كنيسة كورنتوس

 

تقديم
حين نقرأ الرسالة إلى كورنتوس، نتخيّل نفوسنا في أفسس، على شاطئ تركيا الحاليّة، حيث وقف بولس يستمع إلى ما يُحمل إليه من أخبار. فخلوة، تلك التاجرة الكبيرة وصاحبةُ التأثير في الكنيسة، حمّلت العاملين عندها أخباراً حول الانقسامات في الكنيسة والتحزّبات. وعرف بولس أيضاً بما في هذه الجماعة التي أسّسها فكان بمثابة الأب لها، من انفلات أخلاقيّ لم يتحرّر بعدُ منه أولئك الذين جاءوا من الوثنيّة منذ زمن قريب.
ووصل إلى بولس، بشكل خاص، المسؤولون في الجماعة: استفاناس، فرتوناتوس، أخائيكوس. حملوا إلى بولس الأخبار الطيّبة عن هذه الكنيسة المزدهرة، التي تتّسع وتتّسع، بل يصل تأثيرها إلى مقاطعة آخائيّة اليونانيّة، ولا ينحصر في العاصمة كورنتوس. ولكنهم حملوا معهم أخباراً لم يُسَرّ الرسولُ بسماعها: خلافات داخل الجماعة التي يجب أن تشهد للمسيح في هذا المحيط الوثنيّ، فيمضي المؤمنون إلى المحاكم، ولا يجدون من يتحلّى بالحكمة فيفضّ خلافاتهم. وهناك فوضى في الاحتفالات، ولا سيّما في عشاء الربّ، حيث التمييزُ واضحٌ بين الفقراء والأغنياء، بين الأسياد والعبيد. هل هذه هي الأخوّة المسيحيّة التي تربط الجميع بواسطة سر المعموديّة، وأكل الجسد الواحد وشرب الدم الواحد؟
وأخيراً، تسلّم بولس رسائل حول الزواج والبتوليّة، حول اللحوم التي تُذبح للأوثان، حول المواهب في الكنيسة، ولا سيّما التنبّؤ والتكلّم بالألسن. وأخيراً، حول قيامة الموتى، والشكل الذي فيه يقومون.
وهكذا كانت لنا نظرة عامة عن جماعة مسيحيّة، تلتئم في أكثر من بيت، لأن عددها يتنامى يوماً بعد يوم. جماعةٌ صغيرة في مدينة يتجاوز سكّانها نصف مليون نسمة، بما فيهم العبيد الذين يشكّلون الثلث في المدينة، والأكثرية في الكنيسة مع العمّال وأصحاب الصناعات الصغيرة. عددٌ قليل من المسيحيّين تجاه أكثريّة ساحقة من الوثنيين. ومع ذلك، فهذه الأقليّة يجب أن تكون الخميرةَ في هذه المدينة، ولا تحسب نفسها ضعيفة بسبب عددها. فالخمرُ القليل يخمّر العجين الكثير، والملحُ القليل يعطي الطبخ نكهته، والنورُ يضيء على الذين في البيت كما على الآتين من الخارج. فهل تلعب كنيسة كورنتوس هذا الدور الذي يُنتظر منها؟ لا شكّ في ذلك. ولكن ينبغي عليها أن تجعل شهادتها أكثر شفافيّة، فتفهم أنها مسؤولة عن البشارة، لا في أخائيّة وحسب، بل في بلاد اليونان كلها.
كنيسةُ كورنتوس شبيهة بكنيستنا. هي أقليّة وسط أكثرية. مشاكلُها هي مشاكلنا. وصعوباتها صعوباتنا. وأفراحها أفراحنا. فإلى تأمّل في نصوص هذه الرسالة الأولى التي احتفظت بها كورنتوس، قبل أن تأخذ مكانتها في المجموعة البولسيّة. بهذه الطريقة وحدها، لا يعود كلام الله من الماضي، بل يتجسّد في كل رعيّة من رعايانا، فلا يبقى حرفاً ميتاً، بل روحاً وحياة. 
الكنيسة والايمان بالمسيح
1كور 1: 1- 3

نعمة وسلام. هكذا تبدأ رسائل بولس. وهكذا بدأت الرسالة الأولى إلى كورنتوس. نعمة يعرفها العالم اليونانيّ. وسلام يبحث عنه العالم السامي. والتقى التمنِّيان في فم بولس، كما في قلمه. وشاركه في هذا التمنّي رفيقُه في الرسالة، سوستانيس الذي كان له أن يتألّم، بدل بولس (أع 18:17)، قبل أن يرافق في الرسالة ذاك الذي يذكر جهاده وآلامه من أجل كنيسة كورنتوس بشكل خاص، والكنيسة بشكل عام. ونبدأ بقراءة النصّ:
(1) من بولس الذي شاء الله أن يدعوه ليكون رسول المسيح يسوع، ومن الاخ سوستانيس (2) إلى كنيسة الله في كورنتوس، إلى الذين قدّسهم الله في المسيح يسوع ودعاهم ليكونوا قديسين مع جميع الذين يدعون في كل مكان باسم ربنا يسوع المسيح، إلههم وربنا. (3) عليكم النعمة والسلام من الله أبينا ومن الرب يسوع المسيح.
نقرأ هنا فقط ثلاث آيات في رسالة طويلة، مؤلّفة من ستة عشر فصلاً. والرسالة، عند بولس، أخذت بأسلوب الرسائل المعروف في عصره، في اليونان كما في الشرق القديم. ولكنه حمّلها أكثر من مرة (روم 1: 1- 7؛ غل 1: 1- 5؛ رج عب 1: 1- 4) مضموناً لاهوتياً يشكل رسمة مسبقة لخطوط فكره العميقة التي توجّه سائر الرسالة. هذا ما نقوله بالنسبة إلى 1كور. ففي العنوان (1: 1- 2) وفي التحيّات المعهودة (1: 3)، لا يكتفي بولس أن يذكر اسمه والاشخاص الذين يكتب إليهم فيحيّيم التحيّة اللائقة، بل هو يشدّد مسبقاً أن الأساس الحقيقيّ الفريد لوحدة جميع المؤمنين، هو اعتراف إيمانهم بالمسيح، الينبوع الوحيد لحياته.
1- إطار النصّ
بعد عشرين سنة على موت المسيح، نزل بولس من السفينة على رصيف من الأرصفة التي تقود إلى كورنتوس. هذه المدينة التي كانت مرفأ مزدهراً، عُرفت بفسادها الاخلاقي. كانت في ذلك الوقت وصلة تجاريّة وبحريّة هامّة باتجاه الشرق كما باتجاه الغرب. إنها الوسط التجاري والمركز الماليّ الرفيع. وهي أيضاً مدينة عمّال المرفأ والصنّاع الصغار الذين يتطلّعون إلى ما يقوم بأودهم، والباعة المتجوّلين في الأحياء الصغيرة. مدينةٌ تعجّ بالسكان وفيها يشكّل العبيد الثلثين والأحرار الثلث الأخير.
مدينة على مستوى الكون. ونما هذا الطابعُ أيضاً منذ صارت كورنتوس عاصمة مقاطعة أخائية (في اليونان الحالية) الرومانيّة. وهذا ما قاد إلى تلفيق (نهج يدمج تعاليم مختلفة) إيديولوجيّ ودينيّ. فكورنتوس هي مركز توزيع في العالم القديم. بل ظلّت أمينة لما عرفته في الماضي، فكانت أحد مراكز الفكر المنفتح والثقافة اليونانيّة.
وبولس صار قريباً من الخمسين من عمره. سوف يقيم في كورنتوس قرابة سنتين. بدأ أولاً فعمل في حياكة الخيام. وبعد ذلك كرّس كلَّ وقته لإعلان كلمة الله (أع 18: 1- 18). بمن اتصل؟ اتّصل أولاً باليهود. ولما رأى معارضتَهم تتزايد، تحوّل إلى الوثنيين الذين تقبّلوه بحماس. وحين استعدّ للعودة إلى أنطاكية سورية، مرّ التيّار، فنبتت جماعةٌ مسيحيّة، مؤلّفة بشكل خاص من أناس وضعاء، لا من ذوي الحسب والنسب (1كور 1: 26- 28).
غير أن الاتصال بين هذا الايمان الجديد، وبين الحضارة الهلينيّة والوثنيّة المسيطرة، طرح حالاً على هذا الكنيسة الفتيّة، سلسلةً من المشاكل وجب التكيّفُ معها، وحرّك عدّة أسئلة أساسيّة. عرف بولس الرسول بهذه الصعوبات، وأُعلِم بانقسامات تحلّ بالجماعة (1كور 1: 11؛ 16: 17؛ أع 18: 27)، فأرسل عدداً من الرسائل إلى "رعيَّة" كورنتوس. في الواقع، لم يكن المسيحيون يشكّلون عدداً كبيراً في مدينة تضمّ على الأقل نصف مليون نسمة. وصلت إلينا رسالتان بعث بهما بولس إلى كورنتوس. أما الأولى فتعود إلى فصح سنة 57، أي خمس سنوات بعد أول مرّة جاء فيها بولس إلى كورنتوس برّاً.

2- دراسة النص
أ- العنوان (1: 1- 2)
أولاً: بولس رسول المسيح يسوع
اعتاد بولس حين يذكر اسمه أن يضيف الوظيفة التي يحتلّها بالنسبة إلى الذين يتوجّه إليهم. هو رسول. أي إن الله أرسله لكي يُعلن للبشر انجيل الله (روم 1: 1؛ غل 1: 11، 15- 16). وإذ يذكرُ هنا اسمَه كرسول، فهو لا يتوقّف عند المتطلّبة العمليّة لهذه الوظيفة، بقدر ما يتوقّف عند أصلها الالهيّ. إذا كان رسولاً، فلأنه دُعي، فلأن الله دعاه ليكون كذلك بواسطة يسوع المسيح وبالنظر إلى مشيئة الله. هي دعوة ثالوثيّة. دعوة الآب والابن له (غل 1: 1، 11- 16). إنه يشير بشكل خفر إلى خبرة طريق دمشق (غل 1: 12: رج أع 9: 3ي). ولكنه يشكر بشكل أساسيّ إرادة الله القدوسة وحدها، ونداءاتها الخلاّقة التي هي السبب الأخير والأساس الأول لسلطة رسوليّة نالها الآن. من أجل هذا، فهو فقط رسول المسيح يسوع. وبصفته الرسوليّة هذه يجب أن يتقبّله الكورنثيون ويسمعوه. 
وخاصيّةُ هذه الوظيفة المحفوظة للرسول،، تظهر أيضاً بشكل بارز مع اللقب الذي يناله سوستانيس رفيقه: إنه فقط الاخ (بين إخوة آخرين). ولفظة "أخ" يستعملها المسيحيّون عادّة لكي ينادي الواحدُ الآخر.
ثانياً: كورنتوس وكنيسة الله
سمّى بولس كنيسة (رعيّة مع مجموعات عديدة) كورنتوس "كنيسة الله"، فدلّ أولاً على أنه يتوجّه إلى جميع المسيحيّين في كورنتوس. فهو واع للانقسامات التي تهدّدهم، وسيعود إلى الكلام عن الوحدة حالاً (1: 10- 16). وإذ أراد بولس أن يحفظهم من هذا الاتجاه إلى العزلة والانفصال عن الآخرين، ذكّرهم أنهم ينتمون كلهم، وبدون تمييز، إلى جماعة، دعاها الله وحده، ويشرف عليها وحده. لهذا، ننظر إليها على أنها كنيسة الله، لا كنيسة البشر. وإذ نكون فيها نكون لله، لا للبشر الذين يتبدَّلون ويتقلّبون.
وارتبط اسم "كنيسة الله" بأمور أخرى على مستوى البعد الخلاصي والاسكاتولوجي. كما استعمل الرسول هذا الاسم في جسم الرسالة ليذكر بوضوح (10: 32؛ 11: 22) "الجماعة التامة في البرّية". هذا يعني، منذ بداية الرسالة، أن كنيسة كورنتوس هذه لا توجد من أجل ذاتها. بل هي جزء من الكنيسة الشاملة، الموزّعة في المسكونة كلها. كما يعني أنها تمثّل بشكل ملموس رابطة كنائس الله، بحيث تتجاوز انقساماتها، وتدلّ بواسطة التماسك الداخلي بين أبنائها، على سرِّ الخلاص الذي يلامس، بشكل حاسم ونهائيّ، جميعَ الشعب الذي اقتناه الله.
ثالثاً: مقدّسة في المسيح يسوع
ودخل بولس في العمق، في واقع "كنيسة الله"، فأخذ يصوّرها في ولادتها: هي جماعة المقدّسين في المسيح يسوع، جماعة الذين قدّسهم الله بواسطة ابنه يسوع. ماذا يعني هذا؟ يعني أن أعضاء الكنيسة، سواء كانوا من كورنتوس أو من غيرها من المدن، دخلوا جميعاً، بالمعمودية، في اتصال مع قداسة الله، وشاركوا فيها، في المسيح يسوع.
وهكذا نلاحظ مرّة أخرى أن بولس لا يشدّد على عمل الانسان، بل على عمل الله في الانسان. فهذا العمل هو الأول. وهو يسبق كلَّ عمل آخر. فكلُّ مبادرة خلاص تعود إلى الله. أما الانسان فيتجاوب معها. بما أن الله قدوس، بما أننا نناديه ثلاث مرات "قدوس، قدوس، قدوس"، وبما أن هذه القداسة المرتبطة بطبيعته الالهيّة هي فيه ديناميّةٌ فاعلة، فهو لا يضمّ إليه بشراً، ولا يريدهم بقربه، ولا يدخلهم إلى جواره، إلاّ لكي يقدّسهم ويحوّلهم تحويلاً جذرياً (1كور 6: 11؛ أف 5: 25- 26).
وإذ أراد الله أن ينقل كيانه الحميم إلى البشر، فعلَ في المسيح يسوع، وبواسطة المسيح. "فيه" تجلّى حبّ الله (روم 8:39). "فيه" تصالح الله مع العالم (2كور 5: 17- 21؛ روم 5: 8- 9). به برّر الله العالم وحمل إليه القداسة (1كور 6: 11؛ أف 5: 25- 26).
كل هذا يتمّ بواسطة خدمة المسيح، وعلى أساس الحدث الحاسم، حدث موته وقيامته. في هذا الحدث، يدخل كلُّ معمّد بالايمان، لكي يموت عن الخطيئة، ويحيا لله في المسيح يسوع (روم 6: 1- 10، 22-23). في هذا المعنى، هذا الوضع في حالة القداسة هو في الحقيقة ومنذ الآن، "نعمةُ الله التي أعطيت لنا في المسيح يسوع" (1كور 1: 4).
رابعاً: مدعوّين لنكون قديسين
غير أن بولس لم يلبث عنذ هذا الحدّ. فما اكتفى بأن يقول إن القداسة حالة فيها يغطس المعمّدون. وهم لا يفهمونها بعدُ، كقوّة وديناميّة تصلان إلى أعماق حياتهم. فلدى المسيحيين في كورنتوس وغيرهم، ولدى "كنيسة الله" كلّها، يعود الرسول مراراً لكي يقول إنهم كلهم مدعوّون ليكونوا قديسين. لا يريد بهذا الكلام أن يجعلهم يستشفّون وضعهم المقبل، بل يريد أن يبيّن، من أجل الزمن الحاضر، معنى دعوتهم في هذا العالم: باسم الله وفي المسيح، كان اختيارُهم. فُرزوا، جُعلوا جانباً، دُعوا لهذه الشهادة المستمرّة. وكما أن الرسول دُعي من أجل الرسالة، هكذا دُعي المسيحيون إلى القداسة. تلك هي دعوتهم الشخصيّة والجماعيّة الحاضرة والأبديّة.
ولكن لا نخطئ فنعتبر أن المسيرةَ مسيرتُنا. فالمبادرة هي من الله. فلا الانسان، ولا الكنيسة يمكنهما أن يعتبرا أنهما يبنيان نفسيهما في القداسة. فالله وحده هو صانع مثل هذه الدعوة. ووعدُه يحقّقه الآن، ويحقّقه فيما بعد باستمرار. أما الكنيسة، فلا يمكنَها إلاّ أن تتقبّل هذه الدعوة التي تتوجّه دوماً إليها، وتتجاوب معها بأكثر ما تقدر من الأمانة.
خامساً: الكنيسة، جماعة الذين يدعون اسم الرب
ويُنهي بولسُ عنوان رسالته، فيفتح قرّاءه على وجهة مسكونيّة شاملة. لا شك في أنه يعود دوماً إلى ما قاله في البداية عن "كنيسة الله". غير أنه ينظر الآن، إلى هذه الكنيسة، على أنها جماعة كل الذين، في كل مكان، يدعون اسم الرب يسوع المسيح. رجع بولس إلى عبارة معروفة في العهد القديم، فما اكتفى بأن يربط مرّة أخرى كنيسة كورنتوس بالكنيسة الجامعة، كنيسة "الذين يدعون اسم الربّ"، بل ذكّر الجميع بالمركبّات الكبرى والمتطلّبات الأساسيّة المتعلّقة بمثل هذا الاعلان.
"دعوةُ اسم الرب" هي قبل كل شيء اعتراف الايمان بألوهيّة الرب يسوع. هذا يعني أننا نعرفه في قدرته الخلاصيّة، الآن وفيما بعد. ذاك هو معنى العبارة كما نقرأها في أع 2: 21 (يوء 3: 5: من يدعو باسم الرب يخلص) أو 4: 12 (فما من اسم آخر به نقدر أن نخلص) أو روم 10: 9- 13.
ولكن إن حصرنا دعاءنا باسم الرب في اعلان عقليّ لايماننا، أو في إقرار نظريّ لخلاص سوف يأتي، نشوّه بُعدَ هذا الدعاء. إذا كان الايمان حياً، أي إذا كان ايمانَ انسانٍ محدّد، انسانٍ تجنّد لله وخضع لكلمته، فالدعاء باسم الرب يفرض على كل مسيحيّ أن يُخضع للمسيح واقعَ حياته كلها، أن يجعلها تتوافق دوماً مع مشيئته تعالى، وأن يسلّمه إلى الربّ في النهاية، مسيرةَ حياته الأخلاقيّة.
حين ندرك بهذا الشكل هذا الاعلانَ الايماني الذي يغرز جذوره في عمق أعمال الانسان، يصبح تعبيراً مختاراً لتحديد هويّة الحياة المسيحيّة. ولكن حين نُبرز إبرازاً بُعدَ الايمان الذي يتضمّنها دوماً، يعود بنا هذا الدعاء إلى الأساس الأخير للوحدة والشموليّة في الكنيسة: أن نكون من جماعة كورنتوس أو من أيّة جماعة مسيحيّة أخرى، فهذا يعني الاعتراف الصريح بالمسيح، الينبوع الوحيد للحياة، الذي يخلق الوحدة بين جميع المؤمنين.
ب- التحيّة والسلام (1: 3)
اعتاد بولس في مجمل رسائله أن يحيّي المسيحيين متمنّياً لهم "النعمة والسلام من الله أبينا ومن الرب يسوع المسيح". قد نكون هنا أمام عبارة ليتورجيّة قديمة جداً، بها تُفتتحُ العبادةُ في يوم الأحد. مهما يكن من أمر، لا بدّ من أن ندرك كيف ضمّ بولس هنا مفهوم "النعمة" إلى تمنّي "السلام" لدى اليهود، ففسّر هذين الواقعين تفسيراً لاهوتياً، بحيث جعلهما في علاقتهما بالله وبيسوع المسيح. 
فـ "النعمة" التي نعمت بها الكنيسة وما زالت، هي بالنسبة إلى الرسول حالة الخلاص التي فيها تجد نفسها الآن، والتي نحوها تسيرُ يوماً بعد يوم (روم 5: 1ي). أما السلام، الذي ينبع منها، فهو سلام الله نفسه (روم 15: 33؛ 16: 20؛ 2كور 13: 11؛ فل 4: 9)، الذي يتضمّنه إنجيلُ الخلاص الذي سمعته الجماعة، وتقبّلته، والذي يجب منذ الآن أن تنادي به أمام العالم كله (روم 15: 1؛ أف 2: 17). اذن، "سلام" لا يشبه سلام العالم، ولا يأتي من العالم. و"نعمة" لا تصدر عن استحقاق بشريّ، ولا عن إرادة انسان. فالسلام والنعمة يصلان إلينا من الله بواسطة يسوع المسيح.

خاتمة
وهكذا ذكّرنا بولس مرّة أخرى بهذه الأمور، وحدّد على مستوى الايمان، المرجع الذي فيه يتجذّر كل وجود بشريّ ويتمّ: الله والرب يسوع المسيح. وحدهما صنعا هذه القوة المحيية. ويواصلان عملهما بشكل مستمرّ وعطيّتهما. وهكذا لا يدعو الله أهلَ كورنتوس فقط، ويقدّسهم، في المسيح يسوع. بل يحيط بهم ويحملهم بهذا الخلاص الذي هو لهم نعمة وسلام، في شركة الايمان بالمسيح.
شكر لله على عطاياه
1كور 1: 4- 9

"أمين هو الله الذي دعاكم" (9 آ). تُقدّم هذه الآيةُ الموضوعَ الموحّد لكل التوسّعات المتعاقبة: الله يدعونا إلى اتّحاد حميم ومستمرّ مع ابنه يسوع المسيح، وهذا ما يؤسّس اتّحاداً متبادلاً بين جميع أعضاء المسيح الذين تربطهم رباطاتُ محبّة تفرض علينا وعياً لكي نحافظ عليها، كما تتطلّب حرباً يوميّة وروحيّة. وسيعود ف13 إلى امتداح المحبة (أغابي) التي بدونها لا حياة مسيحيّة حقيقيّة. ونقرأ النص: 
(4) أشكر إلهي لأجلكم دوماً على النعمة التي وهبها لكم في المسيح يسوع. (5) فصرتم به أغنياء في كل شيء، في أساليب الكلام وأنواع المعرفة (6) على قدر ما رسخت فيكم شهادة المسيح، (7) حتّى إنه لا تعوزكم موهبة من المواهب، وأنتم تنتظرون ظهور ربّنا يسوع المسيح، (8) وهو الذي يحفظكم ثابتين إلى النهاية حتّى لا يكون عليكم لوم في يوم ربّنا يسوع المسيح. (9) أمينٌ هو الله الذي دعاكم إلى شركة ابنه يسوع المسيح ربّنا.
بعد أن ذكر بولس اسم المرسل وقرّاء الرسالة (آ1- 2)، وجّه تحيّة مسيحيّة (آ 3) تمنّى فيها لقرّائه خبرات مسيحانيّة، خيرات النعمة السلام، هي مواهب الآب بواسطة ابنه يسوع المسيح.

1- فعل الشكر
بدأت هذه الآيات (آ 4- 9) بفعل شكر، جعل بولس يعي وعياً تاماً نعمة الله التي نالها الكورنثيون. فمعظمُهم جاء من العالم الوثني، بعد أن انغمسوا في فساد عرفه مجتمعُ كورنتوس على مستوى الانحلال الخلقيّ. لهذا شكر بولس الله، وما زال يذكّرهم، في قلب الرسالة، بأنّهم نعموا بصلاح الله الذي لا ينفذ. فعليهم أن يحاربوا ميلاً فيهم إلى الاكتفاء بالذات وإلى الجهل والباطل. فإن استسلموا إلى هذا الميل، دلّوا على أنهم ما زالوا أطفالاً، لا خبرة لهم ولا ثبات. فلو نضجوا نضوجاً روحياً، واهتمّوا أن يعمّقوا حياتهم مع المسيح، لكانوا عرفوا التواضع والشكر المتواصل في «افخارستيا» يعيشونها أسبوعاً بعد أسبوع. شكر بولسُ باسمهم، وهو الذي نال النعمة والرسالة بمبادرة ساطعة من لدن الله، بعد أن التقى الربّ المسيح على طريق دمشق.
اختلفت هذه الرسالةُ عن غيرها، فما بدأت بتهنئة الجماعة على حياتها، ودعوتها إلى مواصلة ما بدأت به. لهذا كان فعلُ الشكر هنا تذكيراً بالتواضع والابتعاد عن المباهاة، من أجل مسيحيّين نسوا أنهم نالوا كلَّ شيء من لدنه تعالى. فإن كان لا بدّ من الافتخار، فليفتخروا بوفرة نعمة الله من أجلهم.
تعلّم بولس فعل الشكر هذا، منذ حياته في العالم اليهودي، وتلاوته للمزامير. والمسيحيّ يحتاج أيضاً إلى أن يتوسّع في فعل الشكر هذا، سواء في حياته الشخصيّة أو إشعاعه الرسوليّ. فبدون الله لسنا بشيء، وبدون معونته لا نقدر على شيء من أجل بناء ملكوته. كم تكون فقيرةً حياةُ الصلاة عندنا إن تركنا جانباً هذا الاهتمام الفِرح، بالشكر والمديح وإنشاد حبّ الله لنا. وإذا كانت حياتُنا الروحيّة ضعيفة، فلأننا لا نستطيع أن ننظر إلى الله دون أن ندعوه إلى معونتنا. حينئذ تُصبح العلاقات معه علاقات نفعيّة. ولكن حين نفرح لأن الله يحبّنا حباً مجانياً، ويخلّصنا، ويُغدق علينا الخيرات بعد أن صرنا أبناءه، ندلّ على حقيقة حياتنا مع الله. أما هذا التي تطلبه منا الافخارستيا؟ أن نرفع صلاة الشكر باسمنا وباسم الجماعة التي ننتمي إليها. أن نرفع مديحنا إلى الآب السماويّ.

2- نظرة حقّة إلى الله
إلى الله يرتفع شكرُنا. فهو يُذكَر في بداية القطعة على أنه ينبوع كل غنى روحيّ. ويُذكر في النهاية (9) على أنه "الأمين". هو ذاك الذي يمكن أن نستند إليه، لأن مواعيدَه ثابتة وكلمته أكيدة. دعا الكورنثيين إلى الخلاص، وهو يثبّتهم إلى المنتهى في تعلّقهم بالمسيح.
الله هو فاعل الأفعال: منه كل مبادرة، وأمانتُه لا تتبدّل. الله هو في قلب تاريخ الخلاص. هو أب حاضر، وحضوره فاعل. ملأ فكرَ الرسول وقلبه، فما عاد يستطيع إلاّ أن يتكلّم عنه. هو في انطلاقة مبادرة البشر العظمى، كما نجده في كل مواعيد الخلاص. حسب الكتب المقدّسة، أرسل ابنه، ووجّهه في سر موته لأجلنا، وأقامه من بين الأموات، وأقامه في القدرة، إبنَ الله ومخلّص المسكونة. هذا الاله هو ينبوع حياتنا الروحيّة في المسيح، وسوف يكون دوماً "كلاً في الكل" (15: 28). هذا، لايني يردّده التعليمُ المسيحيّ. لا، لم يمت الله، كما قالت بعض الفلسفات. فهو الحيُّ أبد الدهور. الله هو الاول والآخر، هو بداية كل شيء ونهايته. هو حاضر في التاريخ، وفي حياة كل واحد منا. 
نحن أمام درس لأناس لا يريدون أن يتكلّموا عن الله، بل عن الانسان، أو يفصلون بين علاقتهم بالله وحياتهم اليوميّة، أو يتحدّثون عن يسوع كرفيق الدرب (وهذا صحيح) وينسون ربَّ المجد والابنَ الوحيد الذي يجتذبنا إلى الآب. فسرُّ التجسّد لم يُلغِ وعيَنا لمن هو المطلَق الفريد والضروريّ الوحيد. لهذا، يجب علينا دوماً أن نسعى إلى اكتشاف الله في التزاماتنا اليوميّة الملموسة. وإلاّ حرمنا نفوسنا ممّا يكوّن أصالة المسيحية، أي حضور الآخر الآخر في قلب الأمور الوضيعة، حضور الحب الازلي في هذا الزمن الذي هو إطار خلاصنا. فاذا كنا نعارض "الحضور لله" (الذي يفرض علينا اهتداء متواصلاً) مع «الحضور للعالم» (الذي نعيش فيه بل نكاد نغرق)، فلأننا لم نفهم ما فيه الكفاية، أن كلمة الله قوّة حاضرة في تاريخ البشر. فأولويّة البحث عن الله تفرض نفسها على كل حياة مسيحيّة، في الحالة التي وُجدنا فيها حين دعانا الله (1كور7: 17). أن يقول بولس مثلَ هذا الكلام في محيط صعب ومختلط مثل محيط كورنتوس، فهذا يدعونا لكي نشهد لحضور الله في زماننا. فمهما كان التصاقنا بأمور الأرض كبيراً، فلا يكون على حساب الخيانة للتعليم الانجيليّ.

3- نظرة حقّة إلى المسيح
"في المسيح يسوع" فاضت على الكورنيين نعمةُ الله. منذ آ1- 2، ذُكر المسيحُ يسوع (أو: يسوع المسيح، أو: ربّنا يسوع المسيح) ثلاث مرات. وذُكر ستَّ مرات في آ 6- 9. هذا يُفهمنا أن فكر بولس بلاهوته وتعليمه للكنائس، يتركّز على شخص المسيح. هنا ندرك أيضاً نقطة جوهريّة في تعليم الرسول. "في المسيح"، "فيه". لسنا أمام عبارات مقولبة لا معنى فيها. فمنذ الآن، يجد المسيحيّ نفسه مرتبطاً بالمسيح، في الماضي والحاضر والمستقبل، في الحياة كما في الممات. ولسنا فقط أمام عودة إلى يسوع الناصريّ الذي جاء إلى العالم وترك مثال حياته وتعليمه، الذي مات ثم تراءى حياً لتلاميذه. بل أمام يقينٍ متواصل بأننا فيه على الدوام، بأننا متحدّون معه في حياة جديدة. فيه نحيا (1كور 8: 6) ونُوجد (1: 30). به نبلغ إلى الحكمة الحقّة، إلى "أعماق الله" (2: 10). فالمسيحيون الذين وُلدوا فيه (4: 15) يكوّنون معه روحاً واحداً (6: 17)، بحيث لا يعودون لأنفسهم، بل لذلك الذي اشتراهم. به نصير جسداً واحداً (12: 27). لقد رأى بولسُ نفسُه، علاقاتِه مع جماعة كورنتوس «في المسيح»، وهو في المسيح يحبّهم (16: 24).
إذا قرأنا مجملَ الرسائل البولسيّة، نكتشف عبارات تتحدّث عن اكتشاف الحياة المسيحيّة على أنها علاقة شخصيّة بالمسيح. والاتحاد الأسراريّ يعبّر عن هذه العلاقة ويغذّيها، بواسطة علامة عابرة وواقع مستمر. فالمسيحيّ يغتذي يوماً بعد يوم من المسيح. وحياةُ المسيح بالنسبة إليه، هي أهمّ واقع أساسيّ. "حياتي هي المسيح" (فل 1: 21). "لست أنا من يحيا، بل المسيح يحيا فيّ" (غل2: 20). وإن آ 6- 7 (من النصّ الذي ندرس) تدلاّن على أن كل الغنى الانجيليّ يصل إلينا به، وكل القوى الروحيّة التي فينا. والشهادة المؤدّاة للمسيح (آ 6) تُفهمنا أن الواعظ وكيلٌ وخادم. اذن، هو، لن يحلّ محلَّ شخص المسيح وعمله، ولن يعرف وسط إخوته "سوى يسوع المسيح وإياه مصلوباً" (2: 2). وثباتُ الشهادة التي يُؤدّيها، تنبع من هذا الموقف، ولاسيّما إذا عاش الواعظ هذا التجذّر في الربّ.
في آ 5، تحدّث بولس عن الكورنثيين الذين نالوا "كل غنى الكلمة وكل غنى العلم"، أي أنهم تقبّلوا جوهر الكرازة المسيحيّة حول المسيح ومعرفة سرّه. فالعلمُ يدلّ هنا على معرفة كافية للربّ. وفي آ 7، يدلّ لفظ "موهبة"، لا على عطايا تصل إلى البعض من أجل خير الجميع وحسب، بل بشكل عام، على جميع العطايا التي تنبع من نعمة الله، أي تلك التي تتعلّق بتقديس كلِّ واحد من المؤمنين. وبما أن كل ما للمسيحيّ هو من المسيح، فلا يستطيع أن يفتخر، كما لا يستطيع أن يكتفي بنفسه! يبقى عليه أن يفرح من فيض الحنان الذي كشفه الله له في المسيح.
وأخيراً الأمانة (التي تجعلنا نثبت) التي نقرأها في آ 8، هي قبل كل شيء وعيٌ وخبرةٌ لهذه الحياة في المسيح. نحن أبعد ما نكون عن الرتابة والتكرار، بل أمام مشاركة هي ولوج يتجدّد في حياة القائم من الموت. هي نموّ النضوج وملء قامة أبناء الله. مثلُ هذه المسيرة الروحيّة ستكون حرباً حيث عدوُّنا الاول هو نحن أمام حريّتنا واستقلاليتنا كما نفهمهما في إطار ميلنا إلى الشرّ والخطيئة. إذن، على المسيحي أن يموت كلَّ يوم عن نفسه، وأن يترك المسيح يجتاحه.

4- الخبرة المسيحيّة
وأخيراً، يتوجّه إيمانُنا واتّحادُنا بالمسيح، نحو ملء وحي الرب ويومه ومجيئه (آ 8). هذا يعني أننا نعرف المسيح معرفة غامضة، فيها النور والظلمة. أننا نعيش معه في الايمان، لا في العيان. نحن نتوق إلى ملء تجلّيه، وفي ذلك اليوم نتجلّى عنه أيضاً معه، نكون على مستوى الرؤية وليس فقط على مستوى الايمان. نكون قد أنهينا نموَّنا الروحيّ وتحقّق ملءُ قامتنا كأبناء الله. ففي ابن الله الأزليّ، نكون أبناء على الدوام، في عهد أبديّ مع الآب السماويّ. 
هذا الرجاء المسيحي أمر رئيسيّ في نظرة بولس. كان الأنبياء في العهد القديم يشدّدون على "يوم الربّ"، على تدخّل الله الأخير في الازمنة المسيحانيّة، على تتمّة التاريخ البشريّ. وفي المسيح تدشّنت الأزمنةُ الأخيرة. ونحن ننتظر مجيئه الأخير كالديّان السامي في الكون. حينئذ يسلّم المُلكَ إلى أبيه (1كور 25: 14) "لكي يكون الله كلاً في الكل" (15: 28).
وهذا الرجاء الحارّ يبقى جزءاً لا يتجزّأ من حياتنا المسيحيّة. فحين نُحبّ المسيح، نتوق إلى تجلّيه الحاسم، ونرغب في أن يقود الكونَ الذي وُلد من جديد، إلى مصيره الأخير. فمسيحُ القيامة يعيش فينا، يُعطينا روحه. وهذا الروح، يجعلنا نتوق إلى "روحنة" كل كياننا، وإلى اتحاد تامّ مع أبينا. إذا كنا لا نفهم هذا الانتظار، فعدمُ فهمنا علامةٌ على خيانتنا للروح، ونسيانٌ لما في حياتنا على الأرض من طابع عابر. فالانتظار الفِرح لمجيء الربّ لا يدفعنا إلى الجمود والامتناع عن العمل والكسل، كما لا يدفعنا إلى القلق والاضطراب، بل يحثّنا على أن نستعمل، بجدّية، الزمنَ الذي أعطي لنا، وأن نقدّسه حين نتمّم مهامَنا اليوميّة. هذا ما نفهمه حين نقرأ الرسالة الأولى إلى تسالونيكي، حول المسيحيّ الذي يعيش هذا الانتظار. كما نفهم أهميّة الرجاء في آخر رسائل دوّنها الرسول. فبموتنا ندخل، بشكل سري، في هذا العالم الجديد الذي سينكشف لنا في ملئه، في اليوم الأخير.
اعتاد بعضُ الشرّاح أن يقولوا إن بولس ترجّى أن يرى مجيء الربّ وهو بعد حيّ. فاستنتجوا أن هذه التعليمات ارتبطت بأمل لم يتحقّق. ومع ذلك، فهو لا يبدو يوماً وكأنه خاب أمله، ساعة ينتظر موته. بل هو يعطي جميع المسيحيين تعليماً عن الثبات والانتظار والسهر. ولا ننسى أن بولس يتحدّث عن الرب القريب جداً، وهو يؤمن إيماناً حياً بنهاية الأزمنة. فجميعُ المسيحيين يُشاركون بشكل من الاشكال، في الأزمنة الأخيرة، بل يلامسونها بحياتهم في ذلك الذي هو "آدم الآخر" (15: 45). ونحن لا نستطيع إلاّ أن "نحبّ هذا المجيء" (2تم 4: 8) ونشتاق إليه. عندئذ تصبح حياتُنا انتظاراً متواصلاً.

خاتمة
بعد أن دعانا الله أبونا، ودخَلْنا في حياة ابنه، ووجّهْنا أنظارَنا نحو التجلّي الأخير للمسيح، صرنا حجّاجاً يسيرون في الايمان، وهم يعرفون أهميّة الحياة الحاضرة. نحن في سهرة طويلة من أجل لقائنا الحاسم مع الله في المسيح.
لهذا، لا نستطيع إلاّ أن نشكر الرب، مع بولس، على صلاحه اللامتناهي. نشكره اليوم وغداً وإلى الأبد. كما لا نستطيع إلاّ أن نفرح في ذلك الذي هو أمين، في ذاك الثابت على كلامه، في ذاك الذي يريد أن يرتبط معنا بعهد أبديّ. من أجل كل هذا، يدعونا الرسول لأن نُنشد رحمةَ الله، وأمانته التي تجلّت في المسيح، وتجاوبَ الله مع رجاء قلوبنا المؤمنة.
هل انقسم المسيح
1 كور 1: 10- 17

حين نقرأ هذا النصّ، نظنّ للوهلة الأولى أن بولس لم يعمّد أحداً، بل هو يقول: عمّدت كريسبس وغايس... وهكذا نصل إلى نظرة خاطئة حول المعموديّة التي نعتبرها شيئاً ثانوياً بالنسبة إلى الانجيل. وإذ نقرأ آ 10- 17 نفهم أن جوهر النصّ ليس حمل البشارة، ولا الكلام عن العماد، بل وحدة الجماعة: 
(10) أناشدكم، أيها الاخوة، باسم ربّنا يسوع المسيح، أن تكونوا جميعاً متّفقين في الرأي وأن لا يكون بينكم خلاف، بل كونوا على وفاق تام، لكم روح واحد وفكر واحد. (11) فأهلُ بيت خلوة أخبروني، أيها الإخوة، أن بينكم خلافاً، (12) أعني أن كل واحد منكم يقول "أنا مع بولس" و"أنا مع أبلوس" و"أنا مع بطرس" و"أنا مع المسيح". (13) فهل المسيح انقسم؟ هل بولس هو الذي صُلب من أجلكم؟ أو باسم بولس تعمّدتم؟ (14) أشكر الله على أني ما عمّدت أحداً منكم غير كريسبُس وغايس، (15) فلا يقدر أحد أن يقول إنكم باسمي تعمّدتم. (16) نعم، عمّدت أيضاً عائلة استفاناس، وما عدا هؤلاء، فلا أذكر أني عمّدتُ أحداً. (17) فالمسيح أرسلني، لا لأعمِّد بل لأعلن البشارة غير متَّكل على حكمة الكلام، لئلاّ يفقدَ موتُ المسيح على الصليب قوّتَه.

1- إعلان البشارة (1: 14- 17)
لم يحتقر بولس العماد يوماً، بل هو يقدّره كلَّ قدْره. إنه في نظرة العبور الحقيقيّ إلى الحياة بارتباطنا بيسوع المسيح الذي مات وقام (روم 6: 3 ي). وهو العلامة التي تدلّ على الدخول في جماعة المؤمنين، وتُحقّق في الوقت عينه هذا الدخولَ. ثم إن بولس عمّد بين الوقت والآخر. ففي كورنتوس مثلاً، عمّد كريسبس وغايس، كما عمّد بيت استفاناس. أما دوره الرئيسيّ فيقوم في حمل الناس إلى المسيح بواسطة البشارة. لهذا ترك لمشاركيه في العمل الاهتمام بالعماد. على ما فعل بطرس (أع 10: 48)، بل يسوع نفسه (يو 4: 1ي). فالمرحلة الأولى في التبشير هي إعلان الانجيل والمناداة به عالياً: "اذهبوا، تلمذوا جميع الأمم، عمّدوهم، علّموهم" (مت 28: 16).
في سفر الأعمال، بدأ الرسل أولاً فأعلنوا يسوع المسيح، بانتظار أن يجيئوا بالسامعين إلى ارتباط يتجسّد بالعماد. فالاختلاف الجوهريّ بين التعميد والتبشير هو أن التبشير عمل روحيّ ينتمي إلى الإيمان والولادة من علُ. أمّا التعميد فيدخل في إطار تنظيم الكنيسة. ومع ذلك، يجب أن نتذكّر أن العماد، وإن استعدَّ الانسانُ له ورغبه، يعطي ملء الإيمان. فالإيمان ليس أبداً عملاً بشرياً. "لا يستطيع أحد أن يقول "يسوع ربّ" إلاّ في الروح القدس" (12: 3). فبالمعمودية والدخول إلى الكنيسة نشارك الكنيسة في إيمانها، ونشترك في حياة الثالوث.
أجل، هذا هو جوهر مهمّة الرسل. وساعة فُرض عليهم أن يختاروا بين نشاطات مختلفة، ساعة أحسّوا ان العمل يكاد «يُعيقهم»، احتفظوا لنفوسهم "بالصلاة وإعلان الكلمة" (أع 6: 2).

2- روح واحد وفكر واحد (1: 10- 13)
بدا الكورنثيون مهتمِّين بالانجيل الذي وصل إليهم. فما تركهم اهتداؤهم كسالى لا عمل لهم. ولكنهم، في حماسهم الأول، لم يميّزوا بين الرسول الذي جاء يزرع، يغرس (3: 6)، والله الذي وحده يُنمي (3: 7). وبما أن المبشّرين عديدون في المنطقة، انقسم المسيحيون فرقاً وأحزاباً يتحاسدون ويتزاحمون (1: 10 ؛ 3: 3). مرّ أبلّوس في كورنتوس بعد ذهاب بولس (3: 6). فقال بولس: "أنا غرستُ وابلوس سقى". ويبدو أن بطرس زار كورنتوس (9: 5). وقد يكون بعضُ أعضاء الجماعة ارتبطوا، بمن كان له نفوذ كبير في الكنيسة. نشير هنا إلى أن 3: 4 لا يعود يتكلّم عن بطرس. ويُذكر حزب بولس، بل حزب المسيح.
ولكن حين نتحزّب لهذا أو ذاك (4: 6)، لا نشهد ليسوع المسيح الذي صُلب لأجلنا، والذي باسمه نعتمد. وحين نُقيم على مستوى خصومات داخل الكنيسة، ندلّ على أننا ما زلنا على مستوى الأمور الأرضية ولم نصبح روحيّين (3: 2 ب، 4). أمّا حين نؤمن بيسوع المسيح، فنعمة الوحدة تقيم في ذاتنا وحولنا، لأن يسوع لم ينقسم ولا يمكن أن ينقسم (آ 13).
أ- لا خلاف ولا انقسام
أكّد بولس بوضوح: «يجب أن لا يكون بينكم خلاف» ولا انقسام (آ 10). جاءت اللهجة في إطار دراماتيكيّ. فالأمرُ خطير جداً. والشرّ يهدّد. "أناشدكم باسم ربّنا يسوع المسيح". لا باسمي الخاص. إن اللفظة (خلاف، انقسام) لا تُستعمل مراراً في العهد الجديد. نجدها في مت 9: 16؛ مر 2: 21 في معنى "تمزّق"، في معرض الكلام عن رقعة في ثوب. كما نجدها عند يوحنا في معنى رمزيّ (7: 43؛ 9: 16؛ 10: 19): تجاه يسوع، "انقسم" اليهود واتّخذوا مواقف متعارضة كلَّ التعارض. أما بولس فلا يستعمل اللفظة إلا في هذه الرسالة (1 كور 11: 0؛ 11: 18؛ 12: 25). نحن أمام سمة خاصة بالكورنثيين، ولهذا يهتمّ بولس اهتماماً كبيراً بهذا الوضع. فالتأديب القاسي في بداية الرسالة لا يكفي لكي يهدئ قلقه. ففي ف 12، سيعود إلى الموضوع عينه فيتوسّع في تشبيه الجماعة بالجسم البشريّ: "عمل الله بحيث لا يكون شقاق (اختلاف، انقسام) في الجسد، بل يهتمّ الأعضاء كلُّهم بعضُهم ببعض" (12: 25).
ب- وفاق تام
تجاه هذا الوضع الذي يُرثى له، يقدّم بولس مثال الوحدة. فالإيمان بالربّ الواحد الذي لا يمكن أن يُقسم (آ 13) والذي وحده صُلب (آ 13)، نعبّر عنه بوحدة حقّة بين جميع الذين نالوا العماد عينه. هذا ما يعبّر عنه لفظ "واحد". عاطفتي هي عاطفة إخوتي. ورأيي رأي إخوتي. هكذا نكون متّحدين في روح واحد وفكر واحد (آ 10). هذا التوافق الذي تحقّق بسبب الإيمان الواحد والمعموديّة الواحدة، نجده في سفر الأعمال حيث "المعيّة" تميّز الجماعة المسيحيّة الأولى: كان المؤمنون كلُّهم معاً (أع 2: 44).
3- نكون معاً
يعود لفظ "معاً" مرّتين في إجمالات سفر الأعمال (2: 44، 47)، وكأنه يفسّر في الحياة اليوميّة كلمة «المشاركة» التي تدلّ على أخوّة خارقة عاشها المسيحيّون الأولون. نشير هنا إلى أننا أمام مثال، لا أمام واقع تحقّق فعلاً في كنيسة أورشليم. غير أن المسيحيين سعوا إلى عيش هذا المثال، وقد حقّقوا بعضَه بشهادة الوثنيّين أنفسهم: أنظروا كم يحبّ بعضُهم بعضاً.
نكون معاً. نكون واحداً. لفظة نقرأها في العبريّة قبل أن تُترجم إلى اليونانيّة، فتقدّم لنا معنى هذه الوحدة التي نحقّقها في الكنيسة. هي أولاً وحدة الشعب الذي يلتزم بعهد سيناء (خر 19: 8؛ رج حك 10: 20). ثم هي الوحدة في المدينة المقدسة التي تجمع وتوحِّد بيننا (مز 121: 3). وهي أخيراً وحدة الاخوة الذين هم سعداء في عيش الإيمان الواحد: "ما أطيب أن يسكن الإخوة معاً" (مز 132: 1).
في زمن العهد الجديد، حاول بعض المؤمنين أن يستعيدوا ما عاشه الآباء في البرية، وما ظنّه بعضُهم مستحيلاً. حاولت جماعةُ قمران. ومثلها فعل المسيحيون في أورشليم مع تشديد على المشاركة في الخيرات (أع 2: 44) والحياة المشتركة (أع 2: 42).
بالنسبة إلى تلاميذ يسوع، عادت هذه الوحدة بشكل ردّة وقرار. فأعلنها الانجيلُ أكثر من مرّة. بمناسبة الكلام عن الصلاة، قال: "إذ اتفّق اثنان منكم في الارض أن يطلبا حاجة، حصلا عليها من أبي الذي في السماوات. فإينما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي، كنتُ هناك بينهم" (مت 18: 19- 20). كما أعلنها بمناسبة الكلام عن الغفران (مت 6: 12، 14)، والمصالحة قبل الصلاة (مت 5: 23- 24). وتفرض هذه الوحدةُ نفسها بشكل خاص، حين نتذكّر ذاك الذي عاش وسط تلاميذه، وكان موته على الصليب مناسبة فيها "قتل العداوة" (اف 2: 16). إن الأخوّة بين المعمّدين متطلّبة مطلقة: فدمُ يسوع جمعهم في الله نفسه.

4- جسد واحد
وتتيح صورة الجسد لبولس بأن يقدّم التعبير الكامل عن فكره في هذا المجال. فمع أنه أقرّ أن المسيحيين يمكن أن يكونوا متنوّعين تنوّع الأعضاء في الجسد البشريّ (12: 20)، إلاّ أنه شدّد على أن الوحدة يجب أن تسود في الكنيسة: "لا تستطيع العينُ أن تقول لليد: لست بحاجة إليك. ولا الرأس للرجلين: لست بحاجة إليكما" (12: 21). فلكلّ عضو دورٌ يلعبه من أجل الخير المشترك (12: 7). فالروح والمحبّة يعملان من أجل هذه الوحدة (12: 13؛ 13: 1). وكما في الجسم البشريّ، الرأس (= المسيح) هو الذي يحقّق الوحدة بين مختلف الأعضاء، والمسيح "يرتّب القدّيسين لعمل الخدمة من أجل بناء جسد المسيح" (أف 4: 12). منه "ينال الجسدُ كلُّه التماسك والالتحام بفضل جميع المفاصل التي تغذّيه وتعمل فيه" (أف 4: 16). إذن، يجب "أن نجتهد في المحافظة على وحدة الروح برباط السلام" (أف 4: 3).

خاتمة
كان بولس طوال حياته، هذا المهتمّ الكبير بالوحدة. ولكنه ليس ذاك البسيط إلى حدّ البلاهة. فهو يعرف أنه إن كانت الوحدة مكتوبة في قلب كل معمّد على أنها علامة المسيح وروحه، إلاّ أنه يجب أن تتحقّق في الحياة كلَّ يوم من أيامنا. فالجسد ليس مجموعة أعضاء مثبتة ومتحجِّرة. بل هو يُبنى يوماً بعد يوم. بعد هذا، تكون الوحدةُ حرباً نشارك فيها كلّنا: "ليسكن المسيح في قلوبكم بالإيمان، حتى تكونوا متأصِّلين (متجذّرين) ومؤسَّسين في المحبة" (أف 3: 17). وبناء الجسد والحرب من أجل الوحدة، يقودان المعمّدين "كلَّهم معاً لكي يكونوا واحداً في الإيمان ومعرفة ابن الله لكي يكوّنوا الانسان الكامل البالغ، الذي يحقّقُ ملء المسيح" (أف 3: 13).
حكمة الله الفائقة
1: 22- 25

حكمةُ الحكماء ترفض الصليب. وذكاء الأذكياء يفتح طريقاً غير الطريق الذي اتّخذه المسيح من أجل خلاص البشريّة. فلليهود حكمتُهم التي تستند إلى الآيات. مثلُ هذه الحكمة جعلتهم خارج مخطّط الخلاص في المسيح يسوع. وللوثنيّين حكمتُهم التي تقوم على فلسفات وتنظيرات. دفعتهم في النهاية إلى أحضان الديانات السرانيّة وما فيها من مجون قادهم إلى فساد العقل والشائن من الأعمال (روم 1: 29). جميعُهم لم يفهموا حكمة الصليب واعتبروها حماقة، فأراد الله أن يخلّصهم بهذه "الحماقة" التي هي أحكم من حكمة الناس. ونقرأ النصّ: 
(22) وإذا كان اليهود يطلبون المعجزات، واليونانيّون يبحثون عن الحكمة، (23) فنحن ننادي بالمسيح مصلوباً، وهذا عقبة لليهود وحماقة في نظر الوثنيين. (24) وأمّا للذين دعاهم الله من اليهود واليونانيّين، فالمسيح هو قدرة الله وحكمة الله. (25) فما يبدو أنه حماقة من الله هو أحكم من حكمة الناس، وما يبدو أنه ضعف من الله هو أقوى من قوّة الناس.

1- سياق النصّ
كشفت الأخبارُ الواصلة من كورنتوس عن تكوين أحزاب وفرق في قلب جماعة تتعبّد للأشخاص: بعضهم يتشيّع لبولس، وآخرون لأبلوس، وآخرون أيضاً لكيفا (بطرس). بل إن بعضهم ينتمي إلى المسيح، والحمد لله. هذه المزاحمات كشفت للرسل أزمة أشدّ خطورة، لأنها بداية تغرّبٍ عن الانجيل الذي كُرز به في كورنتوس. فالتجربة التي يتعرّض لها أعضاء الكنيسة، هي التمسّك بسلطة وُضعت بين أيديهم ليكون لهم ما طالما تمنّوه: القدرة الروحيّة التي تقتلعهم من وضعهم الحاضر وتمنحهم تحقيق رغباتهم التي هي الدخول في العالم الآتي، الخلود، امتلاك الله، سلطة اجتراح المعجزات بحيثُ يُرفعون فوق العاديّين من البشر.
تجاه هذه الانقسامات، ذكّر بولس المؤمنين بالأساس الذي وضعه، وهو البشارة بالانجيل، وتجاه هذه الطموحات، عاد إلى هذا الانجيل الذي كرز به. هو انجيل الصليب، حماقة، جهالة، جنون، للذين يسيرون إلى هلاكهم (1: 18 أ). وهو أيضاً قدرة الله للذين ينعمون اليوم بالخلاص (آ 18 ب). فالخلاص قد بدأ يعملُ عملَه، ولن ينتهي، في نظر الرسول، إلاّ حين تدخله الخليقةُ كلها وأجسادُ القائمين من الموت.
إذن، التوسّع الذي نقرأه هنا ليس جدالاً «فلسفياً» حول الحكمة أو حول الوحي: فالقضيّة قضيّة موت أو حياة. يرى الغنوصيّون (يمتلكون معرفة سرّية) أن المعرفة الباطنيّة (العرفة) تكفي من أجل الخلاص. أما بولس فيرى أنه ينبغي أن نخلص لكي نعرف. ولا نعرف حقّ المعرفة إلاّ حين يتمّ كل شيء (13: 12). أما دور الرسول فلا يقوم بالاقناع، بل بإظهار عمل الروح وانتصاره.
إن آ 22- 25 التي ندرس ترتبط ارتباطاً وثيقاً بكل ما في ف 1. يصعب علينا أن نقتلعها من سياقها، ولكنها تشكّل مع ذلك وحدة أدبيّة صغيرة مكوّنة من جمل متعارضة مع آيات تبدو بشكل نقائض.
آ 22- اليهود يطلبون المعجزات
اليونانيون يبحثون عن الحكمة
آ 23 نحن ننادي
بالمسيح مصلوباً
عقبة لليهود 
حماقة للوثنيين
آ 24 للمدعوّين
من اليهود واليونانيين
المسيح قدرة الله
وحكمة الله
آ 25 فحماقة الله أحكم من البشر
وضعف الله أقوى من البشر.
2- اليهود واليونانيّون (1: 22)
الأوّلون يطلبون الآيات والمعجزات. والآخرون يبحثون عن حكمة يسمعونها ويردّدونها فتبقى خارجة عنهم. استعمل الرسول اللفظَين (يهود، يونانيون)، كما اعتاد أن يفعل مراراً (1 كور 12: 13؛ غل 3: 28)، فدلّ باليونانيّين على الأمم الوثنية (آ 23 ب) تجاه بني اسرائيل. لهذا قلنا أكثر من مرة: اليهود وغير اليهود. فالتعارض يميّز روم 1 حيث لا يتحدّث بولس إلى «اليونانيين» فقط، بل إلى الوثنيّين. غير أن التعارض الذي يبرز هنا، لا يستند فقط إلى وضع كلتي الفئتين في تاريخ الخلاص، كما هو الوضع في روم (هناك من يخطأ وهو يعرف الناموس. وهناك من يخطأ ولا يعرف الناموس الموسويّ).
الاختلاف هنا يرتبط بكرازة الانجيل، التي تحرّك هنا وهناك متطلّبةً دينيّة عميقة تتعلّق بهذه الفئة أو بتلك. والنصّ سوف يبيّن لنا أن نرى في "المعجزات" (أو: الآيات) مظاهرَ قدرة يراها الناس (كأن تُظلم الشمس)، وفي الحكمة مجهود فلسفة تبحث عن العلل الأخيرة. وبمختصر الكلام، هنا وهناك، يحتاجون إلى براهين عن الحقيقة الالهيّة. وهكذا يسعى كلُّ واحد ليقف بحيث يستطيع أن يحكم على الله بحسب معاييره الخاصة. فالله ليس سوى فعل قدرة ساطع في المسيح أو قوّة الحكمة التي تستنتج ولا تنتهي من الاستنتاج، كما لا ينتهي اليهود من الطلب: نريد منك آية، وذلك بعد تكثير الأرغفة.
في أساس هذا الحكم، نكتشف بعض الكتّاب اليونان، كما نكتشف تلفيقاً يرتبط بالغنوصيّة (أو المعرفة الباطنيّة). هذا من جهة. ومن جهة ثانية، نقرأ في الأناجيل المقاطع التي فيها يطلبون من يسوع آية. في مر 8: 11- 13 وز: "أخذوا يجادلونه طالبين منه آية". الجواب: "لن يُعطى هذا الجيل آية". رج يو 8: 48؛ مت 4: 1- 11 (تجارب يسوع). وفي النهاية، طلبوا من يسوع علامة ساطعة: أن ينزل عن الصليب (مت 27: 39- 44).

3- نعلن مسيحاً مصلوباً (1: 23)
جاءت الآيةُ تقابل سابقتها وتردّ عليها: أما نحن... من جهتنا. "نحن" أي حاملو الكرازة والمنادون بالانجيل، بدءاً بالرسول بولس. وفي قلب الكرازة، نجد هنا "المسيح المصلوب". ركّز بولس قوّة الانجيل على الصليب، تجاه هؤلاء الكورنثيّين "الذين شبعوا منذ الآن، استغنوا منذ الآن، وجلسوا على العرش منذ الآن" (4: 8). صاروا إلى الأمام، وعلى بولس أن يردّهم إلى الوراء، إلى الواقع. فالانجيل هو المصلوب (2: 1). يحمله سفيرٌ ضعيف لا وهج له (2: 3)، وفي لغة بشريّة لا بلاغة فيها (2: 4). وهو يجمع «كنيسة» ليس فيها الكثير من المثقّفين والعظماء وأصحاب العلاقات المعروفة (1: 26). وحين يتحدّث بولس عن المسيح المصلوب، يفكّر بمصير المسيح، بوجه مرسله، بطبيعة اللغة التي تُقدّم هذا الكلامَ، بتأليف "الكنيسة" التي يجمعها. كل هذا يُطبع بطابع واحد: طابع الصليب والضعف والحكمة التي يعتبرها البشر حماقة.
حين نقرأ ما كتبه قلسيوس "ضد المسيحيين"، نفهم ما يعني كلُّ هذا في نظر فيلسوف يوناني: الحماقة، الجهالة، الجنون. أما الـ "عقبة" (أو: شك، عثار، ما يجعل الانسان يسقط) التي تمنع اليهود من المجيء إلى الصليب، فنفهمها ممّا نقرأه في الأناجيل. رج مت 11: 6 (هنيئاً لمن لا يشكّ فيّ؛ لو 7: 23)؛ 15: 12؛ يو 6: 16. مقابل هذا، حين رفض بطرس الصليب، تشكّك من يسوع (مت 16: 23؛ لا سمح الله. لن تلقى هذا المصير). وليلة الحاش والآلام هي ليلة الشكّ والعثار، التي لم يُفلت منها واحدٌ من التلاميذ (مت 26: 31- 33 وز). كما نستطيع أن نقرأ النصوص التي تذكر "حجر العثار" (لو 20: 17- 19؛ روم 9: 33؛ 1 بط 2: 6- 8).
هنا لا بدّ من أن نحذر الهزء من بحث الفيلسوف أو انتظار اليهود الذي لم ينتهِ بعد. فهذان الموقفان جديران بالاحترام. لسنا أمام أشخاص ماديّين لا يرتفعون إلى ما فوق الطعام والشراب والحياة اليوميّة. ولا أمام أشخاص غلاظ العقول لا يريدون أن يفهموا. لا ننسى أن حكمة اليونان ما زالت تُلهم دراسة الحكمة في أيامنا. والانتظار لدى اليهود ما زال حاضراً في أيامنا، على المستوى السياسي أو الديني، في عالم اليوم. فلو كان الأمر بسيطاً بهذه الغاية، لما كان الشكّ من الصليب.

4- المسيح قدرة الله وحكمة الله (1: 24)
جاء "المسيح" تجاه "المصلوب" في آ 23، كمفعول فعل "ننادي". في الواقع، هو يلعب دور الصفة: قدرة الله وحكمته هما المسيح!
ولفظ "المدعوين" (الذين دعاهم الله) يشكِّل مع "نحن" (في آ 23)، نقيضةً تجاه اليهود واليونانيين الذي تميّزوا في فئتين في الآية السابقة، حين عارضوا الكرازة: عقبة للبعض. حماقة للبعض الآخر. أما الآن فاجتمع اليهود واليونانيين في نداء واحد (المدعوين) وفي اعتراف واحد (المسيح المصلوب): هم ما عادوا يطالبون بشيء. والاختلافات السابقة زالت: فلهؤلاء ولأولئك، المسيح هو قدرة الله وحكمة الله. وكل واحد يكتشف فيه، لا ما كان ينتظره (المسيح المنتظر، الحكمة) وحسب، بل ما كان الآخر يبحث عنه أيضاً. فالاحزاب نمت في كورنتوس بقدر ما استغلّ كلُّ واحد الكرازة المعلنة، من أجل فلسفته أو نظرته الدينيّة، من أجل نظرة "مسيحيّة" خاصة بهذا أو ذاك (ديانة على قياسنا وبحسب تفكيرنا). فالكرازة تلغي (1: 19) "العقبة" و "الفلسفة"، ولكنها لا تترك اليهود واليونانيّين في ضياع وفراغ: فهي تُدخل الفئتين في حكمة أخرى، وتعطيهما هذه القدرة التي تظهر ساطعة في الرسالتين إلى أهل كورنتوس.
تجلّت قدرةُ الله في الخلق (روم 1: 10- 20)، وحكمتُه في أعماله (1: 21). فسيطر عليهما الانسان وجعلهما أداة افتخاره (أو: كبريائه. ما يعطينا قيمة في نظرنا وفي نظر الآخرين). أما الآن، ففي المسيح نجعل افتخارنا (1: 31). وفي نظر بولس، لسنا الآن بدون حكمة (رج 2: 6- 16)، لسنا بدون قدرة (رج 2 كور 12: 9- 10؛ 13: 4 -9 ). فامتداد هذه الجدليّة (القدرة، الضعف. ثم الغنى، الفقر. ثم الحكمة، الحماقة) سيكون أساسَ تعليم بولس عن الجماعة، عن العلاقة بين الرسول والكنيسة، عن التعليم الخلقيّ أو الرجاء.
ولكن إن صار المسيح هكذا حكمةَ الله وقدرته، فهذا لا يتعلّق بتبدّل في القيم وحسب: فان آ 26- 30 تدلّ بقوّة على أننا أمام اختيار إلهيّ رفيع. لا شيء يبرّره في ذاته، ولو كان تحليل الفقر والضعف والحماقة. هنا نحذر أن نصوغ نظرة مقلوبة إلى الله تقوم في أن نصنع صنماً آخر يجسّد أيضاً القيم البشريّة التي نرفعها إلى المطلق (لا القدرة، بل الفقر المدقع). لقد اختار الله، بحرّيته، ما هو ضعيف، ما هو أحمق في العالم. اختار شعبَ اسرائيل. اختار بولس، اختار كرازته وما فيها من تردّد وضعف، اختار جماعة كورنتوس. اختار صليب يسوع. اختار كل هذا ليُخزي الخصوم. أي ليبعد كل غموض ويدلّ أنه الحي (عكس الصنم)، أنه الآخر الذي لا يستطيع الانسان أن يُمسكه أو يتصوّره.
5- حماقة الله (1: 25)
وانطلق القولُ الأخير من الصليب، فعبّر بشكل عام عمّا أحسّ الرسول أنه يقدر أن يستنتجه، وذلك في شكل تصالب: القدرة والحكمة في آ 24. الحماقة والضعف في آ 25. صارت حماقةُ الله أحكم من حكمة الناس، وضعفُ الله أقوى من ضعف الناس.
ويُطرح السؤال: من سينتصر في هذه المواجهة؟ يرى الرسول أن إنجيل الصليب يشكّل وحي الله. وفي هذا الوحي، يتجلّى على أنه الإله الذي يحيّر العقول، الذي لا يسمح لأحد أن يعرف فكره، لأنه حرّ في مبادرته. فالذي ينتصر على قوة الانسان وحكمته هو ضعف الله وحماقته، وذلك بقدر ما يتغلّب نظامُ المحبّة على عالم الأجساد والأرواح.
خاتمة
نحن نحتفل مراراً بالصليب، ولا سيّما في زمن الصوم المقدّس. يا ليت احتفالاتنا تتحاشى استغلال الصليب لتحقيق طموحاتنا الروحيّة مهما كانت رفيعة. ففي هذا المقطع البولسيّ، كلُّ شيء مطبوع بطابع الصليب (التجرّد): الخدمة، الجماعة، الخطابة، الكرازة. هنا لا ينفصل المدلول عمّن يدلّ عليه.
ونطرح السؤال: أين هو الله؟ لا نملك مفتاحاً يدلّنا على وجوده بطريقة آلية. فالصليب يكشف لنا أن الله هو في قلب التاريخ، ولكنه لا "يذرب" في تيّار من التيّارات الدينية أو الفلسفية أو العلميّة، ولا في انتظارات مسيحانيّة (= انتظار مخلّص) تتطلّع إليها البشريّة. فهذا النص يلغي كلَّ غموض بين من نكرز به، المسيح المصلوب، وبين ما يبحث عنه الانسان مهما كان البحث سامياً. لا، ليس الصليب غريباً. هو معروض بيننا. ولكننا لا نستطيع أن نُلغي الشكّ الذي يمكنه أن يجعل «المؤمن» يعثر (المسيح ضعيف، لا يفعل شيئاً). كما لا يمكننا أن نتعامل مع الصليب كما نشاء. هذا الصليب هو قدرة الله وحكمته، لأنه هنا يحقّق وعده وبرّه، ويعطي ذاته بكلّيتها فيصير لنا دون أن يتخلّى إطلاقاً عن ذاته. الصليب قدرةٌ لا تحقّق قدرةً نودّ أن ننعم بها. وهو حكمة لا تجد مرماها في نهاية حكمتنا. الصليب هو الربّ، وهو القائم من 
ضعف المؤمن وافتخاره في الربّ
1: 26- 31

فئتان تعارضان صليب المسيح: اليهود يريدون الآيات، واليونانيون يريدون الحكمة أي ما يفسّر الكون والانسان عن طريق العقل. فئتان تطلبان براهين تُرضي حكمهما. ولكن الله يرفض ما يريد هؤلاء وأولئك، فيطلب الايمان. اعتبر اليهودُ أن الصليب كان فشلاً، واليونانيون رأوا فيه حكاية لا أساس لها. أما الذين أدركوا في الكرازة الرسوليّة نداء الله وتجاوبوا معه، فقد رأوا في صليب المسيح تدخّل الله السامي في التاريخ البشريّ. اعتبرت الفئتان أن حكمة الصليب جهالة، فانطلق الله من الجهالة ليُخزي الحكمة البشريّة التي رفض بولس أن يعظ بها (2: 1- 5). وانطلق من الضعف، ممّا يحتقره الناس، فأخزى الوجهاء والعظماء. فمن هم الذين اختارهم الله في كنيسة كورنتوس؟ ونقرأ النصّ: 
(26) تذكّروا أيها الاخوة كيف كنتم حين دعاكم الله، فما كان فيكم كثير من الحكماء بحكمة البشر، ولا من الأقوياء و الوجهاء. (27) إلاّ أن الله اختار ما يعتبره العالم حماقة ليُخزي الحكماء، وما يعتبره العالم ضعفاً ليُخزي الأقوياء. (28) واختار الله ما يحتقره العالم ويزدريه ويظنّه لا شيء، ليُزيل ما يظنّه العالم شيئاً، (29) حتّى لا يفتخر بشرٌ أمام الله. (30) وأمّا أنتم، فبفضله صرتم في المسيح يسوع الذي هو لنا من الله حكمة وبراً وقداسة وفداء، (31) كما جاء في الكتاب: "من أراد أن يفتخر، فليفتخر بالربّ".
1- سياق النصّ
أ- المحيط الحياتيّ
في خلفيّة الانقسامات التي نجدها في جماعة كورنتوس، ومع حماس الكورنثيّين لحكمة نادى بها عالمُ اليونان، نكتشف بعضَ وجهات هذا العالم اليونانيّ. من جهة، مدارس فلسفيّة مع خطب حكميّة عن العالم ونشوء الآلهة والبشر، ووجود الانسان، والحياة البشريّة. كل هؤلاء المثقّفين والحكماء والمجادلين، يطرحون الأسئلة وينتظرون الأجوبة حول الأدب والفلسفة (1: 20، 22). ومن جهة ثانية، تفضيلُ المجموعات الصغيرة على المجموعات الكبيرة، مجموعات سياسيّة وثقافيّة ودينيّة، ونقابات و«أخويات» ورابطات، تتكوّن وتعيش في حريّة تامّة.
حين نرسم هذه الصورة، لا نعني أننا نجدها في جماعة كورنتوس. وحين نتكلّم عن الانقسامات في هذه الكنيسة، فهي بالأحرى تحزّبات يتعلّق فيها المؤمنون بهذا الرسول أو ذاك. ومع أن كنيسة كورنتوس عرفت عدداً قليلاً من الناس المثقّفين، إلاّ أن العقليّة السائدة أثّرت على المهتدين الذين جاءوا من العالم الوثنيّ، وعلى الذين جاءوا من العالم اليهوديّ وتأثّروا، في شتاتهم، بالحضارة اليونانيّة. هذا المناخ وجد موقعَه في الضعف البشريّ، فساعد على تكوين "تجمّعات" أو "ندوات" في هذه الكنيسة الفتيّة. اهتمّوا باللغة المنمَّقة، وبحثوا عن "الحكمة" التي ينادي بها المعلّمون اليونان، فمالوا إلى تقديم الانجيل وكأنه حكمة من حكمات هذا العالم. لهذا، شوّهوه، وحوّلوه إلى تعليم لا يبتعد كثيراً عمّا يعلّمه الحكماء المتجوّلون بين الناس في كورنتوس.
ب- حكمة البشر وحكمة الله
في هذا الإطار، كتب بولس الفصول الأولى من الرسالة إلى كورنتوس، فندّد بانقسامات بين مسيحيّين يرتبطون بمختلف المبشّرين بالانجيل، كما ندّد بميول تريد أن تُلبس الانجيل لباسَ الحكمة العالميّة، بل أن تجعله حكمةً بجانب سائر الحكمات، بحيث يصبح يسوع "فيلسوفاً" بين الفلاسفة العديدين.
تجاه هذه الانقسامات، ذكّر بولس المؤمنين بالوحدة فيما بينهم، وبوحدة شخص المسيح الذي يخدمه كلُّ حاملي البشارة. مثلُ هذا الموقف يتعارض كل التعارض والإيمان الذي التزموا به. وسوف يشرح الرسول فيما بعد دوْرَ المبشّرين ومعنى خدمتهم (3: 5- 17) قبل أن يُنهي بأمور عمليّة (3: 18- 4: 21): "لا أكتب لكم هذا لأجعلكم تخجلون، بل لأنصحكم نصيحتي لأبنائي الأحبّاء" (4: 14).
ولكن قبل ذلك، وبسبب تعلّق أعمى بمبشّرين، والميل إلى جعل الانجيل حكمة عالميّة، راح بولس إلى عمق الأشياء، فعارض بين حكمة "العالم" وحكمة الله (1: 17- 3: 4). ففي أجمل أسطر كتبها بولس، جعل الكورنثيين تجاه صليب المسيح: الله لا يخلّص المؤمنين بحكمة العالم، بل بحماقة البشارة، بالمسيح المصلوب (1: 17- 25). وسوف يعود بعد ذلك إلى حكمة الله التي تجلّت في يسوع المسيح (2: 6- 9)، وكشفَها روحُ الله بواسطة المبشّرين بالانجيل. ولكن الكورنثيين لم يدركوها كحكمة، لأن حياتهم لا تخضع للروح خضوعاً كافياً (3: 1- 5).
بين الوقت الذي جعل فيه بولس الكورنثيين أمام المسيح المصلوب، «حكمة الله»، والوقت الذي فيه بيّن في هذا المصلوب "ربّ المجد"، وحيَ حكمة الله، شدّد أن الله لا يخلّص بحكمة العالم. لهذا أورد واقعين يعرفهما الكورنثيون: كيف تكوّنت كنيستهم. هذا التكوين لم يتمّ حسب نواميس حكمة العالم. إذن، ليتعلّموا أن يفتخروا بالربّ وحده، ولا يفتخروا بسواه ولا بشيء آخر (1: 26- 31). وبولس نفسه لم يحمل إليهم الانجيل بنفوذ الفصاحة أو الحكمة، بل في الضعف. وهكذا يستند إيمانُهم إلى قدرة روح الله، لا إلى حكمة المبشر (2: 1- 5).
إذن، استند هذا النصّ الذي نقرأ (1: 26- 31) إلى ما لاحظه الرسول في شكل عمليّ: ممّا تألّفت جماعة كورنتوس. غير أن النصّ أراد أن يُبرز، بشكل تعارض، حكمة العالم مع حكمة الله التي تجلّت في المسيح المصلوب، وأن يدعو جماعة كورنتوس أن تستخرج من هذا الوضع، النتائجَ التي تُوجّه تصرّفاتها.

2- ضعف الانسان أمام الله (1: 26- 29)
وسّع بولس الدرس الذي أراد أن يعطيه في وجهتين متكاملتين: واحدة سلبيّة، وأخرى إيجابيّة. انطلق من الضعف البشريّ (أناس مساكين) في تكوين كنيسة كورنتوس، فجعلهم يُدركون، عبْرَ هذا الواقع، سلوكَ الله. هذا السلوكُ يجعلنا نعي مجانيّة مبادرة الله الذي يدعو: وهكذا تجاه مجانيّة موهبة الله، كلُّ اعتداد لدى الانسان لكي يفتخر بنفسه (قال بولس: أنا أفتخر بأوهاني، بضعفي، 1كور 11: 30)، باطلٌ وعدم (آ 26- 29). وأعلن الرسول إلى هؤلاء الكورنثيين الذين ليسوا بشيء في نظر حكمة هذا العالم، أنهم بالله يُعتبرون "كباراً" في المسيح الذي أرسِل لأجلنا كالحكمة وكالفادي. وهكذا، إن أراد أحد أن يفتخر، فهو لا يقدر أن يفتخر إلاّ في الربّ (آ 30- 31).
فقد وُجد في كورنتوس، بين أعضاء الكنيسة، يهودٌ مثل كريسبوس، رئيس المجمع (أع 18: 8). ويونانيون مثل أراستس، أمين صندوق المدينة (روم 16: 23)، ورومان مثل غايوس (1: 14) وفورتاناتوس (16: 17)، وأناس من أجناس مختلفة. ولكن، كما نفهم من بولس، تألّفت الكنيسةُ الكورنثية إجمالاً من قلّة من الأغنياء والوجهاء (آ 26- 27)، وكثرة من صغار القوم: أصحاب الصناعات الصغيرة، العاملون في المرفأ وناقلو البضائع.... وكان العبيد كثيرين فشكّلوا ثلثي السكّان في كورنتوس. وبمختصر الكلام، هي صورة دقيقة عن مؤمني الجماعات الأولى في الكنيسة، الذين جاءوا من بين الوضعاء والذين حرمتهم الحياةُ من خيراتها.
في هذه الكنيسة، هناك عدد قليل من الحكماء في نظر البشر، بعض الأشخاص المقتدرين والاقوياء وأصحاب النفوذ. هناك أقليّة من الوجهاء الذين ينتمون إلى بورجوازيّة المدينة، في القرن الأول المسيحيّ، والذين يشكّلون الطبقة الحاكمة التي تسوس المدينة مع كل الوهج السياسيّ الذي يتضمّن هذا العملُ في المدينة.
أراد بولس أن يحرّر هؤلاء الكورنثيين من فخاخ حكمة بشريّة، فذكّرهم، بدون مراعاة، بوضعهم البسيط حين سمعوا نداء الانجيل. وإذ فعل ما فعل، لم يكتفِ بأن يُخفض اعتداد الكورنثيين فيحكم عليهم كما يحكم سائر الناس. بل أراد أن ينطلق من هذا الواقع ومن الدرس الذي يتضمّنه نداءُ الله لهم، فيبيّن أن مثل هذا الاعتداد باطل ولا نفع منه. فالله حين يجمع شعبه، لا يأخذ بعين الاعتبار الأحكام التي تتوافق وقواعد الحكمة البشريّة.
وفي سلسلة من النقائض، قابل بولس "الحماقة" (أحمق، مجنون، لا حسّ عنده ولا إمكانية) مع الحكمة (الحكيم، العاقل، الفطن). قابل ما هو ضعيف مع ما هو قويّ. ما لا يُعرف أصله ويُحتقر، مع الوجهاء الذين يفتخرون بأصلهم وولادتهم. وفي النهاية، كانت نقيضة حاسمة: اختار الله ما ليس بشيء. ليزيل ما يظنّه الناس شيئاً... هذا السلوك الالهي الذي به يربّي المؤمنين، يدلّ على ما سبق لبولس وقاله: "جعل الله حكمة العالم حماقة... شاء الله أن يخلّص المؤمنين به بحماقة البشارة" (آ 20- 21). أما الهدفُ الالهي فمحدّد: "لئلا يفتخر أحدٌ أمام الله"، أي لكي لا يتكبّر، لا يتباهى ويدلّ على ثقته بنفسه. فالله اختار "ما ليس بشيء" لئلاّ يتذرّع أحدٌ بمواهبه الطبيعيّة (الحكمة، القوّة، المركز الاجتماعي) ليفتخر أمام الله. ومع ذلك، فموقف التواضع من قبل المؤمنين يستند أيضاً إلى أسباب إيجابيّة.
3- افتخار الانسان في الربّ (1: 30- 31)
هذا التواضع يستند بشكل خاص إلى ما فعله الله من أجل أخصّائه. "بفضله صرتم في المسيح يسوع"، أي وجدتُم نفوسَكم في المسيح. غير أن التعارض بين "شيء" و "لا شيء"، والتوازي بين ضعف الكورنثيّين البشريّ الذي يدلّ على عدم إمكانيّتهم بأن يفتخروا أمام الله، وحياتهم المسيحية التي تتيح لهم أن يفتخروا في الربّ، والاعلان بأن الله دعا المسيحَ ليكون منا (آ 30 ب)، كلُّ هذا يدعونا لنفهم الفعل في معنى: وُجد. فالذين احتقرهم العالم فاختارهم الله ليزيل كل اعتداد بشريّ، وجدوا نفوسهم أمام موهبة الله. هم موجودون. هم صاروا. صار لهم وجود في المسيح يسوع، وهذا الوجود هو هبة من الله.
"بالله صار لنا المسيح حكمة وبراً وقداسة وفداء" (آ 30 ب). هذه الألفاظ تدل على بعض ما هو المسيح، على رسالته، على ما فعلَه لأجلنا بحسب مشيئة الآب. فالمسيح يشخّص هذه الأمور، وقد أرسِل من لدن الله ليُشركنا فيها (آ 24). هو ذاك الذي وُهب للعالم فجعلنا نصل إلى عمق معرفة حكمة الله، هذا القصد الالهي بأن يخلّص العالم في المسيح المصلوب وفي مجد هذا المسيح. هو ذاك الذي يُتمّ الفداء بدمه الخاص، فيدلّ على "برّ الله" أي أمانة الله لمواعيد خلاصه، والذي يبرّرنا بالإيمان: فهو برّنا وهو الذي يقدّسنا.
وهو كل هذا لنا "بالنظر إلى الفداء الذي أتمّه" (روم 3: 24) والخلاص بدمه، الذي به ينجّينا من نير الخطيئة ليجعل منا شعبه، ليعطينا بأن نُوجَد ونحيا معه في الله. كل هذه الألقاب التي تعبّر عمّا هو المسيح وعمّا هي رسالته، يعيدنا إلى المناداة بالمسيح المصلوب "عقبة لليهود وحماقة في نظر الوثنيين. وأمّا للذين دعاهم الله من اليهود والوثنيّين، فالمسيح هو قدرة الله وحكمة الله" (آ 23- 24). وفي الوقت عينه، تجعل الكورنثيين وتجعلنا معهم أمام مجانيّة الخلاص الذي يمنحنا الله في يسوع المسيح.
ويستخرج بولس النتيجة من منابعها: إن كان الله دعا الكورنثيين ليكونوا أعضاء في الكنيسة، دون الأخذ بعين الاعتبار معايير الحكمة البشريّة، إن كان جعلهم "يوجدون" (يكونون شيئاً، أحداً. هم لم يكونوا شيئاً) في المسيح الذي صار لأجلهم برّاً وقداسة وحكمة وفداء، فهم يستطيعون أن يجعلوا افتخارهم وثقتهم في الربّ، وفيه وحده (5: 11). وإن أردنا أن نعبّر عن تربية الخلاص هذه بالصليب، ونفهم موقف المؤمنين تجاه الله، نورد نصّ إرميا الذي أورد بولس بعضه القليل: "وقال الربّ: ''لا يفتخر الحكيم بحكمته، ولا الجبّار بجبروته، ولا الغنيّ بغناه، بل من يفتخر فليفتخر بمعرفتي ويفهم أني أنا الربّ مصدر الرحمة والحكم والعدل في الأرض. بمثل هؤلاء أرضي، يقول الربّ''" (إر 9: 22- 23).
طبّق بولس هذا الايراد الكتابيّ على الله، لا على المسيح، فاستنتج: «من اأراد أن يفتخر، فليفتخر بالربّ» (آ 31). ذاك هو الموقف الذي وقفه بولس معارضاً كلَّ اعتداد بشريّ، حسب قصد الله، والذي طلبه من الكورنثيين. وسوف يقول في روم 5: 11: "بل نحن أيضاً نفتخر بالله، بربّنا يسوع المسيح الذي به نلنا الآن المصالحة".
خاتمة
وهكذا دلّ بولس أن الانجيل ليس حكمة بشريّة، ولا هو ثمرة مثلِ هذه الحكمة: فالايمان المسيحيّ يتحدّث عن حكمة الله المركّزة على سرّ المسيح، وفي قلب هذا السرّ نجد الصليب. ولكن إن لم يكن الانجيل حكمة بشريّة، فلا نظنّ أن بولس يحتقر هذه الحكمة. فنحن نلاحظ في كل هذه الرسالة كيف يلامس الرسول فكرَ عصره لكي يكلِّم الناس ويبشّرهم بالمسيح. لا يحارب بولس الحكمة البشريّة، بل الحكمة التي تريد أن تكفي ذاتها بذاتها ولا تنفتح على حكمة الله. هذا ما يقرّبنا من الانجيل وممّا يقوله يسوعُ عن الفريسي: ينغلق على أعماله وممارساته (لو 18: 9- 14). أو عن الغني: اكتفى بغناه فانغلق وما فتح قلبه على من حوله (لو 12: 16- 21). وهكذا يحارب بولس اكتفاء الحكيم بحكمته، وبالتالي رضى الكورنثيين عن نفوسهم وعن حكمتهم.
غير أن بولس لا يبقى على المستوى الأدبيّ. فالموقف الذي يطلبه، يتأسّس على الاعتراف بمجانيّة عمل الله: النداء الالهي، هبة الله التي تهب الحياة في المسيح، قصد الله الخلاصي الذي أرسل ابنه فادياً. وهكذا يدعو بولس المؤمنين إلى فقر إنجيلي يشبه فقر مريم في نشيد التعظيم، وإلى النظر إلى سرّ المسيح المصلوب وربّ المجد، نظراً يُبعدنا عن كل كبرياء وافتخار بنفوسنا. فكل ما فينا نعمةُ من 
نشهد للمسيح المصلوب
1 كور 2: 1- 5

نقرأ هذه القطعة بعد توسّع يوبّخ فيه بولسُ الكورنثيين الذين انقسموا حول وعّاظ الانجيل. نسوا أن هؤلاء الوعّاظ هم هنا من أجل المسيح، لا من أجل أنفسهم. وُجدوا لكي يُبرزوا تعليمَ الخلاص بالصليب. وبولس الذي يرفض أن يتشيّع له أحدٌ (1: 13)، سيذكر تصرّفه في كورنتوس. لقد ركّز كرازتَه كلَّها على سرّ المسيح المصلوب، وعملَ ما في وسعه لئلاّ يفتخر بنفسه أو يتجاهى. هذا ما نقرأه في آ 1- 5 التي تُلقي الضوء على هذا الموقف. سبق وقال: "من يفتخر فليفتخر بالربّ" (1: 31). فبولس خادم للربّ، شأنه شأن إرميا الذي أورد كلامه، وهو يريد من المسيحيّين أن يتعلّقوا بالمسيح، كما كان الأنبياء يتعلّقون بكلام الله، لا بمن يحمل هذا الكلام. ونقرأ النصّ: 
(1) وأنا، عندما جئتكم أيها الاخوة، ما جئتُ ببليغ الكلام أو الحكمة لأبشّركم بسرّ المسيح، (2) وإنما شئتُ أن لا أعرف شيئاً، وأنا بينكم، غير يسوع المسيح، بل يسوع المسيح المصلوب. (3) وكنتُ في مجيئ إليكم أشعر بالضعف والخوف والرعدة، (4) وكان كلامي وتبشيري لا يعتمدان على أساليب الحكمة البشريّة في الإقناع، بل على ما يُظهره روحُ الله وقوّته، (5) حتى يستند إيمانُكم إلى قدرة الله، لا إلى حكمة البشر.

1- كرازة بدون لفّ ولا دوران
تذكّرنا آ1 أن بولس لا يجعل من المسيحيّة فنَّ الكلام المنمّق لكي يرضي الناس أو يُمالقهم، كما لا يجعلها نهجاً فلسفياً يقف وسط تيّارات عديدة تعاقبت في تلك الحقبة، في العالم الهلنستيّ، أي العالم الشرقيّ الذي ارتبط بالحضارة اليونانيّة بعد مجيء الاسكندر المقدونيّ.
إن بداية الرسالة تُفهمنا قوّةَ ما يقوله الرسول الآن. فجماعةُ كورنتوس تعيش أزمة، لأن أعضاءها دلّوا على عدم نضوج روحيّ، حين انقسموا في شأن الوعّاظ المسيحيين. لن نتحدّث عن هذه الاتجاهات المتنوّعة، ولكننا نفهم أن البعض لا يرون سوى بولس، وآخرون بطرس، وآخرون أبلوس. بل إن بعض الكورنثيين أرادوا أن يرتبطوا ارتباطاً مباشراً بالمسيح دون حاجة إلى التقليد الرسوليّ، أو جعلوا يسوع معلّم مدرسة على مستوى سائر المعلّمين. انطلقوا من سطحيّة تعيسة فوصلوا إلى مثل هذه الاستنتاجات. فاعتبروا أن الوعّاظ يعارضون بعضُهم بعضاً، ساعة رفض ابلوس أن يمضي من أفسس إلى كورنتوس، لئلاّ يشجّع الحزبَ الذي ينتمي إليه (16: 12). توقّف المؤمنون عند صفات خاصة متنوّعة، عند نقص أو اختلاف، لدى هؤلاء الوعّاظ، فرأوا فيهم معلّمي بلاغة، أو أشخاصاً ممالقين، أو مفكِّرين استنبطوا نهجاً خاصاً بهم ، نهجاً لا يرتبط بالانجيل. فدلّوا هكذا على خطأ كبير.
كانت ردّة فعل بولس قاسية، لا سيّما وأن المتشيِّعين له لا يفهمون تصرّفه (1: 13- 14). وقد سبق له وخاب أمله في أثينة (أع 17: 16- 34). كان محقاً حين راعى الحسّ الدينيّ عند سامعيه، وامكانيّةَ التقبّل والتفكير لديهم. ولكنه اصطدم بفضوليّين يبحثون عن كل جديد في الفكر وفي الكلام، كما اكتشف العداوة والارتياب حين شهد لقيامة المسيح. لهذا، واجه الكورنثيين مواجهة مباشرة، في اكتفائهم الفكريّ، كما سبق له وواجه أهل أثينة، وأعلن التعليم المسيحيّ في كل واقعيّته. فذكّر الكورنثيين بأن المسيح يجب أن يكون حكمتَهم كلها، وأن مسيح الصليب صار من أجلنا "حكمة وبراً وقداسة وفداء" (1: 30). بعد هذا، لن يعود من حديث عن إيديولوجيا ومجموعة أفكار ونظريات، بل عن شخص التقوا به وسمعوا كلاماً عنه.
في مثل هذا السياق، نفهم ما يعني بولس حين يقول: "وأنا عندما جئتكم... ما جئتُ ببليغ الكلام، أو الحكمة" (آ 1). "الكلام" يعني هنا اللفظ الفارغ، أو المنطق الباطل. أو الكلام المنمَّق، لا الاعلان الفاعل الذي هو صوتٌ (رج خر 19: 19) وعملٌ وحدثٌ ديناميكيّ. و"الحكمة" تؤخذ هنا في معنى منحطّ: هي نهج نظريّ وتنظيريّ، وهي تُقدِّم البراهين من أجل التجاهي. إنها مجهود عقليّ لا يصل بنا إلى الحياة. أما الحكمة الحقّة ففنُّ العيش بحسب الله. وتفكيرٌ وتصرّف نقلتهما الحكمة البيبليّة التي تجد ذروتها في الإنجيل، لأن يسوع هو حكمة الله الوحيدة والنهائيّة من أجلنا: فيه نجدُ كلَّ مخطّط الله، كلُّ طريقة حياة مع الله. وسيذكّر الرسول الكورنثيّين (الذين ظنّوا أنهم حكماء) بالتواضع، فيقول لهم إنهم لم يصيروا بعدُ جديرين بسماع أعماق حكمة الله (2: 6).
تجنّب بولس أن يمالق هذه الميول المزعجة، فأعلن سرّ المسيح. فسرّ الله الذي أعلنه بولس هو ذاك الذي يكشفه لنا العملُ الفدائيّ. بعد ذلك، سيصف الوعّاظَ أنهم "وكلاء أسرار الله" (4: 1). في المسيح، أظهر الله حبّه لأجلنا. وشهد لأمانته وتمام قصده. والصليب هو "نعم" من الله لم يكن ينتظره البشر. في كورنتوس، ما أراد بولس أن يُعلن شيئاً آخر، فرفض أن يتّخذ طرقاً ملتوية ومعوجّة. 

2- بولس وصليب المسيح
تشدّد آ 2 على الخيار الذي اتّخذه بولس بملء حرّيته وإرادته، بحيثُ يَدخلُ إلى قلب التعليم: المسيح والمسيح المصلوب.
نتوقّف أولاً عند شهادة الرسول الشخصيّة. ففي هذه الرسالة، وعبر كل التعاليم التي يوردها، نراه يلتزم، يخاطر، وفي النهاية يوجز توصياته: "اقتدوا بي كما أقتدي أنا بالمسيح"(11: 1). وهذه أمثلة يقدّم فيها بولس تصرّفه أمام نظر المؤمنين: لا حاجة إلى رفع الوعّاظ على حساب البشارة (1: 13- 15). حياة العفّة (7: 7: لو كان جميع الناس مثلي). المحبّة والفطنة في التعامل مع القريب (8: 13- 9: 1). استعمال المواهب استعمالاً خفراً (14: 18- 29). شهادة نؤدّيها للمسيح القائم من الموت (5: 8- 9، 30- 32). وهنا أيضاً، بدأ بولس فكرز بالمسيح المصلوب، وقد فعل لا ليتكيّف فقط مع ما يراه ضرورياً في كورنتوس. فهو نفسه ركّز حبّه واندفاعه على شخص يسوع. ففي ما يقول وما يكتب، يدلّ على التزامه الشخصيّ التام والتجنّد من أجل الربّ. هو في قرارة نفسه لا يعرف إلاّ المسيح: فالربّ هو حياتُه وعلّةُ وجوده وعملِه وتضحياته وآلامه وموته. فمن طريق دمشق، "أنا يسوع" يُشرف على آفاق بولس، كما أشرف "أنا يهوه" (الربّ) على كل حياة موسى. تتلمذ الرسول لما يكرز به، فوعظ نفسه بما يقوله للآخرين. وتتميّز الرسالتان إلى كورنتوس تمييزاً خاص بهذا الطابع المعاش والشخصيّ. وهكذا نعرف شخصَ الرسول وحياته معرفة أفضل.
كانت كرازة بولس أولاً، في كورنتوس، "إعلان يسوع المسيح". ففي نظر الأنبياء، كان أساس عملهم، السعي ليجعلوا الانسان يلتقي بالله الحيّ والفاعل. فتعليم الكتاب المقدّس يتوخّى اللقاء مع آخر. والأفكار، مهما كانت جميلة، تبقى خاصة بهذه الوقفة في حضرة الله، في حضرة المسيح. ويسوع يتماهى، في شخصه، مع كل ما يحمله: هو برّ وسلام وحكمة ومصالحة وفداء. هو الحياة، وهو "فصحنا" (5: 7). فعلى الواعظ المسيحيّ أن يتحوّل بدوره إلى يسوع المسيح بحيث يجعله مركزَ حياته وتعليمه.
"ويسوع المسيح مصلوباً". هل نفهم هنا أن بولس لم يتكلّم سوى عن الصليب؟ في الواقع، ممّا تبقّى من الرسالة، ومن الرسائل البولسيّة، وما تركته لنا الفقاهةُ الأولى، نفهم أن بولس والوعّاظ الأولين شدّدوا على شخص المسيح وعلى ألقابه، المسيح الذي أنبأت به الكتب المقدّسة. ابن الله. الربّ القائم من الموت، الحيّ والممجّد. كما ذكروا تعاليمَه ومعجزاته وقدرتَه التي تحمل الحياة والخلاص، وحضورَه في الكنيسة كلها وفي المسيحيّين. غير أن كل الكرازة (وكل حياة يسوع المسيح) تتركّز على الحدث الفصحيّ، منذ "الليلة التي أسلم فيها" (11: 23) حتّى الصعود. فالحياة المسيحيّة كلها تستخرج قوّتَها الروحيّة من سرّ المسيح الذي مات وقام من أجلنا... "المسيح فصحنا ذُبح" (5: 7).
من الواضح أن بولس حين يكرز بالسرّ الفصحيّ، يضمّ وجهةَ الآلام إلى وجهة المجد. فموتُ المسيح هو من أجل الحياة. وصليبُ المسيح هو "قدرة الله وحكمة الله" (1: 18- 25)، لأنه يقودنا إلى نصر لم نكن نتوقّعه، على قوى الخطيئة والموت. فالمسيح المصلوب هو في الوقت عينه "ربّ المجد" (3: 8- 9). ومع ذلك فعبارة "وأنا بينكم" مهمّة هنا: لقد شدّد بولس، في كورنتوس، على الوجهة المؤلمة في العمل الفدائي، لأنه رأى فيها أنجع دواء ضدّ التباهي، والميل إلى الكبرياء، والتعلُّق بما يظهر في الخارج. إن صليب يسوع يشجب كلَّ اعتداد بشرّي، كما قال بولس في الرسالة إلى غلاطية: "أما أنا فلا أفتخر إلا بصليب ربّنا يسوع المسيح الذي به صُلب العالم لي وصُلبت أنا للعالم" (6: 14).
فعلى حياتنا المسيحيّة أن تغتذي دوماً من التأمّل في السرّ الفصحيّ. فالإيمان كله يدفعنا لكي نتجنّد للمسيح الذي مات وقام، ونتّحد به، ونشارك في عمله. والنسكُ المسيحيّ كله، الذي هو مسيرة متواصلة "في جدّة الحياة"، يستند إلى "الفعل الفصحيّ" الذي هو عبور من الموت إلى الحياة. والعبارة المسيحيّة تؤوِّن (تجعله الآن، تجعله حاضراً) دوماً سرّ الصليب والمجد هذا، إلى عودة الربّ، "إلى أن يجيء" (11: 6).
لا تعرف المسيحيّةُ تعليماً عن الألم يقف عند الألم، وعن الصليب يقف عند الصليب. فالصليب ينتهي في القيامة. والمسيحيّة التي هي تعليم حياة وفداء ورجاء، تنظر نظرة جريئة إلى نهاية العمل البشريّ في المسيح الممجّد. ولكن الكورنثيين يحاولون أن ينالوا الغلبة دون المرور في طريق المسيح. إذن، لن تكون قيامة دون حاش وآلام، ولا نصرٌ دون محن. ذكر بولس هذا الطريق المعروض على كل تلميذ، في الانجيل (4: 7- 13). فالحكمة المسيحيّة الحقيقيّة نجدها في اتّحاد إرادي بالفداء، بالصليب. ومهما فعلنا، لا نقدر أن نعتاد على هذا الوحي "الذي أخفي على الدهور"، على الخلاص بالصليب.

3- قدرة الله تظهر في الضعف
تُبرز آ 3- 5 الظروفَ التي فيها تمَّت الكرازةُ في كورنتوس. وهذه الظروف تدلّ على التعليم الذي سبق، وتكشف مفارقة الخلاص بالصليب. انطلق بولس من حياته. والتعليمُ الذي يكرز به يتسجّل في تصرّفه وحياته الرسوليّة.
جاء إلى كورنتوس وهو يشعر "بالضعف والخوف والرعدة" (آ 3). هل نرى هنا مرضاً يصيبه بشكل مزمن؟ هل نرى شكلاً خارجياً لامقبولاً؟ قالوا عنه: "رسائل بولس قاسية عنيفة، ولكنه متى حضر بنفسه، كان شخصاً ضعيفاً وكلامه سقيماً" (2 كور 10: 10). لا نتوقّف طويلاً عند اعتبارات تصدر عن خصوم بولس. وإن هو أبرز شكلاً لاملائماً يظهر للعيان، فلكي يدلّ على مخطّط الله الذي لا يتوقّعه بشر، والذي يستعمل مثلَ هذه الآنية التي من خزف. في أي حال، نتذكّر أن بولس حين وصل إلى أثينة (أع 17: 33- 34)، بدا قلقاً، دون أن نعرف نوعيّة محنه. فهو سيختبر في كيانه، في لحمه ودمه، قدرةَ الصليب وما فيها من مفارقة. فالمسيحُ نفسه واجه آلامه، لا كرواقيّ يحاول أن يسيطر على الألم. بل كانسان عرف النزاع في بستان الزيتون، فواجه ألمَه وحده وبدون سند خارجيّ. وبولس بدوره اضطُهد، عرف المقاومة، رُفض. ووجد إرميا النبيّ الشجاعة، في ما يعترضه، في كلمة الله. كما وجد بولس العزاء والتشجيع في صليب المسيح (2 كور 1: 9- 9؛ 12: 9- 12).
ونذكر هنا أيضاً أن الربّ تراءى له في كورنتوس، فشجّعه: "لا تخف، بل تكلّم ولا تسكت. فأنا معك" (أع 18: 9- 10). إذن، يحقّ للرسول أن يذكّر الكورنثيين أن تعليم الصليب يَقلب الحسابات البشريّة. فهو نفسُه اختبر الانتصارَ الفصحيّ عبر وسائل غير منتظرة. لهذا أضاف في آ 4 أنه لم يسعَ إلى إقناعهم ببراهين بشريّة وحيل بلاغيّة، بل جاء على نقيض كل ما "يلمع". ففي الشكل، لم يجعل في كرازته الدبلوماسيّةَ الكاذبة، بل أبرز سرّ الصليب. فكلامُ الرسول (أو اعلانه للتعليم) كان «برهان روحِ القوّة». نجد هنا مفهوم "الكلمة" (في الكتاب المقدّس): إعلان، عمل فاعل يلج إلى القلوب.
روحُ الربّ جعل بولس يشهد، بحيث أحسّ أنه في قبضة "يد الله"، شأنه شأن الأنبياء. فمن خلال كرازته، حوّل حياةَ الناس، قلب طريقةَ وجودهم، وهداهم إلى المسيح المصلوب. فعلى المؤمنين الذين بُشِّروا، أن يتذكّروا أنّ عطيّة الله وصلت إليهم هكذا، وأن روحَ الربّ أمسك بهم. فأي دواء هذا الدواء ضد الغرور الذي يُولد دوماً فينا! وهكذا يتمّ مخطّطُ الله بالنسبة إلى حامل البشارة وبالنسبة إلى من يتقبّلها.
وأخيراً توجز آ 5 القطعة كلها. لا يستطيع إيمان الكورنثيّين إطلاقاً أن يستند إلى مجرّد اعتبارات بشريّة، إلى إعجاب بالواعظين، إلى تعلّق بالبراهين الجميلة. الإيمان طاعةٌ لعطيّة الله التي تحوِّلنا، لأننا نعرف أنّ كلَّ شيء يرتكز على قدرة الله. فعلى الكورنثيين، شأنهم شأن بولس، أن يشكروا لله تعلّقَهم بانجيل الصليب. فالربّ، بطرقه اللامنتظرة، مع «جهالة» الصليب، قد أعطاهم الحياةَ وهو الذي يثبّتهم في الإيمان.

خاتمة
هزئ بولس بالبلاغة البشريّة، فدلّ على بلاغة خاصة تنطبع بالحياة وتتلوّن بالحقيقة. فالبلاغة الحقيقيّة تبتعد عن أساليب البلاغة التي يعرفها البشر. والانسانُ الخاضعُ للنعمة والأمين لعطيّة الله، سبق له وتخلّى عن المجد الباطل والعابر. عندئذ يدلّ على حكمته في شكل جديد. والرسول الذي أناره الروح، خسر كل شيء. ولكنه في العمق ارتفع إلى عظمة جديدة. فالانجيل يدعو التلميذ إلى التجرّد الذي يفرضه الصليب، لكي يتبع طريق الحياة الحقّة التي لا تغشّ. في هذه المسيرة السرّية التي يتجاهلها اللامؤمنون، يرى المسيحيّ نفسه منذ الآن متّحداً مع "ربّ المجد".
حكمة الله الخفيّة
2: 6- 10

يدخل هذا المقطع البولسيّ ( 1كور 2: 6 - 10) في سياقٍ أوسع، مُركَّزٍ على العلاقات بين حكمة البشر وحكمة الله (1 كور 1: 18- 2: 16)، وهما واقعان يتعارضان كل التعارض في الحالات العاديّة. "اختار الله ما يعتبره العالم حماقة ليُخزي الحكماء" (1: 27). والبرهان على ذلك نجده في جماعة كورنتوس: فالذين دعاهم الله إليه هم بأكثريّتهم من الوضعاء: فلا هم من الأقوياء، ولا من الوجهاء (1: 26). وكرازةُ بولس قد تبعتْ من جهتها هذه الطريقَ، طريقَ البساطة والفقر: لم تستند إلى "الأساليب البشريّة في الإقناع" (2: 4)، بل إلى قوّة الروح التي لا تقاوَم "حتى يستند إيمانُكم إلى قدرة الله، لا إلى حكمة البشر" (2: 5).
ففي نظر الرسول، لا يقدر الإيمان أن يستند إلى أسس بشريّة، وبراهين عاطفيّة وسيكولوجيّة وعقليّة. إنه "ظهور الروح والقوّة" (2: 4)، قوّة التصاق يستطيع الله وحده أن يحرّكها. فحين ينيرنا اللهُ بنوره الساطع، تصبح جميعُ البراهين العقليّة المعدّة لإقناعنا في الداخل، تصبح ضعيفة، بل كلا شيء: فإيماننا لا يعتمد على كل هذا، بل على الله وحده. فهو وحده كافل ما لا نقدر أن نراه ولا نقدر أن نتحقّق منه. كافل ما يتجاوز بلا حدود فكرَنا مهما علا، ومخيّلتنا مهما سمَتْ. ونقرأ النصّ: 
(6) ولكنّ هناك حكمةً نتكلّم عليها بين الناضجين في الروح، وهي غير حكمة هذا العالم ولا رؤساء هذا العالم، وسلطانهم إلى زوال، (7) بل هي حكمة الله السرّية الخفيّة التي أعدّها الله قبل الدهور في سبيل مجدنا، (8) وما عرفها أحدٌ من رؤساء هذا العالم، ولو عرفوها لما صلبوا ربّ المجد. (9) لكن كما يقول الكتاب: "الذي ما رأته عين ولا سمعتْ به أذن، ولا خطر على قلب بشر، أعدّه الله للذين يحبّونه". (10) وكشفه الله لنا بالروح، لأن الروح يفحص كلَّ شيء حتى أعماق الله.

1- الإيمان هو "الحكمة" السامية
حين نقرأ هذا الكلام نظنّ أن الإيمانَ فعلٌ حتميّ من النوع "اللاعقلانيّ"، دون مضمون محدّد، ودون تماسك داخليّ يعطي الفكر والتصرّفات التي تصدر عنها، هيكليّتها وبنيتَها. ولكن بولس الرسول يرفض مثل هذا الظنّ: فالبلاغ الانجيليّ "حكمة" سامية لا يدركها إلا الذين يقبلونها بروح متواضعة وقلب مستعدّ. هذه الفكرة تشكّل الموضوعَ المركزيّ في النص الذي نتأمّله.
يبدو، للوهلة الأولى، أن بولس يُدخل في آ 6 تمييزاً بين مسيحيّين "كاملين" ومسيحيّين "بشريّين" (لحميّين، من لحم ودم. ضعفاء يميلون إلى الشرّ) (رج 3: 1- 3). يسمّيهم في موضع آخر "بسيخيين" (في النصّ: بشريّين أيضاً، من بسيخي، النفس، 2: 14)، لأن ما يقودهم هو العقل البشريّ، لا روح الله. كما يسمّيهم "أطفالاً"، لأنهم لم يبلغوا بعدُ سنَّ النضوج المسيحيّ. هذا النوع من التمييز استُعمل في الديانات السّرانيّة وفي الحركات الغنوصيّة: فالأسرار وقمّة معرفة الله محفوظة فقط لبعض المميّزين. أما المسيحيّةُ فبعيدة كلّ البعد عن هذه النظرة، وجميعُ المؤمنين مدعوّون إلى الكمال.

2- كونوا كاملين
في الواقع، لا تمييز إطلاقاً عند القديس بولس، سوى ذاك الذي يختاره المسيحيّ في طريقة تمسّكه بالبلاغ الانجيلي وعيشه في حياته اليوميّة. فيسوعُ نفسه قد علّم أن "ملكوت السماوات" يشبه حبّة خردل تنمو نمواً بطيئاً إلى أن تصبح شجرة كبيرة (مت 13: 32). إذن، نحن أمام قاعدة ملتصقة بالمسيحيّة: هي لا تصل إلى ملئها، ولا تعبّر عن كامل مدلولها، ولا تبلغ غايتَها إلاّ في نضوجها. فإن لم تبلغ إلى هذا "الكمال"، فهذا يعني أنها تخلّت عن ممارسة وصيّة المسيح: "تكونون كاملين كما أن أباكم السماويّ كامل هو" (مت 5: 48)
في هذا الإطار، يصف الرسولُ "بالكاملين"، المسيحيّين (مهما كانوا بسطاء) الذين بلغوا بفضل إيمان عميق ومحبّة ناشطة، إلى ملء توسّع الحياة المسيحيّة وفكرها، حسب مختلف "المواهب" التي يمنحها الله لكل واحد منّا.
ولكن للأسف، لم يبلغ جميعُ المسيحيّين في كورنتوس إلى هذه المرحلة: فما استطاع بولس أن يكلّمهم بلغة "الحكمة"، لأنهم ما كانوا ليقدروا أن يدركوا معناها ويتذوّقوا طعمَها. هذا ما يؤكّده الرسول بصريح العبارة في 3: 1- 3: "ولكني، أيها الإخوة، ما تمكَّنتُ أن أكلّمكم مثلما أكلّم أناساً روحانيّين، بل مثلما أكلّم أناساً جسديّين (بشريّين، من لحم ودم) هم أطفال بعدُ في المسيح. غذّيتكم باللبن الحليب لا بالطعام، لأنكم كنتم لا تطيقونه...".
إذن، لا اختلاف بين فئة وفئة بين المسيحيّين، كما بين طبقات عرقيّة أو مجتمعيّة: «فالحكمة» معطاة للجميع، والجميعُ يمكنهم أن يصلوا إليها بشكل أو بآخر، وينقادوا بقيادتها. غير أن الجميع لا يقبلون أن يجعلوا نفوسهم في الاستعدادات الروحيّة المطلوبة، كي تدخل هذه الحكمة في عقولهم وتحوّل لهم حياتهم. "فالحكمة" الانجيليّة لا تُقتنى بمجرّد البحث العقلاني. بل تأتي من وحي لقصد الله "السرّي"، الذي يرتبط الله به، بالإيمان. فبقدر ما يترك الانسان الحكمة تدركُه وتمسكُه، يصبح "كاملاً" في المعنى الذي يعنيه بولس الرسول.

3- حكمة الله السرّية
إذ أراد بولس أن يُفهمنا ما هي الحكمة، قام بحركتين: حركة سلبيّة وحركة إيجابيّة. سلبياً: لسنا أمام حكمة هذا العالم ولا رؤساء هذا العالم، وسلطانُهم إلى الدمار (آ 6). إيجابياً: بل هي حكمة الله السريّة الخفيّة التي أعدّها الله قبل الدهور في سبيل مجدنا (آ 7).
إذن، هي فوق متناول العقل البشريّ مهما كان سامياً ودقيقاً: "فرؤساء هذا العالم" لم يعرفوها (آ 8). "حكمة الله". هي وُجهة من وَجهه، ولا تتماهى مع أي من الصفات الالهيّة التي يمكن أن يعرفَها العقلُ البشريّ (روم 1: 20). إنها بالأحرى مشروع الله، و"المخطّط" الذي كوّنه الربّ من أجلنا، ولكن ارتبط حصراً به الزمن الذي فيه يتحقّق والأشكال. هو شيء لا يقدر إنسان أن يتوقّعه، لأنه يتجاوز كلَّ الامكانيّات البشريّة.
وحين عبّر الرسول عن طابع "مخطّط" الله الذي يفوق تصوّر البشر، عاد إلى النبيّ أشعيا، فأخذ نصّين دمجهما الواحد مع الآخر (64: 3؛ 65: 17): "ما لم تره عين، ما لم تسمعه أذن، ما لم يخطر على قلب بشر، قد أعدّه الله للذين يحبّونه". يُبرز القسم الأخير من هذا الإيراد وجهة هامّة من "حكمة" الله السريّة هذه: وحدهم أولئك الذين "يحبّونه" يستطيعون أن يعرفوا مضمون هذا "القصد الالهيّ"، قصد الحبّ. فحتّى بعد الفداء على الصليب، بقي المسيح لُغزاً لا يُفهم لدى عدد كبير من الناس، لأننا لا نستطيع أن نعرفه إلاّ في المحبّة والإيمان. فمن لم يستسلم له، يبقى خارج سرّ الخلاص، وكأنه أغلق عينيه على النور: كيف يقدر أن يرى إن هو ترك النور وأقام في الظلام؟

4- حكمة الله "وسرّ" المسيح
هذا يعني أن "حكمة الله السرّية الخفيّة التي أعدّها الله قبل الدهور في سبيل مجدنا" (آ 7) تتضمّن بشكل ملموس "سرّ المسيح". تتضمّن مخطّطَ الفداء الالهي هذا الذي يتمّ بموت المسيح على الصليب، بقيامته المجيدة، بانضمامنا إليه في الإيمان والعماد. كل هذا يحقّق "مجدَنا".
هذا التعبير يذكّرنا بمقاطع أخرى من رسائل بولس تتحدّث عن "سرّ المسيح" الذي أعِدّ منذ الأزل لأجل خلاصنا. فنقرأ في روم 16: 25-27: "المجد لله القادر أن يثبٌّتكم في الإنجيل الذي أُعلِنه منادياً بيسوع المسيح وفقاً للسرّ المعلن الذي بقي مكتوماً لدى الأزل وظهر الآن...". ونقرأ في أف 3: 8- 12: "لي أنا أصغر القدّيسين جميعاً أعطاني الله هذه النعمة لأبشّر غير اليهود بما في المسيح من غنى لا حدّ له، ولأبيّن لجميع الناس تدبيرَ ذلك السرّ الذي بقي مكتوماً طوال العصور في الله خالق كل شيء...".
نجد هنا ما نقرأ في 1 كور 2: 7: "حكمة الله". "السرّ". "بقي مكتوماً طوال العصور في الله". وهكذا يتحرّك الفكرُ دوماً على المستوى ذاته: إن "حكمة الله" تصبح ملموسة في «سرّ» المسيح، الذي يتواصل في الكنيسة التي هي سرّ الخلاص. هنا نتابع قراءة أف 3: 10- 11: "ليكون للكنيسة الآن فضلُ إطلاع أهل الرئاسة والسلطة في العالم السماويّ على حكمة الله في جميع وجوهها. وكان هذا حسب التدبير الأزليّ الذي حقّقه الله في ربّنا المسيح يسوع".

5- حكمة جهلها رؤساء هذا العالم
إن "حكمة الله" في وجهتها "الخلاصيّة"، من حيث إنها تُحرّرنا من الشرّ وعبوديّة إبليس، تتعارض مع حكمة العالم "ورؤساء هذا العالم" (آ 6). فعبارةُ "هذا العالم" (حرفيا: هذا الدهر) تدلّ، في النظرة اليهوديّة، على حقبة سابقة للمسيح. وهي تقابل عبارة "العالم (أو الدهر) الآتي" الذي يتماهى، في شكل ملموس، مع المرحلة الأخيرة في "ملكوت الله". "فالدهر" الحاضر والذي لم يفتَدِه المسيح بعدُ افتداء كاملاً، ما زال خاضعاً لابليس الذي هو "سيّده" (2 كور 4: 4؛ روم 12: 2؛ كو 1: 13). ففي مجيء المسيح الثاني، حين "يُخضع كلَّ شيء لله" (1كور5: 24- 28)، يزول سلطانُ إبليس بشكل نهائي، ويكون الله "كلاً في الكل" (15: 28).
هل نستطيع أن نعرف من هم "رؤساء هذا العالم"؟ رأى عددٌ من الشرّاح القدامى (الذهبيّ الفم، تيودوريتس) والمعاصرين في هؤلاء "الرؤساء"، جميعَ الذين يتمتّعون بالسلطان والكرامات والشهرة والعلم في المجتمع (1: 26): الرؤساء السياسيون، الفلاسفة، رجال العلم والأدب. نحن هنا في الواقع أمام هيردوس وبيلاطس وعظماء الكهنة وأعضاء المجلس الأعلى الذين "صلبوا ربّ المجد" (آ8). وهناك شرّاح آخرون (اوريجانس) يرون في هؤلاء "الرؤساء" القوى الشيطانيّة المعادية للمسيح التي غلبها بموته على الصليب.
هذا التفسير الثاني لا يستبعد التفسير الأول، لأن إبليس اعتاد أن يستعمل البشر ليحقّق مقاصده (نتذكّر هنا سفر الرؤيا مع التنين والوحشين). يسمّيه بولس "رئيسَ القوّات الشريرة في الفضاء" (أف 2: 2). ويتحدّث يوحنا عن إبليس على أنه "أركون العالم" الذي طُرح أرضاً في موت يسوع (يو 12: 31)، وقد حُكم عليه (يو 16: 11؛ رج 14: 30). وربط بولسُ ربطاً مباشراً بين هزيمة إبليس وموت المسيح حين قال هنا: "لم يعرف رؤساء هذا العالم حكمة الله. فلو عرفوها لما صلبوا ربّ المجد" (آ 8).
فحيث أمل "رؤساء" الشرّ بالنصر، هناك وجدوا الهزيمة. لهذا تحدّثت آ 6 عن "رؤساء هذا العالم المعدّين للدمار". وقد بدأ هذا الدمار مع موت المسيح وقيامته، وهو سينتهي عند عودته في النهاية، حين يسلّم المسيحُ المُلكَ لله الآب بعد أن يدمّر كل رئاسة وكل سلطة وقوّة (15: 24).

6- الحكماء ودهاؤهم
إذن، خزي إبليسُ وحلفاؤه عبر «حكمتهم»، لأنهم ظنّوا أن "قصد الله" يخضع لمعايير الحكمة البشريّة أو الملائكيّة. ليس من المعقول، على المستوى البشري، أن ينتصر الله ويخسر في الوقت عينه، وأن يبذل حياته في الموت! كان بولس قد تكلّم عن "حماقة لغة الصليب" (1: 18)، حماقة "مسيحٍ مصلوب، عقبة لليهود وحماقة للأمم" (1: 22). ومع ذلك، "فقصدُ" الله الخلاصيّ يمرّ عبر "حماقة" الصليب: فذلُّ المسيح وامّحاؤه اللذان لا يمكن أن يتصوّرهما بشر، يدلاّن على عظمة حبّ مميَّز، وعن "قدرة" الله الخلاصيّة.
لو سعى إبليس أن يكتشف بعضاً من مقاصد الله، لكان عمل في خطّ انتصاريّة سهلة وعظيمة تنتظر المديح. ففي هذا الاتّجاه غامر حين جرّب يسوع في بداية حياته العلنيّة (لو 4: 5- 7).
وقتلُ المسيح الذي شارك فيه إبليس مثيراً بُغض البشر (لو 4: 13؛ 22: 53) كان البرهانَ الذي لا يُردّ على ضعف المسيح وفشله كمسيح: حسب "حماقة" الحكمة البشريّة، لا يمكن أن يكون المسيح مسيحاً أرضياً يجاري عواطف الوطنيّين ويجعل حياة البشر "نزهة" سهلة. مثلُ هذا المسيح، لو فعل، لكان عَمِل عمَل إبليس.
لهذا "فرؤساء هذا العالم" جاروا، من دون إرادتهم، قصدَ الله: اعتقدوا نفوسهم أكثر حكمة من الله، فأخذهم الله في فخّ دهائهم (3: 19؛ أي 5: 13). فلو استطاعوا أن يتوقّعوا ذلك "لما كانوا صلبوا ربّ المجد" (آ 8).
إنّ "ربّ المجد" هو المسيح. فالعبارة تدلّ على يهوه (الاله الذي هو) في العهد القديم (مز 29: 3؛ حز 24: 17)، وعلى الله الآب في العهد الجديد (أف 1؛ 17؛ أع 7: 2). إذن، يدلّ بولس هنا وبوضوح على ألوهيّة المسيح. كما يؤكّد، أن الربّ يسوع، بموته على الصليب، وصل إلى ذروة "مجده"، لأن فعلة التقدمة هذه عبّرت عن أرفع درجات حبّه. وهذا السرّ يوضح كلَّ الايضاح أن مقاصد الله تقلبُ مقاصدَ البشر: ففي "حماقة" تبدو غير مفهومة في طريقة تصرّفها، يدلّ الله على "حكمته" ويحقّقها مستفيداً من عون أعدائه اللاإرادي حين تدعو الحاجة.

7- كشفه الله بالروح
إن مقاصد الله التي تتميّز بسموّها الذي لا يتوقّعه أحد، لا يمكن أن تُعرف إلاّ بواسطة الوحي. ذاك ما تقوله الآيةُ الأخيرة في النصّ الذي ندرس: "وكشفه الله لنا بالروح، لأن الروحَ يفحص كل شيء حتّى أعماق الله" (آ 10).
فالفعل "كشف" يدلّ على وحي بدأ في الماضي، أي يوم قبل مسيحيّو كورنتوس الانجيلَ الذي نادى به بولس. وكان يمكن أن يكون لهذه الكرازة نجاح بسيط، لو لم يُنِر الروحُ من الداخل عقول السامعين: فالاعلان لا يصير "وحياً" إلاّ حين يجتاحُ نورُ الروح نفس المؤمن، ويجعلها تطيع نداءات الله. وهكذا يصبح الروح القدس "المعلّم" الداخليّ لكل مسيحيّ، لأنه يعرف كلَّ شيء، ويسبر كلَّ شيء حتّى أعماق الله (آ 10، رج آ 11).

خاتمة
وهكذا لا يتوقّف تعليمُ الروح أبداً، وهو يرافقنا طوال حياتنا، بقدر ما "أعماق الله" لا تنكشف إلاّ تدريجياً، وبقدر ما ننمو في الإيمان والمحبّة. فالله ليس «شيئاً» غريباً نضع يدنا عليه (كما على صنم)، أو نُدخله في رسمات معرفتنا. إنه "حياة" سرّية يجب أن تصير حياتَنا في عمليّة تبادل. لهذا «فالكاملون» الذين يتوقون إلى كمال الإيمان، ظلّوا قلّة قليلة بين مسيحيّي كورنتوس، وهذا أمرٌ يُؤسَف له. ومع ذلك، فهم وحدهم يفهمون "الحكمة" التي يتحدّث عنها الرسول (آ 6). ويتقبّلون من الروح استنارة روحيّة تنمو يوماً بعد يوم، ونداءات ملحّة للدخول في مخطّط حبّ الآب. وفي الوقت عينه يرون نفوسهم مدعوّين لأن يشاركوا في هذا المخطّط بحيث يتجسّدُ في الأوضاع الملموسة التي وضعتهم العنايةُ فيها. عند ذاك لا يحمل الروحُ إلى التلاميذ إنجيلاً جديداً، بل يعطيهم أن يفهموا حياةَ يسوع وتعاليمه، ويفتح فكر المسيحيّين وقلبهم على أسرار الحياة الالهيّة، وهذا يتيح لهم أن يكونوا شهداء أمناء للحقّ.
وهكذا نصل إلى قلب "الحكمة" المسيحيّة الحقّة. فروحُ الله هو الذي يكشفها ويولّدها فينا. وحين نستسلم لنوره وقوّته التي لا تقاوَم، نصير في الحقيقة "أبناء الحكمة" (لو 7: 35؛ مت 11: 19).
عمل الغرس والبناء في الكنيسة
3: 5- 15

بدأت الرسالة الأولى إلى كورنتوس بكلام عن الوحدة التي يجب أن تكون سائدة في الكنيسة، وعن التحزّبات: بطرس، بولس، أبلوس. وفي النهاية، لم يبق أحد مع المسيح، مع أن هؤلاء الذين تعلّقت بهم الجماعةُ هم خدّام يسوع المسيح. وفي أي حال، لم يكن حزب بطرس "قويّاً"، لهذا لم تذكره الرسالة سوى مرّتين. أما أبلوس فأثّر تأثيراً كبيراً في كنيسة كورنتوس ولا سيّما بمعرفته العميقة للكتب المقدّسة، وببلاغته في عرض أسس الإيمان، هذا مع العلم أنه رفض أن "يغذّي" الحزب الذي يتعلّق به (16: 12). فهو يعمل مع بولس، والواحد يكمّل الآخر. بولس غرس وأبلوس سقى. بولس وضع الأساس في كنيسة كورنتوس، وأبلوس يتابع عمل البناء. وسيفعل بعده العديدون. يبقى أن نعرف نوعيّة "الحجارة" التي يضعها البنَّاء، ويعرف المرسَل أن لا أساس يبني عليه سوى يسوع المسيح. ونقرأ النصّ: 
(5) فمن هو أبلوس؟ ومن هو بولس؟ هما خادمان بهما اهتديتم إلى الإيمان على قدر ما أعطاهما الربّ. (6) أنا غرستُ وأبلوس سقى، ولكن الله هو الذي كان يُنمي. (7) فلا الغارس له شأن ولا الساقي، بل الشأن لله الذي يُنمي. (8) فلا فرق بين الغارس والساقي، غير أن كلاً منهما ينال أجره على مقدار عمله. (9) فنحن شركاء في العمل مع الله، وانتم حقلُ الله والبناء الذي يبنيه الله. (10) وبقدر ما وهبني الله من النعمة، كبانٍ ماهر، وضعتُ الأساس وآخر يبني عليه. فلينتبه كلّ واحدٍ كيف يبني. (11) فما من أحد يقدر أن يضع أساساً غير الأساس الذي وضعه الله، أي يسوع المسيح. (12) فكل من بنى على هذا الأساس بناء من ذهب أو فضّة أو حجارة كريمة أو خشب أو قشّ أو تبن، (13) فسيظهر عملُه، ويومُ المسيح يُعلنه لأن النار في ذلك اليوم تكشفه وتمتحن قيمة عمل كل واحد. (14) فمن بقي عمله الذي بناه نال أجره. (15) ومن احترق عمله خسر أجره. وأما هو فيخلص، ولكن كمن ينجو من خلال النار.

1- سياق النصّ
إن إطار ف 3 كله، هو إطار الحكمة. فالرسول يحدّث الكورنثيّين عن الحكمة التي نقصَتْهم. فيكونون قد قالوا للرسول: لماذا لم تحمل إلينا هذه الحكمة السامية؟ أما كان باستطاعته أن يفعل؟ لا شكّ من جهته. ولكن من جهتهم، لم يقدر. هم بعد أطفال في المسيح، هم في بداية الطريق إلى المعرفة والحياة المسيحية. ما زالوا على مستوى "الحليب" (اللبن) وكأن لا أسنان لهم، ليأكلوا اللحم، ويغتذوا بطعام البالغين. ذاك هو وضعهم، وبولس لا يوبّخهم على ذلك، بل يكتفي بأن يعطيهم طعام "الأطفال" مثل أب يهتمّ بأولاده. هذا من جهة. ومن جهة ثانية، لم يقدر بولس أن يعطيهم هذه الحكمة، لأنهم رفضوا أن يتركوا حكمتهم "الخاصّة". ظلّوا بشريّين بالنسبة إلى العالم، ظلّوا أطفالاً بالنسبة إلى المسيح. من أجل هذا، وبّخهم بولس لأنهم ظنّوا نفوسَهم حكماء. فمتى يستعدّون لأن يأخذوا بحكمة الله التي هي "حماقة" في نظرهم؟ وأين تظهر حكمتُهم "المزعومة"؟ حين يتعلّقون بأشخاص حملوا إليهم البشارة، ولا يتعلّقون بالمسيح الذي هو الأساس الوحيد للكنيسة.
لا شكّ في أن المرسَلين عديدون، ولكنهم واحد في الخدمة. هم يعملون لسيّد واحد. ويعطي الرسول صورة أولى: الحقل الذي نعمل فيه. تتوزّع الأشغال بحسب ما يريد السيّد، فيرسل عمّالَه كما يرتئي. فأين حكمتُنا حين نرفع الخادمَ إلى درجة السيّد؟ وأين هو نضوجنا حين نقابل بين خادم وخادم. فالواعظ الذي يحسب لنفسه حساباً، والكنيسة التي "تتعبّد" له، لا يعرفان الاله الحقيقيّ. فالاهتمام بالمجد العالميّ وبالتأثير الشخصيّ الذي يمكن أن أؤثّره، دمارٌ للكنيسة، فنحسب أن الأمور ترتبط بنا وأنَّ البناء هو بناؤنا! أما العمل فهو عمل الله، الذي أراد أن يجعلنا شركاء له، كلّ واحد بحسب الموهبة التي نالها، وفي الموقع الذي يجعله فيه الله. نحن عمّال الانجيل "تحت يد الله" وبحسب المشروع الذي يعمله هو، لا بحسب مشروعنا الخاص.
وهكذا صوّر الرسولُ الكنيسة في صورتين. ذكر الحقل. وها هو يذكر البناء. وفي كلا الحالين، الله هو الذي يعمل. ونحن نعمل معه. وكل واحد مسؤول عن الحجر الذي يضعه. نال بولس نعمة، فأنهى عمله: أسّس الكنيسة على شهادة يسوع المسيح الذي هو الأساس الوحيد، حسب إرادة الله (أف 2: 20؛ 1 بط 2: 9- 8)، لا حسب رأي البشر.
غير أنّ الكنيسة لم تتوقّف مع بولس. فالبناء يتواصل حتى نهاية العالم. ولكنّ لا بدّ من المحافظة على نوعيّة البناء، وعلى المواد المستعملة. فالآن، بعد أن ابتعد بولس وابلوس، ماذا يعمل الذين جاءوا بعدهما؟ أهذه هي النتيجة؟ لن يحكم بولس عليهم، بل يترك «نارَ» الدينونة تقيّم كلَّ عمل في الكنيسة. فالباني الأمين يُجازى جزاء أوّل حين يرى ما بناه. هذا عدا ما يمنحه الله في حنانه المجانيّ في ملكوته. والباني الرديء يُحرم من أجره. كلُّ هذا يدلّ على جديّة المهمّة الموكولة إلى المرسلين، وعلى مسؤوليّتهم بالنسبة إلى الكنيسة. الله أشركهم في عمله وما أراد أن يستغني عنهم. فإن لم يكونوا على قدر ما ينتظره منهم الربّ يكونون الخاسرين، ويحلّ آخرون محلّهم، لأن بناء الله يجب أن يتواصل حتّى كماله.

2- الكنيسة حقل نعمل فيه (3: 9- 13)
«تحزب» الكورنثيّون لهذا أو لذاك، فدلّوا أنهم لم يبلغوا بعدُ مرحلةَ النضوج المسيحيّ. أخطأوا حول وظيفة الرسل وعلاقتهم بالجماعة. اهتموا بأبلوس! اهتمّوا ببولس! فما عادوا يرون المسيح! فضَّل هؤلاء هذا، وأولئك ذاك. وتعلّق كلُّ واحد "بزعيمه"! فجاء جوابُ بولس: نحن خدّام بالنسبة إلى الله وإلى المسيح. فإن كنّا مسؤولين في الكنيسة، فنحن لسنا بشيء في نفوسنا، بل ننفّذ مشيئة آخر، هو سيّدنا الذي يرسلنا في مهمّة معيّنة بشكل وسطاء وممثّلين له.
ولكن لهؤلاء الخدّام دوراً هاماً يقومون به. دوراً لا يمكن أن يُترَك فارغاً، وإلاّ فلا كرازة ولا إيمان. في هذا قالت الرسالة إلى رومة: من لا يؤمن بالربّ كيف يدعوه؟ ولكن كيف يؤمن إن لم تصل إليه البشارة، إن لم يُسمعه إياها رسولٌ من الرسل؟ "فما أجمل خطوات المبشّرين" (روم 10: 14- 15). ونقرأ في 2 كور 5: 20: "نحن سفراء المسيح، وكأن الله يَعظ بألسنتنا". غير أن الخادم لا يختار عملَه، ولا يخطّط كيف يقوم به. لهذا، لا مجال لمقابلة رسول مع رسول، وتفضيل الواحد على الآخر.
أما الخِدَم التي يُدعى إليها الرسلُ فهي متعدِّدة. والخدمةُ تكمّل الخدمةَ، وكلُّ خدمة ضروريّة مثل أختها. هنا نتذكّر مواهب الروح (12: 4 ي). كما نفهم أن التمييز بين بولس الذي غرس وأبلوس الذي سقى، هو تمييز بلاغي. فابلوس غرس أيضاً، وبولس سقى. المهمّ هو التكامل بين المرسلين من أجل خير الكنيسة العام. وإن يكن واحدٌ سبق الآخر، فهذا لا يبدّل شيئاً. ولكن مهما كانت قيمة العمل وضرورته، ومهما كان شكله، فهو دوماً يأتي في الدرجة الثانية، بالنسبة إلى عمل الله الذي يسبقه ويؤسّسه ويرافقه ويجعله يُثمر فتدوم ثمارُه.
نقرأ في آ 6: "ولكن". نحن أمام تعارض قويّ بين "الله" وبين "أنا وأبلوس". فالاختلاف واسع جداً بين "وظيفة" الله ووظيفة البشر، بحيث لن نبحث عن الفرق بين خدمة بشريّة وخدمة أخرى. لا شكّ في أن البشر يعملون مع الله، يشاركونه (آ 9)، ولكنهم ليسوا بشيء إن تُركوا ونفوسهم. المبادرة ليست منهم، بل من الله. وكل ما يقدرون عليه، هو أن يقولوا نعم لنداء الله. أما أن يعتبر "محازبوهم" أنهم هم أصحاب المبادرة والوساطة، فهذا تجديف، والويل للرسل إن قبلوا هذه التسمية. الشأن ليس لبولس ولا لأبلوس، بل لله وحده.
بما أن بولس وأبلوس ليسا شيئاً في ذاتهما، بل في ما جعل الله فيهما من نِعَم، وما سلّمهما من وظيفة. وبما أنهما أداةُ مشيئة الله التي ترسلهما، فالواحد لا يعارض الآخر، ولا يزاحم الآخر. بل يعمل كلُّ واحد في الموضع الذي عيِّن له لتحقيق مخطّط واحد. هما واحد، لا في شخصهما، والواحد يختلف عن الآخر، بل في مسؤوليّة مشتركة هي بناء الكنيسة.
ولكن إذا كان الله يعمل، فهل صار الرسول آلة تتحرّك ولا تعرف؟ كلا. لهذا، شدّدتْ آ 8 ب على مسؤوليّة كلِّ واحد أمام الله، في خدمة الجماعة. كلُّ واحد ينتظر الأجر بالنظر إلى المهمّة التي يُسأل عنها. نحن لا نتكلّم عن استحقاق بحيث يُصبح الله مديناً لنا. فالأجر يمنحه الله. والرسول لا ينتظر من البشر أن يقدّروه حقّ قدره، أو يقدّموا لها الأجر. فهو يرتبط بالله. وهو مسؤول أمام الله، وهو وحده يقدّر "أجر" أعمالنا. هذا يعني استقلاليّة الرسول بحيث لا يخضع عمله لأحكام البشر.
وتأتي آ 9 بشكل مِفصَل بين قطعة (آ 5- 9) وقطعة (آ 10- 15). في القطعة الأولى دار الكلام على الحقل الذي يعمل فيه الرسول. وفي آ 10- 15، يدور الكلام على صورة البناء الذي يعمل فيه كلُّ واحد منّا. ويعود الرسول فيشدّد على الوحدة بين خدّام الكلمة، على استقلاليّة كل واحد، عمّا يمكن أن يقوله الناس، على استبعاد كل مزاحمة. فالله، والله وحده، هو مُبدئ وسيّد كل ما يُعمل باسمه. ثلاث مرات يردُ اسم «الله» في هذه الآية. فلا وجود للرسل وللكنيسة إلاّ بالله الذي يحقّق مخطّطَه بهم وفيهم. هنا نتذكّر كلام النبيّ أشعيا: "هم كنقطة في دلو، وكغبار في ميزان" (40: 15). يعني، لا شيء تقريباً. لا شكّ في أنهم يشاركون الله، وهنا تكمن كرامتُهم وأهميّتهم، ولكنهم لا يقفون على مستوى الله. بل هم خدّام (آ 5). ونقول الشيء عينه عن الجماعة.

3- الكنيسة بناء (3: 10- 15)
أ- عمل الله (آ10- 11)
هذا البناء هو عمل الله وعمل البشر.
بدأ بولس فأوجز في آية واحدة (آ 10) ما سيتوسّع فيه، في آ 11- 15. لبث الرسولُ في الخط الذي بدأه حين تحدّث عن الحقل، ولكن اللهجة تتبدّل، فتهاجم، وفي النهاية تهدّد (آ 16- 17): نحن أمام تنبيه (وتحذير) يوجّهه الرسول إلى الذين جاءوا بعده إلى كورنتوس وهم يواصلون البناء. أتراهم يريدون أن يضعوا أساساً آخر، غير الذي وضعه الرسول؟ ربّما. ولكن بولس يعلن: الأساس الذي وُضع هو نهائيّ. وعليه ترتكز الكنيسة، ولا شيء (ولا انسان) يقدر أن يبدّله أو يقوى عليه (رج مت 16: 18). فالأساس هو يسوع المسيح.
ولكن بولس هو الذي وضع هذا الأساس. لا هو، بل نعمة الله التي جعلت منه رسولاً (15: 9- 10؛ رج غل 11: 5- 16). وهي منحَتْه السلطةَ، وجعلَته جديراً بأن يُتمّ حصّته من العمل، وبكل جدارة. نقرأ في آ 10 "وآخر". لا شكّ في أن بولس لا يشير إلى أبلوس وكأنه يتّهمه، بل يوجّه كلامه إلى العاملين الآن في الكنيسة، والذين يريدون أن يعتبروا نفوسهم رسلاً!
ويتراجع بولس. هو لم يضع الأساس، بل الله هو الذي وضعه، قبل أن يعمل الرسول. فكل مبادرة هي من الله، والرسول يشاركه فقط في العمل. وهكذا لا يستطيع الخصوم أن "يمسّوا" هذا الأساسَ ولا واضعَه، وإلاّ فليحذروا عقابَ الله لأن من يهدم عمل الله يهدمه الله (رج آ 17).
ب- عمل البشر (آ 12- 15)
أجل، من يتجاسر على "مهاجمة" عمل الله؟ لا أحد. من يتجاسر أن يهاجم الأساس الموضوع، الذي هو يسوع المسيح؟ لا أحد. ولكن عمل الانسان يمكن أن يكون عرضة للانتقاد. وقد يكون هناك بعضُ الخطأ. في آ 9، كان كلام عن كنيسة بَنتْها يدُ الله. والآن، تحوّلت الصورة إلى بناء يبنيه البشر على الأساس الذي وضعه الله. لا ننسى أننا نشارك الله في العمل. ولكن ما يهمّ بولس هو تعداد مواد البناء وقيمتها: هي سوف تمرّ في النار. فهل يمكنها أن تقاوم؟ فدينونة الله آتية، فماذا يبقى من "حجارة" وضعناها فوق الأساس؟ وهكذا نكون أمام تنبيه خطير يوجَّه إلى الذين يواصلون العمل.
غير أن الدينونة لا تتمّ إلاّ "في اليوم" (آ 13؛ رج عا 5: 18؛ ملا 3: 19). والديّان هو يسوع المسيح (1: 9؛ 5: 5؛ 2 كور 5: 10؛ فل 1: 6، 10). والنار ليست عقاب الأشرار، بل العنصر المطهّر، الذي يميّز مادّة عن مادة، يميّز الذهب عن القشّ والتبن. وهكذا يُعرف العامل الصالح والعامل الرديء.
في آ 14- 15، نقرأ جملتين متوازيتين حول نتيجة مرور هذه المواد في النار. هو العقاب لمن احترق عمله، ولكن لا العقاب الأخير، لأن النصّ يقول: "هو يخلُص" (آ 15). وهو الجزاء لمن بقي عملُه ولم "يحترق". هذا الجزاء هو نعمة من عند الله. غير أن النعمة التي ينالها الانسان لا تعفيه من العقاب إن هو لم يتجاوب معها. النعمة لا تعفينا من الطاعة لنداء الله، بل هي تجعل طاعتنا ممكنة. وهكذا ينبغي على المؤمن أن يؤدّي حساباً عمّا فعله بهذه الحريّة التي منحه الله. فهو يشبه رجل الوزنات: هل تاجر بها، أم أخفاها في الأرض وما استثمرها (مت 25: 14- 30)؟

خاتمة
انطلق بولس من وضع محدّد في الجماعة، فأعطانا تعليماً عن عمل الرسول في الكنيسة، وعن تصرّف المؤمنين تجاه "رسولهم". كما أفهم المرسَلين الذين جاءوا فيما بعد، أنهم يتابعون العمل الذي بدأ به السلَف، ولا سيّما إذا كان من طراز بولس الذي أعلن أنه نال نعمة خاصة فكان ذاك الباني الماهر. بدأ الكلام "درساً" راعوياً، فانتهى تنبيهاً وتحذيراً إلى الذين يعملون: ما هي الروح التي يضعونها في العمل، وما هي المواد التي يستعملونها؟ في أي حال، كل شيء سيمرّ في النار، في الدينونة، في يوم ربّنا يسوع المسيح. يبقى علينا منذ الآن أن ننتبه إلى المواد التي نجعلها في بناء كنيستنا.
الجماعة ووحدتها في المسيح
3: 16- 23

بدأ بولس عمل البناء. وتابع أبلّوس. وجاء بعدهم العددُ الكبير من البنّائين. وهكذا ارتفع هيكل الله الذي هو نحن. هذا الهيكل بُني بحجارة حيّة بعد أن حمل الحياة التي تأتي إلى كل واحد منا من اتّحادنا بالمسيح. فما أعظم شرفنا! وما أعظم الذين عملوا هذا البناء: ولكن الويل لمن يدمِّر. الويل لمن يمسّ الجماعة بسوء. فعقابه سيكون عظيماً. وفي النهاية، تتكوّن الجماعة من الرسول ومن المؤمنين، وجميعُهم يؤلّفون جسدَ المسيح بعد أن نالوا الايمان الواحدَ واعتمدوا العماد الواحد. فهدف حياتهم في النهاية هو المسيح الذي هدف حياته هو الله. هذا ما يقوله النصّ الذي نقرأ الآن: 
(16) أما تعرفون أنكم هيكل الله، وأن روح الله يسكن فيكم؟ (17) فمن هدم هيكل الله هدمه الله، لأن هيكل الله مقدّس، وأنتم أنفسكم هذا الهيكل. (18) فلا يخدع أحد منكم نفسه. من كان منكم يعتقد أنه رجل حكيم بمقاييس هذه الدنيا، فليكن أحمق ليصير في الحقيقة حكيماً، (19) لأن ما يعتبره هذا العالمُ حكمة هو في نظر الله حماقة. فالكتاب يقول: "يُمسك الله الحكماء بدهائهم". (20) ويقول أيضاً: "يعرف الربّ أفكار الحكماء، ويعلم أنها باطلة". (21) فلا يفتخر أحد بالناس، لأن كل شيء لكم، (22) أبولس كان أم أبلوس أم بطرس أما العالم أم الحياة أم الموت أم الحاضر أم المستقبل: كل شيء لكم، (23) وأما أنتم فللمسيح، والمسيح لله.

1- سياق النصّ
يتضمّن هذا المقطع خاتمة الفصول الثلاثة الأولى في 1 كور، وهي فصول تشكّل وحدة تامّة. نحاول أن ندرك مواضيعها إذا أردنا أن نفهم بُعد الخاتمة التي يجعلها بولس هنا. 
المسألة التي طُرحت على الرسول، وجودُ تحزّبات في جماعة كورنتوس المسيحيّة، وهي تحزّبات ترتبط بسلطة المرسلين، دون أن يوافق المرسلون على ذلك (1 كور 16: 12، أبلوس رفض): بولس، ابلوس، كيفا (أو بطرس). بيّن بولسُ شرّ هذه الانقسامات بكلمات واضحة: فضح مفهومَهم الخاطئ لدور الرسل في الانجيل، ونظرتهم إلى الانجيل نفسه (1: 10- 16).
لهذا توسَّع الرسول في هذين الموضوعين من خلال سؤالين حول الانجيل وحول دور المرسل.
- ما هو الانجيل حقاً؟ هو لا يقدر في حال من الأحوال أن يقدّم الأسس لروح متحزّبة، لأنه لا يمتّ بصلة إلى المناهج العقليّة أو الفلسفيّة التي تحمّس لها الكورنثيّون، ولا سيّما ارتباط المتدرّج بمن درّجه في معارج الفكر (ارتباط المعتمد بمن عمّده) (1: 18- 3: 4).
- ما هو الدور الحقيقيّ لمرسَلي هذا الانجيل (3: 5- 17)؟ قابلهم الرسول بعمّال يعملون في الزراعة. هم يعملون في حقل واحد هو حقل الله (آ 5- 9). وبعمّال يعملون في البناء. هم يبنون عمارة واحدة هي أيضاً ملك الله (آ 9- 17). فعملُهم مهما كان متنوّعاً، يبقى مرتبطاً بهدف وحيد: كنيسة المسيح التي لا يمكنها أن تتكيّف مع الانقسامات في أحزاب وعشائر، لأن هناك مسيحاً واحداً وروحاً واحداً.
وفي المقطوعة التي نقرأ، تختتم آ 16- 17 التوسّعَ حول الجماعة التي يبنيها عملُ الذين دعاهم يسوع إلى هذه المهمّة. فيشدّد بولس على الطابع المقدّس والرهيب لهذا العمل: إنه هيكل الله. فالويل لمن يعمل على تدميره.
وتشكّل آ 18- 23 خاتمة الفصول الثلاثة السابقة مجتمعة. قدّم بولس شميلةَ ما توسّع فيه في 1: 18- 3: 4: فعلى الكورنثيّين أن يكونوا «حكماء» في المعنى المسيحيّ للكلمة. وأخيراً، يرفع الرسول الكلام إلى مستوى المسيح الذي هو مبدأ وحدة الجماعة، وحريّة المسيحيّين التامّة. وهكذا نجد هنا الجواب على سؤال طُرح في آ 13: "هل انقسم المسيح"؟

2- دراسة النصّ
أ- الجماعة المسيحيّة هيكل الله (3: 16- 17)
أولاً: أما تعرفون
إن عبارة "أما تعرفون" ترد مراراً في الرسائل البولسيّة. هي لا تعني أن بولس يلوم قرّاءه لأنهم يجهلون هذه النقطة أو تلك من التعليم الذي سوف يلقّنهم إياه، بل هي تتوخّى التذكير بتعليم عرفوه. كما تفترض في الوقت عينه، أن محاوريه لم يستخلصوا جميعَ النتائج ممّا عرفوه بشكل نظريّ. إذن، تتركّب هذه القطعة كما يلي: 
- تذكير بحقيقة معروفة: أنتم هيكل الله.
- النتيجة: من هدمَ هيكلَ الله سقط في حكم الدينونة.
- الباعث على هذا القول: هيكلُ الله مقدّس.
وأخيراً، تستعيد الكلماتُ الأخيرة الكلماتِ الأولى، بشكل خاتمة: أنتم أنفسكم هذا الهيكل الذي يخصّ الله.
ثانياً: موضوع الهيكل
في المقطع السابق، قابل بولس الجماعة ببناء شيّده مرسَلو الانجيل. وهو يقول الآن في آ 16: "أنتم هيكل الله". هل هو يتكلّم دوماً عن الجماعة؟ وإن كان الجواب نَعَم، فلماذا تخلّى عن صورة البناء ليأخذ صورة "الهيكل"؟
حين أعلن بولس "أنتم هيكل الله"، وأعلن "روح الله يسكن فيكم"، فكّر في الأفراد الذين يؤلّفون هذه الجماعة. وهذا أمر سيقوله بصريح العبارة في 6: 19 في معرض الحديث عن احترام كل واحد لجسده: "جسدُكم هيكل الروح القدس الذي هو فيكم، وقد نلتموه من الله". ذاك هو تفسير نستطيع أن نعترض عليه، وقد توسّع فيه بولس مستعملاً الألفاظ عينها، منطلقين من تشبيهين ينطبقان على الجماعة كجماعة، لا على الأفراد (آ 9 : "أنتم حقلُ الله، بناء الله"). هذا من جهة. ومن جهة ثانية، لو أراد بولس أن يتكلّم عن الأفراد، لأوضح ذلك بغير شك. لكان قال مثلاً: "أنتم هياكل (في صيغة الجمع) الله". أو: "كل واحد منكم هيكل الله". لهذا، نظنّ أن بولس ما زال يفكّر في جماعة المسيحيّين.
والسؤال الآخر هو الأهم بالنسبة إلينا: لماذا تخلّى بولس عن صورة البناء، وأخذ صورة الهيكل؟ فالعمّال الرسوليّون يبنون الجماعة كأنها بناء، ولكنها ليست بناء عادياً، يشبه كلَّ بناء. ففكرُ بولس ينمو ويتقدّم: ماهى البناء الذي يُبنى الآن مع هيكل نهاية الأزمنة، مع مسكن الله، المسكن الاسكاتولوجيّ الذي نكتشف انتظارَه في الأدب الجلياني وفي كتابات قمران. هذا الهيكل الذي سيكون في نهاية الأزمنة المكانَ الكامل لحضور الله وسط أخصّائه، قد استشفّ بولسُ، منذ الآن، وجودَه الحالي: إنه الجماعة المسيحيّة. ما هي الأسباب التي جعلت مثل هذا التقارب اللاهوتيّ ممكناً؟ هناك أكثر من سبب، ونحن نكتفي بثلاثة: 
• فهم المؤمنون حالاً أن هيكل أورشليم لا يمكن أن يكون هيكلَ شعب الله الجديد. فالهيكل الحقيقيّ سيكون بعد الآن جسدَ المسيح القائم من الموت: فهو يؤدّي الآن في الكنيسة، الوظيفةَ التي أدّاها في الماضي الهيكلُ القديم. فيسوع الحاضر في جماعة المؤمنين، هو العلامة النهائيّة لحضور الله في العالم (مر 14: 58؛ يو 2: 19، 21؛ 2 كور 5: 1؛ عب 11: 1). هو عمانوئيل، إلهنا معنا والكنيسة أيضاً هي جسد المسيح. وحين دوّن بولس 1 كور، كان معتاداً على هذا التعليم (رج 1 كور 12). فاذا كان جسد المسيح القائم من الموت، بالنسبة إليه، الهيكل الجديد لشعب الله الجديد، فالانتقال يتمّ بشكل طبيعيّ من الكنيسة إلى الهيكل بواسطة عبارة «جسد المسيح» التي طُبّقت على الكنيسة. ونستطيع أن نُضيف: الكنيسة هي أيضاً أورشليم الجديدة (غل 4: 21 ي). وأورشليم هي الهيكل، والهيكل هو أورشليم.
• جاء يسوع يُقيم العهدَ الجديد. وهذا العهد يحتاج إلى هيكل. في العهد القديم، كان قدس الأقداس الجزء الأهمّ في الهيكل (ناووس في اليونانيّة). هذا الجزء مقدّس، لأنه يتضمّن شرعة العهد، لوحَي الوصايا المحفوظَين باعتناء في تابوت العهد. وفي نظر بولس، ما يحلّ محلّ لوحَي الشريعة، في العهد الجديد، هو الروح القدس. ونحن نرى في 2 كور 3: 3؛ 3: 6- 8، تعارضاً بين اللوحين والروح القدس. فان كان تابوت العهد، في التدبير الجديد، هو الروح القدس (إر 31: 33، أجعل شريعتي في عمق كيانهم)، فالمعبدُ سيكون المكان الذي يسكن فيه الروح، أي الكنيسة. فالجماعة الجديدة التي لأجلها حقّق الله، في يسوع المسيح، العهدَ الجديد، هي نفسها المعبد الجديد، والروح القدس هو شريعته.
• إن تطوّر الموضوع في العهد القديم نفسه، كان يهيّئ اللاهوت المسيحيّ حول الهيكل. ففي أيام المنفى، اختبر اليهود الذين ظلّوا أمناء للربّ، حضورَ الله من دون الهيكل. فالله حاضر في كل موضع يُعرف فيه ويُعبَد. وقد رأى حزقيال مجدَ الله يترك هيكل أورشليم (11: 1). وتأمّله على ضفّة نهر بابل (حز 1). لهذا، أفهمنا أش 66: 1- 2 أن هيكل أورشليم ليس الموضع الوحيد الذي فيه يُحسّ الربّ بأنه في داره: 
هذا ما يقول الربّ: 
السماء عرشي، والأرض موطئ قدميّ.
فأي بيت تبنونه لي؟
وفي أي موضع تكون راحتي؟
كل هذا صنعَتْه يدي،
وكلُّ هذا هو لي، يقول الربّ.
بعد هذا، لا ندهش إن كان الاسيانيون (أقاموا في مغاور قمران) الذين سمّوا نفوسهم "جماعة العهد الجديد" لم يعتبروا أنهم حُرموا من الله، مع أنهم طلّقوا الهيكل وشعائر عبادته. ورفضوا المشاركة في الحجّ، وعاشوا على هامش الجماعة اليهوديّة التي كان الهيكلُ رمزَها. جماعتهم كانت هيكلاً بالنسبة إليهم.
ثالثاً: حكم الله على منجّسي الهيكل
حين نتذكّر كثرة الفرائض القانونيّة والعباديّة التي بها أحاط اليهودُ قدسَ الأقداس، بحيث لا يتعدّى عليه أحد، نفهم بسهولة لماذا أكّد بولس قداسة الهيكل. فالجماعة المسيحيّة، شأنها شأن قدس الأقداس في هيكل أورشليم، هي حصراً مُلك الله. فالله فرزها، جعلها له وحده. من هذا القبيل، يندمج موضوعُ الهيكل مع موضوع شعب الله. ونستطيع أن نورد هنا جميع النصوص التي فيها يكلّم بولس المسيحيّين، فيدعوهم "القدّيسين" و "المختارين": تعود بنا هاتان اللفظتان إلى لاهوت اختيار شعب الله في العهد القديم. فالشعب الأول كان، بشكل مميّز، مُلك الله، والشعب الذي اقتناه الله. إذن،لسنا أولاً أمام قداسة خُلقيّة، أمام كمال في ملاحقة مثالٍ خلقيّ (هذه القداسة ستكون نتيجة الأولى)، بل أمام عمل فرزنا فيه الله، جعلنا له، واقتنانا. وإذا كانت الجماعةُ المسيحيّة مُلكاً خاصاً لله، فمن الطبيعيّ أن تحميها (على مثال الهيكل) فرائضُ الشريعة التي نجد عنها مثالاً في آ 17 التي دُوّنت في مناخ قانونيّ: "فمن هدم هيكل الله هدمه الله". هي شريعة المثل (سن بسنّ، وعين بعين) في نسخة مصحّحة.
إن فعل "هدم" المستعمل هنا، يعبّر في العهد القديم، عن فكرة إيصال البشر إلى العدم بعد أن يدينهم الله. هو يقابل "خلّص". وبما أن الله يقدر وحده أن يخلّص، فهو وحده قادر أن يدمِّر. والتدمير الذي يقوم به الله هنا، هو ردّ على تدمير قام به الانسان. بماذا فكّر بولس حين أشار إلى دمار الجماعة المسيحيّة؟ سبق له وتكلّم عن"بناء" هو عمل رسوليّ، عمله أولاً ثم عمل آخرين. ظنّ بعضهم أن الرسول يصيب، في هذا التهديد، هؤلاء العمّال أنفسهم، بقدر ما يزاحمونه في عمله. ولكن يبدو أن هذا التفسير ليس بصحيح! ففي مجمل 1 كور 1- 3، لا يهاجم بولس أولئك الذين واصلوا عمله في كورنتوس: فاكتفى بأن يلفت انتباهَهم حول نوعيّة مشاركتهم في العمل الواحد. ومقابل هذا، نراه يهاجم بقوّة، الكورنثيّين أنفسهم الذين كانت حكمتهم الكاذبة ينبوع انقسامات: إذن، إليهم يتوجّه هذا التهديد: فمن هدم هيكل الله هدمه الله. فمن توافق مع هذه التحزّبات في الجماعة، دمّرها، لأن هيكل الله في نهاية الأزمنة لا يمكن إلاّ أن يكون واحداً.
ب- الوحدة في المسيح (3: 18- 23)
جاءت آ 18- 23 كخاتمة لما في 1 كور 1- 3، فتألّفت من توصيتين سلبيّتين كبيرتين، من «مَنْعين» بُنيا بالطريقة عينها، وجاء الثاني كنتيجة المَنْع الأول.
"فلا يخدع أحد منكم نفسه" (آ 18). هي توصية غامضة بعض الشيء، وتجد تفسيرَها في ما يلي: إن ظنّ أحد بينكم أنه حكيم، فليصِرْ جاهلاً لكي يصبح حكيماً.
"وبالتالي، لا يفتخر أحد بالناس" (آ 21).
ويلي كلاً من هذين التحذيرين السبب.
"فحكمةُ هذا العالم حماقةٌ في نظر الله" (آ 19): يستند هذا القول إلى نصّين من الكتب المقدسة. في آ 19 ب (يمسك الله الحكماء بدهائهم)، وفي آ 20 (يعرف الربّ أفكار الحكماء).
"فكل شيء لكم" (آ 21 ب): قول تلعبُ فيه المفارقةُ. تستعيده آ 22، وتتوسّع فيه، ثم تصحّحه آ 23 بعبارة "ولكن أنتم للمسيح". وهكذا يكون لنا، في آ 23، خاتمة بولسيّة مميّزة: جُعل كلُّ الكلام السابق في الضوء الوحيد الذي يقدر أن ينير وجدان الكورنثيّين: "أنتم للمسيح، والمسيح لله".
أولاً: لا تحسبوا نفوسكم حكماء
فإن فعلتم، خدعتم أنفسكم! إن فعل "خدع" يحمل ماضياً معروفاً: استعملته حواء في تك 3: 13 لكي تبرّر عملها وتَنفي عن نفسها كلَّ مسؤوليّة: "الحيّة خدعتني". ويعود الفعل في المعنى نفسه في 2 كور 11: 3 (مثل حواء التي خدعتها الحيّة بحيلتها)؛ روم 7: 1 (الخطيئة خدعتني وقتلتني)؛ 1 تم 2: 14 (خدع الشرير حواء، لا آدم): ففي موضوع الخطيئة، خُدع الانسان. ظنّ أنه يربح شيئاً، فاذا هو يخسر كلَّ شيء. وهكذا يكون استعمال هذا الفعل (خدع) حاملَ وحيٍ قديم: فمن ظنّ أنه حكيمٌ، لعب على نفسه الدورَ الذي لعبه إبليس. وفي النهاية لعب وخسر.
فـ "الحكمة" في هذا العالم، هي واجهة تُخفي حماقة عميقة. تُخفي عجزاً تاماً عن فهم مخطّط الله الخلاصيّ بالنسبة إلى البشريّة، وهو مخطّط تجلّى في التعليم عن الصليب.
يستند هذا الاعتبارُ إلى نصّين من الكتاب المقدّس. يرد الأول في أي 5: 13: "الله يأخذ الحكماء في حبائل دهائهم". ترك بولس لفظ "دهاء" بما فيه من احتقار، وأحلّ محلّه "فكر". غير أنه ترك فعل "أمسك" كما ورد في الأصل العبريّ، وأحلّ محلّه: أُخذ في فخِّ، في حبال. والإيراد الثاني يعود إلى مز 94: 11. وهنا أيضاً كيّف بولس النصّ بحسب سياقه هو: إن عبارة "أفكار البشر"، صارت في 1 كور: "أفكار الحكماء".
بهذين الايرادين، وبالطريقة التي تعامل معهما، استعاد بولس ما قاله من قبل، على ضوء العهد القديم، حول فشل الحكمة البشريّة التي تُركت وامكانيّاتها الخاصة. وهذا ما يعود بنا إلى الموضوع الرئيسيّ: فبين أسباب الانقسامات في قلب الجماعة، اكتشف بولسُ أوّل ما اكتشف، نظرةً خاطئة إلى "الحكمة" (1: 18- 3: 4): فلا أصل الكورنثيين (لم يكونوا من ذوي النسب والحسب) ولا ثقافتهم، ولا تعليم بولس (وما فيه من تركيز على حكمة الصليب)، كلُّ هذا لا يتيحُ لهم أن يحسبوا نفوسهم "حكماء". فالنتيجة هنا، وهي ليست مشرِّفة! إذن، لم يبقَ لهم سوى إمكانيّة واحدة: العودة إلى الحكمة الحقة. أي التعلّق بحماقة (جهالة، جنون) تعليم الصليب، ولو حسبَنا الناسُ "حمقى"، ولو حسَبونا غير عارفين شيئاً من الفلسفة. وفي أي حال، فمثلَ هؤلاء الحمقى يختار الله (1: 27). وبـ «حماقتهم» فقط يقدرون أن يفهموا مخطّط الله بحكمته التي خلّصت العالم بيسوع المسيح، الذي هو تجسيدٌ لهذه الحكمة. وهذه "الحكمة" هي، في روح الانسان، الروح القدس الذي يعرّفنا بغنى حبّ الله المخلّص (2: 10- 16). والأمانة للروح هي التي تنتزع من القلوب روحَ التجزّب: "ألا تكونون جسديّين" (من لحم ودم، مع ما في هذا من ضعف وميل إلى الخطيئة)؟ ألا تفكّرون تفكيراً بشرياً؟ ألا تسلكون سلوكاً بشرياً؟ وذاك يكون وضعكم حين يقول الواحد: "أنا مع بولس". والآخر: "أنا مع أبلوس" (3: 4). أو: أنا لبولس، أنا لأبلوس، وكأني لم أعُد للمسيح.
ثانياً : لا تجعلوا افتخاركم بالناس
ذاك كان السبب الثاني للانقسامات بين الكورنثيين: جعلوا من الرسل معلّمي فلسفة، واعتبروا أن شهرة هؤلاء المعلّمين تعود بالخبر على تلاميذهم. اعتبر بولسُ مثلَ هذه الطريقة التي نستعملها لكي نتحرّر من مركّب الضعف، باطلة إن هي استندت إلى الانسان، لا إلى الله. ثم إن هذا لا يتوافق مع نظرة بولس إلى المهمّة الرسوليّة (3: 5- 17): فالمرسلون هم خدّام الله وحسب. وعملُهم هو عملُ الله ذاته. لهذا، لا يستطيع الكورنثيّون أن يكونوا خاصّةَ المرسلين، وأن يسلّموا نفوسهم إليهم كأنهم معلّمون مفكّرون، وهذا على حساب وحدة الجماعة. بل العكسُ هو الصحيح: بما أن الرسل (بولس، أبلوس، كيفا أو بطرس) هم خدّام، فهم للجماعة. إنهم يخصُّون الجماعة، ويقفون على خدمتها.
"كل شيء لكم". هذا ما قاله بولس، فترك العنان لهذا الالهام الذي فجّر من قلمه عبارات كثيفة تظهر فيها المفارقةُ بكل قوّتها. رأى الوضعَ المسيحيّ على أنه وضع الحريّة الكاملة، والسيادة التامّة على كل ما يمكن أن يغرِّبنا عن نفوسنا ويقسّمنا: العالم، الحياة، الموت، الحاضر، المستقبل. فالانسان هو منذ الآن في عالم الآخرة، وقد تحرّر من حدود وضعه البشريّ (من لحم ودم). وهكذا التقى بولس بتطلّعات عميقة أظهرها الكورنثيون بطريقة غير لبقة في الأحداث التي أشرنا إليها.
إن قول الرسول هذا لا يبدو أصيلاً، بل يدلّ على فهم وذكاء في التعامل مع المواضيع اليونانيّة: استعمل هنا قولاً فلسفياً مأثوراً، استعاده الرواقيّون: "كل شيء هو للفيلسوف". الفيلسوفُ يمتلك كلّ شيء. وقد ردّد بولس هذا الكلام أكثر من مرّة. رج 4: 8؛ 6: 12؛ 10: 23. إذا كان المسيحيّون صاروا حقاً حكماء في نظر الله، حين تعلّقوا بالتعليم الانجيليّ، فقد اقتنوا في الوقت عينه حريّة اعتبرها الفلاسفةُ ميزةً من ميزاتهم: كل شيء هو للحكيم. وكما كان الحكماء اليونان يؤسّسون سلطانهم في الكون، على صداقتهم مع الآلهة الذين لهم كل شيء، أسّس بولسُ سلطانَ المسيحيّين في الكون، على خضوعهم للمسيح الذي خضع هو بدوره لله. نحن منذ الآن أمام رسمة للتعليم حول الحريّة المسيحيّة: خضوعٌ شخصيّ نتقبّله ونرضى به، وسيجد تعبيره النهائي في روم. وهكذا يعود بولس إلى ينبوع كل وحدة وكل حكمة وكل روحانيّة: "أنتم للمسيح، والمسيح لله".

خاتمة
بدأ بولس كلامَه عن الكنيسة على أنها بناء الله. ثم هي هيكل الله. مفهوم الكنيسة يعلِّمُنا أننا في "ورشة" يدبّ النشاط فيها. وصورةُ الهيكل تشدّد على أن العمل انتهى، كما تدلّ على الطابع النهائيّ لجماعةٍ يقيم الله فيها. لا بشكل سحاب من المجد يرمز إلى حضوره، بل بروحه القدوس. هكذا تتمّ مواعيدُ العهد الجديد. يبقى علينا نحن العاملين أن نعرف أن المواد التي نضعها تمرّ في النار. إذن، ينبغي أن لا تكون من الخشب والقش والتبن، بل من الذهب والفضة والحجارة الكريمة.
الرسول خادم ووكيل 
4: 1- 5 

أسّس بولسُ جماعة كورنتوس خلال رحلته الرسوليّة الثانية، سنة 50- 52. وقدّم لنا أع 18: 1- 18 نبذة قصيرة عن هذا التأسيس. وبما أن كورنتوس وقعت على ملتقى طرق البحر المتوسّط، نمت الجماعةُ نمواً سريعاً. فافتخر بها الرسول وبحقّ. ولكن لا لوحةَ بدون ظلال. فقد ظهر في هذه المسيحيّة الفتيّة بذارُ القلاقل، وعددٌ من الانقسامات، بسبب تنوّع العناصر التي أقامت في هذه المدينة الواسعة حيث تجاورَ العمّالُ وأصحابُ الصناعات الوضيعة والعبيد، مع بعض الأغنياء والوجهاء. فكيف يستطيع الرسول أن يكلّمهم فينقلهم من ماضٍ منحطٍ على المستوى الخلقيّ والاصناميّ، دون أن يُثير رفضَهم؟ وفي أي حال، ما هو إلاّ رسول المسيح ووكيل أسرار الله، وهو بهذه الصفة يعمل في كنيسة كورنتوس. وقبل أن ندخل في إطار الرسالة، نقرأ النصّ: 
(1) فليعتبرنا الناس خدّاماً للمسيح ووكلاء أسرار الله. وكلّ ما يُطلب من الوكلاء أن يكون كلُّ واحد منهم أميناً. (3) وأنا لا يهمّني كثيراً أن تدينوني أنتم أو أي محكمة بشريّة، بل لا أدين نفسي، (4) فضميري لا يؤنّبني بشيء، إلاّ أن هذا لا يبرّرني، وإنّما ديّاني الربّ. فلا تحكموا على أحد قبل الأوان، حتّى يجيء الربّ الذي يُنير ما خفيَ في الظلام ويكشف نيّات القلوب، فينال كلُّ واحد من الله ما يستحقّه من المديح.

1- سياق النصّ
نبدأ فنتحدّث عن الانقسامات في كورنتوس، ثم نعود إلى تحذير الجماعة من خطر هذه الانقسامات على الرسالة وعلى الشهادة التي يجب على الكنيسة أن تؤدّيها. 
أ- الانقسامات في كورنتوس
هذه المسألة الشائكة هي في أساس الرسالة الأولى إلى كورنتوس، وقد احتلّت ربع الرسالة. لقد دخل الخلافُ إلى الجماعة يوم دخل إليها مسيحيّون ووعّاظ جاءوا من أماكن أخرى (1: 11- 12). حين تكوّنت "أحزابٌ" ستكون بدايةَ أزمة بين الرسول والكنيسة التي أسّسها بحيث يقول لهم يوماً: "فلو كان لكم في المسيح عشرة آلاف مرشد، فما لكم آباء كثيرون، لأني أنا الذي ولدكم في المسيح يسوع بالبشارة التي حملتُها إليكم" (آ15).
وصل أولاً إلى كورنتوس، أبلوس ذاك المدافع عن الإيمان، الذي أثّر في الجماعة تأثيراً عميقاً. عرف الكتبَ المقدّسة وفسّرها عن طريق الاستعارة. وتميّز بالفصاحة، فتعلّق به الناس. أما هو فرفضَ أن يجاريهم في "تحزّبهم". ولما طلب منه بولس أن يمضي إلى كورنتوس في غيابه، "رفض بإصرار أن يجيئكم في الوقت الحاضر" (16: 12).
وتكوّن حزب آخر حول كيفا (بطرس). شدّد على أولويّة بطرس، رئيس الاثني عشر، وحطّ من قدر سلطة بولس الرسوليّة. كما اهتمّوا بالممارسات اليهوديّة، دون أن يشدّدوا عليها على مثال تبّاع يعقوب، أخي الربّ. لا يُذكر هذا الحزب سوى في 1: 12 و3: 22. هذا يعني أنه لم يكن مهماً، ولم يشكّل خطراً على الجماعة.
والحزب الثالث "تحلّق" حول بولس، الذي شدّد على حريّة المؤمن في المسيح. ولكن بولس سوف يُبعدهم عنه. إن كان العماد هو ما يربط المؤمن برسول من الرسل، فبولس لم يعمّد الكثيرين في كنيسة كورنتوس. وسوف يوجّههم إلى المسيح الذي صُلب لأجلهم، والذي باسمه تعمّدوا. قال لهم: "هل المسيح انقسم؟ هل بولس هو الذي صُلب لأجلكم؟ أو باسم بولس تعمّدتم" (1: 13)؟
وتبقى الفئة المرتبطة بالمسيح. هل اعتبرت نفسها في علاقة حميمة معه، فما عادت بحاجة إلى التقليد الرسوليّ ومؤسَّسة الكنيسة. رأوا أنهم لا يحتاجون إلى "معلّم" من عند البشر، فاستسلموا لايحاءات جاءتهم وحدهم دون غيرهم. لهذا كتب بولس في 2 كور 10: 7: "من اعتقد أنه للمسيح، فليتذكّر أنه بمقدار ما هو للمسيح، كذلك نحن أيضاً للمسيح". بل سيصفهم الرسول بأنهم يبحثون عن مسيح آخر (2 كور 11: 14).
ب- تحذير بولس
بعد أن أورد بولس هذه الانقسامات، ندَّد بروح التشيّع داخل هذه الجماعة التي تشكّل أقليّة في مدينة تعدّ نصف مليون نسمة على الأقلّ. وبدأ بالحزب الذي ينتمي إليه: هم لا يرتبطون بانسان من الناس مهما علا مقامُه. وما نالوا الخلاصَ بفضل رسول من الرسل. وإذ هم يفعلون ما يفعلون، يقسمون المسيح ويمزّقون جسم الكنيسة. 
تعلّقوا تعلّقاً مغرَضاً أو أعمى ببعض الوعّاظ، فضاعت المحبّةُ، وتبلبل النظامُ في الاجتماعات الأسبوعيّة. فإن تجمّع المؤمنون حول "رسولهم" المفضّل، وتوقّفوا عند صفاته البشريّة، فالتعليم الانجيلي يتحوّل إلى جدالات بشريّة، ولا يمكن في حال من الأحوال أن يحمل شهادة للمسيح. 
فالمسيحيّة ليست فلسفة، بل ديانة. هي جماعة إيمان وحياة تربط المسيحيّين بالله. لهذا، نحن لا نقدر أن نختار شيئاً ونترك أشياء أخرى فنلفّق ديانةً على قياسنا. فالله كلّمنا بابنه، وجاء كلامُه عبر حماقة الصليب. لهذا، على الوعّاظ أن لا يكونوا ببلاغتهم ودهائهم وشخصهم، حاجزاً يحجب عن الناس شخصَ المصلوب. إنهم المنادون بهذا المصلوب، لا بنفوسهم. هم سفراء يمثّلون هذا المصلوب، لا أفكارهم الخاصّة ونظرّياتهم. هذا ما يشرحه بولس مطوّلاً للكورنثيين (1: 18- 3: 4) عائداً إلى إر 9: 23: "من أراد أن يفتخر، فليفتخر بالربّ".

2- الرسل خدّام وضعاء
في 3: 5- 4: 13، أبرز بولسُ بشكل خاص دورَ الخدمة الذي يقوم به الرسل. فعاد إلى استعارة العمل في الحقل ومشاريع البناء. هناك من يغرس وهناك من يسقي. هناك من يضع الأساس وهناك من يبني. وهكذا لا يتميّز رسولٌ عن رسول إلاّ بالموهبة التي نالها. ولكن الجميع يعملون في بناء الكنيسة. فليس للعامل أن يفتخر وكأن العملَ عمله. إن كان بولس غرس فما هو الذي أنمى الزرع. وإن كان أبلوس سقى، فالله "هو الذي كان يُنمي" (3: 7). أما البناء فلا يمكن إلاّ أن يكون على الأساس الذي وضعه الله. فالجميع يعملون في حقل الربّ وفي "ورشته" كعمّال وضعاء. فالروح الذي يُلهمهم واحد، والإيمان الذي ينادون به هو واحد. والمعموديّة واحدة سواء منحها بولس أو بطرس أو أبلوس.
فعلى الكورنثيين أن يعتبروا الأصل الالهيّ لهذه النِعَم التي نالها الرسل، ولا يتوقّفوا عند الشخص الذي ينقل البشارة. وعلى الوعّاظ أن يعملوا معاً في خدمة المسيح، من أجل انتشار البشارة. فهم لا يطلبون مصلحتَهم، بل يعملون من أجل يسوع المسيح (فل 2: 21). وفي أي حال، فالمواهب التي تميّزهم عن غيرهم، قد نالوها بنعمة مجانيّة (4: 7)، فلا يبقى لهم سوى ضعفهم (4: 10).

3- الرسل خدّام المصلوب
اختتم بولس ف 3 بكلام يُفهِم المسيحيّين أنهم في النهاية للمسيح، والمسيح لله. إذن، ليسوا لأيِّ انسان من البشر. وإن هم اقتدوا بهذا الرسول أو ذاك، فبقدر ما هو يقتدي بالمسيح (11: 1). فجاء ف 4 يوضح موقع الرسول بالنسبة إلى الجماعة، ويشدّد على شخص الرسول والمهمّة التي يقوم بها. هو لا يخدم البشر فيحاول إرضاءهم (غل 1: 10)، بل صليب المسيح. وإن أراد المؤمنون أن يحكموا على رسولهم، فلينطلقوا من الصليب.
أ- الأمانة قبل كل شيء (4: 1- 2)
أعطى بولس هنا تحديداً عن المهمّة الرسوليّة وخدمة الكلمة، وذلك في خطّ الانجيل (مت 20: 26- 28). الرسل هم خدّام المسيح ووكلاء أسراره الالهيّة. فدورهم يرتبط بدور المسيح. هم مدبّرون، موجِّهون، وكلاء. هم مسؤولون عن وكالتهم (لو 16: 2). والربّ سيدينهم بالنسبة إلى أمانتهم لجوهر الانجيل، لوديعة الإيمان، للمحافظة على الوحدة في الجماعة. هنا نتذكّر الأمثال الانجيليّة: رجل سافر وترك بيته وسلّمه إلى خدمه، كلُّ واحدٍ وعمله (مر 13: 34). كونوا على استعداد، أوساطكم مشدودة ومصابيحكم موقدة (لو 12: 35). رجل أراد السفر، فدعا خدَمه وسلّم إليهم أمواله (مت 25: 14).
فهل فهم الكورنثّيون وظيفة الرسل؟ هم خدّام. لا خدّام البشر، بل خدّام المسيح. هذا يعني أنهم لا يخضعون لحكم البشر وآرائهم. هم لا يؤدّون حساباً إلاّ للمسيح: هل أعطوا الكنيسة ما وجب عليهم أن يعطوها؟ هل أطاعوا المسيح وحده؟ أمّا "أسرار الله" التي أوكلوا بها، فهي قصده كما تجلّى في عمل المسيح ومن خلال الكرازة. وطبيعةُ العمل الذي يقوم به الرسول يمنع أحداً من الناس أن يتطاول عليه. من سلّمنا المهمّة؟ الربّ يسوع. فهو وحده يطلب. ووحده يحكم على العمل الذي قُمنا به.
أما الأمانةُ التي يطلبها يسوع من خدّامه، فهي أمانة منفتحة على متطلّبات الله، لا منغلقة على ذاتها. أمانة حيّة، لا أمانة ميتة تتعلّق بحرف الشريعة وبماديّة الطلب، وتنسى الروحَ الذي يُحيي ويعلّم الرسول أن يتجدّد يوماً بعد يوم.
ب- الربّ هو الديّان (4: 3- 5)
ولكن لا بدّ للرسول أن يُدان. فتعليمُه ودورُه في العالم، يعرّضانه لأقوال البشر فيوافقون أو يرفضون. فالعدالة اليهوديّة حكمت على بولس، وكذلك العدالة الرومانيّة. ولكنه لم يهتمّ لهذه ولا لتلك اللتين تبدوان شكلاً من أشكال المواجهة بين الانجيل والعالم. ودِين بولس أيضاً داخل الجماعة المسيحيّة، فأجبِر على الدفاع عن نفسه أكثر من مرّة، لا من أجل منفعته الخاصة، بل من أجل البشارة. ولكن كيف يتجرّأ المؤمنون ويحكمون على رسولهم، لا سيّما وأن حكمَهم يستند إلى معطيات بشريّة؟
مع آ 3، ننتقل من القاعدة العامة إلى التطبيق الشخصيّ. "أما أنا". قلقَ الرسولُ على الانجيل، من خلال الهجوم على شخصه، فجاء جوابُه قاسياً على من يريد أن يدينه. لا يقبل أن يقيّم أحدٌ رسالته، ولا يرضى لأحد أن ينتقد عملَه. فإن تراجع أمام متطلّبات الجماعة في ما يخصّ الخطابات أو النظريات الفلسفيّة، وإن ترك الانتقادات تؤثّر فيه، لا يعود أميناً للمسيح. بما أنه تسلّم مهمّته من المسيح، فلا تزعزعه الانتقادات، ولا يرضيه رضى الجماعة أو الناس. فقد أعلن في الرسالة إلى غلاطية: "أنا لا أستعطف الناس".
وما اكتفى بأن يرفض حكمَ الناس، بل رفض أيضاً حكمَ ضميره. فضميرُه هو أيضاً محكمة بشريّة بإمكانيّاتها المحدودة. فقد امتنع هو عن تقييم عمله. فالله وحده يقيّم عمل رسوله.
فلم يبقَ من ديّان للرسول سوى الله الذي يُمسك وحده بجميع العناصر، ويعلم خفايا الضمير، فيقدر أن يحكم الحكمَ العادل. يقول فيه المزمور: "أنت تمتحن الكلى والقلوب، أيها الاله العادل" (7: 10). ويدعوه مز 26: 2 ذاك الذي يختبر أعماق قلب الانسان. وتقول الرسالة إلى العبرانيين عن كلمة الله: "تنفذُ في الأعماق إلى ما بين النفس والروح والمفاصل ومخاخ العظام وتحكم على خواطر القلب وأفكاره" (4: 12).
لهذا، فالديّان الوحيد الذي يستعدّ الرسول للوقوف أمامه، هو الربّ. غير أن الربّ ينتظر، فيقبل أن يكون الزؤان والقمح معاً في حقله حتّى وقت الحصاد (مت 13: 30). فالربّ يلفظ الحكم النهائيّ في مجيئه، ويعيد النظر في ما حكم به البشر على إخوتهم. لهذا، حين يحكم الكورنثيون على بولس، فهم يستبقون دينونة الله الذي يمنعنا أن ندين أحداً (مت 7: 1). والله لا يدين الخارج فقط. بل تصل دينونته إلى نيّات القلوب. وهو يعرف كيف يوبّخ وكيف يمتدح، بحيث يحاسب كلَّ واحد بحسب أعماله.

خاتمة
انطلق بولس من انقسامات، داخل الكنيسة، مبنيّة على اعتبارات بشريّة، فوصل بنا إلى حقيقتين أساسيّتين. الأولى، الرسول هو وكيل الله. إذن يتكلّم باسم الله. وهو لا يُدان إلاّ بالنظر إلى أمانته لمرسله. الرسول هو خادم المسيح. ووحده الذي يخدمه يحقّ له أن يحاسبه على خدمته. فكيف نتجاسر بعد ذلك أن ندين الآخرين ونحن لا نعرف خفايا قلبهم؟ ثم إن الله لا يدين الآن، بل ينتظر يومَ مجيء الرب؟ فلماذا نعجّل نحن وندين قبل الوقت؟ أما نخاف من دينونة الله التي "لا ترحم من لا يرحم" (يع 2: 13)؟
الفصح والحياة الجديدة
5: 6- 8

الفصحُ قريبٌ. من أجل هذا انطلق بولس من عادة إزالة كلِّ خمير من البيوت، لئلاّ يبقى إلاّ الفطير. كما انطلق من الكلام عن حمل الفصح ليصل إلى من هو حملنا، يسوع المسيح. تماهى المؤمنون مع المسيح، حين ماتوا وقاموا معه. فماذا ينتظرون لكي يجعلوا حياتهم في خطّ حياته، فيُزيلوا الخميرَ العتيق الذي يحمل معه الفساد لكي تتّسم حياتُهم بالنقاوة والقداسة؟ ونقرأ النصّ: 
(6) لا يحسن بكم أن تفتخروا! أما تعرفون أن قليلاً من الخمير يخمّر العجين كله؟ (7) فتطهّروا من الخميرة القديمة لتصيروا عجيناً جديداً لأنكم فطير لا خمير فيه. فحملُ فصحنا ذُبح، وهو المسيح. (8) فلنعيّد إذاً، لا بالخميرة القديمة ولا بخميرة الشرّ والفساد، بل بفطير النقاوة والحقّ.
في هذه الآيات القليلة (آ 6 -8 ) التي تشكّل معترضاً في هذه الرسالة الكبيرة، يقدّم الرسول شميلةً عن المعطيات الجوهريّة في السرّ المسيحيّ، وعن المتطلّبات التي تُفرَض على حياة المعمّدين.

1- سياق النصّ 
بعد أن تحدّث بولس عن الانقسامات في كورنتوس (1: 10- 14: 21)، عاد إلى بعض الشكوك قبل أن يجيب على أسئلة تتعلّق بالحياة الخلقيّة أو الليتورجيّة (ف 7- 15). أما في ف 5، فينتقل إلى وضع خطير (5: 1): زنى لا مثيل له حتّى عند الوثنيّين. الكل يتكلّمون عنه، ولا يجرؤ أحد في الجماعة أن يتّخذ الموقف الواجب اتّخاذه، وهو طرْدُ المذنب من الجماعة (آ 2). بما أنهم لم يفعلوا، فبولس سيُصدر الحكم ويبرّر حكمَه بقول استعمله أيضاً في الرسالة إلى غلاطية (5: 9) من أجل تحذير مماثل: "تعرفون أن قليلاً من الخمير يخمّر العجين كله". وإذ ذكر في 1 كور الخميرَ في إطار فصحيّ (16: 8: سأبقى إلى عيد الخمسين أو العنصرة)، توسّع في تفسير استعاري لطقوس الفصح اليهوديّ، ونقلها إلى مستوى خلقيّ لكي يُسند توبيخَه للمؤمنين: كيف تسمحون بأن يفسدكم مثلُ هذا "الخمير"؟
أ- الخلفيّة اليهوديّة
الفصح اليهوديّ هو نتيجة الدمج بين احتفالين: طقسُ ذَبْح الحمل الذي يعود إلى عالم البدو، واستعمال الخبز الفطير (الذي لا خمير فيه) في بداية حصاد الشعير، الذي هو الحصاد الأول في الربيع. وارتبط الطقسان باكراً بحدث واحد من أحداث تاريخ الخلاص، هو الخروج من مصر (خر 12: 1- 28؛ 23: 15؛ تث 16: 1- 7). ولكن احتفظ كلُّ طقس بخاصيّته رغم العلاقات الوثيقة بينهما (رج لو 22: 7). فالخبز الفطير كان يذكِّر العبرانيين بالانطلاق على عجل لأنهم لم يستطيعوا أن يأخذوا معهم سوى عجين فطير (تث 16: 3). وها نحن نعود إلى المشناة (مجموعة التقاليد. دُوّنت في القرن الثاني بعد المسيح)، حول الفصح، لنفهم كيف كانوا يحتفلون بالأيام الفصحيّة في زمن العهد الجديد.
أولاً: البحث عن الخمير وذبح الحملان
تفرض التوراة أن يُستبعد من البيوت كلُّ أثر للخمير (خر 12: 15؛ 13: 7). فاستبعد المعلّمون في ما بعد كل ما فيه خمير، وحدّدوا كيف يفعلون. منذ مساء 13 نيزان (= أذار- نيسان، كانوا يحتفلون بالعيد ليل 14- 15 نيزان)، يجب على ربّ البيت أن يبحث، على ضوء السراج (صف 1: 12) في كل زوايا البيت. وأن لم يُتِح له الوقتُ، يقدر أن يفعل حتى الساعة السادسة (أي الظهر) من 14 نيزان، وهي الساعة الأخيرة لحرق بقايا الخبز الخمير، حتى لو كان ذلك اليوم سبتاً، كما قال بعض المعلّمين. ويبدأ طقس الفصح اليهوديّ "بالمباركات" التي تُقال قبل البحث وبعده، فتعلن المباركةُ الأخيرة أن كل فتات مخمَّر لم يقع تحت نظرنا.
في عشيّة 14 نيزان (خر 12: 6؛ لا 23: 5) يذبحون، في الهيكل، الحملان المعدّة للعشاء الفصحيّ، الذي يؤكل بعد غروب الشمس. حسب المشناة، يبدأ ذبح الحملان في الساعة الثامنة (الثانية بعد الظهر)، ولا يُسمح ذبحُها قبل الظهر. وهذا الذبح يدلّ على بداية عيد الفطير. ويجب، مهماكلّف الأمر، أن لا تلمس ذبيحةُ الفصح الخبزَ الخمير. أما العبارة المستعملة فهي «ذبح الفصح» (خر 12: 21؛ تث 16: 2، 5، 6)، كما استعملها بولس هنا.
ثانياً: عيد الفطير
خلال أسبوع كامل (15- 21 نيزان) لا يأكلون سوى الخبز الفطير الذي يحتلّ مكانة كبيرة في العشاء الفصحيّ بسبب التفسير (كانت هناك فقاهة) الذي يُعطى عنه (خر 13: 3- 12). ويتطلّب صنعُ هذا الخبز عنايةً خاصة لكي نتجنّب امكانيّة وجود كل خمير. والامتناع عن الخبز الخمير بمناسبة العيد الذي يبدأ السنة الجديدة (خر 12: 2)، يرمز إلى الرغبة في التخلّي عن كل عنصرٍ نجس قد يُفسد السنة الآتية. لا يؤخذ شيء من السنة السابقة. ووجهةُ التجديد هذا، الخاصة بعيد الربيع، كانت معروفة في زمن يسوع، حيث رأى فيلون الاسكندراني في الفطير "رمز حياة نقيّة".
مهما يكن من أصل الخبز الفطير، فالأقدمون الذين استعملوا عجيناً عتيقاً، «ليطلع» العجين الجديد، اعتبروا أن الخمير محتقر. شابهوا بين مسيرة التخمير ومسيرة التعفّن، فاعتبروا الخمير نجساً وفاسداً. عرفت الأناجيل هذا التفسير للخمير كقوّة فساد خفيّة (مر 8: 15؛ مت 16: 12؛ لو 12: 1)، فحاول عدد من الشرّاح أن يجعلوا تنبيهات يسوع في إطار فصحيّ، ولا نجد سوى مرة واحدة في الأناجيل، حديثاً عن دور الخمير الجيّد وعمله السريّ والسريع في مثَل عن ملكوت السماوات (مت 13: 33).
استعمل المعلّمون صورةَ الخمير ليدلّوا على ميول القلب الشرّيرة، ولا سيّما تلك التي تمنعنا من أن نُتمّ إرادةَ الله. وهناك أقوال تُشبِّه عودةَ المهتدي الجديد إلى الوثنيّة "بعودة إلى الخمير". أما المهتدون الجدد فيُدعون "فطيراً". في سياق التحرير من مصر، مثّل الخميرُ نجاسات الأصنام (يش 24: 14؛ حز 20: 8؛ 23: 8) وكلَّ الرذائل التي اقتلع الربّ شعبَه منها.
ب- السياق المباشر
فكّر بولس في تأثير الخمير الذي لا يُقاوَم حين ذكر أن قليلاً من الخمير يكفي لكي يخمّر العجين كله. هو ما أراد أن يقول إن خطيئة الزاني أمر بسيط. بل قدّم برهاناً مع "بالأحرى"، فبيّن أن الجماعة كلها مهدّدة بالفساد، واغتاظ من رخاوة ردّة الفعل عندها. فكلّ كنيسة حيّة، وكل جسم معافى، يجب عليه أن يردّ على الشرّ الذي يظهر فيه ويوقف العدوى. تجاوزت نظرةُ الرسول وضعَ خاطئ (لا يسمّيه) وخطيئةٍ محدّدة، ليصل إلى الجماعة كلها. أما موقع إرشاده ففي إطار أوسع من تعليمه عن الجسد السريّ (12: 4- 30). لم نعد فقط أمام عمل تنظيميّ في إطار جماعة من الجماعات، بل أمام الكنيسة في كلّ العصور.
فهل يستطيع مسيحيّو كورنتوس، ومدينتُهم اشتهرت بمجونها، أن يقولوا إنهم أمام حالة منعزلة في كنيستهم، حالة لا تشكّك أحداً ؟ لقد نسوا التأثّر الذي يُحدثه الفسادُ مهما كان قليلاً. هم لم يوافقوا على الخطيئة التي اقتُرفت، ولكنهم رووا الخبر الذي اعتبروه غيرَ مهمّ، وما رأوا أنه يهدّد قداسة الجماعة وقوّة الشهادة فيها من أجل نشر الانجيل، أنه يهدّد وجودها. فالذنب الذي لا ينال عقابَه، يخسر الكثير من فظاعته، والحسّ الأدبيّ يضعف، والحدود الواضحة بين الخير والشرّ تُمّحى في ضباب من المساومة والمداهنة تهدّد الضعفاء بالسقوط. لا نستطيع أن نكون في الوقت عينه للمسيح ولبليعال (2 كور 6: 15). هذه الحالة العكرة تهيّئ الطريق للكارثة والانهيار. لقد عرف بولس الاطارَ الخلقيّ الذي يعيش فيه المسيحيون (روم 1: 18 ي). فوجب عليهم أن لا يساوموا ويكشفوا القناع عن كل شرّ يهدّد الصحّة الروحيّة في الجماعة. فكلُّ فرد هو خليّة في الجسم، ويمكن أن يبدأ الهريان منه (عب 12: 15). كل عضو يُلزم الجسدَ كله، بأعماله، سواء كانت شراً أو خيراً، لأن للفساد عدواه. إذن، دعا بولس الكورنثيّين إلى ردّة فعل جذريّة، يفرضها عليهم وضعُهم كمسيحيّين. أما إرشاده فيتوسّع في المراحل الثلاث من الاحتفال بالفصح اليهوديّ.

2- الخمير في العجين
أ- الخميرة القديمة
"تطهّروا من الخميرة القديمة...". إن اقترابَ عيد الفصح والاشارة إلى الخمير (آ 6 ب)، جعلا الرسول يتوسّع، بشكل متوازٍ، في مختلف عناصر الطقس اليهوديّ، ووضْعِ الجماعة في كورنتوس، فما اكتفى بالقول: "إنزعوا الخمير"، بل أضاف "القديم" كما كان يفعل اليهود. وإذ فعل، فكر بالزاني الذي يجب أن يُستبعَد (5: 2، 13) لأن مَثلَه يمكن أن يجلب آخرين فيعودوا إلى حياتهم الوثنيّة السابقة. غير أن هذه "الخميرة العتيقة" ترمز إلى كل خطيئة، إلى كل فساد خلقيّ، إلى كل ما يمكن أن يتجمَّع من عادات وثنيّة عند الأفراد وفي الكنيسة. هذا ما رآه الذهبيّ الفم: توافقت الجماعة مع الخاطئ (رج روم 1: 32)، فما تدخّلت، بل أغلقت عينيها ورفضت أن تعمل بعد أن تخدّر قلبُها الذي لم يُعطَ بعدُ كلُّه للمسيح (3: 3: أنتم جسديون). هذا الموقف المتساهل يكشف وجود خمير خطِر يدعوهم بولس لكي يتطهّروا منه: يجب أن لا يكون هناك نجسٌ يمكن أن "يخمّر" الجماعة التي يجب أن تبقى عجيناً لا فساد فيه.
إن المقابلة بين "القديم" و "الجديد" التي نجدها للمرّة الأولى عند القديس بولس، تجعلنا نتذكَّر موضوعاً بولسياً هاماً: الانسان الجديد (أف 4: 24). الخليقة الجديدة (2 كور 5: 17). فالخمير القديم هو الانسان القديم مع رذائله وفساده (روم 6: 6؛ أف 4: 22؛ كو 3: 9) قبل أن يجعل منه العمادُ عجيناً جديداً، انساناً جديداً "خُلق حسب الله في البرّ وقداسة الحقّ" (أف 4: 24؛ رج كو 3: 10). انساناً يقدر أن يخدم الله "في جديد الروح لا في عتيق الحرف" (روم 7: 6). إذن، نحن أمام جديد، لا على المستوى الأزمانيّ، أي إن حالة تلي حالة أخرى، بل على المستوى الكياني: لا يبقى شيء من القديم، فهو نجس وكاذب (أف 5: 1- 20). فالمسيحيّ كائنٌ جديد بواسطة سرّ المعموديّة. فلا تتضمّن حياتُه أيَّ تصرّف يعود إلى وضعٍ ألغيَ أو طريقةٍ حياة عفّاها الزمن.
ب- الخبز الفطير
إذا كانت الجماعة قد دُعيت إلى أن تتطهَّر من الخميرة العتيقة، فلأن المسيحيّين خبز فطير. فعليهم أن يصيروا ما هم عليه في المسيح. أن يكونوا بكل حياتهم ما يجب عليهم أن يكونوا. هم أشجار صالحة، فيجب أن يُثمروا ثماراً صالحة (مت 7: 17) ينتظرها منهم السيّد الذي خلقهم من جديد (لو 13: 6- 9). لا يجهل الرسولُ ما كانوا عليه في الماضي، ولكنهم "تطهّروا، تقدّسوا، تبرّروا" (6: 11). إذن، ينبغي عليهم أن يكونوا أمناء لنعمة الحياة الجديدة التي نالوها بالعماد، ساعةَ ماتوا عن الخطيئة (روم 6: 2- 4)، ويجعلوا في واقع حياتهم مثالاً يستطيعون أن يصلوا إليه، بالقوّة الكامنة فيهم. "كونوا... لأنكم ...". فعلى المؤمنين أن يحقّقوا دعوتَهم إلى القداسة (1: 2). فبولس متطلّب في تعليمه، وهو يدعو المسيحيّ في أعمق أعماقه. إنه متفائل، وتفاؤله يستند إلى قدرة الله وعظمة مواهبه. هذا ما تقتضيه حالتُنا الجديدة.

3- فصحنا
أ- فصح المسيحيين
"المسيحُ فصحُنا ذُبح". ها هو بولس يقدّم السبب الأساسيّ لما سبق، وللخاتمة في آ 8. فصحُنا، أي الحمل الفصحي، حملُنا ذُبح، وهو المسيح! إذا كان المسيحيّ كائناً جديداً، فلأن المسيح خلّصه من سلطان الخطيئة، كما كان دمُ العمل الفصحيّ، في مصر، أداة خلاص بني اسرائيل (1بط 1: 18- 19). كان التقليدُ اليهوديّ قد جعل دوراً هاماً لحملان الفصح الأول، ولاحظ الشرّاح أن "الحمل" في الكتابات اليوحناويّة هو النموذج المعارض لذاك الحمل الفصحي الأول. لقد حقّق يسوع المدلولَ الكامل للدور الذي لعبه دمُ الحملان في مصر. فهو الحمل الاسكاتولوجيّ (حمل نهاية الأزمنة) الذي يحمل التحرير النهائيّ للبشريّة كلها. ولفظ "فصحنا" يقابل بين الفصح المسيحيّ والفصح اليهوديّ، بين المسيح والحمل الذي يدلّ على العهد القديم. لا يقول الرسول فقط إنه ذُبح "كحمل فصحيّ"، بل إنه الحمل الفصحيّ لاسرائيل الجديد. استعمل بولس الفعل في صيغة تدلّ على أننا أمام حدث تاريخيّ محدّد وفريد تسجّل إلى الأبد في ماضي التاريخ.
وتضحيةُ المسيح تدشّن عهداً جديداً للبشريّة، وتجعل هذا العهد ممكناً. وخبرُ أبناء الله المفتدَين، صار امتداداً لا حدود له "لساعة" يسوع وفصحه (يو 13: 1)، كما اجتذبت قيامتُه وتمجيدُه المسيحيَّ لكي يعيش متّحداً بالمسيح السماويّ، ومشدوداً إلى الصلاة (كور 3: 1- 7). هذا يعني أيضاً أننا إن أردنا أن نحيا حياة متجدّدة، فهذا لا يتمّ بقوانا الخاصة، بل حين نستقي "من الينبوع المفتوح... لغفران الخطايا والنجاسة" (زك 13: 1؛ رج يو 19: 34)، ومن تقدمة يسوع الحاضرة إلى الأبد.
ب- المسيح، الحمل الفصحيّ
نترك جانباً الجدال حول الطابع الفصحيّ (أو اللافصحي) للعشاء الأخير، ولكن المراجع المسيحيّة تتّفق على القول بأن موت المسيح "يُتمّ" الفصح القديم. نحن هنا أمام أقدم إعلان عن مِثْل هذا اليقين في نص بيبليّ، وهو الوحيد الذي يقدّم لنا يسوع على أنه الحمل الفصحيّ.
فإن أخذنا بالتسلسل الزمني حسب إنجيل يوحنا، فالمسيح صُلب ليلة عيد الفطير (18: 28؛ 19: 14، 31)، ساعة كانوا يذبحون، في الهيكل، حملانَ الفصح. ويرى يوحنا في واقع يقول إنه لم تنكسر رِجلُ يسوع (19: 36) تحقيقَ فريضة طقسيّة حول الحمل الفصحيّ (خر 12: 46). وقد يكون لمحطةٍ أزمانيّة يوردُها يوحنا مدلولٌ مماثل: فالمشهد الرئيسيّ الذي فيه تقرّر مصيرُ يسوع تمَّ "حوالي الساعة السادسة" (19: 14)، التي هي المهلة الأخيرة لإزالة الخمير من البيوت. هل عنى الانجيل أنه ساعة تطهّر اسرائيل طقسياً واستعدّ للعيد، عُيّنت التقدمةُ الفصحيّة للذبح، وتأسّست العبادة "في الروح والحقّ" التي أعلنها يسوع للسامرية "حوالي الساعة السادسة" أيضاً (4: 6، 24).
ج- فتطهّروا
يبدو بولس وكأنه يقول: ألم تتطهّروا بعد من الخميرة، بعد أن تمّت الذبيحة! لقد بدأ الفصحُ، لأن الحمل ذُبح وأنتم ما زلتم مع خميرتكم العتيقة! كانت الفريضة التي تمنع كل خبز خمير، خطيرة جداً، مع أنهم كانوا يحتفلون بفصح هو صورة عن الفصح الحقيقيّ. واعتبر خر 12: 15 أن من يتجاوز هذه الفريضة يُقطع من الشعب. أما المشناة ففرضت الجلد. وبالنسبة إلى المسيحيّ، لقد تمّت الذبيحةُ مرّة واحدة (عب 9: 28؛ 10: 1، 10، 4)، ذبيحةُ الحمل الحقيقيّ، وهذا يفرض واجباً مماثلاً يفرض علينا طهارة روحيّة. فإن أراد بولس أن يشدّد قبل كل شيء على أن الفصح ذُبح، فابراز اسم "المسيح" في نهاية الجملة يدلّ على أن عينيه مسمّرتين على ربّه المذبوح، وهو الذي لا يعرف يسوع إلاّ مصلوباً (2: 2). ففي نظره، ليس الفصحُ حدثاً بقدر ما هو شخص حيّ وينبوع خلاص للجميع 1(1: 3) بعد أن وهب لهم حياتَه (غل 2: 20).

4- العيد
إذا كان المسيحيون فطيراً، وإن كان فصحهم ذُبح، فلا يبقى عليهم سوى أن يحتفلوا بالعيد: فدمار الخميرة القديمة وذبح الحملان لدى اليهود كانا يدلاّن على بداية سبعة أيام عيد الفطير. ولكن بعد أن صار المسيحيون في حالة الفطير إلى الأبد، وبعد أن ذُبح المسيح مرّة واحدة، فحياةُ المسيحيين هي فصحٌ دائم، عيد دائم.
أ- نحتفل بالعيد
لسنا مدعوين هنا فقط لنحتفل بعيد محدّد، بعيدِ الفصح الذي كان قريباً، أو بعيدِ العنصرة. فالرسول يدعونا إلى عيدٍ لا نهاية له، عيد روحي وليتورجيّ تُدشّنه ذبيحةٌ. لهذا يجب أن نقيم في حالة عيد، في فرح مستمرّ (فل 4: 4) بعد أن أغدِقت علينا عطايا الله. سيقول الذهبي الفمّ: «بالنسبة إلى المسيحيّ الحقيقيّ، كلُّ يوم هو عيدُ الفصح. وبما أن المعموديّة تغطّس المسيحيين في سرّ الربّ الفصحيّ (روم 6: 1ي)، فوضعُهم يصوَّر كوضع فصحيّ، كوحدة مستمرّة وحياتيّة مع المسيح الذي مات وقام. فكل عبارة العهد القديم تجد غايتها في ذبيحة المسيح، وجميع "الأعياد" تهيّئ عيد أعراس الحمل. منذ الآن، إن احتفلنا بأعياد مختلفة، فالسرّ الفصحيّ نفسه حاضر دائماً في لحمة الزمن المسيحيّ ليحوّله ويقدّسه. والاحتفال بالعيد ليس تذكُّر حدث من الماضي، بل عيشَ هذا الحدث من جديد لاكتناه عبرته الروحيّة بحيث يكون لها صداها في حياتنا اليوم". والبرهان الأوضح عن قيامة يسوع الناصريّ، هو أنه بعد أن صار "روحاً محيياً" (15: 45)، أتاح لانسان اليوم أن يعيش وكأنه قام، منذ الآن، من بين الأموات (كو 3: 1- 4).
يجب على الحياة المسيحية كلّها أن يكون لها طابعُ العيد، طابع الفرح. فمع القيامة يبدأ عهد «الفداء الأبديّ» (عب 9: 12)، والزمنُ الذي يشعّ فيه فرحُ النجاة من الشرّ والخطيئة. والحنين إلى عيد لا ينتهي يجد غايتَه في ليتورجيا سماوية حول الحمل (رؤ 15: 1 ي). ولكن منذ الآن تُرسل إلينا الدعوةُ: فماذا ننتظر لكي نقيم في الفرح!
ب- الحياة الجديدة
وضعُ المسيحيين "الفصحيّ" يفرض عليهم أن يتخلّصوا من الخميرة القديمة، من كل "شرّ وفساد" (آ 9): أي يجب أن نبتعد عن الشرّ بكلّ أشكاله مهما كانت دقيقة وخادعة. وبعد التطهّر من الشرّ، هناك السير في قداسة يعبّر عنها الرسولُ "بفطير الطهارة والحقّ". فالمسيحيّ هو ابن النور (أف 5: 8). لهذا يكون نقياً، شفافاً كالزجاج أمام الله. والحقّ الذي تتحدّث عنه الرسالة هو الحقّ في المعنى الخلقيّ، الحقّ كموقف نفسي وكتصرّف يليق بالمؤمنين. وهذا الحقّ الذي يجب أن نعمله (يو 3: 21)، الذي يجب أن نسلك فيه (3 يو 3- 4)، هو توافق بين أعمالنا والكيان الجديد الذي تقبّلناه في العماد.

خاتمة
اختلفت المسيحيّةُ عن الديانات القديمة التي فصلت المعرفة الدينيّة (أو التدرّج الطقسيّ) عن الاستقامة الأخلاقيّة، فجعلت الأسبقيّة للحياة الخلقيّة على شعائر العبادة، حسب الأنبياء في العهد القديم. بل إن المسيحيّة رسمت شميلةَ الحياة الخلقيّة والحياة الأسراريّة: فينبوع قداسة الحياة هو في الليتورجيا التي تتطلّب من جهتها تصرّفاً يتوافق مع الإيمان (مت 15: 8). ففصلُ السلوك اليوميّ عن المعتقد الإيماني، تجربةٌ مستمرّة. لهذا كان عيدُ الفصح هو الذي يمنحنا نقاوة تتجدّد يوماً بعد يوم، بعد أن يُزيل كلَّ خمير يُفسِد طيّات النفوس الخفيّة وعمقَ الجماعات التي تنسى بعض المرات أنها تعيش كلّ يوم عيد الفصح، وتعيّده "بفطير النقاوة والحقّ".
الدعاوى بين المسيحيّين
6: 1- 11

وصلت إلى بولس أخبار عن جماعة كورنتوس، فتدخّل. مرّة أولى في شأن التحزّبات في الكنيسة. مرّة ثانية في حادث زنى افتخر به الكورنثيّون ولم يفعلوا شيئاً ضدّ هذا الخمير العتيق الذي يُفسد العجين كله، يُفسد الجماعة، فتصبح كملحٍ خسر طعمَه فما عاد يؤثّر في المجتمع. ومرّة ثالثة، حين رأى المسيحيّين يحملون دعاواهم إلى المحاكم ولا يجدون حكيماً يحلُّ مشاكلهم، فصاروا حجرَ عثرة للوثنيين. فمتى يتعلّم المسيحيّون أن يفضّوا خلافاتهم في مناخ من الصبر واحترام اخوتهم وممارسة الغفران المتبادل. نشير إلى أن بولس لا يرفض مبدأ المحاكم والأصل الالهي للنظم البشريّة (روم 13: 1 7- )، بل يتوخّى من هذا الكلام أن يوبّخ الكورنثيّين لأنهم لا يعرفون أن يعيشوا في سلام بعضُهم مع بعض، فيظلم القويّ الضعيف وليس من يدافع. ونقرأ النصّ: 
(1) إذا كان لأحدكم دعوى على أحد (الإخوة)، فكيف يجرؤ أن يقاضيه إلى الظالمين (أو: اللاأبرار. لم يتبرّروا بعد)، لا إلى (الإخوة) القديسين؟ (2) أما تعرفون أن (الاخوة) القديسين هم الذين سيَدينون العالم؟ وإذا كنتم أنتم ستدينون العالم، ألا تكونون أهلاً لأن تحكموا في القضايا البسيطة؟ (3) أما تعرفون أننا سندين الملائكة؟ فكم بالأولى أن نحكم في قضايا هذه الدنيا؟ (4) وإذا وقع خلاف بينكم على مثل هذه القضايا، أتعرضونه على من تحتقرهم (لا تعتبرهم) الكنيسة (للحكم فيه)؟ (5) أقول هذا لتخجلوا. أما فيكم حكيم واحد يقدر أن يقضي بين إخوته، (6) فلا يقاضي الأخُ أخاه إلى غير المؤمنين؟ (7) أنتم تقاضون بعضُكم بعضاً، وهذا عيب! أما هو خير لكم أن تحتملوا الظلم؟ أما هو خير لكم أن تتقبّلوا السلب؟ (8) وذلك بدل أن تظلموا أنتم وتسلبوا حتّى الذين هم إخوتكم! (8) أما تعرفون أن الظالمين لا يرثون ملكوت الله؟ لا تخدعوا أنفسكم، فلا الزناة ولا عبّاد الأوثان ولا الفاسقون ولا المبتلون بالشذوذ الجنسيّ (10) ولا السارقون ولا الفجّار ولا السكّيرون ولا الشتّامون ولا السالبون يرثون ملكوت الله. (11) كان بعضكم على هذه الحال، ولكنكم اغتسلتم، بل تقدّستم، بل تبرّرتم باسم الربّ يسوع المسيح وبروح إلهنا.

1- سياق النصّ
تحدّث ف5 عن الدينونة، عن حقّ الكنيسة في «أن تدين الذين في داخلها»، أي أعضاءها (5: 12- 13). وهذا ما دفع الرسول إلى الكلام عن شرّ آخر يُسيء إلى جماعة كورنتوس، هو الدعاوى بين المؤمنين. عبّر الرسول عن دهشته واستهجانه وسخطه أمام هذه الأمور التي لا تصدَّق: يقف المسيحيون ليدّعوا على بعضهم أمام المحاكم الوثنيّة، فيرى القضاةُ وعامةُ الناس خلافاتهم، فتضيع الشهادةُ المسيحيّة. هذا لا يعني أن الرسول يعتبر القضاة الرومان غيرَ جديرين بأن يحكموا بالصواب. دعاهم «ظالمين»، لأن لا حقّ لهم (في منطق الكنيسة)، وهم وثنيّون، أن يقضوا بين المؤمنين. فالمؤمنون وحدهم يعرفون حقوق إخوتهم وواجباتهم، لأنهم يخضعون لشريعة أخرى غير شريعة رومة. والوثنيون «لا أبرار» لأنهم لا يعرفون برّ الله ولا يمارسونه (روم 1: 18، 29: 2 : 8). وحين يلجأ المسيحيون إلى الوثنيّين، فهم ينسون كرامتهم الخاصّة التي نالوها من المسيح. كان لليهود المشتّتين في الامبراطورية قضاةٌ يقضون لهم وحكامٌ يحكمون في أمورهم. أما يستطيع المسيحيون أن يقتدوا بهم؟
"أما تعرفون". يعود هذا السؤال عشر مرات في 1كور. ومنها 5 مرات في ف 6 وحده. تعجّب بولس من قرّائه الذين لم يفكّروا بالتعليم الذي تقبّلوه، فذكَّرهم ببعض عناصره الأساسيّة: إن المؤمنين الذين قاسموا المسيح آلامه وانحداره، يشاركونه في مجده السماوي وفي سلطانه كديّان الأحياء والأموات (مت 19: 28؛ رؤ 20: 4). بل هم سيدينون الأرواح السماويّة، والملائكة الساقطين، وقوى الشرّ (15: 24؛ روم 8: 38؛ 2 بط 2: 4). مثلُ هذه المسؤوليّة في العالم الآتي، يجب أن يقابلها شيء في أمور هذه الدنيا التي هي أقلّ أهميّة. إذن، ينبغي لهم أن لا يلجأوا إلى قضاة ليس لهم شيء يقولونه للكنيسة، لأنهم لا يعرفون الوضع.
فاللجوء إلى المحاكم الوثنيّة هو نهاية حالة تعيسة: حيث يجب أن يحلّ التعاون والمحبّة الأخويّة، يحلّ الجشعُ والسعي وراء المال. ما من أحد يرضى بأن يتعرّض لأيِّ ظلم. فكل واحد يدافع عن حقوقه بغيرة قصوى. أما الانجيل فيفضّل أن نحتمل الظلم على أن ندخل في محاكمة مع أخينا (آ 7: 13: 4؛ مت 38- 42). غير أن الكورنثيين لا يكتفون بأن يغضبوا حين يسيء أحدٌ إليهم، بل يتصرّفون بدون وازع، فيظلمون اخوتهم في الإيمان ويسلبونهم. مثلُ هذا الوضع يدلّ على انحطاط في الجماعة، لهذا فهي تستحقّ اللومَ والتوبيخ.
ماذا يعني مثلُ هذا التصرّف من قبل الجماعة؟ هو فصل بين الإيمان ونشاط هذا العالم الذي لا نريد أن يتدخّل الله فيه. ولكن الانجيل يُشرف على الحياة العمليّة، والناس سيُدانون على تصرّفهم تجاه الآخرين. "لا تخدعوا أنفسكم، لا تغشّوا أنفسكم (آ9 ). مثلُ هذه الطمأنينة الكاذبة هي ثمرة نظرة خاصة إلى الاختيار الالهي، والإيمان الذي يكفينا، والحريّة المسيحيّة (آ 12؛ مت 3: 7- 8؛ غل 6: 7؛ يع 1: 22). فأعادَهم بولُس عن خطأهم: فالذين يرثون الملكوت (مت 25: 34؛ 1بط 1: 4) يمكن أن يُحرموا منه. فالملكوت هو "للقدّيسين". أما الخطأة فيُبَعدون. ويذكر الرسول أولئك الذين لا يرثون الملكوت: الزناة، عبّاد الأوثان...
فعلى المسيحيّين أن يتخلّوا عن جميع هذه الخطايا، لأنهم أناس جدد. أتمّ الله فيهم عمله، فغسلهم وقدّسهم وبرّرهم: لسنا هنا أمام ثلاثة أعمال مختلفة، بل ثلاث وجهات من عمل الله الواحد: غُفرت خطاياهم حين نالوا المعموديّة، وما زال المسيح يعمل فيهم بروحه. فبما أن المسيحيين تقدّسوا، فلماذا يعودون إلى هذه الخطايا! 

2- أليس بينكم حكيم (6: 1- 5)
بدأ بولس حالاً بالموضوع الذي يستحقّ الكورنثيّون اللومَ بسببه: مضى المسيحيّون يرفعون شكاواهم، بعضهم على بعض، لدى القضاة الوثنيّين. كيف يتجرّأون؟ وهكذا يدلّ الرسول على رفضه وسخطه. مثلُ هذا السلوك يدلّ على الباطل الذي وصلتْ إليه الجماعة. أما القضاة فهم اللاأبرار (الظالمون) تجاه القديسين، هم اللامؤمنون. وهكذا يقع اللوم على الكورنثيين الذين خضعوا لرومة لا للكنيسة التي ربّها هو المسيح. نلاحظ هنا ما تعلّمه بولس في المجمع اليهوديّ، حيث لا شريعة سوى تلك التي أعطاها الله.
وظلّ الرسول في الخط اليهوديّ الذي أعلن أن المختارين يدينون الشعوب الوثنيّة والجاحدين في شعب اسرائيل (دا 7: 22 حسب السبعينية؛ أخنوخ الحبشيّ 38: 5؛ 48: 9؛ المدائح في قمران 4: 26). أما يعرف المسيحيون ذلك؟ ويقول لهم الرسول ببعض "السخرية": أنتم قضاة العالم الآتي، ألا تعرفون أن تحكموا في أمور بسيطة تافهة! ويواصل كلامه: الملائكة أنفسهم يخضعون لمحكمة الكنيسة، وأنتم تتوقّفون أمام القضايا اليوميّة، ولا سيّما الماليّة منها فتخضعون لمحكمة بشريّة.
وترد آ 4 بشكل سؤال فيه الكثير من التعجّب. هؤلاء الذين تحسبهم الكنيسةُ لا شيء، بل تحتقرهم، أنتم تذهبون إليهم! فهناك هوّة تفصل شعب الله عن العالم. شدّد الرسول على هذا التعارض لتُحسّ الجماعةُ بقساوة التوبيخ. صار القضاةُ الوثنيّون السلطة في الكنيسة! عودوا إلى نفوسكم واعرفوا كرامتكم. حقاً، كنيسة كورنتوس جماعة فقيرة. ليس فيها حكيم واحد! ليس فيها انسان يتحلّى بالفطنة والوعي، بحيث يكون الحَكمَ بين اخوته؟!

3- تظلمون وتسلبون (6: 6- 11)
أ- واقع الجماعة (آ 6- 7أ)
يشتكي بعضُهم لأنهم يُظلَمون. في الواقع، هم الذين يظلمون إخوتَهم، وكأنهم يريدون أن يعوّضوا عن ضعفهم تجاه المحيط الذي يعيشون فيه. وهكذا تعود آ 6 إلى آ1: كان "الظالمون" القضاةَ الوثنيّين، فصار المؤمنون "الظالمين" لإخوتهم.
ولكن، هل يقف بولس على مستوى المجمع، فيطلب من المسيحيين أن يعملوا كاليهود فيكون لهم قضاةٌ يحكمون في أمورهم؟ كلا، بل هو سيقدّم المسألة بشكل جذريّ. كان قد وبّخهم بسبب خلافاتهم. ولكن هذا لا يكفي. ووبّخهم لأنهم يقفون أمام قضاة وثنيين. وهذا لا يكفي أيضاً، حيث يشدّد الرسول فقط على خطورة الظرف. راح بولس أبعد من كل ذلك، ليصل إلى حقّ المدافعة عن النفس والدفاع عن حقوقنا. لا شكّ في أنه لا يتخلّى عن تشريع داخليّ، وهو الرجل الواقعيّ. ولكنه يعمّق السؤال: هل نحصر كل حلّ للنزاع في الكنيسة، على مستوى الشريعة والقانون؟ وهل الحقّ الذي نطالب به هو أساسُ الحياة في الجماعة؟ مثل هذا المنطقُ يجعل المسيحيّ يقاضي المسيحيّ بدون هوادة ولا رحمة.
واللجوء إلى الحقّ والمحاكمة، هل هو الحلّ الحقيقيّ؟ بدأ بولس فحدّث الذين احتملوا الظلم، ثم عاد إلى الظالمين. هناك سبب أول وإن لم يكن غير كافٍ: المظلومون هم أول من يتوجّهون إلى المحاكم. ولكن السبب الحقيقيّ والعميق، هو أن المظلوم قُدّمت له الفرصة (التي يجب أن يتحيّنها) بأن يرتفع إلى نظام ليس نظام الحق والعدل، بل يتجاوز هذا النظام. هذا لا يعني أن بولس يبرّئ المذنبين (آ8): لكن أنتم تظلمون. لا يقابل بولس بين الذين ظلموا والذين احتملوا الظلم، بل يشدّد على مثل هذا التصرّف المشكّك في الكنيسة. بمختصر الكلام، هذه الجماعة المقدّسة والمبرّرة (آ 11) تتصرّف مثل الوثنيين حين تظلم الآخرين أو تدافع عن نفسها في الظلم.
ب- بين حقّ الدفاع وعدم المقاومة (آ 7 ب- 8)
في هذا المجال، نقدّم ملاحظتين: 
• لاحظنا أن بولس بدأ فتحدّث عن الذين يحتملون الظلم (آ 7 ب)، والذين لم يعرفوا أن يواجهوا ظالميهم بجواب يُلهمه الانجيل. فإن لجأ المؤمن إلى العدالة لكي يستعيد مالاً سُلب منه أو ليحصل على تعويض، يجب أن يقف على المستوى الذي يقف عليه الخصمُ. ومع ذلك، فلا يعود الحقّ إلى نصابه، وهو أكثر من "الشيء لصاحبه" الذي تكفله الشرائع. فحين يتخلّى المظلومُ عن حقّه، يحوّل تحويلاً أساسياً الوضعَ الذي خلقه الظلمُ. لهذا اهتمّ بولس بعدم مقاومة الشر، الذي هو الدواء الجذريّ الوحيد على ما قال الانجيل (مت 5: 38- 42): "لا تقاوموا من يسيء إليكم".
• فالشرائع والتنظيمات القانونيّة ليست الأساس للحياة الاجتماعية. ولكن لا بدّ منها لئلاّ تسيطر شريعةُ الغاب. وبولس الذي اعتبر أن العودة إلى الحقّ، بين المسيحيّين، ليست ضروريّة، تمنّى أن يكون هنا "حكماء" يحملون الحلول العادلة في الخلافات. هذا من جهة. ومن جهة ثانية، الحقّ يمكنه أن يخدم المحبّة. ومن الواضح أن المطالبة بحقّ القريب، هي تعبير صحيح وضروريّ لمحبّة القريب. وأخيراً، يجب أن لا ننسى أننا لا نستطيع أن نفرض على المسيحيّ أن يترك حقّه. وقد يكون ترْكُ الحقّ بعض المرات عملاً غير مسؤول، لا يُصلح الوضعَ بل ينقله من سيّئ إلى أسوأ. فالتخلّي عن الحقّ هو فعل أدبيّ: فإذا كان فعلَ خلق على مستوى الحريّة الحقيقيّة، يكون على صورة نعمة الله.
ج- ميراث الملكوت (آ9 - 11)
وبعد التوبيخ، يأتي التنبيه مع لائحة بخطايا تحرم المؤمنَ من ملكوت الله. يتوجّه هذا التنبيهُ إلى الجميع، ولكن في درجة أول، إلى الذين يظلمون إخوتهم ويسلبونهم (آ 8). أما اللائحة فتشبه ما في 5: 11، مع تذكير بخطايا الفجور. فالزنى المثليّ كان أمقتَ رذيلة عند الوثنيين أنفسهم (روم 1: 26- 27). هنا نتذكّر لا 20: 13 الذي يأمر بقتل أصحاب مثل هذا الشذوذ الجنسيّ، ويأمر التلمود برجمهما.
أما تعدادُ كلِّ هذه الرذائل (آ 11) فيدلّ على عالم من الفساد والانحطاط، خرج منه مسيحيّو كورنتوس، والحمد لله. لهذا تقول آ11: "كان بعضكم على هذه الحال". ولكن الخطر ما زال يتربّص بالكنيسة التي يمكن أن تعود إلى هذا الماضي الشنيع. نشير هنا إلى أن بولس ذكر هذا الماضي، لا ليُذلّ الكورنثيين، ولا ليقدّم لهم درساً في الأخلاق، بل ليحثّهم على أن يعيشوا في القداسة. منذ الآن هم للمسيح الذي حرّرهم من هذا الماضي. وكانت المعموديّةُ بالنسبة إليهم نقطة انطلاق من أجل حياة جديدة. ووردت ثلاثةُ أفعال: اغتسلتم بالعماد، بماء التطهير، وتحرّرتم من خطايا اقترفتموها، وتقدّستم. هذا لا يعني أن حياتكم صارت بلا عيب، فبلغت إلى الكمال، بل أن الله كرّسهم لخدمته، تقبّلهم لديه، فصاروا خاصّته بحيث لا يحقّ لهم أن يكونوا لآخر. تبرّرتم. فالتبرير ليس فقط الغفران والحلّ من الخطايا. هو عمل يخلق النعمة التي تحرّر الانسان، لا من خطاياه وحسب، بل من قوّة الخطيئة التي استُعبد لها. بالتبرير يكون الانسان "خليقة جديدة" (2 كور 5: 17)، يُحرَّرُ من ذاته ليكون لله وللمحبّة.
باسم الربّ، وبروح الهنا (آ 11 ب). هما العاملان لوضع المؤمنين الجديد، هما السبب والأساس. فالاسم الذي يُدعى على المعمَّد هو اسم الربّ الذي يتعهّده. والروح (ليس فقط الموهبة التي ينالها المعمّد) هو قدرة الله الخلاّقة التي تعمل بواسطة الانجيل. وهكذا حين يتحرّر الكورنثيون بقدرة الله وبالروح، يستطيعون أن ينفصلوا عن ماضيهم الوثنيّ ويجدوا، من أجل علاقات متبادلة، أسلوباً يتوافق مع القداسة التي نالوها والحريّة.

الخاتمة
وهكذا رافقنا الرسولَ في تنبيهه إلى الكورنثيّين الذين يشوّهون الشهادة المسيحيّة حين يُقيمون الدعاوى بعضهم على بعض، أمام القضاة الرومان. رفعهم بولس: هم يشاركون المسيح في دينونة العالم، بل في دينونة الملائكة. ألا يستطيعون أن يسوّوا الأمور البسيطة في ما بينهم. وفي أي حال، يبقى المثالُ الأعلى الانجيلَ الذي يعلّمنا أن لا نقاوم الشرير. ويُقال لنا أيضاً في لو 12: 58: نحاول أن نرضي الخصم قبل أن نصل إلى القاضي. هكذا يمكن لكل فرد أن يعيش هذه المصالحة اليوميّة التي هي في النهاية، امتداد للمصالحة مع الله.
الجسد وكرامته في المسيحيّة
6: 13- 20

الموضوع الذي يُشرف على هذا المقطع البولسيّ، هو الكرامة التي منحها المسيحُ للجسد البشريّ. سنُبرز فيما بعد الإطارَ الذي فيه دُفع بولس لكي يعالج هذا الموضوع. ولكن من المفيد أن نشدّد منذ الآن على أننا في موضوع الدعوة. الله هو الذي يدعو كلَّ واحد باسمه. وإذ يُعلن بولسُ كرامة الجسد البشريّ في المسيحيّة، فهو يجعل لكل مسيحيّ بشكل واضح، ولكل انسان بشكل ضمنيّ، دعوةً شخصيّة تأتيه من قبل الله، فتمسكه حتّى في جسده وعواطفه، في لحمه ودمه، في كل حياته. ونقرأ النصّ: 
(13) الطعام للبطن، والبطن للطعام، والله سيقضي على الاثنين معاً. أما جسدُ الانسان فما هو للزنى، بل هو للربّ والربّ للجسد. (14) والله الذي أقام الربّ من بين الأموات سيُقيمنا نحن أيضاً بقدرته. (15) أما تعرفون أن أجسادكم هي أعضاء المسيح؟ فهل آخذ أعضاء المسيح وأجعل منها أعضاء امرأة زانية؟ لا، أبداً! (16) أم إنكم لا تعرفون أن من اتّحد بامرأة زانية صار وإياها جسداً واحداً؟ فالكتاب يقول: "يصير الاثنان جسداً واحداً". (17) ولكن من اتّحد بالربّ صار وإياه روحاً واحداً. (18) أهربوا من الزنى، فكل خطيئة غير هذه يرتكبها الانسان هي خارجة عن جسده. (19) ألا تعرفون أن أجسادكم هي هيكل الروح القدس الذي فيكم هبةً من الله؟ فما أنتم لأنفسكم بل لله. (20) هو اشتراكم ودفع الثمن. فمجّدوا الله إذاً في أجسادكم.

1- سياق النصّ
الرسالة الأولى إلى كورنتوس، رسالةٌ رعائيّة في الدرجة الأولى، ورسالةٌ تقدّم تعليماً يؤسّس المواقف التي يطلبُ بولسُ من المسيحيّين أن يتّخذوها. فالرسول يعالج في هذه الرسالة، سلسلةً من المشاكل الملموسة التي طُرحت على الجماعة الفتيّة، ويجيب على أسئلة طرحتها عليه كنيسةُ كورنتوس. ثم يقدّم الحلول لمسائل متنوّعة، كما وصلت إليه. أما المسائل الأولى فهي تلك التي حملها إليه أهل خلوة (1: 11). هذا ما دفع بولس إلى التنديد بالتحزّبات التي تكوّنت في كورنتوس (ف 1- 4)، وإلى الحكم على سلسلة من الحالات الفوضويّة: زنى الأقارب. الذهاب إلى المحاكم الوثنيّة وظلم الآخرين. الزنى والفجور (ف 5 -6 ). بعد ذلك، أشار بولس إلى حلول لمختلف المسائل التي عرضها عليه الكورنثيّون بالنسبة إلى الزواج (ف 7)، واللحوم المقدّمة لملاوثان (ف 8: 10) والجماعات الليتورجيّة (ف 11 -1 4). وبعد أن عالج مسألة قيامة الموتى، والجدال القائم حولها في كورنتوس (ف 15)، ختم رسالته بخاتمة شخصيّة (ف 16): يا ربّنا، تعال. ولتكن نعمة الربّ يسوع معكم. محبّتي لكم جميعاً في المسيح يسوع.
حين أراد بولس أن يعود بمختلف الأحزاب الكورنثيّة إلى الوحدة الكنسيّة، قابل بين طموحهم الباطل إلى حكمة تنبع من فلسفة بشريّة، وبين الحكمة المسيحيّة التي هي وحدها حكمة والتي تعني في النهاية التواضع. بعد ذلك، صوّر الفوضى التي تُبلبل جماعةَ كورنتوس. كم نحن بعيدون عن طموحات الكورنثيين إلى الحكمة! لهذا جاء كلامُ بولس دعوة ملحّة إلى التواضع والبساطة.
يمكن أن نقسم ف 5- 6 ثلاثة أقسام تشكّل لائحة بأهم الأمور الفوضويّة على مستوى الأخلاق في مدينة كورنتوس: حادثُ زنى الأقارب (5: 1- 13). دعاوى الاخوة لدى القضاة الوثنيّين (6: 1- 11). كلام عن الزنى (6: 12- 20). وهناك رسمة أخرى بشكل أ.ب. أ.أ، اعتدنا أن نراها عند القديس بولس. في ف 5، ندّد بولس بحادث محدّد من زنى الأقارب أُعلِم به. ثم انطلق من ظروف أخرى، فذكّر بضرورة وقواعد سلطة قضائيّة في قلب كل جماعة (6: 1- 11). بعدها عاد إلى حالة زنى الأقارب، فتحدّث عن كل ما يتعلّق بالزنى وباستعمال جسم الانسان، فشجب اللاخلقيّة بشكل عام وقدّم تعليماً حول ما يؤسّس كرامةَ الجسد في المسيحيّة (6: 12- 20). في هذه الفرضيّة، تبدو هذه المقطوعة (6: 13- 20) وكأنها تعلنُ المبادئ الرئيسيّة التي على أساسها يحكم المسيحيّون، في داخل الجماعة، على حالة تحمل الشكوك إلى المؤمنين، حالة زنى بين رجل وامرأة أبيه.
إذ قدّم بولس في 6: 9- 10 لائحة الرذائل التي تصوّر الوضعَ الوثنيّ لمسيحيّي كورنتوس قبل اهتدائهم، احتلّ الزنى والفجورُ المركزَ الأول. ونحن لا نعجب أن تكون هذه الرذيلةُ شائعةً في مدينة فاسقة مثل كورنتوس، حيث كان البغاء يمارَس كطقس مقدّس في معبد افروديت المالكة وسط ألف من العبّاد يقومون بخدمتها. والفعل المشتق من "كورنتوس" (كرنتس) عنى أولاً عاش بحسب طريقة كورنتوس، عاش حياة من المجون... وقد وُجد بين المسيحيّين من ظلّوا على هذه العادات بما فيها من فلتان، حتّى بعد اهتدائهم. فشرّعوا الزنى باسم حرّية مسيحيّة هي أبعد ما تكون من حريّة تقودنا إلى التشبّه بالله كأبناء أحبّاء. وكان لديهم قول مأثور: "كل شيء مباح لي". وسيقدّم لهم بولسُ الجوابَ المناسب، فيضيف التصحيح الضروريّ: "كل شيء مباح لي، ولكن كل شيء لا ينفعني. كل شيء مباح لي، ولكني لا أسمح لشيء بأن يستعبدَني" (6: 12). رفض بولس أن تعارض الحريّةُ المسيحيّة نفسها، فتصبح مستعبَدة. ونظنّ أن هذا النداء إلى الكرامة الانسانيّة هو إحدى أنبل الوجهات في الخلقيّة البولسيّة.

2- دراسة النصّ
أ- جسدنا للربّ (6: 13- 14)
جسد الانسان ما هو للزنى
بل هو للربّ، والربّ للجسد.
والله الذي أقام الربّ،
يقيمنا، نحن أيضاً، بقدرته.
يتعارض هذا البرهانُ مع ما قيل في بداية آ 13 حيث قال بولس إن الطعام للبطن والبطن للطعام، والله يدمّر البطن والطعام. لا شكّ في أن الفالتين في كورنتوس قابلوا بين استعمال الطعام والزنى. وأخذوا من الكلبيّين والرواقيّين مبدأ يقول بأن الاكل والزنى حاجتان طبيعيّتان. وبما أن كلّ حاجة طبيعيّة هي صالحة، فنحن نقدر أن نأكل ساعة نشاء ونزني ساعة نشاء. وهكذا نلاحظ الخطرَ الذي يهدّد هؤلاء المسيحيين الجدد الذين جعلوا أفروديت إلاهة الطبيعة البشريّة وفي الوقت عينه إلاهة الجمال والحبّ. فقدّم بولس تجاه هذا القول اعتراضاً يختلف اختلافاً أساسياً عمّا يُقال وعمّا يُفعَل. عاد إلى الانتروبولوجيا (نظرة إلى الانسان) المسيحيّة، فاستلهم الإيمان بالقيامة.
بين الطعام والبطن تكيّفٌ متبادل وعلاقةٌ فيزيولوجيّة (على مستوى الوظائف في الجسم) لا يمكنها أن تنجّس الانسان. هنا نتذكّر كلامَ الربّ: "ما يدخل الانسان من الخارج لا ينجّسه، لأنه لا يدخل إلى قلبه، بل إلى جوفه" (مر 7: 18- 19). ثم إن هذه العلاقة زمنيّة وحسب. فالبطن والطعام يخسران وظيفتهما لأنهما عابران. ولكن بين الزنى والجسد، لم نعد أمام نظام فيزيولوجيّ وحسب: هناك مساس حيويّ بالجسد الذي افتداه الربّ وجعله روحانياً، وأعدّه للقيامة. إذن، بيّن بولسُ الاختلاف الواضح بين البطن بوظيفته الثانويّة في الجسد، وجسم الانسان كله مع عالمه الجنسي. فالنجاسةُ لا تُعتبر شيئاً حيادياً (أي لا خير ولا شرّ)، بل هي شرّ، لأنها تؤثّر في المصير الأبديّ لجسدنا. 
جاء هذا البرهانُ الأول على المستوى الاسكاتولوجيّ، على مستوى النهاية. فشدّد على البعد العميق للجنس والحبّ البشريّ، على مدلولهما، وعلى مسؤولية الانسان تجاههما. ويساعدنا هذا البرهانُ أيضاً على إيجاد تدرّج في أقوال لاحقة سيقولها بولس حول القيامة (15: 51- 53). فرغم تعارض ظاهر يدلّ على فكر متطوّر، فهم الرسولُ أن مجيء الربّ يتأخّر ولا يجيء في القريب العاجل.
والبرهان الذي نقرأه في آ 18 يقترب من برهان قرأناه في آ 13: "كل خطيئة غيرُ هذه (الزنى) يرتكبها الانسان، هي خارجة عن جسده. ولكن الزاني يُذنب إلى جسده". ويعلن بولس أمراً قاطعاً: "اهربوا من الزنى". وهو يلحّ في هذا المجال على الكورنثيّين، كما سيُلحّ عليهم حين يحذّرهم من عبادة الأوثان في 10: 14 (اهربوا من عبادة الأوثان). فالسياق العباديّ للزنى أمرٌ معروف في كورنتوس، لهذا أضاف الرسول: "كل خطيئة يرتكبها الانسان هي خارجة عن جسده". أما يُفرط بولس في قوله حين يؤكّد أن كل خطيئة هي خارجة عن الجسد؟ فماذا نقول عن السكر، وعن الانتحار ووضع حدّ لحياة الانسان؟ والزنى، شأنه شأن كل خطيئة، أما يسيء إساءةً منظورة إلى القريب؟ هنا نقول إن بولس يقدّم براهينه بشكل عام، فلا تأتي كلُّها على مستوى واحد. وما يسعى إليه بشكل خاص، هو التشديد على خطيئة خطيرة مثل الزنى. فهي تُلزم كلّ الجسد في الانسان، تُلزم مركزَ شخصيّته. فالجسد معدّ للربّ، إلى الأبد. والفجور يحوّل مصيره. فالخطيئةُ التي تحمل أكبر عار للجسد، تجعله يعمل لتمجيد اللحم والدم والقوى الأصناميّة التي تخدمها بغايا كورنتوس.
ب- جسدنا عضو المسيح (6: 15- 17)
في آ 15- 17 (رج آ 19) يقدّم بولس موضوع تفكير آخر، موضوعاً يُفهم المسيحيّ أهميّةَ الاحترام لجسده. فمصيرُ المؤمنين أن يكونوا للربّ، لا في العالم الآتي وحسب، بل في هذا العالم أيضاً. افتداهم المسيح منذ الآن، فما عادوا مُلكاً لأنفسهم، بل صاروا بشكل سريّ من جسد المسيح، فشكّل كلُّ واحد عضواً في هذا الجسد. في آ 19 ب، عاد بولس إلى تعليم حول الخلاص كما سيفعل في 7: 23 حين يتوجّه إلى العبيد وإلى المعتقين المسيحيين فيذكّرهم بحرّيتهم الأساسيّة في المسيح، ويحثّهم على أن يرتفعوا فوق الاعتبارات الاجتماعية في نظر البشر: "اشتُريتم ودُفع الثمن. فلا تصيروا عبيداً للناس"!
إن التعليم حول اتّحادنا بالمسيح وانتمائنا إلى جسده، فكرةٌ مركزيّة في الرسالة الأولى إلى كورنتوس، وتعليمٌ جوهريّ في انجيل بولس. هو يعود بلا شكّ إلى خبرة بولس، مضطهد المسيحيين، حين دعاه الربّ وهو في طريقه إلى دمشق: "شاول، شاول، لماذا تضطهدني" (أع 19: 4)؟ وسيظهر هذا التعليمُ أيضاً في 10: 17 وبمناسبة الكلام عن الافخارستيا (فنحن على كثرتنا جسد واحد، لأن هناك خبزاً واحداً، ونحن كلنا نشترك في هذا الخبز الواحد)، وفي 12: 12- 27 مع كلام حول المواهب في الكنيسة، وفي15: 23 وحديث عن مجيء الربّ الثاني. هذا التعليم يُشرف على النظرة الشاملة التي نجدها في الرسالة إلى أفسس.
الزنى يتجاوز حقَّ المسيح في شخص يخصّه، لأنه عضو من أعضائه. فينتزع الجسدَ من مالكه الحقيقيّ، الذي هو المسيح، ليسلّمه إلى آخر. بالفجور يصبح الجسد لآخر، ولا يعود خاصّة المسيح. تُسلّم البغيّ جسدها للرجل، والرجل يستسلم إلى البغيّ. وهكذا يتنجّس الجسدُ هنا وهناك.
في آ 16- 17، يوسّع الرسول برهاناً كتابياً أو مدراشياً يُسند البرهان الذي أورده في آ 15 (أجسادكم أعضاء المسيح). استند بقوّة إلى لفظ «جسد» في تك 2: 24 (يصيران كلاهما جسداً واحداً)، فقابل بين نمطَيْ اتحاد ينتج عنهما شكلان من الوحدة: 
أما تعرفون أن الذي اتّحد بزانية
صار وإياها جسداً واحداً؟
فالكتاب يقول: "يصير الاثنان جسداً واحداً".
ولكن من اتّحد بالربّ،
صار وإياه روحاً واحداً.
إن الاتحاد بزانية، حسب الكتاب، يكوّن وحدة جسديّة، على مستوى اللحم والدم. ذاك هو شرّ عظيمٌ في نظر المعلّمين اليهود، وفي نظر بولس الذي تربّى لدى غملائيل. أما الاتحاد بالربّ فيكوّن وحدة روحيّة. ونشير أن الروح لا يستبعد الجسد، بل يدلّ على خلاصه وتأليهه. وبمختصر الكلام، وبالنظر إلى استعمال الجسد، يجد الانسان نفسه أمام خيار: أو يسلّمه "للحم" والدم، ولجميع التجاوزات، فيقوده إلى الانحطاط والدينونة، أو يكرّسه "للروح" ولاستعمال قويم في الزواج، أو خارج الزواج في البتوليّة. نقدّمه للروح، يعني نجعله يتماهى مع المسيح الممجّد الذي صار بقيامته روحاً محيياً. نذكر هنا أن بولس أوردَ تك 2: 24 في أف 5: 31، حين قدّم برهاناً كتابياً حول عدم انفصام الزواج. فهناك أكثر من تطبيق للنصّ الكتابيّ.
ج- جسدنا هيكل الروح القدس (6: 18- 19)
كتب الرسول في آ 17: "من اتحد بالربّ صار وإياه روحاً واحداً". ويتواصل هذا التفكير في آ 19، بشكل سؤال يجب أن يكون الجواب عليه بالايجاب: "أما تعرفون أن جسدكم هيكل الروح القدس، الذي هو فيكم والذي هو هبة من الله"؟ استعارةُ الهيكل عزيزة على قلب الرسول. فهو يتوسّع في رسائله، في لاهوت الكنيسة التي هي هيكل روحيّ لله، وسط البشر. وفي 1 كور 3: 16- 17، استعمل صورة الهيكل لكي يندّد بعمل سيّئ لدى وعّاظ يزاحم بعضُهم بعضاً: 
أما تعرفون أنكم هيكل الله
وأن روح الله يسكن فيكم؟
فإن هدم أحدٌ هيكل الله،
هذا، يدمّره الله.
لأن هيكل الله مقدّس،
وهذا الهيكل هو أنتم.
غير أننا نلاحظ أن آ 19 هي الموقع الوحيد الذي فيه يطبّق بولس استعارة الهيكل على جسد المسيحيّ كشخص فرد. فهو بالأحرى اعتاد أن يستعمل لفظة وصورة الاناء. إن فيلون الذي تشرّب من روح الفلسفة اليونانيّة، طبّق صورة الهيكل على العقول، ولكن بولس ذهب أبعد منه، فطبّق هذه الصورة على الجسد، بالنظر إلى عقيدة القيامة.
ونذكر هنا للافادة 1 تس 4: 3- 8 حيث يتوسّع بولس في ارشاد حول قيمة الجسد: 
تلك هي مشيئة الله: قداستكم.
فتمتنعوا عن الزنى
ويعرف كلُّ واحد منكم كيف يستعمل جسداً يمتلكه
في القداسة والكرامة...
لأن الله دعانا، لا إلى النجاسة، بل إلى القداسة.
فمن رفض هذا (التعليم)، لا يرفض انساناً،
بل الله الذي يمنحكم روحه القدوس.
وإذ حثّ بولس الكورنثيين على مثل هذه الكرامة والقداسة للجسد، ما تردّد بأن يكتب أن جسدهم هو هيكل الروح القدس. ففي هذا الهيكل المصغّر الحيّ الذي يُروحنه المسيحُ ويُنعشه روحُ المسيح القائم من الموت، فيُصبح جسداً مُعَداً للقيامة، في هذا الهيكل يؤدّي المسيحي فعلَ العبادة الذي يليق بالله. لهذا يختتم بولس كلامَه في هذا النصّ الذي ندرس: "مجّدوا الله في جسدكم" (آ 20). فهناك ليتورجيا مسيحيّة للجسد. وإذ يحافظ المسيحيّ على هذا الجسد بحيث لا ينتهكه شيء، يؤدّي فيه الخدمة ويُصعد نحو الله الحمدَ وذبيحةَ الشكر (1 كور 5: 8؛ روم 12: 13). لهذا، فالزنى هو انتهاك الأقداس وإهانة للروح القدس.

خاتمة
ما يلفت انتباهنا لدى قراءة هذه المقطوعة، هو أن بولس الواقف وسط الاعتبارات المتشابكة، يرتفع إلى العلاء ليحلّ مسألة أخلاقيّة. هو لا يفرّق في علم الفتاوى الرابينيّة وفي التمييزات الدقيقة، بل يوضح خلقيّة فيها الوسع والارتفاع والعمق، فيعود إلى كرامة الانسان وإلى المعنى الحقيقيّ للحريّة المسيحيّة، كما يلجأ إلى عقيدة الفداء وسَكنَ الروح القدس في المؤمنين. وهكذا يوجّه أنظار المسيحيّين نحو الرجاء في العالم الآتي، ويشدّد على انتمائهم الكامل للمسيح. فخلقيّة الرسول خلقيّة لاهوتيّة تتوجّه بشكل خاص إلى المسيحيّين.
وعبر هذه البراهين، يبرز يقينٌ قويّ يعلن أن جسد الانسان صالح في العمق. فقد خلقه الله، وافتداه المسيح، وأعدّه للخلاص الأبديّ. نستطيع أن نقدّم هذا اليقين بعبارة ملموسة أوردها ترتليانس: "اللحم والدم مفصل الخلاص". الجسد مفصل الخلاص. نحن سنخلص حتّى في جسدنا، ولا نخلص بدون جسدنا. إذن نحترمه أكبر احترام، لأنه مسكن الروح القدس، وعضو المسيح القائم من الموت، وهو معدّ لأن يمجّد في الله.
حين قدّم بولس مختلف براهينه، استعمل بشكل سؤال، العبارة عينها: "أما تعرفون" (آ 15، 16، 19)؟ هذا السؤال الذي يعود مراراً في كتابات بولس (1كور 5: 6؛ 6: 2، 3، 9) ينتظر دوماً جواباً ايجابياً. أما تعرفون أن أجسادكم هيكل الروح القدس؟ والجواب هو نعم. مثلُ هذا السؤال هو تذكير بفقاهة شفهيّة سابقة، وهي تتطلّب منّا اليوم قبولاً والتزاماً نجدّده. وحين نعرف الرباط الأساسيّ بين هذه العبارة والمفهوم البولسيّ للضمير، يتأكّد لنا مرّة أخرى غنى ما قدّمه الرسول للضمير البشريّ من قاعدة حياة دينيّة تتجاوز العالم اليهوديّ الذي تربّى فيه.

الزواج تبادل بين الرجل والمرأة
7: 1- 7

بعد أن تحدّث بولس عن الفوضى الجنسيّة في الجماعة، فأصدر حكمه في حادث زنى "لا مثيل له حتّى عند الوثنيين" (5: 1)، وأعلن أن أجسادنا أعضاء المسيح التي لا يمكن أن تكون أعضاء زانية (6: 15)، واصل كلامه عن الزواج. لا شكّ في أن أسئلةً عديدة وردت إليه: هل نمارس العلاقات الزوجيّة بعد أن صار الملكوت قريباً؟ وماذا عن الزواج بين المسيحيّ والوثنيّ؟ وما هو مركز البتوليّة؟ أما في النصّ الذي نقرأ فانطلق الرسول من سؤال بسيط، وأعطانا تعليمات عامّة عن علاقة الرجل بامرأته وعلاقة المرأة برجلها. فالمساواةُ ستكون الأساس الذي ينطلق منه الرسول ليقدّم الحلول. ونقرأ النصّ: 
(1) وأما من جهة ما كتبتم به إليّ، فخير للرجل أن لا يمسّ امرأة. (2) ولكن خوفاً من الزنى، فليكن لكل رجل امرأته ولكل امرأة زوجها، (3) وعلى الزوج أن يوفي امرأته حقها، كما على المرأة أن توفي زوجها حقّه. (4) لا سلطة للمرأة على جسدها، فهو لزوجها. وكذلك الزوج لا سلطة له على جسده، فهو لامرأته. (5) لا يمتنع أحدكما عن الآخر إلاّ على اتّفاق بينكما وإلى حين، حتّى تتفرّغا للصلاة، ثمّ عودا إلى الحياة الزوجيّة العاديّة لئلاّ يعوزكم ضبطُ النفس، فتقعوا في تجربة إبليس. (6) أقول لكم هذا، لا على سبيل الأمر، بل على سبيل السماح، (7) فأنا أتمنّى لو كان جميعُ الناس مثلي، ولكن لكل انسان هبة خصّه الله بها، فبعضهم هذه وبعضهم تلك.

1- سياق النصّ
نقطة الانطلاق في روم 7، هو أنه وُجد، في كورنتوس، بجانب المتفلّتين من كل قيد على المستوى الجنسيّ، مسيحيّون تأثّروا بالحياة النسكيّة، فمالو إلى رفض مؤسّسة الزواج، أو طلبوا أن يُحلّ الزواجُ ولا سيّما حين يهتدي أحد الزوجين إلى المسيح، أو تمنّوا أن يعيش الرجل مع امرأته، كما الأخ مع أخته. يعيشان تحت سقف واحد ويتعاونان في جميع أمور الحياة، ولكنهما يمتنعان عن الحياة الجنسيّة.
في العالم اليهوديّ، كان الزواج واجباً يبرّره إيلادُ البنين. فعلى كل رجل أن يؤمّن، بواسطة أبنائه، تواصَل شعب الله. ترك بولس هذا التقليدَ، أو بالأحرى لم يحصر نفسه فيه. من جهة، هو يتطلّع إلى نهاية العالم القريبة، والأيام الصعبة الآتية. ومن جهة ثانية، لم يكن متزوّجاً، وإن سبق له وتزوّج، كما كان يفعل الفريسيّ في عمر مبكر، فهو حرّ من كل قيد زواج خلال رسالته. أو أن امرأته ماتت، أو تمّ انفصال. أما التخلّي عن الزواج من أجل البتولية، فأمرٌ معروف في الكنيسة، على مثال ما فعل يسوعُ نفسه.
ونلاحظ في ف 7 أن بولس يجيب على أسئلة محدّدة طرحها عليه الكورنثيّون، ولا يعطي تعليماً كاملاً عن الزواج والبتوليّة، وعن العائلة والأولاد. فهناك نصوص أخرى نقرأها في أف 5: 22- 6: 4؛ كو 3: 18- 21. لا يتحدّث الرسول عن الزواج كمؤسّسة، بل عن الأشخاص. وهناك نُسكٌ فيه يتخلّى المؤمن عن ممارسة الزواج، ولكنَّ لهذا النُسك حدوداً وشروطاً. لهذا، ذكّر بولس الكورنثيّين بالفطنة اللازمة لئلاّ يحسبوا نفوسهم "ملائكة" فيقعوا "في تجربة إبليسط.
ونبدأ بقراءة الجواب على السؤال الأول: هل يبتعد الرجل عن امرأته، لأن الزمان قريب؟ يقول الرسول إن العزوبة خير في ذاتها. وهذا "الخير" لا يعارض "الشرّ" (وكأن الزواج شرّ)، بل يقابل خيراً آخر. ففي نظر بولس، العزوبة أفضل من الزواج الذي هو خير أيضاً. ولكنه لا يكون خيراً، إلاّ للذين نالوا نعمة العيش في الوحدة والعزلة. أمّا بالنسبة إلى الآخرين، فالزواج خيرٌ بالنسبة إلى الشرّ الذي هو التحرّق بالشهوة والزنى. العزوبة "موهبة" خاصة، وعطيّة من نعمة الله (آ 7). فالذين لا يمتلكونها، ينصحهم بولس بالزواج، بل يحضّ المؤمنين على الزواج لخير النفوس وكرامة الكنيسة.
وما نلاحظه أوّلاً، هو أن الرسول يستبعد تعدّد الزوجات كما في تك 1: 27 (ذكراً واحداً وأنثى واحدة)؛ 2: 18 (أصنع له مثيلاً يعينه). كما يستبعد حياة الزنى خارج الزواج. كلٌّ من الزوجين لا يمتلك نفسه، بل يخصّ الآخر. هو لا يستطيع أن يفعل ما يشاء، وليست له حرّية مطلقة بالنسبة إلى الآخر. في العالمين اليهوديّ والوثنيّ، كان الرجل ينعم بوضع مميّز بالنسبة إلى المرأة. له كل الحقوق وما عليه واجبات. أما المرأة فلا حقّ لها، بل واجبات بالنسبة إلى الرجل وإلى الأولاد، كما هو الحال في العالم الشرقيّ إجمالاً. الرجل لا يرتبط بامرأته. هذا يعني أنه يقدر أن يرتبط بامرأة أخرى، أو بنساء عديدات. أما المرأة فترتبط بزوجها وبزوجها وحده. وخيانتُه زنى تُعاقَب بالقتل، بالرجم. أما الانجيل، فجاء هنا بالجديد الجديد: مساواة على مستوى الكرامة: لا رجل ولا امرأة، مساواة على مستوى الحقوق والواجبات.
لم يوافق بولس أولئك الذين يريدون زواجاً، لا تجامعَ فيه على مستوى الجسد. فيذكّرهم أن العلاقات الجنسيّة واجب متبادل بين الزوجين: أما الامتناع فقد يعرّض أحدهما، أو الاثنين، للزنى. وهو لا يسمح بالعفّة إلاّ بثلاثة شروط: الأول، توافق تام بين الزوجين. لا يفرضها الواحد على الآخر كتضحية ليس مستعداً لها. الثاني: إلى حين، إلى وقت قصير. لا مدى الحياة. فالانسان لا يقدر أن يبالغ في الاتّكال على امكانيّاته. لماذا نطلب عون الله في مشروع نجازف فيه. الثالث، من أجل التفرّغ للصلاة: رياضة روحيّة، اختلاء من أجل حياة حميمة مع الله نعمّق فيها ما التزمنا به في عمادنا.
في العالم اليهوديّ، كانت العلاقات الجنسيّة تجعل الانسان نجساً، فتمنعه من المشاركة في الاحتفالات الدينيّة. فنحن نقرأ في 1صم 21: 5 أن رجال داود لا يحقّ لهم أن يأكلوا "الخبز المقدّس" إن لم يكونوا صانوا نفوسهم من النساء. ونقرأ في سفر الخروج (19: 15) أن موسى طلب من الشعب أن يستعدّ للقاء الربّ على جبل سيناء: "كونوا مستعدين لليوم الثالث ولا تقربوا امرأة" (اليوم، في بعض الطقوس الشرقيّة، لا يحقّ للكاهن أن يحتفل بالذبيحة الالهية إن اقترب من امرأته في الليلة السابقة). ذاك كان معنى «العفّة» عند اليهود. أما عند المسيحيّين، فالامتناع الجنسيّ يعني أن نقدّم للربّ ذبيحة نرضى بها طوعاً، فندلّ على أننا لسنا عبيداً للحواس، بل أسياد نفوسنا من أجل خدمته.
غير أن بولس لا يفرض الزواج على جميع المؤمنين (آ 6). فإن فعل عارض نفسه بنفسه. فعزوبته ليست عصياناً ولا شقاء وتعاسة. فقد أعطته حرّيةً كبيرة من أجل خدمته (آ 32). فبولس سعيد في الحالة التي يعيشها، وهو يتمنّاها للكثيرين. لكنه يعرف أن تمنّيه لا يمكن أن يتحقّق. فالربّ لا يهب الجميعَ الموهبةَ عينها. وهكذا يلتقي الرسول بما قاله الانجيل عن البتوليّة والعزوبة في مت 19: 10- 12: "وفيهم من لا يتزوّجون من أجل ملكوت السماوات".

2- مساواة في الحياة الزوجيّة (7: 1- 4)
بعد المقدّمة (آ 1)، نقرأ كلاماً لم يعتَد عليه العالمُ القديم، سواء اليهوديّ منه أو الوثنيّ: مساواة تامّة بين الرجل والمرأة في الحياة الزوجيّة. هنا نتذكّر أن المسؤولين كتبوا إلى بولس، وهو في أفسس، أسئلة في هذا الموضوع، كما حملوا إليه أسئلة شفهيّة. لماذا طُرحت هذه الأسئلة، وفي أي ظرف؟ هذا ما لا يظهر بوضوح. ولكن التشديد على الامتناع عن العمل الجنسي وما في هذا الامتناع من خير (آ 1، 8، 7، 27، 38، 40)، يجعلنا نفهم أن هناك دعاية من أجل الفلتان الجنسيّ (الذي اشتهرت به كورنتوس). بعد أن تحرّر المؤمن من الشريعة اليهوديّة، فهو ينقاد للروح. ولكن أي روح؟ لهذا سيقول بولس في آ 40 ب: "أظنّ روح الله فيّ أنا أيضاً".
ولكن بولس لا يريد أن يضع عقدة نفسيّة لدى المؤمنين الذين يرون النهاية قريبة، فيمتنعون عن ممارسة الحياة الجنسية داخل الزواج (رج آ 7 ب، 28، 36، 39). ثم هو يحذّر المؤمنين من "محاربة" الغريزة الجنسيّة (آ 2، 5، 8، 36). "عودوا إلى الحياة الزوجيّة لئلاّ يعوزَكم ضبطُ النفس". في الواقع، طرحت الجماعةُ أسئلة على نفسها: هل تتوافق الحياةُ الجنسيّة في الزواج مع القداسة المطلوبة من المؤمنين؟ أما يفضّل الامتناع؟ هل يجب أن نتزوّج؟ وإن تزوّجنا هل نعيش معاً كزوجين، أو كأخ وأخت؟ لا نعجب من هذا الاتجاه "النسكيّ والتقشّفي" في مدينة مثل كورنتوس عُرفت بمجونها. ثم إنه وُجدت ظاهرةٌ مماثلة في العالم اليونانيّ.
وجاء الجواب الأول أنه خير للرجل أن لا يمسّ امرأة. هل هذا الامتناع يجد سببَه في ذاته، أم في إطار النهاية القريبة؟ ولكن يبقى أن تحذيرَ بولس جاء حازماً ضدّ الذين ينادون بالامتناع، ويقابل بين ما هو ضروريّ وما هو موضوع تمنٍّ. بما أن هناك خطراً، ليكن لكل رجل امرأته، هذا مع العلم أن وضع الامتناع يمكن أن يكون فيه بعض الخير. فبين "الزنى" و"الامتناع" يبقى الدواء الزواجَ والحياةَ الزوجيّة.
وبعد أن قدّم بولس القاعدة التي يمكن أن توافق الجميع، توجّه إلى المتزوّجين الذين هم أول من تهمّهم هذه الأسئلة، فأعطاهم توجيهات حول التصرّف الذي يتصرّفون به (آ 3- 5). هي نصائح واضحة ومليئة بالحكمة. إن بولس مقتنع من أهميّة العفة، ولا سيّما في هذا المناخ، ولكنه يطلب قبل كل شيء مصلحة المؤمنين الحقيقيّة. نلاحظ في آ 3- 4 الموازاة التامّة داخل الجملة: على المرأة، على الزوج. هي مساواة تامّة في الحقوق والواجبات. وفي آ 5، يتوجّه الكلام إلى الاثنين معاً. فكلٌّ منهما يستطيع أن يأخذ الخط الصحيح، وكلٌّ منهما يمكن أن يقع في تجربة إبليس. وتتحدّث آ 4 عن الجسد. حين يُعقد الزواج، لا يخصّ الزوج (أو الزوجة) نفسه (نفسها)، بل هو (هي) للآخر. وإن أحسّ (أحسَّت) بميل إلى «العفّة»، اقتناعاً أو خوفاً، فلا يُسمح (لها) له أن يمنع (تمنع) هذا الحقّ الذي أعطاه للآخر حين قال نعم. وهنا يمكن أن نقول في خط 6: 16: الاتحاد بزانية يفصل عن المسيح. أما الاتحاد بين الزوجين فيثبّت الوحدة مع المسيح.

3- عفّة موقتة (7: 5- 7)
ويستخلص الرسول النتائج ممّا قاله في آ 4. كما يكرّر بشكل منعٍ، الأمرَ الذي أعطاه في آ 3. "على الزوج أن يوفي امرأته حقّها". "لا يمتنع أحدكما عن الآخر". ليس هناك سوى استثناء واحد: إن أراد الزوجان التفرّغ للصلاة. غير أن الرسول يضع حدوداً: اتفاق تام بين الاثنين، لوقت قصير نعود بعده إلى الحياة العادية. نشير هنا إلى أن الصلاة المذكورة، ليست الصلاة اليوميّة التي نقوم بها. وإلاّ لأجبرنا على ممارسة العفّة طوال حياتنا. بل هي فترة خاصة جداً يتفرّغ فيها الزوجان بكلّيتهما للصلاة.
لماذا يجب أن يعودا إلى الحياة الزوجيّة؟ لا يستطيعان أن يضبطا نفسيهما، فيقعان في التجربة. إذن، يسمح بولس بمثل هذه العفّة بشروط. ولكنه يفرض على الزوجين العودة إلى الممارسة الزوجيّة العاديّة. ولماذا ترتبط الصلاة بالعفّة؟ تلك كانت فكرة معروفة في العالم الوثنيّ كما في العالم اليهوديّ. فالمعلّمون كان يعفّون عن العلاقات الزوجيّة، لفترة محدّدة، ليتفرّغوا لدراسة التوراة درساً مطولاً. رج وصيّة نفتالي (8: 8 -9 ): "هناك وقت أكون فيه مع امرأتي، ووقت فيه امتنع من أجل الصلاة. الممارستان هما من الله. وإن لم تُحفظا حسب ''الترتيب'' (الطقس)، فهما للبشر سبب خطيئة كبيرة".
في آ 6 يميّز بولس بين ما يسمح به وما يأمر به. فما يأمر به هو من عند الربّ (آ 10). وما يسمح به يمكن أن يكون نصيحة من "رجل جعلته رحمةُ الربّ موضعَ ثقة" (آ 25). ويمكن أن يكون ما يسمح به نصيحةً من النصائح تنطلق من حياته أو من يقينه. هذا لا يعني أننا نفاضل بين العفة والفوضى الجنسيّة، بل بين العفّة والزواج. وسوف يقول: العفّة هبة من الله. والزواج أيضاً.
«أنا أتمنّى». غير أن العفّة ليست هبة معطاة لكل واحد. الانسان يختارها بحرّيته، ولا تُفرض عليه فرضاً. كل انسان ينطلق من واقعه الشخصيّ. فإن عاش العفّة، فليحذر تجربة إبليس إن لم يضبط نفسه. وإن تزوّج، فليمارس الحياة الزوجيّة بدون تردّد. المهمّ، الاتّفاق التامّ بين الزوجين بحسب شريعة الله. وهكذا، وإن كان الزواج هو الوضع العام للبشريّة، فهو يحتاج إلى نعمة خاصّة لنعيشه كما يليق بالانجيل وبحسب القواعد التي أوردها الرسول هنا في آ 3- 4. إذن، هو موهبة (هناك أناس لا يقدرون أن يتزوّجوا، أو لا يحقّ لهم احتراماً للآخر بسبب مرض أو إعاقة جنسيّة...)، وإن تكن العفّة موهبة أسمى من أجل التفرّغ التام لله في الرسالة أو في الصلاة.

خاتمة
كانت نقطةُ الانطلاق سؤالاً بسيطاً، فوصلت بنا إلى لاهوت يشدّد على كرامة المرأة التي كانت ممتهنة، فيجعلها مساوية لزوجها في الحقوق وفي الواجبات. أما التوصيات الخاصة، فتبقى حاضرة لنا اليوم في الكنيسة، فنطبّقها في الوضع الذي نعيشه. ونعرف أن كلَّ حالة نعيشها هي هبة مجانيّة من الله. يبقى علينا أن نُنميها. هي نداء من عند الله، ونحن نجيب بالطاعة لإلهام الروح الذي يعلّمنا كيف نقرأ أحداث الحياة اليوميّة، وكيف نسمع كلاماً يكون بشكل "نبوءة"، لأنه يكون كلمةَ الله تُرسل إلى الواحد منا في الوضع الذي يعيشه والغموض الذي يلفّه.
الزمان قصير
7: 29- 31

الزمان محدود، وصورة هذا العالم إلى زوال. إذن، في استعمال أشياء هذا العالم، نتصرّف "وكأنّ". تلك هي النصائح التي يقدّمها بولسُ الرسول. نصائح غريبة وكأنها تتوافق مع فلسفة يونانيّة تدعو إلى الاستفادة بحكمة من الحياة قبل أن تذبل الورود. في الواقع، لا يذكر بولس، في هذه الآيات الثلاث (آ 29- 31) الله ولا المسيح، بحيث إن بعض الشرّاح ربطوها بالعالم الرواقيّ، فسمح بعض المسيحيين لنفوسهم بأن يعلنوا اللامبالاة تجاه أمور الحياة والتهرّب من الالتزام بأمور العالم.
(29) أقول لكم أيها الإخوة، إن الزمان يقصر. فليكن الذين لهم نساء كأن لا نساء لهم. (30) والذين يبكون كأنهم لا يبكون، والذين يفرحون كأنهم لا يفرحون، والذين يشترون كأنهم لا يملكون، (31) والذين يتعاطون أمور هذا العالم كأنهم لا يتعاطون، لأن صورة هذا العالم إلى زوال.

1- سياق النصّ
هذا النصّ، شأنه شأن نصوص أخرى، لا يُفهَم إلاّ إذا وُضع في منظار بولس، أي في قلب الإيمان المسيحيّ الذي يمنح معنى دقيقاً للألفاظ والعبارات: الزمن، العالم، «كأن». ويجب أن يُوضع هذا النصّ أيضاً في السياق المباشر لهذه الرسالة التي كتبها بولس للكورنثيّين. فهؤلاء راحوا في نقيضين اثنين: تساهلوا فظنّوا أن الحريّة المسيحيّة تسمح لهم بأيِّ تصرّف كان (1 كور 6)، فلم يعد هناك من ضابط. أو، تشدّدوا فندّدوا بمؤسّسة الزواج (1 كور 7).
في ف 7 نقرأ هذه الآيات التي نودّ التأمّل فيها: دعا بولس المؤمنين أن يعوا الوضعَ الجديد الذي كوّنه المسيح (7: 25- 28؛ 7: 32- 35): "بالنظر إلى الضيق الحاضر"، على كل واحد أن يبقى في الحال التي هو فيها، أكان متزوّجاً أم لا. وإذ أرادهم بولس أن يَفهموه، راح في استطراد يعمّم المسألة التي يتفحّصها: لسنا فقط أمام الزواج، بل أمام التعلّق بالحياة وأمور هذا العالم أيضاً. وجاء تفسيران رئيسيّان، واحد يرتبط بالسياق الاسكاتولوجيّ لانتظار نهاية العالم، وآخر لا. 
فبين تأكيدين مبدأيّين (الزمان قصير، صورة هذا العالم إلى زوال)، قدّم بولس خمسة أمثلة أتاحت له أن يحدّد طبيعة التصرّف المسيحيّ.

2- وضع المؤمن
إذا أردنا أن نفهم تعابير بولس، نترك جانباً نظرتنا الدنيويّة إلى العالم والزمن، وندخل في العقليّة البيبليّة. عندئذ نُدرك الجديد الذي حملته قيامةُ يسوع، بعطيّة الروح، بواسطة الربّ الذي يأتي.
أ- الزمان قصير
حين يتحدّث بولس هنا عن الزمان، فهو لا يستعمل لفظةً تقيس الزمانَ حسب عقارب الساعة وتسلسل الأيام في روزنامة. ولا يقول فقط: بُرهة في سلسلة برهات تتوالى بمعزل عن الله والبشر. ليس الزمان الذي يتحدّث عنه الرسول إطاراً فارغاً نملأه بالأعداد والصور. بل هو يدلّ على فسحة من الزمن يتدخّل فيها الله الذي يقود التاريخ، والأجيالَ المتعاقبة التي تكوّن هذا التاريخ. إذن، لسنا هنا أمام التاريخ في المعنى الدنيويّ، بل أمام التاريخ الذي نفهمه على المستوى اللاهوتي.
عن هذا الزمان يقول بولس إنه "قصير"، إنه "محدود"، إنه "صار قصيراً"، فلم يبقَ منه الكثير. هي أكثر من ترجمة تتوافق مع السياق الاسكاتولوجي في 1 كور 7: "الضيق الحاضر"، "المَضايق"، هي علامة المجيء القريب. "فالخلاص اليوم أقرب إلينا ممّا كان ساعة آمنا" (روم 13: 11). "الربّ يأتي. ماران أتا" (1 كور 16: 22). فحسب الصورة المعروفة، الزمان "طوى شراعه"، وكأن سفينة التاريخ وصلت إلى المرفأ. وصيغة المجهول المستعملة هنا تدلّ على عمل الله الذي حدّد الزمان، قصّره، اختصره، حين أرسل المسيح في ملء الزمان وأقامه من بين الأموات. لهذا، علينا أن نكون "متجرّدين" من كل ما يشكّل هذا العالم.
ولكن تبقى وجهةٌ أخرى تنسى الطابع الشخصي للزمان، تنسى الطابع الاسكاتولوجيّ. فالاسكاتولوجيا لا تكمن فقط في انتظار المجيء، بل في تأوين النهاية، وجعْلها حاضرة الآن "لنا نحن الذين بلغنا نهاية الأزمنة" (10: 11): نحن في "الأزمنة الأخيرة". كل زمان (مؤاتٍ) يصبح "مُثقلا" بالعمل الالهيّ النهائيّ الذي به أقام الله ابنه وأعطانا الخلاص. هذا الزمان قد ضُغِط حين حَلّت السماء على الأرض، فامتلك بُعداً جديداً لا بدّ من التعرّف إليه دوماً. هو ليس أقرب من نهاية الأزمنة، بل يملأها، وقد ركّزه الله في المسيح يسوع.
ب- هذا العالم إلى زوال
بما أن الزمان تبدّل، فلا بدّ أن يكون العالم تبدّل. فيبقى أنه يجب أن نفهم ما يعنيه بولس بـ "هذا العالم". إنه يقاسم النظرة الجليانيّة (مع كشف ورؤية) لدى معاصريه اليهود الذين قابلوا "هذا العالم" (هذا الدهر) و"العالم الآتي" (الدهر الآتي). فاللفظ المستعمل يدلّ على البعد الزماني (الدهر) والبُعد المكاني (العالم). وتكلّم بولس أيضاً، تارة عن هذا الدهر لكي يدلّ على العالم (2: 6، 8؛ 3: 18)، وطوراً عن "الكوسموس"، الكون (3: 19). هذا العالم هو الخليقة (المخلوقات) (8: 4)، هو الكون الذي يقيم فيه الانسان. ولكن بما أن العبارة تُعارض "العالم الآتي" والذي سيكون كاملاً، فهي تلوّن هذا العالم بلون الخطيئة، لأنه سقط في قبضة إبليس "إله هذا العالم" (2 كور 4: 4). وإذ عادت هذه العبارة إلى الكون المخلوق، لم يكن لها فقط معنى كوسمولوجي، يرتبط بالكون. بل لها أيضاً بُعد لاهوتيّ فتدلّ على وجهة الخطيئة في الكون. بعد هذا، لا يحكم بولس حكماً على الأشياء، بل على وضع هذا العالم بالنسبة إلى الله.
عن هذا العالم أعلن بولس أن "الصورة" (رسمة) بدأت تزول، تعبُر. هي صورة هذا العالم دون الفصل بين الظاهر والواقع. عندئذ نسير في منظار كوسمولوجيّ، هو منظار الرؤى التي تعلن الكارثة (2 بط 3: 6- 12) التي بحسبها يؤول العالم إلى الانحطاط، فيشيخ وتعلوه التجاعيد. ولكن بولس، شأنه شأن يوحنا (2: 17)، لا يميّز بين الظاهر والجوهر. بل هو يدلّ على بنية العالم نفسها. فالعالم يعني: الطريقة التي بها ننظر إلى مجموعة ملموسة، زمانيّة، في أقسامها وفي تنظيمها. أو: الشكل الذي نلاحظه ونحلّله في عناصر شيء من الأشياء. فما يزول ليس العالم (الكون) على أنه مخلوق، بل العالم الذي تبنيه الخطيئة والموت. فقولُ بولس ليس قولَ شخص عاد إلى رشده، ليس بقول يحمل التهديد ولا التشجيع: ففي هذا العالم، العالمُ الآتي حاضر منذ الآن. فمنذ الآن يترك هذا العالم الساحة للعالم الآتي. وكما يقول بولس: الروح يعمل الآن، والموت يزول.

3- تصرّف المؤمن
لا يقول بولس شيئاً عن نتيجة التحوّل الأخير في هذا العالم (15: 35- 49). فقد أراد أن ينِّبه قرّاءه إلى طريقة استعمال العالم الاستعمال الحسن: ما أعطى أمور الأرض قيمة كبيرة أو صغيرة، بل دلّ المسيحيّ كيف يعيش في هذا العالم المطبوع بالخطيئة. فالمسألة هنا تشبه المسألة التي رسمها بولس في الصراع بين الروح والبدن (أو اللحم والدم بما فيهما من ضعف، روم 8: 2- 17). ولكنها لا تجد حلّها هنا في أن الحرية المسيحيّة هي الأساس الأخير. هذا يعني أن كل شيء يجب أن يتمّ "في الربّ" (1 كور 7: 39).
نتصرّف «كأنّ». بهذا الكلام الذي لا نعرف أصله، دلّ بولس على أنه وارثُ فكر يسوع (مت 6: 19- 34)، لا الفكر الرواقيّ ولا الفكر الجليانيّ. فما لا يقوله بولس هو يقينه بأن الخلاص قد تمّ منذ الآن، ومع ذلك فهو لم يتمّ بعد في الجميع: فجدليّة "ما حصل" و"ما لم يحصل بعد" تُشرف على حياة المؤمن. وبالنظر إلى قيامة يسوع، وعطيّة الروح، والمجيء الآتي، صار الحاضرُ والمستقبل القريب "زمناً مضغوطاً". والمسيحيّ الذي ينتمي إلى عالمين يتداخلان الآن، يعرف أن الروح القدس يعمل في هذا العالم. ليس المسيحيّ أمام خيار بين هذا العالم والعالم الآخر، بل في وضع جديد. فلفظ "كأن" لا يعني أننا نحذر عالماً يخدعنا مع أن لا قيمة له، كما لا يعني اللامبالاة الجذريّة، على ما في العالم الرواقيّ. ولا يعني السيطرة على اللذة والرغبات، كما لا يعني رفض الالتزام لكي نحافظ على حرّيتنا: كل هذا يُخسر العالمَ قيمتَه، وهذا ليس فكرَ بولس الحقيقيّ. ففي نظره، يدلّ "كأن" على أن المؤمن ينظر من بعيد إلى واقع هذه العالم، لأنه يعرف "الاله" (إبليس) الذي يسيطر عليه. فينطلق من مركز النور، من المسيح الربّ الذي يضيء على الظروف المختلفة التي يعمل فيها.
«فالذين لهم نساء يكونون كمن لا نساء لهم». بهذه النصيحة، لا يحقّر بولس الزواج. ففي موضع آخر، سوف يدلّ على قيمته واستعماله (7: 2- 5؛ أف 5: 23- 33). أما هنا، فيجعل الرسول الزواج في مكانه: فما هو بالمطلق، بل هو نسبيّ بالنظر إلى الربّ الذي وحده يكشف معناه. لقد دخلت الخميرةُ الاسكاتولوجيّة في قلب الزواج وحوّلته. لسنا أمام نقصان، بل أمام زيادة تدعونا لكي نتصرّف "كأن"، دون أن ننسى الواقع المعاش.
«والذين يبكون كأنهم لا يبكون. والذين يفرحون كأنهم لا يفرحون». استعمل بولس الأسلوب الساميّ الذي يقوم بأن نعارض بين وجهتين لكي ندلّ على الكلّ، فتحدّث عن وضع المؤمن وما يؤثّر عليه. ما عبّر هنا أيضاً عن حكمٍ على هذه العواطف. فلو فعل لكان عارض نفسه بنفسه، لأنه يقول في موضع آخر: إفرحوا في كل حين (فل 4: 4). فهو يعرف البكاء (2 كور 1: 6؛ 2: 3؛ 12: 21) والفرح (2 كور 2: 2- 3؛ 7: 4؛ 13: 11). فبولس ليس «صخراً» لا يبالي بشيء، كما يقول الرواقيون، ولا يحسّ بشيء. ونظرته ليست: فرحٌ للذين يبكون، وبكاء للذين يفرحون. فما يرمي إليه نستطيع أن نقرأه في فل 4: 4: "إفرحوا دوماً في الربّ". "كأن" يقابل هنا «في الربّ».
"والذين يشترون يكونون كأنهم لا يملكون". وهنا أيضاً نحتفظ من اعتبار هذا الكلام حكماً على ما نمتلك من مال. بل إن بولس ينطلق من وضع في هذا العالم حيث نشتري لكي يكون لنا شيء بحيث يتحسّن عيشُنا. وحسب روح يسوع في مثَل الغني الذي أغلّت أرضُه فأراد أن يوسّع أهراءه، ويتنعّم بخيراته (لو 12: 16- 21)، ما زال المسيحيّ يشتري ويمتلك. ولكن عليه أن يعرف أن يتباعد عن «البيع والشراء» لئلاّ يكون عبداً للعالم ولممتلكاته.
"والذين يتعاطون أمور هذا العالم كأنهم لا يتعاطون". هو التعاطي والافادة والتنعّم في الوقت عينه. قد نكون هنا أمام مثَل يضاف إلى المثلين السابقين (الافادة، التنعّم)، أو أمام تعميم (تعاطى) يضمّ المثلين السابقين. في أي حال، إن حضور الله في قلب هذا العالم الزائل، يُتيح لنا العودة إلى الذات بحيث لا نتعلّق تعلّقاً تاماً بخيرات هذا العالم فنصبح عبيداً لها. فالمسيحيّ عبد المسيح فقط، وهو محرَّر للربّ (7: 22): نظرتُه المتجدّده تجعله دوماً تجاه انتماءين للعالم، لا في اللامبالاة الرواقيّة. هذه النظرة تجعله يختار الربّ وحده.

خاتمة
حين نقرأ هذه الآيات الثلاث (7: 29- 31)، نطلب من بولس الرسول جواباً على أسئلة تعترضنا في الحياة اليوميّة: الزواج، اللذة، الغنى، العالم. قد نظنّ أن بولس شخص لا يبالي بالعالم فيعيش فوق البشر، ونحمّله مثالَ حياة ليس مثالَه، ولا هو حاول يوماً أن يعمل به. يكفي أن نقرأ رسائله لكي نكتشف رجلاً مندفعاً، يحبّ الناس والأشياء، وإن هو تخلّى عن بعض الأمور من أجل الرسالة.
فبولس هو في أصله ذاك اليهوديّ الذي ينظر إلى الأشياء في ارتباطها بالله الذي وحده يعطيها معناها وقوامها. وهو المسيحيّ الذي يرى العالم خاضعاً للخطيئة، كما يرى الله يطلب هذا العالم ويزرع فيه البرّ والخلود. لهذا، حين يقوّم الرسولُ معاييرَ عمل المؤمن في العالم، فهو لا يُبرز أولاً المبادئ الكبرى لوضع الأشياء في المسيح، بل يعرض تعابير ملموسة: نتصرف «كأن». لسنا هنا أمام عبارة خبيثة: نتظاهر وكأننا نعمل، ولكننا في الواقع نفكّر تفكيراً مغايراً. فالمؤمن يبتهج أو يبكي. يتعامل بصدق مع قيم هذا العالم. هو لا يعمل من أجل عالم آتٍ أكثر ثباتاً من العالم الذي يقيم فيه. بل هو يعرف أنه ينتمي إلى عالمين، في الوقت عينه، لأن افتداء هذا العالم يتمّ الآن، ولأنه هو يسير في طريق الحرّية التامّة.
ذاك هو المعنى الأخير لقول بولس: نجعل مسافة بيننا وبين التعامل مع العالم، لأن حريّة المؤمن تتجذّر وتغتني كما لا يقدر اللامؤمن أن يفعل. فالمؤمن متأكّد أن «إله هذا العالم» قُهر، وأن الروح يعمل، وأن الله قد غلب في شخص يسوع ربّنا.
الزواج والبتوليّة
7: 32- 35

طرح الوالدون سؤالاً حول مستقبل ابنتهم: هل يزوّجوها أم لا؟ فأجاب بولس كرجل ائتمنه الله: لم يوافق ولم يعارض. وخصوصاً لم يعطِ أمراً، ولكنه رسم خطاً يساعد كلَّ واحد على اكتشاف الحلّ الذي يفرض نفسه عليه، وعلى الأخذ به مهما كلّفه من صعوبات. تحدّثَ عن خير العزوبة (والبتوليّة)، وبرّرها بالآلام التي يتعرّض لها المؤمنون. وقال: الزمان قصير بين مجيء المسيح الأول ومجيئه الثاني. ونحن الآن في الساعة الأخيرة. إذن، لنستعدّ ولا نتعلّق بشيء من أمور هذه الدنيا. وهكذا نصل إلى مقارنة بين الزواج والبتوليّة، توجّهت إلى جماعة كورنتوس سنة 57، ولكنها تتوجّه إلينا اليوم أيضاً، نحن الذين نهتف للربّ: ننتظر مجيئك. ونقرأ النصّ: 
(32) أريد أن تكونوا من دون همّ. فغيرُ المتزوّج يهتمّ بأمور الربّ كيف يُرضي الربّ، (33) والمتزوّج يهتمّ بأمور العالم وكيف يرضي امرأته، (34) فهو منقسم. وكذلك العذراء والمرأة التي لا زوج لها تهتمّان بأمور الربّ وكيف تنالان القداسة جسداً وروحاً، وأمّا المتزوّجة فتهتمّ بأمور العالم وكيف تُرضي زوجها. (35) أقول هذا لخيركم، لا لألقي عليكم قيداً، بل لتعملوا ما هو لائق وتخدموا الربّ من دون ارتباك.

1- سياق النصّ
خمسُ أو ستُّ سنوات فصلت وصولَ الرسول إلى كورنتوس، عاصمة أخائية، عن تدوين الرسالة الأولى إلى كورنتوس. فالجماعة الفتيّة ازدهرت بسرعة، واتّخذت أهميّة كبيرة، واغتنت بالمواهب المختلفة. ولكن في الوقت عينه، طُرحت فيها الأسئلةُ العديدة. فكورنتوس مدينة النصف مليون ونيّف، عرفت مزيجاً من الناس، وواجهت الجماعةُ المسيحيّة فيها الضلالات والانحرافات من كل نوع: ديانات سرانيّة آتية من عالم الشرق. فلتان في مدينة اعتُبرت عاصمةَ الفجور والدعارة. وقد قال بولس: إذا كان على المسيحيين أن يبتعدوا عن العلاقات مع الفجّار والجشعين والسارقين وعبّاد الأوثان، لوجب عليهم أن يتركوا المدينة. لهذا، فهو يمنعهم أن يحترزوا من الإخوة الذين يكونون من مثل هؤلاء "الخطأة".
وبين الأسئلة العديدة التي تجيب عليها الرسالة، هناك ما يتعلّق بالزواج والعلاقات الجنسيّة. بدأ الرسول فرفض أفعال الزنى بكل أشكاله (5: 1- 5؛ 6: 12- 19). ثمّ تطرّق إلى تعليم "دقيق" حول قيمة الزواج. قالوا له، أو هو قال: "خير للرجل أن لا يمسّ (يمتنع، يعف عن) امرأة" (هي امرأته) (آ 2). انطلق الرسول من هذا القول، فأوضح معناه ورسم حدوده حسب مختلف الحالات الملموسة: المتزوّجون، الأرامل، العازبون، الزواج المختلط، الخطّاب (آ 1- 40). وهكذا دلّ على تفضيله للبتوليّة بشكل رأي خاص، ومثال شخصيّ قدّمه للمؤمنين. كان يحقّ له أن يصطحب زوجة مؤمنة (9: 5)، شأنه شأن بطرس وإخوة الربّ، ولكنه لم يفعل.
ذاك هو سياق النصّ الذي ندرس، وفيه يؤكّد بولس قيمة تكريس الانسان نفسه في البتوليّة: فمن رفض الزواج وأخذ بالبتوليّة، دلّ على اهتمامه بأمور الربّ، فطلب رضى الربّ، وتعلّق به تعلّقاً لا انقسام فيه.

2- الزواج
نحن هنا أمام نظرة جديدة إلى الزواج تبتعد عمّا في العالم اليهوديّ حيث تُخطب الفتاةُ في سنها الثالث عشر والشاب في سنّه السابع عشر، وعمّا في العالم الوثني.
أ- الزواج طريق الجميع
إذا كان بولس لا يقبل بالمحرّمات حول الزواج، فهو يتجاوز موقفَ العالم اليهوديّ الذي يفرض الزواجَ لكي يتواصل عملُ الخالق بإيلاد البنين (تك 2: 18). إنه يقول بكل بساطة: "فليسلك كلُّ واحد في حياته كما قسم له الربّ وكما كانت عليه حاله عندما دعاه الله" (آ 17). فالذي ارتبط بزواج لا يقطع رباط الزواج، والذي عزم أن لا يتزوّج، فهو لا يخطأ (آ 27- 28). بل إن على المتزوّجين أن يعيشوا الحياة الزوجيّة بشكل منتظم، وإن أرادوا العفّة فليكونوا فطنين لئلاّ يجرّهم إبليس إلى ما هو عكس العفّة، لأنهم لن يستطيعوا أن يضبطوا نفوسهم (آ 5). وإذ يُوصي بعد ذلك بالعزوبة، فهو يضيف متوجّهاً إلىالعديدين: "فالزواج أفضل من التحرّق بالشهوة" (آ 9). لسنا هنا أمام نظرة تشاؤميّة، بل واقعيّة: ما أراده الله للبشريّة إجمالاً هو الزواج كطريق عادي هيّأته العناية في خطّ طبيعة الانسان.
ب- حياة جديدة لأزمنة جديدة
بعد هذه الشروح التي أبعدت القلق عن القلوب، أوضح بولس مع ذلك، أن الزواج يمثّل "سماحاً، لا أمراً" (آ 7). يعني هو لا يأمر الجميع بالزواج، ولكنه لا يعارض. وكان قد قال قبل ذلك: "فأنا أتمنّى لو كان جميعُ الناس مثلي". أي أن يعيشوا البتوليّة. غير أنه أقرَّ أن هذه هبة خاصة من عند الله، لا يستطيع أن يطمح إليها كلُّ إنسان (آ 8). وفي الخط عينه، قال للعازبين والأرامل: "خير لهم أن يبقوا مثلي". أمّا إذا كانوا غير قادرين على ضبط النفس فليتزوّجوا" (آ 8- 9).
ولكن إلى ماذا يستند الرسول ليتجرّأ ويتكلّم هكذا؟ الجواب: "وأما غير المتزوّجين فلا وصيّة لهم عندي من الربّ، ولكني أعطي رأيي كرجل جعلته رحمةُ الربّ موضع ثقة" (آ 25). ويتابع كلامه بهذه الثقة عينها: "وأظنّ أن روح الله فيّ أيضاً" (آ 40).
نحسّ أن تعليم الرسول يتمتّع ببعض الوضوح، ولكنه يبحث بعدُ على تعابيره. في أي حال، هو يحسّ بدفع الروح، كما يستند إلى أقوال الربّ التي بدأت تتدوّن في مجموعات، وتنتقل من كنيسة إلى كنيسة. لهذا، استطاع بولس أن يكون متأكّداً ممّا يوصي به الجماعة في كورنتوس.
ثم إن الروح ينير الرسول حول الزمن الذي يعيش فيه. فهو يظنّ بسبب "الضيق الحاضر" أن العزوبة هي الموقف المناسب، وأن المتزوّجين يجدون مشقّة في هموم الحياة". "وأنا أريد أن أبعدها عنكم" (آ 28). رأى بولس أن إخوته يعيشون في حقبة رديئة وصعبة، في عالم فاسد أضاعَ طريقَه (أف 5: 16؛ فل 2: 15). ووعى بشكل خاص أن تحوّلاً جذرياً حصل في التاريخ منذ مجيء المسيح. "إن الزمان يقصر... لأن صورة هذا العالم إلى زوال" (آ 29- 31). إذن، نحن في الدهر المسيحانيّ حيث تبدَّل كلّ شيء، في زمن الملكوت: إذا أردنا أن نستمرّ، ليس المطلوب أن نلد الأولاد، بل أن نكون مستعدّين لعودة الربّ. تبقى للزواج أهميّته، بلا شكّ، ولكنه لم يعد أمراً مفروضاً على الجميع، لأن نوعاً آخر من الحياة برز، فيه يهب الانسان ذاته بكليّتها للربّ، ويتكرّس لمواصلة عمله. هو العزوبة المكرّسة، البتوليّة التي يعيشها الرجالُ والنساء على السواء.

3- البتوليّة
بماذا تتميّز البتوليّة أو العزوبة المكرّسة؟ هي تحرّر (وتكرّسُ) ينذر فيه الانسان نفسه من أجل عمل الربّ.
أ- البتوليّة تحرّر
حين نقرأ آ 25- 31 التي توصي بعدم الإفراط في العلاقات الجنسيّة، باللامبالاة، بل بالامتناع التام (على مثال بولس)، نحسّ أننا في مناخ رواقيّ يعلن سيطرة الانسان على نفسه. والعبارة التي نقرأ في آ 32 (أريد أن تكونوا من دون همّ، محرَّرين من الهموم) ترتبط بالمناخ عينه. غير أن غياب الهموم هذا بعيد كل البعد عمّا يقوله الانجيل من قول يدلّ على الاستسلام إلى العناية الالهيّة من أجل طلب الملكوت دون سواه: "لا تهتمّوا فتقولوا: ماذا نأكل؟ وماذا نشرب؟ وماذا نلبس؟ ... فاطلبوا أولاً الملكوت وبرّه (أي ملكوت الله ومشيئته)، فيزيدكم الله هذا كلَّه" (مت 6: 31- 33). ونقرأ في مت 16: 25: "لأن الذي يريد أن يخلّص حياته يخسرها، ولكن الذي يخسر حياته في سبيلي يجدها".
في الحقيقة، أراد بولسُ أن يحرّر المسيحيّين من هموم خاصة يعرفها المتزوّجون. من اهتمام بارضاء الزوج أو الزوجة، إلى انقسام يجتاح حياتهم.
هناك أولاً الهموم الماديّة. هموم العمل والأجر الذي نناله لكي نحافظ على مستوى حياتنا أو نحسّنه. هموم السكن والصحة. هموم المدرسة للأولاد والبحث لهم عن وظيفة. هموم نشارك فيها الآخرين أفراحَهم وأحزانهم، هموم الحياة الزوجيّة، فأحبّ الآخر ويحبّني مع الابتعاد عن الأنانيّة أو الملل أو عدم الأمانة.
ولكن حين يتكلّم بولس عن همّ المرأة بأن ترضي زوجها، فهو لا يفكّر أولاً بالأمور العاطفيّة وجمال الجسم الذي يجعلها محبّبة. بل يتطلّع إلى الاهتمام بالبيت بما فيه من أولاد وخَدَم، وإلى نجاح العائلة على المستوى الاجتماعيّ، بحيث تكون معروفة وسمعتها طيّبة. ذاك هو معنى فعل "أرضى" في الرسائل البولسيّة: "السيرة التي تسيرونها اليوم كما تعلّمتموها منّا لإرضاء الله" (1 تس 4: 1). ونقرأ في روم 15: 1- 2: "لا نطلب ما يُرضي أنفسنا، بل ليعمل كلّ واحد منّا ما يرضي أخاه لخير البنيان المشترك".
إن كانت المرأة المتزوّجة "منقسمة"، فهذا لا يعني أننا ننتزعها من هموم الجسد والأرض لنتيح لها أن تتكرّس بكليّتها للروحيّات، للصلاة والتأمّل. مثلُ هذه النظرة إلى عزوبة الراهب والكاهن، وُجدت بعض المرات في تاريخ الكنيسة، وقد عبّرت عنها الترجمة الشعبيّة اللاتينيّة حين فسّرت آ 32 كما يلي: "من كان بلا امرأة يهتمّ بما هو للربّ، وهكذا يُرضي الله". فأمور الله من (تأمّل ومشاهدة) تأخذ مكانتها قرب الاهتمام بأمور الربّ، بما في هذا الاهتمام من تعب.
غير أن هذا التفسير ينسى البُعد الروحيّ لخيرات الأرض التي يستعملها المؤمن واللامؤمن. فالرجل المتزوّج الذي أمّن لنفسه البيت والوظيفة في المجتمع، يُفرَض عليه أن يجاهد من أجل العدالة والسلام والتفاهم، وهي قِيَمٌ نجدها في عظة الجبل (مت 5- 7). إن الانسان المكرّس لله لم يعد منقسماً، لأنه بعد الآن، يحدّد موقعَ جميع الهموم البشريّة، في منظار الربّ يسوع الذي تكرّس له بكليّته، الذي وقف له ذاته بملء الحريّة والفرح.
ب- البتوليّة تكريس
قال بولس عن الرجل كما قال عن المرأة، إن لا همّ لهما سوى أمور الربّ. هما يسعيان إلى إرضاء الله. وهكذا يتعلّقان به تعلّقاً لا انقسام فيه، وهذا ما يطلبه منّا.
غير أن الرسول أضاف تفصيلاً يتعلّق بالمرأة: "وكذلك العذراء والمرأة التي لا زوج لها تهتمّان بأمور الربّ وكيف تنالان القداسة جسداً وروحاً" (لتكونا مقدّستين نفساً وجسداً. أو لتكرِّسا للربّ الجسدَ والروح) (آ 34). هي تريد أن تكون مقدّسة بجسدها وروحها. تلك هي المسيرة البيبليّة كما يفكّر فيها القديس بولس. فالكتاب المقدّس يضمّ ضماً وثيقاً الطهارة والقداسة: فالطهارة تتيح لنا أن نقترب ممّا هو مقدّس، مكرَّس. في الأصل، نحن أمام طهارة على المستوى الماديّ، وامتناع عن العلاقات الجنسيّة. مع المسيح، صارت الطهارةُ حالة باطنيّة وروحيّة. ومع ذلك، يحكم بولس بقساوة على الزنى حيث يستسلم الانسان إلى خطيئة جسد هو هيكل الروح القدس، بعد أن افتداه المسيح بذبحه (6: 15- 20). حين تُلغي العزوبةُ المكرّسة خطرَ عبادة الأوثان وتدنيسَ الأقداس، ترفع الانسانَ إلى العالم القدسيّ، إلى القداسة.
أراد الرسول أن يشدّد على سمة في تكريس المرأة، يرتبط بنظرة إلى المرأة الحقيقيّة في كل العصور، لا في حقبة محدّدة ومحيط اجتماعيّ معيّن. فطهارةُ العذراء المكرّسة، شأنها شأن طهارة الخطيبة التي تمضي إلى لقاء خطيبها في سرّ الزواج، تنطبع بطابعِ من نذرَ نفسه للآخر وقدّمها قرباناً. أما عطاء الانسان ذاته، فيرتبط أولاً بغيرة لخدمة الله وتخصّص لقضيّته. لهذا تحدّث بولس في 2 كور 11: 28: "ما أعانيه كل يوم من اهتمام بجميع الكنائس".
من أعطى نفسه للرسالة، يستطيع أن يهتف بالفم الملآن: "أنا رجل حرّ عند الناس (حرّ بالنسبة إلى الجميع، وغير مرتبط بأحد)، ولكني جعلتُ نفسي عبداً لجميع الناس (للجميع)، حتّى أربح أكثرهم" (9: 19). ولكن جميع المكرّسين يسيرون المسيرة عينها: يتجرّدون عن كل شيء ليتكرّسوا للربّ تكرّساً أفضل ويخدموه حيث يدعوهم.
في منظار 1 كور، يجب أن لا ننسى المدلول الاسكاتولوجي (= يرتبط بنهاية الأزمنة) للعزوبة المكرّسة، التي هي إعلان واستباق لما سيكون عليه، في يوم من الأيام، واقعُ الملكوت من أجل جميع البشر. فمتطلّباتُ الجسد المرتبطة بالايلاد تزول مع علامات الحبّ الجسديّ. ولكن منذ الآن، العزوبة المكرّسة هي مثل ثلمة بها تدخل الأبديّة في الزمان، وعلامتها شهادة انسان خلال حياته على الأرض. فهذا التعلّق بالربّ، والاهتمام به وبمشيئته دون غيره، لا يُغلقنا على ذاتنا ولا يُشوّهنا، بل يفتح قلبنا وفكرنا على وسع الكون كله. قد نجد مكرّسين ومكرّسات نضبت فيهم المحبّة فانطبعوا بالقساوة والصلابة. ولكن العديدين أنبتوا حيث مرّوا، الحبَّ والصداقة والعطاء، فشكر الناسُ المسيحَ من خلالهم.
خاتمة
حين نصح بولس الكورنثيين بالبتوليّة أو العزوبة المكرّسة، ما أراد أن ينصب لهم فخاً، وإن لم يكن يعرف ما يلتزمون به وما ينتظرهم. هو المجهول أمامهم، كما أمام المتزوّجين. حين يدخل الانسان في سرّ حبّ الله، لا يمكنه أن يعرف إلى أين يصل به هذا الحبّ. وبولس دخل في هذا السرّ، سواء تزوّج كفريسي أم لا، وأشركنا في خبرته الحميمة. ومثله عاش الكثيرون هذه العزوبة المكرّسة، التي هي في النهاية هبة من الله وجواب إلى نداء شخصيّ يطلب منّا أن نسير في خطى المسيح.
المعرفة الحقيقيّة
8: 1- 6

طرح الكورنثيّون على رسولهم أكثر من سؤال. الأوّل، حول الزواج والعزوبة أو البتوليّة (ف 7). والسؤال الثاني يتعلّق باللحوم المذبوحة للأوثان (8: 1- 10: 33). فما هو التعليم المسيحيّ في هذا المجال؟ وما الذي يُشرف على تصرّفنا؟ المعرفة أم المحبّة؟ لا شكّ في أن "الأقوياء" أحرار في تصرّفهم! ولكن، يا ليتهم يأخذون "الضعفاء" بعين الاعتبار! ونقرأ النصّ: 
(1) أما من جهة ذبائح الأوثان، فنحن نعلم أن المعرفة لدينا جميعاً. إلاّ أن المعرفة تزهو بصاحبها، والمحبّة هي التي تبني. (2) فمن ظنّ أنه يعرف شيئاً، فهو لا يعرف بعدُ كيف يجب عليه أن يعرف. (3) لكن الذي يُحبّ الله يعرفه الله. (4) وأمّا الأكل من ذبائح الأوثان، فنحن نعرف أن الوثن لا كيان له، وأن لا إله إلاّ الإله الأحد. (5) وإذا كان في السماء أو في الأرض ما يزعم الناس أنهم آلهة، بل هناك كثير من هذه الآلهة والأرباب، (6) فلنا نحن إله واحد وهو الآب الذي منه كل شيء وإليه نرجع، وربّ واحد وهو يسوع المسيح الذي به كل شيء وبه نحيا.

1- سياق النصّ
في المدن اليونانيّة، كانت كل اللحوم تقريباً تأتي من ذبائح مقدَّمة للآلهة في الهياكل. كانوا يُحرقون أمعاء الحيواات على المذبح، بسبب الشحم الذي فيها. ويُعطى قسمٌ من اللحم فيأكله مقدّم الذبيحة ومدعوّوه. وما تبقّى، كان يُباع في السوق. لهذا، كان موضعٌ قرب الهيكل تُباعُ فيه اللحومُ. وطُرح السؤال على بولس: هل يستطيع المسيحيون، بضمير مرتاح، أن يأكلوا من هذه اللحوم التي كُرّست للآلهة، أم عليهم أن يمتنعوا لئلاّ يشاركوا في عبادة الأصنام؟
من طرح هذا السؤال على بولس؟ في الدرجة الأولى، المسيحيّون الذين من أصل يهوديّ. فاليهود، باسم تكريسهم للربّ، كانوا يقشعرّون من الذبائح المقدّمة للآلهة الكاذبة (رج دا 1: 8). فقد حُرِّم عليهم أن يأكلوا منها، بل حُرِّم عليهم أن يبيعوها. وحين يُكرَه يهوديٌّ على أكل مثل هذا اللحم، فكأنه يُكرَه على إنكار دينه!
إن المسيحيين الذين من أصل يهوديّ (والذين تأثّروا بهم) ورثوا هذا التحريم، وحاولوا أن يفرضوه على المسيحيّين الآتين من العالم الوثني (أع 15: 29؛ 21: 25؛ رؤ 2: 14، 20). أما بولس فما فرضه، بل ترك ما قيل في سفر الأعمال، وما التزم في رسائله «بالقرار الرسوليّ» الذي اتُّخذ في «مجمع أورشليم»الذي انعقد حوالي سنة 50 (أع 15: 29). بل أعطى حلاً آخر لهذه المشكلة التي كادت تقسم الكنيسة في أيامه. لهذا، سعى إلى الحفاظ على الوحدة حين جعل تجاه الحرّية المسيحيّة، المحبّةَ التي تراعي القريب ولا تشكّكه.
في بداية هذا النصّ (آ 1- 4) نكتشف رأي الأكثريّة في كورنتوس، وهم من أصل وثنيّ. تعليم صحيح: هم متأكّدون أن لا وجود للآلهة. فلا إله سوى الاله الواحد. هذا ما يعرفونه. ولكن قبل أن يوجز الرسول مضمونَ هذه "المعرفة" (آ 4- 6)، فهو يدلّ على أنها محدودة وغير كافية (آ 1- 3). فالمعرفة وحدها لا تكفي. بل هي تحرّك الكبرياء والرضى عن الذات، شأنُها شأن الحكمة البشريّة (3: 18؛ 4: 8). وفي النهاية، فهي تسيء إلى القريب.
وراح بولس أبعد من ذلك: المعرفة بدون المحبّة الأخويّة ليست معرفة حقيقيّة (هي مزيّفة). فمثلُ هذه المعرفة لا تكمن في أفكار يمكن أن تكون صحيحة، بل في محبّة الله والقريب، حسب موجز عن الشريعة نقرأه في الانجيل (مر 12: 29- 31) وفي الرسالة إلى رومة (13: 8- 10). لا يقول بولس: من يحبّ الله يعرف الله. بل "الذي يحبّ الله يعرفه الله" (هو معروف لدى الله). فالله هو من يحبّ أوّلاً. فيختار الانسانَ ويصطفيه لكي يكون ابنَه. فمن جهة الله، المعرفة كاملة. أما من جهتنا، فلن تكون كاملة إلاّ في العالم الآتي. "اليوم أعرف بعض المعرفة، وأمّا في ذلك اليوم، فستكون معرفتي كاملة كمعرفة الله لي" (13: 12). هذا ما قاله الرسول للمؤمنين، فشبّه معرفته الآن بمن يرى في "مرآة"، لا "وجهاً لوجه".
بعد هذا الايضاح، صوّر بولس بإيجاز هذه "المعرفة" التي يشارك فيها جميعُ المؤمنين. لا إله سوى الاله الواحد. والصنم ليس بشيء. إذن، اللحم المكرّس للأصنام، لا ينال أيَّ طابع خاص. فهو لحم مثل كل لحم نشتريه في السوق. ولهذا، فالمؤمن الذي يأكل منه لا يتنجّس. لا شكّ في أن الوثنيّين يقولون بوجود آلهة عديدة، وقوّات سماويّة، وملوك تُعبَد كأنها آلهة (بدأوا يعبدون أباطرة رومة منذ أوغسطس). غير أن المؤمن متأكّد أن لا إله سوى الاله الحقيقيّ، الذي كشف نفسه بيسوع المسيح. وانتهى هذا المقطع باعتراف إيماني حول «وظيفة» الآب والابن بالنسبة إلى العالم وإلى البشريّة: الله هو خالق الكون وغايته. ويسوع المسيح هو وسيط الخلق والخلاص (كو 1: 16- 20؛ لو 1: 3).

2- المعرفة والمحبة (8: 1- 3)
موضوع ف 8 يمكن أن نوجزه كما يلي: علاقة الحريّة بالمحبّة. عندما تكون هذه العلاقةُ صحيحة، نستطيع أن نتكلّم عن معرفة حقيقيّة، هي في الواقع طريقة اتصال بالآخر في توافق وتناغم، حيث أبحثُ عن خير القريب قبل أن أبحثُ عن منفعتي.
في مثل هذا اللاهوت، تطرّق بولس إلى السؤال الذي طُرح عليه. ما هو موقف المسيحيّ من "الصنميّات" أو اللحوم المذبوحة للصنم الذي لا يتعدّى أن يكون من الحجر أو الخشب؟ تلك كانت طريقة اليهود في الكلام. أما الوثنيون فكانوا يسمّون هذه اللحوم: "ما ذُبح للآلهة" (10: 28).
ماذا كان يحدث في الواقع؟(1) هناك لحمٌ يُباع في السوق. إن أكل منه المسيحيّ يخاف أن يشارك، بشكل غير مباشر، في الذبيحة الوثنيّة. (2) قد يدعو المسيحيَّ قريبٌ أو صديق وثنيّ، فهل يجب أن يسأل: من أين هذا اللحم (10: 27)؟ (3) كانت هناك تجمّعات أو نقابات، أو احتفالات اجتماعيّة، يشارك فيها المؤمن الذي لا يستطيع أن ينفصل كل الانفصال عن المجتمع. ولكن في هذا الوضع، فيبدو وكأنه يشارك في وليمة ذبائحيّة إكراماً لهذا الاله أو ذاك.
ليست هي المرّة الأولى التي فيها يُعطي بولس رأيه في أمر خطير مثل هذا. دُعي ليحكم بين الذين يمتنعون عن اللحوم المذبوحة للأصنام، والذين يأكلون منها ولا يتردّدون، فوجّه إلى هؤلاء تنبيهاً قاسياً: إن مثل هذه الممارسة تعني عودَتهم إلى الوثنيّة (10: 1- 22). ولكن عاد الجدال من جديد. اقتنع هؤلاء أن الرسول لم يفهمهم، فاتّهمهم اتّهاماً خاطئاً، فحاولوا أن يعطوه صورة صحيحة عن موقفهم. في الحقيقة، عرفوا أن يستخرجوا النتائج العمليّة من تعليم بولس: إن كانوا يأكلون من هذه اللحوم المذبوحة ولا يتردّدون، فلأنهم استناروا بنور الانجيل: ليس الصنم بشيء، وعبادته لا تعني شيئاً (آ4). فمعرفتهم بالانجيل وبسلطان المسيح، حرّرتهم من مخاوف الوثنيّين. عندئذ استعاد بولس المسألة، فجاء رأيُه مختلفاً عن الجواب السابق: تحدّث عن الحريّة المسيحيّة وعن استعمال هذه الحرية في الجماعة، بروح المسؤوليّة.
بدأ فدلّ على توافقه مع محاوريه الذين يُسمَّون "الأقوياء" في كورنتوس، تجاه المتخوّفين الذين يسمّيهم بولس "الضعفاء" (آ 9، 11). قالوا له: نحن نعلم. فأجاب: كلّنا نعلم، لدينا كلِّنا المعرفة. ولكن الرسول ما عتّم أن حطّم هذا التوافق. ما هي هذه المعرفة التي تنفخ، تزهو بصاحبها، وتجعله يعتدّ بنفسه تجاه الآخرين؟ مثلُ هؤلاء "العارفين" يرون في معرفتهم سلطة روحيّة تحرّرهم من عوائق تقيّد الناس العاديّين الذين يُعتبرون جهّالاً. مثلُ هذه المعرفة تهدم الجماعة وتقتل روح الأخوّة. لهذا، جعل الرسول تجاهها المحبّة، التي تبني، التي لا تسحَق القريب، بل تعينه ليجد الطريق الذي هو طريقه، والمكانة التي هي مكانته في الجماعة. وهكذا جُعلت المعرفةُ تجاه المحبّة.
بدت آ 1 ب كأنها قول عام. ولكنها في الواقع، تحليل للوضع وتحذير. فما هي هذه المعرفة التي فيها لا يراعي الأقوياءُ الضعفاء، فيعرضونهم للخطر بتصرّفم الذي يبدو ملتبساً (آ 7، 13)؟ وكيف يحقّ لهم أن يطالبوا بحريّة مطلقة لا تأخذ في عين الاعتبار أخاهم القريب منهم؟
حين يقابل بولس بين المعرفة والمحبّة، فهو لا يقول هذه أو تلك، وكأننا مجبَرون على الاختيار. فالايمان يتضمّن المعرفة، والمعرفة هي ثمرة الايمان، شرط أن لا تكون مزيّفة. لا يرذل الرسول المعرفة كمعرفة. وفي الجدال القائم، يدلّ أنه يقف، من جهة المبدأ، بجانب الذين تحرّروا من هذه الخرافات. لهذا، فهو يفرض علينا الخيار، لا بين المعرفة والمحبّة، بل بين معرفة ومعرفة. فهناك معرفة ليست بعدُ معرفة. هي معرفة الانسان بذاته. على المستوى الموضوعيّ، معرفته حقيقيّة. ولكنها، لامعرفة وجهلٌ لموضوعها حين تولِّد لدى من يمتلكها كبرياءَ العارف واحتقارَ من لم تصل به المعرفة بَعدُ إلى ملء النور.
تجاه معرفة متكبّرة تعتدّ بأنها تمتلك الحقيقة، فتدلّ على أنها انقطعت عن ينبوعها وسندها، يجعل الرسول المعرفة الحقيقيّة والصادقة التي هي تعلّقُ الانسان بالله وبقصدِه الخلاصيّ، واعترافٌ بجميل الربّ الذي أعطاه ما أعطاه. من يحبّ الله... يجب أن نستنتج: هو يعرفه كما يجب أن يُعرَف. ولكن بولس لا يقول ذلك، بل "هو معروف لديه". أي الله بعرفه. هذا ما يُعطي فكر الرسول وضوحاً وعمقاً. فالانسان لا يعرف الله حقاً إلاّ إذا الله سبق وعرفه في فعل اختيار مجانيّ وسامٍ، وذلك حين يميل إليه ليعرّفه بذاته ويكشف له حبّه.
إن معرفة الانسان لله، إن تأسّست على معرفة الله للانسان، لا يمكن إلاّ أن تكون محبّة. والمحبّة ستكون العلامة الصادقة لهذه المعرفة (وهذا ما يعود بنا إلى آ 1 ب)، وتطبع العلاقات بين الذين يعرفون والاخوة «الضعفاء».

3- المعرفة والإيمان (8: 4- 6)
عاد بولس إلى المحبّة، فأوضح ما هي المعرفة الحقيقيّة. وها هو يعود إلى فعل إيمان بالاله الواحد الذي هو الآب، وبالربّ يسوع. وعاد إلى ما قاله في آ 1: نحن نعرف. هذا ما كتب له الكورنثيون في رسالتهم. برّروا حريّةَ التصرّف لديهم، فلجأوا إلى حقيقة أساسيّة في إيمانهم المسيحيّ: "لا إله إلاّ الاله الأحد". والأصنامُ ليست بشيء إلاّ في مخيّلة الوثنيّين. إذن، يبدو من النافل أن نعيش في الحذر والتشكّك. وسوف يدلّ بولس على توافقه مع فعل الإيمان هذا.
ولكن هناك من يقول بوجود آلهة وأرباب. هم الوثنيّون الذين يقولون. وهم أيضاً بعضُ المسيحيين الذين لم يمضِ على اهتدائهم وقتٌ طويل. "تعوّدوا على الأوثان" (آ 7) فما تخلّصوا بعدُ من هذه العادة. هناك من رأى في الآلهة، أولئك الذين يُعبَدون في السماء، وفي الأرباب الملوكَ والأباطرة. ولكن عبارة "في السماء وفي الأرض" تعني الكونَ كله. ونشير إلى أن لقب "الربّ" أعطي لآلهة جاءوا من الشرق فعُبدوا في العالم اليونانيّ.
كل ما يمكن أن نقوله هو أن الرسول يفكّر بالآلهة والقوى الروحيّة التي لا عدّ لها، التي عبدها الوثنيّون وخافوا منها. ويفكّر بعبادات رسميّة أو جاءت من الخارج، يفكِّر بكواكب هي سيّدة مصير الانسان الذي خاف من تأثيرها السيّئ. تحدّث بولسُ عن الآلهة والأرباب (لدى الوثنيين)، لأنه سيجعلها تجاه الاله الواحد، الآب، والربّ الواحد، يسوع المسيح.
هذا بالنسبة إلى الوثنيّين. أما بالنسبة إلينا (آ 6)، فهناك اعتراف الكنيسة بالآب والابن. وهناك مخطوطات تضيف: الروح القدس. الاله الواحد يجعلنا في إطار الوحدانيّة اليهوديّة. غير أننا نكتشف، نحن المسيحيين، هذا الاله بواسطة يسوع المسيح، الربّ الواحد، الذي لا ربّ سواه. الله الآب هو أصلُ كل شيء وعلّتُه وهدفُه. تلك عبارة أخذها بولس من العالم الوثنيّ، فجعلها اعترافاً إيمانياً بالإله الخالق والمخلّص.
الاله الواحد هو الآب. هو أبو كل شيء، أبو الكون. هو الخالق الذي أعطى كل شيء كيانَه وسبب وجوده. هو بداية كل خليقة ونهايتها. يرد الضمير "لنا" مع حرف الجرّ في صيغة الجمع، فيدلّ على الكنيسة التي نحن أعضاؤها، ويشير إلى تاريخ الخلاص، وهكذا يهيّئ الطريق للاعتراف بيسوع المسيح.
فالمسيح هو، بالنسبة إلى المؤمنين، الربّ الواحد. فيه وبه وحده يتحقّق قصدُ الله الخالق والمخلّص. هذا المسيح هو وسيط الخليقة الأولى ووسيط الخليقة الجديدة. "به كل شيء". ثم "به نحيا". هكذا تعترف الكنيسة بوظيفة المسيح على مستوى الكون (به خُلق كل شيء) وعلى مستوى الخلاص (هو المخلّص الوحيد): فالحبّ الذي يدلّ عليه حين يُتمّ في التاريخ عملَ الفداء، هو أصلُ كل شيء وغايته وهدفه. أجل، توافقَ بولسُ مع الكورنثيين: فإيمانه هو إيمانهم، وإيمانهم هو إيمانه. ولكنه سيختلف عنهم حين يتعامل مع إخوته، وحين يقوم برسالته في الكنيسة.

خاتمة
كان الكورنثيّون قد تعلّموا الحريّة الحقّة من رسولهم. وها هُم يحسّون بعوائق في وجه هذه الحريّة، تأتي من إخوتهم الذين لم يتحرّروا بعدُ كلَّ التحرّر من عادات عرفوها في العالم الوثنيّ. لهذا كان جدال أول على مستوى المعرفة. قالوا: نعرف. فبيّن لهم الرسول أن معرفتهم غير كافية إن لم تتطعّم بالمحبّة. عرفوا أن الصنم ليس بشيء، وأن لا وجود إلاّ للإله الأحد. ثم قالوا له: نعرف. وأعلنوا إيمانهم بإله واحد خالق، وبربّ واحد يسوع المسيح. توقّفنا هنا في قراءتنا. وكان في الامكان أن نعود إلى المحبّة التي تُفهمنا أن الحريّة التي نعيش تراعي ضمير اخوتنا. عندئذ نثبت في الله، والله يثبت فينا (1 يو 4: 13).
روحانيّة الرسول
9: 15- 23

في إطار الكلام عن ذبائحَ مقدَّمة للأصنام، وتوصية بأن لا نأكل منها لئلاّ نشكّك اخوتنا، احتجّ بعضُ المؤمنين: أين هي حريّتي؟ هل يجب أن أكون عبداً للآخرين لكي يحقّ لي أن أشارك جماعة الله في نشاطاتها؟ ما كان جواب بولس؟ كان لي، أنا أيضاً، حقوق، فتخليّتُ عنها خدمةً للبشارة. ثم قال: أنا الحرّ جعلتُ نفسي عبداً للآخرين لأربحهم إلى المسيح. فلماذا لا يقتدي الكورنثيون برسولهم؟ ونبدأ فنقرأ النصّ: 
(15) أما أنا، فما استعملتُ أيَّ حقّ من هذه الحقوق، ولا أنا أكتبُ هذا الآن لأطالب بشيء منها. فأنا أفضّل أن أموت على أن يحرمني أحدٌ من هذا الفخر. (16) فإذا بشّرتُ، فلا فخر لي، لأن التبشير ضرورة فُرضت عليّ، والويلُ لي إن كنتُ لا أبشِّر. (17) وإذا كنتُ أبشّر بإرادتي، كان لي حقّ في الأجرة. وأمّا إذا كنتُ لا أبشّر بإرادتي، فأنا أقوم بوصيّة عُهدتْ إليّ. (18) فما هي إجرتي؟ أجرتي هي أن أبشّر مجاناً وأتنازل عن حقيّ من خدمة البشارة. (19) أنا رجل حرّ عند الناس، ولكني جعلتُ من نفسي عبداً لجميع الناس حتى أربح أكثرهم. (20) فصرتُ لليهود يهودياً لأربح اليهود، وصرتُ لأهل الشريعة من أهل الشريعة، وإن كنتُ لا أخضع للشريعة، لأربح أهل الشريعة، (21) وصرتُ للذين بلا شريعة كالذي بلا شريعة لأربح الذين هم بلا شريعة، مع أن لي شريعة من الله بخضوعي لشريعة المسيح، (22) وصرتُ للضعفاء ضعيفاً لأربح الضعفاء، وصرتُ للناس كلّهم كلَّ شيء لأخلّص بعضهم بكل وسيلة. (23) أعمل هذا كلّه في سبيل البشارة لأشارك في خيراتها.
1- سياق النصّ
شدّد الكورنثيّون على حريّة التصرّف عندهم، وما فيها من أنانيّة، بحيث لا يراعون الضعيف الذي مات المسيح من أجله. فاختلف بولسُ عنهم كلَّ الاختلاف. كان له الحقّ أن يعيش «على حساب» الكنيسة. ولكنه لم يفعل. ومع ذلك، جاء من يتخيّل أنه الآن يطالب بما كان له من حقوق وحُرم منها! كلا ثم كلا. فهو تخلّى عن هذا الحقّ ولم يتراجع. بل هو يفتخر بهذا التجرّد في حمل البشارة.
هنا يقابل بولس نفسه مع أنبياء العهد القديم. فعاموس يصوّر نفسه يتنبّأ فتكون نبوءته صدى لكلام الربّ الذي لا يمكنه أن يتهرّب منه (عا 3: 8): "زأر الأسد فمن لا يخاف؟ تكلّم الربُّ فمن لا يتنبّأ"؟ وإرميا نفسه قدّم حجّة اعتبرها قويّة: "أنا لا أعرف أن أتكلّم، لأني صغير" (1: 6)، لأن ليس لي العمر الكافي لأقوم بهذه الرسالة الرهيبة. فأجابه الله: "اينما أرسلك تذهب، وكلّ ما آمرك به تقوله" (1: 7). أجل، لم يكن من خيار أمام النبيّ. وهذا ما نقوله عن بولس الرسول: ما اختاره الله كما اختار سائر الرسل، بعد أن ناداهم فلبّوا النداء. بل هو أحسّ نفسه مجبراً على حمل الرسالة. إذن، أين هي حرّيته، وأين هو تصرُّفه العفويّ؟
إنه يمارس حرّيته في الطريقة التي بها يمارس الرسالة. فحين يتخلّى عن حقّه، يدلّ على أن عملَه يصدر عن حبّ عميق وعن عفوية صادقة. وحين يخدم المسيح دون أن يُدفع له أجر، تبرز كرامةُ عمله. لا يجد بولسُ نفسه في وضع انسان ألزم نفسه بحريّة وانتظر الأجر الذي يحقّ له، بل في وضع عبدٍ لا يحقّ له بشيء لقاء عمله. فكأني به مجبَر لكي يكون أميناً، وذلك باسم الحبّ.
غير أن بولس يريد أن يخدم كانسان حرّ. من هنا هذا التجرّد الشخصيّ الذي لا يريد أن يفرضه على الآخرين كقاعدة. وهكذا يجعل نفسه مساوياً لسائر الرسل، وهو يرجو أن ينال الأجر من الله. لسنا هنا أمام "استحقاق"، ولا أمام عملٍ يُضاف إلى ما يجب عليه أن يفعله. ولكن بولس مقتنع أن الله وعد وهو يفي بوعده. وعد بأن يكرم من يرضيه، وهذا ما يحاول الرسول أن يفعل. فالله يجازي من يخدمونه بنعمة مجانيّة من قبله (مت 25: 21، 23).
لقد ضحّى بوليس بحقوقه، كما ضحّى بحريّته من أجل خلاص الآخرين. وتضحية الرسول لا تنحصر في المال، بل تُلهم سلوكَه كلّه. صار شبيهاً بالناس في عاداتهم المختلفة وتقاليدهم المتنوّعة، وحتّى في أفكارهم المسبقة. مثلُ هذه الحرية تُحوّل الرسولَ كما تحوّل الناس الذين يمضي إليهم. وهب نفسه الانجيل، وهو يرجو أن يخلّص أكبر عدد منهم، أن يخلّص بعضاً منهم. في أي حال، هو يعمل ويرجو، ولكنه لا يعرف النتيجة. فالله هو الذي يُنمّي.
طواعيّةٌ لا بدّ منها من أجل الرسول. إمكانيّة مقاسمة الناس حياتهم، مهما كان هؤلاء الناس. هذا ما حاول بولس أن يعيشه، فأعطانا ثلاثة أمثلة: صار يهودياً مع اليهوديّ، صار وثنياً مع الوثني، صار ضعيفاً مع الضعيف. لا نحاول أن نوازي بين هذه الأمثلة. فالمهم هو أن بولس أراد أن يكون بكليّته للجميع. هذا لا يعني أن هذا المبدأ هو وصفة سحريّة من أجل الرسالة وحمل البشارة. فشاهدُ المسيح يبذل نفسه للآخرين دون أن يفقد هويّته، لأنه يبقى متعلّقاً بالمسيح. فهو يتكيّف مع الجميع دون أن يكون ذاك الذي يدور في كل اتجاه دون هدف معيّن، فيجذبه هذا ثم ذاك. إنه يعرف ماذا يفعل، ويعرف الهدف الذي يعمل لأجله، على مثال المسيح الذي عاشر الخطأةَ لا لكي يصير مثلهم، لكن لكي يبعدهم عن الخطيئة.
صار بولس يهودياً مع اليهود، فتوافق وفرائضَ الشريعة (أع 16: 3؛ 18: 18؛ 21: 20- 26). شاركهم الصلاة في البيوت وفي المجامع، وقصد الهيكل كما يقصده كلُّ مؤمن. وصار وثيناً مع الوثنيّ. ما خاف أن يأكل ويشرب مع الوثنيين، بحيث تجاوز الشرائع اليهوديّة، كما أقام عند الوثنيين وما خاف أن ينجّسوه. ولكنه لم يشاركهم في عبادة الأصنام ولا في حياتهم اللاأخلاقيّة. لم يَعُد بولس خاضعاً للشريعة اليهوديّة، ولكن هذا لا يعني أنه لا يخضع لأيّة شريعة. فهو يخضع لله وللمسيح. "شريعة المسيح" التي يخضع لها هي "شريعة الإيمان"، "شريعة الروح (روم 3: 27؛ 8: 2). ويبقى الضعفاء الذين لا نشكّكهم، بل نحترم موقفَهم ونعمل كل شيء لكي يقوى إيمانُهم.
لا شكّ في أن بولس لا يستطيع أن يربح الجميع إلى المسيح. ولكنه يستعدّ لأن يجاهد، لأن يضحّي. وإذ يعمل ما يعمل، فهو يطلب خلاصه الذي لا يمكن أن ينفصل عن رسالته (آ 23). فإن أهمل بولس خدمةَ الانجيل، صار بلا رجاء. فالمسيحيّ لا يخلص وحده، بل مع إخوته.
2- حريّة الرسول وخدمته (9: 15- 18)
إنطلق الرسول من قاعدةٍ تُعلن أن "خادم المعبد يعيش من المعبد"، والكارزَ بالانجيل يعيش من الإنجيل، فأعلن أن هذا حقّ له، ولا أحد يقدر أن ينكره عليه. ولكن بولس لم يستعمل هذا الحقّ. سبق وقال إنه تخلّى عن هذا الحقّ، من أجل صدق الانجيل. وتصرَّف حسبَ كلام الربّ: مجاناً أخذتم، مجاناً أعطوا. والآن، هو يتخلّى عن كل شيء ليهب ذاته لله، ويعطيه برهاناً عن حريّته في الخدمة التي أوكل بها.
شدّد بولس مراراً على حقّه كرسول، ولا سيّما على المستوى المعنويّ. أما هنا، فعلى المستوى الماديّ. أتراه تراجع، وها هو يطلب ما رفض أن يطلبه في ما سبق؟ كلا. فهو يفتخر بما عمل، وهو لا يندم على ما فعل. غير أنه رأى أن فخرَه ليس في محلّه! لو أنه اختار بملء حرّيته أن يحمل البشارة لحقّ له أن يفتخر. فحين دعاه الربّ، دعاه لحمل الانجيل. فما استطاع أن يتهرّب. وحتى إن تهرّب، لا سمح الله، فهو لا يقدر أن يحسب نفسه محرَّراً من هذا الواجب. بل يرى نفسه خاضعاً لما تطلبه دعوتُه. حين صار بولسُ عبداً للمسيح، لم يعد يقدر أن يتصرّف بحريّته كما يشاء. هو يتلقّى أوامر ينبغي عليه أن ينفّذها، دون أن ينتظر شكراً من سيّده (لو 17: 7- 10).
وماذا تعني آ 17؟ في معنى أول، وهو الأضعف: إن كنتُ أبشرّ بالانجيل بملء ارادتي، يحقّ لي الأجر. ولكن إن كنتُ مكرهاً على ذلك، فأنا موظّف. أما المعنى الثاني فيقول: لو أني اخترتُ خدمتي كرسول، كان لي الحقّ بأجرة. ولكن نداء الربّ فرض نفسه عليّ، فصرتُ وكيلَ خيرات سُلّمت إليّ. لهذا، فأنا أعمل ما يجب عليّ أن أعمل. ولا يحقّ لي أن أفتخر، ولا أن أنتظر الأجر.
ومع ذلك، فالرسول يستطيع أن يفتخر، وهو ينال أجراً. فبمَ يقوم هذا الأجر؟ على المستوى البشريّ، العمل المجرّد يحمل أجره في ذاته. ولكن على المستوى البولسيّ، الأجر هو الذي يمنحه الله (آ 17)، والفخر يعود إلى الله.
وبما أن بولس يتخلّى عن أجر من الكنائس، فهو يعمل أكثر ممّا يُطلب منه، فيحقّ له بأجر من الله. ولكن، إذا لبث بولس على هذا المستوى، فيبدو وكأنه يُكره اللهَ أن يقوم "بواجبه" تجاه رسوله! ففكرُ الرسول بعيدٌ كل البعد عن هذا التفسير. الأجرُ الذي ينتظره هو الحريّة التي تدلّ على تعلّقه التامّ بما فُرض عليه، وهي حريّة أوصله الربّ إليها حين دعاه.
3- عبد لجميع الناس (9: 19- 23)
تُقدّم هذه الآيات وصفاً لتصرّف الرسول: فتجرّدُ بولس حين تخلّى عن أجره، كان مثلاً من أمثلة عديدة. فالرسول يسلك السلوكَ عينه في كل ظرف ومع كل انسان.
بدأ بولس فأعلن حرّيته. هو يشبه "الأقوياء" في كورنتوس، فلا يخضع لشريعة (أو: تصرّف) تأتيه من أحد. وإذ يُعلن ما يُعلن، فهو لا يفعل لكي يحتجّ على من يتجاوز حقوقه ومجال حريّته، بل ليعلن أن هذه الحريّة التي يمتلكها، إنما يمتلكها ليجعلها في خدمة الجميع: لقد صار عبداً للجميع. هو الرجل الحرّ صار من أجل الآخرين. والهدف: حتّى أربح أكثرَهم. وهكذا يجعل موقفَه تجاه موقف "الأقوياء" الذين يهدّدون خلاص إخوتهم الضعفاء بحريّتهم الأنانيّة والمتكبّرة (8: 11).
في آ 20- 22، بيّن الرسول كيف طلب خير الآخرين، بعد أن تكيّف مع كل واحد منهم. وأعطى أمثلة تنازل فيها، لا في أمور ثانويّة وحسب، بل بدا وكأنه يتنكّر لمبادئ سبق له وأعلنها. فحين صار يهودياً من أجل اليهود، أما تنازل عن جوهر إنجيله وإيمانه؟ ولكن ما الذي يميِّز اليهود؟ خضوعهم للشريعة. غير أن شريعته ليست شريعتهم. شريعته هي "شريعة المسيح". هو موقف شخصيّ يقفه. وفي أي حال، لا يستعدّ أن يفرض الختان على الوثنيين (رج غل 2: 1- 10 وخصوصاً آ 5). غير أنه يستعدّ لأن يعيش هو على الطريقة اليهوديّة، إذا فرضت عليه الظروفُ ذلك، لئلاّ يجعل الانجيل عقيماً وبلا ثمر. فهو يستطيع أن يفعل دون أن يخون الانجيل ويعارض مبادئ أعلنها، لأن حرّيته بالنسبة إلى الشريعة وفرائضها، ليست شرطاً من شروط الخلاص يُفرض على الآخرين. 
تتحدّث آ 20- 21 عن الشريعة. هي شريعة موسى. والذين بلا شريعة، هم الوثنيّون. ضميرُهم هو شريعتهم، كما تقول الرسالة إلى رومة. وهكذا لا يتصرّف بولس تصرفاً يقطعه عن الوثنيّين. فالانسان هو الأول في نظرته. وخلاص الانسان هو الهدف الأخير. هو كالوالد الذي ينحني على ولده ليرفعه، وهو بعيد كل البعد عن نظرة الانسان الذي يدين الآخر لكي يسحقه.
وينتهي النص مع آ 23 التي نفصلها شقّين: يبدأ بولس فيؤكّد أن ما يملي عليه سلوكَه، هو الاهتمام بأن يفتح للانجيل طريقاً في مختلف الحالات البشريّة. من أجل هذا الهدف يضحّي وينسى نفسه. وفي الشق الثاني يقول لنا إنه هكذا عاش من النعمة التي نالها والتي يُعلنها. فحين يكون الرسولَ الذي لا يحيا إلا للانجيل، فهو أيضاً المؤمن الذي لا يحيا إلاّ بالانجيل. فخدمتُه هي الموضع الذي حدّده الله له ليعيش إيمانه، حين دعاه إلى الرسالة: فأمانته ليست حساب تاجر أعطى لكي يأخذ، بل شكلٌ يجب أن تأخذه طاعةُ الإيمان إن أراد أن يشارك في خيرات المسيح مع أولئك الذين بشّرهم بالمسيح.

خاتمة
تلك هي روحانيّة الرسول حين يحمل الانجيل إلى أهل كورنتوس. هو قبل كل شيء الكارزُ بالانجيل. هذا ما يكرّره أكثر من مرّة فيدلّ على ما يعطي معني لرسالته. والكرازة بالانجيل لا تعني فقط أن نحمل إلى الآخرين تعليماً، بل أن نجعل السامعين (أو القارئين) في علاقة مع شخص المسيح القائم من الموت. فالانجيل كلمةُ حياة، كلمةُ مصالحة، كلمةُ حقّ. والبشرى التي يحملها الرسول هي إنجيل خلاصنا، لأنه "قدرة الله لخلاص كل من يؤمن". وقدرة الانجيل الخلاصيّة، تتمّ بواسطة المرسَل الذي يهتمّ بأن يربح أكبر عدد منهم، بأن يكون أداة خلاصهم. من أجل هذا، يضحّي الرسول بحقوقه، يضحّي بحرّيته وهو يردّد ما قاله في بداية الرسالة الثانية إلى أهل تسالونيكي: "أما نحن فعلينا أن نحمد الله كلَّ حين لأجلكم، أيها الإخوة، يا أحبّاء الربّ، لأن الله اختاركم منذ البدء ليخلّصكم بالقداسة التي يمنحها الروح والإيمان بالحقّ، إلى هذا دعاكم الله بالبشارة التي حملناها إليكم" (2: 13- 14).
تاريخ الشعب الأول عبرة لنا
10: 1- 13
حين يقرأ المؤمن أحد المزامير "التاريخيّة"، التي تروي تاريخ الشعب منذ الآباء حتّى موسى والحياة في البريّة والوصول إلى أرض كنعان، فهو لا يهتمّ أول ما يهتمّ بالتاريخ الدنيويّ على أنه دنيويّ، بل يقرأه على أنه تاريخ مقدّس ويعيشه من جديد كتاريخ يقدّسه: "أصغوا، يا شعبي، إلى شريعتي، أميلوا آذانكم إلى أقوالي" (مز 78: 1). "التمسوا الربّ وعزّته، واطلبوا وجهه كل حين" (105: 4). ذاك هو معنى التاريخ بالنسبة للرسالة إلى العبرانيّين. فحين أنشد عب 11 إيمان الآباء، حثَّ قرّاءه على الثبات: "علينا أن نُلقي عنّا كلَّ ثقل وكل خطيئة عالقة بنا، فنجري بعزم في ميدان الجهاد الممتدّ أمامنا" (عب 12: 1). إن هذه النظرة إلى التاريخ المقدّس الذي يعلّمنا إن شئنا ويقدّسنا، هي نظرة بولس في ف 10 هذا. قبل أن نضع النصّ في سياقه، نقرأ المقطع كاملاً في آ 1- 13: 
(1) فلا أريد أن تجهلوا، أيها الإخوة، أن آباءنا كانوا كلّهم تحت السحابة (الغمامة)، وكلّهم عبروا البحر، (2) وكلّهم تعمّدوا لموسى في السحابة وفي البحر، (3) وكلّهم أكلوا طعاماً روحياً واحداً، (14) وكلّهم كانوا يشربون شراباً روحياً واحداً من صخرة روحيّة ترافقهم، وهذه الصخرة هي المسيح. (5) ومع ذلك، فما رضيَ الله عن أكثرهم، فسقطوا أمواتاً في الصحراء. (6) حدث هذا كلّه ليكون لنا مثلاً، فلا نشتهي الشرّ مثلما اشتهوه هم، (7) ولا تعبدوا الأوثان مثلما عبدها بعضهم، فالكتاب يقول: "جلس الشعب يأكل ويشرب، ثم قاموا يلهون". (8) ولا نستسلم إلى الزنى مثلما استسلم بعضهم، فمات منهم ثلاثة وعشرون ألفاً في يوم واحد، (9) ولا تجرّب المسيح مثلما جرّبه بعضُهم، فأهلكتهم الحيّات. (10) ولا تتذمّروا أنتم مثلما تذمّر بعضهم، فأهلكهم ملاكُ الموت. وحدث لهم هذا كله ليكون نذيراً، وهو مكتوب ليكون عبرة لنا نحن الذين انتهت إليهم أواخر الأزمنة. (12) فليحذر السقوط من ظنّ أنه قائم. (13) ما أصابتكم تجربةٌ فوق طاقة الانسان، لأن الله صادق فلا يكلّفكم من التجارب غير ما تقدرون عليه، بل يهبكم مع التجربة وسيلة النجاة منها والقدرة على احتمالها.

1- سياق النصّ
الموضوع: حادث ضمير في كورنتوس. حصل شكّ كبير على مستوى الإيمان، فهدّد الجماعة الفتيّة. فقد اعتبر بعضُ المهتدين إلى المسيحيّة، أن الآلهة الوثنيّة ليست بشيء. وهكذا، كانوا يجلسون بكل حرّيةِ ضمير مع أبناء المدينة (الوثنيين) ويأكلون من اللحوم التي ذُبحت إكراماً للآلهة. فاعتبر آخرون، لم يبلغ بهم الإيمانُ بعدُ إلى النضوج، أن مثل هذه المشاركة في الطعام انتهاك للقدسيّات وتعلّقٌ بالأصنام. تَوافق بولسُ مع الفئة الأولى، ورأى أن المسألة نسبيّة: "نحن نعرف أن الوثن لا كيان له" (8: 4)، ليس بشيء في العالم. هو حجر وخشب. ولكنه رفض أن يستخفّ بالفئة الثانية. واعتبر أن الجوهر الذي نحافظ عليه، هو المحبّة التي تُشرف على موقف من «استنار» تجاه من لم يدخل بعدُ في ملء نور المسيح.
وبعد أن وضع بولس المبدأ الأساسيّ، وسّع تعليمه في ثلاث مراحل. الأولى، يُدعى المسيحيّ لأن يتخلّى عن بعض الحقوق من أجل خير أسمى. والرسول نفسه أعطى المثال حين تخلّى عن فوائدَ ماديّة مرتبطة بالوظيفة الرسوليّة، من أجل رسالة فاعلة ناجعة (ف 9). الثانية، قد يكون المسيحيّ مستنيراً في إيمانه دون أن يكون بمنأى عن التجربة. فخبرُ العبرانيين في الصحراء، أفصح مثال هلى ذلك (10: 1- 13). الثالثة، المشاركة في "مائدة الربّ" تستبعد كل أشكال عبادة الأصنام أو المشاركة في «مائدة الشياطين" (10: 14- 22).
من المهمّ أن نلاحظ الرباط الوثيق بين المرحلة الثانية (السقوط في التجربة) والمرحلة الثالثة (مائدة الشياطين) في البرهان الذي قدّمه بولس. وإن كان الرسول أعطى أحداث الصحراء مثلاً، فلأنها تحمل التعليم من أجل حياة المسيحيّ الأسراريّة، ولا سيّما الافخارستيا التي هي قلب الأسرار السبعة. وقدّم العبرة: "وحدث لهم هذا كله ليكون نذيراً، وهو مكتوب ليكون لنا عبرة" (آ 11، لكي ينبّهنا). واستخرج النتيجة: "فلذلك اهربوا، يا أحبّائي، من عبادة الأوثان" (آ 14).
دعانا بولس في برهانه هنا، إلى أن نتأمّل أولاً في تدخّلات الله في تاريخ الآباء (عبور البحر، حماية الغمامة، المن وماء الصخر)، وهي صورة مسبقة عن الأسرار المسيحيّة ولا سيّما العماد والافخارستيا. فبولس يقول إن بني اسرائيل "تعمّدوا" (غطسوا في الماء)، أنهم "أكلوا" طعاماً روحياً (كالمسيحيّين الذين أكلوا جسد المسيح)، و"شربوا" شراباً روحياً (يقابل دم المسيح). ولكن المسألة المطروحة أمام الرسول هي اللحوم المذبوحة للأصنام. لهذا استعاد رمزَ القربان المقدس الذي رأى صورته المسبقة في المن ومياه الصخر.

2- حسنات الربّ (10: 1- 4)
نبدأ فنلاحظ معنى التقليد الذي يحمله بولسُ إلى الكورنثيّين. فالتدبيرُ الجديد الذي أسّسه المسيح، لا يحلّ تدبيرَ العهد القديم بشكل جذريّ. وإذ أراد الرسول أن يصوّر وضعَ المسيحيّ، عاد إلى وضع الآباء في الإيمان. فبين العهد القديم والعهد الجديد، هناك انقطاع، بلا شكّ، لأن، مع المسيح، آدم الجديد (روم 5: 15)، تدشّنت خليقةٌ جديدة (2 كور 5: 17). ولكن كما أن آدم كان "صورة ذاك الذي سيأتي"، كذلك خبرُ الآباء هو "مَثلٌ لنا" (آ 6). وهكذا يُحافظ التقليدُ على بعض التواصل والاستمراريّة.
في آ 1- 4، يشدّد بولس على أن جميع (تتردّد لفظةُ "كل" خمس مرات) العبرانيين نعموا بعطايا الربّ: العماد (المرور في البحر)، الطعام الروحيّ (المنّ)، الشراب الروحي (ماء الصخر).
أ- العماد لموسى (آ 1- 2)
ندهش أن يكون بولس رأى المعمودية (المسيحيّة) في عبور البحر "كما على اليابسة". فالعماد هو غطس وانغماس في الماء. هنا نشير بصورة عابرة إلى الذين قرأوا النص البولسيّ في إطار أراميّ فقالوا: "كلّهم عبروا (ع م د، ع ب ر) البحر بفضل موسى". غير أن نصّ الرسالة يبقى واضحاً: "كلّهم تعمّدوا لموسى في السحابة وفي البحر". ما معنى "تعمّدوا لموسى"؟ هناك من توسّع في هذين اللفظين، فقال: "اتّحدوا بموسى كما بمعموديّة". ولكن العبارة تجد ما يقابلها في لفظين آخرين: "تعمّدوا للمسيح" (روم 6: 3؛ غل 3: 27). نحن هنا في الواقع أمام اختصار لعبارة كاملة: "تعمّد باسم الربّ يسوع" (أع 8: 16؛ رج 1 كور 11: 3، 15: تعمّدتم باسمي).
ماذا تعني هذه العبارة؟ يمكن أن نختصر كلامنا كما يلي: موتُ يسوع وقيامته هما الحدثُ المؤسِّس لشعب الله الجديد. فمن تعمّد في موت المسيح، اتّحد بالمسيح الذي هو رأس شعب الله. وعبورُ البحر، بفضل حماية السحابة، هو الحدثُ المؤسّس لشعب اسرائيل. فجميع الذين عبروا البحر، اتّحدوا بموسى، رئيس الشعب الأول، وكلُّ بني اسرائيل تكوّنوا "كشعب الله" حين نعموا بتدخّل الربّ. والسحابةُ التي كانت تقود الشعب عند خروجه من مصر وخلال عبور الصحراء (خر 13: 21؛ عد 9: 15- 23؛ تث 1: 33)، هي التي كانت حامية لبني اسرائيل خلال عبور البحر. قال سفر الخروج (14: 19- 20): 
وانتقل عمود السحاب من أمامهم ووقف وراءهم. دخل بين جيش المصريين وجيش بني اسرائيل، فكان من جانب أولئك مظلماً، ومن جانب هؤلاء ينير الليل حتّى لا يقترب أحد الفريقين من الآخر طول الليل. 
في نظر بولس، لا تقوم القراءةُ النمطيّة لتاريخ بني اسرائيل، بتوقّف عند الواقع الجديد كأنه نسخة طبق الأصل عن حدث نمطيّ سابق. فنقطةُ الانطلاق هي دوماً الواقع الجديد: وهنا أراد الرسول أن يشرح العماد المسيحيّ الذي هو عماد بالماء والروح كما قال يوحنا (3: 5؛ رج تي 3: 5). فنستطيع القول إن السحابة والبحر هما بالنسبة إلى موسى، ما الروح والماء هما في العماد بيسوع المسيح.
ب- المنّ وماء الصخر (آ 3 -4)
يرى الشرّاح في المنّ الذي هو الطعام الروحيّ وهبة الله، صورة (أو: نمطاً) عن الافخارستيا. قال الربّ لموسى: "الآن أمطر لكم خبزاً من السماء، وعلى الشعب أن يخرجوا ليلتقطوه كلَّ يوم في يومه"... ثم قال لهم موسى: "هو الخبز الذي أعطاكم الربّ لتأكلوا" (خر 16: 4، 15). تجاه هذا، نقرأ يو 6: 49- 51: "آباؤنا أكلوا المنّ في البريّة وماتوا، لكن من يأكل من هذا الخبز النازل من السماء لا يموت. أنا هو الخبز الحيّ الذي نزل من السماء. من أكل هذا الخبز يحيا إلى الأبد".
ذاك هو الطعام. والشراب؟ يبقى رمزاً بعيداً، وهو لا يشير إلى الافخارستيا إلاّ بالسخاء الذي أظهره الله حين أغدقه على شعبه. قال الربّ لموسى: "خذ العصا واجمع الجماعة، أنت وهرون أخوك، وكَلِّما الصخرة على مشهد منهم فتعطي مياهها، فيشربون هم وبهائمُهم" (عد 20: 7). ولكن يبقى أن الجمع بين المن والماء بشكل رمزيّ، هو في نظر بولس، صورة عن الوليمة الافخارستيّة التي سوف يتكلّم عنها بعد آ 14. ويُطرح سؤالان: لماذا يصفُ بولس بالروحيّ طعامَ الآباء وشرابهم؟ وما تعني هذه «الصخرة» التي كانت ترافقهم؟
الطعام والشراب والصخرة هي روحيّة، لا لأنها عطيّة الله وحسب (خبز السماء، طعام الملائكة، نح 9: 15؛ مز 78: 24؛ حك 16: 20؛ رج يو 6: 32- 33)، لا لأنها خلّصت بني اسرائيل من الموت جوعاً وعطشاً في الصحراء فقط (خر 16: 3؛ 17: 3)، بل بشكل خاص، لأن الصخر الذي تفجّر منه الماء هو روحيّ، بعد أن تماهى مع المسيح (الصخرة هي المسيح). فالعنصر الأخير (الصخرة) هو الذي يلقي بضوئه على الأمور السابقة ويُعطيها بُعداً روحياً. هنا ظهر كلُّ إيمان بولس في وحدة مخطّط الله الخلاصيّ، وهو مخطّط يبقى فيه حجرُ الغلقة يسوعَ المسيح. بهذا الإيمان تجرّأ فماهى بين الصخرة وشخص المسيح ذاته. وإذ فعل ما فعل، لم يبقَ على مستوى البلاغة والشعر، بل قدّم أساساً واقعياً وحقيقياً لحضور المسيح الروحي هذا، في الخروج الأول الذي أعدّ الخروج الثاني الذي هو الفداء النهائيّ. وهذا الصخر هو روحيّ، لأنه يصوّر مسبقاً المسيحَ، ينبوعَ الحياة. والمياه التي تجري منه لا يمكن إلاّ أن تكون روحيّة. وبما أن المن والماء واقعان يسيران معاً، فهما يكوّنان معاً الوليمة السرّية في الخروج، بعد الفصح (نح 9: 15؛ تث 8: 15- 16)، يكوّنان«وليمة البريّة» التي هي صورة سابقة للوليمة الافخارستيّة وفصح الربّ.
وإذا اردنا أن نفهم صورة "الصخرة التي ترافقهم"، لا بدّ من العودة إلى التقليد اليهوديّ الذي عرفه بولس، تلميذ غملائيل (أع 22: 3). فأصلُ هذا التقليد يعود إلى الترجوم الفلسطيني لسفر العدد 21: 17: 
"البئر التي حفرها في السابق أمراء العالم، ابراهيم واسحق ويعقوب، قد أكملها رجال فطنون في الشعب، الحكماء السبعون الذين أفرزوا من الشعب. حفرها بعصيّهم، كاتبا اسرائيل، موسى وهرون. ومنذ البرية أعطيت لهما هديّة... وتحوّلت لهما سيلاً فائضاً. وصعدت معهما إلى الجبال، ونزلت معهما في الوديان العميقة" (ترجوم يورشليمي).
يروي خر 17: 1- 7 وعد 20: 1- 11 حدث مريبة: أمر الله موسى فضرب بعصاه الصخرة ليُخرج منها ماء يروي غليل الشعب. وضمّ الأدبُ اليهوديّ في تقليد واحد خبر مريبة وحكاية حول بئر (أو ينبوع) هي عطيّة الله نالتها استحقاقاتُ مريم، كما ارتبطت حمايةُ السحابة باستحقاقات هرون، والمنّ بصلاة موسى. وحسب الحكاية، رافقت هذه البئر، هذه الصخرة، الشعبَ طوال عبوره للصحراء. وها نحن نورد نصاً عن هذا التقليد الذي انتشر في أوساط عديدة: 
"هكذا كان الينبوع الذي رافق بني اسرائيل في الصحراء: كان يشبه صخراً بشكل منخل... يصعد معهم في الجبال، وينزل معهم في الأودية. وحيث يُقيم بنو اسرائيل، كان يقيم قبالة باب خيمة الاجتماع".
وكما في نمطيّة المعموديّة، انطلق بولس من خبرته في العماد المسيحيّ، كذلك في نمطيّة المن والماء ، التي هي صورة الافخارستيا، أعاد قراءة أحداث البرّية على ضوء أحداث النهاية التي بدأت منذ الآن (آ 11). غير أن هذه القراءة الجديد ليست ممكنة، إلاّ لأن الأشخاص والأمور والأحداث السابقة تنتظر كمالَها بشكل سريّ، وهذا لا يتمّ إلاّ في المسيح وفي الكنيسة.

3- خطايا بني اسرائيل في البريّة (10: 5- 10)
هنا نقرأ مقطعاً عن خطايا بني اسرائيل، داخل منطق محدّد: رفضوا المنَّ الذي هو عطيّة الله (آ 6، 9)، شاركوا في ولائم ذبائحيّة مع الوثنيّين (آ 7- 8). وقراءةُ مقاطع العهد القديم التي يلمّح إليها بولسُ، تلقي الضوء على هذه الآيات. أجل، إن تاريخ الشعب في البريّة يقدّم لنا عبرة، نحن المسيحيين، وينبّهنا إلى ما يمكن أن نقع فيه من خطأ.
في القسم الأول (آ 1- 4) تحدّث بولس عن جميع العبرانيّين الذين نعموا بحسنات الله. وماذا نلاحظ الآن تجاه هذا؟ "ما رضي الله عن أكثرهم". أسخطوه (آ 5). حينئذ دعا الرسول المسيحيّين ألاّ يقتدوا بسلوك آبائهم الذين صوّر خياناتِهم المتعاقبة. بما أن الآباء خطئوا، ماتوا عقاباً على خطاياهم. ويعلن بولس في آ 6، 11 أن هذه الأحداث هي نمطيّة أيضاً، ولكن لا كما كان الأمر بالنسبة إلى العماد والافخارستيا. "فإن كان أكثرُهم سقط في البريّة" فلأنهم لم يتجاوبوا مع نعمة الربّ التي عمّدتهم لموسى وغذّتهم بطعام وشراب روحيّين. ويذكر بولس هذه العقابات التي أصابتهم من أجل هدف إرشادي: ليتجنّب الكورنثيّون أن يقتدوا بسلوك آبائهم، لئلاّ ينالوا ما نال هؤلاء الآباء من عقاب. فالمؤمن الذي تغذّى من مائدة الربّ، ويشارك، في الوقت عينه، في مائدة الشياطين، يحكم على نفسه بموت محتّم لأن "عاقبة الخطيئة هي الموت" (روم 6: 21).
ويتابع النصّ في آ 6: "فنحن لا نشتهي الشرّ مثلما اشتهوه هم" (أي آباؤنا). نجد هنا تلميحاً إلى ما اشتهاه العبرانيون حين كانوا عبيداً في مصر: اشتهوا اللحم والسمك والقثار والبطيخ والكراث والبصل والثوم (عد 11: 4- 5). تنكّروا لعطيّة الله، فأعلنوا، في شهوتهم: "والآن فنفوسنا يبست: لا شيء أمام عيوننا غير المنّ" (عد 11: 6).
"لا تعبدوا الأوثان". لا تكونوا عبّاد أوثان (آ 7) مثل آبائكم: ما اكتفوا بأن يركعوا أمام عجل ذهبيّ، بل عاشوا عمقَ عبادة الأوثان حين شاركوا في وليمة تشبه الولائم الذبائحيّة لدى الوثنيين (خر 32: 6). "ولا تستسلموا للزنى" (آ 8). توقّفوا عن الزنى الذي سبق ومارَسْتُموه. فآباؤكم زنوا مع بنات موآب، وقدّموا ذبائح لآلهتهنّ، وأكلوا من طعام تلك الذبائح (عد 25: 1- 9). "لا تجرِّبوا المسيح" (آ 9). توقّفوا. هكذا جرّبَ الآباء الله، حين تنكّروا للخروج من مصر (نسوا عمادهم). قالوا بوقاحة: "فلا خبز لنا ولا ماء، ونفوسنا قضت من هذا الطعام القليل" (عد 21: 4- 6). "ولا تتذمّروا على الله" (آ 10)، كما تذمّروا عند أبواب أرض الموعد، حين رفضوا أن يسمعوا لكالب ويشوع اللذين جسّا الأرض، وتبعوا أنبياء قادوهم إلى الهلاك (عد 13: 25- 14: 37).

4- خاتمة المقطع (10: 11- 13)
بعد هذه السلسلة من الخيانات التي ظهرت فيها مسيرةُ الخطيئة التي تقود إلى الموت، استعاد بولس هنا ما سبق وقاله في آ 6: "وحدثَ لهم هذا كلُّه... ليكون لنا عبرة نحن الذين وصلنا إلى نهاية الأزمنة". نحن الذي صرنا على أبواب أرض الموعد. هنا نتذكّر سياق المقطع الذي نقرأ (آ 1- 13) مع الخاتمة في آ 12: "من ظنّ أنه قائم فليحذر من السقوط". هو تنبيه مباشر يتوجّه إلى الذين يظنّون أنهم يمتلكون المعرفة، وفي الوقت عينه يقدّمون حلاّ "خفيفاً" لمسألة اللحوم المذبوحة للأوثان. "العلم ينفخ (يزهو بصاحبه)، والمحبّة تبني" (8: 1). وثق هؤلاء بعلمهم ثقةً مفرطة، واهتموا قليلاً بالمحبّة، فأثاروا غيرة الرب (10: 22) كما فعل آباؤهم من قبل، فدلّوا على خياناتهم.

خاتمة
حين كتب بولس هذه السطور، لم يُنكر ما سبق وكتبه في موضع آخر عن حريّة المسيحيّ السامية، هذا المسيحيّ الذي يُقيم فيه روحُ الربّ (2 كور 3: 17). غير أن هذه الحريّة لا تعني أني أسمح لنفسي بكل شيء بلا قيد ولا شرط (6: 12 نقرأه في سياق 10: 23). وقد قال لنا بولس في الرسالة إلى غلاطية: "فالمسيح حرّرنا لنكون (لنبقى) أحراراً... ولكن لا تجعلوا هذه الحريّة حجّة لارضاء الجسد (اللحم والدم وما فيهما من ضعف وميل إلى الخطيئة)، بل اخدموا بعضُكم بعضاً بالمحبّة" (5: 1، 13).
وها هو بولس يدعونا إلى أمانة لا مشروطة لله الذي دعانا بالمعموديّة، وغذّانا بالافخارستيّا. وفي خبر الآباء، نكتشف الحياة المسيحيّة، حيث نفهم أن الانتماء لشعب الله لا يشكّل ضمانة ضدّ كل المخاطر. والتعارضُ بين "كل" العبرانيين الذين شاركوا في الخروج، و"القليلين" الذين دخلوا إلى أرض الموعد، هو تعليمٌ للمسيحيّين. فبولس يعلن بشكل احتفاليّ: "يريد الله أن يخلّص جميع البشر" (1 تم 2: 4). ولكن لا يبلغ إلى هذا الخلاص إلاّ أولئك الذين يهربون من كل عبادة أصنام. يبقى علينا أن نسمع ما يقوله مز 95: 7- 8: "اليوم إن سمعتم صوته، فلا تقسّوا قلوبَكم كما في مريبة، في البريّة".
مشاركة في الجسد والدم
10: 14- 17
اعتاد أهل كورنتوس أن يشاركوا في ولائم تُقام في ظل المعابد الوثنية، ولا سيّما إذا كانوا أعضاء في إحدى نقابات المدينة. فهل سيستمرّون في هذه المشاركة، بعد أن تعمّدوا في يسوع، وأكلوا جسده وشربوا دمه؟ أما يجب عليهم أن يتركوا عادات الانسان القديم ليأخذوا بعادات الانسان الجديد، في البرّ والقداسة؟ إلى هذا يدعو بولس الرسول الكورنثيّين، فينتقلوا من عالم وثني إلى عالم مسيحيّ، كما سبق له وطلب منهم أن ينتقلوا من قيادة موسى والعيش في البرية، إلى قيادة المسيح الذي جعل منّا، نحن الكثيرين، جسداً واحداً. ونقرأ النصّ: 
(14) فلذلك اهربوا، يا أحبّائي، من عبادة الأوثان. (15) أكلّمكم كما أكلّم العقلاء، فاحكموا أنتم في ما أقول. (16) كأس البركة التي نباركها، أما هي مشاركة في دم المسيح؟ والخبز الذي تكسره، أما هو مشاركة في جسد المسيح؟ (17) فنحن على كثرتنا جسد واحد لأن هناك خبزاً واحداً، ونحن كلنا نشترك في هذا الخبز الواحد.
هذه الآيات تفتحنا على عمق الافخارستيا، على عشاء الربّ حيث نشارك في كأس البركة، في دم المسيح، وفي الخبز الذي نكسره الذي هو جسد المسيح. أما النتيجة فنصبح نحن كلنا جسدَ المسيح، فنتميّز بالوحدة التي صلّى من أجلها يسوع ليلة آلامه.

1- المشكلة المطروحة
هل يقدر المسيحي أن يشارك في ذبائح الوثنيين؟ ماذا كان يحدث في جماعة كورنتوس؟ كانت تُنحَر الحيوانات إكراماً لهذا الاله أو ذاك. فيُباع ما يفضل عن الكهنة، في السوق بأسعار رخيصة فيشتريها الفقراء بشكل خاص، لأن اللحم كان غالياً. ويوضع هذا اللحمُ على المائدة ويقدّم للضيوف. ما كان الناس يعرفون مصدر هذا اللحم. ولكن بعض المرات، كانوا يقولون للضيوف إن هذا اللحم جاء من عند هذا الاله أو ذاك. فماذا يفعل المؤمن؟ هل يطرح كلَّ مرة الأسئلة؟
نحن هنا في الواقع أمام مسألة عمليّة جداً، وكان بالامكان أن نحصل على جواب على مستوى الحكمة العمليّة. ولكن هذا بعيدٌ عن ممارسة بولس الرسول، الذي ينطلق من الأمور البسيطة ليرفعنا إلى السامية. فما نعيشُه في الحياة اليوميّة يدخل في سرّ عميق، هو سرّ محبّة الله التي تجلّت في يسوع المسيح. فهل ينسى المسيحيّ أنه نور العالم، وأنَّ عليه أن يكشف هذا النور الذي جاء إلى العالم؟
ميّز الرسول موقعين في جوابه. الأول يشجّع عبادة الأوثان، والثاني يتجاهله تماماً. فإن قلنا للمسيحيين هذا اللحم جاء من ذبائح للآلهة فأكلوا، قد يفهمون أنه يحقّ لهم أن يشاركوا في مثل هذه الذبائح، مع أنهم مسيحيّون. وهكذا يُضلّون الوثنيين. والثاني، من اشترى أو أكل مثلَ هذه اللحوم دون أن يعرف أو ينتبه، عليه أن لا يهتمّ. فاللحم صالح في ذاته. والآلهة التي قُدِّم لها، لا وجود لها، وبالتالي لا يمكن أن تؤثّر على اللحم.
يفترض هذا البرهان مبدأ أساسياً: لا نستطيع أن نشارك في ذبائح الأوثان. هنا لا مساومة. الاله الوثني غير موجود، واللحم المقدّم له لم يتبدّل، وبالتالي لا يمكن أن يضرّني. ولكن الذبيحة نفسها، هذه العبادة الكاذبة، هي التي تُفسد المؤمن، لأن الشياطين هم في أساسها. لهذا، فمن أراد أن يتّصل بالآلهة عبر مثلٍ هذه الذبائح، يقترف إثماً. هنا يقوم الكذب الذي يشارك فيه المؤمن فيشارك الشياطين. "يعني أن ذبائح الوثنيين هي ذبائح للشياطين، لا لله. وأنا لا أريد أن تكونوا شركاء الشياطين" (10: 19).
وكانت مسألة الذبائح مناسبة لبولس لكي يتحدّث عن غيرة الرب (10: 22). فالمسيح يريدنا كلَّنا. يريد التقدمة كلَّها، ولا يقبل أن يقاسمه أحد. فمن لا يعطيه كلَّ شيء كان وكأنه لم يُعطِ شيئاً. وحين وصل بولس إلى هذه النقطة من البرهان، تذكّر سرَّ الشكر، الافخارستيا، فرأى فيه أننا لا نستطيع أن نمزج المشاركة في ذبائح الأوثان، وخدمة يسوع المسيح. وهذه الخدمة تتضمّن مشاركة ذبائحيّة، فيها يتّحد المؤمن اتحاداً سرياً مع الربّ. يتماثل معه. ينتمي إليه. إذن، نحن لا نخصّ الله ونخصّ الشياطين في الوقت عينه. فنحن نختار. والمساومة تعني أننا تركنا الله وأثرنا غيرته.
2- الكأس والخبز مشاركة (آ 16)
قدّم بولس كلامَه بشكل سؤال. هذا يعني أن المؤمن يفكّر قبل أن يجيب. فجوابُه يُشرف على أعماله وكل حياته. فهناك رباط بين الاعتقاد وبين الممارسة. وإذ يفكّر المؤمن يؤكّد: كأسُ البركة هي مشاركة. والخبزُ الذي نكسره هو مشاركة.
أ- كأس البركة
في العبادة اليهوديّة، كانوا يباركون الله قبل أن يشربوا الكاس في عيد الفصح. 
أخذ المسيحيون بهذه العادة، وأعطوها معنى جديداً، وصل بهم إلى الافخارستيا التي هي عشاء الربّ. لا يحصر بولس كلامه، بلا شكّ، في تكريس الخمر في القداس الالهي، بل يذهب أبعد من ذلك، وهذا ما نلاحظه في "تعليم الرسل" أو "الديداكيه". سُمّي فيه عشاء الربّ "الشكر" أو البركة. ونحن نقرأ في ف 9 عبارة مباركة على الكأس: "في ما يخصّ الافخارستيا، أشكروا هكذا: أولاً من أجل الكأس: نشكرك، يا أبانا، على كرمة داود المقدّسة. عرّفتنا بها بيسوع فتاك، المجد لك في الدهور". مثلُ هذا النصّ يحيلنا إلى العشاء الأخير الذي أخذه يسوع مع تلاميذه، ليلةَ آلامه. في ذلك العشاء، أخذ يسوع الكأس، وبارك... ولما شرب التلاميذ معه، دلّوا على اتّحادهم به، وبعضهم مع بعض.
ب- الخبز الذي نكسر
ونعود أيضاً إلى "تعليم الرسل" الذي يقدّم لنا واقعين آخرين. أولاً، تحدّث بولس عن الكأس ثم عن الخبز، وهكذا قلبَ الترتيبَ الذي نجده في احتفالاتنا، الخبز ثم الخمر. وذاك هو الواقع في الديداكيه. ثانياً، استعملت الديداكيه عبارة "الخبز المكسور". وهذا ما فعله بولس أيضاً. كل هذا يربطنا بما فعله يسوع يوم كثّر الأرغفة: أخذ الخبز وكسر.
ما تحدّث بولس عن عشاء الربّ كما قال في 11: 20، ولا عن سرّ القربان كما نقول في ممارساتنا. بل أشار إلى الكأس التي تقابل الكأسَ في العالم الوثني، فتحملُنا من ممارسة نشارك فيها الآلهة، أو الشياطين، إلى ممارسة نشارك في دم المسيح. كما تقابل هذه الكأسُ ما كان يُفعل في العالم اليهوديّ حيث يمكن أن تدلّ الكأس على مرارة الحياة والشرب يترافق مع الأعشاب المرّة. أما الكلام عن الخبز الذي نكسره فيتوزّع، فسيصل بنا إلى حياة مع يسوع تتجمّع فيه هذه الكسر وتُوضع في اثنتي عشرة قفّة، لتدلّ على جسد المسيح الواحد، الذي يكوّنه المؤمنون.
ج- مشاركة في الدم، في الجسد
أكّد بولس هنا أن "الافخارستيا" مشاركة، اتحاد. اللفظ اليوناني (كوينونيا) غنيّ جداً. في المشاركة، نتّصل بعضُنا ببعض (لا يبقى كل واحد في زاويته، على موقفه)، نتضامن (نهتمّ بالآخرين ونبتعد عن اللامبالاة)، نصير رفقة الدرب على مثال ما كان يسوع مع تلميذي عماوس (لو 24: 13 ي)، نكون واحداً. هذا الرباط يتضمّن عنصراً سلبياً، فيه نتخلّى عن ذاتنا لننتمي إلى المسيح، نخصُّه، نتماهى معه. وهناك عنصر إيجابي يشير إلى التضامن والالتزام والتجاوب مع عطاء المسيح ذاته لأجلنا. من شارك الآخرين، تماهى معهم، شارك في مصيرهم والتزم قضاياهم وما تهرّب. هذا ما يتمّ بين المسيح الذي ما استحى أن يدعونا أخوتَه، وبين المسيحيّين الذين ينعمون بهذا التضامن، ويحاولون العيشَ حسب روحه.
دم المسيح وجسد المسيح يشيران إلى ذبيحة الصليب. هو الدم المسفوك على الجلجلة، والجسد المسمَّر على الصليب. تلك هي الذبيحة التي يشارك فيها المؤمنون حين يأكلون الجسد ويشربون الدم. فالمسيحيّون لهم ذبيحتهم، فكيف يشاركون في ذبيحة أخرى؟ هنا تأتي الكأس والخبز المكسور. فهناك علاقة بين الخمر والخبز من جهة، ودم المسيح وجسده من جهة أخرى. وبوساطة الكأس والخبز، يشارك المسيحيون في ذبيحة المسيح. فلا ذبيحة سوى ذبيحة الصليب. ونحن نشارك فيها حين نشارك في عشاء الربّ، في الافخارستيا.

3- خبز واحد، جسد واحد (10: 17)
وسعى بولس في آ 17 إلى إسناد ما قاله في ما سبق. عاد إلى إيمان الكورنثيين، الذين يعرفون أن الافخارستيا تقيم مشاركة ذبائحيّة، تكوِّن جماعة من نمط ذبائحيّ، بين المسيح والمسيحيّين. ولكن هل هم واعون لهذا الأمر؟ فلا بدّ من توعيتهم. 
بما أن هناك خبزاً واحداً، هناك جسد واحد. هنا نتذكّر أن عشاء الربّ كان يتمّ حول «رغيف» واحد يتقاسمونه، وليس كما في ممارستنا اليوميّة. في الماضي كانت الجماعة صغيرة، فيكفيها رغيفٌ واحد. أما اليوم، فالمؤمنون يكونون مئاتٍ بل آلافاً. هذا يعني أنه إن كانت الجماعة الصغيرة، نستطيع أن نأخذ خبزة واحدة نقسمها بين المشاركين، فندلّ على وحدة الخبز لكي نعيش وحدة الجسد.
هنا نتذكّر كلام أوغسطينس: حين تأكل طعاماً، يتحوّل هذا الطعام إليك. يُصبح أنت. ولكن حين تأكل جسد المسيح، تتحوّل أنت إليه. تصبح أنت المسيح. وبما أن الجماعة تأكل الخبزَ الواحد، فهي تصبح الجسد الواحد. تصبح كلها المسيح. كما يصبح كلُّ واحد منا المسيح.
لسنا هنا على مستوى اللاهوت، بل على مستوى التربية المسيحيّة والممارسة اليوميّة. كما لسنا على مستوى المنطق. فقد يكون هناك أكثر من خبزة. فإذا أردنا أن نفهم الإطار، نعود أيضاً إلى الديداكيه: "كما توزّع هذا الخبزُ المكسور، في الماضي، على الجبال، وجُمع لكي يكون واحداً، هكذا إجمع (يا ربّ) كنيستك من أقاصي الأرض، في ملكوتك".
إن صورة الحبّات المجموعة، التي تكوّن خبزة واحدة، ترمز إلى تجمّع المسيحيين. وهي تعبّر، بالنسبة إلى الكورنثيين، عن واقع يعيشونه أو يجب أن يعيشوه. هم رعيّة. جماعة الله في كورنتوس. هم هذه الكنيسة التي تجتمع لتكون واحداً مع المسيح مثل حبّات القمح. وما الذي يجمعها؟ المشاركة في عشاء الربّ، في الكأس التي هي دم المسيح، والخبز الذي هو جسد المسيح. ففي الافخارستيا اتّحدنا في الجسد الواحد، جسد المسيح. وحين شاركنا في الخبز الواحد، انطلقنا من هذه الصورة لنفهم أن وحدتنا مع المسيح هي في النهاية وحدتنا بعضنا مع بعض. وهكذا نصل إلى الكلام عن وحدة في المسيح وبالمسيح.
وعبارة «جسد واحد» تلمّح إلى ما كان اليونان يقولونه عن الجسد الاجتماعي، أي تجمّع مختلف أعضاء الجماعة في الوحدة. ولكن الفكرة الأولى تعود إلى الافخارستيا. منها انطلق بولس لكي يتكلّم عن «الجسد الواحد» الذي نكوّنه مع المسيح، واستعان في كلامه، بصورة عرفها الكورنثيون. فجسدُ المسيح هو ذاك الذي أخذه من مريم العذراء، الذي صُلب وقام. وجسد المسيح هذا ذُبح من أجلنا. ونحن نشاركه كلَّ مرة نأكل هذا الخبز ونشرب هذه الكأس.

خاتمة
نودّ أن نختتم هذا التأمل بكلام من القديس كيرلس الأورشليمي في العظات التعليمية: بعد أن تتناول جسد المسيح، اقترب أيضاً من كأس الدم. لا تمدّ يدك، بل انحنِ، وفي حركة سجود واحترام قل "آمين"، وتقدّس حين تأخذ أيضاً دم المسيح. وساعة تكون شفتاك بعدُ رطبتينن المسهما بيديك، وقدّس يمينك وجبينك وسائر حواسك. وبانتظار الصلاة، أشكر الله لأنه حسبك أهلاً لهذه الأسرار السامية.
خير الكثيرين وخلاصهم
10: 31- 11: 1

توسّع بولس الرسول على مدى ثلاثة فصول (ف 8- 10) في موضوع الأكل والشرب، أكل لحوم الحيوانات المذبوحة للآلهة، أكل الطعام الذي أرسله الله إلى شعبه في البرية وشُرْب الماء الذي أخرجه من الصخر. ثم أعطى تعليماته الرعائيّة في التعامل مع الاخوة لئلاّ نشكّكهم، ومع الوثنيين الذين يدعوننا إلى ولائم "مقدّسة" أو اجتماعيّة في ظلّ المعابد الوثنيّة. وجعل نفسَه للرعيّة مثالاً في التخلّي عن امتيازات يحقّ له أن يتمتّع بها ولكنه لم يفعل. فالمهمّ في حياة المؤمن كما في حياة الكنيسة هو مجدُ الله. ونقرأ النصّ: 
(31) فإذا أكلتم أو شربتم، أو مهما عملتم، فاعملوا كلَّ شيء لمجد الله. (32) لا تكونوا حجر عثرة لليهود أو غير اليهود (= اليونانيين) ولا لكنيسة الله، (33) بل كونوا مثلي، فأنا أحاول أن أرضي جميع الناس في كل ما أعمل، ولا أسعى إلى خيري، بل إلى خير الكثرة من الناس لينالوا الخلاص. (11: 1) إقتدوا بي مثلما أقتدي أنا بالمسيح.

1- سياق النصّ
في هذه الآيات، نقرأ خاتمة قدّمها بولس في عبارات قاطعة لعرْضِه الطويل حول اللحوم المذبوحة في شعائر العبادة الوثنيّة. هذه المسألة التي تجاوزناها الآن، نحن المسيحيين، لم تعد موجودة إلاّ في بعض الظروف التي يتداخل فيها الدينُ بالحياة الاجتماعية. ماذا يفعل المؤمن؟ قد ينسحب أو يُجبَر على إعلان إيمانه مهما كلّفه هذا الاعلان. وفي أي حال، لا مكان للمساومة في هذا المجال. لهذا تبقى المبادئ التي أعطاها بولس في زمن محدّد ذات طابع شامل. بل نحسّ كأنها وُجّهت اليوم إلى كنيستنا في هذا الصراع بين "المنفتحين" على الآخرين و"المنغلقين" على أنفسهم وأفكارهم القديمة التي لا يمكن أن يتخلّوا عنها. فإن تخلّوا عنها ظنّوا أنهم تخلّوا عن إيمانهم.
أ- المنفتحون على الجديد في الكنيسة
المنفتحون هم الذين يعرفون أن المسيحيّة تتجدّد يوماً بعد يوم بفعل الروح، مهما كانت الظواهر. ويعرفون أن المسيح حمل الحريّة. هذه الحرية «ألغت» الشرائع اليهوديّة بالنسبة إلى المسيحي، كما ألغت الامتيازات في ما يتعلّق بالعِرق والدين واللون والمستوى الاجتماعي... وألغت الأفكار المسبقة والخرافات وعدداً من الممارسات التقليديّة، وكلَّ الاشكال التي يسجن فيها العالمُ الوثنيّ الشعوبَ ويُرعبهم باسم "قدسيّات" هي في الواقع امتداد لما في التمائم من تعويذات تُبعد الربّ عن المؤمن وتعطيه بعض الطمأنينة. ولكن أي طمأنينة!
كان كلام بولس واضحاً في مبدأه: "الوثن لا كيان له" (8: 4). هو حجر وخشب، ولا يستطيع أن يفعل شيئاً. لهذا، لا يهمّ إن إكلنا من لحوم ذُبحت للأصنام أو لم نأكل. وهكذا اختفت كلُّ الأفكار المسبقة وكلُّ ما كنا نحسبه "عقيدة" لا يمكن التخلّي عنها. فكلُّ شيء هو للمسيحيّ، والعالم مفتوح أمامه، بعد أن خلقه الله ورآه حسناً. وهو يتصرّف به كما يشاء. فما يوجّه حريّته هو طبيعة الأشياء. وكل ما أضاف الناس على هذه الطبيعة (طقوس وغيرها) لا قيمة له. هذا ما يعرفه أولئك الذين لهم "العرفة" أو المعرفة الباطنيّة.
وبولس نفسه كان الأولَ في الكلام عن هذه الحريّة وعيْشِها. ونحن اليوم نحتاج، في خطى بولس، إلى أن نتنشّق مناخ هذه الحرية المسيحية الحقّة، بعد أن عرفت مجموعاتٌ في الكنيسة عدداً من الانحرافات على مستوى التقوى أو الاعراف الاجتماعيّة التي حسبناها خلقيّة مسيحيّة. كم يجب علينا أن لا نخاف من بعض المبادئ المحرّرة للانسان والتي تتردّد في هذه الرسالة: "كل شيء حلال" (10: 3)، أو: كل شيء مباح. "أنا رجل حرّ عند الناس" (9: 19). أنا رجل حرّ بالنسبة إلى الجميع، فلا أُستعبَد لأحد. "أما أنا حرّ" (9: 1)؟ والجواب سيكون نعم بعد أن حرّرنا المسيح. "أما لنا حقّ أن نأكل ونشرب" (9: 4)؟ أجل، نأكل ما نشاء وساعة نشاء ونشرب كل ما جعله الله لنا.
هذا التجديد الذي تحتاجه الكنيسةُ اليوم، كما في كلِّ يوم، هو أن نلقي عنّا نيرَ عددٍ من الممارسات التي بدت جوهريّة في الحياة المسيحيّة، بينما هي مظاهرُ لا أكثر ولا أقل، ويمكن أن تتبدّل دون أي خطر على معتقداتنا. فهناك ما نظنّه عقيدة لا يمكن التخلّي عنها أو ممارسة خلقيّة أو أفعال روتينيّة نقوم بها لئلاّ نتميّز عن الآخرين فيطرحون السؤال حول سلوكنا. إلى هذه الحريّة في التصرّف يدعو بولس الجميع انطلاقاً من عمق إيماننا وصدق ممارساتنا.
ب- المنغلقون على الماضي
وبجانب المنفتحين نجد المنغلقين، داخل الكنيسة وخارجها. هم الذين لا علمَ لهم. هم لا يعرفون الحريّة التي نالوها في المسيح. هم ما زالوا مقيَّدين بما يقوله الناس ويظنّون ويحكمون. في النهاية، نصل إلى المتعصّبين الذين يرفضون كل ما لا يقابل أفكارَهم ويقيناتهم الخاصة. هؤلاء يرون الآخرين يتصرّفون بحريّة فيضلّون. يحكمون على الآخرين باسم أخلاقيّاتهم الخاصة، ويظنّون أن الخطيئة أمرٌ يُسمحُ به. ففي نظرهم، الآلهة واقع وحقيقة، والذبائح الوثنيّة تحمل قيمتها في ذاتها. هذا ما كانوا يعتقدون به قبل أن يهتدوا إلى المسيح، فما استطاعوا أن يخرجوا من اعتقادهم. وحين يرون "المنفتحين" يظنّون أنه يحقّ لهم أن يعبدوا الآلهة الوثنية. والخطر يكون أكبر على مستوى الوثنيّين الذين يرون في هؤلاء المسيحيين الذين يشاركونهم "ولائمهم"، أن الإيمان المسيحيّ أمرٌ خاص لا يفرض علينا في المجتمع تصرّفات جديدة تتوافق مع منطق الانجيل.
وهنا يأتي الكلام على الشكوك والعثار: نتخلّى عن حريّتنا كلَّ مرّة يكون عملنُا سببَ عثار لأخينا. هذا ما فعله بولس. ولكن في النهاية، لا نعود نفعل شيئاً إن دُهش شخص من عملنا، أو لم يوافق عليه. العثارُ الحقيقيّ هو ذاك الذي يشجّع على الخطيئة. نحن نحاول أن نُرضي الناس، كما قال بولس، ولكن لا على حساب حريّتي في المسيح.
فما العمل تجاه هؤلاء الضعفاء الذين ليس لديهم "المعرفة"؟ هنا يعود بولس إلى مبدأ المحبّة. نحن نستعدّ لكي نتخلّى طوعاً عن استعمال حريّتنا محبّةً بالقريب: "فالعلم ينفخ. أما المحبّة فتبني" (8: 1). "كلّ شيء حلال، ولكن ما كلّ شيء ينفع. كلّ شيء حلال، ولكن ما كلّ شيء يبني" (10: 23).
هذا لا يُلغي الحريّة. ولكن إن كان صراع بين الحريّة وخير القريب (ينفع، يبني)، فالمحبّةُ تفرض علينا أن نجعل خير القريب في المقام الأول: "يجب أن لا يسعى أحد إلى مصلحته، بل إلى مصلحة غيره" (10: 24).

2- مبدأ المحبّة
وهكذا نصل إلى مبدأ المحبّة الذي يسبق مبدأ الحريّة. عنه يتكلّم بولس في 8: 7- 13: كل واحد لا يعرف. هذا يعني أنني لا أنظر إلى نفسي، بل إلى الآخر. وأني لا أجعل حرّيتي مبدأ مطلقاً، مهما كان الخطرُ الذي يهدّد القريب. "لا تكُن حرّيتي حجرَ عثرة للضعفاء". وأنا مستعدّ أن لا آكل اللحم في حياتي، إذا كان طعامي يسبّب الهلاك لأخٍ مات المسيحُ من أجله.
كيف نطبّق مبدأ المحبّة هذا، الذي يضحّي بالحريّة ليتجنّب أن يجرح الضمائر الضعيفة؟ عاد بولس إلى أمثلة أخذها من خبرته الشخصيّة. فهو الذي وعى كل الوعي الحريّة المسيحيّة وحقوقَ هذه الحرية، عرف أن يتنازل، أن يضحّي بهذه الحقوق لكي يسهّل الطريق للانجيل. كان يحقّ له أن ينال المساعدة الماديّة من الجماعة، له ولمرافقيه، (فهو كحامل الانجيل يعيش من الانجيل)، ولكن "ما استعملنا هذا الحقّ أبداً، بل احتملنا كل شيء لئلاّ نضع عقبة في طريق البشارة بالمسيح" (9: 12). ويستخلص الرسول المبدأ السلوكيّ العام: الانجيل يحرّرنا، ولكنه يفرض علينا أن نكون عبيد الجميع لكي نربحهم إلى المسيح. هو لا يطلب منّا أن نعود إلى عبوديّة روحيّة يعيش فيها الوثنيّون أو اليهود. فالرسول حرّ في كل معاني الحريّة، ولكنه يتخلّى بحرّيته عن التمتّع بحريّته، حين يكون الموضوعُ حملَ البشارة إلى الذين لا يعرفون. "أنا رجل حرّ عند الناس، ولكني جعلتُ من نفسي عبداً لجميع الناس حتّى أربح أكثرهم" (9: 19).
وهكذا صار بولس "وثنياً" مع الوثني، "يهودياً" مع اليهوديّ. صار "بلا شريعة" مع الذين هم بلا شريعة، هذا مع العلم أنه يخضع لشريعة المسيح. وفي النهاية، صار ضعيفاً مع الضعفاء ليربح الضعفاء (9: 20- 22). والهدف هو البشارة، لا مصلحته ولا حريّته التي لا يقيّدها شيء.
مثلُ هذه المحبّة لا تُنكر الحريّة، ولا تدمّرها، بل تتجاوزها. ونحن نخطئ إن جعلنا من هذا الإرشاد شريعة جديدة وعُرفاً جديداً نسير فيه ولا نحيد. لسنا أمام أمر مفروض، بل أمام نداء إلى الحريّة باسم المحبّة. تلك هي الحكمة التي وصل إليها بولس لكي يقدّم حلاً لمسألة محدّدة: أكل اللحوم المذبوحة للآلهة. وهكذا تكون آ 31- 33 + 11: 1 موجزاً يُنهي كلّ هذا التوسّع فنجد مبدأي الحريّة والمحبّة، اللذين لا يتصارعان، بل يتوافقان فيكمّل الواحد الآخر.

3- مبدأ الحريّة
فهناك أولاً مبدأ الحرية: «فإذا أكلتم أو شربتم، أو مهما عملتم، فاعملوا كل شيء لمجد الله» (آ 31). هذا يعني أن الطعام والشراب وسائر الأعمال البشريّة، يجب أن تتمّ في مناخ من الحريّة. هذا يعني: إفعلوا ما تشاءون. والقاعدة الوحيدة هي أن يكون كلُّ شيء لمجد الله. لم تعد قاعدةُ العمل الشريعة، بل الحريّة. فكلّ عمل حرّ يمكن أن يعود إلى الله، الذي يعمله معنا.
في نظر اليهود، مجدُ الله فوق متناولنا. أما الآن فكلّ عمل بشريّ يتيح للمسيحيّ أن يبلغ إلى هذا المجد. فالخليقة التي عادت إلى الله في سرّ الفداء، تُتيح للانسان أن يُنشد مجدَ الله. "السماوات تنطق بمجد الله، والفلك يُخبر بعمل يديه" (مز 19: 1). أجل، لم يعد الله مختبئاً وراء الشريعة (وكأنه يريد أن يعاقبنا)، بل هو حاضر في طبيعة شفّافة. فالطعام والشراب واللباس أعمال تستطيع أن تُنشد مجد الله. ذاك هو مضمون الحريّة الموضوعيّ: أن نقف أمام الله لنمجّده، فلا يكون عائقٌ بينه وبيننا. وهكذا نستطيع أن نفعل كل شيء. وهكذا نستطيع أن نفعل كل شيء لمجد الله. هما عبارتان توجزان الحريّة المسيحيّة. ذاك هو المبدأ الأول. 
أما المبدأ الثاني فيُعلن: يجب أن تكون المحبّةُ أقوى من الحرية. فلا بدّ من تأمين الخلاص للضعفاء، والتضحية بالحرية قد تكون ضروريّة، في بعض المرات، لئلاّ يقع الضعفاء في التجربة. ذاك هو موضوع الارشاد الثاني (بعد الارشاد الأول حول مجد الله): "لا تكونوا حجر عثرة لليهود أو غير اليهود، ولا لكنيسة الله. بل كونوا مثلي، فأنا أحاول أن أرضي جميع الناس في كل ما أعمل، ولا أسعى إلى خيري، بل إلى خير الكثرة من الناس لينالوا الخلاص" (آ 32- 33).
العثار الذي نتكلّم عنه هو الحريّة التي لا يفهمها الضعفاء فيتشكّكون ويسقُطون، وربّما يفقدون إيمانهم. وأعطى نفسه مثالاً: هو ما طالب بحريّته المسيحيّة، بل خضع، وقت الحاجة، لأفكار مسبقة وأعراف روتينيّة وممارسات تجاوزها الزمن، ليربح، بدون صعوبة، أولئك الذين يخافون من أن يتجاوزوها .
نلاحظ هنا مرونة بولس: ساعة أعلن الحريّة، تراجع أمام الافكار المسبقة، لم يرَ أنه من المناسب أن يشكك الضعفاء بسبب لحم يأكله أو لا يأكله. لا شكّ في أن تعليمات الرسول لن تكون دوماً سهلة التطبيق. وحين نريد أن تسيطر المحبّةُ على تصرّفاتنا، نجد نفوسنا في صراع يصعب علينا الخروجُ منه.
ولكن ما هو فوق كل شيء، في نظر بولس، هو مسيرة الانجيل. في هذا المعنى يجب أن نفهم نداءه الأخير: «اقتدوا بي مثلما اقتدي أنا بالمسيح» (11: 1). نبدأ أولاً فنقتدي ببولس في طريقة التعامل، في التوازن بين الحريّة والمحبة. فالواحدة تكمّل الأخرى وتجعلها تشعّ، فيراها الناس ويمجّدون الآب الذي في السماء. ثم نقتدي باندفاع بولس في كل مشاريعه، ولا سيّما حمل الانجيل في تضحية تامّة لخدمة البشر. وأول تضحية هي التضحية بحريّة أعلنها أكثر من مرّة وبالفم الملآن. وإذ نقتدي ببولس، إنما نقتدي بالمسيح الذي يسعى الرسول إلى الاقتداء به، حين ضحّى بحياته من أجل خلاص البشريّة: ذاك الذي كان في صورة الله (الحرية التامة)، أخذ صورة العبد (العبودية والحرمان من كل حريّة) وصار طائعاً حتّى الموت على الصليب. اقتدى بولس بهذا المسيح. ونحن حين نقتدي به، نقتدي في النهاية بمن هو مُبدئ إيمانِنا ومكمّلُه.

خاتمة
تلك كانت تعليماتُ بولس في نهاية توسّع طويل. انطلق من مسألة محليّة، في كنيسة كورنتوس، ومن ظرف محدّد، هو أكل اللحوم المذبوحة للأوثان، فوصل بنا إلى هذا الكلام عن الحريّة والمحبّة. حرّرنا المسيح فصرنا أحراراً، وصار باستطاعتنا أن نفعل كل شيء: نأكل، نشرب... ولكن جميع أعمالنا يجب أن تؤؤل لمجد الله. لهذا، فهي تحتاج إلى المحبة، لأن الله محبّة. وهكذا نستطيع أن نقتدي ببولس الذي حاول أن يقتدي بالمسيح. هو الحرّ جعل نفسه عبداً للآخرين ليربحهم للانجيل، لأن البشارة بكلام الله هي ما يوجّه حياته، بحيث تلتقي فيه المحبّة والحريّة ولا تتنافران: فهو ما بحث يوماً عن مصلحته، بل عن مصلحة الآخرين ومصلحة الكنيسة. أما هو قبل كل شيء رسول الأمم؟
عشاء الربّ في كورنتوس
11: 23- 26

وصلت إلى بولس معلومات مؤلمة، حملها إليه المسؤولون في الكنيسة: استفاناس، فورتوناتوس، أخائيكوس (16: 17). يقول بولس: بلغني. سمعتُ من قال لي (آ 18). ماذا سمع بولس؟ اجتماعات الكنيسة لا تؤول إلى خير الجماعة، بل هي تقسم المؤمنين. لهذا لا يستحقّ الكورنثيّون المديحَ بل التوبيخ، لأنهم يستخفّون بكنيسة الله ويهينون الفقراء (آ 22). أجل، عشاء الربّ تحوّل إلى عشاء خاص فيه يجوع البعض، ويُتخَم الآخرون ويسكرون. فكان لا بدّ من العودة إلى مساء ذاك الخميس الذي فيه صار عشاء الفصح اليهوديّ، عشاء الربّ يسوع، ونقرأ النصّ: 
(23) فأنا من الربّ تسلّمتُ ما سلّمتُه إليكم، وهو أن الربّ يسوع في الليلة التي أسلم فيها، أخذ خبزاً (24) وشكر وكسره وقال: "هذا هو جسدي. إنه لأجلكم. إعملوا هذا لذكري". (25) وكذلك أخذ الكأس بعد العشاء وقال: "هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي. كلّما شربتم، فأعملوا هذا لذكري". (26) فأنتم كلّما أكلتم هذا الخبز وشربتم هذه الكأس تخبرون بموت الربّ إلى أن يجيء.

1- سياق النصّ
السؤال المطروح في 11: 17- 34 هو: كيف نحتفل بعشاء الربّ. لم نعد فقط أمام لباسٍ محتشم تلبسه النساء في الجماعة، بل أمام الجماعة التي تستحقّ التوبيخَ بعد أن سيطر عليها الروحُ الدنيويّ.
اعتاد المسيحيّون الأوّلون أن يجتمعوا، مرّة في الأسبوع، لا ليمارسوا شعائر العبادة، بل ليأكلوا معاً أيضاً، على ما نقرأ في أع 2: 46: "وكانوا يلتقون كلَّ يوم في الهيكل بقلب واحد، ويكسرون الخبز في البيوت، ويتناولون الطعام بفرح وبساطة قلب". فالطعام الذي يأكلونه معاً هو طعام المحبّة (أغابي)، وفيه يهتمّون اهتماماً خاصاً بالفقراء في الجماعة. هنا نفهم ما كان يفعله بعضهم. "يبيعون ما يملكون من حقول وبيوت، ويجيئون بثمن المبيع فيُلقونه عند أقدام الرسل ليوزّعوه على قدر احتياج كل واحد من الجماعة" (أع 4: 34- 35).
هو عشاء أخويّ، يذكّر الحاضرين بموت الربّ (لو 22: 14- 20)، ويجعلُهم يعيشون بفرح حضورَ القائم من الموت في وسطهم. عناصر ثلاثة اجتمعت: الأخوّة، حضور الربّ، الفرح. ولكن الكورنثيين جعلوا في وليمة الكنيسة عوائدَ ورثوها عن العالم الوثنيّ، حيث الولائم المقامة إكراماً للآلهة كانت تنتهي في السكر والعربدة. من أجل هذا، وبّخهم الرسولُ وكان قاسياً في توبيخه.
فاجتماعات الكنيسة تُظهر تحزّبات وانقسامات وتكتّلات خاصة (رج 1: 10 ي). لا شكّ في أن المسيحيّين يجتمعون في موضع واحد، ولكنهم يأكلون في مجموعات تنفصل فيها الواحدة عن الأخرى، فأين وحدة الجسد (10: 17)؟ لا يوبّخهم بولس كلّهم بسبب هذا الوضع. فالانقسامات أمرّ لا مفر منه، شأنُها شأن الشكوك في الكنيسة (مت 18: 7). والله يستفيد منها ليكشف المرائين ويميِّزهم من الذين يعيشون الحبّ الأخويّ.
والتوبيخ الأساسيّ، هو أن العشاء الذي يشاركون فيه ليس عشاء الربّ. فبدلاً من طعام مشترك يشارك فيه كلُّ واحد بحسب امكانيّاته، يبدأ البعض يأكلون ولا ينتظرون الآخرين، ولا سيّما العمّال والعبيد الذين يأتون متأخّرين بعد العمل. هم لا يحملون شيئاً معهم، فيخجلون. ويكتفون بأن ينظروا إلى الأغنياء يأكلون حتى التخمة ويشربون حتّى الارتواء والسكر. مثلُ هذا الطعام لا يدلّ على الوحدة في الكنيسة والتضامن بين المؤمنين، بل على الأنانيّة والشراهة في وجه الفقراء الذين هم حصّة الكنيسة. اغتاظ الرسول من هذا الواقع، وتخيّل هذا المشهدَ الذي فيه تُحتقَر الكنيسة. مثلُ هذا السلوك يدمّرها. فالذين يريدون أن يأكلوا وحدهم، فليأكلوا في بيوتهم قبل أن يجيئوا إلى حيث نلتئم الجماعة.هذا التنبيه سيعمل على إزالة هذه العشاءات الأخويّة. تركت الجماعات كل ما هو وليمة وطعام، وصار عشاء الربّ شعيرةً من شعائر العبادة.
وتجاه هذه الانحرافات، ذكر الرسولُ كيف يجب أن يكون عشاء الرب. فسلّم إلينا ما تسلّمه من الربّ، وقد عرفه أول ما عرفه في الجماعات التي عايشها في بلاد العرب، أي جنوبي دمشق، سواء في حوران أو في شرقي الاردن، ثم مارسه في أنطاكية. وهكذا أورد لنا تقليدَ الكنيسة الذي يعود إلى الربّ نفسه.

2- ما حدث ليلة الخميس
هنا نقرأ ما فعله الربّ ليلة الخميس الذي سبق آلامه. "فأنا" (آ 23). هكذا ترتبط آ 23- 26 بما سبق: «فالطريقة التي بحسبها تتصرّفون تدلّ على أنكم ما عدتم تعرفون ما يعنيه عشاء الربّ. وبما أنكم نسيتم، فأنا أذكّركم». أسلّم ما تسلّمتُ. أنقل إليكم ما تقبّلته من جماعات كانت جدّ قريبة من المسيح. هذه الأفعال هي المستعملة في المدارس الفلسفيّة اليونانيّة، كما لدى المعلّمين اليهود. الربّ هو ينبوع هذا التقليد الذي غرف منه الرسول، هو أول السلسلة، لا حلقة في السلسلة. وهذا يعني أننا لسنا أمام تقليد بشريّ، بل تقليد إلهيّ، لأنه يعود إلى الربّ يسوع نفسه. وإذ ذكر بولس ينبوع هذا التقليد، بدا وكأنه يقول: حين تحتفلون بهذه الصورة بعشاء الربّ، فأنتم تغيظون الربّ نفسه. ما تفعلونه يتعدّى الأعراف البشريّة وقواعد التهذيب في المجتمع. وبالأحرى هو يسيء إلى الربّ وكنيسته.
"الربّ يسوع في الليلة التي أسلم فيها". في آ 23 ب- 25، يورد الرسول ايراداً حرفياً الكلمات الليتورجيّة (إن آ 26 هو تفسير أورده الرسول). ما نقرأه هنا يتوافق مع المعطيات الانجيليّة. ولكننا لا نجد أي تلميح إلى الفصح، كما هو الأمر في الأناجيل. فنحن نقرأ مثلاً في مت 26: 2: "تعرفون أن الفصح يقع بعد يومين". وفي آ 17: "وفي أول يوم من عيد الفطير، جاء التلاميذ إلى يسوع وقالوا له: ''أين تريد أن نهيّئ لك عشاء الفصح''؟" وفي مر 14: 12: "وفي أول يوم من عيد الفطير، حين تُذبح الخراف لعشاء الفصح سأله تلاميذه: ''إلى أين تريد أن نذهب لنهيّئ لك عشاء الفصح لتأكله''؟" ونقرأ بالاضافة إلى كل هذا، نتذكَّر ما قاله يسوع لتلاميذه، في بداية ذاك العشاء: "كم اشتهيتُ أن أتناول عشاء الفصح معكم قبل أن أتألّم" (لو 22: 15). لا شكّ في أن بولس قال في 1 كور 5: 7: "حملُ فصحنا ذُبح، وهو المسيح". ولكنه لا يربط هذا القول بالافخارستيا.
ويرد فعل «أسلم» الذي هو لفظ مفتاح في أخبار الحاش والكرازة عن الآلام. فهو يعود، بلا شك، إلى إش 53 الذي لعب دوراً هاماً في فكر الكنيسة الأولى حول معنى موت المسيح "من أجل الكثيرين". ونقرأ: شكر، كسر الخبز: هذا ما يفعله ربّ البيت في بداية كل طعام. وهذا ما فعله يسوع حين كثّر الأرغفة وأطعم الجماهير. "هذا هو جسدي". يقول يسوع للتلاميذ ما يعنيه الخبز الذي يوزّعه عليهم: في فعل التأسيس، تماهى الخبزُ تماهياً أسرارياً مع جسد المسيح، مع المسيح الذي بذل نفسه عنّا (غل 2: 20). وهكذا جعل الذين يأكلون منه يشاركون المسيح في حياته. «إنه لأجلكم». إنه ذبيحة تكفّر عن الخطايا.
"وكذلك أخذ الكأس" (آ 25). متى؟ بعد العشاء. نحن هنا في الأصل أمام تذكّر تاريخيّ. ولكن حين دخل في نصّ التأسيس، صار إشارةً ليتورجيّة. ففي بدايات الكنيسة، كان الفعلان الأسراريان، كسر الخبز وتوزيع كأس البركة، بدايةَ عشاء الربّ ونهايتَه.
والمقابلة مع نصّ مرقس، بين الكلمة حول الخبز والكلمة حول الكأس، تُبرز بعضَ اللاموازاة. فلا نجد تقابلاً بين الخبز والدم (مر 14: 22، 24)، بل بين الخبز والعهد (العهد الجديد في دمي). هو اختلاف بسيط، ولكننا نحسّ به مع غياب "لاجل كثيرين" في الكلام عن الكأس، وهذا ما يجعلنا في حالة سابقة للتنظيم الليتورجيّ، حيث اختلف مدلول الخبز ومدلول الكأس. أما بالنسبة إلى بولس، فالموازاة حاضرة (رج 10: 16). وعبارةُ العهد الجديد تعود إلى إر 31: 31. فالعهدُ المؤسّس على ذبيحة المسيح هو جديد، بمعنى أنه يدشّن تتمّةَ زمن الخلاص.
"فاعملوا هذا لذكري"، تتكرّر العبارة مرتين (آ 24، آ 25). هذا يعني أننا نقوم بهذا الفعل الأسراريّ، بتشديد على التكرار. وهناك الإحياء التذكاريّ، الذي ليس تذكّر الماضي وحسب، بل تأوين الماضي، وجَعْل عمل المسيح الفدائي حاضراً في الآن وفي المكان، بالعمل الأسراريّ، وهو تأوين يكون فيه المسيحُ نفسه حاضراً في وسط الجماعة ليعطي ذاته لها. هو تذكير مهمّ لجماعة كورنتوس، بعد أن صارت الوليمة الافخارستيّة فيها إلى هذه الحالة المؤسفة.
وننتهي مع آ 26 التي تتوسّع في نهاية آ 25: هذا ما تفعلونه حين تجتمعون من أجل عشاء الربّ. أنتم تتذكّرون موت الربّ. فكيف تجرأون بعد هذا، على تصرّف لا يليق بانتظار المجيء. فالمجيء الثاني يرتبط بعشاء الربّ مع عبارة نقرأها في نهاية الرسالة: "مراناتا: تعال، أيها الربّ" (16: 22). كل هذا يعني أنهم حين يتهاملون بالاحتفال بعشاء الربّ، فإنهم يدلّون أنهم ينسون الربّ، ولا يُكرمون موتَه إطلاقاً.

3- العشاء الربّاني في أصوله
أ- أصول عشاء الربّ
حين نقرأ النصوص التي تتحدّث عن العشاء الذي أخذه يسوع مع تلاميذه، ليلة آلامه، نرى فروقات في عدد من التفاصيل. ونحن لنا نبحث عن "تقرير" دقيق لما حدث في تلك الليلة. ولكن كل كنيسة أخذت روحَ ذاك العشاء، وقدّمت لنا تقليدها. فهناك تقليد أنطاكية القديم الذي عرفه بولس واورده سنة 57، في 1 كور. هذا يعني أنه تكوّن قبل ذلك الوقت. وهناك تقليد يرتبط بعيد الفصح. هذا يعني أن العشاء السريّ جاء حالاً بعد خبر الاستعداد للفصح. ونحن نقرأه في الأناجيل الازائيّة. وأما التقليد الافخارستيّ، الذي تمّت صياغته في إطار الليتورجيا مع المباركة وكسر الخبز واقتسام الكأس وكلمات التكريس، كل هذا نميّزه في مر 14: 22، 24. ولكن هناك بعض انقطاع في التواصل. فبعد البركة على الخبز، انتظرنا البركة على الكأس، فإذا نحن أمام فعل شكر. هذا الانقطاعُ يُفهَم إذا كان مر 14: 23 يوازي لو 221: 7 ويأتي من التقليد الفصحيّ، حيث الكأس هي الأخيرة في الوليمة الفصحيّة، والتي كانت كأس الشكر عند اليهود. وهناك انقطاع آخر حين ننتقل من آ 23 إلى آ 24 في مر14. هي اللحمة بين التقليد الفصحيّ والتقليد الافخارستيّ كما نجدها في مت 26: 26 ي. هذا يعني في النهاية أن عشاء الربّ هو افخارستيا ووليمة شكر، كما هو احتفالٌ فصحيّ أعطى الفصحَ اليهودي كاملَ معناه.
فما هو مضمون التقليد الفصحي ومضمون التقليد الافخارستيّ؟
ب- التقليد الفصحيّ
لا نتوقّف عند الاسبوع الأخير في حياة يسوع. ولكن عند الخبر الذي قدّمه لنا الرسل. فهناك تقليدان: واحد يركّز على الفصح، وآخر على المقاسمة الليتورجيّة للخبز والخمر. ونبدأ بالتقليد الفصحيّ.
ارتبط الفصحُ اليهودي طبيعياً بالخروج من مصر، الذي هو فعل خلاص اتّخذ بُعد الخلق وارتبط بالعهد كامتداد لعمل الخلاص. هذا ما يجب أن نتذكّره ساعةَ يُذكر العهد الجديد. وارتبط أيضاً بالفصح، تذكّرُ ذبيحةٍ استعد ابراهيم ليقدّمها. فمع أنه كان يحبّ ابنه اسحق، استعدّ ليفعل، وقَبِل اسحقُ أن يُذبَح. بفضل هذه الطاعة في المحنة وهذا القبول، شارك المؤمن في استحقاقات الآباء، وصار اسحق صورة عن الحمل الفصحيّ ونموذج الشهيد الذي يموت في سبيل ربّه. وإذ أراد التفسير اليهودي أن يربط ربطاً أفضل بين الفصح وذبيحة اسحق، جعل هذه الذبيحةَ تتمّ في أورشليم، وفي يوم الفصح، ورأى فيها أول ذبيحة من أجل خطايا بني اسرائيل. وحين قال يسوع لتلاميذه إنه يريد أن يأكل الفصح معهم قبل أن يموت، تطلّع الرسل طوعاً إلى اسحق (رج يو 3: 16؛ روم 3: 25).
وكان للفصح أيضاً طابعُ الخلق الجديد. فحين وعى اليهود سرّ الله، عرفوا أن الخروج من مصر لا يستنفد سرّ الفصح. فهذا الخروج لا يكشف سوى وجهة من عمل الله العظيم، منذ بدايات الزمن حتّى نهايته. وهكذا يعني الاحتفالُ بالفصح مواصلةَ عيش نشاط الله حتى النهاية. وحين قال يسوع: "لن أشرب من نتاج الكرمة..."، فهمَ الرسلُ أنهم، مع المسيح الذي يستعدّ للموت، يشاركون مشاركة سريّة في خلق العالم وفي تكملته. وهكذا فُهم المسيح على أنه آدم الجديد، أو الحمل كما في سفر الرؤيا. في هذا الاطار، يُصبح العماد الذي يشركنا في هذا الموت، ولادةً جديدة وخلقاً جديداً.
ج- التقليد الافخارستيّ هذا التقليد ذو الطابع الليتورجيّ، يعود إلى العشاء الفصحيّ أو إلى وليمة ذبائحيّة أكلها يسوع مع تلاميذه. فما هو مدلولها؟ في الحالين، نحن أمام فعلة نبويّة، والفعلة تحمل فاعليّتها في ذاتها. فيسوع حين أخذ أحد طقوس الوليمة، مقاسمة الخبز والخمر، جعله وحياً لخلاص بدأ يتحقّق. وهذا الطقس يُشركنا في عمل الخلاص الذي أتمّه المسيحُ حين بذل حياته من أجل البشر. فكما كان الدم يُرشّ على العبرانيّين (خر 24: 8) فيُدخلهم في العهد القديم، هكذا دخل الرسل حقاً في العهد الجديد الذي دشّنه يسوعُ بدمه، حين شربوا من الكأس.
وإذا كانت هذه الفعلة النبويّة قدّ تمّت خلال وليمة فصحيّة، فهي تُتمّ ما دلّ عليه هذا الطعامُ كاحتفال بسرّ الخروج الذي ضمّ خلق العالم إلى ذبيحة اسحق إلى مجيء الملكوت في نهاية الأزمنة. في هذا الاطار، نستطيع أن نرى في الخبز المكسور المنَّ الذي عرفه العبرانيون في الخروج، والتوراةَ الجديدة التي صار الخبز رمزاً لها بعد المنفى. أما النبيذ فرمز إلى الدم المراق على الشعب من أجل العهد الجديد.
أمّا إذا كانت هذه الفعلة النبويّة قدّ تمّت خلال وليمة ذبائحيّة، فيشدّد النصّ على هذه الوجهة، بعد أن حلّ الخبزُ والخمر محلّ الضحيّة. ومهما يكن المحيط الحياتيّ لهذه الفعلة، فكتّاب العهد الجديد جعلوها في التقليد الفصحيّ، وهكذا تداخل التقليدان، فوجب أن نفسّر الواحد بالآخر لكي نحيط بما فعله يسوع "ليلة آلامه".

خاتمة
ذاك هو عشاء الربّ الذي احتفل به يسوع، يوم الخميس الذي سبق آلامه. انطلق من عناصر عرفها اليهود في أيامه، سواء ما يتعلّق بخروف الفصح، أو بالخروج وما يسبقه من ذبيحة اسحق وخلق العالم، وما يتبعه من أحداث تقودنا إلى النهاية. كل هذا عاشه يسوع، ولكن تلاميذه سيفهمونه شيئاً فشيئاً. غير أنَّهم سيعرفون في النهاية، أن يسوع أتمّ كل هذا في شكل لا يتصوّره عقلٌ بشريّ. لم نعد بحاجة إلى حملان عديدة. فهو الحمل. واستغنينا عن العدد الكبير من الكهنة، لأن هو الكاهن الذي يقدّم ذبيحة نفسه بشكل سريّ، بانتظار أن يقدّمها بشكل حقيقيّ على الصليب، يوم الجمعة العظيمة. وكما كان ذاك العشاء رمزاً إلى ذبيحة، فهو أيضاً وليمة أكلها الربّ مع شعبه، فوحّدهم بشخصه وبعضَهم ببعض في عهد جديد أبديّ. أما يجب على الكورنثيين أن يتذكّروا كل هذا حين يحتفلون بعشاء الربّ؟
مواهب متعدّدة وروح واحد
12: 4- 11

هذا المقطع الذي نقرأ هو جزء من فصل واسع يبدأ في آ 4 وينتهي في آ 31، فيتحدّث عن النعم والخدم الروحيّة داخل جسد المسيح. فبعد المقدّمة (آ 4- 7) التي تعطي المعنى الأساسيّ، وسرْد مختلف المواهب (آ 8- 11)، يتحدّث النصّ عن استعارة الجسد (آ 12- 27). فالسؤال المطروح على بولس: ما هي العلامة التي تجعلنا نعرف أن هذه الموهبة هي من عمل الروح؟ فكل خبرة في الكنيسة يجب أن تُقيَّم بالنسبة إلى بناء الكنيسة في وحدة الروح. ونقرأ النصّ: 
(4) فالمواهب الروحيّة على أنواع، ولكن الروح الذي يمنحها واحد. (5) والخدمة على أنواع، ولكن الربّ واحد. (6) والأعمال على أنواع، ولكن الله الذي يعمل كل شيء في الجميع واحد. (7) كل واحد ينال موهبة يتجلّى فيها الروح للخير العام. فهذا ينال من الروح كلام الحكمة، وذاك ينال من الروح نفسه كلام المعرفة. (9) والروح الواحد نفسه يهب أحدَهم الايمان، والآخر موهبة الشفاء، (10) وسواه القدرة على صنع المعجزات، والآخر النبوءة، وسواه التمييز بين الأرواح، والآخر التكلّم بلغات متنوّعة، والآخر ترجمتها. (11) وهذا كله يعمله الروح الواحد نفسه موزّعاً نعمه على كل واحد كما يشاء.

1- سياق النصّ
منذ بداية الرسالة، عرفنا أن الكورنثيّين «لا تُعوزهم موهبةٌ من المواهب» (1: 7). وتقدّم لنا ف 12- 14 تنوّعَ ووفرةَ هذه المواهب التي بها يعتني المسيح بكنيسته، ويؤمّن الحياة المشتركة فيها. أما الكورنثيّون فتعلّقوا، بشكل خاص، بمواهب "الكلام" و "المعرفة" (1: 5)، خلال الاحتفال بشعائر العبادة. وقد جعلوا فوق كل موهبة، موهبة التكلّم بالألسن. يحسّ الانسانُ إحساساً غريباً، فلا يعود يعي ما يقول، فيتلفّظ بكلمات يغيب مدلولُها عن السامعين.
ولكن مثل هذه الظواهر المرتبطة "بإلهام" لم تكن دوماً عمل الروح القدس. فقد عُرفت أيضاً في العالم الوثنيّ، وفي روحانيّة العالم اليونانيّ المتأثّر بالعالم الشرقيّ. حين يخسر الانسان كامل وعيه، فهذا يعني أنه صار قريباً من الله، امتلأ من الله. فكيف نميّز الروح القدس الذي يتكلّم، من تصرف سيكولوجيّ حرّكه مناخٌ دينيّ اشتعل حماساً؟
هذا في العالم اليوناني. وفي كورنتوس، بشكل خاص، كان كل مؤمن يترك العنان لإلهامه دون أن يأخذ بعين الاعتبار ما يقوله الآخرون. فقادتهم هذه الحريّةُ المفرَطة إلى الضياع والفوضى في احتفالات العبادة. ثم إن تفضيل موهبة على موهبة، جعل الذين نالوا مواهب "أقلّ قدراً" ينحسدون من الآخرين. كل هذا دفع الرسولَ لكي يتدخّل.
ظهرت "المواهبُ" في الكنيسة، ولبثت حيّة حتى القرن الثالث. حوالي سنة 400، رأى الذهبيّ الفم أن ف 12- 14 هي فصول يصعب فهمُها. ولكن "النبوءة" و"التكلّم بالألسن" تعود إلى الظهور بين الفينة والأخرى، ولا سيّما في مجموعات تعيش على هامش الكنيسة "المنظّمة". وهناك اليوم سببان رئيسيّان يعطيان ف 12- 14 أهميّة خاصة. الأوّل، ظهور حركات تشدّد على مواهب الروح، ولا سيّما "موهبة الألسن" و"موهبة الشفاء". الثاني، اكتشاف تنوّع الخدم في الكنيسة. فحين نقرأ الرسائل البولسيّة، نحسّ أننا فقراء في المواهب. ولكن يجب أن نبحث اليوم عن مواهب مماثلة لما عرفته الكنيسة الأولى. فخبرة كورنتوس وتعليم الرسول، يجعلاننا نتردّد أمام حريّة مفرَطة في النبوءة والتكلّم بالألسن. فالنظام في شعائر العبادة، والوضوح في الكرازة، يفضَّلان على الكلام المتلبّد الغامض، هذا إن لم يكن مستغرباً وخفيفاً. فحريّةُ الروح القدس تظهر في شكل آخر مثل شهادة الكنيسة في حمل البشارة والاهتمام بالمرضى وتربية المعاقين. فالمواهب متعدّدة جداً ولا تنحصر في تلك التي أوردها بولس في رسالته هذه.

2- المواهب خدم (12: 4- 7)
إن مواهب الروح هي "خِدَم"، هي أعمال ونشاطات. يعطيها المسيح (آ 4). وفي النهاية، يعطيها الله نفسه (آ5 )، لأن "كل هبة صالحة تنزل من فوق، من عند أبي الأنوار" (يع 2: 17). ويشير الرسولُ في الوقت عينه إلى وحدة عمل الله، ووفرة الوسائل التي يستخدمها. أجل، الاله الثالوث هو الينبوع الوحيد لكل العطايا التي ننالها، ولكل المتطلّبات التي تُفرضُ علينا.
تتجلّى عطيّة الروح بالنسبة إلى كل مؤمن بشكل إمكانيّة تساعده على عمل يعمله، على خدمة يقوم بها. وهذه القدُرات وهذه المهامُ موزّعة على الجميع. فما من أحد يمتلك جميع المواهب. وما من أحد يستطيع أن يعمل جميع الأعمال ويقوم بكل الخدم. فحصّةُ كل واحد محدودة. وما من أحد إلاّ ونال موهبة من المواهب.
أمّا هدفُ هذا التنوّع فليس من أجل صالح الفرد. بل من أجل خير الكنيسة (آ 7). لهذا، لا أعزل موهبة من المواهب وأحسبها خاصتي، ولا أتمسّك بقدرة من القدرات لكي أنعم بها وحدي. والمواهب لا تُعطى لكي تقسم الكنيسة، بل من أجل الخير العام، بحيث يحسّ كل واحد أنه يقدر أن يعطي ممّا أعطاه له الله، ويقدر أن يأخذ ممّا وهبه الله للآخرين. فالمواهب تعود إلى أصل واحد، وتتطلّع إلى هدف واحد: فلا تعارض، ولا مزاحمة. إذن، لماذا الحسد بين المؤمنين بعد أن اختلفت المواهبُ التي نالوها.
أكّد الرسول في ثلاث عبارات متوازية (آ 4- 6) أن تجليّات الحياة الجديدة، هي مختلفة وموزّعة بين أعضاء الجماعة المسيحيّة. وما يوحّدها هو الأصل الذي خرجت منه، والهدف الذي تصبو إليه. وتأتي هذه المواهب حسب مخطّط ثالوثيّ: الروح القدس، الربّ يسوع، الله الآب.
في آ 1، تكلّم الرسول عن تجليات الروح (الأمور الروحيّة). وفي آ 4، تكلّم عن المواهب الموزّعة في الجماعة. فالمواهب هي تجلّيات الروح كما تقول آ 4 ب، ولكن اللفظ أوسع من المواهب التي ذكرها الرسول. فهناك قدراتٌ أعطيت للكنيسة لتستطيع أن تحيا حياتها وتمارس رسالتها (روم 12: 6- 8). وحين أحلّ الرسول لفظاً (المواهب) محلّ لفظ آخر (تجلّيات روحيّة)، بدأ ينتقد جماعة سُحرت بمظاهر حماسيّة يراها الناس، فنسيَتْ الهدفَ الذي لأجله مُنحت هذه المواهب.
وننتقل في آ5 إلى الخدمة. نحن لا ننال موهبة لننعم بها وحدنا، أو لكي نمتلك اسماً وشهرة، أو لنفتخر بها تجاه الآخرين. المواهبُ هي أداةُ خدمة في الكنيسة: من أجل البناء (14: 4- 5). مواهب متنوّعة يوحّدها الربّ يسوع، ربّ الكنيسة: هو يُشرف عليها وينظّم استعمالَها. وإذ عاد بولس بالمواهب، التي هي خِدَم، إلى الربّ يسوع، هيّأ الطريق للكلام عن جسد المسيح وعن مسؤوليّة أعضاء الجسد وتضامنهم داخل الكنيسة.
والمواهب هي أعمال (طاقات) أو قوى تفعل في الكنيسة. ففي ذاتها وفي ما تفعله، تعود إلى ينبوعها الأول، الله الآب. هل يُشير النصّ إلى المعجزات التي يمكن أن تجري في الكنيسة؟ هذا ما لا يقوله النصّ، الذي يتكلّم عن فعل الله "العامل" (الذي يعمل)، عن الله الخالق الذي يتجلّى خلقُه في كل مكان، سواء في الكون أو في مصير الأفراد، أو في الكنيسة وكل عضو من أعضائها. هو يعمل كل شيء في الكل. إذن، لا ينحصر عمله في فئة دون أخرى، في شخص دون آخر. هو يعمل في الجميع. وهو يعمل كلَّ شيء، لأن عملَه يحيط بالكون وبكل واحد منّا.
ونقرأ في آ 7 "تجلّيات الروح" (يتجلّى فيها الروح) التي توجز "المواهب" و"الخدم" و"الأعمال". فالروح هو الشخص الفاعل. وإذ يفعل، يعطي النتائج التي تدلّ على حضوره وعمله. يبدأ الرسول فيتحدّث عن "كل واحد". فكل واحد في الجماعة نال موهبة من المواهب، ولكنه لم ينلها من أجل نفسه، بل من أجل الكنيسة. وهكذا تنتهي الآية مع عبارة "الخير العام". هنا يكون موقعُ التواضع الذي تحدّث عنه الرسول في فل 2: 3: "(كونوا) منزّهين عن التحزّب والتباهي، متواضعين في تفضيل الآخرين على أنفسكم".

3- المواهب متعدّدة (12: 8- 10)
يقدّم الرسول أكثر من تعداد لهذه المواهب. في آ 8- 10، يذكر تسع مواهب. في آ 28- 30 يذكر ثماني هي مواهب الرسل والأنبياء والمعلّمين وصانعي المعجزات وحاملي الاسعاف والمهتمّين بالإدارة والمتكلّمين باللغات. وفي روم 12: 6- 9، يذكر الرسول سبع مواهب: النبوءة، الخدمة، التعليم، الوعظ. العطاء، الرئاسة، الرحمة. وفي أف 4: 11، هناك خمس مواهب مذكورة يحملها الرسل، الأنبياء، المبشّرون، الرعاة، المعلّمون. كل من هذه اللوائح تعطي أمثلة، وهي لا تستنفد ما في الكنيسة من مواهب. وترتيبُ المواهب يختلف بين لائحة وأخرى.
ليس من قبيل الصدف أن يذكر الرسولُ أولاً المواهب التي تحرّك عقل الانسان، ويذكر أخيراً موهبة التكلّم بالألسن، التي قدّرها الكورنثيّون تقديراً كبيراً. هناك مجموعة أولى من المواهب تشير إلى التعليم والكرازة حول مقاصد الله (آ 8). "فالحكمة" (2: 7- 8) تدلّ على ما تدلّ عليه "المعرفة" (كو 2: 3). وهناك مجموعة ثانية من المواهب تتعلّق بالعمل: الإيمان، الشفاء، صنع المعجزات. الإيمان كموهبة خاصّة من مواهب الروح القدس، ليس الإيمان الذي يبرّر وينال الخلاص (روم 1: 7؛ 2: 22؛ 5: 1)، بل ذاك الذي يحصل على المعجزات (13: 2؛ مت 17: 20). فمعجزات الشفاء في الكنيسة، تدلّ على قدرة المسيح (أع 3: 1- 10؛ 5: 16). وما هي "أعمال القدرة" التي تتميّز عن الأشفية؟ هناك من فكَّر بانتصار على الشياطين (مت 12: 22- 29)، أو بعقاب الأشرار (أع 5: 5 -9 ؛ 13: 11)، أو بقوّة العزيمة التي أظهرها بولس في أوقات المحنة (أع 27: 1 ي). وهناك من قال: إجراء العجائب، القدرة على صنع المعجزات.
"والنبوءة" معجزة بشكل كلام. هي موهبة كلام لحثّ الآخرين وتنبيههم (14: 3- 4). و"تمييز الأرواح" يتيح للمؤمن أن يعرف إن كان أمام نبيّ صادق أم نبيّ كاذب. مثلُ هذا الوضع واجهته مراراً الجماعات المسيحيّة في القرن الأول المسيحيّ (2 بط 2: 1 ي؛ 1 يو 2: 26- 27؛ 4: 1- 3؛ رؤ 2: 14- 15).
وأخيراً، يورد بولسُ التكلّم بالألسن. ففي نظر الكورنثيين، هذه اللغة الغامضة هي موهبة عجيبة، تدلّ دلالة كبيرة على عمل الروح. لا يُنكر الرسول أن تكون هي أيضاً موهبةً من مواهب الروح. وهو لا يحرّمها. ولكن قيمتها محدودة إن لم ترافقها موهبة الترجمة (ف 14). أما الآن، وبعد أن عدّد الرسول مختلف المواهب، عاد إلى أصلها المشترك. الروح هو الذي يعطيها مجاناً، لا حسب رغبة المؤمن أو استحقاقاته. يعطيها حسب حاجات الكنيسة.
جعلَنا بولسُ على مستوى الفكر اللاهوتيّ مع الحكمة التي تكشف مسيرة مخطّط الله، والمعرفة بطابعها النظري إلى الأمور. وذكّرنا بموهبة الشفاء من المرض، كما بإخراج الشياطين، على مثال ما أوصى يسوع تلاميذه حين أرسلهم: اشفوا المرضى، أطردوا الشياطين (مت 10: 8). أما التمييز فيمكن أن يكون أيضاً فهمَ نبوءة غامضة، بحيث تلتقي هذه الموهبةُ مع ترجمة الألسن، فتحتفظ بما هو صالح وتترك الرديء (1 تس 5: 21). ما نلاحظ في هذا التعداد هو تكرار لفظ "الروح": بالروح، حسب الروح، في الروح. هكذا يفهم الكورنثيون أن المواهب تعبير عن غنى الروح في الكنائس، وأن البشريّ الذي يمكن أن يمتزج بها دون أن يخضع له، لا يمكن أن يكون من الله، بل من الشرّير.
ويختتم الرسول كلامه فيشدّد أيضاً على عمل الروح: هو الذي يوزّع مواهبه كما يشاء، لا كما نرغب نحن. فحريّة الروح السامية تضع حداً للمزاحمات البشريّة والنظرات التي تبتعد بنا عن الهدف الذي أعطيت لأجله المواهب. فنحن لا نتكبّر إن نلنا موهبة تُعتبر "كبيرة" في الجماعة، ولا نيأس إن نلنا موهبة لا تظهر أمام الناس. هنا نتذكّر دورَ الأعضاء في جسم الانسان، كما في الكنيسة جسد المسيح. المهمّ أن يأخذ كلُّ واحد دوره، ويفهم مسؤوليّته المرتبطة بالموهبة التي نالها.

خاتمة
حدّثنا بولس عن المواهب العديدة في الكنيسة. وبقيت مواهبُ أخرى لم يذكرها. فهي ستُعطى للكنيسة ساعة الروح يشاء وكما يشاء. يبقى أن يعرف كلُّ واحد الموهبة التي نالها، لكي يجعلها في خدمة الكنيسة وبناء الجماعة، ويقدّر في الوقت عينه موهبة الآخر التي نكمّل موهبته. فكما الأذن تكمّل العين، واليدُ الرجل، والقلبُ الدماغ، هكذا تتناسق المواهبُ في الكنيسة من أجل الخير العام، ومن أجل خير كل واحد داخل الجماعة. فالهدف النهائيّ هو أن يؤول كلُّ شيء لمجد الله.
جسد واحد وأعضاء كثيرة
12: 12- 30

من المواضيع التي تقبّلها المسيحيّون في كورنتوس تقبّلاً حاراً، فيضُ الروح القدس فيضاً طوعياً، بحيث لا نُطفئه (1 تس 5: 19)، والحريّةُ التي نعيشها تامّة في يسوع المسيح، بحيث نفهم فهماً صحيحاً القول الذي نقرأه في 1 كور 6: 12: كل شيء مسموح لي. ولكن مثل هذه الحرارة بدأت تطرح بعض الأسئلة في قلب الجماعة: كل واحد يسير على هواه، فيرتبط بهذا المرسل أو ذاك. وكل واحد يظنّ أنه يمتلك روحَ الله. وهكذا حلت الخلافات والفوضى في جميع المجالات. كما صارت الحياةُ مستحيلة والشهادةُ ليسوع المسيح شبه غائبة. مثلُ هذا الوضع أقلق بولس، بل كان همّه الأكبر في ذلك الوقت من رسالته. ومع ذلك فهو متيقّن أن فيض الروح وحريّة المسيحيين لا يتعارضان مع الوحدة التي يجب أن تسود في الكنيسة: فالمسيح لا يمكن أن ينقسم.
وسيتأخّر بولس (ومعه المدرسة البولسيّة) للتعبير عن سرّ ما زال يتأمّل فيه. فالرسالة إلى أفسس سوف تقدّم لنا فكراً وصل إلى النضوج. أما 1 كور 12 فهي محاولة أولى مليئة بالتعليم. وها نحن نقرأها الآن في نصّ طويل (آ 12- 30): 
(12) وكما أن الجسد واحد وله أعضاء كثيرة هي على كثرتها جسد واحد، فكذلك المسيح. (13) فنحن كلنا، أيهوداً كنا أم غير يهود (= يونانيّين) عبيداً أم أحراراً، تعمّدنا بروح واحد لنكون جسداً واحداً، وارتوينا من روح واحد. (14) وما الجسد عضواً واحداً، بل أعضاء كثيرة. (15) فلو قالت الرِّجل: "ما أنا يداً، فما أنا من الجسد". ولو قالت الأذن: "ما أنا عيناً، فما أنا من الجسد"، أفتبطل أن تكون عضواً في الجسد؟ (16) ولو قالت الأذن: "ما أنا عيناً، فما أنا من الجسد"، أتبطل أن تكون عضواً في الجسد؟ (17) فلو كان الجسد كله عيناً، فأين السمع؟ ولو كان الجسد كله أذناً، فأين الشمّ؟ (18) ولكن الله جعل كلَّ عضوٍ في الجسد كما شاء. (19) فلو كانت كلها عضواً واحداً فأين الجسد؟ (20) ولكن الأعضاء كثيرة والجسد واحد. (21) فلا تقدر العين أن تقول لليد: "لا أحتاج إليك". ولا الرأس للرجلين: «لا أحتاج إليكما»! (22) فما نحسبه أضعف أعضاء الجسد هو ما كان أشدّا ضرورة، (23) وما نحسبه أقلّها كرامة هو الذي نخصّه بمزيد من التكريم، وما نستحي به هو الذي نخصّه بمزيد من الوقار. (24) أما الأعضاء الكريمة، فلا حاجة بها إلى ذلك. ولكن الله صنع الجسد بطريقة تزيد في كرامة الأعضاء التي بلا كرامة، (25) لئلاّ يقع في الجسد شقاق، بل تهتمّ الأعضاء الأعضاء كلُّها بعضُها ببعض. (26) فإذا تألّم عضو تألّمت معه جميع الأعضاء، وإذا أكرم عضوٌ فرحت معه سائر الأعضاء. (27) فأنتم جسد المسيح، وكل واحد عضو منه. والله أقام في الكنيسة الرسل أولاً والأنبياء ثانياً والمعلّمين ثالثاً، ثم منح آخرين القدرة على صُنع المعجزات ومواهب الشفاء والإسعاف وحسن الإدارة. والتكلّم بلغات متنوّعة. (29) فهل كلّهم رسل وكلّهم أنبياء وكلّهم معلّمون ركلهم يصنعون المعجزات (30) وكلهم يملكون موهبة الشفاء وكلّهم سيتكلّمون بلغات وكلهم يترجمون؟
استعمل بولس بشكل مَثل صورة أخذها من العالم اليونانيّ. كان ابيكتات ورواقيّون آخرون قد استعملوا مراراً صورة الجسد البشري في مقالاتهم الفلسفيّة. وفي رومة أيضاً، استعمل مينينيوس أغريباً الصورة عينها ليُفهم الشعبَ أنه بحاجة إلى مجلس الشيوخ، ومجلسَ الشيوخ أنه بحاجة إلى الشعب. وطبّق بولس هذا التشبيه على ما في يسوع المسيح (آ 12)، فوسّع توسيعاً طويلاً، في جزء أول، مختلفَ وجهات صورة الجسد (آ 27- 30).
"هكذا المسيح" (آ 12). ليس الجسدُ مجموعةَ الأعضاء، بل المبدأ الذي يوحّد الأعضاء. والمسيح كذلك. فالجسد هو الشخص، في الفكر الساميّ. هو الانسان كله كما يحيا ويفعل. وهنا المسيح هو، في شخصه، المبدأ الذي يجعل من المسيحيين واقعاً موحّداً. نحن أمام تدبير جديد يُدخلنا فيه المسيح.

1- جسم الانسان (12: 14- 26)
أ- الواقع (آ 14- 20)
تقدّم آ 14- 20 الوضع: في جسم الانسان، الوحدة والكثرة أمرٌ لا مهرب منه. ولا يقدر أحد أن يلغيها. فالأعضاء لا تستطيع أن تنعزل عن الوحدة التي تتشارك فيها مهما قالت أو فعلت. فهي جزء من الجسد (آ 15- 16): فإن قالت الرِجلُ: لست من الجسد... ومقابل هذا، لا يُوجد الجسد إلاّ بتنوّع الأعضاء (آ 19): إذا كان المجموع عضواً واحداً، فأين الجسد؟ وهكذا تبدو الكثرةُ والوحدةُ مرتبطتين ارتباطاً وثيقاً نجد فيه إرادة الله: "رتّبَ الله في الجسد، كلاً من الأعضاء، حسب مشيئته" (آ 18).
ب- النتائج (آ 21- 26)
هذا الوضع يُلقي ضوءاً خاصاً على علاقات الأعضاء بعضها ببعض. فلا يمكن أن نرذل أو نستبعد عضواً واحداً. فكل عضو يلعب دوراً في الجسم، والأعضاء الأخرى تحتاج إليه. "لا تقدر العين أن تقول لليد: لست بحاجة إليك" (آ 21). ثم إن عدم المساواة بين الأعضاء هي ظاهرة وليست بعميقة فتصل إلى الكيان. فيأتي تعويضٌ يعيد التوازن في الجسم. "فالذي نعتبره أقلّ كرامة، نكرمه بشكل خاص" (آ 23). وهذا التعويض الذي يحقّقه الله نفسه، يتيح في النهاية التبادلَ بين الأعضاء، بحيث يهتمّ الواحد بالآخر داخل الشركة الواحدة. في هذه الجماعة، كل ما يحدث لجزء في الجسم يترك أثراً في سائر الأجزاء، على مستوى الفرح كما على مستوى الحزن: إن تألّم عضو تألّمت معه سائر الأعضاء. وإن كُرِّم عضو كُرّمت معه سائرُ الأعضاء (آ 26).

2- الجماعة المسيحيّة (12: 27- 30)
ذاك هو التشبيه الذي قدّمه بولس الرسول. يكفي أن ننقله في بضعة ألفاظ كي تظهر حالاً مختلفُ الوجهات التي درسناها ظهوراً جذرياً في وجه جديد. "أنتم جسد المسيح". لا يحتاج الرسول إلى التوقّف طويلاً عند هذا التشبيه. يكفي القارئ أن يرى مثَل الجسد بواسطة الصورة المقدّمة. أما الرسول ففضّل أن يلفت الانتباهَ إلى بعض النقاط الهامّة. نجد الاسلوب عينه في مقابلة الغنيّ والفقير التي استعملها ناتان النبيّ، ليقول في النهاية: هذا الرجل هو أنت. وافق داود على الخبر فحكم على نفسه. فما احتاج ناتان إلاّ أن يستخلص النتائج. فقرع الملكُ صدرَه.
ففي الجماعة عددٌ كبير من المواهب المختلفة وأهمّها هي التي لا تُرى بشكل صارخ، بل تبدو خفيّة. والترتيب الذي نجده هنا يُدهشنا بعض الشيء، لا سيّما وأن الألفاظ المستعملة تختلف عمّا نستعمل في أيامنا. ولكن يبقى شيء أكيد، وهو أن بولس يجعل في الدرجة الأخيرة، موهبة الألسن التي رأى فيها الكورنثيّون أسمى مواهب الروح. فكل شيء يجب أن يُنظَّم بالنظر إلى مجمل الجسد، بالنظر إلى الخير العام (13: 1 ي). والظواهر الخارقة ليست بشيء إذا كانت لا تفيد في البناء (14: 11- 12، 26). لهذا، لا بدّ في البدء أولاً من شخص يعرف أن يترجم، وإلاّ يَسكت المتكلّمُ بالألسن (14: 16). هذا لا يعني أننا نمنع الروح من الكلام، ولو بشكل غريب وغير معتاد (14: 39). إلاّ أن الروح الحقيقيّ لا يُعطى إلاّ من أجل الخير المشترك 1(2: 7) الذي يكفله الذين تسلّموا مهمّة في الكنيسة: أولاً، الرسل. ثانياً، الأنبياء. ثالثاً، المعلّمون (آ 28).
الألفاظ المستعملة هنا هي احتفاليّة جداً بحيث لا يمكنها إلاّ أن تدلّ على ترتيب تعترف به الكنيسة. فمع "الأنبياء والمعلّمين"، نجد الترتيب المعمول به في أنطاكية (أع 131:) حيث عاش بولس مدّة طويلة (أع 11: 25 ي؛ 12: 24- 25؛ 13: 2). وترتيبُ الخِدَم هذا قد يكون امتدّ إلى كنائس تأسّست في العالم اليونانيّ، ساعة فضّلت أورشليمُ والكنائسُ المؤسّسة في مناخ يهوديّ، لفظ "شيوخ" (أع 15: 2، 4، 6،22). غير أننا نجد هنا وهناك "الرسل"، أي أولئك الذين رأوا المسيح القائم من الموت، وأرسِلوا من قبله إلى أنطاكية كما إلى أورشليم.
لا شكّ في أن تلك هي الخِدم الرئيسيّة التي ستصل بنا في نهاية القرن الأول، إلى الترتيب الذي نعرفه اليوم: الأساقفة، الكهنة. أما الشمامسة الذين يُذكرون في نصوص أخرى، فلا يظهرون هنا. ونلاحظ أن بولس جعل في المرتبة الأولى مواهبَ هي اليوم "وظائف" و"خدم". وهكذا نرى أنه يستحيل أن نعارض الكنيسة "المواهبية" بكنيسة "الخدم" أؤ "الوظائف" (الكنيسة التراتبيّة). في أي حال، ليس هذا فكرَ بولس. فالذين يمارسون أرفع الوظائف في الكنيسة هم الذين نالوا أهمّ المواهب. وحين يمارسون تمييز الأرواح (أع 2: 15ي؛ 5: 32؛ 11: 12، 15؛ 15: 28)، فهم لا يتدخّلون في مجال غريب عنهم. كل ما يفعلونه هو الاضطلاع بمسؤوليّاتهم في مجال هو مجالهم.
بعد هذا، لا يحسد أحدٌ أخاه، وليلبث كلُّ واحد حيث وضعه الله (آ 28). فالتعدّدية لا يمكن أن تكون ذريعة الفوضى وغياب كل نظام. بل ما يجب أن يرمي إليه الجميع، هو الخير المشترك، الوحدة، البناء، بناء الجسد، لأن "الله ليس إله فوضى، بل إله بسلام" (14: 33). في هذا المنظار، الطريق التي تتجاوز كلَّ طريق أخرى هي المحبّة، وهذا أمر لا شكّ فيه. أعظم المواهب وأسخى الأعمال وأروعها، ليست بشيء من دون هذه المحبّة التي ترى الاختلاف وتتقبّله، ولكنها تتجاوزه من أجل الوحدة التي تقودنا إلى أن نجعل الآخر يمرّ قبلنا.

خاتمة
سوف ننتظر الرسالة إلى أفسس لكي نرى تتمّة التأمّل الذي بدأ في جماعة كورنتوس التي لا تعرف الهدوء. وستكون أزمة أخرى (كو 2: 10) تكشف للمؤمنين صورة أخرى: الكنيسة جسد اجتماعيّ، والمسيح الرأس. كل هذا سوف يساعد المدرسة البولسيّة على التعمّق في النظرة إلى الكنيسة: فالكثرة والوحدة هما عمل يسوع المسيح الذي "ينظّم القديسين لعمل الخدمة من أجل بناء جسد المسيح" (أف 41: 2) والذي منه (في الوقت عينه) "ينال الجسدُ كلّه التلاحم والتماسك بواسطة كل أنواع المفاصل التي تغذّيه وتحرّكه" (أف 4: 16).
وحين حقّق المسيح هذا العمل، ما اهتمّ إلاّ بالخبر المشترك. كانت حياته عطاء كاملاً قاده إلى الصليب. إنه الحبّ. لهذا، "قتل البغضَ والعداوة، في شخصه". ومسكنُ الله ينمو على حجر زاوية المسيح المصلوب، الذي يصالح البشر مع الله، فيجعل منهم إنساناً جديداً (أف 2: 15- 16).
وحده الحبّ يستطيع أن يبني مثلَ هذه الوحدة في احترام لا يُحدّ للأشخاص. والحبّ السامي يقود إلى الصليب. غير أن مثل هذا الطريق قد استضاء منذ يسوع المسيح، بأنوار القيامة. فالحبّة تسقط في الأرض وتموت، ولكنها تفرح لانها تستشفُّ بواكيرَ الحصاد.
المحبّة أسمى عطايا الروح
12: 31- 13: 13

تحدّث بولس في ثلاثة فصول عن المواهب في الكنيسة (ف 12- 14)، رداً على سؤال جاءه من الكورنثيّين حول ظواهر روحيّة في الجماعة. فهناك من كان الروح يحلّ عليهم فيتكلّمون ليمدحوا الله أو ليحثّوا الجماعة، إمّا بلغة يفهمها الحاضرون (نبوءة) أو لا يفهمونها (التكلّم بألسن). أعلن الرسول، في كلامه على المواهب المتعدّدة، أن تلك التي تبني الكنيسة هي الأولى. وفي أي حال، الروح هو الذي يهبها، كما يهب المحبّة، التي هي أسمى المواهب، والتي تساعد على الحفاظ على الوحدة في التنوّع الذي تعرفه الكنيسة. لهذا، جاء نشيد المحبّة (ف 13) في قلب هذا الجواب عن المواهب. ونحن نبدأ فنقرأ النصّ: 
(31) فارغبوا في المواهب الحسنى، وأنا أدلّكم على أفضل الطرق. (13: 1) لو تكلّمت بلغات الناس والملائكة، ولا محبّة عندي، فما أنا إلاّ نحاس يطنّ أو صنج يرنّ. (32) ولو وهبني الله النبوءة وكنتُ عارفاً كلّ سرّ وكلَّ علم، ولي الإيمان الكامل أنقل به الجبال، ولا محبّة عندي، فما أنا بشيء. (33) ولو فرّقت جميع أموالي وسلّمت جسدي حتى افتحر (أو: لأحرق)، ولا محبّة عندي، فما ينفعني شيء. (4) المحبّة تصبر وترفق، المحبّة لا تعرف الحسد ولا التفاخر ولا الكبرياء. (5) المحبّة لا تسيء التصرّف، ولا تطلب منفعتها، ولا تحتدّ ولا تظنّ السوء. (6) المحبّة لا تفرح بالظلم، بل تفرح بالحقّ. (7) المحبّة تصفح عن كل شيء، وتصدّق كل شيء، وترجو كل شيء، وتصبر على كل شيء. (8) المحبّة لا تزول أبداً. أما النبوءات فتبطل والتكلّم بلغات ينتهي. والمعرفة أيضاً تبطل، (9) لأن معرفتنا ناقصة ونبوءاتنا ناقصة، (10) فمتى جاء الكامل زال الناقص، (11) لما كنتُ طفلاً، كطفل كنتُ أتكلّم، وكطفل كنتُ أدرك، وكطفل كنتُ أفكّر، ولما صرتُ رجلاً، تركتُ ما هو للطفل. (12) وما نراه اليوم هو صورة باهتة في مرآة، وأمّا في ذلك اليوم فسنرى وجهاً لوجه. واليوم أعرف بعض المعرفة، وأمّا في ذلك اليوم فتكون معرفتي كاملة كمعرفة الله لي. (13) والآن يبقى الايمان والرجاء والمحبّة، وأعظم هذه الثلاثة هي المحبّة.

1- سياق النصّ
بدأ 12: 31 فهيّأ الطريق لما في ف 14: أعظم المواهب وأفضلها هي النبوءة والتعليم. ففيهما أكبرُ إفادة للكنيسة، وبدونهما تبقى سائرُ المواهب نافلة. فنحن نرغب فيهما ونطلبهما في الصلاة. ولكن مهما تعدّدت المواهب، تبقى المحبّة أسمى مواهب الروح. بدون المحبّة، لا قيمة لسائر المواهب ولا نفع. والمحبّة وحدها تجعلنا نضع المواهب التي نلناها في خدمة الآخرين بحيث لا يعيش كلُّ واحد لنفسه، بل يطلب مصلحة غيره (10: 13- 24).
قيل عن ف 13 أنه أجمل ما كتب بولس، بطريقة شعرية مع غنى الصور والمفردات. ليس هو فقط نشيد المحبة، بل نشيد أناشيد المحبّة. أجمل نشيد. ولكن الرسول لا يهمّه قبل كل شيء أن يقدّم لنا صفحة أدبيّة، بل أن يدعونا إلى البحث عن خير الكنيسة في إطار المواهب الروحيّة.
ذُكرت مواهب في ف 12، ولم تُذكر المحبّة معها. هذا يعني أنها لا تقابل خدمةً خاصة، ولا وظيفة، ولا مهمّة من المهام، في الكنيسة. ولكنها أولى "ثمار الروح" التي هي ضروريّة للجميع (غل 5: 22). بل هي الثمرة الأولى التي منها تتفرّع سائرُ الثمار. فالمحبّة لله وللقريب هي الجواب على محبّة الله لنا. وهذا الجواب هو عمل الله فينا، بالروح القدس (روم 5: 5؛ 15: 30). فالحبّ الذي يوحّدنا بالله وبالمسيح وبإخوتنا، بالروح، هو "رباط الكمال" (كو 3: 13). وبدونه لن يبلغ الكورنثيّون إلى الكمال مهما كثرت مواهبُهم. نشير هنا إلى أن المحبّة التي يتكلّم عنها الرسول هي المحبّة الأخويّة، وهي التي تتيح لأعضاء الكنيسة أن يعملوا معاً من أجل الخير. ولكن هذه المحبّة تجد ينبوعها في الله والمسيح، وإلاّ تنضب سريعاً فتصبح "شفقة" تنحني على الآخرين من عليائها.
المحبّة مهمّة. وبدونها ليست سائر المواهب بشيء (آ 1- 3). فهذه المواهب التي نلناها قد تفسد، وقد نستعملها لغير الخير. الحبّ وحده يجعلها في خدمة الجماعة. ذكر الرسول عدداً من المواهب، من أرفعها إلى أدناها: الإيمان، المعرفة، النبوءة، السخاء في العطاء، الشهادة حتى سفك الدم. ظنّ الكورنثيّون أن التكلّم بألسن هو "لغة الملائكة"! لهذا، ذكر الرسول "الملائكة". قد تعني آ 1 جميعَ اللغات، من أبسطها إلى أسماها، من لغة البشر وصولاً إلى لغة الملائكة. إن نَقصَ التكلّمُ بألسنٍ المحبّةَ، فهو ضجيج باطل، لا يفترق في شيء عن دقّ الصنوج في الممارسات الوثنيّة.
معرفة الله موهبة سامية. ومثلها النبوءة، شرط أن تُستخدم لمديح الله وعون الاخوة. ولكن بدون المحبة، يكون الانسان فقيراً، وإن ظنّ أنه غنيّ، ولا يمكن أن ينفع القريب. والايمان المذكور في آ 2 (رج 12: 9) هو ذاك الذي يطلب المعجزة ويحصل عليها (مت 17: 20؛ 21: 21).

2- وجهُ المفارقة في المحبّة
ويُطرح سؤال: هل نستطيع أن نضحّي بأموالنا، بل بحياتنا، بدون محبّة وطلباً للتظاهر؟ نحن هنا أمام مفارقة يستعملها الرسول. فمن يقدر أن يُدرك قلب الانسان؟ فقد تكون أكبرُ التضحيات ثمرةَ الكبرياء والاكتفاء من أجل الترفّع على وضعنا أو على الآخرين. لهذا، فخدمتُنا لا ترضي اللّه إلاّ إذا ألهمتها المحبّة. نقرأ في آ 3 : الانسان يفعل هذه الأفعال البطوليّة ليفتخر. وهناك قراءة ثانية تتحدّث عن عطاء يصل بالانسان إلى أن يقدّم جسده للنار، على ما حدث للفتيان الثلاثة في سفر دانيال، أو يقدّمه ليُطبَع بالحديد المحمّى ويصبح عبداً. مهما يكن مستوى التضحيات، فليست بشيء إن لم ترافقها المحبّة.
تحدّث الرسول عن الحبّ، وكأنه شخص حيّ، كما تحدّث عن الخطيئة والشريعة والموت. وصوّر هذا الحبّ في أعماله، في علاقاته بالآخرين. هذا الحب لا يسيء... أما سلوك البشر فهو مغاير لمثل هذه التحديدات للمحبّة. وهكذا جعل الرسول تصرّفَ المسيح (الذي هو المحبّة بالذات) تجاه خطايا الكورنثيين.
المحبّة تصبرُ على مثال الله (روم 2: 4؛ 9: 22)، ولا تترك موضعاً للسخط والانتقام. المحبّة ترفق، تتحلّى بالحنان والاهتمام بالغير، فتجعل نفسها في خدمة الآخرين مبتعدة عن الأنانيّة والكسل. المحبّة لا تحسد، فتبتعد عن الطبيعة البشريّة التي تريد أن تحتفظ لنفسها بكل شيء. المحبّة تتحاشى الثرثرة والتفاخر والكبرياء . رصانتُها وتواضُعها يجعلان الناس يثقون بها. أما اكتفاؤها بنفسها، فيُبعد الناس عنها.
المحبّة لا تفعل شيئاً يدفعنا إلى الخجل، يجعل الناس يعيّروننا. لا تفعل إلاّ ما يليق بالمؤمن (6: 9 ي؛ 7: 36). هي لا تطالب بما لها باحتداد (مت 5: 48- 49)، فتفترق عن الكورنثيّين الذين يذهبون إلى المحاكم (ف 6). المحبّة لا تحتدّ، لأن الغضب يقود إلى المنازعات. والمحبّة لا تسيء التصرّف، كما تنسى ما أسيء إليها لكي تعود العلاقةُ بين الأخ وأخيه كما يجب.
الظلم (اللابرّ) والحق يتعارضان. فالحقّ هو العدالة والبرّ، في الله كما في الانسان. فالمحبّة ليست عمياء، وتعرف أن تميِّز بين الحقّ والظلم. حين ترى الشرّ تحزن. وحين ترى الخير تفرح.
وينتهي هذا الوصفُ بأربع ميزات إيجابيّة (ما يجب أن نعمل) رداً على وصايا تنطبع بطابع النفي (لا تعرف الحسد)، كما في آ 4- 6. المحبّة تستر كل شيء (أم 10: 12؛ 1بط 4: 8). هي تغفر الخطايا ولا تنشرها بحيث يراها الجميع. المحبّة تصدّق كل شيء. لا تأخذ موقف الحذر منذ البداية، بل تتحلّى بالبساطة والدماثة. المحبّة ترجو كل شيء. لا من البشر (وإلاّ كنا أمام تفاؤل أحمق)، بل من الله، من أجل خير البشر. وأخيراً، المحبة تحتمل (تصبر على) كل شيء، وتبقى مُحِبَّةً لمن أساء.
ويتواصل النشيد (آ8- 13). المواهب هي من أجل هذا العالم. أما المحبّة فتدوم في العالم الآتي. المواهب هي جزء لا كل. هي ناقصة لا كاملة. في مجيء الرب، يُعطى الكمال للمؤمنين. وزوالُ المواهب لن يكون إفقاراً للكنيسة بل يفتح الطريق لغنى أكبر. أما المحبّة فهي منذ الآن علامة الحياة الأبديّة. هي أرفع من الحكمة والمعرفة. بل هي أرفع من الايمان والرجاء اللذين لن يكونا ضروريّين في ملكوت الله. فكمالُهما يكون في المحبّة التي هي إلى الأبد، لأن الله محبّة (1يو 4: 8، 16).
3- المواهب الروحيّة ليست بشيء تجاه المحبّة (13: 1- 3)
منذ 12: 31ب، أراد بولس أن يدلّنا على الطريق الأفضل. نبتعدُ فنصل إلى الهدف الذي يتوخّاه إيمانُنا. وهذا الهدف هو غرْسُ حياة المسيح في الجماعة، وحضور الروح الذي يفعل بلا قياس. فلا حدود لفعله. هنا نلاحظ أن بولس لا يقابل بين طريق وطريق، وكأن المحبّة تُقابَل مثلاً مع التكلّم بالألسن. فسموّ المحبّة لا يصل إليه سموّ. وبدون المحبّة لا نصل إلى شيء (14: 1) ولو طلبنا جميع المواهب.
ويورد الرسول ما يمكن أن يفعله المسيحيّ من أعمال بطوليّة. ويُنهي كلَّ آية بطريقة تفهمنا أن كلَّ شيء هو كلا شيء إذا نقصته المحبّة. هناك لغات البشر والملائكة. لغات السماء والأرض. قد يشير بولس إلى "انخطاف" نناله، كما في2 كور 12: 4: "أعلم أنه خُطف إلى الفردوس وهناك سمع كلاماً لا يقدر بشرٌ أن ينطق به ولا يجوز له أن يذكره" (رج رؤ 14: 2- 3: ما من أحد يقدر أن يتعلّم الترنيمة). والنتيجة: بدون المحبّة، ليست الخطابة الرفيعة بشيء، ولا لغة الانخطاف وما فيها من سرّية.
في آ 1، توقّف الرسول عند التكلّم بألسن (= لغة الملائكة). وفي آ 2، وصل إلى مواهب أرفع من التكلّم بألسن: النبوءة، علم الاسرار، المعرفة. ولو أضفنا الايمان الذي ينقل الجبال (مر 11: 23)، الذي يفعل المستحيل.... "فما أنا بشيء". ومع المحبّة أُصبح "شيئاً".
وفي آ 3، لا يتحدّث الرسول عن مواهب روحيّة، بل عن أعمال خارقة، فائقة الطبيعة. مثلُ هذه الأعمال قد تدلّ على حبّ لا غش فيه وعلى تضحية لا حدود لها. نُطعم الجياعَ (روم 12: 20). نقدّم جسدنا ليُحرق فنموت "شهداء". ما الذي يمكنه أن يدفع الانسان إلى مثل هذه الاعمال، إن لم تكن المحبّة؟ هناك التعصّب! هناك الروح المرضيّة! هناك اندفاع لا نريد أن نتراجع فيه لئلاّ نخسر ماء الوجه! كل ما أفعله بدون محبّة لا قيمة له. ولا أنال عنه أجراً عند الله. اذن، لا نفع فيه.

4- ما تفعل المحبّة وما لا تفعل (13: 4- 7)
تشكل آ 4- 7 وحدة محدَّدة في نشيد المحبّة هذا: هي خمس عشرة جملة قصيرة: ثمان منها تبدأ بحرف النفي، والسبع أخرى تؤكّد على شيء من الاشياء. وكلُّها تُفهمنا كيف تتصرّف المحبّة. وتتكرّر لفظة "كل"، فتدلّ إلى أين تصل المحبّة. لا يمكنها أن تقف عند الجزء، عند البعض، فلا حدود لها. هنا نتذكّر كلامَ الربّ، ليلة العشاء السرّي: أحبّ غاية المحبّة (يو 13: 1). نشير بشكل عابر إلى أن الأسلوب المستعمل هنا نجده في العالم اليهوديّ (وصيّة الآباء الاثني عشر، وصية يساكر 4). 
ماذا تفعل المحبّة؟ تصبر وترفق. هي لا تتعب من تصرّفات القريب. ولا تميل بوجها عنه. الصبر (أو طول البال) يُذكر هنا وفي آ 7. إنه وُجهةٌ هامّة في المحبّة. وتأتي اللاءات الثلاثة: لا حسد، لا تفاخر، لا كبرياء.
في آ5 ، نجد أيضاً لاءات أربعة. لا تفعل المحبّة ما لا يليق بجماعة مسيحيّة يجب أن تشهد للمسيح في محيط وثنيّ. لا تطلب المحبّة منفعتها (10: 24، 33). فالأنانيّة هي عدوّة المحبّة. لا تحتدّ ولا تغضب. فالرب قال: من غضب على أخيه استوجب حكم الديّان (مت 5: 22). لا تظنّ السوء. أو لا تحتفظ بالحقد. هنا نتذكر زك 8: 17 حسب السبعينية: "لا يجترّ أحد منكم في قلبه ما أساء إليه القريب".
الحقّ هو قاعدةُ العمل العادل، وميزتُه الفارقة. إنه الصدق تجاه الكذب. المحبّة لا تفرح (بالظلم). بل تفرح (بالحقّ). فهي ترفض الظلم وتطلب الحقّ (آ 6).
ونقرأ في آ 7 أربع جمل تُثبت ما يجب على الانسان أن يفعل. الحبّ يستر زلاّت الآخرين. لا يذكرها في حديثه، ولا يقول شراً في قريبه. إن صدّقت المحبّةُ كلَّ شيء ورجت كل شيء، فهذا لا يدلّ على التراخي ولا على سرعة التصديق، ولا على الثقة بأن الانسان صالح في طبعه. بل إن المحبة لا تسمِّر الخاطئ بخطيئته فتحكم عليه حكماً نهائياً، وتجعله في إطار لا تُخرجه منه. إن المحبّة تعطيه إمكانيّة التحرّر من ماضيه، والتجدّد من أجل المستقبل. وبما أن المحبّة تصبر (رج آ1 )، فهي تعرف أن تنتظر.
تلك هي المحبّة، التي بدونها يكون الانسان كلا شيء، مهما نال من مواهب. يبقى على المؤمن أن يتذكّر بأي حبّ أحبّه المسيح (غل2: 20)، لكي يفهم مكانةَ المحبّة في حياته الخاصّة، وفي بناء الجماعة.

5- عظمة المحبّة (13: 8- 13)
ويتبدّل الأسلوب مرة أخرى، فيُعارض بين المحبّة التي لا تسقط أبداً، وبين المواهب التي تزول حين ينتهي التدبيرُ الحاضر. بعد برهان أول: ليست المواهب شيئاً بدون المحبّة. ها هو برهان يرتبط بالنهاية: هي موقتة ولا تدلّ إلاّ على ما هو موقّت. أما المحبّة فهي هنا منذ الآن، وستبقى كذلك. إنها علامة تميِّز الحياةَ الأبديّة. فالذين تحمّسوا للانخطافات والتكلّم بالألسنة، ظنّوا أنهم تحرّروا ممّا هو موقّت، وأنهم بلغوا منذ الآن بلوغاً مباشراً إلى العالم الالهيّ. فجاء الجواب قاسياً. والمحبّة التي تتجلّى في أعمال الحياة اليوميّة والعلاقات الاجتماعية، هي الآن ما سوف تكونه حين يجيء الكمال.
وما يقوله بولس عن المعرفة والحكمة (آ 9- 10) ينطبق بالأحرى على التكلّم بألسن. فالمعرفة ليست "وجهاً لوجه" (آ 12)، وليست لغة السماء، اللغة الكاملة. النبوءة جزئية، وكذلك المعرفة، وكلتاهما ناقصتان. هذا يعني أنهما لا تصلان إلى الكمال. هما ترتبطان بالدهر الحاضر، بطريقة معرفة وتكلُّم لا تتعدّى العالم الحاضر.
والمقابلة بين الطفل والانسان الناضج (آ 11) تدلّ على أن ما هو نهائيّ يتجاوز ما هو موقّت. لا يقول النص إن الطفل يخطئ. بل أنه يتكلّم حسب حدود وضعه وحسب معطيات عالمه. أما النضوج فيحمل تحوّلاً يجعل الفكر الذي كان كافياً حتى الآن، مُلغى وساقطاً.
وتشرح آ 12 التعارض بين الجزئيّ (والناقص) الخاصّ بالتدبير الحاضر، وبين الكمال الآتي. هذا الكلام يصيب وهْمَ المتحمّسين في كورنتوس، كما ينطبق اليوم على كل معرفة لله (2كور 5: 7). هنا ترد استعارة المرآة التي ترمز إلى الوضوح، التي هي أداة معرفة الذات، التي ترمز إلى رؤية غير مباشرة، التي لا تدرك سوى صورة الواقع لا الواقع نفسه. ويقول بولس: معرفتنا ناقصة، موقّتة، لأنها تنتمي إلى هذا التدبير. وليست تلك المحفوظة للدهر الآتي. هي ليست غامضة أو غير مؤكّدة. ولكنها «لغز» لأنها تنتظر سقوط الحجاب وملء "الوجه لوجه". ويبقى في الوقت الخاصّ أن لا كمال إلاّ لمعرفة الله لنا حسب قصد خلاصه ونعمته (روم 5: 6- 11).
وينتهي هذا المقطع مع كلام عن الايمان والرجاء والمحبّة. والمحبّة أعظم الثلاثة. ولكن هذا لا يعني أننا نستغني عن الايمان والرجاء. فالفضائل الثلاث مرتبطة برباط لا ينحلّ. غير أن الحبّ هو الأعظم لأنه ثمرة تحرّرنا بالمسيح (غل 5: 13- 14)، ولأنه، في الكنيسة، العلامة الملموسة لحضور الجديد في العالم حسب 2كور 5: 17.
خاتمة
وهكذا قدّم الرسول الطريق التي لا تضاهيها طريق: طريق المحبّة. وليست أيّة محبّة، بل تلك التي تجد ينبوعها في الروح القدس. هذه المحبّة ليست موهبة، شأنها شأن سائر المواهب التي ذُكرت في ف 12-14. وليست أفضل هذه المواهب. لأن لا مجال للمقابلة بين موهبة من المواهب مهما سما مقامُها، مع المحبّة. فالمحبّة هي التي تُضفي على جميع المواهب قيمتها، بحيث لا تنفع المواهب بشيء إن لم تنفحها المحبّة. هذه المحبة هي في البداية، وسوف تكون في النهاية. هي من هذا العالم ولكنها ستبقى في العالم الآتي، ساعة تبطل النبوءات وينتهي التكلّم بلغات. كل المواهب موقتة، ومعطاة من أجل الزمن الحاضر. والايمان نفسه سينتهي في العيان، حين نشاهد الله وجهاً لوجه. والرجاء الذي هو انتظار، سيتحوّل إلى امتلاك. أما المحبّة فلا تزول أبداً، لأنها "تحديد" لله، كما قال يوحنا. فهنيئاً لنا إن أخذنا بطريق المحبّة، فهي تعطي القيمة الكبرى لحضورنا وحياتنا وأعمالنا. "فمن ثبت في المحبّة ثبت في الله وثبت الله فيه" (1 يو 4: 16).
المسيح قام
15: 1- 11

تعرض الرسالة الأولى إلى كورنتوس، بشكل عام، الموقف الإيمانيّ لدى المسيحيّ، الذي يعترف ملء الاعتراف بحقوق الله، في قلبه وفي حياته العمليّة. والإيمان يطلب من المسيحيّ أن يفكّر بحسب المسيح، فيقبل حكمة الله التي كُشفت له في حدث المسيح الذي مات وقام. والرسول لا يمنع المؤمن من أن يطرح أسئلة حول المعطى الموحى. غير أن هذا لا يعني أننا نحتفظ بما نستطيع أن نفهم ونترك الباقي جانباً. هنا نكون في الهرطقة. وبولس عرض علينا الموقف الروحيّ الذي يدعونا لكي نفهم، بقدر إمكانيّاتنا، المعطى المسيحي الذي يفرض نفسه علينا، شئنا أم أبينا. فالإيمان لا يقتل شخصيّتنا، ولا يُذلّ كرامتنا البشريّة، بل يعرض علينا أن نقبل سرّ الخلاص الذي يتجاوز مفهومنا، كما يدعونا، في هذا المجال، لكي نثق بالله وبابنه يسوع المسيح الذي جاء يكشف مخطّط الآب الخلاصيّ ويحقّقه في العالم. ونقرأ النصّ: 
(1) أذكركم، أيها الاخوة، بالبشارة التي حملتها إليكم وقبلتموها ولا تزالون ثابتين عليها، (2) وبها تخلصون إذا حفظتموها كما بشّرتكم بها، وإلاّ فأنتم آمنتم باطلاً.
(3) سلّمتُ إليكم قبل كل شيء ما تلقّيته، وهو أن المسيح مات من أجل خطايانا كما جاء في الكتب، (4) وأنه دُفن وقام في اليوم الثالث كما جاء في الكتب، (5) وأنه ظهر لبطرس ثم للرسل الاثني عشر، (6) ثم ظهر لأكثر من خمس مئة أخ معاً لا يزال معظمهم حياً وبعضهم ماتوا، (7) ثم ظهر ليعقوب، ثم لجميع الرسل، (8) حتّى ظهر لي آخراً أنا أيضاً كأني سِقط.
(9) فما أنا إلاّ أصغر الرسل، ولا أحسب نفسي أهلاً لأن يدعوني أحدٌ رسولاً لأني اضطهدتُ كنيسة الله، (10) وبنعمة الله أنا ما أنا عليه الآن، ونعمتُه عليّ ما كانت باطلة، بل أني جاهدتُ أكثر من سائر الرسل كلهم، وما أنا الذي جاهدتُ، بل نعمة الله التي هي معي. (11) أكنتُ أنا أم كانوا هم، هذا ما نبشِّر به وهذا ما به آمنتم.
إن القول حول قيامة المسيح، في 15: 1- 11، يَفترض أن بولس تلقّى اعتراضاً من قِبَل بعض المؤمنين في كورنتوس، وذلك في خطّ أفكارهم الفلسفيّة الرافضة لقيامة الأجساد (المادة شرّيرة. والنفس وحدها خالدة، كما كانوا يقولون). أما في نظر بولس، فلا نستطيع أن نرفض جزءاً من المعطى الموحى دون أن نشوّهه، وبالتالي نرفضه رفضاً تاماً. وإن ف 15 كله يُتيح لنا أن نستنتج أنه كان هناك بعض المسيحيين المرتبطين بغنوصيّة إباحيّة في كورنتوس، وقد أنكروا كل حياة بعد الموت (رج البراهين في 15: 29- 34). فمجمل الجدالات والتوضيحات، لم تتوقّف عند الحياة بعد الموت، وهذا أمرٌ يقبل به الفكر اليوناني، بل عند قيامة تامّة، لا تتوقّف عند النفس، بل تصل إلى الجسد، إلى الانسان كله: هل مثل هذه القيامة ممكنة، وكيف تتمّ؟

1- الانجيل والتقليد (15: 1-3 أ)
قدّم بولس تعليم الخلاص الذي يكرز به، على أنه المعطى المسيحيّ الذي نقله التقليدُ نقلاً أميناً. هنا نتذكّر أن التقليد، في ذلك الوقت، كان شفهياً بشكل رئيسيّ، وكان يقابله تقليدٌ خطيّ بدأ يتكوّن شيئاً فشيئاً. في هذا المعنى، لا نعارض جزءاً من كلام الله (الكتب المقدّسة) مع الكل (الكتاب المقدّس، العهد القديم، والتقليد الانجيليّ الذي كان بعدُ شفهياً)، بل علينا أن نقبله كلَّه في غناه وفي واقعه الحيّ.
اللفظ الأول: أذكّركم، أعرّفكم. أجعلكم تعرفون بعد أن بشّرتكم. هذا يعني أننا أمام موجَز ما يقوله الانجيل الذي كرز به الرسلُ جميعاً. اعتاد بولس أن يدلّ على صدق رسالته، فيلجأ إلى سلطة الخدمة الرسوليّة التي منحه إياها الربّ يسوع. ولكن هنا، وأمام تعليم مسيحيّ أساسيّ، هو تعليم حول موت يسوع وقيامته، نراه يعود، شأنه شأن سائر الرسل والانجيليّين، إلى التقليد الذي يورد موتَ المسيح الفصحيّ. وهكذا دخل بولس نفسُه في هذا التقليد، فبدا حلقةً شاهدة في سلسلة طويلة (15: 11).
ونلاحظ أهميّة الفعلين: حمل وقبل. أو: نقل وتقبّل. أو: سلّم وتسلّم. نحن أمام التقليد التعليميّ في المسيحيّة الأولى، مع قيمته كشهادة تعليميّة مميَّزة لدى آباء الكنيسة. ففي نظر بولس الرسول، قيمةُ التقاليد المسيحيّة تكمنُ في أنها تعود إلى شخص الربّ يسوع الالهيّ الذي سلّمنا وحي الآب. وهكذا يفهم الكورنثيون المحبّو الجدال، أن حفظ التقليد يشكّل الواجبَ العمليّ الأول لدى المؤمنين. في هذه الروح، يجب عليهم أن يتقبّلوا، بدون نقاش، «طرق المسيح» كما يعلّمها بولس في الكنيسة كلها (4: 17). وبالنسبة إلينا أيضاً، يبقى التقليدُ أساسَ الإيمان. لا شكّ في أن التفكير اللاهوتيّ قد يعمّقه ويترجمه إلى المؤمنين في عصرنا، ولكن هذه الترجمة ظلَّتّ أمينة.

2- اعتراف الايمان حول القيامة (15: 3 ب- 4)
"مات المسيح من أجل خطايانا، حسب الكتب، دُفن وقام في اليوم الثالث حسب الكتب". هذه العبارة التي كرّسها الايمان، تعود إلى الجماعة الأول حيث أخذها بولس. وهذا الايمان يعود إلى مُعطى تاريخيّ ملموس: موت يسوع وقيامته كما أنبأت بهما الكتبُ المقدّسة، وأكّدهما شهودٌ عيان.
أ- موت المسيح
قُدِّم موتُ المسيح في وجهتين: وجهة تاريخيّة ووجهة دينيّة. ما يُسند الواقع التاريخيّ هو الإشارة إلى أنه دُفن، وُضع في قبر، وهو تفصيل تورده الأناجيل الأربعة. هذا ما يؤكّد موتَ المسيح، ويُثبت قيامةَ الأجساد. غير أننا نشدّد بشكل خاص على المدلول الدينيّ لموت المسيح، وهو أمر رئيسيّ في سياق كلامنا، إذ يصل بنا إلى يقين القيامة للمؤمنين. حسب بولس، موت المسيح من أجل خطايانا، هو موت بسبب ذنوبنا (روم 4: 15) بحيث لا يعود الله يحسبها لنا (2 كور 5: 19). وهذا يدفعنا أن نموت عن نفوسنا وعن خطايانا (روم 6: 6) أمانة للمسيح. فموت المسيح على الصليب أزال (15: 24، 26) قدرة الخطيئة.
ب- قيامة المسيح
في عبارة الاعتراف الإيمانيّ التي أوردناها، نلاحظ الفرق في صيغة الفعل. "مات" في صيغة الاحتمال. هو واقع من الماضي. وهو الآن قد "قام" في صيغة الكامل. هي صيغة فعليّة تورد واقعاً مضى وما زالت نتيجتُه حاضرة. فهدفُ الرسول واضح. تبقى قيامة المسيح حقيقة إلهيّة يدوم عملُها إلى الأبد. وهي تتضمّن بالتالي قيامة جميع المؤمنين (15: 20؛ 2 كور 4: 14)، وتُشير إلى انتصار الله النهائيّ كما تحقّق بالمسيح (15: 24- 28).
ج- البرهان الكتابيّ 
إن قراءة العهد القديم، كما قام بها بولس، ليست تفسيراً يشبه ما نفعل اليوم. فهدفُها لا يقوم في البحث عن المعنى الحرفيّ للعهد القديم، بل كشف معناه اللاهوتيّ حول موت المسيح. مثلُ هذه النظرة تنبع من وحدة مخطّط الله الخلاصيّ الذي أُعلن في البدء وهيّأ خلاصاً سوف يحقّقه المسيحُ فيما بعد. إذن، يقدّم هذا التفسير تأكيداً دينياً جديداً، بعد أن ينطلق من عبارات قديمة تدلّ بشكل أو بآخر على الحدث المسيحاني الآتي (أش 53: 8؛ هو 6: 2؛ يون 2: 1؛ 2 مل 20: 5؛ مز 16: 10- 11).

3- شهود القيامة (15: 5- 7)
أ- رؤية القائم من الموت
تكلّم بولس عن ظهور (رؤية)، بالعودة إلى الحدث المسيحيّ الاسكاتولوجيّ (1 تس 2: 3ي؛ 1كور 3: 13؛ روم 8: 18) أو إلى واقع تاريخيّ من السرّ المسيحيّ (1 كور 2: 10؛ روم 1: 17- 18؛ فل 3: 15). استعمل بولس هنا فعل "رأى" في معنى "رؤية تاريخيّة" (كو 2: 1؛ 1كور 9: 1)، على ما فعل العهد القديم، حيث أبرزَ هذه الفعلُ الظهورات الالهيّة التي صُوّرت بشكل محسوس. وهنا، رأى التلاميذ، من جديد، الربّ يسوع، فعرفوا أنه قام، وشهدوا لهذه القيامة. وهذا ما عرفه بولس أيضاً بعد أن رأى الربّ على طريق دمشق. لهذا قدّم نفسه كشاهد مميّز للقائم من الأموات، وأضاف خبرته الشخصيّة إلى شهادات اعتادت أورشليم أن نذكرها. وقد تضمّن تقليدُ أورشليم خمس مجموعات من الشهود، وهذا ما يدلّ إلى أي حدّ اهتمّ التقليد المسيحيّ الأول بأن يلتقي بالشخص التاريخيّ، شخص ابن الله الذي صار انساناً.
ب- شهود يتحدّث عنهم التقليد
قدّم العهدُ الجديد خمس لوائح لظهورات القائم من الموت، وذلك بالاضافة إلى تلك التي نستطيع أن نسمّيها «غير رسميّة» (مريم المجدليّة، تلميذا عماوس). نلاحظ أن هذه اللوائح تجعل، بشكل إجماليّ، الظهورَ الأول للنساء. إذا قابلنا 1 كور مع الأناجيل، فالرسالة تقدّم هنا لائحة ظهورات أكثر تفصيلاً دون أن تشير إلى ظهور الربّ للنسوة أو تلميذي عماوس. وهي تفعل ما تفعل في ترتيب مبنيّ بناء محكماً، حيث يحلّ بطرس في المقام الأول، ويتبعه "الاثنا عشر"، وهذا أمر طبيعيّ في تقليد الإيمان الرسميّ، في كنيسة أورشليم. فتعلّقُ بولس بهذه الكنيسة يدلّ على أمانته للتقليد الذي احتفظت الأناجيل عنه موجزاً يتحلّى بالأمانة. فبولس، حين يعظ أو يكتب، لا يستنبط شكلاً جديداً من المسيحيّة. فرسائلُه تقدّم لنا تفكيراً لاهوتياً حول المعطى المسيحيّ التقليديّ الذي يفترضه الرسولُ معروفاً. لهذا، فهو يستند إلى هذا التقليد ويتقبّله بأمانة.
إن الظهور لخمسمئة اخوة معاً، كما يُذكر هنا، يكوّن الشهادة الوحيدة التي حُفظت لنا عن ظهور المسيح للجماعة التي وُلدت في أورشليم. وأخيراً، لا نجد الظهور ليعقوب إلاّ في تقليد أورشليم، ونحن نفهم هذه الإشارة لأنها تعني أول رئيس للجماعة المسيحيّة في المدينة المقدّسة. ويُنهي بولس كلاماً تعمّده، بذكر الظهور لجميع الرسل: هذا ما يعدّ ضمّ إسمه إلى اللائحة، والكلام عن ظهور المسيح "لآخر الرسل".

4- بولس الرسول والشاهد للقيامة (15: 8- 10)
انضمّ اسم بولس هنا إلى لائحة الشهود، من أجل الكورنثيين. والشرح الذي يلي يشتمل نيّة هجوميّة تجاه جماعة تريّثت حول سلطة الرسول المؤسّس. في الواقع، تساءلت جماعةُ كورنتوس في شأنه. وحين قرّب بولس بين رؤية الربّ يسوع وصفته كرسول (هنا وفي 9: 1)، فقد توخّى أن يؤسّس سلطته في نظر الكورنثيّين. فالمعرفة التي نالها من الروح القدس، والحياة الجديدة التي أُعطيت له في المسيح، منحتاه الثقة بأنه يمارس خدمته كرسول، حين يبشّر المسيحيّين بمصالحة البشر مع الله بالإيمان الذي يبرّر (2 كور 5: 16- 21). فبولسُ يعرف كلَّ المعرفة، أن ينعم بالحقوق عينها التي ينعم بها سائرُ رسل المسيح (1 تس 2: 7؛ 1 كور 9: 5).
أكّد بولس، مرات عديدة، في مراسلته مع الكورنثيين، أن حياته جاءت حسب القاعدة التي تجعل من الانسان رسولاً: فقد قبلَ أن يعيش في الضعف والاضطهادات، لكي تظهر عبرها قدرةُ الله الفاعلة وحدها في ثمار أنتجتها رسالتُه. وهكذا يعود كل مجد إلى الله وحده. هذا الاله، بولس هو خادمه الأمين، شأنه شأن المسيح، وهو يعيش في السجود والشكر دون أن يأخذ شيئاً لنفسه.

5- خاتمة (15: 11)
أ- موت المسيح وقيامته جوهر الحياة المسيحيّة
تذكّرنا آ 11 مرّة أخيرة أن موت المسيح يسوع وقيامته تشكّلان قلب التعليم المسيحيّ حول الخلاص، والموضوع الرئيسيّ في إيماننا. فهذا ما يجب أن يُلهم ويكوّن حياتنا المسيحيّة كلها. فإيمان الكنيسة يتأسّس على تأكيد دينيّ يتجسّد في تأكيد تاريخيّ يُثبته بولسُ بلائحة طويلة من الشهود. وهكذا يتثبّت تثبّتاً واضحاً الطابع التاريخيّ للمعطى المسيحيّ، في ما يتعلّق بالحدث المركزيّ، بواسطة كاتب اعتاد أن يستخرج منه المدلول الروحيّ.
ب- معطى الوحي ومتطلّبات الحضارة
بسبب ما قالته الفلسفة اليونانيّة، استصعب بعضُ المسيحيّين في كورنتوس القول بقيامة الموتى، وأخذوا يناقشون هذا التعليم، فاتّخذ بولس تجاههَم موقفَه المعتاد حين يطرح سؤالاً حول المعطى المسيحيّ، وهو موقف مهمّ بالنسبة إلى عصرنا، حيث التبدّلات العميقة في ظروف الحياة والفكر، تدفع بعض المؤمنين إلى الشك بالقيم المسيحيّة أو أقلّه بالتعابير التي بها يصلنا الإيمان. ما يرفضه بولس في 1 كور، هو أن المناقشة حول المعطى الإيمانيّ، تتمّ في وجهة بشريّة. فإذا وجب على المسيحي أن يفهم المعطى الموحى، فلكي يقبله كله (و لا يكتفي بجزء منه) بإيمان واعٍ وسخيّ، لا ليأخذ منه ما يشاء، ويترك الباقي. فالكنيسة التي هي حارسة وديعة الوحي، تسهر لكي نفهم هذا المعطى فهما صحيحاً ونترجمه في حياتنا اليوميّة.
ج- الانجيل والتقليد
في النصّ الذي قرأنا، نخطئ إن عارضنا الانجيل ككلام روحي وإلهيّ، مع تقليد نحصره في موجز بشريّ للكرازة الانجيليّة. فكما أن الكتاب المقدّس لا يُفهم إلاّ بالروح (2 كو 3)، لا تتمّ كرازةُ التقليد بواسطة الرسول (أو الواعظ) إلاّ في الروح (12: 3). فهذا الروح هو المبدأ الوحيد للكتاب وللتقليد، وقد حاول بولسُ فنقل إليه معرفة روحيّة عميقة لسرّ المسيح وكنيسته (أف 3: 3ي). أما الكتاب فيبقى الأساس المفروض لكل تفسير للتقليد. ومعطى الوحي يبقى دوماً الكتابَ المقدّس وفهمهَ بواسطة التقليد. وفي هذا المقطع، يبقى الموت والقيامة جوهرَ الانجيل، والموضوعَ الأساسيّ في التقليد الذي هو صدى وتفسير حيّ للكتب المقدّسة: هذا ما يعظ به بولس بقوّة الروح.

الخاتمة
حين أراد بولس أن يحدّثنا عن القيامة ويردّ على المشكّكين بهذه الحقيقة التي هي أساس إيماننا، عاد إلى قيامة المسيح، كما يعلنها أول "نؤمن" في كنيسة كورنتوس، وذكر الشهود العديدين الذين تراءى لهم الربّ بعد موته. بعد هذا يستطيع في برهانه الذي ينطلق من المستحيل (وإن كان المسيح ما قام) أن يعلن بملء يقينه: "لكن الحقيقة هي أن المسيح قام من بين الأموات، وهو بكر من قام من رقاد الموت" (15: 20).
المسيح بكر القائمين
15: 12- 20

كتب الكورنثيّون إلى بولس يسألونه عن أمور عديدة، عن الزواج والبتوليّة، عن اللحوم المذبوحة للأصنام. ولكن السؤال الأهمّ هو حول قيامة الأموات: هل يقوم الموتى، وفي أي جسد يقومون؟ فانطلق الجواب من أساس الإيمان المسيحيّ: المسيح قام، والشهود الذين رأوه حياً بعد قيامته ما زالوا أحياء. والنتيجة: هو البكر وبعده يأتي سائرُ الموتى الذين لا يستحي أن يدعوهم إخوته. هو الأول، وسيأتي الآخرون بعده، حتّى آخر انسان على الأرض، حين يسلّم المُلكَ لله الآب بعد أن يُبيد كل رئاسة وكل سلطة وكل قوّة. ونبدأ فنقرأ النصّ: 
(12) وما دُمنا نبشِّر بأن المسيح قام من بين الأموات، فكيف يقول بعضكم إن الأموات لا يقومون؟ (13) إن كان الأموات لا يقومون، فالمسيح ما قام أيضاً. (14) وإن كان المسيح ما قام، فتبشيرنا باطل وإيمانكم باطل، (15) بل نكون شهود الزور على الله، لأننا شهدنا على الله أنه أقام المسيح وهو ما أقامه، إن كان الأموات لا يقومون. (16) فإن كانوا لا يقومون، فالمسيح ما قام أيضاً. (17) وإذا كان المسيح ما قام، فإيمانُكم باطل وأنتم بعدُ في خطاياكم. (18) وكذلك الذين ماتوا في المسيح هلكوا. (19) وإذا كان رجاؤنا في المسيح لا يتعدّى هذه الحياة، فنحن أشقى الناس جميعاً. (20) لكن الحقيقة، هي أن المسيح قام من بين الأموات، وهو بكرُ من قام من رقاد الموت.

1- سياق النصّ
المسيح قام (آ 1- 11): هذا ما تشهد له الكتبُ المقدّسة وشهود عيان. يدلّ الشهود على الواقع في ذاته، وتُبرهن الكتب عن الحدث، وتستخلص مدلولَه العميق وبُعده اللاهوتيّ. بالإضافة إلى ذلك، فمصيرُنا المسيحيّ وسلوكنا، يرتبطان ارتباطاً وثيقاً بقيامة الربّ: (1) إن كان المسيح قام، فنحن نقوم أيضاً (آ 12- 34): فهو يتضامن معنا، ونحن نتضامن معه. (2) إن كان المسيح قام، وإن كنا سنتحوّل فيه (آ 51)، فيجب أن تمرّ في حياتنا في شكل ارتشاح ينطلقُ من الرأس إلى الأعضاء، المواقفُ التي تقابل وضعَنا الحالي كجسد "روحاني" وغير قابل للفساد.
فقيامةُ المسيح تبدو لبولس كحدث لا نظير له: فمع أنه "محدّد" في الزمان والمكان (وُلد في أيام هيرودس، في فلسطين)، إلاّ أنه يمتلك قدرة (رج روم 1: 4؛ 1 كور 6: 14) تجعله يسيطر على حاضر التاريخ ومستقبله، سواء تاريخ البشريّة ككل أو تاريخ كل واحد منا.
ونقرأ هنا ثلاثة أفعال تشكّل مفصلاً بين المقطع الذي نقرأ (آ 12- 20) وبين بداية ف 15 (آ 1- 11): "آمن" (آ 2، 11 ثم آ 14، 17: الايمان). "بشّر" (كرز). رج آ 11 ثمّ آ 12، 14. "قام" (آ 4 ثم آ 12 ي). وهكذا وضع بولس هنا المبدأ اللاهوتيّ الذي يقول إن الايمان يُولَد من الكرازة (روم 10: 17؛ يو 17: 20)، والكرازة تسبق الايمان (مر 16: 15- 61؛ أع 2: 37- 38). وفي الوقت عينه، أكّد بولس أن الكرازة والإيمان فراغ وباطل (آ 14، 17) إن لم يرتكزا على واقع لا يقدر أحد أن يُنكره: قيامة يسوع.
غير أن بولس لا ينطلق، في تقديم برهانه، من واقع تاريخيّ، بل من الكرازة بقيامة يسوع في جماعة كورنتوس: "وما دُمنا نبشّر بأن المسيح قام من بين الأموات، فكيف يقول بعضكم: لا قيامة للأموات" (آ 12)! فالرسول يؤسّس برهانَه على إيمان لا يتزعزع بقيامة المسيح، وذلك في كنيسة كورنتوس.
فقد كادت الأمور، في كورنتوس، تصل إلى ما وصلت إليه في أثينة (أع 17: 31 ي). يبدو أن الكورنثيّين لم ينكروا أن الله يقدر أن يقيم الموتى، في المعنى الحصريّ للكلمة، ولكنهم كانوا ينكرون أن تحصل القيامة حقاً. وكانوا يعتبرون قيامة المسيح امتيازاً فائق الطبيعة لا يقدر أحد من البشر أن يصل إليه.
في أثينة، كفى بولس أن يلمّح إلى قيامة الموتى، لكي يثير الشكوكَ لدى سامعيه، وهزءَهم. ولكن حين تعرّف إلى المحيط اليونانيّ معرفةً أفضل، واختبر ما اختبر في الماضي في جماعة جاءت من الوثنيّة وظلّت نصف مسيحيّة، وسّع أفكاره هنا بفطنة وهدوء. عرف أن لليونانيين نظرة إلى الانسان تختلف عن نظرة الساميّين (نظرة العبرانيّين). اعتادت الأفلاطونيّة على ثنائيّة تفصل النفس عن الجسد، بحيث يصبح الجسد سجن النفس التي تريد الهروب منه بأسرع وقت ممكن. أما الكتاب المقدّس الذي ورث بولسُ تعليمَه في المجامع وعلى قدمَي غملائيل (أع 22: 3)، فيرى الكائنَ البشري كله: فالانسان كله (لا روحه وحده، ولا نفسه) يتحوّل ويتمجّد بقدرة الربّ القائم من الموت. 
كل هذا وجب على الكورنثيّين أن يعرفوه. فالكتاب الذي هو الينبوع الذي يغذّي إيمانهم، يعلّمهم أن الانسان خالد وأن جسده يشارك في الخلود. فكيف يتجرّأ بعد ذلك، أن يقول بعضهم عكس ما قال لهم رسولهم (آ 12)؟ لهذا طرح بولس السؤال على "محاوريه".
مع آ 13، بدأ تقديمُ البرهان بالمعنى الحصريّ للكلمة. انطلق من نفيٍ لا لُبس فيه، لموضوع الايمان والكرازة كما عُرفا في كورنتوس، فاستخرج عن طريق المحال النتائج التالية: إن كان الموتى لا يقومون فالمسيح لم يَقُم (آ 13، 16). وإن كان المسيح لم يَقُم فتبشيرنا باطل وإيمانكم باطل (آ 14، 17). وشهادةُ الرسل عامة وبولس خاصة، تكون حينئذ كاذبة (آ 15). وأخيراً، لا خلاص للموتى ولا سعادة للأحياء، بل لا رجاء للأحياء ولا للموتى. ولكن كل هذا مستحيل! المسيح قام. ونحن نقوم. وشهادةُ الرسل حقٌ وحقيقة. فلا مجال بعدُ للارتياب.

2- قيامة المسيح والكرازة الرسوليّة (15: 13- 15)
إن آ 13- 14 اللتين ستعودان في آ 16- 17، تشكّلان انطلاقة العرض الذي يرتكز على مسلّمة ويرتبطان بنقطتَي استدلال. فالمسلّمة التي جاءت في شكل ضمنيّ، هي قيامة المسيح التي هي قلب حياة الربّ والذروة في مخطّط الله الخلاصيّ. أما نقطتا الاستدلال فهما عقيدتان من عقائد إيماننا: التجسّد، و"جسد المسيح". فابن الله، بتجسّده، حافظ على صفاته الالهيّة (فل 2: 6)، مثلاً على سلطان إقامة الموتى (2 كور 1: 9؛ 4: 14)، وصار، كانسان (غل 4: 4)، السرَّ الذي يكشف لنا أباه، والطريقَ الذي يقودنا إلى الآب (1 تم 2: 5). وحسب تعليم "جسد المسيح" الذي نقرأه عند بولس، يوحّدنا الربّ به في تضامن سريّ وواقعيّ ويجعل لحياتنا ولكياننا مصيراً يُشبه حياته ومصيره (12: 27؛ كو 2: 11- 13).
ولكن ما يهمّ الرسول أكثر من مسلّمة أساسيّة أو تعليم ضمنيّ، هو الحقيقة التاريخيّة لواقع ترتكز عليه الكرازةُ الرسوليّة كما يرتكز إيمانُنا. فهذه المسألة ما زالت تهمّنا نحن اليوم اليوم أيضاً. فبعضنا يتساءل، مع بعض الشك، إزاء يقين هادئ عرفه المسيحيّون الأولون بشكل عام، والرسل بشكل خاص، حول قيامة يسوع. هم يعتبرون أن شهادة الرسل تشكّل حاجزاً بين هذا الواقع التاريخيّ وانفتاحنا على الايمان. كما يحسّون إحساساً مشوباً بالحذر تجاه كل تمسّك غير مباشر بالحقيقة التاريخيّة. فينكرون مبدأياً كلَّ قيمة تاريخيّة لمعلومة جاءت في درجة ثانية أو ثالثة، لا من مصدرها الأساسيّ. لهذا يرون نفوسهم مجبَرين أن يتحرّوا كلَّ شهادة بشريّة وينقّوها من كل شائبة.
أمّا في نظر بولس، فهذه الشهادة ليست عائقاً، بل هي مرحلة لا بُدَّ منها في مخطّط الله الخلاصي. إذا أردنا أن ننشر ديانةً تبدو كفلسفة، نحتاج إلى وعّاظ ومحاضرين. ولكن إن أردنا أن نبشّر الناس أنهم مخلّصون في تدخّل خاص من قبل الله في التاريخ، نحتاج إلى شهود يشهدون أنهم رأوا وسمعوا، لأنه شاركوا في هذه الوقائع التاريخيّة التي يتحدّثون عنها.
هكذا نفهم ما يقوله بولس فهماً أعمق. فإن كان المسيح لم يقم، وهذه فرضيّة تجعلنا في المحال، فكرازةُ الرسل (وبولس في كورنتوس) تكون كاذبة. هي لا تتمّ باسم الله، وبناء على أمر الله، بل تقف ضدّ الله وتتطاول على كلمته. حينئذ يكون بولس واحداً من هؤلاء الأنبياء الكذبة (مت 24: 11، 24) أو الشهود الكذبة (15: 15؛ 2 تس 2: 9- 11). ولكن الواقع هو غيرُ ذلك.

3- قيامة يسوع وإيماننا (15: 16- 17)
بدأ الفكر اللاهوتي الحديث يُبرز القيمة الخلاصيّة لقيامة المسيح (كانوا يشدّدون بالأحرى على الصليب). فلو لم يقُم المسيح، وهذا مستحيل، لكنّا بعد خاضعين للخطيئة ولأبشع شقاء (آ 19).
هناك ثلاثة عناصر جوهريّة تتدخّل تدخّلاً ضرورياً لكي ينال الانسانُ الخلاص بلقائه بالمسيح الفادي: يبلغ إلى الخلاص (تحرّر من الخطيئة) بالإيمان الذي يرتبط مضمونُه وفاعليّته بقيامة المسيح: الخلاص والإيمان والقيامة، ذاك هو المثلّث الذي يُتيح لبولس أن يبني تعليمه حول الخلاص. وقد أراد الرسول هنا أن يلفت الانتباه إلى وجهة مأساويّة في هذا التعليم: إن الحصول على الخلاص لدى عدد كبير من الناس يبقى صعباً وشبهَ مستحيل، لأن الايمان هو في الوقت عينه هبة من الله وفعل حرّ من قبل الانسان. والسبب في كل هذا: حين يُحرم الايمان من أساسه الموضوعي الذي هو قيامة المسيح.
فلكي يصبح خلاصُنا ممكناً، لا يكفي موتُ المسيح وحده، وذلك لسببين، الأوّل، لأننا لا نقدر أن نتصوّر إيماننا يتوجّه إلى ميت (وهل تصدر الحياة عن ميت؟). الثاني، لأن الحياة لا يمكن أن تصدر عمّن تغلّب عليه الموت بشكل نهائيّ. فلو لم يكن المسيح قام، لكان فشل في عمل الخلاص وجرَّنا معه في فشله: كنّا معه ومثله في قبضة الموت والخطيئة والشيطان، لو لم يقم. ولكن بولس لا يتوقّف عند هذه الفرضيّة، بل يعلن حالاً: "لكن الحقيقة هي أن المسيح قام" (آ 20).

4- نتائج للموتى ولنا (15: 18- 19)
ذكرنا نتيجتين، وها نحن نذكر نتيجتين أخريين لو كان المسيح لم يَقمُ. الأولى، تتعلّق "بالذين ماتوا في المسيح" (آ 18): "هؤلاء هلكوا". فما هي هذه الديانة التي تقود تابعيها إلى الهلاك، لا إلى الخلاص! الثانية، تتعلّق بالمؤمنين الذين ما زالوا على قيد الحياة، بانتظار المجيء الثاني (1 تس 4: 15). قال بولس: لو لم يَقم المسيح لكنّا "أشقى الناس جميعاً" (آ 19). ولكننا دعينا إلى السعادة والفرح، بعد أن انتصر المسيح وصار بكرَ القائمين من بين الأموات.
فعلى المسيحيّ اليوم أن يحذر بعض المواقف التي تعارض عقيدة القيامة، بوعي أو بلا وعي من قبله. فبعضهم لا يريد كلاماً عن القيامة (لأنهم يخافون الموت)، أو هم يؤخّرون الكلام إن لم يُلغوه إلى الأبد (رج أع 17: 32). فطريقة حياتهم تدلّ على اهتمامهم الضئيل (إن كان هناك بعدُ اهتمام) بهذه الحقيقة، الأساسيّة في التعليم المسيحي (رج عب 6: 1). وهناك مؤمنون يُلغون "الصور" من هذه العقيدة التي ترتبط بالمعجزة، والانسانُ المعاصر يرفض الكلام عن المعجزة. حينئذ يحاولون أن يروحنوا فكرة "الهلاك" و"الشقاء"، فيُفرغونها من مضمونها الملموس. أما نحن أمام خطر يتعرّض له المسيحيون أنفسهم؟ ونحن نرى هنا نتائج لاهوت يعتبر أن قيامة الأجساد (أي الانسان كله) بعضُ السعادة لنفس (انفصلت عن الجسد) وجدت الراحة (بعد أن خرجت من سجنها)، أو لاهوت يجعل قيامة الموتى حقيقة ثانويّة في إيماننا المسيحيّ، مع أنها اختتام قانون الايمان.
في أي حال، يعتبر القديس بولس أن القيامة ضروريّة جداً لكي يدخل الراقدون في ملء السعادة الأبديّة. كما يرى أن مثلَ هذه القيامة لا يمكن تصوّرُها بمعزل عن قيامة المسيح. هو يعرف، وقد قال أكثر من مرّة (1 كور 6: 12- 20؛ 10: 17؛ 12: 12- 17) إن المسيحيين متّحدون جميعاً بجسد المسيح القائم من الموت، فيشكّلون جسده. لهذا، يجب العودة دائماً إلى هذا اليقين الأساسيّ في الإيمان وفي اللاهوت.
ثم يجب علينا أن نأخذ بالنظرة البيبليّة إلى الانسان: هو جسد ونفس معاً، مادة وروح. هو واحد، وهو كلٌّ لا ينقسم بحيث تنفصل النفس عن الجسد، كما تقول الفلسفة الوثنيّة. فالانسان يخلص كله، فيكون في السماء بنفسه (فهو نفسه التي ترى) وجسده (فهو جسده الذي يُرى)، أو يهلك كله.
فلو كان المسيح لم يقم، لنقصَ الفعلُ الذي به اتّخذ المسيح "جسداً ممجّداً" وصار "باكورة" الراقدين (آ 20- 23) والحقيقةَ الوحيدة في عالم نهاية الزمن (كو 2: 17). فنحن لا نقدر، سواء كنّا أحياء أو أمواتاً، أن نكوِّن جسداً واحداً في المسيح، أن نكوّن "جسد المسيح" (12: 27)، إن أفرغت وحدتُنا العماديّة بالمسيح من كل رمزيّة وكل فاعليّة. ففي هذه الوحدة مُتنا معه لنقوم معه بالنظر إلى إيمان يمنح الطقس قيمته الخلاصيّة. ويزول كذلك مضمونُ وأساس إيماننا الذي يشكّل مع العماد موضعَ لقائنا بالربّ القائم من الموت، والوسيلة التي بها نتّحد بجسد المسيح. وفي النهاية، لن يكون هناك إيمانٌ بقيامة فرديّة كانت قيامةُ المسيح بدايتَها وباكورتها (1 تس 4: 14؛ 1 كور 6: 14؛ 15: 12- 13؛ 2 كور 4: 14).
5- المسيح باكورة الراقدين (15: 20)
وهكذا أفهمنا الرسول أنه بلغ إلى قمّة كلامه، واعتبر نفسه وصل إلى الجواب على الصعوبة الأولى: قيامة المسيح هي السند النهائيّ والأخير لرجائنا بالقيامة المجيدة. كما سيجعلنا نكتشف أصالة فكره في ما يتعلّق بالقيامة. ففي نظره، نحن أمام انتصار نهائيّ على الموت، وهو انتصار يبلّغنا إلى المجد ويكفل المجيء الثاني. فدخولُ المسيح في العالم السماويّ يجعل من قيامته الحدث المركزيّ في تاريخ الخلاص. وبعبارة أخرى، إن المسيح القائم من الموت قد اتّخذ جسداً جديداً، "روحياً" (15: 44- 45). صار "خليقة جديدة" (2 كور 5: 17؛ غل 6: 15)، ودشّن بشريّة جديدة. ففي المسيح القائم من الموت، يظهر "الانسانُ الجديد الذي خُلق بحسب الله في البرّ وقداسة الحقّ" (أف 4: 24). هو مثل آدم الأول فرد ومجموعة (يدلّ على البشريّة كلها). لهذا يسمّيه بولس آدم السماويّ، فيدلّ أنه يمثّل جميع البشر، وأن مصيرَه يُشرف على مصير البشريّة كلها، وأن وحدتنا به هي الشرط الضروريّ للخلاص (15: 47- 49).
وإذا أردنا أن نفهم فكرة "الباكورة"، نتذكّر ما يحصل في الحصاد. فالثمار الأولى في كل غلّة تُدعى "باكورة" لأنها مميّزة. ولكنها ليست وحدها الغلّة كلها. فإن لم يكن بعدها ثمار ناضجة، نستنتج أن الغلّة فاشلة. وحين تُقطف الباكورةُ وسائرُ الأثمار، تكون النهاية، وترتاح الأرض في الخريف.
هذه المراحل الثلاث، على مستوى الزراعة، نجد ما يقابلها في ما يقوله الرسول في آ 23- 24 (التي هي خارج كلامنا): "كل واحد حسب رتبته. فالمسيح أولاً لأنه البكر، ثم الذين هم للمسيح عند مجيئه. ويكون المنتهى حين يسلِّم المُلك لله الآب بعد أن يُبيد كلَّ رئاسة وكل سلطة وكل قوّة".
إذن، نشبِّه عالمنا بحقل واسع وُضعت فيه أجساد القديسين، كبذار المجد المقبل. ولكنه تقبّل في ذاته "وولد" لحياة جديدة، جسدَ المسيح. فبين الإخوة العديدين (روم 8: 29) كان يسوع أوّلَ من وُلد من الموت إلى الحياة.
خاتمة
انطلق بنا الرسول من فرضيّة، لا يمكن إلاّ أن تكون مستحيلة، وهي أن المسيح لم يقم. إن كان الأمر كذلك، فما قيمة التبشير بالانجيل وما قيمة النداء إلى الإيمان؟ وماذا تعني مغفرة الخطايا؟ وما قيمة السعادة التي نعلنها حين نربط الناس بشخص مات ولا يزال في الموت؟ ولكن، الحمد لله، هي فرضيّة سيتخلّى عنها الرسول سريعاً ليعلن إيمانه بقيامة الربّ، وبالتالي بقيامتنا من رقاد الموت.
المسيح الملك
15: 20- 28

هذا المقطع هو جزء من فقاهة كبيرة قدّمها بولسُ الرسول إلى الكورنثيّين عن قيامة الموتى (ف 15). في الآيات السابقة (آ 12- 19)، ردّ الرسول على أولئك الذين أنكروا قيامة الموتى (هم لا يقدرون أن يقوموا بعد أن صاروا تحت التراب). أما برهانه "البليغ" فجاء عن طريق المحال: إذا كان المسيح لم يقُم، فالكرازة باطلة، والإيمان باطل، والحياة المسيحيّة عبث. ولكن يواصل الرسول كلامه: كل هذا القول تنظير بعيدٌ كلّ البعد عن الواقع: فالمسيح قام من بين الأموات. وقيامته هي الأساس الوطيد بأن الموتى سيقومون. وفي النهاية، يسلّم المسيح المُلك إلى الله الآب... فلا بدّ له أن يملك. فهو حقاً المسيح الملك الذي سيضع أعداءه تحت قدميه، ويكون الموت آخر عدوّ يبيده. ونقرأ النصّ: 
(20) لكن الحقيقة هي أن المسيح قام من بين الأموات، وهو بكر من قام من رقاد الموت. (21) فالموت كان على يد انسان، وعلى يد انسان تكون قيامة الأموات. (22) وكما يموت جميع الناس في آدم، فكذلك هم في المسيح سيحيون، (23) ولكن كل واحد حسب رتبته. فالمسيح أولاً لأنه البكر، ثم الذين هم للمسيح عند مجيئه. (24) ويكون المنتهى حين يسلّم المسيح المُلك إلى الله الآب بعد أن يُبيد كلَّ رئاسة وكل سلطة وقوّة. (25) فلا بدّ له أن يملك حتّى يضع جميع أعدائه تحت قدميه. (26) والموت آخر عدوّ يُبيده. (27) فالكتاب يقول إن الله "أخضع كل شيء تحت قدميه". وعندما يقول: "أخضع كلّ شيء"، فمن الواضح أنه يستثني الله الآب الذي أخضع كلّ شيء للمسيح. (28) ومتى خضع كلّ شيء للابن، يخضع هو نفسه لله الذي أخضع له كلَّ شيء، فيكون الله كلّ شيء في كل شيء.
1- هم في المسيح سيحيون
إنّ المسيح ما قام من أجل نفسه فقط، من دون ارتباط مع إخوته: بل أقيم كبكرٍ للذين رقدوا. حين قال بولس "باكورة" عاد إلى العهد القديم، فدل على القسم الأول من الغلة الذي يُحفظ لله ويكون صورة مسبقة عن تقدمة الغلّة كلها ويمثّلها. إذن، بدت قيامة المسيح، كفعل سامٍ من قبل الله، به جعل يسوع مُلكاً مقدّساً له. فحين يأخذ الله لنفسه بهذا الشكل انساناً ويجعله في "مستودعه"، فهذا يعني بالنسبة إلى هذا الانسان ملء الحياة ولو كان في الموت. ويسوع لم يَقُم لكي يبدأ حياة ثانية على الأرض. فقيامتُه هي امتلاك حياة لدى الله الحيّ. وبما أن القيامة هي كذلك، فهذا يعني أنها قيامة اخوته بشكل مسبق. فحين أقام الله يسوع، كان يفكّر منذ ذلك الوقت فينا كلنا.
أن يكون المسيح قام كباكورة لجميع الراقدين، فهذا يرتبط، في النهاية، بقرار الله السامي الذي أراد حقاً أن يضمّنا إلى ابنه. ولكن هذا يرتبط أيضاً بتضامن سريّ، ولكن حقيقي جداً، بين المسيح وجميع البشر، وهو تضامن عميقٌ بحيث لا يمكن أن يُقابَل إلاّ مع تضامن كل البشريّة مع أبيها، الانسان الأول. كما أن الموت دخل في تاريخ العالم بخطيئة آدم (تك 3: 19)، هكذا بالانسان يسوع، الذي قام من الموت، دخلت القيامةُ في تاريخ البشريّة. "فالموت كان على يد انسان، وعلى يد انسان تكون قيامة الأموات" (آ 21).
في المنظار البيبلي، ليس التاريخُ عودة أبديّة إلى نقطة الصفر كما في حلقة نرجع فيها إلى المكان الذي انطلقنا منه، وليس حلبة متواصلة ندخل فيه ونخرج ساعة نشاء. فالتاريخ هو تاريخ أناس أحرار يوجّهون، بقراراتهم، المستقبلَ، وحتّى مستقبلَ نسلهم. وفيه تظهر أحداثٌ تؤثّر على الماضي والحاضر، على مستوى الخير أو الشرّ. ومجيء يسوع، وحياته وموته، وقيامته بشكل خاص، كلُّ هذا كان حدثاً فريداً بدّل التاريخ. "وكما يموت جميع الناس في آدم، فكذلك هم في المسيح سيحيون" (آ 22).
"في آدم"، أي بما أنهم بشر ينتمون إلى هذا الجنس الذي بدأ في آدم. لا يتطلّع بولس إلى نسل على مستوى الجسد (هو يفترضه بلا شك)، بل على تضامن تاريخيّ ووجوديّ (روم 12: 12). كما أنّه لا يؤكّد على يقين "فيزيائي" بالنسبة إلى قيامة جميع البشر، بل على إمكانيّة المشاركة في حياة القائم من الموت، كإمكانيّة حقيقيّة وانفتاح على الحياة. فعبارة "يحيون في المسيح" (آ 22) لا تعارض العبارة الأخرى "الذين هم للمسيح" (آ 23).
وتواصل آ 23: "كل واحد حسب رتبته". هنا طُرح السؤال: أما يحمل التضامن مع المسيح خطراً بأن يُمحى كلُّ اختلاف بيننا وبينه، بحيث نصبح نحن هو كما في حلوليّة تذوب فيها شخصيّتُنا؟ الجواب هو كلا. والسؤال الثاني: أما تكون قيامته تطبيقاً لقاعدة عامّة تصل إلى الجميع. فأجاب بولس: كلا. كلهم سيحيون، "ولكن كل واحد حسب رتبته. فالمسيح أولاً لأنه البكر، ثم الذين هم في المسيح عند مجيئه" (آ 23). هذا ما يحدث في ذلك الوقت.
إن كان المسيح قام لأجلنا، وإن لم يكن لقيامته معنى إلاّ كاعلان وأساس لقيامة (ممكنة) للجميع، وإن كان مجدُ الابن يكمن في إشراك جميع إخوته في وضعه، فمع ذلك تكون مرتبته دوماً مختلفة عن مرتبتنا. فهو سيكون دائماً الرأس والأصل والأساس. والمساواةُ بين الجميع، في نهاية الأزمنة، في الملكوت، لا تدمّر وحدةَ شخصه ودوره. وإن كان وحده قام فينتظر الآخرون زمنَ مجيئه، فهذا ما يعبّر عن أولويّة المسيح الجوهريّة بالنسبة إلينا، دون أن يستنفدها. "كل واحد حسب رتبته". هذا يعني أكثر من اختلاف على مستوى التسلسل الزمني.

2- مجيء المسيح وتدمير الموت
في آ 23، ترك بولس الأسلوب البرهاني ليأخذ بالأسلوب النبوي أو الوصف الجلياني (من جلا، كشف زمنَ النهاية). وفي آ 25- 27، وإن عاد الرسول إلى براهينه الكتابيّة، فمجملُ النصّ يدلّ على "فنّ جليانيّ مسيحيّ". فهنا كما في رسائل أخرى حيث يصوّر بولسُ أحداثَ النهاية، فهو لا يقول كلَّ شيء: هو يذكر فقط الباروسيا، مجيء المسيح، وقيامة الذين هم للمسيح، والنهاية الأخيرة التي يُعدّها المسيح الملك في فعلة أخيرة بها يسلّم المُلك إلى يدي الله الآب. أمّا ما تبقّى من "المشهد"، كالدينونة الأخيرة مثلاً، فيفترضه الرسولُ معروفاً، ولا يتوقّف عنده. ونحن نقرأ هذه الآيات الجليانيّة كما هي دون أن نضيف إليها. وأول هذه الآيات دمار الموت.
في سياق ف 15، نجد الذروة في "النبوءة" مع كلام عن دمار الموت بيد المسيح، الملك المسيحانيّ في ملكوت الله. ففي الحرب التي ينتصر فيها هذا الملكُ، آخر عدوّ يتغلّب عليه ويزيله هو الموت. فمُلك المسيح التاريخيّ والكونيّ يتوخّى قيامَ نظام حيث يعيش فيه الانسان محرّراً من كل قوّة تضايقه أو تخدعه (آ 24)، ومن الموت الذي يدمّر حياته ويشهد على ابتعاده عن الله (آ 26). فحيث يُقيم مُلك الله حقاً ويسود، هناك يُعاد الانسان إلى ذاته، ولن يعود متغرّباً. ومقابل هذا، لن تعود البشريّةُ إلى إنسانيّتها الحقّة، إلاّ حين تتقبّل نعمة الله التي هي أساسها ونقطة انجذابها. فالمسيح كان وسيبقى، بنشاطه وحياته على الأرض، بموته وقيامته، أداةَ ملك الله، وذاك الذي يقوم مقام الله.
من أجل هذا، فالمسيح سيملك. إن مُلكَ الله الذي هو حدث ونظام ومجال، قد نال وجهاً خاصاً في شخص بشريّ، صار منظوراً في حياة محدّدة ومصير معيَّن. ففي أعماق كياننا وفي أرفع ما في كياننا، نعرف أن الخلاص والحياة والبر، والسعادة التي ننتظر، لا يمكن أن تكون فقط نظاماً، مهما كان عجيباً، بل هي شخص يجسّدها الربُّ ويملأها بحضوره.
أجل، الله يقدّم لنا كلَّ هذا في المسيح الملك، ذاك الانسان الذي قام وامتلأ من مجد الله. فالملكوت هو يسوع، كما قال أوغسطينس، ومملكة المسيح ليست تفصيلاً عرضياً في تاريخ الخلاص. فقلبُنا الذي يُلهمه الله الذي خلقه يقول: ملكوت الله يأتي في المسيح. وهذا ما تقوله أيضاً الكرازةُ الرسوليّة، عن قرار الله السامي، الذي أراد أن تكون الأمور هكذا، فشهدت له الكتب المقدّسة. "فلا بدّ له أن يملك حتّى يضع جميع أعدائه (= أعداء المسيح) تحت قدميه" (= قدمَي المسيح) (آ 25).
أورد بولس أولاً القول الالهي في مز 110: 1: "قال الربّ الاله لسيّدي الملك المسيح: إجلس عن يميني حتّى أجعل أعداءك موطئاً لقدميك". ثم لمّح إلى نصّ معروف في مز 8: 7: "كل شيء وضعه الله تحت قدمي الانسان. فالمسيح ما وضع يده بالقوّة على كرامة ملكيّة، شأنه شأن شخص مستبدّ أو متمرّد. لقد نال يسوع هذه الكرامة من الله. ففي إطار مشيئة الله، مملكةُ المسيح تتوّج وتختم خدمةَ الملوك الذين من بيت داود، ودعوةَ البشريّة كلها.
3- المُلك إلى الله الآب
يقول الرسول: "ويكون المنتهى حين يسلّم المسيحُ المُلكَ إلى الله الآب" (آ 24). ما يدهشنا في هذا الكلام، بل يقلقنا، هو أن بولس يتحدّث عن نهاية لملك المسيح هذا. وهناك المنتهى. وستقول آ 28: "ومتى خضع كل شيء للابن، يخضع الابن نفسه لذلك الذي أخضع له كلّ شيء، لكي يكون الله كلاً في الكلّ".
حين نقرأ هذا النصّ بطريقة حرفيّة، نكاد نستنتج أن وظيفة المسيح الملك ودوره المسيحاني هما، في النهاية، أمران موقتان لا بدّ أن ينتهيا. فيكون أن زمن المسيح هو زمن الكنيسة، زمن التاريخ. ولكن في المُلك النهائيّ، لن يكون يسوع ملكاً ولا مسيحاً. هناك، الله وحده يكفي فيحلّ محلّ المسيح الذي تنتهي مهمّتُه. ويمكننا القول حينذاك: حين يكون الله كلاً في الكلّ، لن يكون من مكان لوسيط بين الله والبشر، فينتفي دور المسيح!
مثل هذا التفسير الخاطئ، سقط في فخّ أسلوب بولس الخاص. فاللغة الجليانيّة التي يلجأ إليها الرسولُ، تتحدّث عن سر مجيء الله في النهاية، على أنه سلسلة من الأحداث التي تتوالى. لا شكّ في أن فكر بولس لا يتوافق كلَّ الموافقة مع هذه النظرة الجليانيّة، وإلاّ كدنا نظنّ، في مثل هذا المنطق، أن المسيح ليس خاضعاً الآن للآب. فبولس الذي يرى في المسيح "نَعَم" الله الأبدي والنهائي تجاه بشريّة خاطئة، لا يمكن أن يظنّ يوماً أن هذا المسيح سينحلّ، سيُنسى، ويصبح عمله "نافلاً"! تجسّدُ الابن ليس فعلاً موقتاً، وجلوسُه على عرشه يدوم إلى الأبد.
فمن خلال الصور الجليانيّة، نكتشف يقيناً يقول: اليوم كما في الأبد، ينبوع مُلك المسيح هو مُلك الله، ومرمى هذا المُلك أن يمثّل مُلك الله. فالمسيح هو حقاً الربّ الذي يهتف له الجميع، وسيبقى كذلك، إلهاً وانساناً، لمجد الآب دون سواه (فل 2: 9- 11). فكل شيء هو خاصة المسيح، وكل انسان، ولكنه هو نفسه سيكون لله الآب (1 كور 3: 23). فآدم، الانسان الأول، خطئ حين تكبّر فرفض أن يعيش كخادم لله، فصار عبداً للخطيئة وللموت، والمسيح، الإنسان الأخير، يملك بحريّة ملكيّة، ولكن في خضوع تام للآب.
ويصير الله في نهاية الأيام "كلاٌّ في الكلّ". هذا لا يعني أن الابن ينحلّ، يذوب في الآب، يُبتلع، وإلاّ فنحن أيضاً، وبأولى حجة، سوف نذوب في الآب. لا، ليست هذه نظرة بولس الذي اعتاد أن يرسم مصير الانسان الأخير كحياة شخصيّة قرب المسيح وأمام الله. فمع الابن نحن نعيش "لله" وننعم أمام الله، بحرية ملوكيّة، حرّية أبناء الله. ولكن كما أن المسيح الممجّد لم يخرج من وضعه كابن طائع وخادم، هكذا يكون بالنسبة إلينا جميعاً: فملء واقع الخلاص لن يكون سوى الوجه الآخر لجهوزيّة تامّة أمام الله.
وفعلُ خضوع الملك لله هو عملٌ جليانيّ، يعلن أن القبول الجذريّ لمشيئة الله، يقرّر حياةَ كل خليقة وخلاصَها. وفعلُ المسيح المَلك هذا، يبدو كعمله الأخير الذي يعلن عقبة مختلفة يتلاشى فيها عمله. هذا في الظاهر. أما في الحقيقة، فهو عمل يدوم إلى الأبد ويعبّر عن معنى الحدث وجوهره.
وهكذا نكون أمام تعليم ونداء. ونحن لا نفهم النصّ إن لم نشعر بأن هذا العمل الذي به صار الله كلاً في الكلّ، يؤسّس سعادتنا ويعبّر عنها أفضل تعبير. لسنا أمام الكائن المطلق الذي يستبدّ بنا، بل أمام حضور ناشط لقوّة تُحيينا بشكل جذريّ. إذن، يمثّل هذا المنظار الأخير تعليمَ خيرٍ لجميع الذين يريدون أن يسلّموا نفوسهم إلى هذا الإله. كما يمثّل نداء لكي نتبع منذ الآن الطريق الملوكيّة، طريق عبد الربّ المتألّم (فل 2: 5- 11).

الخاتمة
في مخطّط الله، يتضمّن تحقيقُ مُلك المسيح في ملئه، انتصاراً نهائياً على الموت، بالنسبة إلى الذين هم للمسيح. وتضامنُ الكلّ مع المسيح لا يُلغي دعوة كل واحد منا، بل هو يكمّلها. وحياتنا مع المسيح هي أساس وجودنا قرب المسيح القائم من الموت. "فكلنا نحيا في المسيح، وكل واحد حسب رتبته". وحيث يبدو بولس كأنه يميّز بين قيامة المسيح التي هي واقع منذ الآن، وقيامتنا التي تنتظر النهاية، يجب أن نتذكّر أن مرمى فكره لا يكمن في هذا التمييز على مستوى الزمن، الذي أمامه ألف سنة كيوم أمس الذي عبر. فالتمييزُ الأساسيّ يكون بين رتبة المسيح ورتبة الذين هم له. ولكن ما همّ! إن كان الله كلاً في الكلّ، فما الذي ينقصنا لنكون في موكب هذا الملك الذي سيضع جميع أعدائه تحت قدميه.
قيامتنا على صورة قيامة المسيح
15: 45- 49

أنكر بعض الكورنثيّين القيامة، وتساءلوا كيف تكون القيامة، إن كان هناك من قيامة. فردَّ عليهم بولس منطلِقاً من الواقع الأساسيّ في المسيحيّة. المسيح مات ودُفن، المسيح قام في اليوم الثالث، كما تقول الكتب، وظهر لأشخاص عديدين. فإن هو قام، فنحن نقوم. هو الباكورة ونحن الثمار الذي بعده. هو الابن ونحن أبناء معه. هو بكر من قام من بين الأموات، وبكر إخوة عديدين. أما كيف تكون القيامة؟ فهذا سرّ الله. والتشابيه تساعدنا على أن نفهم أن ذاك الذي يموت هو ذاك الذي يقوم، وأن حبّة القمح التي نزرعها في الأرض هي التي تتّخذ شكلاً آخر، وأن المائت يصبح خالداً، والبشريّ يصير روحانياً، وأننا ننتقل من آدم الأول الذي هو نفس حيّة إلى آدم الأخير الذي هو روح محيي. ونقرأ النصّ الكتابيّ: 
(45) فالكتاب يقول: "كان آدم الانسان الأول نفساً حيّة"، وكان آدم الأخير روحاً يُحيي. (46) فما كان الروحانيّ أولاً، بل البشريّ، وكان الروحاني بعده. (47) الانسان الأول من التراب، فهو أرضيّ. والانسان الآخر من السماء. (48) فعلى مثال الأرضيّ يكون أهل الأرض، وعلى مثال السماويّ يكون أهل السماء. (49) ومثلما لبسنا صورة الأرضيّ، فكذلك نلبس صورة السماويّ.

1- سياق النصّ
حاول بولس على مدّ 1 كور 15 أن يشرح للكورنثيّين المتحفّظين ما تعني عبارة "قام من بين الأموات" بالنسبة إليه. فقيامة الموتى هي، في قلب الإيمان المسيحيّ (15: 1- 11) نتيجة قيامة المسيح. ولكن إن كان اليونانيون متشكّكين مرتابين، فلأنهم طرحوا على نفوسهم أسئلة حول شكل القيامة: كيف تتم؟ وبأي جسد نقوم (آ 35)؟ قدّم بولس جوابه على هذين السؤالين مستعملاً الفن البلاغي الذي نجده في أسلوب التصالب والتعاكس، الذي يقلب ترتيب الحلول (آ 36- 50: أجساد القائمين من الموت؛ آ 51- 53: ما يحدث في زمن القيامة).
أما المقطوعة التي نقرأ (15: 45- 49) فجزء من مجموعة آيات تعالج مسألة جسد القائمين من الموت. إنها مسألة أساسيّة بالنسبة إلى عقل يونانيّ يرى طوعاً في الجسد، سجناً للنفس، لا التعبير الحسيّ والملموس عن الانسان ككلّ، على ما في العالم الساميّ. وردّ بولس على اعتراضات الضمير الدينيّ في العالم اليونانيّ، في وجه القيامة، بثلاث مقاربات من السرّ. بحسب بولس، نستطيع أن نلاحظ، أمرين في النظام النباتيّ، وفي النظام الحيوانيّ، وفي نظام الكواكب: إن الكائنات تخضع لتحوّلات عميقة. وهي مختلفة بعضها عن بعضها داخل الصنف الواحد (آ 36- 41). لهذا، لا شيء يفرض علينا القول إن الأجسام البشريّة صنف واحد: ذاك الذي نعرفه والذي يزول في الموت. ثم (آ 45) إن الكتاب المقدس يشهد على وجود نوعين من الأجسام، هذا إذا قرأنا سفر التكوين كما قرأته بعض الأوساط اليهوديّة العائشة في حضارة يونانيّة. هنا تبدأ المقطوعة التي نتأمّل فيها. تبدأ فتعارض بين شخصين: آدم الأول وآدم الثاني (آ 45 - 74). ثم تستخلص النتائج من وجود هذين النموذجين (آ 48- 49) فتطبّقها على جميع البشر.

2- أصل آدم الأول وآدم الثاني (15: 45- 47)
أ- تأليف النصّ
استعمل بولس هنا، كما فعل في الآيات السابقة (آ 39- 44) أسلوب التوازي.
في آ 45، قابل بين الأول والثاني. الأول هو "نفس حيّة". والثاني هو "روح محيية". روح تعطي الحياة. وتبدو آ 46 بشكل معترضة تحطّم التوازي. إن مثل هذا القطع، لدى بولس، يدلّ بشكل عاديّ على فكر شخصيّ يريد الرسول أن يجتذب فكرنا إليه ليزيل بعض الالتباسات. أما هنا، فيشدّد على ترتيب ظهور هذين الانسانين: آدم ظهر أولاً، ثم ظهر المسيح. وتستعبد آ 47 التوازي الذي قُطع، فتقابل بين أصل هذين الانسانين: الأول هو من الأرض، من التراب. والثاني، من السماء. هو سماويّ.
ب- بين النفس والروح
يورد خبرُ خلق آدم في تك 2: 7 أن الله، وبعد أن كوّن جسم الانسان من تراب الأرض، نفخ فيه نسمة حياة (لم يستعمل لفظ "روح")، وهكذا صار نفساً حيّة. نحن بعيدون هنا عمّا أخذنا من عالم الغرب، بدءاً بالفلسفة اليونانيّة، عمّا يُسمّى "النفس" التي تنفصل عن الجسد. فعالمنا لا يرى الانسان مركباً من عنصر روحيّ، هو النفس، ومن عنصر مادي ولحميّ، هو الجسد. فالجسد ليس غلافاً وغشاء، بل الوسيلة الضروريّة لكي يتجلّى في الانسان هذا الواقعُ الذي لا ندركه والذي هو الحياة. نحن ننظر إلى الانسان ككلّ. لا نقول: له نفس، بل هو نفس، هو يتنفّس. نال كانسان، من الله هذا «النَفَس» (نسمة الحياة) الذي يجعل منه كائناً حياً. لهذا نقول: "كان آدم الأول انساناً نال الحياة". صار نفساً (أي شخصاً) حيّة.
وآدم الأخير، الذي هو المسيح، هو "روح يعطي الحياة". أن يكون الروح في مبدأ الحياة، فكرة واضحة في يو 6: 63 (الروح هو الذي يُحيي). ونعود إلى العهد القديم حيث لفظ "روح" إحدى الصفات الخاصّة التي تدلّ على هوية يهوه (الربّ). الروح هو هذه القدرة التي بها يفعل الله، ولا سيّما في عمل الخلق الذي به يدعو الكائنات إلى الحياة. وهو أيضاً هذه القوّة التي تقدر أن تحوّل البشر ليكونوا مرافقين لله في عمل الخلاص في التاريخ. لهذا، شدّد الأنبياء على هذه العطية الخارقة، عطيّة الروح المحفوظة للمسيح. وتوخّت تلميحاتٌ عديدة في الأناجيل أن تبيّن أن يسوع هو ذاك الذي نال ملء الروح حسب أش 11: 2 (روح الربّ ينزل عليه)؛ 42: 1 (جعلتُ روحي عليه)؛ 61: 1 (روح السيّد الربّ عليّ).
في هذا النصّ البولسيّ، ليس يسوع فقط ذاك الذي يمتلك الروح كما لم يمتلكه أحد. بل إن يسوع صار "الروح"، حسب قول بولس. هل يعني هذا أن يسوع والروح صارا شخصاً واحداً وحيداً؟ نتذكّر هنا أن 2 كور 3: 17 (الربّ هو الروح) جُعلت في خدمة مثل هذا اللاهوت. ولكن هذا يعني أننا نفترض أن بولس لم يرَ في الروح القدس شخصاً وأقنوماً، كما سيقول اللاهوت الثالوثيّ اللاحق. والحال أن في عدد من النصوص البولسيّة، حيث جُعل الروح في علاقة بيسوع، يدلّ الروح أولاً على الطريقة التي بها يكون يسوع رباً: بالروح، كونه هو نفسه كائناً روحياً، يفعل يسوع في جماعة المؤمنين. ليس هناك من تماهٍ شخصيّ بين يسوع والروح القدس (وهنا يرد لفظ "روح" بدون التعريف). بل هناك تماه على مستوى العمل (على مستوى الوظيفة) بين الربّ والروح القدس. ويبقى الروح هنا، كما في العهد القديم، قدرة الله العاملة وسط البشر، ولكن منذ الآن في يسوع المسيح. لهذا نستطيع أن نقرأ: "آدم الأخير، المسيح، هو كائن روحيّ يُعطي الحياة".
تفترض هذه الاعتبارات الأخيرة أن مسألة معرفة الوقت الذي فيه صار يسوع كائناً روحياً يقدر أن يعطي الحياة، أمرٌ محلول. لا شكّ في أن بعض الشرّاح فكّروا باللوغوس (الكلمة) الموجود منذ الأزل. ولكن فعل "صار" (كما في مطلع يوحنا، 1: 14، الكلمة صار بشراً) يمنعنا من أن نفكّر في ولادة اللوغوس الأزليّة كسبب هذا التحوّل إلى كائن روحيّ. هذا من جهة. ومن جهة ثانية، إن اللفظين "الأخير" و"الثاني" (أو: الآخر، الانسان الثاني) اللذين يحدّدان موقعَ المسيح بالنظر إلى آدم، يمنعاننا من أن نرى هنا تلميحاً إلى وجود المسيح منذ الأزل. مقابل هذا، فسياق 1 كور 15 ومعطيات اللاهوت الأولانيّ، تقودنا إلى أن نرى في «صيرورة» المسيح هذه كروح، قيامته الخاصة.بالنسبة إلى يسوع، القيامة هي حقاً ولادة جديدة: «بكر من قام من بين الأموات» (كو 1: 18). ونقرأ في أع 13: 33: "الله أقام يسوع. هذا ما كُتب في المزمور الثاني: أنت ابني وأنا اليوم ولدتك" (رج عب 1: 5؛ 5: 5 حيث يرد مز 2: 7). فالتبدّل الجذريّ عينه في وضع يسوع، نجد تعبيراً عنه في أع 2: 36 (جعله الله رباً ومسيحاً)، وفي روم1 : 4 ("جُعل ابن الله بالقدرة حسب روح القداسة بقيامته من بين الأموات". وهذا في توازٍ مع مولده بالجسد من نسل داود). وفي المديح الكرستولوجي في فل 2: 6- 11. فالمسيح يرى، بقيامته، كيف يتمّ من أجله ملء فيض الروح الذي وُعدت به الأزمنة الاسكاتولوجيّة: "نال من الآب الروح القدس، موضوع الوعد، وأفاضه" (أع 2: 33).
ولكن يجب أن لا ننسى المنظار الاسكاتولوجيّ، وبشكل خاص ساعة التتمّة الحاسمة، حين يأتي المسيح القائم من الموت في المجد والقدرة. فيتجلّى حقاً «كالروح الذي يهب الحياة». في ذلك الوقت تنكشف كلّ قدرة الحياة التي تضمّنتها قيامتُه. إذن، ليس في هذه الآية فقط معارضة بين آدم والمسيح القائم من الموت، بل بين الخليقة الأولى والخليقة الثانية والنهائيّة، خلق البشريّة في يسوع المسيح. نال آدم الحياة، ولكنه ليس هو الذي ينقلها: بل به دخل الموت إلى العالم (روم 5: 12). ويسوع، بما أنه روح، يُحيي منذ الآن، بل ينقل الحياة بشكل نهائيّ في انتصاره الأخير على الموت (آ 54- 55).
إن ميزتي الانسان الأول والانسان الثاني ترتبطان رباطاً في أصلهما (آ 47). جُبل آدم من تراب الأرض. خرج من الأرض. أما يسوع فهو من السماء. لا يقول بولس من أي شيء صُنع، ولا إنّه جاء من السماء في سالف الأيام. إنه كائن سماويّ. أخِذت هذه الاشارةُ، على ما يبدو، من صورة ابن الانسان الذي لا يتكلّم بولس عنها أبداً كلاماً صريحاً، ولكنها تبدو في خلفيّة بعض وجهات كرستولوجيّة. فابن الانسان كما في دا 7، هو كائن سماويّ (يأتي على سحاب السماء) وأصلُه سريّ: لم يُولد من هذه الخليقة. هو "مثل ابن انسان". فما يهمّ بولس، لأنه أساسيّ من أجل تعليمه عن القيامة، هو أن أصل هذا الانسان يسوع لا يُشبه أصلَ الانسان الأول. أخِذ آدم من الأرض. إنه مائت. وقبضة الموت عليه أمر عاديّ. وهو يعود إلى الأرض التي أخِذ منها. ولكن بما أن يسوع كائن سماويّ، فهو ينتمي إلى عالم الروح، ولا سلطة للموت عليه (روم 6: 19).
ج- الأول والأخير
لا نستطيع في هذا المقال أن نذكر جميعَ المسائل التي يطرحها هذا التلميحُ إلى ترتيب الظهور لدى هذين الانسانين. سبق وقلنا إن بولس يشدّد على هذا الأمر، وهذا التلميح يجعلنا نفترض حرباً: فبولس يكرّس نفسه لكي يحارب أولئك الذين يعتبرون أن آدم، الانسان المصنوع من تراب الأرض، لم يكن الانسان الأول، بل الانسان الثاني. ففي بعض المحيطات اليهوديّة، ولا سيّما المطبوعة بالحضارة الهلنستيّة (لا ننسى أن أبلوس كان من الاسكندريّة، وأنّه كرز في كورنتوس بعد ذهاب بولس، وأن 1 كور تتكلّم عنه)، كانت تنظيراتٌ حول خبرَي خلق الانسان اللذين نقرأهما في تك 1 وتك 2. لم يتوقّف الرسول عند مراجع النبتاتوكس (الأسفار الخمسة) فرأى في هذين الفصلين خلقين إثنين وانسانين مختلفين.
حسب تك1، خلق الله الانسان "على صورته وبحسب مثاله" (آ 27). وأعطاه سلطة بها يسود كلَّ الخليقة. وحين خلق الله ما خلق، رأى أن كل هذا كان صالحاً (آ 31). غير أننا لا نعود نرى، في البشريّة اللاحقة، أثراً لهذا الرجل الذي قيل عنه أنه نال روح الله. إذن زال. أو بالأحرى، جعله الله جانباً وحفظه في موضع من السماء، ليكشف عنه (وقد يكون المسيح) في الساعة التي فيها يرغب بأن يجعل البشريّة في وضعها الحقيقيّ.
في تك 2، شُبِّه الله بالفخاري، حسب نظرة انتربومورفيّة (تشبّه الله بالانسان) إلى اللاهوت، فجبل الانسان من تراب. لا يقال عن هذا الانسان إنه «على صورة الله». نال من الله نسمة حياة، فصار كائناً حياً (شأنه شأن الحيوان). وسيقول لنا الكتاب فيما بعد: سيخطأ ضد الله. ويُدعى "آدم". ويلد، مع امرأته حواء، أولى ضيوف هذا النسل الذي وصل إلينا. إذن، أما يكون ذاك الانسانُ هو الثاني؟
فأجاب بولس المعلـّم الرابينيّ بملء قلبه: كلا. ليس سوى انسان واحد أول، وهو آدم. ولكنه لا يرذل رذلاً تاماً الحدس العميق الذي انكشف في هذا التأويل (هناك تأثير من السطر الشرقيّة سوف يتوضح في التيارات الغنوصيّة، في القرن الثاني المسيحيّ). فهذا الانسان الذي هو على صورة الله، والذي ظنّوه إنسان سفر التكوين (ف 1)، هذا النمط لبشريّة جديدة فُقد تاريخُ آثارها، هو موجود حقاً. إنه يسوع، الكائن الروحيّ، القائم من بين الأموات على أنه الأول بين إخوة كثيرين. لا شكّ في أن هناك آدمين ونموذجين للبشريّة. وإن وجب علينا أن نبحث عن الأول في سفر التكوين، فالثاني، الانسان الذي كله روح، نبحث عنه فيما بعد، في الأزمنة الأخيرة (هو الآخر): فهو من جاء يخلّص البشريّة من وضعها المائت واللحميّ والخاطئ، الذي صارت إليه بسبب رباطاتها الضروريّة بالإنسان الأول الذي خرج من الأرض.

3- على صورة السماوي (15: 48- 49)
وتتواصل الموازاة. إلاّ أن بولس لا يعارض فقط آدم ويسوع كما فعل من قبل. بل يعارض بين بشريّتين ترتبطان بآدم الأرضيّ وآدم السماويّ، لأن آدم ويسوع ليسا فقط فردين بشريّين مشهورين: فجميع البشر مرتبطون بمصيرهما، بشكل سريّ. ولفظة "آدم" توجّهنا في الاتجاه الجماعيّ، فتدلّ على الانسان الأول كما تدلّ على الانسان بشكل عام، وعلى البشريّة.
ولد آدم بشريّةً تجد، مثله وبه، أصلَها في هذه الأرض. وبالنظر إلى هذا الأصل، وبسبب الخطيئة، لا بدّ لها أن تعود إلى الأرض. أما يسوع فهو المولود البكر في بشريّة جديدة: فمثله يُفلت البشر من قبضة الموت بحيث ينتمون بكليّتهم إلى الروح.
وإذ أراد بولس أن يعبّر عن رباطاتنا مع آدم الأول كما مع آدم الثاني، عاد إلى محتوى "الصورة": "حملنا صورةَ الانسان الأرضيّ. ونحمل صورة الانسان السماويّ" (آ 49). يعود بولس هنا أيضاً إلى سفر التكوين. ففي رأس لوحة أنساب نسل آدم، نقرأ في تك 5: 3: "حين كان آدم ابن مئة وعشر سنوات ولداً ابنا على شبهه، على صورته، وأعطاه اسم شيت". إن فكرة "الصورة" فتحت الطريق أمام جدالات عديدة، انطلاقاً من النصوص البيبليّة كما من النصوص اليونانيّة الممتدّة من أفلاطون إلى أفلوطين. أما نحن فنحاول فهمها بشكل بسيط متطلّعين إلى وظيفة الصورة، وتفصيلها بعض الشيء على ضوء لفظة "شبه" (مثال). الصورة شكل طيّع يتوخّى تمثيل النموذج الذي بحسبه رُسمت، صُوّرت، أو نُحتت. إذن، هناك شبه كما هناك اختلاف. فالصورة ليست النموذج. ثم من يقول صورة يقول ارتباطاً بالنسبة إلى النموذج. فمن رأى انساناً، رأى الله، بشكل من الأشكال. إنه عمل الله. ولكنه عملٌ يوحي بعضاً من صانعه. فالانسان، حتى بجسمه، يمثّل الله، يجعله حاضراً، نوعاً ما. وكيف ذلك؟ حين يمارس سلطانه على المخلوقات، كما ناله من الله نفسه (تك 1: 26 ي). وإذ يتصرّف الانسان على هذا النحو، يشارك سيّدَ الكون في امتيازاته.
حين نقرأ المرجع الكهنوتيّ، نعرف أن الله، بعد أن خلق الانسان على صورته، جعله جديراً بنقل كرامته السامية من جيل إلى جيل (تك 5: 3). ولكن سفر التكوين لم يكتف بالمرجع الكهنوتيّ، بل ضمّ مراجع أخرى تشدّد على قرب الله من الانسان. ونحن الآن نقرأ تك 5: 3 بعد خبر السقطة والحكم على الانسان والعمل والموت، كما في المرجع اليهوهيّ. فما نقله آدم، ليس فقط صورة الله في نقائها، حسب تك 1: 26، بل شبه انسان صار خاطئاً ومائتاً. وهكذا رأى بولس أن آدم ولد نسلاً على صورته، أي نسلاً خاطئاً ومائتاً مثله (روم 5: 12 ي).
إذن، لسنا أمام وضعين بشريّين تعيشهما بشريّتان متوازيتان، في شكل من الأشكال. في آ 49، فاعلُ الفعل هو هو في الحالتين: "نحن" (حملنا... حملنا). فجميعُ البشر هم على صورة آدم. جميعهم أرضيّون. ولكن يمكنهم جميعاً أن يكونوا يوماً على صورة ذاك الذي صار بموته وقيامته النموذج الأول للبشريّة المخلّصة: الانسان يقوم من الموت على مثال المسيح القائم من الموت. وجسده يكون ممجّداً مثل جسد يسوع.
وهكذا سقط الاعتراض الأهمّ الذي قدّمه الكورنثيّون. اعتبروا أن يسوع قام، وأن القيامة لم تكن بالنسبة إليه استعادة وضع آدم الذي فيه تجسّد. إذا كان الوضع الجسديّ للقائمين من الموت يشبه وضع يسوع، الانسان السماويّ، فلماذا يستصعب اليوناني لكي يعتبره، لا معطية مقبولة وحسب، بل أرفع موضوع لرجاء المؤمن. فليطمئنّوا. "اللحم والدم لا يمكن أن يشاركا في ملكوت الله" (آ 50): فالقيامة ليست استعادة حياة أرضيّة في عالم يشبه عالمنا، أو يتفوّق عليه بعض الشيء. القيامة هي أن نتحوّل تحولاً كلياً فيمتلكنا الروحُ، على صورة المسيح الربّ.

خاتمة
نحتاج كثيراً أن نتكلّم عن وضعنا كقائمين من الموت. فنضيئه، كما فعل بولس، ببعض تصوّرات لم تتنقّ كلياً، ولكننا لا نستغني عنها لنقدر أن نُبرز تضامن جميع البشر في وضعهم الحاضر، وهكذا نشدّد على تضامننا في يسوع المسيح الذي وحده في النهاية، يكون الأساس لرجائنا.
أين شوكتك، يا موت
15: 54- 58

كتب بولس إلى يونانيين يجعلون الانسان مركَّباً من نفس وجسد، وحيث النفس سجينةُ الجسد. مثلُ هذه النظرة لها نتائجها على مستوى الأخلاق: الجسد وحده يتنجّس، لا النفس! وهذا خطأ يصل بنا إلى: "لنأكل ونشرب فإنّا غداً نموت" (15: 32؛ رج أش 22: 13). وعلى مستوى الإيمان، لم يعد للقيامة من معنى، فتُصبح نوعاً من "تقمّص" إذ تدخل النفس في جسد آخر، أو هي تستعيد حياتها من جديد. والخلاص ليس بالنهائي، بل هو عقاب موقت. وهكذا نفهم رفض أهل أثينة كلام بولس حين حدّثهم عن القيامة. لهذا، لا بدّ من العودة إلى القول بأن الانسان وحدة كاملة. هو جسد ونفس معاً، ولا وجود للجسد بدون النفس، كما لا وجود للنفس بدون الجسد. على هذه الأرض يعيشان معاً وفي القيامة يقومان معاً. الانسان كله يقوم، لا نفسُه الخالدة فقط. في هذا الإطار نقرأ النصّ الكتابيّ: 
(54) ومتى لبس هذا المائت ما لا يموت، ولبس هذا الفاني ما لا يفنى، تمّ قولُ الكتاب: "الموت ابتلعه النصر". (55) فأين نصرك يا موت؟ وأين، يا موتُ، شوكتك؟ (56) وشوكة الموت هي الخطيئة، وقوّة الخطيئة هي الشريعة. (57) فالحمدُ لله الدي منحنا النصرَ بربّنا يسوع المسيح. (58) فكونوا، يا إخوتي الأحبّاء، ثابتين راسخين، مجتهدين في عمل الربّ كلَّ حين، عالمين أن جهدكم في الربّ لا يضيع.
سأل الكورنثيون بولس عن القيامة، فبدأ وتحدّث عن قيامة المسيح (آ 1- 11) أساس قيامة المسيحيّ (آ 12- 34). وحاول أن يلقي بعضَ الضوء على "كيف" تكون القيامة، هذا السرّ العظيم. فلجأ إلى تشابيه مأخوذة من عالم الزراعة (آ 35- 38) وعالم الكواكب (آ 39- 43). وفي النهاية، عاد إلى نقطة لاهوتيّة أشار إليها في آ 21- 22، هي كلام عن خبر الخلق كما في بداية التوراة (آ 44- 49)، ليصل بنا إلى شكر عميم تجاه الذي منحنا الخلاص في ابنه يسوع المسيح (آ 54- 57). واختتم الرسولُ جوابَه بنداء إلى المسيحيّين لكي يكونوا ثابتين في الإيمان، راسخين (آ 58).

1- المائت يلبس ما لا يموت (15: 54 أ)
استعادت آ 54 ما قيل في آ 53، وسوف تقول لنا إن الكتاب يتمّ، ويتحقّق قصدُ الله ونقتني الخلاص، حين يحصل التحوّلُ الأخير: من مائت إلى ما لا يموت، ومن فانٍ إلى ما لا يفنى. حينئذ نخلع «ثوباً» لنلبس ثوباً آخر.
أ- اللامائت
"ومتى لبس هذا المائت ما لا يموت...". صوّر بولس حالة الانسان بعد القيامة باللافساد (لا يفنى)، باللاهوت (الخلود). وهكذا أوجز ما سبق وقاله في آ 35- 53.
وبما أن فكرة القيامة غامضة عند اليوناني، لجأ إلى مفاهيم أخرى. ومثله سيفعل لوقا في خبره عن أول إعلان للقيامة: حين وصلت النسوة إلى القبر، في صباح الفصح، لم يقل لهن الملائكةُ حالاً: إنه قام وليس هو هنا، بل: "لماذا تطلبن الحيّ بين الأموات"؟ كان الاعلان الأول: يسوع حيّ. وبعد ذلك ستُعطى تفاصيلُ عن هذه الحياة التي يحياها: فيسوع الذي هو حيّ الآن هو ذاك الذي حمل البشارة في الجليل وفي أورشليم، ومات على الصليب. فقد قال يسوع للتلاميذ الحائرين: "انظروا إلى يديّ ورجليّ، أنا هو" (لو 24: 39).
الشخص هو هو قبل الموت وبعد القيامة، ولكن نوعيّة الحياة تبدّلت. هذا ما نستشفّه من الأناجيل حين تؤكّد أن القبر كان فارغاً، وأن يسوع دخل إلى العليّة والأبواب مقفلة. قدّمت الأناجيل "الخبر". أما بولس فحاول أن يشرح الوضعَ للكورنثيين السائلين.
في آ 40- 41، لجأ إلى تشبيه أخذه من دا 12: 3 يتحدّث عن قيامة الأبرار: "يضيء العقلاء كضياء الأفلاك في السماء، والذين هدوا كثيراً من الناس إلى الحقّ، يُضيئون كالكواكب إلى الدهر والأبد". هناك درجات في لمعان مختلف الأجساد... ولكن التشبيه يبقى غير كافٍ. فتأتي صورةٌ أخرى تكمّله، صورة الزرع الذي يُلقى في الأرض (آ 36- 38)، وهي صورة استعملها يسوع في يو 12: 24: "إن كانت الحبّة من الحنطة لا تقع في الأرض وتموت، تبقى وحدها. وإذا ماتت أخرجت حَبّاً كثيراً". كتب الرسولُ فاستعمل لفظتين قيلتا في الآلهة: اللافاسد أو الخالد، واللامائت.
أما الانسان فهو ذاك المائت. هو يموت كما يموت كلُّ حيّ على الأرض. ووضعُ الانسان هذا الذي يتميّز بالموت، هو إرث يشارك فيه البشر، ولكنه ليس الكلمة الأخيرة للخالق. فالموت يهدّد حياة الانسان، والخوف من الموت يستعبدُه ما لم يعرف الخلاصَ الذي حمله المسيح (عب 2: 14 -1 5). روى أفلاطون عن سقراط أنه لم يخف من الموت لأنه رأى فيه نجاة من هذه الحياة. ولكن يبقى أن الشعب اليوناني، شأنه شأن سائر الشعوب، عاش وهو خائف من الموت.
وحين يصير الانسان لامائتاً، خالداً، فهو يُفلت من هذا الخوف. في آ 51- 53، ميّز بولس بين الذين يكونون ماتوا في المجيء الثاني، والذين لا يزالون أحياء في ذلك اليوم. أما الآن فلا يميّز بين فئة وفئة، بل يتوجّه نظره إلى التحوّل الذي يتمّ فينا: اللافساد، اللاموت، أي التحرّر التام والنهائي بشكل من أشكال التأليه.
ارتط اللافساد بالأبديّة في نظر العالم اليوناني. فاللافاسد يُفلت من الزمن. والعكس بالعكس. وهكذا يكون الأمر بالنسبة إلى القائمين من الموت. قال اليونان: حين تخرج النفس من الجسد، من سجنها، تقف في مصاف الآلهة شرط أن تكون عاشت حياة نقيّة. ولكن ليس هذا تعليم الرسول. فكياننا كلُّه يُصبح لامائتاً (خالداً) بالقيامة. لهذا نراه يشدّد على الجسد، على اللحم، على الكائن البشريّ، في ف 15 كله. فنحن نقوم بجسدنا. لا تقوم نفسُنا فقط، بل كيانُنا كله.
ب- المائت يلبس ما لا يموت
إن هذا العبور من الفساد إلى اللافساد، يصوَّر بصورة مأخوذة من الكتاب: نلبس اللافساد، وكما نلبس ثوباً من الثياب. في الكتاب المقدّس، الثوب الذي يبلى يرمز إلى الزمن الحاضر الذي لا بدّ له أن يتجدّد. نقرأ مثلاً في مز 102: 26- 28: "من قديم أسّستَ الأرض، والسماوات من صنع يديك. فهي تبيد وأنت تبقى، وكلها كالثوب تبلى، وكاللباس تُغيّرُها فتتغيّر. أما أنت فلا تتغيّر وسنوك يا ربّ لن تفنى". أما الثوب الأبيض اللامع فيرمز إلى المجد. بهذا اللباس ظهر الملائكة عند قبر يسوع، وبعد الصعود (أع 1: 10). وفي التجلّي "أشرق وجهُ يسوع كالشمس وصارت ثيابه بيضاء كالشمس" (مت 17: 2).
سيعود هذا الموضوع في 2كور 5: 1- 5 بشكل يختلف بعض الاختلاف: لم نعد أمام لبس ثوب، بل أمام مسكن. فرمزُ المسكن نقرأه في إش 38: 12 (انقلع مسكني وانتقل عني) للدلالة على وضع الانسان، على الأرض. وهكذا تشدّد صورةُ اللباس وصورة المسكن على الشخص الذي يُصيبه الفساد. أما لوقا فشدّد على شخص المسيح الواحد قبل القيامة وبعدها.
غير أن التشبيه باللباس والمسكن، قد يجعلنا نرى فيهما تبدّلاً يؤثّر فقط في الظواهر. هنا نتذكّر أن بولس يستعمل الصورة عينها ليتحدّث عمّا يفعله العماد فينا: "أنتم الذين تعمّدتم في المسيح لبستم المسيح" (غل 3: 27؛ رج كو 3: 10؛ أف 4: 25). وهكذا نكون أمام تحوّل يصل إلى أعماق الكيان.
فلباس الخلود وعدم الفساد الذي ننتظره "لم تصنعه أيدي بشر" (2 كور 5: 1؛ مر 14: 58؛ عب 9: 11، 24). فهو "سماوي" (15: 40، 47- 49؛ 2 كور 5: 2 ي). فما هو هذا الثوب؟ هو مجد المسيح القائم من الموت. نقرأ في فل 3: 21: "فهو (= المسيح) يبدّل جسدنا الوضيع، فيجعله على صورة جسده المجيد بما له من قدرة يُخضع بها كلَّ شيء". فإذا كان جسدُ المسيح يُتمّ مثلَ هذا التحوّل، دون أن يدمّرنا، فلأنه قام وهو "بكر من قام من بين الأموات" (كو 1: 18).
وهذا التحوّل لا يتمّ بشكل تدريجيّ. وهو يتمّ بشكل جماعي لكل مؤمن من المؤمنين. فبولس يتحدّث في آ 23 عن "الذين هم للمسيح عند مجيئه". ما جاء الحديث بعدُ عن قيامة مجيدة وسعيدة. وسننتظر انجيل يوحنا ليحدّثنا عن قيامة للدينونة (5: 28- 29؛ رج رؤ 20: 13 -1 5 والموت الثاني).

2- أين نصرك يا موت (15: 54 ب- 55)
حين يلبس الخلودَ أولئك الذين خافوا الموت، يكون النصرُ العظيم وهتافُ الغلبة. وإذ أراد بولس أن يُنشد مسبقاً نشيد الظفر هذا، عاد إلى النصوص الكتابيّة ولم يُوردها إيراداً حرفياً. عاد إلى إش 25: 8: "ويُبيد السيّد الربّ الموتَ إلى الأبد ويمسح الدموع من جميع الوجوه". كما عاد إلى هو 13: 14: "أفتديهم من يد الهاوية، وأنجّيهم من الموت: أين هلاكك يا موت، أين دمارك أيتها الهاوية"؟ يرى أشعيا أن الموت يزول، وهذا يعني سيطرة الحياة والقيامة. وهوشع يتحدّث عن أناس نجّاهم الله من موت في الحرب. فانطلق بولس من هذا القول النبويّ وأعطاه كلَّ أبعاده كنجاة ممّا "يُهلك النفس والجسد في جهنّم". وهكذا وصل الرسول إلى المعنى التام لكلام يتجاوز ما قاله النبيّ في وقت محدّد. ورجاؤه ثابت لأنه يرى أننا نلنا النصر منذ الآن، في المسيح. بعد ذلك، سيكون تعبيرٌ آخر نقرأه في أف 2: 6: "أقامنا الله وأجلسنا في السماوات، في المسيح يسوع". فكلام الهزء والاستخفاف يتوجّه إلى عدوّ خاف منه الانسانُ، ولكنه الآن مقيَّد بحيث ما عاد يُوحي بالخوف.
ساد الموتُ وانتصر (روم 5: 14- 21) حتّى موت المسيح وقيامته. ولكن منذ موت المسيح، تأكّد انتصارُ الحياة. وهذا الانتصار سيكون تاماً ونهائياً في القيامة العامّة.

3- شوكة الموت هي الخطيئة (15: 56)
الشوكة (أو: المنساس) تُستعمل لتحثّ البقرة على السير في الفلاحة. هي تغرز في الجلد وتؤلم، فتجعل البقر يعجّلون في العمل. وهذا ما نقول عن الخطيئة التي هي سبب الموت. فالعلاقة وثيقة بين الخطيئة بشكل عام (لا هذه الخطيئة أو تلك) وبين الموت (لا موت هذا الشخص أو ذاك). لهذا، كان خطّ لاهوتيّ في الكنيسة يُعلن أنه لو لم يخطأ الانسان لما كان مات، وإن مات شابه موتُه رقادَ الطفل بين يدي أبيه: هو موت هادئ لمن عرف الله دوماً وأحبّه، عرف الآب "الذي اختارنا في المسيح منذ إنشاء العالم... وقضى بسابق تدبيره أن يتبنّانا بيسوع المسيح" (أف 1: 4- 5). ولكن بعد الخطيئة، صار الموت مُرعباً، بعد أن خطئ الانسان وحطّم الصداقة بينه وبين الله.
أجل، الخطيئة التي استُعبد لها الانسانُ، قطعته عن الله، وجعلت من الموت قوّة تمسك الانسان في قبضتها. "لأن أجرة الخطيئة الموت" (روم 7: 5). إذن نعود إلى روم 7: 7: "ما عرفتُ الخطيئة إلاّ بالشريعة". ولكننا نعرف أن الشريعة عطيّة من الله. وهي بالتالي صالحة، مقدّسة، عادلة (روم 7: 12). غير أنها حَدّدت متطلّبات الله ولم تُعطنا القوّة لنعمل بها. وحين عرَّفت الانسان إلى ذنبه، جعلته في الواقع مذنباً، فما عاد يقدر أن يتذرّع بجهله. هذا ما يعود بنا إلى تك 3: 1 ي حيث يبدو الانسان ضعيفاً أمام الشهوة. وحده الروح يستطيع أن يقوده في طريق الخير، ويقوّيه على التجربة. وهذا الروح أعطاناه المسيح. لهذا، انطلق فعلُ الشكر من قلب المؤمن إلى الله: "الحمد لله".

5- دعوة إلى الثبات (15: 57- 58)
بعد هذا النصر الذي تمّ للمؤمنين، فلا يبقى لهم سوى أن يرفعوا آي الشكر إلى الله الذي منحهم النصر بابنه. هذا الشكر يشبه ما نقرأ في روم 7: 25. فبعد عرض طويل عن الخطيئة والشريعة (روم 7: 7- 25) هتف بولس: "الحمد لله بربّنا يسوع المسيح. فأنا بالعقل أخضع لشريعة الله، وبالجسد لشريعة الخطيئة". فالمسيح هو "غاية الشريعة" (روم 10: 4) التي أفسدتها الخطيئة وجعلت منها قوّة موت (روم 7: 13). بعد الآن، لم نَعُد في حكم الشريعة، بل تحت سلطة المسيح. وبالمسيح منحنا الآبُ النصر، صرنا لامائتين، لا فانين (آ 54). وهكذا لم نعد أشقى الناس جميعاً (آ 19)، بل نحن أبناء الغلبة منذ الساعة الحاضرة، بحيث نستطيع أن نهتف مع الرسول: "حياتي هي المسيح" (فل 1: 21).
وتَرِد الخاتمة (آ 58) بعد هذا التوسّع الطويل حول القيامة: هل نقوم؟ كيف نقوم؟ آمن الكورنثيون، فليثبتوا في إيمانهم ولا يزعزعْهم العالمُ اليونانيّ الذي يستصعب الايمان بالقيامة. هناك الموقف المبدئي: كونوا ثابتين، راسخين. والموقف العملي: إعملوا العمل الذي يطلبه منكم الربّ (رج 16: 10). نحن هنا أمام مجمل المواقف والتصرّفات العمليّة التي بها تدلّ الجماعةُ على أمانتها للمسيح مهما كانت الظروف (2 كور 9: 8). ويُنهي الرسول كلامه وهو متيقّن من وعد الله. قال الرسول ما قال، فأوضح الأساسَ المتين لحياة الكنيسة، والأصلَ الذي خرجت منه فكفلت مستقبلها. وجهدُ الكنيسة هذا يتمّ "في الربّ"، أي المسيح القائم من الموت وسيّد كل قوّة وسلطان (آ 24- 26). والعملُ الذي تقوم به الكنيسة في وجه قوى العبث والموت، ليس جعجعة وتحركاً فارغاً من أي نتيجة، بل تجلّي رجاء تأسَّس على ذاك الذي قام، فأخضع الموت بقوّة قيامته ومنح البشريّة الغلبة.
خاتمة
بعد أن وبّخ الرسول الكورنثيين وطلب منهم أن يعودوا إلى وعيهم (آ 34)، عاد معهم إلى لغة الحنان. سيكون جهدُهم ضائعاً إن لم تكن قيامةٌ للأموات (آ 32)، ولكنهم يأملون جزاء عظيماً. لهذا، يعملون عمل الربّ فيشهدون له في أقوالهم وأعمالهم، وفي نشر الانجيل. فيقينُ الحياة الآتية يرفعهم إلى القداسة والجهاد في العمل، ساعة يقود التردّد إلى القنوط والضعف في الرجاء. أجل، ليس رجاء القيامة مثالاً بعيداً، بل واقع يعطي الحياةَ اليوميّة معناها وقوّتها. لهذا يُدعى المؤمنون إلى العمل من أجل الربّ. هكذا يدلّون على أنهم أبناء القيامة والحياة، لا أبناء حياة تسير إلى العدم وتصل بالانسان إل
الخاتمة
تلك كانت مسيرتنا مع كنيسة فتيّة أسّسها بولس سنة 51 - 52، في أرض اليونان. جاءت بأكثريّتها من العالم الوثنيّ، فما تسنّى لها الوقتُ بعدُ لكي تتحرّر من عاداته وأخلاقيّاته. هناك الزنى بأشكاله، وقد اشتهرت به كورنتوس، تلك المدينة التي تضمّ مجموعة من الشعوب، وتستقبل في مرفأيها بحّارة وعمّالاً عديدين.
واعتاد هؤلاء المسيحيون الجدد، فيما مضى، أن يشاركوا في أعياد المدينة، حيث تُنحَر الذبائح إكراماً للآلهة، فيأكل منها الفقراء بشكل خاص، والنقابات في أعياد يحتفلون بها إكراماً لهذا الاله أو ذاك. هذا عدا ما حمله "فلاسفة" ووعّاظ متجوّلون تبعهم الناس وأرادوا أن يعيشوا عيشهم.
أفكارٌ تُعارضُ فكرَ الانجيل. حكمةٌ من العالم تحسب حكمةَ الصليب حماقة. أخلاقيّات تتنافى وما علّمه يسوع، ولا سيّما في عظة الجبل. يتدرّج الفرد فيتبع معلّمه في هذه الديانات السرانيّة الآتية من الشرق. فلماذا لا تكون الأمور كذلك في الكنيسة؟ عمّد بولس كريسبس وغايس وبيت استفاناس، فاعتبروا أن عليهم أن يرتبطوا ببولس. وعمّد ابلوس من عمّد، وبطرس عمّد أيضاً جماعة قليلة. وهكذا نشأت تحزّبات، لا بمعنى انقسام على مستوى العقيدة والممارسة المسيحيّة، بل بمعنى أن كلّ واحد بحث عن رئيس يمشي وراءه، كما يحدث اليوم أيضاً في رعايانا ومؤسّساتنا، حيث يتعلّق المؤمنون بهذا المسؤول أو ذاك. ولكن بولس سيُعيد هؤلاء المؤمنين إلى الأساس: يُسوع صُلب من أجلهم، لا هذا الرسول أو ذاك. باسم يسوع اعتمدوا. فاسم يسوع إذن، يجب أن يكون الراية التي يجتمعون حولها.
تصرّف الكورنثيون بهذه الطريقة، ونحن نتصرّف مثلهم، فظلّوا أطفالاً يتغذّون باللبن ولا يستحقّون الطعام القوي. كما لبثوا جسديّين فما تركوا الروح يقودهم إلى النضوج الروحي الذي يجعلهم يفتخرون في الربّ، ولا يفتخرون برسول من الرسل، ولا بأنفسهم والمواهب التي نالوها. وإذا أحسّوا أنهم «شيء» بعد أن كانوا "لا شيء"، فليعرفوا أن ما صاروا إليه هو نعمة مجانيّة من الله بيسوع المسيح الذي صار لنا "حكمة وبراً وقداسة وفداء".
من بولس يتعلّم المعلّمون، ومن أهل كورنتوس يأخذ المؤمنون. ولكن سيكون لنا عودة إلى هذه الكنيسة التي حسبت مؤسّسها معلّماً من المعلّمين، بل رسولاً من الدرجة الثانية. غير أن بولس سيدافع عن نفسه، لا من أجل نفسه، بل من أجل الرسالة، لا في كورنتوس فقط، بل في منطقة أخائية كلها.