تيموتاوس الثانية

تقديم
نواصل قراءتنا للرسائل الرعائيّة، تلك التي كُتبت للرعاة، ومن أجل عمل الرعاية. فنصل إلى 2 تم التي يبدو أن بولس كتبها لتلميذه الذي جعله بعده في كنيسة أفسس.
بعد أن خرج بولس من سجنه سنة 62-63 (أع 28)، وبعد رحلة رسوليّة "رابعة"، كتب فيها 1 تم وتي، عاد بولس إلى السجن، في رومة، على أيام الامبراطور نيرون. في ذلك الوقت كتب 2 تم. جاء السجن الثاني مختلفًا عن السجن الأول حيث تمتّع ببعض الحريّة وأقام في بيت استأجره (أع 28: 30) وكان يستقبل من يشاء. أما السجن الثاني فهو قاس بسبب برد تعرّض له السجينُ في الشتاء (4: 13)، وحرّ يصيبه في الصيف. في هذا السجن الثاني، قُيّد الرسول كمجرم (1: 6؛ 2: 9)، فما استطاع أصدقاؤه أن يجدوه إلاّ بعد بحث طويل (1: 17). وفي أي حال، عرف بولس أن ساعته الأخيرة دنت، فسلّم نفسه إلى مشيئة الله. اعتبر أن رسالته انتهت، فقدّمها ذبيحة مرضيّة لله، فشابه المسيح من أعلى صليبه الذي قال: تمّ كل شيء.
وكتب بولس 2 تم لأنه أحسّ أنه وحده. فالعزلة تقتله. تركه جميع مؤمني آسية. بل رفيقه في الرسالة، ديماس، تخلّى عنه وعن الرسالة، وعاد إلى العالم الحاضر. فما الفائدة من تقديم السند لقضيّة خاسرة. وتيطس وتيخيكس بعيدان. فلم يبق مع بولس سوى لوقا وحده. من أجل هذا، كتب إلى تيموتاوس ليأتيه عاجلاً. فهو بحاجة إلى حضوره، وبحاجة إلى ما يقيه برد الشتاء، وبحاجة إلى بعض الكتب ليتابع الرسالة. فهو لا يريد أن يموت إلاّ والكلمة في فمه والقلم في يده. وكتب الرسول، لأنه أحسّ بالخطر يتهدّد الكنائس خلال اضطهاد نيرون، فكتب إلى تلميذه بأن لا يخجل، بأن لا يخاف. ونبّهه لكي يحفظ الانجيل، ويثبت في الرسالة، ويتابع العمل، وينتظر الآلام، لأن من يريد أن يحيا بالتقوى يصيبه الاضطهاد.
هذا ما نكتشفه في هذه الرسالة المليئة بالعاطفة، والتي هي آخر ما كتبه بولس قبل موته. هي رسالة رعائيّة، شأنها شأن 1 تم وتي. ولكن يبدو أنها تختلف عن شقيقتيها. فهي حقًا بولسيّة بمعنى أنها كُتبت بيد بولس فجاءت كوصيّته الأخيرة قبل موته. وإن كتبها أحد تلاميذه، فقد كتبها في وقت قريب من هذا الموت، لأن التفاصيل التي فيها لا يمكن إلاّ أن تُلغى إن طالت المسافة بين حياة بولس في السجن وزمن كتابة الرسالة. أما 1 تم وتي فابتعدتا في الزمن عن بولس. دُوّنتا حوالي السنة 100، ساعة كانت الكنائس تتنظّم في مؤسّسات لها أسقف وشيوخ (أو قسس وكهنة) وشمامسة وشماسات وأرامل. كل هؤلاء تحدّد دورُهم في جماعات توزّعت في مدن آسية الصغرى فاحتاجت إلى كلمة الرسول.
وفي النهاية، 2 تم تقدّم صورة عن بولس الذي هو قدوة لتيموتاوس: قدوة في مسيرته من العالم اليهوديّ إلى المسيح. قدوة في عمل الرعاية والشهادة: على التلميذ أن يكون مثل معلّمه، فيشهد للربّ كما يشهد الآن المعلّم ليسوع، وهو قابع في سجنه. ويجاهد ويستعدّ لكي يتألّم من أجل الانجيل. ويكون بولس قدوة لتيموتاوس في السهر على القطيع، لأن أخطار المعلّمين الكذبة كثيرة، ولأن أخطار الأزمنة الأخيرة آتية. فلا بدّ من التمسّك بالكتب المقدّسة والأمانة للتقليد الذي تسلّمه من الرسل. هكذا تواصل كلمةُ الله مسيرتها، والكنيسة انتشارها، والمسيحيّة شهادتها بعد أن عرفت أن أبواب الجحيم لا تقوى عليها.
إلى قراءة 2 تم ندعو القارئ، وفيها ما فيها من عاطفة رقيقة، وحزن عميق، وألم دفين. وفيها ما فيها من أمور عمليّة تفهمنا أن عمل الراعي سهر طويل. وفيها ما فيها من نظرة تدعونا لكي نفهم أن كلمة الله لا تقيّد ولو كان بولس في القيود. أنها تبقى حرّة طليقة وهي تفعل في المؤمنين واللامؤمنين. فلا يبقى علينا سوى أن نحملها. 
القسم الأول
مدخل الرسالة وبدايتها

يرد هذا القسم في ثلاثة فصول:
1 - مدخل إلى الرسالة الثانية إلى تيموتاوس
2 - موقع 2 تم بين الرسائل الرعائية
3 - من رسول إلى ابنه الحبيب (1: 1- 5).
الفصل الأول

مدخل إلى الرسالة الثانية
إلى تيموتاوس

منذ القرن الثامن عشر، عُرفت رسائل ثلاث باسم الرسائل الرعائيّة، 1 تم، 2تم، تي. تحدّثنا عن 1تم واعتبرنا أنها دُوّنت في نهاية القرن الأول أو بداية القرن الثاني. دوّنها تلميذ من تلاميذه بولس، بعد أن تشرّب من رسائل الرسول، ودخل في "مدرسته". وها نحن نتحدّث عن 2 تم، هذه الرسالة التي يفصلها الشرّاح عن 1تم، لأن كاتبها لم يعرف 1 تم على ما يبدو. هذه الرسالة التي ترتبط ببولس ارتباطًا أوثق لا تعرفه 1 تم، تي، قد تكون آخر ما كتب بولس، إن لم يكن النصّ ككلّ، فبعض العناصر. وهكذا بدت 2 تم وصيّة بولس الأخيرة، بعد أن اقتربت ساعة رحيله بحيث يصبح موته ذبيحة يراق فيها دمه كختم لحياة رسوليّة تمّت كما تمّت حياة يسوع.

1- مضمون الرسالة
الفاتحة (1: 1- 2) تشبه فاتحة 1تم، ولكنها تدلّ على بولس كرسول "بمشيئة" الله لا "بأمره". وهكذا جاءت 2تم في رسمتها أقرب إلى الرسائل البولسيّة الأولى. نقرأ مثلاً في 1كور 1: 1: "بولس الذي دُعي ليكون رسول المسيح يسوع، بمشيئة الله" (رج 2كور 1: 1). وكانت 2تم قريبة أيضًا من الخط البولسيّ، فجعلت فعل الشكر (1: 3- 5) بعد الفاتحة، فتميّزت عن 1تم التي غاب عنها فعل الشكر، في البداية، إذ بدأت في 1: 3: "طلبتُ منك...". ثم إن 2 تم تتركّز على تيموتاوس، فتدلّ على طابعها الشخصيّ الذي يميّزها عن الرسالتين الرعائيّتين الأخريين. ووصلت إلينا معلومة عن جدّة تيموتاوس (لوئيس) وعن أمه (أفنيكة) اللتين كانتا يهوديّتين، دون كلام عن الايمان بالمسيح كينبوع خلاف مع العالم اليهوديّ (هذا يعني أننا قبل مجمع يمنية الذي عُقد حوالي سنة 90). وفي 3: 14- 15، دُعي تيموتاوس لأن يتمسّك بما تعلّمه في طفولته، أي كتب العهد القديم. هذا الموقف الايجابيّ من العالم اليهوديّ، يجعلنا قريبين ممّا في روم 9: 1- 5، ويجعلنا نتطلّع إلى كنيسة رومة كمناخ دُوّنت فيه 2 تم. ونضيف: حين يتحدّث بولس عن نفسه في 4: 6- 8 (أراق سكيبًا، كالدم على المذبح) فهو يعود إلى روم 3: 25 (المسيح ذبيحة تكفير)؛ 12: 1 (جسده ذبيحة حيّة)؛ 15: 16 (بولس خادم انجيل الله كي تكون تقدمة "الأمم" مرضيّة).
مع 1: 6، يبدأ جسم الرسالة التي تبدو أقصر من 1تم، ولكنها تتفوّق عليها في تماسك المضمون. نتعرّف هنا إلى شخصيّة تيموتاوس، إلى وضعه، كما نكتشف عزلة الرسول وألمه، في السجن، وقد أحسّ باقتراب أجله، بساعة رحيله. وهكذا نستطيع القول إن 2تم هي الوصيّة الثالثة في وصيات بولس في العهد الجديد: الوصيّة الأولى هي الرسالة إلى رومة، التي قد تكون آخر ما كتب بولس، قبل الذهاب إلى السجن، فوجّهها من كورنتوس، في شتاء 57- 58، فبدا واعيًا للصعوبات التي تنتظره في أورشليم، كما كان راجيًا أن يصل إلى رومة لينطلق من هناك إلى اسبانية. والوصيّة الثانية هي خطبة ميليتس التي وجّهها إلى شيوخ أفسس (أع 20: 17- 36)، حين كان ماضيًا إلى أورشليم خلال صيف 58، وهو واع، أنه لن يراهم من بعد. ولكن لا كلام واضحًا عن الموت، في هاتين الوصيّتين، كما في 2تم 4: 7- 8 حيث نقرأ: "جاهدتُ الجهاد الحسن، وأكملت سعيي، وحفظت الايمان. والآن ينتظرني إكليل البر".
ماذا في أدب الوصيّة؟ يعلن الكاتب (أو المتكلّم) بلهجة الحزن عن اقتراب رحيله (4: 6- 8)، ويدعو أخصَّاءه الذين يتركهم إلى نبذ الخوف (2: 1- 2، 14- 15؛ 4: 1- 2. هذا لا يعني بالضرورة أن تيموتاوس كان خائفًا، قلقًا). يعود الكاتب إلى وضعه السابق وحياته (1: 1-13؛ 15- 18؛ 3: 10- 17)، ويدعو الذين يتركهم بعده إلى الوحدة والتماسك (2: 14، 23- 25)، ويُنبئ بالأخطار الآتية من الأعداء (2: 16- 17؛ 3: 1- 9، 12- 13؛ 4: 3-4)، ويشجّع على الأمانة التي لا يمكن إلاّ أن تنال أفضل جزاء (2: 11- 13؛ 3: 14؛ 4: 8). ويعبّر عن حبّه لأبنائه الذين يغادرهم (1: 4- 5؛ 2: 1: "ابني").
في مناخ الوداع الذي نكتشفه في 2تم، بدا بولس المسجون كمجرم، مناديًا بالمسيح المصلوب الذي جُعل بين مجرمَين. ولكن بحسب أقوال بولس، تحوّل هذا الشك والعقبة إلى صرخة انتصار ساطعة، إلى تشجيع لتيموتاوس ولجميع الذين يتألّمون من أجل الانجيل. في هذا الاطار، نقرأ 3: 10- 11: "أما أنت فتبعتني في تعليمي وسيرتي ومقاصدي وإيماني وصبري ومحبّتي وثباتي في الاضطهادات والعذابات... وأنقذني الربّ منها كلّها". ونقرأ 4: 2: "بشّرْ بكلام الله، ألحّ في إعلانه، في وقته وفي غير وقته. وبّخْ وأنذر وعظ صابرًا كل الصبر على التعليم".
ويُذكر التعليم الكاذب في 2تم، كما في 1تم وفي تي: إنه جزء من الخطر الذي تتطلّع إليه خطبة (أو رسالة) الوداع. نشير هنا إلى أن التعليم الكاذب في 2تم، جاء خاصًا ومحددًا: اعتبر هيمينايس وفيليتس أن القيامة قد تمّت (2: 17- 18). فلا ننتظر إذن قيامة بعد. قد نكون قريبين ممّا حاربه بولس سنة 56- 57 في 1كور 15: 12 (ما دمنا نبشّر بأن المسيح قام من بين الأموات، فكيف يقول بعضكم إن الأموات لا يقومون). نشير هنا إلى أننا لا نعرف شيئًا عن فيليتس. أما هيمينايس الذي يتّهمه بولس هنا بأنه يبلبل الايمان، فهو ذلك المذكور في 1تم 1: 20: أسلمه بولس إلى الشيطان ليعلّمه ألاّ يجدّف من بعد. هذا يعني أن 2تم دوّنت قبل 1تم.
وصوِّر الضلال أيضًا في 2تم، ولكن بشكل ملتبس بعض الشيء، لأن تكديس الرذائل المنسوبة إلى الآتين في الأزمنة النهائيّة (2تم 3: 1- 9) قد تضمّ جميع الناس تقريبًا. فلائحة الرذائل في 3: 2- 5 قريبة من روم 1: 29- 31 (وأقرب ممّا في 1تم 1: 9- 10). وما يُذمّ به بعض النساء في 3: 6- 7، صار كلامًا معمّمًا. فاللغة هي لغة نهاية الأزمنة وما فيها من كشف لسرّ الله. فإن كانت تي و1تم دُوّنتا بعد 2تم، فهذا يعني أنهما تأثّرتا بهذه القطعة من 2تم (3: 1- 9)، فكيّفتا الوصف على خطر واجهته الجماعات حقًا (نشير إلى تخصيص آخر. في 2: 12، تيموتاوس هو شاب: في 1تم 4: 12 يُدعى تيموتاوس إلى مواجهة زمن الشباب). ونقلُ التقليد الخلاّق من الجيل الرسوليّ إلى الجيل اللاحق من المعلّمين، نقرأ عنه في 1: 13-14 (الأقوال الصحيحة التي سمعتها مني.... الوديعة الصالحة) و2: 1- 2 (سلّم ما سمعته مني وديعة إلى أناس أمناء). هذا ما يمكن أن يشجّع الجيل الثالث والجيل الرابع من التلاميذ البولسيّين لكي يواصلوا تقليد المعلّم، فيكونوا "أناسًا أمناء"، ويكونوا جديرين "بأن يعلّموا غيرهم".
إن خاتمة جسم الرسالة (4: 9- 18) مع توصيات تُرسل إلى تيموتاوس، وأخبار عن وضع بولس، تقودنا إلى السلامات والعبارة الأخيرة (4: 19- 22). ما قيمة هذه التذكّرات بالنظر إلى سجن بولس الأول أو سجنه الثاني؟ أم تُرى عاد الكاتب إلى ما وجده في الرسائل البولسيّة وفي سفر الأعمال، فأعطانا ما أعطانا من أسماء. ديماس الذي ترك الرسول ومضى إلى تسالونيكي، كان مع بولس حين كتب فلم 24 (في أفسس، حوالي سنة 55) وكو 4: 14 (أين؟ وهل كو هي حقًا بولسيّة). قيل أن كريسنس مضى إلى غلاطية (تركيا حول أنقره)، أو غالية (= فرنسا). إذا كانت "غالية" هي القراءة الصحيحة، فهذا يعني أن رسالة بولس امتدّت إلى أوروبا الغربيّة. تيطس مضى إلى دلماطية. ولكن هل مضى قبل الحقبة الكريتيّة المذكور في تي 1: 25 أو بعدها؟ اسكندر النحّاس أساء كثيرًا إلى بولس. وخلال فتنة أفسس سنة 56 (أع 19: 33)، قدّم اليهود شخصًا منهم اسمه اسكندر أيضًا، لكي يدلّوا على أن لا علاقة للجماعة اليهوديّة مع هذا الذي جاء يضع البلبلة في المدينة. في 1تم 1: 20، يُذكر اسكندر وقد سُلّم إلى الشيطان. فإن كان هو المذكور في 1تم، فهذا يعني أن ما قيل في 2تم 4: 14- 15 يرتبط بوضع سابق لما في 1تم. حين دُوّنت روم (16: 3)، سنة 58، كانت برسكة وأكيلا في رومة. وها هما قد عادا الآن إلى آسية الصغرى (عاصمتها أفسس) مع تيموتاوس. أما بوديس (بودنس) ولينس وكلودية، فلا نقرأ عنهما شيئًا في أعمال الرسل ولا في سائر الرسائل البولسيّة. هي أمور عديدة تبقى بلا جواب. ونشير إلى علاقة 2تم مع أعمال بولس وتقلا.
2- متى دوّنت هذه الرسالة
تبدو 2تم وكأنها آخر الرسائل الرعائيّة، في الزمن. فقد كتب فيها بولس: "أتممتُ شوطي" (4: 7). هذا يعني أنها تسبق موته بوقت قليل. وهذا يجعلنا في سجن ثان قاساه بولس، بعد السجن الأول الذي يتحدّث عنه سفر الأعمال. أوقف خلال اضطهاد نيرون (64- 68)، فمات شهيدًا في تلك الفترة، ربما سنة 67 كما يقول أوسابيوس القيصري في التاريخ الكنسيّ (2/25: 5). وهكذا تكون 2تم دوّنت في ذلك الوقت. ماذا نجد في نصّ الرسالة؟
تبدو 2تم وكأنها دُوّنت في رومة (1: 17) خلال سجن قاس جدًا، اعتبر بولس كمجرم (2: 9). هذا السجن بدا له مذلاً جدًا، فطلب مرّتين من تيموتاوس أن لا يخجل منه (1: 8، 12)، بل أن يقتدي بأونسيفورس، الذي لم يخجل من قيود الرسول (1: 16)، بل ذهب يطلب بولس باهتمام وغيرة (1: 16). وفي النهاية وجده في سجنه.
وعى الرسول كل الوعي أن دعواه خاسرة، وأن زمن رحيله صار قريبًا. لهذا، قدّم نفسه ذبيحة، قبل أن يراق دمه على طريق اوستية (4: 6). في هذه الحالة، أحسّ بالعزلة: هو وحده وحده، بعد أن تركه ديماس "حبًا بالعالم الحاضر"، ومضى كريسنس إلى غلاطية، وتيطس إلى دلماطية (4: 16). حين أراد أن يدافع عن نفسه، تركه الجميع، وما أعانه أحد (4: 16). ولكن بقي لوقا وحده بقربه (4: 11). لهذا، توسّل إلى تيموتاوس لكي يأتي إليه عاجلاً (4: 9)، وقبل الشتاء (4: 21). فإن تأخّر إلى ما بعد الإبحار (أي بعد 10 آذار)، لن يجد معلّمه على قيد الحياة.
ذاك موقف الذين يرون أن ما قيل في 2تم وتي و1تم، لا يمكن أن يتوافق مع ما نقرأ في سفر الأعمال. لهذا يتحدّثون عن رسالة لبولس مع تيطس في كريت، وعودة إلى أفسس (حيث ترك تيموتاوس في موقع المسؤوليّة) وانطلاقة إلى مكدونية. والموقف الآخر يعتبر أن ما في 2تم يتوافق مع في سفر الأعمال. بعد سنتين من السجن في رومة (أع 28: 30- 31)، ظلّ بولس سجينًا حتى سنة 64. في ذلك الوقت دوّنت 2تم خلال سجن قاساه بولس وعرف أن ساعة الرحيل دقّت. 
في النهاية، ماذا نستطيع أن نقول عن زمن تدوين 2تم؟ هناك إمكانيات أربع:
1- إن بولس دوّن حقًا الرسائل الرعائيّة الثلاث، كما ترتّبت في العهد الجديد: 1تم، 2تم، تي، خلال مرحلة ثانية امتدّت من سنة 65 إلى سنة 67، مع سجن ثان في رومة.
2- دوّن بولس 2تم حوالي سنة 64، وخلال سجن روماني واحد، امتدّ فقاده إلى الموت. أما تي و2تم فجاءتا فيما بعد. دوّنهما أحد تلاميذ بولس، في نهاية القرن الأول تقريبًا، منطلقًا من مواد 2تم. لهذا، اختُرع "سجن ثان".
3- لم يكتب بولس أية رسالة من الرسائل الرعائيّة، بل تلاميذه. ولكن 2تم دوّنت حالاً بعد موته كوصيّة أخيرة بيد شخص عرف بولس قرب ساعة موته. وهكذا جاءت التفاصيل السيرويّة تاريخيّة، وإن دُوّنت بشكل دراماتيكيّ. أما تي و1تم، فدُوّنتا في نهاية القرن الأول. من أجل هذا، كان حديث عن مرحلة رسوليّة ثانية سُجن فيها بولس بعد أن أخلي سبيله.
4- لم يكتب بولس أية رسالة من الرسائل الرعائيّة، بل كتبها تلاميذه، فجاءت كما يلي: تي، 1تم، 2تم. وذلك في نهاية القرن الأول. وكانت مرحلة رسوليّة ثانية لبولس مع سجن ثان، بحيث تكون له الكلمة الأخيرة حول مسائل بلبلت، في ذلك الوقت، تلك المناطق التي سبق له وبشّرها.
يبدو أن معظم الشرّاح يأخذون بالامكانيّة الرابعة. أي دوّنت الرسائل الرعائيّة في إطار المدرسة البولسيّة، في نهاية القرن الأول المسيحيّ. وهذا يعني بعد موت الرسول بثلاثين سنة على الأقلّ. في هذا الاطار، هناك من جعل جزءًا من 2تم مدوّنًا في أيام الرسول، أو منقولاً نقلاً شفهيًا، لأنه لا يُعقل أن توجد تفاصيل مثل تلك التي تتحدّث عن رداء نسيه بولس في ترواس، دون أن ترتبط بحياة بولس. ويميل بعضهم إلى اعتبار 2تم رسالة بولسيّة، كانت في الحقيقة وصيّة بولس قبل موته، مع لمسات أخيرة جعلتها تعاصر الواقع الذي تعيشه كنائس آسية في نهاية القرن الأول.
ومهما كان النقاش حول صاحب 2تم وزمان تدوينها، يبقى أننا حين نقرأ هذه الرسالة، نجد فيها نداء ملحًا ومؤثرًا يطلقه أعظم رسل المسيح، لكي يتواصل عمله بعد موته، بواسطة أجيال من التلاميذ. لقد بذل بولس حياته لله، في المسيح، وقد عرف، وسط الآلام، أن الله يحفظ هذه الوديعة التي سُلّمت إليه (1: 12). هو مقيّد بسلاسل الآن. أما الانجيل الذي أعلنه فليس بمقيّد (2: 9). هو حرّ. ويتمنّى بولس أن ينادي به التلاميذ بجرأة، نابذين كل خوف وتردّد. 
الفصل الثاني
موقع 2تم بين الرسائل الرعائيّة 

عُرفت الرسائل الثلاث، 1تم، 2تم، تي، باسم الرسائل الرعائيّة، منذ بداية القرن الثامن عشر. فاعتاد الشرّاح على هذا الوضع، فما فصلوا الرسالة عن أختها. قالوا: الأسلوب هو هو. والتعليم هو هو. والاتجاهات الضالة تدلّ على ذات الظروف الزمانيّة والمكانيّة. وقالوا: اللغة واحدة. والمضامين اللاهوتيّة واحدة. والفكرة المسبقة حول وحدة هذه الرسائل أثّرت على نسبة هذه الرسائل إلى بولس أو إلى تلاميذه. ولكن جاء من يناقش هذا المقال ويطلب أن تُعزل 2تم عن أختيها، وتُدرس وحدها، فيبدو ارتباطها ببولس قريبًا من المعقول. لهذا، نحاول أن نتوقّف عند بعض السمات، علّ الطريق تستضيء لنا بأن نحرّر 2تم من هذا الإطار، فنفهم أنها دوّنت قبل 1تم وتي، وأنها جاءت قريبة من الزمن الذي فيه رحل بولس من هذا العالم بعد أن أريق دمه سكيبًا على مذبح الانجيل.

1- العنوان
حين نقرأ عنوان هذه الرسائل الثلاث، نرى كيف تتميّز 2تم. نقرأ في 1: 1: "من بولس رسول المسيح يسوع بمشيئة الله". هكذا عرّف الكاتب عن نفسه، وعرّف عن الشخص الذي يرسل إليه الرسالة: تيموتاوس "الابن الحبيب" (1: 2). نحن هنا أمام لغة بولسيّة واضحة. فعبارة "بمشيئة الله" نقرأها في 1كور 1: 1؛ 2كور 1: 1. وفي 2كور 4: 17 يُسمّى تيموتاوس "ابني الحبيب". لا مجال للشك في هذه العلاقة العميقة.
أما تي و1تم، فتوجّهتا إلى "الابن الحقيقي" مع، عبارة "في الايمان" (1تم 1: 2)، أو "حسب الايمان المشترك" (تي 1: 4). قد يعني اللفظ "غنيسيوس" عاطفة حميمة. ولكنه يجعلنا، في المقام الأول، في الاطار الدينيّ. فالمعنى "الحقيقي، الشرعيّ" تفرضه العودة إلى الايمان (رج فل 4: 23، الرفيق الأمين). وكاتب 1تم وتي يفكّر في الذين يعلّمون تعليمًا مختلفًا (1تم 1: 3؛ تي 1: 1). ونتيجة هذا الاعلان أن تبيّن أن تيموتاوس وتيطس هما معلّمان تستطيع الجماعات أن تثق بهما.
ونكتشف الاختلاف أيضًا في الطريق التي بها يدلّ الكاتب على نفسه. في 1تم 1: 1: "رسول المسيح يسوع حسب أمر الله مخلّصنا والمسيح يسوع رجائنا". وفي تي 1: 1: "خادم الله رسول المسيح يسوع". ويفسّر كل هذا: "بالبشارة التي أوتمنت عليها بأمر الله مخلّصنا" (تي 1: 3). فالكلمة المفتاح هي "أمر" (إبيتاغي). لا "بمشيئة" الله، بل "بأمر" الله. فالبحث عن إرادة الله، يترك للشخص ذاتيّته. أما الأمر فيُطاع أو لا يُطاع.
2- الكرستولوجيا
دُُرست الكرستولوجيا بشكل مفصّل في عدد من المصادر. ولكن التشديد على الوحدة الأدبيّة واللاهوتيّة جعلنا نخسر بعض التفاصيل التي تميّز 2تم عن تي و1تم.
ونبدأ بعلاقة الله بالمسيح. تتضمّن الرسائل الرعائيّة ما يُسمّى "الكرستولوجيا الدنيا": مات كانسان لكي يخلّص الآخرين، وأقيم من الموت ونال المجازاة. ومع أن تي 2: 13 (إلهنا العظيم ومخلّصنا يسوع المسيح) يمكّن أن تُقرأ في إطار "كرستولوجيا عليا"، يبقى أن موضوع لاهوت المسيح لا يُطرح في الرسائل الرعائيّة. فنحن نفسّر الآية الملتبسة بألفاظ أوضح. فلفظ "مخلّص" يعني الله (تي 1: 3؛ 2: 10؛ 3: 4) كما يعني المسيح (تي 1: 4؛ 3: 6). لهذا، لا نستطيع أن نقابل المسيح البشريّ في 2تم مع المسيح الالهي في تي.
ما يميّز الرسائل الرعائيّة، هو استعمالها "ابيفانيا" (ظهور) و"ابيفانيو" (ظهر). لا اختلاف بين الرسائل الثلاث في استعمالها الاسم بالنظر إلى المجيء الثاني (1تم 6: 14؛ تي 2: 13؛ 2تم 4: 1، 8؛ رج 2تس 2: 8: باروسيا). ولكن في 2تم 1: 10، استعملت "ابيفانيا" للكلام عن رسالة يسوع على الأرض (رج الفعل في تي 2: 11؛ 3: 4). في تي 2: 11، ما يظهر هو "نعمة الله". وفي 3: 4 "حنان الله مخلّصنا ومحبّته". قد يظنّ القارئ أن هاتين الآيتين تشيران إلى رسالة يسوع على الأرض. ويظلّ متردّدًا حتى 3: 6. من هذا القبيل، تبدو 2تم مختلفة اختلافًا هامًا، لأن ما ظهر ليس صفة إلهيّة، بل شخص "بظهور مخلّصنا المسيح يسوع" (1: 10). هذا لا يعني أن النظرتين لا تتوافقان، ولكن تتعارض النظرة المجرّدة مع النظرة الملموسة.
كيف قام المسيح بمهمّته؟ نجد في تي و1تم العبارة عينها: "ضحّى بنفسه فدية عن الجميع" (1تم 2: 6). "ضحّى بنفسه لأجلنا لكي يفتدينا" (تي 2: 14). إن فكرة التضحية وبذل الذات، غائبة كليًا عن 2تم، كمدلول فداء. في الواقع، تتحدّث 2تم عن المسيح، ولكن بشكل غير مباشر: "إن متنا معه" (2: 11. هذا يعني أنه هو مات أيضًا ونحن رافقناه في موته). وهذا القول يفترق عمّا في 1تم، تي، فيشير إلى القيامة: "قام من بين الأموات" (2تم 2: 8).
وتقدّم 2تم نتيجة خدمة المسيح كما يلي: "قضى على الموت وأنار الحياة والخلود بالبشارة" (1: 10). إن وضْع "الخلود" هنا يعطي "الحياة" نكهة اسكاتولوجيّة، ولا سيّما مع الفعل في صيغة المضارع في 2: 11 (سوف نعيش معه). غير أننا لا نستطيع أن ننفي المعنى الوجوديّ (الحياة الحاضرة) الذي تتضمّنه عبارة "الحياة التي في المسيح يسوع" (2تم 1: 1؛ رج 1: 13؛ 2: 1؛ 3: 12)، وليس فقط لأن الواحد هو زرع الآخر. ولكن المعنى الوجوديّ "للحياة" لا يرد في 1تم (رج المعنى الوجوديّ "للموت" في 1تم 5: 6) ولا في تي.
ومع أن "الحياة" اتّخذت منحى اسكاتولوجيًا في 2تم 1: 1، 10، فهناك اختلاف أيضًا. إن "حياة" في 1تم وتي ترافقها دومًا صفة: "الحياة الأبديّة" (1تم 1: 16؛ 6: 12؛ تي 1: 2؛ 3: 7). "الحياة الآتية" تقابل "الحياة الحاضرة" (1تم 4: 8: "الوعد بالحياة الحاضرة والمستقبلة")، وتتماهى مع "الحياة الحقيقيّة" (1تم 6: 19). هذا ما لا نجده أبدًا في 2تم.
قد نقول باختلاف بين الكرستولوجيا في 2تم، وبين 1تم وتي. ومع ذلك، فالاختلاف ليس بجوهريّ، بل هو يقف على مستوى الألفاظ والتعابير.

3- خدمة البشارة
ما نلاحظه من سمات في 1تم وتي هو لائحة الصفات المرغوبة في خادم الانجيل (1تم 3: 1- 13؛ تي 1: 5- 9). وهذا ما لا نجده في 2تم التي تعطي للخادم ألقابًا لا نجدها في الرسالتين الأخريين. نترك جانبًا اللقب الذي أعطاه "بولس" لنفسه: "المنادي والرسول والمعلّم" (1تم 2: 7؛ 2تم 1: 11). ولا نتوقّف عند ألقاب تكشف فهم الكاتب للخدمة. نجد في 1تم وتي "الشيخ" (1تم 5: 1، 17؛ تي 1: 5)، "الأسقف" (1تم 3: 1؛ تي 1: 7). وتضيف 1تم لقب "شماس" (3: 8- 13؛ 4: 6). هذه الألقاب الثلاثة لا ترد في 2تم. كل ما نجد هو لفظ "الخدمة" (4: 5) في معنى عاديّ جدًا (4: 11).
وهناك لقب روحيّ في 1تم: "رجل الله" (6: 11) الذي يظهر بشكل احتفاليّ في 2تم 3: 17 (ليكون رجل الله كاملاً). تلتقي 1تم و2تم عند هذا اللقب الواحد، الذي يُبعدنا عن التقسيم "الوظيفيّ" في الكنيسة. والخادم هو في 2: 3 "جندي صالح للمسيح يسوع" (رج 1تم 3: 18)، وفي 2: 15 "عامل لا يخجل"، وفي 2: 21 "إناء لاستعمال شريف"، وفي 2: 24 "عبد (خادم) الربّ"، وفي 4: 5 "المبشّر".
نفهم هذه الألقاب في سياقاتها، وهي تدلّ على خاصيّة 2تم. "فجنديّ المسيح يسوع" سيلقي الضوء على علاقة الخادم بالمسيح، وهو بُعدٌ غائب كلَّ البعد عن 1تم وتي. على الجندي أن يكون مستعدًا لتحمّل الآلام. وفي نظر 2تم، المشاركة في الآلام جزء لا يتجزّأ من الخدمة (سينكاكوباتاين، 1: 8؛ 2: 3؛ رج 4: 5). وهي أمر طبيعيّ في الحياة المسيحيّة: "فكل من أراد أن يحيا في المسيح يسوع حياة التقوى أصابه الاضطهاد" (3: 12؛ رج فل 3: 10). لا إشارة في 1تم وتي إلى أن الحياة المسيحيّة تتضمّن الآلام. بل إن 1تم تعمل كل شيء من أجل "حياة مطمئنة هادئة" (2: 2)، وتشدّد على أن الخادم يجب أن يشهد له الذين هم في خارج الكنيسة (3: 7). أما حسب تي، فسلوك الجماعة يجب أن لا يلفت النظر (3: 1- 2؛ رج 2: 5).
هذه الرغبة في عدم "الظهور" هي ما يعارض النظرة البولسيّة في أن على الكنيسة المحليّة أن تكون حياتها من القوّة بحيث تعلن الانجيل إلى العالم (فل 2: 14- 16). إذا وضعنا تي 2: 9- 10، فإن 1تم وتي لا تهتمّان بالبعد الارساليّ في الكنيسة. بل هما تهتمّان بحياة الجماعة في الداخل. حين نقرّ بهذه الوجهة نفهم معنى لفظ "المبشّر" (2تم 4: 5) الذي يقوم دوره في إعلان الكلمة والمناداة بها (4: 2، كيريكس). فالمبشّر (أو حامل الانجيل) هو الذي يعلن المسيح للذين لم يسمعوا الكلمة بعد. فهو يذهب إلى الخارج كرسول.
إن الاستعمال الايجابيّ للفظ "عامل" في سياق الخدمة (2: 15) ليس بعاديّ للوهلة الأولى. فلا بدّ من بعض التمعّن لنرى تقابله مع "الشيوخ" و"الأساقفة" في تي و1تم. ومع ذلك، استعمل بولس اللفظ فقط تجاه معارضيه الذين ينادون بانجيل آخر: هم عاملون مخادعون (2كور 11: 13). "عمّال السوء" (فل 3: 2). هذا الاستعمال يشرح أفضل شرح الصفة "لا يخجل" (2تم 2: 15). يشير النصّ إلى الدينونة الاسكاتولوجيّة المرتكزة على التتمّة. أما 1تم وتي فتهتمّان بالحياة في الآخرة.
ووصف الخادم بأنه "إناء من أجل استعمال شريف" (2تم 2: 21)، يكشف ما هو الأهم في الخدمة. "البرّ، الايمان، المحبّة، السلام" (2: 22). وهي ستكمّل فيما بعد. "فعلى خادم الربّ أن لا يكون مشاجرًا، بل رفيقًا بجميع الناس، أهلاً للتعليم، صبورًا، وديعًا في تأديب المخالفين" (2: 24- 25). هذه المزايا تجد ما يقابلها في 1تم وتي. فتيموتاوس يحرَّض على "طلب البرّ والتقوى والايمان والمحبّة والصبر والوداعة" (1تم 6: 11؛ رج 1: 14؛ 2: 15؛ 4: 12؛ 6: 2؛ تي1: 1؛ 2: 2؛ 3: 2). ولكن في 1تم وفي تي هي مزايا مسيحيّة عاديّة، وليست مرتبطة بالخدم. هذا يعني بالنسبة إلى 2تم أن ما يجعل الانسان مسيحيًا صالحًا يجعله أيضًا خادمًا. فالظروف التي تشير إلى الأساقفة والشيوخ في 1تم، تي، لا تنطبق على 2تم.
هذا لا يعني أنه لا يوجد تداخل بين هذه الصفات والصفات المطلوبة من الأساقفة والشيوخ والشمامسة (1تم 3: 1- 13؛ تي 1: 6- 9). ولكن ما لم تذكره هاتان اللائحتان هو الفضيلة العظمى، فضيلة المحبّة التي هي في قلب 2تم (1: 7). فهذه الفضيلة تُشرف على مواقفنا تجاه الخصوم وتجاه الأعضاء في الجماعة.
وكما دلّ الكلام في 2: 24، فمرمى 2تم هو أن ننتصر على الخصوم بالصبر والثبات، بحيث يتوبون "فيُفلتون من فخّ إبليس الذي أطبق عليهم وجعلهم يطيعون مشيئته" (2: 26). إن نظرة المحبّة التي تعتبر أن الخصوم ليسوا مسؤولين كل المسؤوليّة عن الشرّ الذي يصنعون (4: 16)، يتعارض بوضوح مع الحكم القاسي على الخصوم في 1تم 6: 4. على تيموتاوس أن يأمرهم أن لا يعلّموا التعليم الضّال (1تم 1: 3). للوهلة الأولى، لا يكون تيطس بهذه القساوة فيقول بأن المعلّم الجديد عليه أن يردّ على المعارضين (تي 1: 9). ولكن الفعل "إلانخاين" يعني أيضًا "أدّب، وبّخ، عاقب". إذن، يجب أن يُخزوا. وهذا المعنى يفرضه ما يلي: عليك أن تسدّ أفواههم (1: 11). لا يهتمّ بالتبدّل لدى المعارضين، بل بسحقهم.
ونجد السمة عينها حين النظر إلى ممارسة السلطة داخل الجماعة. فالفعل "إلانخاين" الذي قرأناه في تي 1: 9، نقرأه أكثر من مرّة في الرسالة عينها. في 1: 13: "وبّخهم (أدّبهم) بشدّة لكي يكون إيمانهم صحيحًا". وفي 2: 15: "وبّخ بما لك من سلطان تام". تدلّ هذه العبارة الأخيرة على سلطة قريبة من التسلّط. فهناك مخافة باطنيّة تصبح واضحة بعبارة "لا يستخفّ بك أحد" (2: 15). يُعطى المعاندون فرصتين، ثم يتجاهلهم تيطس (3: 10: أعرض عنه بعد أن تنذره مرتين). ونجد الطريقة عينها في 1تم. قيل لتيموتاوس: "لا يستخفّ أحد بك" (4: 12). وأمر: "أما المذنبون فوبّخهم أمام الجميع حتى يخاف غيرهم" ((5: 20). لا نجد شيئًا مثل هذا في 2تم. وإن وُجد فعل "وبّخ"، فهو لا يبدو بارزًا. ففي الجماعة، الفعل المستعمل هو: ناشد، استحلف (ديامرتيروماي). كأني بالكاتب يتوسّل، ويطلب من الله أن يكون شاهدًا لما يقول (2: 14).
ونلاحظ أيضًا أن 1تم وتي تطلبان من المسؤولين في الجماعة أن يقدّموا القدوة الصالحة لجماعاتهما، وهذا ما تفعله 2تم. نقرأ في 1تم 4: 12- 15: "كن قدوة للمؤمنين في الكلام والتصرّف والمحبّة والايمان والعفاف... فكّر في هذه الأمور، وكرّس نفسك لها حتى يظهر نجاحك لجميع الناس". ونقرأ في تي 2: 7: "وكن أنت نفسك قدوة لهم في العمل الصالح". أما في 2تم، فبولس هو قدوة لتيموتاوس في القول (1: 13؛ 2: 2؛ 3: 14) وفي العمل (3: 10). ولكن لا يقال لتيموتاوس أن يكون قدوة للجماعة.
كيف يعيَّن الرؤساء في الكنيسة؟ لا تقدّم تي جوابًا. أما 1تم فتعطي جوابًا يختلف عن جواب 2تم. فحسب 1تم، اختير المرشّحُ بنبوءة، ووضع الشيوخ أيديهم عليه: "لا تهمل الهبة (خاريسما، الموهبة) التي فيك، والتي أعطيت لك عبر نبوءة مع وضع اليد من قبل جماعة الشيوخ" (4: 14؛ رج 1: 18). أما 2تم، فبولس وحده هو مسؤول، ولا نجد ذكرًا لنبوءة. "أنبّهك أن تضرم الهبة التي جعلها الله لك بوضع يديّ" (1: 6). حاول الشرّاح أن يوفّقوا هذين الوجهين، فما استطاعوا. هذا يعني أن كاتب 1تم غير كاتب 2تم. وأن الرسالتين تعكسان وضعين كنسيّين مختلفين.
ومن يستطيع أن يكون خادم الانجيل؟ ما نجد في 1تم 3: 1- 13 وتي 1: 6- 9، يدلّ بوضوح أن الذكور وحدهم "يخدمون". لا جدال في 1تم: "لا أسمح للنساء بأن يعلّمن، ولا أن تكن لهنّ سلطة على الرجال" (2: 12). أما تي فسمح فقط للعجائز بأن يعلّمن الصبايا، وذلك في إطار مجتمع أربابيّ (2: 3- 4). للوهلة الأولى، لا تبدو 2تم مختلفة عمّا في 1تم وتي، ولكن الوضع ليس كذلك. فنحن نقرأ الاشارة الوحيدة عن النساء، في 3: 6: "نساء ضعيفات مثقلات بالخطايا، منقادات لكل أنواع الشهوات. يتعلّمن دائمًا، ولا يمكنهنّ معرفة الحق أبدًا" (3: 6- 7). استعمل الكاتب التصغير "النساء الصغيرات، النساء الطفلات" ليدلّ على أنه لا يتكلّم عن كل النساء، كما هو الأمر في تي (في 1تم 5: 11- 13، مع نظرة قاسية إلى النساء). قالت 2تم إن الخدّام يكونون من الرجال (3: 17)، ولكنها لم تستبعد النساء. ولكن يبقى نصّ في 1تم حول الشماسات وآخر حول الأرامل.

4- الانجيل
استعملت 1تم وتي لفظ "اؤتمنت". في حالة أولى، مع الانجيل. في 1تم 1: 11: "الانجيل الذي أوتمنت عليه". وفي حالة ثانية، مع الكرازة. في تي 1: 3: "الكرازة التي أوتمنت عليها". جاءت الفكرة هي هي في 2تم، ولكن عبّر عنها النصّ بألفاظ مختلفة كل الاختلاف. "إحفظ الوديعة الصالحة" (1: 14؛ رج 1: 12) التي تجد ما يقابلها في 1تم 6: 20 (إحفظ الوديعة). ومع ذلك، فهناك اختلاف. في 1تم، يترك بولسُ تيموتاوسَ ومشورته. أمّا 2تم فتقول: "بعون الروح القدس الذي يسكن فينا" (1: 14).
والاشارة الأخرى الوحيدة إلى الروح القدس، نقرأها في تي 3: 16 مع تلميح إلى المعموديّة: الروح "أفيض علينا". وأشارت 1تم 4: 1 إلى روح النبوءة. مقابل هذا نجد فكرة سكن الروح فينا، في 2تم، كما في 1كور 3: 16؛ 6: 19.
وهناك سمة مميّزة في الرسائل الرعائيّة. استعمال لفظ "الصحيح". كانت تي وحدها حين وصفت الايمان ب "الصحيح" (1: 13؛ 2: 1). ولكن توافقت الرسائل الثلاث على وضع هذه الصفة مع "التعليم" (ديدسكاليا) ومع "الأقوال". ومع ذلك، نتعلّم الكثير من الاختلافات.
في 2تم، الأقوال هي أقوال بولس (1: 13). في 1تم هي أقوال المسيح (6: 9). إن الإشارة الوحيدة إلى "التعليم الصحيح" في 2تم 4: 3 لا ترجع إلى عادة معمول بها، بل تُستعمل في نقيضة مع تعليم لاصحيح يتماهى مع "الخرافات" (4: 4)، ويتعارض مع "كلام" الله (4: 2) و"الحق" (4: 4؛ رج 3: 8). أما الزمن المستعمل فهو المستقبل اللامحدّد: "سيأتي وقت" (4: 3). لا حاجة للعودة إلى الأيام الأخيرة (رج 4: 6) حيث تُستعمل صيغةُ الجمع (2تم 3: 1). 
في 1تم، يتّسم التعليم الصحيح بالطابع الأخلاقيّ المؤسّس على الانجيل (1: 10). ونحسّ أن لائحة الرذائل في 1: 9- 10 يمنعها "التعليم الصحيح". هذا يعني أن للعبارة معنى تقنيًا خاصًا. ونقول الشيء عينه عن تي. فالمضمون الأخلاقيّ "للتعليم الصحيح" واضح من لائحة توصيات تتبع الأمر: "أما أنت فتكلّم بما يوافق التعليم الصحيح" (2: 1). ما يُطلب من الشيوخ من صفات، جاء في لغة مقولبة. فإذا أراد الخادم أن يدافع عن التعليم الصحيح، عليه أن يتمتّع بمعرفة أكيدة لما يريد أن يعلّم (1: 9). 
نلاحظ أن 1تم وتي تعطيان قيمة لما في 2تم من كلام حول معرفة الحق. نقرأ مرّتين عبارة "معرفة الحق" في 2تم. فعلى الشيوخ أن يُصلحوا المخالفين بوداعة "لعلّ الله يهديهم إلى التوبة ومعرفة الحق" (2: 25). ومن جهة ثانية، نرى أن بعض الناس يسمعون إلى كل انسان، بحيث لا يمكنهم أن يبلغوا "معرفة الحق" (3: 7). في الحالتين، تُشرح العبارة كنقيضة لمعرفة هي بنت المخيّلة، وبالتالي كاذبة.
مقابل هذا، نقرأ في 1تم أن الله "يريد أن يخلُص جميع البشر ويبلغوا إلى معرفة الحق" (2: 4). فالذين يؤمنون هم الذين يعرفون الحقّ (1تم 4: 3). هذا المزج بين الايمان ومعرفة الحق يظهر أيضًا في تي. فهدفُ خدمة الكاتب هداية "الذين اختارهم الله إلى الايمان وإلى معرفة الحق الموافقة للتقوى" (تي 1: 1). في كلا الحالين، "معرفة الحق" ترادف "الايمان" والخلاص. ومعناها الدقيق: المعرفة الصحيحة للديانة. هذا ما يقابل 1تم 6: 3 (التعليم الموافق للتقوى). وهذا ما يربط تي مع 1تم رباطًا حميمًا. وهذا ما يبعد 2تم عنهما حيث لفظ "تقوى" (أوسيبايا)، يُستعمل في شكل دنيء: "متمسّكين بقشور التقوى، رافضين جوهرها" (3: 5).
على المستوى الاجتماعيّ، عملُ الانجيل الرئيسيّ (تُذكر قوته، ديناميس، في 2تم 1: 7- 8؛ 2: 9؛ 3: 5) هو تقديم مثال سلوك يجسّد قيمه. ففي الرسائل الثلاث، نجد عبارة "الأعمال الصالحة (الحسنة)". ولكن 2تم تتحدّث دومًا عن "كل عمل صالح" (2: 21؛ 3: 17). وتنتقل تي و1تم بين "عمل صالح" (1تم 2: 10؛ 5: 10؛ تي 1: 16) و"عمل سوء" (1تم 3: 1؛ 5: 10، 25؛ 6: 18؛ تي 2: 7، 14؛ 3: 8، 14). إن 1تم 5: 10 التي تتحدّث عن "كل عمل صالح"، تمنع وجود الاختلاف الجوهريّ، ولكن لا يمكن أن نتجاهل العنصر الأسلوبيّ.

5- التعليم الكاذب
كيف تطلّعت الرسائل الرعائيّة إلى تعاليم الضلال؟ هنا نتذكّر ما قاله بعض الشرّاح عن الضلالات في 1تم، 2تم، تي: نحن أمام دليل الواعظ لكي يعرف ما تقدّمه الغنوصيّة من تعليم. ولكن سوف نرى كم تختلف 2تم عن 1تم وتي في أكثر من عنصر هام.
إن التعاليم الذي تحارَب في 1تم، تي، لها بُعد يهوديّ. فالمعلّمون الكذبة يتوقون إلى أن يكونوا "معلّمي الشريعة" (1تم 1: 7؛ رج أع 5: 34؛ لو 5: 17). والمسألة التي نجدها في تي ترتبط بالذين هم من الختان (1: 10)، بأناس من أصل يهوديّ (غل 2: 12؛ كو 4: 11). هم يعلّمون الامتناع عن الأطعمة بشكل صريح (1تم 4: 3) أو ضمنيّ (تي 1: 14- 15)، وهذا ما يجعلنا في إطار الشريعة اليهوديّة.
ويقومون أيضًا بتنظيرات حول الأنساب (1تم 1: 4؛ تي 3: 9). هذا يعني أمرين. جعلت 1تم 4: 7 الأنساب مع "الخرافات" . أما تي 3: 9 فجعلتها مع "مجادلات حول الشريعة". وجّهت 1تم أنظارنا نحو العالم الغنوصيّ حيث تترافق الخرافات والأنساب (يتحرّر الناس من الايونات). أما تي 1: 14 فتتحدّث عن خرافات يهوديّة. وهذا ما يعود بنا إلى زمن الآباء ابراهيم واسحاق ويعقوب. وأخيرًا، حسب 1تم وتي، الباعث على هذا التعليم هو الجشع وحبّ المال (1تم 6: 5، 10؛ تي 1: 11).
ولكن لا نجد عنصرًا واحدًا من هذه العناصر في 2تم. فالرسالة تقدّم فقط مثالاً ملتبسًا من تعليم ضال: هيمينايس وفيليتس أكّدا أن القيامة قد تمّت (2تم 2: 18). أما الاهتمام الرئيسيّ في 2تم، فهو الجدال العقيم (2: 14) والكلام الفارغ (2: 16) والمماحكات الغبيّة والحمقاء (3: 23). مثلُ هذا الوضع يقود إلى خراب السامعين (2: 14)، إلى المشاجرات (2: 23)، إلى الكفر (2: 16). ما يهتمّ له هو "الآكلة" (2: 16) وتأثيرها على الجسم كله.
مثل هذا الكلام نجده في 1تم وتي. فإن تي 1: 10 تتحدّث عن "الكلام الباطل"، عن أصحاب "المجادلات السخيفة والأنساب والخلاف والمناقشة في الشريعة" (3: 9). أما 1تم فهاجمت "أصحاب الخرافات والأنساب" (1: 4)، الذين "انحرفوا إلى الكلام الباطل" (1: 6)، وهاجمت "الخرافات الباطلة وحكايات العجائز" (4: 7) و"المناقشات والمماحكات" (6: 4) و"الكلام الفارغ والجدل الباطل" (6: 20). وهكذا تتشارك الرسالات الثلاث في استعمال ألفاظ مماثلة. ولكن هل يعني أنها تتكلّم عن الشيء عينه؟هذا ليس بالضروريّ. في 1تم وتي، كان الخلاف حول قراءة أسفار العهد القديم. أما 2تم فتعتبر أن العهد القديم كتاب مقدّس يصلح للتعليم والتأديب والتفنيد والتقويم (2تم 3: 15- 16). هذا يعني أننا لا نهمل الكتب المقدّسة. ويعني أن هذه الكتب تجعل رجل الله "كاملاً ومستعدًا لكل عمل صالح" (3: 17). مثل هذه النظرة إلى العهد القديم، تُبعد كلَّ جدال حول الأنساب والخرافات التي أشارت إليها 1تم وتي.

خاتمة
باتت الاختلافات عديدة بين 2تم من جهة، وتي و1تم من جهة ثانية. وهذا يعني أننا لا نستطيع بعد أن نتكلّم عن كاتب واحد دوّن الرسائل الرعائيّة الثلاث: تباينت شخصيّة الكاتب هنا وهناك. وتباينت النظرة اللاهوتيّة والاجتماعيّة. ونستطيع القول إن 2تم تبدو قريبة من بولس، دون أن نقول بالضرورة إنه هو الذي ألّفها. ولكن في أي حال، ابتعدت 1تم وتي في الزمن عن بولس، فما عدنا على مستوى الحدث، بل على مستوى المؤسّسة التي تنظّم الكنيسة في حياتها الداخليّة دون الاهتمام الكبير بنشر الانجيل في الخارج.
الفصل الثاني
موقع 2تم بين الرسائل الرعائيّة 

عُرفت الرسائل الثلاث، 1تم، 2تم، تي، باسم الرسائل الرعائيّة، منذ بداية القرن الثامن عشر. فاعتاد الشرّاح على هذا الوضع، فما فصلوا الرسالة عن أختها. قالوا: الأسلوب هو هو. والتعليم هو هو. والاتجاهات الضالة تدلّ على ذات الظروف الزمانيّة والمكانيّة. وقالوا: اللغة واحدة. والمضامين اللاهوتيّة واحدة. والفكرة المسبقة حول وحدة هذه الرسائل أثّرت على نسبة هذه الرسائل إلى بولس أو إلى تلاميذه. ولكن جاء من يناقش هذا المقال ويطلب أن تُعزل 2تم عن أختيها، وتُدرس وحدها، فيبدو ارتباطها ببولس قريبًا من المعقول. لهذا، نحاول أن نتوقّف عند بعض السمات، علّ الطريق تستضيء لنا بأن نحرّر 2تم من هذا الإطار، فنفهم أنها دوّنت قبل 1تم وتي، وأنها جاءت قريبة من الزمن الذي فيه رحل بولس من هذا العالم بعد أن أريق دمه سكيبًا على مذبح الانجيل.

1- العنوان
حين نقرأ عنوان هذه الرسائل الثلاث، نرى كيف تتميّز 2تم. نقرأ في 1: 1: "من بولس رسول المسيح يسوع بمشيئة الله". هكذا عرّف الكاتب عن نفسه، وعرّف عن الشخص الذي يرسل إليه الرسالة: تيموتاوس "الابن الحبيب" (1: 2). نحن هنا أمام لغة بولسيّة واضحة. فعبارة "بمشيئة الله" نقرأها في 1كور 1: 1؛ 2كور 1: 1. وفي 2كور 4: 17 يُسمّى تيموتاوس "ابني الحبيب". لا مجال للشك في هذه العلاقة العميقة.
أما تي و1تم، فتوجّهتا إلى "الابن الحقيقي" مع، عبارة "في الايمان" (1تم 1: 2)، أو "حسب الايمان المشترك" (تي 1: 4). قد يعني اللفظ "غنيسيوس" عاطفة حميمة. ولكنه يجعلنا، في المقام الأول، في الاطار الدينيّ. فالمعنى "الحقيقي، الشرعيّ" تفرضه العودة إلى الايمان (رج فل 4: 23، الرفيق الأمين). وكاتب 1تم وتي يفكّر في الذين يعلّمون تعليمًا مختلفًا (1تم 1: 3؛ تي 1: 1). ونتيجة هذا الاعلان أن تبيّن أن تيموتاوس وتيطس هما معلّمان تستطيع الجماعات أن تثق بهما.
ونكتشف الاختلاف أيضًا في الطريق التي بها يدلّ الكاتب على نفسه. في 1تم 1: 1: "رسول المسيح يسوع حسب أمر الله مخلّصنا والمسيح يسوع رجائنا". وفي تي 1: 1: "خادم الله رسول المسيح يسوع". ويفسّر كل هذا: "بالبشارة التي أوتمنت عليها بأمر الله مخلّصنا" (تي 1: 3). فالكلمة المفتاح هي "أمر" (إبيتاغي). لا "بمشيئة" الله، بل "بأمر" الله. فالبحث عن إرادة الله، يترك للشخص ذاتيّته. أما الأمر فيُطاع أو لا يُطاع.
2- الكرستولوجيا
دُُرست الكرستولوجيا بشكل مفصّل في عدد من المصادر. ولكن التشديد على الوحدة الأدبيّة واللاهوتيّة جعلنا نخسر بعض التفاصيل التي تميّز 2تم عن تي و1تم.
ونبدأ بعلاقة الله بالمسيح. تتضمّن الرسائل الرعائيّة ما يُسمّى "الكرستولوجيا الدنيا": مات كانسان لكي يخلّص الآخرين، وأقيم من الموت ونال المجازاة. ومع أن تي 2: 13 (إلهنا العظيم ومخلّصنا يسوع المسيح) يمكّن أن تُقرأ في إطار "كرستولوجيا عليا"، يبقى أن موضوع لاهوت المسيح لا يُطرح في الرسائل الرعائيّة. فنحن نفسّر الآية الملتبسة بألفاظ أوضح. فلفظ "مخلّص" يعني الله (تي 1: 3؛ 2: 10؛ 3: 4) كما يعني المسيح (تي 1: 4؛ 3: 6). لهذا، لا نستطيع أن نقابل المسيح البشريّ في 2تم مع المسيح الالهي في تي.
ما يميّز الرسائل الرعائيّة، هو استعمالها "ابيفانيا" (ظهور) و"ابيفانيو" (ظهر). لا اختلاف بين الرسائل الثلاث في استعمالها الاسم بالنظر إلى المجيء الثاني (1تم 6: 14؛ تي 2: 13؛ 2تم 4: 1، 8؛ رج 2تس 2: 8: باروسيا). ولكن في 2تم 1: 10، استعملت "ابيفانيا" للكلام عن رسالة يسوع على الأرض (رج الفعل في تي 2: 11؛ 3: 4). في تي 2: 11، ما يظهر هو "نعمة الله". وفي 3: 4 "حنان الله مخلّصنا ومحبّته". قد يظنّ القارئ أن هاتين الآيتين تشيران إلى رسالة يسوع على الأرض. ويظلّ متردّدًا حتى 3: 6. من هذا القبيل، تبدو 2تم مختلفة اختلافًا هامًا، لأن ما ظهر ليس صفة إلهيّة، بل شخص "بظهور مخلّصنا المسيح يسوع" (1: 10). هذا لا يعني أن النظرتين لا تتوافقان، ولكن تتعارض النظرة المجرّدة مع النظرة الملموسة.
كيف قام المسيح بمهمّته؟ نجد في تي و1تم العبارة عينها: "ضحّى بنفسه فدية عن الجميع" (1تم 2: 6). "ضحّى بنفسه لأجلنا لكي يفتدينا" (تي 2: 14). إن فكرة التضحية وبذل الذات، غائبة كليًا عن 2تم، كمدلول فداء. في الواقع، تتحدّث 2تم عن المسيح، ولكن بشكل غير مباشر: "إن متنا معه" (2: 11. هذا يعني أنه هو مات أيضًا ونحن رافقناه في موته). وهذا القول يفترق عمّا في 1تم، تي، فيشير إلى القيامة: "قام من بين الأموات" (2تم 2: 8).
وتقدّم 2تم نتيجة خدمة المسيح كما يلي: "قضى على الموت وأنار الحياة والخلود بالبشارة" (1: 10). إن وضْع "الخلود" هنا يعطي "الحياة" نكهة اسكاتولوجيّة، ولا سيّما مع الفعل في صيغة المضارع في 2: 11 (سوف نعيش معه). غير أننا لا نستطيع أن ننفي المعنى الوجوديّ (الحياة الحاضرة) الذي تتضمّنه عبارة "الحياة التي في المسيح يسوع" (2تم 1: 1؛ رج 1: 13؛ 2: 1؛ 3: 12)، وليس فقط لأن الواحد هو زرع الآخر. ولكن المعنى الوجوديّ "للحياة" لا يرد في 1تم (رج المعنى الوجوديّ "للموت" في 1تم 5: 6) ولا في تي.
ومع أن "الحياة" اتّخذت منحى اسكاتولوجيًا في 2تم 1: 1، 10، فهناك اختلاف أيضًا. إن "حياة" في 1تم وتي ترافقها دومًا صفة: "الحياة الأبديّة" (1تم 1: 16؛ 6: 12؛ تي 1: 2؛ 3: 7). "الحياة الآتية" تقابل "الحياة الحاضرة" (1تم 4: 8: "الوعد بالحياة الحاضرة والمستقبلة")، وتتماهى مع "الحياة الحقيقيّة" (1تم 6: 19). هذا ما لا نجده أبدًا في 2تم.
قد نقول باختلاف بين الكرستولوجيا في 2تم، وبين 1تم وتي. ومع ذلك، فالاختلاف ليس بجوهريّ، بل هو يقف على مستوى الألفاظ والتعابير.

3- خدمة البشارة
ما نلاحظه من سمات في 1تم وتي هو لائحة الصفات المرغوبة في خادم الانجيل (1تم 3: 1- 13؛ تي 1: 5- 9). وهذا ما لا نجده في 2تم التي تعطي للخادم ألقابًا لا نجدها في الرسالتين الأخريين. نترك جانبًا اللقب الذي أعطاه "بولس" لنفسه: "المنادي والرسول والمعلّم" (1تم 2: 7؛ 2تم 1: 11). ولا نتوقّف عند ألقاب تكشف فهم الكاتب للخدمة. نجد في 1تم وتي "الشيخ" (1تم 5: 1، 17؛ تي 1: 5)، "الأسقف" (1تم 3: 1؛ تي 1: 7). وتضيف 1تم لقب "شماس" (3: 8- 13؛ 4: 6). هذه الألقاب الثلاثة لا ترد في 2تم. كل ما نجد هو لفظ "الخدمة" (4: 5) في معنى عاديّ جدًا (4: 11).
وهناك لقب روحيّ في 1تم: "رجل الله" (6: 11) الذي يظهر بشكل احتفاليّ في 2تم 3: 17 (ليكون رجل الله كاملاً). تلتقي 1تم و2تم عند هذا اللقب الواحد، الذي يُبعدنا عن التقسيم "الوظيفيّ" في الكنيسة. والخادم هو في 2: 3 "جندي صالح للمسيح يسوع" (رج 1تم 3: 18)، وفي 2: 15 "عامل لا يخجل"، وفي 2: 21 "إناء لاستعمال شريف"، وفي 2: 24 "عبد (خادم) الربّ"، وفي 4: 5 "المبشّر".
نفهم هذه الألقاب في سياقاتها، وهي تدلّ على خاصيّة 2تم. "فجنديّ المسيح يسوع" سيلقي الضوء على علاقة الخادم بالمسيح، وهو بُعدٌ غائب كلَّ البعد عن 1تم وتي. على الجندي أن يكون مستعدًا لتحمّل الآلام. وفي نظر 2تم، المشاركة في الآلام جزء لا يتجزّأ من الخدمة (سينكاكوباتاين، 1: 8؛ 2: 3؛ رج 4: 5). وهي أمر طبيعيّ في الحياة المسيحيّة: "فكل من أراد أن يحيا في المسيح يسوع حياة التقوى أصابه الاضطهاد" (3: 12؛ رج فل 3: 10). لا إشارة في 1تم وتي إلى أن الحياة المسيحيّة تتضمّن الآلام. بل إن 1تم تعمل كل شيء من أجل "حياة مطمئنة هادئة" (2: 2)، وتشدّد على أن الخادم يجب أن يشهد له الذين هم في خارج الكنيسة (3: 7). أما حسب تي، فسلوك الجماعة يجب أن لا يلفت النظر (3: 1- 2؛ رج 2: 5).
هذه الرغبة في عدم "الظهور" هي ما يعارض النظرة البولسيّة في أن على الكنيسة المحليّة أن تكون حياتها من القوّة بحيث تعلن الانجيل إلى العالم (فل 2: 14- 16). إذا وضعنا تي 2: 9- 10، فإن 1تم وتي لا تهتمّان بالبعد الارساليّ في الكنيسة. بل هما تهتمّان بحياة الجماعة في الداخل. حين نقرّ بهذه الوجهة نفهم معنى لفظ "المبشّر" (2تم 4: 5) الذي يقوم دوره في إعلان الكلمة والمناداة بها (4: 2، كيريكس). فالمبشّر (أو حامل الانجيل) هو الذي يعلن المسيح للذين لم يسمعوا الكلمة بعد. فهو يذهب إلى الخارج كرسول.
إن الاستعمال الايجابيّ للفظ "عامل" في سياق الخدمة (2: 15) ليس بعاديّ للوهلة الأولى. فلا بدّ من بعض التمعّن لنرى تقابله مع "الشيوخ" و"الأساقفة" في تي و1تم. ومع ذلك، استعمل بولس اللفظ فقط تجاه معارضيه الذين ينادون بانجيل آخر: هم عاملون مخادعون (2كور 11: 13). "عمّال السوء" (فل 3: 2). هذا الاستعمال يشرح أفضل شرح الصفة "لا يخجل" (2تم 2: 15). يشير النصّ إلى الدينونة الاسكاتولوجيّة المرتكزة على التتمّة. أما 1تم وتي فتهتمّان بالحياة في الآخرة.
ووصف الخادم بأنه "إناء من أجل استعمال شريف" (2تم 2: 21)، يكشف ما هو الأهم في الخدمة. "البرّ، الايمان، المحبّة، السلام" (2: 22). وهي ستكمّل فيما بعد. "فعلى خادم الربّ أن لا يكون مشاجرًا، بل رفيقًا بجميع الناس، أهلاً للتعليم، صبورًا، وديعًا في تأديب المخالفين" (2: 24- 25). هذه المزايا تجد ما يقابلها في 1تم وتي. فتيموتاوس يحرَّض على "طلب البرّ والتقوى والايمان والمحبّة والصبر والوداعة" (1تم 6: 11؛ رج 1: 14؛ 2: 15؛ 4: 12؛ 6: 2؛ تي1: 1؛ 2: 2؛ 3: 2). ولكن في 1تم وفي تي هي مزايا مسيحيّة عاديّة، وليست مرتبطة بالخدم. هذا يعني بالنسبة إلى 2تم أن ما يجعل الانسان مسيحيًا صالحًا يجعله أيضًا خادمًا. فالظروف التي تشير إلى الأساقفة والشيوخ في 1تم، تي، لا تنطبق على 2تم.
هذا لا يعني أنه لا يوجد تداخل بين هذه الصفات والصفات المطلوبة من الأساقفة والشيوخ والشمامسة (1تم 3: 1- 13؛ تي 1: 6- 9). ولكن ما لم تذكره هاتان اللائحتان هو الفضيلة العظمى، فضيلة المحبّة التي هي في قلب 2تم (1: 7). فهذه الفضيلة تُشرف على مواقفنا تجاه الخصوم وتجاه الأعضاء في الجماعة.
وكما دلّ الكلام في 2: 24، فمرمى 2تم هو أن ننتصر على الخصوم بالصبر والثبات، بحيث يتوبون "فيُفلتون من فخّ إبليس الذي أطبق عليهم وجعلهم يطيعون مشيئته" (2: 26). إن نظرة المحبّة التي تعتبر أن الخصوم ليسوا مسؤولين كل المسؤوليّة عن الشرّ الذي يصنعون (4: 16)، يتعارض بوضوح مع الحكم القاسي على الخصوم في 1تم 6: 4. على تيموتاوس أن يأمرهم أن لا يعلّموا التعليم الضّال (1تم 1: 3). للوهلة الأولى، لا يكون تيطس بهذه القساوة فيقول بأن المعلّم الجديد عليه أن يردّ على المعارضين (تي 1: 9). ولكن الفعل "إلانخاين" يعني أيضًا "أدّب، وبّخ، عاقب". إذن، يجب أن يُخزوا. وهذا المعنى يفرضه ما يلي: عليك أن تسدّ أفواههم (1: 11). لا يهتمّ بالتبدّل لدى المعارضين، بل بسحقهم.
ونجد السمة عينها حين النظر إلى ممارسة السلطة داخل الجماعة. فالفعل "إلانخاين" الذي قرأناه في تي 1: 9، نقرأه أكثر من مرّة في الرسالة عينها. في 1: 13: "وبّخهم (أدّبهم) بشدّة لكي يكون إيمانهم صحيحًا". وفي 2: 15: "وبّخ بما لك من سلطان تام". تدلّ هذه العبارة الأخيرة على سلطة قريبة من التسلّط. فهناك مخافة باطنيّة تصبح واضحة بعبارة "لا يستخفّ بك أحد" (2: 15). يُعطى المعاندون فرصتين، ثم يتجاهلهم تيطس (3: 10: أعرض عنه بعد أن تنذره مرتين). ونجد الطريقة عينها في 1تم. قيل لتيموتاوس: "لا يستخفّ أحد بك" (4: 12). وأمر: "أما المذنبون فوبّخهم أمام الجميع حتى يخاف غيرهم" ((5: 20). لا نجد شيئًا مثل هذا في 2تم. وإن وُجد فعل "وبّخ"، فهو لا يبدو بارزًا. ففي الجماعة، الفعل المستعمل هو: ناشد، استحلف (ديامرتيروماي). كأني بالكاتب يتوسّل، ويطلب من الله أن يكون شاهدًا لما يقول (2: 14).
ونلاحظ أيضًا أن 1تم وتي تطلبان من المسؤولين في الجماعة أن يقدّموا القدوة الصالحة لجماعاتهما، وهذا ما تفعله 2تم. نقرأ في 1تم 4: 12- 15: "كن قدوة للمؤمنين في الكلام والتصرّف والمحبّة والايمان والعفاف... فكّر في هذه الأمور، وكرّس نفسك لها حتى يظهر نجاحك لجميع الناس". ونقرأ في تي 2: 7: "وكن أنت نفسك قدوة لهم في العمل الصالح". أما في 2تم، فبولس هو قدوة لتيموتاوس في القول (1: 13؛ 2: 2؛ 3: 14) وفي العمل (3: 10). ولكن لا يقال لتيموتاوس أن يكون قدوة للجماعة.
كيف يعيَّن الرؤساء في الكنيسة؟ لا تقدّم تي جوابًا. أما 1تم فتعطي جوابًا يختلف عن جواب 2تم. فحسب 1تم، اختير المرشّحُ بنبوءة، ووضع الشيوخ أيديهم عليه: "لا تهمل الهبة (خاريسما، الموهبة) التي فيك، والتي أعطيت لك عبر نبوءة مع وضع اليد من قبل جماعة الشيوخ" (4: 14؛ رج 1: 18). أما 2تم، فبولس وحده هو مسؤول، ولا نجد ذكرًا لنبوءة. "أنبّهك أن تضرم الهبة التي جعلها الله لك بوضع يديّ" (1: 6). حاول الشرّاح أن يوفّقوا هذين الوجهين، فما استطاعوا. هذا يعني أن كاتب 1تم غير كاتب 2تم. وأن الرسالتين تعكسان وضعين كنسيّين مختلفين.
ومن يستطيع أن يكون خادم الانجيل؟ ما نجد في 1تم 3: 1- 13 وتي 1: 6- 9، يدلّ بوضوح أن الذكور وحدهم "يخدمون". لا جدال في 1تم: "لا أسمح للنساء بأن يعلّمن، ولا أن تكن لهنّ سلطة على الرجال" (2: 12). أما تي فسمح فقط للعجائز بأن يعلّمن الصبايا، وذلك في إطار مجتمع أربابيّ (2: 3- 4). للوهلة الأولى، لا تبدو 2تم مختلفة عمّا في 1تم وتي، ولكن الوضع ليس كذلك. فنحن نقرأ الاشارة الوحيدة عن النساء، في 3: 6: "نساء ضعيفات مثقلات بالخطايا، منقادات لكل أنواع الشهوات. يتعلّمن دائمًا، ولا يمكنهنّ معرفة الحق أبدًا" (3: 6- 7). استعمل الكاتب التصغير "النساء الصغيرات، النساء الطفلات" ليدلّ على أنه لا يتكلّم عن كل النساء، كما هو الأمر في تي (في 1تم 5: 11- 13، مع نظرة قاسية إلى النساء). قالت 2تم إن الخدّام يكونون من الرجال (3: 17)، ولكنها لم تستبعد النساء. ولكن يبقى نصّ في 1تم حول الشماسات وآخر حول الأرامل.

4- الانجيل
استعملت 1تم وتي لفظ "اؤتمنت". في حالة أولى، مع الانجيل. في 1تم 1: 11: "الانجيل الذي أوتمنت عليه". وفي حالة ثانية، مع الكرازة. في تي 1: 3: "الكرازة التي أوتمنت عليها". جاءت الفكرة هي هي في 2تم، ولكن عبّر عنها النصّ بألفاظ مختلفة كل الاختلاف. "إحفظ الوديعة الصالحة" (1: 14؛ رج 1: 12) التي تجد ما يقابلها في 1تم 6: 20 (إحفظ الوديعة). ومع ذلك، فهناك اختلاف. في 1تم، يترك بولسُ تيموتاوسَ ومشورته. أمّا 2تم فتقول: "بعون الروح القدس الذي يسكن فينا" (1: 14).
والاشارة الأخرى الوحيدة إلى الروح القدس، نقرأها في تي 3: 16 مع تلميح إلى المعموديّة: الروح "أفيض علينا". وأشارت 1تم 4: 1 إلى روح النبوءة. مقابل هذا نجد فكرة سكن الروح فينا، في 2تم، كما في 1كور 3: 16؛ 6: 19.
وهناك سمة مميّزة في الرسائل الرعائيّة. استعمال لفظ "الصحيح". كانت تي وحدها حين وصفت الايمان ب "الصحيح" (1: 13؛ 2: 1). ولكن توافقت الرسائل الثلاث على وضع هذه الصفة مع "التعليم" (ديدسكاليا) ومع "الأقوال". ومع ذلك، نتعلّم الكثير من الاختلافات.
في 2تم، الأقوال هي أقوال بولس (1: 13). في 1تم هي أقوال المسيح (6: 9). إن الإشارة الوحيدة إلى "التعليم الصحيح" في 2تم 4: 3 لا ترجع إلى عادة معمول بها، بل تُستعمل في نقيضة مع تعليم لاصحيح يتماهى مع "الخرافات" (4: 4)، ويتعارض مع "كلام" الله (4: 2) و"الحق" (4: 4؛ رج 3: 8). أما الزمن المستعمل فهو المستقبل اللامحدّد: "سيأتي وقت" (4: 3). لا حاجة للعودة إلى الأيام الأخيرة (رج 4: 6) حيث تُستعمل صيغةُ الجمع (2تم 3: 1). 
في 1تم، يتّسم التعليم الصحيح بالطابع الأخلاقيّ المؤسّس على الانجيل (1: 10). ونحسّ أن لائحة الرذائل في 1: 9- 10 يمنعها "التعليم الصحيح". هذا يعني أن للعبارة معنى تقنيًا خاصًا. ونقول الشيء عينه عن تي. فالمضمون الأخلاقيّ "للتعليم الصحيح" واضح من لائحة توصيات تتبع الأمر: "أما أنت فتكلّم بما يوافق التعليم الصحيح" (2: 1). ما يُطلب من الشيوخ من صفات، جاء في لغة مقولبة. فإذا أراد الخادم أن يدافع عن التعليم الصحيح، عليه أن يتمتّع بمعرفة أكيدة لما يريد أن يعلّم (1: 9). 
نلاحظ أن 1تم وتي تعطيان قيمة لما في 2تم من كلام حول معرفة الحق. نقرأ مرّتين عبارة "معرفة الحق" في 2تم. فعلى الشيوخ أن يُصلحوا المخالفين بوداعة "لعلّ الله يهديهم إلى التوبة ومعرفة الحق" (2: 25). ومن جهة ثانية، نرى أن بعض الناس يسمعون إلى كل انسان، بحيث لا يمكنهم أن يبلغوا "معرفة الحق" (3: 7). في الحالتين، تُشرح العبارة كنقيضة لمعرفة هي بنت المخيّلة، وبالتالي كاذبة.
مقابل هذا، نقرأ في 1تم أن الله "يريد أن يخلُص جميع البشر ويبلغوا إلى معرفة الحق" (2: 4). فالذين يؤمنون هم الذين يعرفون الحقّ (1تم 4: 3). هذا المزج بين الايمان ومعرفة الحق يظهر أيضًا في تي. فهدفُ خدمة الكاتب هداية "الذين اختارهم الله إلى الايمان وإلى معرفة الحق الموافقة للتقوى" (تي 1: 1). في كلا الحالين، "معرفة الحق" ترادف "الايمان" والخلاص. ومعناها الدقيق: المعرفة الصحيحة للديانة. هذا ما يقابل 1تم 6: 3 (التعليم الموافق للتقوى). وهذا ما يربط تي مع 1تم رباطًا حميمًا. وهذا ما يبعد 2تم عنهما حيث لفظ "تقوى" (أوسيبايا)، يُستعمل في شكل دنيء: "متمسّكين بقشور التقوى، رافضين جوهرها" (3: 5).
على المستوى الاجتماعيّ، عملُ الانجيل الرئيسيّ (تُذكر قوته، ديناميس، في 2تم 1: 7- 8؛ 2: 9؛ 3: 5) هو تقديم مثال سلوك يجسّد قيمه. ففي الرسائل الثلاث، نجد عبارة "الأعمال الصالحة (الحسنة)". ولكن 2تم تتحدّث دومًا عن "كل عمل صالح" (2: 21؛ 3: 17). وتنتقل تي و1تم بين "عمل صالح" (1تم 2: 10؛ 5: 10؛ تي 1: 16) و"عمل سوء" (1تم 3: 1؛ 5: 10، 25؛ 6: 18؛ تي 2: 7، 14؛ 3: 8، 14). إن 1تم 5: 10 التي تتحدّث عن "كل عمل صالح"، تمنع وجود الاختلاف الجوهريّ، ولكن لا يمكن أن نتجاهل العنصر الأسلوبيّ.

5- التعليم الكاذب
كيف تطلّعت الرسائل الرعائيّة إلى تعاليم الضلال؟ هنا نتذكّر ما قاله بعض الشرّاح عن الضلالات في 1تم، 2تم، تي: نحن أمام دليل الواعظ لكي يعرف ما تقدّمه الغنوصيّة من تعليم. ولكن سوف نرى كم تختلف 2تم عن 1تم وتي في أكثر من عنصر هام.
إن التعاليم الذي تحارَب في 1تم، تي، لها بُعد يهوديّ. فالمعلّمون الكذبة يتوقون إلى أن يكونوا "معلّمي الشريعة" (1تم 1: 7؛ رج أع 5: 34؛ لو 5: 17). والمسألة التي نجدها في تي ترتبط بالذين هم من الختان (1: 10)، بأناس من أصل يهوديّ (غل 2: 12؛ كو 4: 11). هم يعلّمون الامتناع عن الأطعمة بشكل صريح (1تم 4: 3) أو ضمنيّ (تي 1: 14- 15)، وهذا ما يجعلنا في إطار الشريعة اليهوديّة.
ويقومون أيضًا بتنظيرات حول الأنساب (1تم 1: 4؛ تي 3: 9). هذا يعني أمرين. جعلت 1تم 4: 7 الأنساب مع "الخرافات" . أما تي 3: 9 فجعلتها مع "مجادلات حول الشريعة". وجّهت 1تم أنظارنا نحو العالم الغنوصيّ حيث تترافق الخرافات والأنساب (يتحرّر الناس من الايونات). أما تي 1: 14 فتتحدّث عن خرافات يهوديّة. وهذا ما يعود بنا إلى زمن الآباء ابراهيم واسحاق ويعقوب. وأخيرًا، حسب 1تم وتي، الباعث على هذا التعليم هو الجشع وحبّ المال (1تم 6: 5، 10؛ تي 1: 11).
ولكن لا نجد عنصرًا واحدًا من هذه العناصر في 2تم. فالرسالة تقدّم فقط مثالاً ملتبسًا من تعليم ضال: هيمينايس وفيليتس أكّدا أن القيامة قد تمّت (2تم 2: 18). أما الاهتمام الرئيسيّ في 2تم، فهو الجدال العقيم (2: 14) والكلام الفارغ (2: 16) والمماحكات الغبيّة والحمقاء (3: 23). مثلُ هذا الوضع يقود إلى خراب السامعين (2: 14)، إلى المشاجرات (2: 23)، إلى الكفر (2: 16). ما يهتمّ له هو "الآكلة" (2: 16) وتأثيرها على الجسم كله.
مثل هذا الكلام نجده في 1تم وتي. فإن تي 1: 10 تتحدّث عن "الكلام الباطل"، عن أصحاب "المجادلات السخيفة والأنساب والخلاف والمناقشة في الشريعة" (3: 9). أما 1تم فهاجمت "أصحاب الخرافات والأنساب" (1: 4)، الذين "انحرفوا إلى الكلام الباطل" (1: 6)، وهاجمت "الخرافات الباطلة وحكايات العجائز" (4: 7) و"المناقشات والمماحكات" (6: 4) و"الكلام الفارغ والجدل الباطل" (6: 20). وهكذا تتشارك الرسالات الثلاث في استعمال ألفاظ مماثلة. ولكن هل يعني أنها تتكلّم عن الشيء عينه؟هذا ليس بالضروريّ. في 1تم وتي، كان الخلاف حول قراءة أسفار العهد القديم. أما 2تم فتعتبر أن العهد القديم كتاب مقدّس يصلح للتعليم والتأديب والتفنيد والتقويم (2تم 3: 15- 16). هذا يعني أننا لا نهمل الكتب المقدّسة. ويعني أن هذه الكتب تجعل رجل الله "كاملاً ومستعدًا لكل عمل صالح" (3: 17). مثل هذه النظرة إلى العهد القديم، تُبعد كلَّ جدال حول الأنساب والخرافات التي أشارت إليها 1تم وتي.

خاتمة
باتت الاختلافات عديدة بين 2تم من جهة، وتي و1تم من جهة ثانية. وهذا يعني أننا لا نستطيع بعد أن نتكلّم عن كاتب واحد دوّن الرسائل الرعائيّة الثلاث: تباينت شخصيّة الكاتب هنا وهناك. وتباينت النظرة اللاهوتيّة والاجتماعيّة. ونستطيع القول إن 2تم تبدو قريبة من بولس، دون أن نقول بالضرورة إنه هو الذي ألّفها. ولكن في أي حال، ابتعدت 1تم وتي في الزمن عن بولس، فما عدنا على مستوى الحدث، بل على مستوى المؤسّسة التي تنظّم الكنيسة في حياتها الداخليّة دون الاهتمام الكبير بنشر الانجيل في الخارج.
الفصل الثالث
من رسول إلى ابنه الحبيب
1: 1- 5

رسالة تشبه بعنوانها 1تم، مع بعض اختلافات. هي أكثر من كلام يصل إلى تيموتاوس. هي وثيقة رسميّة في الكنيسة. لا يشير بولس إلى المدينة التي كتب منها، ولا إلى تلك التي يقيم فيها قرّاؤه. ولكن نفهم من آ 15، 18، أنهم يقيمون في آسية الصغرى، وفي أفسس العاصمة. وضعُ تيموتاوس هو هو. أما حياة بولس فصارت إلى النهاية: هو سجين (آ 8، 16؛ 2: 19). ولا يستطيع أن يلتقي تلميذه اللقاء الحميم إلاّ في السجن، في رومة (آ 17). في الواقع، سيُحكم على الرسول بالموت، بحيث تكون 2تم وصيّته الأخيرة التي فيها يودّع تلميذه الحبيب ويحضّه على تحمّل الآلام بشجاعة.

1- التلميذ ومعلّمه
كانت 2تم بطابعها الشخصيّ موضع جدال حول صحّة نسبة الرسائل الرعائيّة إلى بولس. إذا كان تحريض بولس يُعطى كتوجيه من أجل الكنيسة، في 1تم، ففي 2تم، يعود الكاتب إلى 1تم 1: 12- 17 فيقدّم خبرته ومسيرته من أجل تأمّل يصل بالتلميذ إلى الاقتداء بمعلِّمه. فبولس ليس فقط المعلّم في الجماعة والموجِّه. بل إن استعداده للألم هو خدمة للانجيل.
إن هذا التشديد على السمات الخاصة في العلاقة، يطرح سؤالاً على الفن الأدبيّ في 2تم. اختلف الوضع عمّا في 1تم. لا نجد المثلّث: بولس، القارئ، الجماعة، بل المثنّى: بولس، القارئ. في 2تم بولس سجين، متألّم (آ 8، 12، 16؛ 2: 9). تخلّى عنه الجميع (آ 15؛ 4: 10، 16) فصار قريبًا من الموت (4: 6- 7). نلاحظ فرقًا بين "الأعمال المنحولة" و2تم. ففي "الأعمال" تأسّس خبرُ استشهاد بولس على تعارض بين ملكوت الله ومملكة الموت. أما في 2تم، فبولس يتقبّل مصيره بهدوء. ارتبط سجنه بالمناداة بالانجيل (آ 8، 11- 12؛ 2: 9؛ 4: 17). فالنصّ الذي لا يتضمّن كلمة ضد رومة، يقدّم موقفًا إيجابيًا بالنسبة إلى السلطة التي يخضع لها الرسول (1تم 2: 1- 2؛ تي 3: 1- 2؛ 1بط 2: 5).
إن القرب من الموت هو في أساس خطبة تُناسب المقام: وصيّة، وداع، كلام نودّع به الأهل والأصدقاء. في الوصيّة، نرى الذاهب إلى الموت يستنتج من حياته أمثلة نتبعها أو نتجنبها. أما الإطار فساعة الموت. وتشكّل خطبة الكاتب قلب النصّ مع سيرة سابقة وتحريض حاضر ونظرة مستقبليّة. وتنتهي الوصيّة بتعليمات من الموصي. هو "الأب" يقدّم خبرته "لابنه".
شدّدت 1تم على الخصوم وتعليمهم. أما 2تم، فحصرت الصراع في داخل الجماعة: دموع وانفصال (آ 4). عذاب وسجن (آ 8، 12، 16). تخلّوا عنه (آ 15). لا تستحي (آ 8، 12، 16). التواصل بين المعلّم وتلميذه هو في خطر. ونحن سنجد في وسط تحريضات شخصيّة أمورًا تدلّ على "الوصيّة": ابني (آ 2). الوديعة أو التعليم الذي يحفظه (آ 13- 14؛ 3: 14). تعليم نسلّمه إلى آخرين (2: 2، 9- 10؛ 4: 7- 8). كلام عن المعلّمين الكذبة (3: 1- 9، 13؛ 4: 3- 4). ساعة الرحيل والموت (4: 6). ويُضاف: الموصي مثال نتبعه (آ 8، 12؛ 4: 5). وهناك أمثلة سيّئة نتجنّبها (2: 16، 23؛ 3: 5؛ رج أع 20: 18- 25). ففي 2تم كما في أع 20، بدا موتُ بولس قريبًا. وتوجّه كلامُه إلى المسؤولين في الكنيسة تجاه خطر الهراطقة. وشدّد المتكلّم على نقل التعليم الرسوليّ الذي نحفظه، والمثال الذي نقتدي به.
وبجانب هذه السمات التي تدلّ على الوصيّة وما فيها من تحريض شخصيّ، نلاحظ في فعل الشكر (آ 3- 5) مواضيع خاصّة برسالة يُرسلها صديق إلى صديقه. يتذكّر الكاتبُ ذاك الذي يكتب إليه، يتذكّره "دومًا" (آ 3) "في صلواته"، ويرغب في رؤيته أيضًا. هنا نلاحظ الفرق بين 1تم و2تم. في 1تم 1: 2 (رج تي 1: 4) نقرأ: "ابني الحقيقي". في 2تم 1: 2: "ابني الحبيب". في 1تم (كما في تي) يذكّر الرسول تلميذه بواجبه. في 2تم، هي صلاة: لم نعد أمام تعليم وسلطة، بل أمام الحفاظ على الوحدة، مع بولس السجين والمتألّم والذاهب إلى الموت.
وفعل الشكر هذا لا يبدو بشكل "تاريخ خلاص"، بل كإرث عائليّ وتقليد دينيّ (آ 3، من الجدّة، إلى الأم، إلى الولد... لا ننسى أن التقليد ينتقل في العالم اليهوديّ بواسطة الأمّهات). وما قيل في آ 5 من أمور متعلّقة بحياة تيموتاوس، يعود إلى مسيحيين من الجيل الثالث، مع تقليد انتقل في إطار التربية الدينيّة في العائلة.

2- دراسة النصّ
بعد العنوان والتحيّة (1: 1- 2)، نتوقّف عند فعل الشكر (آ 3- 5). وقبل ذلك نشير في آ 2 إلى قلب العبارة: الربّ يسوع المسيح (السينائيّ، البسيطة). وفي آ 5، "لمبانون" (أخذ) بدل "لابون".

أ- العنوان والتحيّة (1: 1- 2)
أولاً: من بولس رسول المسيح (آ 1)
منذ البداية، نكتشف في 2تم كلامًا قريبًا من بولس. فدعوة بولس إلى الرسالة لا ترتبط إلاّ بمشيئة (تاليما) الله السامية. رج أف 1: 1؛ كو 1: 1. والهدف: تعريف الناس بوعد عطيّة الحياة الذي تحقّق في المسيح يسوع. حسب (كاتا). تدلّ أولاً على الهدف (روم 1: 2): هو رسول من أجل انجيل الله الذي وعد به الأنبياءُ. ثم تدلّ على المرجع: حسب الوعد الالهيّ. تندرج الرسالة في تدبير العناية الالهيّة وتاريخ الخلاص. وهي عنصر رئيسيّ في تتمّة هذا الخلاص. رج 1تم 1: 1: "الله مخلّصنا".
وموضوع وعد الآب هو تارة الروح القدس المرسَل (إكسابوستالو). رج لو 24: 49؛ أع 1: 4؛ 3: 33؛ غل 3: 14؛ أف 1: 13. وطورًا، المخلّص والعهد الجديد (أع 13: 23؛ 2كور 1: 20؛ عب 8: 6). وهنا: الحياة الحقّة (1تم 6: 19؛ زوئي) أو الحياة الأبديّة (1تم 1: 16؛ 6: 12؛ تي 3: 7؛ يو 3: 15- 17) التي أعلنت هنا كما في 1تم 4: 8 (الوعد بالحياة الحاضرة والمستقبلة). رج يع 1: 12؛ 1يو 2: 25. وكما في تي 1: 2 (رجاء الحياة الأبديّة). "التي هي في المسيح يسوع" (في 1تم 1: 1: رجائنا) تدلّ على اعتراف عماديّ في الكنيسة (1بط 1: 3). فالمسيح حياة وينبوع حياة (يو 1: 4؛ 11: 25؛ 14: 6). ووساطتُه تُتيح لنا أن ننال هذه الحياة من الآب (1كور 1: 4) وساعة نكون متّحدين (غل 2: 20؛ 3: 27). فالمسيح هو الذي يمنحنا الحياة. كما أنه حياتنا (1كور 3: 4؛ فل 1: 21). لهذا يُذكر "المسيح يسوع" ثلاث مرات في آ 1- 2. والعطايا الالهيّة المذكورة نقتبلها فيه: الخلاص (2: 10؛ 3: 5). النعمة (آ 9؛ 2: 1). الايمان والمحبّة (آ 13؛ 1تم 1: 14؛ 3: 13). حياة التقوى (3: 12؛ روم 8: 12).
ثانيًا: إلى ابني الحبيب (آ 2)
حين كتب بولس إلى أهل كورنتوس، بدا مربيًا حقيقيًا. فشرح للمؤمنين أن تنبيهاته تشبه (هوس) تنبيهات أب لأولاده (1كور 4: 14؛ رج أف 5: 1). وعى أن نقل كلمة الله هي إيلاد حقيقيّ (الرسول يلد المؤمنين)، فاعتبر الغلاطيين "أبناءه الصغار" (غل 4: 19). فعملُ الرسالة يفترض تضحية وحنانًا أين منه حنان الأم تجاه أولادها (1تس 2: 7- 8). إذن، له أحشاء أب وأم بالنسبة إلى الذين نقل إليهم الحياة الأبديّة (آ 1). وأولهم تيموتاوس الذي سمّاه "غنيسيوس" (حقيقيّ، شرعيّ) في 1تم 1: 2 (رج تي 1: 4). وحين دعاه ابني (تاكنون) الحبيب (أغابيتون)، استعاد ما في 1كور 4: 17، الذي يشمل تعلّقًا بشريًا حسيًا وتقوى دينيّة عميقة (رج فلم 16). فتيموتاوس ليس فقط "أخًا محبوبًا" أو"ابنًا حقيقيًا"، بل "الابن تيموتاوس" (1تم 1: 18)، "ابني" (آ 2). إن لفظ "تاكنون" يبدو أكثر تعبيرًا من "هيوس". اسم لم يستعمله بولس لأي تلميذ من تلاميذه. فتيموتاوس لا شبيه له. قال فيه: "فما لي أحد مثله يهتمّ اهتمامًا صادقًا بأمركم. فكلّهم يعمل لنفسه، لا ليسوع المسيح. وأنتم تعرفون خبرته وكيف خدم البشارة معي خدمة الابن مع أبيه" (غل 2: 20- 22).
هنا نستطيع أن نُعطي للصفة "أغابيتون": الابن العزيز، البكر، الذي يرث (غل 4: 7)، الابن المفضّل (كما سوف نرى في آ 3- 5). إن 2تم هي وصية الرسول الأخيرة لتلميذ كريم، أمين، مختار (3: 10- 11؛ 4: 1- 2). مثلُ هذا التعبير عن المحبّة، عاطفة طبيعيّة لدى شيخ سجين إلى ابن بعيد عنه، يتشوّق إلى رؤيته.

ب- فعل الشكر (1: 3- 5)
أتبع بولس، كعادة زمانة، التحيّة الأولى بفعل شكر لله. هذا الشكر سيتوسّع وينتهي في صلاة. ما يحرّكه هو عاطفة بولس الشخصيّة تجاه تلميذه، وتذكّرُ ماض حلو وبعيد. وموضوعه إيمان تيموتاوس الصادق.
أولاً: أحمد الله (آ 3)
أحمد الله. أشكره. أنا ممتلئ من عرفان الجميل. اعتاد الرسول أن يستعمل "اوخاريستيو" (شكر) أو "أولوغيتوس" (مبارك)، رج 2كور 1: 3. أما هنا فاستعمل "خارين إخو" (روم 6: 17؛ 1تم 1: 2): عندي امتنان، نعمة. نستطيع القول: امتلأ قلبي امتنانًا، فتوجّه إلى الله في فعل عبادة وطاعة. هكذا يفعل الرسول. "لاتراوو". كلمة تعود إلى السبعينيّة. هناك "لايتورغيو" التي تُفهم عن الخدمة الكهنوتيّة والاحتفال بالطقوس. أما "لاتراوو" فتعني شعائر العبادة (عب 8: 5؛ 9: 9، 14؛ 10: 2؛ 13: 10) كما تدلّ على العبادة الروحيّة (روم 1: 9)، على حياة دينيّة وصلاة (لو 2: 37؛ فل 3: 3؛ عب 12: 28)، على ممارسة نشاط يرتبط بعبادة الله (تي 1: 1؛ 1بط 2: 16؛ رؤ 22: 2). وهي لا قيمة لها إلاّ إذا صدرت عن ضمير طاهر (أع 23: 1؛ 24: 14- 16؛ رج 1تم 1: 5؛ 3: 9). هل أراد بولس السجين أن يلمّح أنه بريء؟ ربما.
ويُتمّ الرسول هذه الحياة الدينيّة، هذا التكريس لخدمة الله بأمانة لتقليد مجيد. نقرأ "بروغونوس" الأجداد. في معنى أول، والدا بولس (1تم 5: 4) ومعلموه في المجمع أو على قدمي جملائيل. وفي معنى ثان، نحن أمام إرث مقدّس يتسلّمه المؤمن كوديعة (سي 44: 1) يحافظ عليها فيدلّ على إيمانه. نحن هنا في إطار دينيّ من الأمانة والغيرة تجاه الاله الحقيقيّ ومواعيده وعهده في تدبير الخلاص، على مستوى العهد القديم كما على مستوى العهد الجديد (روم 11: 13-20؛ عب 11). فبولس الشيخ المحكوم عليه، يعود إلى الماضي: تعرّف إلى الله بوحي وصل إلى الآباء، فاقتدى بفضائلهم وسار في خطى أمانتهم (عب 13: 7).
إن محبّة الرسول الأبويّة تعبّر عن نفسها بتذكّر دائم وصلاة متواصلة. نجد في آ 3- 6 أربع ألفاظ تشير إلى هذا التذكّر: إخو منايان (آ 3، أذكر، أملك تذكرًا). منيسكو (آ 4، أتذكر) هيبومنيسين لمبانو (آ 5، أخذ تذكّرًا). أناميمنيسكو (آ 6، ذكّر، بمعنى نبّه). دومًا. أي في كل مكان وفي كل وقت "أديالايبتوس". يُستعمل هذا الظرف للكلام عن خدمة كهنوتيّة أو صلاة (1مك 12: 11). كل مرّة يبدأ بولس صلاة، يتذكّر تيموتاوس. "دائيسيس" (صلاة) هي شكل من العبادة الدائمة (لو 2: 37). هي صلاة المسيح (عب 5: 7) والكنيسة (1تم 2: 1) وأعضاء الكنيسة (أف 6: 18؛ فل 4: 6). "ليلاً ونهارًا". رج 1تس 3: 10. هي صلاة دائمة، صلاة لا تملّ (لو 18: 1).
ثانيًا: أتذكّر دموعك (آ 4)
لا يقدر بولس بعدُ أن يتحمّل غياب تيموتاوس. فيرغب كل الرغبة في رؤيته. فكأن قلبه يتوق إليه. "إبيبوتايو" اشتاق، تحسّر لرؤية شخص. نحن أمام حنين بسبب غياب شخص نُحبّه. يستعمل بولس الفعل للكلام عن الموطن السماوي (2كور 5: 2) كما عن اللقاء بالتلاميذ (1تس 3: 6؛ روم 1: 11؛ 15: 23؛ فل 2: 26). استعمل بولس اسم الفاعل ليدلّ على أن هذا الشوق يرافق الصلاة والشكر والتذكّر.
إذا كانت الحسرة في قلب الرسول بهذا المقدار، فلأنه يتذكّر دموع ابنه. أترى حين قُبض على بولس فأجبر تيموتاوس على توديعه؟ أترى لأنه لا يستطيع بعد أن ينعم بحضور معلّمه بعد أن ظلّ وحده في أفسس فاحتاج إلى نصائح من رافقه منذ زمان بعيد؟ فرض الواجبُ على تيموتاوس أن يبقى في مهمته ولا يرافق الرسول كما رافقه ديماس، ولوقا وتيخيكس (4: 10، 11، 20). استُعملت صيغة الكامل فدلّت على أن ما أحسّ به الرسول في ما مضى ما زال يحسّ به الآن. والتذكّر في الكتاب المقدّس يتضمّن الحنان والرحمة. رج لو 1: 54؛ أع 10: 31؛ عب 13: 9.
كانت الدموع موضوع التذكّر. أما "هينا" (لكي) فارتبطت برغبة بولس بأن يرى أيضًا تلميذه. فإن تحقّقت، صار بولس في منتهى السعادة (روم 15: 13؛ أع 13: 52). "بليرون". امتلأ. ترافق الفرحُ مع المحنة. رج 2كور 6: 10؛ 7: 4- 9؛ فل 2: 17. هذا السجين العائش وحده يعيش في الرجاء الذي هو ينبوع فرح (روم 12: 12).
ثالثًا: وأتذكّر إيمانك (آ 5)
في هذا التذكّر، في سرد الذكريات (هيبومنيسيس، رج حك 16: 11؛ 2مك 6: 17؛ 2بط 1: 13؛ 3: 1)، يتوقّف بولس عند إيمان تلميذه. أترى تسلّم رسالة تشير إلى ثبات في الايمان (1تس 3: 6). إيمان صادق، حقيقي، لا رياء فيه ولا خبث (1تم 1: 15: "أنيبوكريتوس". يضمّ الايمان المستقيم والتصرّف الديني، والأمانة للالتزامات على مستوى العاطفة كما على مستوى العمل.
"بستيس" (إيمان). ورثه تيموتاوس من والدته وجدّته (هذا ما حدث في لسترة، أع 16: 1). هو "ذات" (هوستيس) الايمان الذي يسكن (قلب عامر بالايمان) في جدّته وأمّه. "إنويكايو" (سكن). يستعمله بولس للكلام عن الروح القدس والله وكلمته. رج روم 8: 11؛ 2كور 6: 11؛ كو 3: 16. "مامي". لغة تحبّب. مثل "ماما" في العربية، مع الاشارة إلى أن اللفظ يدلّ في اليونانيّة على الجدّة لا على الأمّ، كما هي العادة عندنا.
هذه الآية تقدّم لنا معلومة أضافية إلى ما نعرف عن تيموتاوس في أع 16: 1. أم يهودية مؤمنة. وأب متحضّر بالحضارة اليونانيّة. وفي أي حال، هو وثني، لأنه رفض أن يُختن ابنه (أع 16: 13). حين مرّ بولس في لسترة، كانت افنيكة مسيحيّة وقد تسلّمت إيمانها من أمّها لوئيس. وهكذا بدا تيموتاوس وارثًا لايمان مرّ على جيلين. فوجب عليه أن يحافظ على هذه الوديعة. في هذا قال تيودوريتس: "لا شيء يحرك الانسان كالمثل العائليّ". وقال يوحنا الدمشقي: "أول مديح للتلميذ هو أنه يتحدّر من عائلة هي في خدمة المسيح".

3- قراءة إجماليّة
إن عنوان هذه الرسالة الذي يبدو أقلّ اتساعًا من عنوان تي، يعود بنا إلى بساطة 1تم. رسالتان توجّهتا إلى ممثّل بولس في أفسس. استعاد بولس تعابير الرسائل السابقة (1كور 1: 1؛ 2كور 1: 1؛ أف 1: 1؛ كو 1: 1)، فأعلن أنه رسول "بمشيئة الله". هو ليس موفَدًا من جماعة، ولا ممثلاً لسلطة بشريّة. ليس "رسولاً من قبل الناس ولا بدعوة من انسان" (غل 1: 1). لقد نال نداء خاصًا من الله (روم 1: 1).
وهدف رسالة بولس: إعلان وعد الحياة. فقد اختاره الله ليكون رسولاً (روم 1: 1: فرزه من أجل الانجيل، من أجل إعلان الانجيل)، بالنظر إلى وعد الحياة. فكرازةُ بولس هي في جوهرها إعلان سيقول بأن المواعيد التي أعطيت لابراهيم تمّت في يسوع المسيح (2كور 1: 20؛ غل 3: 16): بالايمان يُدعى المؤمنُ إلى ميراث الوعد (روم 4: 13- 16؛ غل 3: 22). ينال "روح الوعد" (غل 3: 14؛ أف 1: 13). صار "ابن الموعد" (روم 9: 8). لقد تدشّن تحقيقُ الوعد على الأرض، ولكنه لن يكون تامًا ونهائيًا إلاّ فيما بعد وساعة يشارك المؤمن في قيامة المسيح المجيدة، ويُقهر آخرُ عدوّ فيخضع كل شيء للمسيح "الذي سيخضع هو للذي أخضع له كل شيء، لكي يكون الله كلاّ في الكلّ" (1كور 15: 28). أما الآن، فالحياة، شأنها شأن الخلاص، تبقى في ملئها الأخير، موضوع رجاء. رج تي 2: 13؛ 3: 7.
وتستعيد آ 2، ما في1تم 1: 2 مع تفصيل هام. يُسمّى تيموتاوس "الابن الحبيب" لا "الابن الحقيقي" كما في 1كور 4: 17. استعمل بولس عبارة "الأبناء الأحبّاء" ليدلّ على المسيحيين الذين بشَّرهم (1كور 4: 14؛ أف 5: 1)، ولكنه لا يستعملها أبدًا للكلام عن أحد تلاميذه. هذا ما يدلّ على حنان أب تجاه ابن "وحيد" له. هي عاطفة فريدة يعبّر عنها بولس في رسالة تبدو وصيّته الأخيرة.
ما الذي دفع بولس إلى رفع آيات الشكر. فالفعل "شكر" هنا (بخلاف روم 1: 8؛ 1كور 1: 4- 5؛ 2تس 1: 3) لا يتبعه مفعول به، بل عددٌ من أسماء الفاعل كما في 1تس 1: 2- 4. اعتبر بعض الشرّاح أن آ 4 هي معترضة. لهذا، ربطوا بين آ 3 وآ 5: أشكر حين أتذكّر إيمانك الصادق. وقد يكون الباعثُ على الشكر تذكّر الرسول لأصدقاء تعلّق بهم، وبعضهم تركوه. ولتيموتاوس الذي ظلّ أمينًا له رغم المحنة.
بولس خادم لله في خطّ أجداده. فنشاطه الرسولي يُعتبر خدمة ليتورجيّة تتوخّى أن تجعل المسيحيين تقدمة روحيّة ترضي الله (روم 1: 9؛ 12: 1؛ 15: 16) في طاعة الايمان (روم 1: 5؛ 16: 26)، فتنضمّ إلى ذبيحة المسيح الطائع حتى الموت (فل 2: 8). حين يخدم بولس الله بأمانة، فهو يتابع مسيرة الذين سبقوه. فعائلته تمسّكت بالقيم الدينيّة في شعبه (فل 3: 5). وهو نفسه تفوّق على أقرانه (غل 1: 14). فالإله الذي عبده حين كان يهوديًا، هو الذي يعبده الآن. والانجيل الذي تلقّاه، هو تتمّة المواعيد التي أعطيت للآباء (أع 13: 32- 33؛ روم 4: 9- 24). وهو لا يستحي حين يذكر إيمان آبائه (أع 22: 14؛ 24: 14؛ 26: 7).
ذاك هو بولس في صمت سجنه بعد أن تركه أصحابه (1: 15). وإذ يفكّر في موته القريب، ينتظر تعزية: أن يرى تيموتاوس. وسيدعوه مرتين في نهاية الرسالة (4: 9، 21) أن يأتي إليه عاجلاً. وهو منذ الآن يدلّ على شوقه الكبير. ويتذكّر دموع التلميذ الذي فُرض عليه أن لا يلحق بمعلّمه في السجن بسبب واجبات رسالته. رؤية تيموتاوس هي مصدر فرح، بالنسبة إلى بولس.
أتذكّر ايمانك. أترى وصلت إلى بولس رسالة تخبره بثبات تيموتاوس في الايمان للمسيح وفي الأمانة لبولس؟ يبدو أن الأمر كذلك. فهناك عدد كبير من مشاركي بولس قد تركوا الرسول والرسالة. ومنهم ديماس الذي يبدو وكأنه ترك المسيحيّة! أما إيمان تيموتاوس فيتجذّر في محيط عائليّ عرفه بولس حين كان في لسترة: إيمان الجدة، وإيمان الأم. هذا الايمان يسكن في قلب لوئيس (الجدة) وافنيكة (الوالدة)، بعد أن تقبّلته هاتان المرأتان كعطيّة من الله.

خاتمة
تلك هي بداية 2تم. كلام أب إلى ابن يحبّه ويرغب في رؤيته. كلام يحمل الذكريات منذ الساعة الأولى التي فيها التقى بولس بتيموتاوس في لسترة، وهناك تعرّف إلى ايمان الوالدة والجدّة. وذكريات في ساعة الوداع والذهاب إلى سجن رومة، وما رافق هذا الوداع من دموع. ولكن ما يثلج صدر هذا "الأب" ويملأه فرحًا، هو ايمان ثابت لدى تيموتاوس. وأمانة صادقة لا رياء فيها. أما الاطار اللاهوتي فالوعد بالحياة. وُعد بولس بالحياة الابدية فنالها في ملئها حين دخل في التدبير الجديد، حين تعرّف إلى يسوع المسيح. وكان مصير التلميذ كمصير المعلّم. ينتظر بولس أن يُجازى خير جزاء على يد الديّان العادل بعد أن ظلّ أمينًا حتى النهاية. فلا يبقى لتيموتاوس سوى الاقتداء بذاك الذي سباه إلى طاعة المسيح، فجعله شريكًا في حمل الانجيل ومشاركًا في تدوين عدد من الرسائل. فهل نعجب بعد ذلك أن يشتاق بولس، العجوز السجين، إلى بعض قوّة وعزاء من ذاك الذي أحبّه حبًَا خاصًا، بعد أن تركه جميعُهم.
القسم الثاني
تيموتاوس رسول المسيح وشهيده
1: 6- 2: 13

دلّ مدخل الرسالة (1: 1- 5) على العاطفة الرقيقة التي يكنّها بولس لتيموتاوس، وعلى تمنيّات الرسول العظيم لمستقبل تلميذه الشاب والخائف بعد أن ابتعد المعلّم وصار سجين المسيح: على تيموتاوس أن يكون أمينًا للتعليم الحقّ، ومستعدًا للألم في سبيل الله.
هنا تأتي ست اعتبارات: التقاليد الدينيّة في العائلة (آ 5). النعمة التي نالها بوضع اليد (آ 6). سموّ الانجيل الذي سُلّم إليه (آ 8- 11). تعليم الرسول كمثال للثبات (آ 13). مثَل اونسيفورس (آ 16). الرجاء بالخلاص الأبدي الذي هو في المسيح يسوع (2: 10).
أما نحن فنقسم هذه المتتالية أربعة فصول:
1- قدرة الله الخلاصيّة (1: 6- 10)
2- بين بولس واونسيفورس (1: 11- 18)
3- الرجاء المسيحي (2: 1- 7)
4- مثال يسوع المسيح (2: 8- 13).
الفصل الرابع
قدرة الله الخلاصيّة
1: 6- 10

بعد أن انفصل تيموتاوس عن أبيه الروحي، عليه أن لا ييأس. بل يتحلّى بالقوّة والمحبّة والفطنة. لقد نال نعمة تدعوه أن لا يستحي من الانجيل، وأن يستعدّ للجهاد من أجل المحافظة على وديعة الايمان. فالمسؤوليات كبيرة والصعوبات خطيرة. والخوف وعدم المتحرّك يسيئان كل الاساءة إلى العمل الذي بدأه المعلّم حين قضى ما يقارب الثلاث سنوات في أفسس، وهو لا يستطيع الآن أن يكمّله بعد أن صار الموت قريبًا منه.

1- متابعة العمل في الكنيسة
دعا بولس تلميذه لكي يتابع العمل الذي بدأه الرسول في أفسس. وجاءت آ 6 (تذكّر رسامتك) مفصلاً في الرسائل الرعائيّة. فنحن هنا كما في 1تم 1: 11 مع الحسّ بالتقاليد التي ينقلها بولس. هناك تقاليد الأجداد التي تمرّ عبر بولس. عبّرت عنها 1تم 4: 14 حين تحدّثت عن رسامة تيموتاوس "حين وضع جماعة الشيوخ يديهم عليك"، و2تم 1: 6 التي تحدّثت عن وضع يدي بولس وحده. استند مجمع ترنتو (ايطاليا) إلى هاتين الآيتين وغيرهما (أع 6: 6؛ 13: 3) ليتحدّث عن الرسامة الاسقفيّة. لقد نال تيموتاوس موهبة بوضع اليد من أجل سلطان روحيّ مرتبط بالخدمة أو بمهمّة من المهام.
في نظر بولس، الروح القدس يعطي مختلف المواهب لأعضاء الكنيسة من أجل بناء الجماعة. أما في الرسائل الرعائيّة، فالمواهب ترتبط بالخدمة، وتمرّ عبر الرسامة، في فعلة رمزيّة تعلن انتقال سلطان حقيقيّ من خلال السرّ. وهكذا كان انتقال إلى عمل تأسيسيّ. فإن 1تم 4: 14 دلّت على ممارسة معروفة حين دُوّنت الرسائل الرعائيّة. وفي 2تم 1: 6، شدّد بولس على الطابع الشخصيّ بين الرسول وتلميذه الحبيب. وقابل بعضهم هذا "التسلسل" بين بولس وتيموتاوس، كالتسلسل بين موسى ويشوع (عد 27: 18، 23؛ تث 34: 9). هنا نقرأ ما قيل في "كتاب العاديات البيبليّة" (20: 2- 3) الذي نُسب إلى فيلون: "أخذ يشوع ملابس الحكمة وارتداها، وشدّ حقويه بحزام الفهم. ولما ارتداها، اضطرم فكرُه واضطربت روحه". والمعنى هنا، هو أن السلطة انتقلت من التلميذ إلى المعلّم.
حثّ بولس تلميذه على حفظ "الوديعة" أو التعليم الذي تلقّاه (1: 3- 14؛ 2: 2؛ 3: 14)، على مواصلة العمل (4: 1- 8)، على اتّباع طريق المعلّم (1: 3- 14). كل هذا يطبع بطابع شخصيّ، فهمَ التقليد في الرسائل الرعائيّة. فبولس هو أكثر عن مثل نقتدي به. وبولس هو أكثر من الخادم. فالوصيّة التي تربط الآباء بالابناء في تسلسل شخصيّ، أصبحت وصيّة إلى تلميذ من أجل تواصل الرسالة وهويّتها.
ما قاله الرسول في آ 6، لا يستند فقط إلى إيمان تيموتاوس، الذي ذُكر في فعل شكر، بل إلى مواهب ملموسة منحها الروح القدس: القوّة والمحبّة والفطنة. إذا كانت الموهبتان الاوليان من مواهب الروح القدس (نلاحظ أن الرسائل الرعائيّة لا تشدّد كثيرًا على عمل الروح القدس)، فالفطنة تبدو "فضيلة" ترتبط بالعالم الرواقيّ، فتبعدنا بعض الشيء عن جنون الصليب. صارت الفضيلة ثمرة نعمة تعلّمنا، تؤدّبنا (تي 2: 11- 12)، والموهبة صفة مطلوبة لاختيار الخدّام في الجماعة (1تم 3: 1- 13؛ تي 1: 6- 9).
في آ 8، يعود بولس إلى موضوع الأمانة. لا يستحي تيموتاوس من "شهادة للرب" ولا من بولس السجين. فالحياء من واحد يعني الحياء من آخر. في آ 12 نعرف أن بولس لا يستحي، لا يخجل. وفي آ 16، لا يخجل أونسيفورس من قيود بولس. وما نلاحظه هنا هو أن على تيموتاوس أن يتألّم مع بولس (2: 3)، لا مع المسيح (روم 8: 17؛ 1كور 12: 26؛ 2كور 1: 6؛ غل 3: 4؛ فل 1: 29؛ 2تس 1: 5). فالألم لا يرتبط بالمسيح، بل بوظيفة: إنه يرتبط بإعلان الانجيل. لا نجد في الرسائل الرعائيّة قولاً بأن ألم المبشّر يعبّر من الداخل عن انجيل المصلوب. فالمبشّر يتألّم مع بولس الذي تألّم ومات من أجل الانجيل.
إن صورة بولس الذاهب إلى الموت تجعل الإرشاد مؤثّرًا. فوضعُ بولس المتألّم كمثال للخدمة، يقابل وضع جماعة تعرف بالأحرى الطمأنينة (2: 2).
ونقرأ في آ 9- 10 الوزن اللاهوتي في 2تم 1. نقرأ نشيدًا ليتورجيًا، وربما عماديًا: حين يتحدّث بولس عن زوال الموت ونور الحياة وعدم الفساد، يعود إلى تبدّل اسكاتولوجيّ نفهم فيه أن المعمودية قد أتمّت عبورَ المؤمن. أحاط بهذا النشيد حثٌ على الألم من أجل الانجيل، فضمّ عناصر مختلفة أخذها من التقليد البولسيّ (الخلاص، قبل وبعد، الخلاص والدعوة)، وفسّرها في إطار ظهور إلهيّ. إن سياق هذا النشيد الذي جعله بعضهم افخارستيًا، الذي يشدّد على الكرازة ويحثّ الرسول على المحافظة على الوديعة، يدلّنا على أننا أمام ملخّص للكرازة الرسوليّة. ذاك هو الانجيل الذي يجب على تيموتاوس أن يعلنه. وهذا الانجيل هو قوّة خلاص (روم 1: 4؛ 1كور 6: 14). أما التشديد فعلى البعد الكنسي للنداء وعلى مشاركة الأفراد في الخلاص (روم 1: 7؛ 1كور 1: 2).
إن التجلّي (ابيفانيا) الذي يدلّ على زمن المجيء في 1تم 6: 14؛ 2تم 4: 1، 8؛ تي 2: 13، يدلّ هنا على التجسّد (رج 1تم 3: 16؛ تي 2: 11؛ 3: 4). ويتأوّن الخلاص بشكل مميّز في نتائجه بالنسبة إلى الجماعة اليوم. هو نفي للنفي: هو يدمّر الموت. وايجاب للايجاب: ينير الحياة والخلود.
لا تشدّد الرسائل الرعائيّة على شخص المسيح بقدر ما تشدّد على المواهب، على ما يحمله المسيح، على ما تمنحه النعمة (1تم 1: 13- 14؛ تي 2: 11- 12). فظهورُ المسيح التاريخي يمتلئ بإشعاع الظهور الاسكاتولوجي بحيث يُلغى الموت. مثلُ هذا التعليم يُعدّ المؤمن لتقبّل الألم، وينتزع الخوف من الموت لدى المسؤولين، ويقوّي رجاء الحياة الأبديّة.
2- دراسة النصّ
نقسم النصّ قسمين: وضع اليد (1: 6- 8)، بشارة الخلاص (1: 9- 10). نقرأ في آ 6، "جعلها المسيح" (في الاسكندراني)، بدل "جعلها الله". وفي آ 10 تقلب اللفظتان: "يسوع المسيح" بدل "المسيح يسوع".

أ- وضع اليد (1: 6- 8)
يقع هذا النصّ بين "موهبة الله" في آ 6 و"الروح القدس الذي يقيم فينا" (آ 14). ولكننا لا نصل في هذا الفصل إلى آ 14، بل نكتشف أن الخدم المسيحيّة هي قبل كل شيء عمل روح الله (1كور 12).
أولاً: أضرم الهبة (آ 6)
يستطيع تيموتاوس، رغم صحّته السيّئة وشبابه وطبعه المتردّد، أن يواجه الوضع الحرج في الكنيسة: يستند إلى نعمة الله. "لذلك". تربط آ 6 بما سبق. فإيمان لوئيس وأفنيكة وثقة بولس، يدفعان تيموتاوس إلى الأمانة والاندفاع. أما فعل "أنبّهك" (أناميمنيسكو) (1كور 4: 17؛ رج 2كور 7: 15) فيشير إلى تذكّرات آ 3- 5: ما دفع بولس إلى تدوين هذا الارشاد، هو ما تذكّره بولس من تلميذه حين وضع عليه يديه: يجب على هذه الموهبة أن تؤتي كلَّ ثمارها. نقرأ "أنازوبيروسيس" إضرام، ولادة بالنار. نحن أمام عضو مجمَّد عادت إليه الحياة، أو مدينة أعيد بناؤها بعد أن هُدمت، أو لون عاد إليه رونقه، أو شخص استعاد عزمه (يعقوب، رج تك 45: 27). هذا ما يليق بأصحاب المواهب، حيث يشبّه الروح بنار فيكون مبدأ حياة (أع 2: 3؛ 1تس 5: 19). هذا لا يعني أن النار انطفأت في تيموتاوس. فقد تكون خبت بعض الشيء. أيكون قد أهمل التعليم والتوبيخ والتدبير؟
ربط النصّ بين "هبة الله" و"وضع الايدي". هذا ما حدث في لسترة، حيث شارك بولس الشيوخ في وضع الايدي (1تم 4: 14؛ رج أع 16: 1- 3). أعطيت هبةُ الروح القدس لتيموتاوس بفعلة خارجية، بطقس خارجيّ: وضعُ الأيدي على رأس تيموتاوس. بهذه الفعلة مرّت النعمة، وانتقلت الموهبة. اذن، على تيموتاوس أن يحرّك نعمة الله التي نُقلت إليه. قال الذهبيّ الفم: "كما أن الخشب طعمة النار، هكذا هي غيرتنا الرسوليّة لإضرام النعمة على الدوام... كسلُنا واهمالنا يطفئان روح الله. ونحن نضرمه بانتباهنا وسهرنا. أنت تمتلك هذا الروح. فعليك أن تجعله يضطرم. فامتلئ جرأة وفرحًا وسعادة، ولا تضعف".
ثانيًا: روح الخوف وروح القوّة (آ 7)
ما هي بالتحديد طبيعة هذه النعمة التي نلناها، فتقدر أن تنمو، كما أن تخبو، شأنها شأن النار؟ إن "بنفما" بدون التعريف، لا يدلّ على الروح القدس (آ 14؛ تي 3: 5)، لا يدلّ على "الروح الذي يمنح النعمة" (عب 10: 29)، بل عطاياه التي تنفحنا بصفة داخلية، بطابع جديد يحوّل الانسان في الاعماق (روم 8: 2، 15؛ أف 1: 17). وحين نقول "روح" نعني قوّة الحياة وغناها. وهكذا نكون أمام مقابلة بين شجاعة جندي المسيح (1تم 1: 18) والجبانة والخوف.
"دايليا" مراحدة كاسم في العهد الجديد. ولكن يرد الفعل (دايليان) في يو 14: 17؛ رج تث 1: 21؛ 31: 6، 8؛ يش 1: 9؛ 8: 1؛ 10: 25. والصفة (دايلوس) في مت 8: 26= مر 4: 40؛ رج رؤ 21: 8. هذا الخوف يعارض الايمان (سي 34: 14). هو خوف الجبان أمام العدوّ (مز 78: 53؛ 1مك 4: 32). إنه رذيلة في الجنديّ (2مك 15: 8) يجب أن يتخلّص منها. وعلى المستوى الادبيّ، يدلّ الجذر على نقص في الرجولة، على نفس كسولة (أم 19: 15) لا عزم فيها (2مك 3: 34). ذاك هو الوضع السلبيّ.
أما الوضع الايجابي، فيرينا وضع اليد الذي يمنح الرسول روح القوّة (1تم 1: 12). فالروح هو قوّة (لو 1: 35؛ أع 6: 5، 8). وهو يتضمّن القدرة والانشداد. وطبيعة روح الله أن يكون قديرًا ويتغلّب على كل شيء في هذا العالم. وأن يُجري المعجزات (غل 3: 5). إذن، نحن أمام قوة غالبة وقدرة إلهيّة يرتديها خادم الانجيل (روم 15: 19؛ 1كور 2: 4؛ 2:كور 6: 6؛ 1تس 1: 5) على مثال المسيح نفسه (لو 4: 14) وحسب وعده (أع 1: 4).
والمحبة (أغابي) هي هذه النار (نش 8: 6- 7) التي يجب أن نضرمها دومًا (آ 6). بما أنها ثمرة الروح (غل 5: 22)، فهي حرارة وحميّة (روم 12: 11). ونحن نفهمها كتعلّق الراعي بالمسيح (يو 21: 15- 17؛ 2كور 5: 14)، كتضحية وعطاء وتكريس في خدمة القطيع (يو 10: 15؛ 15: 13؛ 2كور 11: 11؛ 12: 15). فالمحبّة وحدها تبني الكنيسة (1كور 8: 1؛ أف 4: 16). وعلى الراعي الذي هو مثال الرعيّة (1بط 5: 3) أن يحبّها بكل نفسه وكل قدرته وكل روحه (مر 12: 30).
وبعد أن ذكر الرسول القوة، والمحبّة الديناميكيّة، عاد إلى الفطنة والاعتدال. رج 1كور 6: 21- 22. "سوفرونيسموس". فطنة يجب أن يتحلّى بها المتحمّس، المندفع. فتصل به إلى الحكمة والتعقّل. بما أن النعمة تعلّم المسيحيين لكي يكونوا »فطنين (متعقّلين)، بارين (صالحين)، أتقياء (تي 2: 12)، فالموهبة الرعائيّة تمنح الراعي صفة تقود الناس إلى هذه المزيّة التي هي ضروريّة، شأنها شأن الشجاعة والغيرة.
ثالثًا: قدرة الله (آ 8)
وبنتيجة هذه النعمة التي يجب أن تُضرم، وهذا التعارض بين جبانة الانسان وقوّة الله (معطية هامّة في الكتاب المقدس)، يفتخر تيموتاوس بهذا التعليم ويجعل كل اهتمامه في إعلانه. "لا تخجل" (سي 42: 1) "إبايسخينوماي". رج روم 1: 16؛ 2كور 10: 8؛ فل 1: 20؛ 2تم 1: 12، 16. هذا ما يدلّ على الجرأة (باريسيا: الثقة الممزوجة بالفرح والافتخار) التي بها يمارس الرسول خدمته (أع 28: 31؛ رج 2كور 3: 12ي؛ 4: 1- 2؛ فل 1: 20). هذه الجرأة ترتبط بوضع اليد وعطيّة الروح. فحين تُعتبر الكرازةُ بالانجيل شهادة تُؤدّى للمسيح (1كور 1: 6؛ أع 26: 16؛ رؤ 1: 2، 9) وتُلزم شخص الشاهد (1تم 6: 12- 13)، فهي تنقل شهادة يسوع، كلمة الله (1كور 2: 1؛ رؤ 12: 17؛ 19: 10).
يشير ولْي هذه الآية (مع 1تم 6: 13) أن هذه الشهادة (مرتيريون) لا تقف عند كلام نقوله في الخارج، بل تصبّ في آلام نحتملها (رؤ 6: 9. سوف يُسجن تيموتاوس أيضًا، رج عب 13: 23). وهي تصل بنا إلى الاستشهاد على مثال المسيح الذي مات معذّبًا عنا فوق الصليب. لقد تماهى شخص الرسول مع وظيفته، يحيثُ عومل، خلال حياته، كآخر الناس (1كور 4: 9) على مثال معلّمه (يو 15: 18- 27).
لا نستطيع أن نتخيّل اليوم الخوف الذي يشعر به انسان متردّد حين يعرف أنه سيكرز بالانجيل في أفسس، في عالم يوناني وروماني، عن الصليب الذي هو عقاب أكبر المجرمين، والذي هو في الواقع السبيل الوحيد للاتّحاد بالله. فمن مجّد هذا الموتَ المذلّ واعتبره حدثًا الهيًا، دلّ على حماقة تحمل حكماء هذا العالم على الاستهزاء.
تحيّر تيموتاوس. وربّما تشكّك حين أوقف بولس. أترى الله تخلّى عن شاهده؟ ولكنه وجد في الهبة التي نالها، القوّة والمحبّة اللتين تجعلانه لا يخجل من المعاملة التي يُعامَل بها الرسول "كمجرم" (2: 9؛ رج 1بط 4: 16). سمّى بولس نفسه "سجين المسيح" (أف 3: 1؛ 4: 1؛ فلم 1، 9). وهذا ما يزيل صفة العار عن سجنه. فيعطيه مدلوله الدينيّ: ليس سجين نيرون، بل المسيح الربّ والسيّد (كيريوس). هو سجين من أجل المسيح. وحياته في يد المسيح. فيسوع هو الذي سمح بهذا التوقيف، وهو يعرف كيف ينهيه. هذه النظرة الايمانيّة لا تنسينا الوضع الملموس الذي هو ثقل القيود. فالعقاب الأكبر هو السجن والموت (أع 23: 29؛ 26: 31). كان السجناء يقيّدون (أع 16: 25، 27؛ 23: 18) فيُدعون "المقيّدين بالقيود" (عب 10: 34؛ 13: 3).
على الابن أن يقتدي بأبيه، والتلميذ بمعلمه، فيشاركه في الخدمة وفي مختلف المحن. هكذا فعل بولس ودلّ على شجاعة بطوليّة. "سينكاكوباتيو". شارك في الآلام مع (سين) مصير واحد لبولس وتيموتاوس من أجل الانجيل (اونغليون). فالخدمة مشاركة في الصليب. هذا ما فهمه تيموتاوس في حياة حميمة مع بولس. منذ البداية، عرف بولس أنه "سيتألّم كثيرًا من أجل اسم المسيح" (أع 9: 16). وبيّنت رسائله أن خدمة الربّ تتمّ في الضيق والاضطهاد (2كور 11: 23 ي؛ 12: 9 ي) اللذين هما علامة الرسول الحقيقيّ، واللذين هما امتداد لما تحمّله يسوع (2كور 1: 5- 7؛ فل 3: 10؛ كو 1: 24؛ رج 1بط 1: 11؛ 4: 13؛ 5: 1) فاستخفّ بالعار (عب 12: 3).
هذه المشاركة في الألم تتجاوز قوى الانسان، لا قوى الله التي أعطيت للرسول بوضع اليد. "لا تخجل. فحين لا نخجل لا نعود نخاف. فلا خجل حقيقيًا إلاّ حين يغلبنا الخوف. بعد هذا، لا تخجل مني، لأني أقيم الموتى، وأكثر المعجزات، وأسير في المسكونة. أنا مقيَّد، ولكن لا كمجرم. أنا سجين من أجل المصلوب. إذا كان معلّمي لم يخجل من الصليب، فأنا أيضًا لا أخجل من القيود... من خجل من أمور قاساها يسوع، خجل من المصلوب نفسه" (الذهبيّ الفم).

ب- بشارة الخلاص (1: 9- 10)
إن مدلول الرسالة والشهادة والانجيل، قاد بولس إلى رسم الخطوط الكبرى لتدبير الخلاص: عمل الله الخلاصيّ، الأبديّ والمجاني، تحقّق بالدعوة فعرفناه. تركّز على المسيح، فنادى به المعلّمون، ونقل إلينا هبة الحياة (آ 9- 11؛ رج 1تم 3: 16؛ تي 3: 5- 7). نحن هنا أمام خلاصة الايمان المسيحيّ، خلاصة الانجيل الذي هو قدرة خلاص ونعمة، حين تجلّى المخلّص في سرّ التجسّد.
أولاً: دعوة مقدّمة (آ 9)
الانجيل (واعلانه) قدرة الله (روم 1: 16؛ 1كور 1: 18)، لأنه يعلن (ويحقّق) للمؤمن، في الزمن، مخطّط الخلاص الذي رسمه الله منذ الأزل (1تم 2: 4). فالله المخلّص (عشر مرات في الرسائل الرعائيّة)، "مخلّص المؤمنين" (1تم 4: 10)، هو القدير الذي يُتم قصدَه بالرحمة (تي 3: 5). جاء اسم الفاعل (مخلّصنا، سوسانتوس) في صيغة الاحتمال، فعاد بالخلاص إلى تدخّل حاسم من قبل الله، إلى تدخّل أنجز بحسب مشيئة الله. لا شك في أن الخلاص (سوتيريا) الاولى بالنسبة إلى المعمّدين، لا يصل إلى عدم الفساد (آ 10) الكامل إلاّ في المستقبل (روم 5: 9- 10). ولكن بما أنه يرتبط بقدرة (ديناميس)، فهو أكيد، وقد بدأ يتحقّق منذ الآن.
خلّصنا ودعانا. فالدعوة نداء من الآب الذي يدعو أولئك الذين اختارهم في مخطّطه الخلاصيّ (2تس 2: 14؛ روم 8: 28، 30) ليتعلّقوا بالإنجيل (غل 1: 6)، ليتّحدوا بابنه (1كور 1: 9)، ليدخلوا إلى ملكوته ويشاركوا في الحياة الأبديّة (1تس 2: 12؛ 5: 14؛ أف 1: 18؛ 1تس 6: 12؛ عب 3: 1). فالنداء هو في الوقت عينه، المرحلة الأولى في المسيرة الخلاصيّة، في حدث الاهتداء (1تس 4: 7؛ 2تس 1: 11؛ 1كور 1: 26؛ 7: 20)، وتدخّلٌ مستمرّ من قبل الله (1تس 2: 12؛ روم 11: 29). وحين يتجاوب المدعوّ مع نداء الله الخلاصيّ، يتأكّد أنه دخل في تدبير النعمة، أنه ينعم بعون الله (1بط 5: 10). فالحياة المسيحيّة نفسها (أف 4: 1؛ فل 3: 14؛ 1بط 1: 10) تتمّ حين تصير حياة أبديّة.
دعوة مقدّسة. كما ارتبط الخلاص بقدرة الله، كذلك سمّي نداؤه "مقدّسًا". رج أش 6: 3؛ عا 2: 7؛ لو 1: 49. ثم إن الدعوة المقدّسة هي الحياة المسيحيّة التي نعيشها في وضعنا اليوميّ (1كور 1: 2). فالمسيحيّ مقدّس لأنه مكرّس لله، يعيش من الله ولله (1كو 3: 12). يشدّد الشّراح على الوجهة الأدبيّة: نحيا حياة جديدة من انتماء لله وتكريس. يخرج المسيحيّون من العالم، ويُفلتون عن الفساد (عب 13: 12- 13) ليكوّنوا الكنيسة (أف 4: 4؛ 5: 25- 27. في السبعينيّة تُدعى الجماعة الليتورجيّة: جماعة مقدّسة، خر 12: 16؛ لا 23: 2؛ عد 28: 25).
الدعوة إلى الخلاص، ودعوة المختارين. نحن أمام مجانيّة الاختيار الالهيّ (تي 3: 5؛ أف 2: 9). فقرار الله وتدخّله يرتبطان بقصده الشخصي. "حسب" (كاتا) تصميم يشكّل القاعدة لكل علاقاته بالبشر. "بروتاسيس". ما وُضع أمام (عب 9: 2). ما يُعرض، القصد، المشروع المحدّد (أع 27: 13؛ روم 1: 13). وحين نكون أمام قصد الله، فهذا يعني الاختيار والنداء (وم 8: 28؛ 9: 11)، ومخطّط خلاص البشر بالمسيح (أف 1: 11). هذا التدبير هو سرّ. ونحن ندخل فيه بالمحبّة (أف 1: 9). ما من حدث في التاريخ، ما من خطيئة تستطيع أن تبدّل قرار الخلاص هذا.
النعمة أو هبة الخلاص. كل هذا يرتبط بشخص المسيح الموجود من الأزل والوسيط بين الله والبشر. ولا ينال أحد نعمة إلاّ حين يتّحد بالمسيح. هُيّئت لنا الطريق كما هيّئت للحبيب. وتجسّدُ يسوع (وموته) هو الموضوع الأول في تدبير الآب (أف 1: 3- 5؛ رج روم 8: 29؛ رؤ 13: 8): أن يجمع كل شيء في المسيح (أف 1: 10). لا شكّ في أن المسيح يحقّق إرادة الله الخلاصيّة، ولا شكّ بأن خلاصنا سيتمّ ويُنجز (يو 6: 37- 40).
ثانيًا: ظهور المسيح (آ 10)
إن مخطط الله الخفيّ قد كُشف؟ تجلّى (فاناروو). رج 1تم 3: 16؛ تي 1: 3؛ روم 16: 20؛ كو 1: 26. صار حاضرًا الآن في حدث المسيح. ظهر ظهورًا ساطعًا (ابيفانيا، 1تم 6: 14؛ تي 2: 13، بالنسبة إلى المجيء؛ تي 2: 11؛ 3: 4 بالنسبة إلى التجسّد). لهذا، سُمّي "مخلّصنا" (سوتير). تي 2: 13؛ فل 2: 20؛ أف 5: 23. وإذ حقّق خلاصنا، كشف للايمان موضوع قصد الله من أجل الخطأة (يو 3: 16- 17).
يصوَّر العمل التاريخيّ الذي أنجزه المخلّص في وجهة سلبية (مان) وإيجابيّة (دي)، مع اسم الفاعل في صيغة الاحتمال. وهذا العمل هو موضوع الانجيل: إعلان انتصار المسيح على الموت (بقيامته)، وعطيّة الحياة الالهيّة للبشر. كاتارغايو. أي جعله عقيمًا، لا فاعلاً (لو 13: 7). دمّر، ألغى (2تس 2: 8). يرد هذا الفعل خمسًا وعشرين مرّة ليدلّ على دمار القوى المعادية (1كور 2: 6؛ 15: 24). ما عاد الموت (تاناتوس) يستطيع أن يلعب دوره (1كور 13: 8- 10). توقّف نشاطه، صار بلا عمل (أ- إرغوس). وإلاّ لا تتحقّق أمانة الله لمواعيده (روم 3: 3؛ 4: 14). حين نزع المسيح من الموت سلاحه، وحطّم سلطانه، حرّرنا من كل خطايانا (1كور 15: 21؛ كو 1: 18).
نهض المسيح من القبر فبدا ظافرًا على الظلمة. تمجّد فأشعّ. وهكذا شعّت في شخصه، الحياةُ وعدم الفساد. إن فعل "فوتيزاين" يعني شعّ، أرسل أنوارًا. أو: أنار. كان ينبوع نور. فالكلمة ينير كل انسان (يو 1: 9). الله ينير السماء (رؤ 22: 5). ومنذ الآن ينير عيون القلب لندرك إلى أي مجد دعانا (أف 1: 18). هي استنارة الايمان العماديّ (أف 5: 14؛ عب 6: 4؛ 10: 32)، بحيث نرى ما لا يُرى (عب 11: 27).
قد تدلّ "الحياة" على الحياة الأبديّة (تي 3: 5- 7)، والخلود (= عدم الفساد) على أكثر من خلود في المفهوم اليونانيّ. فأجسادُنا القائمة من الموت لا يمكن أن تدمَّر. وهذا ما يعارض فساد اللحم والدم (1كور 15: 42، 50، 53، 54). والمحبّة لا تتبدّل (أف 6: 24)، لأنها ليست من هذا العالم. الخلود (أفتارسيا) يعني النبل والمجد (روم 1: 23؛ 1كور 9: 25). صفة سماويّة (1بط 1: 4). صفة إلهيّة (1تم 1: 17؛ 1بط 1: 23). الخلود هو الهبة الأخيرة في هذه النعمة التي انكشفت لنا في ظهور الخلاص، ووصلت إلينا بالانجيل. نحن هنا أمام فكرتين: إن قيامة يسوع المنتصر على فساد القبر (أع 2: 27) تبيّن أن الانسان يستطيع أن ينال من الله هذه الحياة اللافاسدة التي تاق إليها اليونانيّون بكل قواهم. واحتُقر تعليمُ الانجيل في هذا القول الذي أطلقه الشهود: المسيح قام حقًا (1كور 15: 4، 14- 20). هذا من جهة. ومن جهة ثانية، تضمّنت بشرى الخلاص أقوال الربّ حول الحياة الأبديّة المعطاة لتلاميذه (مر 10: 17- 18؛ يو 3: 15، 36؛ 4: 14). يكفي أن نؤمن بالانجيل لكي نشارك في قوّة القيامة (فل 3: 21). وهذا ما يتوجّه إلى اليهود الذين تردّدوا حول شكل الحياة بعد الموت (لو 20: 27-28). وهكذا بدا الخلاص جوابًا على قلق الانسان، سجين الظلمات.

3- قراءة إجماليّة
تيموتاوس هو رسول المسيح والشاهد له. فعليه أن يجاهد ويتألّم من أجل الانجيل. فإن أراد التلميذ أن يشهد شهادة الأمانة للانجيل، فهناك متطلّبات تُفرض عليه. وبولس يعرف عن خبرة، أن دعوة المسيحيّ والرسول هي دعوة للجهاد بعزم لا يلين. قد يخاف تيموتاوس فيذكّره بولس بأنه تكرّس بوضع اليد. وأن قدرة الله الخلاصيّة ما زالت فاعلة. وفي الفصل اللاحق، يفهم تيموتاوس أن أمامه مثال بولس وسلوك أونسيفورس، ورجاء الخيرات الآتية التي ينالها رسول المسيح.
ونبدأ بالنعمة التي نالها تيموتاوس، حين وضع بولس يديه عليه. فحين كلّمه الرسول في 1تم 4: 12، حثّه على أن لا يهمل الموهبة الروحيّة التي نالها بوضع أيدي الشيوخ (1تم 4: 14). وها هو يطلب منه الآن أن يضرم في داخله هذه الموهبة (خاريسما) الذي أعدّته للخدمة الرسوليّة. بعد أن حثّ بولس تلميذه بشكل سلبيّ (لا تهمل الموهبة الروحيّة، 1تم 4: 14)، ها هو يحثّه بشكل إيجابيّ (أضرم الموهبة، 2تم 1: 6). النار تحت الرماد. نعود فنشعلها. والنار ترتبط بالروح القدس. فتيموتاوس نال نعمة الله. فليتجاوب مع هذه النعمة. وثمار الروح لا تزدهر إن سادت الخطيئة أو الاهمال في حياة الانسان (غل 5: 16- 26). نشير إلى أن هذه الموهبة هي واقع مستمرّ (لك، فيك)، لا مساعدة عابرة، نبحث عنها من جديد في كل ظرف خاص. ولكن يجب أن لا نتركها تخبو.
في روم 8: 15 تحدّث بولس عن موهبة الروح التي نالها المؤمنون، فقال لهم: "ما نلتم روح العبوديّة لتسقطوا في الخوف، بل نلتم روح التبنّي". هذا ما نجده هنا من تعارض بين الخوف والتردّد من جهة، والقوّة والمحبّة والفطنة من جهة ثانية. في روم، جُعل روح التبنّي تجاه روح العبوديّة. وهنا توخّى بولس أن يُقنع تيموتاوس بضرورة الجهاد والألم من أجل الانجيل.
نال تيموتاوس روح القوّة. ونال أيضًا روح المحبّة. فحين ينال المؤمن الروح القدس، تُفاض المحبّة في قلبه (روم 5: 5). وإن هو تاق إلى المواهب، فالمحبّة هي موهبة المواهب (1كور 12: 31).
استند تيموتاوس، شأنه شأن بولس (1تم 1: 12)، إلى قدرة الله. لهذا، فهو لا يضعف. ولا يخجل من شهادة يؤدّيها للمسيح الربّ. لا شكّ في أن الكرازة بالمسيح المصلوب عقبة لليهود وحماقة للأمم (1كور 1: 23). ولكنها للمؤمنين الحكمة العظمى. إن المصير الذي يحفظه الله للرسل هو تحدٍّ للمنطق البشريّ (1كور 4: 9- 13)، ولكنه الطريق الذي يقود إلى المجد (روم 8: 18؛ فل 3: 10- 11). لهذا، نفهم "شهادة ربنا" على أنها شهادة المؤمن للرب، لا شهادة يؤدّيها المسيح (1تم 6: 3). هي الشهادة المسيحيّة السامية، واعلان سيادة المسيح الذي جعله الله، بعد الآلام والموت على الصليب، ربّ جميع البشر ومخلّصهم (روم 4: 24- 25؛ 1كور 12: 3). هذا ما يستعدّ الرسول ليشهد له رغم العذابات التي تنتظره والتهديدات: فمن رفض عبادة الامبراطور كان الموت جزاءه.
في آ 9- 10 نقرأ ملخّصًا عن تعليم الخلاص يشبه ما في تي 3: 4- 7. نحن أمام اعتراف ايماني، أو عبارة فقاهيّة، أو نشيد ليتورجيّ حول العماد أو الافخارستيّا. حين يتحدّث بولس عن "السرّ"، يتطلّع إلى مرحلتين في تاريخ الخلاص: تلك التي سبقت يسوع المسيح. وتلك التي جاءت بعده. الأولى هي زمن "السرّ" المخفيّ في الله. والثانية هي زمن السرّ الذي كُشف (تجلّى) في يسوع المسيح. تحدّثت آ 9 عن المرحلة الأولى، و آ 10 عن المرحلة الثانية.
يجب أن نفسّر "تدبير، قصد" و"منذ الأزل"، "قبل الأزمنة الأزلية"، في إطار مخطّط الخلاص الذي رسمه الله منذ الأزل، وقبل إنشاء العالم. نجد "التدبير" في مقاطع تتكلّم عن "السرّ" (أف 1: 11؛ 3: 11) أو عن اختيار الأفراد (روم 8: 28) والشعوب (روم 9: 11). فقبل أن يُوجد البشرُ ويصنعوا شرًا أو خيرًا، رسم الله تدبير الخلاص المستند إلى رحمته وحسب. هذا القصد يستند إلى خيار اتّخذه الله، لا إلى أعمال البشر (روم 9: 11- 12). فما هو نتيجة موقف الانسان، بل هو سابق للتاريخ. وعبارة "منذ أزمنة الأول" لا تُفهم كما في تي 1: 2 عن بداية تاريخ الخلاص، بل عن أزليّة الله. نحن لسنا أمام الوعد الذي يتحدّد موقعه بالضرورة، في الزمن، ويفترض محاورًا بشريًا. بل أمام الاختيار الذي هو سابق للخلق. من هذا القبيل، نستطيع أن نتكلّم عن الخلاص في صيغة الماضي، وأن نقول إن الله، في قرار حرّ وأزليّ، قد خلّص المؤمنين، منذ الآن، وفي الأساس (رج روم 8: 28- 29). لا شكّ في أنه حسب لاهوت السرّ، لا يتجلّى الخلاص إلاّ في يسوع المسيح، ولن يتمّ في كماله إلاّ في نهاية الأزمنة. غير أن قرار الخلاص والاختيار متجذّران في أزليّة الله.
ذُكرت الدعوة هنا. لسنا أمام دعوة خاصة إلى خدمة محدّدة، بل أمام دعوة إلى الخلاص تجعل من جميع المسيحيين "مدعوّين". لا نجد فعل "دعا" (كاليو) سوى مرّتين في الرسائل الرعائيّة. هنا، في آ 9، وفي 1تم 6: 12. ولكننا نجده مرارًا في الرسائل البولسيّة (روم 8: 30؛ 9: 12، 24؛ 1كور 1: 9؛ غل 1: 6؛ 5: 13؛ أف 4: 4؛ كو 3: 15؛ 1تس 2: 12). ففي نظر بولس، يتميّز المؤمنون بدعوة الله، بحيث سمّاهم "المدعوّين" أو "المختارين" (روم 8: 28، 33؛ 1كور 1: 24). في الاختيار يُفرز الانسان، يُوضع جانبًا، يُكرّس تكريسًا ينتزعه من العالم الدنيويّ (خر 19: 6؛ تي 2: 14). نجد عند بولس عبارة "المدعوّين القديسين" (روم 1: 7؛ 1كور 1: 2)، أي كانوا قديسين، فُرزوا، تكرّسوا بالنداء الالهي، قبل أن يُدعوا ليكونوا قديسين في المعنى الخلقيّ. لا شك في أن الدعوة إلى القداسة والجهود الذي نقوم به معروفان لدى بولس (روم 6: 19؛ 1تس 4: 7)، ولكنهما نتيجة التكريس الاساسيّ والاختيار.
لا يتأسّس النداء إلى الخلاص على أعمال الانسان (تي 3: 5). إنه نعمة يمنحها الله بمجانيّة وبجديّة مطلقة. مثلُ هذا القول يذكّرنا بالتعليم حول التبرير، كما يبدو نداء إلى الثقة من أجل تيموتاوس. فحين يستند الانسان إلى نفسه، لا بدّ أن ييأس. وحين يستند إلى الله وحده، لم يعد للخوف مكان في قلبه. بعد أن تحدّث بولس عن التبرير بالايمان، لا بالأعمال (روم 3: 21-4: 25)، أطلق كلام الرجاء والفرح: "إذ تبرّرنا بالايمان... نفتخر برجاء مجد الله... والرجاء لا يخيَّب، لأن حبّ الله أفيض في قلوبنا بالروح القدس الذي أعطي لنا... بعد أن كنّا أعداء، تصالحنا مع الله بموت ابنه. وبالاحرى، بعد أن تصالحنا، نخلص بحياته" (روم 5: 1- 11). مثل هذه النظرة العلويّة المليئة بالرجاء، يجب أن تسكن في قلب تيموتاوس.
لطف الله هو "نعمة" (روم 3: 24؛ 5: 15- 20؛ 6: 1). وفي إطار آ 9، تعتبر النعمة وكأنها أعطيت للمؤمنين، مسبقًا في يسوع المسيح، ساعة القرار الأزليّ بالاختيار والخلاص. فالمسيح هو "المولود البكر، هو أول الخلائق" (كو 1: 15). به وُجد كل شيء، ونحن نوجد (1كور 8: 6). به خُلق كل شيء... وهو قبل كل شيء ويثبت في كل شيء (كو 1: 16- 17). فقبل خلق العالم، اختار الله وهيّأ "القديسين" (أف 1: 4). وفي المسيح، منذ الأزل، عرفهم، دعاهم، قدّسهم.
وتجلّت نعمة الله الخلاصيّة حين أرسل الابن إلى العالم. فبعد "الأزمنة الأزليّة" التي فيها كان سرّ الخلاص مخفيًا، ها قد حلَّ "الآن" وقتُ التجلّي. فلفظ "الآن" يدلّ على الزمن الذي انفتح مع تجسّد يسوع الفدائي (روم 3: 21، 26؛ 7: 6؛ 8: 1؛ 16: 26؛ أف 2: 13؛ 3: 5؛ كو 1: 26). والظهور الذي يدلّ عادة على مجيء المسيح في النهاية، يدلّ هنا على التجسّد ومجيء المسيح إلى العالم. إنه المخلّص (1تم 1: 1؛ كو 2: 11). لقد ظهر مخلّصنا، وشتّان بين مجيء المخلّص وامبراطور يعتبر نفسه أنه المخلّص، وأنه سيّد المسكونة (لو 2: 10). ولكن هذا لا ينسينا موضوع الخلاص في الكتاب المقدس.
حين نقول إن نعمة الله الخلاصيّة تجلّت بظهور (= تجسّد) المسيح، لا يكون القول كافيًا. فبولس يريد أن يكون واضحًا: فظهور بسيط لا يمكن أن يحمل الخلاص إلى البشريّة. لهذا، أعلن أن ذاك الذي جاء، لم يظهر فقط، بل عمل، بل أتمّ عمل الخلاص الأساسيّ حين دمّر الموت ومنح البشر اللافساد والخلود. وهكذا تحقّق حلم البشريّة بالنسبة إلى العالم البيبليّ والعالم الوثنيّ، بأن نصل إلى حياة لا يبدّلها شيء بعد أن نتحرّر من سلطان الموت. حتى المسيح، سيطر الموتُ واستبدّ على الكون. في يسوع المسيح، القائم من الموت، قُتل الموت فتخلّى عن فريسته، ودُمّر، وانتُزع منه سلطانه.
وإذ انتصر المسيح على الموت، حمل إلى البشر اعلان الحياة والخلود. قام كباكورة الذين رقدوا (1كور 15: 20). وبما أن روح الذي أقام يسوع المسيح من الأموات يسكن في نفس المؤمنين، فالذي أقام المسيح يسوع من بين الأموات يعطي أيضًا الحياة لجسدنا المائت (روم 8: 11). فالسياق المباشر والتقارب مع 2تس 2: 8 (حيث الكلام عن الانجيل) يدلاّن أن الحديث حول إشعاع الحياة يعني قيامة يسوع قبل أن يكون تعليمه. والانجيل هو، كما في العالم البولسيّ، إعلان سيادة القائم من الموت. صار، بانتصاره على الموت، مخلّص كل انسان يؤمن به.

خاتمة
جاء هذا الكلام نداء إلى تيموتاوس، عاد به إلى الماضي. وُضعت عليه يدا بولس (والشيوخ) من أجل خدمة الجماعة. هل خبت النار؟ هل خفّ الحماس؟ لا بدّ من محاربة الملل والكسل والتراخي. لا بدّ من اضرام هذه النار التي هي هبة نالها الرسول في بداية رسالته. وهكذا يستبعد الخوف، ويتحلّى بروح القوّة والمحبّة. فالمسيح الذي آمن به، يحمل إليه الحياة والخلود وعدم الفساد. وعمله هذا بدأ منذ تجسّده ومجيئه إلى العالم. بل منذ الأزمنة الأزليّة. وقصدُ الله يتحقّق حتمًا يومًا بعد يوم. فمن يخجل بعد الآن من إعلان هذه البشارة، ولو كان العالم الذي نحملها إليه، يعادي المسيحيين لأن عيشهم يخالف عيشه؟
الفصل الخامس
بين بولس وأونيسفورس
1: 11- 28

قدّم بولس لتيموتاوس نصائح. شجّعه على مجابهة الألم والاضطهاد. ولكن الكلام لا يكفي. لهذا أعطاه نفسه مثلاً، ثم أونيسفورس. تحدّث الرسول عن دعوته، عن استعداده للألم، عن ثقته بالله وأمانته، عن أسلوبه في نشر الانجيل بجرأة وبلا خوف. ذاك هو المثال الذي يقتدي به التلميذ. وبما أن أحدًا ليس جديرًا كل الجدارة بالخدمة، فالمعلّم والتلميذ يستقيان القوّة من هبة الله التي هي في النهاية الروح القدس الساكن فينا.
قد يتخاذل تيموتاوس حين يرى أن عددًا من المسيحيين تخلّى عن الرسول. ولكنه يتقوّى حين يعرف أمانة أونيسفورس . بولس هو في القيود، وينتظر ساعة الموت وهو يتأثّر بما فعله هذا التلميذ من أجله. بحث عن معلّمه حتى وجده. فماذا ينتظر تيموتاوس لكي يأتي إلى رومة.

1- التلميذ ومعلّمه
سُلّم الانجيل إلى بولس الذي هو المنادي والرسول والمعلّم (1 تم 2: 7؛ تي 1: 2- 3). نقرأ في 2 تم 1: 12: وديعتي. وفي 2: 8: إنجيلي. فهو كافل الانجيل بالتعليم ومثَل الحياة. وبقدر ما يكون التعليم بولسيًا، يكون رسوليًا. أما الكلام عن رباط شخصيّ بين الرسول والانجيل، فيعود إلى بولس نفسه (غل 1: 6- 7، 11؛ روم 2: 16؛ 1 كور 15: 1؛ 2 كور 4: 3). ولكن هذه الأقوال التي نقرأها في الرسائل الرعائيّة، فتشدّد على بولس أنه الرسول الوحيد، بجانب سائر الرسل. وهي كلمة تختلف عمّا يقوله بولس في رسائله (1 تس 1: 1: بولس وسلوانس وتيموتاوس) ولوقا في سفر الأعمال (نحن أمام فريق رسوليّ). لهذا لا يمكن أن يكون لوقا الذي كتب سفر الأعمال، هو الذي كتب الرسائل الرعائيّة.
في الرسائل الرعائيّة، ومنذ بداية 1 تم، ننتقل حالاً إلى ما بعد بولس، مع تيموتاوس أو تيطس. أجل، بعد بولس نجد التلاميذ العديدين الذين ينقلون التعليم بأمانة. لا تُذكَر علاقةُ بولس مع سابقيه. ومشاركوه في العمل هم تابعوه. من هذا القبيل، أصبح بولس المثال، وأساسَ رسالة تسلّمها ونقلها. ثم إن بولس لا يُسمّى "معلّم" (ديدسكالوس). وفي روم 10: 8 و1 كور 1: 24، تجنب لقب الـ "منادي" (كيريكس)، ففضّل ضمير المتكلّم الجمع.
أجل، بولس هو مثال، وما يُقال في آ 12 هو ما طُلب من تيموتاوس في آ 8: مواجهة الألم بدون خجل. هذا يفترض أن جماعة تيموتاوس تتعرّض للاضطهادات إن لم يكن للمضايقات. ليس الموضوع فقط تقديم تصرّف بولس كنموذج، بل تأسيس يقين يدلّ على ما فعله الله فيه (1 تم 1: 12- 16). فالتوازي بين "قوة" و"روح"، في آ 7، في القسم الارشادي من جهة، وبين "قادر" في آ 12 و"بالروح القدس" في آ 14، من جهة أخرى، في القسم الإخباريّ، يعيدنا إلى الموضوع اللاهوتيّ في الرسالة الذي يجعل ما يُطلب من تيموتاوس ممكنًا. فرغم الآلام، الربّ نفسه هو الذي يحفظ "الوديعة" إلى "ذلك اليوم". لا يرتكز الارشاد على قوّة بولس، بل يعيدنا إلى الله الذي فيه تتجذّر الثقة. وهكذا يلتقي الارشاد في صيغة الأمر، واليقين في صيغة الحاضر، حول خبرة بولس.
إذن، ليس بولس فقط نموذجًا وأساس تصرّف، إنه أيضًا أصل يكفل تقليدًا تعبّر عنه آ 12- 14 بلفظ "وديعة" (باراتيكي) و"نموذج (هيبوتيبوسيس) الأقوال الصحيحة". فالوديعة تجعلنا في العالم القانونيّ: إدارة الأموال والخيرات بين فرد أو مؤسّسة. ويجب أن تعود الوديعة كما كانت في اليوم المحدّد. هذا يفترض علاقة ثقة بين المودع ومتقبّل الوديعة. بعد ذلك، يُستودع، لا المال فقط، بل الارث، والتعليم، والتقليد الفكريّ. يرد لفظ "وديعة" ثلاث مرات في 1 تم و 2 تم: إن 1 تم 6: 20 (احفظ الوديعة) تعود إلى 6: 14: تُحفظ الوصية بلا عيب ولوم إلى يوم ظهور ربّنا يسوع المسيح. وإن 2 تم 1: 12، 14 تتجاوب مع "التذكّر" في 1: 3- 5 ومع إرشاد إلى "التسليم" في 2: 1 ي (بشكل إيجابي)، وإلى موضوع التخلّي عن بولس في آ 15-18 (بشكل سلبيّ).
في النهاية نستنتج ما يلي من السياقات التي فيها يرد الموصوف "باراتيكي" والفعل "باراتيتيمي" (2: 2؛ 1 تم 1: 18):(1) إن 1 تم 1: 18؛ 6: 20 جزء من إطار الرسالة، وهما تتجاوبان. في الحالين، نعود إلى ما سبق (عمليًا إلى 1 تم كلها) لنودعه تيموتاوس ونعارضه بتعليم الخصوم (1: 18: عقاب من يرفض الإيمان، آ 9؛ 6: 20: تعارض مع الكلام الفارغ). (2) ذُكر الزمن في 2 تم 1: 12 (إلى ذلك اليوم، رج 1 تم 6: 14) وصيغة الأمر في 2تم 1: 4، والمستقبل في 2: 2 (سلّمه إلى أناس أمناء): كل هذا يدلّ أن زمن الوديعة هو الزمن الذي يأتي بعد بولس. (3) والاختلاف بين الانجيل (رج ما يقابله: الكرازة، الشهادة في 1 تم 1: 11؛ 2: 6- 7؛ 2 تم 1: 10- 11؛ تي 1: 3) والوديعة يظهر في علاقة زمنيّة بين بولس والتعليم: فالانجيل هو تعليم تلقّاه بولس. كان قبل بولس، فكوّنه رسولاً ومناديًا ومعلّمًا. والوديعة هي التعليم الذي جاء بعد بولس، الذي مرّ عبر خبرة بولس وكرازته.
وترد في آ 15- 18 أسماء علم (رج 1 تم 1: 18- 20) بشكل تذكير إلى القارئ (آ 15، أنت تعرف؛ آ 18، أنت تعرف). هذه الآيات تواصل الارشادَ في شكل آخر. في 1 تم 1: 18- 20 و2 تم 1: 15- 18، نجد التعارض بين تصرّفين. في 1 تم، هناك انحراف، وفي 2 تم، التخلّي. إن اونسيفورس لم يخجل (2 تم 1: 8، 12)، بل طلب بولس في رومة بنشاط (2 تم 1: 17)، فوجده ووجد أيضًا رحمة الله (في آ 8، بولس والشهادة، وهنا، بولس والرحمة). وهكذا خدم الجماعة، ودلّ على البرنامج المعدّ لتيموتاوس. تخلّى فيجلس وهرموجينيس. أما اونسيفورس فكان موقفُه موقف الأمانة.
في آ 3- 5 (فعل الشكر) ذُكرت أسرة بولس وأسرة تيموتاوس. وهنا ذُكر بيت اونسيفورس. وهكذا كان التواصل تامًا. وموضوع "التخلّي" جزء من إطار الرسالة الأدبيّ. ننطلق من نموذج خاصّ إلى نموذج عام ( 1: 15: كلهم تخلّوا عني، فيجلس؛ 4: 10، 16: ديماس تركني، وما وقف أحد معي). نلاحظ بعض التعارض بين ما قال بولس عن العزلة في البداية، وعن السلامات الأخيرة (2 تم 4: 9- 12) حيث يحيط به الإخوة والأخوات. ذُكرت آلام الرسول وعزلته وتخلّي الناس عنه، فصوّرت في الواقع ما يُحسّ به المسؤولون في جماعاتهم. رج 2 تم 4: 9- 10، 16.
يبدو أن كاتب 2 تم عرف صعوبات بولس في آسية، فتوسّع فيها، في 2 تم 3: 11، حسب خطوط قريبة من أع 13: 14، 51؛ 14: 1، 16، 21، دون أن ينقل ما في أع نقلاً تامًا. وحسب التوازي بين 1 تم و2 تم، فإن فيجلس وهرموجينيس واونسيفورس يصوّرون في النهاية، أولئك الذين يقبلون النموذج وأولئك الذين يرفضونه. والرسمة هي هي في 2 تم 4: 11 ي: بعد أن ذكر النصّ ألم بولس (4: 6- 7= 1: 8- 12) ومهمّة تيموتاوس (4: 1= 1: 6- 7، 12- 14)، قابل بين ديماس الذي ترك بولس حبًا بالزمن الحاضر، وتلاميذ أمناء (4: 11- 12= 1: 15- 18). كما تحدّث عن وعد بالنصر لجميع الذين لا يتخلّون عن السباق، عن الجهاد (2: 10- 13؛ 4: 8، 17- 18).
وقابل الشرّاح بين أسماء علم وردت في الرسائل الرعائيّة كما وردت في أعمال بولس المنحولة. أيكون ارتبط نصّ بنصّ، أم استقى النصّان من ذات التقاليد والأخبار التي دارت حول بولس؟ أونسيفورس هو من آسية (أفسس في 2 تم، ايقونيوم في أعمال بولس). في بيته تلتئم الجماعة حيث سمعت تقلا بولس يتكلّم. وبيت اونسيفورس (2 تم 2: 20) يتقبّل ما هو صالح وما هو أقلّ صلاحًا.

2- دراسة النصّ
نجد أولاً مثل بولس (1: 11- 14)، ثم مثل اونسيفورس (آ 15- 18). في آ 11، جعلت "اتنون" (الأمم) بعد "ديدسكالوس" (معلّم). أضيفت انطلاقًا من 1 تم 2: 7 (معلّمًا للأمم). في آ 12، ألغى السينائيّ "كاي" (واو العطف) بعد "آيتيا" (السبب).
أ- مثال بولس (1: 11- 14)
إن تعرّض تيموتاوس للخجل من الانجيل، فليتذكّر أن معلّمه لم يخجل في ظروف قاسية، بل ظلّ ثابتًا في ثقة بالله لا يبدّلها شيء.
أولاً: مبشّر ورسول (آ 11- 12)
عملُ الرسول هو نشر الانجيل. رج 1 تم 2: 7؛ 1 كور 12: 28. دخل المنادي (كيريكس) والرسول (ابوستولوس) في المخطّط الخلاصيّ: المنادي ضروريّ لكي يُسمع النداء (آ 9)، لكي ينقل بشكل مباشر "قوّة الله" (آ 8)، ويواصل إشعاع ظهور المخلّص (آ 10). وهذا ما يجعله يفتخر بما يعمل. يشدّد فعل "تيتيمي" على عمل الله الذي "أقام" ابنه وارثًا لكل شيء (عب 1: 2) وجعل أعداءه تحت قدميه (عب 1: 13؛ 10: 13). وأقام الروح القدس الرعاة للقطيع (أع 20: 28). ويقول بولس: الله أقامني في هذا الوضع من تدبير الخلاص (حدث المسيح)، لأعلنه وأنشره وأمثّله بعد أن ارتديت سلطتي الرسوليّة (2 كور 5: 18- 20).
"لهذا السبب" (آيتيا)، رج آ 12. هنا نعود إلى الإرشاد الأول في آ 6 (لذلك). سوف يضاف على ذاك الإرشاد مثَلُ بولس. أما واو العطف (كاي) فتربط هذه الآية بالمهمة الرسوليّة (آ 11)، وتُبرز سبب الآلام من أجل الانجيل (آ 8). إن تيموتاوس يعرف ما يقاسيه بولس الآن من آلام، فلا يحتاج إلى إيضاح. تُذكر هذه الآلام، لا في حدّ ذاتها، بل في ضوء الصليب والإيمان، وفي مدلولها الخلاصيّ (فل 1: 14). لهذا جاء التعارض بين "المشقّات" (هذه) و"لا أخجل". أجل، لا يخجل بولس من السجن....
"أعرف" (آيدو). رج تي 1: 16. أعرف كل المعرفة. وأقدّر كما في 1 تس 5: 12. وقد اغتنت هذه المعرفة بخبرة تدخّلات الله وعنايته في حياة الرسول (روم 8: 28)، واستندت بشكل خاص إلى علاقة شخصيّة بين بولس والمسيح (آ 10). إنه الوحيد في حياة الرسول، وعليه يتّكل. به آمنتُ. "بستاوو" في صيغة الكامل (عمل من الماضي تنتج عنه حالة تدوم، تستمرّ حتّى الآن). آمنت به، وما زلت مؤمنًا رغم جميع المخاطر. بولس أكيد من ربّه ومخلّصه (4: 17- 18)، وهو يوضح يقينه التامّ والكامل بفعل آخر في صيغة الكامل فيعبّر عن ثقته التامة (بايتو، 2 كور 1: 3). فموضوع هذا الإيمان هو أن المسيح (أو الله، لو 1: 49) قادر كل القدرة. حين نطبّق الصفة "قادر" (ديناتوس) على البشر، فهي تدلّ على إمكانيّة القيام بمهمّة، بوظيفة (تي 1: 19)، وتحقيقها تحقيقًا تامًا (أع 7: 22؛ 18: 44)، وبدون خلل (روم 15: 1). وحين نطبّقها على الله فهي تعني تتمّة المواعيد (روم 4: 21) والقدرة على صنع كل شيء (روم 11: 23؛ 2 كور 9: 8). وهذه القدرة تحفظ الوديعة.
ما هي هذه الوديعة؟ يرى بعض الشرّاح أن بولس يسلّم إلى الله حياته الحاضرة ونفسه بعد الموت، على مثال المسيح (لو 23: 46). وتكلّم آخرون عن نقل التعليم الرسولي وأقوال التقليد الصحيحة من جيل إلى جيل. فالرسول لا يقدر أن يحفظ هذه الوديعة بسبب موته القريب. فعلى قدرة الله أن تعمل. "ذاك الذي سلّمني الوديعة يحفظها من العبث" (الذهبي الفم).
ثانيًا: الأقوال الصحيحة (آ 13- 14)
هذه الوديعة التي سُلّمت إلى المنادي (كيريكس) هي التعليم المسيحي القديم، "الأقوال الصحيحة" ( 1 تم 1: 10). كان بولس أمينًا لما استُودع، فنقله إلى تيموتاوس (1 تم 1: 18). وهذا بدوره ينقله إلى أناس أمناء (أكيد منهم، 2 تم 2: 2)، إذن، قدّم الرسول إلى تلاميذه قاعدة تعليمه: اتبع نموذج تعليمي (3: 10). في "هيبوتيبوسيس" (نموذج، رج 1 تم 1: 6)، يدل المسبّق على أن النمط (تيبوس1، تم 4: 12) يبدو مثالاً من أجل عمل آخر. هو الرسمة الأولى التي ستتوضّح قبل أن تتنفّذ. فكرازة بولس التي سمعها تيموتاوس هي النموذج الأول لكل تعليم التلميذ: فخادم الانجيل لا يعرض إلاّ ما استُودعه (1 تم 3: 9). هو لا يكرّر بشكل آلي كما على مسجّلة، أقوال المعلّم في حرفيّتها، بل يكون أمينًا لتقليد يشرحه ويتوسّع فيه ويطبّقه على حياة المؤمنين.
"في الإيمان والمحبّة". رج 1 تم 1: 14. هكذا يسمع التلميذ (كما قال تيودوريتس)، وهكذا يتكلّم المعلّم مندفعًا بإيمانه (2 كور 4: 13). فالإيمان هو ما ُيلهم التعليم. والمحبّة تُوضح هذا الإيمان الذي نعيشه في المسيح، وتجعله ناشطًا (غل 5: 6). هكذا يكون التلميذ أمينًا للنموذج (تيبوس، 1 تس 1: 7؛ 2 تس 3: 9)
في آ 14، نقرأ "كالوس" كصفة للوديعة (رج 1 تم 3: 7؛ 4: 6). هذه الوديعة هي الانجيل (آ 8- 10)، وظهور الربّ (آ 10)، والشهادة التي لا نخجل منها (آ 8، 12)، وأقوال الايمان في المسيح (آ 13). هي كنز ثمين، فما عادت وديعةَ بولس، بل وديعة الله التي جعلها في يد بولس وتيموتاوس (1 تس 3: 2)، وقد أعطي التلميذ الروح القدس ليساعده على حفظها. هذا الروح يسكن فينا (روم 8: 11؛ غل 4: 12)، نحن خدّام الكلمة. هو روح القوّة والمحبّة (آ 6- 7؛ 2 كور 11: 4). أمر بولسُ تلميَذه بحفظ الوديعة، ودلّه على الوسيلة التي تجعله أمينًا. المهمّة صعبة. وبعضهم ترك الإيمان. والرسول ذاهب إلى الموت. أيبقى تيموتاوس وحده؟ ولكن الروح القدس يسكن في الكنيسة. فيبقى أن نعمل بعمله فينا وبواسطتنا.

ب- مثال اونسيفورس (1: 15- 18)
كم يحتاج تيموتاوس إلى شجاعة لكي يتابع العمل. صار وحده! لا، بل هناك واحد ما زال أمينًا لبولس: هو أونسيفورس الذي يمكن أن يقتدي به تيموتاوس.
أولاً: الذين في آسية (آ 15)
"أنت تعرف" (رج 1 تم 1: 9). هذه الحاشية التاريخيّة (آ 18) تعطي الإرشاد مناخه. أي يجب أن تتنبّه. فالذين تركوا الايمان كثيرون، وعادوا إلى العالم. يقول النصّ "جميع" (بنتس). لا شكّ أن هناك بعض التضخيم كما في كلام إيليا أمام الربّ عند جبل حورب ( 1 فل 19: 14). "أبوترافاين": أدار ظهره، مال عن صديقه (مز 5: 42؛ عب 12: 25)، ترك، تخلّى. لا شكّ في أن الرسول يلمّح إلى خيانة على مستوى الصداقة (عنّي، أنا). هي حلقة صغيرة من المسيحيين اعتادوا أن يعملوا مع بولس. رافقوه إلى رومة، وهناك تخلّوا عنه، كما فعل ديماس (4: 10). تلك نظرة، وهناك من يشير إلى أناس في أفسس. وآخرون إلى وجهاء في رومة احتاج بولس إلى معونتهم. ولكن اعتُقل بولس كثائر على السلطة، وقُطع رأسه.
ذكر بولس اسمين لا نعرف عنهما شيئًا. تحدّث عنهما كتابٌ ارتبط بامبروسيوس: امتلأا خبثًا، فتظاهرا بالأمانة للرسول. ودهش الذهبيّ الفم من بولس الذي لم يقل كلمة لوم ولم يحكم على هذين المسيحيّين اللذين فصلا الايمان عن المحبّة الأخويّة (آ 13)، فلم يريا في سجن بولس شهادة ليسوع المسيح (آ 8، 11، 12).
ثانيًا: بيت اونسيفورس (آ 16- 17)
تجاه هذا الوضع المؤلم، تأثّر بولس بما فعله اونسيفورس: أبدى الشكر وعرفان الجميل لذاك الذي شجّعه ( صداقة داود ويوناتان، 1 صم 18- 20)، وطلبَ الرحمة له. يبدو أن اونسيفورس هذا أقام مع عائلته في أفسس (4: 19). وتقول "أعمال بولس وتقلا"، إنه اهتدى على يد بولس. أما "أعمال بطرس واندراوس" فتقول إنه اهتدى على يد اندراوس وانه كان شخصًا غنيًا.
لماذا تكلّم بولس عن "بيت اونسيفورس" ولم يتكلّم عن اونسيفورس فقط؟ ولماذا لم يسلّم عليه في نهاية الرسالة؟ أترى سُجن هو أيضًا لأجل ما عمله لبولس؟ أتراه مات، فحيَّى الرسولُ أهل بيته.
ما شجّع بولس هو أن اونسيفورس لم يخجل من قيود الرسول (آ 8، 12). وهو ما اكتفى بعاطفة سريعة، بل دلّ على غيرة في بحثه عن بولس إلى أن وجده. بعد سفر طويل، حطّ الرحال في رومة. أتراه لم يكن يعرف المدينة؟ أم لم يعرف موضع سجن بولس؟ وفي النهاية، لا بدّ من ربح ودّ السجّان ليسمح له بأن يرى السجين. كل هذا جعله بولس في هذه الغيرة في البحث. وفرحَ اونسيفورس حين وجد بولس، الذي أعجب بهذا الشخص وفرح بهذا اللقاء.
ثالثًا: رحمة من الربّ (آ 18)
وجد اونسيفورس بولس، وبالتالي وجد الرحمة بفضل صلاة الرسول: بما أن بولس لا يقدر أن يشكر صديقه بما فيه الكفاية، فهو يطلب له الرحمة في يوم مجيء الربّ. نقرأ مرّتين "الربّ". نستطيع القول: أنعم الرب يسوع عليه بأن ينال الرحمة من الله الآب ( 1 تس 4: 14). فمبادرة الخلاص تنطلق من الآب، وتصل إلينا بواسطة الابن، يوم مجيئه، أي يوم يجازي كلّ انسان بحسب أعماله. أترى نحن أمام "دينونة خاصة" قبل "الدينونة العامة" التي تتمّ في عودة المسيح بمجد عظيم ليدين الأحياء والأموات؟ ربّما.
كانت لاونسيفورس مكانته في أفسس. فالخدمات التي قدّمها هناك، كانت نتيجة هذه المحبّة نفسها التي أظهرها تجاه بولس (رج فلم 13؛ أع 19: 22). "خدمني" (دياكوناين). لا شكّ في خدمة المحبّة (أغابي) كما في 2 كور 8: 19- 20؛ عب 6: 10). وهي موهبة الخدمة (1 بط 4: 10- 11) سواء كانت طوعيّة أو داخل مؤسّسة (الشماسيّة). "أنت تعرف". بهذا الكلام، يدعو بولس تيموتاوس لكي يشاركه في فعل الشكر وفي طلب الرحمة.

3- قراءة إجماليّة
طلب بولس من تيموتاوس أن لا يخجل من الانجيل: فمعلّمه لم يخجل، وهو الذي جعله الرب في خدمة الانجيل، كالمنادي الذي يعلن، والرسول الذي ينقل، والمعلّم الذي يشرح. وعمل بولس ما عمل، برحمة من الله، للقيام بمهمّة رفيعة. فسلوكه السابق لم يكن يسمح له بذلك، وهو أول الخطأة (1 تم 1: 13- 16).
وبسبب هذه المهمّة في خدمة الانجيل، عرف بولس المحنة. لا نجد تحديدًا عن هذه المحنة، ولكن التلميحات في الرسالة تدلّ على أن الرسول يتألّم في السجن (1: 8، 16؛ 2: 9)، وينتظر موته القريب (4: 6- 8). فالمحنة إذن هي سجن رومانيّ ثان سيقوده إلى شهادة الدم. على المستوى البشريّ، مثلُ هذا الوضع يدعو إلى الشكّ. فإن كان الانجيل "قدرة الله لخلاص كل مؤمن" (روم 1: 16)، كيف نفهم أن يتعرّض الذين كرّسوا له حياتهم بأن يُحسبوا كمجرمين (2 كور 4: 9- 12)؟ تجاه هذا السرّ حول طرق الله، قد يفقد الرسول بعض إيمانه فيردّد ما قاله إرميا: يا ربّ، "صرتَ لي كينبوع كاذب، كمياه لا يُعتمد عليها" (15: 18). ولكن عند ذاك يبدو وكأنه يشكّ بقدرة الله التي لا شيء يغلبها؟ فلو فعل، بان وكأنه يخجل من الانجيل. ولكن بولس لا يقع في هذه التجربة. فإيمانه ليس بالايمان السطحيّ، الذي يصل به إلى اليأس والقنوط. فهو يؤمن بكل قلبه. وهذا الإيمان هو الذي حوّل حياته منذ بدء لقائه بالربّ وما زال. إيمانه هو حياة مع شخص تعلّق به والتزم معه. وهذا ما عبّر عنه في روم 4: 20- 21: "وما شكّ (ابراهيم) في وعد الله، بل قوّاه ايمانه.... واثقًا بأن الله قادر على ان يفي بوعده". في قلب بولس يكمن يقين مماثل. فهو مقتنع (روم 8: 38؛ 14: 14) أن الله قدير بحيث يحفظ وديعته إلى اليوم الأخير.
ما سلّمه بولس إلى الله هو حياته، شخصه، حقّه. جعل قضيّته بين يديّ الربّ، شأنه شأن مساكين يهوه. وإن افتُري عليه، وإن سُجن، وإن هُدِّد بالموت، فهو يعرف أنه لا يُخزى في اليوم الأخير، في ذلك اليوم. وبما أنه لم يخجل من الله في هذا العالم، فهو لن يخجل في الدينونة الاسكاتولوجيّة. عندئذ يحكم الله على خصومه، ويبرّره، ويجازي أمانته خير جزاء فيمنحه "إكليل البرّ" الذي هُيّئ له منذ الآن (4: 8). هنا نقرأ في 1 كور 4: 5: "فلا تحكموا على أحد قبل الأوان، حتّى يجيء الربّ الذي ينير ما خفي في الظلام ويكشف نيّات القلوب، فينال كل واحد ما يستحقّه من المديح".
اليوم الذي تلمّح إليه نهاية آ 12 هو يوم الدينونة الاسكاتولوجيّة (آ 18؛ 4: 8؛ 2 تس 1: 10). ففي خط العهد القديم (عا 5: 18- 20) والتقليد النبويّ حول يوم الربّ، استعمل بولس لفظ "يوم" ليدلّ على تدخّل الله (أو المسيح) النهائيّ في التاريخ. تتحدّث 1 كور 5: 5 عن "يوم الربّ" (رج 1تس 5: 2؛ 2تس 2: 2)، 1 كور 1: 8 عن "يوم ربّنا يسوع المسيح" (رج 2كور 1: 14)، فل 1: 6 عن "يوم المسيح" (فل 1: 10؛ 2: 16)، أف 4: 30 عن "يوم الفداء"، 1كور 3: 13 عن "اليوم". ولكننا لا نقرأ عبارة "ذلك اليوم" إلا في 2تم وفي 2تس 1: 10.
إذا كان على تيموتاوس أن يتأمّل مثال بولس بالنسبة إلى الثبات في الإيمان والثقة بالله، فعليه أيضًا أن يتأمّل تعليمه (الأقوال الصحيحة) الذي سمعه. لقد تسلّم التلميذ من معلّمه تعليمًا تحدّدت نقاطه الأساسيّة بحيث لا نستطيع أن نتركها دون خيانة. والتفكير المسيحيّ الذي يقوده الروح القدس، هو الذي يهتمّ بالتعمّق في معطيات الوحي الأساسيّة. فتيموتاوس لم يتسلّم كتاب تعليم بسيط، بل انجيلاً: إذا كانت طبيعته غير متبدّلة، فالتعبير يتكيّف مع الظروف ويتحوّل بالنظر إلى وعي المؤمنين للقيم الأساسيّة. إذن، لن نرى في وديعة الإيمان حفاظًا ماديًا على معطى مجمَّد صُبَّ مرّة واحدة في عبارات لا تُمسّ، فانقطع عن حياة الكنيسة.
فالأمانة الأساسيّة للوديعة تُعاش في الإيمان. كما تُعاش أيضًا في "الحبّ الذي هو في المسيح يسوع". لسنا هنا أمام حبّ المسيح للبشر، بل الحبّ الذي ناله المؤمن حين اتّحد بالمسيح. فسهر الراعي يفرض عليه بعض المرّات تدخّلاً قاسيًا على المستوى التعليميّ (1تم 1: 3؛ تي 1: 11- 13؛ 2: 15؛ 3: 10)، ولكنه لا يعفيه أبدًا من الحبّ الأخويّ (2تم 2: 25).
إن عبارة "حفظ الوديعة" (1تم 6: 20) تدلّ على اهتمام الرسول بأن يرى المسؤولين في الكنيسة واعين لواجباتهم تجاه التعليم، تجاه كرازة المعلّمين الكذبة. أعلن يسوع الانجيل. فاهتمّ الرسل بأن يكونوا شهوده في العالم (مر 16: 15؛ أع 1: 8). ومعهم، وتحت نظرهم (أع 15)، تابع المرسلون الكرازة بهذا التقليد الواحد. وأكّد بولس نفسه أنه لم يستنبط شيئًا، بل نقل ما تسلّمه (1كور 11: 23؛ 15: 3). فليفعل تيموتاوس مثله.
لا يكفل الأمانة لانجيل يسوع إلا روحُ يسوع. فبفضل الروح يقدر تيموتاوس أن يحفظ الوديعة. شدّد يوحنا على نور يقدّمه "روح الحقّ" (يو 4: 17) الذي يعلّم كل شيء (يو 14: 26) ويقود إلى الحقيقة كلها (يو 16: 13). أما بولس فأعلن أن المؤمن لا يسعه أن يعترف بإيمانه ويعلن أن يسوع هو ربّ (1 كور 12: 3) إلاّ بالروح القدس. جميع المعمّدين نالوا الروح (روم 8: 9- 11) الذي لا يني يقودهم (روم 8: 14). ولكن إن كان جميع المسيحيين يوجَّهون في إيمانهم بالروح الذي فيهم، فالخدّام المسؤولون عن الإيمان المشترك ينالون عونًا خاصًا. فقد أكّد بولس دومًا أن بجانب عطيّة الروح التي تُمنح للمؤمنين جميعًا بالمعموديّة، هناك مكان للمواهب، التي هي عطايا جديدة من الروح (1كور 12: 4- 11). وهي عطايا تتكيّف مع دعوات خاصة في خدمة الجماعة. وقد قيل في 2تم 1: 6- 7 أن موهبة الرعاية هي موهبة خاصة يمنحها الروح، وهي نعمة نالها بولس وتيموتاوس: "أعطانا (نحن) الله روح القوّة" (آ 7).
وقبل أن يقدّم بولس مثال أونسيفورس (آ 15- 18)، تحدّث عن خيانة فيجلس وهرموجينيس. لا يحكم عليهما الرسول، لأنهما يختلفان عن الذين أنكسرت سفينة إيمانهم (1تم 1: 19- 20). لا يُذكر هذان الشخصان في العهد الجديد إلاّ هنا. غير أن أعمال بولس وتقلا (تعود إلى القرن الثاني) تحدّثت عن هرموجينيس وديماس (2تم 4: 10) على أنهما من أهل المكر. ولكن في قلب هذا الضيق، أحسّ بولس ببعض العزاء، بل بفرح كبير حين زاره أونسيفورس الذي يعني اسمه "الذي يُعين، الذي يخدم". كانت زيارته راحة في التعب وبرودة في الحرّ. "أنابسيخاين" (رج أع 3: 20): برّد انسانًا تعبَ وجاهد، أعاد إليه قلبه، وبشكل واسع نحن أمام تشجيع أخويّ لانسان يمرّ في الضيق. نرفع له نفسه حين نحمل إليه العون الماديّ، كما نحمل علامات الأمانة والمحبّة (2كور 6: 13؛ 7: 12؛ غل 4: 15- 20). لا نمتلك معلومات عن أونسيفورس الذي ذُكر هنا وفي 4: 19. إلاّ أن أعمال بولس وتقلا قدّمت عنه تفاصيل تمتدحه: فهو وامرأته لكترة استضافا بولس في بيتهما في ايقونيوم، حين مرّ الرسول في تلك المدينة خلال الرحلة الرسوليّة الأولى. في ذلك الوقت اهتديا للمسيح. وما تقوله 2تم 4: 19 هو أن بيت أونسيفورس يقيم في أفسس، وهناك أدّى التلميذ خدمات جلّى للرسول (1: 18).
يبدو أن أونسيفورس كان قد مات يوم كتب الرسول. فبولس يمتدح سخاء صديقه، ثمّ يطلب الرحمة لبيته. وبعد ذلك، يطلب بولس الرحمة لأونسيفورس في ذلك اليوم، أي يوم يقف أمام الديّان لكي ينال جزاء ما عمله في هذه الحياة.

خاتمة
قدّم بولس مثالين لتلميذه تيموتاوس. مثاله الشخصيّ حين لم يخجل من الانجيل، حين لم يخف رغم المحنة التي يمرّ فيها. ومثال أونسيفورس الذي طلب بولس في رومة فعرّض حياته للخطر، وربّما للموت. فعلى تيموتاوس أن يقتدي بمعلّمه في المناداة بالانجيل وحمل الرسالة مهما كلّفه ذلك من تضحية. ولا ينسى الأمانة لما استُودع من تعليم. ومن جهة ثانية، يقتدي باونسيفورس فيأتي إلى بولس الذي يقيم وحده في السجن، ليحمل إليه تشجيعًا ينقصه بعد أن حدث لأونسيفورس ما لا تُحمد عقباه. قال له بولس: تعال إليّ سريعًا (4: 9). فالرسول الشيخ يحتاج إلى سند من ابنه، بعد أن سند ابنه وأطلقه في خدمة الانجيل وكلّفه متابعة الرسالة في أفسس وربّما في كنائس أخرى. 
الفصل السادس
الرجاء المسيحي
2: 1- 7
يستعيد 2: 1- 13 بشكل حيّ ومباشر، إرشادات ف 1، ويطبّقه تطبيقًا ملموسًا. فالمنادي بالانجيل (والرسول) يتكرّس بكليّته لعمله: يكون كالجندي، كالمصارع، كالزارع. ما يميّز هؤلاء الثلاثة، جهاد تام، متواصل، صادق، وسط الصعوبات. لهذا، فالمسؤول في الكنيسة يحتاج إلى النعمة، إلى قوّة علويّة. ولا يكتفي بمثال بولس، بل يتطلّع إلى يسوع المسيح الذي قام من بين الأموات.

1- الجنديّ الصالح
يبدأ الرسول هنا في توسّع جديد مع "وأنت" (أنت إذن)، "يا ابني"، وعدد من الأفعال في صيغة المضارع. لقد انتقلت المسؤوليّة إلى تيموتاوس وإلى أبعد من تيموتاوس، بحيث نصل إلى المواضيع الآنيّة في تقليد ينقله التلميذ. ثم إن آ 1- 3 مع أفعال الأمر التي تطلب من التلميذ أن يقتدي بمعلّمه، تستعيد مواضيع مرتبطة ببولس نفسه.
"كن قويًا" (آ 1). يرتدي بولس القوّة كرداء من يد الله (1تم 1: 12)، فترافقه هذه القوّة حتّى النهاية (2تم 4: 17). "سلّم" (آ 2). رج 1 تم 1: 18؛ 6: 20؛ 2تم 1: 12، 14. نحن هنا على مستوى نقل التقليد البولسيّ بين الشهود العديدين الذين تسلّموه (المسؤولون في الجماعة، حين نالوا العماد، ووضع اليد)، وأولئك الذين يتابعون العمل فيكونون "أناسًا أمناء يكونون أهلاً لأن يعلّموا غيرهم". "شارك في احتمال الآلام" (آ 3). رج 1: 8؛ 4: 5. هذا ما يعيدنا إلى المشاركة في آلام الرسول (1: 8، 12) كما في مجمل آ 1- 13 مع موضوع الألم. نقرأ في آ 9: أقاسي الآلام. في آ 10، 12: احتمل. في آ 11: إذا متنا معه.
في آ 4- 6، نجد ثلاثة أمثال غير مشروحة. نبحث عن معناها، وننتظر تفسيرها لدى الربّ (آ 7). تنطلق هذه الأمثال من موضوع الجهاد وما يرتبط به من ألم. من جهة، ليس الألم من اختصاص بولس وتيموتاوس وحدهما. فصيغة المتكلّم الجمع (متنا، نحن) في النشيد (آ 11-13) تعود أيضًا إلى الجماعة. ومن جهة ثانية، ليس الألم قيمة في حدّ ذاته، بل له هدف. فالجندي يتعب لكي يرضي من جنّده (آ 4). والمصارع لكي ينال الاكليل (آ 5). والزارع لكي ينال غلّة من زرعه (آ 6). فعلى كل واحد أن يكدّ لكي ينال نتيجة. وهذا ما نقوله أيضًا عن المسيحيّ الذي يريد أن يعيش الانجيل وينقله إلى الآخرين. نجد هذه الصور في 1 كور 9: 6- 7، وفيها يقول بولس إن كل عمل ينال أجره، وإنه هو ومعاونوه يحقّ لهم أن يعيشوا على نفقة الجماعة. وأما 1 كور 9: 24، 27 فهي تقودنا إلى متطلّبة السباق في الحلبة: أقسو على جسدي واستعبده لئلاّ أكون من الخاسرين. وهكذا يخسر الألم وجهته الدراماتيكيّة ويصبح جزءًا من الحياة اليوميّة. لا نعني هنا الألم المتآتي عن الاضطهاد، بل عن التعب اليوميّ في رسالة تتطلّب منا جهدًا متواصلاً. صوّره بولس في 2 كور 11 وقال: "وهذا كله إلى جانب ما أعانيه كل يوم من اهتمام بجميع الكنائس" (آ 28).

2- دراسة النصّ
لم يستنفد بولس جميع البراهين التي تشجّع تيموتاوس في مهمّته. فذكّر تيموتاوس بأن آلام هذا الزمن، هي مرحليّة. فعبرها يُعدّ الله المؤمنين، ولا سيّما الرسل، لكي ينالوا يومًا "الخلاص الذي في المسيح يسوع مع المجد الأبديّ" (آ 10). ونقسم النصّ قسمين: قوّة في الأمانة (2: 1- 2). أمثال ثلاثة (آ 3- 7).

أ- قوّة في الأمانة (2: 1- 2)
نقرأ هنا فعلين في صيغة الأمر، كبداية لإرشاد جديد، يحثّ فيه الرسولُ تلميذه.
أوّلاً: كن قويًا (آ 1).
اعتاد بولس حين يطلب طلبًا صعبًا، أن يرفقه بكلمة حنان: يا ابني (رج 1: 2). "إن كنت أنا بولس أتألّم هذه الآلام، فعليك أنت بالحريّ أن تتألّمها. فكما يكون المعلّم يكون التلميذ. إن كنت ابنًا، فاقتدِ بأبيك" (الذهبيّ الفم). الواو في البداية (أون، إذن) تعود إلى أمثلة سابقة قُدّمت لتيموتاوس: جدّته لوئيس، أمه أفنبكة، الرسول نفسه، أونسيفورس. كما تعود إلى موهبة القوّة التي نالها التلميذ بوضع اليد (1: 6- 7). من هنا الأمر في فعل "انديناموو" (4: 17؛ 1تم 1: 12). كن قويًا. هذا الفعل الذي لا يعرفه الأدب الدنيويّ، يرد ثلاث مرات في السبعينيّة. أما بولس فيعطيه المعنى الدينيّ والخلقيّ (أ ف 6: 10؛ رج روم 4: 20؛ فل 4: 13). انطلق الرسول من خبرته (أع 9: 22) ففهم أهميّة القوّة لئلاّ يسقط في المحنة. وهو يستقي هذه القوّة في الله وفي نعمته المتعدّدة الوجوه (1 بط 4: 10). هي نعمة (خاريس، 1: 9؛ 1تم 1: 14) بها تصبح قوّة الله قوّتنا. نحن نتقوّى حين نأخذ لنا هذه المبادرة المجانيّة، والعون المستمرّ، والموهبة التي يقدّمها لنا الله. وعبارة "في المسيح يسوع" تفهمنا أن النعمة الآتية من الله القدير (1: 12) لا تدركنا إلاّ بواسطة المسيح، وبفعل شركتنا معه (1: 13). غير أنها تقول بشكل خاص إن الرسول لا قوّة له إلاّ بقدر ما "قوّة (ديناميس) المسيح تسكن فيه" (2كور 12: 9). وهنا نال تيموتاوس النعمة بوضع اليد. نال روح القوّة والمحبّة والفطنة (1: 7).
ثانيًا: سلّم ما سمعته (آ 2)
وتشابه تيموتاوس ببولس: كلاهما نالا الموهبة عينها. وكلاهما يقاسيان الآلام عينها (1: 7-28). وعليهما أن يحافظا على الوديعة نفسها (1: 12، 14). ما تعلّمه الرسول من المسيح (غل 1: 12؛ 1 يو 1: 1، 3) نقله إلى تلميذه (1: 13) خلال الرحلات الرسوليّة (روم 6: 7؛ 10: 14؛ أف 4: 21). وبشكل رسميّ حين وضع عليه يديه (1: 6)، وتيموتاوس بدوره يسلّم هذا التعليم إلى أناس آخرين، في تواصل لا خلل فيه. "باراتيتيمي" (سلّم). جعل وديعة لدى شخص لكي يحافظ عليها (1: 12، 14). هو التعليم الانجيليّ.
"كثير من الشهود". أو: أشكال التعليم التي نالها تيموتاوس من معلّمه. مثل الكرازة والحوار البسيط ومثال الحياة. أو: الاشارات التي استند إليها بولس في رسالته: الكتب المقدّسة، النبوءات، التقاليد، أقوال الربّ (1كور 5: 3- 11). قال فيلون: أقوال الوحي، الأنبياء، الشريعة، هم شهود لله. أو: شهود آخرون للتقليد الانجيلي علّموا تيموتاوس مثل لوئيس، افنيكة، برنابا، الشيوخ، المعلّمون، المبشّرون. والأداة "ديا" تعني: عرف بواسطة شخص. ولكنها تعني أيضًا: بحضور، في وسط. ولهذا نقول: بحضور شهود عديدين. إذن، لم ينل تيموتاوس هذا التعليم في الخفية كما في الجماعات الباطنيّة. والشهود الكثر دلالة على أن هذا التعليم هو أهل للتصديق.
ويكون للجدد الذين يُودَعون التعليم صفتان: يكونون أناس إيمان وأمانة (بستوس). يكونون مجرّبين. وهكذا يستطيعون أن يعملوا عمل الحارس والمدافع (1تم 3: 9). والصفة الثانية: يكونون أهلاً (إيكانوس) لأن ينقلوا التعليم بأمانة (رج 1تم 3: 2؛ تي 1: 9). هناك أولاً إشارة قانونيّة (ما يكفلهم، أع 17: 9). وهناك ما يدلّ على الكرامة (مت 3: 11؛ 8: 8) من أجل هذه الخدمة الرفيعة (1كور 15: 9؛ 2كور 2: 16؛ 3: 5- 6). الله هو الذي يجعلنا أهلاً، بحيث تبدو هذه الجدارة الطبيعيّة موهبة من مواهب الروح. قال الذهبيّ الفم: "ماذا ينفع الأسقف أن يكون أمينًا إن لم يعرف أن ينقل الإيمان إلى آخرين، وإن اكتفى بأن لا يخون الإيمان دون أن يكوّن مؤمنين آخرين".

ب- أمثال ثلاثة (2: 3- 7)
يتابع الرسول توصياته حول المشاركة في الاحتمال، فيقدّم ثلاثة أمثال: مثَل الجندي، مثل المصارع، مثل الزارع.
أولاً: الجندي (آ 3- 4)
بما أن الموضوع قوّة (آ 1؛ 1: 7) واحتمال، في خطى المسيح، وفي اتّحاد مع خدّام الانجيل (آ 9؛ 1: 8، 12)، استغلّ بولس ثلاث استعارات معروفة تفرض عطاء الذات التام والعمل المتواصل واحتمال المصاعب والنظام الكامل. يتعلّم تيموتاوس منهم إذا أراد أن يكون أمينًا للمهمّة التي أوكل بها.
الجندي "ستراتيوتيس" هو ذاك الذي اختار مهنة الجنديّة، لا ذاك المجنّد لفترة محدودة (1 تم 1: 18؛ فل 2: 25؛ فلم 2). يحتاج إلى الشجاعة، وعمله يتطلّب عددًا من التضحيات والخدم التي يقدّمها لخير الجميع. هكذا يكون جنديّ المسيح بلا خوف ولا لوم، فيتكرّس جسدًا ونفسًا لوظيفته، ويستعدّ للتضحية العظمى.
نقرأ في آ 4 إسم الفاعل "ستراتاوومانوس". هو الجندي الذاهب إلى الحرب. أو ذاك الذي يقوم بخدمته العسكريّة (لو 3: 14). هو يعمل دوامًا كاملاً، فلا يبقى له وقت للقيام بنشاط آخر. وهكذا يتكرّس بكليّته لجنديّته. والجنديّ لا يعمل وحده بل مع رفاقه، كما يرتبط مع رئيسه بقسَم الأمانة. لهذا يهمّه قبل كل شيء أن يُرضي قائده. رج فعل "أراسكاين" (أرضى). يطلب الرسول أن يرضي الله لا الناس (1تس 2: 4؛ 1كور 7: 32، 34). نقرأ في 1 يو 3: 22: "نحفظ وصاياه ونعمل ما يرضيه". في الواقع، لا يتكلّم بولس عن رئيس بل عن "مجنّد" (ستراتولوغاين). هذا يعني أن الرئيس جعلنا بجانبه.
تتضمّن آ 4 فكرتين. الأولى، جنّد المسيح تيموتاوس لخدمته، فلا يكن له سوى هدف واحد، أن يشارك في عمل السيّد في توافق تام مع تعليماته. الثانية، مثلُ هذا التكريس (أو التجنّد) يستبعد الاهتمامات الغريبة على الخدمة الرسوليّة والرعائيّة.
ثانيًا: المصارع (آ 5)
بعد استعارة الجندي، هي استعارة المصارع (1كور 7: 11، 28؛ 1تم 1: 8) التي تبدو أقل نُبلاً من سابقتها (1تم 4: 8). لسنا أمام سباق رياضيّ، بل صراع وملاكمة (1كور 9: 24؛ فل 3: 14). كانت مقابلات من هذا النوع في العالم الرواقيّ: إن الحكيم، بفضيلته، ينتصر على الرغبات، كالمنتصر في الألعاب (فيلون، الشرائع 2: 108). في هذه الظروف لا ننال الاكليل (4: 7؛ 1كور 9: 25) إلاّ إذا شاركنا في المحنة (أتلايو) مع حكَم وحسب القواعد (نوميموس).
بالنسبة إلى تيموتاوس، المصارعة حسب الأصول تعني العمل حسب شريعة المسيح، شريعة المحبّة (غل 5: 14؛ 6: 2)، حسب شرعة العهد الجديد (فل 1: 27؛ 4: 3). وتعني أيضًا الأمانة إلى النهاية (عب 12: 1) للدعوة الرسوليّة: نحمل الصليب ونشارك في آلام المخلّص (1تم 6: 2). فحيث لا صليب، لا إكليل. فمن تحاشى الجهاد والتعب (عب 12: 3)، تراخى أمام الأصول (= أصول الصراع) بعد أن التزم الجهاد حتى الموت. ذاك هو الفكر الانجيليّ حول الوعّاظ الذين لا يمارسون ما يعلّمون (مت 7: 21- 23). أما بولس فكان مثالاً في ذلك (فل 3: 13ي).
ثالثًا: الزارع (آ 6- 7)
أخذت الاستعارةُ الثالثة من عالم الريف، في عودة إلى حق طبيعيّ (1كور 9: 7) نقرأ عنه في العهد القديم (تث 20: 6؛ أم 27: 18) وفي النصوص القديمة. الزارع (غيورغوس، رج 1كور 3: 9) يفلح الأرض (يع 5: 7)، يزرع التين والكروم (تث 21: 33ي؛ يو 15: 1). عمله يرتبط بالغلّة التي هي ثمن تعبه (سي 6: 19؛ مز 126: 5- 6). يشدّد بولس هنا على العمل المتواصل (كوبياؤو، عمل متعب، 1كور 4: 12؛ أف 4: 28)، وبالتالي على العمل الرسوليّ (1تس 5: 12؛ 1تم 4: 10؛ 5: 17). إنه يستحقّ الأجر العادل، والعامل يأخذ إجرته حتى قبل صاحب الحقل الذي يأتي في النهاية ليأخذ "ثماره" (مت 21: 34؛ لو 12: 17).
الثمر هو الحياة الأبديّة (يو 4: 36؛ 12: 24). والملكوت والمجد السماويّ (مت 5: 12؛ 19: 21؛ 2تم 2: 12؛ 1تم 4: 16). أو: خصب الرسالة (يو 5: 2- 5، 16) والفرح الذي ينعم به المرسل (فل 4: 1، 17). وهناك أيضًا الأجر الماديّ الذي تقدّمه الجماعة (1تم 5: 17). إنه حقّ من حقوق تيموتاوس (1كور 9: 7- 11).
تحدّث بولس عن المال، وها هو يترك تيموتاوس يستنتج ما يجب بالنظر إلى هذه الأمثال الثلاثة، حسب تربية الربّ (مت 24: 16؛ رج 15: 17؛ 16: 9، 11) وعادته الخاصة (1كور 10: 15). لا يكفي أن نقرأ أو نسمع، بل يجب أن نفكّر، أن نفهم (نوئايو). رج روم 1: 20؛ عب 11: 3؛ 1تم 1: 7. مثل هذا الموقف يباركه الله الذي يعطينا ارادته ويعلّمنا على اكتشافه. فالكتاب يشير إلى الفطنة وإلى الوعي لدى التلميذ (1كور 2: 15؛ 1 يو 2: 27). نحن بعيدون جدًا عن أخلاقيّة الرابينيين وفتاويها.
هنا يفهم تيموتاوس أن عليه أن يتجنّد بكلّيته لرسالته في الرعاية والتبشير. والجماعة تؤمّن له حاجاته. كيف يكون ذلك؟ المسيح هو الذي يعلّمه.

3- قراءة إجماليّة
بعد أن تحدّث بولس عن أونسيفورس، وجّه كلامه بشكل مباشر إلى تيموتاوس: فإنّ ما سيقوله له يبدو قاسيًا. ولهذا بدا كلامه في جوّ من الحنان والمحبّة. بما أن تيموتاوس نال روح القوّة (1: 8) وأنه يستطيع أن يستند إلى قوّة الله (1: 8)، فعليه أن يتقوّى دومًا. فيستقي من الينبوع الالهي القوّة التي يحتاج إليها. سيجد تيموتاوس القوّة في "النعمة التي هي في المسيح يسوع". هل يعني هذا أن النعمة تأتينا من المسيح؟ بل صرنا باتحادنا بالمسيح (نحن في المسيح) مشاركين لقدرة المسيح نفسه. مثل هذا القول يصحّ في كل مسيحيّ، ولا سيّما في الخادم الموكّل بالمناداة بالانجيل "قدرة الله" (روم 1: 16). اهتمّ بولس بأن يبدأ بالاشارة إلى عجز الانسان المحروم من نعمة المسيح، فطلب من التلميذ (آ 3- 7) أن يقوم بمجهود شخصيّ. ففي الجهاد الذي يُطلب منه، سيجد قوّة المسيح عاملة معه (2كور 3: 5- 6؛ 12: 9). ولهذا جاءت التوصية قريبة ممّا نقرأ في أف 6: 10: "تقوّوا في الربّ وفي قدرته العظيمة".
كيف تظهر هذه القوّة؟ حين لا يخجل تيموتاوس من الانجيل. وهذا يعني مراعاة مضمون التقليد ونقله دون أن نبدّل فيه. فالأمانة الأولى أمانة للتعليم. فعلى التلميذ أن يعي أنه حلقة في سلسلة طويلة من الشهود. فكما نقل بولس إلى المؤمنين ما تسلّمه من الربّ، كذلك ينقل تيموتاوس إلى آخرين ما تسلّمه من بولس.
ويهتمّ تيموتاوس في أن يجد أناسًا أمناء، يثق بهم، يجعلهم وكلاء، يسلّمهم الوديعة. ويسهر لكي يكونوا أهلاً بأن ينقلوا هذه الوديعة التي تسلّموها، إلى آخرين. فلا يكفي أن نحفظ الوديعة، بل يجب أن ننقلها، مستندين إلى الامكانيّات المتاحة. هنا نجد أساس التقليد. فالمسيح وعد بأن يكون مع كنيسته إلى انقضاء العالم (مت 28: 20)، فلا يسمح أن تزلّ عروسه على مستوى الإيمان. فبالرسل وبتلاميذهم وبالذين جاؤوا بعدهم إلى الخدمة الرسوليّة، ينتقل الانجيل في الكنيسة بكفالة المسيح وعونه. فالربّ "يسهر على كلمته" (إر 1: 12).
وطلب بولس من تيموتاوس (كما في 1: 8) أن يشارك في احتمال الآلام. فالحياة المسيحيّة تجعل المؤمن مشاركًا في سرّ المسيح الفصحيّ (رو 6: 1- 11). فإذا أردنا البلوغ إلى القيامة، نمرّ في الآلام والموت (8: 17). فالرسول هو من يحيا آلام المسيح فيقول مع بولس "فمع أننا أحياء، نُسلم دومًا للموت من أجل يسوع لتظهر في أجسادنا الفانية حياة يسوع أيضًا. فالموت يعمل فينا والحياة تعمل فيكم" (2كور 4: 11- 12). وتيموتاوس تكون له حصّته من الألم فيكمّل "في جسده ما ينقص من ضيقات المسيح من أجل جسده الذي هو الكنيسة" (كو 1: 24- 25). فإن احتاج تيموتاوس إلى الشجاعة، فليتذكّر أنه جنديّ في خدمة المسيح.
وتذكّرُ حياة الجنديّ، دفع بولس أن يقدّم ثلاثة أمثال، فيترك لتيموتاوس أن يفهمها ويطبّقها على نفسه، على ضوء خبرته مع الربّ: الجنديّ، المصارع، الزارع أو الفلاح. فعلى تيموتاوس أن يتعب. أن يكون ذاك الراعي الذي يبذل حياته من أجل الرعيّة (يو 10: 11). والويل له إن هو تهرّب أو رفض أن يحارب حسب الأصول. وفي النهاية، ينال تيموتاوس أجره من المسيح، كما ينال من الجماعة ما يكفيه ليؤمّن معيشته. فلماذا كل هذا الاهتمام وهذا الخوف.
لم يشرح بولس هذه الأمثال. فالربّ يعطي الفهم الضروريّ. فتلاميذ يسوع أيضًا تحيّروا أمام أمثاله. لم يفهموا (مت 15: 17؛ 16: 9). كانت "قلوبهم قاسية" (مر 6: 52؛ 8: 17). وقد عرف المعلّم أنه لا يستطيع أن يفهمهم كل شيء قبل مجيء الروح (يو 16: 12). ولكن حين يأتي الروح يعلّمهم كل شيء (يو 14: 26) ويقودهم إلى الحقيقة كلها (يو 16: 13). وتيموتاوس حين اعتمد ووُضعت عليه الأيدي، نال روح الربّ هذا، الروح الذي "يفحص حتى أعماق الله" (1كور 2: 10). صار "إنسانًا روحيًا" يحكم في كل شيء (1كور 2: 15). فالربّ يعطيه بروحه، الفهمَ لكل شيء على مثال بولس، الذي نال فهم سرّ المسيح (أف 3: 4).

خاتمة
دعا بولس تيموتاوس إلى التحلّي بالرجاء. ووجّهه نحو النهاية، ساعة ينال الأجر من الربّ يسوع في مجيئه. ولكن بانتظار ذلك، عليه أن يجاهد على مثال الجندي والمصارع والفلاّح. لكل واحد هدفه. ولكل واحد الاكليل أو الثمرة التي ينتظر. يبقى على التلميذ أن يفهم. وإن فهم وجب عليه أن يتصرّف تصرّفًا كذاك الذي اعتُبر أهلاً لأن يتسلّم وديعة التعليم، ولأن ينقلها إلى الآخرين بأمانة. وهكذا تتواصل السلسلة: من بولس، إلى تيموتاوس، إلى أناس أمناء يختارهم تيموتاوس... إلينا نحن اليوم في كنيسة لا تعرف الضلال ولا تقوى عليها أبواب الجحيم. 
الفصل السابع
مثال يسوع المسيح
2: 8- 13

الصعوبات تحاصر تيموتاوس، والإحباط يرافقه، والخوف والتردّد يلازمانه. لهذا، فهو يحتاج إلى قوّة من السماء. فلا تكفيه أمثلة بشريّة، بولس أو أونسيفورس. لماذا لا يقتدي بالأول الذي صار مناديًا ورسولاً ومعلّمًا فما خاف الموت، بل هو يستعدّ للموت؟ ولماذا لا يعمل ما عمله أونسيفورس؟ فالخطر يتهدّد التلميذ بعد أن تركه معلّمه وصار في السجن. في هذا الخطر وقعت جماعة آسية. ومثلهم فعل ديماس بعد أن رأى صعوبات الرسالة والربح القليل الذي فيها. لأجل هذا كله، قدّم بولس لتيموتاوس مثال يسوع المسيح ودعاه إلى يقين الرجاء: فالحياة تنتصر على الموت بالمسيح. تنتصر بالثبات والأمانة. فما على التلميذ إلاّ أن يتذكّر معلّمه، المعلّم الأول، يسوع المسيح الذي ينكرنا إن أنكرناه، ولكنه في النهاية يبقى أمينًا، لأنه لا يقدر أن ينكر نفسه.

1- الثبات مع المسيح
حين نقرأ آ 8- 13 نكتشف قولين من التقليد البولسيّ (آ 8؛ آ 11- 13)، يدلاّن على التوازن بين "قال" و"فعل". كرز بولس بالانجيل، لا بكلامه وحسب (آ 8) بل بحياته أيضًا (آ 9). "أذكر يسوع المسيح الذي قام من بين الأموات وكان من نسل داود". نحن هنا أمام تذكير بانجيل بولس الذي يُسند الارشاد الموجّه إلى تيموتاوس، كي يستعدّ للألم حين يعلن هذا الانجيل. التوازي واضح مع روم 1: 3- 4 (قد ترتبط 2 تم بما في روم، أو تكون الرسالتان أخذتا من مرجع واحد، أو نكون أمام فعل إيمان يُتلى في اجتماع الجماعة، في الليتورجيا). يُذكر اسم المسيح مع الاشارة إلى قيامته، وإلى نسل داود. حين استعمل بولس في روم 1: 3- 4 تقليدًا سبقه، حافظ على الترتيب الكرونولوجيّ لرسمة الارسال المسيحاني، ولكنه شدّد على القيامة كوقت أعلن فيه المسيحُ ربًا. صورة في وجهتين: فالمسيح ، كابن داود، حمل الوعد لاسرائيل. وبقيامته صار ربّ السماء الذي يصل بتاريخ الخلاص إلى تمامه. أما في 2 تم 2: 28 فذكر الكاتب أولاً القيامة التي هي محرّك تاريخ الخلاص. وجاء الأصل الداوديّ في الموقع الثاني، فما صوّر تاريخًا "قبل" تاريخ، بل شدّد على الطبيعة البشريّة للقائم من بين الأموات. وغياب لقب الربّ لا يصل بمسيرة يسوع إلى هدفها. فحدث المسيح ليس جوابًا على تتمّة عمل الله تجاه اسرائيل. في هذا المجال، اعتبر بعض الشرّاح أن آ 8 هي عبارة كرازيّة تعود إلى محيط مسيحيّ متهوّد حول وجودين للمسيح أو بالأحرى حول ولادتين: حسب الجسد، حسب الروح. رج 1كور 15: 1- 4. ابتعدت الرسالة في الزمن، فشدّد النصّ على قيامة المسيح. وبعد ذلك، ذُكرت حياته على الأرض.
أذكر. نحن أمام إعلان كرستولوجيّ معروف. وعبارة "حسب انجيليّ" تعود إلى إجمالات مثل أع 17: 3 (يجب على المسيح أن يتألّم. وبما أن يسوع تألّم، فيسوع هو المسيح). هنا يشير العلماء إلى أن لفظ "انجيلي" يميّز الرسائل البولسيّة الثانية (دوّنت في المدرسة البولسيّة)، وقد جُعل في روم 2: 16؛ 16: 15، في حواشٍ تعود إلى الوقت الذي فيه صارت الرسائل البولسيّة مجموعة واحدة.
ويذكر تيموتاوس الرباط مع شخص بولس. فهذا التعليم هو انجيله "هو"، الذي لأجله يجب اليوم أن نتألّم. ثم إن هذا الاعلان الكرستولوجيّ يهيِّئ الطريق للعبور إلى النشيد (آ 11-103) الذي يعلن أن الذين يتألّمون مع المسيح يملكون معه. نحن هنا في إطار يشبه 1تم 2: 6 حيث المضمون الكرستولوجي استعيد بلفظ "شهادة" المرتبط ارتباطًا مباشرًا بتيموتاوس (1تم 1: 11؛ 2تم 1: 10؛ تي 1: 3). أما هنا فلفظ "انجيلي" هو الذي يؤمّن وظيفة الاستعادة. ما زال تاريخ الخلاص حاضرًا في الرسالة إلى رومة كما في 2تم. ولكن مركزه انتقل إلى الكرازة، إلى نقل التعليم في الخطّ البولسيّ. والآلام صارت آلام بولس. كم نحن قريبون من سفر الأعمال الذي يورد موت اسطفانس كامتداد لموت يسوع. أجل، ما زال المسيح حيًا في رسله وتلاميذه. فإن هم بشّروا كان هو الذي يبشّر. وإن هم ماتوا كان هو الذي يموت.
في آ 11- 13، اعتراف إيمان بأن الذي يتألّم مع المسيح يشاركه في ملكه. ويأتي تحذير يقطع المسيرة، لأن ذاك الذي نعامله بهذه الطريقة هو إله لا انسان، كما قال هوشع (11: 9). نحن أمام لاهوت عماديّ يصل بنا إلى لاهوت الاستشهاد والموت. لا نتألّم فقط مع المسيح، بل نتألّم معًا لأجله. فالرباط مع روم 6: 9 ولاهوت العماد نكتشفه في "تألّم مع"، "عاش مع". ومع "متنا معه" في صيغة الاحتمال، لا في صيغة المضارع للتعبير عن شهيد لم يمت بعد، بل ينتظر الموت. وهكذا فعبارة "مات مع المسيح" تعني أيضًا: ثبت، احتمل، صبر.
وهكذا نجد في آ 8- 13 توزيعًا في زمنين، في إطار يعلن الصبر والمشاركة الشُجاعة في الآلام من أجل الانجيل. في الزمن الأول (آ 8- 9)، الاعلان الكرستولوجي (آ 8أ) المرتبط ببولس (انجيلي) يمتدّ بموصول (الذي لأجله أتألّم) يستعيد موضوع بولس المقيّد من أجل الانجيل (1: 8، 12، 16؛ رج 2: 9 حيث يقابل "كلام الله"، "انجيل"). لقد صار بولس نفسه جزءًا من تعليمه. فهو يعطي معنى القيامة من أجل الزمن الحاضر: فرغم القيود، كلمة الله ليست مقيّدة. صارت الكلمة شخصًا حيًا (2 تس 3: 1؛ رج تي 2: 5؛ فل 1: 12- 14). بولس هو في القيود، لا الكلمة. هذا ما نكتشفه في نهاية سفر الأعمال (28: 31). وهكذا تصبح القيامة حقيقة آنيّة ملموسة بالنسبة إلى المسؤولين عن الكرازة. بولس هو مثال الثبات والمقاومة. ولا شيء يوقف تقدّم الكرازة. في جدليّة ثمن ندفعه ونتائج نحصل عليها (آ 4- 6)، يبدو ألم بولس ملموسًا ومؤثرًا، بحيث غاب الكلام عن صليب المسيح في هذا المقطع.
تستعيد آ 10 العلاقة بين الآلام والهدف. حسب منطق 1تم 1: 16، ما يحصل لبولس هو تاريخ خلاص المختارين ومثال يتصرّف الجميع على أساسه. فبولس هو البرهان التاريخيّ لحقيقة النشيد الكرستولوجيّ والسوتيريولوجيّ الذي يؤسّس تحريضه لتيموتاوس.

2- دراسة النصّ
لا تكفي الأمثال الدنيوّيّة أن تجعل تيموتاوس يقبل الآلام، بل الموت. فمثالُ المسيح هو النور الذي يستضيء به الراعي في طريق تقوده إلى الشهادة والاستشهاد. ونرى في النصّ مقالة إيمانيّة (2: 8- 10)، ثم مقالة ليتورجيّة (آ 11- 13).

أ- مقالة إيمانيّة (2: 8- 10)
تتركّز هذه المقالة على شخص يسوع المسيح، وتربط به شخص بولس الذي يبدو في آلامه امتدادًا لما قاساه يسوع من آلام وموت قبل المجد والقيامة.
أولاً: أذكر يسوع (آ 8- 9)
في العهد الجديد، التذكّر ليس فقط عودة إلى ماض نستعيده ونتعلّق به (الأمر في صيغة الحاضر، هو ما يدوم، رج 1تس 2: 9؛ عب 3: 1)، بل تأمّل في الايمان وتعمّق فيه (يو 16: 4؛ عب 2: 9)، بحيث يصبح واقعًا في حياتنا (غل 2: 10؛ عب 11: 5؛ 13: 7). فعلى الرسول أن يجعل نصب عينيه يسوع المسيح. يشدّد النصّ هنا على بشريّة يسوع، ابن مريم، الذي تجلّى كمسيح بقيامته (أع 2: 36؛ فل 2: 11). نتأمّل فيه "كقائم من بين الأموات" (1كور 15: 12، 20). هو الحيّ الحيّ (1: 10؛ رؤ 1: 18). جاء اسم الفاعل في صيغة المجهول فدلّ على تدخّل الله. وصيغة الكامل تدلّ على حالة حصلت في الماضي وما زالت حاضرة حتى الآن. أما الأصل الداوديّ (روم 1: 3؛ يو 7: 42)، فنقرأ عنه في العهد الجديد كله (لو 1: 27، 32؛ أع 2: 29- 30؛ رؤ 5: 5؛ 22- 16). هو صفة نبويّة (2هم 7: 12؛ إر 23: 5؛ مز 89: 4؛ 132: 11) للملك المسيح (مت 9: 27؛ 12: 23؛ 15: 22؛ 20: 30- 31؛ 21: 9، 15؛ أع 13: 23، 24- 30). نحن هنا أمام قانون ايمان يذكر الأصل البشريّ للمسيح وقيامته التي تدلّ على لاهوته. ذاك هو انجيل بولس كما يكرز به. رج 1تس 1: 5؛ 2كور 4: 3.
كما في 1: 10- 12 (رج فل 4: 3)، يُذكر الانجيل (أو البشارة)، فيليه حالاً ذكرُ آلام الرسول. هو يتألّم (كاكوباتاين)، تُساء معاملته في اتحاد مع المسيح ومن أجل الكرازة. فالفعل المستعمل هنا (رج يع 5: 13) يُستعمل في الحديث عن أخطاء الحرب وأتعابها. أما الذروة بالنسبة إلى بولس فتحمّلُ القيود (1 فل 2: 8) مثل مجرم (كاكورغوس)، فاعل سوء. استعملت اللفظة في لو 23: 32- 33 في معرض الحديث عن المجرمَين اللذين أحاطا بصليب يسوع.
بولس هو في القيود، ولكن كلمة الله حرّة. شُخّصت الكلمة كما في تي 2: 5: "لئلا يستهين أحد بكلمة الله". وفي 1تس 2: 13: "كلام الله يعمل فيكم". وفي 1 تس 3: 1: "تتابع كلمةُ الله جريها". نحن أمام كرازة الانجيل، بل عمل الكنيسة ككلّ. لا أحد يقدر أن يقيّد القوّة (ديناميس) التي يتضمّنها كلامُ الله (أش 40: 8؛ 55: 11؛ عب 4: 2). فمصيرها لا يرتبط بمصير حامليها. يموت المبشّر ولكن كلامه لا يموت. وهذا ما حيَّر بولس الرسول بعد موت اسطفانس. أسكت صوتًا حين رجم أول شهيد، فعلت أصوات وأصوات أجبر على ملاحقتها إلى دمشق، لو لم يلاحقه يسوع المسيح ويصرعه في الطريق.
ثانيًا: لذلك أحتمل (آ 10)
بعد الواقع، ننظر إلى الغائيّة. إذا كان سجين المسيح فقد حريّته في الكرازة والعمل، فهو ما زال يعمل بنشاط في نشر الانجيل بحيث تحمل كلمة الله ثمارها، فلا يعيقها أحد: فمحنه هي وسيلة (كأنها ذبيحة، فل 2: 17) بها ينال، من الله، خلاص المؤمنين. نقرأ فعل "هيبومانو"، احتمل. فبولس هو في محنة قاسية. وفعل "تينخانو" (نال) تُبرز ما سيناله الانسان في المستقبل (لو 20: 35؛ عب 8: 6؛ 11: 35). في هذه الروح الرسوليّة، قاسى بولس الآلام والذلّ بصبر وثبات (هيبومانو، رج 12: 12؛ 1كور 13: 7؛ عب 10: 32؛ 12: 2- 3)، فكانت تضحيته تامة، بعد أن ألهمتها المحبّة (3: 10؛ تي 2: 22)، من أجل المختارين (مت 24: 22). أي من أجل المسيحيين الذين تبرّروا وتقدّسوا فوجب عليهم أن يثبتوا في دعوتهم (2 بط 1: 10؛ روم 8: 33؛ كو 3: 12). وصلّى أيضًا من أجل الخطأة الذين أحبّهم الله منذ الأزل (2تس 2: 13؛ أف 1: 3- 5) ودعاهم إلى الخلاص (1تم 1: 15- 16) "الذي في يسوع المسيح". هذا يعني أن على هؤلاء الناس أن يعودوا ويدخلوا في الكنيسة.إن غائيّة الضيقات والآلام (كو 1: 24؛ أف 3: 13؛ رج 2كور 1: 6؛ 4: 10- 12) وخصبها، هما عنصر رئيسيّ في مشاركة القديسين مع المسيح القائم من الموت (آ 8). حين ذُكر المخلّص، ذُكر المجد (2تس 2: 13- 14؛ كو 1: 28؛ 3: 4) الذي هو ملء تتمّة الخلاص في النهاية (روم 5: 2؛ 1 بط 1: 7- 9). اعتُبر بولس كمجرم (كاكورغوس، عامل سوء). وهو مدعو إلى المجد (دوكسا)، بل إلى المجد الأبديّ، ذاك هو نور الرجاء الذي يضيء في غياهب سجنه (2كور 4: 17).

ب- مقالة ليتورجيّة (2: 11- 13)
هنا نقرأ شعرًا مع أربع مرات "إذا". ثم تأتي النتيجة.
أولاً: إذا مُتنا (آ 11)
"صدق القول". نحن أمام إيراد من التعليم الرسوليّ هو صدى لكرازة الربّ (1تم 1: 15). هي عبارة تتعلّق بما يلي (آ 11- 13) لا بما سبق (كما فعل الذهبيّ الفم)، فثبات رجاء الخلاص (سين، مع، في الأفعال في آ 10) تُفهم عن المسيح: الأمانة توحّدنا بشخصه (والخيانة تفصلنا).
نحن أمام نصّ شعريّ دُوّن في مناخ أراميّ، لا يونانيّ. نحن أمام نشيد ليتورجيّ، إعلان إيمان (1تم 3: 26؛ 4: 5)، تعبير عن الفقاهة، كلام نبيّ في الكنيسة. إن الفعل "سينأبوتنيسكو" (مات مع، سي 19: 10) يدلّ على حرارة القلب: نعيش ونموت مع من نحبّ. رج 2كور 7: 3 (نعيش معًا ونموت معًا). كان الجنود يعدون قائدهم بمرافقته في الموت والحياة. ذاك ما نقول عن العماد لدى "الجنديّ الصالح ليسوع المسيح" (آ 3). كان بولس قد كتب في روم 6: 8: "إذا كنا متنا مع المسيح فسنحيا معه". فإن كان يشدّد الآن على الأمانة حتى الموت، فلأنه رأى في اسبانية أمانة الجنود لقيصر. ونتذكّر ما قاله توما ليسوع الصاعد إلى أورشليم لشفاء لعازر: "نذهب نحن أيضًا لنموت معه" (يو 11: 16)، وما قاله بطرس ورفاقه بعد العشاء السريّ: "فلو أجبرت على الموت معك، لا أنكرك". وقالوا كلهم قوله (مر 14: 31). فحياة المسيحيّ هي مشاركة في حياة الربّ في وجهتيها الخلاصيّة: الصلب والقيامة. لا نستطيع أن نحيا من المسيح إن لم نعد قبل ذلك بأن نموت معه.
ثانيًا: وإذا... وإذا (آ 12)
وإذا صبرنا.... وإذا أنكرناه.... جعل الربّ من الثبات (هيبوموني، آ 10؛ 1تم 6: 11؛ تي 2: 2) الشرط الضروريّ لنوال ثمار الخلاص (لو 8: 15؛ 21: 19). في التقليد المسيحي، هي فضيلة المصارع المنتصر (عب 12: 3؛ رج 10: 26؛ رؤ 3: 21). وفي نظر بولس، هي تتضمّن تحمّل المضايقات والمحن والضعف (1كور 4: 8- 13؛ 2كور 12: 4)، كمشاركة في آلام المسيح (2كور 1: 5؛ كو 1: 24؛ رج غل 6: 17). فالحياة المسيحيّة تقوم في الاحتمال، في الثبات، في المثابرة التي تقودنا إلى القيامة عبر الاتحاد بالمسيح (فل 3: 10). هناك رباط بين هذه المضايقات المسيحيّة الخاصة والتمجيد مع المسيح (روم 8: 17). وارتباط الملك بابن داود، يعود إلى العماد الذي هو استباق للحياة الاسكاتولوجيّة (روم 5: 17؛ أف 2: 6؛ رؤ 5: 10؛ 22: 5) ويتحقّق أفضل ما يتحقّق في الشهداء (رؤ 20: 4).
"وإذا أنكرناه". رج مت 10: 33 = لو 12: 9 (من أنكرني أمام الناس، ينكره ابن الانسان أمام ملائكة الله) والكلام عن جحود التلميذ لمعلّمه (تي 1: 16). جاء الفعل في صيغة المضارع، فدلّ على أن مثل هذا الأمر يمكن أن يحدث. وعد المؤمنُ وأقسم، وها هو يتراجع لئلا يعرّض حياته للخطر. رفض أن يتضامن مع المسيح، فترك المسيحُ التضامنَ مع الذي خان الرسالة وترك الايمان، وقال لنا: "لا أعرفكم" (مت 25: 12).
ثالثًا: وإذا كنا خائنين (آ 13)
لا بدّ في النهاية من إشارة إلى الثقة. نحن هنا في خاتمة عامّة تقابل أمانة المسيح الثابتة وسرعة العطب لدى معمّد جديد لم يكن وفيًا لمواعيد عماده. "أبستاوو"، ما آمن، لم يكن أمينًا، خان. لسنا أمام جحود الإيمان (عب 6: 4- 5؛ مر 3: 20)، بل أمام خطايا وجهالات تدلّ على أننا نتراجع عن التزامنا الأول، أمام نكران كذاك الذي مارسه بطرس خلال الحاش والآلام (مر 14: 30؛ مت 26: 70؛ يو 13: 38؛ 18: 25). كنا ننتظر هنا، كما في السابق: إذا كنا خائنين (لا أمناء) كان هو خائنًا (لا أمينًا). فلو قلنا هذا القول جدّفنا على اسمه القدوس. فقدرة الله لا تكون مشروطة بسلوك البشر، بحيث تعمل أعمالاً تعارض طبيعة الله وقداسته، فلا تُتمّ مواعيد الرحمة التي وعدت بها (عب 10: 23). فالله لا يكذب (تي 1: 2؛ عب 6: 18؛ رج عد 23: 19). هو "الاله الأمين الذي يحفظ العهد" (تث 7: 9؛ رج 1 مل 8: 23) رغم كل شيء. هي عقيدة ثابتة في الوحي (2 تس 3: 3؛ 1كور 10: 13؛ 2كور 1: 18) بحيث تتعارض خيانة (لاأمانة) الانسان منذ ولادته، مع أمانة الله التي لا تتبدّل (روم 3: 13؛ رج ملا 3: 6)، ولا سيّما في أعمال الرحمة (روم 11: 32؛ عب 2: 17؛ 4: 15؛ 1يو 1: 9) من أجل المدعوّين (آ 10: 1: 9): "ذاك الذي دعاكم أمين وهو يفي بوعده" (1تس 5: 24؛ 1كور 1: 9)، ونقرأ في روم 11: 29: "لا ندامة في عطايا الله وندائه".

3- قراءة إجماليّة
ترك الرسول أمثالاً مأخوذة من العالم اليونانيّ المحيط به، وقدّم لتلميذه مثال يسوع المسيح. لم يعد الألم شكًا، والموت عبثًا. فعلى تيموتاوس أن يجعل دومًا نصب عينيه السر الفصحيّ ليسوع. والتذكيرُ بمعطية الإيمان الأساسيّة هذه، يتمّ في ألفاظ أخذت من قانون إيمان قديم أو نشيد مسيحيّ متهوِّد، لأنه يشير إلى نسل داود. لن يتذكّر تيموتاوس فقط أن المسيح قهر الموت، في ما مضى، بل يقتنع كل الاقتناع أنه يقهره اليوم وإلى الأبد. فهو القائم من الموت (صيغة الكامل: ما تمّ في الماضي ما زال حاضرًا الآن). والتشديد على بنوّة يسوع الداوديّة، تدلّ على اهتمام بمحاربة الظاهريّة (لم يكن يسوع إنسانًا حقًا). كما تدلّ أن التقليد الأول اعتبر يسوع، المسيحَ الداوديّ ووارث الموعد. وما يعلنه بولس هنا ليس إنجيلاً خاصًا به يختلف عن سائر الأناجيل. بل يقول إنه مناد مميّز للانجيل وذلك بفضل رحمة من لدنه تعالى.
واستعاد بولس ما في 1: 8 فتطلّع إلى سجنه على أنه نتيجة إعلان الانجيل. اعتُبر كمجرم، ولاحقه الحقّ العام، كما لاحق المسيحيين بسبب "ممارساتهم المشينة" كما قال المؤرّخون الرومان. هنا نقرأ فل 1: 13: "إن وجودي في السجن من أجل المسيح، زاع خبره في دار الحاكم وسائر الأماكن كلها". والآن، هو مقيّد، ويتألّم من أجل الانجيل. وإذ يذكر بولس قيوده، لا يبدو متباكيًا، محبطًا. فثقته لم تزعزع. كان قد أعلن في فل 1: 12 أن ما جرى له ساعد على انتشار البشارة. وها هو يعلن الآن أن لا شيء يسعه أن يُوقف كلمة الله. فهي غير مقيِّدة. ومن أعماق سجنه، ما زال بولس يبشّر بيسوع المسيح (4: 17؛ كو 4: 3- 14). ثم، ليس هو وحده. فهناك منادون آخرون يعلنون البشارة (التي صارت شخصًا حيًا كما في 2 تس 3: 1).
يكفي أن يكون المؤمن سجين المسيح (1: 8)، أن يحيا آلام المسيح، ليكون موقفه إعلانًا للانجيل. إن آ 10 تعطينا فكرة عن نظرة بولس إلى رسالته كرسول. فكما أن يسوع مرّ في الألم والموت (لا فداء بدون دم، عب 9: 22) ليخلّص البشريّة، كذلك يُدعى الرسول أن يقبل بأن يحيا يسوعُ فيه السرّ الخلاصيّ، سر موته وقيامته (2كور 1: 5- 6؛ 4: 10- 12؛ كو 1: 24). لم يعد بولس هو الحيّ، بل المسيح حيّ فيه (غل 2: 20). لم يعد بولس ذاك الذي يتألّم، بل هو المسيح يتألّم فيه.
لهذا لا يضعف الرسول، بل يبقى ثابتًا (هيبوماناين)، لا عن ضعف وخنوع، بل عن حبّ واثق. ويتحدّث عن "المختارين" أي عن المؤمنين الذين قبلوا أن يخلّصهم يسوع المسيح (روم 8: 33؛ 16: 13؛ كو 3: 12). هم أولئك الذين بلغوا إلى الايمان، وأولئك الذين لم يلامسهم التعليم الذي سيسمعونه يومًا ويهتدون.
تُذكر هنا الآلام والضيقات. إنها، حسب الأدب الجلياني، علامة نهاية الأزمنة، لأن العهد المسيحانيّ لا يحلّ إلاّ بعد ولادة في الألم. إن مت 24: 9- 31 (رج مر 13: 7- 13؛ لو 21: 12- 34) هو صدى هذا اليقين. تُذكر "الضيقات" (آ 9، 21، 29) التي تسبق "النهاية" (آ 14). ويُذكر "المختارون" (آ 24، 31)، كما تُذكر ضرورة الثبات (آ 13). فبالنسبة إلى المسيحيّ، بدأ الزمن الاسكاتولوجيّ بمجىء المسيح، ولكنه لا يتمّ إلاّ في عودته آتيًا في المجد. لهذا، ما زال الضيق حاضرا. وهو يعجّل مجيء المسيح النهائيّ (2تس 2: 1- 12؛ رؤ 6: 11). فالمؤمن لا يُعفى من الضيق (أع 11: 19؛ 17: 5- 6). وإذا يتكلّم بولس عن المختارين، يدلّ على نظرة اسكاتولوجيّة. ويتعارض وضعُ الذلّ الذي يعيشه الرسول في السجن مع المجد المعدّ للمختارين. فكأني به يردّد ما قاله في 1كور 4: 12: "الموت يعمل عمله فينا، والحياة تعمل عملها فيكم«. ذاك هو مصير حبّة الحنطة التي لا تعطي ثمارًا إلاّ إذا ماتت (يو 12: 24).
إن عبارة "صدق القول" تميّز الرسائل الرعائيّة (1تم 1: 15؛ 3: 1؛ 4: 9؛ تي 3: 8)، وتبدأ توسّعًا يورد نصًا سابقًا. نحن هنا أمام نشيد يلمّح إلى العماد (وربّما الاستشهاد)، فيعود إلى روم 6: 1- 11. فالموت مع المسيح ليس الاستشهاد، بل الموت عن الخطيئة (روم 6: 11؛ كو 2: 12- 13)، وعن الانسان القديم (روم 6: 6؛ كو 3: 9)، وهذا يتحقّق في المعموديّة. فالمسيحيّ مات منذ الآن مع المسيح سواء دلّ على حبّه للمسيح أو لم يدلّ. ونحن الذين متنا مع المسيح في المعموديّة، سنحيا معه في يوم من الأيام. غير أن هذه الحياة الجديدة هي على مستوى الإيمان. أما الآن فهي مخفيّة في الله، مع المسيح (كو 3: 3). وحين يتجلّى المسيح نكون معه، ونتجلّى في المجد (كو 3: 4). لهذا استطاع بولس أن يتكلّم في المستقبل عن هذه الحياة المجيدة مع المسيح، بل هو سيقول إننا منذ الآن قمنا مع المسيح (في شكل من الأشكال، أف 2: 6؛ كو 2: 12؛ 3: 1). وفي معنى آخر، ما زلنا ننتظر قيامتنا.
إن كان العماد يماهي المؤمن مع سرّ المسيح الفصحيّ، يبقى على كل واحد منا أن يحقّق في الحياة اليوميّة هذا التخلّص الملموس والفعليّ من الخطيئة، وهذا التفتّح على حياة النعمة. نموت بشكل جذريّ ساعة العماد، فنجتهد كل يوم لكي نموت. وإذ نحن قائمون من الموت، علينا أن نحيا دومًا من الحياة الجديدة. هذا ما قاله بولس مرارًا (روم 6: 12- 3؛ فل 3: 10- 11؛ كو 3: 5- 15). فالحياة المسيحيّة هي عبور (فصح) مستمرّ من الموت إلى الحياة، ومن الضيق إلى المجد. نرفع عيوننا إلى "المجد الأبديّ" المهيَّأ لنا (2 كور 4: 17)، والذي ينتظرنا، فنبقى ثابتين. فالمسيحيّ الذي يتألّم مع المسيح يقاسمه مجده (روم 8: 17). والتقليد الانجيليّ يذكر مواعيد المسيح للذين تركوا كل شيء ليتبعوه. حين يعود ابن الانسان ليجلس على عرش مجده، يجلس معه الرسل، هم أيضًا، على اثني عشر كرسيًا ليدينوا أسباط اسرائيل الاثني عشر (مت 19: 28). ويمارس المختارون السلطة الملكيّة، فيدينون العالم، بل الملائكة (1كور 6: 2- 3). والذين ظلّوا أمناء، في المحن، يشاركون المسيح في ملكه (لو 22: 28-30؛ رج رؤ 3: 21؛ 5: 10؛ 20: 4؛ 22: 5).
لقد عرف الرسول (رج آ 12ب) أن الخطر يهدّد الكنائس الفتيّة، وأن بعض المسيحيين مهدّدون بالغرق. ابتعدوا عن الحقيقة. والأزمنة الأخيرة ستكون أيامًا صعبة فيسقط عدد من المسيحيين الذين أضلّهم المضلّلون (1تم 4: 1). فالويل لمن ينكر المسيح. يُحكم عليه، فلا يملك مع المسيح ولا يدين العالم والملائكة. وفي الدينونة، لا يعتبره المسيح واحدًا من أخصّائه. فينكره (مت 10: 33). لا يكفي أن نكون أمناء في يوم من الأيام. لا يكفي أن نكون اقتبلنا العماد لكي نكون في منأى عن الضعف والجحود. فمن يثبت إلى المنتهى فذاك يخلص.
إن التحذير في آ 12ب (إذا أنكرناه) يدفع القارئ إلى أن يرى في آ 13أ (إذا كنا خائنين، لا أمناء، تجاه من هو الأمين) تحذيرًا، بل تهديدًا. إذا خنّا الأمانة، فالمسيح يبقى أمينًا. أي لا يتبدّل في برّه حين يجازي الأشرار شرًا والاخيار خيرًا. فالخيانة تعرّض الخاطئ لقساوة العدالة النهائيّة. حين نفهم آ 13أ على هذا الشكل، فهي تتوافق مع آ 12. إلا أن هناك صعوبة رئيسيّة: نعطي للفظ "بستوس" (أمين) معنى لا يمتلكه عادة في الكتاب المقدّس، ويغيب من العهد الجديد. فإذا وضعنا جانبًا خر 34: 6- 7 (الربّ رحيم، ولكنه لا يترك شيئًا بدون عقاب) وتث 7: 9- 10 (لا يتأخّر عن مجازاة مبغضيه)، فأمانة الله ليست لديه استعدادًا تجعله يكافئ الأبرار ويعاقب الأشرار، بحسب متطلّبات عدالة توزّع الثواب والعقاب بالتساوي. أمانة الله استمرار لإرادته بأن يخلّص البشر رغم خطاياهم وخياناتهم. لهذا، فلاأمانة (خيانة) البشر لا تصيب أمانة الله (روم 3: 3؛ 1كور 1: 9؛ 10: 13؛ 2كور 1: 18؛ 1تس 5: 24؛ 2تس 3: 3). لهذا يكون معنى آ 13أ كما يلي: قد يخون المسيحيّ الأمانة. قد لا يثبت في خطّ عماده. ومع ذلك فأمانة الله والمسيح (الشاهد الأمين، رؤ 1: 5) تبقى هي هي. أجل، لا تُلغى مواعيد الخلاص، والانسان يستطيع دومًا أن يتوب ويعود فيجد مخلصًا ينتظره (آ 25- 26).
إن الله لا يستطيع أن ينسى مواعيده. فلو فعل أنكر نفسه، لأن أمانته صفة رئيسيّة من صفاته. فهو الصخر الذي يستند إليه شعبه وكل مؤمن من مؤمنيه. كلمته حقّ، والتزاماته متانة، وكلامه لا يزول (أش 40: 8). هو يعد ويفي (طو 14: 4). لا يكذب (تي 1: 2) ولا يتراجع (عد 23: 19؛ 1صم 15: 29). والكلمة التي تخرج من فمه لا تعود دون أن تتمّ مهمّتها (أش 55: 11). وفي يسوع وجدت كلُّ المواعيد تتمّتها (2كور 1: 20). وفيه نمتلك علامة أمانة الله التي لا شيء يزعزعها. والانسان يعرف، رغم ذنوبه وخطاياه، أنه يجد دومًا في ربّه "عظيم كهنة رحيمًا وأمينًا... قادرًا على تكفير خطايا الشعب" (عب 2: 17). وشقاؤنا الروحيّ لا يمكن أن يكون باعثًا على اليأس، بل هو الطريق الذي به تمرّ النعمة الالهيّة: "جعل الله البشر كلّهم سجناء العصيان حتى يرحمهم جميعًا" (روم 11: 32؛ رج أف 1: 6- 7؛ 2: 5؛ 1تم 1: 12- 16؛ 2 تم 1: 9؛ تي 3: 3- 5).

خاتمة
دعا بولس تيموتاوس إلى تحدّي الواقع الذي تعيشه الجماعة، وما في هذا الوضع من خوف وتردّد، بل من خيانات تجعل "المبشّرين" يتركون الرسالة حبًا بهذا العالم، أو بحثًا عن راحة تُبعدهم عن القلق اليوميّ الذي يحسّ به المؤمن وسط عالم معاد. لهذا وضع الرسولُ أمام تلميذه شخص يسوع الانسان الذي كان انسانًا من الناس، فمات، ولكنه قام. كما قدّم له نشيدًا يمتدح فيه الشهيد الذي يموت مع المسيح، يصبر مع المسيح، فتكون له الحياة والملك. فالمشاركة مع المسيح في المعموديّة (روم 6: 8) تجد مسيرتها الطبيعيّة في موت مع المسيح ينتهي بالقيامة. ذاك هو المثال الرائع الذي وضعه بولس نصب عيني تيموتاوس. فهو لا يخاف، بل سيثبت. وإذا لا سمح الله، تراخى وسقط، فلا ييأس. فإن هو تبدّل فالربّ لا يتبدّل. وإن هو خان الأمانة، فالربّ يبقى أمينًا، لا يتبدّل. فيكون مثل الأب المحبّ الذي ينتظر دومًا عودة الابن الضال (أع 15).
القسم الثالث
تيموتاوس راعي القطيع
2: 14- 4: 22

في القسم السابق، تعرّفنا إلى تيموتاوس الذي هو رسول المسيح والشاهد له. وهنا، نتعرّف إليه كراعي القطيع الذي يُطلب منه السهر على الرعية، والحذر من التعاليم الضالّة. فالجهاد من أجل الانجيل لا يكتفي بأن لا نُنكر المسيح في ظروف دراماتيكيّة محدّدة. بل هو يسعى يومًا بعد يوم لئلا تُفرغ كلمة الله من محتواها ويميل بها المعلّمون الكذبة عن معناها. لهذا ذكّر بولس تلميذه بأن يكون خادم الانجيل في وجه الضلال.
نقسم هذا القسم خسمة فصول:
1- أخطار المعلّمين الكذبة (2: 14- 26)
2- أخطار الأزمنة الأخيرة (3: 1- 9)
3- بولس والأمانة للتقليد (3: 10- 17)
4- إعلان الكلمة (4: 1- 8)
5- التوصيات الأخيرة (4: 9- 22).
الفصل الثامن
أخطار المعلّمين الكذبة
2: 14- 26

بعد أن دعا بولس تيموتاوس أن يتمرّس بفضيلة القوّة من أجل خدمته، ها هو يوصيه بأن يعارض المعلّمين الكذبة. ثمَّ يقدّم له برنامج عمل من أجل الدفاع عن الحقيقة وتقديمها خالصة إلى المؤمنين. وهذا ما حدا ببولس إلى أن يندّد بمحاولات إفساد الجماعة، إلى أن يحذّر تيموتاوس من أصحاب الضلال، وإلى أن يدعوه إلى التعليم الصحيح الذي يمنحه للمؤمنين. ذاك ما يقوله الرسول في آ 4، ثم يتوسّع فيه، فيدلّ على الموقف الإيجابي والسلبيّ في تقديم التعليم، ويُبرز صفات المعلّم. وبين الاثنين، كلام عن الكنيسة التي هي الموضع الذي فيه تُعلّم الحقيقةُ وتُعاش.

1- بيت الله، الكنيسة
يُورد بولس هنا بشكل واضح الاعلان اللاهوتيّ الذي يتلفّظ به الخصوم. القيامة تمّت. إذن، لا ننتظر بعدُ نهايةَ الزمن وعودة المسيح. فوجود التعريف قبل "قيامة" ضروريّ جدًا ليدلّ على الخطأ الأساسيّ لدى هراطقة يبدون من الغنوصيين. أما الباقي، فمجادلات عقيمة، ونقاش سخيف، ولا سيّما حين نتكلّم عن "قيامة" تمّت في خط روم 6: 1- 14؛ أف 2: 4- 6. ورئيسا هذا التعليم هما هيمينايس وفيليتس. 
هنا نذكر مقالين من العالم الغنوصيّ. "لا تظنّ جزئيًا يا راجينوس، ولا تسلك حسب هذا اللحم والدمّ باسم الوحدة، بل تخلّص من الانقسامات والقيود، فتمتلك منذ الآن القيامة". "ابتلع المخلّصُ الموت... فجذبنا به إلى السماء كما تجذب الشمس الشعاعات التي لا يمسك بها شيء. تلك هي القيامة الروحيّة التي تبتلع النفسانيّ (الذي فيه نفس، الحيوانيّ والبشريّ واللحميّ، الذي من لحم ودم). إن الممسوح (بالزيت) يمتلك الكلّ (الالهي). يمتلك القيامة والنور والصليب والروح القدس". أما الأنساب والخرافات (4: 4؛ تي 1: 14؛ 1تم 1: 4؛ 4: 7) فهي تساؤلات غنوصيّة: من أين جئنا، وإلى أين نحن ذاهبون؟ واعتبر أحدهم أن من نال العماد من يد المنشئ، قد انتقل بواسطة القيامة بحيث لا يعرف الموت. 
إن المعرفة الغنوصيّة (أو: العرفة، غنوسيس) كاكتشاف للأنا الالهيّ المنسيّ، الضائع، أو المخفيّ، هي قيامة تُفهَم في المعنى الروحيّ. وهكذا نلاحظ أهميّة الجدال حول القيامة وارتباطها بالتجسّد. انطلق بعض المضلّين مما قيل في 2: 8 حيث ذُكرت القيامة قبل التجسّد، فاعتبروا أن القيامة سبقت التجسّد. هنا لا ننسى أن الرسائل الرعائيّة، وإن تحدّثت عن خلاص دخل إلى العالم، إلاّ أنها تعلن أن هذا الخلاص لم يتمّ بعد. في أي حال، إن موضوع القيامة التي تمّت، يجد جذوره في الصراع الدائر في مراسلة بولس مع الكورنثيين. في كورنتوس، وُجدت مجموعات وضعت البلبلة مستندة إلى رؤية اسكاتولوجيا هي حاضرة اليوم وقد تحقّقت. فأدخل بولس خلقيّة وموضوع الخلاص الذي لم يتمّ بعد (1كور 7: 2- 16؛ 11: 3- 16؛ 14: 33- 35). والرسائل الرعائيّة أعطت إطارًا سوتيريولوجيًا لتحريض يُعلن تصرفًا معقولاً تجاه أخطار تهدّد التوازن الاجتماعي في الكنائس. شدّد بولس على تمييز الأزمنة. لهذا فُسّرت التصرفات المندّد بها انطلاقًا من موضوع الاسكاتولوجيا التي تمّت، والتي تحدّد موقع القيامة في الماضي. إذن، لا بدّ من الحفاظ على رؤية تاريخيّة للخلاص، على وعي للانتظار، وبالتالي على تنبّه للحاضر وحدوده. بالنسبة إلى الخصوم، تمّ كل شيء بشكل نهائي، فصار الزواج وبعض الأطعمة وعدد من النظم الاجتماعيّة في عالم النظام القديم.
ماذا يكون الأساس ضد الهرطقة؟ الكنيسة هي الأساس الذي وضعه الله (رج أش 28: 16). وهي البيت الذي يجمع الذهب من جهة، والخشب والخزف من جهة أخرى. في هذا السياق التعليميّ، تتّخذ استعارةُ الأساس طابع التعزية والتشجيع في مواجهة الضلال. ونلاحظ أن الكاتب لا يحارب مضمون هذه الهرطقة، بل يقابلها بأساس لا يرتبط بالبشر، بل بالله. فإن سقط بعضهم، فالبناء الذي هو بناء الله، يبقى متينًا. إذن، يبدو موضوع الكنيسة كبناء، جوابًا على تهديد الضلال، في خط الاستمراريّة والثبات. فالأساس يدلّ على الكنيسة قبل أن يدلّ على المسيح، أو الرسل أو التقليد.
ومع استعارة الأساس، هناك استعارة "الختم" التي تدلّ على أن "شيئًا" يخصّ انسانًا من الناس. والاستعارة الثالثة. هي استعارة الآنية المختلفة في البيت العظيم. في روم 9: 19- 24، جاءت استعارة الآنية لتدلّ على حريّة الله في خياراته. أما في الرسائل الرعائيّة، فالسؤال هو: كيف نواجه تأثير بعض أعضاء الجماعة الذين صاروا، على ما يبدو، "آنية غضب"؟ لا نمسّ فهم الخلاص، بل الانفصال الذي هو امتناع عن اللابرّ. وفي شكل ملموس، يجب أن نتنقّى من التأثيرات السيّئة التي تحملها تعاليم المعلّمين الكذبة. نتنقّى لكي نكون مفيدين للمعلّم. ذاك هو الهدف التحريضيّ للصورة. نحن لا نتعايش مع الضالين. بل نعطيهم بعض الوقت من أجل التوبة. فالعودة إلى الكنيسة ممكنة. نحن لا نحاول أن نقنع، بل نترك الوقت لله لكي يُقنع. فبالوداعة يعمل خادم الله، والربّ يهديهم إلى التوبة ومعرفة الحقّ.
من أجل هذا، يحتاج الراعي إلى تربية على الوداعة. نلاحظ في هذا المقطع (آ 14، 26)، كما في مقاطع أخرى، التناوب بين التنديد بالمعلّمين الكذبة والارشاد إلى تيموتاوس. تحدّثت آ 17- 18عن خصوم عبر اسمين، وعن ضلالهما (حول القيامة التي تمّت). في آ 19- 21، جاءت استعارة الأساس والبيت ردًا على تهديدات الهرطقة. واستعادت آ 22- 26 لغة الارشاد.
نجد فعلين: هرب، تجنّب (فوغاين). ثم، طلب، تبع (ديوكاين). أما المضمون فهو تعارض على ثلاثة مستويات. الأول خلقيّ: يذكر "أهواء الشباب" التي نتجنّبها، والفضائل التي نتبعها (آ 22). الثاني تربويّ. الجدال هو ساحة الخصوم (آ 14، 23، 25). نهرب منه. التربية في الوداعة هي ساحة خادم الله. نطلبها (آ 24، 26). والتعارض الثالث مع الخصم نجده بين توبة تصدر عن الله وسجين في فخاخ إبليس.
وينتهي الارشاد هنا بإعلان سوتيريولوجي ولاهوتيّ. ننتقل من الجدال إلى التعليم بوداعة. والباعث على ذلك هو أن نترك الله يُقنع الخصم فيتّخذ قراره. ولفظ "التوبة" يجد صورتين متماسكتين مع صورة خصم ضلّ الطريق (آ 26): السكران الذي عاد إلى رشده، والطريدة التي استعادت حرّيتها. في الحالين، نحن أمام عودة إلى وضع سابق تبدّل وتشوّه. و"معرفة الحقّ" هي شرط لاهوتيّ للبلوغ إلى الخلاص، ولفظة تقنية للتعبير عن الاهتداء إلى الربّ في العالم اليهوديّ (1تم 2: 4؛ تي 1: 1). في الرسائل الرعائيّة، نجد توازيًا بين "الحق" و"الإيمان". فإن طلبنا أو تجنّبنا هذا أو ذاك، نكون أمام الكائن المسيحيّ في ارتباطه بحقائق الإيمان الذي نُقل إليه. ونلاحظ أن الاهتداء إلى معرفة الحق يرتبط بالله (آ25). وهذا يعني أن من رفض الله، دلّ على أنه غير مستعدّ لقبول الحقّ.

2- دراسة النصّ
الخطر الحاضر يُحدق بالجماعة. فعليها أن تجاهد، أن تقاوم. بدأ بولس فتحدّث عن المعلّمين الكاذبين (2: 14- 18)، وجعل تجاههم الكنيسة، أي بيت الله (آ 19- 21). وأنهى كلامه بصورة عن المعلّم الحقيقيّ (آ 22- 26).

أ- المعلّمون الكذبة (2: 14- 18)
بدأ الرسول فندّد بالضلال والمضلّين، ودعا تلميذه إلى أن يعي هذا الوضع ويجعل المؤمنين يعونه.
أولاً: ذكّرهم (آ 14)
نقرأ هنا ثلاثة مقاطع مع ثلاثة أفعال أمر: ذكّرهم، إجتهد، تجنّب.
لا يشير التذكير فقط إلى ما سبق بشكل مباشر (آ 11- 13 أو آ 8- 13)، بل إلى مجمل التقليد الرسوليّ. هو لا يذكّرهم بما نسوا أو بما غاب عن بالهم بعد أن كاد يُمحى، بل بالعمل الأساسيّ في المهمّة الراعويّة (تي 3: 1؛ 2بط 1: 12). "منيسكاين". هي ممارسة عاديّة يقوم بها المعلّم تجاه تلميذه. لهذا، استحلف الرسول تلميذه بشكل احتفاليّ. ديامرتيروماي: أشهد، احتجّ. (4: 1؛ 1تم 5: 21). وعلى التلميذ أن يستحلف المعلّمين وجميع أعضاء الكنيسة. "أمام الله". في حضرة الله الذي يشهد، وهذا ما يُبرز المستوى الدينيّ للارشاد. نحن أبعد ما يكون أمام تدخّل إداريّ ورعائيّ عاديّ: فالمطلوب خلاص المؤمنين من الفخاخ. لهذا تُمنع المجادلات (1تم 6: 4): لوغوماخاين (تجادل على الكلام). جدال فارغ (آ 23) لا نبحث فيه عن الحقيقة، بل على المماحكة للايقاع بالخصم ليس إلاّ. من الواضح أن لا الألفاظ (1كور 4: 21) ولا الجدالات (1كور 14: 33؛ رج تي 3: 9) التي ترتبط باللحم والدم، بالضعف البشريّ (1كور 3: 3؛ غل 5: 20) تنفع من أجل إقامة ملكوت الله وانتشاره. "خريسيموس"، فائدة. هي مراحدة في العهد الجديد. رج حك 8: 7؛ 13: 11؛ ابن سيراخ، المقدّمة 26. فالفائدة الوحيدة من هذه الجدالات هو الدمار والخراب. "كاتاستروفي". تدمّرُ مدينة (تك 19: 26). يُسحق جيش (2 أخ 22: 7). والكلام هنا عن دمار الكنيسة (2كور 10: 8؛ 13: 10) التي تُبنى في الايمان (1تم 1: 4).
ثانيًا: اجتهد ( 15)
يُوقف تيموتاوس هذه المجادلات بسلطته الشخصيّة وبتقديمه التعليم الصحيح مثالاً للذين يعلّمون. فالسلوك المستقيم والشهادة الصادقة أنجع وسيلة تجاه المعلّمين الكذبة. من هنا، جاء الفعل في صيغة الأمر: اجتهدَ (سبودازاين). اهتمّ (غل 3: 12). قام بمجهود (1تس 2: 17). اعتنى بممارسة خدمته على أنه يؤدّي حسابًا عنها أمام الله. "باريستاناي". وقف، ظهر (أع 1: 3؛ 9: 41) أمام الربّ (لو 2: 22؛ روم 12: 1؛ 2كور 11: 2؛ أف 5: 27). هذا ما يدلّ على موقف نقفه (1كو 1: 22، 28)، على الاستعداد لوظيفة (أع 23: 24؛ روم 6: 13، 16، 19)، بعد أن اختُبر فقبل. "دوكيموس". رج روم 16: 10؛ 1كور 11: 19. هذا ما يُقال بشكل خاص عن خدّام الانجيل (2 كور 10: 18؛ 13: 5- 7؛ في تي 1: 16 نقرأ عن اللاقبول، عن الذي استُبعد).
"عاملاً"، إرغاتيس. فلاّح. رج لو 10: 2 (مت 20: 1، 8). هذا ما يدلّ على الرسل (1تم 5: 18؛ 2كور 11: 13؛ فل 3: 2). مع مقابلة مع "لوغوماخاين" (قام بجدال). عامل يعمل بحماس واندفاع فلا يخجل من عمله. لا يخجل من حكم الآخرين (مت 25: 26؛ فل 1: 20). فما يهمّه رضى الله، لا رضى الناس (غل 2: 10). والمهمّة التي يقوم بها الرسول، تقديم "كلمة الحقّ" (مز 119: 43) أي الانجيل (كو 1: 5؛ أف 1: 13) والوحي المسيحيّ (2كور 6: 7). فكلمة الله هي حقّ (يو 17: 17).
"مستقيمًا". رج "ي ش ر" (العبري) في أم 3: 6؛ 11: 5 للكلام عن فلاح يرسم ثلمه المستقيم فلا يترك المحراث يميل. "اورتوتومايو". تنطبق الصورة على الدبّاغ والبنّاء... نحن أمام التعبير بدقّة، بدون خطأ ولا زلل. نقرّب هذا الفعل من "اورتوبودايو"، مشى مستقيمًا. يجب على تيموتاوس أن يكون أمينًا في تقديم التعليم التقليديّ (آ 2- 8)، وفي التعبير عنه كما يليق (1كور 2: 13).
ثالثًا: تجنّب (آ 16- 18)
هناك طريقتان في التعليم تتعارض تعارضًا جذريًا: بقدر ما يكون الواعظ امتدادًا لكلام الله، يحذر من الكلام الفارغ (1تم 4: 7) الذي هو وليد المخيّلة. هذان هما المقياسان للتعليم المغاير للحقّ، المغاير للوديعة، للايمان الحقيقيّ (1تم 6: 20). نختبئ خلف الديانة، فنجعل من الحقيقة الالهيّة التي سُلّمت إلى الكنيسة (1تم 3: 15) تعليمًا دنيويًا. مثلُ هذا العمل يقود إلى الكفر، بطريقة تزداد يومًا بعد يوم. رج "بروكوبتو"، نما، تقدّم (لو 2: 52؛ غل 1: 14). "الكفر" (أسابايا). اللادين. هناك عصيان وقح تجاه الله، وهو ينال عقابه (روم 1: 18؛ يهو 5؛ رج 2بط 2: 5؛ 3: 7). إلى هذا الدرك يصل الانسان إن هو نزع عن كلمة الله قدسيّتها. فالكافر هو "بابيلوس".
تُشبّه نتائجُ التعاليم الضالّة (آ 17) بالآكلة. "غانغراينا". رج "غراوو" أكل، مع ملحق تحقيريّ، ذاك ما يعمله هيمينايس وفيليتس (جُعل مع الاسكندر، حُرم، رج 1تم 1: 20). رفض الخضوع للكنيسة، وواصل نشاطه التعليميّ بين الناس. لهذا كان بولس قاسيًا تجاه هؤلاء الناس.
وتتواصل في آ 18 صورةُ النموّ. فالهراطقة زاغوا، أضاعوا الهدف "أستوخاين" (مراحدة في العهد الجديد). مع إشارة إلى الفشل. هم لا يتقدّمون، بل يميلون عن الحقّ ويهربون. "لاغونتس"، قائلون. بعد اسم الفاعل هذا، يأتي إيراد حرفيّ (مت 27: 23) وموضوع التعليم. المعنى هو أنه لن تكون قيامة للأجساد في المستقبل. رج 1كور 15: 12. هنا نقرأ "أعمال بولس": "قال ديماس وهرموجينيس لتاميريس... سوف نعلّمك ما هي القيامة التي يقول بولس عنها إنها آتية. سبق وجاءت بواسطة الأولاد الذين لنا، ونحن نقوم حين نعترف بالاله الحقيقي" (مقطع 14).
كان بولس قد تحدّث عن قيامتين كما تحدّث عن موتين (رؤ 2: 11؛ 20: 6؛ 14: 21: 8): والخلاص الذي أعطي منذ الآن يتحقَّق تدريجيًا ويتمّ في السماء. لهذا فالمعمَّد، الحيّ الجديد، قد قام منذ الآن، روحيًا، مع المسيح (روم 6: 4 ي؛ كو 2: 12؛ 3: 1؛ أف 2: 6). هذا يعني قيامة الأجساد في المجيء الثاني (1تس 4: 14؛ 1كور 15؛ 2كور 5: 1- 5؛ فل 3: 11، 22). 
كان اليونانيّون يعتبرون أن المادة شرّ. فتاقوا إلى التحرّر منها، واعتبروا أن كل قيامة للأجساد هي عبث (أع 17: 32). إذ أراد هيمينايس وفيليتس أن يُلغيا هذا هذا الشك، اعتبرا القيامة استعارة، وقدّماها على أنها صعود الحكيم صعودًا متدرّجًا إلى الله بالسيادة على الحواس. وقد يكونان استلهما نظريات يهوديّة في سورية وفلسطين (1تم 4: 3- 4). هنا نقرأ "انجيل فيلبس": "إن الذين يقولون إننا سنموت ونقوم، يضلّون. فإن كنا لا نبدأ وننال القيامة ونحن أحياء، فلا ننال شيئًا حين نموت" (104: 21؛ 121: 90). فسرّ هذان الضالان القيامة بحسب نظرتهما، فدمّرا (أناترابو) الايمان لدى بعض المسيحيين، وهو إيمان يرتكز على القيامة (1كور 15: 13- 18).
ب- بيت الله (2: 19- 21)
أعلى أساس الضلال يقوم التعليم؟ بل هناك أساس آخر ختمه الله بختمه.
أولاً: الأساس (آ 19)
وجاءت أداة (مانتوي) فدلّت على التعارض القويّ (يو 4: 27؛ 7: 13؛ 12: 42؛ 20: 5؛ يع 2: 8). نحن أمام ثقة واثقة تعارض أساليب التفسير الخاطئة (آ 14) التي تبلبل المؤمنين في قلب الكنيسة. فأساسها ثابت رغم سقوط بعض أفرادها. بل يبقى هو هو. وترد ألفاظ تدلّ على المتانة التي تُعطي الطمأنينة. "تاماليوس". ما يوضع فيستند إليه الباقي. هو الأساس الذي يكون الركن الأول في جدار أو بناء أو مدينة (عب 11: 10؛ رج مت 7: 25). استعمل بولس دومًا هذا اللفظ بشكل استعارة (1تم 6: 19. رج الفعل في أف 3: 17؛ كو 1: 23)، حين تحدّث عن الكنيسة، الهيكل (1تم 3: 15؛ 1بط 2: 5- 6)، ففُهم عن وديعة الايمان، والاختيار الالهي: الله يعرف الذين هم له منذ البدء (2تس 2: 13): المسيح والرسل (1كور 3: 11؛ أف 2: 20). كما يعرف جماعة أفسس (روم 15: 20). والكنيسة ككلّ. هي متينة وثابتة لأن الله بانيها وأصلها (أش 27: 16؛ إر 31: 11؛ سي 42: 17). والصفة، "ستاريوس" (1بط 5: 9): المتين. الحجر متين، لا يتزعزع. والفعل "كتيزو"، ثبت. هو في صيغة الكامل. حالة تعود إلى الماضي وما زالت حتى الآن. رج روم 11: 20؛ 1كور 7: 37؛ 10: 12؛ 2كور 1: 24.
نحن أمام تعارض جذريّ بين الأساس والمتانة والصخرة، وبين الدمار في آ 14 والعدم في آ 18. إن سقطت بعض الحجارة من البناء، فلا خوف على متانة المجموعة. والمتانة هي دوام الكنيسة (مت 16: 18) وقوّة الحقيقة (1تم 3: 15)
خُتم هذا الأساس بختمين. "سفراغيس". علامة محفورة، ختمٌ، كتابة على حجر، أقوال إلهيّة (تث 6: 9؛ 11: 20). الختمُ على الحجر لا يُمحى. هو مقدّس، ويصبح الحجر مُلك الاله. كان في هيكل أورشليم حجرُ أساس (5: 2) وُضع عليه تابوت العهد. ويقول ترجوم يوناتان المزعوم: حُفر عليه اسم يهوه. إن "سفراغيس" التي حفرها الله في الحجر هي "إهداء"، هي عبارة تكريس (زك 3: 9؛ خر 27: 11). وهي تتضمّن امتلاكًا خاصًا (صج 2: 23: جعلتك ختمًا، لأني اخترتك"؛ تك 8: 6؛ رؤ 7: 2- 4). كما تدلّ على صحّة الوثيقة الرسميّة (هي غير مزوّرة). رج أس 3: 12؛ إر 32: 11؛ 1كور 9: 2. وهكذا تكون مكفولة وتدعو إلى الاطمئنان، فلا تبدَّل فيها ولا تزوَّر، وهكذا لا يتجاسر أحد أن يلمسها أو يحوّر فيها: كتابة (نح 10: 1). كنز (طو 9: 5؛ سي 17: 22). بركة أو قسَم.
أما الصورتان المرتبطتان ارتباطًا وثيقًا، فتعبّران عن الاختلاف بين أعضاء بيت الله، وهذا أمر لا يظهر للعيان: طمأنينة المؤمنين الذين يحفظهم ربّ العهد. استقامة الايمان الذي لا تشوّهه الهرطقة كالآكلة. رج عد 16: 5 (حسب السبعينيّة): افتقد الربّ وعرف الذين هم له والذين هم مقدّسون، فجاء بهم إلى نفسه، والذين اختارهم لنفسه جاء بهم إلى نفسه. رج مت 7: 22- 23. هذا يؤكّد أن الله أحبّ الذين دعاهم فصاروا خاصّته منذ العماد (كو 2: 12. هم خرافه، يو 10: 14، 28؛ رج يو 6: 37). وهو يضعهم جانبًا ويحميهم. والصورة الثانية تنطبق على عبارة: "الذين يدعون باسم الرب" (أش 26: 13؛ رج يش 23: 7؛ 1كور 1: 2). التزموا بالأمانة على مستوى التعليم والفضيلة. أمروا بأن يتجنّبوا الاثم. رج عد 16: 26 (رفض كل علاقة مع قورح وداتان وأبيرام. وهنا: هيمينايس وفيليتس)؛ أش 52: 1 (لا تلمس نجسًا حين تمسك آنية الله)؛ مز 6: 9 (ابتعدوا عني يا فعلة الاثم).
ثانيًا: البيت الكبير (آ 20-21)
وتتواصل استعارة الكنيسة البناء، بشكل مثَل (1تم 3: 15؛ رج عب 3: 7) وتنتهي في إرشاد. هنا، يبدأ تفسير الختم الأول: الله يتميّز صفة ونوعيّة كل عضو في عائلته. كل خادم بين خدّامه. (1كور 3: 10- 15). فلا نتشكّك من سلوك هذا أو ذاك، من حياتهم في الكنيسة الواحدة، لأن كل شيء يرتبط بمسرّة الله وحكمته. روم 9: 21. إن بناء الجملة يُبرز بُعد الكنيسة المنظور، ولا سيّما في أفسس. بيت (اويكيا) كبير (ميغالي). نحن أمام بيت مقدّس مع أدواته وآنيته.
"سكاووس"، إناء. هو من ذهب أو فضة إذا استعمله الملك والعظماء. أما لدى الفقراء، فالاناء هو من خشب أو خزف (2كور 4: 7؛ إر 18: 4). نحن هنا أمام موضوع تقليديّ، نجده مثلاً عند أش 22: 24.
ولكن تبقى الصعوبة: أين الشريف واللاشريف؟ قد نكون هنا أمام علاقة بين صفة الإناء ووظيفته: الآنية الثمينة تُستعمل فقط في الأعياد والمناسبات الكبرى. والدنيئة في الأيام العاديّة. رج حك 15: 7 التي استعادها فيلون فقال: الآنية من حجر أو خشب "صارت آنية لماء الغسل وطشت للرجلين أو آنية تستعمل لحاجات الليل وحاجات النهار". الشرف (تيمي). أتيميا (اللاشرف). هذا يعني أن في الكنيسة خدّامًا ناشطين (1تم 5: 17: الذين يتعبون أو لا يتعبون)، أن فيها مواهب بسيطة (1كور 12: 23). وقد يكون هناك أعضاء خطأة يُدعون إلى التوبة.
أما مغزى المثل، فهو أن الله مسؤول عن وجود هذين النوعين من الخدّام، الناشطين واللاناشطين. في الحقل، هناك القمح والزؤان (مت 13: 30)، وفي الشبكة نجد الأخيار والأشرار (مت 13: 47- 50). والربّ يسمح بأن يتنقّى الأبرار في اتّصالهم بالهراطقة. أجل، هناك أغصان يابسة سوف تذهب إلى النار (يو 15: 2، 6). يبقى على الواعظ أن يطهّر نفسه (آ 21) من أجل خدمة أفضل. رج 1كور 5: 9- 13؛ 2كور 12: 21؛ 13: 2.
حثّ الرسولُ الواعظ على أن يتنقّى، يتطهّر (إكاتايرو). رج 1كور 5: 7؛ أع 20: 26. هذا ما يفسّر الختم الثاني. نتجنّب كل اتّصال مع المعلّمين الكذبة الذين هم آنية عار وينبوع عدوى (1تس 3: 14) وشرّ (تعليم فارغ ودنيوي). نشير هنا إلى أن التطهير بالتجنّب، يحوّل الخادم إلى إناء كرامة. فمن حفظ نفسه نقيًا صار إناء مختارًا (أع 9: 15). إنه في حالة تقديس. إناء مكرّس، فُصل عن الدنيوي والضلال. إنه مليء بالغنى من أجل خدمة صاحبه. "أوخريستوس" (مفيد). رج با 6: 58. كما يكون العبد الصالح (فلم 11) بالنسبة إلى سيّده (دسبوتيس) (1تم 6: 1؛ تي 2: 9). أو كما يكون االإناء، المقدّس لخدمة الله فقط (يو 17: 19). إنه مُعدّ أفضل إعداد ومهيّأ للمهمّة التي يطلبها الربّ (3: 17؛ تي 3: 8). قال الذهبيّ الفم: نستطيع أن نصل إلى الفساد مثل يهوذا، أو نصل إلى قمّة الكرامة مثل بولس.
ج- المعلّم الحقيقيّ (2: 22- 26)
بعد أن تحدّث الرسول عن معلّمي الضلال، توجّه إلى تيموتاوس وذكّره كيف يكون المعلّم الحقيقيّ وحامل كلمة الحقّ. هو يُقنع ولا يُكره.
أولاً: تجنّب (آ 22)
وجاءت توصيات في صيغة الأمر، إلى تيموتاوس، فتأسّست على مبادئ قرأناها في آ 20-21: ترك النصّ الاستعارات واستعاد فكرة آ 15، ومزج معًا 1 تم 4: 12؛ 6: 11. هنا نقرأ مراحدة بيبليّة (نايوناريكوس): شبابيّ. ما يتعلّق بالشباب المتجدّد. يبتعد تيموتاوس عن أهواء الشباب، ويجري وراء البرّ، بحسب البرّ (مت 3: 15؛ 21: 32): استمرار وثبات، إصلاح في العلاقات مع الآخرين. هذا يعني تتميم الواجب. وهو يمارس مجمل الفضائل بحيث ينال الكرامة (تيمي) ويهرب من "أديكيا" اللابرّ، (آ 19- 21) المرتبطة بالايمان (بستيس) والأمانة. كل هذا ينضمّ إلى المحبّة (أغابي) الأخويّة (1تم 4: 12) مع كل ما فيها من صبر وتجرّد وتواضع (1كور 13: 4- 5)، التي هي ضروريّة للمسؤول (1تم 1: 5). 
فالحضّ على السلام (عب 12: 4؛ رج روم 12: 18) الذي يرافق البر (كما في روم 14: 7) لأنه ثمرته، يُفهَم أولاً ابتعادًا عن الاحتداد والثوران، وتوافقًا أخويًا من أجل حياة مشتركة مع المؤمنين الحقيقيّين (أع 2: 21؛ روم 10: 12؛ 1كور 1: 2). فالذين يدعون باسم ربّنا هم شعبه. يجتمعون باسمه، ويعلنون أمانتهم له. إن العبادة والايمان والمحبّة، تفترض قلبًا مطهّرًا من كل شرّ، مبتعدًا عن شهوات (إبيتيميا) الشباب وضلال التعليم.
ثانيًا: ابتعد (آ 23)
صيغة الأمر من فعل "بارايستايستاي" (1تم 4: 7؛ 5: 11؛ تي 3: 10) تدلّ على استبعاد قاس. يجب أن نرفض بقوّة تعليم الهراطقة الذي يبلبل جماعات آسية، والذي دُوّنت الرسائل الرعائيّة لتردّ عليه (آ 14؛ 1تم 1: 4؛ 4: 7؛ 6: 4؛ تي 3: 9): هي مماحكات غبيّة (موروس، 1كور 3: 18) تدلّ على عدم جدارة هؤلاء المتكلّم. هم "معلّمون" (أف 4: 14؛ يع 3: 11؛ 2بط 1: 16) لا يفهمون ماذا يعلّمون (1تم 1: 7). نقرأ هنا مراحدة في العهد الجديد: أبايدوتوس (أحمق)، تدلّ على عدم الجدارة وقلّة الأدب (2بط 2: 16). حرفيًا: من لم يتعلّم، من لم يتربّ (سي 51: 23). أي الجاهل. نحن أمام صفة تدلّ على احتقار الجاهل الذي لا يمتلك الحكمة ولا يخضع لتأديبها (أع 8: 5؛ 24: 7؛ سي 6: 20). هو ثرثار (أع 15: 14؛ سي 8: 4؛ 20: 19)، وشرّير (أع 5: 23). هزئ باخوته فابتعد عن الله (حك 17: 1؛ أش 26: ،11 صف 2: 11) ورفض التوبيخ (أع 15: 12). هو عاص (آ 25) يبلبل تعليم الربّ (آ 10) ويرفض كل خضوع للتقليد.
رذيلتان قاسيتان لدى هؤلاء المعلّمين الكذبة الذين لا يطلبون الحقّ، بل إفحام الخصم ببراهين خادعة. يفصّلون الكلمات والحروف، ويدقّقون في الأقوال التافهة، فتصل بهم الأمور إلى المشاجرات (ماخي).
ثالثًا: صفات خادم الربّ (آ 24- 26)
بعد هذا الكلام القاسي عن المعلّمين الكذبة، عاد الكاتب إلى الصفات المطلوبة من خادم الربّ. يكون كالراعي الصالح (يو 10: 11). فالعبد يكون مثل سيّده، والتلميذ مثل معلّمه (مت 10: 24- 25؛ لو 6: 40). والصفات هي: الوداعة، الرفق، التواضع (يو 13: 14- 15؛ 15: 20). خادم، عبد (دولوس) الربّ. رج تي 1: 1؛ يع 1: 1؛ 1بط 2: 6. فعلاقة المؤمن مع ربّه تشبه علاقة العبد مع سيّده. ينتظره أوامره بعناية. ينفّذ مشيئته بدقّة. لا إرادة خاصة به. بما أن تيموتاوس عبد الرب، فهو يرفض أن يدخل في هذه المشاجرات. والمسيح بحسب أش 53: 1- 4 (مت 12: 18- 21؛ 1بط 2: 23) هو الذي رفض العنف، وتحلّى بالوداعة.
تجاه خصوم يجادلون ويقاتلون، يتّخذ الراعي موقف الهدوء الذي يُطفئ كل عدوان واحتداد. "ايبيوس" (رفيق). هي طريقة في التربية والسلطة الرعائيّة. دون احتداد مرّ ولا قساوة. تلك كانت عاطفة الرسول الأموميّة لدى التسالونيكيين (1تس 2: 7): لا كلمة تجرح، لا لفظ احتقار، لا تصلّب في المواقف، بل تسامح في الحوار. ليس الموضوع انتصارًا شخصيًا تجعل الخصم يركع، بل عرضًا يجعل الناس يتقبّلون حقيقة الانجيل. وترد الصفة "ديدكتيكوس" أهل للتعليم. جدير بالتعليم. يقدر أن يعلّم (تجاه براهين فارغة). "أناكسيكانوس". صبور بدون مرارة ولا حقد. على مثال المسيح (1بط 2: 23). يتغلّب على الشرّ بالخير (روم 12: 17، 21).
"مؤدِّب في وداعة" (آ 25؛ ج عب 12: 1). الربّ يعطينا أن نفهم (2: 7). نعلّم الناس. ننير العقول. نعطيهم التفسير الصحيح للكتب المقدّسة. "بايداواين" (تي 2: 12). نحن أمام خصوم يرفضون، يقاومون، يخالفون. الفعل مع "أنتي" ضد، معارض. رج أيضًا تي 1: 9 (المعارضين)؛ 1تم 5: 14 (الخصم)؛ 6: 20 (ما يعارض الحقيقة). نحن لا نعاتب (لو 23: 16، 22؛ 2كور 6: 9)، بل نصلح (حك 12: 22)، نؤدّب، ولكن نؤدّب بوداعة (براوتيس). هي مزيّة تفترض التواضع، العمل الخفيّ، الاحترام (تي 3: 2؛ أف 4: 2؛ كو 3: 12؛ يع 3: 13). وهي تعارض الفظاظة والقساوة، والغضب الذي يريد الانتقام (1كور 4: 21). هي فضيلة المعلّم (مت 11: 29) والمربّي (2كور 10: 1؛ غل 6: 1). ينصح بها بطرس في الجدال مع الوثنيين (1بط 3: 6). فهي التي تُقنع الناس كما قال الرب (مت 5: 5). 
هذا هو الهدف: هداية الناس. فالله يريد خلاص جميع البشر (1تم 2: 4)، فيعطيهم نعمة حين يرسل إليهم خدّامًا ودعاء. فالله مستعدّ لأن يغفر. وهو يعطي الخطأة مهلة للتوبة. ومعرفة الحقّ هي عطيّة من الله (مت 11: 27؛ أف 1: 17). هي تعارض "المعرفة المزعومة" (2تم 6: 20) التي هي بعيدة كل البعد عن المعرفة الحقّة. المعرفة الحقة تتضمّن مخافة الله (أع 2: 5) وعبادته (مز 79: 6) والخضوع لمشيئته (كو 1: 9) والسير في طريق البرّ (2بط 2: 20- 21؛ هو 4: 1، 6؛ 6: 6)
"فيعودوا" (آ 26). فالعودة إلى الحقّ تفرض صحّة الروح (1بط 1: 13) والحكم الصائب. نحن قريبون من الاعتدال (4: 5؛ 1تس 5: 6- 8) وبعيدون عن غفوة الرقاد وضياع السكر. "أنانيفو" (استعاد). هي عودة عن الخطأ، فنستعيد نفوسنا. وترد استعارة "الفخ" (باغيس). رج لو 21: 34- 35؛ روم 11: 8- 9. استُعملت في معرض الكلام عن الأسقف الشاب (1تم 3: 7؛ 6: 9). فالشيطان يمسك الضال في فخاخه (1تم 4: 1). وإذ يمسكه يجعله في تصرّفه (زوغرايو). هي حالة من العبوديّة، عبوديّة الخطيئة (يو 8: 34). فابليس يزرع الضلال، يزرع الزؤان محاولاً تدمير الكنيسة (مت 16: 8). ولكن الرب حاضر ليعمل فينا إن عدنا إلى وعينا وحواسنا كأفراد وجماعة. الربّ غلب العالم. وهو يغلب بنا إن نحن شئنا.

3- قراءة إجماليّة
طلب الرسول من تلميذه أن يذكّر بالتعليم، بالانجيل، بكلمة الله التي تُنقل نقلاً صحيحًا (2: 15). فخطر الهرطقة كبير. والنصائح لا تكفي ولا الأوامر. فلا بدّ من إقناع السامعين بحقيقة هامة. وفي أفسس، نمنع المؤمنين من الاستسلام إلى الكلام الفارغ والمجادلات العقيمة حيث لا نطلب الحقيقة، بل نطلب لنفوسنا السيطرة على الآخرين لتكون لنا الكلمة الأخيرة. غير أن كلمة الله ليست موضوع جدال وسفسطة: "هي أحدّ من سيف ذي حديّن، تدخل مفرق النفس والروح..... وتكشف النوايا وأفكار القلوب" (عب 4: 12). والمؤمن يخضع لها بتواضع، ولا يُخضعها لدقائق جدليّة بشريّة لا يمكنها إلاّ أن تكون محدودة ومبتورة.
لا فائدة من المجادلات الكلاميّة، بل فيها الضرر والدمار. فالكنيسة، بيت الله، ما زالت في مسيرة البناء (روم 15: 2). وكلمة الله هي التي تبنيها. أما الكلام الفارغ فيهدمها. ولقد قال بولس إن السلطان الذي أعطي له هو من أجل بناء الكورنثيين لا هدْمهم (2كور 10: 8).
ويُفحم تيموتاوس المعلّمين الكذبة، لا بأقواله فقط، بل بمثَل حياته، فيدلّ على أنه رجل مختبرَ. ربّما يختبره الناس، بل يختبره الله. عندئذ يستطيع أن يقف أمام عرش الديّان ولا يخاف الخزي. فهو عامل واع لمهمّته. يتمّمها باهتمام، حين يكون مستقيمًا في تعليم الحقّ. هو كالفلاّح الذي يشقّ الأرض بسكّته، أو البنّاء الذي يهيّئ الحجارة من أجل بنائه.
تجاه كلمة الحق (أي الانجيل الذي يخدمه الرسول) يقف الكلام الفارغ، الذي لا يكون دنيويًا فقط، بل كافرًا وشرّيرًا. من قام به، مال عن الطريق القويم. ودلّ بولس على الدمار الذي سبّبته الهرطقة، فبانت كالآكلة في وسط الجسم. هي تفكّك الجسم فتدمّر عمل كلمة الحقّ التي تبني الجماعة، تبني جسد المسيح. وتتقدّم الآكلة شيئًا فشيئًا بنتائجها الوخيمة بحيث يصبح الجسم أشلاء. فإن لم يتنبّه الراعي، تمتدّ الهرطقة إلى الكنيسة كلها. وسمّى بولس شخصين أحدثا ضررًا كثيرًا بالكنيسة، فحرمهما بعد أن رفضا الاذعان لكلمة الحقّ. ماذا فعلا؟
ابتعدا عن الحقّ (1تم 1: 6؛ 6: 21) وأكّدا أن القيامة تمّت. تشكّك الناس من موضوع القيامة، فخفّف هذان المعلّمان من قوّة التعليم. اعتبرا أننا أمام قيامة روحيّة وحسب. لا شكّ في أن قيامة روحيّة حقّة تمّت بالنسبة إلى المسيحيّ في العماد (عبور من الموت إلى الحياة). ولكن أنكر هيمينايس وفيليتس قيامة الأجساد، قيامة الانسان ككلّ، فكادا يعودان بالمؤمنين إلى قيامة النفس دون الجسد، على مثال ما في تعليم اليونان حيث تكون النفس في الجسد، كما في سجن. كلا، بل إن المؤمن كله يقوم، ويكون مع الربّ في كل حين.
ولكن، رغم ما أحدث الهراطقة من دمار، وقلبوا إيمان بعض المسيحيين، فمجمل البناء ثابت أمين، سواء على مستوى كنيسة أفسس، أو مستوى الكنيسة ككلّ. فأسُس الكنيسة قد وضعها الله، فلا تقوى عليها سلطات الجحيم. الله هو المهندس، والرسل يعملون معه. عملَ اللهُ وختمَ عملَه، فدلّ على يده الفاعلة. في هذا المجال، حدّث بولس المؤمنين عن المتانة التي يعطيها الله لهم، فقال: "ذاك الذي يثبتنا معكم للمسيح، والذي أعطانا المسحة، هو الله الذي ختمنا أيضًا بختم وجعل في قلوبنا عربون الروح" (كور 1: 21- 22). فبالايمان والعماد صار المسيحيّ ملك الله الخاص. إنه عضو في شعب اقتناه الله بعد أن طهّره وافتداه من كل إثم (تي 2: 14). نشير هنا إلى أن العماد يقابَل بختم يدلّ على أن شيئًا يخصّ انسانًا من الناس. ونحن نُختم فنصبح خاصة الله. كان الختان ختم البرّ بالنسبة إلى ابراهيم حين نال الايمان (روم 4: 11). والمعموديّة هي ختم الحياة الجديدة في الروح (2كور 1: 22؛ أف 1: 13).
حين قدّم بولس استعارة البناء، تذكّر عادة فيها يُختم حجرٌ باسم صاحب البناء ويوضع في الأساس. في هذا السياق الايمانيّ نفهم الاستشهادين الكتابيّين. إن عد 16: 5 يُبرز نداء الله. الله يعرف أخصّاءه. يفرزهم برحمته، يجعلهم جانبًا، ُيدخلهم معه في حياة شخصيّة حميمة (1كور 8: 3؛ غل 4: 6). وذلك على مثال الراعي الصالح الذي يعرف خرافه ويبذل حياته من أجلها (يو 10: 14- 15). هذه المعرفة هي اختيار الايمان. فرجاء المسيحيين يستند إلى أن الله عرفهم، لا، كما يقول الغنوصيون، إنهم عرفوا الله. في عد 16: 5، تبقى اللهجة مهدّدة: الله يعرف الذين ظلوا أمناء لموسى، كما يعرف الذين تمرّدوا فنالوا عقابًا يتذكّره الناس من جيل إلى جيل. فالمعلّمون الكذبة يحاولون تدمير سلطة بولس كما فعل قورح ورفيقاه مع موسى. والاستشهاد الثاني هو خلاصة نصوص كتابيّة عديدة: مز 6: 9؛ أش 52: 11؛ لا 24: 16؛ أش 26: 3. هو موقف الانسان الذي يتقبّل نداء الله. من جهة، يعلن المؤمن أن الله وحده هو الربّ الذي يدعوه. ومن جهة ثانية، يجعل حياته موافقة لإيمانه فيقطع كل رباط يميل به عن الله (رج 1كور 5: 11؛ 6: 9- 11؛ 10: 21؛ 2كور 6: 14). فلا يستطيع أحدًا أن يبقى متعلّقًا بالشرّ، ويحسب أنه يقيم في معرفة الله (مت 7: 23: ما عرفتكم).
ويواصل بولس مقابلة الكنيسة ببناء. كان قد تحدّث عن أساسات هذا البناء. والآن ينتقل إلى الأثاث. ففي عدد من الآنية... بعضها لاستعمال شريف، والبعض الآخر لاستعمال دنيء. في روم 9: 21- 23 كان تشديد على حريّة الله السامية. أما هنا، فترك الكاتب النشاط الخلاّق لدى الخزّاف الالهيّ، ولاحظ وجود فئتين من المسيحيين في الكنيسة: هؤلاء الذين هم في يد الله آنية مقدّسة، مفيدة، جديرة بكل عمل صالح. وهؤلاء الذين لا ينفعون شيئًا. فإذا أراد الانسان أن يكون إناء صالحًا، قطع كل اتصال بالآنية الدنيئة، أي بالذين يقترفون الاثم ويهدّدون إيمان المسيحيين.
في هذا الإطار من الخطر الآتي من الخارج (العالم المعادي)، ومن الداخل (المعلّمون الضالون) يعمل تيموتاوس. وموقفه يتطلّب التواضع والمحبّة. لهذا يطلب منه الرسول الابتعاد عن شهوات الشباب: لسنا على مستوى الحواس التي نسود عليها فلا نقع في الفجور، بل على مستوى الهرب من رذائل يتعرّض لها الشباب: تصلّب وعناد. الاهتمام بالتغلّب على الآخر مهما كان الثمن. نقص في الواقعيّة. ميل إلى الجدالات التي لا تنتهي. يتجنّب التلميذ هذه الأمور، فيطلب البرّ والعمل بمشيئة الله، يطلب الإيمان والمحبّة. ونتيجة مثل هذا التصرّف هو السلام والوئام بين رئيس الجماعة والمؤمنين. يسمّيهم هنا (آ 22): "الذين يدعون الرب". رج آ 19: "من يذكر اسم الربّ". نحن هنا أمام الاعلان الأساسيّ للايمان: يسوع ربّ (روم 10: 19؛ 1كور 2: 3). أعلن العهد القديم أن من يدعو باسم الربّ يخلص (يوء 3: 5). وطبّق العهد الجديد على المسيح نصوصًا أشارت في الأصل إلى يهوه، إلى الله. فالآن، الدعاء باسم يسوع هو الذي يمنح الخلاص (أع 2: 21؛ 4: 12؛ 22: 16؛ روم 10: 13). والذين يدعون الرب هم المسيحيّون (أع 9: 14، 21؛ 1كور 1: 2).
وإن أراد تيموتاوس أن يسود السلامُ الجماعة، يحاول أن يُبعد أسباب المجادلات: بحث باطل، جنون، بلادة وابتعاد إعمال الفكر. وعبد (خادم) الربّ، تيموتاوس، يتطلّع إلى يسوع عبد الربّ، كما في أناشيد أشعيا، ليجد فيه مثالاً يقتدي به بالصبر والوداعة والاقناع والهدوء. المقاومة حاضرة في وجه الراعي والمعارضة. وهو لا يكسر القصبة المرضوضة، ولا يُطفئ الفتيل المدخّن (أش 42: 2- 3). وتيموتاوس لا يكون رجل خصومة ونزاع، بل يتقبّل الجميع، ويلامس قلوب المخالفين بوداعته. وهو لا ييأس أبدًا. فما طُلب منه أن يهدي الضالين بوسائله الخاصة. فالاهتداء نعمة من الله، والله لا يستحيل شيء عليه. يبقى على الراعي أن يتحلّى بثقة عميقة بذاك الذي ينمي زرعًا زرعناه وسقيناه (1كور 3: 5- 9). والمهتدي يشبه انسانًا سكرانًا عاد إلى وعيه، أو طريدة وقعت في فخّ، ثم استعادت حرّيتها.
خاتمة
ذاك هو واجب تيموتاوس في كنيسة أفسس. كلمة الله، كلمة الحق، يحملها باستقامة. هذا يعني أنه يبتعد عن تعاليم الضلال، عن المجادلات السخيفة، عن الكلام الفارغ. وعليه أن لا يخاف، أن لا ييأس. فالكنيسة ثابتة، وأساسها هو الله. فيبقى على المؤمن أن يحفظ نفسه من كل تأثير يدمّره ويدمّر الجماعة. وعلى خادم الله أن يكون على مثال المسيح الراعي الصالح الذي ضحّى بنفسه من أجل خرافه. وعلى ضوء عبد الربّ الذي تصرّف بوداعة مع الذين خالفوه وعارضوه والذي تحمّل الاساءة وما ردّ على الشرّ بالشرّ، بل أسلم نفسه إلى الربّ. لهذا قبل الله ذبيحته، وبرّر به الكثيرين. 
الفصل الثامن
أخطار المعلّمين الكذبة
2: 14- 26

بعد أن دعا بولس تيموتاوس أن يتمرّس بفضيلة القوّة من أجل خدمته، ها هو يوصيه بأن يعارض المعلّمين الكذبة. ثمَّ يقدّم له برنامج عمل من أجل الدفاع عن الحقيقة وتقديمها خالصة إلى المؤمنين. وهذا ما حدا ببولس إلى أن يندّد بمحاولات إفساد الجماعة، إلى أن يحذّر تيموتاوس من أصحاب الضلال، وإلى أن يدعوه إلى التعليم الصحيح الذي يمنحه للمؤمنين. ذاك ما يقوله الرسول في آ 4، ثم يتوسّع فيه، فيدلّ على الموقف الإيجابي والسلبيّ في تقديم التعليم، ويُبرز صفات المعلّم. وبين الاثنين، كلام عن الكنيسة التي هي الموضع الذي فيه تُعلّم الحقيقةُ وتُعاش.

1- بيت الله، الكنيسة
يُورد بولس هنا بشكل واضح الاعلان اللاهوتيّ الذي يتلفّظ به الخصوم. القيامة تمّت. إذن، لا ننتظر بعدُ نهايةَ الزمن وعودة المسيح. فوجود التعريف قبل "قيامة" ضروريّ جدًا ليدلّ على الخطأ الأساسيّ لدى هراطقة يبدون من الغنوصيين. أما الباقي، فمجادلات عقيمة، ونقاش سخيف، ولا سيّما حين نتكلّم عن "قيامة" تمّت في خط روم 6: 1- 14؛ أف 2: 4- 6. ورئيسا هذا التعليم هما هيمينايس وفيليتس. 
هنا نذكر مقالين من العالم الغنوصيّ. "لا تظنّ جزئيًا يا راجينوس، ولا تسلك حسب هذا اللحم والدمّ باسم الوحدة، بل تخلّص من الانقسامات والقيود، فتمتلك منذ الآن القيامة". "ابتلع المخلّصُ الموت... فجذبنا به إلى السماء كما تجذب الشمس الشعاعات التي لا يمسك بها شيء. تلك هي القيامة الروحيّة التي تبتلع النفسانيّ (الذي فيه نفس، الحيوانيّ والبشريّ واللحميّ، الذي من لحم ودم). إن الممسوح (بالزيت) يمتلك الكلّ (الالهي). يمتلك القيامة والنور والصليب والروح القدس". أما الأنساب والخرافات (4: 4؛ تي 1: 14؛ 1تم 1: 4؛ 4: 7) فهي تساؤلات غنوصيّة: من أين جئنا، وإلى أين نحن ذاهبون؟ واعتبر أحدهم أن من نال العماد من يد المنشئ، قد انتقل بواسطة القيامة بحيث لا يعرف الموت. 
إن المعرفة الغنوصيّة (أو: العرفة، غنوسيس) كاكتشاف للأنا الالهيّ المنسيّ، الضائع، أو المخفيّ، هي قيامة تُفهَم في المعنى الروحيّ. وهكذا نلاحظ أهميّة الجدال حول القيامة وارتباطها بالتجسّد. انطلق بعض المضلّين مما قيل في 2: 8 حيث ذُكرت القيامة قبل التجسّد، فاعتبروا أن القيامة سبقت التجسّد. هنا لا ننسى أن الرسائل الرعائيّة، وإن تحدّثت عن خلاص دخل إلى العالم، إلاّ أنها تعلن أن هذا الخلاص لم يتمّ بعد. في أي حال، إن موضوع القيامة التي تمّت، يجد جذوره في الصراع الدائر في مراسلة بولس مع الكورنثيين. في كورنتوس، وُجدت مجموعات وضعت البلبلة مستندة إلى رؤية اسكاتولوجيا هي حاضرة اليوم وقد تحقّقت. فأدخل بولس خلقيّة وموضوع الخلاص الذي لم يتمّ بعد (1كور 7: 2- 16؛ 11: 3- 16؛ 14: 33- 35). والرسائل الرعائيّة أعطت إطارًا سوتيريولوجيًا لتحريض يُعلن تصرفًا معقولاً تجاه أخطار تهدّد التوازن الاجتماعي في الكنائس. شدّد بولس على تمييز الأزمنة. لهذا فُسّرت التصرفات المندّد بها انطلاقًا من موضوع الاسكاتولوجيا التي تمّت، والتي تحدّد موقع القيامة في الماضي. إذن، لا بدّ من الحفاظ على رؤية تاريخيّة للخلاص، على وعي للانتظار، وبالتالي على تنبّه للحاضر وحدوده. بالنسبة إلى الخصوم، تمّ كل شيء بشكل نهائي، فصار الزواج وبعض الأطعمة وعدد من النظم الاجتماعيّة في عالم النظام القديم.
ماذا يكون الأساس ضد الهرطقة؟ الكنيسة هي الأساس الذي وضعه الله (رج أش 28: 16). وهي البيت الذي يجمع الذهب من جهة، والخشب والخزف من جهة أخرى. في هذا السياق التعليميّ، تتّخذ استعارةُ الأساس طابع التعزية والتشجيع في مواجهة الضلال. ونلاحظ أن الكاتب لا يحارب مضمون هذه الهرطقة، بل يقابلها بأساس لا يرتبط بالبشر، بل بالله. فإن سقط بعضهم، فالبناء الذي هو بناء الله، يبقى متينًا. إذن، يبدو موضوع الكنيسة كبناء، جوابًا على تهديد الضلال، في خط الاستمراريّة والثبات. فالأساس يدلّ على الكنيسة قبل أن يدلّ على المسيح، أو الرسل أو التقليد.
ومع استعارة الأساس، هناك استعارة "الختم" التي تدلّ على أن "شيئًا" يخصّ انسانًا من الناس. والاستعارة الثالثة. هي استعارة الآنية المختلفة في البيت العظيم. في روم 9: 19- 24، جاءت استعارة الآنية لتدلّ على حريّة الله في خياراته. أما في الرسائل الرعائيّة، فالسؤال هو: كيف نواجه تأثير بعض أعضاء الجماعة الذين صاروا، على ما يبدو، "آنية غضب"؟ لا نمسّ فهم الخلاص، بل الانفصال الذي هو امتناع عن اللابرّ. وفي شكل ملموس، يجب أن نتنقّى من التأثيرات السيّئة التي تحملها تعاليم المعلّمين الكذبة. نتنقّى لكي نكون مفيدين للمعلّم. ذاك هو الهدف التحريضيّ للصورة. نحن لا نتعايش مع الضالين. بل نعطيهم بعض الوقت من أجل التوبة. فالعودة إلى الكنيسة ممكنة. نحن لا نحاول أن نقنع، بل نترك الوقت لله لكي يُقنع. فبالوداعة يعمل خادم الله، والربّ يهديهم إلى التوبة ومعرفة الحقّ.
من أجل هذا، يحتاج الراعي إلى تربية على الوداعة. نلاحظ في هذا المقطع (آ 14، 26)، كما في مقاطع أخرى، التناوب بين التنديد بالمعلّمين الكذبة والارشاد إلى تيموتاوس. تحدّثت آ 17- 18عن خصوم عبر اسمين، وعن ضلالهما (حول القيامة التي تمّت). في آ 19- 21، جاءت استعارة الأساس والبيت ردًا على تهديدات الهرطقة. واستعادت آ 22- 26 لغة الارشاد.
نجد فعلين: هرب، تجنّب (فوغاين). ثم، طلب، تبع (ديوكاين). أما المضمون فهو تعارض على ثلاثة مستويات. الأول خلقيّ: يذكر "أهواء الشباب" التي نتجنّبها، والفضائل التي نتبعها (آ 22). الثاني تربويّ. الجدال هو ساحة الخصوم (آ 14، 23، 25). نهرب منه. التربية في الوداعة هي ساحة خادم الله. نطلبها (آ 24، 26). والتعارض الثالث مع الخصم نجده بين توبة تصدر عن الله وسجين في فخاخ إبليس.
وينتهي الارشاد هنا بإعلان سوتيريولوجي ولاهوتيّ. ننتقل من الجدال إلى التعليم بوداعة. والباعث على ذلك هو أن نترك الله يُقنع الخصم فيتّخذ قراره. ولفظ "التوبة" يجد صورتين متماسكتين مع صورة خصم ضلّ الطريق (آ 26): السكران الذي عاد إلى رشده، والطريدة التي استعادت حرّيتها. في الحالين، نحن أمام عودة إلى وضع سابق تبدّل وتشوّه. و"معرفة الحقّ" هي شرط لاهوتيّ للبلوغ إلى الخلاص، ولفظة تقنية للتعبير عن الاهتداء إلى الربّ في العالم اليهوديّ (1تم 2: 4؛ تي 1: 1). في الرسائل الرعائيّة، نجد توازيًا بين "الحق" و"الإيمان". فإن طلبنا أو تجنّبنا هذا أو ذاك، نكون أمام الكائن المسيحيّ في ارتباطه بحقائق الإيمان الذي نُقل إليه. ونلاحظ أن الاهتداء إلى معرفة الحق يرتبط بالله (آ25). وهذا يعني أن من رفض الله، دلّ على أنه غير مستعدّ لقبول الحقّ.

2- دراسة النصّ
الخطر الحاضر يُحدق بالجماعة. فعليها أن تجاهد، أن تقاوم. بدأ بولس فتحدّث عن المعلّمين الكاذبين (2: 14- 18)، وجعل تجاههم الكنيسة، أي بيت الله (آ 19- 21). وأنهى كلامه بصورة عن المعلّم الحقيقيّ (آ 22- 26).

أ- المعلّمون الكذبة (2: 14- 18)
بدأ الرسول فندّد بالضلال والمضلّين، ودعا تلميذه إلى أن يعي هذا الوضع ويجعل المؤمنين يعونه.
أولاً: ذكّرهم (آ 14)
نقرأ هنا ثلاثة مقاطع مع ثلاثة أفعال أمر: ذكّرهم، إجتهد، تجنّب.
لا يشير التذكير فقط إلى ما سبق بشكل مباشر (آ 11- 13 أو آ 8- 13)، بل إلى مجمل التقليد الرسوليّ. هو لا يذكّرهم بما نسوا أو بما غاب عن بالهم بعد أن كاد يُمحى، بل بالعمل الأساسيّ في المهمّة الراعويّة (تي 3: 1؛ 2بط 1: 12). "منيسكاين". هي ممارسة عاديّة يقوم بها المعلّم تجاه تلميذه. لهذا، استحلف الرسول تلميذه بشكل احتفاليّ. ديامرتيروماي: أشهد، احتجّ. (4: 1؛ 1تم 5: 21). وعلى التلميذ أن يستحلف المعلّمين وجميع أعضاء الكنيسة. "أمام الله". في حضرة الله الذي يشهد، وهذا ما يُبرز المستوى الدينيّ للارشاد. نحن أبعد ما يكون أمام تدخّل إداريّ ورعائيّ عاديّ: فالمطلوب خلاص المؤمنين من الفخاخ. لهذا تُمنع المجادلات (1تم 6: 4): لوغوماخاين (تجادل على الكلام). جدال فارغ (آ 23) لا نبحث فيه عن الحقيقة، بل على المماحكة للايقاع بالخصم ليس إلاّ. من الواضح أن لا الألفاظ (1كور 4: 21) ولا الجدالات (1كور 14: 33؛ رج تي 3: 9) التي ترتبط باللحم والدم، بالضعف البشريّ (1كور 3: 3؛ غل 5: 20) تنفع من أجل إقامة ملكوت الله وانتشاره. "خريسيموس"، فائدة. هي مراحدة في العهد الجديد. رج حك 8: 7؛ 13: 11؛ ابن سيراخ، المقدّمة 26. فالفائدة الوحيدة من هذه الجدالات هو الدمار والخراب. "كاتاستروفي". تدمّرُ مدينة (تك 19: 26). يُسحق جيش (2 أخ 22: 7). والكلام هنا عن دمار الكنيسة (2كور 10: 8؛ 13: 10) التي تُبنى في الايمان (1تم 1: 4).
ثانيًا: اجتهد ( 15)
يُوقف تيموتاوس هذه المجادلات بسلطته الشخصيّة وبتقديمه التعليم الصحيح مثالاً للذين يعلّمون. فالسلوك المستقيم والشهادة الصادقة أنجع وسيلة تجاه المعلّمين الكذبة. من هنا، جاء الفعل في صيغة الأمر: اجتهدَ (سبودازاين). اهتمّ (غل 3: 12). قام بمجهود (1تس 2: 17). اعتنى بممارسة خدمته على أنه يؤدّي حسابًا عنها أمام الله. "باريستاناي". وقف، ظهر (أع 1: 3؛ 9: 41) أمام الربّ (لو 2: 22؛ روم 12: 1؛ 2كور 11: 2؛ أف 5: 27). هذا ما يدلّ على موقف نقفه (1كو 1: 22، 28)، على الاستعداد لوظيفة (أع 23: 24؛ روم 6: 13، 16، 19)، بعد أن اختُبر فقبل. "دوكيموس". رج روم 16: 10؛ 1كور 11: 19. هذا ما يُقال بشكل خاص عن خدّام الانجيل (2 كور 10: 18؛ 13: 5- 7؛ في تي 1: 16 نقرأ عن اللاقبول، عن الذي استُبعد).
"عاملاً"، إرغاتيس. فلاّح. رج لو 10: 2 (مت 20: 1، 8). هذا ما يدلّ على الرسل (1تم 5: 18؛ 2كور 11: 13؛ فل 3: 2). مع مقابلة مع "لوغوماخاين" (قام بجدال). عامل يعمل بحماس واندفاع فلا يخجل من عمله. لا يخجل من حكم الآخرين (مت 25: 26؛ فل 1: 20). فما يهمّه رضى الله، لا رضى الناس (غل 2: 10). والمهمّة التي يقوم بها الرسول، تقديم "كلمة الحقّ" (مز 119: 43) أي الانجيل (كو 1: 5؛ أف 1: 13) والوحي المسيحيّ (2كور 6: 7). فكلمة الله هي حقّ (يو 17: 17).
"مستقيمًا". رج "ي ش ر" (العبري) في أم 3: 6؛ 11: 5 للكلام عن فلاح يرسم ثلمه المستقيم فلا يترك المحراث يميل. "اورتوتومايو". تنطبق الصورة على الدبّاغ والبنّاء... نحن أمام التعبير بدقّة، بدون خطأ ولا زلل. نقرّب هذا الفعل من "اورتوبودايو"، مشى مستقيمًا. يجب على تيموتاوس أن يكون أمينًا في تقديم التعليم التقليديّ (آ 2- 8)، وفي التعبير عنه كما يليق (1كور 2: 13).
ثالثًا: تجنّب (آ 16- 18)
هناك طريقتان في التعليم تتعارض تعارضًا جذريًا: بقدر ما يكون الواعظ امتدادًا لكلام الله، يحذر من الكلام الفارغ (1تم 4: 7) الذي هو وليد المخيّلة. هذان هما المقياسان للتعليم المغاير للحقّ، المغاير للوديعة، للايمان الحقيقيّ (1تم 6: 20). نختبئ خلف الديانة، فنجعل من الحقيقة الالهيّة التي سُلّمت إلى الكنيسة (1تم 3: 15) تعليمًا دنيويًا. مثلُ هذا العمل يقود إلى الكفر، بطريقة تزداد يومًا بعد يوم. رج "بروكوبتو"، نما، تقدّم (لو 2: 52؛ غل 1: 14). "الكفر" (أسابايا). اللادين. هناك عصيان وقح تجاه الله، وهو ينال عقابه (روم 1: 18؛ يهو 5؛ رج 2بط 2: 5؛ 3: 7). إلى هذا الدرك يصل الانسان إن هو نزع عن كلمة الله قدسيّتها. فالكافر هو "بابيلوس".
تُشبّه نتائجُ التعاليم الضالّة (آ 17) بالآكلة. "غانغراينا". رج "غراوو" أكل، مع ملحق تحقيريّ، ذاك ما يعمله هيمينايس وفيليتس (جُعل مع الاسكندر، حُرم، رج 1تم 1: 20). رفض الخضوع للكنيسة، وواصل نشاطه التعليميّ بين الناس. لهذا كان بولس قاسيًا تجاه هؤلاء الناس.
وتتواصل في آ 18 صورةُ النموّ. فالهراطقة زاغوا، أضاعوا الهدف "أستوخاين" (مراحدة في العهد الجديد). مع إشارة إلى الفشل. هم لا يتقدّمون، بل يميلون عن الحقّ ويهربون. "لاغونتس"، قائلون. بعد اسم الفاعل هذا، يأتي إيراد حرفيّ (مت 27: 23) وموضوع التعليم. المعنى هو أنه لن تكون قيامة للأجساد في المستقبل. رج 1كور 15: 12. هنا نقرأ "أعمال بولس": "قال ديماس وهرموجينيس لتاميريس... سوف نعلّمك ما هي القيامة التي يقول بولس عنها إنها آتية. سبق وجاءت بواسطة الأولاد الذين لنا، ونحن نقوم حين نعترف بالاله الحقيقي" (مقطع 14).
كان بولس قد تحدّث عن قيامتين كما تحدّث عن موتين (رؤ 2: 11؛ 20: 6؛ 14: 21: 8): والخلاص الذي أعطي منذ الآن يتحقَّق تدريجيًا ويتمّ في السماء. لهذا فالمعمَّد، الحيّ الجديد، قد قام منذ الآن، روحيًا، مع المسيح (روم 6: 4 ي؛ كو 2: 12؛ 3: 1؛ أف 2: 6). هذا يعني قيامة الأجساد في المجيء الثاني (1تس 4: 14؛ 1كور 15؛ 2كور 5: 1- 5؛ فل 3: 11، 22). 
كان اليونانيّون يعتبرون أن المادة شرّ. فتاقوا إلى التحرّر منها، واعتبروا أن كل قيامة للأجساد هي عبث (أع 17: 32). إذ أراد هيمينايس وفيليتس أن يُلغيا هذا هذا الشك، اعتبرا القيامة استعارة، وقدّماها على أنها صعود الحكيم صعودًا متدرّجًا إلى الله بالسيادة على الحواس. وقد يكونان استلهما نظريات يهوديّة في سورية وفلسطين (1تم 4: 3- 4). هنا نقرأ "انجيل فيلبس": "إن الذين يقولون إننا سنموت ونقوم، يضلّون. فإن كنا لا نبدأ وننال القيامة ونحن أحياء، فلا ننال شيئًا حين نموت" (104: 21؛ 121: 90). فسرّ هذان الضالان القيامة بحسب نظرتهما، فدمّرا (أناترابو) الايمان لدى بعض المسيحيين، وهو إيمان يرتكز على القيامة (1كور 15: 13- 18).
ب- بيت الله (2: 19- 21)
أعلى أساس الضلال يقوم التعليم؟ بل هناك أساس آخر ختمه الله بختمه.
أولاً: الأساس (آ 19)
وجاءت أداة (مانتوي) فدلّت على التعارض القويّ (يو 4: 27؛ 7: 13؛ 12: 42؛ 20: 5؛ يع 2: 8). نحن أمام ثقة واثقة تعارض أساليب التفسير الخاطئة (آ 14) التي تبلبل المؤمنين في قلب الكنيسة. فأساسها ثابت رغم سقوط بعض أفرادها. بل يبقى هو هو. وترد ألفاظ تدلّ على المتانة التي تُعطي الطمأنينة. "تاماليوس". ما يوضع فيستند إليه الباقي. هو الأساس الذي يكون الركن الأول في جدار أو بناء أو مدينة (عب 11: 10؛ رج مت 7: 25). استعمل بولس دومًا هذا اللفظ بشكل استعارة (1تم 6: 19. رج الفعل في أف 3: 17؛ كو 1: 23)، حين تحدّث عن الكنيسة، الهيكل (1تم 3: 15؛ 1بط 2: 5- 6)، ففُهم عن وديعة الايمان، والاختيار الالهي: الله يعرف الذين هم له منذ البدء (2تس 2: 13): المسيح والرسل (1كور 3: 11؛ أف 2: 20). كما يعرف جماعة أفسس (روم 15: 20). والكنيسة ككلّ. هي متينة وثابتة لأن الله بانيها وأصلها (أش 27: 16؛ إر 31: 11؛ سي 42: 17). والصفة، "ستاريوس" (1بط 5: 9): المتين. الحجر متين، لا يتزعزع. والفعل "كتيزو"، ثبت. هو في صيغة الكامل. حالة تعود إلى الماضي وما زالت حتى الآن. رج روم 11: 20؛ 1كور 7: 37؛ 10: 12؛ 2كور 1: 24.
نحن أمام تعارض جذريّ بين الأساس والمتانة والصخرة، وبين الدمار في آ 14 والعدم في آ 18. إن سقطت بعض الحجارة من البناء، فلا خوف على متانة المجموعة. والمتانة هي دوام الكنيسة (مت 16: 18) وقوّة الحقيقة (1تم 3: 15)
خُتم هذا الأساس بختمين. "سفراغيس". علامة محفورة، ختمٌ، كتابة على حجر، أقوال إلهيّة (تث 6: 9؛ 11: 20). الختمُ على الحجر لا يُمحى. هو مقدّس، ويصبح الحجر مُلك الاله. كان في هيكل أورشليم حجرُ أساس (5: 2) وُضع عليه تابوت العهد. ويقول ترجوم يوناتان المزعوم: حُفر عليه اسم يهوه. إن "سفراغيس" التي حفرها الله في الحجر هي "إهداء"، هي عبارة تكريس (زك 3: 9؛ خر 27: 11). وهي تتضمّن امتلاكًا خاصًا (صج 2: 23: جعلتك ختمًا، لأني اخترتك"؛ تك 8: 6؛ رؤ 7: 2- 4). كما تدلّ على صحّة الوثيقة الرسميّة (هي غير مزوّرة). رج أس 3: 12؛ إر 32: 11؛ 1كور 9: 2. وهكذا تكون مكفولة وتدعو إلى الاطمئنان، فلا تبدَّل فيها ولا تزوَّر، وهكذا لا يتجاسر أحد أن يلمسها أو يحوّر فيها: كتابة (نح 10: 1). كنز (طو 9: 5؛ سي 17: 22). بركة أو قسَم.
أما الصورتان المرتبطتان ارتباطًا وثيقًا، فتعبّران عن الاختلاف بين أعضاء بيت الله، وهذا أمر لا يظهر للعيان: طمأنينة المؤمنين الذين يحفظهم ربّ العهد. استقامة الايمان الذي لا تشوّهه الهرطقة كالآكلة. رج عد 16: 5 (حسب السبعينيّة): افتقد الربّ وعرف الذين هم له والذين هم مقدّسون، فجاء بهم إلى نفسه، والذين اختارهم لنفسه جاء بهم إلى نفسه. رج مت 7: 22- 23. هذا يؤكّد أن الله أحبّ الذين دعاهم فصاروا خاصّته منذ العماد (كو 2: 12. هم خرافه، يو 10: 14، 28؛ رج يو 6: 37). وهو يضعهم جانبًا ويحميهم. والصورة الثانية تنطبق على عبارة: "الذين يدعون باسم الرب" (أش 26: 13؛ رج يش 23: 7؛ 1كور 1: 2). التزموا بالأمانة على مستوى التعليم والفضيلة. أمروا بأن يتجنّبوا الاثم. رج عد 16: 26 (رفض كل علاقة مع قورح وداتان وأبيرام. وهنا: هيمينايس وفيليتس)؛ أش 52: 1 (لا تلمس نجسًا حين تمسك آنية الله)؛ مز 6: 9 (ابتعدوا عني يا فعلة الاثم).
ثانيًا: البيت الكبير (آ 20-21)
وتتواصل استعارة الكنيسة البناء، بشكل مثَل (1تم 3: 15؛ رج عب 3: 7) وتنتهي في إرشاد. هنا، يبدأ تفسير الختم الأول: الله يتميّز صفة ونوعيّة كل عضو في عائلته. كل خادم بين خدّامه. (1كور 3: 10- 15). فلا نتشكّك من سلوك هذا أو ذاك، من حياتهم في الكنيسة الواحدة، لأن كل شيء يرتبط بمسرّة الله وحكمته. روم 9: 21. إن بناء الجملة يُبرز بُعد الكنيسة المنظور، ولا سيّما في أفسس. بيت (اويكيا) كبير (ميغالي). نحن أمام بيت مقدّس مع أدواته وآنيته.
"سكاووس"، إناء. هو من ذهب أو فضة إذا استعمله الملك والعظماء. أما لدى الفقراء، فالاناء هو من خشب أو خزف (2كور 4: 7؛ إر 18: 4). نحن هنا أمام موضوع تقليديّ، نجده مثلاً عند أش 22: 24.
ولكن تبقى الصعوبة: أين الشريف واللاشريف؟ قد نكون هنا أمام علاقة بين صفة الإناء ووظيفته: الآنية الثمينة تُستعمل فقط في الأعياد والمناسبات الكبرى. والدنيئة في الأيام العاديّة. رج حك 15: 7 التي استعادها فيلون فقال: الآنية من حجر أو خشب "صارت آنية لماء الغسل وطشت للرجلين أو آنية تستعمل لحاجات الليل وحاجات النهار". الشرف (تيمي). أتيميا (اللاشرف). هذا يعني أن في الكنيسة خدّامًا ناشطين (1تم 5: 17: الذين يتعبون أو لا يتعبون)، أن فيها مواهب بسيطة (1كور 12: 23). وقد يكون هناك أعضاء خطأة يُدعون إلى التوبة.
أما مغزى المثل، فهو أن الله مسؤول عن وجود هذين النوعين من الخدّام، الناشطين واللاناشطين. في الحقل، هناك القمح والزؤان (مت 13: 30)، وفي الشبكة نجد الأخيار والأشرار (مت 13: 47- 50). والربّ يسمح بأن يتنقّى الأبرار في اتّصالهم بالهراطقة. أجل، هناك أغصان يابسة سوف تذهب إلى النار (يو 15: 2، 6). يبقى على الواعظ أن يطهّر نفسه (آ 21) من أجل خدمة أفضل. رج 1كور 5: 9- 13؛ 2كور 12: 21؛ 13: 2.
حثّ الرسولُ الواعظ على أن يتنقّى، يتطهّر (إكاتايرو). رج 1كور 5: 7؛ أع 20: 26. هذا ما يفسّر الختم الثاني. نتجنّب كل اتّصال مع المعلّمين الكذبة الذين هم آنية عار وينبوع عدوى (1تس 3: 14) وشرّ (تعليم فارغ ودنيوي). نشير هنا إلى أن التطهير بالتجنّب، يحوّل الخادم إلى إناء كرامة. فمن حفظ نفسه نقيًا صار إناء مختارًا (أع 9: 15). إنه في حالة تقديس. إناء مكرّس، فُصل عن الدنيوي والضلال. إنه مليء بالغنى من أجل خدمة صاحبه. "أوخريستوس" (مفيد). رج با 6: 58. كما يكون العبد الصالح (فلم 11) بالنسبة إلى سيّده (دسبوتيس) (1تم 6: 1؛ تي 2: 9). أو كما يكون االإناء، المقدّس لخدمة الله فقط (يو 17: 19). إنه مُعدّ أفضل إعداد ومهيّأ للمهمّة التي يطلبها الربّ (3: 17؛ تي 3: 8). قال الذهبيّ الفم: نستطيع أن نصل إلى الفساد مثل يهوذا، أو نصل إلى قمّة الكرامة مثل بولس.
ج- المعلّم الحقيقيّ (2: 22- 26)
بعد أن تحدّث الرسول عن معلّمي الضلال، توجّه إلى تيموتاوس وذكّره كيف يكون المعلّم الحقيقيّ وحامل كلمة الحقّ. هو يُقنع ولا يُكره.
أولاً: تجنّب (آ 22)
وجاءت توصيات في صيغة الأمر، إلى تيموتاوس، فتأسّست على مبادئ قرأناها في آ 20-21: ترك النصّ الاستعارات واستعاد فكرة آ 15، ومزج معًا 1 تم 4: 12؛ 6: 11. هنا نقرأ مراحدة بيبليّة (نايوناريكوس): شبابيّ. ما يتعلّق بالشباب المتجدّد. يبتعد تيموتاوس عن أهواء الشباب، ويجري وراء البرّ، بحسب البرّ (مت 3: 15؛ 21: 32): استمرار وثبات، إصلاح في العلاقات مع الآخرين. هذا يعني تتميم الواجب. وهو يمارس مجمل الفضائل بحيث ينال الكرامة (تيمي) ويهرب من "أديكيا" اللابرّ، (آ 19- 21) المرتبطة بالايمان (بستيس) والأمانة. كل هذا ينضمّ إلى المحبّة (أغابي) الأخويّة (1تم 4: 12) مع كل ما فيها من صبر وتجرّد وتواضع (1كور 13: 4- 5)، التي هي ضروريّة للمسؤول (1تم 1: 5). 
فالحضّ على السلام (عب 12: 4؛ رج روم 12: 18) الذي يرافق البر (كما في روم 14: 7) لأنه ثمرته، يُفهَم أولاً ابتعادًا عن الاحتداد والثوران، وتوافقًا أخويًا من أجل حياة مشتركة مع المؤمنين الحقيقيّين (أع 2: 21؛ روم 10: 12؛ 1كور 1: 2). فالذين يدعون باسم ربّنا هم شعبه. يجتمعون باسمه، ويعلنون أمانتهم له. إن العبادة والايمان والمحبّة، تفترض قلبًا مطهّرًا من كل شرّ، مبتعدًا عن شهوات (إبيتيميا) الشباب وضلال التعليم.
ثانيًا: ابتعد (آ 23)
صيغة الأمر من فعل "بارايستايستاي" (1تم 4: 7؛ 5: 11؛ تي 3: 10) تدلّ على استبعاد قاس. يجب أن نرفض بقوّة تعليم الهراطقة الذي يبلبل جماعات آسية، والذي دُوّنت الرسائل الرعائيّة لتردّ عليه (آ 14؛ 1تم 1: 4؛ 4: 7؛ 6: 4؛ تي 3: 9): هي مماحكات غبيّة (موروس، 1كور 3: 18) تدلّ على عدم جدارة هؤلاء المتكلّم. هم "معلّمون" (أف 4: 14؛ يع 3: 11؛ 2بط 1: 16) لا يفهمون ماذا يعلّمون (1تم 1: 7). نقرأ هنا مراحدة في العهد الجديد: أبايدوتوس (أحمق)، تدلّ على عدم الجدارة وقلّة الأدب (2بط 2: 16). حرفيًا: من لم يتعلّم، من لم يتربّ (سي 51: 23). أي الجاهل. نحن أمام صفة تدلّ على احتقار الجاهل الذي لا يمتلك الحكمة ولا يخضع لتأديبها (أع 8: 5؛ 24: 7؛ سي 6: 20). هو ثرثار (أع 15: 14؛ سي 8: 4؛ 20: 19)، وشرّير (أع 5: 23). هزئ باخوته فابتعد عن الله (حك 17: 1؛ أش 26: ،11 صف 2: 11) ورفض التوبيخ (أع 15: 12). هو عاص (آ 25) يبلبل تعليم الربّ (آ 10) ويرفض كل خضوع للتقليد.
رذيلتان قاسيتان لدى هؤلاء المعلّمين الكذبة الذين لا يطلبون الحقّ، بل إفحام الخصم ببراهين خادعة. يفصّلون الكلمات والحروف، ويدقّقون في الأقوال التافهة، فتصل بهم الأمور إلى المشاجرات (ماخي).
ثالثًا: صفات خادم الربّ (آ 24- 26)
بعد هذا الكلام القاسي عن المعلّمين الكذبة، عاد الكاتب إلى الصفات المطلوبة من خادم الربّ. يكون كالراعي الصالح (يو 10: 11). فالعبد يكون مثل سيّده، والتلميذ مثل معلّمه (مت 10: 24- 25؛ لو 6: 40). والصفات هي: الوداعة، الرفق، التواضع (يو 13: 14- 15؛ 15: 20). خادم، عبد (دولوس) الربّ. رج تي 1: 1؛ يع 1: 1؛ 1بط 2: 6. فعلاقة المؤمن مع ربّه تشبه علاقة العبد مع سيّده. ينتظره أوامره بعناية. ينفّذ مشيئته بدقّة. لا إرادة خاصة به. بما أن تيموتاوس عبد الرب، فهو يرفض أن يدخل في هذه المشاجرات. والمسيح بحسب أش 53: 1- 4 (مت 12: 18- 21؛ 1بط 2: 23) هو الذي رفض العنف، وتحلّى بالوداعة.
تجاه خصوم يجادلون ويقاتلون، يتّخذ الراعي موقف الهدوء الذي يُطفئ كل عدوان واحتداد. "ايبيوس" (رفيق). هي طريقة في التربية والسلطة الرعائيّة. دون احتداد مرّ ولا قساوة. تلك كانت عاطفة الرسول الأموميّة لدى التسالونيكيين (1تس 2: 7): لا كلمة تجرح، لا لفظ احتقار، لا تصلّب في المواقف، بل تسامح في الحوار. ليس الموضوع انتصارًا شخصيًا تجعل الخصم يركع، بل عرضًا يجعل الناس يتقبّلون حقيقة الانجيل. وترد الصفة "ديدكتيكوس" أهل للتعليم. جدير بالتعليم. يقدر أن يعلّم (تجاه براهين فارغة). "أناكسيكانوس". صبور بدون مرارة ولا حقد. على مثال المسيح (1بط 2: 23). يتغلّب على الشرّ بالخير (روم 12: 17، 21).
"مؤدِّب في وداعة" (آ 25؛ ج عب 12: 1). الربّ يعطينا أن نفهم (2: 7). نعلّم الناس. ننير العقول. نعطيهم التفسير الصحيح للكتب المقدّسة. "بايداواين" (تي 2: 12). نحن أمام خصوم يرفضون، يقاومون، يخالفون. الفعل مع "أنتي" ضد، معارض. رج أيضًا تي 1: 9 (المعارضين)؛ 1تم 5: 14 (الخصم)؛ 6: 20 (ما يعارض الحقيقة). نحن لا نعاتب (لو 23: 16، 22؛ 2كور 6: 9)، بل نصلح (حك 12: 22)، نؤدّب، ولكن نؤدّب بوداعة (براوتيس). هي مزيّة تفترض التواضع، العمل الخفيّ، الاحترام (تي 3: 2؛ أف 4: 2؛ كو 3: 12؛ يع 3: 13). وهي تعارض الفظاظة والقساوة، والغضب الذي يريد الانتقام (1كور 4: 21). هي فضيلة المعلّم (مت 11: 29) والمربّي (2كور 10: 1؛ غل 6: 1). ينصح بها بطرس في الجدال مع الوثنيين (1بط 3: 6). فهي التي تُقنع الناس كما قال الرب (مت 5: 5). 
هذا هو الهدف: هداية الناس. فالله يريد خلاص جميع البشر (1تم 2: 4)، فيعطيهم نعمة حين يرسل إليهم خدّامًا ودعاء. فالله مستعدّ لأن يغفر. وهو يعطي الخطأة مهلة للتوبة. ومعرفة الحقّ هي عطيّة من الله (مت 11: 27؛ أف 1: 17). هي تعارض "المعرفة المزعومة" (2تم 6: 20) التي هي بعيدة كل البعد عن المعرفة الحقّة. المعرفة الحقة تتضمّن مخافة الله (أع 2: 5) وعبادته (مز 79: 6) والخضوع لمشيئته (كو 1: 9) والسير في طريق البرّ (2بط 2: 20- 21؛ هو 4: 1، 6؛ 6: 6)
"فيعودوا" (آ 26). فالعودة إلى الحقّ تفرض صحّة الروح (1بط 1: 13) والحكم الصائب. نحن قريبون من الاعتدال (4: 5؛ 1تس 5: 6- 8) وبعيدون عن غفوة الرقاد وضياع السكر. "أنانيفو" (استعاد). هي عودة عن الخطأ، فنستعيد نفوسنا. وترد استعارة "الفخ" (باغيس). رج لو 21: 34- 35؛ روم 11: 8- 9. استُعملت في معرض الكلام عن الأسقف الشاب (1تم 3: 7؛ 6: 9). فالشيطان يمسك الضال في فخاخه (1تم 4: 1). وإذ يمسكه يجعله في تصرّفه (زوغرايو). هي حالة من العبوديّة، عبوديّة الخطيئة (يو 8: 34). فابليس يزرع الضلال، يزرع الزؤان محاولاً تدمير الكنيسة (مت 16: 8). ولكن الرب حاضر ليعمل فينا إن عدنا إلى وعينا وحواسنا كأفراد وجماعة. الربّ غلب العالم. وهو يغلب بنا إن نحن شئنا.

3- قراءة إجماليّة
طلب الرسول من تلميذه أن يذكّر بالتعليم، بالانجيل، بكلمة الله التي تُنقل نقلاً صحيحًا (2: 15). فخطر الهرطقة كبير. والنصائح لا تكفي ولا الأوامر. فلا بدّ من إقناع السامعين بحقيقة هامة. وفي أفسس، نمنع المؤمنين من الاستسلام إلى الكلام الفارغ والمجادلات العقيمة حيث لا نطلب الحقيقة، بل نطلب لنفوسنا السيطرة على الآخرين لتكون لنا الكلمة الأخيرة. غير أن كلمة الله ليست موضوع جدال وسفسطة: "هي أحدّ من سيف ذي حديّن، تدخل مفرق النفس والروح..... وتكشف النوايا وأفكار القلوب" (عب 4: 12). والمؤمن يخضع لها بتواضع، ولا يُخضعها لدقائق جدليّة بشريّة لا يمكنها إلاّ أن تكون محدودة ومبتورة.
لا فائدة من المجادلات الكلاميّة، بل فيها الضرر والدمار. فالكنيسة، بيت الله، ما زالت في مسيرة البناء (روم 15: 2). وكلمة الله هي التي تبنيها. أما الكلام الفارغ فيهدمها. ولقد قال بولس إن السلطان الذي أعطي له هو من أجل بناء الكورنثيين لا هدْمهم (2كور 10: 8).
ويُفحم تيموتاوس المعلّمين الكذبة، لا بأقواله فقط، بل بمثَل حياته، فيدلّ على أنه رجل مختبرَ. ربّما يختبره الناس، بل يختبره الله. عندئذ يستطيع أن يقف أمام عرش الديّان ولا يخاف الخزي. فهو عامل واع لمهمّته. يتمّمها باهتمام، حين يكون مستقيمًا في تعليم الحقّ. هو كالفلاّح الذي يشقّ الأرض بسكّته، أو البنّاء الذي يهيّئ الحجارة من أجل بنائه.
تجاه كلمة الحق (أي الانجيل الذي يخدمه الرسول) يقف الكلام الفارغ، الذي لا يكون دنيويًا فقط، بل كافرًا وشرّيرًا. من قام به، مال عن الطريق القويم. ودلّ بولس على الدمار الذي سبّبته الهرطقة، فبانت كالآكلة في وسط الجسم. هي تفكّك الجسم فتدمّر عمل كلمة الحقّ التي تبني الجماعة، تبني جسد المسيح. وتتقدّم الآكلة شيئًا فشيئًا بنتائجها الوخيمة بحيث يصبح الجسم أشلاء. فإن لم يتنبّه الراعي، تمتدّ الهرطقة إلى الكنيسة كلها. وسمّى بولس شخصين أحدثا ضررًا كثيرًا بالكنيسة، فحرمهما بعد أن رفضا الاذعان لكلمة الحقّ. ماذا فعلا؟
ابتعدا عن الحقّ (1تم 1: 6؛ 6: 21) وأكّدا أن القيامة تمّت. تشكّك الناس من موضوع القيامة، فخفّف هذان المعلّمان من قوّة التعليم. اعتبرا أننا أمام قيامة روحيّة وحسب. لا شكّ في أن قيامة روحيّة حقّة تمّت بالنسبة إلى المسيحيّ في العماد (عبور من الموت إلى الحياة). ولكن أنكر هيمينايس وفيليتس قيامة الأجساد، قيامة الانسان ككلّ، فكادا يعودان بالمؤمنين إلى قيامة النفس دون الجسد، على مثال ما في تعليم اليونان حيث تكون النفس في الجسد، كما في سجن. كلا، بل إن المؤمن كله يقوم، ويكون مع الربّ في كل حين.
ولكن، رغم ما أحدث الهراطقة من دمار، وقلبوا إيمان بعض المسيحيين، فمجمل البناء ثابت أمين، سواء على مستوى كنيسة أفسس، أو مستوى الكنيسة ككلّ. فأسُس الكنيسة قد وضعها الله، فلا تقوى عليها سلطات الجحيم. الله هو المهندس، والرسل يعملون معه. عملَ اللهُ وختمَ عملَه، فدلّ على يده الفاعلة. في هذا المجال، حدّث بولس المؤمنين عن المتانة التي يعطيها الله لهم، فقال: "ذاك الذي يثبتنا معكم للمسيح، والذي أعطانا المسحة، هو الله الذي ختمنا أيضًا بختم وجعل في قلوبنا عربون الروح" (كور 1: 21- 22). فبالايمان والعماد صار المسيحيّ ملك الله الخاص. إنه عضو في شعب اقتناه الله بعد أن طهّره وافتداه من كل إثم (تي 2: 14). نشير هنا إلى أن العماد يقابَل بختم يدلّ على أن شيئًا يخصّ انسانًا من الناس. ونحن نُختم فنصبح خاصة الله. كان الختان ختم البرّ بالنسبة إلى ابراهيم حين نال الايمان (روم 4: 11). والمعموديّة هي ختم الحياة الجديدة في الروح (2كور 1: 22؛ أف 1: 13).
حين قدّم بولس استعارة البناء، تذكّر عادة فيها يُختم حجرٌ باسم صاحب البناء ويوضع في الأساس. في هذا السياق الايمانيّ نفهم الاستشهادين الكتابيّين. إن عد 16: 5 يُبرز نداء الله. الله يعرف أخصّاءه. يفرزهم برحمته، يجعلهم جانبًا، ُيدخلهم معه في حياة شخصيّة حميمة (1كور 8: 3؛ غل 4: 6). وذلك على مثال الراعي الصالح الذي يعرف خرافه ويبذل حياته من أجلها (يو 10: 14- 15). هذه المعرفة هي اختيار الايمان. فرجاء المسيحيين يستند إلى أن الله عرفهم، لا، كما يقول الغنوصيون، إنهم عرفوا الله. في عد 16: 5، تبقى اللهجة مهدّدة: الله يعرف الذين ظلوا أمناء لموسى، كما يعرف الذين تمرّدوا فنالوا عقابًا يتذكّره الناس من جيل إلى جيل. فالمعلّمون الكذبة يحاولون تدمير سلطة بولس كما فعل قورح ورفيقاه مع موسى. والاستشهاد الثاني هو خلاصة نصوص كتابيّة عديدة: مز 6: 9؛ أش 52: 11؛ لا 24: 16؛ أش 26: 3. هو موقف الانسان الذي يتقبّل نداء الله. من جهة، يعلن المؤمن أن الله وحده هو الربّ الذي يدعوه. ومن جهة ثانية، يجعل حياته موافقة لإيمانه فيقطع كل رباط يميل به عن الله (رج 1كور 5: 11؛ 6: 9- 11؛ 10: 21؛ 2كور 6: 14). فلا يستطيع أحدًا أن يبقى متعلّقًا بالشرّ، ويحسب أنه يقيم في معرفة الله (مت 7: 23: ما عرفتكم).
ويواصل بولس مقابلة الكنيسة ببناء. كان قد تحدّث عن أساسات هذا البناء. والآن ينتقل إلى الأثاث. ففي عدد من الآنية... بعضها لاستعمال شريف، والبعض الآخر لاستعمال دنيء. في روم 9: 21- 23 كان تشديد على حريّة الله السامية. أما هنا، فترك الكاتب النشاط الخلاّق لدى الخزّاف الالهيّ، ولاحظ وجود فئتين من المسيحيين في الكنيسة: هؤلاء الذين هم في يد الله آنية مقدّسة، مفيدة، جديرة بكل عمل صالح. وهؤلاء الذين لا ينفعون شيئًا. فإذا أراد الانسان أن يكون إناء صالحًا، قطع كل اتصال بالآنية الدنيئة، أي بالذين يقترفون الاثم ويهدّدون إيمان المسيحيين.
في هذا الإطار من الخطر الآتي من الخارج (العالم المعادي)، ومن الداخل (المعلّمون الضالون) يعمل تيموتاوس. وموقفه يتطلّب التواضع والمحبّة. لهذا يطلب منه الرسول الابتعاد عن شهوات الشباب: لسنا على مستوى الحواس التي نسود عليها فلا نقع في الفجور، بل على مستوى الهرب من رذائل يتعرّض لها الشباب: تصلّب وعناد. الاهتمام بالتغلّب على الآخر مهما كان الثمن. نقص في الواقعيّة. ميل إلى الجدالات التي لا تنتهي. يتجنّب التلميذ هذه الأمور، فيطلب البرّ والعمل بمشيئة الله، يطلب الإيمان والمحبّة. ونتيجة مثل هذا التصرّف هو السلام والوئام بين رئيس الجماعة والمؤمنين. يسمّيهم هنا (آ 22): "الذين يدعون الرب". رج آ 19: "من يذكر اسم الربّ". نحن هنا أمام الاعلان الأساسيّ للايمان: يسوع ربّ (روم 10: 19؛ 1كور 2: 3). أعلن العهد القديم أن من يدعو باسم الربّ يخلص (يوء 3: 5). وطبّق العهد الجديد على المسيح نصوصًا أشارت في الأصل إلى يهوه، إلى الله. فالآن، الدعاء باسم يسوع هو الذي يمنح الخلاص (أع 2: 21؛ 4: 12؛ 22: 16؛ روم 10: 13). والذين يدعون الرب هم المسيحيّون (أع 9: 14، 21؛ 1كور 1: 2).
وإن أراد تيموتاوس أن يسود السلامُ الجماعة، يحاول أن يُبعد أسباب المجادلات: بحث باطل، جنون، بلادة وابتعاد إعمال الفكر. وعبد (خادم) الربّ، تيموتاوس، يتطلّع إلى يسوع عبد الربّ، كما في أناشيد أشعيا، ليجد فيه مثالاً يقتدي به بالصبر والوداعة والاقناع والهدوء. المقاومة حاضرة في وجه الراعي والمعارضة. وهو لا يكسر القصبة المرضوضة، ولا يُطفئ الفتيل المدخّن (أش 42: 2- 3). وتيموتاوس لا يكون رجل خصومة ونزاع، بل يتقبّل الجميع، ويلامس قلوب المخالفين بوداعته. وهو لا ييأس أبدًا. فما طُلب منه أن يهدي الضالين بوسائله الخاصة. فالاهتداء نعمة من الله، والله لا يستحيل شيء عليه. يبقى على الراعي أن يتحلّى بثقة عميقة بذاك الذي ينمي زرعًا زرعناه وسقيناه (1كور 3: 5- 9). والمهتدي يشبه انسانًا سكرانًا عاد إلى وعيه، أو طريدة وقعت في فخّ، ثم استعادت حرّيتها.
خاتمة
ذاك هو واجب تيموتاوس في كنيسة أفسس. كلمة الله، كلمة الحق، يحملها باستقامة. هذا يعني أنه يبتعد عن تعاليم الضلال، عن المجادلات السخيفة، عن الكلام الفارغ. وعليه أن لا يخاف، أن لا ييأس. فالكنيسة ثابتة، وأساسها هو الله. فيبقى على المؤمن أن يحفظ نفسه من كل تأثير يدمّره ويدمّر الجماعة. وعلى خادم الله أن يكون على مثال المسيح الراعي الصالح الذي ضحّى بنفسه من أجل خرافه. وعلى ضوء عبد الربّ الذي تصرّف بوداعة مع الذين خالفوه وعارضوه والذي تحمّل الاساءة وما ردّ على الشرّ بالشرّ، بل أسلم نفسه إلى الربّ. لهذا قبل الله ذبيحته، وبرّر به الكثيرين. 
الفصل التاسع
أخطار الأزمنة الأخيرة
3: 1- 9

بعد أن تذكّر بولس الماضي (ف 1) وأشار إلى تيموتاوس كيف يواجه الصعوبات الحاضرة (ف 2)، أخذ يحاور تلميذه حول الأخطار الآتية: الفساد الخلقيّ، التعاليم المضلّة، الاضطهادات. وأعطاه الطريقة التي بها يواجه هذه الأخطار: أمانة للكتب المقدّسة ومثابرة على قراءتها. فجنديّ المسيح يحتاج الآن أكثر من أي وقت مضى، إلى قدرة الله، لأن تهديدات الخصوم تتزايد. أجل، الحياة الخلقيّة لدى المسيحيين الأوّلين ليست مثاليّة، كما نتصوّر. فالهرطقة والجحود يجتذبانهم. ولكن هذا لا يدفع الراعي إلى القنوط واليأس. فالصراع بين الخير والشرّ معروف، وانتصار ظاهر للشرّ قد تحدّث عنه الربّ، ولا سيّما في خطبة العشاء السريّ (يو 15: 18ي). يبقى على الرسول أن يتّخذ ثلاثة مواقف: أن يتجنّب الهراطقة كي لا يُفسدوه بمثلهم السيّئ. أن يتشجّع حين ينظر إلى حياة بولس فيبقى أمينًا للتعليم الذي تسلّمه. أن يقرأ الكتب المقدّسة فيتعلّم منها كيف يحارب الضلال وينتصر عليه، وكيف يعلّم المؤمنين من أجل خلاصهم.

1- مناخ الحرب من أجل الايمان
حين نقرأ 1تم، نجد أن الحرب على الخصوم هي في بدايتها (1تم 1: 3ي، حول الشريعة)، في مسيرتها (1تم 4: 1، حول النسك)، وفي نهايتها (1تم 6: 3ي، حول المال). فإن لم توجد هذه الحرب في جميع التحريضات، إلاّ أنها تُشرف على الرسالة ككلّ. لماذا طلب بولس من تيموتاوس أن يبقى في أفسس؟ ليوصي "بعض الناس أن لا يعلّموا تعاليم تخالف تعاليمنا" (1تم 1: 3). إن الحرب على المعلّمين الكذبة هي الوجه السلبيّ للتعليم. والوجه الايجابيّ هو المحبّة وممارسة الفضائل (1تم 1: 5). هذه الحرب هي التي تُبرز تيموتاوس كمثال للمؤمنين (1تم 4: 1ي). وتدلّ على أن مهمّته هي أن يحفظ الوصيّة منزّهة عن العيب، وأن يحفظ الوديعة التي تسلّمها من الله (1تم 6: 14، 20). إذن، الخطبة ضدّ الخصوم هي في خلفيّة التحريضات التي توجّهت إلى تيموتاوس في ما يخصّ تصرّفه وتعليمه. وهي تتسجّل في إطار الجماعة وفي خطّ تسلّم المسؤوليّة في الكنيسة. فتيموتاوس تجاه الخصم هو بمثابة التعليم الصحيح تجاه التعليم الآخر.
وأخيرًا، إن الخصوم حاضرون في كل الأزمنة: في الماضي الذي عاشه بولس والجماعة (1: 19- 20). في الحاضر الذي يعيشه تيموتاوس (1تم 1: 4ي؛ 4: 3ي؛ 6: 3ي). وفي المستقبل، في الأزمنة الأخيرة (1تم 4: 1- 2)، أي في حاضر الجماعة (2تم 3: 1ي؛ 4: 3- 4). كأني ببولس رأى مسبقًا، بإلهام من الروح، ما سيفعله المعلّمون الكذبة في وقت يكون تيموتاوس عائشًا في أفسس.
غير أن الجدال مع الخصوم، لا يتوقّف في 2تم، عند الجدالات الكلاميّة، فهو يترك أثره في إشارات شخصيّة، حيث يبدو الضّال وكأنه ترك بولس. إن 1: 15- 18 يُوجز التحريض الأول في نقيضة بين "تذكّر" و"لا تخجل" من جهة، وبين "جميع الذين تخلّوا عني في أفسس" من جهة ثانية (آ 15)، وفي تضمين يجد جوابه في 4: 16: "تركني الجميع".
ربط الكاتب موضوع التخلّي بموضوع ألم الرسول في قلب 2تم. فمن ترك الرسول ترك حقيقة الانجيل (1: 12، 15؛ 2: 8؛ 4: 10). وهذا التلاقي بين الرسالة والرسول نجد تعبيرًا عنه في 4: 14- 15: "اسكندر النحاس أساء إليّ كثيرًا... فاحترسْ منه أنت أيضًا، لأنه عارضَ أقوالنا معارضة شديدة". ونقول الشيء عينه عن ديماس "الذي أحبّ العالم الحاضر" (4: 10)، والذي ترك بولس: إنه يقابل جميع الذين "أحبّوا ظهوره" (4: 8)، أي ظهور الربّ.
والمقطع حول الخصوم في 3: 1- 9، يليه حالاً التحريضُ الشخصيّ الذي توجّه إلى تيموتاوس (آ 10- 14)، فتأسّس على ماضيه كتلميذ بولس. والآية 13 تندّد أيضًا بالمعلّمين الكذبة الذين هم "خادعون ومخدوعون". إن تسمية هؤلاء توافق المقابلة مع ينيس ويمبريس (آ 8) اللذين هما شخصان قال فيهما التقليد إنهما كانا من السحرة في مصر، وقاوما موسى، فلا بدّ من نزع القناع عنهما، والدلالة على تفوّق الاله الحيّ. في هذا المجال، نقرأ ما كتبه يوسيفوس في العاديات البيبليّة (2: 285ي) وذلك بعد أن ابتلعت عصا موسى عصيّ السحرة: "في الحقيقة، أيها الملك، أنا لا أحتقر حكمة المصريين، بل أعلن أن ما فعلتُه يتجاوز سحرهم وفنّهم، بمقدار ما الالهيّ يتجاوز البشريّ. وسوف أبيّن أن أعمالي تصدر لا عن الكذب، ولا عن تشويه التعليم الحقيقيّ، بل عن عناية الله وقدرته". هذا ما نجده في 2تم 3: 1ي. ظاهرهم ظاهر التقوى. (آ 5). يتعلّمون بدون الحقّ (آ 7)، يتقدّمون ولكنهم لا يصلون إلى شيء (آ 9- 13).
إن الصراع مع الخصوم يشير إلى فهم السوتيريولوجيا، إلى فهم خلاص يسوع المسيح، كما يُبرز القيمة اللاهوتيّة للزمن الحاضر. إذا كان الخلاص حدثًا، فهو حدث يوصلنا إلى الله. ينطلق من مشيئة الله الأزليّة إلى تفاصيل حياتنا اليوميّة. وهكذا يكون التعليم على المحكّ: على مستوى الخلاص، كما على مستوى العلاقات بين الناس. تجاه مخاطر الخصومات والمجادلات والبلبلة في نظام الجماعة، تجاه نظريات تجعل من الدرس حركة فارغة، تجاه فصْل بين "قال" و"عمل"، تتكلّم الرسائل الرعائيّة عن النظام في البيت، في الكنيسة، عن رئيس لا توجّهه الكبرياء والأموال، بل نداء جاءه من بولس ومن الربّ، عن "تقوى" هي أسلوب حياة متوازنة تستطيع أن تكون نموذجًا للذين في الخارج، للوثنيين الذين لم يدخلوا بعد إلى الكنيسة.

2- دراسة النصّ
تجاه شرّ البشر وكذب معلّمي الضلال، يبقى تيموتاوس واثقًا، ليس فقط لأن الأساس الذي وضعه الله متين (2: 19)، بل لأن ثورة قوى الشرّ "في الأزمنة الأخيرة" قد أعلنت سابقًا وسوف تُقهر. هذه الثورة هي جزء من مخطّط سريّ يُشرف عليه الله. فلا نتحيّر ولا نتبلبل.
يتحدّث النص عن معلّمين ضالين (3: 1- 5) ويصفهم في ضلالهم. وفي جزء ثان، يرينا الكاتب نتائج عملهم (آ 6- 9) وما فيه من شرّ يعود إلى زمن موسى.

أ- معلّمون ضالون (3: 1- 5)
يتطلّع بولس إلى المستقبل. هذا ما يفعله من يعلن وصيّته عند ساعة موته. ولكن هذا المستقبل هو في الواقع حاضر الكنيسة كما يعيشه تيموتاوس. وهو حاضر مظلم.
أولاً: في الأيام الأخيرة (آ 1)
"إعلم". يبدأ النص في صيغة الأمر، ليدلّ على أشياء عُرفت سابقًا (روم 6: 6)، أو ليُعلن أمورًا جديدة (2بط 3: 17)، بل نحن أمام لفت انتباه. أنظر كيف تمّ ما سبق وحدّثتك عنه (1: 18). ويدلّ "إعلم" على الأزمنة الاسكاتولوجيّة (2تس 2: 6)، فيطلب منّا أن نأخذ موقفًا شخصيًا: لا ننغشّ. فالعالم يسير من سيّئ إلى أسوأ. فاستعدّ للأسوأ. هذا ما قاله الربّ لإرميا حين حاجّه: "إن كنت جريتَ مع المشاة فأتعبوك، فكيف تتسابق مع الخيل؟ وإن كنت تطلب أرضًا مطمئنّة لتكون في سلام، فماذا تفعل في أدغال الأردن" (12: 5).
"الأيام الأخيرة" (رج أش 2: 2؛ أع 2: 17؛ يع 5: 3؛ رج مي 4: 1؛ 2بط 3: 4). هي الأيام الآتية أو الآتي من الأيام. في المستقبل القريب أو البعيد. على المستوى النظريّ، هي حقبة في تاريخ الكنيسة تقع بين مجيء المسيح الأول ومجيئه الثاني، وفيها يتمّ الخلاص: الأزمنة الأخيرة (عب 1: 2) تقابل زمن المواعيد والتهيئة المسيحانيّة.
إن ملك الأدهار (الايونات، 1تم 1: 17) وزّع أزمنة الكون، كما الفصول في السنة. والمرحلة الأخيرة في التاريخ هي الساعة الأخيرة (1يو 2: 18). هي مؤلمة وتشبه ساعة الولادة. وهكذا تفسّر كلُّ محنة على أنها علامة عن نهاية الأزمنة (مر 13: 22؛ مت 25: 10- 12؛ لو 18: 8؛ 21: 5- 36). ويُدعى تيموتاوس لكي يرى في فساد التعليم والأخلاق، في تكاثر معلّمي الضلال (أع 20: 29؛ 2بط 2: 1- 2)، ظهورًا للشرّ الاسكاتولوجيّ (غل 1: 4؛ أف 5: 16). "خالابوس"، صعب. يحمل الخطر للايمان وللكنيسة. يحمل الشرّ (مت 8: 28؛ 2مك 4: 16). ويكون هذا الضررُ من الخطورة بحيث يقصّر الربّ تلك الأيام من أجل المختارين (مت 24: 12).
ثانيًا: بشريّة فاسدة (آ 2)
ماذا سيكون في "الأيام الأخيرة"؟ فساد البشريّة. "انتروبوس". الانسان. جاء الاسم في صيغة الجمع مع التعريف، ليدلّ على انتشار الفساد مع الرذائل المذكورة. نحن هنا أمام 19 لفظًا (رج 1: 29ي) قريبًا من فيلون ومن اللاهوت اليهوديّ. الأنانيّة هي المسيطرة، وسلطتها تستبعد كل شريعة سوى شريعتها: شريعة الله، شريعة الوالدين، شريعة العلاقات مع القريب. هؤلاء الوحوش الذين لا قلب لهم هم ثمرة جيل شيطانيّ (يو 8: 44). يقيمون حتّى في الكنيسة فيحافظون على ظاهر الدين. هنا نتذكّر تدخّل الضابط الكل ليغلب التنين والوحش (رؤ 16: 13- 14).
الانسان يحبّ نفسه، كما قال أفلاطون وأرسطو. أما "الأنانيّ" (فيلاوتوس) عند بولس، فيتركّز على ذاته، ويحبّ نفسه بحيث يضيع الحسّ الخلقيّ عنده. فتصبح نفسه لادينيّة في عمقها. الأنانيّ يعتبر نفسه المقياس، فيَعبد نفسه، ويصبح إله نفسه. كيف تظهر الأنانيّة؟ في حب المال، في الجشع (فيلاغيروس). هو أصل جميع الشرور (1تم 6: 9- 10). الجشع (والبخل) رذيلة الفريسيين (لا 16: 14)، ورذيلة السفسطائيّين الذين يبيعون الكلام، والفلاسفة الذين يشوِّهون الحقيقة، والهراطقة (تي 1: 11) الذين يبيعون الايمان. والعجرفةُ رذيلة الانسان الغني ورجل السياسة، والبليغ والفيلسوف. المتعجرف يحاول أن يرتفع، وبالتالي يحتقر الآخرين. وهناك المتكبّر والشتّام (1تم 1: 20؛ 6: 4؛ أع 6: 11؛ 2بط 2: 11).
والتمرّد على السلطة رذيلة خاصة بالوثنيين والهراطقة. وهناك غياب التقوى النبويّة (روم 1: 30). نرفض الطاعة لوالدينا، ننسى حسناتهم (حك 14: 20) ونقع في الشرّ، بما فيه الزنى ضدّ الطبيعة.
ثالثًا: لا رأفة لهم ولا عهد (آ 3- 4)
"استورغوس" (روم 1: 31). رذيلة ترتبط بالموت والجحيم، بالانسان الذي لا يحبّ زوجته وأولاده. لا حنان في قلبه ولا محبّة، بحيث لا يعرف صداقة مع أحد. هو من لا رأفة في قلبه. ويرافقه: من له عهد له (اسبوندوس). هناك البغض والعداوة. يصبح الانسان ذئبًا لأخيه الانسان. والنمّامون يفترون على القريب. والمتهوّرون لا يسيطرون على ذواتهم.
والخونة (آ 4) يُشبهون يهوذا (لو 6: 16) ويرافقون القتلة (أع 7: 52)، فيسلّمون أهلهم وأقاربهم إلى سلطة الاضطهاد (مت 24: 10). صاروا عميانًا فغرقوا في الملذات، وتركوا الله والفضيلة.
رابعًا: ابتعد عنهم (آ 5)
بيّنتْ هذه الآية العلاقة بين هؤلاء الناس والهراطقة الذين يعرفهم الكاتب: لهم ظاهر (مورفوسيس روم 2: 20) الدين. يتمسّكون بقشور التقوى (اوسيبايا). رج 1تم 6: 5. هم يعظون في الكنيسة. يخضعون لبعض الأمور. ولكنهم أنبياء كذبة (2كور 11: 14 والشيطان الذي يتزيا بزيّ ملاك النور). يُفرغون المسيحيّة وكلام الله من مضمونه، بحيث لا يعود يفعل في المجتمع (رج نفْيهم للقيامة). في أي حال، هم مراؤون (مت 23: 3)، كاذبون، ينزعون كل قدسيّة عن الدين، ويفسّرون التقليد ويكيّفونه ليكون بحسب أذواقهم. الألفاظ هي هي، ولكنها تُعطى معنى جديدًا. يؤخذون بالكلام، فينسون أنهم أمام وحي الله وخلاص البشر. من عاشرَ هذه القبور المكلّسة عرّض إيمانه للخطر. فليبتعد (أبوترابستاي، مراحدة في العهد الجديد) عنهم تيموتاوس دون ندامة، ولا يوجّه إليهم كلامًا (سي 20: 29). بما أن الهراطقة الثرثارين تركوا الايمان بشكل نهائيّ، فلتكن القطيعة معهم حالاً.

ب- نتائج عملهم (3: 6- 9)
إذا كان هذا عمل هؤلاء "الهراطقة"، فما تكون نتيجة عملهم؟
أولاً: يتسلّلون إلى البيوت (آ 6- 7)
وإذا أردت أن تتعرّف إلى هؤلاء "المعلّمين"، تراهم يتسلّلون إلى البيوت حيث ينقلون دعاوتهم ويضمّون النساء إلى أفكارهم. إندينو" (تسلّل). مراحدة في العهد الجديد. ارتدى، لبس. ثم دخل خلسة، تسلّل مثل لصّ، أو مثل الحيّة التي جاءت إلى حوّاء. يفرضون نفوسهم بتقوى ظاهرة، أو يخلبون العقول بكلامهم. "أيخمالوتيزو": قيّد، سجن، أسر (لو 21: 24؛ روم 7: 23؛ 2كور 10: 5). طريدة بسيطة مثل هذه النسوة (النسيوات، مع التصغير): "غينايكاريون". لفظ احتقار. نساء غير مسيحيّات. لم يتطهّرن بعد ولم يتحرّرن من الخطيئة بالعماد. هن وثنيّات (لا مؤمنات جاحدات) يشكّلن حقلاً لزرع الضلال: خطاياهن كثيرة. مكدّسة: "سوراوو"، جمّع، كدّس. رج يه 15: 11؛ أم 25: 22 = روم 12: 20. ويقدّمن نفوسهنّ لهؤلاء المعلّمين الجدد الذين يقتادونهنّ كما يشاؤون (مت 10: 18؛ 1كور 12: 2). أهواءهنّ، نزواتهنّ، عديدة ومتنوّعة (تي 3: 3؛ رج عب 13: 9: بويكيلوس).
هناك تعليم وتعليم. هناك نساء ونساء (آ 7)، هي صفة حلوة أن تهتمّ المرأة بأمور الدين وتتعلّم (مانتاناين) إيمانها (1تم 2: 11؛ تي 3: 14). ولكن هناك نساء يتعلّقن تعلّقًا مريضًا بكل ما هو جديد دون أي تفكير في الحقيقة. في هذه الظروف، نكون على المستوى الدنيويّ، لا على المستوى الدينيّ. فالاستعدادات الخلقيّة وحدها هي التي تكفل البلوغ إلى معرفة الحقّ (2: 25؛ 1تم 2: 4) والخضوع للوحي الالهيّ.
ثانيًا: ينيس ويمبريس (آ 8)
إن هراطقة الأزمنة الأخيرة هم من هذا النوع (أع 7: 28)، على شاكلة ينيس ويمبريس. اسمان مجهولان في التوراة وفيلون ويوسيفوس. ولكن التقليد اليهوديّ جعلهما شخصين معروفين. قد يكون مفسّرو "الخرافات اليهوديّة" (تي 1: 16) علّموا هذا الخبر لأهل أفسس، فأخذه بولس ليندّد بهؤلاء المعلّمين. حين أجرى موسى (وهارون) معجزات أمام فرعون، دعا الملك الحكماء والسحرة، فصنعوا ما صنعه موسى، بواسطة علمهم الخفيّ. وأعطى ترجوم يوناتان المزعوم اسمًا لاثنين منهم، فأنبأا بأن موسى سيدمّر مصر كلها (في خر 1: 15). وقال الترجوم أيضًا إنهما ابنا بلعام (في عد 22: 22)، وأبرز معارضتهما لموسى (في خر 7: 11). اشتهرا شهرة واسعة فكان "كتاب ينيس ويمبريس" الذي عرفه اوريجانس.
ما فعله هذان في الماضي، يُفعل لدى الهراطقة في نهاية الأزمنة. "انتستيمي": وقف في وجه، ضدّ. قاوم. هي مقاومة الايمان (أع 6: 10؛ لو 21: 15) كما عارض عليما (أع 13: 8) والاسكندر (2تم 4: 15) بولس الرسول. يستعملون سحرهم لكي يقفوا في وجه خدّام الله وانجيل الحقّ.
استعمل 1 مك 8: 11 الفعلين "قاوم" و"فسّر" (1تم 6: 5) معًا. في العهد القديم "كاتافتايرو" يعني فسُد، تشوّه على المستوى الخلقيّ (2 أخ 27: 2) مع إشارة إلى العنف (تك 6: 12- 13). ويعني أيضًا: خرّب، دمّر، هدم (أش 36: 10؛ 1مك 3: 39؛ 15: 31؛ حك 16: 19، 22). إذن، المعلّمون الكذبة فقدوا عقلهم فما عادوا يستطيعون أن يمارسوا وظيفة التعليم، لأن ملكة التفكير عندهم قد فسُدت، مثل شجرة اهترأت فما عاد باستطاعتها أن تعطي ثمرًا (لا 26: 29؛ مت 7: 16ي؛ 12: 33). إذن، خرجوا من الصف، ألغوا نفوسهم (تي 1: 16). ما عادوا يقدرون أن يخضعوا للايمان الحقيقيّ لكي يعلّموه.
ثالثًا: انكشفت حماقتهم (آ 9)
قد نخاف من تقدّم الآكلة وتطوّرها (2: 16- 17). ولكن هذا الوصف المعتّم لدعاوة الضلال تنتهي في جوّ من التفاؤل: لن يذهبوا بعيدًا (2: 16؛ أع 20: 9). فالناس كلهم سوف يرون أن لا حسّ لهم. يرون فساد عقلهم (نوس)، وعبث تنظيراتهم الخرافيّة (أنويا). رج لو 6: 11؛ 2مك 14: 5؛ 15: 33. غاب العقل، غاب الفكر، فسد. وفي النهاية، ينكشف الكذب، والضلال لن يكون له النجاح الدائم. ذاك كان وضع ينيس ويمبريس (خر 7: 12؛ 8: 14ي؛ 19: 11).
مثل هذه الظواهر اللمّاعة تغرّ العيون، ولكنها تنكشف مع الزمن. وفي النهاية نحتقر ما سبق وأعجبنا به (الذهبيّ الفم). والذين ضلّوا يعودون عن غيِّهم. هذا لا يعني أن ما قيل في آ 1، 13 لم يعُد له من وجود، بل يدلّ على أن الأساس الثابت يبقى غير متزعزع (2: 19؛ 1تم 3: 15)، وأن لا قوة شيطانيّة تتغلّب على الكنيسة (مت 16: 18). كل هذا يصيب الضالين في كنيسة أفسس، وفي سائر الكنائس، منذ نهاية القرن الأول: "امتحنتَ الذين يزعمون أنهم رسل وما هم رسل، فوجدتهم كاذبين" (رؤ 2: 2).

3- قراءة إجماليّة
سيبقى تيموتاوس واثقًا بالربّ، ثابتًا في موقفه، رغم شرّ البشر وكذب معلّمي الضلال. فأساس الكنيسة متين وقد وضعه الله. وثورة قوى الشرّ هذه سوف تخمد، كما خمدت في الماضي ثورة المتمرّدين على موسى. يبقى على التلميذ أن يكون واقعيًا وينتظر مثل هذه المقاومة التي تدخل في سرّ الله. فمنذ مجيء المسيح، تعيش الكنيسة انتظار الأيام الأخيرة التي بدأت في موت يسوع وقيامته. ونتذكّر أن المسيحيين في القرن الأول اعتبروا أن عودة الربّ لا تتأخّر وقد بدأت ملامحها تظهر من بعيد.
حسب الجليان اليهوديّ، ستكون الأيام الأخيرة أيامًا صعبة. فالاضطهادات تصيب المؤمنين (مت 10: 17- 22). إلاّ أن 2تم لا تتحدّث عن الاضطهاد، بل عن انتشار الخطيئة (مت 24: 12؛ لو 18: 8؛ 2تس 2: 9- 12). هذا ما قالته وصيّة يساكر (6: 1) التي هي إحدى وصيّات الآباء الاثني عشر: "إعلموا إذن يا أبنائي. في الأيام الأخيرة، يترك أبناؤك البساطة ويتعلّقون بالجشع، يتخلّون عن البراءة، ويتعاطون اللصوصيّة. ينسون وصايا الله ويتعلّقون ببليعار".
في الأيام الأخيرة تفسد البشريّة كلها. هنا تأتي لائحة الرذائل مع التشديد على خطايا العقل والفكر، لا على خطايا الجسد والزنى. يكتفي الانسان بنفسه، فيفضّل حبّ الذات على حبّ الله. والسبب العميق لجميع الخطايا هو رفض وضعنا كخليقة لنعتبر نفوسنا قاعدة حياة. نعتبر نفوسنا آلهة (تك 3: 5) فنقرّر ما هو شرّ وما هو خير. حبّ الذات هو في أصل جميع الرذائل. ويرتبط به حبّ المال، أصل كل الشرور (1تم 6: 10). فمن أحبّ المال كان عابد أوثان (أف 5: 5).
والانسان المكتفي بذاته يشبه الفريسيّ، فيتقدّم (لو 18: 11) ليدلّ على عجرفته وكبريائه. ليس عنده روح دينيّ ولا تقوى بنويّة. هم مجدّفون، رافضون لسلطة الوالدين. امتلأوا من ذواتهم، فاعتبروا أنهم يتنازلون حين يقرّون بجميل عليهم أو بواجب احترام. هؤلاء الناس الراضون عن أنانيّتهم، يكونون بلا قلب، بلا رأفة، في الأيام الأخيرة. لا يُحسّون بآلام الآخرين، ولا يرون حاجاتهم. بالاضافة إلى ذلك، يفترون، فيدلّون على قساوتهم وعلى عدم سيطرة على نفوسهم، على لسانهم. وأبعد من ذلك، هم يشون بالمسيحيين لدى السلطات الرومانيّة. يظنون أن أحدًا لا يقدر أن يقاومهم فيتصرّفون بشكل فظّ، بعد أن أعمتهم الكبرياء واستعبدتهم الملذّات.
هم لا يُقرّون بخطأهم. بل يعتبرون نفوسهم أصحاب فضيلة. هنا يظهر التعارض بين الوجه الخارجيّ والواقع العميق. فالتقوى قوة وديناميّة. هي تفعل في الداخل فتحوّل حياتنا. والمؤمن نال "روح القوّة" (1: 7) الذي يقوده (روم 8: 14) ويحييه (غل 5: 25). فالتصرّف الخارجيّ لا قيمة له إن لم يعبّر عن ديناميّة الروح، إن لم يكن "ثمرة الروح" (غل 5: 22). حذّر التقليد الانجيليّ من هؤلاء "المعلّمين" الذين هم ذئاب في ثياب حملان (مت 7: 5؛ رج أع 20: 29). فمن عمل عمل هؤلاء المضلّين، أنكر جوهر الانجيل وخطئ ضد الروح القدس الذي تكلّم بالأنبياء.
هم ينشرون البدع وما فيها من هرطقة. بما أنهم مراؤون فهم يتصرّفون بطريقة معوجّة. لا يأتون إلى اجتماعات الجماعة لئلاّ يُفضحوا. فيكتفون بأن يتسلّلوا إلى البيوت بحيث لا يراهم أحد، ويعلّموا النساء "الصغيرات"، الضعيفات على المستوى العقليّ والمستوى الخلقيّ. هنّ طريدة سهلة للمعلّمين الكذبة. فيُستعبدن بدون مقاومة. مثل هؤلاء النسوة لسن مثال الفضيلة. بل سحقهنّ ثقلُ الخطيئة فعملت فيهنّ كل أنواع الشهوات. أما المؤمنون الحقيقيّون فيقودهم الروحُ القدس (روم 8: 14).
ما يجعل هؤلاء النسوة سريعات العطب تجاه الدعاوة المهرطقة، هو العطش إلى كل جديد. هن ضعيفات، متقلّبات، يهتمّمن لكل فضوليّ. لا يقدرن أن يفكّرن ليبلغن إلى معرفة الحقّ التي تحرّرهن من الخطيئة. فالحقيقة التي تحرّر هي المسيح (يو 8: 36؛ 14: 6). وقابل بولس عمل "المعلّمين" بعمل ينيس ويمبريس اللذين قاوما موسى. حين ذكر الرسول هذين المتمرّدين أراد أن يدعو المؤمنين الحقيقيّين إلى الثقة والاتّكال على الله. ما استطاع سحرة مصر أن يوقفوا مسيرة شعب الله، بل ماتوا ميتة بشعة. ومصيرهم سيكون مصير المعلّمين الكذبة. قد ينالون بعض النجاح، ولكنهم في النهاية يُكشفون ويُقصون. حينئذ تتواصل مسيرتهم في طريق الشرّ والخطيئة، دومًا إلى الأمام، لا في طريق النجاح لدى الشعب المؤمن. نُزع القناع عنهم، فبان جهلهم، فما عاد أحد يصدّقهم.

خاتمة
ذاك هو الوجه البشع للأشرار في نهاية الأزمنة. وجه المعلّمين الكذبة الذين يتسلّلون إلى البيوت ليسبون عقول السذّج، أو بالأحرى النساء الساذجات اللواتي هنّ قلّة في الجماعة. ولكن الخمير القليل يخمّر العجين كله، والفساد البسيط في الكنيسة قد يصبح كالآكلة فيترك الهريان في الجسم. صورة سوداء عن هؤلاء الناس الذين يشبهون إلى حدّ بعيد الفريسيين باكتفائهم الذاتي وحبّهم للمال ومتاجرتهم بالناس. ولكن اللوحة تنتهي ببعض الأمل: سينكشف شرّهم في النهاية، ويبان فساد تعليمهم. لهذا يتحلّى المؤمنون بالثقة بأن كنيسة الله أقوى من أن تنال منها تعاليم ضالّة ومعلّمون تكون آلهتهم بطنهم ومجدهم عارهم وهمّهم أمور الدنيا (فل 3: 19). فعاقبتهم الهلاك. 
الفصل العاشر
بولس والأمانة للتقليد
3: 10- 17

حين كان صراع داخل الكنيسة في فلسطين وسورية ولبنان، بين أناس يميلون إلى اليهوديّة، وآخرون يقطعون كل رباط بالعالم اليهوديّ، لأن الخلاص يتمّ بالايمان بالمسيح، قدّم الانجيليّ متّى لوحة عن الفريسيين الذين يقودون المسيرة اليهوديّة بعد دمار أورشليم سنة 70، وأظهر رياءهم وكذبهم، وشبّههم بالقبور المكلّسة، وقال فيهم إنهم يأكلون بيوت الأرامل متظاهرين بإطالة الصلاة. ثم جعل أمام المؤمنين صورة المسيح الوديع والمتواضع القلب، الذي ما جاء ليُخدم بل ليخدم ويبذل حياته عن الكثيرين. فماذا يختار المسيحيّون. وفعل الكاتب مثل متّى، في هذه الرسالة. قدّم صورة عن هؤلاء المعلّمين "الأنانيين، المتعجرفين، النمامين...". ثم أعطى صورة عن الرسول الحقيقيّ، عن بولس ذاك الأمين للكتاب المقدّس والتقليد المسيحيّ. ماذا يختار التلميذ بعد أن عرف تعليم بولس ومسيرته وايمانه وصبره ومحبّته؟

1- مثال نقتدي به
كيف يتصرّف التلميذ؟ كيف يحمل التعليم إلى المؤمنين؟ التعليم لا يكون فقط بالكلام بل بالمثَل الحيّ. مرّ بولس في كنائس آسية، ولا سيّما في أفسس، وقال: اقتدوا بي كما أنا أقتدي بالمسيح. فلماذا نبحث عن معلّمين هنا وهناك يتاجرون بنا ويستعبدوننا، وفي النهاية يتخلّون عنا، باحثين عن طريدة جديدة؟
تتوزّع آ 10- 17 في مقطعين واضحين. ويبدأ كل مقطع: وأما أنت (سي دي). بُني الأول (آ 10- 13) على تعارض زمنيّ (الماضي، المستقبل) فتضمّن تذكرًا وإنباء. ارتكز الإنباء على تطوّر سلبيّ لدى الخصوم، وعلى الاضطهاد الذي يصيب العائشين حسب التقوى. والتذكّر ليس فقط ما يذكره بولس، بل ما يذكره أيضًا تيموتاوس. أو هو بالأحرى أمانة تيموتاوس لبولس في رسالتهما المشتركة. هي موازاة بين ما واجه بولس من ألم (1: 12؛ 2: 9- 10) وما واجه تيموتاوس (3: 10- 11). في 1تم 1: 12- 17 كان كلام عن بداية رسالة بولس في موازاة بداية تيموتاوس في 1تم 6: 11- 16. وهكذا لا يُقدّم موضوعُ الخادم المثاليّ كتحريض وإرشاد، بل كخبرة معاشة: إن تيموتاوس يُدعى إلى الأمانة لماضيه الخاص. هو ما اكتفى بأن يتبع بولس في تعليمه، بل دفع الثمن معه آلامًا قاساها الفريق الرسوليّ ككلّ (رج 2: 1- 13 وما قلناه عن ألم الجماعة).
التعليم هنا هو نشاط قبل أن يكون مضمونًا ومعرفة. في 1تم 4: 6 نجد فعل "تبع" في صيغة الكامل. ونجد الأمر نفسه في 2تم 3: 10. فبعد مقطع عن خصوم يعملون في الأيام الأخيرة (1تم 4: 1- 5)، اتّباع التعليم الحسن يؤسّس التعليمَ الصحيح (أعرض كل هذا، 1تم 4: 6) ويرذل "الخرافات الباطلة وحكايات العجائز" (1تم 4: 7). وهكذا يتماهى "التعليم الصالح" مع "تعليمي" المذكور في آ 10 من هذا المقطع (رج 2تم 1: 12، 14 والمقابلة بين "وديعتي" و"الوديعة الصالحة").
توجّه الارشاد إلى تيموتاوس. وها هو تيموتاوس يصبح مثالاً لما يُقال، بعد أن أخذ حصّته من الآلام التي دُعي لمواجهتها بدون خوف (1: 8). وهكذا يبدو أن ما طلبه بولس من تيموتاوس بأن يتبعه، قد تحقّق منذ الآن (1كور 4: 16؛ فل 3: 17؛ 2تم 3: 7- 9؛ رج 1تم 4: 6). في هذا المعنى نجد توازيًا مع 2تم 4: 6- 8 حيث يرى بولس أن ما طلبه من تيموتاوس في 1تم 6: 14، قد تحقّق.
في آ 1- 9، كانت لائحة رذائل. وفي آ 10ي، نجد لائحة المزايا والفضائل في عناصر غير متجانسة: التعليم كنشاط. الحبّ كفضيلة. الآلام التي نحتملها ونحن ثابتون. نجد هنا ثلاثة مثلّثات. الأول يرسم البرنامج البولسيّ: التعليم، السيرة، المقاصد (رج 1تم 4: 12 حيث نجد الكلام والسلوك). ويقدّم المثلّث الثاني الايمان (البرّ والثبات أو طول الأناة)، الفضائل الضروريّة لاتمام البرنامج. ويتوسّع المثلّث الثالث في موضوع الثبات (هيبوموني) بكلام عن الاضطهاد والعذاب، كما عرفهما بولس وتيموتاوس.
هي أمانة لتعليم بولس، مضمونًا وسلوكًا. وفضائل يُقرّ بها الجميع. وثباتٌ عاشه الرسول مع تلميذه. هي مسيرة يتبعها تيموتاوس، وهي لا تشمل فقط لائحة بالصعوبات، بل تتحدّث عن الخلاص. هذه العودة إلى الماضي، تؤسّس الواقع الحاضر. فما يُطلب من القارئ اليوم يرتبط ببولس، وهكذا يُبنى جسر بين المتكلّم (أنا، سيرتي أنا) وأنت (سي دي) الذي يقرأ الرسالة. لا شكّ في أن بولس ذاهب إلى الموت بحيث ينفصل عن تلميذه الحبيب، وعن كنيسة عزيزة على قلبه. ولكنه لم يحسّ نفسه يومًا من الأيام، قريبًا من محبّيه كما هو في هذه الساعة. ارتبطت حياته بحياتهم. فوجب عليهم أن يتابعوا التعليم والسيرة والمقاصد، ويحتملوا ما احتمل.

2- دراسة النصّ
في هذا المقطع (3: 10- 17) حثّ بولس تيموتاوس على الثبات في الايمان والأمانة، بفضل مثال يقتدي به وتعليم يتعلّمه. تلك هي التربية الحقّة التي عرفها العالم الرواقيّ وطبّقها بولس في تكوين تلاميذ مثل تيموتاوس وتيطس وتيخيكس وابفراس وغيرهم. ونحن نقسم هذه المقطوعة قسمين: بين الماضي والحاضر (3: 10- 13). بين الكتاب والتقليد (آ 14- 13).
أ- بين الماضي والحاضر (3: 10- 13)
قدّم بولس حياته قدوة، فعاد إلى الماضي وأراده أن يكون حاضرًا بالنسبة إلى تيموتاوس وإلى كنيسة أفسس. أجل، الماضي ماثلٌ أمام عين التلميذ وقد عاش قسمًا منه خلال رحلات رسوليّة قام بها فريقٌ تألّف من بولس وتيموتاوس وسلوانس.
أولاً: أنت تبعتني (آ 10)
جاء التعارض تامًا مع المعلّمين الكذبة (سي دي). فالذي تبع بولس لا يمكن أن يكون إلاّ مثال المؤمن الحقيقيّ من أجل تعليم الايمان. كانت علاقة بين إبن وأبيه، بين تلميذ ومعلّمه. والنتيجة واضحة. نقرأ فعل "أكولوتاين": تبع عن قرب، تعلّق بشخص (1تم 5: 10؛ مر 16: 20؛ 1بط 2: 21). ويعني أيضًا: مشى بجانب شخص، فهمَ تعليمه وهضمه. هذا يعني أن تيموتاوس تبع بولس ورافقه. سمعه وفهمه. لاحظ تصرّفاته وكان قريبًا من نظرته إلى الأمور. اقتدى به وقاسمه كل شيء.
تبعه في التعليم (1: 13) الصالح (1تم 4: 6). تبعه في طريقة حياته بحسب متطلّبات الايمان. »أغوغي« سيرة، طريقة عيش. "بروتاسيس" قصد. هو قصد الله ومخطّطه (1: 9؛ روم 8: 18). في العهد القديم، هو الترتيب (خر 40: 4؛ 1أخ 9: 32). من هنا، خبز المائدة أو الخبز المرتّب على المائدة (1مك 1: 22). في العهد الجديد، تعني اللفظة: نوايا القلب ومقاصده (أع 11: 23؛ 27: 13؛ رج 2مك 3: 8). هنا، نحن أمام مشاريع بولس ولا سيّما الرسالة لدى الوثنيين (روم 15: 16- 29) والرفض بالتبشير حيث بُشّر باسم يسوع من قبل (2كور 10: 12- 16). ويترافق الايمان والمحبّة (1تم 1: 5؛ 4: 12) مع الصبر (2كور 6: 6؛ كو 1: 11) والاحتمال (1كور 13: 7؛ 2كور 6: 4).
ثانيًا: الاضطهاد (آ 11- 12)
وارتبط بالمحبّة (أغابي) الاضطهادُ من أجل الكلمة (مت 13: 21)، من أجل المسيح (2كور 12: 10). كما ارتبط بالثبات والاحتمال (2تس 1: 4). ذكر بولس فقط ما احتمله في انطاكية بسيدية (أع 13: 50)، وإيقونيّة (أع 14: 5)، ولسترة (أع 14: 19). هذه حصلت خلال الرحلة الرسوليّة الأولى التي لم يعرفها تيموتاوس. نتذكّر أن تيموتاوس اهتدى إلى الايمان، على يد بولس، في لسترة، وقد يكون شهد رجم بولس. فكما وُلد اونسيمس في القيود (فلم 10)، كذلك وُلد تيموتاوس في خبرة الاضطهاد. وإذ رأى تيموتاوس ما رأى، فهمَ عظمةَ الايمان الجديد يعيشه ذاك الذي سيصير أباه الروحيّ.
أنقذ الربّ بولس من كل هذا. فما له سوى أن يرفع الشكر ويعطي الدرس: إن من يحيا حياة التقوى يناله الاضطهاد (آ 12). امتدّ مثَل بولس إلى جميع المؤمنين. "في المسيح يسوع"، أي يكونون متّحدين بالمسيح. يكونون أعضاء في جسد المسيح. ويحملون صليبهم كما هو حمل صليبه (روم 8: 17؛ لو 14: 26- 27). من أراد أن يحيا بالتقوى. من أراد أن يرضي الله، وجب عليه أن يتّخذ خيارًا يحقّقه في هذا العالم (مت 6: 24؛ 2كور 5: 14ي؛ 1يو 2: 15ي). لهذا، كان الاضطهاد: "طوبى للذين يحتملون الاضطهاد من أجل البرّ" (مت 5: 10، 10: 28). مع البرّ، أي الحياة بحسب مشيئة الله. نحن على مستوى الخلقيّة المسيحيّة. وعلى مستوى التدبير الخلاصيّ نفهم أن نهاية الأزمنة (آ 1) هي نهاية المحنة العظمى (مت 24: 21، 29؛ رؤ 1: 9؛ 2: 22؛ 7: 14). في ايقونيّة ولسترة علم بولس وبرنابا أننا "عبر مضايقات عديدة ندخل إلى الملكوت" (أع 14: 22). وعلى المستوى الرسوليّ (مت 10: 22- 23؛ يو 15: 18- 19؛ 16: 1- 4، 33)، قال بولس لأهل تسالونيكي: "لما كنا عندكم، قلنا لكم إننا سنعاني الشدائد، وهذا ما حدث" (1تس 3: 4).
ثالثًا: الأشرار والدجالون (آ 13)
تجاه الرسل الحقيقيّين الذين ينالون الاضطهاد، هناك أصحاب الدعاوة، في نهاية الأزمنة (آ 1- 9): هم رجال أشرار. هم الكفّار (أش 25: 4- 5؛ 1مك 14: 14). أهل العنف والضيق (إم 15: 21؛ مز 90: 1). وهذا ما يجعلهم في وجه الأتقياء (آ 12). والأشرار، في العهد الجديد، هم أشخاص بلا أخلاق (2تس 3: 12؛ 1كور 5: 13؛ رج يو 3: 19- 20). هم لا يحبّون الصلاح. في آلام يسوع، ازدادت الظلمة فحجبت نور الشمس، وهكذا يفعل الأشرار والدجّالون، ويتقدّمون (2: 16) في انحطاطهم الروحيّ. وفي النهاية، يسقطون في فخاخهم.
قالت الأسفار الحكميّة إن الشرّير يقع في الحفرة التي حفرها (مز 7: 16؛ أم 26: 27؛ 27: 10)، وإن الله يمسك الحكماء بمكرهم، فلا يتيح لهم أن يحقّقوا ما نووه (أي 5: 12- 13؛ رج 1كور 3: 19). عرف التقليد اليهوديّ حرب السحرة على كلمة الله فقالوا: :قصدُهم السيّئ يجعلهم يتجاوزون نفوسهم من أجل دمارهم ويخدعون نفوسهم حين يظنّون أنهم يخدعون الآخرين". رج ما قيل عن الفريسيّين، القوّاد العميان، الذين يسقطون في الحفرة (مت 15: 14).
ب- بين الكتاب والتقليد (3: 14- 17)
بعد مقابلة بين الماضي والحاضر. ها هي مقابلة بين الكتاب والتقليد. بدأت المقابلة الأولى مع "سي دي" في آ 10. وها هي المقابلة الثانية تستعيد الارشاد السابق. 
أولاً: وأنت فاثبت (آ 14)
يتقدّم المعلّمون الكذبة، بل يتراجعون. أما تيموتاوس فهو ثابت في ما تعلّمه، وغير باحث عن البدع، عمّا هو جديد. "مانو"، ثبت، رج 2: 13. لا يترك حقائق الايمان التي تعلّمها (أع 14: 12؛ رج يو 8: 31؛ 1تم 2: 15)، فيتعلّق بما استُنبط من علم "باطنيّ"، لدى الغنوصيّين. هو يعرف الأسباب التي لأجلها آمن، وهو مقتنع بالحقائق التي تعلّمها. "بيستوو" (تيقّن)، مراحدة في العهد الجديد. الثقة والثبات لدى المؤمن تجاه الله وعهده (مز 78: 8، 37). والاقتناع بعد البرهان (2مك 12: 25)، والشهادة (مز 93: 5)، والقسم. في العهد القديم، يطلب المؤمن أن تتحقّق الكلمة التي قالها الله (1أخ 17: 23؛ 2أخ 1: 9؛ 6: 17). وتيموتاوس هو تلميذ كامل (مانتانو)، واع ومقتنع (1: 12؛ رج روم 16: 17)، وبالتالي التزم بما يطلبه منه عماده. نحن لا نؤمن بجزء من العقيدة ونترك أجزاء أخرى. نحن نؤمن بكل العقيدة (عب 10: 22) وإلاّ يكون إيماننا شبه إيمان.
والتعليم يرتكز على الكتب المقدّسة (آ 15) التي نقلها المعلّمون الأوّلون. إذن نحن أمام تقليد هو قاعدة حياة. يشير بولس إلى أم تيموتاوس وجدّته (1: 5)، كما إلى الشيوخ (2: 2- 8)، وسائر المعلّمين الذين نقلوا التعليم الانجيليّ وقوّوا يقينات المؤمن. كل هذا يرتبط بالمعلّمين الأول والزرع الأوّل: فالثمار ترتبط بالزرع الأول (يع 1: 21). ومعرفة التلميذ ترتبط بمعرفة المعلّم.
ثانيًا: منذ الطفولة (آ 15)
مع "عرفتَ" تبدأ جملة ثانية توازي الجملة الأولى. كلتا الجملتين تدفعان تيموتاوس إلى الأمانة: تعلّمَ في الكتب المقدّسة، وذلك منذ طفولته. فإيمانه استقاه من الينبوع، من كلام الله. وبما أنه يعرف ما يعرف، فهو لا يحتاج أن يذهب إلى مكان آخر ويمزج ما يعرفه بأخبار وخرافات. تعلّم تيموتاوس على ركبتي أمه أفنيكة أن يقرأ الكتب المقدّسة. "سوفيزو"، عرف كما يعرف الحكماء. وتصرَّف تصرُّف الحكمة (جا 2: 19؛ 7: 23؛ سي 18: 31). وبالتالي صار بارًا (جا 7: 16؛ سي 7: 5). هذا يعني أنه خضع للشريعة والوصايا وكلام الله على ما في أم 8: 33: "إسمعوا التعليم لكي تصيروا حكماء" (رج مز 105: 22؛ سي 50: 18).
انطلق بولس من الرباط التقليديّ بين التوراة و"سوفيزو"، فنقله إلى العهد الجديد: "للخلاص بالايمان" (فل 1: 19؛ 1تم 3: 13). بعد اليوم، صار موضوعُ الايمان الذي يخلّص، المسيحَ الربّ والمخلّص. ولا يصل إلى هذه "المعرفة" إلاّ ذاك الذي علّمته الكتب المقدّسة (2كور 3: 15- 16؛ عب 4: 2). نحن هنا أمام جملة مقولبة عرفتها الفقاهة المسيحيّة (غل 3: 24؛ أع 10: 43؛ 1بط 1: 10) فأوجزت كلام الكنيسة الأولى تجاه اليهود: سار الرسل في خطى يسوع (لو 24: 27، 44؛ يو 5: 39، 46)، فبيّنوا أن المسيح أتمّ ما قال عنه العهد القديم (أع 17: 3، 11). تربّى تيموتاوس تربية يهوديّة فاستقى من الكتب المقدّسة نور الخلاص، بعد أن اغتذى من الايمان بالمسيح (1تم 4: 6).
ثالثًا: الكتاب وحي الله (آ 16- 17)
كان تيموتاوس طفلاً، فاغتذى كطفل من الكتب المقدّسة (رج 1كور 13: 11). وصار مسيحيًا، فنما إيمانه مع نموّه الشخصيّ. وها هو راع في جماعة أفسس. فعليه أن يتعلّم لكي يعلّم. "الكتاب كله" هو الكتاب المقدّس، العهد القديم، كما عرفته الجماعات المسيحيّة الناطقة باليونانيّة. لا تقليد فلسطين (العبري)، بل تقليد الاسكندريّة (اليونانيّ). وحين نقول الكتاب كله، فنحن نعني جميع الأسفار الكتابيّة بمقاطعها وآياتها (عب 9: 19). فما كُتب بإلهام من الروح يفعل فعله في الخدمة الراعويّة. قال بولس لأهل تسالونيكي، جامعًا كلامه "الانجيلي" مع كلام العهد القديم: "حين تلقّيتم من كلام الله ما سمعتموه منا، قبلتموه لا على أنه كلام بشر، بل على أنه بالحقيقة، كلام الله الذي يعمل فيكم أنتم المؤمنين" (1تس 2: 13؛ رج 1كور 2: 4؛ 14: 37؛ 2كور 5: 20).
نقرأ "تيوبنوستوس". ما نفحه الله. هذا ما يدلّ على الطابع القدسيّ (هيارا) للأسفار الالهيّة (آ 15). ما يعطي هذه الكتب قيمة لا تُضاهى فتميّزها عن كل كتاب آخر، هو أنها نفخة (كلمة) خرجت من فم الله. هذا ما اكتشفه العالم اليهوديّ. والعهد الجديد قال أكثر من مرّة إن الله يتكلّم بواسطة الأنبياء (مت 1: 22؛ لو 1: 70). الروح يعلن (عب 3: 7؛ 9: 8؛ 10: 15).
ماذا نجد في الكتب المقدّسة؟ تعليم من أجل الرعاية (ديدسكاليا) في خطى يسوع (مت 4: 23؛ 9: 35) وبولس (2تم 3: 10؛ كو 1: 28). هي موهبة (روم 12: 7) ننالها، ولكننا نغذّيها بالكتب المقدّسة (أع 8: 35؛ 17: 2). ثم نردّ على المعترضين. نفنّد آراءهم، ونصلح الخطأة. فالتفنيد يجب أن يقود إلى التوبة والرجوع إلى الله. ولا نكتفي بأن نوقف الانحرافات، بل نصحّح، نحسّن، نجعل الانسان في الطريق القويم. لهذا نحتاج إلى قوّة الكتب المقدّسة وحكمتها. "إبانورتوسيس" (مراحدة في العهد الجديد. رج 1مك 14: 34؛ 2مك 2: 22؛ 5: 20). يُعاد بناء مدينة تهدّمت أو معبد أحرق، هناك إصلاح الخطأ، تصحيح السلوك. 
كانت التربية والتأديب (بايدايا) في العالم الرواقيّ، الطريق لكي يكون الانسان صالحًا، محبوبًا في محيطه. وفي الكتاب المقدّس، الطريق لنصل إلى مخافة الله. الربّ هو الذي يربّي، والمربّي البشريّ يعمل معه. لهذا تحدّثت عب 12: 5 عن "تأديب الربّ". بعد الآن، النعمة هي التي تربّي المؤمنين في حياة من البرّ والتقوى (تي 2: 12؛ رج روم 14: 17؛ 2كور 6: 14). إذن الرعاة الحقيقيّون هم "معلّمو البرّ" (2كور 11: 15؛ رج 1تم 1: 11). وهم يلجأون إلى الكتب المقدّسة ليكونوا في خدمة النعمة العاملة لدى الذين يدعون الربّ (2: 22).
وهكذا كانت الكتب مفيدة، بل ضروريّة لرجل الله (1تم 6: 11)، لكل مؤمن، لكل راع. فمن أراد أن يقوم بوظيفته بأمانة، عاد إلى هذه الكتب التي هي الوسيلة الناجحة التي جعلها الله في يد عبيده، لكي يُتمّوا رسالتهم. رجل الله هو قبل كل شيء رجل الكتاب المقدّس.
3- قراءة إجماليّة
إن أراد تيموتاوس أو العاملون في أفسس، مثال حياة، يدفعهم في عمل الرسل ويحذّرهم من المعلّمين الكذبة، فما لهم سوى أن ينظروا إلى بولس (1كور 4: 16). وفي أي حال، بولس هو من يقتدي بالمسيح (1كور 11: 1؛ فل 3: 17؛ 2تس 3: 7- 9). وحين يقتدي به المؤمنون، إنما يقتدون بالمعلّم الأول. وتيموتاوس تبع بولس في طرق الرسالة، كما في طرق الحياة اليوميّة. كان التلميذ أمينًا للمعلّم، ويبقى كذلك. هي أمانة للتعليم كعقيدة، وللتعليم كنشاط. يواصل تيموتاوس عمل المعلّم، ولا يحيد عن التقليد الذي تقبّله من بولس حين يعلّم. وكما سار (أغوغي) بولس، كذلك يسير تيموتاوس. وإن كان الرسول قد طلب من الآخرين أن يقتدوا به، فلأن طريقة عمله تفعل في التلميذ كما يفعل التعليم. وحين خطّط بولس ما خطّط من مشاريع، كان تيمواتوس معه. إذن، فليتابع التلميذ في خط المعلّم بحيث لا يتحجّر الانجيل في الجماعة فلا يعود السيف القاطع بحدّين والواصل إلى أعماق الانسان.
والايمان المذكور في آ 10، ليس أمانة لمهمة تقبّلها تيموتاوس، بل فضيلة إلهيّة ترافق المحبّة المذكورة هنا، بجانب الثبات الذي هو وجه من وجوه الرجاء، والصبر (وطول الأناة). إنه يجعلنا نقبل نصائح الآخرين، ونتحاشى ردّات الفعل الفظّة والانتقاميّة. فالله دلّ على صبره حين تحمّل البشريّة الخاطئة أجيالاً وأجيالاً (روم 9: 22). والمؤمن يقتدي به فيتحمّل نقائص الآخرين (أف 4: 2؛ كو 3: 12). والصبر ضروريّ بشكل خاص لرؤساء الجماعة (4: 2). والمحبّة تُلهم الحياة كلها، لأنها رباط الكمال (كو 3: 14). والثبات هو الوقوف في المحن والاضطهادات دون تراجع. هو شكل مميّز من أشكال الرجاء. فإن كان المؤمن لا يخاف في الضيقات، فلأنه متيقّن من خلاص الربّ له (2كور 1: 10). وما يعطيه قوّة الاحتمال، رجاء لا يُغلب. "الضيق الخفيف العابر يهيّئ لنا مجدًا أبديًا لا حدّ له" (2كور 4: 17؛ رج 2تم 2: 10).
في هذا السياق، فكّر بولس في المحن التي قاساها خلال رسالته، وأوجزها بلفظين: الاضطهادات (ديوغموس) والآلام (باتيما). رج روم 8: 35؛ 2كور 12: 10؛ 2تس 1: 4. ثم رج روم 7: 5؛ 8: 18؛ 2كور 1: 5- 7؛ غل 5: 24؛ فل 3: 10؛ كو 1: 24. وتحدّث سفر أعمال الرسل عن الصعوبات التي واجهت بولس في المدن التي بشّرها. ولماذا ذكر بولس كل هذا؟ ليُبرز قدرة الله ورحمته، حين يتدخّل ليخلّص البار المضطهد: "نجّاني الربّ من جميعها" (مز 34: 18- 20).
وانطلق بولس من وضعه الشخصيّ، ليقدّم قاعدة عامة تصلح لكل مسيحيّ (آ 12): من أراد أن يحيا بالتقوى، فلينتظر الاضطهاد. تلك هي قاعدة أساسيّة في الحياة المسيحيّة، وهي تستعيد موضوعًا من الكرازة الانجيليّة. "كان على المسيح أن يتألّم لكي يدخل في مجده" (لو 24: 26). وقالت 1بط 2: 20- 21: "إن عملتم الخير وصبرتم على العذاب، نلتم النعمة عند الله، ولمثل هذا دعاكم الله. فالمسيح تألّم من أجلكم وجعل لكم من نفسه قدوة لتسيروا على خطاه". والمسيحيّ الذي أدخله العماد في موت يسوع وقيامته، عليه أن ينتقل عبر الحاش (= الآلام) والموت لكي يرث المجد. هكذا "يحيا في المسيح يسوع". أي يشاركه في حياته، ويعرف سرّ موته وقيامته (روم 6: 11، 23).
في آ 14- 17، يتعلّم تيموتاوس الأمانة للتقليد والكتب المقدّسة. فالمعلّمون الكذبة لا يحفظون التعليم الذي تسلّمته الكنيسة. ولا يتعلّقون بالتعليم الصحيح (1تم 6: 3) فيعلّمون تعاليم أخرى (1تم 1: 3؛ 6: 3)، ويتيهون في أبحاث مليئة بالحماقة (2: 33؛ تي 3: 9). وتلاميذهم الطالبون الجديد، لا يبلغون أبدًا إلى معرفة الحقّ (3: 7)، أما تيموتاوس فلا يكون متقلّبًا مع كل ريح. فإيمانه يرتكز على أساس لا يتزعزع، على التقليد الرسوليّ، والكتب المقدّسة. 
وعاد بولس أولاً إلى التقليد الرسوليّ. فعلى تيموتاوس أن يَثبت في ما تعلّمه. هو ليس سيّد الوديعة التي تسلّمها. إنه حارسها (1: 14؛ 1تم 6: 20). فلا يستطيع، شأنه شأن بولس، سوى أن ينقل ما تسلّمه (1كور 11: 23؛ 15: 1- 3)، ويُسلّمه إلى أناس أمناء، يسلّمونه بدورهم إلى آخرين (2: 2). اختلف تيموتاوس عن الهراطقة، فكان وارثَ تقليد فيه يتجذّر يقينه (بستوو). من بولس، إلى سائر المعلّمين في لسترة، هذا فضلاً عن أمّه وجدّته. لهذا، تحدّث النص عن تعليم ناله تيموتاوس منذ الطفولة (برافوس). قرأه في أسفار العهد القديم. ولكن إذا اعتبرنا أن 2تم جاءت متأخّرة، فتكون نصوص العهد الجديد قد انتشرت فحملت وحي الله، شأنها شأن نصوص التوراة.
رافقت الكتب المقدّسة التقليد (آ 14)، فكانت للراعي ينبوع نشاطه الروحي وقاعدة عمله الرسوليّ. فهي مفيدة له في أكثر من وجه، بل هي ضروريّة، وإلاّ كانت كلمته كلمة بشر، لا كلمة الله.

خاتمة
انطلق بولس من نفسه فوصل إلى الكنيسة. وانطلق من تعليمه، فوصل إلى التقليد الذي تسلّمناه من الرسل، وإلى الكتب المقدّسة التي تفيد في التعليم والتفنيد والتقويم والتأديب. إذا كان على التلميذ أن ينظر إلى معلّمه فيقتدي به في حياته وتعليمه ومشاريعه، فكم أحرى أن يغتذي من الكتب المقدّسة، سواء كانت أسفار التوراة، أو كانت نصوصًا من العهد الجديد بدأت تنتشر شيئًا فشيئًا في الكنائس الأولى. بما أن تيموتاوس عرف ما عرف، وبما أنه علم علم اليقين ما ينتظره من عمل، فلا يبقى له سوى أن يثبت على ما تعلّمه، دون البحث عن جديد يحمله الهراطقة، وأن يواصل العمل الذي يقوم به في أفسس راجيًا أن يأتي بعده أناس يحافظون على الوديعة التي تسلّمتها الكنيسة، وينقلون التقليد الرسوليّ كما وصل إليهم من الآباء. هكذا تتحقّق وصيّة بولس قبل موته، حين يرى كلمة الله تواصل جريها حتى مجيء المسيح الثاني. 
الفصل الحادي عشر
إعلان الكلمة
4: 1- 8

تسلّم تيموتاوس إرث بولس، فوجب عليه أن يمارس وظيفته كمناد بالكلمة، يمارسها بأمانة وشجاعة. ويبدأ الرسول كلامه باستحلاف احتفاليّ (1: 6، 8، 13؛ 2: 1، 3، 8، 14؛ 3: 4) يُوجز مضمون الرسالة، ويستلهم النظرة إلى الأزمنة الأخيرة وإلى موت الرسول. تلك هي وصيّة بولس قبل موته: أن يتكرّس تيموتاوس لعمل الكرازة، لخدمة الانجيل والكنيسة. وأن يقتدي بمعلّمه الذي يبذل حياته على مثال الربّ الذي قدّم حياته لله الآب حين جاءت الساعة.

1- مسيرة بولس حتّى الموت
حين نتعرّف إلى مسيرة بولس، نفهم أنها الواسطة بين زمن الخلاص وزمن المؤسسات الكنسيّة. في 1تم 1: 12- 16، يعود بولس إلى اهتدائه الذي دشّن بالنسبة إليه تاريخًا جديدًا. وفي 1تم 1: 3، 18ي، يؤسّس الحرب على الهرطقة بحيث يتابع تيموتاوس عمله في أفسس. وفي 1تم 2: 7، يبدو كافل التعليم. وفي 1تم 3: 14- 15 و4: 13، نرى تنظيم الكنيسة مع نشاط الخدم في قراءة الكتب المقدّسة والتعليم والارشاد. وفي 2تم، تشدّد الاشاراتُ الشخصيّة على الآلام التي قاساها الرسول فوصلت به إلى حافة الموت. في 1: 8، هو السجين الذي يشارك في الآلام من أجل البشارة. في 1: 12، يدلّ على ثقته بذاك الذي حمّله الأمانة. في 2: 3، يدعو التلميذ أن يقتدي بالمعلّم، وفي 2: 9، يشير بولس أنه صار كمجرم (على مثال المسيح). ولكن لا بأس. فإن هو قُيّد بالسلاسل، فكلمة الله حرّة طليقة. وإن هو تحمّل الآلام، فمشاركةً مع آلام المسيح من أجل المختارين (آ 10).
حثّ بولس تلميذه على حفظ الوصيّة حتى تجلّي ربنا يسوع المسيح (1تم 6: 14). فالرسول تأخّر (1تم 3: 14). ومجيء المسيح تأخّر. هذا من جهة. ومن جهة ثانية، تقدّم 2تم 4: 6- 8 إلى تيموتاوس مسيرة تستند إلى خبرة بولس السابقة. فنهاية الشوط ترتبط بالحفاظ على الايمان (4: 7). وما يطلبه بولس من تيموتاوس، قد سبق له وعاشه بنفسه. فبولس ليس فقط في بداية التاريخ، بل في نهايته. فهو يعيش منذ الآن العلاقة بين "الآن" و"في ذلك اليوم"، ويكفل أن القرّاء المباشرين وغيرهم يعيشون هذين الزمنين. أما الاكليل فجاهز منذ الآن، ولكنه سيُعطى في اليوم الأخير، "ليس لي فقط، بل لجميع الذين أحبّوا ظهوره".
ويتثبّت هذا المنظار التاريخيّ لبولس، حين نقابل 2تم 4: 6- 8 مع آيات من الرسالة إلى فيلبي، يبدو هذا المقطع صدى لها. نلاحظ مثلاً ألفاظًا مثل "يُراق" (4: 6؛ فل 2: ،17 سباندوماي). "الرحيل" (آ 6، أناليسيس) مع "أناليساي" في فل 1: 3: أرغب في الرحيل. هي صورة الجري والمكافأة والهدف الذي لم نبلغه بعد في آ 7. رج فل 3: 12- 14. في آ ،7 جريُ بولس، شوطه (درومون). وفي فل 2: 16، نجد الفعل (سعى، جرى). جهاد بولس السابق والحاضر (آغون) في فل 1: 30. تحرك تيموتاوس في 4: 9ي وفل 2: 19.
بدا الانتقال واضحًا في فل 2: 17 حيث كانت الجماعة حاضرة مع بولس في الاعتبارات حول جريه. وتصرّف الفيلبيّين، قرّاء الرسالة (فل 2: 12؛ 4: 1)، هو الذي يمنحه في "يوم المسيح" مجده وبرّه، وذلك بعد نهاية الشوط (فل 2: 16). والفيلبيّون هم استباق "إكليله" (فل 4: 1). أما في 2تم 4: 8، فالمؤمنون هم الذين ينالون الاكليل بعد بولس.
وفي هذا الارشاد إلى أهل فيلبيّ، يبدو بولس بلا يقين حول النصر الأخير (في 4: 6، صيغة الايجاب، وفي فل 3: 12، النفي: لا أدّعي. في 4: 7: أتممت. وفي فل 3: 12: ما أتممت، ما بلغت الكمال). فما فيه ارتياب، وما هو في طريقه من علاقة بين الرسول والجماعة، صار في الرسائل الرعائيّة أمرًا يعيشه بولس ومثالاً وكفالة للمؤمنين. فالانتقال من عالم إلى آخر، له هدف ارشاديّ. وهو يعبّر أيضًا عن الوجدان التاريخيّ الذي يفسّر "خسارة" بولس: بولس سبقنا في الماضي. وهو يسبقنا بعد.
وهكذا يسبق بولس المؤمنين ويستبق الدينونة بمناسبة ظهورين. بالنسبة إلى الظهور الأول، هو أول الخاطئين وأول المخلّصين. وفي خطاه سيكون المؤمنون الآتون (1تم 1: 15- 16). بالنسبة إلى الثاني، هو ينال إكليل البرّ، الذي سيناله أولئك الذين "أحبّوا ظهور" الديّان العادل (4: 8). إذن، موضوع التبرير ما زال هنا: لا يعبَّر عنه بلغة "التبرير بالايمان" بقلم بولس المبشّر (غاب موضوع الايمان من هذه المقاطع)، بل يفسّر هو أيضًا في مسيرة بولس الذي تسلّم البشرى، فاستبق جميع المؤمنين. بولس هو نموذج الانسان المفديّ والمؤمن (والخادم) الذي ينال الاكليل. نحن هنا أمام القطب الثاني في موضوع التبرير، كما نقرأه في الرسائل الرعائيّة. فنعمة الله التي قرّرت منذ الأزل أن تأتي بالبشر إلى الخلاص (القطب الأول: موضوع الله المحسن إلينا"، 1: 9؛ تي 1: 2- 3)، فُسّرت من خلال "مسيرة" بولس (ما حدث له يمكن أن يحدث لكل انسان، لكل مؤمن) الذي صار هكذا طريقًا نتبعها. والتبرير المجاني (تي 3: 2ي؛ رج 2تم 1: 9: لا بالأعمال؛ تي 3: 5) الذي عاشته الجماعة، هو الذي يُسند الارشاد حول رحمة الله وحنانه كأساس للعلاقة مع العالم الخارجيّ، وكأساس للرسالة.
أخيرًا، في 4: 6- 8، لسنا أمام تمثّل تنظيريّ يجعلنا نفسّر الزيارة المرتقبة والتأخّر المنتظر في 1تم 3: 14- 15 (رج 4: 13) كساعة لقاء أخير مع بولس في المجيء. ما نجد هنا هو إطار الارشاد. ما يُطلب من تيموتاوس، وبه من خدّام الجماعة، قد ناله بولس منذ الآن، الذي لا يكتفي بأن "يقول"، بل "يبيّن" أيضًا "كيف يجب أن نتصرّف في بيت الله".
هنا نفهم أن التاريخ المقدّس يقف في ثلاث زمانيات: زمانيّة في الله. الزمانيّة الاخباريّة البولسيّة. الزمانيّة الموسّسيّة. ونجد في قلب كل زمن مساحة الزمن اللاحق.
أ- الله إله مخلّص. منذ الأزل قدّم نعمة للبشر (1: 9؛ تي1: 2- 3)
ب- هذا القرار الأزليّ للخلاص، صار "ظهورًا" خلاصيًا للمسيح (الظهور الأول. 1: 10؛ تي 2: 11؛ 3: 4؛ رج 1تم 1: 15؛ 2: 6 "في الأزمنة المحدّدة").
ج- بولس عند مفصل الأزمنة
ج 1- أعلن بولس. هذا التجلّي أعلن على أنه "انجيل"، "كرازة"، "شهادة" كلّف بها بولس (1: 11؛ 2: 8؛ 1تم 1: 11؛ 2: 7؛ تي 1: 3: "في الأزمنة المحدّدة).
ج 2- سبق بولس. في 1تم 1: 15، هو أول الخطأة، وأول المخلّصين. إنه المثال الأول للذين سوف يؤمنون.
د- ترك وراءه تلاميذ (1تم 1: 3؛ تي 1: 5). سلّمهم مهمّة (1تم 1: 18؛ تي 1: 5). وضع يديه عليهم (1: 6). علّمهم كيف يحتملون الآلام (2: 8ي). ودلّهم كيف يتصرّفون في »بيت الله« (زمن الاخبار البولسيّ).
د د- حيث كان بولس، وفي أثره، نجد الآن "الزمن الموسّسي"، زمن المؤسّسة والجماعة. نجد زمن الرسائل الرعائيّة، مع ماض نستعيده (النبوءات، 1تم 1: 18؛ وضع اليد والرسالة، 1: 6؛ 1تم 4: 14؛ التربية المسيحيّة، 1: 3- 5؛ 3: 14- 17). وحاضر مليء بالتعارضات (هرطقة نحاربها، كل جماعة تأخذ مكانتها) وتوصيات (كيف نتصرّف" إرشاد). ومستقبل منتظر (سبقنا بولس، الظهور الثاني، الأزمنة المحدّدة، الحياة الأبديّة).
ج ج- الجماعة... قد سبقها بولس الذي يقدر أن يرحل (منذ الآن) بعد أن أتمّ رسالته وتأكّد من الأجر والاكليل (4: 6- 8؛ رج 1: 16، 18).
ب ب- في انتظار واثق لظهور المسيح الثاني (الظهور الثاني، 1تم 6: 14- 15 "في الأزمنة المحدّدة"، 2تم 4: 1- 8؛ تي 2: ،13 في "ذلك اليوم" 1: 12، 18: 4: 8). 
أ أ- متأكّدة من وعد الحياة الأبديّة (1: 1؛ تي 1: 2؛ 1تم 1: 16؛ 4: 8؛ 6: 19).

2- دراسة النصّ
بدأ بولس فاستحلف تيموتاوس. فالأمر خطير جدًا: بشّرَ بكلام الله. ألحّ في إعلانه، ثم تطلّع إلى نهاية حياته، إلى رحيله من هذه الدنيا: سيكون موته ذبيحة على مثال ذبيحة المسيح على الصليب. فالعماد الذي نلناه فجعلنا شبيهين بموت المسيح، لا يكون حقيقة وواقعًا إلاّ عند ساعة الموت. وكما انتصر يسوع نصره النهائيّ حين مات على الصليب فكان ذبيحة عن الخطأة، هكذا ينتصر المؤمن في المسيح، عند موته، وهو يرجو القيامة والمجد في خطى يسوع المسيح.

أ- إعلان الكلمة (4: 1- 5)
تبدأ هذه القطعة باستحلاف (آ 1) وخمسة أفعال في صيغة الأمر، تدعو تيموتاوس إلى الخضوع كجنديّ صادق للمسيح (آ 2). وتنتهي بالوداع (آ 6- 8). فليتكرّس التلميذ إذن للكرازة وللخدمة في الكنيسة (آ 5).
أولاً: أمام الله والمسيح (آ 1)
"ديامتيروماي". ناشد، استحلف. كان هذا العمل يتمّ في إطار الوصيّة والوراثة، أمام شهود قد يكونون الآلهة أو البشر. وهنا، الشاهد هو الله الآب، والمسيح يسوع كالديّان الآتي. سيأتي المسيح ويدين جميع البشر، الأحياء والموتى الذين يقومون ساعة مجيئه (مت 25: 31؛ لو 18: 8؛ يو 5: 27- 29). نحن هنا أمام عبارة كرازة وجدنا مثلها في أع 10: 42؛ 1بط 4: 5، فكانت جزءًا من الاعتراف الإيمانيّ الذي يُشرح للموعوظين (عب 6: 2). ما قاله بولس في 1تس 4: 16- 17؛ 1كور 15: 51- 52، يتردّد هنا.
ستكون هذه الدينونة احتفاليّة: الظهور (ابيفانيا) المنير للملك (2تس 2: 8=1تم 6: 14؛ تي 2: 13؛ 2تم 4: 8). جلالته الملوكيّة: هو يأتي كالديّان ليُدخل أخصّاءه إلى ملكوته (1تس 2: 12؛ 2تس 1: 5=2تم 2: 12؛ 4: 18؛ رج عب 12: 23؛ رذ 3: 21). في خلقيّة هذا المقطع، نجد صورة الأمير الذي مضى يطلب ملكًا، ثم عاد وجازى خدّامه خير مجازاة (لو 19: 15).
ثانيًا: وصيّة الرسول (آ 2)
ما هو موضوع الاستحلاف؟ ما هي وصيّة بولس التي يريد من تيموتاوس أن ينفّذها؟ أكرز بالكلمة. أعلنها في كل مكان (1تم 3: 16). كن المنادي أمام الملك العظيم (1: 11) الذي منح رسله سلطة إعلان (مت 10: 27) الكلمة (2: 9). حسب 1تم 1: 15؛ 2كور 5: 19، نحن أمام بُشرى الخلاص للخطأة، أمام الانجيل (4: 15) كلمة الحقّ (2كور 6: 7؛ 2تم 2: 15). هذا الاعلان الصارخ (تي 1: 3) يقابل التسلّل الذي يقوم به المعلّمون الكذبة ليتّصلوا بشخص أو شخصين (3: 6).
بعد الاستحلاف يأتي التنبيه (آ 2: 5). في آ 3- 4. يُذكر الخصوم المصطفّون للقتال، نقرأ "إفيستيمي": ظهور فجائيّ لشخص في مكانه (أع 17: 15)، يستعدّ للتدخّل (إر 46=26 (في السبعينيّة): 14). قف واستعدّ. فالمسؤولون دومًا مستعدّون. تخلّصَ تيموتاوس من اهتمامات أخرى فبدا دائم الاستعداد. فكلمة الله لا ترتبط بأزمنة وظروف. هي تُعلن في كل وقت. والرئيس هو كالزارع ولو ضاع بعضُ الحبّ. فالنتيجة أكيدة في النهاية. يكرز سواء تقبّل الناس الكلمة أو لم يتقبّلوها. في أي حال، في الأيام الأخيرة لن يتقبّلوها (آ 3). ولكن مع ذلك لا نسكت. فالنبع يجري دائمًا وإن لم يكن هناك من يستقي (الذهبيّ الفم). بشّر بولس في كل مكان: في المجامع والساحات العامة، في السجون وعلى السقف وفي قلب العاصفة، وتكلّم أمام الملوك والولاة.
ماذا يعمل تيموتاوس؟ يوبّخ (إلانخاين، 1تم 5: 20؛ تي 1: 9، 13؛ 2: 15). يردّ على الخصوم. ويُنذر بصبر مليء بالحنان. والصبر يرتبط بالمحبّة والسلام والوداعة (غل 5: 22؛ كو 3: 12).
ثالثًا: زمان مظلم (آ 3- 4)
يعلن تيموتاوس الكلمة بشجاعة. ويعيد الكرّة ويلحّ. فسيأتي يوم (وقد بدأ، 3: 1؛ 1تم 4: 1) فيه لا يحتمل الناس التعليم الصحيح كما تقدّمه الكنيسةُ (1تم 1: 10؛ 6: 3؛ تي 1: 9؛ 2: 1). لماذا، لأنهم يرغبون في سماع أمور أخرى: ما هو جديد، ما يلفت النظر (أع 17: 21). فينتقلون من معلّم إلى معلّم (3: 7) ولا يتعلّمون. أوهم يتعلّمون ما يريدون. حسب أهوائهم. المعلّم الكاذب يُرضي أذواقَ الناس. أما صاحب التعليم الصحيح فيكون مصيره كمصير ميخا بن يملة (1مل 22: 23- 24): قال الحقّ فنال صفعة ووُضع في السجن (آ 27). رج أش 30: 10؛ إر 5: 3؛ حز 33: 32.
بدا المنّ بلا طعم في نظر بني اسرائيل، والتعليم الصحيح في آذان بعض المؤمنين. حينئذ انتقلوا إلى الخرافات.
رابعًا: اليقظة عند الرسول (آ 5)
تجاه مثل هذا الجنون وهذا العمى، وجب على تيموتاوس أن يتّخذ الحيطة، أن يكون يقظًا. يحافظ على هدوئه. لا يبلبله وضعٌ محيّر. يعرف ماذا يقول، فيتجنّب كلامًا تفرزه مخيّلة لا شيء يوقفها (روم 12: 3؛ 1كور 4: 6). "الآلام" (كاكوباتايا). هي الأخطار والأتعاب التي يواجهها موظف في عمله (كاكاباتايو: احتمل الألم). ولكنه يهتمّ بالناس أكثر من اهتمامه بنفسه وبراحته. رج يع 5: 10. يعمل عملاً متواصلاً، فلا تُوقفه صعوبة في حمل البشارة (أع 21: 8؛ أف 4: 11؛ رج 2كور 8: 18). العمل (إرغون). هو عمل شريف كما في 1تم 3: 1، وقد يصل بنا إلى النصر فيكون مأثرة نفتخر بها. وليكن العمل تامًا كاملاً، لا ينقصه شيء.

ب- ساعة الرحيل (4: 6- 8)
بدا بولس وكأنه يودّع تيموتاوس. هي كلمته الأخيرة يقولها لها بشكل وصيّة: ظلّ بولس في الخدمة حتى النهاية، فيبقى على تيموتاوس أن يواصل العمل في خطى معلّمه الذي جعل البشارة بالانجيل نصب عينيه، وجعلها أولى واجباته.
أولاً: أنا ذبيحة (آ 6)
تأكّد الرسول من موته القريب. ها أنا أستعدّ للرحيل. الآن (1كور 4: 8؛ روم 1: 10). سيموت شهيدًا. يُقتل في سبيل المسيح. لهذا كان موته ذبيحة (فل 2: 7) وسكيبًا للربّ (2صم 23: 16). حسب الليتورجيا العبريّة، كان يُسكب الزيت (تك 28: 18؛ 35: 14؛ مي 6: 7) أو الخمر (خر 29: 40؛ عد 15: 1- 10؛ تث 12: 38؛ هو 9: 4). ويسكب الدم على المذبح (خر 24: 6- 7؛ 2مل 16: 13) فيكون تقدمة لله بها تكرّس الضحيّة (روم 12: 1؛ 14: 8).
تلك صورة أولى عن الموت: الدم الذي يراق والذبيحة. والصورة الثانية: الساعة التي فيها يرحل الرسول. يترك السجن. تحلّ قيوده فينطلق. "أناليسيس". رحيل من هذه الحياة. يبدو الرسول وكأنه سفينة فكّت حبالها فانطلقت في البحر.
ثانيًا: أتممتُ شوطي (آ 7)
فكّر بولس في حياته الرسوليّة بصعوباتها، بأفراحها وأحزانها. ها قد صارت إلى النهاية. عاد إلى ضميره. ضميرُه لا يوبّخه. فعل كل ما في وسعه. بدا كالمصارع في الحلبة. قاتل بأفضل ما يكون، وقاتل حتى النهاية (1تم 4: 10). جعل الفعل "جاهد" في صيغة الكامل، فدلّ على نتيجة هذا الجهاد الآن. هو خدمة المسيح والانجيل. والعمل "تمّ" (تالو). نتذكّر أن يسوع قال من على صليبه: تمّ كل شيء. وبولس أتمّ ما طُلب منه، فكان عمله امتدادًا لعمل المسيح. قال الذهبيّ الفم: أتمّ المسيرة، وبالتالي أنهى العمل، رغم كل الصعاب. فجاء جرْيه أمجد من جري الشمس في السماء.
"الايمان" (بستيس). حافظتُ على الايمان. أي حافظتُ على الوديعة (التعليم الانجيلي)) فما شابهتُ أولئك الذين انكسرت بهم السفينة (1تم 1: 9). وحافظت على التزامي. تعهّدت للمسيح ولبثت على التعهّد، أمينًا لما طُلب مني. وهكذا جاء الدم الذي يراق ختمًا لصدق وأمانة عرفهما الرسول طوال حياته.
ثالثًا: إكليل البرّ (آ 8)
بما أن كل شيء تمّ، وتمّ على ما يرام، فلا يبقى للجنديّ والمصارع والرسول سوى أن ينتظر الجزاء. منذ الآن (لويبون). في نهاية الأمر (1كور 4: 2؛ 2كور 13: 11). الشيء الأخير هو الجزاء. "أبوكايماي". انتظر. حُفظ لانسان الهدايا والأمور الحلوة والكرامة. ولا شكّ في ذلك (كور 1: 5؛ لو 19: 20). سواء كان الجزاء منظورًا أو غير منظور.
بدت السعادة الأبديّة المحفوظة لبولس بشكل إكليل. فالاكليل علامة اكرام ورمز إلى الفرح. رج فل 4: 1؛ 1تس 2: 19. الاكليل هو جزاء المنتصرين (مت 27: 29؛ عب 2: ،7 9؛ رؤ 6: 2) وأجر المصارعين (1كور 9: 25؛ 2تم 2: 5) ورمز الخلود والعظمة في نهاية الحياة (يع 1: 12؛ 1بط 5: 4؛ رؤ 2: 10).
الله بار. وبالتالي عادل. وهو يجازي الذي قاتل وانتصر (2: 5؛ 1كور 9: 25)، لأنه وعد بذلك (يع 1: 12؛ رؤ 2: 10). هذا الاكليل هو امتلاك حياة من البرّ، الحياة الأبديّة (روم 8: 23). هذا يقابل "إكليل الحياة، إكليل المجد" (1بط 5: 4).
بما أن المسيحيّين، الذين هداهم بولس، هم فرحه وإكليله (فل 4: 1)، وبما أنه لا يقدّر أن يفكّر أنه سينفصل عنهم (1كور 4: 8)، فأرسل يؤكّد لهم أنهم سيشاركونه في سعادة الله (يو 17: 26). وأكّد ذلك لجميع المؤمنين: هم الذين يشتاقون إلى ظهوره. يتوقون. في الأصل "أغابان" أحبّ. أما هنا، فاشتاق كما في اليونانيّة الهلنستيّة. فالموضوع الأول للايمان المسيحيّ هو موضوع رجاء (عب 11: 1)، هو موضوع عودة المسيح (1تس 1: 10=تي 2: 3=فل 3: 20؛ رج رؤ 22: 17، 20، مرانا تا). وهذا يتضمّن امتلاك الحياة الأبديّة (1كور 2: 9؛ تي 1: 2؛ يع 1: 12). في هذا الجوّ، نسي بولس آلامه الماضية وعزلته الحاضرة وضيق دعاوة الهراطقة الذين يهدّدون ما عمله في حياته. فهو منذ الآن يتذوّق النصر في يسوع المسيح، له، ولمؤمني أفسس، ولجميع الذين اشتاقوا ظهور الربّ.
3- قراءة إجماليّة
انتهت التعليمات المعطاة لتيموتاوس كراعي القطيع باستحلاف احتفاليّ شبيه بما في 1تم 5: 21؛ 6: 13. ناشد بولس تلميذه أمام الآب والابن، فجعل من الأقنومين الالهيين شاهدين على الأهميّة التي يعلّقها على توصياته الأخيرة. وذُكرت عودة المسيح الذي سيكون الديّان الاسكاتولوجي. حين لمّح بولس إلى هذه العقيدة، ذكّر تيموتاوس أنه، في ذلك اليوم، سوف يؤدّي حسابًا عن المهمّة التي أوكلت إليه. وذكّره أيضًا أن عمل التبشير أمر ملحّ، ويجب أن يتمّ قبل المجيء الثاني: يجب أن يُعلن انجيل الملكوت في الأرض كلها، شهادة لهم (مت 24: 14).
في يوم الدينونة، يمثُل جميعُ البشر أمام منبر الله (روم 14: 10) والمسيح (2كور 5: 10؛ رج مت 25: 31). في الأصل، الديّان هو الله الآب (روم 12: 19؛ 1كور 4: 5). ولكنه يدين العالم (أع 10: 42؛ 17: 11؛ رج يو 5: 22) بواسطة ابنه الذي أقامه من بين الأموات. وهكذا ننتظر المسيح في اليوم الأخير كالديّان (4: 8؛ يع 5: 9). إن عبارة "يدين الأحياء والأموات" نقرأها في 1بط 4: 5 وفي أع 10: 42. نحن هنا أمام قانون إيمان أو كرازة أولانيّة استعادها الكاتب، ودخلت اليوم في قانون الايمان. الجميع سيدانون سواء كانوا أمواتًا أم ظلّوا على قيد الحياة في مجيء الربّ. "إن كان المسيح مات وعاد حيًا، فلكي يصير ربّ الأموات والأحياء" (روم 14: 9).
ناشد بولس تيموتاوس بظهور المسيح وملكه. إبيفانيا، ظهور، تجلي. باسم هذا الظهور. باسم عودة الربّ في نهاية الأزمنة. والملك، شأنه شأن الدينونة، هو ملك الله (مت 6: 10؛ 13: 43؛ 26: 29). ولكن الأب أعدّ الملكوت من أجل الابن (لو 22: 29)، بحيث إن ملكوت الله هو أيضًا ملكوت الابن (مت 13: 41؛ 20: 21؛ لو 22: 30؛ يو 18: 36؛ 2تم 4: 8؛ تي 2: 13. رج أف 5: 5: "ملكوت المسيح والله"). هذا الملكوت حاضر منذ الآن بشكل سريّ (كو 1: 13)، ولكنه سيظهر بقوّة ومجد ساعة العودة (مت 16: 28؛ لو 23: 42؛ رج 1كور 6: 9؛ 15: 50؛ غل 5: 21؛ أف 5: 5؛ 1تس 2: 12؛ 2تس 1: 5 والكلام عن الطابع المقبل لهذا الملكوت). أشار النصّ إلى الدينونة، فذكّر تيموتاوس بمتطلّبات رهيبة. وأشار إلى الملكوت، فوضع نصب عينيه المجازاة الموعود بها للخدّام الأمناء: سوف يملكون مع سيّدهم (مت 25: 34؛ 2تم 2: 12؛ رؤ 5: 10؛ 20: ،4 6؛ 22: 5).
ناشد الرسول تلميذه. ثم نبّهه، حذّره. أن ينادي (كيريساين) بالكلمة كما يفعل المنادي (كيريكس). هو ينادي بالكلمة، بالانجيل الذي هو كلمة الحق (2: 15). ذاك هو الواجب الأول للرسول: المناداة بالانجيل (1كور 1: 17؛ 9: 16). وهو واجب ملحّ، لأن كلمة الخلاص يجب أن تبلغ إلى كل خليقة قبل الدينونة الأخيرة. لهذا، لا يتراخى بولس. يكون دومًا في المقدّمة. يكرز، وهكذا يُتمّم واجبات رسالته. لا مكان للاستعفاء، لا مكان للتحفّظ والتأخّر. فالوقت يدهمنا. ونحن نرى أولى إشارات الأزمنة الأخيرة. نحن لا نتساءل إن كان الوقت مؤاتيًا أم لا. نحن لا ندرس إمكانيات النجاح البشريّ أم لا. بل نتدخّل في كل وقت. هذا ما فعله بولس فقال: "صرت كلا للكل لكي أربح بعضهم بكل وسيلة" (1كور 9: 22- 23). ما جاء إلى البشر بسحر الكلام أو الحكمة (1كور 2: 1)، بل نقل تعليم الله مستندًا إلى روح الله وقوّته (1كور 2: 4). كل وقت كان مؤاتيًا للبشارة. هذا ما يفعله تيموتاوس، مع أن الزمان يبدو صعبًا.
على تيموتاوس أن يوبّخ، أن يهدّد، أن يحضّ (باراكالاين). هكذا يساعد المؤمنين على الثبات في الايمان، والضالين على العودة إلى طريق الحقّ. فالتحريض (1تم 4: 13) هو مساعدة إيجابيّة تفترض صبرًا كبيرًا (مكروتيميا) وصفات تربويّة حقيقيّة (همّ التعليم). لا يبحث الرسول عن "شعبيّة" رخيصة، بل يسعى إلى التعليم بكل الوسائل.
تطلّع بولس مرّتين إلى المستقبل بنظرة ملؤها الخوف (1تم 4: 1- 2؛ 2تم 3: 1)، إذ عرف أن الأزمنة الأخيرة تنطبع بثورة قوى الشرّ، وبضعف عام على مستوى الايمان. حين فكّر بموته القريب (4: 6) جعله هذا التقليدُ يتكلّم مرّة أخيرة عن نهاية الأزمنة. نظرته ما زالت متشائمة: عددٌ كبير يتركون الايمان. نشاط فاعل لمعلّمين لم يكلّفهم أحد. والضيق الأخير يكون ذروة في أزمة نرى ملامحها منذ الآن، وهي تتنامى وتتنامى. وما يشير إليه الرسول خصوصًا هو تراجع المسيحيين على مستوى الايمان. يأتي وقت لا يحتمل البشر التعليم الصحيح الذي يصبح ثقلاً عليهم لا يُطاق. يفضّلون أن يتبعوا الطريق السهلة، طريق الشهوات (إبيتيميا). فيطلبون معلّمين يساومون على الحقّ، ويتركون الرسل الحقيقيّين.
وبعد أن قال بولس ما قال عن الهراطقة، وجّه الكلام إلى تلميذه. "أما أنت". تجاه أناس يبحثون عن الجديد ويجرون وراء الخرافات، يكون تيموتاوس معتدلاً على مستوى التعليم فيقف عند الوديعة التي تسلّمها ويمتنع عن المجادلات الفارغة. يحاول المعلّمون الكذبة أن يتملّقون آذان سامعيهم. أما رسول الانجيل فلا يحاول أن يرضي الناس. هو لا يريد أن يعرف إلاّ يسوع المسيح وإياه مصلوبًا (1كور 2: 1- 3). هي دعوة متطلّبة. وستقوم عليها المعارضة. فلينتظر تيموتاوس الصعوبات والآلام، ولا يخفْ من المحن، ولا يتراجع عن أداء مهمّته في حمل الانجيل. بل يُتمّ عمله على أكمل وجه فتكون خدمته بلا عيب. وتبدأ خاتمة الرسالة في آ 6- 8 حين يرى بولس أن نهاية حياته أطلّت. وقف أمام الله الديّان. فعاد الحاضر (آ 6) إلى الماضي (آ 7)، وتوجّه إلى المستقبل (آ 8). مثلُ هذا الكلام، رغم إيجازه، يذكّرنا بخطبة يسوع بعد العشاء السريّ (يو 13: 17) وكلام بولس لشيوخ أفسس (أع 20: 18- 35).
على مستوى الحاضر. بالنسبة إلى الرسول، جاء وقت الذبيحة العظمى والرحيل الكبير. شبّه حياته بخمر (أو زيت أو دم) يُسكب على مذبح الله. ما اكتفى بولس بالقول إنه صار في نهاية حياته، بل أراد أن يفهمنا أن موته سيكون ذبيحة (فل 2: 17) شبيهة بذبيحة المسيح. هكذا اعتقد اليهود بأن لموت الشهداء قيمة ذبائحيّة (4 مك 6: 28- 29؛ 17: 21- 22). إذا كانت حياته الرسوليّة، كما يجب أن تكون حياة كل مسيحيّ، احتفالاً متواصلاً ب "عبادة روحيّة" (روم 12: 1)، فقد جاء الوقت لكي يُراق الدمُ على المذبح. وهكذا اقتدى بولس بالمسيح الذي قدّم للآب سكيب دمه، دم العهد الجديد، الذي يراق لخلاص العالم. وعاد الرسول أيضًا إلى صورة أخرى ليتحدّث بها عن موته القريب: السفينه التي تترك الميناء وتُبحر، والجنديّ (أو المسافر) الذي طوى حوائجه لينطلق.
على مستوى الماضي، ألقى بولس نظرة شاملة إلى حياته الرسوليّة، فأوجزها في ثلاثة أفعال جاءت في صيغة الكامل (هذا يعني الكمال والتمام). جاهد الجهاد الحسن، كالجنديّ (2: 4) أو المصارع (2: 5). وذُكر الاكليل، فجعلنا نفكّر في المتسابقين في الميدان (1كور 9: 25). وعلى مستوى المستقبل الذي ينتظر بولس، بدا الرسول واثقًا برحمة الله، ورأى من بعيد الاكليل المحفوظ له. "كل مسابق يمارس ضبط النفس في كل شيء من أجل إكليل يفنى، وأمّا نحن فمن أجل إكليل لا يفنى" (1كور 9: 25). أجل، إكليل البرّ معدّ، والربّ هو الذي يقدّمه للرسول في ذلك اليوم، في اليوم الأخير، مجازاة لخدمته الصادقة. لا شكّ في أن بولس لا يفكّر بأن يفتخر شخصيًا بما أنجز. فهو يعرف أنه هو ما هو بنعمة الله (1كور 15: 10). فلولا رحمة الله لما كان سوى أول الخطأة (1تم 1: 15). والجزاء الذي يناله هو في النهاية، إكليل النعمة. وهو لا ينال هذا الاكليل وحده، بل يناله أيضًا جميعُ الذين انتظروا ظهور الربّ في مجيئه الثاني.

خاتمة
ثلاثة أشخاص في هذه القطعة. تيموتاوس الذي يطلب منه الرسول أن يكون متيقّظًا. أن يبشّر ويعظ ويوبّخ دون أن يخاف الصعوبات، دون أن يتراخى أمام المقاومة. وبولس الذي رأى أن ساعة رحيله قريبة. وأصحاب التعاليم الضّالة الذين عملوا في أيام بولس، ويتابعون دعاوتهم مع تيموتاوس. ذاك هو وضع الكنيسة من جيل إلى جيل. تنتقل الرسالة من يد إلى يد، وتسلّم الوديعة إلى أشخاص أمناء يتابعون المسيرة. كانت نهاية بولس الموت من أجل المسيح فصارت حياته ذبيحة. وهذا ما ينتظر تيموتاوس، وكل حاملي الكلمة. فمن أراد أن يكون للمسيح ناله الاضطهاد. بما أن المسيح أنبأنا بذلك، فلا ندهش. وبما أن الرسول نبّه تلميذه إلى ما ينتظره، فليستعدّ للجهاد مثل جنديّ صادق، مثل متسابق ينتظر أن ينال إكليل البرّ الذي يقدّمه له الربّ. 
الفصل الثاني عشر
التوصيات الأخيرة
4: 9- 22

انتهت الرسالة، ولكن لا بدّ من بعض تعليمات عمليّة تدلّ على مدى تنقّلات المسيحيين الأوّلين، وعلى البعد الرسوليّ لنفسيّة بولس الذي يحمل همّ جميع الكنائس. ففي بضع آيات، تطلّع إلى تسالونيكي وغلاطية ودلماطية وأفسس وترواس وكورنتوس وميليتس ورومة. دعا إليه تلميذًا من تلاميذه، وأرسل آخر إلى مكان محدّد. تخلّى عن الرسول تلاميذُه وأصدقاؤه، وهاجمه أعداؤه هجومًا شخصيًا. ومع ذلك، فهو لا يتخلّى عن قوّة النفس عنده. فيشهد للحقّ ولا يتراجع. وهكذا يكمّل تشبّهه بالمسيح في حاشه وآلامه. فالاسكندر لعب تجاهه الدور الذي لعبه يهوذا تجاه المعلّم. ومرّ بولس أمام القضاء، فدافع عن نفسه بكرامة وثقة، وسلّم أمره إلى الله. غفر للمسيحيين الذين تراخوا فتراجعوا وهربوا. وظلَّ متّحدًا بإخوته في المسيح. وفي النهاية نبّه تيموتاوس إلى الأخطار التي تتربّص به.

1 - الرسول وابنه الحبيب
حملت 2 تم، شأنها شأن 1 تم، عددًا من أسماء العلم، يعرفها القرّاء بشكل إجماليّ. ولكن من خلال هذه اللائحة يتواصل الارشاد. فكما في 1تم 1: 18- 20، نجد في 2تم 1: 15- 18 تعارضًا بين تصرّف وتصرّف. في 1تم، انكسرت سفينة التلاميذ فما عادت تصلح لعبور الماء على مثال السفينة التي كان فيها المعلّم مع تلاميذه. وفي 2تم، تخلّى التلاميذ عن الرسول وعن الرسالة. تجاه هذين الوصفين، برز اونيسفورس الذي لم يخجل من قيود بولس، بل ذهب يبحث عنه في كل مكان. ومثله سوف يفعل تيموتاوس إن هو أراد أن يحافظ على الأمانة.
وذكرُ الاسماء في 2تم، كما في 1تم وتي، يخدم كلام الرسول. في البداية، وجد بولس عزاء مع اونيسفورس. والآن ينتظر العزاء نفسه بعد أن تركه ديماس والتحق بهذه الدنيا.
إن خاتمة 2 تم تشبه في بنيتها 1و 2تس، غل، فل، عب. نجد معلومات شخصيّة وتعليمات. نقرأ المجدلة. ثم معلومات أخرى وتعليمات. وأخيرًا البركة المزدوجة: ليكن الرب مع روحك. كلام إلى تيموتاوس الذي يتسلّم الرسالة. ولكن الرسالة تتوجّه أيضًا إلى الجماعة ككلّ. لهذا كانت مباركة ثانية: لتكن النعمة معكم.
ولاحظ عدد من الشّراح تقاربًا بين آ 10- 21 (وخصوصًا آ 16- 18) ومز 22 الذي تلاه يسوع على صليبه: "إلهي إلهي لماذا تركتني، وابتعدتَ عن نجدتي وسماع آنيني؟ إلهي، في النهار أدعو فلا تجيب، وفي الليل فلا تحرّك ساكنًا" (آ 2- 3). قد يكون بولس صلّى هذا المزمور في زنزانتهم ليكون، ليلة موته، شبيهًا بيسوع. في الواقع، يصوّر هذا المزمور شخصًا تخلّى عنه الجميع فأحسّ بالوحدة. أحسّ بالضيق (تلبسيس). صارت حياته (وقوّته) كالماء الذي يسيل (آ 6). ما من أحد بجانبه يساعده. هاجمه أعداء دلّوا على شراستهم وانتظروا موته القريب. هم وحوش متعطّشة إلى الدماء، يُشبهون الأسد ساعة يقع على فريسته ويزأر "محييًا" إياها. غير أن البار ما زال يرجو الله الذي يحمل إليه الخلاص، وسيكون أول من يمجّد الله فيدعو الملوك والأمم لمشاركته في هذا التمجيد. من أجل هذا، يرفع المرتّل فعل الشكر: "أما أنا فله حده أحيا، وذرّيتي أيضًا ستعبد الربّ، والأجيال الآتية ستخبر عنه. وتُحدّثَ الشعب الذي سيولد، بما تمّ على يده من خلاص" (مز 22: 31- 32).
هذه العواطف نجدها في هذه الآيات (آ 9- 22) من 2تم، ولا سيّما الاكرام الذي تؤدّيه إلى الله أممُ العالم. فكما ضمّ البار الأمم الوثنيّة إلى مديح الاله المخلّص، في المزمور، كذلك شهد بولس أمام ممثّلي العالم الوثنيّ. وعرف أن نسله الرسوليّ سيتابع العمل بعده. هذا ما قاله المزمور: "جميع الأمم تتذكّر الرب، وترجع إليه من أقاصي الأرض. أمام وجهه تسجد جميعُ الشعوب، لأن المُلك للربّ، سيّد الأمم" (آ 28- 29).

2- دراسة النصّ
اعتاد بولس أن ينهي رسائله بأخبار قصيرة أو توصيات عمليّة (روم 15: 22- 16: 23؛ 1كور 16: 5- 18). انتهت 1تم بشكل مفاجئ، فلم تحتفظ بأخبار. أما 2تم، شأنها شأن تي (تي 3: 12- 15)، فحملت نصائح عمليّة وأخبارًا. ونحن نقسم نهاية 2تم قسمين: توصيات وأخيار (4: 9- 18)، السلامات والتمنّي الأخير (آ 19- 22).

أ- توصيات وأخبار (4: 9- 18)
جاءت خاتمة الرسالة بسيطة ومؤثّرة. كان بولس وحده أمام قضاته وأعدائه الشخصيّين، فما وجد بقربه سندًا بشريًا. لهذا، استند فقط إلى الربّ الذي لا يمكنه إلاّ أن يخلّص خادمه رغم الظواهر. وهكذا اختبر بولس التجرّد التام والفقر الروحيّ.
أولاً: ديماس، كريسيس (آ 9- 10)
كان بولس رجل إحساس عميق، فاحتاج دومًا إلى أن يحيط به أصدقاؤه ومشاركوه في العمل. وفي الأيام الأخيرة من حياته، ها هو يحسب الحاضرين والغائبين. وأكثر ما يُثقل عليه هو العزلة، على مثال الربّ في بستان الزيتون (مت 26: 38، 40). لهذا ألحَّ على تيموتاوس: تعال إليّ سريعًا. عجّل. وسيقول حالاً لماذا يطلب السرعة.
ديماس تركني. ديماس تصغير "ديمتريوس" (رج 3 يو 12). هناك من ماهى بين الاثنين، فنال ديماس شهرة سيّئة على مثال ديمتريوس. أما "أعمال بولس" (1: 4) فجعلت ديماس مع هرموجينيس، كخصم بولس الحسود والمرائي. وقال شرّاح: جحد إيمانه، وترك الرسالة، وعاد إلى العالم (1تم 6: 17؛ تي 2: 12). فضّل محبّةَ هذا الدهر على محبّة الربّ في تجلّيه (آ 8). ووُجد في مخطوط، في فلورنسا، أنه صار كاهن هيكل وثنيّ في تسالونيكي.
ولكن الفعل "ترك" (إنكاتالايبو)، يعني ترك شخصًا وما أعانه (آ 16؛ مت 27: 16؛ أع 2: 27؛ عب 13: 5). وترك مكانًا ليمضي إلى مكان آخر (عب 10: 25). توقّف عن العمل، اعتزل، تخلّى عن واجبه. فديماس، رفيق أسر بولس في رومة للمرة الأولى (كو 4: 14؛ فلم 24)، قد يكون يئس من الظروف الصعبة، شأنه شأن مرقس في بمفيلية (أع 13: 13؛ 15: 38). هرب من الخطر، فبحث عن الهدوء والراحة (الذهبيّ الفم). "أغابان"، فضّل. هو ما خسر إيمانه، بل أمانته لشخص عمل معه.
"كريسيس". أو "كريسانس". إسم لاتيني: شخص حرّره نيرون. أو: قائد مئة. أو: صانع ماهر في ديلوس. لا يرد اسمه إلاّ هنا في العهد الجديد. قد يكون خزّافًا من غالية (فرنسا الحالية) كما تقول كتابة يونانيّة. سافر إلى غلاطية، المقاطعة الواقعة في تركيا. ولكن رأى البعض، مستندين إلى نصوص تمتدّ إلى القرن الثاني، أنه سافر إلى غالية. هنا نتذكّر تيودورس، أسقف المصيصة: "يُسمّي بولس غلاطية ما يُسمّى اليوم غالية". وهكذا يكون هذا التلميذ عاد إلى بلده، إلى غالية، ليحمل الانجيل الذي حمله بولس إلى اسبانية، على مثال ما فعل ابفراس حين حمل الانجيل إلى كولسي وربما لاودكية. ومضى مرقس إلى دلماطية التي هي على الشاطئ الادرياتيكي.
ثانيًا: لوقا ومرقس وتيخيكس (آ 11- 13)
لوقا هو الصديق الأمين. الحاضر مع بولس خلال سجنه في قيصريّة (أع 27: 1) ورومة (فلم 24)، بل حتى ساعة موته الذي صار قريبًا. هو الطبيب (كو 4: 14) والسكرتير والمستشار القانونيّ كما قال قانون موراتوري (يعود إلى القرن الثاني): "أخذه بولس معاونًا بسبب معرفته بالقانون". "وحده معي". أترى تخلّى مسيحيّو رومة عن بولس، خوفًا على نفوسهم؟ ربما. رج فل 1: 15- 17. في هذا السياق نفهم "أنالمبانو": جاء بشخص (أع 20: 13؛ 23: 31). أخذ مسافرًا في سفينة. يمكننا أن نفهم أن مرقس كان مع تيموتاوس؟ لا، بل هو في إحدى المدن، وسيمرّ تيموتاوس عليه ويصطحبه إلى بولس. مرقس مفيد جدًا (فلم 11). ثمين جدًا (2: 21)، لما يمكن أن يقدّم لبولس من معونة شخصيّة (تيودورس).
تيخيكس. شخص وثق به بولس. مضى من بلد إلى بلد. فإن جاء تيموتاوس، حلّ تيخيكس محلّه هناك. هو من آسية، وقد أقام في أفسس وكولسي وكريت. مع أن بولس وحده، إلاّ أنه قبل أن يتركه تيخيكس لخير الكنائس (آ 12).
حين يأتي تيموتاوس من أفسس، يتوقّف في ترواس (طروادة) فيأخذ معه عباءة بولس والكتب (آ 13). مرّ بولس في ترواس أكثر من مرّة (أع 16: 8؛ 20: 6)، وقد يكون أوقف فيها قبل أن يُقاد سجينًا إلى رومة. أقام عند "كربوس" (2كور 2: 12). ما يحمله تيخيكس معه، هو نصوص العهد القديم، وربّما نصوص العهد الجديد: "بيبليا"، كتب.
ثالثًا: اسكندر النحّاس (آ 14- 15)
عُرف اسم الاسكندر في أمكنة عديدة (مر 15: 21؛ أع 4: 6). هل هو ذاك المذكور في 1تم 1: 20؟ هل هو المرتبط بأفسس (أع 19: 33) والعامل مع ديمتريوس (آ 24). لا نعرف موطنه. ولكننا نعرف أن تيموتاوس يعرفه، ويعرف أعماله السيّئة التي سيجازيها الله عليها أسوأ مجازاة. هو نحّاس أو حدّاد. كان مسؤولاً عن توقيف بولس، إن لم يكن عن الشهادة ضدّه بحيث اتّخذ الاتهام منحى مأساويًا: أساء إليّ كثيرًا. الفعل "إندايكنيمي" (1تم 1: 16): قدّم البرهان. وشى إلى السلطات. لاحق في القضاء. وشى اسكندر ببولس، ولحق به إلى رومة ليشهد عليه.
قال يسوع عن الخائن: "الويل للانسان الذي به يُسلم ابن الانسان" (مت 26: 24). وأورد التلميذ مز 52: 13: "أنت، يا سيّد، تجازي كلَّ انسان حسب أعماله". رج مز 28: 4: "عاملهم يا ربّ حسب سلوكهم وحسب شرّ أعمالهم". وقال تث 31: 35: "لي الانتقام والمجازاة". هكذا "تُغلق أفواه قائلي الكذب" (مز 62: 12). شهد الاسكندر، فحُكم على بولس. فليحترس تيموتاوس من شهادة مماثلة. فيلاسو: احترس. وإلاّ كان التلميذ ضحيّة الكذب، شأنه شأن معلّمه.
رابعًا: الربّ وقف معي (آ 16- 18)
رأى الذهبيّ الفم وتيودوريتس... في آ 16 كلامًا عن سجن بولس للمرّة الأولى في رومة والاستجواب الأول. ولكن يبدو أن بولس أطلق سراحه حين سُجن للمرّة الأولى في رومة (بعد قيصرية، رج أع 28: 16ي)، ثم قُبض عليه بوشاية من اليهود أو المسيحيّين المتهوّدين.
كانت المحاكمة عامّة، والفضوليون كثيرين. فيأتي الأقارب والأصحاب. أما بولس فكان وحده. انتظر أن يجد أحدًا بقربه، لكي يعينه. "باراغينوماي". رج لو 11: 6؛ 12: 51؛ 1كور 16: 3؛ عب 9: 11. ولكن ما وقف أحد مع بولس، فأحسّ بالحزن والمرارة. فقال: "تركوني كلهم". رج مت 27: 46 = مز 22: 2؛ رج 2تم 1: 5. خافوا على أنفسهم. أو هم رأوا أن لا فائدة من البقاء هنا بعد أن انتهى كل شيء. هل حقد الرسول على أحد؟ كلا. بل طلب الصفح لهم قبل موته، على مثال الربّ (لو 23: 34)، واسطفانس (أع 7: 60). فالمحبّة لا تضمر سوءًا (1كور 13: 5).
غاب كل شاهد يخفّف من الحكم على بولس، فصار وضعُ الرسول ميؤوسًا منه. هذا على مستوى البشر. ولكن لا على مستوى الله. فالمسيح القائم من الموت هو هنا. كما كان قرب اسطفانس حين كان يُرجم: "أيها الرب يسوع، تقبّل روحي" (أع 7: 59). وعد يسوعُ تلاميذه بأنه يكون قربهم لكي يدافع عنهم: "عندما تساقون إلى المجامع والحكّام وأصحاب السلطة، فلا يهمّكم كيف تدافعون عن أنفسكم أو ماذا تقولون" (لو 12: 11). والرب هو الذي طلب من بولس أن يشهد له في رومة. نقرأ في أع 23: 11 ما يلي: "وفي الليلة الثانية (بعد أن قُبض على بولس في أورشليم)، ظهر الربّ لبولس، وقال له: "تشجّع! فمثلما شهدتَ لي في أورشليم، هكذا يجب أن تشهد لي في رومة". جاء بولس إلى رومة للشهادة. ويسوع كان هناك، قرب تلميذه. أعطاه القوّة والعزاء. شجّعه على الشهادة حتى النهاية. "باريستيمي": كان بجانبه لكي يساعده، لكي يحميه ويدافع عنه كما يفعل المحامي.
أراد الربّ أن يُعلن انجيله في كل الأمم (مر 13: 10؛ 16: 15؛ رج مز 22: 18- 19)، واختار بولس ليوصل هذا الانجيل إلى الوثنيين والملوك (أع 9: 15؛ 1تم 3: 16). فعرف أنه مسؤول عن الكرازة (1تم 2: 7؛ تي 1: 3)، ولا سيّما في رومة (روم 1: 5، 14؛ 16: 26). لهذا جعل من دفاعه، كسجين أمام السلطات، كرازة بالانجيل. هذا ما فعل أمام أغريبا في السجن الأول (أع 26: 1ي؛ رج فل 1: 12- 14). وها هو يفعل الآن.
وتأتي آ 18 بشكل صلاة. الرسول واثق بأن الله ينجّيه "من فم الأسد"، من الملك الشرس والسلطة الشريرة والمضطهدة. ولكن هذه النجاة ليست نجاة من موت الجسد. فبولس سيموت شهيدًا. بل هي نجاة وحفظ من أجل الملكوت (أف 1: 3، 20؛ 2: 6). هنا نقرأ الصلاة الربية بشكل معاكس. فهي تنتهي مع "نجنا" (مت 6: 13). ولكنها بدأت مع "الملكوت". ليأت ملكوتك. أجل، ينجو بولس ليكون في الملكوت الذي طلبه قبل شيء، فكانت له النجاة. وانتهت الصلاة بمجدلة: "له المجد إلى أبد الدهور". رج غل 1: 5 حيث توجّهت المجدلة إلى الله. في 2بط 3: 18، توجّهت إلى المسيح. قبل أن يُسفك دمُ الرسول، ها هو يبارك ذاك الذي ينجّيه، ويُنشد مراحمَه الأزليّة. ذاك يكون كلامه الأخير.

ب- السلامات والتمنّي الأخير (4: 19- 22)
وبعد التوصيات السلامات: لبعض الأعضاء أولاً، ثم لتيموتاوس نفسه.
أولاً: برسكلة وأكيلا (آ 19- 20)
اشتعل بولس محبّة لله، فتجسّدت محبّته محبّة للاخوة. عاد إلى أعزّ أصدقائه. بريسكا (أو برسكلة، أع 18: 2). وأكيلا زوجها. استُقبل بولس أكثر من مرّة في هذه الأسرة التي قد تكوت فعلت المستحيل لتنجّي بولس من الموت في سجن أفسس (روم 16: 3- 4). وذكر النصّ "أهل أونيسفورس" رج 1: 16- 28. حسب "أعمال بولس"، 2، تألّفت هذه الأسرة من الزوجة لكترة، وابنين هما سيمياس وزينون.
أراستس. ذُكر مع تيموتاوس في أع 19: 22. اعتُبر أمين الصندوق في مدينة كورنتوس (روم 16: 23). هو يُقيم في رومة (مانو)، ولا يمرّ مرورًا عابرًا. تروفيمس (أع 20: 4؛ 21: 9) هو ابن أفسس. رافق بولس الذي أوقف. كان ذلك في ميليتس. تمنّى الرسول أن يرافقه هذا الصديق. ولكنه مرض. فأجبر بولس على التخلّي عنه. لتكن مشيئتك يا رب.
ثانيًا: أسرع في المجيء (آ 21)
إن مجيء تيموتاوس قبل الشتاء أمر ملحّ (رج آ 19). ولهذا يتكرّر الطلبُ. قد تكون الرسالة كُتبت في الخريف. وبولس يحتاج إلى ردائه الذي يقيه برد الشتاء (آ 13). نتذكّر هنا أن الإبحار كان يتوقّف بين 11 تشرين الثاني و10 آذار، فيصبح البحر "مغلقًا". أترى أحسّ بولس أن موته قريب، فشرع يقول لتلاميذه: إن تأخّرت لن تجدني.
ذُكر هنا أربعة أعضاء من كنيسة رومة، ثلاثة رجال وامرأة واحدة. أوبولس واسمه يعني صاحب المشورة والفطنة. بوديس (أو بودنس) واسمه يعني المتواضع والمتحلّي بالبساطة. جعل التقليدُ من اوبولس واحدًا من مجلس الشيوخ، هداه بطرس. وكانت قراءة على الحجر تعود إلى سنة 88، وتتحدّث عن زواج "أولوس بودنس" من الفاضلة "كلودية بارغرينا" ابنة الملك البريطاني "كوجيدوبنوس". فهذا الملك الذي نال إنعامات من الامبراطور كلوديوس سنة 52 (كما يقول المؤرخ تاقيتس)، سمّى ابنته كلودية. وهكذا نكون أمام عائلة مسيحيّة على مثال عائلة برسكلة وأكيلا. أما "القوانين الرسولية" (7/46، 17- 19) فتجعل من "لينس" ابن كلودية. ورأى فيه ايريناوس (الهراطقة 3/3: 3؛ رج اوسابيوس، التاريخ الكنسيّ 13: 4- 8) أول خلف لبطرس على كرسي رومة.
ثالثًا: البركة الأخيرة (آ 22)
في هذه البركة الأخيرة، نقرأ تمنيّين يرتبطان بعالم التوراة: حين نقول إن الله هو مع شخص من الأشخاص، ندلّ على أنه يشارك في قدرته الفاعلة. فينال الحماية والعون والمساعدة والبركة. هكذا كان الله مع المسيح (يو 3: 2؛ 8: 29؛ أع 10: 38)، مع مريم العذراء (لو 1: 28). وقد تتجلّى هذه المحبّة بتدخّلات عجائبيّة. حين ترك يسوع الرسل، قال لهم "أنا معكم" (مت 28: 20) حتّى انقضاء الدهر. وقال لبولس: "لا تخف... فأنا معك" (أع 18: 9- 10). قال يوسيفوس: هذا القرب الذي ترافقه المحبّة هو ينبوع شجاعة وقوّة. وقال يوحنا الدمشقي: "وكأنه يقول له: لا تحزن إن تركتك، فالربّ معك". "مع روحك". نعود هنا إلى روح القوّة والمحبّة كما في 1: 6- 7 (رج أع 20: 18).
توجّه التمنّي الأولي إلى تيموتاوس. فهو يحتاج إلى هذه البركة لكي يسوس الجماعة. والتمنّي الثاني توجّه إلى الكنيسة في أفسس: النعمة معكم. رج 1كور 16: 23؛ 1تم 6: 21؛ تي 3: 15. الرب هو حاضر وفاعل. وتُذكر هنا نعمته التي هي عطيّة حبّه. هي نعمة تُعطى لقرّاء الرسالة، سواء كانوا في أفسس، أو في إحدى كنائسنا. نعمة الرب ترافقنا. "آمين"، كما تقول بعض المخطوطات.
نجد في نهاية الرسالة، في بعض المخطوطات، تفاصيل عن تيموتاوس (أسقف كنيسة أفسس)، عن الموضع الذي فيه دوِّنت الرسالة (لاودكية أو رومة)، عن الظروف التي فيها دُوّنت (حين مثل بولس للمرة الثانية أمام امبراطور رومة، نيرون).

3- قراءة إجماليّة
بريسكا (تصغير برسكلة) وزوجها هما مشاركان لبولس في رسالته. كانا يهوديين اعتنقا الايمان المسيحيّ. أقاما أولاً في رومة، ثم لجأا إلى كورنتوس على أثر قرار كلوديوس (سنة 49) بطرد اليهود من رومة. تعرّف إليهما بولس في كورنتوس، خلال الرحلة الرسوليّة الثانية. عمل معهما في مهنة الحياكة. ولما مضى إلى سورية، أخذهما معه وتركهما في أفسس (أع 18: 18- 19). عمل الزوجان كثيرًا من أجل نشر الانجيل، وكان بيتهما موضع اجتماع الكنيسة المحليّة (1كور 16: 13). وقد لعبا دورًا كبيرًا في هداية أبلوس الذي لم يكن يعرف سوى عماد يوحنا المعمدان (أع 18: 24- 26). وحين كتب بولس، من كورنتوس، خلال الرحلة الرسولية الثالثة، إلى أهل رومة، حيَّى أكيلا وبرسكلة "شريكيه في يسوع المسيح اللذين خاطرا بحياتهما لكي يخلّصاه" (روم 16: 3- 4). هذا يعني أن الزوجين كانا في رومة سنة 57- 58.
وترد أخبار عن أراستس رفيق تيموتاوس إلى مكدونية. تروفيمس هو من آسية، شأنه شأن تيخيكس (أع 20: 4). بل هو أفسسيّ ومن أصل وثنيّ (أع 21: 29). رافق بولس خلال رحلته الرسوليّة الثالثة. سبق الرسول (مع تيخيكس) إلى ترواس، وكان من حيث لا يدري، سبب القبض على بولس في أورشليم (أع 21: 29).
ونقل بولس إلى تيموتاوس سلام جميع الاخوة من رومة. نشير إلى أن لائحة قديمة لأساقفة رومة، تذكر لينس كأول خلف لبطرس.
ليكن الرب مع روحك. أي معك. فالروح هي الشخص، شأنها شأن النفس حيث نقرأ في مز 57: 5: "نفسي تنام وسط الأسود". هذا يعني: أنا أنام. أما يوحنا الذهبيّ الفم، فأشار إلى الروح القدس الذي يسكن في المسيحي، والذي يعمل بشكل خاص في انسان نال وضع اليد من أجل خدمة الكنيسة.

خاتمة
حين يرسل بولس توصياته وسلاماته، يدلّ على عمق الصداقات التي ربطته بالذين شاركوه في رسالته. عائلة أولى مؤلّفة من برسكلة وأكيلا، فتحت له باب الرسالة في كورنتوس، وظلّت معه حتى سجن رومة. وعائلة ثانية مؤلّفة من بوديس وكلودية وابنهما لينس الذي يبدو أنه خلف بطرس في قيادة كنيسة رومة. وعاد فذكر اونسيفورس. ذاك كان الوجه الايجابي. وهناك الوجه السلبي: ديماس ترك الرسول والتحق بهذا العالم. اسكندر الحداد وشى بالرسول ولاحقه أمام المحكمة. هل حقد الرسول؟ كلا. بل طلب المغفرة لكل من أساء إليه، كما يفعل كل مؤمن عند فراش الموت. ولكن في قلب الألم الذي يسبق ساعة الموت، لا ينسى بولس الكنائس، فيرسل هذا إلى هنا وآخر إلى هناك. فهذا الذي عرف الأتعاب الكثيرة في رحلاته الرسوليّة، كان يعمر في قلبه همّ كبير جدًا هو همّ الكنائس. وهذا الهمّ رافقه حتّى موته. فبولس يُسجن، يقيّد. ولكن كلمة الله حرّة. وبولس يموت ولكن كلمة الله حيّة. وهي تتواصل في الكنيسة حتى انقضاء الدهر.
خاتمة
تلك كانت قراءتنا للرسالة الثانية إلى تيموتاوس. جاءت في الترتيب الكتابي بعد 1تم وقبل تي. ولكنها بدت سابقة لهاتين الرسالتين الأخريين. حملت أخبارًا سيّئة عن سجن بولس الذي يتألّم لأنه وحده بعد أن تخلّى عنه الجميع، ولأنه يحسّ أن أجله قريب وساعته دنت. ولكن وقوفه في المحكمة كان مناسبة لإعلان الانجيل أمام الملوك والحكّام.
قراءة جاءت في أربعة أقسام: مدخل الرسالة وبدايتها. توقّفنا فيه بشكل خاص عند موقع 2 تم بالنسبة إلى 1تم وتي. هي تختلف عن شقيقتيها. وكان عنوان القسم الثاني، تيموتاوس رسول المسيح وشهيده. أمامه قدوة يجدها عند بولس، عند أونيسفورس الذي لم يخجل من الانجيل، وأخيرًا عند يسوع المسيح الذي نعيش معه إن متنا معه، الذي نملك معه إن صبرنا معه. والذي يبقى أمينًا مهما كانت معاملتنا له، لأن لا يقدر أن يُنكر نفسه.
في القسم الثالث، فهم تيموتاوس أنه راعي القطيع. فعليه أن يتشبّه بيسوع، الراعي الصالح. والوظيفة الأولى للراعي هي السهر. فالخطر يتربّص بالكنيسة، من الداخل. من المعلّمين الكذبة الذين يتسلّلون إلى البيوت ويسبون النفوس البسيطة. والخطر الأكبر يأتي من الاضطهاد، بحيث يظنّ المؤمن أن الأيام الأخيرة جاءت. ولكن الرسول لا يخاف: يتمسّك بالتقليد الرسولي، أي بالانجيل كما حمله الرسل، ويتمسّك بالكتب المقدّسة، أي العهد القديم، ويتابع المسيرة ونشر الكلمة مهما كلّفه هذا العمل من تضحيات وصعوبات.
أما القسم الرابع فترجمة بين السطور، كما فعلنا في 1تم. هكذا نفتح الطريق أمام تعلّم للغة اليونانيّة، لغة أسفار العهد الجديد. والكلمات اليونانية الواردة في الكتاب تقدّم لنا »قاموسًا« يغتني يومًا بعد يوم، بحيث تصبح لغة الانجيل الاصليّة لغتنا، نحن الذين لا نكتفي من الأسفار المقدّسة بالقشور، بل ننتزح إلى العمق ونطلب الدرّة الثمينة.
توقّفت فصول هذا الكتاب، كما في الماضي، عند المقاطع القصيرة. فقدّمت دراسة شاملة، لاهوتيّة، اجتماعيّة أو تاريخيّة. وبعد ذلك، كانت دراسة النص دراسة حرفيّة مستفيضة، رجعنا فيها إلى كل آية وكل لفظ من أجل التمحيص والتدقيق. وأخيرًا، جاءت القراءة الاجماليّة تساعدنا على التأمّل الروحيّ في النصوص الكتابيّة، واستخراج التعليم من مقال يبدو بعيدًا عنّا في الزمن. فالقارئ يختار ما يحتاج إليه من فصول، ويختار في الفصول الناحية التي يحبّ. المهمّ أن نسمع كلنا النصيحة التي تلقّاها تيموتاوس من معلّمه بولس: قراءة الكتب المقدّسة: فهي تعلّمنا لأنها خرجت أول ما خرجت من فم المعلّم. وهي تؤدّبنا وترّبينا على ما كان يسوع يفعل مع تلاميذه في طرقات الجليل والسامرة واليهودية. وهي تقوّمنا إن نحن ملنا يمنة أو يسرة. لأنها في النهاية توصلنا إلى البرّ، إلى العمل بمشيئة الله. كما توصلنا إلى إله البرارة الذي يجازينا خير جزاء لأننا نعرف يومًا بعد يوم أن ننتظر ظهوره في العالم، وننتظر مجيئه في النهاية.