاً، قبول أهل فيلبّي للإنجيل والدلالة على قبولهم بإيمانهم الحيّ، بجهادهم وتألمهم من أجل المسيح، بمساعدتهم الرسول في حاجاته الماديّة. وكل هذا عاشه الفيلبيّون منذ اليوم الأول الذي فيه وصلت إليهم البشارة حتى الآن... ويرجو بولس منهم أن يثابروا على هذا العيش كما فعلوا حتى الآن، لأن الذي بدأ فيهم الأعمال الصالحة يتمّها إلى يوم ربّنا.
الفصل الخامس
محبة الرسول وصلاته
1: 7-11

هنا تفيض محبّة الرسول، فيدلّ على تعلّقه بأهل فيلبّي. إنه يريد أن يربحهم إلى المسيح ويدعوهم إلى الوحدة التي تهدّدها "البدع". عند ذاك يتحوّل التحريض إلى صلاة يعبّر فيها الرسول عن محبّته لأهل فيلبّي وعن ثقته بعمل الله فيهم. وتتحدّث هذه الصلاة عن "الحبّ". لا تلك الفضيلة المجرّدة. بل حبّ أهل فيلبّي لرسولهم. وهو حبّ يبقى ناقصاً إن نقصه الفهم والإدراك. وحبّ أخوي وجماعيّ ما زال "غائباً" بعض الشيء من "كنيسة" فيلبّي.

1- محبّة الرسول (1: 7- 8)
حين نقرأ عن المبادرات التي قام بها الرسول من أجل تحرّره (1: 12- 26)، نفهم أنه فعل ما فعل من أجل أهل فيلبّي (1: 24). وحين نقرأ عن التحريضات على التواضع والوحدة (1: 27- 28)، يجب أن لا نفهمها دروساً أخلاقيّة أو توبيخاً، بل على أنها ثمار محبّة أب لأبنائه. وهذه المحبة التي يكفلها الله تتجذّر في الجهاد من أجل الإنجيل، وهو جهاد يجعله حبّ المسيح فينا.
أولاً: تعلّق الرسول بأهل فيلبّي
إن العمل الذي حقّقته النعمة في الفيلبيّين، والخيرات المنتظرة، هي موضوع شكر الرسول. ولكن ما يلهم في الأعماق هذا الشكر والرجاء الذي يرافقه هو المحبّة. فبدون المحبّة يبدو كل شيء سريع العطب، يبدو كل شيء سطحياً. ولكن ما يوحّد الرسول وأهل فيلبّي هو حبّ قويّ، حبّ روحيّ، لا حبّ نظريّ لا يرتبط بواقع الإنسان. حبّ ينظر إلى البعيد ويرفع إلى العلى. فموضوعه ليس أولاً الخيرات المباشرة، الخيرات المحسوسة والعابرة، بل الخيرات الروحيّة والأبديّة. وهذا الحبّ لا يتأسّس على رباطات الجسد، بل على رباطات الروح في الإيمان والمعموديّة والعمل المشترك في خدمة الإنجيل.
هو حبّ فاعل، لأن لا شيء يوقفه حتى الخوف من السجن والموت. حبّ مليء بالحنين مع الرغبة لدى الرسول بأن يرى أحبّاءه. محبّة في أحشاء الربّ يسوع، كمحبّة الأم لأبنائها. حبّ بولس للمسيحيّين هو في الوقت عينه حبّ علويّ وفائق الطبيعة، وحبّ بشريّ جداً. من جهة، هو يحبّهم بحبّ المسيح، ومن جهة ثانية، وصلت محبّته لهم إلى مستوى العواطف والإحساس.
ثانياً: أحملكم في قلبي (آ 7)
تبدأ آ 7 مع أداة "كاتوس" (كما) التي نجدها مراراً في مطلع رسائل القديس بولس. نقرأ في 1 كور 1: 5: "فكما أن لنا نصيباً وافراً من آلام المسيح". وفي كو 1: 6- 7: "وصلت إليكم كما وصلت إلى العالم"؛ رج 1 تس 1: 5؛ 2 تس 1: 3. إن هذه الأداة "كما" لا تتعلّق فقط بما في آ 4 أو آ 6، بل بما في آ 3- 6. فما قيل في الآيات السابقة يدلّ على مجموعة من الاستعدادات تبدر من الكاتب إلى مراسليه. وفعل "فرونيو" (افتكر) لا يتوقّف عند عالم العواطف. فهو يعبّر في الوقت عينه عن واقع عميق جداً وعن نتائجه العمليّة والملموسة. قد نستطيع أن نتحدّث عن "مشروع" نعبّر عنه في عمل محدّد. تتواتر هذه اللفظة في فل (10 مرات من أصل 25 نجدها في رسائل بولس)، فتتخذ لوناً خاصاً نجده هنا. إنه موقف مسيحيّ تجاه مسيحيّين، ولكنه لا يستبعد أحداً.
وأساس هذه "الاستعدادات" الواجبة نجده في قلب الرسول، على مستوى الإرادة والعمل أكثر منه على مستوى العاطفة. فانطلاقاً من هذا المركز الحيويّ الذي يلامسه الروح، تنتظم الحياة المسيحيّة (رج 2 كور 3: 3). لا يكتفي بولس بأن يتحدّث عن عادته تجاه الفيلبيّين، بل هو يشدّد على موقفه تجاههم. فهم مشاركون مشاركة حميمة في النعمة التي أعطيت له من أجل خدمة الإنجيل والرسالة (1: 5، 12، 18). وبما أن بولس قد مارس هذه الرسالة في السجن حيث شارك في آلام المسيح (3: 10)، فأهل فيلبّي شاركوه في هذه الرسالة بواسطة صلواتهم والمساعدة التي أرسلوها إليه.
وإن رسالة بولس يجب أن تُمارس أيضاً في "الدفاع عن الإنجيل وتأييده". أيكون هناك تلميح إلى الاستشهاد؟ بل إنّها "أبولوجيا" (دفاع) تدلّ مراراً في العهد الجديد على مرافقة المتهمّ أمام المحكمة (أع 19: 33؛ 22: 1؛ 25: 16). إذن، يشير بولس إلى مثوله القريب أمام المحكمة بعد أن كشف عن مواطنيته الحقيقيّة: ليس مواطناً رومانياً وحسب. إنه مواطن السماء. غير أن هذا المثول سيكون بدفاعه أمام قضاته وتحريره الممكن، "تأييداً" للإنجيل. فلا شك بأن أهل فيلبّي الذين شاركوه حتى الآن مشاركة حميمة في عمله، سيتابعون هذه المشاركة في الأحداث التي تنتظره.
هنا نلاحظ أن الرسول يعتبر قيوده لا على أنها ألم، بل على أنها نعمة. ونلاحظ أيضاً أن فل تختلف عن فلم 9. فبولس لا يقدّم نفسه بشكل مباشر على أنه سجين (دسميوس). هو يتكلّم فقط عن قيوده (1: 13، 14، 17). ليس هذا من قبيل الصدف. وقد رأى بعض الشّراح في هذا الكلام رفضاً لأيّ تلميح إلى السجن، واحتفاظاً بفكرة عامة عن الآلام.
ثالثاً: أحبّكم جيعاً (آ 8)
هنا نجد الكفالة الأخيرة لعمق المحبّة التي يكنّها الرسول لأهل فيلبّي: الله والمسيح. "الله يشهد". إن اللجوء إلى القسَم في رسائل بولس ليس متواتراً. لهذا حين يرد، فهو يدلّ على جديّة الموضوع الذي يُطرح. مثلا، روم 1: 9: "والله يشهد لي أني أذكركم كل حين"؛ 2 كور 1: 23: "ويشهد الله عليّ أني امتنعت عن المجيء إلى كورنتوس"؛ 1 تس 2: 5، 10: "يشهد الله أنّا ما أضمرنا طمعاً... الله شاهد كيف عاملناكم".
الشكل الذي يرد فيه القسَم ليس حسب قسَم الرابانيّين الذي يذكر اسم الله. بل هو يرتبط بالعهد القديم كما في النص السبعينيّ (تك 31: 44؛ 1 مل 12: 5- 6؛ 20: 23- 48). أما الفعل المستعمل (ابيبوتيو) فيدلّ على عمق الحبّ الذي يربط الرسول بإخوته في المسيح.
وحين نعود إلى مختلف الاستعمالات البولسيّة، لا سيّما في 2: 26 (شديد الحنين إليكم)، نعتبر أنه يجب أن نفهم عبارة آ 8 كما يلي: "أنا أرغب فوق كل شيء أن أراكم جميعاً" (رج 1: 25 ي؛ 2: 12، 23). وإن هذه الرغبة الحارّة تنبع من "أحشاء المسيح" نفسه. إذن، لا نستطيع أن نتصوّر حبّاً يأخذ بمجامع القلب مثل هذا الحبّ (2: 1). وهذا ما يعبّر عنه أحد الشرّاح فيقول: ليس بولس هو الذي يحيا في بولس، بل يسوع المسيح. لهذا يتحرّك بولس لا بأحشاء بولس، بل بأحشاء المسيح.

1- ثمار المحبّة (1: 9- 11)
أولاً: ماذا يطلب الرسول
إن موضوع طلب بولس من أجل الفيلبيّين، هو الأمر الجوهريّ الذي يستطيع أن يقودهم إلى هذا الهدف الذي يرجو أن يراه محقّقاً في يوم المسيح يسوع. هو يطلب من أجلهم نمواً في المحبّة (1 تس 3: 12: يزيد الربّ محبّة بعضكم لبعض ولجميع الناس). فالمحبّة هي المعيار الرئيسيّ لعمل الله في البشر. هذه المحبّة كان الرسول قد شدّد على أهمّيتها الكبرى في 1 كور 13: حيث لا محبّة لا يوجد شيء. وإن وُجدت المحبّة وُجد كل شيء. "فالمحبّة هي رباط الكمال" (كو 3: 14). وهي ثمرة الروح القدس كما نقرأ في غل 25: 22؛ رج روم 5: 5؛ 1 يو 4: 7.
نلاحظ أن الرسول يطلب المحبّة ولا يطلب شيئاً غيرها. هو لا يطلب فقط المحبّة تجاه الله أو المحبّة تجاه القريب. هو يطلب فقط المحبّة وهذا يكفيه. ولا يطلب المحبّة بمقدار، بل لا يريد حدوداً للمحبّة: يريدها أن تنمو شيئاً فشيئاً، بشكل مطلق وبطريقة غير محدّدة. فالحبّ لا يحدّه "مكيال" بشريّ. الحبّ هو الله، والله محبّة (1 يو 4: 8).
حين يكون الحديث عن المحبّة، فعلى المسيحيّ أن يتوق إلى تجاوز متواصل. أن تتجاوز محبّته كل ما يمكن أن يعيشه الآن. فالمحبّة هدف نتوق إليه قبل أن تكون واقعاً نمسك به ونحصره بين أيدينا. المحبّة فينا وهي أبعد منا، لهذا نجري وراءها. نمتلكها ولا نمتكلها، نسعد بها، ونتوق إلى سعادة أكبر في امتلاكها.
في هذا المجال كتب بولس في 1 تس 4: 9- 10: "وأما المحبّة الأخويّة فلا حاجة بكم أن يُكتب فيها إليكم، لأنكم، أنتم بأنفسكم، قد تعلّمتم من الله أن يحبّ بعضكم بعضاً. وذلك ما تصنعونه نحو جميع الإخوة الذين في مكدونية كلها. وإنّما نحرّضكم، أيها الأخوة، أن تمضوا في ذلك على الازدياد" (أي أن تنمو فيها يوماً بعد يوم).
مثل هذا الواقع الإلهيّ الذي هو المحبّة، لا يمكن أن يبقى بدون ثمار في الإنسان. بل هناك ثمار لا تنفصل عن المحبّة، وهي التي يطلبها الرسول حين يطلب المحبّة.
ثانياً: المعرفة الحقيقيّة (آ 9)
لسنا هنا أمام المعرفة العلميّة، ولا أمام معرفة الرياضيّات، ولا أمام الحقائق المجرّدة التي يصوغها العقل والمنطق. الكلمة اليونانيّة هي "ابيغنوسيس" أي المعرفة السميا، سوبر معرفة. وهي تُستعمل في رسائل السجن. في كو 2: 2؛ أف 1: 17؛ 4: 13. فتدلّ على معرفة سّر المسيح والفداء. لقد صاغ الرسول لفظة خاصّة ليدلّ على هذه المعرفة، لأننا لا نستطيع أن نلج سّر المسيح عبر طرق عقلانيّة محضة. نحن بحاجة إلى الحبّ، لأن الحكمة البشريّة لا تستطيع أن تسبر سراً لا نستطيع الوصول إلى قراره. لهذا قال بولس في روم 11: 33: "ما أعمق غنى الله وحكمته وعلمه"!
أجل، إن المعرفة العقلانيّة لا تكفي، لهذا نحتاج بالضرورة إلى معرفة عن طريق الخبرة، معرفة عمليّة، معرفة تقودنا إلى العمل. ولا نستطيع أن نبلغ إلى ذلك إلاّ بنعمة إلهية، نعمة "محبّة الحقيقة" (2 تس 2: 10)، بنور عطايا الروح القدس. يتحدّث اللاهوتيون عن معرفة تتفجّر من تحوّل داخلي في النفس التي تصبح شبيهة بالله، عن استنارة القلب بالحبّ. "خلعتم الإنسان العتيق مع أعماله، ولبستم الإنسان الجديد الذي يسير نحو المعرفة الحقّة (ابيغنوسيس) متجدّداً على صورة خالقه" (كو 3: 9- 10؛ رج أف 1: 17- 18؛ 3: 14- 19).
ثالثاً: الإدراك التام
نجد هنا كلمة "ايستاسيس". لا ترد إلاّ هنا في العهد الجديد، ولكنها ترد مراراً في العهد القديم. مثلاً، أم 1: 7، 22؛ 9: 9؛ 10: 14؛ 14: 6؛ 18: 15... هي تعني الفهم والمعرفة على المستوى العلميّ. تعني أن ندرك إدراكاً مباشراً وبالحدس مشيئة شخص محبوب. وهي معرفة تساعدنا على اكتشاف ما يرضيه أو لا يرضيه. هي نوع من إحساس مرهف وجهوزيّة تامة بالنسبة إلى أقلّ رغباته.
وفي سياق كلامنا، هي معرفة دينيّة تجعلنا ندخل بكلّيتنا في المخطّط الإلهي، في السّر الذي يشكِّل هذه المعرفة السميا (كو 1: 9- 10). هكذا يستطيع أهل فيلبّي أن "يتبيّنوا الأفضل"، أن يميّزوا بين الخير والشرّ (1 تس 5: 21؛ 1 كور 11: 28؛ 2 كور 13: 5؛ غل 6: 4)، أن يوجّهوا حياتهم توجيهاً مستقيماً عبر عقبات هذا العالم.
رابعاً: نقاوة القلب (آ 10)
كان الكلام السابق: أن نمتحن مختلف الأمور ونختار، أن نميّز القيم الحقّة. وها هو النصّ يطلب منا أن نكون "أنقياء وبلا لوم". فالمحبّة لا تكتفي بأن تنيرنا حول مشيئة الله. إنها تُشعل قلوبنا غيرة لكي نتمّ هذه المشيئة. وهي أيضاً نار تُحرق كل نجاساتنا وخطايانا (1 بط 4: 8؛ يع 5: 20؛ رج أم 10: 12).
وهكذا لن يكون للمسيح أن يوجّه أيّ لوم إلى أهل فيلبّي، في يوم الدينونة، في يوم المسيح. تعود هذه النظرة إلى عودة المسيح وإلى الدينونة فتعطي هذا المقطع أفقه الحقيقيّ.
خامساً: ثمار البرّ (آ 11)
إن توقّفنا عند الثمار السابقة من نقاوة وفضيلة لا لوم فيها، أحسسنا أننا على. المستوى السلبيّ. ولكن نتيجة المحبّة هي في النهاية إيجابيّة إلى أقصى حدود الإيجابيّة. فكما أن الشمس تجعل الثمر ينضج، كذلك المحبّة تقود الإنسان إلى ملء النضوج، إلى الكمال. بعد هذا، سيكتب بولس إلى أهل أفسس أنهم يدخلون إلى "ملء الله " بمعرفة محبّة المسيح (أف 3: 19). فالفكرتان تتكاملان، لأن ملء المسيحيّ وكمال تفتّحه، يكمنان في الدخول إلى ملء الله. وعندما تتفتّح جميعُ الأعضاء، يتوصّل جسد المسيح السّري إلى "الإنسان البالغ الناضج الذي يحقّق ملء المسيح" (أف 4: 13).
ولكن حين نقرأ هذه الجملة عند بولس، نحسّ ببعض الانزعاج. فكأن هذا الكمال يبدو مجهوداً به يحاول الإنسان أن يقتني البرّ البشريّ. يبدو المؤمن وكأنه فريسيّ يعمل فيعتبر نفسه باراً بفضل عمله. مثل هذا التفسير يعارض كل المعارضة تعليم الرسول. لهذا، فهو يقول: "ثمار البرّ التي في يسوع المسيح". التي نحملها بفضل المسيح. ونحن لا نفهم "ثمر البرّ". بمعنى ثمر يقوم في البرّ، برّ الإنسان، بل بمعنى ثمر يُنتجه البرّ. فبرّ الله يُعطى للإنسان.
وهكذا نجد من جديد المواضيع الكبرى التي نجدها في روم، وقد استعادتها فل في منظار "يوم المسيح": فالإنسان المبرّر بدم المسيح يُعلن باراً حين يمثل أمام الديّان السامي. عند ذاك ينال الخلاص حقاً. هنا نتذكّر روم 5: 10: "وإذا كان الله صالحنا بموت ابنه ونحن أعداؤه، فكم بالأولى أن نخلص بحياته ونحن مُصالحون".

خاتمة
إن باعث الحبّ الأخير هو مجد الله وحمده. فالكتاب المقدّس بشكل عام، والقدّيس بولس بشكل خاص، يعلّمنا ديانة مركّزة على الله لا على الإنسان. وقد نقترف خطأ فادحاً يصل بنا إلى العبث، إن حاولنا أن نشدّد على مركزيّة الإنسان في التجسّد الفدائي، وحبّ الله للبشر.
فمجد الله يبقى قبل كل شيء الهدف الأخير للخليفة وحياة كل إنسان. وإذ يحقّق الإنسان هذه الغاية يحقّق نفسه ويجد ملء سعادته. لا نتعجّب من ذلك، لأن الله محبّة ولأن المحبّة هي من الله (1 يو 4: 7- 8). والحبّ الذي ينعش المسيحيّ يمثِّل منذ الآن في ذاته فيض مجد الله. لهذا، فهو في النهاية يؤول إلى تمجيد الله.
إن كنه الحبّ هو أن يريد خير الكائن المحبوب، وأن يمتدح من يحبّ. وحبّ الله "الذي أفيض في قلوبنا بالروح القدس الذي أعطي لنا" (روم 5: 5)، يجعل فينا عطشاً مستمراً ورغبة حارة في أن نمجّد الله قبل كل شيء ونُنشد على الدوام تسابيحه.
الفصل السادس
مسيرة الإنجيل
1: 12- 20

إنّ المبادرات الأخيرة التي قام بها الرسول لكي يدلّ على أنه مواطن رومانيّ آلت إلى نجاح الإنجيل ولم تكن خيانة له. فالنتائج كانت إيجابيّة خارج الجماعة المسيحيّة كما في داخلها. غير أنه يجب أن نلاحظ أنّ موتف بولس أثار تحرّكات مختلفة ومتعارضة لم تكن كلّها لصالحه. ولكن مهما يكن من أمر، فكل هذا يتأسّس على الصليب، والمسيح يبشرَّ به على كل وجه. لهذا لا يستطيع الرسول إلاّ أن يبتهج ويفرح. ثم إنّ المحاكمة الآتية سوف تكون له مناسبة جديدة يشهد فيها للمسيح. وهكذا تكون حياته مفيدة للإنجيل، وموته كذلك. هكذا "يمجَّد المسيح في جسدي، بالحياة كان أم بالممات". هذا ما قاله الرسول.
نتوقّف في هذا الشرح عند ثلاث محطّات. الأولى، أخبار الرسول (آ 12- 14). الثانية، مجموعتان متعارضتان (آ 15- 17). الثالثة، الهدف هو الإنجيل (آ 18- 20).

1- أخبار الرسول (1: 12- 14)
أ- أحوال بولس والانجيل (آ 12)
قدّم بولس الطرح الذي سيتوسّع فيه على مدّ الآيات التالية، مع عبارة معروفة في رسائل ذلك الزمان: "أريد أن تعلموا". يقول الطرحُ بأن أمور الرسول كلها، وليس فقط سجنه، قد عملت من أجل نجاح الإنجيل الذي هو علّة وجود بولس.
إنّ لفظة إنجيل تلعب في اللاهوت البولسي دوراً هاماً جداً. يستعملها بولس في حالات عديدة بشكل مطلق (الانجيل، لا إنجيل الله). صار الانجيل معه شخصاً حياً. وهو يدلّ في الأساس على تدخّل الله في التاريخ بحدث الصليب والقيامة. وهذا التدخّل صار آنيّاً بالكرازة الرسوليّة التي هي أيضاً جزء من عمل الله الأخير في نهاية الأزمنة. هذه الكرازة هي الواقع الذي يسند برهان القسم الأوّل من الرسالة (1: 12- 26) حيث نقرأ ثلاث مرات (1: 5، 7، 16) لفظة إنجيل كمرجع ثابت يحدّد الرسول بالنسبة إليه سلوكه.
نلاحظ الأداة "مالون" (بالحري) التي لا تُعارض بين صعوبات خاضة (ومنها السجن) ومصالح سميا (مثلاً، مصالح الانجيل)، بل طرحين متعارضين بالنسبة إلى نتائج هذه الأحداث المذكورة. وتبقى اللهجة كلها حرارة. ويسمّي بولس قرّاءه "إخوة"، وهي لفظة ترد خمس مرّات خلال الحديث عنهم (3: 1، 13، 17؛ 4: 1، 8). هذا ما يدلّ على العلاقات التي تربط المؤمنين بعضهم ببعض "في المسيح".
ب- الانجيل في دار الولاية (آ 13)
إذا كان للفظة "أمور" (تا كاتا مي: ما يخصّني) هذا المعنى المحدّد، نفهم أن تكون قد وصلت إلى قصر الوالي وإلى المدينة كلها. ما طرح سؤالاً على هؤلاء الناس هو صمتُ الرسول الطويل: لقد امتدّ سجنه وقتاً جعل أهل فيلبّي يقومون بحملة تبرّعات من أجله. حينئذ يشرح بولس وضعه "في المسيح". قال إنّ أمانته للصليب هي التي دفعته إلى الألم (1: 29؛ 3: 10) والتطلّع إلى الاستشهاد والموت.
في الواقع، ظلّت نواياه غائبة عن جميع الناس. أما الآن، وبعد أن كشف ما كشف، فهمَ الناسُ أنّ المسيح هو سبب سجنه. وهو للمسيح قد قبل هذا السجن. هناك من قال: "صارت قيودي مشهورة في المسيح". هذا يعني أنّ المسيح هو الذي حرّكه لكي يقول ما قال. هذه الشهرة خدمت المسيح أكبر خدمة كما خدمت الرسالة.
دلّت "برايتوريون" في الأصل على خيمة القائد، على المقرّ العامّ. ثم دلّت على جيش الوالي وموضع إقامته. أما المعنى الذي نعطيه هنا فيرتبط بالموضع الذي نقترحه كفرضيّة لتدوين الرسالة. فالذين يقولون إنّ فل دوّنت في رومة، يتحدّثون عن قصر الإمبراطور (هذا ما نجده عند آباء الكنيسة بشكل عام) أو عن حرس الإمبراطور (أع 28). ولكن إذا عدنا إلى العهد الجديد، فهمنا أن هذه اللفظة تدلّ حصراً على مركز الوالي في المقاطعات (مت 27: 27 وز؛ يو 18: 28، 33؛ 19: 19؛ أع 23: 35). لهذا، تحدّث بعضهم عن مقرّ فيلكس وفستوس في قيصريّة. وآخرون عن محكمة غاليون في كورنتوس. أما الذين يعتبرون أن فل دوّنت في أفسس، فيرون في لفظة "برايتوريون" تلميحاً إلى المركز الذي يقيم فيه والي المدينة.
ج- نجاح في داخل الجماعة (آ 14)
لم تكن لمبادرة الرسول فقط نتائج حسنة خارج الجماعة المسيحيّة، بل في داخلها، وسط "الإخوة الذين استمدّوا من قواي ثقة بالربّ". يستعمل بولس عبارة "في الربّ" لكي يصف أعمالاً خلقيّة. نصبح في الربّ ما سبق وصرنا إليه في المسيح. قد ترتبط هذه العبارة بالإخوة فنقول: استمدّوا في الربّ. ولكن نقول مع معظم الشّراح "ثقة بالربّ". هنا نقرأ في المعنى عينه غل 5: 10: "إني لواثق بكم في الربّ"؛ 2 تس 3: 4: "ولنا الثقة بكم في الربّ". غير أن موضوع الثقة في هذين الإيرادين ليس الربّ (يقول النصّ: في الربّ، فيدلّ على الطريقة) بل تدلّ عليه "إبي" (7 مرّات في العهد الجديد)، "إيس".
ونقول الشيء عينه عن "القيود" التي لا يمكن أيضاً أن تكون موضوع هذه الثقة. لهذا، يجب أن نعطي فعل "بايتو" المعنى الأصلي "أقنع". لقد اقتنع الأخوة بقيودي في الربّ. صيغة الفعل تدلّ على عمل بدأ في الماضي وما زال يتواصل الآن. كانوا قد تيقّنوا في الماضي. والآن هم يتجرّأون بعد. فسجنُ الرسول وآلامه ثبّتت الإخوة في الإيمان، وهذا التثبيت تمّ بمبادرة وقيادة ربّ الكنيسة وربّ الكل (2: 9- 11).
وبين هؤلاء الاخوة، عرف أكثرهم على أثر الأحداث القريبة، حرارة جديدة من أجل الكرازة بالكلمة. ويشدّد النصّ على "اللاخوف" (افوبوس). ولكن ما الذي حدث لكي يكون سجنُ بولس سبباً في تخليص هؤلاء المبشّرين من خوفهم؟ الجواب هو أن روحانيّة الاستشهاد هي كبيرة بحيث إنّ انتظار الموت بالنسبة إلى الرسول دفعهم إلى الجرأة في حمل الإنجيل. هذه فرضيّة. ولكن قد يكون إعلان تحرير الرشول هو ما دفعهم إلى الكرازة المسيحيّة.

2- مجموعتان متعارضتان (1: 15- 17)
أ- واقع الكرازة (آ 15)
بين الذين تيقّنوا من سجن الرسول فضاعفوا عمل الكرازة، نميّز مجموعتين متعارضتين: واحدة تتجاوب مع مبادرة الرسول. وأخرى ترفضها. وهكذا تكون آ 15 ي جزءاً من الخطبة كما فهمناها حتى الآن. ولكن من هي هذه المجموعة المعادية؟ هنا تتباين الآراء. ولكن نقول مع عدد من الشّراح إن ما فصل هؤلاء الناس عن بولس، لم يكن على مستوى التعليم. وإلاّ لكان بولس عاملهم بقساوة (3: 2 ي)، ولما كان قال عنهم إنهم "يبشرّون بالمسيح".
إذن، لا نقول إننا أمام مقلقين من الوثنيين (كما قالت بعض الآباء اليونان)، ولا أمام بعض المسيحيّين المتهوّدين في قيصريّة. ولا نستطيع أن نضع في مجموعة واحدة أولئك المذكورين في 1: 15 ي وأولئك المذكورين في 3: 2 ي الذين قد يكونون مسيحيّين متهوّدين حسب البعض أو غنوصيّين حسب البعض الآخر.
فهل نعتبر أننا أمام معارضة مؤسّسة على مزاحمة شخصيّة حول المراكز الأولى؟ تلك كانت مصيبة الجماعات المسيحيّة الأولى. ولكن يجب أن نتجاوز هذا الحل فنتذكر التحزّبات التي نقرأ عنها في 1 كور 1- 4: هناك متهوّدون أقرب إلى أبّلوس منه إلى بولس. وقد يكونون ظنّوا أن بشارة الرسول مضّرة بنجاح المسيحيّة. هكذا نفهم أن تكون الكرازة موجّهة ضد الرسول. ولكن سياق الرسالة هو أوسع من ذلك: التبشير بالمسيح. أي إعلان موته وقيامته. ولهذا اعتبر بعضهم أن بولس يعارض كرازة الصليب حين يحاول أن يتخلّص من السجن.
مثل هذه المواقف لا تبدو بريئة. وبولس يرى فيها روح الفتنة والحسد والمزاحمة، روح الثلب والافتراء. أما الأخوة الذين ظلّوا أمناء للرسول فدلّوا على نيّة طيّبة، على تفهّم من أجل المشاركة في العمل.
ب- الباعث على الكرازة (آ 16- 17)
هنا يحدّد نصّ الرسالة الباعث الذي يسند كرازة هاتين المجموعتين. نلاحظ هنا أيضاً أن لا جدال في صحّة التعليم، وأن فعل "بشّر" يستعيد فعل "كرز" من الآية السابقة. ولكن البعض يتصرّفون عن حبّ (أغابي)، أي يلهمهم روحٌ يبني الجماعة. والآخرون عن منازعة ونيّة غير صالحة. نلاحظ وجود هذين الوضعين في غل 5: 20 ي: هناك العداوات والخصومات والأطماع. ومن جهة ثانية، هناك ثمار الروح. رج 1 تم 6: 11 (أهرب من ذلك)؛ 2 كور 11: 20. وهذا هو الوضع في فيلبّي كما يصوّره 2: 1- 3.
ولكن عمل هاتين المجموعتين يستند أيضاً إلى طرح: البعض يعرفون. الآخرون يظنّون. الأولون يعرفون أنّ بولس الذي كان السبب في مثوله أمام القضاة، سوف يدافع عن الانجيل كما في مرافعة (أع 22: 1؛ 1 كور 9: 1؛ 1 تم 4: 16). وتطبيق لفظة "ابولوجيا" على الانجيل (نجدها في 1: 7) يدلّ على أن الرسول، إذ يدافع عن نفسه، يدافع عن الانجيل أيضاً.
أما المجموعة الثانية فتظنّ، وظنّها لا يخلو من نيّة سيّئة. لقد تخيّلوا أنهم بهجومهم يزيدون آلام الرسول. هذا هو التفسير التقليديّ. وهو يحتاج أن لا يتوقّف عند معنى بسيط للفظة "تلبسيس" (صعوبة أدبيّة، تعب، رج يع 1: 27). فهي تدلّ بالأحرى على الضيق الاسكاتولوجيّ، على آخر الأزمنة التي يدشّنها الصليب. وهكذا نفهم أن خصوم الرسول أرادوا أن يزيدوا على سجنه "ضيقاً" وعدداً من المحن تجعله قريباً من المصلوب والقائم من الموت (آ 21 ي).

3- الهدف هو الانجيل (1: 18- 20)
أ- تصرّف بولس (آ 18)
ولكن ما يهمّ بولس ليس موقف هؤلاء أو أولئك تجاهه، بل واقع يدلّ على أن الانجيل يبشرّ به. بما أنّ بولس فعل ما فعل بالنظر إلى الإنجيل، وبما أنه كان لعمله مثل هذه النتيجة، فهو مملوء فرحاً. أما الانجيل فله قوّة في ذاته مستقلّة عن الذي يحمله. سواء بشرّ به أصحاب النيّة الصالحة أو أصحاب النيّة السيّئة، فهو يسير مسيرته. نستطيع أن نقابل هنا مع ما يقوله أوغسطينس عن الأسرار: سواء عمّد بطرس أو يهوذا، فالمسيح هو الذي يعمّد. وسواء بشّر الرسول أو خصومه، فالمسيح هو الذي يواصل تعلبمه عبر الكنيسة وعبر البشر.
هنا نقرأ: "ولكن ماذا عليّ"! أو: "فما شأن ذلك"؟ أو: "ولكن ما همني"! لسنا هنا أمام مفاضلة بين المجموعتين من الاخوة، بل أمام تقوية فكرة الفرح. ففرح الرسول ليس بعابر. إنه يرافقه غداً حين يمثل أمام القضاة الأرضيّين، وبعد غد حين يمثل أمام الديّان السماويّ.
أجل، يفرح بولس لا لسبب شخصيّ، بل من أجل الانجيل. هو لا يهتمّ للبواعث التي تدفع هؤلاء وأولئك إلى حمل الانجيل. ما يهمّه هو "أنّ المسيح يبشرّ به". وفي النهاية، هذا الوضع يكون لصالحه كما يقول في آ 19.
ب- النتائج المقبلة (آ 19)
وبعد أن عدّد بولس النتائج الماضية والحاضرة لمساعيه، وصل إلى النتائج المقبلة: إنه سيَمثُل أمام المحكمة، وبعد ذلك يعود إلى العمل الرسولّي. وسيكون المثول أمام المحكمة مناسبة لشهادة علنيّة هامّة. لهذا يؤكّد الرسول يقينه أيضاً (اويدا، أعلم) بأنه في الطريق القويم الذي يقود إلى الخلاص (سوتيريا). ليس هذا الخلاص فقط تحرّراً من السجن، بل الخلاص الإسكاتولوجيّ والنهائيّ. وما يقوده إليه ليس السجن في حدّ ذاته، وليست كرازة الإنجيل، ولا الوضع العام لدى الذي يدعوه الله إليه، بل سلسلة من الأحداث قد بدأت وقد لا تكون مناسبة. وهنا يعود بولس إلى أي 13: 16 كما يرد في السبعينيّة مع فعل "أبوباينو" (يؤول). "أسكتوا عني فأتكلّم أنا مهما أصابني. آخذ لحمي بأسناني وأجعل نفسي في كفّي. لو قتلني لن أرتجف شرط أن أحتجّ أمامه. ذلك يكون لي خلاصاً لأنّ الكافر لا يقوم أمامه" (أي 13: 13- 16).
ليست الآلام هي التي قادت بولس إلى التأمّل في سفر أيوب، بل جدال أصدقائه وموقفه تجاه هذه الآلام. أكّد الرسول، شأنه شأن أيوب، أنه لا يقدّم حساباً عن أعماله إلاّ أمام الله وحده. ويجعل من مثوله أمام الوالي الروماني صورة عن مثوله أمام منبر الله. ونجاح هذا المثول يرتبط بصلاة أهل فيلبّي وبعون الروح.
نقرأ هنا لفظة "ابيخوراغيا" (مؤازرة، معونة). ولا نجدها إلاّ في أف 4: 16 (تعاون جميع المفاصل). أما الفعل فيرد خمس مرّات وهو يرتبط دوماً بالروح (غل 3: 5: يمنحكم الروح). ويبقى أن فكرة عون يحمله الروح إلى شهادة المسيحيّين الذين يمئلون أمام قضاتهم، هي مرسّخة في المسيحيّة الأولى وإن لم تظهر بشكل خاص لدى بولس (مر 13: 11؛ مت 10: 20؛ لو 12: 12). لهذا نجد عبارة "روح يسوع المسيح". فالروح هو الذي يُرسله المسيح ليستطيع الرسول أن يشهد للمسيح.
ج- بولس ينتظر (آ 20)
ويبدو بولس كلّه مشدوداً إلى هذا المثول، بل يضع فيه رجاءه. فهذا الانتظار نقرأ عنه في روم 8: 19 حيث تبدو الخليقة كلّها مشدودة إلى الفداء الأخير. وهو يتضمّن بالنسبة إلى "ألبيس" (الرجاء) فترة من التردّد والشك. أما الرجاء الذي لا يُذكر إلاّ هنا، فهو يدلّ على انتظار واثق بالصبر لما سيأتي.
إذن، يرجو بولس من الأحداث القريبة أن "لا يخزى"، أن "لا يغطّيه الخجل". هنا نتذكّر المزامير حيث يطلب المؤمن من الربّ أن لا يخزى أمام أعدائه. مز 25: 3: "جميع الذين يرجونك لا يخزون، وليخزَ من على اسم الباطل يغدرون"؛ 69: 7: "لا يخجل من يرجونك، ولا يخزى من يلتمسونك"؛ 119: 80، 116: "ليكن قلبي كاملاً في فرائضك لكي لا أخزى"... "أعضدني بحسب قولك فأحيا ولا أخزى" (أو يخيب أملي). من هم خصوم الرسول؟ هم الإخوة الكذبة الذين يعارضون مساعيه، وهم أيضاً القضاة الذين سيمثُل أمامهم: يرجو بولس أن يكون في الطريق القويم لئلاّ يندم على ضلال وقع فيه.
ذاك هو الوجه السلبيّ للانتظار. والوجه الإيجابيّ هو تمجيد المسيح في شخص الرسول. نجد فعل "مجّد" (ميغاليتاناي) أيضاً في المزامير. "عظّموا الربّ معي، ولنشد باسمه جميعاً" (34: 4؛ رج 35: 27)؛ ونقرأ في 40: 17: "ليقل محبّو خلاصك: تعظّم الربّ". ونجد هذه النقيضة في 2 كور 10: 5 حيث يرجو الرسول أن يتعاظم في نظر الكورنثيّين.
ولفظة "جسد" (سوما) لا تدلّ على الجسد حصراً، بل على الشخص كلّه كما في الانتروبولوجيا البيبليّة: سيتمجّد المسيح في دفاعي عن سجني وفي الآلام التي أتحمّلها. وكلمة "باريسيا" تعني أن نقول كل شيء، أن نتحلّى بالصراحة، أن نقول ما نقوله جهراً. وهي وصف لفعل قال أو علّم (مر 8: 32؛ يو 7: 13؛ أع 2: 29؛ أف 6: 19- 20). إذن، يشدّد بولس هنا على الطابع العلنيّ لما سوف يحدث، وعلى أنه لن يخفي شيئاً من أسباب صمته الطويل وشروط سجنه: في هذا سيتمجّد المسيح.
الآن ودائماً. هكذا يشير الرسول إلى ثباته في سلوكه الذي لا يتبدّل. بل هو يفتح الباب أمام اعتبار جديد. فالآية تنتهي في خيار بين الموت والحياة يقود بشكل مباشر إلى توسّع نقرأه في الآيات اللاحقة. غير أن هناك أيضاً علاقة بين "الآن" والإشارة إلى "الحياة"، بين "دائماً" والإشارة إلى "الموت". إذن، لا خيانة في تبديل الرسول لموقفه: البارحة بموته، واليوم بحياته، وقد كان هدفه الدائم أن يمجّد المسيح بأفضل الطرق. وهكذا لا نجد في هذا الخيار علامة عن التردّد الذي يجد فيه الرسول نفسه بالنظر إلى المصير المحفوظ له.

خاتمة
ما حصل لبولس هو توقيفه وسجنه. ما حصل له أدّى إلى مسيرة الإنجيل إلى الأمام، إلى نجاح الإنجيل وانتشاره. غير أن بعض الناس استفادوا من سجن بولس ليهدموا سلطة الرسول ويتعظّموا في عين نفوسهم. ولكن حقيقة الإنجيل ليست على المحكّ، ليست في خطر كما كان الأمر في كورنتوس أو غلاطية. لهذا، لا يأخذ بولس الأمور بشكل دراماتيكيّ، بل يفرح بالأحرى لأن الإنجيل يُعلن والمسيح يبشّر به في كل حال. وهو ينتظر خلاصه من السجن حياً. وينتظر الفداء الذي يمنحه إياه يسوع المسيح فلا يخزى أمام أعدائه. كما ينتظر الخلاص للمؤمنين الذين جاء بهم إلى المسيح.
الفصل السابع
بولس وموته
1: 21- 26

سُجن بولس فتطلّع للمرة الأولى إلى إمكانيّة موته. هو سجين ولا يعرف كيف تنتهي محاكمته، فيحسّ بتهديد حكم الإعدام ثقيلاً عليه. ويتردّد الرسول لا حول مصيره القريب (حكم أو عفو)، بل حول الموقف الذي يأخذه والخيار تجاه المستقبل. هل نحن أمام نظرة إلى النهاية؟ بل أمام دخول في الجماعة وفي الزمن الحاضر.
نتوقّف هنا عند ثلاثة أمور: الموت أو متابعة العمل الرسوليّ (آ 21- 24). الاسكاتولوجيا البولسيّة: كيف نكون "مع المسيح"؟ والثالث: نظرة إلى المستقبل (آ 25- 26).

1- الموت أو متابعة العمل الرسولي (1: 21- 24)
أ- الحياة لي هي المسيح (آ 21- 22)
أولاً: نظرة عامّة
تبدأ آ 21- 26 بشرح: "الحياة لي هي المسيح". وهذا الشرح يبرّر اللامبالاة والهدوء اللذين دلّ عليهما الرسول بالنظر إلى موته (آ 20). فإن كانت تلك عاطفته، فالحياة له هي المسيح بشخصه وعطاياه، وسعادته أن يكون للمسيح. إن فعل "حيى" يدلّ على التقدّم بالنسبة إلى الخيار السابق "سواء حييت". في آ 20، كنّا أمام الحياة الأرضيّة، الحياة الطبيعيّة. أما هنا، فجوهر "الحياة" يقوم بالتغلّب على هذا الموت الطبيعيّ بقوّة الروح (روم 8: 11). وهكذا يصل المؤمن إلى حالة أسمى من كل ما تؤكّده له خبرته الدينيّة في هذا العالم (1 كور 13: 8- 12). لهذا كتب بولس: "الموت ربحٌ لي".
ولكن هذا الربح يصطدم بربح آخر في قلب الرسولي وفي كلامه. هنا ترد آ 22 فنفهمها بشكلين مختلفين وحسب علامة القطع. الأول: إن كانت الحياة في الجسد تهيّىء لي أيضاً عملاً مثمراً، لا أدري ماذا أختار. الثاني: إن كان عليّ بعدُ أن أحيا في الجسد، هذا ما يهيّىء لي عملاً مثمراً. وأنا لا أعرف ما أختار.
مهما كانت القراءة التي نأخذ بها، فبولس يريد أن يقول إنه أمام ربحين يتردّد تجاهما. قد يترك للسلطات التي تسجنه مهمّة التقرير: هل سيموت أو يتابع عمله الرسوليّ؟ وهكذا يستسلم بشكل غير مباشر إلى الله، سيّد كّل هذه المغامرة الرسوليّة. حين نقرأ بولس، نحسّ وكأنّ ترتيب نهاية المحاكمة يتعلّق به. أما في الواقع، فالوضع لا يترك له إمكانيّة تقرير مصيره تقريراً ناجحاً.
يتكلّم بولس هنا وكأنه ليس بسجين. فقراره ومشاريعه لا تنبع من تحليل دقيق للوضع، بل من ضرورة دينيّة، من حاجة إلى الخلاص يشعر بها الرسول. قد يكون نقصَه الحسُّ العمليّ من أجل تصرّف ناجع، ولكننا لا نستطيع إلاّ أن نعجب من غيرته النابعة من إيمانه.
ثانياً: بين ربح وربح (آ 21)
"الحياة لي هي المسيح". هذا يعني أولاً أن لا غاية لحياتنا إلاّ المسيح الذي هو أيضاً ملؤها (غل 2: 19 ي). نحن هنا على المستوى الصوفيّ والمستيكيّ، فنفهم أن الموت يمكن أن يكون ربحاً: الموت يقرّبنا من المسيح. ولفظة "تو زان" تعني أيضاً الحياة في الآخرة. في هذا المجال نميّز بين الفلسفة اليونانيّة والفكر البولسيّ حول الموت. إن الفلسفة تستقي تعليمها من خلود النفس واحتقار هذا العالم. أما نظرة بولس فتتركّز على المسيح.
وهناك مستوى آخر نقرأ فيه آ 21. فالمسيح ليس فقط القائم من الموت، بل المصلوب أيضاً. والحياة في نظر بولس هي أن يقترب من صليب معلّمه. وهكذا تتجذّر الصوفيّة في التاريخ. ونكون في نظرة اتّباع يسوع مع أهميّة الآلام الرسوليّة (رج 2 كور 4: 10 ي). كان بولس سجيناً، وهو متأرجح بين الموت والحياة. لهذا فحياته هي حياة المسيح. والموت ربح، لأنه يوحّد بالصليب هذا الضعف الذي منه تتفجّر قوّة الله (2 كور 12: 9).
ونخطو خطوة أخرى. سياق النصّ هو الكرازة. وفي نظر بولس ليس المسيح قيمة جامدة، بل ديناميّة تدفعه إلى أن يبشرّ بالمصلوب وبالقائم من الموت. إذن، لا قيمة لحياة الرسول إلاّ في حمل هذه البشارة. والموت هو أيضاً ربح، لأنه يمنحه الإمكانيّة الأخيرة للشهادة للمسيح. فالإسم "كردوس" يتوازى مع "ثمر العمل" في آ 22. وفعل "كرداينو" يدلّ على هدف الخدمة الرسوليّة (1 كور 9: 19 ي).
كل هذا هو ربح "لي". هذا ما يقابل "لهم" الذي يدلّ بشكل ضمنيّ على مهاجميه و"لكم" في آ 24 (من أجلكم). فإن رافع بولس من أجل خلاصه من السجن، فلم يكن عمله وليد الأنانيّة. فالحلّ الأسهل بالنسبة إليه هو الموت. استعمل بولس الفعل "تو زان" و"تو أبوتاناين" ليدلّ على الحياة والموت. ولم يستعمل الاسم "زوئي، تاناتوس"، لأنه يشهد على فعل الموت أو الحياة، لا على اعتبارات عامّة حول الموت والحياة.
ثالثاً: تردّد الرسول (آ 22)
مهما كان المعنى الدقيق للآية 21، فلا شكّ في المعنى العام: حسبَ بولسُ أنّ الموت هو ربح. ولكنه مقيّد الآن بحيث أخذ يتردّد حول السلوك الذي يتّخذه. نجد فعل "ايرايو" الذي يعني "أمسك، أخذ بيديه، اختار" (2 تس 2: 13؛ عب 11: 25). نجد "غنوريزو" الذي يعني "عرف"، بل أعلن، عرّف (يرد الفعل 26 مرة في العهد الجديد، ومنها 18 عند القديس بولس). لسنا فقط أمام معرفة داخليّة، بل معرفة نُفصح عنها. وهذا ما يفعل الرسول. لا شيء لبولس يقوله من قبل الربّ (1 كور 7: 10- 13). من هنا هذا التردّد أمام ردّة فعل الجماعة تجاه المبادرة التي اتخذها.
ولكن لماذا هذا التردّد ساعة يؤكّد الرسول أن الموت هو ربح، أنه لصالحه؟ نجد الجواب في الجزء الأول من الآية: الحياة في الجسد تحمل الثمار. "في الجسد" (أو: في اللحم والدم) يعني على هذه الأرض. أما "ثمر العمل" فيدلّ على نتائج النشاط الرسوليّ. ومعيار الاختيار يبقى نجاح الإنجيل، هنا وفي كل الرسالة إلى فيلبّي. نجد لفظة "كاربوس" في روم 1: 13 وهي تدلّ على الثمرة، و"إرغون" في 1 كور 3: 12 ي؛ 9: 1؛ روم 16: 10 وهي تعني العمل الرسوليّ.
ب- مع المسيح، في الجسد (آ 23- 24)
أولاً: نظرة عامة
قال بولس عن نفسه إنه محصور بين امكانيّتين. الأولى تحمل الربح إليه. والثانية إلى جماعة فيلبّي وسائر الجماعات التي ترتبط برعايته. إن الإمكانيّة الأولى توافق رغبته. فهو يفضّل أن ينطلق، أن يموت (نحن هنا أمام تورية، 2 تم 4: 6). وحين يموت يكون مع المسيح. هذا ما لا شكّ فيه.
هذه العبارة (أموت فأكون مع المسيح) والرجاء الذي يتضمّنها، كانا معروفين لدى القرّاء، لأن الرسول لا يقدّم أيّ شرح في هذا الموضوع. فهذا الوضع الذي هو امتداد لـ "أكون مع المسيح" قد تدشّن في المعمودية (روم 6: 1- 11)، فلم يعنِ فقط أن أكون رفيق المسيح.
سبق لبولس وكتب أن الاتحاد الحيويّ الذي بدأ في المعموديّة، سوف يتفتّح في تماثل بين أجسادنا المائتة والجسد المجيد للمخلّص القائم من الموت (1 كور 15: 44- 53؛ روم 6: 4- 5). ولكن حسب 1 كور وروم، جعل بولس قرّاءه أمام المجيء وقيامة الموتى، كما يقول في 1 تس 4: 17: "وهكذا نكون مع الربّ على الدوام". أما ما هو جديد في فل 1: 23، فعبارة "نكون مع المسيح" لا تتطلّع إلى انتظار المجيء: فبعد الموت يتحقّق التفتّح السامي لنعمة العماد.
ذاك هو الخيار الأول الذي هو موضوع "رغبة" الرسول. ونحن نفهم هذه الرغبة حين نعرف الحبّ الذي يوحّده بالمسيح. ولكن يتعارض وهذه الرغبة الداخلية والنبيلة والقويّة، ضرورةٌ خارجية تنبثق من الجماعة. وهي تتغلّب على الخيار الأول: فالضرورة الرسوليّة تنتصر في وجدان بولس على "الربح" الدينيّ الذي يناله لشخصه.
ثانياً: عاملان يتجاذبان الرسول (آ 23- 24)
يحسّ الرسول أنه ممزّق، أنه محصور بين إثنين. يعني فعل "سيناخو" أمسك معاً. فبولس لا يعرف ماذا يختار. هو محصور هناك "برغبة الانطلاق ليكون مع المسيح". فبولس هو مع المسيح بعد موته كما قبل موته. وهذا الاتحاد مع المسيح هو الأفضل.
وبعد اللغة الخطابيّة في آ 23، نجد هنا صفة واحدة: "انانكايوتارون"، أشدّ لزوماً. في 1 كور 9: 16 بدت البشارة بالإنجيل ضرورة ملحّة. نحن أمام يقين لا بدّ منه (روم 13: 5؛ 1 كور 7: 37؛ 2 كور 9: 5، 7؛ فلم 14). إذن، لا يجد بولس ما يردُّ به على مهاجميه إلاّ هذا اليقين الداخليّ العميق. وهنا يبرز البرهان اللاهوتيّ: تجاه الرغبة الشخصيّة يقف الاهتمام بالآخرين. إذن، قد تكون وصلت إلى الرسول أخبارٌ غير سارّة فرضت عليه أن يتطلّع إلى ضرورة وجوده في فيلبّي. وهكذا يدافع بولس عن نفسه، كأني به يقول: كيف لا توافقون مسعاي وأنا لأجلكم فعلت ما فعلت؟

2- الاسكاتولوجيا البولسيّة
نبدأ أولاً فنفهم عبارة "نكون مع المسيح"، ثم نتوقّف عند الاسكاتولوجيا كما يقدّمها القديس بولس.
أ- "مع المسيح"
لا نجد عبارة "نكون مع المسيح" إلا في هذا الموضع من العهد الجديد. ولكن بولس يستعمل مراراً أداة "سين" (مع) ليدلّ على الاتحاد مع الرب، مع المسيح، مع يسوع. نقرأها في 1 تس 4: 14 (سيحضرهم الله معه)، 17 (نكون مع الربّ على الدوام)؛ 5: 10 (نحيا جميعاً معه)؛ فل 1: 23؛ 2 كور 4: 14 (سيقيمنا مع يسوع)؛ 13: 4 (نحيا معه بقدرة الله)؛ روم 6: 8 (متنا مع المسيح، نحيا معه)؛ 8: 32 (يهبنا معه كل شيء)؛ كو 2: 12 (تدفنون معه، تقومون معه)، 20 (متّم مع المسيح)؛ 3: 3 (حياتكم مستترة مع المسيح)، 4 (تظهرون معه في المجد). ونزيد على ذلك أفعالاً مؤلّفة مع الأداة "سين". وإليك أهمها: سينبسخومين (روم 8: 7): تألّم مع. "سيناتافيمن" (روم 6: 4): دفن مع. سينستوروماي (غل 2: 20)، صُلبَ مع. وفي روم 6: 6 (صُلبَ مع المسيح)؛ 8: 17 (نشاركه في المجد)... هذا الاستعمال لا نجد مثله وفي السبعينيّة ولا في العالم الهلينيّ ولا لدى الرابانيّين. لهذا نعتبر نفوسنا أمام وجهة خاصة من الأدب البولسيّ.
ماذا نستخلص من كل هذا؟ إن الأداة "سين" تدل على مشاركة (اتحاد) شخصيّة وعميقة. وتتمّ هذه المشاركة على مستويين مميّزين: في المجيء من جهة. ومن جهة أخرى، في المشاركة بموت المسيح التي تتمّ في المعموديّة وتمتدُّ نتائجها طوال حياتنا على الأرض. بالنسبة إلى الأولى نقرأ في 1 تس 4: 14، 17 (سيحضرهم الله، نكون مع الرب على الدوام)؛ 5: 10؛ روم 6: 8 ب؛ 2 كور 4: 14؛ رج فل 3: 21؛ روم 8: 17، 9. وبالنسبة إلى المشاركة بموت المسيح نقرأ روم 6: 1 ي، 8، 17 أ؛ غل 2: 19؛ فل 3: 10؛ 2 كور 13: 4. نشير هنا إلى أن المعمودية اتحاد ومشاركة مع حدث الصليب الذي يسبقها ويتجاوزها.
نربط "سين" الاسكاتولوجيّ بعالم الجليان اليهوديّ ولا سيّما تث 33: 2 (أقبل الربّ من سيناء)؛ زك 14: 5 (يأتي الرب إلهي وجميع القدّيسين معه). أما "سين" الماضي والحاضر فنربطه بالعالم الهلينيّ والديانات السَّرانيّة. ونلاحظ بشكل خاصّ دمج هذين التيارين ووحدتهما في اللغة البولسية.
إن هذا الرباط الذي يضمّنا إلى المسيح يكمن في عمل المسيح نفسه. وهنا لا نفصل عبارة "مع المسيح" عن عبارات أخرى مؤلّفة مع "هيبر"، "ديا". "إن"... وهي تدلّ كلّها على واقع الخلاص. وهكذا يكون ينبوع "سين خرستو" (مع المسيح) في "هيبر هامون" من أجلنا. مات المسيح من أجلنا. قد يكون بولس اخترع هذه العبارة أو وجدها في تقليد اتباع يسوع. ولكنه يبرزها بشكل خاص. فالاسكاتولوجيا تتجذّر في حدث الصليب والقيامة. والجماعة الاسكاتولوجية تحمل سمات خاصة وشخصيّة. وهكذا تجد الصوفيّة بُعداً تاريخياً يجذّرها في الماضي (في الصليب) ويطلقها في المستقبل (في الملكوت الآتي). فتخسر بهذا التجذّر كل طابع انتصاري: إذا كان الاتحاد مع المسيح يتجاوز الموت حقاً، فهو ما زال مختوماً بخاتم الموت. على مثال المسيح الذي احتفظ بآثار جراحه بعد القيامة.
ب- الاسكاتولوجيا عند القدّيس بولس
تتسجّل عبارة فل 1: 23 في سياق عام هو الرسائل البولسيّة. كما تتسجّل في مسألة خاصة هي الحالة التي تتوسّط الموت والقيامة. "أن نكون مع المسيح" ترتبط هنا ارتباطاً مباشراً بالموت كما ترتبط بالمجيء. ولكن إن أكّد بولس اعتقاده بمشاركة مع المسيح في الموت وبعد الموت، فهو لا يقدّم النظريات والتصوّرات التي تجعلنا نرى "بعيوننا" هذه المشاركة.
فماذا عن الاسكاتولوجيا البولسيّة؟ أخذت الطابع اليهوديّ والجليانيّ في 1 تس، 1 كور. ثم اغتنت بالطابع الهلينيّ على أثر اختبارات وصلت بالرسول إلى حافة الموت، فجعلته يقدّم المسألة من زاوية أخرى. من هذا القبيل تشكّل 2 كور 5: 1- 10 (إن نُقض مسكننا الأرضيّ، لنا بيت لم تصنعه الأيديّ) خطوة انتقاليّة من النظرة اليهوديّة إلى النظرة الهلينيّة مع الدمج بينهما.
نلاحظ أن النظرة إلى المجيء ليست غائبة من فل (1: 10؛ 2: 16؛ 3: 10، 21)، كما أنها ليست غائبة من روم. وقد تكون فل قريبة من 1 تس و1 كور إذا كانت قد كُتبت من سجن أفسس لا من سجن رومة. في النهاية، قد نبحث عن جذور الاسكاتولوجيا البولسيّة في هذين العالمين اللذين ذكرنا. ولكن نظرة بولس هي قبل كل شيء كرستولوجيّة، هي مركّزة على يسوع المسيح.
وقد نستطيع في فل 1: 23 أن نتحدّث عن روحانيّة مركّزة على الصليب. وعبارة "نكون مع المسيح" تدلّ قبل كل شيء "نموت شهادة لموت المسيح". لا يهتمّ الرسول بتحديد ما تكون عليه الحياة بعد الموت، بل بالظروف الحاضرة التي تساعدنا على التنعّم بتلك الحياة. وهكذا يترادف "الموت" مع "نكون مع المسيح". والحياة مع المسيح بعد الموت لا تشكّل مشكلة في نظر بولس. فهي تنبع من معين خاص هو انتصار الفصح والقيامة (روم 8: 31- 39). ولكن ما يهمّ هو نتيجة هذا النصر: كيف ينتصر؟ والباقي يبقى عمل الله.
أجل ما يهمّ فل 1: 21- 23 ليس "الإقامة" في السماء، بل الشروط الحسّية لمشاركتنا في عمل المسيح، والامانة لكلمته.

3- نظرة إلى المستقبل (1: 25- 26)
ونعود إلى نصّ الرسالة بعد هذا الاستطراد. تردّد بولس: ماذا يختار؟ ولكن ها قد زال التردّد، فما عاد الرسول يرغب في شيء أو يودّ أن يتّخذ قراراً. إنه يعلن يقينه: "أنا عالم في اعتقادي". أجل، "سألبث وأقيم معكم جميعاً لأجل نموّكم وفرح إيمانكم". إنه سيبقى على الأرض لخير الفيلبيّين. وهكذا ينسى مرة أخرى أنه سجين، ويقدّم كلامه في إطار الغيرة الرسوليّة. ولكن هذا لا يمنعه أن يتطلّع إلى إمكانيّة هذا الموت في 1: 20؛ 2: 17.
ولكن كيف يستطيع انسان قريب من الموت أن يعلن اعتقاده ويطرح مشاريع من أجل المستقبل؟ لن نتكلّم عن إمكانيّة نظريّة (آ 20) ومشاريع عمليّة (آ 25). بل عن حوار داخليّ ينتهي باعتراف إيمانيّ متفائل. ولكن هذا الشرح لا يكفي.
توسّع بولس في عبارة "من أجلكم" (آ 24). والبرهان الأخير الذي دفعه إلى الاختيار هو وضع جماعة فيلبّي وضرورة حضوره فيها. وسوف نرى في آ 27 ي تحذير الرسول من انحرافات ظهرت في فيلبّي. وهكذا تكون هذا الآيات انتقالة نحو القسم الثاني (1: 27؛ 2: 18) وما فيه من تحريض. كما أنها تتوّج القسم الأول المكرّس لوضع الرسول مع لفظة "نجاح" (بروكوبي) في آ 12- 25.
فمساعي الرسول شكّلت تقدّم الإنجيل بالنسبة إلى الوثنيين (آ 13- 20)، بالنسبة إلى مسيحيّي "أفسس" (آ 14 ي)، وبالنسبة إلى مسيحيّي فيلبّي (آ 25- 26).
نقرأ هنا فعل "اويدا" الذي يدلّ على معرفة ويقين. وفعل "بارامانو" الذي يعني لبث، تلبّث، ثبت. ثبت بولس أمام قضاته الذين سيواجههم وأمام خصومه. ثبت لأن إيمان الفيلبّيين هو على المحكّ، هو في خطر. وسيكون لبولس هذا الموقف من أجل تقدّم الإنجيل، تقدّم الإيمان. وما يشرف على علاقاته مع قرّائه هو الفرح (خارا).
في الواقع ما طلب الرسول يوماً إلاّ خير الآخرين. وهو يرجو أن يكون مجيئه إلى فيلبّي مناسبة افتخار في المسيح من أجل قرَّائه. نجد هنا "إن خرستو" (في المسيح) التي قرأناها في 1: 1 وستعود في 1: 27- 29؛ 2: 1؛ 2: 5 ي. فالفيلبيّون يبحثون عن أشكال أخرى من الافتخار، وهذا ما يدلّ عليه التوازي في 3: 3: "نستمدّ الفخر من يسوع المسيح ولا نعتمد على الجسد". فلا قيمة للإنسان أمام الله إلا بعمل المسيح، وبالاستناد إلى هذا العمل. ويبدو هذا الاستناد في نظر قيم هذه العالم، ضعفاً وعُرياً (2 كور 12: 9؛ غل 6: 14).
مثل هذا الفخر يمتلكه قرّاء بولس. ولكن من الضروري أن يعوا ذلك ويستخرجوا منه النتائج.

خاتمة
أحسّ بولس برغبة حارّة، بل اشتهى أن يتحدّ بالمسيح، أن يكون معه حالاً بعد الموت. ولكنه لم يحدّد الطريقة التي بها يكون متّحداً بالربّ. مثل هذه الرغبة نجدها في 2 كور 5: 6- 9. أما في النصوص الأخرى، فنحن أمام قيامة الموتى على أثر الدينونة العامة.
يودّ بولس أن ينطلق، أن يموت ليكون مع الربّ. ولكن الرسالة تلحّ عليه وتعود به عما يراه الأفضل بالنسبة إليه. هو لا يريد أن يتخلّى عن الذين يحتاجون إليه. وإذا صحّ أن فل كُتبت من أفسس، فهذا يعني أن انتظاره تحقّق، وهكذا يستطيع أهل فيلبّي أن يفتخروا برسولهم لا افتخاراً بشرياً، بل في المسيح يسوع.
الفصل الثامن
الجهاد لأجل الإيمان
1: 27- 30

تحدّث بولس عن وضعه الشخصي: هو في السجن ولكنّ سجنه قد أدّى إلى نجاح الإنجيل الذي عُرف حتى في قصر الوالي. وتوقيفه لم يُثبط عزيمة الاخوة، بل أثار غيرتهم فأعلنوا الكلمة بدون خوف. قد يكون بعضهم فرحوا لأنهم رأوه في القيود، واستفادوا ليفتخروا ويحلّوا محلّه. ولكن ما همّ: فالمسيح يبشّر به على كل وجه. وهذا ما يملأ قلب الرسول فرحاً.
وتطلّع بولس إلى موته الذي قد يكون قريباً، ففرح لأن "انطلاقه" يوحّده بالمسيح. ولكن حبّه لإخوته يجعله يطرح سؤالاً على نفسه: هل يختار أن يموت أو يبقى على قيد الحياة؟ بالنسبة إليه، الموت خير. ولكن من الأفضل أن يلبث في الجسد لخير اخوته. ومع آ 27 يبدأ توسّع جديد نعنونه: وضع أهل فيلبّي (1: 27- 2: 18).

1- وضع الفيلبيّين: نظرة عامة
بعد أن أعطى بولس أخباراً عن وضعه الخاص، إلتفت إلى جماعة فيلبّي مع مشاكلها: خصوم يبلبلونها. وحدة مهدّدة بالمزاحمات والتنافسات. إن الدعوة إلى الوحدة تحيط بالنصّ الذي يذكر الخصوم. من هم هؤلاء الخصوم؟ إخوة كذبة نجدهم في 2 كور. مسيحيّون متهوّدون (حافظوا في مسيحيّتهم على الممارسات اليهوديّة). يُسندون كرازَتهم إلى سلسلة من "الامتيازات" الراجعة إلى أصلهم اليهوديّ، إلى ظواهر روحيّة خارقة. أدخلوا روح المزاحمة داخل الجماعة، فخانوا الروح الأخويّة، ونسوا تواضع الصليب.
وهكذا جاء تحريض بولس في أربع محطّات. الأولى: نداء إلى الجهاد من أجل الإيمان، من أجل الوحدة (1: 27- 30). إذا أرادت الجماعة أن تدافع عن نفسها، وجب عليها أن تبقى متّحدة. إن الحياة المسيحيّة جهاد لا يتمّ بدون ألم. الثانية: نداء إلى الوحدة في التواضع (2: 1- 4). الثالثة: أساس الحياة المسيحيّة (2: 5- 11). الحياة المسيحيّة حياة جماعيّة، وهي تتجذّر في حدث الصليب الذي وحده يقود إلى المجد. الرابعة: ديناميّة الحياة المسيحيّة (2: 12- 18). ينتج عن التجذّر في حدث المسيح طاعةٌ ملموسة تترجم بديناميّة تدفعنا إلى الخارج: يجب أن نحمل الكلمة إلى العالم، أن ندعوه إلى رجاء الملكوت الآتي.
ونبقى في المحطّة الأولى. تبدو كنيسة فيلبّي مهدّدة من الخارج على يد دعاة مسيحيّين يتوخّى عملهم تدمير "إنجيل" بولس، من خلال فرض الممارسات اليهوديّة. مثل هذا الهجوم يتطلّب دفاعاً لا يتمّ إلاّ في الكنيسة، إلاّ بشكل جماعيّ. "في روح واحد... تجاهدون بنفس واحدة لأجل إيمان الإنجيل". إذا كان الهدف هو رصّ الصفوف، فهناك شرط جوهريّ لا بدّ منه: أن تكون الجماعة واحدة متّحدة.
وإذا أردنا الحصول على هذه الوحدة، نترك الروح يلج إلى قلوبنا ويوجّهنا، هذا الروح الذي هو خالق الجماعات في المحبّة. ونحن لا نحصل على هذه الوحدة إلاّ في التواضع، والابتعاد عن بحث أنانيّ للمصالح والافتخار الدنيويّ.

2- سيروا على ما يليق (1: 27)
بدأ الرسول هنا موضوعاً جديداً، فيه يقول إن حياة الجماعة المسيحيّة هي حرب وجهاد. "ستيكو" (ثبت) في آ 27 أ. "سينأتليو" (جاهد مع) في آ 27 ب. "أنتيكايماي" (قاوم) في آ 28 أ. "اغون" (جهاد) في آ 30. أما هدف الجهاد (وقاعدته) فهو تقدّم الانجيل (ترد اللفظة مرّتين في آ 27). هذا الانجيل هو إنجيل المسيح (آ 27)، ويتضمّن قسطاً من الألم والصعوبات (آ 29- 30). فيُخرج الإنسانَ من ذاته ليفتحه على المسيح، على الآخرين، على المستقبل (آ 28). في هذا المعنى هو إنجيل الإيمان (نقرأ أيضاً: أن تؤمنوا، آ 29)، وعطيّة من الله (هو من الله، آ 28 ب). إنه قوّة ناشطة، ويفرض الوحدة والتضامن اللذين ينبعان من الروح.
أ- حياة جماعية
يبدأ النص مع "مونون" (إنما، مهما يكن من أمر) فيدلّ على موضوع جديد. وتظهر أهميته في عبارة: "الشيء المهمّ والوحيد" (رج غل 1: 23؛ 2: 10؛ 3: 2). هذه الأداة (مونون) تدلّ على تحفّظ بالنسبة إلى ما سبق، نكتشفه في الخيار الموجود في القاطعة: سواء... سواء (ايتي). لا يدلّ بولس هنا على تردّد يتعلّق بمصيره القريب. ولكنه يقوله لقرّائه إنهم لا يحتاجون إلى وصوله إليهم لكي يبدأوا جهاداً تتطلّبه حياة جماعتهم.
نقرأ فعل "بوليتاوماي" الذي يعني تصرّف كمواطن في المدينة (بوليس). أما معناه في اليهوديّة الهلنستيّة فهو سلك، سار. والموضوع ليس فقط سلوكاً فردياً، بل سلوكاً داخل الجماعة. لهذا قال بعض المترجمين: "لتكن الحياة الجماعيّة عندكم لائقة بالانجيل". وهكذا نستطيع القول إن الحياة الجماعيّة هي موضوع القسم الثالث كلّه (1: 27- 2: 18).
أما قاعدة (أكسيوس، روم 16: 2؛ أف 4: 1؛ كو 1: 10؛ 1 تس 2: 12) الحياة الجماعيّة فهي إنجيل المسيح. وهكذا يبقى الاهتمام الأساسيّ لدى الرسول هو هو: كما أنّه يقيّم كل عمل لديه بالنظر إلى الإنجيل، كذلك يكون الأمر بالنسبة إلى قرّائه (1: 5). الانجيل هو إنجيل المسيح (روم 15: 19؛ 1 كور 9: 12؛ 2 كور 2: 12). وإذا قابلنا هذه العبارة مع 1: 29- 30 و2: 5- 11، رأينا أن الانجيل يحمل "فخراً" لا يعود إلى ذاته، بل إلى المسيح. ونحن نعيشه حين نحقّق عبر الجهاد والآلام، نجاحاً حقيقياً، ولا سيّما في الحياة الأخويّة والجماعيّة.
ب- ثبات وجهاد
لأجل هذا، يجب قبل كل شيء أن تثبتوا تجاه الهجمات التي تطال الانجيل. والثبات يفترض روحاً واحداً. هل يعني "الروح البشريّة" أم "الروح القدس"؟ لا ينفي المعنى الأولى المعنى الثاني والعكس بالعكس. ولكن بما أننا أمام ما يؤسّس الجماعة وعملها، نختار أولاً المعنى الروحيّ ونقول: الروح القدس هو ما يؤسّس الجماعة بروحها الواحد.
ونقرأ أيضاً: "بنفس واحدة". نقرأ لفظة "بنفما" في المعنى اللاهوتيّ. وهكذا نصل إلى 2: 1 و3: 3 فنكتشف ما يحدث في كورنتوس (2 كور 11: 4). هناك روح آخر غير روح الانجيل، يُقدّم لأهل فيلبّي، فيخلق عندهم القلق والخلافات.
إن المبدأ العام (ثابتون في روح واحد) يتضمّن وجهة هجوميّة (جاهدوا) ووجهة دفاعيّة (لا تخافوا). لا نجد فعل "سينأتليو" إلاّ هنا وفي 4: 3 (في كل العهد الجديد). هذا يدلّ على أهميته في حضّ أهل فيلبّي على الحرب والجهاد. فالإيمان مهدّد. لسنا فقط أمام "جهاد بالإيمان" بل "جهاد من أجل الإيمان". لقد أراد الخصوم أن يزيلوا هذا الإيمان بعد أن يعرضوا تعليماً لا يتأسّس على نعمة المسيح، بل على الافتخار بالذات. وإذ يدمّرون هذا الإيمان، يدمّرون في الوقت عينه كل مشاركة أخويّة.
"إيمان الإنجيل". هكذا نعود إلى الموضوع المركزيّ في الرسالة. وهذه العبارة تعني: الإيمان الذي يعطيه الإنجيل. أو: الإيمان الذي هو الانجيل. أو: الإيمان بالانجيل. وقد نستطيع القول: "إنجيل الإيمان".

3- لا تخافوا من الذين يقاومونكم (1: 28- 30)
أ- لا للخوف (آ 28)
إن الثبات في الروح يتيح الجهاد ويطرد الخوف. لا يرد فعل "بتيرو" إلاّ في هذا الموضع من العهد الجديد. من يثير هذا الخوف؟ الخصوم. الذين يقاومون (انتيكايماي). لسنا هنا أمام مضطهدين، بل أمام أعداء من اليهود أو الوثنيّين يضايقون جماعة فيلبّي. هم وعّاظ متجوّلون (مسيحيون متهوّدون) سيهاجمهم بولس في 3: 2 ي.
"هلاك، خلاص". إن ثبات الفيلبيّين والمعارضة التي يلاقونها، هما علامة خلاص لهم، وعلامة هلاك لخصومهم. ولكن هذا التفسير يحمل صعوبات جعلت البعض يضعون آ 28 ب- 29 بين قوسين. ورأى آخرون في هذا الكلام "نبوءة" ترى في الأحداث علامة من الله. إذن، نستطيع أن نفهم العبارة كما يلي: ما هو لأجلهم علامة هلاك هو خلاصكم. إن الموصول "هوتيس" يبدأ قولاً مأثوراً ذا طابع عام (مثلاً، مت 5: 39، 41) ستوضحه عبارة تبدأ مع "هوتي" (آ 29): يعني أنه يجب أيضاً أن نتألّم.
إذن، لم يهتمّ الخصوم إطلاقاً بكل ما هو ضُعف وألم (يعتبره بولس علامة عن الصليب)، بل حسبوه علامة هلاك إذا قابلناه بعلامات الافتخار للخلاص الذي يقدّمونه هم. فيردّ الرسول: الأوضاع الصعبة هي علامة الخلاص الآتي وهي من عند الله. هنا نظنّ أن الرسول وخصومه لم يفهموا في المعنى ذاته "سوتيريا" و"ابولايا" (خلاص، هلاك). رأى بولس فيهما عملين بدأا يتحقّقان، ولكنّهما ما زالا في طريق التحقيق. أما الخصوم فاعتبروا الخلاص والهلاك أمرين قد تحقّقا بشكل نهائيّ. لهذا، اعتبروا "الضعف" على أنه يناقض الخلاص.
ب- الألم والجهاد (آ 29- 30)
الخلاص هو نعمة. والنعمة تتجلّى في التواضع والطاعة والألم "بالنظر إلى المسيح". نجد هذه العبارة أيضاً في 2 كور 12: 10 (والشدائد من أجل المسيح). وهي تدلّ على موت المسيح من أجلنا كما تشير إلى الصعوبات والآلام. غير أن بولس يحتاج إلى أن يوضح الأمور. فإذا كان أهل فيلبّي قد فهموا الإيمان كتعلّق عقلانيّ وعاطفيّ بمسيح الانجيل، فهذا يعني أنهم لم يفهموا الإنجيل. فالإيمان يقع في مدار الصليب، ولهذا فهو يتجسّد ويُعاش في الألم. وُهب لنا، أعطيت لنا نعمة، لا أن نؤمن فقط بالمسيح، بل أن نتألّم لأجله. هو تألمّ من أجلنا ونحن نتألّم لأجله.
هكذا تجاهدون الجهاد عينه. هكذا بدا الإنجيل جهاداً يجتذب المنادين به في الطرق الصعبة. هذا ما يعرفه الفيلبيّون الذين عاشوا هذا الجهاد مع بولس في فيلبّي (أع 16: 22 ي؛ رج 1 تس 2: 2)، وشاركوا الرسول في الصعاب التي وجدها في طريقه (4: 15 ي).

خاتمة
سيروا سيرة المواطنين، لا سيرة العبيد. فالمسيحيّ هو مواطن ملكوت السماوات: ربّه هو المخلّص يسوع المسيح، ودستوره الإنجيل. والنعمة وحدها تساعده، إذا رضيَ، على أن يحيا حياة تليق بالإنجيل. والانجيل هو الكرازة التي تولّد الإيمان، وهو التعليم الذي نقبله بالإيمان. وهكذا يكون الإيمان موهبة، كما يكون مبدأ ثبات وجهاد في صعوبات الحياة. ويترافق هذا الإيمان مع الصليب الذي هو أيضاً عطيّة من المسيح للذين يحبّهم فيشاركونه في آلامه، بل يكمّلون في جسدهم ما ينقص من مضايق المسيح، لأجل جسده الذي هو الكنيسة.
الفصل التاسع
نداء إلى الوحدة في التواضع
2: 1- 4

تحدّث الرسول في المقطع السابق عن الوحدة، فدعا المؤمنين إلى الثبات في روح واحدة، إلى الجهاد بنفس واحدة. وها هو يعود إلى الحديث عن هذه الوحدة التي نصل إليها في التواضع. فإذا أردنا أن نحصل على هذه الوحدة، نترك الروح يقودنا. ونحن لا نحصل عليها إلا إذا عشنا التواضع المتبادل، وتركنا الأنانيّة والبحث عن المصالح الشخصية وطلب الافتخار البشريّ. أما المبدأ فهو: نحسب الآخرين خيراً منا. لا ننظر لما هو لنفسنا، بل لما هو لغيرنا. ذاك هو موقف يسوع. تلك هي استعدادات يسوع المسيح كما سنقرأها في فصل لاحق مع النشيد الكرستولوجي الذي هو قمّة في الرسالة إلى أهل فيلبّي.
نبدأ أولاً فندرس الأمور النقدية في ف 2 كله. ثم نتحدّث عن الوحدة، ونفهم أخيراً ماذا تعني هذه الوحدة في الوضع الخاص بفيلبّي.

1- دراسة نقديّة (2: 1- 30)
* في آ 1، وضعت المخطوطات "تيس" (بعض) بدل "تي" أمام "سبلانخنا" (أحشاء). والمطلوب هو "تي" أو أقله "تينا" كما عند يوحنا فم الذهب. قد تكون السين سقطت، فكتب الناسخ حرفاً واحداً بدل أن يكتب حرفين.
* في آ 4، نقرأ "اكستوي" (كل واحد) مرتين، ولكن النسخة الشائعة قدّمت صيغة المفرد، ويبدو أن هذا ما وُجد في الأصل في البردية 46 والسينائي والافرامي... ونجد أيضاً مخطوطات مختلفة، قد حاولت أن تجعل المضارع أو الأمر محل اسم الفاعل، لكي تصبح الجملة خفيفة.
* في آ 5، قرأت النسخة الشائعة "غار" (الفاء) لتؤمّن رباطاً مع الآيات السابقة. وكذلك فعلت البردية 46 والمخطوطات د، ج.... وقرأت الشائعة أيضاً الأمر المجهول بدل المعلوم (تصرّفوا، افتكروا).
* في آ 7، فضّل عدد من آباء الكنيسة في خطّ بردية 46 المفرد (انتروبو) على الجمع انتروبون (البشر) بسبب التوازي مع العبارة التالية. والنسخة الشائعة ألغت في خط د و ج ألـ التعريف أمام الإسم.
* في آ 11، صحّح عدد من المخطوطات الفعل مع لكي إلى صيغة المضارع، فأعطت العبارة معنى اسكاتولوجياً حصرياً، وذلك أمانة لما في أش 45: 23.
في آ 12، ألغى الفاتيكاني وغيره أداة "أوس" تخفيفاً لجملة مثقلة.
* في آ 15، قرأت الشائعة والمخطوط د، ج، "اموميتا"، بدل مرادفه "اموما" بتأثير من تث 32: 5، وأحلت بردية 46، والاسكندراني، د، ج، فعل صار محل فعل كان.
* في آ 26، زاد التقليد المصري والمخطوط د "ايداين" بعد "ابيبوتون" على غرار ما في روم 1: 11 "مشتاق أن أراكم"؛ 1 تس 3: 6 (مشتاقون إلى رؤيتنا)؛ 2 تم 1: 4 (شوقي إلى رؤيتك).
* في آ 30، هناك تردّد بين "خرستو" (بردية 46، الفاتيكاني) بدون الـ التعريف، "تو خرستو" (الشائعة، د) مع ألـ التعريف، "كيريو" (السينائي، الاسكندراني). وهناك من يلغي المضاف إليه (عمل المسيح).

2- نداء إلى الوحدة (2: 1- 2)
أ- نظرة عامة
بعد أن تحدّث الرسول عن مخاطر تهدّد الجماعة من الخارج، ها هو يتحدّث عن مخاطر تهدّدها من الداخل. بل إن هذه الآيات هي امتداد وتعميق لما قاله بولس عن التهديد الذي يشكّله الوعّاظ الآخرون: وحدة العمل تتأسّس على وحدة النيّة والهدف. من هنا سلسلة من الإشارات السيكولوجيّة التي تدور حول فعل "فرونيو" الذي يتكرّر ثلاث مرات في آ 1- 5. لهذا يبدو الرباط واضحاً بين 1: 27- 30 وبين 2: 1 ي بواسطة "اون" (اذن). ثم هناك ألفاظ تتردّد في المقطوعتين (روح، نفس، محبّة). ثم إن آ 1- 4 تنطبع بالنشيد الذي يورده بولس مع آ 6 ي. فإن 2: 1- 5 يشكّل بداية لهذا النشيد. ترد كلمات متشابهة، ونجد مرتين "في المسيح" (آ 1، 5). فإذا كان النشيد الكرستولوجي قطعة رئيسيّة في شعائر العبادة، قطعة ترتبط بالمعمودية والقربان المقدس (الافخارستيا والعشاء السّري)، نفهم ما يقوله بولس في آ 1: أيها الرسل الكذبة، أنتم لا تعيشون الخبرة المسيحيّة التي يجب أن تعيشوها. فهذه الخبرة هي حبّ وشركة في الروح. هذه الخبرة نعيشها "في المسيح".
ب- بداية التحريض (آ 1)
جاءت هذه الآية كنتيجة لما سبق (أون). ونحن نفهمها كما يلي: "إذا كنتم اختبرتم كل هذا... فأتمّوا روحي". حصلت هذه الخبرة في شعائر العبادة وفي العلاقات بين الرسول والمسيحيّين في فيلبّي. نحن نجد في 4: 8 البرهان الذي نجده هنا. لهذا، يبدو أنه يجب أن نترجم "باراكليسيس": تعزية لا تحريض. فبولس يبدو وكأنه لا يريد أن يعطي أوامر. وهذه التعزية التي يقدّمها، نجدها في أخوّة المسيحيّين وحياتهم كجماعة، لا سيّما في شعائر العبادة وفي ما فعله الفيلبيّون، تجاه الرسول في ضيقه الماديّ. هذه التعزية هي "في المسيح". يعني أنها تنبثق من حدث المسيح، وهي ستملك في جماعة تعيش من المسيح.
و"التعزية في المحبّة" تلمّح إلى الواقع الجماعيّ الذي يعيشه أهل فيلبّي في شعائر العبادة، كما تلمّح إلى المساعدة التي أرسلها الفيلبيّون إلى الرسول فسمّاها "فعل محبّة" في 1: 9. ويبدو الأمر أكثر وضوحاً حين نتحدّث عن "شركة الروح". نحن أمام الروح القدس (لا أمام توافق داخليّ فقط) الذي يبدو قبل كل شيء عاملاً على مستوى المشاركة والوحدة، قبل أن يؤثّر على الظواهر الخارقة التي تحطّم هذه الوحدة (1 كور 12: 1 ي).
هذه الشركة هي التي توحّد الفيلبيّين ببولس في "مشاركتهم في الإنجيل" (1: 5، 7). ويذكّرهم بولس أن الرباط الذي يضمّ المسيحيّين بعضهم إلى بعض (لا سيّما ذاك الذي عاشه أهل فيلبّي)، يبدو عميقاً جداً. إن لفظة "سبلانخنا" تدلّ عند بولس على عمق المحبّة التي تربطه بالجماعات التي أسّسها. تحيلنا هذه اللفظة إلى 1: 8 وحنان بولس بالنسبة إلى أهل فيلبّي. وتأتي كلمة "اويكترموس" فتشدّد على قوّة هذه العلاقة (كو 3: 12). كما تدلّ أيضاً على أن المحبّة التي تجمع المسيحيّين أساسُها رحمة الله للبشر. نحن هنا في الواقع أمام أعمال الله الرحيمة. رج روم 12: 1 (برأفة الله)؛ 2 كور 1: 3 (أبو الرأفة)؛ رج 1 أخ 21: 13؛ 2 مل 24: 14 حسب السبعينيّة حيث تستعمل "أحشاء" و"رأفة" في لائحة الفضائل.
ج- أتمّوا فرحي (آ 2)
مع أن الفيلبيّين فعلوا الكثير من أجل فرح الرسول (1: 4)، غير أن وضع جماعتهم ما زال مبعث قلق. لهذا جاءت عبارة دقيقة ونحيفة: "إجعلوا فرحي تاماً، كاملاً". لهذا، لا بدّ من "وحدة النيّة" أو "الاستعدادات الناشطة". أما فعل "فرونيو" فيشير إلى "مشروع" نعبّر عنه في أعمال ملموسة. أما المشروع المذكور هنا، فهو يسند حياة الجماعة. سبق لبولس وتكلّم عن هذا الأمر في روم 12: 16: "كونوا متّفقين"؛ 15: 5: "إتفاق الرأي"؛ 2 كور 13: 11: "كونوا على رأي واحد"؛ فل 2: 2؛ 4: 2: "أن تكونا على رأي واحد".
نشير هنا إلى أن بولس يستعمل فعل "فرونيو" 23 مرة، منها 10 مرات في فل. كما نربط هذا الفعل بالجهاد عينه في 1: 30. فنتيجة الهرطقة (أو: البدعة) هي تدمير الوحدة في جماعة فيلبّي.
وتظهر هذه الوحدة أولاً في المحبّة (أغابي) التي بها نميل عن ذواتنا وننتبه إلى الآخرين. وهي أيضاً مشدودة إلى هدف محدّد، إلى تتميم رسالة واحدة. كل هذا يتمّ "بنفس واحدة" (سينبسيخوس). ترد هذه العبارة اليونانيّة مرة واحدة في كل العهد الجديد. ولكن يجب أن نقرّبها من عبارة قرأناها في 1: 27: "تجاهدون بنفس واحدة"، ومن الألفاظ المركّبة مع الأداة "سين".

3- معنى هذه الوحدة (2: 3- 4)
ما يعنيه بولس بهذه الوحدة، ستوضحه إشارتان سلبيّتان (لا عن منازعة، لا عن عجب)، ثم برهان إيجابي (لكن ليحسب). وهكذا تتحدّد الأخطار التي تهدّد جماعة فيلبّي: المنازعة أو التآمر. العجب والافتخار الباطل. نجد اللفظة الأولى عند بولس (اريتايا) في معنى عام، وفي لائحة الرذائل. نقرأ في 2 كور 12: 20: "أخاف أن يكون بينكم خلاف وحسد وغضب ونزاع (تحزّب)"؛ وفي غل 5: 20: "أعمال الجسد... الزنى والدعارة... والغضب والدسّ والخصام". نلاحظ أننا أمام رسالتين كُتبتا إلى كنيستين عرفتا صعوبات مشابهة لصعوبات فيلبّي (1: 15)
وذكر الرسول أيضاً: "كانودوكسيا". هي لا ترد إلا هنا في العهد الجديد. غير أننا نجد "كانودوكسوس" في غل 5: 26: "لا نكن ذوي عجب، ولا نتحدّ بعضنا بعضاً، ولا نحسد بعضنا بعضاً". غير أننا نجد "دوكسا" (المجد) ست مرّات في فل. هي ترتبط أربع مرّات بالله: لمجد الله (1: 11). يسوع المسيح هو ربّ لمجد الله الآب (2: 11). غنى الله في المجد (4: 19). لإلهنا وأبينا المجد إلى دهر الدهور (4: 20). ومرة يصف "المجد" في العالم المقبل: سيحوّل جسد هواننا... على صورة جسد مجده" (3: 21). ومرة أخيرة تُستعمل لفظة "دوكسا" لكي تندّد بالذين "يضعون مجدهم في المخزيات والأرضيات" (3: 19). وإذا علمنا أن "دوكسا" هي من الألفاظ الأساسيّة في حرب تبدو 2 كور صدىً نفهم أن كلمة "مجد" وكلمة "عجب" تدخلاننا في سياق مماثل في فل: المجد لا يخصّ المسيحي منذ الزمن الحاضر، وإلا صار مجداً فارغاً (وعجباً) يحطّم روح الجماعة بالمزاحمة والحسد.
أما المسيحيّون فعليهم أن يبرهنوا على تواضعهم. اللفظة هي "تاباينوفروسيني". هو "فرونيو" متواضع (تاباينوس). هو فكر وعقليّة متواضعان. لم يكن التواضع فضيلة عند اليونان. فهو "ذلّ" يرتبط بالعبيد. ولكنه اعتبر صفة أمام الله في العهد القديم. وفي قمران هو يلهم الحياة الجماعيّة.
والتواضع يقوم بأن يحسب الواحد الآخرين أفضل منه. لسنا هنا أمام تفضيل على المستوى الروحيّ والأخلاقيّ، بل على مستوى الحياة اليوميّة.
ونأخذ الآخرين بعين الاعتبار (آ 4). هذا يعني أن لا ننظر إلى صفاتنا الروحيّة، بل إلى صفات الآخرين، وقد يعني أيضاً أن لا نبحث عن مصالحنا، بل عن مصالح الآخرين. أن لا نخلق داخل الجماعة مجموعات منغلقة أو تحزّبات تقسم الكنيسة، كما كان الأمر بالنسبة إلى كنيسة كورنتوس.

خاتمة
عرف بولس عن خبرة أن المنازعات والخلافات تُولد بسهولة في الجماعات. وقد وجد علامات واضحة في فيلبّي. قال في 1: 27: "سيروا على ما يليق بإنجيل المسيح". وفي 2: 14: "إفعلوا كل شيء بغير تذمّر ولا جدال". وفي 4: 2: "أحرّض... أن تكونا على رأي واحد في الرب". لهذا، حرّض الرسول قرّاءه على المحبّة والاتّفاق. هذا النوع من التحريض الذي نجد مثله في روم 12: 16 (لا تجازوا أحداً شراً بشّر، واجتهدوا أن تعملوا الخير مع جميع الناس)؛ 15: 5 (فيعطكم إله الصبر والعزاء اتفاق الرأي في ما بينكم)؛ 2 كور 13: 11 (كونوا على رأي واحد وعيشوا بسلام)، لا يتنافى مع الفرح والثقة اللذين نجدهم في فل. والوحدة لا تتحقّق إلا بحياة من التواضع والتجرّد والخدمة، التي أعطانا عنها المسيح أفضل مثال: "هو القائم في صورة الله... صار شبيهاً بالبشر... صار طائعاً حتى الموت، بل موت الصليب".
الفصل العاشر
نشيد للمسيح
2: 5- 11

بدأ القسم التحريضيّ في 1: 27، وانطلق انطلاقة جديدة في 2: 1. كان الرسول قد حرّض الجماعة لكي تظلّ متّحدة حتى على المستوى الخارجيّ فتؤلّف صفاً واحداً من المؤمنين. ثم توقّف عند التوافق والوحدة الداخليّة، فطالب بممارسة هاتين الفضيلتين. وكانت آيةٌ بشكل انتقالة (آ 5) أدخلتنا في نشيد شهير للمسيح. يتّخذ هذا النشيد في سياق الرسالة رنّة خاصّة، فلا نستطيع أن نعزله وندرسه وحده، بل كجزء من الرسالة. وهو يقدّم موضوعين متعاقبين يصوّران مسيرة المسيح. الموضوع الأول يشير إلى تواضع الذي نزل من عالم الله ليأخذ على عاتقه مصير البشر الذي يمثّله الموت على الصليب. والموضوع الثاني يعود إلى تمجيده وإقامته كالربّ على الكون.
تتوزّع دراستنا ثلاث محطّات. أولاً، أمور عامة حول هذا النشيد. ثانياً: تنازل يسوع. ثالثاً: ارتفاع يسوع.

1- أمور عامّة
طُرحت أسئلة عديدة حول هذا النشيد: هل وُجد قبل بولس أم ألَّفه بولس؟ أين نجد جذوره، في الغنوصيّة الهلنستيّة أم في العالم اليهوديّ؟ وأين نبت؟ في إطار المعموديّة أو الافخارستيا؟ أم هو نشيد من الأناشيد التي عرفتها الكنيسة الأولى؟
أ- وحدة النشيد
يجب أن نفهم هذا النشيد على أنه وحدة تامّة. لهذا لا نستطيع أن نعزل كلمة (أو عبارة) ونحمّلها معنى لا يتوافق وسياق النشيد. هناك من ربط هذا النشيد مع تك 1: 26، فقابل بين آدم الأول المخلوق على صورة الله ومثاله، وآدم الثاني، يسوع المسيح الذي هو في صورة الله واتّخذ صورة العبد. قد تكون الفكرة بعيدة بعض الشيء لا سيّما وأننا لا نجد لفظة "إِيكون" (صورة أيقونة). كما لا نفهم كيف "يتجسّد" من هو إنسان حقيقيّ. المعنى الأول يقوم في التعارض بين الله والعبد، صورة الله، صورة عبد.
ولا نستطيع أيضاً أن نفصل الجزء الأول (آ 6- 7) عن الجزء الثاني (آ 9- 11). وهكذا نصل إلى بنية النشيد.
هناك من رأى فيه ستة أبيات (يتألّف كل بيت من ثلاثة أسطر). تصوّر الأبياتُ الثلاثة الأولى تنازل ابن الانسان (آ 6- 8). والأبيات الثلاثة الأخيرة ارتفاعه (آ 9- 11). واعتُبرت آ 8 ج (حتى موت الصليب) زيادة من عند بولس.
وكانت محاولة أخرى ترتكز إلى توازي عناصر النشيد، فقدّمت ثلاثة أبيات، وكل بيت يتألّف من أربعة أشطار. يصف البيت الأوّل وجود يسوع قبل الأزل. والبيت الثاني، حياته على الأرض. والبيت الثالث، حياة المسيح في السماء. وتعلن هذه النظريّة أن ذكر الصليب (آ 8)، والكائنات السماويّة والأرضيّة والتحتيّة (آ 10)، والنهاية (آ 11) "لمجد الله الآب"، قد زادها بولس على نشيد سابق.
ولكن نبدأ فنرفض ما سمّي "زيادة" على نشيد أوّلاني. فالنشيد واحد هو. ورسمة التنازل والارتفاع واضحة جدّاً. والصليب يحتلّ المركز الرئيسيّ. يتحدّث القسم الأول (آ 6- 8) عن عمل المسيح، والقسم الثاني (آ 9- 11) عن عمل الله. لا يُذكر "اسم" الفاعل في آ 6- 8. أما آ 9- 11 فتدور حول الاسم الذي أعطي ليسوع.
تنطبع بنية القسم الأول بعدد من الألفاظ: "مورفي تيو" (آ 6 أ، صورة الله) و"مورفي دولو" (آ 7 ب، صورة العبد). "غانومينوس" (صائر) في آ 7 ب، آ 8 ب: صار شبيهاً بالبشر. صار طائعاً حتى الموت. وهكذا نكون أمام بيتين تحيط بهما هذه الألفاظ. الأول (آ 6 أ- 7 ب): "هو القائم في صورة الله... صار شبيهاً بالبشر". الثاني (آ 7 ج- 8 ب): "ظهر في هيئة إنسان... صار طائعاً حتى الموت". تضمَّن الشطران الأولان في البيت الأول لفظة "الله" (صورة الله، مساواته لله)، والشطران الآخران لفظة "إنسان" (على مثال البشر، هيئة إنسان). وقدّم الشطر الثالث في كل بيت (بل لاشى ذاته. ووضع نفسه) الفعل الرئيسيّ مع أداة "بذاته" (هيوتون). أما الشطر الأخير (آخذاً صورة العبد. موت الصليب) فيدلّ على نتيجة هذا العمل وما فيه من ذلّ واحتقار. فالصليب هو للعبيد!
ونكتشف البنية ذاتها في القسم الثاني من النشيد. نجد بيتاً أول من أربعة أشطار (آ 9- 10 أ: لذلك رفعه الله... لكي باسم يسوع) تقدّم عمل الله وتدور حول لفظة "الاسم" (أونوما) التي ترد ثلاث مرّات (أنعم عليه بالاسم، الذي يفوق كل اسم، لكي يجثو لاسم). وبيتاً ثانياً من أربعة أشطار أيضاً يدلّ على جواب الخليقة كلّها على عمل الله (آ 10 ب- 11 أ ب: تجثو كل ركبة... لمجد الله الآب). وينتهي البيتان بالإشارة إلى ذلك الذي "كان مختفياً" في القسم الأول: يسوع.
تأتي "هينا" (آ 10 أ) (لكي) فتبرز إعلان الاسم الذي هو موضوع هذا الاعتراف الإيمانيّ. وإن آ 10 أ و10 ب ج هما إيراد من أش 45: 23. وتبقى آ 8 ج (موت الصليب) وآ 11 ج (لمجد الله الآب). لا يمكن أن نلغيهما من النشيد بحجّة أنهما زيدتا فيما بعد. بل هما تشكّلان قمّتين في النشيد ونقطة الوصول.
هناك عاملان داخل هذه الدراما التي يرسمها النشيد: الله ويسوع. ومرمى الدراما هو سيادة يسوع على الخليقة كلّها.
ب- نشيد مسيحيّ
نحن أمام نشيد مسيحيّ هذا ما لا شكّ فيه. ولكن أين هي جذوره؟ اعتبر بعضهم أن آ 6- 7 كوّنتا في الأصل قصيدة مستقلّة. وقال آخرون إن بولس كيّف مديحاً كان ينشد ظهور الانسان السماوي في لغة المسيحيّين المتهوّدين. ثم أعطاه وجهاً مسيحياً.
وجاء من نسب هذا المديح إلى العالم اليهودي الخارج على التقليد، أو إلى عالم الملاحم في اليونان، أو إلى الواقع السياسيّ في ذلك الوقت. وربط آخرون النشيد بالعالم الغنوصّي، أو بالعهد القديم مع البارّ الذي وُضع ثم رُفع في خطّ أناشيد عبد يهوه، مع آدم الأول وآدم الثاني، مع تيّار الحكمة.
ولكن يجب قبل كل شيء أن نفهم أن المحيط الحياتيّ لهذا النشيد هو محيط مسيحيّ. هو البوتقة التي انصهرت فيها تيارات عديدة. النشيد ليس نسخة قديمة صُحّحت في إطار مسيحي. بل هو تفكير أصيل وعميق حول إيمان الكنيسة مع الاستعانة بتعابير وصور جاءت من العالم الذي يعيش فيه الرسول.
ما نجده هو اعتراف بيسوع على أنه الربّ وهتاف له في آ 11. وهذا ما يجعلنا قريبين من روم 10: 9 (يسمع هو ربّ)! 1 كور 12: 3 (يقول يسوع ربّ إلاّ بالروح القدس). فعبارة "كيريوس ياسوس" (الربّ يسوع) تشكّل إحدى عبارات الإيمان، إن لم تكن العبارة الأساسيّة في الجماعات البولسيّة. وهكذا ترى الكنيسة أن ذاك الذي كان يسوع الناصريّ هو الآن ربّ الكنيسة والكون كلّه. وإذ يذكر النشيد السجود والإعلان بكل لسان، فهو يدلّ على أن الاعتراف بسيادة المسيح يوافق موقفاً ملموساً ومحدَّداً داخل شعائر العبادة.
نلاحظ أن التوسّعات الكرستولوجية (التي تتحدّث عن يسوع المسيح) انطلقت من اعترافات إيمان موجزة. فذكر "الاسم" مثلاً يرتبط بالاعتراف بالرب. مثلاً، 1 كور 5: 4- 5: "فباسم الربّ يسوع... قضيت بأن يُسلم مثل هذا..."؛ 6: 11: "إغتسلتم، تقدّستم، بُرّرتم باسم الربّ يسوع المسيح"؛ عب 13: 15: "فلنقدّم لله بالمسيح ذبيحة الحمد في كل حين، ثمرة شفاه تسبِّح باسمه". ونجد توسّعاً يدلّ على التعارض بين النزول والصعود (أف 4: 10: هذا الذي نزل هو الذي صعد)، بين الموت والقيامة (روم 8: 34: يسوع المسيح هو الذي مات، بل قام)، بين ذاك الذي صار وذاك الذي رُؤي، بين الذي صار في الجسد ورُؤي في الروح (روم 1: 3- 4: في شأن ابنه الذي جاء في الجسد، وفي الروح القدس ثبت انه ابن الله). وأخيراً، إذا كان اعتراف الإيمان يرتبط ارتباطاً أساسياً بيسوع، فهو يضمّ الله إلى يسوع المسيح. مثلاً، 1 كور 8: 5- 6: "لنا إله واحد، الآب الذي منه كل شيء، ونحن إليه، وربّ واحد، يسوع المسيح، الذي به كل شيء ونحن به"؛ 1 تم 2: 5: "لأن الله واحد، والوسيط بين الله والناس واحد، الإنسان المسيح يسوع"؛ 6: 13- 14: "أمام الله الذي يُحيي كل شيء، وأمام المسيح يسوع الذي أدّى لدى بونطيوس بيلاطس، شهادته الرائعة"؛ 2 تم 4: 1- 2: "أناشدك أمام الله وأمام المسيح يسوع، الذي سيدين الأحياء والأموات".
وهكذا يبدو هذا النشيد ترنيمة مسيحيّة تجد جذورها في لاهوت بولسيّ موزّع في الرسائل البولسيّة.
ج- مؤلّف النشيد
ويبدو أن هذا النشيد هو وليد تفكير حول اعتراف إيماني دُفع إنسان لكي يُعلنه في إطار جماعيّ فشكّل محور إيمانه وحياته. وسياق العهد الجديد الذي أبرزناه دلّ على أن مسألة العلاقة بين المسيح الربّ وذاك الذي أخذ مع "الاسم" (ي هـ و هـ= كيريوس) وظيفة الربّ الواحد القدير، أي الله، قد طُرحت في وقت مُبكر في الكنيسة. وحين نتذكّر التشديد على الوحدانيّة في العهد القديم، نفهم أن تكون المسيحيّة الأولى قد تطرّقت إلى هذه المسألة حين تحدّثت عن "الاسم" في إطار كرستولوجيّ.
ولاحظنا أيضاً أن النشيد لا يذكر إلاّ شخصين: الله والمسيح. وأن مرمى الدراما التي يصوّرها هي سيادتهما على الخليقة. هذا ما تعبرّ عنه آ 6 حيث الصلة وثيقة بين الخلق والفداء. وبعد هذا، نفهم التعارض الأساسيّ بين القسم الأول من النشيد، حيث المسيح هو الفاعل، والقسم الثاني حيث الله يحتلّ المكان كلَّه. ونفهم أيضاً إيراد أش 45: 23 (في آ 10- 11) الذي ينقل إلى المسيح ما كان في العهد القديم صفة من صفات يهوه: السيادة على جميع الشعوب.
لهذا يبدأ النشيد وينتهي بذكر الله (آ 6 أ، 11 ج): فالاعتراف بيسوع كالربّ لا ينال من مجد الله، بل هو يتسجَّل في قصده الخلاصيّ، وهو ثمرة قراره الحرّ (آ 9 ي)، بل هو لمجده لأنه يكشف أبوّته (آ 11 ج). ويكتشف "الشاعر" "حلَّ" هذه المسألة المستحيلة في طاعة يسوع الناصريّ وتواضعه، في تنازله وموته على الصليب.
ولكن النشيد ينطلق من حياة هذا "الانسان"، فيصعد إلى "أعلى"، ويشير إلى وجود المسيح قبل الزمن. بنى "الشاعر" القسم الأول من النشيد منطلقاً من إيمانه. وانطلق في القسم الثاني من واقع ملموس هو الاعتراف العباديّ وإبراز أش 45. ولا ننسى أن بلينوس الأصغر، حين كتب إلى ترايانس عن المسيحيّين، صوّرهم بأنهم ينشدون المدائح للمسيح وكأنّه إله.
يبقى أن نكتشف هويّة كاتب هذا النشيد. هناك فئتان. الأولى تنفي أن يكون بولس صاحب النشيد، لأن بعض ألفاظه غريبة عن لغة الرسول. والفئة الثانية تعتبر أن الرسول ألّفه في مناسبة من المناسبات ثم أدخله إلى فل. هو نشيد وُلد في محيط يوناني، وقد يكون محيط أنطاكية. صاحبه متشرّب من العهد القديم، وهو شاعر عبقريّ.
هو بولس الرسول، انطلق من سياق عماديّ يشدّد على النزول والصعود، أو من سياق إفخارستي مع التجسّد والتنازل، مع تذكّر الموت على الصليب، مع الفرح والانتصار. وهكذا نكون في إطار أسرار التنشئة، أسرار المعموديّة والتثبيت والافخارسمتيا، التي ينالها المؤمن حين دخوله في الكنيسة.

2- تنازل يسوع (2: 5- 8)
أ- قبل النشيد (آ 5)
وجد بولس نفسه أمام جماعة معرّضة للتفكّك بسبب روح المزاحمة الموجودة بين أعضائها. فذكّرها بما يؤسّسها ويبنيها كجماعة: الإعلان الإيمانيّ الذي تهتف به حين تلتئم. وهذا الاعلان لا يقرّ إلاّ بسيادة واحدة، سيادة الله والمسيح. إذن، كيف يتطلّع المسيحيّون إلى أن يسودوا بعضهم على بعض؟ وهذا الإعلان يعطي المجد لله وحده. فكيف يبحث المسيحيّون عن المجد الباطل، عن العجب بدافع المنافسة؟
وهذا الاعتراف (هذا الاعلان) يستند إلى سلسلة من الأعمال التاريخيّة المحدّدة. وهذه الأعمال هي: تنازل، بذل الذات حتى الموت. فكيف ينساها المسيحيّون. فتنازلُ المسيح وارتفاعُه العجيبان، يعلّماننا أن الطريق الوحيدة إلى المجد هي التجرّد وبذل الذات. هي طريق المسيح وهي طريقنا.
إن آ 5 تختتم التحريض الذي نقرأه في آ 1- 4، وتبدأ النشيد في آ 6- 11، فتدلّ على انها انتقالة. لهذا نجد فيها جزئين. الأول هو نداء جديد إلى "إعمال الفكر" (فرونيو). وهو يختتم ما سبق: إصنعوا هذا. إفعلوا كما أقول لكم. تصرّفوا بعضكم مع بعض. حينئذٍ يعني الجزء الثاني من الآية: هذا ما نجده في يسوع المسيح. فهم التفسيرُ القديم "إن خرستو" (في المسيح) في معنى خلقيّ. ولكن هذا لا يوافق المعنى الجماعيّ الذي نجده في "إن هيمين" (فيكم)، كما لا يوافق القسم الثاني من النشيد (آ 9- 11): كيف يكون المسيح الربّ مثالاً لنا؟ قالوا في الماضي: "ليكن فيكم ذات العواطف التي كانت في المسيح". وبدا تفسير جديد: "تصرّفوا كما يتصرّف أولئك الذين هم في المسيح". وهكذا يعود المسيحيون إلى الخبرة الجماعيّة التي تؤسّس وجودهم: الاعتراف بالمسيح كالربّ، بالله الآب الذي يجعلهم له عباداً (1: 1) وإخوة.
ولكن هل نستطيع أن نستغني استغناء كلّياً عن التفسير الخلقيّ؟ كلاّ. فالقسم الأوّل من النشيد يشير أيضاً إلى سلسلة الأعمال التاريخيّة التي تؤسّس ربوبيّة المسيح. لهذا، انطبع التاريخ الجديد الذي ينتمي إليه المسيحيّون، بطابع لا يمّحى. هو التواضع وبذل الذات. وهكذا يقدّم الرسول برهانين يشجب فيهما التنافس على الكرامات والأولويّات، هذا التنافس الذي يهدّد جماعة فيلبّي: ليس "في المسيح" سوى ربّ واحد. وله وحده المجد. وهذا الربّ يدلّ على أن التجرّد والتضحية يحملان النعمة التي ترفع الجماعة وتقودها إلى الهدف.
ب- صورة الله (آ 6)
قلنا إن النشيد يتألّف من قسمين: يصوّر الأول التنازل الإراديّ من قبل يسوع. والثاني، ارتفاع الربّ الذي نال الاسم الذي يفوق كل اسم. ويتألّف القسم الأول من بيتين. عنونّا البيت الأول: صورة الله. والبيت الثاني: صورة العبد. ونبدأ مع البيت الأوّل.
يبدأ هذا البيت باسم الموصول: ذاك الذي، كما في كو 1: 15 (ذاك الذي هو صورة الله)؛ 1 تم 3: 16 (ذاك الذي تجلّى في الجسد)؛ عب 1: 3 (ذاك الذي هو ضياء مجده). إذن، لا نضع في البداية "كيريوس" (الرب) أو "ياسوس" (يسوع). فالاسم سيرد في ما بعد، والموصول يهيّىء الدرب إليه.
كيف نفهم لفظة "مورفي"؟ جوهر؟ هكذا فهمها الآباء. هو من جوهر الله. وضع، حالة؟ حينئذٍ تعني "مورفي" المجد، وعلامة القوّة والسلطة اللتين تمتّع بهما المسيح قبل وجود الكون، منذ الأزل (إر 17: 5). هل تعني "صورة" (إيكون)؟ عند ذاك نفهم المسيح على أنه آدم الثاني (روم 5)، لأن آدم الأول اعتُبر حسب تك 1: 26: صورة الله.
إن كلمة "مورفي" تدلّ على تماثل عميق جدّاً وحقيقيّ، ولكنه خفيّ وغير ظاهر. حين نقرأ الأفعال المزيدة في جذر "مورفوو" (كوّن، روم 8: 29؛ 12: 2: 2 كور 3: 18؛ غل 4: 19؛ فل 3: 10)، نرى أنها تدلّ على علاقة سرّية لا نستطيع أن نلغي عمقها وواقعيّتها. كان المسيح الله. غير أن العالم كلّه جهل هذا، لأن يسوع لم يمارس سلطانه الإلهيّ.
هذا ما يعبّر عنه أيضاً فعل "هيبارخو" الذي يرد مراراً عديدة في العهد الجديد وعند القديس بولس فيدلّ على ما هو موجود، ما هو قائم. بعد هذا سوف ينتقل يسوع إلى العمل. هو ما استفاد من مساواته مع الله. هنا تأتي لفظة نادرة في اليونانيّة الكلاسيكيّة ولا ترد إلاّ مرّة واحدة في كل الكتاب المقدّس: "هرباغموس": استلاب، وضع اليد، استيلاء. لم يعتبر مساواته مع الله استيلاء. ولكن على ماذا؟ لا نجد هنا المفعول به. فتطلّع الشرّاح إلى "هرباغما" التي تعني طريدة، سلب (أسلاب). ولكن هل نعتبر مساواة الله سلباً يمتلكه المسيح ولم يرد أن يتعلّق به؟ أم خيراً لم يمتلكه، ولكنه لم يُرد أن يأخذه بالقوّة؟ هذا التفسير الأخير. يعود إلى آدم الأول (تك 3: 5: تكونون مثل آلهة) أو الشيطان (أش 14: 12- 13)، أو عبد يهوه (أش 49: 24- 25؛ 53: 12).
نقول: إن المسيح لم يمارس سلطاته (كربّ) المرتبطة بمساواته مع الله. لم يظهر كالربّ (الممجّد)، ولم يستفد بشكل أنانيّ واعتباطيّ ممّا كان (صورة الله، الله). هذا الطرح يتوضّح حين ننظر إلى التوازي بين آ 6 ب (مساواته لله) وآ 7 د (وُجد كإنسان). ففي آ 7 د لسنا فقط أمام واقع بشريّة المسيح، بقدر ما تجلّت هذه البشريّة بالنسبة إلى الله وإلى الخليقة. أما آ 6 ب، فتدلّ على تعلّق المسيح بالله والخليقة في حاله الإلهي.
وهكذا نستطيع أن نترجم آ 6: لم يعتبر مساواته لله شيئاً يستخدمه من أجل صالحه. لقد سبق لبولس واستعمل فعل اعتبر في آ 3 و4: "إعتبروا بتواضع الآخرين خيراً منكم". ويسوع لم يعتبر مساواته مع الله كمناسبة فخر له تجاه الآخرين.
ج- صورة عبد (آ 7)
بدأت مسيرة المسيح في أزليّة الله. فالنشيد يقدّم لنا أقدم تفكير لاهوتيّ عن أزليّة ابن الله. والاهتمام يتوقّف بالأحرى على الحدث الذي حرّكه الله. غير أن مسيرة المسيح التاريخيّة تبدأ، وأصلها في الله. إن المسيح كائن كان في صورة الله. هو من جوهر الله. هو الله. وانطلاقاً من هذا الوضع قرّر بحريّة تامة أن "يتخلّى" عن حاله اللاهوتيّة. ويشدّد النصّ هنا على حريّة الذي يفعل. لقد بادل الوضع الإلهي بوضع العبد. وتتوخّى هذه العبارة أن تدلّ على تحوّل لدى الذي يتصرّف بحريّة. لا نستطيع أن نتخيّل مسافة أطول من تلك التي تفصل الله عن العبد. مسافة لا تحدّ، ولا يستطيع أحد أن يعبرها. وحده استطاع ذلك. والتلاشي (أفرغ نفسه، تجرّد من ذاته) هو تعبير آخر عن التجسّد. لقد صار الله إنساناً.
ولكن في هذا التجرّد الكامل، حافظ التفكيرُ اللاهوتيّ على شخص الذي هو مساوٍ لله ومساوٍ للعبد. ووعيُ تجسّد الله قد لفت نظر اللاهوت المسيحيّ فحاول أن يجعل سامعيه يحسّون بالصدمة التي صدمته هو. ولكننا ما نزال تحت الدهشة حين نسمع أن ذاك المساوي لله اتّخذ حالة عبد.
لقد فهم هذا النشيد وضع الانسان على أنه عبوديّة. والمسيح دخل في وضع العبد، وتضامن كلياً مع البشر. وعبّر النصّ عن هذا التضامن بعبارة "شبيه بالبشر". هنا نلاحظ مسيرة الفكرة التي انطلقت من الجمع (شبيه بالبشر) إلى المفرد (تصرّف كإنسان). فسلسلة الأجيال البشريّة التي ينضمّ إليها الله المتجسّد، تلتقي به في نقطة محدّدة. إنه حقاً إنسان. وهو حلقة في تاريخ البشر. إنه حقاً منهم ونحن نستطيع أن نتحقّق من واقعه البشريّ.
نقرأ فعل "كانوو". يستعمل بولس هذا الفعل مراراً في صيغة المجهول (روم 4: 14؛ 1 كور 1: 17؛ 2 كور 9: 3). غير أن المجهول يختفي هنا فيشدّد على حريّة الفاعل: حرم المسيح نفسه من ممارسة سلطانه، فتلاشى، فافرغ ذاته، فتجرّد من ذاته. ويستعمل هذا الفعل تجاه "بلاروما" أي الملء: يسوع يمارس سلطته على الخليقة كلّها كما على الكنيسة (كو 1: 19؛ 2: 9؛ أف 1: 23؛ 3: 19).
تلاشى وأخذ صورة العبد. فالتجسّد هو تنازل ورسالة. ولفظة "دولوس" تقابل لفظة "كيريوس". واسم الفاعل "لابون" آخذ، تقابل "هيبارخون" (مالك).
ونقرأ أيضاً "هومويوما" (شبه). لقد شابه المسيحُ البشريّة. لا نجد هذه الكلمة في العهد الجديد إلاّ عند بولس (روم 8: 3)، وهذا ما يدلّ أيضاً على صاحب هذا النشيد، إذا قابلنا "هومويوما" مع "سخيما" (هيئة) نرى أنها تدلّ على تماثل عميق وجوهريّ. لا شكّ في واقعية بشريّة المسيح. وهكذا أورد الكاتب ثلاث ألفاظ: صورة، شبه، هيئة، ليتحدّث عن بشريّة يسوع، بينما لا يذكر عن لاهوت الربّ إلاّ كلمة واحدة: صورة. هذا يعني أنه كان من الصعب على المؤمنين أن يقولوا بناسوت المسيح.
ودلّ الشطر الثاني مع "سخيما" على تطوّر بالنسبة إلى الشطر الأوّل. صار المسيح إنساناً فاعتُبر كذلك. فصار تصرّفه (وشكله الخارجيّ) تصرّف إنسان. لماذا هذا التشديد حتى التكرار؟ أولاً خوفاً من الظاهريّة التي تعتبر أن يسوع لم يصر إنساناً حقاً، بل تظاهر. ثانياً، اهتماماً بالموضوع الأساسيّ للنشيد الذي هو أكثر من عرض خاصّ عن التجسّد. ففي آ 7 د، صار المسيح إنساناً وتصرّف كذلك. هو لم يتصرّف كالسيّد والمستبدّ، بل كذاك الذي هو شبيه بالبشر في كل شيء، ما عدا الخطيئة.
د- وواضع نفسه (آ 8)
تورد آ 8 المرحلة الثانية في مسيرة المسيح نحو الانحدار. وهذا الانحدار هو النتيجة المنطقيّة للمرحلة الأولى وهو يتضمّنها في مبدإها. وحريّة التصرّف تبدو هامّة هنا. "واضع نفسه أيضاً". فالانحدار يقود إلى الموت. والموت هو آخر نقطة في هذا الانحدار الذي بدأ بالتجرّد. في هذا الإطار، لا يتضمّن الموت أيّة نتيجة خلاص، بل يُنظر إليه على أنه أكمل تعبير عن الوجود البشريّ العابر. لقد عاش المسيح وضعَه البشريّ حتى إمكانيّاته الأخيرة. وعمل ما عمل في الطاعة. وهذه الطاعة تبدو مطلقة، فلا ترتبط "بشخص" يطيعه. ولكن العودة إلى التمجيد تدلّ على أن هذه الطاعة توجّهت إلى الله نفسه. إذا كان الله قد رفع المسيح، فهذا يعني أن المسيح أطاع الله حتى الموت والموت على الصليب.
ولكن، لم يُذكر الله بشكل خاصّ في هذا القسم الأوّل، فتضمّنت هذه الطاعة طابع الوحي. فالوحي الاسكاتولوجيّ هو وحي طاعة. والحدث الاسكاتولوجيّ الذي فيه دخل المسيحيّون هو حدث تميّزه الطاعة. في هذا الموضع تتحدّد نقطة الالتقاء بين النشيد وسياق الرسالة. فالفيلبيّون قد جُعلوا كمسيحيّين في دائرة سيادة ذلك الذي انحدر في الطاعة. فكيف يستطيعون أن "يتناتشوا" في عدم الطاعة، وينسون المحبّة بعضهم تجاه بعض؟!
ونظر بولس إلى موت المسيح مع قيمته الخلاصيّة. واللفظة الأساسيّة في السوتيريولوجيا البولسيّة هي الصليب. وهكذا نفهم أن موت المسيح هو موت لأجلنا. وصورة الانحدار والارتفاع تجعلنا قريبين من نصوص ذكرناها وليس آخرها ما نقرأ في أف 4: 10: "هذا الذي نزل هو نفسه الذي صعد إلى ما فوق السماوات".

3- إرتفاع يسوع (2: 9- 11)
أ- يسوع المسيح ربّ (آ 9)
مع آ 9 نبدأ القسم الثاني من النشيد. فبعد ليل الصليب يأتي صباح القيامة. وبعد سيادة الله (الله وحده هو الربّ والسيّد) هي سيادة يسوع المسيح. وهذا لم يحصل بفضل تسلسل منطقيّ، بل بمجرّد نعمة (أنعم له، وهب). وهذا تمّ لا كمساس بسلطة الله، بل لمجد أبوّته (آ 11 ج). إذن، فاعل هذا القسم الثاني هو الله المتسامي. وهذا ما يقابل القسم الأول الذي يحدّثنا عن عمل المسيح.
نجد في آ 9- 11، بيتين في أربعة أشعار تتوّجها المجدلة الأخيرة (لمجد الله الآب). يدور البيتُ الأول حول الاسم (اونوما) الذي يمنحه الله في سيادته إلى المسيح. هذا الاسم لا يُذكر بشكل صريح، ولكن لا شكّ بأنه "كيريوس- يهوه". وسلّم إلى يسوع مع السلطان على كل شيء. ويعبّر البيت الثاني عن موقف الخليقة كلّها تجاه هذا الترتيب الجديد: هي تسجد وتعترف بأن "يسوع المسيح هو الربّ" (آ 11 ب) حسب نبوءة أش 45: 23 (ستجثو لي كلّ ركبة، ويُقسم بي كل لسان) والاعتراف العباديّ في الكنيسة. وينتهي هذان البيتان باسم "يسوع" (ياسوس)، وهذا ما يوافق موقفاً محدّداً في الجماعة التي تمارس شعائر عبادتها. وعلامة القطع بين البيتين تُبرز المحيط الحياتي للنشيد: ساعة أُعلن اسم يسوع للمرّة الأولى، كان جواب الجماعة على هذا الإعلان سجوداً واعتراف إيمان.
حتى الآن كان فاعلَ الأعمال المسيحُ الذي تجرّد بحرّية، وتنازل، وصار طائعاً. بعد الآن، ها هو الله يتدخّل. وما عمِلَه الله من أجل المسيح هو جواب لمسيرة التجرّد التي اختارها اختياراً حرّاً. نستطيع أن نرى هنا طقس تتويج ملكي يتوزّع على ثلاث مراحل: تقديم الملك الجديد. إعلانه. هتاف الناس أمام هذا الملك.
ما يقابل التقديم هو "الرفعة" (رفعه الله). نجد هنا فكرتين. الأولى: لا شيء ولا شخص يستطيع أن يتجاوز المرتبة التي أعطاها الله للمسيح الآن. الثانية: نحن هنا أمام نظرة إلى العالم يحتلّ فيها عرشُ المسيح الملكيّ أرفعَ مكانٍ في السماء.
وفي إعطاء الاسم يتحقّق شيء مشابه للإعلان الذي يحصل في تتويج الملك وتوليته السلطان. والاسم الذي هو فوق كل اسم يستلهم المفهوم البيبليّ للإسم. ليس الاسم شيئاً خارجياً لا قيمة له. إنه تعبير عن الشخص. إنه ما يجعله معروفاً بشكل دقيق. والاسم الذي يُعطى (كيريوس) سيتلفّظ به النصّ في النهاية.
"ديو كاي": لهذا. تبدأ آ 9 بهذه العبارة فلا تدلّ على المجازاة، ولا على نتيجة ناموس من النواميس، بل على عمل نعمة الله الذي هو ربّ الكون. هنا نتذكّر أن اسم الله في العهد القديم هو موضوع وحي (خر 3). "إسمع يا إسرائيل، الربّ إلهنا هو الربّ الواحد" (تث 6: 4). وحين تفسّر السبعينيّة "يهوه" بـ "كيريوس"، فهي تحدّد أمرين: الله يكشف عن ذاته كالسيّد المطلق، وهذه السيادة هي محصورة فيه. يعني هو وحده السيّد والربّ.
ونقرأ فعل "هيباريبسوو": رُفع عالياً. نحن في مجال التفضيل. ولكن هذا لا يعني أن الوضع الذي حصل عليه المسيح الآن، يسمو على وضعه في عالم أزليّته. بل يعني الفعل: لا شيء هو فوق يسوع المسيح الذي هو أعلى "هيبر" (آ 9 ب) من كل شيء. لا شكّ في أننا لا نجد فعل "هبمسوو" (ارتفع) إلاّ في 2 كور 11: 7 (أذللتُ نفسي كي ترتفعوا)، ولكن الأفعال المؤلّفة مع "هيبر" هي عديدة في رسائل مار بولس (19 من أصل 28 فعلاً في العهد الجديد).
ب- هدف عمل الله (آ 10)
ما توخّاه عملُ الله السامي هو خضوع الخليقة كلّها واعتراف الكنيسة. نحن لا نفصل ما بين سيادة على الكنيسة وسيادة على الكون. وحين نتذكّر المحيط الحياتيّ لهذا النشيد، نفهم أن الجماعة كانت تشارك في إعلان المسيح والسجود له. فالكنيسة هي باكورة الخليقة الجديدة، واعترافُها وخضوعُها يدلاّن على موقف الكون كلّه. أما الاسم الذي أعلن فهو إسم يسوع، أي ذاك الإنسان الذي كان إنساناً حقاً، الذي تكلّم عنه القسم الأول من النشيد، والذي شارك في كل طوارىء التاريخ البشريّ. وهكذا لا يعود إيمان الكنيسة نتيجة نظريات مهما كانت سامية، بل جواباً على نداء تاريخيّ محدّد، هو نداء يسوع الناصريّ.
وأيراد أش 45: 23 له معناه. هو يشدّد على شموليّة الخلاص، كما يشدّد على طابعه الحصريّ (لا خلاص إلاّ بالله). إذن كان بولس واعياً حين استعمل أش 45: 23 (في روم 14: 11 ربطه بالله) للحديث عن المسيح. فالمسيرة تدلّ على المسألة المطروحة في النشيد كلّه: جمع سيادة الله مع سيادة المسيح. هما في الواقع سيادتان متماثلتان، وتنبعان من قصد الله الواحد. ولهذا، فالإيمان الذي تعلنه الكنيسة الفتيّة، يجب أن يتميّز بشموليّته (ضد كل انغلاق وخاصانيّة)، كما بواقعه الحصريّ (تجاه الآلهة الوثنية). هذا ما دلّت عليه الفئات المذكورة في نهاية الآية: لا شيء في الخليقة المنظورة واللامنظورة، يستطيع أن يقف في وجه سيادة المسيح على الكون.
كنّا قد تحدّثنا في الآية السابقة عن تقديم الملك وإعلانه. وبقي لنا أن نتحدّث عن هتاف الناس أمام هذا الملك. هذا ما نجده في آ 10. وهذا الهتاف هو العنصر الأهمّ من الوجهة اللاهوتيّة. إذا عدنا إلى أش 45: 23، نرى أن الشعوب التي نجت من الكارثة هي التي تركع أمام الربّ وتقرّ بسيادته. وفي النشيد للمسيح، تجاوز النصّ معنى هذا الاستشهاد الكتابيّ وحوّله تحويلاً كبيراً. فالهتاف يتمّ باسم يسوع. أي يهتفون: يسوع. نحن نتعجّب حين نرى هنا الاسم التاريخيّ للمخلّص. نحن بعيدون جدّاً عن العالم الغنوصيّ. والذي ينشده هذا النصّ ليس كائناً من عالم الميتولوجيا، بل إنسان تاريخيّ.
ولا يأتي الهتاف فقط من الشعوب التي يذكرها أشعيا، بل من كل الكائنات التي في السماء والأرض وتحت الأرض. أي عالم الآلهة في السماء. والابطال على الأرض. والموتى تحت الأرض. عاد النشيد إلى الميتولوجيا ليدلّ على القوى التي سيطرت حتى الآن على حياة البشر واستعبدتهم. وبما أننا أمام قوى معادية لله، فالهتاف الذي تطلقه ليس اعترافاً بهذا الملك الجديد، بل إعلاناً لخضوعها له. لقد جاء إلى الكون ملك جديد. فإن كانت القوى الغاشمة قد أمسكت مصير الكون في يدها وجعلت البشر يعيشون في الخوف والقلق، فالعالم قد نال الآن في المسيح مركزاً جديداً يقيم فيه، وحصل على مدلول جديد فصار في خدمة المسيح.
ج- شهادة الإيمان (آ 11)
المسيح هو المحور الذي فيه يجد تاريخ العالم معناه. فلا مكان من بعد لمصير مجهول يُلهمه "القدر". فالمسيح يكفل مصير الأفراد ويؤمّن ديمومة العالم. لقد قُهرت القوى التي كانت تخيف البشريّة. لقد قهرها المسيح بطاعته، لهذا أعطي له اسم كيريوس، الاسم الإلهي ليهوه في التوراة العبريّة. إن "كيريوس" يسوع يحتلّ منذ الآن المكانة التي احتلّها يهوه في العالم. إنه الوسيط بين الله والعالم: وبه يكون للعالم وصول إلى الله.
وانتصار المسيح هذا على القوى الكونيّة يبقى مخفياً عن البشر. ولكن حين تُنشد الجماعة المسيحيّة هذا النشيد للمسيح، فهي تعرف في الإيمان أنه أقيم ربّاً (كيريوس). ولهذا فهي مشدودة في انتظار اليوم الذي فيه يفرض ملكُه الخلاصيّ نفسه على الكون كلّه. وهذا الإيمان يتيح لها أن لا تخاف العالم الذي تخلّص تخلّصاً جذرياً من الشيطان وعرف السلام بالمسيح.
وفي المجدلة الأخيرة لمجد الاب، يدوّي فعل إيمان الجماعة. فالآب هو أبو يسوع المسيح، وبالتالي هو أبو المسيحيّين. وهكذا نعود إلى لاهوت مركّز على الله، بعد أن أنشدنا المسيح في "صورة الله" وفي "صورة العبد".
تلك هي القمّة التي انتظرناها منذ بداية النشيد، والتي تشكّل قلب الإيمان المسيحي في بداية الكنيسة. هناك الفعل البسيط "هومولوغيو" (اعترف) الذي يدلّ في العهد الجديد على اعتراف الإيمان في الكنيسة (روم 10: 9؛ يو 9: 22: 1 يو 4: 15). ولكن بولس يستعمل هنا "إكسومولوغيو" الذي يدلّ على المديح العلنيّ كما يدلّ على الاعتراف بالخطايا. أما هنا فهو يشير إلى الطابع العلنيّ والليتورجيّ لاعتراف يعلن يسوع. هذا ما تفعله الشعوب مع ملوكها.
"ربّ هو يسوع المسيح". هذا يعني أن المسيح هو الربّ الذي حدّثنا عنه العهد القديم. وأنه يتفوّق على كل كيريوس يعتبر أن بيده سلطة من السلطات. وهذا الربّ هو أيضاً هذا الانسان يسوع الذي سار إلى النهاية في طريق الانحدار والتواضع والموت. وسلطتُه المبنيّة على الطاعة، لا يمكن إلاّ أن تكون "لمجد الله الآب".

خاتمة
نحن هنا أمام نشيد مسيحيّ ألّفه بولس أو وضع فيه اللمسات الأخيرة. نرى فيها التعارض بين انحدار المسيح الإرادي وارتفاعه بيد الله. الوضع الإلهيّ الذي عرفه هو وضع المسيح قبل تجسّده، وهذا التجسّد هو أول خطوة في انحدار يسوع وتنازله. بعد هذا، انعكس كائن الله في تصرّف المسيح الذي اختار التواضع والطاعة، لا العجب والتكبّر والتمرّد. وهذا "التلاشي" الذي عاشه يسوع لا يفترض أنه لم يعُد مساوياً لله. فهو يكشف في تنازله عن كيان الله وحبّه. هنا نتذكّر كلام القديس يوحنا في إنجيله: "هكذا أحبّ الله العالم حتى إنه أرسل ابنه الوحيد". نزل المسيح، تنازل. ثم صعد وارتفع وأعطي له الاسم الذي يفوق كل اسم. وصار ملكاً على الكون وعلى القوى التي كانت "تتحكّم" بالكون. بمثل هذه الكلمات كان المسيحيّون الأولون يعلنون إيمانهم في نشيد يدخلنا في تاريخ الخلاص: منذ ترك يسوع الله وجاء إلى العالم. ومنذ ترك العالم وعاد إلى الآب. وكل هذا لمجد الله وسجوداً للمسيح من كل ركبة في السماء وفي الأرض وتحت الأرض.
الفصل الحادي عشر
تحريض على الوفاق
2: 12- 18

لا ننسى حين نقرأ هذا المقطع، الوضعَ الملموس الذي يعيشه أولئك الذين يوجّه إليهم. كانت جماعة فيلبّي فريسة الخلافات والمزاحمات. فرأى الرسول أنه من الضروريّ أن يقدّم لهم نشيداً يعلن سيادة المسيح ويدعونا إلى الاقتداء بتنازل ذاك الذي أخذ صورة العبد وصار طائعاً حتى الموت على الصليب. وإذ ينظر بولس إلى هذا الوضع عينه يحرّض قرّاءه على العمل "في خوف ورعدة"، في الوفاق، بغير تذمّر ولا مماحكات (ولا جدال). هكذا يستفيدون من الخلاص الذي أعطي لهم في المسيح يسوع.
بعد نظرة عامة، نسمع في قسم أوّل كلام الرسول: إعملوا لخلاصكم. وفي قسمٍ ثانٍ نتوقّف عند الحياة في الجماعة، التي يجب أن تكون حياة من القداسة.

1- نظرة عامة
أ- عودة إلى الطاعة
"ومن ثمّ". هكذا ينطلق الرسول من نشيده إلى المسيح فيطلب من المسيحيّين أن يحقّقوا المثالي الذي وجدوه في المسيح. كان المسيح طائعاً وسيطيع الفيلبيّون. من سيطيعون؟ بولس. وهذه الطاعة هي التي برهن عنها أهل فيلبّي، لا حين كان بولس هنا فحسب، بل حين كان غائباً أيضاً (رج 1: 27).
يلاحظ بولس دون أن يفرض شيئاً. وهكذا يكون "المديح" تحريضاً خفيفاً. غير أن السياق يعود إلى أبعد من النشيد، فيصل إلى النصائح الملحّة التي قرأناها في 2: 1- 4. فموضوع الطاعة هو ممارسة هذه النصائح، لتقوم داخل الجماعة علائق المحبّة بواسطة تصرّف متواضع ومُخلص، من أجل الوفاق. وإذ يعيش المسيحيّون حياة تليق بإنجيل المسيح (2: 1) "يُضيئون كالنيرّات في العالم" (آ 15).
في هذه النظرة الجماعيّة يعلن بولس كلاماً لا نجد مثله في كل العهد الجديد: "إعملوا لخلاصكم في خوف ورعدة". يُعطى الأمر في صيغة الجمع. هذا يعني أنه يوجَّه إلى الجماعة المدعوّة إلى نشاط دينيّ، فيعمل كل واحد جهده في إطار الخلاص المقدّم له.
ويتأمّل الرسول هذا الخلاص في المستقبل (روم 13: 11: فالخلاص الآن أقرب إلينا ممّا كان يوم آمنّا). أما المؤمنون فيقفون بين الماضي الذي جعلهم ما هم عليه في المسيح، وبين المستقبل الذي هو موضوع رجائهم (روم 8: 24: في الرجاء كان خلاصنا). في هذا الموضع يتابع بولس جرْيه (فل 3: 12) الذي يقدّم له الاطار السيكولوجيّ للعمل الذي يدعو إليه قرّاءه.
ب- عمل مشترك
ويقوم المسيحيّون بهذا العمل المشترك "بخوف ورعدة". عبارة مأخوذة من التوراة كما نقرأها في السبعينية. مثلا، تك 9: 2؛ خر 15: 16؛ تث 2: 25؛ 11: 25... استعملها بولس مراراً ليدلّ على العلاقات بين البشر. في 1 كور 2: 3، يذكّر بولس أهل كورنتوس بتصرّفه المتواضع في الامحّاء "وفي الضعف"، وهو تصرّف يتناسق كل التناسق مع كرازته عن المسيح المصلوب "ضعف الله". وتجاه هذا التصرّف نجد كلاماً عن موقف بشريّ مليء بالعجب وخائن للتعليم الذي يحمله. وفي 2 كور 7: 15، نقرأ عن الطاعة التي بها استقبل الكورنثيون تيطس والتعليمات التي حملها. وفي أف 6: 5 تدلّ العبارة على طاعة العبيد لأسيادهم.
في هذا الإطار نفهم عبارة "في خوف ورعدة" كما ترد في فل 2: 12. فتنازلُ المسيح "الطائع حتى الموت على الصليب"، يرسم قاعدة تُدعى الجماعة لكي تسير بموجبها، فيعي كل واحد أنه لا يمكن أن يساوم حول مثل هذا المبدأ الأساسيّ الذي حدّده المسيح. بهذه الصورة يعملون من أجل الخلاص محقّقين دعوتهم مترجّين أن تتوّج في المستقبل.
ج- الله يعمل
غير أن هذا التحريض لا ينفصل عمّا يلي، وهو يشكل أساسه: "إعملوا... فالله هو الذي يعمل فيكم" أو: في وسطكم. هكذا نشدّد بالأحرى على الوجهة الجماعيّة كما يريدها سباق النصّ (1: 6). بولس هو غائب. ولكن هذا لا يكون السبب في الاستسلام إلى الاهمال. لهذا يقول: لا تحتاجون إلى أن تنتظروا مجيئي لكي تصلحوا حياتكم الجماعيّة. فالله نفسه، لا أنا، هو الذي يُشرف على هذا العمل.
المفارقة واضحة في هذا الكلام. نقرأ في 131 عبارة يُقال فيها إن الله يحقّق كل شيء حتى الارادة (الباطن) والعمل (الظاهر، الخارج) في مسعى تُسأل عنه الجماعة. هل نحن أمام استقالة جماعيّة؟ ومع ذلك، فالفكرة واضحة: لا شيء يفلت من عمل الله الذي يفرض على الإنسان أن يعمل كل مجهوده. ونحن نفهم هذا الكلام إذا قلنا إن أعمالنا التي نعملها ونحن نتوخّى الطاعة لله، ليست كلها أعمالنا وكأن الله يزيد عليها شيئاً قليلاً يتوّج به مجهودنا الشخصي. كلاّ، فهذه الأفعال هي عمل الله الذي تمتدّ قدرته في الضعف (2 كور 12: 9) فتضمّ إليها حتى جذور العمل، تضم الإرادة من أجل تتميمها.
هذا من جهة الله. وهناك جهة الإنسان، ونحن نستطيع القول إن الإنسان أيضاً يعمل العمل كله. فبدون إرادة الإنسان وقبوله لنداءات النعمة وإلحاحها، لا يستطيع الله أن يحقّق برنامجه. وهكذا نستطيع القول مع بولس: إعملوا... لأن الله يعمل فيكم كل شيء. فأنتم أقوياء بقوّته. فالله يعمل كل شيء بقدر ما تعملون، لأن قدرة الله تبقى جامدة بدون إرادتكم ومجهودكم البشريّ. وإذ كتب بولس "إعملوا فهو يدعو أهل فيلبّي أن "لا يكون قبولهم نعمة الله بغير فائدة" (2 كور 6: 1).

2- الحياة في الجماعة (2: 12- 14)
"إعملوا لخلاصكم". قد نكون هنا أمام قول مأثور قد أخذه بولس من تراثه اليهوديّ. وهو يطلب من المؤمنين أن يتمّوا عمل خلاصهم، أن يجعلوه يُثمر. بدأ يسوع ونحن نكمّل. وعمل خلاص يسوع قرأنا عنه في آ 6- 11. فعلى الجماعة (صيغة الجمع، لا المفرد) أن تعيش هذا الخلاص، في الطاعة، في الاحترام المتبادل، في التواضع. هذا ما سمّيناه "في خوف ورعدة".
قد يكون المطلوب طاعةً للرسول، أو لسلطات الجماعة. ولكن المهمّ كما في روم 1: 5؛ 15: 18؛ 16: 19، طاعة الإيمان الملموس كما يتجسّد في الأعمال اليوميّة وكما ينتج عن عمل المسيح. ثم احترام داخل الجماعة. فُسّرت عبارة "في خوف ورجدة" بشكل مبتور فدلّت على الارتعاد أمام الله، بينما تجعلنا في إطار الجماعة في فيلبّي.
كان بولس متحفّظاً في التوجيهات التي وجّهها إلى قرّائه حول سلوكهم. أخذ بلغة المحبّة فسمّاهم "الأحبّاء" (رج 4: 1). ويشير الرسول إلى عودته القريبة. هو لا يعرف متى سيأتي إلى فيلبّي. إذن، المحرّك الذي يعمل من أجل الوفاق لا يرتبط بعودة الرسول والخوف من قدومه.
قال بولس: لا تحتاجون إلى رجوعي لتصلحوا حياتكم الجماعيّة. هنا نفهم كلمة "اودوكيا" بمعنى: التفاهم، الوفاق. فتصبح العبارة: "الله يفعل فيكم الارادة والعمل من أجل التفاهم والوفاق".
الله هو الذي يعمل. ولكن ما يقوله بولس لا يريد أن يوقف عمل الحرّية البشريّة. هو لا يقول: الله يعمل، وليس الإنسان بشيء. بل: ليس من حاجز بعد الآن يوقف المجهود الذي تقومون به من أجل هذا الوفاق. فالله نفسه يعمل من خلال هذا الجهد. فعمل الله لا يعيق عمل الإنسان ويوقفه، بل يحرّك ردّة فعل عند الإنسان. فما هو "انارغاين" (عمل) عند الله يقابل عند الإنسان "كاترغازين". لقد تمّ الخلاص من قبل الله، يبقى أن نحقّقه في حياتنا.
وتأتي آ 14 فتقول: لماذا الجدال والمماحكة. فكلمة "غوغسموس" (تذمّر) تدلّ على موقف أناس آخرين. إذن، لا تدلّ الكلمة على تصرّف ضد الله. هكذا تستعمل اللفظة في يو 7: 12 (كان في الجمع مهامسة)؛ أع 6: 1 (إذ تكاثر عدد التلاميذ حدث تذمّر)؛ 1 بط 4: 9 (مضيفين بعضكم بعضاً بلا مهامسة). ونقول الشيء عينه عن كلمة "ديالوغسموس" (جدال، مجادلة) التي تعني الشكّ بالله ونكرانه، بل نظريّات تدلّ على مرض في الجماعة. هنا نتذكّر أعمال الرسل الكذبة في فيلبّي.

3- حياة في القداسة (2: 15- 18)
أ- هدف الجماعة (آ 15- 16 أ)
لماذا يجب أن تظهر الجماعة المسيحيّة بهذا المظهر؟ لأنها ليست مجتمعاً مغلقاً، يحيا بذاته ولذاته. فالكنيسة لا توجد إلا من أجل هدف، وهذا الهدف يعطي الكنيسة شكلها. وها هو الرسول يذكر الآن هذا الهدف عائداً إلى المواضيع التقليديّة. يرد تث 32: 5 (جيل شّرير معوجّ. أبهذا تكافىء الربّ أيها الشعب الأحمق؟). كنتيجة لاعتبارات سابقة، وذكر العالم يكرّر ما قاله الموصول. ويبقى أن هدف الكنيسة يظهر هنا: أن تحمل النور إلى عالم من الظلمة بالنظر إلى الدينونة المقبلة.
قد نكون هنا في إطار هجوميّ. فبولس يذكّر خصومه المفتخرين بأصلهم اليهوديّ (3: 2 ي)، أن الكتاب نفسه يقول إنهم "جيل معوجّ" (تث 32: 5). فعلى الكنيسة أن تبتعد عنهم. ويذكّر الرسول أولئك الذين يعتبرون أنهم يشعّون الانخطاف (2 كور 3)، أن الإشعاع الحقيقيّ هو الكرازة والحياة المسيحيّة الحقّة.
تكونون بلا لوم (اممبتوس). ولكننا نقرأ في 3: 6 أن الرسول يشجب هذه الصفة. فالنظرة مختلفة. فالعلم الخلقيّ ليس مبادىء مسبقة، بل نتيجة. لا نستطيع أن نؤسّس عليها "الخلاص"، ولكنها تنبع كما من معين من هذا الخلاص الذي أعطي لنا، فيبقى علينا أن ننشره.
"تضيئون في العالم كالنيرّات". كان يُعتبر بعض المعلّمين وكأنهم حامِلو نور. وهنا تظهر أهميّة المسيحيّين بأن يحملوا النور إلى العالم. إن لفظة "فوستير" تعني النور أو ما يحمل النور. وهذا النور هو كلمة، وهذه الكلمة تحمل الحياة. ومقابل هذا لا يمكن أن تصل الحياة إلا بهذه الكلمة.
ب- مثال بولس (آ 16 ب- 18)
والبرهان الأخير الذي توسّله يولد لكي يقنع أهل فيلبّي بضرورة حياة جماعيّة "في المسيح" هو: مصير الرسول في "يوم المسيح" (1: 9). هل يترك الفيلبيّون الرسول يبدو وكأنه "سعى عبثاً"؟ نرى صورة السعي (أو: الجري) مراراً في الرسائل فتدلّ على الحياة المسيحيّة بشكل عام (غل 5: 7؛ روم 9: 16)، أو على الخدمة الرسوليّة بشكل خاصّ (1 كور 9: 24 ي؛ غل 2: 2؛ 2 تس 3: 1). أما فعل "كوبياوو" (تعب) فيدلّ على الأتعاب والآلام التي هي جزء من النشاط الرسوليّ. نلاحظ أن الرسول لا يعود في تحديد خدمته، إلى كلمات تدلّ على الفخر أو الكرامة أو المجد، بل إلى تلك التي تدلّ على المجهود والصعوبات. فاكرامة تأتيه من مكان آخر. هي لا تأتي من الرسول نفسه، ولا من وظيفته، بل من الآخرين، من أولئك الذين سيكونون فخره في يوم المسيح. وهكذا تكون لفظة "كاوخيما" (افتخار) قريبة من المجد.
"لو أرقت سكيباً" (آ 17). قد نرى في هذه الآية تلميحاً إلى استشهاد الرسول. فلو وجب على بولس أن يموت ويقدّم ذبيحة، فهو يفرح مع الفيلبيّين، لأنه يتّحد معهم في تقدمة واحدة لله، فيقدّم الرسول حياته، وأهل فيلبّي إيمانهم. ولكننا نجد الفرح بمناسبة الحديث عن هذا الاستشهاد.
هنا يُطرح سؤال حول معنى "سبندوماي". في المعلوم: قدّم تقدمة من السوائل، سكب. وفي الوسيط: سكب سكيباً. فالسكيب يرافق تقدمة الذبائح، وينهي مجمل الليتورجيا، ويكمّل التقدمة اليوميّة. ولكننا لا نجد أي إراقة للدماء، لا في العالم اليوناني ولا في السبعينيّة.
إنطلق الرسول من اتعابه فتطلّع إلى "الموت" الذي قد ينتظره، أو هو يتساءل: هل كانت أتعابه عبثاً؟ غير أنه ما أراد أن ينهي كلامه في إطار متشائم، فتحدّث عين ذبيحة إيمان الفيلبيّين (كما أن السكيب يختتم الذبيحة). إيمان المؤمنين يكلّل أتعاب الرسول. وينهي الرسول: إذا كنت أتعب على ذبيحة إيمانكم فأنا أفعل ذلك بفرح. الفرح المذكور هنا هو علامة جماعة تعيش تقدّم الإنجيل ونجاحه (1: 12- 18).
أما الإيمان (بستيس) فهو ذاك الذي يحاول بولس أن ينعشه في فيلبّي (1: 29؛ 3: 2 ي). إنه ذبيحة (تيسيا) وليتورجيا. وهاتان هما العلامتان اللتان تدلاّن عليه، واللتان هما غائبتان لدى قرّاء بولس. الأمر واضح في ما يخصّ روح التضحية (أف 5: 2؛ روم 12: 1)، والليتورجيا التي لا تدلّ فقط على خدمة عباديّة، بل على خدمة عامّة أيضاً. وقد يكون بولس ملمّحاً هنا إلى العون الماديّ الذي أوصله إليه الفيلبيّون في سجنه.
إذن، ينهي الرسول هذا القسم من رسالته الذي يحدّثنا عن وضع الجماعة المسيحيّة في فيلبّي، فيتجاوز النقص والخيانات، ليذكّر المؤمنين بما هو موافق للإنجيل (1: 27). هذا ما يمنعه من أن يحسب أتعابه عبثاً وبلا فائدة، ويدفعه إلى أن يفرح متمنّياً أن يفرح الجميع معه.
هذا ما تشدّد عليه آ 18 فتقول: "فافرحوا أنتم أيضاً بذلك". هل فعل "خايراتي" يدلّ على الوداع؟ إنه بالأحرى يزيد لفظة على لفظة ليدلّ على الفرح والبهجة اللذين يعمر قلبه بهما.

خاتمة
عاد الرسول إلى الطاعة لله، التي أعطى المسيح عنها أفضل مثال. ويحقّ للرسول أن يطلبها من المؤمنين، لأنه عاشها بنفسه حين أتمّ مهمّته. هنا ترتبط الحياة اليوميّة مع الإطار الاسكاتوبوجي، حين يدعو الرسول المؤمنين لكي يعيشوا بلا لوم في جيل فاسد ومعوجّ. فيبدو هذا العالم وكأنه مرادف للظلمة. والعالم الآتي كأنه مرادف للنور. وهكذا يعيش المسيحي العالم الآخر وهو بعد في هذا العالم، يضيء كالنور على ما قال له المسيح: أنتم نور العالم. وهكذا يسعى المسيحيّ اليوم على مثال الرسول ويتمنّى أن لا يكون سعيه عبثاً، فيكون الإيمان مكلّل حياة من الأتعاب اليوميّة والأعمال الرسوليّة.
الفصل الثاني عشر
بعثة تيموتاوس وابفروديتس
2: 19- 30

بعد أن صوّر الرسول وضْعه الخاصّ (1: 12- 26) ووضْع الجماعة في فيلبّي (1: 27- 2: 18)، تطرّق إلى مسائل خاصّة تلامس المستقبل القريب. فبدأ يتكلّم عن رفاق يعيشون بقربه (2: 19- 30) أو في فيلبّي (4: 2 ي). هذا التذكّر لأناس لا نعرف عنهم الشيء الكثير يعطينا المعلومات عن واقع الجماعة المسيحيّة في ذلك الوقت. نجد كل الغنى الذي نجده في كل مجموعة بشريّة، كما نجد المشاكل والصعوبات. يتقبّل الرسول هذا الغنى بالشكر، ولكنه لا يتهرّب من المشاكل، ولا يُخفي الصعوبات، بل ينظر إليها بالهدوء وروح الأخوّة. كل هذا يستنير بنور الإنجيل، فلا يتخّذ أيُّ عائق أهميّة لا يستحقّها. وينظر الرسول إلى الصعوبات وهو واثق من الغلبة. لهذا يشعّ الفرح أيضاً في هذا القسم من الرسالة: "حتى إذا ما رأيتموه من جديد، تفرحون أنتم، وأكون أنا أقلّ غماً. فاقبلوه إذن بكل فرح" (2: 28- 29). "وبعد أيها الأخوة، إفرحوا في الربّ" (3: 1). "إفرحوا في الرب على الدوام، وأقول أيضاً إفرحوا" (4: 4).

1- إرسال تيموتاوس (2: 19- 24)
نجد هنا تيموتاوس بعد أن ذُكر في 1: 1 كمن شارك بولس في كتابة الرسالة. والحديث عنه هنا يجعلنا نفترض أن الكلّ لم يقبلوا بسلطته في فيلبّي. لهذا يتّخذ بولس كل الاجراءات فيؤكّد أن تيموتاوس هو الأفضل. ولكنه ينهي كلامه قائلاً بأنه سيأتي هو بنفسه. هذا ما يدلّ على خطورة الوضع في فيلبّي، وعلى أن الأمور لن تكون سهلة أمام تيموتاوس. هنا نتذكّر ما تقوله 1 كور 16: 10؛ 1 تم 4: 12؛ 2 تم 1: 16 ي عن طبع هذا المرسَل وما ينقصه من حزم. ونفهم أن بولس ينتظر أن يرتّب المشاكل في أفسس (1: 15- 18) قبل أن يلتحق بتيموتاوس. وهكذا نفهم مرة أخرى أن فل قد دوّنت بالأحرى من أفسس، لا من رومة.
أ- لي رجاء في الربّ يسوع (آ 19- 20)
نقرأ فعل "إلبيبزو" الذي يستعمله الرسول ليعبّر عن مشاريع السفر التي يُزمع أن يقوم بها، وهذا ما يدلّ على أن وضعه طبيعيّ. وأنه ليس قريباً من الموت كما اعتبر بعض الشرّاح حين قرأوا "أرقت سكيباً" وكأنها نبوءة عن موته. نقرأ في روم 15: 24: "فأنا أرجو أن أراكم عند مروري بكم في طريقي إلى اسبانيا". وفي 1 كور 16: 7: "أرجو أن أقيم بينكم مدّة طويلة". وفي فلم 22: "أرجو أن يستجيب الله لصلواتكم فيردّني إليكم".
إن هذا الرجاء "في الربّ"، يدلّ على أن رسالة تيموتاوس جُعلت تحت سلطة ربّ الكنيسة. أما هدف البعثة فأخبار من فيلبّي أفرحت قلب الرسول. وقد يكون هناك هدف غير خفيّ: عودة الفيلبيّين إلى الصواب. وصلت إلى أهل فيلبّي أخبار عن الرسول، وهو يتمنّى أن تصله أخبار أولئك الذين ولدهم في المسيح.
ماذا نقرأ في آ 20؟ ليس لي أحد يقاسمني اهتماماتي.... أو: ليس لي أحد يساويه... ما يريد الرسول أن يقوله هو أن القرارات التي قد يتّخذها تيموتاوس ستكون قراراته. فيجب أن لا يعارضوا "التلميذ" معتبرين أن "المعلّم" قد لا يكون من رأيه. وهكذا يستطيع تيموتاوس بشكل شرعيّ أن يهتمّ بمسائل الجماعة. تيموتاوس هو "ولد شرعيّ" لبولس (آ 22). إذن، هو الممثّل الوحيد والمكلّف من قبل الرسول.
ب- يلتمس الجميع ما هو لأنفسهم (آ 21- 24)
هنا يقابل الرسول بين تيموتاوس وبين الآخرين. تيموتاوس لا يلتمس ما هو لنفسه، بل ما هو للمسيح يسوع. فمن عارض سلطته يكون وكأنه يعمل من أجل مصلحته الخاصّة، لا من أجل المسيح.
"إنه رجل مختبر" (آ 22). قال بولس إن تيموتاوس هو ابن له (1 كور 4: 17؛ 1 لم 1: 2، 18؛ 2 تم 1: 2؛ 2: 1). ولكن هذه الكرامة لها أساسها. فقد كان رفيق بولس (معي). هو رفيقه في الخدمة. هنا نفهم ما قلنا في 1: 1، كما نفهم المعنى الأساسيّ لهذه المقاطع: لا تستطيع السلطة أن ترتكز إلا على التواضع والخدمة. ولكننا لسنا أمام أية خدمة كانت، بل تلك التي هدفها ومضمونها الإنجيل، أي إعلان تدخّل الله في التاريخ عبر حدث الصليب والقيامة (1: 5). هنا نكتشف من جديد موضوع فل: إن خدمة الإنجيل ليست بسهلة، بل تتضمّن المحن التي تقع بين الصبر والرجاء (روم 5: 4).
وتستعيد آ 23 ما في آ 19 فتقول: لن يذهب تيموتاوس الآن. قبل ذلك يجب أن تتوضّح أمور عديدة تتعلّق بجماعة أفسس وبسائر الجماعات التي ترسل أخبارها إلى الرسول. لهذا يحتاج بولس إلى أن يكون تيموتاوس بجانبه في هذا الخضمّ من الهموم.
ويرجو الرسول أن يأتي هو بنفسه إلى فيلبّي (آ 24). بل هو متأكّد من ذلك. هذا يعني أن فرضيّة موته القريب غريبة عن اهتماماته. فمن 1: 25 إلى 2: 24، يتوضّح فكر الرسول. أما وصوله إلى فيلبّي فهو مشروع "في الربّ"، مشروع مرتبط بربّ الكنيسة الذي يوجّه كل شيء لخير الذين يحبّونه.

2- عودة ابفروديتس (2: 25- 30)
أ- شخص ابفروديتس
إن ابفروديتس الذي يتحدّث النصّ عنه الآن، قد كلّفه الإخوة في فيلبّي بأن يحمل تقدمتهم الماديّة إلى الرسول. هذا ما نقرأه في 4: 18 (هبتكم على يد ابفروديتس) في خطّ 2: 25 (أرسلتموه). اسم ابفروديتس يتواتر في العالم اليونانيّ. ويعني الحبيب العزيز. أما في العهد الجديد فلا نقرأه إلا هنا وفي 4: 18. قد يعود اسم ابفراس (كو 1: 7؛ 4: 12؛ فلم 23) إلى الأصل عينه، ولكننا لسنا أمام الشخص ذاته.
ظنّ بولس أنه من الضروريّ أن يعيد ابفروديتس إلى "بيته" بعد أن حلّ به مرض خطير وصل به إلى حافة الموت. هذا هو السبب الأساسيّ الذي دفع بولس إلى أن يرسله إلى فيلبّي، وقد امتدحه لئلا يلومه أهل فيلبّي على عودته السريعة من عند الرسول. وقد يكون ابفروديتس حمل "رسالة" إلى أهل فيلبّي. على كل حال، يفترض هذا المقطع عدداً من الاتصالات بين بولس وفيلبّي، وهذا ما يدلّ على أن فل دوّنت في أفسس.
من الوجهة اللاهوتيّة، يلفت نظرنا ناحيةٌ من شخصية بولس الذي ليس فقط ذلك المهاجم المحارب الذي "يحطّم" خصومه. فهو يعرف أن يعيش صداقة عميقة ومتينة. تكوّنت هذه الصداقة (رج 2: 22) في خدمة الإنجيل، في الأتعاب الرسوليّة والآلام. وتشدّد آ 29 ي على هذا الأمر معارضةً مع سلّم القيم المعمول به في جماعة فيلبّي (2: 1 ي). ففي الأوضاع الصعبة، تُختبر النعمة الاختبار الصحيح (آ 27). "نعمتك تكفيني. وقوّتي تتمّ في الضعف" (2 كور 12: 9). والليتورجيا الحقيقية الوحيدة والعبادة المقبولة التي وحدها يرضى عنها الله (2: 25- 30؛ 4: 18)، تظهران في هذا الجهاد من أجل الإنجيل. في تهديد يتسلّط على الذين يعيشون في ظلّ الصليب لكي يختبروا في العمق واقع القيامة.
ب- رأيت من اللازم (آ 25- 27)
إنطلق إرسال ابفروديتس من قناعة داخليّة (رج 1: 24؛ 2 كور 9: 5). جعل الكاتب نفسه موضع القرّاء، ففهموا وكأن ابفروديتس وصل إليهم. غير أن هذا لا يعني أنه انطلق ساعة كتب بولس رسالته.
يتحدّث النصّ عن ابفروديتس في خمس ألفاظ مختلفة. الثلاث الأولى تدلّ ما يربطه ببولس. والإثنتان الأخيرتان عما يربطه بأهل فيلبّي. هو أولاً "أخي". كان المسيحي يسمّي المسيحي أخاه. ولكن ابفروديتس هو أكثر من ذلك. هناك صداقة بين الإثنين، مع العلم أن هذه الصداقة تتجذّر في الإيمان. وقد بُنيت هذه الأخوّة بشكل جوهريّ في الجهاد المشترك من أجل الإنجيل.
ونجد لفظتين مع "سين" (مع) (رج 1: 7). الأولى: سينارغوس: العامل معي. ترد هذه الكلمة 13 مرة في العهد الجديد، منها 12 مرة عند القديس بولس. وهي تدلّ على التلميذ، بمعنى أن التلميذ والمعلّم تجنّدا معاً لعمل الله الواحد الذي هو الإنجيل (1 كور 3: 9؛ 2 كور 6: 21). الثانية: سيستراتيوتيس (المتجنّد مع). تعود إلى اللغة الحربيّة وتدلّ على الذين حاربوا جنباً إلى جنب فعرفوا أخطار الموت معاً. أجل، الإنجيل هو جهاد لم يتهرّب منه ابفروديتس.
وبالنسبة إلى أهل فيلبّي، ابفروديتس هو المرسل الذي ذهب إلى بولس من أجل حاجاته الماديّة. نشير هنا إلى أن كلمة "لايتورغوس" تدلّ على عدد من الخدم العامّة. ولما جاءت السبعينيّة شدّدت على أحد المدلولات، فصار المعنى محصوراً في عالم العبادة. إعتاد بولس على الاستعمال الدنيويّ. ولكن المقابلة مع ذبيحة (تيسيا) في 2: 17 و4: 18، تدلّ على النظرة العباديّة عنده. هنا نتذكّر روم 12: 1 ي حيث العبادة المرضيّة لله هي تلك التي تظهر في تضامن أولئك الذين يعملون من أجل نجاح الإنجيل.
لماذا أعيد ابفروديتس (آ 26)؟ بسبب مرضه. بسبب حنينه إلى أهله. ويتحدّث الرسول عن مرض ابفروديتس (آ 27) الذي كان خطيراً، فوصل به إلى حافة الموت. لجأ بولس إلى رحمة الله فشُفي المريض. لا يقول النصّ شيئاً عن كيفيّة الشفاء: بالإيمان، بالصلاة، بوضع اليد؟ هل جاء الطبيب أو كان نشاط عجائبي؟ ما يهمّ الرسول في الواقع هو الشفاء في ذاته. إنه عمل الله السامي والرؤوف. إنه يدلّ على تجلٍ ملموس ومحدّد لقصد الله العظيم الذي يلامس في يسوع المسيح أبعاد التاريخ والبشريّة. ولكن بما أن هذا التجلّي هو من الله، فلا يتمّ بشكل آلي. بل هو نعمة مجانيّة لا يمكن أن يتوقّعها أحد.
استعدّ بولس لأن يحتمل لا سجنه وصعوباته مع جماعة أفسس وحسب، بل موت أخ ورفيق في الجهاد. استعدّ أن يكون له "غمّ على غمّ".
ج- عجّلت في بعثه (آ 28- 30)
أعاد بولس ابفروديتس على عجل. وهكذا كان منطقياً مع مجمل الاهتمامات التي تقلقه. أعاد الفرح إلى الجماعة حين رأت ابفروديتس يعود، وحين رأته صحيحاً معافى.
وهذا الفرح قد شعر به الرسول، وهو يطلب من قرّائه أن يقبلوا ابفروديتس بفرح. فمثل هؤلاء الرجال يستحقّون الاكرام (روم 16: 2) تقبّلوها في الربّ قبولاً يليق بالقدّيسين، وساعدوها في كل ما تحتاج إليه). يستحقّون أن نتقبّلهم في الرب، أي حسب روح النشيد الكرستولوجي (2: 6- 11).
فما يجب أن يفرض الاحترام في الكنيسة، ويكون مقياس السلطة، ليس اهتمام الإنسان بنفسه وبصحته (2: 21)، بل اهتمامه بالإنجيل، بعمل المسيح كما نقرأ في 1: 6. لم يتراجع ابفروديتس عن هذا الاهتمام، بل عرّض نفسه لخطر الموت. إذا كان الإنجيل جماعة، فابفروديتس قد ضحّى بنفسه من أجل حياة هذه الجماعة. هذه هي العبادة التي يرضى الله عنها (ليتورغيا، 2: 25).

خاتمة
حين تحدّث بولس عن إرسال تيموتاوس، لم يعبّر فقط عن مشروع بشريّ، بل عن رجاء في الربّ، وهكذا تقوى المشاركة بينه وبين أصدقائه في فيلبّي. هل نحن في مشروع يشبه مشروع كورنتوس: ينطلق تيموتاوس ثم يتبعه بولس. ولكن هذا المشروع سيتأخّر بعد أن تكاثرت الهموم على الرسول. وليس أقلّها مرض ابفروديتس. إنه موفد كنيسة فيلبّي، بل موفد الكنائس على مثال سوباترس وارسترخس وغايوس... (أع 20: 4). إنه من الجيل الثاني والثالث، من جيل أولئك الذين كان عملهم امتداداً للرسل وتلاميذهم لكي يحملوا الإنجيل في العالم الوثنيّ.
الفصل الثالث عشر
معرفة المسيح
3: 1- 11

عاد بولس هنا إلى ذات الوعّاظ المتجوّلين (مسيحيّين متهوّدين) الذين هاجمهم في السابق بشكل خفيّ ومتحفّظ (1: 27- 2: 30)، والذين وجد مثلهم حين كتب 2 كور. استقووا بأصلهم اليهوديّ، فعبّروا عن مسيحيّتهم بـ "آيات" مجيدة أو باهتة (انخطاف، تكلّم بالألسنة) تلغي لاهوت الصليب (3: 18) من أجل لاهوت "كمال" (3: 12 ي) لم يعد لهم أن ينتظروا شيئاً منه بعدما نالوا كلَ شيء. هذا يعني "ثقة بالنفس" (3: 3)، لا ثقة بنعمة الله، وخطيئة ضدّ المحبّة الجماعيّة بعد أن صارت الحياة المسيحيّة منافَسة ومزاحَمة.
إذن، يهتمّ الرسول بأن يحدّد في الواقع ما تعني "معرفة المسيح" (3: 10). هي مشاركة في قيامته وفي آلامه. هكذا وهكذا فقط نستطيع أن نختبر النعمة بالإيمان، ونبتعد عن كل افتخار بالذات قريب من العُجب (3: 8- 9). وهذا العُجب قد تجسّم في ما صار إليه العهد القديم (3: 3- 7). فخبرة النعمة تعلّمنا أيضاً أن نسير بشكل أكيد، ولكن بتواضع، نحو المجد الذي سوف يأتي (3: 12- 21). ففي هذه الرفقة المتواضعة والصعبة تتحقّق الجماعة الحقّة، جماعة "الاخوة" (3: 15 ي؛ 4: 1).
بعد أن ندرس القضايا النقديّة في 3: 1- 21، نتوقّف عند محطات ثلاث: إنطلاقة هجوميّة جديدة (آ 1- 2). طريقة حياة جديدة (آ 3- 6). التعرّف إلى المسيح (آ 7- 11).

1- قضايا نقديّة (3: 1- 21)
* في آ 3، وضعت بعض المخطوطات المفعول بدل المضاف إليه لكلمة "الله". أما البرديّة 46، فقدّمت حلاً للصعوبات حين أغفلت اللفظة، فصارت الجملة: "نحن العابدين بحسب الروح".
* في آ 6، قرأت النسخة الشائعة صيغة المذكّر للفظة "زالون" الحياديّة، لأنها أكثر تواتراً من الحيادي. رج 5: 17؛ 2 كور 9: 2. ولكن المعنى هو هو. وزادت بعض المخطوطات (ج، 464) لفظة "الله" على "كنيسة" قياساً مع غل 1: 13 و1 كور 15: 9 فصارت الجملة: "مضطهد لكنيسة الله".
* في آ 7، ألغى عدد من المخطوطات (بردية 46، السينائي، الاسكندراني، ج) الأداة ولكن (ألا). قد يكون هذا النصّ هو الأصيل.
* في آ 8، جاءت الأداة بعد الأخرى فحذفت البردية 46 والسينائي حرف العطف (كاي) وأعطت البردية 46 والفاتيكاني للفظة "خرستوس" (ياسوس) المعنى الأصلي "ماسيا" (أو: مشيح)، فجعلت أمامه أل التعريف. فصارت: "معرفة (الملك) المسيح (أو: الممسوح). أما الاسكندراني (مع الشائعة) فأوضح العبارة التقديريّة (ناقصة). زاد فعل كان (إيناي) على "هيجوماي سكيبالا" (عددته زبلاً، نفاية).
* في آ 9، وضع أحد الشرّاح فاصلة بين "البرّ" (ديكايوسينين) وبين "بالايمان" (ابي تي بستاي). أما النصّ الأساسيّ: "البرّ الذي بالإيمان"، الذي نناله بالإيمان.
* في آ 10، جعلت الشائعة والمخطوط د، ج أل التعريف أمام "كوينونيان" (شركة)، وأمام "باتيماتون" (آلام). قد يكون هذا الافضل. وقد وضع نستله أل التعريف بين قوسين (تين، تون).
* في آ 11، حوّلت بمض المخطوطات عبارة "تين إك نكرون" التي نجدها في معظم المخطوطات إلى "تون نكرون". "القيامة من بين الأموات". لا "قيامة الأموات".
* في آ 12، زادت برديّة 46 ثم د، ج... المفعول به على فعلين نقصهما هذا المفعول. أدركت (الثمن). وفي آ 13، أدركت (هو، الغاية). هناك "بلغت الكمال" أو: "تبرّرت" رج 1 كور 4: 4. ثم إن "إيْ كاي" الصعبة التحديد (رج 2: 17) حملت اختلافات. وهناك من زاد "ياسوس" فصارت العبارة: "المسيح يسوع".
* في آ 14، قرأ ترتليانس وأوريجانس "أنانكلاسيا" (عدم اللوم) بدل "أنو كلاسيس" (الدعوة العليا). وزادت بعض المخطوطات "كيريوس" في نهاية الآية: "المسيح يسوع الربّ".
* في آ 15، قرأ السينائي المضارع (نكون) بدل الأمر (لنكن) في فعل "فرونومن".
* في آ 16، كرّرت بعض المخطوطات "فروناين" وزادت "كانون" (قانون) بعد "ستويخاين". وذلك بتأثير من غل 6: 16. أما الشكل القصير للنصّ فنجده في أقدم المخطوطات ولهذا نحافظ عليه (كما نجده في نستله): "حيثما بلغنا، فلنتابع في المنهج عينه".
* في آ 18، زادت البردية 46 "بلاباتي" أمام "توس اختروس" قياساً مع 3: 2. وهذا ما جعل الجملة ثقيلة.

2- إنطلاقة هجوميّة (3: 1- 2)
أ- إحذروا الكلاب
كانت ردّة الفعل قاسية على ما سُمّي "إفساد" الإنجيل ضد جماعات غلاطية أو كورنتوس (2 كور) أو فيلبّي. الخراب حاصل أو هو ممكن. والخصوم هم مسيحيّون مما زالوا يهوداً، وقد جاءت ممارستهم لشريعة موسى في خطّ غير قويم. ولكننا لا نستطيع أن نحدّد موضوع تعليمهم بتدقيق.
ويبدأ ف 3. بشكل فجّ وشديد الانحدار، بحيث ظنّ بعض الشرّاح أننا أمام رسالة جديدة. مهما يكن من أمر، فبولس هو الذي يتكلّم هنا، ولغته لا تنطبع بالسهولة و"النعومة". "إحذروا الكلاب. إحذروا العملة الأشرار. إحذروا البتر" (القطع البعيد عن الختان).
لا شكّ في أن "الكلب" لا يدخل في لائحة الحيوانات النجسة. ولكن حين نسمّي إنساناً "كلباً" فنحن ندلّ على احتقاره (هذا ما زال معروفاً عندنا. لا في الغرب). نحن لا نجد هنا إشارة إلى "عضّة" الكلب وهجومه. بل ناتف عند فكرة الاحتقار. هذا من جهة. ولكن من جهة ثانية وأفضل، الكلب هو من يبقى خارج الدار. لهذا، "فالكلاب" هم الذين صاروا خارج الكنيسة أو كادوا.
"العملة الأشرار" يذكّروننا بـ "العملة المكّارين" في 2 كور 11: 13. أما بولس فهو عامل في "عمل" (1: 22) هو إعلان الانجيل، إعلان الحقيقة التي كُشفت له لكي يبشّر بها (غل 2: 5، 14؛ 2 كور 6: 7؛ 7: 14...). إذا بُشِّر بشيء آخر، فهذا يعني أن الضلال ينتشر تحت غطاء الحقّ.
وما هو هذا الضلال؟ "البتر" (كاتاتومي)، لا الختان (باريتومي). يدلّ بولس على مجموعة بشريّة تتميّز بهذا الطقس في الجسد، في اللحم. وهو يقف في صفّ الهازئين من العالم الرومانيّ، الذين لا يرون في الختان إلاّ وسيلة تعبير عن الانتماء (لهذا دافع اليهود عن هذه الممارسة). أما السخرية هنا فهي في خدمة هجوم له أبعاد خطيرة. قد يكون الدعاة في فيلبّي يفعلون كما يفعل "رسل" غلاطية (غل 5: 2، 12)، فيحرّضون المسيحيّين على الختانة. وقد يكونون قد انطلقوا من الختان ليفرضوا نفوسهم كالمرسَلين الحقيقيّين والمكمّلين ليسوع (الذي خُتن وهو ابن ثمانية أيام).
ب- وبعد أيها الإخوة
ونعود إلى آ 1. قد تكون هذه الآية خاتمةَ المقطع السابق، أو مقدّمة المقطع الذي ندرسه الآن. هناك من يقول إن آ 1 أ (وبعد أيها الإخوة، إفرحوا في الربّ) تنتمي إلى الرسالة (ب) وتدلّ على انتقالة مع النداء إلى أفودية وسنتيخي وسائر رفاق بولس في فيلبّي (4: 2- 7)، حيث نقرأ من جديد حضاً على "الفرح في الربّ" (4: 4؛ رج 3: 1 أ). أما آ 1 ب، فتفتتح الرسالة (ج). إن لفظة "لويبون" نجدها عند الرسول كخاتمة رسالة (2 كور 13: 11: أخيراً أيها الاخوة افرحوا) أو كمقدّمة تحريض (أف 6: 10: أخيراً يا اخوتي، تقوّوا؛ 1 تس 4: 1: فمن ثمّ أيها الاخوة نسألكم؛ 2 تس 3: 1: أخيراً أيها الاخوة صلّوا لأجلنا).
ويُذكر أيضاً "الاخوة" (أدلفوس) في هذا الإطار كما في 1 تس 4: 1؛ 2 تس 3: 1؛ فل 4: 8؛ رج 1: 12؛ 3: 13، 17؛ 4: 1. كانت تسمية "الاخوة" في العالم القديم تدلّ على أعضاء جماعة دينية واحدة. ونحن نجدها في العهد القديم (إر 22؛ 18) وفي نصوص قمران. وقد يعود استعمال هذه الكلمة إلى يسوع نفسه (مر 3: 33؛ مت 25: 40؛ 28: 10). أمّا بولس فيستعمل هذه الكلمة 68 مرّة (منها 6 مرّات في فل) ليدلّ على محبّة كبيرة. رج 1 كور 5: 11؛ 6: 5- 8؛ 8: 11- 13...
ويأتي فعل الأمر "خايراتي" (إفرحوا). فالفرح علامة ثابتة في الحياة المسيحيّة. هذا الفرح يتحقّق في الربّ. أي عندما يتجذّر في عمل متواضع مجيد لدى ذاك الذي هو صورة الله فأخذ صورة العبد وصار طائعاً حتى الموت والموت على الصليب.
"أكتب إليكم بهذه الامور". لم نعد هنا أمام نداء إلى الفرح، بل أمام تنبيهات من الكلاب. وهي تنبيهات جاءت خطيّة لا شفهيّة. وإذ يقوم بولس بهذه التنبيهات، فهو يخدم خير قرّائه. "هذا آمن لكم". هذا من أجل ثباتكم.

3- طريقة حياة جديدة (3: 3- 6)
أ- قراءة إجماليّة
إن هؤلاء المسيحيّين الجدد الذين جاؤوا إلى الإيمان من العالم الوثني، قد عرفوا الصعوبات. وقد حاول بولس أن يحذّرهم من بقايا الوثنية التي ما زالت تشتعل كالنار تحت الرماد. هذا ما نجده في 1 كور. أما في فل فالخطر مختلف، وهو شبيه بما في غل. وطريقة الدفاع (بل الهجوم) ستختلف. ولكن قبل ذلك، يقدّم بولس طرحه.
"نحن ذوو الختان". أظهر الدعاة في فيلبّي قيمة الختان. كما يراها اليهوديّ: ختم العهد، وعلامة الانتماء إلى شعب الوعد والخلاص. ولكن بولس سيبيّن لهم ضلالهم. ذوو الختان ليسوا إسرائيل بحسب الجسد، بحسب اللحم. فنحن المؤمنون بيسوع المسيح! نحن المختونون الحقيقيّون بختانة روحيّة (روم 2: 29). وتجاه هذا الوضع، ليس الختان بالجسد شيئاً. كما أن لا خسارة أن لا يكون الانسان مختوناً (غل 6: 15): فلا الختان ولا عدمه ينفع الانسان؛ 1 كور 7: 19: لا الختان بشيء ولا غير الختان بشيء). فالعهد الجديد يستغني عن الختان وعن القلف (أو عدم الختان).
فهذا "العهد الجديد" يتضمّن "الخليقة الجديدة" (غل 6: 15) التي هي عمل الله، وترتبط فقط بمبادرته، ولا تستمرّ إلاّ بمعونته. وما يميّزها هو الروح القدس (2 كور 3: 6) الذي يتيح وحده للبشرية المصالحة مع الله بيسوع المسيح، أن يكون لها مع هذا الإله علاقة جديرة به، أن يكون لها شعائر عبادة حقيقيّة، أن يكون لها ديانة صريحة يعيشها الانسان في أعماقه، فتضمّ وجوده كلّه الذي يُصبح مرضياً لله (روم 12: 1- 2).
وفي أساس هذا التجديد نرى النعمة التي يبلغ إليها الانسان في العوز والضعف. وإذا سُمح له بأن يفتخر، ففي معنى خاصّ جداً. فالافتخار كلّه يعود إلى الله. وبما أن الله وحده يؤسّس في المسيح العهد والمصالحة (1 كور 1: 28- 31؛ 2 كور 10: 17- 18)، "فالذي يفتخر ليفتخرْ في الربّ" (1 كور 1: 31؛ 2 كور 10: 17- 18).
ومقابل هذا، يأتي من "يعتمد (يجعل اتكاله) على الجسد" (فل 3: 3). هذا ما يدلّ على الختان. كما يدلّ على "امتيازات كاذبة" (3: 7- 8) يطمئن إليها اليهوديّ أمام الله. ومع ذلك، فهذا الافتخار الذي يستخرجه خصوم بولس من وضعهم كمختونين، ها هو بولس يطالب به أيضاً فيقول: "فإن ظنّ غيري أنّ من حقّه أن يعتمد على الجسد فأنا أحقّ منه" (3: 4). ذاك ما كان عليه بولس قبل أن يستولي عليه المسيح: كان يهودياً كاملاً، "ناجحاً"، هادئاً في إيمانه وممارسته.
كان لبولس امتيازاته. وإن هو تركها فقد كلّفه هذا التَركُ غالياً. والآن، كل هذا صار من النظام القديم. وقد سبق له وعدّد هذه الامتيازات من أجل هدف مماثل. ولكنه سمّى ما عمله في ذلك الوقت "جنوناً" (2 كور 11: 21- 22). وهكذا اعتذر من مراسليه الذين يجب أن يربحهم من جديد إلى المسيح. أما هنا، فبولس يتوسّع في امتيازاته كإسرائيليّ. ترك كلمة "يهودي" ما عدا في 1 كور 9: 20 (صرت يهودياً مع اليهود لكي أربح اليهود). ترك بولس هذه التسمية الدنيويّة (إسرائيلي) المطبوعة بطابع الاحتقار في العالم الوثنيّ، وفضّل عليها تعابير دينيّة: مختون في اليوم الثامن، كما كُتب في شريعة موسى (تك 17: 12). هو "من نسل إسرائيل، من قبيلة بنيامين، عبراني ابن عبراني". ولقد عاش ديانته بشكل جذريّ، على الطريقة الفريسيّة حيث تمارَس الشريعة بشكل دقيق وصارم. وكانت غيرته كبيرة بحيث اضطهد الكنيسة. هذا ما فعله اليهود في فلسطين (1 تس 2: 14- 15). وهذا ما يقرّ به عن نفسه بتواضع في 1 كور 15: 9. أما هنا فلسنا أمام اعتراف، بل أمام برهان يدلّ على عمق يقينه الدينيّ. وبمجمل الكلام، كان باراً ببرارة تُقاس بمقياس الشريعة. كان بلا لوم... ولكن هذا لا يكفي.
ب- قراءة تفصيليّة
تجاه الذين يشدّدون على امتيازاتهم اللحميّة، تقدّم آ 3 الطرح الذي ستتوسّع فيه الرسالة بعد ذلك: لا تقوم الختانة الحقيقيّة في علامة سطحيّة، بل في تبديل عميق على مستوى الموقف الحياتيّ. وما نقرأه هنا ليس جزءاً من سيرة بولس. كما ليست هو قبل كل شيء (كما في 2 كور) دفاعاً عن سلطته الرسوليّة. فالرسول يكتفي بأن يقدّم نفسه كمثال واضح لما يجب أن تكون عليه كل حياة مسيحيّة. هكذا لا يظهر أنه على هامش الجماعة أو فوق الجماعة، بل في خطّ المواجهة داخل الجهاد المشترك الذي يقوم به.
أولاً: الختان والعهد
إن العمق اللاهوتي لهذه الآية (ذوو الختان نحن العابدون بالروح) يجعلنا نتخيّل أن بولس يتذكر تعليماً فقاهياً. فالتأكيد على أن الكنيسة هي "الختان" الحقيقيّ لا يُفهم إلاّ على خلفيّة نصوص أكثر وضوحاً نقرأها في روم 2: 27 ي؛ 4: 11- 12؛ كو 2: 11؛ غل 6: 12- 13. لا ننسى هنا أن روم هي انعكاس للفقاهة البولسيّة ولا سيّما في كنيسة كورنتوس. وإذ يشدّد الرسول على العلاقة بين العهد القديم والعهد الجديد في خطّ الانبياء (إر 4: 4؛ 31: 31- 34؛ 32: 37 ي؛ حز 36: 26- 27؛ 44: 1)، يدلّ على ضرورة تحوّل عميق في حياة الانسان. وهذا التحوّل يصبح ممكناً بالروح الذي يُخرج الانسان من ذاته ويفتحه على المسيح.
هذا لا يعني أن المهمّ الآن هو الروح لا الطقوس الخارجيّة. فالروح القدس الذي يدشّن عهداً جديداً ويعمل في عمق أعماق الانسان، يكوّن حياة منفتحة على الله الذي هو الحبّ. وهذه الحياة تصبح عبادة ملموسة يرضى الله عنها (2: 25، 30).
الجسد (ساركس، اللحم، الوجهة البشريّة في الإنسان) يدلّ هنا على الختان اللحميّ، على الانتماء إلى نسل إسرائيل. كما يدلّ على التبرير بالشريعة. ليس هو شراً في حدّ ذاته، ولكنه يُشجب بقدر ما يعتبر نفسه وسيلة خلاص. فالخلاص هو في يسوع المسيح. فمن افتخر بالمسيح، فرح به، ابتهج به، عرف المبدأ الأخير لتدخّل الله في تاريخ البشر. واستند هكذا إلى خارج ذاته، استند إلى الإيمان.
ثانياً: اعتماد بولس على "الجسد"
"لي الحق أن أعتمد على الجسد" (آ 4). هذا لا يعني أن بولس لا يملك شيئاً يستند إليه. أنه عن ضعف أو تخاذل يحاول الاعتماد على "آخر" هو الله. فكرازته لم تُولد من فشل عرفه في حياته. وما نجده من برهان هنا يذكّرنا بما نقرأ في 2 كور 11: 21 ي؛ 12: 1 ي. فالرسول سوف يعدّد كل الامتيازات التي نالها بولادته (آ 5)، ثم تلك التي حصل عليها بإرادته و"كدّه" (آ 5، 6).
بما أن الختان هو في قلب الجدال، حدّد بولس أنه خُتن حسب التقليد الأشدّ صرامة (تك 17: 12؛ 21: 4؛ لا 12: 3). ونقول الشيء عينه عن "ذرّية إسرائيل" (2 كور 11: 22: إن كانوا إسرائيليين فأنا إسرائيلي). فلفظة إسرائيل لا تعني فقط الاثنية والعرق، بل الماضي المجيد للشعب المختار. ثم إن هذه اللفظة جزء من الدفاع اليهوديّ في العالم الهلنستي.
"من سبط بنيامين". هذا ما يقابل في 2 كور 11: 22: "من ذريّة ابراهيم". هل يعني أنه كان لبنيامين وضع خاص؟ أولاً، بولس يذكّر بهذه العبارة أنه يتحدّر من النسل اليهوديّ. ثم هنا ما يميّز بنيامين عن اخوته. فهو، شأنه شأن يوسف، ابن راحيل، المرأة المحبوبة. ثم إنه وحده بين أولاد يعقوب وُلد في أرض الموعد. ومن بنيامين خرج أول ملك في إسرائيل وهو شاول. وأخيراً كان بنيامين مع يهوذا، أميناً لإرث الآباء بعد العودة من المنفى (587 ق. م.) والتعلّق بأورشليم. بل يبدو من نصوص ماري على الفرات، أن سبط بنيامين قديم جداً، وقد يكون عاصر ابراهيم، فعاش في القرن الثامن عشر ق. م.
فوق هذا، بولس هو عبرانيّ. هذه اللفظة في العهد الجديد نقرأها في 2 كور 11: 22 بقلم بولس. كما نقرأها في أع 6: 1 حيث تعارض "هلّيني"، فتدلّ على الطابع الفلسطينيّ للإنسان مع لغته وحضارته وطريقة تصرّفه. كما تدلّ على سمة عتيقة لديانة موسى داخل العالم اليهوديّ.
ولم يكتفِ بولس بأن يكون قد وُلد ولادة مميّزة. بل تعلّق بحزب الفرّيسيّين المشتهرين بتشدّدهم الدينيّ. بل دفعته غيرته إلى اضطهاد الكنيسة. هذا يعني أنه مارس "اعتقاده" حتى النهاية (أع 9: 4- 5؛ 22: 4، 7، 8؛ 1 كور 15: 9؛ غل 1: 12، 23)، أنه عاش غيرته إكراماً لله. وإذ يقدّم بولس مثال حياته يبيّن مأساويّة البدعة التي يمارسها خصومه: الغيرة، التعصّب الدينيّ، كل هذا قاد إلى اضطهاد الكنيسة. ومن مسّ عضواً من أعضاء الكنيسة أصاب الجسد كله. وهكذا بدا بولس تجاه الشريعة "باراً" و"بلا لوم". هنا نعود أيضاً إلى روم وإلى التعليم عن "برّ الله".

3- التعرّف إلى المسيح (3: 7- 11)
أ- قراءة إجماليّة
أولاً: خبرة نموذجيّة
قدّم بولس خبرته فبدت نموذجيّة، بل ملخصّاً للتعليم البولسيّ. وهي الدواء الواقي لمسيحيّي فيلبّي. هذا لا يعني أننا أمام أسلوب كلاميّ. فما يقال هنا يوافق بولس والذين يتعلّقون بإنجيله. وإذ يعلن الرسول ما يعلن، يجب أن يرى كل واحد منهم نفسه فيه.
ونبدأ في الوجهة السلبيّة. إذ يصف بولس حياته اليهوديّة، يدلّ في وصفه على مرمى رعائيّ. هنا لا ننسى أن قرّاءه كانوا عرضة لهجوم يأتيهم من أناس يتحدّثون عن مساومة يهوديّة مسيحيّة. فيقول بولس إن كل الربح الذي نعم به في الماضي، صار اليوم بالنسبة إليه "خسراناً". ويزيد بولس: "أعدّ كل شيء خسراناً إزاء هذا الربح الفائق، معرفة المسيح يسوع".
ينطبق هذا الكلام بشكل خاصّ على الذين لم يمرّوا في العالم اليهودي قبل أن ينتقلوا إلى المسيحيّة: فليعرفوا عظمة النعمة التي نالوها. هذه النعمة هي "ربح" يعوّض تعويضاً غير محدود خسارة الفوائد الماديّة. هنا نتذكّر كلام يسوع: "ماذا يفيد الإنسان إن ربح العالم كله وخسر نفسه" (مت 16: 26)؟ نحن أمام قيمة مطلقة يجب أن يضحّى بكل شيء من أجلها. فالخلاص هو في نظر بولس ربح أساسيّ، ربح المسيح. عبارة "كثيفة" تتضمّن كل ما تحمله كلمة "المسيح" في فكر الرسول. وسيوضح بولس كلامه حين يماثل بين هذا الربح و"معرفة المسيح يسوع ربيّ". هذا الربح هو التعرّف إليه مع "قدرة قيامته والشركة في آلامه". هذه المعرفة هي نوع خاصّ جداًَ من المعرفة.
لا شكّ في أن هذه المعرفة لا تنفي وعي ما نعيش، ولكن "معرفة المسيح" تعني أن نحيا المغامرة التي تربط المؤمن بربّه. والحياة هي أيضاً الموت. فإذا كان هذا الربح الذي يتفوّق على الباقي يكمن في أن نتقبّل قوّة الحياة التي تتفرّع من قيامة المسيح، فيجب أن تمرّ في الموت.
ثانياً: موت وحياة
إنّ هذا العبور يتمّ في المعموديّة (روم 6: 1- 11). ولكن ما يحصل في هذا السّر عبر موت غير جسديّ، سيعيشه المؤمنون طوال وجودهم على الأرض. وأمانتهم تتحقّق حسب مقياس الألم. حين نشارك المسيح في آلامه نصبح مشابهين له في الموت. هل هذا هو تنظيم للاستشهاد كمخرج إجباري للحياة المسيحيّة؟ هنا نعود إلى روم. فالموت هو قبل كل شيء موت عن الخطيئة، وتهرّب من سلطانه (روم 6: 2، 10). وهذا التحرّر الذي يتحقّق في المعموديّة بفضل الإيمان، يتواصل على مدّ حياتنا في جهاد ضدّ قوى الشّر المستعدّة لأن تتحرّك في كل مؤمن. وهذا الجهاد هو ألم على المستوى الخلقيّ.
غير أنه من الواضح أنه يمكن الوصول إلى الاضطهادات، إلى العنف على مستوى الجسد، إلى الموت (لا تخافوا ممّن يقتلون الجسد، لو 12: 4). هذا ما يعرفه بولس انطلاقاً من خبرته الخاصّة، وهذا ما يفسرّ لماذا قلب الترتيب العادي: الموت، القيامة في آ 10. تحدّث عن القيامة ثم عن الألم. فنظنّ أنه يريد أن يشدّد على ظروف "الموت" في هذه الحياة تجاه الذين وُهب لهم "لا أن يؤمنوا به فقط، بل أن يتألّموا أيضاً لأجله"، على مثال بولس في سجنه (1: 29- 30) وخارج سجنه. لقد كتب: "أنا معرَّض للموت كل يوم" (1 كور 15: 31). وقال: "أحمل كل يوم في جسدي آلام يسوع". غير أنه زاد حالاً: "لكي تتجلّى أيضاً حياة يسوع في جسدنا" (2 كور 4: 10).

ب- قراءة تفصيليّة
أولاً: المسيح والقيم "البشريّة"
بسبب المسيح، لم يعد من الممكن بعد اليوم أن نؤسّس حياتنا على قيم بشريّة. والمقطع كلّه يدور حول هذا الاسم، وعلى معرفة هذا الاسم (يسوع المسيح). من هذا القبيل نحن أمام نظرة مكثّفة للمسيحيّة البولسيّة. ولكن أي معرفة يعني؟ لا المعرفة الصوفيّة المستيكيّة، ولا الإطار القانونيّ لهذه المعرفة. بل نحن أبعد من هذا المستوى وذاك. نحن أمام اتحّاد من نوع خاصّ. ويلفت انتباهنا الماضي والحاضر والممبمتقبل في هذا المقطع. فمعرفة المسيح تجرّ وراءها موقفاً خاصاً تجاه الماضي وقيمه. وتتضمّن انشداداً نحو مستقبل قد حصلنا عليه ولكنه لم يتمّ بعد، ولكنه سوف يأتي.
وفي هذه الجدليّة بين الماضي والمستقبل، يُعاش الحاضر فيولّد مواقف ملموسة تضمّ وتتجاوز المستوى الصوفيّ والقانوني، مستوى الإيمان. وما هو الإيمان سوى رفضٍ لكل اطمئنان خاص لكي نستند كلياً إلى نعمة الله. سوى انتظار في الألم والصبر للمجد الآتي. إذن، الإيمان هو امتداد في حياة المؤمن كحدث الصليب والقيامة. فقوّة الحياة التي تعود إلى حياة الله تنبع من الشقاء والألم عبر كل رجاء بشريّ. تترجّى حيث لم يعد من رجاء على مستوى البشر.
ثانياً: الربح والخسارة (آ 7- 8)
إن تحرّك الرسول بالنسبة إلى القيم التي ذكرها الآن، تستعيد تحرّك "الابن" في النشيد الكرستولوجي (2: 6). حينذاك يجب أن نفهم "من أجل المسيح" (آ 7) بسبب ما قاله وحقّقه المسيح. بسبب ما حدث على الصليب الذي يتواصل عمله فينا (1 كور 4: 10؛ 2 كور 4: ه). ولكن النقيضة "ربح- خسارة" كانت معروفة في العالم اليهوديّ.
تجذّر حكم بولس على القيم "اللحميّة"، البشريّة، في الماضي، وهو يتجدّد كل يوم. لهذا كان اهتمام بولس تحريضياً (هو يحض المؤمنين)، لا سيروياً (أي: يروي سيرة حياته). هو لا يعود إلى ذاته في ميل نرجسي وولَه بالذات، بل يقوم بعمل تربويّ. لهذا حين يتكلّم الرسول عن ارتداده، فهو يشدّد على نعمة الله. أما هنا فيُبرز قرار الإنسان وحكمه، وهكذا يدلّ على أن نعمة الله لا تلغي ملكات الإنسان، بل تثيرها وتعيد خلقها في الحريّة.
واستعادت آ 8 ما في آ 7 وتوسّعت فيها وأوّنتها. إنتفل النصّ من الماضي (عددتها) إلى الحاضر (أعدّها الآن)، وامتدّ الحكم على جميع الغنى المستقلّ عن المسيح. وصارت عبارة "من أجل المسيح" "تفوّق معرفة المسيح يسوع ربيّ". عبارة فريدة عند بولس. قد تكون تأثّرت بالصوفية الهلنستيّة، أو بالغنوصيّة، أو بالعالم اليهوديّ. بل هي تلاقي كل هذه التيّارات. ومهما يكن من أصل هذه "المعرفة"، فموضوعُها يحدّدها: "يسوع المسيح ربيّ). وقد تعني: معرفة المسيح لنا (غل 4: 9: عرفكم الله، 1 كور 13: 12)، وما يقابلها من معرفة بشريّة (آ 10). أو بالأحرى معرفتنا للمسيح خلال شعائر العبادة، في المعمودية، في قانون الإيمان، في إعلان الإنجيل.
وهكذا يحيلنا الرسول لا إلى نظريّات شهيرة، ولا إلى خبرة باطنيّة، بل إلى خبرة ملموسة تعيشها الجماعة كلها يوم الأحد. هذه الخبرة هي خبرة سيادة شخص فريد هو الربّ، وهي تتميّز عن كل سيادة أخرى (2: 3). ووعيُ هذه السيادة وخبرتها يقودان المؤمن إلى رفض كل "مجد" باطل (كل عجب) واحتقار كل سبيل آخر. فالمسيحيّ لم يصل بعد، والمسيح الذي يأتي إلينا بطرق عديدة، لم نُدركه بعد. إذن، خبرةُ سيادته خبرةٌ ديناميكيّة، خبرة ترسلنا في الطريق. والطريق منّا إلى المسيح طويلة وصعبة.
ثالثاً: أجد نفسي في المسيح (آ 9)
قال بولس: أربح المسيح حين أوجد فيه. والفعل في صيغة المضارع، يدلّ على الدينونة الأخيرة. وصيغة المجهول تدلّ على أسلوب عبريّ يدلّ على عمل الله (أوجد فيه. أي: يجدني الله، رج 1 كور 4: 2؛ 15: 15؛ 2 كور 5: 3؛ غل 2: 17؛ مت 24: 46). ما معنى "فيه"؟ هناك من فكّر في بُعد إكليزيولوجيّ. بل بالأحرى نحن في إطار قانونيّ: أوجد فيه أي أتبرّر به. ولكن يجب أن نلاحظ الرباط بين وضع "في المسيح" ووضع المسيحيّ. "أوجد فيه" حين أكون بلا "مجد" خاص، مشابهاً له في موته وآلامه حتى أشاركه في حياته.
والعودة إلى شعائر العبادة والكرازة والمعمودية في الآية السابقة، نجدها هنا أيضاً مع تذكير بالتعليم حول "برّ الله" (3: 6). فالبار أو الصدّيق هو ما يوافقُ المقياس أو القاعدة. وفي نظر بولس، توافقُ الإنسان مع بشريّته كما أراده الله وخلقه، لا يقدر أن يكون فعل الانسان وحده، بل فعل الله. نحن هنا أمام برّ يأتي من الله، تجاه برّ نستخرجه من الشريعة. إذن، تستطيع الشريعة أن تُعتبر وسيلة خلاص فتأخذ مكان الله!
غير أنّ الإيمان ليس من هذا النظام. فهو الموضع الأنتربولوجيّ الذي فيه يلامس برُّ الله الإنسان. غير أن هذا الإيمان لا قيمة له في حدّ ذاته. بل هو يعيدنا إلى المسيح الذي هو موضوعه. قد نقول: الإيمان (أي عمل) المسيح هو الذي يبرّرنا. وهذا الإيمان يحرّك بعد ذلك إيمان الإنسان وتجاوبه مع نداء الله. في هذا الإطار نقرأ روم 3: 22: "فالله يبرّرهم بالإيمان بيسوع المسيح". وفي آ 26: "فهو في الزمن الحاضر يظهر برّه ليكون باراً ويبرّر من يؤمن بيسوع". وفي آ 30: "لأن الله واحد، يبرّر اليهود بالإيمان، كما يبرّر غير اليهود بالإيمان".
رابعاً: أعرفه، أعرت قدرة قيامته (آ 10- 11)
الإيمان هو أيضاً معرفة. وقد رأينا كم تستند هذه المعرفة إلى تقليد، إلى تعليم مسيحيّ وفقاهة. غير أن مضمون اللفظة يتجاوز مجال المعرفة البحتة. ففيها نجد غنى "ي د ع" العبريّ الذي يدلّ على العلاقات بين المرأة والرجل. إذن معرفة المسيح هي أن نحيا معه في حياة حميمة خاصّة. ولكن قد نخطىء فهم هذه العبارة. لهذا، يزيد بولس حالاً أن هذه المسيحيّة تُترجم في مواقف ملموسة تنطبع بحدث الصليب والقيامة.
يرى الرسول في الصليب والقيامة حدثاً واحداً. وهذا ما يدلّ عليه حضور الـ التعريف الذي يُشرف على مجمل العبارة. ثم إن القلب (من فعل قلَبَ) الذي يقوم بأن نتحدّث عن القيامة قبل الموت، ليس من قبيل الصدف. ولا هو مرتبط فقط بخبرة بولس على طريق دمشق، بل هو يرتبط بالجدال القائم في فيلبّي. من عرف المسيح اختبر قدرة الحياة. غير أن هذه القدرة لا تتجلّى إلا عبر الصعوبات والآلام والموت. بل إن الشركة التي توحّد المسيحيّ بالمسيح، والمسيحيّين بعضهم ببعض، لا تنمو إلا في الصعوبات والآلام.
وهكذا نجد هنا موضوعاً كبيراً في فل 1: 5، 29- 30؛ 2: 19- 30. غير أن مجمل هذه الفكرة لا يتوضّح في أي مكان كما هو موضّح في 2 كور 4: 7- 10: "وما نحن إلا آنية من خزف تحمل هذا الكنز، ليظهر أن تلك القدرة الفائقة هي من الله لا منّا. يشتدّ علينا الضيق من كل جانب ولا ننسحق. نحار في أمرنا ولا نيأس... نحمل في أجسادنا كل حين آلام موت يسوع لتظهر حياته أيضاً في أجسادنا". هذا ما يذكّرنا بما في روم 6: 1 ي مع تلميح إلى الماضي. وهكذا نرى تلميحاً إلى المعموديّة. فالحياة المسيحيّة تجد جذورها في موت المسيح الذي يترجَم في كل مؤمن موتاً عن الخطيئة وعن الذات. لهذا، تُشجب مرّة أخرى طريقةُ خصوم الرسل وما فيها من عجب و"مجد" باطل.
في كل هذا يأمل الرسول البلوغ إلى القيامة (آ 11). فتجاه انطلاقة الحياة المسيحيّة (الموت مع المسيح) نجد نقطة وصولها (القيامة معه). وبين هذين القطبين يسير المؤمن. ويظهر هنا بشكل خاصّ الهدفُ الجدليّ لكلام الرسول. فصيغة المضارع ترافقها "إذا أمكن"، على أمل (آي بوس). هذا لا يعني أن الرسول يشكّ بواقع القيامة. بل هو يقول إنه ليس إلا طريق واحد يقود إليها. وقد لا نستطيع أن نأخذ هذا الطريق.
إذن، لا يشكّ بولس بالله، بل يشكّ بنفسه. ونجد التردّد عينه في 2 كور 5: 3 حيث نقرأ: "شرط أن نُوجد لابسين لا عراة". أن نكون لابسين حلّة العرس في القيامة، لا عراة مثل آدم. نحن هنا أمام عبارة فريدة مع تكرار أداة "إك" (من): "اكسانستاسين" (قيامة. مع إك). فالقيامة لا يمكن أن تكون إلا قيامة من بين الأموات، أن نحيا يعني أولاً أن نموت.

خاتمة
دعا بولس إخوته إلى الفرح وكأنه يريد أن يختتم رسالته (رج 4: 1، 4- 10). ولكنه انطلق في توسّع جديد يختلف عمّا سبقه مضموناً ولهجة، فظنّ بعض الشّراح أننا أمام رسالة جديدة، دُمجت برسالة سبقتها. أو أن بولس عاد إلى الإملاء بعد أن توقّف عنه بعض الشيء. هنا نفهم عبارة "أكتب إليكم في هذه الأمور" على أنها إشارة إلى رسائل أخرى قد ضاعت اليوم، أو أي تعليم شفهيّ حمله السعاة الذين كانوا يذهبون من بولس إلى أهل فيلبّي ومن أهل فيلبّي إلى بولس. رسالته فيها الهجوم الصاعق على اليهود أو على المسيحيّين المتهوّدين، فيسمّيهم الكلاب احتقاراً لهم وتدليلاً على أنهم صاروا خارج الكنيسة. ويُفهم الرسول قرّاءه أنه نعمَ بامتيازات الشعب العبرانيّ، ولكنه اعتبر كل شيء كالزبل ليربح المسيح. اعتبر أن كل ما يسميه الناس "ربحاً" هو بالنسبة إليه خسارة تجاه معرفة يسوع المسيح، معرفة قيامته والمشاركة في آلامه وموته. فماذا يبقى بعد ذلك من "المجد" البشريّ؟
الفصل الرابع عشر
مواصلة السعي
3: 12- 21

"إفرحوا في الربّ". ذاك هو النداء الذي سمعناه منذ بداية الرسالة، حيث كان بولس يتضرّع في سرور لأجل المؤمنين (1: 4). ولا يخاف في فرحه هذا أن يتحدّث عن نفسه هو اليهوديّ أمام الذين يريدون العودة إلى الممارسات اليهوديّة. غير أن كل ما يعتبره بنو قومه امتيازات، رأى فيه "أقذاراً" لكي يربح المسيح. أجل، لقد ضحّى بولس بكل شيء، خسر كل شيء طوعاً لكي يربح المسيح، ويُوجد فيه. خسر كل شيء فربح كل شيء. عرف قدرة قيامة المسيح، لا القدرة التي أقامت يسوع من بين الأموت وحسب، بل القدرة التي تتفجّر من المسيح القائم من الموت. بل عرف هذه القيامة ومجد أبناء الله الذين يقومون مع المسيح. فالشركة في الآلام تقود إلى الموت، وكل هذا يبلغ بنا إلى "القيامة من بين الأموات".
بعد نظرة عامة إلى هذا المقطع، نتوقّف عند ثلاث محطّات: مواصلة السعي (آ 12- 16). هجوم على "أعداء" المسيح (آ 17- 19). الرجاء الحقيقيّ (آ 20-21).

1- نظرة عامة
تحدّث بولس عن نعمة فريدة رافقت نعمة الإيمان. هي نعمة الآلام مع يسوع، مشاركته في آلامه. وكان قد كتب إلى أهل كورنتوس أنه معرّض للموت في كل يوم (1 كور 15: 31). وقال في 2 كور 4: 10: "نحمل موت يسوع لتظهر حياة يسوع أيضاً في جسدنا". وهكذا يبدو الرسول مشدوداً إلى المستقبل.
أ- انشداد نحو المستقبل
غير أن هذا الواقع لا يتحقّق تحققاً كلياً إلاّ ساعة يتحوّل "هذا الكائن الفاسد" الذي ما زلنا نلبسه فيكوّن كياننا. إلاّ ساعة نلبس عدم الفساد، نلبس الخلود (1 كور 15: 5). لهذا، حدّق بولس بنظره إلى المستقبل فقال في فل 3: 11: "لكي أصل، إذا أمكن، إلى القيامة من بين الأموات". لا شكّ اطلاقاً في فكر الرسول، هنا وفي 2 كور 5: 3، بأنه يعبّر عن رجائه الكبير. تقوّى بإيمانه، فانتظر أن يبلغ إلى المرحلة الأخيرة والنهائية في التحوّل الذي يقوم به المسيح. غير أنه يعرف أيضاً أن هذه القدرة التي فيه، ليست بمأمن من السقوط. لهذا، نراه يشهد على التواضع الضروريّ له وللآخرين في "استعمال" مواهب النعمة.
فنحن لم نحصل بعد على شيء بشكل نهائي. قد وصلنا ولكننا لم نصل بعد. مات المسيح ووهبنا الخلاص، ولكننا لم نمت نحن بعد. وسوف ننال الخلاص عندما نموت. لهذا قال بولس في آ 12: "هذا لا يعني أنني وصلت أو صرت كاملاً". لا هو ولا الآخرون. هو يشير إلى أنه يتكلّم "بالحكمة وسط الكاملين" (1 كور 2: 6). ويذهب هنا أبعد من ذلك معمّماً كلامه: "جميعنا، نحن الكاملين" (آ 15).
غير أن التعارض بين العبارتين يبقى سطحياً. لا شكّ في أن بولس يرغب أن يخرج قرّاؤه من اللانضوج الذي ما زال بعضهم يقيمون فيه. قال في 1 كور 14: 20: "أيها الإخوة، لا تكونوا أطفالاً في أحكامكم. كونوا في الشّر أطفالاً. أما في أحكامكم فكونوا بالغين" (تالايوي أي كمّال). ولكن بولس يعرف أيضاً أن ما يميّز الحياة في الآخرة هو كمال لا يستطيع المسيحي إلاّ أن يستشّفه خلال حياته على الأرض. "فمتى جاء الكامل زال الناقص" (1 كور 13: 10).
فإذا كان بولس قد شدّد في فل 3: 15 على كمال المسيحيّين على هذه الأرض، فلأن "الدُعاة" في فيلبّي كانوا يعتدّون بهذا الكمال عينه. هم من الكاملين، وأنتم من الكاملين أيضاً. هذا ما قاله بولس مشدّداً على أن هناك كمالاً وكمالاً. خطأهم هو أنهم يتحدّثون عن وسائل لبلوغ هذا الكمال، وهي وسائل يراها بولس غير نافعة إن لم تكن ضارّة ومسيئة إلى المؤمنين. ولكن تبقى مسافة يجب السير فيها. يبقى علينا أن نسير في الأمانة للإنجيل الواحد الذي يبشرّ به بولس (آ 16).
ب- اقتدوا بي
غير أن بولس لا يكتفي بأن يعظ ويتكلّم. إنه يقدّم نفسه نموذجاً ومثالاً: "إقتدوا بي جميعاً أيها الأخوة، وتبصّروا في الذين يسلكون على المثال الذي لكم فينا" (آ 17). هذا المقطع ليس الوحيد الذي فيه قدّم الرسول نفسه مثالاً يُحتذى به لدى قرّائه. نقرأ في 1 تس 1: 6: "وأنتم انفسكم اقتديتم بنا". وفي 2 تس 3: 7- 9: "وأنتم تعلمون كيف ينبغي أن تقتدوا بنا... نجعل لكم من أنفسنا مثالاً تقتدون به". وفي غل 4: 12: "فأسألكم أيها الأخوة أن تكوني مثلي". وفي 1 كور 4: 16: "فأطلب إليكم إذن، أن تكونوا بي مقتدين". وفي 11: 1: "إقتدوا بي كما أني أنا أقتدي بالمسيح".
نحن هنا دوماً أمام جماعات أسّسها بولس، فكان له معها علاقات حميمة جداً. غير أن وضعه ليس وضع الفلاسفة الأقدمين الذين يحيط بهم جمع من التلاميذ تكوّنوا على صورتهم. فكلمة "تلميذ" غائبة كلياً من رسائل بولس. ولكننا نجد لفظة "أب". فالأب الذي ولد أبناءه إلى الحياة الجديدة في المسيح (1 كور 4: 15)، يقدّم نفسه بشكل طبيعيّ كنموذج لأولاده.
ولكنه مثال يُلزمهم ويفرض عليهم أعمالاً صعبة. فإن أخذوا بنظرات بولس الأساسيّة وبالنتائج التي تصدر عنها، سيفهمون أن هذا يكلّفهم غالياً: فالمحنة تبدو هنا شرطاً من شروط الأمانة. وكما كانت كنائس اليهوديّة جديرة بأن يُقتدى بها (1 تس 2: 14)، كذلك بولس. فهو في سجنه يعيش هذه المحنة بشكل نموذجيّ. غير أنه ليس إلا وسيط واحد، هو المسيح، الذي يعي بولس أنه يعكس مثاله الأسمى: "كونوا مقتدين بي، كما أقتدي أنا بالمسيح" (1 كور 11: 1).
هكذا لا يكون "الاقتداء" بالمسيح اختراعاً من اختراعات التقوى المسيحيّة اللاحقة. بل هو متجذّر تجذّراً عميقاً في العهد الجديد. وكذا نقول عن الاقتداء بالله على ما في أف 5: 1: "كونوا مقتدين بالله كأولاد أحبّاء". ونقرأ في كو 3: 13: "وكما أن الرب سامحكم، سامحوا أنتم أيضاً". وفي مت 5: 48: "كونوا كاملين كما أن أباكم السماويّ كامل هو". وفي 18: 33: "كان ينبغي لك أن ترحم رفيقك كما رحمتك أنا". وفي لو 6: 36: "كونوا رحماء كما أن أباكم رحيم". ونقرأ في 2 كور 8: 9 عن المسيح الذي افتقر لأجلنا لكي نغتني بفقره. ونجد في روم 15: 7: "فأقبلوا إذن بعضكم بعضاً، كما قبلكم المسيح لمجد الله".
المهمّ في هذا "الاقتداء" (بالله أو بالمسيح) هو تحاشي "السعدنة" (أو الاقتداء الحرفيّ)، وجعل عملنا ينبع دوماً من الحبّ الذي هو معيار وروح كل خلقيّة مسيحيّة. وحدها المواقفُ العميقة التي تحرّك المسيح في حدث الخلاص، والأهداف الكبرى التي حملته، تستطيع أن تكون مثالاً للمسيحيّ في حياته الأخلاقيّة. وما نقوله هنا عن يسوع نقوله بالأحرى عن رسوله مثل بولس الذي هو صلة وصل بين المسيح وتلاميذه في حياة توافق حياة المسيح.

2- مواصلة السعي (3: 12- 16)
أ- أهل فيلبّي والكمال
ظنّ قرّاء بولس أنهم "كاملون"، أنهم وصلو إلى الهدف، فصوّر لهم بولس هذا السعي الذي يدلّ على الحياة المسيحيّة: يترك ما وراءه (الماضي والقيم المميتة)، ويندفع إلى ما أمامه، إلى المستقبل. نحن هنا قريبون من روم 9: 30 ي الذي يتحدّث عن اليهود وطلب البرّ. فالمسيحيّة هي أيضاً طلب، ولكنها طلب من نوع آخر. يجب أن نتذكّر في هذا المجال 1 كور 9: 24 ي حيث يقابل الرسول حياة المسيحيّة مع الجري في الحلبة (رج فل 2: 16؛ غل 2: 2؛ 2 تم 4: 7). ويجب أن نعود أيضاً إلى 1 كور 8 حيث الرسول يعتبر نفسه "عارفاً" على مثال العارفين (الغنوصيّة). فـ "المعرفة" الحقيقيّة هي التي تعرف حدودها. و"الكمال" الحقيقيّ هو الذي نسعى إليه دوماً ولا ندركه.
ب- ما أصبت الهدف
حين عبّر بولس عن شكّه بأن يبلغ إلى القيامة الأخيرة (آ 11)، فهذا لا يعني أنه قد وصل منذ الآن إلى الهدف، كما ظنّ بعض أهل فيلبّي، بل عكس ذلك. "لم يُدرك بعد". لا نجد هنا مفعول هذا الفعل. هل هو الكمال الخلقيّ والروحيّ، أو المعرفة، أو القيامة من بين الأموات، أو البرّ، أو المسيح نفسه؟ في الواقع، هناك إمكانيّتان معقولتان: أو أنّ الرسول يفكّر منذ الآن بصورة السعي، وما يطلبه هو الثمن (آ 14، الجزاء). أو أن الرسول يشير إلى ما لم يتمّ بعد. أما فعل "تالايو" الذي هو فريد عند بولس، فهو يقابل "الكمال" (تالايوي) في تلاعب على الكلام، وهو يعني وصل إلى الغاية، وكان كاملاً.
بدأ الرسول مسيرته وهو يتابع سعيه. ويأتي فعل "ديوكو" (سعى) فيشدّد على المجهود. هو لا يعني فقط "ركض" بل طارد، طلب، لاحق، اضطهد. غير أننا لا نشكّ في أن صورة الجري حاضرة كما في 1 كور 9: 24. وفعل "كاتالمبانو" (أخذ) قد يتخذ معنى فلسفياً: فهم. إذن، توخّى مجهود الرسول أن يثبت مكانه. "أعمل المستطاع لكي أدرك الهدف، بقدر ما يكون ذلك ممكناً".
ويأتي سبب هذا المجهود القويّ (لأنه): لسنا أمام رغبة بالظهور، ولا بتتميم "عمل". فبقدر ما يكمل كلّ شيء، يجب أن نحقّق أيضاً هذا الكمال. وبقدر ما المسيح أدرك المسيحي، بهذا القدر يحاول المسيحي أن يدرك المسيح.
وتتوسّع صورة الجري (آ 13). يجب أن نسير إلى الأمام. أن لا نتوقّف. أن لا نرتاح في أمجاد من الغار الذابل. وذلك أكان الإنسان يهودياً أم مسيحياً، بل نمتدّ دوماً إلى شيء آخر. ويصبح التحريض ملحّاً (أيها الأخوة)، مع أنه يتوجّه بشكل غير مباشر. ليس هو بأمر، أنه نصيحة وإرشاد.
ج- مسيرة إلى الهدف (آ 14- 16)
إن لجرْي المسيحي هدفاً (سكوبوس) يمنحه معناه: يتوّجه الأجر. وهو نداء الله السماويّ في يسوع المسيح. إن استعماله لفظة "كلاسيس" (نداء) لا للحديث عن الدعوة الفرديّة أو المعموديّة، بل لنهاية الأزمنة، أمرٌ فريد عند بولس بل في العهد الجديد كلّه. ولهذا حاول الشّراح أن يقرّبوها من عبارات جليانيّة أو قرأوها عند فيلون الاسكندرانيّ. في الواقع، جاءت الصورة في إطار "الألعاب" التي كانت تنظَّم في عالم اليونان. وبعد كل "مسابقة"، كانوا يعلنون اسم الغالب واسم أبيه واسم بلده. فكان يتسلّم غصن النخيل. لمّح بولس إلى هذا النداء (كانوا ينادونه ليتسلّم الجائزة). غير أنه يحدّد أدى "الجائزة" ليست على المستوى الرياضيّ. إنها من العلاء. فالجعالة هي الله نفسه الذي ينادي به يسوع المسيح. ويدوّي هذا النداء عبر حدث الصليب والقيامة، وما زال صوته مسموعاً في الكنيسة.
ظنّ الفيلبيّون أنهم بلغوا الكمال (تالايو). هنا نذكر أن "تلايوس" تعني أيضاً نضوج الحياة المسيحيّة (1 كور 2: 6؛ 14: 20؛ أف 4: 13؛ كو 1: 28؛ 4: 12). لا يرفض بولس هذه اللفظة التي يستعملها قرّاؤه، بل يدلّ على أنّ أساسها يبقى كرستولوجياً، يبقى يسوع المسيح. من هنا يُعاش الكمال في انشداد يتجسّد في الزمن. هذا هو أصل الخلقيّة المسيحيّة. وهكذا يرد فعل "فرونيو" الذي لعب دوراً كبيراً في فل، فدلّ في الوقت عينه على تصرّف ملموس وعلى بواعث تسند هذا التصرّف (2: 2).
فالتصرّف الكامل "في المسيح" لا يمكن أن يكون إلا ذاك الذي يصوّره الرسول. لهذا فهو لا يشكّ بأنه يستطيع أن يُقنع قرّاءه. إذا قرأنا النصّ كما يفعل السينائي و ل (020، رومة، القرن التاسع) حين يجعلان الماضي (فرونومن) بدل الأمر، نستطيع أن نفهم الجملة كاستفهام هازىء: "نحن "الكاملين" جميعاً، أما هكذا نفكّر"؟ فالكمال الحقيقيّ يكمن في أن نفكّر بشكل صحيح، وأن نقرّ بأن الرسول هو على حقّ.
وإن لم يكن الأمر هكذا، فبول لا يشكّ في أن قرّاءه المفتخرين بعدد من "الايحاءات" التي أعطيت لهم، سينعمون في النهاية بالوحي الصالح، ذلك الذي يأتي من الله فينيرهم إلى الحقّ. إن لفعل "ابوكالبتو" معنى خاصاً قريباً مما نقرأ في 1 كور 14: 30 (أوحى إلى آخر).
ومهما يكن الخلاف السابق (آ 16) بين بولس وأهل فيلبّي، على الطريق الذي ينفتح أمامهم، يجب متابعة السير بحزم. يجب أن يسير الجميعُ معاً.

3- "أعداء" المسيح (3: 17- 19)
أ- الخصوم ومثالهم المجيد
لسنا هنا أمام خصوم جدد يهاجمهم بولس. فلا فصل بين آ 12- 16، وآ 17- 21. بل تتواصل صورة الجري مع فعل "سلك" (باريباتيو) (آ 17، 18). وتتحدّد النظرة الاسكاتولوجيّة (هذا ما نجده في آ 11 ي) في آ 19 ي. والهدف (سكوبوس) الذي نجده في آ 14، يصبح الفعل "سكوبيو" (نظر، كان له هدف) في آ 17.
ثم إن آ 17 تبدو نتيجة ما سبق: لم يُرد بولس أن يقدّم خبراً موضوعياً عن ارتداده بل تقديم مثال لافت عمّا يجب أن يكون عليه الوضع المسيحيّ. وهكذا يستخرج الرسول الأمر العملي: "إفعلوا مثلي". غير أن آخرين يعتبرون نفوسهم "مثال" الحياة المسيحيّة، ويقدّمون لأهل فيلبّي سراب مثال "مجيد". لهذا، قام بولس بهجوم ثان عليهم في آ 18- 19، هجوم يدلّ عنفه مرة أخرى على الخطر الذي يهدّد الكنيسة الفتيّة إن هي سارت بحسب هذا المثال.
ب- السلوك الحقيقيّ (آ 17- 18)
وهكذا يأخذ ضمير المتكلّم المفرد (أنا، اقتدوا بي أنا) كل قيمته كمثال: دعا بولس قرّاءه لكي يقتدوا به. وهو نداء ملحّ ومليء بالعاطفة، وهو يتوجّه إلى "إخوة". ويشدّد النصح على الطابع الجماعيّ لهذا الاقتداء: "إقتدوا بي جميعكم. كونوا على رأي واحد في هذا الاقتداء".
ومهما تكن الجذور التاريخيّة والدينيّة "للاقتداء" البولسيّ، فالرسول يقدّم نفسه لقرّائه كمثال، ليشدّد على أهمية الآلام (1 تس 1: 6؛ 2: 14؛ رج 2 تس 3: 7- 9) وبذل الذات (1 كور 11: 1) لأجل ذاك الذي يقتدي بالمسيح (1 كور 11: 1؛ 1 تس 1: 6؛ رج أف 5: 1؛ فل 2: 6- 11). فليس من قبيل الصدف أن ترد اللفظة هنا أيضاً فتُعارض مثال "الكمال" وما فيه من "مجد باطل". هذا ما قدّمه الوعّاظ خصومُ بولس.
ولا يقدّم بولس نفسه وحدها كمثال يحتذى به. هنا تختلف فل عن 2 كور حيث الهجوم على الرسالة. أما هنا فليس الهجوم مباشراً على الرسالة. ففي داخل جماعة فيلبّي هناك تأثير الذين ظلّوا أمناء له، مثل تيموتاوس وابفروديتس (1: 1؛ 2: 19 ي). وهذا التأثير وهذه السلطة لا تستندان إلى وظيفة، بل إلى طريقة عيش خاصّة.
ويندفع الرسول (آ 18) فيتذكّر أيضاً وبشكل مباشر خصومَه. إنهم أعداء (اختروس) صليب المسيح. أولاً، هم عديدون (بولوي). ولا ينحصر نشاطهم في فيلبّي، بل في عدد من الجماعات الأخرى التي أسّسها بولس. حذّر بولس المؤمنين مراراً منهم، وإن هو عاد الآن إلى التحذير، فلأن الوضع ساء جداً، وهذا ما جعل الرسول يتوسّل باكياً (رج 2 كور 2: 4).
أما البدعة (أو: الهرطقة) التي يصوّب أنظارنا إليها، فهي تلامس كل مجالات الحياة المسيحيّة، ولا سيّما الخلقيّة منها. إنها تعارض "صليب المسيح". قال البعض: لسنا هنا أمام تعليم محدّد. وقال آخرون: هم أعداء أولئك الذين جعلوا ثقتهم في صليب المسيح.
لا نجد لفظة "عدوّ" في المعنى الهجومي إلا في هذا الموضع عند بولس. أما "ستاوروس" (ومشتقّاته) فنجده في ثلاثة سياقات مختلفة. السياق الأول هو سياق الجدال الغلاطيّ الذي ينطلق منه بولس ليفهمنا الجديد في "ديانة" الصليب بالنسبة إلى ديانة الشريعة (أو: الناموس، غل 3: 1؛ 5: 11، 24؛ 6: 12، 14). السياق الثاني هو سياق التواجه مع "حكمة العالم" في 1 كور: فصار الصليب علامة عن جهالة الله وجنونه (1 كور 1: 13، 17، 18، 23؛ 2: 2- 8). والسياق الثالث هو سياق أف وكو حيث الصليب هو علامة المصالحة (أف 2: 16؛ كو 1: 20؛ 2: 14).
إن النصّ الذي ندرس يقع في نقطة التقاء هذه السياقات الثلاثة: إن "أعداء الصليب" هم الذين يرفضون أن يفهموا الأهميّة الأسكاتولوجيّة والحاسمة لحدث الصليب، والقيامة التي ترتّب زمناً جديداً ومدى جديداً (2 كور 5: 17). هم أيضاً أولئك الذين لا يقبلون بعثار الصليب، بالألم، بالجنون والجهالة، بكل ما يطبع هذه الحياة الجديدة بطابع الصليب. وهكذا يؤدّي عملهم إلى تدمير الروح الجماعيّة التي دشّنتها المصالحة المرتبطة بالصليب.
ذاك هو معنى هذه العداوة تجاه الصليب. ولسنا أمام تساهل على المستوى الخلقيّ، ولا أمام تصرّف يرتبط بالمادّة، ولا أمام عالم يهوديّ متزمّت، ولا أمام جحود جاء خلال اضطهاد أصاب المسيحيّين. نحن أمام رفض للصليب بما فيه من جنون يتنافى وحكمة هذا العالم.
ج- عاقبة هؤلاء الخصوم (آ 19)
ويتواصل الآن التنديد العنيف بهؤلاء الخصوم، دون أن نستطيع أن نحدّد شخصيّتهم. لهذا نعود إلى فرضيّة عامة لنفهم هذه الآية: إن عاقبتهم الهلاك، إلههم بطنهم، ومجدهم في ما فيه خزيهم، وهمّهم في الأرضيّات.
وقف بولس في نظرة زمنية واسكاتولوجيّة، فتصوّر "عاقبة" (تالوس) خصومه: الهلاك (ابوليا) أي الموت دون أمل بالعودة. فإلههم هو إله هالك. هو بطنهم (كويليا). هل يلمّح بولس إلى السكر والمجون، أم إلى فرائض حول الأطعمة الطاهرة والنجسة؟ الأمران ممكنان. وقد يلمّح الرسول إلى سلوك لا يقوده الروح. إذا عدنا إلى مجمل السياق (كبرياء الكلاب في 3: 2 ي، والفوضى على المستوى الجماعيّ، 2؛ 1- 18) نفهم: لا يفكّرون إلا بذواتهم، إلههم هو نفسهم. ومجدهم (دوكسا) هو خزيهم. هو عارهم (أيسخيني). رأى بعضهم إشارة إلى فوضى جنسيّة بشكل خاص، ورأى آخرون تلميحاً إلى الختان. غير أن "أيسخيني" لا تدلّ على المجون. بل قد تدلّ على تصوّر ذاك الذي يمثل أمام منبر الله. و"المجد" هي كلمة هامّة في فم خصوم الرسول. ولكن يقول بولس: أي مجد هو هذا المجد حين نكون أمام خيانة الإنجيل، وتقديم الذات على كل شيء (بل على الله)، وتدمير الجماعة المسيحيّة. مثل هذا المجد هو عار.
كل اهتمام هؤلاء الناس هو في "مصالح أرضيّة". ونظرتهم إلى الأمور هي محدودة، ومحصورة في ذاتهم. لهذا، تراهم لا يخضعون إلا إلى بواعث ملتصقة بالأرض، ولا تحاول أن ترفع قلب الإنسان وفكره.

4- الرجاء الحقيقيّ (3: 20- 21)
أ- أما نحن
نقرأ هنا جملة كلها إيقاع مع ألفاظ مثل "سوتير" (مخلّص). "بوليتوما" (مواطنيّة). وظنّ بعضهم أننا أمام نشيد ليتورجيّ يُنهي هذا القسم الذي يبدأ في 3: 1، فيعود بنا إلى التقليد والتعليم الصحيح. غير أن الفكر البولسيّ هو هو، ولا سيّما في آ 21، وهو خاتمة الحديث الذي قرأناه في الآيات السابقة. لهذا نظنّ، أن الكاتب عاد إلى مواضيع تقليديّة فأنهى تقديمه للحياة المسيحيّة في إطار هجوميّ. ومقابلة هذه الآيات مع 2: 6- 11 تدلّ على هويّة الكاتب (هو بولس الرسول) وعلى موقع هذه المقطوعة في فل.
فإذا كانت الحياة المسيحيّة انشداداً نحو المستقبل، فهذا المستقبل هو مليء بغنى، تبدو تجاهه كلا شيء كلُّ الانخطافات وسائر "الأمجاد" التي يتحدّث عنها الخصوم. فهذا الغنى الحقيقيّ هو قبل كل شيء من عند ربّ الكون كله. وهذا المجد هو مجده. وهو مجد يتعدّى مجهودنا الخاص. بل هو يُفاض علينا لأن أصله أبعد منا. لأن أصله من الله. وهذا المجد لن يبقى خارجاً عنّا: فنحن "نتحوّل إلى مجد". ويقين هذا التحوّل يكمن في حياة من التواضع وفي تعلّق بذلّ الصليب. بما أننا نشارك في موت المسيح، لا نستطيع إلاّ أن نشارك في قيامته.
ب- مواطن السماء (آ 20)
المسيحيّ هو مواطن السماء. لا حاجة إلى التشديد على الدور الذي تلعبه المواطنيّة في المدينة القديمة. فالإنسان مواطن في مدينة قبل أن يكون شخصاً مستقلاً في ذاته. والفيلبيّون الذين هم سكان مستوطنة رومانيّة (من يُولد فيها هو مواطن رومانيّ) يستطيعون حقاً أن يفهموا هذه الصورة.
وفكرة المدينة السماويّة قد ترجع إلى نظرة هلنستيّة أو إلى اعتبارات يهوديّة حول أورشليم السماويّة. فالأمران ممكنان وبولس هو وليد حضارتين. غير أننا لسنا هنا حقاً أمام مدينة (بوليس)، بل أمام مشاركة في أمور المدينة، في تنظيم المدينة (بوليتوما). فتجاه الذين تحرّكهم أمور الأرض بما فيها من ابتذال (آ 19)، يؤكّد بولس أن رجاء المسيحيّ وإيمانه وبواعث حياته المسيحيّة تنبع كلها من موضع آخر، من السماء.
لهذا، نحن أيضاً أمام انشداد، أمام انتظار. فالفعل "اباكداخوميتا" فعل بولسي. يرد ثماني مرات في العهد الجديد، منها ست مرات عند بولس. وهو يصوّر دوماً انتظار المجيء (باروسيا) لا سيّما في روم 8: 19- 25. وموضوع هذا الانتظار هنا هو "المخلّص": إذن، نحن أمام انتظار كله فرح، لا انتظار الخائفين والخانعين أمام الكوارث الجليانيّة الآتية.
نجد لفظة مخلّص (سوتير) هنا، وفي أف 5: 23 (يسوع مخلّص الكنيسة) وفي الرسائل الرعائية (1 تم 1: 1؛ 2: 3؛ 4: 10؛ 2 تم 1: 10؛ تي 1: 3، 13؛ 2: 10، 13؛ 3: 4، 6). وفي 2 بط 1: 11، 11؛ 2: 20؛ 3: 18؛ 1 يو 4: 14؛ يهو 25. هذا عدا عما نقرأه في لو 1: 47 (الإله مخلّصي)؛ 2: 11 (ولد لكم مخلّص)؛ يو 4: 42 (أنه مخلّص العالم)؛ أع 5: 31 (رفعه الله رئيساً ومخلّصاً)؛ 13: 23 (أقام الله لإسرائيل مخلّصاً).
يرى بولس أن الخلاص (وفعل خلّص) يدلّ بشكل جوهريّ على العمل الأخير الذي قام به الله في يسوع المسيح، وهو إبعاد الغضب الآتي (روم 5: 9؛ 1 كور 3: 15؛ 5: 5؛ 1 تس 5: 19)، أو (كما هو الأمر هنا) الامتلاك الأخير للمجد. فالوضع الحاضر للمسيحيّ يعبّر عنه أيضاً بلغة "تبرير" أو "الحياة في المسيح". والخلاص لا يمكن أن ينحصر في حدث خاص من حياة الفرد كما هو الأمر في العالم الهليني، أو في الديانات السرّانيّة. أو عند بعض الفلاسفة حيث اعتبر كل إنسان نفسه "مخلّصاً". وإذ أراد الرسول أن يتجنّب مثل هذا الخلط بين الديانة المسيحيّة وما يحيط بها من تيارات فكريّة وفلسفيّة ودينيّة، لم ينسب كثيراً لقب المخلّص إلى المسيح.
غير أن السياق الهجوميّ فرض على الرسول أن يتحدّث هنا عن المسبح على أنه المخلّص. أما الرباط بين اليوم وغداً، فنحن لا نجده في نفوسنا، بل في ذلك الذي نعترف به اليوم رباً (2: 11) وغداً مخلّصاً.
ج- من جسد الهوان إلى جسد المجد (آ 21)
إن التأكيد المتعلّق بالمجد لا يستند إلينا بل إلى الرب نفسه الذي يجب أن تلهمنا تدرتُه ثقة تامّة به. وهذا الربّ هو "بكر إخوة كثيرين" (روم 8: 29). فبقدر ما نشارك في حياة المسيح الرب، نشارك أيضاً في مجده، والمشاركة على هذه الأرض تعني المشاركة في ذلّه.
هنا نعود إلى آ 20 وفي النصّ ما فيه من مصير سماويّ للمؤمنين. السماء هي "موطنهم" الحقيقيّ. وقد يحرّضهم الرسول على الارتفاع فوق ظروف الجسد والحياة على الأرض لكي يتوقوا إلى العالم الالهيّ والسعادة الروحيّة.
نبدأ فنقول إن النصّ لا يتحدّث عن "نفس" منفصلة عن الجسد، وهي تذهب إلى مقام الله في السماء. فالأفق الذي أمامنا يؤمّن موقعاً هاماً للجسد. فعلى المسيح عند عودته أن "يحوّل جسدنا الشقيّ (جسد هواننا) إلى جسد مجده (إلى جسد مجيد، جسد ممجَّد)" (آ 21؛ رج 1 كور 15: 47- 49).
ولا يقول بولس إلى أهل فيلبّي إن السماء هي الموطن الذي يجب أن يتوقوا إليه، والذي يُدعَون للوصول إليه. فلفظة "بوليتوما" هي وضع وحالة قبل أن تعني "مدينة" أو "بلداً". وهي تدلّ على مواطن يمارس عمله في "سياسة" البلاد.
وهكذا يسوسنا في السماء، ذاك الذي هو فيها منذ الآن، بعد أن رفعه الله إلى درجه ربّ الكون (2: 9- 11؛ مت 28: 18)، ونحن ننتظر أن يتغلّب على قدرة الشّر. بعد هذا يترك مقامه السماويّ ليأتي إلى الأرض، موضوع انتظار المؤمنين ورجائهم. في ذلك الوقت، عليهم أن يرفعوا أنظارهم ويرتِّبوا عملهم حسب هذه السلطة التي تسود عالم الله، فيختلفون عن الذين جعلوا قلوبهم في أمور الأرض.
ولكن إذا كانت النظرة أرضيّة، أي تدلّ على كونٍ تحوّل وأجساد ممجّدة، كيف نفهم كلام بولس (3: 14)، حيث يُعلن أنه يسعى "نحو الهدف، من أجل الجعالة التي يدعوه الله لأن يتقبّلها في العلاء، في المسيح يسوع"؟ في الواتجع لا تعود "في العلاء" إلى الجعالة (وتقديم الجائزة)، بل إلى النداء. فالنداء هو سماويّ، لا الجائزة أو تقديم الجائزة.
وإذا أردنا أن نتوسّع في الجملة نقول: أتابع جريي نحو الهدف من أجل الجائزة التي يؤمّنها نداء علويّ يوجّهه الله إلينا في المسيح يسوع (رج أف 1: 3).

خاتمة
وعى بولس أنه كان موضوع نعمة فريدة، أساسها لقاؤه بالمسيح على طريق دمشق. ولكنه وعى أيضاً أنه لا يستطيع أن يجد في ذلك عذراً ليرفض كل مجهود. هو يتحدّث عن "الكاملين" في هجوم على الفيلبيّين الذين اعتبروا نفوسهم قد بلغوا إلى الكمال. ولكن إن كان الرسول لم يبلغ الهدف، فأهل فيلبّي لم يبلغوه أيضاً. لهذا يدعوهم، كما يدعو نفسه، للانطلاق إلى الأمام: ينسون ما وراءهم ويمتدّون إلى ما أمامهم. ناداهم يسوع، كما نادى بولس، أدركهم، أمسك بهم. لهذا، يسعى بولس لكي يدرك يبسوع الذي أمسك به في طريق دمشق، لكي يجيب على النداء الذي توجّه إليه فحوّل له حياته. لهذا لم يبقَ لأهل فيلبّي إلا أن يقتدوا برسولهم ويسلكوا سلوكه في التعلّق بصليب المسيح.
الفصل الخامس عشر
نداء إلى الفرح والسلام
4: 1- 9

بدل أن يترك المسيحيُّ العالم يسيطر عليه، يجب أن يعلم أنه يخصّ الربّ. وموطنه هو ملكوت الله. بمعنى أن طريقة حياته تحوّلت تحوّلاً جذرياً إلى جديد القيامة. بمعنى أن جسده سيتحوّل تحوّلاً متدرّجاً إلى جسد يسوع المسيح القائم من الموت، حيث يشعّ مجد الله. وينهي بولس كلامه في عبارة استنتاجيّة (إذن، 4: 1) تتبعها توصيات أخيرة (آ 2- 7)، ونداء إلى حياة من الفضيلة (آ 8- 9). ونبدأ أولاً في دراسة النصّ من الناحية النقديّة.

1- دراسة النصّ (4: 1- 23)
* في آ 1، ألغى المخطوط د والرقم 209 لفظة "اغابيتوي" (يا أحبائي) الثانية. فصارت الجملة: "إذن، يا إخوتي الأحبّاء الذين إليهم حنيني... أثبتوا على هذا في الربّ". أما الفاتيكاني والرقم 33، فألغيا الضمير المتصل (مو، لي أنا) فلم تعد اللفظة: أحبّائي. بل: الأحبّاء.
* في آ 3، يُطرح سؤال أول: هل نقرأ "سيزيغي" كاسم علم (سيزيغوس)، أم كاسم جنس فيعني: "الرفيق". لهذا نستطيع القول "سيزيغوس الحقيقيّ". أو: الرفيق (الزميل) الحقيقيّ. هنا قال اكلمنضوس الاسكندرانيّ إن "سيزيغي" هي زوجة بولس. ولكنها مجرّد فرضيّة. ثم إن بردية 16 والسينائي يمتلكان نصاً أطول ممّا نجد في معظم الشهود: "اكلمنضوس ومعاونيّ" والآخرون الذين أسماؤهم...
* في آ 4، نستطيع أن نربط الأداة "دائماً" (على الدوام) بالفعل الثاني (وأقول أيضاً على الدوام) أو بالفعل الأول (إفرحوا في الربّ على الدوام). فالذين يربطونها بالفعل الثاني يستندون إلى وجود المضارع (سأقول دائماً).
* في آ 7، يقرأ الاسكندرانيّ "سلام المسيح" بدل "سلام الله". ونجد في المخطوط ج "الأجساد" بدل "الأفكار". أما في بردية 16، فنجد "الأفكار والأجساد". لهذا قد نقرأ كما في نستله: "يحفظ قلوبكم وأفكاركم في المسيح يسوع". ومع ج: "يحفظ قلوبكم وأجسادكم في المسيح يسوع". وفي بردية 16: "يحفظ قلوبكم وأفكاركم وأجسادكم في المسيح يسوع". وهكذا نكون أمام الاستشهاد والموت. أخيراً، نجد في بردية 16 "الربّ يسوع" بدل "المسيح يسوع".
* في آ 8، انزعج د و ج من الاستعمال الخاصّ للفظة "إبانيوس" (مدح، حمد)، فزاد لفظة "ابستيميس" (العلم)، فصارت الجملة: "مدح في العِلم".
* في آ 13، حدّدت الترجمة الشائعة أن المسيح هو الذي يقوّي الرسول. فقالت: "أستطيع كل شيء في (المسيح) الذي يقوّيني".
* في آ 16، قرأ السينائي والفاتيكاني و ج اليونانيّ: "أرسلتم إليَّ للحاجات". وقالت برديّة 46 والاسكندرانيّ: "أرسلتم إليّ الحاجات". والمخطوط د، ف: "أرسلتم من أجل حاجاتي".
* في آ 19، نجد المصدر الماضي (بليروساي) بدل المضارع في المخطوط د، ج...
* في آ 23، أحلّت النسخة الشائعة "كل" مكان "روح". فصارت العبارة: "نعمة الربّ يسوع المسيح مع جميعكم". ولكننا نحافظ على نصّ نستله: "مع روحكم". ونجد في الختام: "كُتب في رومة بيد ابفروديتس". وانتهت معظم المخطوطات (ما عدا الفاتيكاني و ج) بلفظة: آمين. فصارت آ 23: "نعمة الربّ يسوع المسيح مع روحكم. آمين".

2- توصيات أخيرة (4: 1- 3)
أ- إذن، يا اخوتي الأحبّاء (آ 1)
إنّ الأداة "هوستي" (إذن) تربط هذه الآية مع ما سبق. هي تختتم حضّاً على الثبات يتواصل حتى آ 8- 9. "أثبتوا". أي لا تتراخوا أمام الهرطقة، ولا تتركوا الخطّ الذي رسمه الانجيل. "أثبتوا معاً" تجاه الأخطار التي تهدّد وحدة الجماعة (1: 27). وأخيراً، واجِهوا جميع الصعوبات والآلام التي تتضمنّها الحياة المسيحيّة. واهربوا من المواقف "الملائكيّة" التي تدعوكم إلى العيش خارج الجسد وخارج الواقع. فالإنسان ليس بملاك. إنه إنسان يحيا في محيط محدّد. لهذا، يجب أن يكون هذا الثبات "في الربّ"، أي في الخضوع لذاك الذي هو وحده سيّد الجماعة لأنه سيّد التاريخ وسيّد الكنيسة (2: 6- 11).
في هذه النظرة لا يستطيع قارئو الرسالة إلاّ أن يكونوا "أخوة بولس"، "سروره وإكليله". وموضوع الفرح الذي يميّز فل نجده هنا أيضاً. وما جاء به هو صورة "الإكليل" (ستافانوس). نحن نقرأ في 1 تس 2: 19: "أنتم رجاؤنا وفرحنا وإكليلنا الذي به نفتخر أمام ربنا يسوع في عودته". وهكذا تتحدّد هذه الآية في موقع اسكاتولوجيّ بدأ مع 3: 20- 21. إن "جائزة الجري" (3: 14) الذي قام به الرسول، إن هذا الاكليل (رج 1 كور 9: 25؛ أم 16: 31)، هو في الحقيقة جماعة الذين يقودهم إلى المسيح (1: 6؛ 2: 15 ي؛ 2 كور 3: 2).
ب- افودية وسنتيخي (آ 2- 3)
بعد أن تحدّث بولس عن تيموتاوس وابفروديتس، ذكر أشخاصاً آخرين. وسوف ينهي بتحريض عام يحتلّ فيه الفرح موضعاً مركزيّاً. فعبر الصعوبات التي تعرفها جماعة فيلبّي (آ 2؛ رج 1: 27- 2: 18)، يبقى المستقبل مفتوحاً، تُحرّكه ديناميّةُ الانجيل (آ 3) واقترابُ ربّ الفرح والسلام.
لعبت النساء دوراً هاماً في الجماعات البولسيّة (روم 16) ولا سيّما في فيلبّي (أع 16: 13 ي). فلا نعجب إن ذكرَ الرسول هنا اثنتين شاركتا في تأجيج الخلافات في الجماعة (2: 3). لا نعرف شيئاً عن هاتين المرأتين اللتين ورد اسماهما مراراً في العالم اليونانيّ. "أفودية" أي الطريق السهلة الطيّبة. "سنتيخي" أي اللقاء. فكأني ببولس يقابل بين اسميهما وسلوكيهما. وقد رأت مدرسة توبنغن في هاتين المرأتين رمزاً إلى الجماعة المسيحيّة الآتية من العالم اليهوديّ، وتلك الآتية من العالم الوثنيّ. هي مجرّد فرضيّة بالنسبة إلى شخصين حقيقيّين.
ومهما يكن من أمر، ما زال الرسول يستعمل لغة الإقناع. رج فعل "باراكالو" الذي يعني "نصح، أشار، توسّل"، والذي يرد مرّتين. والمهم في كل هذا هو أن تقف هاتان المرأتان "أمام الربّ" (2: 19).
ماضيهما هو في صالحهما، ويجب أن يدفعهما للعودة إلى ذاتهما. فهما تعلمان ما هو الانجيل الحقيقيّ الذي لأجله جاهدتا بجانب الرسول (1: 27). لهذا يجب مساعدتهما. ووسيط هذه المساعدة هو شخص سّري: سيزيغوس. أو "الرفيق". هناك من يقول إن "سيزيغوس" كاسم علم غير موجود في اليونانيّة. ومقابل هذا، يقول آخرون: إن لم يكن اسم علم، فكيف يتعرّف الفيلبيّون إليه؟ هذا مع العلم أن تحويل اسم الجنس إلى اسم علم أمر متواتر في العالم اليونانيّ. وهناك الصفة "غنيسيوس" (الصادق، الحقيقي) التي لا يمكنها أن ترتبط باسم العلم (هناك من قال سيزيغوس المعروف).
إنّ لفظة "غنيسيوس" (2 كور 8: 8؛ 1 تم 1: 2؛ تي 1: 4) تصف مهمة تيموتاوس في فل 2: 19. لهذا نظنّ أنه حين يصل إلى فيلبّي سيعيد التناغم إلى الجماعة. وإليه يتوجّه بولس لا إلى ابفروديتس ولا إلى سيلا ولا إلى لوقا. نشير مرة أخرى إلى الروح الجماعيّة في سياق ترد فيه خمس كلمات مع "سين" (مع). ونفهم أن بولس أراد أن يشدّد على صفة هذا الموفد من أجل المهمة التي يطلبها منه.
ولكن لم تكن افودية وسنتيخي وحدهما في الجهاد بجانب الرسول. فهناك العاملون معه والذين دوّنت أسماؤهم في "سفر الحياة". في السفر الذي فيه يتسجّل المختارون الموعودون بالحياة (دا 12: 1؛ خر 32: 32 ي؛ مز 69: 29). الله يعرفهم وهو يعلم أنهم يخصّونه. وبين هؤلاء نجد اكلمنضوس الذي ظنّ بعضهم أنه قد يكون اكلمنضوس أسقف رومة.

3- فرح في الربّ (4: 4- 6)
أ- نداء إلى الفرد
نجد في بداية ف 3 رسمة سريعة لموضوع 4: 4- 6: "وأخيراً يا أخوتي إفرحوا في الربّ". فكأني ببولس وصل إلى الفكرة الهامة التي احتفظ بها للخاتمة. ولكن ما إن بدأ الرسول بموضوعه حتى أوقفه. فتذكّر فجأة أنّ عليه أن يتكلّم أيضاً عن خطر يهدّد كنيسة فيلبّي: مسيحيّون أشرار يضعون الفوضى. لهذا حذّر منهم المؤمنين الحقيقيّين. غير أنّ بولس لا يجعل نظرته كلها على "عمّال السوء". فهو يرى حالاً بجانبهم التلاميذ الذين هم "سروره واكليله". وها هو يعود إلى موضوع الفرح الذي يفيض من قلبه. "إفرحوا في الربّ على الدوام، وأقول أيضاً افرحوا".
إنّ لصيغة الأمر هنا المعنى القويّ. لسنا فقط أمام تحريض، بل أمام وصيّة تتكرّر لتُغرز في قلب المؤمنين: "وأقول أيضاً افرحوا". غير أن على الفيلبيّين أن يتألّموا من أجل المسيح (1: 29). فكيف يتجاسر بولس ويقول لهم إن عليهم أن يفرحوا؟ هو يستطيع لأنه هو نفسه "في القيود" (1: 7). وبدلاً من أن يبكي وينوح، ها هو ينشد فرحه (1: 18).
ما هي ميزات هذا الفرح الذي إليه يدعو الرسول المسيحيّين؟
ب- ميزات الفرح
* هو فرح "في الرب" (آ 4)
لسنا أمام فرح من أي نوع كان. لسنا أمام عاطفة نستخرجها من ملذّات هذا العالم. قال بولس: "إفرحوا في الربّ"، أي في المسيح الذي مات على الصليب لأجلنا وقام من بين الأموات.
غير أننا نجد في العبارة التي استعملها بولس شيئاً لم نعتَد عليه. عادة لا نفرح "في" شخص بل "بسبب" شخص الذي سيأتي فيغدق علينا خيراً من الخيرات. أما هنا فكتب الرسول "في الربّ" فاستعاد عبارة ذات بُعد لاهوتيّ عميق. فالفرح في الربّ هو فرح ينتج عن اتحّاد بالمسيح، هو فرح داخلي ينقله المسيح إلى أعضاء جسده السّري بالإيمان (روم 15: 13). هو فرح لا تدمّره الضيقات التي تأتي من الخارج (2 كور 7: 4؛ روم 12: 12).
* هو فرح متواصل (آ 4)
جمع بولس الفرح والصلاة المتواصلين في 1 تس 5: 16- 17: "كونوا فرحين على الدوام وصلّوا بلا انقطاع". ويرافق وصيّةَ الصلاة الظرفُ "دوماً" أو "بلا انقطاع". وهذا ما نجده في إطار الحديث عن الصلاة.
* هو فرح تداخله المحبّة (آ 5 أ)
أوصى بولس المسيحيّين بالحلم والعطف، كاستعداد أساسيّ للنفس يقابل الفرح والسلام. وتمنّى أن يسطع هذا على عيون الجميع. فالفرح المسيحيّ، وإن لم يظهر في الخارج ظهوراً فيه الضجّة والخشونة، يبقى فرحاً ينتقل إلى الآخرين، يبقى شعاع شمس يعطي الدفء لجميع البشر. ونحن نلاحظ هذه الوداعة والعطف والرزانة، لأنها تتنافى مع قساوة هذا العالم.
* فرح اسكاتولوجي (آ 5 ب)
"الرب قريب". وهنا أيضاً، الربّ هو المسيح يسوع. قد نتخيّل أن بولس يريد القول بأن الخالق قريب من خليقته حين يخلقها. غير أن هذه الفكرة على حقيقتها وجمالها، ترتبط بنظرة ميتافيزيقيّة لم نعتَد عليها عند الرسول. وقد نظنّ أننا أمام قُرب أدبيّ كما في مز 34: 19؛ 145: 18: الربّ قريب من الذين يدعونه، من الذين هم في الضيق. وبعبارة أخرى، هو مستعدّ لأن يساعدهم. ولكن ليست تلك طريقة بولس في التعبير عن أفكاره.
عندما ينسب العهد الجديد إلى المسيح لفظة "قريب"، فهو يشير دوماً إلى حدث الملكوت (مت 24: 32- 33 وز؛ 26: 18؛ رج لو 19: 11). ونقول الشيء عينه عن فل 4: 5. فمنذ بداية الرسالة، وُجدت فكرة عودة المسيح في قلب اهتمامات الرسول (1: 6- 10)، الذي يُعنى بتهيئة المسيحيّ لذلك اليوم. أما هنا فتبدو فكرة عودة المسيح باعثاً للفرح.
في 1 تس اعتبر الرسول المجيء قريباً. وهو سيحصل قبل أن يختفي الجيل الحاضر (4: 15). وفسرَّ مت 24: 34 في هذا المعنى. وقد كان هناك تقليد نبويّ يعود إلى العهد القديم، فيرى قرب تدخّل الله العظيم من أجل شعبه. وفي هذا التقليد، كان لكلمة "قريب" بعدٌ نوعيّ لا بُعد كميّ: فهي تمثّل موضوعاً اسكاتولوجياً وصورة جليانيّة (رج رؤ 1: 3؛ 22: 10). إذن، يبقى التحديد الكرونولوجيّ أمراً نسبياً.
وسيقول يوحنا في شكل آخر: "يا أبنائي الصغار، ها قد جاءت الساعة الأخيرة" (1 يو 2: 18). فهنا كما في مثل العمّال الذين أرسلوا إلى الكرم، تمثّل الساعة إحدى حقبات تاريخ البشريّة. وتجاه حدث مهمّ جداً مثل عودة المسيح، تبدو سائر الأحداث بلا أهميّة، ويبدو المدى الزمنيّ قصيراً.
فعلى التفكير بهذه "العودة" (باروسيا) أن يملأ قلب المسيحيّ فرحاً: حين نحبّ شخصاً يفيض قلبنا فرحاً حين نعلم بقدومه. وفي الوقت ذاته تمّحى كل فكرة حزن قد نكون احتفظنا بها. لهذا، فعودة المسيح تضع حداً لكل ظلم ولكل مشكلة تقلق بالنا.
* فرح كله استسلام (آ 6)
وأوصى بولس المؤمنين بأن لا يقلقوا. فالثقة والاستسلام ينتجان بشكل مباشر من إيمان عميق. منذ العهد القديم، دعا المرنّم المؤمن أن يلقي همّه على الربّ (مز 37: 5؛ 55: 23). وشرح صاحب سفر الأمثال لماذا الاستسلام للربّ يليق بالإنسان، ويدلّ عنده على حكمة كبيرة. فحسّ الإنسان تجاه عقل الربّ يبقى ضعيفاً (أم 3: 5). وجعل يسوع (في عظة الجبل) من الاستسلام لله متطلّبة أساسيّة من متطلّبات الملكوت (مت 6: 24- 34).
وتسليم همومنا للربّ، لا يعني التخفّي عنها أو الاستقالة واللامبالاة. بل يتضمّن نشاطاً داخلياً. فعلى المسيحيّ أن يقدّم همومه إلى الله "في الصلاة والابتهال مع الشكر". إن هذه العبارة بما فيها من إسهاب، تجمع الشكر إلى الطلب. ونحن نفهم هذا بطريقتين متكاملتين لا متعارضتين: لا نطلب شيئاً للمستقبل دون أن نشكر على النعم التي حصلنا عليها في الماضي (لا سيّما نعمة الفداء، كو 1: 12- 13). ولا نطلب شيئاً دون أن نبارك الله بشكل مطلق بسبب سموّ عطاياه (كو 3: 17؛ أف 5: 4، 20؛ 1 كور 11: 24).
* فرح يتفتّح في السلام (آ 7)
السلام هو ما يحيط بكل وجهات السعادة. السلام ينتمي إلى الواقع الاسكاتولوجيّ لأنه يرتدي طابع الملء، والكمال. وسنعود إلى ذلك في المقطع التالي.

4- سلام الله في المسيح يسوع (4: 7- 9)
يُبرز الرسولُ هنا حول السلام الذي يعطيه الله في المسيح يسوع، موضوعين قد يكفي كل منهما نفسه بنفسه. ولكنهما يبدوان متكاملين. في آ 6- 7: كيف نحمل همومنا في الصلاة؟ في آ 8- 9: ممارسة الفضائل الإنسانيّة وتطبيق التعليم الذي حمله بولس إلى أهل فيلبّي.
أ- الهموم وحياة الصلاة
أمام هموم الحياة، أوصانا بولس بموقف يسري في كل الظروف. ولكن عندما يقول "لا تهتمّوا بشيء"، فهو يدلّ على هموم تشغل قرّاءه وهي كثيرة.
إذا كان كل شيء يؤدّي إلى مجد المسيح (1: 21)، فالسجن يضايق الرسالة المباشرة التي يقوم بها الرسول، وقد يحمل إليه الموت. إن حُكم على بولس، فهو يستطيع أن يستأنف، وقد يُجبر على الذهاب إلى رومة. وهكذا يبتعد عن المؤمنين وتطول سنوات الأسر. وتزاد على صعوبات بولس هذه الشخصيّة، صعوباتُ مسيحيّي فيلبّي والمرتدّين من الوثنية. وهناك الخصومات والحسد في غياب بولس، وهناك الجدال بين النساء التقيّات (4: 2).
لا نجد عند الرسول أثراً لتفاؤل غبيّ يُنسيه هموم الحياة، أو يحمله على تصغير حجمها. وإذ ينظر إليها بشجاعة، يطلب منا أن لا تصبح همومنا باعثاً على القلق. فإن غرقنا فيها لا نستطيع أن نتجاوزها.
سيتوسّع لوقا ومتّى في هذا الموضوع. "لا تهتمّوا للغد". وأوصيا بالثقة بالله والاستسلام إلى العناية. "يكفي كل يوم شُّره" (رج مت 6: 25- 34؛ 10: 19؛ لو 11: 22؛ 12: 11). ودلاّ على أن هذا الاستسلام يجتذب إليه صلاة واثفة (مت 7: 7- 11؛ لو 11: 9- 13).
وقدّم بولس بدوره دواء لهمومنا، صلوات متواصلة ومتجدّدة. وهذه الصلوات يتداخلها الشكر. فالهموم الحاضرة لا تولّد القلق إلاّ إذا أبعدتنا عن النظرة الإيمانيّة، النظرة إلى حسنات الله التي لا تنقطع. وحين نتذكّر هذه الحسنات، نصلّي واثقين بأن الله يرافقنا في عنائنا وينجّينا بالطرق التي يريد. أو قد يريد أن يظهر قوّته في ضعفنا، فيقول لنا ما قاله لبولس: "تكفيك نعمتي، وفي الضعف تظهر قوّتي" (2 كور 12: 7- 10).
ب- سلام الله وإله السلام (آ 7)
والسلام الذي تُحدّثنا عنها التوراة ليس فقط غياب الحرب، بل ملء السعادة. وهو يتضمّن الراحة والصحة والوفاق.... هو ثمرة البرّ ولهذا يجب أن نستحقّه وندافع عنه.
هذا هو سلام الله الموعود به. إنه الهدف الطبيعيّ لسلوك المسيحيّ. والذين مارسوا الفضائل الإنسانيّة وتعليم الخلاص، يتأكّدون وحدهم من حضور إله السلام (آ 9). إله السلام هو الإله الذي يعطي السلام.
فإن كان هذا السلام يتجاوز كل فهم، يتجاوز كل ما يمكن أن نتخيّله، فهذا لا يعني أننا نضعه فوق مجهودنا العقليّ: لا يكفي أن نتصوّره أو نتكلّم عنه، بل نطلب من الله بأن نشعر بنتائجه. وحين يخلّصنا هذا السلام من القلق، فهو يجعل بلا جدوى مجهود تفكيرنا وتصوّرنا.
على مستوى العهد القديم لا يصوّر سلامُ الله بحصر المعنى السلامَ الإلهي، السلام على أنه صفة إلهيّة. بل السلام الذي يستطيع الله وحده أن يعطيه للبشر. وليس هناك من سلام إلاّ حيث يملك الله على القلوب والأفكار. أما عند بولس، فهذا السلام يُعطى لنا في المسيح يسوع: فيه وبه. وهذا ما يعطيه بُعداً يجهله العهد القديم. فبما أن يسوع هو في الوقت عينه إله وإنسان، فهو يعطينا حقاً سلامه، ونصبح نحن جديرين بأن نتقبّله. "سلامي أتركه لكم، سلامي أعطيكم" (يو 14: 27). هذا ما قاله يوحنا. وتمنّى لنا بولس فقال: "ليملك سلام المسيح في قلوبكم" (كو 3: 15).
غير أننا نستطيع أن نقول أيضاً إن المسيح هو موضع هذا السلام الذي نعيشه بقدر ما نعيش في المسيح. ويذكّرنا بولس أن اليهود والوثنيين صاروا قريبين في المسيح يسوع، في دمه (أف 2: 13). ويتابع في آ 14 فيقول: "لأنه هو سلامنا، وقد جعل من الاثنين شعباً واحداً".
ج- شعائر العبادة وممارسة الفضائل (آ 8)
هناك تعارض لافت بين موضوع رفيع قرأناه في آ 6- 7، وعودة إلى اعتبارات حول الفضائل الإنسانيّة في آ 8. بعد هذا نقرأ في آ 9 تذكيراً بالمتطلّبات المسيحيّة. وأعطى بولس أربعة أهداف واضحة: ما هو عادل. ما هو نقيّ. ما هو حقيقيّ. ما هو شريف. ثم وسّع البحث باتجاه ما يُحبّ ويكرم، ما هو أهل للمديح، ما يستحقّ اسم فضيلة.
إنّ هذا التعداد يختلف عن لوائح الفضائل المسيحيّة التي نمارسها، والتي يقدّمها الرسول رابطاً إيّاها بشكل واضح بالمحبّة وسلام المسيح (كو 3: 12- 14). إن الألفاظ التي يستعملها بولس هنا نادرة عنده، ولكننا نجدها في السبعينيّة كما في اللغة الدينيّة الهلنستيّة. كما نمتلك هنا الاستعمال الوحيد لكلمة "فضيلة" (أراتي). وإذا عدنا إلى الفضائل الأساسيّة الأربع في الخلقيّة القديمة وهي: التعقّل، التصرّف كإنسان، السيادة على الذات، والعدالة، إذا عدنا إليها، لن نجد في لائحة بولس إلاّ العدالة.
ولقد طلب منا بولس أن نجعل من هذه الفضائل الإنسانيّة مثالنا، أو أقلّه أن نأخذها على عاتقنا. أما في آ 9، فسيفرض بكل بساطة ممارسة التعليم المسيحيّ. هو لا يريد أن يقول لنا إنه يجب علينا أن نتأمّل فيها قبل أن نمارسها. بل يجب علينا أولاً أن نعرف ونحترم الخلقيّة الطبيعيّة كما هي موجودة في العالم الوثنيّ. فما يعرفه هؤلاء، يجب أن يعرفه المسيحيّون أكثر منهم، كما يجب عليهم أن يمارسوه. بعد هذا، ستفرض عليهم معرفة الإله الحقيقيّ أن يخطوا خطوة إلى الأمام ويمارسوا هذه الفضائل بدقّة وصرامة.
د- أمانة ناشطة (آ 9)
ليست المسيحيّة أولاً تعليماً أخلاقياً، وليست بشكل خاص تعليماً أخلاقياً يختلف عن سائر التعاليم. فبولس يقدّمها لنا كنتيجة وحي. وإن معرفة الله تتضمّن معرفة الوصايا: "ما تعلّمتموه وتسلّمتموه... مارسوه". ثم إنه يشدّد بشكل واضح على ضرورة حفظ ما تسلّمناه لكي ننقله (رج غل 1: 9؛ كو 2: 6؛ 1 تس 2: 13). نحن نلاحظ أنه منذ موت الرسل امتلكت الكنائس فكرة واضحة جداً عن "التقليد الرسوليّ".
وزاد بولس على هذا الغنى المشترك لمسَته الخاصة: شدّد على ما علّمه هو ودلّ المؤمنين عليه. ما خاف أن يقول: "إقتدوا بي جميعكم أيها الإخوة، وتبصّروا في الذين يسلكون على المثال الذي لكم فينا" (3: 17). وهو يحدّد هنا: "ما تعلّمتموه وتسلّمتموه وسمعتموه مني ورأيتموه، فبه اعملوا". لا يكفي أن نكرز. بل يجب أن تتوافق حياتنا مع المثال الذي أمامنا. ويظنّ الرسول بيقين وبساطة أنه يقوم بمجهوده في هذا المجال.
غير أنه ليس بفرّيسي صالح قد استفاد من دروس الربّ ليجعل سلوكه يتوافق مع كلامه، فلا ينال توبيخ مت 23: 3 (يقولون ولا يفعلون). فدعوته التي كرّرها مراراً (رج 1 تس 1: 7؛ 2 تس 3: 7) تستند إلى ما يؤسّس حياته: البحث عن المسيح والاقتداء به. "إقتدوا بي كما أقتدي أنا بالمسيح" (1 كور 11: 1). لسنا فقط أمام "سعدنة" واقتداء حرفيّ يتوقّف عند شخص بولس. هنا نسمع كلام الرسول في 1 كور 1: 13: "هل تجزّأ المسيح؟ هل صُلب بولس لأجلكم؟ هل اعتمدتم باسم بولس"؟
إذن، كل شيء مرتّب بالنسبة إلى المسيح في حركة تظهر داخل الكتب الروحيّة العديدة التي تتحدّث عن الاقتداء بالمسيح. ولكننا نلفت نظر الذين أوكل إليهم نقل تعليم المسيح وحياته: إنهم مسؤولون عن النقل الصحيح. ونحن مدعوّون اليوم أيضاً للرجوع دوماً إلى المسيح عبر الرسل. كما علينا أن نأخذ بعين الاعتبار ما تنقله الكنيسة من تعليم اغتنى واغتنى على مرّ العصور. بعضهم يهتمّ بالأمانة لمسيح "جامد" عبر كنيسة تبدّل وجهُها مع كل جيل. والبعض الآخر يحسّون بأمانتهم لكنيسة متحرّكة وقد أوكل إليها أن تدلّ على المسيح وتنقل تعليمه. ولكن في كلا الحالين، نحن مدعوّون إلى الأمانة الخلاّقة، لا تلك التي تكتفي بالتكرار الماديّ الذي يقود إلى أصوليّة متحجّرة.

خاتمة
وهكذا انتقلنا من الوفاق على مستوى الكنيسة المحليّة (بين افودية وسنتيخي)، إلى نداء إلى الفرح بدا امتداداً لجوّ الفرح الذي رافقنا طوال الرسالة إلى أهل فيلبّي. وبعدها نصل إلى السلام الذي يفوق كل فهم، ويحفظ القلوب والأفكار في المسيح يسوع. فالفهم الذي يجعله الفيلبيّون في منازعاتهم يجب أن يخضع في النهاية إلى السلام الذي يعطيه الله. واتّفاق الرأي لا يكون ممكناً إلا لأن السلام قد قام بين الله والبشر بواسطة يسوع المسيح. وهذا السلام يصل إلى القلوب والأفكار. فالقلوب هي موضع الإرادة وكل تصرّف فرديّ وجماعيّ. والأفكار قد تضلّ. لهذا هي تحتاج إلى حدود تجدها في المسيح، أي في عمل الله العظيم الذي ما زال يتوسّع اليوم والذي يجد أساسه في حدث الصليب والقيامة.
الفصل السادس عشر
شكر على المعونات المرسلة
4: 10- 23

إن هذا المقطع من فل هو محدّد تحديداً دقيقاً بحيث رأى فيه عددٌ من الشرّاح رسالة جاءت في البدء مستقلّة ثم أقحمت في الرسالة إلى فيلبّي. هذا لا يعني أن هذا الرأي يفرض نفسه. غير أننا نلاحظ في الواقع أن موضوعاً واحداً يجمع أجزاء هذه المجموعة: شكرَ بولس أهل فيلبّي على الهديّة التي أرسلوها إليه بواسطة ابفروديتس (2: 25- 30). وسبق لبولس أن عبّر عن شكره في "بلاغ" شفهيّ سابق (2: 26). وهو الآن يقدّم بشكل خطيّ خطابه الشفهيّ. والسبب واضح لدى قراءة هذه المقطوعة: فلسنا فقط أمام شكر بسيط، بل أمام توسيع في فقاهة حقيقيّة ترتبط بظرف معيّن. إنطلق بولس من "مالٍ" تسلّمه، فبيّن لنا المدلول اللاهوتي والرعائي لهذه التقدمة التي تسلّمها من أهل فيلبّي.

1- المعنى اللاهوتي والرعائي
أ- استقلاليّة الرسول
"فرحت... إذ رأيت أخيراً أن عواطفكم نحوي قد أزهرت" (آ 10). هل نحن أمام لوم متحفّظ، ولا سيّما مع لفظة "أخيراً" (رج روم 1: 10)؟ يدلّ بولس على أن اهتمام الجماعة به قد "أزهر" في النهاية. ومهما يكن من أمر، فالفرح يسيطر هنا. وينبوع هذا الفرح وعلّة وجوده هو الربّ. وهو يُختبر في الكنيسة ولا ينفصل عن علاقات المحبّة القائمة بين أعضائها. هذا الفرح يفترق عن فرح "طبيعي" و"طوعيّ". إنه كالحبّ الذي يتفرّع عنه. ولهذا يمكن أن يكون موضوع وصيّة سوف يكرّرها بولس. "وبعد أيها الأخوة إفرحوا في الربّ" (3: 1 أ). "إفرحوا في الربّ على الدوام، وأقول أيضاً إفرحوا" (4: 4). "وبعد أيها الأخوة، كونوا فرحين" (2 كور 13: 11).
يعذر بولس مراسليه، وإن كنا لا نعرف الظروف التي جعلتهم يتأخّرون في مدّ يد المعونة له. ما يهمّه بالأحرى هو أن لا يظنّوا أنّه يطلب العطايا بفعل الحاجة. فمهنته كرسول علّمته أن يكون حراً تجاه كل عون بشريّ. لم يعرف فقط أن يعيش في الفقر، بل (وهذا أصعب) أن يستغني عن إرضاء حاجاته تجاه الجوع أو العري. قال في 1 كور 4: 11: "ونحن حتى هذه الساعة نجوع ونعطش ونُعرى ونلطم". وفي 2 كور 6: 4 ي: "بل في كل شيء نظُهر أنفسنا خدّاماً لله. بالصبر الكثير في المضايق والشدائد والمشقات، تحت الضرب وفي السجون والاضطرابات والأتعاب والأسهار والأصوام". وفي 11: 23- 24: "في الأتعاب أكثر، في السجون أكثر... ضُربت بالعصي، انكسرت بي السفينة ثلاث مرات...".
نحن هنا أمام الحرية، لا أمام تنسّك وبحث عن إماتة. وفي هذا يشبه بولس بعض الشيء الفلاسفة الرواقيين الذبن توخّوا أن يجعلوا نفوسهم في السلام بواسطة اللامبالاة تجاه ظروف الحياة الطبيعيّة. ولكننا نخطىء إن حصرنا الرسول داخل هذا التيار الفكريّ. فالاستقلاليّة التي يطلبها ويطالب بها في كل الظروف، هي في الواقع تبعيّة وارتباط. فبولس، شأنه شأن كل مسيحيّ، لا يرى شكلاً آخر من أشكال الحرّية إلا التعلّق بالمسيح. هو عبد يسوع المسيح. وقيوده (1: 7، 13، 17) هي علامة تدلّ على تبعيّته هذه.
غير أن المسيح الذي يهب الرسول نفسه له، بعد أن تحرّر من كل عائق أدبيّ، هو المسيح الذي يبشرّ به. والاستقلاليّة التي نتحدّث عنها هي الفراغ الذي يتيح للمحبّة الرسوليّة أن تجتاح قلب الكارز بالإنجيل، وتجعل الراعي مهتماً معتنياً بجماعته. تجعله خادماً للرعيّة كما هو خادم للمسيح. قال في 1 كور 9: 19: "فإذ كنت حراً من الجميع عبّدت (جعلت نفسي عبداً) نفسي للجميع لكي أربح الكثيرين".
وهناك عبارة أخرى تبعدنا كل البعد عن حلقات "الفلسفة". بولس هو كلّه في ذاته حين يعلن استقلاليّته. فيقول: أنا كل شيء في ذلك الذي يقوّيني. ونحن نفهم هذا السلطان في سياق النصّ. لسنا أمام إمكانيّة تامة بأن نحقّق ما نريد، بل بالأحرى أمام سلطان لا حدود له بأن نتحمّل كل شيء. فبولس لا يُقهر أمام المحن والمضايقات، وهو يفتخر بذلك. غير أنه يؤكّد حالاً أنه لا يستخرج هذا السلطان من قواه الخاصّة. فالمسيح لم يُخفِ عليه شيئاً حين أعلن له: "تكفيك نعمتي" (2 كور 12: 9). ويقول بولس بشكل مفارقة: "حين أكون ضعيفاً، حينئذٍ أكون قوياً" (2 كور 12: 10 ب). وهذه القوّة التي يفتخر بها بولس بلا تردّد، هي قوّة قيامة المسيح (فل 3: 10) التي يشارك فيها الإنسانَ يسوع بالإيمان والمعموديّة، ساعة يموت فيه كائن الكبرياء والضعف البشري.
ب- قيمة هديّة ماليّة
بعد أن قال بولس ما قال، لم ينتقد ما فعله الفيلبيّون، بل رأى أنهم أحسنوا. إذن، لسنا أمام موقف متصلّب. وإن رفض بولس أن "يتاجر بكلمة الله" (2 كور 2: 17)، فهو يعرف أن يقدّر هذه الهديّة قدرها: هي مشاركة صادقة في العمل الرسولي الذي يتمّه الرسول الآن وهو في القيود (1: 7، 12- 14). ويمكن أن تكون هذه المشاركة حاضرة في ظروف أخرى.
هذا ما يدعونا إليه بولس ذاكراً مختلف عطايا الفيلبيّين. فليست هي المرّة الأولى التي فيها دلّت هذه الجماعة على سخائها. فما إن ترك فيلبّي بعد تأسيس الكنيسة فيها، حتى أرسل إليه أهلها معونة إلى تسالونيكي (رج أع 16: 4- 17: 1). وما يدهشنا هو أن كل هذ السخاء ليس عوناً للرسول بقدر ما هو فائدة "للمسيحيّين". ويستعمل بولس لغة التجارة حين يكتب أن ما يطلبه حين يتقبّل هذه الهدايا، ليست الهدايا في حدّ ذاتها، بل "الثمر (أو: الفائدة كما المال في المصرف) الذي يُضاف إلى مالكم" (4: 17).
يجب أن يكون المؤمنون سعداء. فهم حين يشاركون في الكرازة بالإنجيل، إنما يجلبون على نفوسهم خيرات الله وبركاته. "مقابل هذا، سيملأ إلهي كل احتياجاتكم على حسب غناه وكرمه في المسيح يسوع" (4: 19). ليس الجزاء بعيداً، ولكننا نعيش في انتظاره (3: 20). وما عمله الفيلبيّون يتسجّل في سلسلة الأعمال الأخلاقيّة التي يقابلها بولس مع أعمال العبادة الطقسيّة: "عطر طيّب العرف، ذبيحة مقبولة لدى الله، مرضيّة" (4: 18 ب؛ رج تك 8: 21؛ خر 29: 18، 25، 41).
فالعبادة الحقة تتمّ في المحبّة وبالمحبّة. هذا ما نقرأ في عب 13: 16: "أما الاحسان والمشاركة في الخيرات، فلا تنسوهما، لأن الله يرتضي مثل هذه الذبائح". وينهي بولس كلامه منشداً الله في مجدلة تشبه ما في غل 1: 5؛ روم 16: 17؛ أف 3: 21؛ 2 تم 4: 18، فتورد إحدى عبارات الليتورجيا المسيحيّة: "لإلهنا وأبينا المجد إلى دهر الدهور. آمين".

2- كلام شكر إلى أهل فيلبّي (4: 10- 17)
أ- شكر متحفّظ
هنا نحن أمام شكر وجّهه الرسول إلى أهل فيلبّي حين تسلّم عونهم الماديّ بواسطة ابفروديتس. ولكن حين يشكر بولس، فهو لا يطلق العنان لفرحه. أيكون أن الفيلبيّين تجاوزوا توصية الرسول فأرسلوا إليه هذه المعونة الماديّة؟ نحن نعرف كم كان بولس يغار على استقلاله الماديّ الذي كان له مصدر سوء تفاهم ولا سيّما في كورنتوس. غير أن الوضع يبدو هنا مختلفاً.
وتلفت انتباهنا آ 17: "لا أني ابتغي العطيّة". هذا يعني أن الفيلبيّين ظنّوا أن بولس يطلب العطيّة. فكيف يكون عونهم طوعياً؟ لهذا نظنّ أن بولس طلب مساعدة من كنيسة فيلبّي. وقد يكون السبب العلاقات "الباردة" مع الجماعة المحليّة (1: 15- 10)، فما أراد أن يطلب منها مدداً. كان في حاجة إلى مال من أجل مشاريعه الرسوليّة، أو ربّما من أجل الدفاع عن نفسه في المحكمة.
في هذا المنظار نفهم لفظة "أخيراً" (آ 10: 1 ي: لقد تأخرّتم)، كما نفهم تشديده أنه كان بإمكانه أن يستغني عن هذه العطايا (آ 11- 13)، وقوله إلى أهل فيلبّي بأنه لم يطلب من أحد غيرهم (آ 15- 17). وهكذا أبرز المعنى العميق لهذا الطلب، وهو أن يضمّ الجماعة إلى العمل المشترك، إلى الكرازة بالإنجيل.
ب- فرحت في الرب (آ 10- 11)
ينطبع هذا المقطع بطابع الفرح. وهذا الفرح هو "في الربّ". وما يسبّبه هو الأخوّة التي أظهرها الفيلبيّون تجاه الرسول فدلّت على أن المسيح هو الربّ في كنيسته. لقد "أزهرت" هذه الأخوّة مرة أخرى، أو هي خرجت من الجماعة كما البرعم من الشجرة بعد فصل الشتاء. وهكذا نفهم الفعل "اناتالاتي" في معنيين. في معنى التكرار، قدمّتم مرة أولى عطيّة، وها هي المرة الثانية. أي اهتمتم مرة ثانية. "أزهرتم" على مستوى الاهتمام. وفي معنى التفكير بالرسول. نسيتم أن رسولكم في ضيق. لهذا "أزهر" اهتمامكم تجاهي. أي اهتممتم بأن تقوموا بواجبكم وإن متأخّرين.
إرتاح بولس بعض الشيء حين وصل إليه المدد. ولكنه لام بعض الشيء "أصدقاءه" في فيلبّي. واهتمام أهل فيلبّي يرافقه فعل "فرونيو" الذي تحدّثنا عنه بشكل خاص في 2: 3 ي. في 1: 7، استعمل الرسول البنية عينها (فرونيو، هيبر) فعبّر عن اهتمامه بقرّائه.
نستطيع أن نرى في نهاية الآية عبارة سببيّة ترتبط مع "فرحت"، فتدلّ على سبب آخر للفرح. أو عبارة موصوليّة تعيدنا إلى أحد عناصر العبارة السابقة. مهما يكن من أمر، نرى في هذه الجملة تخفيفاً للوم الذي وجّهه الرسول إلى أهل فيلبّي: ليس الفيلبيّون مسؤولين عن تأخّر المدد، بل الظروف.
وهناك اعتراض يجب أن نزيله حالاً (آ 11). إن بولس لا يتكلّم مدفوعاً بالحاجة. فالرسول عرف في مدرسة الرسالة أن يتعامل مع جميع الظروف ومع جميع الأشخاص. عرف أن يكون مستقلاً لا استقلال الإنسان الذي يكفي نفسه بنفسه، بل الإنسان المستند إلى الله. بما أن الرسول عرف أن لا يرتبط إلا بالله، اقتنى الحرّية الحقيقيّة.
ج- أعرف أن أعيش (آ 12- 14)
ويشرح لنا بولس الآن لماذا لا يمكن للفقر أن يكون الدافع لسلوكه، وكيف تظهر استقلاليّته. نجد هنا تعداداً يشبه ما في 1 كور 4: 11؛ 2 كور 6: 3- 10؛ 11: 23- 24. فما يميّز رسالة بولس مفارقة هي انعكاس للصليب والقيامة: شبع وجوع، وفرة وفقر. وهذا الانحدار يذكّرنا بعمل المسيح المذكور في 2: 8. وهو يعبّر عن وضع ماديّ كما يعبّر عن موقف داخلّي. فالسعة المذكورة هنا مرتين (تُذكر بتواتر عند القدّيس بولس) تميّز الأزمنة الجديدة التي دشّنها مجيء المسيح (1: 19- 26). ويأتي الشبع تجاه الجوع والعوز، فيدلّ على الأوضاع المختلفة التي مرَّ فيها الرسول والتي هي نتيجة ما أراده هو وما فُرض عليه.
وهكذا "تدرّب" بولس، "تدرّج" (ماميماي). الفعل المستعمل هنا هو خاص بالديانات السّرانيّة. هذا لا يعني أن بولس يتحدّث عن هذه الديانات. غير أن الأسرار التي أعطي للمسيحيّ أن يتدرّج فيها لا تُبنى خارج الواقع اليوميّ، بل في داخله وبقدر ما تستنير بقدرة الإنجيل. لهذا تأتي عبارةٌ تجعل بولس بعيداً كل البعد عن المثال الرواقيّ: "أستطيع (أتحمّل) كل شيء في ذاك الذي يقوّيني". وفي 3: 10، أشار الرسول إلى أن القوّة هي قوّة القيامة.
ولكن يجب الوصول إلى المعنى الحقيقيّ والعميق "للمشاركة" (آ 14) التي طلبها الرسول من الفيلبيّين: إنه علامة اتحاد (هذا الاتحّاد لا يحمل غايته في نفسه)، علامة أخوّة تعبّر عن نفسها في جهاد من أجل الإنجيل (1: 12 ي)، وحين صار الفيلبيّون مشاركين في هذا الجهاد الذي هو الجهاد الأخير المطبوع بالمحنة، وصلوا إلى معنى المعونة الماليّة التي أرسلوها. في هذا الجهاد يقف الرسول في الخطّ الأماميّ، ولكن الكنيسة كلّها تجاهد معه.
د- تعرفون يا أهل فيلبّي (آ 15- 17)
لماذا يحسّ الرسول الآن بالحاجة إلى أن يعدّد الهبات التي أوصلها إليه الفيلبيّون؟ هو لا يريد أن يخفّف رضى المعطين عن أنفسهم حين افتخروا بما فعلوا. قد يكون أراد أن يطمئن اخوة ظنّوا أنهم لم يفعلوا له ما فيه الكفاية... حدّث بولس أهل فيلبّي لغة العطف والحنان فاستعمل لفظة التحبّب (رج 2 كور 6: 11؛ غل 3: 1). وأعلن لهم أنهم وحدهم تصرّفوا بهذا الشكل. لا، لبس بولس "متشاجراً" مع جماعته! وجماعة فيلبّي تعرف مكانتها المميّزة في قلب الرسول. أما شاركته منذ البداية وبشكل خاص في مسيرة الإنجيل ونجاحه؟
شاركته منذ البداية. وذلك منذ مكدونية. هذا لا يعني أن الرسول بدأ نشاطه التبشيري في مكدونية حوالي سنة 40! أو أن كل رسالة سابقة لتلك الرسالة لا قيمة لها. ولكن بولس ينطلق من وجهة الفيلبيّين كما من وجهة نشاطه كصاحب المسؤولية الكاملة. ففي أول نشاطه الرسوليّ، هو الثاني في المجموعة، ويأتي بعد برنابا (أع 13- 14). إذن، من الممكن أن يكون الرسول اعتبر اوروبا الحقل الرسوليّ الذي أعطي له بشكل خاصّ، والانطلاقة الحقيقيّة لإنجيله.
فمنذ تسالونيكي (آ 16) المحطّة الأولى بعد فيلبّي (أع 17: 2)، ظهر اهتمام أهل فيلبّي برسولهم. ولكن هذا كان البداية. وتبعه عون آخر وربّما أكثر. في 1 تس 2: 9، أكّد بولس أنه لم يثقّل على قرّائه. ولكنه زاد أيضاً أنه وجب عليه أن يعمل ويكدّ. إذن، جاءت معونة فيلبّي فغطّت جميع حاجاته.
إحتاج الرسول إلى أن يبرّر موقفه. واستعاد عبارة "ليس أن" (هذا لا يعني أني ابتغي) التي سبق وقالها في آ 11، وكرّر فعل "ابيزيتو" (ابتغى). كل هذا يدلّ على أنه يواجه لوماً يتعلّق بسلوكه. لهذا يقول مرة أخرى إنه أراد فقط أن يشرك الفيلبيّين في مشروع الإنجيل، فيزيد "رأسماله" كما يزيد رأس مال مراسليه في يوم الدينونة. أخذ بولس كلمته من عالم المال، وزاد عليها النبرة الاسكاتولوجيّة. وهكذا نقرأ هنا ما سبق وقرأناه في 2: 16.

3- عرف طيّب وذبيحة مقبولة (4: 18- 20)
إن كان هناك من التباس حول نوايا الرسول السابقة، فهذا الالتباس يجب أن يزول الآن: فهو لا يطلب بعدُ شيئاً من الفيلبيّين. "عنده كل ما يلزم، بل أكثر ممّا يلزم". ويأتي فعل "اباخو" (استوفى) فيدلّ على معنى طلب بولس وفعلة مراسليه. فالذي تسلّم حقاً العطيّة هو الله نفسه، فكانت له بمثابة تقدمة يرضى بها. الألفاظ المستعملة هنا نجدها في العهد القديم. كما نجد الموضوع الذي قرأناه في 2: 17: إن نشاط بولس والمعونة التي تسند هذا النشاط، يشكّلان وحدة يحكم فيها الله. إن لفظة "اوارستوس" (مرضيّ) ترجع عند بولس إلى وضع الإنسان أمام الله. رج روم 12: 1- 2؛ كو 3: 20؛ تي 2: 9. وهكذا يكون أمامنا موضوع تأمّل حول معنى المال في كنائسنا.
غير أن الله ليس فقط ذاك الذي يدين، ذاك الذي يحكم (آ 19). إنه قبل كل شيء ذاك الذي يعطي (روم 2: 4؛ 9: 23؛ 11: 12؛ أف 1: 17- 18). وكما أغدق خيراته على بولس في حاجاته، فهو يفيض على الفيلبيّين الخيرات الماديّة والروحيّة. وإذ أراد بولس أن يبيّن هذا التبادل الذي يأتي من الله، استعمل لفظة "إلهي" (رج 1: 3). فسينال الفيلبيّون بغزارة (لا في المجد). سينالون "في المسيح يسوع". سينطبع اغتناء أهل فيلبّي بعلامة الصليب والقيامة، كما بعلامة المجد الموعود بها في الشقاء الحاضر.
وينتهي 4: 10- 20 بمجدلة تدلّ على هدف الرسول العميق (20): إن شكر الرسول يتوجّه قبل كل شيء إلى الله. فهو الذي أعان خادمه بواسطة كنيسة فيلبّي. وانطبعت هذه المجدلة أيضاً بالتقليد الليتورجيّ مع عبارة "دهر الدهور" ولفظة "آمين". وتكرّرت لفظة "الله" التي قرأناها في آ 19. كما تحدّث النصّ عن "أبينا" فجعلنا في إطار الصلاة الربيّة مع بدايتها: "أبانا الذي في السماوات".

4- سلامات أخيرة (4: 21- 23)
كتب بولس إلى جماعة مفسّخة، فما أراد أن يأخذ جانب أحد دون الآخر. لهذا استعمل "كل من القدّيسين". وترك عادته، فلم يسمِّ أحداً في هذه السلامات الأخيرة. مراسلوه هم "قدّيسون" لأنهم ينتمون إلى شَعب الله المقدّس (1: 1). وهذا الانتماء ينطبع بـ "في المسيح". لهذا، لا نقول: سلموا في المسيح، بل سلموا على كل من القدّيسين في المسيح يسوع. ثم إن الرسول ليس وحده. فهو جزء من جماعة مكوّنة من "إخوة" (3: 1) ينضمّون إليه ويرسلون سلامهم إلى كنيسة فيلبّي.
"والقدّيسون" (آ 22) الذين ضمّوا سلاماتهم إلى سلامات الرسول، هل هم الاخوة المذكورون في آ 26، أم هل يشكّلون حلقة واسعة يكوّن الاخوة نواتها؟ لا جوابَ مقنعاً. ومهما يكن من أمر، فقد أحسّ بولس بالحاجة إلى القول بأن الجماعة التي تحيط به هي جماعة حقيقيّة، وسمّى قسماً منها: "الذين هم من بيت قيصر". هم ليسوا أقارب الامبراطور، بل عبيد أو مُعتقون ارتبطوا بقيصر فجعلهم في إدارات الدولة في كل مكان من الامبراطوريّة. لماذا ذكر هذه الفئة؟ ليدلّ على رباطات خاصة بين المسيحيّين وموظّفي الامبراطور.
"نعمة الرب يسوع مع روحكم" (آ 23). استعاد بولس هنا عبارة ليتورجيّة فدلّ على أن رسائله تُقرأ في الاحتفال الليتورجي، وأن شعائر العبادة والاجتماعات هي "موضع" هامّ في الحياة المسيحيّة.
جاءت الجملة بشكل مقولب كما في المباركات التي تنهي رسائله. ذُكرت النعمة هنا كما تُذكر في جميع الرسائل. وهي تدلّ على عمل الربّ الخيّر والخلاصيّ تجاه البشر، وهو عمل كُشف لنا في يسوع المسيح. ويتحدّث بولس بالطريقة عينها عن ينبوع هذا العمل في جميع رسائله ما عدا في كو وأف. فالربّ الذي تعترف به الكنيسة هو أصل هذه النعمة ومحرّكها (2: 11). وكما في كل اعتراف إيمانيّ، هذا الربّ هو يسوع المسيح، هو هذا الإنسان، يسوع الناصريّ، الذي صُلب في أيام بونطيوس بيلاط وقام في اليوم الثالث. أما الروح الذي تدركه النعمة (غل 6: 18؛ فلم 25)، فيدلّ على الشخص كلّه، ولا سيّما على مستوى النفس والروح.
وهكذا نجد في هذا التمنّي الأخير اهتمامات عبرّ عنها الرسول على مدّ رسالته، ولا سيّما في 1: 9- 11. وإذا كان "آمين" الذي نقرأه في معظم المخطوطات أصيلاً، فقد يكون بولس نفسه قد دوّنه بيده، ليدلّ على صحّة ما كتب في فل (روم 16: 22؛ 1 كور 16: 21؛ غل 6: 11؛ كو 4: 18؛ 2 تس 3: 17). وإلاّ، يكون نهاية الرسالة خلال القراءة الليتورجيّة، فيدلّ على جواب الجماعة على كلام الرسول.

خاتمة
حمل ابفروديتس إلى بولس مدداً كان بحاجة ماسّة إليه. في هذا المقطع الذي يرتفع فيه بولس من المستوى الماديّ والأرضي، إلى المستوى الروحي، كما فعل في الرسالة إلى فيلمون، يعبّر الرسولي من جهة عن شكره وعن استقلاليته في ما يخصّ المال والأمور الماديّة. ومن جهة ثانية، ينظر إلى كل هذا على ضوء رسالته، لا على ضوء مصلحته الشخصيّة. وإن كان أهل فيلبّي الذين أعطوا قد "خسروا"، إلا أن الربح كان كبيراً لهم ولرسولهم. فقد زاد "الرأسمال" الروحيّ في كنيسة فيلبّي بفضل هذا العطاء.
وتنتهي الرسالة بالسلامات، لا سيّما من بيت قيصر. هذا لا يفرض علينا القول إن فل كتبت من رومة. فأهل بيت قيصر (عبيد ومعتقون) توزّعوا في كل أنحاء الامبراطوريّة. وإذ ذكرهم بولس، أراد أن يبيّن أن الإنجيل دخل في جميع الأوساط فوصل إلى "بيت قيصر". وسيأتي يوم سيصل فيه إلى أقارب قيصر بانتظار أن يعتنق قيصر نفسه الدين الجديد في شخص قسطنطين خلال القرن الرابع المسيحيّ.

خاتمة عامة

وكان بولس في أفسس بين سنة 53- 57. وكم تمنّى أن يذهب إلى فيلبّي، ولكن همومه في أفسس كبيرة. أراد أن يرسل تيموتاوس إلى فيلبّي ولكنه تراجع.... بل سيذهب هو بنفسه. وكتب الرسالة.
الأمور خطيرة في فيلبّي: الحسد والخصومات في الداخل. الهجمة "اليهوديّة" من الخارج، وهي تحاول أن تجعل المؤمنين يفتخرون بالختان لا بصليب المسيح. كتبَ والصعوبات تحيط به: صعوبات من السلطة في المدينة، والمحاكمة تنتظره، وقد تصل به إلى الحكم بالإعدام. وصعوبات من قبل الجماعة التي رأت في كشف بولس عن هويّته تهرّباً من الموت في سبيل المسيح.
ومع هذا، فالرسول يعبرّ عن فرحه لأن قضيّة الانجيل على تقدّم. وهو يدعو الفيلبيّين إلى الفرح الذي ينبع من قلب المسيح لا من مشاريعنا البشريّة. وهو يدعونا أيضاً إلى هذا الفرح عينه رغم الصعوبات التي قد تنتابنا. فقد أنعم علينا لا أن نزمن بيسوع وحسب، بل أن نتألّم معه. فلماذا الخوف، ولماذا اليأس؟
هذا بعض ما اكتشفا حين قرأنا الرسالة إلى فيلبّي، ونحاول أن ننقل اكتشافنا إلى الآخرين. رسالة بعد رسالة نقرأ، فندخل أكثر فأكثر في قلب التعليم البولسيّ. تلك هي الرسالة إلى فيلبّي، وبإذن الله ستكون لنا محطة مقبلة مع الرسالتين إلى أهل تسالونيكي.