رسالة يعقوب إلى الكنيسة الجامعة

توطئة

بعد سبع وعشرين سنة عدت إلى الرعيّة التي خدمتها في بداية حياتي الكهنوتيّة، عدت إلى بلدة بشري وقضيت فيها أسبوع الآلام متحدثاً عن يسوع الذي هو الطريق والحقّ والحياة، الذي هو الخبز النازل من السماء، الذي هو الراعي الصالح ونور العالم. وفي هذه الرعية كتبت تفسير رسالتي يعقوب ويهوذا اللتين أقدّمهما للقارىء.
رسالتان لم نعتد على قراءتهما في حياتنا الليتورجية، يوم الأحد، ولا في حياتنا الخاصة. غير أن بعض المعاهد تدرس هاتين الرسالتين لتكون ثقافة طلأبها كاملة في جولة داخل كل أسفار العهد الجديد. لهذا أردت أن أقدّم هذا التفسير لرسالتين توجّهتا لا إلى كنائس خاصة على مثال الرسالتين الأولى والثانية إلى كورنتوس، على مثال الرسالة إلى فيلبي وغلاطية... بل توجّهتا إلى كنائس لا نعرف أسماءها. توجّهتا إلى مسيحيّين مشتّتين وقد جاؤوا في الأصل من العالم اليهودي، وظلّوا يحافظون على بعض ممارساته. لهذا قلنا: رسالتان إلى الكنيسة الجامعة، إلى الكنيسة الكاثوليكية في المعنى الأصلي للكلمة. لأنهما تتوجّهان إلى جميع المسيحيين وإلينا أيضاً على مثال ما في سفر الرؤيا. فالرسائل التي وجّهها يسوع بواسطة يوحنا إلى الكنائس السبع تتوجّه في الواقع إلى كنائس محدّدة في منطقة آسية الصغرى، إلى أفسس وسميرنة... ولكنها في العمق تتوجّه إلى جميع كنائس العالم التي يمرّ فيها يسوع ليحلّ فيها بركته. التي يمسكها يسوع بيده اليمنى فيدله على حمايته لها. وهذا ما نقوله عن رسالتي يعقوب ويهوذا وما فيهما من تعليم أخلاقي، وحثّ على الحذر من الضلال الذي ينخر الكنيسة من الداخل ومن الخارج. فالمعلّمون الكذبة هم هم، اليوم وفي مايهما حياة الكنيسة، وزؤان الضلال سوف يرافق الكنيسة حتى عودة المسيح والدينونة الأخيرة. يبقى علينا أن نقرأ هاتين الرسالتين كما نقرأ سائر الأسفار المقدّسة فنكتشف فيهما وجه يسوع كما نكتشف تعليمه الذي ما زال حياً في الكنيسة ولا يطلب إلاّ أن يصبح حياً في جماعاتنا وفي قلب كل واحد منا.
فإلى قراءة رسالتي يعقوب ويهوذا ندعو المؤمن في هذا الكتاب، ليكتشف الغنى الذي اكتشفناه في كلمة الله التي هي هي أمس واليوم وإلى الأبد. ندعوه إلى رفقة هذه الكنائس الشرقيّة التي سمعت للمرة الأولى صوت الإنجيل فحملته وسلّمته إلينا. ونحن بدورنا نسلّمه إلى أبنائنا بانتظار أن نتّحد بمن هو الكلمة، فنترك كلمات البشر ونمتلىء من الذي هو كلمة الله يسوع المسيح.
تقديم

رسالة يعقوب رسالة تتضمّن فقط تحريضات تتوجّه إلى جماعات مسيحيّة من أصل يهوديّ. رسالة تحدّثنا عن الفرح في وقت المحن، عن الصلاة الواثقة التي هي ينبوع الحكمة، عن الفقر والغنى، عن خطايا اللسان، عن أهميّة الصلاة ولا سيّما الصلاة من أجل المرضى.
رسالة يعقوب رسالة غنيّة بمفرداتها، مميّزة بأسلوبها، بحيث اعتبر النقّاد أن يعقوب أخا الربّ لم يكتبها بل أحد تلاميذه، أو أحد المسيحيّين الذين انطلاقوا من محيط يعقوب والعالم المتهوّد فدوّن لنا ما دوّن.
رسالة أخذت بأسلوب الرواقيين، ولا سيّما أبكتات، فحاولت أن تقدّم جواباً أخلاقياً للوثنيين أيضاً: الصبر في المحن، الحكمة في السلوك اليومي وفي استعمال اللسان، التجرّد من الأموال والغنى. رسالة ورثت الإيمان بالله الواحد من التوراة، كما استقت من التراث اليهودي الذي عرفته جماعات ترتبط بيعقوب في فلسطين وسورية وشرقي لبنان وصولاً إلى أنطاكية، لا المحيطاث التي عرفت إنجيل متى. رسالة التقت مع الارشادات التي نجدها في عظة الجبل، في رسالة بطرس الأولى، وفي عدد من الرسائل البولسيّة.
رسالة يعقوب تقدّم أول ما تقدّم تعليماً أخلاقياً، ولكنها تسند هذا التعليم إلى العقيدة اللاهوتيّة. إلى الله الخالق، إلى يسوع المسيح والمخلّص، إلى يسوع الربّ الممجّد الذي يُدعى اسمه على المؤمنين بشكل عام وعلى المرضى بشكل خاص.
رسالة يعقوب تحدّثنا عن المعمودية والاحتفالات التي ترافقها لتجعل من كل واحد من المؤمنين عضواً في جسد المسيح. وتحدّثنا عن الإيمان كما يجب أن يعيشه الانسان، وهو إيمان ترافقه الأعمال ليكون إيماناً صادقاً لا مزيّفاً.
رسالة يعقوب تعود إلى عالم يهوديّ يرتبط بالشريعة، ولكنها شريعة تحوّلت إلى عالم مسيحيّ، بعد أن أكمل يسوع شريعة العهد القديم وقدّم لنا الشريعة الكاملة، شريعة الحريّة. رسالة إنطلقت من أورشليم ومن مناخ قريب من الجماعة المسيحيّة الأولى القريبة من الجذور، فتعمّقت مع جماعات وجماعات إلى أن جاء من يدوّنها في لغة يونانيّة أنيقة ويربطها بمن ارتبطمت به في البداية أي يعقوب أخي الرب. رسالة أرسلت إلى الشتات اليهودي، بل المسيحي، بعد أن صارت الكنيسة شعب الله الجديد وإسرائيل الجديد، بعد أن صار الأسباط الاثنا عشر الرسل الاثني عشر.
تلك هي رسالة يعقوب التي سنحاول هنا أن نتعرّف إليها ونقرأ نصوصها فنكتشف صوتاً لم نتعوّد عليه بعد أن قرأنا في طقوسنا الشرقيّة رسائل القديس بولس، ولا سيّما في أيام الأحد، فنسينا رسالة يعقوب ويهوذا، ورسائل بطرس ويوحنا، وسفر الرؤيا.
الفصل الأول
كاتب رسالة يعقوب

نتوقّف في هذا الفصل عند كاتب رسالة يعقوب. بعد أن نقدّم الرأي التقليديّ، نقدّم الاعتراضات على هذا الرأي، وننهي بكلمة حول مكان وزمان تدوين يع، حول الأشخاص الذين إليهم توجّهت هذه الرسالة.

1- الرأي التقليديّ
أ- اسمه يعقوب
إسم كاتب يع هو يعقوب. فالعنوان يقدّم لنا هذه الرسالة على أنها عمل "يعقوب، عبد الله والربّ يسوع المسيح" (1: 1). هل زيدت هذه العبارة؟ كلا على ما يبدو، بسبب ارتباط 1: 1 مع الآية التالية بواسطة لفظة "خايراين" (سلام) وعبارة: "باسان خاران". ومع ذلك نتساءل: هل نحن أمام اسم مستعار كما اعتاد الكتّاب أن يفعلوا في القديم ليجعلوا كتابهم مقبولاً؟ أما نُسبت المزامير إلى داود، والأسفار الحكميّة إلى سليمان؟ والأسفار المنحولة (أو: المكتومة) قد نسبت إلى كتّاب لم يدوّنوها. فهناك إنجيل يعقوب، كما أن هناك ثلاثة أسفار رؤى نُسبت إلى يعقوب ووُجدت في نجع حمادي.
ومع ذلك، فلسنا أمام خدعة أدبيّة واسم مستعار. فإن عدنا إلى 2 بط، نرى أن كاتب الرسالة قد ربطها بـ "سمعان بطرس، عبد يسوع المسيح ورسوله". أما في يع فليس إلاّ لقب واحد "عبد الله ويسوع المسيح". وهذا اللقب هو لقب كل مسيحيّ. أفما يتميّز يعقوب بشيء عن سائر المسيحيين وهو الذي يحكم على المعلّمين (3: 1) فيدلّ على أنه المعلّم الأول في هذه الجماعات التي ترتبط به؟
ولكن أي يعقوب هو؟ هناك إمكانيتان. الأولى: شخص معروف في الكنيسة الأولى، هو يعقوب أخو الربّ. والثانية: مسيحيّ هلّيني مثل اسطفانس أو فيلبس، جمع بين التراث البيبليّ والحضارة اليونانيّة، فدوّن بعد سنة 70 رسالة استوحاها من أقوال يعقوب، أخي الربّ. وقد يكون زاد عليها الكثير من أفكاره، وصاغ كل هذا في لغة يونانية رائعة.
ب- كاتب من أصل يهوديّ
كاتب يع هو من أصل يهوديّ. لقد عرف معرفة واسعة تعاليم التوراة وعباراتها كما نقلتها السبعينيّة اليونانيّة. ونذكر بعض هذه العبارات: إلى الأسباط الاثني عشر في الشتات (1: 1). إبراهيم أبونا (2: 21؛ رج روم 4: 16- 17). الربّ يريودس يهوه (1: 7؛ 4: 10، 15؛ 5: 7، 8، 10، 11، 14، 15). الولادة كباكورة الخلائق (1: 18؛ رج 3: 9). الشريعة الكاملة، شريعة الحرية (1: 25؛ رج مز 119: 45). الشريعة الملوكية (2: 8؛ رج لا 19: 18). الاسم الحسن الذي دُعي عليك (2: 7؛ رج عا 9: 19؛ أش 63: 9؛ أع 15: 17). حكمتم على البار وقتلتموه (5: 6؛ رج حك 2: 10، 12، 19، 20). مجيء الربّ (5: 7). الديّال الواقف على الباب (3: 9). المجمع (2: 2). الشيوخ (5: 14).
وهناك تفاصيل تجعلنا نظنّ أن موطنه هو فلسطين. التشابيه التي يقدّمها: المرتاب الذي يشبه موج البحر (1: 6). العشب وزهر العمثسب الذي ييبس بعد أن تلفحه الشمس بحرّها (1: 10- 11). إنسان بخاتم من ذهب ومسكين في لباس قذر (2: 2- 3). السفن والرياح والدفّة (3: 4). الزيتونة والجفنة (3: 12). وهناك خبرة مطر الخريف ومطر الربيع (5: 7 ب).
ج- كاتب مسيحيّ
إعتبر بعض الشرّاح أن هذه الرسالة هي في الأصل مقال يهوديّ، ثم صار مسيحياً بعد أن زادوا عليه ما زادوا. وما زاده "الكاتب" هو إسم يسوع مرتين: في 1: 1: "عبد الله والربّ يسوع المسيح. وفي 2: 1: "لا تلبّسوا يا إخوتي إيمان ربنا يسوع المسيح". مثل هذا القول لا يجد سنداً له. فالمخطوطات كلها تورد هاتين الآيتين.
ثم إن الرسالة كلها قد تشرّبت الروح المسيحيّة. فالمقابلات مع التقليد الانجيلي ولا سيّما العظة على الجبل تمتدّ على 48 آية. وهناك مقابلات عديدة بين يع ورسائل بولس وبطرس، تدلّ على أننا في إطار مسيحي غرفَ منه يعقوب كما غرف بطرس وبولس. وهي تتيح لنا أن نفهم في مناخ مسيحيّ العبارات "اليهوديّة" التي أوردناها مثل "الأسباط الاثني عشر الذين في الشتات". إنهم مسيحيّون قد انتموا إلى المجامع اليهوديّة خارج فلسطين، أو اجتمعوا في المجامع المشتّتة في العالم، فكوّنوا كنائس لها شيوجّها والمسؤولون فيها.
ونشير في هذا السياق إلى التعارض بين "الإيمان والأعمال" (2: 14- 26). تطرّق بولس إلى هذه المسألة من زاوية أخرى دون أن يناقض يعقوب (روم 3: 28؛ غل 2: 16). فالأعمال المذكورة هنا هي الأعمال المسيحيّة لا الأعمال اليهوديّة. هي أعمال المحبّة (2: 15- 16)، لا الممارسات الطقوسيّة في الشريعة الموسويّة التي لا تتحدّث عنها الرسالة أبداً.
د- كاتب الرسالة معلّم يتميّز عن المعلّمين
صاحب يع هو ملفان كلّف بالتعليم، وهو رئيس الجماعات المسيحيّة التي تتوجّه إليها الرسالة. سمّى نفسه ملفاناً ومعلّماً، وأوصى قرّاءه أن لا يطلبوا أن يصيروا معلّمين بطريقة غير شرعيّة (3: 1). واللفظة اليونانيّة "ديدسكالوس" قد ترجمت اللفظة اليهودية "رابي"، ودلّت على الخادم المخصّص في التعليم الديني كما كان يعقوب (رج يو 1: 38؛ 20: 16). مثل هذا اللقب كان يحمل لصاحبه هيبة ومكانة عند اليهود كما عند الوثنيين، وكان يحمل خطر البحث عن الكرامة لا عن الخدمة (مت 23: 7- 8). فتوصية يعقوب واللقب التعليميّ يُفهمان في إطار مسيحيّ متهوّد. بعد ذلك وقبل نهاية القرن الأول، سيُستعمل اللقب بشكل عاديّ في الكنائس.
ولا يكتفي الكاتب بأن يتكلّم كخادم كُلّف بالتعليم فنقل إلى اخوته تعليم الحكمة، كما كان يفعل الكتبة في العهد القديم. لا شكّ في أننا نجد في رسالته تسمية "اخوة" ولكننا أمام عادة مسيحيّة متهوّدة. فالكاتب يتحدّث إلى الناس كرئيس عليهم منذ بداية الرسالة حتى نهايتها. هو يأمرهم بسلطان ولا يحتاج أبداً أن يبرّر موقفه وطريقته في الكلام. ويرسل توصياته في صيغة الأمر. وما اكتفى بأن يعلّم وأن يشجّع، بل حذّر المؤمنين (2: 5؛ 3: 1 ي؛ 4: 13 ي)، ووبّخهم بقساوة (4: 1 ي). وهدّد الأغنياء بالشقاء الذي ينتظرهم (5: 1 ي)، ووجّه الكنائس المحلّية في أمور عديدة ولا سيّما على مستوى الصلاة ومسحة المرضى (5: 13- 16).
هـ- يعقوب أخو الربّ
كاتب الرسالة هو يعقوب أخو الربّ ورئيس كنيسة أورشليم كما يقول الآباء. فمنذ القرن الثاني المسيحيّ، كتب الآباء الرسوليّون أن صاحب هذه الرسالة هو يعقوب أخو الربّ ورئيس كنيسة أورشليم. هذا ما قاله أوسابيوس في التاريخ الكنسي (6/ 14: 1؛ ق 2/ 1: 2- 3). وتأثّر اكلمنضوس الاسكندراني وأوريجانس وأبيفانيوس بالأناجيل المكتومة، فقالوا إن يعقوب وُلد من أول زواج ليوسف، وإنه دُعي الصدّيق (البار) بالنظر إلى سموّ فضيلته. ودُعي كذلك لكي يميّز عن يعقوب بن زبدى الذي استشهد سنة 42 (أوسابيوس، التاريخ الكنسي 2/ 1: 1- 5؛ 2/ 23: 4). وسمّاه أوريجانس وإيرونيموس الرسول، وماهى بينه وبين يعقوب بن حلفى، أحد الاثني عشر، في خطّ هاجاسبس (التاريخ الكنسي 2/ 23: 4- 5؛ 3/ 11؛ 3/ 22: 4؛ 4/ 12: 4). غير أن عدداً من الآباء، ومنهم يوحنا فم الذهب، يسمّونه "رسول" في معنى واسع، ولكنهم يميّزونه عن يعقوب بن حلفى.
إن يعقوب، أخا الربّ، هو بحسب العهد الجديد، ابن مريم زوجة كلاوبا (مر 15: 40). هو بكر أربعة أخوة عاشوا في الناصرة (مر 6: 3؛ يهو 1). وقد يمكن أن يتماهى مع يعقوب بن حلفى (مر 3: 18). لأن بعض الشرّاح يعتبرون أن كلاوبا وحلفى هما تدوين واحد لجذر أرامي واحد. في هذه الحال، يكون أحد الاثني عشر ساعة. لم يكن اخوته بعد قد آمنوا برسالة يسوع (مر 3: 20- 21؛ 31- 32؛ يو 7: 3- 4). فيسوع الذي وُلد من أم أخرى (مر 15: 40) كان ابن عمّهم. هكذا نفهم لقب الرسول الذي يعطيه له بولس في غل 1: 19، والظهور الخاص الذي حظيَ به بعد القيامة (1 كور 15: 7).
نعمَ يعقوب بسلطة كبيرة في كنيسة أورشليم (غل 1: 19؛ أع 12: 17). وهي سلطة فرضت نفسها بسرعة (غل 2: 9- 10، 12- 14؛ أع 15: 13- 21؛ 21: 18- 25)، فحافظ عليها حتى استشهاده الذي جعله هاجاسبس سنة 66- 68 (أوسابيوس، التاريخ الكنسي 2/ 23)، وفلافيوس يوسيفوس وإيرونيموس سنة 62 (القديميّات اليهوديّة 20/ 9: 1؛ الرجال العظام 2). ويظنّ إكلمنضوس الاسكندراني أنه نال هذه السلطة حالاً بعد صعود الربّ وذلك بتفويض مباشر من قبل الرسل الأولين (التاريخ الكنسي 2/ 1: 2- 5). ومهما يكن من أمر، فبصفته بكراً لعائلة الربّ، عيّن رئيساً للمجموعة العبريّة للكنيسة الأم في أورشليم. في هذا الخط، قالت الأسفار المنحولة في نجع حمادي إن يسوع جعله خلفاً له وأوكله بنقل تعليمه إلى مجموعة محدودة من المتدرّجين. بل ذهبت بعض الكتب الغنوصيّة إلى القول بأن يعقوب هو ابن تبنّاه يسوع. ولكنها تبقى أموراً منحولة ونحن لا نستطيع أن نأخذ بها.
كان يعقوب ممارساً أميناً للفرائض الموسويّة، لا اعتقاداً بضرورتها، بل مراعاة لشعور مؤمنين لم يعرفوا أن ينتقلوا كل الانتقال إلى المسيحيّة (أع 15: 20- 21؛ 21: 20). إنه بعيد كل البعد عن تشيّع بعض العائشين في محيطه (غل 2: 1- 10؛ أع 11: 3- 4؛ 15: 1، 5، 24؛ 21: 20). وهو لا يشبه أبداً الصورة التي تخيّلها عنه بعض الابيونيين كما يقول هاجاسبس (أوسابيوس، التاريخ الكنسي 2/ 23: 4- 20). في سنة 48/ 49 وأمام جماعة أورشليم، تكلّم بعد بطرس وبولس فعفى المسيحيّين المرتدين من الختان (أع 15: 13- 14) وقدّم شهادة علنيّة عن توافقه مع رسول الأمم (غل 2: 9- 10). في سنة 58، استقبل بولس العائد من الرسالة وسط الوثنيين وابتهج بنجاحاته الرسوليّة. وما طلب منه إلاّ بعض التنازلات الطقوسيّة لكي يهدىء عواطف عدد من المتهوّدين في أورشليم (أع 21: 18- 25). أما الاستعدادات المعادية لبطرس وبولس التي ينسبها إليه بعض الشرّاح، فلأ تجد لها أساساً في العهد الجديد، ولا سيّما في غل 2: 12 حيث البلبلة جاءت من جماعة يعقوب لا من يعقوب نفسه. فلا يبقى لنا إلاّ العودة إلى الأوساط الغنوصيّة كما في كتابات نجع حمادي لنجد سلطة يعقوب مضخّمة فوق العادة، وفي المواعظ الإكليمية (ما نسب إلى البابا إكلمنضوس اسقف رومة) المنحولة لنجد سلطة يعقوب تعيد النظر في سلطة بطرس وبولس وتقاومها.

2- اعتراضات على الرأي التقليديّ
حين نسب الرأي التقليدي يع إلى يعقوب أخي الربّ، حافظ على معطيات عديدة جمُعت حول الكاتب. فأخو الربّ هذا الذي سمّي يعقوب (1: 1؛ غل 1: 19). كان من أصل يهوديّ (مر 6: 3). وكان أيضاً تلميذ المسيح (غل 1: 19؛ 1 كور 15: 7)، ومعلّماً كلّف بالتعليم، كونه رئيس المسيحيّين الذين من أصل يهوديّ. مع هذا الرأي نفهم أن يكون القرّاء "الأسباط الاثني عشر الذين في الشتات" (1: 1). غير أن هذا الرأي التقليدي يصطدم بعدة اعتراضات هامّة. وهي خمسة.
أ- الاعتراض الأول
لا يتكلّم صاحب الرسالة أبداً عن الفراض الطقوسيّة في الشريعة الموسويّة. فهو لا يهتمّ إلاّ بالرسوم الأخلاقيّة (1: 27؛ 2: 8 ي...)، ولا يعرف إلاّ "شريعة الحريّة" (1: 25؛ 2: 12). أما يعقوب أخو الربّ فقد قيل لنا إنه تعلّق تعلّقاً كبيراً بممارسات الشريعة الموسويّة وطقوسها. هذا ما نستنتجه من غل 2: 12- 14؛ أع 15: 19- 21؛ 21: 18- 25. كما نستنتجه بشكل خاص من أخبار هاجاسبس (التاريخ الكنسي 2/ 23) وأبيفانيوس التي تشدّد على الطابع التنسّكي والشريعاني لقداسة الرسول. إذن، لا يبدو أن يعقوب، أخا الرب، هو كاتب الرسالة.
لا شكّ في أنه يجب أن نقرّ أنه قد أحاط بيعقوب عددٌ كبير من المسيحيّين المتهوّدين الذين دلّوا على تعلّق كبير بالطقوس (غل 2: 4- 5؛ أع 11: 3- 4؛ 15: 1، 5؛ 21: 20- 21). ولكننا لاحظنا نظرته الواسعة حين يكون انفتاح الكنيسة هو الموضوع الطروح أمامه (أع 15: 13 ي؛ غل 2: 6- 10). أما خبر أبيفانيوس عن يعقوب فيستلهم خبر هاجاسبس الذي كان ذا ميول أبيونيّة مثل العظات الاكليمية والتعارفات المليئة بالمغالطات والتي هي أقرب إلى الأساطير منه إلى التاريخ. في هذا الخبر يُنسب إلى الانجيل ما قيل في يوحنا المعمدان، ما قالته الشريعة الموسويّة عن عظيم الكهنة، ما قالته أعمال الرسل عن اسطفانس أول الشهداء. وهكذا لا يكون لهذا الاعتراض القوّة التي تلغي ما قاله الرأي التقليدي.

ب- الاعتراض الثاني
إذا كان يعقوب أخو الربّ هو صاحب هذه الرسالة، فكيف لا نجد فيها سوى معلومات ضيئلة عن يسوع وعن عمله، ولا سيّما عن آلامه وقيامته. بالإضافة إلى ذلك، تذكر يع شخصيّات من العهد القديم كمثال للمحبّة (2: 21 ي) والصبر (5: 7 ي) والصلاة (5: 17- 18). أما وجب على قريب للمسيح أن يذكر يسوع نفسه كما فعل بطرس مثلاً (1 بط 2: 21 ي)؟ هذا ما يدهشنا.
ولكن يجب أن نتذكّر أن تعاليم يسوع الأخلاقيّة ظاهرة منذ بداية الرسالة إلى نهايتها. ويرى عددٌ من الشرّاح ما في 1: 1 و2: 1 فيتحدّث عن الحالة المجيدة ليسوع القائم من الموت، عن الدعاء باسمه في المعموديّة (2: 7) أو في مسحة المرضى (5: 14)، عن الحكم عليه وموته (5: 6)، عن مجيئه (5: 7- 9). ولاحظوا أيضاً أن شخص المسيح رفيع جداً في المجد (2: 1) بحيث لا يتجرّأ الكاتب أن يقدّمه مثالاً للمؤمنين. ثم إن أخلاقيين مسيحيين آخرين أخذوا بالنهج نفسه وعصره (عب 11: 4 ي؛ رسالة اكلمنضوس الأولى 10: 12). فلماذا يدهشنا أسلوب يعقوب؟
ج- الاعتراض الثالث
إذا كان يعقوب أخو الربّ هو صاحب الرسالة، فكيف نفهم أن تكون انتظرت إلى زمن أوريجانس لكي تعرفها الكنيسة، وأن يُناقش وضعُها قبل أن تدخل بين الأسفار القانونيّة الملهمة. ويُزاد على ذلك أن هاجاسبس، كاتب سيرة يعقوب، جهل أن هذا الرسول كتب رسالة. قد نفهم صمت الآباء على أنه اهتمام الكنيسة بتعليم الإيمان الأساسي لا بالأمور الأخلاقيّة كما في يع. كما نفهمه بسبب صفة الكاتب. هو فقط: "عبد الله والربّ يسوع المسيح". أما جهل هاجاسبس، فنفهمه في إطار اهتمام الأول بأن يبيّن أن الحكم بالاعدام على يسوع كان حكماً جائراً.
د- الاعتراض الرابع
كيف يمكن أن يكون يعقوب أخو الربّ الذي قُتل سنة 62/ 66 صاحب رسالة يبدو مناخها قريباً من كتب متأخّرة مثل رسالة إكلمنضوس الروماني أو رسالة برنالا أو راعي هرماس.
لا شكّ في أن هناك تقارباً بين هذه الرسالة وهذه الكتب على مستوى الفنّ الأدبي والأفكار والعبارات. ولكن قد نكون أمام تقليد طويل ومشترك. وإذا كان ارتباط وثيق بين يع وهذه المقالات، فهذه المقالات قد تكون استلهمت يع.
هـ- الاعتراض الخامس
كيف استطاع يعقوب أخو الربّ الذي هو من أصل آرامي، الذي كان من والدين أميّين (التاريخ الكنسي 3/ 20)، أن يدوّن رسالة تتجاوز يونانيّتها أفضل كتابات العهد الجديد، دون أن يترك الأوساط المسيحيّة المتهوّدة في أورشليم؟ فيبدو والحال هذه أن يونانياً تكلّم اليونانيّة منذ نعومة أظفاره استطاع أن يكتب مثل هذه الرسالة.
اعتراض مهمّ ولا يخفّف من قوته الأساسُ الساميّ للأسلوب. ولكنه ليس بحاسم. فقد يكون يعقوب استعان بمساعد على ما فعل غيره من الكتّاب في عصره (التاريخ الكنسي 2/ 15: 1 ي؛ 1 بط 5: 12؛ 2 تس 3: 17؛ 1 كور 16: 21؛ روم 16: 22؛ كو 4: 18).

3- ماذا نقول
بعد أن نقدّم الرأي المعاصر نتوقّف عند زمان ومكان الرسالة، عند قرّاء الرسالة الذين هم المسيحيّون العائشون في الشتات.
أ- رأي معاصر
إن الاعتراضات على نسبة يع إلى يعقوب أخي الرب ليست حاسمة حين نأخذ كل اعتراض بمفرده. ولكن حين نأخذها معاً، فهي تخلق تياراً ضدّ الرأي التقليديّ يجعلنا نفكّر في رأي يتوافق وهذه الدراسات الجديدة.
نحن أمام جماعة بعيدة عن الأصول المسيحيّة، وقد بردت حراراتها الأولى. فإيمان القرّاء ضعُف، وما عاد يتجسد في أعمال المحبّة (2: 14- 26). ثم إن السلوك الأخلاقيّ هو دون المطلوب. فالمؤمنون سريعون إلى التكلم، بطيئون عن الاستماع (1: 19- 27). وهم لا يعرفون اللسان وشرّه (3: 1- 17). وهناك الحروف والخصومات بسبب أهواء المسيحيين (4: 1- 5). وأخيراً نسيَ المسيحيون أهمية الاصلاح الاخويّ (5: 19- 20).
ماذا يقول هؤلاء الشرّاح؟ دوّن هذه الرسالة مسيحيّ من الجيل الثاني، ارتدّ من العالم اليهوديّ (وربّما من العالم الوثني). تحضّر بحضارة هلينية، وعرف الترجمة اليونانيّة كمال السبعينيّة، فكتب مقاله بين دمار أورشليم ونهاية القرن الأول. هذا المسيحيّ دوّن الرسالة بروح يعقوب أخي الربّ، الذي عرف التعليم التقليدي (لهذا وُضع اسمه في البداية). وقد يكون هذا المسيحي استعمل مواد تقليدية في جماعات يعقوب.
ب- مكان وزمان الرسالة
* يرى أصحاب الرأي التقليديّ أن يعقوب (أو سكرتيره) دوّن الرسالة في أورشليم. بعضهم قال: دوّنت بين سنة 35 وسنة 49. فإنهم اكتشفوا في الرسالة نواة التعليم المسيحي (1: 1؛ 2: 1؛ 5: 6) ونواة تنظيم الجماعة (2: 2؛ 3: 1؛ 5: 14). وهناك كلام حول المجيء القريب (2: 13؛ 5: 7- 10). وتعليم سابق لبولس الرسول (2: 14 ي). وجهل عن حمل الانجيل إلى العالم الوثنيّ والأزمة التي تلت هذا التبشير (أع 15: 1 ي؛ غل 2: 1 ي). وقال البعض الآخر في الستينات وقبل استشهاد يعقوب. فالتقارب مع التقليد الانجيلي وتعليم بطرس وبولس يفرض هذا التاريخ.
* أما أصحاب الرأي الجديد، فيقولون إن الرسالة دوّنت في أواخر القرن الاول. أما موضع تدوينها فمحيط مسيحيّ متهوّد: في فلسطين، في سورية، في مصر. وهذا المكان الأخير يفسّر مدوّنات نجع حمادي وأول الشهادات حول الرسالة (الاسكندريّة).
ج- قرّاء الرسالة
إذا عدنا إلى العنوان (1: 1) نفهم أن الرسالة توجّهت إلى "الأسباط الاثني عشر الذين في الشتات". قد نكون أمام يهود تركوا فلسطين وعاشوا في العالم الروماني. فإسرائيل القديم اعتبر نفسه متحدّراً من أبناء يعقوب الاثني عشر. كما وجد نفسه مشتتاً خارج حدود الأرض التي عرفها الآباء.
ولكن بما أننا أمام مقالة مسيحيّ، فنحن أمام قرّاء مسيحيّين. وقد يكونون مسيحيين متهوّدين. كانوا من الأسباط الاثني عشر وعاشوا مشتّتين. وقد يكونون إسرائيل الجديد، وشعب الله الجديد.
الفصل الثاني
بنية الرسالة وتعليمها

رسالة يعقوب تبدأ بعبارة تشبه سائر الرسائل، ولكنها تظهر بشكل عظة أو مقال أخلاقي. رسالة فيها الكثير من الجدال على ما عرف العالم الرواقيّ. رسالة نُسبت إلى يعقوب أخي الربّ مع أن لغتها اليونانيّة الرفيعة تجعل كاتبها مسيحياً كانت اللغة الأم عنده اللغة اليونانية. إليها سنتعرّف فندرس بنيتها والتعليم الذي فيها.

1- بنية رسالة يعقوب
يرى الشرّاح أن يع تكوّنت من سلسلة تحريضات أخلاقية. فهل نجد تصميماً اجمالياً يبرّر تتابع هذه التحريضات، والعلاقة المنطقية بين الأفكار المعروضة هنا؟
أ- آراء متعدّدة
هناك شرّاح شدّدوا على وحدة الرسالة. انطلق بعضهم من 1: 19 (يكون سريعاً إلى الاستماع، بطيئاً عن التكلّم). أو من 1: 26 (التديّن الباطل). ورأى أخرون في يع مقالاً يهودياً بشكل استعارة. سمّى الكاتب نفسه يعقوب أب الآباء، وعاد إلى تك 49: 1- 28 فحرّض أبناءه الاثني عشر، حرّض الأسباط المشتتة. وجاء من كيّف النصّ مع المسيحيّة فزاد اسم يسوع وألغى أسماء الأسباط الاسرائيليّة. وجاء طرحٌ يرى في أساس الرسالة عظة ودرساً دينياً يتأسّس على هو 10: 2 (في قلوبهم يختلقون الكذب)، فيتوسّع في مواضيع خمسة نجدها في مز 12: 2- 6. هناك موضوع الايمان بين يع 1 ومز 12: 2 (زال الامناء من بني البشر). موضوع الاعمال (يع 2؛ مز 12: 3): "كل واحد يكذب على الآخر وبلسانين وقلبين يتكلّم". موضوع اللسان (يع 3؛ مز 12: 4): "الربّ يقطع شفاه المتملّقين وألسنة المتكلّمين بكبرياء". موضوع عداوة الله (يع 4: مز 12: 5): "شفاهنا معنا فمن علينا"؟ موضوع ظلم الفقراء (يع 5؛ مز 12: 6): "أقوم الآن، يقول الربّ، لأن المساكين في شقاء، والبائسين يئنون ظلماً".
كلها نظريات لا يمكن أن نحتفظ بها، بعد أن تخلّى الشرّاح عن البحث على تصميم لرسالة يعقوب. فهم يرون عدداً من التحريضات الأخلاقية التي لا ترتبط برباط، بل وُضع بعضها بقرب الآخر. هذا يعود إلى الفنّ الأدبي في الرسالة.
ب- تصميم رسالة يعقوب
بعد العنوان، نجد ثمانية أقسام: الأول (1: 2- 18): التجربة. التجربة هي مناسبة فرح، ونحن نحتاج إلى الحكمة لكي نفهمها. فالظواهر تضلّلنا، لأن من الله لا يخرج إلاّ الخير. الثاني (1: 19- 27): السماع والعمل. نستعدّ للسماع ونحاول تتميم الكلمة التي تدلّ على التقوى الحقيقيّة. الثالث (2: 1- 13): محاباة الوجوه. لا نفضّل الأغنياء ساعة اختار الله الفقراء. وهكذا تتمّ الشريعة الملوكيّة. الرابع (2: 14- 26): الإيمان والأعمال. فالإيمان بدون أعمال ميت. ويشهد الكتاب على ذلك في مثال ابراهيم وراحاب. الخامس (3: 1- 12): اللسان. من لا يخطأ بلسانه هو انسان كامل. هذا اللسان الذي هو ينبوع شّر وينبوع خير، موضع بركة ولعنة. السادس (3: 13- 4: 12): روح العالم والحروب والخصومات. الحكمة الحقّة والحكمة الكاذبة. صداقة العالم هي عداوة الله. السابع (4: 13- 5: 6): الاكتفاء بالذات وقساوة القلب ولا سيّما عند الاغنياء. الثامن (5: 7- 11): الصبر والثبات. ننتظر عودة الربّ بصبر وهو يمنحنا السعادة في النهاية. أما خاتمة الرسالة (5: 12- 20) فتدعونا إلى الصلاة في جميع الأوضاع ولا سيّما وقت المرض، كما تدعونا إلى الاهتمام بإخوتنا لأن "من ردّ خاطئاً عن طريق ضلاله، خلّص نفسه من الموت".
هذا تصميم "كنوخ"، وهناك تصميم آخر يقدّمه الأب "كنتينا" الذي تبعناه في هذا التفسير
1: 1: العنوان والتحية
1: 2- 4: دعوة إلى الفرح وسط المحن
1: 5- 8: صلاة لتقبّل الحكمة من الله
1: 9- 11: كيف نقيّم الغنى والفقر
1: 12: تطويبة الانسان الذي تجاوز المحنة
1: 13- 15: أصل الخطيئة بالنسبة إلى التجربة
1: 16- 18: حنان الله ورأفته
1: 19- 21: واجباتنا تجاه كلمة الله
1: 22- 25: لا نكتفي بسماع الكلمة بل نعيشها
1: 26- 27: التديّن الحقيقي
2: 1- 13: محاباة الوجوه
2: 14- 26: إيمان بدون أعمال إيمان ميت
3: 1- 12: العلّمون وضبط اللسان
3: 13- 18: الحكمة الحقة
4: 1- 10: بحث عن اللذة وحبّ العالم
4: 11- 12: الافتراء والنميمة
4: 13- 17: التاجر المكتفي بنفسه
5: 1- 6: تنديد بالأغنياء الأشرار
5: 7- 11: الصبر
5: 12: الحلف
5: 13- 18: نصلي في كل حالات الحياة
5: 19- 20: نسعى لخلاص الضالين.
مواضيع متفرّقة في هذه الرسالة ونحن نستطيع أن نجمعها في مواضيع: المحن (1: 2- 4، 12؛ 5: 7- 11). الحكمة (1: 5- 8؛ 3: 13- 18). العمل بكلمة الله (1: 19- 25؛ 2: 14- 26). نظرة صحيحة إلى الفقر والغنى (1: 9- 11؛ 2: 1- 13؛ 4: 1- 10؛ 5: 1- 11). ضبط اللسان (1: 19- 21؛ 3: 1- 12؛ 4: 11- 12). الصلاة (1: 5- 8؛ 5: 13- 18). أما نحن فقد وزّعنا نصّ يع في فصول قصيرة ليسهل درسها والتأمّل فيها من أجل المشاركة.
ج- الفن الأدبي في رسالة يعقوب
إن العنوان في بداية الرسالة (1: 1) يجعلنا نظن أننا أمام رسالة، لأن جميع الرسائل في القرن الأول كنت تبدأ بهذا الشكل. يسمّي المرسل نفسه (يعقوب). يذكر صفاته (عبد الله والرب يسوع المسيح). يسمّي مراسليه (الاسباط الذين في الشتات)، ويرسل إليهم تحيّة (سلام). هذا العنوان هو في أساس الرسالة ونجده في كل المخطوطات، وقد أراده الكاتب النهائي متماسكاً مع جسم الرسالة. ولكننا نفهم منذ البداية أننا إذا كنا أمام رسالة، فليست رسالة خاصة بل رسالة عامة، رسالة دوّارة، تتوجّه "إلى الاسباط الاثني عشر في الشتات".
بعد ذلك لا نجد أيّ أثر للفن الرسائلي. اعتاد كتّاب الرسائل (1 بط، 1 يو، اكلمنضوس الروماني، برنابا المزعوم، شيشرون) أن يشيروا إلى بعض الأمور الخاصة حين يعرضون تعليمهم أمام الناس. أما يع فلا تمتلك شيئاً من هذا. والخاتمة تنتهي فجأة. ولهذا حاول أحد النسّاخ أن يزيد: "انتهت رسالة يعقوب بن زبدى". في الواقع، أنهى يعقوب رسالته على ما فعل ابن سيراخ (51: 20- 21) أو سفر الحكمة (19: 22). أما الأفعال في صيغة الأمر والمنادى، فهي ما نجده في الجدال الرواقي (وما فيه من نقد لاذع) أو في المواعظ اليهوديّة.
وهكذا يكون الفن الأدبي في يع، الفن الارشادي. فهذه الرسالة لا تتضمّن إلا تحريضات على ما نجد عند جميع معلّمي الاخلاق في كل العصور. وطبيعة هذه التحريضات وتنوّعها وشكلها وتقاربها، تذكرنا بما في التوراة، ولا سيّما في الأسفار الحكميّة (سي، أم). هذا الفن قد مارسه اليهود ونحن نجده في وصيات الآباء الاثني عشر، في أخنوخ، في رسالة ارستيس. كما نجده لدى أول المعلّمين المسيحيين في الاجتماعات، في الليتورجيّات، في حفلات العماد. وكانوا في ذلك الوقت يعرضون متطلّبات دستور القداسة الجديد. هذا ما نجده أيضاً في مت 5- 7؛ 1 تس 4- 5؛ غل 5- 6؛ روم 12- 13؛ كو 3- 4؛ أف 4- 6؛ عب 13؛ 1 بط؛ 1 يو. وهذا الفن الأدبي قد مارسه أيضاً الرواقيّون ولا سيّما ابكتات.

2- التعليم في رسالة يعقوب
إن التعليم الذي أراده الكاتب بشكل مباشر هو تعليم أخلاقيّ. فالتحريض على سلوك صالح يتواصل بدون توقّف منذ البداية إلى النهاية. ويقدّم الكاتب بعض النظرات اللاهوتية بشكل غير مباشر ليبرّر التعليم الأخلاقي الذي يقدّمه.
أ- التعليم الأخلاقيّ
عاد يعقوب إلى التوراة ولا سيّما إلى الأسفار الحكميّة التي تحدّثت عن الثبات في المحن، عن الحكمة والصلاة، عن ضبط اللسان والمحافظة على الشريعة، وتحاشي المحاباة، ومحبّة القريب ولا سيّما الفقير. وكانت قد ندّدت هذه الأسفار بالحسد والابتعاد عن الله والاكتفاء بالذات، واستغلاله الصغار، والافراط في الحلف. كما أوصت باللجوء إلى الله والاقرار بالخطايا ونصح الخاطئين.
ولكن يبقى أفق العهد القديم محدوداً: الهدوء والطمأنينة، الصحّة والكرامات، الغنى والعمر الطويل والنسل الكبير. أما ما دفع يعقوب إلى تحريضه فهو اليقين بأننا نتمّم إرادة الله (1: 20)، نقتدي بالله (2: 5- 6)، نتقرّب منه (4: 5- 10) فننال منه الفرح (1: 2- 4، 12) وغفران الخطايا (5: 14- 20) والتبرير (2: 14- 26) والملكوت (2: 5) وإكليل الحياة الذي وعد الله به محبّيه (1: 12؛ 2: 5؛ 5: 7 ي).
هذه الأمور نجدها في الأناجيل الازائية ولا سيّما في موعظة الجبل حيث يعظّم الفقر والتجرّد، وتبرز المواعيد الاسكاتولوجيّة. أخلاقية يعقوب هي أخلاقيّة مسيحيّة ولا سيّما في ما يتعلّق بالحلف (3: 12)، في التعارض بين الله والعالم (1: 27؛ 3: 6؛ 4: 4)، في الطموح إلى التعليم (3: 1).
ب- الافكار الاجتماعية
تلك كانت بعض الأفكار الاخلاقيّة وارتباطها بالعهد الجديد ولا سيّما بالأناجيل. أما الأفكار الاجتماعيّة فترتبط بذات التقاليد. فيعقوب يُبرز كرامة الفقراء في الكنيسة ويذكّرنا أنهم حصّة الله (2: 5). وهكذا يكون كلامه امتداداً لما قاله الأنبياء وحكماء اسرائيل. وخصوصاً لما أعلنته الأناجيل الازائيّة (لو 4: 18؛ 6: 20؛ مت 5: 3؛ 11: 5؛ أش 61: 1؛ مز 22: 27) وبولس الرسول (1 كور 1: 26- 31).
هناك خطيئة ضد الإيمان بيسوع المسيح حين نحتقر الفقير (2: 1- 4) أو نظلمه (2: 6- 9؛ 5: 1- 6). والفقير الذي يودّ أن يحسّن حاله، يتحمّل المحنة بفرح (1: 9). وهذه الرفعة التي بدأت ماديّة في أم 3: 34 (رج يع 4: 6- 10) سوف تتروحن وتصبح اسكاتولوجيّة مع يعقوب كما مع التعاليم الانجيليّة والبولسيّة (يع 1: 12؛ 2: 5؛ 5: 7 ي؛ مت 5: 10- 12؛ 10: 17- 22- 28- 33؛ 2 كور 4: 7- 18؛ روم 8: 17- 18). لا يشجب يعقوب الأغنياء كلهم. بل يدعوهم إلى أن يجدوا خلاصهم حين يتأمّلون في عبوديّة خيرات الأرض. وفي 2: 6- 7 يوبّخ يعقوب فقط الأغنياء الذين يظلمون الفقراء. وفي 4: 13- 16 يلوم يعقوب التجّار لأن مشاريعهم لا ترتبط بالله. وفي 5: 1- 6، يهدّد الكاتب الأغنياء الأردياء. نحن هنا أمام نداء أخير إلى التوبة، لا أمام حكم نهائي.
ج- تعاليم أخرى
ونجد في رسالة يعقوب تعاليم أخرى جاءت بشكل غير مباشر داخل الرسالة. يعود الكاتب إلى الله الواحد كما في العالم اليهوديّ. نحن بعيدون مع يعقوب عن العالم الروماني وحلوليّته، وعن العالم الرواقي وإن أخذ الكاتب بأسلوب الرواقيين ولغتهم.
الله واحد (2: 19) وهو الخالق السامي والربّ والمشترع وصانع كل خير. وهو أب يعتني بجميع خلائقه (1: 17، 27؛ 3: 9؛ 4: 10، 12، 15، 16). بعد أن صنع الانسان على صورته (3: 9)، منحه الحياة على الأرض (4: 13) والولادة الروحيّة الجديدة (1: 18، 21) والايمان (2: 5) والتبرير (2: 23) والحكمة العلوية (1: 5- 8؛ 3: 13- 15) وغفران خطاياه (5: 14- 15) والخصب الزمني (5: 17- 18). وكفل له في الآخرة الخلاص (1؛ 21 ب) والملكوت (2: 5) وإكليل الحياة (1: 12). كما "كفل" له دينونة بلا رحمة إن هو لم يعرف أن يرحم (2: 13).
الله هو إله ابراهيم وأيوب والأنبياء ولا سيّما إيليا (2: 23- 24؛ 5: 10- 11، 17- 18). ولكن يعقوب يتعدّى مستوى العهد القديم حين ينسب إلى الله ولادتنا الروحيّة، ويتحدّث عن جزاء في الآخرة.
يذكر يسوع مرتين في يع. إنه المسيح الربّ (1: 1؛ 2: 1). ويشار إليه في 2: 7 (الاسم الجميل الذي به دعيتم)؛ 3: 7- 9 (مجيء الربّ، الديّان واقف على الباب)؛ 5: 14 (يمسحونه بالزيت باسم الربّ). يسوع هو ربّ مثل الله الآب، وهو كليّ القدرة مثله. لهذا يؤدّي له يعقوب العبادة كما للآب. فهو عبد (أي عابد ومتعبّد كما تقول التوراة) الله والربّ يسوع المسيح. ويسوع هو المسيح الذي جاء في ملء الزمن. هو مسيح المجد (2: 1) كما أن الله هو إله المجد (أف 1: 17). وهذا يعني أن يسوع القائم من الموت يمتلك منذ الآن المجد ويقدر أن يعطيه لأنه الله. هذا ما فهمه قرّاء الرسالة (2: 1 ب) هم الذين دُعي عليهم اسم يسوع حين نالوا سّر العماد (2: 7؛ أع 2: 38) وحين مُسحوا بالزيت المقدّس بعد أن حلّ بهم المرض (5: 14).
ورأى عدد من الشّراح في يع إشارات إلى ممارسة العبادة في الكنيسة تعكس توصيات وصلوات خلال الاحتفال بالعماد. يتحدّث النصّ عن اجتماع المؤمنين (المجمع، 2: 2). عن صورة الجسد والأعضاء (3: 6)، عن ألفاظ ليتورجيّة مثل البركة أو اللعنة، أو: "إذهبا في سلام" (2: 16). ويتحدّث أيضاً عن الكلمة التي تلد (1: 18) والتي يجب أن نسمعها لنمارسها (1: 19 ي). وعن المعلّمين الذين يتوجّب عليهم أن يعلّموا، وعن أولئك الذين اغتصبوا هذه الوظيفة (3: 1 ي). عن العبادة الحقّة، وعن التديّن الحقيقي الذي يتضمّن ممارسة الخير وتجنّب الشّر (1: 26- 27). عن الاقتراب من الله ومقاومة الشرير (4: 6- 10)، عن الأناشيد والترانيم الروحيّة (5: 13؛ رج أف 5: 19)، عن الصلاة والاعتراف المتبادل (5: 16)، عن الشيوخ (أو: الكهنة) الذين يدعوهم المريض إلى فراشه (5: 13- 15). ويعود موضوع الصلاة مراراً للحصول على الحكمة (1: 5- 8)، للحصول على خيرات نرغب فيها (4: 3؛ 5: 17- 18). للحصول على غفران الخطايا (5: 13- 16). فالكاتب يعرف الانجيل (مت 6: 7 ي؛ لو 11: 1 ي)، وهو يعرف كل المعرفة ارتباط الانسان بالله. فحين يُترك الانسان وحده، يجتذبه الشّر والأهواء (1: 13- 15)، كما يجتذبه الشيطان (4: 6 ي). والصلاة والعودة إلى الله، هذا ما يخلّصه.
وننهي كلامنا في هذا المجال عن موضوع الإيمان. تحدّث يعقوب عن التبرير الأخير، لا عن التبرير الأول كما فعل بولس. فهذا التبرير لا نحصل عليه إن امتلكنا فقط الإيمان النظريّ الذي لا يتضمّن العمل. نحن ننال التبرير بواسطة إيمان فاعل نعبرّ عنه بأعمال المحبّة الأخويّة (2: 15- 16)، نعبرّ عنه بمحبّتنا لله (2: 21). فإذا أردنا البلوغ إلى الخلاص (2: 14)، ينبغي علينا أن نساعد المساكين الذين هم إخوة وأخوات لنا بحسب إيماننا. ينبغي علينا أن نضحّي بأعزّ ما لدينا لله على ما فعل ابراهيم (2: 21). وخلاص الانسان يفرض عليه أن يسمع الكلمة ويعمل بها، وإلا رفض الربّ أن يتعرّف إليه في ساعة الدينونة.
الفصل الثالث
فوائد المحن
1: 1- 8

بعد العنوان، تتوزّع رسالة يعقوب على ثمانية توجيهات وتنبيه أخير وتوصيات ختاميّة. ونحن نستطيع أن نجمل آياتها في بضعة مواضيع: الفرح في قلب المحن. الصلاة الواثقة التي هي ينبوع حكمة. تقدير الفقر والغنى تقديراً يدلّ على نظرتنا المسيحيّة. تعليم حول السيطرة على اللسان، حول حبّ العالم والارتداد إلى الله. ضرورة الصلاة وأهميّتها. التجربة والخطيئة. صلاح الله الديانة الحقّة.
أما نحن فنقف في الموضوع الأول الذي يتحدّث عن المحن التي تصيب المسيحي، وما يكون موقفه منها. هنا نحتاج إلى الحكمة والإيمان اللذين يعطينا الله إياهما مجّاناً. ونوزّع هذه القطعة في ثلاثة أقسام: العنوان (1: 1). المحنة مناسبة فرح (1: 2- 4). ونحن لا نقدر أن نفهمها إلاّ إذا أوتينا الحكمة (1: 5- 8).

1- العنوان (1: 1)
إن العبارة الأولى في يع تتبع عادات ذلك الزمان. فتدلّ على الكاتب وعلى القرّاء. من يتكلّم؟ يعقوب. من هو يعقوب هذا؟ هو "أخ الربّ" الذي خلف بطرس في قيادة كنيسة أورشليم والذي قُطع رأسه سنة 62. ما نعرفه عنه نجده في سفر الأعمال (12: 17؛ 15: 13- 21؛ 21: 8) وفي رسائل بولس الرسول (غل 1: 19؛ 2: 9- 12؛ 1 كور 15: 7)، وفي كتب فلافيوس يوسيفوس الذي روى استشهاده في القديميّات اليهوديّة. وقد يكون أيضاً يعقوب بن حلفى الذي ذكره مر 3: 17؛ أع 1: 13. وقد يكون يعقوب بن زبدى الذي يذكره مر 3: 17؛ 10: 35- 41، والذي قُطع رأسه سنة 44 (أع 12: 2). أي من الثلاثة هو كاتب الرسالة؟ يتحدّث مجمل الشرّاح عن يعقوب، أخي الربّ. ولكن لا شيء يؤكّد أنه كاتب الرسالة، كما قلنا في المقدّمة.
وسمّى "يعقوب" نفسه: "عبد الله والرب يسوع المسيح". هناك مخطوطات جرّارة تقول: "عبد الله الآب". وقالت الشعبيّة اللاتينيّة والسريانيّة البسيطة والقبطيّة البحيريّة: "ربنا يسوع المسيح" (زادت ضمير المتكلّم الجمع).
إن لقب عبد وخادم لا يعني فقط أن الكاتب يرتبط كل الارتباط بالله، بل أنه أيضاً بكلّيته في خدمته. وهكذا يعبّر عن فرحه لأن الله امتلكه واختاره وسلّمه مهمّة. تلك هي عطيّة النعمة وشرف عظيم أن يكون الواحد عبد الله وخادمه. هكذا سمّى العهد القديم أكبر الشخصيّات فيه. ابراهيم، موسى، يشوع، داود، اسحق، الأنبياء. فالله لا يفعل بشكل مباشر، بل بواسطة من اختارهم. والذين يعترفون بيسوع مسيحاً ورباً، هم عبيد الله ويسوع المسيح.
تتضمّن هذه التسمية خدمة ورسالة، اختياراً وسلطاناً خاصاً. وبولس أيضاً قد سمّى نفسه عبد يسوع المسيح (روم 1: 1؛ فل 1: 1؛ تي 1: 1؛ 2 كور 4: 5). وتحدّث أيضاً عن سلطته الرسوليّة. أما كاتب الرسالة إلى يعقوب فيسمّي نفسه فقط "عبد الله"، شأنه شأن كاتب رسالة يهوذا. غير أن هذه التسمية المتواضعة تعلن للقارىء أن ذاك الذي يكتب، هو يكتب فقط باسم الله وبالنظر إلى ملء السلطان الذي منحه إياه الله والربّ يسوع. هذا يعني أن الله نفسه يتكلّم.
"إلى الأسباط الاثني عشر الذين في الشتات". يتوجّه الكاتب إلى المسيحيّين بعبارة استُعملت للحديث عن الأسباط الاثني عشر المشتّتين وسط الوثنيّين. فبعد دمار السامرة سنة 721 ق. م.، ودمار أورشليم سنة 587 ق. م.، صار القسم الأكبر من الشعب اليهودي عائشاً في الشتات. زالت الروابط بين القبائل وحتى داخل القبيلة الواحدة، ولكن هذا التشتّت جعل اسم الله ينتشر وسط الوثنيّين. وقد أعلن الأنبياء أن الربّ سيجمع في نهاية الأزمنة شعبه ويردّ الضالين إليه. استعمل يعقوب هذه العبارة وتفرّد في استعمالها. فكأني به يقول: الآن بدأ التجمّع العظيم للضالين عن مسيح الله. والكنيسة هي الآن إسرائيل الحقيقيّ. فالأسباط الاثنا عشر في الشتات هو الآن المسيحيّون الذين يجمعهم اسم الربّ يسوع ويهتمّ بهم أولئك الذين كلّفهم الربّ بواسطة ابنه. أما العدد اثنى عشر فهو عدد رمزي ينطلق من الأسباط والرسل ليدلّ على ملء شعب الله الجديد سواء جاؤوا من العالم اليهودي أم من العالم الوثني.

2- المحنة مناسبة فرح (1: 2- 4)
ويبدأ يعقوب بدون انتقالة أولاً سلسلة من الارشادات التي تتحدّث عن المحنة. ثم يأتي إرشاد آخر حول الحكمة. ما يريده الكاتب هو توعية قرّائه أمام السراب الذي يتربّص حمم: فاليقين المسيحي لا يكفي لكي نكون مسيحيّين حقيقيّين وننال الخلاص. فالإيمان الحقيقيّ يُمتحن في الحياة اليوميّة ويكون فاعلاً من أجل الخلاص.
اختلف يعقوب عن كتّاب الرسائل في أيامه، فلم يُتبع التحيّة بصلاة، بل انطلق حالاً يحدّثنا، بل يدعونا إلى الفرح في المحن. قال: "يا اخوتي". سترد هذه التسمية مراراً في الرسالة وسيُزاد عليها كلمة "الأحباء" (أغابيتوي) (1: 16، 19؛ 2: 5). ونجد أيضاً "أيها الاخوة" (بدون ضمير المتكلّم) في 4: 11؛ 5: 7، 9، 10. قد ورث الكاتب هذه التسمية من عالم المجمع الذي جعل المؤمن في كل إسرائيلي أخاً له (خر 2: 11؛ قض 10: 23؛ 1 صم 30: 23؛ (أخ 28: 2؛ 2 مك 1: 1؛ رج أع 1: 16؛ 2: 29؛ 3: 17). غير أن تعليم يسوع الذي يرتبط به الكاتب في كل الرسالة، قد فتحه على أخوّة أوسع (مر 3: 35؛ مت 23: 8؛ لو 6: 27 ي؛ 10: 29 ي؛ غل 3: 28؛ 1 كور 12: 13) مؤسّسة على مشاركة في ذات الحياة الإلهيّة (يو 14: 23؛ 15: 1 ي؛ 17: 11) لا على الانتماء إلى الوطن الواحد أو القبيلة الواحدة. وهكذا يتّخذ نداؤه معنى روحياً عميقاً يخرجنا من ضيق العالم اليهوديّ في أيّامه.
يعقوب هو الرئيس والقائد. هو معلّم في الكنيسة (3: 1)، ومكلَّف بخدمة الكلمة. لهذا، نراه "يأمر" قرّاءه ولا يوصّيهم فقط. يطلب منهم أولاً أن يجدوا ينبوع فرح تام في مختلف المحن التي تنقضّ عليهم. وتدلّ صيغة الفعل على أن هذه المحن تحصل الآن وستحصل فيما بعد. نجد الفعل في العهد الجديد (هيجيوماي) الذي يعني حسبَ، احتسب، اعتبر (فل 2: 6، 25؛ 3: 7- 8؛ 2 كور 9: 5؛ 2 بط 1: 13؛ 2: 13). ولفظة "بايرسموس" المستعملة لتدلّ على مناسبات الفرح التام، تلتقي مع فعل "بايرازو" الذي يعني امتحن (حك 2: 17؛ 2 كور 13: 5) تميّز، حاول، جرّب (سي 37: 27؛ رؤ 2: 2)، امتحن شخصاً لاكتشاف صفاته الحسنة أو الرديئة. لهذا صارت "بايرسموس" تدل على محنة تُبرز صفات الشخص. فدلّت على المحنة- التجربة التي تسعى إلى تنقية الانسان: محنة ابراهم (تك 22: 1) ويوسف والعبرانيين (خر 16: 4؛ تث 8: 2، 16؛ قض 2: 22؛ 3: 4)، وأيوب (أي 1: 2) وطوبيا.
أما في العهد الجديد، فتتخذ اللفظة معنى آخر: محنة قد تقود إلى الضلال والشرّ والخطيئة (مر 8: 11؛ مت 4: 3؛ 19: 3؛ 22: 18، 35؛ 1 كور 7: 5؛ 1 تس 3: 5؛ يع 1: 13- 14؛ رؤ 2: 10). الله هو المسؤول بشكل غير مباشر عن جميع المحن التي تصبح تجارب، لأنه العلّة الأولى للخلق، ولأن لا شيء يحصل بدرن سماحه. ولكن الله ليس بمسؤول حين تصل المحنة إلى الشّر والخطيئة، لأن ليس من تجربة تتعدّى قدرة الانسان. فالربّ يجعل مع التجربة مخرجاً، وهكذا نستطيع أن نتحمّلها (1 كور 10: 13). وفي الصلاة الربيّة يوصي يسوع أخاءه بأن يصلّوا كل يوم لكي ينالوا من الله قوّة تمنع المحنة من أن تتحوّل إلى شّر وخطيئة (مت 6: 13). وأوصاهم بالصلاة بإلحاح حين تكون التجربة قريبة (مر 14: 38؛ لو 22: 32). وسيكون للتجربة معنى سيّىء في 1: 13- 15 حين يقول يعقوب إن الله ليس في أصل التجربة التي تقود إلى الخطيئة.
أما في المقطع الذي ندرس فلفظة "بايرسموس" تحمل معنى الاختبار الذي يدلّ على النضوج الأخلاقيّ والدينيّ لدى قرّائه. لهذا يفرح المؤمن بالمحن. وسيذكر الكاتب بعضها: الفقر (1: 9)، الاحتقار (2: 3)، النميمة (3؛ 2 ي)، الحسد 3: 14؛ 4: 2)، السرقة (5: 4)، المرض (5: 13- 14). فحين تأتي هذه المحن، على المسيحيّين أن يكتشفوا فيها مناسبة فرح تام وبلا تحفّظ.
كل ضيق يحرّك في ذاته الحزن و"القرف". فكيف يطلب منا يعقوب أن نفرح؟ لقد كان اليهود يعتبرون الضيق عقاباً من الله. وإن رأوا فيه محنة يرسلها الربّ ليختبر أمانتهم وحبّهم (تك 22: 1- 17؛ أي 1: 6 ي؛ 2: 1- 10؛ أم 3: 10- 11)، فهم يطلبون من الربّ أن ينجّيهم من هذه المحنة، ويفرحون حين ينجون منها (مز 22؛ 28: 38). أما نصوص قمران فتتحدّث لا عن فرح في الألم بل عن فرد بعد الألم.
أما المسيحيّون المتهوّدون الذين توجّهت إليهم الرسالة، فقد وجدوا سبباً آخر بأن لا يفرحوا في الضيق: يسوع قد تمجّد (2: 1). معه جاءت الأيام الأخيرة التي تصل بنا إلى العهد المسيحاني. والانبياء أعلنوا أن الأبرار سيعرفون السعادة في النهاية. فلماذا هذا الضيق الذي ما زال يثقل على صدرهم؟ وهذا السؤال الذي طرحه قرّاء يعقوب، قد طرحه قرّاء آخرون، فحدّثهم مت 5: 11- 12 عن الفرح في قلب المحن (رج روم 5: 3- 4؛ 1 بط 1: 6- 7، 19- 20؛ 4: 13؛ عب 10: 34؛ 12: 2). استعمل يعقوب عبارات العهد الجديد التي نكتشفها في الفقاهات العماديّة والاحتفالات الافخارستيّة، فدلّ على تجذّره في التقليد المسيحيّ. فيبقى على المسيحيّين أن يميّزوا الأزمنة الأخيرة، زمن الكنيسة والمجيء النهائي للملكوت الممتظر. لهذا وجب عليهم أن ينتظروا بالصبر والفرح في المحن وهم متطلّعون إلى السعادة الأبديّة.
وبرّر يعقوب دعوته إلى الفرح بعرض الحسنات التي تنتج من هذه المحن (آ 3- 4). وطبيعة هذه الحسنات تبيّن أن الافرح الذي يوصي به هو روحيّ. كما هو اسكاتولوجي على ما تقول الرسالة فيما بعد (1: 12؛ 5: 7 ي). رج 1 بط 1: 6- 9؛ روم 5: 3- 11. هذا ما يعرفه القرّاء. إنهم امام اختبار (دوكيميون) يدلّ على إيمانهم بالله وعلى ثباتهم في محبّته. هنا نتذكّر روم 5: 3: "الضيق يولّد الصبر". رج ملا 3: 3؛ أم 27: 21؛ سي 2: 1 ي.
أما الإيمان الذي يتحدّث عنه النصّ هنا، فهو الايمان المسيحي الذي هو مبدأ الانتماء إلى المسيح في الحياة العمليّة. وهو إيمان تنقّى بالمحن فأنتج الصبر. وهذا التأكيد يبيّن إذا جمعناه مع ما سيقوله يعقوب في الرسالة، أن الايمان يكون ناشطاً (1 تس 1: 3)، ولا يبقى ارتباطاً عقلياً وحسب (2: 14 ي). ولفظة "هيبوموني" التي يستعملها يعقوب ليدل على ثمرة الايمان الذي تنقيّه المحنة، قد يعني الصبر المنفعل والانصياع فيقابل "مكروتيميا" التي نجدها في 5: 7- 11، أو "أباتيا" التي نجدها عند الرواقيين. لهذا نترجم "هيبوموني": الثبات، المتانة، الصلابة. فهذه الكلمة قد استعملها العالم اليهودي الهلينيّ في القرن الأول المسيحي فدلّ بها على قوّة فاعلة، على مبدأ ناشط، كما دلّ على مجمل الحياة الروحيّة.
وهكذا نصل إلى المثابرة والثبات اللذين ينتجان العمل الكامل. فالعمل الكامل الذي يطلبه يعقوب يمثّل سائر الفضائل. فالطاعة لله تمثّل عملاً صالحاً (يو 6: 27- 29؛ 17: 4؛ روم 13: 8- 9؛ عب 10: 36) ولا سيّما إذا وصلت بنا إلى المحبّة (كو 3: 14). وسيقول بولس في روم 5: 4 إن ثمر الثبات هو الرجاء الاسكاتولوجي المرتكز على محبّة الله. وفي 2 بط 1: 6 نفهم أن الثبات يصل بنا إلى المحبّة.
شدّد يعقوب مراراً على ضرورة الكمال الأخلاقي (1: 25؛ 2: 10- 12). فطلب من قرّائه أن يكونوا بلا عيب ويظلّوا كذلك. هذا ما أعلنه هنا وزاد: "حتي تكونوا كاملين (تالايوي)، متمّمين، غير ناقصين" (آ 4 ب). فعملُ الئبات يثبّت القرّاء في النضج الخلقيّ. استعمل يعقوب لفظة "تالايوس" (في العبرية: ت م ي م. أو: ش ل م) (1: 17، 25؛ 2: 22؛ 3: 2) ليدلّ على الانسان البالغ (عب 5: 14؛ 1 كور 14: 20) أو الحيوان الذي لا عيب فيه والجدير بأن يقدّم ذبيحة (لا 1: 10؛ 3: 6؛ 1 بط 1: 19). كما استعملها ليدلّ على الانسان الذي وصل إلى الكمال الخلقيّ (تك 6: 9؛ تث 18: 13؛ أي 1: 1). وهكذا يكون النصّ صدى لما في مت 5: 48: "كونوا كاملين كما أن أباكم السماوي كامل هو". غير أن يعقوب سيقرّ في 3: 2 أن الكمال الأخلاقي يبقى شيئاً نسبياً.
التقى يع 1: 2- 4 مع 1 بط 1: 6- 7 ومع روم 5: 3- 5، فظنّ بعض الشرّاح أنه أخذ من 1 بط ومن روم بعد أن أعطى النصّ إتجاهاً أخلاقياً. واعتاقد أخرون أن لا علاقة بين هذه النصوص الثلاثة، بعد أن صارت هذه الأفكار التي توردها هذه الرسائل معروفة في الفقاهة المسيحيّة. أخذها يعقول فجعلها في أفق عمليّ. وأبرز بطرس وبولس الوجهة العقائديّة.

3- صلاة من أجل الحكمة (1: 5- 8)
بعد أن حدّثنا الكاتب عن المحنة الئي هي ينبوع الصبر والئبات، وعن الثبات الذي يقود إلى الكمال، دعانا إلى طلب الحكمة لكي نفهم المحنة. وهكذا ينتقل يعقوب في آ 5- 8 إلى موضوع آخر هو موضوع الصلاة المطلوبة لكي ننال الحكمة من الله. وانقسم الشرّاح، فقال بعضهم إن موضوع هذه القطعة هو الحكمة. وقال آخرون: هو الصلاة. ومهما يكن أن أمر، فسوف يعود الكاتب إلى هذين الموضوعين. فيميّز بين الحكمة الحقّة والحكمة الكاذبة (3: 13- 18)، كما يبرز طريقته في الصلاة (4: 3، 6- 10؛ 5: 13- 18). وهكذا تجتمع اللفظتان كما تجتمع العلّة مع السبب، في تشديد على الصلاة. وهكذا يبيّن الكاتب أولاً ضرورة الصلاة للحصول على حكمة لا نمتلكها، ثم فاعليّة الصلاة والشرط لكي تستجاب. ويشدّد في النهاية على بطلان كل صلاة ينقصها هذا الشرط.
في بداية آ 5 يستعاد الفعل "نقص" الذي قرأناه في آ 4 (لايبو، نقص). قالت فئة من الشرّاح: بعد أن حرّض الكاتب قرّاءه على العيش في الفرح وسط المحن، ها هو يقدّم لهم بشكل معترضة (آ 5- 8) الطريقة الأكيدة للوصول إليه. وتقوم هذه الطريقة بأن نطلب من الله الحكمة التي تجعلنا نكتشف القيمة المنقّية للمحن، بل قيمتها المرتبطة بالحياة الأخرى. وهكذا نكون في خطّ العهد القديم حيث يقال: "والانسان لو بلغ حدّ الكمال لا يُحسب شيئاً ما لم تكن معه الحكمة التي منك" (حك 9: 6). وهذا في الواقع ما نجده في يع مع حديث عن الحكمة التي يعطيها الله لمن يطلبها. وقالت فئة أخرى: ليس من علاقة وثيقة بين قطعة وقطعة. إنما نحن أمام موضوعين متلاصقين.
إذن، تمثّل ضرورة الصلاة لنوال الحكمة من الله، بداية قطعة جديدة: "إن كان أحدكم تنقصه الحكمة، فليسأل الله الذي يعطي الجميع في سخاء وعلى غير منّة، فيؤتاها" (آ 5). فالحكمة التي نطلبها ليست محدّدة. إنما ستحدّد في 3: 13- 18 في نتائجها. فالحكمة (سوفيا) تدلّ على الحذق والمهارة، على العلم والمعرفة، على الذوق السليم. أما عند يعقوب، فلسنا أمام المهارة والعقل والفكر البشريّ الذي هو ثمرة الفكر. فكل هذا قد يتوافق مع الشرّ والكفر (3: 15). بل أمام فهم يرتبط بالوحي الإلهي والورع الديني. مثل هذه الحكمة تأتي من فوق، وتكمّل الكائن الأدبي (3: 17). فإذا أردنا الحصول عليها، طلبناها من الله بثقة تامة.
هنا نتذكّر صلاة سليمان الذي نال حكمة عظيمة (حك 8: 21؛ 1 مل 3: 6- 9؛ سي 51: 13). وقالت لنا الأسفار الحكميّة إن الحكمة الحقيقيّة تأتي من الله وحده (أي 28: 12- 24؛ أم 8: 1 ي؛ سي 1: 1؛ حك 9: 17). وحدّدت لنا أساسها الذي هو الشريعة كوحي (سي 24: 1 ي). كما حدّدت مبدأها (حك 1: 11- 30؛ أم 8: 18- 19): رأس الحكمة مخافة الله. وحدّدت نتائجها: استقامة أخلاقيّة (أي 28: 28؛ أم 2: 10- 20؛ سي 19: 18- 27) وسعادة (سي 1: 11- 30؛ 2: 1- 18؛ أم 3: 13- 26). أما ما نجده عن هذا التعليم في الرسائل البولسيّة (1 كور 1: 18- 25؛ 2: 6- 16؛ أف 1: 17؛ 5: 15 ي)، فلا مكان له في رسالة يعقوب.
ظنّ كاتب يع أن بعض قرّائه تنقصهم الحكمة الحقة (آ 5 أ). فسلوكهم يدلّ على ذلك دلالة كافية (3: 13). فلا يجب أن يكون الأمر هكذا. وإذ اعتبر أن على المسيحيين أن يمتلكوا هذه المزيّة، أمر الذين لا يمتلكونها بأن يطلبوها من الله. فكل الذين يطلبونها يحصلون عليها من الله الذي يعطيها بدون تحفّظ، وبسخاء. نجد لفظة "هبلوس" التي تعني "ببساطة" إذا عدنا إلى اللغة التشريعيّة (برديّة بهلنسة 2: 237؛ 6: 21)، وإلى استعمال بولس للاسم "هبلوتيس" (2 كور 11: 3؛ كو 3: 2؛ رج أع 2: 46). ولكنها تعني أيضاً فكرة السخاء في العطاء (2 كور 8: 2؛ 9: 11، 13؛ روم 12: 8، والحديث عن التبرّعات من أجل المحتاجين). قد يكون هذا المعنى الأخير هو الذي يريده يعقوب الذي يزيد: "بلا تحفّظ، بلا قيد ولا شرط". هنا يتذكّر يعقوب سي 18: 15- 16: "قدّم إحسانك يا ابني بلا عيب (أو: تأنيب) ولا تصحبه بكلام جارح. كما يخفّف الندى الحر، هكذا الكلام أفضل من العطيّة". ونقرأ في 20: 15: "يعطي قليلاً ويمنّن كثيراً، ويصرخ عالياً كبائع في السوق". نحن هنا في فقاهة مسيحيّة مطبوعة بالاسلوب الساميّ وإن دُوّنت في اليونانيّة.
ونقرأ في نهاية آ 5: "تُعطى له الحكمة". هذه نتيجة صلاة من يطلب الحكمة متّكلاً على الله. عاد يعقوب إلى مثل سليمان (حك 7: 7 ب؛ 8: 21). بل إلى تعليم يسوع حول الصلاة: "إسألوا فيعطى لكم" (مت 7: 7؛ رج لو 11: 9). وهكذا نتيقّن مرة أخرى أن كاتب يع هو مسيحيّ ربط الحكمة بالصلاة، وجعل الصلاة في أساس الحياة الروحيّة.
إذا كانت الصلاة تفعل فعلاً أكيدأ إن نظرنا إليها من جهة الله، فليس الأمر كذلك من جهة الانسان. فهناك طريقة للصلاة تبدو كشرط مطلق للحصول على ما نطلب. "ولكن ليسأل (الحكمة) بإيمان وبغير ارتياب. لأن المرتاب يشبه موج البحر الذي تثيره الريح وتسوقه" (آ 6). الله يعطي الحكمة لمن يطلبها. ولكن يجب أن نطلبها بإيمان. ترتبط آ 6 مع آ 5 بواسطة الفعل "ايتايو" (سأل).
ما معنى يسأل بإيمان؟ وهل معنى الايمان هنا كما في آ 3؟ نجد الجواب في التحديد اللاحق: "بلا ارتياب، بلا تردّد". وهكذا نجد كالعادة عبارة إيجابية (بإيمان) وعبارة سلبيّة توازيها (بلا ارتياب). فالسؤال بإيمان يعني أن نصلّي إلى الله بثقة، بحيث لا نشكّ لحظة واحدة بجواب الله. فنحن سنستجاب بكل تأكيد. فلا تردّد ولا انقسام داخليّ. إيمان واثق كشرط لفاعليّة الصلاة، وهو لا يتميّز عن الايمان الذي هو اعتقاد (آ 3؛ رج 2: 1، 5، 14- 26؛ 5: 15). فهذا الإيمان الواثق يفترض الإيمان الاعتقاد ويؤسّسه ويشكّل وجهة له. وإذا عدنا إلى 2: 14- 26 نفهم أن الايمان الواثق هو انتقال إلى العمل. وهكذا نكون أيضاً في خطّ التقليد الإزائي مع مثل التينة اليابسة. فيسوع قد ربط فاعليّة الصلاة بالايمان الواثق الذي لا يقبل بتردّد واحد من قبل الطالب (مر 11: 22- 24 وز). أجل، الايمان بقدرة الله هو أساس حياتنا. والصلاة تعبّر عن هذا الإيمان، والحكمة الحقيقية هي نتيجته العمليّة.
استعاد الكاتب لفظة من الجملة السابقة فأفهمنا التردّد الذي يشجبه. وأخذ تشبيهاً من الاسفار الحكميّة. من لا يصلّي بإيمان، من تردّد في طلبه، يشبه موج البحر الذي يتحرّك بفعل الريح. تلك هي حالة النفس التي تتقلّب بين الثقة واللاثقة.
إذن، هناك طريقة للصلاة تفرض نفسها بحيث ترتبط بها فاعليّةُ الطلب (آ 7). هذه الزيادة تبرّر الأمر الذي أعطاه يعقوب بأن لا نتردّد حين نطلب من الله. "فلا يتخيّل ذلك الانسان أنه ينال من الربّ شيئاً" (آ 7). استعمل الكاتب فعل "اويوماي" (تخيّل، ظن) وهو فعل نادر في العهد الجديد (فل 1: 17؛ يو 21: 15) الذي يستعمل بالأحرى فعل "دوكاين" (1 كور 3: 18؛ غل 6: 3؛ مر 6: 49...). وعبارة "ذلك الانسان" التي نجدها في مر 14: 21 تجعلنا في إطار ساميّ، وتشدّد على أن الكاتب يشفق على مثل هذا الرجل الذي يطلب بتردّد. ولفظة "الرب" تدلّ هنا على الله الذي وحده يعطي الحكمة.
وتشكّل آ 8 توازياً مع آ 7، فتصوّر حالة نفس ذلك الانسان. "انه انسان ذو نفسين، متقلقل في جميع طرقه" (آ 8). في آ 7، الانسان هو "انتروبوس". وفي آ 8 هو "أنير". ولكن المعنى هو هو. ويعقوب يفضّل اللفظة الثانية (1: 23؛ 2: 2؛ 3: 2) في خطّ السبعينيّة.
ولفظة "ديبسيخوس" (ذو نفسين) التي تصف هذا الانسان، لا ترد إلاّ ها في كل الكتاب المقدّس وفي 4: 8. استلهمت لغة اليونان الذين رأوا في النفس (بسيخي) مركز الملكات والعواطف. الشكل هليني، ولكن الفكرة بيبليّة (ولا سيّما ما كتاب هرماس). فالعبرانيون يربطون بالقلب (ل ب)، ما يربطه اليونانيّون بالنفس، فيتحدّثون عن إنسان له قلبان، له قلب وقلب (ل ب. و. ل ب) (هو 10: 2؛ مز 12: 3؛ 1 أخ 12: 33؛ سي 1: 28؛ 2: 12- 14). أو عن إنسان له لسان ولسان (سي 5: 9)، كلمة وكلمة، وجه ووجه (وجهان). فمن كان كذلك في صلاته، دلّ على أنه ليس بكلّيته لله مع أن الكتاب يطلب منا أن نحبّ الله بكل قلبنا وكل نفسنا وكل قدرتنا (تث 4: 29؛ 6: 5؛ مت 22: 37 وز).
وتوضح نهاية الآية فكرة الكاتب. فهذا الانسان لس بثابت. هو "متقلقل في جميع طرقه". أي في مسلكه، في حياته. فحين يتّجه نحو الله، يتّجه في الوقت عينه نحو طمأنينات أرضيّة. قالت سي 2: 12- 13: "ويل للقلب الخائف. ويل للخاطىء الذي يسير في طريقين. الويل لقلب ضعيف لا يؤمن، لأنه لا يكون في أمان" (لا يكون محمياً). وهكذا يقف يعقوب في خطّ التقليد البيبليّ.
والصفة "أكاتستاتوس" (متقلقل، غير ثابت) (رج 3: 11) تعود إلى اليونانية الكلاسيكيّة. غير أن العبارة "في جميع طرقه" تعود إلى الكتاب المقدّس (مز 90: 11= مت 4: 6؛ مز 144: 17؛ تث 32: 4؛ إر 16: 17). استعمل الكاتب الملهم لفظة "طريق" (درك في العبريّة) ليدل على تعليم أو سلوك أخلاقي (أع 14: 16؛ مت 7: 13- 14). وتحدّثت كتابات قمران عن الذين يطلبون الله "بقلبين دون أن يكونوا ثابتين في الحقّ".

خاتمة
هكذا بدت هذه الماقطوعة في تحريضين صغيرين. الأول حول المحن التي نتقبّلها بفرح لأنها تساعدنا على النضوج. والثاني حول الصلاة لطلب الحكمة. عاد الكاتب إلى فكرة الفرح التي نجدها في العنوان (سلام وفرح) فطبّقها على المحنة. فإن ثبتنا في المحنة، قادنا هذا الثبات إلى الكمال لأن الله يريد كمال الانسان الذي افتداه. كل هذا لا نفهمه بقوانا، بل نحتاج إلى حكمة من عند الله لكي ننظر إلى العالم وإلى الحياة بنظر الله. ولكن لا تأتينا الحكمة إلاّ إذا طلبناها بإيمان ولم نتردّد في صلاتنا. فالله لا يرفض سؤالاً يرافقه إيمان واثق. فإذا انتقلنا من الإيمان إلى اللاإيمان، ومن الثقة إلى اللاثقة، أشبهنا موج البحر الذي تحرّكه الرياح، فسرنا في طريق وطريق، وفكّرنا بقلب وقلب. لهذا نعود إلى الإيمان، إلى الاستسلام لله إستسلاماً كلياً وواثقاً، فنبني حياتنا على هذا الأساس الذي لا يتزعزع. وتأتي الصلاة في النهاية فتعبّر أفضل تعبير عن هذا الإيمان الذي به نطلب الحكمة والنعمة وروح الله.
الفصل الرابع
المحنة والتجربة
1: 9- 16

بعد أن قدّم يعقوب نفسه وذكر قرّاءه، بدأ توسعاً حول المحن التي فيها يتخبّط المؤمنون في الشتات. في فصل سابق توقّفنا عند فوائد المحنة (1: 2- 8) وانتهينا في الكلام على الصلاة. وها نحن في هذا الفصل نتطرّق إلى المحنة والتجربة (1: 9- 16).
قال يعقوب إن الانسان الذي يتردّد، يتصرّف كذلك في إيمانه وفي حياته. فنفسه مقسومة، تتجاذبها عواطف متعارضة، وتحرّكها الأحداث كما تحرّك الريح أمواج البحر. أما الصلاة الواثقة فتنال من الله الحكمة الحقيقيّة التي تتيح لنا أن نفهم معنى المحنة ونجد فيها باعثاً على الرجاء. وبعد هذا التحريض، انتقل الكاتب إلى تطبيق عمليّ: ليفرح المتواضع بضعته لأن الربّ سيرفعه. وسيجد الغنيّ في ضعفه ما يدفعه إلى تمجيد الربّ. وتنتهي كل هذه المقطوعة في مقابلة بين المحنة والتجربة. وفي كلام عن الطريق التي نسير فيها حين تحرّكنا أهواؤنا.
نتوقّف في هذه المقطوعة عند ثلاثة أقسام: الفقير والغني (آ 9- 11). سعادة الغالب (آ 12). أصل الخطيئة (آ 13- 16). في القسم الأول يتعلّم الانسان كيف يتعامل مع الوضع الذي هو فيه، سواء كان فقيراً أم غنياً. في القسم الثاني نتعرّف إلى سعادة الذي عرف أن يصبر على المحنة، بل تغلّب عليها. وفي القسم الثالث ندرس العلاقة بين التجربة والخطيئة.

1- الغني والفقير (1: 9- 11)
كان الكاتب قد دعا جميع الإخوة الذين يتعرّضون للمحن، أن يعيشوا في الفرح، وعلّمهم كيف يَصلون إلى هذا الفرح. وها هو يطبّق مقاله بثمكل خاص. يطبّقه على الفقراء الذين يعرفون محنة الفقر، وعلى الأغنياء الذين ينسون أنهم كالعشب الذي ييبس.
أ- ليفتخر الانسان (آ 9- 10 آ)
تأتي الدعوة إلى الافتخار بصيغة الأمر على ما في الحالات السابقة. وهي تتوجّه أولاً إلى الأخ الذي هو فقير، وضيع (تاباينوس). فاللفظة اليونانيّة تدلّ على ما هو وضيع، دون الوسط، حقير. ولكنها تدلّ في التوراة على ذلك الذي يتّضع بإرادته، الذي لا يبحث عن الرفعة. وبالتالي يجعل ثقته في الله. سنجد هذا المعنى الأخير فيما بعد حين يورد يعقوب أم 3: 34 فيقابل بين الوضعاء والمتكبرّين (4: 6؛ رج لو 1: 51- 52)، وحين يطلب من الخطأة أن يتّضعوا أمام الله (4: 10). أما هنا فهو يشير إلى الفقير في المعنى الاجتماعي تجاه الغني (بلوسيوس) الذي سيذبل كالعشب في مشاريعه. وفي مكان آخر سيدلّ يعقوب على الفقير بلفظة "بلوخوس" (2: 2- 5) مع الاشارة إلى الفاقة الماديّة.
كانت طبقة الفقراء الاجتماعية جدّ منتشرة في العالم العبرانيّ كما في العالم اليونانيّ والرومانيّ. وكانت تشكّل القسم الأكبر في الكنائس الفتيّة (2: 5 ي؛ 5: 4؛ 1 كور 1: 26- 31؛ 2 كور 8- 9؛ غل 2: 10). وما كانت لترضى بوضعها الحقير بعد الحماس الأول (2: 1- 25؛ 4: 1- 3؛ 5: 7- 11 أع: 4: 32 ي)، لأنها انتظرت تجدّداً تاماً لمجيء المسيح. وحين طلب منها يعقوب أن تفتخر برفعتها (هبسوس، رج أي 5: 11 حسب السبعينية)، فهو لم يتنبأ بانقلاب قريب لوضعها الماديّ، شبيه بذلك الذي نعمَ به أيوب أو طوبيا، والذي حلم به شعب اسرائيل قبل مجيء المسيح.
إن الرفعة التي يتحدّث عنها الكاتب هنا هي حاضرة. هي امتلاك الإيمان المسيحي، ورجاء السعادة الاساتولوجيّة. نقرأ في 2: 5: "أما اختار الله المساكين في هذا العالم كأغنياء في الإيمان وورثة للملكوت الذي وعد به محبّيه"؟ وهكذا نكون مع يعقوب أمام رفعة روحيّة تبرّر افتخار الذين يعيشون محنة الفقر. ونكون في فقاهة انجيلية تروحنَ فيها موضوع رفعة الفقراء كما تحدّث عنه العهد القديم (مت 5: 3؛ لو 1: 52- 53؛ 14: 11؛ 1 بط 1: 3- 5).
ويتوجّه يعقوب في آ 10 إلى الأغنياء ليدعوهم أيضاً ليفتخروا. إنه لا يتوجّه إلى جميع الأغنياء. بدون تمييز، كما قد يدلّ عليه غياب لفظة "أخ". إنه يتوجّه فقط إلى الأغنياء الذين صاروا مسيحيّين. فالفقير أخ والغنيّ أخ. هذا ما تفرضه البنية الغراماطيقيّة للجملة. وهذا ما نكتشفه في توازٍ كامل: الوضيع برفعته، والغني بوضاعته. بالإضافة إلى ذلك، نعرف أنه وُجد أغنياء ميسورون في الجماعات الأولى (مت 27: 57؛ لو 8: 3؛ يو 12: 3؛ 19: 39؛ أع 9: 36). وعنهم تتحدّث يع 2: 2- 3؛ 4: 13؛ 5: 1- 6 كما يقول بعض الشّراح.
دُعي المسيحيّون الميسورون إلى أن يفتخروا، شأنهم شأن الآخرين. أن يفتخروا لا برفعتهم بل بوضاعتهم. ما هي طبيعة هذه الوضاعة التي يجب أن تكون فخر الغنيّ المسيحي؟ نعود إلى لفظة "تاباينوس" ببعدها الاجتماعيّ أو الماديّ. ثم إلى الشّرح في آ 10 ب- 11. فعلى الغنيّ أن يفتخر بعبوريّة غناه: ينظر دوماً إلى إفلاس محتمل، إلى امكانيّة العودة إلى الفقر والوضاعة. وهذه الوضاعة التي تجعله على مستوى الفقير تفتحه على ذات الرجاء (5: 2؛ رج مت 6: 19- 20). لسنا أمام فقر حدث فجأة بعد المحن المذكورة في آ 2، لأن الأفعال هنا هي في صيغة المضارع. ولسنا أمام موت الغنيّ، لأن الموت يتربّص بالغنيّ كما بالفقير. ولسنا أمام حكم على الغنيّ في يوم الدينونة (5: 1- 6). لأن النصّ مستقلّ فلا يستبق ما سوف يقال في 5: 1- 6.
إن الاخوة الميسورين الذين وعوا سرعة عطب خيراتهم، يستطيعون أن يفتخروا لأن رجاءهم لا يخيب. وستكمّل الفقاهة الانجيليّة هذا الكلام فتدعو الغنيّ إلى الاتكال على الله وحده (مت 6: 25- 34؛ لو 12: 13- 31). وإذا قابلنا وضاعة الغني مع رفعة الفقير، نفهم أن موضوع الافتخار يتضمّن اتجاهاً روحياً أكيداً.
هنا نتذكّر بعض نصوص الكتاب حول الافتخار. نقرأ إر 9: 22- 23: "لا يفتخر الحكيم بحكمته، ولا الجبّار بجبروته، ولا الغنيّ بغناه، بل من يفنخر فليفتخر بمعرفتي ويفهم أني أنا الربّ مصدر الرحمة والحكم والعدل في الأرض. بمثل هؤلاء أرضى، يقول الربّ". وقال سي 10: 21: "مخافة الربّ فخر للغنيّ وْالرفيع والفقير على السواء". هذا المبدأ يطلب من الانسان الذي يريد أن يفتخر حقاً، أن يميل عن نفسه ويتّجه نحو الربّ. وقد قال بولس الرسول: "من يفتخر فليفتخر بالربّ" (1 كور 1: 31). فالمسيح الربّ قد أبطل بتواضعه كل افتخار بالذات لدى اليهود كما لدى الوثنيين، لئلا يفتخر أمامه بشر (1 كور 1: 25- 31). وهكذا لا يستطيع المسيحيّ أن يفتخر إلا بالمحبّة التي أظهرها له يسوع وبالعمل الخلاصّي الذي جعله غنياً في نظر الله (فل 3: 3).
كان الفقير محتقراً، فليفتخر بالأحرى لأنه مسيحيّ. وليتعلّم الغنيّ الميسور التواضع. فعظمته الحقيقيّة تكمن في أنه مسيحيّ. فليترك كل كبرياء واكتفاء ذاتي، وليفتخر فقط بالله. وليعرف أن الغنى خطر يُعمي نظر المؤمن، لأنه ينبوع سراب، لأنه يضمحلّ بسرعة.
ب- يزول كزهر الحقل (آ 10 ب- 11)
ويعود يعقوب إلى أش 40: 6- 8، فيأخذ منه صورة يطبّقها على الغنيّ الذي وُضع. كل عظمة الغنى وسحره إلى الدمار، شأنه شأن كل ما ينتمي إلى هذا العالم. فالزهور في أرض فلسطين التي تعرف ربيعاً سريعاً وصيفاً طويلاً، تزول بسرعة مذهلة بعد انتهاء زمن المطر. هكذا يزول الغني، أو بالأحرى هكذا يزول غناه كزهر العشب.
طبّق النبيّ هذه الصورة على حياة كل إنسان. أما يعقوب فطبّقها فقط على الغنيّ وعلى غناه. ثم إن 1 بط 1: 24 التي تورد نص أشعيا بشكل موسّع (كل جسد كالعشب، وكل روائه كزهر العشب. العشب يبس والزهر سقط، أما كلمة الربّ فتثبت إلى الأبد)، تستعمل هذه الصور لتشدّد على قصر حياة الانسان تجاه دوام كلمة الله. وهكذا ندرك كيف تصرّفت الفقاهة الأولى بحريّة حين قرأت ئصوص العهد القديم.
واعتبر يعقوب أن التشبيه الذي قدّمه كان قصيراً، فتوسّع فيه لكي يشرحه ويطبّقه بشكل دقيق. توسّع فيه مستلهماً أش 40: 7. إن زوال الزهرة يعني يباسها وسقوطها وفقدان جمالها بفضل الشمس والحرّ، بفضل الشمس والهواء الحارّ. نقرأ لفظة "كاوسون" التي تعني الحرّ، كما تعني الهواء الحارّ الذي يأتي من جنوب شرقي فلسطين فيحمل اليبس إلى النبات. كما نقرأ "اوبرابيا" (رواء الوجه) التي لا ترد إلا في يع.
وكما فعل في آ 10 ب، ها هو يفعل في آ 11 ب، فيطبّق الصورة على الغنيّ مع أداة "كذلك". كذلك يذبل الغني، يذوي في مساعيه. تطبيق واضح: فوضاعة الغني التي يتحدّث عنها الكاتب هي امكانيّةّ خسارة أمواله. ولن يكون الدرس ذاك الذي سنكتشفه في 4: 13 الذي يتحدّث عن موت الغنيّ.
كان موضوع بطلان الغنى متواتراً في العهد القديم (حك 5: 8- 9؛ أي 24: 24). فهو يعزّي الأبرار المحرومين من خيرات هذا العالم. غير أن هذه النصوص كانت تغذّي الأمل بانقلاب الوضع من أجل الأبرار الذين سيمنحهم الله الغنى فجأة (سى 11: 19- 20)، كما حصل لأيوب ولطوبيا. لم يشجب يعقوب هذا التعليم، ولكنه تجاوزه حين اكتشف في بطلان خيرات الأرض، موضوع فخر وفرح، فكان بذلك في خطّ التقليد الانجيل (مت 6: 19- 21؛ 19: 21).

2- سعادة الغالب (1: 12)
مع هذه الآية يستعيد يعقوب الموضوع الأول (آ 2- 4)، ويُجمل ما قاله بشكل تطويبة: طوبى للرجل الذي يصبر على المحنة. فالمحن والصعوبات تواجهه بسبب إيمانه، وهو يتحمّلها، وسيُعطى له أجر كبير: ملء الحياة مع الله. فمن لم يقاوم، لا ينال اكليل الحياة الأبديّة.
تتحدّث آ 12 عن موضوع المحنة (بايرسموس). وهو موضوع تطرّقت إليه آ 2- 4، وستعود إليه آ 13- 15. ويُطرح سؤال حول علاقة هذه الآية مع الآيات الأخرى. هنا تختلف الآراء.
يرى عدد من الشرّاح أن العلاقة وثيقة بين آ 12 والآيات السابقة. بدأ التحريض في آ 2- 4، وانتهىفي آ 12. وهكذا نكون أمام تضمين، بدأ مع آ 2- 4 والحديث عن الفرح في المحنة، وانتهى هنا بهذه التطويبة مع كلمات تتكرّر في القطعتين. ورأى آخرون أن آ 12 مستقلّة عن الآيات السابقة. فكيف نضمّ آ 5- 8 ثم آ 9- 11 إلى النصّ الاجمالي في آ 2- 12. ثم إن طريقة استغلال موضوع المحنة في آ 12، تختلف بشكل واضح عمّا نلاحظ في آ 2- 4. ففكرة الثبات (هيبوموني) تسبق فكرة المحنة ولا تتبعها. والمنفعة التي تبرّر السعادة أو الفرح، هي على مستوى اسكاتولوجيّ لا على مستوى أخلاقيّ.
وما علاقة آ 12 مع ما يلي؟ هناك تقابل بين "بايرسموس" (محنة) و"بايرازين" (امتحن). غير أن المعنى المعطى لهاتين اللفظتين يبقى مختلفاً. في آ 12، تدل المحنة (كما في آ 2- 4) على كل ضيق (أو شدّة وألم) يأتي من علّة خارجية متقلّبة. أما في آ 13- 14، فهي تدل على تجربة بالسوء تأتي من علّة داخليّة. وهكذا نستنتج أن آ 12 هي قطعة مستقلّة.
هل نستطيع أن نرى في آ 12 نشيداً أو جزءاً من نشيد (رج 5: 10) ربطه الكاتب بالنصّ بشكل مصطنع؟ ربما. وقد يعود هذا النشيد إلى ليتورجيا عماديّة نجد آثارها في 1 بط وروم. هي مواضيع وعبارات مشابهة بين يع 1: 12 و1 بط 1: 6- 9 وروم 5: 3- 5. في النصوص الثلاثة، نجد التوالي المنطقيّ الواحد: الفرح، المحن (أو: الضيق)، الثبات (أو الأمانة)، مقاومة المحنة (= مختبر)، المجد الاسكاتولوجيّ كجزاء للفضيلة المختبرة، وكل هذا هو نتيجة حبّنا لله. فرضيّة معقولة، ولكننا نلاحظ أن فكرة الثبات في 1 بط وروم تتبع فكرة المحنة ولا تسبقها (كما هو الأمر في يع). كما لا نجد فيهما العبارات التالية: "طوبى للرجل الذي. إكليل الحياة. الذي وعد به الربّ". اذن، لا نستطيع أن نتحدّث عن ارتباط مباشر، بل عن ينبوع مشترك غرف منه بطرس وبولس ويعقوب. هذا الينبوع هو جزء من الفقاهة الأولى التي نجد آثارها في 1 بط 4: 13- 14؛ عب 10: 34- 36؛ 12: 1- 2؛ مت 5: 11- 12؛ 2 كور 4: 17؛ 8: 2؛ 1 تس 1: 6؛ 2 تس 1: 4- 6.
أما العناصر التي تؤلّف آ 12 فهي واضحة جداً. دعوة إلى الفرح، ونداء يتوجّه إلى مسيحيّين تحمّلوا المحنة. والباعث هو الجزاء السماويّ. نجد هذه البنية في النصوص التي أوردناها أعلاه. "مكاريوس" (طوبى للرجل الذي) يقابل "أش ري" العبريّة. نجده في المزامير (1: 1؛ 32: 2؛ 34: 9) وفي الأسفار الحكميّة (أي 5: 17؛ سي 14: 1؛ رج دا 12: 12). إن الترجمة العاديّة للعبارة العبريّة هي "طوبى للرجل الذي" (مز 92: 12 حسب السبعينية: طوبى للرجل الذي تؤدّبه). من منافع هذه الترجمة أنها تفهمنا بشكل أفضل أن النداء إلى الفرح يتوجّه إلى جميع البشر سواء كانوا رجالاً أم نساء. لهذا أحلّت بعض المخطوطات كالاسكندراني مثلاً، لفظة "انتروبوس" (انسان) محل "أنير" (رجل). ولكن سائر نصوص العهد الجديد تقدّم بشكل موجز هذا النداء إلى الفرح (مت 5: 3 ي؛ 1 بط 4: 14). أما روم 4: 8 التي تورد مز 32: 1- 2 (طوبى للذين غفرت خطاياهم وسترت، طوبى للرجل الذي لا يحسب الربّ عليه خطيئة) فتورد العبارة الطويلة. هذا يعني أن الكاتب ظلّ مرتبطاً باسلوب العهد القديم. أما المعنى الدقيق للتطويبة، فهو تحريض اخلاقيّ ودينيّ على ما في الفنّ الحكميّ. فيعقوب يريد كما في آ 2- 4، أن يفرح المسيحي الممتحن حتى في قلب المحنة التي يتحمّلها.
والشرط الذي يحقّقه الانسان ليكون سعيداً، ليس في أن يجد نفسه في المحنة، بل أن يتحمّلها بصبر، فيبقى أميناً للحبّ الواجب لله. والمحنة المتحملة تشكّل شهادة على الأمانة. نجد هنا صورة عن البوتقة التي تدلّ على نقاوة المعدن الثمين (سي 2: 1- 5؛ أم 27: 21؛ 1 بط 1: 7). وهكذا نرى أن المفردات "محنة، صبر، مختبر" (دوكيموس) احتفظت بذات المعنى الأساسيّ الذي وجدناه في آ 2- 4. وحدها لفظة "دوكيميون" صارت هنا "دوكيموس" وتحوّلت إلى صفة بعد أن كانت موصوفاً. غر أن ترتيبها تبدّل، وارتبطت بالمحبّة لا بالإيمان. هذه الملاحظة الأخيرة هي مهمّة، لأنها تدلّ على أن الإيمان في آ 2- 4 هو الإيمان الفاعل كما رسائل القديس بولس.
وما دفع هذا النداء إلى السعادة ليس اثنين كما في آ 2- 4، بل دافعٌ واحد. لسنا أولاً أمام الارتياح الذي تمنحه الأمانة المختبرة، لأن عبارة "صار مختبراً" تدلّ على الشرط المطلوب. بل نحن أمام يقين يقول لنا بأننا سننال في يوم من الأيام إكليل الحياة لقاء الأمانة المختبرة. ونحن نجد برهاناً مماثلاً في 1 كور 9: 24- 27. لا ينال بولس الإكليل الذي لا يفسد إلاّ إن لم يوضع خارج السباق (أ- دوكيموس)، إن وجد غير مختبر. وفي 1 بط 1: 7، لا تصبح الأمانة المختبرة موضوع مديح إلاّ في تجلّي يسوع وساعة يُعطى الخلاص (آ 8).
إلى ماذا يرمز في يع إكليل الحياة الذي ينتظر المؤمنين الذين ظلّوا أمناء في محنهم؟ هو يرمز إلى أمور عديدة في العالم اليهوديّ كما في العالم الوثنيّ. كان الإكليل علامة الفرح في الولائم والأعياد (حز 18: 12؛ أش 61: 10؛ نش 3: 11). ولقد قال الكفّار في حك 2: 7- 8: "تعالوا نرتوي من الخمور الفاخرة، وبالطيوب نتعطّر... نتكلّل بالورد قبل ذبوله". ولقد كان الإكليل شعار اكرام للملوك (إر 13: 18؛ حز 21: 31؛ مز 21: 4)، وللموظفين الكبار (أس 8: 15؛ رؤ 4: 10)، وللكهنة (خر 19: 6؛ 39: 30؛ سي 45: 14). كانوا يضعونه على الرؤوس في هيكل أورشليم، في اليوم الثامن من عيد المظال وخلال الطواف حول المذبح (كتاب اليوبيلات 16: 30). وكان الإكليل رمز الجزاء والنصر الذي يناله الأبطال (أس 8: 15) والمقاتلون (1 كور 9: 24- 25؛ 2 تم 2: 5) والأبرار الذين ماتوا (حك 5: 15- 16).
أما يعقوب فاحتفظ بهذا الرمز الأخير، رمز الجزاء الأبدي الذي يُعطى للصدّيقين. تكلّم مثل سفر الحكمة حيث نقرأ: "أما الأتفباء فيحيون إلى الأبد وجزاؤهم هو في الربّ... لهذا ينالون من يد الربّ إكليل مجد ملوكياً وتاج الجمال" (5: 15- 16). واستفاد سفر الرؤيا ممّا في يع ليدلّ على الجزاء السماويّ الذي يناله الشهداء المسيحيّون: "عن أميناً حتى الموت وأنا أعطيك إكليل الحياة" (2: 10). ولجأ بطرس وبولس إلى كلام مشابه ليتحدّثا عن الواقع عينه. فبولس متأكّد بعد موته أنه سينال من الربّ إكليل المجد المعدّ له (2 تم 4: 8). وبطرس أكّد للرعاة الصالحين في الكنيسة، أنهم سينالون إكليل المجد من يد يسوع رئيسهم حين يتجلّى (1 بط 5: 4). وقد صار هذا الرمز دارجاً في القرن الثاني على ما في راعي هرماس واستشهاد بولكيربوس. ولكن لم يبرهن الشّراح على أن الديانات السّرانيّة رأت إكليل الحياة الذي يناله المتدرّج رمزاً حقيقياً إلى الحياة الأبديّة.
إذا عدنا إلى نهاية آ 12، نعرف أن الربّ أي الآب، أو يسوع المسيح (1: 1) هو الذي وعد بإكليل الحياة لمحبيّه. هناك بعض المخطوطات (السينائي، الفاتيكاني، الاسكندراني) التي لا تحمل لفظة "الربّ" فتقول: "الذي وعد به محبّيه". قد تكون اللفظة زيدت فيما بعد. ونحن نعرف أن اليهود كانوا يتحاشون ذكر اسم الله احتراماً (مت 6: 9؛ 7: 2، 7، 11؛ مر 14: 62). ولما استعاد يعقوب عبارته في شكل آخر، تحدّث عن الملكوت الذي وعد به الله محبّيه (2: 5؛ رج تث 7: 9).
كان الربّ الإله في حك 5: 15- 16 قد وعد الأبرار بإكليل الحياة. بإكليل المجد الملوكيّ. ويسوع بدوره أكّد لتلاميذه المضطهدين أنهم سينالون الجزاء السماويّ (مت 5: 12) بشكل ملكوت (مت 5: 10) أو حياة أبديّة (مت 16: 24؛ 18: 8 ي؛ 19: 29). والذين ينعمون بالوعد هم محبّو الله. وحسب التوراة، تقوم محبّة الله بأن نخضع له، بأن نكون أمناء له. "أنا الربّ إلهك أصنع رحمة للذين يحبونني ويحفظون وصاياي" (خر 2: 5- 6= تث 7: 9؛ رج رؤ 2: 10). "اثبتوا في محبّتي، إن حفظتم وصاياي تثبتون في محبّتي" (يو 15: 9- 10). استفاد يعقوب من اللغة البيبليّة، فبيّن أن الاحتمال الدائم للمحن يستلهم حبّ الله بشكل عمليّ. وهكذا التقى مع بولس (1 كور 2: 9؛ روم 8: 28؛ 2 تم 4: 8) ويوحنا (يو 15: 9- 10؛ رؤ 2: 10) في هذه النقطة دون أن يشدّد على التعليم كما فعلا.

3- أصل الخطيئة (1: 13- 16)
ونصل إلى أصل الخطيئة التي نسقط فيها حين تهاجمنا التجربة. لقد أراد يعقوب أن يحذّر المؤمن الذي يعذر نفسه حين يخطأ، وأن يدلّه على كمال أخلاقيّ من أجل إكليل الحياة. فأجاب على تفكير خاطىء حول أصل التجربة. قال: الله لا يجرّب. بل هي رغبتنا الشريرة تجتذبنا إلى الخطيئة. وفي النهاية يُثبت لنا يعقوب أن الله هو صاحب كل خير. ولكننا في هذه النهاية قد تجاوزنا المقطوعة التي ندرس.
أ- لا تأتي التجربة من الله (آ 13)
كان بين قرّاء الرسالة أشخاص لم يستطيعوا أن يتجاوزوا محنهم. لم يجدوا فرحاً في نضوج دينيّ كبير (1: 2- 4، 9- 11)، ولا كفالة بحياة مجيدة (آ 12)، بل مناسبة سقوط في الخطيئة. وجدوا الموت الروحي (آ 13- 16). وكانوا يعذرون نفوسهم ملقين تبعة عملهم على الله الذي هو العلّة الأولى للتجارب والمحن (1 كور 10: 13). لم يكن ضلالهـم جديداً، بعد أن حاربته الأسفار الإلهيّة. كان ابن سيراخ قد طلب من تلاميذه ألأ ينسبوا إلى الله الذي صنع الحريّة، الاستعمال الرديء للحريّة. فالانسان هو المسؤول (15: 11- 20). "لا تقل من الربّ خطيئتي، فالربّ لا يعمل ما يبغضه. ولا تقل هو الذي أضلّني، لأن الربّ يبغض كل رذيلة". وكان أم 19: 3 قد قال الكلام عينه: "حماقة الانسان تفسد طريقه، وهو في قلبه يحنق على الربّ".
تجاه قرّاء يرون هذا الرأي، دافع يعقوب عن قداسة الله، وجعل مسؤولية الخطيئة على الضعف البشري، وختم كلامه بتحذير قال فيه: "لا تغلطوا، يا إخوتي الأحبّاء" (آ 16).
دافع يعقوب عن قداسة الله بشكل سلبي، على ما في ابن سيراخ (15: 11). "لا يقل أحد إذا ما جُرّب؛ إنما الله جرّبني" (آ 13 أ). لا يتحدّث يعقوب كما في الماضي عن محن قد تحمل الخير، لأنه يعرف وخط التوراة أن الله قد امتحن دوماً بهذا الشكل أفضل عباده لكي ينقّي أمانتهم ويجعلها ساطعة، فيصبحوا مرضيّين لديه. عرف أن الله امتحن ابراهيم والأنبياء وأيوب، لأنه سيذكرهم فيما بعد.
وإذا عدنا إلى السياق المباشر نفهم أن فعل "بايرازاين" يعني امتحن، وجرّب أكثر ممّا يستطيع الانسان، أو دفعه لكي يسقط في الضلال والشّر والخطيئة والموت الروحيّ. ولكن هناك سببين يمنعان الكاتب من أن يجعل الله مسؤولاً عن التجربة. الأول: الله لا يحرّض على الشّر، والثاني: الله لا يجرّب أحداً بهذا الشكل.
ب- الخطيئة والضعف البشري (آ 14- 15).
قال يعقوب: ان التجربة تأتي من الاهواء. وهكذا صوّر مسيرة التجربة. بعد أن قدّم برهاناً ميتافيزيقياً، عاد فقدّم برهاناً سيكولوجياً، أخذ صورة الصيد ثم صورة الولادة وقد تكون صورة البغي هي الرابط بين هاتين الصورتين.
إذ قال الكاتب إن مسؤوليّة الخطيئة تقع على الضعف البشري، لم يهتمّ إلاّ بالسبب المباشر للشّر. هو لا يتكلّم عن الأسباب غير المباشرة مثل تأثير الشيطان الذي سيشير إليه فيما بعد (4: 7)، ولا عن غياب الصلاة وبالتالي حرماننا من النعمة خلال التجربة (مت 6: 13؛ مر 14: 38). وسوف ننتظر نهاية الرسالة لكي نسمع توصية بالصلاة للذين يتألّمون (5: 13 ي).
قال يعقوب: "كل واحد تجرّبه شهوته الخاصة التي تجتذبه وتستغويه". نجد هنا "اكستوس" (كل واحد) تجاه "مادايس" (لا أحد) في آ 13. فكل مسيحيّ (بدون شواذ) يجرّب، يجرّب بشهوته الباطنيّة. إن لفظة "ايتيميا" تعني الرغبة، الشهوة. وقد تكون صالحة أو رديئة. فهناك رغبة الأبرار (مز 38: 10؛ أم 11: 23)، ورغبة يسوع (لو 22: 15: شهوة اشتهيت)، ورغبة بولس (روم 15: 23؛ فل 1: 23؛ 2 كور 5: 2)، ورغبة المسيحيّين (1 كور 7: 7، 11)، بل رغبة الخليقة (روم 8: 19). وهناك أيضاً شهوات رديئة (خر 20: 17؛ 1 كور 10: 6؛ كو 3: 6)، والرغبة في عمل الشّر (سي 8: 11؛ أم 21: 10). وهناك أخيراً رغبة الأشرار والكسالى والجهّال (مز 112: 10؛ أم 21: 25؛ 1 تم 6: 9).
لا يحتفظ يعقوب إلا بالمعنى الثاني، معنى الرغبة الشريرة والميل إلى الشرّ الذي يقود إلى الخطيئة كما تقول آ 15. وهكذا كان كلامه صدى الفقاهة المسيحيّة في عصره التي تحذّر المعمّدين الجدد من رغباتهم السابقة، البشرية واللحميّة (1 بط 1: 4؛ 2: 11؛ 4: 2؛ كو 3: 5؛ أف 4: 22)، من فساد العالم، من الكفر الذي تولّده الأهواء النجسة (2 بط 1: 4؛ 2: 10- 18؛ 3: 3؛ يهو 16، 18؛ 1 يو 2؛ 16؛ 1 تم 6: 9؛ 2 تم 2: 22).
لا يعود يعقوب في هذا المجال إلى أصول الشّر في البشريّة كما فعل بولس في روم 7: 8، فرأى في الشهوة نتيجة الخطيئة المشخّصة، وينبوع الخطايا الفرديّة (روم 7: 17- 23). وسمّاها شريعة الأعضاء التي تعارض شريعة العقل (روم 7: 23)، وإن أراد الكاتب أن يصوّر كيف تقود "اببتيميا" إلى الخطيئة، شخّص هذا الكيان الأخلاقيّ على مثال الأسفار الحكميّة التي شخصت الحكمة أو الجهالة (أم 8- 9؛ سي 24: حك 8). فالرغبة الشريرة في كل إنسان تشبه تصرّف البغيّ التي تجتذب الانسان وتستغويه (أم 6: 24- 25؛ 7: 6- 27) كما يفعل الصياد بطريدته.
وتصوّر نتائج هذه الشهوة بشكل ولادة. فالشهوة الرديئة تحبل ثم تلد الخطيئة (تك 21: 2؛ 38: 3). وتشخص الخطيئة نفسها (تك 4: 7؛ روم 7: 7- 8) حين تأتي ساعتها فتلد الموت (151). نجد هنا "ابوثالاين" (جاءت ساعتها) ثم "ابوكراين" (ولد) النادرين في الكتاب المقدس.
وهكذا تصوّر علّة التجربة (أي الشهوة الرديئة التي نقبلها) ونتائجها باستعارات معبرّة. العلّة هي في الإنسان لا في الله. والنتائج هي الخطيئة (هامرتيا) والموت (ثاناتوس) الروحيّ. وهذه النتائج تتعارض بشكل علميّ مع نتائج المحنة التي نتجاوزها بنجاح: الكمال الخلقيّ (1: 2- 4)، والحياة الأبديّة (1: 12). وكانت الأسفار الحكميّة قد قالت إن الخطيئة تقود إلى الموت، إلى الهلاك (أم 19: 5- 9؛ حك 1: 11؛ 2: 24- 25؛ 5: 7، 13- 14). أما الفضيلة فتقود إلى الحياة الأبديّة (حك 5: 15 ي). أما خلفيّة كل هذا التفكير فنجدها في سفر التكوين والخطيئة الأولى (رج حك 2: 24). كانت روم قد عادت إلى تك، فشخّصت الخطيئة، وقالت إن الخطيئة استفادت من الوصيّة لتمنح الموت (7: 10 ي). ثم قابلت بين القداسة ونتيجتها التي هي الحياة الأبديّة، والخطيئة ونتيجتها التي هي الموت (6: 22- 23). وأكّد سفر الرؤيا أن المنتصر على المحنة والتجربة، أن ذاك الذي ظلّ أميناً حتى الموت، ينال إكليل الحياة ولا يخاف الموت الثاني (2: 10- 11؛ 20: 6- 14).
وفي ختام تصوير النتائج السيّئة للشهوة، يحرّض يعقوب قرّاءه: لا تضلّوا، لا تغلطوا. ويدعوهم إلى الانتصار عليها بدل أن يتراخوا في الكسل ويلقون تبعة الخطيئة على الله.

خاتمة
بعد أن صوّر يعقوب في آ 9- 10 الظروف الاجتماعيّة المتفاوتة داخل الجماعات المسيحيّة، أعلن أن "إنزال" الغنيّ عن عرشه يعود إلى ارتداده إلى الإيمان الجديد وخسرانه الاعتبار الذي كان له في محيطه السابق. فدخوله في الجماعة يدعوه إلى التخلّي عن بعض خيراته لكي يستطيع أن يتبع يسوع. إن كان المتواضع يفتخر بالميراث الذي وُعد به، فالغنيّ لا يستطيع بعد اليوم أن يضع ثقته في خيرات عابرة. فليجد هو أيضاً افتخاره بالاسم المسيحيّ.
وفي قطعة ثانية حدّثنا الكاتب عن التجربة فقال: الله لا يجرّب. فالشّر غريب عنه. وهو لا يدفعنا إلى الشّر. فما يجتذب الانسان إلى الشّر هو الرغبة الرديئة، هو الميل إلى الشّر. أجل، الانسان الخاطىء مقسوم بين قوتين خفيّتين: الله والعالم (4: 4). الله والشرير (4: 7). فلا يبقى على الانسان إلاّ أن يقاوم، وإلأ حبلت الشهوة بالشّر وولدت الخطيئة. أما إذا تغلّبنا على المحنة، كان لنا الكمالُ والحياة الأبدية. فماذا نختار بعد ذلك؟ الموت الذي تحمله الخطيئة أم الحياة؟
الفصل الخامس
تعليم رسولي من أجل عصرنا
1: 17- 21

نحن هنا في فقاهة أولى وتعليم يتوجّه إلينا. لهذا نبدأ فنقدّم هذه الرسالة في مجملها قبل أن نفسّر هذه المقطوعة آية آية.

1- السمات العامة في يع
إن رسالة يعقوب، رغم عنوانها، لا تملك الأسلوب الرسائلي. هي بالأحرى فقاهة، فتبدو وكأنها تتوجّه إلينا اليوم.
أ- هي فقاهة
لا نجد فيها توسّعات تتتابع بحسب ترتيب منطقيّ، بل سلسلة من التوجيهات العمليّة حيث تكثر العبارات التي ترد بشكل أقوال مأثورة تشبه ما في سفر الأمثال أو يشوع بن ميراخ. وهذه الأقوال تذكّرنا بما في أم. مثلا، 1: 19؛ رج أم 11: 12؛ 29: 20؛ يع 3: 2؛ رج أم 10: 19؛ 12: 3؛ يع 3: 6؛ رج أم 16: 27؛ يع 3: 10؛ رج أم 18: 21.
بالاضافة إلى ذلك، تبدو هذه الفقاهة إرشادية. ونستطيع أن نميّز فيها بشكل خاص موضوعين. الأول يتحدّد موضعه في منظار الفقر الانجيلي وخطر الغنى كما في الموعظة على الجبل (1 مت 5: 3- 11؛ يع 1: 9- 11؛ 1: 27- 2: 9؛ 4: 13- 5: 6). هنا نشير إلى أن يع تتضمّن 108 آيات، ونستطيع أن نجد تعاليم يسوع في 46 منها. وفي 22 حالة نحن قريبون من العظة على الجبل. أما الموضوع الثاني فهو يشدّد على ضرورة إيمان يتفتّح في الأعمال (1: 22- 27؛ 2: 10- 26).
في هذا المجال، يتّخذ الكاتب موقفاً مباشراً وواضحاً (2: 14- 26). هل نحن تجاه جدال ضد تعليم بولس أو أقلّه ضد بعض النتائج التي استخلصها الناس من تعليم رسول الأمم؟ ليس من الضروري أن يكون الأمر كذلك، وإن نكن أمام تعارض بين موقف يعقوب وبولس، وإن عاد يعقوب إلى مثال ابراهيم بطريقة تختلف عن عودة بولس إلى المثل نفسه (2: 14- 25؛ رج روم 3: 20- 31؛ غل 2: 16؛ 3: 2، 11؛ فل 3: 9). فمسألة العلاقات بين الايمان والأعمال لا بدّ من طرحها في محيط مسيحيّ متهوّد. وقد يكون بولس ويعقوب طرحاها في الكرازة والفقاهة. لا يتّفق موقف الواحد مع موقف الآخر، ولكنهما يتكاملان.
ب- فقاهة من الكنيسة الأولى
إن رسالة يعقوب هي من أقدم أسفار العهد الجديد (أقلّه في صيغتها الأولى). توجّهت إلى جماعات مسيحيّة تكوّنت في شمال الجليل وخارج حدود فلسطين. وقد تكوّنت هذه الجماعات من يهود مرتدّين في زمن كانت الكنيسة في مجملها متهوّدة ولم يكن سيطر بعد عليها العنصر الهليني. وما كان بولس قد باشر بعد رحلاته الرسولية الكبرى. لا نجد في يع أثراً لجدالات ولا لمسائل أثارها ارتداد الأمم الوثنيّة إلى الايمان، وهذا ما يهدّد التواصل بين العالم اليهوديّ الرسميّ والايمان بالمسيح.
وإذ تركّزت هذه الرسالة على القيم الأخلاقيّة، لم تهتمّ إطلاقاً بالاخطار التي تحملها الوثنيّة إلى المرتدّين الجدد. لا نجد ما يشبه اهتمامات بولس الذي لا يني يحذّر المؤمنين من عودة واعية أو لا واعية إلى الوثنيّة. فإذا كان قرّاء يع قد نجوا من كل عدوى وثنيّة، فنحن نفهم هذا الموقف بارتباطهم الوثيق بالعالم اليهوديّ.
ويدلّ التعليم في يع على أن الرسالة قديمة في الكنيسة الأولى. فهي تشبه الأناجيل الإزائية في أساسها الأقدم، فتحدّد موقعها في إطار العهد القديم وفي تواصل معه حتى في التعبير عن جديد التعليم المسيحيّ. فالوحدانيّة اليهوديّة هي أساس هذا التعليم (2: 19)، والوصايا العشر هي الشرعة الأساسيّة التي يعرفها الجميع (2: 8). فإن أراد الكاتب أن يُفهم المسيحيين أن الايمان بدون أعمال عقيم (2: 20- 25)، أو أن يحرّضهم على الصبر في المحن (5: 10- 12)، فهو يلجأ فقط إلى أمثلة مأخوذة من العهد القديم. أما بولس الذي تطرّق إلى المواضيع عينها ولجأ إلى ذات الأمثلة، فقد جعل نفسه في منظار آخر (غل 3: 1 ي؛ 5: 6؛ روم 4: 1- 27؛ رج عب 12: 3). كانت عودته صريحة إلى المسيح، ونحن نفهم هذه العودة بالنظر إلى تنوّع القرّاء وإلى نموّ ظاهر على مستوى التعليم المسيحيّ.
هذا لا يعني أن المؤمنين الذين توجّه إليهم يعقوب جهلوا "إنجيل" المسيح، كما ظنّ بعض الشرّاح. فقد أعلن لهم هذا الانجيل في شكله الأقدم كما في عظة الجبل لا في شكله المتطوّر كما نجده اليوم في نص الأناجيل الإزائية أو إنجيل يوحنا.
وأخيراً، إن نحن وجدنا في يع عناصر كرستولوجيّة (1: 1؛ 2: 1، 7؛ 5: 15) وشهادات حول تنظيم الجماعات المسيحيّة (3: 1؛ 5: 14- 16)، فالجماعة ما زالت تُسمّى "مجمع" لا "كنيسة" كما سوف تسمّى في ما بعد.
ج- فقاهة من أجل زماننا الحاضر
إن المسيحيّين الذين توجّه إليهم يعقوب، قد حفظوا نفوسهم من كل تلوّث مع العالم الوثني، لأنهم لم يساوموا على مستوى إيمانهم بالله الواحد. أما نحن العائشون في عالم مطبوع في عمقه بالروح الوثنيّة، فنجد صعوبات عديدة لكي نبقى بمنأى عن كل تأثير وثنيّ في طريقة حكمنا على الأمور وفي ردّات الفعل عندنا. لهذا تبدو هذه الرسالة قريبة منا.
كان قرّاء يع في وضع حياتيّ يشبه وضع أكثريّة المسيحيين اليوم: أناس من الطبقة الوسطى أو أدنى. يعرفون الحياة القاسية التي لا تمنحهم السهولات الماديّة (2: 5- 8). هم يرغبون في حياة من الرفاه، لهذا نراهم يحسدون الأغنياء وينتقدونهم بعنف مع بعض الحقد. وهكذا تذكّرنا طريقةُ كلام الكاتب بـ "صراع الطبقات" الذي نجده في عالمنا (4: 1- 9).
لم يكن عدد الأغنياء كبيراً هذه الجماعة. ولكن موقفهم لم يكن بالموقف الإنجيليّ. ويندّد يعقوب بهذا الموقف بكلمات نستطيع أن نسمعها اليوم تجاه "المالكين" الذين تبدو شهادتهم مشكّكة ومعارضة للإنجيل (4: 1- 9). وتلمّح يع أيضاً إلى توبيخ يصل إلى "رجال الكنيسة": ممالقة الاغنياء في الكرامة المحفوظة هم وقلت شعائر العبادة (2: 1- 4): "لا تلبّسوا إيمان ربنا يسوع المسيح بمحاباة الوجوه".
وإذا انتقلنا إلى المناخ الروحي في الجماعة وإلى صعوباتها، نجد أن النصّ يتوجّه إلينا اليوم. فالألفاظ التي يستعملها الكاتب (2: 14- 17) قد تصلح لوعّاظ عصرنا حين يوبّخون بعض المؤمنين حول "الضمير الصالح" الذي يجعلهم يقيمون في طمأنينة كاذبة، في رياء يجعلهم يقولون إنهم مسيحيّون، مع أنهم لا يعيشون إيمانهم بطريقة ملموسة: تقواهم كاذبة لا يترجمونها في الأعمال. والتعارض واضح بين أقوالهم ومحبّتهم. وهناك الحسد والانقسامات التي تزرع الشكوك. هل نسوا أنه ليس من مصالحة بين الله والعالم؟
إن رسالة يعقوب قريبة بنظرتها من الجماعات المسيحيّة في احتفالها بيوم الأحد. وقد فعل يعقوب كما يفعل اليوم عدد من الرعاة، فحرّض المؤمنين على عيش أفضل للأنجيل في كل نقاوته داخل العلاقات البشريّة والاجتماعيّة، في إطار حياتهم الملموسة وصعوباتها. لهذا نقول هي فقاهة قديمة حديثة. كُتبت في بداية الانتشار المسيحيّ أقلّه في خطوطها الكبرى وأعيد تدوينها في ما بعد في إطار هليني. أمّا تعليمها فهو يتوجّه إلينا اليوم طالباً منا أن نجدّد حياتنا على ضوء إنجيلنا.

2- دراسة المقطوعة (1: 17- 21)
أ- سياق المقطوعة
بعد تحيّة قصيرة يوجّهها يعقوب "إلى الاسباط الاثني عشر الذين في الشتات" (1: 1)، ها هو يشرح للمؤمنين ما يجب أن يكون عليه تصرّفهم وسط صعوبات الحياة ومحنها (1: 2- 12). كان هؤلاء المرتدّون الجدد من العالم اليهوديّ، وقد ظنّوا أن المسيح يحمل إليهم نهاية آلامهم كلها. ولكنهم اختبروا عكس ذلك، فضاعوا وتحيّروا. عند ذلك صحّح يعقوب نظرتهم، ووضعَ الأمور في نصابها. يجب أن نطلب من الله الايمان والحكمة الحقّة (1: 6). حينئذٍ يفهمون أن عليهم أن يبتهجوا "حين يتعرّضون لمحن متنوّعة" (1: 2). والقراء قد دعاهم الله لكي يحيوا روح التطويبات (لو 1: 52؛ مت 5: 3)، حينئذٍ يُرفعون إن كانوا وضعاء (1: 9). أما الاخوة الذي يملكون الغنى، فهم يجدون الباعث الحقيقيّ على الفرح في الله، لا في الخيرات الزائلة: هذه الخيرات هي سريعة العطب والزوال (1: 10- 11)، هي لا تحمل إلا الضعف للإنسان. وهكذا يجد الفقراء والأغنياء جزاءهم في الربّ الذي يحبّهم، إذا عرفوا أن يحتملوا المحنة (1: 12).
بعد هذا يأتي توجيه حول التجربة (1: 13- 18). يسقط بعضهم في التجربة فيعذر نفسه قائلاً: الله جرّبني، فكيف يمكن أن أقاوم (1: 13)؟ رفض يعقوبُ مثل هذا الكلام. فالله لا يجرّب أحداً. "كل واحد تجرّبه شهوته الخاصة" (1: 14). والشهوة تضلّنا فتقودنا إلى الخطيئة التي تولّد بدورها الموت (1: 14- 15). ذاك هو السياق المباشر للمقطوعة التي ندرس.
ب- عطيّة من فوق (آ 17)
إذا أخرجنا هذه الآية من السياق الذي رسمناه، فمع ذلك هي تبقى كمقدّمة للنصّ الذي نقرأ. فلفظة "دوسيس" ولفظة "دوريما" لا توجدان إلا مرتين في كل العهد الجديد (فل 4: 15؛ روم 5: 10). إنهما تدلأن ولا شكّ على تدرّج في السخاء. ومهما يكن من أمر، فهذه الموهبة المعطاة لنا، هي الفداء الذي مُنحناه "بنعمة إنسان واحد، يسوع المسيح" (روم 5: 15). وهي تجعل جميع البشر أبراراً ومشاركين في الحياة الأبديّة التي أبعدتهم عنها خطيئة إنسان واحد (روم 5: 12 ي).
وهكذا نكون منذ البداية أمام تذكّر لسرّ نحتفل به كلَّ أحد. وما يُثبت هذا التفسير، هو أن العطيّة لم توضح كما لم توضح الخطيئة التي تتصوّرها الشهوة، وحين تصل إلى حدّها تلد الموت (1: 15). فتكرار لفظة "كل" قبل كل من الكلمتين، يشدّد على البعد العام لمعناهما.
لاحظ الشرّاح أن بداية آ 17 تشكّل جزءاً من شعر، أو من مثل من الأمثال. نحن أمام قول مأثور عرفت عدداً مثله الرسالةُ إلى يعقوب. "كل عطيّة صالحة، كل هبة كاملة".
"كل هبة كاملة تأتي من فوق". ترد العبارة "انوتان استين" مرات عديدة في إنجيل يوحنا (3: 3، 13، 27؛ 8: 23، 27، 31). إنها تدل على الأصل الإلهيّ للموهبة (يع 3: 15، 17). الهبة هي النعمة. وهكذا تعني الطابع المجاني للدعوة المسيحيّة. وهذا التذكّر لا ينفصل عن الكرازة بالسرّ منذ البداية (أع 15: 7- 12).
ونُسبت الهبة إلى "أيي الأنوار". أي ذلك الذي خلق النور والكواكب. سيستعمل بولس لفظة "أب" ليدلّ على "الخالق" حين يتكلّم عن الله (2 كور 1: 3؛ أف 1: 17). ويقول يوحنا قياساً إن إبليس هو "أبو الكذب" (يو 8: 44).
حين سمّى يعقوب الله خالق الكواكب (أو: الأنوار)، جعل نفسه في خطّ العهد القديم الذي يدعو الله "الرب الصباؤوت". هذه التسمية كانت معررفة لدى المسيحيّين المتهوّدين. ففي مباركة تلي صلاة "شماع" (اسمع يا إسرائيل)، نقرأ: "مبارك إلهنا الذي خلق الكواكب". وهنا نتذكّر أيضاً الصلاة المسيحيّة: "أبانا الذي في السماوات". ذاك هو المعنى الحرفيّ.
ولكننا لا نستبعد المعنى الاستعاريّ بسبب ما نقرأ في آ 18 حيث يقال إن أبا الأنوار قد ولدنا في الحقّ. وبعد ذلك (1: 21، 27)، سيمتدّ معنى النور إلى كل بهاء أخلاقيّ: كل ما هو صالح وكامل.
وتنتهي آ 17 بصورة استلهمها يعقوب من النور لا من الكواكب. ليس الله كالكواكب الخاضعة لنواميس دورانهم. فهو لا يعرف غروباً. وليس من وقت يتوقّف فيه عن إعطائنا نعمته على مثال الشمس التي لا تنيرنا في الليل أو القمر الذي قد يختفي نوره. فالله دوماً هو هو، ولا شيء يستطيع أن يبدّله. والعطيّة التي يعطينا إياها لا تتوقّف. وهنا نرى كيف تأثّر يعقوب بالعهد القديم الذي قابل بين الله الذي لا يتبدّل والكواكب الخاضعة للتبدّلات. نقرأ في سي 27: 11: "حديث التقيّ في كل حين، أما الجاهل فيتغيّر كالقمر".
ج- ولدنا بكلمة الحق (آ 18)
بعد أن شدّد يعقوب مرّة أخرى على الطابع المجاني للهبة التي يهبنا الله إيّاها، بحريّة، فهو يحدّد ما تقوم به هذه الموهبة كما يحدّد نتيجتها. هذا ما يشرحه جاعلاً نفسه عمداً على مستوى الله دون أن يعير انتباهه إلى الاستعدادات البشريّة المطلوبة. هذا لا يبرّر نكران الحريّة البشريّة كما قال بعضهم بسبب "بمشيئته" التي قد تعني أن خيار الله الحرّ قد تبعته إرادة فاعلة. غير أن آ 19- 21 ستدلّ على أن هذه العطيّة تلزم المسؤوليّة البشرية.
الله "ولدنا" على المستوى الفائق الطبيعة، على المستوى العلويّ. نجد الصورة في العهد القديم (تث 32: 6، 18؛ رج أش 63: 16؛ سي 33: 1- 4؛ حك 2: 16). فقد سُميّ الشعب "ابن الله" بشكل إجمالي، لا كلّ شخص بمفرده. وهذا المعنى ظلّ هو هو عبر العهد الجديد بقدر ما الكنيسة هي إسرائيل الجديد (روم 9: 6- 24؛ 11: 5- 8، 16- 29؛ 2 كور 3: 18؛ غل 3: 26- 28؛ أف 2: 11- 23؛ 3: 10- 12). غير أن العهد الجديد قد واصل التطوّر الذي بدأ به الأنبياء، فطبّق فكرة الولادة الإلهية على كل مسيحيّ بطريقة شخصيّة. والنصوص عديدة. نذكر منها 1 بط 1: 3؛ يو 1: 12- 13؛ 3: 3- 10؛ غل 4: 19؛ تي 3: 5. قال يو 10: 35: "إذن الشريعة تدعو آلهة هؤلاء الذين توجّهت إليهم كلمة الله".
وينسب يعقوب أيضاً هذه الولادة الإلهية إلى "كلمة الحقّ" (1 بط 1: 23). في العهد القديم، كلمة الحقّ هي تعليم الشريعة (مز 119: 43). في العهد الجديد، كلمة الحقّ هي الوحي المسيحيّ (أف 1: 13؛ كو 1: 5؛ 2 تم 2: 15)، هي المسيح نفسه (1 يو 1: 12- 13؛ 10: 35). لا نجد في يع أل التعريف، وهذا يعني أن المعنى ليس محدّداً. ولكن لا شكّ في أننا أمام الوحي المسيحيّ الذي اتخذ فيه الله كل مبادرة، والذي تقبّله المؤمنون كقاعدة حياة بحسب الله (1: 19- 25؛ 5: 25). غير أن السياق المباشر وما يقوله العهد القديم، يدلأن على أننا أمام فاعليّة هذه الكلمة (تك 1: 8؛ مز 33: 9؛ مز 107: 20؛ أش 55: 10- 11) وهذا ما تشدّد عليه آ 21.
هذه الكلمة تجعل منا "باكورة الخليقة" نوعاً ما. أي عن طريق القياس. لا نستطيع أن نتكلّم إلا بهذه الطريقة عن مثل هذه المواضيع. فالمسيحيّون الذين إليهم يتوجّه يعقوب، كانوا أول من نعمَ بكلمة الحقّ: هكذا كانوا باكورة الخليقة كلها (حك 13: 5؛ سي 36: 20؛ 1 تم 4: 4؛ رؤ 5: 13؛ 8: 9). وهكذا كان أيضاً مسيحيّو كورنتوس في بلاد أخائية (1 كور 16: 15). وهكذا كان بنو إسرائيل بالنسبة إلى جميع المؤمنين الذين سيأتون إلى الايمان (إر 2: 3؛ روم 3: 2؛ 11: 15).
ولكن سياق فكر يعقوب المضمّخ بالعهد القديم، قد يُعطي لفظة "باكورة" عمقاً آخر. ففكرة الباكورة ترنبط في العهد القديم بفكرة العبادة والتكريس للربّ. فحين يقدّم المؤمن باكورة غلأته وقطعانه، فهو يقرّ بسلطان الله السامي على كل شيء، كما يكرّس له جميع أملاكه (خر 22: 29- 30؛ تث 18: 4). وبالختان كان الشعب كله يرى نفسه مكرّساً لله بواسطة هذه الفعلة الطقسيّة. والمسيحيّون المتهوّدون الذين كانوا أول من آمن، صاروا باكورة بالنسبة إلى سائر المؤمنين، كما يمكن أن نكون نحن باكورة بالنسبة إلى الذين يأتون بعدنا. وبالمؤمنين الذين يلتصقون بكلمة الحياة، صارت البشريّة كلّها مقدّمة ومكرّسة لله.
د- استعدادات الانسان وفاعليّة الكلمة (آ 19- 21)
على الانسان أن يتجاوب مع مبادرة الله التي ولدتنا بكلمة الحياة. وقدّم يعقوب هنا ثلاثة توجيهات محدّدة: نعرف الاستماع والتكلّم (آ 19 أ). نتجنّب الغضب ونرفض كل نجاسة وكل شرّ (آ 19 ب- 21 أ). نتقبّل الكلمة بوداعة واستعداد القلب (آ 21 ب). وفي كل هذا يشدّد النصّ على أن الكلمة تحمل في ذاتها الخلاص: "تخلّص نفوسكم".
هنا يذكّر يعقوب المسيحيّين أنهم يعرفون كل ما قاله لهم. وأنه لم يحمل إليهم جديداً. ويناديهم من جديد: "اخوتي الاحبّاء". وهكذا يدلّ على ثقته بهم وعلى محبّته. هو لم يجعل صيغة الأمر (اعلموا)، بل صيغة الحاضر (أنتم تعلمون) وإلأ بدا كلامه مترفّعاً قاسياً. ولكنه أراد أن يقدّم بنحافة ورهافة هذه المتطلّبات لئلا يصدم أحداً، بل يحثّ الجميع على العمل بها.
"ليكن كل واحد سريعاً إلى الاستماع، بطيئاً عن التكلّم". إن الاعتدال في التكلّم، والتنبّه إلى الاستماع، هما من المواضيع التي عرفتها كل حكمة بشريّة ودينيّة. نقرأ في أم 10: 19: "كثرة الكلام لا تخلو من زلّة، ومن ضبط شفتيه فهو عاقل". وفي سي 5: 11: "عن سريعاً في الاستماع، وكثير التأنيّ في الجواب". رج أيضاً سي 19: 16؛ 20: 6؛ 22: 8، 27؛ 25: 8؛ 28: 26.
في الجماعة التي توجّهت إليها الرسالة، كان ميل إلى المجادلات المزعجة التي تولّد الخلافات والمنازعات (3: 18؛ 4: 11). فدعا يعقوب قرّاءه لكي يوقفوا هذا الوضع، ويتنّبهوا إلى سمملا كلمة الحياة. مثل هذا التذكير يليق بكل جماعة مسيحيّة. فحين نهتم بالاستماع إلى كلمة الله والتعمّق فيها، نتوصّل إلى العيش بسلام مهما كانت الاخنلافات.
لقد وصلت المنازعات بين الاخوة إلى الذروة. هذا ما يدلّ عليه كلام الكاتب: "ليكن كل واحد بطيئاً عن الغضب". نحن هنا أيضاً أمام نصيحة نجدها مراراً في الأسفار الحكميّة. "الطويل الأناة كثير الفطنة، والقصير الصبر يظهر سفهه" (أم 14: 29). "الطويل الأناة خير من الجبّار، والذي يسود على روحه أفضل ممّن يأخذ المدن" (16: 32)؛ رج أم 19: 11- 12؛ سي 1: 22؛ 27: 30؛ مت 5: 22؛ أف 4: 25. نقرأ في حكمة بتاح حوتب: "إن رغبت في سلوك صالح وبعيد عن كل شرّ، فاحذر كل إفراط في المزاج الصعب... وهدّىء حرارة القلب المشتعل".
"فإن غضب الانسان لا يُجري برّ الله" (آ 20). هذه الرذيلة لا تحقّق ما هو بار ومقدّس في نظر الله. لا تحقّق الكمال الأخلاقيّ الذي تفرضه الشريعة الإلهية. هذا المعنى يتوافق كل الموافقة مع السياق المباشر (آ 21- 27) ومجمل الرسالة. وهكذا نكون أمام صدى لتعليم يسوع بحسب مت 5: 6- 20؛ 6: 33.
"إطرحوا كل نجاسة، وكل بقيّة شرّ" (آ 21). تُطرح النجاسة كما يُطرح ثوب بالٍ. ويقابله فعل "البسوا" الذي يستعمله بولس مراراً (روم 13: 12؛ أف 4: 22- 24). استعمال هاتين اللفظتين في المعنى الاستعاريّ أمر طبيعيّ، والمعنى واضح (أف 4: 25؛ كو 3: 8؛ عب 12: 1). ثم إن اللباس في الكتاب المقدّس يدلّ على الحالة النفسيّة (أش 61: 10؛ زك 3: 4- 5؛ مت 22: 11؛ رؤ 3: 18). وقد توسّع الكاتب هنا في الاستعارة، فدلّ على كل نجاسة وشرّ يغطّي النفس كالطين على الوجه. نحن نطرحه كما نطرح لباساً وسخاً: إن هذا ضروري لكي نتقبّل الكلمة.
"تقبّل الكلمة، اقتبال الكلمة". عبارتان معروفئان في الكتاب المقدّس (إر 9: 19؛ أم 2: 1؛ أع 2: 41؛ 17: 11؛ 1 تس 1: 6؛ 2: 13). لسنا هنا أمام اقتبال أول، ولكن أمام فهم أفضل للكلمة التي نحاول أن نعيشها (مت 13: 3- 23). وهذه الكلمة هي كلمة الحقّ (آ 18) التي سوف يسمّيها يعقوب "الشريعة" (أو: الناموس) (آ 25) على مثال ما في تث 2: 8؛ 30: 11- 14.
هذه الكلمة نتقبّلها بوداعة. يشدّد الكاتب على هذه المزيّة التي لم تكن عاديّة لدى قرّائه (3: 13- 14). فالكلمة مزروعة في قلوب المؤمنين. نجد فعل "امفيتون" هنا فقط في كل العهد الجديد: "غُرست". نحن هنا في جوّ المفارقة: كيف نقول: "تقبّلوا الكلمة"، بينما الكلمة "غُرست فيكم"! كيف نخفّف من حدّة المفارقة؟ نلاحظ أنّ المؤمنين نالوا فعلاً الكلمة حين آمنوا. ولكن عليهم أن يقبلوها يومياً، ويوافقوا معها حياتهم الملموسة (1 يو 1: 7؛ 2: 4).
ولكن إن قابلنا هذه الصورة (غرست) بالكلمات التي تلي، تتّخذ المفارقة كامل معناها. فالكلمة التي غُرست فيكم "تقدر أن تخلّص نفوسكم". في العهد القديم، الكلمة والاسم والمجد والحضور والسماوات، هي طرق بها ندلّ على الله الذي يتجلّى ويفعل، ولكننا نتحاشى ذكر اسمه. إذن، الكلمة هي طريقة ملموسة بها ندلّ على حضور وعمل الله الذي يخلّص البشر. هذا السياق قد عرفه العالم اليهوديّ، ونحن نجده في عدد من نصوص العهد الجديد (1 تس 1: 8؛ 2 تس 3: 1؛ فل 2: 16؛ 1 كور 14: 36؛ كو 3: 16؛ 4: 3؛ تي 1: 3؛ 1 بط 1: 23).
إذن، نقرب آ 21 من أمثلة الزارع (مت 13: 3- 23) وحبّة الخردل (آ 31- 32) والخمير (آ 33) والزرع الذي ينمو وحده (مر 4: 26- 29)، ومن نصوص يُقال فيها إن كلمة الله تنمو وتتكاثر (أع 6: 7؛ 12: 24؛ 19: 20). وأخيراً، نلاحظ أن بولس في وداعه لشيوخ أفسس قد سلّمهم "إلى الله وكلمة نعمته" (أع 20: 32). فنحن نجد في هذا النصّ المفارقة التي وجدناها في يع 1: 21. فرسول الأمم كان قد قال لهؤلاء الشيوخ إن مهمّة الرسول تقوم "بالشهادة لإنجيل نعمة الله" (أع 20: 24). عند ذاك يصبح نصّ يعقوب واضحاً، ولن يكون مفكّكاً حين يقول: "تقبّلوا كلمة الله التي غُرست فيكم". بل العكس هو الصحيح. فالكلمة هي زرع يحمل فاعليّته في ذاته. والرسل والواعظون هم خدّام هذه الكلمة. وهم يعلنونها (لو 1: 2؛ أع 6: 2- 4؛ 2 كور 4: 1- 2؛ كو 1: 25). وقد جُعلت هذه الكلمة في قلب الانسان بيد الله الذي يمنح الايمان (آ 17- 18). هي واقع حيّ وفاعل، وهي تلج إلى النفس (عب 4: 12؛ 1 تس 2: 13) وتتّحد فيها بقدرتها الذاتيّة وتتوسّع. وتُنتج عند الذين يتقبّلونها الخلاصَ الذي تحمله.
فعلى الانسان أن يكون في الاستعدادات الصالحة لكي تحمل الكلمة ثمارَها. هذا ما ذكّرنا به يعقوب في آ 19- 21. وسيقول بعد ذلك إنه لا يكفي بأن نكون "سامعين يضلّون أنفسهم" (1: 22)، بل يجب أن نكون "عاملين بهذه الكلمة" (1: 23). غير أن هذه الاستعدادات مهما كانت ضروريّة، إلاّ أنها تبقى ظروفاً فيها تنمو الكلمة.
فاعليّة الكلمة. تلك هي الفكرة المركزيّة في هذه المقطوعة التي أكّدت على مبادرة الله الذي منه تأتي كل عطيّة، الذي منه يأتي الخلاص.

خاتمة
لا نستطيع أن نقدّم في إطار شامل تعليم يع 1: 17- 21. فهذه الآيات الخمس ليست توسّعاً، وإن سريعاً، في فكرة واحدة. ولكنها ليست أيضاً أقوالاً مأثورة جُعلت بعضها قرب بعض. لهذا نستطيع أن نستخلص موضوعين أو أقله طريقين من أجل الفقاهة. هناك أولاً مجانيّة مطلقة للنعمة التي بها ولدنا الله لحياة فائقة الطبيعة، مع تشديد على هذه العطيّة التي لا رجوع عها (آ 17- 18، 21). حين نتوسّع في هذا الموضوع في منظار الرسالة، نشدّد على الدور الأول للكلمة في عمل هذه الولادة الجديدة. فكلمة الله هي في أصل كل شيء. هي صفة من صفات الله الحقيقيّ. وهي أيضاً الشريعة التي تفرض نفسها على الانسان الذي يقبلها بوداعة. وهذه الشريعة هي منذ اليوم تعليم المسيح. وحين نتقبّل هذه الكلمة، نصبح باكورة الخليقة. أما الموضوع الثاني فهو ضرورة جعل هذه الكلمة تثمر بحياة مقدّسة، على مستوى الواقع اليومي والعلاقات البشرية. هي كلمة تفعل ولا تنتظر إلاّ تجاوبنا معها لكي تصبح حياة في حياتنا وفي مجتمعنا.
الفصل السادس
الحياة المسيحية الحقة
1: 22- 27

بدت رسالة يعقوب مجموعة من الأقوال الاخلاقيّة ذات بعد شامل، وقد تكيّفت مع حاجة القرّاء. أو هي مجموعة من الفقاهات أو العظات الحيّة والموجزة، التي قيلت في أولى الجماعات الفلسطينيّة، ثم أوّنت لكي تعلّم المسيحيّين كيف يدلّون بسلوكهم الصالح على الوداعة التي تلهمها حكمةٌ آتية من عند الربّ.

1- نظرة عامة إلى يع
نستطيع أن نكتشف في يع ثمانية دروس. كيف نتعامل مع المحنة ونفيد من حسناتها (1: 2- 12). أصل التجربة (1: 13- 18). واجباتنا تجاه كلمة الحقّ (1: 19- 25). لا محاباة للوجوه (2: 1- 13). العلاقة بين الإيمان والأعمال (2: 14- 26). السيطرة على اللسان (3: 1- 12). الحكمة الحقّة والحكمة الكاذبة (3: 13- 18). التغلّب على الرذائل التي تضرّ بالوفاق بين الإخوة (4: 1- 12). وتنتهي الرسالة بتنبيهات إلى التجّار والأغنياء (4: 13- 5: 6)، وبتوصيات أخيرة (5: 7- 20).
يبدو صاحب يع "أخاً نال كلمة الحكمة" (1 كور 12: 8)، ورجلاً أميناً في ممارسة خدمة "التحريض" والإرشاد (روم 2: 8). هو راعٍ ومعلّم" (1 تم 4: 13) دعاه الله (أف 4: 11 ي) "لينظّم القديسين لأجل عمل الخدمة في سبيل بنيان جسد المسيح". قد نستطيع أن نوجز شخصيّة هذا الكاتب بعبارة نجدها ومت 7: 24. "الانسان الحكيم يبفي بيته على الصخر".
وإذا عدنا إلى يع 3: 13 نفهم أن يعقوب هو معلّم أخلاق. لقد أراد أن يعلّم ويحرّض "الانسان الكامل" (3: 2؛ رج 1: 4) الذي يتجدّد بممارسة الفضيلة، بتحقيق "العمل الصالح" في الحياة اليوميّة (ترد لفظة "ارغون" 15 مرة الرسالة) وفي الظروف الملموسة. وكل هذا رغم الضعف الذي يحسّ به المسيحيّ منذ ولادته، رغم التجارة التي يتحمّلها، رغم فساد العالم الذي يعيش فيه. أجل، لا عذر له. فإذا أراد المؤمن أن يتم "بر" الله هذا في سلوكه (1: 20) وجب عليه أن ينال بالصلاة (1: 4- 5) ويتقبّل هذه الحكمة العمليّة التي تميّز القيم الحقيقيّة والاخلاقيّة وتتوافق مع شريعة الله. أما طابع هذا البرّ فهو الوداعة والسلام والصدق (3: 14- 17). وكل هذا يدلّ على أن "الحكيم" المسيحيّ يتعلّق بمشيئة الله، ويخضع لها، بعد أن ينكر العالم وينكر نفسه، ليزيل كل الحواجز ويحقّق "الناموس الكامل، ناموس الحريّة" (1: 25؛ 2: 12). هذا يعني أنه يُتمّ طوعاً ما تُلهمه عقيدته الإيمانيّة. وهكذا تكون حياته موافقة كل الموافقة لما به يؤمن.
وماذا قبل المقطوعة التي ندرس؟ نداء لتقبّل "كلمة الله" (1: 19- 21). فالمسيحيّون الذين هم باكورة خلائق الله في العهد الجديد، قد خلصوا ووُلدوا للحياة الإلهيّة "بكلمة الحقّ" (1: 18) أي بتعليم الإيمان (ي 6: 5) ووحي الإنجيل الذي يعمل كزرع في أرض طيّبة، شرط أن يكون مغروساً" في نفس مستعدّة. الآن السماوي هو الذي يغرس (مت 15: 13). والرسل قد زرعوا الإيمان باعلان كلمة الله (1 كور 3: 6). غير أن الشيطان يأتي لدى بعض السامعين "فينتزع الكلمة من قلوبهم لئلا يؤمنوا فيخلصوا" (لو 8: 12).
استعداد للسماع. وهكذا تصبح كلمة الله كلمة في حياتنا، نتقبّلها بالفرح حتى تنضج، نطيعها حتى تثمر. فالقبول يدلّ على الإرادة الطيّبة، والسرعة في التنفيذ، على حرارة في الحبّ. ثم يبتعد المؤمن عن كل ما هو غضب، عن كل ما هو عدائيّة ومرارة لكي يتقبّل الكلمة التي غُرست فيه، وهكذا يدلّ على طاعته لسلطة الله بالتواضع والوداعة. هو يستند إلى الله، يسلّم أمره إلى حكمته ومحبّته من أجل توجيه حياته.

2- العمل بكلمة الله (1: 22- 25)
من الواضح أن هذا السماع وتقبّل الكلمة الإلهيّة، اللذين هما موقف روحيّ متواصل يميّز المسيحيّ الحقيقيّ، سيُشرفان على كل عمل ملموس. وهذا العمل هو "تحقيق" الكلمة وتفعيل ديناميتها. في الواقع هناك بعض المرتدّين اليونانيّين وكورنتوس، الذين لم يروا في الإيمان الجديد إلاّ موضوع تنظيرات، إلا "غنوصيّة"، تساعد على صياغات عقليّة تسحر الألباب وتحمل الإثارة للعاطفة الدينيّة. وفي الصورة عينها، بدا قرّاء يع الآتون من العالم اليهوديّ، متأكّدين من خلاصهم لأنهم ينتمون إلى الكنيسة. فصدق إيمانهم يكفل لهم الأمان الذي به ينعمون. ولكنهم لا يهتمّون بأمانة عمليّة في حياتهم، لا يهتمّون بأن يطبّقوا متطلّبات الانجيل على حياتهم الخاصّة. فإلى جميع الذين يقولون ولا يفعلون يقول الرسول: نريد أعمالاً لا كلاماً.
أ- كونوا عاملين لا سامعين فتط
نقرأ في آ 22: صنعُ الكلمة، يعني تنفيذ ما هو مفروض، والتوافق مع ما قيل. هي صيغة معروفة في العالم الساميّ. رج مت 15: 5؛ 3: 8، وهناك صانع العمل، وهذا ما يدلّ على عمل ناجح (تي 2: 7؛ 2 تم 2: 15؛ 4: 15). نحن أمام شخص يقوم بعمله أحسن قيام. ويُذكر أيضاً صانع الشريعة في العهد القديم (يش 22: 5؛ 2 أخ 14: 3؛ سي 19: 20؛ 1 نك 2: 67). هنا نتذكّر يع 4: 11: "لست عاملاً بالناموس، بل أنت ديّان له". وروم 2: 13: "ليس السامعون للناموس هم أبرار عند الله، بل العاملون بالناموس يبرّرون". بما أن هذه الجملة، وإن وُجدت في سياق مختلف، توازي يع 1: 22، نستطيع أن نجد فيها قولاً تقليدياً في الكنيسة الأولى، قولاً للرب لم يكتب (اغرافون) نجد مثله عند اوريجانس حيث نقرأ: "إذن، لندع رحمة الله القدير لكي لا يجعل منا سامعين لكلمته بل صانعين لها". (عظات في تك 2: 6). وفى صلاة هرموبوليس في القرن الرابع: "ليس فقط بالكلام والسماع، بل بالعمل والقوّة".
قال يع في 4: 17: "من عرف أن يعمل الخير ولم يعمله، فقد اقترف خطيئة". اهتمّ الرسل والرعاة منذ بدايات الكنيسة بأن يغذّوا حياة المؤمنين الروحيّة بقراءة الكتب المقدسة وتفسيرها، وكل هذا "مفيد للتدريب على البرّ" (2 تم 3: 15؛ رج 1 تم 4: 13؛ عب 13: 7، 17؛ رؤ 1: 3). لا شكّ في أن بعض المؤمنين أهملوا المجيء إلى هذه الاجتماعات (عب 10: 25). ولكن أفضلهم اعتاد أن يجيء إليها فسمّوا "سامعين للكلمة" وهكذا دلّوا على نضيلتهم. ومع ذلك لا يكفي أن نسمع بشكل منفعل (لا نفعل شيئاً)، ولا حتى أن "نتذوّق حلاوة كلام الله" (عب 6: 5)، بل يجب أن نضعها موضع العمل: المسيحيّون الحقيقيون ليسوا أصحاب نظريات بل رجال عمل.
هذا أمر أساسيّ في أخلاقيّة العهد الجديد. ويعقوب ينقل إلينا هنا تعليم يسوع الصريح. فبعد أن علّم الربّ عن برّ الملكوت السماوي الذي يتلخّص جوهرياً في المحبّة تجاه القريب، انتهى بضرورة العمل بهذه الوصيّة بشكل صادق وملموس. فإن حقّقناها كنّا تلاميذ صادقين: "ليس من يقول لي: يا ربّ، يا ربّ، يدخل ملكوت السماوات، بل من يعمل إرادة أبي الذي في السماوات... فكل من يسمع أقوالي هذه ويعمل بها، يشبّه برجل حكيم بنى بيته على الصخر... وكل من يسمع أقوالي هذه ولا يعمل بها يشبّه برجل جاهل بنى بيته على الرمل" (مت 7: 21، 24، 26؛ رج لو 6: 46- 49). هذا الارشاد هو حضّ على العمل. نقرأ مثلاً في لو 8: 21 (رج 11: 28): "أمي وإخوتي هم الذين يسمعون كلمة الله ويعملون بها". وفي 12: 47: "فالعبد الذي يعرف إرادة سيّده، ولا يستعدّ ولا يعمل بحسب هذه الإرادة يُضرب ضرباً كثيراً". رج يو 9: 41؛ 13: 17؛ 15: 14: "أنتم أحبّائي إن عملتم بما آمركم". حوالي سنة 100، قالت اليعازر بن عزريا: "ذلك الذي يتغلّب العلم عنده على الأعمال، بماذا اشبّهه؟ بشجرة لها أغصان واسعة وجذور صغيرة، فحين تأتي الريح فهي تقتلعها وتطرحها على الأرض (إر 17: 6). ولكن الذي تتغلّب أعماله على علمه، بماذا اشبّهه؟ بشجرة ذات أغصان صغيرة وجذور عديدة، فإن انصبّت الرياح عليها وعلى العالم كله، فهي لا تحرّكها من مكانها" (إر 17: 8) (الآباء3: 17) وحوالي سنة 120 قال أليشاع بن ابويا: "انسان عمل أعمالاً كثيرة، ودرس النوراة كثيراً، بماذا يشبّه؟ برجل جعل لبيته أساساً من الحجارة وبنى فوقها قرميدات طُبخت في الشمس. فإن جاءت المياه الكثيرة وحاصرت البيت من كل جهة فهي لا تزعزع الحجارة الصلبة من أماكنها. والرجل الذي لا يعمل عملاً واحداًَ صالحاً، مع أنه درس التوراة كثيراً بماذا يشبّه؟ برجل جعل في بيته القرميدات أولاً ثم الحجارة، وفيضان صغير يكفي لكي يسقط كل شيء" (أبوت، رابي ناتان 24).
ووصف يسوع السامع الكسلان والمتهامل، بأنه بليد وجاهل (موروس): فالتلميذ الذي لا يتحرّك يشبه بنّاء لا لبّ له ينسى ما هو رئيسيّ ويبني بناء آخرته الدمار السريع. وترجم يعقوب فكر المعلّم بدقّة: فالسامع الذي لا يضع موضع العمل ما يسمع، يكون أمام منطق خاطىء وحسابات خاطئة. فإن كان التعلّق بكلمة الله يشكّل طريق الخلاص الوحيد (1: 21)، فهذا يكون بشرط أن يصل إلى الأمانة الصادقة. والمسيحي الذي يتوقّف عند العقيدة ولا يصل إلى الأخلاق الموافقة لهذه العقيدة، الذي وُلد للحياة الإلهيّة ولم تكن له أخلاق أبناء الله، مثل هذا المسيحيّ يغشّ نفسه حول إيمانه وخلاصه الأبديّ. لا شكّ في أن الكاتب يشير إلى الأعذار والتبريرات الكاذبة التي يقدّمها هذا أو ذاك ليجعل لنفسه "ضميراً مرتاحاً". ولكن هذا السراب الخاطىء يعارض معارضة جذريّة الصدق الذي يميّز أبناء النور. هنا نتذكّر غل 6: 3: "من ظنّ نفسه أنه شيء وهو ليس بشيء، فإنه يغشّ نفسه". و1 يو 1: 8: "إن قلنا إننا بغير خطيئة، فإنّما نضلّ أنفسنا، وليس الحقّ فينا". أجل، ان التلميذ الذي لا ينفّذ الكلمة يشبه ذلك الذي لا يصنع الحقّ (رج يو 3: 21؛ أف 4: 15؛ 1 يو 1: 6؛ 2 يو 4؛ 3 يو 4): إنه يسير في الظلمة، وحياته هي كذب عملّي متواصل. هذا هو الرياء الذي ندّد به يسوع عند الفريسيين (لو 12: 1): "يقولون ولا يعملون" (رج لا 23: 3).
ب- الانسان والمرآة
إن أخلاقيّة يعقوب، شأنها شأن أخلاقيّة بولس ويوحنا، هي أخلاقيّة النور، وفيها تستند الفضيلة إلى المعرفة: فكل واحد ينظّم سلوكه حسب الوحي وحسب ما يعرف من هذا الوحي، والولادة من "أبي الأنوار" (1: 17) تحدّد اسلوب حياة. والطلاق بين المعرفة الدينيّة والممارسة العمليّة هو عبث ومحال كما يقول مثل المرآة: "من يسمع الكلمة ولا يعمل بها، يشبه انساناً ينظر في مرآة وجهه الذي جُبل عليه، وما إن رأى نفسه ومضى حتى نسيَ في الحال كيف كان" (آ 23- 24).
هناك فعل "كاتانواين" الذي يعبرّ عن نظرة عميقة على مستوى البصر أو البصيرة (لو 12: 24، 27). من هنا: "وضع في فكره، تنبّه مطوّلاً" (أع 7: 31؛ روم 4: 19؛ عب 3: 1؛ 10: 24). إذن، المشاهدة في المرآة تفترض نظرة طويلة ومدقّقة. لهذا يجب أن نقول: بعد أن نظر إلى ذاته مطولاً، ومع فعل "نسي" في الماضي، نعرف أن العمل تمّ وانتهى. ذهب دون أن ينظر إلى الوراء. وهكذا يترافق النسيان والذهاب. كان السامع كله انتباهاً وحماساً، ولكن بقي التعليم الذي سمعه على مستوى العقل والعاطفة، فلم يصل إلى العمل.
من نظر إلى نفسه في مرآة توخّى هدفاً محدّداً: أن يكتشف لطخة أو عيباً لا بدّ من إزالته بطريقة صحيحة. قد نستطيع أن نلقي على المرأة نظرة سريعة أو نتوقّف أمامها طويلاً. أما هنا في يع، فنحن أمام الموقف الثاني: لقد تفرّس الرجل بكل سمة في وجهه. أراد أن يرى نفسه كما هو، كي يعالج كل نقص في وجهه، حرفياً: المنظر الذي وُلد فيه. الذي منحته اياه الطبيعة. يشدّد الكاتب على الوجه الطبيعيّ، وسيعود إلى اعتبار أخلاقيّ حين يطبّق المثل.
ولكن ماذا انتظر هذا الرجل حين تفحّص نفسه بكل هذه الدقّة؟ لا شيء. فهو قد أدار ظهـره للمرأة، وما عاد يتذكّر ما رأى، بحيث "نسي كيف كان". قد نكون أمام تشتّت بسيط. أما هنا فنحن أمام جهل وجنون. فهذا الرجل استعمل أداة وأهمل الهدف الذي لأجله جُعلت هذه الاداة. نجد هنا فعل "نسي" "ابيلنتانوماي" (مت 16: 5)، وهو يعني أيضاً: أهمل، ترك (رج لو 12: 6؛ فل 3: 13؛ عب 13: 2، 16) أو: لم يحسب حساب شيء (عب 6: 10).
ونقول الشيء عينه عن المسيحيّ الذي تعلّم الانجيل بحرارة، فسمع تعاليمه وتقبّلها، ولكنه لم يعمل بها. فهو يدلّ على أنه ليس بمنطقيّ، بل هو خاطىء. فكلمة الله تشبه مرأة تكشف له ما كان عليه، تكشف له ضعفه وخطاياه، تكشف له ما يجب أن يتجنّبه ويصلحه. وذكّرته أيضاً ما يجب أن يكون: وجه ولد يعكس قسمات أبيه... كان هذا النور خلاصه، لأنه يفترض من قبله أن يأخذ على محمل الجدّ هذه المعرفة وهذه الرغبة بالتنقية. ولكن من عرف دون أن يُتبع المعرفة بالعمل، يخسر ظرفاً أعطي له بأن يصلح ذاته. هذا يعني أنه بدّد نعمة الله وعطيّة الإيمان والنداء إلى الخلاص. "اليوم إن أنتم سمعتم صوته" (عب 3: 7 ي).
هنا نتذكّر كلام الرواقيّين: "الفحص الأخلاقيّ يشكّل أساس كل تقدّم على مستوى السلوك. حين يعرف الإنسان نفسه معرفة أحسن، يتحسّن سلوكه" (ابيكتات، 2/ 14: 21). ونقرأ في موشّحات سليمان (13: 1): "مرآتنا هي الربّ، افتحوا عيونكم وانظروا فيه، وتعلّموا كيف هي وجوهكم". ونقرأ في أعمال يوحنا 95: "ما إن يترك المرآة حتى لا يعود يتذكّر صورته الخاصّة. إذن، ما كانت هذه المرأة؟ اسمع: المرآة تمثّل روح الله. حين تنظر النفس فيها ترى العار الذي فيها فترذله، وتزيل كل اللطخات بحيث تصبح بلا لوم. وعندما تتنقّى، فهي تقتدي بالروح القدس وتجعله مثالاً لها".
ج- شريعة الحريّة
إذن، ما هو الموقف المسيحيّ الصريح؟ انه ينتج من التوافق بين حريّة كاملة وأمانة تامّة لمشيئة الله. توافق وتناسق مع ما فيه من مفارقة. أما من يدقّق النظر في الناموس الكامل، ناموس الحريّة، ويداوم، لا كمن يسمع فينسى، بل كمن يكبّ على العمل، فهذا يكون سعيداً في عمله (آ 25).
قيل عن الله أنه انحنى من السماء لينظر (مت 26: 15). وعن الملائكة أنهم نظروا إلى سّر التجسّد (1 بط 1: 12)، وعن يوحنا ومريم المجدليّة أنهما انحنيا فوق قبر يسوع كي يتأكّدا أنه فارغ (يو 20: 5، 11). كذا نقول عن تلميذ الربّ الذي يلقي بنظره على الناموس الانجيليّ الذي هو تعبير عن إرادة الله بالنسبة إليه. فالفعل المختار لا يدلّ فقط على تنبّه مراقب المرآة الذي يراقب في الواقع نفسه، بل نحن أمام مجهود موضوعيّ وبحث دقيق، فلا نتوقّف عند الحرف بل نصل إلى معنى التعليم الإلهيّ. عند ذاك نكتشف كمؤمنين أن هذا التعليم توخّى أن يعلّمنا، بل أن يجعلنا نعيشه ونعمل به.
الانجيل في نظر الحكيم (1: 5) هو أولاً وقبل كل شيء، قاعدة سلوكه. لا نستطيع أن نتخيّل قاعدة أكثر كمالاً من هذه القاعدة، لأن المسيح أعلنها، فرسمت الطريق الاكيدة، طريق الخلاص والسعادة، وتجاوبت مع كل الحاجات في كل الظروف. تُصوّر على أنها "شريعة الحريّة" (2: 12)، لأنها تمنح الحرية أو تحترم وجودها في كل أبناء الله إذ توجّههم نحو مثال رفيع من القداسة.
الكمال أمر خاص بالتوراة التي أعلنها الرب (مز 19: 8؛ 119: 1 ي؛ رج روم 7: 12). ولكنها كانت موقتة. وستجد ملئها وتمامها في المسيح (مت 5؛ 17؛ روم 10: 4: كمال الشريعة هو المسيح) الذي أبرز قيمتها الروحيّة الدائمة من خلال التربية الموقتة في فرائض جسديّة. بعد الآن، تعليم يسوع يشكّل القاعدة الاخلاقيّة (غير مكتوبة) للعهد الجديد: "ناموس المسيح" (1 كور 9: 21؛ رج غل 6: 2). وهذا الناموس يتكوّن لا من مجموعة من الوصايا، بل من الطاعة للروح القدس والاقتداء الحيّ بالمخلّص، وتفعيل النعمة الباطنيّة التي تتفتّح في المحبّة. والمحبّة هي التي تُشرف على جميع الفضائل (مت 22: 37- 39؛ رج روم 13: 8- 10؛ 1 كور 13).
ونقرأ في "كتاب القاعدة" (10: 6، 8، 10) عن "شريعة الحريّة". ولكن لا نجد لفظة حريّة في الكتاب المقدّس، بل في المشناة والتلمود. ولفظة "ح ر و ت" تدلّ على الشريعة المكتوبة والمحفورة (خر 32: 16؛ سي 45: 11). وبحسب الفلسفة الرواقيّة الشعبيّة، يدلّ الحكيم على الحريّة حين يمارس الشريعة طوعاً، فيخضع لأوامر الطبيعة، ويقبل بالموضع الذي حدّدته له الآلهة في الكون، مسترشداً بالعقل (إبيكتات 1/ 4: 32؛ 4/ 1: 1؛ 4 مك 14: 2).
إن قاعدة لسلوك المسيحيّة تستلهم كلمة الربّ: "إحملوا نيري عليكم وتعلّموا مني لأني وديع ومتواضع القلب فتجدوا الراحة لنفوسكم. فنيري طيّب وحملي خفيف" (مت 11: 29- 30، هو لا يجرح الرقبة، ليس بقاسٍٍ للصغار). هذا النير يتعارض مع الثقل الساحق الذي تشكّله الممارسات الفريسيّة، مع إرهاق الفرائض الموسويّة (سي 6: 24 ي؛ 40: 10؛ 51: 26) التي تؤلم العبيد (غل 3: 24- 27). في هذا الروح عينه، رفض بطرس أن "يفرض على التلاميذ نيراً نستطع نحن ولا آباؤنا أن نحمله" (أع 15: 10، النير هنا هو رمز العبوديّة؛ رج 1 تم 6: 1. في غل 5: 1 نقرأ: "لقد حرّرنا المسيح لننعم بهذه الحريّة. فاثبتوا إذن فيها، ولا تعودوا ترتبطون بنير العبودية"، نير الممارسات الموسويّة. ويلاحظ يوحنا أن فرائض المعلّم ليست مرهقة (1 يو 5: 3: "وصاياه ليست بثقيلة")، بل هي تتعارض مع ما في العالم الفريسيّ من فتاوى (مت 23: 4: "أحمال ثقيلة على أكتاف من الناس").
إن نير المسيح يرفض أن يخنق النفس في سلسلة من الممنوعات والأوامر المتعدّدة، بل هو يحترم حريّة المبادرة ويحرّك العفويّة والطوعيّة. في العهد الجديد، لا قيمة لشيء إن لم يأتِ من القلب. وكان النبي إرميا قد تنبَّأ عن الأخلاقيّة المسيحانيّة التي نعيشها في الداخل: "هذا هو العهد (الميثاق) الذي أقطعه مع بيت اسرائيل... أضع شرائعي في ضميرهم وأحفرها في قلوبهم" (إر 31: 31- 34؛ عب 8: 10؛ 2 كور 3: 3 ي).
هنا نعود إلى "المجمع" الذي جعل الفرائض الموسويّة: 613 فريضة. وزاد عليها عدداً كبيراً من الفرائض الرابانيّة التي جاءت أكثر قساوة من الشريعة نفسها. أما الربّ فرفض أن يفرض أثقالاً جديدة على جماعة تياثيرة (أع 2: 24). وسيكون هذا اهتمام بطرس بالنسبة إلى الكنيسة في مجمع أورشليم (أع 15: 28). وممارسة بولس في تسالونيكي وكورنتوس (1 تس 2: 7؛ 2 كور 1: 24). ليس من استبداد في مشيئة الله الذي يحبّ النفوس (حك 11: 26)، الذي يعاملها دوماً باحترام كبير (12: 18)، كما يعامل الأب أبناءه.
ولكن يبدو من الصعب أن نتحدّث عن الحريّة بمناسبة الكلام عن شريعة هي في حدّها أمرٌ وإكراه. ولكن من جهة، يجب أن نفهم لفظة "شريعة" (أو: ناموس) في معنى: "مبدأ منظّم، نظام، تدبير روحيّ" (يو 1: 17: أعطيت الشريعة بموسى. وجاءت النعمة والحق بالمسيح". ومن جهة ثانية إن التجديد الذي حمله العهد الجديد على مستوى الحياة الاخلاقيّة، هو أنه منح كل مسيحيّ الروح القدس الذي ينيره وينعشه من الداخل. "وحيث يكون روح الربّ فهناك الحريّة" (2 كور 3: 16). وبدلاً من أن نطيع غصباً عنا كالعبد المجبر على الطاعة أو الذي يخاف سيّده، فنحن كأبناء الله نملك في ذاتنا معرفة الخير ومحبّته. وننطلق طوعاً إلى ما يطلبه منّا الآب السماويّ. وقد قال بولس في 1 تم 1: 9: "لم توضع الشريعة للبارّ". وإن كانت بعض الفرائض الإيجابيّة ضروريّة لتحديد مجمل الحياة المشتركة، فهي تتوخّى قبل كل شيء "إنماء المحبّة" (1 تم 1: 5).
نتذكّر في هذا المجال ما قاله بولس عن الحريّة، حريّة أبناء الله، فقابل بين "أبناء الحرة" و"أبناء الأمة" (أو: العبدة) أو أهل العهد القديم (غل 4: 22 ي). فحدّد من جهة عمل المسيح الذي توخّى أن يحرّرنا من عبوديّة الشريعة الموسويّة (روم 7: 3 ي؛ غل 3: 13؛ 4: 1)، من تسلّط الخطيئة (6: 16، 18)، من الخوف من الموت (عب 2: 15). ومن جهة ثانية، تحدّث عن عطيّة الروح الذي هو ينبوع الحياة الإلهيّة في كل مؤمن فقال: "إن ناموس الروح الذي يهب الحياة في المسيح يسوع، قد حرّرك من ناموس الخطيئة والموت" (روم 8: 2).
هكذا نفهم أن يندّد يعقوب بقوّة ببطلان إيمان لا يفعل (2: 14- 26)، ويتحدّث في الوقت عينه عن استقلاليّة المؤمنين وطواعيّتهم في خضوعهم الدقيق لكلمة الله. بدا يعقوب راعياً مختبراً فقسم المسيحيّين فئتين: السامع الذي ينسى (حرفياً: سامع النسيان. كما في لو 16: 8: قاضي الظلم. وفي 18: 6: قاضي الاثم). و"صانع العمل" (أي الانتقال من القول إلى العمل). كلاهما يعرف الانجيل معرفة تامة. ولكن الأول ينظر بعقله ويذهب دون أن يصل هذا الكلام إلى حياته. أما الثاني فيدخل في الانجيل ويقيم فيه، بحيث يوجّه هذا النور أقلّ أعماله. إنه ينعم بالتطويبة المحفوظة للمؤمنين (أش 56: 2؛ مز 1: 1- 3؛ سي 50: 28) التي أعلنها المعلّم فقال: "طوبى للذين يسمعون كلمة الله ويحفظونها" (لو 11: 28؛ رج يو 13: 17).
إن هذه التطويبة التي تسند القول، تدلّ على أن هذا القول هو تحديد للمسيحيّة في كمالها. فمن يعمل يستطيع أن يحسب نفسه تلميذ يسوع المسيح. لا شكّ في أنه يجد سعادته في ما يعمل كالعامل الصالح. ولكن نتيجة هذه الأمانة هي خلاص النفس (يع 1: 21). فالمؤمن الذي يصبر على البلوى "ينال إكليل الحياة الذي وعد به الله محبّيه" (1: 12).

3- ما تطلبه كلمة الله (1: 26- 27)
إذا كان جميع المسيحيين الجديرين بهذا الاسم (2: 7) قد فهموا متطلّبات عطاء الذات، والتحقيق العملّي الذي يفرضه الانجيل، فهناك عدد كبير منهم يجهلون تراتبيّة القيم التي يتضمّنها تدبير النعمة، فيجعلون الثانويّ محل الجوهريّ. هناك من يكثر من بعض الاعمال، وينسى ممارسة الفضائل التي ترتبط بالقريب ومساعدته. ندّد يعقوب بهذا الضلال (آ 26: يغرّ قلبه)، وذكّر "صانع العمل" بشكل سلبيّ وإيجابيّ أن لا عبادة صحيحة نكرّم بها الله، إن كنّا لا نسود على ميولنا، ولا سيّما في ما يتعلّق باللسان. فالحياة المسيحيّة كلها محبّة للاخوة ونقاوة كبيرة في النوايا.
أ- التديّن وخطايا اللسان
إن آ 26- 27 تفسّران آ 22، فتبدوان تحديداً للأمانة التامة لكلمة الله كما أمرنا بها في آ 23- 25، تحديداً لديانة يسوع المسيح كما نعيشها بشكل ملموس. هذه الديانة تسمى "تراسكايا"، التديّن. هي تعني الحفاظ على الطقوس والممارسات الدينيّة (الوجهة الخارجيّة من الدين). وقد استعملت لتنير "صانع العمل" على ما يحقّقه لكي يعبرّ عملياً عن إيمانه. ولكننا لسنا أمام ليتورجية احتفالات فقط، بل أمام أعمال فضيلة تكرّم الربّ حقاً وتقابل العبادة بالروح والحقّ كما في يو 4: 23- 24. وفي اللغة المسيحيّة، المتديّن الحقيقي هو ذلك الذي يتممّ بدقّة إرادة أبيه الذي في السماء. الذي يحرّكه احترام عميق تجاهه (روم 12: 1)، الذي يتصرّف بحب وطواعيّة الطفل الذي يلتصق "بشريعة الحريّة".
مثل هذا الموقف الروحيّ يجهل كل مساومة وانقسام (مت 6: 24)، ويقدّم لله أقلّ أفعاله وأقواله في كل دقيقة من دقائق حياته، يقدّم له أفكاره وقلبه (مت 22: 37). فإذا كان المسيحيّ يعتبر أنه يمارس ديانته ممارممة دقيقة حين يتهرّب من وصايا الله، ويهمل هذه الفضيلة أو تلك، ويسمح لنفسه بانحراف في السلوك، ولا يهتمّ لتجاوزات اللسان، مثل هذا المسيحيّ يضلّ نفسه ضلالاً قاتلاً مهما كان سلوكه الباقي بلا عيب. تقول آ 26: "يضلّ قلبه"، وجدانه وضميره (رج مر 6: 52؛ أع 14: 17. مثل هذا الضلال هو ثمرة الكلام الباطل كما في أف 5: 6؛ روم 16: 18).
والضلال يقوم بأن نحسب خطيئة اللسان بأنها خطيئة خفيفة، خطيئة لا تضرّ أحداً. يستعمل الكاتب فعل "اباتاين" (غوى، خدع) الذي يدلّ على جوهر الخطيئة وعلى الشهوة التي لا نسود عليها. نحن أمام "خدعة" (2 تس 2: 10؛ أف 4: 22؛ عب 3: 13) تشبه تلك التي بسببها سقط أبوانا الأولون (1 تم 2: 14). مثل هذا الاغواء يجعل جميع أعمال الفضائل وكأنها لم تكن. قالت يع 2: 10: "من حفظ الناموس كله وزلّ في وصيّة واحدة، صار مجرماً في الكلّ". إذن، الحياة الدينيّة لدى هذا المسيحيّ المزعوم قد أفرغت من محتواها الحقيقيّ، فقادت إلى لا شيء. نقرأ في آ 26: "ديانته باطلة". "ماتايوس". تستعمل اللفظة في الحديث عن عبادة الأوثان (إر 2: 5؛ 8: 9؛ 10: 3؛ أع 14: 5. فكأنه يعبد الأوثان، فماذا ينتفع منها؟). وتعني لا جدوى المجهودات التي نقوم بها لكي نرضي الله ونحترمه، حين لا تتوافق حياتنا مع مشيئته (مت 15: 8؛ رج ملا 3: 14؛ 1 بط 1: 18). وهكذا نخسر تعبنا ووقتنا. هذا ما يصل إليه "صانع العمل" الذي ينسى روح يسوع المسيح.
ماذا يعني الكاتب حين يتحدّث عن انحراف اللسان؟ نحن هنا أمام جدالات قاسية ولاذعة (آ 19- 20)، افتراء ونميمة، واندفاع إلى أن نتكلّم في كل جهة فلا نحسب حساب الآخرين. نحن أمام كلام فارغ لا تفكير فيه فنحاسَب عليه في يوم الدينونة (مت 12: 36؛ رج روم 14: 22: كل ما لا يصدر عن اعتقاد إيمانيّ فهو خطيئة). قد ندهث حين نرى الحكم القاسي على اللااعتدال في اللسان. ولكن اللسان يتكلّم من فيض القلب (مت 12: 34). والرجل الذي يستطيع أن يلجم لسانه يستطيع أن يلجم جسده كله (يو 3: 2 ي). ثم إن "تربية الفم" هي من الدروس التقليديّة في الاخلاقيّة اليهوديّة (سي 23: 7- 15؛ 28: 13- 26) التي ستنتقل إلى العالم المسيحيّ (أف 5: 4؛ 1 بط 3: 10).
ب- التديّن والمحبّة
إذن، ما هو التديّن الحاتيقيّ، التديّن المقدس الذي لا عيب فيه، والذي يرضى عنه الآب السماوي؟ نجد تحديداً عنه في آ 27: إن حياة المسيحيّ تبدو كليتورجيا تقام في الهيكل أمام الله. ويذكّرنا يعقوب بطقوس هذه الليتورجيا التي نلخّصها في فريضة واحدة في العهد الجديد هي فريضة المحبّة بأقوى تعابيرها: الرحمة.
قبل أن نعود إلى آ 27، نتوقّف عند بعض الملاحظات اللغويّة. نجد أولاً لفظة "تديّن" بدون آل التعريف: "تديّن زكي وبلا عيب". هناك صفتان: "كاتارا" (نقيّة، طاهرة). "اميانتوس" (بلا عيب). رج 1 بط 1: 4؛ عب 7: 26؛ 13: 4. كلمتان مترادفتان تقريباً. نستطيع القول: الطهر الطاهر. نحن هنا أمام كمال أخلاقيّ لا عيب فيه (مي 6: 8). فكل نجاسة أو شرّ (آ 21) يلغيان فيمة العمل العبادي الذي يتوخّى إكرام الله. في هذا المجال، الخطيئة هي أكثر من إساءة إلى "عدالة الله" (آ 20)، إنها تدنيس له.
وذكر أبوّة الله كموضوع عبادة، يعود إلى يوحنا 4: 21- 23 (رج أف 5: 20). كما يعود إلى أبي الأنوار الذي ولد عبّاداً له (يع 1: 17- 18)، وإلى النموذج الإلهي في العهد القديم: "أبو الأيتام وحامي الأرامل هو الله في مسكنه المقدس" (مز 86: 6). فعلى المسيحيّين الذين هم أبناء الله، أن يكون قلبُهم كقلب أبيهم فيقتدوا به في عنايته ومحبّته. وهكذا يجد التلميذ مثال "الكمال" في عظة الجبل (مت 5: 43- 48).
وهناك عبارة "في نظر الله، أمام الله" (آ 27). فهي تدلّ مراراً على دينونة الله الذي يجلس على كرسيّ قضائه وتقف أمامه الشعوب والأمم (2 تس 1: 6؛ روم 2: 13؛ غل 3: 11). وهكذا نكون أمام عبادة وأخلاقيات يقيّمها الله بحسب نظرته الخاصة (1 كور 3: 19؛ 1 بط 2: 4، 20). ولكن تدلّ العبارة أيضاً على القرب من الله والحياة الحميمة معه (1 كور 7: 24؛ أف 1: 4). في هذا المعنى ربطتنا الحياة الأخلاقيّة المُحبّة بالله وساعدتنا على إدراكه.
"افتقاد اليتامى والأرامل في ضيقهم" (آ 27). نحن هنا أمام فئة يذكرها التقليد (تث 27: 19؛ مز 68: 6؛ 146: 9؛ أي 31: 17؛ سي 4: 10؛ 35: 11- 18)، هي ترمز إلى جميع المساكين في المجتمع. منذ الأرملة الفقيرة التي أعطت كل ما تملك (مر 12: 42- 44) حتى طابيته (دركاس) التي كانت غنية بالأعمال الصالحة والصدفات (أع 9: 36- 39). فالأرامل في العهد الجديد هن في الكنيسة "المتخصّصات" في الأعمال الحسنة (1 تم 5: 10). وهكذا نفهم آ 27 عن الحزانى والصغار والضعاناء والوضعاء (رؤ 18: 7)، عن كل شخص ليس له من يدافع عنه فيظلمه الناس بسهولة.
هؤلاء نزورهم (ابسكابتستاي، أع 15: 36. افتقد، ساعد، خدم، سي 7: 35)، كما زار الله شعبه ليخلّصه (لو 1: 78). وكما زار الابن الوحيد البشر فأقام وحيد ارملة نايّين (لو 7: 16). نحن هنا أمام تلميح إلى مثل الدينونة الأخيرة حيث ينال مباركو الآب الملكوت ميراثاً، لأنهم حين زاروا المرضى، خدموا المسيح في أصغر إخوته (مت 25: 36، 40). وهكذا أتمّوا في فعلة واحدة "الشريعة والانبياء" (مت 22: 40). أتمّوا "الناموس الملكيّ" (يع 2: 8).
يشدّد النصّ على العلاقة الخارجية كما على العاطفة تجاه الآخرين. فهناك المحن أو الضيقات التي يتخبّط فيها الفقراء. أمام مثل هذا الألم تتحرّك أحشاء تلاميذ المخلّص، فيحملون العزاء كما يحملون المساعدات التي يرضى الله عنها وكأنها فعل عبادة نرفعه إليه. وهذه العاطفة هي ليتورجيا تتفوّق بجمالها على جميع الذبائح التي لا عيب فيها (مر 12: 33؛ رج "ليتورجيّة الإيمان"، فل 2: 17، 30). فهي تعبرّ عن "أغابي" هي محبّة وعبادة في الوقت عينه، هي رحمة وإحسان نحو الاخوة داخل عيلة الله (1 بط 1: 22- 23).
ج- التديّن والنقاوة
إذا كانت المحبّة تدفع المسيحيّ لكي يضحّي ويساعد القريب، فهي بالتالي تدفعه إلى أن يتجنّد للخدمة في العالم. ولكن العالم فاسد ومفسد (في سلطة المثرير، 1 يو 5: 19). وليس من ديانة جديرة بهذا الاسم إلاّ وتفرض على اعضائها نقاوة تامّة: "اطلبوا القداسة التي بدونها لا يستطيع أحد أن يرى الربّ" (عب 12: 14). لهذا، بعد أن شدّد يعقوب على جوهر الأخلاقيّة الجديدة التي هي المحبّة الأخويّة، ذكر المتطلّبة الثانية: "ديانة طاهرة وبلا عيب". ثم: "صيانة النفس من دنس العالم" (آ 27). وصيّة تعود مراراً في العهد الجديد لأن الخطر يتهدّدنا دائماً، ولأن المحافظة على النقاوة أمر حيويّ لمعمّدين قد سمّوا "قديسين". هنا نقرأ 1 تس 5: 22: "احترسوا من كل شبه شرّ"؛ 1 تم 5: 22: "احفظ نفسك نقياً"؛ 2 بط 1: 4: "حتى تصيروا بها شركاء في الطبيعة الإلهيّة، إذا ما تخلّصتم من الفساد الذي في العالم بالشهوة"؛ 2: 20: "بعد أن نجوا من نجاسات العالم بمعرفة ربنا ومخلّصنا يسوع المسيح" (رج 1 كور 7: 31؛ تي 2: 12).
الديانة هي اقتراب من الأقداس وانفصال جذريّ عن الدنيويّ والدنس. لهذا، فالتعارض مطلق بين الله والعالم كما بين الحبّ والبغض. كان قد شدّد الربّ على عدم التوافق هذا (مت 6: 24: لا يستطيع أن يضي سيّدين). وقال يع 4: 4: "أما تعلمون أن الصداقة للعالم عداوة لله. فمن أراد أن يكون صديق العالم يصبح عدواً لله". وقال يوحنا في رسالته الأولى: "لا تحبّوا العالم ولا ما في العالم، فإن أحبّ أحد العالم لم تكن محبّة الآب فيه" (2: 15). نحن هنا أمام تعلّق بالعالم ورضى به. "حيث يكون كنزكم هناك يكون قلبكم" (لو 12: 34).
كل هذه النصوص تبيّن أن المحبّة هي كل شيء في المسيحيّة. وتفهمنا أن القداسة ليست فضيلة تُزاد على سائر الفضائل. بل صفة تجعل حبّنا لله وللقريب على مستوى النبل والطهارة. فالديانة الطاهرة والتي لا عيب فيها هي محبّة عباديّة، هي حبّ وتديّن، هي سجود لا عيب فيه ولا دنس.

خاتمة
كل شيء في الحياة المسيحيّة يجد أصله في الإيمان، يرتبط بالقلب. ويُثمر في أعماله المحبّة. فتلميذ يسوع المسيح يتعلّق بكلمة الله كما أعلنها المسيح ورسله (عب 2: 3- 4)، يهضمها ويتذوّقها (6: 4- 5) بحيث تُغرس فيه فتنمو لتصل إلى الحصاد. وكل هذا يتمّ، شرط أن يكرّس المؤمن قلبه لله بشكل واعٍ وحاسم يحرّره من عبوديّات الخطيئة والعالم. هو لا يكتفي بأن يكتشف مشيئة الله فيه، بل يسعى إلى تحقيقها في طواعيّة محُبّة يجد فيها سعادته. ولا يكون في وفاق مع الله حين يكثر الفرائض والمحرّمات، بل حين يحبّ قريبه حبّه لنفسه، والقلب الصادق يعرف كيف يحبّ. دعانا يعقوب إلى أن نتجنّب خطايا اللسان، كما دعانا إلى المحبّة الأخويّة التي تتجسّد في أعمال الرحمة. هكذا تكون ديانتنا طاهرة زكيّة لا عيب فيها، هكذا يضيء نورنا أمام النالس فيمجّدون بسببنا الله في السماء.

الفصل السابع
اغنياء وفقراء في الكنيسة
2: 1- 5

إن صاحب الرسالة إلى يعقوب وقد يكون "أخَ الربّ" وَأولَ أسقف في أورشليم، أو معلّماً مسيحيّاً متهوّداً (ما زال مرتبطاً بالعادات اليهودية) نجهل اسمه، يدعو قرّاءه هنا لكي يحقّقوا الأخوّة المسيحيّة في جماعاتهم. نحن بشكل رئيسيّ أمام مجموعات مسيحيّة متهوّدة تعيش في فلسطين وسورية، وينتمي معظم أعضائها إلى الطبقات الدنيا في المجتمع. إذن، الفقر سمة تميّز هذه الجماعات التي لا يقدّرها الرأي العام حق قدرها. لاقت الاضطهادات بسبب إيمانها، فتحمّلت في المجال الاقتصادي المضايقات من الأغنياء والأقوياء، ولا سيّما الملأكين الكبار. وانعزلت هذه الجماعات عن المجتمع، فأرادت أن تترك أثراً طيّباً في الوسط الذي يحيط بها، فأخذت بقواعد سلوكه دون أي تمييز. لهذا كتب إليها يعقوب يحذّرها من هذا الخطر، ويحضّها على العودة إلى "إيمان ربّنا يسوع المسيح".

1- ملاحظات أدبية ولغويّة
إن ذكر الأرامل واليتامى دفع يعقوب إلى أن يتكلّم عن محاباة الوجوه. ذاك رباط غامض بين هذا التوجيه الرابع (2: 1 ي، محاباة الوجوه) وما سبقه من توجيه ثالث (1: 19- 27) عنوانه: واجباتنا تجاه كلمة الحقّ. والهدف: كيف يمارس المؤمن التوجيهات التي تأتيه من إيمانه. وهكذا نكون في الطريق التي تصل بنا إلى الإيمان والأعمال. أعلن يعقوب أولاً الوصيّة (آ 1): لا محاباة للوجوه. ثم أعطى مثلاً (آ 2- 4) وانتهى بقول يشدّد فيه على اختيار الله للفقراء (آ 5).
أ- الوصيّة (آ 1)
"يا إخوتي". نحن في بداية مقطوعة جديدة تأتي بعد الدعوة إلى المحبّة (1: 27) وساعة يتحدّث الكاتب عن الأخوّة المسيحيّة.
هناك فعل "بروسوبولبتاين" (2: 9): حابى الوجوه. يتألّف من "بروسوبون" الوجه. و"لبتاين": أخذ. هي عبارة عبريّة تترجم في السبعينية ن س ا. ف ن ي م: رفع الوجه. رج لا 19: 15؛ ملا 1: 8، 9؛ سي 4؛ 22. يقال رفع وجه فلان، وذلك بعد أن يكون سجد إلى الأرض. فالعبارة تعني: استقبل استقبالاً حسناً (تك 19: 21؛ 32: 11؛ ملا 1: 8). يرفع الملك رأس الشخص، ليسمح له أن ينظر إليه وجهاً لوجه، وهذا يدلّ على حظوة وتفضيل. بعد ذلك اتخذت العبارة معنى زرياً فدلّت على اللاعدالة في الأحكام (لا 19: 15؛ تث 10: 17). في العهد الجديد، يُستعمل الفعل ومشتقاته بالمعنى الاحتقاري (لو 20: 21؛ أع 10: 34؛ روم 2: 11؛ غل 2: 6؛ 1 بط 1: 17). أما هنا في آ 1 فنقرأ الأسم: بروسوبولبسيا: محاباة الوجوه. نفضّل شخصاً على آخر مع حكم من الخارج.
"إيمان ربّنا". "بستيس". العقيدة التي موضوعها يسوع المسيح. نحن أمام تعلّق عقلّي بشخص يسوع وتعليمه. هناك تعارض بين محاباة الوجوه والإيمان بالمسيح. هذا الإيمان هو المذكور في 1: 3 وهو سبب فرح في الألم. وهو يدلّ على ارتفاع المتواضع وحطّ الغني، ويجعلنا نرجو إكليل الحياة (1: 2- 12). فمن اعتبر الغنيّ لأنه غنيّ، واحتقر الفقير لأنه فقير، عارض معطيات الإيمان الأولى.
ونقرأ "دوكسا"، المجد في صيغة المضاف إلية. هل نعتبر يع مؤلّفاً يهودياً ونلغي "يسوع المسيح" ونقرأ: "ربّ المجد". هذا اسلوب اعتباطيّ لا شيء يسنده. وهناك من يربط بين "المجد" و"محاباة الوجوه". ولكن المسافة بعيدة بين الاثنين. وفئة ثالثة تربط "المجد" بـ "الإيمان": إيمان مجد ربّنا يسوع المسيح. وفئة رابعة تعتبر المجد بدلاً عن يسوع. المسيح هو في إنجيل يوحنا الطريق والحقّ والحياة (14: 6). وفي 1 تم 1: 1 هو الرجاء. لماذا لا يسمّى هنا "المجد"؟ ولكننا نقول: ربنا يسوع المسيح، ربّ المجد. أو: ربّنا يسوع المسيح المجيد. فالمسيح المجيد هو المسيح كما هو الآن في السماء منذ القيامة. والمجد صفة جوهريّة فيه (يو 17: 5). قد نكون هنا أمام عبارة ليتورجيّة (1 كور 2: 8؛ أف 1: 17؛ أع 7: 2). وقد نكون في إطار أخلاقي حيث مجد المسيح يتعارض مع فراغ المجد البشريّ الذي منه يحذّر يعقوب قرّاءه.
ب- مثل من الحياة (آ 2- 4)
ويأتي المثل في اسلوب تصويريّ يجعلنا نحسّ وكأن المشهد أمامنا.
"مجمعكم". قد تدلّ اللفظة على جماعة دينيّة (عد 27: 17؛ أع 9: 2). أو "الجماعة" اطلاقاً كما في خر 12: 3؛ أع 13: 43. وفي العهد الجديد بشكل خاص: موضع تلتئم فيه الجماعة (مت 4: 23؛ 6: 2- 5؛ 9: 35...). هي "سيناغوغي" واستعملت السبعينية "اكلاسيا" (وهو ما ترجم: كنيسة، ق هـ ل في العبريّة). في الأدب المسيحيّ صارت "اكلاسيا" لفظة خاصة بالمسيحيين و"سيناغوغي" لفظة خاصة باليهود والهراطقة. ونجد المعنى الزري في رؤ 2: 9؛ 3: 9 (مجمع الشيطان). ثم التمييز بين اللفظتين في الاترن الثاني حيث نجد أيضاً كلمة "مجمع" في معرض الحديث عن الجماعات المسيحيّة (اغناطيوس إلى يوليكربوس 4: 2). أما هنا فنستطيع أن نقول: الجماعة أو الموضع الذي تلتئم فيه الجماعة. ولكن الفكرة هي هي: دخل شخص ساعة كان المؤمنون مجتمعين.
"خريسودكتيليوس": خاتم من ذهب. لفظة ترد مرة واحدة في الكتاب المقدس وقد بُنيت مثل "خريسوستافانوس"، إكليل من ذهب. الخاتم هو علامة الغنى. ولا سيّما إذا وُضعت فيه الحجارة الكريمة. نتذكّر هنا ما حصل ليهوذا بن يعقوب مع خاتمه الذهبي (تك 38، تامار). ويترافق مع خاتم الذهب الحلّة البهيجة. هذا ما كان ليوسف من قبل فرعون (تك 41: 42). هذه "الحلّة البهيّة" تقابل "اللباس القذر" الذي يرتديه المسكين. ثوب بال ووسخ عند الفقير. قد يكون الغني والفقير من المؤمنين. وقد يكونا غريبين أرادا المشاركة في صلاة الجماعة.
في آ 3: 9 "ابيبلابو": نظر من فوق، ألقى نظرة مترفّعة تدلّ على العطف أو الشفقة. نظرة اهتمام (1 صم 1: 11؛ 1 مل 8: 28). هم ينظرون إلى الغني ولا ينظرون إلى الفقير. يهتفون بالغني فيقدّمون له أفضل مقعد، المقعد الذي وُضع لإكرام بعض الضيوف. كذا كان الأمر في المجامع، ولكن الموقف يتبدّل مع الفقير. يجلس الغني ويبقى الفقير واقفاً، وإن أجلسناه فعلى الأرض وتحت الكرسيّ لا فوق الكرسّي. الجلوس عند قدمي شخص لم يكن عمل احتقار. فالتلميذ يجلس عند قدمي معلّمه (لو 10: 39؛ مر يو؛ أع 22: 3، بولس). ولكن الوضع هنا يتغيرّ بسبب استقبال الغنيّ لأنه غنيّ، وعدم استقبال الفقير لأنه فقير. يبدو أن مثل هذا الجلوس كان معمولاً به في الجماعات المسيحيّة كما نجد في نصوص قديمة.
آ 4، بدأ يعقوب بسؤال يرتبط بشرط: "إذا دخل...". وها هو الآن يستخلص النتيجة. إن إيمانه بيسوع المسيح المجيد يجعله قاسياً على المؤمنين الذين يتصرّفون بهذا الشكل. مثل هؤلاء المؤمنين هم منقسمون بين المسيح والعالم. إنهم يؤمنون، ولكنهم يتصرّفون وكأنهم لا يؤمنون. أما الأفكار الشريرة فتكمن في تفضيل الغني على الفقير بحسب منطق البشر وأفكارهم المسبقة. هم لا يميّزون ولا يعرفون أن يحكموا. هل يعني هذا أننا نعامل الجميع بالطريقة عينها ولا نحسب حساب كرامة الأشخاص؟ كلا. فهذا ليس فكر يعقوب. فما يريد أن يقوله هو أن يكون سلّم القيم ذلك الذي يقدّمه الإيمان لا منطق البشر.
ج- البرهان: اختار الله المساكين (آ 5)
"اسمعوا". نحن أمام نداء يشدّد على أهميّة التعليم الذي سوف يُعطى. "يا إخوتي الأحباء". أخذ يعقوب لهجة الحبّ والعاطفة ليصبح كلامه مقنعاً.
نجد فعل "اكلاغاين": اختار. الله يختار في خلائقه. كما اختار شعب اسرائيل من بين الشعوب (تث 14: 1، 2؛ أع 13: 17)، هكذا يختار بعض الأفراد. وهذا الاختيار ينبثق من الحبّ. الله يختار الذين هم موضوع رضاه. هذا هو معنى "ب ح ر" الذي يترجم "اكلاغاين" في السبعينيّة. ولا يحاول الكاتب الملهم أن يوفّق بين الاختيار الإلهيّ والحرية البشريّة. انطبع بفكرة سلطان الله المطلق على الكائنات، فظلّ على المستوى الدينيّ وما اهتمّ بأمور علم النفس. إذن، المؤمنون هم موضوع اختيار من قبل الله (أع 13: 48؛ غل 1: 15؛ أف 1: 4؛ 3: 12). 
"المساكين بحسب العالم". بحسب رأي العالم فيهم. لا بما في العالم من غنى، بل على المستوى الأخلاقيّ. نجد بنية مقابلة لهذه البنية في أع 7: 20: "مرضياً لدى الله" أي بحسب الله. "أغنياء في الإيمان وورثة الملكوت". لقد اختار الله المساكين كي يكونوا أغنياء بإيمانهم وورثة الملكوت. هم أغنياء بسبب إيمانهم، لا لأنهم يملكون إيماناً كبيراًَ. فالإيمان هو أعظم كنز يمتلكه الإنسان في هذا العالم.
هناك تعارض بين "بتوخوس" (فقير) و"بلوسيوس" (غنيّ). ويكون ميراث الملكوت امتداداً لغنى الإيمان. كان قد نال شعبُ الله مواعيد من قبل الله واعتبر تحقيقها ميراثاً. إن ميراث الأرض (لا 20: 24؛ تث 4: 1) الذي دلّ في الأصل على تحقيق الوعد المعطى لابراهيم (تك 12: 7)، اتخذ معنى واسعاً وصار عبارة مسيحانيّة تدلّ على مشاركة في كل مواعيد الله (مز 25: 13؛ 37: 9، 11، 22، 29؛ أش 60: 21؛ 65: 9). وتلاميذ المسيح هم شعب الله الجديد والميراث الذي ينتظرونه هو ملكوت السماوات (مت 25: 34) والحياة الأبديّة (مت 19: 29؛ مر 10: 30؛ يو 4: 14؛ روم 6: 22).
استعمل يعقوب هنا عبارة من العهد الجديد "كليرونوموس تيس باسيلاياس" وهي توازي "ورث الملكوت" (مت 25: 34؛ 1 كور 6: 9، 10؛ 15: 50). نحن هنا أمام الملكوت الآتي وإكليل الحياة. وميراث الملكوت الذي يناله الفقراء هو تذكّر من عظة الجبل: "طوبى للمساكين بالروح فإن لهم ملكوت السماوات".
والوعد بالملكوت يتوجّه إلى الذين يحبّون الله. فنداء الربّ واختياره لا يلغيان النشاط البشريّ، بل هما يفرضانه. فإذا أردنا أن نمتلك الملكوت، نحتاج إلى استعدادات، إلى أفعال يُجملها يعقوب في فضيلة المحبّة.

2- ملاحظات روحيّة
أ- النظام الجديد
إن الربّ الذي يعترف به المسيحيّون هو القائم من الموت، وقد نال السيادة على العالم، ونعمَ بالمجد الإلهيّ (دوكسا). إذن، لا يحقّ للمسيحيّين أن يطلبوا رباً آخر، أو أن يعميهم لمعان الغنى وظاهره. والبحث عن حظوة لدى البشر لا يليق بالمسيحيّ. فالذي يستسلم للغنى، يهمل ملكرت المسيح الذي يحرّرنا من كل خوف.
ثم إن هذا التنبّه إلى رضى البشر بما فيه من خوف، هو خيانة للأخوّة المسيحيّة. فالمسيح صار "شبيهاً بالبشر في كل شيء" (فل 2: 7). صار فقيراً بين الفقراء، واهتم خصوصاً بصغار القوم ووعدهم بالخلاص (لو 6: 20- 23). صار أخاً للجميع، فجعل من الحبّ الأخويّ شريعة كنيسته. "لكم معلّم واحد وهو المسيح، وكلكم إخوة" (مت 23: 8).
لهذا كان المسيحيون الأولون يسمّون بعضهم بعضاً "إخوة" و"أخوات" (أع 15: 23؛ روم 16: 14؛ 1 كور 9: 5). ولهذا عُرض مثالُ المسيح كقاعدة أساسيّة للخدمة المسيحيّة في الكنيسة: "ما جاء إبن الإنسان ليُخدم بل ليخدم ويبذل حياته فدية عن الكثيرين" (مر 10: 43- 45؛ رج لو 22: 25- 27). ولهذا السبب نُبّه خدّام المسيح مراراً بأن لا يقدّموا نفوسهم على أنهم أسياد القطيع، بل طُلب منهم بأن يجعلوا نفوسهم في خدمة الجميع على مثال المسيح (1 بط 5: 3).
وليس من قبيل الصدف أن تكون لفظة "محاباة الوجوه" قد وُلدت في المسيحيّة لا في العالم اليونانيّ لتدلّ على تصرّف حسن تجاه إنسان آخر، على بحث عن حظوة ورضى لدى الآخر. إن شريعة المحبّة الأخويّة تتيح للكنيسة أن تضمّ في جماعة واحدة العبيد والأسياد، الأغنياء والفقراء، اليهود والوثنيين، المتعلّمين والأميّين: في عيلة المسيح، تأتي أبوّة الله وتجمع في الأخوّة جميع البشر.
إن قوّة المحبّة التي ظهرت في المسيح قد قامت بتحوّل حقيقيّ في القيم، وبالتالي في العلاقات الشخصيّة والاجتماعيّة. وقد رأى يعقوب أن هذا النظام الأساسّي هو على المحكّ في الجماعات المضطهدة وسط الشتات المسيحيّ المتهوّد. وفي تحريض قريب من خطب الحكمة أو النبوءة التوراتيّة، نسمعه يندّد بقوّة بهذه الطريقة من التصرّف ويسند تحريضه بمثل مأخوذ من حياة الجماعة وممارستها.
ب- الواقع المشكّك
إن المثل الذي اختاره يعقوب، وفيه ما فيه من طابع مثاليّ، يقابل واقع الجماعات المسيحيّة المتهوّدة. وإلأ فكيف يستطيع أن يستخدمه لكي يدعو المؤمنين إلى التوبة؟
حين تلتئم الجماعة، وقد يكون ذلك خلال الليتورجيا، يصل شخصان غريبان ليس لهما مكان محدّد في القاعة. هل جاءا بروح فضوليّة أو طلباً لفائدة؟ هذا ما لا يقوله النصّ. ولكن الواحد يُعامل معاملة تختلف عن معاملة الآخر. فذاك الذي يبدو غنياً يعامل بالإكرام والكلام المنمّق على مثال ما يفعل العبد مع سيّده. هو على أحسن ما يُرام في جماعة أولئك الذين يعترفون بالمسيح المصلوب. فلو استطاع أن يكون من المتعاطفين مع الديانة الجديدة، لأثّرت شهرته على الجماعة. أما الفقير فلا يهتمّ أحد به. ليبحث عن موضع يقيم فيه: على الأرض، عند قدمي الناس. ففي جماعتنا كثير من الفقراء مثله. فليكن بينهم. أمّا الموضع الذي يقيم فيه الغنيّ فأمر آخر.
هو موقف نفهمه من الوجهة البشريّة. ولكن من هذه الوجهة، تكون الخيانة للمسيح كبيرة. فالمسيح جاء أيضاً من أجل "المساكين" على المستوى الدينيّ والمستوى الاجتماعيّ: هم أيضاً أبناء الآب السماوي، واخوة واخوات لنا (مت 25: 31- 46). والمسيح يهتمّ بكل إنسان، بمعزل عن وضعه الاجتماعيّ أو الاقتصاديّ. لقد صار إنساناً لكي يكون أخاً لكل إنسان، حتى لذاك الذي يتجاهله المجتمع أو يحتقره. فكيف يجد نفسه في موقف هذه الجماعات مع ما فيها من تمييز؟
قد لا تكون هذه الجماعات الفقيرة والمضايقة قد قصدت هذا التصرّف الجائر والبعيد عن روح الأخوّة. ولكن مثل هذا التصرّف يجعل يعقوب يحتدّ في كلامه. فكرامة أبناء الله التي نالها لنا المسيح هي أعظم من أن تجعلنا نطلب حظوة الأغنياء والمعتبرين دون أن نستحي خجلاً؟ أي سيّد نريد أن نعبد؟ الله أم المال؟
ج- انقلاب في القيم
قال يعقوب: "أما اختار الله المساكين بحسب العالم كأغنياء في الإيمان ووارثين للملكوت" (آ 5 أ)؟ وقال بولس الرسول: "ما هو ضعيف في العالم قد اختاره الله ليخزي القويّ" (1 كور 1: 27). أجل، لقد قلب الله سلّم القيم في هذا العالم: هذا ما رأيناه في تجسّد يسوع ورسالته العلنيّة. فوعدُه بالخلاص يتوجّه إلى الفقراء وإلى الصغار الذين تواجههم الصعوبات المختلفة. ولقد حكم بقساوة على الأغنياء الذين ظنوا أنهم مباركون من الله، فاعتبروا لذلك أنهم يستغنون عن الله.
قال الربّ: "طوبى لكم أيها الفقراء، لأن ملكوت الله لكم. ويل لكم أيها الأغنياء، لأنكم قد نلتم عزاءكم" (لو 6: 20، 24). واستعاد يعقوب هنا روحانيّة الفقراء هذه، كما وضع الأنبياء أسسها وكمّلها يسوع وعمّقها. فوضعُ الفقير يدعوه إلى موقف من الانفتاح على نعمة الله والجهوزيّة، ولكنه يتضمّن أيضاً ضيقاً تسبّبه الظروف الخارجيّة بأشكال مختلفة. فهذا الضيق هو ما يفتح عينيه على وضع الله وموقعه أمام الله.
وتدل آ 5 ب على أن الوضع الاجتماعي يترافق مع الموقف الروحيّ في مفهوم "الفقير". نحن لا نمتدح طبقة اجتماعيّة فقط بسبب ظروف حياتها الخارجيّة. فالمعيار الحاسم لاختيار الله، هو المحبّة العارفة بالجميل. ومع ذلك فالمسيحيّون الذين اختيروا كورثة، لا يمتلكون هذا الميراث إلا بشرط واحد: أن يتصرّفوا كمسيحيين. أن يمارسوا "الناموس الملكيّ"، ناموس المحبّة، محبّة القريب. فمجانيّة محبّتنا تجاه الذين لا يسئطيعون أن يعطونا شيئاً بدل عطايانا، تدلّ على أننا نحبّ الآخرين حقاً بحسب قلب الله.
د- الاخوّة المسيحيّة
هناك خطيئة تثقل كاهل الكنيسة: أعلنت دوماً تطويبة الفقراء، ولكنها مراراً وقفت بجانب الأغنياء والأقوياء، على حساب الفقراء والجهّال والمهمّشين. كم من الوظائف الرفيعة في الكنيسة ظلّت في يد الأغنياء! كم أحسّ العمّال أن الكنيسة تخونهم. هذا ما يشجبه النصّ الذي نقرأه: لا نمزج الإيمان مع اعتبار خاص بالناس. أكرموا الفقراء واهتموا بهم.
في المجمع المسكوني، سميّت الكنيسة: خادمة وفقيرة. ولقد وعت واجباتها تجاه الذين تصيبهم ظروف الحياة الجائرة في كرامتهم وحقوقهم الإنسانيّة. هي تعرف أنها مسؤولة عن وضع يستطيع فيه أن يعيش كل إنسان حياة لائقة، مهما كان عرقه أو طبقته الاجتماعيّة أو موطنه أو ديانته. الكنيسة هي المحامية عن الفقراء والمظلومين، والمرذولين والمنسيّين. تلك هي نظرة المسيح إليها.
إن الاخوّة بين البشر ليست ممكنة إلاّ إذا أحبّ البشر بعضهم بعضاً. إلا إذا احتاج البشر بعضهم إلى بعض. إلا إذا اهتم البشر بعضهم ببعض. فالاخوّة المسيحيّة التي تريد عالماً يعرف العدالة حباً بالإنسان، تفرض على كل واحد منا أن يكون أخاً لكل إنسان. فإما أن يكون عالم الغد عالم اخوّة، وإلا لن يكون.

خاتمة
وهكذا بدت المحاباة أو اعتبار أشخاص دون آخرين، معارضة للإيمان بالرب يسوع المسيح. فالمؤمن لا يحسب حساباً لمجد إلاّ مجد الربّ أو المجد الآتي من الربّ. فالله في المسيح لا يفضّل أحداً على آخر في ممارسة الدينونة، فلماذا لا نقتدي به؟ قال بولس في روم 2: 11: "الله لا يحابي الوجوه". وفي أف 6: 9: "سيّدكم (أيها السادة) وسيّدهم (العبيد) هو في السماوات، وليس عنده محاباة للوجوه" حتى على مستوى السيّد والعبد. ذاك هو الدرس الأساسّي من النظرة إلى الأغنياء والفقراء.
الفصل الثامن
من راعي الأغنياء تجاوز الناموس
2: 6- 13

تشكّل يع 2 وحدة مبنيّة بناء خاصاً، وهي مؤلّفة من متتاليتين تستخدمان ذات الأساليب لتقدّما البراهين: تقديم الأشخاص، كلام يوجّه إلى القرّاء، استناد إلى الكتاب المقدّس، خاتمة بشكل توصية تُعطى في صيغة الأمر. بدأت المتتالية الأولى في آ 1 وامتدت حتى آ 13. درسنا القسم الأول منها (آ 1- 5) وها نحن ندرس القسم الثاني (آ 6- 13). أما المتتالية الثانية (2: 14- 26) فيكون عنوانها: الإيمان والأعمال. أو: الإيمان بدون أعمال هو ميت. أو: فاعليّة الإيمان.
منذ الايات الأولى، وإذ يسمّي الكاتب قراءه: الاخوة، الاخوة الأحباء، فهو يهاجمهم بعنف، بأساليب كتابيّة تدينهم. اعتاد المسيحون أن يسمّوا بعضهم "اخوة". وتورد يع اللفظة 19 مرة. ويجعل الكاتب اللفظة في بداية المقطع ليدلّ على أنه أمام موضوع جديد. في آ 1: "لا تمزجوا يا اخوتي". وفي آ 5: "اسمعوا، يا إخوتي الأحبّاء". وهكذا يصبح الاتصال بين الكاتب والقارىء أقوى، والارتباط أشدّ.
هاجم الكاتب المؤمنين في آ 4 بشكل استفهام: "أفلا تكونون قد ميّزتم"؟ "أما صرتم قضاة بأفكار شّريرة"؟ وفي آ 6- 9، ينتقل الكاتب إلى الصيغة التأكيديّة: "حرمتم المسكين من كرامته". "تصنعون خطيئة". وهكذا يُصدر الكاتب حكماً قاطعاً على مجمل القرّاء دون أن يميّز بينهم. وهذا الحكم المطلق يضمّ الماضي والحاضر إلى المستقبل بحيث نظنّ أن الأيام الآتية في خطر. وهذا الحكم على القرّاء يتيح ليعقوب أن يعطي أوامر لا يمكن أن تجادل: "لا تمزجوا إيمان ربّنا" (آ 1). "تكلّموا واعملوا كأنكم مزمعون أن تُدانوا بناموس الحريّة" (آ 12).

1- أهنتم المسكين (2: 6- 7)
بعد أن جعل الكاتب قرّاءه يوافقون على أن جماعتهم الجديدة مؤلّفة بأكثريّتها من الفقراء، وأن دعوتهم تدلّ على أن الله اختار اناساً له من هذه الفئة، ها هو يشدّد الآن في عبارة واحدة على التعارض الشرير الذي يتضمّنه موقفهم حين يأخذون بموقف المحاباة الجائر الذي أشار إليه في ما سبق. قال: "قد أهنتم المسكين". "حرمتم المسكين كرامته". الله بنفسه منح المسكين كرامة، والمسيحيّون يسلبونه هذه الكرامة (اتيمازو، الألف تعني سلب. تيمي: الكرامة). جعلوه يحسّ من خلال استقبالهم أنهم يفضّلون الغنيّ. غبر أن الكتاب المقدس يعتبر أن احتقار الفقير خطيئة. بل هو عار على الجماعة. يقول أم 14: 21: "من استهان بقريبه يخطأ، والذي يرحم البائسين طوبى له". وسي 10: 22: "الغنيّ والمجيد والفقير فخرهم مخافة الربّ. ليس من الحقّ أن يُهان الفقير العاقل، ولا من اللائق أن يُكرم الرجل الخاطىء". وسوف يوبّخ بولس جماعة كورنتوس لأنهم يزدرون كنيسة الله ويحتقرون الذين لا شيء لهم (1 كور 11: 22).
ويتحدّث الكاتب في آ 6 ب عن خطيئة الكفر. فمحاباة الغنيّ لأنه فقط غنيّ، يدلّ على نقص في الحكم والتمييز. وإذ أراد يعقوب أن يفهم قرّاءه هذه الحقيقة، ذكّرهم بواقع مأخوذ من الحياة اليوميّة: سلوك الأغنياء تجاههم وما في هذا السلوك من قبح وشناعة. قال: "أوليس الأغنياء هم الذين يرهقونكم ويضيّقون عليكم؟ أليسو هم الذين يجرّونكم إلى أمام المحاكم؟ أوليسوا هم الذين يجدّفون على الاسم الجميل الذي به دعيتم" (آ 6- 7)؟
إن الصيغة الاستفهاميّة للجمل توازي الصيغة التأكيديّة التي قرأناها في آ 5، وتجعل السامع أمام حقيقة لا يمكنه أن يجادل فيها. أما الأخطاء التي ينسبها إلى الأغنياء فهي ثلاثة أنواع، والكاتب يقدّمها في خطورتها المتصاعدة.
الأول: يخطىء الأغنياء حين يتسلّطون على الفقراء، فيتجاوزون سلطتهم ويضايقونهم. نقرأ "كاتادينستاوو": استعمل سلطته ضد الآخرين. هذا الفعل يرد أيضاً مرّة واحدة في كل العهد الجديد بمناسبة الحديث عن المرضى الذين "سقطوا في سلطة" الشيطان فشفاهم يسوع (أع 10: 38، خطبة بطرس لكورنيليوس). غير أننا نجده مراراً في السبعينية وفي معرض الحديث عن الفقراء الضعفاء الذين يستغلّهم الأغنياء. نقرأ في عا 4: 1 عن الذين "يظلمون الفقراء ويضغطون المساكين". وفي 8: 4 يهتف النبيّ: "اسمعوا هذا يا من تضغطون على المسكين لتفنوا بائسي الأرض". رج إر 7: 6؛ زك 7: 10. وكيف يضغطونهم؟ يسلبونهم حقولهم وبيوتهم ويستعبدونهم (مي 7: 6). وسوف تشير رسالة يعقوب بعد ذلك إلى بعض الحالات الخاصّة من المضايقة: تسخيرهم للعمل في الحقول. حرمانهم من أجرهم العادل (5: 4- 5).
الخطأ الثاني: يتميّز عن الأول بعبارة: "وهم أيضاً" (كاي اوتوي). بماذا يقوم هذا الخطأ؟ يجرّ الأغنياءُ المساكينَ أمام المحاكم. إن فعل "الكو" يزيد على فعل ضايق وأرهق. إنه يتضمّن الاكراه والعنف كما في أع 16: 19 (جرّوا بولس ورفيقه بالقوّة): 21: 30 (جرّوا بولس إلى خارج الهيكل). وهكذا يساق الفقير إلى المحكمة (كريتاريون، رج هذا المعنى في 1 كور 6: 2- 4). حين تحكم المحكمة اليهوديّة على مثل هذا الفقير فباستطاعتها أن تجلده، تضربه بالعصي، تسجنه، تجعله يدفع غرامة، تحكم عليه بالأعدام. في هذا الحال، يصيب الحكمُ العائلة كلها. مثلاً في مت 18: 25- 34، ما استطاع الرجل أن يدفع الدين "فأمر سيّده بأن يباع هو وامرأته وأولاده" (آ 25؛ رج مت 5: 25- 26؛ 2 كور 11: 24).
الخطأ الثالث: بدأ بصيغة الاستفهام (أوليسوا) والضمير "هم". وهكذا تميّز عن الخطأين الأولين، ووصل بالأخطاء إلى الذروة. هؤلاء الأغنياء "يجدّفون على الاسم الجميل (الاسم المسيحيّ) الذي به دُعيتم". يستعمل فعل جدّف عادة في الكتاب المقدس ليدلّ على كل إهانة مباشرة ضد الله، سواء بالقول أم بالفعل. أو ضدّ الوحي الإلهيّ. وقد يدلّ بعض المرات (لا سيّما في صيغة المجهول) على سلوك عباد الله من يهود ومسيحيّين حين يصبح سلوكهم سبباً فيجدّف الآخرون على الله وعلى وحيه، حين يشاهدون هذا السلوك فيتشكّكون. رج أش 52: 5: "أخذ شعبي إلى السبي والمتسلّطون يصيحون، يقول الربّ، واسمي لا يزال يجدّف عليه كل يوم"؛ روم 2: 24: "إن اسم الله يجدّف عليه في الأمم بسببكم كما كُتب"؛ 1 تم 6: 1: "ليحسبوا سادتهم اهلاً لكل كرامة لئلاّ يجدّف على اسم الله وتعليمه". رج تي 2: 5؛ 2 بط 2: 2.
أما في النصّ الحاضر، فالاسم الجميل، الاسم المسيحيّ، يجدّف عليه. وحسب الكتاب المقدس، من دعا اسم الله أو تلفّظ به على أشياء طبيعيّة أو معنويّة، كان وكأنه يعلن أن هذه الأشياء تخصّ له. أنها مكرّسة له، أنها موضوعة تحت حمايته (تث 28: 10؛ عا 9: 12؛ أش 43: 7؛ 63: 19؛ ار 7: 10؛ دا 9: 18- 19؛ 2 مك 8: 15). فاسم الله هو الله نفسه.
في العهد الجديد، يدعو البشر باسم يسوع، الربّ الممجّد (1: 1؛ 2: 1؛ 1 كور 1: 2؛ أع 2: 21؛ 9: 14، 21؛ روم 10: 12؛ 2 تم 2: 22). أو يُدعى اسمه عليهم بمناسبة تعليم يُعطى أو أشفية تتمّ أو أسرار ينالها المؤمن (أع 2: 28؛ 3: 6؛ 4: 7- 10؛ 5: 28، 40؛ 9: 27- 28؛ 10: 48؛ 19: 5، 13؛ يع 5: 14؛ فل 2: 10؛ 1 كور 6: 11). ومع أن تطبيق العبارة ينتقل من الله إلى يسوع، فالمعنى الأساسي يبقى هو هو (أع 2: 21): فالدعاء باسم يسوع وبشخصه، يدلّ على أنه السيّد، أننا نخصّه، أننا ننتظر كل شيء منه، أننا نجعل نفوسنا في خدمته.
لا شيء يدلّ على أن الكاتب يفكّر بشكل خاص في الطقس العماديّ (رج أع 2: 38). ولكن ذلك ليس بمستحيل (1: 18، 21). ويوصف اسم يسوع بـ "الجميل" (كالوس) أي الخلاصيّ الذي يحقّ له كل إكرام (أع 2: 21؛ 4: 12). ومع ذلك، فالأغنياء يجدّفون على هذا الاسم، يهينونه. لا شكّ في أننا هنا أمام اسم يسوع. ليس هناك ما يؤكّد ذلك، ولكن لا ننسى أننا أمام مقال مسيحيّ. فلو كنّا أمام كتاب يهوديّ، لكان الحديث عن اسم الله، اسم يهوه، لا عن اسم يسوع. لو كنا امام كاتب يهودي لما استطعنا أن نتحدّث عن الاسم المسيحيّ. فهذا الاسم الذي أطلقه مسيحيو أنطاكية (أع 11: 26) لم يصبح مألوفاً إلا في وقت متأخّر.
من هم هؤلاء الأغنياء الذين يتّهمهم يعقوب هذه الاتهامات الخطيرة؟ هل هم يهود ظلّوا لا يؤمنون؟ هل هم مسيحيّون أم وثنيّون؟ هنا تختلف الآراء.
فالذين يرون في هؤلاء الأغنياء فئة من المسيحيّين، يسندون فرضيّتهم إلى البراهين التالية. تتوجّه الرسالة إلى مسيحيّين (1: 1). وقد عرفت المسيحيّة الأولى في صفوفها عدداً من الأغنياء، مثل هذا الذي دخل إلى الجماعة فاستُقبل بحفاوة (2: 3). وهناك تنبيهات في الرسالة تتوجّه بشكل مباشر إلى هؤلاء الأغنياء (1: 10- 11؛ 5: 1- 6). بحسب هذه الفرضيّة، لا يكون تجديف الأغنياء على الاسم الجميل كلاماً مباشراً على الله، بل سلوكهم الرديء الذي هو شهادة معاكسة، يجعل النالس يجدّفون على يسوع الذي إليه ينتمي هؤلاء الأغنياء. وسلوكهم يبدو مشككاً بشكل خاص حين يستغلّون اخوتهم في الإيمان ويجرّونهم إلى المحاكم (آ 6؛ رج 5: 1- 5؛ 1 كور 6: 1- 7).
ويظن عدد كبير من الشرّاح أن الأغنياء الذين يضايقون المؤمنين ويلاحقونهم في المحاكم ويجدّفون على اسم يسوع، هم يهود لم يأتوا إلى الإيمان، أو هم وثنيّون. لاحظ صاحب الرسالة أن طبقة الأغنياء ما زالت تستغلّ الصغار والضعفاء والفقراء (مت 20: 25 وز). لهذا وبّخهم يعقوب على مثال الأنبياء (65: 1- 5؛ رج أش 5: 8- 13؛ لو 6: 24- 26). وهو لا يستطيع أن يجهل أن الصادوقيّين هاجموا المسيحيّين بشكل خاص، وسعوا إلى إهانة اسم يسوع (مت 10: 22؛ لو 6: 22- 23؛ 1 تس 2: 14- 16). وقد يكون يعقوب عرف مضايقات التجّار والملاّكين الوثنيين لتلاميذ يسوع (أع 16: 19؛ 19: 24؛ 1 بط 2: 20؛ 3: 15- 16! 4: 14- 16).
وقف يعقوب في خطّ الكرازة النبويّة والتقليد الإنجيليّ، فندّد بميول طبقة اجتماعيّة، لا بأشخاص معيّنين في هذه الطبقة. وقساوته التي تجاوزت قساوة لوقا وبولس، تجعلنا نفهم كم كان مهدّداً وضعُ المسيحيّين في أيامه.

2- الناموس الملكيّ (2: 8- 9)
بدت المحاباة الظالمة معارضة لموقف الله (آ 5- 6 أ)، معارضة للعقل السليم (آ 6 ب- 7). وهي تعارض أيضاً الناموس أو شريعة الله (آ 8- 11). يبدأ الكاتب فيوافق على القول أولاً بأنه كان بإمكاننا أن نمتدح المسيحيّين لو كان استقبالهم الحار يستلهم المحبّة فقط (آ 8). ولكنهم يخطأون ويتجاوزون الناموس، لأن حفاوتهم هي في الواقع تفضيل للأغنياء لا يستند إلى حقّ، ومحاباة للوجوه (آ 9). وينهي قائلاً بأن المسيحيّين يدلّون بهذا التجاوز وحده، على أنهم يتعدّون على الشريعة كلها (آ 10- 11).
نقرأ وآ 8: "إن كنتم تتمّون الناموس الملكيّ، على حسب الكلمة القائلة: أحبب قريبك كنفسك، فنعمّا تعملون". إن الأداة "منتوي" قد تعني "ولكن". وتعني أيضاً "في الحقيقة". لهذا يجب أن نقول: "في الحقيقة، إن كنتم". إن الكاتب يقدّم تنازلاً (آ 8) قبل أن يقول إن المحاباة تعارض الشريعة (آ 9). نحن هنا في عمليّة وضع الأمور في نصابها، لا أمام جواب على اعتراض لم يعلن عنه. قال: لا شكّ في أن القرّاء يسيرون سيرة حسنة، وهم يفعلون ذلك لكي يتمّوا (تالايو) الناموس الملكيّ الذي يأمرنا بمحبّة القرية وبالتالي يدعونا إلى استقبال الأغنياء بحفاوة.
إذن، لا يندّد الكاتب بلا تمييز بكل حفاوة تتوجّه إلى الأغنياء. فالحفاوة التي تستلهم المحبّة هي جديرة بكل مديح. أخذت العبارة "أحبب قريبك كنفسك" من لا 19: 18. وهذا الإيراد الواضح الذي نجده مع ثلاثة أخرى (2: 23؛ 4: 6؛ 5: 20) يوافق نيّة النصّ، لا سيّما وأن سفر اللاويّين يطلب محبّة القريب بعد أن يمنع كل محاباة للوجوه جائرة (لا 19: 15: لا تجوروا في الحكم، ولا تحابوا فقيراً، ولا تجلّوا عظيماً، بل بالعدل تحكم لقريبك).
وعبارة "الناموس (نوموس) الملكيّ" (باسيليكوس) تجد تفاسير متعدّدة لدى الشّراح.
بعضهم يعود إلى الاستعمال العادي للفظة ناموس في التوراة، وإلى السياق المباشر في يع 2: 9- 11، فيظنّون أننا أمام مجمل الشريعة الموسويّة. ويظنّون أن الصفة الملوكيّة لهذه الشريعة تعود إلى أنها تنبثق من سلطة الله السامية. وهذا ما يجعلها عالية، رفيعة. وهي لا تتوجّه إلى العبيد، بل إلى وارثي ملكوت الله (آ 5).
ويرى معظم الشّراح أننا بالأحرى أمام شريعة خاصة. فهي بحسب الكتاب أي العهد القديم أو مجمل الشريعة الموسويّة (2: 23؛ 4: 6)، تأمرنا بأن نحبّ القريب مثل نفسنا. هذه الشريعة التي يجب أن نسمّيها عادة "فريضة"، تُوصف بأنها ملوكيّة (في المعنى الذي قلناه أعلاه)، لأنها الشريعة الكاملة المطلقة والتي تتضمّن سائر الشرائع وتُجملها وتتجاوزها (1 كور 13؛ روم 13: 8- 10؛ كو 3: 14؛ غل 5: 14؛ يو 13: 34). إن السياق المباشر (2: 9- 11) يسير في خطّ هذا التفسير، فتقابل آ 10 الشريعةَ كلها مع الفريضة الخاصة التي تتحدّث عنها آ 8- 9.
وحين أعطى يعقوب وصيّة محبّة القريب كما أعلنها لا 19: 18، أهميّة ملوكيّة فائقة، دلّ على أنه مرتبط بالتقليد الانجيليّ. فيسوع كان أول من أعلن هذه الوصية التي تشبه وصيّة محبّة الله (مت 22: 39 وز). ووسّع تطبيقها على كل إنسان (لو 10: 29- 37). وجمع فيها كل شريعته (يو 13: 34). قبل ذلك، كانت تلك الوصيّة على مستوى سائر الوصايا والفرائض (رج مت 23: 36 وسؤال الكاتب حول أعظم الوصايا) مثل الختان والسبت والطهارة الطقسيّة والعشور والأصوام.
ونصل إلى آ 9. فإذا كان المسيحيون يتصرّفون حسناً حين يجعلون موقفهم تجاه الأغنياء بحسب الناموس الملوكي، ناموس المحبّة، فليس الأمر كذلك حين يتبعون محاباة للوجوه وما فيها من جور وظلم: حينئذٍ يُصبحون خطأة لأنهم تعدّوا هذه الوصيّة. قالت الرسالة: "ولكن حين تحابون الوجوه، ترتكبون خطيئة، والناموس يحجّكم كمتعدّين".
أن تحتفي بالغني وحده وتفضّله على الآخرين لأنه غنيّ، فأنت تقترف خطيئة. هنا لا تشخّص (تعتبر شخصاً حياً) الخطيئة كما في 1: 15 (الخطيئة تنتج الموت). بل هي تشبّه بتجاوز الناموس أي مشيئة الله (4: 17؛ 5: 15، 16، 20). ونهاية آ 9 تلعب دور بدل يفسّر ما قبله: حين يمارس المسيحيون كل هذا التميّز، فالناموس يُفهمهم أنهم تعدّوه. فالناموس أي وصيّة المحبّة الإلهيّة، يلعب في الوقت عينه دور وصيّة نتجاوزها ودور المتهم الذي يدلّنا على خطيئتنا. لهذا لا عذر لمن يميّز في استقباله الغنيّ دون الفقير.

3- العمل بالناموس كله (2: 10- 13)
هنا يعود يعقوب إلى مبدأ يقول إن من تجاوز الناموس في فريضة، صار متجاوزاً للناموس كله. نقرأ في آ 10: "من حفظ الناموس كله وزلّ في وصيّة واحدة، فقد صار متعدياً في الكل". نحن هنا أمام تفسير للآية السابقة، مع تشديد على الحكم المعلن. عارض الكاتب مجمل الشريعة الموسويّة مع نقطة واحدة من هذه الشريعة أي وصيّة المحبّة.
نجد فعل "بتايو". في المعنى العاديّ: اصطدم. وفي المعنى الخلقيّ: زلّ. خطىء. لا نجد المعنى الخلقيّ، إلا هنا في العهد الجديد (روم 11: 11، بتايو= عثر: 2 بط: 10). من اصطدم على هذا الشكل بنقطة واحدة من الناموس (تحاشى يعقوب تكرار الكلمة) تشرف على المحبّة، أي من مارس المحاباة، صار خاطئاً دائماً تجاه الناموس ككلّ لا في كل نقطة من نقاطه. وهذا الخطأ الاجمالّي هو واضح رغم الأمانة لسائر الفرائض التي تشكّل وحدة مع الفريضة التي تجاوزناها.
إنه المبدأ العام في آ 10 يلتقي والفكرة اليهوديّة آنذاك، التي تعئبر أن الناموس وحدة تامة، لأن فرائضه تنبثق دفعة واحدة من ذات المشترع الإلهي (آ 11: الذي قالت... قال أيضاً). فمن تهرّب من إحدى هذه الفرائض، احتقر الكلّ الذي هو تعبير عن إرادة الله. كانت هذه النظرة ردّة فعل ضدّ التمييز بين وصايا صغيرة ووصايا كبيرة (كما 5: 19).
إن التعليم الرواقيّ الذي عرفه العالم اليهوديّ الهليني، والذي يقول إن الرجل الفاضل لا يستطيع أن يزلّ في خطيئة واحدة والعكس بالعكس، ليس موضوع حديث يعقوب هنا. وهو الذي يرفض هذا القول في 3: 2: "إنّا جميعاً نزلّ كثيراً، ومن لا يزلّ في الكلام فهو رجل كامل". نحن بالأحرى مع عودة إلى التقليد الانجيليّ الذي يربط الشريعة كلها بوصيّة المحبّة، فيرى بالتالي أن الشريعة تُصاب في الصميم حين نتعدّى وصيّة المحبّة (مت 22: 39 وز).
وإذ أراد الكاتب أن يوضح ما في آ 10، بيّن بالأمثلة أن مختلف الوصايا تكوّن وحدة تامة وغير منفصلة لأنها تنبثق من ذات المشيئة الإلهيّة. "لأن الذي قال: لا تزن، قال أيضاً: لا تقتل. وإذن، فإن لم تزن، ولكن قتلت، فقد صرت متعدياً للناموس..." (آ 11). ويورد الكاتب في جمل متوازية وصيّتين مأخوذتين من الوصايا العشر (خر 20: 13- 14؛ تث 5: 17- 18). ولكنه اتّبع ترتيب السبعينيّة لا ترتيب النصّ الماسوري (مت 5: 21، 27؛ مر 10: 19).
أخذ الكاتب بطريقة اليهود في التكلّم عن الله، فما ذكر اسمه، بل دلّ عليه: لأن الذي قال. وإذ استبعد الفكرة القائلة بأن التعدّي على وصيّة محدّدة يتضمّن عملياً التعدّي على سائر الوصايا، أفهمنا أن جميع الوصايا بدون استثناء تأتي من ذات الإله. فمن تعدّى على وصيّة واحدة صار متعدياً (هناك استمراريّة) على الشريعة كلها كتعبير عن إرادة الله.
كان دور آ 10- 11 تبرير آ 9 التي تشجب باسم شريعة المحبّة المحاباة وما فيها من جور. هذا ما يعفي الكاتب من أن يستخلص النتائج بدل القارىء (1: 24) فيقول: إن المحاباة التي تتعدّى على المحبّة (2: 8- 9) تصيب في الوقت عينه الناموس كلّه.
والبرهان الأخير ضد التميّز والمحاباة يرد بشكل تحريض على العيش، ونحن نفكّر بأننا سنؤدي حساباً في يوم الدينونة (آ 12). نجد بذار هذا البرهان في آ 9 ب التي جعلت من الشريعة متّهمة لمن يتعدّاها. وها هو قد صار الآن واضحاً: "تكلّموا واعملوا بتمييز كأنّكم مزمعون أن تدانوا بناموس الحريّة". إن لفظة "هوتوس" التي تتكرّر والتي ترجمناها "بتمييز" تدلّ على الطابع الملحّ للتحريض. فالعبارة "تكلّموا واعملوا" تشمل الكلمات والمواقف التي نتّخذها تجاه الأغنياء والفقراء (2: 2- 3)، كما تشمل أيضاً مجمل الحياة. فالأقوال والأعمال توضع معاً لتدلّ على السلوك البشريّ بشكل عام (أع 1: 1؛ 7: 22؛ 1 يو 3: 19). ونحن نلاحظ الكاتب الذي يلقي نظرة على حياة المسيحيين الاخلاقيّة، يشدّد تارة على الأقوال (1: 9، 26؛ 3: 1- 12) وطوراً على الأعمال (1: 20، 22، 23، 25، 27؛ 2: 8؛ 14- 26). وهكذا نرى تأثير التقليد الأنجيليّ بحسب متى (12: 36؛ 25: 31- 45).
يجب أن نحيا ونحن ناظرون إلى تأدية الحساب، كأناس سوف يدانون، سوف يدينهم الله. يؤكّد الكاتب على قرب الدينونة، لا على فكرة اقترابها. نحن هنا أمام الدينونة الاسكاتولوجيّة، ساعة عودة المسيح (1: 22، 25؛ 5: 7).
وبالنظر إلى الدينونة الآتية، يجب أن نكون رحماء في أقوالنا وفي أعمالنا "لأن الدينونة ستكون بلا رحمة على من لا يصنع الرحمة. بيد أن الرحمة ستغلب الدينونة" (آ 13). نجد هنا جملتين لا ترتبطان ارتباطاً وثيقاً بما في آ 12. فنحن انتقلنا من صيغة المخاطب الجمع (تكلّموا أنتم) إلى صيغة الغائب المفرد (من لا يصنع هو). وهناك مدلول جديد قد دخل هنا هو الرحمة (ايليوس؛ رج 3: 17؛ 5: 11).
في البيبليا، تعبّر رحمة الله عن حنانه وأمانته، ونحن نترجمها مساعدة للذين هم في حاجة ماديّة أو معنويّة. فهي تنجّي الآخر، تسنده، تدعوه إلى التوبة، تغفر له. مثل هذه الرحمة قد أوصى بها الكاتب الملهم. قال مي 6: 8: "ما يطلب منك الربّ هو أن تجري الحكم وتحبّ الرحمة وتسير بتواضع مع إلهك". وفال هو 6: 6: "أريد رحمة لا ذبيحة" (رج مت 12: 7). وهذه الرحمة هي شرط لغفران الخطايا. رج سي 27: 30؛ 28: 7 حيث نقرأ: "الحقد والغضب كلاهما رجس، والرجل الخاطىء متمسّك بهما. من انتقم يدركه انتقام الربّ الذي يحاسبه بقساوة على خطاياه. اغفر لقريبك ظلمه لك، فإذا تضرّعت تمحى خطاياك. أيحقد إنسان على إنسان، ثم يلتمس من الربّ الشفاء؟ هو لا يرحم إنساناً مثله، فكيف يستغفر عن خطاياه"؟
في العهد الجديد، نرى يسوع ذلك الكاهن الرحيم (عب 2: 17) الذي يعبرّ عن رحمة الله في أعماله وأقواله، الذي يدعونا إلى الاقتداء به ويعد الرحماء بالسعادة (مت 5: 7؛ 12: 7؛ 18: 23- 35). وفي رسالة يعقوب، تبدو الرحمة وجهاً من وجوه المحبّة (آ 8). وتشمل استقبال الفقير استقبالاً لا ينمّ عن احتقار له (2: 3- 4؛ 6 أ). كما تتضمّن الاحسان للبائسين (1: 27) والابتعاد عن كل جور وظلم. ويربط يعقوب رحمة الله أي غفرانه وحسناته بالرحمة التي يمارسها الانسان تجاه القريب. كما يربط بين العقاب والخطيئة على ما نجد في العهد القديم حيث نرى أن الانسان يُعاقب بما به يخطأ (أي 22: 9- 10؛ طو 4: 7؛ أم 17: 5؛ 21: 13؛ سي 28: 4- 5). ولكنه يبقى في خطّ التقليد الانجيليّ الذي يقول: لا يغفر الله إن لم نغفر (مت 6: 14- 15؛ 18: 23- 35). الله يكيل لنا بالكيل الذي نكيل به (مت 7: 2). الله يهدّد الذين لا يمارسون الرحمة (مت 22: 23؛ 25: 41). وإذ أراد الكاتب أن يتحدّث عن دينونة بلا رحمة، استعمل لفظة لا ترد إلاّ هنا في كل العهد الجديد: انالايوس: بلا رحمة. لا نستطيع أن نتحدّث إلاّ قياساً عن غياب الرحمة عند الله. كما لا نستطيع أن نتكلّم عن شريعة الِمثل في مجازاة الله للبشر أي على مستوى "سنّ بسن وعين بعين". ولكن إذا كان قلبنا رحيماً أي منفتحاً على الله، فهو يستطيع أن يتقبّل رحمة الله وغفرانه. أما إذا كان قاسياً كالصخر، فلا تخرج منه مياه الرحمة، ولا يستطيع أن يتقبّل رحمة الله التي تنزل عليه كالمطر.
كان القسم الأول من الآية سلبياً: "ستكون بلا رحمة على من لا يصنع الرحمة". فجاء القسم الثاني إيجابياً وبشكل مبتكر: الرحمة تتحدّى، تتغلّب. تبدو الرحمة شخصاً حياً. وهي تمثّل ذاك الذي يصنع الرحمة (نستطيع أن نقول: الرحيم يغلب). نجد هنا موقفاً من الافتخار تجاه الدينونة، لأننا متأكّدون من الرحمة. وهذا الموقف فيه الثقة والدالة كما في الكتاب المقدس (طو 4: 10- 11؛ أم 17: 5؛ سي 3: 20؛ مت 5: 7). وهكذا نرى أن فكرة الدينونة (كريسيس) لا ترتبط دوماً بالعقاب، بل قد تحمل إلينا نداء كما في مت 25: 31- 40: "تعالوا يا مباركي أبي، رثوا الملكوت المعدّ لكم منذ إنشاء العالم".

خاتمة
جاء هذا المقطع امتداداً لما سبقه حول الأغنياء والفقراء في الكنيسة. ولكنه انتقل من مستوى خاص جداً إلى مستوى عام، فوصل بنا أولاً إلى الاسم الجميل، اسم الربّ يسوع الذي نُدعى به في المعموديّة، ويجدّف عليه الأغنياء حين يضطهدون البار الذي يخصّ المسيح. وقدّم يعقوب مقابلة بين الناموس الملوكيّ وناموس الحريّة. فالشريعة تجعل من المؤمنين أبناء أحراراً كما قال اليهود ليسوع في يو 8: 31- 35. ولكن يعقوب يتطلّع إلى تفسير مسيحيّ للشريعة. الشريعة هي كلمة الحقّ. وعملها هو قبل كل شيء محبّة القريب التي تحتلّ المكانة الملوكيّة بين الوصايا. وهكذا نكون في خطّ متى وكمال الشريعة أو يوحنا والوصيّة الجديدة. هذه الشريعة هي كاملة لأنها في النهاية تدلّ على مشيئة الله. وهكذا نصل إلى عمق الصلاة المسيحيّة: لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض.
الفصل التاسع
الإيمان والأعمال
2: 14- 26

يشكّل القسم الثاني من يع 2 وحدة متماسكة كل التماسك. وهو يتمحور منذ البداية إلى النهاية حول العلاقة بين الايمان والاعمال والخلاص، فيتوسّع في هذه الثلاثة بشكل متناسق وفطن. يبدأ بإعلان الموضوع في آ 14: "بدون أعمال ليس من إيمان يخلّص الانسان". ويعطي وضعاً ملموساً بشكل فرضيّة (آ 15- 16) تتضمّن تطبيقاً كما في الأمثال (آ 13): "كذلك الأعمال". ويُسند موضوعه بردّ على اعتراض أو تحدّ يقف أمامه (آ 18). بعد ذلك، تأتي ثلاثة أمثلة فتدلّ على صوابيّة الموضوع: مثل سلبيّ هو مثل الشياطين الذين يؤمنون ويرتعدون (آ 19). ومثل إيجابي هو مثل ابراهيم الذي تبرّر بالأعمال (آ 21- 23). ومثل إيجابي آخر هو مثل راحاب التي برّرت بالاعمال (آ 25). ويستعيد الكاتب موضوعه محيطاً بالمثلين الأخرين (آ 20، 24، 26).
نلاحظ ان هذه الرسمة (الموضوع، حالة ملموسة، براهين) تشبه بعض الشيء رسمة 2: 1- 13. ونلاحظ أيضاً أن ليس من انتقالة بين القسم الأول (آ 1- 13) والقسم الثاني (آ 14- 26)، بل وُضعا الواحد قرب الآخر. ونشير إلى أن لفظة "إيمان" ظهرت في 1: 3، 6؛ 2: 5. ولفظة "أعمال" في 1: 4، 25. ولفظة "خلص" في 1: 21. فضرورة عيش الإيمان، والعمل بموجب الكلمة، والتديّن بديانة تمرّ في الأعمال وتنتصر على المحن وعلى الخطيئة، وعلى الغضب وعلى الاهمال، وتُترجم بالمحبّة والرحمة، كل هذا هو أساس رسالة يعقوب، ونحن نكتشفه منذ البداية. غير أن الكاتب لم يقدّم بعدُ عرضاً مباشراً للعلاقات بين الايمان والاعمال والخلاص كما سيفعل الآن. وهكذا نكون في هذا المقطع قد وصلنا إلى قلب الرسالة، فنكتشف منطق الكاتب وأسلوبه ولغته، وفي النهاية نصل إلى المقابلة المعروفة بين تعليم بولس وتعليم يعقوب حول العلاقة بين الايمان والاعمال.

1- طرح الموضوع (2: 14)
سبق ليعقوب وعلّم أنه لا يكفي أن نسمع الكلمة، بل يجب أن نعمل بها (1: 19- 27). وأنه ليس من المنطق في شيء بأن نؤمن بالمسيح ونعيش محاباة الوجوه (2: 1- 13). وهكذا بيّن في نقطتين عمليّتين كيف يجب على الإيمان أن يوجّه سلوك الانسان. وها هو الآن يطرح الموضوع.
لا يستطيع الايمان بدون أعمال أن يخلّصنا. وهكذا تربط فكرةُ الخلاص هذه المقطوعةَ بسابقتها. فالذي صنع الرحمة يكون الغالب في يوم الدينونة. والذي لا يعمل الأعمال التي يطلبها الإيمان، يُحكم عليه.
"وأي منفعة يا اخوتي"؟ يبدأ يعقوب بتوجيه كلامه بشكل سؤال، فيقدّم طرحه كما في المجادلة الرواقيّة. نظن نفوسنا في مجإدلة شفهيّة خلال فقاهة تعطى للمسيحيّين. هو يبدأ: "يا اخوتي". ويتضمّن السؤال، كما سوف نرى في آ 17، 20، 24، 26، جواباً سلبياً (رج 3: 11- 12): "أي منفعة يا اخوتي، لمن يقول إن له إيماناً ولا أعمال له؟ ألعلّ الايمان يقدر أن يخلّصه" (آ 14)؟
نرى في بداية الآية لفظة نادرة في البيبليا: أوفالوس (فائدة، أي 15: 3؛ 1 كور 15: 32). وهي ستتكرّر في آ 16 ب. حذفت بعض المخطوطات الـ التعريف من أمام "أوفالوس" فأعطت الجملة قوّة نجدها عند فيلون الاسكندراني حين كتب: "أية منفعة في أن تقول أحلى الكلمات، ساعة تفكّر بالامور البشعة وتعمل لا".
من يُحرم من المنفعة والفائدة؟ هو شخص مسيحيّ. لا يحدّده يعقوب. هو يقول أو يعتقد أن له الإيمان، ولكن ليس له الأعمال. فالايمان المذكور هنا كما في 1: 3؛ 2: 5، يبقى غير محدّد. فلا بدّ من العودة إلى السياق لكي نرى هل نحن أمام تقبّل الوحي أو التعلّق بالمسيحيّة. فمن أعلن أن له الإيمان، فقد أكّد انه مؤمن (آ 19). والاعمال (إرغا) التي بدونها لا نستطيع أن نقول إن لنا الايمان، هي محدّدة في السياق المباشر. فهي تقوم بأن نتعاطف مع شقاء القريب (آ 15- 16)، أن نقوم مثل ابراهيم بأعمال يوصي بها الله (آ 21)، أن نسدّ عوز خدّام الله كما فعلت راحاب (آ 25). وبمختصر الكلام، أن نعيش متطلّبات الإيمان الذي اعتنقناه (آ 22).
إذن، لا ينكر الكاتب ضرورة الايمان، بل هو يفترضها. غير أنه يؤكّد فقط على بطلان إيمان يبقى على مستوى الكلام، على المستوى النظريّ. هذا ما يجعلنا (1: 19- 27) في خطّ التعليم البيبليّ. في خط الأنبياء (عا 4: 1 ي؛ هو 4: 1 ي؛ أش 1: 1 ي). في خطّ يوحنا المعمدان (مت 3: 1- 10 وز) الذي طلب من سامعيه "أن يثمروا ثمراً يليق بالتوبة..."، وقال لهم: "كل شجرة لا تثمر ثمراً جيدأ، تُقطع وتُلقى في النار". في خطّ يسوع (5: 16؛ 7: 15- 27) الذي طلب من تبّاعه: "ليضىء نوركم قدّام الناس ليروا أعمالكم الصالحة ويمجّدوا أباكم الذي في السماوات". وأبرز يسوع في حديثه فئتين: من يسمع ويعمل... من يسمع ولا يعمل. الأول بنى بيته على الصخر. والثاني على الرمل. ونحن نعرف النتيجة.
وقال يوحنا في رسالته الأولى: "من كانت له خيرات هذا العالم، ورأى أخاه في فاقة فحبس عنه أحشاءه، فكيف تثبت فيه محبّة الله؟ فلا نحبّ يا أولادي الصغار، لا بالكلام ولا باللسان، بل بالعمل وحقاً" (3: 17- 18). وربط بولس في 1 تس 1: 3 عمل الايمان بتعب المحبّة وثبات الرجاء. رج 1 كور 3: 8- 10؛ غل 6: 4- 6: "فلينجز كل واحد عمله الخاص، وحينئذٍ يكون افتخاره من قبل نفسه، لا من قبل غيره".
كان السياق السابق قد تحدّث عن الأعمال (1: 4- 25)، فأعطى ذات المعنى لهذه اللفظة. وجاء في 1: 26- 27 مدلول الايمان الباطل الذي لا يحمل أعمال محبّة، جاء على مستوى التديّن (ترسكايا). لا نجد أي تلميح هنا ولا في سائر أقسام الرسالة حتى في 5: 14- 16 عن ممارسات الشريعة الموسويّة أو الرابانيّة. فالأمثلة عن أعمال ترد هنا، هي تعبير أخلاقيّ عن محبّة الله أو محبّة القريب. فلا نكتشف شيئاً من العقليّة الفريسيّة الضيّقة (لو 18: 9- 14؛ مت 23: 1- 32 وز)، ولا من العالم المسيحيّ المتهوّد (أع 15: 1- 5؛ غل 2- 5) حول ممارسة الختان أو شرائع الطهارة. ولا ينظر الكاتب إلى الأعمال وكأنها الينبوع الأول والقانونيّ الذي يتيح لنا أن نقترب من الله، ويُنتج الإيمان. بل نحن على المستوى الداخليّ، مستوى الوجدان الذي يطلق الإيمان ويعبّر عنه. ويجد فيه معيار وجودنا وحيويّة إيماننا (مت 5: 16؛ أف 2: 10).
وتحدّد نهاية آ 14 الوجه الذي فيه يكون الايمان على مستوى الكلام بدون فائدة ولا منفعة. وطُرح السؤال: هل يستطيع مثل هذا الايمان أن يخلّص (سوزو)؟ شكل استفهامي كما في بداية الآية، وهو يعطي قوّة للفكرة المقدَّمة، ويفترض جواباً سلبياً: لا يستطيع (رج 3: 12). فالخلاص (سوتيريا) الذي لا يمنحه إيمان نظريّ، بل يمنحه تقبّل سامع لكلمة زُرعت فينا (1: 21)، هو في جوهره من النوع الاسكاتولوجي، لأنه يجعلنا في جوّ عودة الربّ. هذا الخلاص هو تقبّل إكليل الحياة (1: 12) والسعادة بعد حياة مكرّسة لممارسة الشريعة الكاملة، شريعة الحق (1: 25). وهو تأكيد لدينونة ترافقها الرحمة (2: 13) في مجيء الرب (5: 7- 11). وهو اليقين بأننا ننجو من الهلاك الأبديّ (4: 12).
غير أن هذا الخلاص يتهيّأ على هذه الأرض حين نعيش حياة لا عيب فيها أمام الله (1: 4). فنحسّ برضى الله علينا. بأننا نرتفع معه ونتمجّد (1: 9). بأننا وُلدنا بكلمة الحقّ (1: 18). بأننا منحنا برّ الله (1: 20). بأننا تبرّرنا فاستحققنا لقب أحبّاء الله مثل ابراهيم (2: 21- 23) وراحاب (آ 24). بأننا نلنا غفران خطايانا مع صحّة الجسد (5: 15- 16). هذه المعاني الثانويّة تهيّىء الطريق للمعنى الأساسيّ وتوجّهنا إليه.

2- مثل من الحياة (2: 15- 17)
نحن هنا أمام مثل يجعلنا نرى بعيوننا ما عبّر عنه المبدأ بشكل جديد. نحن أمام حالة ملموسة، بشكل فرضيّة، تشرح الطرح الذي قرأناه في آ 14 وتفهمنا إياه فهماً أفضل (آ 15- 16). الأسلوب هو ذاك الذي وجدناه في 2: 2- 3 حول المحاباة وما فيها من ظلم للفقراء. قال يعقوب: "إن كان أخ أو أخت عريانين، وهما في عوز إلى قوتهما اليوميّ، فقال لهما أحدكم: إذهبا في سلام! استدفئا واشبعا، ولم تعطوهما ما هو من حاجة الجسد، فما المنفعة" (آ 15- 16)؟
هى فرضية تبدأ مع الشرطيّة "إن". هي مقابلة وسوف يتمّ تطبيقها على المبدأ (آ 14) في آ 17: "كذلك الايمان. فإنه إن خلا من الاعمال، ميت في ذاته". إستنتج بعض الشرّاح أننا لا نجد في هذه الصورة مثلاً عن الايمان بدون أعمال، قد أُخذ من الواقع المعاش. لا ننسى أن الفرضيّة قد خرجت من مخيّلة الكاتب، وهو أمر معروف في الأمثال. غير أنه يبدو أن مثل هذه اللوحة لا تأتي من العدم، بل إن الكاتب يماهي بشكل عمليّ بين موقف لا رحمة فيه وإيمان ميت.
لقد أراد يعقوب أن يستبق عودة مثل هذه الحالات إلى قرّائه. فالانسان الذي لا قلب له يحسّ، هو واحد من الجماعة، هو مسيحيّ. "أحدكم". واحد منكم. كان يعقوب قد تكلّم عن حفاوة المسيحيين بالأغنياء واحتقارهم للفقراء (2: 6). وهنا نرى إلى أين يمكن أن يصل هذا الاحتقار، هذه اللامبالاة. فهناك مسيحيون، وإن لم تصل بهم الأمور إلى ما قام به بعض الأغنياء من ظلم ضدّ المعوزين (2: 6- 7؛ 5: 1- 5)، نسوا أبسط ما في المحبّة العمليّة من أعمال يدعوهم إليها إيمانهم (2: 8- 9). وهكذا يجب أن تقرأ الاجمالات في سفر الاعمال (2: 44؛ 4: 32- 35) على ضوء يع 2: 1- 26؛ 1 كور 11: 21- 22؛ 2 كور 11: 20.
ونبدأ في آ 15. فالأخ أو الأخت اللذان يعرفان العوز، هما أعضاء في الجماعة التي توجّهت إليها الرسالة. لقد استعمل يسوع لفظتي أخ وأخت ليدل على تلاميذه الحقيقيّين (مت 12: 50 وز). وفعل بولس مثله في تسمية المسيحيّين والمسيحيّات (روم 16: 1؛ 1 كور 7: 15؛ 9: 5؛ 1 تم 5: 2). وقد أراد أن تمارَس المحبّة تجاههم فقال في غل 6: 10: "فلنحسن إذن إلى الجميع ما دامت لنا الفرصة، ولا سيّما إلى الذين هم شركاؤنا في الايمان".
إن عوز المسيحيّين الذين يتحدّث عنهم يعقوب، يظهر على مستويين. هم "عراة" (غمنوس). أي لهم اللباس الضروريّ الضروريّ (أش 58: 7؛ أي 22: 6؛ 24: 7؛ 31: 9؛ مت 25: 36؛ 2 كور 11: 27؛ يو 21: 7). لا تعني هذه اللفظة أنَّ لا لباس لهم إطلاقاً. هم محرومون من الطعام اليوميّ. إن الصفة "إفيماروس" التي تصف الطعام (تروفي)، لا ترد إلاّ هنا في الكتاب المقدس، وإن استعملها العالم اليونانيّ في المعنى نفسه. هناك غياب تامّ للطعام في الوقت المباشر، في اليوم الذين هم فيه. لا يعرفون إن كانوا يجدون ما يأكلون في يومهم.
كان بإمكان الكاتب أن يتحدّث عن غياب "الملجأ" (أو: البيت) (رج سي 29: 21)، أو عن وجهات أخرى من العوز، ولكنه كان قد حطّم تناسق الجملة، وابتعد عمّا في مت 6: 24- 35 الذي يتكلّم فقط عن اللباس والطعام.
تحاه الحالة المزرية التي يعرفها الاخوة المعوزون، نجد الموقف المعيب الذي يقفه أولئك الذين يستطيعون أن يقدّموا العلاج (آ 16). هؤلاء "الأغنياء" هم مسيحيّون في نظر يعقوب. فنحن نقرأ: "فقال لهما أحدكم". أجل، إن المسيحيّين الذين يشهدون شقاء اخوتهم المأساويّ، يكتفون بأن يردّوا على طلبهم بتمنيّات ودعاء بالخير. في الحالات العاديّة، تكون هذه الكلمات طيّبة فتدل على ما في قلبنا من محبّة. ولكنها في الظرف الحاضر، فهي تدلّ على وقاحة تشعل فينا الثورة. كان اليهوديّ يودّع رفيقه فيقول له: "إذهب بسلام" (قض 18: 6؛ 1 صم 1: 17؛ 20: 42؛ 29: 7؛ مر 5: 34؛ لو 7: 50). وكانوا يستعملون عبارة مشابهة ليحيّوا بعضهم بعضاً أو ليكتبوا الواحد إلى الآخر (1: 1؛ يو 20: 19، 26). أما التمنيان اللذان نقرأهما هنا (استدفئا، اشبعا) فلا نجدها في مكان آخر. جعلهما يعقوب بشكل موازٍ ليقابلا غياب اللباس والطعأم لدى المحتاجين، ويُبرزا ما في كلام "الأغنياء" من لؤم وشناعة.
هناك فعل "شبع" (خووتازاين) الذي يعني أيضاً "علف، حشا حتى التخمة". أما فعل "استدفأ" (ترماينو)، فقد استعمل أيضاً في معنى "تغطّى" (1 مل 1: 1؛ أي 31: 20؛ أم 31: 21). مثل هذه التمنيات لا تنفع، يقول الكاتب، إذا كان قائلها لا يعطي البائسين الوسائل لكي يصلا إليها، وهي الطعام واللبالس اللذان يحتاج إليهما الجسد. مثل هذا الموقف عند المسيحيّين جعل الكاتب يثور، لا سيّما وأن الوثنيين كانوا يشجبون مثل هذا الموقف. وأن العهد القديم كان يشجبه. تحدّث أشعيا عن الصوم: هو أن تكسر للجائع خبزك، وأن تدخل البائسين المطرودين بيتك، وإذا رأيت العريان أن تكسوه (58: 7). وتحدّث حز 18: 7 عن البار: "أعطى خبزه للجائع. وكسا العريان ثوباً". وكان أحد المصريّين القدماء قد حفر على مدفنه: "أعطيت خبزاً للجائع، وثياباً للعريان". وقال آخر: "أعطيت ماء للعطشان، ودللت المسافر الضائع عن طريقه، وأنقذت ذلك الذي سُلب".
وفعل يعقوب كما في الأمثال (آ 17)، فطبّق المثل الذي أعطاه، قال: "كذلك الايمان. فإنه إن خلا من الأعمال، ميت في ذاته". تتضمّن يع عدداً من التطبيقات في هذا المعنى (1: 11؛ 2: 26؛ 3: 5). ذلك هو وضع الايمان أي التعلّق بالايمان المسيحيّ وإطلاق التمنيّات. فإذا ظلّ الايمان على مستوى الكلام، ولم يتحوّل إلى عمل، فهو ميت (نكروس). إنه عقيم وباطل، ولا يستطيع أن يخلّصنا على المستوى الروحي (2: 14 ب). كما أن التمنيّات وحدها هي باطلة ولا تستطيع أن تخلّصنا على المستوى الماديّ.
فالايمان بلا أعمال، الذي لا ينتقل إلى عمل المحبّة بالنسبة إلى الله وإلى القريب، هو ميت. وزاد الكاتب في نهاية آ 17 عبارة فُهمت بطرق مختلفة. قالوا: الايمان في ذاته أي وحده (2: 24)، بدون أعمال هو ميت. وهكذا نكون أمام موجز لعبارة: "إذا لم يكن له أعمال". وفسَّر آخرون: الايمان الذي لا أَعمال له هو ميت في ذاته، أي أساساً. فإذا انحصر في أقوال الانسان (2: 14، ولم يصل إلى أعماله)، فله ظاهر الحياة. إنه جسد بلا روح (2: 26).

3- اعتراض وبراهين (2: 18- 26)
قبل أن يُعلن يعقوب براهينه، يقدّم اعتراضاً قد يصله من قارىء أو سامع، أو يرسل تحدّياً للذين يريد أن يُقنعهم.
أ- اعتراض وتحدٍّ (آ 18)
وضع يعقوب أمامه محاوراً يكلّمه بشكل مباشر، فأتاح له أن يحدّد أنه من المحال أن يؤكّد الانسان أنه يمتلك الايمان إذا كان لا يمارس أعمال المحبّة التي يلهمها هذا الإيمان. "بل قد يقول قائل: أنت لك إيمان وأنا لي أعمال... فأرني إيمانك بدون الاعمال، وأنا من أعمالي أريك إيماني". يرى يعقوب أنه يستحيل أن نبرهن عن وجود إيمان لا يظهر منه شيء، لا يتجسّد في الحياة. لأننا لا نستطيع أن نفصل الايمان عن الأعمال.
كيف نفسّر هذه الآية؟ "ولكن يقول قائل". هذه العبارة تدلّ على أن يعقوب وضع أمامنا شخصاً يعترض. هذا ما نجده كما 1 كور 15: 35 (ويقول قائل) مع اعتراض حول قيامة الموتى. وفي روم 9: 19 (ولقد تقول لي) حول انتباذ إسرائيل. وفي 11: 19 (ولقد تقول) في المعنى نفسه وقبل الحديث عن التطعيم في الفروع. فالمعترض الذي تخيّله الكتاب ليقدّم برهاناً معاكساً لبرهانه، لم يكن فقط وليد المخيّلة. لا شك في أنه وُجد تيّار بين قرّاء الرسالة اعتبر أن الايمان يحلّ محلّ الأعمال.
لا نستطيع أن نتخيّل المعترض يقول ليعقوب: "عندك إيمان". أو: "عندك إيمان وعندي أعمال". بل يجب أن نكتشف الاعتراض من خلال جواب يعقوب: "تقول إن لك الايمان. أما أنا فلي الاعمال". أو: "لك الاعمال ولي الايمان". كما يقول المعترض. وقد نفهمه يتوقّف عند المواهب: موهبة الايمان تساوي موهبة الأعمال. فبّرر يعقوب موقفه قائلاً إن الايمان بدون أعمال لا يبرهن عن وجود الايمان.
كيف نواجه هذه الصعوبات في فهم النصّ؟ هل نقول بأننا لسنا أمام جملة اعتراضيّة، بل "بالحريّ". "أنت تقول لك الايمان، فأنا لي الاعمال، هذا أفضل" (آ 18 أ). لأنك لا تستطيع أن تبرهن عن وجود إيمانك إذا لم يكن لك أعمال ترتبط بهذا الايمان. أما أنا فأبرهن بأعمالي عن وجود إيماني. يبقى أن نقول: إن يعقوب في آ 18 يقدّم برهاناً جديداً لقرّائه الذين ينقصهم السخاء أو التعليم فيكتفون بإيمان نظريّ. كان قد قال لهم إن هذا الايمان لا يقدر أن يخلّصهم (آ 14). كما بيّن لهم بمثل حيّ أن لا جدوى من هذا الايمان (آ 15- 17). وهو يقول الآن أن هذا الايمان لا يُبرهن عنه إلاّ بالأعمال. قد نكون هنا أمام أسهاب للتقليد الانجيليّ الذي يقول: نعرف المؤمنين الحقيقيّين "من ثمارهم" (مت 7: 20؛ رج يو 15: 6).
ب- البرهان الاول: إيمان الشياطين (آ 19- 20)
ويقدّم يعقوب برهاناً آخر بالمحال ليقول إن الايمان النظري الذي هو مجرّد ارتباط عقليّ، لا يمنح الخلاص. فيعطي مثل الشياطين. "أنت تؤمن أن الله واحد؟ فنعمّا تفعل! والشياطين أيضاً يؤمنون ويرتعدون" (آ 19).
كان الايمان بالله الواحد أساسياً في العالم اليهوديّ. وكان يتلو المؤمن مرتين في النهار صلاة تعلن وحدانيّة الله (تث 6: 4: "إسمع يا إسرائيل، الربّ إلهنا هو الربّ الواحد). وقد ظنّ بعض قرّاء يعقوب أن هذا الايمان بوحدانيّة الله قد جعلهم فوق الوثنيّة التي تحيط بهم. غير أنهم فكّروا مخطئين أن هذا يكفيهم كلياً من أجل الخلاص. فسعى يعقوب إلى إزالة الضلال. هم لا يستطيعون أن يظلّوا هنا إن أرادوا أن يخلصوا. فالشياطين أيضاً يؤمنون بالإله الواحد (مر 1: 24؛ 5: 7؛ أع 16: 17؛ 19: 15). ولكن هذا الايمان لا يخلّصهم، بل يحمل إليهم رعشة الخوف (فريسو: ارتعد، اقشعرّ).
عادت يع هنا ولا شك إلى نشاط الأرواح النجسة كما في الأناجيل والكتابات اليهوديّة في ذلك العصر. كما عادت بشكل خاص إلى التقسيمات (طرد الشياطين) التي كانت تكشف الرعدة التي تحسّ بها هذه الأرواح حين ترى قوّتها قد صارت عجزاً بفعل قدرة الله (مت 8: 29). الكلمة اليونانية "دايمونس" تقابل العبري "ش د ي م" في السبعينيّة (تث 32: 17؛ مز 106: 37) وتدلّ على الأصنام التي تعارض الإله الحقيقيّ. بعد ذلك سيقول الكاتب إن الحكمة الكاذبة هي شيطانيّة، لأنها تلهم الأقوال والأعمال الفاسدة (3: 15).
وهكذا يستطيع الانسان أن يكون عدوّ الله مع إيمان نظريّ وحسب. وسيقول بولس إن المعلّمين الكذبة يعلنون أنهم يعرفون الله، ولكنهم ينكرونه في سلوكهم (تي 1: 16).
وننتقل إلى آ 20. بعد أن قدّم الكاتب براهينه ليدلّ على أن الايمان بدون أَعمال لا يهب الخلاص، عاد إلى الكتاب المقدّس. فأعطى مثل ابراهيم ثم مثل راحاب. مثل هذان المثلان حاسمان، لأنهما يعودان بنا إلى التوراة. والتوراة التي هي كلمة الله، تدلّ على الحقيقة، على الطريق الواجب اتباعها.
وتبدأ الآية بنداء فيه يدعو الكاتب القارىء لكي ينتبه إلى ما يلي فيتخلّى عن ضلاله. "أتريد أن تعرف أيها الانسان الجاهل أن الايمان بدون أعمال ميت"؟ يتوجّه الكاتب إلى القارىء المكتفي بالايمان دون الأعمال. ويعتبره معانداً في موقفه، في ضلاله. يقول له: أتريد أن تعرف بشكل لا يقبل الجدل أنك على خطأ، أنظر ما يقوله الكتاب عن ابراهيم وراحاب.
إنسان جاهل (كانوس). فارغ. يداه فارغتان، ورأسه فارغ عن الادراك السليم. قال السينائي والاسكندراني: ميتة (نكرا). ولكن يبدو أنه يجب أن نقرأ: "عقيمة (ارغي، أ- ارغوس. لا تفعل). هناك تلاعب على الكلام: ارغي (عقيم)، ارغون (عمل).
ج- البرهان الثاني (آ 21- 24)
أول مثل بيبليّ حول الايمان الذي يخلّص إذا رافقته أعمال هو مثل ابراهيم (آ 21- 23). "أفلم يتبرّر بالاعمال ابراهيم أبونا، إذ أصعد اسحق ابنه على المذبح" (آ 21)؟ الشكل الاستفهاميّ لا يدلّ على شرط ننفّذه كما في 2: 20. إن هو إلاّ طريقة نؤكّد به للقرّاء على أمر لا يحتاج إلى برهان، لأن الكتاب المقدّس يقوله (تك 22: 9؛ رج 15: 6). فابراهيم ينعم في التقليد اليهودي باسم لا يضاهيه اسم. هو أبو الآباء، والاب المثالي (أش 51: 2- 4؛ سي 44: 19 ي؛ حك 10: 5؛ 1 مك 2: 52؛ 4 مك 16: 20؛ 17: 6؛ اليوبيلات 17- 19؛ مت 3: 9 ي؛ يو 8: 33؛ 52- 53). وسارت المسيحيّة الأولى في خطّ المسيح فتحدّثت عمّا كان ابراهيم وما كان يمثّل (مت 1: 1؛ 8: 11؛ لو 13: 28؛ 19: 9). بما أن هذه الرسالة تورد مثل هذا السَلف العظيم وتسمّيه أبانا، فهذا لا يعني أن القرّاء هم يهود لا مسيحيّون. فبولس في روم 4: 16 يعطي هذا اللقب لابراهيم وفي 9: 10 لاسحاق.
كان بالامكان أن ننتظر إنطلاقاً من السياق المباشر كلاماً مثل هذا: خلص ابراهيم (2: 14). بالاعمال كان إيمانه حياً فاعلاً (آ 15- 17). والأعمال جعلت إيمانه منظوراً، جعلت إيمانه ثقة، جعلت إيمانه مثمراً لا عقيماً (آ 20). فبدل ذلك قال لنا الكاتب إن ابراهيم "تبرّر" بالأعمال. هذا التبديل في الألفاظ يرتبط بنصّ تك 15: 6 حيث يقال: آمن ابراهيم بالله فحُسب له إيمانه براً. هذا ما يرد في آ 23. أما الآن فيربط الكاتب التبرير بالأعمال ولا سيّما تقدمة اسحاق على المذبح (آ 21).
إذا عدنا إلى السياق المباشر نفهم أن ابراهيم خلص بواسطة أعماله. كان إيمانه حياً، ظاهراً، واثقاً، مثمراً. وقد حقّق باستقامته الخاضعة والواثقة البرّ الإلهيّ (1: 20)، أي ما يرضي الله، ما كان ينتظره الله. ويدلّنا ولي النصّ أن يعقوب رأى في تبرير ابراهيم بالاعمال، أكثر من موقف يرضي الله. فالله منح لابراهيم صدإقته (2: 23 ب)، دعاه إلى مشاركته في حياته الحميمة (3: 18)، وهذا ما يقوده إلى الأجر الأبديّ (1: 12؛ 2 بط 3: 13؛ 2 تم 4: 8؛ يو 8: 56).
قد نخون فكر الكاتب حين نفصل الايمان عن الأعمال في آ 21، لأن التبرير يُنسب إلى الأعمال. فإن آ 22- 23 تعلنان أن أعمال ابراهيم قد استلهمت الايمان، وجعلته ظاهراً حين عبّرت عنه وجسّدته. إذن تشدّد الرسالة هنا كما في 2: 14- 20 على ضرورة الانتقال إلى العمل لدى الذين يعتبرون نفوسهم مؤمنين.
أشار يعقوب إلى الأعمال في صيغة الجمع، وذكر عملاً واحد هو ذبيحة اسحاق. لأنه اعتبر هذا العمل حصيلة أو ذروة سائر الأعمال. اعتبره أعظم شاهد عن استقامة ابراهيم وطاعته، وذلك في خطّ التقليد القديم الذي نجده مثلاً عند سي 44: 10؛ حك 10: 5 وفيلون الاسكندراني وكتاب اليوبيلات.
أكّد يعقوب أن ابراهيم بُرِّر حين قدّم ابنه على المذبح. غير أن سفر التكوين يتكلّم عن حدث سابق: الايمان بوعد بنسل كبير (تك 15: 6). ولكن الكاتب لم يقترب خطأ. وسوف يورد 15: 6 في آ 23. وإن بدّل مضمون النصوص، فلكي يُزيل ضلال المسيحيّين. لقد أراد أن يبيّن أن إيمان ابراهيم هو أكثر من يقين عقليّ. هو موقف حياتي يوافق هذا اليقين ويستلهمه.
وإذ اعتبر الكاتب أن لا جدال في البرهان الكتابي الذي قدّمه، وجّه كلامه إلى محاوره ليجعله يقبل بأن الإيمان بدون أعمال هو عقيم. فقال: "فأنت ترى أن الايمان كان يعمل مع أعماله، وأنه بالأعمال صار الايمان كاملاً" (آ 22). نجد فعل "رأى" (بلابو) الذي يعني قبل، تحقّق. فالايمان ترافقه الأعمال (سينارغو= عمل مع). الايمان لا ينفصل عن الأعمال، وهو لا يصل إلى هدفه بدون الأعمال. بل هو لا يبلغ الكمال إلاّ بالأعمال.
ظلّ الكاتب أميناً لمقاله السابق (2: 14- 20) حول إيمان نعلنه وإيمان ترافقه الأعمال. فبيّن أنه حين ذكر ذبيحة اسحاق فكر في تك 15: 6. وها هو يورد مباشرة هذا النصّ (آ 23). "وتمّت الكتابة القائلة: آمن ابراهيم بالله فحُسب له ذلك براً". إن إيمان ابراهيم الذي انتقل إلى العمل قد حُسب له براً. أي اعتبر أنه أتمّ ما طلبه الله منه.
اختلف يعقوب عن العالم اليهوديّ، فلم يعتبر إيمان أبي الآباء وكأنه عمل. فهو يرى أن الإيمان ينضمّ إلى الأعمال لكي يلهمها دون أن يذوب فيها. وهكذا استبق تفسيراً خاطئاً لما في تك 15: 6، واعتراضاً يقول إن الكتاب لا يأخذ بعين الاعتبار الأعمال في تحقيق الخلاص، فيعلن أن إيمان ابراهيم حُسب له براً.
أخذ الكاتب تك 15: 6 من السبعينية (رج روم 4: 3). واحترم النصّ الأساسيّ، فجعل العبارتين على المستوى ذاته، وهكذا أبعد الفكرة اليهوديّة القائلة ببرّ نستحقّه بأعمالنا (فل 3: 9). فقد قال كتاب اليوبيلات مثلاً إن الملائكة يدوّنون في دفتر حساب السماء، أعمال ابراهيم.
استعمل بولس هذا الايراد عينه عن ابراهيم في روم 4: 3 (رج غل 3: 6)، ولكنه جعله في سياق آخر وفي منظار مختلف. تحدّث في روم عن التبرير الأول، أي العبور من الخطيئة إلى النعمة. تحدّث عن النعمة التي هي عطيّة من الله وموقف طاعة واثقة تتقبّل عمل المسيح وحقيقته بشكل حرّ وثابت. تحدّث عن أعمال البشر ولا سيّما الممارسات الموسويّة التي لا تستطيع أن تنقل الانسان من الخطيئة إلى النعمة. وهكذا أفهم المسيحيين أن عمل المسيح وحده هو "قوّة الله لخلاص كل مؤمن، من اليهودي أو من الوثنيين" (روم 1: 16). وهكذا حذّرهم من العقليّة اليهوديّة التي تعتبر أعمال الشريعة الموسويّة ضروريّة لخلاص المؤمن (أع 15: 1- 11؛ رج 13: 38)، وأنها تستطيع أن تبرّره. وإذ أراد بولس أن يسند طرحه أورد تك 15: 6 وبيّن مستنداً إلى هذا النصّ أن تبرير ابراهيم نفسه ارتبط بالايمان (بعمل الله، غل 3: 16)، لا بالأعمال البشريّة مثل الختان أو ممارسة الشرائع الموسويّة ولا سيّما شرائع الطهارة التي جاءت فيما بعد (روم 4: 9- 17).
إذا اعتبرنا أن للايمان وجهتين: نداء من الله وجواب من الانسان. نداء مجانيّ من الله يقابله جواب ينتظره الله لكي يفعل في المؤمن. نستطيع القول إن بولس يشدّد على نداء الله. ويعقوب يشدّد على جواب الانسان لكي يتجسّد هذا النداء في الحياة اليوميّة. نحن لا نرى الايمان بأعيننا، وإن كان حقيقة وواقعاً. ولكن إن صار عملاً، نستطيع أن نراه. ونقول الشيء عينه عن المحبّة: حين تتجسّد تصبح منظورة، ولا تعود سراباً وخيالاً، وفي أقصى الحالات كلاماً ولساناً.
ويقول يعقوب في نهاية آ 23 إن أعمال ابراهيم التي ألهمها الإيمان، نالت رضى الله فسمّي "خليل الله"، صديق (فيلوس) الله. هذه العبارة ليست جزءاً من الإيراد الكتابي، غير أنها تتأصّل في نصيّن بيبليّين (أش 41: 8؛ 2 أخ 20: 7)، وترتبط بالتقليد اليهودي القديم (تك 18: 17؛ دا 3: 35؛ اليوبيلات 19: 9؛ 30: 20؛ 4 عز 3: 14؛ فيلون). يسمّي الرابانيون هذا النوع من الايراد "رمز" أو تلميح. وسيحافظ المسيحيّون العرب والمسلمون على هذا اللقب لابراهيم: خليل الله.
وبعد أن أنهى الكاتب برهانه البيبليّ الأول، استخلص نتيجة يراها واضحة (ترون) ويريد أن يطبّقها على كل إنسان. "فترون إذن أن الانسان بالاعمال يبرّر، لا بالايمان وحده" (آ 24). لا حاجة إلى زيادة "إذن" كما فعلت بعض المخطوطات. ويأتي الظرف "مونون" وحده، فيدلّ على اللهجة الهجوميّة. إن الكاتب يعارض المعارضين الذين يعتبرون أن الايمان وحده يكفي لكي نرضي الله. ولكن الايمان يبقى ضرورياً كأساس للأعمال. تدلّ الأعمال على أن الايمان حاضر وأنه يعمل معها، كما تتوخّى هذه الاعمال أن تجعل الايمان كاملاً (آ 22).
د- البرهان الثالث (آ 25- 26)
والبرهان الثالث لإيمان يخلّص لأنه يرتبط بالاعمال، هو إيمان راحاب. عاد الكاتب إلى يش 2: 1- 24؛ 6: 17، 25 لكي يقول: "وكذلك راحاب البغيّ، أليست بالأعمال قد برّرت، إذ قبلت الموفدين وصرتهما من طريق أخرى" (آ 25)؟ هذا المثل يوازي المثل السابق، ويتوخّى الهدف عينه، ويبرهن عن ذات الطرح الذي نجده في آ 21. وضع يعقوب مثلاً بجانب الآخر لكي يعطي قوّة لتأكيده. هذا ما تطلبه شريعة موسى: شاهدان لكي تصحّ الشهادة (عد 35: 30؛ تث 17: 6؛ 19: 15). ويسوع نفسه خضع لهذه القاعدة (مت 18: 16؛ يو 5: 33- 39؛ 8: 13- 18).
وُجدت في العالم اليهوديّ لوائح تروي بإيجاز أعمال أهم الأشخاص البيبليّين (1 مك 2: 51- 60؛ سي 44- 50؛ رج عب 11). وقد وجد الكاتب في أحدها اسم ابراهيم وإسم راحاب. وإن عب 11: 31 قد أوردت مثل راحاب بعد أن تحدّثت عن ابراهيم (11: 17- 19).
عادت التقاليد الرابانيّة إلى سفر يشوع، فتوقّفت عند شخصيّة راحاب البغيّ. هي بطلة وطنيّة، لا بسبب مهنتها السابقة، بل بسبب إيمانها الجديد وما عملته من أجل الشعب العبرانيّ. لقد اقتنعت بمعجزات الله من أجل شعبه، وساعدته في مخطّطه لإيصالهم إلى أرض الموعد. وراحوا في إعجابهم فجعلوها زوجة يشوع وجدّة عدد كبير من الكهنة والأنبياء. وقد شارك التقليدُ المسيحي الرابانيين في إعجابهم، فأدخل متّى راحاب في نسب المسيح (1: 5) مع تامار وراعوت وبتشابع، لأنها ساعدت على تحقيق الوعد المسيحاني فخضعت بشجاعة لمخطّط الله.
تحدّث يعقوب عن إيمان ابراهيم، عن أعماله، عن البرّ الذي ناله. ولكنه لا يذكر إيمان راحاب بإله إسرائيل كما نجد في يش 2: 11 (رج تث 4: 39). كما لا يحدّد طبيعة البرّ الذي نالته، وهو النجاة بحياتها والانضمام إلى شعب الله (رج يش 6: 17، 25). ولكن لا شكّ في أنه يفترض كل ذلك، بسبب موازاته الدقيقة بين المثلين.
هو لم يحتفظ من الخبر البيبلي إلاّ بالأعمال التي تعبّر عن إيمان راحاب، والبرّ الذي نالته. وهذه الأعمال التي تقابل ذبيحة اسحاق هي استقباله الموفدين وحمايتهم (تك 2: 1- 7، 15- 16). هناك فعل "هيبوداخوماي": استقبل وأضاف، استقبل كضيف. رج لو 10: 38؛ 19: 6؛ أع 17: 7.
وأتبع يعقوب مثل راحاب باستنتاج يوازي ذاك الذي جعله بعد مثل ابراهيم. وهكذا أبرز الرباط الوثيق بين المثلين الكتابيّين. "فكما أن الجسد بدون روح ميت، كذلك الايمان بدون أعمال ميت" (آ 26). وهكذا نعود إلى الطرح الأول: لا يخلص الانسان إلاّ إذا وضع إيمانه موضع العمل.

خاتمة
هكذا توسّعت الرسالة في موضوع هام هو موضوع الايمان والأعمال (1: 3- 6، 25؛ 3: 13). بدا الكاتب وكأنه يعارض معارضة تامة المبدأ البولسيّ حول التبرير بالإيمان وحده (روم 3: 28؛ غل 2: 16)، لأنه أكّد أن الإيمان لا يخلّص بدون الأعمال. وأن الإيمان ميت بدون الأعمال. غير أن الأعمال التي يتحدّث عنها يعقوب، ليست "أعمال الشريعة" التي تشجبها روم وغل، بل الثمار التي يجب أن ينتجها الإيمان كما يقول بولس في روم 2: 6، 15- 16؛ غل 5: 6؛ أف 2: 8- 10؛ كو 1: 10؛ 1 تس 1: 3؛ 2 تس 1: 11. لا يماهي يعقوب بين الايمان والأعمال، ولكنه يشدّد على إيمان يتمّ في الأعمال، ولا سيّما في الصلاة ومحبّة القريب.
الفصل العاشر
المعلمون ومراقبة اللسان
3: 1- 12

بعد أن حدّثنا يعقوب عن التجربة، عن السماع والعمل، عن محاباة الوجوه، عن الإيمان والأعمال، ها هو يتطرّق إلى كل ما يخصّ اللسان، ويشدّد على شّر اللسان. أجل، نحن أمام شّر كبير يُفسد الحياة المسيحيّة. سبق الكاتب وأشار إليه بشكل سريع في 1: 19، 26، فتحدّث عن واجب لجم اللسان، وطلب منا أن نستمع أكثر ممّا نتكلّم. أما هنا، فانطلق من وضع ملموس هو في الوقت عينه تجربة يعرفها المسيحيّون الآتون من العالم اليهوديّ وهي: أن يقفوا في الصفوف الأماميّة ويقدّموا نفوسهم كشارحي الشريعة ومعلّمي الإيمان. بعد ذلك، عرض يعقوب القوّة الشيطانيّة التي نجدها في كلام لا نسيطر عليه. وهكذا عاد إلى أفكار يعرفها اليهود والمسيحيّون الآتون من العالم اليهوديّ، فأبرز النتائج المدمّرة للسان لا شيء يكبح جماحه. وهذا النداء إلى كبح اللسان والسيطرة عليه وإخضاعه لروح الإيمان والمحبّة، يشكّل واجباً ملحاً ومتطلّبة أساسيّة في حياة المسيحيّ. بعد نظرة عامّة، نقدّم شرحاً للنصّ يأخذ بعين الاعتبار أفكاره المتناسقة.

1- نظرة عامة
بعد أن نحدّد موقع النصّ في الرسالة، ندرس اللغة والمفردات فنفهم كم كان الكاتب قريباً من قرّائه. هنا سنتجاوز المقطع الذي ندرس، فنعالج ف 3 كله الذي فستطيع أن نعنونه: من كلام يحمل الدمار إلى عمل يقود إلى الحكمة.
أ- موضع النصّ والرسالة
مع بداية ف 3، ترك الكاتب مسألة الإيمان والأعمال، ووصل إلى موضوع آخر دون أن يستعمل أي رباط غراماطيقيّ. فأوصانا أولاً بأن لا نطمح إلى دور المعلّم، لأن هذا الدور يتضمّن مسؤوليّة كبيرة، ويحمل نحاطر الوقوع في الخطأ على مستوى الكلام. ثم توسّع في موضوع حكميّ عام، هو موضوع خطايا اللسان. فأبرز على التوالي أهميّة السيطرة على اللسان، والضرر الممكن الذي يحمله اللسان، وصعوبة السيطرة على اللسان، ومناخ العبث في استعمال متعارض للسان. تارة نمجّد الله، وطوراً نلعن البشر المخلوقين على صورته. هذا ما ينافي العقل، ويعارض عمل الطبيعة كل المعارضة.
هذا الموضوع قد عرفته ولا شكّ الفقاهة الأولى. ويعقوب نفسه كان قد أشار إليه في 1: 19 (سريعاً إلى الاستماع، بطيئاً عن التكلّم)، 26 (إن ظنّ أحد أنه متديّن ولا يلجم لسانه، فتديّنه باطل). فما يحكم على المؤمن هو شريعة الحريّة (2: 12). في هذا الاطار نتكلّم ونعمل.
هل نعتبر مع بعض الشّراح أن الكاتب يجعل علاقة وثيقة بين الموضوع الذي يعالجه الآن، والمواضيع التي عالجها في المقاطع السابقة؟ وهل نقول مثلاً إننا نجد في 3: 1- 12 توسّع الدعوة الثانية (1: 19: بطيئاً عن التكلّم)، وأننا نجد في 1: 20- 2: 26 توضيحاً للدعوة الأولى (1: 19: سريعاً إلى الاستماع، إلى الطاعة، إلى الانتقال إلى الممارسة والعمل)؟ لا نستطيع أن نقول إن يعقوب قام بهذا الترتيب الدقيق، لا سيّما وأن علامات الوصل غائبة. وهل نستطيع أن نقول مع آخرين إن يعقوب بعد أن علّم ضرورة ترجمة الإيمان بالأعمال (2: 14- 26)، أشار إلى السيطرة على الكلام واللسان كعمل أول (3: 1- 12)؟ قد يكون الكاتب لمّح إلى هذا الأمر فجعل هذين المقطعين الواحد بجانب الآخر. فإذا كان اللسان يؤثّر على الحياة كلها، فكبحُ جماحه يبدو أول عمل نستطيع أن نقوم به. وتُطرح أسئلة أخرى حول هذا التحريض الجديد الذي يبدأ في 3: 1: إلى من يتوجه النصّ بشكل خاص؟ وإذا كنا نعرف آين يبدأ فأين ينتهي؟ بالنسبة إلى السؤال الأول، يرى معظم الشرّاح أن التحريض يصيب في الأصل المعلّمين وحدهم (آ 1- 2 أ). ثم يتوجّه إلى جميع المسيحيّين. كما يرون بالنسبة إلى السؤال الثاني أن التحريض ينتهي في آ 12.
وكانت آراء أخرى نذكرها. قالوا: يتوجّه التحريض إلى المعلّمين اليهود. وغيرهم: إلى المعلّمين المسيحيّين. وقد طلب منهم يعقوب أن يتسلّطوا على لسانهم، أي أن يعرفوا ماذا يقولون في مواعظهم، وهكذا يستطيعون أن يقودوا مجموعة المؤمنين الذين يرمز إليهم الجسد أو الحصان أو السفينة. ومدّ آخرون التحريض حتى آ 18، واعتبروه موجّهاً إلى معلّمين متهوّدين. طلب منهم يعقوب أن لا يبلبلوا الجماكات بمواعظ مختلفة (آ 1- 12)، وأن يتخلّوا عن حكمتهم البشريّة ليأخذوا بالحكمة الآتية من الله (آ 13- 18). ولكننا نتوقّف عن التحريض كما حدّدناه: 3: 1- 12.
ب- دراسة اللغة والمفردات
حين ندرس اللغة والمفردات نفهم أننا أمام منعطف في هذه الرسالة. فنجد ألفاظاً ذُكرت في ما سبق، وبعضها يُذكر في ما يلي. هناك لفظة "عمل" (أعمال) في آ 13، رج 1: 4 (عمل كامل). ثم ف 2 حيث ترد اللفظة تسع مرات من أصل 12 مرة في الرسالة. ولفظة "حكمة" (آ 13، 15، 17). رج 1: 5 (تنقصه حكمة). ترد هنا ثلاث مرات من أصل أربع في الرسالة. ولفظة "لسان" (آ 5، 6 أ، 6 ب، 8). رج 1: 26 (لا يلجم لسانه). ترد هنا أربع مرات من أصل خمس في الرسالة. هذا يعني أننا أمام عنصر مسيطر في المتتالية، بحيث نستطيع أن نجعله عنوان ف 3 كله. ولفظة "محاباة" (آ 17، لا تحابي). ترد مرّتين في 2: 1، 9. ولفظة "لا ينضبط" (آ 8، 16). رج 1: 8 (متقلقل في جميع طرقه). ولفظة "كامل" (آ 2). ترد في 1: 17، 25.
ونجد في ف 2 لفظة "رحمة" (3: 17؛ رج 2: 13). ولفظة "سلام" في 2: 16 (رج 3: 18). وفي ف 5، لفظة "ثمرة" (5: 7، 18؛ 3: 17، 18). ولفظة "أرض" أو "أرضي" في 3: 15؛ 5: 7، 18. وأخيراً لفظة "برّ" (3: 18؛ 5: 6، 16).
كل هذا يدلّ على أن توجّهاً جديداً يبرز في هذه المتتالية التي تبدو في جزئين. يبدو الأول طويلاً ويتضمّن شقّين فيهما ما فيهما من تأمّل. والثاني قصيراً مع وجهة هجوميّة. في الجزء الأول، نقرأ توسّعاً حول "اللسان" (3: 1- 12) مع صور الحصان والسفينة والنار والجسد في الشقّ الأول (آ 1- 6)، وصور التين والزيتون والكرم والينبوع في الشقّ الثاني (آ 7- 12). ويتحدّث الجزء الثاني (3: 13- 18) عن الحكمة التي هي ممارسة حياة. اتّخذ الكاتب لغة الاقناع، فدعا قرّاءه لأن يحتفظوا من مخاطر "الكلام" الذي يمكنه أن يحمل ضرراً كبيراً إلى الجماعة (الجسد)، وأن يطلبوا بالأحرى "العمل" (حكمة) أو ممارسة تتطابق مع الكلام.
ج- التنافضات
إذ أراد الكاتب أن يفهمنا الخطر الذي يشجبه، أن يفهمنا هذا الشيء الصغير الذي هو اللسان، والذي يسبّب الدمار الكبير في الجماعة، قدّم ثلاث صور متعارضة: اللجام الذي يسيطر على جسد الحصان كله. الدفّة التي توجّه السفينة مهما كبرت. النار الصغيرة التي تحرق الغابة، على صورة اللسان الذي يشعل العالم بنار الظلم. هذه الصور تحيلنا إلى المحيط الحضاري الذي يعرفه القرّاء الذين يعودون إلى عالم يهوديّ وهلّينيّ.
فالكلام عن "الكمال" يجعلنا في إطار بيبليّ: نسير في طريق الله، طريق القداسة. نقرأ في مت 5: 48؛ "كونوا كاملين كما أن أباكم السماويّ كامل هو". وفي 19: 21، نقرأ النداء إلى الشاب الغنيّ: "إذا شئت أن تكون كاملاً...". لا يقوم الكمال بامتلاك الفضائل، بل بممارسة الشريعة كما أوصلها يسوع إلى كمالها. هذا على مستوى العالم اليهودي، كما أن "الانسان الكامل" هو مثال العالم الهليني. وهكذا تلتقي الحضارتان في طلب الكمال.
قد يكون اللسان صالحاً، وقد يكون رديئاً. قد يُفيدنا في البركة كما في اللعنة. والسبب ليس اللسان بل الانسان. ويستعمل الكاتب ثلاث صور بيبليّة: التين لا ينتج الزيتون. والكرم لا ينتج تيناً. والمياه المالحة لا تعطي مياهاً حلوة. مثل هذه التناقضات لا تُوجد إلاّ عند الانسان لأنه متقلّب، متقلقل، غير ثابت. ويتحدّث النصّ عن المباركة واللعنة. فالمباركة هي ما يتمّ في الاحتفالات الليتورجيّة. أما اللعنة فتجعلنا في نقيض المباركة. هؤلاء الذين باركهم الله، هل نستطيع نحن أن نمنع عنهم البركة؟
ويأتي الكلام حول "أعماله الحكمة" (3: 13- 18)، فيهاجم الحكماء الكذبة واعتدادهم بنفسهم. هناك تعارض بين حكمة "أرضيّة، حيوانيّة، شيطانيّة" وحكمة "آتية من فوق". حكمة "نقيّة، مسالمة، حليمة...". لا يلوم الكاتب بعض الناس لأنهم لا يقولون الحقيقة، بل لأنهم لا يترجمون في أعمالهم ما يقدّمونه وتعليمهم. وما يندّد به في كلامهم هو عدم التساهل، واحتقار الذين لا يشبهونهم. تلك هي الحكمة "الآتية من تحت". أما تلك "الآتية من فوق" فهي توفّق بين التعليم والممارسة الحياتيّة. وتمنح السلام للانسان الذي يتقبّلها.
إلى من يتوجّه مثل هذا الخطاب؟ إلى العالم البيبليّ والهلينيّ. نحن نعرف اهتمام اليونان بالحكمة. غير أن هذه الحكمة "هي من فوق". هي عطيّة من الله، وهي تحمل معها السلام. وهي إن زُرعت تحمل ثمر السلام. هنا نجد نفوسنا قريبين من مت 5: 4- 9؛ غل 5: 22- 25.
وإذ يتحدّث الكاتب عن حريق في غاب، عن خيل وعصافير وسمك وتين وزيتون وكرم وينبوع ماء، نفهم أننا في عالم الريف. قد نكون أمام أغنياء، ولكنهم أغنياء يعيشون في عالم الحقول لا في المدينة. ولكن بما أن اليهود لم يُجذبوا يوماً بالسفر في البحر، نجد نفوسنا أمام اخلاقيّين تأثّروا تأثّراً كبيراً بالحياة اليونانيّة.

2- النصّ (3: 1- 12)
قدّم يعقوب هنا سلسلة من التوصيات: لا تسعَ إلى تعليم الآخرين. من لا يزلّ في كلامه هو إنسان كامل، لو تعرفون قوّة الشرّ في اللسان، وهي قوّة لا شيء يلجمها. لهذا، فلا يليق بالمسيحيّ إلاّ كلامٌ به نمتدح الله، ونبارك البشر المخلوقين على صورة الله.
أ- دور المعلّم (آ 1- 2 أ)
يبدأ التحريض بتحذير ضدّ تجربة يقع فيها الكثيرون في الجماعات المسيحيّة، وهي أن نأخذ "بسهولة" دور المعلّم والواعظ. "لا يكن منكم كثيرون يريدون أن يكونوا معلّمين، يا إخوتي. فإنّا بذلك، على ما تعلمون، نجلب علينا دينونة أقسى" (آ 1). ففي العالم اليهوديّ في القرن الأول المسيحيّ، كانت لفظة "ديدسكالوس" تقابل "رابي" عند اليهود، أي سيّدي ومعلّمي (يو 1: 38؛ مت 8: 19؛ 12: 38). أعطي هذا الاسم للكتبة، لمعلّمي الناموس (مت 22: 3). مثل هذا الاسم يمنح حامله اعتباراً وهيبة، كما يمنحه امتيازات عديدة. وكان صاحبه يقوم بتفسير شريعة موسى في اجتماعات المجمع يوم السبت. ولكن حين يغيب "المعلّم الرسميّ"، كان رئيس المجمع يعيّن يهودياً بالغاً ليقوم بمهمّة التعليم (لو 4: 16؛ أع 13: 15).
في الكنيسة الأولى، قام الرسل في البداية بدور المعلّمين وملافنة الإيمان. ونحن نراهم منذ العنصرة يقدّمون مبادىء العقيدة الجديدة للامؤمنين الذين يريدون العودة إلى الربّ، (أع 2: 14 ي)، كما يقدّمون للمعمّدين فقاهة تكمّل الاعلان الإيماني الأول (أع 2: 42). ولما انتشرت الكنيسة، قام معلّمون آخرون بقوّة الروح القدس (أع 13: 1؛ 1 كور 12: 28- 29؛ روم 12: 7؛ أف 4: 11). وكلّف هؤلاء الذين نالوا هذه الموهبة بمهمّة التثقيف والتربية الدينيّة العاديّة.
ولكن اندفع بعض المسيحيّين، بعد أن رجعوا إلى عوائد أخذوها من المجمع، وانسحروا بمنافع تؤمّنها "وظيفة" المعلّم، فأخذوا يعلّمون دون أن يكلّفهم أحد بذلك. هذا ما تقوله رسالة برنابا (1: 8؛ 4: 9)، واغناطيوس الأنطاكي (الرسالة إلى أفسس، 3: 1). ونتج عن ذلك التعليم فوضى جامحة تحدّث عنها بولس (2 كور 10- 11؛ 2 تم 4: 3) وبطرس (2 بط 2: 1) في رسائلهما.
إلى مثل هؤلاء المسيحيّين الذين أحبّوا أن يسمّيهم الناس "معلّمين"، توجّه يعقوب هنا. هو لا يشجب دور المعلّم في حدّ ذاته، لأنه يسمّي نفسه "معلّماً" ويمارس هذا الدور في رسالته. ويرى أيضاً أن المعلّمين الموجودين يقومون بمهمّتهم خير قيام. بل يشجب أولئك الذين يتطفّلون فينصّبون نفوسهم معلّمين فلماذا هذا التدخّل في عمل لم ننتدب له. فهناك خطر يبلبل الكنيسة على ما حدث في جماعة أنطاكية (أع 15: 24؛ غل 2: 12- 13).
ولماذا يقوم يعقوب بهذا المنع القاطع؟ لأنه يعرف الواقع. فالأمر هو هكذا. وستكون الدينونة قاسية. جعل كلامه في صيغة المتكلّم الجمع. "علينا" نحن. فالتقليد الانجيليّ ذكر أنه في يوم الدينونة، كل مسيحيّ سيؤدّي حساباً عن كل كلمة بطالة، لا أساس لها (مت 12: 36). وأن الكتبة "ستنالهم دينونة أشدّ قسوة" (مر 12: 40؛ رج مت 23: 1- 33 وز). وأعلن بولس أن عمل الواعظين "السطحيين" سيُحرق في النار (1 كور 3: 10- 15). أما يعقوب فيكتفي بأن يذكّر بهذا التعليم (أنتم تعلمون)، فيفهم قرّاءه هذه المسؤوليّة الخطيرة التي تعرّض حاملها لأخطاء عديدة إن لم يكن مدعواً إلى هذه الرسالة ومعّداً لها.
كل إنسان يضلّ، والمعلّمون أيضاً. وستكون دينونتهم قاسية. لهذا يحذّرهم يعقوب "إنّا جميعاً نزلّ كثيراً" (آ 2 أ). لا المعلّمون فقط، بل جميع (هبنتس) البشر. قالت التوراة إنه لا انسان بلا خطيئة (1 مل 8: 46). ولا يستطيع أحد أن يقول "قلبي نقي وطاهر من كل خطيئة" (أم 20: 9؛ رج مز 19: 13؛ جا 7: 20؛ سي 19: 16؛ أي 4: 17- 19؛ 15: 14- 15). وأعلن بولس أن جميع البشر خطأة (روم 1: 18- 3: 20). فمن قال إنه بلا خطيئة كان كاذباً (1 يو 1: 8). لهذا نصليّ: "اغفر لنا ذنوبنا" (مت 6: 12). نحن هنا أمام تأكيد عام حول الخطيئة التي يمكن أن نسقط فيها، وبعد ذلك تتوقّف الرسالة عند الزلل في الكلام.
ب- السيطرة على اللسان (آ 2 ب- 5 أ)
بعد أن أشار يعقوب إلى ميل جميع المسيحيّين إلى الخطيئة، ولا سيّما أولئك الذين يقومون بدور المعلّم، عاد إلى خطايا اللسان التي هي خطبرة ولا سيّما لدى الوعّاظ. قال بلباقة: "إن كان أحد لا يزلّ في الكلام فهو رجل كامل، وفي وسعه أيضاً أن يلجم جسده كله". "إذا أحد" (اي تيس). تُستعمل هذه العبارة في يع لتدلّ على جميع المسيحيّين بدون تمييز (1: 5، 26؛ 2: 14، 16، 18؛ 3: 13؛ 5: 13- 14). يعود الكاتب إلى الأدب الحكميّ، فيتجاوز في كلامه المعلّمين وحدهم.
يصف ابن سيراخ من يحفظ لسانه بالحكيم الذي لا عيب فيه (20: 5- 8). وكذا يفعل سفر الأمثال (10: 19). "كامل" (تالايوس). "بتاياين" (زلّ). إن يعقوب يدعو المؤمن إلى موقف مثاليّ، وهو يعرف ضعفه. كل إنسان خاطىء. كل إنسان يزلّ. هناك كمال على مستوى اللسان. وهناك فضائل أخرى تحب ممارستها. ولكن قد يكون يعقوب في خطّ ابن سيراخ الذي قال: "من لم يزلّ بلسانه" (19: 16)؟ "من لا يخطأ بلسانه، طوباه" (25: 8).
وتفسّر الرسالة هذا الكمال النسبيّ الذي يمنحه اللاخطأ باللسان، بأن من لجم (خاليناغاغوساي) لسانه، يقدر (ديناتوس) أن يلجم جسده كله. فالفعل "لجم" الذي قرأناه في 1: 26 (لجم لسانه)، يعدّنا للمقابلة مع الخيل (3: 3). هنا لا نعارض "لجسد" بـ "النفس". بل ندلّ على كل إمكانيّات العمل لدى الإنسان.
في آ 3- 5، يُبرز الكاتب أهميّة السيطرة على اللسان في مقابلتين: اللجم في أفواه الخيل، والدفّة في السفينة. استعملت هاتان المقابلتان في العالم اليونانيّ، وقد طبّقهما يعقوب على اللسان: علّة صغيرة ونتائجها كبيرة.
ونبدأ مع "لجم الخيل". يقول يعقوب: "إذا جعلنا اللجم في أفواه الخيل لكي تنقاد لنا، فإنّا ندير جسمها كله" (آ 3). كان قد حدّثنا الكاتب عن "لجم الجسد" وها هو يصل إلى لجام (خالينوس) الخيل (هيبوس). في العالم اليونانيّ، بعد المقابلة باللجام، تأتي المقابلة بدفّة المركب. أمام التوراة، فنقرأ عن الحصان أو البغل: "تكبحه بلجام ورسن" (مز 32: 9). والبار هو الذي يضع لفمه لجاماً ما دام الشرير أمامه (مز 39: 2؛ رج 34: 14؛ أي 31: 30؛ أم 21: 23؛ 31: 26).
وتأتي صورة ثانية عن السيطرة على اللسان: دفّة المركب. تبدأ مع "ايدو" (في العبريّة: هـ ن هـ. "ها إن" (رج أش 7: 14؛ ملا 3: 1). يقول يعقوب: ها إن السفن، مع كونها عظيمة جداً وتسوقها الرياح الهوجاء، تديرها دفّة صغيرة جداً على ما يهوى الربّان (آ 4). وضع في البداية "السفينة". كما سبق له ووضع "الخيل". وما تفعله الدفّة نجده في فعل "ميتاغاين".
في المقابلة الأولى، لم يظهر التعارض بين صغر العلّة وكبر النتيجة. أما هنا، فهو واضح بين الدفّة الصغيرة والسفن التي قد تكون عظيمة، وتسوقها الرياح الهوجاء، ويشدّد النصّ في النهاية على "هوى" الربّان وارادته. فهو بواسطة الدفّة الصغيرة يقود السفينة إلى حيث يشاء. هنا نجد لفظة "هورمي" التي تعني الاندفاع على المستوى الجسدي، والهوى والمشيئة على المستوى الأدبي.
أفهمنا الكاتب قوّة السيطرة على اللسان في آ 2 ب، وشدّد على الافكرة بمقابلتين في آ 3- 4. وها هو يطبّق ما قاله على المؤمنين. "كذلك اللسان أيضاً، فإنه عضو صغير وهو يفتخر بعظائم الأمور" (آ 5 أ). تستعيد هذه الآية ما في آ 2 ب ولكنها لا تحعل اللسان موضع الكلام. نشير إلى أن الكاتب شخّص (جعله شخصاً حياً) اللسان، كما سبق له وشخّص الرغبة والخطيئة في 1: 15.
كان قد لمّح إلى الصغر والكبر. وها هو يوضح المقابلة بين حقارة الوسيلة وعظمة النتائج. وهذا الشرح يهيّىء آ 6- 8. أما النتائج التي حصلنا عليها فليست محدّدة. إذا عدنا إلى آ 2 ب- 4، تكون صالحة: سيطرة على الخيل، على السفينة. وإذا عدنا إلى آ 5- 8، تكون سيّئة: حريق في غابة، نجاسة في الجسم، ضربة لا استكانة فيها، سمّ قاتل. إذن، يستطيع اللسان أن يفخر بأنه قويّ في الخير كما في الشر. قوّته ملتبسة، والانسان هو الذي يحدّد كيف يوجّهه.
ج- ضرر اللسان (آ 5 ب- 8)
اللسان هو ينبوع الشّر (آ 5 ب- 6). وهو قوّة لا تُلجم (آ 7- 8). نحن هنا أمام لوحة معتمة عن الطبيعة البشريّة التي تصبح عرضة لتأثير الشّر.
أولاً: اللسان ينبوع الشرّ (آ 5 ب- 6)
بعد أن تحدّث الكاتب عن الخير الذي ينتج عن حسن استعمال اللسان من خلال صورتي اللجام والدفّة، ها هو يتحدّث عن الشرّ من خلال صورة النار المدمّرة. بعد مقدّمة جديدة (آ 5 ب)، يأتي التطبيق (آ 6): "ها إن ناراً يسيرة تضرم غابة عظيمة" (آ 5 ب). "كذلك اللسان أيضاً نار" (آ 6). ويُبرز الكاتب التعارض الذي تحدّث عنه بين علّة صغيرة (نار يسيرة) ونتيجة كبيرة (غابة مدمّرة).
لم تكن صورة النار معروفة في أيام الرسالة. فهي تعود إلى الأدب الكلاسيكي في القرن الخامس ق م. وتندّد التوراة بالشّر الذي يحرق كالنار (أش 9: 17): "شرورهم تشتعل كالنار فتأكل الأشواك والعلّيق، وتحرق أدغال الغابة، وتلتفّ كعمود من الدخان". رج مز 83: 15: "كما تشعل النار الغابة، ويحرق اللهيب الجبال". هي التوراة تقابل شّر اللسان بالنار كما في مز 120: 3- 4؛ أم 16: 27. وتعلن أن الأبرار لن يحرقوا بالنار مثل الكفّار (سي 28: 22- 23). استعمل يعقوب كلمات نادرة: "أنابتاين" (أحرق). "هيلي" (النار). واستلهم نصوص الكتاب المقدس.
ويبدأ تطبيق صورة النار المدمّرة على اللسان بعبارة: "هوتوس كاي" (كذلك). يقول يعقوب إن اللسان هو أيضاً نار، هو عالم الاثم. يُجعل بين الأعضاء فينجّس الجسد كله ويلهب دائرة العمر وتلهبه جهنّم (آ 6). فكما النار تدمّر الغابة، كذلك يدمّر اللسان النظام الأدبي وحياة الانسان، لأن ناره تنبع من نار جهنّم.
يتحدّث النصّ عن عالم (كوسموس) الاثم (اديكيا). أي العالم الأثيم، العالم الشرير (رج لو 16: 8؛ 18: 6؛ 2 تس 2: 3). العالم خاضع للشّر وهو بالتالي يعادي الله. هنا نعود إلى التقليد الانجيلي الذي يقول: إن الشّر يخرج من اللسان ويجعل الانسان دنساً (مت 15: 18- 20 وز).
وإذ أراد الكاتب أن يفهمنا ما يعني بنجاسة "الجسد" (سوما) كله (يدلّ على الشخص الحيّ والعامل) زاد: اللسان يُلهب "دائرة العمر". هذا يعني أن دمار اللسان يصيب أعماق الكائن. نجد هنا لفظة "تروخوس" (دائرة، دولاب) "غاناسيس" (الولادة، الأصل، الحياة، الوجود). وهكذا نكون أمام مسيرة الوجود البشريّ.
ولماذا كل هذا الشرّ في اللسان؟ لأن جهنّم تلهبه. لا يتحدّث يعقوب عن "وادي هينوم" جنوبي أورشليم (يش 18: 16؛ نح 11: 30)، ولا عن الشيول أو مثوى الأموات (مز 16: 10؛ أع 2: 24- 31)، بل عن موطن الشياطين والهالكين (مت 25: 41؛ رج 5: 22- 30؛ 10: 28؛ 18: 9؛ 23: 15؛ لو 8: 31؛ 16: 23- 26). رأى الكاتب في "جهنّم" شخصاً حياً، لأن النار التي تقدّمها للسان هي على المستوى الأدبي. هنا نتذكّر الانجيل وقوات الجحيم وهجماتها على الكنيسة (مت 18: 16). سيقول يع 4: 7 إن المسيحي يستطيع أن يتغلّب على إبليس. وهو بالتالي يستطيع أن يسيطر على شّر اللسان.
ثانياً: اللسان قوّة لا تلجم (آ 7- 8)
انتقل الكاتب من فكرة حول شّر اللسان إلى فكرة حول صعوبة السيطرة عليه. فالعضو يكون مضراً بقدر ما لا نستطيع أن نلجمه. هنا يقدّم يعقوب لوحة جديدة: الانسان يسيطر على جميع وحوش الأرض، ولا يستطيع أن يسيطر على لسانه.
صوّرت سيطرة الانسان بكلام مأخوذ من التوراة. "كل طبيعة للوحوش والطيور والزحّافات وحيوان البرّ (العدد 4 يدلّ على حيوان العالم كله) يمكن قمعها، وقد قمعها البشر" (آ 7). يرد فعل "دامازو" (قمع) ويتكرّر. فيدلّ على استمرار سلطان الانسان على عالم الحيوان، وعلى التأكّيد على هذه الاستمراريّة. فالله ننسمه قد أعطى الانسان هذا السلطان (تك 1: 26- 28؛ 9: 2- 3؛ مز 8: 6- 9؛ سي 17: 4). هل يبدو يعقوب صدى لهذا التعليم الكتابي، أم هو لاحظ ما لاحظه عدد من الكتّاب الدنيويّين؟ بل هو يرتبط بهذين المرجعين على مثال معلّمي الحكمة.
ويقابل سلطان الانسان على جميع حيوانات الأرض، ضعفُ الانسان لكي يلجم لسانه. "أما اللسان فما من انسان يقوى على قمعه، إنه شّر لا ينضبط، مفعم سماً قتّالاً" (آ 8). نقرأ لفظة "لسان" في بداية الآية، فيبرز التعارض بين الحيوانات واللسان، ونجد نفوسنا أمام نهج وجدناه في آ 3- 4 حيث الألفاظ الأساسيّة (خيل، سفن) وُضعت في بداية الآية.
هل نأخذ تأكيد آ 8 على حرفيّته؟ هل يستحيل على الانسان أن يقمع لسانه الذي هو شرّ لا يعرف الراحة، يبحث دوماً عن نشاط شرير؟ هل هو سمّ زعاف وينبوع فساد قاتل؟ هل نستطيع بعد هذا الكلام القاطع أن نستنئج أن الكاتب يدلّ على تشاؤم جذريّ؟ هذا ما نشكّ فيه، فالأدب الحكميّ الذي عرفه يعقوب يقرّ بإمكانيّة ضبط اللسان (أي 31: 30؛ مز 39: 2- 3)، ويعترف بأن الأبرار يستعملون اللسان بشكل صالح (أم 10: 20؛ 12: 18؛ 15: 2، 4؛ 31: 26). ويرى هذا الأدب أن لسان الأشرار وحده يحمل السمّ (مز 104: 4؛ رج 58: 5- 6). وأنهم وحدهم يستخدمونه من أجل الشرّ (سي 28: 8- 26؛ 27: 28).
ذاك هو موقف يعقوب الذي قابل اللسان باللجام والدفّة. والذي دعانا إلى أن نلجأ إلى الله لكي ننال الحكمة (1: 5- 8)، أو نتغلّب على إبليس (4: 7). أما نستطيع أن نصلّي أيضاً لكي نقمع اللسان؟ وفي آ 9- 10 نعرف أن اللسان يعرف أن يبارك. فإن شدّد الكاتب على امكانيّة اللعنة، فلكي يصل إلى المباركة. وإن شدّد على نقاط الشّر في اللسان، فلكي يحذّر المؤمنين ويدعوهم إلى الخير.
د- اللسان والتناقض في استعماله (آ 9- 12)
بعد أن أكّد الكاتب بشكل قاطع على استحالة ضبط اللسان، ها هو يحرّض ويلحّ من أجل استعماله في سبيل الخير. هذا يعني أن قمع هذا العضو وإن كان صعباً، يبقى في متناول الانسان الذي يريد ذلك بعزم ويتكّل على عون الله.
بدأ الكاتب فأعلن موقفه (آ 9- 10). ثم قدّم الصور التي تسند هذا الموقف. لاحظ أولاً تناقضاً في استعمال اللسان (آ 9- 10 أ)، فشجب هذه العادة (آ 10 ب)، ودلّ بواسطة ثلاث صور على أن مثل هذه العادة تتنافى والنظام الطبيعيّ، وتجعل الانسان على مستوى الوحوش قباحة.
إن الاستعمال المتناقض للسان يقوم بأن نقول على التوالي كلام البركة وكلام اللعنة. "به نبارك ربّنا وأبانا، وبه نلعن الناس الذين صنعوا على مثال الله" (آ 9).
أجل، اللسان يبارك "الربّ والآب" (1: 27؛ 1 أخ 29: 10)، أي الله في قدرته وحنانه تجاه البشر. المباركة هي أول صلاة في العالم اليهوديّ. وهي تقوم بأن نمتدح عظمة الله وإحسانه، وأن نعلن أن منتهى سعادتنا فيه (مز 31: 22؛ 103: 2؛ 126: 6). وقد سمّي الله "المبارك" (رج مر 14: 61). والمسيحيّون بدورهم وجّهوا إلى الله المجدلات والمباركات في صلواتهم الخاصة والجماعيّة (لو 1: 68؛ 24: 53؛ 1 كور 1: 4؛ 14: 18؛ 2 كور 1: 3؛ 11: 31؛ أف 1: 3؛ كو 1: 12؛ 1 بط 1: 3). وهكذا كانوا أمناء للتقليد الانجيليّ كما عبّرت عنه صلاة يسوع: "أباركك أيها الآب، ربّ السماء والأرض، لأنك أخفيت هذا عن الحكماء..." (مت 11: 25).
واللعنة هي ما يعارض المباركة. تقال في إنسان فتتمنّى له الشّر والشقاء. حين نقرأ أسفار الأنبياء والمزامير، نلاحظ أن اللاعن يماهي بين قضيّته وقضيّة الله، فيلوم "الشرير" لأنه يتعدّى على الحقّ الطبيعيّ أو الشريعة الموسويّة، ويدعو العدالة الإلهيّة لكي تنتقم (عا 2: 1- 16؛ أش 10: 1- 4؛ إر 7: 1- 15؛ مز 5: 11؛ 18: 38- 43). وكتب بولس في رسائله عن يسوع الذي تماهى مع الخطيئة واللعنة، فافتدى البشر من اللعنة (غل 3: 13؛ 2 كور 5: 21؛ روم 8: 1)، وطلب منهم أن يتغلّبوا على اللعنة بالمسامحة (1 كور 13: 5؛ روم 12: 14؛ رج 1 بط 3: 9؛ 1 يو 4: 20). أما التقليد الانجيليّ فذكّرنا يكلام يسوع في لو 6: 28 وز: "أحبّوا أعداءكم، وأحسنوا إلى من يبغضكم، وباركوا من يلعنكم لتكونوا أبناء أبيكم الذي في السماء".
بدا يعقوب مرتبطاً بهذا التعليم الجديد وأبرز ما يتضمّن هذا التعليم. فمن رجع إلى عادة قديمة دلّ على تناقض عميق. فبعد أن يمتدح بشكل مباشر الله كما يليق به، ها هو يلعنه بشكل غير مباشر حين يلعن الناس المخلوقين على صورته (تك 1: 26- 27؛ 5: 1؛ 9: 6؛ سي 17: 3؛ حك 2: 23). تحدّث العهد القديم عن الانسان المخلوق على صورة الله. والعهد الجديد عن الانسان الذي وُلد من جديد على مثال المسيح الذي هو الصورة المنظورة لله غير المنظور (1 كور 15: 49؛ 2 كور 3: 18؛ روم 6: 3؛ 8: 29؛ كو 1: 15؛ 3: 10).
ويعود الكاتب في آ 10 إلى الفكرة التي قالها في آ 9، ليدلّ على ما في سلوك المسيحيّين من تنافر: يصلّون فيباركون ائه. وبعد ذلك يلعنون القريب. كيف ترتبط التناقضات في العضو الواحد؟ هذا ما تبرزه الصور في آ 11- 12.
لهذا، يطلب يعقوب من المؤمنين أن يتركوا مثل هذا التصرّف الذي يغيظ الله ويسيء إلى القريب. "لا ينبغي أن يكون الأمر هكذا يا إخوتي" (آ 10 ب). هذا ما يخفّف من قوّة التوصية التي جاءت في صيغة "ينبغي" (داي).
وتأتي صور ثلاث في آ 11- 12. تعبرّ الصورة الأولى عن التعليم الذي قرأناه في آ 10: "أترى النبع يفيض من المخرج الواحد الحلو والمر (أو الحلو والمالح)" (آ 11)؟ من النبع (بيغي) يخرج ماء واحد. ولكن من اللسان تخرج البركة واللعنة. مثل هذه الفوضى ترفضها الطبيعة. هل تذكّر الكاتب مياه مارّة (خر 15: 23- 25) التي كانت مرّة فصارت عذبة؟ أو هل عرف مياه بحر الميت؟ المهمّ هو التناقض بين اثنين.
في الصورة الأولى أبرز استحالة خروج ماءين مختلفين من مخرج واحد. وفي الصورة الثانية نقرأ: "وهل يمكن يا إخوتي، أن تؤتي التينة زيتوناً، والجفنة تيناً" (آ 12 أ)؟ نجد هنا علاقة طبيعيّة بين العلّة (شجرة) ونتيجتها (ثمرة). كنا ننتظر أن يقول: "هل تؤتي التينة تيناً وزيتوناً"؟ ولكنه قدّم مثلاً مستلهماً كلام يسوع: "أيُجنى عن الشوك عنب، وعن العوسج تين" (مت 7: 16؛ لو 6: 44، التعارض هنا بين الأشجار المثمرة ونبات البريّة)؟ ونتذكّر ما عند الرواقيين: "لا يخرج الخير من الشّر كما لا يخرج التين من الزيتون" (سينيكا). وقال بلوترخوس: "لا نظنّ أن الجفنة تنتج تيناً، والزيتونة عنباً".
وتعيدنا نهاية آ 12 إلى الصورة الأولى: "والنبع المالح أيضاً لا يأتي بالماء العذب" (آ 12 ب). هي أيضاً في شكل استفهام. ويكون الجواب بالنفي. "لا يمكن أن يعطي الماء المالح والماء العذب".

خاتمة
عرفت الجماعة المسيحيّة عدداً من المعلّمين. بينهم يقف الكاتب في كنيسة يرئسها الشيوخ. بدأ يعقوب فحدّثنا عن هؤلاء المعلّمين، وحمله توارد الأفكار إلى التحذير من شّر استعمال اللسان. إذا كان عقاب المؤمن كبيراً بسبب كل كلمة باطلة، فما تراه عقاب هؤلاء المعلّمين الذين لا يعرفون أن يلجموا لسأنهم، وبالتالي لا يلجمون جسدهم. لهذا نرى يعقوب يدعونا إلى الكمال، كمال السلوك البشريّ الذي يتجاوب مع كمال طريق الله. إذا كان "الكامل" صفة تدلّ على عطيّة الله وشريعة الحريّة، فهو يرتبط بالإيمان الذي يتجسّد في العمل.
الفصل الحادي عشر
الحكمة الحقة والحكمة الكاذبة
3: 13- 18

نبدأ هنا مقطعاً جديداً من رسالة يعقوب، يندّد بالاسباب العميقة للخصومات والتوتّرات داخل الجماعات، بنقص في المحبّة بين الأفراد. وهكذا نكون أمام عدد من الأقوال المأثورة ترتبط بعضها ببعض برابط متراخٍ. وقد توخّى الكاتب أن ينطلق من وجهات مختلفة فيدلّ على هذا الشرّ، ويحاول تجاوزه. فأبرز في البداية القاعدة الأساسيّة من أجل موقف مستقيم: حبّ مملوء وداعة. وجعل السلام فوق كل شيء. تلك هي الحكمة الحقة "الآتية من فوق".
هذا ما نتأمل به في هذا المقطع مشدّدين على ثلاثة أمور: الحكمة الحقة والسلوك الصالح (3: 13). جذور الحكمة الكاذبة وثمارها (3: 14- 16). جذور الحكمة الحقة وثمارها (3: 17- 18).

1- الحكمة الحقة والسلوك الصالح (3: 13)
من لا يريد أن يكون حكيماً؟ من لا يريد أن يفهم في العمق ما يلامس حياة الانسان كي يستخلص الموقف الفطن الذي يتكيّف مع الظروف، لكي يستخلص الحكمة التي تعلّمه كيف يعيش؟ وهذا الفهم في نظر المؤمن، يعني أولاً طريق الخلاص وإرادة الله الخلاصّية. إذن، الحكيم هو ذلك الذي يفهم فهماً صحيحاً إرادة الله ويسيّر حباته بحسبها.
من الواضح أن الرغبة في فهم صحيح لوحي الله، قاد بعض أعضاء الجماعة إلى الحسد والمنازعات والتوتّرات، على ما حدث في جماعات أخرى (1 كور 1: 10؛ 3: 3؛ 14: 33؛ 2 كور 12: 20؛ فل 1: 17؛ أف 1: 17 ي؛ كو 1: 9 ي؛ 2: 1- 10؛ 1 تم 6: 20). وقد تكون هذه التوتّرات وُلدت من الجدال حول العلاقة بين الإيمان والاعمال (2: 14- 26). فشدّد يعقوب قائلاً بأن الحكمة الحقيقيّة لا تنكشف إلاّ في طريقة عيش يلهمها حبّ الله. وهنا يعود الكاتب مرّة أخرى إلى مثال المسيح (مت 5: 5؛ 11: 29) كما سبق له وفعل في 1: 21. فالحكيم هو الذي يسير في خطى المسيح، فيكون مثله متواضعاً، حليماً، وديعاً. فينال ميراث الله.
وهكذا توجّه الكاتب إلى الذين يعتبرون نفوسهم حكماء. فطلب منهم أن يبرّروا اعتبارهم هذا بالوداعة في سلوكهم. ونسأل: هل نستطيع أن نعرف إلى من يتوجّه الكاتب في آ 13- 18؟ هل يدلّ على جميع قرّاء الرسالة أم على المعلّمين والذين يتوقون إلى "مهنة" التعليم كما في 3: 1؟ نحن نعرف أن العالم اليهودي سمّى المعلّم "حكيماً" (ح ك م، حاخام، رابي، معلّم). يبدو أننا أمام تحرصين (3: 1- 12؛ 3: 13- 18) يتوجّهان إلى المعلّمين في الجماعات (3: 1- 2 أ). من جهة، يدعوهم الكاتب إلى أن لا يستسلموا لزلقات اللسان في مواعظهم (3: 2 ب- 12). ومن جهة ثانية، يدعوهم ألاّ يعتبروا نفوسهم حكماء، إلاّ إذا استلهم سلوكهم حكمة إلهيّة تولّد السلام، لا حكمة بشريّة تخلق البلبلة (3: 13- 18). وقال أصحاب هذا الرأي إن التحريضين يتوجّهان إلى المتهوّدين الذين لم يتسلّموا مهمّة رسمية، ومع ذلك يفرضون على الآتين من العالم الوثني الختان وسائر الممارسات الموسويّة (رج أع 15؛ غل 2).
هذا رأي. وهناك رأي آخر يعتبر آ 13- 18 مستقلّة عن المقطوعة السابقة. وهي تتوجّه إلى جميع قرّاء الرسالة سواء كانوا معلّمين أو أعضاء في الجماعة. فلا علاقة منظورة بين آ 13- 18 والمقطوعة التي سبقتها. ثم إن العبارة "هل فيكم" تبدأ عادة مقاطع تتوجّه إلى جميع قرّاء الرسالة (1: 5، 22، 23، 26؛ 2: 8، 9، 15، 18؛ 5: 13). ونعطي مثلاً على ذاك. كتب يعقوب: "هل فيكم من يتألم؟ فليصلِّ... هل فيكم مريض؟ فليدعُ كهنة الكنيسة وليصلّوا عليه" (5: 13- 14). ترد عبارة "هل فيكم" مرتين كما في 3: 13. ونتساءل: هل المعلمون وحدهم يتألّمون ويمرضون، أم جميع المؤمنين؟ وإذا تذكّرنا أن يعقوب يعود إلى العالم الحكميّ، نفهم أن هذه الحكمة تتوجّه إلى الجميع لا إلى فئة معيّنة.
ظنّ بعض المسيحيّين أنهم حكماء، فدعاهم الكاتب إلى سلوك يتوافق مع ظنّهم. "أفيكم ذو حكمة ودراية... فليدلّ أن أعماله متّسمة بوداعة الحكمة" (آ 13). فالنداء الآتي في بداية الآية بشكل سلبيّ، وطريقة وضع شخص أمامنا سوف ننساه سريعاً، يعلنان بشكل حيّ موضوعاً جديداً. هذا ما نجده في عدد من أسفار العهد القديم. مثلا، أش 50: 10: "من منكم يخاف الرب...؟ ليتوكّل على اسم الربّ". إن هذا النداء بشكل سؤال يمكن أن يقال: "إذا كان فيكم أحد...".
لا ترتدي لفظة "حكيم" (سوفوس) هنا معنى نجده في الأناجيل أو الرسائل البولسيّة: الحكيم على المستوى العقلي، الكاتب، معلّم الشريعة، الفيلسوف (مت 11: 25؛ 23: 34؛ روم 1: 14، 22؛ 1 كور 1: 19 ي). الحكيم هنا يقف على المستوى الأخلاقي كما يحدّده ابن سيراخ: يكرم الربّ، يحفظ شريعته، لا يقترف خطأ، وإن لم يكن ذا عقل ثابت (سي 19: 18- 27). فالحكيم بحسب يع هو صاحب السلوك المثاليّ. هذا ما نكتشفه في سياق النصّ. وهناك لفظة ترد مرّة واحدة في العهد الجديد: "ابستامون" (مختبر، صاحب دراية). نفهمها في ذات الخطّ الأخلاقي (تث 1: 13، 15؛ 4: 6؛ دا 5: 12: نجد اللفظتين معاً).
فبين قرّاء الرسالة، هناك من نسيَ هذا الحسّ الأخلاقي. اعتبروا نفوسهم حكماء لأنهم يمتلكون أو يظنّون أنهم يمتلكون بعض المعلومات الدينيّة. وأمرهم يعقوب أمراً: لا يغشّوا أنفسهم. ولا يغشّوا الآخرين. ليبرهنوا بسلوكهم. هذا ما فعله بولس أيضاً في كورنتوس. يجب أن يكون سلوكنا صالحاً (1 كور 2: 3، 7- 8؛ 4: 17)، أي أن يتجلّى في الأعمال التي تدلّ على إيمان حيّ (يع 2: 14 ي) وعلى رفض المحاباة (2: 1 ي). في أعمال تحمل المحبّة والسلام (3: 13- 17). ونتذكّر بطرس الذي طلب من المسيحيّين العائشين وسط الوثنيّين سلوكاً يجعلهم يمجدّون الله حين يرون أعمالكم الحسنة (1 بط 2: 12؛ رج 3: 16).
والأعمال المطلوبة من ذاك الذي يرى نفسه حجماً، تتحقّق في وداعة الحكمة. قال لنا يعقوب في 1: 21 إن الوداعة تنفي كل عنف. وهو يقولي لنا الآن إنها ثمرة الحكمة. وفي آ 17 سيحدّد ما تتضمّن. أنشد العهد القديم وداعة الربّ وتجلّياته (مز 31: 20؛ 86: 5؛ 109: 103؛ أم 24: 13؛ سي 24: 20؛ حك 8: 1؛ 16: 20- 21)، وبيّن أن الحكمة تعني أن نرى كل شيء في عين الله. ينتج عن كل هذا أن الوداعة تجري من الحكمة كالماء من النبع، وتفرض نفسها على من يسمّي نفسه حكيماً. يقول سي 3: 17 لتلميذه: "أتمَّ يا ابني أعمالك بوداعة" (براوتس). ويرينا التقليد الانجيلي يسوع "الوديع والمتواضع القلب" (مت 11: 29). وهو يطوّب الودعاء (مت 5: 4)، ويكشف للبشر وداعة الله (مت 12: 18- 21= أش 42: 1- 4). وأعلن بولس أن الوداعة هي ثمرة الروح (5: 13)، وهي صفة من صفات المسيح (2 كور 10: 1) وتلاميذه (غل 6: 1؛ كو 3: 12؛ أف 4: 2؛ رج 1 بط 3: 16: بوداعة واحترام). وهكذا تتجذّر وصيّة يعقوب عن الوداعة في التقليد البيبلي تجذّراً عميقاً، وتتوافق كل الموافقة مع التقليد المسيحيّ.

2- جذور الحكمة الكاذبة وثمارها (3: 14- 16)
تدلّ القاعدة المذكورة هنا حول "تمييز الأرواح" أن الثمار الرديئة التي ترتبط بحكمة "كاذبة" عند بعض المسيحيين، تحمل جذور الشرّ، جذور الشيطان. فالحسد والكبرياء والافتخار بالذات، وروح المنازعة، كل هذا يتعارض وروح الله. وهذا ما يصفه الرسول بـ "الشهواني". هذا ما يسبّب الشرّ في العمل، في مواقف الجماعة، في حياة كل عضو من الأعضاء. فكل ما يعارض المحبّة، يعارض الحقيقة. وكل ما يخرج من روح العالم المنحطّ، يؤثّر على المؤمنين تأثيراً مدمّراً. إذن، من افتخر بحكمته افتخاراً ينتقد الآخرين ويحتقرهم، صار عامل تشويش وانقسام في الكنيسة، و"كذب على الحقّ". ودلّ في نظر الله على أنه "خادم الشيطان".
أجل، يبتعد عدد من المسيحيّين عّما تفرضه الحكمة. بل إن استعداداتهم تعارضها. وهذا ما يدلّ على الخطأ الذي فيه يقيمون. قال يعقوب: "إن كان لكم في قلوبكم غيرة مرّة وروح منازعة، فلا تفتخروا، ولا تكذبوا على الحقّ" (آ 14). ترك يعقوب ذاك الشخص الذي ناداه في آ 13، وتوجّه الآن إلى الجماعة. ترك طريقة السؤال وأخذ بالشرط: "إن كان". فكأني به يقوله: "في الواقع، في قلوبكم غيرة وحسد".
تدخّل يعقوب ضدّ مثل هذه العقليّة، فدلّ على أنه عالم بما في هذه الجماعات. هناك غيرة يُلامون عليها لأنها مرّة (بكروس)، لأنها تحمل العداء للآخرين (1 كور 3: 3؛ روم 13: 13). مثل هذه الغيرة تبتعد كل البعد عن تلك التي يمتدحها الكتاب المقدس لأنها حميّة من أجل الخير (1 مل 19: 10، 14؛ سي 48: 2؛ أع 21: 20؛ يو 2: 17؛ روم 2: 8). أما النتيجة فدمار سيكشفه يعقوب في آ 15. بعد هذا، هل نستطيع أن نفتخر، أن نعتبر نفوسنا حكماء؟ إن فعلنا كنّا من الكاذبين.
فالحكمة التي يفتخر بها مسيحيّون يعرفون المرارة والمنازعة، لا علاقة بها بالحكمة الحقيقيّة. بل عكس ذلك. "هذه الحكمة ليست منحدرة من فوق، بل هي أرضيّة، حيوانيّة، شيطانيّة" (آ 15). هناك طريقان للدلالة على أصل هذه الحكمة الكاذبة وطبيعتها العميقة، طريق سلبي يقول: انها لا تأتي من فوق، من العلاء. وطريق إيجابي يقول في ثلاث ألفاظ: إنها تأتي من موضع آخر. وهكذا نكون في إطار حكميّ.
شدّد التقليد البيبليّ على الأصل الإلهيّ والسماويّ للحكمة (أم 2: 6؛ 8: 22 بـ 31؛ سي 1: 1- 4؛ 24: 3 ي؛ حك 7: 25- 26؛ 9: 4 ي). هي "من فوق" (انوتان) كما في 1: 5 حيث أكّد الكاتب على أصلها، وأوصى الذين لا يملكونها بأن يطلبوها من الله في صلواتهم. مثل هذه الحكمة التي افتخر بها هؤلاء، ليست سماويّة، بل "أرضيّة" (أبيغايوس)، أي يلهمها البشر لا الله. وقد دلّت الكنيسة الأولى على هذا التعارض بين ما يأتي من الله، من العلاء، من السماء، وبين ما يأتي من البشر، من الأرض (فل 2: 10؛ 3: 19 ي؛ كو 3: 2؛ يو 3: 12، 31؛ 8: 23). وحين نعلن أن هذه الحكمة هي أرضيّة أو بشريّة، نجعلها أدنى من السماويّة، ولكننا لا نعتبرها رديئة. ولكن السياق يجعلنا نعتبرها كذلك.
فهذه الحكمة هي "حيوانية" (بسيخيكي). على مستوى الكائن الحيّ. ما يعارض الروح والعقل الذي ينيره الله. يسمّي يهوذا هؤلاء المسيحيّين: مسبّبي الفوضى (آ 9). وبولس يعتبر أنهم ما زالوا أطفالاً، فما استطاعوا أن يدركوا مخطّط الله الخلاصيّ (1 كور 2: 14- 16). ويدعوهم "جسدانيين" لأنهم يعيشون عيشاً بشرياً في الغيرة والمنازعة (1 كور 3: 3).
وأخيراًَ، يصف يعقوب هذه الحكمة بأنها "شيطانيّة". آتية من الشيطان. متأثّرة بعالم الشيطان مثل اللسان (3: 6؛ 4: 7؛ مت 6: 13). تشبه عالم الشرّ. وذلك مثل الإيمان الذي لا أَعمال فيه فيشبه عالم الشيطان (2: 19).
وبعد أن وصف الكاتب حكمة المسيحيّين هؤلاء بكاذبة وأرضية وشيطانيّة، برهن بأن الأمر هو كذلك، فقال: "حيث تكون الغيرة (المرّة) والمنازعة، فهناك التشويش وكل أمر رديء" (آ 16). فالجماعات التي يعيش فيها مثل هؤلاء "الحكماء" لا تعرف السلام، بل البلبلة والفوضى. فاللفظة "اكاتاستاسيا" تدلّ على غياب كل ثبات واستقرار (رج 1: 8؛ 3: 8). وهنا، نحن أمام فوضى أخلاقيّة وغياب السلام. قال بولس في هذا المجال: "ليس الله إله تشويش، بل إله سلام" (1 كور 14: 33). وفال في 2 كور 12: 20: "بينكم خصومات وحسسد ومقاضيات ومنازعات واغتيابات ونمائم وانتفاضات واضطرابات".
ومع التشويش والفوضى، نجد "كل أمر رديء". كل ما يعارض الخير والصلاح (2 كور 5: 10؛ روم 9: 11). لا يوضح الكاتب هذا الشرّ الذي يتحدّث عنه. ولكننا نستطيع أن نتخيّله إنطلاقاً من آ 17 التي تتحدّث عن شرور تستبعدها الحكمة الحقّة: غياب الرحمة والحلم. المرارة والمحاباة.

3- جذور الحكمة الحقّة وثمارها (3: 17- 18)
فالحكمة التي تُعطى "من فوق"، التي يعطيها الله، تستطيع أن تتمّ إرادة الله المحبّة. هي تنبثق من الله، وتستطيع أن تخدم عمل الله ومقاصده في العالم. أن تعمل من أجل نموّ الكنيسة من الداخل ومن الخارج. هي ليست مشغولة بالترفّع والافتخار وتبرير الذات، بل بإتمام وصايا الله داخل جماعة المؤمنين. وفي هذه الخدمة تحمل الحكمة الحقّة ثمارها.
لا يستطيع الانسان أن يعيش بحسب الحكمة بذاته ولذاته. فهذه الإمكانيّة تأتي من الله وتُعدّ لتكون في خدمة الله. والحكمة التي نبحث عنها بقوانا ومن أجل منفعتنا الخاصة، تبقى ناقصة ولا تحمل ثماراً يرضى عنها الله. تنقصها القوّة الحقيقية والسلوك الحقّ والهدف الحقيقيّ. قال بولس الرسول: "إن حسب أحد منكم أنه حكيم في هذا الدهر (العالم) فليصر جاهلاً ليصير حكيماً. فإن حكمة هذا العالم جهالة عند الله" (1 كور 3: 18- 19).
أراد الكاتب أن يساعد قرّاءه على نزع القناع عن حكماء كاذبين في كنائسهم، وأن يدلّهم على طريق العودة والارتداد، فرسم لوحة عن الحكمة الحقّة، الآتية من الله. ما قال شيئاً عن طبيعتها ولا عن تعليمها، بل ذكر مزاياها فدلّ على أن كلامه هو عملّي بالدرجة الأولى (آ 17).
أول ما يميّز الحكمة الآتية من الله، هو نقاوتها. لا طهارة على مستوى الشريعة، لا طهارة على مستوى الأفكار والنوايا، بل الابتعاد عن كل انحراف أخلاقيّ، والتوافق التام مع قداسة الله. نقرأ في 4: 7- 8: "إخضعوا لله... اقتربوا إلى الله... طهّروا أيديكم أيها الخطأة، وفّقوا قلوبكم يا ذوي النفسين". وكان قد قال في 1: 27: "التديّن الطاهر الزكي في نظر الله الآب هو... صيانة النفس من دنس العالم". هذا ما أراده يعقوب من قرّائه: نبذ كل نجاسة ورداءة من الوداعة.
وهناك مزايا أخرى ترتبط بالنقاوة الأخلاقيّة، فتساعدنا على التعرّف إلى الحكمة الحقة: هي مسالمة، حليمة، سهلة الانقياد... هنا نتذكّر لوائح الفضائل والرذائل في روم 1: 28- 31؛ غل 5: 19- 21؛ 1 كور 6: 9- 10. وفي فل 4: 8 أورد بولس ثماني مزايا: "حق، كرامة، عدل، نقاوة، لطف، شرف، كل ما هو فضيلة، كل ما يُمتدح".
الحكمة الآتية من فوق هي مسالمة (أم 3: 17: طرقها طرق سلام؛ رج روم 8: 6). هي حليمة تعرف الصبر والهدوء، وتبتعد عن كل إفراط (فل 4: 5؛ أع 24: 4؛ 2 كور 10: 1؛ 1 بط 2: 18). هي سهلة الانقياد. تثق بالآخرين. تقتنع بسهولة. هي مليئة بالرحمة والثمار والطيّبة. فالحكمة الحقّة والديانة الحقّة والايمان الحقّ تدلّ عليها الأعمال الصالحة. هذه الحكمة لا تحابي، أي لا تحكم على الآخرين. ولا ترائي، ولا تعرف الخبث والكذب فتقول ولا تفعل، بل تعيش في الصدق.
ونقرأ في آ 18: "ثمر البرّ يُزرع في السلام، لأجل فاعلي السلام". ثمر البرّ هو البرّ وهو الحياة في القداسة، الحياة بحسب إرادة الله ووصاياه. فالذي يتصرّف بهذا الشكل، يسير بحسب مثال المسيح: لقد صار خادمَ الجميع من أجل خلاص البشر. ومثل هذا الحكيم لا ينتج إلاّ الثمار الصالحة. والصالح هو ما يخدم السلام وبناء الكنيسة. والحكماء الحقيقيّون هم الذين يضعون السلام في جماعاتهم فيبتعدون عن المنازعات والتحزّبات وكل موقف متعصّب. يعرفون الكلمة الصادقة والأخويّة التي تنبع من قلب مسؤول ومحبّ. ويعرفون العمل المتجرّد الذي هو خدمة حقيقية للقريب لا تتوقّف.
مثل هذا البذار يحمل ثمراً يدوم. فقد قال الرب: "طوبى لفاعلي السلام فإنهم أبناء الله يُدعون" (مت 5: 9). فالله الآب نفسه يرى في هؤلاء الحكماء أبناء حقيقيّين له حين يُخضع أعمال الجميع لدينونته. هذا البذار يُزرع في السلام. فيكون السلام سبب البرّ. وهذا البرّ هو نتاج من أجل فاعلي السلام.

خاتمة
بعد أن وجّه يعقوب كلاماً قاسياً إلى المعلّمين، قدّم مديحاً حول الحكمة التي هي ينبوع كل تعليم. وقابل بين نمطين من الحكمة: الحكمة الكاذبة التي هي أرضيّة، حيوانيّة، شيطانيّة. إنها ترتبط بعالم الخطيئة والكذب، وتُعارض الحقّ كل المعارضة. والحكمة الصادقة التي هي مزيّة الانسان الكامل. هي تأتي من فوق، شأنها شأن كلمة الحق، فتحمل ثمار السلام والرحمة والوداعة. وهكذا نبقى مع يع في قلب التحريض الأخلاقيّ البعيد عمًّا نجده من تعليم بولسي حول الحكمة الحقيقيّ كما في 1 كور 1: 18- 2: 15.
الفصل الثاني عشر
الصداقة للعالم عداوة لله
4: 1- 10

بعد الحكمة الحقة والحكمة الكاذبة التي انتهت بالسلام لأجل فاعلي السلام، بعد الحكمة الكاذبة وثمارها، والحكمة الحقّة وثمارها، وصل الكاتب إلى موضوع التعارض بين صداقة وصداقة. هل أنت صديق الحكمة الحقّة؟ إذن أنت صديق الله. هل أنت صديق العالم؟ أنت عدّو الله. نحن ولا شكّ أمام نظرة إلى العالم وما فيه من شرّ على ما نقرأ في إنجيل يوحنا ورسائله. لماذا هذا التعارض التام؟ لأن روح العالم هو سبب جميع الخصومات. لأن الله يريد الانسان كلّه. لأن الله يريد الجدّ في إيماننا بالارتداد الصادق إليه.
إن التنبيه الذي به تبدأ يع 4 (4: 1- 3) لا يرتبط بالمقطع السابق حول الحكمة (3: 13- 18). كل ما هناك هو استعادة كلمة "غيرة" (4: 2). ويبدو الكلام بشكل أسئلة، وتصبح اللهجة قاسية قاطعة. لم يعد الكاتب يذكر الحكمة بل الأهواء التي تحرّك الخصومات وتجعل صلواتنا باطلة. وإذ جعل الكاتب هذين المقطعين الواحد بإزاء الآخر، فقد أراد أن يعارض بين الحكمة الحقّة (3: 16) والأهواء البشريّة، بين نتائج الحكمة الحقّة وما فيها من خير، ونتائج الأهواء وما فيها من شرّ، بين السلام والحرب.
يعالح ف 4 الأهواء والحروب والصلوات غير المتسجابة (آ 1- 3). ثم التعلّق بالعالم الذي يقف حاجزاً في الطريق إلى محبّة الله (41- 6). بعدها، واجب العودة إلى الله وشروطها (آ 7- 10). وفي المقطع الذي ندرسه في ما بعد، نجد كلاماً عن النميمة والافتراء (آ 11- 12)، واكتفاء التجار والاعتداد بنفوسهم. غير أننا نجد منطقاً داخلياً بين الأقسام التي تشكّل المقطوعة التي ندرس في هذا الفصل: إن البحث عن الملذّات الذي هو ينبوع فوضى خطيرة (آ 1- 3)، يذكّرنا بحبّ العالم الذي يبعدنا عن الله (آ 4- 6)، ويدعونا إلى أن نعلن أهميّة العودة إلى الله (آ 7- 10).

1- البحث عن الاهواء (4: 1- 3)
وبدأ يعقوب يبحث عن جذور الحكمة الكاذبة وثمارها المفسدة، فكشفها بدون مواربة. استعمل أسلوباً مضخّماً وعاد إلى لغة الحرب. فكأننا أمام حرب أهليّة داخل الجماعة التي يتوجّه إليها. يجب أن نبحث عن أسباب الخصومات والتوتّرات في إطار الضائقة الاجتماعية التي تعيشها الجماعة، في التعارض بين قلّة من الأغنياء تملك كل شيء وكثرة من الفقراء لا تملك شيئاً. وتحاول قلّة الفقراء أن تمتلك بعض الشيء، ولكن الطريق الذي تأخذه ليس بالسليم: هو طريق الحسد والخصومة والحرب، وكل هذا يدلّ على أنانيّة متأصّلة في الانسان.
أجل، البحث عن الأهواء والملذّات هو ينبرع فوضى خطيرة. وليست الحكمة الكاذبة وحدها، سبب التشويش والشرّ في الجماعات المسيحيّة (آ 1). وتقديم الكلام بشكل سؤال يعطي الجملة قوّة، ويفرض علينا أن نفكّر، ولا يسمح لنا بأن نتهرّب فنجد لنفسنا أعذاراً.
حروب وخصومات بين المسيحيّين. في قلب الجماعات. لسنا هنا على مستوى القتل، بل في معنى استعاريّ. ولكن الأمر أخطر ممّا هو في وضع الحكمة الكاذبة. البحث عن اللذة. الهوى. الرغبة الشرّيرة (لو 8: 14؛ تي 3: 3؛ 2 بط 2؛ 13). يأكلنا حسد وغيرة، ولكننا لا نستطيع أن نمتلك. نطلب "الملذّات" في الصلاة ولا نحصل على شيء. كل هذا يحرّك داخل الجماعـة الخصومات والمنازعات، كما يحرّكها في قلب الانسان. في هذا المجال نتذكّر روم 6: 13، 19؛ 7: 23؛ كو 3: 5؛ 1 بط 2: 11.
انتظرنا في آ 2 أن يحدّد الكاتب طبيعة الملذات التي يطلبها المسيحيّون. ولكن لا شيء من ذلك. هو يريد للمؤمنين خيرات مفيدة وضروريّة نصلّي إلى الله كي ننالها. ولكننا لا نحصل على خيرات نرغب فيها لأننا نهمل الصلاة، أو لأننا لا نعرف كيف نطلب. وهكذا يدعو الكاتب قرّاءه، كما دعاهم على مستوى الحكمة (1: 5- 6)، إلى أن يتّكلوا على الله لا على نفوسهم لكي ينالوا ما يرغبون فيه.
ليس خطأ المسيحيين في أنهم يرغبون في خيرات الأرض، بل في أنهم يطلبونها دون العودة إلى الله الذي هو أبو كل عطيّة كاملة (1: 17). هذا ما علّمنا التقليد الإنجيليّ ولا سيّما في الصلاة الربيّة مع طلب الخبز اليوميّ (مت 6: 9 ي). وقال الربّ أيضاً: "إسألوا فيُعطى لكم... أبوكم الذي في السماوات يعطي العطايا الصالحة لمن يسأله" (مت 7: 7- 11). وقال: "كل ما تسألون في صلاة واثقة تنالونه".
واستبق الكاتب قرّاءه الذين قد يعترضون بأنهم يصلّون أسبوعياً بل يومياً، على مثال كل يهوديّ متديّن (أع 2: 42- 47)، فميّز بين صلاة وصلاة (آ 3). لا شكّ في أنكم تصلّون. ولكن بما أن صلاتكم لا تستجاب، فهذا يعني أنها ليست صلاة الأبرار. "تطلبون ولا تنالون، لأنكم تسيئون الطلب، إذ تبتغون الانفاق في ملذّاتكم". فالصلوات تكون رديئة حين لا تخضع في البدء لإرادة الله ومجده ومجيء ملكوته (مت 6: 7- 11). حين تطلب فقط ما يرضي الأنانيّة والشهوات الشخصيّة. في العهد القديم، أعلن الله أنه لا يستجيب إلاّ صلاة الأبرار، أي صلاة أولئك الذين يبحثون عن مشيئته (مز 34: 15- 17؛ 145: 18؛ أم 10: 24).
وهكذا كشف يعقوب خطراً كبيراً يتربّص بالمسيحيين. هو تجربة أساسيّة لدى الانسان، ولا سيّما المؤمن وصاحب التقوى: يريد أن يجعل الله في خدمته. يماهي بين رغباته ورغبات الله. فمن "يعاتب" الله لأنه لم يعطه ما طلبه بأنانيّة، يدلّ على أنه لم يأخذ إيمانه يوماً على محمل الجدّ. فالايمان هو استسلام كليّ بلا قيد ولا شرط إلى إرادة الله، فنقول له في كل الظروف كلام الطفل لأبيه: "لا مشيئتي بل مشيئتك" (مر 14: 36). إذن، تصعد الصلاة نقيّة حين يلهمها الروح، حين تتضمّخ بالإيمان الحقيقيّ.

2- حب العالم وعداوة الله (4: 4- 6)
ولكن حين يستسلم المسيحيّ للعالم، ولروح أركون هذا العالم، يميل بقلبه عن الله. فالمساومة مع أعداء الله هي زنى وخيانة لله. استعاد يعقوب صورة الحبّ والزواج التي استعملها الأنبياء ليدلّوا على علاقة الله بشعبه (أش 1: 21؛ إر 3: 1 ي؛ هو 1- 3؛ حز 10: 22). وطبّق هذه الصورة، شأنه شأن بولس الرسول، على علاقة الله بالكنيسة التي هي شعب الله الجديد، التي اقتناها المسيح بدمه ملكاً خاصاً. "خطبتكم لرجل واحد، لأهديكم للمسيح عذراء لا عيب فيها" (2 كور 11: 2).
واستعاد يعقوب هذه الصورة التقليديّة من الكتاب المقدّس، فقال: "أيهّا الفجّار" (آ 4). فكل المعمّدين والمفديّين، يشاركون في جماعة حياة وحبّ ثابت مع الله. فمن لا يتجاوب بكل قلبه مع حبّ الله. فمن يطلب "أحبّاء" آخرين. من يطلب حبيباً آخر غير الربّ. من يطلب في هذا الظرف "العالَم" الذي هو عدّو الله، لأنه سقط وانحط. من فعل ذلك، أحبّ نفسه، طلب نفسه، وهكذا قطع شراكة الحبّ مع الله.
هذه الكلمة تؤثّر فينا وتذكّرنا دوماً بخياناتنا حين نساوم مع روح العالم مساومة تقودنا إلى خيانة عميقة. ومن خلال هذا النداء وهذه الدينونة نستشفّ كلام الربّ لكنيسة أفسس: "ولكن آخذ عليك أنك أهملت محبّتك الأولى" (رؤ 2: 4). لهذا، من فضّل في قرارة نفسه روح العالم على الله، صار بالضرورة "عدوّ" الله. صار خائناً لله. صار زانياً وفاجراً في المعنى البيبليّ.
فبين "العالم الذي يسود عليه روح عدوّ الله (يو 8: 34- 35؛ 15: 18 ي؛ 17: 4- 5؛ 1 يو 2: 15- 16)، وبين الله، لا موضع للمساومة والمهادنة. فمن لا يخضع لله، من لا يتعلّق به طائعاً خاضعاً، لا يمكن إلاّ أن يكون خائناً لحبّه.
بعد مناخ من الخصومات داخل الجماعة يبعد المؤمنين عن الراحة الداخليّة، ها قد وصلوا إلى حالة من العداء تجاه الله. قال الربّ عن شعبه إنه زانٍ لأن خان حبّه. وقال يسوع الكلام عينه لهذا الجيل الفاسد الذي يرفض أن يتبعه. قال: "جيل شرير فاجر" (مت 12: 39). نشير هنا إلى أن النصّ لا يشجب تعلّق المؤمن بعجائب العالم المخلوق، كما لا يشجب اعجابه بما في الكون من جمال. ولكنه يرفض صداقة للعالم ترفض الله، وتتعلّق فقط بخيرات الأرض كأنها منتهى الخير الذي يطمح إليه الانسان.
وإذ أراد الكاتب أن يثبت مقاله، قدّم برهاناً كتابياً: "أو تظنّون أن الكتاب يقول عبثاً: إن الله يحبّ حتى الغيرة الروح الساكن فينا" (آ 5)؟ لا نجد هذه العبارة في العهد القديم، بل في أحد الكتب اليهوديّة التي دوّنت في عالم هلنستي. ينتج عن هذا أن لائحة أسفار العهد القديم لم تكن بعد ثابتة حين كتب يعقوب رسالته. وهذا ما جعل الكاتب يعتبر هذا النصّ غير القانونيّ وكأنه كتاب مقدّس، كتاب نبويّ، نجهله اليوم كل الجهل. هنا نقارب هذا المقطع مع آخر في رسالة يهوذا (آ 14- 15) حيث نجد أيضاً إيرادات من كتب نعتبرها منحولة. لا شك في أننا لا نجد في يهوذا العبارة: "قال الكتاب"، ولكننا نفهم أن الكاتب يقدّم برهاناً كتابياً.
ما معنى هذه الجملة التي فيها يتحدّث يعقوب عن "غيرة" الله؟ إن روح الله الصالح الذي يملأ الانسان الذي هو "أنا جديد" ومسيحيّ، لا تطرده أهواء الشرير أو تفشّله. إذن، المسيحي في هذا العالم هو في وضع من الحرب الدائمة، حرب في داخل قلبه. وهذا "الأنا الجديد" الذي وُلد ثانية بالايمان والمعمودية، عليه أن يتجاوز كل الميول الشريرة التي تجد سنداً لها في أعضائنا.
من المهمّ أن نعرف في هذه الظروف أن الله يسهر على روحه الصالح. هذا الروح هو حبّه الذي اختار الانسان ليشاركه مشاركة حميمة في هذا الحبّ. أجل، الله يسهر "بغيرة" على هذا العهد، على هذا الرباط من الحبّ الذي يربطه بكل من المعمّدين. وهو يطلب حساباً من كل من تعامل بخفّة أو بالخيانة مع جماعة الحبّ هذه، من كل من أغاظ هذا الحبّ. فكيف نستطيع أن نردّ على هذا الحبّ إلاّ بحبّ تامّ ومطلق يرفض كل تعلّق بشخص أو بشيء آخر؟
وبعد التحذير القاسي في آ 4- 5، نقرأ تأكيداً يملأنا ثقة بالله واتكمالاً: "الله يعطي نعمة أعظم... يقاوم المتكبرّين ويعطي المتواضعين نعمة". إذا كان الله يحبّ أخصّائه، فمن أجل خيرهم وخلاصهم. هذا ما أراد يعقوب أن يعبّر عنه مستنداً إلى الكتاب المقدّس. "لذلك يقال" أو: يقول الكتاب. فغيرته وحبّه ودينونته، كل هذا هو في خدمة حبّه الخلاصيّ. وحين يتدخّل للدينونة والعقاب، حين يفرض كل الانسان أن يكون كله له، فلكي يكون الانسان موضوع نعمة. فمن أراد أن يتسلّم هديّة فتح يديه. ومن أراد أن يتسلّم حبّ الله فتح له قلبه، وحرّره من عبادة الذات ومن كل تعلّق بالعالم.
فروح العالم يجد ذروته في عبادة الذات وكأنه صنم، في التكبرّ المكتفي بنفسه، هذا التكبّر الذي يجعل نفسه على مستوى الله، يجعل من نفسه محور كل شيء. لهذا يقاوم الربّ المتكبرّين وقلبهم الرديء، ولا يعطي حبّه إلاّ للمتواضعين. فكل ما هو صالح، وما هو رفيع، وما هو قيّم، يأتي من العلاء، والمتواضعون ينتظرونه. هذا ما نكتشفه في نشيد التعظيم المريمي: "حطّ المقتدرين عن الكراسي ورفع المتواضعين" (لو 1: 52؛ رج 1 صم 2: 7؛ 2 صم 22: 28؛ مز 75: 8؛ 147: 6؛ أي 5: 11؛ سي 10: 14- 15؛ مت 23: 12؛ لو 14: 11؛ 14:18).
"لذلك قيل". هي طريقة قصيرة في إيراد الكتاب كما في أف 4: 8؛ 5: 14؛ عب 3: 7. هذا النصّ الكتابي الذي أورده يعقوب هنا يعود إلى أم 3: 34 حب السبعينية مع اختلافة قصيرة: جُعل "الله" (تيوس) موضع "الربّ" (كيريوس). ونجد هذه العبارة مع الاختلافة في 1 بط 5: 5 (وفي رسالة اكلمنضوس الأولى 30: 2). نحن أكيدون من النعمة العظيمة التي يعطيها الله. فقد وعد بها في الكتاب. ولكن لا ننعم بها إن كنا من المتكبرين (هيبريفانوس) بل من المتواضعين (تاباينوس). لفظة "المتكبرين" هنا تترجم اللفظة العبرية "ل ص ي م"، وهي تدلّ على الكفّار والساخرين، الذين يعارضون الله وشريعته. وفي يع وحسب السياق، تدلّ على المسيحيّين الذين يفضّلون صداقة العالم على صداقة الله (4: 4)، الذين يطلبون ملذّات هذا العالم (4: 8)، الذين تبدو نفوسهم مقسومة (4: 8) (من ذوي النفسين، رجل في البور ورجل في الفلاحة، يعرجون كما قال إيليا في 1 مل 18: 21، بين الله وبعل. هم تارة مع الله وطوراً مع بعل)، الذين لا يخضعون خضوعاً تاماً لله (4: 7) ولا لمتطلّبات غيرته (4: 5)، الذين لا يرضون بأن يطردوا الشيطان المجرّب (4: 7).
ولفظة "المتواضعين" في نصّ أم كما في نصّ يع، تعارض "المتكبرين". تدلّ على الوضعاء، على الذين يخضعون لمشيئة الله سواء كانوا أغنياء أم فقراء. هم وحدهم ينالون "نعمة أعظم" تجعلهم يرتبطون ارتباطاً تاماً بالله. في أم، تضمّنت النعمة الموعود بها، فكرة المجازاة على هذا الأرض. أما مع يع، فالمجازاة هي إكليل الحياة.

3- فداء إلى التوبة (4: 7- 10)
وبعد أن تحدّث الكاتب عن ضرورة التعلّق بالله، لا بالعالم، قدّم عدداً من التحريضات القصيرة تدلّ عْلى السلوك الواجب اتباعه لكي نكون وضعاء أمام الله. أقوال وُجدت مفصولة وقد ضُمّت في رسمة فقاهة. يبقى علينا أن نتوسّع فيها.
"إذن، اخضعوا". ففي خطّ الخيار الذي يفرض نفسه على المسيحيّين، والوعد بمساعدتهم في هذا الاختيار، تسلّموا في شكل تعارضيّ توصيتين اثنتين: أن يطيعوا الله. أن يقاوموا إبليس (آ 7). أطيعوا، اخضعوا، تواضعوا أمامه لكي يستطيع أن يعطيكم نعمته. ونقرأ في آ 10: "تواضعوا أمام الربّ فيرفعكم". نجد مراراً في العهد الجديد هذا النداء إلى الخضوع والطاعة. مثلاً، 1 كور 14: 34؛ 16: 16؛ روم 13: 1 ي؛ 1 بط 2: 13، 18؛ 5: 5. والنداء الثاني (قاوموا) يدعونا إلى أخذ موقف المقاومة الذي يتّخده الله تجاه المتكبرّين.
الشيطان هو خصم الله وخصم عباده (أي 1: 1 ي؛ زك 3: 1 ي). هو الذي يعلّمنا أن نحب العالم، ونفضّل هذا الحب على الخضوع المتواضع لله. سمّته 1 بط 5: 8 الخصم (انتيديكوس) ودلّت على نواياه المعادية لعباد الله. وإذ أشار يعقوب إلى أن المقاومة للشيطان تجعله يهرب، كان صدى للتقليد الإنجيلي الذي أرانا يسوع مقاوماً إبليس. "إليك عني يا شيطان" (مت 4: 10 وز؛ 8: 28- 34 وز).
أجل، لا مساومة ممكنة مع الشيطان. فالحرب على تجارب الشيطان المتواصلة، على التهديد الدائم الذي يشكّله تجاهنا، هي جزء مهمّ من الحياة المسيحيّة. ولن يفلت أحد من هذا الصراع، إذا فهم أنه لا يستطيع أن يعبد سيّدين (مت 6: 24). ولكننا نعلم كل العلم أننا لسنا وحدنا في هذه الحرب. فالله يسندنا بأسلحة قوّته التي لا تُقهر (1 تس 5: 8؛ أف 6: 1 ي؛ روم 13: 14). وقد قال بولس في روم 8: 31: "إذا كان الله معنا فمن يقدر علينا"؟ لن نُقهر في ذلك الوقت. وسنجد الشيطان هارباً كما في صراعه مع المسيح.
وجاء تحريض آ 8 يشدّد على وجهة وجدناها في آ 6- 7، على المبادرة التي تعود إلى الانسان في حياته الدينيّة. من أراد أن ينال نعمة الله، وجب عليه أن يقبل مشيئته ويرفض مشيئة إبليس. وتعلن بداية آ 8 أن الله ينتظر من الانسان أن يهب ذاته بكليّتها له. "اقتربوا إلى الله فيقترب إليكم" (آ 8 أ). هذا القول الذي يستعيد تعليم الأنبياء حول التوبة (زك 2: 3؛ ملا 3: 7؛ 2 أخ 15: 2- 4؛ مرا 3: 57)، يتوقّف فقط عند نقطة خاصة من علاقات الانسان بالله. غير أنه لا يستبعد مبادرة الله في خلاص الانسان (1: 17- 18؛ 2: 5؛ 3: 9؛ رج أش 65: 1؛ إر 2: 6).
اقترب موسى إلى الله حين صعد إلى جبل سيناء (خر 24: 2) وتقبّل منه الوصايا. واقترب الكهنة من الله في شعائر العبادة. وبنو إسرائيل في حجّهم إلى الهيكل (خر 19: 22؛ تث 16: 16؛ مز 122)، وفي صلاتهم الشخصيّة (مز 145)، وفي رجوعهم إلى الله كما في زك 1: 3: "إرجعوا إليّ فأرجع إليكم". حين نفضّل صداقة الله على صدافة العالم نقترب من الله. والله يقترب منا فيمنحنا غزير نعمه.
ولكن كيف نقترب من الله؟ هنا نجد تحريضين جديدين يستلهمان الكتاب المقدّس (آ 8 ب- 9). في التحريض الأول عبارتان متوازيتان ومترادفتان: "طهّروا أيديكم أيها الخطأة. نقّوا قلوبكم يا ذوي النفسين" (آ 8 ب). كان على الكهنة اليهود قبل أن يقوموا بخدمتهم الدينيّة، أي قبل أن يقتربوا إلى الله، أن يغسلوا أيديهم وأرجلهم (خر 30: 19- 21). وقد أبرز الأنبياء الرمزيّة الأخلاقية لهذه الاغتسالات الطقوسيّة. قال أش 1: 16: "فاغتسلوا وتطهّروا وأزيلوا شرّ أعمالكم من أمام عينيّ، وكفّوا عن الاساءة". وحرّض إر 4: 14 أورشليم: "إغسلي من الشرّ قلبك يا أورشليم لكي تُخلَّصي. إلى متى تبيت في داخلك أفكارك الأثيمة"؟ وربط مز 24: 4 وسي 38: 10 اليد بالقلب حين أوصى بالطهارة.
وهكذا عاد يعقوب إلى لغة الكتاب المقدّس ليدعونا إلى النقاوة، إلى التحرّر من الشرّ الذي يعارض الله (مت 5: 8؛ مر 7: 21 ي). ونادى "الخطأة" (هامرتولوي) فدلّ على الذين يعصون الله، ينفصلون عنه، ويعارضون مشيئته. ونقول الشيء عينه عن النفوس المنقسمة بين الله وبين ما يعارض الله. فالله يريد كل شيء، يريدنا كلنا وكل ما فينا.
ويذكّرنا التحريض الثاني (آ 9) بطريقة الاقتراب من الله، فيستلهم الكرازة النبويّة ويعبّر عنها بألفاظ من الواقع (يوء 1: 8، 13). كانت هذه الكرازة قد شدّدت على وعي الانسان لشقائه الأدبيّ، فيعبّر عن هذا الوعي بالبكاء والحزن (نوحوا وابكوا). هناك فعل "تالايبوراين" (أحسّ بشقائه، تألّم) الذي لا يرد في العهد الجديد إلاّ هنا. إنّما نجده في السبعينيّة وهو يعني "تألّم بإماتات إراديّة" (إر 4: 8). أو: "اعتبر نفسه تعيساً"، "وعى شقاءه الأدبي" (روم 7: 24).
يرتبط هذا الفعل مع "ناح" (بنتيو) و"بكى" (كلايو)، فدلّ على مظاهر الحزن العميق. رج 2 صم 19: 1؛ نح 8: 9؛ لو 6: 25؛ مر 16: 10؛ رؤ 18: 11، 15، 19؛ رج مز 69: 11- 12: أش 32: 11. وهكذا نعي شقاءنا الأدبي، ونعبّر عن وعينا بالنواح والبكاء اللذين يظهران في الخارج.
وتحدّد آ 9 ب هذا الانقلاب الخلقيّ بلغة واقعيّة مأخوذة من الكرازة النبويّة. "لينقلب ضحككم نوحاً، وسروركم كآبة" (رج 5: 1). نتذكر هنا عا 8: 10: "أحوّل أعيادكم نوحاً، وجميع أغانيكم رثاء" (رج أم 14: 13؛ طو 2: 6؛ 1 مك 9: 41). وقد يكون الكاتب في خطّ التقليد الإنجيلي الذي هدّد الأغنياء الأردياء: "الويل لكم أيها الضاحكون الآن، فإنكم ستنوحون وتبكون" (لو 6: 25 ب). غير أن يعقوب لا يهدّد، بل يدعو المؤمنين ليتّخذوا موقفاً آخر، ليبدّلوا سلوكهم السابق.
وتنتهي هذه المقطوعة (4: 1- 10) بقول يجمل آ 7- 9 بشكل خاتمة. ونحن نستطيع أن نضعه بعد آ 6: "تواضعوا أمام الرب فيرفعكم". هذا ما نجده في 1 بط 5: 6. فالتعليم الذي نجده في هذه الآية نكتشفه في الأسفار الحكميّة (أم 3: 34؛ 29: 23؛ سي 2: 1- 18؛ رج مز 17: 24) وفي الفقاهة الإنجيلية (مت 23: 12؛ لو 14: 11؛ 18: 14). فالرفعة التي وُعدنا بها هي سند يتيح لنا أن ننتصر على الأهواء وصداقة العالم (4: 6)، ويوجّه قلوبنا إلى الجزاء الأخير (1: 12؛ 5: 7- 11).
أجل، التواضع ضروريّ. وهو يقول لنا بأن نتحرّر من ذواتنا، بأن نقطع كل رباط مع الأنانيّة الآمرة ومع روح هذا العالم. وينبغي أن نعترف بأننا خطأة وتعساء وضعفاء. فالذي ينحني خاضعاً لإرادة الله، يستطيع أن يختبر شريعة الخلاص الأساسيّة في حياته الملموسة. فالذي يطلب نفسه يخسرها لا محالة. والذي يقدّم نفسه لله يجدها بلا شكّ (رج يو 12: 25).
إذا أردنا أن نفهم تبدل القيم هذا، يجب أن "نكيل" الأمور بـ "كيل" الله، لا بكيل البشر. فهذه الرفعة لا تُرى بالعين المجرّدة، بل بعين الله. المؤمن وحده يراها، لأنه ينظر إلى الامور على ضوء الله. وهو يعرف أن الرفعة النهائيّة لا تتمّ إلاّ في مجيء الربّ، في نهاية الزمن. ولكنه يعرف أيضاً أن لنهاية الزمن هذه تأثيراً حاسماً على الحاضر الآني. "الديّان هو على الباب" (5: 9) فلا مجال للتردّد على مستوى العودة إلى الله. لأن ذلك الذي يدقّ الباب وينتظر منا أن نسمعه ونفتح له، قد لا يتأخّر فيمضي ويتركنا نبحث عنه مثل عروس نشيد الأناشيد.

خاتمة
ارتبطت الحروب والخصومات في الجماعة بشرّ اللسان وبما يحمله المعلّمون الكذبة. فيبقى علينا أن نصلّي ونعرف كيف نصليّ. وأمام هذا الشرّ، لم ينادِ الكاتب المؤمنين "اخوة"، بل "فجّار"، لأنهم خانوا الربّ وعهده وحطّموا الجماعة التي يعيشون فيها. وسوف يسمّيهم "خطأة" فيدعوهم إلى تطهير أيديهم من الدماء وأعمال الشرّ، وقلوبهم من نوايا السوء. وكما عارض بين حكمة وحكمة، حكمة كاذبة تكون حيوانيّة وشيطانيّة، وحكمة حقّة تكون مسالمة، حليمة سهلة الانقياد، ها هو يعارض بين صداقة تجاه العالم ومحبّة الله، على ما نعرفه في جماعات قمران. فيبقى على المؤمن أن يتحاشى الانفصام في شخصه: هو مع الله وهو مع العالم! هو مع المتواضعين وهو مع المتكبرين، هو يقترب من الله ولا يريد أن يقرّ بشقائه! يبقى على المؤمن أن يعود حقاً إلى الله فيعود الله إليه ويغمره بأعظم نعمه.
الفصل الثالث عشر
كلام إلى المكتفين بأنفسهم
4: 11- 17

نحن هنا أمام تحريضين منفصلين، جمعناهما تحت عنوان واحد: فالمكتفي بنفسه لا يدين الآخرين، ولا يتعامل مع النميمة والافتراء. والمكتفي بنفسه لا يستند إلى قوّته وماله، بل إلى الله، سيّد المستقبل. فالاكتفاء بالنفس والاعتداد خطيئة نحاسب عليه. نحن أمام رذيلة تبعدنا عن الآخرين، فتجعلنا ننسى الخير الذي نستطيع أن نفعله لهم. وهكذا نصل إلى قساوة القلب عند الأغنياء، التي نتأمّل بها في المقطوعة التالية.

1- لا دينونة، لا اغتياب (4: 11- 12)
في آ 11- 12، ما عاد يعقوب يحرّض المؤمنين على الهرب من البحث عن الملذات وعن الأهواء، على الهرب من صداقة العالم التي تبعدنا عن محبّة الله، بل هو يدعونا ألاّ ندين إخوتنا. يدعونا لكي نتجنّب النميمة والاغتياب اللذين يمسّان الشريعة ويدينانها، وبالتالي يرفضاق سلطان الله كالمشترع السامي.
اختلف الموضوع واختلفت اللهجة أيضاً، فلم نعد على مستوى السخط الذي يرفض وضعاً من الأوضاع، بل أمام التعليم. وهكذا تظهر من جديد لفظة "أخ" بعد أن حلّ محلها لفظة "فجّار" ولفظة "خطأة" ولفظة "ذوي النفسين" (آ 4- 8). ولكن ظلّت صيغة الأمر في الفعل، مع أداة النفي. وهكذا نكون أمام قطعة جديدة. قد نربطها بما سبق فنعتبر أن النميمة (والاغتياب) هي مثل عن الحروب والخصومات التي تسبّبها الأهواء (4: 1- 3). حينئذٍ نكون على حقّ على المستوى النظري، ولكن لا نستطيع أن نكتشف فكر الكاتب.
وقال أخرون إن فكرة الاتضاع أمام الله (آ 10) تطلب منا أن نتواضع أمام البشر فنمتنع عن إدانتهم واغتيابهم. وهناك رأي ثالث يعتبر أن الكلام يتوجّه منذ 4: 1 إلى المتهوّدين الذين يلومون إخوتهم ويعتبرونهم متجاوزي الناموس. فيبيّن لهم الكاتب أن متجاوزي الشريعة الحقيقيّين هم الذين يتخفّون وراء الشريعة فلا يمارسون الشريعة الاساسيّة، شريعة المحبّة. ولكن يبدو أننا لا نربط آ 11- 12 بما سبق إلى حدّ نستطيع أن نضعهما بعد 2: 12- 13 حيث يتكلّم النصّ عن الرحمة.
حين نقرأ العبارة الأولى في آ 11، نظنّ أننا أمام وصيّة باهتة. فلا نستشفّ لدى قراءتها عمق التعليم الذي يلي. فالكاتب يبدو وكأنه يعطي نسخة مبسّطة عمّا قاله حول خطايا اللسان (1: 19- 20، 26؛ 2: 12؛ 3: 1- 12). قال: "لا تغتابوا بعضكم بعضاً" (لا تتكلّموا بعضكم ضدّ بعض) (آ 11 أ). يلاحظ واقعاً (الفعل في الحاضر) يجب أن نلغيه (أداة النفي). فالقرّاء يستسلمون للكلام السيىء للنميمة ضد الغائبين (كاتالالاين: قال سوءاً). كانت التوراة قد شجبت هذه الرذيلة (لا 19: 16؛ مز 50: 20؛ 101: 5؛ حك 1: 11) التي ما زالت حاضرة عند المسيحيين (2 كور 12: 20؛ 1 بط 2: 1) كما عند الوثنيين (روم 1: 30؛ 2 بط 2: 12؛ 3: 16).
أما بواعث التحريض فتدلّ على أن هذه الرسالة تدلّ في الواقع على نتائج خطيرة يجب أن نعيها. "فالذي يغتاب أخاه أو يدين أخاه، انما يغتاب الناموس ويدين الناموس" (آ 11 د). فالاغتياب المذكور هنا يعني أن ندين القريب ونحمّله السوء (مت 7: 1 وز؛ يو 7: 24؛ 8: 15- 16، 26؛ روم 2: 1؛ 3: 7؛ 14: 4- 5). وذلك على المستوى الداخلّي وعلى المستوى الخارجيّ، فنصيب الأخوّة بأقوالنا وأفكارنا.
فالمسيحيّون هم إخوة. وترد لفظة "أخ" ثلاث مرات كي تذكّرنا بهذه الحقيقة. زد على ذلك أن هذه العادة الذميمة تقودنا إلى الكلام على الشريعة بالسوء وعلى إدانتها على أنها ليست في محلّها. لا شكّ في أن الكاتب يفكّر في شريعة المحبّة الأخوية (لا 19: 18؛ مت 22: 39) التي سبق له وذكرها (2: 8). وهو يفكّر أيضاً في مجمل الشريعة الإلهيّة كما أتمّها المسيح (مت 5: 17). فهو يتكلّم عن الشريعة مع أل التعريف (لا شريعة غيرها)، لا عن شريعة من الشرائع التي عرفها العالم الرومانيّ في أيّامه.
فمن دان الشريعة هكذا واعتبرها لا تمارس، وصل إلى نتيجة أكثر خطراً. لهذا قال يعقوب: "وإن كنت تدين الناموس، فلست عاملاً بالناموس، بل أنت ديّان له" (آ 11 ج). ويتابع: "إنما المشترع والديّان واحد. وهو القادر أن يخلّص وأن يهلك" (آ 12 أ). إن هذه العادة السيّئة التي تقوم بأن نغتاب أخانا، ونشجب في الوقت عينه الشريعة التي تعارض هذه العادة، تحوّل تحويلاً جذرياً الموقف الوحيد الذي ينبغي أن نتخذه تجاه هذه الشريعة. نحن لا نبقى محافظين عليها (عاملين بها، 1: 22- 23؛ روم 2: 13)، بل نجعل نفوسنا تدينها فتحافظ عليها أو تلغيها كما لو كنا مكان الله مؤسّسها.
هناك واحد أحد له هذا السلطان: إنه المشترع (نوموتاتس) والديّان. إنه الله. فهو وحده يستطيع "أن يخلّص وأن يهلك". هذا يعني بحسب اللغة البيبليّة: في يده سلطان مطلق على البشر في الزمن الحاضر وفي المستقبل (تث 32: 39؛ 1 صم 2: 6؛ 2 مل 5: 7؛ مز 75: 8). ولا ننسى أيضاً المعنى الاسكاتولوجيّ لهذين الفعلين "خلّص، أهلك" كما استعملهما يعقوب في 1: 21؛ 2: 14؛ 5: 20، كما لا ننسى نظرته إلى المجازاة في الآخرة (1: 12؛ 2: 12- 13؛ 5: 1- 11). وقد جعل نفسه في خطّ التقليد الانجيليّ في معرض حديثه عن خلاص النفس وهلاكها كما في مت 10: 28؛ 16: 25 وز.
وأنهى الكاتب كلامه بسؤال لا يحتاج إلى جواب، لأن جوابه يفرض نفسه، فأبرز صلف الخليقة المائتة (أي نحن) التي تقف في وجه الله الكليّ القدرة "أما أنت فمن تكون حتى تدين القريب" (آ 12 ب)؟ حلّ هنا "القريب" (بابليسيوس) محلّ الأخ، كما في سفر اللاويين المذكور في 2: 18. وهذا ما يؤكّد التلميح إلى شريعة المحبّة الأخويّة (4: 11). هذا النداء إلى التواضع أمام الله نقرأه في روم 9: 20 (فمن تراك أيها الأنسان حتى تعارض الله؟)؛ 14: 4 (أنت من تكون فتدين غيرك؟)، 10 (فأنت إذن، لمَ تدين أخاك؟). رج أع 11: 17؛ خر 3: 11.
في هاتين الآيتين وصل يعقوب إلى قلب هذا المقطع كله حول الدينونة والخصومات والحكم على القريب حكماً يسيء إليه ويحقّره فنحطّ من قدره ونتكلّم عليه بالسوء. قد يختبىء الواحد وراء قناع من الغيرة والتقوى، فيعتبر أنه مهتمّ بقداسة القريب والجماعة كلها. ولكننا نكتشف حالاً أننا أمام قلب نقصته المحبّة، فاعتقد بأنه بارّ. ولكن "برارته" تسيء إلى وحدة الجماعة. وإن من يتكلّم عن أخيه بدون محبّة وهو مستند إلى برّه الخاص، يعارض مشيئة الله. يعارض "شريعة الله الأساسيّة" (لا 19: 15- 18)، بل يرتفع ضد الله ويثور عليه. يعتبر نفسه "المشترع" تجاه المشترع الوحيد. يعتبر نفسه المخلّص. ولكن يأتي تنبيه يعقوب مندّداً: "من أنت حتى تدين أخاك"؟

2- ويل للمكتفين بأنفسهم (4: 13- 14)
ويعلن الكاتب حكماً نبوياً ضدّ نوعين من الناس يملأهم روح العالم والمواقف التي تنتج عن هذه الروح (رج 3: 15؛ 4: 1- 4): اكتفاء لدى بعض التجّار (4: 13- 17). قساوة قلب وأنانيّة لدى الذين شبعوا (5: 1- 6). وتبدأ المقطوعتان بعبارة: "هلمّ الآن". فتدلاّن على متطلّبة الله وسلطانه، هذا الإله الذي يأتي قريباً ويدلّهم على موقفهم وما فيه من جهالة. أما خلفيّة هذا النصّ، فوعي لدينونة الله ومجيء المسيح. ومع أن هذا الانتظار لدينونة شاملة لم يتحقّق بالسرعة التي انتظرها زمان يعقوب، إلاّ أن النداء الذي أطلقه والتحريض الذي وجّهه حافظا على قيمتهما حتى بالنسبة إلينا نحن المسيحيّين اليوم. فنحن العائشون في العالم، لا نستطيع أن نغلق قلبنا عن نداء الله وإلاّ كانت حياتنا كلها فشلاً.
ونتوقّف بشكل خاص عند المقطوعة الأولى (4: 13- 17) فنرى فيها شقيّن. في الشقّ الأول يعلن الكاتب أن الله هو وحده سيّد المستقبل (آ 13- 14). وفي الشقّ الثاني (آ 15- 17) نفهم أن هذا الاكتفاء بالذات هو خطيئة.
تحدّث الكاتب إلى التجّار، لا بكلام تحريض يسنده العقل، بل بكلام شجب يذكّرنا بكلام الأنبياء. زالت لفظة "أخ". وصرنا أمام أناس نسوا الله وصادقوا العالم، أناس أرادوا أن يزاحموا الله في دوره كالديّان، أرادوا أن يكونوا حكماً في حياتهم وفي حياة الآخرين. قال: "هلمّ الآن أيها القائلون: اليوم أو غداً ننطلق إلى مدينة كذا، ونقيم هناك سنة، ونتجر ونكسب" (آ 13).
"هلمّ الآن". عبارة تعود إلى الرواقيين. ولا يستعملها العهد الجديد إلاّ هنا. أما الأشخاص الذين إليهم يتوجّه الكلام فهم التجّار المتجوّلون. إنهم يخطّطون بدقّة متناهية من أجل التجارة (امبوريا) والربح (كردوس). لا ننسى أن الأسفار من أجل التجارة كانت متواترة في العالم الروماني بعد السلام الذي عمّ الأرض والبحر ولا سيّما مع القائد بومبيوس والقرن الأول ق م.
التجّار المذكورون هنا هم مؤمنون، لأن الكاتب يذكّرهم في آ 15 بالاستعداد الذي يجب أن يكون لهم أمام الله. كما يوبّخهم على الخطيئة في آ 17، لأن أعمالهم لا تتوافق مع معرفتهم الدينيّة. هناك الجشع وامتلاك خيرات هذا العالم (1 كور 6: 1- 8). ولكننا نجد تجاراً مسيحيين يعيشون رسالتهم على أكمل وجه مثل ليدية، بائعة الأرجوان، واكيلا وبرسكلة (أع 16: 14 ي؛ 18: 1 ي) اللذين استقبلا بولس وكورنتوس.
لا يلوم الكاتب التجّار لأنهم يستبقون الأمور من أجل التجارة، بل لأنهم يعتبرون نفوسهم أسياداً مطلقة تقرّر ما هو لحياتهم. لأنهم ينسون أن الحياة البشريّة عابرة. "لا تعلمون ما يكون غداً. فما هي حياتكم؟ بخار يبدو هنيهة ثم يضمحلّ" (آ 14). إذن، يصيب النداء أولئك الذين ينظّمون مشاريعهم (آ 13) ولا يتوقّفون عند حياتهم وما فيها من سرعة عطب. إنهم يجهلون ما يكون الغد. لهذا، هم يحتاجون إلى تذكّر موضوع الحياة البشريّة القصيرة كما في أي 7: 7: "حياتي ريح". وفي 8: 9: "نحن بنو أمس ولا علم لنا. إنما أيامنا ظلّ على الأرض". وفي مز 39: 6: "جعلت أيامي أشباراً، وعمري كلا شيء أمامك. إنما كل إنسان باطل" رج 49: 13؛ 102: 4، 12؛ 144؛ 4؛ أم 27: 1؛ حك 2: 1 ي؛ 5: 9- 14.
ويطرح الكاتب عليهم سؤالاً: فما هي حياتكم؟ انتم الذين لا تعرفون ما تكون حياتكم في الغد، فما هي حياتكم؟ الحياة هي كالظلّ والبخار (اتميس). في 1: 10- 11 شُبّهت بعشب الحقل الذي تحرقه شمس الصيف. وأشارت الأسفار الحكميّة إلى الفكرة عينها مستعملة صور الدخان والنسمة والظلّ والغبار. وقد يكون الكاتب تذكّر مثل الغني الجاهل (لو 12: 13- 21) الذي تطلّع إلى مشاريع عديدة ولكن نفسه أخذت منه في تلك الليلة.

3- الاكتفاء بالذات خطيئة (4: 15- 17)
قد لا نكون أمام أشخاص معروفين داخل الجماعة، فدعاهم الكاتب إلى التوبة. بل نكون أمام مثل صوّر فيه يعقوب جنون المقتدرين المعتدّين بنفوسهم. فمن لا يحسب حساب الله، وينسى أنه مائت، فهو مجنون. ومن خطّط المشاريع متجاهلاً الله وأحسّ أنه بأمان في هذا العالم، هو جاهل وينسى خبرة البشر بالنسبة إلى المستقبل.
لهذا، يجب أن نتّكل على الله، ونخضع لإرادته القدّوسة ولعنايته في كل شيء. فهو يعرف كل شيء، وهو يستطيع أن ينجّينا من كل اتّكال كاذب على نفوسنا. فنحن نعرف، حين نخضع لإرادة الله، أننا في أمان، في حمى من يهتمّ حتى بشعر رؤوسنا (مت 6: 25- 34). ونعرف أن كل شيء يؤول إلى خلاصنا (روم 8: 28).
وهكذا قال يعقوب لهؤلاء التجّار بأن لا يتّكلوا على نفوسهم، بل يخضعوا حياتهم ومشاريعهم لإرادة الله. "فهلاّ تقولون بالحري: إن شاء الربّ سنعيش ونفعل هذا أو ذاك" (آ 15). إن عبارة "إن شاء الله" نجدها في العالم الروماني واليونانيّ. كانت تعتبر "محطّ كلام" كما في أيامنا. كما كانت تعبرّ عن خوف من الآلهة ونزواتهم، فينحسدون من سعادة الانسان. لا نجد العبارة كما هي في التوراة، بل شيئاً يشبهها يدلّ على الثقة بالعناية الإلهيّة. نقرأ في أم 19: 21: "في قلب الانسان مشاريع كثيرة، لكن مخطّط الله هو الذي يتمّ". وفي 1 كور 4: 19: "لكني سآتيكم قريباً إن شاء الله". رج 16: 7؛ فل 2: 19- 24؛ روم 1: 10؛ عب 6: 3؛ أع 18: 21. نجد في كل هذا، الخضوعَ التام للربّ أو يسوع المسيح.
"ولكن لا": فهؤلاء التجّار المسيحيّون يتجاهلون هذه الحكمة البشريّة. "تفتخرون في صلفكم. وكل افتخار كهذا إنما هو شّرير" (آ 16). نستطيع أن نفتخر بالربّ (روم 15: 17)، لا بنفوسنا. نستطيع أن نخطّط حياتنا وتجارتنا، ولكن مع العودة إلى الربّ. قد يكون وصل إلى مسامع الكاتب حالات ملموسة، فكتب إلى الجماعة ليبعد عنها عدوى هذا المثل السيّىء. أما هكذا فعل يسوع في مت 23 حين كان قاسياً مع الكتبة والفريسيين؟
ويأتي في النهاية قول عام يحدّد الحكم على هؤلاء التجّار. "فمن عرف أن يعمل الخير ولم يعمله، فعليه خطيئة" (آ 17). قول مستقلّ عن سياق الكلام. قول لا نجد فيه اللوم بل التعليم الهادىء. ونحن نستطيع أن نجعل هذه الآية مثلاً بعد 1: 25 أو 2: 26. أما موضوعها فهو العبور من معرفة الواجب إلى تحقيقه. هذا ما سبق يعقوب وقاله حول ضرورة العمل (1: 21 ي)، حول الايمان والأعمال (2: 26). مثل هذا القول هو تعليم تعرفه الفقاهة المسيحيّة الأولى. ونحن نقرأه في لو 12: 47- 48؛ يو 9: 41؛ 14: 17؛ 15: 22، 24؛ 1 كور 15: 51؛ غل 3: 19؛ روم 3: 20؛ 4: 15؛ 15: 20.

خاتمة
بين الاكتفاء بالذات والاتكال على الله، المسافة شاسعة. كم هم أهل للشفقة هؤلاء التجّار الذين يتبجّجون بمشاريع يقومون بها من أجل ربح سريع! يا ليتهم يتّكلون على الله، ويجعلون حياتهم في ارادته، وأعمالهم في عنايته. يا ليتهم يفتخرون بإيمانهم الذي هو الغنى الحقيقيّ، لا بمالهم الذي هو غنى عابر. يا ليتهم يربطون حياتهم بإيمانهم. فيصبح هذا الإيمان إيماناً نشيطاً وفاعلاً. فنحن لا نحصل على الخلاص إلاّ إذا عشنا ما نؤمن به، إلاّ إذا جعلنا ذاتنا وكل مالنا في كنف عناية الله.
الفصل الرابع عشر
الويل لكم أيها الأغنياء
5: 1- 6

يتوجّه يعقوب "عبد الله والربّ يسوع المسيح" (1: 1)، الذي ليس برسول، بل معلّم وحسب (3: 1) يتمتّع بسلطة مواهبيّة كي يستطيع أن يكلّم إخوته بهذه الجرأة، يتوجّه في هذه الآيات القليلة إلى الأغنياء. هل نحن أمام جماعة يمارس فيها يعقوب خدمة الكلمة؟ أم أمام مسيحيين متهوّدين تركوا فلسطين وعاشوا في جوار أنطاكية؟ أم أمام تجّار (4: 13) أو ملاّكين كبار (5: 1- 6)، كانوا يهوداً وصاروا مسيحيّين، غير أنهم ظلّوا مرتبطين بجماعة يهوديّة محليّة أو محيط وثني؟ عقليّتهم وعاداتهم هي عقليّة اليهود وعاداتهم، غير أن لغتهم هي اليونانيّة التي هي لغة الامبراطورية في محيطها المتعلّم.
ويشارك الكاتب في هذين العالمين. إنه يهوديّ ومسيحيّ، ولغته الساميّة واضحة. وهو يعبرّ عن فكره بأفضل لغة يونانيّة عرفها العهد الجديد. هو يتوجّه إلى إخوة يعيشون في الشتات، ولكننا نكشف عبر لفظة "الأسباط الاثني عشر" (1: 1) جديد الكنيسة بجماعاتها المشتّتة في العالم المتحضّر.
كيف تبدو هذه العظة؟ لغتها عفويّة، ولكنها مبنيّة بناء منطقياً؟ بعد أن قال: "ويل للمكتفين بنفوسهم" (4: 13- 17)، ها هو يقول: "ويل للأغنياء القساة القلوب". فالدينونة قريبة، وكل ظلم يجرّ وراءه انتقام الله وعقابه. ونحن نقسم هذا المقطع ثلاثة أقسام: والآن أيها الأغنياء (آ 1- 3). أجرة العملة تصرخ (آ 4- 5). حكمتم على البار (آ 6). سيجيء الربّ قريباً، فلا بدّ من هزّة ضمير توعّينا على نفوسنا وعلى الآخرين.

1- والآن أيها الأغنياء (5: 1- 3)
ويتوجّه يعقوب أيضاً إلى الأغنياء، إلى التجّار (4: 13). وقد يكونون من الملاّكين الكبار (5: 4). ترك الكاتب اكتفاء رجل الأعمال الذي يقرّر حياته بنفسه دون العودة إلى الربّ، وتوقّف عند جور الأغنياء تجاه الفقراء ولا سيّما تجاه العمّال الذين يستصرخون السماء. "إبكوا". لسنا هنا كما في لو 6: 25 حيث الأغنياء يبكون في المستقبل. أما الآن فنحن في صيغة الأمر الحاضر. إبدأوا اليوم بالبكاء. هذا ما يعيدنا إلى لو 23: 38، وإلى ذات السياق الاسكاتولوجي. إبكوا، ولولوا. فالدموع البسيطة لا تكفي والحالة بهذه التعاسة. كان عا 8: 3 قد قال في الأغنياء الذين يظلمون المساكين: "تصير أغاني القصر ولولة، وتكثر الجثث". وهذا ما قاله يعقول مبدّداً ما للمال من هيبة في قلوب الناس.
إبكوا على شقائكم. على أمر قاسٍ يصيبكم، ويثقل عليكم. وهذا الشقاء يحصل لكم الآن. لا في المستقبل. هذا ما يسمّى الحاضر النبويّ. يبدأ الآن ويتواصل في ما بعد. هذا الشقاء سيأتي فجأة. وهكذا نكون في إطار اسكاتولوجيّ. فالكاتب يحكم على الغنى على ضوء الملكوت الآتي، وهكذا تصبح قيمته نسبيّة. هذه النظرة توجّه المقطوعة كلها.
ونتوقّف عند الألفاظ "اغي نين" كما في 4: 13. فالتنبيه إلى الأغنياء يتوازى مع التنبيه إلى التجّار. "ابكوا" (رج 4: 9). "ولولوا". قد يدلّ هذا الفعل عند أهل اليونان على صراخ الألم أو الفرح. أما في السبعينيّة ولا سيّما عند الأنبياء، فيدلّ دوماً على صراخ الألم، على العويل. ذاك كان صراخ أشعيا على بابل والفلسطيين وموآب وصور (13: 6؛ 14: 31؛ 5: 2- 3؛ 23: 1). وصراخ ارميا على موآب (48: 20). وصراخ عاموس على الأغنياء (8: 3).
وهذا الصراخ ليس صراخ التوبة، بل صراخ الرعب. فالكارثة ستحلّ بهم. وقد فكّر بعضهم في الآلام الاسكاتولوجيّة، وفكرة الدينونة في الأفق.
ويتابع يعقوب في آ 2: "إن ثراءكم قد عفن". منذ زمان بعيد هلك مالكم وما زال هالكاً. ثم: "ثيابكم أكلها العث". استعاد الكاتب ما يدلّ على الغنى في الشرق القديم: اللباس، الذهب والفضة (2: 2؛ أع 20: 33). كما استعمل صوراً تدلّ على أنه باطل، لا يدوم: الدود، العثّ (مت 6: 19- 20). وهناك الصدأ مع أن الصدأ لا يأكل الذهب والفضة. وقد قال النصّ في آ 3: "ذهبكم وفضتكم قد صدئا وصدأهما ستشهد عليكم". انتهى الأمر وأكل الصدأ الفضة والذهب، ولكن هذا الصدأ ما زال يشهد ضدّ الأغنياء. كيف جمع الأغنياء الأموال؟ بالظلم. كيف يتعامل معها؟ يكدّسونها ولا يشاركون فيها الآخرين فيصير مصيرهم مصير الغنيّ الجاهل الذي أغلّت أرضه غلاّت كثيرة.
وهذا الصدأ "سيأكل لحومكم كالنار". لسنا هنا أمام الجسد، بل أمام الوضع البشريّ، وما فيه من ضعف وخطيئة تقود إلى الموت. اللفظة هي "ساركس" أي اللحم (والدمّ)، الوجه البشريّ في الإنسان. إذن، هذا المال المكدّس بالظلم والمستعمل بأنانيّة، لا يبني الانسان، بل يدمّره. أما صورة النار فمعروفة في التعبير عن العقاب والدينونة الاسكاتولوجيّة (عا 1: 12- 14؛ 7: 4؛ سي 7: 17؛ يه 16: 17؛ مت 18: 8؛ 25: 41). أما هنا، فالأموال تلتهم الإنسان مثل النار.
"لقد ادّخرتم للأيام الأخيرة". نحن هنا أمام تدرّج يصل بنا إلى "الأيام الأخيرة". فقبل ذلك الوقت، كان باستطاعة الغنيّ أن يغشّنا فنحسبه خيراً وبركة. هنا نتذكّر ما يقوله العهد القديم حول علامات البركة وأولها الخير الوفير، وعلامات "اللعنة" وأولها الفقر والتعاسة. مثل هذه الأفكار ما زالت حاضرة في مجتمعنا، فيتساءل "التقيّ" لماذا لا يعطيه الله الخيرات كما يعطي "للأشرار". قد يغشنا المال في هذه الدنيا، ولكن يُنزع عنه كل قناع في الأيام الأخيرة. فيصبح تجديفاً على الربّ. لا ننسى أن "الديّان واقف على الباب" (5: 9). لهذا يعرّى الغنيّ من هالته، فيصبح معارضاً للمسيح.
نلاحظ هنا كلمات ترد مرة واحدة في العهد الجديد، وهنا بالذات. في آ 2: "سيبو" (عفن). في آ 3: "كاتيوو" (صدىء). المال والغنى والذهب والفضة، كل هذا يأكل مالكيها، يأكل لحم الأغنياء كما تأكلها النار.

2- أجرة العملة تصرخ (5: 4- 5)
إن شقاء الحصّادين يتعارض كل المعارضة مع الفضّة والذهب اللذين جمعهما الملاّكون الكبار في خزائنهم. ونجد هنا أيضاً لفظة لا ترد إلاّ هنا في العهد الجديد: "أماوو" (حصد). ولكنها تعود إلى لا 25: 11؛ تث 24: 19؛ أش 17: 5؛ مي 6: 15. إن الأجار الذي حُرم منه العمّال، له صوت يصرخ إلى السماء مثل دم هابيل، وهو يطلب الانتقام من السماء (تك 4: 10). تعود الفكرة إلى تث 24: 15 (لا تهضم أجرة مسكين... لئلا يصرخ عليك إلى الربّ). فالغني يؤخّر دفع الاجرة للعامل (هو لا يحرمه منها كما يقول إر 22: 23 عن يوياقيم). ولكن الشريعة الموسويّة أمرت بإعطاء أجرة للعامل عند المساء (لا 19: 13؛ تث 24: 15؛ طو 4: 14). فالأجير يحتاج إليها كي يشتري طعامه.
شدّدت أسفار الحكمة على هذا الموضوع فقال أي 24: 10: "يذهبون عراة لا لباس لهم، ويحملون الحزم وهم جائعون". وابن سيراخ: "يجدّ الفقير في حاجة العيش. وفي راحته يمسي معوزاً" (31: 4). وقال أيضاً: "خبز المعوزين حياتهم. فمن أمسكه عليهم فإنما هو سافك دماء. من يخطف معاش الفقير يقتله. من يمسك أجرة الأجير يسفك دمه" (34: 25- 27). وفي الخطّ عينه قال ملا 3: 5: يكون الربّ "شاهداً سريعاً... على الظالمين الأجير في أجرته والأرملة واليتيم". كل هذا يدلّ على أن الظلم الذي يتحدّث عنه يعقوب كان متواتراً في العهد القديم. كما كان متواتراً في أيام الكاتب كوسيلة لجمع الأموال بسرعة.
ولكن الأجير ليس وحده، وكأن لا أمل له. فمعه ربّ الجنود. أما الأغنياء فيخافون من كل شيء، لأن صراخ هؤلاء الفقراء وصل إلى مسامع الله.
وساعة صعد صراخ الضيق من قلب الحصّادين (آ 5)، كان الأغنياء يعيشون في الرخاء والترف. ستكون نهايتهم بائسة وتعيسة. وهنا أيضاً ترد كلمة فريدة عند يعقوب: تريفاوو: عاش في الترف. لا نجدها في العهد الجديد، بل في الأدب الكلاسيكيّ وفي أش 66: 11؛ نح 9: 25. وتُذكر الأرض تجاه السماء حيث يقيم ربّ الجنود. كما تُذكر لتدل على هذه الحياة العابرة (مت 6: 9، 10). ونقرأ أيضاً فعل "سباتالاوو" عاش في التنعّم. هنا وفي 1 تم 5: 6 فقط في كل العهد الجديد. رج حز 16: 49؛ سي 21: 15. الأغنياء يشبعون قلوبهم (كما نقول في اللغة الدارجة: صحتين على قلبك). القلب هو الإنسان. وعندما يشبع يصبح ثقيلاً، بليداً.
إن مثل لعازر والغني (لو 16: 19- 31) يعطي صورة حيّة عن هذا الوضع. والويلات الموجّهة للأغنياء والشباع في لو 6: 24 هي الينبوع الذي استلهمه يعقوب. وقد قال أي 15: 27 إن الغني يخفي وجهه في الشحم. هؤلاء الناس الذين يولمون أوسع الولائم، ويعيشون في البطالة، عرفت أجسامهم اللحم والشحم (أي 21: 24؛ مز 22: 30؛ 73: 7). يبدو يعقوب هنا ساخراً.
نقرأ كلمة "سفاغي" الذبح. ويُقال ذلك عن الحيوان؛ روم 8: 36 (رج مز 24: 23). يوم الذبح هو يوم الشّر للأغنياء. رج إر 12: 3: "أفرزهم كغنم للذبح، وهيّئهم ليوم القتل". حين يتحدّث الأنبياء عن دينونة الله ضدّ الأمم أو ضد أورشليم، فهم يتحدّثون عن الذبح، لأنهم يفكّرون بالحرب وما يعمله السيف في الشعب (إر 25: 34؛ 50: 27؛ حز 21: 15؛ صف 1: 7، 14- 17). وهكذا يصير "الذبح" (ط ب ح في العبرية) مرادفاً للعقاب، وللعقاب في نهاية الأزمنة (أش 34: 2، 6). أجل، يوم الذبح هو يوم الدينونة للأغنياء. إنهم يشبهون حيوانات تسمّن لتكون ذبائح إكراماً للآلهة.
وهكذا، وبعد أن أرسل يعقوب اتهامه، وضع اصبعه على الجرح: انظروا. ها إن. ترد العبارة 6 مرات في يع لتلفت الانتباه (3: 4، 5؛ 5: 7)، أو لتجعلنا نعي وندهش (5: 4، 9، 11). أنظروا أيها الأغنياء ما وصل إليه عملكم مع المساكين. كل غناكم وترفكم يرتكزان على ظلم العمّال. وهكذا ينتقل القارىء من عالم الأغنياء وما فيه من شقاء، إلى عالم المساكين. وحين يأتي الديّان كما في مت 25: 31- 46، سيفهم الجميع متطلّبة المحبّة وما يرتبط بها من مساس بالعدالة وبحقوق البشر.

3- حكمتم على البار (5: 6)
مع هذه الآية، ظلّ فكر يعقوب في خطّ الكتب النبويّة كما ظلّ في إطار الاسفار الحكميّة. فالبار يُحكم عليه لا لأنه مسيحيّ وحسب، بل لأنه فقير أيضاً. وكلام يعقوب يذكّرنا بما وجّهه عاموس من كلام للأغنياء (5: 12: تضايقون الصدّيق، وتأخذون الأجر، وتحرّفون حق المساكين في القضاء؛ 6: 12) وما قاله ميخا عن الذين يبيعون العدالة ويعرّون الشعب ويسلبونه (3: 1- 3: يأكلون لحوم شعبي ويسلخون جلودهم عنهم؛ 9: 10: في بيت المنافق كنوز النفاق).
قال يعقوب: "حكمتم على البار وقتلتموه". حكمتم عليه متحدّين كل عدالة. وحين نعرف أن العدالة كانت في يد العائلات الغنيّة، نفهم حالة الفقراء وما يجب عليهم أن يحملوا من هدايا لكي يحصلوا على حقّهم. ولكن على حساب عيشهم وعيش عيالهم. وهكذا يبيع الأغنياء العدالة. وقتلتم البار لأنكم حرمتموه من أجره، حرمتموه من خبزه اليوميّ. وهكذا نكون أمام البغض القاتل الذي تحدّث عنه يوحنا في رسالته الأولى: "كل من يبغض أخاه فهو قاتل" (3: 15).
ومن هو هذا البار، هذا الصدّيق؟ الجواب نجده في العبارة: "وهو لا يقاومكم". هنا أربعة تفاسير ممكنة. الأول: نحن أمام ملاحظة بسيطة: ضحيّة ضعيفة تتعرّض لجوركم وهي لا تقاوم، لا تستطيع أن تقاوم. الثاني: ليس البار شخصاً فرداً وحسب، بل جماعة كل الذين يسحقهم الغنى والأغنياء. هذا البار ليس خصمكم في المعنى الحصري، لأنه لم يفعل بكم شراً. لهذا أنتم مخطئون جداً. وهكذا تشدّد العبارة على براءة الفقير وعلى لاعنف المظلومين. 
التفسير الثالث: البار هو يسوع المسيح. فكّر يعقوب في آلام المسيح، كما فعل بطرس أمام المحكمة العليا (أع 3: 14- 15: أنكرتم القدوس البار، وسألتم أن يوهب لكم رجل قاتل). وكما فعل اسطفانس أمام راجميه (أع 7: 52: البار الذي اسلمتموه الآن وقتلتموه). فيسوع يسمّى مراراً "البار" (أو: الصدّيق). رج مت 27: 19 (إياك وهذا الصدّيق، قالت امرأة بيلاطس لزوجها)؛ 1 بط 3: 8: "فالمسيح أيضاً مات مرّة من أجل الخطايا، البار عن الأثمة، ليقرّبنا إلى الله"؛ 1 يو 2: 1: "إن خطىء أحدكم، فلنا شفيع عند الآب يسوع المسيح البار". فدم جميع الصدّيقين الذي يصرخ إلى السماء (مت 23: 35: يأتي عليكم كل دم زكي سُفك على الأرض) صار دم البار (يسوع) الذي يحرّر بضعفه وبراءته كل مساكين الأرض. مثل هذه الخاتمة الجليانيّة هي في خط هذه العظة التي يطلقها الكاتب، وتفسّر التواصل مع المقطع التالي: "فاصبروا إذن أيها الأخوة إلى مجيء الربّ" (5: 7).
التفسير الرابع: إذا عدنا إلى الأدب الحكميّ، نحن أمام البارّ بشكل عام تجاه الشرير، وهذا موضوع أساسيّ في سفر المزامير. نقرأ في 7: 9: "إقطع يا ربّ شرّ الأشرار، وعزّز مكانة الصديقين". وفي 11: 3: "إذا انهدمت جميع الأسس (أسس العدالة)، فماذا يعمل الأبرار"؟ وفي 34: 18: "يصرخ الصدّيقون فيسمع الربّ، وينقذهم من جميع ضيقاتهم". ونقرأ في حك 2: 10- 20 كلام الأشرار: "دعونا نظلم الفقير البارّ، ولا نشفق على الأرملة... ولتكن قوّتنا هي القانون العادل، لأن الضعف لم يكن حتى الآن نافعاً في شيء. ولنكمن للصدّيق فإنه ثقيل علينا...".
وفي النهاية نستطيع أن نستعيد هذه التفاسير الأربعة في قراءة مسيحيّة للأنبياء وسفر المزامير: يسوع الذي هو البار البار قد تماهى مع كل الذين يتألّمون من جور الأغنياء والأقوياء. فجعل نفسه في الجائع والعطشان والغريب والعريان وقال لنا: كل ما فعلتموه لأحد إخوتي هؤلاء الصغار فلي فعلتموه. وكل ما لم تفعلوه لأحد إخوتي فلي لم تفعله، فتكون البركة للأولين واللعنة والهلاك الأبدي للآخرين.

الخاتمة
بعد أن هاجم يعقوب إخوة في الجماعة ودعاهم إلى الارتداد، ها هو يهاجم في هذا النصّ أغنياء يضيّقون على الفقراء ويغتنون على حسابهم بعد أن يحرموهم الأجر المستحقّ لهم. وهكذا فعل كما فعل الأنبياء قبله منذ عامودس وأشعيا وميخا. وهدّدهم قائلاً: كنز الأغنياء صار باطلاً. سيأكله الدود والصدأ، وسيشهد عليهم في يوم الدين. وهم إذ يظلمون المساكين، فهم يقتلونهم، وفي النهاية يقتلون ذاك الذي هو البارّ الذي سيق إلى الذبح فما فتح فاه. يقتلون في النهاية يسوع المسيح على ما تقول الرسالة إلى العبرانيين: "يصلبون ابن الله ثانية لخسارتهم ويعرّضونه للعار" (6: 6).
الفصل الخامس عشر
الصبر في الشدة
5: 7- 11

هذه مقطوعة صغيرة تحمل توصيات أخيرة من هذا المقال الرعائي الذي أرسله يعقوب "إلى الأسباط الاثني عشر الذين في الشتات" (1: 1). فبعد أن هدّد الأغنياء بما سيصيبهم من شقاء لأهم يضايقون الفقير كما يضايقون الصدّيق، وبيّن لهم أن أموالهم سريعة العطب وعابرة، ها هو الآن يتوجّه إلى ضحاياهم، إلى المحررمين من حقوقهم والعائشين في الفقر وفي الذلّ: حرّضهم على الصبر والهدوء تجاه الاغنياء، بل تجاه إخوتهم جميعاً. هذا ما حدث للأنبياء الذين أسيئت معاملتهم. وأعطاهم مثل الفلاح الذي ينتظر المطر صابراً. وما يدفعهم إلى هذا الصبر هو انتظار مجيء الربّ الذي يعيد العدالة إلى مجراها الصحيح ويجازي كل واحد بحسب أعماله.
نقسم هذه المقطوعة قسمين: انتظروا عودة الربّ (آ 7- 9). ثم: الربّ حنون رؤوف (آ 10- 11).

1- انتظروا عودة الربّ (5: 7- 9)
في هذا التحريض على الصبر والثبات، أجمل يعقوب ما أراد أن يقوله في رسالته. فدلّنا على النهاية القريبة التي ننظر إليها في الضيقات التي هي نصيبنا في هذا العالم اللامؤمن، في عالم لا يعيش فيه عدد من المسيحيّين إيمانهم. فالربّ الآتي سيدين وينصف. سيعاقب، ولكنه سيكافىء جزيل المكافأة إذا وجد إيمانأ فاعلاً وناشطاً، إيماناً برهن عن حضوره في أمانة لا يزعزعها شيء. إذن، لا نخف ولا نيأس، بل تتطلّع عيوننا إلى الرب الذي يقف على الباب. ونثق برحمته التي تحتفظ للابرار بنهاية سعيدة، بالدخول إلى ملكوت الله.
أ- ثبّتوا قلوبكم (آ 7- 8)
نجد هنا فكرتين. الأولى: ثبّثوا قلوبكم لأن مجيء الربّ قريب. والثانية: لا تتذمّروا بعضكم من بعض لأن الديّان على الباب. ونتوقّف عند الفكرة الأولى.
اهتمت رسالة يعقوب بأن تعدّ الآخوة لمجيء الربّ، لكي يستطيعوا في ذلك الوقت أن ينالوا ثمار إيمانهم. فالمسيحيّ يكون مسيحياً حين يستعدّ لمجيء الربّ. نحن لا نعرف متى يجيء. ولكننا متأكّدون أنه يجيء. وقد بدأ مجيئه منذ الآن. ففي أية حاله سيجد الله أخصّاءه حين يأتي بشكل مفاجىء لا يتوقّعه أحد؟ حينئذ ينال جزاء الحياة في ملكوت الله، ذاك الذي استعدّ لهذا المجيء.
فيبقى علينا أن ننتظر الثمرة كالفلاح من حقله. هذه الثمرة تخرج من بذار كلمة الله (1: 17، 21). حينئذ يكشف الله ما عمله المؤمنون في حياتهم. حينئذٍ يحمل زرعُ الله ثماره. لهذا، ينبغي علينا فقط أن ننتظر في الصبر والثبات. أن نتقوّى بقوّة الله، أن تتعلّق عيوننا بالربّ الآتي. فالفلاح في شرقنا ينتظر كل سنة بثقة، المطر الأول في الخريف وبعد أن يكون رمى بذاره في الأرض. وينتظر المطر الثاني، مطر الربيع، الذي يتيح للبذار أن يعطي ثمراً وافراً. ونحن في وسط المحن التي يعدّها العالم للمؤمنين، نبقى مطمئنين ونثق بالنصر الذي يمنحه الله لإيماننا مهما كانت الظروف: نشارك في انتظار الربّ النهائي في ملكوت الله.
ماذا نقول في هذه المقابلة عن المطر المبكر (الاول) والمتأخّر (الثاني)؟ انتظرنا أن يحدّثنا الكاتب عن نضوج الثمار، فإذا هو يكلّمنا عن المطر وعن شروط هذا النضوج (رج مر 4: 26- 29). شتاء الخريف يجعل الأرض طريّة بعد حرّ الصيف، وهكذا تستطيع أن تستقبل البذار. إذن، لا دور مباشراً له في الثمار. وهكذا أخذ يعقوب معطيات تقليديّة دون أن يهتمّ اهتماماً كبيراً بمعناها الأول. نشير إلى أن المطر الأول والمطر الثاني يُذكران في تث 11: 14 (مطرها في أوانه المبكر والمتأخّر)؟ هو 6: 3 (رجوعه إلينا كالمطر)؛ يوء 2: 23 (أعطاكم المطر المبكّر والمتأخر)؛ زك 10: 1؛ أر 5: 24 حسب الترجمة في السبعينيّة.
إن المسيحيين الفقراء هم متأكدون من أن دينونة الله ستصيب الاغنياء الاشرار. فما عليهم إلاّ أن يصبروا ويثبتوا حتى يوم الخلاص، حتى اليوم الذي فيه يعاقب الله كل جور وظلم (آ 7). لا نجد في العهد الجديد كلمة واحدة عن ثورة العنف. والكتاب يمنع الانتقام، والمجازاة امتياز خاص بالله (روم 12: 19: "لا تنتقموا لأنفسكم أيها الأحباء... لي الانتقام، أنا أجازي يقول الربّ (عب 10: 30).
فبما أن هذا العالم هو عالم الفوضى والقساوة والشقاء، ننتظر السعادة التامّة فيما بعد. مثل هذه الحكمة تحدّد الموقف المناسب: نصبر وننتظر. ويرد فعل "صبرَ" والاسم "صبر" في هذا المقطع أربع مرات. والصبر ليس فضيلة تتعدّى المستوى البشريّ. فالفلاح ينتظر وهو الذي يتعب في شغل الأرض (يو 15: 1 ي)، من أجل الثمار أو من أجل الحصاد.
كل حياة تحتاج إلى الماء. وكذلك كل خصب. فالمطر "يولّد الأرض" كما يقول أشعيا (55: 10؛ رج تك 2: 5). والله هو الذي يعطيه (مز 65: 10- 14؛ مت 5: 45). ويأتي مثل قصير كما في سي 6: 19 (كالحارث والزارع أقبل إليها، وانتظر ثمارها الصالحة. في حراثتها قليلاً تتعب، لكن من غلاتها سريعاً تأكل)، فيدلّ على خضوع الفلاّح لتدخّل السماء التي ترسل المطر. ما عليه إلاّ أن ينتظر توالي الفصول.
هذه الحكمة تطبّقها آ 8 على المسيحيين: "وأنتم أيضاً، فاصبروا، وثبّتوا قلوبكم، فإن مجيء الرب قريب". وبالنظر إلى مجيء المسيح هذا، يجب أن نصمد، لأن الأزمنة الأخيرة هي أزمنة الشرّ والاثم. أما الصبر فهو فعل يدلّ على القوّة والشجاعة، يدلّ على ما في القلب من صلابة. من هنا التحريض على المتانة (لو 22: 32؛ أع 18: 23؛ 1 تس 3: 2)، على عدم الانجراف مثل بيت مبنيّ على الصخر (مت 7: 25).
إن عبارة "ثبت قلبه" ترد مراراً في العهد القديم. نقرأها في قض 19: 5، 8؛ سي 6: 37؛ 22: 16. وقد صارت في العهد الجديد عبارة تعزية وتشجيع وموضع صلاة (عب 13: 9؛ روم 1: 11؛ 1 تس 3: 13؛ 2 تس 2: 17)، لأن الله (أو: نعمته) هو الذي يثبّت القلوب. وأجمل عبارة نقرأها نجدها في 1 بط 5: 10: "وإله كل نعمة... يثبتكم، يقويكم، يجعلكم صامدين".
أجل، النصر قريب لأن مجيء الربّ قريب. هنا يستعيد يعقوب كلمة من يسوع نفسه: "تمّ الزمان وصار ملكوت الله قريباً. فتوبوا وآمنوا بالانجيل" (مر 1: 15). كل شيء بدأ مع ما عمله يسوع. والآن ما زرعه يمتدّ بكل قواه إلى الكمال. والرب يستعدّ لإخضاع كل شيء لله، ويجعل الذين برهنوا على إيمانهم يشاركونه في هذا السلطان (1 كور 15: 1- 29؛ رؤ 1: 3؛ 3: 11؛ 22: 6- 7، 20). فمنذ تمجيد المسيح تجري مسيرة الزمن نحو سلطان الله الكامل ولا شيء يوقفها، ولا شيء يمكنه أن يبدّل هذه المسيرة.
لقد اتخذ القرار عند صليب يسوع. وقد يجد المسيحيّ الوقتَ طويلاً، شأنه شأن الفلاّح، حين يضعف رجاؤه أمام المخاطر العديدة الآتية من الخارج، وحين يتزعزع الايمان أمام تأخّر النهاية. ومع ذلك، فمجيء الرب قريب. لهذا، نحافظ بثبات على هذا الرجاء، ونجذّر قلوبنا في الايمان. فالذي ينتظر في الصبر، يستطيع وحده أن يرجو الغلال.
ب- لا تتذمّروا (آ 9)
أكبر عائق لإيماننا ليس الحياة في عالم غريب عن الله، بل الحياة مع سائر المسيحيّين وداخل جماعاتنا. وهذا ما يحصل لنا في أغلب الحالات. هناك توتّرات وشكوك على المستوى الاجتماعيّ والاخلاقيّ والدينيّ. كلنا تسلّمنا الدعرة من أجل محبّة كاملة، ولكننا نبقى خاضعين لروح العالم بما فيه من شر، بما فيه من معارضة للإيمان والمحبّة. لقد دلّ يعقوب على هذه التوترات بشكل ملموس في 1: 9- 10؛ 1: 19، 26؛ 2: 1 ي؛ 3: 1 ي؛ 4: 1 ي.
لقد عرف ملء المعرفة أن الاعتراض القائل بأن المسيحيّين يمثّلون في حالات عديدة العائق الرئيسي أمام إنجيل المسيح هو حقيقيّ. فهناك تعارض عميق بين إيمان يعلنونه وحياة يعيشونها. ونحن نعرف أيضاً أن كل هذه التوتّرات وهذه التعارضات تجد جذورها العميقة في حبّ ناقص تجاه إخوتنا البشر.
فالحبّ الحقيقي لا ينتقد، لا يتذمّر. إنه متجرّد حقاً. يهتمّ بالجميع ولا يميّز بين شخص وآخر: لا أولئك الذين ليسوا "محبوبين". ولا هؤلاء الذي يعتبرون ثقلاً علينا. فمن يحبّ الذين يحبّونه، أو الذين لا يضايقونه في شيء، أي أجر له (مت 5: 46- 48)؟
أجل، نحن هنا أمام نتيجة أخرى لهذه الأخلاقيّة الاسكاتولوجيّة: أن نصل إلى كمال الصبر الذي هو هذا الهدوء العميق. "لا تتذمّروا بعضكم من بعض". ففي المحنة، تمتلىء القلوب مرارة فتأخذ بالتذمر. نشتكي من الآخرين، وينمو الغضب والحقد، ونتّهم هذا العضو أو ذاك من الجماعة. ولكن عندما ندين القريب، إنما نعارض وصيّة الربّ نفسه: لا تدينوا لئلا تدانوا (مت 7: 1= لو 6: 37). وقد عاد يعقوب إلى هذه الوصيّة فحدّثنا عن الديّان الواقف على الباب.
ورد هنا فعل "ستانازو" الذي يدلّ على رغبة حارّة في الصلاة والرجاء (مر 7: 34؛ روم 8: 23)، على صرخة شخص ينوء تحت حملة (2 كور 5: 402). وهذا ما يتعارض مع الفرح (عب 13: 17) ويدل على التأوّه وعلى التذمّر.

2- الربّ حنون رؤوف (5: 10- 11)
بعد هذا الصبر وطولة البال، يعدنا الله بنهاية سعيدة. هذا ما نقرأه هنا في محطتين: اقتدوا بالانبياء (آ 10). ثم: طوبى للصابرين (آ 11). حين نتّخذ الأنبياء مثالاً نتبعه فعر كيف نبقى ثابتين، والربّ الذي هو رؤوف وجزيل التحنّن يعرف أن يجازينا في ثباتنا مهما كثرت علينا المحن.
أ- اقتدوا بالانبياء (آ 10)
فالمسيحيّ الذي يرى إيمانه في محنة داخل عالم لا يؤمن، ليس وحده. فهناك سلسلة من الآباء سبقوه، وهم يفهمونه أن المحن والآلام والصعوبات هي جزء لا يتجزّأ من حياة الايمان. فعظماء تاريخ شعب الله يقدّمون لنا مثالاً نحتاج إليه في طريقنا. هم لا يقولون لنا فقط إنه بالامكان أن نصبر بشجاعة، بل يكشفون لنا الحزاء العظيم الذي ينتظرنا. وهذا ما نراه حين نعرف المجد الذي نالوه لدى الله والذكر الطيّب في الشعب. إنهم يدعوننا إلى أن نتبعهم فندخل في شراكة حياة حقيقيّة معهم.
واختار يعقوب وجوهاً من العهد القديم ليقول لنا إننا خلفاؤهم ووارثوهم. كما شهدوا لله ولمسيحه، نفعل نحن مثلهم. فهؤلاء الأنبياء أعلنوا كلمة الله لجيل غير مؤمن لم يرضَ بتعليم الله. وهنا يستعيد يعقوب مرّة أخرى تعليم يسوع الذي تحدّث عن ورثة أولئك الذين لم يحبّوا مرسلي الله، بل اضطهدوهم بسبب شهادتهم المزعجة وكمّوا لهم أفواههم (مت 5: 12؛ 23: 29 ي؛ مر 12: 1 ي).
وعدّ يعقوب بين هؤلاء الأنبياء جميع الذين شهدوا لكلمة الله وسط شعبهم، بدءاً بابراهيم حتى زمن المكابيين (أع 7: 52؛ عب 11: 32 ي؛ سي 44- 50؛ 2 مك 5: 42- 7: 42). إن هذه "السحابة من الشهود" (عب 12: 1) قد كانت لنا مسبقاً من خلال حياتها وطاعتها للربّ، شاهدة للإيمان بالرب يسوع الذي صُلب وتمجّد. لم يذكر يعقوب بوضوح شخص يسوع المسيح. لأن في كل من يتألم، هو الربّ نفسه يتألّم وينتصر على الشرّ.
ب- طوبى للصابرين (آ 11)
قدّم يعقوب مثل القديسين والابطال على مثال ما فعل العهد القديم، ولا سيما ابن سيراخ، وما فعل العهد الجديد، ولا سيّما الرسالة إلى العبرانيين. كانت هذه الأمثلة بعيدة. فصارت في فم المؤمن قريبة. وهكذا نصل إلى تطويبة وعد بها الربّ تلاميذه الذين يقاسون ما قاساه الأنبياء من تعيير واضطهاد.
إن موضوع الانبياء الذين استشهدوا، صار موضوعاً هاماً في الفقاهة المسيحية الأولى (أع 7: 52؛ عب 11: 23 ي). وقد روى التقليد أن أشعيا نُشر بمنشار. أن إرميا وزكريا قد رُجما بالجارة. ألقي دانيال في جبّ الأسود، وصُفع ميخا، وقُتل بالسيف عدد من الأنبياء ظلّت أسماؤهم مجهولة. وأيوب الذي عرف الألم، قد عدّ بين الأنبياء على ما يقول سي 49: 10.
ولكن هل نستطيع بقوانا الخاصة أن نشهد هذه الشهادة فنتكلّم باسم الربّ ولو كلّفنا كلامنا حياتنا؟ كلا. ومع ذلك، فنحن لا نيأس. بل نتقوّى بقوّة الله الذي حرّك شجاعة وبطولة لدى أناس ضعفاء، فكانوا أمناء للرب في جميع محنهم. لهذا يكفي أن نستسلم إلى رحمة الله في محنتنا، ونحن متأكّدون أن كل شيء يؤول لخير الذين يحبّون الله.
ومصير أيوب الذي امتحن في إيمانه، يقدّم لنا مثالاً كاملاً. لم يكن له فقط على هذه الأرض لقاء بالربّ، بل نال جزاء يوازي بل يتجاوز كل ما خسره. والذين يسيرون في خطاهم يجازيهم الله منذ هذه الحياة ولا ينتظر الأخرى. فهو "إله رحوم رؤوف" (مز 102: 3، 8؛ 111: 2، 4).

خاتمة
إن الصبر (مكروتيميا، حرفياً: طول البال) الذي هو ثمر الروح القدس والنعمة (غل 5: 22) هو علامة المسيحيّ الحقيقيّ (كو 3: 12؛ أف 4: 2). قد امتدحته الأسفار الحكميّة مراراًَ، فجعلته صفة من صفات الله الطويل الأناة والكثير الرحمة (خر 34: 6؛ مز 86: 15؛ 103: 8؛ نح 1: 3؛ 1 بط 3: 20). إنه يحتمل الخطأة ويمنحهم مهلة من أجل التوبة تتيح له أن يغفر لهم (روم 2: 4؛ 9: 22؛ 1 تم 1: 16). ويكون تلاميذ المسيح صابرين على القريب الذي أغاظهم (مت 18: 26). يتحمّلونه ويحسنون إليه. وهكذا يكون الصبر الثمرة الأولى للمحبّة (1 كور 13: 4؛ 1 تس 5: 14).
غير أن يع التي تتصوّر الصبر سيطرة على كل حركة غريزيّة يُثيرها عداء من الآخر، تربط هذه الفضيلة بالايمان (1: 3- 4). والمسيحيّ الذي يعرف أن عليه أن ينتظر في الصمت عون الرب (مر 3: 26) وتدخّله (با 4: 25)، يتحمّل كل شيء مهما كانت الظروف صعبة، ويثابر على أمانته لله دون مرارة ولا يأس على مثال أيوب الذي خسر كل شيء وظلّ مقيماً في أمانته للربّ فلم يقل فيه كلمة. غير أن هذه النفس "العنيدة" التي تنال الغلبة (1 مك 8: 4)، هي عائشة في لرجاء، وهي متأكّدة بأن المحن التي تمرّ فيها تحمل إليها الخير من عناية الله (عب 6: 12، 15) على مثال الفلاّح الذي ينتظر ساعة الحصاد.
لهذا ربطت يع الصبر الحاضر بيقين مجيء الربّ وحضوره وسط أخصّائه، وعودته المظفّرة في نهاية الأزمنة من أجل الدينونة. مثل هذه النظرة ليست مبعث خوف إلاّ للخطأة. أما نحن المؤمنين، فهي تجذّرنا في الرجاء المحفوظ لنا في السماوات.
الفصل السادس عشر
خاتمة الرسالة
5: 12- 20

في هذه الخاتمة جمع يعقوب بعض التحريضات الهامة من أجل الحياة المسيحيّة في العالم. لا نجد رباطاً وثيقاً وملموساً بين هذه التحريضات. فالأول يتحدّث عن الحلَف (آ 12). والثاني عن الصلاة (آ 13- 18). والثالث عن المسيحيّين الذين ضلّوا عن طريق الحقّ (آ 19- 20). هي مسيحيّة قريبة من الحياة العمليّة، وهي تتسلّم دفعها العميق من الصلاة، وتتفتّح في روح الطفولة وفي ثقة تجاه الله. وهذه الحياة تجد موضوعها الرئيسيّ في الاهتمام بالإخوة وخلاصهم. بدأ يعقوب فتحدّث عن الأخ الضال، وأرى رسالته قائلاً: "إن ضلّ أحد عن الحقيقة". وهي مسيحيّة قريبة من منابعها، قريبة من تعليم يسوع والرسل. فيعقوب هو شاهد أمين و"عبد الله والربّ يسوع المسيح". سمع كلام الربّ، وها هو يوصله إلينا في طراوته الأولى وكما عاشته الجماعة المسيحيّة الفتيّة.
نتوقّف في هذه المقطوعة عند ثلاث محطات. الأولى: لا تحلفوا (آ 12). قبل كل شيء لا تحلفوا. الثانية: صلّوا في كل ظروف الحياة (آ 13- 18). صلّوا في الفرح كما في الألم، صلّوا حين تعانون المرضى وحين تعرفون شقاء الخطيئة. والمحطّة الثالثة: طريق الخلاص (آ 19- 20): من ردّ خاطئاً خلّص نفسه من الموت.

1- لا تحلفوا (5: 12)
هناك شرّاح يربطون آ 12 مع ما سبق بسبب لفظة "دينونة" (كريسيس) التي قد تكون صدى لما قيل عن الفعل "دين" وعن "الديّان". ولكن توجيه الكلام مع المنادى "أيها الاخوة"، وعبارة "قبل كل شيء"، ومضمون الجملة، كل هذا يدلّ على أننا في قطعة جديدة.
وهكذا نبدأ في هذه الآية مع القسم الأخير من الرسالة. فهناك عادة سيّئة نشهد بها الله على أقوال تافهة وغير مهمّة، فنبيّن حقيقة ما نقول. تلك العادة انتشرت بشكل واسع في العالم اليهوديّ كما في الجماعات المسيحيّة التي خرجت من العالم اليهوديّ. وكانوا يعتبرون في الظاهر أنهم يراعون بدقّة الوصيّة الثانية من الوصايا العشر (لا تحلف)، فيتجنّبون التلفّظ باسم الله ويلجأون إلى ألفاظ أخرى: السماء، الأرض، الهيكل (مت 5: 33- 37). ولكن لا شكّ في أنهم كانوا يعودون بقسمهم إلى الله، ويختبئون وراء الكلمات. وكان علماء الشريعة قد قدّموا لائحة متدرّجة بخطورة كل من هذه الألفاظ. ومن كان عالماً بهذه اللائحة يستطيع أن ينصب فخاً لأخيه الذي لا يعرف هذه الفذلكات. فيلجأ إلى كلمات اختارها بدقّة (من حلف بالهيكل فلا بأس، ومن حلف بذهب الهيكل فهو ملتزم، رج مت 23: 16- 22).
كان يسوع قد رفض هذا التجاوز الذي يتنافى وقداسة الله. كما طلب من تلاميذه ألاّ يحلفوا البتّة: "لا بالسماء لأنا عرش الله، ولا بالأرض لأنها موطىء دميه، ولا بأورشليم..." (مت 5: 33- 37). فالربّ لا يريدنا أن نحلف لأننا أبناء الآب السماوي. وبهذه الصفة يكون كلامنا نقياً حقيقياً لا غشّ فيه. يكون كلامنا نعم نعم ولا لا. وما زاد على ذلك فهو من الشّرير.
هنا نقابل بين أقوال يسوع (مت 5: 35- 37) وأقوال يعقوب (5: 12)
يعقوب متى
كل حلف ممنوع كل حلف ممنوع
أمثلة: السماء السماء
الأرض الأرض
أي شيء آخر أورشليم، الرأس
السبب: كل العبارات البديلة
هي حلف أيضاً.
الوصية: النعم نعم العبارة الصالحة: نعم نعم
واللا لا
تهديد بالدينونة رفض كل الاشكال التي بها
نؤكّد على الحقيقة
فعلى تلميذ يسوع ألاّ يلجأ إلى الفذلكات، إلى أنصاف الحقيقة، إلى الحيلة أو الخبث والرياء. فهو يعيش تحت نظر الله الذي يحامي عن الحقيقة، ويدين كل من يتصرف ضد الحقيقة. فالربّ الذي تألّم "شهد شهادة حسنة أمام بونسيوس بيلاطس" (1 تم 6: 13).
هل يعني هذا أن يسوع (ويعقوب) قدّم شريعة عامّة تحرّم على المسيحيين الحلف في أي ظرف كان؟ كلا. فقد يقسمون حين يكون الهدف البحث عن الحقيقة. وما يريد يسوع أن يشدّد عليه، هو أن على المسيحيّين أن يقولوا الحقيقة ويتحاشوا كل تحايل والتباس. كما أن عليهم أن لا يستغلّوا سلطة الله من أجل أهدافهم الشخصيّة. فالذي تخلّص من أركون هذا العالم، من أبي الكذب، عليه أن يمارس الحقيقة في جميع أقواله ومواقفه. هكذا يخلص العالم وتتقدّس الكنيسة (4: 15). وهكذا تتغلغل الحقيقة في العالم، هذا العالم الذي يسيطر عليه الكذب والخبث والغشّ والضلال.

2- صلّوا في كل ظروف الحياة (5: 13- 18)
بعد أن ترك الكاتب توصياته السلبيّة حول الصبر في المحن (5: 7- 11) وحول الامتناع عن الحلف (5: 12)، ها هو يقدّم بدون انتقالة تحريضات إيجابيّة حول الصلاة (5: 13- 18). ترك فجأة الشكل التعليميّ والحكميّ الذي ميّز التوصيات السلبيّة، فلجأ إلى الجدال ليقدّم باسلوب مباشر تحريضاته في أسئلة وأجوبة.
أ- صلّوا في الفرح وفي الألم (آ 13)
نبدأ فنشير بأنها المرة الثالثة التي فيها يرد موضوع الصلاة في يع. في 1: 5- 8، تحدّث الكاتب عن الصلاة الواثقة التي تنال الحكمة من الله. في 4: 2- 3، لام المسيحيين الذين يعيشون في الشهوة والحسد؛ هم لا يصلّون أو لا يعرفون أن يصلّوا. ونقدر أن نزيد المقطع الذي فيه يعتبر اللسان وسيلة بها نبارك الله (3: 9).
وهنا يعالج الموضوع نفسه من زاوية أخرى وبشكل أطول. يدعو الكاتب القرّاء للّجوء إلى الصلاة في كل الظروف الحياتيّة، في الضيق كما في الفرح. ويتوقّف عند طريقة الصلاة ونتائجها. ويطلق نداء حول الاعتراف، وينهي باعلان (يتبعه مثل) يكفل فاعليّة صلاة الأبرار.
موضوع واحد يبدأ بثلاثة استفهامات متوازية. وبعد كل استفهام، فعل في صيغة المفرد (ليصلِّ، ليرنّم، ليدعُ الكهنة). بعد ذلك نجد فعلين في صيغة الجمع: إعترفوا، صلّوا.
"صلّوا في كل ظروف الحياة". تلك هي التوصية الأولى. "هل فيكم من يعاني مشقّة (يتألّم)؟ فليصلّ. أو مسرور؟ فليرنّم" (آ 13 أ). إن صيغة الأمر هنا توازي الجملة الشرطيّة. إن كان فيكم أحد يتألّم (رج 3: 13). ولكن طريقة الكاتب تعطي النصّ حيويّة وانطلاقاً. هو كلام ذو بعد عام. ولكنه يتوجّه إلى كل شخص في الجماعة (واحد منكم، رج 1: 5، 27؛ 2: 14، 16، 18؛ 3: 13). وهذا يعني أننا أمام صلوات غير الصلوات الليتورجيّة، وهي تعني أوضاعاً قصوى في الحياة الخاصة (الألم، الفرح) فتفهمنا أن سائر الأوضاع متضمّنة هنا.
الصلاة (بروسوخي) تفرض نفسها أولاً على الذين يتألّمون، على الذين يضايقهم شّر (كاكوباتيو). رج 2 تم 2: 9؛ 4: 5. والشّر يدلّ على كل أنواع الآلام الفيزيائية والأدبيّة، كما يدل على كل المحن. وهو يقابل حالة الفرح. كان الرواقيون يعالجون الألم بأفكاره أو باحتقاره. أما يعقوب فيدعونا إلى التغلّب عليه بالصلاة والعودة إلى الله. أي صلاة نتلو؟ هذا ما لا يُقال. فلا حاجة إلى ذلك والصلاة شخصيّة في هذا المجال وهي تنبع من القلب. وقد تستلهم المزامير كما فعل الرسل في بداية الكنيسة (أع 4: 24 ي). وفي هذا المجال، طلب بطرس من المتألّمين أن يصلّوا فاعلين الخير (1 بط 4: 9).
وتفرض الصلاة نفسها أيضاً على الفرحين، على الواثقين بنفوسهم والمتحلّين بالشجاعة (اوتيموس). رج أم 15: 15؛ مز 32: 11؛ أع 27: 22، 25. طلب منهم الكاتب أن يرنّموا (بسالو، أن يرتّلوا المزامير)، أن يصلّوا وينشدوا. وإذ طلب الكاتب ما كتب، كان صدى للتقليد الانجيليّ والبولسيّ الذي طلب من المسيحيين أن يصلّوا بلا انقطاع، أن يطلبوا على الدوام، وأن يشكروا ولا يملوا (لو 11: 9؛ 18: 1؛ 1 تس 5: 17- 18؛ غل 4: 6؛ أف 5: 20).
أجل، لسنا وحدنا في الضيق والشدّة، كما لسنا وحدنا في الفرح. ولكن يجب علينا أن ندعو الربّ. حينئذٍ لن تكون الصلاة فقط عوناً في الألم، بل تعبرّ تعبيراً مباشراً عن إيمان نحياه. الصلاة هي للروح مثل التنفّس للجسد.
ب- الصلاة في وقت المرض (آ 14- 15)
ما قيل عن جميع المسيحيين في آ 13، يُقال الآن بشكل خاص عن المرضى الذين يتضّرعون، شأنهم شأن كل المتضايقين. إضافة إلى ذلك، يُطلب منهم أن يلجأوا إلى صلوات أخرى، صلاة الكهنة، صلاة الشيوخ في الكنيسة. "هل فيكم مريض فليدعُ كهنة الكنيسة وليصلّوا عليه، ويمسحوه باسم الربّ" (آ 14).
فالمريض لا يستطيع أن يذهب إلى الشيوخ، لهذا فهو يدعوهم، هو متألّم أو تعب ويرجو أن يخلص (سوساين)، أن ينهض من فراشه. يدعو شيوخ الكنيسة. أية كنيسة وأي شيوخ؟ في السبعينيّة "اكلاسيا". من فعل "اك- كالاين" دعا. هي ترجمة "ق هـ ل" العبريّة التي تدلّ على شعب الله الملتئم من أجل الحرب أو شعائر العبادة (عد 16: 3؛ 20: 4؛ تث 23: 2؛ عز 2: 64؛ نح 7: 66؛ 10: 8؛ رج أع 7: 38). واستعملت اللفظة في اليونانيّة الدنيويّة فدلّت على جماعة الشعب والتئام الناس في المدينة (أع 19: 32، 39، 41). وقد حلّ محلّها في العالم اليهوديّ "سيناغوغي" (أي: مجمع، كنيس، ع د ه في العبرية، عدتو في السريانيّة) الذي يدلّ تارة على جماعة الصلاة وطوراً على الموضع الذي فيه تلتئم الجماعة (يع 2: 2). في العهد الجديد، دلّت اللفظة بعض المرات على مجمل المسيحيّين (غل 1: 1؛ كو 1: 18، 24؛ أً 1: 22؛ 3: 21). ولكنها دلّت في أغلب الأحيان على الجماعة المحليّة (1 تس 2: 14؛ 1 كور 4: 17؛ 11: 16؛ 2 كور 8: 1؛ روم 1: 7)، وفي النصّ الذي ندرس، فهي تدلّ على الجماعة المحليّة التي ينتمي إليها المريض.
ولفظة "شيوخ" (كهنة). في العبريّة "ز ق ن ي م" (كانت لهم لحية في الذقن). في اليونانيّة: "برسبيتاروي". هم في العهد القديم رؤساء البيوت والعائلات، ثم المواطنون الرئيسيون (عد 11: 16؛ يش 9: 11؛ يع 8: 14؛ 11: 5). وهم بعد ذلك، المسؤولون عن الإدارة (عز 5: 9- 10؛ 6: 7- 8). وفي اليونانيّة الدنيويّة الشيوخ هم أعضاء في النقابات، أو موظّفو البلديّة. وفي أورشليم نال بعض أعضاء المجلس الأعلى (سنهدرين) هذا اللقب (مت 27: 41؛ مر 11: 27؛ 14: 43، 53). وكل جماعة يهوديّة في فلسطين أو في الشتات، يديرها مجلس من الشيوخ. والجماعات المسيحيّة في أورشليم وفي أماكن أخرى كان لها شيوخها. أي رؤساء اختارهم الرسل لكي يعينوهم (أع 11: 30؛ 15: 4، 22- 2؛ 21: 18) أو يحلّوا محلّهم (أع 14: 23؛ 20: 17- 28؛ 1 بط 5: 1- 4). فمعطيات العهد الجديد تدلّنا بما فيه الكفاية على أنهم يمارسون دوراً دينياً، يشبه ما في العالم اليهوديّ والوثنيّ، بل يتعدّاه، ولكنه دور يختلف عن دور بعض المواهبيّين المسيحيّين.
فالكاتب يطلب من المرضى أن يرسلوا نداء إلى هؤلاء الشيوخ (أو الكهنة) الذين يترأسون الكنيسة المحليّة. وصيغة الجمع لا تدلّ على أنه يدعو جميع الشيوخ، بل فئة خاصة (مت 2: 20؛ لو 17: 14). وهكذا نعرف هنا أن دور الشيوخ في الكنيسة تضمّن أيضاً العناية بالمرضى. ولا نعجب من ذلك. فيسوع كان قد أرسل رسله إلى المرضى لكي يمسحوهم بالزيت ويشفوهم (مر 6: 13). كما أنه امتدح زيارة المرضى (مت 25: 36) التي كانت معروفة في العالم اليهودي. فالعهد القديم يتحدّث عن عادة زيارة المرضى (مز 35: 13؛ 41: 4؛ عز 34: 4؛ أي 2: 11؛ طو 1: 19 ي). وقد أوصى بها ابن سيراخ فرأى فيها عربون خيرات إلهيّة (7: 34 ي). وحضّ المريض الذي يريد الشفاء على الصلاة وتنقية النفس ثم دعوة الطبيب الذي تفعل صلاته في المريض أكثر مما يفعل علاجه (سي 38: 9- 15). ويمتدح التلمود بدوره زيارة المرضى، فيرى فيها كفالة طول العمر، ويطلب منهم أن يصلّوا لأجل المرضى خلال زيارتهم لهم، ويدعوهم أن يعترفوا بخطاياهم قبل أن ينظّموا أمورهم الزمنيّة. فاليهود كانوا يحسبون حساب الصلاة والاقرار بالخطايا التي اقترفها المريض لكي ينال الشفاء، لأنهم يرون في الألم نتيجة الخطيئة (لا 26؛ تث 28؛ أش 6: 10؛ 40: 5؛ مز 102: 3؛ أي 4: 7 ي؛ 8: 1 ي). وكانوا أيضاً يحسبون حساب العلاجات (سي 38: 1- 5) ولا سيّما المسح بالزيت (أش 1: 6؛ إر 8: 22؛ 46: 11؛ لو 10: 34).
أما دور الشيوخ الذين يدعوهم المريض، فياقوم بأن يصلّوا على المريض ويمسحوه بالزيت. الصلاة هي الأهمّ. وبعد ذلك المسح بالزيت الذي يدخل في الصلاة (لو 2: 16؛ 10: 33). تقال الصلاة على المريض. فما معنى هذا؟ أي يقف الشيوخ قرب المريض وينحنون لكي يمسحوه بالزيت، وتتمّ المسحة "باسم الربّ". أي يدعون اسم الربّ كما في العماد (أع 2: 38؛ 8: 16؛ 10: 48؛ 19: 5). ولكن من دعا اسم الربّ، لجأ إلى قدرته بحيث صارت هذه المسحة عملاً دينياً، لا عملاً سحرياً أو معالجة طبيّة (رج أع 19: 13- 15).
اختلف هذا النصّ عن نصوص العهد القديم والأدب اليهوديّ، فربط رباطاً وثيقاً بين المسح بالزيت والصلاة. كما طلب أن تتمّ المسحة باسم الربّ. وهكذا نكون أمام جديد جديد يرتبط بما فعله يسوع (مر 6: 13) حين أرسل رسله وأعطاهم سلطاناً ليكرزوا في الجليل ويشفوا المرضى بعد أن يمسحوهم بالزيت. من أجل هذا نظنّ أن الرسل رأوا في هذا النشاط الخاص من رسالتهم الجليليّة، اتجاهاً يجب أن ينقلوه إلى الذين يأتون بعدهم. وقد كان هذا التقليد حيّاً في الكنيسة الأولى.
وإذ أراد الكاتب أن يحثّ المريض المسيحيّ على دعوة الشيوخ إلى فراشه، دلّ على هدف تدخّلهم والمنفعة من هذا التدخّل فقال: "فإن صلاة الإيمان تخلّص المريض والربّ ينهضه. وإن كان قد اقترف خطايا تغفر له" (آ 15).
كانت لفظة "أوخي" تعني النذر. أما هنا فتعني الصلاة، مثل "بروسوخي". شدّد الكاتب مرّة أخرى على الصلاة، فدلّ على الموقع النسبيّ للمسحة التي تدخل في الصلاة وتُدعى هذه الصلاة "صلاة الإيمان". رج 1: 5- 8 والصلوات التي نتلوها بإيمان لا تردّد فيه. فهي تنال كل شيء من سخاء الله (مر 5: 34؛ لو 17: 19).
وما هي نتيجة صلاة الشيوخ؟ نوعان. شفاء المريض وخلاصه. فيقوم عن سريره. ثم غفران خطاياه. وإذ يقول الكاتب إن الشفاء يأتي من الربّ، فهو يدلّ على أن صلاة الإيمان التي يتلوها الشيوخ لا تحمل قيمة سحريّة، بل تنال فاعليّتها من قدرة الله وحسب. الربّ هو المسيح كما في آ 14. وبه يرتبط شفاء المريض.
ج- اعترفوا بعضكم لبعض (آ 16 أ)
هذا الشقّ الأول من آ 16 يبدو صعباً. فالكاتب يستنتج ممّا سبق فكرة جديدة حول مغفرة الخطايا فيدعونا إلى الاقرار بها. "اعترفوا إذن بعضكم لبعض بخطاياكم، وصلّوا بعضكم لأجل بعض حتى تبرأوا". ماذا يقول الشرّاح في هذه العبارة؟
بعضهم يرى أن الكاتب يتوجّه في القسم الأول إلى المريض، وفي القسم الثاني إلى الكهنة (الشيوخ) وإلى جميع الذين حوله. عرف أن صلاة الكهنة تغفر له خطاياه، فوجب عليه أن يقرّ بها. وينطلق الشيوخ (والحاضرون) من هذا الاقرار التائب فيصلّون من أجل المريض ليُشفى.
ويرفض آخرون هذه الفرضيّة، لأنها تتبع نظرة اليهود إلى العلاقة الوثيقة بين الخطيئة والمرض، وهي نظرة تزيلها آ 14. ولأنها تنسى الانتقال من صيغة المفرد إلى صيغة الجمع، ووجود عبارة "بعضكم بعضاً" مرتين. هم يرون أن الكاتب لا يتوجّه إلى المسيحيّ المريض بل إلى جميع المسيحيّين. استفاد ممّا قاله في آ 14 عن الخطايا والصلاة، فأوصى بالأعتراف المتبادل والصلاة المتبادلة. هنا نشير إلى أن الأعتراف بالحطايا وُجد في العالم اليهوديّ، وقد مارسه الأفراد (لا 5: 5؛ رج عد 5: 60؛ مز 32: 5؛ أم 28: 13) والجماعات (لا 16: 21؛ 26: 40؛ رج عز 10: 1؛ با 1: 15- 3؛ 8؛ دا 9: 4- 10). وفي قمران، كان إقرار علنيّ ولا سيّما بمناسبة الدخول في العهد. والجموع التي جاءت إلى يوحنا المعمدان كانت تعترف بخطاياها (مت 3: 6 وز). كل هذا يجعلنا في إطار الاقرار بالخطايا الذي تحدّثنا عنه يع. هل كان هذا "الاعتراف" عملاً ليتورجياً وممارسة عاديّة كما سيكون عليه الأمر في القرن الثاني (مثلاً، تعليم الرسل 4: 14؛ 14: 1؛ رسالة برنابا 19: 12)؟ يبدو أن مدلول النصّ لا يتضمّن مثل هذا الموقف.
وهدف الأعتراف والصلاة هو الشفاء الجسدي، وبالاحرى الروحيّ أي مغفرة الخطايا. لهذا يعترف الخاطىء بخطيئته فيتوسّل الاخوة من أجله.
د- صلاة البار (آ 16 ب- 18)
وإذ أراد الكاتب أن يبرّر توصيته بالاعتراف بالخطايا والصلاة بعضنا لأجل بعض، تحدّث عن قوّة صلاة البار (آ 16 ب)، واسند حديثه إلى ما فعله النبي إيليا (آ 17- 18).
هي المرة الثانية نلتقي فيها بلانظة "بار" (ديكايوس). رج 5: 6 (حكمتم على البار). فالبار هنا هو الذي لا يخاف أن يقرّ بخطيئته بحيث يجد نفسه متوافقاً مع إرادة الله. فالصلاة الحارة لها قوّة عظيمة.
عرفنا في نصّين سابقين من الرسالة أن الاستعدادات الداخليّة تؤثّر على فاعليّة الصلاة، وتكفل لنا عطايا الله السخيّة (1: 5- 8). أما الاستعدادات الرديئة فتجعل سخاءه "يتوقّف" (4: 3). أما موضوع قوّة صلاة البار فمتواتر في العهد القديم (تك 18: 16 ي؛ مز 145: 18- 19؛ أم 15: 8، 29؛ عد 21: 7، 12؛ ملا 1: 9؛ أي 42: 8) كما في العهد الجديد (مت 18: 19- 20؛ 21: 21- 22؛ مر 11: 22- 25؛ يو 9: 31؛ 1 يو 5: 14- 15؛ لو 11: 9) 
وعاد الكاتب أيضاً (آ 17- 18) إلى العهد القديم لكي يسند تأكيده حول قوّة الصلاة. سبق له وذكر ابراهيم، راحاب، أيوب. وها هو يذكر النبيّ إيليا الذي كان عظيماً في اسرائيل. انتظره الناس كسابق للمسيح (مت 17: 10، مر 15: 34؛ يو 1: 21) مستندين إلى قول في ملا 3: 23- 24 استعاده سي 48: 10. لهذا، توقّف يعقوب عند هذا المثل حول قوّة الصلاة ولم يحتفظ بابراهيم (تك 18: 22- 32)، ولا بموسى (عد 11: 1- 2) ولا بحزقيا (2 مل 20: 2- 5)، ولا بسائر الأبطال في التوراة. ويروي ابيفانيوس أن يعقوب نفسه قد نال بصلاته أن يتوقّف الجفاف في الأرض (مثل إيليا).
وقبل أن يذكر النصّ موضوع صلاة إيليا، ذكر ضعفه: كان إنساناً كسائر الناس، خاضعاً لذات المصير من الآلام (هومويوباتيس، رج أع 14: 15؛ حك 7: 3). يتوخّى هذا التذكير أن يقول للقرّاء إن المثل الذي يعرضه لهم هو في متناول أيديهم، وهم يستطيعون أن يقتدوا به إذا كانوا أبراراً. وهنا نفهم لماذا اختار الكاتب هذا المثال، حول الصلاة والإيمان الحيّ والصبر، ولم يختر يسوع الذي لا يمكن لأحد أن يقتدي بكماله.
عاد الكاتب إلى 1 مل 17- 18 حول الجوع في أيام احاب، ملك اسرائيل (874- 853 ق. م) ليتحدّث عن تدخّل إيليا. فصلاة النبي كانت حاسمة في هذا الظرف من جهتين. من جهة، زال القحط الذي امتدّ على ثلاث سنوات ونصف السنة (1 مل 17: 1؛ يع 5: 17). ومن جهة ثانية هطل المطر (1 مل 18: 1؛ يع 5: 18). في الواقع نحن أمام تحديدين لا يذكرهما كتاب الملوك. كما أن التقليد اليهوديّ اللاحق لا ينسب بداية المطر ونهاية القحط إلى صلاة النبي (سي 48: 2- 3؛ 4 عز 7: 39). في 1 مل 18: 1، امتد القحط ثلاث سنوات لا ثلاث سنوات ونصف كما يقول يع 5: 17 ب والتقليد الانجيليّ (لو 4: 25). أما التحديد الأول فيعتبر تفسيراً لما في 1 مل 18: 42 حيث نجد إيليا ساجداً إلى الأرض منتظراً المطر الذي وعد به. والتحديد الثاني قد يكون ضبط حساب السنين انطلاقاً من 1 مل 17: 1، 7؛ 18: 1.

3- طريق الخلاص (5: 19- 20)
ترتبط هذه القطعة بالقطعة السابقة بكلمتين عاكفتين: خلّص، خطيئة. كما أنها تشكّل خاتمة الرسالة كلها التي تنتهي بشكل مفاجىء. ومع ذلك فهذه النهاية تبدو بألفاظها قريبة جداً من بداية الرسالة. هناك: طريق (1: 8؛ 2: 25؛ 5: 20). ضلّ (1: 16؛ 5: 19- 20). الحقّ (1: 18؛ 3: 14؛ 5: 19). علم (1: 3؛ 2: 20؛ 4: 17؛ 5: 20). الثبات (1: 3؛ 5: 11). أعطى (1: 5؛ 4: 6؛ 5: 18).
تُجمع هذه الألفاظ في أربع نقاط: ضلال من الطريق. الخطيئة والموت. الحقّ. العلم. يبدو "الطريق" هنا في ضوء خاص حين نقابله مع 1: 7 حيث يندّد الكاتب بالانسان المتقلّب "في كل طرقه" ومع 1: 16 حيث يدعو اخوته ألاّ يضلّوا. فكأني بهدف يعقوب أن يُبعد قرّاءه عن ابتعاد وانطلاق. نحن هنا أمام مشاريع تجارة سيوضحها يعقوب في 4: 13. ومثل راحاب صار مثالاً للذين يحسبون نفوسهم مسؤولين عن إخوتهم. وهكذا يتوجّه كلام الرسالة إلى الذين يذهبون فيضلّون، كما إلى الذين ينبغي عليهم أن يحفظوهم من الضلال.
والنقطة الثانية: الخطيئة والموت. فالذي ضلّ هو "خاطىء". والأخ الذي يردّه "يخلّص حياته من الموت" و"ينال غفران خطاياه". في 1: 15 كانت الخطيئة نتيجة الشهوة وعلّة الموت. إذن، أعلن الكاتب منذ البداية نظرته: الشهوة هي في أسالس انحطاط على مستوى النفس وعلى مستوى الجسد. وفي 4: 2 تصبح هدف التجارة التي تريد الاتجّار بمستحضرات الترف. والخطيئة هي أن لا نعرف أن نعمل الخير، ونبحث عن مشاريع يكون الربح هدفها. والموت المذكور هو روحي وجسديّ بسبب ما يهدّد الحياة من عواصف في البحر وأمراض قاتلة.
لهذا يجب على الانسان أن "يخلّص حياته" من الموت (1: 21). في هذا السياق،. هي الكلمة التي تخلّص. هي كلمة الله الثابتة التي تتعارض مع لسان البشر المتقلقل (3: 8). وفي النهاية هي كلمة صالحة يتلفّظ بها أخ فيردّ أخاً من ضلاله ويخلّص له حياته. وفي أي حال، نتكّل على الله الذي وحده يخلّص ويهلك (4: 12).
والضلال عن الطريق هو ضلال عن الحقّ. وهذا الحقّ هو كلمة الله (1: 18) التي ولدتنا فلا نحيد عنها. نحن هنا أمام الجماعة المجذّرة في الله، والمعروفة بثباتها. أما حيث التقلّب والحسد، فهناك كذب ضدّ الحقيقة. تلك هي كلمة الغشّ التي يتلفّظ بها أولئك الذين يدينون الآخرين، ويقومون بمشاريع تدلّ على غيرة مرّة وروح منازعة.
ويقول بولس لقرائه: "إعلموا" (5: 20). إعلموا ما هي مسؤوليّاتكم. سبق لهم وعلموا أن المحن تفترض الصبر والثبات (1: 3). وأن الله وحده يستطيع أن يعطي حكمة تعلّمنا أن نتصرّف باستقامة (1: 5). كما ذكّرهم في نهاية الرسالة بالصبر في المحن التي هي المضايقات والأمراض. ذاك الثبات يتأسّس على الإيمان (1: 6؛ 5: 15) الذي يمنحه الله (1: 17؛ 5: 18). كل هذا العلم المشترك يصل إلى معرفة عمليّة (4: 17) تؤمّن تماسك الجماعة المهدّدة بالتفكّك. كل هذا قاله يعقوب بوجه الذين يظنّون أنهم يعرفون، فيتكلّمون بصوت عالٍ في الجماعة ليدلّوا على أنهم متأكّدون ممّا يقولون.
وهكذا نفهم أن المسيحيّ مسؤول عن أخيه في الإيمان. هو مسؤول عنه إذا خسر إيمانه. وهو مسؤول إن وجد إيمانه مهدّداً. فما يحصل للخراف الضالة في الجماعة، لا يمكن أن يترك الآخرين لا مبالين. وحبّ الربّ للضالين يدعونا إلى أن نبحث عن أخينا وندعوه إلى التوبة. لا شكّ في أن هذا الأمر صعب. لهذا، نلجأ إلى الصلاة المتواصلة في الإيمان الذي لا يثنيه شيء.
لا تنتهي رسالة يعقوب بالتحيّة والتمنيات التي نجدها عادة في رسائل ذلك الزمان. بل تقدّم درساً جديداً حول ارتداد الأخ الضال. ومن اهتمّ بأخيه، نال الخلاص لنفسه، وحصل على مغفرة خطاياه. نهاية يع تشبه نهاية ابن سيراخ (51: 30: "إعملوا عملكم قبل فوات الأوان، والربّ يجازيكم خيراً في أوانه)، أو سفر الحكمة (19: 22: "لأنك يا ربّ عظّمت شعبك في كل شيء، ومجّدته ولم تهمله، بل ساعدته في كل زمان ومكان). إن هذه النهاية المفاجئة تذكّرنا أن يع هي كتاب حكميّ يتوجّه إلى جماعات لا يعرفها الكاتب. وليست رسالة كما تقول بعض المخطوطات في الخاتمة: "نهاية رسالة يعقوب بن زبدى".

خاتمة
صلاة فرديّة وصلاة كنسيّة. صلاة فرديّة يتلوها المؤمن الذي يعرف الشدّة والألم. وصلاة كنسيّة يتلوها شيوخ الكنيسة وهم يمسحون المريض بالزيت المقدّس. وهذه المسحة التى تسبق الصلاة تتجدّد في عمل طبيّ (لو 10: 34) ودينيّ (مر 6: 13) في خطّ ما أوصى به يسوع تلاميذه حين أرسلهم أمامه. وبما أنها تتمّ باسم الربّ، شأنها شأن العماد، فهي تدلّ على إيمان من الكنيسة بقدرة الربّ القائم من الموت، وتمارس كطقس من الطقوس. ويرد فعل خلّص وقام فيدلاّن على شفاء من المرض كما على خلاص اسكاتولوجيّ. يدلاّن على قدرة الله التي تشفي المريض وتخلّص الخاطىء. وتجد هذه المقطوعةُ حول الصلاة ذروتهَا في مثال إيليا وتشفّعه من أجل شعبه. وتنتهي رسالة يعقوب بنداء إلى الاصلاح الاخويّ: "من ردّ خاطئاً عن طريق ضلاله، خلّص نفسه من المرت وستر جماً من الخطايا".