الرسالة الأولى إلى أهل تسالونيكي

تقديم

الرسالة الأولى إلى تسالونيكي هي أولى رسائل بولس وأول ما وصل إلينا من أسفار في العهد الجديد. أرسلها بولس إلى مدينة تسالونيكي، عاصمة مكدونية، التي بشّرها سنة 50 وخلال الرحلة الرسولية الثانية التي انطلقت من أنطاكية بعد مجمع أورشليم وعادت إلى أنطاكية.
أجبر بولس على ترك تسالونيكي بسرعة بعد أن ضايقه اليهود فيها، فذهب إلى بيرية، ثم اثينة وكورنتوس. ومن كورنتوس كتب 1 تس بعد أن وصلته أخبار سارّة من تلك الكنيسة الفتيّة التي غادرها وقلبه قلق عليها. كتب هذه الرسالة وقد شاركه فيها سلوانس وتيموتاوس. كتبها وهو يرفع آيات الشكر إلى الله بعد أن عرف عمل إيمان هؤلاء "المسيحيّين"، وتعب محبتهم، وثبات رجائهم. كتبها بعد أن وضع أمامهم الصعوبات الداخليّة ولا سيّما الخلافات بين المؤمنين ورؤساء الجماعة فدعاهم إلى المحبّة والسلام. كتبها مقدّماً جواباً عن مصير الموتى ومجيء المسيح. "سنكون كلنا مع الربّ على الدوام". لهذا نعزّي بعضنا بعضاً ويبني واحدنا الآخر.
تلك هي الرسالة الأولى إلى أهل تسالونيكي. حاولنا أن نقدّمها بعد رسائل بولس إلى رومة، إلى كورنتوس، إلى غلاطية وأفسس وفيلبي. ونحن نتطلّع إلى تقديم الرسالة الثانية إلى تسالونيكي، ثم الرسالة إلى كولسي وفيلمون... وهكذا نتمنّى أن يكون بين أيدينا تفسير لمجمل الرسائل البولسيّة، والرسائل العامة.
أما الأسلوب فهو هو. بعد مقدّمة تمتدّ على فصل واحد، لأننا نعدّ دراسة مفصّلة عن كنيسة تسالونيكي في شرح 2 تس، نقدّم دراسة إجمالية على كل فصل من فصول الرسالة. ثم نقسم النصوص إلى مقطوعات صغيرة نفسّرها ونحاول أن نكتشف المعنى الروحي فيها. وإن تضايق القارىء من دراسة علميّة أو كلمة يونانيّة أو مصطلح جديد، فليترك الصعوبات إذا شاء ويتابع القراءة والتأمل لكي يكتشف هذا الغنى الذي تزخر به 1 تس. عندما نعرف أنها كتبت عشرين سنة بعد موت يسوع وقيامته. حين نعرف أنها حاولت أن تنقل إلى عالم الغرب الديانة المسيحيّة التي وُلدت في الشرق، في حضارة فلسطين وفي لغة آرامية وفي عوائد يهودية وفينيقية وكنعانيّة. حين نعرف كل هذا، نفهم الدور الكبير الذي لعبته أنطاكية حين أرسلت أول فريق رسولي ضمّ برنابا وشاول. كما نفهم دور بولس الذي كان شاول فنقل تراث الكتاب المقدّس إلى عالم آسية الصغرى واليونان، بل وصل به إلى رومة. ونتطلّع إلى يوم يدخل فيه الانجيل كل حضارات الكون فيصل تعليم المسيح إلى أقاصي الأرض.
الفصل الأول
البشارة في تسالونيكي

في سنة 50 وخلال الرحلة الرسوليّة الثانية، وصل بولس إلى تسالونيكي، عاصمة مقاطعة مكدونية الرومانيّة. جاء من فيلبّي يرافقه سيلا (سلوانس) وتيموتاوس، ولم يقم في المدينة إلا وقتاً قصيراً بسبب القلاقل التي حرّكها اليهود ضدّه. فأرسل تيموتاوس يستخبر عن هذه الكنيسة الفتيّة التي تركها على عجل. فعاد إليه يحمل الأخبار الطيّبة. وقد يكون جاءه بعض المسؤولين، أو رسالة منهم، فعبرّ الرسول عن فرحه وأعطى التوجيهات من أجل هذه الكنيسة. فكانت هذه الرسالة أولى رسائل بولس، بل أول ما وصل إلينا من أسفار العهد الجديد، وذلك بعد عشرين سنة على موت المسيح وقيامته.
نتوقّف في هذا الفصل عند ثلاث محطات. الأولى، كيف وصل الانجيل إلى تسالونيكي؟ الثانية، من البشارة إلى تسالونيكي حتى الرسالة الأولى. والمحطة الثالثة، بنية الرسالة الأولى إلى التسالونيكيين.

1- الانجيل في تسالونيكي
نتعرف أولاً إلى مدينة تسالونيكي. ثم نرافق بولس وسلوانس (سيلا) وتيموتاوس في تأسيسهم كنيسة تسالونيكي
أ- مدينة تسالونيكي
تسالونيكي هي اليوم سالونيك، وهي المدينة الثانية في اليونان الحديث (بعد أثينة). كانت عاصمة مكدونية التي صارت سنة 146 ق م مقاطعة رومانيّة. أسّسها بعد سنة 300 أحد قوّاد الاسكندر الكبير وأعطاها اسم امرأته (تسالونيكي) التي كانت أخت الاسكندر من أبيه. تقع المدينة في خليج ترمابيك وتستند إلى سلسلة من التلال. تمرّ فيها الطرق الرومانيّة من الغرب إلى الشرق ومن الجنوب إلى الشمال: الطريق الاغناطيّة التي هي امتداد طريق أبيا المنطلقة من رومة باتجاه البنطس. والطريق التي تنطلق من اخائية نحو الشمال فتصل إلى الدانوب.
بعد سنة 42 ق م صارت تسالونيكي مركز قنصل يمثّل تمثيلاً مباشراً مجلس الشيوخ الرومانيّ في المقاطعات الشرقية من الامبراطوريّة. وفي حرب اكسيوم سنة 31، سارت في ركاب اوكتافيوس الذي صار الامبراطور اوغسطس سنة 27 ف م، فنالت لقب المدينة الحرّة. فاستفادت كل الإفادة من السلم الروماني والامكانيّات التجارية المقدّمة لها. وهكذا صارت بفضل مرفأها والطرق التي تمرّ فيها ملتقى تجارباً يستغلّ المحصولات الزراعيّة وغنى المناجم في مكدونية.
كان يديرها "مجلس الشعب" (ديموس)، فيهيّىء القوانين والقرارات، وسلطة مؤلّفة من خمسة أو ستة أشخاص يكوّنون "مجلس وزراء" مصغّراً. هذا ما يقوله أع 17: 5- 8 في هذا الشأن: فغار اليهود وحشدوا رجالاً أشراراً من أهل السوق... وبلبلوا المدينة، ثم أتوا بيت ياسون وطلبوا بولس وسيلا لكي يخرجوهما إلى الشعب. وإذ لم يجدوهما جرّوا ياسون وبعض الاخوة إلى حكّام المدينة...".
لم يكن سكّان تسالونيكي متجانسين: فقد جاء الاستيطان الرومانيّ بعدد من الايطاليين. واجتذب الشرقيّين أملٌ بأن يقتنوا الثروة فجاؤوا من سورية ومصر ومن العالم اليهوديّ... وقد وجد بولس مجمعاً يدلّ على تجذّر اليهود في تسالونيكي أكثر منه في فيلبّي. فحسب أع 16: 13، كان موضع الصلاة في فيلبّي الهواء الطلق. ويبدو أنه لم يكن مجمع لليهود في اثينة، لأن أع لا يشير إلى أي اتصال فيها بين اليهود وبولس.
كان يهود تسالونيكي من القوّة بحيث استطاعوا أن يفرضوا نفوسهم على حكام المدينة (17: 6- 8)، فنظّموا القلاقل ودفعوا المال لرجال أشرار. وهكذا اتهموا الرسل بالفتنة، بل لاحقوهم ونجحوا حتى إلى مدينة قريبة هي بيرية (أع 17: 13 ي).
وهذا الطابع المتفرّع للسكّان جعل العبادات والآلهة تتكاثر. وقد بقيت لنا مدوّنات عديدة تشهد على شعائر العبادة لما لا يقل عن عشرين إلهاً. فالسلام الذي عمّ البلاد جعل السكان يؤلّهون الامبواطور. وعُبد ديونيسوس بشكل خاص في تسالونيكي وقد ارتبطت عبادته برجاء في حياة مقبلة (رج 5: 1- 11). ووجد معبدٌ لسيرابيس الاله المصريّ. واجتذب العالم اليهوديّ عدداً من النفوس التي هربت من هذه الديانة التلفيقية والآلهة المتعددة، فطلبت تعليماً متكاملاً ودستوراً أخلاقياً محدّداً.
ب- تأسيس كنيسة تسالونيكي
نقرأ في أع 17: 1- 8 أن بولس وسلوانس (سيلا) وتيموتاوس قد أسّسوا الكنيسة في تسالونيكي. وكان ذلك في نهاية صيف 50. عمل بولس كعادته فأعلن الانجيل لليهود في إطار جماعة السبت التي تلتئم في الكنيس (أو: المجمع). وحدّد لوقا الزمان، "خلال ثلاثة سبوت". وارتكز هذا الاعلان على الكتب المقدّسة أي على العهد القديم.
ومضمون التعليم كان: "ينبغي للمسيح أن يتألّم وأن يقوم من بين الأموات". إذا كان هذا الاعتراف الإيمانيّ مطبوعاً بأسلوب لوفا (رج ما قاله يسوع لتلميذي عماوس في لو 24: 26: ينبغي على المسيح...)، فهو يقدّم العناصر الجوهريّة التي هي العودة إلى الكتب المقدسة والإشارة إلى الحدثين الأساسيين اللذين هما موت يسوع وقيامته.
بما أن قصد الله تمّ في يسوع، فهو حقاً المسيح الذي ينتظره اليهود. وسيقدّم هذا الاعلان لليهود ذريعة لكي يتّهموا بولس والمسيحيّين لأنهم تجاوزوا قرارات الامبراطور واعتبروا أن هناك ملكاً آخر هو يسوع. فالمسيح هو الممسوح بالزيت، وهو بالتالي الملك. وهكذا هاج الجمع وحكّام المدينة (أع 17: 7- 8).
إن هذه الحاشية القصيرة في أع تعطينا بعض المعلومات عن نتائج هذه الرسالة. حين ترك المرسلون المدينة، تركوا وراءهم مجموعة هامة من المسيحيّين. كان منهم اليهود، ولكنهم كانوا عدداً قليلاً. يقول أع 17: 4: "اقتنع بعض منهم". وهذا ما تثبته 1 تس: لا يرد العهد القديم بشكل صريح (كما كتب). ثم إننا نجد أقسى كلام قاله يسوع في اليهود: "قتلوا الربّ يسوع والأنبياء، واضطهدونا نحن أيضاً. الذين لا يُرضون الله البتة وقد صاروا أعداء لجميع الناس. إذ يمنعوننا من أن نكلّم الأمم (الوثنيّة) ليخلصوا، فهم يستتمون خطاياهم على غير انقطاع، والسخط قد حلّ عليهم حتى النهاية" (2: 15- 16).
ومع اليهود نجد في كنيسة تسالونيكي عدداً من عابدي الله، من المتقين وخائفي الله: هم أناس غير يهود آمنوا بالله الواحد وأخذوا بعدد من القواعد الأخلاقيّة في العالم اليهوديّ "وانضمّ أيضاً جمهور كثير من اليونانيين": هم أهل تسالونيكي الذين انتموا إلى هذه الديانة أو تلك. ويتابع نصّ أع (17: 4): "وعدد غير قليل من السيّدات الشريفات". هذا ما أشار إليه لوقا مراراً ليدلّ أولاً على دور هذه السيّدات الهامّ في الجماعات التي أسّسها بولس (مثلاً ليدية في أع 16: 14). وليدلّ ثانياً على أن المجموعات المسيحيّة الأولى لم تتألّف من سفالة القوم على المستوى الاجتماعيّ.
إن هذه اللوحة التي ترسم نتائج الرسالة تتيح لنا أن نفترض أن بولس لم يكتفِ بأن يحدّث اليهود والمتعبّدين (خائفي الله) الذين يؤمّون المجمع، ثلاثة سبوت فقط. فقد كانت إقامته في تسالونيكي أطول من ذلك الوقت. هنا نتذكّر أن أهل فيلبّي أرسلوا إليه عوناً على دفعتين (فل 4: 15- 16). ولكننا لا نستطيع أن نذهب أكثر من ستة أسابيع. فعلى بولس أن يكون في كورنتوس قبل أن تغلق طريق البحر في الشتاء، في 11 تشرين الثاني من كل سنة.
إذن، امتدت إقامة المرسلين من نهاية الصيف حتى الحادي عشر من تشرين الثاني، وانتهت كما انتهت إقامتهم في فيلبّي: فردّة الفعل من الجماعة اليهوديّة فرضت عليهم أن يتركوا المدينة. فذهبوا إلى بيرية، حيث حدث لهم ما حدث في تسالونيكي: أسّسوا جماعة مسيحيّة. ولكنهم لقوا الاضطهاد. فأجبروا على الذهاب من بيرية وانطلقوا إلى أثينة.

2- من البشارة إلى 1 تس
بماذا تتميّز الحقبة التي امتدّت من حمل الانجيل إلى أهل تسالونيكي إلى زمن تدوين 1 تس؟ أي من منتصف سنة 50 حتى سنة 51. كيف بدا وجه الكنيسة في ذلك الوقت؟
أ- معلومات من أع
إذا عدنا إلى أع 17: 5 ي نرى أن اليهود التسالونيكيين غضبوا حين رأوا نجاح رسالة بولس وسيلا، فأدوا مالاً إلى بعض الرعاع ودفعوهم لكي يثيروا القلاقل في المدينة. ثم نسبوا هذه القلاقل إلى "شيعة" هذا التعليم الجديد، والى واعظيهم. ومثُل بعض المسيحيين أمام مجلس الشعب وأجبروا على دفع "كفالة" لكي يستعيدوا حريّتهم. فلم يبقَ لبولس وسيلا إلا أن يغادرا المدينة ليجنّبا التلاميذ انزعاجاً أكبر.
ويروي أع 17: 10 ي أن الرسل ذهبوا إلى بيرية التي تبعد بضعة كلم إلى الغرب من تسالونيكي. ولكن اليهود لاحقوهم إلى هناك بحقدهم. فخلقوا لهم الصعوبات التي خلقوها لهم في تسالونيكي. فغادر بولس المدينة على عجل وذهب إلى أثينة مع بعض الرفاق. وظل سيلا وتيموتاوس في بيرية. ولما أعاد بولس مرافقيه إلى مدينتهم (أع 17: 16 ي)، أوصاهم بأن يعلموا سيلا وتيموتاوس بأنه ينتظرهما في أثينة: فعليهما أن يأتيا إليه بأسرع ما يكون.
لم يعلن بولس الإيمان في المجمع في أثينة (قد لا يكون هناك مجمع)، بل ذهب إلى الساحة العامّة، فاستمع إليه عدد من الفلاسفة الابيقوريين (بحث عن السعادة في السيطرة على اللذة) والرواقيين (يشدّدون على الانسان الذي هو مواطن العالم، وعلى تعليم أخلاقيّ يستند إلى سلطة الارادة)، وفرضوا عليه أن يشرح موقفه أمام مجلس حكّام المدينة.
ثم غادر بولس أثينة، ومضى إلى كورنتوس (أع 18: 1 ي). حين نقرأ الحاشية المكرّسة لتأسيس كنيسة كورنتوس، نفهم أن سيلا وتيموتاوس انضمّا إلى بولس في كورنتوس، لا في أثينة كما طلب منهما. نقرأ في 18: 5: "ولما قدم سيلا وتيموتاوس من مكدونية، انقطع بولس للكلمة شاهداً لليهود بأن يسوع هو المسيح".
ب- معلومات من 1 تس
هذا ما نجده في أع. فماذا في الرسالة الأولى إلى تسالونيكي؟ حسب 2: 17 ي، كان الانفصال قاسياً، عنيفاً. ولكن "بالوجه لا بالقلب". فقد قامت علاقات قويّة بين مؤمني هذه المدينة وبين بولس ورفيقيه. ظنّ بولس أن هذا الانفصال سيكون قصيراً، "حيناً من الوقت"، لأنه عزم على العودة في أقرب وقت ممكن (2: 18: عزمنا أن نأتي إليكم مرّة بل مرّتين).
استحالت العودة على بولس. فقرّر وهو في أثينة أن يرسل تيموتاوس. هنا تكمّل 1 تس معلومات أع الذي يبسّط الأمور حين يتحدّث عن انفصال رفاق الرسالة ولقائهم من جديد. فبحسب أع، انفصل بولس عن سيلا وتيموتاوس في بيرية، ولن يلتقي بهما إلا في كورنتوس. أما 1 تس فتفترض أنهما انضمّا إلى بولس في أثينة كما طلب منهما بولس. ومن أثينة أرسل بولس تيموتاوس إلى تسالونيكي. فما نقرأه في 3: 1- 2 هو واضح جداً: "لم نعد نستطيع أن نحتمل، ففضلنا البقاء وحدنا في أثينة (نحن أي بولس وسيلا) وبعثنا تيموتاوس أخانا".
وحين عاد تيموتاوس وانضمّ إلى رفيقيه، ترك بولس همومه جانباً وأطلق العنان لفرحه. ونحن نستطيع الآن أن نتصوّر العواطف التي توالت في قلب الرسول. أجبر على أن يترك تسالونيكي قبل وقت حدّده، ومُنع من العودة، فعاش عدّة أسابيع لا يطيق الاحتمال لأنه لا يعرف ما وصلت إليه مجموعة المسيحيين التي كوّنها. ونحن نقرأ في 3: 1 و3: 5: ما عدت أطيق. يجب أن يعود أحدٌ إلى هناك، ولو كره بولس أن ينفصل عن رفيقيه، ليسند المعمّدين الجدد في تسالونيكي فيبقى ايمانهم ثابتاً. أجل، ما يهمّ بولس هو إيمان هذه الجماعة الفتيّة. ولفظة "بستيس" ترد 4 مرّات في 3: 2، 5، 7، 10.
لماذا هذا الخوف والقلق عند رجل مثل بولس عُرف بشخصيته؟ لأن الهوة كانت واسعة بين سامعي الرسول، والعدد الكبير منهم جاء من الوثنيّة (1: 9)، وبين التعليم الذي قدّمه لهم. ثم إن دخولهم في الإيمان لم يمطر عليهم بركات الأرض بل المحن القاسية التي قد تهدّد هذه الجماعة الفتيّة بالجحود والتخلّي عن الإيمان.
ولكن كانت الأمور عكس ما توقّع الرسول: فقد وصلت إليه أخبار سارّة: أيمانهم حيّ. محبّتهم فاعلة، وهم ثابتون في الربّ. حينئذ تحوّلت التعزية عنده إلى إعجاب أمام معجزة عمل الله. وهذا ما يلوّن بلونه رسالة لا تهجّم فيها على أحد، ولا خيبة أمل في تحريضاتها ونداءاتها إلى التقدّم الروحي، بل هدوء وحنان وثقة وأمل بالمستقبل.
في هذا الجوّ دوّن بولس 1 تس، فوضع فيها فعلَي شكر: 1: 2 ي: "إنا على الدوام نشكر الله من أجلكم...". وفي 2: 13 ي: "ولذلك نحن أيضاً لا ننفكّ نشكر الله". وسيقول بوليس ورفيقاه إنهم لا يستطيعون أن يؤدّوا لله الشكر الذي يليق به بسبب الفرح الذي في قلوبهم. "أي شكر نستطيع أن نؤدّيه لله من أجلكم، على كل ما نالنا من الفرح بسببكم أمام إلهنا" (3: 9)؟
هذه الصرخة تأتي بعد مقطع طويل (2: 17- 3: 10) مكرّس كلّه لفرح الرسل وللحديث عن الباعث على هذا الفرح: فما حرّك هذا الفرح هو الأخبار التي تلقاها بولس (ورفيقه سيلا) بعد أن عاد تيموتاوس من المهمّة التي كلّف بها. "قدم تيموتاوس إلينا من عندكم، وحمل إلينا الأخبار الحسنة عن إيمانكم ومحبّتكم" (3: 6).
حين تلقّى بولس هذه الأخبار، استعاد الحياة (3: 8) بعد أن كاد يموت من الخوف. فالفرح الذي دفعه إلى كتابة هذه الرسالة بمثل هذه التعزية جاء بعد قلق حقيقيّ أمام هذا الوضع الصعب. ولكن بعد الآن، لا مكان للقلق. وهكذا أخذ بولس القلم: "من بولس وسلوانس وتيموتاوس إلى كنيسة التسالونيكيين".

3- بنية 1 تس
نجد في 1 تس العناصر التي نجدها في رسائل ذلك الزمان. كما نجد بنية داخليّة تبرز وحدتها الأدبيّة. ونحن نكتشف فيها قسمين.
أ- قسمان كبيران في 1 تس
إن اسلوب الموازاة يتيح لنا أن نكتشف قسمين كبيرين في 1 تس. الأوّل (1: 1- 3: 13) يبدأ بالعنوان والشكر. والثاني (4: 1- 5: 28) يدعو المؤمنين لكي يسلكوا السلوك الذي يُرضي الله. وما يدفعنا إلى تمييز هذين القسمين هو ما نجده في 4: 1: "وبعد أيها الإخوة". هذه العبارة يستعملها بولس لكي يبدأ موضوعاً جديداً. ونحن نجدها في فل 3: 1 (وبعد أيها الاخوة، صلّوا لأجلنا). وينتهي قسما هذه الرسالة بصلاة تتوازى مواضيعها هنا وهناك.
نقرأ في 3: 11، 13: "وليهدِ طريقنا إليكم إلهنا وابونا نفسه... وليثبّت هكذا قلوبكم بغير لوم في القداسة لدى إلهنا وابينا عند مجيء ربنا يسوع المسيح". وفي 5: 23: "وليقدّسكم إله السلام نفسه تقديساً كاملاً وليحفظ أرواحكم ونفوسكم وأجادكم بلا لوم عند مجيء ربنا يسوع المسيح".
توجّهت الصلاة في 3: 11- 13 إلى الله والى ربّنا يسوع المسيح. وأعطيت التوصيات التالية "من قبل الربّ يسوع" (4: 2)، فعبرّت عن إرادة الله (4: 3). وجاءت الصلاة "ليجعلكم الربّ تنمون" (3: 12) فأنبأت بنموّ جديد يطلبه بولس في 4: 1، 10. وعبارة "المحبة بعضكم لبعض وللجميع" (3: 12) أعلنت تحريض 4: 9- 10. و"في القداسة" (3: 13) أشارت إلى الموضوع الرئيسي في التحريض حول القضايا الجنسيّة. فجاءت الكلمات في 4: 3- 4، 7: "إن مشيئة الله أن تقدّسوا نفوسكم بأن تمتنعوا عن الزنى، فيعرف كل واحد أن يحفظ إناءه في القداسة والكرامة... فإن الله لم يدعُنا إلى النجاسة، بل إلى القداسة".
ب- القسم الأول (1: 1- 3: 13)
ما يحدّد القسم الأول هو التضمين. أي نقرأ في النهاية ما سبق وقرأناه في البداية. هناك تقابل بين 1: 1- 5 و3: 6- 13، وبشكل خاص بين القسم الأول من فعل الشكر (1: 2- 3) واستعادة موضوع فعل الشكر والصلاة الأخيرة.
نجد في هذا القسم الأول أمراً خاصاً لا نجده في سائر الرسائل البولسيّة: لا فعلَ شكر واحد، بل فعلان. وهما يتوسّعان بشكل موازٍ على مستوى الألفاظ والمواضيع. "نشكر الله على الدوام" (1: 2- 2: 13). تقبّل الكلمة وفاعليّتها (1: 5= 2: 13 ب). صرتم مقتدين (1: 6= 2: 14). غضب الله (1: 10= 2: 13 ب). تذكير بعلاقات الرسل مع التسالونيكيين خلال إقامة الرسل في تسالونيكي وبين الذهاب من تسالونيكي وزمن تدوين الرسالة (1: 1- 12= 2: 17- 3: 10).
وعلى أساس هذه الموازاة نستطيع أن نقسم القسم الأول إلى مجموعتين. المجموعة الأولى (1: 2- 2: 12) مع ذكر للكنيسة (1: 1= اكلاسيا) والدعوة داخل الكنيسة (كاليو، 2: 12). وكل من فعلَي الشكر هذين ينقسم إلى جزئين. 1: 2- 10 ثم 2: 13- 16. وكل جزء يبدأ بـ "نشكر الله". وينتهي بـ "سخط الله". ويروي 2: 1- 12 ما حدث حين مرّ الرسل في تسالونيكي. نقرأ في 1: 9: "كيف كان دخولنا إليكم". وفي 2: 1: "قدومنا (دخولنا) إليكم". ويتابع 2: 17- 3: 10 الخبر في الزمن، فيصوّر قلق الرسول وتعزيته بين انطلاقه من تسالونيكي وإرسال الرسالة. ويحيط بهذه القطعة الأخيرة مواضيع أدبيّة: رغبة في مشاهدتهم. الفرح. المجيء. وتبدو المقابلات واضحة بين 2: 17- 20 و3: 9 ب- 13.
نقرأ في 2: 17- 20: "اجتهدنا بوفرة لكي نرى وجهكم... ما رجاؤنا وفرحنا إلا أنتم أمام الرب يسوع في مجيئه. أنتم مجدنا وفرحنا". ونقرأ في 3: 9 ب- 13: "على كل ما نالنا من الفرح الذي فرحناه بسببكم وطلبنا بوفرة كبيرة أن نرى وجهكم في مجيء ربنا يسوع المسيح.
في هذا القسم الأول، عبرّ بولس عن فكره في الماضي وفي الحاضر. فدلّ في الحاضر على حالة الجماعة حين يكتب. وهذا ما ألهمه فعل شكر حارّ تكرّر أكثر من مرّة. وعاد إلى الماضي فذكر ما حصل خلال عمل المرسلين في تسالونيكي وكيف وُلدت الكنيسة بفضل خدمتهم. ولن يعود إلى صيغة المضارع إلا في الصلاة الأخيرة التي تعلن القسم الثاني الموجّه نحو مستقبل الكنيسة.
ج- القسم الثاني (4: 1- 5: 28)
هذا القسم هو استعادة لمختلف النقاط التي يودّ فيها الرسول أن يرى حياة المسيحيين في تسالونيكي تنمو وتتقدّم. وترد هذه النقاط المختلفة بدون ترتيب منطقيّ. بل هي تبدأ بـ "وأما" (في ما يتعلّق).
في 4: 1- 2 نجد المقدّمة العامة التي أعلنت عنها الصلاة السابقة: أن تزدادوا. أن تنموا. وفي 4: 3- 8: الأخلاق الجنسيّة والزواج المسيحي. وفي 4: 9- 12: حول المحبّة الأخويّة. "وأما المحبّة الأخويّة فلا حاجة". وفي 4: 13- 18: عن الذين رقدوا. جميعهم سينضمّون إلى الرب. وفي 5: 1- 11: حول زمان عودة الرب والحرب المسيحيّة. وفي 5: 12- 13: حول إكرام المسؤولين. وفي 5: 14- 22: تحريض في شأن الحياة المسيحيّة والعبادة. وفي 5: 23 ترد الصلاة الأخيرة. وفي 5: 24- 28 التحيّة والتمنيّات.
نلاحظ بشكل خاص المكانة التي احتلّها التعليمان الفقاهيان حول قيامة الموتى ويوم الرب (4: 13- 5: 11): ومع هاتين الفقاهتين تأخذ التحريضات الرسوليّة حول الحياة المسيحيّة كلَّ مداها. ويكون نظر بولس إلى مستقبل الجماعة نظرين: في المستقبل المباشر، تُدعى الجماعة إلى أن تنمو في الايمان والمحبّة والرجاء. وبالنسبة إلى المستقبل الاسكاتولوجيّ أي في يوم الربّ، تُترجم أعمال الجماعة.

خاتمة
هكذا بدت 1 تس. فالرسول لا يهتمّ بمسألة تعليميّة كبيرة. فهو يعبرّ عن العواطف التي تربطه بجماعة أسّسها وأجبر على مغادرتها على عجل. بعد فترة من القلق، ها هو الفرح يغمر قلبه بعد أن وصلت إليه الأخبار الطيّبة. حين عرف إيمان هذه الكنيسة الفتيّة، انفجر قلبُه فرحاً. وما احتاج أن يصحّح ضلالاً، لأنه يعرف أن الاخوة في تسالونيكي هم في الطريق الصحيح وقد قاوموا المحنة خير مقاومة. فلم يبقَ له إلا أن يدعوهم إلى الثبات في هذا الخط، وأن يزدادوا وينموا. وهكذا وبانتظار مجيء المسيح، يتابع الانجيل جريه. فيفيض قلب الرسول فرحاً وثقة وحرارة يعبرّ عنها في هذه الرسالة التي تتوجّه من القلب إلى القلب، التي هي رسالة أب إلى أبناء تواجههم الصعاب القاسية.
الفصل الثاني
من بولس إلي كنيسة التسالونيكيين
ف 1

"من بولس وسلوانس وتيموتاوس". هكذا تبدأ الرسالة الأولى إلى أهل تسالونيكي. وُجدت كنيسة في تسالونيكي، وهذا الوجود لم يكن بالسهل الهيّن: فقد يمكن أن تدمَّر هذه الكنيسة كما بُنيت. والتعلّق بتعليم الرسول لم يجتذب إليها المنافع الماديّة، بل الصعوبات من كل جانب: معارضة من أهل المجمع (اليهود)، اضطهادات، مضايقات على مستوى الإدارة المحليّة. ومع ذلك، فقد استطاع بولس أن يكتب لا إلى هذا الشخص أو ذاك، بل إلى "كنيسة التسالونيكيين"، وذلك بعد أشهر قليلة من بداية البشارة.
سندرس ف 1 من 1 تس من ناحية البنية والأمور النقدية، ونترك إلى فصلين لاحقين الدراسة التأويليّة والروحيّة والراعويّة. بعد العنوان، نتوقّف عند فعل الشكر، وعند اختيار الله لهم، وننتهي مع ما حدث في تسالونيكي بعد أن ترك المرسلون المدينة.

1- العنوان والتحيّة (1: 1)
إن العنوان في 1 تس هو موجز جداً، ولا يقابله إلا 2 تس وفل. رسائل ثلاث توجّهت إلى كنائس كان بولس أكيداً منها، فلم تعارض لقبه كرسول.
رسالة كتبها ثلاثة. هم بولس وسلوانس وتيموتاوس. كان سلوانس، شأنه شأن برنابا، عضواً في كنيسة أورشليم وإن جاء من عالم الشتات (أع 15: 22، 27). وقد كان مثل بولس مواطناً رومانياً (أع 16: 37). اسمه اليهوديّ سيلا. واسمه اليونانيّ سلوانس. يستعمل بولس هذا الأخير حين يكتب للكنائس الناطقة باللغة اليونانيّة (1 تس 1: 1؛ 2 تس 1: 1؛ 2 كور 1: 19). كان سلوانس نبياً كما يقول أع 15: 22. وبما أنه لم يكن النبيّ الوحيد الذي شارك في الكرازة الرسوليّة خلال العهد الرسوليّ، نفهم أن يكون الانبياء صاروا مع الرسل في أساس الكنيسة على ما تقول أف 2: 20: وأنتم بناء أساسه الرسل والأنبياء".
قد يكون تيموتاوس ارتدّ إلى الإيمان المسيحيّ خلال الرحلة الرسوليّة الثانية (أع 16: 1- 3). ففي بداية هذه الانطلاقة الجديدة التي ستقود بولس إلى اوروبا، التقى بتيموتاوس في لسترة (أم يهوديّة وأب وثنيّ) وجنّده من أجل العمل الرسوليّ. وهكذا ارتبط المرسلون الثلاثة بكنيسة تسالونيكي، بأصولها وماضيها القريب، فاستطاعوا أن يوقّعوا معاً الرسالة التي كتبوها.
نجد حرف الجر "إن" في. لا نستطيع أن نقول إننا أمام المعنى المكانيّ، وكأن الله الآب هو "موضع". هذا الحرف يدلّ على ما يكوّن الكنيسة في علاقتين: الايمان بالله الذي انكشف في يسوع المسيح. والايمان بيسوع المسيح الذي تعبده الجماعة وتخدمه.
إن التوازي التام بين الاسمين المرتبطين بحرف الجر (ان) يستبعد كل تفسير صوفّي مع بعض الاختلافات: "ان خرستو" (في المسيح). "إن كيريو" في الربّ. البشريّ هو في المناخ الالهيّ. ندخل في جسد المسيح. كما يستبعد كل معنى مسكونيّ واسكاتولوجيّ. هذه الكنيسة هي في الله الآب، وفي الربّ يسوع المسيح. فلا يبقى إلا أن يُذكر الروح القدس لكي تتغطّس هذه الكنيسة الفتيّة في الثالوث.
"نعمة لكم وسلام". لا يقال من أين. تأتي هذه النعمة وهذا السلام وإن قالت بعض المخطوطات مثل السينائي والاسكندراني: من الله الآب والرب يسوع المسيح. ونشير أخيراً إلى المخطوطات التي جعلت سيلا محلّ سلوانس.

2- فعل الشكر (1: 2- 3)
اعتاد العالم القديم أن يبدأ رسائله مؤكّداً لقرّائه أنه يصلّي من أجلهم. وهذه العادة أتاحت لبولس أن يعبرّ عن العلاقات الرُوحيّة التي تربطه بكنيسة اجتمعت حين سمعت كرازته. هنا نشير إلى رسالة وجدت في مصر، وهي تعود إلى القرن الثاني. نقرأ بدايتها: "ابيون إلى ابيماكس أبيه وسيّده، سلام عميق. قبل كل شيء أتمنّى أن تكون بصحة وتظلّ دائماً في عافية مع أختي وأخي. اشكر الربّ سرابيس لأنه انقذني عندما كنت مهدّداً من البحر". ويأتي بعد ذلك مضمون الرسالة التي تنتهي كما يلي: "سلّم مرّات على كابينون، على اخوتي، على سيرانيلا والاصدقاء. أتمنى لك أن تكون في عافية. سارانوس يسلّم عليك وتوربو أيضاً".
نقرأ في آ 2 لفظة "ادياليبتوس"، بلا انقطاع. معظم الشرّاح يربطها مع "متذكرين". هذا البناء هو ممكن. وهناك بناء آخر يفضّله بعض النقّاد: نذكركم بلا انقطاع (كما في الشعبيّة اللاتينيّة). لماذا هذه الامكانيّة الثانية؟ لسببين. الأول، هذا البناء يجد ما يوازيه في روم 1: 9: "يشهد لي بأني أذكركم بلا انقطاع". السبب الثاني: إن آ 2 ب هي الفكرة الرئيسيّة التي لها تخضع آ 3. إذا كان الأمر كذلك، يبدو من الطبيعي أن يحدّد الظرف (في اليونانيّة) اسم الفاعل الذي يعبرّ عن الفكرة الرئيسيّة.
إن وجود "هيمون" (اذكركم أنتم) بعد "منايا" (ذكر) هو ضروري كما في روم 1: 9. لهذا لا نستطيع أن نلغيه.
نقرأ في آ 3: كوبوس: التعب، العناء، الضجر، المجهود الذي يولّد التعب. في العهد الجديد يدلّ "كوبوس" بشكل خاص على العمل المسيحيّ الذي يتمّ في الكنيسة ومن أجل الكنيسة. وهذا الاستعمال قد يكون بولس أدخله في اللغة الكنسيّة، وهو الذي يستعمله حتى 19 مرة. إنّ المسيحي يأخذ على عاتقه هذا العمل وهذا التعب ويقوم بهما بمحبّة. لهذا قيل: "تعب محبّتكم".
ونصل إلى "البيس" "الرجاء". الربّ يسوع المسيح هو موضوع رجاء الكنيسة، ومجيئه المجيد يكون أول أحداث النهاية التي تكون تتمّة الخلاص. والنظرة الاسكاتولوجيّة في هذا الرجاء المسيحيّ، تدلّ عليها العبارة الأخيرة: "بحضرة الله أبينا". فأمامه يمثُل بدون خوف من غضبه، أولئك الذين أمنوا بابنه فلا يكون لهم أن يعرفوا إلا نعمته (آ 10).
رجاء ربّنا يسوع المسيح، أي الرجاء الذي يلهمه يسوع. ولكن هدف بولس هو أن يقدّم ربنا على أنه موضوع الرجاء. ولفظة "امبروستن" (أمام، في حضرة) ترد ثلاث مرات في 1 تس مع المعنى الاسكاتولوجيّ. في 2: 19 الأمر واضح. "إكليل فخرنا أمام ربنا يسوع عند مجيئه". وفي 3: 13 نكون في المناخ عينه، "أمام. إلهنا وأبينا عند مجيء ربنا يسوع مع جميع قدّيسيه".
إن آ 3 تتضمّن على ما نعرف أقدم ذكر للمثلّث الذي سيصبح معروفاً في الكنيسة (1 كور 13: 13): الايمان والرجاء والمحبّة. أتكون العبارة سابقة لبولس؟ الأمر ممكن. يبقى أنها تحدّد تحديداً عجيباً الثوابت الأساسيّة في حياة المسيحي. لهذا تبدو قديمة قدم المسيحيّة.

3- اختاركم الله فكنتم قدوة (1: 4- 7)
حين تذكّر بولس مواضيع شكره، عاد إلى الله الآب الذي هو في أصل مصيرهم حين اختارهم. "إنّا نعلم" (ايدوتس) ترتبط بـ "نشكر"، وتدخل موضوعاً جديداً لفعل شكر يشرف على توسّع فكر الرسول. ظنّ بعض الشرّاح أننا لسنا هنا أمام موضوع الاختيار، بل أمام معرفة الاختيار التي وصلت إلى التسالونيكيين عبر الكرازة. لا شكّ في أن بولس لا يستطيع أن يتحدّث عن اختيارهم إذا لم يكن قد اكتشف علامات هذا الاختيار. ولكن العلامات ليست الاختيار، بل هي تدلّ عليه. وإذا أردنا أن نفهم فكر الرسول في آ 5- 7، يجب أن نلاحظ التكرار المثلّث للفعل "كان": "انجيلنا كان قدرة... كما كنا بينكم... وأنتم من جهتكم كنتم مقتدين بنا".
نجد اسم الفاعل في صيغة الماضي الكامل "ايغبيمانوي". هذا ما يحدّد الحبّ الذي أحبّهم به الله، وما زال يحبّهم الآن. ويتحدّث النص عن "انجيلنا" أي الانجيل الذي بشرّنا به. ونجد في آ 5 حرف الجر "إن" الذي يدلّ على المكان بل على الطريقة والشكل: بالكلام، بالقوّة، بالروح القدس. يعني بشكل كلمة سمعتموها. بشكل قوّة أو عمل قوّة رأيتموه. وبشكل روح قدس ظهر من خلال المواهب.
كما في 1 كور 4: 20 (ملكوت الله ليس بأقوال بل بالقوّة)، يقابل بولس بين الكلمة (التي لا يكون لها مفعول ولا نتيجة) وبين القدرة التي هي قدرة الله. لا يبدو هنا أن بولس يفكّر بالمعجزات التي تستطيع أن ترافق الكرازة بالانجيل (روم 15: 18- 19؛ 2 كور 12: 12)، بل بالقدرة التي جعلها الله في الانجيل نفسه (1 كور 2: 5: لكي لا يقوم إيمانكم على حكمة الناس بل على قدرة الله).
"ومع روح قدس وثقة فيّاضة". قد نستطيع أن نرى في هذه العبارة إيضاحاً أول للقدرة التي ارتداها الانجيل، على أن يكون الايضاح الثاني تصرّف التسالونيكيين كما نقرأ عنه في آ 6- 7. هذا البناء يجنّبنا الغرابة في عطف هذه الأسماء الثلاثة: "القدرة، وروح قدس، وثقة فيّاضة" (أو ملء الثقة، ملء اليقين). لهذا يعتبر بعضهم أن حرف العطف الثاني (كاي، و) هو تفسيريّ. قدرة أي روح قدس. وهذه الثقة التي ينتجها الروح القدس هي تجلّي القدرة الالهيّة في شخص المرسلين. أما الثقة (أو اليقين) فهي تدلّ على ملء الايمان والعمل، كما عُرف في عطاء الذات التامّ الذي هو عمل الروح.
وهكذا كان المؤمنون في تسالونيكي برهاناً حياً عن هذه القدرة (آ 6). صرتم "مقتدين" (ميميتاي). إذا وضعنا جانب عب و3 يو، لا نجد هذه اللفظة إلاّ في الرسائل البولسيّة. هناك من رفض هذا الاقتداء بالمسيح وبالرسول، وتحدّث عن الطاعة للرسول وللمسيح الذي نقتدي به. ولكن لماذا ننسى أن تصرّف المسيح والرسول هو مقياس لنا؟ وبما أن هذا الاقتداء يتمّ في الروح، فهو يستبعد كل اقتداء شكليّ وحرفيّ، يستبعد كل اجتهاد على المستوى البشريّ. اقتديتم بنا كما بالرب. هذا يعني، أننا أمام قاعدة عامة من التصرّف المسيحي.
نقرأ لفظة "تيبوس" (قدوة). وهي تعني: علامة في الجسد بعد الجلد، الأثر، الصورة، الشكل، المثالي (الموديل)، النموذج. هنا نحافظ على المفرد. كنتم قدوة، نموذجاً، لا نماذج.
"في مكدونية واخائية" (آ 7). ضمّ بولس في نظرة واحدة بلاد اليونان كلها، وقد قسمتها الإدارة الرومانيّة إلى مقاطعتين. وساعة كتب بولس، كانت هناك كنائس في فيلبّي وتسالونيكي وبيرية في مكدونية. كما كان مسيحيّون في اثينة (أع 17: 34) وكورنتوس (أع 18: 4).

4- أحداث تسالونيكي (1: 8- 10)
هنا نصل إلى وقع أحداث تسالونيكي على المرسلين وعلى التسالونيكيين (آ 8). يبدو بناء الجملة موضع جدال. نضع فاصلة بعد "كلمة الربّ"، وإلا لما عاد للعبارتين اللتين ارتبطتا ارتباطاً عميقاً الفاعلُ نفسه. فإذا أخذنا بهذه الملاحظة تصبح آ 8 أ (من عندكم ذاعت كلمة الربّ)، واضحة ومبرّرة في آ 9 ي. ولكن قد يكون بولس ضرب عرض الحائط بمنطقنا فصارت في نظره "كلمة الربّ وإيمانكم بالله" متقابلين بحيث إن تكلّمنا عن الواحدة عنينا الآخر: إن كلمة الربّ تنتج الايمان. والايمان يتعلّق بكلمة الربّ. في هذه الحال نحافظ على علامات الوقف التقليديّة.
يستعمل بولس عبارة "كلمة الربّ" هنا وفي 2 تس 3: 8 (تواصل كلمة الربّ جريها). فما نجد عنده أكثر المرات: "كلمة الله" (روم 9: 5؛ 1 كور 14: 36؛ 2 كور 2: 17؛ 4: 2؛ فل 1: 14). قد تكون لفظة "الرب" في آ 6 قد أثّرت على العبارة هنا، في آ 8، فصارت "كلمة الربّ" لا "كلمة الله". ونجد الفعل "اكسيخايو"، ذاع، دوّى. لا يرد إلا هنا في كل العهد الجديد.
تدلّ آ 9- 10 على أن بولس يتطلّع إلى خبر إيمان التسالونيكيّين. ونحن نجد عبارات مشابهة لهذه العبارة في 1: 18 إيمانكم يشاد به في العالم كله)؛ 16: 19 (طاعتكم قد بلغت الجميع). وعبارة "في كل مكان" تلتقي مع ما في روم 1: 8: "في العالم كله". نحن هنا أمام تضخيم بلاغيّ.
تحدّث بولس عن الايمان بالله لدى التسالونيكيين، فدلّ على أنهم جاؤوا بأكثريتهم من العالم الوثني (فاليهود يؤمنون بالله قبل أن ينتقلوا إلى المسيحيّة) وأن ارتدادهم إلى الله الواحد هو شهادة لافتة على قوّة الانجيل (آ 5). كانوا يتحدّثون عنهم في كل مكان. قد يكون جاء إلى بولس في كورنتوس مسيحيون من هنا ومن هناك. ما كان يسألهم. بل كانوا يستبقونه فيروون له النصر الرائع لكلمة الربّ في تسالونيكي، عاصمة مكدونية.
"يخبرون عنا" (آ 9). إو ربما "عنكم". هل هي في الأصل صيغة المتكلّم الجمع أم المخاطب الجمع؟ مسألة متواترة في أف. النقد الخارجي يقول: "عنا" (باري هامون)، لأن "عنكم" (باري هيمون) لا تجد شواهد عديدة. قد تكون صيغة المتكلم (عنا) توافقاً مع "لنا" في آ 8 (حاجة لنا) ومع الفعل "دخل" (دخولنا) في آ 9 أ. إذا كانت العبارة الأولى في آ 9 تعني المرسلين، لكان بولس أشار إلى الانتقال إلى العبارات المتعلّقة بالتسالونيكيين فقدّم ضمير المخاطب الجمع: "وكيف رجعتم". لهذا، يبدو من المفضّل أن نقول صيغة المخاطب الجمع: باري هيمون: عنكم. يخبرون عنكم.
ونقرأ لفظة "ايسودوس" (دخول، وصول) هنا وفي 2: 1 (قدومنا إليكم). هناك من يقول: "أي استقبال وجدناه عندكم". المبادرة هي من المرسلين (هم جاؤوا) لا من أهل تسالونيكي. وهناك لفظة "أيدولون": الشكل، الصورة، الظلّ. هذه اللفظة تقابل في العبريّة عدداً من المفردات تدلّ على الآلهة الوثنيّة وصورها، فترتدي معنى محقّراً وهجومياً لا نجده عند اليونان. فاليونان ما كانوا يستعملون هذه اللفظة لكي يتحدّثوا عن صور آلهتهم (اغليماتا). في العهد الجديد جاء "ايدولون" من السبعينيّة والعالم اليهوديّ مع المدلول الجديد الذي اتخذه.
ونتج عن هذه الكرازة أن الوثنيين الذين ارتدّوا إلى الإيمان الجديد كانوا كثراً. حينئذ قطعوا كل علاقة بالأوثان ليعبدوا الله الحيّ الحقيقيّ. هنا نقرأ "اليتينوس" الذي يقابل "اليتيس" (الحقيقيّ، الصريح). ترتدي هذه اللفظة كصفة من صفات الله، في العالم الكنسي، معنى الحقيقي (الحقّ) معارضة مع آلهة الوثنيّة الكاذبة (أش 65: 16: يتبارك بالاله الحقّ).
"وتنتظروا من السماوات ابنه" (آ 10). إن نعمة الله لا تُستنفد في الوضع الحاضر للمؤمنين. لهذا فهم يتطلّعون إلى المستقبل، إلى تدخّلات الله الأخيرة التي تقود تاريخ الخلاص إلى نهايته وتجعل الايمان عياناً. يرد فعل انتظر (اناماناين) مرة واحدة في كل العهد الجديد (نجده عند اغناطيوس الانطاكي، الرسالة إلى مغنيزية 9: 3 وفل 5: 2).
"ابنه". ابن الله. نحن هنا في المقطع الوحيد في هذه الرسالة حيث يقال إن يسوع هو ابن الله. فهذا ليس بغريب. فبولس يدلّ على يسوع بهذا الاسم في نصّين يقدّمانه بشكل خاصّ على أنه موضوع الكرازة للوثنييّن. غل 1: 16: "أن يُعلن ابنه فيّ لأبشّر به بين الأمم" (الوثنيّة). روم 1: 3: "عن ابنه المولود بحسب الجسد من ذرّية داود". ليس من اسم يحدّد ببساطة وعمق مثل هذه البساطة وهذا العمق، الاتحاد العميق بين يسوع والله، وشموليّة الوحي والخلاص الذي يحمله.
لا تتضمن آ 9- 10 ملخّصاً عن كرازة بولس الرسوليّة، بل تدلاّن في عبارات موجزة على الموقف الروحيّ الجديد الذي يميّز أولئك الذين آمنوا بهذه الكرازة. ولكن خلف هذه العبارة المقولبة في لغة المرسلين، والتي ليست بولسيّة بشكل خاص، نستشفّ التأكيدات الكبرى في الانجيل (آ 5)، في كلام الرب (آ 8): مجيء ابن الله إلى العالم، موته وقيامته، عودته المجيدة والقريبة، دينونة الاموات والأحياء.
الفصل الثالث
نشكر الله من أجلكم
1: 1- 5

في سنة 51، كتب بولس إلى المسيحيّين في تسالونيكي حيث عاد منها تيموتاوس حاملاً الأخبار السارّة: فالجماعة ثابتة في إيمانها رغم الصعوبات والاضطهادات. لهذا بدأ بولس رسالته بفعل شكر حارّ امتزج بتذكّرات شخصيّة، فشكّل الجزء الأساسي في الرسالة (1: 2- 3: 13). بعد هذا، ترد بعض التحريضات وهي: المحافظة على التقاليد (4: 1- 2). اتباع مشيئة الله (4: 3- 8). العمل (4: 9- 12). تذكّر متطلّبات الحياة في الجماعة (5: 12- 22). ويأتي مقطع موسّع بعض الشيء حول نهاية الأزمنة (4: 13- 5: 11) فيسبق هذه التوصيات الأخيرة. وتنتهي الرسالة بصلاة (5: 23- 28): "ليقدّسكم إله السلام تقديساً كاملاً".

1- عنوان الرسالة (1: 1)
بدأ بولس رسالته فاستعاد الأصول الرسائليّة في أيامه. ولكنه أعطى هذه الأصول مضموناً مسيحياً. وجمع إليه في هذه الرسالة سلوانس وتيموتاوس. هي رسالة "فريق رسوليّ". لا يزيد بولس كما سيزيد في سائر رسائله لقب "رسول". فسلطته لا تلقى هنا أية معارضة.
أ- "كنيسة التسالونيكيين التي في الله الآب وفي الربّ يسوع المسيح"
كانت لفظة "كنيسة" (اكلاسيا) معروفة كل المعرفة لدى التسالونيكيين. فهي تعني في العالم اليونانيّ جماعة الشعب التي يدعوها المنادي للالتئام. غير أن المسيحيين أعطوا هذه اللفظة معنى ورثوه من العهد القديم. كانت التوراة اليونانيّة قد ترجمت "ق ه ل. ي ه و ه" (في العبريّة): جماعة الله. أي مجموعة الشعب الذي يدعوه الربّ "للحرب المقدّسة" أو لشعائر العبادة. الذي يدعوه ليكون شعبه الخاص وميراثه. هذا هو العنصر الأول وهو هام: كنيسة الله لا تكوّن نفسها بنفسها، بل تجيب على دعوة، على نداء. إن "اكلاسيا" تضمّ كل الذين لبّوا النداء (كلاسيس).
سار المسيحيّون الأولون على خطى يسوع فاختاروا هذه الكلمة مع كل تاريخها ليدلّوا على جماعتهم. نقرأ في مت 16: 18 عن بناء الكنيسة على الصخرة، وفي 18: 17 عن هذه الكنيسة التي تتوجّه إلى الضالين. وإذ فعلوا ذلك، دلّوا على أنهم وعوا أنهم يشكّلون الشعب الجديد في نهاية الأزمنة والوارث الشرعي لشعب الله في العهد القديم. هو وارث لشعب العهد القديم، ولكنه يختلف عنه: ليس هو فقط في الله، بل "في الربّ يسوع المسيح أيضاً".
هذه الجماعة الجديدة هي امتداد للشعب الذي خرج من عهد سيناء، ولكن الذي يدعوها الآن هو يسوع. من الصعب أن نحدّد الامالة الدقيقة لحرف الجر "إن" (في الله). ومع ذلك، فما هو أساسيّ هو أن الكنيسة تتحدّد على أنها مسيحيّة في علاقتين يكوّنانها: الإيمان بالله الذي انكشف أباً في يسوع المسيح. والايمان بيسوع المسيح، الربّ الذي تعبده الجماعة وتخدمه.
ولكن إن دلّت لفظة "كنيسة" على مجمل الشعب الجديد الذي هو واحد وفريد، فما هو معنى "كنيسة التسالونيكيين" (وسيقول بولس: كنيسة الكورنثيين أو كنيسة الرومانيين)، ومعنى لفظة "كنائس" (في صيغة الجمع) (كما في 1 كور 7: 17: هذا ما أرسمه في جميع الكنائس)؟ لا تمتزج كل كنيسة خاصّة بالكنيسة الجامعة، وليست هي جزءاً من رابطة كنائس. بل هي تجعل الكنيسة الجامعة حاضرة في مكان ما: إن كنيسة المسيح هذه حاضرة حقاً في كل تجمّعات المؤمنين، شرط أن تكون تجمّعات محليّة وشرعيّة. فهؤلاء المؤمنون الذين يتّحدون برعاتهم، يتقبّلون هم أيضاً اسم "كنيسة". فهم في أرضهم الشعب الجديد الذي دعاه الله في الروح القدس "وبكمال اليقين" (آ 5).
إذن، نحن أمام الكنيسة الوحيدة الواحدة، التي هي حاضرة في تسالونيكي أو في مكان آخر. ونلاحظ أن بولس يحيّي الكنيسة ولا يحيّي المسيحيّين بشكل مباشر. فشخص المسيحي تلامسه المهمّة الرسوليّة في داخل الكنيسة وبفضل انتمائه إلى الكنيسة. تلامسه ملامسة النعمة والخلاص دائماً في وسط اخوته وبارتباطه معهم.
ب- "نعمة لكم وسلام"
بدأ بولس جميع رسائله بهذه التحيّة (ما عدا 1 تم، 2 تم)، شأنه شأن 1 بط (1: 2: النعمة والسلام لكم بوفرة) وسفر الرؤيا (1: 4: نعمة لكم وسلام من الكائن). لسنا أمام تحيّة عاديّة كما نقول "مرحباً" أو غيرها من تحيّاتنا البشريّة، بل أمام مباركة لا يتلفّظ بها إلا الذين يستطيعون أن يعطوها فاعليّتها. وهكذا نفهم أن تكون هذه "التحية" قد زالت بعد الزمن الرسوليّ: فلسنا أمام شيء نستطيع أن نهبه نحن. بل الله هو الذي يهبه، والذين تسلّموا هذا السلطان منه.
نجد هنا دمجاً بين العالم اليونانيّ والعالم اليهوديّ. تأتي النعمة (خاريس) من العالم اليوناني، والسلام (شلوم، ايريني) من العالم العبريّ. لكن تمّ الدمج في العالم اليهودي، في عالم قمران وسفر اخنوخ، وذلك في علاقة مع المباركات التي نجدها في عد 6: 24- 27: "يبارككم الربّ ويحفظكم. يضيء الربّ بوجهه عليكم ويرحمكم. يرفع الربّ وجهه نحوكم ويمنحكم السلام".
تتضمّن لفظة "شلوم" محتوى غنياً جداً. هي مثال السعادة الماديّة والتناسق الاجتماعيّ. بل هي تشتمل بعد النبيّ هوشع على إعادة بناء الانسان بعد أن دمّرته الخطيئة وقطعت كل علاقة بين الانسان والطبيعة، بين الانسان والانسان، بين الانسان والله. هذا السلام هو الاسم المحسوس للعهد الجديد كما في أش 53: 5 (سلامنا أعدّه لنا وبجرحه شفينا)؛ مي 5: 4 (عظمته ستمتد إلى أقاصي الأرض ويكون سلامه سلاماً).
إذن، جعل بولس من هذا السلام بعد أن ضمّ إليه النعمة (ح ن، حنان)، موضوع رغبته العاديّة وتمنّيه، لأنه ثمر الروح، شأنه شأن الفرح والحبّ. نقرأ في غل 5: 22: "ثمر الروح هو سلام مع الله بربّنا يسوع المسيح" (رج 11: 6؛ 14: 12).
هذا السلام الذي "يفوق كل معرفة" (فل 4: 7) هو "الرباط الذي يحفظ وحدة الروح" (أف 4: 3). وهو "نهاية النداء الذي جمع المسيحيين في جسد واحد" (كو 3: 5). السلام في النهاية هو المسيح كما تقول أف 2: 14: "إنه سلامنا".

2- شكر بولس (1: 2)
أ- نظرة عامة
إن فعل الشكر يمتدّ إلى 3: 13. ولهذا، فنحن نستفيد من نظرة إجمالية إلى هذا المقطع الكبير. أولاً، شكر بولس من أجل الماضي (1: 2- 2: 13) من أجل حياة التسالونيكيين المسيحيّة التي هي ثمرة تقبّلهم لكلمة الله، هذه الكلمة التي كرز بها بولس. هذان الموضوعان يعطيان هذا القسم تماسكه. إن 1: 1- 10 يصوّر تقبّل الكلمة. و2: 1- 12 يدلّ كيف يعمل الله في الوعّاظ. وتأتي عبارة شاملة (2: 13: نحن أيضاً لا ننفكّ نشكر الله) فتوحّد بين هذين النشاطين في فعل الشكر.
ثانياً، على مدّ الطريق التي تقود من تقبّل الإيمان إلى مجيء الربّ يسوع (2: 14- 3: 13) تسطع ديناميّة الكلمة في قلب المؤمن (2: 14- 16) وفي قلب الواعظ (2: 17- 3: 10).
ثالثاً، يوجّه بولس إلى الله صلاته (3: 11- 13) من أجله هو الواعظ (3: 11) ومن أجل المؤمنين (3: 12- 13) لينموا كلهم في الحب ويثبتوا في القداسة بانتظار الربّ يسوع.
ب- "في كل وقت نشكر الله"
إن حركة الشكر هي الموقف الأساسي الذي يجعله الكتاب المقدس يلج إلى قلوبنا: يجعلنا نعيش حياتنا كلها في الاكتشاف والشكر، في اليقين بأن كل ما نحن وكلّ ما نعمل يخصّنا نحن، وفي الوقت عينه يُعطى لنا من قبل الله.
ج- "من أجلكم"
نحن هنا في خطّ معاكس لروحانيّة تدفعنا إلى أن "نخلق الفراغ فينا" لكي نلتقي بالله. فبولس يبيّن أن صلاة الراعي (مثل صلاة ربّة البيت، وصلاة العامل) تحمل في طيّاتها كل الذين هو مسؤول عنهم. وحين دخل موسى وإيليا في أعظم حياة حميمة أعطيت لإنسان، لم يكن لهما إلا صلاة واحدة على مثال جميع المتصوّفين: "أيها الربّ، اهتمّ بشعبك" (خر 34: 6- 9؛ 1 مل 19: 14). "على الدوام". أجل، بولس يذكر هؤلاء المسيحيين على الدوام. وعمله هذا هو امتداد للذكرانة الافخارستية، لتذكّر السر الفصحيّ، هذا السّر الذي يواصله المسيحيّون اليوم في حياتهم.

3- الفضائل الثلاث (1: 3)
الايمان والرجاء والمحبّة: لقد اجتمعت هذه الفضائل منذ الرسالة الأولى من رسائل القديس بولس الذي أوردها معاً بشكل طبيعيّ: إذن، كان تجمّعها في وحدة مثلّثة أمر معروف. والمهمّ في هذا الإيراد البولسيّ هو الصفات التي يضمّها الرسول إلى كل من هذه الفضائل. فهو قد عرفها. ونصح بها أهل تسالونيكي. ولكنه يُعجب بها الآن ويتأمّلها تتحقّق في حياة هؤلاء المسيحيّين.
أ- عمل إيمانكم
جاءت هذه العبارة موازية للعبارتين التاليتين. إذن، لا نستطيع أن نفهم هذا "العمل" وكأنه نتيجة الايمان، كأنه العمل أو الأعمال التي ينتجها الإيمان. نحن أمام صفة لهذا الإيمان نفسه الذي هو فعل: إنه تعلّق بالله، تعلّق بالمسيح. ليس هو فقط معرفة عقليّة، بل تعلّقاً ناشطاً ينتقل في الحياة كلّها.
ب- تعب محبّتكم
وننتقل بطريقة لا شعوريّة من الإيمان إلى المحبّة، لأن الإيمان يعمل بالمحبّة. قال بولس في غل 5: 6: "في المسيح يسوع، ليس الختان شيئاً ولا الغرلة (عدم الختان)، بل الإيمان العامل بالمحبّة". وهذا الإيمان ليس "شعراً ننشده". بل يرافقه التعب والعناء. هكذا يتميّز عن الصداقة التي لا تأتي وكأنها "طلبيّة تجارية" نشتريها. أما الحبّ فيفرض علينا بعض الإرادة. "إذا كنتم لا تحبّون إلا الذين يحبّونكم، فماذا تصنعون أكثر من الوثنيين". ذاك ما قاله يسوع في مت 5: 46- 47.
ج- ثبات رجائكم بربنا يسوع المسيح
إن اللفظة اليونانية "هيبوموني" (الثبات) تضمّ عناصر عديدة. غير أن العهد الجديد يعطيها معنى مسيحياً كاملاً. لسنا هنا أمام خضوع رواقيّ للأحداث (حرفيا: نقف تحت الأحداث لكي نتحمّلها ولا نتزحزح)، بل أمام صلابة نجد ينبوعها خارجاً عنا. نجده في آخر هو المسيح. وقد تكون هذه الفضيلة خاصّة بالمسيحيّ. وعالمنا الذي يكتشفها اليوم يلتقي مع القديس بولس. إنها في الواقع تقسم البشر فئتين. هؤلاء الذين ينعمون بالرجاء وأولئك الذين لا رجاء لهم (4: 13).


4- اختاركم الله
إذا كان بولس يرفع آيات الشكر، فلأنه يعرف عبر ما تفعله هذه الفضائل الثلاث، أن هؤلاء التسالونيكيين، هؤلاء الأخوة أحبّاء الله، قد اختارهم الله، انتخبهم. والكلمات التي تشير إلى الدعوة والنداء هي غنيّة جداً عند القديس بولس. فهي تعود إلى جذرين اثنين: الاختيار (اكلاغوماي، اكلوغي، اكلكتوس)، والنداء (كاليو، كلاسيس، كلاتوس). الفعل، الاسم الصفة. اختار، الاختيار، المختار؛ نادى، النداء، المنادى (أو دعاء، الدعوة، المدعوّ). لا نستطيع أن نفهم هذه الكلمات إن لم نجعلها في مجمل مخطّط الله كما عبرّ عنه العهد القديم.
إن الله اختار شعباً يكون له "مقاماً" في العالم، يكون علامة حضوره وحبّه. وحين طبّق المسيحيّون على نفوسهم هذا المعنى، دلّوا على أنهم وعوا أن هذا الاختيار الالهي لم يصر باطلاً حين رفض اسرائيل أن يتعرّف إلى المسيح: بعد اليوم صار الشعب المسيحي حاملَ هذه الدعوة.
هل نستطيع أن نميّز بين "الاختيار" (أو: الاصطفاء، الانتخاب) و"النداء"؟ حين نقرأ النصوص البولسيّة الكبرى (خصوصاً روم 8: 28- 30؛ أف 1: 1- 12) نستطيع القول إن "الاختيار" يعبرّ بشكل خاص عن اختيار الله لشعب منذ الأزل. أما "النداء" (أو الدعوة) فيعود إلى النداء التاريخيّ الذي يلامس البشر بشكل محسوس بواسطة الكرازة بالانجيل.
إن الاختيار يصبح ملموساً لكل واحد منا بالنداء الذي يصل إليه (كلاسيس). ومجمل الذين يجيبون على هذا النداء (أولا: الدعوة) يكوّنون الكنيسة (اكلاسيا). ولكن لا يبدو هذا التمييز ثابتاً وإن كان واقعياً: ففي المقطع الموازي من 2 تم 1: 9 نجد لفظة "كلاسيس". أما هنا فنجد "اكلوغي". وفي 2 بط 1: 10 نجد اللفظتين في الجملة الواحدة.
مهما يكن من أمر، يبقى أنه هو الذي يختارنا ويدعونا، ونحن نتجاوب معه. فنحن لا نختار الله كما نقرأ في يو 15: 16: "لستم أنتم اخترتموني، بل أنا اخترتكم وأقمتكم". هو يخطو الخطوة الأولى ونحن نقابل هذه الخطوة بجواب حرّ من قبلنا. غير أن هذا الاختيار الذي هو سّر الله، لا يُعرف إلا في العلامات التي يحرّكها. وبولس يحتفظ بعلامتين ينشدهما على مدّ فعل شكره: تقبّل المسيحيّة لكلمة الله. والطريقة التي بها بشّر الرسول بهذه الكلمة.

5- طريقة الكرازة علامة اختيار المسيحيين (1: 5)
أ- "لم يكن انجيلنا كلاماً فقط"
ليس الانجيل فقط إعلاناً كلامياً أنيط بالرسل. لم يكن كرازة وحسب. بل هو واقع نكرز به. هو التعليم الذي يتواصل حول هذا الواقع وحول نظام الأمور الذي كان هذا الواقع في أصلها: إنه تحقيق تدبير الخلاص كما دشّنه الربّ يسوع. في هذا النصّ يبدو الانجيل مشخّصاً، يبدو شخصاً حياً. إنه حضور شخصيّ (حضور يسوع المسيح) في وسط أهل تسالونيكي ومن أجلهم.
ب- "بالقوة، بالروح القدس، بالملء"
لقد صار إليكم هذا الانجيل بالقوة، بالروح القدس، بالملء. في العهد القديم تدلّ القوّة (القدرة) على عمل الله بالذات. وقد ظهرت في التاريخ عبر "العجائب" التي حقّقها الله من أجل شعبه، كما تلك التي حقّقها في الخليقة. وقد اهتمّ بها اليهود اهتماماً كبيراً فصارت مثل "شخص" (أو قل: اقنوم) إلهي حول شخص الكلمة والحكمة.
والقدرة تظهر في العهد القديم بشكل خاصّ في لوقا كمرادف للروح القدس. فهل نرى هنا أن "روح" (بدون أل التعريف) يدلّ على الاقنوم الثالث من الثالوث الأقدس، أو أن النصّ يعبرّ بشكل غامض عن قدرة الله ونسمته الخلاّقة؟ هنا لا نستطيع أن نفرض جواباً. ولكن إذا قلنا إن الروح هو الروح القدس، فالقدرة قد تدلّ على يسوع المسيح، ومعجزاته ما زالت حاضرة في الكنيسة.
ومهما يكن من أمر، فهذا الانجيل الذي يكرز به بولس وسائر المبشرين على خطاه، يمتلك قوّة في ذاته. وهي تأتيه لا من صفات الواعظ الشخصيّة، بل من قدرة روح الله بالذات. ولهذا يستطيع الانجيل أن يُعلن في ملء عظيم، أن يعلن ملء الاعلان. كيف نترجم هذه الكلمة اليونانيّة "بليروفوريا" التي تدلّ على اليقين والتأكيد كما تدلّ على الملء والفيض؟ لا شكّ في أنه يجب أن نشير إلى ملء الجرأة لدى الوعّاظ الذين تحملهم قدرة تفوقهم، بعد أن امتلأوا من عاطفة رفيعة تعلمهم أنهم عمّال في عمل يتجاوزهم، لأنه عمل الله نفسه.
وهكذا يدعو بولس كل الذين تسلّموا مهمّة نشر الانجيل على أي مستوى كانوا، يدعوهم لأن يشكروا الله من أجل هذه الخدمة الفائقة ويتمتموا مع ذلك الواعظ في قرية مغمورة: "يا للعجب أن نستطيع اليوم أن نفعل ما لا نمتلكه في ذاتنا. يا لمعجزة حلوة من أيدينا الفارغة".

خاتمة
بعد أن حيّى بولس قرّاءه، توجّه في صلاته إلى الله، فكانت صلاة شكر طويلة امتدّت حتى الفصل الثالث. في هذه الصلاة عبرّ بولس عن فرحه وعرفان جميله لعمل الله في قلب الجماعات المسيحيّة، ولتجاوب هؤلاء المسيحيين الجدد مع نداء الانجيل. هؤلاء المسيحيون هم المختارون في شعب الله الجديد، لا بفضل استحقاقاتهم الخاصة، بل بنعمة من لدنه تعالى. إن هذا الاختيار يجد ينبوعه في حبّ الله الخلاصيّ. أجل قدرة الله هي هنا لا في المعجزات وحسب. ففي كرازة الانجيل تظهر هذه القدرة فتعمل في المؤمنين بروح الله الذي هو الوسيلة المميّزة لهذا العمل. عمل الله الآب. قدرة الابن. ملء نصل إليه في الروح القدس. وهكذا نكون أمام الثالوث الأقدس. كما أمام ثالوث الفضائل، الإيمان والمحبّة والرجاء.
الفصل الرابع
ايمان ينتشر كالعدوى
1: 6- 10

مع 1 تس بدأ العهد الجديد. ويتخيّل كتّاب سيرة بولس كيف أن الرسول بعث بتلميذه تيموتاوس إلى كورنتوس ليشتري الحبر وورق البرديّ ليكتب هذا "العهد الجديد" الذي كانت أولى صفحاته (لا كما هي في الكتاب، بل تاريخياً) رسالة دوّنت لتلبّي حاجة حاضرة في مشغل أكيلا البسيط. هذه الرسالة التي دوّنت سنة 51 هي أول ما وصل إلينا من كتابة في العهد الجديد.
رسالة تعرّفنا إلى كنيسة تسالونيكي الفتيّة، كما تُلقي ضوءاً على فكر بولس الرسول في صفحات مليئة بالعاطفة الجيّاشة: هنا ينقل إلينا بولس عرضاً عن الحياة المسيحيّة كما تسلّمه هو. هذه الحياة تبدو مرصّعة في مخطّط حد الله الذي اختارنا، اصطفانا بابنه، وأحياناً بروحه. هي حياة ديناميكية، تنتظر كلُّها مجيء الربّ الأخير. 1 تس هي رسالة تدخلنا إلى قلب بولس، خادم الانجيل.
بعد العنوان (1: 1) يبدأ بولس فعل شكر يتوقّف في المعنى الحصري عند آ 10. ولكنه في الواقع يمتدّ حتى 3: 13 فيعطي لوناً خاصاً لهذه الرسالة التي تصبح في معظمها فعل شكر لما رآه بولس من عمل كلمة الله القديرة في هؤلاء المسيحيّين الجدد. فالافخارستيا أو فعل الشكر، هو المناخ الذي تسير فيه الحياة المسيحيّة مسيرتها.
وموضوع هذه الافخارستيا هو واحد: اختيار الله للمسيحيين. فأساس فرحنا وطمأنينتنا وحياتنا هو هذا النداء ("الدعوة" المسيحيّة) الذي به يدلّنا الله دوماً على أنه يحبّنا. غير أن هذا الاختيار يبقى سريّاً وغير منظور. وعلى مدّ فعل الشكر هذا، يكشف بولس علامتين: موقف المؤمنين الذين تقبّلوا كلمة الله. وموقف الرسل الذين نقلوا إليهم هذه الكلمة.
وموقف الرسل الذي أشارت إليه آ 5 ب (كيف تصرّفنا بينكم)، قد استعيد في آ 9 (يخبرون كيف كان مجيئنا إليكم، دخولنا إلى تسالونيكي)، قبل أن يجد توسيعاً له في 2: 1- 12. وأجمل موقف المؤمنين في آ 6 (فبلتم الكلمة)، واستعيد في آ 9 (رجعتم إلى الله)، بانتظار أن تتوسّع فيه الرسالة في 2: 13- 14. كل هذا يلخّصه بولس في عبارة ترد بشكل مفارقة: "اقتديتم بنا، صرتم مقتدين لنا" (آ 6).

1- كالأب لأولاده
أ- "أخذتم تقتدون بنا"
يدهشنا هذا "التواضع" عند بولس. كيف يتجرّأ هنا وفي أماكن أخرى أن يدعو المؤمنين إلى الاقتداء به؟ إن ما يطلبه بولس يجد أساسه في عاطفة الأبوّة التي يحسّ بها بولس تجاه المؤمنين الذين جاء بهم إلى المسيح.
وهذا المفهوم "للأبوّة الروحيّة" نجده على ملتقى يقينين واضحين في العهد القديم: الأول هو أن الله وحده يهب الحياة. ففي الوالدة لا يستطيع الانسان إلا أن ينقلها. من هنا بعض الفكرات التي تدهشنا حول عالم الجنس ولا سيّما في سفر اللاويين: إن الانسان يتأثّر تأثراً عميقاً بسّر الحياة هذا الآتي من الله والذي يمتد بواسطة العمل الجنسيّ.
اليقين الثاني الذي يتوضّح شيئاً فشيئاً بقدر ما يتروحن مفهوم الله، هو أن الله يخلق بكلمته. فهذه الكلمة تتمتّع بقدرة فاعلة. إنها تستطيع أن تُخرج الموجود ممّا ليس بموجود، أو تردّ الحياة لما كان ميتاً. هنا نتذكّر تك 1 وخلق العالم؛ مز 33: 9 حيث نقرأ: "قال فكان كل شيء. أمر فثبّت كل كائن"؛ حك 9: 1 مع صلاة المؤمن: "يا إله الآباء وربّ الرحمة وخالق كل شيء بكلمة منك". ولا ننسى حز 37 ومشهد العظام اليابسة التي عادت إليها الحياة. هكذا يفعل الله: يخلق أو يعيد خلق ما فسد ومات.
ب- "متقبّلين كلمة الله"
وعلى خطى يسوع نفسه (رج مثل الزارع)، استعادت الجماعة الأولى هذا اليقين فربطت بين الموضوعين، فرأت المسيحييّن "مولودين من جديد من زرع غير فاسد هو كلمة الله" (1 بط 1: 23؛ رج 1 يو 3: 9: "كل من هو مولود من الله لا يفعل الخطيئة، لأن زرع الله حالّ فيه"، يو 5: 24...).
ولقد عرف بولس الرسول أنه قد أرسل لكي يعلن هذه الكلمة. وشعر أنها ليست كلمة بشر، بل "قدرة وروح قدس" (آ 5). وهو حين يعلنها، وبقدر ما تُقبل على أنها كلمة الله (2: 13)، يعرف أنها تعطينا حياة أبناء الله. حينئذ يشعر بذات الشعور الذي يحسّ به أب بشريّ حين يُنجب ولداً. لا شكّ في أن الوالد والوالدة يعرفان أنهما مجرّد أدوات في سّر هذه الولادة، لأن الحياة تأتي من الله. ولكن بما أن الله يمنحهما خصبه، صارا في الحقيقة (لا في الرمز) أباً وأماً. وبولس يستطيع بدوره أن يعتبر أن أبناء الله هؤلاء الذين وُلدوا من كلمة يعلنها، هم حقاً أبناؤه.
نحن ننسى بعض المرّات قوّة الحياة في هذه الكلمة التي بها يقيم الله دوماً له أبناء جدداً. وننسى أيضاً أنها كلمة: أي يجب بالضرورة أن تُعلِن بواسطة متكلّم لكي تصل إلى السامع (وليس فقط إلى "القارىء"). كانت أبحاث كثيرة حول الخدمة الكهنوتية وصلت إلى طريق مسدود. والسبب هو أن خدمة الأسرار خنقت خدمة الكلمة أو أهملتها، بينما الخدمتان تتكاملان على مثال ما فعل المسيح مع التلميذين الذاهبين عماوس: بدأ فكسر خبز الكلمة، ثم كسر خبز "القربان المقدس". حينئذ، وبعد هذين العملين عرفاه.
وعاطفة الأبوّة الروحيّة قادت بالطبع بولس لكي يقدّم نفسه "لأولاده" حتى يقتدوا به. هم أبناء الله. فعليهم أن يقتدوا بأبيهم. ولكن الآب خفيّ وغير منظور. لهذا على الذي ولدهم ناقلاً إليهم الكلمة، أن يكون لهم تلك الصورة التي عبرها يستشفّون بعض الشيء من هو الآب. هذا لا يعني أن بولس يحسب نفسه كاملاً. فهو سيقول عن ذاته في نصّ مؤثِّر: "أحاول فقط أن أمسك المسيح، لأنه هو أمسكني" (فل 3: 12- 16).
غير أنه يعرف أن هذه الكلمة التي ينقلها، ليست واقعاً حيادياً (لا سلبي ولا ايجابي، لا هي نعم ولا هي كلا، لا هي حارّة ولا هي باردة، بل فاترة)، نستطيع أن ننقله دون أن نتأثّر به. كما ننقل درساً في الجغرافيا أو الرياضيات. فهذه الحياة التي تمرّ فيّ ألا تحرقني وهي نار آكلة؟ وبولس بعد أن ولدته الكلمةُ لحياة جديدة، وجّهته كلَّه نحو الله، وجنّدت كل ديناميّته من أجل المسيح. هذا هو الموقف الذي يتمنّى الرسول أن يرى المسيحيين يعيشونه. لا شكّ في أنني كواعظ لا أستطيع أن أقول للمؤمنين "اقتدوا بي". ولكن إن كنت لا أستطيع، رغم فقري وعبر ضعفي وأوهاني، أن أعلن أن هذه الكلمة بدّلت حياتي، فكيف يصدّقني الناس؟

2- تقبل الكلمة هو علامة الاختيار وثمرته
أعطى بولس علامتين عن هذا الاختيار. بدأ فأعلن العلامة الأولى: الطريقة التي بها كُرز بالانجيل في تسالونيكي. وها هو يُعلن العلامة الثانية: كيف استقبل أهل تسالونيكي هذه الكلمة.
إن بولس سيفسّر في 2: 13 (تلقيتم منا كلمة الله بالسماع، لا كأنها كلمة بشر، بل كأنها كلمة الله) ما يعني بكلمة "قبل، تقبل، تلقّى": الكلمة تُقبل أولاً، تسمع (رج روم 10: 14: كيف يؤمنون إن لم يسمعوا). ولكن هذا لا يكفي. فيجب علينا أيضاً أن نتقبّلها، نستقبلها، أي نتركها تلج إلى قلوبنا كما في أرض طيبة فتعطي ثماراً.
نحسّ هنا عند بولس شعوراً خاصاً شبيهاً بذلك الذي يعرفه كل إنسان تحرّك كلمتُه الضعيفة عن الله سؤالاً حول الله أو تحرّكاً باتجاهه. فالوقت الذي فيه يرى السامعُ في الكرازة كلمة الله ويتقبّلها على أنها كلمة الله، هو وقت مهمّ جداً، بل أساسيّ. إنه الوقت الذي فيه يسمع نداء الله. الوقت الذي فيه يعطى الإيمان له. الوقت الذي فيه يتحقّق الاختيار الذي تمّ له في المسيح.
ويشير بولس إلى سمتين تدلاّن على الطريقة التي بها استُقبلت كلمةُ الله: في ضيق كبير، مع فرح الروح القدس.
تدلّ لفظة الضيق (تلبسيس) في العهد القديم على ألم الأبرار، ألم الذين يحبّون الله فيُضطهدون من أجل ذلك. ويستعملها بولس مع إمالة اسكاتولوجيّة. لسنا أمام أي نوع من الألم، بل أمام هذا الضيق الذي ينتظره اليهود في نهاية الأزمنة، والذي أعلن يسوع عنه في الخطبة الجليانيّة (مت 24: 9، 21، 29؛ مر 13: 19، 24؛ يو 16: 21- 33. جلا أي كشف. هذا ما ينكشف في النهاية).
إن ملكوت الله لا يتوافق مع ملك الشّر. إذن ننتظر، ساعة يقيم الله ملكوته، آخر حشرجة للشّر. ويسوع في ساعة آلامه، وحين دخل في "النزاع" أي "في الحرب والجهاد"، وعى أنه وصل إلى ذروة هذا الصراع. ويعرف المسيحيّون أن الأزمنة الأخيرة قد بدأت مع المسيح. لهذا فالعذاب والاضطهاد (شرط أن لا يكون سببَهما خطيئةُ المسيحييّن) ظهرا دوماً على أنهما الوضع العاديّ للحياة المسيحيّة.
لقد كان يسوع "علامة خصام" (لو 2: 34)، علامة مخالفة. وهكذا فرض على كل واحد أن يكشف عمق فلبه (الأقنعة ممنوعة. يكشف معدنه) وأن يختار أن يكون مع المسيح فيقوم، أو ضدّ المسيح فيسقط. قال سمعان عن الطفل يسوع إنه سيكون "لسقوط ونهوض" الكثيرين (لو 2: 34). وهذا يبقى بالنسبة إلى بولس كما إلى المسيحييّن الأولين المعيار للحياة الحقيقيّة في يسوع المسيح.
غير أن هذا الضيق ليس احتمالاً سلبياً وخنوعاً، لأننا لا نستطيع أن نفعل غير ذلك. بل نحن نعيش الضيق مع "فرح". أو بالأحرى مع فرح الروح القدس. هذا يعني أن هذا الفرح ليس ثمرة مجهود الإنسان، بل هو عطية من الله. والروح القدس وحده يستطيع أن يمنحنا أن نعرف فرح السّر الفصحيّ (سّر القيامة)، أن ندخل في الألم والموت ونحن واثقون بانتصار الله بواسطة قيامة ابنه.
وحين تقبّل أهلُ تسالونيكي الكلمة بهذا الشكل، صاروا قدوة لأخائية كلها، بل لأبعد من أخائية. ولكن ما هذه القدوة وإيمانهم لم يكن بلا عيب وأخلاقيّتهم لم تكن رفيعة (3: 10: نتمّ ما هو ناقص في إيمانكم؛ 4: 10)؟ هنا نتذكّر أن الإيمان ليس "شهادة" قداسة (المسيحيون هم أفضل من غيرهم!)، وأن الكنيسة ليست جماعة "الأنقياء". لا شكّ في أن الكنيسة مقدّسة كما نقول في النؤمن ولكنّها تضمّ أيضاً الخطأة بين أعضائها. الإيمان هو فبل كل شيء التزام الانسان تجاه الله في يسوع المسيح. إنه انفتاح على عمل الروح انفتاحاً يعطي معنى جديداً للحياة كلها.
هنا نصل إلى عدوى الإيمان. فجماعة المسيحيّين التي تحاول أن تعيش إيمانها على هذا الشكل، لا يمكن إلا أن تنتشر عدواها، إلا أن تنقل إيمانها إلى الآخرين. وهذا ما يقوله بولس في ثلاث جمل: "من عندكم ذاعت كلمة الربّ" (آ 8 أ). "انتشر إيمانكم بالله" (آ 8 ج). "كلهم يخبرون كيف استقبلتمونا وكيف رجعتم إلى الله" (آ 9).
نحن أمام توازٍ له معناه العميق: كلمة الله قد ذاعت، وانطلقت من عندكم، وإيمانكم بالله انتشر. كرز بولس بالكلمة بواسطة ألفاظ (لقد كانت أكثر من ألفاظ. لم تكن حرف ميتاً. بل قدرة وروح قدس وملء عظيم، 1: 5). وأعلن المسيحيون في مثال حياتهم ما جعلت منهم هذه الكلمة: لقد صارت حياتهم نفسها "مكبرّ صوت" يمتدّ إلى البعيد.
وقدّم بولس هذه الحياة المسيحيّة في وجهتين: حركة ارتداد قادت التسالونيكييّن إلى أن يتحوّلوا عن الأصنام ليتوجّهوا نحو الإله الحقيقيّ. وغاية هذه الحركة التي هي في الوقت عينه إيمان بالله وطريقة حياة جديدة، هي أن نخدم الله ونعبده. وأن ننتظر من السماوات ابنه.

3- عرض قديم للإيمان
نجد هنا إشارات عديدة تدلّ على أن بولس يستعيد تعبيراً قديماً عن الإيمان قد تسلّمه هو بنفسه، وها هو يقدّمه لأهل تسالونيكي.
أ- تخلّيتم عن الأصنام وتوجّهتم إلى الله (1: 9)
إن فعل "تاب، ثاب، رجع" (ابيسترافو) يُحفظ عادة للحديث عن ارتداد الوثنيين، أولئك الذين يتركون الأصنام (أي يخلقون آلهة بأشكال مختلفة يجعلون منها "مطلقاً"). هذا الفعل يدلّ على تبدّل تامّ: نرى وُجهة جديدة لحياتنا التي تنطلق في خطّ جديد. وهذا يتضمّن بعض المرات تبديلاً في السلوك الأخلاقي. ولكن هذا ليس الأمر الجوهريّ. فقد نتصرّف تصرّفاً أخلاقياً خارج الإيمان المسيحيّ. كما نستطيع أن نتوجّه حقاً نحو الاله الحقيقيّ دون أن نكون وصلنا بعد إلى أن تتوافق أعمالنا مع حبّنا لله.
وهذا الاله الذي إليه نميل هو الاله الحيّ والحقيقيّ. الله الحيّ هو لقب خاصّ بالله في العهد القديم. له وحده الحياة. بل هو الحياة، وسيّد الحياة. وهو الاله الحقيقيّ الذي يتعارض مع كل الأصنام التي هي باطل ونفخة ريح.
وإذا كنا نعود إلى الله فلكي نخدمه، لكي نعبده. غير أن الخدمة كالطاعة أمران غير محبوبين اليوم. لماذا؟ لأننا أعطيناهما معنى ضيّقاً. فهاتان اللفظتان ترسمان في العهد القديم اعتراف الواحد بالآخر: نرفض أن نعتبره شيئاً. نريد أن نمتلكه. بل نقبل منه أن ينادينا، يوجّه إلينا كلمة، نقبل أن نرتبط بحبّه.
وهذا الموقف يشمل الحياة كلّها. لسنا أمام خدمات صغيرة، أو طاعة في أمور بسيطة. بل نريد أن نضحّي بذاتنا كلها. الخدمة متطلّبة، هذا ما لا شكّ فيه (عندما نحبّ نعرف أنه يُطلب منا، يُفرض علينا أن نفعل بعض الأمور للآخر)، ولكنها في النهاية حريّة، لأنها تفرض علينا أن نخرج من ذاتنا لكي نتجاوب مع انتظار الآخر... بقدر ما يكون ذاك الآخر كائنا حياً لا صنماً باطلاً وفارغاً.
ب- تنتظرون ابنه (1: 10)
حتى الآن، عبرّ هذا التحديدُ ملء التعبير عن الإيمان اليهوديّ. وما يلي ذلك هو كله مسيحيّ. نحن نرجع "إلى الله لكي ننتظر ابنه (الذي يأتي) من السماوات، ذاك الذي أقامه من بين الأموات".
"انتظر". فعل يتواتر في العهد القديم. وهو لا يدلّ على موقف منفعل (لا نفعل شيئاً بل نكتّف أيدينا بانتظار أن يحدث شيء ما)، بل على موقف واثق ومتأكّد، ومشدود كله إلى تحقيق مجيء الله المحرّر. ويتأسّس هذا الانتظار عند اليهوديّ، على أمانة الله لكلمته وعلى العلامات التي يمكنه أن يقرأها في حياته اليوميّة. أما عند المسيحيّ فهو يستند الآن إلى واقع وهو أن الله دلّ على أمانته حين أقام ابنه. مثل هذا الواقع الذي ينتظره اليهوديّ في نهاية الأزمنة، قد تحقّق يوماً في تاريخنا. وهكذا شهد الله شهادة حاسمة ليسوع هذا، ودلّ ملء الدلالة تجاهه أنه الاله الحيّ.
"الابن". هذا اللقب ينسب إلى يسوع الطبيعة الإلهيّة. وإليك بعض الأسباب: أولاً: ابن الله هذا يشارك في المجد الفائق للطبيعة الذي رآه دا 7: 13- 14 في ابن الانسان. ثانياً: ابن الله هذا يُتمّ في الأزمنة الاسكاتولوجيّة، في نهاية الزمن، المهمّة التي حفظها العهد القديم للربّ يهوه. وهي تقوم بخلاص الأبرار من الغضب في يوم الربّ. ثالثاً: إن بنية المقطع تحدّد موقع الله الحيّ وابنه على مستوى واحد: كلاهما سبب مماثل في ارتداد التسالونيكيّين. وكلاهما يكوّنان القطبين الرئيسيين في حياتهم الدينيّة. رابعاً: إن الـ التعريف في "ابنه" (توهيون اوتو: الابن الذي له. لا فقط "ابن" بين الأبناء) تدلّ على بنوّة من نمط فريد: يسوع هو ابن الله.
ج- "ينقدنا من السخط الآتي"
يسوع هو الذي ينقذنا، ينجّينا. إن هذا الفعل (ريوماي) يدلّ دلالة تامة على ما يصنعه الله من أجلنا، بحيث صار أحد أسمائه في العهد القديم. ففي أش 54: 5، نجد موازاة بين "الفادي" (حرفيا: ذلك الذي ينجّي، ينقذ) وبين "الخالق". وفي الحالات العاديّة في العهد الجديد، يكون الله فاعل هذا الفعل. الله يخلّص. أما هنا فيسوع هو الذي يخلّص. لا يبقى إلا أن نستنتج: يسوع هو الله لأنه يفعل ما يفعله الله وحده.
"غضب الله". عبارة تصدمنا. تدلّ في التوراة على دينونة الله التي تعاقب، على دينونته التي تسقط على الخطأة المتمرّدين. هل الغضب عاطفة في الله مثل الحبّ؟ كلاّ ثم كلاّ. ليس الغضب عاطفة في الله، بل نتيجة في الانسان. إنه وعي الانسان لحالته الخاطئة التي تفصله عن الله. هذه العاطفة الذاتيّة التي تجعلنا "نهلع" أمام القدوس، تشبه العاطفة التي نحسّ بها حين يغضب أحد الناس علينا. نجعل من العاطفة الذاتيّة في الانسان موضوعاً حقيقياً في الله. نستطيع القول إن غضب الله هو طريقة بشريّة بها نعبرّ عن رفض الله للشّر الذي فينا وفي العالم. غضبه ليس على الانسان وهو الذي يشرق شمسه على الأشرار والأخيار. غضبه هو على الشّر الذي لا يريدنا الله أن نستعبد له.
انتظر شعب اسرائيل يوم غضب الله وعقابه الأخير في نهاية الأزمنة. ذلك الوقت الذي فيه تعي البشريّة حالتها. هذا الزمان قد جاء في معنى من المعاني: فالصليب هو اللحظة التي فيها أجمل المسيح في ذاته كل البشريّة الخاطئة فصار بشكل سريّ "خطيئة" لأجلنا (2 كور 5: 21) فمات من هذا اللقاء مع الله القدّوس. ولكن بما أنه جعل من موته تقدمة حرّة، فقد بدّل معنى ذلك الموت. وهكذا كان الصليب أيضاً الموقع الذي فيه يظهر الله حبّه، وهذا ما عبرّ عنه حين أقام ابنه. وهكذا صار "الغضب" وراءنا، وما عاد يهدّدنا. ومع ذلك، فهو أمامنا بقدر ما يجب علينا أن نجعل في ذاتنا ما حقّقه يسوع من أجلنا، أن نقبل قبولاً حراً أن نُحمل معه في سّر موته لكي نحيا معه.

خاتمة
كم نفرح حين نكتشف هكذا، وبفضل بولس، أولى تعابير الإيمان لدى اخوتنا المسيحيين الأوّلين. يبقى أن نتمنّى لكل واحد منا أن يكون لنا الإيمان عينه، أن نكون مشدودين إلى ذات الرجاء الذي فيه يتحقّق بشكل نهائي ما أتمّه يسوع في أجلنا. ويا ليت شهادة كنيستنا تحمل العدوى إلى الآخرين، فتكون كلمة رجاء تدوّي في عالمنا.
إن أهل تسالونيكي قد اقتدوا بالمسيح وبالرسل لأنهم مثلهم تألّموا من أجل الانجيل. وسيقول عنهم بولس فيما بعد (2: 14) إنهم تشبهوا بكنائس الله التي في اليهوديّة حين اضطُهدوا من أجل الانجيل وعلى يد اليهود. وهكذا لا يعني "الاقتداء" أن نصوّر تصويراً مادياً موقف شخص آخر أو مزيّة من مزاياه. بل يُطلب من تلميذ المسيح أن يقبل وضع "عبد الله المتألّم" الذي كان وضع يسوع خلال رسالته على الأرض. "إذا كانوا اضطهدوني فسوف يضطدونكم" (يو 15: 20). هذا ما حدث لأهل تسالونيكي بعد أن اقتبلوا الكلمة فأثمرت فيهم كما في أرض جيّدة.

الفصل الخامس
عمل الله في تسالونيكي
ف 2

كيف بدت بشارة الانجيل في تسالونيكي؟ قد يكون بولس سمع بعض الانتقاد، وقد يكون بعض التسالونيكييّن "انزعجوا" ممّا كتب. لهذا ذكّرهم أنه هو ورفيقاه كانوا صادقين حين كرزوا في المدينة. ما طلبوا يوماً رضى البشر وموافقتهم، بل أن يخدموا الله الخدمة الصالحة. ويعود بولس فيذكّر بعلاقاته مع التسالونيكيين، بحنينه إليهم، وبافتخاره بهم في يوم ربّنا.
هنا نقدّم دراسة عن ف 2 كله من الناحية الأدبيّة والنصوصيّة، تاركين لفصلين لاحقين معالجة المقاطع الكتابية والتأمّل فيها. نتحدّث عن دوافع الرسول (2: 6)، حياة الرسول (آ 7- 9)، تصرّف الرسول (آ 10- 12)، تعليم الرسول (آ 13- 16). وننهي برغبة الرسول في أن يعود إلى تسالونيكي ليدلّ على افتخاره وفرحه بأهل تسالونيكي (2: 17- 20)

1- دوافع الرسول (2: 1- 6)
ذكّر بولس أهل تسالونيكي ما الذي دفعه مع رفيقيه إلى حمل الرسالة. المهمّ هو رضى الله. بعد أن أشار بشكل مقتضب إلى ما يُروى في اليونان وغيرها عن تبشير التسالونيكيين وتأسيس الكنيسة (1: 9- 10)، أوضح لاخوته في تسالونيكي أن دخول الانجيل إلى مدينتهم لم يكن باطلاً (حرفياً: فارغاً. لم يحمل ثمراً). قد يمكن أن يكون كذلك لو لم يؤمن التسالونيكيون بالمسيح. ولكنهم آمنوا. وهذا ما تسجّل في عمل الله الذي دفع المرسلين ليحملوا الانجيل إلى العالم. إن لفظة "إيسودوس" لا تعني فقط مجيء، وصول المرسلين، كما يصل أيُّ انسان ويدخل المدينة من بابها. بل دخول المرسلين إلى قلوب الناس الذين تقبّلوا البشارة.
وظهر طابع الرسالة بالظروف التي مورست فيها (آ 2). وصل بولس وسلوانس إلى تسالونيكي والجراح تدلّ على ما قاسياه في فيلبّي (أع 16: 22 ي). هذا ما نبّههما إلى الأخطار التي يتعرّضان لها في كرازة الانجيل. ومع ذلك، بدأ كل شيء سهلاً في تسالونيكي. هنا ترد كلمة "اغون" التي تدلّ على الصراع والقتال (في الحلبة)، الجهاد والتعب ولا سيّما على مستوى العمل الرسوليّ. ونجد فعل "باريسيازوماي"، تكلّم بجرأة، بالفم الملآن. ومع المصدر: تشجّع، تجرّأ: "تجرّأنا على أن نكلمكم".
والرجال الذين يستقون في الله الشجاعة لكي يعلنوا الانجيل يتميّزون في الحال عن وعّاظ متجوّلين، خطباء وفلاسفة، يجدون من يسمعهم في المدن الكبرى (آ 3). نقرأ هنا: انجيل الله (إونجليون تو تيو): الانجيل الذي صاحبه، كاتبه الله. الذي هو كلمة الله إلى البشر. رج روم 1: 1؛ 15: 16؛ 2 كور 11: 7. ويستعمل بولس هنا "باراكليسيس" التحريض، النداء. أي الانجيل الذي هو نداء إلى الإيمان، نداء لكي نتّخذ قراراً. نعود إلى فعل "باركاليو" نادى إليه، طلب مساعدة. ثم حرّض، عزّى. هذه الكرازة تميّزت عن وعّاظ يبحثون عن ربح في هذا العالم. لا ضلال: لا يضلّون انفسهم ولا يضلّون الآخرين. فينبوع كرازتهم هو الحقيقة الموحاة في يسوع المسيح. ولم يلهم هذه الكرازةَ بواعثُ نجسة أو منفعة خاصة أو شهوة نريد أن نرضيها. ولا حيلة في الرسالة كما في دعاية تبدو لها كل الوسائل صالحة لكي "نربح" الآخرين إلينا.
بعد أن قال بولس ما ليست الكرازة الرسوليّة (الوجهة السلبيّة) عاد إلى الوجهة الإيجابيّة (آ 4). فالله اختبر المرسلين (دوكيمازو) قبل أن يسلّمهم الانجيل، وما زال يختبرهم. فما يهمّهم هو أن يرضوه تعالى.
ويتحدّث بولس عن تجرّد المرسلين. لم يستعملوا التملّق (آ 5) أو المجاملة (كولاكيا، لا ترد إلا في هذا المكان في العهد الجديد) ليربحوا المتشيّعين لهم، ولا الطمع (بروفاسيس) الذي كان مناسبة لمعلّمي الخطابة أن يبحثوا عن الربح السريع. وما طلبوا الكرامات (دوكسا) من البشر (آ 6) وهي المراكز الأولى التي ترضي المجد العالميّ وترافقها منافع ماديّة.

2- حياة الرسول (2: 7- 9)
شدّد بولس على أن الذين يكرزون بالانجيل يحقّ لهم أن تساعدهم الكنيسة على القيام بأودهم. ولكن بولس كان كثير الحساسيّة في هذا المجال، فما طالب بحقوقه. وذكّر التسالونيكيّين أنه ما أراد أن يثقّل على أحد منهم. بل عمل بجدّ وكدّ من أجل حياته وحياة المرسلين.
كان بإمكاننا أن نفرض نفوسنا على أننا رسل المسيح. ولكننا لم نفعل. كان بإمكاننا أن نثقّل عليكم. بل كنا مترفّقين بكم مثل المرضع مع أطفالها. هنا نتذكّر تفسير اوريجانس الذي استعاده اوغسطينس وبلاجيوس: نشبه أماً مرضعاً تعتني بطفلها عناية الحنان وتتكلّم مثل طفل بسبب هذا الطفل.
مع آ 8 نصل إلى اهتمام الرسولي الأبويّ، الذي. هو مستعدّ لا أن يعطي الانجيل وحسب، بل أن يبذل حياته. هنا نقرأ "هوميرستاي" الذي هو فريد في العهد الجديد (في السبعينيّة، أي 3: 21. في سيماك مز 62: 2). لا نعرف أصل هذا الفعل. لهذا نجد اختلافة في بعض المخطوطات "هيمايرستاي": رغب. أما معنى الفعل هنا فتدلّ عليه الصورة السابقة: كانت له عواطف حنان تجاه شخص. كما قرأ فعل "اودوكيو" أراد، استعدّ أن يفعل.
كان بولس يعمل "ليلاً ونهاراً". وهكذا ما كان يرتاح بولس. يأتي الليل قبل النهار بحسب الطريقة اليهوديّة في الحساب: يبدأ اليوم مع المساء ويتوالى في الصباح (رج تك 1: وكان مساء وكان صباح، كما في اليوم الليتورجيّ). نقرأ "ابيباريو"، حمّل، ثقّل. نعرف أن بولس تسلّم مرات كثيرة في تسالونيكي إعانات من اخوته في فيلبّي (فل 4: 16).

3- تصرّف الرسول (2: 10- 12)
أنتم شهود والله كذلك. أراد الرسول أن يبيّن حقيقة حبّه لأبنائه الروحيّين فذكّرهم بوجهة أخرى من خدمته بينهم، ذكّرهم بخدمته الرعائيّة: كان تصرّفه بينهم بلا عيب حسب الله كما حسب البشر. "اوسيوس" (حسب التقوى)، "دينايوس" حسب العدل، حسب ما يطلبه البشر. فكما كان في كرازة الانجيل، كذلك كان تجاه الذين اجتذبهم إلى الانجيل بتعليمه.
قدّم بولس للجميع الانجيل الواحد (آ 11). ولكنه ما عتّم أن وجد نفسه أمام مؤمنين مختلفين (كما في صفّ دراسيّ)، فاهتمّ بكل واحد بمفرده بوعي أب يعرف كل واحد من أبنائه، ويعرف كيف يوجّههم.
ولا يكفي أن نؤمن، بل يجب أن نعيش ايماننا (آ 12). حينئذ تبدأ الصعوبات. وحينئذ تصبح خدمة المرسَل خدمة الراعي: تعليم، تحريض، اهتمام بالنفوس. كل هذا يحلّ محلّ الكرازة الأولى بالانجيل. فعلى الرسول أن يحرّض المسيحيين ليحيوا ايمانهم، ليسيروا سيرة تليق بالله. فالحياة المسيحيّة هي مسيرة (روم 5: 4؛ 8: 4؛ 13: 13) والجحود موت. فالذين ساروا في الاتجاه الجديد بعد أن قطعوا كل رباط بالماضي، شجّعهم الرسولي. والذين لم يعوا المتطلّبات الأخلاقيّة في إيمانهم، والذين ظلّوا سجناء محيطهم وما فيهم، ناشدهم الرسول أن يقطعوا علاقتهم بالأصنام وأن ينخرطوا في طريق جديدة تليق بالله.

4- تعليم الرسول (3: 13- 16)
أعلن الرسول أنه تصرّف مع رفيقيه بالصدق والرفق حين حملوا الانجيل إلى أهل تسالونيكي. ويتابع بولس حول تعليم الواعظين. فالتسالونيكيّون اعترفوا بالأصل الإلهيّ لهذا التعليم وقبلوه على أنه كلمة الله، ولاقوا الاضطهادات لأجل ذلك على مثال المؤمنين في اليهوديّة. ونجد نفوسنا في توازٍ مع ف 1 حيث يتذكّر بولس كيف وصل الانجيل إلى أهل تسالونيكي (1: 5) مع نتيجته في حياة المؤمنين. ففي كلا الحالين، شدّد بولس على شرعيّة ايمان التسالونيكيين.
ويستعيد بولس فعل الشكر (آ 13). فترتبط آ 13 لا مع آ 10- 12 وحسب، بل مع آ 1- 12 أيضاً. "ديا توتو"، بسبب ذلك، يعود إلى كل مضمون هذه الآيات كما إلى السبب الذي جعل فعل شكر المرسلين يستمرّ ولا يتوقّف. لقد كرزوا بالإنجيل كأناس تسلّموا مهمتهم من الله. وتصرّفوا مع التسالونيكيين بالتجرّد والمحبة المطلوبين. لهذا، فهم يستطيعون أن يرفعوا آيات الشكر إلى الله لأن أخوتهم في تسالونيكي قبلوا كرازتهم على أنها كلمة الله. فلو لم يكن الأمر كذلك، لكان مدخلهم إلى تسالونيكي باطلاً.
"لا ننفكّ نشكر الله". يستعيد بولس في هذه العبارة ما في 1: 2. وكل ما قاله حتى الآن هدفَ بشكل مباشر أو غير مباشر إلى تبرير شكره المتواصل. إن حرف "كاي" (الواو) قبل "هاميس" (نحن) تعني في ما يخصّنا. لا "أيضاً" وكأن غيرنا شكرَ الله. إن فعل "بارالمبانو" وفعل "داخوماي" يعنيان. قبل. وهنا قبل بالإيمان. آمن. نحن هنا أمام فعل واحد: عبّر اسم الفاعل عن فكرة تقول إن التسالونيكيين قبلوا البشارة التي أسمعهم إياها المرسلون، والتي كانت تعليماً نقله إليهم رجال، والتي كان باستطاعتهم أن لا يؤمنوا بها. ولكنهم فبلوها لأنها انكشفت لهم على أنها كلمة الله، حين آمنوا بها. إن موضوعيّة حكم الإيمان على الكرازة تشدّد عليه القاطعة: "كما هي في الحقيقة".
منذ القديم إلى أيامنا تساءل الشرّاح: لماذا قام بولس بالدفاع عن خدمته في آ 1- 12؟ قال الآباء اليونان: ضد افتراءات الرسل الكذبة والهراطقة. وقال آخرون: ضد هجمات اليهود أو المتهوّدين. أو ضد الوثنيّين. ولكن إذا عدنا إلى شهادة الرسول نفسه، فلا يبدو أن كنيسة تسالونيكي أصغت إلى مثل هذه الافتراءات هذا إذا حصلت (3: 6- 7). لهذا اقترح آخرون بأن نبحث عن أسباب دفاع بولس لا في ظروف خارجيّة، بل في حالة الرسول النفسيّة. انفصل فجأة عن كنيسة تسالونيكي، فتساءل بقلق إن كانت حكمت عليه بعد ذهابه السريع. وها هو الآن يفرغ قلبه بعد أن طمأنته الأخبار التي حملها إليه تيموتاوس.
لا نجد في دفاع 1 تس شيئاً من الخصائص الاسلوبيّة كما في 1 كور، 2 كور، حيث يدافع بولس عن رسالته ضد خصوم حقيقيّين (2 كور 12: 19). حين توجّه بولس إلى التسالونيكيين، أحس نفسه مجبراً، شأنه شأن الفلاسفة المتجوّلين في عصره، أن يتميّز عن "الخطباء الكذّابين". وحين جعل التسالونيكيين شهوداً له، أراد أن يبيّن أن مدخله إليهم لم يكن باطلاً. وهذا ما يبرّر فعل شكره. وبهذا يريد بولس أن يجعل أهل تسالونيكي يتعرّفون إلى علامات عمل الله الذي تمّ بواسطة المرسلين. وهكذا نفهم أن بولس في الواقع لا يهتمّ بدفاعه الشخصيّ، بل بأن يمجّد الله من أجل بناء الكنيسة.
ويتحدّث بولس عما أصاب التسالونيكيين من مواطنيهم (سمفيلاتيس: الانسان الذي من ذات القبيلة، من ذات البلد). لفظة فريدة في العهد الجديد. ولا نجدها إلا عند الكتّاب المسيحيين. إذا كان اليهود سبب القلاقل في تسالونيكي (أع 17: 5 ي)، فقد نجحوا ليحرّكوا أهل المدينة اليونان ضد المسيحيين ويدفعوا القضاة إلى أن يتدخّلوا. ولكن لا شيء يفرض علينا أن نشكّ في مشاركة اليهود في هذه القضيّة.
وتصبح عداوة اليهود تجاه الكنيسة نموذجاً عن ثورتهم المتواصلة على الله. ولهذا اضطهدوا المرسلين. "قتلوا الربّ في شخص يسوع" (مر 8: 34؛ أخبار الآلام). كيف كان باستطاعتهم أن يقتلوا الربّ، إن لم يكن قد عاش بينهم في شخص إنسان اسمه يسوع. وإذ اتهّم بولس اليهود بأنهم قتلوا الانبياء، استعاد اتهّام يسوع (مت 23: 37؛ لو 13: 34) واسطفانس لهم (أع 7: 52). وإن لم يكن اليهود قد قتلوا جميع الأنبياء، فالتعميم الواقعيّ يدلّ على أنه يرى فيهم علامة عن موقف روحي مستمرّ.
واليهود، بعداوتهم للبشر، المتولّدة من مقاومتهم لله، "يجاوزون الحدّ بخطاياهم" (تك 15: 16؛ دا 8: 23؛ 2 مك 6: 14؛ مت 23: 32). فتجاه كل عطيّة من الله في تاريخ الخلاص، كان جوابهم لاإيماناً وعصياناً، وجمّموا كيل خطاياهم دون أن يحرمهم الله في رحمته من النعمة. ولكن الغضب أدركهم في النهاية كما يقول الرسول. ما معنى "ايس تالوس"؟ في النهاية (لو 18: 5). حتى النهاية (مت 10: 22). إلى الأبد (مز 9: 19؛ 76: 9). تماماً (يش 8: 24؛ 2 أخ 12: 12؛ أي 6: 9). لا نستطيع أن نقول "إلى الأبد" لئلا نعارض الأمل بخلاص اسرائيل في النهاية كما تقول روم 11: 11 ي. المعنى هو: "في النهاية". في نهاية المطاف. ولكننا نخطىء إن رأينا تجلّي غضب الله في حدث تاريخيّ محدّد (مثلاً، دمار أورشليم سنة 70 ب). أيكون بولس تنبأ، أم يكون هذا النصّ كتب بعد دمار اورشليم؟ نحن نعلم أن 1 تس دوّنت سنة 51.
كيف يستطيع أن يقدّم بولس اعلاناً قاطعاً مثل هذا الاعلان؟ لا ننسى أن في نظره كما في نظر كتّاب العهد الجديد، كان موت يسوع وقيامته الحدث الاسكاتولوجيّ، وفيه قدّم الخلاص للبشر الخاطئين. فإن رفضوه هلكوا. ولكن إذ انتظر المؤمنون في يسوع ذلك الذي ينجّيهم من الغضب الآتي (1: 10)، ظلّ اليهود تحت ضربة الغضب حين رفضوا أن يؤمنوا. ولكن بولس لا يقول إن الغضب هدّدهم، بل أدركهم (هناك من ترجم: الغضب سيدركهم في النهاية). ولكن وضع الغضب هو وضع عدد من الأمور الاسكاتولوجيّة، هو حاضر الآن (روم 1: 18) وإن يكن موضوع انتظار (روم 2: 5). وقد يكون الرسول رأى في لاإيمان اليهود وقساوة قلبهم عمل الغضب الذي يدمّرهم يوم الدينونة، لو لم تنتصر أمانة الله ورحمته على لاأمانتهم وكفرهم.

5- حنين الرسول إلى أهل تسالونيكي (2: 17- 20)
يحدّثنا بولس عن محاولاته التي باءت بالفشل، فلم يستطع أن يرى التسالونيكيين من جديد. فبعد أن هاجم اليهودَ، عاد إلى الوضع الذي ولّدته معارضتهم له ولأهل تسالونيكي. طُرد من المدينة فوجد نفسه كالأم وكالأب اللذين حُرما من أولادهما.
تبدأ آ 17 مع "أما" (دي). هناك معارضة بين عداء اليهود الذي تحمّل التسالونيكيون نتائجه، وتصرّف بولس في هذه المضايق. نقرأ "ابوفرانيزو" صار يتيماً. لفظة فريدة في العهد الجديد وتعني أيضاً الوالدين اللذين فقدا ولدهما. ونقرأ "بروس كايروس هوراس": لوقت لحظة. هي دمج بين اثنين: "بروس كايروس" لوقت محدّد (1 كور 7: 5؛ لو 8: 13). ثم "بروس هوران" للحظة (2 كور 7: 8؛ غل 2: 5؛ فلم 5). بهذه العبارة شدّد بولس على الوقت القصير الذي فيه دام الانفصال.
"أنا بولس" (آ 15). لا ينفصل بولس عن سلوانس وتيموتاوس. ولكنه يعارض التفاسير السيّئة التي أعطيت لسفره المفاجىء من تسالونيكي.
وإذ أراد بولس أن يثبت واقع مجهوده (الذي لم ينجح)، ليلتقي مجدّداً بالتسالونيكيين، سألهم إن كان من المعقول أن يتخلّى بإرادته عن كنيسة يجب أن يتعلّق بها. ففي مجيء ربنا في مجده، أهل تسالونيكي هم رجاؤه وفرحه وإكليل فخره..
في عبارة "ستافانوس كاوخيسيوس"، إكليل تمجيدنا. "كاوخيسيس" هي فعل الافتخار. لهذا نقول الليل الذي به نفتخر. إن فكرة الليل (التاج) الملكي التي صارت "شعبيّة" (كل انسان هو ملك. له تاج. له اكليل) انتقلت على المستوى الاسكاتولوجيّ واستعملت في مجموعة من الصور: الأبرار ينالون الاكليل في الدهر الآتي ويجلسون على العروش متوَّجين في المجد. وصورة الليل المرتبطة بمجيء الربّ، قد أعطت "باروسيا" (مجيء) معنى الدخول الفرِح للملك إلى المدينة. ففي تلك المناسبة يقدّمون للزائر العظيم إكليلاً من ذهب، ويزيّنون أبواب المدينة بقليل، ويُجعل على بعض المواطنين أكاليل. غير أن مفهوم "كاوخيسيس" (التمجيد، الافتخار) هو مفهوم بولسي مميّز، وهو يتأصّل في العهد القديم (السبعينية، أم 16: 31؛ حز 16: 12؛ 23: 42). ويلعب الليل دوراً مهماً في التقليد الجلياني (رؤ 2: 10؛ 3: 11؛ 4: 4...). وهكذا يكون بولس مرتبطاً بالعهد القديم والعالم اليهودي أكثر منه بالعالم الهلينيّ.

خاتمة
ننهي كلامنا في هذا الفصل مع نظرة حول مجيء الربّ. فالكلمة "باروسيا" تدلّ على الحضور، على المجيء. استعملها بولس في هذا المعنى في 1 كور 16: 17؛ 2 كور 7: 6. في الزمن الهلنستي دلّت اللفظة على ابيفانيا الاله، على ظهوره بواسطة معجزة أو في شعائر العبادة. هذا من جهة. ومن جهة ثانية، دلّت على مجيء احتفاليّ وفرح لشخص عظيم، للملك، للامبراطور. في العهد الجديد، استُعملت في معنى خاص منذ المسيحيّة الأولى، فدلّت على مجيء ابن الانسان على سحاب السماء (مت 24: 27، 37- 39)، على مجيء الربّ لخلاص الكنيسة ودينونة العالم.
نجد عبارة "مجيء الربّ" ست مرات في 1 تس (2: 19؛ 3: 13؛ 4: 15؛ 5: 23) وفي 2 تس (2: 1، 8). ومرة واحدة في 1 كور (15: 23: مجيء المسيح). ولا نجدها في مكان آخر من الرسائل البولسيّة. ونجدها أيضاً في يع 5: 7، 8؛ 2 بط 1: 16؛ 3: 4. من أين جاءت هذه العبارة؟
تحدّث العهد القديم (والعالم اليهوديّ) عن مجيء الرب (يهوه) ليدين العالم ويقيم فيه ملكه، أو عن مجيء المسيح ولكن دون أن يستعمل لفظة تساوي "باروسيا" في العهد الجديد. إذن، يبدو أن هذه اللفظة قد أخذت من العالم الهلّيني والمسيحيّة الأولى الناطقة باليونانيّة. وقد ظهرت للمرة الأولى في 1 تس التي هي أقدم أسفار العهد الجديد. ونستطيع أن نستنتج أنها قد دخلت في لغة الكنيسة بواسطة بولس، في 1 تس أولى الرسائل البولسيّة.
انتظار المجيء قديم قدم المسيحيّة. ويجد جذوره في أقوال يسوع التي تعلن مجيء ابن الانسان على السحاب (مر 8: 38 وز؛ مت 25: 31). وحين تكوّن مؤمنون بيسوع المسيح المصلوب والقائم من الموت، انتظروا بحرارة مجيئه المجيد، الذي يبرّر ايمانهم تبريراً حاسماً ويُتمّ خلاصاً كان الروح عربونه واستباقاً له (أع 3: 19؛ روم 8: 23). والدعاء الأراميّ "ماراناتا" في 1 كور 16: 22 الذي تُرجم إلى اليونانية في رؤ 22: 20 (تعال أيها الرب يسوع) يدلّ على انتظار مجيء الربّ منذ أيام الكنيسة الأولى.
يحتلّ مجيء الربّ متانة مركزيّة في اسكاتولوجيّة المسيحيّة الأولى. وليس من قبيل الصدف أن يرد الحديث عن هذا المجيء في التعليمين الاسكاتولوجيين اللذين فيهما يرتبط بولس بهذه الاسكاتولوجيا (1 تس 4: 15- 17؛ 1 كور 15: 23- 28). وحين يتحدّث الرسول عن مجيء الربّ يفكّر في حدث قريب سيساعده العهد القديم (والعالم اليهوديّ) على تحديد بعض وجهاته. ولكن يسوع وحده يعطيه مدلوله الحيّ.
الفصل السادس
عمل المرسلين في تسالونيكي
2: 1- 12

لم يكن من السهل أن يعيد بولس الكرّة ويعلن الإنجيل في تسالونيكي بعد الذي حصل له في فيلبّي. تلك هي الخبرة التي يقدّمها الآن في هذا المقطع من 1 تس: كيف وصل المرسلون إلى تسالونيكي. وكيف وُلدت الكنيسة.
ترتبط هذه القطعة (2: 1- 12) بما يسبق بواسطة كلمات شابكة: "دخولنا"، "عندكم". وقد بني كل هذا حسب الرَّسمة أب/ ب ب أأ. أ: آ 1- 2: أيها الاحوة، دخولنا إليكم... ب: آ 3- 4: الانجيل الذي سلّم إلينا. ب ب: آ 5- 8: إنجيل الله. أأ: آ 9- 12: تذكّروا أيها الاخوة. هذا يعني أننا نستطيع أن نجد تقابلاً بين آ 1- 2 من جهة وآ 9 من جهة ثانية. من جهة أيها الاخوة تعرفون. ومن جهة ثانية: تذكّروا. من جهة، الآلام والاهانات، ومن جهة ثانية، التعب والكدّ. إنجيل الله في آ 2 والتبشير بإنجيل الله في آ 9.
ثم إن القسم المركزيّ (آ 3- 8) ينقسم إلى جزئين متشابهين. من جهة آ 3- 4. ومن جهة ثانية آ 5- 8. هناك مثلّث سلبيّ مع: لا... لا... لا. ثم عبارة إيجابيّة بشكل مقابلة (كما... هكذا). ونجد في آ 10- 12 شميلة عن مجمل المقطع.
بعد هذا نتوقّف عند التفاصيل.

1- رضى الله (2: 1- 4)
أ- أنتم تعلمون (آ 1- 2)
تعلن آ 1 الموضوع الجديد: كانت نهاية ف 1 قد أشارت إلى الاستقبال الذي لقيه المرسلون في تسالونيكي. والآن، يتواصل الحديث عن إقامة المرسلين في هذه المدينة، لكي يذكّرنا بنواياهم وتصرّفاتهم.
وفي آ 2: لم تبدأ الصعوبات بالنسبة إلى الرسل في تسالونيكي: فمنذ تأسيس الجماعة المسيحيّة في مكدونية، في جماعة فيلبيّ، تألم بولس ورفيقاه وأهينوا (أع 17: 16- 40). يبدو بولس خفراً بينما يتحدّث لوقا في أع عن سجن بولس وسلوانس. ولكن ذلك لم يمنع المرسلين من متابعة عملهم. غير أنهم لم يجدوا في نفوسهم الجرأة والهدوء والثقة من أجل متابعة العمل، بل في الله نفسه لأنه هو الذي أرسلهم.
فمن كانت له مثل هذه الثقة لكي يبشّر بالانجيل "في جهاد عظيم"، قد يكون وعى حقاً أنه قد أرسل، وآمن بالمهمّة التي أوكل بها. فأصحاب الدعايات الذين تدفع لهم أجرتهم ليسوا مستعدين لهذا العمل ولا قِبَل لهم به. مثل هذه الرسالة تحتاج إلى "مجانين"، إلى أشخاص مغرمين بالمسيح.
ب- ليس وعظنا عن ضلال (آ 3- 4)
يستطيع بولس الآن أن يحدّد مجمل المهمة الرسوليّة مع لفظة "باراكليسيس" (تحريضه، وعظ) التي ستفسّر بشكل أدقّ في القسم الثاني من الرسالة (4: 1). نحن مع هذه اللفظة أمام إعلان الإنجيل والمتطلّبات الخلقيّة التي تتبع هذا الاعلان. ويصف النصّ هذا التحريض الرسولي في ثلاث لاءات: لا عن ضلال، لا عن نجاسة، لا عن مكر. أجل، ليست نجاسة ولا ضلالاً ولا مكراً. هذه الثلاثة لم تلهم وعظنا.
أولاً: آ 3: ضلال، نجاسة، مكر
* الضلال أو السحر. نسحر الناس بالكلام المنمّق وهكذا لا يرى الناس الخطأ الذي يقعون فيه. فالمرسلون لم يُبرزوا منافع تعليم جديد لم يؤمنوا هم به بكل كيانهم.
* النجاسة (اكاترسيا) قد تكون طقسيّة كما في التوراة (غياب الشروط اللازمة للاقتراب من الإله وإتمام شعائر العبادة). نحن لا نرى كيف نكون هنا أمام نجاسة طقسيّة. أما في 4: 7 ي فنحن بلا شكّ أمام نشاط جنسيّ لا مشروع ولا يتوافق مع الانجيل. إستعمال هذه اللفظة على هذا الشكل في ف 4 يمنعنا من الحديث فقط عن نجاسة روحيّة أي عن نوايا غير مستقيمة وغير شفّافة. لهذا تبقى إمكانيتان.
الأولى: لم يأتِ الرسل ليحثّوا التسالونيكيين على مواصلة ممارساتهم النجسة (الأصنام). فإن فعلوا ذلك، لم يكونوا في وضع يوافق استقبال تعليمهم (لكان ذلك أضر بتعليمهم). يعني أن يقولوا لهم ممالقة: لا حاجة في أن تبدّلوا ممارساتكم السابقة (رج 1: 9 والرجوع عن الأوثان).
الثانية: لم يأتِ الرسل مع أمل خفيّ بأن يجدوا مغامرات سهلة على مثال الواعظين المتجوّلين في العالم اليونانيّ. لقد سبق لهم واختبروا ما حدث لهم في فيلبي.
أو، أو. ماذا نختار بين هاتين الامكانيتين؟ إن تحريضات ف 4 توجّهنا بالأحرى إلى الامكانيّة الأولى. ولكن عناصر هذا المثلّث (لا، لا، لا) وعناصر آ 6- 7 المرتبطة بالمواقف الرسوليّة، تجعلنا نميل إلى الامكانيّة الثانية.
* المكر أو الخداع (دولوس). المعنى الأولى هو "الفخ". وهكذا نكون قريبين من "السحر". يستعمل الصيّاد الفخّ، يدلّ على الحذق ليمسك طريدته. أما إعلان الإنجيل فترك الناس أحراراً بأن يرتبطوا به أو بأن لا يرتبطوا.
ثانياً: آ 4: بل نتكلّم
تبدأ الجملة في آ 4 مع "بل" (ألا)، فتفسّر بشكل إيجابيّ ما هي دوافع العمل الرسوليّ قبل كل شيء. الدافع هو الوعي بأن الله اختارهم وأرسلهم.
تبدو هذه الجملة بشكل مقابلة مع عنصرين: كما... هكذا... ولكن هذه المقابلة تبدو صعبة. لأن بولس اندفع بغنى موضوعه، فما اكتفى بالمقابلة بين واقعين متشابهين، بل حمّل عبارته حملاً آخر وأدخل في الواقع مقابلات أخرى.
"كما أننا اصطفينا بيد الله
لكي يسلّم إلينا الانجيل
هكذا نتكلّم:
لا كمن يرضي الناس
بل الله الذي يختبر قلوبنا".
نقابل هنا بين أمور كثيرة.
* الأفعال في الشقّ الأول (مع كما)، هي في الماضي. وفي الشق الثاني (هكذا) هي في الحاضر. إذن، نحن أمام مقابلة بين الماضي والحاضر، وتأكيد على موافقة هذا الحاضر مع حدث من الماضي.
* نجد فكرة "الانجيل" في الشقين. في الأول: "سلّم إلينا الإنجيل". في الشق الثاني وكما في آ 2: "نتكلّم" أي نعلن الانجيل. ما نقوله ونعلنه يتوافق مع ما اؤتمنا عليه.
* نجد فعل "اختبر، ميّز" في الشقّ الأول وفي الشقّ الثاني (دوكيمازو). في الأول هو في صيغة الماضي، في الثاني هو في صيغة الحاضر. لقد اختبر الله الرسل في الماضي وما زال يختبرهم الآن.
ثالثاً: رسل اختبرهم الله
هنا نفسّر لفظة "دوكيمازو": ميّز، اختبر. في اللغة اليونانيّة، تدلّ الصفة على نقود تقابل المعيار الحقيقيّ. لا غشّ فيها ولا خلط. وتطبّقت اللفظة سريعاً على البشر الذين هم أهل للثقة لأنهم امتحنوا، اختبروا. لهذا عنى الفعل مراراً: أخضع لمحنة واختبار ليميّز بين ما هو صحيح وما ليس بصحيح. لهذا، كانت هناك معايير للحكم؟ وفي أثينة أخذ الفعل المعنى القانوني فدلّ على التدقيق في مؤهّلات المتقدّمين للوظائف العامّة. من هنا: امتحن، فرض عليه امتحاناً. هذا في المعنى الدنيوي، فما يكون في المعنى الدينيّ؟
لا نجد اللفظة في النصوص اليونانيّة الدينيّة. ولكن مترجمي السبعينيّة قد تبنّوها ليترجموا: امتحن، اختبر، أخضع لامتحان. نتحقق من صحة النقود ونقاوة معدن ثمين. وفي المعنى الاستعاري: يعرف الله الأشخاص وهو الذي يختبر الكلى والقلوب، يختبر عواطف الانسان وفهمه وإرادته. ودلّ الفعل على وضع شيء في البوتقة والنار لكي نستخرج منه كل الأوساخ فيصبح نقياً.
وما هو جدير بالملاحظة هو أن عمل "الاختبار والتنقية" في يونانيّة العهد القديم، يُنسب إلى الله وحده. الله هو كالعامل في المعادن يجعلها في البوتقة وينقّيها في النار: فالانسان الذي يعامله الله بهذا الشكل يخرج في الوقت عينه نقيّاً ومقدّساً حين تصل المحنة إلى هدفها. وهذا الأمر هو مهتم، لأن المحنة حين تأتي من الله، لا تكتفي بإظهار قيمة (فضيلة، مزيّة) طبيعية أو مقتناة. بل هي تعمل شيئاً. هي تخلق هذه القيمة بالتنقية التي تجعل الانسان جديراً بمهمّة أو رسالة.
إذن، نخطىء حين نقول إن الله ميّز لدى الرسل صفات بشريّة، طبيعيّة، لا بدّ منها لإعلان الإنجيل. فبولس يقول فيما بعد إنه لا يجد في نفسه "كفاءة" ليكون خادم العهد الجديد (2 كور 3: 5 ي). فالله خلق فيه هذه الكفاءة. ونستطيع أن نقرأ أيضاً 1 كور 15: 8- 10، وغل 1: 1 ي (خبر دعوة بولس) وتلميحات أخرى حول ماضيه ورسالته: لا نجد حديثاً عن إقرار الله بصفات طبيعيّة لدى الرسول، أو بكفاءات وُلدت معه من أجل المهمّة الإنجيليّة.
فما الذي به قام عمل الله؟ إذا عدنا إلى خبر بولس هنا حول وصوله إلى تسالونيكي في مناخ من الاضطهادات، يكون الموضوع مشاركة الرسول في آلام يسوع، في حاشه. وسيعود بولس بشكل واضح إلى هذا الموضوع في رسائله اللاحقة. ولكننا نستطيع أن نرى هنا تلميحاً إلى المسيح في فعلي "تألّم وأهين" (آ 2) اللذين نجدهما أيضاً في أخبار حاش (آلام) المسيح وفي الانباءات بالآلام في الأناجيل الإزائية. وفي آ 9، سوف يتحدّث بولس عن "التعب والكدّ" عند الرسل. وفي 1: 6 و3: 7 يُذكر "الضيق"، وهو اللفظة المكرّسة التي تدل على وضع المسيحيّ المنتظر مجيء الربّ. وفي 2: 16 ذكر بولس الاضطهادات التي احتملها مع رفاقه في خطّ ما حصل ليسوع في حياته.
هذا من جهة. ومن جهة ثانية إن موضوع الآلام النقيّة والتي هي ثمينة من أجل تثبيت الإيمان والرجاء، موضوع معروف في الفقاهة الرسوليّة القديمة. فالنصوص تشدّد عليه وهي موزّعة في يع 1: 2- 3؛ 1 بط 1: 6- 7؛ روم 5: 2- 4.
والظروف الصعبة للحياة الرسوليّة والآلام والاضطهادات، تدلّ على صدق الرسل على أنهم خدّام حقيقيّون للانجيل. وما زال الله يختبر رسله على هذا الشكل. بل هو لا زال يخلق فيهم هذه الكفاءة لإعلان المسيح المائت والقائم فيجعلهم شركاء في آلامه (حاشه) وقيامته.
لهذا، لا يمكن أن يكون همّ الرسل "أن يرضوا الناس"، أي أن تكون لهم شعبيّة مثل أناس يرغبون في أن يبنوا لهم اسماً. فما يهمّ بولس هو نظر الله فقط. نرضي الله الذي يختبر وينقّي قلوبنا. إن فكرة رضى الله معروفة في العالم اليهوديّ كما في العالم الوثنيّ: فهي تتضمّن أن نقدّم بعض الخدم الصالحة والصادقة، فلا نكتفي فقط بأن نتمّ بدقة المهام الموكلة إلينا، بل نتوافق مع نوايا ذاك الذي يطلبها منا. وهكذا نستطيع أن نرضي الوطن، الشعب، المدينة. وفي هذا السياق من الخدمة الرسوليّة، لم نعد فقط كما في تحريض 4: 1 ي، أمام حياة مسيحيّة موافقة للإنجيل، بل أن يطابق تصرّفنا تصرّف الله نفسه تجاه هؤلاء الناس الذين يطلبونه وينتظرون كلمته. هذا ما يتوسّع فيه بولس في الآيات التالية. فعبارة "رضى الله" تربط بين المثلث "لا ضلال، لا نجاسة، لا مكر" وآ 5- 8.

2- تجرّد المرسلين (2: 5- 8)
أ- لم نعتمد كلام تملّق (آ 5- 6)
ونصل إلى مثلّث جديد مثلّث سلبيّ: لا كلام تملّق. لا طمع. لا طلب مجد بشريّ.
* لا تملّق. فالتملّق تلهمه المصلحة. والمتملّق يلجأ إلى أساليب تمتّ مراراً إلى الكذب ليؤثّر الانسان على شخص أو ينال منه منافع. وأهل تسالونيكي يعرفون عن خبرة أن الرسل لم يجاملوا، لم يتملّقوا: بل ندّدوا بضعفهم وما فيهم من رذائل.
* لا طمع. لا رغبة في أن يكون لنا أكثر. لا البحث عن الربح. والسبب الذي دفع المرسلين إلى هذا الموقف ليس همّ الغنى. سيعود بولس إلى هذه النقطة في آ 9 وسيكون واضحاً (كنا نعمل ليلاً ونهاراً لئلاّ نثقّل على أحد). وسيكون عنيفاً جداً في 1 كور 9: 13- 18 (خير لي أن أموت... من أن يعطّل أحد فخرج... أنا أبشّر بالانجيل مجّاناً): هو يفتخر لأنه بشّر بالانجيل مجاناً. والمسألة في نظره ليست مسألة بسيطة لا تستحقّ الذكر، بل هي مهمّة. ولهذا يقول: "يشهد الله". ولكنه قبلَ مساعدةً مادية فقط من الفيلبيّين وقبلها بشروط.
* لا التماس مجد. هو لا يطلب نجاحاً شخصياً يجتذب إليه اعتبار البشر وإعجابهم، مهما كان هؤلاء البشر. هكذا كان في خطّ لو 6: 26: "ويل لكم إذا الناس جميعاً قالوا فيكم حسناً. إذ هكذا كان الناس يفعلون بالأنبياء الكذبة".
ب- كان بوسعنا أن نثقّل عليكم (آ 7 أ)
قال بولس: "كان بوسعنا أن نثقّل عليكم بوصفنا رسل المسيح". وإذ تصرّف المرسلون على هذا الشكل، تخلّوا عن حقوقهم. هذا هو الموضوع الرئيسيّ في 1 كور 9. فالمرسل هو ممثّل فوّضه المسيح الرب، هو سفير (1 كور 5: 20). من هذا القبيل له حقوق (كان بوسعنا) يستطيع أن يجعل الناس يشعرون بثقلها.
نلاحظ هنا أن بولس ينسب لقب "رسول" إلى نفسه، إلى سلوانس، إلى تيموتاوس. نحن هنا أمام شهادة توافق المعنى الذي أعطي لهذه اللفظة (رسول) في سنة 50 وما بعد: لم تُحفظ بعد للاثني عشر الذين رافقوا يسوع من الجليل إلى أورشليم. فـ "الاثنا عشر" و"الرسل" ليسا بعد تسميتين تدلاّن على ذات المجموعة (رج اللائحة القديمة للذين نعموا بظهورات المخلّص القائم من الموت، 1 كور 15: 4- 7: كيفا، الاثنا عسر، يعقوب، الرسل). فاسم "رسول" يعطى لغير الاثني عشر: لبولس الذي يطالب به لنفسه مع أنه لم يكن يوماً من مصاف الاثني عشر. ويطالب به لجميع الذين أرسلوا لكي يعلنوا الانجيل.
ج- كنا مترفّقين (آ 7 ب)
تجاه ثقل السلطة الرسوليّة التي يمكن أن تُمارس على أساس حقوق الرسول، جعل بولس الرفق والوداعة. "جعلنا نفوسنا ودعاء في ما بينكم".
في هذا الموضع لا تتّفق مخطوطات 1 تس. قال البعض: "جعلنا نفوسنا صغاراً: (نيبيوي). وآخرون: "كنا مترفّقين". وظنّ النقّاد أن النسّاخ لم يحتفظوا بالصفة "وديع" (لطيف) (ايبيوس)، وهي نادرة في الكتاب المقدّس، ففضّلوا لفظة "نابيوي" (نزيد فقط النون). ولكن يصعب علينا أن نتخيّل بولس يصف الرسل ويصف نفسه بأنهم "أطفال". فهو سيوبّخ مسيحيّي كورنتوس لأنهم لم يزالوا صغاراً، لأنهم لا يستطيعون بعد أن يغتذوا بطعام التعليم الرسولي (1 كور 3: 1- 2).
إن لفظة "ايبيوس" غير موجودة في العهد القديم، ولكنها تتواتر في الأدب اليونانيّ. أما في العهد الجديد فهي ترد في 2 تم 2: 24 في توصية بولس لتيموتاوس، لإنسان يمارس مسؤوليّة في الكنيسة (يكون ذا رفق نحو الجميع، قادراً على التعليم).
وفي النصوص اليونانية، تشير هذه الصفة إلى أناس يتحمّلون مسؤولية، أو مسلّطين (ملك، حاكم، إله). إذن، لسنا أمام أي نوع من الوداعة، كتلك التي يُلهمها الحنان أو الضعف. في نسخة من نسخات سفر أستير، يعارض هذا النمط من الرفق كبرياء السلطة (في فم ارتحششتا). وعند فلافيوس يوسيفوس، المؤرّخ اليهوديّ، يربط الملك بطليموس هذه الصفة بمحبّة للبشر (فيلنتروبيا) كصفة إنسانيّة. في هذه القرائن، "الرفيق" هو من يمارس سلطته حاسباً حساب الخاضعين لها، دون أن يتسلّط عليهم ويضيّق عليهم، وهو متيقّن أن السلطة تفرض على من يمارسها واجبات كما تفرض له حقوقاً.
وقد يكون بعض أباء الكنيسة على حقّ حين قاربوا عبارة بولس (مترفّقاً في وسطكم) من عبارة يسوع (أنا في وسطكم كالذي يخدم، لو 22: 27) التي وقعت في سياق الحديث عن الطريقة التي بها يجعل الملوك والرؤساء سلطانهم ثقيلاً على الآخرين: بما أن يسوع هو "وديع ومتواضع القلب"، وأصغر الجميع وخادمهم، فالسلطة الرسوليّة لا يمكن أن تكون ثقلاً يسحق الآخرين. وهكذا يكون هذا الرفق فاعلاً في ممارسة السلطة. لهذا نقول: "كنا مترفقين" أو بدت سلطتنا في وسطكم ذات رفق.
د- كما تحتضن المرضع أولادها (آ 7 ج- 8)
كيف يصبح هذا الرفق في ممارسة السلطة الرسوليّة أمراً ملموساً؟ هنا عاد بولس إلى صورة المرضع التي تهتمّ بطفلها حتى تفطمه. في الواقع، يدلّ التشبيه على تلك التي "تدلّل" أطفالاً لأنها أيضاً أمّ. ولكن بولس لا يورد المفردة (أمّ)، لأنه لا يفكّر بتلك التي تلد، بل بتلك التي تطعم أطفالاً وتسهر عليهم إلى أن يصيروا قادرين بنفسهم على مواجهة صعوبات الحياة.
نحن نعلم أن اليونان (والتوراة أيضاً) قابلوا التعليم والتربية بطعام أو شراب. قيل: خبز الكلمة. ماء الحكمة وطعامها... وإن 1 كور 3: 2 قابلت بعض درجات التعليم البولسي بالطعام (ما يقابله هو الحليب أو اللبن). ولكن النصّ لا يشدّد هنا فقط على الطعام، بل على الحنان الذي به يُعطى هذا الطعام. ففي القسم الثاني من الجملة نجد ألفاظاً تدلّ على هذا المناخ: الحنين، أحبّاء، نفضّل (نرتضي)، نبذل أنفسنا.
هناك من اعتبر "نبذل أنفسنا" نسخة منقّحة عن كلام يسوع في الانجيل: وضع حياته، خسر حياته. إذن، نستطيع أن نفهم، على ضوء المقابلة مع المرضع، على أن الرسل أرادوا أن يعطوا قلبهم وحياتهم الداخليّة وكل ما ينعش رسالتهم، وهذا ما نقرأه في آ 11 ب (كنا كالأب لأولاده). هذا يعني أن الله "يدعوكم إلى ملكوته ومجده"، وهذا ما يفرض علينا تبدّلاً جذرياً في طريقة حياتنا (آ 11 أ). ولكن حين نعطي هذا، فهل نعطي أكثر من "إنجيل الله"؟ لهذا نستطيع أن نرى العلاقة عينها بين "الحياة" و"المحبّة" كما في فم يسوع: الحبّ الحقيقيّ يسير بنا حتى بذل الذات، حتى المخاطرة بالحياة. ومناخ الاضطهاد الذي فيه تتحرّك رسالة بولس تفرض علينا أن لا نستبعد وجه المحبّة: كان بالامكان أن يعرّض الرسل حياتهم للموت في تسالونيكي كما في فيلبي وبيرية. وكانوا مستعدّين للقبول بهذا الوضع، لأن موتهم سيكون الختم الذي يدلّ على صحة محبّتهم للجماعات المسيحيّة التي أسّسوها منذ زمن قليل.

3- اهتمام الرسول اهتمام أبويّ (2: 9- 12)
نجد هنا توسّعين. الأول: محبّة الرسل الملموسة للجماعة المسيحيّة (آ 9- 10). المقابلة مع الأب الذي يعظ ويشجّع (آ 11- 12).
أ- تذكرون تعبنا وكدّنا (آ 9- 10)
ترد الجملة مع "غار" (فإن) فتبدأ شرحاً لعبارة: "صرتم أحبّاء لنا. صرتم محبوبين منا". لقد لاحظنا في 1: 3 (تعب محبّتكم) أن المحبّة في العهد القديم هي حبّ يتجلّى في الواقع ولا يبقى على مستوى العواطف، ولا على القول والكلام. لقد دلّ الرسل على محبّتهم بأتعابهم وكدّهم، بقساوة الحياة التي عاشوها والجهود الذي قبلوا به خلال إقامتهم في تسالونيكي. وما يلفت النظر بشكل خاص هو أنهم عملوا بأيديهم، وهكذا لم يثقّلوا على أحد. لم يكتفوا بأن يعلنوا الانجيل، بل أعلنوه ولم يطلبوا شيئاً مقابل ذلك حتى طعامهم. هنا نتذكّر 2 تس 3: 8: "لم نأكل خبز أحد مجاناً، بل كنا نشتغل بتعب وكدّ، ليلاً ونهاراً، لكي لا نثقّل على أحد منكم، لا لأنه ليس لنا سلطان، بل لنجعل لكم من أنفسنا مثالاً تقتدون به" (رج 1 كور 9). وسيعود بولس إلى موضوع العمل في 1 تس 4: 9- 12 (تشتغلون بأيديكم).
وتوسّع آ 10- 12 النظرة فتصبح خاتمة واسعة لهذه المجموعة الأولى، 1: 1- 2: 12. لم يكتفِ الرسل بأن يعملوا: فتصرّفهم كله وافق كرازتهم. فهذا ما يشهد له الله. ويشهد له التسالونيكيون. كانت نظرة اليهود والوثنيين مختلفة إلى المرسلين، أما المؤمنون فهم يعرفون أن سلوك المرسلين كان كله "مقدّساً، عادلاً، بغير لوم". هذا المثلّث الجديد يقابل ما في آ 3 وآ 5- 6 وهو يتركّز على العدل والصحيح. والمقدّس هو ما جعله الآلهة والناس قاعدة في السلوك البشريّ. ويكون السلوك بلا عيب ولا لوم، يكون سلوك النقاء والشفافيّة. هذا ما سيطلبه بولس من الله في صلاتين من أجل التسالونيكيين: "ليثبّت هكذا قلوبكم بغير لوم في القداسة، لدى إلهنا وأبينا، عند مجيء ربنا يسوع مع جميع قدّيسيه" (3: 13). "ليقدّسكم إله السلام تقديساً كاملاً. وليحفظ... بلا لوم عند مجيء ربنا يسوع المسيح" (5: 23).
ب- كنا لكل واحد كالأب (آ 11- 12)
يعرف أهل تسالونيكي بشكل خاص أن موقف الرسل تجاههم كان موقف الأب تجاه أولاده. لا يتوقّف النصّ عند الأب الذي ينجب (كما لم يتوقّف عند الأم التي تلد). بل عند الذي يربيّ. فالأب يستعمل بعض الوسائل لكي يصل بأولاده إلى الهدف الأخير ويكرّسوا له كل قواهم. 
وهذه الوسائل التربويّة تشكّل المثلّث الأخير (دون أن تستنفد الموضوع):
* حرّض، وعظ، حضّ (باراكاليو). التحريض هو إحدى المهمّات الرئيسية لمؤسّسي الكنائس. وهي تتميّز عن وضع قواعد أخلاقيّة أو وصايا "مؤسّسة" على يسوع المسيح. حرّض يعني: أعاد القوى الفاترة. شجّع. وقد يقابل طلب فيعني: عزّى. فإذا عدنا إلى الأصل (باراكاليو) فهو يرتبط بفعل "دعا" (كاليو) ويعني: النداء الملحّ من أجل يقين يفرض نفسه على الذي يحرّض كما على الذي يسمع. التحريض عند بولس هو إعلان للإنجيل في وجهته الملموسة من نتائج عمليّة ومتطلّبات مرتبطة بالإيمان.
* شجّع، عزّى (باراميتيوماي). في 1 كور 14: 3 (بنيان، موعظة، تعزية). يتحدّث بولس عن التشجيع والتعزية مات أجل بنيان الجماعة. واستعمال هذه الأفعال يدلّ على أن مهمّة مؤسّسي الكنائس لا تنتهي حين يبدأ المسيحيون يجتمعون في الايمان والرجاء والمحبّة: فبعد أن وضعوا الأساس (1 كور 3: 210)، يجب عليهم أن يؤمّنوا متانة البناء وصلابته.
الفرق بسيط بين "حرّض" و"عزّى". ففي قلب الصعوبات التي تحدّثنا عنها، توخّت التعزية أن تحافظ على الرجاء والهدوء في الخوف والقلق.
* "ناشد" (مرتيروماي): نحن في خطّ التحريض بشكل احتفاليّ وملحّ: نجعل كل وزننا وشخصنا وسلطتنا لكي نقنع الآخر لكي يأخذ قراراً أو يحافظ عليه.
كانت هذه التربية الرسوليّة الأبويّة في خدمة المؤمنين لكي يتقوّوا في حياتهم الجديدة. وهي ستكون موضوع تحريضات ف 4- 5 التي أعلن عنها منذ الآن فعل "سلك" (باريباتاين) (رج 4: 1).
ولا يتبرّر هذا السلوك الجديد باعتبارات أخلاقيّة فلسفيّة، إنسانيّة، بيبليّة. بل بنداء الله. وهذا النداء (كلاسيس) يرتبط بالكنيسة (اكلاسيا). لهذا، سيكون التجمّع في الكنيسة تجاوباً مع نداء الله، محرّك الخلقيّة المسيحيّة: الدخول في عالم الإيمان والمحبّة والرجاء يفترض تحوّلاً عميقاً. وهذا النداء (في كنيسة. الله يستدعينا) لا يدرك هدفه الأخير مع تأسيس الكنيسة. بل حين تصبح الكنيسة ملكوت الله. وليس لهذا الملكوت عند بولس (كما في الأناجيل مراراً) بُعد حاضر مميّز: بل هو في نهاية نموّ الكنيسة وصيرورتها التاريخيّة (رج 1 كور 15: 22- 23، 50 حيث يأتي ملكوت الله بعد قيامة الموتى).
ليس مجدُ الله واقعاً مختلفاً عن ملكوته: سيكون ملكوت مجده، لأن فيه ينكشف بشكل شامل ونهائيّ حضورُ الله وما فيه من سعادة. يبقى على المؤمنين أن يسلكوا سلوكاً يليق بهذه الدعوة، "يسلكوا سلوكاً يليق بالله الذي يدعوهم إلى ملكوته ومجده".

خاتمة
فتح بولس قلبه لأهل تسالونيكي كما سيفعل مع أهل فيلبي. وتحدّث عن موقفين: الموقف الذي كان له حين اختبره الله قبل أن يسلّمه الانجيل. وموقفه الآن وهو مأخوذ بمهمّته الرسوليّة. هذان الموقفان متماثلان كل المماثلة. فبولس لم يتغير منذ البداية حتى الآن. هو لم يطلب يوماً رضى الناس، بل رضى الله. فقلب الرسول "معرّى" (بدون قناع) أمام الله الذي يفحص الكلى والقلوب. وها هو يستعدّ أن يعطي ذاته الآن كما فعل في الماضي، بل يعامل المؤمنين كالأم التي ترضع والأب الذي يربيّ. همُه أن يكون حاضراً بين المؤمنين يعظهم ويشجّعهم ويناشدهم ليسيروا سيرة جديرة بالله الذي دعاهم.
الفصل السابع
ايمان التسالونيكيين
2: 13- 20

تحدّث النصّ السابق عن علاقة بين بولس ومراسليه. وساعدتنا الصور المتعلّقة بالمرضع والمربيّ كيف فهم بولس هذه العلاقة بالنسبة إلى المرسلين وبالنسبة إلى مبادرة الله وحبّه. فالمسيحيون في تسالونيكي كانوا موضوع محبّة من قبل الرسل. سمعوا الرسل، وما سمعوه وعاشوا منه هو كلمة الله. فما الذي حدث في هذه المدينة بعد عبور بولس ورفيقيه فيها؟
هناك رجال ونساء وجّهوا حياتهم اتجاهاً جديداً. أعلنوا أن يسوع الذي صُلب في أورشليم منذ عشرين سنة قد قام. وانتظروا مجيئه المظفَّر كديّان في الأزمنة الأخيرة. وهكذا أشرف على حياتهم اليوميّة هذا الانتظارُ، وبشكل مباشر مشيئةُ يسوع الذي يرون فيه الربّ الذي أقامه الله من عن يمينه.
كيف نفهم هذا التبدّل؟ إنه يرتبط بمرور الرسل واستقبال الناس لهم. وبدلاً من أن يهنّىء بولس المرسلين أو أهل تسالونيكي، ها هو يتوجّه إلى الله الذي يرى عمله في ما يعيشه هؤلاء المؤمنون: شكرَه، وهو يريد من هؤلاء المسيحيين أن يدخلوا هم أيضاً في فعل الشكر البنويّ فيعرفوا أن الله أحبّهم واختارهم.
وهكذا يستعيد بولس فعل الشكر (آ 13) ويبرز أمانة التسالونيكيين (آ 14- 16)، وينهي بمحاولاته المتكرّرة لكي يرى أحبّائه (آ 17- 20). ولكن عاقه الشيطان.
بعد أن نقدّم سياق النصّ نعود إلى الدراسة التفصيليّة.

1- سياق النصّ
يبدو ف 2 من 1 تس في توسّعين متعاقبين. الأول (2: 1- 12) يتحدّث عن مدلول مجيء الرسل إلى تسالونيكي. والثاني (2: 13- 20) يعالج موضوع استقبال المؤمنين لكلمة الله.
أ- التوسيع الأول
إن ترتيب التوسيع الأول يبدو واضحاً من خلاله التكرار المثلّث للتعارض: لا، بل. وكل تعارض يفسّر الذي سبقه بالعطف "لأن". وهكذا تكون لنا ثلاث محطات:
تعرفون ما كان مجيئنا إليكم. هو لم يكن باطلاً، بل كان نتيجة هذه الحريّة الرسوليّة التي من الله (2: 1- 2).
* هذا ما نعرفه عندما تعرفون كيف كان تحريضنا (تقديم الخلاص، التعزية، أش 66). لا يصدر هذا التحريض عن الكذب والخداع، بل تكلّمنا كخدّام الله المجرّبين والأمناء (آ 3- 4).
* هذا ما دلّ عليه سلوكنا. فالله يشهد أن هذا السلوك لم يكن سلوك الممالقين والذين يطلبون اعتبار الناس. بل كنا مترفّقين في وسطكم كالمرضع وكالأب الذي يربيّ أولاده (آ 5 ي).
فموقف الرسل العميق لا يُعرف فقط في ما كان عليه سلوكهم. فهذا الموقف نفسه يجب أن يُفهم فهماً صحيحاً. يجب أن نصل إلى المدلول الحقيقيّ لهذه العلاقة التي تولّدت بين المرسلين وهؤلاء الأشخاص. هي علاقة من نمط جديد على مثال علاقة يسوع بتلاميذه (لو 22: 27). وهي تدلّ على أن الله اختار خدّاماً مختبرين وأمناء ليحملوا الانجيل إلى التسالونيكيين. وأن مجيئهم لم يكن باطلاً، لأن قدرة الله هي التي عملت في الحرّية البشريّة (الجرأة التي يعطيها الله للرسول) التي أعطيت للمرسلين. هذا ما عبرّ عنها بولس في بداية الرسالة (1: 5): كان الانجيل حقاً عندكم قدرة الله وعمل الروح، وهذا ما تتحقّقون منه في حياتنا بينكم ومن أجلكم.
ب- التوسيع الثاني
يرتبط التوسيع الثاني بالوجهة المكمّلة لعمل الله. فهو لم يكتفِ بأن يعطي لنفسه خدماً، بهم تصل محبته إلى التسالونيكيين، بل أعطى لهؤلاء التسالونيكيين أن يسمعوا كلمته من خلال كلمة الرسل. وإذ يتحدّث بولس عن تقبّل الكلمة، يتوجّه إلى الله لكي يرى عمله فيمتلىء إعجاباً. والموقف العميق للتسالونيكيين وتصرّفهم، أتاحا له أن يرى أن كلمة الله استقبلت وأنها تفعل فيهم فتدخلهم في الصراع المسيحاوي الذي تعرفه سائر الكنائس. كما قال بولس في 1: 9: جعلت منهم تلاميذ المسيح والربّ نفسه، فتقبّلوا كلمة الله في الضيق مع هذا الفرح الواعي أنهم في سّر الخلاص، هذا الفرح الذي يدلّ على أن روح الربّ يقودهم.
كنا قد وجدنا إعلاناً عن هذين التوسيعين في 1: 5، 6. فقد أراد بولس في هاتين الآيتين أن يشير إلى ما يتيح له أن يتكلّم عن عمل الله من أجل مراسليه: ما كان عليه عمل التبشير، وما عاشه التسالونيكيون، كل هذا يتيح له أن يؤكّد أن الله أحبّهم وجنّدهم في هذه العلاقة التي اسمها الاختيار (1: 4).
وهكذا يتيح لنا هذا السياق أن نحدّد موقع هذه الآيات في منظار الرسالة. فإن تحدّثت عن حب الرسل وإيمان المراسلين، فهدفها أن تتيح لهؤلاء المؤمنين أن يتعرّفوا إلى مصدر ومدلول هذا الحبّ وهذا الايمان: فهذا الحبّ هو حبّ الله الذي وضعه الله في قلب البشر. وإيمانهم يدلّ على أن هذا الحبّ قد لامسهم حقاً. لهذا يدعوهم بولس وبكل حق: "الأخوة أحبّاء الله" (1: 4).
والآن نعود إلى تفسير النصّ في مقطعين كبيرين: شكر لله عن التسالونيكيين (آ 23- 16). اشتياق بولس ليرى التسالونيكيين (آ 17- 20).

2- شكر بولس عن التسالونيكيين (2: 13- 16)
كيف يمكن أن تولد جماعة مسيحيّة؟ هذا هو السؤال الذي يمكن أن نطرحه. وإن 1 تس تجيب عليه: وُلدت كنيسة تسالونيكي من كلمة الله. هذا ما اكتشفناه في 1: 5- 6. وصل بولس ورفيقاه إلى هذه المدينة وقدّموا خطبة دينيّة سمّوها "إنجيلنا" (1: 5. أو: تبشيرنا). وهذا الانجيل لم يكن كلاماً فقط، بل قوّة وروح قدس.
أ- كلمة الله (آ 13)
نجد حديثاً عن هذا الانجيل في مقطعين متوازيين، مقطعَي فعل الشكر (1: 5- 6؛ 2: 13). أما العبارة المثقلة باللاهوت فنجدها في آ 13 بشموليتها التي تصل بنا إلى حدود الفهم: تقبّلتم "كلمة السماع من قبلنا من الله". ولكن الجملة تصبح واضحة حين نعلم أنها تدمج عبارتين اثنتين: كلمة السماع (من قبلنا). كلمة الله.
أولاً: كلمة السماع
معنى السماع ليس فعنى منفصلاً كما لو كنا آلة. السماع هو نشاط. نقول أعطني سمعك، كما نقول أعطني انتباهك. ثم إن "سمع" يعني "أسمع". هذا ما يقود، إلى ترجمة أش 51: 1 إلى اليونانيّة. "يا رب، من آمن بسماعنا"؟ أي بما أسمعناه من كلام. من آمن بتبشيرنا؟
يرد هذا النصّ في روم 10: 6- 7 الذي يستنتج منه بولس ما يلي: "إذن الايمان يأتي من السماع". هناك نشاط إيجابيّ من قِبَل ذلك الذي عزم على السماع، بل من جهة ذلك الذي يرسل إلينا بلاغاً. ومع "أعلن" و"بشّر" هناك عاملان: ذلك الذي يعلن. ذلك الذي يسمع الاعلان. لهذا نستطيع القول: الكلمة التي أسمعناها من عند الله.
ثانياً: كلمة الله
هذه الكلمة التي تُعطى لنا لنسمعها بأفواه بشريّة، نتقبّلها في الوقت عينه على أنها "كلمة الله": تلك هي أهميّة الشميلة التي قدّمها بولس: "تقبّلتموها لا ككلمة بشر، بل كما هي حقاً كلمة الله".
ففي نظر بولس، إذا كان الانجيل هو كلمة الله، فبسبب نتائجه. فالله يتكلّم عبر ما يقوله الرسول حين لا تكون نتائج هذه الكلمة متناسبة مع نتائج خطبة انسان من الناس. غير أن اللانسبة ظاهرة. هناك إيمان التسالونيكيين، وليس فقط إيمانهم البديئي، بل ثباتهم في هذا الايمان وتحوّل حياتهم في المحبّة. فإذا كان أناس قد ارتدّوا (المعنى المسيحيّ للكلمة) إلى الله، على أثر تعليم حمله إليهم أناس آخرون؛ وإذا تعلّق أناس بالايمان بحيث إن تخلّوا عن هذا الايمان أحسّوا وكأنهم تخلّوا عن معنى حياتهم بالذات، فهذا يعني أن الله تكلّم، أنه فعل في هؤلاء الناس.
فحين يتجاوب الانسان مع هذا التعليم بالإيمان، فهو لا يعطي جوابه لبولس، بل لله. وفعل "تقبّل، تلقّى" (بارالمبانو) يعني: تعلّق تعلّقاً شخصياً. وافق بملء حرّيته. ومفعول هذا الفعل هو في 1: 6 كما في 2: 13: كلمة الله. سيُوضح بولس في رسائله اللاحقة أنه حين يعلن بشارة موت المسيح وقيامته، فهو يعلن في الواقع القدرة التي حرّكها الله لكي يقيم يسوع الفاعل في قلب البشر.
نستطيع الآن أن نعود إلى الوراء، إلى ما قاله بولس عن إعلان الكلمة في تسالونيكي (1: 5- 6). كانت حدثاً حقيقياً. أجل، لم يكن إعلان الانجيل فقط حدث كلمة بشرية، حصول كلمة بشريّة، بل حدث "في القدرة، في الروح القدس وملء النجاح الكامل".
ب- صرتم مماثلين لكنائس الله (آ 14)
بعد الفكرة اللاهوتيّة حول كلمة الله، نجد بعد 1: 5 و2: 14 توسّعين يبدآن بالعبارة عينها: صرتم مقتدين، صرتم مماثلين (1: 6- 7؛ 2: 14).
لا بدّ من القول هنا إن الاقتداء لا يرتبط بقرار خلقيّ. فلا أحد يقرّر بأن يكون ضحيّة الاضطهاد أو أن يخضع للألم. هو شيء يحصل لنا دون أن نريده. وحين قال بولس مثل هذا الكلام، جعل التسالونيكيين في خطّ مسيرة تاريخيّة. ليسوا الأولين في هذا الاقتداء: قبلهم كان الربّ، والرسل وكنائس اليهوديّة. ما عاشوه يتسجّل في خطّ ما عاشه الذين كانوا قبلهم. المصير هو هو، وهو يتوافق مع الانجيل.
فهذا المصير الذي يؤوّن في حياة المؤمنين سّر المسيح الفصحيّ (سّر موته وقيامته) لم يكن فقط مصير الرسل. وقد تمّ هذا التأوين في السابق في كنائس اليهوديّة. بل وصلت إلى الجزء الهلينيّ من كنيسة أورشليم (أع 7). وشاول (أو: بولس نفسه) سيجول البلاد ملاحقاً المسيحيّين المشتتين (أع 8: 3- 4)، حتى في دمشق (أع 9: 1 ي؛ 22: 4- 5؛ 26: 9- 11).
ووُجد التسالونيكيون في هذا التاريخ، تاريخ الشهادة المؤدّاة للمسيح والانجيل بالآلام والاضطهادات. لقد عانوا الألم نفسه من مواطنيهم، كما عانت كنائس اليهوديّة من اليهود. لقد كان قسم من مسيحيّي تسالونيكي من أصل يهوديّ: فسبّب لهم مواطنوهم اليهود متاعب كبيرة. أما الجزء الثاني الذي من أصل يونانيّ، فتألّم من سلطات المدينة التي تراجعت أمام ضغط الوجهاء اليهود.
وهكذا حدّد بولس قاعدة انتقال الانجيل وتأسيس الجماعات المسيحيّة. كما أن تقبّل كلمة الله وإعلانها في فم يسوع، لم يحمل ثمراً إلا عبر سّر موته (هذا ما علّمه لتلاميذه خصوصاً في انباءاته بالآلام)، كذلك عرف رسلُه المصير عينه. ثم كنائس اليهوديّة. وكنائس اليونان: تسالونيكي أولاً، وعلى خطاها الجماعات التي صارت لها هذه الكنيسة قدوة في مكدونية وأخائية. وسيذكر بولس هذا في 2 كور 8: 1- 12: أنعلمكم أيها الاخوة بالنعمة التي منَّ بها الله على كنائس مكدونية. فإن فرحهم قد فاض في ما امتُحنوا به من الضيق الكثير، وفقرهم الشديد قد طفح بغنى سخائهم".
ج- عداوة اليهود (آ 15- 16)
أولاً: بين اليهود والتسالونيكيين
كان التوازي واضحاً بين 1: 5- 6 و2: 13 مع فعل الشكر. ثم بين 1: 6- 7 و2: 24 مع موضوع الافتداء. وهو واضح الآن بين 1: 8- 10 و2: 15- 16. من جهة، نجد الجماعة التي وُلدت في تسالونيكي تسير إلى الخلاص. أما اليهود المضطهدون فيخضعون لغضب الله. وهكذا ما يجمع بين 1: 8- 10 و2: 15- 16 هو الغضب الإلهي.
نحن أمام صورة معروفة في العهد القديم. وهي تدلّ على دينونة الله التي تدشِّن الأزمنة الأخيرة. هذه الاستعارة التي تنقل على الله عواطف بشريّة جداً، تعبرّ عن موقف الله تجاه أعداء شعبه وتجاه الخطأة المتمرّدين من شعبه: فلا توافق إطلاقاً بين الله وخطيئة الرفض. وهناك "غضب" لأن الأنبياء يرون أن الدينونة تتجسّم بالنسبة إلى جزء كبير من الشعب، في العقاب والدمار. هذا ما سيكون للشعب اليهوديّ الذي بدأ فرفض المسيح، وها هو يرفض الرسل، بل يعارضهم، يقاومهم، يضطهدهم. لهذا يحلّ السخط عليهم حتى النهاية.
ثانياً: بولس يحكم على اليهود المضطهدين
نقرأ في آ 15- 16 لوحة معبرّة عمّا فعله اليهود مع الربّ فقتلوه. ومع الرسل فيلاحقونهم ويضطهدونهم. وبولس سيكون له أن يتألم منهم في جميع المدن التي مرّ فيها ابتداء من انطاكية بسيدية (أع 13: 45). ولكن عدداً من الشرّاح يعتبر أن هاتين الآيتين ليستا من قلم بولس وفيهما ما فيهما من العنف على اليهود إجمالاً. وإليك الأسباب.
* آ 15 ج
"لا يرضون الله البتّة، وقد صاروا أعداء لجميع الناس". هذه العبارة لا تتوافق مع فكرة بولس في روم 9- 11 أي في الفصول التي تعالج مطوّلاً رفض اليهود الايمان بالانجيل ومدلول هذا الرفض في تاريخ الخلاص. فنحن في 1 تس أمام استعادة لقول انتشر في الرأي العام في الامبراطورية الرومانيّة، كما أورده تاقيتس: "عند اليهود يسود عداء بغيض ضدّ كل ما ليس بيهوديّ".
فبولس يتكلّم في روم 9- 11 عن اخوته بدون لهجة هجوميّة وروح عدوانيّة. وهو يصلّي من أجلهم كما صلّى موسى في الماضي من أجل العبرانيين. أتراه يتكلّم بهذه الطريقة في 1 تس؟ إن مثل هذا الكلام القاسي يتوافق مع مناخ القطيعة بين اليهود والمسيحيين أي بعد مجمع يمنية حوالي سنة 80، أي ثلاثين سنة بعد تدوين 1 تس.
* آ 16 ج
"السخط والغضب حلّ عليهم حتّى النهاية". نحن هنا أمام إنباء جاء بعد الحدث، أي بعد سنة 70 وتدمير أورشليم والهيكل وتشتّت الشعب اليهوديّ بيد الرومان. ولكن مثل هذا البرهان لا يثبت. فنحن لسنا أمام إنباء وتنبؤ. فالفعل هو في صيغة الماضي، وموقف اليهود ليس موقفاً مقبلاً. إنه موقف آنيّ وقد ردّ عليه "غضب الله". والظرف (في اليونانيّة) "حتى النهاية" يقوّي الفعل في صيغة الماضي.
* كيف نوفّق بين 1 تس وروم
مثل هذا الأسلوب يعتبر أن فكر بولس الحقيقيّ هو في روم 9- 11، وأن كل حكم آخر حول اليهود سابق لما في روم هو نصّ مدسوس! لماذا لا يكون حلّ آخر يقول إن بولس بدّل موقفه بين سنة 51 (حين كتب 1 تس) وسنة 57 (حين كتب روم)؟ وسبب التبديل ليس في تبديل موقف اسرائيل من المسيحيين، بل في تبديل موقف بولس. فحين كتب بولس روم، لم يتحوّل اليهود تجاه الانجيل ولا تجاه بولس نفسه. ومع ذلك، فهو ما زال يحبّهم لأنهم اخوته. وبعد أحداث تسالونيكي سيذهب إلى بيرية ويبدأ البشارة في المجمع. وكذلك سوف يفعل في كورنتوس. أما سبب تبدّله فهو فهمٌ أفضل لتاريخ الخلاص. لقيمة الزمن من أجل تحقيق قصد الله.
ساعة كتب بولس 1 تس كان متيقّناً من قرب مجيء الربّ (4: 13 ي). والمجيء يحمل معه الدينونة كما أعلنها الأنبياء كما في أش 13: 9 "ها يوم الربّ يجيء قاسياً بسخط واتقاد غضب، ليجعل الأرض خراباً ويبيد الخاطئين منها". فأمام اقتراب هذه الدينونة يرى بولس شعب اسرائيل الذي رفضت في معظمه الانجيل. ظنّ بولس قبل ارتداده أن غضب الله لا يصيب شعب الله بسبب امتيازاته. أما أعداء الله الذين تهدّدهم الدينونة فهم "الآخرون". ولكن حين أدركه المسيح، فهمَ أن كل انتماء إلى الله يمرّ بعد اليوم بالعلاقة بيسوع المسيح. فالله يخلّص بواسطة يسوع: والذين يؤمنون به هم "الاختيار" (أو: المختارون) الذي أعدّ له مجدُ ملكوت الله. والذين يرفضون أن يؤمنوا بيسوع يصيرون أعداء الله الذين هيّأ لهم الأنبياء الغضب. فإذا كان مجيء المسيح الذي تولى بقيامته سلطة الديّان السامي، قريباً، فهذا يعني أن وضع اسرائيل ميؤوس منه: حلّ على اليهود غضب الله. وقد تسجّل الحكم في العلاقات بينهم وبين المسيح، كما في علاقاتهم مع كنائس الله.
* مسألة لاإيمان اليهود
إن مسألة لاإيمان اليهود تجد جواباً لها في أولى رسالة بولسيّة: هذا اللاإيمان يعني أن اسرائيل في مجمله قد هلك. وهذا ما يوافق التهديدات النبويّة التي كانت لا تهتمّ إلا بخلاص البقيّة الباقية. كما يوافق خطّ كرازة يوحنا المعمدان. وهذه المسألة ليست محصورة في هذا المقطع من 1 تس. ففي بداية 1 كور ميّز بولس بين "الذين يهلكون" والذين لأجلهم تبدو "لغة الصليب جهالة" (وجنوناً)، والذين يسيرون في طريق الخلاص، نحن (1: 18). وبعد ذلك سيقابل بين الذين بدا لهم المسيح "شكاً ومعثرة" (اليهود)، وأولئك الذين بدا لهم "جهلاً وجنوناً" (اليونانيون) (1: 23- 24). وفي 2 كور وعى أنه مكلّف بخدمة رهيبة. "إنا لله رائحة (نفحة) المسيح الطيّبة للذين يهلكون وللذين يخلصون. لهؤلاء رائحة موت للموت (تقود إلى الموت) (واليهود اللامؤمنون هم في هذه الفئة). ولأولئك رائحة حياة للحياة (تقود إلى الحياة)" (2 كور 2: 15).
ثم إن تفكير بولس حول العهدين (2 كور 3)، كما حول البرّ بالإيمان (غل، روم)، يسير في خطّ الحكم على اليهود ساعة يكتب. فسيضمّ في روم نفسها وفي بداية الرسالة، اليهود إلى الوثنيين، بعد أن حكمت عليهم الخطيئة. رج روم 2: 1 ي؛ ونقرأ في الاستنتاجات في 3: 9: "فماذا إذن أو نحن أفضل؟ كلا. فقد برهنا أن اليهود واليونانيين جميعاً هم تحت سلطان الخطيئة" (في قبضة الخطيئة). وفي 3: 22- 23: "ليس من فرق: فالجميع قد خطئوا فحرموا مجد الله". إن الانتماء إلى شعب ابراهيم ليس كفالة للخلاص. غير أن بولس لن يبقى هنا. ففي روم 9- 11، وحين يعالج بشكل صريح مسألة مقلقة بالنسبة إليه (تضيّق عليه الخناق)، مسألة موقف اليهود السلبيّ إجمالاً تجاه الانجيل، سيتوسّع في نظرة تكشف تعميقاً في تفكيره.
كان التفكير الانجيلي قد خطا خطوة في هذا الاتجاه من التعميق: أورد أن يسوع نفسه فسّر فشل خدمته مقابلاً وضعه مع وضع أشعيا الذي أرسل لتقسية قلوب شعب يهوذا: فالفشل، في شكل من الأشكال، قد أراده الله (أو كما نقول: سمح به)، وهو يأخذ مكانه في قصده. ورغم الظواهر، ليس هذا الفشل بغريب عن مشروع الله الخلاصيّ بالنسبة إلى الكون كله (أش 6: 9- 10؛ مر 4: 11- 12 وز؛ يو 12: 39- 41؛ أع 28: 26- 28).
* روم 9- 11
وحسب روم 9- 11، يمتلك فشلُ الانجيل هذا داخل الشعب اليهوديّ، مدلولاً أراده الله إيجابياً. أولاً، هناك "بقيّة اسرائيل" أي اليهود الذين صاروا تلاميذ يسوع المسيح، إما قبل موته وإما بعد موته. وهي "بقيّة" تؤمّن التواصل بين اسرائيل والكنيسة (التي صارت اسرائيل الجديد). ثانياً، بسبب خطايا اليهود، "حصل الخلاص للأمم)، بلغ الأمم إلى الخلاص، انفتح الباب أمامهم (وكأن اليهود كانوا يغلقونه) (روم 11: 11). وبصريح العبارة، لو كان اسرائيل في معظمه قد تقبّل تعليم الانجيل، فما كان من موضع للوثنيين داخل الكنيسة، هذا مع الأخذ بعين الاعتبار حضارة اسرائيل وتاريخه.
هذا البرهان قريب من برهان روم 5 حول مدلول خطيئة آدم وعصيانه: لا ننظر إلى الأمر بشكل سلبيّ فقط. فقد نلنا فيض النعمة في يسوع المسيح. وهكذا، بعد مرحلة رسوليّة طويلة، وساعة بدأ بولس يخطّط للذهاب إلى اسبانيا عبر رومة، بدأ يخطّط لمشاريع بعيدة المدى وما عاد يوجّهه اقتراب المجيء. في تلك الساعة رأى في لاإيمان اخوته وضعاً موقتاً ولكن ضرورياً من الرسالة لدى غير اليهود، لدى الوثنيين.
نستطيع القول في النهاية: هذا النصّ هو من بولس ولا سبيل إلى إنكاره. تألّم بما فيه الكفاية من اليهود، فكتب ما كتب في خط اقتراب مجيء الربّ. ولكنه سيفهم فيما بعد أن المسيح صالح الجميع في دمه، صالح البعيدين (أي: الوثنيين) والقريبين (أي: اليهود). فجميع الأمم تستطيع الاقتراب من الله بواسطته. لهذا كتب روم 9- 11 وتمنّى في قلبه ارتداد اخوته. "أودّ أنا نفسي أن أكون محروماً من المسيح من أجل اخوتي، ذوي قرباي بحسب الجسد" (روم 9: 3).

3- اشتياق بولس إلى التسالونيكيين (2: 17- 20)
أطلنا الحديث في آ 15- 16 وما فيهما من اختلاف في الآراء وما فيهما من قساوة على الشعب اليهودي "الذين قتلوا الربّ يسوع والأنبياء، واضطهدونا نحن أيضاً". هنا ننتقل إلى همّ الرسول بالنسبة إلى الجماعة التي أسّسها: هل ستبقى ثابتة، هل ستزول؟. فتحدّث عن الوقت الذي مضى بعد أن انفصل عن أحبّائه التسالونيكيين، وعن حنينه بأن يراهم، وعن قلقه وهو بعيد عنهم.
أ- حنين الرسول (آ 17- 18 أ)
حين طُرد بولس من تسالونيكي، أجبر أن يترك الجماعة الفتيّة بدون أساس متين، وساعة كانت تحتاج إلى مساعدة كبيرة. ولكن ما يدفعه للعودة إلى تسالونيكي، ليس فقط وعياً لواجبه الرسوليّ ومهمّته، بل محبّة حقيقيّة. لقد انسلخ بولس عن التسالونيكيين كما ينسلخ الأب عن أولاده (2: 7- 8). وكم يتشوّق الآن لأن يلتقي بهم من جديد. فتعلّقه بهم وحبّه الحنون ولّدا عنده حنيناً إليهم. فالمحبة الرسوليّة توقظ في القلب عواطف الأبوّة والأمومة والأخوّة، فتحرّك حياة الانسان كلها. هذا ما حدث لبولس.
لماذا لا يستطيع بولس أن يعود إلى تسالونيكي؟ قال: "عاقنا الشيطان". لم يرَ بولس من حاجة أن يذكر الحواجز الماديّة، الأرضيّة، التي تمنعه من العودة إلى تسالونيكي. هو يعرف حقاً من هو الذي يمنعه (اليهود بلا شكّ). ولكنه قال: "عاقنا الشيطان". فهذه العبارة القصيرة هي في قساوتها لمعة تمرّ عبر هذه السطور المليئة بالعاطفة، فترينا فجأة خطورة الوضع. هنا نستطيع لفترة قصيرة أن نلقي نظرة إلى الحقل الذي فيه يتمّ العمل الرسولي: إنه موقع معركة تجعل الله تجاه الشيطان. فبقدر ما يكون اندفاع رسولي مجذّراً في الله، فهو يلقى المعارضة، بل المقاومة من قبل عدوّ الله الحقيقيّ. وهكذا عرف بولس العدوّ الأول في رسالته عبر أمور بشريّة وما دية.
ب- فرح بولس بالتسالونيكيين (آ 19- 20)
بعد أن تذكّر بولس ما حدث ساعة كان في تسالونيكي، وتمنّى أن يعود إليهم بكل قلبه، أراد أن يعبرّ عن فرحه وافتخاره بهذه الجماعة التي أسّسها.
يرغب بولس رغبة عميقة بأن يرى مجيء الربّ المجيد (1: 10). سيكون له ذلك اليومُ يومَ عيد (4: 13- 18). أولاً: لا يسمّي بولس مولد يسوع "مجيئه وعودته". فمجيئه في ملء الزمن لا يعني عودته الأخيرة. فمجيئه الأخير هو الذي يحقّق الخلاص التام، ملء الخلاص كما أعلنه الأنبياء. حينئذ وحينئذ فقط تفاض ملء النعمة. فالذي يرغب مثل هذه الرغبة بملء الخلاص، يوجّه أنظاره نحو مجيء المسيح في المستقبل، لا نحو ولادته في الماضي. من الأكيد أنه منذ ولادة يسوع "ظهرت نعمة الله التي تحمل الخلاص لجميع البشر" (تي 2: 11- 12). ولكن يبقى أن المجيء الأول حمل إلينا فقط عربون ما يعطينا في نهاية الأزمنة. لهذا، تتوجّه أشواقنا نحو المستقبل.
تسلّم بولس على طريق دمشق مهمّة شخصيّة وهي أن يعلن انجيل المسيح وسط الشعوب الوثنيّة. وفرحَ لأنه استطاع أن يعلن أنه أتمّ المهمة، فيقدّم للربّ الجماعات التي ربحها للانجيل، حين يأتي في بهائه الملكيّ. وهكذا يستطيع أن يفتخر في يوم المسيح (فل 2: 16). هو يرجو أن يخلص، وخلاصه يرتبط بأن يحقّق هذه الرسالة بنجاح.
سيحمل إليه هذا اليومُ العظيم الفرح والافتخار. ولكنهما يغمران نفسه منذ الآن. وهو لهذا لا يستطيع إلا أن يشكر الله "على كل ما نالنا من الفرح بسببكم أمام إلهنا" (3: 9). مثل هذا الرجاء هو صفة من يعرف ويقول: "بنعمة الله قد صرت ما أنا عليه. ونعمته التي أوتيتها لم تكن فيّ باطلة" (أي كانت فاعلة) (1 كور 15: 10). وهذا ما يولّد عنده فرحاً مسبقاً وافتخاراً.
حين لا نرى إلا خطيئتنا نكون ناكري الجميل. حين لا نرى الأعمال العظيمة التي حققّتها نعمة الله فينا وبواسطتنا، ننكر جميل ربّنا. إن الحياة المسيحيّة تتألم من قصر النظر هذا الذي نستقيه من تواضع متشرّب بالحزن. فالتواضع الذي لا يعرف أن يميّز في حياته الخاصة معجزات نعمة الله، يأتي في الواقع من الشيطان. فيبقى علينا أن نقف قرب مريم العذراء "خادمة الله الوضيعة" التي هتفت: "الناس تقول عني إني عظيمة. لا في ذاتي. بل لأن القدير صنع بي عظائم، صنع بواسطتي أعمالاً عظيمة، جعلني أماً لابنه.

خاتمة
عاد بولس إلى فعل الشكر لما صنعه الله في تسالونيكي. لا شكّ في أنه صنعه بواسطة مرسليه، وهذا ما يملأ قلب الرسول فرحاً. وكانت مناسبة ليدلّ بولس على تقديره لكنيسة تسالونيكي التي تجاوبت مع كلمة الله، فبدأت مسيرتها نحو الخلاص. هي باكورة العالم الوثنيّ تجاه الشعب اليهوديّ الذي رفض أن يؤمن. الذي رفضت يسوع، والذي يرفض الآن الكنيسة والرسل الذين يحملون رسالتها. أما الآن وبولس بعيد، فهو يدلّ على حنينه إلى الذين ولدهم في المسيح ويكتفي بعلاقات عن بُعد مع كنيسة تسالونيكي. لهذا كتب إليهم. هذا ما نكتشفه في ما يلي من الرسالة.

الفصل الثامن
بعثة تيموتاوس إلى تسالونيكي
3: 1- 13

بعد الذي قاله بولس عن محاولاته "اليائسة" لكي يذهب إلى كنيسة عزيزة على قلبه (2: 17- 20)، لم يعد يطيق التأخّر، لم يعد يحتمل أن يُفصل عن أخوة يعرف أنهم ما زالوا محتاجين إليه. وبما أنه لا يستطيع الذهاب بنفسه إلى تسالونيكي، فقد قرّر أن يرسل إليها تيموتاوس، ويحرم نفسه من رفيقه الوحيد (أيكون تركه سلوانس؟)، ويفرض على نفسه أن يعرف العزلة في أثينة.
إذا أردنا أن نعرف بنية هذا المقطع (أقلّه حتى آ 10) نربطه مع 2: 17- 20، فتكون لنا رسمة تعاكسية: أ- ب- ب ب- أ أ. أ (2: 17- 20): ونحن أيها الاخوة، إذ قد فصلنا عنكم... بعثنا تيموتاوس". ب (3: 1- 4): لهذا، ما عدنا نستطيع أن نحتمل بعد. ب ب (آ 5): لهذا، ما عدنا نستطيع أن نحتمل بعد. أأ (آ 6- 10): وأما الآن وقد عاد تيموتاوس إلينا من عندكم.
في البداية (2: 17- 19) وفي النهاية (3: 6- 10) تعود مواضيع وألفاظ: "أرى وجهكم" (2: 17؛ 3: 10). "اشتياق" (2: 17؛ 3: 6) أن نلتقي من جديد أو أن تصلنا أخباركم. "وفرة" الاجتهاد والصلاة (2: 17؛ 3: 10). "الفرح" (2: 19- 20؛ 3: 9).
وبين هذين القسمين (أ، أأ) يرد القسم المركزيّ في توسّعين متوازيين (ب= 3: 1- 4؛ ب ب= 3: 5). يبدآن بالعبارة عينها: "ما عدنا نستطيع أن نحتمل"، فيذكراننا بإرسال تيموتاوس إلى تسالونيكي (2: 2، 5) بسبب القلق الذي انتاب بولس: ما الذي حصل لإيمان التسالونيكيين ولثباتهم في المحن (المضايق) التي أصابت الجماعة؟ إن "إيمانكم" (33: 2، 5) يوافق "تزعزع" (3: 3). وامتحن يقابل المجرّب (3: 5).
نبدأ دراستنا بقراءة عامة، ثم نعود إلى دراسة الأقسام.

1- قراءة عامّة
أ- المضايق، المحن، الضيق
الموضوع الذي حوله ينتظم مجملُ النص هو موضوع المحن والمضايق والضيق: "لئلا يتزعزع أحد في هذه المضايق" (آ 3). "إن المضايق ستنتابنا" (آ 4). "ما نحن عليه من الضيق والشدة (آ 7). ومع هذا تأتي المحنة أو التجربة التي يسبّبها المجرّب فيذهب تعب المرسلين سدى (آ 5).
تصوّر عالمُ الجليان اليهوديّ أن المحن والكوارث ستنصبّ على المؤمنين قبل نهاية العالم إلى أن يأتي المسيح في ملكه (مر 13 وز). وبعد موت المسيح وقيامته، ظنّ المسيحيّون أنهم دخلوا في هذه الحقبة الأخيرة التي فيها ينتظرون مجيء ربهّم (2: 19؛ 2 تس 2: 2). ويرى بولس أن حياة المسيحيّ في المحن أو المضايق، هي الوضع العاديّ للمسيحييّن قبل مجيء المسيح.
في هذه النقطة عاد بولس إلى الفقاهة التي أعطاها في تسالونيكي (آ 4): ذكّرهم أنه عمهم الطابع الحتميّ لهذه المقاومة للذين يؤمنون بيسوع. فقد كان هو أول ضحيّة لها. وإذ يورد لوقا في أع أن بولس شدّد على الطابع الحتميّ لآلام المسيح (أع 17: 3) في كرازته في مجمع تسالونيكي، سبق له فأورد في خبره قولاً آخر يتطلّع إلى هذه الحتميّة بالنسبة إلى تلاميذ المسيح. قال بولس وبرنابا: "يجب علينا أن نمرّ بمضايق عديدة لكي ندخل ملكوت الله" (أع 14: 22). إذن، نحن أمام موضوع عاديّ في الفقاهة الرسوليّة. ونجد تثبيتاً له في عدد من نصوص العهد الجديد التي تشهد على هذه الفقاهة القديمة، وتقدّم الضيق والمحنة على أنهما منبع سعادة.
نقرأ في يع 1: 12: "طوبى للرجل الذي يصبر على المحنة، لأنه، وقد صار مختبراً، ينال إكليل الحياة الذي وعد به الله محبّيه" (رج 1: 2- 3: امتحان إيمانكم ينشىء الصبر). وفي 1 بط 1: 6- 7: فتبارك الله أبو ربنا... ففيه تبتهجون، وإن كان لا بدّ لكم الآن من الغمّ وقتاً يسيراً في محن متنوّعة، حتى إن امتحان إيمانكم الذي هو أثمن من الذهب الفاني- المختبر مع ذلك بالنار، يكون لكم مدعاة مديح ومجد وكرامة عند تجلّي يسوع المسيح".
ويستعيد بولس نفسه هذه الفقاهة في روم 5: 2- 4 بعد أن يطبعها بطابع شخصيّ: "نفتخر في رجاء مجد الله. وليس هذا فحسب، بل نفتخر حتى في الشدائد لعلمنا أن الشدّة تُنشىء الصبر، والصبر ينشىء الفضيلة المختبرة، والفضيلة المختبرة تنشىء الرجاء". وإن خبرة التسالونيكيين ليست بغريبة عمّا قرأناه هنا في روم. ونستطيع أيضاً أن نذكر عب 12: 1 ي.
كل هذه النصوص هي امتداد في الفقاهة الرسوليّة، لإعلان التطويبات في فم يسوع، ولأقوال يسوع التي بها يؤكّد على صعوبة الدخول إلى ملكوت السماوات (مر 9: 43، 45- 47؛ 10: 15، 23، 25- 27) كما يؤكّد على أن تلاميذه يجب أن يقاسموه حالته المؤلمة (مر 8: 34 ي). وتستعيد هذه الفقاهة الرسوليّة في منظار مسيحي (أي: على ضوء سرّ يسوع الفصحيّ، سرّ موته وقيامته) تعليماً عرفه حكماء العهد القديم الذين تعلّموا الكثير من الخبرة التاريخيّة في حياة شعبهم (حك 2: 19؛ 3: 15؛ سي 1: 23؛ 2: 1- 14).
أما مضايق كنيسة تسالونيكي فقد بدأت قبل أن يترك بولس وتيموتاوس وسلوانس المدينة. وبهذا الوضع ارتبط فرح المرسلين. فهؤلاء المسيحيّون هم منذ ارتدادهم فرح بولس ورفيقيه (2: 19). ولكن هل يستطيعون المحافظة على هذا الفرح؟ هم لا يستطيعون إذا تزعزع المؤمنون الجدد بهذه المضايق، إذا استطاع المجرّب أن يتغلّب على ثباتهم (يكون تعبهم ذهب سدى. وكأنه لم يكن، آ 5). فعلى بولس أن يعرف ما الذي حدث في تسالونيكي. لهذا بعث تيموتاوس لا ليثبّتهم فحسب، بل ليعرف أين وصل إيمانهم، ويحمل الأخبار إلى الرسول. لهذا انفجر الفرح عند عودة تيموتاوس، لأن الأخبار التي حملها هي "أخبار طيّبة" هي "إنجيل" حقيقيّ.
ب- الفرح الذي يصل إلى فعل الشكر
نقرأ في آ 9: "كل الفرح الذي فرحنا به بسببكم". إن تكرار "الفرح" يدلّ على الطابع الخارق لهذه العاطفة. وفي بداية المجموعة (أ، 2: 19- 20)، كان قد عبرّ بولس عن هذا الفرح بشكل مدهش: "ما هو رجاؤنا وفرحنا وإكليل فخرنا إلاّ أنتم أمام ربنا يسوع المسيح في مجيئه! فأنتم فخرنا (مجدنا) وفرحنا". لسنا هنا فقط أمام هتاف القلب، بل أمام جرأة لاهوتيّة فائقة.
تجرّأ بولس فقال إن التسالونيكيين هم "إكليل كبريائه، فخره". بهم يفتخر. بهم يتمجّد. نجد هذا الموضوع (الافتخار) ما يقارب الخمسين مرة عند بولس (مرتين في يع، مرّة واحدة في عب، ولا نعود نلتقي به في ما بعد). حين يجعل الانسان "كبرياءه" في شخص أو شيء، فهو يستند إليه لكي يعيش. وقد تكون هذه "الطمأنينة" موافقة للإيمان أو معارضة له، إذا استندت إلى الله أو إلى واقع بشريّ ودنيويّ.
وسيقول بولس في مناسبات أخرى: ليس له سوى موضوع كبرياء (افتخار) واحد، "صليب ربّنا يسوع المسيح" (غل 6: 4). أو "الرب يسوع" (روم 15: 17: الفخر في المسيح يسوع). ويحذّرنا قائلاً: "لا يفتخر أحد بالبشر" (1 كور 3: 21). أما هنا فيتجرّأ ويؤكد أنه يستطيع أن يستند إلى حياة الجماعة، يستطيع أن يفتخر بالجماعة في يوم مجيء الربّ: فهي فخره (كبرياؤه، بيشوف حاله فيها). هي سبب موقفه المطمئنّ أمام دينونة الله. إذن، هي علّة رجائه. منذ الآن، الجماعة هي فرحه في نهاية الزمن. وهي تلعب في رجائه الدور الذي لعبه يسوع. والفخر (أو: المجد) الذي ينتظر كالعطيّة السميا (بما أن المسيحيّ يعيش "في رجاء مجد الله"، روم 5: 2 الذي دعاكم إلى ملكوت مجده، 1 تس 2: 12)، يمتلك منذ الآن عربونه، يمتلك "الدفعة الأولى". حين يحرّك الله الإيمان في قلب الناس، فهو في شكل من الأشكال يمجّد (يكرّم) حامل كلمته. "أنتم مجدنا وفرحنا". كل هذا سوف يستعيده بولس ويتوسّع فيه في 2 كور 3 مع المقابلة الشهيرة بين مجد العهد الأول ومجد العهد الثاني.
وإذ أراد بولس أن ينهي هذا المقطع حول العلاقات البعيدة بينه وبين التسالونيكيين، عاد يؤكّد على فرحه (آ 9- 10): هذا الفرح هو الدافع إلى شكر لن يكون يوماً على مستوى الموهبة التي نلناها.
وفعل الشكر هذا ليس فقط صلاة ومديح شكر، بل هو طلب أيضاً. فرغم الأخبار التي وصلت إلى بولس والفرح الذي أنشأته فيه هذه الأخبار، فهو ما زال يحنّ للعودة إلى تسالونيكي. فهذه الرغبة في العودة لم تنطفىء، بل هي تأجّجت. "ليل نهار نبتهل إليه بإلحاح حتى نرى وجهكم، ونتمّ ما هو ناقص في إيمانكم".
ورغم الفرح والعزاء، ظلّ بولس واعياً للأمور: ما هو أساسيّ ظلّ قائماً في تسالونيكي. ولكن الفقاهة لدى التسالونيكيين ظلّت قصيرة: فهناك نقاط هامة لم تعرض، ونقاط أخرى لم "تهضم". هناك نقص في إيمانهم لا بدّ أن يُملأ.
ج- صلاة في خاتمة القسم الأول
ترد هذه الصلاة في آ 11- 13، فتتوجّه إلى "الله الآب". وفي الحركة نفسها إلى "ربنا يسوع المسيح". فالفعل هو في المفرد. والآب والرب هما واحد. وتشمل هذه الصلاة طلبتين رئيسيتين. واحدة تعني بولس، وأخرى تعني المسيحيّين.
طلب بولس لنفسه أن يستطيع العودة إلى تسالونيكي (رج آ 10). ويتمنّى أن تكون هذه العودة سريعة. وطلب من أجل المسيحييّن أولاً نموّ المحبّة وفيضها. إن تقدّم الحياة المسيحيّة هو نتيجة الصلاة ومجهود الانسان. والمحبّة التي يتمنّاها بولس هي شاملة. "بعضكم لبعض". ثم "للجميع". ويقدّم لهم الرسول نموذجاً هو محبّة المرسلين للجماعة. هذا ما ذكره وألحّ عليه في 2: 1- 2 وفي 2: 17- 3: 10: فالحبّ يظهر في مواقف محسوسة على مستوى "العطاء". هكذا كان المرسلون قدوة للمؤمنين.
وإذا كانت المحبّة تمتلك كل هذه الأهميّة، فبسبب قيمتها الاسكاتولوجيّة. سيحدّد بولس في 1 كور 13 أن الإيمان والرجاء والمحبّة لها قيمة أبديّة، ولكن أعظمهنّ هي المحبّة. فبفضل هذه المحبّة تتثبّت قلوب المؤمنين، أي تقيم بشكل أكيد في الشجاعة والقوّة حتى نهاية المحنة والضيق. وتجعلهم يثبتون في القداسة.
نجد هنا لفظة "قداسة" للمرة الأولى، ولكنها ستعود في التحريضات التالية (4: 3، 7). وهذه القداسة هي في جزء منها نقاء وبرارة (2: 10). إذن، يصلّي بولس لكي لا يجد الربّ في يوم مجيئه ما يلوم به المؤمنين. في هذه الرسالة التي لا تُذكر فيها "الخطيئة"، البرارة تقابل "غياب الخطيئة".
كان بولس قد أشار مراراً إلى المجيء. في 1: 10 ينتظر المرتدّون الجدد الابن الذي يأتي من السماوات. في 2: 19 وخصوصاً في بداية المجموعة الثانية من القسم الأول، اعترف بولس بأن رجاءه فرحٌ في المجيء. فمن الطبيعيّ أن يعود إلى هذا "المجيء" في الخاتمة، إلى ذلك الوقت حيث يكون الربّ حاضراًًًًًً وسط أخصّائه. فكل حياة الكنيسة وكل العمل الرسوليّ يتوجّهان نحو هذه التتمّة في انتظار ناشط.
في المجيء سيأتي يسوع "مع كل قدّيسيه" (أي: المؤمنين. المعمّدين). كيف يستطيع القديسون أن يرافقوا الربّ حين يأتي، بينما يفسّر بولس في 4: 13- 14 أن المسيحيين (وهم الذين ما زالوا في هذا العالم)، والموتىّ (القائمون) سيُخطفون للقاء الربّ؟ في المجيء لا يرافق القديسون الربّ، بل يأتون إلى لقائه. ولكن أما يكون "القديسون" هم الملائكة؟ فالتعبير البولسي (يعود إلى تقليد قديم) يعود إلى زك 14: 5: "سيأتي الربّ إلهي وكل قدّيسيه معه". ففي زكريا، هؤلاء "القديسون" هم الملائكة كما في الأدب الجليانيّ. ولا ننسى في العهد الجديد وجود الملائكة مع ابن الانسان أو الرب عند مجيئه في عشرة "أقوال". ولكن في مر 8: 38؛ لو 9: 26؛ يهو 14؛ رؤ 14: 10، يُسمّى هؤلاء الملائكة "قدّيسين": سيأتي مع ملائكته القديسين. إن عبارة 1 تس 3: 13 (عند مجيء ربنا مع قديسيه) هي الأقدم، وفيها لا يحدّد الكاتب ليمنع كل التباس، أن القديسين هم ملائكته. إذن، يتجمّع عدد كبير من الكائنات السماويّة في انتظار المسيح، فينضم إليهم المؤمنون.

2- إرسال تيموتاوس (3: 1- 5)
كان بولس قد طلب من سلوانس وتيموتاوس أن يأتيا من بيرية لينضمّا إليه في أثينة (أع 17: 15). ولكن خبر الهجوم الخطر على جماعة تسالونيكي (2: 14؛ 3: 3 ي)، فرض على الرسول انفصالاً جديداً. وهذا ما يؤلم قلبه. والقرار بأن يبقى وحده في أثينة لم يكن بالسهل. هنا نطرح السؤال: أيكون تيموتاوس جاء وحده وظلّ سلوانس في بيرية؟ أو أن تيموتاوس جاء مع سلوانس، ولكن سلوانس ذهب حالاً إلى مهمة أخرى في مكدونية؟ مهما يكن من أمر، سيأتي الاثنان في ما بعد من مكدونيّة وينضمّا إلى بولس في كورنتوس (أع 18: 5).
نقرأ في آ 1 "مونوي" (وحدنا). ماذا يعني هذا الجمع؟ إن الشرّاح الذين يعتبرون أن سلوانس وتيموتاوس انضمّا إلى بولس في أثينة، حسب تعليماته، يرون أن "وحدنا" تدلّ على بولس وسلوانس. ولكن إن كان سلوانس في أثينة بجانب بولس، فليست التضحية بكبيرة إذا ذهب تيموتاوس إلى كورنتوس. حينئذٍ يكون بولس مع سلوانس. ولكن قد يكون بولس وحده (الجمع يدلّ على بولس) بعد أن بقي سلوانس في بيرية أو ذهب في مهمّة أخرى، وزاد "عذابه" انتظار الأخبار من تسالونيكي. نقرأ فعل "ستاغو": غطّى بصمته، احتفظ لنفسه، وفي معنى ثانٍ: احتمل. لهذا نقرأ: "لم أعد أحتمل".
الألقاب التي أعطاها بولس لتيموتاوس (آ 2) تدلّ على العلائق الوثيقة التي تجمعه به. هو أخونا. وصفته الأخرى أنه يعمل في عمل الله الذي هو الكرازة بالإنجيل "سينرغون تو تيو": مشارك الله. هذا اللقب يدلّ على الكرامة السميا التي ينعم بها رسول المسيح (1 كور 3: 9؛ 2 كور 6: 1). استصعب النسّاخ مثل هذه العبارة فأحلّوا محلها "مشاركنا" (الفاتيكاني)، ثم خادم الله" (دياكونون تو تيو، السينائي، الاسكندراني، السرياني، البحيري القبطيّ). وأخيراً جاء من ضمّ العبارتين في جملة واحدة فقال: مشارك الله وخادم الله.
يجب على أهل تسالونيكي أن يروا في شخص تيموتاوس الممثّل الحقيقيّ للرسول. نحن نفترض أن هذه التوصية كانت ضروريّة بسبب الدور الخفيّ (في أع 17: 4، 10 لا يُذكر سوى بولس وسلوانس) الذي لعبه تيموتاوس في تسالونيكي. كانت مهمّته أن يحمل الأخبار، وأن يحلّ محلّ الرسول لدى التسالونيكيين المتروكين بدون رسولهم. وجب عليه أن يثبّتهم في الإيمان (3: 8)، وأن يعظهم في ما يتعلّق بهذا الإيمان، لأن القنوط والشك والخطيئة تهددهم في كل خطوة.
على تيموتاوس (آ 3) أن يسهر لئلا يتزعزع أحد منهم في هذه المضايق. إن فعل "ساينو" هو فريد في العهد الجديد. ويعني أولاً: حرّك ذنبه فرحاً. ثم: مالق، سحر. أخيراً: حرّك، زعزع. اقترح بعض الشرّاح: لئلا يُسحروا، يضلّوا. ولكن الترجمات القديمة والآباء اليونان فهموها: "تزعزع".
ظنّ بعضهم أن بولس يتكلّم عن مضايق التسالونيكيين (1: 6). ورأى آخرون في خط الذهبيّ الفم وغيره أن بولس يتكلّم عن مضايقه الخاصة التي قد تزعزع الكنيسة إن سمعت بخبرها. هنا، لا نستطيع أن نفصل مضايق بولس (2: 17- 18) عن مضايق التسالونيكيين (1: 6؛ 2: 14). في اليونانيّة "تلبسيس". هي معدّة للمسيحيين. فعليهم أن ينتظروها ولا يدهشوا منها. غير أن بولس يتحدّث عن "هذه" المضايق، فيعني الظروف التي فصلت بولس وما زالت تفصله عن التسالونيكيّين، والمقاومة التي لاقاها التسالونيكيون صارت من الماضي (2: 14؛ 3: 4).
إذن، عرف التسالونيكيون حالاً المضايق، ولم يكن أقلّها ذهاب المرسلين مكرَهين. هي لم تكن شكاً لإيمانهم، لأن صليب الرب نبّههم إلى أنهم سيواجهون هذه الجهادات، هذه التجارب، هذه الآلام الخاصة بنهاية الزمن، وأنهم سيمرّون فيها ليدخلوا ملكوت الله (أع 14: 22). كان العالم الراباني والجلياني ينتظر لشعب اسرائيل وللعالم أيضاً، حقبة من المضايق التي تقسو شيئاً فشيئاً حتى مجيء ملك المسيح. أما في نظر المسيحيّة الأولى، فقد بدا زمن الضيق الأخير مع موت يسوع المسيح وقيامته. وقد انخرطت الكنيسة منذ البداية في ضيق نهاية الأزمنة.
كان بولس قد نبّه التسالونيكيين إلى ذلك (آ 4- 5)، ولقد بيّن الحدث أنه كان على حقّ. وإذ تحدّد على هذا المستوى إنفصالُ الرسول عن الكنيسة البعيدة، اتخذ شكل خطر جسيم؛ لهذا لم يستطع بولس أن يتحمّل وهو الذي يجهل مصير الكنيسة. وإذ أراد أن يضع حداً لكل هذا، أرسل تيموتاوس ليتقصّى أخبار التسالونيكيين. أو بالأحرى: يستقصي إيمانهم. فالكنيسة تموت إذا تخلّت عن إيمانها. وتقوم إن ثبتت على إيمانها. فالمجرّب (إسم الشيطان. بايرزون، مت 4: 3) يستغلّ المضايقة ليدمّر الإجمان في القلوب، فيذهب تعب المرسلين سدى.

3- تقرير تيموتاوس وفرح بولس (3: 6- 13)
قد يكون تيموتاوس عرّج على بيرية وأخذ معه سلوانس، وانضمّ الاثنان إلى بولس في كورنتوس. أما 1 تس 3: 6 فلا تذكّر إلاّ تيموتاوس الذي قام بالمهمّة خير قيام. وكتب بولس رسالته تحت تأثير هذا الحدث. فقد فرح لعودة العلاقات، بواسطة موفده، بينه وبين كنيسة التسالونيكيين. كما فرح بالأخبار حول إيمانهم ومحبّتهم.
رأى جض الشرّاح أن "إونجليزستاي" استعملت هنا فقط في العهد الجديد في المعنى الدنيويّ (لا الدينيّ، حمل الانجيل): أعلن الخبر الطيّب. بشّر (حمل إليه بشارة حلوة، مثلاً وُلد له ولد) (رج السبعينية 1 صم 31: 9؛ 2 صم 1: 20؛ 18: 19). ولكن لا يبدو أن للفعل هنا المعنى الدنيويّ. فإذا كان بولس لا يتكلّم أبداً عن الإيمان دون أن يفكّر بالمسيح الذي هو موضوع هذا الإيمان، فخبر الايمان والمحبّة عند التسالونيكيين هو قريب من "خبر المسيح" في 3: 2 (إنجيل المسيح). كما أن كلمة الربّ هي قريبة من الايمان الذي وُلد من هذه الكلمة (1: 8). فالتسالونيكيّون يؤمنون بيسوع المسيح ويحبّون بعضهم بعضاً (3: 3).
تأكدَّ بولس من محبّة التسالونيكيين له وتشوّقهم لرؤيته. ولكن أهم من ذلك هو أنهم حافظوا على إيمانهم، وهكذا تعزّى بولس رغم ما هم عليه من الشدّة والضيق. "لذلك" (ديا توتو). يرتبط بعودة تيموتاوس والاخبار التي حملها معه. لا تدلّ "أنانكي" على الضرورة والحتميّة، بل على الشدّة والضيق مثل "تلبسيس" التي ترافقها لتقوّيها تجاه التعزية التي شعر بها بولس.
إلى أي مضايق يلمّح النصّ؟ أتلك التي عرفها في كورنتوس (أع 18: 5 ي)؟ ربما. فتعزيات الله في كل جهادات رسالته هي خبرة مستمرّة في حياته (2 كور 1: 3 ي؛ 7: 6). أما الآن فتعزيته الكبرى هي أنه يعرف أن عمل الله يتواصل في تسالونيكي، وأن الكنيسة ما زالت قائمة. إذ كان يخاف حيل الشيطان التي قد تتغلّب على إيمان اخوته في تسالونيكي، أحسّ أنه قريب من الموت. ولكن إذ علم أنهم ثابتون في إيمانهم وطاعتهم للربّ، فقد عادت إليه الحياة (نحيا الآن بما أنكم ثابتون في الربّ، آ 8). "ستيكاين" (ثبت، كان ثابتاً) في الربّ. وهناك "ثبت في الإيمان" (1 كور 16: 13). والعبارة الأولى تشدّد على الربّ، موضوع الإيمان. والثانية تشدّد على الإيمان نفسه.
أي فعل شكر يضاهي الفرح الذي يحسّ به بولس أمام الله بسبب أهل تسالونيكي (آ 9- 10)؟ اطمأن الرسول، فما عاد يقوم بالمحاولات العديدة ليذهب إلى تسالونيكي. بل هو ينتظر هذا اللقاء من الله في صلاة حارّة.
"هستاريما": النقص، الفقر، الفجوة. كان هنا نقص في إيمان التسالونيكيين وهذا ما يعرفه بولس أكثر من غيره، وهو الذي تركهم قبل أن يعلّمهم كل شيء عن الحياة المسيحيّة. فإيمانهم لم يؤثّر بعد على حياتهم. لهذا، حين يتمّ بولس ما هو ناقص في إيمانهم، يسعى إلى إصلاح سلوكهم الأخلاقي. هذا ما يشير إليه القسم الثاني من الرسالة.
هنا تأتي صلاة تنهي القسم الأول من الرسالة (آ 11- 13). صلاة هادئة بعد الضيق والقلق. نجد فيها الموضوعين اللذين قرأناها في آ 10: شوق إلى رؤية أهل تسالونيكي. تكملة إيمانهم. وسوف ينتظر أن يقوده الله إليهم. يتحدّث بولس هنا عن الطريق (هودوس) التي يتبعها في أسفاره الرسوليّة. من يدري؟ فقد يمرّ في تسالونيكي. وهو سيزور كنائس مكدونية بعد بضع سنوات مع رسالته في أفسس (أع 19: 21؛ 20: 1؛ 1 كور 16: 5؛ 2 كور 2: 13).
الفصل التاسع
توصيات من اجل الحياة المسيحية
ف 4

مع ف 4 يبدأ القسم الارشادي في الرسالة. إذا كان بولس قد اطمأن للأخبار التي حملها إليه تيموتاوس من تسالونيكي (3: 6 ي)، فهو يرغب رغبة حارة في أن ينضمّ الى اخوته في عاصمة مكدونية الكبرى. هو يفرح بأن يراهم، ويتوخّى أن يُتمّ ما هو ناقص في ايمانهم (3: 10) ولكنّه لا ينتظر هذا الوقت الذي فيه يراهم من جديد، وهو يجهل متى يكون، لينقل إلى الكنيسة المسيحيّة تحريضاته وتوصياته الملحّة. لهذا، سيكرّس لهم القسم الثاني من رسالته (4: 1- 5). والتوسعّات التي تلي تستلهم ما يعرفه عن الحالة الاخلاقية والروحيّة في كنيسة تسالونيكي. كيف يعرف ذلك؟ بواسطة تيموتاوس، وبواسطة رسالة بعث بها المسؤولون التسالونيكيون الذين طلبوا منه تعليمات تردّ على اسئلة تتعلّق بالكنيسة وتبلبلها.

1- نسألكم ان تزدادوا (4: 1- 2)
نجد هنا فعلين. "اروتومن" "نسألكم". "باراكالون" "نحرّضكم". أراد بولس أن يدلّ على أن التعاليم التي يمليها، ترتبط بتلك التي تلقّاها التسالونيكيون شفهياً، وقد بدأوا يعملون بها. أما موضوع تحريضه: أن تنموا بازدياد: تسلكون وترضون الله. يدلّ الرسول على لطافة في كلامه وثقة في ما يطلب. فيسأل التسالونيكييّن أن يتقدّموا في طريق رسمها لهم. وهي الوحيدة التي يستطيعون أن يسيروا عليها لكي يرضوا الله. بل قد بدأوا يسيرون كما يعترفون بذلك.
ويعود بولس إلى هذه التعليمات (آ 2) "بارانجاليا": نقل أمر اليوم. كلمة نادرة في التوراة اليونانية، وهي تعني الأمر، التعليمة، الوصيّة. إن فعل "كالوين" "أمر" يستعمل إذا اردنا أن نشدّد على مضمون الأمر. اما "بارنجالين" فيشير الى الطابع الشخصي للأمر الذي يفرض نفسه على الذي يتوجّه إليه. وإن "بارانجالين" "في الجمع" يدّل على وصايا ارتدت سلطة الربّ. ولهذا نقرأ "في الرب يسوع"
هذه التعليمات قد اعطاها بولس يوم كان بولس بين التسالونيكييّن، وهي ما زالت حاضرة أمامهم. ولكننا لسنا معها على مستوى الحكمة (او الخلقّية) البشريّة. فبولس يحرّض التسالونيكيين "في الرب يسوع" أي في الايمان والطاعة لهذا الرب الذي يقرّون بسلطانه مثل ما يفعل رسولهم.


2- قداسة تنفي النجاسة (4: 3- 8)
إن الأداة "غار" (إنكم) تدل على أن بولس يعود إلى التعليمات التي عرفها أهل تسالونيكي، لأنهم سمعوها من فم بولس. هذه ارادة (تاليما) الله. بدون أل التعريف. فإرادة الله ليست كلها في التعليمة التالية. نقرأ "اغياسموس" التقديس، فعل التقديس. تتميز الكلمة عن "اغيوسيني" القداسة (2: 13). نادراً ما نجد "اغياسموس" في السبعينية وهي تعني "التقديس" (قض 17: 3) والقداسة (سي 7: 20: مك 2: 18) ولا سيّما في شعائر العبادة.
لقد كشف لنا الله هذه المشيئة في يسوع المسيح الذي هو تقديسنا (1 كور 1: 30). الله قدّسنا في يسوع المسيح وجعل منّا قدّيسين (1 كور 1: 2) بهذا، نستطيع أن نتقدّس فنحيا كأناس يخصّون الله. ويذكّر الرسول بقوّة اخوته في تسالونيكي، بما يتضمّن هذا التقديس على مستوى العلاقات الجنسيّة. نقرأ هنا "بورنايا" اي الفلتان الجنسي.
وقابل بولس الفلتان الجنسي مع الزواج الاحاديّ: ليكن لكل واحد امرأته. نحن هنا امام متطلبّة ثوريّة. تكون له امرأته وتكون معه دائماً. هذا يفترض زواجاً في القداسة، أي دون ان يمسّ تكرّسنا للربّ. ومراعاة هذه المتطلبة يفرض اختيار امرأة مسيحيّة او مستعدّة لأن تكون كذلك. في هذا المجال كانت الصعوبات في تسالونيكي كما في كلّ مكان. طلب اغناطيوس الانطاكي ان يُعقد الزواج برضى الاسقف فيكون الزواج حسب الرب، لا حسب الشهوة.
إذا كان على كل مسيّحي ان يتّخذ له امرأة في الربّ، فلكي يتجنّب الاساءة الى أخيه (أ 6). هذا ما يفهمنا أن مسيحيّي تسالونيكي الذين ما زالوا يعيشون حياة وثنيّة، كانوا يتجاوزون بسهولة حقوق إخوتهم. وهكذا وضع بولس المؤمنين الذين فسد حكمهم الاخلاقيّ، أمام هذه المتطلبّة الخطيرة. نقرأ في هذه الآية "اكديكوس" المنتقم. ترد مراراً في السبعينية وفي العهد الجديد في روم 13: 4 وهنا.
ويبرّر بولس هذا التحريض الذي قد سمعه التسالينيكيّون من فمه (آ 7): "لم يدعُنا الله الى النجاسة، بل إلى القداسة". متى دعانا الله؟ حين سمعنا الكرازة وتأثّرنا بعمل الروح الخفيّ، أعطانا الله الايمان. وهدف هذا النداء هو الله نفسه، نعمته، ملكه، خلاصه في يسوع المسيح. حين تحدّث بولس عن الهدف الأخير لنداء الله، استعمل الحرف "ايس" (إلى) (1 كور 1: 9: 1 تس 2: 12: 1 تس 2: 14: كو 3: 15: 1 تم 6: 12). اما بعبارة "كالاين إن" (دعاني)، فيشدّد بولس على الوضع الذي فيه وجد نداء الله المؤمن (1 كور 6: 7، 2). او على الوضع الذي فيه يقع المؤمن (1 كور 6: 7، 2). نقرأ في كو 3: 15 دمجاً بين الحرفين: "وليسُد في قلوبكم سلام المسيح الذي إليه (ايس) دُعيتم في (إن) جسد واحد". وحين يقول بولس "الله دعانا في التقديس" فهو لا يعني فقط أنه دعانا إلى التقديس بل دعانا فقدّسنا في ندائه.
واستخلص بولس النتيجة الأخيرة (آ 8) من تعليمات حاول ان يقدّمها على أنها تعبير عن مشيئة الله (آ 4، 6 ب، 7). فمن رذلها رذل الله نفسه.

3- من اجل حياة مسيحيّة تكون قدوة (4: 9- 12)
"أما في ما يتعلّق بالمحبة الأخوية" "باري دي". إستعمل بولس هذا التعبير في 1 كور 7: 1؛ 8: 1؛ 12: 1 ليبدأ أجوبته على أسئلة الكورنثيين. هل كتب التسالونيكيون إلى الرسل؟ الأمر ممكن. "فيلدلفيا" الحب الأخويّ. استعمل اليونان هذه اللفظة في المعنى الحرفي. اما الأدب المسيحي فاستعملها في المعنى الرمزي. "تيوديدكتوي": تعلّمتم من لله. أما النداء إلى ازدياد فهو على مستوى المحبّة.
أراد بولس من التسالونيكيين أن يطيعوه، وهكذا يحصلون على نتيجتين هامتين (آ 12). اولاً، يحيون بشكل لائق في نظر الذين هم في الخارج، في نظر الوثنيين، في نظر اللامؤمنين. (اكسو، رج 1 كور 5: 12- 12؛ كو 4: 5). أيكون حكم هؤلاء الناس قاعدة لحياة المسيحيين؟ كلا. فهذا ما يعرفه الرسول وهو ما زال يحثّ المرتدين الجدد على أن يحيوا حياة تليق بالله (2: 12). ولكنه متيقّن ايضاً أن الحياة المسيحيّة التي نجد قاعدتها في إرادة الله، في المحبّة، تحاول أن ترضي أفضل متطلّبات أخلاق العالم، ولكنها تتجاوزها وتتمّها. ومن الضروري جداً أن لا يكون الذين من الخارج بعيدين عن الانجيل والكنيسة بسبب أخطاء المسيحيين وسلوكهم الذي لا يتوافق مع إيمانهم.

4- موت المؤمنين على ضوء الرجاء (4: 12- 18)
"لا نريد أيها الاخوة أن تجهلوا" (آ 12). ندهش حين نسمع بولس يعالج موضوعاً جديداً. رج 1 كور 11: 3: "أريد أن تعلموا". رج كو 2: 1؛ فل 1: 12. كلها تعابير بها ينبّه بولس قرّاءه إلى أهميّة ما سيقدّمه من تعليم (رج روم 1: 12: "لا أريد أن تجهلوا" 11: 25؛ 1 كور 10: 1؛ 12: 1؛ 2 كور 1: 8). يبدو ان بولس يعارض هذا التعليم الجديد الذي يراه ضرورياً لإخوته في تسالونيكي مع رفضه بأن يكتب حول الحبّ الاخويّ (آ 9). ويبدو أيضاً أن الرسالة التي جاءت من تسالونيكي، أشارت الى القلق الذي اثاره موت بعض المسيحييّن وطلبت إليه تهدئته. كانوا يتساءلون باضطراب حول مصير الموتى. هل سيكونون غائبين في مجيء الرب المجيد؟ هل يكونون أقلّ حظاً من المؤمنين الذين ظلّوا احياء؟ ومن يتأكّد أنه لن يموت قبل يوم الرب؟ لهذا، وجب عليه تبديد هذا اللايقين المؤلم حول الذين رقدوا.
"لئلا تحزنوا كغيركم". هل أراد بولس أن لا يحزن المسيحيّون بسبب موت اخوتهم، وهكذا يتميّزون عن اللامؤمنين؟ أو هل يستطيع المسيحيّون أن يحدوّا على أمواتهم ولكن بطريقة تغاير طريقة الوثنيين الذين لا رجاء لهم. لم يعارض الرسول يوماً شرعيّة الحزن (روم 12: 15؛ 1 كور 12: 26). فحزنُ المسيحيّ أمام الموت له صفة خاصة. فالموت يجد نوراً في الرجاء والعزاء الموعود به. يختلف عن موت الآخرين الذين لا رجاء لهم. وبما أنه لا رجاء إلاّ في يسوع المسيح، كما يقول بولس (1: 3؛ 1 كور 15: 19)، فالذين لا رجاء لهم هم الوثنيّون. فهل ترك بولس التسالونيكيين بلا رجاء أمام الموت ليضحي موت بعضٍ منهم سبب قلق واضطراب؟ كلا. فقد انتظروا مجيء ربهم الذي يضمّهم إلى مجده (3:1، 10؛ 2: 19- 20؛ 3: 13). ولكن بسبب هذا الرجاء هم يحزنون على موت إخوتهم الذين قد لا يكونون حاضرين حين يأتي الربّ. فحاول بولس أن يبيّن أن رجاءهم في ربنا يسوع المسيح يحافظ على قيمته بالنسبة إلى المؤمنين الأموات وإلى المؤمنين الأحياء. وإن المؤمنين الاموات ينضمّون إلى الأحياء لكي يستقبلوا الرب في مجده ويشاركوه في ملكه.
"فإذا كنا نؤمن ان يسوع مات ثم قام" (آ 14). أسّس بولس برهانه على يقين إيمانيّ يشاركه فيه التسالونيكيّون. وهو يتحدّث عن يسوع، لا عن المسيح (1 كور 15: 3 ي)، ولا عن الرب (روم 10: 9)، ولا عن ابن الله (روم 1: 3؛ قض 1: 1). لا شك في أن يسوع هو موضوع إيمان، لأنه المسيح والرب وابن الله. غير أن الرسول أحبّ هنا أن يذكّر التسالونيكيين أنهم يؤمنون بموت يسوع وقيامته وهو انسان بدأت فيه قيامةُ الموتى وكان عربونها (1 كور 15: 20 ي). إذن، تحدّث بولس إلى التسالونيكيين عن قيامة الموتى التي لا تنفصل عنها قيامة يسوع. ولكنه لم يعلّمهم عن امتياز المؤمنين بأن يقوموا قبل الآخرين حين يجيء الرب.
"لئن كنا نؤمن... كذلك". إنطلق فكر بولس في قفزة كبيرة نحو الواقع المهمّ: الله السيّد السامي على التاريخ، منفّذ المخطط الفدائي الذي يشكّل موتُ يسوع وقيامته العمل الحاسم. هو يتمّ ما بدأ به. "يحمل" مع يسوع في مجيئه المجيد أولئك الذين رقدوا. هذا الواقع هو الذي يبدّد كل قلق وحزن لدى التسالونيكيين بسبب موتاهم.
نجد فعل "اكساي"، يحضر في يوم المجيء القريب. رج 1 كور 4: 14: يحضرنا الله معكم. كما نجد "ديا تو ياسو" بواسطة يسوع. "سين كرستو" مع يسوع تدل على علاقات مستيكية. ان كرستو "في المسيح".
"وانا نعلن لكم" (غار). هذا ما يدلّ على أن بولس يبرّر تأكيد أ 14 ب الذي بدا جريئاً. وهذا هو قول الربّ. استند اليه بولس ليجعلهم يطمئنون إلى ما سيقول. وقول الرب هذا يعطي كل ثقله للتعليم الذي يلي. ماذا تقول هذه الكلمة؟ نحن الأحياء، نحن الذين سنبقى أحياء، لن نسبق بالتأكيد (لا يمكن اطلاقاً. نجد هنا نافيتين: او، مي) الذين رقدوا. "هوتا": أنّ. أداة تعلن، تبدأ ما سيقوله بولس عائداً إلى قول الربّ. تلك كانت حرارة انتظار الربّ بحيث عبرّ بولس عن فكرته وكأن اخوته في تسالونيكي سيكونون بعد أحياء حين يأتي الرب. وقد انطلق بعضهم من هذه الجملة ليشدّد على نسبة الرسالة حقاً إلى بولس: فلو كتب شخص باسم بولس بعد موت بولس، لما استطاع أن ينسب إليه كلمة يكذّبها الحدث. ولكن يجب أن لا نعزل هذه العبارة عن مجمل النصوص البولسيّة لئلا نشوّهها. فإذ قال بولس ما قال، فهو لا يعتبر أن الله لا يقدر أن يطلب منه كل يوم ذبيحة حياته (1 كور 15: 30- 31؛ 2 كور 1: 8- 9؛ فل 2: 17). ثم إن بولس لا يتكلّم هنا فقط عن المؤمنين الذين ماتوا ساعة يكتب، بل عن الذين يكونون قد ماتوا ساعة يجيء الرب.
ولكن يبقى التأكيد الجديد الذي يضع حداً لجهل التسالونيكييّن. وهو أننا لا نسبق الراقدين. ولكن كيف يكون المؤمنون الموتى على قدم المساواة مع الأحياء حين يجيء الرب؟ هذا ما سيقوله بولس في آ 16- 17.
"هوتي" لأن (آ 16). هي سببيّة. تعطي السبب الذي لأجله يؤكّد بولس أن المؤمنين الذين يظلوّن أحياء حتى يجيء الرب، لا يسبقون الموتى. فالرب بنفسه (اوتوس) ينزل من السماء. فكما رُفع يسوع القائم من الموت إلى السماء (أع 1: 9- 11) حيث يجلس عن يمين الله (روم 8: 34: أف 1: 20...)، كذلك سينزل من السماء في يوم مجيئه فيجعل جميع الخلائق تقرّ بملكه (1 كور 15: 24 ي). نجد هنا ثلاث عبارات: إصدار الامر، صوت رئيس الملائكة، هتاف بوق الله. قد تكون العبارتان الثانية والثالثة توضيحاً للأولى. ولكن ما هو المعنى؟ قد يكون زمنياً: حين ينطلق الأمر، حين ينفخ في البوق ولكن يجب أن نلاحظ أن مجيء الرب يهمّ بولس بقدر ما ترتبط به قيامة المؤمنين. إذن هذه العبارات الثلاث تدل على ما يرافق نزول الرب من السماء وقيامة المؤمنين.
نجد "كالوسما" (الامر). هو فريد في العهد الجديد. ويعني أيضاً الصيحة والعلامة والوصيّة. هذا الامر يتوجّه إلى الموت في المسيح. هي الكلمة القديرة التي تقيمهم. ونجد أيضاً "رئيس الملائكة" (ارخانغالوس). نجد هذه اللفظة هنا وفي يهو 9 مع اسم ميخائيل. رج دا 10: 13؛ 12: 1: ميخائيل هو احد الرؤساء (ارخونتون)، هو الملاك العظيم (انغالوس ميغاس). اختلفت أسفار العهد الجديد عن الأسفار المنحولة في العالم اليهوديّ، فلم تهتمّ بمراتب الملائكة. ويأتي البوق (سلبيكس) الذي هو أحد عناصر تصوير التيوفانيات في العهد القديم: مز 47: 6؛ صف 1: 16؛ زك 9: 14؛ أش: 18: 3. ونتذكّر بشكل خاص التيوفانيا الكبرى في سيناء (خر 19: 16، 19؛ 20: 18). هناك من يشدّد على أهميّة نصّ سفر الخروج فيقول: إن دور البوق في تصوير مجيء الرب يرتبط بدوره في تصوير ظهور الرب في ميناء. يُذكر البوق ايضاً في مت 24: 13؛ 1 كور 15: 52.
رسم بولس في بعض الخطوة تحقيق الرجاء الذي أشير إليه في آ 14 ب والذي بدأ بقيامة المؤمنين الموتى (آ 16). وقال في آ 17: ثم نحن الاحياء الباقين لن يكون فرقٌ بين وضع الأموات وإخوتهم الذين ظلّوا على قيد الحياة. سيجتمعون من جديد، ويكون لجميعهم مصير واحد. فالعبارة "هاما سين" (واحد مع، جميعاً مع)، تعلن أن لا شيء بعدُ يفصل في يوم المجيء المؤمنين الأحياء عن اخوتهم الموتى. هذا يعني أن الذين ظلّوا أحياء، قد تحوّلوا. لبسوا جداً ممجّداً كالقائمين من الموت، كالمسيح نفسه في صعوده (أع 1: 9). يُحملون كلهم في الغمام الذي يدلّ على عمل الله ويخفيه معاً. فالغمام ايضاً هو عنصر تصوير التيوفانيا (خر 19: 9، 13، 16) ولا سيّما في سيناء. الغمام هو علامة حضور الله وعمله وليس فقط مركبة الله (مر 13: 26؛ مت 24: 30). والهدف من خطف المؤمنين: "ليلاقوا الربّ في الهواء".
ان لفظة "ابانتيسيس" (لقاء) استعملت كثيراً في العالم الهلنستي: حين يقترب ملك (او شخصيّة عظيمة) من المدينة (هذا هو مجيئه، باروسيا، في المعنى الهليني. هذا ما يصوّره يوحنا الذهبي الفم للمؤمنين في أيامه في عظته الثامنة عن 1 تس)، يخرج السكّان كلهم للقائه ومواكبته في دخوله الى المدينة (هذا ما فعل المؤمنون يوم وصل بولس الى رومة، أع 28: 15). ونجد ابانتيسيس في السبعينية، ولا سيّما في تيوفانيّة سيناء العظيمة (خر 19: 10- 18) حيث نجد ذات العناصر التصويريّة التي في نصّ 1 تس. ويُقال أيضاً أن موسى أخرج الشعب خارج المخيّم للقاء الله (آ 17). ويلتقي الفكر الهلنستي والفكر البيبلي مع التقليد الجلياني، فيصبح لقاء المسيحييّن للرب النازل من السماء صورة في نهاية الأزمنة عن استقبال بني اسرائيل لالههم حين نزوله على جبل سيناء.
أين يحصل اللقاء بين الربّ واخصّائه؟ في الهواء. بين السماء من حيث ينزل الرب (آ 61) والأرض من حيث يُخطف الأحياء في السحب. حسب نظرة الأقدمين، كان مجال الهواء، يمتدّ من الأرض الى القمر. بعد ذلك يأتي الاثير. لا ننسى أن السماء هي موطن الله. الأرض موطن الاحياء، والشيول موطن الاموات. أما اليوم فنقول إن الله هو في كل مكان، بل إن السماء ليست مكاناً بلى هي حالة من السعادة تتجاوز المكان والزمان.
"وهكذا نكون مع الرب على الدوام" (آ 17 ب). "هوتوس"، هكذا في الظروف التي صوّرناها الآن. "بنتوتي" في كل وقت، على الدوام. فالمؤمنون لن يُفصلوا بعدُ عن الرب، كما قد يكونون إن ظلوا في جسدهم اللحمي (1 كور 5: 6؛ فل 1: 24) أو إن ماتوا (آ 16). أن نكون على الدوام مع الرب، هذا هو الهدف لمصير المسيحيين. عبارة موجزة وبعيدة كل البعد عن تصوير عالم الجليان اليهودي.
"سين كيريو ايناي": نكون مع الربّ، أي نعيش معه على الدوام، في اتحاد روحي حميم معه. نجد اختلافة في المخطوط الفاتيكاني: "ان كيريو"، في الرب. هذا ما يدلّ على اتحاد وثيق شبيه بما قاله يسوع: "انتم فيّ وانا فيكم".
إن عبارة "نكون مع المسيح" هي عبارة اسكاتولوجيّة حين ترتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بمجيء المسيح المجيد وبالأحداث التي تلي هذا المجيء. هكذا يشارك المؤمن في مجيء الرب، في ملكوته، في مجده. إن مشاركة التلاميذ (أو المؤمنين) في مُلك الله ومجده، أمر معروف في العهد الجديد. نقرأ في مت 13: 43: "يضيء الصديقون كالشمس في ملكوت أبيهم". وفي 25: 34: "تعالوا يا مباركي ابي رثوا الملكوت المعدّ لكم منذ إنشاء العالم". وفي رؤ 5: 10: "جعلتهم لالهنا ملكوتاً وكهنة، وسيملكون على الارض". وفي 22: 5: "الرب الاله ينير عليهم ويملكون إلى دهر الدهور". رج روم 5: 17؛ 8: 17؛ 1 كور 4: 8؛ 15: 23- 28؛ 2 تم 2: 12.
"فعزّوا اذن بعضكم بعضاً بهذا الكلام" (آ 18). اعتبر بولس أنه وصل إلى هدفه (آ 13)، فدعا أهل تسالونيكي أن يعزّوا، يشجّعوا بعضهم بعضاً بهذه الكلمات التي تضع حداً لجهلهم وتنقل لهم تأكيداً بأن اخوتهم الراقدين سيكونون في مجيئه، سيقومون فيشاركون الأحياء في ملكه. فالايمان ما زال حياً والمحبّة حقيقيّة، وحياة الكنيسة حارة. وهكذا سلّم بولس الى الاخوة مهمّة تعزية الاخوة.

خاتمة
نود ان نختم هذا الفصل مع توسّع حول "قول الرب" كما ورد في 4: 15- 17. ما هي طبيعة قول الرب التي يعود اليها بولس في آ 15؟
يرد قول الرب "لوغو كيريو" في 1 مل 20: 25 (حسب السبعينية) بمناسبة وحي كُشف لنبيّ: إذ استند إلى وحي الرب. رج سي 48: 3. وإذ ارتكز بولس على "قول الرب"، استطاع أن يؤكّد أن المؤمنين الأحياء ساعة المجيء لا يسبقون اخوتهم الموتى (آ 15). إذن يجب أن يقرأ هذا القول في آ 16- 17 (هوتي: لأن). للوهلة الأولى، يعود التعبير إلى بولس، لأننا نجد في آ 16 "ان كرستو" (في المسيح)، وهذه عبارة خاصة ببولس. وفي آ 17 ترد الافعال في صيغة المتكلم الجمع بينما الواقع المعلن (وهو: اختطاف المؤمنين الاحياء مع المؤمنين الذين قاموا للقاء الرب واجتماعهم به على الدوام) ينتمي إلى الكلمة المذكورة. فإذا توقّفنا عند مضمونها، فطابعها الاسكاتولوجي (والجلياني) واضح. وإذا قلنا إننا أمام قول المسيح، فهي تعني ابن الانسان ومجيئه المجيد عل سحاب الماء. ونحن نجد مثل هذه الأقوال في الأناجيل: "إن ابن البشر سوف يأتي في مجد أبيه مع ملائكته القديسين" (مت 16: 27). "يشاهدون ابن البشر آتياً على سحاب السماء في كثير من القدرة والمجد" (مت 24: 30؛ رج 26: 64). ولكن هذه الأقوال الانجيلية لا تربط قيامة المؤمنين بالمجيء، من أجل تعزية التسالونيكيين.
هناك علاقة اكيدة بين 1 تس 4: 16 و1 كور 15: 52 على مستوى المعنى كما على مستوى المبنى. ففي كليهما نجد "بوق الله" الذي يعطي إشارة بقيامة الموتى في المسيح وتحوّل المؤمنين الذين ما زالوا احياء. ولكن 1 كور 15: 11 هي مضمون حكمة يحتفظ بها الرسول للمسيحيين "الكمّال" (1 كور 2: 6) وموضوعها مجد المسيح (آ 7) أي كمال مصيرهم الأخير. وهذه الأسرار قد أوحى بها الروح (آ 10). ويرى بولس علاقة حميمة بين الروح والربّ (1 كور 3: 17؛ روم 8: 9- 10) بحيث صار "قول الرب" هو "السر" (1 كور 15: 52). وهكذا يكون قول الرب وحياً من الروح ناله بولس وهو يبحث عن جواب على سؤال التسالونيكيين.
هذه نظرة يسوع. وهناك نظرة أخرى تعتبر أننا هنا حقاً أمام قول الرب عبَّر عنه بولس بطريقته. يسوع قد أعلن أن بعض تلاميذه سيقاسون الموت (مر 8: 34، 35: 10: 39؛ 13: 12- 13؛ مت 10: 28؛ 24: 9؛ يو 16: 2). وهكذا قدّم حواباً على السؤال: لن يكون حظ هؤلاء الشهداء أقل من حظّ الذين سيظلوّن أحياء في المجيء. سيكونون رفاق المسيح فيذهبون إلى لقائه ليكونوا في موكبه المهيب.
الفصل العاشر
حياة تليق بالله
4: 1- 12

وينتهي القسم الأول بصلاة فيها يوجّه الرسول نظره إلى الله الآب والرب يسوع. ويسألهما بأن يسّهلا طريقه إلى تسالونيكي. ذاك كان القسم الأول الذي شدّد على قبول الانجيل، قدرة الخلاص، على مجيء يسوع المخلّص... والقسم الثاني هو القسم التحريضيّ: يعالج الاتجاهات الخلقيّة والحياة الجماعيّة التي حدّدها الرسول باسم الايمان المسيحيّ.
سنجد في هذا القسم الثاني توصيات حول قداسة الحياة والمحبّة، حول مصير الأحياء والاموات في مجيء الرب، حول السهر والانتظار، حول حياة الجماعة. وكل هذا ينتهي بصلاة أخيرة يودّع بها أحبّاءه: "نعمة ربنا يسوع المسيح معكم"
أما الموضوع الأول (آ 1- 12) فعنوانه "حياة تليق بالله: القداسة والحب الاخوي". بعد المقدمة (آ 1- 2)، نتوقّف عند العفّة والزواج المسيحي (آ 3- 8)، ثم عند المحبّة الاخويّة (آ 9- 12) التي يجب أن نسير فيها على ازدياد.

1- المقدمة (4: 1- 2)
يرى القديس بولس أن التحريض هو إحدى المهمّات الرئيسية لمؤسّسيّ الكنائس. فهو يتميّز عن فرض قواعد خلقيّة أو وصايا. التحريض هو في الواقع إعلان الانجيل في استنتاجاته العمليّة والمتطلّبات المرتبطة بالايمان.
وهذه المتطلّبات ليست جديدة بالنسبة إلى التسالونيكييّن. فبولس يذكّرهم مع بعض التفاصيل بما "تسلمتم منا"، أي التقليد الذي يعتبر بولس نفسه ناقلاً له أميناً. كانت بداية فعل الشكر الأول التي أشارت إلى زمن تأسيس الجماعة، قد رسمت خطاً عامّاً للتحريض الرسوليّ الموجّه إلى تسالونيكي: "لكي تسلكوا سلوكاً يليق بالله الذي يدعوكم إلى ملكوته ومجده" (2: 12). السلوك، السير، هو تصرّف نراه من الخارج.
ونلاحظ الدافع على هذا التحريض: المستقبل الذي يحتفظ به الله للمؤمنين. فهذا المستقبل يتجذّر في السّر الفصحي، سّر موت يسوع وقيامته. ولكن بولس يستقي من هذا المستقبل، لا من الماضي، الأسباب المباشرة للمتطلبات المسيحيّة التي تصبح أموراً ملموسة في المحبّة بكل أشكالها. وبالنظر إلى هذا المستقبل، يجب أن نرضي الله اليوم: نتصرّف بالصدق والامانة، نسلك سلوكاً يحسب حساب الله ويدلّ على علاقتنا به. فالحياة المسيحيّة كلها ستستنير بهذا المستقبل، بمجيء الله الذي نرجوه وننتظره.
2- العفّة والزواج المسيحيّ (4: 3- 8)
وبعد المقدمّة يقود بولس قرّاءه في مجالات مختلفة، لكي يزدادوا أكثر فأكثر، لكي ينموا.
أ- نداء إلى القداسة (آ 2- 13)
حين ينادي الله البشر لكي يكونوا كنيسة، يكون نداؤه نداء إلى القداسة. وفي صلاتين من 1 تس، تمنّى بولس أن يقدّس الله قرّاءه. "ليثبّت هكذا قلوبكم في القداسة أمام إلهنا وأبينا" (3: 12). "ليقدّسكم إله السلام نفسه تقديساً كاملاً... بغير لوم" (5: 23).
القداسة هي صفة تميّز إله اسرائيل، وهي غريبة عن العالم الدينيّ اليونانيّ. هي تفهمنا أن الرب فريد حقاً، أنه الآخر (ليس أحد معه)، أنه المتعالي. غير أن الإله القدوس هو إله العهود: فاذا كان "القدوس" فلكي يشرك البشر في قداسته، فلكي يسلّم هذه القداسة إلى أعضاء شعبه: حينئذ يصبح اسرائيل "شعب المقدّسين" بواسطة "قدوس اسرائيل". "كونوا قديسين لأني أنا قدوس". لم يعد شعب الله شعباً كسائر الشعوب. فالاختيار فصله عنهم.
استعاد بولس بشكل طبيعيّ هذه التسمية، وطبّقها على أعضاء الكنيسة: هم قديسون أو "مدعووّن ليكونوا قدّيسين" (1 كور 1: 2). لهذا، يدرك بولس المؤمن مشيئة الله كحاملة متطلبات خاصّة جمعها في لفظة "تقديسكم": فهي التي تظهر الجماعة المسيحيّة على أنها تختلف عن سائر المجموعات الدينيّة في أيّامه. لهذا سيتحدّث بولس في مختلف تحريضاته عن "الآخرين" مشدّداً على ضرورة الاختلاف عنهم. في آ 5 لا ينقاد المؤمنون لتيّار الشهوة كالوثنيين (رج آ 12، 13؛ 5: 6).
أن يكون لهذا التقديس نتائج على مستوى الحياة الجنسيّة والعفّة أمر عاديّ، لأن القداسة تعارض النجاسة. غير ان العهد القديم لم يعد له مفهوم طقوسيّ للنجاسة على المستوى الطبيعيّ او البيولوجيّ، التي تجعل الرجل (او المرأة) نجساً فتمنعه من القيام بأعمال طقسيّة داخل أطر العبادة. فإذا عدنا إلى بعض الأنبياء، مثل حزقيال، وإلى الدستور الجديد الذي صاغه يسوع، نعرف ان موضع النجاسة (والطهارة) هو في "القلب" موضع العلاقة مع الله، أو موضع الخطيئة التي هي نكران الله.
ب- تحريض على العفّة... (آ 3- 6 آ)
يتوسّع التحريض في ثلاث نقاط وينتهي بشرح وتفسير.
أولاً: امتناع عن الزنى
تدلّ هذه الكلمة العامّة على كل الانحرافات الجنسيّة. دلّت عند اليونان على الزنى وحياة المومس. وامتدت عند اليهود حسب تقليد التوراة اليونانيّ، إلى كل أشكال الفجور والزنى.
ثانياً: الامانة في الزواج
إذ أراد بولس أن يقدّم هذه المتطلبّة الثانية، عاد إلى استعارة فُهمت بطرق مختلفة على مرّ العصور منذ عهد الآباء. "الاناء" يعني أموراً كثيرة. هو "الجسد" (ليكن كل واحد سيّداً على جسده) وذلك على أساس النظرة اليونانيّة إلى الجسد الذي هو وعاء للنفس. حينئذ نكون أمام تكرار للتوصية الأولى في تعبير أقل سلبيّة. ثم إننا لا نجد نصاً بيبلياً يماهي بين "الإناء" والجسد البشريّ الشخصي. ولكن الاستعارة عينها في عدد من النصوص الرابانيّة تدل على المرأة والزوجة. اذا قبلنا بهذا المعنى الإستعاريّ للفظة "إناء" نقرأ: امتلك امرأته الخاصة. عند ذاك نستطيع ان نقرّب هذه اللغة من لغة العهد القديم حين نتحدَّت عن الزواج. نحن نجد "اقتنى امرأة" في الترجمة السبعينية في را 4: 10؛ سي 36: 24. وفي العبريّة، "ب ع ل. ا ش ه" "يعني اتخذ امرأة"، تزوّج (مت 21: 23؛ 24: 1) أو كان له امرأة، عاش حياة زوجيّة (مت 22: 22؛ أش 34: 1). إن فعل "ب ع ل" يعني أولاً امتلك، كان سيّد، بعل. ثم اتخذ معنى "الامتلاك الجنسيّ أو المجامعة". ولم يعرف الرابانيون اليهود إلا هذا المعنى الأخير.
ففي النظرة اليهوديّة إلى الزواج، تتأسّس الحالة الزوجيّة في ثباتها، على أول علاقة جنسيّة جعلت من الرجل بعل، سيد، مالك زوجته. إذن ما ترمي إليه العبارة البيبليّة هنا، ليس فقط هذا العمل الأول في أساس الحياة الزوجيّة. فالمعنى أوسع، وهو يشمل كل الحياة المشتركة التي فيها يعيش الزوج في وضع "المالك" لزوجته: لقد اقتناها، وهذ الاقتناء يدوم. لهذا نقل المترجمون اليونان عبارة "ب ع ل. ا ش ه" ب "سكنا معا"، عاش الرجل حياة مشتركة مع امرأة حتى لو كانا في بداية الزواج (اش 62: 5).
والآن نستطيع أن نتطلّع إلى العبارة البولسيّة في ارتباطها بالتوراة مع إحلال لفظة "امرأة" محلّ لفظة "إناء". حينئذ يصبح نصّ 1 تس قريباً جداً من 1 بط 3: 7: "وكذلك أنتم الرجال، عيشوا حياة مشتركة (ساكنوا) حاسبين حساب الطبيعة الأضعف. طبيعة المرأة" (أي: الاناء). نجد هنا الاستعارة عينها والفعل ذاته: ساكن، عاش حياة مشتركة (في العهد القديم: اقتنى، امتلك).
إذن لا نستنتج بسرعة أن بولس يأمر، ينصح بالزواج. فليس من يفسّر في هذا المعنى 1 كور 7: 12 (ولكن تلافياً للفجور، لتكن لكل رجل امرأته). ففي هذا الفصل عينه ينصح بولس بالعزوبة. والتحريض في 1 تس لا يشير الى واقع الزواج بقدر ما يشير إلى طريقة عيش الزواج. لهذا نقول إن بولس يقابل هنا الحياة الزوجية المسيحيّة مع الفلتان الجنسيّ الذي عرفته كبرى المدن الهلينيّة. في هذه الحالة، لا يتضمّن التشديد على "كل واحد" وعلى "امرأته الخاصة" أمراً بالزواج، بل تلميحاً خفراً إلى الزواج الاحادي (امرأة واحد رجل واحد) وإلى الأمانة في الزواج.
وما يثبت هذه القراءة هو التعارض بين "في التقديس والاحترام" و"تيار شهوة... الوثنيّين الذين لا يعرفون الله". سيصوّر بولس مطوّلاً في روم المجتمع الوثني في أيامه، وقد كان غارقاً في كل أنواع الفوضى الجنسيّة. ولكن ينبوع كلامه ليس اختباره الشخصّي في المجتمع الرومانيّ، بل النصوص البيبليّة مثل حك 12- 14 حيث ترتبط ارتباطاً مباشراً لامعرفة الله مع اللاأخلاقية ولا سيّما على المستوى الجنسيّ (حك 13: 1؛ 14: 22، 24، 26، 31).
ونجد ذات التنديد "بالرغبة" (الشهوة) في تعليم يسوع حسب مت 5: 27- 28: "من نظر إلى امرأة ليشتهيها، فقد صار زانياً"، لأن في هذه الشهوة ضرراً للمرأة نفسها. فحين تُشتهى المرأة تخسر صفتها كشخص حرّ، تصبح موضوع لذة. إن هذا النوع من "الشهوة" يجعل من المرأة شيئاً، بينما هي مخلوقة لكي تكون للرجل عوناً موافقاً له.
قد ندهش إن تكلّم بولس عن الزواج دون أن يتلفّظ بكلمة "حبّ" كما فعل في أف 5: 26- 32. ولكن لا ننسى أن بولس شدّد في 1 تس على المحبّة التي سيعود إليها في التحريض التالي. وهكذا لا يمكن أن يكون الحبّ غائباً عن الحياة الزوجيّة.
ثمّ، إن ما نجده تحت لفظة "حبّ" تتضمّنه لفظة "كرامة" مع القداسة التي تميّز الزواج المسيحي. فهذه اللفظة تدلّ على تقدير الشخص والاحترام العميق له. وهذه العاطفة، شأنها شأن المحبّة، تظهر في فعلات تدلّ على هذا التقدير والاحترام العميق. ونقرأ في أع 28: 10: "كرمونا إكراماً جزيلاً، وعند إقلاعنا زوّدونا ما نحتاج اليه". هذا يعني أنهم ساعدونا بتقادمهم، لأنهم أرادوا أن يكرّمونا. وفي 1 كور 12: 23- 24 يضمّ مثل الجسد، الاعضاء الضعيفة والحقيرة، ويؤكّد أن الله جمع العناصر المكوّنة للجسد البشريّ "فأعطى كرامة لمن تنقصه كرامة". إذن، أخذ الله وضعها بعين الاعتبار وتصرّف على أساس هذا الوضع. وفي روم 2: 1 صارت هذه "الكرامة طريقاً من طرق المحبّة". "أحبوا بعضكم بعضاً حباً أخوياً، وتباروا في الإكرام المتبادل".
ونتوقّف بشكل خاصّ عند نصّين. الأول نقرأه في 1 بط 3: 7. ففي الفقاهة القديمة تبدو "الكرامة" (كما في 1 تس) موقفاً خاصًا من الزوج تجاه زوجته: إنه يرادف اللطف والانتباه إلى الآخر. وينتهي التحريض الذي أوردناه سابقاً: "أظهروا لهن (لنسائكم) الاكرام" (أكرموهنّ). الثاني نجده في الأناجيل الإزائيّة. فسّر يسوع الوصيّة الرابعة (خر 20: 12) كرم أباك وأمك، فدلّ تفسيره على أننا لسنا أمام عاطفة احترام وحب، بل أمام عون يؤدّيه الأولاد لوالديهم: هذه الكرامة (أو الاكرام) هي عنصر ملموس للحبّ البنويّ (رج مر 7: 6 ي). وفي المشهد عينه يورد يسوع أش 29: 13: "هذا الشعب يكرّمني بشفتيه ولكن قلبه بعيد عني". ولكن بعض مخطوطات مرقس تضع محل "أكرم" فعل "أحب"، وهكذا تدلّ على تقارب بين الكرامة والمحبّة.
وبمختصر الكلام، الاكرام هو انتباه إلى الآخر يحسب حساب وضعه وحاله، ويظهر في أفعال ملموسة من العون والمساعدة. كم نحن بعيدون عن اعتبار الآخر وكأنه شيء نستغلّه، وسلعة نبيعها ونشتريها.
ثالثاً: احترام زواج الآخرين
نحن هنا أمام موقف تأويلي. والجدال يقع حول نقطتين. فالفعل "اعتدى" و"مكر" (أو استفاد) لا يشيران إلى خطايا جنسيّة. ثم إن لفظة "الأمر" التي ترجمها العالم اللاتيني "تجارة"، وجّهت التفسير نحو العدالة في التجارة (لا ليعتدي على أخيه في أمور التجارة). ولكننا نحافظ على تماسك المقطع كله: إن بولس يتكلّم للمرة الثالثة عن مسائل تتعلّق بالاخلاق الجنسيّة. واليك الاسباب:
* إن المثلّثات في 1 تس تتحرّك عادة في المجال عينه.
* المتطلّبة المسيحيّة التي نقرأها في آ 7: "لم يدعنا الله إلى النجاسة، بل إلى القداسة". إذن، من الطبيعيّ أن تكون علاقة بين هذه المتطلّبة الثالثة والنجاسة.
* لفظة "الأمر" في المفرد لا تعني أبداً أمور التجارة، ولا تنحصر في مجال الحياة التجاريّة. فقد تعني: الأمر الذي تحدّثنا عنه آنفاً: والسياق يتيح لنا أن نفهم أي أمر نعني. والحال أن الفعل الموافق لهذا الاسم (صنع، أتمّ، فعل، مارس) هو صيغة مخفّفة عن النشاط الجنسي: المرأة الزانية "تمارس" (أم 30: 20). إذن، نستطيع أن نفهم أننا في مجال الزواج والحياة الجنسيّة.
* نفهم الفعلين موضوعَي الجدال عن كل ما يسيء إلى القريب. وهذه الاساءة ليست حصراً في عالم التجارة والأعمال. فالزنى هو إساءة إلى القريب. والسياق يساعدنا على التفسير. وفعل "استفاد"، يدلّ على رذيلة الطمع (2: 8) الذي يحرّك في الإنسان رغبة في امتلاك اكثر. ولكن الخيرات التي نشتهيها، ليست كلها خيرات ماديّة من مال أو متاع. فاللفظة قريبة من الزنى في لائحة مر 7: 22 (الزنى والطمع والخبث)، من الشهوات الشريرة والفجور والنجاسة في كو 3: 5، من العهر في أف 4: 19. وهكذا نكون أمام جوع إلى اللذّة كما إلى الطمع والرغبة في امتلاك المال.
بدت لغة بولس غامضة. فهو على مستوى الجنس يتحفّظ حسب تعليمة نقرأها في أف 5: 3: "وأما الزنى والنجاسة مهما كانت، والطمع، فلا يُذكر حتى اسمها بينكم". والمقطع الوحيد الذي يغيب منه هذا التحفّظ، فنجده في روم 1 الذي قد يكون بولس وجده في مراجع سابقة.
ج- بواعث هده المتطلبات (آ 6 ب- 8)
أولاً: الربّ "المنتقم"
عرف أهل تسالونيكي هذه البواعث، لأن بولس سبق وتحدَّث عنها: "الرب هو المنتقم عن هذه الاشياء كلها كما قلنا لكم من قبل وشهدنا" (آ 6 ب). لا نجد "منتقم" في العهد الجديد إلا هنا وفي روم 13: 4 حيث لا يشير النصّ إلا الله ولا إلى المسيح بل إلى السلطات السياسيّة الخاضعة لله؛ هي تمتلك ضد المسيئين، سلطة معاقبة تستبق "الغضب"، أي حكم الله. نحن هنا أمام رَدّة فعل الرب يسوع تجاه الانحرافات. التي جرى الحديث عنها. نجد هذا اللفظة في مز 99: 8: "كنت لهم إلهاً صبوراً، ولكنك كنت تنتقم من سيّئاتهم" (كما في السبعينية). "الرب هو إله الانتقامات" (مز 94: 1).
النص الذي ندرس هو مثل ننسب فيه إلى الله أو إلى يسوع القائم من الموت، عواطف لا تتوافق مع كمالهما، ولا مع رحمتهما التي يُنشدها الكتاب في أماكن عديدة. ولذلك لا يكون التفسير معقولاً إن اعطيناهما عواطف يندّدان بها لدى المسيحييّن. إنها عبارة "عرجاء"، ولكنها تدلّ على واقع الدينونة. اولاً، على "الدينونات" التي اختبرها اسرائيل في تاريخه. فبعض الاحداث لا تفسّر إلا بالخطيئة، وقد نتجت عنها. سيصوّر بولس في روم النتائج المدمرّة للبشريّة التي رفضت أن تعبد الله ففسُد عقلها في عبادة الاوثان. ونسب هذه النتائج إلى الله الذي "أسلم" البشر إلى مسيرة الانحطاط التي دخلوا هم فيها.
هنا فاعل الجملة هو "الرب (يسوع)" وهو يوجّه نحو الدينونة الاسكاتولوجيّة، نحو الرب الذي سيكون قريباً كديّان يجازي كل واحد حسب أعماله: فيجب على كل واحد أن يظهر أمامه نقياً (3: 13؛ 5: 23). إن منظار هذه الدينونة الأخيرة يقوّي الأهمية التي يعطيها بولس لتحريضه: لا يستطيع الرب أن يغلق عينيه على سلوك سيّىء يعيشه أولئك الذين يعترفون به في الايمان. الانسان حرّ بأن يؤمن او لا يؤمن. ولكنّ إن آمن فرض عليه إيمانه متطلّبات جديدة. وسيبيّن بولس ذلك: الله سيكون متطلباً جداً مع الذين تجاوبوا مع ندائه.
ثانياً: لا النجاسة بل القداسة
"فالله لم يدعُنا لكي نظلّ في النجاسة. بل لكي نعيش في القداسة" (آ 7). نحن هنا أمام شرح. فما الذي في الكلام السابق ينال ضوءاً من هذا التذكير بأهداف نداء الله؟ لا العبارة "الله هو المنتقم عن هذه الأشياء". فهذا يصعب قبوله: لقد تحدّث بولس عن ذلك في تسالونيكي، وكفله جاعلاً كل ثقله في الميزان لكي يسمعوه في هذه النقطة (شهدنا، آ 6 ب). إذن، لماذا رأى بولس أنه من الموافق أن يعلن "انتقام" الله القريب، هو في هذه النقطة من كلامه لا يقول "أنتم"، بل "نحن" (يدعنا) فيجعل نفسه معنياً بكلماته.
دعانا الله لا "بالكلام فقط" (1: 5)، بل بموت ابنه من أجلنا. وحين نتجاوب مع هذا النداء، ندخل بسبب قيامة المسيح، في جماعة تشارك في قداسة الله. فمن عاش في النجاسة، دنّس هذه القداسة. ليس البرهان بعدُ واضحاً ومفصّلاً. ولكنه رسمة أولى عمّا في 1 كور 3: 16- 17: "أما تعلمون انكم هيكل الله وأن الروح يقيم فيكم؟ إن دمّر أحد هيكل الله، فالله يدمّره، لأن هيكل الله مقدّس وهو أنتم".
ثالثاً: الله دعانا
إن فعل دعا في آ 7 يمتلك اسمين يعبّران عن وجهتين متعارضتين. واحدة لم نُدعَ إليها، هي النجاسة، وواحدة دعينا إليها هي التقديس، القداسة. ويرتبط هذان الاسمان بالفعل بواسطة حرفيَ جرّ مختلفين؟ الأول "إبي" هو نادر مع هذا الفعل ويترجم حرفياً "على". والثاني (إن) هو كثير الاستعمال ويعني: "في".
لماذا هذه الثنائيّة؟ لسنا هنا أمام خيار بسيط وكأن التسالونيكيين كانوا قبل نداء الله في "حالة حياديّة"، وكأن الله كان أمام امكانيّة نظرية بأن يدعوهم إمّا إلى النجاسة وإمّا إلى القداسة. لقد كانوا من قبل في النجاسة، لأنهم وثنيون (روم 1: 24؛ أف 4: 19). ومهما يكن من أمر، فهم لم يخرجوا منها بعد. والتحريض الرسوليّ يحاول أن يساعدهم على ذلك. مقابل هذا، لم يكونوا في القداسة: قد يقدر الله أن يدعوهم إليها.
إذن، نوّع بولس حرفَيْ الجرّ لأن الاسمين المستعملين ليسا في الموقع عينه بالنسبة إلى فعل "دعا". اختار الأول "ابي" لأنه يدلّ على الراحة والاستمرار في حالة ما. والثاني "إن" لأنه يدلّ على وضع جديد يريد نداءُ الله أن يقيم فيه المؤمنين. لهذا جاء من اقترح: لا لنظلَّ في النجاسة، بل لنحيا (لنكون) في القداسة.
وسنجد البناء عينه في غل 5: 13: "أما أنتم فقد دُعيتم إلى (إبي) الحريّة". فالغلاطيون خسروا حريّتهم حين عادوا إلى ممارسات تستلهم الشريعة الموسويّة. الإمالة هي كما في 1 تس، ولكن بدون صيغة النفي: لقد دعاهم الله لكي يظلّوا في الحريّة... لا ليسقطوا من جديد في العبوديّة.
د- الخاتمة (آ 8)
"إذن، فالذي يرذل (يرفض، يحتقر) هذه (التحريضات، الوصايا)، لا يرذل انساناً، بل يرذل الله نفسه الذي أحلّ روحه القدوّس فيكم".
ما زلنا على مستوى الخطورة، بل التهديد. صار بولس هنا صدى لكلمة من كلمات يسوع وردت في شكل مختلف بعض الشيء في لو 10: 16: "من سمع منكم سمِع مني، ومن رفضكم رفضني، ومن رفضني رفض الذي أرسلني". وقد احتفظت الأناجيل بعدّة اقوال من هذا النوع، وقد سمّاها الشرّاح "أقوالاً رسوليّة" لأنها تعدّد سلسلة من العلاقات الآتية من الله إلى البشر، ومن البشر إلى الله؟ كيف يستطيع البشر أن يدخلوا في علاقة مع الله؟ حين يستقبلون مرسلي يسوع. فهم يمثّلون يسوع الذي هو مرسل الله. والمسيرة التي تؤول بالانسان إلى الانفصال عن الله هي هي: من رذل مرسل المسيح رفض المسيح، وبالتالي الله نفسه.
في النصّ الذي ندرس، لم تُذكر وساطة يسوع، إلا إذا احتفظنا بفكرة "الله هو المنتقم" (آ 6). وبولس لا يسمّي نفسه بشكل مباشر، لكن كلامه يتضمّن شخصه كمرسل للمسيح حين يقول: فالذي يرذله، لا يرذل انساناً "من الناس".
وهذا الرذل خطير جداً، لأن الله هو إله العهد. والنهاية "الله الذي أحلّ (أعطى) روحه القدوس فينا" هي استعادة لنبوءة حزقيال حول العهد الجديد، لا سيّما 37: 14: "أجعل (أعطي) روحي في داخلكم فتحيون". ثم إن التشديد على التقديس، جعله يذكر روح الله الذي هو أداة كل تقديس. فالعهد الجديد الذي أنبأ به إرميا، كما أنبأ به حزقيال، كان هدفه الأساسي تجدّد قداسة اسرائيل بتنقيته من نجاساته.
نورد حز 36: 25- 27 مع الإشارة إلى الكلمات المشتركة بين حز و1 تس.
"أبيِّن قداسة اسمي العظيم... حين أبيّن قداستي فيكم. أرشّ عليكم ماءً طاهراً فتكونون أطهاراً. أطهّركم من كل نجاستكم وكل أصنامكم... أجعل فيكم روحاً جديداً... أحلّ فيكم روحي وأجعلكم تسيرون بحسب وصاياي".
لم يُعط الروح للجماعة كجماعة، بل لكلّ من اعضائها (في داخلكم). وهذا ما يفرض سلوكاً موافقاً للانتماء إلى شعب العهد. أعاد بولس قراءة حزقيال على ضوء موت المسيح وقيامته: لقد أقيم العهد الجديد وأعطي روح الله الموعود حتى للذين لا ينتمون إلى نسل ابراهيم بحسب الجسد. فهذا العهد هو أساس آخر لمتطلبات القداسة التي تحدّث عنها بولس الرسول.

3- المحبّة الاخويّة (4: 9- 12)
بدأ بولس فأعلن بأن لا حاجة إلى معالجة هذه المسألة. ومع دلك فهو سيعالجها. من جهة يعيش قرّاؤه حقاً هذه المحبّة التي دفعته إلى فعل الشكر وسببّت له الفرح (1: 3؛ 3: 6- 9). وحسب نبوءة أشعيا (34: 12) حول إعادة بناء أورشليم، عروس الرب، كل أبنائها سيكونون "معلمين" بفم الرب. وحسب نبوءة إرميا (31: 34) حول العهد الجديد (لا يعلّمون بعضهم بعضاً كاخوة)، لقد تعلّم التسالونيكيون من الله المحبّة الاخويّة، ودلّوا عليها داخل جماعتهم (يحبّ بعضكم بعضاً) كما تجاه سائر الجماعات المسيحيّة (نحو جميع الاخوة الذين في مكدونية كلها). ومن جهة ثانية، يبقى لهم أن ينموا، أن يزدادوا. جاء المثلّث: تكونون (تعيشون) في سكينة. يعمل كل واحد ما يعنيه (يعمل عمله الخاص دون أن يتدخّل في أمور الآخرين). تشتغلون بأيديكم.
ما هو الوضع الملموس الذي يريد هذا التحريض أن يؤدّيه؟ هناك فرضيّات عديدة. ولكن أكثرها انتشاراً يفترض بلبلة ولدّها يقين اقتراب مجيء الربّ. هذه الفرضيّة تستند إلى 2 تس 3: 6- 12 لا إلى 1 تس.
مثل هذا التفسير لا يناله ملء الرضى. لماذا يولّد اقتراب المجيء التوقّف عن العمل؟ فالذين ينتمون إلى بعض الشيع ويعلنون اقتراب نهاية العالم، لا يستخلصون هذه النتيجة. ونجد أناساً اقتربوا من الموت فضاعفوا عملهم. بل نحن بالأحرى أمام سلوك اعتاد بولس أن يوصيّ به، لأنه يقول: "كما أوصيناكم" (آ 11). لمادا؟ لأن العمل في هذا المحيط الاجتماعي والثقافيّ كان محفوظاً "للعبيد" (للخدم). أدرك بولس لاعدالة تنظيم العمل. لم يقم بحملة في هذا المعنى تقود إلى الثورة، والمسيحيّون في بدايتهم لا يستطيعون أن يأخذوا مثل هذه المواقف. ولكنه، وإن لم يقدّم نظريّة محدّدة، إلاّ أنه أراد في داخل الجماعات المسيحيّة أن يبدأ الايمان عمله فيولّد تحوّلاً في العلائق الاجتماعيّة. والعمل هو إحدى الاماكن المميّزة للتعبير عن هذه العلائق.
كان بعض المسيحييّن من تسالونيكي من طبقة التجّار او ملاّكي الأراضي. وما كانوا يحتاجون الى العمل بأيديهم لكي يعيشوا. فالذين يخدمونهم عديدون. ولهذا كانوا يعيشون في بطالة مضطربة. فطلب إليهم بولس أولاً أن "يكونوا في سكينة" (آ 11 إهدأوا). فالهدوء لدى اليهود يساعد على علاقات حسنة مع الآخرين، كما على التأمّل والفكر. والوسيلة السميا للحصول على هذا الهدوء، هذا السلام، هو القيام بعمل ما ولا سيّما بعمل يدويّ، مع أن مثل هذا العمل لم يكن موضوع تقدير لدى الفئة المرتاحة من الناس.
وطريقة الحياة هذه ستكون شهادة لغير المسيحييّن (آ 12). وتعطي "استقلاليّة" أحبّها الرواقيون، تعطي هذه الحرية التي تجعل الانسان يرفض أن يكون بإمرة الآخرين من أجل حاجات الحياة الأولى. وهكذا "لا تكون بكم حاجة إلى أحد". نحن لسنا أمام اكتفاء يحتقر ما يستطيع الآخرون أن يحملوه إليّ (وأنا أحمله إليهم) في كل المجالات، ولا أمام نكران تكامل الخدم في المجتمع، بل نحن أمام ظلم (لا عدالة) يجب أن نزيله. يجب أن لا نعيش على حساب الآخرين.
ويبقى أن هذا التحريض إلى العمل يرتبط بالمحبّة الأخويّة. وهذا ما يُدهش أولئك الذين يضعون حاجزاً مانعاً بين مجالات العدالة ومجالات المحبّة. هنا يتكلّم بولس باسم خبرته الشخصيّة في العمل اليدوي. فقد شدّد في 2: 9 على أن عمله اليدويّ في تسالونيكي كان اظهاراً لحبّه تجاه أهل تسالونيكي.

خاتمة
في الكنيسة الأولى، الرب هو القائم من الموت والعائش في الكنيسة. وهو المسيح التاريخي كما كان خلال حياته على الارض. والتوصيات التي يقدّمها بولس من قِبل الرب يسوع (بواسطة الرب يسوع، بفم الرب)، قد تتأسّس على مثال قدّمه لنا في حياته ونحن نقرأه في انجيله، كما تتأسس على مواقف يُلهمها روحه العائش في الرسل كما في الجماعات. في هذا المناخ نستمع إلى تحريض بولس حول الزنى والزواج، حول النجاسة والقداسة، حول العمل بأيدينا والامتناع عن التدخل في أمور الآخرين من اجل البلبلة. وهكذا يكون سلوكنا شهادة أمام الذين من الخارج، أي الوثنيين، فنمجد الآب الذي في السماء.
الفصل الحادي عشر
نكون دوما مع الرب
4: 13- 18

حين طُرد بولس من تسالونيكي "بيد اليهود الذين غاروا منه" (أع 17: 5- 10)، ترك كنيسة فتيّة وسريعة العطب. وذهابه من المدينة لم يضع حداً للصعوبات التي هزّت الجماعة الجديدة. لهذا بدا الرسول قلقاً، ولكنه لم يستطع أن يعود إلى تسالونيكي (2: 18؛ 3: 1). لهذا عزم على إرسال تيموتاوس ليثبّت إيمان المسيحيّين (3: 2). عاد تيموتاوس حاملاً أطيب الأخبار، ولكنه لم يحلّ جميع المسائل ولا سيّما ما يتعلّق بمجيء الربّ. في هذا الموضوع، أراد بولس أن يتم ما هو ناقص في إيمان التسالونيكيين (3؛ 10؛ رج 4: 13- 5: 11). واسترعى انتباهه موضوعان يبدأ كل منهما بالاداة "باري دي": أما في ما يتعلّق (ما هو من أمر) الراقدين (4: 13). أما في ما يتعلّق بالأزمنة والأوقات (5: 1). حين مجيء الربّ، ماذا سيكون مصير المسيحيّين الذين ماتوا قبل ذلك الوقت؟ ومتى تحصل عودة الرب هذه؟

1- الرجاء المسيحيّ
"لا نريد أيها الاخوة أن تجهلوا ما هو من أمر الراقدين. لئلا تحزنوا كغيركم ممّن لا رجاء لهم".
أ- نحن أبناء الرجاء
حزنَ المسيحيّون في تسالونيكي بسبب موتاهم. ولهذا حاول بولس أن يثبت أن المسيحيين الذين يظلّون أحياء حين مجيء الربّ، لن يكونوا أفضل من الموتى. فلا ينضمّون وحدهم إلى مُلك مسيحاويّ يسبق قيامة الموتى. فنحن "جميعاً" نذهب إلى لقاء الرب، أحياء أو قائمين من الموت.
وإذ أراد الرسول أن يردّ على هذا السؤال الذي يحرّك الجماعة، أوضح بعض النقاط الرئيسيّة في الإيمان المسيحيّ. بدأ فحدّد بشكل ضمنيّ ما هو المسيحيّ: هو ابن الرجاء. قال في آ 13 ب: "لا يجب أن تحزنوا كسائر الناس والذين لا رجاء لهم"، أي مثل "الوثنيّين الذين لا يعرفون الله" (4: 5).
وهكذا انقسمت البشريّة قسمين: من جهة الوثنيون والذين استُبعدوا من مواطنيّة اسرئيل، وكانوا غرباء عن عهود الموعد، وما كان لهم رجاء ولا إله في هذا العالم" (أف 2: 12). ومن جهة ثانية، المسيحيّون "الذين سبقوا فأناطوا رجاءهم بالمسيح" (أف 1: 12) وقبلوه على أنه "رجاء المجد" (كو 1: 27).
لا شكّ في أن هناك مسيحيين ترجّوا حياة في الآخرة، انتظروا عالماً فيه يتمّ تفتّحهم بعد الموت. ولكن انتظارهم لم يعرف الثبات يوماً، كما لم يمتلك "كفالة" بأنه يتحقّق على مثال ما يمتلك الرجاء المسيحيّ المتجذّر في الإيمان بالمسيح القائم من الموت. وإذ أراد بولس أن يؤسّس رجاء التسالونيكيّين، ذكّرهم حالاً بالسّر الفصحيّ.
ب- رجاء مؤسّس على الإيمان
إن المسيحيّ يؤمن قبل كل شيء أن "يسوع مات ثم قام" (آ 14)، يؤمن "بذلك الذي أقام من بين الأموات، يسوع ربّنا الذي أسلم لأجل زلاتنا، وأقيم لأجل تبريرنا" (روم 4: 24- 25). وارتدّ التسالونيكيون إلى الإيمان المسيحيّ لينتظروا يسوع المخلّص الذي "أقامه من الموت" (1: 10) الله الحيّ.
لقد أسّس بولس على واقع يقبل به المؤمن ولا يجادل فيه، أسّس على قيامة المسيح، تأكيداً لواقع آخر سيأتي فيما بعد: إن المسيحيين الذين ماتوا وهم متّحدون بالمسيح، سوف يقومون. وهكذا تكون في فكر بولس علاقةٌ وثيقة بين قيامة المسيح وقيامة المسيحيّين المدعوّين إلى المشاركة في مجده.
ج- الإيمان بالقيامة
نندهش للوهلة الأولى حين نقرأ برهان بولس: فإن كنا نؤمن أن يسوع مات ثم قام، كذلك (لنؤمن) بأن الذين رقدوا في يسوع سيحضرهم الله معه" (مع يسوع) (آ 14). إن طريقة تقديم الجملة أمرٌ له معناه. انتظرنا الجملة التالية: "إذا كنا نؤمن... كذلك نؤمن أن الموتى سيقومون". لم يهتّم بولس بالمنطق الداخليّ لفعل الإيمان، بل بمدلول السّر الفصحيّ، سّر موت يسوع وقيامته. لهذا كانت الجملة التالية: وإذا كان يسوع قد مات وقام، كذلك يقوم في يسوع كل الذين ماتوا فيه". لقد ارتبطت قيامة المسيحيّ بقيامة المسيح بشكل لا ينفصل. وهكذا نلامس أحد أعمق المواضيع البولسيّة، وهو موضوع اتحادنا بالمسيح حتى المشاركة في الحياة الواحدة. "لست أنا حياً بعد، بل هو المسيح يحيا فيّ" (غل 2: 20).
أن تكون قيامة المسيح موجّهة إلى قيامتنا، هذا ما نجد معناه في عبارة "من أجلنا" (أو: من أجلكم) داخل الكرازة الفصحيّة. وكذلك تربط 1 تس قيامة المسيح بنجاتنا من الغضب الاسكاتولوجيّ (1: 10). فيؤكّد بولس في هذه الرسالة أن المسيح "مات لأجلنا لكي نحيا جميعاً معه، ساهرين (أي: أحياء) كنا أم نائمين" (راتدين، مائتين) (5: 10). فالربّ الذي يعترف به إيمانُنا، قد "أسلم (مات) من أجل زلاّتنا، وأقيم من أجل تبريرنا" (روم 4: 25). وهكذا ارتبطت قيامة المسيح بسيادته على الكون والتاريخ (روم 10: 9؛ أع 2: 32- 36). والمسيح القائم من الموت يمارس سيادته اليوم فيُشرك تلاميذه في حياته المجيدة.
وهذه المشاركة في حياة المسيح المجيدة يتحدّد موقعها في منطق السّر الفصحيّ، لأننا صرنا "كائناً واحداً مع المسيح" في المعموديّة (روم 6: 5). فإذا كان المسيح قد مات عن الخطيئة، فعلينا أن نموت عن الخطيئة. وإن كان قد قام إلى حياة جديدة موجّهة كلّها إلى الله (روم: 6: 10)، فيجب أن تكون تلك حالنا أيضاً. "تعمّدنا في المسيح يسوع" (روم 6: 2) فصرنا نؤلّف كائناً واحداً معه. فكيف لا نقاسمه مصيره؟ فالمؤمن يشارك منذ حياته على الأرض، في الحياة الجديدة التي يحياها الربّ القائم من الموت. "حياتي الحاضرة أحياها في الايمان بابن الله الذي أحبّني وبذل نفسه عني" (غل 2: 20).
ومثل هذا الاتحاد مع المسيح الذي يعيش إلى الأبد (6: 9) يتمّ منذ اليوم في الإيمان. ولكن في نهاية هذه الحياة حيث يموت المسيحيّ تدريجياً عن الخطيئة، في تلك النهاية، يشارك بكل شخصه في حياة الربّ الجديدة، مشاركة أبديّة. وقيامة الجسد تُتمّ العمل الذي بدأ في حياة الإيمان. وتتفجّر من المسيح القائم من الموت حياةٌ جديدة تجتاح شخص المؤمن طوال حياته على الأرض لتحوّل حتى جسده في مجيء ربّنا. حينئذٍ يتحقّق اتحاد الحياة التام مع الربّ القائم من الموت.

2- القيامة
أ- قيامة آدم الثاني
لم تؤثّر قيامة يسوع فقط على شخصه. فالمسيح قام على أنه "بكر الراقدين" (1 كور 15: 20). لقد أراد الله أن يجعل من ابنه آدم الثاني، وأب بشرية جديدة، فيعيد خلق الانسان على صورة الله (كو 3: 10). "وكما أن الخطيئة والموت انتقلا إلى جميع البشر بخطيئة إنسان واحد، كذلك نعمة الله وموهبته قد صارتا وافرتين للكثيرين بنعمة إنسان واحد هو يسوع المسيح" (روم 5: 15).
فإن كانت هناك من فعلة وجب على المسيح أن يقوم بها لخير البشر، وليس من أجل خيره وحده، فهي القيامة. فالمسيح يقوم أفضل قيام بوظيفته كآدم الجديد في عطاء البشر حياته الفصحيّة، موته وقيامته. والمسيح حين قام بلغ إلى حياة جديدة شخصيّة. صار "روحاً محيياً" (1 كور 15: 45؛ روم 8: 1- 11). صار ينبوع حياة للذين يشكّلون نسل آدم الثاني، صار روحاً يقوم نشاطه الأساسيّ بأن ينقل الحياة.
ونجد الفكرة عينها في 1 تس 4: 14 وفي 1 كور 15: 13- 16. "إذا كان المسيح قام، فالموتى سيقومون" (هذا هو المعنى العميق لما في تس 4: 14). "وإن كان الموتى لا يقومون، فالمسيح لم يَقُم أيضاً". فالقيامتان ترتبطان ارتباطاً وثيقاً بحيث لا نستطيع أن نطرح الأولى دون أن نؤكّد على الثانية، ولا أن نزيل الأولى دون أن ننكر الثانية. هذا ما جعل بولس يرى المسيحيّ وقد قام من بين الأموات، وقد جلس عن يمين الآب، لأن ذاك هو الوضع الحاضر للربّ (أف 2: 5- 6). بعد هذا نفهم بسهولة لماذا أسّس الرسل على الايمان بالقيامة الرجاء القائل بأن الموتى "الراقدين في يسوع سيقومون لينضمّوا إلى المسيح القائم من الموت" (آ 14). فالايمان بالمسيح القائم يُنشىء الايمان في حياة أبديّة معه.
ب- حياة من الاتحاد مع الربّ
إن آ 13- 18 تقدّم على دفعتين الاتحاد مع المسيح على أنه هدف قيامة المسيحيّين وحدث المجيء العظيم: فالآب يأخذ مع يسوع المسيحيّين (آ 14) الذين سيكونون بعد ذلك "مع الرب كل حين" (آ 17). ما معنى هذه الكلمات؟ وفي أي شكل يتحقّق هذا الاتحاد؟
في المقاطع العديدة من العهد الجديد حيث نجد عبارة "نكون مع المسيح" أو "مع الربّ"، نكتشف مواضيع معروفة في العالم الجليانيّ. "أن نكون مع المسيح" يعني دوماً العالم الآتي. فليست القضيّة أن نتذوّق في هذا العالم الجديد حتميّة الربّ وحضوره، بل أن نشارك في حالته الجديدة. والقائمون من الموت الذين قبُلوا في الوليمة المسيحانيّة (لو 14: 15؛ مت 8: 11- 12؛ 26: 29) ينضمّون إلى مجد (روم 8: 17- 30) ذاك الذي أقيم "مسيحاً وربّاً" في قيامته (أع 2: 26؛ فل 2: 9- 11). حينئذٍ يحوّل الربّ يسوع "جسد شقائنا ليجعله على صورة جسد مجده" (فل 3: 21). وهكذا يحقّق بينه وبين أخصّائه اتحاداً تاماً (كوينونيا، 1 كور 1: 9). ففي حياة من التجلّي سعيدة، يملك جميع القائمين من الموت مع الربّ يسوع (مت 25: 34؛ لو 12: 32؛ روم 5: 17؛ رج دا 7: 18، 22، 27). فالمسيح القائم من الموت يمارس سيادته على الأحياء والموتى حين يضمّهم إليه في ممارسة سلطانه.

3- هتاف بوق الله
"نعلن لكم على قول الربّ أنّا نحن الأحياء... لن نسبق الأموات الراقدين" (آ 15).
أ- على قول الربّ
بعد أن أعلن بولس إيمانه بقيامة المسيح، ويقينَه بأن الموتى سينضمّون إلى مجد الربّ، زاد تفصيلاً قليل الأهميّة على المستوى اللاهوتيّ الصرف، ولكنه رئيسيّ في هذا المجال وهو: في الوقت عينه سيتّحد الموتى والأحياء مع الرب "في وقت مجيئه" (آ 15- 17). ما معنى هذه العودة إلى "كلمة الربّ" التي تبدأ هذا التوسّع؟ هل نحن أمام أسلوب في الكتابة يعطي قوّة لفكر بولس؟ أو هل أراد أن يماهي بين فكره وفكر قد يعبرّ عنه الربّ في مثل هذا الظرف؟ هل نحن أمام تلميح إلى وحي شخصيّ؟ أم أمام كلمة ليسوع لم ترد في الأناجيل (اغرافون)؟ كلها فرضيّات لا يهمّنا أن نختار بينها. ولكن يبقى شيء أكيد وهو أن بولس يريد أن يُسند إلى سلطة الله التفاصيل التي يعطيها عن مجيء الربّ. ما يريد أن يقوله هو أن هذه التفاصيل ليست وليدة مخيّلته.
ب- كلنا أحياء وأموات
في هذه الآيات التي تستند إلى "قول الرب"، يجب أن نميّز عناصر ذات أهميّة مختلفة. فما يلامس سيناريو المجيء له مدلوله: نحن أمام حدث مجيد يهمّ الكون كلّه، ويذكّر بتيوفانيات (ظهورات) الربّ التي يعرفها قارىء العهد القديم. ولكن ليس هذا إلاّ إطاراً تيوفانياً.
لهذا يجب بالحريّ أن نتوقّف عند "الاحداث": فالربّ يسوع ينزل من جديد في وسطنا (آ 16). فيقوم الموتى (آ 16). وجميع الذين كانوا متّحدين مع المسيح (في الحياة أو في الموت) يرون نفوسهم في الوقت عينه وقد انضموا إلى الربّ على الدوام (آ 17). وفي هذا التصوير للمجيء يصوّر بولس عمداً المصير الواحد الذي ينتظر الموتى والأحياء. "نحن الأحياء لا نسبق الذين رقدوا" (آ 15). "وفي الوقت عينه نذهب معهم إلى لقاء الربّ" (آ 17).
في هذه النظرة، لا يعود المسيحيون يرون الموت كانقطاع يؤثّر على علاقات الانسان بالمسيح. فموت المسيحيّ، شأنه شأن كل موت، يحدّد تبديلاً في الحالة في أوجه عدّة. ولكن إن مات المسيحيّ وهو أمين للمسيح، فهو يبقى متّحداً به في الحياة وفي الممات. وهذا الاتحاد هو ثابت لا يتبدّل. وهو سينتظر عودة الربّ، شأنه شأن الأحياء، لكي ينضمّ إلى مجده. والروح الذي يسكن فيه (روم 8: 11) يقيم جسده فيحوّل هكذا الشخص البشريّ على صورة خالقه (كو 3: 10).
ما لفت انتباه الرسول أكثر من مصير الراقدين الذي تحدّث عنه ليردّ على مخاوف التسالونيكيين (آ 12)، هو الاتحاد التامّ بين المسيحيّين والربّ: "نكون مع الربّ على الدوام" (آ 17). ويدقّ هذا الهتاف كصيحة فرح حيث يمثّل "على الدوام" (بنتوتي) موضعاً مميّزاً في رأس الجملة. مثل هذا المنظار يحمل إلينا التعزية والشجاعة. "فعزّوا إذن بعضكم بعضاً بهذا الكلام" (آ 18).

خاتمة
"لا نسبق الذين رقدوا" (آ 15). بالنظر إلى الظروف (آ 13) التي ولّدت توسّع آ 13- 18، يبدو أنه يجب أن نرى في هذه الكلمات مرمى المقطع كلّه. غير أننا فضّلنا أن نتوقّف عند القيم اللاهوتيّة التي يستند إليها في النهاية فكر بولس: يتأسّس الرجاء المسيحي على الايمان بقيامة المسيح (آ 14). والمعمودية تضمّ على الدوام مصير المسيحيّ إلى مصير المسيح: فالمسيحيّ الذي يموت متّحداً بالمسيح يظلّ كذلك في الموت، في القيامة، في مقاسمة الربّ مجده الأبديّ. مثل هذه النظرة الإيمانيّة تؤسّس رجاء لا يُقهر، رجاء يستطيع أن يحوّل موقف كل إنسان أمام الموت.
الفصل الثاني عشر
مجيء الرب والحياة المسيحية
ف 5

قبل أن نتأمّل في ف 5 داخل ثلاثة مواضيع، الأول، يوم الرب (آ 1- 6). الثاني، الجهاد المسيحي بانتظار المجيء (آ 7- 11). والثالث، تحريضات أخيرة عن حياة الجماعة المسيحيّة (آ 12- 28)، قبل ذلك، نتوقّف عند دراسة عامّة لما سميناه "مجيء الربّ والحياة المسيحيّة". تحدّث بولس في ف 4 عن يوم الربّ ووضع المؤمنين الذين ماتوا قبل مجيء الربّ. وها هو بولس يحدّثنا عن هذا الموضوع منطلقاً من تقليد الإيمان المسيحيّ والفقاهة الأولى، فيكيّف كل هذا مع وضع التسالونيكيين وتساؤلاتهم.

1- مجيء الرب (5: 1- 11)
تجاه مجيء الربّ القريب والذي لا نستطيع أن نتوقّعه، يجب علينا أن نسهر، ونحافظ على هدوءنا فلا يأخذ منا القلق (والاضطراب) مأخذه. هذا ما يقوله بولس لأهل تسالونيكي في ثلاثة توسّعات: يوم الربّ كلصّ (آ 1- 3). نسهر في العفّة (آ 4- 8). فالله جعلنا للخلاص (آ 9- 11).
أ- بوم الربّ كلصّ (آ 1- 3)
قال الربّ في لو 12: 39: "لو عرف ربّ البيت في أيّة ساعة يأتي السارق، لسهر ولم يدع بيته يُنقب". اللصّ يأتي دوماً ساعة لا ننتظره. هكذا يكون مجيء المسيح. ونحن لا نعرف ساعة مجيئه. لهذا قال بولس: "أما الأزمنة والاوقات فلا حاجة..." (آ 1).
هذه العبارة هي تلك التي أوردها بولس في 4: 9 (فلا حاجة). إذ اقترب الرسول من مسألة جديدة، ها هو يحاول أن يجيب عن سؤال طرحه التسالونيكيّون. المجيء يحتلّ مكانة هامّة. لهذا اعتبر بولس أنه لا يحتاج أن يحدّث المؤمنين عنه... ولكن اقتراب الحدث كان يقلقهم، يخيفهم... فكتب لهم بولس يقول: لماذا الخوف؟
وكان بولس أميناً لتعليم المسيح نفسه (مر 13: 32؛ أع 1: 6) فأعلن أن التسالونيكيين يعرفون عن يوم الرب كل ما يمكن أن يُعرف: سيكون مجيئه فجائياً ولن يتوقّعه أحد. ولا نستطيع أن نحدّد زمن هذا المجيء (آ 2).
إن عبارة "يوم الربّ" (2 تس 2: 2؛ 1 كور 1: 8؛ 5: 5؛ 2 كور 1: 14؛ 2 بط 3: 10) أو "يوم المسيح" (يسوع) (فل 1: 6، 10؛ 2: 16) تعود إلى العهد القديم. فيوم يهوه (الربّ) الذي أعلنه الأنبياء هو يوم يدين فيه الله شعبه والأمم (عا 5: 18، 20؛ يوء 2: 1؛ عو 1: 15؛ صف 1: 7؛ أش 13: 6، 9؛ إر 32: 33: حز 7: 10؛ 13: 5). ويوم الربّ عند الرسول بولس، هو فبل كل شيء يوم مجيئه (باروسيا: 14: 6، 7؛ رج 3: 13)، يوم ظهور مجده. يوم الدينونة للبشر، وللمؤمنين يوم الخلاص والفداء (هيمارا كيريو: يوم الرب. ي و م. ي ه و ه).
هدا اليوم يأتي كاللّص (مت 25: 6؛ مر 13: 35 ي؛ رؤ 3: 13؛ 15: 5). واللّص يأتي خلال الليل، ساعة لا نرى شيئاً، ساعة ينام الناس. ولا شيء ينبّهنا حين يقترب، حين يجيء.
"حين يقول الناس" (آ 6). الناس هم أهل هذا العالم. اللامؤمنون. سلام (ايريني) وآمن (اسفالايا، طمأنينة). كلمتان مترادفتان تقريباً (رج لا 26: 5- 6). وهذا التعبير عن الطمأنينة الكاذبة، قد استلهمه بولس من إر 6: 14؛ حز 13: 10. وقد قرّب آخرون 1 تس 5: 1- 3 من مت 24: 36- 39، 42- 43. ففي كلا الحالين، نجد تأكيداً حول جهل اليوم وصورة السارق. وهكذا يكون بولس قد استوحى أقوال يسوع كما نقلها التقليد قبل أن تدوّن في الانجيل. هذه الطمأنينة الكاذبة هي التي رافقت أهل الطوفان كما قال يسوع (مت 24: 37- 38؛ لو 17: 62- 27). "حينئذ" (توتي)، حين ظنّ هؤلاء الناس أنهم بمأمن من الخطر، يدهمهم الدمار المفاجىء.
"أولتروس": الدمار. نجد هذه اللفظة في العهد القديم، هنا، في 1 تس 1: 9؛ 1 كور 5: 5؛ 1 تم 6: 9. وهي تدلّ على النتائج المدمّرة لمجيء الربّ على الذين لم يستعدوا له، ووجدوا نفوسهم بغتة تحت حكمه. وتقابل فجاءة الموت بآلام المرأة الحبلى. ومع مفاجأة الدمار، هناك الطابع الحتميّ: لا يُفلتون (ق لو 24: 34- 36 و1 تس 5: 3 مع لفظة "ايفنيديوس" فجأة، بغتة، التي لا نجدها إلاّ في هذين النصّين).
ب- نسهر في العفّة (آ 4- 8)
نحن أبناء النور، يبقى علينا أن نعيش في السهر والعفّة، وأن نحمل سلاح الايمان والمحبّة والرجاء. نلبس الدرع وخوذة الخلاص.
يوم الربّ رهيب للذين يفاجئهم. ولكن المسيحييّن ليسوا من هؤلاء. ليسوا في الظلام (آ 4). الظلمة هي وضع البشر الذين لا يعرفون الله ولا مشيئته ولا خلاصه. ويلعب بولس على كلمة "نهار" "لكي يفاجئكم النهار أو اليوم" (يوم الربّ. الكلمة تعني الاثنين. رج لفظة يوم في العربيّة). نحن أمام يوم الرب (هذا هو المعنى الأول، ي و م. ي ه و ه). وهذا اليوم هو نهار (المعنى الثاني لليوم هو النهار)، يدلّ على حضور الله الساطع، وهذا ما لا يتحمّله المقيمون في الظلام. وتعود هنا صورة اللصّ كما في آ 2.
"أنتم جميعاً أبناء النور" (آ 5). إن لفظة "جميع" (بنتس) في بداية الجملة، تتوخّى أن تطمئن بشكل خاص أعضاء الجماعة الذين يقلقون للمصير الذي ينتظرهم حين يأتي الربّ. "جميعهم أبناء النور وأبناء النهار". هذا هو وضع المؤمنين. أما أناس هذا العالم فيتلخّص وضعهم بلفظتي "الليل والظلمة". لا شراكة للمسيحيين مع الليل والظلمة بعد أن قطعوا كل رباط مع جهل الناس، وخطيئة اللامؤمنين الذين لا يعون ما يفعلون. فمعرفة الله الحيّ، وانتظار مجيئه القريب (موضوع رجائهم) يجعلان المؤمن في وضع روحيّ مختلف كل الاختلاف. وها هو الرسول يدعو الآن التسالونيكيين لكي يستخلصوا النتائج.
"فلا نَنَم كالآخرين (آ 6). "كاتودو". نام مع معنى استعاري محدّد. هو يصف تصرّف الآخرين، تصرّف اللامؤمنين الذين يعيشون في الليل. ينامون لأنهم غير واعين لقرب الحدث الذي يقرّر مصيرهم، فيتفرّغون لأعمالهم وملّذاتهم بلا مبالاة تامّة وطمأنينة كاذبة وسرابيّة (آ 2). أما موقف المؤمنين فيكون عكس ذلك تماماً. نبقى ساهرين، صاحين، ننتظر بوعي اقتراب مجيء الربّ، في حالة تأهب. نعيش حياة تليق بالله ودعوته (2: 12). ونستعد لاستقبال ذلك الآتي الذي هو يسوع المسيح، ونعيش في العفّة (نيفو). المعنى الاستعاري: نبقى هادئين، نحافظ على برودة اعصابنا فلا نحترّ ولا ننهمّ تاركين أشغالنا، واضعين القلق والبلبة حولنا...
"الذين ينامون ففي الليل ينامون" (آ 7). يذكر بولس هنا امراً يتّفق عليه الجميع: الليل هو زمن النوم والسكر، وهاتان صورتان عن الذين يدمّرهم مجيء الرب.
"نحن أهل النهار" (آ 8). أما المؤمنون الذين ينتمون إلى النهار، فيبقون أعفّاء صاحين من السكر، ويحذرون كلَّ ما يجعل حكمهم مظلماً. ورغم اقتراب اليوم الحاسم، يحافظون على وعي عقلهم وهدوء قلبهم، لأنهم تسلّحوا لمواجهة هذا اليوم من دون خوف. ارتدوا الدرع الذي هو الايمان والمحبة، والخوذة التي هي رجاء الخلاص (أش 59: 17 سلاح الدفاع). تلك هي الاستعدادات التي تميّز المسيحيّ والمركّبات الخاصّة في حياته الروحيّة تجاه مجيء الربّ القريب: بالايمان بيسوع المسيح يعرف أن الله بجانبه (روم 8: 31- 32؛ رج 5: 11). وهو يعيش لكي يرضي الله في المحبّة (روم 12: 8- 10؛ غل 5: 14) وهو بالرجاء ينتظر من مجيء الرب تتمّة الخلاص الذي أدركه بالايمان (روم 8: 24؛ غل 5: 5): بعد ذلك، لماذا يضطرب وكأنه لا يعلم أن الرب يحمل اليه الخلاص لا الدمار؟
ج- نحن أبناء الخلاص (آ 9- 12)
لماذا يخاف المسيحيّون من يوم الدينونة العظيم؟ فالله يخلّصهم (1: 10) منه حين يختطفهم إليه. لهذا لا يبقى لهم إلا أن يعزّوا بعضهم بعضاً ويعملوا في بناء الجماعة، بناء لا تؤثر فيه النار، لأنه ليس من خشب أو حشيش أو قشّ، بل من ذهب وفضّة وحجارة كريمة (كور 3: 10- 13).
نظرَ بولس إلى صليب المسيح فاستطاع أن يؤكّد أن الله لم يجعل المؤمنين للغضب (آ 9) الذي سيكون دماراً للخاطئين الذين تفاجئهم طمأنينة كاذبة (آ 3)، بل جعلهم لاقتناء الخلاص بربنا يسوع المسيح، بالمشاركة في ملكه (4: 17). نجد هنا "باريبوياسيس" الحفاظ، الاستثناء، الربح. تدلّ هذه اللفظة على مشاركة الانسان الضروريّة في عمل الخلاص في الايمان. اما العبارة "يسوع المسيح ربنا" فتذكّرنا أن الخلاص هبة من الله.
قرار الله الساميّ الذي يعنيهم والذي يتمّ في يسوع الذي مات لاجلنا، هو سابق لايمان المسيحيّين ورجائهم ومحبتهم.
وبهذا الموت الفدائي (آ 10) الذي سيوضح بولس معناه وفاعليته في الرسائل التالية، أتمّ الله مخطّطه تجاه المؤمنين، وهو مخطّط يحدّد بولس هدفه في عبارات ترتبط بالموضوع الرئيسي في المقطوعة السابقة: "لكي نحيا جميعاً معه، ساهرين كنّا أم نائمين". "غريغوريو" (سهر)، "كاتودو" (نام). فعلان لا يستعملان في المعنى الحرفيّ، ولا في المعنى الاستعاري كما في آ 6، بل في معنى استعاري جديد: سهر، كان حياً. نام، كان ميتاً. بهذين الفعلين دلّ بولس على الحالتين اللتين يكون فيهما المؤمنون ساعة مجيء الربّ: بعضهم أحياء وبعضهم موتى. ولكن لا أهمية للاختلاف بين هاتين الحالتين، لان هدف موت يسوع الفدائي هو أن يبلغوا معاً إلى الحياة سواء كانوا أحياء أو أمواتاً.
"فعروا بعضكم بعضاً" (آ 11). إذ أراد بولس أن يستخرج النتيجة العمليّة لتعليمه، استعمل ما استعمله في 4: 18: "عزوا بعضكم". هذا يعني أننا أمام أناس قلقين. في 4: 13- 18، كان القلق على موتى التسالونيكيين. في 5: 1- 11، كان القلق على نفوسهم لقرب مجيء الربّ. وزاد الرسول: "ليبنِ أحدكم الآخر". وهكذا يؤدّي كل واحد عمله في حياة الكنيسة. إن فكرة البناء تعود إلى العبارة التوراتية بيت الله، وإلى مفهوم الكنيسة، هيكل الله (1 كور 3: 16- 17؛ أف 2: 20 ي). هذا يعني أن خلاص الفرد لا ينفصل عن خلاص الجماعة، بل يندرج في عمل الله الكامل.

2- تحريضات اخيرة (5: 12- 28)
في هذه الآيات يقدّم بولس مرآة للجماعة. فعليها ان تنتبه إلى خمسة أمور لكي تكون حياة الجماعة صحيحة: وفاق مليء بالحب، صبر تجاه الضعفاء، تغلب على الشّر بالخير، خدمة الله بلا انقطاع، الحياة في الروح. وستكون هذه الامور في ثلاثة مقاطع: بحث عن السلام والوفاق (آ 12: 15). خدمة الله المتواصلة (آ 16: 18). الحياة في الروح (آ 19: 22). وتنتهي الرسالة بالصلاة الختاميّة (آ 23- 24) والتحيّة الاخيرة (آ 25- 28).
أ- السلام والوفاق (آ 12- 15)
لا يمكن أن يكون هناك حياة جماعة إن لم يقم البعض بمجهود خاص ويهتمّ بأمور الجماعة، وكل هذا من أجل السلام بين الاخوة وبناء الجميع.
لاحظ الرسول في كنيسة تسالونيكي أن كل واحد يعتبر نفسه مسؤولاً عن أخيه (آ 11 ليبنِ الواحد الآخر). ولكن هناك أشخاصاً قد وعوا مسؤوليتهم فبدوا ناشطين في خدمة الرب. سمّاهم بولس: الذين يتعبون في ما بينكم (كوبيان). هم يعملون في الجماعة ومن أجل الجماعة. وإذ أراد بولس أن يميّز نشاطهم زاد: يرئسونكم (يوجّهونكم) في الرب. يعظونكم (ينبهّونكم). هناك فعل "برويستاماي": اهتم واعتنى (وهو يشمل نشاطات متعدّدة من أجل الجماعة)، ترأَّس، وجّه. نحن أمام نشاط حرّ يقوم به انسان في الربّ. وفعل "نوتاتيو": وضع في القلب والفكر، ذكر، نبّه. لا نجد هذه الكلمة وما يرتبط بها إلا في الرسائل البولسيّة وفي أع 20: 31.
إذن هناك بعض الاخوة الذين مارسوا مهمّة التنبيه تجاه خطايا الآخرين، ودلّوهم على الطريق الواجب اتباعه. فاصطدموا بمقاومة طبيعيّة، لأنهم لم يكونوا مكلّفين تكليفاً رسمياً، ولأن تنبيههم لم يكن يرضي الناس دائماً. لهذا، طلب الرسول من التسالونيكيين أن يعترفوا بهم، ويقبلوا بنشاطهم وسطهم. ويرضوا بتوجيهاتهم ونصائحهم وتنبيهاتهم. هنا نقرأ فعل "ايداناي": عرف صفة شخص، أجلّه واحترمه.
"أن تحبّوهم غاية المحبة" (آ 13). وعى الرسول ضرورة وقيمة نشاط "المسؤولين" في الجماعة، وأراد من التسالونيكين أن يقتنعوا بهم، أن يجلّوهم كل الاجلال، أن يقدّروهم كل التقدير، ويكون تقديرهم تقدير المحبّة. فالخدمة المسيحيّة بكل أشكالها لا يمكن أن تمارس بفاعلية إلا إذا قبلها جميع أعضاء الكنيسة بامتنان، إلا إذا كان الخدام موضوع تقدير خاصّ بسبب عملهم.
"كونوا في سلام بعضكم مع بعض" (آ 13 ب). افترضت آ 12- 13 توتّراً بين الكنيسة (أو قسم من الكنيسة) وبين الذين اهتموا بتوجيهها. وكان الفريقان مسؤولين عن هذا التوتّر. فبعد أن طلب الرسول من الاخوة (آ 12- 13 أ) أن يعترفوا بالذين يرئسون الكنيسة، وقبل أن يطلب من "الرؤساء" (آ 15- 16) أن يمارسوا خدمتهم بحكمة دون أن ييأسوا أمام المقاومات، عبَّر عن هذا التحريض العام: "كونوا في سلام بعضكم مع بعض".
"ثم نسألكم أيها الاخوة" (آ 14). قد تكون هذه الكلمات استعادة لما في آ 12، وهي تتوجّه إلى الاخوة، أي إلى الكنيسة اجمالاً. ولكن يبدو أن بولس يتوجّه إلى "قوّاد" الجماعة ليحرّضهم على القيام بمهمتهم رغم المقاومة. وهم يقومون بعملهم بفاعليّة إذا أقرّت الكنيسة برسالتهم وإن عرفت أنهم يقومون بها بناء على طلب الرسول الذي يذكّرهم هو نفسه بمختلف وجهات خدمتهم.
"أنّبوا المتكاسلين" (اتكتوس: الذي ليس في الصف "تكسيس"، في فوضى، لا يعرف النظام ولا القواعد. فريد في العهد الجديد). كما في 4: 11 رج 3: 6 ي. وقد يكونون أصحاب الفوضى الذين يرفضون العمل. "شجّعوا صغيري النفوس" (اوليغوبسيخوس، نادر في العهد الجديد) او الأشخاص الضعفاء أمام الاضطهاد أو في حياتهم الشخصيّة. "أسندوا الضعفاء" (انتاخو: ارتبط، مت 6: 24؛ لو 16: 13، اعتنى، اهتم). هم ضعفاء على مستوى الجسد، على مستوى الحالة الاقتصاديّة، ولكنهم أعضاء في الكنيسة. هم لا يستطيعون أن يمشوا وحدهم، ويحتاجون إلى من يسندهم. إذا تركناهم وحدهم يسقطون في الخطيئة. "تأنّوا، اصبروا (طوّلوا بالكم) على الجميع". هو تحريض عام قد يصل إلى الفئات الثلاث التي ذكرناها. عيل صبر "المسؤولين"، فطلب منهم بولس أن يعاملوا المتكاسلين وصغيري النفوس بصبر وطول أناة.
"إحذروا أن يجازي أحد" (آ 15). نحن أمام تحريض للكنيسة كلها، وهي المسؤولة عن تصرف أعضائها المسيحيّين. ولكن إذا كانت التوصيات في آ 14 تعني المسؤولين، يكون الأمر كذلك في آ 15 التي تتّخذ معنى محدّداً: لا يكفي أن يصبر المسؤولون على الجميع، بل عليهم أن ينتصروا بالحبّ على المقاومة، على الاساليب الرديئة التي يستعملها رافضو سلطتهم. "بل اقتفوا الخبر". الخير هو ما تلهمه المحبّة التي وحدها تفرض ان نردّ على الشّر بالخير. تحريض للجميع ولا سيّما إلى المسؤولين الذين يدعون إلى طلب الحلول والقيام بمحاولات وفعلات تلهمها المحبّة، كان ذلك في علاقاتهم مع بعضهم، أم في علاقاتهم مع المسؤولين عنهم هكذا يعطون المثل الصالح.
ب- خدمة الله المتواصلة (آ 16- 18)
تشكل هذه الآيات الثلاث وحدة تامة، فلا نفصلها بعلامات الوقف. وقد وجدت تبربرها (غار، لأن) في ما يشاء الله في يسوع المسيح (آ 18 ب). هذه المشيئة قد كُشفت في المسيح الذي صُلب وقام. لهذا كانت لهذه المشيئة متطلّبات يجب أن يحققوها، وإلاّ كانوا من العاصين وتركوا نداء الله. غير أنها أولاً عطيّة ونعمة، لأن في المسيح يسوع قد أعطي لهم امكانيّة أن يكونوا دوماً فرحين، أن يصلّوا بل انقطاع، ان يشكروا في كل ظرف.
من الواضح أن المؤمنين لا يجدون في ذواتهم ولا في العالم ما يبعث على الفرح دوماً. ولكن في المسيح يسوع، في عمل مصالحة الله معهم ومع الكون (2 كور 5: 9)، في النعمة التي وُهبت لهم في الزمن الحاضر وفي المستقبل. مثلُ هذا الفرح لا يمكن أن يؤخذ منهم (3: 1؛ 4: 4). ولكنهم لا يستطيعون أن يحافظوا على هذه النعمة، نعمة الفرح، إلا إذا صلّوا على الدوام (ادياليبتوس راجع اغناطيوس الانطاكي إلى أفسس 10: 1) لأن الصلاة تعيدهم دوماً إلى يسوع المسيح الذي به يأتون إلى الآب (أف 2: 18) ويشكرونه.
هم في ذواتهم ليسوا مستعدين دوماً للصلاة، ولا يعرفون ما يطلبون، وليس العالم هو ما يوّلد صلاتهم. اما في المسيح يسوع، وفي وضعهم كمؤمنين، فيقدرون في كل (ظرف أو شيء) أن يشكروا الله عمّا فعله من أجلهم. هذا هو الباعث الأول على صلاتهم وفرحهم.
ج- الحياة في الروح (آ 19- 22)
نقرأ في هذه الآيات خمسة تحريضات تتعلّق بالموقف الواجب اتّخاذه تجاه ظهورات الروح في حياة كنيسة تسالونيكي. للوهلة الأول، هي لا ترتبط بما سبق. إذا عدنا الى 1 كور 12- 14، نرى كنائس اليونان الوثنيّة تميل إلى اعتبار ظهورات الروح (نبوءة، تكلّم بالسنة) اعتباراً كبيراً. لهذا، يبدو أن كنيسة تسالونيكي لم تحاول أن تطفىء الروح. مقابل هذا، قد تكون الظهورات الفوضويّة قد أقلقت وأزعجت الذين يهتمّون بتوجيه الكنيسة. لهذا طلبوا تعليمات حول الحدود المفروضة على تدخّلات "الملهمين" في حياة الكنيسة.
لم يدخل بولس في نظرتهم. وما نلاحظه في جوابه، هو أنه لا يتكلّم عن الملهَمين بل عن الروح. فمن حصر حرّية الروح السامية في إطار ضيق، أفقر الكنيسة. قال الرسول: "لاتطفئوا الروح"، فاستعمل صورة تشبّه الروح بالنار (أع 2: 3؛ 18: 25؛ روم 12: 11)، وتدلّ على أنه يجب أن نحذر أن نتخذ تدبيراً يعيق ظهوراته أو يزيلها. "لا تحتقروا النبوءات" (بروفيتياس)، دون الـ التعريف. ليست تنبوءات عن المستقبل. بل وحياً لمشيئة الله في الزمن الحاضر. وهذا ما يحصل إن لم نترك الانبياء يتكلمون (منعناهم، أخرسناهم)، أو رفضنا ان نسمع لهم. فإن لم نهتمّ بأقوالهم، حُرمت الكنيسة من كلمات ملهمة تكشف لها مشيئة الله.
"ولكن (نجد "دي"، في مخطوطات عديدة، وتلغى في السينائي والاسكندراني والبسيطة) امتحنوا كل شيء". نحن هنا أمام نصيحة إيجابيّة. إذا كان الله يستطيع أن يكشف عن مشيئته للكنيسة بواسطة الأنبياء، فالأنبياء هم أناس قد لا يكونون صادقين ومتجرّدين، قد يجعلون أفكارهم ورغباتهم موضع الالهامات العلويّة. لذلك وجب على الكنيسة أن تميّز النبوءات الحقيقيّة من تلك التي هي كلمات بشر. فالله يمنح بعضاً منهم موهبة "تمييز الأرواح" (1 كور 14- 29).
والقاعدة المتبّعة في تفحّص ظهورات الروح هي التالية: "تمسَّكوا بما هو حسن إحترسوا من كل شبه شر". تلك هي وظيفة المسؤولين في الكنيسة بالدرجة الأولى.
د- الصلاة الختامية (آ 23- 24)
كما انتهى القسم الاول (3: 11- 13) بصلاة، هكذا ينتهي القسم الثاني. وتتوجّه هاتان الصلاتان نحو المجيء المجيد للرب يسوع. أما موضوعهما فهو قداسة المؤمنين في تسالونيكي في ذلك اليوم الحاسم.
بعد أن أكثر بولس التوصيات، توجّه إلى الله الذي تستطيع نعمته وحدها أن تجعلها تنفَّذ. نقرأ "إله السلام". رج 3: 11. ترد العبارة مراراً عند بولس (روم 15؛ 33؛ 16: 20؛ فل 4: 9؛ 2 كور 13: 11). "ايريني" هو السلام (شلوم) وهو الخلاص أيضاً. في هذا السياق نحن أمام خلاص الانسان كله. وهكذا يكون الانسان في سلام مع الله.
"ليقدّسكم إله السلام" (اغيازين). ليس أولاً في المعنى "الاخلاقي". بل في المعنى الديني: الله نفسه يقدّس مؤمني تسالونيكي، فيكرّسهم لنفسه ويفصلهم فصلاً تاماً عن الخطيئة التي تغرّبهم، لكي يكونوا بكلّيتهم له. وتستعيد العبارة الثانية (في آ 23) ما قالته العبارة الأولى: "يحفظ أرواحكم...". نحن هنا أمام عناصر مثلثة تدلّ على الكائن البشري: الروح، النفس، الجسد. نحن هنا في وضع فريد في العهد الجديد الذي يتحدّث عن النفس والجسد (لا على أنهما منفصلان كما في العام اليونانيّ، بل يدلاّن على الانسان كله) او عن الجسد والروح. الروح هو العنصر الأسمى، العنصر الروحي في كائن الانسان الحميم. النفس هي عنصر أدنى على مستوى الاحساس والحياة (راجع النفس والتنفسي والنسمة يشارك فيها الانسان الحيوان). والنفس ترتبط ارتباطاً مباشراً بالجد. أما الروح فهو العنصر الذي يفصل الانسان عن كل المخلوقات ويربطه بالروح القدس.
لا ننسى هنا اننا في جوّ ليتورجيّ، ولهذا نقرّب بين هذا النصّ وسائر النصوص البولسيّة حيث ترد لفظة روح (بنفما). هي صلوات فيها يتمنّى بولس الخير لقرّائه، ويحيّيهم. "نعمة ربنا يسوع المسيح تكون مع روحكم" (غل 6: 18؛ فل 4: 23؛ فلم 25 رج 2 تم 4: 22، أي: معكم). فهذا التمنّي الأخير يوازي ما نقرأ في 1 تس 5: 28: "نعمة ربنا يسوع المسيح معكم".
ما كان يستصعبه اليونان هو أن يدخل جسدهم (عنصر زائل) في عمليّة التقديس التي بدأت على الصليب وستتمّ في يوم ربّنا (4: 3- 8؛ 1 كور 6: 12- 20). ولكن نص 1 تس يدلّ على تقديس الانسان بكلّيته. فيكون بغير لوم، لا في نظر البشر، بل في نظر الله. إستعمل بولس المجهول: ان يُحفظ. ففي يسوع المسيح، وبالمعموديّة وبالروح القدس، يتقدّس شخص المؤمنين، الله يقدّسه. وما يجب أن نطلبه هو أن نبقى مقدّسين في الأمانة لله والطاعة، إلى مجيء ربنا يسوع المسيح (3: 13) الذي يصل بنا إلى كمال عمل الله.
واعطى بولس للتسالونيكيين ما يدلّ على أن صلاته استجيبت. "الذي دعاكم" إلى الخلاص، الذي يتمّ مصيركم (2: 12) "هو أمين" (بستوس). فالله لا يتبدّل في إرادته الفدائيّة تجاه البشر (روم 3: 3؛ 15: 8). لهذا نستطيع أن نثق به كل الثقة (روم 4: 20). "فهو الذي يفعل" ما يطلبه الرسول لاخوته. وهو لا يطلب شيئاً إلا وبكون الله قد أعطاه لهم في المسيح. إنه يدعوهم في التقديس (4: 7). وكما جعل طاعتهم في يسوع المسيح ممكنة، ليجعلها على استمرار بالروح القدس (روم 8: 2- 4؛ غل 5: 15)، وليكمّلها في يوم الربّ.
هـ- التحيّة الأخيرة (آ 25- 28)
"صلّوا لأجلنا أيها الأخوة" (آ 25). من هم الاخوة الذين يتوجّه إليهم الرسول؟ أعضاء الكنيسة كلها أم المسؤولون وحدهم؟ لماذا لا يكونون الاخوة والمسؤولين معاً. فبولس الذي توسّل باستمرار من أجل التسالونيكيين (1: 3)، يطلب الآن منهم أن يتوسلّوا لأجله (روم 15: 30؛ كو 4: 3).
"سلّموا على جميع الاخوة" (آ 26). في الكنيسة الأولى، كان الاخوة يدلّون على حبّهم الأخوي "بقبلة مقدسة" تتميّز عن تلك التي في العالم (يشير يوستينوس الشهيد إلى القبلة الاخويّة في الاحتفال بالافخارستيا). ولكن، إن كان بولس يتوجّه إلى جميع الاخوة، كيف يستطيع أن يقول: "سلّموا على جميع الاخوة"؟ قد يكون بولس توجّه إلى المسؤولين في الكنيسة وطلب منهم أن يسلّموا، أن يقبّلوا الجميع قبلة السلام. هكذا يعود الوئام إلى الجماعة.
ويناشد (اينوركيزو) الرسول بكلمات احتفالية (آ 27) هؤلاء الذين يتوجّه إليهم منذ آ 25 أن يجعلوا هذه الرسالة تُتلى على جميع الاخوة. لماذا هذا الالحاح؟ أتراه خاف أن تتوقّف الرسالة عند بعض الاعضاء، فلا تصل إلى الجميع؟ ثم لا ننسى أنه كان خلاف بين المسؤولين والجماعة. كل هذا يدلّ على أن بولس تسلّم من مسؤولي كنيسة تسالونيكي رسالة تعلمه بالصعوبات، وتطلب مساندته، وتسأله التعليمات حول مسائل خطيرة بالنسبة إليهم وإلى الكنيسة. وهذا القسم الثاني من الرسالة (4: 1- 5- 22)، يتيح لنا أن نتعرّف إلى حكمة بولس، إلى سلطته المفعمة بالثقة والمحبّة. هكذا استطاع أن يسدّ النقص في إيمان الكنيسة (3: 10)، ويزيل كل خلاف بين المؤمنين والمسؤولين. نشير إلى أن السينائي والفاتيكاني... تقول فقط "الاخوة". ولكن الاسكندراني وغيره تضع "الاخوة القديسين".
وتنتهي الرسالة بالتحيّة المعهودة: "نعمة ربنا يسوع المسيح معكم" (آ 28). وقد زيد "آمين" في السينائي والاسكندراني، لأن الرسالة تقرأ في الجماعة. فعلى الجماعة أن تجيب: آمين. نوافق. هكذا زيد ايضاً "آمين" في نهاية القسم الأول (3: 13): "عند مجيء ربنا يسوع مع جميع قديسيه. آمين". قد تكون القراءة توقّفت قبل أن تتتابع في ف 4- 5.
الفصل الثالث عشر
يوم الرب
5: 1- 6

وصل بولس منذ قليل إلى كورنتوس حيث تلقّى أخباراً طالما انتظرها عن المسيحيّة في تسالونيكي وحين تلقّى هذه الاخبار، كتب حالاً 1 تس حيث شكر الله على عمله من أجل هؤلاء الأشخاص. وإذ اراد أن يساعد قرَّاءه على الدخول في فعل الشكر هذا، أعطاهم أن يعرفوا ما يعيشون (ف 1- 3). ثم دعاهم إلى النموّ في هذه الحياة المسيحيّة والثبات في الرجاء (4: 13- 5: 11). أما الآيات التي نقرأها هنا فهي تنتمي إلى هذا السياق، فتعالج بشكل خاص انتظار يوم الربّ. فإذا أردنا أن نفهم بشكل وافٍ هذه الآيات، يجب علينا أن نلقي الضوء على العبارات التي استعملها بولس. فنعيدها إلى قرائنها لكي نكتشف إلى أيّ رجاء دعا بولس المسيحيّين في تسالونيكي.

1- يوم الرب
بدأ بولس يعالج "الأزمنة والاوقات" كحدث محدّد جداً. وهذا ما يدّل عليه الـ التعريف. تكلّم الساعة عن هذا الحدث، وهو مجيء الربّ، لكي يؤكد ان جميع المسيحيّين، امواتاً واحياء، يشاركون فيه معاً (4: 12- 18). ويوضح أيضاً في 5: 2 أننا أمام يوم الرب.
إن عبارة "الأزمنة والاوقات" تنتمي إلى اللغة الاسكاتولوجيّة للكنيسة الأولى كما تسلّمتها من عالم الرجاء اليهوديّ. ترتبط بيقين ورغبة: يقين بأن الله في حكمته السريّة، يعرف وحده الزمن الذي حددّه في توالي الحقبات من أجل تمام قصده (أع 1: 7؛ مر 13: 32؛ دا 2: 21). ورغبة بأن نرى هذا اليوم، وهي رغبة حيّة جداً في أزمنة الضيق، وحين يرجو المضطهدون انقلاب الأوضاع فيحاولون أن يعرفوا علامات الأزمنة وتدخّل الله الحاسم.
"يوم الرب" في التوراة اليونانيّة يقابل "ي و م. ي ه و ه" في التوراة العبريّة. فقد كشف عاموس (5: 18- 20) عن غضب الله على شعبه، فندّد بعمى رجائهم: تطلّع بنو اسرائيل إلى يوم الربّ، وتخيّلوه بحسب رغبتهم، يوم انتصار لشعب اسرائيل، يوم نور وضياء للشعب المختار. ولكن أعلن عاموس أن ذلك اليوم سيكون يوماً مظلماً لا يستطيع أحد أن يُفلت منه.
منذ نصّ عاموس هذا، انضم إلى يوم الربّ ذكرُ الظلمة وإشارة إلى هرب مستحيل ساعة ينكشف غضب الربّ. ونحن نجد العناصر عينها في أش 2: 6- 22. وفي صف 1: 14- 18، نقرأ "قريب يوم الرب وعظيم. قريب وسريع جداً. صوت الربّ مرّ. يوم حنق ذلك اليوم، يوم ضرر وضيق، يوم إبادة وإتلاف، يوم ظلمة وديجور. يوم غمام وضباب".
بعد المنفى شدّدت النصوص على الخلاص أكثر ممّا شدّدت في السابق. فيوئيل الذي تصوّر أيضاً اليوم الآتي (2: 1- 11) كيوم ظلمة وظلام، كيوم لا يستطيع أحد أن يجابهه قال: "كل الذين يدعون باسم الرب يخلصون" (يحيون) (3: 5). وقال ايضاً: "سيكون الربّ لشعبه ملجأ ولبني اسرئيل حصناً" (4: 16). في العهد القديم يمتزج يوم الربّ مع إقامة الحقبة المسيحانيّة، لأنه يوم تتمّة القصد الخلاصيّ. في ذلك اليوم، يعلن الله القدوس سيادته على العالم. وكل قدرة وكل كبرياء تعارض هذه السيادة، ستحترق بنور قداسته الالهيّة.
في الكرازة المسيحيّة، يوم الربّ هو يوم إعلان سيادة يسوع على الجميع، لأن الرب جعل من يسوع الذي صُلب في أورشليم المسيح والربّ (أع 2: 36). وأقامه دياناً للاحياء والأموات (أع 10: 36، 42؛ 17: 31). كل البشر سيقفون بحضرة سيادته، لأن الله يتمّ العمل الذي بدأه، ذلك اليوم يُتم التاريخ ويُحقّق البشريّة التي خلقها الله تحقيقاً كاملاً (2 كور 5: 17).
فالذين يعترفون بسيادة يسوع يتّحدون به على الدوام، يعيشون معه، وبالتالي ينجون من الغضب (1: 10) والدمار (5: 3) اللذين يقعان على الذين فضّلوا أسياداً أخرى وآلهة اخرى. سيكون في شكل من الاشكال يوم القتال الاسكاتولوجيّ ضدّ كل من يريد أن يسود على البشر، يوم انتصار المسيح على كل القوى بمن فيها الموت. "ثم يكون المنتهى متى يسلّم الملك لله الآب، بعد أن يكون دمرّ كل رئاسة وكل سلطان وكل قدرة... وهى أخضع له كل شيء فحينئذ يخضع الابن نفسه للذي أخضع له كل شي، ليكون الله كلاً في الكلّ" (1 كور 15: 24- 28).
لا يحتاج المسيحيون في تسالونيكي أن يُكتب لهم عن الأزمنة والأوقات المتعلّقة بذلك اليوم. فهم يعرفون كل المعرفة من تعليم بولس وخبرته المتنامية لطرق الله، أن مجيء ذلك اليوم يكون كمجيء لصّ في الليل.

2- مجيء ذلك اليوم والغافلون
فكما اللصّ في الليل، كذلك يأتي يوم الرب في ساعة لا ننتظرها. الليل هو زمن الغفول واللاوعي، زمن النوم والسكر (5: 7). واللص يأخذ اللاواعين على غفلة. "لو عرف ربّ البيت في أية ساعة من الليل (في أية هجعة) سيأتي السارق، لسهر ولم يدع بيته يُنقب" (مت 24: 43؛ لو 12: 39). وكذلك أخذ على غفلة اللاواعين في أيام نوح وفي أيام لوط (لو 17: 26- 30). "كانوا يأكلون ويشربون، ويشترون ويبيعون، ويزرعون ويبنون، دون النظر إلى ما يفعله الربّ".
وكان الانبياء، قد ندّدوا بـ "سكر" بني اسرائيل الذين "بنوا بيوتهم باندفاع، ولكنهم لم يهتمّوا لعمل الربّ، ولم يتأمّلوا في صنع يديه" (أش 5: 12). ما استطاعوا أن يستمعوا إلى نداءات الربّ، فغرقوا في طمأنينة سرابيّة وكاذبة. "داووا جرح شعبي باستخفاف قائلين: سلام، سلام، وليس سلام، (إر 6: 14؛ رج حز 13: 10).
ذكر بولس هذا الوضع بالنسبة إلى الذين استسلموا لمقاصدهم ورغباتهم، فجهلوا حقيقة التاريخ التي انخرطوا فيها، وناموا مطمئنيّن في نجاحهم: "حين يقولون: سلام وآمن، حينئذ يدهمهم الدمار فجأة كما يدهم المخاض المرأة الحبلى، ولن يفلتوا" (آ 3). لا ترد لفظة "الدمار" مراراً في العهد الجديد. لا نجدها إلا هنا، وفي 1 تس 1: 9 (سيعاقبون بالدمار الابدي)؛ 1 تم 6: 9 (تغرق الناس في الدمار والهلاك). وهي تدّل على نتيجة الغضب في ذلك اليوم، على عكس الراحة وعكس الخلاص الذي يُمنح للمؤمنين (1 تس 1: 29).
والطابع المفاجيء والقاسي لهذه الدينونة قد قيل عن يوم الرب (عا 5: 18-20؛ أش 13: 6- 9، 13): هذا ما يحدث للاشرار الذين يدركهم غضب الله كما تدرك الآلامُ المرأة الحبلى (أش 13: 13؛ إر 30: 6؛ رج 4: 31؛ 6: 24). والخلاص الذي يأتي فجأة يشبّه هو أيضاً بولادة بدون ألم. "وَلدت قبل ان تتمخّض" (أش 66: 8).
إذن استعاد بولس بعض هذه العبارات الموجودة في الاسكاتولوجيا المسيحيّة، وقد ورثها من العالم اليهوديّ، فذكّر مراسليه بسمة هامّة في يوم الربّ: لا نستطيع أن نتوقّع مجيء ذلك اليوم. فالذين عميت قلوبهم، وغرقوا في ظلماتهم وهم غافلون، سيدهمهم ذلك اليوم كما اللص يدهم ضحاياه في الليل. ويكون المصير هائلاً للمسيحيّ الذي يعرف أن ذلك اليوم يأتي. ولكن القلق الذي يُدرك هؤلاء الغافلين، هل سيعرفه المسيحيون الذين يعرفون أن اليوم يأتي؟

3- ابناء النور
لقد توخّى بولس في آ 1- 5 أن يقابل وضع المسيحيّين مع وضع الغافلين في آ 3: "أما أنتم أيها الإخوة". لا يقيم المسيحيون في هذه الظلمات التي تجعل ذلك اليوم يدهمهم مثل اللصّ، لأنهم أبناء النور وأبناء النهار. قد يكون بعض اعضاء الكنيسة تبلبلوا بالطابع المفاجىء لليوم أو بالنظريات التي نجد أثراً لها في 1 تس. فدعاهم بولس إلى أن يعودوا إلى الحقيقة فيعرفوا أن الله جعل منهم "أبناء النور" (آ 5).
في التقليد البيبلي، العالم الآتي، ذلك الذي يحققّه الله في يومه، هو عالم نور. فنحن نقرأ في أش 60: 19- 20: "بعد اليوم لن تكون الشمس لك نوراً في النهار، ولا يكون لك القمر بضيائه نوراً في الليل (كما في قمران واليونانيّة واللاتينيّة العتيقة). فالرب هو الذي يكون لك نوراً دائماً، وإلهك يكون بهاءك. بعد اليوم، لن تغرب شمسك، وقمرك لا ينقص، لأن الرب يكون لك نوراً دائماً".
تشير هذه الصورة إلى ملء الحريّة، ملء الخلاص، ملء الحياة، إلى معرفة تامّة للربّ ننتظرها في تدخلّه الحاسم. فالموعودون بعالم النور هذا ووارثوه، يُدعون أبناء النور والنهار. أما الآخرون (آ 6)، أولئك الذين ينامون أو يسكرون، اولئك الذين يدهمهم اليوم في ليلهم، يُدعون أبناء الظلمة. فالعالم الآتي، عالم الله، هو الذي يجتاح عالمنا ويقوم بهذا الفصل بين الفئتين. وتدخّلُ الله في حياة البشر ومجيء النور الى العالم، هذا ما يجعل كل واحد منا ينفتح على عالم الله، على النور، أو ينغلق على نفسه في ظلماته.
في العهد الجديد، عالم الله هو سيادة المسيح. وفي تسالونيكي، أدرك حبّ الله بواسطة الرسل أناساً أعطوا ذواتهم له. بعد اليوم، عرف هؤلاء أنهم محبوبون من الله، وموعودون بحياة مع ربّهم. وأن حياتهم كلها قد أعطيت من أجل تحقيق يرتقي في الكمال لسيادة الرب يسوع. وبولس نفسه استطاع أن يلاحظ "عمل إيمانهم وتعب محبتهم وثبات رجائهم في ربنا يسوع المسيح" (1: 2).
كل هذا يعني أن الله قد هيّأ هؤلاء الناس من أجل عالمه، جعلهم أبناء النور وأبناء النهار. هم غير الغافلين، فلا يمكن ليوم الرب ان يدهمهم إن أدركهم بغتة. وبالرغم من أنهم يجهلون زمن ذلك اليوم، فهم يعيشون له ويعملون. ما قاله بولس هنا بإيجاز (لأنكم كلكم أبناء النور وأبناء النهار)، ها هو يوضحه في نهاية هذا المقطع: "لأن الله لم يجعلنا (لم يحتفظ بنا) للسخط (للغضب)، بل لاقتناء الخلاص بربّنا يسوع المسيح الذي مات لأجلنا لكي نحيا جميعاً معه، ساهرين كنا أم نائمين" (5: 9- 10).

4- السهر
مع آ 5 ب وسّع بولس نظرته. كان قد كتب في آ 1- 5 أ: لا يستطيع يوم المجيء الرب أن يدهمكم. لن تسمحوا بذلك. وها هو يكتب الآن: حياتنا هي انتظار الرجاء لذلك اليوم. نلاحظ أن بولس انتقل من صيغة المخاطب الجمع (أنتم، أنتم تعلمون) إلى المتكلّم (نحن، لسنا من أهل الليل). وهذا العبور يتمّ من دون رباط غراماطيقي. بل اكتفى بولس بأن يستعيد بشكل سلبيّ كلمات التأكيد الأخير: أنتم لستم في الظلام (آ 15). نحن لسنا من اهل الليل (آ 5 ب): نور ونهار، ليل وظلمة.
إن آ 5- 6 تقدّمان لنا موضوع التحريض، كما أن آ 1- 2 كانتا مقدمته. وسيتوضّح هذا الموضوع في تصوير وضع المسيحييّن (آ 7) الذي يقابله بولس بالوضع المسيحي (أما نحن، كما في آ 8: أما نحن أهل النهار فلنصحُ) وبأساسه (لأن الله لم يجعلنا آ 9-10). هو التوسّع عينه الذي وجدناه في القسم الأول: الوضع الديني (آ 3: يقول الناس: أمن وسلام)، الوضع المسيحيّ (آ 4: أما أنتم أيها الاخوة)، وأساسه (آ 5: لأنكم جميعاً أبناء النور). وهكذا نرى أن آ 1- 5 أ تحتاج إلى نور يأتيها من آ 5 ب- 10.
"لسنا من الليل ولا من الظلمة، إذن لا ننم كالآخرين، بل لنسهر ونصحُ من سكرنا" (آ 5 ب- 6). اللانوم هو بشكل إيجابي أن نسهر ونبقى صاحين. فالنوم، شأنه شأن السكر، يغرقنا في الليل وفي الغفلة (اللاوعي). هنا يبدو بولس وارثاً لصور قديمة نجدها عند الانبياء. وإذ يدعونا بولس إلى أن نكون صاحين، فهو لا يدعونا إلى العفّة في الطعام، بل إلى الوعي والتنبّه إلى عمل الله وتوسّعه التاريخيّ. قال أش 5: 11- 13: "ويل للقائمين من الغداة في طلب السكر، المستمرّين إلى العتمة والخمر تلهبهم. وفي مآدبهم (حفلات الأكل والشرب) القيثارة والعود والدف والمزمار. ولكنهم لا يلتفتون إلى الرب ولا يتأمّلون في صنع يديه. لذلك...".
وحين دعانا بولس إلى السهر، طلب منا أن نتجهّز لمجيء الرب. لا الانتظار المنفعل، الذي يرخي يديه ولا يفعل شيئاً، بل يترك الأحداث تفعل. ولكن نتصرف تصرّف العبد الناشط الذي يهييّء مجيء الرب بموقف إيجابي وفاعل. وهذا السهر الواعي هو حرب من أجل سيادة الربّ وحده (آ 8) في معرفة عطيّة الله (آ 9- 10).

5- رجاء المسيحيّين في تسالونيكي
إن السياق المباشر الذي يحيط بـ آ 1- 6 هو نداء لكي نعيش الرجاء في قلب القلق الذي ظهر في الكنيسة بالنسبة إلى الموتى، وبالنسبة إلى النهار (4: 13- 5: 10). ولكن بولس يوسّع النظرة في آ 5 ب- 10 فيقول: قد وُضعت كل حياة هؤلاء المسيحيّين في إطار الرجاء، والرجاء هو الذي يحدّد الجديد في حياة هؤلاء الناس منذ مرّ الرسل في وشطهم.
يكفي أن نجول في هذه الرسالة البولسيّة الأولى، لنلاحظ كم يرجو هو بنفسه وكم يرجو المسيحيّون يوم الربّ الذي يتمّ عمل الخلاص وقد بدأ منذ الآن. لا شكّ في أن بولس ومراسليه لا يعرفون متى يجيء ذلك اليوم. ولكنهم يعيشون من أجلى ذلك اليوم، ويعملون اعمالهم، ويقومون بخياراتهم بالنظر إلى ذلك اليوم. حين كان بولس مع المؤمنين، دعاهم، شددّهم، ناشدهم بكل ما في قلبه من محبّة لا تطيق الصبرُ بعد، لكي "يعيشوا حياة تليق بالله الذي دعاهم إلى ملكوته ومجده" (2: 12). وها هو يذكّرهم الآن باختصار ما هي هذه الحياة الجديدة: نخدم الله الحيّ والحقيقي، وننتظر ابنه يسوع الذي ينجّينا من الغضب الآتي (11: 9- 10). وهذه الخدمة تعبرّ عن نفسها في ما يعمله الايمان فيهم، في ما تكلّفهم المحبّة من تعب، في استمرار رجائهم برّبنا يسوع المسيح (1: 3).
ولهذا، يرغب بولس من أجلهم ثبات قلوبهم "في قداسة لا لوم فيها أمام الله أبينا، عند مجيء ربنا يسوع مع جميع قدّيسيه" (3: 13). المؤمنون هم فخره. وحياتهم المسيحيّة التي ارتبطت بخدمته، هي العلامة بأن الله تنازل وجعل منه رسوله. وكتب لهم بولس إنهم "اكليل يفتخر به أمام ربنا يسوع عند مجيئه" (2: 19).
هذه الايرادات القليلة تريد أن تدعونا فقط إلى أن نعيد قراءة الرسالة فنكتشف تلك الرغبة التي توجّه حياة بولس والمسيحيّين في تسالونيكي: يرغبون بقيام سيادة الرب يسوع المسيح وحده، بشكل كاملٍ فوق الكون والتاريخ. وهذه الرغبة هي رجاء، لأن تحقيقها يرتبط ارتباط كلياً بالله. أما هم فيحملون فقط خدمتهم "الساهرة". وهذا الرجاء هو ثابت لأن بولس يرى، والمسيحيون معه وبفضله، ان هذا الخلاص قد بدأ. كما يعرفون أن الله أمين، وهو يقود إلى الكمال العمل الذي بدأ به.

خاتمة
كيف نرجو مجيء الرب اليوم؟ نقدم ملاحظتين:
* الملاحظة الأولى: قد يرسم المجيء في عقل بعض السامعين صورة اخرى: ليست هي المجيء، بل نتيجة هذا المجيء: نهاية العالم او بالأحرى نهاية نتصّورما كانقلاب في الكون وزوال العالم بفضل عدد من الكوارث. يعود هذا الجمع بين الصور إلى تفسير حرفيّ لتعابير استعملها الأنبياء والأدب الجليانيّ لكي يدلّوا على ذاك اللقاء المرعب بين الله القدوس والعالم الخاطىء.
غير أن لا شيء يبرّر هذا التفسير الحرفي. لا بولس ولا الأنبياء تخيّلوا تفجّر الكون أو كارثة من هذا النوع. فالمجيء يحمل معه بلا شكّ "نهاية" لـ "هذا" العالم ولكن في معنى خاص هو: أنها تضع حداً لحكم كل القوى التي تتسلّط على حياة البشر، والتي نسميّها الكبرياء، والخوف، وإرادة القوة وغيره. ستكون نهاية هذا العالم بما أنه مسلّم إلى الخطيئة والموت. إذن، كل نظرة إلى كارثة كونيّة، غريبة كل الغربة عن تأكيد مجيء الربّ.
الملاحظة الثانية تعني صور المجيء. فبولس يفكّر (ويتصوّر)، شأنه شأن كل إنسان، في إطار معطيات حضاريّة تحيط به. فحين يتكلّم عن المجيء، ولا سيّما على مستوى 1 تس، فهو يرتبط بالتصوّرات الاسكاتولوجيّة التي ورثها من العالم اليهوديّ. ما اعتبر أنه يصوّر مجيء الربّ الذي لا يمكن أن نعرفه. بل تكلم عن مجيء، عن نزول الرب من السماء ساعة يُخطف المؤمنون في الهواء للقائه (4: 16- 17). وكل مؤمن يعرف أن الله لا يُحصر في مكان من الأمكنة. هو ليس فوق وليس تحت. بل هو فوق وتحت وفي كلّ مكان. بل هو يعلو المكان والزمان. ولا نقول إنه في مكان آخر، بل هو الآخر، أي ذلك الذي يختلف عنّا اختلافاً كلياً. 
وظهور يسوع الممجّد ليس نزولاً من السماء، كما لا نستطيع أن نقول بشكل حرفيّ إننا نصعد إلى السماء. ولكن حين نرفض هذه الصور، لا نرفض الواقع الذي تحمله: يسوع جاء إلينا في الجسد، وسيأتي في مجد عظيم. ونحن نذهب إلى لقائه التام بعد أن كانت لنا لقاءات معه على هذه الأرض. ومع ذلك! إذ نرفض الصور، فنحن نعبرّ عن ضعفنا عن تصوير حدث لم يحصل بعد، عن حدث هو بشكل خاص عمل الله. ومن يستطيع أن يدرك عمل الله، أن يحيط بعمل الله؟ بل نحن نستشفّه وننتظره في الرجاء. ولكن لا بدّ من استعمال الصور الزمانيّة والمكانيّة لنتحدّث عن هذا المجيء. وإذا اردنا أن نصل إلى ايمان الرسول، نقرأ هذا الكلام دون أن ننصدم بتمثّلات غريبة عن منطقنا اليوم. أما الجواب العمليّ، فهو السهر في انتظار يوم الرب، لا سهر الخوف، بل سهر الإبن الذي ينتظر الساعة التي فيها يلاقي أباه ويتحّد به اتحاداً يدوم إلى الأبد.
أما النصّ الذي قرأناه فهو يجعلنا على مستوى 1 تس. فيجب أن ندرس مجمل الرسائل لكي ندرس الاسكاتولوجيا البولسيّة. فسيهتّم الرسول في ما بعد بأن يفهم ويوضح وضع المؤمن الحاليّ، والنتيجة الآنيّة لخلاص تدشّن في يسوع المسيح. مثلاً بعد 1 كور 23:5، لا نعود نجد لفظة "باروسيا" (المجيء) في المعنى الذي وجدناه هنا. ولكنه في هذا التوضيح عينه، يذكر رجاء المجد (ر و م 5: 2: 8: 18، 24)، والظهور المقبل لمجد المسيح وأخصّائه (كو 3: 1: 4)، والتحقيق الآتي للانسان الكامل (أف 4: 11- 13)، هذا يعني أنه يرى الحياة المسيحيّة دوماً موجّهة نحو هذه التتمّة لتاريخ الخلاص.
إن الحياة المسيحيّة بالنسبة إلينا كما بالنسبة إلى مسيحيّي تسالونيكي، يوجّهها مستقبل يقول: إن العالم سيكون على غير ما هو الآن. ونحن سنكون غير ما نحن الآن، وذلك بقدرة الله الخلاّقة. غير أن هذا الانفتاح على المستقبل، على البشريّة المتجدّدة في المسيح، ليس استعداداً وجهوزا فحسب، بل هو أمل ورجاء: فليس هناك من حياة مسيحيّة إلا لأن هذا المستقبل يُدرك منذ الآن حاضراً. لأن سيادة يسوع وحياته قد كُشفتا لنا منذ الآن وهما تُشرفان على وجودنا. وهذا الرجاء ثابت في قلب مسيحييّ تسالونيكي، وسيكون كذلك في قلب مسيحيّ اليوم إن أعطي لهم هم ايضاً أن يعرفوا ما يعيشون، أن يعرفوا موهبة الله التي جعلت منهم نوراً ونهاراً في الربّ.
الفصل الرابع عشر
الجهاد المسيحي بانتظار المجيء
5: 7- 11

نتوقّف في هذا الفصل عند الرجاء في مجيء الرب، وانتظارنا له في الحياة المسيحيّة. فنتوسّع بعض الشيء في موضوع مجيء الرب، وكيف نعيش هذا المجيء. هنا نعود أيضاً الى الفن الجليانيّ الذي يطبع بطابعه نهاية ف 4 (آ 13- 18) وبداية ف 5 (آ 1- 11). نقابل بين النصيّن ونستنتج صورة عن مجيء الرب.

1- 1 تس والفن الجليانيّ
إن 4: 13- 18 و5: 1- 11 هما قطعتان تنتميان إلى الفن الأدبي الجلياني، وهو فن ازدهر بين القرن الثاني ق م والقرن الثاني ب م، فقرأناه في سفر دانيال وفي أسفار منحولة (مكتومة) مثل كتاب أسرار أخنوخ، عزرا الرابع، رؤيا باروك... ولا ننسى في العهد الجديد سفر الرؤيا الذي يُلقي ضوء الانجيل على الأزمة التي عاشتها الكنيسة في نهاية القرن الأول، في صراعها ضدّ العالم اليهوديّ والعالم الوثنيّ.
بعد أن نقدّم هذين النصّ في موازاة، نستخلص العناصر الجليانيّة التي نجدها فيهما.
أ- نصان مختلفان
أولاً: نظرة سريعة
4: 13: مدخل إلى الموضوع مع "أما... أيها الاخوة" = 5: 1.
4: 14: استغلال عبارة اعتراف ايماني= 5: 9- 10.
4: 13- 14: الايمان والرجاء= 5: 8.
4: 13: مقابلة مع الآخرين= 5: 6.
4: 13، 14، 15: مقابلة الموت مع النوم= 5: 10.
4: 15، 17: سنكون "نحن" هناك حين يجيء الرب= 5: 10.
4: 17 (14): الهدف النهائي: أن نكون كلنا مع الرب= 5: 10.
4: 18: ليعزّ بعضهم بعضاً ليشجّع...= 5: 10.
ثانياً: مقابلة
4: 13: لا نريد أن تكونوا
في جهل أيها الأخوة
في ما يخصّ الراقدين

لئلا تحزنوا
كغيركم ممّن
لا رجاء لهم








14: فإن كنا نؤمن
أن يسوع مات ثم قام
كذلك الله أيضاً بسبب يسوع
سيحضر معه الراقدين






15: نقول لكم هذا
على قول الرب
إننا نحن الأحياء
الباقين إلى مجيء الرب
لا نسبق الراقدين
16: لأن الرب في إشارة
وصوت رئيس الملائكة
وبوق الله
ينزل من السماء
فيقوم الموتى اولاً


17: ثم الأحياء الباقين
جميعاً معهم
نختطف في الحب
للقاء الربّ في الفضاء
وهكذا نكون دوماً مع الربّ
إذن، عزّوا (شجعوا)
بعضكم بعضاً
بهذا الكلام. 5: 1: أما الأزمنة والأوقات
أيها الأخوة فلا تحتاجون
أن يكتب إليكم
2: انتم تحملون يقيناً
ان يوم الرب
كلصّ في الليل
هكذا يأتي.
3: حين يقولون: سلام وأمن
حينئذ يدهمهم الدمار
كآلام المرأة الحبلى
ولن يفلتوا
4: أما أنتم أيها الاخوة
فلستم في الظلام
حتى يغشاكم ذلك اليوم
كلصّ
5: فأنتم ابناء النور
أبناء النهار
لسنا من الليل
ولا من الظلمة
6: أذن لا ننَم كالآخرين
بل لنسهر ونصحُ
7: فالذين ينامون
في الليل ينامون
والذين يسكرون
في الليل يسكرون
8: أما نحن أهل النهار فلنصحُ
ولنلبس الايمان
والمحبّة درعاً
ورجاء الخلاص خوذة

9: لأن الله لم يجعلنا للسخط
بل لامتلاك الخلاص
بربنا يسوع المسيح

10: الذي مات لأجلنا
لكي إذا كنا ساهرين
أو كنا نائمين
نحيا جميعاً



معه
11: لهذا عزّوا (شجعوا)
بعضكم بعضاً
وليبنِ احدكم الآخر
كما تفعلون.

ب- العناصر الجليانيّة
يبقى أن نحدّد بم يكون هذان المقطعان من الفنّ الجلياني. إنهما ينتميان في الدرجة الأولى إلى الاحثاث والتحريض. يريد بولس أن يدفع المسيحيّين إلى موقف مسيحيّ: رفْض الحزن أمام موت أشخاص أعزّاء. سهر يرافقه نسك تجاه الجهاد المسيحيّ. ويقوم بولس بهذا الاحثاث على أساس جليانيّ دون أن يستغلّ كل المصطلحات التي بها نعرف اسفار الرؤى: نسبة النصّ إلى شخص شهير في الماضي (آدم، اخنوخ...)، تاريخ مسبق (مثلاً، نحن في دانيال في القرن الثاني ق م، فيجعلنا الكاتب في القرن السادس وما بعد)، تقطيع التاريخ إلى قطع، تصوير الكوارث في صور مخيفة، الرؤى، الملائكة. هذه اللائحة بالسمات الجليانيّة تدعونا إلى استنتاجات خفرة وبسيطة.
في المقطع الأول (4: 13- 18) تتركّز السمات الجليانيّة في سيناريو نزولا الرب في آ 15- 17: الاشارة (أو الهتاف)، صوت رئيس الملائكة، بوق الله، النزول من السماء، قيامة الموتى، الاختطاف على السحاب في الفضاء.
في المقطع الثاني (5: 1- 11)، إذا جعلنا جانباً الغضب في آ 9، نجد السمات الجليانيّة في آ 1- 3: الأزمنة والأوقات، يوم الرب (الذي ينتمي ايضاً إلى الأدب النبويّ)، فكرة المباغتة (فجأة)، الكارثة، مخاض الحبلى، استحالة الافلات. نستطيع ان نزيد النور والظلمة (آ 4- 5) اللذين نجدهما في فنون أدبيّة جدّ مختلفة.
ولكن ما يُشرف على تفسير هذين التحريضين، كما على تفسير مقاطع أخرى من هذ الرسالة، هو نهج الفكر الجليانيّ الذي ظهر في العالم اليهوديّ قبل المسيح كطريقة جديدة للنظر إلى العالم ولعيش الايمان.
فالحركة الجليانيّة التي برزت من أزمات متعاقبة في تاريخ اسرائيل، ولّدت نظرة متشائمة إلي التاريخ: لقد انفصل هذا العالم عن الله، فغرق في الشّر. لهذا لا يستطيع الخلاص بعد اليوم أن "ينبت من الأرض": لم يعد التاريخ "تاريخ خلاص". وهذا الخلاص لا يمكن إلاّ أن يأتي "غداً" (في المستقبل، في الآتي من الأيام)، إلا أن يأتي من فوق. ليس هو هنا، ليس هو الآن، إنه هناك في البعيد وفي آخر الأزمنة.
إن ملكوت الله لا يعمل عمله داخل الممالك التاريخيّة: بل سيحلّ محلّها ومحلّ تاريخها لكي يخلق شيئاً جديداً. هنا نجد الفرق بين وعي إيماني ينعش الانبياء الذين يرون أن إسرائيل يختبر في التاريخ حضور الله المخلصّ. وبحسب الفكر الجليانيّ، يجب ان تتحطّم مسيرة هذا التاريخ لكي يأتي عمل الله عبر هذا العالم. هكذا يعود دور التاريخ البشريّ إلى أقلّ شيء ممكن، إلى إستعداد سلبيّ، والتسامي الالهي يحتلّ حقل الفكر كله.
الله هو ذلك الذي لا يُدرك، الذي يقيم في السماوات. أما عند الأنبياء فهو الكليّ القداسة، وفي الوقت عينه القريب جداً منّا. وها هو الآن يرسل ملاكه ليكشف أسرار النهاية التي نرجوها والتي ليست تكملة للتاريخ. وهذه النهاية توافق مجيء المسيح الذي سيصنع كل شيء جديداً. 
إن هذا الفكر الجليانيّ يبقى في خلفيّة مراحل عديدة من التقليد الانجيلي، وذلك فبل التدوين الأخير لأناجيل لو، مت، يو. أما بولس فسيبقى مرتبطاً بهذا الفكر قبل أن تجعله خبرة الحياة والرسالة يلقي على التاريخ، نظرة أكثر توازناً. حينئذ يتطلّع إلى بَسط التاريخ كموضع المصالحة بين البشر، والسيادة المتنامية للمسيح الممجّد بفضل إعلان الانجيل. بل كموضع قيامة مسبقة لا في يسوع وحسب، بل في حياة المؤمنين. لهذا ظلّ فكر بولس في 1 تس في خطّ رسمات جليانيّة بحيث كان يعتقد أن جيله سيعيش "نهاية الأزمنة" التي انتظرها الناس في أيامه.
لما كان الحديث عن مصير الأموات أو عن تاريخ النهاية، مع أنه عالج المسألة من زاوية التحريض على الشجاعة والسهر، فلا نستطيع أن نفهمه خارج النهج الجليانيّ.
وإليك كيف نتعرّف إليه: هناك تعليم موحى نقبله، هناك "قول الربّ" (4: 13). ولا نستطيع أن نبقى في الجهل (4: 13). أما بولس فهو المهيّأ ليحمل هذه الكلمة إلى جماعة المؤمنين. وكل هذا يتركّز على النظر إلى يسوع كالتتمّة الأخيرة لمواعيد الله وعمله: كل ما نستطيع أن نقوله ونعيشه، هو نتيجة هذا الحدث الأخير الذي صار وراءنا. وليس يسوع حدثاً بين أحداث أخرى تتوالى في التاريخ: إنه الذروة القصوى لهذا التاريخ فلا يعود لنا إلاّ أن ننتظر مجيئه.
وأخيراً، هذا العالم الذي يمثّله "الآخرون"، يعارض الله، وهو بالتالي غريب عن الخلاص وعن الرجاء الذي يتطلّع إلى هذا الخلاص.

2- صورة عن المجيء
إذا عدنا إلى 4: 13- 18، نكتشف أولاً الموضوع والسبب الذي دفع بولس إلى معالجته. وبعد هذا، يأتي تأكيد ينطلق من التوافق الأساسي: المسيح مات ثم قام. وبعد شرح العبارة "الله يجمعهم إلى يسوع" (هذا قول الرب)، نصل إلى الخاتمة التي فيها يطلب منهم بولس أن يعزّوا بعضهم بعضاً، أن يشجّعوا بعضهم بعضاً بكلام الربّ. ونتوقّف عند صورة المجيء في ست محطات.
أ- ينزل الربّ من السماء
هي المرّة الأولى في الرسائل البولسيّة يقال لنا فيها أن "المسيح ينزل من السماء". مثلُ هذا الكلام يطرح علينا سؤالاً. فالاناجيل الازائيّة قد احتفظت بسبعة عشر قولاً ليسوع حوله ابن الانسان المجيد: في سبعة من هذه الأقوال، "يجيء" ابن الانسان. وثلاثة أخرى تتحدّث عن "مجيئه" وعودته (باروسيا)، ولكنه لا "ينزل" ابداً. وفي الرسائل البولسيّة تسيطر لغة المجيء. نقرأ في 1 كور 4: 5: "إلى أن يجيء الرب". وفي 11: 26: "تعلنون موت الرب إلى أن يجيء". وفي 2 تس 1: 1: "سيجيء في ذلك اليوم لكي يتمجّد في شخص قدّيسيه". ونقرأ في عب 10: 37: "بعد وقت قليل جداً يأتي الآتي ولا يبطىء".
في العهد القديم، يُذكر "نزول" الرب المقبل مرّات قليلة. بما أن مسكن الله هو "في السماوات" "التي هي فوق"، فالله ينزل حين يظهر على البشر. ولكن المؤمنين لا يأملون إلا قليلاً بتدخّل آخر لله بشكل نزول من السماء، ما عدا مز 14: 5: "يا رب طأطىء سماواتك وانزل". وفي الصلاة المسيحانية الكبرى في أش 63: 14 نقرأ: "يا ليتك تشقّ السماوات وتنزل". وسفر دانيال نفسه بما فيه من عناصر جليانيّة، لا يشير إلى نزول من السماء إلا في بعض الترجمات. يتحدّث عن نزول ملاك (مثل مت 28: 2: "نزل ملاك الربّ من السماء ودحرج الحجر"). في دانيال، لا ينزل ابن الانسان السريّ. هو يجيء. أما السفر الوحيد الذي يتحدّث مراراً عن النزول فهو رؤيا القديس يوحنا. ولكن لا الله ينزل ولا المسيح: ما ينزل فقط هو النار والبرَد والملاك وأورشليم الجديدة.
نحن هنا أمام لغة لم نعتَد عليها. كيف نفسّر هذا الوضع الفريد؟ هنا نعود إلى انجيل يوحنا الذي يشدّد على ارتفاع يسوع المقبل، وبالتالي على نزوله في السابق وفي الحاضر (يو 3: 12؛ 6: 32، 38، 50، 51، 58). فيسوع ابن الانسان سيُرفع في المجد حين يُرفع على الصليب. هذا يعني في نظر يوحنا أنه نزل من السماء (رج 6: 62: وحين ترون ابن الانسان صاعداً حيث كان أولاً).
في يوحنا، النزول ضروريّ من أجل ارتفاع المسيح: فلا قيامة بدون تجسّد يسبق هذه القيامة. وفي 1 تس لا يرتبط النزول بتجسّد يسوع. هو نزول مقبل، وهو موضوع رجاء وانتظار. غير أن هذه اللغة ترتبط بسّر القيامة والتمجيد (كما في يوحنا). وبما أن يسوع ارتفع وجلس عن يمين الله، يستطيع بولس أن يتحدّث عن نزوله المقبل. والأقوال عن ابن الانسان الذي "يجيء" (لغة قبل فصحيّة) قد أعيدت قراءتها على ضوء قيامة المسيح وتمجيده فإن شاء أن يجيء سينزل من السماء بعد أن صعد إلى هناك.
ب- صوت رئيس الملائكة وبوق الله
إن سيناريو مجيء الرب يستعمل لغة خاصّة، لغة نادرة في الكتاب. يُذكر "الأمر" (رج أم 30: 27 حسب السبعينيّة)، أمر رئيس الملائكة (لا يرد في العهد القديم، بل هنا وفي يهو 9). أما بوق الله فيرافق في العهد القديم ظهورات الله الكبرى المسمّاة "تيوفانيا" (خر 19-20). ونحن نجده في الأدب الجليانيّ وفي مت 24: 31: "يرسل ملائكته ببوق عظيم".
هل نجد في "الأمر" و"صوت رئيس الملائكة" و"بوق الله"، تأكيداً على كل تفاصيل المجيء؟ لا نحاول أن نوضح أموراً لم يوضحها الرسول الذي يذكر في 1 كور 15: 52 "البوق" دون أن يقول "بوق الله". غير أن لهذه الرمزيّة الجليانيّة مدلولاً ثمنياً: فهي تقول بطريقتها إن مجيء الرب لا يقع في قبضة الانسان، إنه حدث يتقبلّه البشر دون أن يكون لمبادرتهم أي دور فيه. لا شيء من الانسان في هذا السيناريو: فالله هو سيّده ووحده يعرف زمانه. أما التاريخ فقد أعطي للانسان لكي يملأه بإنجازاته: ونهاية هذا التاريخ هي في الوقت عينه نهاية كل مبادرة بشريّة.
ج- الموتى والاحياء
أولاً: يقوم الموتى اولاً
نلاحظ في لغة هذا الاعلان أن الصفة تحوّلت إلى موصوف. استعاد بولس لفظة من التوراة والتقليد المسيحيّ، فترك لفظة "الرقاد" التي استعملها ثلاث مرات في الآيات السابقة.
ونقرأ لفظة "أولاً" التي هي هامّة. فقيامة الموتى عنصر هام في الفقاهة الرسوليّة، في خطّ عقيدة الفريسيّين المتجذّرة في التقليد البيبلي الحديث (دا 12: 1 ي؛ 2 مك 7: 9)، وتعليم يسوع نفسه.
غير أن الجواب على سؤال التسالونيكين، ليس في التأكيد على قيامة الموتى بقدر ما هو في التأكيد على أن هذه القيامة ستكون النتيجة الأولى لنزول الرب: "يقوم الموتى أولاً".
ثانياً: ثمّ الاحياء معهم
والفصل الثاني (ثمّ ثانياً) هو اجتماع القائمين "والبقيّة" في مجموعة واحدة موحّدة. تُرفع، "تختطف للقاء الرب في الهواء". استعمل بولس هنا موضوعاً أدبياً هو موضوع الاختطاف: فمشاهد الاختلاف متواترة بعد حالتين نموذجتين: اختطاف اخنوخ (تك 5: 24)، والنبيّ إيليا (2: 2- 18). وزادت كتب الرؤى النحولة: عزرا، باروك، موسى، أشعيا. ولعبت السحب دوراً هاماً في اختطاف اخنوخ وموسى، كما كنت مطيّة ابن الانسان في دا 7: 15.
نقارب بين هذه الأخبار ونصوص تصوّرُ الاختطاف بشكل متطوّر: هو اختطاف النفس كما في العالم الهلّيني (وصيّة ابراهيم 14: 6- 7). ولكننا لا نقرأ كما في 1 تس فعل "اختطف" الذي نقرأه في نصوص رومانية ويونانية (اختطاف رومولوس مؤسّس رومة).
في كل هذه الحالات، يكون الاختطاف أجراً يُمنح لكائن خارق، ودلالة على نجاح حياة مميّزة. هذه الفكرة ينقلها بولس في اسلوب شعبيّ، وهكذا يقودنا إلى ذروة تعليمه الرسوليّ: "نكون مع الربّ على الدوام".
د- نلاقي الربّ
هي عبارة عاديّة، ونحن نجدها أكثر من مئة مرّة في العهد القديم. يعود الملك او القائد من الحرب، فيذهب الناس للقائه تكريماً له. في تك 14: 17، خرج ملك سدوم للقاء ابراهيم العائد من حربه مع الملوك الأربعة. وفي 1 مل 19: 16 خرج رجال يهوذا إلى الجلجال للقاء داود الذي انتصر على أبشالوم.
أما الصورة البولسيّة فتستلهم تيوفانيّة سيناء. "في اليوم الثالث ينزل (يهبط) الرب من جبل سيناء أمام جميع الشعب... وحين تأتي الاصوات والابواق والسحاب من الجبل، حينئذ يصعدون على جبل... وفي اليوم الثالث في الصباح كانت أصوات وبروق وسحاب كثيف على جبل سيناء وصوت بوق شديد جداً. فأخرج موسى الشعب من المخيّم لملاقاة الله، فوقفوا في أسفل الجبل. وكان جبل سيناء، مغطّى كله بالدخان، لأن الرب نزل عليه من وسط النار" (خر 19: 11 ي).
إذن، لا نعجب إن كان نزول الربّ الأخير يستعيد السمات الجوهريّة في التيوفانيا العظمى التي عرفها شعب الله في بداياته. ولكن حين تكلّم بولس بهذه الطريقة، استعمل لغة يفهمها قرّاؤه اليونانيّون. فحين يدخل الملك إلى مدينة ليزورها أو يضع يده عليها، يخرج الناس إلى خارج المحّلة ليواكبوه بأناشيد الفرح (هذا ما فعل المسيحيون لمّا وصل بولس على ابواب رومة: أع 28: 15).
فالذهاب لملاقاة الربّ يعني أن نشارك المسيح فرحته في انتصاره على الموت. وهذا ما نقرأه بوضوح في 1 كور 15: 54- 55: "حينئذ يتمّ القول الذي كتب: قد ابتلع الموت في الغلبة. فأين غلبتك أيها الموت؟ وأين شوكتك أيها الموت"؟.
ونقرأ: "نُختطف في السحب لنلاقي الربّ في الهواء". كيف نفهم هذا الكلام؟ هل نعتبره تعبير إيمان ثابت؟ نلاحظ اولاً أن 1 كور 15: 51- 52 لا تستعيد هذا التعبير، بل هي تقول عن الذين نالوا نعمة بأن يكونوا على قيد الحياة عند مجيء الرب: "نتحوّل. يقوم الموتى. ونحن نتحوّل". أي نلبس اللافساد، نلبس الخلود (اللاموت). هذه اللغة هي تفسير 1 تس المرتبطة بالتمثلات المكانيّة. فحين يتحدّث بولس عن اختطاف على السحب وفي الهواء، فهو يدلّ على تحوّل جذريّ تفرضه الحياة مع الرب القائم من الموت. وهكذا نكون على صورته.
فالانسان المأخوذ من الأرض لا يستطيع بقواه الخاصة أن يصعد في الفضاء. فإن استطاع، فهذا. يعني أن حالته قد تبدّلت، تروحنت: لقد أمسك به الروح كما أمسك بالمسيح في قيامته.
هـ- نكون مع الربّ على الدوام
إن العلاقات بين المؤمنين والمسيح تُفهم بأشكال مختلفة: ويراعي بولس بشكل عاديّ هذا التنوع مستعملاً حروف جرّ مختلفة: في المسيح، بفضل المسيح، بالمسيح، للمسيح، مع المسيح. وهكذا، فالمسيحي خلال حياته على الارض هو "في المسيح". وهذه العلاقة الجديدة تجعله يعيش من الإيمان والرجاء. ذاك هو وضع الإنسان المبرّر.
ولكن حين يكون الحديث عن نهاية الحياة المسيحيّة على الأرض، إمّا في مجيء الربّ، وإمّا في موت الانسان، يستعمل بولس حرف "مع" (سين) الذي يختلف عن "ميتا" المستعمل في الاناجيل للحديث عن رفقة يسوع للتلاميذ والجماعة (في 3: 13 نجد رفقة الرب مع قديسيه). فحرف "سين" يقرّبنا من المشاركة والمقاسمة. إذن، العلاقة هي وثيقة وحميمة أكثر ممّا في عبارة "في المسيح". هي مشاركة على مستوى الجسد للمؤمنين في قيامة المسيح. هي تتمّة مسيرة المسيحيّ مع المسيح.
وهذا الاجتماع بالرب في نهاية مسيرة المسيحيّ، يغرز جذوره في الخط عينه (مع المسيح) الذي يتمدّد في أصول الحياة المسيحيّة: في المشاركة مع المسيح، مع حدث موته وقيامته من جهة، ومن جهة ثانية في تأوين هذا الحدث بالنسبة إلى كل مؤمن بفضل سّر العماد. رج روم 6: 4 ي: "بالمعمودية دُفنّا مع المسيح فصرنا كائناً واحداً معه، على شبه موته... صُلب انساننا العتيق معه... متنا مع المسيح".
وزادت كو 2: 12: "قمتم معه بالايمان في عمل الله الذي أقامه من بين الأموات: أحياناً معه". لماذا؟ هذا ما يقوله اعتراف الايمان في 5: 8: "مات المسيح من أجلنا". وتتمّة الحياة المسيحيّة في مشاركة الرب في حياته ومجده، هي الظهور الكامل لما تضمنّه الحدث (موت المسيح وقيامته) الذي أسّس المعمودية وأوّنها بالنسبة إلينا.
لا يُقال هنا أي شيء عن الحياة مع الرب. ونحن نخاطر إن نسبنا إلى بولس نظرة الالفية (أي ملك مع المسيح يدوم ألف سنة). بحسب هذه النظرة، تكون نهاية نزول الرب إقامة المسيح المجيد على الارض حيث "يملك" المؤمنون معه. لا يهتمّ بولس بمسألة المكان: فهو يرجو التئام جميع المؤمنين في المشاركة مع الرب. وسيقول في 2 تس 2: 1: "اجتماعنا معه".

3- تعليم للمؤمنين على أساس إيمانهم
هنا نعود إلى نص 1 تس 5: 7- 11، بل نبدأ مع آ 4. فبعد أن تحدّث بولس عن البشر بشكل عام، ها هو يتوجّه الآن إلى المؤمنين: "أيها الاخوة". ويتوسّع كلامه في موجتين متلاحقتين. وفي كل موجة يستند البرهان إلى اختلاف بين "الناس" الذين تحدّث عنهم (الآخرين)، والذين يسمّيهم الآن "أنتم" (آ 4- 5 أ: لستم في الظلام) و"نحن" (آ 5 ب- 10: لسنا من اهل الليل)، أي المسيحيين. وإذا عدنا إلى الأقوال النبويّة نقول: إذا كان يوم الرب هو يوم ظلمة ودمار "للآخرين"، فسيكون يوم خلاص للذين ظلّوا أمناء للربّ
أ- توسّع أول (آ 4- 7)
نعود هنا إلى مثل اللصّ في الليل. بما أن اللصّ. يأتي في الليل، وبما أنكم لستم في الظلمة، فلا يستطيع شيئاً ضدّكم. إذن ينطلق بولس من "الليل" في المعنى الزمني (يقابل النهار) إلى "الظلمة" التي تحدّد وضعاً روحياً من الجهل والشرّ والخطيئة. ثم يقول بشكل إيجابيّ: "إنكم جميعاً أبناء النور، أبناء النهار". إن استعارة "النور" تجاه "الظلمة" تشير إلى عالم الايمان والمحبة والرجاء، إلى موضع العلاقات مع الله. و"اليوم" هو الآن "يوم الرب": بما أنكم أبناؤه، بما أنكم تخصّونه بشكل طبيعيّ، فهذا اليوم هو يومكم، يوم خلاصكم
ثم يعود بوليس بشكل سلبيّ فيقول: "لسنا من (لا ننتمي إلى) الليل ولا مِن الظلمة". وتستخرج آ 6 نتيجة انتماء المسيحيين لعالم النور والنهار: "لا نَنْم كالآخرين". وأخذ فعل "نام" معنى استعارياً. هو لا يدلّ على الموت كما في فعل رقد. بل يوضحه الوقف الذي يقابله: "لنسهر ونعش في العفّة". إذن النوم هو استسلام لحياة سهلة، كحياة تعرف الاهمال والتهاون لا العفّة والاعتدال. وتفصّل آ 7 هذا الموقف: نحن أمام ما يُصنع في الليل والظلام، في الخفية، كما يفعل السارق، لأن مثل هذا العمل مذموم: كل هذا يلخّص في الشرب والسكر.
وترتبط فكرة الاعتدال (والعفّة. من عفّ عن الشيء امتنع) بفكرة السهر. نحن نعفّ عن الشرب ونعتدل فيه. وكما أن السهر هو ما يمنع النوم، فالعفّة ليست فقط على مستوى الاعتدال في شرب الخمر، لأن السكر يغرق الانسان في اللاوعي فلا يعود انساناً. أما الانسان المعتدل فهو الذي يحتفظ بملكاته كإنسان. يكون "في حالة جيّدة" على المستوى الروحيّ والمستوى الجسديّ. هذا ما يحصل عليه بالتنسّك والجهاد.
ب- توسع ثانٍ (آ 8- 10)
ويستعيد بولس الحديث عن انتماء المؤمنين إلى عالم النور في ثلاث كلمات: "أما نحن فبما أننا من النهار". ويتوضّح مضمون التحريض على السهر بأكثر من الاعتدال. هناك حرب وقتال بسلاح (الدرع، والخوذة) الايمان والمحبّة والرجاء. فهذه الفضائل الثلاث تدلّ أفصل دلالة على المسيحيّ.
ولماذا هذه الحرب غير المتوقعة؟ هنا نعود إلى آ 9: "لم يجعلنا الله للسخط بل لاقتناء الخلاص". إذا كان الله قد اعدّنا للخلاص، فلماذا القتال؟ أما يعطينا الخلاص مهما كانت الظروف؟ أما بولس فيقول: بما أن الله أعدّنا للخلاص، فنحن مدعوّون للحرب الروحيّة. مثل هذا الكلام يفترض يقيناً يقول: إذا كان الخلاص عطيّة من الله، فهو ليس بعطيّة تفرض علينا. إنه ثمرة مشاركة حرّة بين الانسان (الذي يفعل ما يُطلب منه، ولو كان ناقصاً) وبين الله الذي يخلِّص. فالمؤمنون هم مسؤولون مع الله عن خلاصهم الذي يقف في نهاية حياة من الاستقامة، حياة من الايمان والرجاء والمحبّة.
منذ ف 1 فهمنا دور الايمان والمحبة والرجاء. وفهمنا أن حياتنا ليست منفعلة، بمعنى ان الله يفعل كل شيء ونحن "نكتّف" أيدينا. فالايمان يكون ناشطاً فاعلاً. والحبّ يقوم بمجهود من أجل القريب. والرجاء نعيشه في الثبات على ما قال الرب: "من يثبت إلى المنتهى فذاك يخلص".
إذن، تعبرّ صورة الحرب الروحيّة تعبيراً رائعاً عمّا اكتشفناه في فعل الشكر (1: 3 ي)، وفي تصوير الجماعة المسيحيّة: إن الدخول في الإيمان لم يجعل أهل تسالونيكي في وضع من السهولة والرخاء، في سعادة متراخية. بل عكس دلك. لأن الحرية المسيحيّة، شأنها شأن كل حرية، تعاش في الجهاد. فطريق الخلاص قد رسمه الرب يسوع نفسه، فكان موته بالنسبة إلى المؤمنين نداء إلى الايمان وانفتاحاً على الرجاء والمحبّة. وكل هذا "بربنا يسوع المسيح الذي مات لأجلنا لكي نحيا جميعاً معه، ساهرين كنا أم نائمين".
"يسوع الذي مات من أجلنا". عبارة إيمانية تسلّمها بولس من التقليد المسيحيّ. وعبارة "من أجلنا" نجدها في خبر الافخارستيا (1 كور 11) حيث يقول: "تسلّمت من الرب ما سلّمت إليكم". فموت المسيح يسوع يرتبط بخلاصنا وفدائنا، بتحررّنا من الخطيئة.
وننهي هذه المقطوعة مع "السهر والنوم" لا على المستوى الأدبي بل على مستوى الاستعارة، حيث نام تعني رقد في الرب، مات. وسهر تعني: ما زال على قيد الحياة. لهذا، فالجوهريّ ليس أن نكون أحياء ساعة مجيء ربنا. فالمسيح قد مات لأجلنا لكي نحيا معه جميعاً. هذا هو الخلاص الذي هيّأه الرب لنا. وهكذا يوجّهنا هذا التحريض إلى قمة وجّهنا إليها التحريض السابق (4: 17): "نكون مع الرب على الدوام". ولكن حلّ فعل "نحيا" محل فعل "نكون"، لأن موضوع الرجاء هو حياة ووجود. وهكذا نكون قد وصلنا إلى قيامة المؤمنين من الموت إلى حياتهم مع ذلك الذي مات وقام من أجلهم.
ج- الطلب الأخير (آ 11)
مثل هذا التعليم يلهم المسيحيين كلام التعزية بعضهم لبعض. وبالنسبة إلى 4: 18، زاد بولس تحريضاً يقول: "ليبنِ احدكم الآخر". إن موضوع البناء سيكون أحد المواضيع الرئيسيّة في الاكليزيولوجيا البولسيُّة: الكنيسة واقع تاريخيّ يبنيه الله والبشر معاً.
نحن هنا في بناء شخصيّ متبادل. ولكن المؤمن يبني نفسه داخل الكنيسة التي فيها يعيش حياة من الايمان والرجاء والمحبة. كل هذا يفتح الطريق أمام التحريضات التالية التي تقول لنا بما يقوم بناء الكنيسة.

خاتمة
إن تعليم يسوع حول أحداث النهاية يجد ذروته في نداء إلى السهر. وهذا الموقف الذي يعارض النوم، يدلّ على المسيحيّ الذي ينتظر عودة ربّه. هذا ما وجدناه في الخطبة الاسكاتولوجيّة (مر 13: 33- 37 وز)، وفي عدد من الامثال التي تتحدّث عن انتظار مجيء المسيح (مت 25: 1 ي؛ لو 12: 35- 46). وتأتي صورة الليل والظلمة والرقاد، مع صورة النور والنهار، فتدعونا لكي نصحو كما من السكر ونقوم بحرب يكون فيه الايمان سلاحنا (قد يكون السيف)، والمحبّة درعنا، والخوذة رجاء خلاصنا.
الفصل الخامس عشر
حياة الجماعة المسيحية
5: 12- 28

هنا تأتي التحريضات الاخيرة، تعليمات بولس إلى المؤمنين لكي يكرموا الذين يتعبون في ما بينهم. لكي يؤنّبوا المتكاسلين، ويسندوا الضعفاء. وفي النهاية، التحيّة لجميع الإخوة مع القبلة المقدّسة.

1- تعليمات أخيرة (5: 12- 22)
بعد الحديث عن الجماعة التي يعملون في خدمتها (آ 12: 13)، ترد تحريضات إلى مجموعة المسيحيّين الذين يقومون بمسؤوليات خاصة (آ 14- 15)، ثم كلام إلى الكنيسة التي تلتئم في خدمة عباديّة أمام إله ربنا يسوع المسيح.
أ- "القادة" في الكنيسة (آ 12- 13)
أولاً: نسألكم أيها الاخوة (آ 12)
لاحظ الرسول في كنيسة تسالونيكي أن كل واحد يعتبر نفسه مسؤولاً عن أخيه (آ 11). ولكن في هذه الكنيسة، يحسّ بعضهم احساساً خاصاً بمسؤوليته: تدفعه رغبة في خدمة الربّ فيظهر نشاطاً أوسع. "كوبيونتس": هم الذين يتعبون فيما بينكم. الذين يعملون في الجماعة، ومن أجل الجماعة.
وبمَ يتميّز نشاطهم؟ "يرئسونكم في الرب. يعظونكم". إذن نحن أمام إخوة تميّزوا بمواهب خاصة، وبتأثيرهم على الآخرين، وباندفاعهم وتضحيتهم. فترأسوا الجماعة، لا عن طموح، بل في الربّ، في الايمان بربّ الكنيسة والطاعة له. أرادوا أن يخدموا المسيح في اخوتهم.
هم يهتمّون ويعتنون بالجماعة. يقومون بكل النشاطات فيها، بل يتدبّرون حتى الأموال فيها. هكذا يرئسون كنيسة تسالونيكي الفتيّة التي أجبر المرسلون على تركها بشكل مفاجىء. وهؤلاء "الرؤساء" ينبهّون الاخوة إلى أخطائهم، يدلّونهم على الطريق الواجب اتباعه. ولكنهم اصطدموا بالمقاومة. لأن تنبيهاتهم لم ترُق للجميع، لاسيّما وأنهم لم يتسلموا تكليفاً رسمياً. لهذا طلب بولس من المؤمنين أن يقرّوا "بسلطتهم"، وأن يقبلوا بنشاطهم بينهم بما فيه من نصح وإرشاد وتوبيخ.
ثانياً: أحبّوهم غاية المحبّة (آ 13)
ولكن لا يكفي أن يعترف المؤمنون لهؤلاء "الرؤساء"، كما لا يكفي انتهاء كل معارضة ونهاية سيّئة من" أجل سير العمل في كنيسة يسوع المسيح. فبولس يطلب أكثر من ذلك: يطلب الاكرام والمحبّة.
وعى الرسول ضرورة وقيمة نشاط المسؤولين في الجماعة، فأراد من أهل تسالونيكي أن يكون لهم الوعي عينه، فطلب منهم أن يعتبروهم كل اعتبار، ان يعتبروهم اعتبار المحبّة. فالخدمة المسيحيّة لا تمارس بفاعليّة إلا إذا قبلها جميعُ أعضاء الكنيسة بقلب مطيع، إلا إذا كان الخدّام موضوع إكرام خاص من أجل عملهم. وهذا العمل هو الذي صوّرته آ 12 والذي يتمُّونه في الربّ. وهذا العمل هو ما يجعل المؤمنين يكرمونهم. أما التفويض الذي نالوه من الرسول، فلا يعفيهم من القيام بعملهم خير قيام.
وتنتهي هذه الآية بنداء إلى السلام: "كونوا في سلام بعضكم مع بعض". وهكذا يكون السلام قيمة جماعيّة جوهريّة، كما في مر 9: 50: "سالموا بعضكم بعضاً". بعض المخطوطات جعلت نص 1 تس مثل نص مر. في هذا المناخ من السلام، يستطيع المسيحيّون أن يلعبوا دوراً هاماً مكرسّين وقتهم وإمكانياتهم من أجل الجماعة.
هنالك من قال: "كونوا في سلام مع الآخرين"، أي مع المسؤولين في الجماعة. نجد توتراً بين الكنيسة (أو: فئة في الكنيسة) وبين الذين يوجّهونها. وهذا التوتّر أحّست به الفئتان لأسباب مختلفة وكانتا معاً مسؤولة عنه. فبعد أن طلب بولس من الاخوة (آ 12- 13) أن يقرّوا طوعاً بالذين يرئسون الكنيسة. وقبل أن يوصي هؤلاء المسؤولين (آ 15- 16) بأن يمارسوا خدمتهم بلطف دون أن تيئسهم أو تغضبهم المقاومات، ها هو يقدّم تحريضاً عاماً: "كونوا في سلام بعضكم بعضاً".
ب- جماعة المسيحيين (آ 14- 22)
تنقسم هذه القطعة شطرين، وينتهي كل شطر في تعارض بين الخير والشّر. يعني الشطر الاول مجمل الحياة المسيحيّة اليوميّة. وينحصر الثاني في تجمّع الكنيسة من أجل الصلاة وشعائر العبادة. وفي الشطرين يوصي بولس بمواقف دائمة، لا عابرة سريعة، كما يوصي بعلاقات لا نستبعد منها احداً.
أولاً: أنّبوا المتكاسلين (آ 14- 15)
* إلى بعض الفئات (آ 14)
هناك مهمّات يقوم بها بعض الناس، ولكنها في الواقع مهمّة الكنيسة كلها. هذا ما نقول عن مهمّة البناء التي ستكون في الرسائل اللاحقة مهمّة الرسل الأولى، والتي هي في 1 تس مطلوبة من الجميع "ليبني أحدكم الآخر".
في تسالونيكي، لا يعيش الجميع إيمانهم. فهناك اختلافات. لهذا يضع أمامنا بولس ثلاث فئات من المسيحيين: المتكاسلون أو بالأحرى الفوضويوّن. هم يعيشون إيمانهم بطريقة شخصيّة تجعل الناس لا يدركون كيف ينتمون إلى الجماعة المسيحيّة. يتبعون نظرتهم الخاصة، ولا يعيرون انتباهاً "لنظام" ولا لترتيب جماعيّ.
والفئة الثانية: صغيرو النفوس. الذين يخافون. يخافون على حياتهم وعلى أملاكهم وسط الصعوبات التي تنتاب الكنيسة. إذن واجب الكنيسة أن تعيد إليهم الشجاعة. والفئة الثالثة: الضعفاء الذين يجب أن نسندهم. سيعود إليهم بولس مطوّلاً في 1 كور 8- 9؛ روم 14- 15. فالضعفاء هم الذين لا يستطيعون أن يترجموا في حياتهم الملموسة متطلّبات إيمانهم. هم في أغلب الاحيان مسيحيّون ذات ضمير ضيّق وقريب من الوسواس. حيرّتهم الحريّة المسيحيّة فاحتاجوا إلى قواعد حياة دقيقة. لم يقطعوا بعد كل رباط بماضيهم اليهوديّ أو الوثنيّ. لهذا يشدّد بولس على مراعاتهم وعلى عدم احتقارهم.
بعد هذا يصبح التحريض عاماً: "اصبروا على الجميع". فأعضاء الكنيسة لم يدخلوا كلهم في الفئات الثلاث التي ذكرنا، وقد يكون أن هذه الفئات الثلاث كانت تُتعب صبرَ الذين يهتمّون بهم. "فالمسؤولون" تنقصهم الخبرة، وهم يريدون أن يسرعوا في العمل. لهذا تراهم يغضبون بسب المقاومة التي تواجههم. لهذا يدعوهم بولس إلى الصبر والتأنيّ.
* الكنيسة كلها (آ 15)
نجد هنا بعض التحريضات لفئات محدّدة، كلاماً يوجّه إلى الكنيسة كلها، وهي مسؤولة عن تصرّف كل عضو من أعضائها. وبما أن أفعال الأمر في آ 14 عنت المسؤولين، يجب أن تعني الأفعال في آ 15 الفئة عينها، إحذروا... إقتفوا...
لا يكتفي المسؤولون بأن يعاملوا الجميع بأناة، بل يجب أن ينتصروا على نفوسهم، فيستعملوا المحبّة لكي يتغلّبوا على كل مقاومة، على كل تشكيك، وعلى نهج المقاومين وما فيه من سوء نيّة.
"لا تجازوا الشر بالشّر". هذا هو الموقف السلبي من الشر. وهناك الموقف الإيجابي: اطلبوا الخير. والخير هو ما تلهمه المحبّة. فإذا كان التحريض يتوجّه إلى الجميع، فقوّاد الجماعة الروحيّون مدعوّون لكي يجدوا الحلول والاجوبة في فعلات يلهمها الحبّ، إما في علاقاتهم بين بعضهم (وهكذا يكونون قدوة صالحة)، وإما في علاقاتهم مع الذين يُسألون عنهم.
الشّر هو ما يجرح المحبّة الاخويّة من صخب وشتيمة. وهناك الانتقام الذي يتعارض كل المعارضة مع وصيّة الغفران تجاه أعضاء الجماعة، بل تجاه جميع الناس. كل شيء يكون في خدمة الخير، في ما يسير في خطّ المحبّة.
ثانياً: كونوا فرحين (آ 16- 22)
بتوجّه بولس أخيراً إلى الكنيسة الملتئمة للاحتفال بشعائر العبادة، للاحتفال بإله يسوع المسيح.
* إرادة الله (16- 18)
نجد هنا مثلّثاً آخر تعبرّ عناصره عن إرادة الله: افرحوا، صلّوا، اشكروا. فرح في الايمان. فرح لأننا نختبر عمل. الروح القدس. فرح للمواظبة على الرجاء وحبّ بعضنا بعضاً. ولكن الفرح يبقى سريع العطب بسبب المحنة التي نعيش فيها.
وتأتي تعليمات حول الصلاة التي يجب أن تكون بلا انقطاع. هذا لا يعني اننا نصلّي نهاراً وليلاً. فللمسيحيين في 1 تس واجبات أخرى. ولكننا نحتاج إلى ترتيب صلاتنا في النهار، مثل اليهود: ثلاث مرات في النهار (في الصباح والظهيرة والمساء). وقد زاد يسوع صلاة الليل فافتدى به بولس (3: 10). ثم أحلّ محلّ "شماع" (إسمع يا اسرائيل)، الصلاة الربيّة: "ابانا الذي في السماوات".
وهذه الصلاة تكون بشكل خاص صلاة شكر كما في الافخارستيا. ويعطينا بولس عنها مثالاً في بداية هذه الرسالة: فكل ما يحدث في الجماعات المسيحيّة يكون موضوع شكره. هل نحن أمام الاحتفال بسّر الافخارستيا، القربان المقدس؟ هذا ما قاله بعض الشّراح القلائل.
تعليمات ثلاثة (فرح، صلاة، شكر) ترتبط بمشيئة الله في المسيح يسوع (آ 18) إن هذه المشيئة قد كشفت في المسيح يسوع الذي صُلب وقام. ويكتشف بولس في عمل الفداء هذا ما يريده الله من المؤمنين، ولهذا كانت هذه المشيئة بالنسبة إليهم متطلّبة يحقّقونها وإلا عارضوا وصيّة الله وتخلّفوا عن ندائها. وهذه الوصيّة هي قبل كل شيء عطيّة ونعمة. ففي المسيح يسوع وفي الوضع الجديد الذي أعطي لهم، قد منحهم الله أن يكونوا دوماً فرحين، ويُصلّوا بلا انقطاع، ويشكروا على كل شيء.
لا يجد المؤمنون في ذواتهم ولا في العالم ما يدفعهم إلى الفرح، بل في المسيح يسوع وفي عمل مصالحة العالم (2 كور 5: 19). وفي النعمة التي نالوها. من أجل هذا هم يفرحون. وهم في ذواتهم غير مستعدّين للصلاة، ولا يعرفون ماذا يطلبون. وليس العالم هو الذي يولّد فيهم هذه الصلاة. ولكنهم في يسوع المسيح وفي وضعهم كمؤمنين يستطيعون أن يشكروا الله على كل شيء: ما عمله لهم هو ما يدفعهم إلى الصلاة والفرح.
* الظواهر الروحيّة (آ 19- 22)
نجد في هذه الآيات خمسة تحريضات تتعلّق بالموقف الذي نتخذه تجاه ظهورات الروح في كنيسة تسالونيكي. كتب بولس 1 تس من كنيسة كورنتوس حيث لفتت هذه الظواهر انتباهه وغذّت تفكيره.
هذه الظواهر هي التكلّم بألسنة والنبوءة، أي الكلام الذي يلهمه الروح لبناء الجماعة بشهادة حياة، بقول تشجيع، بصلاة. هل هذه الظواهر هي تلك التي سنراها في كورنتوس؟ ربّما (1 كور 12- 14). ولكن بولس يورد المبدأ العام: "إمتحنوا (تميّزوا) كل شيء". بما أن ما يحدث هو هبة من الله، لا نطفىء الروح، لا نزدرِ النبوءات. كلُّ شيء يكون موضوع تقدير، والجماعة تحكم على ثمار هذه الظواهر الروحيّة، فلا تنسب إلى روح الله ما صدر عن "روح آخر". وهكذا نتمسّك بما هو حسن، ونترك كل شبه شيء. نترك كل ما يقودنا إلى الشّر.
قد تكون هذه الظواهر وما فيها من فوضى قد أزعجت "المسؤولين" في الكنيسة، فطلبوا تعليمات من الرسول، وسألوه أن يضع حداً لتدخّل هؤلاء "المواهبيّين" في الجماعة.
لم يدخل بولس في نظرتهم، بل تحدّث عن الروح، لا عن "الملهمين". فمن حصر حريّة عمل الروح، أفقر الكنيسة. فالروح نار لا يجب أن نطفئها، كما لا نضع عراقيل بوجه ظهوراته. والمسؤولون لا يزدرون النبوءات، بل يستمعون إليها، وقد يكون فيها إعلان عن مشيئة الله. ولكن يبقى على الكنيسة أن تميّز كلام الله من كلام البشر.

3- الصلاة الأخيرة (5: 23- 24)
انتهى القسم الأول من الرسالة بالصلاة (3: 11- 13). وينتهي القسم الثاني أيضاً بالصلاة (5: 23- 24). وتتوجّه هاتان الصلاتان إلى المجيء المجيد للرب يسوع. أما موضوعهما فهو قداسة المؤمنين في ذلك اليوم الحاسم.
أ- ليقدّسكم إله السلام (آ 23)
كان ف 4- 5 نداء إلى القداسة والتقديس. وها هي صلاة الرسول نداء إلى الله لكي يقدّس هو نفسه أولئك الذين دعاهم لكي يكونوا من الجماعة المسيحيّة: وحده يستطيع أن يقدّسهم، وحده يستطيع أن يحوّل الانسان في الايمان والرجاء والمحبّة. وعمل الله المقدّس، سيكون أفضل عربون في يوم مجيء الربّ: فالمسيحيّون يأملون أن يكونوا فيه حاضرين بملء كيانهم لكي يعيشوا مع الربّ. فما يطلبونه من الله هو أن يحفظ خاصته.
ونجد تعبيراً عن كمال الكائن البشريّ في مثلّث جديد: الروح، النفس، الجسد. إن تعداد هذه العناصر الثلاثة للانسان هو فريد في الرسائل البولسيّة. نجد عادة المثنّى: النفس والجسد، البدن (اللحم والدم) والروح، البدن ونسمة الحياة... هل نحن أمام انتروبولوجيا استنبطها بولس؟ هل زاد في الانسان المسيحيّ العنصر الثالث؟ هل زاد الروح على النفس، فاعتبره اسمى من النفس؟ النفس او النفَس ونسمة الحياة يربطنا بعالم الحيوان والأحياء. اما الروح فيربطنا بالروح القدس.
إذا تفحَّصنا لفظة "بنفما" (الروح) في الأدب البولسيّ، لا نستطيع أن نقدّم نهجاً مرتّباً عن فكر بولس انطلاقاً من عبارة فريدة وردت في صلاة احتفاليّة تختتم الرسالة. ما نستطيع قوله هو أن بولس يريد أن يتحدّث عن الانسان كله، عن الانسان كوحدة واحدة في كل اعضائه وغناه. وهكذا، ما يريد أن يقوله بولس هو أن الكائن البشريّ كله موكّل إلى حماية الله فلا يُفقد فيه شيء. فحين يأتي الرب في مجيئه، سيجدنا في ملء حياتنا الروحيّة والطبيعيّة.
ب- الذي دعاكم أمين (آ 24)
وينهي بولس صلاته هذه قائلاً: "إن الذي دعاكم أمين، وهو يفعل". أي يقول ويفعل. كلمته فاعلة كما قال المزمور: قال فكان كل شيء.
أجل ليست صلاة بولس حلماً لا يتحقّق. كان الرب قد قال في مر 10: 27: "هذا مستحيل على البشر، لا على الله. فكل شيء ممكن لله". وحين دعا الربّ البشر لكي يعيشوا في كنيسة (ولفظة كنيسة في اليونانية ترتبط بفعل نادى، دعا)، وينتظروا ابنه الذي ينجيّهم من الدينونة الآتية، فقد التزم تجاههم بكل أمانته.
هو لا يستطيع أن يغشنا، ولا أن يضلّلنا. هو لا يخيّب أملنا. وإذا كان الانسان سريع العطب، ضعيفاً، بحيث لا نستطيع أن نستند إلى أمانته، فالله يبقى أميناً وهو يحققّ ما تضمّنه النداء الذي وجّهه إلى المرسلين. قال، وهو يفعل (بدون مفعول به. لا يُقال ماذا يفعل. لو قال بولس ذلك لأضعف قوّة الفعل). هو يعرف ويستطيع ويريد، فلا حدود لمعرفته ولا لقدرته ولا لإرادته. لهذا تذهب الصلاة إلى أبعد من البرهان البشريّ. ولكنها تتأسّس في النهاية على ثقة المؤمن الكاملة في أمانة الله.
إن الله الذي يدعونا إلى الخلاص وإلى تمام مصيرنا، هو "أمين" (بستوس). هو لا يتبدّل في إرادته الفدائية تجاه البشر كما تقول روم 3: 3؛ 15: 8. لهذا نستطيع أن نثق به كل الثقة (روم 4: 20). وهو يفعل ما يطلبه الرسول من أجل اخوته، بل هو لا يطلب منّا شيئاً لم يعطنا إياه مسبّقاً في المسيح. دعانا إلى التقديس وجعل طاعتنا ممكنة في يسوع المسيح بفعل الروح. فلماذا نخاف؟ هو بدأ وهو يتمّ في يوم ربنا. هو بدأ فينا الأعمال الصالحة وهو يتمّها في مجيء ربنا.

3- التحيّة الأخيرة (5: 25- 28)
ثلاث طلبات: الصلاة. هو صلّى فليبادلوه الصلاة. القبلة المقدّسة التي تدلّ على الحبّ الذي يجمع أعضاء الجماعة ولا سيّما في الاحتفال الليتورجيّ. قراءة هذه الرسالة فلا تبقى وقفاً على بعفي العاملين في الكنيسة. ويأتي في النهاية تمنٍّ نرى مثله في عدد من الرسائل: "نعمة ربنا يسوع المسيح معكم".
أ- أيها الاخوة صلّوا (آ 25- 26)
من هم هؤلاء الاخوة الذين يتوجّه إليهم بولس؟ كل أعضاء الكنيسة أو المسؤولون؟ قد نكون أمام الفئتين. فبولس الذي اعتاد أن يصلّي من أجل التسالونيكيين، ها هو الآن يطلب صلاتهم (روم 15: 30؛ 4: 3) كما يطلب بشكل خاص صلاة المسؤولين الذين بدأوا من خلال عملهم يكتشفون كم يحتاج المرسل إلى صلاة المؤمنين لكي يكون أميناً في رسالته.
"سلّموا بقبلة مقدسة" (آ 26)، في الكنيسة الأولى كان الاخوة يدلّون على حبّهم الاخويّ بقبلة تسمّى "مقدسة" لكي تتميز عن قبلة دنيويّة. ولكن كيف يستطيع بولس أن يقول "سلّموا على جميع الإخوة" إن كان يتوجّه إلى الكنيسة كلها؟ قد يكون عدد الأعضاء قليلاً، ولكن بالاحرى، هو يطلب من المسؤولين أن يسلّموا على الاخوة بهذه الطريقة. رج روم 16: 16؛ 1 كور 16: 20؛ 2 كور 13: 12.
ب- تلاوة الرسالة (آ 27- 28)
ويستحلف الرسول بشكل احتفاليّ أولئك الذين يتوجّه إليهم منذ آ 25 بأن "تُتلى هذه الرسالة على جميع الاخوة". لماذا هذا الطلب؟ هناك أسباب. ما اعتاد بولس أن يراسل كنيسة من الكنائس، فخاف أن تصل الرسالة إلى شخص واحد فتتوقّف عنده ولا تصل إلى الآخرين. وسبب ثانِ: لم تكن الكنيسة موحّدة بسبب خلاف بين المسؤولين ومجمل الأعضاء. فقراءة الرسالة تضعهم كلهم أمام واجباتهم. ثم إن بولس يتحدّث إلى "القادة" الذين سيتسلّمون الرسالة، فيدعوهم إلى تلاوتها على الجميع.
كل هذا يعني أن بولس استقبل بعض المسؤولين في تسالونيكي، أو أقلّه تلقّى رسالة منهم تحدّثه عن صعوباتهم وتطلب مساندته وتعليماته من أجل الجماعة. فقام بولس في القسم الثاني من الرسالة بعمله بحكمة ولطف، بمحبة وسلطة واثقة. وهكذا أتمّ ما هو ناقص في إيمانهم (3: 10)، وأزال كل خلاف بين المؤمنين والمسؤولين بينهم.
وانتهت الرسالة بالتحيّة المعتادة (نعمة ربنا يسوع المسيح معكم). وزاد السينائي والاسكندراني لفظة "آمين" دلالة على أن الرسالة تقرأ في الجماعات، فتدّل على قبولها بما فيها.

خاتمة
مسائل عديدة طُرحت في هذا المقطع الأخير من 1 تس: نداء إلى السلام مع رؤساء الجماعة. الأخذ بعين الاعتبار "النبوءات". لا نبوءات العهد القديم، بل تدخّلات الانبياء المسيحييّن في تحريضهم للجماعة. واخيراً نظرة إلى الانسان كما في بعض التيارات اليونانيّة: جسد ونفس وروح: هو الانسان كله يحفظه الله، وهو سيقيمه في اليوم الأخير.
خاتمة عامة

تلك كانت مسيرتنا برفقة بولس الرسول ورفيقيه سلوانس وتيموتاوس، حين كتبوا 1 تس. تعرّفنا إلى كنيسة تسالونيكي وما فيها من إيمان ورجاء ومحبّة. وما فيها من صعوبات جاءتها من الخارج بفعل اضطهادات اليهود عبر مجلس الشعب. وما فيها من صعوبات داخليّة بسبب 
الخلافات بين المسؤولين والمؤمنين. تعرّفنا إلى عمل الله في هذه الكنيسة الفتيّة. كما تعرّفنا إلى عمل المرسلين الذي كان قصيراً بسبب القلاقل التي أثارها اليهود في المدينة. وتعرّفنا أخيراً إلى المسألة الهامّة التي أقلقت الكنيسة ألاولى ومنها كنيسة تسالونيكي: ماذا يكون مصير المسيحيين الذين يموتون قبل مجيء الرب، قبل عودته في المجد؟ والتحق بهذه المسألة كلام عن يوم الرب، وكيف ننتظره. لن يكون الجواب كاملاً متكاملاً إلا في 2 تس حيث يدعو الرسول المؤمنين إلى العمل يوماً بعد يوم، وانتظار عودة الرب في حياة عاديّة بعيدة عن الخوف والقلق.
رسالة في قسمين. في الأول، أفرغ بولس قلبه، فأبان عن حبّه لهذه الكنيسة الفتيّة، وقلقه لصعوباتها، وفرحه حين رآها تعيش إيمانها بعد أن عبرت المحنة وتغلّبت عليها. وفي قسم ثانٍ قدَّم الرسول تحريضات عمليّة جاءت في إطار مجيء المسيح ويوم الربّ. وهكذا تركّز فكر بولس على قيامة المسيح وعودته في المجد ليحمل الخلاص إلى الذين آمنوا به، حتى ولو ماتوا. فالجميع سيكونون معه على الدوام. وقد صُوّر هذا المجيء المجيد بحسب الاسلوب الجليانيّ كما عرفه العالم اليهوديّ والمسيحيّة الأولى، فشدَّد على أن هذا اليوم يأتي كالسارق فيفرض علينا السهر والاستعداد.
تلك هي الرسالة الأولى إلى أهل تسالونيكي. حاولنا أن نقرأها ونتأمل في نصوصها. فيا ليتنا نرافق بولس الرسول في ما ترك لنا من رسائل فندخل في عمق الانجيل. أما هكذا علّمتنا الليتورجيا؟ بعد قراءة رسالة بولس نقرأ انجيل ربّنا يسوع المسيح. فكلمات بولس خير مقدّمة لكلمات يسوع. هل نسينا أن رسائل بولس كلها قد كُتبت قبل الانجيل؟